موسوعة الإمام الخوئی جلد 39

ghaemiyeh.com

هویة الکتاب

‌سرشناسه : غروی، علی، 1280 - 1376.

عنوان قراردادی : المکاسب.شرح

عنوان و نام پديدآور : التنقیح في شرح‌المکاسب: تقریرا لابحاث‌الاستاذ... ابوالقاسم الموسوی‌الخوئی/ تالیف علی الغروی.

مشخصات نشر : قم: موسسه احیاء آثار الامام الخوئی (قدس سره)، [ 14] ق.= [ 2] م.= [ 13] -

مشخصات ظاهری : ج.

شابک : ج.36: 964-7336-35-7 ؛ ج.33‌964-6084-06-0 : ؛ ج.37: 964-7336-36-5 ؛ ج.38:964-7336-37-3 ؛ ج.39:964-7336-38-1 ؛ ج.40‌964-7336-39-X :

وضعیت فهرست نویسی : برونسپاری

يادداشت : عربی.

يادداشت : ج. 33، 37،36 و 40 (چاپ سوم: 1428ق.=2007م.= 1386).

مندرجات : .- ج.33. النکاح.- ج.36 - 37. البیع.- ج.38 - 40. الخیارات

موضوع : انصاری، مرتضی بن محمدامین، 1214-1281ق . المکاسب -- نقدو تفسیر

موضوع : معاملات (فقه)

شناسه افزوده : خوئی، سید‌ابوالقاسم، 1278 - 1371.

شناسه افزوده : انصاری، مرتضی بن محمدامین، 1214-1281ق . المکاسب . شرح

شناسه افزوده : موسسه احیاء آثار الامام الخوئی (ره)

رده بندی کنگره : BP190/1/الف8م70217 1300ی

رده بندی دیویی : 297/372

شماره کتابشناسی ملی : 1‌1‌5‌0‌1‌2‌6

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ

وصَّلاةُ والسُّلام عَلی سیّدِنا مُحمّد وآلِه والطّاهِرینَ

ولَعنَةُ االله عَلی اَعلاهُمُ اجمَعینَ

مِنَ الآن الِی قیّام یَومِ دّین

محرر الرقمي: بسم الله القرباني

اشارة

التنقیح

في شرح المکاسب

التنقیح

في شرح المکاسب

تَقرِیر الأبحاث

الأستاذ الأعظم سماحة آیة الله العظمی

السید أبوالقاسم الموسوي الخوئي قدّس سرّه

« 1317-1413ه- »

الخيارات

تاليف آية الله الشهيد الشیخ میرزا علي الغروی قدس سره

طبعة منقحة

موسسة الخوئي الإسلامیة

مؤسسة الخوئي الاسلامية

AL-KHOEI ISLAMIC FOUNDATION

جميع الحقوق محفوظة ومسجّلة

(لمؤسّسة الخوئي الإسلامية)

الجزء التاسع والثلاثون

الناشر: مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي قدّس سرّه

(مؤسسة الخوئي الإسلامية)

هاتف: 2932264 251 98 + - 98 9121530367 +

تاريخ الطبع: 1430 ه- ، 2009 م

المطبعة: نينوى

الطبعة: الرابعة

عدد النسخ: 1000 دورة

ISBN: 964-7336-38-1

Emil: info@alkhoei.net

www. alkhoei.com

www. alkhoei.net

القول في خيار التأخير

من اشترى شيئاً ولم يتسلّمه ولا سلّم الثمن ، فإن جاء بالثمن ما بينه وبين ثلاثة أيّام فهو أحقِّ به وإلّا فللبائع الخيار ، وهذا ممّا لا خلاف فيه بينهم .

وإنّما الكلام في مدرك ذلك وهو أمور منها : الشهرة والاجماعات المدعاة المتعدّدة القائمان على أنّ البائع يتمكّن من فسخ العقد فيما إذا أخّر المشتري تسليم الثمن بأزيد من ثلاثة أيّام .

ومنها : حديث لا ضرر حيث إن صبر البائع ضرر عظيم ، والضرر فيه أشدّ وآكد من الضرر في الغبن ، لأنه من جهات ثلاثة : إحداها صبره عن الثمن وعدم تصرفه في المبيع لأنه ملك غيره . وثانيها : أنّ تلفه في تلك المدّة عليه ، لأنّ كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه وهو ضرر . وثالثها : أنّه يجب عليه حفظ المبيع في تلك المدّة للمشتري ، وحفظ مال الغير بلا عوض ضرر ، ومقتضى حديث لا ضرر عدم لزوم المعاملة وكون البائع متمكّناً من فسخها .

ومنها : الأخبار الواردة في المقام بلسان « لا بيع له » أو « لا بيع بينهما » (1)هذا .

ويمكن المناقشة في جميع ذلك : أما الشهرة والاجماعات فلانّه لا اعتبار بهما


1) الوسائل 18 : 21 / أبواب الخيار ب 9 .

وعدم حجيتهما .

وأمّا حديث لا ضرر فهو أيضاً لا يقتضي الخيار في المقام ، وذلك لأنّ الضرر لم ينشأ عن لزوم المعاملة حتى نرفعه بالحديث ، وإنمّا نشأ من صبره عن الثمن ، ولكنّه لا يوجب ارتفاع اللزوم ، بل بمقتضى الحديث نرفع وجوب الصبر عليه ، فله أن يطالب المشتري بالثمن فإن أبى فيرفع أمره إلى الحاكم وإلّا فيأخذ بالمثمن من باب التقاصّ ، وليس هذا من الفسخ في شيء إذ ربما يجب عليه ردّ ما زاد عن مقدار الثمن إلى المشتري وربما يطالبه بما نقص عن مقداره ، هذه هي الجهة الأولى من جهات الضرر.

أمّا الجهة الثانية منها فهي أيضاً كذلك ، أمّا أوّلاً : فلأنّ كون تلف المبيع قبل قبضه من مال البائع حكم مبني على الضرر ، وما هذا شأنه لا يرتفع بالحديث ، لأنّه لا يختص بالمقام إذ الأمر كذلك في جميع المعاملات الصحيحة ، وكذا في المقام فيما إذا سلّم إليه الثمن ولم يقبضه بعد .

وأمّا ثانياً : فلانّ كون التلف من البائع لو كان ضررياً فنرفعه بحديث لا ضرر ونحكم بعدم كون تلفه من البائع ، ولا وجه للحكم بجواز المعاملة حينئذ ، لأنّ الحديث إنما يرفع ما ينشأ من قبله الضرر لا أمر آخر وهو ظاهر .

ومن ذلك يظهر الجواب عن الضرر من الجهة الثالثة ، وذلك لأنّ الحفظ إذا ومن كان ضررياً على البائع فترفع وجوبه بالحديث ولا وجه لرفع لزوم المعاملة حينئذ هذا .

ومع الاغماض عمّا ذكرناه وتسليم أنّ الحديث يرفع لزوم المعاملة فمن أين يثبت تقييد ذلك بثلاثة أيام فإنه إذا كان ضررياً في اليوم الأول فلابدّ من أن يرفع ذلك الوقت فلا وجه لرفعه بعد الثلاثة . فالاستدلال بحديث لا ضرر ممّا لزومها من لا وجه له في المقام .

وأمّا الروايات الواردة فقد استشكلوا فيها من حيث دلالتها ، وذلك لأنّ ظاهرها نفي المعاملة بينهما كما في رواية علي بن يقطين أو نفي البيع للمشتري كما في أکثرها، ومقتضى ذلك هو البطلان لا جواز المعاملة ورفع اليد عن لزومها ، ولا

وجه لطرح ظواهر الأخبار أبداً .

والذي قيل في وجه تأويل الروايات وحملها على نفي اللزوم مع ظهورها في بطلان المعاملة أمور :

الأول : ما ذكره شيخنا الأنصاري (قدّس سره)(1)من أنّ الوجه في استفادة نفي اللزوم هو فهم الأصحاب حيث إنّ المشهور فهموا منها نفي اللزوم لا نفي صحّة المعاملة ، وهذا يكشف عن أنّ الروايات ظاهرة في نفي اللزوم ، ولأجل هذا استفاد الأصحاب منها ذلك فإنّهم هم أهل العرف وقد قارنه (قدّس سرّه) بما يظهر منه العلّية حيث قال : وحملة الأخبار ، فإن فهم حملة الأخبار نفي اللزوم أقوى دلي--ل ع-ل-ى ظهور الروايات في ذلك ، وإنمّا وصلت الأخبار إلينا بواسطة أولئك الحملة وهم من أهل العرف والعرب العالمين بظواهر الأخبار ، هذا .

ولا يخفى عليك أنّ المشهور إذا استفادوا معنىً من لفظ أو كلام فلا إشكال في كشف ذلك عن ظهوره فيه ، لأنّهم إنّما استفادوه بما هم أهل العرف واللسان ، ولكن هذا غير مسلّم في المقام ، ولا ندري أنّهم استفادوا عدم لزوم المعاملة من ألفاظ الرواية ولعلّهم إنمّا استفادوا ذلك من دليل خارجي ولأجل هذا الدليل حملوا الروايات على نفي اللزوم ، مع أنّا لو سألنا آحاد الأصحاب عن ظهورها أجابوا بأنّها ظاهرة في نفي الصحة لا في نفي اللزوم.

الثاني : ما يظهر أيضاً من كلمات شيخنا الأنصاري (قدّس سره) من أن فهم


1) المكاسب 5 : 219 - 220 .

الأصحاب لو لم يفد القطع بظهور الروايات في نفي اللزوم فلا أقل من أنّه يوجب الشك في المراد ، وأنّ الأخبار ظاهرة في نفي اللزوم أو في نفي الصحة ، فتكون الروايات مجملة فنرجع إلى استصحاب آثار الملكية بعد ثلاثة أيام ، ولا مانع من استصحاب صحة المعاملة في المقام ، إذ اللزوم ليس فصلاً مقوماً للصحة حتى لا نثبت الصحة بلا وصف اللزوم ، وإنما هو والجواز حكمان يطرءان على البيع الصحيح .

ويدفعه : أنّ فهم الأصحاب كما لا يوجب انقلاب ظهور الروايات في نفي الصحة إلى الظهور في نفي اللزوم كما أشرنا إليه في الجواب عن الوجه الأول ، كذلك لا يوجب إجمالها ، إذ لو سألنا آحاد الأصحاب عن ظهورها أجابوا بأنّها ظاهرة في نفي الصحة ، لأنّ « لا » لنفي الجنس والبيع بمعنى المبادلة ولعله ظاهر ، فلا وجه معه لا جمال الرواية .

الثالث : ما ذكره شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) أيضاً : من أنّ تخصيص نفي البيع للمشتري بقوله (عليه السلام) « لا بيع له » أي للمشتري وعدم نفي البيع عن كل منها قرينة على أنّ المراد منها أنّ المشتري كأنه لم يشتر ، فليس له مطالبة البائع بالمثمن ، وهو معنى جواز المعاملة من طرف البائع دون طرف المشتري ، إذ لو كان مراده (علیه السلام) بطلان المعاملة لما كان لتخصيصه ( عليه السلام) نفي البيع بالمشتري وجه .

والجواب عن ذلك أوّلاً : أنّ صحيحة علي بن يقطين اشتملت على نفي البيع من كل من البائع والمشتري حيث قال (عليه السلام) « لا بيع بينهما » كما اعترف هو (قدّس سره) بذلك .

وثانياً : أنّ وجه تخصيصه (عليه السلام) نفي البيع بالمشتري هو أنّ الروايات إمّا لسؤالها أو كلامه (عليه السلام) ناظرة إلى بيان حكم من اشترى شيئاً ولم يتسلّم المثمن

ولم يسلّم الثمن ، ومن هنا أجاب (عليه السلام) بأنّه لا بيع له أي للمشتري ، وحيث إنّ البيع هو المبادلة بين المالين وهي يستحيل أن تقوم بواحد ، فنفي المبادلة من المشتري وجعله بمنزلة من لم يشتر أصلاً يدلّ بالدلالة الالتزامية على نفيها عن البائع أيضاً .

الرابع : ما ذكره شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه) (1)من أنّ الغرض من هذا الحكم في الأخبار والروايات هو الارفاق للبائع حتى لا يتضرّر من جهات متعدّدة ومقتضى الارفاق في حقّه هو نفي اللزوم لا نفي الصحة ، لأنه ربما يكون على خلاف مصلحة البائع كما إذا تنزّلت القيمة بعد ثلاثة أيام ، هذا.

وفيه : أنه لا دليل على أنّ الحكم في الروايات يدور مدار الارفاق للبائع لاطلاق الأخبار ولا ندري أنه من أين استفاد ذلك منها ، نعم لا بأس بكونه حكمة التشريع ، وأمّا كونه عنواناً للموضوع حتى يدور مداره الحكم فلا ، فليكن المقام نظیر بيع الصرف فكما أنّ القبض فيه في المجلس شرط في صحة البيع فكذا نقول في المقام بأن قبض المبيع في الثلاثة شرط في صحة المعاملة ولا يلزم منه خلاف إرفاق للبائع أبداً .

فالانصاف أنه لا وجه لرفع اليد عن ظواهر الأخبار ، فلابدّ من الحكم ببطلان المعاملة فيما إذا باع أو اشترى ولم يقبض المبيع إلى ثلاثة أيّام فيكون قبض المبيع إلى ثلاثة أيام من شرائط صحة المعاملة كما ذهب إليه صاحب الحدائق (2)وتردّد فيه المحقّق الأردبيلي (3)وقوّاه بعض آخر ، ولا وجه لرفع اليد عن الأخبار فإنه لا موجب له ، والأمر يدور بين طرح الأخبار برأسها وبين العمل على ظهورها


1) منية الطالب 3: 176 .

2) الحدائق 19: 47 .

3) مجمع الفائدة والبرهان 8: 405 - 406 .

وهو بطلان المعاملة فيها إذا أخّر القبض أزيد من ثلاثة أيام ، فما تعجّب به صاحب الحدائق عن العلّامة (قدّس سرّهما) من أنه مع اعترافه بظهور الروايات في نفي صحة المعاملة اختار صحتها معتمداً على أصالة بقاء صحة العقد وحملها على نفي اللزوم تعجب في محلّه .

والمتحصّل : أنّ الروايات الواردة في المقام تدلّ على بطلان البيع فيما إذا لم يأت المشتري بالثمن ما بينه وبين ثلاثة أيام، وهي من حيث الدلالة ظاهرة ومن حيث السند لا بأس بها ، فلابدّ من أن نأخذ بها ومقتضاها اشتراط صحة البيع بالقبض إلى ثلاثة أيام، فيكون القبض شرطاً في جميع البيوع إلى ثلاثة أيام ، ولا يبقى في البين حينئذ إلّا مخالفة المشهور ، إلّا أنّها تضرّ بالروايات فيما إذا لم يرجع إلى فهمهم من ألفاظ الروايات نفي اللزوم كما هو كذلك على ما تقدم مفصلاً، هذا كلّه في أصل المسألة .

وبقي الكلام في الشروط والأمور المعتبرة فيها :

الشرط الأول : عدم قبض المبيع

فهو شرط في ثبوت الخيار بعد ثلاثة أيام على المشهور ، ومن شروط بطلان المعاملة عندنا إذا لم يحصل القبض إلى ثلاثة أيام، وكيف كان فهذا الشرط ممّا لا كلام فيه عندهم ، ولا دلالة في الروايات على اعتبار هذا الشرط غير صحيحة علي بن يقطين ، فإنّ عدم قبض المبيع لم يذكر في كلام الإمام (عليه السلام) في الروايات وإنمّا وقع في كلام السائل وهو لا يفيد الاشتراط .

ولكن في صحيحة علي بن يقطين غنىً وكفاية ، لأنّها دلّت على أنّ الأجل بينهما ثلاثة ، فإن قبضه بيعه وإلّا فلا بيع بينهما ، فيستفاد من قوله (عليه السلام) « فإن قبضه » أي البائع للمشتري بيعه أي المبيع فلا خيار للمشتري ، أنّ عدم إقباض

البائع المبيع للمشتري شرط في ثبوت الخيار للمشتري .

وقد خالف في ذلك صاحب الرياض (1)وتبعه صاحب الجواهر (2)(ق--دّس سرّهما) فأنكرا هذا الاشتراط في ثبوت الخيار ، وقد وجّه شيخنا الأنصاري (3)إنكارهما لهذا الاشتراط مع دلالة صحيحة علي بن يقطين عليه بوجهين : أحدهما أنّ هذه الفقرة من الصحيحة لعلّها ساقطة عن نسختها ولأجل ذلك لم يشترطا عدم قبض المبيع في الخيار . وثانيهما : احتمال أنّهما قرءا « قبضه » بالتخفيف و « بيّعه » بالتشديد على خلاف ما قرأناه ، وعليه يصير معنى الرواية فإن قَبَضَ بيعه أي قبض الثمن بائع المبيع فلا خيار للمشتري وإلّا فهو على خيار ، فتكون هذه الفقرة ممّا دلّ من الروايات على اعتبار عدم قبض الثمن في ثبوت الخيار ، فإنّهم اشترطوا أمرين في هذا الخيار أحدهما عدم قبض المبيع وثانيهما عدم قبض الثمن ، والفقرة دلّت على اعتبار عدم قبض الثمن في ثبوت الخيار ، وكيف كان فلا تدلّ الرواية حينئذ على اشتراط عدم قبض المبيع في ثبوت الخيار .

ثمّ أورد على هذا التوجيه الثاني بقوله : ولا يخفى ض-عف هذا الاحتمال وملخّص ما أورده عليه أمران : أحدهما أنّ استعمال لفظ البيّع وإن كان صحيحاً في التثنية كقوله « البيّعان بالخيار » الخ إلّا أنّ استعماله مفرداً غير صحيح ، لعدم وجوده في شيء من الأخبار والكلمات العربية . وثانيها : أنّ تشديد بيّعه على خلاف الأصل ، لأنّ أصالة العدم الأزلي يقتضي عدم التشديد كما ذكر نظير ذلك الشهيد


1) ریاض المسائل 307:8 .

2) الجواهر 23 : 53 .

3) المكاسب 5 : 220 .

(قدّس سرّه) (1)في لفظ البكاء المبطل للصلاة ، فإنّ البكاء مع المدّ معناه خروج الدمع مع الصوت (من باب أنّ كثرة المباني تدلّ على كثرة المعاني) وأمّا بلا مدّ كما إذا كان مقصوراً فمعناه مجرد خروج الدمع بلا صوت ، والشهيد (قدّس سرّه) أجرى أصالة عدم المدّ في البكاء وبه ذهب إلى أنّ القاطع للصلاة مجرد خروج الدمع وإن لم يكن معه صوت ، هذا ما أورده عليها شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) .

وفي كلا إيراديه نظر، أمّا فيما أورده أوّلاً ، فلأنّ عدم وجدانه (قدّس سرّه) استعمال البیّع مفرداً لا يكشف عن عدم وجوده في الكلمات العربية وأشعارها ، فإنّ غاية ما رآه من كتب العرب هي كتب الأخبار أو هي مع مقدار يسير من غيرها وهذا المقدار لا يكشف عن عدم وجوده ، هذا أوّلاً .

وثانياً : هب أنّ استعمال البيّع مفرداً غير موجود في الكتب العربية إلّا أنّه ليس من السماعيات المتوقّفة على الاستعمال والسماع من العرب ، وإنمّا هو أمر قياسي ولا مانع لاستعمال البيّع المفرد في القواعد ولا نرى فيه غلطاً .

وأمّا ما أورده ثانياً فيدفعه : أنّ أصالة عدم التشديد في بيعه معارضة بأصالة عدم بيعه بلا تشديد ، إذ الأصل أنّ بيعه بلا تشديد لم يستعمل في كلامه (عليه السلام) ولا يقاس المقام بالمدّ في البكاء فإنّ أصالة العدم فيها بلا معارض لعدم تركّب البكاء من من هيئة ومادّة ، بخلاف بيعه فإنّه بلا تشديد غير بيّعه الشديد ، وأصالة عدم مع التشديد يعارض بأصالة عدم بيعه بلا تشديد (2).

وأضف إلى ذلك : أنّا إذا رفعنا اليد عن التشديد في بيعه فلا محالة نلتزم به في قبضه ، فلصاحب الرياض أن يجري أصالة عدم التشديد في قبضّه حتّى يكون


1) الروضة البهيّة 1 : 234 .

2) لا يخفى ورود عين هذا الاشكال في البكاء فإنّ الأصل عدم استعمال البكاء بلا مدّ .

الأصلان متعارضين ، وبالجملة لا مجال لأصالة عدم التشديد في المقام ولا يثبت بها أنّ بيّعه بلا تشديد .

فالصحيح في الجواب عن احتمال قراءة بيّعه بالتشديد أن يقال : إنّ الوجه في عدم قراءته بالتشديد وقراءة قبّضه مع التشديد هو أنّ نقلة الأخبار كذا نقلوهما فإنّ عادتهم كانت جارية على قراءة الروايات عند أساتذتهم وبعد قراءتها كانوا يكتبونها ، ولم يحتمل أحد منهم قراءة بيعه بالتشديد وقراءة قبضه بدون التشديد ومقتضى سكوتهم عن هذا الاحتمال أنّهم نقلوا واحداً عن واحد قبّضه مع تشدید وبيعه بدونه إلى أن يصل إلى الإمام (عليه السلام) ومع نقل الرواة أحدهما بلا تشديد وثانيهما معه لا مجال لرفع اليد عن نقلهم واحتمال عكسه .

فالمتحصّل إلى هنا أنّ اشتراط عدم قبض المبيع في ثبوت الخيار ممّا لا إشكال فيه .

وإنمّا الكلام في خصوصيات ذلك ، وقد عرفت أنّ البائع إذا أقبض المبيع للمشتري فلا يثبت له الخيار ، ولو وضعه عند البائع أمانة بعد قبضه منه فلا إشكال في أنّ البائع إذا أقبضه باختياره ينتفي الخيار كما أنّه إذا لم يقبضه لأجل عدم ردّ المشتري ثمنه يثبت له الخيار .

وأمّا إذا لم يقبضه البائع لا لأجل عدم ردّ المشتري الثمن ب--ل عدواناً والمشتري مكّنه من الثمن وأراد أخذ المبيع إلّا أنّ البائع منعه عن القبض ظلماً وعدواناً فهل يثبت بذلك الخيار للبائع بعد ثلاثة أيام أو لا ، لأنّ عدم قبضه ليس عن حق ومن أجل عدم ردّ الثمن.

ذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (1)أنّ ظاهر الأخبار أنّ الخيار إنمّا جعل


1) المكاسب 5 : 221 .

للبائع إرفاقاً له حتى لا يتضرّر بسبب الحكم الشرعي ، وهذا إنما يتحقق فيما إذا كان عدم إقباض المبيع مستنداً إلى عدم إقباض المشتري وعدم ردّه الثمن ، وأمّا إذا كان عدم إقباضه مستنداً إلى اختياره وعدم قبول الثمن من المشتري فلا يتوجّه عليه ضرر من ناحية الحكم الشرعي حتى يرفعه الشارع إرفاقاً له . ففي هذه الصورة لا يثبت له الخيار ، هذا .

وفيه : أنّ الروايات إنّما جعلت الخيار أو دلّت على البطلان عند عدم قبض المبيع إلى ثلاثة أيام ، بلا تقييد بكون عدم القبض مستنداً إلى اختياره أو إلى عدم دفع المشتري الثمن ، ولم تدلّ الروايات على أنّ جعل الخيار للبائع من جهة الارفاق حتى يدور مداره الحكم ، بل الأخبار مطلقة وقد دلّت على اشتراط صحة البيع بالقبض إلى ثلاثة أيام كما دلّت الروايات على اشتراط صحة بيع الصرف بالقبض في المجلس بلا فرق في ذلك بين استناد عدم القبض إلى اختياره أو إلى عدم ردّ المشتري الثمن ، كما لا يفرق الحال بذلك في الصرف فإنه يبطل إذا لم يحصل القبض في المجلس ، كان مستنداً إلى اختياره أو إلى شيء آخر .

وعليه فالصحيح ثبوت الخيار في هذه الصورة للبائع على المشهور ، وبطلان البيع عندنا وهذا ظاهر ، هذا كلّه في هذا الفرع .

الفرع الثاني والثالث : ما إذا مكّن البائع المشتري من القبض ولكنّه لم يأخذه المشتري ، أو أنّ المشتري قد أخذ المبيع بلا إذن من البائع بدعوى أنه ملكه فهل يصدق القبض بتمكين البائع المشتري من القبض أو بأخذ المشتري المبيع بنفسه فلا يثبت للبائع الخيار ، أو أنّهما كلا قبض والبائع له الخيار بعد ثلاثة أيام .

فقد بناهما شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) على أنّ مثل هذين الأمرين هل يكفي في دفع الضمان عن البائع في مسألة كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه فإذا مكّنه البائع من القبض أو أخذه المشتري بنفسه هل يكفي ذلك في سقوط الضمان

عن البائع حينئذ أو لا ، فإن قلنا بكفايتهما في رفع الضمان في هذه المسألة فنقول بكفايتهما في المقام ونحكم بعدم الخيار للبائع حينئذ ، وإن لم نقل بكفايتهما في رفع الضمان في تلك المسألة فلا نلتزم بكفايتهما في المقام ، وذلك لأنّا إنما حكمنا بثبوت الخيار للبائع إرفاقاً له حتّى لا يتضرّر من جهة كون تلف المبيع عليه حينئذ ، ومن جهة وجوب حفظ المبيع المبيع لمالكه ، ومن أجل عدم وصول ثمنه إليه ، فإذا كان تمكين البائع إيَّاه من القبض أو أخذ المشتري المبيع بنفسه كافياً في سقوط الضمان عن البائع فنلتزم بكفايتهما في المقام وعدم ثبوت الخيار للبائع حينئذ ، لعدم تضرّره من جهة كونه ضامناً له ، وإذا ارتفع ضرره من هذه الجهة فارتفاع ضرره من الجهتين الباقيتين سهل ، لأنّه يأخذ المبيع من باب التقاص فيتصرّف فيه فلا يجب عليه حفظه لامكان أن يردّه إلى الحاكم ، ولا يجب عليه الصبر الجواز تصرفه فيه مقاصّة ، وأمّا إذا لم يكف هذان الأمران في سقوط الضمان عن البائع في الجهة الأولى فلا نلتزم بكفايتهما في المقام أيضاً ، لأنه يستلزم الضرر عليه من تلك الناحية ، هذا .

ولا يخفى أنّ ما أفاده على تقدير صحته إنما يتم بناءً على أنّ المدرك في ثبوت الخيار للبائع حديث لا ضرر ، وأمّا بناءً على أنّ المدرك هو الأخبار لعدم تمامية الحديث سيّما بلحاظ تقييده بثلاثة أيام ، فلا وجه لما أفاده (قدّس سرّه) بل لابدّ من

المراجعة إلى الروايات لنرى أنّ الأمرين المتقدّمين يكفيان في المقام أو لا .

فنقول : ظاهر قوله في صحيحة علي بن يقطين « فإن قبّضه بيعه » الخ أنّ القبض المانع عن الخيار أو عن البطلان هو خصوص القبض المستند إلى البائع كما هو مقتضى قراءة « قبّضه » بالتشديد ، فمجرد أخذ المشتري المبيع لا يكفي في القبض كما أنّ تمكين البائع لا يكون إقباضاً له ، فيثبت له الخيار في هذين الفرعين بعد ثلاثة أيام ، سواء قلنا بكفايتهما في رفع الضمان في مسألة تلف المبيع قبل قبضه أم لم نقل فإنّها مسألة أخرى غير ما نحن بصدده ، نعم لو استندنا في المقام إلى حديث نفي

الضرر لكان لما أفاده وجه ، ولكن العمدة هي الأخبار وقد عرفت أنّ مقتضاها عدم كفاية أخذ المشتري المبيع من دون إقباض البائع كما أنّ تمكين البائع لا يكون إقباضاً ، وقد تقدم في المسألة السابقة أنّ الأخبار مطلقة ومقتضاها أنّ عدم إقباض المبيع يستلزم الخيار أو البطلان ، كان عدم الاقباض مستنداً إلى حقّه ومن أجل عدم إقباض المشتري ثمنه ، أو كان مستنداً إلى ظلمه وعدوانه ولو مع مجيء المشتري بالثمن ، هذا .

وربما يتوهم التنافي بين الأخبار من جهة أنّ مقتضى غير صحيحة علي بن يقطين أن الخيار إنما يثبت فيما إذا لم يجئ المشتري بالثمن ما بينه وبين ثلاثة أيام ولازم ذلك عدم الخيار فيما إذا جاء بالثمن خلال ثلاثة أيام ، وفي مفروض المقام المشتري جاء بالثمن وإنما لم يقبله البائع ولم يقبضه المبيع عدواناً ، فمقتضى تلك الروايات عدم الخيار للبائع حينئذ ، كما أنّ مقتضى الصحيحة المتقدّمة أنّ المناط في ترتّب الخيار عدم إقباض المبيع ولازمه ثبوت الخيار في المقام لعدم إقباض البائع إيّاه ، فالروايات متنافية .

ولا يخفى عدم المنافاة بين الأخبار، والوجه في ذلك أنّ ما دلّ على عدم البيع للمشتري فيما إذا لم يجئ بالثمن خلال ثلاثة أيام وثبوت البيع له فيما إذا جاءه في المدة المذكورة إنما يقتضي ثبوت البيع له أي استحقاقه مطالبة المبيع من البائع من ناحية تمامية هذا الشرط وهو مجيؤه بالثمن ، أو عدم استحقاقه المطالبة منه من جهة عدم تمامية ذلك الشرط ، وهذا لا ينافي عدم استحقاقه المطالبة من البائع وعدم ثبوت البيع له من ناحية فقدان سائر الشروط كما إذا كان البيع غررياً مثلاً ، فعدم إقباض المبيع كالغرر موجب لعدم ثبوت البيع للمشتري ، ولا يلزم من تمامية البيع من ناحية مجيئه بالثمن تماميته من جميع الجهات ، ففي المقام وإن كان له مطالبة البائع بالثمن من ناحية مجيئه بالثمن إلّا أنّه لا يتمكّن من مطالبته من أجل عدم إقباض البائع

والمفروض أنّ البائع في صورة عدم إقباض المبيع متمكّن من فسخ البيع ولا يمكن التزامه .

وكيف كان فلا تنافي بين الأخبار ، وقد تقدّم أنّ الخيار في المقام لا يدور مدار الارفاق للبائع ، إذ لا دليل على اعتبار الارفاق وكونه هو المناط في ثبوت الخيار وعليه فالصحيح في المسألة ثبوت الخيار للبائع لأجل عدم إقباض المبيع ، كان ذلك مستنداً إلى حقه واختياره أو إلى ظلمه وعدوانه .

الفرع الرابع : ما إذا أقبض بعض المبيع كما إذا وقعت المعاملة على عدّة أشياء وباعها دفعة من المشتري وأقبضه بعضها وبقي بعضها الآخر ، وقد احتمل شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (1)في المسألة احتمالات :

أحدها : أن يكون قبض البعض كلا قبض في ثبوت الخيار أو البطلان .

وثانيها : أن يكون قبض البعض كقبض الجميع في ارتفاع الخيار أو البطلان .

وثالثها : التفصيل بالخيار في الجزء غير المقبوض وعدمه في الجزء المقبوض وإنمّا احتمل هذا الوجه شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) من أجل أنّ المناط عنده هو تضرّر البائع من قبل الضمان قبل القبض ، فيما أنه لا ضمان عليه في الجزء المقبوض فيلتزم فيه بارتفاع الخيار ، وأمّا الجزء غير المقبوض فلما كان ضمان تلفه على البائع لأنه من التلف قبل القبض فيلتزم فيه ثبوت الخيار ، هذا .

والحقّ في المقام هو التفصيل ، ولكن لا لما ذكره شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) بل من جهة ما ذكرناه غير مرّة من أنّ البيّع وإن كان أمراً واحداً بحسب الانشاء إلّا أنه منحل إلى أمور متعدّدة بحسب مقام المنشأ، لأنّه بهذا الانشاء الواحد قد باع هذا الجزء حقيقة وباع الجزء الآخر كذلك وهكذا ، فهناك بيوع متعدّدة ، وعلى هذا بنينا


1) المكاسب 5 : 222 .

صحة البيع فيما إذا ظهر بعض أجزائه مستحقاً للغير فإنّ الباطل حينئذ إنّما هو البيع الواقع على ما يستحقّه الغير وأمّا البيع فيما لا يستحقّه الغير فلا مانع من صحته .

وكيف كان ، فالبيع من الأمور الانحلالية ، وعليه فإذا فرضنا أنّ بعض أجزاء المبيع ممّا أقبضه البائع فالبيع الواقع عليه يتّصف بالصحة لتمامية شرطه ، أو أنه محكوم بعدم الخيار لارتفاع شرط الخيار فيه وهو عدم إقباضه إلى ثلاثة أيام ، وأمّا البعض الآخر الذي لم يقع عليه الاقباض فشرط صحة البيع فيه مختل أو هو محكوم بالخيار لعدم إقباضه خلال ثلاثة أيام ، كما نلتزم بذلك في بيع الصرف فإنه إذا قبض بعض الثمن دون بعضه الآخر فالصرف يصح في البعض المقبوض ويبطل في غير المقبوض ، والوجه في ذلك ظاهر فإنّ البيع إنمّا كان واحداً بالانشاء إلّا أنّه متعدّد بحسب المنشأ والاعتبار النفساني ، ففي الواقع هناك بيعان وشرط الخيار في أحدهما موجود وفي الآخر مرتفع ، وعليه فلابدّ من الالتزام بثبوت الخيار للبائع في الجزء غير المقبوض وعدم الخيار فيما أقبضه منه .

ونظير المقام ما إذا ظهر بعض أجزاء المبيع مستحقاً للغير أو ممّا لا يملك كالخمر والخنزير فإنّ البيع في ملكه وبالاضافة إلى ما يملكه صحيح دون ما لا يستحقه أو لا يتملّك أصلاً كالخنزير.

ونظيره أيضاً ما إذا باع الفضولي ملك غيره ثم أجازه المالك في بعضه دون بعضه ، أو كان له مالكان أجازه أحدهما وردّه الآخر ، وله غير ذلك نظائر كثيرة هذا .

ثمّ على تقدير عدم تمامية الانحلال والقول بأنّ البيع أمر واحد ولو عرفاً فالصحيح من تلك الوجوه المحتملة هو ثبوت الخيار ، لأنّ الرواية علّقته على عدم إقباض المبيع ، والمفروض عدم إقباضه لأنّ إقباض بعض أجزائه لا يصحح إسناد الاقباض إلى الجميع ، فلا محالة يترتّب عليه الخيار ، ولا وجه في هذه الصورة

لاحتمال عدم الخيار أبداً ، هذا كلّه في هذا الشرط .

ومنها : أى من شروط ثبوت خيار التأخير :

الشرط الثاني : عدم قبض مجموع الثمن

وقد ذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (1)أنّ اشتراط عدم قبض جميع الثمن مجمع عليه بين الأصحاب ، فلا اعتبار بقبض بعض الثمن وكأنّه كلا قبض عندهم ، ثم أيّد ذلك بفهم أبي بكر القاضي الراوي لتلك الرواية حيث إنه فهم منها عدم ثبوت الخيار فيما إذا ردّ المشتري جميع الثمن ، فلذا حكم فيها أقبضه بعضه بثبوت الخيار للبائع ، وإليك نص حكايته في رواية ابن الحجاج قال « اشتريت محملاً وأعطيت بعض الثمن وتركته عند صاحبه - أي صاحب المحمل - ثم احتبست أياماً ثم جئت إلى بائع المحمل لآخذه ، فقال : قد بعته ، فضحكت ثم قلت : لا والله لا أدعك أو أقاضيك ، فقال لي ترضى بأبي بكر بن عياش ؟ قلت : نعم ، فأتيناه فقصصنا عليه قصتنا ، فقال أبو بكر : بقول من تحبّ أن أقضي بينكما ؟ أبقول صاحبك أو غيره ؟ قلت بقول صاحبي ، قال : سمعته يقول من اشترى شيئاً فجاء بالثمن ما بينه وبين ثلاثة أيام وإلّا فلا بيع له » (2). فقد حكم بثبوت الخيار للبائع مع فرض أنّ المشتري قد دفعه بعض الثمن كما هو مفروض الحديث ، ثم نقل شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) أنّ بعضهم استدل بتلك الرواية على أنّ قبض بعض الثمن كلا قبض (لا أنه جعلها مؤيّداً كما صنعه هو (قدّس سرّه) ثم أورد عليه بقوله : فيه نظر ، هذا .

والانصاف أنه إن تم إجماع في المقام على اعتبار قبض مجموع الثمن فلا كلام


1) المكاسب 5 : 222 .

2) الوسائل 18 : 21 / أبواب الخيار ب 9 ح 2.

إلّا أنّ انعقاده وكونه تعبّدياً في غاية الاشكال ، ولعلّه من جهة الروايات كما حكى هو (قدّس سرّه) أنّ بعضهم قد استدل عليه بالرواية المتقدّمة .

وأمّا إذا لم يتم إجماع تعبّدي في المقام فالحق هو التفصيل بالخيار في المقدار الباقي من الثمن وعدمه في المقبوض منه ، لأجل انحلال البيع الواحد إنشاء إلى بيوع متعدّدة ومنشآت عديدة . ثمّ على تقدير عدم القول بالانحلال فلابدّ من الالتزام بثبوت الخيار ما لم يقبض الجميع من جهة دلالة الرواية على ثبوت الخيار للبائع فيما إذا لم يأت المشتري بالثمن ما بينه وبين ثلاثة أيام ، ومن الظاهر أنّ دفع بعض الثمن ليس دفعاً للثمن ، فيصدق عليه أنه لم يأت بالثمن خلال ثلاثة أيام ، فاحتمال عدم الخيار ممّا لا وجه له في المقام ، وكيف كان هذا هو المدرك في المسألة .

وأمّا فهم أبي بكر بن عياش فهو على تقدير كونه ثقة لا دليل ع-لى ح-جية فهمه بالاضافة إلى غيره فضلاً عمّا إذا لم يكن كذلك كما لم يكن ، نعم لو كان هذا حكم الإمام (عليه السلام) بأن فرضنا أنه حكم بثبوت الخيار في مورد مع فرض قبض بعض الثمن لكان معتبراً قطعاً ، إلا أنه من الراوي كما عرفت ، فلا يمكن جعل فهم أبي بكر مؤيّداً فضلاً عن الدليل.

ثمّ إنّك قد عرفت أنّ من شرائط الخيار أو البطلان عدم قبض البائع الثمن من المشتري ، وهذا فيما إذا كان قبض الثمن عن حق واختيار ممّا لا إشكال فيه لأنه يوجب لزوم البيع أو صحته ، وأمّا إذا كان قبضه بلا إذن من المشتري كالأخذ منه إكراهاً أو خفية فهل هو كسابقه يرفع الخيار أو البطلان ، أو أنه كلا قبض والبائع على الخيار ، أو المعاملة باطلة ؟ فيه خلاف ، وربما يقال بأنّ القبض حينئذ كلا قبض ، لأنّ القبض في الروايات الواردة في المقام منصرف إلى القبض المتعارف خارجاً وه-و خصوص القبض الصادر عن رضا المشتري واختياره ، فلا تشمل الأخبار القبض عن كره أو خفية لعدم تعارفها عند العرف .

والصحيح أن يقال : إنّ القبض فيما إذا كان من الآثار المترتّبة على المعاملة شرعاً فهو يوجب رفع الخيار والبطلان ، سواء صدر عن إذن المشتري أم لا ، كان باختياره أم لم يكن ، وأمّا إذا لم يكن من آثار المعاملة شرعاً فهو كلا قبض ولا يترتّب عليه رفع الخيار وتوضيحه : أنّ قبض الثمن من المشتري إنما يجوز شرعاً فيما إذا ردّ إليه المبيع أو مكّنه من أخذه ، وحينئذ فيجوز للبائع قبضه منه ومطالبته ب-ه وفي هذه الصورة يكون القبض من الآثار الشرعيّة المترتبة على البيع ، وهذا بخلاف ما إذا لم يمكّن المشتري من قبض المبيع ، فإنّ البائع حينئذ لا يتمكّن من مطالبة المشتري بقبض الثمن ، لأنّه مشروط بتمكين المشتري من المثمن .

فإذا عرفت ذلك فنقول : إذا قبض البائع الثمن من المشتري بلا إذنه أو اختياره ولكنه مكّنه من قبض المبيع قبل ذلك ، فلا يمنع عدم إذن المشتري حينئذ عن تأثير القبض في رفع الخيار أو في صحة المعاملة ، لأنّ القبض حينئذ حقّه أي م-ن الآثار المترتّبة على المعاملة شرعاً ، وأمّا إذا قبضه بلا إذن المشتري من دون تمكين المشتري من قبض المبيع فهو تصرّف محرّم ولا يترتّب عليه أثر لأنه ليس بحقّه وليس من آثار المعاملة ، فلا يوجب هذا ارتفاع الخيار أو صحة المعاملة ، ولعلّه

ظاهر .

فالمتلخّص : هو التفصيل في القبض بلا إذن المشتري وأنّ القبض بلا إذن منه إذا كان من آثار المعاملة شرعاً يترتّب عليه ارتفاع الخيار كما أنه إذا لم يكن من آثارها فلا يترتّب شيء لأنّه كلا قبض ، هذا .

ثمّ إنّه إذا قبض البائع الثمن بلا إذن المشتري ثم أجازه المشتري ورضي به قبل ثلاثة أيام فهو ولا كلام فيه ، وأمّا إذا أجازه ورضي به بعد انتهاء ثلاثة أيام فيقع الكلام فيه في أنّ الاجازة كاشفة وأنّها تكشف عن رضا المشتري بالقبض من حين صدوره قبل انقضاء ثلاثة أيام حتى يحكم بعدم الخيار ، أو بعدم البطلان لتحقق

القبض الرافع للخيار ، أو أنها ناقلة وإنما تقتضي اتّصاف القبض بالرضا من حين إجازة المشتري ، فلم يحصل القبض الرافع للخيار أو البطلان قبل ثلاثة أيام فلا محالة تكون المعاملة جائزة أو باطلة ؟

فربما يقال : بابتناء المسألة على الخلاف المتقدّم في الفضولي وأنه إذا قلنا بالكشف هناك فنقول به في المقام كما أنه إذا قلنا فيه بالنقل فلابدّ من الالتزام بالنقل في هذه المسألة أيضاً.

والظاهر أنّ المسألة غير مبتنية على الخلاف المزبور ومن هنا ذهب شيخنا الأنصاري (1)في المقام إلى النقل مع أنه بنى في مسألة الف--ض-ولي ع--لى الكشف الحكمي ، والوجه فيما ذكرناه أنّ الأمور الاعتبارية تابعة للاعتبار فيمكن أن يعتبر الانسان الملكية المتأخّرة لزيد كما ذكرناه في الوصية ، كما له أن يعتبر الملكية له في زمان سابق على زمان الاعتبار ، ولأجل ذلك قلنا لا مانع من أن يبيع الانسان داره قبل سنة من زمان بيعه ، بأن يعتبر المشتري مالكاً لداره من قبل سنة فتترتّب عليه آثار ملكية المشتري ، إلّا أنّا منعنا عن صحة ذلك من أجل أنه على خلاف المرتكز عند العامة وأمر غير متعارف عندهم فلا يشمله العمومات ، وأمّا من حيث صحة الاعتبار فقد عرفت أنّها ممّا لا كلام فيه ، هذا كلّه في الأمور الاعتبارية لأنّ اختيارها بيد معتبرها .

وأمّا الأمور التكوينية فلا يعقل فيها ذلك ، مثلاً إذا صدر القبض من غير رضا المشتري ثم بعد مدة رضي به وأجازه فلا يعقل أن يكون ذلك موجباً لانقلاب القبض الصادر من غير رضا المشتري إلى القبض الصادر عن رضاه ، فإنّ إجازته ورضاه إنّما تؤثّران في جعل القبض متّصفاً بالرضا من حين الرضا والاجازة لا من


1) المكاسب 5: 223 .

السابق ، لأنّه وقع بغير رضا حسب الفرض .

ونظير ذلك ما إذا صلّى أحد في لباس غيره بلا إذنه ثم رضي به مالكه بعد الصلاة فإنّ هذه الاجازة لا يقلب الصلاة الواقعة فيه من كونها بلا رضا إلى كونها صادرة مع رضا مالك اللباس.

وعليه فلا محيص في المقام من الالتزام بالنقل وإن التزمنا في البيع الفضولي بالكشف الحكمي بمعنى اعتبار الملكية للمشتري من زمان العقد حين الاجازة والرضا ولعلّه ظاهر ، هذا كلّه فيما إذا قبض البائع الثمن بلا إذن المشتري ثم أجازه المشتري بعد ثلاثة أيام وقد عرفت أنّها مورد الكلام من حيث إنّها كاشفة أو ناقلة .

فهل يأتي هذا النزاع فيما إذا قبض المشتري المبيع بلا إذن البائع ثم أجازه البائع بعد ثلاثة أيام أو لا يأتي فيها نزاع الكشف والنقل ؟ لا مانع من جريانه بناءً على ما سلكناه من بطلان البيع بعد ثلاثة أيام فيما إذا لم يقبض البائع المبيع ولا قبض الثمن من المشتري ، فإنه يتكلّم حينئذ في أنّ إجازة البائع بعد ثلاثة أيام هل تكشف عن صدور قبض المبيع عن رضا وإجازة أو أنها ناقلة وتدل على اتّصافه بالرضا من حين الاجازة ، فعلى الأول يحكم بصحة المعاملة كما على الثاني يحكم ببطلانها لعدم حصول شيء من الاقباض والقبض قبل ثلاثة أيام .

وأمّا بناءً على صحة المعاملة وكونهما شرطاً في حصول الخي-ار ك--ا ع-ليه المعروف والمشهور فلا ثمرة في نزاع الكشف والنقل ، وذلك لأنّ إجازة البائع على كلا التقديرين ترفع الخيار ، أمّا بناءً على الكشف واعتبار كونها واقعة قبل انقضاء ثلاثة أيام فظاهر ، لأنه حينئذ قد أقبض البيع قبل الثلاثة فلا خيار له لانتفاء أحد شرطيه ، وأمّا بناءً على النقل واعتبار أنّها وقعت بعد ثلاثة أيام فلأنّها إسقاط لخياره حيث إنّ الخيار للبائع وإجازته القبض معناها رضاه بالقبض بعنوان

المعاملة والبيع وهو معنى الاسقاط ، ولعلّه لذلك لم يتعرّض لهذا الخلاف شيخناالأنصاري (قدّس سرّه) في طرف البائع وإنمّا تعرّض له في طرف المشتري ، إذ ليس له خيار فتختلف الآثار بالاضافة إليه بناءً على الكشف والنقل ، هذا .

ومن الغريب ما صدر عن بعض أجلاء المحشين (1)حيث ذكر أنّ النزاع في الكشف والنقل لا يترتّب عليه أثر أي في طرف المشتري) وعللّه بما علّلنا به عدم جريان النزاع في طرف البائع من أنّها على تقدير وقوعها قبل الثلاثة توجب ارتفاع الخيار لارتفاع شرطه ، وعلى تقدير وقوعها بعد الثلاثة أيضاً ترفع الخيار لأنّها إسقاط له .

وهذا اشتباه ظاهر ، لأنّ المشتري ليس له الخيار حتى تكون إجازته قبض البائع بعد ثلاثة أيام مسقطة لخياره بخلاف العكس كما مرّ .

الشرط الثالث

ومنها : أي من جملة شرائط الخيار أو البطلان عدم استناد تأخير إقباض المبيع أو قبض الثمن عن ثلاثة أيام إلى اشتراط التأخير كما إذا اشترط أحدهما على الآخر تأخير تسليم الثمن أو المثمن ، لأنّ الروايات منصرفة إلى صورة تأخيرهما لا عن حقّ بمعنى أنّها إنّما أثبت الخيار أو دلّت على البطلان فيما إذا كان الاقباض والقبض في ثلاثة أيام من آثار المعاملة لا فيما إذا لم يكن من آثارها كما في صورة اشتراط التأخير فإنه لا وجه لتوهم ثبوت الخيار أو البطلان حينذاك ، لعدم وجوب الاقباض أو القبض حينئذ لأجل الاشتراط ولعلّه ظاهر .


1) حاشية المكاسب (الايرواني) 3 : 188 .

الشرط الرابع

ومنها : أن يكون المبيع شخصياً أو ما هو بمنزلته كالكلّي في المعيّن الموجود في الخارج ، وأمّا إذا كان كلّياً فلا يثبت فيه الخيار ، ذهب إلى ذلك شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (1)واستشهد عليه بكلمات الأصحاب ، وربما استظهر منها الاتّفاق على عدم ثبوت هذا الخيار في المبيع الكلّي ، ثم استشكل في جريان حديث نفي الضرر في المبيع الكلّي وذكر أنه أيضاً يختص بالمبيع الشخصي بدعوى أنّ الكلّي في الذمّة لا يتصوّر فيه التلف قبل قبضه حتّى يتضرّر البائع من أجل ضمانه ودركه فلا ضرر عليه من هذه الجهة ، ولا يجري حديث نفي الضرر في حقّه فيختصّ بالمبيع الشخصي لا محالة ، وأمّا النصوص فهي أيضاً ظاهرة في الشخصي .

أمّا الروايتان المشتملتان على لفظ « البيع » أعني رواية علي بن يقطين وابن عمّار حيث اشتملت الأولى على أنّ الرجل يبيع البيع ولا يقبضه ، والثانية من اشترى بيعاً الخ ، فلأنّ المراد بالبيع فيهما هو المبيع ، وإنمّا يطلق عليه البيع قبل وقوع المعاملة من جهة معرّضيته للبيع ، وما يكون معرّضاً للبيع هو العين الشخصية وما يكون موجوداً من الأموال التي يرغب فيها الناس ، وأمّا الكلّي فلا وجود له في الخارج حتّى يجعل في معرض البيع والمعاملة .

وأمّا رواية زرارة « الرجل يشتري من الرجل المتاع ثمّ يدعه عنده » الخ فهي أيضاً ظاهرة في المبيع الشخصي من جهتين : إحداهما أنّ لفظ المتاع ظاهر في الأموال الموجودة ولا يصح إطلاقه على الكلّي ، لأنّ المتاع بمعنى ما يتمتّع به وهو يختص بالموجود . وثانيتهما : قول « يدعه عنده » فإنّ إيداعه وتركه المال عند البائع إنمّا يتصوّر في الشخصي وأمّا الكلّي فلا معنى لتركه عند البائع .


1) المكاسب 5: 223 .

وكذا رواية أبي بكر « من اشترى شيئاً » فإنّ الشيء وإن كان يشمل الشخصي والكلّي إلّا أنّ شموله للشخصي وظهوره فيه لا يحتاج إلى قرينة وهو نظير المجاز المشهور والمطلق المنصرف إلى بعض أفراده في عدم احتياج إرادة المعنى الحقيقي أو المطلق إلى القرينة ، وإرادة الشخصي من الشيء لا يحتاج إلى قرينة ودلالة ، فلا يمكن دفع احتمال إرادة الشخصي منه بأصالة عدم القرينة لما عرفت من أنّ إرادته منه لا يحتاج إلى قرينة حتى تدفع بالأصل ، هذه خلاصة ما أفاده (قدّس سرّه) في المقام .

وللمناقشة في جميع ذلك مجال ، أمّا ما استشهد به من كلمات الأصحاب واستظهاره الاتّفاق ففيه : أنّ ظهور جملة من كلمات الفقهاء في اختصاص الخيار بالمبيع الشخصي وإن كان لا يقبل الانكار ، إلّا أنّ في مقابلها كلمات أخرى ظاهرة في التعميم وعدم الاختصاص، ويكفي في ذلك ما يظهر من الشهيد (قدّس سرّه)(1)حيث أسند القول بالاختصاص إلى الشيخ (قدّس سرّه) فإنّ ظاهره أنّ الشهيد لا يلتزم بذلك ، بل يمكن استظهار أنّ غير الشيخ لا يقول بالاختصاص ، والشهيد (قدس سره) مما يعتنى بنقله لاشتهاره في ذلك وتخصّصه في فهم كلمات الفقهاء (قدّس سرّهم) وكيف كان فلا يمكننا تحصيل الاتّفاق المفيد للقطع برأي الإمام (عليه السلام) من كلمات الأصحاب في المقام .

وأمّا ما أفاده من اختصاص حديث نفي الضرر بالمبيع الشخصي فيدفعه أوّلاً : أنّ الحديث لا يثبت الخيار في المقام ولا يصح الاستدلال به عليه كما أسلفناه سابقاً . وثانياً : لو اعتمدنا عليه في إثبات الخيار فلا مانع من جريانه في بيع الكلّي أيضاً ، لأنّ الضرر المتوجّه إلى البائع متعدّد ، منها أنّ ضمانه ودركه عليه فيا إذا تلف


1) الدروس 3: 273 .

قبل قبضه ، ومنها صبره عن الثمن وعدم تصرّفه فيه ، ومنها وجوب حفظ مال الغير ، فهب أنّ الضرر من الناحية الأولى والثالثة لا يتصوّر في المبيع الكلّي وأمّ--ا الضرر من الناحية الثانية فهو جارٍ في كل من الكلّي والشخصي ، لأنّ عدم تصرّفه في الثمن ضرر عليه فلا مانع من جريان الحديث من تلك الجهة .

ودعوى أنّ صبره وعدم تصرّفه من قبيل عدم النفع وليس من باب الضرر كما ادّعي في المقام واضحة الدفع ، لأنّ الصبر إنما يك-ون م-ن ق-ب-ي-ل ع-دم النفع بالاضافة إلى مال الغير ، وأمّا في مال نفسه وهو الثمن فلا محالة يكون صبره وعدم تصرّفه فيه ضرراً وموجباً لفوات منافعه .

وأمّا النصوص فلا يستفاد منها الاختصاص أيضاً ، أمّا روايتا علي بن يقطين وابن عمّار المشتملتان على لفظ « البيع » فهما وإن كانتا ظاهرتين في إرادة المبيع من البيع بقرينة قوله « ولا يقبضه» وقوله «من اشترى بيعاً » فإن الاقباض والاشتراء لا يتصوّران في البيع ، إذ لا معنى لاقباض البيع أو اشترائه ، فيتعيّن أن يكون المراد منه المبيع ، وليس المقام من قبيل قولنا زرت زيارة الأربعين أو ضربت ضرباً كذا في كون المصدر مفعولاً مطلقاً ، بل المراد ب-ه ه-و الم-بيع بالقرينتين المذكورتين ، إلّا أنّه لم تقم دليل على أنّ إطلاق البيع على المبيع من أجل معرّضيته للبيع ، بل الظاهر أنّ إطلاق البيع عليه بعلاقة الأول والمشارفة نظير ما ورد في قولهم من قتل قتيلاً فله سلبه أي من قتل شخصاً سيتّصف بالقتل ومشرف عليه ، وهي وإن لم تكن رواية صحيحة إلّا أنّه لا بأس بالاستشهاد بها في المقام ، وقوله تعالى : (إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً) (1)وهذا المعنى كما يتحقّق في المبيع الشخصي كذلك يتحقّق في المبيع الكلّي ، لأنّ الكلّي أيضاً سيتّصف بكونه مبيعاً بعد المعاملة ، هذا أوّلاً .


1) يوسف 12 : 36 .

ثم لو سلّمنا أنّ إطلاقه عليه بعلاقة المعرّضية للبيع فهذا لا يمنع عن شموله للكلي ، فإنّ الشخصي كما يمكن أن يكون معرّضاً للبيع كذلك الكلّي قابل لأن يكون معرضاً للمعاملة كما هو المشاهد في التجّار فإنّهم دائماً يبيعون الكلّي في الذمّة فالكلّيات عندهم في معرض البيع ولعلّه ظاهر .

وأمّا رواية زرارة فلا دلالة فيها أيضاً على الاختصاص ، أمّا من جهة لفظ المتاع ، فلأنّ المتاع كالماء وغيره ممّا وضع للطبيعي فهو كما يشمل الموجود الشخصي كذلك يشمل الكلّي في الذمة كالماء بعينه ولا اختصاص فيه بالموجود الشخصي وأما من جهة قوله « ثمّ يدعه عنده » فلأن يدع بمعنى يترك والترك مقابل الأخذ والقبض ، والترك كما يطلق على عدم أخذ المبيع الشخصي كذلك يصح إطلاقه على عدم أخذ المبيع الكلّي ، والذي يدلّنا على ذلك صحة إطلاق ذلك على عدم أخذ الثمن الكلّي من المشتري ، لأنّا إذا بعنا متاعنا من تاجر وأراد التاجر ردّ ثمنه فلم نأخذه منه لعدم حاجتنا إليه أفلا يصح حينئذ أن نقول تركنا الثمن عند المشتري ، أو يقول غيرنا أنّ فلاناً ترك الثمن عند المشتري مع أنّ الثمن كلّي كما هو الحال في أغلب المعاملات ، هذا .

وعلى تقدير تسليم عدم دلالة الرواية على التعميم وعدم استفادة جريان الخيار منها في المبيع الكلّي فهو لا يمنع من دلالة الروايتين المتقدّمتين على التعميم لأنّ لفظ « يدعه عنده » إنّما وقع في كلام السائل ولم يقع في كلام الإمام (عليه السلام) حتّى يمكن الاستدلال به ، على أنّ ظاهره المبيع الشخصي فغاية ما في الباب أنّ هذه الرواية دلّت على ثبوت الخيار في خصوص المبيع الشخصي فلا يمنع عن دلالة سائر الأخبار على التعميم لعدم دلالة الرواية على الاختصاص (حتى تقع المعارضة بينهما) .

وأمّا رواية أبي بكر فربما يقال بأنّ الشيء فيها ظاهر في المبيع الشخصي ولا

مانع من أن يشمل الكلّي أيضاً ، إلّا أنّ انصرافه إلى الموجود الشخصي نظير انصراف المطلق إلى بعض أفراده وهذا هو مدّعى شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) وأخرى يقال باختصاص الشيء بالموجود الخارجي وعدم صحة إطلاقه ع-ل-ى الكلّي ، وذلك من جهة أنّ الشيء بمعنى المشيء وجوده ، فالشيء معناه الموجود فكل ما هو موجود فهو شيء وما لا يكون موجوداً فهو ليس بشيء ، فلا يطلق على الأمور العدمية لفظ الشيء .

ثمّ إنّ ظاهر الرواية أن يكون المبيع شيئاً أي موجوداً قبل وقوع البيع عليه كما هو ظاهر قوله من اشترى شيئاً ، وعليه فيختصّ بالبيع الشخصي لأنّ الكلّي بعد وقوع المعاملة عليه وإن صحّ إطلاق الشيء عليه إلّا أنّه قبل وقوع المعاملة عليه

وقوع ليس بشيء ولا وجود له ، ومن هنا لا تشمله الرواية لظهورها في كون المبيع موجوداً قبل وقوع البيع عليه ، ومقتضى الدعوى الأولى أنّ الشيء أعم إلّا أنّه ظاهر في خصوص الموجود الشخصي ، ومقتضى الدعوى الثانية ، هو اختصاص الشيء بالمقيّد بالوجود وعدم صحة إطلاقه على الكلّي .

وكلتا الدعويين ساقطتان ، وذلك لأنّ الشيء في اصطلاح الفلاسفة وإن كان يختص بالأمور الوجودية وما لا وجود له فهو ليس بشيء عندهم ، إلّا أنّه بحسب العرف واللغة مفهوم عام يشمل الواجب والممتنع والممكن بجميع أقسامه ويشمل الأمور الموجودة والمعدومة ، ومن هنا ذكرنا في بعض مباحث الأصول (1)أنّ وصف الشيء بالعدم ليس فيه مناقضة فيصح أن يقال هذا شيء معدوم أو يقال المعدوم شيء والموجود شيء آخر ، فإنّه لا مناقضة في ذلك عرفاً ولغة ، فإنّ وزان الشيء وزان الأمر الذي يصح إطلاقه على المعدوم والموجود ، فكما يصح إطلاق الشيء


1) محاضرات في أصول الفقه 1 موسوعة الإمام الخوئي (43) : 310 - 311 .

على الموجود الخارجي كذلك يصح إطلاقه على الموجود الذهني والكلّي ، فلا وجه لدعوى تقييده بخصوص الموجود الشخصي أو انصرافه إليه ويوضّح ذلك : ما إذا ورد أنّ وقت أذان الجمعة يحرم بيع شيء ، أفيتفوّه عاقل باختصاص ذلك بالشخصي ولا يشمل الكلّي فيبيع ويشتري الكلّي بدعوى أنّه ليس بشيء . وبالجملة فما دام التعهّد الوضعي باقياً لا يمكن رفع اليد عن معناه ، اللهمّ إلّا أن يرفع اليد عن تعهدّه ووضعه ، ، هذا .

على أنّا لو سلّمنا اختصاص الشيء بالموجود الشخصي وعدم استفادة التعميم من هذه الرواية ففي روايتي علي بن يقطين وابن عمّار كفاية ، وعلى هذا فلا يختص هذا الخيار أو البطلان بخصوص المبيع الشخصي بل يجري فيه وفي المبيع الكلّي في الذمّة ، بلا فرق بينهما .

ثمّ إنّ هنا أموراً قيل باعتبارها في هذا الخيار :

منها: ما ذكره العلّامة (قدّس سره) في التحرير (1)وابن إدريس في السرائر (2)وهو أن لا يكون لهما أو لأحدهما خيار ، وقيّده في السرائر بخصوص شرط الخيار وأنّهما إذا اشترطا لنفسها الخيار أو اشترطه أحدهما فلا نثبت فيه خيار التأخير للبائع . وأمّا التحرير فظاهره الاطلاق وأنّ مطلق الخيار لأحدهما أو لها يمنع عن ثبوت خيار التأخير .

وكيف كان فيقع الكلام في مدرك هذا الاشتراط ، وقد ذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه ) (3)أنّ المدرك في ذلك مجموع أمرين :


1) التحرير 2 : 289 .

2) السرائر 2 : 277 .

3) المكاسب 5 : 229 .

أحدهما : أنّ ظاهر الروايات الدالّة على خيار التأخير أنّ عدم القبض والاقباض إنمّا يوجب يوجب خيار التأخير فيا إذا لم يكن عن حقّ كما إذا لم يقبض المشتري الثمن عداوناً ومماطلة ولأجله لم يقبضه البائع المثمن ، وأمّا إذا كان تأخير المشتري على وجه الحق ولم يكن من باب المماطلة فهو لا يوجب الخيار للبائع ، إذ الأخبار منصرفة عن صورة تأخير المشتري عن حق ، وظاهرها ما ذكرناه من كون عدم القبض لا على وجه الحق ، كما أنّ ظاهرها كون عدم إقباض البائع لعدم

قبض الثمن لا من جهة ثبوت حق له في عدم الاقباض ولو مع قبض الثمن .

وثانيهما : أنّ البيع الخياري لا يجب فيه تسليم المثمن على البائع ولا تسليم الثمن على المشتري ، لأنّه ممّا لا إلزام فيه على الوفاء حتّى أنّه إذا سلّم أحدهما ماله إلى الآخر فلا يجب عليه تسليم مقابله إليه الخيارية العقد وعدم وجوب الوفاء فيه .

فإذا ضممنا أحد هذين الأمرين إلى الآخر ينتج أنّ عدم تسليم المشتري الثمن إلى البائع إنمّا هو عن حق لعدم وجوب التسليم عليه حسب الفرض ، كما أنّ عدم إقباض البائع المثمن من جهة ثبوت حق له في ذلك لعدم وجوب التسليم عليه ، وليس عدم إقباضه مستنداً إلى عدم قبض الثمن ، وقد فرضنا أنّ الأخبار إنّما تدل على ثبوت الخيار فيما إذا لم يكن عدم مجيء المشتري بالثمن عن حق وكان عدم إقباض البائع من جهة عدم قبضه الثمن ، وكلا الأمرين منتفيان في المقام ، إذ المفروض أنّ عدم مجيء المشتري عن حق كما أنّ عدم إقباض البائع مستند إلى حقّه لا إلى عدم قبضه الثمن ، فلازم هذين الأمرين اعتبار عدم ثبوت الخيار لهما أو لأحدهما في ثبوت خيار التأخير هذا.

وشيخنا الأنصاري بعد إيهام ردّ كلتا المقدّمتين بقوله : وفيه بعد تسليم الحكم في الخيار وتسليم انصراف الأخبار الخ قد أورد عليه بنقضين :

أحدهما : أنّ لازم هاتين المقدّمتين كون مبدأ التأخير في هذا الخيار بعد

انقضاء خيار المجلس وبعد الافتراق لأنه ثابت في جميع البيوع أو أغلبها ، والمفروض أنّهما في زمان الخيار لا يلتزمان بالتسليم ، فيكون عدم إقباض كل واحد منهما في زمان خيار المجلس مستنداً إلى حقهما فلا يثبت حينئذ خيار التأخير لعدم حصول شرطه ، فلابدّ من اعتبار التأخير ثلاثة أيام بعد انقضاء المجلس حتّى لا يكون عدم مستنداً إلى حقّهما أو أحدهما ، مع أنّ ظهور الروايات بل صراحتها تقتضي الحكم بثبوت هذا الخيار واعتبار ثلاثة أيام من حين البيع لا م-ن ح-ين الاقباض الافتراق .

وثانيهما : أنّ لازم هذين الأمرين عدم ثبوت هذا الخيار في الحيوان ، لأنّ المشتري فيه على الخيار إلى ثلاثة أيّام ، فعدم تسليمه الثمن حينئذ مستند إلى حقّه والمفروض اشتراط عدم الخيار لهما أو لأحدهما في ثبوت هذا الخيار ، وحيث إنّ المشتري له الخيار في بيع الحيوان فلا يثبت فيه خيار التأخير مع أنّهم متّفقون على ثبوت خيار التأخير في جميع أفراد البيع ولم يخالفهم في ذلك إلّا الصدوق (رحم-ه الله)(1)حيث ذهب إلى كون الخيار في خصوص الجارية بعد شهر لا بعد ثلاثة أيام من جهة وروده في بعض الأخبار كما ستأتي الاشارة إليه إن شاء الله تعالى .

ودعوى أنّ خيار التأخير إنمّا يثبت بعد انقضاء خيار الحيوان فيحسب ثلاثة أيام بعد انقضاء خيار الحيوان ، فإذا لم يجئ بالثمن فيها فيثبت للبائع الخيار ، مدفوعة بأنه على خلاف ظهور الأخبار ، لأنّها كالصريح في أنّ مبدأ الثلاثة في ثبوت خيار التأخير هو زمان وقوع البيع لا زمان انقضاء خيار الحيوان .

لا يقال : إنّ لازم عدم جريان الخيار في بيع الحيوان عدم جريانه في كل بيع يثبت فيه خيار المجلس ، لأنّ ظهور الأخبار في أنّ مبدأه هو حين البيع لا زمان


1) المقنع : 365.

انقضاء الخيار فلماذا التزمتم بثبوته بعد انقضاء خيار المجلس ولم تلتزموا بثبوته بعد انقضاء زمان خيار الحيوان ، فما وجه الفرق بينهما .

لأنّه يقال : إنّ أغلب المعاملات والبيوع لولا جميعها مشتمل على خيار المجلس لا محالة إلّا فيما إذا إذا أسقطاه وهو نادر ، ولازم عدم جريان خيار التأخير فيما يثبت فيه خيار المجلس إلغاء خيار التأخير في أغلب البيوع أو جميعها وه-و يستلزم لغوية الأخبار الدالّة على ثبوته أي خيار التأخير وبقاءها بلا مورد ، وهذا بخلاف الالتزام بعدم جريانه في بيع الحيوان ولعلّه ظاهر ، هذا .

وشيخنا الأستاذ (قدّس سرّه) (1)ذهب إلى تمامية المقدّمتين المتقدّمتين والتزم بعدم ثبوت خيار التأخير فيما إذا ثبت لها أو لأحدهما الخيار ، وأفاد أنّ ما ذكره العلّامة في التحرير وابن إدريس في سرائره هو الصحيح .

أمّا المقدّمة الأولى : فلأنّ صراحة الأخبار وانصرافها عما إذا كان تأخير المشتري مستنداً إلى حقه ممّا لا يقبل الانكار هذا . قلت : بل الشيخ (قدّس الله سرّه)اعترف بذلك في الشرط الثالث من شروط خيار التأخير قبل صحيفة حيث استدلّ على عدم ثبوت الخيار فيما إذا اشترط المشتري التأخير على البائع بمدّة : بأنّ الروايات منصرفة عن صورة كون التأخير مستنداً إلى حقّ المشتري ، ومعه كيف يمكنه الانكار في المقام بقوله (قدّس سرّه) وفيه بعد تسليم الحكم الخ لأنّه يوهم الانكار وإلّا لما يمكنه إثبات الشرط الثالث بالانصراف ، وهذه المقدّمة كما أفاده ممّا لا كلام فيه وإنمّا المهم هو ما أفاده في إثبات المقدّمة الثانية .

وأمّا المقدّمة الثانية : فلأنّ العقد إذا لم يكن بنفسه واجب الوفاء ولم يلزم البائع أو المشتري به فلا محالة تكون آثاره أيضاً غير لازمة الوفاء ، ومن هنا قلنا إنّ


1) منية الطالب 3 : 183 .

الشرط في العقد الخياري بالعرض أو بالذات لا يجب الوفاء به سواء كان شرطاً صريحاً أو ضمنياً كتسليم الثمن والمثمن ، وعليه فحيث إنّ العقد خياري في المقام فلا يجب عليهما الوفاء به ولا يجب عليهما التسليم والتسلّم الثابتان بالاشتراط الضمني ولا غيرهما من لوازم العقد و آثاره ، وعليه فالمقدّمتان تامتان ولازمهما عدم ثبوت خيار التأخير فيما إذا ثبت لهما أو لأحدهما الخيار ، لأنّ التأخير حينئذ مستند إلى حق المشتري كما أنّ عدم إقباض البائع مستند إلى حقه في التأخير لا إلى عدم قبضه الثمن .

ثم أفاد (قدّس الله نفسه) أنّ الشيخ (قدّس سرّه) وإن أنكر عدم وجوب التسليم والتسلّم في المقام إلّا أنه (قدّس سرّه) اعترف به في أحكام القبض في الجواب ع-مّ-ا أورده المحقّق الأردبيلي على مقالة المشهور من أنّ المشتري إذا لم يدفع الثمن إلى البائع فيجوز له عدم إقباض المبيع .

فأورد عليه الأردبيلي (قدّس سرّه) بأنّ معصية أحد وظلمه وهو المشتري حيث عصى بعدم دفع الثمن إلى البائع كيف تكون سبباً ومرخّصاً في معصية الآخر وظلمه ، وكيف يجوز للبائع عدم إقباض المبيع مع أنّه واجب عليه ، هذا .

فأجاب عن ذلك شيخنا الأنصاري بأنّ عدم دفع البائع ليس معصية وظلماً بل من جهة حقّه الثابت بالاشتراط الضمني حيث اشترط كل منهما على الآخر عدم تسليمه ملك الآخر إلّا فيا إذا سلّمه الآخر ملكه وتخلّفه يوجب الخيار ، ونتيجة ذلك أنّ التسليم والتسلّم غير واجبين في زمان الخيار .

وأمّا نقضه (قدّس سرّه) بخيار المجلس والحيوان فيندفع بأنّ ظاهر الروايات هو عدم كون المتبايعين ذوي خيار في زمان مقارن لخيار التأخير وهو بعد انقضاء ثلاثة أيام من صدور البيع بآن ، لأنه زمان ثبوت خيار التأخير ، فكون أحدهما أو كلاهما ذا خيار في هذا الزمان يوجب أن يكون التأخير مستنداً إلى حقّها

وخيارهما ، وأمّا الخيار قبل انقضاء ثلاثة أيام كخياري المجلس والحيوان أو بعد ثلاثة أيام بمدة كالخيار بعد شهر من ثلاثة أيام فهما لا ينافيان خيار التأخير ولا يمنعان عن كون تأخيره عن غير حق في زمان خيار التأخير لاختلاف زم--انه-ا والذي يوجب استناد التأخير إلى حقهما هو خيارهما مقارناً لانقضاء ثلاثة أيام الذي هو ظرف لخيار التأخير ، فإنّ تأخيره حينئذ مستند إلى حقه وخياره ، وعليه فالنقض بخياري المجلس والحيوان غير وارد لعدم كونها مقارناً لانقضاء ثلاثة أيام وإنما هي قبل انقضائها ، فلا يكونان منافيين لخيار التأخير ، نعم لو امتد مجلس البيع إلى ثلاثة أيام وما بعدها يكون منافياً لخيار التأخير إذ لا يجب عليه التسليم حينئذ ويكون تأخيره عن حق ، ومعه لا يثبت خيار التأخير ، هذه خلاصة ما أفاده شيخنا الأستاذ (قدس سره) في المقام .

ولنا في جملة ما أفاده نظرات وتأمّلات : منها ما أفاده أخيراً من أنّ الشيخ (قدّس سرّه) سلّم عدم وجوب التسليم والتسلّم في زمان الخيار حيث أجاب ع--ن مناقشة الأردبيلي (قدّس سرّه) في أحكام القبض بأنّ عدم تسليم المشتري ليس بظلم بل من جهة الاشتراط الضمني حيث شرط كل واحد منهما على الآخر التسليم عند تسليم الآخر وتمكينه منه ، وهذا الاشتراط يوجب الخيار عند تخلّفه ، وحيث إنّ البائع لم يسلّم المبيع إلى المشتري فله أن لا يسلّم الثمن إليه ، ومعنى ذلك أنّهما في زمان الخيار غير محكومين بوجوب التسليم والتسلّم .

ولا يخفى عليك أنّ البابين مختلفان وأحدهما أجنبي عن الآخر ، وذلك لأنّ عدم وجوب التسليم والتسلّم على المتبائعين عند اشتراطها ليس من جهة الخيار بل من جهة الاشتراط ، فإنّ الفرض أنّ كل واحد منهما اشترط على الآخر التسليم عند تسليمه ، فإذا لم يحصل التسليم منه فلا يجب التسليم عليه حسب الاشتراط ، كان العقد لازماً أم كان جائزاً ، فليس عدم وجوب التسليم مستنداً إلى الخي-ار ك--ما

عرفت ، وأمّا في المقام فالمدّعى أنّ من آثار الخيار عدم وجوب التسليم والتسلّم من جهة أنّ العقد إذا لم يكن بنفسه لازم الوفاء فلا يكون آثاره أيضاً واجب الوفاء حتى فيما إذا سلّم أحدهما إلى الآخر فإنه لا يجب على الآخر ردّ ماله إليه لأن العقد خياري وليس لازم الوفاء ، مع أنّ عدم وجوب عدم وجوب التسليم لو كان من جهة الاشتراط لوجب على الآخر التسليم لحصول شرطه .

وكيف كان فالبابان مختلفان ، ولا ينا في القول بعدم وجوب التسليم من جهة الاشتراط القول بأنّ الخيار لا يترتّب عليه عدم وجوب التسليم والتسلّم لتعدّد المسألتين ، وقد عرفت أنّ عدم وجوب التسليم في أحكام القبض من جهة الاشتراط وعدم حصول شرطه لا من جهة الخيار ، فكلام شيخنا الأنصاري (قدس سرّه) في المقام غير مناقض لما أفاده في أحكام القبض لتعدّدهما كما مرّ .

ومنها : ما أفاده في المقدّمة الأولى من أنّ ظاهر الروايات هو عدم المجيء بالثمن لا عن حق ، وأمّا إذا كان تأخيره عن حق له فلا يكون مشمولاً للأخبار وأنّ مناسبة الحكم والموضوع تقتضي أن لا يكون التأخير عن حق بعد ثلاثة أيام بأن لأنه ظرف ثبوت خيار التأخير ، وعدم المجيء إن كان في ذلك الوقت عن غير حق فيثبت خيار التأخير له ، وإن كان عن حقّ فلا يثبت ، وأمّا تأخيره قبل انقضاء ثلاثة أيام أو بعدها بمدة فكونه عن حق أو عن غير حق لا يمنع عن خيار التأخير لأنّ ظرفه هو بعد الثلاثة بأن لا قبلها ولا بعدها بمدة ، وعليه فخياري المجلس والحيوان لا ينافيان خيار التأخير لأنّ ظرفها قبل انقضاء الثلاثة وهما يوجبان الحق في التأخير قبل انقضائها ولا يشملان ما بعد الثلاثة بأن الذي هو ظرف ثبوت هذا الخيار ، وقد عرفت أنّ كون التأخير عن حق أو عن غير حق قبل انقضاء الثلاثة ممّا لا أثر له ، بل اللازم أن لا يكون التأخير في ظرف ثبوت خيار التأخير عن حق ، وعليه فخياري المجلس والحيوان لا ينافيان خيار التأخير ، هذا .

وما أفاده من أنّ ظاهر الأخبار عدم كون التأخير عن حق فمما لا غبار عليه قد عرفت أن شيخنا الأنصاري (قدس سره) اعترف بانصراف الأخبار عما إذا كان التأخير عن حق في الشرط الثالث ، فعدم شمول الأخبار لما إذا كان التأخير عن حق للمشتري ممّا لا مناص عن الالتزام به . إلّا أنّ ما أفاده من أنّ المناسبة بين الحكم والموضوع تقتضي أن لا يكون التأخير عن حق بعد انقضاء ثلاثة أيام بأن فهو مما لا مقتضي له ، لأنّ ظاهر الروايات هو أن لا يكون عدم المجيء بالثمن في ثلاثة أيام عن حق لا عدم كونه عن حق بعد انقضائها ، بل ظاهر أنه إذا لم يأت به في الثلاثة يثبت للبائع الخيار وإن أتى به آن بعد انقضائها ، فمنه يظهر أنّ التأخير لابدّ وأن لا يكون عن حق أو يكون كذلك في ثلاثة أيام من زمان البيع لا التأخير بعد انقضائها ، لأنّ الموضوع لخيار التأخير هو التأخير في الثلاثة لا بعدها وهو الذي يشترط فيه أن لا يكون عن حق دون التأخير بعدها ، وكيف كان فالمشتري إنما أمهل في التأخير في الثلاثة لا بعد انقضائها ، وعليه فثبوت خياري المجلس والحيوان في ثلاثة أيام يمنع عن هذا الخيار ، لأنّها يوجبان الحق في التأخير في ثلاثة أيام ، مع أنّ الموضوع لخيار التأخير هو التأخير في الثلاثة لا عن حق ، فما أورده شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) من أنّ لازم هذا الكلام عدم ثبوت هذا الخيار في الحيوان ممّا لا مناص عن الالتزام به .

ومنها : ما أفاده في المقدّمة الثانية من أنّ الخيار يوجب عدم التسليم والتسلّم وأنّ من آثاره عدم وجوبهما بدعوى أنّ العقد إذا لم يجب الوفاء به بنفسه فلا تكون آثاره أيضاً لازمة الوفاء ، ولذا تكون الشروط الضمنية والصريحة في البيع الخياري غير واجبة العمل ، فإنّ ما أفاده (قدس سره) مبني على أن يكون المدرك

للزوم العقد هو قوله تعالى (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (1)واستفادة الوجوب التكليفي منه بمعنی أنّ العقد يجب الوفاء به شرعاً ، ومعنى وجوب الوفاء هو وجوب ترتيب آثاره عليه ، فإذا خصّص ذلك في مورد يكون البيع خيارياً وقلنا بعدم وجوب الوفاء به حينئذ فلازمه قهراً عدم وجوب ترتيب آثاره عليه ، لأنّه معنى عدم وجوب الوفاء شرعاً فلا يجب التسليم والتسلّم حينئذ .

إلّا أنّ ذلك ممّا لا يمكن المساعدة عليه ، لما عرفت في محلّه من أنّ وجوب التسليم والتسلّم وغيرهما من الآثار ليست من آثار اللزوم ب-ل ه-ي م-ن آث-ار الملكية ، لأنّ ملك الغير يحرم التصرّف فيه أو يجب ردّه إلى مالكه وهكذا ، وهذه الآية المباركة في مقام الارشاد إلى لزوم العقود لعدم إمكان الحكم بوجوب الوفاء مولوياً ، إذ الوفاء بمعنى الانهاء ولا يصح أن يتعلّق به حكم مولوي كما مرّ في محلّه كما أن معنى الخيار هو ملك فسخ العقد وإمضائه ، فمن له الخيار يتمكن من فسخ العقد وإرجاع المال إلى ملكه ، وليس معناه عدم وجوب التسليم والتسلّم لما عرفت من أنّه ليس من آثار اللزوم حتّى يرتفع بارتفاعه ويثبت عدم وجوب التسليم عند الخيار ، وإنمّا هو من آثار الملكية فإذا كان المبيع ملك المشتري فيجب على البائع ردّه إليه كما أنّ المشتري يجب أن يردّ الثمن إلى البائع كان لهما الخيار أم لم يكن ، نعم لو كان لأحدهما أو لكليهما خيار فيتمكّن من فسخ العقد وارجاع الملك إلى نفسه وأمّا قبل ذلك فليس له أن يتصرف في ملك الآخر لحرمته ، وقوله (عليه السلام) « لا يحل ما امرئ مسلم إلّا بطيب نفسه »(2)وقوله تعالى : (لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُم


1) المائدة 5 : 1 .

2) الوسائل 5 : 120 / أبواب مكان المصلّي ب 3 ح 1 (باختلاف يسير).

بِالْبَاطِلِ) (1)وغيرهما ممّا دلّ على حرمة التصرف في مال الآخر ، وكيف ك--ان فالخيار لا يستلزم ولا يترتّب عليه عدم وجوب التسليم لأنّه تصرف في مال الغير وهو حرام ، وإنما يترتّب عليه جواز التصرف فيه برفع موضوعه وارجاعه إلى ملك نفسه .

فالمتحصّل : أنّ الخيار لا يترتّب عليه عدم وجوب التسليم اللهم إلّا أن يشترطا ذلك في ضمن العقد وهو أمر آخر تكلّمنا فيه في الشرط الثالث ، وعليه فلا مانع من أن يكون لكليهما أو أحدهما خيار فإنّه لا يوجب أن يكون تأخيره عن حق ، ومعه لا مانع من خيار التأخير ، فلا يكون الخيار مانعاً عن ثبوت خيار التأخير ، هذا .

نعم ربما يتوهّم عدم إمكان اجتماع خيارين أو أزيد كما مرّ ذلك في خيار المجلس ، أو يتوهم أنّ الغرض من خيار البائع في المقام هو عدم تضرّره ، فإذا ثبت له الخيار من ناحية أخرى وتمكّن من دفع ضرره فلا يحكم عليه بخيار التأخير لعدم تضرّره ، وهذا القائل لا يرى خيار المشتري مانعاً عن ثبوت خيار التأخير للبائع وإنمّا يرى خيار البائع مانعاً عن ثبوته .

وقد استند فيما ذهب إليه بوجهين : أحدهما ما تقدّمت الاشارة إليه من أنّ الغرض من جعل خيار التأخير للبائع عدم تضرّره بالتأخير بعد الثلاثة ، وإذا فرضنا أنّ له خياراً من ناحية أخرى بحيث يتمكّن من فسخ المعاملة ولا يتضرّر بالتأخير فتنتني علّة خيار التأخير لا محالة وهي تضرّر البائع ، وإذا انتفت العلّة فينتفي المعلول لا محالة فلا يثبت له الخيار ، هذا . وظاهر كلام المستدل أنه يشترط عدم الخيار للبائع بعد ثلاثة أيام ، وأنه إذا


1) النساء 4: 29 .

كان له خيار بعد الثلاثة فلا يتضرّر بالتأخير بعد الثلاثة ، لا أنّه يشترط عدم الخيار له في ثلاثة أيام ، لأنّ عدم تضرّره بالتأخير فيها لا يمنع عن تضرّره بالتأخير بعد الثلاثة ، والموضوع لخيار التأخير هو التأخير بعد الثلاثة لا إلى الثلاثة ، وهذا أي التضرّر بالتأخير بعد ثلاثة أيام ينتفي فيما إذا كان له خيار آخر بعد الثلاثة كخيار العيب أو الغبن ونحوهما .

وعليه فلا يرد على هذا الاستدلال ما أورده شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) من أنّ الضرر بالتأخير بعد الثلاثة لا ينتفي بالخيار في الثلاثة ، وذلك لأنّ غرض المستدل أنّ الخيار بعد الثلاثة الذي يمنع عن تضرّره بعد الثلاثة يمنع عن ثبوت خيار التأخير ، وما أورده (قدّس سرّه) عليه مبني على فهم معنى آخر من كلام المستدل وهو إرادة الخيار في الثلاثة ، وقد عرفت أنّ ظاهر كلام المستدل هو الخي-ار ب-عد الثلاثة ، فكلام المستدل متين من هذه الجهة إلّا أنّه مبني على أن يكون المدرك لثبوت خيار التأخير هو الضرر ، وأمّا إذا قلنا بعدم تمامية الاستدلال بالضرر وأنّ المدرك هو الأخبار فلا وجه لهذا الكلام ، لأنّ المناط في ثبوت هذا الخيار حينئذ هو تأخير المشتري ثلاثة أيام سواء تضرّر بذلك البائع أم لم يتضرّر ولو مع البناء على أنّ الحكمة في دلالة الروايات على ثبوت خيار التأخير هو الضرر ، إلّا أنّه ليس علّة وموضوعاً لذلك فى الأخبار كما هو ظاهر .

وثانيهما : أنّ ظاهر الأخبار أنّ البيع لازم في الثلاثة وإنما يصير جائزاً فيما إذا أخّر المشتري بعد ثلاثة أيام حيث قال (عليه السلام) « فإن جاء بالثمن ما بينه وبين ثلاثة أيام فهو وإلّا فلا بيع له » (1)وهذا إنما يتحقّق فيها إذا لم يثبت له خيار في ثلاثة أيام وإلّا فيكون البيع جائزاً في الثلاثة ، مع أنّ الأخبار دلّت على ثبوت خيار


1) الوسائل 18 : 21 / أبواب الخيار ب 9 ح 1 (باختلاف يسير) .

التأخير فيما إذا كان البيع لازماً في الثلاثة فتختصّ بما إذا لم يكن له خيار في ثلاثة أيام .

فإن قلت : إنّ الأخبار إنمّا دلّت على لزوم البيع في ثلاثة أيام من ناحية خيار التأخير بمعنى أنه لا خيار تأخير له في الثلاثة ، وهذا لا يمنع عن عدم لزوم--ه م--ن سائر الجهات .

قلت : لا يعقل أن يتقيّد المسبّب بسببه ، ولا معنى لأن يقال إنّ التأخير بعد الثلاثة يوجب الخيار المقيّد بالتأخير وأنّ الخيار المقيّد بالتأخير منفي في الثلاثة ، لأنّ الظاهر أنّ التأخير سبب للخيار المطلق لا المقيّد بالتأخير . وبعبارة أخرى أنّ السببية والمسبّبية تنتزعان من الذاتين ، وهذه الذات لتلك الذات لا أنّها سببللذات المتقيّدة والمتّصف بالمسبّبية ، لأنّهما عنوانان منتزعان من سببية أحدهما للآخر ، فالمسبّب طبيعي الخيار وهو ثابت بعد الثلاثة ومنفي في الثلاثة ، فلو فرضنا أنّ البيع خياري في الثلاثة أيضاً فلا يكون طبيعي الخيار منفياً ، فيكون هذه الصورة خارجة عن الأخبار .

والجواب عن ذلك : أنّ الظاهر وإن كان كما ذكره المستدل وأنّ التأخير سبب لطبيعي الخيار ، إلّا أنّ جعل السببية للتأخير بالاضافة إلى طبيعي الخيار بعد الثلاثة ونفي سببيته لطبيعي الخيار في الثلاثة لا ينا في سببية شيء آخر له حينئذ ، ولا مانع من أن يثبت هناك خيار بسبب آخر ، وأيّ تناف بينه وبين عدم سببية التأخير لطبيعي الخيار في الثلاثة ، وهذا نظير خيار الحيوان وغيره ممّا دلّ على ثبوت الخيار للمتبائعين بسبب من الأسباب ، فإنه لا ينا في ثبوته بسبب آخر أيضاً وهو ظاهر ومن هنا اعترف المستدل بعدم كون خيار المجلس مانعاً عن ثبوت خيار التأخير مع أنّ المجلس ربما يطول ويمتد إلى ساعة أو ثلاث ساعات .

وكيف كان ، فالروايات اشتملت على عقد إيجابي وهو سببية التأخير

لطبيعي الخيار بعد الثلاثة ، وعلى عقد سلبي وه-و ع-دم سببية التأخير لطبيعي الخيار في الثلاثة ، ولا دلالة فيها على عدم ثبوت الخيار بسبب آخر بوجه .

ومنها : أن يكون العاقد متعدّداً ، واشترطه بعضهم في خيار التأخير واستند في ذلك إلى أمرين :

أحدهما : دعوى ظهور الروايات في تعدّد العاقد حيث اشتملت على أن البائع غير المشتري ، وأنه إذا جاء بالثمن إلى ثلاثة أيام ودفعه إلى البائع فلا خيار وإلّا فللبائع كذا ، وظاهرها تعدّد المتعاقدين .

وثانيهما : أنّ خيار التأخير إنما يثبت بعد خيار المجلس ، ولو كان العاقد واحداً فمجلسه يبقى إلى الأبد ولا يتصوّر فيه الافتراق فأين يثبت خيار التأخير حينئذ .

والجواب عن الأول ظاهر ، فإنّ الأخبار ظاهرة في تعدّد البائع والمشتري لا في تعدّد العاقد ، ومن الظاهر أنّ البائع والمشتري إذا كان واحداً لا يعقل فيه القبض والاقباض ، إذ لا معنى لاقباض نفسه وقبض شيء من ذاته فلا يثبت فيه الخيار لا محالة ، وهذا كما في الولي لصغيرين إذا باع مال أحدهما من الآخر فإنّه بنفسه بائع ومشترٍ فلا يثبت في حقه خيار التأخير، وأما إذا كان البائع والمشتري متعدّداً وكان العاقد واحداً فلا مانع من ثبوت هذا الخيار ، لامكان تأخير المشتري في ردّ الثمن بعد الثلاثة لأنّه غير البائع فيثبت له الخيار .

وأمّا الجواب عن الثاني : فظاهر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (1)أنّ الكبرى مسلّمة ولذا ناقش فيه مناقشتين صغرويتين : إحداهما أنّ خيار المجلس لا يثبت لمجرد العاقد والوكيل في إجراء الصيغة فقط ، فلا مانع من أن يثبت له خيار التأخير إذ ليس له خيار المجلس . وثانيتهما : أنّ العاقد الواحد وإن كان خيار المجلس باقياً في


1) المكاسب 5 : 231 .

حقه إلّا أنه يمكن إسقاطه أو اشتراط عدمه في المعاملة ، فإذا ارتفع خيار المجلس عنه فلا مانع من أن يثبت له خيار التأخير .

وهذان الجوابان مناقشتان صغرويتان ، ولكن المناقشة في الكبرى أولى من أن يناقش في الصغرى ، وذلك للمنع من أنّ خيار التأخير يثبت بعد خيار المجلس إذ ليس لهذا الاشتراط والتقييد أثر في الروايات ، وهي مطلقة وظاهرها ثبوت خيار التأخير حتّى قبل انقضاء المجلس ، نعم الغالب أنّ المجلس لا يمتدّ إلى ثلاثة أيام وينقضي قبلها ، إلّا أنّ التقييد بذلك ممّا لا أثر منه في الأخبار ، فما أفاده المستدل غير ثابت لا بحسب الصغرى ولا من ناحية الكبرى كما عرفت .

ومنها : أن لا يكون المبيع جارية أو مطلق الحيوان ، واشترطه الصدوق (قدّس سرّه) في المقنع (1)والظاهر أنّ الصدوق أفتى على طبق الرواية (2)وه-ي مشتملة على خصوص الجارية ، ولا وجه لحملها على المثال وإرادة مطلق الحيوان كما أنّ الصدوق تعرّض لهذا الاشتراط في من لا يحضره الفقيه (3)وقال : إنّ الخيار فيما يفسد من يومه يوم واحد وفيما لا يفسد من يومه ثلاثة أيام وفي الجارية إلى شهر ، وليس فى كلامه إشارة إلى مطلق الحيوان ، بل ظاهر عنوان ما لا يفسد من يومه أنه أعم من الحيوان لأنّه ممّا لا يفسد من يومه .

وكيف كان ، فلا وجه لارادة مطلق الحيوان ، بل الكلام في خصوص الجارية وأنّها نظير غيرها من أفراد المبيع الذي ذكرنا أنّ الخيار فيه إلى ثلاثة أيام، أو أنها تمتاز عن غيرها والخيار فيها إلى شهر ، وقد عرفت أنّ الصدوق (قدّس سرّه) ذهب


1) المقنع : 365 .

2) الوسائل 18 : 23 / أبواب الخيار ب 9 ح 6 .

3) الفقيه 3 : 127 ح 7 .

إلى أنّ الخيار فيها إلى شهر ، والمستند في ذلك رواية علي بن يقطين « عن رجل اشترى جارية فقال أجيؤك بالثمن ، فقال : إن جاء فيما بينه وبين شهر وإلّا فلا بیع له »(1)ومقتضاها أنّ الخيار في الجارية إلى شهر .

وربما يناقش فيها بوجهين أحدهما : ما عن العلّامة (قدّس سرّه) في المختلف(2)من أنّ الرواية ضعيفة . ولكنّه لم يظهر لنا وجه ما أفاده (قدّس سرّه) وأنّ الرواية من أية جهة ضعيفة بل الظاهر عدمه وفاقاً لصاحب الحدائق (3)حيث وصفها بالاعتبار ولصاحب الجواهر (قدس سره) (4)وقد نصّ على أنّ الرواية نقية السند .

وتوضيح ذلك : أنّ في الباب روايتين إحداهما هذه الرواية وه-ي م-ا رواه الصدوق عن محمد بن أحمد بن يحيى عن أبي إسحاق عن ابن أبي عمير عن محمد ابن أبي حمزة عن علي بن يقطين .

وثانيتهما : ما رواه هو (قدّس سرّه) أيضاً عن ابن فضّال عن الحسن بن علي بن رباط عن زرارة عن أبي عبدالله (عليه السلام) أو عمّن رواه عن أبي عبدالله (عليه السلام) ، والرواية الأولى لا إشكال في رواتها إلّا من جهة اشتمالها على أبي إسحاق وأبو إسحاق كثير بين مجهول وضعيف وموثّق ، ولكن الظاهر أنّ أبا إسحاق هذا هو والد علي بن إبراهيم بن هاشم أي هو إبراهيم بن هاشم وهو رجل ممدوح ، وذلك لأنّ أبا إسحاق على نحو الاطلاق ينصرف إليه ، مضافاً إلى تميّزه عن غيره برواية


1) تقدّم مصدرها آنفاً .

2) المختلف 5 : 101 .

3) الحدائق 19: 45 .

4) الجواهر 23 : 56 .

محمد بن أحمد بن يحيى عنه وروايته عن ابن أبي عمير ، وكونه وسطاً بينهما مميّز وموجب لتعيين إبراهيم بن هاشم وقد عرفت أنّه ممدوح ، وعليه فالرواية معتبرة ونقيّة السند ولا وجه لتضعيفها كما عن العلّامة (قدّس سرّه) .

وثانيهما : أنّ الرواية ممّا أعرض عنه الأصحاب وإعراضهم يسقط الرواية عن الاعتبار ، ولعلّ هذا الوجه هو الموجب لما أفاده العلّامة (قدس سرّه) من أن الرواية ضعيفة ، فإنّ إعراض المشهور يكسر الرواية ويسقطها عن الحجيّة ومن هنا ذكر بعضهم أنّ الرواية شاذة ، هذا .

ويمكن المناقشة في ذلك بوجهين : بمنع الصغرى تارةً وبمنع الكبرى أخرى .

أمّا الأول : فلأنّ إعراضهم عن الرواية غير معلوم فلعلّهم فهموا منها معنى آخر وهو كون التأخير إلى شهر غير مستند إلى خيار التأخير ، بل من جهة اشتراط التأخير إلى تلك المدّة ، وذلك لأنّ الرواية لم تتعرّض إلى قيد عدم قبض الجارية ، مع أنّ عدم قبض المبيع شرط في ثبوت خيار التأخير ، ومقتضى الرواية أنّه إذا لم يجى بالثمن إلى شهر فللبائع الخيار سواء أقبض الجارية أم لم يقبضها ، ولأجله لا مانع من إرادة خيار الشرط ، كما لا مانع من حملها على استحباب الامهال إلى شهر كما صنعه شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) ، ولعلّ هذين الوجهين كانا مركوزين في أذهان الأصحاب وقد حملوها عليهما ، وهما وإن كانا بعيدين في نفسها إلّا أنّاحتمالهما يمنع عن العلم باعراض الأصحاب عن الرواية فالاعراض غير معلوم .

وأمّا الثاني : فلأنّ إعراض المشهور عن رواية لا يوجب سقوطها ع--ن الاعتبار بعد ما كانت في نفسها صحيحة ومعتبر السند ، فإنّها بعد فرض اعتبار رواتها لابدّ من العمل على طبقها ، وإعراضهم عنها لا يوجب رفع اليد عنها ، كما أنّ

عملهم على طبق رواية ضعيفة لا يوجب اعتبارها كما قرّرناه في الأصول (1)وفي مواضع من الفقه لبعض المناسبات ، وعليه فلا وجه لرفع اليد عن الرواية .

كما لا وجه لحملها على صورة الاشتراط أو الاستحباب لعدم ذكر الاشتراط فيها ، وظهورها في لزوم البيع إلى شهر وجوازه بعده ولا صلة لها بالاستحباب وبهذه الرواية نخصص عموم ما دلّ على خيار التأخير بعد ثلاثة أيام ، وباطلاقها من حيث قبض الجارية وعدمه نلغي اشتراط قبضها في الامهال إلى شهر فنقول : إنّ الجارية استثنيت عن غيرها من أفراد المبيع ، والخيار فيها بعد شهر سواء قبضت الجارية أم لم تقبض .

القول في مبدأ الثلاثة في هذا الخيار

وهل مبدؤها بعد الافتراق كما هو ظاهر قوله « فإن جاء بالثمن بينه وبين ثلاثة أيام » (2)لأنّه ظاهر في أنّ الثلاثة بعد ذهابه وتفرّقه في مقابل المجيء ، أو أنّ مبدأها هو العقد كما يستظهر ذلك من رواية علي بن يقطين « الأجل بينها ثلاثة أيام » (3)والثاني هو الأظهر لتعارف هذا التعبير عند الناس حيث يكنّون بقولهم بينه وبين كذا عن الامهال وعدم مطالبته بالثمن ورفع يده عمّا يثبت له م--ن ح-قّ المطالبة ، وهذا الحق إنمّا يثبت من حين العقد ، وعدم مطالبته ورفع اليد عنه إلى ثلاثة أيام من زمان ثبوته هو المراد بالأخبار ، وعليه فمبدؤها حين العقد سواء حصل الافتراق أيضاً بعد العقد أم كان المجلس باقياً إلى ثلاثة أيام كما إذا كانا معاً محبوسين


1) مصباح الأصول 2 (موسوعة الإمام الخوئي (47) : 235 فما بعدها .

2) الوسائل 18 : 21 / أبواب الخيار ب 9 .

3) وهي الرواية السادسة من الباب التاسع من أبواب الخيار .

أو مسافرين إلى ثلاثة أيام .

في مسقطات هذا الخيار

ذكر شيخنا الأنصاري (قدس سره)(1)أنّ هذا الخيار يسقط باسقاطه ب-عد ثلاثة أيام ، بلا خلاف فيه ولا إشكال بعد ما تقدّم أنّ هذا من الحقوق وليس من قبيل الجواز واللزوم الحكميين وله أن يرفع يده عن حقه وهو ظاهر .

وإنمّا الكلام فيما إذا أسقطه في الثلاثة قبل انقضائها ، لأنّ الخيار بعدُ غير ثابت له حتى يسقطه فيكون من إسقاط ما لم يجب وهو أمر غير معقول ، لأنّ المعدوم كيف يسقط فإنّ السقوط فرع الثبوت .

وربما يجاب عن ذلك : بأن الخيار مسبّب عن العقد بمعنى أنّ العقد مقتض للخيار ، وبعد ثبوت المقتضي له لا مانع من إسقاطه فيكون خارجاً عن إسقاط ما يجب .

وفيه : أنّ هذا عين الاشكال وهو مصادرة ، إذ المقتضي لا يترتّب عليه الخيار بمجرده فيكون إسقاطه حينئذ إسقاطاً لما لم يجب .

وعن شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه)(2)أنّ الاسقاط في الحقيقة يرجع إلى رفع يده عمّا ثبت له من حق المطالبة بالثمن بالعقد، فإنّ التسليم والتسلّم ممّا يشترطها العقلاء في معاملاتهم ضمناً ، وهذا الحق يثبت له بعد العقد فلا مانع من إسقاطه حينذاك ، ولا يكون ذلك من إسقاط ما لم يجب لما عرفت من أنّ مرجع الاسقاط إلى رفع يده عن حقه الثابت له بالعقد .


1) المكاسب 5: 233 .

2) منية الطالب 3: 186 .

والجواب عن ذلك لعلّه ظاهر ، فإنّ الخيار عبارة عن ملك فسخ العقد وإمضائه ، وحق المطالبة بالمثمن أو الثمن أمر آخر لا ربط له بالخيار ، ومن هنا يمكنه رفع اليد عن حق مطالبته بالثمن ومع ذلك لا يسقط خياره ، كما له أن يسقط خياره ولا يرفع يده عن حق مطالبته بالثمن ، فهما أمران أحدهما غير الآخر فكيف يكون إسقاط أحدهما إسقاطاً للآخر .

وكيف كان فاسقاط هذا الخيار في الثلاثة مورد الإشكال .

وأشكل من ذلك ما إذا اشترط سقوطه في ضمن العقد (1)والوجه في أولويته للإشكال هو أنّ العقد والمقتضي عند إسقاطه في الثلاثة موجود ، وبهذا الاعتبار يمكن التخلّص عن محذور إسقاط ما لم يجب ، وهذا بخلاف صورة اشتراط السقوط في ضمن العقد لعدم تمامية المقتضي له حينئذ فتكون هذه الصورة أولى لإيراد محذور إسقاط ما لم يجب ، هذه جهة .

وتزيد هذه الصورة عن صورة إسقاطه في الثلاثة بإيراد آخر ، وهو أنّ هذا الاشتراط أي اشتراط السقوط في ضمن العقد غير معلوم الجواز شرعاً ، فإنّ الاسقاط في الثلاثة بنفسه ومجرّداً عن الاشتراط إذا كان مورداً للاشكال وقلنا بعدم جوازه للمحذور المتقدّم فكيف يصح اشتراطه في العقد .

وبالجملة : أنّ في المقام إيرادين: أحدهما أنّ إنشاء السقوط فعلاً لما سيأتي في ظرفه إسقاط لما لم يجب ، وهو نظير إنشاء البيع فعلاً لما لم يشتره ، وإنشاء الطلاق لمن لم يتزوّج بها باعتبار كونها مطلقة في ظرف الطلاق وهو بعد الزوجية ، أو كون الشيء مبيعاً بعد شرائه ، واحتمال إمكان ذلك بإرادة شرط السقوط على نحو شرط النتيجة بأن يسقط هذا الخيار في ظرفه بعد العقد بلا حاجة إلى إنشاء الاسقاط


1) [ هذا هو المسقط الثاني ] .

ونحوه ، مندفع بأنّه أمر غير مشروع ، فإنّ الحق كيف يسقط بلا سبب أو الطلاق كيف يحصل بنفسه في ظرفه فإنّها أمور عيّن الشارع لها أسباباً ولا معنى لسقوطها ب-لا سبب.

وثانيهما : أنّ هذا الاشتراط لم يثبت جوازه لأنه في نفسه مورد للإشكال .

والصحيح في الجواب أن يقال في حلّ ذلك : - مضافاً إلى النقض بما أف--اده شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) في خيار المجلس (1)وقد قوّى صحة اشتراطه السقوط في ضمن العقد وجواز إسقاطه - أنّ إسقاط ما لم يجب بمعنى انشاء الاسقاط فعلاً لما سيأتي في ظرفه من الخيار أو الطلاق أو البيع أمر ممكن عقلاً وليس فيه استحالة وامتناع ، إذ لا يراد به إسقاط الخيار فعلاً حتى يورد عليه بأنه معدوم وغير ثابت وما معنى إسقاط المعدوم ، بل هو إسقاط بالفعل لما سيثبت في ظرفه ومحلّه نظير الوصية لأنّها إنشاء للملكية فعلاً ونفس الملكية بعد الموت ، وإنمّا لا نقول بجوازه أي بجواز إسقاط ما لم يجب لا لاستحالته بل لقيام الاجماع على بطلانه كما في الطلاق قبل الزواج والبيع قبل الشراء ، وإلا فلا استحالة عقلية فيه.

بل مضافاً إلى قيام الاجماع على بطلانه أمر غير معهود عند العقلاء وليس متعارفاً بينهم ، إذ لم يسمع من أحد العقلاء جواز الطلاق قبل الزواج . وأما في المقام فاسقاط الخيار في الثلاثة وإن كان إسقاطاً لما لم يجب إلا أنّه ليس كل ما يكون إسقاطاً لما لم يجب باطلاً ، بل إنمّا يبطل في كل مورد ق--ام ف--ي-ه الاجماع على بطلانه ، ولا إجماع في المقام على بطلانه ، لأنّ المشهور ذهبوا إلى جواز الاسقاط في الثلاثة ، مضافاً إلى معهودية أمثال هذا من أفراد الاسقاط لما لم يجب فإنّ العقلاء يسقطون حقهم في العقد أو بعده ، وهذا ممّا لا ريب فيه وبه يرتفع


1) المكاسب 5 : 54 - 55 .

الاشكال عن اشتراط الاسقاط في ضمن العقد لجوازه ، فلا مانع من إسقاط هذا الخيار في الثلاثة كما لا مانع من اشتراط سقوطه في ضمن العقد ، اللهمّ إلّا أن يقوم إجماع على عدم جواز الاسقاط في الثلاثة ، إلّا أنه فرض غير واقع .

ومن جملة المسقطات : بذل المشتري الثمن بعد ثلاثة أيام(1)وقد ذهب العلّامة (قدّس سرّه ) (2)إلى أنه يسقط الخيار ، وربما تمسك بالاستصحاب في إثبات عدم السقوط بالبذل فإنّ الخيار كان ثابتاً قبل بذل الثمن فنشك في سقوطه ب-ه والأصل عدمه .

وذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه ) (3)في المقام أنّ المدرك في هذا الخيار هو التضرّر بتأخير ردّ الثمن والضرر ينتفي بالبذل بعد الثلاثة ، فلا ضرر حينئذ ح--تى يثبت الخيار أو يستصحب ، إذ المفروض أنّ موضوعه التضرّر وهو منتفٍ حال بذل

الثمن.

وأمّا كونه متضرّراً قبل البذل فهو لا يوجب الخيار بعد ارتفاعه ، لأنّ الأحكام المترتّبة على الضرر تابعة للضرر وتدور مداره وجوداً وعدماً ، وحيث لا ضرر حين البذل فلا يثبت الخيار حينذاك لارتفاع علّته وموضوعه .

فالمتحصّل : أنّه لا وجه للاستصحاب في المقام ، نعم بناء على أنّ مدرك الخيار هو الأخبار لا مانع من جريان الاستصحاب .

ثم أفاد (قدّس سرّه) أنّ الأخبار أيضاً منصرفة إلى صورة تضرّر البائع بالفعل وأنها تثبت الخيار له فيما إذا كان متضرراً ، وحيث إنّ البائع غير متضرّر حين بذل


1) [ هذا ثالث المسقطات ] .

2) التذكرة 11: 73 - 74 .

3) المكاسب 5 : 234 .

الثمن فلا تشمله الأخبار ولا تدلّ على ثبوت الخيار في حالة عدم الضرر ، وبنى (قدس سره) على أنّ البذل يسقط الخيار لانتفاء الضرر وانصراف الأخبار ، وقال : إنّ ما أفاده في التذكرة لا يخلو عن قوّة ، هذا .

أمّا ما أفاده من أنّ الأحكام المترتّبة على الضرر تتبعه وجوداً وعدماً وأنّ المدار على الضرر الشخصي الموجود بالفعل فهو في غاية المتانة ، لوضوح أنّ من يتضرّر بالغسل أو الوضوء من جهة برودة الهواء إنمّا يصحّ له التيمّم ما دام متضرّراً وأمّا إذا طلعت الشمس وارتفعت البرودة والضرر فلا يصح له التيمّم بدعوى أنّ الغسل كان يضره قبل حرارة الهواء ، ولعلّه ظاهر .

وأمّا ما ذهب إليه من أنّ البذل مسقط فهو ليس كما ينبغي ، وذلك لاطلاق الأخبار حيث إنّها دلّت على أنّ عدم المجيء بالثمن ما بين ثلاثة أيام سبب وموجب للخيار ، أعم من أن يجيء به بعد الثلاثة أم لم يجئ به ، إذ المفروض أنّ الموجب للخيار هو عدم المجيء الخاص وهو ما بين مبدأ الثلاثة ومنتهاها ، وإذا تحقّق يتحقّق الخيار جاء به بعدها أم لم يجئ ، وهذا الاطلاق ينفي سقوط الخيار بالبذل بعد ثلاثة أيام ، فعدم السقوط بالبذل قوي لا أنّ القوة في السقوط وفيما ذكره العلّامة (قدّس سرّه) .

ومنها (1): أخذ الثمن من المشتري فيما إذا لم نقل بالسقوط بالبذل وإلّا ف--لا تنتهي النوبة إلى السقوط بالقبض والأخذ . وقد ذكروا أنّه من جملة المسقطات ، لما أشرنا إليه سابقاً من أنّ الخيار يقبل الاسقاط وهو أعم من أن يكون بالقول أو بالفعل ، فيكون أخذ البائع الثمن مسقطاً فعلياً للخيار ، وعليه فيكون الأخذ داخلاً في ضمن المسقط الأول وهو الاسقاط لأنه أعم من الفعلي والقولي ، ويكون المقام


1) [ وهو المسقط الرابع ] .

مناسباً للتنبيه على أنّ الأخذ الذي هو من المسقط الفعلي هل يكون مسقطاً على نحو الاطلاق أو إنما يوجب الاسقاط فيما إذا أفاد العلم بأنّ أخذه لأجل الالتزام بالبيع وكونه بعنوان الثمنية لا لأجل العارية أو غيرها ، أو يقال بكفاية الظنّ بأن الأخذ بعنوان الثمنية لا بعنوان العارية وغيرها .

وقد ذكر شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه) (1)أنّ المدار على قصد المشتري في بذله الثمن لا على قصد البائع في أخذه ، إذ لا يصح له أن يقصد بأخذه غير م-ا ق-ص-ده المشتري .

ولا يخفى أنّه لا مانع من أن يأخذه البائع بقصد آخر غير ما قصده المشتري في بذله ولو كان غير شرعي ، لأنّ خلاف الشرع أمر ممكن ، أو يأخذه لأنه ماله بقصد أن يردّه إليه غداً ويفسخ المعاملة بعد الانتفاع من ماله في زمان .

وكيف كان فقد احتمل شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (2)في المسألة احتمالات ثلاثة :

الأول : أن يكون الأخذ المفيد للعلم بالالتزام موجباً للسقوط .

والثاني : أن يكون الظن بذلك كافياً في السقوط بأن يكون الأخذ مفيداً للظن بالتزام البائع بالمعاملة .

والثالث : لا هذا ولا ذاك بل يدور السقوط مدار كون الأخذ ظاهراً في الالتزام ظهوراً نوعياً ومفيداً للظن النوعي بذلك وإن لم يكن في البين ظهور شخصي ، ثم أفاد أنّ خير هذه الوجوه هو الوسط ، والأقوى هو الأخير .

ولكني بعد التأمّل لم أفهم معنى قوله : خير الوجوه أوسطها ، لكن الأقوى


1) منية الطالب 3 : 188 .

2) المكاسب 5 : 235 .

الأخير ، نعم لو لم يكن أحدهما متصلاً بالآخر لاحتملنا العدول ولكنّها متصلان وكيف كان فالصحيح على ما ذكرناه في خيار الحيوان (1)بما لا مزيد عليه أنّ المدار في الاسقاط الفعلي ليس على الظن بالرضا والالتزام فإنّ الظن لم يثبت اعتباره في المقام ، وعليه فلا خير في الوسط والأمر يدور بين الأول والثالث .

ثمّ إنه لا قوّة في الأخير ، لأنّ الظهور النوعي إنما يتبع في باب دلالة الألفاظ ويؤخذ بما يكون اللفظ ظاهراً فيه نوعاً سيّما على ما ذكرناه من أنّ الوضع هو التعهّد بأنّ المتكلّم متى ما تلفّظ بذلك اللفظ يريد المعنى الفلاني ، وبحسب التزام المتكلّم بذلك إذا تكلّم باللفظ المذكور فيكون عند العقلاء والنوع ظاهراً في إرادة المعنى المخصوص ، وهذا ليس من أجل التعبّد بل لأجل التزام نفسه.

وأمّا في مقام الكشف عن رضا المتعاقدين مثلاً فلا اعتبار بالظهور النوعي أبداً ، وإنمّا المدار على رضا نفسه وعدمه ، سواء كان اللفظ أو الفعل ظاهراً في رضاه والتزامه نوعاً أم لم يكن .

وأمّا ما ورد في خيار الحيوان من أنّ اللمس والتقبيل والنظر توجب سقوط خيار الحيوان مطلقاً أي سواء صدرت عن رضا منهما بالبيع أم صدرت غفلة أو عن غرض آخر ، فإنما هو لأجل النص (2)والتعبّد ، ولذا قلنا بأنه يختص بالأفعال الثلاثة ولا يعم غيرها ممّا لم يذكر في الرواية ، مع أنه من البعيد جداً عدم تصرف المشتري في الجارية المبتاعة ثلاثة أيام بأدنى تصرف حتى بمثل قوله أغلقي الباب فمنه يظهر أنّه ليس كل تصرف مسقطاً للخيار بل المسقط هو الرضا الشخصي أو الأفعال المذكورة في الرواية .


1) لاحظ المجلد الثالث من هذا الكتاب الصفحة 173 مسقطات خيار الحيوان .

2) الوسائل 18 : 13 / أبواب الخيار ب 4 ح 1 .

وعليه فالمناط في المقام هو العلم الوجداني بأنّ أخذ البائع لأجل الالتزام وبعنوان الثمنية ، أو الاطمئنان لأنه حجّة عند العقلاء .

ثم لا يخفى أنّ غرضنا أن المسقط الأخذ فيا إذا كشف كشفاً قطعياً عن رضا البائع بالمعاملة وعدم فسخها وكونه ملتزماً بها أي مسقطاً لخي-اره حتى لا يفسخ البيع ، لا مجرد الأخذ بعنوان الثمنية فإنه لا مانع من أن يأخذه بعنوان الثمن والمعاملة ولا يقصد بذلك إسقاط خياره ، إذ الثمن ملكه وأخذ الملك لا یوجب إسقاط خياره ولعلّ غرضه الأخذ والتصرف فيه في ليلة أو ساعة ثم فسخ المعاملة بالخيار فلا تغفل .

ومنها (1): مطالبة البائع المشتري بالثمن . ولا يخفى أنّها أعم من الالتزام الدائمي بالبيع ، ولعلّ الغرض امتحان المشتري وأنه يسمح ويأتي به بالمطالبة حتى لا يفسخ المعاملة أو أنه صعب ولا يأتي بالثمن بها حتى يفسخها ، وكيف كان فالمطالبة لا يسقط الخيار وإلّا للزم الالتزام بسقوط خيار المجلس فيما إذا طالب البائع المشتري بالثمن في المجلس مع أنّ الأمر ليس كذلك ، وهذا ظاهر .

القول فى أنّ خيار التأخير فوري أو غير فوري

والكلام في ذلك تارةً يقع في الأصل العملي وأخرى فيما تقتضيه الأدلّة الخاصة الواردة في المقام .

أمّا المقام الأول : فقد أسلفنا الكلام فيه في بحث خيار الغبن (2)بما لا مزيد عليه ، وقلنا إنه لا يمكن التمسك باستصحاب الخيار بعد الآن المقطوع كون العقد


1) [ وهو المسقط الخامس :]

2) راجع المجلد الثالث من هذا الكتاب ص 410 وما بعدها .

خيارياً فيه ، بل المقام من موارد التمسك بعموم (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)(1)وعلى تقدير مناقشة شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) في أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) ففي غيرها من الأدلّة الدالّة على لزوم المعاملة كفاية كقوله (صلى الله عليه وآله) « لا يحل مال امرئ مسلم إلّا بطيب نفسه »(2)وقوله تعالى : (لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ )(3)ومن الظاهر أنّ الفسخ ليس تجارة عن تراض ، فالمقدار المتيقن من التخصيص والخيار هو الزمان الأول وأمّا في غيره فنتمسّك بعموم الأدلة المذكورة أو باطلاقها . وكيف كان فلا مجال لاستصحاب الخيار .

وأمّا المقام الثاني : فلا مانع فيه من التمسك باطلاق الأخبار الواردة في خيار التأخير حيث إنّها دلّت على أنّ البيع بعد ثلاثة أيام يكون خيارياً وجائزاً على نحو الاطلاق لا مقيّداً بزمان دون زمان ، بل مقتضاها الخيار إلى الأبد .

وإن منع شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه) (4)عن التمسك باطلاق الأخبار بدعوى أنّ ظاهرها بطلان البيع بعد ثلاثة أيام.

إلّا أنّي لم أفهم مراده فهماً صحيحاً ، والوجه في ذلك أنّ ظاهر الأخبار وإن كان عدم البيع له أو بينهما بعد ثلاثة أيام، إلّا أنّا رفعنا اليد عنها بقرينة الاجماع على عدم بطلان المعاملة بعد ثلاثة أيام ، وبتلك القرينة أصبحت الروايات ظاهرة في نفي اللزوم بعد الثلاثة ، وحيث إنّ دلالتها على نفي لزوم المعاملة مطلقة وليست مقيدة بزمان محدود فنتمسك باطلاقها ، وبه يثبت أنّ البيع بعد الثلاثة خياري وجائز إلى


1) المائدة 5 : 1 .

2) الوسائل 5 : 120 / أبواب مكان المصلي ب3 ح 1 (باختلاف يسير).

3) النساء 4 : 29 .

4) منية الطالب 3 : 189 .

الأبد نظير الهبة الجائزة ، غاية الأمر أنّ الجواز فيها حكمي وفي المقام حقّي .

الكلام في أنّ تلف المبيع بعد الثلاثة من البائع

هل تلف المبيع بعد الثلاثة أو في أثنائها من البائع أو أنه من المشتري ؟

والكلام فيه ربما يقع في التلف بعد الثلاثة وأخرى في التلف في الثلاثة ، ولا بدّ من فرض الكلام في صورة عدم الاقباض لضرورة أنّ التلف بعد إقباض البائع المبيع من المشتري ، وإنما وقع الكلام فيها إذا تلف قبل قبض المشتري إيّاه .

أمّا إذا تلف بعد الثلاثة فالظاهر أنّه لا خلاف بينهم بل ادّعي الاجماع على أنه من البائع ، ولم يخالف في ذلك إلّا الشيخ الطوسي (قدّس سرّه) (1).

وعلى أي حال لا كلام عندهم في أنّ التلف بعد الثلاثة من البائع ، والمدرك في ذلک هو القاعدة المعروفة من أنّ « كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه »(2)وهذه القاعدة لم ترد في روايات أصحابنا على ما اعترف ب-ه ص-احب الحدائق (قدّس سرّه) (3)وهو ممّن يقبل دعواه في أمثال المقام ، وإنمّا وردت في وردت في بعض روايات العامة ، إلّا أنّهم اعتمدوا عليها بدعوى انجبارها بعمل المشهور على طبقها وعمل المشهور على طبق الخبر يوجب الانجبار ، هذا .

وفيه : مضافاً إلى عدم تمامية الكبرى عندنا لما مرّ غير مرّة من أنّ عمل المشهور على طبق رواية ضعيفة لا يمكن أن يكون جابراً لضعفها أبداً ، تتوجّه عليه مناقشة صغروية : وذلك لعدم إحراز عمل المشهور على طبق الرواية ، نعم إنّهم أفتوا


1) [ لم نعثر عليه ] .

2) المستدرك 13: 303 / أبواب الخيار ب 9 ح1.

3) الحدائق 19 : 49 .

بما يطابق مضمون الرواية وأمّا أنّهم اعتمدوا في إفتائهم عليها فهو غير معلوم ، لأنّ قدماء الأصحاب ليس لهم كتاب استدلالي حتّى يتّضح أنّهم استندوا إلى أي شيء .

وأمّا المتأخّرون فهم أيضاً لم يعتمدوا عليها في كتبهم ، إذ لو كانوا استندوا إليها لذكروها في استدلالاتهم وقد عرفت أنّهم لم يتعرّضوا إليها في استدلالاتهم ولا في كتبهم .

وأمّا رواية عقبة بن خالد « في رجل اشترى متاعاً من رجل وأوجبه ، غير أنه ترك المتاع عنده ولم يقبضه ، قال : آتيك غداً إن شاء الله ، فسرق المتاع من مال من يكون ؟ قال : من مال صاحب المتاع الذي هو في بيته حتّى يقبض المال ويخرجه من بيته « الحديث (1)فالظاهر أنّها غير نقيّة السند اعتماداً على تعبير صاحب الحدائق (2)عنها بقوله : ورواية عقبة بن خالد ، حيث لم يصفها بالمعتبرة كما هو دأبه في الأخبار الدائرة بين الحسنة والموثقة . مضافاً إلى ما يبالي من أن الرواية ضعيفة فلا يمكن أن تكون مدركاً للقاعدة المتقدّمة .

كما لا يمكن دعوى جبرها بعمل الأصحاب على طبقها ، وذلك لعدم اعتماد الأصحاب عليها وإلّا لأفتوا بمضامينها مع أنّهم غير ملتزمين بمضمون الرواية أبداً فإنّ مقتضى هذه الرواية أنّ تلف المبيع على بائعه حتّى يخرجه من بيته ويقبضه من المشتري مع أنّ المشهور صرّحوا بأنّ الاخراج من البيت غير معتبر ، بل يكفي في انتقال الضمان إلى المشتري مجرّد قبضه ، بل مجرّد الاخلاء بينه وبين المشتري يكفي في انتقال الضمان إلى المشتري عند المشهور فكيف باخراجه من بيته ، فمنه يظهر أنّهم غير عاملين على طبقها ، فتبقى الرواية ضعيفة ولا يصح الاعتماد عليها في الاستدلال


1) الوسائل 18 : 23 / أبواب الخيار ب 10 ح1 .

2) الحدائق 19 : 49 .

على القاعدة المتقدّمة .

والذي ينبغي أن يقال : إنّ تلك القاعدة لا تحتاج إثباتها إلى دليل ، لأنّها أمر ارتكازي عند العقلاء ، فإنّ العقلاء يرون التسليم والتسلّم من متمّمات المعاملة بحيث لو لم يتحقّق التسليم والتسلّم في معاملة يرونها باطلة ، وليست المعاملة عندهم مجرّد التعاقد واعتبار الملكية ، بل يرونها إعطاءً وأخذاً ، ومن هنا عبّروا عنها في الفارسية ب- ( داد وستد) ونعم ما عبّروا وقال شاعرهم (از داد وستد جهان شد آباد) فالاقباض والقبض مشروطان في كل معاملة اشتراطاً ضمنياً ارتكازياً ومن هنا إذا باع أحد عباءة من أحد ولم يقبضها واستمهله المشتري في ردّ الثمن إلى وقت كذا ، فإذا جاء بالثمن ورأى العباءة مسروقة وأخذه البائع بمطالبة الثمن عدّ هذا من الأمور المضحكة عند العقلاء والسوق ، وحيث إنّ اشتراط الاقباض والقبض من المرتكزات عند العقلاء فلا نحتاج في اشتراطهما إلى دليل ، ومجرد عدم الردع عنه كافٍ في اشتراطها ، ولم يثبت عنه ردع في الشريعة المقدّسة ، وبهذا الارتكاز نثبت قاعدة «كل مبیع تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه » ومقتضاها في المقام أنّ التلف بعد الثلاثة من البائع .

والذي يمكن أن تعارض به القاعدة ويكون رادعاً عنها أمران :

أحدهما : قاعدة « إنّ ضمان الشيء ودركه بازاء منافعه » فمن يرجع إليه منافع الشيء يكون دركه وخسارته عليه ، وهي أيضاً قاعدة ارتكازية عند العقلاء لوضوح أنّ من صار مالكاً لشيء وملك منافعه فخسارته أيضاً تحسب عليه ولا يمكن أن يطالب به شخص آخر ، وهذا أيضاً من الأمور المرتكزة عند العقلاء فكون المنافع لشخص يقتضي أن يكون درك ذلك الشيء وضمانه أيضاً عليه .

وبعبارة أخرى : أنّ طبع كون الشخص مالكاً للمنافع هو ذلك، وهذا مقتض لكون ضمانه عليه ما لم يمنع عنه مانع كما سنشير إليه ان شاء الله تعالى ، وقد أشير إلى

تلك القاعدة الارتكازية في بعض روايات خيار الحيوان بقوله « أرأيت إن كان له نفع لمن يكون ؟ فقال للمشتري ، فقال : فضمانه أيضاً عليه» ، فليراجع (1)ومقتضى هذه القاعدة أن يكون ضمانه على المشتري لأنّ منافعه له .

إلّا أنّ هذه القاعدة الارتكازية لا تنافي القاعدة الارتكازية الأولى ، وذلك لأنّ القاعدة الأولى واردة في مورد القاعدة الثانية ، بمعنى أنّا إذا فرضنا كون شيء ومنافعه ملكاً لشخص فطبع هذا واقتضائه وإن كان هو أنّ ضمانه عليه وكون دركه عليه في حد نفسه ، إلّا أنّه إذا كان عند بائعه ولم يخل البائع بينه وبين مالكه وه-و المشتري ، ولو كان عدم تخليته مستنداً إلى حقّه أي حق البائع ، يكون تلفه من بائعه مع كون منافعه للمشتري لأنه ملكه ، كما نلتزم بمثله في الغصب فإنّ الغاصب أيضاً يضمن المال مع أنّ منافعه لمالكه ، فكون المال ملكاً لشخص وكون منافعه راجعة إليه مقتضٍ لتوجّه دركه عليه ، وهو لا ينافي عدم توجّه الضمان إليه لمانع من الموانع كالغصب أو عدم الاقباض ولو عن حق ، وحيث إنّ القاعدة الثانية وردت في مورد القاعدة الأولى (وهو ما كان المال ملك شخص وكانت منافعه راجعة إليه) فلا محالة تخصصها وتتقدّم عليها ، فنلتزم بأنّ الضمان والدرك في مقابل المنافع إلّا فيما إذا لم يقبضه البائع فإنّ الدرك حينئذ على غير من له المنافع وهو البائع .

وثانيهما : قاعدة « أنّ التلف فى زمان الخيار ممّن لا خيار له » وهذه القاعدةلم يرد عليها رواية أبداً ولو ضعيفة ، وإنمّا هي كلام صدر من الفقهاء ، وإنما نلتزم بها في بعض الموارد لأجل دلالة الدليل وهي خيار المجلس والحيوان والشرط ، ففي الشرط والحيوان منصوص وخيار المجلس ملحق بهما ، ولا نعمل بها إلّا في هذه


1) [ الظاهر أنه من سهو القلم فإنّ تلك الروايات وردت في بيع الخيار ومفادها أنّ من عليه الدرك تكون المنافع له فراجع الوسائل 18 : 19 / أبواب الخيار ب 8 ح 1 و3].

الثلاثة بعد كون المالك ذا خيار ونثبت بها الضمان على غير المالك الذي لا خيار له فلو عملنا بها في المقام للزم الحكم بضمان المشتري لأنّه الذي لا خيار له مع أنه مالك ولكن موردها فيما قام عليها الدليل إنما هو بعد قبض المبيع ، فتكون هذه القاعدة مخصصة لعموم كون ضمان كل ملك على مالكه وتوجب ضمانه على غير مالكه .

مثلاً إذا كان المبيع حيواناً وقد قبضه المشتري ولكنه تلف في الثلاثة فمقتضى القاعدة الأولى هو أن يكون ضمانه على المشتري ، لأنّه مالكه وقد قبضه وبه انتقل ضمانه إلى المشتري ولكن هذه القاعدة تقتضي أن يكون ضمانه على البائع لأنه ممّن لا خيار له في الثلاثة ، وعليه فلا تكون هذه القاعدة الأخيرة منافية للقاعدة الأولى لأنّ موردها بعد القبض ، ومورد القاعدة الأولى قبل القبض لما تقدّم من أنّه-ا مخصصة لقاعدة كون ضمان كل ملك على مالكه بالمعنى المتقدّم .

وبالجملة : لم يثبت لهذه القاعدة إطلاق حتى نتمسك به في المقام وقبل القبض ، لما عرفت من عدم ورودها في شيء من الأخبار ، وعليه فلا مانع م--ن القاعدة الأولى في المقام وإثبات أنّ تلف المبيع بعد الثلاثة من البائع لقاعدة « كل تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه » هذا كلّه فيا إذا تلف المبيع بعد الثلاثة مبيع وتلخّص أنّ الضمان حينئذ على البائع بقاعدة « كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه » وعرفت أنّ شيئاً من القاعدتين الأخيرتين لا تنافي تلك القاعدة. وأمّا إذا تلف في أثناء الثلاثة فالمشهور ذهبوا إلى أنّ التلف حينئذ من البائع أيضاً ، واستندوا في ذلك إلى قاعدة «كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه » لعدم اختصاصها بما إذا تلف بعد الثلاثة ، وهو ظاهر .

وخالف في ذلك جملة من المتقدّمين منهم المفيد (1)والسيّد المرتضى (2)


1) المقنعة : 592 .

2) الانتصار : 437 .

وابن زهرة (1)حيث ذهبوا إلى أنّ تلفه في أثناء الثلاثة من المشتري .

وهذا ممّا لم يظهر لنا وجهه ، بل ينبغي عدّه من غرائب كلام المفيد والسيدين وذلك لأنّهم ملتزمون بضمان البائع له فيما إذا تلف بعد الثلاثة كما هو مقتضى ك--ون المسألة إجماعية ، ولم يلتزموا فيها بضمان المشتري مع أنّ البائع على الخيار بعد الثلاثة .

ويمكن أن يتمسك حينئذ بقاعدة « أنّ التلف في زمن الخيار ممّن لا خيار له » وهو المشتري بعد الثلاثة ، ولم يلتزموا به لتقديم قاعدة « كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه » والتزموا به فيما إذا تلف في الثلاثة ، مع أنّ البيع هناك لازم ولا خيار للبائع حتّى يقال إنّ المشتري لا خيار له فالتلف ممّن ليس له خيار ، ولا قبض المال حتى يقال إنّ ضمان المبيع بعد قبضه من المشتري ، فلم يظهر أنّهم لماذا ذهبوا إلى ضمان المشتري مع أنّ قاعدة «كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه » يقتضي ضمان البائع ، فما ذكروه لا ينطبق على شيء من الموازين العلمية كما عرفت.

نعم ، لو لم يلتزموا بضمان البائع عند التلف بعد الثلاثة أمكن أن يقال إنّهم تمسّكوا بقاعدة « أنّ ضمان كل ملك على مالكه » ولم يعتنوا بقاعدة «كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه » .

ولكنّك عرفت أنّ ضمان البائع في التلف بعد الثلاثة إجماعي ، والمتقدّمون ملتزمون بضمان البائع حينذاك، ولا وجه له إلّا تقديم تلك القاعدة على قاعدة ضمان كل ملك على مالكه ، ومقتضاها أن يلتزموا بضمان البائع عند التلف في الثلاثة أيضاًلأنه تلف قبل قبضه .


1) الغنية : 219 - 220 .

وبالجملة : نستبعد هذا الكلام من هؤلاء الأكابر وننكر النسبة ، ولعلّها من جهة الخطأ في النقل، فالمتحصّل أنّ تلف المبيع في أثناء الثلاثة أو بعدها من البائع .

بقي الكلام فيما حكي عن شيخنا الطوسي (قدّس سرّه)(1)

حيث إنّ جماعة ومنهم العلّامة في المختلف (2)نقلوا عن شيخنا الطوسي (قدّس سرّه) كلاماً وهو أنه إذا باع الإنسان شيئاً ولم يقبض المتاع ولا قبض الثمن ومضى المبتاع فإنّ العقد موقوف ثلاثة أيام فإن جاء المبتاع في مدّة ثلاثة أيام كان المبيع له وإن مضت ثلاثة أيام كان البائع أولى بالمتاع هذا كلّه ظاهر . ثم قال : وإن هلك المتاع في هذه الثلاثة أيام ولم يكن قبّضه إيَّاه كان من مال البائع (لقاعدة كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه ، وهذا ظاهر) دون المبتاع ، وإن كان قبّضه إيّاه ثم هلك في مدّة الثلاثة أيام كان من مال المبتاع (لأنّ ضمان المبيع بعد قبضه من مال مالكه وهو المشتري) وإن هلك بعد ثلاثة أيام كان من مال البائع على كل حال انتهى .

وظاهر قوله على كل حال بعد تقسيمه المسألة إلى ما بعد القبض وإلى ما قبل القبض ، إرادة العموم من جهة القبض بمعنى أنّ تلفه بعد الثلاثة من البائع سواء أقبضه من المشتري أم لم يقبضه ، بل كلامه نصّ صريح في ذلك ، ثم علّل تعميمه بأنّ الخيار له أي للبائع بعد الثلاثة .

وأورد عليه العلّامة (قدّس سرّه) بعد نقله بقوله : وفيه نظر ، إذ مع القبض يلزم


1) النهاية : 385 - 386 .

2) المختلف 5 : 99 - 100 .

البیع.

وذكر صاحب الحدائق (1)أنّ تعميم الحكم بالضمان إلى كلتا صورتي القبض و عدمه خلاف الاجماع ، لأنّه على تقدير القبض ملك للمشتري وهو ضامنه ولأجل ذلك حمل كلامه على صورة عدم القبض.

وأيّده شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه ) (2)معلّلاً بأنّ التعميم لصورة القبض وعدمه لا يناسب تعليله (قدّس سرّه) بأنّ الخيار للبائع بعد الثلاثة ، لأنّ الخيار إنمّا يكون للبائع في صورة عدم القبض لا مع قبض المشتري ، فيحمل كلامه على صورة عدم القبض ، هذا .

وفيما أورده العلّامة عن الشيخ وما ارتكبه صاحب الحدائق وصنعه شيخنا الأنصاري تأمّل ونظر ، وذلك لأن كلام الشيخ (قدّس سرّه) لا يصح بحمله على صورة عدم القبض ، لأنّا لو فرضنا أنّه صرّح بذلك وقال إنّ ضمان المبيع على البائع فيما إذا لم يقبضه ، لأنّ البائع له الخيار بعد الثلاثة أيضاً لا يصح كلامه ، لأنّ كون البائع له الخيار يقتضي عدم ضمانه ، إذ الضمان ممّن لا خيار له لا ممن له الخيار فكيف يكون علّة لضمانه ، فلا يلتئم كلامه (قدّس سرّه) وحكمه بضمان البائع ، لأنه له الخيار إذ الخيار لا يكون علّة للضمان ، فلا فائدة في حمل كلامه (قدّس سرّه) على صورة عدم القبض ، فكأنّ صاحب الحدائق وشيخنا الأنصاري قدّس سرّهما غفلوا عن عدم التئام كلماته حتى على تقدير حمل كلامه على صورة عدم القبض .

فالذي أحتمله في المقام تصحيحاً لكلام الشيخ (قدس سره) أن يقال : إنّ نسخة البائع اشتباه بل هو كلمة المبتاع ، لأنّه كثيراً يطلق البائع والمبتاع في كتابه واشتبه


1) الحدائق 19 : 50 - 51 .

2) المكاسب 5 : 240 .

بالبائع ، وعليه فيصح كلامه ويقال بأنّ المبيع إذا تلف بعد الثلاثة فضمان المال على المبتاع أي المشتري ، على كل حال قبضه أم لم يقبضه .

أمّا إذا لم يقبضه فلأنّ البائع حينئذ له الخيار ، وقاعدة « تلف المبيع ممّن لا خيار له » متقدّمة على قاعدة كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه » .

« وأمّا إذا قبضه فأيضاً للبائع الخيار ، لأنّ القبض المسقط للخيار إنّما هو فيما إذا كان في الثلاثة لا بعدها ، فالقبض بعد الثلاثة لا أثر له ولا يسقط به خيار البائع ومقتضى قاعدة « أنّ التلف ممّن لا خيار له » أنّ الضمان على المشتري لأنه ممّن لا خيار له .

أو يقال : إنّ الوجه في ضمان المشتري في صورة قبضه المال هو أنّ المال ملكه وقد قبضه ، وضمان كل مال على مالكه بعد قبضه ، وأمّا إذا لم يقبضه فالوجه في ضمانه أنه ممّن لا خيار له ، والقاعدة تقتضي أن يكون الضمان ممّن لا خيار له ، فيما أنّ البائع قبل الاقباض على خيار ولا خيار للمشتري فيحكم بضمانه على كل حال وهذه القاعدة مقدّمة على قاعدة «كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه » وهذا الحمل أولى من الأول وأنسب ، وعليه يتم كلام الشيخ ويرتبط جملاته وتعليله ، ويندفع به ما أورده العلّامة عليه من أنّ البيع بعد القبض لازم ، لما عرفت من إمكان أنّ يقال إنّ القبض المسقط للخيار هو القبض في الثلاثة لا القبض بعدها فلا يحتاج في تصحيحه إلى أمر آخر .

نعم تقديم قاعدة « أنّ التلف ممّن لا خيار له » على قاعدة «كل مبيع تلف قبل قبضه » الخ خالٍ عن الوجه ، إلّا أنّ صحة ما أفاده وسقمه مطلب آخر ، والغرض تصحیح كلامه حسب الموازين العلمية ، وأمّا صحّته فهي أمر آخر .

بقي أمر وهو أنه هل يرتفع الضمان بالتخلية بين المال والمشتري ، أو يتوقف

ارتفاع ضمان البائع على القبض الخارجي ؟ ذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (1)أنّ البائع إذا مكّن المشتري من القبض ولم يقبضه المشتري وتركه عند البائع فعدم ضمان البائع مبني على ارتفاع الضمان بالتخلية .

وغرضه (قدّس سرّه) ليس هو تعليل عدم الشيء بعدم نفسه ، وأنه لا ضمان على تقدير ارتفاع الضمان ، بل مراده أنّ ارتفاع الضمان عن البائع بالتخلية مبني على أن يكون المراد بالقبض في قاعدة «كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه » مجرد التخلية ، وأمّا إذا كان القبض في القاعدة بمعنى القبض الخارجي فلا يكفي في ارتفاع ضمان البائع بالتخلية وهو ظاهر .

قلت : إن كان المستند في تلك القاعدة هو الخبر النبوي(2)ورواية عقبة بن خالد (3)فالظاهر عدم كفاية التخلية ، لأنّ المصرّح به في الروايتين هو القبض والاخراج من البيت ، وشيء منهما لا يصدق على مجرد التخلية ، وإن كان مدركها هو ما ذكرناه من أنّها أمر ارتكازي عند العقلاء فالتخلية كافية في ارتفاع الضمان عند العقلاء ، وذلك لبداهة أنّ العقلاء الذين يشترطون التسليم والتسلّم في المعاملات ضمناً يكتفون بمجرد تخلية البائع بين المال والمشتري ، وأمّا إقباضه يداً بيد فهو غير معتبر عندهم ، فلذا إذا اشترى عباءة ومكّنه البائع من أخذها ولكنّه لم يقبضها وتركها عند البائع ثم رجع ورأى الدكّان قد احترق أو أنّ العباءة سرقت لم يكن له مطالبة البائع بماله عند العقلاء ، وكذا الحال في مثل الغرس والقرية فإنّ القبض الخارجي فيهما غير ممكن والتخلية فيهما كافية في الاقباض .


1) المكاسب 5 : 240 .

2) المستدرك 13 : 303 / أبواب الخيار ب 9 ح1 .

3) الوسائل 18 : 23 / أبواب الخيار ب 10 ح 1.

القول في خيار التأخير فيما يفسد من يومه

عدّوا من جملة الخيارات خيار التأخير بالثمن فيها يفسد من يومه ، واعتمدوا في ذلك على رواية محمد بن أبي حمزة « في الرجل يشتري الشيء الذي يفسد من يومه ويتركه حتّى يأتيه بالثمن ؟ قال : إن جاء فيما بينه وبين الليل بالثمن وإلّا فلا بيع له »(1)إلّا أنّها مرسلة، وفي انجبارها بعمل الأصحاب ما تقدّم من أنّ عمل الأصحاب لا يكون جابراً لضعف الرواية ، نعم المناقشة الصغروية لا تجري في المقام لانحصار المدرك في هذه الرواية وعملهم على طبقها قطعاً ، فالرواية بحسب

السند غير تامّة .

وأمّا من حيث الدلالة فسنتكلّم فيها إن شاء الله تعالى ، هذا .

وقد روى في الوسائل رواية أخرى في ذلك عن الصدوق باسناه عن ابن فضال عن ابن رباط عن زرارة أو عمّن رواه عن أبي عبدالله « قال : العهدة فيما يفسد من يومه مثل البقول والبطيخ والفواكه يوم إلى الليل »(2). والصدوق قد نقل هذه الرواية في كتاب من لا يحضره الفقيه في ضمن ما رواه في خيار الحيوان باسناده عن ابن فضال عن الحسن بن رباط عن زرارة أو عمّن رواه عن أبي عبدالله « قال : إن حدث بالحيوان حدث قبل ثلاثة أيام فهو من مال البائع ، ومن اشترى جارية وقال للبائع أجيؤك بالثمن فإن جاء ما بينه وبين شهر وإلّا فلا بيع له والعهدة فيما يفسد من يومه مثل البقول والبطيخ والفواكه يوم إلى الليل »(3).


1) الوسائل 18 : 24 / أبواب الخيار ب 11 ح1 .

2) المصدر السابق الحديث 2.

3) الفقيه 3 : 127 / 555 .

ونقل هذه الرواية في التهذيب (1)بهذا الاسناد أي عن ابن فضال عن الحسن بن رباط عن زرارة إلى قوله فهو من مال البائع ، وليس فيها ومن اشترى الخ .

واستظهر في الوسائل (2)أنّ الاضافة في رواية الصدوق من كلام الإمام (عليه السلام) وأنّ ما في ذيلها أي بعد جملة من مال البائع من الرواية ، ولذا عدّها رواية وأسندها إلى الصدوق .

ولكن الفقهاء كما في الحدائق (3)ذكروا أنّ الرواية تنتهي إلى قوله « فهو من مال البائع »، والاضافة من كلام الصدوق، وهي مضمون روايتي علي بن يقطين الواردة في الجارية ومحمد بن أبي حمزة الواردة في المقام فيما يفسد من يومه ، وجمعها الصدوق في رواية واحدة كما هو دأبه ، إذ لم يرد في الجارية رواية أخرى غير رواية علي بن يقطين كما لم يرد فيما يفسد من يومه إلا مرسلة ابن أبي حمزة .

مضافاً إلى أنّ الشيخ (قدّس سرّه) نقل في التهذيب ما رواه في الفقيه بذلك الاسناد بلا إضافة حكم الجارية وما يفسد من يومه ، وبالجملة أنّهم يرون رواية الفقيه ظاهرة فيما ذكروه من كون الاضافة من الصدوق وأنّها مضمون الروايتين المتقدّمتين ، وعليه فلا تكون ما أسنده إلى الصدوق في الوسائل رواية أخرى ب--ل تلك المرسلة المروية عن ابن أبي حمزة ، وحيث إنّها مرسلة وعمل الأصحاب


1) التهذيب : : 67 / 288 [ عن الحسين بن سعيد عن ابن فضال ... وفيه : عمّن رواه بدل زرارة ] .

2) حيث نقل الذيل كرواية ، راجع الوسائل 18: 23 ، 25 / أبواب الخيار ب9 ح6 ب 11 ح 2.

3) الحدائق 19: 53 .

غير جابر لضعفها فلا يمكننا الاعتماد عليها كما تقدّم ، هذا كلّه .

على أنّا لو سلّمنا أنّ ما رواه الصدوق رواية أخرى غير رواية ابن أبي حمزة المرسلة فلا يمكننا الاعتماد عليها ، لأنّها أيضاً مرسلة حيث إنّ المذكور في سند الرواية المذكورة في الفقيه هو عمّن رواه عن أبي عبدالله لا عن زرارة ، وقد وقع اشتباه من صاحب الوسائل أو من المستنسخ في المقام حيث اشتبه عمّن رواه بعن زرارة لقرب أحدهما من الآخر ، مع أنّ المذكور في السند ليس إلا عمّن رواه فالرواية مرسلة وحمل الاشتباه على اشتباه المستنسخ أقرب ، وكيف كان فلا يمكن الاعتماد عليها لإرسالها ، هذا كلّه من حيث السند .

وأما من حيث الدلالة ، فلا دلالة في رواية الصدوق على الخيار ، فإنّ المراد بالعهدة المذكورة فيها غير ظاهر ، ولا قرينة على إرادة اللزوم منها بأن يكون معنى الرواية البيع لازم إلى الليل وبعده يصير البيع جائزاً خيارياً ، ولماذا لا تحمل على الضمان الذي يطلق عليه العهدة كثيراً ويقال إنّه متعهّد أي ضامن وعليك عهدته أي ضمانه ، فيكون المعنى حينئذ أنّ ضمان المبيع على البائع إنمّا هو إلى الليل وأمّا بعده فتلفه من المشتري وضمانه عليه لا على البائع ، وأنّ قاعدة «كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه » لا تجري فيما يفسد من يومه إلّا إلى الليل دون ما بعده .

وأمّا مرسلة ابن أبي حمزة فهي أيضاً لا تفيد المراد ، فإنّ ظاهرها أنّ الخيار إنمّا هو من أوّل الليل لا قبله ، مع أنه من اللغو الظاهر فإنّ المفروض أنّ المبيع يفسد من يومه ففي الليل يشرع في الفساد وبعد ما صار فاسداً فأيّ فائدة في كون البائع متمكناً من الفسخ ، فإنّ الظاهر أنّ حكمة جعل هذا الخيار هي عدم تضرّر البائع من جهة فساد المبيع ، فإذا شرع المبيع في الفساد وتضرّر البائع بذلك فلا فائدة في جعل الخيار له ، وأمّا ما يستفاد من ظاهر كلمات جماعة من الأصحاب من أنّ الخيار يثبت للبائع من النهار فهو مما لا تدلّ عليه الرواية .

وبالجملة : إن قلنا بما هو ظاهر الرواية من جعل الخيار للبائع من الليل فهو أمر لا ثمرة له ، وإن قلنا بما هو ظاهر بعض الأصحاب من ثبوت الخيار للبائع منالنهار فهو ممّا لا تدلّ عليه الرواية ، ومن هنا عبّر الشهيد (قدس سره)(1)عن هذا الخيار بخيار التأخير فيما يفسده المبيت ، لحمل اليوم على اليوم وليلته الآتية كما ربما يطلق ويراد منه ذلك أعني أربعة وعشرين ساعة ، وبهذا يرتفع المحذور ، فإن جعل الخيار للبائع من الليل فيما لم يفسده النهار وإنمّا يفسده المبيت ممّا لا لغوية فيه ، وثمرته تمكّن البائع من فسخ المعاملة قبل فساد المبيع ، وما أفاده الشهيد (قدّس سرّه) لا بأس به وهو لسان الفقهاء ، ويرتفع به الاشكال في دلالة الرواية ، وتنحصر المناقشة فيها بالسند ، فعلى القول بالانجبار بعمل الأصحاب نتمسك بها ، وأمّا على القول بعدم الانجبار بعمل الأصحاب فلا يمكن الاعتماد عليها في إثبات الخيار ، هذا . وربما يستدل على هذا الخيار بحديث نفي الضرر كما استدل به شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) من جهة أنّ ضمان البائع للمبيع وكونه ممنوعاً عن التصرف فيه وصبره عن الثمن ضرر عليه ، فيرتفع لزوم المعاملة بالحديث حتى لا يتضرّر به البائع ، هذا .

وقد تقدّم الكلام في الاستدلال بحديث نفي الضرر في خيار التأخير (2)وقد عرفت عدم إمكان الاستدلال به عليه ، لأنّ الضرر لم ينشأ عن لزوم المعاملة حتى يرتفع بالحديث ، والحديث لا يرفع إلّا ما جاء من قبله الضرر وهو ضمان البائع للمال من جهة قاعدة «كل مبيع تلف قبل قبضه » الخ ، فيرتفع بالحديث ونحكم بعدم « ضمانه ، وكذا نحكم بجواز مطالبته بالثمن حتى لا يتضرّر ، وأمّا إذا لم يتمكّن من


1) الدروس 3 274 .

2) في الصفحة 3 .

تحصيل الثمن بالمطالبة فهو لا يصير موجباً لارتفاع لزوم المعاملة ، وهذا نظير ما إذا اشترى متاعاً وقبضه وتركه عند البائع وسافر ولم يتمكّن البائع من تحصيل الثمن فإنّ هذا لا يوجب الخيار للبائع . وأمّا الضمان فقد عرفت ارتفاعه أيضاً بالحديث ولكن هذا كلّه لا يجعل البيع خيارياً ، هذا كله .

مضافاً إلى أنّ النسبة بين الضرر وما أفتى به الأصحاب عموم من وجه ، فربما يكون الضرر متحققاً مع أنهم لا يقولون فيه بالخيار كما إذا كان المبيع ممّا يفسد من نصف يومه أو من ساعته ، فإنّ شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) وإن عمّمه إلى هذه الصورة أيضاً إلّا أنّ الأصحاب لا يلتزمون بالخيار في غير ما يفسد م-ن ي-ومه وأخرى لا يكون هناك ضرر ولكنّهم يلتزمون بالخيار وهذا كما إذا عرض عليه الفساد من وسط الليل لا من ابتدائه مع أنّهم ملتزمون بالخيار م--ن ابتداء الل-ي-ل وحيث إنّ النسبة بين الضرر وما أفتوا به عموم من وجه فلا يمكن أن يكون مدركهم هو الضرر .

هذا كلّه فيما إذا كان هناك مقتض للضمان بأن تّمت دلالة رواية عقبة بن خالد على أنّ كل مبیع تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه ، ولكنّك عرفت أنه لم يدلّ على ضمان البائع لتلف المبيع قبل قبضه دليل وإنما مدركه الارتكاز حيث إنّ العقلاء يرون ضمان المبيع على البائع قبل إقباضه لأنّهم يشترطون التسليم والتسلّم في المعاملات اشتراطاً ضمنياً ارتكازياً (1)ولكن لا ارتكاز على الضمان من العقلاء في المقام


1) بمعنى أن المعاملة عندهم هي الأخذ والاعطاء لا مجرد اعتبار الملكية وهي التي يعبّر عنها بالفارسية ب- (داد وستد) فيشترطون الاعطاء والأخذ والتسليم والتسلّم في معاملاتهم حسب الارتكاز ، ويرون البائع ضامناً للمبيع إلى أن يعطيه ويسلّمه إلى المشتري ، فلو تلف قبل تسليمه فإنّهم يرون البيع باطلاً وكونه تالفاً من مالکه وهو البائع إلّا أنّ هذا كله فيما إذا لم يستند تلف المبيع وعدم قبضه إلى المشتري وعدم مجيئه بالثمن ليأخذ المبيع بلا منع من البائع عنه بل هو خلّى بينه وبين المشتري وقال جنني بالثمن واقبض المثمن ، وإنمّا لم يقبضه المشتري ولم يأت بثمنه إلى أن ذاب الجمد أو تلف المبيع ، فإنّ العقلاء لا يرون تلف المبيع حينئذ من البائع بل يرونه من المشتري لأنّه ملكه قد أتلفه بعدم مجيئه بثمنه ، ومن هنا نتعدّى عمّا يفسد من يومه إلى كل مورد يستند التلف فيه إلى المشتري كما فيما يفسد من ساعته أو ساعتيه .

وليس بناء العقلاء على ضمان البائع لما يفسد من يومه فيما إذا لم يأت المشتري بالثمن في اليوم ، بل الارتكاز في أمثال ذلك على عدم الضمان ويرون البائع غير ضامن لما يفسد من يومه ، ومن هنا يمكننا التعدّي عمّا يفسد من يومه إلى كل مورد لم يثبت فيه ضمان البائع حسب ارتكاز العقلاء وهذا كما فيما يفسد من ساعته كالثلج في الهواء الحار فإنّه إذا اشترى الثلج وتركه عند البائع ومضى ولم يأت بالثمن حتّى ذاب الثلج بل وتلف بكنهه حتّى عرضت الحرارة على ماء الثلج بحيث لم يتمكّن الانتفاع منه بوجه حتى من مائه ليس له مطالبة البائع بالمبيع عند العقلاء ، لأنّهم لا يرونه ضامناً

حينذاك .

فالمتحصّل في المقام ممّا يفسد من يومه أو ساعته أنّ غاية ما يمكننا أن نقول إنّ البائع لا يضمن المبيع لاستناد تلفه إلى نفس المشتري حيث لم يأت بالثمن ليأخذ المبيع ولا قاعدة ارتكازية في مثله على الضمان ، فهل يمكننا إثبات الخيار للبائع أيضاً أو لا ، فإن تمّت سيرة العقلاء وارتكازهم على خيار البائع في هذه الموارد سيّما فيما إذا كان المشتري ممّن لا يؤمن بمجيئه بالثمن وكان في معرض التلف كما في بلادنا وأمثاله حيث يدخله الغرباء والزوّار فلعله اشتراه فسافر أو سيسافر فلا يطمأن

بمجيئه بالثمن بأن يثبت سيرتهم على خيار البائع حينذاك وتمكّنه من فسخ المعاملة قبل أن يشرع في الفساد حتى لا يتضرّر بفساده كما هو ليس ببعيد فيما إذا ك--ان المشتري ممّن لا يوثق برجوعه وإتيانه بالثمن فهو ، وإلّا فإن لم يحرز جريان سيرتهم على خيار البائع فلا يمكننا إثبات الخيار لعدم تمامية شيء من الروايات وقاعدة نفي الضرر في المقام ، هذا .

إلّا أنّه يمكن إثبات الخيار في المقام بطريق آخر ومرجعه إلى سيرة العقلاء وارتكازهم إلّا أنه ببيان آخر وتقريبه أن يقال : إنّ المعاملة عند العقلاء قد اشترطت بالاعطاء والأخذ والتسليم والتسلّم حسب ارتكازاتهم ، فالبائع لأجل هذا الاشتراط يتمكّن من مطالبة المشتري بالثمن في كل آن ، فإذا فرضنا أنّ المشتري استمهله كذا مدّة حتى يجيء بالثمن وأمهله البائع أي رفع يده عن حقّ مطالبته بالثمن في مدّة كذا ولكن المشتري لم يأت بالثمن إلى تلك المدّة فللبائع خيار تخلّف الشرط حيث إنّ الاتيان بالثمن وردّه إلى البائع كما عرفت من الشروط الارتكازية عند العقلاء ، فإنّهم يرون البيع إعطاء وأخذاً فإذا لم يعمل أحدهما بذلك الاشتراط الضمني فللآخر خيار تخلّف الشرط ، وإنمّا لم يثبت هذا الخيار من الابتداء لأنّ المفروض أنّ البائع قد أمهل المشتري في مدّة كذا بمعنى أنه رفع يده عن خياره في تلك المدّة ، فإذا مضت مدّة الاستمهال فللبائع خيار تخلف الشرط ، وهذا ظاهر .

فيبقى الكلام حينئذ في المدّة التي يسمح بها في مثل ما إذا استمهله المشتري بقوله أبقه عندك حتّى أجيء بالثمن ، ولا إشكال في أنّ المراد بالاستمهال والامهال في هذه الموارد هو الامهال أو الاستمهال مدّة لا يكون المبيع في تلك المدّة معرّضاً للتلف والفساد لا إلى الأبد ، وهذا ظاهر بالمراجعة إلى العرف والوجدان في استمهالهم في موارد تلف المبيع أو فساده من يومه ، من يومه ، فإذا لم يأت المشتري بالثمن في المدة المذكورة فيثبت للبائع خيار تخلّف الشرط .

وممّا يوضّح ما ذكرناه : هو أنّ هذه المعاملات معاملات نقدية وليست من النسيئة بشيء ، ومعنى أجيؤك بالثمن ليس هو النسيئة وإلّا للزم تعيين المدّة لأنّه شرط في صحّة معاملة النسيئة ، وحيث لا تعيين للمدّة في المعاملة فتكون نقدية ومقتضى الاطلاق في المعاملات النقدية هو جواز مطالبة البائع بالثمن من المشتري في كل آن ، فإذا استمهله المشتري وأمهله صاحب الحق إلى مدّة لا يفسد فيها المبيع ولم يأت بالثمن إلى أن انقضت مدّة الاستمهال فلا محالة يتخلّف الشرط الضمني الارتكازي في المعاملات النقدية وهو الاعطاء والأخذ حالاً ونقداً ، فيثبت له الخيار وله أن يفسخ المعاملة قبل أن يعرض عليه الفساد .

وهذا الوجه وجيه ، لأنّ الخيار حق للبائع وله أن يرفع يده عن حقه في مقدار خاص من الزمان لا على الاطلاق، فلا يطالبه بالثمن إلى يوم أو نصف يوم لا إلى الأبد ، فإذا مضت المدة ولم يأت المشتري بالثمن فله أن يفسخ المعاملة بخيار تخلّف الشرط ، وعليه فلا نخصّص الخيار بما إذا كان المبيع ممّا يفسد من يومه كما خصوّه ، بل يتعدّى إلى ما يفسد من ساعته أو ساعتيه كالجمد ، بل إلى ما لا الفساد أصلاً كما في الأقمشة وأمتعة البزّازين ، فإنّ مقتضى الاطلاق في المعاملات النقدية هو جواز مطالبة البائع بالثمن من المشتري بعد المعاملة ، فإذا استمهله في زمان ولم يأت به إلى أن انقضى الزمان فله خيار تخلّف الشرط وهو ردّه الثمن ، بل الحال كذلك فيما إذا لم يعرض عليه الفساد بل كان التأخير موجباً لذهاب سوقه ، فإنّ لكل متاع سوقاً كالتربة والسبحة في أيام الزيارة فإنّ قيمتها في تلك الأيام أزيد لوجود الزائرين وكثرتهم بحيث إذا انقضت تلك الأيام فلا يشترى بتلك القيمة وهو ظاهر ، فإذا اشترى تربة أو سبحة وقال أجيئك بالثمن ومشى ولم يأت به إلى أن كاد أن يذهب سوقها فللبائع خيار تخلّف الشرط وفسخ المعاملة لئلّا يتضرّر أو يفوته

نفع ، لأنه إنما رفع يده عن حق المطالبة في زمان خاص لا إلى الأبد .

والمتحصّل : أنه لا مانع من أن يرفع من له الحق عن حقه في زمان ويتمكّن من إعماله بعد ذلك الزمان ، وعليه أيضاً بناء العقلاء في حقوقهم فإنّهم لا يرون مانعاً عن رفع اليد عن الحقوق في زمان لا إلى الأبد . وعليه فلا نحتاج في إثبات هذا الخيار إلى رواية ولا إلى حديث نفي الضرر .

الكلام في خيار الرؤية

تارة يقع الكلام فيما إذا اشترط المشتري وصفاً في المبيع أو يبيعه البائع بشرط أن يكون على صفة الكتابة أو الخياطة أو غيرهما من الأوصاف ثم يظهر المبيع على خلاف ما اشترطه فيه المتبائعان ، فيثبت للمشتري الخيار ولكنّه من أحد أفراد خيار تخلّف الشرط ، وقد تقدّم سابقاً أنّ معنى اشتراط وصف في المبيع جعل الخيار لنفسه على تقدير عدمه، إذ الالتزام بالوصف الخارج عن اختياره ممّا لا معنى له . وليس خياراً مستقلاً برأسه ، وإنمّا عدّوه كذلك من جهة ما ورد في خصوصه بعض الأخبار ، ولأجل كونه من أفراد خيار تخلّف الشرط لا نخصّصه بالمشتري بل نلتزم به في البائع ، كما لا نقيّده بالبيع ونعمّمه إلى الإيجار وغيره من المعاملات لعمومية خيار تخلّف الشرط .

وأخرى يقع الكلام فيها إذا اشترى شيئاً لم يره قبل المعاملة ثم ظهر على خلاف ما اشتراه عليه من الأوصاف بلا التزام من البائع بوجود الأوصاف ف--ي-ه وهذا كما إذا اعتقد أنّ المبيع مشتمل على وصف كذا فاشتراه بهذا الاعتقاد من دون أن يراه حين المعاملة ، أو رآه سابقاً مشتملاً على صفة فاعتمد على رؤيته السابقة فاشتراه بلا رؤيته حال المعاملة ثم ظهر خلاف ما رآه سابقاً ، أو أخبره البائع بوجود الوصف فيه وكونه كذا وكذا بلا التزام منه بكونها فيه وإنّما أخبره إخباراً محضاً فاشتراه معتمداً على اعتقاده أو على إخبار البائع ثم ظهر على خلاف ما

اعتقده أو ما أخبره به البائع من دون أن يراه حين المعاملة ، فهل يثبت له الخيار في هذه الصورة أو لا خيار حينئذ مع صحة المعاملة و عدم كونها من بيع المجهول أو الغرر لارتفاعه بحسب اعتقاده ولو كان ناشئاً من قياس المبيع إلى أقرانه وأمثاله كما إذا اعتقد أن العبد المشترى كاتب أو خياط لأنّ أباه وأخاه كانا كاتبين ، وكذا تصحالمعاملة مع عدم الرؤية بإخبار البائع ؟

والظاهر أنّ المسألة غير معنونة في كلماتهم إلّا على نحو الاشارة ، وذلك لأنّهم إنمّا عنونوها فيما إذا اشترط المتبايعان وصفاً في المبيع ثمّ ظهر على خلاف ما اشترطه المتبايعان كما في عنوان كلام شيخنا الأنصاري (1)ولم يتعرّضوا إلى ما إذا اشتراه بلا شرط معتقداً لكونه كذا مع عدم رؤيته حال المعاملة ثم ظهر على خلافما اعتقده .

والظاهر ثبوت الخيار في هذه الصورة وهو خيار خاص غير مربوط بخيار تخلّف الشرط وإنمّا جعله الشارع مراعاة لحال المشتري ، والوجه في ذلك إطلاق الرواية وعدم تقييدها بما إذا اشترط المتبائعان وجود الوصف في المبيع وهي صحيحة جميل بن درّاج قال « سألت أبا عبدالله عن رجل اشترى ضيعةً وقد كان يدخلها ويخرج منها فلمّا أن نقد المال صار إلى الضيعة فقلّبها ثم رجع فاستقال صاحبه فلم يقله ، فقال أبو عبدالله (عليه السلام) إنه لو قلّب منها ونظر إلى تسع وتسعين قطعة ثم بقي منها قطعة ولم يرها لكان له فيها خيار الرؤية » (2).

وهذه الرواية كما ترى مقيّدة بما إذا اشترط البائع والمشتري كون الضيعة على صفة كذا وكذا ، وإنمّا دلّت على أنّ من رأى شيئاً على وصف سابقاً ثم اشتراه ب-لا


1) المكاسب 5 : 245 .

2) الوسائل 18 : 28 / أبواب الخيار ب 15 ح1 .

رؤيته حال المعاملة ثم ظهر على خلاف ما كان عليه سابقاً فللمشتري الخيار ، هذا .

بل ليست الرواية مقيّدة بما إذا ظهرت القطعة التي لم يرها على خلاف م--ا كانت عليه سابقاً ، بل دلّت على أنّ من اشترى شيئاً لم يره بوجه من الوجوه الصحيحة فله خيار الرؤية .

إلّا أنّه لابدّ من تقييدها بذلك أي بما إذا ظهر على خلاف ما اعتقده أو على خلاف ما كان عليه سابقاً لأمرين :

أحدهما : قيام الضرورة على أنّ الرؤية ليست شرطاً في لزوم المعاملة وأنه لا موضوعية لها في المعاملات أبداً ، وإنمّا هي لأجل ملاحظة كون المبيع واجداً للأوصاف أو أنه كذا ، وليست من الشروط المعتبرة في لزوم المعاملة حتى يقال إنّ المعاملة بلا رؤية المبيع خيارية وجائزة .

وثانيهما : القرينة الموجودة في نفس الرواية وهي قوله « فلمّا نقد المال صار إلى الضيعة فقلّبها ثم رجع فاستقال صاحبه » لأنه ظاهر في أنّ الندم إنمّا عرضه بعد دخوله في الضيعة ، فلو كانت الضيعة كما اعتقدها لم يكن لندمه بعد ملاحظتها وجه ، لأنّ الندم على أصل المعاملة لو كان لكان من الابتداء ولا مدخلية للرؤية وملاحظة الضيعة في الندم على أصل المعاملة ، فحيث إنّ الندم بعد دخول الضيعة وملاحظتها ولا ندم قبلهما فنستكشف أنّ السبب فيه عدم رؤية الضيعة ع-ل-ى م-ا اعتقدها من الأوصاف أو شاهدها عليها .

فالمتحصّل : أنّ الرواية دلّت على أنّ من رأى عيناً ولاحظها ثم بعد مدة اشتراها بلا رؤيتها حال المعاملة ثم ظهرت العين على خلاف ما رآها عليها من الأوصاف له الخيار في فسخ المعاملة وإمضائها ، فيكون هذا خياراً مستقلاً غير مربوط بخيار تخلّف الشروط .

وأمّا اشتراط الوصف في المبيع كما هو ظاهر صدر عبارة الشيخ (قدّس سرّه)

فلا دليل على اعتباره ، بل الرواية مطلقة وواردة فيما لم يشترط الوصف فيه في المبيع وفي هذا المورد حكم (عليه السلام) بالخيار أي مع فرض عدم الاشتراط ، وذلك لأنه

لو كان الوصف مشروطاً في المعاملة لكان للمشتري خيار تخلّف الشرط فما معنی استقالته البائع وعدم قبول البائع إيّاها ، فإنّ اشتراط وجود الوصف معناه اشتراط الخيار على تقدير عدمه ، وإلّا فلا معنى للالتزام بوجود الوصف في المبيع لأنه خارج عن اختياره ومعه لا حاجة إلى الاقالة ، فالرواية مفروضها عدم اشتراط الوصف فيكون هذا الخيار خياراً مستقلاً ، هذا .

ثم إنّ الرواية ظاهرة في المشتري لرجوع الضمائر فيها إليه ولم يذكر فيها اسم من البائع ، فلابدّ من أن يختص هذا الخيار بخصوص المشتري ، وأمّا البائع إذا ظهر له الثمن على خلاف ما اعتقده من الصفة أو إذا ظهرت له ضيعته على غير ما وصفوها له ورأى أن ضيعته مشتملة على أوصاف زائدة فثبوت الخيار له يحتاج إلى أحد أمرين : إمّا ثبوت الاجماع على جريان خيار الرؤية في طرف البائع أيضاً وإمّا تنقيح الملاك القطعي في حكم الشارع بالخيار للمشتري ، وكلا الأمرين مورد

للمناقشة .

أمّا الاجماع فتحصيله في المقام وغيره من الصعوبة بمكان .

وأمّا تحصيل الملاك القطعى فأشكل ، لعدم العلم به في مورد الرواية حتى يتعدّى إلى غيره .

نعم يمكن أن يقال : إنّ الثمن إذا ظهر للبائع على خلاف ما اعتقده ف-ي-ه م-ن الأوصاف فللبائع خيار الرؤية ، لأنّ الظاهر من الرواية عند العرف والعقلاء أن حكمه (عليه السلام) بالخيار للمشتري عندما ظهر المبيع على خلاف ما اعتقده فيه من الأوصاف ليس من أحكام المبيع بل هو من أحكام البيع ، فك-ل م-ن البائع والمشتري على الخيار فيما إذا ظهر لها المالان على خلاف اعتقادهما ، وأمّا ثبوت

الخيار للبائع فيما إذا ظهر له مال نفسه وهو المبيع على خلاف ما وصفوه له فهو ممّا لا يمكن المساعدة عليه ، اللهمّ إلّا أن يكون البائع مغبوناً في المعاملة وهو أمر آخر إلّا أنّ الكلام فيا إذا لم يكن هناك غبن كما إذا باعها بأكثر من قيمتها السوقية ولكنّها ظهرت على خلاف ما وصفوها له، فالمتحصل : أنّ هذا الخيار خيار مستقل .

وربما يقال كما نقله شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1)بأنّ الضمائر في الرواية كلّها ترجع إلى البائع وأنه الذي استقال المشتري وهو الذي حك-م (عليه السلام) بخياره ، فتكون الرواية دالّة على خيار الرؤية لكل من البائع والمشتري ، هذا.

ولكن لا ندري قائله ولا ندري أنه لماذا نقله شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) مع ما فيه من الوهن ، أمّا أولاً : فلأنه على خلاف ظاهر الرواية لظهورها بل وصراحتها في رجوع الضمائر إلى المشتري لعدم ذكر من البائع في الرواية أصلاً . وأمّا ثانياً : فلأنّ الضمائر لو رجعت إلى البائع فلا محالة يختص الخيار به فما وجه دلالة الرواية على خيار كل من البائع والمشتري ، فهذا القول ساقط من أساسه ، هذا .

ثم إنه استدلّ صاحب الحدائق (قدّس سرّه )(2)على ثبوت هذا الخيار برواية زيد الشحّام قال « سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن رجل اشترى سهام القصّابين من قبل أن يخرج السهم ، فقال (عليه السلام) لا تشتر شيئاً حتّى يعلم أين يخرج السهم ، فإن اشترى شيئاً فهو بالخيار إذا خرج »(3)حيث إنّها دلّت على أنّ المشتري حيث لم ير السهم قبل المعاملة فهو بالخيار بعد ما ظهر له .


1) المكاسب 5 : 247 .

2) الحدائق 19 : 57 .

3) الوسائل 18 : 29 / أبواب الخيار ب 15 ح2 .

وقد استوضحها صاحب الحدائق بما رواه في الكافي (1)والتهذيب (2)في الصحيح عن عبد الرحمن بن الحجاج عن منهال القصّاب ، وهو مجهول ، وهو مجهول بمعنى أنّها صحيحة إلى عبد الرحمن لا إلى آخر السند ، قال « قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) أشتري الغنم أو يشتري الغنم جماعة ثم يدخل داراً ثم يقوم رجل على الباب فيعدّ واحداً واثنين وثلاثة وأربعة وخمسة ثم يخرج السهم ، قال : لا تصلح هذا إنمّا تصلح إذا عدلت القسمة » (3).

ومعناها أنّ جماعة كانوا يشترون عدّة شياة ثم كانوا يدخلونها في مكان ويقوم أحدهم بالباب ويعدّ واحداً واثنين وثلاثة وأربعة وخمسة فيعطيها لمن اشترى خمسة منها ويعدّ عشرة ويدفعها إلى من اشترى عشرة ، أو كانوا يشترون شاة واحدة ثم يقسمها أحدهم بين المشترين فيدفع الرأس لبعضهم والرجل لبعض آخر وهكذا ، وربما يكون السهم الخارج لأحد مهزولاً وما خرج للآخ--ر س-م--ي-ناً هذا .

وفي كل من الاستدلال بالرواية الأولى والاستشهاد بالثانية نظر . أمّا الرواية الثانية فلأنّها إنما دلّت على بطلان هذا التقسيم والبيع به فلا دلالة فيها على الخيار فيما إذا ظهر المبيع على خلاف ما يعتقده . وأمّا الرواية الأولى فهي أيضاً بصدد النهي عن تلك المعاملة ولا دلالة فيها على الخيار ، وذلك لما أفاده شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) من أنّ المشتري إن اشترى سهم القصاّبين على نحو الاشاعة كما هو الظاهر في تلك المعاملات فالمعاملة صحيحة لا خيار فيها ، لأنّ تقسيم ما يخصّه منها على وجه


1) الكافي 5: 223 / 2 .

2) التهذيب :7 339/79 .

3) الوسائل 17 : 356 / أبواب عقد البيع وشروطه ب 12 ح 8 .

صحيح أو باطل أمر آخر غير مربوط بصحة أصل المعاملة ، وإن اشترى سهم القصّاب الذي سيصير متعيّناً بعد ما اشتراه القصباب وعيّن له من الشياه بالاخراج فالمعاملة باطلة ، لأنّ القصّاب بعد لم يصر مالكاً للحصة المعينة فكيف يبيعها قبل أن يملكها ، فلا دلالة فى الروايتين على خيار الرؤية .

وأمّا ما في ذيلها من قوله (عليه السلام) « فإن اشترى شيئاً فهو بالخيار إذا خرج » فقد حمله شيخنا الأنصاري على ما إذا اشترى شياهاً على نحو الكلي في المعيّن فصحّت معاملته ، وبعدما أخرجها من الشياه يثبت له خيار الحيوان . ويدفعه : أنّ المراد بالخيار لو كان هو خيار الحيوان فلا وجه لثبوته بعد إخراج السهم لأنّه يثبت له من حين المعاملة لا بعد زمان التعيين.

والظاهر أنّ المراد بالخيار في الرواية ليس هو الخيار المصطلح ، بل المراد منه هو الخيار بالمعنى اللغوي بمعنى أنه مختار في الشراء وعدمه بعد خروج السهم ، وذلك لأنّ الإمام (عليه السلام) منع عن هذا البيع بقوله « لا تشتر » فتكون المعاملة باطلة وبعد بطلانها إذا ارتكبها أحد وخرج السهم فلا يكون ملزماً به لبطلان البيع ، فمعنى أنّ له الخيار أنه غير ملزم بالبيع بل هو مختار له أن يشتريه ثانياً بالبيع الصحيح وله أن يرّده ( والله العالم بحقائق الأحكام) .

القول في مورد هذا الخيار

ذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (1)أنّ مورد هذا الخيار ه-و ب-ي-ع الع-ين الشخصية ، ولعلّه يريد بهذا الكلام ما يقابل الكلّي في الذمة حيث إنه لا يأتي فيه هذا الخيار ، إذ لا يتصوّر فيه تخلّف وصف وفقدانه حتى يثبت فيه خيار الرؤية ، وأمّا في


1) المكاسب 5: 248 .

المشاع والكلّي في المعيّن فلا مانع من جريان هذا الخيار فيهما لتصوّر تخلّف الوصف في كل من المشاع والكلّي في المعيّن كما إذا وصفه البائع أو غيره بوصف فاشترى المشتري نصفه المشاع أو اشتراه على نحو الكلّي في المعيّن كما إذا باعه صاعاً كلياً من صبرة ووصفها بوصف وبعد ما اشتراها ظهر خلافه ، وكيف كان فالتوصيف في المشاع والكلّي في المعيّن وتخلّف الوصف فيها بمكان من الوضوح ، فلا وج-ه لاختصاص الخيار بالعين الشخصية .

وهذا بناءً على مسلكه (قدّس سرّه) من أنّ الخيار في المقام من قبيل خيار تخلف الشرط ظاهر لامكان الاشتراط وتخلّف الشرط المشاع والكلّي في المعيّن كما عرفت .

وأمّا بناء على ما سلكناه من أنه خيار تعبّدي على خلاف القاعدة ولا يرجع إلى خيار تخلّف الشرط ، فلا يمكننا التعدّي من م-ورد الرواية وه-و ب-يع العين الشخصية إلى غيره إلّا بالقطع بالمناط ، نعم لا مانع من التعدّي إلى بيع المشاع ، لأنّ الشارع إذا حكم بثبوت الخيار عند بيع تمام العين فبحسب الفهم العرفي يثبت في بيع نصفها على نحو المشارع كما إذا اشترى شريكان تمام المزرعة والضيعة فصار كل منهما مالكاً لنصفها المشاع ، فدعوى القطع بجريانه في المشاع غير بعيد ، وأما في الكلّي فی المعيّن فلا قطع بالملاك وهو خارج عن مورد التعبّد فلا يمكن التعدّي إليه .

ثم إنّ هذا الخيار إنمّا يثبت بعد صحة العقد في حدّ نفسه ، ومن الظاهر أنّ بيع العين المجهولة باطل فيعتبر في صحة العقد حينئذ ذكر الأوصاف الموجودة في العين التي يختلف باختلافها الرغبات حتى يرتفع به الجهالة الموجبة للغرر ، وحكى شيخنا الأنصاري (قدس سرّه) عن بعضهم أنه اشترط في صحته ذكر الأوصاف التي يختلف باختلافها الثمن ، وعن آخر يعتبر في صحته ما يعتبر في صحة السلم ، وقد أرجعها شيخنا الأنصاري إلى ما ذكرناه وحملهما على مجرد التغيّر في اللفظ ، وقد ادّعى كل

واحد منهما الاجماع على ما ادّعاه .

وربما يقال : إنّ السلم لا يعتبر فيه ذكر جميع الأوصاف التي يختلف باختلافها الرغبات لأنّه يؤدّي إلى عزّة الوجود ، وعليه فيكون اعتبار ما يشترط في صحة السلم في المقام منافياً لاعتبار ذكر الأوصاف التي يختلف باختلافها الثمن .

وأجاب عنه شيخنا الأنصاري بوجهين :

أحدهما : أنّ ما ذكروه في المقام من اعتبار ذكر جميع الأوصاف التي يختلف باختلافها الرغبات إنمّا هو من جهة بيان ما يعتبر في صحة السلم بما هو هو مع قطع النظر عمّا يعرض على بعض أفراده من العذر .

وثانيهما : أنّ ذكر تمام الأوصاف التي لها مدخلية في اختلاف قيمة المال معتبر في تمام البيوع حتّى السلم ، وما لا يمكن فيه ذلك نلتزم ببطلانه ، هذا .

ولا يهمّنا إرجاع كلمات بعضهم إلى كلمات الآخرين ، بل الذي يمكن أن يقال في المقام : هو أنّ مقتضى الاطلاقات والعمومات صحة جميع المعاملات ، فلابدّ في الخروج عنهما من دليل مخرج لا محالة ، والدليل هو قوله (عليه السلام) « نهى النبي عن بيع الغرر »(1)على تقدير ثبوته وصحّته لأنّه نبوي ، فلابدّ من ملاحظة عدم الغرر في صحة المعاملات وأنه في أي مورد يأتي وفي أيّ مورد لا يأتي ، والغرر مفهوم عرفي فلابدّ في تشخيصه من المراجعة إلى العرف والعقلاء لنرى أنّهم يرون الغرر أيّ شيء ، فإذا راجعنا إليهم نرى أنّ الجهل بالأوصاف التي يختلف باختلافها الرغبات من الغرر كما إذا اشترى عيناً لا يدري أنّه ذهب أو صفر أو رصاص ، أو اشترى فراشاً لا يدري أن ما فيه قطن أو صوف وهكذا . وأما الأوصاف التي لا مدخلية لها في اختلاف القيمة كثيراً فلا يعتبرون


1) الوسائل 17 : 448 / أبواب آداب التجارة ب 40 ح 3 ( باختلاف يسير) .

العلم بها ، فيشترون البطيخ بلا معرفة طعمه أنه حلو أو متوسط ولا يشترطون في صحته طعم البطيخ قبل المعاملة(1).

فعليه الغرر عند العقلاء والعرف أمر متوسط بين المسامحة والتدقيق ، فلا يشترطون التدقيق بمعرفة جميع الأوصاف كما عرفته في البطيخ ، ولا ي--رخّ-ص-ون المسامحة وشراء الفراش مع الجهل بأنه صوف أو قطن ، فلا يعتبر في ارتفاع الغ--رر التدقيق ، كما لا يكفي في ارتفاعه المسامحة بل هو وسط بين الأمرين عند المراجعة إلى العقلاء والعرف ، فلابدّ من ملاحظة هذا المفهوم العرفي في صحّة البيع ، ففي كل مورد كان الجهل به غرراً عند العرف فنلتزم فيه بالفساد ، كما أنّ في كل مورد لم يكن الجهل به غرراً عندهم نلتزم فيه بالصحة للعمومات والاطلاقات .

ذلك يظهر ما في كلام شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(2)من أنّ الغرر ومن الشرعي أعمّ من الغرر العرفي ، فإنّ الغرر لم يرد في رواية ولم يفسّر بمعنى حتّى يكون أعم من الغرر العرفي ، وإنمّا ورد في خصوص النبوي وحيث لم يبيّن المراد منه في الحديث حملناه على المفهوم العرفي منه كما في غيره من الألفاظ

وبالجملة : ليس لنا غرر شرعي حتّى يكون أعم من العرفي ، فما أفاده (قدّس سرّه) في المقام ممّا لم نفهم المراد منه ، نعم قد ثبت بطلان المعاملة في بعض الموارد مع عدم الغرر فيه عرفاً إلّا أنه لا من جهة الغرر الشرعي بل من جهة التعبّد ، وهذا كما ذكرناه في محلّه من أنّ العلم بمقدار العوضين شرط في صحة البيع شرعاً فيكون الجهل بمقدارهما مانعاً عنه وإن لم يستلزم الغرر ، وهذا كما إذا فرضنا الحنطة والشعير


1) وكذا لا مانع من صحته فيا إذا كان في نفسه خطرياً إلّا أنه أقدم عليه لما فيه من الأغراض الشخصية القائمة به .

2) المكاسب 5 : 250 .

متساوي القيمة ووضعنا في إحدى كفّتي الميزان حنطة وفي مقابلها بمقدارها شعيراً وتبادلنا بهما فإنّه لا يحتمل فيه الغرر لتساوي القيمتين ومقدارهما واقعاً ، إلّا أنّه باطل للجهل بمقدارهما ، وكذا الحال فيما إذا اعتبرنا في صحة البيع العلم بالجنس أي بجنس العوضين فيكون الجهل بالجنس مانعاً عن صحة البيع وإن لم يستلزم الغ--رر وهذا كما إذا عوّض ما عنده من المصوغ مع الجهل بأنه ذهب أو صفر بما عند الآخر ممّا صيغ من مادة أخرى مجهولة أيضاً مع تساوي مقدارهما وقيمتها ، لا لأجل الغرر لانتفائه حسب الفرض بل من جهة الجهل بجنس العوضين ، ولعلّه ظاهر .

بقي في المقام إشكال : وهو أنّ بيع العين الغائبة غرري دائماً ، وذلك لأنه إن اعتبرنا فيه ذكر تمام الأوصاف التي يختلف باختلافها الرغبات وباعها مقيّدة بهذه الأوصاف ، فيكون المعاملة غررية للجهل بوجود عين متّصفة بهذه الأوصاف والجهالة بوجود المبيع من أظهر أنحاء الغرر . وإذا باعها بلا ذكر أوصافها ولا مقيّداً بشيء منها بل على نحو الاطلاق ، كانت واجدة لها أم لم تكن ، فهي أيضاً غررية للجهل بأوصافها .

وأجاب عنه شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) بوجهين :

أحدهما : أنّ الغرر ليس من الأمور الواقعية بل هو أمر نفساني وهو الخطر فإذا اطمأن المشتري بتوصيف نفس البائع أو بتوصيف غيره من الجيران بأنّ العين متّصفة بأوصاف وأقدم على شرائها معتقداً أنّها متّصفة ولو باعها البائع على نحو الاطلاق من غير التزام بشيء من الأوصاف ولا تقييده بها ، فلا تكون المعاملة غررية لارتفاعه بالاطمئنان بوجودها .

وثانيهما : أنه هب أنّ البائع يبيعها. مقيّداً بتلك الأوصاف إلّا أنّه لا يبعد أن يكون التقييد في معنى الاشتراط ، فهو يقدم على شرائها باشتراط اتّصافها بتلك الأوصاف ، ومثله لا يكون غررياً ولو مع الجهل بوجود العين المتّصفة بتلك

الأوصاف ، وهذا لأنّها إذا بانت فاقدة لها أو لم توجد أصلاً فله أن يفسخ المعاملة بخيار تخلّف الشرط ، ومع التمكّن من الفسخ لا غرر ولا خطر في المقام ، ولا يشترط في هذا الخيار أن يكون العقد مع قطع النظر عنه صحيحاً تاماً كما ثبت ذلك في خياري المجلس والحيوان ، بل يكفي في المقام صحة العقد ولو بجعل الخيار لأنّه من مجعولات المتبايعين أعني الاشتراط ، هذا .

أقول : بل معنى التقييد هو الاشتراط لا أنه لا يبعد أن يكون كذلك كما أفاده شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) والوجه في ذلك أنّ العين الموجودة الخارجية لاسعة فيها ولا ضيق ولا إطلاق فيها ولا تقييد لأنّها ليست إلّا هي فلا يقبل الاتّساع ولا التضييق ، لأنّها غير مشتملة على حصص كثيرة لتتقيّد وتطلق ، فمعنى تقييدها هو الالتزام بكونها متّصفة بتلك الأوصاف ، ومعنى الالتزام أنّ المشتري جعل لنفسه الخيار على تقدير عدم تحقّق الشرط ، ومع الخيار لا يبقى للغرر والخطر مجال . والمتحصّل ممّا ذكرناه في المقام : أنّ بيع العين الغائبة تارةً يكون بتوصيف البائع أو غيره ممّن يفيد الاطمئنان للمشتري ، وبه يرتفع الغرر لأنه باعتقاده لا يقدم على خطر وحينئذ فلا إشكال في صحة البيع مع ثبوت الخيار له فيما إذا انكشف

خلاف ما يعتقده ، وهذا لا ربط له بخيار تخلّف الشرط ولا يرجع إلى الاشتراط .

وأخرى باشتراط الأوصاف في المبيع ، والبيع أيضاً صحيح في هذه الصورة ويثبت له خيار تخلّف الشرط على تقدير عدم اتّصافه بالصفات . ودعوى أنّ الاشتراط بمنزلة تقييد المبيع ووجود المبيع المقيّد غير معلوم فتكون المعاملة غررية للجهل بوجود المبيع ، قد عرفت اندفاعها ، والوجه فيه أنّ التقييد إمّا أن يرجع إلى البيع وإمّا أن يرجع إلى الالتزام به الذي معناه جعل الخيار لنفسه ، فإن أرجعناه إلى البيع بأن تكون المعاملة والتزامه البيعي معلّقاً على وجود تلك الأوصاف بحيث إذا تخلّفت الأوصاف وظهر عدم اتصاف المبيع بالقيود فلا التزام معاملي بينهما ، فمثله لا

يوجب الغرر لأنه لا يقدم على المعاملة على كل حال ، بل إنما يقدم عليها فيما إذا كان المبيع موجوداً فلا خطر في البين ، إلّا أنّ أصل المعاملة باطل في هذه الصورة لا من جهة الغرر بل من جهة التعليق في العقود لأنّ التنجيز شرط في صحة المعاملة .

وأمّا إذا أرجعناه إلى الالتزام بالمعاملة لا إلى أصلها ، وقد عرفت أنّ معناه جعل الخيار لنفسه على تقدير عدم الأوصاف في المبيع ، فالمعاملة صحيحة ولا تعليق فيها كما أنّها غير غررية لأنه لم يقدم على الخطر حينذاك بل جعل لنفسه الخيار ، فإذا رأى عدم تحقّق الأوصاف فله أن يفسخ المعاملة فلم يقدم على الخطر وكيف كان فلا إشكال في صحة المعاملة على تقدير الاشتراط .

ومن ذلك يظهر أنّ ما حكي عن ابن إدريس (قدّس سرّه)(1)من أنه في صورة ظهور الخلاف مخيّر بين الردّ والامساك بالأرش ممّا لا وجه له ، فإنّ مقتضى القاعدة عند جعل الخيار لنفسه هو الالتزام بالبيع عند ظهور الخلاف أو الردّ والفسخ ، وأمّا الامساك مع المطالبة بالأرش فمّا لا دليل عليه ، نعم لو كان الوصف المفقود ممّا له دخل في صحة المبيع بأن كان من أوصاف الصحة فيثبت للمشتري الخيار بين الردّ والامساك مع الأرش ، إلّا أنّه لا من جهة خيار الرؤية بل من جهة خيار العيب وأمّا إذا لم يكن الوصف من أوصاف الصحة بل كان من أوصاف الكمال كما هو محل الكلام دون وصف الصحة فلا دليل على أنّ تخلّفها يوجب الأرش ، ولعلّه ظاهر .

وأمّا ما عن جماعة من بطلان المعاملة عند ظهور عدم اتّصاف المبيع بالوصف كما عن المحقّق الأردبيلي (قدّس سرّه) (2)وفي النهاية (3)وغيرهما من جهة أنّ


1) السرائر 2 : 242 .

2) مجمع الفائدة والبرهان 8: 183 .

3) النهاية : 391 .

المبيع غير موجود ، فما وقع عليه البيع لم يوجد وما وجد لم يتعلّق به الانشاء والبيع فمقتضى القاعدة في مثله البطلان وقد مال إليه شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1)أيضاً إلّا أنه رجع عنه من جهة أنّ المستفاد من تتبّع الموارد الفقهية والمسائل المتفرّقة هو عدم بطلان المعاملة في صورة فقد الصفة المقصودة وتخلّفها كما في موارد ظهور العيب

في المبيع وموارد قبض الصفقة فيما إذا باع ما يملك وما لا يملك وغيرهما .

فهو أيضاً ممّا لا يمكن المساعدة عليه ، وذلك لأنّهم إن أرادوا بذلك أنّ البيع مقیّد بوجود تلك الأوصاف وأنه لا بیع فيما إذا لم تكن الأوصاف موجودة فالمعاملة حينئذ وإن كانت باطلة إلّا أنّ لازمه عدم صحة المعاملة مطلقاً سواء جدت الأوصاف في المبيع أم لم توجد ، وذلك لما عرفت من أنّ التعليق في العقود يوجب البطلان ولو مع وجود المعلّق عليه واقعاً ، فلماذا التزموا بالبطلان عند انكشاف الخلاف دون صورة وجود الأوصاف .

وإن أرادوا بذلك أنّ البيع غير مقيّد بشيء وإنمّا المقيّد هو الالتزام بالمعاملة وعدم الرجوع فيه الراجع إلى جعل الخيار لنفسه على تقدير عدم تحقّق الأوصاف فلا وجه حينئذ لبطلان البيع عند تخلّف الأوصاف لأنّه غير مربوط بالبيع ، إذ المفروض أنّ المعاملة مطلقة ، نعم يوجب تخلّف الأوصاف الخيار للمشتري لأنّ شرط لزوم المعاملة مفقود ، وأمّا البطلان فلا وجه له أصلاً .

وقياس المقام بتخلّف الصور النوعية كما إذا باع شيئاً على أنه عبد حبشي ثم ظهر أنه حمار وحشي قياس مع الفارق ، فإنّ الصور النوعية ممّا تقوّم به المعاملة لأنّ البيع إنمّا يقع على تلك الصور النوعية لأنّها المقوّم لمالية المال وبها تختلف الحقائق والأشياء ، إذ لا مالية للمادة المشتركة بين التراب والذهب وتخلّفها يوجب


1) المكاسب 5 : 255 - 256 .

انعدام المبيع ، ومع عدم تحقّق المبيع المعاملة باطلة ، ومن هنا لا مانع من تعليق المعاملة عليها بأن يقول : بعتك هذا إن كان عبداً ، وذلك لما عرفت من أنّ تعليق البيع على ما يتوقّف عليه المعاملة لا مانع عنه بوجه ، وحيث إنّ البيع مقيّد بها ومعلّق عليها مفعند فقدانها تبطل المعاملة لا محالة ، وهي لا تقاس بالأوصاف الكمالية أو غيرها ممّا لا ترجع إلى الصور النوعية ، فإنّ المعاملة لا تقع عليها وإنمّا تقع على الذات وتكون الأوصاف دواع لوقوع البيع على الذات وموجبة لكثرة قيمتها ، فتخلّفها لا يعدم المبيع فلا وجه لبطلان البيع عند تخلّفها .

وأمّا ما أفاده شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) من قياس المقام على الشرط الفاسد وأنّ الشرط إذا كان فاسداً يلتزمون فيه بفساد المشروط من جهة أنّ ما وقع عليه العقد لم يمض وما هو يمكن امضاؤه لم ينشأ ، فإنّ البيع مقيّداً بالشرط الفاسد لا يقع عليه الامضاء شرعاً ، والبيع بلا ذلك الشرط وإن كان صحيحاً إلّا أنه لم يقع عليه الانشاء فيكون الشرط الفاسد مفسداً ، وهذا الوجه بعنيه جارٍ في المقام لأنّ البيع مع الصفات لم يمض لعدم وجوده ، وأمّا نفس البيع بلا تلك الأوصاف فهو وإن كان صحيحاً إلّا أنّه لم ينشأ ، فالمنشأ لم يقع والواقع لم ينشأ ، فلا محالة تك--ون المعاملة فاسدة عند تخلّف الأوصاف .

ففيه : أنّ المقام ومسألة أنّ الشرط الفاسد مفسد من واديين لا يرتبط أحدهما بالآخر ، وذلك لأنّ الوجه فيما ذهب إليه القائلون بفساد المشروط عند فساد شرطه هو أنّ البيع والمعاملة معلّقة ومقيّدة بالشرط الفاسد كما إذا باع شيئاً بشرط أن يشرب الخمر أو يقتل زيداً أو يهتك مؤمناً ، فإنّ معنى الاشتراط فيما إذا كان الشرط من قبيل الأفعال أنّ البيع معلّق على التزامك بذلك العمل ، وحيث إنّ المعلّق عليه وهو التزام الطرف بالعمل موجود حال المعاملة وهما عالمان بوجوده فلا مانع من التعليق حينئذ ، فإذا ظهر أنّ البيع معلّق على التزام المشتري مثلاً بالعمل

المحرّم وحكم الشارع بأنّ وجود هذا الالتزام كعدمه لأنّه محرّم وداخل في الاستثناء في قوله (عليه السلام) « إلّا شرطاً حلّل حراماً » (1)فلا محالة يبطل البيع لعدم حصول ما علّق عليه ، ومن هنا حكموا بأنّ الشرط الفاسد مفسد للمشروط . وأمّا في المقام فليس البيع معلّقاً على الشرط وهو الوصف وكونه موجوداً في المبيع وإلّا يلزم بطلان العقد لأجل التعليق على ما لا يعلم بوجوده ، كما أنّ البيع غير معلّق على التزام البائع بوجود تلك الأوصاف في المبيع ، إذ لا معنى لالتزام البائع بما هو خارج عن قدرته واختياره ، فإنّ كون المبيع كذا وكذا أي متّصفاً بصفة خارج عن اختيار البائع ولا يتعلّق به الالتزام ، وليست الأوصاف كالأفعال حتى يصح الالتزام بها ، فلا محالة يتعيّن أن يكون البيع مطلقاً وغير مقيّد بشيء ، ب-ل ي-ك-ون التزامه به وعدم رجوعه في المعاملة معلّقاً على وجود الأوصاف دون أصل المعاملة ومعنى ذلك جعل الخيار لنفسه على تقدير عدم اتّصاف المبيع بالقيود ، فإذا ظهر التخلّف وعدم اتصاف المبيع بالأوصاف المذكورة فلا محالة يثبت له الخيار وله أن لا يثبت على بيعه ولا يلتزم به ، لأنّ التزامه به كان معلقاً على وجود الأوصاف ولم يحصل المعلّق عليه ، وأمّا البطلان فهو ممّا لا أساس له بوجه ، لأنّه لم يكن مقيّداً ولا مشروطاً ولا معلّقاً بشيء فبأيّ وجه يلتزم بالبطلان عند التخلّف ، وبهذا الذي تلوناه عليك تعرف أنّ المقام غير كون الشرط الفاسد مفسداً وأنّهما من واديين والبيع في أحدهما معلّق وفي الآخر مطلق ، فلا وجه لقياس أحدهما بالآخر أبداً ، فما أفاده شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) ممّا لا يمكن المساعدة عليه بل لم يكن ذلك مترقّباً منه (قدّس سرّه) إن لم يكن جسارة .

والذي تلخّص ممّا ذكرناه في المقام : أنّ الأوصاف على قسمين : نوعية وكمالية


1) ورد مضمونه في الوسائل 21 : 300 / أبواب المهور ب 40 ح 4 .

المعبّر عنها بالعرضية ، والتخلّف في الأولى يوجب البطلان والفساد ، وفي الثانية يوجب الخيار ، هذا كلّه فيما إذا كان المعلّق على وجود الوصف هو الالتزام بالمعاملة الراجع إلى جعل الخيار لنفسه على تقدير عدم ثبوت الوصف كما هو الظاهر في المعاملات ، فإنه لا معنى لالتزام البائع بما هو خارج عن اختياره فلا محالة يكون مرجعه إلى تعليق الالتزام بالمعاملة على وجود الأوصاف الراجع إلى جعل الخيار لنفسه على تقدير التخلّف .

وأمّا إذا فرضنا أنّ المعلّق هو أصل المعاملة وإنشاؤها فهو أيضاً لا مانع منه في القسم الأول لأن بطلان التعليق إنما ثبت بالإجماع ولا إجماع على بطلانه فيما كانت المعاملة بنفسها وفي ذاتها معلّقة عليه ، وقد عرفت أنّ الصور النوعية مقوّمات للمعاملة لوقوعها عليها ولذا قلنا إنّ تخلّفها يوجب البطلان .

وأمّا في القسم الثاني فالتعليق ف-ي-ه ي-وجب البطلان لعدم قوام المعاملة بالأوصاف الكمالية والعرضية وعدم وقوعها عليها ، لما أشرنا إليه في محله من أنّ المعاملة إنما تقع على الأعيان وهي التي يبذل المال بأزائها ، دون الأوصاف والهيئات لعدم قابليتها للبيع على نحو الاستقلال ، فإذا لم تقع عليها المعاملة ولم تكن مقوّمة للمعاملة فلا محالة يكون التعليق عليها موجباً لفساد المعاملة وبطلانها، هذا.

ثم إنّ المدار في كون الوصف من الأوصاف النوعية المقوّمة للمعاملة وكونه من الأوصاف الكمالية العرضية التي يوجب التعليق فيها بطلان المعاملة ليس على التدقيقات والاصطلاحات الفلسفية وملاحظة أنّ الوصف من الأوصاف الذاتية المقوّمة أو أنها من الأوصاف العرضية باصطلاح الفلسفة ، وأنه من قبيل الكم أو الكيف أو من سائر المقولات ، بل المدار على ما يراه العرف والعقلاء من الأوصاف المقوّمة والنوعية أو الكمالية العرضية ، وبين الأوصاف النوعية العرفية والعقلية تغاير جلي، وربما تكون النسبة عموماً من وجه إذ ربما يكون وصف من الأوصاف

النوعية عقلاً ومغايراً لفاقد الوصف ذاتاً وحقيقة ولا يكون من النوعية عرفاً وأخرى ينعكس وثالثة يجتمعان ، مثلاً إذا اشترى جارية ثم ظهر أنه عبد فإنّ الذكورة والأنوثة ليستا من الأوصاف النوعية عقلاً ، فإن الذكر والأنثى كلاهما إنسان وهما من الأوصاف العرضية ، إلّا أنّهما حقيقتان متغايرتان لدى الع--رف وصفة الذكورة والأنوثة من قبيل الأوصاف النوعية عندهم ، فتبطل المعاملة بتخلّفها كما لا يوجب التعليق عليهما بطلان المعاملة ، وكذا كتاب اللغة والفقه فإنّها عند العرف حقيقتان متباينتان فإذا اشترى كتاباً بوصف أنه شرح اللمعة للشهيد (قدّس سرّه) ثم ظهر أنّه كتاب اللغة للفيّومى مثلاً فتكون المعاملة باطلة ، ولكنهما بنظر العقل حقيقة واحدة ، لأنّ الكتاب ليس إلا مركباً من الحبر والقرطاس والجلد وهو متحقّق في كليهما ، ومن هذا القبيل أيضاً الفرش المنسوج بنسج الكاشان مع المنسوج بنسج غيره من البلاد فإنّهما حقيقتان متغايرتان عرفاً ومن الحقيقة الواحدة عقلاً لتركّبها من الصوف والصبغ ، فتخلّف الوصف في مثله يوجب البطلان .

كما أنه ربما يكون الوصف من الأوصاف النوعية عقلاً ولا يكون كذلك عند العرف ، وهذا كما في الأشياء التي لا قيمة لموادّها عرفاً وإنما يبذل المال ب-ازاء هيئتها فقط نظير المفتاح فإنّ الغرض والنظر فيه مقصوران على الفتح ، والمال يبذل في مقابل تلك الصفة بلا فرق في ذلك بين كون مادته نحاساً أو حديداً ، نعم لا تكون الخشبة بقيمة الحديد أو النحاس لعدم قوتها مثلها ، وأمّا الحديد أو النحاس أو الصفر فجميعها على حدّ سواء ولا يختلف قيمة المفتاح باختلافها أبداً ، فالحديدية والنحاسية من الأوصاف الكمالية والعرضية عند العرف ولكنّها من الأوصاف النوعية عقلاً ، وهما حقيقتان متغايرتان عنده بخلاف العرف .

ومن ذلك ما مثّل به شيخنا الأنصاري (1)من مثال لبن الجاموس ولبن البقر أو الغنم فإنه عرفاً حقيقة واحدة ، وكونه من البقر أو الجاموس من الأوصاف الكمالية والعرضية عندهم ، إلّا أنه حقيقة من الأوصاف النوعية عقلاً ولبنها متغایران حقيقة بالدقّة العقلية .

وإن كان هذا المثال مورد الاشكال من جهة أنّ حقيقة اللبن واحدة كان من الجاموس أو من البقر وليس حقيقة لبن البقر عقلاً مغايراً لحقيقة لبن الغنم واختلاف الغنم والبقر بحسب الحقيقة أمر آخر لا ربط له باختلاف حقيقة اللبن وهذا

ظاهر .

والمتلخّص : أنّ المعاملة تبطل عند تخلّف الأوصاف النوعية العرفية ، ولا مانع من تعليق المعاملة عليها ، وأمّا الأوصاف العرضية بنظرهم فتخلّفها لا یوجب إلّا الخيار ولا يوجب البطلان ، نعم التعليق على مثلها يوجب الفساد كما مرّ ، هذا كلّه فيا إذا علم الحال وظهر أنّ الوصف من قبيل الأوصاف النوعية عند العرف أو من قبيل غيرها .

وأمّا إذا شككنا في أنّ الوصف من النوعية حتى يصح التعليق عليها وتبطل المعاملة بتخلّفها ، أو أنه من قبيل غيرها لئلّا يصح التعليق فيها ولا تبطل المعاملة بتخلّفها ، وهذا كما في الأقمشة المنسوجة من الكتّان تارة ومن القطن أخرى ، أو غيرها من الفاسونية الصيفية المتداولة اليوم المنسوجة من الصوف الخالص ت-ارة ومن الكتان أخرى ، ومن الممتزج من الصوف والقطن ثالثة فيما إذا شككنا وشك العرف في أنّ كونها من الصوف وصف نوعي تبطل المعاملة عند ظهورها من القطن أو أنه من الأوصاف الكمالية وتخلّفها يوجب الخيار ؟


1) المكاسب 5 : 256 .

فالكلام في ذلك يقع في مقامين : أحدهما فيما إذا علّقت المعاملة على وجود ذلك الوصف المشكوك كونه من النوعية عرفاً فهل تصح هذه المعاملة حينئذ ، فإنّ الوصف على تقدير أنه من الأوصاف النوعية فالمعاملة صحيحة ، لأنّ التعليق عليها لا يوجب البطلان ، وإن كان من قبيل غيرها فالمعاملة باطلة لأنّ التعليق يوجب البطلان .

وثانيهما : فيما إذا باع واشترى حسب الارتكاز بلا تعليق المعاملة على وجود الوصف ثم تخلّف الوصف وظهر أنّ المبيع من القطن مثلاً ، فهل تصح المعاملة حينئذ أو لا ، إذ الوصف على تقدير كونه من قبيل الأوصاف النوعية فلا محالة تبطل المعاملة ، لأنّ تخلّفها يوجب البطلان ، وعلى تقدير كونه من قبيل غيرها فتخلّفها يوجب الخيار دون البطلان .

أمّا المقام الأول : فالظاهر صحة المعاملة ، لأنّ البيع ليس إلّا تبديل مال بمال وهذا قد تحقّق على الفرض فيشمله العمومات .

وأمّا بطلان التعليق في العقود فهو كما عرفت إنما ثبت بالاجماع وهو دليل لبّي يكتفى فيه بالمقدار المتيقّن وهو ما إذا كان الوصف من الأوصاف الكمالية عند العرف جزماً وعلى نحو القطع دون صورة شك العرف وتردّده ، ولم ينعقد الاجماع على عنوان مثل الوصف الكمالي أو العرضي حتى يقال إنّ التمسك بالعمومات حينئذ مع الشك في أنّ الوصف نوعي أو عرضي من التمسك بالعام في الشبهات المصداقية ، بل الاجماع انعقد على كل مورد مورد بخصوصه كالتعليق على كتابة العبد ونحوه ، مثلاً يقال إنّ التعليق على كتابة العبد يوجب البطلان وهكذا ، وقيامه في هذا المورد غير معلوم فيتمسّك بالعمومات ولعلّه (1)من جهة أنّ الوصف المحرز عند العرف أنه من


1) قد أفاد (دام ظله) أنّ الاجماع وقع على كل مورد مورد لا على عنوان الوصف العرضي وقوله لعلّه الخ جواب عمّا أورده عليه من أنّ تمسّكنا بالاجماع في الوصف الكذائي المحرز كونه من العرضي عند العرف يكشف عن أنّ الاجماع انعقد على عنوان جامع لا محالة وإلّا لما صحّ التمسك به في الموارد المذكورة ، فأجاب عن ذلك بأنّ الاجماع لعلّه انعقد على بطلان التعليق في الوصف المعلوم أنه من العرضي فيخرج الوصف المردّد عمّا انعقد عليه الاجماع ، وأورد عليه ثانياً : بأنّ الاجماع لو كان انعقد على هذا العنوان لأمكن إحراز عدمه بالاستصحاب الجاري في الأعدام الأزلية ونقول الأص-ل ع-دم ك-ون الوصف من الأوصاف العرضية المعلومة عند العرف ، فأجاب عنه : بأنّ هذا صحيح لو انعقد الاجماع على مبطلية التعليق في الأوصاف العرضية ولكنه كما عرفت غير معلوم .

العرضي هو الذي ثبت الاجماع على كون التعليق عليه مبطلاً للمعاملة دون الوصف المحرز أنه من النوعي أو الوصف المردّد والمشكوك كونه من العرضي أو النوعي وحيث إنّ الاجماع دليل لبّي يكتفى فيه بالمقدار المتيقّن وهو الأوصاف المعلوم كونها من العرضي ويتمسك بالعمومات في غيره .

والمتحصّل : أنّ مقتضى العمومات في هذه الصورة هو صحة المعاملة وعدم بطلانها بالتعليق .

وأمّا المقام الثاني : فالصحيح هو الالتزام فيه بالبطلان لعدم العلم بوجود المبيع في الخارج ، لأنّنا لا ندري أنّ المعاملة وقعت على واجد الوصف حتّى يحكم ببطلان المعاملة لعدم وجود المبيع في الخارج وعدم رضاه بغير الواجد ، أو أنه-ا وقعت على الذات الجامعة بين الواجد والفاقد حتى يقال بوجود المبيع في الخارج وبصحة المعاملة ، وحيث إنّا نشك في وجود المبيع في الخارج وعدمه فلا محالة نحكم ببطلان المعاملة حينئذ ، ولا يمكن في مثلها التمسك بالعمومات لعدم إحراز رضا المشتري بفاقد الوصف ولعدم إحراز وقوع التجارة على الفاقد وعموم قوله « لا

يحل مال امرئ مسلم إلّا بطيب نفسه»(1)وقوله (لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ ) (2)يقتضي إحراز طيب النفس وتحقّق التجارة عن تراض في جواز الأكل والتصرف، ولم تحرز الطيب ولا التجارة عن تراض في فاقد الوصف حسب الفرض ، فمقتضى العمومات حرمة الأكل والتصرف وعدم صحة المعاملة في المقام .

وبالجملة : نفصّل بين المقام الأول وهذا المقام ونلتزم بالصحة في الأول والبطلان في الثاني لعدم إحراز الرضا بالفاقد ، وهذه المسألة لم أر التعرّض لها في كلمات الأصحاب ، ولعلّ شيخنا الأستاذ تعرّض لها في غير هذا المقام ، والمسألة وجيهة لا بأس بالتعرّض لها .

القول فى أنّ هذا الخيار فوري أو أنّه على التراخي

قد وقع الكلام في أنّ خيار الرؤية فوري أو أنه غير فوري ؟ فذهب بعضهم إلى أنّه فوري وبعضهم إلى أنه على التراخي كما اختلفوا في غير هذا الخيار م-ن الخيارات المتقدّمة ، والكلام في ذلك يقع أوّلاً فيما يقتضيه الأصل العملي أو غيره من القواعد العامة ، وأخرى فيما يقتضيه النص الوارد في المقام ، وكذا يقع البحث تارة فيما إذا كان هذا الخيار من أفراد خيار تخلّف الشرط كما هو ظاهر كلام شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) وأخرى فيما إذا كان خيار الرؤية خياراً آخ-ر غ-ي-ر خ-ي-ار تخلّف الشرط على ما قوّيناه سابقاً .

أمّا ما يقتضيه الأصل أو غيره من القواعد العامة فقد تقدّم الكلام فيه في


1) الوسائل 5 : 120 / أبواب مكان المصلّي ب3 ح 1 (باختلاف يسير) .

2) النساء 4: 29 .

خيار الغبن(1)وقد ذكرنا هناك أنّ مقتضى العمومات كقوله تعالى : (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (2)أو قوله : (لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ) (3)الخ وغيرهما من العمومات لزوم المعاملة في جميع الأزمنة والحالات وإنمّا نخرج عنها في زمان قام الدليل فيه ع-ل-ى الخيار ، وأمّا في غيره من الأزمنة التي نشك فيها في ثبوت الخيار فالمرجع فيها هو العمومات والاطلاقات، لأنها كما تدلّ على العموم الافرادي كذلك تدلّ على العموم الأزماني ، ففي غير الزمان الذي دلّ الدليل فيه على الخيار نتمسك بعموم الأدلّة كما عرفت ، هذا ما يقتضيه الأصل أو القواعد العامّة .

وأمّا إذا قلنا بأنّ خيار الرؤية من أحد أفراد خيار تخلّف الشرط فيكون حاله حال ذلك الخيار ، وقد تقدّم أنّ الفورية والتراخي في خيار تخلّف الشرط تابعتان للاشتراط ، فلابدّ من ملاحظة أنّ الاشتراط يقتضي الخيار عند التخلّف على وجه الفور أو على وجه التراخي ، وحيث إنّ الخيار عند تخلّف الشرط ثبت بالارتكاز فلابدّ من ملاحظة أنّ الارتكاز عند العقلاء هل هو على ثبوت الخيار متراخياً أو على وجه الفور ، وذكرنا هناك أنّ المرتكز عند العقلاء في موارد تخلّف الشرط ليس هو الخيار في الآن الأول من زمان ثبوت الخيار آناً دقياً فلسفياً بحيث لو لم يعمل بالخيار في الآن الحقيقي من زمان الخيار يسقط خياره ولا يتمكّن من الفسخ أو الامضاء بعده ، كما أنّ الارتكاز ليس على ثبوت الخيار إلى الأبد ، فلا محالة يتعيّن الأمر بين الأمرين وهو ثبوت الخيار فورياً عرفياً بحيث لا يعد عند العرف متهاوناً ، وهذا يختلف باختلاف الموارد والمبيع فربما يرى العرف التأخير نصف يوم


1) راجع المجلد الثالث من هذا الكتاب الصفحة 410 وما بعدها .

2) المائدة 5 : 1 .

3) النساء 4: 29 .

من التهاون كما في الأشياء الحقيرة وأخرى يرى التأخير يوماً أو يومين من ع--دم التهاون كما في بيع الأشياء الخطيرة المحتاجة إلى التروّي والفكر كما تقدّم تفصيله في خيار تخلف الشرط فراجع (1)، هذا كلّه بناءً على أنّ هذا الخيار من أحد أفراد خيار تخلّف الشرط .

وأمّا ما يقتضيه النص الوارد في المقام فقد دلّت رواية جميل بن درّاج (2)على أنه لو قلّب منها أو فتّش ونظر إلى تسع وتسعين قطعة ثم بقي منها قطعة لم يرها لكان له فيها خيار الرؤية ، وإضافة الخيار إلى الرؤية لا تخلو عن أحد وجوه ثلاثةحسب ما يقتضيه استقراء كلمات الأصحاب في سائر الخيارات :

الأول : أن تكون إضافة الخيار إلى شيء من باب إضافة الخيار إلى سببه ومقتضيه كما في خيار الغبن فإنّهم يريدون بذلك أنّ الغبن سبب للخيار ، وهذا التعبير وإنّ لم يقع في كلام الإمام (عليه السلام) إلّا أنّ اصطلاح الأصحاب إنمّا جرى على ذلك ، فيريدون من مثل خيار الغبن وإضافته إليه الخيار المسبّب عن الغبن ، ولعلّه من ذلك القبيل إضافة الخيار إلى العيب في قولهم خيار العيب بناءً على أنّ العيب سبب الخيار ، وأمّا بناءً على إرادة المعيب من العيب كما ربما يطلق ويراد منه ذلك فيكون نظير خيار الحيوان الآتي ذكره .

الثاني : أن تكون الاضافة من قبيل إضافة الخيار إلى المبيع كما في خيار الحيوان لأنه بمعنى الخيار الثابت في المبيع الذي هو الحيوان ، ومنه خيار العيب بناءً على إرادة المعيب منه .

الثالث : أن تكون الاضافة من باب إضافة الخيار إلى ظرفه كما في خيار


1) لاحظ المجلد الثالث من هذا الكتاب مبحث خيار الشرط فإنّه لم يتقدّم منه ذلك .

2) الوسائل 18 : 28 / أبواب الخيار ب 15 ح1 .

المجلس ، هذه هي الأنحاء الثلاثة المحتملة في إضافة الخيار إلى الرؤية في المقام .

أمّا الاحتمال الثاني وهو كون الاضافة من إضافة الخيار إلى المبيع فمقطوع العدم في المقام ، لأنّ الرؤية ليست بمبيع حتّى تكون إضافة الخيار إليها نظير إضافة الخيار إلى الحيوان ، فيدور الأمر بين احتمالي إرادة السبب والظرف .

أمّا احتمال أن تكون الاضافة من باب إضافة الخيار إلى سببه فيندفع بوجهين :

الأول : أنّ الخيار في المقام إنّما ينشأ من عدم الوصف في المبيع وليس سببه الرؤية كما هو ظاهر .

وهذا يمكن المناقشة فيه بأنّ السبب في الخيار وإن كان عدم تحقّق الوصف في المبيع إلّا أنّ الرؤية في كلام الإمام (عليه السلام) إنمّا أخذت مرآة وطريقاً إلى ما هو السبب واقعاً كما وقع نظير ذلك في قوله تعالى : ( وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ )(1)الخ ، فإنّ الغاية للأكل والشرب هو طلوع الفجر دون العلم بتحقّقه كما ه-و م-ع-نى التبيّن ، إلّا أنه أخذ طريقاً إلى ما هو الغاية الواقعية وهي طلوع الفجر (بناءً على أنّ الغاية ليست هو ظهور الفجر بل مجرد طلوعه ، لا أنه يعتبر انبساطه بعد الطلوع في حرمة الأكل والشرب كما ربما قيل) فهذا الوجه قابل الدفع .

الوجه الثاني وهو الذي لا يمكن ردّه : أنّ مفروض كلام السائل أنه فتّش الضيعة ثم رآها على ما لم يكن رآها عليه قبل ذلك وظهر عدم اتّصافها بالوصف وعليه فذكر لفظة الرؤية وإضافة الخيار إليها يكون مستدركاً ولا يترتّب عليه أي ثمرة بناءً على إرادة السبب منها ، وذلك لأنه (عليه السلام) لو كان اكتفى بذكر الخيار فقط بلا إضافته إلى الرؤية لما أخلّ بشيء ولما فات عنه غرض ، وذلك لأنّ الرؤية


1) البقرة 2 : 187 .

وتحقّقها مفروضتان في الرواية ، ومعه يكون ذكر كلمة الخيار بمثابة إضافتها إلى الرؤية فلم يكن يحتاج إلى ذكر لفظة الرؤية أبداً ، وهذا بخلاف ما إذا حملنا الاضافة على إضافة المظروف إلى ظرفه فإنه لا يلزم منه اللغوية في الكلام فإنّ معناه حينئذ له الخيار إذا رآها أو في حالة الرؤية ، وليس في هذا التعبير أي بشاعة ، وعليه فالاضافة إلى الرؤية إضافة المظروف إلى ظرفه نظير خيار المجلس ، بل طبع القضية يقتضي حملها على الظرفية كما تراه عند تبديله بالفارسية فإنّا لو كنا أجبنا السائل في الرواية بالفارسية لذكرنا ما مضمونه (براي او خيار است وقتی که دید).

والثمرة بين كون الاضافة من باب إضافة المسبّب إلى سببه أو إضافة المظروف إلى ظرفه تظهر في التمسك باطلاق الرواية لاثبات التراخي ، وذلك لأنّا إذا حملنا الاضافة على السببية فمعنى الرواية حينئذ أنّ الرؤية على خلاف ما وصف له سبب في ثبوت الخيار ، وحيث إنه مطلق وغير مقيّد بساعة أو ساعتين حيث لم يدلّ على أنّ الرؤية سبب للخيار في ساعة فيتمسك باطلاقها وبه يثبت الخيار إلى الأبد ، اللهمّ إلّا أن يقول الخصم بعدم كون الرواية في مقام البيان من هذه الجهة وأنّى له باثباته كما تمسّكنا بذلك الاطلاق في خيار التأخير وقلنا إنّ الإمام (عليه السلام) جعل التأخير ثلاثة أيام سبباً لخيار البائع بلا تقييده بوقت وتمسكنا باطلاقه وبه أثبتنا الخيار حتى فيما لو جاء بالثمن بعد الثلاثة .

وأمّا إذا حملنا الاضافة على إضافة المظروف إلى ظرفه فلا یصح التمسک باطلاقها ، وذلك لأنها إنما دلّت على ثبوت الخيار في حال الرؤية أو إذا رأى لا مطلقاً وإلى الأبد ، هذا كلّه بناءً على ظهور الرواية في كون الاضافة من إضافة المظروف إلى ظرفه.

وعلى تقدير عدم ظهورها في ذلك فلا أقل لا تكون ظاهرة في الاضافة السببية ، فتكون مجملة ولا يمكن التمسّك باطلاقها لاثبات التراخي .

ثم إنه على ما ذكرناه من ظهور الرواية في الاضافة الظرفية إن قلنا بأنّ هذا الخيار نظير خيار المجلس في كونه مستمّراً باستمرار ظرفه فيثبت بذلك م-ا ن-قله شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) عن أحمد بن حنبل من استمرار خيار الرؤية بامتداد مجلس الرؤية ، وأمّا إذا قلنا بأنّ ظاهر الرواية ثبوت الخيار له حال الرؤية ولا دلالة فيها على ثبوته ما دام مجلس الرؤية باقياً فلا يمكننا موافقة ما ذكره أحمد بن حنبل ، بل لابدّ من الأخذ بما هو ظاهر الرواية من ثبوت الخيار حال الرؤية ، لّا أنّ المراد منه كما أشرنا إليه سابقاً ليس هو الآن العقلي الفلسفي بل المراد هو الحال العرفي الذي لا يرون التأخير إليه مسامحة وتهاوناً ، فثبت بالرواية الفورية العرفية ولا يمكننا إثبات التراخي بوجه .

ثمّ إنّ ما ذكره أحمد وإن لم يصح كما عرفت إلّا أنّ الوجه فيه ما أشرنا إليه ، فلا وجه لما أفاده شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) من أنّا لم نجد له دليلاً ، بل ما ذكره أحمد أولى ممّا ذكره القائلون بالتراخي فلا تغفل . القول في مسقطات هذا الخيار

لا ينبغي الاشكال في سقوط خيار الرؤية باسقاطه بعد الرؤية ، لما مرّ غير مرة من أنّ الحقوق تقبل الاسقاط ، ولا إشكال في أن خيار الرؤية كبقية الخيارات من الحقوق ، وإنمّا الكلام في صحة إسقاطه قبل الرؤية ، وأشكل منه اشتراط سقوطه في ضمن العقد ، وذلك لأنّ خيار الرؤية ليس نظير خيار الغبن ثابتاً من حين العقد حتى تكون الرؤية في المقام كالعلم بالغين طريقاً وكاشفاً عن ثبوت الخيار من زمان العقد ، بل إنّما دلّت الرواية على ثبوت هذا الخيار حال الرؤية دون قبلها ، وعليه فيكون إسقاطه قبل رؤية المبيع من إسقاط ما لم يجب ، إلّا أنّك عرفت الجواب عن

ذلك سابقاً (1)وقلنا إنّ إسقاط ما لم يجب ممّا لم يقم برهان على استحالته ، ولا مانع عقلاً من طلاق المرأة قبل أن يتزوّجها أو بيع ما لم يشتره بعد ونحوهما على نحو الواجب المشروط بأن يسقط فعلاً ما سيثبت له في محله من الخيار ، لا أنّه يسقط الخيار بالفعل فإنه لم يثبت له فعلاً والمعدوم كيف يعقل إسقاطه ، وإنمّا قلنا بعدم جوازه لأجل انعقاد الاجماع على بطلانه ، بل ثبوت السيرة الارتكازية من العقلاء على عدمه فإنّهم لا يطلّقون امرأة لم يتزوّجوها أو لا يهبون مالاً لم يشتروه بعد والاجماع والارتكاز غير متحقّقين فيما إذا ثبت المقتضي للخيار وهو العقد والمعاملة ولا يرون إسقاط الحق المحتمل حينئذ باطلاً كما تقدّم تفصيله سابقاً ، فلا مانع م--ن إسقاط هذا الخيار قبل الرؤية من جهة كونه إسقاطاً لما لم يجب ، هذا كلّه في الاسقاط القولي .

وأمّا الاسقاط الفعلي فملخّص الكلام فيه : أنّ الفعل إن كان بقصد إسقاط الخيار فلا إشكال في سقوطه به لأنّه لا يعتبر في الاسقاط اللفظ ، وأمّا إذا لم يكن بهذا القصد فلا يسقط به الخيار ولو كان له ظهور نوعي في الاسقاط ، وذلك لما مرّ من أنّه لم يقم دليل على أنّ مجرد الفعل يسقط الخيار إلّا في خيار الحيوان حيث دلّ على أنّ اللمس ونحوه يوجب سقوط الخيار مطلقاً صدر بقصد الرضا والاسقاط أم لم يصدر بهذا القصد ، وأمّا في المقام فلا .

نعم يمكن أن يقال بناء على ما قوّيناه من أنّ خيار الرؤية خيار مستقل ثبت على خلاف القاعدة : إنّ بعض الأفعال كالاتلاف الحقيقي قبل الرؤي-ة ي-وجب السقوط وإن لم يكن بقصد الاسقاط ، وذلك لأنه على خلاف القاعدة ولا يمكن التعدّي من مورد النص إلى غيره ، ومورده صورة بقاء العين ورؤيتها على خلاف


1) راجع المجلّد الثالث من هذا الكتاب الصفحة 96 .

التوصيف ، وأمّا مع إتلافها قبل الرؤية وانكشاف عدم اتّصافه به بعد التلف فلا دليل على ثبوت الخيار حينئذ وردّ بدله إلى مالكه واسترداد الثمن ، بل مورد النص هو بقاؤه وتمكّنه من ردّ عين المال إلى مالكه ، وهذا لا من جهة أنّ الخيار متعلّق بالعين بل إنما تعلّق بالعقد ، ولكن المقتضي لثبوته قاصر في المقام لأنّ الرواية كما عرفت لا تشمل صورة إتلاف العين ، وأمّا الاتلافات الحكمية كالهبة ونحوها فهي لا تمنع عن هذا الخيار لامكان رؤية المبيع حينئذ على خلاف ما وصف له ، بمعنى أنه یصدق الرؤية على خلاف الوصف حينئذ بخلاف صورة التلف الحقيقي فلا تغفل ، هذا كله في إسقاط الخيار قبل الرؤية .

وأمّا اشتراط سقوطه في ضمن العقد ففيه وجوه وأقوال : فربما يقال بفساد ذلك الشرط بلا إفساده للعقد ، فالمعاملة صحيحة والاشتراط فاسد . وأخرى يقال بفساد الشرط والمعاملة من جهة أنّ فساد الشرط يوجب فسادها كما حكي عن العلّامة (قدّس سرّه) (1)وقربه شيخنا الأنصاري (قدس سره)(2). وثالثة يقال بصحة كل من الشرط والمعاملة ، وهذه أقوال المسألة وهي ثلاثة :

أمّا القول الأول فالمستند فيه ما تقدّمت الاشارة إليه سابقاً من أنّ الاسقاط قبل الرؤية من باب إسقاط ما لم يجب ، فيكون اشتراط سقوطه اشتراطاً لسقوط ما لم يجب وهو فاسد ، فيكون الاشتراط فاسداً وهو كالعدم، وتبق المعاملة المجرّدة عنالشرط صحيحة .

وأمّا المستند للقول الثاني وهو الذي ذهب إليه العلّامة وشيخنا الأنصاري (قدّس سرهما) فهو ما أشار إليه شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) من أن اشتراط سقوط


1) التذكرة 10 : 59 .

2) المكاسب 5: 259 .

الخيار يوجب غررية المعاملة ، وذلك لأنّ الغرر وإن لم يرتفع بالخيار ، لأنّ الخيار حكم شرعي يثبت في المعاملة بعد صحّتها في نفسها فلا يمكن تصحيح المعاملة بالخيار ، إلّا أنّ بيع الغائب مع اشتراط الأوصاف يرجع إلى التزام البائع بوجود تلك الأوصاف في المعاملة أو بوجودها في المبيع وكونه أمراً مقيّداً بتلك الأوصاف فإنّ اشتراط شيء في المعاملة إمّا أن يرجع إلى اشتراط البيع والالتزام بذلك الشيء أو يرجع إلى تقييد المبيع بذلك الشيء ، وعلى كلا التقديرين يثبت له الخي-ار ع-ن-د التخلّف ، فإذا اشترطا سقوط هذا الخيار فهذا الاشتراط معناه أّن البائع يبيع العين بلا التزام منه بوجود تلك الأوصاف ولا بتقييد المبيع بها ، بل هو يبيع العين سواء كانت واجدة للأوصاف ومتقيّدة بها أم كانت فاقدة لها ، وعليه فتكون المعاملة غررية لعدم العلم بوجود الصفة وعدمه مع مغايرة الفاقدة للواجدة عند العرف فإذا صارت المعاملة غررية وفاسدة فلا يكون للشرط الحاصل في ضمنها اعتبار فتفسد المعاملة مع الشرط .

ومن ذلك يظهر الوجه في القول الثالث وأنّ مدركه عدم لزوم الغ--رر بالاشتراط ، ولا يكون من إسقاط ما لم يجب كما سيظهر عن قريب .

أمّا القول الأول ، فيدفعه ما تقدّم منّا سابقاً من أنّ إسقاط ما لم يجب ليس مدلولاً لدليل لفظي كي يتمسك باطلاقه ، وإنمّا ثبت بالاجماع والسيرة العقلائية القائمة على خلافه ، فإنّهم لا يرتّبون الأثر على مثل إبراء ذمّة أحد عن ثمن مبيع لم يتحقّق بيعه ، ومن الظاهر أنّ الاجماع والارتكاز غير متحقّقين في أمثال المقام ، وقد مرّ عدم الاستحالة العقلية في إسقاط ما لم يجب ، إذ لا مانع عقلاً من أن ينشأ فعلاً سقوط الخيار في ظرفه ، وإذا لم يتحقّق الاجماع ولا الارتكاز على خلافه في المقام فلا محالة يثبت المطلوب ويكون إسقاط الخيار في العقد واشتراطه صحيحاً ، فإذن الأمر يدور بين القول بفساد كل من الشرط والمعاملة والقول بصحة كل منهما ، هذا .

والظاهر أن يفصّل في المقام ويلتزم بالفساد في كل من الشرط والمعاملة فيما إذا كان ارتفاع الغرر في المعاملة مستنداً إلى الخيار ، والالتزام بصحّتهما فيما إذا لم يستند ارتفاع الغرر إليه ، وتوضيح ذلك : أنّ اشتراط شيء في المعاملة كما عرفت يرجع إلى تعليق الالتزام بالمعاملة وتعليق عدم فسخها على وجود ذلك الشرط بحيث إذا تخلّف ولم يتحقّق الشرط لا يجب عليه الالتزام بها ، بل يتمكّن من فسخها الاشتراط إلى تقييد البيع ولا إلى تقييد المبيع كما ادّعاه شيخنا

وإمضائها ، ولا يرجع الأنصاري (قدّس سرّه) .

أمّا أنّه غير راجع إلى تقييد المبيع فلما مرّ سابقاً من أنّ الموجود الخارجي لا ينقلب عمّا هو عليه ولا يتّسع ولا يتضيّق ، بل هو هو وبحاله ، فلا یوجب اشتراط شيء تضيّق المبيع الخارجي لعدم اتّساعه حتّى يتضيّق ، فلا يعقل فيه التقييد كما لا يعقل فيه الاطلاق .

وأمّا أنّه غير راجع إلى تقييد البيع ، فلأنّ لازمه هو بطلان المعاملة عند عدم اتّصاف المبيع بالصفة كما هو معنى تقييده به دون الخيار . مضافاً إلى أنّ التعليق في العقود يوجب البطلان ، فلا يعقل بحسب الثبوت إلّا أن يكون الاشتراط راجعاً إلى تقييد الالتزام بالمعاملة وتعليقه على وجود الشرط دون تعليق أصل المعاملة بحيث إذا ظهر عدم اتّصاف المبيع بالوصف وعدم وجدانه الشرط يكون له الخيار في فسخ المعاملة وإمضائها ولا يكون ملزماً بالمعاملة .

وعليه فإذا كان المشتري جاهلاً بوجود الصفات في المبيع وكان إقدامه على البيع غررياً وخطرياً خوفاً من أن لا يكون المبيع واجداً للأوصاف المرغوبة فيمكنه التخلّص من هذا الخطر باشتراط الأوصاف في المعاملة الراجع إلى جعل الخيار لنفسه ورفع التزامه بالمعاملة على تقدير عدم تحقّق الأوصاف في المبيع ، فإنّ إقدامه على شراء العين غير المرئية لا يكون خطرياً حينئذ ، إذ له أن يفسخ المعاملة

على تقدير عدم الإنّصاف ، وما في كلام شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) من أنّ الخيار لا يكون رافعاً للغرر فإنه حكم شرعي ثبت في المعاملة بعد فرض صحتها في نفسها إنّما يتم في الخيارات المجعولة الشرعية دون الخيار المجعول من المتبائعين ، فإنّ الامضاء إنمّا يرد على المعاملة بجميع قيودها وشرائطها والمفروض أنه-ا م-ع ذلك الاشتراط غير غررية فتشملها أدلّة الامضاء كما تقدّم ذلك في محلّه .

وعلى هذا فإذا اعتمد المشتري في رفع الخطر والغرر عن المعاملة على الاشتراط وجعل الخيار لنفسه على تقدير عدم الأوصاف ، فيكون اشتراط سقوط الخيار حينئذ مستلزماً للغرر في المعاملة لأنّها خطرية مع عدم الخيار للمشتري فتفسد المعاملة والشرط .

وأمّا إذا كان رفع الغرر مستنداً إلى توصيف البائع وإخباره بوجود الأوصاف واطمئنانه بوجودها ، وكان ثقة يفيد توصيفه الاطمئنان للمشتري بوجودها فأقدم المشتري على المعاملة مع الاطمئنان بلا خطر ولا غ--رر ، إلّا أنّ البائع لمّا كان يحتمل الخطأ لأنّ الاحتمال يجتمع مع اطمئنانه بوجود الأوصاف اشترط على المشتري سقوط الخيار حتى تكون المعاملة لازمة على كل حال ، ففي هذه الصورة لا يكون اشتراط سقوط الخيار موجباً للغرر في المعاملة ، فإنّ ارتفاعه لم يستند إلى جعل الخيار بل إلى حصول الاطمئنان بوجودها بإخبار البائع ، وقد عرفت في محلّه أنّ الغرر ليس أمراً واقعياً ، وليس له اصطلاح شرعي حتى يقال ببقائه حتى في صورة الاطمئنان بوجود الأوصاف ، وإنمّا هو أمر نفساني وهو احتمال الخطر احتمالاً عقلائياً قوياً ، وهذا يزول بحصول الاطمئنان بوجود الأوصاف ( والاحتمال الضعيف لا يترتّب عليه الأثر عند العقلاء) فلا تكون المعاملة خطرية وغررية حينئذ ، وكذلك الحال فيما إذا حصل له الاطمئنان بإخبار غير البائع .

وفي هذه الصورة لا مانع من اشتراط السقوط لعدم صيرورة المعاملة غررية

حينئذ ، فنلتزم بصحّة كل من المعاملة والشرط في هذه الصورة ، وهذا الكلام جارٍ وسارٍ في جميع الموارد والمقامات ولا يختص بالمقام ، فنفصّل بين صورة استناد ارتفاع الغرر إلى جعل الخيار وصورة استناده إلى غيره من الأمور .

وأمّا وصف الصحة والعيب ، فإن قلنا بعدم خصوصية للعيب ووصف الصحة بين سائر الأوصاف فنلتزم فيها أيضاً بهذا التفصيل ، وأنّ الغرر واحتمال عدم وصف الصحة إن كان مستنداً إلى اشتراطها وجعل الخيار على تقدير عدمها فيكون اشتراط سقوط خيار العيب أيضاً موجباً للغرر في المعاملة فتكون المعاملة والشرط فاسدين ، وأما إذا استند إلى إخبار البائع أو غيره أو إلى أصالة الصحة كما سنتكلم فيها إن شاء الله تعالى فلا يكون اشتراط سقوط الخيار مستلزماً للغرر فتصح كل من المعاملة والشرط .

وأمّا إذا قلنا بأنّ لوصف الصحة خصوصية خاصة من بين سائر الأوصاف وهي ورود النص ودلالته بالمفهوم على صحة التبرّي من العيب في المعاملة ، وأنّ اشتراط براءة البائع عن العيوب صحيح ونافذ ، فحينئذ نلتزم بصحة المعاملة واشتراط سقوط الخيار الراجع إلى بيع نفس العين كانت واجدة للصحة أم كانت فاقدة لا مانع عنه ولو كان مستلزماً للغرر ، وذلك لتخصيص دليله بهذه الرواي--ة الواردة في صحة التبرّي من العيوب ، وذلك لأنّ البطلان بالغرر ليس أمراً برهانياً عقلیاً حتى لا يصح تخصيصه بل هو أمر شرعي حيث نهى (صلّى الله عليه وآله) عن الغرر(1)فلا مانع من تخصيصه فيما إذا قام دليل على التخصيص كما في وصف الصحة على ما عرفت .

وأمّا ما ذكره بعضهم على ما نقله شيخنا الأنصاري في آخر كلامه من أنّ


1) الوسائل 17 : 448 / أبواب آداب التجارة ب 4 ح3 .

المعاملة صحيحة حتّى فيها إذا استلزم اشتراط سقوط الخيار الغرر فيها ، من جهة أنّ المشتري هو بنفسه أقدم على الغرر حينئذ ، ومع إقدامه عليه لا وجه لبطلان المعاملة ، فهو من الغرائب وذلك لأنّ مورد نهي النبي (صلى الله عليه وآله) عن الغرر هو صورة إقدام المتبائعين على الغرر وأنّهما إذا أقدما على خطر وغرر فالمعاملة باطلة ، فكيف يكون الاقدام عليه مانعاً عن البطلان .

ولا يقاس الغرر بالضرر فإنّ رفع الضرر حيث كان ناظراً إلى الضرر الناشئ من قبل الشرع لم يكن شاملاً لما إذا كان الضرر مستنداً إلى إقدام نفس المكلّفين بلا أن يستند إلى الشارع كما إذا باع ما يسوى بألف دينار بنصف دينار فإنّ الضرر حينئذ يستند إلى نفس البائع لا إلى الشارع ، وأمّا رفع الغرر فهو كما عرفت وارد في مورد إقدام المكلّفين على الغرر فلا يمكن إخراج صورة الاقدام عنه كما عرفت .

الكلام فيما إذا بذل التفاوت أو أبدل العين

قد تقدّم أنّ هذا الخيار يسقط باشتراط سقوطه في ضمن المعاملة ، ولكنّه لا يسقط فيما إذا بذل البائع التفاوت بين واجد الوصف وفاقده فإنّه بعد ثبوته يحتاج سقوطه إلى دليل ولا دليل على سقوطه ببذل التفاوت ، كما لا وجه لسقوطه فيما إذا أبدل العين فإنه لا حقّ للبائع في إبدالها ، إذ العين صارت ملكاً للمشتري بالمعاملة ولأجل فقد الصفات ثبت له الخيار فلا يصح له الابدال ولا يسقط به الخيار ، كما لا يسقط ببذل التفاوت ، وذلك لاطلاق الرواية من أنّ المشتري له الخيار عند ظهور الخلاف ، هذا كلّه بناءً على أنّه خيار مستقل ، ولا طلاق ما دلّ على خيار تخلّف الشرط بناءً على أنّ خيار الرؤية من أفراد خيار تخلّف الشرط ، اللهمّ إلّا أن يكون ذلك برضا المشتري ، لأنّ ذلك حقّه ولا مانع من تبديل ملكه بملك آخر إلّا أن-ه مطلب آخر ، وكيف كان فلا دليل على سقوط الخيار بالابدال ، وهذا ظاهر ولا كلام

فيه .

وإنما الكلام فيما إذا اشترط الابدال في ضمن العقد على تقدير عدم الأوصاف في المبيع ، فهل يصح هذا الاشتراط أو أنه فاسد ، ثم هل يوجب ذلك فساد العقد أو لا؟

والكلام في ذلك يقع في مقامين : أحدهما فيما إذا اشترط الابدال على نح--و شرط النتيجة كما فهمه شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (1)م--ن ك--لام الدروس (2). وثانيهما : فيما إذا اشترط الابدال على نحو شرط الفعل .

أمّا الكلام في المقام الأول وهو ما إذا اشترط البائع على المشتري أو المشتري على البائع إبدال العين بعين أخرى على تقدير ظهور الخلاف بنحو شرط النتيجة بأن يسقط ملكيته عن المبيع ويصير البدل ملكاً للمشتري بلا فعل م-نه-ا عند ظهور الخلاف ، فقد ذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) أنّ الشرط فاسد ومفسد للعقد أيضاً تبعاً لما ذكره في الدروس ، وذلك من جهة أنّ البدل إمّا أن يكون بدل الثمن بأن يشترطا أنّ الثمن المدفوع في مقابل المبيع يرجع إلى المشتري عند ظهور الخلاف ثم يقع ثمناً في مقابل البدل ، وإمّا أن يكون بدل المثمن كما إذا اشترطا إبدال العين بعين أخرى عند ظهور الخلاف .

أمّا إذا كان البدل بدلاً للثمن فهو باطل من جهة أنّه أي شرط الابدال المذكور على خلاف السنّة والشرع ، فإنّ معناه أن تنفسخ المعاملة بنفسها عند ظهور الخلاف ویرجع الثمن إلى المشتري ثم تتحقّق معاملة أخرى بنفسها بين الثمن والبدل ، ومن الظاهر أنّ فسخ المعاملة له أسباب شرعية ولا يتحقّق بدونها ، وليس ظهور الخلاف


1) المكاسب 5 : 264 .

2) الدروس 3: 276 .

من أسبابه ، وانفساخها بنفسها مخالف للشرع .

ودعوى أنّ الفسخ فعلي وإنمّا يتحقّق حين الاشتراط والبيع غاية الأمر أن--ه على نحو الواجب المشروط فيثبت الفسخ فعلاً للمعاملة في ظرف انكشاف الخلاف ، واضحة الفساد لأنّ الفسخ فرع المعاملة ولا معنى لفسخ المعاملة قبل

تحقّقها .

ولا يقاس هذا باشتراط سقوط الخيار في ضمن العقد مع أنّ خياره لا يتحقّق إلّا بعد الرؤية ، فإنّ مرجع هذا الاسقاط إلى جعل المعاملة لازمة وهذا حق للمشتري وله أن يوجدها من الأول لازمة حتى لا يثبت له الخيار وهو دفع للحق وهذا بخلاف الفسخ فإنه قبل صدور المعاملة وصيرورة المثمن ملكاً للمشتري غير صحيح لتوقفه على تحقّق المعاملة وهذا ظاهر .

كما أنّ توهم تصحيح ذلک بعموم «المؤمنون عند شروطهم» (1)من السقوط بمكان ، والوجه فيه أنّ العموم المذكور ليس مشرّعاً وموجباً لجواز ما هو حرام في نفسه ، وإنمّا هو يوجب الالتزام فيما يكون بنفسه أمراً سائغاً وصحيحاً في الشريعة المقدّسة ، ومثله إذا وقع مورد الاشتراط فمقتضى العموم المذكور وجوبه ولزوم العمل على طبقه ، والفسخ قبل المعاملة ممّا لم يثبت جوازه وصحته في الشريعة المقدّسة حتّى يشمله العموم، إذ الفسخ له أسباب وليس ظهور الخلاف منها ، هذا .

ثم إنّ انعقاد البيع على البدل بعد انفساخ المعاملة أيضاً يحتاج إلى سبب ولا ينعقد بنفسه ، مضافاً إلى أنه معاملة تعليقية فإنّه إنمّا يتحقّق على تقدير ظهور الخلاف في المبدل ، فالبيع الواقع على البدل باطل من جهتين ، من جهة احتياجه إلى سبب وهو مفقود ومن أجل أنه تعليق .


1) الوسائل 21 : 276 / أبواب المهور ب 20 ح 4 .

فالصحيح أن اشتراط الابدال شرط مخالف للشريعة المقدّسة وللسنّة النبوية فيفسد وبفساده تفسد المعاملة ، هذا كلّه فيها إذا كان البدل بدلاً للثمن .

وأمّا إذا كان البدل بدلاً للمثمن كما إذا اشترطا تبدّل المبيع إلى عين غيرهاعند ظهور الخلاف ، فهو وإن كان سليماً عن إشكال الفسخ بلا سبب ووقوع العقد على البدل بلا وجه ، إلّا أنّه أيضاً فاسد من جهة التعليق في المعاملة ، فإنّ معناه أنّه أنشأ البيع على المبدل إن كان واجداً للصفات وينشئه على البدل إذا لم يكن واجداً له ، والتعليق في العقد يوجب البطلان .

وكذلك فاسد من جهة الغرر لعدم العلم بوجود الصفات في المبدل ، والغرر والتعليق يوجبان الفساد ، وبعد فساد الشرط يفسد العقد ، هذه خلاصة ما أفاده شيخنا الأنصاري في المقام .

ثم تعرّض بعد ذلك لما أفاده صاحب الحدائق في كتابه وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى .

إلّا أنّ لنا كلاماً في المقام أمّا أوّلاً : فلأنّ كلام الدروس صريح في اشتراط الابدال على نحو شرط الفعل لا على نحو شرط النتيجة حيث إنه (قدّس سرّه) عبّر بلفظ الابدال ، ومن البديهي أنّ الابدال فعل من الأفعال وليس من قبيل النتائج وإلا لكان أن يقول هل اشتراط البدلية صحيح أو باطل ، واشتراط الابدال بنحو شرط الفعل مما لا كلام في صحته ، لأنه يرجع إلى اشتراط إسقاط خيار الرؤية للمشتري عند ظهور الخلاف ، واشتراط الابدال على البائع أعني اشتراط تمليكه البدل بأسبابه ، ومن الظاهر أنّ تمليك البائع للبدل وإسقاط المشتري خيار الرؤية أمران سائغان في نفسها فلا مانع من اشتراطهما في العقد ، بل اشتراط الابدال بنحو شرط الفعل هو الدارج الشائع بين المتعاملين فإنّهم كما ترى يشترون عيناً ويشترطون الابدال فيما لو ظهر كذا .

وأمّا ثانياً : فلأنّ اشتراط الابدال على نحو شرط النتيجة وإن كان فاسداً وعلى خلاف السنّة كما عرفت ، إلّا أنه لا وجه لافساده العقد ، فإنّ المشهور ب--ين المتأخرین عدم فساد المعاملة بفساد شرطها ، وما نحن فيه من أحد مصاديقه ، فلا وجه لبطلان العقد ولا لدعوى الشهرة على بطلانه عند بطلان الشرط.

ودعوى أنّ فساد العقد حينئذ من جهة الغرر فإنّ مقصود البائع أو المشتري من اشتراط الابدال على تقدير ظهور الخلاف إنّما هو دفع الغرر لارتفاعه باشتراط الابدال ، فإذا حكمنا ببطلان ذلك الاشتراط وفساده فصار كالعدم فقد عاد الغرر في المعاملة لاحتمال عدم الأوصاف في المبيع ، ففساد المعاملة من جهة الغرر .

مدفوعة بأنّ ظاهر كلام الشهيد (قدّس سرّه) إنّما هو في صحة الاشتراط المذكور بعد فرض صحة المعاملة في حد نفسها مع قطع النظر عن الاشتراط كما إذا اطمأنّ بإخبار البائع أو بإخبار غيره لفرض كون البائع مطمئناً بوجود الأوصاف وإنّما يشترط الابدال لأجل الاحتمال الموهوم لعدم اتّصافه بالأوصاف ، وعليه فلا وجه لفساد المعاملة بفساد شرطها ، هذا كلّه .

مضافاً إلى ما عرفت من أنّ الغالب في اشتراط الابدال هو القسم الثاني من الاشتراط أعني اشتراطه على نحو شرط الفعل ، ومعه لا يأتي إشكال الفسخ وانعقاد المعاملة بلا سبب، ومرجعه إلى اشتراط تمليك البدل للمشتري أعني المعاوضة بسبب جديد ، وحينئذ إذا أبدله البائع عند ظهور الخلاف فهو ، فلم يقع المشتري في الخطر لتحصيله الأوصاف بالابدال ، وإن لم يبدله البائع فيثبت للمشتري خيار تخلّف الشرط وله أن يفسخ المعاملة بهذا الخيار . وكيف كان فلا تكون المعاملة المذكورة غررية وخطرية ، هذا كلّه .

ثمّ إنّ هنا قسماً ثالثاً وهو أن يبيعه البائع المبدل على تقدير وجود الأوصاف والبدل على تقدير عدمها بأن تكون المعاملة من الابتداء واقعة على النحو المذكور

وهو لا إشكال في بطلانه من جهة عدم تعيين المبيع وكونها تعليقية ، إلا أنّ احتمال هذا القسم في كلام الدروس بعيد ، لأنه مناسب للبحث في العوضين ولا يناسب بحث خيار الرؤية كما لا يخفى ، فالمتعيّن هو إرادة القسم الثاني أعني اشتراط الابدال على نحو شرط الفعل ، وعليه فنحن نتعجب من الدروس كيف رضي بالحكم بالفساد والافساد فيه .

ملخّص المقال : أنّ اشتراط الابدال فى المعاملة إن كان على نحو شرط الفعل كما هو ظاهر لفظة الابدال فمرجعه إلى اشتراط معاملة أخرى على البدل ، وهي أمر سائغ شرعاً فلا مانع من اشتراطه ، وغاية الأمر أنه إذا تخلّف ولم يبع البدل على تقدير ظهور التخلّف يثبت له خيار تخلّف الشرط ، وفي هذه الصورة الشرط والعقد كلاهما صحيحان .

وإن كان الاشتراط على نحو شرط النتيجة فقد تقدّم أنّ الشرط حينئذ فاسد لمخالفته المشروع ، إلّا أنّ العقد صحيح ولا وجه لفساده بناء على ما هو المشهور بين المتأخرين من عدم إفساد الشرط الفاسد للعقد .

وإن كان الاشتراط على نحو المعاملة التعليقية من الابتداء كما إذا قال : بعتك هذه العين الشخصية إن كانت واجدة للصفات ، وبدلها إن كانت فاقدة ، ففي هذه الصورة يبطل العقد والشرط لأنّها معاملة تعليقية والمبيع غير معلوم فيها ، إلّا أنّ احتمال إرادة الشهيد هذه الصورة بعيد ، لأنّ ظاهر كلامه (قدّس سرّه) ه-و فساد الشرط بعد صحة العقد في حد نفسه لا بطلانه للتعليق .

وأمّا ما أفاده صاحب الحدائق (قدّس سرّه) (1)في المقام فالظاهر أنه غير قابل للحل بل هو يشبه المعمّى ، وذلك لأنه (قدّس سرّه) قال بعد نقل عبارة الشهيد في


1) الحدائق 19 : 59 .

الدروس : إنّ ظاهر كلام الشهيد أنّ حكمه بالفساد والافساد أعم من صورتي ظهور الموافقة في المبيع وكونه واجداً للصفات وظهور المخالفة وعدم كونه واجداً لها ، وأناشتراط الابدال على تقدير المخالفة فاسد ويفسد العقد مطلقاً ، مع أنه لا موجب لفساد العقد عند ظهور الموافقة ووجدان المبيع للأوصاف ، ومجرد اشتراط الابدال على تقدير ظهور المخالفة لا يستلزم فساد العقد عند ظهور الموافقة وذلك لعموم الأخبار المتقدّمة .

وما أراد بالأخبار المتقدّمة غير معلوم ، وهب أنّ المراد هو الأخبار الدالّة على الخيار عند عدم رؤية المبيع وظهور الخلاف فإنّها بالدلالة الالتزامية دلّت على صحة العقد عند ظهور الموافقة ووجدان المبيع للأوصاف ، وظاهر كلامه إلى هنا أنّ وجه الايراد على الشهيد هو تعميمه الحكم بالفساد لكلتا صورتي الموافقة والمخالفة .

ثم قال (قدّس سرّه) نعم لو ظهر مخالفاً فإنّه يكون فاسداً من حيث المخالفة ولا يجبره هذا الشرط ، لاطلاق الأخبار في الخيار ، بمعنى أنّ الشرط بمقتضى إطلاق الأخبار لا يكون جابراً لفساد العقد عند ظهور المخالفة .

وكلامه هذا غير قابل للحل ، فإنّ مدّعاه فساد العقد ودليله إطلاق أخبار الخيار ، وهل يعقل أن يكون إطلاق الأخبار في الخيار دليلاً على فساد العقد ، فإنّ التمسك باطلاقها إنما يصح بعد صحة العقد في نفسه ومع فساد العقد لا خيار ولا

،إطلاق .

ثم أرجع (قدّس سرّه) الحكم بالفساد في كلام الشهيد (قدّس سرّه) إلى الشرط المذكور أعنى اشتراط الابدال لأنه فاسد أي ممّا لا يترتّب عليه أثر في كلتا صورتي ظهور الموافقة وظهور المخالفة . أمّا في صورة ظهور الموافقة فلأنه لا موضوع للابدال ، إذ المفروض اتّصاف المبيع بالأوصاف ، وأمّا في صورة ظهور المخالفة

فلأجل فساد العقد في حدّ نفسه حد نفسه ومعه لا مجال للاشتراط .

ثم قال : وبالجملة فإنّي لا أعرف للحكم بفساد العقد في صورة اشتراط الابدال على نحو الاطلاق ظهرت الموافقة أم ظهرت المخالفة وجهاً يحمل عليه كلام الشهيد ، انتهى .

وصدر كلامه وذيله ظاهران في أنّ إيراده على الشهيد من جهة تعميمه الحكم بالفساد لصورتي ظهور الموافقة وظهور المخالفة ، وظاهر وسط كلامه الاستدلال على فساد العقد في صورة ظهور المخالفة باطلاق أخبار الخيار ، وهذا الكلام غير قابل للحل .

القول في اختصاص هذا الخيار بالبيع وعدمه

ذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه ) (1)أنّ الظاهر عدم اختصاص خيار الرؤية بالبيع وجريانه في سائر العقود نظير خيار الغبن ، فيجري في الصلح والاجارة ونحوهما عند ظهور عدم اتّصاف العين المستأجرة بالأوصاف التي قد وصفت بها العين ، وذلك لأنّ الأمر في المقام دائر بين احتمالات ثلاث ولا رابع في البين : فإمّا أن نحكم ببطلان مثل الاجارة عند ظهور خلاف الوصف ، وإمّا أن نحكم بصحّتها وعلى هذا التقدير إمّا أن نحكم بالصحة واللزوم أو نحكم بالصحة والجواز .

الاحتمال الثالث وهو الصحة مع الجواز هو المدّعى في المقام ، وأمّا الاحتمالان السابقان فكلاهما باطلان ، أمّا احتمال البطلان فلانّه بلا موجب بعد عدم مدخلية الأوصاف الكمالية في قوام المبيع إلّا على ما ذكره الأردبيلي (قدّس سرّه) من مخالفة


1) المكاسب 5 : 266 .

الموجود لما وقع عليه العقد وقد تقدّم (1)بطلانه فإنّه مخالف لم-ا ج-رى ع-ليه الأصحاب من عدم الحكم بالفساد عند ظهور تخلّف الشروط والأوصاف .

وأمّا احتمال الصحة مع الحكم باللزوم فلانّه لا يأتي في المقام ، لعدم جريان (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)(2)عند تخلّف الأوصاف ، فإنّ العرف لا يرى الالتزام بالفاقد وفاءً بما وقع عليه العقد كما لا يرى عدمه نقضاً للعقد، فإنّ الفاقد أمر مغاير للواجد والعقد إنمّا وقع على الواجد كما هو ظاهر ، فإذا بطل الاحتمالان فيتعيّن الثالث إذ لا رابع في البين ، هذا .

والذي ينبغي أن يقال في المقام : إنّا كما أسمعناك سابقاً ذكرنا أنّ الخيار عند تخلّف الوصف تارةً من باب خيار تخلّف الشرط كما إذا اشترط وجود الأوصاف المعيّنة في العين المستأجرة ثمّ ظهر التخلّف وعدم اتصافها بها ، وأخرى من جهة ورود النص في أن ظهور المبيع على خلاف الوصف يوجب الخيار كما إذا اشتراه بوصف البائع بلا التزامه بالوصف ، أو من جهة اعتقاده واطمئنانه باتّصاف المبيع بوصف .

فإن قلنا بالأول وأنّ هذا الخيار من باب خيار تخلّف الشرط فلا ينبغي الاشكال في جريانه في جميع الأبواب ، لأنّ الخيار عند تخلّف الشرط أمر ارتكازي عقلائي بلا فرق فيه بين البيع وغيره، وعليه فلا حاجة في إجراء ذلك في الاجارة والصلح وغيرهما من الأبواب إلى التشبّث بما أفاده شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) فإنّ الخيار في سائر العقود يثبت بعين الدليل الذي ثبت به في البيع بلا حاجة إلى التعدّي ، وهو على طبق القاعدة ، فلا وجه لتبعيد المسافة وذكر الاحتمالات المتقدّمة


1) في الصفحة 84 .

2) المائدة 5 : 1 .

لأنّه يشبه الأكل من القفا .

وأمّا إذا قلنا بالثاني كما بنينا عليه وذكرنا أنّه خيار مستقل وليس من باب خيار تخلّف الشرط واستدللنا عليه بقول السائل في رواية جميل « فاستقال صاحبه فلم يقله » (1)فإنّ الوصف لو كان مشترطاً في العقد لما كان حينئذ للاستقالة وجه ، فإنّ الخيار عند تخلّف الشرط ارتكازي عقلائي فحينئذ لابدّ من الاقتصار على البيع ، ولا يمكننا التعدّي إلى الاجارة وغيرها إذ لا مقتضي له .

وأمّا ما أفاده شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) من حصر الاحتمالات في الثلاثة فهو وإن كان كما أفاده إلّا أنّه لا مانع من الالتزام بالاحتمال الثاني وهو اللزوم .

ودعوى أنّ (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ )لا يشمل المقام لأنّ الالتزام بالفاقد لا يعدّ وفاءً للعقد ولا عدمه نقضاً له .

يدفعها أوّلاً : المنع من عدم كونه وفاءً ، فإنّ المالك بعد عدم اشتراطه الأوصاف في العين وعدم التزامه بوجودها ووقوع العقد ع-ل-ى ن-ف-س الع--ي-ن ب-لا اشتراط لأجل توصيفها أو لأجل اطمئنان المستأجر بوجود الأوصاف في العين

المستأجرة فلماذا لا يعدّ عدم الالتزام به نقضاً للعقد ولا يعد الالتزام به وفاءً .

وثانياً : هب أنّ ذلك لا يعدّ وفاءً ولا يشمله دليل اللزوم فهل يكفي عدم شمول دليل اللزوم لعقد في إثبات الجواز بعد عدم ارتفاع احتمال اللزوم كاحتمال الجواز ، ولو لم يتمكّن الخصم من إثبات اللزوم فهل له إثبات الجواز بدليل وبأيّ شيء أثبت الجواز فإنّه أيضاً يحتاج إلى دليل .

وثالثاً : افرض أن الوفاء لا يصدق في المقام ولا يشمله (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) فهلا يجري في المقام سائر أدلّة اللزوم ، لأنّها غير منحصرة في (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) ومقتضى


1) الوسائل 18 : 28 / أبواب الخيار ب 15 ح1 .

قوله تعالى : (لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ) (1)وقوله : « لا يحلّ مال امرئ مسلم إلا بطيب نفسه (2)عدم جواز الفسخ ، لأنّ الفسخ ليس تجارة عن تراض ، فبأي قانون يصح له التصرّف في المال .

ورابعاً : أنّ مقتضى مسلكه (قدّس سرّه) صحة جريان الاستصحاب حينئذ بعد الفسخ ، ومعه لا مجال لدعوى الجواز . وكيف كان فما أفاده (قدّس سرّه) في المقام ممّا لا يمكن المساعدة عليه ولا كان مترقّباً منه (قدس سره) .

اختلاف البائع والمشتري في تخلّف الوصف

وإذا اختلفا في تخلّف الوصف وعدمه فهو يتصوّر على وجوه ثلاث :

الأول : أن يكون مورد النزاع هو أصل اشتراط الوصف في المبيع ، وادّعى المشتري اشتراط الوصف فيه وحيث إنّه مفقود فيثبت له الخيار ، وأنكر البائع الاشتراط أعني اشتراط الوصف وأنّ المعاملة وقعت بلا اشتراط وصف فليس للمشتري الخيار .

الثاني : أن يتنازعا في متعلّق الاشتراط بعد الاتّفاق على اشتراط شيء من الأوصاف ، فادّعى البائع أنّ متعلّق الاشتراط هو وصف الخياطة وهي موجودة متحققة في المبيع فلا تخلّف ولا خيار ، وأنكره المشتري وادّعى أنّ متعلّقه هو وصف الكتابة وهي مفقودة ، فالوصف متخلّف وله الخيار . وهذه الصورة بالأخرة ترجع إلى الصورة الأولى من حيث إنكار اشتراط صفة الكتابة .

الثالث : أن يتّفقا على أصل الاشتراط وعلى متعلّقه ، إلّا أنّها تنازعا في أنّ


1) النساء 4 : 29 .

2) الوسائل 5 : 120 / أبواب مكان المصلي ب3 ح 1 (باختلاف يسير).

المبيع كان واجداً للوصف المشترط حين المعاملة ثم زال عنه الوصف ، أو أنه لم يكن واجداً له حين المعاملة والشراء ، وادّعى البائع زواله بعد المعاملة والشراء وق--ال المشتري بل لم يكن واجداً للوصف حين المعاملة ، وهذه هي الصور المتصوّرة في المقام ، وشيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (1)وإن لم يتعرّض إلى جميع الصور الثلاثة في كلامه إلا أنّ حكمها يظهر ممّا أفاده في المقام .

فيقع الكلام أوّلاً في الصورة الأولى والصورة الثانية الراجعة إلى الأولى فنقول : إذا اختلفا في أصل اشتراط الوصف في المبيع أو في متعلّقه فهل يقدّم ق--ول المشتري وبه يثبت له الخيار ، أو أنّ القول قول البائع والمعاملة لازمة لا خيار فيها للمشتري بعد الفراغ عن صحة المعاملة في نفسها وكون المبيع ملكاً للمشتري وإنمّا الكلام في ثبوت الخيار له وعدمه ، ذهب إلى كل فريق .

ذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) أنّ القول قول المشتري ، وهذا لا من أجل موافقة قوله للأصل فإنّ الأصل عدم ثبوت الخيار ، بل من جهة أنّ اشتراط الوصف يرجع إلى تقيّد المبيع ، ويغاير هذا الاشتراط أي اشتراط الأوصاف اشتراط الأفعال ، فإنّ اشتراط الفعل في المعاملة كاشتراط خياطة ثوب أو كتابة شيء يرجع إلى التزام آخر في ضمن الالتزام بالبيع ، وعند الشك في أصل الاشتراط وما يرجع إليه ندفع الالتزام الزائد المشكوك بالأصل وبه نثبت عدم الاشتراط .

وأمّا اشتراط الأوصاف فهو لا يرجع إلى التزام آخر زائداً على التزام البيع بل يرجع إلى تقيّد المبيع ، فيكون هناك التزام واحد متعلّق بالمقيد بالوصف ، وعليه فإذا شككنا في الاشتراط بالوصف فمرجعه إلى أنّ البيع والالتزام هل وقعا على الذات المطلقة كانت واجدة للوصف أو فاقدة له حتّى تكون المعاملة لازمة عند


1) المكاسب 5 : 267 .

تخلّف الوصف ، أو أنّها وقعا على الذات المقيّدة بالوصف فعند تخلّف الوصف يثبت للمشتري الخيار ولا تبطل المعاملة لما ذكره (قدّس سرّه) في مطاوي كلماته سابقاً من أنّ الاستقراء والاجماع يقتضيان عدم بطلان العقد عند تخلّف الأوصاف ، وم الظاهر أنّ لزوم المعاملة كما عرفت من آثار وقوع البيع والالتزام على الذات المطلقة كانت واجدة للوصف أم كانت فاقدة له ، وحيث نشك في وقوعها على الذات المطلقة فندفعه بأصالة عدم وقوعها على المطلق وبه يرتفع اللزوم لا محالة . ولا تعارض الأصالة المذكورة أصالة عدم وقوعها على الذات المقيّدة بالوصف فإنّها لا تثبت وقوعها على الذات المطلقة حتى تقتضي لزوم المعاملة فأصالة عدم وقوع البيع والالتزام على الذات المطلقة بلا معارض وهي تقتضي عدم لزوم المعاملة ، فلا محالة تكون المعاملة غير لازمة بعد الفراغ عن صحّتها وعدم بطلانها ، هذه خلاصة ما ذكره شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) في المقام وفي مسألة تخلّف الوصف في المبيع .

ويرد عليه أوّلاً : أنّ تقييد المبيع غير ممكن لأنّه جزئي خ--اص ولا معنى لتقييده ، كما أنّ تقييد أصل البيع بوجود الوصف على خلاف الارتكاز عند العقلاء فإنّهم لا يعلّقون البيع على وجود الوصف عند اشتراطه .

مضافاً إلى أنّ التعليق باطل في العقود بالاجماع ، وعليه ف--رج-ع اشتراط الأوصاف كاشتراط الأفعال إلى جعل الخيار لنفسه على تقدير التخلّف ، بلا فرق بين اشتراط الوصف والفعل في ذلك ، نعم بينهما فرق من ناحية أخرى وهي أنّ الفعل لمّا كان تحت اختيار المتعاملين أمكن فيه الالتزام وإلزامه بالوفاء به شرعاً، بخلاف الوصف فإنه لا معنى للالتزام والالزام فيما لا يرجع إلى الاختيار ، فإذا كان معنى اشتراط الوصف جعل الخيار لنفسه وشككنا فيه فندفعه بالأصل ، لأنّ الأصل عدم جعل الخيار لنفسه ، فما أفاده (قدّس سرّه) من إرجاع اشتراط الوصف إلى تقييد المبيع

فاسد بحسب المبني .

وثانياً : أنّ ما أفاده (قدّس سرّه) فاسد بحسب البناء أيضاً ، وذلك لأنّا إذا بنينا على إرجاع اشتراط الوصف إلى تقييد المبيع فنمنع عن كون اللزوم من آثار وقوع المعاملة على الذات المطلقة ، بل الخيار من آثار وقوع المعاملة على الذات المقيّدة بشيء يغاير الموجود الخارجي الذي هو معنى تخلّف الوصف ، والوجه فيما ذكرناه أنّ اللزوم من آثار طبيعي البيع والعقد ، فجميع العقود لازمة بحسب طبعها وإنّما خرجنا عمّا تقتضيه طبيعة العقد فيما إذا اشترط فيها وصف ووقع العقد على ذات متّصفة بصفة مغايرة للموجود الفعلي الخارجي ، فإنّ المعاملة غير لازمة حينئذ لتخلّف الوصف وعدم كون الموجود مصداقاً لما وقع العقد عليه بعد الفراغ عن عدم بطلان المعاملة حينئذ ، لأنّ تخلّف الوصف لا يوجب البطلان وتمحّض الخلاف في الخيار ، وعليه فحيث نشك في وقوع العقد على الذات المقيّدة بما يغاير الموجود فلا يمكن له (قدّس سرّه) إثبات الخيار ، إذ من أين يمكنه إثبات أنّ العقد وقع على المقيد بوصف لا ينطبق على الموجود الخارجي ، بل الأصل عدم وقوعه على المقيّد بما لا ينطبق على الموجود الفعلي فبه ندفع الخيار ، هذا .

وتفصيل الكلام في المقام وفي كل مورد وقع فيه الخلاف في الخيار وعدمه أن يقال : إنّ مرجع جعل الخيار في عقد كما أسمعناك سابقاً إلى تقييد الملكية وتحديدها بزمان الفسخ ، فمعنى البيع بالخيار هو التمليك الموقت بوقت الفسخ لا على نحو الاطلاق حتى بعد زمان فسخه فإنه ممّا لا معنى له بأنّ يملّكه على نحو الاطلاق ويكون الملك للمشتري ولو بعد فسخ البائع ، لأنّ المفروض أنه يجعل لنفسه الخيار وهذا لا يجتمع مع التمليك المطلق ، فحيث إنّ الملكية المطلقة غير معقولة ، كما أنّ الاهمال في التمليك غير معقول فيتعيّن أن تكون الملكية عند جعل الخيار مقيّدة وموقتة بوقت الفسخ ، وعليه فالشك في الخيار وعدمه يرجع إلى الشك في أنّ الملكية

على نحو الاطلاق أو أنّها على نحو التقييد بعدم الفسخ ، وأصالة عدم لحاظ التمليك على نحو الاطلاق معارضة بأصالة عدم لحاظه على نحو التقييد فالأصلان متعارضان .

ويمكن تقريب التعارض بنحو آخر وهو ما ذكرناه في الاستصحابات الجارية في الأحكام الكلّية ، فإنّ جريان الاستصحاب في الحكم المجعول في زمان الشك معارض باستصحاب عدم جعله أزيد من الزمان المتيقّن فيه الحكم ، فيكون استصحاب بقاء الملكية في المقام بعد الفسخ الذي هو استصحاب المجعول معارضاً باستصحاب عدم جعل الملكية بأزيد من المقدار المتيقّن وهو الملكية إلى زمان الفسخ ، فإذا سقط الاستصحابان فلا يمكننا الحكم بشيء من اللزوم والخيار ، فإنّ الأول من آثار جعل الملكية المطلقة والثاني من آثار جعل الملكية موقتة بوقت الفسخ ، وليس من آثار عدم الملكية المطلقة لأنّها أعم وكانت متحقّقة قبل البيع أيضاً مع أنه لم يكن خيار حينئذ ، وبما أنّ الأصلين متعارضان فيسقطان فنرجع إلى العمومات الموجودة في المقام ومقتضاها اللزوم في جميع العقود .

وبعبارة أخرى : لا يمكننا التمسّك بعموم (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (1)بعد سقوط الاستصحابين ، لأنّ مقدار الوفاء بكل عقد تابع لمقدار المجعول فيه إن مطلقاً فمطلقاً وإن موقتاً فوقتاً ، وبما أنّا لا ندري أنّ الملكية المجعولة في المقام مطلقة أو موقتة بزمان الفسخ فلا يمكننا التمسّك بعمومها لأنّ الشبهة مصداقية ، إلّا أنّ مقتضى قوله تعالى (لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ) (2)وقوله « لا يحلّ مال امرئ مسلم » (3)الخ أنّ حدوث الملكية


1) المائدة 5 : 1 .

2) النساء 4: 29 .

3) الوسائل 5 : 120 / أبواب مكان المصلي ب3 ح 1 (باختلاف يسير).

في آن وزمان يقتضي حرمة التصرّفات الواقعة فيه إلّا بالتجارة عن تراض أو بطيب نفس المالك ، وحيث إنّ المفروض صيرورة المال ملكاً للمشتري ، إذ الكلام في الخيار دون البطلان ، فيحرم التصرّف فيه للبائع كما يحرم له أي للمشتري التصرف في الثمن ، وليس الفسخ تجارة عن تراض ولا بطيب النفس ، فمقتضاهما اللزوم وعدم ارتفاع الآثار بالفسخ ، وقد خرجنا عن مقتضاهما في مورد واحد وهو صورة جعل الخيار لنفسه ، فإنّ التصرّف أي تصرّف من له الخيار في المال جائز ولو بلا تجارة عن تراض وبلا طيب نفس المالك ، وإذا شككنا في أنّه جعل الخيار لنفسه فندفعه بالأصل ، لأنّ الأصل عدم جعله الخيار لنفسه وبذلك يثبت اللزوم فيقدّم قول مدّعيه على قول مدّعي الخيار .

وتوضيح ما تقدّم : أنه بناءً على التمسك بأوفوا بالعقود الذي معناه وجوب الوفاء بكل عقد ووجوب إنهائه إلى آخره إن مطلقاً فمطلقاً وإن مقيّداً فقيّداً فيكون الاستصحابان متعارضين ، وذلك لأنّ العقد الخياري إنما يتعلّق بالملكية الموقتة والعقد غير الخياري يتعلّق بالملكية المطلقة، ولكل من العقدين الواقع على الموقتة والواقع على المطلقة أثر شرعي وهو وجوب الوفاء به ووجوب إنهائه مطلقاً أو مقيّداً ، وجعل الملكية المطلقة أو الموقتة حادثان مسبوقان بالعدم، وأصالة العدم في كل منهما يعارض أصالة العدم في الآخر ويتعارضان ، ولا يمكن التمسك بعموم (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) لأنّ الشبهة مصداقية ، فإنّ وجوب الوفاء في كل عقد تابع لمقدار جعل الملكية كما مرّ .

وأمّا إذا تمسّكنا بغيره من أدلّة اللزوم كقوله تعالى (لَا تَأْكُلُوا) الخ وقوله (عليه السلام) « لا يحل ما امرئ » الخ فالأصلان لا يتعارضان ، والوجه فيه أنّ مقتضى الآية والرواية أنّ كل مال صار ملكاً لأحد في زمان يحرم تصرف الغير فيه إلّا بالتجارة عن تراض أو بطيب نفسه ، سواء جعلت الملكية على نحو الاطلاق أو على

النحو الموقت وإلى زمان الفسخ ، وعلى كلا التقديرين يحرم تصرّف الغير فيه إلى الأبد ، ولا أثر لجعل الملكية موقتة وكأنه يصير من قبيل الشرط المخالف للكتاب فإنّ المسوّع في التصرّف فيه هو التجارة عن تراض وطيب النفس ، وقد خرج من هذه الكلّية عنوان وجودي وهو ما إذا جعل الشارع أو المتعاقدان ف-ي-ه الخ-ي-ار وجعل الخيار عنوان وجودي أثره جواز المعاملة ، فالأثر مترتّب على جعل الملكية الموقتة الذي هو معنى جعل الخيار ، وأمّا جعل الملكية المطلقة فلا أثر شرعي له بناءً على التمسك بغير (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (نعم بناءً على التمسك به لكل من الجعلين أث--ر شرعي) فإنّ الملك آناً ما أثره حرمة تصرّف الغير فيه إلى الأبد ، وأمّا الملكية المطلقة فلم يترتّب عليها أثر شرعي أبداً ، فإذن يجري الأصل في نفي ذلك العنوان الوجودي وهو جعل الملكية الموقتة والخيار لأنّه مسبوق بالعدم ، ولا يعارضه نفي جعل الملكية المطلقة لأنه لا أثر له بناء على التمسك بغير (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) هذا كلّه في الصورة الأولى والثانية من صور النزاع.

وأمّا الصورة الثالثة : وهي ما إذا اعترفا بالاشتراط ومتعلّقه ولكنّها اختلفا في وجوده حال البيع وعدمه وأنكره المشتري وادّعاه البائع ، بلا فرق بين اتّفاقهما على عدمه بعد العقد أيضاً وعدمه كما إذا اتّفقا على عدمه بعد العقد إلّا أنّ البائع ادّعى زواله بعد العقد وقال المشتري بل لم يكن موجوداً فيه حين المعاملة فينقلب الحال وينعكس الأمر ، فيحكم بالخيار للمشتري حتّى يثبت البائع مدعاه فإنه بعد ما اعترف باشتراط وصف معيّن للمشتري فلابدّ من إحراز تسليمه إلى المشتري والأصل عدم تسليمه حقّه ، وعدم اتّصاف المبيع بالوصف المشترط حال المعاملة فيثبت للمشتري الخيار حتى يثبت البائع مدّعاه وهو وجوده حال العقد بالبينة ونحوها بعد اعترافه بأصل اشتراط وصف معيّن ولا يصغى لما يدّعيه بلا دليل ، هذا كلّه في الأوصاف العرضية المنفكّة عن الذات في زمان ثم عروضها عليه

كما في وصف الكتابة ونحوها .

وأمّا الأوصاف غير المنفكّة عنها من حين وجودها بحيث لم يكن لنا يقين بعدم اتّصافها بها في زمان كما في وصف الكتابة حتى نستصحب عدم اتصافها بها حين المعاملة ، بل إمّا أن تكون الذات متّصفة بها من الابتداء أو غير متّصفة بها من ابتداء وجودها كما في اشتراط كون الحنطة هي من المزرعة الفلانية أو كون العبد من طائفة معيّنة ، فإنّ اتّصاف الحنطة بكونها من مزرعة خاصة أو العبد من طائفة معيّنة لو كان فهو من الابتداء ولا حالة له مسبوقة بالعدم، فلا يجري فيها استصحاب العدم النعتي وهو واضح ، إلّا أنّ استصحاب عدم تحقّق الاتّصاف والانتساب إلى مزرعة كذا أو طائفة كذا حين تحقّقه بلا مانع ، فإنّ الاستصحاب يجري في الأعدام الأزلية وكل شيء حادث مسبوق بالعدم ولو بعدم موضوعه .

القول فيما إذا اشترى ثوباً نسج بعضه

لو اشترى ثوباً قد نسج بعضه ولم ينسج الباقي على أن ينسجه بمنوال البعض المنسوج ، فعن الشيخ الطوسي (قدّس سرّه) (1)أنّ البيع باطل ، وكذا عن العلامة (قدّس سرّه) في بعض كتبه (2)وغيرهما . وعن العلّامة (قدس سره) أيضاً في كتاب المختلف(3)وبعض آخر صحّته ، وذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (4)لا يحضرني كتاب المختلف حتى ألاحظ مدرك حكمه بالصحة ، ولا يخفى أنّ كلامه (قدّس سرّه) هذا


1) المبسوط 2: 77 .

2) التذكرة 11 : 79 .

3) المختلف 5 : 104 .

4) المكاسب 5: 269 .

ينا في ما أشار إليه بعد أسطر بقوله : وإليه ينظر بعض كلمات المختلف ، فإنّ المختلف لو لم يحضر عنده فكيف عرف أن بعض كلماته تشير إليه ، ولعلّه حضره ب-ع-د ك--لامه السابق .

وكيف كان ، فالظاهر أنّ النزاع لفظي والكلام في موردين ، وكل من القائل بالصحة والفساد يدّعي أمراً غير ما ينكره الآخر ، وذلك لأنّ الصورة المتصوّرة في المقام أربعة :

الأولى : ما إذا اشترى نصف الثوب وهو منسوج والنصف الكلّي المنسوج على أن يكون بمنوال المنسوج الموجود بأن يشتري النصف الكلّي في ذمّة البائع ويشترط عليه كون نسجه بطريق نسج النصف الموجود ، وهذا البيع بيع كلّي صحيح ولا یتوهّم في حقّ الشيخ ولا غيره الحكم بالبطلان في هذه الصورة ، لعدم الجهالة ولا مانع آخر في البين ، ولكنه إذا تخلّف ولم ينسج النصف بطريق النصف المنسوج فلا يثبت له الخيار بل له حقّ الاستبدال والمطالبة بما وقع عليه العقد ، فإن دفع فرد آخر غير ما تعلّق به البيع الكلّي لا يوجب تشخّص حقه فيه ، نعم لو كانت للهيئة الاتّصالية مدخلية في زيادة الثمن ثبت له خيار تخلّف الوصف وتبّعض الصفقة .

الثانية : أن يشتري النصف المنسوج المعيّن ومقداراً معيّناً من الغزل الموجود في الخارج ويشترط عليه أن ينسجه بطريق نسج النصف الموجود ، وهي أيضاً صحيحة ، إذ لا مانع من شراء الصوف المغزول معيّن المقدار واشتراط نسجه على منوال كذا ، فإنّه معلوم المقدار وغير مخالف للكتاب ولا لغيره ولا يحتمل بطلانها عند أحد هؤلاء الأكابر بوجه ، ولكنّه إذا تخلّف فيثبت له خيار تخلّف الشرط .

الثالثة : أن يشتري النصف المنسوج الموجود ومقداراً معيّناً من الغزل الكلّي في ذمّة البائع ويشترط عليه أن ينسجه على منوال النصف الموجود ، وهي أيضاً صحيحة إذ لا محذور في بيع الكلّي الموصوف أبداً .

والصورة الرابعة : أن يشتري النصف المنسوج المعيّن والنصف الشخصي الباقي منسوجاً قبل وجوده أي قبل وجود المنسوج فإنّه بعد لم ينسج الباقي ، وهذه الصورة محكومة بالبطلان لأنّه في النصف غير المنسوج من قبيل البيع قبل وجود المبيع ، وهو باطل نظير بيع الثمرة المعيّنة قبل تحقّقها والبيض الخاصّ قبل أن تبيضها الدجاج ، فهو مشمول للأخبار الدالّة (1)على بطلان بيع ما ليس عنده فإنه غير مالك للمعدوم حين البيع فكيف يبيعه ، ولا يتصوّر إلّا على نحو التعليق وهو أيضاً باطل .

والمحتمل لو لم يكن من المظنون أنّ القائلين بالفساد يعنون هذه الصورة والقائلون بالصحة يريدون غيرها من الصور المتقدّمة ، إذ لا يظن بهؤلاء الأعاظم الحكم بالفساد في الصور الثلاث والصحة في الصورة الرابعة فيصير النزاع لفظياً وعلى تقدير كون النزاع معنوياً فالصحيح ما ذكرناه من التفصيل .


1) الوسائل 18 : 47 / أبواب أحكام العقود ب 7 ح 502 .

الكلام في خيار العيب

لا إشكال عند الأصحاب في صحة البيع مع الجهل بصحة المبيع وعيبه ، وأنه إذا ظهر معيباً يثبت له الخيار بين أي يمضي العقد بلا شيء ، أو يفسخه كذلك ، أو يمضي المعاملة مع أخذ الأرش ومقدار التفاوت بين الصحيح والفاسد.

وربما يستشكل في المقام بأنّ ثبوت الخيار في معاملة فرع صحّتها ، والمعاملة مع الجهل بوصف الصحة والفساد باطلة لأنّها غررية ، إذ الصحة أولى من سائر الأوصاف الموجبة لرغبة الناس وباختلافها تختلف الرغبات ، مع أنّ الجهالة بتلك الأوصاف توجب البطلان والغرر فكيف بالجهل بما هو أولى من الأوصاف المذكورة ، وعليه فالمعاملة باطلة من أصلها ومعه كيف يثبت الخيار .

وقد تصدّى شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (1)للجواب عن هذا الإشكال بما حاصله : أنّ وصف الصحة وإن كان ممّا يختلف باختلافه الرغبات والجهالة بمثله توجب الغرر والبطلان ، إلّا أنّ هذا كلّه إنمّا هو فيما لم يكن في البين أمر يحرز به الصحة في المعاملات ، وفي المقام أصالة السلامة عن العيوب أصل يحرز به صحة المبيع ، وبه يرتفع الغرر فيحكم بالصحة ثم يثبت الخيار علي تقدير ظهور العيب ، هذا .

ولم يعلم أنّ هذه الأصالة أيّ أصل في المقام ، فإن أراد (قدّس سرّه) منها كون


1) المكاسب 5 : 271 .

الشيء في طبعه صحيحاً بمعنى أن مقتضى الطبيعة هو الصحة في جميع الأشياء وعروض الفساد إنمّا هو لأجل قاسر خارجي ، ولا ينا في ذلك كثرة الفاسد والمعيب في الخارج فإنه لأجل عارض خارجي مع كون طبع الشيء مقتضياً للصحة كما يقال الأصل في الأجسام أن تكون كروية لتساوي نسبة الجسم إلى الفضاء م-ن جم-يع الجهات ، أي من اليمين والشمال واليسار والجنوب والفوق والتحت ، وهذا لا ينافي كون أكثر الأجسام غير كروية في الخارج لأنّه لأجل قاسر خارجي .

فيندفع بأنّ كون الشيء مقتضياً للصحة في طبعه مع عروض الفساد عليه في الخارج بكثير لا يرفع الغرر ، لأنّ البائع بعد جاهل بصحة الثمن وعيبه ، ، والمشتري جاهل بصحة المبيع وفساده ولو لأجل قاسر خارجي .

وإن أراد (قدّس سرّه) منها غلبة أفراد الصحيح في الخارج وقلّة المعيب وأنّ الظنّ يلحق الشيء بالأعم الأغلب.

ففيه أوّلاً : منع الغلبة ، لأنّ أكثر الأشياء في الخارج معيب ، أو أنّ الصحيح ليس بأكثر من المعيب .

وثانياً : افرض أنّ الصحيح أكثر وأنّ الغلبة توجب الظنّ بأنّ المبيع من الغالب ، إلّا أنّ الظنّ لا يغني من الحقّ شيئاً وهو لا يوجب رفع الغرر ما دام لم يطمئن بالصحة .

والظاهر أنّ هذا الإشكال لا مدفع له على مسلك شيخنا الأنصاري ومن تبعهمن عدم ارتفاع الغرر بالخيار المجعول للمتبايعين ، وعليه فالأمر يدور بين أن يقال بقيام الاجماع التعبّدي على صحة المعاملة ولو مع الجهل بوصف الصحّة ، وأنه مخصّص لدليل الغرر في خصوص وصف الصحة ، فالمعاملة مع كونها غررية صحيحة للاجماع وهو بعيد ، وبين أن يقال بفساد أكثر المعاملات وأغلبها لأجل جهل البائع بصحة الثمن وجهل المشتري بصحة المثمن إلّا في فروض نادرة كما إذا

كان البائع والمشتري من أهل الخبرة والإطّلاع وعالمين بصحة المبيع والثمن والالتزام بذلك أبعد .

وأمّا على ما سلكناه من أنّ الغرر يرتفع بجعل المتبايعين الخيار في المعاملة فصحة المعاملات أظهر وثبوت الخيار عند ظهور العيب أوضح بلا حاجة إلى رواية ، والوجه فى ذلك أنّ المتعاملين عند تبديل مالهما يشترطان الصحة اشتراطاً ارتكازياً عند العقلاء بلا اختصاص بأهل الأديان بل الطبيعيون أيضاً كذلك، ومع ارتكاز هذا الاشتراط لا يحتاج إلى التصريح به في ضمن العقد ، بل إذا ظهر المبيع أو الثمن معيباً يثبت له الخيار كما ذكرناه في خيار الغبن وأنّ العقلاء يشترطون التساوي بحسب القيمة بين العوضين اشتراطاً ارتكازياً ، وعند ظهور الغبن أو العيب يثبت خيار تخلف الشرط، فما دام لم يتبرّأ البائع أو المشتري عن العيوب فالمعاملة مشروطة بالصحة اشتراطاً ضمنياً ، نعم إذا صرّح بالتبريّ عن العيوب فمعناه إسقاط هذا الشرط والخيار ، وعليه فنلتزم بالخيار ولو مع قطع النظر عن الأخبار .

نعم ، الروايات إنمّا زادت الأرش فإنه على خلاف القاعدة ، ولذا منعنا عن ثبوته في سائر موارد خيار تخلّف الشرط ، وتلك الأخبار الدالّة على ثبوت الأرش والخيار مطلقه تشمل ما إذا اشترط الصحة بالصراحة وما إذا اشترطت بالارتكاز والضمن ، وعليه فيرتفع الإشكال في صحة المعاملات لأن جعل الخيار يدفع الغرر فإنه بعد ثبوت الخيار إذا رأى أنّ الوصف موجود ولا ضرر عليه فيمضي ، وإذا رأى أنّ الوصف مفقود والمعاملة ضررية فيفسخ .

نعم ، الخيارات المجعولة الشرعية كخياري المجلس والحيوان لا يدفع الغرر لأنّها إنمّا ثبت في معاملة محكومة بالصحة في حدّ نفسها ، بخلاف الخيار المجعول للمتبايعين ، وقد تقدّم أنّ التوصيف يرجع إلى الاشتراط بمعنى جعل الخي-ار ع-ن-د عدمه ولا يرجع إلى تقييد المبيع لأنّه غير معقول ، ولا إلى تقييد البيع لأن التعليق

مبطل ، بل لابدّ من إرجاع القيود أعمّ من الوصف والشرط إلى الالتزام بالمعاملة لا إلى نفس البيع ولا إلى المبيع ، وعليه فاشتراط وصف الصحة يوجب رفع الغرر وثبوت الخيار عند تخلّف الشرط ويثبت بالأخبار الأرش أيضاً فيندفع الإشكال حينئذ .

إلّا أنه على ما ذكرناه من ثبوت خيار تخلّف الشرط لا يبق للبحث الآتي مجال ، وهو أنه إذا اشترط الصحة في المعاملة يثبت له خيار آخر أو لا ، فإنّك عرفت أنّ خيار العيب من أحد أفراد خيار تخلّف الشرط وليس خياراً آخر ، صرّح به في متن العقد أم لم يصرّح به، لإطلاق الروايات في ثبوت الأرش والخيار عند التصريح بالاشتراط وعدمه . وما رتّبوه على ذلك من أنّ الخيار لو كان من خيار تخلّف الشرط فلا يسقط بالتصرف بخلاف ما إذا كان خياراً آخر ، مندفع بأنّ التصرّف يوجب السقوط حتى فيما إذا كان الخيار من باب تخلّف الشرط ، وذلك لأنّ الإمام (علیه السلام) صرّح بسقوط الخيار بالتصرف في مورد خيار الشرط ، بمعنى أنّ الحكم بسقوطه بالتصرف إنما ثبت في مورد اشتراط وصف الصحة وتخلّفه كما يأتي في رواية يونس(1)فكيف يقال بعدم سقوطه إذا كان بالاشتراط كما يظهر ذلك بالمراجعة إلى الروايات .

ثمّ إنّ دعوى الانصراف إلى الصحة كما ادّعيناها وقلنا بثبوت الارتكاز في اشتراط وصف الصحة إنمّا هي في المعاملة المشتملة على المبادلة بين المالين لا في انصراف لفظ المبيع إلى الصحة حتى يورد علينا بأنّ لفظ الحنطة مثلاً لو كان منصرفاً إلى الصحيح فلماذا لا تنصرف إليه في سائر الموارد .

أو يورد بما أورده شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) من أنّ لازم ذلك - أي لازم


1) الوسائل 18 : 108 / أبواب أحكام العيوب ب 6 ح 1 .

انصراف المبيع إلى الصحيح - بطلان المعاملة عند ظهوره معيباً ، لأنّ ما وقع عليه العقد وهو الصحيح غير موجود والموجود لم يقع عليه العقد ، بل المدّعى انصراف المعاملة الواقعة بين المالين عند المبادلة إلى خصوص المالين الصحيحين حتّى لا نلتزم بالانصراف في المعاملات غير المشتملة على المبادلة كما في الهبة ، بل تختص دعوى الانصراف بخصوص المعاملة الواقعة بين المالين بالمبادلة ، فلا وجه للإيراد الأول .

وأمّا ما أورده شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) فقد تقدّم جوابه سابقاً حيث قلنا إنّ تقييد المعاملة بوصف أو شرط لا يوجب تقييد المبيع حتى يوجب البطلان عند التخلّف ، لأنّ تقييد المبيع غير معقول ، ولا يرجع إلى تقييد البيع لأنّه من التعليق المبطل ، بل المعاملة إنمّا وقعت على الموجود الخارجي على جميع التقادير وإنّما القيد راجع إلى الالتزام بالمعاملة ونتيجته الخيار عند التخلّف لا البطلان ، هذا كلّه .

ثم إنّك عرفت أنّ إطلاق الروايات في الدلالة على ثبوت الأرش والخيار يقتضي عدم الفرق بين صورتي اشتراط وصف الصحة بالصراحة أو بالتضمّن ، وأمّا ما ذكره شيخنا الأنصاري من التأييد لذلك أي لثبوت الخيار والأرش مع اشتراط وصف الصحة بالصراحة برواية يونس « في رجل اشترى جارية على أنّها عذراء فلم يجدها عذراء ، قال (عليه السلام) يردّ عليه فضل القيمة » بتقريب أنّ اقتصاره (عليه السلام) على أخذ الأرش ظاهر في أنّ الخيار هو خيار العيب ، إذ لو كان خيار الشرط لما يسقط بالتصرف فيها بل يثبت له الأرش والردّ .

ففيه : أنّ الرواية أجنبية عن المقام ولا دلالة فيها على ثبوت الخيار ولو مع الاشتراط ، وذلك لأنّ البكارة من الأوصاف الكمالية وليست من وصف الصحة في شيء ، فإنّها إنمّا تتّصف بها المرأة مرّة واحدة في مدّة عمرها ، ولازم كونها من وصف الصحة أن تكون النساء الثيبّات معيوبات ، فاشتراط البكارة غير اشتراط وصف

الصحة فهي خارجة عن محل الكلام . نعم على تقدير صحتها من حيث السند نلتزم بمضمونها في خصوص موردها ، فنلتزم بوجوب الأرش في خصوص تخلّف وصف البكارة عند اشتراطها في العقد كما التزمنا بذلك في باب النكاح لما ورد فيه من الدليل على أنّه إذا عقد على امرأة بشرط أنّها عذراء ثمّ ظهرت ثيّباً يردّ عليه فضل مهر الثيّب والبكر ، فليكن المقام من ذلك القبيل ، وتمام الكلام في وصف البكارة وكونها من الأوصاف الكمالية وأنّ اشتراطها في البيع يوجب الأرش عند التخلّف سيأتي عند التعرّض للعيوب(1).

وأمّا المناقشة في الرواية من جهة عدم ظهورها في الاشتراط أو من جهة أنّ وجدانها غير عذراء لم يكن بدخولها وتصرّفه فيها بل لأجل إخبار الجارية بذلك أو علمه به من جهة إخبار البيّنة على أنّها غير عذراء ، فتندفع بأنّ ظاهر قوله على أنّها عذراء هو الاشتراط ، وحمله على غير الاشتراط كالبناء والاعتقاد بأنّها عذراء بعيد ، كما أنّ معنى الوجدان هو الوصول إلى الشيء بشخصه ، ولا يعبّر به في صورة العلم بالشيء لا بنفسه ، بل من جهة إخبار الغير ، فالتعبير بالوجدان نظير العلم الشهودي والحضوري ظاهر في أنه بدخوله علم ووصل إلى عدم كونها عذراء ، مثلاً إذا قامت عندك أمارة على شيء كعلم زيد فلا يصحّ لك أن تقول إنّي وجدته عالماً ، بل تقول إنّي علمت بأنّه عالم ، وهذا بخلاف ما إذا سألته عن شيء وباحثته وعلمت بعلمه فيقول إنّي وجدته عالماً .

بقي الكلام في جهات : الجهة الأولى : أنّ المعروف بين الأصحاب (قدّس الله أسرارهم) هو أنّ ظهور العيب في المبيع يوجب تخيّر المشتري بين الرد والامضاء مع الأرش من الابتداء ، بمعنى أنه سواء تصرّف فيه أم لم يتصرّف أي تمكّن من الردّ


1) في الصفحة 314.

أم لم يتمكّن يثبت له جواز الامضاء مع الارش، ولم يخصّوا الأرش بصورة التصرف في المبيع وعدم التمكّن من الردّ .

إلّا أنّ هذا الكلام أي التخيّر بينهما من الابتداء ممّا لا يمكن استفادته من الأخبار الواردة في المقام ، فإنّها مطبقة على أنّ المشتري يثبت له الردّ عند ظهور العيب أوّلاً ثم إذا لم يتمكّن من الرد لتصرف ونحوه يثبت له الأرشق ثانياً ، ولم تدلّ على تخيّره بينهما من الابتداء ، بمعنى أن يكون المشتري مخيّراً بين الرد والأرش مطلقاً سواء تصرف في المبيع أم لم يتصرف .

وذكر صاحب الحدائق (1)أنّ الأخبار لا دلالة فيها على تخيّر المشتري بين الأمرين من الابتداء وقال إنّه أوّل من تنبّه لذلك وأنه لم ير التنبيه لذلك من أحد ممّن سبقه ، وعلى هذا فيحكم بجواز الردّ للمشتري أوّلاً ثم إذا لم يتمكّن منه لتصرّف ونحو ذلك يحكم له بالأرش ، هذا .

وربما يقال باستفادة ثبوت الأرش مع الردّ من الابتداء من نفس الأخبار الدالّة على جواز الفسخ عند ظهور العيب .

وأخرى يدعى أن تخيّر المشتري بين الرد والأرش من الابتداء وثبوت الأرش له هو الذي تقتضيه القاعدة الأوّلية .

أمّا الدعوى الأولى وهي استفادة ثبوت الأرش للمشتري من الابتداء من نفس الأخبار الدالّة على جواز الفسخ عند ظهور العيب : فغاية ما يمكن أن يستدلّ به عليها أن يقال : إنّ الأخبار مطلقة وقد دلّت على جواز الفسخ في تمام المبيع أو في بعضه ، وهو فسخ المعاملة في وصف الصحة فقط لعدم تقييدها الفسخ في تمام المعاملة .


1) الحدائق 19: 63 .

فيدفعه : أنّ الأخبار إنما دلّت على أنّ للمشتري فسخ المعاملة وأخذ الثمن ولا معنى للفسخ في وصف الصحة وردّها إلى البائع ، فإنّ ما ثبت بالأخبار هو أنّ المشتري يرد المبيع إلى البائع إن شاء وقد عرفت أنه لا معنى لردّ الصحة إليه ، فهذه الدعوى ساقطة ، وهذه هي التي أشار إليها شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) بقوله : وقد يتكلّف لاستنباط هذا الحكم الخ (1).

وأمّا الدعوى الثانية : فقد استدلّ عليها بأنّ وصف الصحة كالجزء في المبيع ومقتضى القاعدة جواز استرداد الثمن المقابل للجزء الفائت ، وجواز فسخ المعاملة بالنسبة إليه وإلى ما يقابله من الثمن.

وقد أورد عليه شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) بأنّ وصف الصحة ليس بمنزلة الأجزاء ولا يقابل بالمال في المعاملات وإنمّا هي توجب زيادة قيمة المبيع ، والمال يبذل بازاء ذات الشيء فقط ، ومن هنا لا تبطل المعاملة فيما يقابلها من الثمن عند انتفائها أي انتفاء وصف الصحة بأن يقال المعاملة صحيحة فيما يقابل الذات وباطلة فيا يقابل الصحة ، بل المعاملة صحيحة بتمامها إلّا أنّه يثبت للمشتري استحقاق المطالبة بالأرش عند ظهور العيب ، فلو كانت الصحة كالجزء لكانت المعاملة فيما يقابلها باطلة ، هذا أوّلاً .

وثانياً : أنّ المعاملة لو كانت باطلة فيما يقابل الصحة من الثمن لكان اللازم على البائع أن يدفع عين ما يقابلها من الثمن لأنه معنى بطلان المعاملة ، مع أنّ الأرش لا يعتبر أن يكون من عين الثمن بل للبائع أن يدفعه من مال آخر .

. وما أورده (قدّس سرّه) من المناقشتين متين جدّاً ، ونزيدهما مناقشة أخرى وهي أنّ وصف الصحة ليس إلّا كسائر الأوصاف التي تختلف باختلافها الرغبات


1) المكاسب 5 : 276 .

والقيم نظير الشجاعة في العبد والجمال والكمال والثيبوبة في الجارية مع أنّها تزيد في قيمة المبيع ولا يقابل بالمال فليكن وصف الصحة من أحدها ، ولا يلتزم أحد بانفساخ المعاملة فيما يقابل الأوصاف عند تخلّفها كما لا يخفى .

ثم أورد (قدّس سرّه) عليه إيراداً آخر وحاصله : أنّ الحكم في نفس الجزء والمقيس عليه غير مسلّم ، لأنّا لا نلتزم ببطلان المعاملة فيما يقابل الجزء الفائت فيا إذا أظهره في المعاملة بصورة الاشتراط كما إذا باع أرضاً على أنّها بمساحة معيّنة وجربان معلومة ثمّ ظهر أنّها أنقص فإنّ المعاملة حينئذ صحيحة إلّا أنه يثبت خيار تخلّف الشرط ، هذا .

ولا يخفى أنّ هذا الذي أفاده (قدّس سرّه) في المقام ممّا لا يمكن المساعدة عليه أصلاً كما أشرنا إليه في بيع الأرض على أنّها كذا مقداراً ، وذكرنا هناك أنّ الجزء ممّا يقابل بالثمن بنظر العرف فتبطل المعاملة بعدمه، وهذا من غير فرق بين أن يظهره بصورة الاشتراط أم أظهره بصورة بيان الجزء ، فالمعاملة صحيحة فيما يقابل الأجزاء الموجودة من الثمن وباطلة فيما يقابل الأجزاء المفقودة ، لما تقدم من أنّ العرف والعقلاء يرون الأجزاء ممّا يقابل بالثمن حتّى في صورة اشتراط الجزء كما عرفت .

وكيف كان ، فالمتحصّل من جميع ذلك أنّ الأخبار لا دلالة لها على ثبوت الأرش من الابتداء وإنّما تدلّ على ثبوت الأرش بعد عدم التمكّن من الردّ والتصرّف في المبيع ، فما أفاده صاحب الحدائق متين .

نعم قد ورد في الفقه الرضوي (1)ما يدلّ على ثبوت التخيير بين الرّد والأرش من الابتداء ، أو بين الردّ والأخذ بلا أرش، أو الأخذ مع الأرش من الابتداء فإنّ


1) فقه الرضا : 253 .

قوله فيها « وإن شاء أخذه أو ردّ عليه بالقيمة » على تقدير كونه « أو » تدلّ على التخيير بين الثلاثة ، وعلى تقدير كونه واو عطف تدلّ على التخيير بين اثنين وأسقط الأخذ بلا أرش لظهوره ، إلّا أنّا بنينا سابقاً على عدم حجّية الفقه الرضوي . ثم إنّ المعروف بين الأصحاب هو ثبوت الأرش من الابتداء ، إلّا أنّ الشيخ الطوسي (قدّس سرّه) على ما نقله عنه شيخنا الأنصاري (1)ذهب إلى أنّ أخذ الأرش مشروط باليأس عن الردّ ، فإن أراد (قدّس سرّه) من ذلك أنّ ثبوت الأرش مشروط بعدم التمكّن من الردّ بتصرف أو بعروض عيب على المبيع عند المشتري ونحوهما فما أفاده متين ، ومرجعه إلى ما أشرنا إليه آنفاً من أنّ الأخبار لا إطلاق لها في ثبوت الأرش وإنّما تدلّ على ثبوت الأرش على تقدير عدم التمكّن من الردّ شرعاً لتصرف ونحوه ، وعليه فلا يرد عليه ما أورده شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) من أنّ إطلاق الأخبار يدفعه ، وذلك لما عرفته من عدم الاطلاق في الأخبار أصلاً كما صرح به هو (قدّس سرّه) من أنّ الأخبار إنمّا دلّت على ثبوت الأرش على تقدير عدم التمكّن من الردّ شرعاً .

وإن أراد الشيخ الطوسي (قدّس سرّه) من اليأس عن الردّ اليأس عنه لا من جهة عدم إمكان الردّ شرعاً بل من جهات أخرى كفلس البائع وعدم قدرته على رد الثمن عند الفسخ والردّ ، فيدفعه إطلاق الأخبار كما أورده شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) لعدم اشتراط ثبوت الأرش باليأس عن الردّ لأجل العوارض الخارجية غير اليأس عنه شرعاً لسقوطه بمسقط من التصرف ونحوه .

الجهة الثانية : هل الخيار في المقام يثبت من حين ظهور العيب فيكون الظهور سبباً وعلّة للخيار ، أو أنه يثبت من حين وقوع المعاملة على المعيب فيكون


1) تقدّم ذكر المصدر في الصفحة .132 .

الظهور كاشفاً عن ثبوت الخيار ؟

وتظهر الثمرة بينهما عند إسقاط الخيار قبل ظهور العيب فإنه على الأول من إسقاط ما لم يجب وعلى الثاني من إسقاط ما ثبت .

ولكنّك عرفت في خيار الرؤية (1)أنّ إسقاط ما لم يجب لا دليل على بطلانه في أمثال المقام ، فلا ثمرة بين كون الظهور سبباً أو كاشفاً ، هذا .

ومع ذلك كلّه لا ينبغي الإشكال في أنّ الروايات الواردة في المقام المشتملة على وجدان العيب ظاهرة عند العرف في أنّ الوجدان طريق للعيب وأنّ الموضوع لثبوت الخيار هو العيب ، وحيث إنّ العيب موجود من حين العقد فيكون الخيار ثابتاً من حينه ، هذا .

مضافاً إلى ما ورد في بعض الأخبار من ترتّب الخي-ار ع-ل-ى ن-ف-س الع--ي-ب الواقعي كما أشار إليه شيخنا الأنصاري ، ولعلّ مراده (قدّس سرّه) من الرواية المشار إليها هي المعتبرة الآتية المتضمّنة لقوله ( عليه السلام) « أيّما رجل اشترى شيئاً به عيب وعوار ولم يتبرّأ إليه ولم يبيّن له ، فأحدث فيه بعد ما قبضه شيئاً ثمّ علم بذلك العوار وبذلك الداء ، أنه يمضى عليه البيع ويردّ عليه بقدر ما نقص » الخبر (2)فإنها أثبتت عدم الردّ وإمضاء البيع مع وقوع المعاملة على ما به عيب والاحداث فيه ، ودلّت بمفهومها على أنّ المعاملة إذا وقعت على ما به عيب ولم يحدث فيه فلا يمضى عليه البيع ويكون البيع خيارياً ، وهذه الرواية كما ترى دلّت على أنّ نفس البيع الواقع على ما فيه عيب يوجب الخيار على تقدير عدم التصرف فيه ، لا أنّ ظهوره موجب للخيار ، هذا .


1) في الصفحة 99 .

2) الوسائل 18 : 30 / أبواب الخيار ب 16 ح 2 .

والعجب من السيد الطباطبائي (قدّس سرّه) (1)حيث أنكر وجود رواية في المقام دلّت على ثبوت الخيار لنفس العيب الواقعي على تقدير وقوع الب-ي-ع ع-ل-ى المعيب ، وقد عرفت وجودها فلا تغفل .

الجهة الثالثة : وهي أنه ذكر الأصحاب أنّ الخيار في المقام كما أنه يثبت للمشتري عند ظهور العيب في المبيع فيكون مخيّراً بين ردّ المعاملة وإمضائها مجاناً وإمضائها مع الأرش ، كذلك يثبت للبائع عند ظهور العيب في الثمن فيحكم بتخيّره بين الأمور الثلاثة .

ولكن تسرية الخيار إلى البائع ممّا لا يستفاد من الأخبار الواردة في المقام لأنّها تختص بخصوص المشتري وليس فيها أثر من البائع .

وربما يتمسك في التعدّي عن المشتري إلى البائع بحديث لا ضرر وأنه يجري في كل من البائع والمشتري بلا فرق بينهما .

ولكنّك خبير بأن لا ضرر لا يمكن أن يستند إليه في شيء من الخيارات سيّما في خصوص الأرش ، لأنّه لو اقتضى ثبوت الأرش في المقام فاللازم إثبات الأرش في مثل خيار الغبن وغيره ممّا يناسب الأرش ، لعدم اختصاص الحديث بالعيب ، مع أنهم لا يلتزمون بالأرش في غير العيب ولا يمكن الالتزام به أيضاً ، فلا يمكن التعدّي عن المشتري ، إلّا أن يقوم في المقام إجماع قطعي على عدم الفرق بين البائع والمشتري ، ودون تحصيله خرط القتاد ، وأنّى لنا بالاجماع الكاشف عن حكم الإمام (عليه السلام) في المقام ، وعليه فلا محيص من الاقتصار في الخيار على المشتري .

نعم إن أمكننا إثبات أن العرف في مثل الأخبار الواردة في المقام يستفيد عدم


1) حاشية المكاسب ( اليزدي ) : 69 من مبحث الخيارات .

اختصاص الحكم المذكور فيها بالمشتري ، بل يرى ثبوته له من باب أنه أحد طرفي المعاملة ، فلا مانع من التعدّي إلى البائع أيضاً بأن يقال الأخبار وإن كانت واردة في خصوص المشتري إلّا أنّ المفهوم والمستفاد منها حسب التفاهم العرفي عدم اختصاص الخيار بالمشتري ، بل إنّما ثبت للمشتري بما أنه أحد طرفي المعاملة ولأجل ذلك يراه العرف ثابتاً للبائع أيضاً حسب المتفاهم العرفي ، كما تعدّينا عن جعل مثل الكلب والخمر والعذرة مثمناً إلى جعلها ثمناً بحسب المتفاهم العرفي أيضاً فإنّ قوله (عليه السلام) « ثمن الكلب سحت » (1)و « ثمن العذرة سحت »(2)و « ثمن الخمر سحت (3)إنما ورد في خصوص جعل المذكورات مثمناً ، إلّا أنّ الع--رف لا يكاد يشك بحسب استفادته من هذا الكلام في عدم اختصاص الحرمة والبطلان بما إذا جعلت المذكورت مثمناً ، بل يتعدى منه إلى ما إذا جعلها ثمناً كما إذا جعل الكلب ثمناً لشيء فإنه باطل عند العرف حسبما يستفيده من قوله (عليه السلام) « ثمن الكلب سحت » الخ .

وكيف كان ، فإن ثبت ذلك وأثبتنا هذه الاستفادة حسب المتفاهم العرفي فهو ، وإلّا فلا يمكننا التعدّي عن المشتري إلى البائع في إثبات الخيار المذكور أعني التخيير بين الثلاثة المتقدّمة .

نعم ، الخيار بين اثنين أي الردّ أو الامضاء المجاني لا مانع من ثبوته لكل من البائع والمشتري لأنّه على وفق القاعدة ، فإنّه لأجل خيار تخلّف الشرط وهو أمر


1) الوسائل 17 : 120 / أبواب ما يكتسب به ب 14 ح8 .

2) الوسائل :17 : 175 / أبواب ما يكتسب به ب 40 ح 1 (باختلاف يسير) .

3) الوسائل :17 : 94 / أبواب ما يكتسب به ب 5 ح8 .

عقلائي ارتكازي فإنّ كل واحد من المتعاملين حسب ارتكازه يشترط الصحة فيما ينتقل إليه من المال فإذا ظهر معيباً فله خيار تخلّف الشرط ، أمّا إثبات الأرش للبائع فلا لأنّه على خلاف القاعدة ، اللهمّ إلّا إذا ثبت استفادة التعميم حسب المتفاهم العرفي وإلّا فلا يسعنا التعدّي عن المشتري أبداً سواء ظننا بالتعميم أم لم نظن به ، فإن ّالظن لا يكفي في التعدّي عمّا يخالف القاعدة في مورد إلى غيره ، فلا لما أفاده وجه السيد (قدّس سرّه) (1)من أنه يكفي في ذلك أي في التعدّي إلى البائع الظن بالتعميم لأنه قرينة على أنّ الحكم المذكور من أحكام البيع لا من أحكام المشتري ، هذا كلّه في التعدّي إلى البائع .

وأشكل من ذلك التعدّي من البيع إلى غيره من المعاملات كالاجارة والمصالحة فيا إذا ظهر مال الاجارة معيباً ، فإنّ في البيع يمكن التعدّي إلى البائع من جهة دعوى أنّ عدم تعرّض الأخبار للبائع من أجل أنّ الغالب في الثمن هو النقود وهي لا تكون معيبة بحسب الغالب ، أو من جهة الظن بأن-ه م-ن أحكام البيع ونحوهما ، وأمّا في مثل الاجارة ونحوهما فلا يمكننا التعدّي إليها بوجه ، نعم التخيّر بين الرد والامضاء المجاني لا يختص بالبيع لما عرفت من أنّ خيار تخلّف الوصف والشرط أمر على وفق القاعدة وهو ما يثبت في جميع المعاوضات حسب الارتكاز فإنّ كل واحد من المتعاوضين يشترط الصحة فيما ينقل إليه في مقابل ماله بيعاً كان أم إجارة أو مصالحة ، فعند تخلّف وصف الصحة يثبت له خيار تخلّف الشرط ، إلّا أنّ الكلام في ثبوت الأرش فإنه على خلاف القاعدة ، فلابدّ من الاقتصار فيه على مورد النص وهو البيع ولا مسوّغ للتعدّي عنه إلى سائر المعاوضات .


1) حاشية المكاسب ( اليزدي ) : 70 من مبحث الخيارات .

الكلام في مسقطات هذا الخيار

أحدها : الاسقاط باللفظ ، بكلا طرفيه من الردّ والأرش أو أحدهما كما إذا أسقط الردّ دون المطالبة بالأرش، فإنّ من له الخيار ربما يسقط كلا طرفي الخيار فيلتزم بالبيع بلا ردّ ولا أرش، وأخرى يسقط الردّ مع مطالبته الأرش.

والمتّبع في ذلك هو الظهور فإنه لا إشكال في سقوطه بالاسقاط والتصريح به ، وأمّا أنّ الساقط هو الرد أو هو مع الأرش فلا يتعيّن إلّا بظهور الكلام ، فإن كان ظاهراً في إسقاط الردّ فيلزم ببقاء الأرش، كما أنه إذا كان ظاهراً في إسقاط كل من الرد والأرش فيتّبع ، وإن لم يكن له ظهور في شيء فيؤخذ بسقوط ما هو المقدار المتيقن وهو الرد ، وأمّا الأرش فهو يبقى على حاله .

وذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (1)أنه إذا قال : التزمت بالعقد فلا يسقط به الأرش وإنّما يفيد سقوط الرد فقط ، وأمّا إذا قال : أسقطت الخيار فلا يبعد سقوط كل من الردّ والأرش معه ، هذا في بعض الموارد التي يكون قوله التزمت أو أسقطت ظاهراً في إسقاط خصوص الردّ أو هو مع الأرش وإن كان كما أفيد ، إلّا أنّ الظاهر أنه لا كلّية فيه ، فإنّ قوله : أسقطت الخيار ربما لا يكون له ظهور إلّا في خصوص إسقاط الرد ، وهذا كما إذا كان غير ملتفت إلى ثبوت الأرش في خيار العيب في الشريعة المقدّسة وإنّما كان عالماً بثبوت الردّ له ، فإنّ قوله : أسقطت لا يستفاد منه حينئذ إسقاط كل من الردّ والأرش ، بل يختص بسقوط الردّ فقط ، كما أنّ قوله : التزمت بالعقد ربما يكون ظاهراً في إسقاط كلا الطرفين كما إذا قيل له ردّ المعاملة أو التزم بها مع الأرش فقال : التزمت بالعقد أي لا بالردّ ولا بالأرش.

وبالجملة : ما أفاده (قدّس سرّه) ممّا لا كلّية له ، والمتّبع هو الظهور وعند عدمه


1) المكاسب 5 : 278 .

يؤخذ بالمقدار المتيقّن كما تقدّم ، هذا أحد المسقطات .

المسقط الثاني

التصرّف في المبيع وهو على أقسام : الأوّل التصرف فيه بما يوجب التغيير في العين بنحو من أنحائه كما إذا كان المبيع صوفاً فغزله ، أو كان غزلاً فنسجه ، أو كان ثوباً فقطعه أو صبغه وهكذا من أنحاء التغيرات الخارجية .

ولا ينبغي الإشكال في سقوط الخيار بمثل ذلك ، بل هو المقدار المتيقّن من التصرّفات المسقطة للخيار ، بل إسقاط الخيار حينئذ ليس من أجل التصرف في العين وإنما هو من جهة عدم بقاء العين على ما كانت عليه حين الشراء ، فإنّ ظاهر المعتبرة هو أنّ مجرد حدوث الحدث في المبيع يوجب السقوط ولو كان بآفة سماوية أو بتصرف شخص آخر ، ولا يختص السقوط بما إذا أحدث فيه المشتري بنفسه فالمناط عدم بقاء العين بحالها بأي تصرف كان ، وهذا هو الموجب لسقوط الخيار .

وقد دلّ على ذلك ما في المعتبر من قوله ( عليه السلام) « أيّما رجل اشترى شيئاً وبه عيب وعوار ولم يتبرّأ إليه ولم يبيّن له فأحدث فيه » الخ (1)فإنّ ظاهره أنه حدث فيه ما يوجب تغيّراً في المبيع ولا يبقى معه العين على ما كانت عليه ، إذ ليس المراد بالاحداث فيها استناد الحدث إلى فاعله بل المراد حدوث الحدث بحيث لا يكون معه الشيء : ء قائماً بعينه كما صرّح بذلك في مرسلة جميل حيث قال (عليه السلام) « إن كان الثوب قائماً بعينه ردّه على صاحبه وأخذ الثمن ، وإن كان الثوب قد قطع أو خيط » الخ (2)وقد عاملوا مع هذه المرسلة معاملة الصحيحة لأنّ جميل من أصحاب


1) الوسائل 18 : 30 / أبواب الخيار ب 16 ح 2.

2) الوسائل 18 : 30 / أبواب الخيار ب 16 ح3.

الاجماع ، وهو إن لم يتم عندنا كما تقدّم في محلّه إلّا أنّه لا بأس بالتأييد بها ، فالمناط فيسقوط الخيار عدم بقاء العين بعينها ووصفها الذي كانت عليه حين المعاملة وقد عرفت أنه هو المراد من إحداث الحدث فيه ، فهذا النحو من التصرف المغيّر تغيّراً خارجياً مما لا إشكال في سقوط الخيار به .

الثاني من التصرفات : التصرف المغيّر للعين تغيراً حكمياً من دون تغيير واقعي خارجي فيها بوجه ، وهذا كما إذا أجر العين المعيبة . وهذا القسم أيضاً كالقسم الأول في سقوط الخيار به لعدم بقاء العين معه على ما كانت عليه من الصفة فإنّها حين المعاملة لم تكن مسلوبة المنافع ولكنّها بالفعل كذلك فلا يمكنه إرجاعها إلى مالكها كما كانت عليه ، فإنّ المفروض أنّها مسلوبة المنافع بالاجارة فالعين غير باقية بحالها وإن لم يكن التغيير خارجياً .

وأمّا التصرّف فيها بالبيع اللازم فالظاهر أنه ملحق بالاجارة ، لأنّا إذا بنينا على أنّ الايجار تغيير موجب لعدم بقاء العين بحالها فلابدّ من أن نلتزم به في البيع بطريق أولى ، فإنّ العين في الاجارة قابلة للرد إلى مالكها وإنمّا الزائل هو الوصف وأمّا في البيع فلا يمكن رد شيء من العين والوصف إلى مالكها ، فالعين غير باقية على حالها أي لا يمكن ردّها إلى مالكها الأول بعينها وإن أمكن ردّها إليه بمثلها أو قيمتها ، بل يصدق عليه الحدث أيضاً ، إذ أي حدث أولى من جعل العين على نحو لا يمكن إرجاعها إلى مالكها الأول ، وكل ذلك من جهة عدم بقاء العين بحالها لا من جهة التصرف .

وأمّا التصرّف في العين على نحو غير موجب للتغيير فيها خارجاً ولا حكماً بل مع بقائها على حالها نظير الهبة الجائزة أو البيع غير اللازم بحيث أمك--ن م-ع-ه إرجاع العين إلى مالكها ، فظاهر جملة من الأصحاب وإن كان هو السقوط في هذه

الصورة أيضاً كما هو صريح كلام العلّامة في بعض كتبه (1)بل هو المتسالم عليه بينهم إلّا من المحقّق الثاني (قدّس سرّه) (2).

إلّا أنّ الحق هو ما ذهب إليه المحقّق الكركي وعدم سقوط الخيار بمثل الهبة والبيع الجائزين ، والوجه في ذلك أنّ التصرف لم يرد في شيء من الأخبار أنه يسقط الخيار حتى يدعى أنّ الهبة تصرف ، وإنّما الوارد هو إحداث الحدث وعدم بقاء العين بحالها وقد عرفت رجوع الأول إلى الثاني آنفاً ، ومن الظاهر أنّ مجرد الأمر الاعتباري وهو اعتبار ملكية العين لشخص بلا حصول تغيير في وصفها كما في الاجارة ولا في عينها كما في البيع ممّا لا يوجب تغييراً في العين أبداً ، ولا يسمّى بالحدث المفسّر بمغيّر العين أصلاً سيما مع إرجاعه إلى ملكه قبل فسخ المعاملة ، إذ المفروض أنّ المشتري يتمكّن من إرجاع العين إلى مالكها بوصفها بلا حصول تغيير فيها ، فبقوله فسخت المعاملة تنتقل العين من الموهوب له إلى مالكها الأول كما كانت عليه ، وإنمّا التزمنا بالسقوط في الاجارة والبيع من جهة عدم تمكّن المشتري فيها من ردّ العين بأوصافها إلى مالكها الأول ، وهذا بخلاف الهبة والبيع الجائزين ، فما أفاده المحقق الثاني (قدّس سرّه) هو الصحيح .

القسم الثالث من التصرفات : التصرف في العين تصرّفاً خارجياً لا يوجب تغييراً في العين أبداً وهو على أقسام :

الأول : ما يكون بنفسه وشخصه ظاهراً في إسقاط الخيار ، وهو ممّا لا إشكال في إسقاطه الخيار ، إذ لا يعتبر في إسقاط الحق اللفظ بل لصاحب الحق أن يرفع يده عن حقه بكل ما يمكن إسقاطه به كالفعل ، وهذا كما إذا اشترى أمةً وأمر الخيّاط أن


1) التحرير 2 : 369 ، التذكرة 11 : 91 .

2) جامع المقاصد 4 : 342 .

يخيط لها ثوباً وقد علمنا من عاداته أنه إذا أراد إبقاء الأمة عنده يأمر بخياطة الثوب لها ، وهذا التصرف غير مغيّر للعين إلّا أنّه ظاهر في إسقاط الخيار فيسقط به لا محالة .

الثاني : ما يكون ظاهراً في إسقاط الخيار بنوعه ولم يكن له ظهور شخصي في إسقاط الخيار ، وهذا نظير الألفاظ المستعملة في معانيها فإنّ ظاهرها بحسب النوع والغالب هو إرادة معانيها مع احتمال أنّ المتكلّم لا يريدها مع نصب القرينة على عدم إرادتها أو إرادة غير معانيها مع الغفلة عن نصب القرينة عليه أو إرادة غيرها وعدم نصب القرينة عليه لما فيه من المصلحة في نظره ، فالألفاظ ظاهرة في إرادة معانيها نوعاً لا بحسب الشخص وهو واضح ، فإذا فرضنا أنّ فعلاً من الأفعال له ظهور نوعي في إسقاط الخيار وغير ظاهر فيه بشخصه فهل يسقط به الخيار أو لا وقد ذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (1)أنه يوجب الاسقاط ، لأنّ الفعل كاللفظ في كونه معتبراً فيما له ظهور نوعي فيه ، هذا .

ولكنّا لم نفهم وجه السقوط في هذا القسم ، فإنّ كون الفعل بنوعه وغالبه ظاهراً في الاسقاط لا يفيد إلّا الظن بالاسقاط وهو لا يكفي في الحكم بالسقوط ، إذ لا دليل على اعتبار الظن وحجيته ، بل لابدّ من قيام دليل على أنه أسقط حقّه ، نعم ظهور الفعل كظهور اللفظ إلا أنه لا دليل على حجّية هذا الظهور النوعي في الفعل . ولا وجه لقياس الفعل بالألفاظ في وجه حجّية ظهورها النوعي ، فإنّ الوجه في حجّية ظهورات الألفاظ نوعاً هو البناء العقلائي على أنّ كل متكلّم يريد ظاهر كلامه ، وذلك لأنه معنى الوضع فإنه بمعنى التعهّد والالتزام فكأنّ المستعمل بنفسه صرّح بأنّي تعهّدت بإرادة المعنى عند التكلّم باللفظ ولأجل ذلك يحكم بأنّه أراده ما


1) المكاسب 5 : 285 .

لم ينصب على خلافه قرينة ، وأمّا الأفعال فأين هذا التعهّد فيها حتّى نحكم بإرادة ما هو ظاهرها نوعاً لأجل تعهّد الفاعل . وهذه نعمت الثمرة فيما بنينا عليه من أنّ الوضع هو التعهد ، وبه يظهر الفرق بين ظهورات الألفاظ والأفعال . فالانصاف أنّ الفعل الظاهر بنوعه في إسقاط الخيار لا يوجب الاسقاط بل لابدّ فيه من قيام الدليل على إسقاطه .

القسم الثالث : ما لا يكون له ظهور نوعي ولا شخصي في إسقاط الخيار كقوله للعبد المشترى ناولني الماء أو اغلق الباب ونحوهما ، فالصحيح أنه لا يوجب الاسقاط ، إذ المفروض أنه لا ظهور له في الاسقاط . مضافاً إلى ما يمكن استفادته من المعتبرة المتقدّمة (1)حيث إنّها بمفهومها دلّت على أنه إذا لم يحدث في العين حدثاً لا يسقط به الخيار ، ومن الظاهر عدم صدق الحدث على مثل قوله ناوليني الماء للأمة فإنّ المراد به عدم بقاء العين بحالها ولا تتغيّر الأمة بقول مالكها لها ناوليني الماء كما سيأتي تفصيله .

خلاصة ما ذكرناه : أنّ المدار في بقاء هذا الخيار تمكّن المشتري من ردّ عين المبيع إلى مالكها كما كانت عليه ، وهذا هو المستفاد من الروايتين المتقدّمتين (2)حيث قال (عليه السلام) « فإن أحدث فيه شيئاً » الخ وقوله « إن كانت العين باقية بحالها » كما في مرسلة جميل التي عاملوا معها معاملة الصحيح ، لأنّ جميل بن درّاج ممّن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه ، وقد عرفت أنّ المراد من إحداث الحدث أيضاً ما ذكرناه ، فيكون هذا الخيار متقوّماً ببقاء العين على ما كانت عليه على خلاف سائر الخيارات لأنّها كانت متعلّقة بالعقد بقيت العين أم انعدمت وعلى


1) في الصفحة 140 .

2) في الصفحة 140 .

تقدير انتفائها يردّ مثلها أو قيمتها ، ومن هنا قلنا إنّ التصرف المغيّر تغيّراً حسّياً في الخارج كنسج الغزل ونحوه يوجب السقوط لعدم تمكّن المشتري معه من إرجاع العين على ما كانت عليه ، وكذا في التغيّر الاعتباري نظير الاجارة والرهن ونحوهما لعدم تمكنه من ردّ العين بمنافعها إلى مالكها ، وقد ألحقنا به البيع اللازم كما تقدّم .

وأمّا التصرف الاعتباري غير المغيّر كالهبة أو البيع الجائزين فلا يوجب السقوط لامكان ردّ العين معه على ما كانت عليه .

وأمّا التصرف الخارجي الذي لا يوجب التغيّر في العين أيضاً فإن كان كاشفاً شخصياً عن الرضا بالمعاملة فلا إشكال في السقوط به ، إذ لا يعتبر في إسقاط الحق إلّا إبرازه بأي مبرز كان قولياً أو فعلياً ، وأمّا إن لم يكشف كشفاً شخصياً عن الرضا وإنما كشف عنه بالكشف النوعي نظير دلالة الألفاظ فقد عرفت أنّ شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) التزم فيه أيضاً بالسقوط ، إلّا أنّا منعنا عن السقوط في هذه الصورة لعدم إحراز رضا المتصرّف بالبيع ، والعين باقية بحالها فلا وجه للسقوط .

وأمّا إذا لم يكن التصرف الخارجي مغيّراً للعين ولا كاشفاً عن الرضا بالمعاملة لا بشخصه ولا بنوعه ، ففي سقوط الخيار به وعدمه خلاف وإشكال وسنتعرّض له بعد بيان التنبيه .

تنبيه : أنّ شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) عبّر عن رواية موسى بن بكر المروية عن زرارة « أيّما رجل اشترى شيئاً وبه عيب وعوار إلخ » بالصحيح في موضعين أحدهما في أوائل هذا البحث (1)وثانيهما في أثنائه بقوله : وأمّا الصحيحة فلا يعلم المراد من إحداث شيء إلخ ، ولعلّه (قدّس سرّه) تبع في وصفه ذلك العلّامة (قدّس سرّه) حيث وصف هذا السند بالصحيح فيما ورد بهذا السند في حكم ولد


1) المكاسب 5 : 280 ، 281 .

الملاعنة على ما نقله الشيخ المامقاني (قدّس الله سرّه) (1)ولكنّه اشتباه ، لعدم ثبوت أنّ موسى بن بكر إمامي وقد ذكر الشيخ (قدّس سرّه) (2)أنه واقفي وكذا جماعة تبعوه في وصف الرجل بالوقف ، بل قد ضعفه بعضهم ، ومن هنا لم يعبّر عن هذه الرواية في الحدائق (3)بالصحيحة وأسندها إلى زرارة فقط .

ولكن الانصاف أنّ كونه واقفياً ينافيه نقل الرجل وروايته إمامة الرضا (عليه السلام) عن الكاظم ( عليه السلام) وكذا تضعيفه يعارض بما ورد في مدحه عن الأصحاب كابن إدريس في سرائره (4)والمجلسي (5)(قدس سرهما) فغاية ما هناك عدم ثبوت كون الرجل إمامياً فلا يصح وصفه بالصحيح ، إلّا أنه موثّق وقد مدحوه كما تقدّم ، فروايته معتبرة وإن لم يمكن وصفها بالصحيحة .

ثمّ إنّك قد عرفت أن سقوط الخيار بالتصرف الخارجي غير المغيّر للعين فيما إذا لم يكشف عن الرضا بالمعاملة لا بشخصه ولا بنوعه كقوله للعبد المشترى ناولني الثوب أو اغلق الباب أو اطبخ الطعام محل خلاف وإشكال ، وما يمكن أن يستدل به على سقوط الخيار بمثله أمور :

الأول : ما ورد في بعض الروايات(6)في المقام من أنّ الجماع يمنع عن الردّ ومن الظاهر أنّ جماع الأمة ليس من إحداث الحدث ومغيّراً لها عمّا هي عليه ، ومع


1) ینقیح المقال 3 : 254 ، مختلف الشيعة 9 : 88 .

2) رجال الطوسي : 343 / 5108 .

3) الحدائق 19 : 61 .

4) السرائر 3 : 549 .

5) لاحظ الوجيزة : 185 ، تنقیح المقال :3 : 254 .

6) (6) الوسائل 18 : 102 / أبواب أحكام العيوب ب 4 .

ذلك قد حكم ( عليه السلام) بسقوط الخيار به ، وهذا يكشف عن أنّ التصرف الخارجي وإن لم يوجب التغيير ولم يكشف عن الرضا يوجب السقوط.

ويدفعه : أنّ الجماع إنمّا أوجب السقوط لأجل ما ورد فيه من النص ولا : يمكننا التعدّي عنه إلى غيره ، على أنّ حكمه (عليه السلام) بسقوط الخيار بالجماع أدل دليل على أنّ التصرف غير المغيّر لا يوجب السقوط ، وذلك لاستحالة تحّقق الجماع عادةً بلا سبقه باللمس والتقبيل ونحوهما ، فلو كانت تلك المقدّمات التي هي من التصرف غير المغيّر مسقطه للخيار فلا تصل النوبة إلى سقوطه بالجماع ، مع أنه (عليه السلام) أسند السقوط إلى الجماع، فمنه يظهر أنّ مقدّماته وما هو من التصرف غير المغيّر لا يوجب السقوط .

الثاني : دعوى قيام الاجماع على أنّ كل تصرف يوجب السقوط وإن لم يوجب التغيّر في العين .

وفيه أوّلاً : أنّ دعوى الاجماع على السقوط بالتصرف غير المغيّر عهدتها على مدّعيها ، إذ لا أثر من الاجماع في المقام .

وثانياً : أنّ كلمات القائلين بالسقوط بكل تصرف من أنحاء التصرفات على ما نقله شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) معلّلة بأنه يكشف عن الرضا بالمعاملة ، ومن هنا فرّقوا بين التصرفات قبل العلم بالعيب وبعده فحكموا بالسقوط فيما إذا كانت بعد العلم بالعيب لأنه يكشف عن الرضا دون ما إذا كانت قبل العلم ، فمنه يظهر أنّ الاجماع على تقدير تحقّقه يختص بما إذا كان التصرف كاشفاً عن الرضا ولا يأتي في جميع الموارد .

الثالث : الرواية المتقدّمة عن موسى بن بكر التي نقلها عن زرارة لقوله (عليه السلام) « فإن أحدث فيه » إلخ فإنّ إحداث الحدث وإن لم يشمل بمفهومه اللغوي ولا العرفي مثل قوله للعبد أغلق الباب فإن عد ذلك من الأحداث من المضحكات ، إلا

أنّا علمنا بأنّ المراد به في المقام عام يشمل مثل قوله ناولني واغلق أيضاً من جهة ما ورد (1)في خيار الحيوان من تفسير الحدث بالتقبيل واللمس والنظر إلى ما لا يحل لغير مالكها ، وحيث حكم (عليه السلام) بأنّ ذلك من الحدث فيعلم أن المراد بالحدث معنى أعم يشمل النظر ومثل قوله أغلق الباب .

ويدفعه أوّلاً : أنّ الحكم في الأصل غير مسلّم ، وذلك لأنّا إنمّا حكمنا بسقوط الخيار في الأمة بالتقبيل واللمس والنظر لأجل إلحاق الرواية إيّاها بالحدث فالسقوط يختص بها تعبداً لأجل النص ولا يصح التعدّي عن مورده .

وثانياً : هب أنّ الحكم فيه مسلّم إلّا أنه لا دليل على أنّ كل لفظ « حدث » استعمل في الروايات محمول على ما حمل عليه الحدث في أخ-ب-ار خ-ي-ار الح-ي-وان وعليه فلا دليل على سقوط الخيار بالتصرف غير المغيّر في المقام ، فعمومات الخيار محكّمة ، هذا كله .

على أنّ لنا وجوهاً تدلّ على عدم سقوط الخيار بالتصرف غير الموجب لتغيير العين منها : ما تقدّم ممّا ورد في سقوط الخيار بالجماع فإنه دلّ على عدم سقوطه بمقدّماته من اللمس والتقبيل وإلّا لم تصل النوبة إلى السقوط بالجماع .

ومنها : الروايات (2)الواردة في ردّ الأمة بعد ستة أشهر لأجل عدم حيضها ومن المعلوم أنّ عدم تصرف المشتري في الأمة ولو بمثل قوله اغلقي الباب أو النظر إليها في مدّة ستة أشهر مستحيل بحسب العادة ، فمع أنه يتصرف فيها المشتري بأمثال هذه التصرفات حكم بجواز ردّها بعد ستة أشهر فيما إذا لم يقاربها في خلال تلك المدّة إلى مالكها ، فمنها يظهر أنّ التصرف غير المغيّر لا یوجب السقوط.


1) الوسائل 18 : 13 / أبواب الخيار ب 4 ح 1 .

2) منها ما في الوسائل 18: 101 / أبواب أحكام العيوب ب 3 ح 1.

وكذا الروايات (1)الواردة في ردّ العبد أو الأمة أو غيرهما من المبيع من أحداث السنة أي من العيوب والأمراض التي لا تظهر عند المشتري بيوم أو بيومين بل بعد مدة مديدة كسنة حتى يظهر أنّ أسباب تلك العيوب كانت متحقّقة في المبيع قبل شرائه لعدم حدوثها فيه في مدّة سنة ، مع أنّ عدم تصرف المشتري فيه في هذه المدة بنحو من أنحاء التصرفات حتى بمثل اطبخ الطعام أو اغلق الباب أو نحوهما ممّا لا يمكن عادة ، مع أنّ الإمام لم يحكم بسقوط الخيار بمثلها بل رخّص في ردّه ب-عد سنة ، فمنها يظهر أن أمثال تلك التصرفات لا توجب السقوط .

ومنها : رواية موسى بن بكر عن زرارة (2)حيث دلّت على أنّ المعاملة إنمّا تمضي عليه أي على المشتري فيما إذا أحدث في المبيع شيئاً ، ومفهومها أنه إذا لم يحدث فيه شيئاً لا يسقط خياره ولا تمضي عليه المعاملة ، وقد عرفت أنّ معنى إحداث الحدث هو إحداث شيء يغيّر المبيع عمّا كان عليه ، ولا يصدق إحداث الشيء على مثل قوله للعبد ناولني الثوب ، فمن هذه الأمور وعمومات الخيار نحكم بعدم سقوط الخيار بالتصرفات غير المغيّرة للعين فيما إذا لم يكشف عن الرضا بالمعاملة كما تقدّم .

بقي في المقام أمران :

الأول : أنه قد عرفت أنّ المناط في المقام تمكّن المشتري من ردّ المبيع إلى مالكه على ما كان عليه بحيث يصدق عرفاً أنّ العين باقية بحالها وأنها لا تنقص عمّا كانت عليه حين قبضها من بائعها ، وبعد ذلك يقع الكلام في أن تغيّر العين عمّا كانت عليه هل هو يمنع عن الردّ بحدوثه أو أنه يمنع عنه ببقائه . وبعبارة أخرى هل يكفي


1) الوسائل 18 : 98 / أبواب أحكام العيوب ب 2 .

2) الوسائل 18 : 30 / أبواب الخيار ب 16 ح 2 .

حدوث التغيّر في زمان في عدم جواز الردّ وفي سقوط الخيار حتّى فيما ارتفع عنه التغيّر ورجع ع إلى ما كان عليه عرفاً ، أو أنّ المانع عن الردّ هو التغيّر الموجود حال الفسخ والردّ ، وأمّا إذا ارتفع عنه التغيّر حين ردّه وصدق عليه عرفاً أنه باقٍ بحاله فلا مانع من ردّه ولو مع تغيّره قبل ذلك ؟

الظاهر هو الثاني ، لأنّ المستفاد بحسب الفهم العرفي من الروايات الواردة في المقام كقوله « إن أحدث فيه حدثاً » (1)وقوله « إن كان المبيع باقياً بعينه بنه »(2)هو أنّ المعتبر في جواز الفسخ عدم تغيّر المبيع عما كان عليه حين قبضه عند إرادة الردّ بأن لا يكون المبيع ناقصاً عما كان عليه ، فالمناط تغيّره وعدمه حال الرد ولا اعتبار بتغيّره وعدمه قبل ذلك . وبعبارة أخرى : مقتضى المناسبة بين الحكم والموضوع في المقام أنّ المانع عن الردّ هو التغير بحسب البقاء ولا اعتبار بالتغيّر بحدوثه .

وبعبارة ثالثة : أنّ الحكم وهو سقوط الردّ بالتصرف حك-م ع--ل-ى خ-لاف القاعدة وإنمّا ثبت منّة على البائع حتى لا يتضرّر برد ماله إليه ناقصاً عمّا كان عليه وإذا زال التغيّر وصار المبيع كحالته الأولية وصدق عليه عرفاً أنه باق بحاله ف--لا يكون في ردّه إليه ضرر وخلاف منة كما هو ظاهر ، فإذا فرضنا أنّ المشتري أحدث في العبد المشترى شيئاً كما إذا كسر رأسه وتغيّر العبد عمّا كان عليه ثم عالجه حتى صار رأسه كسابقه فعلم فيه بالعيب ، فلا مانع من ردّه إلى مالكه لعدم تغيّره عمّا هو عليه حين ردّه عرفاً ، أو إذا مرض المبيع عنده مرضاً صعباً ثم عالجه حتى برأ من مرضه فظفر بالعيب فيه ، فله ردّه إلى بائعه لعدم تغيّره حين ردّه ، هذا كلّه في التغيرات الخارجية .


1) الوسائل 18 : 30 / أبواب الخيار ب 17 ح 2 ، 3 (مع اختلاف يسير) .

2) الوسائل 18 : 30 / أبواب الخيار ب 17 ح 2 ، 3 (مع اختلاف يسير) .

ومنه يظهر حال التغيّرات الاعتبارية كما إذا فرضنا أنه قد آجر العين المشتراة وبعد انقضاء مدّة الاجارة علم بعيبها ، أو زوّج الأمة المشتراة فأحدث فيها العلقة الزوجية الاعتبارية ثم مات زوجها ، أو طلّقها فاعتدّت عدّة الوفاة ثم ظفر بعيبها ، فله أن يردّ المبيع إلى مالكه لأنه حين ردّه باقٍ على ما كان عليه وغير متغيّر عن سابقه ، وكذلك الحال فيما إذا باع العين المشتراة ثم مات المشتري وانتقل العين إليه لأنه وارثه ، أو فسخ المعاملة أو اشتراها منه ، ففي جميع تلك الصور لمّا صدق على العين أنّها باقية بحالها حين ردّها جاز للمشتري فسخ المعاملة وردّها إلى مالكها .

الأمر الثاني : أنّ التصرف وإن وقع الخلاف في أنه يسقط الخيار ع-ل-ى الاطلاق أو فيما إذا كان بنوعه أو بشخصه كاشفاً عن الرضا بالبيع ، إلّا أنّ الأصحاب تسالموا على أن وطء الجارية يوجب سقوط الخيار ويمنع عن الردّ مطلقاً كان مع الالتفات أم بدونه ، كشف عن الرضا أم لم يكن فيه كشف ، فلا خلاف بينهم في أنه يوجب السقوط ، وكونه كذلك ممّا لا كلام فيه وإنمّا الكلام في مدرك ذلك .

فربما يستدل على ذلك بالأخبار الكثيرة الواردة في أنّ الوطء يمنع الردّ وسيأتي تفصيل الكلام فيها عن قريب إن شاء الله تعالى .

وأخرى يستدل عليه كما عن العلّامة (قدّس سرّه)(1)بأنّ الوطء جناية ومن هنا وجب غرامة جزء من القيمة ودفعها إلى مالكها ، فالوطء نظير غيره من الجنايات كما إذا كسر رأسها فكما يجب فيه الغرامة كذلك في الوطء ، وكما أنّ سائر الجنايات يوجب تغيّر المبيع عمّا كان عليه فيمنع عن الردّ كذلك الوطء يوجب التغيّر فيكون مانعاً عن الردّ ، ولعلّه إلى ذلك ينظر ما عن الاسكافي ابن الجنيد (قدّس


1) التذكرة 11 : 93 .

سرّه) (1)من أن الوطء لا يمكن معه الردّ لأنّه مع الوطء لا يرجع إلى ما كان عليه من وصف عدم الوطء ، بأن يريد (قدّس سرّه) أنّ الوطء جناية كسائر الجنايات وهي توجب تغيراً في العين ، وإلا فما أفاده من أن المبيع لا يبقى على ما كان عليه مع الوطء لا يرجع إلى محصّل ، لأنّ النظر إليه أيضاً كذلك ، فإنّ المبيع بعد النظر إليه لا يبقى على ما كان عليه من عدم كونه منظوراً إليه ، لأنّ النظر لا ينقلب إلى العدم بعد الوجود .

وشيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (2)قد سلّم كون الوطء جناية وقربه بما ورد في الأخبار من قول أمير المؤمنين (عليه السلام) «معاذ الله أن أجعل لها أجراً » (3)بمعنی أنّ الوطء لو لم يمنع الردّ وجاز للمشتري الواطء ردّ الأمة إلى مالكها لوجب أن يردّ معها شيئاً تداركاً لهذا الوطء والجناية ، إذ ردّها إلى مالكها بلا شيء معها مع وطئها لا يستقيم ، وردّه شيئاً معها يشبه الأجر وقد استعاذ منه الإمام (عليه السلام) فمنه يستكشف أنّ الردّ مع الوطء لا يمكن .

لا يقال : إنّ وطء الأمة نظير غيره من استيفاء منافع العين قبل ردّها ، ومن الظاهر أنّ استيفاء منافع العين قبل ردّها لا يوجب دفع عوضها إلى البائع ، لأنّه قد استوفاها في ملكه كما إذا ردّ بيع الدار بعد سكناها ستّة أشهر لعلمه بعيبها حينذاك إذ لا يجب عليه ردّ قيمة السكنى مدّة ستة أشهر إلى مالك الدار وهذا ظاهر ، وعليه فللواطء أن يردّ الأمة بعد وطئها بلا عوض ولا شيء .

فإنه يقال : الوطء ليس من استيفاء المنفعة بمقتضى هذه الروايات حيث دلّت على أنها لو ردّت لوجب ردّ شيء معها وهو غير ممكن لأنه يشبه الأجر ، هذا


1) حكى عنه العلّامة في المختلف 5 : 206 .

2) المكاسب 5 : 291 .

3) الوسائل 18 : 10 / أبواب أحكام العيوب ب 4 ح .8.

ملخّص ما أفاده (قدّس سرّه) في المقام .

وفيما أفاده كلام وإشكال ، وذلك لأنّ عدّ الوطء جناية ممّا لا وجه له ، نعم وطء البكر كذلك لأنه يلغي وصفها الكمالية وبه يجب على الواطىء ردّ ما يقابل تلك الصفة الكمالية ، وأمّا في غير البكر فلا وإلّا لكان الأمر كذلك في جميع الموارد كما إذا أمر أمته بالزنا أو عبده باللواط أفهل يجب فيهما ردّ أرش الجناية ، لأنّ الوطء نظير غيره من الجنايات على أمته أو عبده مع أنّهم لا يلتزمون به . أو فرضنا أنه وطئ الأمة شبهة كما إذا اشتراها من زيد فوطئها بحسبان أنّها مملوكة زيد فبان أنّها مملوكة عمرو فإنه لا يجب عليه ردّ أرش الجناية . نعم يجب على الواطء ردّ ما يقابل عمله وهو استحلاله فرجها كما ثبت في وطه الحامل على ما سيأتي من أنه لا يمنع عن الرد بل يردّها مع شيء عوضاً عمّا استحلّه من فرجها .

وبعبارة أخرى : أنّ ردّ الأمة بعد وطئها بلا شيء ولا عوض ينافي ضرورة المذهب ، بل لا بدّ من ردّه معها شيئاً عوضاً عمّا استحله من البضع .

وعليه فيقع الكلام في وجه استنكار الإمام (عليه السلام) واستعاذته عن أن يجعل لها أجراً مع ثبوت ذلك في الحامل وغيرها من الموارد فليكن المقام أيضاً کذلک، فقد ذكر شيخنا الأنصاري أنّ الوجه في استعاذة الإمام (عليه السلام) ه-و التقية بمعنى أنّ الحكم الواقعي هو عدم جواز ردّ الأمة في المقام بعد وطئها إلى مالكها ووجوب ردّ البائع للمشتري الأرش لعيب الأمة حسب الفرض ، ولكن العامّة (1)لا يرون مانعاً عن ردّ الأمة مع الوطء إلّا أنّهم يمنعون عن الأجر للفروج ومن هنا يرون المتعة محرّمة تبعاً لأسلافهم ، والإمام (عليه السلام) بيّن الحكم الواقعي بكيفية موافقة للتقية حيث حكم بعدم ردّ الجارية مع الوطء معللاً بأنّ ردّها بلا شيء لا


1) المغني 4 : 259 ، الحاوي الكبير 5 : 246 ، بداية المجتهد 2 : 182 .

يستقيم وردّها مع العوض من الأجر ومعاذ الله أن يجعل لها أجراً . وهذا الذي أفاده (قدّس سرّه) من البعد بمكان .

والأولى في وجه الاستعاذة ما أفاده صاحب الجواهر (قدّس سرّه)(1)بتقريب أن النبي (صلى الله عليه وآله) إنمّا حكم بعدم ردّ الجارية بعد وطئها ولم يرخص ردّها مع الوطء والأجر في المقام ، والإمام (عليه السلام) لم يستعذ عن جعل الأجر في الشريعة المقدّسة كيف وهو ثابت في الحامل كما سيأتي ، وإنمّا استعاذ من أن يجعل هو (سلام الله عليه) الأجر في المقام لأنّه تشريع والنبي (صلى الله عليه وآله) لم يرخّص في ردّ الأمة بعد الوطء مع الأجر فكيف يشرّعه الإمام ، فلذا عبّر (سلام الله عليه) بصيغة المتكلّم « معاذ الله أن أجعل » ولم يقل معاذ الله أن يكون لها أجر ، وهذا الحمل لا بأس به ، والمتلخّص أن الوجه في منع الوطء عن الرد هو الأخبار ، وأما غيرها فلا دليل آخر يمنع عن الرد مع الوطء فما أفاده الاسكافي والعلّامة (قدّس سرّهما) لا أساس له .

وبالجملة : الدليل على مانعية الوطء عن الردّ هو الأخبار الواردة في أنه إذا وطئ الأمة المشتراة ثم وجد بها عيباً ليس له ردّها إلى مالكها ، وليس الوجه في ذلك ما ذكره العلّامة وابن الجنيد من أنّ الوطء جناية كما تقدّم .

ثم إنّ هذه الأخبار الدالة على مانعية الوطء عن الردّ وردت تخصيصاً على الأدلّة العامة المتقدّمة الدالّة على الخيار عند ظهور العيب في المبيع وعدم سقوطه بمجرد التصرف غير المغيّر للعين ، هذا .

ثم إنه ورد في المقام تخصيص آخر على هذا المخصص أعني الأخبار الدالّة على أنّ الوطء يمنع الرد وخصّصه بما إذا لم تكن الجارية حبلى ، وأمّا إذا كانت حاملاً


1) لاحظ الجواهر 23 : 254 .

وحبلى فالوطء لا يمنع عن ردّها إلى بائعها ويرد معها نصف عشر قيمتها (1)أو عشر قيمتها إذا كانت بكراً ونصف العشر إذا كانت ثيّباً على رواية الكافي(2)وهذا المخصص الآخر هو الروايات المتعدّدة الدالّة على أنّ الأمة إذا كانت حبلى لا يمنع وطئها عن ردّها إلى بائعها مع ردّ نصف عشر قيمتها أو عشر قيمتها معها ، وهذه الأخبار مخصصة للأخبار الدالّة على مانعية الوطء عن الردّ وقد أفتى بمضمونها المشهور ، وكلماتهم غير منقّحة في المقام فإنهم ذكروا أنّ الوطء في الحبلى لا يمنع الرد ولم يتعرّضوا إلى أنّ نفس الحبل عيب وأنّ الرد يكون به أو بعيب آخر ، فإذا وطئها ثم ظهر أنّها حبلى فله ردّها إلى مالكها كانت بها عيب آخر أم لم يكن ، أو أنّ نفس الحبل والحمل ليس عيباً يوجب الخيار بل إذا وطئ الجارية وظهرت معيبة بشيء من العيوب فلا يمنع الوطء عن ردّها إذا كانت حبلى .

وكيف كان ، فلم يظهر من كلماتهم أنّ نفس الحبل عيب أو ليس بعيب وإن كان ربما يستفاد منها ذلك ، ولذا ذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) أنّ ظهور الحبل عيب وسنتعرّض لتحقيقه ، فالكلام الآن ليس من تلك الجهة بل إنمّ-ا الك--لام في الاستثناء عن استثناء أعني الأخبار الدالّة على أنّ الوطء لا يمنع الردّ إذا كانت الأمة حبلى ، وقد عرفت أنّ المشهور أفتوا على طبقها وقد خالفهم في ذلك شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (3)وذهب إلى أنّ الوطء يمنع عن الرد مطلقاً كانت الأمة حبلى أم لم تكن ، وأسند ذلك إلى جماعة كالاسكا في (4)


1) الوسائل 18 : 105 / أبواب أحكام العيوب ب 5 ح 1 .

2) الكافي 5 : 214 / 3 .

3) المكاسب 5 : 295 .

4) حكاه عنه العلّامة في المختلف 5: 206.

والعلّامة (1)والشيخ في النهاية (2)(قدّس سرّهم) بل إلى الشيخ في المبسوط (3)أيضاً (قدّس سرّه) لسكوته عن هذا الاستثناء وعدم تعرّضه إلى أنّ الوطء في الحبلى لا يمنع الردّ ، ومنه يستظهر أنّ الشيخ لا يرى صحة هذا الاستثناء مع التفاته إلى الأخبار الواردة في المقام وأنّ وطء الحبلى لا يمنع عن الردّ ، بل يرى الوطء مانعاً عن الردّ مطلقاً ، وهذا نعم الاستظهار، لأنّ مثل الشيخ المطّلع على الأخبار إذا سكت ولم يستدل بها على عدم مانعية الوطء عن الردّ في الحبلى فمعناه أنّه لا يراها تماماً ، وقد حمل شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) وغيره من المانعين عن الاستثناء هذه الأخبار الواردة في المقام على خصوص اُمّ الولد ، وأنّ الأمة إذا ظهرت حاملاً من بائعها ومولاها وكانت أم ولد فالوطء فيها لا يمنع عن ردّها إلى مالكها ، لأنّ المعاملة باطلة حينئذ ولا يفرّق بين الوطء وعدمه ، وأمّا فى غير الحبلى من مولاها كالحامل من زوجها وهو عبد أو الحامل من زنا فالوطء يمنع عن ردّها إلى بائعها . وبعبارة أخرى : الخيار إنمّا يثبت في المعاملات الصحيحة وبيع أمّ الولد فاسد فكيف يثبت فيه الخيار حتّى لا يمنع عنه الوطء ، هذا .

وقد استدلّ على ما ذهب إليه بوجوه : الأول : أنّ الصحيحتين الأولى والأخيرة وهي صحيحة ابن سنان عن أبي عبدالله (عليه السلام)(4)وصحيحة ابن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) (5)وغيرهما كمرسلة ابن أبي عمير (6)مشتملتان على الجملة الخبرية وهي قوله (عليه السلام) « يردّها على الذي ابتاعها منه ويردّ معها


1) المختلف 5 : 206 .

2) النهاية : 393 .

3) المبسوط 2: 127 .

4) الوسائل 18 : 105 / أبواب أحكام العيوب ب 5 ح 1 ، 6 ، 9 .

5) الوسائل 18 : 105 / أبواب أحكام العيوب ب 5 ح 1 ، 6 ، 9 .

6) الوسائل 18 : 105 / أبواب أحكام العيوب ب 5 ح 1 ، 6 ، 9 .

نصف عشر قيمتها » والجملات الخبرية الواردة في مقام الانشاء ظاهرة في الوجوب كما بيناه في محلّه (1)فعلى ما ذكرناه من حمل الروايات على خصوص الحبلى م--ن مولاها أي أمّ الولد هذا الظهور تام ، لأنّ بيع أمّ الولد فاسد فيجب ردّها إلى مالكها فالوجوب بحاله ، وأمّا إذا حملناها على مطلق الحبلى كانت أمّ ولد أم لم تكن فالاحتفاظ بالظهور غير ممكن ، لأنّ المشهور قائلون بالخيار مع الوطء في الحبلى ويرون الوطء غير مانع عن إعماله ، ومن الظاهر أنّ الخيار لا يوجب الرد بل يتخيّر بينه وبين طرفيه ، فلو رفعنا اليد عن ظهور الجملة الخبرية في الوجوب بحملها على الجواز فهو ارتكاب لخلاف الظاهر في الأخبار ، فإن قلنا إنّ الجملة الخبرية وإن كانت ظاهرة في الوجوب إلّا أنّها لمّا وردت في مقام توهم الحظر ففي خصوص المقام لا تكون ظاهرة في الوجوب ، لأنّ ورودها في ذلك المقام قرينة عامّة على إرادة الجواز ، فلابدّ من تخصيص الحبلى حينئذ بخصوص الحبلى من غير مولاها لأنّها التي يتوهم في مثلها كون الوطء مانعاً عن الردّ ، وقد وردت الأخبار المتقدّمة ودلّت على أنّ الوطء لا يمنع عن الردّ حينذاك بل هو على خياره وكل من الردّ وعدمه جائز .

وأمّا إذا حملنا الحبلى على أمّ الولد أي الحبلى م-ن خ-ص-وص م-ولاها أو عمّمناها للحبلى من مولاها وغيره لما كان المورد من موارد توهّم الحظر فإنّ بيع أمّ الولد فاسد ولا وجه لتوهّم عدم جواز الردّ في مثلها بل لا بدّ من ردّها إلى مالكها مع الوطء وعدمه ، فلا يمكن حمل الأخبار والجملات الخبرية على الورود في مورد توهّم الحظر بوجه ، ولا يصح ذلك إلّا بتخصيص الحبلى بالحامل من غ-ي-ر م-ولاه ومن الظاهر أنّه تخصيص بلا وجه وعلى خلاف إطلاقها ، فإذا لم يصح تخصیصها بالحامل من غير مولاه فلا يصح ورود الجملات الخبرية في مقام توهم الحظر ، فلا


1) محاضرات في أصول الفقه 1 (موسوعة الإمام الخوئي 43) : 484 وما بعدها .

يمكن رفع ظهورها في الوجوب بذلك ، فإذا أردنا حملها على الجواز فيكون هذا من ارتكاب خلاف الظهور .

والمتحصّل : أنّ كلاً من التخصيص بالحبلى من غير مولاه ومخالفة ظاهر الجملة الخبرية بحملها على الجواز بعيد وعلى خلاف الظهور ، هذا .

قلت : بل يمكن أن يقال إنّ حمل جملة « يردّها » على الجواز غير ممكن لاستلزامه مخالفة ظاهر السياق ، فإنّ الإمام (عليه السلام) قال بعد قوله (عليه السلام) يردّها إلى بائعها « ويردّ نصف عشر قيمتها » ومن الظاهر أنّ جملة « يردّ نصف » الخ مستعملة في الوجوب ، لوجوب ردّ ذلك في الوطء عند إرادة الردّ ، لأنه عوض عمّا استحلّه من فرجها كما في بعض الأخبار ، فحمل الجملة « يردّها » على الجواز وجملة « يردّ نصف » الخ على الوجوب مخالف لوحدة السياق ، وهذا ظاهر .

الثاني : أنّ الأخبار الواردة في المقام قد دلّت على وجوب ردّ شيء من نصف عشر قيمتها أو عشر قيمتها أو كسوتها معها ويعبّر عن ذلك بالعقر أي عوض الوطء من غير استحقاق ، فإذا كانت المرأة حرّة وقد وطئها بالشبهة فيجب عليه ردّ مهر مثلها ، لأنه كالوطء الصحيح من حيث المهر وغيره من الآثار ولذا قلنا بلحوق الولد به ، وأمّا إذا كانت أمة فيجب ردّ شيء من قيمتها ، إلّا أنّ هذا العقر إنمّا هو في ملك الغير ، وفي المقام إنمّا وطئ ملك نفسه ولا عقر في وطء المملوكة للواطء بوجه ، هذا .

وأمّا لو حملنا الحبلى على أمّ الولد أي الحامل من مولاها فالعقر في محله ، لأنّأمّ الولد ملك بائعها وبيعها فاسد ولم تنتقل إلى المشتري وإنمّا وطئ ملك غيره ووجب عليه العقر ، فلا يمكن حملها على مطلق الحبلى لاستلزام-ه الع-قر في وطء ملك نفسه ، فإن قلنا إنّ الفسخ في المقام يكشف عن عدم الملك من الابتداء لأنّ الردّ فسخ العقد من أصله لا من حينه فيكون الوطء واقعاً في غير ملكه ، إذ المفروض أنّ عدم الفسخ نظير الشرط المتأخّر فوجوده يكشف عن عدم انتقالها إلي-ه م-ن

الابتداء ، والوطء وقع في غير مملوكية نفسه فثبوت العقر في محلّه ، فهذا خلاف قاعدة كون الردّ فسخاً للعقد من حينه لا من أصله ، فكل من الالتزام بالعقر في وطء ملكه أو الالتزام بكون الرد فسخاً من أصله بعيد وعلى خلاف القواعد .

الثالث : أنّ حمل الحبلى على الحامل من غير مولاها يستلزم التخصيص في الأدلّة الدالّة على أنّ الوطء ومطلق التصرف يمنع ردّها فإنه تخصيص واستثناء منها بمعنى أنّ الوطء والتصرّف يمنع الردّ إلّا الوطء في الحبلى ، وهذا بخلاف حملها على أمّ الولد والحامل من مولاها فإنّه مخصّص لبطلان البيع ، وليس فيه تخصيص لتلك الأدلّة الدالّة على سقوط الخيار مع الوطء والتصرف ، فإنّ الخيار يثبت في المعاملة الصحيحة والبيع باطل في المقام ، فلأجل التحفّظ على عمومات تلك الأدلّة وظهورها في العموم نحمل الحبلى على خصوص الحبلى من سيدها .

الرابع : أنّ في بعض الروايات إشارة إلى أنّ المراد بالحبلى هو خصوص اُمّ الولد والحبلى من مولاها ، والاشارة استفادها من موردين موردين أحدهما : م--ن ق-ول الراوي في مرسلة ابن أبي عمير في فرض السؤال «رجل باع جارية حبلى وهو لا يعلم » (1)فإنّ فرض الجهل إنما يناسب كون الأمة أُمّ ولد لأنّها التي لا يصح بيعها ولا يقدم عليه البائع عند علمه بأنّها كذلك ، وأمّا مطلق الحبلى أي غير أمّ الولد فلا مانع من بيعها في صورتي العلم والجهل لصحّته على كل تقدير .

وثانيهما : قول الإمام (عليه السلام) في صحيحة محمد بن مسلم « يكسوها » (2)فإنّ هذا مناسب لأمّ الولد المتشّبثة بالحرية ، إذ لو كانت أمة لوجب ردّ شيء م--ن قيمتها ، وأمّا الأمة أمّ الولد فهي كالحرّة فكما أنه إذا طلّقها أي الحرّة ولم يعيّن مهرها


1) الوسائل 18 : 108 / أبواب أحكام العيوب ب 5 ح 9 .

2) الوسائل 18 : 107 / أبواب أحكام العيوب ب 5 - 6.

في عقدها يجب عليه أن يكسوها فكذلك في ردّ الأمة ذات الولد لتشبتها بالحرية .

الخامس : أنّ الأخبار الواردة في أنّ وطء الحامل لا يمنع عن الردّ ظاهرة في كون الرد بعد تصرّف المشتري في الجارية بغير الوطء من مثل اسقيني الماء وأغلقي الباب ونحوهما ممّا قلّ أن تنفك الجارية عنها ، وقد عرفت أنّ مطلق التصرف مانع عن الردّ ، فحينئذ لابدّ إمّا أن نقيّد هذه الأخبار بصورة عدم وقوع مثل هذه التصرفات ، وإمّا أن نقيّد الحبل بكونه من المولى ونحملها على الحبلى من مولاها وحيث إنّ التقييد الأول تقييد بالفرض النادر فيتعيّن الثاني . وإنمّا التزمنا بالتقييد الأول في غير هذه الأخبار ممّا دلّ على جواز ردّ الجارية بعد مدّة طويلة كستّة أشهر لأجل الدليل الدالّ على اللزوم بالتصرف وعدم إمكان التقييد بنحو آخر .

ثم أفاد أنّ غاية الأمر تعارض هذه الأخبار الدالّة على عدم مانعية الوطء في الحامل عن الرد مع ما دلّ من الأخبار على مانعية الوطء عن الردّ بالعموم من وجه ومقتضى القاعدة سقوطهما في مادة الاجتماع ، لأنّ تعارضها بالاطلاق وفرضها كأن لم يكونا ، فنرجع إلى عمومات مسقطية التصرف ومنعه عن الردّ ، فتكون النتيجة كون الوطء في الحامل من غير مولاها مانعاً عن الردّ بعنوان أنه تصرف لا بعنوان كونه وطئاً وهو قول الاسكافي (1)وابن إدريس (2)والعلّامة(3)وصاحب الرياض (4)على خلاف المشهور ، هذا إذا لم نقل بتقديم الأخبار الدالّة على مانعية الوطء عن الردّ مطلقاً لما فيها من الترجيح بالوجوه الأربعة المتقدّمة غير الوجه


1) حكى عنه العلّامة في المختلف 5 : 206.

2) السرائر 2 : 298 .

3) المختلف 5 : 206 .

4) الرياض :8 387 .

الرابع .

ثم إنّ الوجه في كون تعارضها بالعموم من وجه هو أنّ الأخبار الدالّة على مانعية الوطء عن الردّ مطلقة من حيث كون الوطء متعلّقاً بالحامل وغيرها وخاصة من ناحية عدم شمولها لوطه الحامل من سيّدها، لأنّها إنّما وردت في المعاملة الصحيحة في نفسها ودلّت على لزومها على تقدير الوطء وجوازها على تقدير عدم الوطء، وهذا إنّما يتصوّر في البيع الصحيح وبيع الحامل من سيّدها باطل ، والأخبار الدالّة على عدم مانعية الوطء في الحامل وإن كانت خاصّة من حيث الحامل إلّا أنّها مطلقة من حيث كون الحمل من سيّدها وغير سيّدها ، فيتعارضان في مادّة الاجتماع وه- الحامل مع كون الوطء من غير سيّدها، فإنّ الثانية تدلّ على عدم سقوط الخيار حينئذ والأولى تدلّ على سقوطه، ولهما مادّتا افتراق فهي من طرف الطائفة الثانية هو الوطء في الحامل من سيّدها لأنّها تقتضي عدم مانعية الوطء عن ردّها ، ولا يشملها الطائفة الأولى لما عرفت من أنّها لا تدل على كون الوطء فيها مانعاً لاختصاصها بالبيع الصحيح، وأمّا من طرف الطائفة الأولى فهو الوطء في غير الحامل لأنّها تقتضي كون الوطء فيها ما نعاً عن الردّ ولا يشملها الطائفة الثانية لاختصاصها بالحبلى كما لا يخفى.

ثم ذكر (قدّس سرّه) أنّه يمكن الرجوع في المقام بعد تساقط الاطلاقين إلى مرسلة جميل بن درّاج فإنّها قد جعلت المناط في الردّ وعدمه بقاء العين بحالها وعدمه ، وحيث إنّ الأمة بالوطء لا تتغيّر عمّا كانت عليه ويصدق معه أنّها باقية بحالها ، فلا يكون الوطء في الحبلى مانعاً عن الردّ كما هو مقالة المشهور ، ومعه لا يصح ما ذكره الرياض والاسكافي وغيرهما من كون الوطء مطلقاً مانعاً عن الردّ ثم قال : لو نوقش في عموم ما دلّ على مسقطية مطلق التصرف وجب الرجوع إلى أصالة جواز الرد الثابت قبل الوطء ، ثم استشكل في ذلك بأنّ غاية ما يثبت حينئذ عدم كون الوطء مانعاً عن الرد وكون البيع جائزاً وأما وجوب ردّ عشر قيمتها أو

نصف العشر كما تضمّنته الأخبار الواردة في المقام والتزم به المشهور فلا ، لانّا فرضنا سقوط الطائفتين عن الحجّية لتعارضها فلا يتم مقالة المشهور حينئذ اللهم إلّا أن يتشبّث بالاجماع المركّب وعدم القول بالفصل ، فإنّ كل من قال بجواز الردّ مع الوطء في الحبلى قال بلزوم ردّ عشر قيمتها أو نصف العشر ، ولا قائل بالفصل بأن يرخّص في ردّها ويمنع عن ردّ عشر قيمتها أو نصف عشرها ، هذا ملخص ما أفاده (قدّس سرّه) في المقام .

والعمدة من هذه الوجوه هو الوجه الأول والوجه الأخير ، إلّا أنّ الصحيح هو ما ذهب إليه المشهور من أنّ الوطء في الحبلى لا يمنع عن الرد ، ولا يمكن المساعدة على ما أفاده شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) في المقام ، وما ذكره من الوجوه لا يرجع إلى محصّل .

أمّا الوجه الأول الذي هو العمدة فيها أفاده (قدّس سرّه) في المقام ، فلأن م--ا أفاده (1)من ظهور الجملة الخبرية في الوجوب وإن كان صحيحاً إلّا أنّه لا يثبت ما رامه (قدّس سرّه) وذلك لأنّ تلك الأخبار الواردة في عدم مانعية الوطء عن الردّ في الحبلى بأجمعها من أوّلها إلى آخرها إنمّا وردت في المعاملة الصحيحة في حد نفسها وسيقت لأجل بيان لزومها على تقدير كون الموطوءة غير حبلى وجوازها على


1) وحاصل هذا الجواب : أنّ المراد من قوله « ترد » هو الفسخ كما أن المراد من « لا ترد » عدم فسخ المعاملة ، وهذا يختص بالبيع الصحيح وهو بيع الحبلى م-ن غ-ير سيّدها ، لأنّ الحبلى من مولاها أم ولد وبيعها باطل ولا معنى للفسخ في بيع باطل . ويدلّ على ما ذكرناه استشهاد الإمام (عليه السلام) بقول أمير المؤمنين (عليه السلام) وقرينة المقابلة بين قوله « ترد » و « لا ترد » وهما قرينتان على وحدة المورد للردّ إذا كانت حبلى ، وعدمه إذا لم يكن كذلك .

تقدير كونها حبلى ، وعليه فالحامل من سيّدها خارجة عن مورد تلك الروايات بأجمعها ، لأنّ بيعها باطل فموردها غير الحامل من سيّدها .

وبعبارة أخرى : أنّ مورد تلك الروايات والروايات الدالّة على مانعية الوطء عن الردّ واحد ، ففي المورد الذي حكموا فيه بسقوط الخيار لأجل الوطء دلّت تلك الروايات على عدم سقوطه فيها إذا كانت الأمة حبلى ، فهى مخصّصة وشارحة لمّا دلّ على مانعية الوطء ، ومن الظاهر أنّ مورد الروايات الأولى الدالّة على مانعية الوطء عن الردّ هو البيع الصحيح دون الباطل كالأمة الحبلى من سيّدها .

والذي يدلّ على اتّحاد مورد الطائفتين وعلى أنّ الروايات غير ناظرة إلى الحامل من سيّدها استشهاد الإمام (عليه السلام) في صحيحة ابن سنان بقول أمير المؤمنين (عليه السلام) بعد حكمه (عليه السلام) برد الأمة الحبلى بعد وطئها إلى صاحبها وردّ نصف عشر قيمتها بقوله « قال علي (عليه السلام) لا ترد التي ليست بحبلى » فإنّ هذا الاستشهاد أقوى دليل على أنّ مورد حكم أمير المؤمنين (عليه السلام) بعدم ردّ الأمة إذا وطئت ومورد حكم أبي عبدالله (عليه السلام) بردها مع الوطء واحد ولكنه إذا كانت حبلى ترد وإن لم تكن حبلى لا ترد ، ومن الظاهر أنّ المورد الذي حكم أمير المؤمنين (عليه السلام) بعدم الردّ بعد الوطء هو البيع الصحيح ، أعني الأمة غير الحبلى ، فيكون مورد حكم أبي عبدالله (عليه السلام) بالرد بعد الوطء أيضاً هو البيع الصحيح أعني الأمة إذا كانت حبلى من غير سيّدها ، إذ بيع الحامل من سيّدها باطل ، لأن مورد حكم أمير المؤمنين (عليه السلام) لو كان غير مورد حكم أبي عبدالله (عليه السلام) بأن كان مورد حكم أمير المؤمنين (عليه السلام) في البيع الصحيح وهو الأمة غير الحبلى ومورد حكم أبي عبدالله (عليه السلام) بالرد هو الحامل م--ن سيّدها لما كان للاستشهاد وجه ، فإنّ حكم أمير المؤمنين (عليه السلام) في غير أمّ الولد وحكم أبي عبد الله في بيع أم الولد . وأي ربط لأحدهما بالآخر حتى يستشهد

(عليه السلام) بحكم أمير المؤمنين (عليه السلام) فلابدّ من أن يكون موردهما واحداً ويحكم فيه أبو عبدالله بالرد ويستشهد بحكم أمير المؤمنين (عليه السلام) على مطلبه بأنّه (عليه السلام) أيضاً لم يمنع عن الرد في هذا المورد وإنمّا منع عنه فيما إذا لم تكن الأمة حبلى ، ويدفع احتمال المنافاة بين حكمه وحكم أمير المؤمنين (عليه السلام) بأنّ م--ا قرع سمعك من عدم الرد مع الوطء إنما هو في الحبلى ، بل لو كان مورد حكم أبي عبدالله هو الحامل من سيّدها لما كان لتقييده بالحامل وبالوطء مجال ، لأنّ بيع أمّ الولد باطل مع الوطء وبدونه ومع كونها حبلى وعدمه كما إذا كان له ولد يمشي على وجه الأرض ، وعليه فالحامل من سيّدها خارج عن مورد الروايات وتختصّ بالحامل من غير سيّدها .

وظهور الجملة الخبرية في الوجوب كما أفاده تامّ إّلا أنّه إذا لم يحتف بالقرينة على إرادة غير الوجوب ، وهي موجودة في المقام أعني ورودها في مقام توهم الحظر وهي قرينة على عدم إرادة الوجوب.

ثم إنّ المراد بقوله « ترد» ليس هو الرد الخارجي المكاني بأن يكون أخذ الأمة من داره وإيصالها إلى دار سيدها واجباً في الشريعة المقدّسة فإنّ ابقاءها في داره جائز لاجارة ونحوها ، بل المراد هو ردّ بيعها وعقدها أي ردّ الملكية ، وهذا التعبير شائع في الاصطلاح عند إرادة الفسخ والردّ ويكنّى به عن الفسخ ردّ بيعها فالمراد بالردّ في جميع تلك الأخبار من أوّلها إلى آخرها ه-و الفسخ دون الردّ الخارجي كما هو ظاهر ، ومن الظاهر أنّ الفسخ إنمّا يتصوّر في البيع الصحيح وه--و الحامل من غير سيّدها ، وأمّا الحامل من مولاها أي أمّ الولد فبيعها غير واقع حتى يفسخ ، لأنّها لم يدخل في ملكه حتّى يردّها في الملك فهذا التعبير لا يصح في أمّ الولد أصلاً فيختصّ بغير الحامل من سيّدها ، وعليه فيكون ظهور الجملة الخبرية في الوجوب غير مراد لأجل ورودها في مقام توهم الحظر

على أنّ في بعض الأخبار قد قوبل قوله « ترد » بقوله « لا ترد التي ليست بحبلی»كما في رواية عبدالملك بن عمرو عن أبي عبدالله (1)ومقتضى المقابلة بين ترد » و « لا ترد » هو أنّ المراد من جملة « ترد » هو الجواز ، لأنّ المراد من مقابله لا ترد » هو عدم الجواز فيكون مقابله » ترد ) بمعنى الجواز ، إذ ليس المراد من قوله « لا ترد » عدم الوجوب وإلّا يفيد جواز الردّ في غير الحبلى مع الوطء مع أنّه غير مراد ، فقرينة المقابلة في هذه الروايات وقرينة ورودها في مقام توهم الحظر في غيرها دالّتان على إرادة الجواز من الجملة الخبرية دون الوجوب ، هذا كلّه في جواب الوجه الأول .

وأمّا الوجه الثاني : فالجواب عنه أنّ الشارع إذا حكم بعدم مانعية الوطء في الحامل ولكن أوجب ردّ شيء من عشر قيمتها أو نصف عشرها عند ردّها فلا محيص لنا من الأخذ به تعبّداً ولو كان الوطء في ملكه ، والاشكال في أنه لماذا وجب العقر لأنه وقع في ملكه إبراد على حكم الشارع وملاكه ونحن غير مكلّفين باستكشاف ملاكات الأحكام ، ولعلّه لاحترام المسلمة وأن لا يكون وطئها بلا عوض .

وأمّا الوجه الثالث : فجوابه ظاهر ، لأنّا إذا قلنا بظهور تلك الروايات في الحامل من غير سيّدها فلا محيص من تخصيص أدلة المسقطات وما دلّ على أنّ التصرف أو الوطء مسقط بما إذا لم تكن الأمة حبلى من غير سيّدها.

وأمّا الجواب عن الوجه الرابع فملخّصه : أنّ التقييد بجهل البائع لم يقع في كلام الامام حتى يناط به الأحكام وإنمّا وقع في كلام الراوي ، ومن ابتلي بسؤالات العوام يرى أنّهم يأخذون قيوداً في أسئلتهم من دون أن يكون لها أثر ودخل


1) الوسائل 18 : 105 / أبواب أحكام العيوب ب 5 ح3 .

فتراهم يقولون إنّي دخلت الدار أو نمت أو كان الهواء حارّاً وكان كذا مع أنّها غير دخيلة في الحكم أبداً ، ولا ينحصر فائدة التقييد في خصوص كون الحبلى حاملاً من سيّدها ، إذ لعلّه من جهة أنّ البائع لو كان عالماً لأخبر به المشتري حذراً من الغش الحرام وببالي أنّ الشيخ (قدّس سرّه) يحكم بالحرمة في مثل ذلك أو فراراً عن الخيار للمشتري بعد علمه بالعيب وهذه نعمت الفائدة هذا أوّلاً .

وثانياً : أنّ الرواية غير معتبرة . وأمّا الاستشهاد بما في رواية ابن مسلم من قوله (عليه السلام) « ويكسوها » فهو أيضاً لا يرجع إلى محصّل ، لأن تعيين الكسوة إنمّا هو من جهة أنّها من أحد فردي الواجب التخييري عند ردّ الحبلى مع وطئها ، إذ يجب حينئذ أن يردّ معها نصف عشر قيمتها أو عشر قيمتها أو يردّ معها الكسوة كما سنبيّنه في محلّه إن شاء الله تعالى ، فلا يستفاد منها أنّ الكسوة من جهة تشبّتها بالحرية كما لا يخفى .

وأمّا الوجه الخامس الذي حاصله : أنّ الرد في الرواية ظاهر في كونه بعد التصرف في الأمة بمثل اغلقي الباب أو اطبخي الطعام ، فيكون جواز الرد مستلزماً لعدم كون التصرّفات المذكورة مانعة عن الردّ مع أنّها تمنع عن الرد بلا ريب ، وتقييد الروايات بما إذا لم تتحقّق تلك التصرفات تقييد بالفرد النادر ، ثم تنزّل وقال غاية الأمر أن تكون الأخبار الواردة في عدم مانعية الوطء عن الرد في الحبلى معارضة للأخبار الدالّة على مسقطية الوطء للخيار ، والنسبة بينهما عموم من وجه لشمول الأولى للحبلى من سيّدها وللحبلى من غيره ، وشمول الثانية لغير الحبلى والحبلى من غير سيّدها ، لأنّها لا تشمل الحبلى من سيّدها لورودها في البيع الصحيح دون الباطل ، وبعد تساقطها في مادّة الاجتماع وهو وطء الحبلى من غير سيّدها يتساقطان فنرجع إلى عموم من أحدث حدثاً أو عدم بقاء العين بحالها كما في مرسلة جميل .

فالجواب عمّا أفاده في صدر هذا الوجه أمّا أوّلاً : فلأنّ تلك التصرفات ممّا لا نلتزم بكونها مانعة عن الرد كما لا يلتزم به الشيخ (قدّس سرّه) لأنه اعتبر في التصرف المسقط كشفه عن الرضا نوعاً لا مطلق التصرف ، كما نحن قلنا باعتبار كونه كاشفاً عن الرضا شخصاً ولا يكفي فيه الظهور النوعي فقط ، هذا .

وثانياً : فلو سلّمنا أنّ أمثال تلك التصرفات توجب السقوط في غير المقام فلا نلتزم بكونها كذلك في المقام ، وذلك لأنّ هذه الأخبار الواردة في عدم مانعية الوطء عن الردّ في الحبلى تدلّ بالدلالة الالتزامية على أنّ تلك التصرفات لا تكون مسقطة في خصوص الأمة الحبلى وإلّا فلا معنى للردّ مع الوطء مع أنّها صرّحت بجواز ردّها مع الوطء بالدلالة المطابقية ، فهذه الأخبار تكون مخصصة لتلك الأخبار .

وأمّا ما أفاده في ذيل كلامه من المعارضة فعلى ما ذكرنا من حمل الحبلى في أخبار المقام على الحبلى من غير سيدها فلا معارضة ، لأنّ هذه الأخبار أخص مطلقاً من أخبار منع الوطء عن الردّ ، وأمّا على تقدير تعميم الحبلى لأمّ الولد فالمعارضة متحقّقة كما أفاده ، لأنّ النسبة بينهما كما عرفته عموم من وج-ه وب-عد التساقط نرجع إلى عموم ما دلّ على جواز الرد بالعيب وبه نثبت الخيار في وطء الحامل من غير سيّدها ، وأمّا إثبات وجوب ردّ نصف عشر قيمتها أو عشر قيمتها أو كسوتها فهو إنمّا يتم بالاجماع المركّب ، إذ احتمال ردّها مع الوطء بلا عوض غير محتمل ولا يمكن إثباته بالروايات لغرض سقوطها بالمعارضة .

ثمّ إنّ هذا غير ما أفاده شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) فإنه تمسك بعد تساقظ المتعارضين باستصحاب الجواز ، وبعد إثبات الجواز بالاستصحاب أثبت وجوب ردّ نصف عشر القيمة أو الكسوة بالاجماع المركّب ، وما أفاده محل إشكال من جهة أنّ أحد المتلازمين إذا ثبت بالاستصحاب لا يمكن إثبات الآخر بعدم القول

بالفصل ، وهذا هو الكلام المعروف من أنّ التفكيك بين المتلازمين فيما يثبت بالأصول جائز كما مثّل به شيخنا الأنصاري (1)بما إذا توضأ بمائع مردّد بين البول والماء غفلة ، لأنّا في مثله نستصحب بقاء الحدث كما نستصحب طهارة بدنه ، مع أنّ طهارة بدنه ملازمة لارتفاع حدثه وبقاء حدثه يلازم نجاسة بدنه ، إلّا أنّ التفكيك بين المتلازمين في الأصول ممكن ، وعليه فلا يمكن إثبات الملازم الآخر باستصحاب الملازم لا مكان التفكيك بينهما .

وأمّا بناءً على ما ذكرناه من إثبات جواز الرد بعد سقوط المتعارضين بالعمومات المقتضية للجواز في بيع المعيب كما دلّ على الجواز ما لم يحدث فيه حدثاً أو ما دامت العين باقية بحالها ، فلا مانع من إثبات الملازم الآخر بعدم القول بالفصل .

ثم إنه ممّا ينبغي التنبيه عليه في المقام هو أنّا إذا سلكنا ذلك المسلك وقلنا بالمعارضة بين الروايات بالعموم من وجه وسقوطهما ثم الرجوع إلى عموم ما دلّ على جواز الردّ بالعيب وإثبات الجواز به يلزمنا التفصيل بين كون الحبلى الموطوءة بكراً كما إذا حملت بغير الوطء وبين كونها ثيّباً ، فنلتزم بالجواز في الحبلى الثيب بعد وطئها دون الحبلى الباكر ، لأنّ الوطء في مثلها من أعظم مصاديق إحداث الحدث ومعه لا يبقى العين بحالها وقد دلّت الأخبار على سقوط الردّ بهما ، والالتزام بذلك لو أمكن لم يمنع عمّا سلكناه .

ولكن الذي يهوّن الخطب أنّا لا نقول بكون النسبة بينهما عموماً من وج-ه لما تقدّم من أنّ النسبة بينهما العموم مطلقاً لورود الأخبار بأجمعها في البيع الصحيح ولا تشمل أمّ الولد والحبلى من سيّدها أبداً ، فتكون هذه الأخبار مخصصة لعموم ما دل على أن الوطء يمنع عن الردّ ، وفي هذه الصورة أيضاً لا تلتزم بالرد في وطء


1) فرائد الأصول 2 : 743 بحث تعارض الاستصحابين .

الحبلى الباكر ، لأنّ وطئها وإزالة البكارة من إحداث الحدث ولا يصدق بقاء العين معه بحالها ، فنلتزم بأنّ الوطء في الحبلى لا يمنع من الردّ إلّا إذا أوجب حدوث حدث أو استلزم عدم بقاء العين بحالها.

ثم إنه بقي في المقام إشكال آخر أشار له شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1)في أواخر كلامه وملخّصه : أنه إذا قلتم بجواز الردّ في وطء الحبلى هل تلتزمون بذلك مطلقاً سواء كان وطئها قبل العلم بحبلها أم بعده ، أو تلتزمون به في خصوص ما إذا وقع الوطء قبل العلم وفي حال الجهل بالحبل ؟ فإن التزمتم بالأول فمعناه أنّ هذا الخيار لا يسقط مع إسقاطه بمسقط فعلي لأنّ وطئها مع العلم بأّنّها حبلى رضى بالعقدوإسقاط للخيار فكيف لا يسقط الخيار به ويجوز ردّها معه إلى مالكها.

وإن التزمتم بالثاني فهو منافٍ لاطلاق ما دلّ على جواز الردّ مع الوطء في الحبلى بلا تقييده بصورة الجهل ، فبأي شيء يمكن رفع اليد عن إطلاقها ، وحيث إنّ الأمرين فاسدان فيكون هذا أيضاً قرينة على إرادة خصوص الحبلى م--ن س-يّدها لأنه يصح في مثلها الالتزام بجواز الردّ مطلقاً مع العلم بالحبل والجهل على وفق إطلاقات الأخبار ، أو إذا لم نحملها على الحبلى من سيّدها فلا أقل تكون مجملة مردّدة بين إرادة أمّ الولد منها وبين حملها على الحبلى من غير سيدها ، مع الالتزام باختصاص الحكم أعني عدم مانعية الرد في وطء الحبلى بصورة وقوع الوطء مع الجهل وقبل العلم بالحبل ، فإذا كانت الروايات مجملة فنرجع إلى الأخبار الدالّة على مانعية الوطء مطلقاً ، فتكون النتيجة أنّ الوطء في الحبلى من غير سيّدها یوجب السقوط ويمنع عن الرد، وهذا وجه سادس على أنّ الوطء مطلقاً يمنع عن الردّ وفاقاً للاسكافي وجماعة أخرى ، هذا .


1) المكاسب 5 : 300 .

والصحيح أنّ هذا الوجه أيضاً لا يمكن المساعدة عليه نظير الوجوه الخمسة المتقدّمة، وذلك لأنّ أكثر الروايات غير المشتملة على التقييد بالجهل بل جميعها غير صحيحة السند ، وأمّا الصحيحتان أعني صحيحة ابن سنان وصحيحة محمد ابن مسلم ومعتبرة ابن أبي عمير فهي مشتملة على التقييد بغير العلم ، فلا رواي--ة صحيحة في البين تكون مطلقة حتى يرد المحذور المتقدّم من أنّ الأخذ باطلاقها يستلزم عدم سقوط هذا الخيار بالاسقاط الفعلي وهو بعيد ، وتقييدها بصورة الجهل بلا وجه ، فيتعيّن حملها على أمّ الولد ، هذا أولاً .

وثانياً : هب أنّ الروايات المطلقة كلّها صحيحة ومعتبرة ونلتزم بعدم مانعية الوطء في الحبلى عن الردّ مطلقاً قبل العلم وبعده ، ولا يلزم من ذلك ما ذكرت من أنّ لازمه عدم سقوط هذا الخيار بالاسقاط الفعلي ، وذلك لأنّ بين إسقاط الخيار والالتزام بالعقد وبين الوطء بعد العلم عموماً من وجه ، وليس كل وطء بعد العلم إلتزاماً بالعقد ، إذ لعلّه وطئها بعد العلم سهواً أو نسياناً وغفلة أو متردّداً بين الردّ والامضاء أو مع البناء على ردّها بعد وطئها ، نعم إذا وطئها ملتزماً بالعقد لا محالة يسقط خياره ، ولا تنافيه الروايات لأنّها سيقت لبيان عدم مانعية الوطء بما هو هو عن الردّ في الحبلى ، ولا تشمل ما إذا كان هناك مسقط المسقطات لأنّها وردتمخصصة للأخبار الدالّة على ما نعية الوطء مطلقاً ، فخصصتها بما إذا لم تكن الجارية حبلى ، ونظرها إلى أنّ الوطء بما هو وطء لا يمنع عن الردّ لا بما أنه مقرون باسقاط الخيار ، إذن فما ذهب إليه المشهور هو الصحيح .

بقي الكلام في وجوب ردّ نصف عشر القيمة عند ردّ الجارية فيما إذا كانت ثيّباً ووجوب ردّ عشرها إذا كانت بكراً ، وقد استشكل في ذلك جماعة لأجل أنّ الروايات في الدلالة على وجوب ردّ نصف العشر مطلقة ولا اختصاص لها بالثيّب

نعم وردت في التفصيل بينهما رواية واحدة عن الكافي (1)لكنّها مرسلة ، فإن قلنا بأنّ عمل المشهور على طبق رواية ضعيفة يوجب الانجبار وفي المقام أحرزنا عملهم على طبقها ، فلا محالة نأخذ بالمرسلة وبها نفصّل بين البكر والثيّب ، وأنّ الواجب في الأولى ردّ عشر قيمتها وفي الثانية ردّ نصف عشر قيمتها ، وأمّا إن قلنا بعدم انجبار ضعف الرواية بمجرد عمل الأصحاب على طبقها بحسب الكبرى أو سلّمنا الكبرى وناقشنا في الصغرى لعدم إحراز عمل المتقدّمين من الأصحاب على طبقها والشهرة إنمّا حصلت بعد زمان ابن إدريس حيث ادّعى الاجماع على ثبوت العشر في البكر ونصف العشر في الثيّب ، فلا نفصّل بينهما ونحكم في الجميع بوجوب ردّ نصف العشر .

ولا يتوهم أنّ البكر مضافاً إلى وطئها قد زالت بكارتها بخلاف الثيّب فكيف لا يكون بينهما فرق في العوض .

وذلك أمّا أوّلاً : فلانّا نتّبع الدليل شرعاً وهو لم يدل على التفصيل . وأمّ--ا ثانياً : فلأنّ قيمة البكر تزيد على قيمة الثيّب فتكون نصف عشر قيمة البكر أزيد من نصف عشر قيمة الثيب ، وهذه الزيادة لوحظت من جهة زوال بكارتها فبينهما

فرق في العوض .

ثم إنّ في المقام رواية دلّت على ثبوت عشر القيمة مطلقاً وهي الروایة عبدالملك بن عمرو عن أبي عبد الله (عليه السلام) (2)إلّا أنّها مردودة قطعاً ، لأنّ القول بالعشر إنمّا هو في خصوص البكر لا الأعم ، وتقييدها بالبكر تقييد بفرد نادر ، لأنّ الجارية الحبلى مع بكارتها كما إذا تحقّق الحبل من غير طريق الوطء في القبل نادرة


1) لكافي 5 : 214 / 3 وقد تقدّمت الرواية في الصفحة 155 .

2) الوسائل 18 : 107 / أبواب أحكام العيوب ب 5 ح 7 .

بل هي فرض ، ومن هنا حمل بعضهم الرواية على سهو الراوي حيث أسقط لفظة النصف في الخبر بل حكي عن الصدوق (1)أنه نقلها مع لفظة النصف ، وقد ورد في بعض الأخبار (2)المتقدّمة أنها ترد ويرد معها شيء ، ولكنّها غير معتبرة السند ولا يمكن الاعتماد عليها في المقام .

وأمّا ما ورد في بعضها الآخر وهو صحيحة محمد بن مسلم (3)من أنها يردّها و يكسوها ، فحيث إنّ الرواية صحيحة ودلالتها ظاهرة فلا محيص من أخذها والقول بوجوب الكسوة أو نصف العشر على وجه التخيير ، للعلم الخارجي بعدم وجوب كلا الأمرين معاً ، ولولا هذا العلم الخارجي لأخذنا بكلتا الروايتين وقلنا بوجوب كلا الأمرين ، إلّا أنّه نظير الروايات الواردة في القصر والتمام في بعض الموارد لما علمنا بعدم وجوب الجمع بينهما نحملها على التخيير ، ولا وجه لحمل الرواية على كسوة تساوي نصف عشر قيمتها لأنه بلا وجه .

بقى الكلام في المراد من الوطء غير المانع عن الرد في الحبلى ، وهل المراد به الوطء المتعارف أعني الوطء في القبل أو يعمه والوطء في الدبر ؟

توقّف في ذلك شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه ) (4)لاطلاق الوطء ولا مكان انصرافه إلى الفرد المتعارف .

والظاهر أنه لا وجه للتوقف في المسألة على كلا تقديري انصراف الوطء إلى المتعارف وعدمه ، أمّا على تقدير عدم انصرافه إلى الوطء في القبل فظاهر ، لأن-ه


1) الفقيه 3 : 139 / 50 .

2) كالمروية في الوسائل 18 : 106 / أبواب أحكام العيوب ب 5 ح 5 .

3) المصدر السابق الحديث 6 .

4) المكاسب 5 : 300 .

لفظ مطلق فيشمل جميع الأفراد ، وبه نحكم بعدم مانعية الوطء في الدبر إذا كانت الجارية حبلى كالوطء في قبلها . وأمّا على تقدير انصراف الوطء إلى الوطء في القبل فلأنّ الروايات حينئذ وإن كانت لا تشمل الوطء في الدبر ولا تدلّ على عدم مانعيته : إلّا أنّ الأخبار المانعة الدالّة على أنّ الوطء يمنع عن الردّ أيضاً لا تشمل الوطء في الدبر ، لأنّ اللفظ في الروايتين واحد والمفروض انصرافه إلى المتعارف فيبقى الوطء في الدبر داخلاً تحت سائر التصرفات غير المانعة عن الرد لاعتبار حدوث الحدث وعدم بقاء العين بحالها في التصرف المسقط والمفروض أن الوطء لا يوجب شيئاً منهما .

وأمّا سقوط الرد بالتقبيل واللمس وعدمه فالصحيح عدم كونهما مانعاً عن الرد ، وذلك لأنّ الوطء من غير سبقه بتلك المقدّمات نادر ولا ينفك عنها غالباً والمفروض أنّ النص دلّ على أنّ الوطء الغالب أي مع مقدّماته لا يمنع عن الردّ ، لأنّ حمله على الوطء غير المسبوق بها حمل على فرد نادر ، ومعه لا حاجة إلى دعوى عدم كونها مانعاً بالأولوية ، وأن الوطء الذي هو أعظم من التقبيل إذا لم يكن مانعاً فالتقبيل لا يكون مانعاً بطريق أولى .

وأمّا إذا ظهر في الحبلى الموطوءة عيب آخر فقد استشكل في عدم مانعية الوطء حينئذ جماعة لأجل أنّ الوطء مع ذلك العيب الآخر يمنع عن الردّ ، وأورد عليه شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) بأنّ العيب الآخر لا يمنع عن الرد لأجل عيب الحمل ، فإنّ غاية ما هناك أنّ العيب الآخر لا يقتضي الرد لأجل سبقه بالوطء لا أنه يقتضي عدم الرد ، فيكون الوطء مع عيب الحمل غير مانع عن اقتضاء عيب الحمل في الرد ، وهو كما أفاده (قدّس سرّه) . وممّا ذكرنا يظهر حكم المسقط الثالث وهو تلف العين .

القول في رابع المسقطات

وهو عبارة عن حدوث عيب عند المشتري فإنه يمنع عن ردّ المبيع بالعيب الموجود فيه قبل العقد ، وقد قسّموا العيب الحادث عند المشتري إلى ثلاثة أقسام :

الأول : أن يحدث العيب بعد العقد وقبل قبضه .

الثاني : أن يحدث بعد العقد وبعد القبض ولكن في زمان خيار المشتري بخيار الحيوان أو الشرط أو خيار المجلس إذا ألحقناه بهما فإنّ النص يختص بالأوّلين .

الثالث : أن يحدث بعد العقد وبعد القبض وبعد انقضاء خيار المشتري .

وذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (1)أنّ محل الكلام في المقام هو القسم الثالث أي العيب الحادث بعد العقد وبعد القبض وبعد انقضاء خيار المشتري ، وأمّا القسم الأول وهو الحادث بعد العقد وقبل القبض فهو بنفسه يوجب الخيار والرد والأرش ، لأنه كالحادث قبل العقد فلا يمنع عن الرد ، وكذا الحادث بعد العقد وبعد القبض في زمان خيار المشتري بناءً على ما سيجيء في أحكام القبض والخيار من أنّ البائع ضامن للمبيع قبل قبضه وقبل انقضاء خيار المشتري ، بمعنى كون العيب الحادث في الزمانين أي قبل القبض وقبل انقضاء الخيار كالحادث قبل العقد ، فكما أنّ العيب السابق قبل العقد مضمون للبائع ويوجب الخيار للمشتري فكذلك العيب الحادث في زمان الخيار وزمان قبل القبض ، هذا .

ولا يخفى أنّ ما أفاده (قدّس سرّه) من تفسير ضمان البائع للعيب الحادث قبل القبض وفي زمان الخيار بكونه كالعيب الموجود قبل العقد في كونه سبباً للخيار يحتاج إلى دليل يلحق العيب الحادث بعد العقد في زمان الخيار أو قبل القبض بالعيب الموجود قبل العقد ، فإنّ الروايات الواردة في أنّ العيب سبب للخيار تختص


1) المكاسب 5 : 301.

بالعيب السابق على العقد والبيع لقوله ( عليه السلام) في رواية زرارة « أيّما رجل اشترى شيئاً وبه عيب وعوار » الخ (1)وأمّا العيب الحادث بعد البيع ولو في زمان الخيار وقبل القبض فلا يستفاد من الأخبار أنه سبب للخيار ، وضمان البائع للعيب الحاصل قبل القبض وفي زمان الخيار ليس بمعنى كون العيب كالعيب الموجود قبل المعاملة ، وإنما معناه أنّ البائع ضامن له ودركه عليه ، فيجب عليه أن يخرج ع--ن عهدته ، ولا ملازمة بين كون عهدة العيب الحادث في الزمانين على البائع وبين كونه كالعيب الموجود قبل العقد في كونه سبباً للخيار وغير مانع عن الردّ ، بل يمكن أن يحكم على البائع بوجوب الخروج عن عهدة العيب الحادث في زمان الخيار وقبل القبض بأن يدفع إلى المشتري الأرش ويمنع المشتري عن فسخ المعاملة وردّها بالعيب السابق ، فيكون البائع ضامناً للعيب الحادث ويجب عليه الخروج عن عهدته بدفع الأرش ، كما يجب عليه دفع أرش العيب السابق على العقد ، فما أفاده (قدس سرّه) من أنّ ضمان البائع للعيب الحادث في زمان الخيار أو قبل القبض بمعنى ك--ونه کالعيب الموجود قبل البيع فيوجب بنفسه الخيار ولا يمنع عن الرد ، ممّا لا يمكن المساعدة عليه ، إذ لا ملازمة بين ضمان البائع للعيب الحادث بالمعنى الذي أسلفناه وبين كونه أي العيب الحادث مانعاً عن الردّ .

فالصحيح في المقام أن يفصّل بين العيب الحادث بعد العقد قبل قبضه وبين الحادث بعد القبض في زمان الخيار ، والحكم في الأول بأنه كالعيب الموجود قبل العقد في كونه سبباً مستقلاً للخيار ولا يمنع الردّ ، وفي الثاني بكونه مانعاً عن الردّ وإن كان ضمانه على البائع بدفع الأرش ، وذلك لأنّ ما ورد في المقام من الأخبار ق--د قيّدت العيب المانع عن الرد بما إذا أحدث بعد قبض المبيع ، وذلك لقوله (عليه السلام)


1) الوسائل 18 : 30 / أبواب الخيار ب 16 ح2 .

«أيما رجل اشترى شيئاً وبه عيب وعوار - إلى قوله - فأحدث فيه بعد ما قبضه شيئاً - إلى أن قال - فإنه يمضي عليه البيع » حيث دلّ على أن إحداث الحدث فيالمبيع الذي به عيب بعد ما قبضه يمنع الرد ويوجب المضي واللزوم ، وأمّا إحداث الحدث فيه قبل قبضه أو قبل عقده فهو لا يوجب لزوم المعاملة ، وقد عرفت أنّ معنى إحداث الحدث حسب المستفاد العرفي هو حدوث الحدث في المبيع ، سواء كان مستنداً إلى نفس المشتري أو إلى غيره ، فالميزان حدوث الحدث وتغيّر العين عمّا كانت عليه وعدم بقائها على حالها كما في مرسلة جميل(1)فإن كان هذا الحدوث بعد قبضه فيمنع الرد ، وأمّا إذا كان قبله فهو كالعيب الموجود فيه قبل العقد في كونه سبباً مستقلاً للخيار ولا يمنع عن الردّ ، هذا في العيب الحادث قبل القبض .

وأمّا العيب الحادث بعد القبض في زمان الخيار فاطلاق هذه الرواية يقتضي لزوم البيع باحداث الحدث بعد قبض المبيع ، كان في زمان خيار المشتري أم لم يكن ، كما أنّ إطلاقها كان يقتضي عدم لزوم البيع بالحدث الحادث قبل قبضه وأنّ ما حدث قبل قبضه فهو لا يوجب اللزوم مطلقاً كان بعد العقد وقبل القبض أم كان قبل العقد ، فاطلاقها في العيب الحادث قبل القبض والحادث بعده في زمان الخيار متعاكس ، وكيف كان فاطلاقها يقتضي سقوط الرد بحدوث العيب بعد القبض ، كان في زمان الخيار أم لم يكن ، وهذا لا ينا في كون البائع ضامناً له حينئذ ، لأنّ معناه كما عرفت لزوم تداركه عليه بدفع أرشه ، ولا ملازمة بينه وبين كونه سبباً مستقلاً للخيار وغير مانع عن الرد ، اللهمّ إلّا أن يتم الاجماع الذي ادّعي في المقام على أنّ العيب الحادث فى زمان الخيار كالعيب الموجود قبل العقد سبب للخيار ولا يمنع الرد .


1) الوسائل 18 : 30 / أبواب الخيار ب 16 ح3.

ثمّ إنّ هناك خلافاً آخر في أنّ جواز الردّ مع العيب الحادث هل يختص بزمان الخيار أي خيار الحيوان والشرط ، أو أنّ جواز الردّ مع العيب الحادث في زمان الخيار على القول به باقي بعد انقضاء الخيار أيضاً . ولا يخفى أنّ بحثنا هذا ممّا لا يترتّب عليه ثمرة ، لأنّا حسب مسلكنا وإن قلنا بعدم جواز الردّ مع حدوث العيب في زمان الخيار إلّا أنّ للمشتري أن يفسخ العقد بخياره من خياري الحيوان أو الشرط ، لأنّ المفروض عدم انقضاء خياره عند حدوث العيب ، نعم تظهر الثمرة بين القولين فيما إذا قلنا بمقالة المشهور من أن جواز الردّ مع حدوث العيب في زمان الخيار باقٍ بعد انقضاء الخيار أيضاً ولا يختص الجواز بزمان الخيار ، فإنّ جواز الردّ على قول المشهور بعد انقضاء الخيار متحقّق ، بخلاف ما سلكنا فإنه لا خيار له في الرد بعد انقضائه فلا يتمكّن المشتري من الفسخ ، هذا كله فيما ذكره شيخنا الأنصاري تطفّلاً من أنّ العيب الحادث قبل القبض وفي زمان الخيار سبب مستقل للخيار ولا يمنع الرد أولا .

وأمّا الكلام فيما هو المقصود في المقام وهو أنّ حدوث العيب عند المشتري بعد قبضه أو بعد انقضاء الخيار يوجب سقوط الرد بالعيب السابق أو لا ، فملخّص القول فيه : أنّ العيب المذكور يمنع عن الرد ، لأنّ المدار في جواز الرد هو عدم حدوث الحدث في المبيع وعدم تغيّره عما كان عليه ، ومع حدوث العيب في المبيع يصدق أنه حدث فيه حدث ويصدق أنّ العين غير باقية بحالها فيسقط الرد ، وذلك لقوله (عليه السلام) في رواية زرارة « فأحدث فيه حدثاً » الخ (1)وفي مرسلة جميل « إن ك--ان الشيء قائماً بعينه ردّه على صاحبه وأخذ الثمن ، وإن كان الثوب قد قطع أو خيط أو


1) الوسائل 18 : 30 / أبواب الخيار ب 16 ح2 .

صبغ رجع بنقصان العيب »(1)فجعلت المدار على بقاء العين ، وأمّا إذا تغيّرت ولم تبق بحالها فلا يصح ردّه ولو باحداث غير العيب فيه كقطعه وخياطته فإنّهما ليسا من العيوب بل ممّا يختلف بهما الأغراض ، ولكن العين لمّا لم تبق بحالها فحكم عليه السلام) بعدم ردّها . وتوضيح المقام : أنّ الكلام في سقوط خيار العيب بحدوث عيب عند المشتري يقع من جهتين : الجهة الأولى : في أنّ حدوث العيب عند المشتري هل يمنع عن الردّ بالعيب السابق أو أنه لا يكون مانعاً عن الردّ به .

الجهة الثانية : في أنّ حدوث العيب عند المشتري هل يكون بنفسه سبباً مستقلاً للخيار أو لا يكون سبباً مستقلاً للخيار . أمّا الجهة الأولى فقد عرفت أنّ العيب الحادث عند المشتري على ثلاثة أقسام : عيب يحدث بعد العقد قبل القبض ، وعيب يحدث بعد العقد والقبض ولكن في زمان خيار المشتري بخيار آخر كخياري الحيوان والشرط بل المجلس إلحاقاً له بهما ، وعيب يحدث بعد العقد والقبض وبعد زمان خيار المشتري .

وقد ذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) أنّ المتيقّن من العيب الحادث الذي يمنع عن الردّ ويوجب تعيّن الأرش هو القسم الثالث ، وهو كما أفاده (قدّس سرّه) من جهة أنّ سقوط خيار العيب بالعيب السابق عند حدوث عيب عند المشتري بعد انقضاء خياره ممّا لا كلام فيه لأجل مرسلة جميل ورواية زرارة ، لأنّ العين مع العيب لا يبقى بحالها كما أنه من أظهر أنواع الحدث ، وقد مرّ أنّ إسناد الحدث إلى المشتري بقوله (عليه السلام) « أحدث » لا موضوعية له بل هو اتّفاقي في الجملة وإن كانت خصوصياته مورداً للكلام كما سيأتي .

وأمّا العيب الحادث قبل القبض أو بعده وقبل انقضاء الخيار فقد تقدّم أنّ فيه


1) الوسائل 18 : 30 / أبواب الخيار ب16 ح3.

تفصيلاً ، لأنّ العيب الحادث إن كان قبل القبض فهو وإن كان موجباً لتغيّر العين ومقتضى مرسلة جميل سقوط الخيار به ، إلّا أنّ العمدة فيما يستند إليه هي رواي--ة زرارة وقد صرّحت بأنّ إحداث الحدث بعد القبض يوجب مضي العقد ، ومفهومها أنّ إحداث الحدث قبل القبض لا يوجب مضي البيع على المشتري بل يبقى على جوازه ، وعليه فالعيب الحادث قبل القبض كالعدم فلا يكون مانعاً عن الرد .

وأمّا العيب الحادث بعد القبض في زمان خيار المشتري فقتضى إطلاق رواية زرارة أنّ إحداث الحدث بعد القبض يمنع عن الرد ويوجب مضيّ العقد على المشتري ، سواء كان للمشتري خيار آخر أم لم يكن ، وعليه فيكون العيب الحادث

بعد القبض في زمان الخيار مانعاً عن الرد كما تقدّم ، هذا كلّه في الجهة الأولى .

أمّا الجهة الثانية : فقد ذهب المشهور إلى أنّ العيب الحادث قبل القبض أو بعده في زمان الخيار لا يكون مانعاً عن الردّ بالعيب السابق معلّلين بأنّ هذا العيب الحادث بنفسه سبب مستقل للخيار بين الردّ والأرش ، فهو لا يكون مانعاً عن الرد بالعيب السابق بل يكون مؤكّداً للخيار بالعيب السابق ويقتضي التخيير بين الردّ والأرش .

فإذن لا بدّ من التكلّم في مقامين : أحدهما في أنّ العيب الحادث قبل القبض أو بعده وقبل انقضاء خيار المشتري هل هو سبب مستقل للخيار بين الرد والأرش أو لا . وثانيهما : في بيان الملازمة وأنّ العيب الحادث إذا كان سبباً مستقلاً للخيار يستلزم عدم سقوط الخيار بالعيب السابق ويكون مؤكّداً له ، أو أنه لا مانع من أن يكون العيب الحادث سبباً مستقلاً للخيار بنفسه ومع ذلك يكون مانعاً عن الرد بالعيب السابق .

أمّا المقام الثاني فالملازمة بين الأمرين وإن كانت منتفية عقلاً بمعنى أنه لا ملازمة عقلية بينهما لامكان أن يقال إنّ العيب الحادث بنفسه سبب مستقل في

الخيار ، إلّا أنه يمنع عن الرد والخيار بالعيب السابق لأنه إحداث حدث في المبيع وموجب لعدم بقاء العين بحالها ، وتظهر الثمرة فيما إذا أسقط خياره هذا أي الخيار الحاصل بحدوث العيب الحادث فإنه لا يتمكّن من الردّ حينئذ ، لا بالعيب السابق لأنّ حدوث العيب الحادث مانع عن الردّ لأنّه حدث ومغيّر للعين ، ولا بالعيب الحادث لأنه قد أسقط خياره الجائي من قبله ، إلّا أنّ الملازمة العرفية ثابتة بينهما وذلك لأنّ المتّبع في الظهورات هو الظهور العرفي ولا إشكال أنّ ظاهر قوله (ع-ل-ي-ه السلام) إنّ العيب مانع عن الرد منصرف إلى عيب لا يكون بنفسه سبباً للخيار ، وأمّا العيب والحدث الذي هو بنفسه موجب للخيار فلا يستفاد كونه مانعاً عن الرد منهذا الكلام بحسب الفهم العرفي ، فالملازمة العرفية ثابتة بين الأمرين في المقام .

فلابدّ من صرف عنان الكلام إلى بيان أنّ العيب الحادث قبل القبض أو بعده قبل انقضاء خيار المشتري سبب مستقل للخيار أو لا ، وذلك لدلالة النصوص الواردة في خياري الحيوان والشرط (1)على أنّ تلف المبيع في زمان الخيارين من مال بائعه أو من ماله حسب اختلاف الروايات ، ودلالة الروايات الأخر (2)على أنّ تلف المبيع قبل قبضه أيضاً من مال بائعه، فهل يستفاد منها أنّ العيب الحادث قبل القبض أو في زمان الخيار سبب مستقل للخيار أو لا .

فنقول : إنّ في تفسير معنى كون التلف من مال بائعه وكون ضمان-ه ع-ليه وجوهاً:

الأول : أن يكون المراد بذلك كون دركه وضمانه عليه كضمان اليد وضمان الاتلاف ، بمعنى كون البائع ضامناً له بقيمته الفعلية كما هو معنى ضمان اليد والاتلاف


1) الوسائل 18 : 14 / أبواب الخيار ب 6 ، 8 .

2) المستدرك 303:13 / أبواب الخيار ب 9 ح 1.

أي الضمان بقيمة يوم الاتلاف والغصب ، ويقال في المقام إنّ البائع ضامن للمبيع قبل القبض أو في زمان الخيار بمعنى أنه إذا تلف أو تعيّب يخرج عن عهدته بدفع قيمته الفعلية إلى المشتري .

وهذا الاحتمال باطل قطعاً ولم يقل به أحد فيها نعلم لاستلزامه ضمان البائع قيمة المبيع عند تلفه أو تعيّبه قبل القبض أو في زمان الخيار حتّى فيما إذا ترقّت القيمة السوقية في زمان تلفه أو تعيّبه قبل القبض أو في زمان خيار المشتري أو فيما إذا اشتراه المشتري بثمن قليل وكانت قيمته السوقية أكثر منه بمراتب فيجب على البائع أن يدفع إلى المشتري تلك القيمة الفعلية ولو كانت أضعاف الثمن الذي أخذه به من المشتري مع أنه ممّا لا قائل به ولا يمكن استفادته من الأخبار ، فإنها دلّت على بطلان البيع حينئذ ورجوع المشتري إلى البائع بما دفعه إليه حسب ما يستفاد منها عرفاً ولا يستفاد منها ضمان البائع بالقيمة الفعلية بوجه .

الثاني : ما ذكره المشهور من أنّ معنى ضمانه عليه أنّ التلف أو العيب الحادث حينئذ كالتلف أو العيب الحادث قبل العقد فكما أنه يضمن العيب السابق بمعنى أنه يوجب الخيار فكذلك العيب الحادث قبل القبض أو في زمان الخيار ، فيكون العيب الحادث بنفسه سبباً مستقلاً للخيار .

وهذا الوجه يتعيّن الأخذ به على تقدير انحصار الاحتمال فيه وفيها قبله ، فإنّ الأول بعد ما ظهر بطلانه يتعيّن الثاني لا محالة ، ولكن الاحتمال غير منحصر بهما كما سيأتي ، إذن فلا وجه لتعيّنه بعد عدم مساعدة الدليل عليه ، وذلك لأنّه لا يستفاد من الأخبار الدالّة على أنّ تلف المبيع قبل قبضه أو في زمان الخيار من مال بائعه تنزيل العيب الحادث قبل القبض أو في زمان الخيار منزلة العيب السابق الموجود قبل العقد ، وإنمّا يستفاد منها بطلان المعاملة عند تلف المبيع قبل قبضه أو في زمان خيار المشتري ورجوع المشتري إلى البائع بما أخذه منه لا بأزيد منه .

الثالث : أن يقال إنّ معنى كونه من مال بائعه أنّ ضمانه ودركه عليه ، لا بمعنى أنّ البائع ضامن لقيمته الفعلية بل بمعنى أنّ هذا العيب الحادث مضمون على البائع فلابدّ من أن يخرج عن عهدته ، وهذا إنمّا يحصل بدفع الأرش أي التفاوت ما بين المعيب بهذا العيب والصحيح حين المعاملة ، لا التفاوت بين القيمتين حين حدوث العيب ، فكأنّه اشترى العين ولم يحدث فيها هذا العيب أصلاً ، فمعنى ضمانه دفع الأرش إلى المشتري والخروج عن عهدة العيب الحادث ، والمراد بالأرش هو التفاوت بين قيمتي الصحيح والمعيب حال البيع لا حال حدوث العيب كما عرفت ، لأنه معنى كونه ضامناً للعيب وجعل المبيع كأنه لم يحدث فيه عيب ، وعليه فلا يستفاد منها أنّ العيب الحادث يوجب الخيار ،بل إنما يوجب الأرش فقط لا التخيير بينه وبين الردّ فلا يكون العيب الحادث في زمان القبض أو في زمان الخيار سبباً مستقلاً للخيار ، فيكون سقوط الردّ بالعيب الحادث مطلقاً قبل القبض أو بعده في زمان الخيار فضلاً عمّا حدث بعد انقضاء الخيار على القاعدة ، لأنه إحداث حدث وتغيّر ولا دليل على كونه سبباً مستقلاً للخيار حتى نستدل بالملازمة العرفية على عدم كونه مانعاً عن الردّ بالعيب السابق .

نعم نخرج عمّا تقتضيه القاعدة الأوّلية في خصوص العيب الحادث قبل القبض بمفهوم رواية زرارة المتقدّمة ، ويبقى غيره تحت القاعدة وهي تقتضي كون العيب الحادث في زمان خيار المشتري أو بعده مانعاً عن الرد بلا أن يكون سبباً للخيار في شيء من الأقسام الثلاثة ، أي الحادث قبل القبض أو بعده في زمان الخيار أو بعد انقضائه ، نعم العيب الحادث قبل القبض لا يمنع عن الردّ لرواية زرارة لا أنه سبب مستقل للخيار ، وهذا هو الذي يستفاد من الأخبار في المقام وإن كان على خلاف المشهور.

ثم إنه ذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه ) (1)أنّ المراد بالعيب الحادث عند المشتري المانع من الرد بالعيب السابق ليس هو خصوص النقص الموجب للأرش بل المراد به مطلق النقص وإن لم يوجب الأرش ، ومثّل لذلك بحصول الشركة وسيأتي الكلام فيها إن شاء الله تعالى وبنسيان الدابة الطحن أو العبد الخياطة عند المشتري ، فإنّ ذلك كلّه وإن لم يوجب الأرش وتفاوتاً في القيمة إلّا أنه يمنع عن الرد بالعيب السابق ، وذلك لأنّ لفظ العيب غير وارد في روايات الباب ، بل الوارد هو عنوان بقاء العين بحالها كما في مرسلة جميل وعنوان إحداث الحدث كما في رواية زرارة ، ونحن إنما تتّبع الأخبار وقد دلّت هي على هذين العنوانين ، ومن الظاهر أنّ نسيان الدابة الطحن والعبد الخياطة من قبيل إحداث الحدث، لأن المراد به كما عرفت هو الحدوث ولا موضوعية للاحداث ، وهذا من غير فرق بين كون الحدث موجبا لنقص القيمة وعدمه .

وما أفاده (قدّس سرّه) من أنّ مطلق النقص يمنع الردّ وإن لم يوجب الأرش فهو كما أفاده (قدّس سرّه) ولا يمكن المناقشة فيه كما تقدّم ، وأمّا ما مثّل به من أمثلة الشركة ونسيان الدابة الطحن فسيأتي الكلام في مسألة حصول الشركة والتبّعض من ناحية المبيع أو من ناحية البائع أو من ناحية المشتري ، وأمّا نسيان الدابة الطحن أو العبد الكتابة فإن استندنا في المقام إلى مرسلة جميل فهو وإن ناقش في شمولها لمثل ا النسيان ونحوه بعضهم في مسألة ما إذا اختلف البائع والمشتري في مقدار الثمن حيث دلّت الرواية على أنّ العين إن كانت باقية فالقول قول البائع وإن لم تبق العين بحالها فالقول قول المشتري ، وذكروا أنّ مثل نسيان العبد المبتاع للكتابة والخياطة لا يمنع عن صدق بقاء العين بحالها ، إلّا أنّ مستندنا في المقام ليس هو المرسلة أوّلاً وإنّما


1) المكاسب 5 : 304 .

نعتمد على رواية زرارة ، وثانياً أنّا لو استندنا إلى المرسلة أيضاً يمكننا أن نقول بأنّها تشمل مثل النسيان ونحوه ، وذلك لأنه وإن لم يناف بقاء العين في المسألة المتقدّمة المشار إليها آنفاً ، إلّا أنّ نفس المرسلة في المقام قد دلّت على أنّ المراد ببقاء العين بحالها إنمّا هو في مقابل خياطة الثوب وصبغه ونحوهما لأنّها مثلّت لعدم بقاء العين بحالها بتلك الأمثلة ، فمن تمثيلها بها يظهر أنّ المراد مجرد حصول النقص في المبيع وإن لم يكن عيباً ، حيث إنّ الصبغ والخياطة ليسا بعيب إلّا أنّهما يوجبان النقص ، فإنّ الثوب غير المخيط ممّا يرغب فيه أكثر الناس بخلاف المخيط لاختلاف الناس في عرض أبدانهم وفي طولها ، كما أنّ الثوب غير المصبوغ قابل لصبغه بأي لون شاءه المشتري ، وهذا بخلاف المصبوغ بلون لعدم قابليته للصبغ بلون آخر وربما لا يرغب في اللون الموجود فيه المشترون ، هذا كلّه فيها إذا اعتمدنا على المرسلة .

وأمّا إذا اعتمدنا على رواية زرارة كما هو الواقع فالأمر أظهر ، لأنّ الخياطة والنسيان ونحوهما من أظهر الأحداث الحادثة في المبيع فهي تمنع عن الردّ ، وأمّا ما أفاده (قدّس سرّه) في ضمن كلامه من أنّ المراد بالعيب ليس خصوص نقص الأوصاف المقابلة بمال كوصف الصحة ، بل المراد مطلق حصول النقص ولو بانتفاء الأوصاف الكمالية التي لا تقابل بالمال ، ففيه ما تقدّم في محله من أنّ الأوصاف بأجمعها لا تقابل بالمال وصف صحة كان أو غيره ، لأنّها أي الأوصاف لا تباع بنفسها ولا في ضمن موصوفها ، فلا يباع الشيء بقيمة وبياضه بقيمة أو صحته بقيمة ، وإنّما الأوصاف توجب زيادة قيمة المال ولا يقع بازائها شيء ، ثمّ إنّ هذا كله مما لا كلام فيه .

وإنّما الإشكال كلّه في تصوير وصف كمالي لا يوجب فقدانه نقصاً في القيمة والظاهر أنه غير متصوّر ولا معقول ، اللهمّ إلّا أن يكون وصف الكمال ممّا لا مدخلية له في غرض المشتري بحيث يكون وجوده وعدمه سيّان فيما يبذله العقلاء بازائه كما

إذا كان العبد المبتاع عالماً بعلم إلّا أنه ممّا لا يحتاج إليه في البلدة أبداً ، والعبد العالم به كالجاهل به بحسب القيمة عند العقلاء ، إلّا أنّ مثل تلك الصفة الكمالية ممّا لا يمنع زوالها عن الرد قطعاً ، لأنّها لم تكن ملحوظة ومنظورة حال المعاملة ، فبقاؤها وارتفاعها على حد سواء ولا تشملها رواية زرارة ولا يصدق عليها إحداث الحدث لعدم كونها ملحوظة حال المعاملة ، فكأنّ البيع وقع على العين من غير ناحية الصفة المرتفعة كما لا تشملها المرسلة لهذه الجهة .

والمتحصّل إلى هنا : أنّ النقص الثابت قبل الفسخ يوجب الأرش دائماً دون النقص الذي يحصل بنفس الفسخ كالشركة وتبّعض الصفقة فإنه نقص في مرتبة الفسخ وسيأتي الكلام فيه إن شاء الله تعالى .

ثمّ إنّ ممّا ذكرناه يظهر أنّ النقص في الأوصاف النفسانية أيضاً يمنع عن الرد كارتفاع العلم في العبد أو النسيان في الدابة لصدق إحداث الحدث عليه ، لأنه حين البيع كان عاملاً وقد صار جاهلاً عند المشتري ، كما يصدق فيه عدم بقاء العين بحالها عند ارتفاعه كما تقدّم ، وأمّا زوال الأوصاف التي لا تعدّ صفة كمال عند العقلاء ككون العبد كثير الرؤيا في المنام وقد صار عند المشتري قليل الرؤيا أو لا ي--رى الرؤيا أصلاً ، فلا يصدق عليه الحدث ولا عدم بقاء العين بحالها ، لأنّها لا توجب نقصاً في القيمة ولا في الكمال كما هو المفروض فإنّ وجودها وعدمها على حد سواء وأمّا إذا حصلت زيادة عند المشتري ووصف كمالي به يزيد قيمة المال عند الجميع وممّا يرغب إليه العقلاء بأجمعهم سواء كان خارجياً كالسمن أو معنوياً كما إذا نظّف المبيع من الأوساخ وكما إذا علّم العبد الخياطة أو الكتابة دون الأوصاف التي تكون كمالية عند بعضهم دون بعضهم كما إذا طحن الحنطة لأنّ طحنها صفة كمالية تزيد قيمة الحنطة عند من يشتريها للأكل ونحوه ، وأمّا عند من يشتريها للابقاء لأجل التجارة فلا ، لأنّ الحنطة أكثر بقاءً من الطحين لأنه يفسد إذا بقي مدّة فإنّ في مثله لا مانع من

صدق عدم بقاء العين بحالها لأجله ، ومن هنا ذكروا في باب الهبة أنّ الموهوب له إذا طحن الحنطة الموهوبة فليس للواهب الرجوع لعدم بقاء العين بحالها ، لاعتبار بقاء العين في صحة الرجوع في الهبة أيضاً .

وكيف كان فإذا حصلت صفة كمالية عند الجميع فلا يحتمل أن يكون ذلك مانعاً عن الردّ بالعيب السابق بدعوى أنه أحدث فيه شيئاً وأنّ العين غير باقية بحالها ، وذلك لأنّ المستفاد من الروايتين هو أنّ الحدث الموجب للنقص يمنع الردّ لا مطلق الحدث ، فليس المراد بالحدث ما يشمل النقص والزيادة ، بل المراد خصوص النقص كما تقدّم .

ثم إنّ ممّا ذكرناه في المقام من أنّ الاعتماد على خصوص رواية زرارة وأنّ المناط أحد عنواني الحدث أو عدم بقاء العين يظهر أنه لا وجه لما استدلّ به العلّامة (قدّس سرّه) (1)على مانعية حدوث العيب عن الردّ من أنه ليس تحمّل البائع له بالعيب السابق أولى من تحمّل المشتري به للعيب السابق ، وجه الفساد أنّ المستند - في المقام ليس هو قاعدة نفي الضرر حتى يقال بعدم جريانها في المقام المعارضتها بضرر البائع ، مضافاً إلى ما أجاب به شيخنا الأنصاري (2)عنه بأنّ الضررين إذا تعارضا ولم يمكننا التمسك بالقاعدة فلنرجع إلى عمومات الخيار فلا يثبت بما ذكره اللزوم .

وبالجملة : أنّ ما استدلّ به العلّامة (قدّس سرّه) من الوجوه الاعتبارية والاستحسانية وهي خارجة عن طريقتنا بالمرّة . بقي الكلام فيما إذا ارتفع النقص الحاصل في المبيع عند المشتري حين إرادة الفسخ فنقول : إذا تعيّب المبيع عند المشتري بعيب ثم زال عنه العيب فهل هذا يمنع


1) التذكرة 11 : 125 .

2) المكاسب 5 : 305 .

عن الرد بالعيب السابق أيضاً أو لا ، بمعنى أنّ العيب عند المشتري بحدوثه يمنع عن الردّ وإن ارتفع بعد ذلك ، أو أنه إنما يمنع عنه ما دام باقياً فإذا ارتفع يرتفع المنع أيضاً ؟

اختلفت كلمات العلّامة (قدّس سرّه) في هذه المسألة في كتابيه فذهب في التذكرة (1)إلى أنّ العيب المتجدّد عند المشتري يمنع عن الردّ بالعيب السابق مطلقاً سواء زال بعد ذلك أم لم يزل . وقال في التحرير (2)إنّ العيب الحادث عند المشتري إذا زال وارتفع يتمكّن المشتري من الردّ بالعيب السابق .

وذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) أنّ مقتضى الأصل عدم جواز الردّ بالعيب السابق فيما إذا حدث في المبيع عيب عند المشتري سواء زال بعد حدوثه أم لم يزل . والظاهر أنّ مراده بالأصل هو الاستصحاب لشهادة ذيل كلامه عليه ، فإنه قال بعد ذلك : فلا يثبت الخيار بعد زواله لعدم الدليل على الثبوت بعد السقوط انتهى .

وكيف كان ، فالصحيح أنّ الحكم يختلف باختلاف المعتمد في المقام ، فإن تمسّکنا بمرسلة جميل وحدها أو بها وبرواية زرارة (3)فلا مانع من الرد بالعيب السابق بعد زوال العيب الحادث، وذلك لأنّ المدار في مرسلة جميل على بقاء العين بحالها وعدمه ، ولا ينبغي الإشكال في أنّ النقص الحادث إذا ارتفع عن المبيع كما إذا كسر رجل العبد أو الدابة ثم طابت يصدق البقاء عرفاً ويقال إنه بعينه المبيع حين المعاملة وأنه فعلاً باقٍ على ما كان عليه وإن كانت الصحة الطارئة بعد النقص مغايرة عقلاً للصحة الثابتة حال العقد فإنها زالت فلا تعود ولكن الله تعالى أعطى الصحة


1) التذكرة 11 : 128 .

2) التحرير 2 : 370.

3) تقدّمتا في الصفحة 177 .

الجديدة بقدرته ، فهي مثل الصحة حال البيع لا عينها عقلاً إلّا أنها هي هي بعينها عرفاً ، فلا مانع من الردّ بعد زوال العيب الحادث ، هذا كلّه فيا إذا استندنا إلى مرسلة جميل وحدها .

وأمّا إذا استندنا إليها وإلى رواية زرارة من جهة أنّ جميل من أصحاب الاجماع ومن الذين أجمع الأصحاب على تصحيح ما يصح عنهم ، فإذا كان السند صحيحاً إلى جميل فلا ينظر إلى السند بعده إلى الإمام (عليه السلام) ومن هنا عبّر عنها صاحب الحدائق(1)بصحيحة جميل ، فلأنّ المدار في تلك المرسلة كما عرفت هو بقاء العين بحالها حين ردّها مطلقاً تعيّبت بعيّب وزال عنها قبل الرد أم لم تتعيّب بعيب أصلاً ، والمناط في رواية زرارة هو إحداث الحدث في المبيع بعد ما قبضه ، وإطلاقها يشمل ما إذا ارتفع الحدث وزال بعد حدوثه وعدم ارتفاعه ، فالمناط في عدم جواز الرد مجرد إحداث الحدث فإذا صدق عليه أنه أحدث فيه شيئاً فلا محالة يسقط الرد لأنه مطلق وشامل لصورتي زوال الحدث بعد تحقّقه وعدمه .

وعليه النسبة بين المرسلة ورواية زرارة عموم من وجه ، لأنّ مقتضى المرسلة أنّ بقاء العين بحالها مرخّص في الرد سواء تعيّب قبله أم لم يتعيّب ، ومقتضى الرواية أنّ مجرد الحدث يمنع الردّ سواء زال بعد ذلك أم لم يزل ، فيتعارضان فيما إذا تعيبت ثم زال عنها العيب ، فإنّ المرسلة يقتضي جواز ردّها حينئذ والرواية تمنع عن ردّه-ا وحيث إنّ تعارضهما بالاطلاق فيسقط كلا الاطلاقين عن الاعتبار ونرجع إلى عمومات الخيار وأدلّته أيّاً ما كان حتى لو كان دليله الشرط الضمني لأنه اشترط عدم تعيّب المبيع حين المعاملة وقد ظهر أنه كذلك فيثبت له الخيار ، هذا كلّه إذا استندنا إلى مرسلة جميل وحدها أو إليها وإلى رواية زرارة .


1) لاحظ الحدائق 19 : 61 .

وأمّا إذا اعتمدنا على رواية زرارة وطرحنا المرسلة لأنّ مراسيل أصحاب الاجماع كمراسيل غيرهم ولا ندري أنّ الواسطة بينهم وبين الإمام (عليه السلام) من هو ، والاجماع على تصحيح ما يصح عنهم لم يثبت عندنا ولا نطمئن بتحقّقه ، فلا يصح الرد بعد زوال العيب حينئذ ، لأنّ المناط في رواية زرارة كما عرفت هو إحداث الحدث ، فإذا أحدث فيه شيئاً سقط خياره وباطلاقه يشمل ما إذا زال عنه الحدث بعد ذلك وما إذا لم يزل ، وهذه نعمت الثمرة فيما سلكناه وسلكه المشهور من اعتبار مراسيل أصحاب الاجماع وعدمه ، فإنه على الأول يحكم بالخيار في المقام بعد زوال العيب المتجدّد عند المشتري ، وعلى الثاني يحكم بسقوط الردّ بالعيب الحادث سواء زال عنه أم لم يزل .

ثم إنه إذا كان الحدث مانعاً ومع ذلك رضي البائع بردّ المعيب المتعيّب بعيب جديد لا إشكال في جواز الرد حينئذ ، لأنّا إذا قلنا بسقوط الخيار بحدوث العيب الجديد فمعناه أنه غير مالك لفسخ العقد ولو بدون رضا البائع كما هو معنى الخيار وأمّا إذا رضي البائع به ورضي به المشتري فلا مانع من الردّ غاية الأمر أنه كالاقالة لا الرد بالخيار ، وحينئذ إن رضي بردّه مجاناً فهو وإن رضي بالردّ مع أرش العيب الحادث وأراد المشتري ردّه أو أراد ردّه بخياره الآخر كخيار الغبن ونحوه فيجب عليه ردّ عوض العيب الحادث عنده إلى البائع ، ويمكنه المطالبة بقيمة العيب الحادث، لأنّ للبائع أن يطالب المشتري بردّ عين ماله كما أخذه وحيث إنه فاقد لوصف الصحة من ناحية العيب الجديد فيطالبه بقيمتها لا محالة .

ولكنّه لا يخفى أنّ هذا الأرش الذي يأخذه البائع من المشتري يغاير الأرش الذي يطالبه المشتري من البائع على تقدير أخذه بالمعاملة وعدم ردّها ، فإنّ المشتري إنما يطالب البائع بالتفاوت ما بين المعيب والصحيح من الثمن المسمّى ، لأنه

اشترى صحيح هذا الشيء بتمام الثمن المسمّى وظهر أنه معيب وقيمته ناقصة عن الثمن المسمّى ، فيطالبه بما يقابله من الثمن المسمّى ، وأمّا البائع فيطالب المشتري بعين ماله كما أخذه لأنه معنى الفسخ ، والمفروض أنه فاقد لوصف الصحة من ناحیة العیب الجديد ، فلابدّ من أن يخرج عن عهدته لضمانه لأنه تحت يده فتحسب قيمة صحيح هذا الشيء واقعاً ومعيبه ويؤخذ بالتفاوت بينهما ، فالأرش حينئذ أرش القيمة الواقعية لا أرش الثمن المسمّى ، لأنّ البائع لم يعامل مع المشتري معاملة حتى يضمنه المشتري بثمن مسمّى ، بل إنمّا كان ملكه تحت يده فيجب عليه أن يخرج عن عهدة مال الغير بدفع عينه أو قيمته الواقعية ، وأرشها يختلف فتارة يكون أكثر من الثمن المسمّى كما إذا اشتراه بقيمة رخيصة وكانت قيمته السوقية أكثر، وأخرى يكون أقل منه كما إذا اشتراه بقيمة غالية . وبالجملة أنّ ضمان المشتري حينئذ ضمان اليد وضمانالبائع للعيب القديم ضمان المعاوضة بالثمن المسمّى .

ثم إنّ البائع إذا رضي بردّ المعيب الذي حدث فيه عيب جديد عند المشتري فهل للمشتري الامتناع ومطالبته البائع بالأرش أو لا ؟ ذهب الشيخ الطوسي (قدّس سرّه) (1)إلى أنه ليس للمشتري مطالبة الأرش حينئذ ، لأنه اشترط في ثبوت الأرش اليأس عن الردّ ، وفي المقام ليس المشتري مأيوساً عن الردّ لرضا البائع بردّه معيباً .

وردّه شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه )(2)بأنّ اشتراط الأرش باليأس عن الردّ ممّا يدفعه إطلاقات الأرش ، لأنه ثابت بحسب الأخبار مطلقاً رضي البائع بالرد أم


1) المبسوط 2: 132.

2) المكاسب 5 : 308 .

لم يرض به ، لقوله (عليه السلام) « إذا أحدث في المبيع حدثاً وبه عيب وعوار بعد ما قبضه يمضي عليه البيع وله أخذ قيمة العيب »(1)وهو مطلق غير مقيّد برضا البائع وعدمه .

وما أفاده (قدّس سرّه) هو الصحيح ، ومن هذا ظهر أنّ ما ذكرناه (2)في أوائل بحث خيار العيب - من حمل كلام الشيخ على ما دلّت عليه الروايات من أنّ الأرش إنما يثبت في مرتبة متأخّرة عن الامضاء بمعنى أنّ المشتري في المرتبة الأولى مخيّر بين الرد والامضاء المجاني كسائر الخيارات ، ثم إذا لم يتمكّن من الرد لتصرف ونحوه يثبت له الأرش، خلافاً للمشهور حيث إنّهم التزموا بثبوت الأرش من الابتداء وأنه مخيّر بين الأرش والردّ والامضاء مجاناً ، وقد حملنا كلام الشيخ الطوسي على ما دلّت عليه الأخبار وقلنا إنّ مراده من ثبوت الأرش بعد اليأس عن الردّ هو أنّ الأرش يثبت في مرتبة متأخّرة فيها إذا لم يتمكّن من الردّ لتصرف ونحوه ، وأجبنا عمّا أورد عليه شيخنا الأنصاري من أنه على خلاف الاطلاقات ، بأنه لا إطلاقات في روايات الأرش حتى يثبت مع الرد في مرتبة واحدة - غير تامّ وأنّ ما أفاده شيخنا الأنصاري وأورده على الشيخ الطوسي (قدّس سرّهما) هو الصحيح ، وأنّ مراد الشيخ ليس هو ما حملنا كلامه عليه بل مراده اليأس من الردّ من جهة عدم رضا البائع بالردّ ، فيردّ عليه ما أورده شيخنا الأنصاري من أنّ اشتراط الأرش بما إذا لم يرض بالرد ممّا يدفعه الاطلاق ، لأنّ إطلاق رواية زرارة في ثبوت الأرش بعد حدوث الحدث يدفع اشتراط الأرش بما إذا لم يرض البائع بالردّ .


1) الوسائل 18 : 30 / أبواب الخيار ب 16 ح 2 (مع اختلاف) .

2) في ص 134 .

الكلام في حكم تبّعض الصفقة

المبيع تارةً يكون أمراً واحداً حقيقياً كالعبد والفرس ونحوهما ، أو واحداً اعتبارياً كالدار ونحوهما ، وفي مثلهما إذا ظهر فيه عيب لا ينبغي الاشكال في عدم جواز ردّ خصوص الجزء المعيب وإبقاء غيره من الأجزاء الصحيحة ، فإنّ الخيار إنما ثبت في ردّ تمام المبيع وإبقائه إذا ظهر فيه عيب أو عوار ، فلا تشمل الأخبار لردّ خصوص الجزء المعيب بل إن ردّ ردّ الجميع وإن أمضى يمضي في تمامه ، ولا يمكنه ردّ البيع في خصوص سرداب الدار إذا ظهر معيباً دون سائر أجزائه ، أو ردّ البيع في نصف الحيوان دون نصفه الآخر إذا ظهر فيه عيب ، فعدم جواز ردّ بعض المبيع في هذه الصورة ممّا لا كلام فيه بل لم يظهر فيه خلاف من أحد .

نعم يظهر ممّا ذكره شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (1)في المقام حيث أبدى المانع عن ردّ بعض المبيع الواحد الحقيقي أو الاعتباري بأنه يستلزم تبّعض الصفقة على البائع أنّ في المسألة خلافاً ، ولكن الظاهر أنّ المسألة اتّفاقية كما أنه لا خلاف في المسألة الآتية .

وأخرى يكون المبيع متعدّداً كما إذا باع نصف الدار أو الحيوان بثمن من أحد بيعاً حقيقياً ثم بدا له في بيع نصفه الثاني فباع نصفه الثاني أيضاً منه بثمن ، ك-ان النصف معيّناً أم كان مشاعاً . وفي هذه الصورة إذا ظهر عيب في أحد النصفين لا ینبغي الاشكال في أنه لا يسري إلى النصف الصحيح ، فلا يصح له إلّا ردّ خصوص النصف المعيب ، وليس للبائع أن يطالبه بردّ النصف الصحيح أيضاً لأنه مبيع آخر ببيع آخر ، وه- ، وهو نظير ما إذا باع كلاً من النصفين من مشترٍ أجنبي عن المشتري الآخر أفهل يحتمل ثبوت الخيار للمشتري للنصف الصحيح من جهة ظهور عيب


1) المكاسب 5 : 310 .

في النصف الآخر الذي اشتراه شخص آخر ، لتعدّد المبيع وعدم سراية العيب في أحدهما إلى الآخر ، وهذا بخلاف الصورة الأولى فإنّ العيب في شيء واحد يسري إلى تمام ذلك الشيء ويقال إنه معيب ، وهاتان المسألتان ممّا لا إشكال فيهما .

وثالثة يكون المبيع أمران لا وحدة بينهما حقيقة ولا اعتباراً بل أحدهما أجنبي عن الآخر وإنمّا جمعهما في إنشاء البيع فباع بالبيع الواحد الكتاب والفرس أو هذا الكتاب وذاك الكتاب ونحوهما ثم ظهر عيب في أحدهما ، فهل يثبت له الخيار في رد كليهما أو في خصوص المعيب ؟ فيه خلاف وإشكال والمحتملات في المسألة ثلاثة :

الأول : أنّ الخيار إنّما يثبت في خصوص المعيب دون المجموع ، لأنّ الخيار إنمّا هو في المعيب وهو أحدهما ولا يسري العيب في أحدهما إلى المجموع ، فلا يصدق أنّ المجموع معيوب بل المعيوب هو أحدهما وهو مغاير للآخر وأجنبي عنه فلا تشمل الأخبار ردّ الآخر ، نعم إذا ردّ المعيب يتبعض صفقته فيثبت له خيار آخر وهو خيار تبعض الصفقة ، وهذا الخيار في طول إعمال الخيار الأول وهو خيار العيب ويردّ الآخر بهذا الخيار .

وتظهر الثمرة فيما إذا أسقط جميع خياراته إلّا خيار العيب فإنه لا يمكن حينئذ من ردّ الآخر الصحيح .

الثاني : أن الخيار يتعلّق بالمجموع لأنه المبيع دون خصوص المعيب ، والخيار يتعلّق بالمبيع الذي وجد فيه عيب ، والمبيع هو المجموع ويستحيل عادةً كون المبيع بتمامه معيباً ، وإنمّا العيب يوجد غالباً في بعض أجزائه كعينه أو أذنه فيقال إنه معيب باعتبار جزئه، وكذلك الحال في المقام فيصدق على المجموع أنه معيب ، فهو مبيع معيب إن ردّ ردّ الجميع وإن أمضي يمضي في الجميع ، وهذا ظاهر وقد ذهب إلي-ه مشهور أصحابنا .

والثالث : عدم الخيار في الصورة المذكورة لا في المعيب ولا في المجموع . أمّا

عدم الخيار في المجموع فلعدم ثبوت العيب في الجميع ، وأمّ--ا ع-دمه في خصوص المعيب فلعدم كونه المبيع ، لأنّ المبيع هو المجموع دون خصوص المعيب والخيار إنما يثبت في المبيع إذا صدق عليه المعيب ، هذه أقوال المسألة .

والأقوى منها هو الوجه الأول ، وذلك لتعدّد المبيع وعدم سراية العيب في أحدهما إلى الآخر لأنّهما أجنبيان وأحدهما مغاير للآخر ، فإذا اشترى حيواناً وكتاباً وظهر عيب في الكتاب فلا يصدق أن المجموع معيب ، إذ لا وحدة بينها في مقام الثبوت ولا في مقام الاثبات ، فإنّ هناك بيعان أحدهما تعلّق بهذا والآخر بذاك وإنما الاجتماع في المبرز والانشاء فقط ، ومن هنا ذكرنا في خيار الحيوان (1)أنه إذا اشترى حيواناً مع شيء آخر يثبت أحكام بيع الحيوان له من الخيار وغيره لأنّ بيعه غير بيع الشيء الآخر ، ولا يمكن أن يقال إنّ الحيوان لم يبع وإنّما بيع المجموع ، ومن هنا لو تعلّق حكم تكليفي أو وضعي ببيع الحيوان أو الفرش فباعه منضمّاً إلى شيء آخر يترتّب عليه لا محالة ، لأنه في الحقيقة باع الحيوان أو الفرش فيعصي بذلك إذا كان بيعه حراماً ، ولا معنى للقول بأنه ما باع الفرش وإنّما باع المجموع.

ومن هنا لم يستشكل أحد فيما نعلم في خيار الشفعة إذا باع أحد الشريكين حصته منضمّة إلى شيء آخر فيقولون حينئذ بثبوت الحق للشريك الآخر مع أنّ شريكه لم يبع النصف بل إنمّا باع مجموع النصف والشيء الآخر ، وليس هذا إلّا من جهة أنّ بيع كل واحد منهما بيع على حدة وإنمّا الوحدة في المبرز والانشاء لا في حقيقة البيع ، فعليه يثبت الخيار في الفرش دون العبد إذا ظهر الفرش مغيباً عند بيعهما بانشاء واحد .


1) لاحظ المجلد الثالث من هذا الكتاب مبحث خيار الحيوان فإنّه لم يذكر الفرع فيه .

وأمّا ما ذكره صاحب الجواهر (قدّس سرّه) (1)من أنّ الخيار إنما يثبت في متعلّق العقد لا في بعضه ، ففيه : إن أراد بذلك أنّ الحيوان الذي وقع متعلّقاً للعقد في بيع الحيوان مع الفرش وظهر معيباً إمّا أن يرد بتمامه أو لا يرد ، ولا يمكنه ردّ العقد في عينه المعيبة أو نصفه دون جميعه ، فكلامه متين ونحن أيضاً نلتزم بذلك ، لأنّ الحيوان متعلّق للعقد فلا يمكن الردّ إلّا فى تمامه ، وإن أراد بذلك أنّ الخيار إنمّا يثبت في كل من الحيوان والفرش إذا ظهر معيباً لا في خصوص الحيوان بدعوى أنه ليس بتمام متعلّق العقد ، فيدفعه ما عرفت من أنّ كل واحد منهما متعلّق للعقد وليس في أدلّة خيار العيب أو الغبن وغيرهما من الخيارات أنه إذا وقع العقد على خصوص المعيب يثبت الخيار كما إذا وقع العقد على خصوص الحيوان دون ما إذا انضمّ إليه بيع شيء آخر لاطلاق قوله « أيّما رجل اشترى شيئاً وبه عيب وعوار » (2)من دون تقييده بما إذا وقع الشراء عليه بانفراده دون صورة انضمام شراء شيء آخر إليه .

ولعلّ الاشتباه نشأ من ملاحظة أن الحيوان أو الفرش ونحوهما إذا ظهر معيباً لا يمكن ردّه إلّا بتمامه دون نصفه أو ثلثه كما أشرنا إليه في الصورة الأولى ، فتخيّل أنّ الحيوان والفرش إذا بيعا معاً وظهر العيب في أحدهما لا يمكن ردّ أحدهما دون الآخر لأنه نصف ما وقع عليه العقد، ومع الغفلة عن أنّا أيضاً نلتزم بعدم جواز ردّ نصف المعيب وقع عليه العقد بانفراده أو مع شيء آخر منضم إليه ، بل إن ردّ ردّ تمام المعيب دون نصفه أو ثلثه ، إلّا أنّا ندّعي أنّ المعيب عند بيع شيئين منضميّن اللذين لا وحدة بينهما حقيقة ولا اعتباراً هو خصوص أحدهما ، فهو المردود بتمامه دون الآخر الصحيح ، لأنه ، لأنه مبيع على حدة وقع عليه بيع مستقل فلا وجه لردّه كما أنّ


1) الجواهر 23 : 248 .

2) الوسائل 18 : 30 / أبواب الخيار ب 16 ح2 .

الآخر مبيع على حدة ، فهناك بيعان نعم أحد البيعين مشروط بالبيع الآخر ومن هنا نقول بخيار تبّعض الصفقة وهو ظاهر ، وقوله ( عليه السلام) « أيّما رجل اشترى شيئاً وبه عيب وعوار » الخ مطلق وقد دلّ بمفهومه على جواز الردّ عند شراء شيء معيب اشتري معه أيضاً شيء صحيح أم لم يشتر معه شيء ، فإطلاق الرواية يقتضي الخيار في خصوص المبيع المعيب دون المبيع الصحيح ، إذ لا وحدة بينهما حقيقة ولا اعتباراً وإنما جمعا في الانشاء والابراز وإلّا فلكل منهما بيع . فالمتحصّل : أنّ المقتضي للرد في خصوص المعيب موجود فلابدّ من التكلّم في أنه هل لذلك المقتضي مانع أو لا.

إعادة فيها توضيح : تقدّم أنه لا إشكال في عدم جواز الفسخ في بعض المبيع فيا إذا كان واحداً شخصياً حقيقياً كالعبد والفرس أو كان واحداً اعتبارياً كالدار والكتاب ونحوهما ، فلا ينفذ فسخ العقد في نصفه مثلاً دون نصفه الآخر ، كان النصف هو المعيب أو الصحيح معيّناً كان أم مشاعاً ، وذلك لا من جهة أنّ نصف الواحد ليس بمبيع لأنه لا إشكال في كونه مبيعاً حقيقة لانحلال العقد والبيع إلى بيوع متعدّدة حسب تعدّد الأجزاء ء ، ومن هنا لو كان للبيع بما أنه بيع أثر شرعي يترتّب عليه كما إذا باع أحد الولدين نصف الفرس المشترك بينهما فنلتزم بصحة البيع في النصف ونرتّب عليه آثار حلّية البيع والتجارة عن تراض ، لعدم اختصاصها بما إذا وقعا على تمام الشيء ، بل إذا وقعا على بعض أجزائه أيضاً يترتّب عليه أثرهما ، وقد أشبعنا الكلام في ذلك في بيع ما يملك وما لا يملك بالفتح وبيع ما يملك وما لا يملك بالضم ، وقلنا هناك إنّ عمومات أدلّة البيع شاملة للبيع فيما يملكه وفيما يتملّك دون الآخر مع أنّه بعض المبيع ، فليس الوجه في عدم ثبوت الخيار في بعض الواحد الحقيق أو الاعتباري عدم كونه مبيعاً .

بل الوجه في ذلك ما أشرنا إليه من أنّ العرف يفهم من مثل قوله (عليه السلام)

«أیما رجل اشترى شيئاً وبه عيب وعوار » الخ أنّ الخيار إنما هو في ردّ تمام المبيع المعيب وفي رفع العقد من تمامه لا في بعض دون بعض ، ولا ينبغي الاشكال في أنّ الواحد الحقيقي أو الاعتباري يصدق عليه المعيب حقيقة باعتبار تعيّب بعض أجزائه ولا عناية في إطلاق المعيب عليه ، وإنمّا يصدق عليه ذلك حقيقة لأنه موجود واحدفلا يصح له الفسخ في نصف المعيب ، وهذا لا يختص بهذا الخيار بل الحال كذلك جميع الخيارات كخيار المجلس والغبن ونحوهما لعين ما عرفت من أن العرف يفهم من دليلهما الخيار في رفع العقد عن تمام ما وقع عليه البيع دون بعض أجزائه بل ذلك في مثل الغبن أظهر ، لأنّ مدركه الشرط الضمني وهو إنما وقع على ردّ تمام ما فيه الغبن لا على بعضه ، فإذا اشترى داراً بألف دينار وظهر أن قيمتها خمسمائة دينار فالغبن في تمام الدار لا في بعضها فلا ينفذ فسخ نصفها ولعلّه ظاهر ، هذا كله فيما إذا ترتب الخيار على عنوان المبيع كما في خيار المجلس ونحوه .

وأمّا الخيارات المتعلّقة بعناوين خاصة كالحيوان والمعيب فنلتزم فيها أيضاً بعدم . صحة الفسخ في بعضهما ، فإمّا أن يردّ الحيوان بتمامه أو يمضيه كذلك إذا اشترى حيواناً ثم أراد فسخه في بعضه ، أو اشترى شيئاً معيوباً فإما أن يردّه بتمامه أو يمضيه كذلك دون بعضه ، وكل ذلك لأجل صدق عنوان المعيب على مجموع الشيء الواحد الحقيقي أو الاعتباري حقيقة ، وفهم العرف أنّ الخيار في تمام المعيب لا في بعضه دون بعضه الآخر ، فهذه المسألة ممّا لا إشكال فيه ، وهذا ظاهر .

كما أنه إذا اشترى نصف شيء ببيع وثمن على حدة واشترى نصفه الآخر ببيع آخر فكان هناك بيعان حقيقيان ، فظهر أحدهما معيباً دون الآخر ، فلا إشكال حينئذ في عدم جواز فسخ البيع الآخر الواقع على النصف الصحيح لأنه مبيع ببيع على حدة مستقلاً ، وهو نظير ما إذا باع كل نصف منهما من شخص فلا يحتمل ثبوت الخيار فيما اشتراه المشتري الآخر من جهة ظهور العيب فيما اشتراه المشتري الأول .

وإنما الخلاف والكلام فيما إذا كان المبيع متعدّداً وقد باعهما ببيع واحد كما إذا

باع الفرس والكتاب صفقة وظهر عيب في أحدهما ، وقد عرفت أنّ الحق فيه ثبوت الخيار في المبيع المعيب دون المبيع الصحيح ، لما مرّ من أنّ الخيار إنما يثبت في المعيب ولا ينبغي الاشكال في عدم صدق المعيب على المجموع حقيقة لا عقلاً ولا عرفاً إلّا على نحو المجاز ، فإنه لا معنى لاطلاق المعيب على كل ما في الدار باعتبار أنّ فيها كأساً معيباً ، فلا يصح أن يقال كل ما في داري . معيب لأجل كون بعضها كذلك ، فإذا لم يصدق المعيب على المجموع فبأيّ وجه يتعلّق الخيار بالمجموع ، وقد عرفت أنّ مقتضى قوله (عليه السلام) « أيّما رجل اشترى شيئاً وبه عيب وعوار » الخ أنّ الخيار إنما يثبت في المعيب وإطلاقه يشمل ما إذا كان المعيب متعلّقاً للبيع بانفراده وما إذا كان متعلقاً له منضمّاً إلى بيع شيء آخر معه.

وأمّا ما أفاده صاحب الجواهر (قدّس سرّه) من أن الخيار يثبت في تمام متعلّق العقد لا في بعضه كما حكاه شيخنا الأنصاري فقد عرفت أنّه إنما يكون كذلك فيما إذا وقع العقد على خصوص المعيب . وبعبارة أخرى الخيار يثبت في تمام المعيب لا في تمام متعلّق العقد ولو كان أمراً أجنبياً وممّا لا يصدق عليه المعيب كما تقدّم ، فالاحتمال الثاني ساقط ، كما أنّ الاحتمال الثالث وهو عدم ثبوت الخيار في المسألة لا في المعيب لأنه ليس بمبيع ، ولا في الجميع لأنّه ليس بمعيب كما احتمله بعضهم ، ممّا لا وجه له لاطلاق قوله (عليه السلام) « أيمّا رجل اشترى شيئاً » الخ فإنه أثبت الخيار في المعيب اشتري معه شيء آخر أم لم يشتر معه شيء كذلك ، فالأقوى هو الوجه الأول وإن كان على خلاف المشهور .

فإلى هنا تحصّل أنّ الأدلّة تقتضي ثبوت الخيار في خصوص المعيب دونالصحيح .

وأمّا ما أفاده شيخنا الأنصاري (قدس سره) من أنه إذا ردّ نصف متعلّق العقد

مثلاً لا تمامه فإما أن يردّ البيع في النصف المشاع وإمّا أن يردّه في النصف المعيّن ، فإن ردّ البيع في النصف المشاع فقد ردّ النصف إلى مالكه ناقصاً لأجل حدوث الشركة وهي نقص لعدم استقلال المالك في ماله حينئذ ، مع أنه قد أخذه من بائعه بلا هذه النقيصة وقد دفعه إليه مع تلك النقيصة ، وكيف لا فلو كانت الشركة موجودة في المال قبل وقوع العقد عليه لكانت بنفسها سبباً مستقلاً في ثبوت الخيار للمشتري ، فلا إشكال في أنّ الشركة عيب ونقص مع أنه لابدّ في الردّ من ردّ المال كما أخذه لا ناقصاً .

وإمّا إذا ردّ البيع في النصف المعيّن فاشكال نقص الشركة وإن كان يرتفع حينئذ إلّا أنه يوجب توجّه الضرر على البائع لتبعّض الصفقة . ودعوى أنّ ضرر البائع مجبور بجعل الخيار له في إرجاع النصف الباقي ، مندفعة بأن جعل الخيار للبائع في إرجاع النصف الباقي يوجب الضرر على المشتري لا مكان أن يتعلّق غرضه با مساك النصف الصحيح .

ثم أيّد كون الشركة نقصاً وعيباً تمنع عن الردّ بأنّ الرواية نصّت على أنّ صبغ الثوب وخياطته يمنعان عن الردّ ، وليس ذلك إلّا من جهة أنه إذا ردّه حينئذ يوجب ذلك الشركة في الثوب بنسبة الصبغ أو الخياطة مع المالك ، ولأجل أن لا يتوجّه نقص الشركة منع (عليه السلام) عن الردّ بهما ، وبأنّ مانعية الشركة عن الردّ أولى من مانعية نسيان الدابة الطحن عن الردّ ، لأنه ليس بعيب ونقص ولذا لو كان نسيان الدابة قبل وقوع البيع لما كان يوجب الخيار للمشتري ، لأنّ النسيان ليس من العيوب بخلاف الشركة لأنّها لو كانت قبل المعاملة لأوجب الخيار كما مرّ فهي أولى بالمانعية عن الردّ .

ثم قال (قدّس سرّه) في أواخر كلامه (1): إنّ إثبات جواز ردّ خصوص المعيب وإمساك الجزء الآخر الصحيح يوجب سلطنة للمشتري في إمساك الجزء الصحيح ثم سلب سلطنته عنه بجعل الخيار للبائع حتى لا يتضرّر ، وهذا ليس بأولى من منع سلطنة المشتري على ردّ خصوص المعيب وإمساك الجزء الصحيح من الابتداء بل الثاني أولى من الأول ، وعلى تقدير التساوي فيرجع إلى أصالة اللزوم ، هذا م--ا أفاده (قدّس سرّه) في المقام .

وللمناقشة فيما أفاده مجال ، وتوضيح الجواب عمّا أفاده (قدّس سرّه) أن يقال بعد ما عرفت من شمول أدلّة الخيار لخصوص الجزء المعيب وعدم القصور في المقتضي ، لابدّ من التعرّض لما يمكن أن يكون مانعاً عن تأثير المقتضي في المقام وهو أمور :

منها : أنّ الأخبار قد دلّت على اعتبار بقاء المأخوذ بعينه حال الرد بأن يكون المردود عين المأخوذ ، وفي المقام إذا ردّ المشتري خصوص الجزء المعيب وأبقى الجزء الصحيح عنده فلم يردّ المأخوذ كما أخذه فإنه إنما أخذهما على نحو الاجتماع ويرده على نحو الانفراد وهذا يمنع عن ردّ خصوص المعيب ، هذا .

والجواب عن ذلك : أنّ التبعّض والاشتراك إنمّا يعرضان بنفس الفسخ والردّ في البعض لا قبله ، وظواهر الأخبار هو اعتبار أن يكون متعلّق الردّ عين ما تعلّق به الأخذ ، وهو كذلك في المقام فإنّ العين باقية بحالها وإنّما يعرضها ع--ي-ب الش-رك-ة والتبعّض في مرتبة متأخّرة عن الفسخ في البعض لا في مرتبة سابقة عليه ، ومثله لا يمنع عن الردّ ، ومن هنا لو فرضنا أنّ العين بحيث لو ردت إلى مالكها لمرضت أو تلفت لا يكون ذلك مانعاً عن الردّ ، والوجه في ذلك أن متعلّق الردّ عين متعلّق


1) المكاسب 5 : 311 - 312 .

الأخذ وما يعرضه من النقص في مرتبة متأخّرة عن الفسخ لا يكون مانعاً عن الردّ فما أفاده (قدّس سرّه) في أوائل كلامه من أنّ ردّ الجزء المشاع يوجب الشركة وهي عيب ونقص تمنع عن الردّ لا يثبت مرامه ، لأنّ الشركة تحصل بنفس الردّ لا قبله .

ومنها : أنّ التبعيض في الردّ وإمساك الجزء الصحيح يوجب الضرر على البائع وحديث نفي الضرر يدفعه ويمنع عن التبعيض في الردّ .

وحلّ هذا الإشكال يتوقّف على تحليل مورد الضرر فنقول : إن أريد بذلك أنّ في ردّ الجزء المعيب ضرراً على البائع لأنّ قيمته أنقص عمّا لا عيب فيه فهو وإن كان صحيحاً إلّا أنه لا يختص بالمقام بل الأمر كذلك في ردّ جميع المعيبات وهو من جهة دلالة الأخبار على الخيار في ردّ المعيب ولو كان ذلك على ضرر البائع ، ومن المفروض شمول أدلّة الخيار للمقام وعدم قصورها عنه وحديث لا ضرر لا يتقدّم عليها (لأنّها واردة في مورد الضرر فتتقدّم عليه) هذا بعد تسليم شمول حديث لا ضرر للمقام .

وإن أريد من الضرر الوارد على البائع الضرر المتوجّه عليه من جهة إمساك الجزء الصحيح وأنّ ردّه المعيب لا ضرر فيه أو لا أثر للضرر الناشئ من جهته وإنمّا المانع هو الضرر المتوجّه عليه من ناحية إمساك الجزء الصحيح ، ففيه : أنه لو فرضنا شمول الحديث للضرر الناشئ من إمساك الجزء الصحيح فغاية ما يلزم منه هو رفع ما فيه الضرر وهو إمساك الجزء الصحيح ، فبه يثبت السلطنة للبائع في استرداد الجزء الصحيح حتى لا يتوجّه عليه الضرر ، وهذا لا ربط له برفع جواز الردّ في خصوص الجزء المعيب ، لأنّ المفروض أنه خارج عن مورد الضرر وإنما م-ورده إمساك الجزء الصحيح ، وبذلك لا يمكن رفع الخيار في ردّ الجزء المعيب ، هذا .

ثم إنه لو عورض الضرر المتوجّه إلى البائع من إمساك الجزء الصحيح بالضرر المتوجّه إلى المشتري في ردّ الجزء الصحيح أيضاً ، لأنّ غرضه قد يتعلّق

بامساك المبيع الصحيح فلا محالة يتعارض الضرران فلا يشمل الدليل واحداً منهما فترجع إلى عمومات اللزوم في الجزء الصحيح ، وهذا لا ربط له بالخيار في الجزء المعيب لأنه خارج عن مورد الضرر حسب الفرض فلا يشمله أحك-ام تعارض الضرر بالضرر المتوجّه إلى المشتري ، فما أفاده قدّس سرّه) في أواسط كلامه من أنّ إمساك الجزء الصحيح ضرري على البائع ولا يمكن جبره بخيار البائع لأنه ضرري على المشتري ، لا ربط له برفع الخيار في ردّ الجزء المعيب .

ومنها : ما لم يتعرّض إليه في كلامه وهو أن يقال : إنّ البائع قد اشترط شرطاً ضمنياً على المشترى أن يردّه كلا الجزأين أو يمسكهما معاً ، فلو ردّ بعضه دون بعضه الآخر فيثبت للبائع خيار تخلّف الشرط ويتمكّن من استرداد الجزء الصحيح أيضاً وهذا إن لم يتم في بعض الموارد فهو تام في مثل بيع مصراعي الباب وغيرهما م-ن أفراد المبيع المنضمّة إلى فرد آخر ، فإنّ البائع لا يرضى بردّ إحدى المصراعين دون الأخرى ، وهذا أمر صحيح ولكنّا نلتزم بمقتضاه ، ومن هنا نثبت للبائع خيار تبّعض الصفقة وأنّ المشتري له الخيار في ردّ خصوص المعيب ويترتّب على إعماله الخيار خيار آخر للبائع في استرداد الجزء الصحيح حتى لا يتّبعض عليه الصفقة ، كما يثبت للمشتري أيضاً هذا الخيار أعني خيار تبّعض الصفقة.

ومن هنا يظهر أنّ إثبات السلطنة للمشتري في ردّ المعيب وإمساك الجزء الصحيح ثم بعد إعماله الخيار يثبت سلطنة أخرى للبائع هو الذي تقتضيه القاعدة ومعها لا وجه لدعوى أولوية عدم ثبوت السلطنة للمشتري في إمساك الجزء الصحيح كما وقع في كلامه (قدّس سرّه) لأنه مخالف للقاعدة وهي مقتضى إثبات السلطنة للمشترى أوّلاً ثم إذا أعملها المشتري تثبت سلطنته للبائع في استرداد الجزء الصحيح دون نفي سلطنة المشتري من الابتداء ، هذا .

ثم إنّهما لو تساويا وتساقطا فالمرجع هو أخبار الخيار دون عمومات اللزوم

لانّا فرضنا أخبار الخيار تامّة وغير قاصرة عن الشمول للمقام ، إذ لو كانت قاصرة ولم يكن مقتض للخيار في المقام لما أمكننا إثبات الخيار بالأولوية المذكورة في كلامه ، لأنها من الأمور الاستحسانية الخارجة عن طريقتنا وهي أشبه بفقه العامّة .

ثم إنّ ما أيّد به كلامه من مرسلة جميل حيث مثّل بصبغ الثوب وخياطته بتقريب أنّهما إنما منعا عن الردّ من جهة حصول الشركة عن الردّ من جهة حصول الشركة مع المالك بنسبة الصبغ والخياطة ، ففيه أوّلاً : أنّ المعتمد عندنا ليس هو المرسلة بل المدرك رواية زرارة .

وثانياً : أنّها إنّما دلّت على مانعية الشركة عند الردّ كما إذا ردّ نصف المعيب المتعلّق للعقد ، ونحن أيضاً نلتزم بأنّ الشركة في المال عيب وهو مانع عن الردّ ، ومن هنا قلنا يثبت للبائع الخيار حينئذ وأنه لا يصح ردّ بعض المبيع الواحد ، إلّا أنه خارج عن محل الكلام، ومحل البحث إنّما هو حصول تبّعض الصفقة عند ردّ المعيب دون الصحيح لا الشركة ، إذ المفروض أنّ متعلّق العقد أمران أحدهما منحاز عن الآخر ، وردّ المعيب دون الصحيح لا يوجب الشركة وإنما يوجب تبّعض الصفقة والرواية لم تدل على مانعية تبعض الصفقة وإنما دلّت على مانعية الشركة .

وثالثاً : أنّا نمنع عن كون الوجه في مانعية الصبغ والخياطة ه-و ح-صول الشركة ، وإنما الوجه فيه ما عرفت من أنهما يوجبان النقص في المال ، لأنّ خياطة الثوب تقلّل رغبة المشترين لعدم تساوي الناس في طول أبدانهم وعرضها ، ولعلّ المخيط أطول من قامة المشتري أو أعرض منها .

فإلى هنا تحصّل أنّ المقتضي لردّ خصوص الجزء المع-ي-ب ت-ام والمانع عنه مفقود ، هذا كلّه فيما إذا اتّحد البائع والمشتري وتعدّد المبيع .

وأمّا الصورة الثالثة التي عبّر عنها شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) بالصورة الثانية مع أنها بحسب تقسيمه ثالثة الصور ولعلّ النسخة مغلوطة : فهي ما إذا اتحد البائع والمبيع وتعدّد المشتري كما إذا باع ماله من شخصين فهل يتمكّن أحدهما من

الفسخ في نصفه فيما إذا لم يفسخ الآخر في النصف الآخر أو لا ؟

فربما يقال كما عن جماعة ومنهم شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (1)بعدم تمكّن أحد المشتريين من الفسخ في النصف فيما إذا لم يفسخ الآخر بدعوى أنه يوجب تبّعض الصفقة على البائع وهو نقص يمنع عن الردّ كما سيأتي تفصيله إن شاء الله تعالى .

وأخرى يقال بتمكّن أحدهما من الفسخ مطلقاً سواء علم البائع بتعدّد المشتري أم لم يعلم به .

وثالثة يفصّل بين صورة علم البائع بتعدّد المشتري فيجوز لأحدهما الفسخ وإن لم يفسخ الآخر ، وصورة جهل البائع بتعدّده فلا يجوز كما هو محتمل كلام الشيخ (قدّس سرّه)، هذه أقوال المسألة.

وتفصيل الكلام في المقام أن يقال : إنّ البائع إذا باع ماله من المشتریین ببیعین . مستقلّين كما إذا باع نصفه من أحدهما وقال بعتك هذا النصف أو نصفه ، وباع النصف الآخر من الآخر فكان هناك بيعان مستقلّان غاية الأمر أنهما متقارنان بحسب الزمان ، ففي هذه الصورة لا إشكال في أنّ أحد المشتريين يتمكّن من الفسخ فيما اشتراه وهو النصف فيا إذا ظهر فيه عيب وإن لم يفسخ الآخر ، لأنه اشتراه ببيع مستقل ولا ربط له بالبيع الآخر بوجه فيشمله عمومات الخيار ومفهوم قوله « أيّما رجل اشترى شيئاً وبه عيب وعوار»الخ (2)لأنه شيء وب-ه ع-ي-ب وقد اشتراه فالظاهر عدم الخلاف في تمكّن كل منهما من الفسخ لشمول الأخبار وعدم لزوم تبّعض الصفقة ونحوه ، لأنّ الفرض أنه يردّ تمام المبيع ، ومبيعه بالبيع الاستقلالي هو


1) المكاسب 5 : 312 .

2) الوسائل 18 : 30 / أبواب الخيار ب 16 ح 2 .

النصف حتى أنّ شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) لا يقول بعدم جواز فسخ أحدهما في هذه الصورة ولعلّه ظاهر ، وهذا من دون فرق بين صورة تعدّد الإيجاب والقبول واتّحادهما ، أو تعدّد الايجاب واتّحد القبول ، أو تعدّد القبول واتّحد الايجاب ، لأنّ المفروض أنّ البيع بحسب الواقع متعدّد فلا يختلف حكمه باختلاف المبرزات .

وأمّا إذا باع البائع لكل منهما النصف في بيع واحد بأن قال بعتكما هذه الدار أو بعت هذه الدار منكما بأن يكون البيع واحداً ، فهذه الصورة هي محل الخلاف في تمكّن كل منهما من الفسخ فيما إذا لم يفسخ الآخر ، ولكن الصحيح أنّ القول بثبوت الخيار لكل منهما في هذه الصورة أظهر من القول به في المسألة الأولى المتقدّمة حتى أنّا لو قلنا في المسألة السابقة بعدم جواز ردّ خصوص المعيب دون الصحيح نلتزم في المقام بتعدّد الخيار وأنّ لكل من المشتريين الفسخ في النصف وإن لم يفسخ الآخر والوجه في ذلك أنّ البيع وإن كان واحداً في مقام الانشاء والاثبات إلّا أنّه متعدّد في الواقع لانحلاله بتعدد المشتري حقيقة ، فهو قد باع نصف ماله من هذا حقيقة ونصفه الآخر من الآخر كذلك وإن كان بحسب الانشاء واحداً ، ويصدق على كل منها أنه اشترى شيئاً وبه عيب وعوار ، لأن كلاً منها اشترى النصف حقيقة فيشمله قوله« أيّما رجل اشترى شيئاً وبه عيب » الخ فإنّ نصف المعيب معيب أيضاً ولم يقيّد (عليه السلام) شراء المعيب بما إذا لم ينضمّ إلى شراء شيء آخر فلا قصور من ناحية الأخبار والمقتضي .

بل الظاهر أنه لا خلاف بين الفقهاء في تبّعض سائر الخيارات غير خيار الحيوان بتعدّد المشتري ، مثلاً إذا كان المشتري متعدّداً وكانا في المجلس ففسخ أحدهما دون الآخر يكون فسخه في النصف نافذاً ، لأنّ خيار المجلس يتبعّض بتعدّد المشتري إذ يصدق على كل منهما « البيّعان ». وكذا الحال في خيار الغبن لأنّ أحد المشتريين يتمكّن من الفسخ في حصّته عند ظهور الغبن ، لأنه اشترط على

البائع عدم زيادة ثمنه عن القيمة السوقية شرطاً ضمنياً ارتكازياً .

وكيف كان ، فلا ينبغي الاشكال كما لم ينقل خلاف من أحد في تبّعض الخيارات بتعدّد المشترين لأنّ « البيّع » يصدق عليها ، كما أنّ الغبن في المال يصدق على نصفه أيضاً .

نعم لا يتبّعض خيار الحيوان بتعدّد المشتري فيما إذا اشترى إثنان حيواناً فأراد أحدهما الفسخ في نصفه ، وذلك لأنّ نصف الحيوان ليس بحيوان ، والخيار إنمّا ثبت لصاحب الحيوان وصاحب النصف ليس بصاحب الحيوان وهذا ظاهر ، فإذن لا يمكن المناقشة في تبّعض خيار العيب أيضاً بتعدد المشتري ، لأن نصف المعيب أيضاً معيب ويصدق على كل منهما أنه اشترى شيئاً وبه عيب وعوار الخ ، فلا قصور في شمول الأخبار والمقتضي للمقام .

وأمّا ما أبداه شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) من الموانع فمنها : أنّ مثل قوله (عليه السلام) « أيّما رجل اشترى شيئاً وبه عيب » منصرف عمّن اشترى النصف ، فلا تشمل الأخبار المقام لانصرافها إلى ما إذا اشترى تمام الشيء وقال : إنّ وج-ه الانصراف يظهر بالتأمّل .

ونحن بعد ما تأمّلنا لم يظهر لنا الوجه في الانصراف ولا نرى مانعاً من شمول إطلاق « أيّما رجل اشترى » لمشتري النصف ، كيف وقد عرفت أنه لم يختلف اثنان فيما نعلم من الأصحاب في تبعض الخيارات بتعدّد المشتري ولم يدّعو الانصراف فهذا الوجه ساقط .

ومنها : أنّ ردّ أحدهما دون الآخر يوجب تبّعض الصفقة على البائع وهو نقص وعيب يمنع عن الردّ .

ويرد عليه : ما أوردناه سابقاً من أنّ النقص إنّما يمنع الردّ فيها إذا كان في مرتبة سابقة على الفسخ ، وأمّا النقص اللاحق له فلا دليل على أنه مانع عن الردّ

والنقص في المقام إنمّا يحصل بنفس الفسخ لا قبله ، هذا أوّلاً .

وثانياً : لو سلّمنا أنّ مطلق النقص حتى النقص اللاحق للفسخ بحسب المرتبة مانع عن الردّ ، فهو إنما يفيد في المسألة المتقدّمة لوحدة المبيع فيها ، وأمّا في المقام فلا ، لأنّ المأخوذ لكل منهما هو النصف والفرض أنه يردّ تمام ما أخذه فالمردود عين المأخوذ لأنه لم يأخذ الجميع حتى يردّ عليه النقص عند ردّ نصفه .

ومنها : أنّ إبقاء النصف الآخر وردّ أحد النصفين ضرر على البائع .

ويدفعه : ما تقدّم في المسألة المتقدّمة من أنّ ردّ خصوص المعيب وهو النصف لا يكون ضرراً ما نعاً عن الردّ لمكان أدلّة الخيارات ، وأمّا الضرر في إمساك النصف الآخر فهو وإن تم يوجب الخيار للبائع في استرداده لو لم يعارض بضرر المشتري في تعلّق غرضه بامساك النصف الآخر وإلّا يتساقطان ولا ربط له بالخيار في النصف المعيب كما تقدّم ، فما أفاده شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) من الموانع لا يرجع إلى محصّل .

نعم يمكن أن يقال بثبوت الخيار للبائع من جهة تخلّف الشرط ، لأنه إنما باع هذا النصف من هذا المشتري بشرط كون النصف الآخر مبيعاً من الآخر ، فإذا تخلّف هذا الشرط ولم يشتره المشتري أو فسخه في النصف فيثبت له الخيار في استرداد النصف الآخر فيما إذا أعمل أحدهما خياره في فسخ النصف ، وقد عرفت أنّ هذا لا يختص بخيار العيب بل الأمر كذلك في جميع الخيارات شرطاً كان أو مجلساً أو غبناً إلّا في خيار الحيوان .

ثم إنّ المقام لا يقاس بإرث الخيار فيما إذا كان الوارث متعدّداً فإنّ الخيار الثابت للمورّث لما كان خياراً واحداً ثابتاً في تمام المبيع ، لأنّ الفرض أنه كان وحده مشترياً تمام المبيع ، فلا محالة يكون الموروث هو هذا الخيار الواحد الثابت في ردّ تمام المبيع ، وهذا ينتقل إلى الورثة فلا يتمكّن كل منهما من الفسخ في حصته إلّا فيما إذا

فسخ الآخر في حصته ، لعدم ثبوت الخيار لكل منهما بل الخيار للجميع في جميع المال لا في بعضه لبعضه ، وهذا بخلاف المقام لأنّ المفروض أنّهما مشتريان متعدّدان ويصدق على كل منهما أنه اشترى شيئاً وبه عيب وعوار الخ ، فلا محالة يثبت الخيار لكل منهما فيها اشتراه ، كما لا يفرّق فيما ذكرناه بين صورة علم البائع بتعدد المشتري وجهله . نعم ثبوت خيار تخلّف الشرط في صورة الجهل أظهر من ثبوته في صورة العلم لأنه إنمّا باع كلاً من النصفين من المشتري بشرط النصف الآخر ولا يعلم بتعددهما وشراء كل منهما نصفه ، هذا كلّه في هذه الصورة .

وأمّا الصورة الثالثة وهي صورة تعدّد البائع ووحدة المشتري كما إذا باع شريكان مالهما من شخص واحد فثبوت الخيار في ردّ كل نصف إلى مالكه بلا ردّ النصف الآخر أظهر من ثبوته في الصورتين المتقدّمتين ، لأنه بيعان حقيقة ولا يأتي فيه مسألة الضرر وتبّعض الصفقة على البائع ، لأنه يردّ إليه تمام ما انتقل عنه وهو النصف . نعم لو اشترطا أن يبيع نصف هذا المال مشروطاً ببيع الآخر نصفه يثبت لهما خیار تخلّف الشرط عند ردّ أحد النصفين إلى مالكه ، هذا .

ففي

ثم إنه ربما تجتمع صورتان أو أكثر من الصور المتقدّمة في مورد فيكون البائع متعدّداً والمشتري أيضاً متعدّداً كما إذا باع شريكان مالهما من أخوين أو شريكين ففي هذه الصورة يشتري كل من المشتريين ربع المال من هذا المالك وربعه من الآخر وكذلك المشتري الآخر ، فهل له ردّ أحد الربعين دون الآخر أو لا ؟ يأتي فيه ما قدمناه في الصور المتقدّمة وقلنا بثبوت الخيار في ردّ البعض في تمام الصور وبالجملة يلحق حكم كل واحد من تعدّد البائع والمشتري حكمه ، هذا تمام الكلام في مسقطات الردّ ويقع الكلام بعد ذلك في مسقطات الأرش دون الردّ إن شاء الله تعالى .

موارد سقوط الأرش دون الردّ

منها : ما إذا كان العوضان أي الثمن والمثمن متجانسين ربويين أي من قبيل المكيل والموزون ثم ظهر عيب في أحدهما ونفرضه في الثمن ، فإنه لا يتمكّن من مطالبة الأرش لاستلزامه الربا وهو الزيادة في أحد العوضين المتجانسين ، نعم له ردّ المعاملة وهو وهو ظاهر . . وقد نقل العلّامة (قدّس سرّه) (1)عن بعض الشافعية أنه لا مانع من مطالبة الأرش حينئذ من جهة أنّ اللازم هو المماثلة في المقدار في العوضين المتجانسين في العقد وهي متحققة في المقام ، والأرش غرامة شرعية تثبت خارجاً لا ربط لها بالعقد ثم استجوده وقال إنه الأقرب .

وتفصيل الكلام في المقام : أنّ استلزام الأرش للربا إنم-ا ه-و ب-احدى دعويين : الدعوى الأولى : أنّ وصف الصحة في المبيع ممّا يقع في مقابله المال ، لبداهة أنّ المعيب لا يسوى بما يسوى به الصحيح ، فأخذ الأرش عند ظهور العيب في المبيع على القاعدة لعدم وصول مقابل تمام الثمن إليه ، فله أنّ يطالبه بنسبة الصحيح إلى المعيب من الثمن لما عرفت من اختلاف قيمتي المبيع صحيحاً ومعيباً ، وهذا أمر وجداني على القاعدة حتى أنّنا كنّا نلتزم بالأرش لو لم يرد فيه رواية أيضاً ، لأنه على القاعدة ، إلّا أنّ ذلك في غير العوضين الربويين ، وأما فيهما فقد منع الشارع من أخذ مقابل الصحة وحكم بتساوي المعيب والصحيح فيها واعتبر المماثلة بينهما في المقدار كيلاً أو وزناً ، كان أحدهما معيباً أم لم يكن ، فإذا باع خمسة مثاقيل فضّة معيبة بخمسة مثاقيل فضّة صحيحة ليس له أخذ ما يقابل وصف الصحة أبداً لأنه يوجب الزيادة في أحدهما وهي رباً حرام ، وعليه ففي المقام إذا طالب البائع بم--ا يقابل وصف الصحة أي الأرش فيكون هذا موجباً للزيادة في أحد العوضين


1) التذكرة 11 : 131 - 132 .

الربويين وهي محرّمة ورباً ومخالف لمنع الشارع عنه .

والدعوى الثانية : أن يقال بعد تسليم أنّ وصف الصحة لا يقابل بالمال ، أنّ ادلّة حرمة الربا عامّة تشمل كل زيادة حصلت في أحد العوضين ، كانت الزيادة زيادة في أحدهما حين العقد أم كانت تابعة لأحدهما ومن لوازمه وإن لم تكن كذلك حین العقد ، فتشمل الغرامة الأرشية أيضاً لأنها زيادة وإن سلّمنا عدم كونها من أجزاء أحد العوضين ، وبالجملة لا يجوز أن يكون أحد العوضين الربويين زائداً عن الآخر بوجه ، فإذا طالبه في المقام بالأرش فيستلزم ذلك كون أحد العوضين زائداً على الآخر ، هذا .

وفي كلتا الدعويين ما لا يخفى ، أمّا الدعوى الأولى : فلما ذكرناه غير مرّة من أنّ وصف الصحة لا يقابل بالمال ، لأنه كغيره من الأوصاف والأعراض لا يقابل بالمال أبداً ، وممّا يدلّ على ذلك : أنّ الفقهاء تسالموا على أنّ البائع مثلاً إنما تشتغل ذمّته بالأرش بمطالبة المشتري إيّاه وأمّا قبلها فلا ، فلو مات قبل مطالبة المشتري لم يحسب الأرش من ديونه ولا يخرج من تركته ، فلو كانت الصحة مقابلة بالمال لكان البائع غير مالك لما يقابلها من الثمن من الابتداء وتكون ذمّته مشغولة بالأرش قبل مطالبة البائع إيّاه ، فهذا يكشف عن أن الصحة لا يقابل بالمال .

على أنّ لازم ذلك أن لا ينتقل إلى البائع تمام الثمن لأنّ ما يقابل منه الصحة مال للمشتري فلا يجوز له التصرف فيه ، فلو ردّه لوجب أن يردّه أي الأرش من عين الثمن مع أنّ التصرف فيه للبائع سائغ ولا يجب عليه ردّ الأرش من عين الثمن بل له ردّه من غيره من أمواله .

وكيف كان ، فلا يقع بازاء وصف الصحة مال فإذا ظهر عيب في المبيع ليس للمشتري أن يطالب البائع بما يقابل الصحة من الثمن لأنه بتمامه وقع في مقابل الذات والذات وصلت إليه ، نعم له الخيار في ردّ المعاملة لأجل الشرط الضمني ولالتزام

البائع بوصف الصحة ، وأمّا مطالبة الأرش ،فلا ، فمن هنا يكون الأرش على خلاف القاعدة ولو لم يرد به الأخبار لما كنّا نلتزم به بوجه ، وعليه ففي المقام إذا طالب المشتري البائع بالأرش فلا يستلزم ذلك زيادة في أحد العوضين بل هما متساويان والأرش غرامة خارجية قد أثبتها الشارع فلا ربا في المقام .

وأمّا الدعوى الثانية ففيها : أنّ إثباتها يحتاج إلى دليل ولا دليل على أنّ مطلق الزيادة في الربويين ربا ولو لم تكن ثابتة في أحد العوضين ب-ل ك-ان-ت م-ن توابعه ، وإنّما الدليل دلّ على أن زيادة أحد العوضين زيادة معاملية محرّمة لكونها رباً لا مطلق الزيادة ولو لم تكن معاملية كما إذا باع عشرة مثاقيل ذهباً من الحلي المصوغ بعشرة مثاقيل ذهباً غير مصوغ فكانا متساويين في المقدار وبعد ما تمّت المعاملة وصار كل منهما ملكاً للآخر كسر البائع ذلك الحلي المصوغ وأزال عنه الصياغة بعد ما دخل في ملك المشتري ، فإنه في هذه الصورة ضامن لما أتلفه وكسره بلا إشكال لاتلافه مال الغير ، ولا يمكن حينئذ أن يقال بعدم ضمان البائع المتلف من جهة أنه يستلزم الزيادة في أحد العوضين وهي محرّمة ورباً ، إذ المحرّم إنمّا هي الزيادة المعاملية لا مطلقها ولو كانت تابعة لأحدهما وذلك ظاهر ، وعليه فلا مانع من مطالبة الأرش في المقام لأنه غرامة خارجية وليس من أجزاء الثمن ، وزيادتها لا توجب الحرام لأنّ الربا هو الزيادة المعاملية بأن يبادل أحدهما بما هو أكثر منه لا مطلق الزيادة كما عرفت .

وأمّا ما نقله شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (1)عن بعضهم من التفصيل بين كون الزيادة من جنس العوضين فلا يجوز وبين كونها من جنس آخر فيجوز فهو من غرائب الكلام ، لأنّ الزيادة إن كانت معاملية فهي رباً مطلقاً كانت من جنس


1) المكاسب 5 : 317 .

العوضين أو خارجة من جنسهما ، بل حتى لو كانت زيادة حكمية كالشرط ونحوه وإن لم تكن معاملية وكانت خارجية وتابعة لأحدهما فلا تكون رباً كانت من جنسهما أم لم تكن ، فالصحيح ما عرفت ، هذا .

ثم إنه ربما يورد على شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) بأنّا على تقدير تسليم إحدى الدعويين المتقدّمتين إذا قلنا بشمول حرمة الربا للمقام فمجرد هذا لا يكفي في الحكم بعدم ثبوت الأرش في المقام كما صنعه هو (قدس سره) بل لابد من بيان تقديم دليل حرمة الربا على دليل جواز المطالبة بالأرش ، والوجه في عدم كفاية كون الربا شاملاً للمقام هو أن دليل حرمة الربا ودليل جواز المطالبة بالأرش متعارضان والنسبة بينهما عموم من وجه ، لأنّ ما دلّ على الحرمة في الربا أعم من الزيادة المعاملية والزيادة الخارجية كالغرامة ، كما أن ما دلّ على جواز أخذ الأرش أعم من أن يكون المعيب ربوياً أو غير ربوي فيتعارضان في المعيب الربوي بالعموم من وجه ، وحيث إنّ التعارض بالاطلاق فيسقطان فلا يبقى لنا دليل لا على جواز المطالبة بالأرش ولا على حرمة الربا ، وهذا وإن كان في النتيجة مساوياً لما أفاده شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) من الاكتفاء بشمول أدلّة الربا للمقام فإنّ النتيجة واحدة في كليهما وهي عدم صحة المطالبة بالأرش ، إلّا أنّ صحة المطالبة بالأرش ، إلّا أنّ عدمه على ما ذكرنا من جهة عدم الدليل على صحته كما لم يدل دليل على حرمته ، وأمّا بناء على ما أفاده هو (قدّس سرّه) يكون المطالبة به محرّمة لأنه ربا ، وكيف كان فلا يمكن الاكتفاء بمجرد شمول الربا للمقام ، إذ يمكن أن يقال حينئذ لماذا قدّمتم دليل الربا على دليل الأرش مع أنهما متعارضان بالعموم من وجه ، هذا .

ولكن الصحيح هو ما أفاده شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) من تقديم دلي--ل حرمة الربا على دليل جواز الأرش بلا ملاحظة التعارض والحكم بالتساقط

والوجه في ذلك أنّ حرمة الربا ثابتة بالكتاب لقوله تعالى : (وَحَرَّمَ الرِّبَا) (1)وجواز الأرش ثابت بالسنّة ، وقد قدّمنا في محلّه (2)أنّ الخبر المعارض للكتاب ولو بنحو العموم من وجه ساقط عن الحجيّة وباطل وزخرف حتى فيا إذا لم يكن معارضاً لسنة أخرى ولأجل ذلك يتقدّم حرمة الربا في المقام على دليل أخذ الأرش مع كون النسبة بينهما عموماً من وجه كما سلكه شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) .

وأمّا ما أفاده السيّد (قدّس سرّه) في حاشيته (3)في تعداد موارد سقوط الأرش دون الردّ من أنّ من تلك الموارد ما إذا كان العوضان من النقدين كما إذا باع كذا مقداراً من النقد بمقدار مساوٍ معه من النقد الآخر وبعد ما تقابضا وتفرّقا وج-د أحدهما فيما انتقل إليه عيباً ، فإنه لا يتمكّن من أخذ الأرش حينئذ لتمامية المعاملة ولزوم كون التقابض في المجلس لقوله (عليه السلام) «وإن نزى حائطاً فانز معه » (4)وأخذ الأرش بعد المجلس غير جائز .

فالجواب عنه : ما تقدّم من أنّ الدليل دلّ على أن يكون تقابض العوضين في المجلس لا تقابض كل ما يتبعهما ، والأرش ليس من أحد أجزاء العوضين وإنّما هو غرامة خارجية فلا بأس بكونها في خارج المجلس وهو ظاهر .

ومن جملة الموارد التي ذكروا أنّ الأرش يسقط فيها : ما إذا لم يكن النقص من العيوب الموجبة لنقص القيمة وقد مثّلوا له بالعبد الخصي فإنه نقص ولكنه لا يوجب نقصاً في القيمة لرغبة الناس في مثله لأغراض محلّلة كالاطمئنان بعدم نظره


1) البقرة 2 : 275 .

2) مصباح الأصول 3 (موسوعة الإمام الخوئي (48) : 516 - 517 .

3) حاشية المكاسب ( اليزدي) : 86 من مبحث الخيارات .

4) الوسائل 18 : 169 / أبواب الصرف ب 2 ح8.

إلى أهل الرجل بشهوة أو محرمه .

وما أفادوه كذلك ، لأنه لا نقص في القيمة ولا تفاوت بين الناقص والتامّ بحسب القيمة حتى يثبت الأرش ، إلّا أنّ الكلام في أنّ ذلك خروج تخصّصي أو تخصيصي بمعنى أنّ مثل الحضي عيب يثبت به الخيار كسائر العيوب ويستثنى الأرش لعدم التفاوت في قيمة صحيحه ومعيبه ، أو أنّ مثله ليس بعيب ولا يثبت به الخيار حتى يستثنى منه الأرش، والظاهر هو الثاني لأنّ العبد الخصي الذي يرغب فيه أكثر العقلاء وإن رغب عنه طائفة أخرى لميلهم إلى تكثير نسله وزيادة عبيدهم لا يعدّ من المعيوب الذي يثبت فيه الخيار ، أو الخصي في الديك المعبّر عنه اليوم بالمخصي فإنه ممّا يرغب إليه جميع الناس لأنه يوجب زيادة قوته ليس من المعيوب ، لأنّ العيب ليس بمعنى مطلق النقص عن الخلقة الأصلية وإلّا لكان الختان أيضاً عيباً في العبيد ، بل المراد به هو النقص الموجب لنقص قيمة الشيء وليس الأمر كذلك في المقام لعدم نقص القيمة في الخصي أو العبد المختون ، فعلى هذا فما ذكروه من ع-دم ثبوت الأرش في المقام سالبة بانتفاء الموضوع بمعنى أنه لا خيار حتى يثبت ف-ي-ه الأرش ويستثنى في المقام ، ولعلّه ظاهر .

ما يسقط به الأرش والردّ

يسقط الأرش والردّ بأمور منها : علم البائع أو المشتري بالعيب في الثمن أو المثمن ، وذلك لتقييد الخيار بالجهل في جميع أدلّة الخيار كقوله (عليه السلام) ثم علم أو وجد به عيباً(1)وما يؤدّي هذا المعنى الظاهر في جهل المشتري بالعيب حال العقد ثم علم بالعيب فيه .


1) الوسائل 18 : 30 / أبواب الخيار ب 16 ح 2 ، 3 .

وربما يستدل على ذلك بمفهوم معتبرة زرارة «أيّما رجل اشترى شيئاً وبه عيب وعوار ولم يتبرّأ إليه ولم يبيّن له فأحدث فيه ب-ع-د م--ا ق-بضه شيئاً » الخ (1)والمستدل صاحب الجواهر (قدّس سرّه) (2)من جهة أنّ الإمام (عليه السلام) أخذ عدم البيان في موضوع الحكم بالخيار بمعنى أنّ التفصيل بين ما إذا أحدث فيه شيئاً وعدمه إنمّا هو في صورة عدم البيان له وأنه حينئذ إن أحدث فيه شيئاً فلا يثبت له الخيار وإن لم يحدث فله الخيار ، وأمّا في صورة البيان فلا خيار له أحدث فيه أم لم يحدث فيه شيئاً .

وتنظر في ذلك شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) حيث قال وفيه نظر (3)ولم يبين وجه نظره ، ويحتمل أن يكون وجه نظره أحد أمور :

الأول : أنّ الرواية مطلقة من حيث العلم والجهل وإنّما دلّت على اعتبار خصوص عدم البيان في الحكم بالخيار ، فيكون العلم به من ناحية البيان أعني العلم الخاص مانعاً عن الخيار بالتعبّد لا مطلق علمه بالعيب ولو من غير ناحية البيان كعلمه به من عند نفسه ، فلا يكون العلم بالعيب من غير طريق البيان مانعاً ع--ن الخيار لاطلاق الرواية ، فلو كان وجه نظره الشريف هذا الوجه فله وجه وبه ترتفع المناقضة الظاهرة بين كلامه في المقام وما أفاده بعد سطرين أو أكثر حيث استدل بمفهوم هذه الرواية على أنّ التبرّي مسقط للخيار مع أنّ قوله ولم يتبرّأ إليه وقوله ولم يبيّن له مذكوران في الرواية على نسق واحد ، فإن لم يكن لها دلالة على المفهوم من حيث عدم البيان فلا مفهوم لها من حيث عدم التبرّي أيضاً. وبالجملة كل ما صح في


1) الوسائل 18 : 30 / أبواب الخيار ب 16 ح 2.

2) الجواهر 23 : 238 .

3) المكاسب 5 : 320 .

أحدهما صح في الآخر فلا وجه لصحة أحدهما دون الآخر فهل هذا إلّا تناقضاً نعم بناء على هذا الوجه ترتفع المناقضة فإنّ الرواية على هذا لها مفهوم من حيث التبرّي والبيان ولا مفهوم لها من حيث مطلق العلم والجهل .

إلّا أنّ هذا الوجه يدفعه أنه خلاف ظاهر الرواية ، فإنّ عدم البيان لا موضوعية له وإنمّا يراد به عدم العلم ، لأنّ العلم يكون بالبيان لا محالة وإلّا فمن أين يحصل له العلم بالعيب في المال سيما في العيوب الباطنة فإنّ علمها من طريق آخر غير البيان أمر غير محتمل .

الثاني : أن يكون الوجه فيها أفاده هو أنّ القضية الشرطية في المقام وهي قوله «أيّما رجل اشترى » الخ لا مفهوم لها ، فإنّها مسوقة لبيان تحقّق الموضوع فيكون مفهومها أيّما رجل لم يشتر شيئاً الخ وهو سالبة بانتفاء الموضوع ، وأمّا أنّه اشترى شيئاً آخر يعلم بعيبه فهو مطلب آخر نظير ما أفاده في الايراد على الاستدلال بمفهوم قوله تعالى : (إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَا) (1)حيث أفاد هناك بأنّ مفهومه إن لم يج--ى الفاسق بالنبأ فهو سالبة بانتفاء الموضوع ، وأمّا مجيء شخص آخر بالخبر فهو أمر آخر ولا ربط له بالمفهوم .

ويرد على هذا الوجه أوّلاً : إيراد المناقضة لأنه (قدّس سرّه) قد استدلّ بمفهوم تلك المعتبرة على إسقاط التبرّي للخيار فكيف تم لها المفهوم في قوله « ولم يتبرّاً إليه » ولم يتم في قوله « ولم يبيّن له » مع أنّهما مذكوران على نسق واحد .

وثانياً : ما ذكرناه في محلّه من أنّ القضية الشرطية التي سيقت لبيان تحقّق الموضوع كقوله إن ركب الأمير فخذ ركابه التي لا مفهوم لها لكونها سالبة بانتفاء الموضوع إذا اشتملت على قيد آخر أو قيود كما إذا قيل في المثال إن ركب الأمير


1) الحجرات 6:49.

وكان اليوم جمعة فخذ ركابه فيثبت لها المفهوم من ناحية ذلك القيد والشرط الثاني وإن لم يكن له مفهوماً من ناحية الموضوع وهو الشرط الأول ، فإنّ مفهوم المثال أنه إذا ركب الأمير ولم يكن ركوبه يوم الجمعة فلا تأخذ ركابه ، نعم مفهومها من جهة الشرط الأول سالبة بانتفاء الموضوع فإنه عبارة عن أنه إذا لم يركب الأمير ومعلوم أنه لا ركاب حينئذ حتى يؤخذ أو لا يؤخذ ، والجملة الشرطية في المقام كذلك لاشتمالها على قيود وشرائط أخر ولها مفهوم لقوله (عليه السلام) « أيّما رجل اشترى شيئاً وبه عيب وعوار ولم يتبرّأ إليه ولم يبيّن له » الخ ، فهو وإن لم يكن له مفهوم من ناحية قوله « أيّما رجل اشترى » إلّا أنّ مفهومه من ناحية الشرطين الآخرين تامّ وهو أنه إذا اشترى شيئاً وبه عيب وعوار ولكنه تبرّأ إليه أو بيّن له فلا خيار له ، فلا إشكال من هذه الجهة أيضاً لتعدّد الشرط في الحقيقة .

الوجه الثالث : أن يقال إنّ المفهوم في الرواية لا اعتبار به لأنه مفهوم الوصف والقيد وقد بيّنا في الأصول أنّ مفهوم الوصف لا اعتبار به.

ويدفع هذا الوجه أيضاً أمران أحدهما : إيراد المناقضة فإنّ الوصف إذا لم يكن له مفهوم فليكن الحال كذلك في قوله « ولم يتبرّأ إليه » مع أنه قد تمسّک به بعد أسطر فإنه أيضاً من الأوصاف .

وثانيهما : أنّ الوصف لا مفهوم له من حيث هو وصف وهذا لا يمنع عن ثبوت المفهوم له في بعض الموارد من جهة قيام القرينة عليه ككونه في مقام التحديد وبيان ما يعتبر في موضوع الخيار ومن هنا قلنا بحجيّة المفهوم في مثل قوله (عليه السلام) (1)كرّ من الماء بعد ما سأله الراوي عن الماء الذي لا يتنجّس بالملاقاة ثم قال : قلت وما


1) راجع الوسائل 1 : 158 ، 167 / أبواب الماء المطلق ب 9 ، 11 .

الكرّ ؟ ففسّره بمائتا رطل ، فمفهومه أنّ غير الكرّ يتنجس بالملاقاة ، وفي مثل قوله (1)بريد في بريد في جواب سؤال الراوي بقوله في كم التقصير ؟ وغيرهما من الموارد والمقام من هذا القبيل .

وعليه فالصحيح ما أفاده صاحب الجواهر (قدّس سرّه) وإن قلنا إنّ الرواية ليست بصحيحة ولكنّها معتبرة ، والظاهر أنّ مراد شيخنا الأنصاري هو الوجه الأول لبعد عدم التفاته إلى المناقضة بهذا القرب .

ثم إنه إذا ثبت اعتبار الجهل بالعيب في ثبوت الخيار وكان المشتري عالماً بالعيب ولكنّه مع ذلك اشترط لنفسه الخيار على تقدير كونه معيباً من جهة احتمال البداء والندم في حقّه ، أو لأجل أن يشاور أصدقاءه أو أساتذته ويُرجعه على تقدير عدم رضاهم ، فلا مانع من هذا الاشتراط ويثبت له خيار الشرط بذلك ، وأمّا إذا أراد به خيار العيب الذي له أحكام خاصة فيفسد هذا الاشتراط لأنه على خلاف السنّة ، لأنّ الأخبار دلّت على عدم ثبوت خيار العيب في صورة العلم ، بل يمكن أن يقال بأنه على خلاف الكتاب لقوله تعالى : (أَطِيعُوا الرَّسُولَ) (2)وقد أمر (صلى الله عليه وآله بعدم الخيار في صورة العلم فاشتراطه مخالفة له (صلى الله عليه وآله) .

وصريح كلام شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه ) (3)أنّ هذا الشرط الفاسد يُفسد العقد أيضاً ، مع أنّ الظاهر أنه لا فرق بين هذا الشرط الفاسد وبقية الشروط الفاسدة ولا يلتزمون بالافساد فيها ، نعم يمكن أن نقول بافساد هذا الاشتراط بناءً على ما ذكرناه في خيار الرؤية من أنّ اشتراط الخيار أو جعل الشارع له يرجع إلى تحديد


1) الوسائل 8 : 451 / أبواب صلاة المسافر ب 1 .

2) النساء 59:4 .

3) المكاسب 5 : 320 .

الملكية المنشأة وتقييدها بزمان الفسخ ، وعليه تكون الملكية التي أنشأها المتعاقدان بالشرط ملكية خاصة ومحدودة بزمان الفسخ ، والمفروض في المقام بطلان هذا الاشتراط وفساده ، ومعناه أنّ الشارع لم يمض الملكية الخاصة المحدودة بزمان الفسخ ، وأمّا الملكية المطلقة فلم ينشئها المتعاقدان فيكون العقد فاسداً من جهة فساد الشرط ، وقد أشرنا في خيار الرؤية بالرجوع إلى م-ا ع-لّقن-اه ع-لى نك-اح العروة (1)في مسألة ما إذا اشترطا الخيار في عقد النكاح فإنه فاسد لعدم جواز الخيار في النكاح ، وذهب المشهور إلى أنه يفسد النكاح أيضاً ، وتنظر فيه صاحب العروة وغيره من جهة أنهم لا يلتزمون بالافساد في الشروط الفاسدة ، وذكرنا نحن في وجه ذلك أنّ تقييد النكاح بالزمان كيوم ويومين واسبوع وشهر ثابت وسائغ في الشريعة المقدسة وهو النكاح المنقطع إلّا أنّ تقييده بالزمانيات كنزول المطر أو مجيء فلان أو رضا شخص آخر غير سائغ لأنّ النكاح لا يشترط ولا يقيد بها ، وقد مرّ أنّ مرجع اشتراط الخيار أو جعل الشارع للخيار إلى تقييد الملكية أو النكاح بالفسخ وهو من الزمانيات ، فمعنى اشتراط النكاح بالخيار وم-رج-ع-ه إلى إنشاء النكاح الموقت بزمان الفسخ ، والشارع لم يمض هذا النكاح المقيد بالزماني فيفسد وأمّا النكاح الدائمي غير الموقّت فهو لم ينشئه المتعاقدان فيكون الاشتراط مفسداً للنكاح ، ولعلّه الوجه فيما ذهب إليه المشهور من بطلان النكاح حينئذ .

الثاني من المسقطات : تبرّي البائع أو المشتري من العيوب ، والأصل في ذلك أوّلاً : الاجماع كما استظهره شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(2)وصرّح به غيره إلّا أنّ مثل هذا الاجماع لا يمكن الاعتماد عليه لما مرّ غير مرّة من أنّ الاجماع مع


1) العروة الوثقى 2 : 638 المسألة [ 3855].

2) المكاسب 5 : 320 .

وجود دليل آخر في المسألة لا يكشف عن رأي الإمام (عليه السلام) ولا يكون إجماعاً تعبّدياً فالاجماع ساقط .

وثانياً : ما تقدّم سابقاً من أنّ مدرك خيار العيب هو الشرط الضمني الذي يقتضيه الاطلاق فإذا صرّح بالبراءة من العيوب فيرتفع الاطلاق المقتضي للشرط الضمني لا محالة فلا يثبت له الخيار عند ظهور العيب في المبيع ، وقد سقط في نسخ المكاسب (1)الألف حيث فيه « فقد ارتفع لاطلاق الخ » مع أنه الاطلاق أي يرتفع الاطلاق بالتصريح بالبراءة ، وهكذا كتبه السيد في حاشيته (2)م-ع أن-ه لا معنى صحیح لقوله والأصل في الحكم بعد الاجماع إلى قوله لاطلاق صحيحة الخ ب--ل الصحيح ما ذكرناه من سقوط الألف فتصير العبارة هكذا : والأصل في الحكم - إلى قوله - صحيحة زرارة ، وما قبله هو أنّ التصريح بالبراءة يرفع الاطلاق . وكيف كان فهذا الوجه إنما يتم فيما لو كان المعتمد في خيار العيب هو الشرط الضمني فقط ولكنّك عرفت أنّ المدرك فيه هو الاخبار .

وثالثاً : الأخبار كمعتبرة زرارة المتقدّمة فإنّها قد علّقت مضيّ الع-ق-د ع-لى إحداث الحدث ولكن في صورة عدم تبرّي البائع وعدم البيان ، ففي هاتين الصورتين لا يمضى عليه العقد إلّا أن يحدث فيه حدثاً ، وإن لم يحدث حينئذ فلا يمضى عليه العقد ويكون خيارياً كما هو مفهوم قوله « فأحدث فيه حدثاً » إلى قوله «يمضى عليه البيع » وأمّا في صورة تبرّي البائع أو البيان فالبيع ماضٍ عليه سواء أحدث فيه أم لم يحدث ، لأنّ تعليق المضي على إحداث الحدث في صورة عدم التبرّي وعدم البيان لا معهما ، وعليه فلا مانع من التمسّك بهذه الرواية في إثبات أنّ


1) [ لكنّه في المكاسب الطبعة الجديدة يوجد فيه الألف ] .

2) لاحظ حاشية المكاسب (اليزدي ) : 87 من مبحث الخيارات .

التبرّي مسقط للخيار وموجب لمضي العقد والبيع وإن لم يحدث فيه شيئاً .

ثم إنّه لا فرق في التبرّي المسقط للخيار بين التبرّي على نحو التفصيل والتبرّي عن العيوب على نحو الاجمال لاطلاق الرواية ، فلا فرق بين أن يقول : بعتك هذا العبد وتبرّأت عن عيب كذا حتى يثبت له الخيار فيما إذا ظهر فيه عيب آخر غير العيب الذي تبرّأ إليه ، وبين أن يقول : بعتك هذا العبد مع ما فیه من العيوب المعلومة وغير المعلومة حتى يسقط خيار العيب من طرف جميع العيوب .

كما لا يفرق في ذلك بين التبرّي من العيوب الظاهرية كالعمى ونحوه والتبرّي من العيوب الباطنية كسوء الخلق وكونه سارقاً ونحوهما لاطلاق الأخبار .

وكذا لا فرق في ذلك بين التبرّي من العيوب الموجودة حال العقد والتبرّي من العيوب المتجدّدة بعد العقد قبل القبض أو في زمان خيار المشتري بخيار حيوان أو شرط .

وربما يستشكل في التبرّي من العيوب الموجوده حال العقد بوجه ، وفي التبرّي من العيوب المتجدّدة بعد العقد في زمان ضمان البائع بوجه آخر .

فأمّا الإشكال في التبرّي من العيوب المتجدّدة بعد العقد فهو ليس من ناحية الغرر ، لأنّ المدار في عدم الغرر في البيع على عدمه حال العقد والمفروض ع-دمه حينئذ ، وأمّا الغرر بعده فعلى تقدير تحقّقه لا يضرّ بالبيع ، إلّا أنّ الاشكال أنه حينئذ من إسقاط ما لم يجب ، فإنّ الخيار إنّما يثبت بعد حدوث العيب في المبيع وهو بعد لم يحدث فيه فكيف يسقطه مع عدم ثبوته ، وإسقاط ما لم يجب غير صحيح أو غير معقول .

والجواب عن ذلك : ما تقدّم في خيار الرؤية وغيرها من أنّ إسقاط ما لم يجب لا استحالة فيه عقلاً ، وإنّما لا يجوز شرعاً للاجماع أو لمخالفته لما بنى عليه العقلاء في بعض الموارد والاجماع إنما تحقّق على بطلان إسقاط ما لم يجب فيها إذا أسقطه قبل

تحقّق العقد ، وما هو موضوع الخيار بل هو على خلاف ما عليه العقلاء ، وأمّا بعد تحقّق العقد الذي هو موضوع الخيار لأنه فسخ العقد فلا بأس باسقاط الخيار على تقدير تحقّق العيب بعد ذلك بعد ما كان الانشاء مبرزاً للاعتبار النفساني ، والاعتبار كما يتعلّق بالأمر الحالي يتعلّق بالأمر الاستقبالي فمن الآن يعتبر سقوط خياره الثابت في ظرفه ، نعم لا يمكن إسقاطه فعلاً لعدم ثبوته بالفعل .

وأمّا الاشكال في التبرّي من العيوب الموجودة حال العقد فهو من جهة أنه يستلزم الغرر وإن لم يكن من إسقاط ما لم يجب ، لأنه مع تبرّي البائع عن العيب يقدّم على ما فيه الخطر وهو ممنوع باطل في الشريعة المقدّسة .

والجواب عن ذلك : أنّ الأخبار إذا قلنا بدلالتها على صحة البيع مع التبرّي وسقوط الخيار به وقلنا إنّها مطلقة من حيث استلزامه الغرر في من حيث استلزامه الغرر في المعاملة وعدمه بمعنى أنها دلّت على صحّة البيع مع التبرّي حتى فيما كانت المعاملة غررية فلا محيص من الالتزام بأنّها تخصص الدليل الدالّ على بطلان البيع الغرري ، لأنّ بطلانه ليس من جهة الاستحالة العقلية حتى لا يقبل التخصيص، بل يكون إنكاره من الاجتهاد في مقابلة النص الصريح .

وأمّا إذا قلنا بأنّ الأخبار تدلّ على صحة البيع مع التبرّي عن العيوب في المعاملة المحكومة بالصحة في حدّ نفسها من تمام الجهات والشرائط ولا نظر لها إلى إثبات الصحة حتى في المعاملة الفاقدة لبعض الشروط ، ومن هنا لم يصح التمسك بها لاثبات صحة العقد الصادر من الصبي بدعوى أنّها مطلقة وتقتضي صحة البيع مع التبري مطلقاً فالمعاملة الغررية الفاقدة لشرطها خارجة عن الأخبار .

فحينئذ فلابدّ من التفصيل في المقام وأن يقال إن كان ارتفاع الغرر مستنداً مستنداً إلى التزام البائع بصحة المبيع والخيار عند ظهور عيب فيه ومن أجله أقدم على البيع إذ لا خطر فيه حينئذ حيث إنه إذا ظهر معيباً يردّه إلى مالكه ، فلا محيص من الالتزام

بفساد المعاملة بالتبرّي من العيوب حينئذ لأنه غرري وإقدام على ما فيه الخطر لعدم التزام البائع بصحة المبيع ، وأمّا إذا اعتمدنا في رف-ع الغ--ر إلى أخ-ب-ار خ--ارج-ي واطمئنان بعدم العيب في المبيع فلا مانع من صحة البيع وعدم غرريته ولو مع تبرّي البائع عن عيوبه ، لأنّا بعد على اطمئنان من صحة المبيع ولا إقدام على الخطر ، وكيف كان فالصحيح هو التفصيل كما عرفت .

وأمّا ما أفاده شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (1)من الفرق بين التبرّي من فقد وصف الصحة وعدم الالتزام به وبين عدم الالتزام بسائر الأوصاف الكمالية وأنّ التبرّي من فقد الأوصاف الكمالية يوجب الغرر وبطلان المعاملة ، وأمّا التبرّي من العيب وانتفاء وصف الصحة فلا يوجب الغرر لمكان الاعتماد على أصالة السلامة وهو يرفع الغرر ، ففيه ما تقدّم من أنّ أصالة السلامة لم يعلم لها أصل وأنّها من أي الأصول أوّلاً . وثانياً : على تقدير أصالتها لا يمكن الاعتماد عليها في رفع الغرر الذي هو بمعنى احتمال الخطر وجداناً ، لأنّا بعد نحتمل الخطر بالوجدان ولم يرتفع بالأصل كما تقدّم في أوائل بحث هذا الخيار ، فالصحيح ما ذكرناه من التفصيل .

ثمّ إنّ شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) ذكر أنّ البراءة في المقام يحتمل إضافتها إلى أمور ثلاثة :

الأول : أن تضاف إلى عهدة البائع سلامة المبيع ، وذكر أنّ مرجع ذلك إلى عدم التزامه السلامة ، فلا يترتّب على ظهور العيب ردّ ولا أرش وكأنّه باعه على كل تقدير كان صحيحاً أم عيباً .

الثاني : أن تضاف إلى ضمان العيب ومعناه التبرّي عن المال الذي هو قيمة العيب لأنه معنى ضمان العيب ، فيسقط بذلك الأرش فقط على تقدير كون المبيع معيباً


1) المكاسب 5 : 322 .

دون الردّ لأنه لم يتبرّأ عن الخيار .

الثالث : إضافة البراءة إلى حكم العيب أي الخيار المترتّب على العيب والفرق بين هذا وبين الأمر الأول أن البراءة في الأول أضيفت إلى نفس العيب وفي المقام أضيفت إلى حكمه فيسقط به الرد والأرش ، وقد نسبه إلى التذكرة وذكر أنّ الأظهر عند العرف هو الأول ، والأنسب إلى معنى البراءة هو الثاني ، هذا .

ولا يخفى أنّه لا فرق بين الثالث والأول إلّا في مجرد اللفظ ومعناهما واح---د وهو التبرّي عن الخيار ، وأمّا ما رتّبه على الوجه الأول من أنه كأنّه باعه على كل تقدير فهو لا يختص به ويجري في جميع الاحتمالات الثلاثة ، فإنه لو باعه على تقدير دون تقدير فيكون من المعلّق الباطل ، فالبيع على كل تقدير يجري في جميعها ، وقد ذكرنا أنه لا معنی معقول لاشتراط وصف الصحة أو الالتزام بها إلّا جعل الخيار للمشتري فيما إذا لم يتبرّأ البائع ، فمعنى التبرّي عدم جعل الخيار للمشتري على تقدير ظهور العيب في المبيع بلا فرق في ذلك بين الوجه الأول والثالث ، لما مر من أنّ الالتزام المعاملي في جميع الاحتمالات الثلاثة منجّز وثابت على كل تقدير ، والفرق بين الوجهين إنما هو في اللفظ وفي إضافة البراءة إلى نفس العيب أو إلى حكمه .

وعليه فالأمر في الحقيقة يدور بين الاحتمالين وهما الاحتمال الأول والثاني الذي مرجعه إلى إسقاط الأرش فقط كما إذا صرّح بخصوص إسقاطه ، وهذا وإن لم يرد فيه نصّ خاص فإنّ ما ورد من جواز التبرّي للبائع ظاهره التبرّي المطلق دون التبرّي من خصوص مال العيب وأرشه ، إلّا أنه يكفي في جوازه ما علمناه م--ن الخارج من أنّ الأرش غرامة وإنما ثبت بمطالبة المشتري لا أنه يشتغل ذمّته أي البائع بها من الابتداء ، فإنّ معنى ذلك أنّ الأرش حق للمشتري له أن يطالب به البائع لا أنه واجب عليه ، فإذا ثبت أنّ الأرش حق فيثبت جواز إسقاطه حين العقد لأنا ذكرنا أنه لا فرق بين الحق والحكم إلا في مجرد جواز الاسقاط وعدمه وإلّا

فكلاهما من الأحكام ، فلا يرد على الوجه الثاني إلّا كونه من اسقاط ما لم يجب وقد عرفت جوابه . والمتحصّل أنّ الأمر يدور بين الاحتمالين وهما الأول والثاني ولا ثالث في البين .

ثم إنّ شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (1)ذكر أنّ تبرّي البائع عن العيوب إنّما يوجب سقوط خصوص الخيار دون سائر أحكامه ، وقد ذكر السيد (قدّس سرّه) في حاشيته (2)في تفسير هذا الكلام أمراً آخر يغاير المعنى المستفاد من ظاهر ك--لام شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) وهو أيضاً معترف بأنّ ما ذكره على خلاف ظهور كلام شيخنا الأنصاري (قدس سره) كما أنه على خلاف ظواهر سائر الكلمات ، ولكنه ذكر أنّ مرادهم هو ما ذكره وإن كانت عباراتهم غير وافية ببيانه وإنما استفاده من تعليل الشهيد (قدّس سرّه)(3)في قوله : ويحتمل الضمان لبقاء علاقة الخيار ، كما سيتّضح وجهه إن شاء الله تعالى .

وعليه لابدّ من التكلّم في مقامين : أحدهما ما ذكره السيد (قدّس سرّه) من أنه إذا تبرّأ البائع من العيب وسقط به خیاره فهل يسقط به جميع أحكامه من ضمان البائع للمبيع فيما إذا تلف في زمان الخيار الشأني أي الذي لو لم يتبرّأ منه البائع لثبت أو أنّ الساقط بالتبرّي إنّما هو خصوص الخيار ردّاً وأرشاً دون مثل الضمان فيما إذا تلف المبيع في زمانه مستنداً إلى العيب الذي تبرّأ إليه منه ، فإن كان هذا مراد شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) كما نسبه إليه السيد (قدّس سرّه) مع الاعتراف بكونه خلاف ظاهر عبارته من جهة تعليل الشهيد (قدّس سرّه) بقوله : ويحتمل الضمان لبقاء علاقة


1) المكاسب 5 : 324 .

2) حاشية المكاسب ( اليزدي) : 87 من مبحث الخيارات.

3) الدروس 3 : 283 [ لكنّ فيه : لبقاء علّة الخيار ] .

الخيار ، بمعنى أنّ الخيار وإن سقط بالتبري إلّا أنّ علقته باقية وهي تقتضي الضمان لقاعدة كل مبيع تلف في زمن الخيار فهو ممّن لا خيار له .

فالتحقيق خلاف ما أفاده (قدّس سرّه) أمّا أوّلاً : فلأنّ ظواهر الأدلّة التي استفيد منها كون تلف المبيع في زمن الخيار ممّن لا خيار له هي الخيار الفعلي دون الخيار الشأني كما في المقام ، وأنّ التلف في زمان الخيار الفعلي ممّن لا خيار له لا في زمان الخيار الشأني ، ومن هنا لا يلتزم بذلك فقيه في غير خيار العيب من الخيارات كخيار المجلس فيما إذا أسقطاه ثم تلف المبيع بدعوى أنه تلف في زمان الخيار الشأني أي لو لم يسقطاه لثبت ، وهذا ظاهر .

وأمّا ثانياً : فلأنّ ذلك لو تم وسلّمنا أنّ التلف في زمان الخيار الشأني ممّن لا خيار له للزم منه الحكم بكون التلف من مال من لا خيار له إلى الأبد وإلى يوم القيامة ، لتحقّق الخيار الشأني في جميع الأزمنة ، لأنه لو لم يسقطه أو لم يتصرّف فيه أو لم يعلم بالعيب لثبت إلى الأبد ، فيكون البائع ضامناً للمبيع فيما إذا استند تلفه إلى العيب الذي تبرّأ منه إلى يوم القيامة وهذا ممّا لا يتفوّه به فقيه فضلاً من إسناده إلى جميعهم وجعل المخالف هو الشهيد فقط

وأمّا ثالثاً : فلأنّ التلف ممّن لا خيار له إذا كان في زمان الخيار يختص عند شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) بخصوص خيار الحيوان والشرط لورود النص فيهما وخيار المجلس إلحاقاً له بهما ، ولا يجري في غيرها من الخيارات كخيار العيب ونحوه حتى فيما إذا كان فعلياً فضلاً عما إذا كان شأنياً ، فما أفاده (قدس سره) ونسبه إلى الأصحاب ممّا لا معنى محصّل له أبداً .

وثاني المقامين وهو الذي يوافقه ظاهر كلام شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) وصريح بعض الكلمات : هو أنه إذا تبرّأ البائع من العيب وبه سقط ذلك الخيار إلّا أنه كان للمشتري خيار آخر كخيار الحيوان ونحوه وقد تلف في الثلاثة من جهة العيب

الذي تبرّأ منه البائع ، فهل يكون التبرّي من العيب موجباً لعدم ضمان البائع تلف المبيع في زمان الخيار بدعوى أنه تبرّأ منه ، أو أنّ التبرّي لا يوجب إلّا سقوط الخيار لا غيره من الأحكام ، والتلف من مال البائع في زمان الخيار من قبيل الأحكام لا الحقوق ، ولا يرتفع بالتبرّي لعدم ربط به ، وإطلاق أدلّة الضمان فيما إذا تلف في زمان الخيار فلا يرتفع الضمان حتّى فيما لو صرّح بأنه تبرّأ من العيب وأسقطه بحيث لا يضمنه لو تلف المبيع في زمان الخيار كي لا يرد إشكال القصور في مقام الاثبات وذلك لأنه لم يدل دليل على ارتفاع الضمان بالتبرّي حتى يلحقه بالحقوق لما تقدم من أنه لا فرق بين الحق والحكم إلّا في أنّ الحق يقبل السقوط والمفروض أنه لم يدل دليل على أنّ التبرّي يرفع الضمان .

ثمّ إنّ الشهيد (قدّس سرّه) (1)صرّح بأنه لو تبرّأ البائع من عيب فتلف به في زمان خيار المشتري فالأقرب عدم ضمان البائع ، وكذا لو علم المشتري به قبل العقد أو رضي به بعده وتلف في زمان خيار المشتري ، ويحتمل الضمان لبقاء علاقة الخيار المقتضي لضمان العين معه ، وظاهره أنّ إسقاط الخيار بالتبري أو بعلم المشتري بالعيب قبل العقد أو برضاه به بعده تشترك في رفع ضمان البائع عند تلف المبيع في زمان الخيار وقد عرفت أنّ التحقيق خلافه ، بل الظاهر ضمان البائع به لاطلاق أدلّة الضمان وعدم ربط له بخيار العيب وعدمه .

ثم إنّ ما علّل به احتمال ضمان البائع من بقاء علقة الخيار مما لا يرجع إلى محصّل ولم نفهم مراده (قدّس سرّه) .

ثم ذكر (قدّس سرّه) أنه أقوى إشكالاً من الأول ما إذا استند تلف المبيع في زمان الخيار إلى العيب الذي تبرّأ منه وإلى العيب الآخر الذي لم يتبرّأ منه ، والوجه


1) الدروس 3: 283 [ لكنّ فيه : لضمان العين معيبة ] .

في كونه أقوى إشكالاً هو أنّا إذا قلنا بارتفاع الضمان بالتبرّي من العيب فلا يسقط به الضمان في المقام لوجود عيب آخر لم يتبرأ د عيب آخر لم يتبرأ منه مع استناد التلف إليه ، هذا.

والصحيح أنه لا فرق بين هذه الصورة والصورة المتقدّمة في أنّ التبرّي لا يرفع الضمان كان هناك عيب آخر أم لم يكن استند إليه التلف أم لم يستند .

ومن جملة الموارد التي قيل بسقوط الردّ والأرش فيها : ما إذا زال العيب عن المبيع قبل العلم به ، فإنّهم ذكروا أنّ زواله قبل العلم به موجب لسقوط كل من الردّ والأرش ، بل صريح بعضهم أو ظاهره سقوطه فيما إذا زال بعد العلم به قبل الرد على ما حكاه شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (1)ثم تعرّض لما أسّسه الشافعي من أنّ الزائل العائد كأنه لم يزل أو كأنه لم يعد ، وذكر أنه لم يرد في دليل ولا يمكن الأخذ به على نحو الكلّية ، بل لابد من اتّباع الدليل في كل مورد ، ولا يعتمد على ما ذكره الشافعي لأنه محض الاستحسان في العبارة .

ثم فصّل (قدّس سرّه) بين الردّ والأرش وأفاد أنّ زوال العيب قبل الردّ إنمّا يمنع عن الردّ فقط ، لأن موضوعه على ما دلّت عليه الروايات هو المبيع المعيب فإذا فرضنا ارتفاع عيبه فلا يبقى لردّ المعيب موضوع ، ومن هنا لا يمكن استصحابه لارتفاع موضوعه ولا أقل من الشك في بقائه ، فإذا لم تشمل الروايات ما إذا زال عيبه قبل الردّ ولم يمكن استصحابه فتشمله أدلّة اللزوم وبها يحكم بعدم الخيار في الردّ ، وأمّا الأرش فهو لا يسقط بزوال العيب قبل الردّ لأنّ موضوعه وقوع العقد على المعيب سواء ارتفع العيب بعد ذلك أم لم يرتفع ، فله المطالبة بالأرش لوقوع العقد على أمر معيب وسقوطه بعد ثبوته يحتاج إلى دليل ، هذا .

ولا يخفى يمكن أن يقال بعدم الفرق بين الردّ والأرش في السقوط والثبوت


1) المكاسب 5 : 324 .

لانّا إذا بنينا على أنّ وصف الصحة يقابل بالمال عند وقوع العقد على المبيع ، وقلنا بأنّ الأرش على طبق القاعدة فما أفاده وإن كان تامّاً على هذا القول وللمشتري المطالبة بما يقابل وصف الصحة لعدم وصولها إليه ويسقط الردّ لعدم بقاء العيب حين الردّ ، إلّا أنّ لازم ذلك كما تقدّم اشتغال ذمّة البائع بالأرش من حين البيع لا من حين المطالبة وهو ممّا لا يلتزم به هو (قدّس سرّه) ولا ينبغي الالتزام به أيضاً ، فلا محيص من أن يكون الأرش على خلاف القاعدة وثابتاً بالأخبار على وجه التعبّد ، وعليه فلا يفرق بين الردّ والأرش، لأنّ كلاهما ثبت بالتعبّد وكما أنّ موضوع الردّ ه-و المعيب كذلك موضوع الآخر . وبعبارة أخرى : فى الموضوع الواحد وهو المبيع المعيب حكم بالرد على تقدير عدم إحداث شيء فيه وبالأرش في ذلك الموضوع على تقدير إحداثه ، فإذا ارتفع العيب وزال فلا يبقى موضوع لشيء من الردّ والأرش ، إذ لا مبيع معيوب .

ومن هنا ذهب السيّد (قدّس سرّه) في حاشيته (1)إلى عدم الفرق بين الرد والأرش وحكم بسقوطهما بدعوى أنّ موضوعها المبيع المعيب حسبما يستفاد من الأخبار وبعد زوال العيب لا يبقى موضوع لهما ، هذا .

ويمكن أن يقال أوّلاً : بالتفصيل على عكس تفصيل شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) بأن نلتزم بسقوط الأرش دون الردّ ، وذلك لأنّ الأرش كما عرفت ثبت بالتعبّد وموضوعه المعيب ، وبعد زوال العيب لا يبقى له موضوع فيسقط لا محالة وأمّا الردّ فلا لما مرّ وعرفت من أنّ الردّ ثبت بالاشتراط الضمني الارتكازي عند العقلاء ولذا كنّا نلتزم به وإن لم يرد فيه نصّ أيضاً ، ولم يثبت الردّ بالأخبار حتى يرتفع بزوال العيب ، ومن الظاهر أنّ الردّ يثبت بمجرد كون المبيع فاقداً لوصف


1) حاشية المكاسب ( اليزدي) : 88 من مبحث الخيارات .

الصحة حال البيع لتخلّف الشرط الضمني وسقوطه بعد الزوال لا دليل عليه ، فنلتزم بالردّ دون الأرش ، كما نلتزم بذلك في كل خيار يثبت بالاشتراط الضمني أو بغير الضمني كما إذا اشترط الكتابة في العبد ولكنّه لم يكن متّصفاً بالكتابة حين المعاملة وتعلّمها عند المشتري ، لأنّا نلتزم في مثله بالخيار بين الردّ والامضاء لتخلّف الشرط الصريح .

وثانياً : يمكن أن يقال بثبوت كل من الرد والأرش وعدم سقوطها بزوال العيب قبل الردّ ، وذلك لأنّ أكثر الأخبار وإن دلّت على ثبوتهما في المبيع المعيب إلّا أنه لا مفهوم لها حتى تنفي الردّ والأرش في غير المبيع المعيب بل هي ساکتة عن غيره ، وعليه فيكفينا في الالتزام بها رواية زرارة التي عبّر عنها شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) بالصحيحة ، لأنّها دلّت على أن إحداث الحدث علّة منحصرة في لزوم المعاملة عند فرض عدم البيان وعدم التبرّي ووقوع الشراء على ما به عيب وعوار في الواقع ، فإذا كان المبيع معيباً في الواقع ولم يبيّن له ولم يتبرّأ إليه فله الخيار إن لم يحدث فيه حدثاً ، وليس له الخيار ويمضي عليه البيع إن أحدث فيه ذلك ، فإذا لم يحدث فيه حدثاً فله الردّ والأرش لاطلاق الرواية لأنها جعلت الاحداث علّة منحصرة في اللزوم ، فإن تحقّق تحقّق اللزوم وإلّا فلا ، والمفروض عدمه فلا لزوم في العقد وله الردّ كما أنّ له الأرش ، ولم يقيّد جواز المعاملة بصورة عدم ارتفاع العيب بل قيده بصورة عدم إحداث الحدث فقط ، وفي غيرها لا لزوم زال العيب أم لم يزا وكذلك نقول في الأرش، وهذه الرواية تكفي في الحكم بثبوت الأرش والردّ ولا يعارضها سائر الأخبار الدالّة على الخيار في المبيع المعيب ، إذ لا مفهوم لها حتى تنفيه عن غيره وتعارض مع هذه الرواية ، فإذن فالزائل العائد كأنه لم يعد فيحكم بكل من الرد والأرش كما إذا لم يزل العيب أصلاً .

ثم إنّ شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (1)ذكر من الموارد التي يكون التصرف فيها مسقطاً للردّ والأرش ما إذا تصرّف في المعيب بعد العلم بالعيب ، وقد نقل عن ابن حمزة في الوسيلة (2)أنه یری التصرف حينئذ موجباً لسقوط كل من الرد والأرش . أمّا الردّ فلما مرّ من أن التصرف وإحداث الحدث مانع عن الردّ . وأمّا الأرش فلعدم الدليل عليه فيا إذا تصرّف في المعيب بعد العلم بعيبه .

والكلام في ذلك يقع من جهتين : الجهة الأولى : في أنّ التصرف بعد العلم بالعيب هل يمنع عن ثبوت الأرش حينئذ أو لا مانع عن الأرش حينذاك . الجهة الثانية : في أنّ الدليل هل يشمل صورة التصرف في المبيع مع العلم بالعيب ويقتضي ثبوت الأرش في هذه الصورة أيضاً أو أنه لا مقتضي للأرش فيها .

أمّا الكلام في الجهة الأولى : فإن قلنا بأنّ التصرّف مسقط تعبّدي لاستفادته من بعض أخبار خيار الحيوان كقوله (عليه السلام) « أرأيت إن لامس أو قبّل أو نظر منها إلى ما لا يجوز النظر إليه» الخ (3)فلا محيص حينئذ من الاقتصار على مقدار التعبّد شرعاً ، والمقدار الذي تعبّدنا الشارع بكون التصرف مسقطاً ه-و الردّ فقط ، وأمّا الأرش فلا لأنه لم يرد رواية تدلّ على التعبّد في سقوط الأرش بالتصرف ، فإذن لا يكون التصرف مانعاً عن ثبوت الأرش بعد التصرّف فيما إذا تصرف مع العلم بالعيب .

وأمّا إذا قلنا بأنّ التصرف مسقط من أجل أنه كاشف عن الاسقاط لا من أجل التصرف فحينئذ يتمحض النزاع في الصغرى فقط أي يقع الكلام في أنّ


1) المكاسب 5 : 326 .

2) الوسيلة : 257 .

3) الوسائل 18 : 13 / أبواب الخيار ب 4 ح 3 (مع اختلاف يسير) .

التصرف في المبيع بعد العلم بالعيب كاشف عن الرضا بالمبيع فقط دون العيب ، فله المطالبة بالأرش لأنه إنما أسقط الردّ لا الأرش، أو أنه كاشف عن الرضا بالمبيع وبالعيب وكأنه أقدم على شراء المعيب مع العلم بالعيب فيسقط به الردّ والأرش معاً وكيف كان فيكون البحث صغروياً محضاً وأنه أراد إسقاطهما أو إسقاط أحدهما ، ولا مجال للبحث الكبروي في أنّ التصرف مسقط أو لا ، إذ المفروض أنّا بنينا على أنه مسقط لأجل الكشف عن رضا المتصرف ، ولا فرق في الاسقاط والتجاوز عن الحق بين اللفظي منه والفعلي ، لأنّ المشتري غير ملزم بمطالبة الأرش وإنما هو جائز في حقّه وحق ثابت له وله أن يطالب به وله أن يتجاوز عنه ، فإذن لا یبقی مجال للبحث الكبروي ، ولابدّ من تشخيص أنّ المتصرّف ماذا أراد بتصرّفه فهل أراد إسقاط الرد أو هو مع الأرش.

وأمّا الجهة الثانية : فإن بنينا على أنّ الأرش كالردّ يثبت من الابتداء أي من حين تحقّق العقد وأنه يولد أمرين أحدهما الردّ والثاني الأرش ، فحينئذ يكون الأرش ثابتاً في حقه من الابتداء قبل التصرف وبعده مع العلم أو بدونه ، فلا يختصر بما إذا تصرف فيه مع الجهل بالعيب ، وأمّا إذا قلنا بأنّ الأرش يثبت بعد التصرف الذي يمنع عن الردّ لا من الابتداء فقد ذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (1)أنّ الأرش لا يختص بصورة التصرف قبل العلم بالعيب بل الأخبار تدل على أنّ الأرش يعم التصرف قبل العلم بالعيب وما بعده ، ثم أمر بالمراجعة إلى الأخبار بقوله فليراجع .

ونحن قد راجعنا الروايات ولم نجد منها ما يدلّ على عمومية الأرش وثبوته مع التصرف بعد العلم بالعيب إلّا روايتين : إحداهما رواية ميسر عن أبي عبدالله


1) المكاسب 5 : 326 .

(عليه السلام ) قال كان علي (عليه السلام) لا يردّ الجارية بعيب إذا وطئت ولكن بقيمة العيب » الخ (1)وثانيتهما رواية عبدالملك عن أبي عبدالله « قال لا تردّ يرجع التي ليست بحبلى إذا وطئها صاحبها وله أرش العيب (2)وهاتان الروايتان مطلقتان في ثبوت الأرش بالتصرف كان مع العلم بالعيب أم بلا علمه ، وليس فيها تقييد الأرش بما إذا تصرّف فيه مع الجهل بالعيب ثم علم به ، وهذا بخلاف سائر الأخبار لأنها مشتملة على التقييد بالجهل بقوله ( عليه السلام) « ثم علم بذلك العيب » (3)أو « ثم وجد فيها عيباً » (4)وهكذا .

إلّا أنّ هاتين الروايتين لضعف سنديهما قاصرتان عن إثبات الأرش مطلقاً حتى مع التصرف بعد العلم بالعيب ، وليس في غيرهما من الأخبار دلالة على ثبوته مطلقاً ، نعم لا مفهوم لغيرهما في نفي الأرش مع التصرف بعد العلم حتى يتعارضان إلّا أنهما في نفسهما قاصرتان لضعف السند ، هذا أوّلاً .

وثانياً : لو سلّمنا أنّهما معتبرتان بحسب السند فلا يمكن الاعتماد عليهما أيضاً لأنّ غيرهما من الأخبار وإن لم يكن لها مفهوم حتى يعارضهما إلّا أنّ بينها رواية واحدة ذات مفهوم وهي صحيحة حمّاد عن علي بن الحسين (عليه السلام) وه-ي لصحتها وقوّتها تتقدّم على الروايتين بعد المعارضة ، والوجه في مفهومها هو أنه (عليه السلام) « قال كان القضاء الأول في الرجل إذا اشترى الأمة فوطئها ثم ظهر على


1) الوسائل 18 : 104 / أبواب أحكام العيوب ب 4 ح 8.

2) الوسائل :18 : 105 / أبواب أحكام العيوب ب 5 3 . : 105 ح3.

3) الوسائل 18 : 30 / أبواب الخيار ب 16 ح 2 (مع اختلاف يسير).

4) الوسائل 18 : 102 / أبواب أحكام العيوب ب 4 - 2 .

عيب ، أنّ البيع لازم وله أرش العيب»(1)حيث رتّبت الأرش فيها إذا وطئها ثم علم بالعيب ، وحيث إنّها شرطية فمفهومها أنه إذا لم يتأخّر العلم بالعيب عن الوطء بل كان متقدّماً عليه فلا أرش ، ولأجل صحتها تتقدّم على الروايتين ، وحينئذ فيثبت

بذلك ما ذهب إليه ابن حمزة من سقوط الأرش بالتصرف بعد العلم بالعيب .

ومن جملة الأمور التي عدّوها من المسقطات للردّ والأرش : التصرف في المبيع المعيب ولكن العيب لم يكن ممّا يوجب نقصاً في قيمة المبيع كالبغل الخصي أو العبد كذلك ، فإنّ البغل لا نسل له فلا يفرّق فيه بين الخصي وغيره ، وليس هو كالفرس المطلوب فيه الولد حتى يكون الخصاء فيه عيباً ، وكذلك العبد لأنّ الخصي منه مما يطلبه جماعة من العقلاء ويرغبون فيه فلا تنقص قيمته ، وفي مثله إذا تصرّف فيه بعد العلم به يسقط الردّ لا محالة ، لما تقدّم من أنّ التصرّف مسقط للردّ كما يسقط الأرش إذ لا فرق بين قيمتي الصحيح والمعيب ، هذا.

ولا يخفى أنّ الأنسب بكتاب شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) وبه أن لا يعدّ التصرّف من جملة الأمور المسقطة للردّ والأرش ، لأنّ الفرض أنه يسقط الردّ فقط وأمّا الأرش فهو لا يسقط من جهة التصرف بل من جهة عدم الفرق بين الصحيح والمعيب بحسب القيمة ، هذا أوّلاً .

وثانياً : أن الكلام فيما ثبت فيه الأرش والردّ ولكن نتكلّم في أنّهما يسقطان بأي شيء ، وقد تقدّم أنّ العيب الذي لا ينقص القيمة لا يثبت به الأرش أصلاً ، أمّا بحسب الأخبار فلانصرافها إلى عيب يوجب تفاوتاً في قيمة المبيع ولا تشمل ما لا فرق بين صحيحه ومعيبه ، لأنّ العيب لا يصدق عليه ، إذ المراد به ليس مجرد النقص عن الخلقة الأصلية وإلّا لكان الختان من جملة العيوب الموجبة للأرش ، بل المراد به


1) الوسائل 18 : 104 / أبواب أحكام العيوب ب 4 ح 7 .

هو ما يوجب نقص قيمة المال . وأما بحسب بناء العقلاء فلما عرفت من أنهم لا يعدون مجرد النقص عن الخلقة الأولية عيباً ، وعليه فلا أرش في المقام حتى يسقط بالتصرف أو بشيء آخر .

وثالثاً : أنّ التصرف على إطلاقه لا دليل على إسقاطه الخيار إلّا فيما ثبت فيه نص كالجماع أو قصد به الاسقاط ، وأمّا في غيرهما فلا ، وما ثبت في بعض الخيارات من سقوطه بالتقبيل واللمس ونحوهما قد عرفت أنه مختص بمورده من باب التعبّد .

وبالجملة : أنّهم عدّوا من جملة المسقطات لكل من الردّ والأرش التصرف في المبيع المعيب الذي لا يتفاوت قيمته السوقية بالعيب وصحيحه ومعيبه ع-لى ح-دّ سواء ، فيكون الأرش ساقطاً لعدم التفاوت بين صحيحه ومعيبه ، وكذا الردّ لأنّ التصرف في المبيع المعيب يسقط الخيار ، وأورد عليه بأنّ هذا يوجب ضرر المشتري لعدم تمكّنه من الردّ ولا الأرش وصبره على المعيب ضرر ، وردّ بأن الضرر المالي منتفٍ على الفرض إذ لا تفاوت بين صحيحه ومعيبه بحسب القيمة ، وتخلّف الغرض الشخصي لا يوجب الضرر (لأنّ الضرر هو النقص في المال أو النفس أو العرض) .

وتفصيل الكلام في هذا المقام أن يقال : العيب غير الموجب للنقص بحسب القيمة كالخصاء في العبد والديك ونحوهما إمّا أن نمنع عن صدق الع--ي-ب ع-لي-ه ك-ما منعناه ، لأنّ الوصف غير الدخيل فى مالية المال لا يكون مقصوداً للعقلاء ولا يشترطونه ارتكازاً ولا يرون تخلّفه من تخلّف الشرط الضمني فلا يثبت به الخيار وقد عرفت أنّ الخيار في العيب على القاعدة ومن أجل تخلف الشرط وإن كان الأرش ثابتاً من جهة الأخبار، وإمّا أن نقول بصدق العيب على مثله .

وعلى الأول لا خيار للمشتري لا قبل التصرف ولا بعده إذ لا عيب ، وقد مرّ أنّ ذلك من باب السالبة بانتفاء الموضوع ، فلا مقتضي للخيار حتى يسقط بالتصرف وهذا ظاهر .

وأمّا على الثاني فهو وإن كان مقتضياً للخيار كما يقتضيه التكلّم في المسقط بعد الفراغ عن ثبوت الخيار في المقام ، إلّا أنّا ذكرنا أنّ التصرف ليس مسقطاً تعبّدياً وإنّما يوجب السقوط فيما إذا قصد به الاسقاط وكان مشعراً برضاه بالسقوط ، فإن كان التصرف من هذا القبيل فلا محالة يسقط به الخيار إلّا أنه غير موجب لضرر المشتري لأنه بنفسه يسقط خياره بالاسقاط الفعلي كما هو المفروض ، وأمّا إذا لم يكن التصرف مشعراً بالرضا ولم يدلّ على الاسقاط فلا دليل على سقوط الخيار حتى يدعى أنه يوجب الضرر على المشتري .

و ممّا ذكرناه يظهر أنّا إذا منعنا عن صدق العيب على مثل الخصاء ولكنّا علمنا خارجاً أنّ المشتري يشترط عدمه في المبيع وأنّ غرضه متعلق بالعبد المتصف بجميع الأوصاف الخلقية فلا محيص من الالتزام بالخيار حينئذ أيضاً ، إلّا أنه ليس بخيار العيب وإنّما هو خيار تخلّف الشرط وهذا الخيار لا يسقط إلّا باسقاطه قولاً أو فعلاً ، فإن كان التصرف كاشفاً عن رضاه بالعيب وإسقاطه الخيار فهو وإلّا فلا يكون التصرف موجباً للسقوط حتى يدّعى أن المشتري يتضرّر بذلك .

ومن جملة الموارد التي قالوا فيها بعدم الردّ والأرش : ما إذا كان المبيع معيباً بالعيب السابق ، أي ما لا يوجب تفاوتاً في قيمة المال صحيحاً ولا معيباً ولكن حدث فيه حدث عند المشتري كالعبد الخصي إذا صار أعمى عند المشتري أو كسر رجله ، فلا أرش حينئذ لعدم تفاوت قيمة العبد بالخصاء ولا رد لأنّ إحداث الحدث مانع عن الردّ بالعيب السابق ، وقد اعترف شيخنا الأنصاري (1)بلزوم الضرر على المشتري في هذه المسألة ، لأنّ صبره على المعيب من دون ردّه ولا الأرش يوجب الضرر لا محالة ، هذا .


1) المكاسب 5 : 327 .

ولا يخفى أنّ ما ذكرناه في المسألة المتقدّمة يأتي في المقام بتفاوت يسير ، لانّا إن معنا عن صدق العيب على مثل الخصاء كما هو الحق وقد مرّ فلا خيار للمشتري حتى يسقط بحدوث الحدث ولا ضرر مالي عليه لعدم تفاوت قيمة العبد بالخصاء وتخلّف الأغراض الشخصية لا يعدّ ضرراً كما تقدّم . وإن بنينا على أنه عيب فهو وإن كان يوجب الخيار في المقام إلّا أنّا لا نلتزم بسقوطه بحدوث الحدث في خصوص المقام ، لأنّ العمدة في مانعية حدوث الحدث روايتان (1)إحداهما : رواية زرارة وفيها حكم الإمام (عليه السلام) بأنّه إذا أحدث حدثاً في المعيب يترتّب عليه أمران مضيّ العقد عليه وثبوت الأرش له . وثانيتهما : مرسلة جميل وفيها أنّ العين إذا لم تبق بعينها تلزم المعاملة ويثبت الأرش، وكلتاهما تدلّان على أنّ إحداث الحدث إنّما يمنع عن الخيار في مورد قابل لثبوت الأرش ، لأنّ المترتّب على إحداث الحدث أمران : مضي البيع وثبوت الأرش، ففيما لا يثبت الأرش لا يمضي عليه البيع باحداث الحدث ، وعليه فلا تشمل الأخبار سقوط الردّ باحداث الحدث في المعيب الذي لا أرش فيه ، ولا أقل من اجمال المراد والشك في شمولها لمثل المقام الذي لا يثبت فيه أرش ، فإذن نرجع إلى عمومات الخيار ومعها لا حاجة إلى التمسّك بالاستصحاب كما صنعه شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) وكيف كان فلا نلتزم بسقوط الردّ في المقام .

ومن ذلك يظهر الكلام فيما إذا صرّح أو قامت القرينة الخارجية على اشتراط المشتري عدم الخصاء في الخصاء في العبد مثلاً مثلاً وكونه باقياً على خلقته الأوّلية فإنه يثبت به الخيار ، إلّا أنه خيّار تخلّف الشرط وله الردّ بهذا الخيار ، وهو لا يسقط بحدوث الحدث ، إذ لا دليل على سقوط خيار تخلّف الشرط باحداث الحدث ، مثلاً إذا اشترط الكتابة في العبد وظهر العبد غير كاتب وتعيب عند المشتري بالعمى


1) الوسائل 18 : 30 / أبواب الخيار ب 16 ح 2 ، 3 .

(نستجير بالله تعالى منه ومن أمثاله) أو بغيره فلا يسقط بذلك الخيار وله ردّ العبد إلى مالكه ، إلّا أنّ اللازم في ردّ المبيع الذي تعيّب عند المشتري سواء كان رده بخيار العيب أو بخيار تخلّف الشرط ردّ الأرش إلى البائع ، لأنّ مقتضى قانون الفسخ ردّ كل من المالين إلى مالكها كما أخذ ، وحيث إنّ المبيع كان صحيحاً من جهة العيب الحادث عند المشتري عند أخذه فعليه أن يردّه إلى مالكه صحيحاً من هذا العيب بردّ مثله أو بدله .

ومنه يظهر أنّ هذا الأرش ليس هو الأرش الاصطلاحي أعني التفاوت بين صحيحه ومعيبه والأخذ بتلك النسبة من الثمن المسمّى ، بل الأرش في المقام بمعنى رد تفاوت القيمة الواقعية إلى البائع ، لأنه من جهة ضمان اليد لا المعاوضة كما تقدّم سابقاً وسيأتي إن شاء الله تعالى في أحكام الخيار أيضاً ، وبذلك يرتفع الضرر عن البائع .

ومن جملة الموارد التي عدّوها من مسقطات الردّ والأرش : ما إذا كان العوضان متجانسين وجنسين ربويين وتصرّف فيه المشتري أو حدث فيه حدث عنده بناءً على عدم جواز أخذ الأرش للمشتري في المتجانسين لاستلزامه الرب-ا الحرام ، وأمّا بناءً على ما قدّمناه من جواز أخذ الأرش لأنه غرامة ولا يوجب الربا في المعاوضة فلا يكون التصرّف فيه حينئذ موجباً لسقوط كل من الردّ والأرش فهذه المسألة مبنية على عدم جواز الأرش في الربويين كما لا يخفى .

و لنقدّم الكلام فيما إذا تصرف في المبيع ونقول : قالوا بأن التصرف فيه يوجب سقوط كل من الردّ والأرش. أمّا سقوط الأرش فلأجل أنه يستلزم الربا الحرام وأمّا الردّ فلأنّ التصرّف من أحد موانع الردّ ويجري في ذلك ما ذكرناه في سابقه من أن التصرف لا دليل على كونه مسقطاً اللهمّ إلّا فيما إذا كان مؤذناً بالرضا وإسقاط الخيار ، فإن كان التصرف في المبيع الربوي من هذا القبيل فلا محيص من الالتزام فيه

بسقوط كل من الردّ والأرش ، أمّا الأرش فلفرض استلزامه الربا ، وأمّا الردّ فلأجل أنّ الفرض أنّه أسقط خياره برضاه ، وأمّا إذا لم يكن التصرف مؤذناً برضاه فلا وجه لكونه مسقطاً للردّ بوجه . وأما ما ورد (1)في بعض الخيارات من أنّ اللمس والتقبيل موجب للسقوط فهو مخصوص بمورده ومن باب التعبد ، هذا كله في التصرف .

وأمّا إذا حدث في المبيع الربوي حدث عند المشتري ففي كونه مانعاً عن الردّ ما تقدّم في سابقه من أنّ دليلي مانعية حدوث الحدث قاصران من الشمول لما لا يثبت فيه الأرش ، وحيث إنّ الأرش لا يثبت في المقام فلا يكون حدوث الحدث فيه مانعاً عن الردّ ، وعليه فللمشتري أن يردّ المبيع الربوي المعيب إلى بائعه ولو مع حدوث عيب جديد عنده ، غاية الأمر أن البائع يجوز له مطالبة قيمة الع--ي-ب الحادث عند المشتري كما تقدّم .

ثم إنّ للعلّامة (قدّس سرّه) (2)في خصوص هذه الصورة أعني حدوث الحدث في الربوي كلاماً ويمنع فيه عن جواز ردّ المبيع المعيب الربوي إلى البائع عند حدوث الحدث فيه عند المشتري، ولكن لا من جهة أنّ حدوث الحدث مانع عن الرد حتى يرد عليه ما تقدّم من أنّ دليل ما نعية حدوث الحدث قاصر عن الشمول لموارد عدم ثبوت الأرش بل من جهة أخرى كما سيتّضح إن شاء الله تعالى ، وحاصل ما أفاده في وجه المنع مع ضميمة كلام شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (3)إلي-ه ي-بتني على مقدّمتين :


1) الوسائل 18: 13 / أبواب الخيار ب 4 ح3 .

2) التذكرة 11 : 131 .

3) المكاسب 5 : 329 .

الأولى : أنّ وصف الصحة لا تقابل بالمال في خصوص العوضين الربويين وإنما تقع المبادلة بين ذات الثمن وذات المثمن ، وإلّا فلو قوبلت الصحة بالمال في الربويين لبطلت المعاملة من الابتداء لا أنّها تقع صحيحة من الابتداء لا أنها تقع صحيحة ويمنع عن أخذ الأرش فيها ، والوجه في ذلك أنه إذا باع عشرة قرانات بعشرة قرانات معيبة وفرضنا أنّ وصف الصحة في المبيع قد قوبل بقران واحد فمعناه أنه باع عشرة قرانات بتسعة قرانات ، لأنّ القرآن الواحد إنما وقع في مقابل وصف صحة القرانات العشرة لا في مقابل ذاتها فيلزم الربا في المعاملة وتبطل ، فوصف الصحة في الربويين لا يمكن مقابلته بالمال بحكم الشارع لاستلزامه الربا ، بل المعاملة وقعت بين الذات-ي-ن ك-ما عرفت .

الثانية : أنّ مقتضى الفسخ والردّ هو ردّ ما بذل بازائه المال إلى مالكه ، وأمّا ردّ شيء آخر غير ما بذل بازائه المال فلا يوجبه الفسخ ، ومن هنا ذكروا في الاقالة أنها لا تصح بنقصان أو زيادة ، فإذا اشترى مالاً بخمسمائة دينار ثم أرادا الاقالة لابدّ من الاقالة بردّ المال إلى مالكه وردّ خمسمائة إلى المشتري فلو أقاله بأربعمائة وخمسين ديناراً بطلت لأنه ليس معنى الاقالة والفسخ ، نعم لهما أن يتبايعا بنقصان ببيع آخر مستقل أمّا الاقالة فلا ، وهذا من دون اختصاصه بالربويين وغيرهما ، فلا وجه لما يستفاد من ظاهر كلام السيد في حاشيته (1)من تخصيص عدم جواز النقصان في الاقالة بالربويين .

وبالجملة : أنّ مقتضى قانون الفسخ ردّ ما قوبل بالمال إلى مالكه وأخذ المال المبذول بازائه ، وعلى هاتين المقدّمتين إذا أراد المشتري للمبيع الربوي المعيب ردّه وفسخ المعاملة مع حدوث عيب فيه عنده فلابد من أن يردّه إلى مالكه ويأخذ الثمن


1) حاشية المكاسب ( اليزدي ) : 89 من مبحث الخيارات .

من دون أن يضمن عيب الحادث عنده ، وذلك لما عرفت بمقتضى المقدّمة الأولى أنّ وصف الصحة من جهة هذا العيب الحادث وكذا من سائر الجهات لا يقابل بالمال وعرفت بمقتضى المقدّمة الثانية أنّ مقتضى قانون الفسخ ردّ ما بذل بازائه المال إلى مالكه ، وما قوبل بالمال وبذل بازائه الثمن هو ذات المبيع لا هو مع وصف الصحة حتى يلزمه ردّه وردّ وصف صحته ، فلا موجب ولا ملزم لردّ وصف الصحة أو بدله ، فلو ردّ لابدّ من أن يردّ ذات المبيع ولو مع تعيّبه عند المشتري ، وحيث إنّ هذا يوجب ضرر البائع لتعيّب ماله عند المشتري وعروض النقص في قيمته مع عدم جواز مطالبته المشتري ببدله لأنه بلا موجب ، فلا محيص من أن يحكم في المقام بعدم جواز الردّ لا مع ضمان العيب الحادث لأنه بلا موجب ولا بدونه لأنه ضرر فاحش على البائع ، إذ لو حكمنا بضمان المشتري لوصف الصحة فمعناه أنه قد قوبل بالمال في المعاملة وقد عرفت أنه يستلزم الربا فت أنه يستلزم الربا الحرام، وهذا وجه عدم جواز الردّ عند حدوث العيب عند المشتري في المبيع الربوي المعيب .

وذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) أنّ حال وصف الص-ح-ة ح--ال س--ائر الأوصاف كوصف الكتابة في العبد فإنّها إذا زالت عند المشتري وأراد الفسخ لا يجب عليه ردّ عوض ذلك الوصف ، هذا .

ولا يخفى أنّ ما أفاده (قدّس سرّه) من أنّ وصف الصحة لا يقابل بالمال وإن كان كما أفاده ويستلزم الربا أيضاً إلّا أنّه لا يختص بالربويين بل في جميع الموارد لا يمكن أن يقابل وصف الصحة بالمال وإلّا للزم اشتغال ذمّة البائع بالأرش م-ن ح-ين المعاملة ، لأنه لم يدفع عوض ما يقابل وصف الصحة فلو مات لأخرج من تركته بلا وقف على مطالبة المشتري ، مع أنهم ذكروا أنّ الأرش إنما يثبت بمطالبة المشتري لا من حين المعاملة .

ثم إنّ اللازم في الفسخ هو ردّ ما أخذه وإن لم يقابل بالمال إلّا أنّه كان دخيلاً

في مالية المال ، فوصف الصحة وإن لم يقابل بالمال إلّا أنّ له مدخلية في ماليته وقيمته فلابدّ من ردّه إلى البائع عند الفسخ ، وعليه لا وجه لما سلّمه شيخنا الأنصاري من عدم وجوب ردّ غير الصحة من الأوصاف كالكتابة مثلاً ، بل وصف الصحة كغيرها من الأوصاف التي لها مدخلية في مالية المال لابدّ من ردّها إلى بائعها إمّا بنفسها أو ببدلها ، فإذا تعيّب المبيع عند المشتري وأراد فسخ المعاملة لابدّ من أن يدفع إلى البائع بدل وصف الصحة في المبيع ، وليس هذا موجباً للربا في أصل المعاملة ، إذ الفرض أنّ المعاملة وقعت بين الذاتين بلا زيادة ، ولا يلزم الربا بدفع الأرش لأنه ليس معاوضة بل إنما هو فسخ المعاوضة السابقة ورفعها بارجاع العوضين إلى مالكها ولا ربط له بالمعاملة ، فيكون حال ضمان الصحة في المقام كحاله في غيره ، نظير ضمان الصحة في المقبوض بالسوم كما ذكره بعضهم أو المغصوب إذا أراد رده فإنه إذا تعيّب في يد المشتري أو الغاصب يجب عليهما ردّ عوضها ، لا من جهة الضمان المعاملي بل من جهة ضمان اليد ، فلا زيادة في المعاملة حتى يتوهم فسادها من جهة الربا كما لا يخفى ، وحيث إنه أخذه صحيحاً في المقام وقد وجب أن يدفعه إليه كذلك بنفسه أو بدله ، فقيمة الصحة المفقودة من جهة ضمان اليد الذي يقتضيه رفع المعاملة وفسخها . فتحصّل أنّه لا مانع من أن يردّ الربوي المعيب ولو مع حدوث عیب جديد عنده ولكن مع دفع عوض الوصف الفاقد .

ثم إنّا إذا قلنا بجواز أخذ الأرش في الربويين كما تقدّم في محلّه لأنه غرامة غير موجبة للربا ، وقلنا بأنّ حال الربويين كغير الربويين من حيث جواز الردّ والأرش أو قلنا بعدم جواز أخذ الأرش للعيب السابق في الربويين ولكن رخّصنا في ردّه مع ردّ قيمة الوصف الزائل والعيب الحادث فلا كلام ولا إشكال كما تقدّم .

وأمّا إذا قلنا بعدم جواز أخذ الأرش لاستلزامه الربا في الربويين وقلنا بعدم جواز رده مع ردّ قيمة الصحة الزائلة عند المشتري لأنه أيضاً مستلزم للربا كما ذكره

العلّامة (قدّس سرّه) فيشكل الأمر من حيث إنّ المشتري لا يتمكّن من ردّ المعيب الربوي إلى البائع مع حدوث عيب عنده مجّاناً ، لأنه موجب لخسارة البائع وتضرّره فلا يمكن إجباره عليه ، ولا يتمكن المشتري من أخذ أرش العيب السابق لأنه يستلزم الربا على الفرض ، وصبره على المعيب وعدم ردّه وأخذ أرشه ضرر عليه أي على المشتري ، لأنّ ما اشتراه معيب سیّما إذا كان العيب موجباً لنقصان قيمته بالكلّية فماذا يصنع المشتري حينئذ .

فقد ذكروا حينئذ وجهاً آخر وهو أنّ ردّ المشتري لا يسقط بحدوث الحدث من أصله غاية الأمر أنه يردّ مثل المبيع المعيب بعيب سابق بلا تعيّبه بالعيب الحادث عند المشتري ، وإذا لم يوجد مثله كما لا يوجد غالباً لقلّة تساوي المثل معه في مقدار العيب وعدم زيادته ونقصانه فيدفع قيمة المعيب بالعيب السابق غير المتّصف بالعيب الجديد الحادث عند المشتري ، وذلك لأنّ الضرورات تتقدر بقدرها ، وإنّما حكمنا بعدم جواز الردّ للمشتري لأنّه مع عوض الصحة التالفة رباً وبدونه ضرر على البائع ، وأمّا ردّه بلا ربا ولا ضرر على البائع فلا مانع عنه ، فيكون المبيع الموجود كالتالف من جهة حدوث العيب الجديد وموانع الردّ كما أخذ ، وبعد تلفه ينتقل الأمر إلى مثله أو قيمته ، ومن هنا يظهر أنّ البائع لو رضي بردّ المعيب مع عيبه الجديد بلا ردّ شيء زائد لما كان من ردّ نفس المعيب مانع ، لأنّ المانع من ردّه بلا عوض هو تضرر البائع فلو ألغي حقّه فله ذلك .

ومن جملة المسقطات لكل من الردّ والأرش : تأخير الأخذ بمقتضى الخيار حكى شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (1)عن الغنية (2)أن التأخير في إعمال


1) المكاسب 5 : 332 .

2) الغنية : 222 .

الخيار يسقط الردّ والأرش لأنّ الخيار فوري ، وادّعى عدم الخلاف في ذلك . وعر الوسيلة (1)والمبسوط (2)أنّ التأخير يسقط الردّ خاصة دون الأرش ، وعن الكفاية (3)والحدائق (4)أنّ الخيار على التراخي وأنّ التأخير لا يسقط الردّ ولا الأرش ، وادّعيا عليه عدم الخلاف فكأنّها لم يلتفتا إلى مخالفة الغنية في المقام .

وكيف كان فلابدّ من التكلّم في مقامين : أحدهما : في ثبوت المقتضي للخيار مع التأخير . وثانيهما : في وجود المانع عن الخيار حينذاك ، فإذا أثبتنا المقتضي للخيار وعدم مانعية التأخير عنه فلا يكون التأخير مسقطاً لشيء ، وأمّا إذا كان المقتضي قاصراً أو كان المانع موجوداً وهو التأخير فلا محالة يكون التأخير مسقطاً للخيار .

أمّا المقام الثاني : فالظاهر أنّ تأخير إعمال الخيار وإبقاء المعيب عنده لا يكون مانعاً عن الخيار ، لأنّ الابقاء ينشأ تارةً عن عدم التفات المشتري إلى خياره كما إذا لم يعلم أن له خيار العيب ، وأخرى عن تساهله ومسامحته في أفعاله ، وثالثة عن رضاه بالمبيع إلى غير ذلك من الدواعي ، ولا ينحصر داعي الابقاء في الرضا بالمبيع حتى يحمل التأخير عليه ، إذ يحتمل معه غيره من الدواعي لأنها كثيرة .

ثمّ لو سلّمنا أنه من جهة داعي الرضا بالمبيع فلا دلالة له على رضاه بالمعيب أي العيب . والمتحصّل أنّ التأخير لا يوجب إسقاط الخيار بطرفيه أو لا يسقط الأرش كما عرفت فلا مانع عن الخيار مع التأخير .


1) الوسيلة : 256 .

2) المبسوط 2: 139 .

3) الكفاية : 94 .

4) الحدائق 19 : 117 .

وأمّا المقام الأول : فثبوت المقتضي للخيار مبنيّ على وجود الاطلاق في دليل الخيار ، فعلى تقديره يثبت المقتضي وإلّا فعمومات اللزوم محكّمة ، وذلك لأنّ المقام يدور أمره بين التمسّك بعموم العام وبين الرجوع إلى استصحاب حك-م المخصص على تقدير عدم الاطلاق في المخصص كما ذكره شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) وذلك لأنّ مقتضى العمومات أنّ المعاملة لازمة في جميع الأزمان سيّما مثل قوله (عليه السلام) « لا يحل مال امرئ» الخ (1)لأنّا ذكرنا أنّه انحلالي ومعناه أنه لا يحل في هذا الآن والآن الثاني والثالث وهكذا ، وكذا غيره من العمومات كقوله تعالى : (لَا تَأْكُلُوا)(2)و « الناس مسلّطون » (3)وغيرهما ، والمقدار المتيقّن من تخصيصها إنما هو الآن الأول عرفاً ، فيكون الخيار فورياً ، ومع تلك العمومات الزمانية لا يبقى للاستصحاب مجال ، فإن كان لدليل المخصّص والخيار إطلاق فهو وإلا فيكتفى في الخروج عن مقتضى العمومات بالمقدار المتيقّن .

والانصاف أنّ إطلاق أدلّة الخيار ممّا لا يقبل الانكار فإنّ في مرسلة جميل على تقدير الاعتماد عليها جعل المناط في الردّ بقاء العين بحالها مطلقاً في الآن الأول أو الثاني في هذا الاسبوع أو الاسبوع الآتي ، فالمناط بقاء العين بحالها في أي زمان كان .

وأمّا رواية زرارة فقد علّقت الخيار على عدم إحداث الحدث في شراء العين المعيبة غير المتبرى إليه وغير المبيّن له مطلقاً كان في يوم أو أكثر ، فالأدلّة مطلقة وعليه فلا يكون الخيار فورياً ، وما أفاده شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) من أنّ


1) الوسائل 5 : 120 / أبواب مكان المصلي ب3 ح 1.

2) النساء 4 : 29 .

3) عوالي اللآلي 3 : 208 - 49 ، بحار الأنوار 2 : 272 .

الروايات لا إطلاق لها وإنّما سيقت لبيان أصل الخيار ممّا لا وجه له ، هذا كلّه بالاضافة إلى الردّ .

وأمّا الأرش فلا وجه لتوهم اختصاصه بالزمان الأول أبداً ، فإنّ ما دلّ على ثبوت الأرش كالروايتين المتقدّمتين لم يقيّده بزمان ، بل دلّت على أنّ إحداث الحدث وعدم بقاء العين بحالها في المعيب يثبت له الأرش بلا تقييد بزمان ، وعليه فلا تعتبر الفورية في الخيار في المقام وإن قلنا باعتباره في الغبن من جهة عدم إطلاق في دليله .

فالصحيح من الأقوال المتقدّمة ما ذكره في الحدائق والكفاية من أنّ التأخير لا يسقط الردّ ولا الأرش ، ولكن شيخنا الأنصاري لما منع من إطلاق أدلة الخيار ورأى العمومات شاملة للمقام فمن باب الاكتفاء في تخصيصها بالمقدار المتيقّن التزم بكون التأخير مسقطاً للردّ دون الأرش ، لما عرفت من أنّ الأرش لا وجه لتوهّم اختصاصه بزمان دون زمان ، وهذا هو قول المبسوط والوسيلة .

وللسيد (قدّس سرّه) (1)في المقام حاشية غريبة حيث علّق على قول شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) « بناءً على ما تقدّم في سائر الخيارات من لزوم الاقتصار في الخروج عن أصالة اللزوم الخ » ما هذا لفظه : الظاهر أنّ في العبارة سقطاً وهو مثل قوله « وكيف كان فالحق سقوطهما معاً بناءً الخ » .

ولا يخفى أنّ العبارة صحيحة ولا سقط فيها ، فإنّ معناها ما ذكرناه من أنّ مقتضى العمومات لزوم المعاملة في جميع الحالات والآنات ، وإنما نخرج عنها في الزمان المتيقّن وهو الآن الأول ، فيكون الخيار فورياً ويكون التأخير مسقطاً للردّ وأمّا الأرش فقد مرّ أنه لا وجه لتوهم سقوطه ، وهذه الحاشية منه غريبة ، هذا تمام


1) حاشية المكاسب اليزدي ) : 90 من مبحث الخيارات .

الكلام فيما عدّوه من مسقطات كل من الردّ والأرش ، ويقع الكلام بعد ذلك في أحكام البائع مع علمه بالعيب .

القول في وجوب الإعلام بالعيب

البائع إن لم يعلم بالعيب في المبيع فلا كلام فيه ، وأمّا إذا علم بالعيب فهل يجب عليه الإعلام بالعيب مطلقاً أو لا يجب كذلك بل يستحبّ ، أو أنه يتخيّر بين الإعلام والتبرّي من العيب ، أو أنّ هناك تفصيلاً بين العيب الجلي كالعمى في العبد فلا يجب البيان وبين العيب الخفى فيجب عليه الإعلام مطلقاً أو مخيّراً بينه وبين التبري فالأقوال خمسة ولكل قائل . ومبنى جميع هذه الأقوال الخمسة كما ذكره شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) على صدق الغش في بيع المعيب وعدمه بعد ما تقدّم في المكاسب المحرمة (1)من أنّ الغش حرام في الشريعة المقدّسة(2)، فيكون الكلام والبحث في أنّ الغش هل ينطبق على المقام أو لا ينطبق بعد مفروغية حرمة الغش ، وأمّا صحة المعاملة أو فسادها فسيأتي الكلام فيها بعد ذلك إن شاء الله تعالى .

وربما يقال والقائل هو السيد (قدّس سرّه) في حاشيته (3)بعدم صدق الغش على بيع المعيب مع السكوت عن ذكر عيبه وملخّص ما أفاده في وجه ذلك : أنّ الغش وإن كان في مقابلة النُصح إلّا أنّهما ليسا من النقيضين أو من الضدّين اللذين لا ثالث لهما ، بل بينهما واسطة ككل من لا يشتغل بالمعاملة ولا بشيء آخر فإنه لا


1) مصباح الفقاهة 1 (موسوعة الإمام الخوئي 35) : 461 .

2) المكاسب 5 : 336 .

3) حاشية المكاسب (اليزدي ) : 90 من مبحث الخيارات .

غاش ولا ناصح ، نعم ربما يكون البائع ناصحاً فيقول للمشتري إنّ مالي هذا معيب ولا إشكال في حسنه ، وأخرى يكون غاشاً كمن باع ماله مع العلم بعيبه ورداءته إلّا أنه وصفه بأوصاف كذا على خلاف الواقع فإنه أيضاً غش محرّم ، وثالثة يبيعه مع العلم بعيبه إلّا أنه يسكت في مقام البيع ولا يوصفه ولا يبيّن عيبه ، فلا يكون مثله ناصحاً ولا غاشاً ، فإنّ المشتري هو الذي غفل ولم يسأل عن عيبه ولم يدقّق الحال وسامح في الاشتراء ، فلا يكون البيان واجباً عليه حينئذ ولا يصدق عليه الغش كما هو ظاهر .

وملخّص ما ذكره (قدّس سرّه) أنّ الغش ليس أمراً عدمياً أعني عدم النصح حتى يصدق الغاش على كل من ترك النصح بل بينهما واسطة ، فمجرد بيع المعيب بلا نصح لا يدخل في الغش ، نعم لو أبرزه بصورة الصحيح أو سئل عنه ولم يبيّن العيب لا محالة يكون غاشاً ، وهذا من دون فرق بين العيب الخفي والجلي ، وقد ورد في جواز ترك بيان الجلي رواية وهي صحيحة محمد بن مسلم (1)في من خلط الحنطة الردية بالجيّدة فقال (عليه السلام) لا بأس به إذا رئيا ، هذا ملخّص كلامه (قدّس سرّه) وهو إيراد منه على ما هو ظاهر كلام شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) من حرمة ترك الإعلام في المخفي والجلي هذا .

ولا يخفى أنّ ترك إعلام العيب من البائع وسكوته عنه غش محرّم بلا فرق في ذلك بين الخفي والجلي ، وذلك لما تقدّم من أنّ بيع البائع بلا بيان العيب التزام م-ن-ه بسلامة المبيع وإخبار منه بأنه صحيح ، وبذلك أثبتنا للمشتري الخيار وقلنا إنه إذا ظهر فيه عيب يثبت للمشتري الخيار لأجل الاشتراط عند العقلاء بلا حاجة في ذلك إلى الأخبار ، لما تقدّم من أنّ الخيار عند تخلّف الشرط على القاعدة ، وليست في


1) الوسائل 18 : 112 / أبواب أحكام العيوب ب 9 ح 1 .

أخبار خيار العيب تأسيس للخيار وإن كانت مؤسسة للأرش لأنه التزم بسلامة المبيع ببيعه عند العقلاء ، بل قد عرفت أنّ الالتزام المعاملي معلّق على التزام البائع بصحة المبيع ، وذكرنا أنّ مثل هذا التعليق لا يمنع عن صحة العقد (لأنه تعليق على أمر حاصل بالفعل ويعلمان به وهو مقوّم لصحة المعاملة) وقد عرفت أيضاً أنّ معنى الالتزام بوجود الأوصاف الخارجة عن اختياره هو جعل الخيار على تقدير عدمه كما أنّ معنى الالتزام بالأعمال أي شرطها يستلزم الخيار على تقدير عدمها ، مضافاً إلى الحكم التكليفي المتعلّق بإيجاد ما التزم به لعموم « المؤمنون عند شروطهم »(1)وهذا هو الفارق بين الالتزام بالوصف والالتزام بالعمل فراجع .

وكيف كان ، سواء قلنا بأنّ المعاملة معلّقة على الالتزام بصحة المبيع أم لم نقل تقدّم أنّ بيع البائع بلا بيان العيب التزام عند العقلاء بصحة المبيع وإخبار عملي بصحته وعدم عيبه ، فإذا كان الأمر كذلك فلا محالة يصدق عليه الغش لأنه أخبر بعمله عن صحته مع أنه معيب وأبرزه وأظهره صحيحاً وهو في الواقع معيب وهذا من الغش المحرّم في الشريعة المقدّسة وقد قال (صلى الله عليه وآله) : « ليس منّا من غش مسلماً »(2)وهذا بلا فرق بين العيب الخفي والجلي ، نعم لو كان الجلاء بمثابة يعلم به المشتري ولا يجهل به لعمى في بصره أو لعدم كونه من أهل الخبرة بالشيء بحيث علم بالعيب وكان عنده . مبيّناً فلا يجب الإعلام والبيان لأنه من اللغو الظاهر حينئذ إذ المفروض أنه عنده معلوم ، فالمناط هو علم المشتري بالعيب وعدمه لا مجرّد كون العيب جلياً وإن لم يظهر للمشتري لمانع ونحوه .

ونتيجة ما ذكرناه وجوب الإعلام بالعيب خفياً كان أم جلياً . نعم هذا


1) الوسائل 21 : 276 / أبواب المهور ب 20 ح 4 .

2) الوسائل 12 : 241 / أبواب أحكام العشرة ب137 ح1 .

الوجوب وصدق الغش على ترك الإعلام يختص بما إذا لم يتبرّأ البائع من العيب فإنه إذا تبرّأ منه معناه أنه لا يلتزم بصحة المبيع ولا يخبر بسلامته بعمله ، سواء كان عالماً بعيبه أيضاً أم لم يكن ، وسواء أخبر بعيبه أم لم يخبر به حتى مع سؤال المشتري إلّا أنه يتبرّأ من العيب فإنه يخرجه عن الالتزام بسلامة المعيب ، ولابدّ للمشتري من أن يحصّل الوثوق بصحته بأصالة السلامة أو بغيرها ، فمع تبرّي البائع إذا ظهر فيه عيب فلا يصدق عليه الغش لأنّ القصور أو التقصير حينئذ من ناحية المشتري حيث لم يتفحّص عنه مع تبرّي البائع . وعليه فاللازم على البائع أحد أمرين : إمّا الإعلام بالعیب وهو الأحوط أو التبرّي عنه حين المعاملة ، فالصحيح من الأقوال الخمسة هو القول الثالث أعني التخيير بين الإعلام والتبرّي ، هذا كلّه في الحكم التكليفي من حيث وجوب الإعلام وعدمه.

وأمّا الكلام في حكم المعاملة وضعاً وأنّ المعاملة مع الغش صحيحة أو فاسدة ، فقد حكي عن المحقّق الثاني والشهيد الثاني في جامع المقاصد (1)والمسالك(2)عدم بطلان المعاملة في مثل شوب اللبن ومزجه بالماء ، ثم أوردا على أنفسهما بأنّ المزج بغير الجنس يوجب جهالة مقدار المبيع لأنّه إنّما يشتري اللبن دون الماء ولا يعرف مقداره ، فالمعاملة باطلة للجهل بالمقدار ، وأجابا عنه بأنّ العلم بمقدار المجموع يكفي في صحة المعاملة ولا يشترط فيها العلم بمقدار كل واحد من الأجزاء كما لو باع ماله منضمّاً إلى مال الغير ثم ظهر أنه مستحق فتصح المعاملة في ماله ، هذا .

وتفصيل الكلام في المقام : أنّ العيب في المبيع تارةً غير مستند إلى المزج بغير


1) جامع المقاصد 4: 333 .

2) المسالك 3 : 129 و 285 .

الجنس كالعبد المعيب لمرض مزمن فباعه بلا إعلام وليس فيه مزج بغير الجنس . وأخرى يكون العيب مستنداً إلى المزج بغير جنسه ، وهذا تارة يوجب استهلاك الممتزج في ضمن المبيع كخلط مقدار قليل من الماء باللبن بحيث يستهلك فيه الماء ولا يصدق على مجموعها إلّا عنوان اللبن . وأخرى يوجب استهلاك المبيع في الممتزج كما إذا خلط مقداراً كثيراً من الماء باللبن بحيث صدق عليه عنوان الماء المضاف باللبن ولم يصدق عليه عنوان المبيع الذي هو اللبن . وثالثة يوجب المزج إيجاد ماهية ثالثة غير حقيقة المبيع وحقيقة الممتزج ب-ه ک-خلط الخلّ بالسكر الموجب لتحقّق السكنجبين وهو حقيقة ثالثة ورابعةً لا يوجب المزج الاستهلاك بوجه بل يصدق على المجموع عنوان كل من المبيع والممتزج به وهذا كخلط مقدار كثير من التراب في الحنطة من غير استهلاك أحدهما في الآخر كمزج م-نّ م-ن التراب في منّ من الحنطة بحيث يصدق عليه عرفاً أنه حنطة وتراب فهذه خمسة صور .

أمّا الصورة الأولى : أعني التعيّب من غير ناحية المزج بغير الجنس ف-لا ينبغي الاشكال في صحة المعاملة فيها غاية الأمر أنه ارتكب معصية بتركه الإعلام وإعماله الغش الحرام ، ولكن يثبت للمشتري الخيار ولا وجه لبطلان المعاملة حينئذ ، لأنّ النهي لم يتعلّق بعنوان المعاملة بل بعنوان الغش المقارن للمعاملة اتّفاقاً بل لو كان ملازماً معها أيضاً لما أوجب البطلان كما قرّر في محلّه وهو ظاهر .

وأمّا الصورة الثانية : وهي التعيّب بالمزج بغير الجنس مع استهلاك الممتزج في المبيع فهي أيضاً صحيحة وترك الإعلام لا يوجب إلّا معصية بلا استلزامه فساد المعاملة ، فإنّ المعاملة إنّما وقعت على عنوان اللبن والموجود أيضاً لبن عند العرف حسب الفرض ولم تتغيّر صورته النوعية ، فلا وجه لبطلان المعاملة ، نعم له الخيار لتعيّب المبيع وعدم خلوصه.

وأمّا الصورة الثالثة : وهي صورة استهلاك المبيع في الممتزج به بحيث لا يصدق عليه عنوان المبيع كاللبن ، فلا ينبغي الاشكال في فساد المعاملة حينئذ لأنّ قوام الشيء إنما هو بصورته النوعية وبتبدّلها يتبدّل إلى شيء آخر ، والمفروض أنّ الموجود ليس متلبساً بصورة اللبن بل هو عرفاً متّصف بالصورة النوعية المائية فهو غير المبيع والمبيع غير الموجود فالمعاملة باطلة (1).

ومنه يظهر الكلام في الصورة الرابعة ، لأنّ مزجها قد أوجد ماهية ثالثة وحقيقة أخرى غير حقيقة المبيع ، وحيث إنّ الصورة النوعية منتفية ومتبدّلة إلى غيرها فلا يصدق عليه عنوان المبيع فتبطل المعاملة لا محالة .

وأمّا الصورة الخامسة : وهي الخلط بلا استهلاك في البين بل مع صدق كل من عنواني المبيع والممتزج عليه بحيث يصدق عرفاً أنه حنطة مع التراب فهي التي يجري فيها إشكال جامع المقاصد والمسالك من أنّ مقدار المبيع وهو الحنطة مجهول .

وجوابهما : بأنّ العلم بمقدار المجموع كافٍ في صحة المعاملة ، دون الصور المتقدمة ، وحينئذ نلتزم بصحة المعاملة في خصوص الحنطة دون التراب لأنه خارج عن متعلّق العقد وإن كان مقدار الحنطة مجهولاً لما تقدّم في محله من أنّ العلم بمقدار المجموع كافٍ في صحة المعاملة .

فالمتحصّل : أنه لا يمكن الحكم بالفساد في جميع الصور ولا بالصحة كذلك ، بل لابدّ من التفصيل كما مرّ بالصحة في الصورة الأولى والثانية والفساد في الثالثة


1) وقد نقل سيدنا الأستاذ (دام ظلّه) أنه قيل لمن يشتري اللبن (دوغ) وكان ممزوجاً بماء كثير : إنه كلّ ما كثر ماؤه قل داؤه ، فأجابه المخاطب نعم ولكن مع حفظ مرجع الضمير في مائه (فإنه يرجع إلى اللبن) كناية عن أنّك قد أذهبت لأجل خلط الماء الكثير عنوان اللبن ، فلا لبن حتى يقال كلّما كثر ماء اللبن ، بل هو ماء .

والرابعة ، وأيضاً بالصحة في الصورة الخامسة .

القول في اختلاف المتبايعين

واختلافها تارةً من ناحية سبب الخيار وأنّ سببه موجود أو لا ، وأخرى يختلفان في المسقط بعد اتفاقهما على ثبوت الخيار فيختلفان في أنه هل سقط بمسقط أم لا ، وثالثة يختلفان في الفسخ وأنّ من له الخيار هل فسخ العقد أم لا .

الاختلاف في موجب الخيار

أمّا الاختلاف في موجب الخيار فهو يتصوّر على وجوه وصور نذكرها في ضمن مسائل :

الأولى : ما إذا اختلفا في وجود العيب في المبيع وعدمه ، وهذا تارةً مع العلم بحالته السابقة صحة أو عيباً وأخرى مع كون الحالة السابقة مجهولة لها.

فإن علما حالته السابقة من الصحة أو العيب فالقول قول مدّعي بقاء الحالة السابقة ، فإذا كان المبيع قبل وقوع المعاملة عليه معيباً ثم اختلفا في أنه هل كان كذلك حين وقوع المعاملة عليه أم كان حينها صحيحاً وادّعى المشتري أو البائع بقاء عيبه حين المعاملة وأنكره الآخر فالقول قول مدّعي البقاء على حالته الأوّلية للاستصحاب ، فإن كانت الحالة السابقة هي الصحة فلا نثبت هناك الخيار لعدم وقوع العقد على ما به عيب أو عوار بحكم الاستصحاب ، وإن كانت الحالة السابقة هو العيب يثبت بالاستصحاب كونه معيباً حال وقوع العقد عليه ، فأمّا وقوع العقد فبالوجدان وعيبه بالاستصحاب ، فيتحقّق موضوع الخيار وهو شراء ما به عيب أو عوار من دون فرق بين أن يكون مدّعي البقاء هو البائع أو المشتري وهذا ظاهر .

وأمّا إذا لم يعلم الحالة السابقة لكونها مجهولة أو لطروّ حالتين متضادّتين

عليه من الصحة والعيب ، فجرى استصحابها وسقطا بالتعارض أم لم يجر الاستصحاب في مثله من الابتداء لعدم المقتضي للجريان لعدم إحراز اتّصال اليقين بالشك ، وحينئذ إذا شككنا في أنه كان معيباً عند وقوع المعاملة عليه أم كان صحيحاً حينذاك فلا مانع من استصحاب عدم وقوع الشراء على المعيب بناءً على صحة جريان الاستصحاب في الأعدام الأزلية ، فإنّ المتيقّن هو تحقّق طبيعي الشراء وأمّا وقوع الحصّة الخاصة منه أعني الشراء المتعلّق بما فيه عيب فمشكوك فلا بأس باستصحاب عدم اتّصاف الشراء الموجود بكونه شراء المعيب نظير استصحاب عدم اتصاف المرأة المعيّنة بالقرشية ، ومن الظاهر أنّ موضوع الخيار هو وقوع الشراء على المعيب فإذا نفيناه بالاستصحاب فيرتفع الخيار لا محالة ، وتكون المعاملة لازمة ، هذا كلّه بناءً على صحة جريان الاستصحاب في الأعدام الأزلية كما هو الحق .

وأمّا إذا منعنا عن استصحابها فلا يبقى في البين أصل موضوعي وتنتهي النوبة إلى الأصل الحكمي ، لأنّا نشك في أنّ للمشتري أنّ يفسخ المعاملة أو يطالب البائع بالأرش أو ليس له الفسخ ولا المطالبة ، فلابدّ من التمسّك بأصالة اللزوم وأصالة بقاء ملكية المشتري بعد فسخ المعاملة (1)لأنّا ذكرنا أنّ الأصل بحسب العمومات المتقدّمة هو اللزوم في المعاملات وإنّما خرجنا عنها في خصوص البيع الواقع على المعيب وهو غير محرز في المقام ، وبما أنّا نشك في بقاء الملكية بعد الفسخ فنستصحب الملكية السابقة على الفسخ للمشتري وهو معنى أصالة اللزوم ، هذا .

ولا يخفى أنّ هذا الأصل أعني أصالة الملكية أو اللزوم لا تخلو عن مناقشة


1) وبراءة ذمة البائع عن مطالبة الأرش.

ووجه المناقشة أنّ التمسك بعموم مثل أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (1)و (لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ ...) (2)ونحوهما من التمسك بالعام في الشبهة المصداقية ، لأنّ العمومات قد خصّصت ما فيه العيب ، فإنّ الأكل للبائع أو المشتري فيه أعني من له الخيار ببيع جائز والعقد غير لازم في حقه ، ونشك في أنّ البيع الواقع في المقام هل هو من بيع المعيب أو غيره ، ومع الشبهة في المصداق لا مجال للتمسك بالعام . وإن تمسكنا باستصحاب الملكية فكان ذلك نظير الاستصحاب في الأحكام الكلّية لأن المجعول مشكوك السعة والضيق وأنّ الملكية هل جعلت أبدية أو موقتة بزمان الفسخ ، وكيف كان فالعمدة في المقام هو التمسك باستصحاب عدم اتّصاف الشراء بكونه واقعاً على المعيب باستصحاب العدم الأزلي .

ومنه يظهر أنّ ما يظهر من السيد (قدّس سرّه) في حاشيته(3)وم-ن شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (4)فيما تقدّم ويأتي من إثبات اللزوم في المقام بالتمسك بأصالة السلامة وأنّ أكثر أفراد المبيع سليم عن العيب فهذا المبيع أيضاً كان سليماً عن العيب حين وقوع المعاملة عليه ممّا لا وجه له ، لأنه وإن كان موافقاً لما ذكرناه في النتيجة وهي إثبات اللزوم إلّا أنّ طريقه مخدوش ، لأنّ أصالة السلامة لا أصل لها ولم نعلم أنّها أي أصل ، ولم يثبت بناء العقلاء على سلامة ك--ل م-ا شك في عيبه وصحته ، وإنما صحّحنا الخيار والبيع ببناء العقلاء على أنّ البائع في مقام المعاملة إذا لم يتبرّأ من العيب قد التزم بصحة المبيع وسلامته عن العيب ، إلّا أنّ هذا في خصوص


1) المائدة 5 : 1 .

2) النساء 4 : 29 .

3) حاشية المكاسب ( اليزدي) : 91 مبحث الخيارات .

4) المكاسب 5 : 270 ، 339 .

مقام البيع ، ولم يثبت بناؤهم على حمل الشيء على الصحيح في جميع المقامات بحيث لو شك في أنّ مالاً من أمواله هل هو معيب أو صحيح يبني على صحته ، فأصالة السلامة ممّا لا أصل له ، هذا كلّه في المسألة الأولى .

المسألة الثانية من النزاع في سبب الخيار : ما إذا اتّفقا على وجود وصف في المبيع ولكنّهما اختلفا في أنه عيب أو أنه غير عيب كما إذا كان الفرس ذا ألوان مختلفة وكان رأسه بلون وبدنه بلون آخر ادّعى المشتري أنه عيب وقال البائع أن-ه غ-ير موجب للعيب ولم يتمكّن من الرجوع إلى أهل الخبرة ، والحال في هذه الصورة هو الحال في الصورة السابقة ، لأنّ مرجع النزاع إلى أنه هل وقع العقد على ما به عيب أو عوار أو لم يقع على المعيب ، واستصحاب عدم وقوع العقد على ما به عيب بمعنى استصحاب عدم اتّصاف العقد الواقع بكونه واقعاً ع-لى م-ا ب-ه ع-ي-ب محكّم أو

استصحاب الملكية كما مرّ ، نعم لا يثبت بذلك كون الوصف عيباً أو ليس بعيب .

ثم إنّهما إذا اتّفقا على أنّ الوصف الموجود يوجب نقص مالية الشيء ولكنّه ليس بعيب ككون الثوب مخيطاً أو مقطوعاً أو مصبوغاً وكون الرقي أو البطيخ مكسوراً بالسكين فإنها لا يعدّ عيباً إلّا أنّك عرفت كونها مستلزمة لنقص القيمة فإنّ المكسور من البطيخ مثلاً لا يبقى أكثر من يوم بخلاف غير المكسور والطالب له قليل ، وكذا الحال في خياطة الثوب فإنها غير عيب ولكن توجب نقصان قيمة المال لعدم رغبة أكثر الناس في المخيط لاختلافهم في طول أبدانهم وعرضها ، ومنه الحنطة المدقوقة لأنّ المطحون لا يبقى إلى مدّة تبقى فيها الحنطة ، ومن أجل ذلك ادعى البائع عدم استحقاق المشتري بمطالبة الأرش ، لأن الأرش هو مقدار التفاوت في المعيب ، وليس المبيع معيباً في المقام ، وليس النقص في كل مقام موجباً للأرش ، كان حكم هذه الصورة أيضاً كسابقها ، فإنّ مدّعي الخيار والعيب لاب--دّ من إثبات أنّ العقد وقع على م-ا ب-ه ع-ي-ب وبدونه يتمسّك بالاستصحاب أو

بأصالة اللزوم كما تقدّم ، نعم لو ثبت أنّ كل نقص عيب فلا يبقى للنزاع في الخيار والعيب بعد الاتّفاق على النقص مجال .

المسألة الثالثة : ما إذا اتّفقا على وجود العيب في المبيع فعلاً ولكنهما اختلفا في تقدّمه على وقوع البيع وتأخّره عنه أو في كونه واقعاً في زمان خيار المشتري أو قبل القبض ، وبالجملة اختلفا في حدوث العيب في زمان ضمان البائع وتأخّره عند فإن كانت في البين قرينة قطعية على أحد الطرفين كما إذا قامت القرينة على عدم وقوع العيب قبل البيع كما إذا كان رأس العبد مكسوراً ويجري منه الدم الجديد ويدّعي المشتري أنّ هذا كان قبل البيع ، والمفروض أنّ البيع وقع قبل سبعة أيّام ، أو قامت القرينة على سبق العيب على العقد كما في الجروح التي تعلم أنها غير حاصلة يوم العقد مثلاً فلا كلام في البين .

وأمّا إذا لم تكن قرينة قطعية في البين فيجري في هذه الصورة ما ذكرناه في الصورة الأولى لأنها بعينها هي الصورة الأولى ، فإنّ وقوع العيب في يد المشتري بعد العقد ، ممّا لا أثر له حتى يقع مورداً للخلاف ، وإنما الأثر يترتّب على وج-ود العيب حين وقوع العقد ، لأنّ موضوع الخيار هو شراء شيء ب-ه ع--ي-ب أو ع-وار فالبائع يدّعي وقوعه في يد المشتري بعد العقد حتى يثبت عدم وقوع العقد على ما به عيب وينتفي الخيار ، والمشتري يدّعي وقوع العيب في يد البائع ليثبت وقوع العقد على ما به عيب ، فوقوع العقد على المعيب وكونه موجوداً حين العقد هو محل النزاع وقد عرفت أنّ استصحاب عدم اتّصاف الشراء بكونه واقعاً على المعيب أو استصحاب الملكية محكّم وهو ينفي موضوع الخيار . وشيخنا الأنصاري إنما أف--رد هذه الصورة لا لأجل افتراقها عن الصورة الأولى بل لأجل التعرّض إلى بعض خصوصياتها كما سيأتي إن شاء الله تعالى.

ومنه يظهر أنّ الحكم في هذه الصورة هو استصحاب عدم وقوع العقد وعدم

اتّصافه بكونه واقعاً على المعيب ، سواء كان تاريخ أحدهما أعني العقد وحدوث العيب معلوماً أو كان كلاهما مجهولي التاريخ، إذ لا أثر لتأخّر وقوع العقد حتى يدّعى جريان الأصل فيها جهل تاريخه عند حدوث حادثين شك في تقدمها وتأخّرهما فلو فرضنا أنّ حدوث العيب معلوم التاريخ ووقوع العقد مشكوك التاريخ لا يمكننا استصحاب تأخّر وقوع العقد عن تاريخ حدوث العيب ، إذ لا أثر لوقوع العقد متأخّراً عن حدوث العيب ، بل الأثر مترتّب على وقوع العقد على ما به عيب أو عوار ، فيمكننا إثبات عدمه باستصحاب عدم اتصاف العقد الواقع بكونه واقعاً على المعيب .

والمتحصّل : أنّ صورة الاختلاف في تقدّم العيب عن العقد وتأخّره عنه ترجع إلى صورة الاختلاف في أصل وجود العيب في المبيع حال العقد وعدمه وهي الصورة الأولى ، وذلك لأنه لا أثر لحدوث العيب بعد العقد أو بعد القبض أو بعد انقضاء مدّة الخيار ، وإنما الأثر مترتّب على وجود العيب حال العقد وعدمه ، فمرجع الخلاف في تقدّمه وتأخّره إلى أنه هل كان موجوداً حال العقد وعدمه ، وقد عرفت أن المرجع في الصورة الأولى إلى استصحاب عدم اتّصاف العقد بكونه واقعاً على المعيب باستصحاب العدم الأزلي .

وأمّا ما حكاه شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (1)عن ابن الجنيد في هذه الصورة من أنّ القول قول المشتري لأنه المنكر والبائع مدّع ، وذلك لموافقة ق--ول لأصالة عدم تسليم البائع العين إلى المشتري على الوجه المقصود ، وعلى المشتري البائع إثبات أنه سلّمها إليه على الوجه المقصود ، ولأصالة عدم استحقاق البائع الثمن بتمامه وعليه إثبات استحقاقه الثمن بأجمعه ، ولأصالة عدم لزوم هذه المعاملة وعلى


1) المكاسب 5 : 340 .

البائع إثبات لزومها ، وبناءً على ذلك يحلف المشتري وبه يثبت الخيار ، فقد أرجعه أي أرجع شيخنا الأنصاري ما ذكره ابن الجنيد إلى ما ذكره في مسألة اختلاف المتبايعين في كون المبيع على الصفة التي رآه المشتري بتلك الصفة سابقاً وعدمه ، أو كون المبيع متّصفاً بما وصفه له البائع أم لا حيث إنه (قدّس سرّه) في هذه المسألة ذهب إلى أنّ المشتري منكر وعلى البائع إثبات أنّ المبيع كان متصفاً بتلك الصفة ، هذا .

ولا يخفى أنّا ذكرنا في تلك المسألة أيضاً بأنّ البائع هو المنكر والمشتري مدّع وأنه عليه إثبات عدم اتصاف المبيع بالصفة ، لأنّ الخيار متوقّف على ذلك وعلى مدعيه إثباته ، وكذلك في المقام كما مرّ .

وأمّا ما استند إليه ابن الجنيد من أصالة عدم اللزوم ، فيدفعه : أنّ هذه الأصالة غير أصيلة ، لأنه إن أريد بها الاستصحاب فهو يثبت اللزوم والملكية كما تقدّم ، وإن أريد بها الاطلاقات فهي أيضاً تثبت اللزوم كما هو ظاهر ، وإن أريد بها أمر آخر فما ذلك الأمر في المقام ، هذا .

مضافاً إلى أنّا لو سلّمنا جريان أصالة عدم اللزوم في حد نفسه فلا مجرى لها في المقام لأنه محكوم ، والوجه في ذلك هو جريان الأصل الموضوعي أعني أصالة عدم وقوع العقد على المعيب وعدم اتّصافه بكونه واقعاً ع-ل-ي-ه ، والشك في لزوم المعاملة مسبّب عن الشك في وقوع العقد على المعيب وعدمه ، وإذا أثبتنا عدمه ولو باستصحاب العدم الأزلي فيرتفع الشك في اللزوم.

وأمّا أصالة عدم استحقاق البائع الثمن بتمامه فهي أفحش من أصالة ع-دم اللزوم ، لأنّ البائع يستحق الثمن بتمامه على كل حال ، كان المال معيباً أم كان صحيحاً ، غاية الأمر أن المشتري يتمكّن من استرداد بعض الثمن على تقدير كونه معيباً وعدم تمكّنه من الردّ أو مطلقاً من الابتداء كما ذهب إليه المشهور .

مضافاً إلى أنّ تلك الأصالة محكومة بأصالة عدم اتّصاف العقد بالوقوع على

المعيب على تقدير تسليم جريان أصالة عدم الاستحقاق في حد نفسها .

وأمّا أصالة عدم تسليم البائع المبيع إلى المشتري على الوجه المقصود ففيها أنّها تبتني على جريان الأصل في المركّبات بعد جريان الأصل في أجزائها ولكنّه غير صحيح ، إذ مع جريان الأصول في أجزائها وشرائطها لا يبقى مجال لجريان الأصل في المركّب ، وفي المقام لمّا كان أصل التسليم مورداً لليقين وإنّما شككنا في أنه هل وصل على الوجه المقصود أو لا ، وأصالة عدم كون المبيع معيباً وعدم اتّصاف العقد بكونه واقعاً على المعيب يثبت أنّ ما وصل كان على وجه المقصود ولم يكن معيباً ، هذا كلّه .

ثم لو سلّمنا جريان تلك الأصول بتمامها في المقام فيتوجه عليه أنّ لازم صحتها في المقام جريانها بتمامها في الصورة الأولى أيضاً ، لأنّا أثبتنا أن هذه الصورة بعينها هي الصورة الأولى ، مع أن شيخنا الأنصاري لم ينقل فيها خلافاً من أحد حتى عن ابن الجنيد فلا تغفل .

ثم إنّ الاختلاف بأحد الوجوه الثلاثة بين المتبايعين تارة لا ينجر إلى التحاكم والترافع وأخرى ينجر إلى التحاكم ، فعلى الأول لا كلام في البين ، وأمّا على الثاني فلا يخلو إمّا أن تقوم البينة لكل من المدّعي والمنكر وإمّا أن تقوم لأحدهما دون الآخر ، وإمّا أن لا يكون في البين بيّنة لا للمدعي ولا للمنكر ، وهذه صور ثلاث :

أمّا الصورة الأولى : فهي تبتني على المسألة المعروفة من أنّ بيّنة الداخل هل هي كبيّنة الخارج أو أنّ بيّنة الخارج متقدّمة على بيّنة الداخل ، والمراد بالخارج هو المدعي كما أنّ المراد بالداخل هو المنكر لموافقة قوله للأصل وكأنه داخل في الحكم والمدعي خارج وأجنبي عن الأصل ، والمشهور أنّ بيّنة الخارج متقدّمة على بيّنة ، الداخل وهو كذلك وذلك لأنّ قوله (صلى الله عليه وآله) : « إنّما أقضي بينكم

بالبيّنات والأيمان »(1)بعد ضمّه إلى قوله (عليه السلام) : « البيّنة للمدّعي واليمين على من أنكر »(2)الذي هو كالشرح للأول يقتضي حصر اعتبار البيّنة في بيّنة المدّعي الذي هو المراد بالخارج ، كما أنّ اعتبار اليمين منحصر بالمنكر نعم قد وردت في النصوص (3)أنّ بيّنة ذي اليد متقدّمة على بيّنة المدّعي الذي لا يد له ، إلّا أنه لا يقتضي الحكم بتقدّم بيّنة المنكر على بينة المدّعي مطلقاً ، لأنّها أي النصوص المذكورة مضافاً إلى إعراض المشهور عنها وضعفها أخصّ من المدّعى ، لأنّ المدّعى تقدّم بيّنة المنكر على بيّنة المدّعي مطلقاً وإن لم يكن ذا اليد مع أنّها خصّت تقدّم بيّنة المنكر على بيّنة المدّعي فيها إذا كان ذا اليد ، وعليه فلا يمكننا التعدّي إلى جميع الموارد ، إذ لعلّ ذلك من خصوصيات اليد وكونها بحيث لا تسقط إلّا بما إذا قامت على خلافها بيّنة غير مبتلاة بالمعارض ، وأمّا البيّنة المعارضة بمثلها فلا توجب سقوط اليد عن الاعتبار بل البيّنتان تتساقطان وتبقى اليد بحالها من الاعتبار ، وعليه فالبيّنة بيّنة المدّعي وهو المشتري وتتقدّم على بيّنة المنكر الذي هو البائع إلّا فيما إذا كان المنكر ذا اليد .

وأمّا الصورة الثانية : فإن كانت البيّنة للمدّعي فلا إشكال في اعتبارها وثبوت الدعوى بها لا محالة ، وأمّا إذا كانت للمنكر ففي اعتبارها وحجّيتها خلاف والأقوى عدم اعتبار بيّنة المنكر لما تقدّم من أنّ ضمّ قوله (صلى الله عليه وآله) إلى قوله (عليه السلام) يدلّ على أنّ البيّنة دليل للمدعي ولا اعتبار لها بالاضافة إلى المنكر كما ذهب إليه المشهور وهو الصحيح .


1) الوسائل :27 : 232 / أبواب كيفية الحكم ب 2 ح 1.

2) ورد مضمونه في الوسائل 27 : 233 / أبواب كيفية الحكم ب 3 .

3) الوسائل 27 : 250 / أبواب كيفية الحكم ب 12 ح 2 .

وأمّا الصورة الثالثة التي لا ييّنة فيها في البين وأحدهما يدّعي والآخر ينكر فهي على قسمين : لأنّ المنكر تارةً ينكر وجود العيب في المبيع بحسب الواقع ويقول إنّ المبيع لم يكن معيباً في الواقع ونفس الأمر ، وأخرى ينفي علمه بعيبه ويقول إنّي لا أدفع الأرش لعدم علمي بعيبه وإنما اعتمدت في البيع على أصالة السلامة أو بغيرها من الأصول .

أمّا القسم الأوّل أعني ما إذا أنكر العيب بتاتاً وبحسب الواقع فيتوجّه عليه اليمين ، وإذا حلف ولم يردّها إلى المدّعي فيثبت بها الدعوى عند الحاكم فيجب على المدّعي أن يرتّب الآثار عليها فلا يمكنه مطالبته بالأرش حتى في صورة علمه الوجداني بمخالفة حلف المنكر مع الواقع وكذبه في حلفه ، فلا يصح له المقاصّد من مال المنكر لعلمه بظلمه وكذبه وعدم صدقه في عدم استحقاق الأرش كما لا يبقى اعتبار لبيّنة المدّعي لو أقامها بعد حلف المنكر ، ولا يمكن رفع اليد عن حلفه إلّا باعتراف نفس المنكر على كذبه في حلفه فإنه يرفع اعتبار الحلف حينئذ ، كل ذلك بالنصوص والأخبار تعظيماً لاسم الجلالة وتجليلاً لذلك الاسم المبارك ، ولكي تفصل الخصومة بين المتخاصمين وترتفع الدعوى الذي لأجله أسّست قواعد القضاء شرعاً ، هذا كلّه بالاضافة إلى حكم الحاكم ووظيفته .

وأمّا وظيفة المنكر في حد نفسه فهل له الحلف على نفي العيب الواقعي باستصحاب العدم الأزلي وغيره من الأصول فيما إذا لم يكن عالماً بعدمه في الواقع أو لا ؟ الصحيح عدمه ، لأنّ اعتبار الحلف وجوازه إنما هما لنفي متعلّقه عن الواقع وهذا إنّما يكون في موارد العلم بعدم الشيء واقعاً دون موارد العلم بعدمه في الظاهر لما عرفت من أنّ ظواهر الأخبار هي اعتبار الحلف على النفي الواقعي دون الظاهري فلا اعتبار ولا حجّية فيه فيما إذا تعلّق بعدمه الظاهري حتى فيما جاز للحالف ذلك كما إذا ورّى في حلفه ، إلّا أنه لا يكون حجّة ولا يصح أن يعتمد عليه الحاكم في حكمه

نعم لو قامت القرينة الخارجية على أنّ المراد أعم من نفي الواقع والظاهر لما كان به بأس كما فى الحلف على الطهارة ونحوها .

وأمّا القسم الثاني : وهي الحلف على عدم العلم بالعيب فلا ينبغي الاشكال في جوازه ، لأنه حلف على نفي أمر واقعي ويثبت بها آثار عدم العلم كما إذا ك--ان مدّعى المشتري علم البائع بالعيب ، إلّا أنّ مثل هذا الحلف لا يمنع عن إثبات المدعي مدّعاه بعد ذلك الحلف بالبيّنة ونحوها ، وليس هذا الحلف كالحلف في صورة دعوى عدم العيب واقعاً بالبت ، وهذا من غير فرق بين صورة اختيار البائع المنكر للمبيع وعدم اختياره ، لأنه على كلا التقديرين يحلف على عدم علمه بالواقع وتعيّبه ولكن الكلام في ذلك يقع من جهتين :

الجهة الأولى : في أنّ حلفه بعدم العلم هل يوجب ارتفاع الخصومة واقعاً وبها يثبت عدم الخيار للمشتري نظير الحلف على عدم العيب في الواقع بتاتاً حتى لا يسمع الدعوى بعده ولا يعتنى بالبينة إذا أقامها بعد الحلف أو لا .

الجهة الثانية : في أنه إذا لم يوجب رفع الخصومة واقعاً بحيث لا تسمع دعوى المشتري ولا يعتنى باقامته البيّنة فهل يوجب حلفه بنفي العلم ارتفاع المرافعة ظاهراً موقتاً ، إلى أن يقيم المشتري البيّنة على دعواه بحيث لا يمكنه مطالبة البائع بالأرش أو الثمن على تقدير الفسخ إلى أن يقيم البينّة أو لا .

أمّا الجهة الأولى : فلا وجه لاحتمال أن يكون حلفه بعدم العلم رافعاً للخصومة وموجباً لعدم سماع الدعوى بعده ، وذلك لعدم تعلّق حلفه بنفی ما ادعاه المشتري ، لأنه إنما يدعي تعيّب المبيع واقعاً والبائع يثبت بحلفه عدم علمه بالعيب فما يدّعيه المشتري لا ينكره ولا ينفيه البائع وما ينفيه البائع لا يدّعيه المشتري فلماذا ترتفع به الخصومة حتى لا يسمع البيّنة والدعوى بعده ، فهذا الاحتمال ساقط من أساسه وإن احتمله بعضهم على ما حكاه شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) .

وأمّا الجهة الثانية : فقد ذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (1)أنّ له وجهاً ولكن التحقيق أنّ الحاكم الشرعي إذا رفع إليه الخصومة لابدّ له من حلّها وفصلها ولا يمكنه تأجيل الدعوى وتأخيرها إلى مدّة ليرى أنّ المشتري يقيم البيّنة أو لا يقيمها ، وليس الحاكم الشرعي كالمحاكم العرفية التي ربما تؤجّل المرافعة إلى م-دّة وأجل فلا محيص له من فصلها ورفعها ، وعليه فحيث إنّ البائع منكر فيوجه إلي-ه الحلف على عدم العيب واقعاً الذي يدّعيه المشتري ، وحيث إنه معترف بعدم علمه بالواقع فيجبره على ردّ الحلف إلى المدّعي ، فإن ردّ فهو وإلّا يردّه الحاكم إلى المدّعي فإن نكل المشتري أي المدّعي فلا حق له في مطالبة الأرش أو الثمن ، وإن حلف فيحكم الحاكم بثبوت الأرش أو الثمن على البائع ظاهراً وبه ترتفع المخاصمة والمرافعة فلا يسمع بعده الدعوى والبيّنة كما تقدّم ، بل لو كان البائع أيضاً محقاً في الواقع فلا يجوز له المقاصة في الدنيا بل يبقى حقّه إلى الآخرة ، هذا .

والمتحصّل : أنّ ما أفاده شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) من أنّ ردّ الحلف إلى المدّعي موافق للقواعد هو الصحيح ، هذا .

ثم إنّ شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (2)تعرّض إلى مسألة الوكالة في المقام والذي أراه من المناسب أن يؤخّر هذه المسألة وتذكر في أحكام الخيار ، لأنها لا تختص بخيار العيب بل تأتي في خيار الغبن وغيره من الخيارات فيما إذا باع الوكيل ثم ادّعى المشتري غبنه ، وكيف كان فحيث إنّ شيخنا الأنصاري تعرّض لها في المقام فنحن أيضاً نتعرّض لها تبعاً له (قدّس سرّه) .

فنقول : الوكيل على قسمين : لأنه تارة يكون وكيلاً في مطلق التصرّفات من


1) المكاسب 5 : 342 .

2) المكاسب 5 : 342 .

البيع والشراء ونحوهما كما قد يتّفق في بعض الوكلاء كالوكلاء المفوّضين ونظير المضاربة لأنّ المضارب يكون مطلق العنان من حيث البيع والشراء وغيرهما من التصرّفات . وأخرى يكون وكيلاً في مجرد البيع فقط بحيث تنتهي دورة وكالته بإيقاع البيع .

أمّا الوكيل المفوّض والمطلق فهو نظير الموكّل في أنّ المشتري له أن يرجع إليه وله أن يرجع إلى المالك ، لأنه كالمالك وفعله فعله ، فإذا أنكره الوكيل أو الموكّل فيأتي فيه ما تقدّم من حكم صورة الاختلاف وهذا ظاهر .

وأمّا الوكيل في مجرد البيع فإذا باع المال ثم ادّعى المشتري عيباً في المبيع فهل يتمكّن من أن يرجع إلى الوكيل أو لا ؟ فنقول : إنّ المشتري المدّعي تارةً لا يدّعي كذب الوكيل ولا يكذّبه في دعوى الوكالة بأنّ يقول إن المال ملكك وأنت تدّعي الوكالة حتى لا تدفع الأرش أو الثمن ، وأخرى يدّعي علمه بكذب الوكيل وأن--ه ماله .

أمّا الصورة الأولى التي لا يدّعي المشتري فيها كذب الوكيل بل يحتمل صدقه ، إلّا أنه يرجع إليه من جهة اليد لأن ظاهرها أنه ملكه ، فليس للوكيل الاعتراف والاقرار بالعيب لأنه أجنبي عن المال ، وليس له هذا الاعتراف فلا يكون اعترافه حجّة ولا يثبت به مدّعى المشتري ، نعم لا مانع من عدّه شهادة إذا استجمع شرائط الشهادة نظير ما ذكروه في الاخبار بالنجاسة من ذي اليد ، لأنّ إخباره بها معتبر بلا خلاف لقيام السيرة عليه من زماننا هذا إلى زمان المعصومين (عليهم السلام) ولكنّه إذا باع ما في يده وبعد ما خرج عن يده أخبر بنجاسة الشيء فلا يسمع إخباره لعدم كونه ذا اليد بالفعل وإن كان يخبر بنجاسته في زم--ان ي-ده والمفروض أنه في ذلك الزمان كان قوله متّبعاً .

وكذا الحال في المقام لأنّ الوكيل وإن كان له الاعتراف بالعيب حين وكالته

لأنّ من ملك شيئاً ملك الإقرار به وهو حين وكالته قد ملك التصرّف في العين فله الإقرار بعيبه ، إلّا أنه إذا انتهت وكالته فلا يقبل إقراره وإخباره لعدم تملّكه شيئاً حين إخباره وإن أخبر بالعيب في زمان وكالته وهذا ظاهر ، وله إرجاع المدّعي إلى المالك والمدّعي متمكّن من الرجوع إلى المالك أيضاً في هذه الصورة فإن اعترف فهو وإلّا فينتهي الأمر إلى حكم الاختلاف بين المدّعي والبائع .

وأمّا الصورة الثانية أعني ما إذا ادّعى المشتري كذب الوكيل في دعوى الوكالة فلا يمكنه الرجوع حينئذ إلى المالك لدعواه أنّ المال ملك البائع ، والوكيل إذا اعترف في هذه الصورة بالعيب فيثبت عليه الأرش أو دفع الثمن لأنه أجنبي ع--ن المالك .

وتوضيح الكلام في هذه المسألة : أنّ المعاملة إذا وقعت بين المشتري والوكيل وادّعى المشتري وجود عيب في المبيع ففيه جهات كثيرة من الكلام :

الجهة الأولى : في تعيين من يتوجّه إليه دعوى المشتري بمعنى أنه يرجع إلى الوكيل أو يرجع إلى المالك ، فإن كان المشتري قاطعاً بك--ذّب الوكيل في دع--واه الوكالة ويرى الوكيل مالكاً للمال ويكذب دعوى الوكيل واعتراف الموكّل بالوكالة ، فلا يتمكّن من أن يرجع إلى المالك حينئذ لاعتقاده كون البائع مالكاً ، بل لا بدّ من أن يرجع إلى خصوص الوكيل حتى مع اعتراف المالك بوكالة الوكيل ، لأنّ الاعتراف إنّما ينفع فيما إذا لم يكذِّبه المشتري والمفروض أنه يرى اعترافه كذباً باطلاً ومعه لا يرجع إلّا إلى الوكيل .

وأمّا إذا كان المشتري جاهلاً بالحال ولم يدّع كذب الوكيل في دعواه الوكالة وإنما رجع إليه من جهة قاعدة اليد ، لأنّ ظاهرها تمكّن ذي اليد من التصرفات وقد اعترف الموكّل بوكالة الوكيل فيتمكّن من الرجوع إلى كل منهما ، أمّا إلى الوكيل فلأجل قاعدة اليد ، وأمّا إلى الموكّل فلأجل اعترافه بأنّ المال ملكه.

وأمّا إذا كان المشتري عالماً بصحة دعوى الوكيل ويعتقد أنه وكيل وأنّ المال ليس له فلا يتمكّن إلّا من الرجوع إلى المالك دون الوكيل ، لأنّ وكالته قد انتهت باتیان مورد الوكالة والمفروض علمه بصدق وكالته فيكون الوكيل أجنبياً حينئذ ولا يصح له الرجوع إليه ، اللهمّ إلّا أن يكون الوكيل مفوّضاً بمعنى أن يكون وكيلاً بحسب الحدوث والبقاء (لا بالمعنى المصطلح في التفويض).

فتحصّل : أنه في مورد يتخيّر بين أن يرجع إلى المالك وأن يرجع إلى الوكيل وفي مورد آخر يرجع إلى الوكيل ، وفي ثالث يرجع إلى الموكّل .

الجهة الثانية : أنّ المشتري سواء وجّهت الدعوى إلى الوكيل أم وجّهها إلى الموكّل هل يكون اعتراف الوكيل نافذاً في حقّ الموكّل وبه تتمّ دعوى المشتري من كون المال معيباً ، أو ليس له هذا الاعتراف ؟ الصحيح أنّ اعترافه غير نافذ ولا يتم به الدعوى ، لأنه أجنبي عن المالك والمال فكيف يقبل اعتراف أحد على شخص آخر من دون ربط ، نعم لا مانع من قبول اعترافه فيما إذا كان وكيلاً مفوّضاً أي بحسب الحدوث والبقاء ولعلّ هذا ظاهر .

الجهة الثالثة : أنّ المشتري إذا وجّهت الدعوى إلى الوكيل إما لتعين إرجاعه إليه وإمّا من أجل أنه أحد فردي النخيّر في الرجوع ، فإن تمّت الدعوى على المشتري وردّت دعواه ولم يثبت أن المال معيب فهو ولا كلام ، وأمّا إذا تمّت الدعوى للمشتري وحكم الحاكم بكون المال معيباً فيقع الكلام في مدرك هذا الحكم وأنّ الحاكم بماذا حكم بالعيب فإنّ مدركه منحصر في ثلاث : فاما أن يستند إلى بيّنة أقامها المشتري على دعواه ، أو يستند إلى اعتراف الوكيل بوجود العيب في المبيع أو يستند إلى عين المشتري التي ردّت إليه من طرف الوكيل وحلف المشتري بأنّ المال كان معيباً ، وهذه وجوه ثلاثة ولا رابع في البين .

فإن كان المستند هو البيّنة فلا ينبغي الاشكال في صحة حكم الحاكم

ونفوذها على الموكّل ، فيؤخذ منه الثمن أو الأرش بلا خلاف في ذلك لأنها حجّة .

كما أنّ المستند إن كان اعتراف الوكيل فلا إشكال في عدم نفوذه على الموكّل لأنّ الوكيل أجنبي عن المال والموكّل وبأي وجه يقبل اعترافه على الموكّل وقد تقدّم ذلك أيضاً .

وأمّا إذا كان مستند حكمه هو اليمين المردودة إلى المشتري فهل هي كالبيّنة تنفذ على الموكّل أو أنها كالاعتراف لا ينفذ ، كذا ذكره شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) إلّا أنّ الصحيح أنّها ليست كالبيّنة ولا كالاعتراف ، ولا دليل على أحد التنزيلين في البين حتى يقال إنّها كالبيّنة أو أنها كالاعتراف ، بل لا هذا ولا ذاك وإنّما هي أم--ر ثالث باستقلالها وبرأسها التي بها تفصم المرافعة وترتفع المنازعة والمخاصمة إلّا أنّ نفوذها على الموكّل (مع كون رادّها إلى المشتري وهو الوكيل أجنبياً عن الموكّل) مشكل ، لأنّها إنما تنفذ في حق الوكيل ولا وجه لنفوذها في حق الموكّل لأنه ليس طرفاً للنزاع بل الدعوى إنما وجهت إلى الوكيل ، وعليه فتتشكّل دعوى ثانية بين الوكيل والموكّل تتعرّض لها في الجهة الآتية إن شاء الله تعالى .

الجهة الرابعة : أنّ المشتري إذا وجّهت الدعوى إلى الوكيل فإن لم يثبت مدّعى المشتري فهو ، وأمّا إذا ثبتت دعواه فرجع إلى الوكيل بالأرش أو الثمن ورجع الوكيل إلى الموكّل وأنكر الموكّل ذلك وقال لست بملزم باعطاء الأرش أو الثمن لعدم العيب في المبيع ، فلا يخلو الحال إمّا أن يكون الوكيل منكراً للعيب في المبيع وإمّا أن يكون معترفاً بالعيب فيه.

فإن كان الوكيل معترفاً بالعيب ورجع إليه المشتري وحكم الحاكم على طبق دعوى المدّعي ، وحينئذ فإن كان مستند حكمه هو البيّنة فقد تقدّم أنّها نافذة على الموكّل لأنّها تثبت العيب في المبيع ، والموكّل معترف بالوكالة ، وأن المال له فيؤخذ منه الأرش أو الثمن ، وأمّا إذا كان مدرك حكمه اعتراف الوكيل أو اليمين المردودة

إلى المشتري فقد عرفت أنّها لا تنفذان في حق الموكّل المكذّب للاعتراف أو اليمين فلو رجع المشتري إلى الوكيل فله أن يرجع إلى الموكّل ويشكّل دعوى ثانية بينه أي الوكيل وبين الموكّل ، لأنّ الوكيل يعترف بالعيب والموكّل ينكره ، فإن أثبت الوكيل مدعاه على الموكّل أو اعترف هو بالعيب فيستقرّ الأرش أو الثمن على ذمّته ، وأما إذا لم يتمكن الوكيل من الإثبات بل الموكل حلف وأثبت عدم العيب في المبيع ف-لا يتمكّن الوكيل من أن يرجع إليه فيما خسره من الأرش قطعاً ، لأنّ المفروض أنّ الموكل أثبت عدم العيب وردّ دعوى الوكيل ، فلا وجه لتغريمه بأخذ الأرش أو الثمن بعد عدم ثبوت دعوى الوكيل ، فلو أخذ منه الأرش فلا محالة يحسب عليه ویخسره الوكيل ، اللهمّ إلّا أن ينصفه الموكّل وبإنصافه يدفع إليه ما خسره .

وأمّا إذا ردّ الثمن إلى المشتري وقد أثبت الموكّل عدم العيب في المبيع فيبقى المال بين الوكيل والموكّل مردّداً ، لأنّ الوكيل يعترف بأنه ملك للموكّل والموكّل يعترف بأنه ليس ملكه فماذا حكم هذا المال حينئذ ، ولا يبعد أن يكون المال راجعاً إلى الوكيل للمصالحة القهرية ، لا بمعنى احتياجهما إلى مصالحة جديدة بل نفس إنكار الموكل يكون مصالحة ورضاً يكون المال للوكيل ، لأن إنكاره يرجع إلى أنّي راض بأن لا يرجع إلى المال في مقابلة أخذ الثمن مني ، فهو رضى منه بكون المال للوكيل إن أدى هو الثمن ، فيكون المال داخلاً في ملك الوكيل في مقابل ما أدّاه من الثمن إلى المشتري ، هذا كلّه فيما إذا اعترف الوكيل بالعيب .

وأمّا إذا أنكره الوكيل ، فإن ثبت إنكاره فهو ، وأمّا إذا أثبت المشتري مدّعاء على الوكيل فهل يرجع الوكيل إلى موكّله في الأرش أو الثمن الذي أدّاه إلى المشتري أو لا ، فلا يخلو إمّا أن يكون إنكار الوكيل للعيب مستنداً إلى أصالة السلامة أو إلى غيرها من الأمارات والبيّنات من دون أن يكون عالماً به ، وإمّا أن يكون مستنداً إلى علمه الوجداني بعدم العيب في المبيع .

فإن كان مستنداً إلى أصالة السلامة ونحوها ، فإن كان مدرك حكم الحاكم هو البينة فقد عرفت أنّها نافذة على الموكّل بلا حاجة إلى تشكيل دعوى جديدة فيؤخذ منه الأرش أو الثمن ، وأمّا إذا كان مدرك حكمه هو اليمين المردودة إلى المشتري لانحصاره بهما ، لعدم الاعتراف من الوكيل لأنه منكر له حسب الفرض ، فلا يجوز له تشكيل دعوى ثانية بينه وبين الموكّل ، لأنّ الدعوى إنما يتحقّق فيما إذا لم يكن عالماً بصحة ما ينكره الموكّل ولو من جهة أصالة السلامة ، والمفروض أنه يعترف بصحة إنكار الموكل من جهة الأصالة المذكورة أو غيرها ، ومعه كيف يصح له الدعوى على الموكل ، وحينئذ إذا غرم الوكيل بأخذ الأرش منه فلا يتمكّن من أن يطالبه من الموكّل لاعترافه بعدم توجّه الأرش إلى الموكّل ، وأنّ ما أخذ من الأرش إنّما أخذ على خلاف الواقع ومعه كيف يصح له مطالبة الموكّل .

وأمّا إذا أخذ منه الثمن فقد عرفت أنه لا يمكن مطالبة الموكّل به ، لأنه يراه ملكاً للمشتري فيكون المال مردّداً بين المشتري والموكّل وكل منه-ا ي-دّع-ي أن-ه ليس له ، ولكن المصالحة القهرية المتقدّمة تأتي في المقام بين الوكيل والمشتري وبها يثبت كونه ملكاً للوكيل بازاء ما دفعه إلى المشتري ، اللهمّ إلّا أن يعترف الموكّل بكون المال له فيؤخذ منه الأرش أو الثمن حينئذ .

وأمّا إذا كان عالماً بالوجدان بعدم عيب في المبيع ورجع إليه المشتري وأثبت مدّعاه وأخذ منه الأرش أو الثمن ، فقد تقدّم أنه ليس له تشكيل دعوى ثانية بين نفسه وبين الموكّل حينئذ ، بلا فرق في ذلك بين استناد الحاكم إلى البيّنة واستناده إلى اليمين المردودة إلى المشتري، وبلا فرق بين اعتراف الموكّل بأنّ المال كان معيباً وعدمه ، لأنّ الوكيل عالم بعدم عيبه ويخطّئ غيره أو يكذّبه لاعتقاده صحة إنكار الموكل وتكذيبه البيّنة أو اليمين المردودة إلى المشتري اللذين هما مستند حكم الحاكم ، فلو أخذ منه الأرش فهو يكون خسارة على الوكيل كما مرّ .

وأمّا إذا أخذ منه الثمن فيكون المال مردّداً بين الموكّل والمشتري ، والوكيل يعلم بعدم كونه للموكّل فلا تجري المصالحة القهرية حينئذ لعلمه بفسادها ، فينتهي الأمر إلى إجبار الحاكم لهما على المصالحة كما في كل مال بين شخصين كل منهما يعتقد أنه ليس له ، وما ذكرناه في المقام يجمع جميع الفروع المذكورة في كلام شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه).

ثم لا يخفى أنّ الدعوى والمحاكمة لا تستدعي تفسيق أحد المدّعيين بوجه لاحتمال اشتباه أحدهما فيما يدّعيه .

المسألة الرابعة : وهي ما إذا اختلف البائع والمشتري في أنّ السلعة المعيبة المردودة هي التي وقعت عليها المعاملة ، أو أنّ المعاملة لم تقع عليها ، وهذا يتصوّر على صور ثلاث : الأولى أن يتنازعا في مقتضى الردّ بالخيار وعدمه . الثانية : صورة النزاع في فعلية الخيار بعد الفراغ عن وجود المقتضي له . والثالثة : صورة النزاع في أنّ المبيع الذي وقع عليه العقد هل هو هذه السلعة أو غيرها مع الاعتراف بكل من المقتضي والفعلية.

أمّا الصورة الأولى : فكما إذا وقع الخلاف في أنّ السلعة التي وقعت عليها المعاملة هي هذه السلعة المعيبة أو أنّها غيرها ولا عيب فيها ، والبائع ينكر كونها هي السلعة المعيبة والمشتري يدّعي أنّها هي السلعة الموجودة التي هي معيبة فله الخيار . وبعبارة أخرى : يتخالفان في أنّ المبيع معيب أو غير معيب ، فترجع هذه الصورة في المسألة الرابعة إلى المسألة الأولى المتقدّمة، ولا إشكال في هذه الصورة أنّ القول قول البائع وعلى المشتري إثبات أنّ المعاملة وقعت على عين معيبة ، لأنّ الخيار مترتّب على شراء شيء وبه عيب أو عوار، فلابدّ من إثباته ، وهذه المسألة ممّا حكي عليها الاتّفاق ولم يقع فيها خلاف .

وهذه الكيفية من النزاع وهذا الحكم فيه لا يختصّان بخيار العيب بل يجريان

في جميع الخيارات كخيار الغبن ، فإذا ادّعى المشتري الغبن بدعوى أنّ المعاملة وقعت على هذه السلعة بكذا والحال أنّها لا تسوى بهذه القيمة ، وأنكره البائع وقال إنّها وقعت على غير هذه السلعة وقيمتها مساوية للقيمة السوقية ، فيقدّم قول البائع وعلى مدّعي الخيار إثباته ، وهكذا في غير خيار الغبن .

وأمّا الصورة الثانية : فهي ما إذا اعترفا بوجود المقتضي للخيار وأنّ متعلّق المعاملة كان معيباً إلّا أنّ المشتري يدّعي أنّ متعلّقها المعيب هي هذه السلعة المعيبة وينكره البائع ويقول بل هو غيرها ، فلك حق الفسخ إلّا أنه غير فعليّ لاشتراطه بردّ المبيع المعيب وأخذ ثمنه ، لدلالة الأخبار على أن أخذ الثمن مشروط بردّ العين المعيبة فما لم تردّها إلى مالكها لا يتمكّن من الفسخ ، وهذه السلعة ليست هي المبيع فلم يرد المشتري العين فلا يكون خياره فعلياً . وقد ذهب صاحب الايضاح (1)في هذه المسألة إلى أنّ القول قول المشتري وعلى البائع إثبات أنّ السلعة ليست له على عكس الصورة الأولى ، واستدلّ على ذلك بأنّهما بعد الاعتراف بثبوت الخيار للمشتري ووجود المقتضي له ينحصر اختلافهما في أمرين لا ثالث لهما : أحدهما النزاع في أنّ المشتري قد خان البائع بأنه ستر المبيع في داره مثلاً وكتمه وبدّلها إلى غيرها وادّعى أنّ المعاملة وقعت على هذه السلعة الموجودة بالفعل . وثانيها : أن يتنازعا في أنّ المبيع تلف عند المشتري لا أنه موجود وكتمه بل تلف ولكن المشتري يريد الفسخ ويدعي بقاءه وأنه هي السلعة الموجودة وإن لم يخنه بكتمان المبيع ، وذكر أنّ اختلافهما منحصر حينئذ في هذين الأمرين - مع إمكان تصوير غيرهما كما إذا ادّعى البائع نسيان المشتري أو غفلته أو اشتباهه المبيع -.


1) الايضاح 1 : 499 .

أمّا دعوى الخيانة فمرتفعة بأصالة الصحة وعدم خيانة المشتري للبائع وللبائع وإن كانت أصول أخر مؤيّدة كأصالة عدم الخيار ونحوها إلّا أنّ أصالة الصحة حاكمة عليها ، لأنها ترفع الشك في بقاء الخيار تعبّداً كما هو ظاهر . وأمّ-ا دعوى تلف المبيع فهي أيضاً تندفع بأصالة بقاء العين وأصالة بقاء الخي-ار وع--دم سقوطه ، فيقدّم قول المشتري ، فعلى البائع إثبات مدّعاه من التلف ، هذا.

ولا يخفى أنّ ما أفاده صاحب الايضاح ممّا لا يمكن المساعدة عليه ، فأمّا ما ادّعاه من دعوى الخيانة ودفعها بأصالة الصحة وعدم الخيانة .

فيدفعه أولاً : ما ذكره شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (1)من النقض بأنّ أصالة الصحة وعدم الخيانة لو كانت مقتضية في المقام لتقديم قول المشتري لدلالتها على صحة مدعاه فلماذا لا تلتزمون بذلك في المسألة الأولى مع جريان أصالة الصحة وعدم الخيانة فيها أيضاً ، لأنّ الأصل صحة فعل المشتري وعدم خيانته بتبديل المبيع ، فإذا كفى ذلك في إثبات صحة مدّعاه لابد من تقديم قوله على قول البائع مع أنكم قد أجمعتم على تقديم قول البائع في المسألة الأولى بلا خلاف بينكم ، وهذا النقض تام كما أفاده (قدّس سرّه) .

وأمّا ثانياً : فلاندفاعه بالحل وهو أنّ المراد من أصالة الصحة أي أصالة عدم الخيانة إن كان هو أصالة الصحة الجارية في العقود والايقاعات وما يتبعها من الطهارة ونحوها فهذه الأصالة وإن كانت تامّة وقد ذكرنا في محلّه أنّ أصالة الصحة لا مورد لها إلّا العقود والايقاعات وما يلحقهما ، فإذا شككنا في صحة عقد أو إيقاع أو تطهير فالأصل صحته لأنها ليست بمدلول دليل لفظي كي يتمسك بعمومه وإطلاقه ، وإنما ثبتت بالسيرة العقلائية ونكتفي فيها بالموارد المتيقّنة وهي

العقود


1) المكاسب 5 : 346 .

والايقاعات ولواحقهما ، فلو جرت هذه الأصالة في المقام لما كان فيها إشكال ، بل نلتزم حينئذ بجريانها في الصورة الأولى أيضاً وبها نقدّم قول المشتري على البائع إلّا أنّ أصالة الصحة الجارية في المقامات المتقدّمة لا مجال لها في المقام ، إذ لا شك لنا في فساد عقد أو صحة إيقاع ونعترف بصحة العقد في المقام كما هو أوضح من أن يخفى .

وإن أريد بها أصالة حمل فعل المسلم على الصحيح لقوله (عليه السلام) « ضع أمر أخيك على أحسنه »(1)فهي أيضاً تامّة وجارية في المقام ، ولا محيص من حمل فعل المشتري على الصحة وعدم الخيانة كما إذا شك في أن الكلام الصادر من زيد سبّ أو سلام كما إذا تردّد بين كونه سلام عليك وكونه سام عليك بمعنى الموت فإنه يحمل على السلام بلا خلاف ، إلّا أنّ هذه الأصالة لا تثبت الصحة الواقعية ولا يترتّب بها آثار الصحيح الواقعي ، فلا يجب ردّ جواب السلام في الصورة المذكورة كما لا يمكن ترتيب آثار عدم الخيانة الواقعية في المقام ، هذا على أنها لو كانت جارية وموجبة لصحة دعوى المشتري فهي معارضة بأصالة الصحة الجارية في دعوى البائع عدم كون المبيع هي السلعة الموجودة ، لأنّ الأصل أنه لا يكذب في ادّعائه لأنّ الكلام ليس مفروضاً فيا إذا كان البائع يهودياً والمشتري ورعاً تقيّاً حتى لا يجري الأصل في حق البائع ، هذا كلّه في أصالة عدم الخيانة .

وأمّا إذا وقع النزاع في أنّ المعيب تلف أو أنه موجود فقد عرفت أن فخر المحققين (قدس سره) استدلّ باستصحاب بقاء المبيع وأصالة بقاء الخيار وعدم سقوطه ، ويدفعه : أنّ هذه الأصول وإن كانت جارية في حد نفسها ولكنّها لا تقتضي إلّا ترتيب آثار بقاء المبيع أو آثار بقاء الخيار ، ولكنها لا تنفع في المقام لأنّ خيار العيب مشروط ومنوط بردّ المبيع المعيب واسترداد الثمن على ما نطقت به


1) (1) الوسائل 12 : 302 / أبواب أحكام العشرة ب 161 ح3.

الأخبار ، فما لم يردّ المبيع لا يسترد الثمن ولا يدخل في ملكه ، وتلك الأصول لا تثبت أنّ المردود هو المبيع ، لأنّ الأصل عدم وقوع العقد على هذا الموجود وأثره نفي الخيار شرعاً ، ولا يعارضه أصالة عدم وقوع العقد على غير هذا الموجود لأنه ممّا لا أثر له ، والأثر مترتّب على خصوص وقوع العقد على المعيب وهو منفي بالأصل . فالمتحصل أنّ الصورة الثانية كالصورة الأولى في أنّ الق--ول ق--ول البائع وعلى المشتري إثبات أن العقد واقع على هذا الموجود .

وأمّا الصورة الثالثة : وهي ما إذا اعترفا بوجود المقتضي وفعلية الخيار ولكنّهما اختلفا في أنّ المبيع هل هو هذا أو غيره ، وهذا النزاع لا يتحقّق في خيار العيب ، لأنّ الخيار فيه موقوف على ردّ المبيع واسترداد الثمن وبدون ردّ المبيع لا يتحقّق خيار العيب كما تقدّم ، فالاعتراف بالفعلية لا يمكن إلّا مع الاعتراف بأنّ المردود هو المبيع وأمّا مع إنكاره لا يبقى للفعلية مجال ، وإنّما يجري هذا النزاع في غير العيب من الخيارات كخيار الغبن والشرط ونحوهما لأنّ الخيار والفسخ فيهما لا يتوقّف على ردّ المبيع إلى بائعه بل إذا فسخ العقد بالغبن ينتقل الثمن إلى ملكه ويرجع المثمن إلى بائعه وإن لم يردّه بعد إلى البائع ، وحينئذ إذا اعترف البائع بغبن المشتري واعترف بأنه فسخه وصار خياره فعلياً وانتقل الثمن إلى المشتري إلّا أنّه يدّعي أنّ هذا المردود ليس بملكه وإنّما المبيع شيء آخر فما لم يدفعه إليه لا يدفع الثمن له والمشتري ينكر ذلك ويقول بل المبيع هو هذا الموجود ، ففي هذه الصورة القول قول المشتري كما ذكره صاحب الايضاح ، وذلك لأنّ البائع يدعي ملكه على أمر آخر وملكه الجديد على غير الموجود مشكوك والأصل عدم ثبوت ملك جديد له على غير الموجود ، فيقدّم قول المشتري حتّى يثبت البائع مدّعاه ، هذا تمام الكلام في المسألة الرابعة والنزاع في موجب الخيار وسببه .

اختلاف المتبايعين في المسقط

قد عرفت أنّ النزاع بين المتبايعين يقع تارةً في موجب الخيار وقد أشبعنا الكلام فيه مفصّلاً ، وأخرى في مسقط الخيار ، وذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (1)أنّ فيه مسائل :

الأولى : فيا إذا اختلفا في علم المشتري بالعيب وعدمه فادّعى البائع أنه كان عالماً بالعيب فلا خيار له لأنّ العلم يسقط الخيار من الابتداء وإن كان مقتضيه وهو العيب موجوداً ، وأنكره المشتري وأنه لم يكن عالماً به فله الخيار ، فيقدّم قول المشتري على قول البائع لأنه ينكر العلم فيثبت له الخيار .

وربما يتوهّم أنّ هذا الكلام منه (قدّس سرّه) يخالف ما ذكره في سائر الخيارات كما في خيار الغبن حيث ذكر أنّ مدّعي الجهل وعدم العلم بالغبن هو المدّعي ، والمنكر هو من يدعي عدم الخيار والعلم أعني البائع ، وأمّا في المقام فقد عكس الأمر وجعل مدّعي الجهل وعدم العلم منكراً ومدّعي عدم الخيار والعلم مدعياً وهما متنافيان هذا .

ولكن الصحيح هو ما أفاده شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) ولا تهافت في البين وذلك لما تقدّم في خيار الغبن من أنّ مدركه هو الشرط الارتكازي العقلائي ، لأنّ العقلاء يشترطون تساوي قيمة المالين في معاملاتهم حسب الارتكاز ، ومن ذلک قلنا إنّ خيار الغبن من أحد أفراد خيار تخلّف الشرط ، وعليه فإذا اختلفا في علم المغبون بالغبن بعدم تساوي القيمتين وجهله فيرجع ذلك إلى الاختلاف في عدم الاشتراط والاشتراط ، فإنّ الاقدام مع العلم بالغبن معناه عدم اشتراط التساوي فإذا وقع الخلاف في الاشتراط وعدمه وادّعى البائع عدم الاشتراط والمشتري


1) المكاسب 5 : 347 .

ادّعى الاشتراط فيقدّم قول البائع لموافقة قوله الأصل وهو عدم الاشتراط .

وهذا بخلاف المقام لأنّ خيار العيب ثبت بالتعبّد والأخبار وقد أخذ في موضوعه أمران عدميان أحدهما عدم التبرّي وثانيهما عدم البيان ، وقد عرفت أنّ البيان لا موضوعية له وإنّما أخذ طريقاً إلى علم المشتري بالعيب ، ومعنى ذلك أنّ المعتبر في موضوع الخيار عدم علم المشتري بالعيب ، فإذا اختلفا وادّعى البائع علمه وعدم ثبوت موضوع الخيار وادّعى المشتري ثبوت موضوعه وأنه لم يبيّن له فلا محالة يقدّم قول المشتري لموافقته الأصل وهو عدم العلم ، وعلى البائع إثبات العلم بالعيب ، فما أفاده شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) متين .

المسألة الثانية : إذا اختلفا في زوال العيب بعد علم المشتري بالعيب أو قبله ، فادّعى البائع أنّ زواله كان قبل علمك بالعيب فلا خيار ، وادعى المشتري زواله بعد علمه بالعيب فخياره باقٍ بناءً على أنّ زواله بعد العلم لا يسقط الخيار وهذه المسألة مبتنية على ما تقدّم في محلّه من أنّ موضوع الخيار هو ظهور العيب لا هو بنفسه وأن زوال العيب وعدمه مما لا أثر له في بقاء الخيار ، وأمّا إذا قلنا بأنّ موضوعه نفس العيب الواقعي أو قلنا بأنّ زوال العيب يمنع عن الردّ لأنّ المعتبر في هذا الخيار أنّ أخذ الثمن موقوف على ردّ المعيب فإذا زال العيب فلا يتعلّق الردّ بالمعيب ، ويعتبر في الرد أن يتعلّق بالمعيب ومع زواله لا معيب حتى يردّ ، فلا محالة يسقط الخيار فلا يبقى للنزاع في المقام أثر ، أما بناءً على أن موضوعه نفس العيب الواقعي فواضح ، لأنّهما يعترفان بوجوده في الواقع فيثبت له الخيار ولا ثمرة في النزاع في زواله قبل العلم أو بعده ، إذ لا أثر لظهور العيب بل الأثر مترتّب على نفس العيب الواقعي وهو ثابت باعترافها ، وأم-ّا بناءً على أن الزوال يمنع عن الردّ فكذلك ، إذ المفروض أنّ المشتري لا يتمكن من الردّ حينئذ أي ردّ المعيب ، فخياره ساقط زال قبل علمه أم زال بعده ، فهذا النزاع إنّما يثمر فيها إذا بنينا على أنّ الزوال لا

يمنع عن الردّ وأن الردّ لا يعتبر أن يتعلّق بالمعيب بل تعلّقه بما كان معيباً كافٍ في أخذ الأرش ( عملاً باطلاق رواية زرارة حيث أثبت الخيار في شراء ما به عيب أو عوار سواء زال بعد ذلك أم لم يزل) وبنينا أيضاً على أنّ موضوع الخيار ليس هو نفس العيب الواقعي بل الموضوع هو ظهور العيب ووجدانه كما تقدّم ، وحينئذ إذا اختلفا في زواله قبل العلم به أو بعده فلا محالة يترتّب عليه الثمرة ، لأنه إن زال قبل علم المشتري فلا يثبت له الخيار لأنّ موضوعه ظهور العيب ووجدانه على الفرض ، وأمّا إذا زال بعده فيثبت له الخيار لظهور العيب وفرضنا أن الزوال لا يمنع الردّ ، فلابدّ في هذه المسألة من البناء على كلا الأمرين من أنّ الزوال لا يمنع عن الردّ ومن أنّ موضوع الخيار هو وجدان المعيب لا وجوده الواقعي ، هذا .

ولا يخفى أنّ النزاع حينئذ يرجع إلى النزاع في أصل ثبوت الخيار وعدمهلا إلى سقوطه وبقائه ، هذا أولاً .

وثانياً : أنّ شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) قد استدلّ في المسألة على تقديم قول المشتري باستصحاب بقاء العيب وعدم زواله قبل العلم مع أنّ الموضوع للخيار هو ظهور العيب ووجدانه ، وإثبات هذا باستصحاب بقاء العيب من المثبت بلا خلاف إذ لا أثر لبقاء العيب فى حدّ نفسه ، واستصحابه لاثبات أنه وجده وعلم ب-ه م-ن المثبت ، فالصحيح هو تقديم قول البائع وعلى المشتري إثبات الخيار وأنه وجده معياً ، هذا .

ثم إنّهما إذا اختلفا بعد حدوث عيب جديد وزوال أحد العيبين أعني القديم والجديد في أنّ الزائل هل هو العيب القديم أو أنّ الزائل هو الجديد كما إذا كانت في إحدى عيني العبد نقطة بيضاء ثم حدث عند المشتري نقطة بياض في عينه الأخرى ثم زالت إحداهما ووقع الخلاف في الزائل هل هو القديم أو الجديد ، فادّعى البائع أنّ الزائل هو القديم فلا خيار في البين وادّعى المشتري أن الزائل هو الجديد فالخيار

باقٍ.

ذكر شيخنا الأنصاري (قدس سره) (1)أنّ الأصل بقاء العيب القديم الموجب للخيار ، ولا يعارضه استصحاب بقاء العيب الجديد لأنه لا أثر له ، والأثر إنما هو لبقاء العيب القديم وارتفاعه ، ثم نقل عن الشافعي على ما نقله في التذكرة (2)التفصيل بين الردّ والأرش وأنّ الردّ لا يمكن والأصل فيه مع البائع والأرش ثابت والأصل فيه مع المشتري ، وهذه المسألة أيضاً مبتنية على ما تقدّم في مسألة أنّ العيب الحادث يمنع عن الردّ مطلقاً أو مع بقائه دون ما إذا زال ، فإن قلنا إن العيب الجديد يمنع عن الردّ زال أم لم يزل تمسّكاً وأخذاً باطلاق رواية زرارة حيث علّقت الحكم أي عدم الردّ على إحداث الحدث سواء زال بعد ذلك أم لم يزل ، فلا للاختلاف ثمرة ، إذ المفروض اتّفاقهما على أنّ العيب قد حدث فيه جديداً فيسقط الخيار لا محالة زال أم لم يزل ، كما أنه إذا قلنا بكفاية وجود العيب القديم حين الشراء في الخيار أي الأرش وعدم اعتبار بقائه حين الردّ تمسّكاً باطلاق رواية زرارة حيث علقت الخيار على شراء شيء وبه عيب بلا تقييده بالبقاء ، لأمكننا إثبات الأرش على البائع ، ولا يبقى ثمرة للخلاف في أن الزائل هو الحادث أو القديم ، لأنه على أي حال محكوم بدفع الأرش بناءً على هذا القول ، نعم لو قلنا بأن العيب القديم إنما يؤثر في الأرش على تقدير بقائه ، يكون للخلاف في أن الزائل هو العيب الحادث أو القديم ثمرة ، لأنه على تقدير كونه هو القديم يرتفع وجوب الأرش عن البائع ، فهذا النزاع إنما يثمر بناء على ما ذكره العلّامة (قدّس سرّه) من أن العيب الجديد إنّما يمنع عن الخيار مع بقائه، وأما مع ارتفاعه فلا ، وحينئذ يتشكّل للمشتري دعويان : إحداهما


1) المكاسب 5 : 347 .

2) التذكرة 11 : 130 - 131 .

دعواه الردّ لأنّ المال معيب والبائع ينكر ذلك لحدوث عيب جديد ، والثانية دعواه الأرش ومطالبته من البائع والبائع ينكر ذلك لدعواه ارتفاع العيب القديم .

أمّا الدعوى الأولى فالأصل فيها مع البائع لأصالة بقاء العيب الجديد وهو يمنع عن الردّ ، ولا يعارضه استصحاب بقاء العيب القديم لأنه لا أثر له ، إذ الأثر مترتّب على بقاء العيب الحادث لأنه الذي يمنع عن الردّ، وبقاء العيب القديم وعدمه لا مدخلية له في الخيار لأنه يثبت بأصل وجوده فلا يتمكّن المشتري من الردّ وعليه إثبات أن الزائل هو العيب الجديد . وأمّا الدعوى الثانية أعني دعواه الأرش بعد عدم تمكّنه من إثبات الردّ فالأصل فيها مع المشتري ، لأنّ الأصل بقاء العيب القديم ، ولا يعارضه استصحاب بقاء العيب الجديد لأنه لا أثر له في الأرش وعدمه ، اللهمّ إلّا إثبات أن الزائل هو القديم وهو من الأصول المثبتة فيقدّم قول المشتري دون البائع على عكس الدعوى الأولى ، فما ذكرناه يظهر أن ما حكي عن الشافعي في المقام هو الصحيح وأنه يفصّل بين الردّ فيقدّم فيه قول البائع والأرش، ويقدّم فيه قول المشتري وإن كان قائله هو الشافعي .

والعجب من شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) حيث تمسك في الدعوى الأولى بأصالة بقاء العيب القديم وقال إن أصالة بقاء العيب الجديد لا أثر لها مع أنّ الأمر بالعكس ولا أثر لبقاء العيب القديم إلّا إثبات أنّ الزائل هو الجديد حتى يثبت له الردّ وهو من الأصول المثبتة ، وكلّما تأمّلت في المقام لتوجيه كلام شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) لم أقف له على توجيه ، لأنّه (قدّس سرّه) مع التفاته إلى أنّ الأصل مثبت تمسك به في المقام .

المسألة الثالثة : إذا اختلف البائع والمشتري في حدوث عيب جديد عند المشتري غير العيب الذي اتفقا عليه ، فادّعى البائع أنّ هذا العيب الجديد قد حدث

عندك وادّعى المشتري أنّه قد حدث عند البائع ، أو اختلفا في زيادة العيب وعدمها فادّعى البائع أنّ العيب قد زاد عمّا كان عليه عند المشتري وادّعى المشتري أنّ الزيادة حصلت عند البائع ، أو اختلفا في أصل الزيادة وادّعى أحدهما أنه زاد وادعى الآخر عدم زيادته ، ففي جميع هذه الصور تارةً تكون الدعوى من المشتري على البائع وأخرى تكون الدعوى من البائع على المشتري ، وذلك لأنّ المشتري تارةً يدعي على البائع حدوث عيب جديد غير العيب المتسالم عليه عند البائع ، أو حدوث الزيادة عنده لأجل أن يثبت له الردّ من ناحية العيب الجديد أو الزيادة ، أو لأجل أن يطالبه بأرشين للقديم والجديد أو بأرش واحد لو كان تبرّى من العيب المتسالم عليه ، أو أسقطه المشتري ويطالبه بأرش زائد في صورة دعوى الزيادة ويدعي البائع عدم حدوثه عنده أو عدم زيادته وأنه لا حق لك في الردّ من جهته أو في مطالبة الأرش الزائد ، ففي هذه الصورة أعني كون الدعوى من المشتري في جميع صور الاختلاف المتقدّمة يكون المدّعي هو المشتري والمنكر هو البائع ، وعلى المشتري إثبات أن العيب الآخر أو الزيادة حدث عند البائع ، وذلك لأصالة عدم حدوث عيب آخر زائداً على العيب المتفق عليه عند البائع وعدم حدوث الزيادة وأثرها عدم استحقاق المشتري للردّ أو لمطالبة أرشين أو أرشاً زائداً ، وهذا ممّا لا إشكال فيه فيقدّم قول البائع في جميع الصور المتقدّمة .

وبعبارة أخرى مرجع النزاع في هذه الصورة إلى النزاع في أصل وجود العيب وعدمه ، وقد تقدّم أنّ المشتري المدّعي لوجود عيب مقتض للخيار لابدّ من أن يثبت مدّعاه ، ولكن هذه الصورة خارجة عمّا نحن بصدده لأنّها ترجع إلى الدعوى في أصل ثبوت الخيار وعدمه ولا يرجع إلى النزاع في المسقط وكلامنا إنما هو في الثاني كما هو واضح .

فلابدّ من فرض النزاع والكلام فيما إذا كانت الدعوى من البائع على

المشتري في جميع الصور الخلافية المتقدّمة ، وهذا كما إذا أراد المشتري فسخ العقد والردّ وقد ادّعى البائع عدم استحقاق المشتري للفسخ والردّ بدعوى حدوث عيب جديد أو زيادة العيب عند المشتري والمشتري ادّعى عدمه، وفي جميع صور المتقدّمة الخلافية يكون البائع مدّعياً والمشتري منكراً لأصالة عدم حدوث المسقط عند المشتري وأثرها تمكنه من الردّ ، ولا تعارضها أصالة عدم حدوثه عند البائع لأنّها لا أثر لها في حدّ نفسها ، وإثبات حدوثه عند المشتري بتلك الأصالة من أوضح أنحاء المثبت لأنه من اللوازم العقلية لعدم حدوثه عند البائع للعلم الاجمالي بحدوثه عنده أو عند المشتري ، وهذا من غير فرق في ذلك بين الاختلاف في حدوث العيب الجديد عند المشتري والاختلاف في حدوث الزيادة عنده والاختلاف في أصل الزيادة ، لأنّ الأصل في جميعها مع المشتري وعلى البائع إثبات

تحقّق المسقط .

وما حكي عن الدروس (1)من حكمه بحلف البائع دون المشتري ، إن كان ناظراً إلى الوجه الأول وهو صورة كون الدعوى من المشتري على البائع فهو متين لأنّ المدّعي حينئذ هو المشتري وعليه إثباتها والبائع منكر فيقدّم بحلفه ، وإن كان ناظراً إلى الوجه الثاني أعني كون الدعوى من البائع على المشتري فقد عرفت ما فيه ، لأن البائع حينئذ مدّع وعليه إثباتها ولا يتقدم بحلفه .

ثم إنّا لو حملنا كلامه على الوجه الأول يرد عليه : أنّ الحكم بتقديم قول البائع بحلفه لا يختصّ بخصوص ما إذا كان اختلافهما في وجود عيب آخر وحدوثه عند المشتري ، بل الحكم يجري فيما إذا كان اختلافهما في زيادة العيب المتّفق عليه عند المشتري ، بل يأتي فيما إذا اختلفا في أصل حدوث الزيادة عنده كما مرّ لأنّه في جميع


1) الدروس 3: 289 .

تلك الصور مدّع والبائع منكر فيتقدّم قوله بحلفه ، ولماذا فرّق (قدّس سرّه) بين صورة الاختلاف في حدوث العيب الآخر عند المشتري وبين صورة الاختلاف في حدوث الزيادة عنده ، حيث حكم في الصورة الأولى بتقديم قول البائع بحلفه وأما في الصورة الثانية فأفتى بتقديم قول المشتري ثم احتمل تقديم قول البائع بقوله ويحتمل حلف البائع إجراء للزيادة مجرى العيب الجديد الخ ، وقد عرفت أنّ الصورتين من وادٍ واحد والحكم فيهما واحد وهو تقديم قول البائع إذا كانت الدعوى من المشتري على البائع ، بل وكذلك الحكم فيما إذا اختلفا في أصل الزيادة ، فلا وجه لما ادّعاه شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) من أنّ الحكم بتقديم قول البائع يختص بما إذا اتّفقا على وجود الزائد واختلفا في تقدّمه وتأخّره ، وأمّا إذا كان الاختلاف في أصل الزيادة فلا إشكال في تقديم قول المشتري الخ ، وقد عرفت أنّ الصحيح هو تقديم قول البائع إذا كانت الدعوى من المشتري على البائع حتى في هذه الصورة ، نعم لو كانت الدعوى من البائع على المشتري لكان قول المشتري مقدماً في جميع الصور الثلاثة الخلافية .

إن قلت : إنّ حكم الشهيد (قدّس سرّه) بتقديم قول المشتري عند اختلافهما في حدوث الزيادة عند المشتري أو عند البائع لعلّه ناظر إلى ما إذا لم يكن للعيب الجديد حالة سابقة من حيث العدم والوجود ، بل كان ممّا لو وجد لوجد من الأزل ولو انعدم لانعدم كذلك ، فلا زمان نقطع بعدمه ليجري استصحاب عدم حدوثه حتّى ينفع البائع ، فإذا لم يجر الأصل فلا يحكم بتقديم قول البائع ، وأيضاً ما أفاده مبني على عدم جريان الاستصحاب في الأعدام الأزلية حتى يستصحب في المقام عدم اتّصاف المبيع بالعيب الجديد عند البائع ، ولذا حكم (قدّس سرّه) بعدم تقديم قول البائع في هذه الصورة .

قلت : لو كان نظره (قدّس سرّه) إلى تلك العيوب ، وبنينا على عدم جريان

الاستصحاب في الأعدام الأزلية أيضاً لما كان وجه لتقديم قول المشتري أيضاً وذلك لأنّ أصالة عدم حدوث العيب وإن لم تجر حينئذ إلّا أنّ أصالة عدم استحقاق المشتري للأرش بلا مانع ، للقطع بعدم استحقاقه له قبل المطالبة ونشك في أنه هل استحقه بها أم لا والأصل عدم استحقاقه للأرش كما تقدّم ، وكيف كان فلم نعرف لما أفاده الشهيد (قدّس سرّه) وجهاً .

المسألة الرابعة : إذا اختلفا في تبرّي البائع وعدمه وادّعاه البائع وأنكره المشتري قدّم قول منكر التبرّي ، لأنّ الأصل عدم تبري البائع وبذلك يتم موضوع الخيار وهو الشراء من غير تبرّي البائع ، والشراء متحقّق بالوجدان وعدم التبري بالأصل فيلتئم كلا جزئي الموضوع ، لأنّ عدم التبرّي قد أخذ في موضوع الخيار وهو مسبوق بالعدم فلا مانع من جريان استصحاب عدمه ، وهذا ظاهر .

إلّا أنّ في المقام مكاتبة وهي مكاتبة جعفر بن عيسى ربما يتوهّم أنّ ظاهرها ينا في ما ذكرناه من تقديم قول منكر التبري ، وذلك لأنّه كتب إلى أبي الحسن (عليه السلام) « جعلت فداك المتاع يباع ( يبيعه الدلّال) في من يزيد فينادي عليه المنادي فإذا نادى عليه برئ من كل عيب فيه بقوله تبرأت من كل عيب فإذا اشتراه المشتري ورضيه ولم يبق إلّا نقد الثمن فربما زهد فيه فإذا زهد فيه ادعى فيه عيوباً وأنّه لم يعلم بها ، ويقول له المنادي قد برئت منها ، فيقول المشتري لم أسمع البراءة منها ، أيصدّق فلا يجب عليه الثمن أم لا يصدق ؟ فكتب (عليه السلام) أن عليه الثمن » (1)وهي كما ترى ظاهرة في أنّ منكر البراءة لا يسمع قوله ، هذا .

وفيه أوّلاً : أنّ الرواية أخص من المدّعى ، لاختصاصها بما إذا وقع الخلاف في سماع التبرّي وعدمه، وكلامنا في اختلافهما في أصل التبرّي وعدمه ، فلو كانت


1) الوسائل 18 : 111 / أبواب أحكام العيوب ب 8 ح 1 .

المكاتبة معتبرة في حدّ نفسها فلابدّ من الاقتصار على موردها وهو ما إذا تبرّى البائع ولكن المشتري لم يسمعه ، ولعلّ المشتري أيضاً لا ينكر تبري البائع ب--ل يعترف بصحة دعواه إلّا أنّه يدّعي عدم سماعه ، وأمّا إذا قلنا إن الغرض من ن--في السماع إنكار أصل تبرّي البائع فنقول :

ثانياً : لو قلنا بشمول المكاتبة للمقام أي لما إذا اختلفا في التبرّي وعدمه فنقول : إنّ مقتضى القاعدة كما تقدّم تقديم قول منكر التبرّي ، إلّا أنّ الوجه في حكمه (عليه السلام) في مورد الرواية بتقديم قول البائع هو ما أفاده شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (1)من أنّ العادة جرت على نداء الدلالين حين المعاملة بالتبرّي أو بغيره على وجه يسمعه كل من حضر للمعاملة ، ولا ينادي الدلّال على وجه لا يسمعه المعامل ، فيكون قول منكر السماع على خلاف الظاهر ، لأنّ الظاهر سماع نداء الدلّال في مقام المعاملة ، والمقام من أحد موارد تعارض الأصل والظاهر لأنّ الأصل يقتضي عدم سماعه وعدم تبرّي البائع إلا أنّ الظاهر سماعه فنطمئن بكذب ذلك المنكر ، وهذا يختص بخصوص نداء الدلّال ولا نتعدّى إلى جميع الموارد كما في المعاملة بين شخصين ، وما أفاده (قدس سره) في غاية المتانة .

وأمّا ما ارتكبه صاحب الحدائق (قدّس سرّه) (2)من حمله الرواية على أنّ الإمام (عليه السلام) استفاد من فرض السؤال كذب المشتري في دعواه الانكار وأنّه سمعه ولكن لمّا زهد فيه ادّعى عدم السماع فبيّن (عليه السلام) حكم المشتري وأن--ه يجب عليه دفع الثمن بينه وبين ربّه ، فهو خلاف الظاهر ، لأنّ السؤال في الرواية إنّما هو عن تصديق الحاكم للمشتري وعدمه وأنّ وظيفته أي شيء لا حكم المشتري


1) المكاسب 5 : 351 .

2) الحدائق 19: 91 .

بينه وبين ربّه ، والإمام (عليه السلام) بيّن حكم تلك القضية وأنّ وظيفة الحاكم تقديم قول مدعي السماع ، فتكون الرواية على خلاف القاعدة .

وأمّا ما حكي عن الكفاية (1)من جعله الرواية مؤيّدة للقاعدة ، فإن أراد به ما أفاده شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) من أنّ مقتضى القاعدة تقديم منكر السماع إلّا أنّ في خصوص مورد الرواية قامت القرينة على صدق المدّعي لأجل أنّ المنادي لا يخضع في ندائه بل ينادي بصوت جلي يسمعه كل من حضر للمعاملة من الناس فهو متين ولا بأس به ولا بعد في وصوله إلى ما وصل إليه الشيخ (قدّس سرّه) .

وأمّا إذا أراد بيان أنّ تقديم قول المدّعي في السماع هو المطابق للقاعدة ، ففيه أنّه كما عرفت على خلاف القاعدة لأنّها تقتضي تقديم قول منكر التبرّي والسماع .

وثالثاً : أنّ الرواية على تقدير دلالتها على المدّعى في المقام لا يمكن التمسّك بها لأنّها ضعيفة السند كما ذكره الأردبيلي (2)وما أفاده شيخنا الأنصاري (ق---دّس سرّه) من التأمّل فيما ذكره الأردبيلي ممّا لم أفهمه بوجه ، لأنّها ضعيفة السند بلا كلام كما أنّ ما أفاده السيّد (قدّس سرّه) في حاشيته (3)في توجيه تأمّل الشيخ من أنّ الرواية معمول بها بين الأصحاب لم أصل إلى حقيقته ، لأنّ كونها مورد العمل في غير المقام لا يوجب كونها معتبرة في غير مورد العمل أيضاً كما في المقام ، بل كون نصف رواية معمولاً به عند الأصحاب أيضاً لا يوجب اعتبار نصفها الآخر فالصحيح ما أفاده الأردبيلي (قدّس سرّه) .

بقي في المقام إشكال آخر في الرواية وملخصه : هو أنّ الشروط والقيود ما


1) كفاية الأحكام : 94 .

2) مجمع الفائدة 8 : 437 .

3) حاشية المكاسب (اليزدي) : 94 من مبحث الخيارات .

لم تذكر في ضمن العقد لا تكون مورداً للاعتبار ، ومن الظاهر أنّ البراءة عن العيوب كانت وقت النداء لا حين العقد والمعاملة ، فلم يذكر التبرّي في ضمن العقد فلا یبقی له اعتبار حتى فيما لو صدّقه المشتري في دعواه واعترف بأنك قد برئت عنه وقت النداء ، إلا أنّ الشرط ما دام لم يذكر في ضمن العقد لا يكون معتبراً ، فلا اعتبار في هذا التبرّي وهو بمنزلة العدم، ومع هذا لماذا حكم الإمام (عليه السلام) بتقديم قول البائع واعتبر الشرط مع عدم ذكره في العقد .

وأجاب عن هذا الإشكال شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (1)بوجوه : منها أنّ نداء الدلّال بمنزلة الايجاب فالشرط قد ذكر في ضمن العقد . ومنها : أنّ الشرط معتبر حتى فيما لم يذكر في ضمن العقد . ومنها غير ذلك فليراجع ، ومن الظاهر أنّ الحاجة إلى الجواب عن هذا الإشكال إنمّا هي فيما إذا لم نقل بكفاية مطلق الشرط وإن لم يقع في ضمن العقد وإلّا فلا إشكال حتّى يجاب عنه .

والصحيح في حل الإشكال بناءً على اشتراط ذكر الشرط في ضمن العقد أن يقال : إنّ اشتراط ذكر الشرط في ضمن العقد إنمّا هو في الشروط وهي عبارة عن التزام شيء خارج عن المعاملة في الالتزام المعاملي نظير بيع شيء مع اشتراطه خياطة الثوب أو مع الكتابة ونحوهما الراجعة إلى التزام عمل أو صفة وهي التي يعتبر ذكرها في العقد، والمقام أعني البراءة عن العيوب ليس من قبيل الالتزام في الالتزام بل هي بمعنى رفع الالتزام وتوضيحه : أنّا ذكرنا سابقاً أنّ وصف الصحة نظير تساوي القيمة في خيار الغبن ممّا يشترطه العقلاء بارتكازاتهم في المعاملات وقلنا إنّ الاطلاق في العقود يقتضي الالتزام بالصحة وبتساوي القيمة ونحوهما فالالتزام بها ثابت عند الاطلاق حسب الارتكاز ما دام لم ينضب قرينة على رفع


1) المكاسب 5 : 351 .

ذلك الالتزام ، وأمّا مع نصبها فلا يبقى التزام بالصحة أو بتساوي القيمتين ، ولا يفرّق في القرينة المنصوبة لأجل رفع الالتزام الثابت بالارتكاز بين كونها سابقة على العقد وكونها مقارنة ، فالتبرّي قرينة على رفع الالتزام لا أنّه التزام في ضمن التزام ونظيره البيان فكما لا يفرّق في بيان العيب في قوله (عليه السلام) « ما لم يتبرّأ إليه ولم يبين له » بين كونه سابقاً أو مقارناً ، فكذلك في التبرّي .

ويدلّ على ما ذكرناه : إطلاق قوله « ولم يتبرّأ إليه » بلا تقييده بالتبرّي في ضمن العقد أو سابقاً عليه ، فلا إشكال في الرواية من هذه الجهة .

المسألة الخامسة : وقد ذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) في هذه المسألة أنّه لو ادّعى البائع رضى المشتري به بعد العلم بالعيب أو إسقاط الخيار أو تصرّفه فيه ونحوها من المسقطات حلف المشتري لأصالة عدم هذه الأمور ، ثمّ عقّبه (قدّس سرّه) بأنه لو وجد في المعيب عيب اختلفا في حدوثه وقدمه إلى آخر ما أفاده (قدس سره).

ولا يخفى أنّ هذه المسألة تكرار منه (قدّس سرّه) لأنّها بعينها المسألة الثالثة وقد ذكرنا هناك أن القول فيها تارةً قول المشتري وأخرى هو قول البائع على تفصيل قد أسلفناه ولا نعيد ، هذا تمام الكلام في الاختلاف في المسقط

الاختلاف في الفسخ أما الثالث وهو ما إذا اختلفا في الفسخ وعدمه ، ففيه مسائل :

المسألة الأولى : إنّ المشتري الذي ثبت له الخيار باتّفاقهما إذا ادّعى الفسخ واعترف بحلّه العقد فهذا يتصوّر على وجهين : لأنّ هذا النزاع تارةً مع بقاء الخيار وأخرى مع انقضائه . فإن كان خياره باقياً فلا ينبغي الإشكال في أنّه يتمكّن من الفسخ حينئذ وله أن ينشئه ثانياً ، ولا يرد عليه أنه مع دعواه الفسخ أوّلاً لا يتمكّن

منه ثانياً لأنّه لغو محض ولا أثر له بعد إنشائه سابقاً ، وذلك لأنّ فائدة فسخه ثانياً هو علمنا إجمالاً بأنّ المعاملة انحلّت ورجع الثمن إلى ملك المشتري كما رجعت العين إلى ملك البائع إما بهذا الفسخ أو بالفسخ السابق ، فالانحلال معلوم والشك في السبب والاستناد ، وهذا الشك لا أثر له بعد العلم بتحقّق الفسخ ، إذ لا أثر لكونه بهذا السبب أو بالسبب الأول ، كما أنّ اعترافه بفسخه سابقاً لا أثر له بحيث لا يصح منه إنشاؤه ثانياً بدعوى أنه لغو ، لما عرفته من أثره ، هذا كله فيها إذا فسخ ثانياً .

وأمّا إذا لم يفسخ بانشائه ثانياً بل إنما اعترف بفسخه الذي هو فعل نفسه وأخبر عنه ، عنه ، فهل يسمع ذلك الاقرار منه ولا يحتاج معه إلى إقامة البيّنة وغيرها من لوازم التداعي أو لا بل يحتاج إلى المحاكمة وإقامة البيّنة على فسخه ؟ الصحيح هو الأول ، وقد ذكروا في وجه ذلك أمرين وصحّحوه من جهتهما .

فتارةً يستدلّ على صحّة إقراره بالقاعدة التي ادعوا عليها الارتكاز كما يستفاد من بعض الأخبار (1)أيضاً وهي قاعدة من ملك شيئاً ملك الاق--رار ب-ه وهذه القاعدة ممّا لا إشكال فيه في الجملة ، وإنما الخلاف في خصوصياتها ، وهذا كما في الولي إذا اعترف ببيع مال الصغير فإنه وإن لم يرجع إلى الاعتراف على نفسه إلا أنه لما كان مالكاً لبيع الصغير ومتمكّناً منه كان اعترافه وإقراره به مسموعاً ومتّبعاً . وكذا في دعوى الزوج طلاق زوجته لأنه مالك لطلاقها ويتمكن منه شرعاً فيسمع إقراره به بلا حاجة إلى بيّنة ونحوها ، ولا يسمع إنكار الزوجة طلاقه بوجه ، وفي المقام أيضاً نقول إنّ المشتري قد ملك فسخ العقد حسب الفرض وله أن يعترف بذلک ویسمع اعترافه به بلا حاجة إلى إقامة البيّنة بوجه .

وأخرى يستدلّ على صحة إقراره بالفسخ بوجه آخر لا من جهة القاعدة


1) منها ما ورد في الوسائل 18 : 281 / أبواب بيع الحيوان ب 26 .

المتقدّمة ، وهو أن يقال إنّ نفس إخباره عن فسخه فسخ وإنشاء له ، لا بمعنى أنّ الإخبار إنشاء لأنّهما لا يجتمعان ، فإنّ الإخبار متقوّم بقصد الحكاية والانشاء متقوّم بعدم قصدها ، بل بمعنى أنّ هذا الإخبار لازم لانشاء الفسخ فهو نظير المدلول الالتزامي للإخبار وإن لم يكن عينه ، فإنّ المدلول الالتزامي مدلول لمدلول الأخبار، وأمّا الفسخ مدلول أي ملزوم لنفس الإخبار .

وهذا نظير ما ذكروه في رجوع الزوج في أيّام العدّة فإنه إذا اعترف برجوعه يكفي ذلك في الرجوع بمعنى أنه بنفسه رجوع، إذ لا يعتبر في الرجوع إلّا الرضا بالزوجية وإظهار ذلك الرضا والاعتراف والإخبار بالفسخ والرجوع يظهران رضاه القلبي ويبرزانه ، فيكفيان في الرجوع بمعنى أن-ه بنفسه يكون مصداقاً للرجوع ، وكذلك الحال في المقام فإنّ الفسخ ليس إلّا عبارة عن رضاه بحلّ العقدة القلبية ، وإظهار ذلك الرضا واعترافه وإخباره بالفسخ يظهران رضاه بحلّ العقدة فيكونان مصداقاً للفسخ ، وهذا من غير فرق بين كونه صادقاً في اعترافه وإخباره وكونه كاذباً فيه كما إذا أقرّ بكذبه بعد ذلك فإنّ مجرد الإخبار ولو عن كذب يكون مصداقاً للفسخ كما مرّ .

ولعلّ هذا مراد شيخنا الشهيد (قدّس سرّه) على ما حكي عنه في الدروس بقوله : ويمكن جعل إقراره انشاء (1)وإلّا فلا معنى لاحتمال كون الاخبار انشاء لأنّهما لا يجتمعان ، وعليه فلا محالة يكون اعترافه بالفسخ مسموعاً بلا حاجة إلى إقامة البيّنة عليه (2)هذا كلّه مع سماع اعتراف المشتري بالفسخ .


1) الدروس 3: 286 .

2) ومن ذلك يظهر الحال فيما إذا كان الاختلاف بعد انقضاء زمان الخيار فإنّه لا يجري في شيء من الوجهين المتقدّمين ، فيحتاج إثبات الفسخ إلى إقامة البينة عليه ولم يتعرّض له سيدنا الأستاذ باستقلاله ، فلا تغفل .

وأمّا إذا فرضنا عدم سماع إقراره إمّا من جهة كون النزاع بعد مضي الخيار أو من جهة البناء على عدم سماع الاعتراف ولو مع بقاء الخيار أو لوجه آخر فاحتاج مدّعي الفسخ إلى البيّنة ، فإن أقام البيّنة على مدّعاه فهو ، وأمّا إذا لم يتمكّن من إقامتها ووصلت النوبة إلى حلف منكر الفسخ ففي هذه الصورة يختلف الحال ، لأنّ مدّعي الفسخ إن كان هو المشتري وكان البائع منكراً له فلا يجب عليه الحلف ، كما أنه ليس للمشتري إحلافه على عدم فسخ المشتري واقعاً بل لعله فسخها في داره ولكنّه لا أثر له بل يدعي عدم علمه بفسخ المشتري وهذا كاف في انحلال الدعوى وعدم ثبوت الفسخ ، هذا فيا إذا ادعى المشتري الفسخ فقط لا علم البائع به .

وأمّا إذا ادّعى المشتري علمه بفسخه فله إحلاف البائع على عدم علمه بفسخه ، ففي هذه الصورة يحلف البائع على عدم علمه بالفسخ لا على عدم فسخه واقعاً لأنه غير عالم به . وأمّا إذا كان المدّعي للفسخ هو البائع وكان المشتري منكراً له لترقي القيمة السوقية ولم يتمكن البائع من إقامة البيّنة على فسخ المشتري ووصلت النوبة إلى حلف المشتري المنكر للفسخ ، فيحلف على عدم فسخه واقعاً لأنّه فعله وهو عالم بعدمه ، لا أنه يحلف على عدم علمه به كما هو ظاهر ، هذا .

ثم إنه إذا لم يتمكّن المشتري مثلاً من إثبات الفسخ بوجه وحكمنا بلزوم المعاملة فهل يتمكّن من مطالبة البائع بالأرش، لأنّ إنكاره الفسخ اعتراف باستحقاق المشتري للأرش ، أو أنه لا يتمكّن منه لأنّه باعتقاده يرى المعاملة مرتفعة بفسخه ؟

احتمل شيخنا الأنصاري (1)وجهين في المقام : أحدهما ثبوت مطالبته بالأرش لئلّا يخرج من الحقّين . وثانيهما : عدم الأرش لاعترافه بالفسخ وأنّه ليس له ذلك .

وعن الشهيد في الدروس (2)أنّه احتمل استحقاق المشتري أخذ أقل الأمرين من الأرش وما زاد على القيمة السوقية من الثمن وتوضيحه : أنّه إذا اشترى المبيع بدينار وربع وكانت قيمته السوقية ديناراً واحداً ، وحينئذ الأرش إمّا مساو مع تلك الزيادة أعني ربع الدينار أو أكثر منها أو أقل .

فإن كان مساوياً معها وبمقدارها فنقطع باستحقاق المشتري لها أعني الزيادة أي الربع ، لأنّه إمّا فسخ المعاملة وصادق في دعوى الفسخ أو كاذب في دعواه ، فعلى تقدير صدقه يستحق الثمن وهو دينار وربع والمفروض أنّ قيمته السوقية دينار فيستحق مطالبة الربع من البائع لأنّ الثمن أكثر من القيمة الواقعية بالربع ، وعلى تقدير كذبه وعدم فسخه فيستحق الأرش لا محالة وقد فرضناه بمقدار الربع ، فالربع ممّا يستحقّه المشتري على كل حال .

وأمّا إذا كان الأرش أكثر من الربع فنقطع باستحقاقه للربع إم-ّا لفسخه واستحقاقه الثمن وهو دينار وربع وقيمته دينار واحد ، أو لأجل استحقاقه الأرش وهو أكثر من الربع ، فالربع الأقل ممّا يستحقّه المشتري قطعاً ، وأمّا الزيادة فلم تثبت لاعترافه بعدم استحقاقه الأرش وأنه فسخه .

وأمّا إذا كان الأرش أقل من الربع كما إذا كان درهمين فيقطع باستحقاقه لهذا الأقل على كلا تقديري الفسخ وعدمه ، إمّا من جهة الفسخ واستحقاقه الثمن وهو


1) المكاسب 5: 353 .

2) الدروس 3 : 287 .

زائد عن القيمة الواقعية بربع دينار ، وإمّا للأرش وهو در همان ، وأمّا الزائد عليهما فلم يبثت إذ لم يثبت الفسخ حسب الفرض ، فأقل الأمرين راجع إلى المشتري على أي حال (فيما إذا لم يتمكّن المشتري من إثبات الفسخ ).

وما أفاده الشهيد (قدّس سرّه) متين على تقدير مطالبة المشتري بالأرش من البائع ، وأمّا إذا لم يطالبه به فلا يثبت أرش على ذمّة البائع حتّى يقال بالقطع باستحقاق المشتري أقل الأمرين ، فلا يستحق الأرش لعدم المطالبة ولا الفسخ لعدم الثبوت ، لما تقدّم من أنّ الأرش غرامة يثبت بالمطالبة لا أنه ديَن على ذمّة البائع من الابتداء حتى يأتي دعوى القطع بأقل الأمرين ، فما أفاده متين على تقدير مطالبة المشتري بالأرش وأمّا مع عدمها فلا يستحق شيئاً كما عرفت .

المسألة الثانية : ما إذا اتّفقا على أنّ للمشتري الخيار واتّفقا أيضاً على أنّ المشتري قد فسخ ولكنّها اختلفا في زمان الفسخ وأنه هل كان في زمان الخيار كأوّل الوقت بناء على الفورية ، أو في زمان بقاء العين حتى يكون مؤثّراً ، أو أنه كان بعد انقضائه لفوات الفور أو لأجل تلف العين حتى لا يكون مؤثّراً .

ذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (1)أنّ هذه المسألة نظير مسألة ما إذا اختلف الزوج والزوجة في زمان الرجوع وأنه هل وقع في زمان العدّة حتى يؤثّر أو بعد انقضائها حتى لا يؤثر ، وقد أجرى (قدس سره) في المقام كلاً من الاستصحاب الموضوعي أعني استصحاب عدم حدوث الفسخ في زمان الخيار ، والاستصحاب الحكمي وهو استصحاب بقاء العقد وملكية المال للمشتري ، ولم يعلم وجه الجمع بينهما ، لأنّ الاستصحاب الموضوعي إن صحّ جريانه في المقام فلا يبقى معه مجال لاستصحاب الحكم ، وإن لم يجر الأصل الموضوعي فالحكمي وإن صح في حدّ نفسه


1) المكاسب 5 : 354 .

إلّا أنّه لا وجه لاجراء الموضوعي حينئذ ، ثمّ احتمل (قدّس سرّه) جريان أصالة الصحة في الفسخ حيث إنّهما يتنازعان في أنّ الفسخ صحيح مؤثّر أو فاسد وغ--ير مؤثّر ، وإذا شككنا في صحة عقد أو إيقاع فلا محالة نحمله على الصحيح وبها نحكم بنفوذ فسخ المشتري .

ثم ذكر أنه لو كان منشأ النزاع الاختلاف في زمان وقوع العقد مع الاتّفاق على زمان الفسخ فلاستصحاب عدم العقد إلى الزمان القريب من الفسخ حتى يصح الفسخ . وجه . مثلاً إن اتّفقا على وقوع الفسخ يوم الثلاثاء واختلفا في أنّ العقد هل وقع في نفس اليوم كي يكون الفسخ فورياً وواقعاً في زمان الخيار بناءً على فورية الخيار ، أو فيما قبله من الأيّام حتّى يلغو الفسخ لوقوعه بعد انقضاء الخ-ي-ار فيستصحب عدم وقوع العقد إلى يوم الثلاثاء ويصح الفسخ ، ولكن يضعّف بأنّ هذا الاستصحاب لا يثبت وقوع الفسخ في أول الزمان حتى يصح . هذه خلاصة ما أفاده في المقام، وتحصّل منه عدم نفوذ الفسخ عنده في هذه المسألة .

واعلم أنّ هذه المسألة سيّالة بمعنى أنها لا تختص بالمقام بل تجري في كل متعلّق أو موضوع مركّب من أمرين علمنا بوجودهما وشككنا في أن وجود أحدهما هل كان في زمان وجود الآخر أو أنه كان بعد زمان وجوده .

أمّا المتعلّق نظير الصلاة والطهارة فيما إذا علمنا بأنّ المصلّي كان متطهّراً قبل الصلاة ثم علمنا بصدور الصلاة منه كما علمنا بصدور حدث منه وشككنا في أنّ الحدث هل وقع بعد الصلاة حتى تّصح الصلاة لوقوعها في زمان الطهارة أو أنّ الحدث وقع قبل الصلاة كي تبطل الصلاة لعدم تحقّقها في زمان وجود الطهارة ولابدّ من فرض هذا المثال فيما إذا لم تجر قاعدة الفراغ كما إذا علم بغفلته حين الصلاة مثلاً .

أمّا الموضوع فهو كالمقام وكرجوع الزوج في زمان العدّة ونظير رجوع المرتهن في إذنه في بيع العين المرهونة إذا اختلفا في أنه رجع عن إذنه قبل بيع العين أو

بعده ، ونظير الفسخ في زمان بقاء خيار المجلس أو الحيوان إذا اختلفا في أنّ الفسخ وقع قبل انقضائه أو بعده ، وقد عرفت أنّ شيخنا الأنصاري ذهب في جميع المسائل المتقدّمة إلى البطلان وعدم صحة الفسخ أو الرجوع أو الصلاة كما مرّ .

وذكر السيّد في حاشيته (1)أنّ الحكم في جميع تلك المسائل هو الصحة ونفوذ الفسخ والرجوع وصحة الصلاة من جهة أنّ أحد جزأي المتعلّق أو الموضوع محرز بالوجدان والجزء الآخر بالأصل ، مثلاً الصلاة ممّا نعلم بوجوده بالوجدان ونشك في تحقّق الطهارة معها وارتفاعها والأصل بقاء الطهارة حين الصلاة ، أو الأصل عدم حدوث الحدث قبل الصلاة .

ونقول في المقام : إنّ الفسخ محرز بالوجدان وأمّا بقاء الخيار فيثبت بالاستصحاب لأصالة عدم ارتفاع الخيار في زمان الفسخ ، ولا يعارض هذا الاستصحاب بما ذكره شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) من استصحاب عدم تحقّق الفسخ في زمان الخيار ، لأنّ هذا الأصل لا أثر له ولا يثبت وقوع الفسخ بعد الخيار ، لأنّه من اللوازم العقلية للمستصحب ، وهذا ظاهر .

وتوهّم جريان الاستصحاب في نفي موضوع الأثر كالفسخ في زمان الخيار أو الصلاة في زمان الطهارة ، لأنّ المؤثّر ليس هو طبيعي الفسخ أو الصلاة ب-ل خصوص الفسخ الواقع في زمان الخيار أو الصلاة الخاصة الواقعة في زمان الطهارة وحيث إنّا نشك في تحقّقه فالأصل عدم تحقّق الفسخ الخاص أعني الواقع في زمان الخيار أو عدم تحقّق الصلاة المتخصّصة بالطهارة وبه يرفع الأثر ، مندفع بما ذكرناه غير مرّة من أنّ الموضوعات أو المتعلّقات المركّبة من جزأين أو أكثر لم يؤخذ فيها عنوان و تقيّد بوجه ، بل الظاهر من أدلّتها اعتبار تحقّق هذا الجزء في عين زمان الجزء


1) حاشية المكاسب ( اليزدي ) : 95 من مبحث الخيارات .

الآخر ، فما دلّ على أنّ الطهور معتبر في الصلاة لم يدلّ على تقيّد الصلاة بكونها عن طهارة ، بل ظاهره اعتبار وجود الصلاة في زمان وجود الآخر أعني الطهور ، وكذا في المقام فإنّ ما دلّ على اعتبار بقاء الخيار في زمان الفسخ لم يدل على تقيّد الفسخ بكونه واقعاً في زمان الخيار بل غايته اعتبار وجود الفسخ في زمان وجود الخيار بمعنی أنّ المعتبر هو ذات الجزأين والمفروض أنّ كلتا الذاتين محرزتان إحداهما بالوجدان والأخرى بالأصل ، ونفس الاستصحاب يقتضي كون الفسخ في زمان الخيار وأين لنا شك في بقاء الموضوع أو المتعلّق حينئذ حتى نستصحب عدمه ، إذ المفروض أنّ الموضوع ثابت بضمّ الوجدان إلى الأصل أو المتعلّق محرز بهما فلا شك في وجودهما كي نرفعها بالأصل ، وكذا الحال في الصلاة فكما أنّا إذا كنّا شككنا في أثناء الصلاة في طهارتنا كنّا نستصحب الطهارة ونكتفي بتلك الصلاة في الامتثال كذلك الحال فيما إذا شككنا في طهارتنا بعد الصلاة ، والوجه في ذلك ما عرفت من أنّ المعتبر ذات الجزأين في زمان واحد وإحداهما محرزة بالوجدان والأخرى بالأصل وعليه فنحكم بالصحة في جميع المسائل المتقدّمة ، هذا ما ذكره السيّد (قدّس سرّه) في المقام ، وهو وما أفاده شيخنا الأنصاري في طرفي النقيض .

والصحيح في المقام هو التفصيل وبيان ذلك : أنّ الشك (1)في تحقّق أحد الجزأين في زمان الجزء الآخر تارةً فيها إذا لم يكن وجود الجزء الآخر محدوداً معيّناً بل هو بحيث يبقى إلى آخر الأبد إذا لم يرفعه رافع ونشك في رافعه ولأجل ذلك نشك


1) وبعبارة أخرى : أنّ الجزأين اللذين اعتبر اجتماعهما في زمان واحد تارة يكون كلاهما زمانياً كالطهارة والصلاة وأخرى يكون أحدهما زماناً والآخر زمانياً نظير الفسخ في خيار الحيوان الذي هو ثلاثة أيام أو رجوع الزوج في العدّة التي زمان ، وغيرهما من الأمثلة ، كذا أفاده في المرة الثانية .

في سعة وجود ذلك الجزء وضيقه . وأخرى يكون الشك المذكور فيما إذا كان وجود الجزء الآخر محدوداً معيّناً لا نشك في سعته وضيقه .

أمّا الأول فكالطهارة فإنّ وجودها غير محدود بشيء ويبقى إلى آخر الأبد لو لم يطرئها رافع ، وحيث يشك في حدوث الحدث قبل الصلاة أو بعدها فلا محالة يحصل لنا الشك في سعة تلك الطهارة بحيث تعم حال الصلاة وضيقها وعدم شمولها لحال الصلاة ، ففي هذه الموارد متعيّن ما ذكره هذا القائل ، لأنّ وجود الصلاة محرز بالوجدان وسعة الطهارة وشمولها لحال الصلاة بالأصل فيتم كلا الجزأين ، وحينئذ لا یبقی لاستصحاب عدم تحقّق الصلاة الخاصة مجال بل يكون غلطاً حينئذ ، لما عرفت من عدم أخذ العنوان والتقيّد في الصلاة وإنمّا الدليل دلّ على اعتبار وجود الصلاة في زمان وجود الطهارة والمفروض أنّا عالمون بتحقّق الصلاة في زمان وجود الطهارة بالوجدان والتعبّد ، فلا شك في وجود المتعلّق أو الموضوع حتى يجري استصحاب عدم تحقّق الموضوع الخاص .

وبالجملة : فإن أراد شيخنا الأنصاري في هذه الموارد استصحاب عدم الجزء فقد عرفت أنّ أحدهما محرز بالوجدان والآخر بالأصل ولا شك لنا في تحقّقها ، وإن أراد استصحاب عدم المجموع أعني الصلاة المتخصّصة بالطهارة فقد مرّ أنّ المجموع بهذا العنوان لم يقع متعلّقاً لحكم ولا موضوعاً له وإنّما الدليل اعتبر وجود ذاتها في زمان واحد وقد علمنا بهما بالوجدان والتعبّد .

والمتحصّل : أنّ الجزأين إذا كان كلاهما زمانياً كما هو الحال في الطهارة والصلاة فلا محالة يجري فيه استصحاب أحدهما ، وحيث إنّ الآخر محرز بالوجدان فبه يلتئم كلا جزأي الموضوع ، لأنّ المستفاد من لسان الدليل ليس إلّا اعتبار كون أحدهما موجوداً في زمان وجود الآخر وأمّا الأزيد من ذلك فلا ، والمفروض أنّ وجود الصلاة محرز بالوجدان في زمان ، وكون هذا الزمان زمان الطهارة قد أحرز

بالاستصحاب ، فالاستصحاب يثبت أنّ هذا الزمان زمان الطهارة وأنّها لم ترتفع في هذا الزمان ، وإيقاع الصلاة في زمان حكم الشارع بكونه زمان الطهارة وجداني فيتحقّق كلا الجزأين وحينئذ لا يبق لنا شك في تحقّق الصلاة في زمان الطهارة حتى يتمسّك باستصحاب عدم تحقّق الصلاة في ذلك الزمان ، لأنّك عرفت أنّ تحقّق الصلاة في زمان الطهارة وجداني ومن هنا لا يفرق الحال بين المثال وبين ما إذا شککنا في بقاء الطهارة قبل أن ندخل في الصلاة فإنّ استصحاب الطهارة يثبت أنّ الزمان زمان الطهارة فنوقع الصلاة في ذلك الزمان بالوجدان ، فهل يتوهّم أحد حينئذ أن يتمسّك باستصحاب عدم تحقّق الصلاة في زمان الطهارة .

وبالجملة : أنّ الجزأين الزمانيين لما لم يستفد من دليلها سوى اعتبار أن يكون زمان واحد جامعاً لها ، وبعبارة أخرى لا يستفاد من اعتبار الطهارة في الصلاة إلّا كون المصلّي متطهراً (فكونه مصلّياً يثبت بالوجدان وكونه متطهراً بالاستصحاب) أمكن إحراز أحدهما بالوجدان والآخر بالأصل ، هذا في الطهارة والصلاة .

ولا يبعد أن يكون الفسخ في خيار المجلس أيضاً من هذا القبيل ، لأنّ المستفاد من دليله هو اعتبار أن يكون الفسخ ما دام لم يفترقا ، فأحد الجزأين عدم الافتراق والآخر هو الفسخ ، والمفروض أنّ الفسخ محرز بالوجدان وأم-ّا ع-دم افتراقهما فيحرز بالأصل ، فنعلم بالوجدان بايقاع الفسخ في زمان حكم الشارع فيه بعدم الافتراق ، ومعه لا ، ومعه لا يبقى مجال لاستصحاب عدم تحقّق الفسخ في زمان عدم الافتراق ، وذلك لأنّ الدليل دلّ على اعتبار أن يكون هذان الأمران موجودين في زمان واحد والمفروض إحرازهما في زمان بالوجدان والأصل ، ومن هنا لو ك--ان أحد المتبائعين أعمى أو كانا في ليل مظلم وشك في افتراق الآخر وعدمه له أن يفسخ تمسكاً باستصحاب عدم الافتراق .

ومن هذا القبيل أيضاً مسألة رجوع المرتهن عن إذنه فإنه لم يعتبر في صحة البيع إلّا بيع الراهن في زمان عدم رجوع المرتهن ، والأول أحرز بالوجدان والثاني بالاستصحاب ، وهكذا الحال في كل زمانيين لم يعتبر إلّا اجتماعهما في زمان من دون أخذ شيء آخر في لسان الدليل .

وأمّا الثاني أعني ما إذا كان الجزء الآخر محدوداً معيّناً بأن كان زماناً والآخر زمانياً نظير الفسخ في خيار الحيوان لأنّ الشرط فيه ثلاثة أيّام وهي زمان والفسخ زماني ، أو رجوع الزوج في عدّة الزوجة التي هي عبارة عن عدد من الأيّام وهي زمان ونحوهما ، فلابدّ في مثله من ملاحظة الدليل لنرى أنه دل على اعتبار أن يكون الزمان ظرفاً لذلك الجزء الآخر الزماني أعني اتّصاف كونه واقعاً في ذلك الزمان ، أو أنه لم يدل إلّا على اعتبار وجود الزمان ووجود ذلك الزماني بلا أخذ الظرفية والاتصاف في البين ، فإن لم يدل الدليل إلّا على اعتبار وجودهما بلا اعتبار الظرفية ونحوها كما استظهرناه في مثل الصوم والصلاة لأنّ المستفاد من قوله تعالى (أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ )(1)وقوله تعالى : (أَقِمُ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ ) (2)وقوله (عليه السلام) في بعض الأخبار (3)، ما مضمونه « إنّ الصلاة لابدّ من تحققّها قبل أن يغرب الشمس » ليس إلّا اعتبار الصيام وعدم الليل أو الصلاة وعدم غروب الشمس ، فإذا شككنا في بقاء الوقت فلنا أن نتمسّك باستصحاب عدم غروب الشمس ، والمفروض أنّ الصلاة قد وقعت في ذلك الزمان بالوجدان ، أو نتمسك باستصحاب عدم الليل والمفروض علمنا بأننا صائمون ، أو نستصحب بقاء


1) البقرة 2 : 187 .

2) الاسراء 17 : 78 .

3) منها ما في الوسائل 4: 125 / أبواب المواقيت ب 4 3 .

الليل فيما إذا شككنا في بقائه وبه نحرز كلا جزأي الموضوع أعني الصوم وعدم الليل والصلاة وعدم الغروب كما ذكرناه في القسم الأول مفصّلاً . وأمّا استصحاب عدم تحقّق الصيام في النهار أو عدم الليل أو عدم تحقّق الصلاة قبل الغروب فقد عرفت أنه لا يجري لعدم الشك في تحقّقهما لاحراز وجودهما بالوجدان كما مرّ .

وأمّا إذا دلّ دليلها على اعتبار كون الزمان ظرفاً للزماني ففي مثله لا يجري استصحاب الزمان أصلاً ، لا أنه يجري ويعارض بأصالة عدم تحقّق الصلاة مثلاً قبل الغروب ، وذلك لأنّ الاستصحاب لابدّ فيه من أثر شرعي ولا أثر لاستصحاب الزمان في مفروض الكلام ، لأنّ استصحاب عدم الغروب لا يثبت أنّ الصلاة قد وقعت فيه أي اتّصافها بكونها قبل الغروب ، لأن استصحابه إنّما هو بمفاد كان التامة وهو لا يثبت الاتصاف كما لا يخفى ، والمفروض أنّ الاتّصاف مأخوذ في لسان الدليل والاستصحاب لا يثبته إلّا على القول بالأصل المثبت ، لا أنه يجري ولكنه يعارض باستصحاب عدم تحقق الصلاة قبل الغروب.

ومن هنا يظهر أنّ في هذه الموارد إن كان لأصالة عدم تحقّق الصلاة قبل الغروب مثلاً أثر فلا محالة تجري بلا معارض ، وإلّا فلا يجري أصل في البين لعدم الأثر لكلتا الأصالتين حسب الفرض ، هذا .

وقد ذكرنا (1)تفصيل الكلام في استصحاب الزمان في بحث جريان الاستصحاب في الزمان والزماني ، وفيما ذكرناه هناك ما ينفع المقام فليراجع .

ثم إنّ ما ذكرناه في المقام لا يفرق فيه بين أن يكون الشك في تحقّق الفسخ في زمان الخيار ناشئاً من من الشك في زمان العقد كما إذا علم تاريخ الفسخ وشك في أنّ العقد هل وقع يوم الثلاثاء حتى يكون الفسخ الذي علمنا بوقوعه يوم الجمعة واقعاً


1) مصباح الأصول 3 (موسوعة الإمام الخوئي (48) : 147 .

بعد انقضاء الخيار في خيار الحيوان ، أو أنه وقع يوم الأربعاء حتى يكون الفسخ واقعاً قبل انقضائه ، وبين أن يكون الشك ناشئاً من الشك في زمان وقوع الفسخ كما إذا كان تاريخ العقد معلوماً . وكذا لا يفرق بين صورة كون أحدهما معلوم التاريخ والآخر مشكوكه ، وبين صورة كون كليهما مجهولي التاريخ ، ففي جميع هذه الصور يجري استصحاب بقاء الخيار ونحرز وقوع الفسخ في ذلك الزمان بالوجدان وب-ه نحكم بنفوذ الفسخ .

بقي الكلام في التمسك بأصالة الصحة في الفسخ وأنه هل يصح الاعتماد عليها في المقام وبها نحكم بتقديم قول المشتري لأنه يدّعي صحّة الفسخ أو لا ؟

والظاهر لا ، وذلك لما تقدّم في محلّه من أن أصالة الصحة في العقود والايقاعات وغيرهما كصلاة الميت وتغسيله وغيرهما من الواجبات وإن كانت جارية بلا خلاف ولا ينبغي الشك في جريانها فيها وبها نحكم بصحتها ونرتّب آثار الصحة عليها ، مثلاً إذا شككنا في صحة صلاة من يصلّي على جنازة أو يغسّلها فلا محالة نحملها على الصحيح وبها نحكم بعدم وجوب صلاة الميت أو تغسيله علينا ، أو إذا شككنا في صحة طلاق امرأة نحمله على الصحيح ونحكم بصحة تزويجها ، وكذا غير ذلك من الواجبات والعقود والايقاعات ، ولا يلزمنا إحراز صحتها بالوجدان .

إلّا أنّ هذه الأصالة المذكورة الجارية في الموارد المذكورة لم تثبت بدليل لفظي حتى نتمسك باطلاقه، وإنما ثبتت بالسيرة القطعية المتّصلة بزمان المعصومين (عليهم (السلام لأنّ السيرة جرت على حمل تلك الأمور على الصحة وترتيب آثارها عليها ، ولم يوجبوا على أنفسهم إحراز صحتها في سقوطها عن ذمّتهم كما في مثل الصلاة على الميت وغسله ، فمدرك أصالة الصحة هو السيرة .

نعم المدرك على حمل فعل المسلم على الصحيح الشرعي في مقابل الحرام

ثابت بدليل لفظي ، إلّا أنّه ينفي ارتكابه الحرام فقط ولا يقتضي ترتيب آثار الصحة عليه كما هو ظاهر ، فإذا كان المدرك للأصالة المذكورة هو السيرة فلا يمكن التمسك باطلاقه ولابدّ من الاقتصار على المتيقن والمتيقن من جريانها هو ما إذا أحرزنا أهلّية الفاعل وقابليته للعمل ، وأمّا مع الشك في أهلّيته فلا علم بثبوت السيرة فيه .

فإذا عقد شخص على امرأة بدعوى الوكالة عنها وأنكرت المرأة الوكالة ولأجله شككنا في قابلية العاقد وأهليته ، لا يبقى مجال للتمسك بأصالة الصحة وإثبات صحة العقد بها ، وأمثلة ذلك غير عزيزة .

وعليه ففي المقام لا يمكننا التمسك بأصالة الصحة للشك في قابلية الفاسخ وأهلّيته له ، لأنه إنّما يتمكّن منه في زمان محدود كثلاثة أيام في خيار الحيوان أو الآن الأول في غيره بناءً على الفورية ، ولا ندري أنه فسخه في ذلك الوقت أو في خارجه فنشك فى أهليته ومعه لا علم بثبوت السيرة كما تقدّم .

فالمتحصّل أنّ الأصل منحصر بما ذكرناه فيكون قول المشتري في المقام ونظائره ممّا أخذ ذات الجزأين في الموضوع أو المتعلّق هو المقدم وهو المنكر ، هذا كلّه في هذه المسألة .

المسألة الثالثة : ما إذا اختلف البائع والمشتري في الفسخ من جهة دعوى المشتري الجهل بأصل الخيار أو بفوريته كما إذا اتّفقا على أنّ المشتري فسخه في زمان معيّن نفرضه بعد أربعة أيام من العقد ، ولكن المشتري يعتذر بأنّ الوجه في تأخيره جهله بأصل الخيار أو بفوريته وإلّا لفسخه في وقته ، والبائع يدّعي علمه بالحال . ذكر شيخنا الأنصاري (قدس سره)(1)أنّ الأصل عدم علم المشتري لأنّه أمر حادث مسبوق بالعدم فالقول قول المشتري . ونقل عن بعضهم التفصيل بين صورة


1) المكاسب 5 : 354 .

دعوى المشتري الجهل بأصل الخيار فلا يسمع قوله ، لأنه خلاف الظاهر حيث إنّ ثبوت خيار العيب من الواضحات وقد قلنا بأنه ثابت ببناء العقلاء ، وصورة دعواه الجهل بفورية الخيار فيسمع دعواه لأنّها ممّا لا يعرفه العامّة بل بعض الخاصّة أيضاً هذا .

ولا يخفى أنّ هذا التفصيل الذي نقله شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) ممّا لا يمكن المساعدة عليه ، وذلك لأنّ غاية كون الخيار أمراً معلوماً للعامّة حصول الظن بكذب مدّعي الجهل بالخيار ، وأمّا العلم فلا ، ومن الظاهر أنّ الظن لا دليل على اعتباره مع جريان الاستصحاب على خلافه ، فالحق ما أفاده شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) من الرجوع إلى أصالة عدم العلم في كل من موردي دعوى الجهل بالخيار أو بالفورية ، وهذا ظاهر .

وإنّما الكلام في ثمرة هذا النزاع وأنّ دعوى المشتري الجهالة بالخيار أو بالفورية أيّ أثر يترتّب عليها حتى فيما لو صدّقه البائع في مدعاه ، فإنّ المقام نظير غيره من الخيارات ، مثلاً إذا فسخ المشتري في خيار الحيوان أو المجلس بعد أربعة أيام أو بعد الافتراق بدعوى جهله بالخيار في المجلس أو في ثلاثة أيام فهل لجهله ذلك أثر حتى فيما علمنا بصدقه ، لأنّ الفسخ بعد زمان الخيار لا أثر له كان مع العلم أو بدونه ، والدليل دلّ على أنّ عدم الفسخ قبل الافتراق أو قبل مضي الثلاثة یوجب لزوم المعاملة كان مع العلم أم كان مع الجهل .

وكذلك الحال في المقام فإنّه لم يفسخ في زمان الخيار فلا يؤثّر فسخه ولو كان مع الجهل ، إذ لزوم العقد وعدم تأثير فسخه مستند إلى تقصيره في تعلم أحكام المعاملة أو إلى قصوره ، وعلى أي حال لا يكون فسخه نافذاً فلا يبقى لهذه المنازعة أثر ، وكيف لا فإنّ النزاع المذكور إنما يكون ذا ثمرة فيما إذا قلنا بأنّ الفورية مقيّدة بالعلم بها وحينئذ يدّعي البائع أنّك كنت عالماً بالخيار والفورية ولم تفسخ فسقط

خيارك والمشتري ينكر علمه ويدّعي جهله بهما حتى لا يسقط خياره ، مع أنّ هذا أمر غير معقول ، فإنّ أخذ العلم قيداً وموضوعاً في متعلّق نفسه مستحيل ، فلا يعقل أن تكون الفورية مقيّدة بالعلم بها ، وحيث لا يكون العلم مأخوذاً في الفورية فلا يكون لدعوى البائع علم المشتري بها وإنكار المشتري له ثمرة ، هذا.

ولكن الظاهر أنّ ما أفاده شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) هو الصحيح ، وذلك لأنّ تحديد الخيار بالفورية والآن الأول في المقام ليس نظير تحديد خيار المجلس بعدم الافتراق أو خيار الحيوان بثلاثة أيام ، لأنّهما قد ثبتا بدليل لفظي وقد دلّ على أنّ الفسخ في غيرهما لا يكون مؤثّراً مع العلم كان أم مع الجهل كما تقدّم.

وأمّا تحديده بالفورية في المقام فلم يثبت بدليل لفظي وإنما ادّعاه من ادّعاه بدعوى أنّ عدم فسخه في الآن الأول كاشف عن رضاه بالعقد والمعاملة ، فعدم فسخه كاشف عن إسقاطه الخيار ، وقد ناقشنا في هذا الدليل سابقاً كما عرفت .

وهذا الوجه كما ترى إنما يتمشّى في مورد العلم بالخيار وبالفورية وأمّا مع جهله بأحدهما فلا يكون عدم فسخه كاشفاً عن إسقاطه الخيار أو عن رضاه بالمعاملة ، ومن هنا لو كان المشتري نائماً أو مغمى عليه إلى سنة لا يمكن لمدّعي الفورية دعوى سقوط خياره ، لأنّ ترك فسخه حينئذ لا يكشف عن رضاه بالمعاملة، وعليه فمدّعي العلم يريد أن يثبت أنّ عدم فسخك في الآن الأول كاشف عن إسقاطك الخيار وغرض المشتري نفي ذلك وأنّي كنت جاهلاً ولم أسقط خيار نفسي فتترتّب الثمرة على نزاعهما ، وهذا لا من جهة أنّ الفورية مقيّدة بالعلم بها حتى يقال إنه غير معقول ، بل مقتضي الخيار موجود إلى الأبد وهو ثابت في نفسه مطلقاً بلا مدخلية للعلم والجهل ، إلّا أنّ غرض مدعى العلم أنّك أسقطت خيارك وأوجدت المانع عن ذلك المقتضي ، وغرض المشتري نفي ذلك وأنّ المانع لم يتحقّق وخياري باقٍ ، هذا تمام الكلام في اختلاف المتبائعين في الفسخ .

القول في ماهية العيب

حيث إنّ بعض الأخبار الواردة في المقام اشتملت على العيب والعوار احتاج الفقهاء (قدّس الله أسرارهم) إلى تحقيق مفهومها.

أمّا العوار : فعن الصحاح (1)على ما حكاه شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(2)أنّه العيب ، فهو والعيب مترادفان كالإنسان والبشر أو كالمترادفين نظير الجيد والرقبة .

وأمّا العيب : فقد ذكر شيخنا الأنصاري (قدس سره) تحفّظاً على عبارات الفقهاء ومرسلة السيّاري (3)التي دلّت على أنّ العيب هو كل ما زاد عن الخلقة أو نقص ، أنّه عبارة عن النقص عمّا تقتضيه الطبيعة الأوّلية ، فالصحة هي ما یقتضیه أصل الماهية المشتركة بين الأفراد ، والعيب هو النقص عمّا تقتضيه الطبيعة الأوّلية وأمّا ما زاد عن مقتضاها فهو فهو كمال نظير الكتابة والخياطة وغيرهما من الحرف والصنائع لأنّها أمور زائدة عمّا تقتضيه طبيعة الإنسان فهي كمال ، كما أنّ العمى نقص وعيب لأنّ مقتضى الطبيعة الأوّلية في الإنسان أن يكون بصيراً فعدمه نقص وعيب .

ثم أفاد (قدّس سرّه) أنّ مقتضى الطبيعة الأوّلية في الشيء ربما يعرف من الخارج كمقتضى حقيقة الإنسان والحيوان فإنه يعلم أنّ العمى فيهما عيب ومعرفة الكتابة كمال ، وأخرى لا يعرف مقتضى الطبيعة الأوّلية من الخارج إلّا أنه يستكشف حينئذ بملاحظة أغلب الأفراد ، فإنّ وجود صفة في غالب الأفراد يكشف عن أنّها ممّا تقتضيه الطبيعة الأوّلية ، وأنّ الفرد الفاقد لها معيب ، ووجود الوصف في غالب


1) الصحاح 2 : 761 مادة «عور » .

2) المكاسب 5 : 355 .

3) الوسائل :18: 97 / أبواب أحكام العيوب ب ا ح 1 .

الأفراد وإن لم يوجب الحكم في الفرد المشكوك لأنّ الأفراد ولو كانت غالبة لا تكشف عن حال الفرد الآخر ، إلّا أنّ ملاحظة أغلب الأفراد تكشف عن أنّ الوصف المتحقّق فيها ممّا يقتضيه أصل الطبيعة الأولية ، ومنه نستكشف أنّ الفرد الفاقد لذلك الوصف ناقص كما تقدّم .

ثم ذكر أنّ مقتضى الطبيعة الأوّلية للشيء ربما يغاير حال أغلب الأفراد ويرجّح حينئذ الثاني ويحكم للشيء بطبيعة ثانوية اعتبارية يعتبر الصحة والعيب والكمال بالنسبة إليها ، ومثل لذلك بالأرض حيث إنّ مقتضى طبيعتها الأوّلية أن لا يكون فيها خراج وضريبة ، لأنّ الأرض كلّها الله قد جعلها لجميع الناس وعامريها ، إلّا أنّ السلاطين والعقلاء قد جعلوا عليها الخراج ظلماً ، أو ع-دلاً كجعله في الشريعة المقدّسة لحفظ النظام وبذلك انقلبت طبيعتها الأوّلية وصارت الضريبة والخراج من مقتضيات الأراضي بالحقيقة الثانوية .

وعليه فإذا اشترى أرضاً ثم ظهر أنّ فيها خراج فلا يعدّ ذلك عيباً لأنه ممّا تقتضيه طبيعتها الثانوية ، نعم لو كان خراج أرض زائداً على خراج أغلب الأفراد كما إذا كان خراجها ثلثاً مع أنّ الغالب في الخراج هو العشر لكان ذلك عيباً ، كما أنّ عدم الخراج في أرض من جهة رعاية السلطان لمالكها أو لتنظيمه كمال .

وكذا الحال في الثيبوبة في الإماء المجلوبة من دار الكفر ، لأنّ المرأة أمة كانت أم حرّة وإن كانت تختلف الرغبات العقلائية فيها بالبكارة والثيبوبة وأنّ البكارة ممّا يقتضيه أصل الخلقة الأوّلية إلّا أنّ الإماء التي تجلب من دار الكفر قد انقلبت إلى حقيقة ثانوية وهي الثيبوبة فلا يكون ذلك في الإماء عيباً ، نعم لو كانت الأمة صغيرة لكانت الثيبوبة فيها عيباً ، لأنّ مقتضى الطبيعة الأوّلية والغالب في الصغيرة ه-و البكارة ، كما أنّ البكارة في الأمة الكبيرة صفة كمال .

ثم أفاد أنّ مقتضى الطبيعة الأوّلية ربما يكون نقصاً وعيباً ويدور الصحة

والعيب مدار الحقيقة الثانوية وهذا كالغلفة وعدم الختان فإنه ممّا يقتضيه الطبيعة الأوّلية للإنسان ، إلّا أنّ الحقيقة الثانوية في العبيد إذا كانت في بلاد الإسلام هو الختان فيكون فاقده معيباً ، نعم في العبد المجلوب من دار الكفر لا يعدّ الغلفة نقصاً وعيباً .

ثم احتمل (قدّس سرّه) احتمالاً آخر ، وهو أن يقال إنّ المدار في العيب والصحة على مقتضى الطبيعة الأوّلية في جميع الموارد ، وأنّ فاقده محكوم بالعيب ، وأمّا في الموارد المذكورة المتقدّمة كالخراج والثيبوبة ونحوهما ممّا لا يعدّ عيباً مع فقده لما يقتضيه الطبيعة الأوّلية فنلتزم فيها أيضاً بكونها عيباً إلّا أنّها ليست بعيب موجب للخيار ، لأنّ العيب إنمّا يقتضي الخيار فيما إذا لم يعلم به المشتري ولم يتبرّأ منه البائع وأمّا مع شيء منهما فلا . وكون العيب موجوداً في أغلب الأفراد يمنع عن حمل إطلاق العقد على الالتزام بما يقتضيه الطبيعة الأوّلية ، بل يكون ذلك ببراءة ممّا يقتضيه الخلقة الأصلية والأوّلية ، ومع البراءة عنه لا يثبت الخيار ، فالنقص عن مقتضى الخلقة الأوّلية عيب إلّا أنّه مع وجوده في أغلب الأفراد لا يكون العيب سبباً للخيار فالموضوع والمقتضي له أي للخيار موجود ، إلّا أنّه لا يؤثّر لأجل البراءة (أو علم المشتري بالعيب ).

وتظهر الثمرة بين هذا الوجه والوجه السابق فيما إذا اشترط المشتري صفة البكارة في الأمة الكبيرة التي انقلبت طبيعتها إلى طبيعة ثانوية وهي الثيبوبة ثمّ ظهرت ثيّباً ، فإن بنينا على أنّ النقص عمّا تقتضيه الطبيعة الأوّلية عيب فتكون الأمة معيبة ونحكم بثبوت الردّ والأرش ، وإذا تصرّف فيها تصرّفاً مانعاً من الردّ يطالبه بالأرش والتفاوت بين قيمتي الباكرة والثيب وذلك لأنّها معيبة ، والمفروض أنّ البائع لم يتبرّأ منه باطلاق العقد بل التزم بوجوده بمقتضى الاشتراط .

وأمّا إذا قلنا بأنّ العيب هو النقص عمّا يقتضيه حال أغلب الأفراد والطبيعة

الثانوية فالأمة لا تحكم بالعيب ولا يثبت للمشتري خيار العيب أعني الردّ والأرش ، بل يثبت له خيار تخلّف الشرط ويتمكّن من ردّها فقط أمّا مطالبة الأرش فلا ، وكيف كان فقد قوّى (قدّس سرّه) الوجه السابق وهو ملاحظة حال أغلب الأفراد ، وبه فرّق بين الأصناف إذا كانت طبائعها الأوّلية أو الثانوية مختلفة وحكم بلزوم ملاحظة الطبيعة في كل صنف بخصوصه بلا إسرائه إلى صنف آخر مثلاً إذا كان الخراج في الدار بالعشر وفي الدكّان بنصف العشر فلا يكون ذلك عيباً في الدار بدعوى أنّ الخراج في الدكّان بنصف العشر بل كل صنف يلاحظ بم--ا له م-ن الحقيقة الثانوية ، هذه خلاصة ما أفاده (قدّس سرّه) في المقام .

ولابدّ لنا من التكلّم في معنى الخلقة الأصلية والطبيعة الأوّلية لنرى أنّها ماذا وأنّ المراد بها في كلامه (قدّس سرّه) أي شيء فنقول : إن أراد (قدّس سرّه) بذلك ماهية الشيء كما هو الظاهر من مجموع كلامه بل وقد صرّح بلفظ الماهية أيضاً على ما هو ببالي وأنّ ما يقتضيه ماهية الشيء هو الذي يدور مداره الصحة والعيب ، ففيه أنّ الماهية لا يقتضي شيئاً غير الجنس والفصل ولا اقتضاء لها لغيرهما حتى يدور مداره العيب ، مثلاً ماهية الإنسان مركّبة من الحيوان وقوّة الإدراك المعبّر عنها بالنفس الناطقة ولا يقتضي تلك الماهية إلّا البدن فقط لمكان الحيوانية ، وأمّا العين أو اليد أو الرجل أو غيرها فكلّها ممّا لا تقتضيه ماهية الإنسان ، ولازمه عدم كون فقدها عيباً مع أنّها عيب بلا إشكال .

وبالجملة : أنّ مقتضى ماهية الإنسان ما عرفت ، لأنّ مثل كونه بصيراً أو سميعاً أو غير ذلك كلّها من أوصاف الكمال الزائدة على الماهية إنّما أعطاها الله سبحانه للإنسان تفضّلاً لقوله عزّ من قائل : (فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً) (1)نظير البيان


1) الإنسان 76: 2 .

في قوله تعالى : (خَلَقَ الْإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ) (1)وبالجملة أن هذه الأوصاف ممّا لا تقتضيه ماهية الإنسان فإرادة الماهية من الطبيعة الأصلية غير ممكن .

وإن أريد بها ما يلازم الماهية من الأمور المعبّر عنها في كلمات الفلاسفة والأصوليين بلوازم الماهية ، وأنّها التي تقتضيها الماهيات وهي المدار في الصحة والعيب ، فيدفعه : أنّ الماهية وإن كانت ربما يكون لها لوازم إلّا أنها مستحيلة التخلّف والانفكاك عن الماهية حتى يعدّ عيباً ، أترى أنّ الزوجية تنفك عن الأربعة وهي ممّا عدّوه من لوازم الماهية ، وهذا الاحتمال أيضاً ساقط وغير مراد .

فيتعيّن أن يكون المراد ما يقتضيه وجود الشيء والطبيعة في الخارج بأن يقال إنّ ما يقتضيه وجود الطبيعة هو الذي يدور مداره العيب والصحة ، فوجود طبيعة الإنسان يقتضي العين والسمع واليد والرجل ونحوها ففقدها يعدّ عيباً ، نعم إنّ وجوده لا يقتضي الكتابة مثلاً فوجودها يعدّ كمالاً ، وبالجملة فالمدار هو ما عليه الوجود الخارجي للطبيعة ، وهذا أمر معقول بحسب الثبوت .

إلّا أن الكلام فيه في مقام الاثبات ، لأنّا إذا فرضنا أنّ وجودات الإنسان كلّها واجدة للعين وأنّها بصيرة ولم نر في الخارج أعمى فرضاً فمن أين يمكننا إثبات أنّ العين والإبصار ممّا يقتضيه وجود طبيعة الانسان ، بل نحتمل أن يكون ذلك من مقتضيات تفضّل الله سبحانه على الانسان باعطاء العين في قوله : (فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً)(2)نعم هذه الصفة من الممكنات فيحتاج في تحقّقها إلى مقتض وشرط وعدم المانع ، وأمّا جعل المقتضي لها وجود الطبيعة فلا برهان عليه حتى يحكم بأنّ عدمها عيب . وكذا الحال فيما إذا رأينا التفاحة حمراء ولم نر في الخارج تفاحة بيضاء فأنّا لنا


1) الرحمن 55: 3 - 4 .

2) الإنسان 76: 2 .

إثبات أنّ الحمرة ممّا يقتضيه وجود طبيعة التفاحة ولعلّها ممّا يقتضيه إشراق الشمس عليها ، هذا فيها إذا رأينا الوصف موجوداً في جميع الأفراد وقد عرفت أنه لا سبيل لنا إلى إثبات كونه من مقتضيات وجود الطبيعة فضلاً عمّا إذا رأينا التخلّف كثيراً كما في العمى فإنه كثير أو البياض في التفاحة ولعلّه ظاهر ، هذا كلّه .

على أنّا نعلم بأنّ العيب لا يدور مدار مقتضى وجود الطبيعة ، بل ربما يكون عدم وصف من العيوب مع أنه ممّا لا يقتضيه وجود الطبيعة وهذا كما في الصنائع المخلوقة لصانعيها كالفرش فإنّ بعض أطرافه إذا كان أعرض من طرفه الآخر كما إذا كان عرضه في الوسط متراً وفي الآخر متراً ونصفاً (المعبّر عنه بالقناص) فإنه عيب في الفرش مع أنّ الفرش لا يقتضي وجود طبيعته شيئاً لأنه بيد ناسجه ينسجه كيف ما أراد ، فلا اقتضاء لوجود طبيعتها حتى يكون هذا عيباً لأنه فاقده.

أو فرضنا أنّ ألوانه غير متناسبة ، أو أنّ نقوشه مختلفة فبعضها كبيرة وبعضها الآخر صغيرة ، فإنّ الفرش يكون معيباً حينئذ مع أنه ممّا لا يقتضي وجوده شيئاً ، إذ طبع له ليقتضي أو لا يقتضي ، فإنّ المصنوع بيد صانعه ينسجه كيف ما شاء . وكذا الدار إذا بناها وجعل مبالها في وسط الغرفة فإنّ الدار معيبة حينئذ ، أو إذا جعلها بأجمعها غرفة واحدة ، أو بنى فيها غرفاً كثيرة إلّا أنّ كل واحدة منها لا يسع إلّا نفراً واحداً ، فإنّ كل ذلك يوجب تعيّب الدار مع أنّ الدار ممّا لا يقتضي وجود طبيعتها شيئاً ، إذ لا طبيعة للدار فإنها من المصنوعات ، وما أفاده لو تمّ فإنّما يتمّ فيا كوّنه الله سبحانه من الطبائع دون صنائع المخلوقات، وقد عرفت أنّ كلامه فيما خلقه الله تعالى أيضاً غير تمام ، هذا كلّه فيا أفاده من جعله المناط ما تقتضيه الطبيعة الأولية .

وأمّا غلبة الأفراد فقد ظهر ما فيه ممّا تقدّم فإنّ الشيء إذا لم يثبت له اقتضاء بحسب وجوده فكون غالب الأفراد على صفة كيف يكشف عن أنّ الوصف ممّا يقتضيه أصل الطبيعة أو وجودها .

وخلاصة ما ذكرناه في الجواب : أنّ الخلقة الأصلية لا يمكن حملها على الماهية المشتركة بين الأفراد ، لأنّ الماهية لا تقتضي شيئاً ولا معنى لاقتضاء الماهية شيئاً إلّا بارادة لوازم الماهية وقد عرفت أنها مستحيلة الانفكاك عن الماهیة كزوجية الأربعة فلا يمكن إرادتها في المقام ، لأنّ الكلام في وصف زال عن الشيء وأوجب فقده العيب وهذا لا يتصوّر في لوازم الماهية .

ثم لا ملزم على التحفّظ بعبارات الفقهاء ، كما لا وجه للمحافظة على مرسلة السيّاري ، إذ لا حجّية فيها لضعف في نفس السيّاري ، وببالي أنّا تعرّضنا لحالاته في التفسير (1)لأنّ أكثر روايات التحريف من السيّاري ، وضعف في نفس الرواية لأنّها مرسلة ، هذا كلّه .

مضافاً إلى أنّ الالتزام بانحصار العيب فيما زاد على الخلقة الأصلية أو نقص عنها كما في المرسلة خلاف المشاهد بالوجدان ، لأنّ ظاهرها أن كل ما تقتضيه الخلقة كاليدين في الإنسان يكون الزائد عنه كمن له ثلاثة أيد أو الناقص عنه كمن له يد واحد عيباً مع أنّ العيب لا ينحصر بذلك كما مثّلنا بالمصنوعات ، وكما في إباق العبد أو كونه سارقاً أو زانياً أو سيّئ الخلق أو كونه بصدد قتل مولاه ، فإنّ كل ذلك عیب مع أنّ الخلقة لا تقتضي شيئاً منها ولا عدمها ، وعليه فلا وجه للتحفّظ على مرسلة السيباري ولا لما تكلّفه شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) من جعله الخلقة والطبيعة أوّلية وثانوية .

فالصحيح في المقام أن يقال : قد عرفت من مطاوي ما ذكرناه في بحث خيار العيب وغيره أنّ العقلاء إنما يبذلون المال بازاء الأشياء والطبائع ب-داع-ي أوصافها ومنافعها وفوائدها القائمة بها بحيث لولا تلك الأوصاف والمنافع لم يدفعوا


1) لاحظ البيان في تفسير القرآن (موسوعة الإمام الخوئي (50) : 232 - 233 .

المال بازاء الطبيعة الخالية ، ففي الحقيقة يبذلون الأموال في مقابل تلك الأوصاف والمنافع ، لا بمعنى أنّ المال يقع بازاء تلك الأوصاف أو المنافع ، بل المعاملة تقع بين المال ونفس العين إلّا أنّ مالية العين قائمة بتلك المنافع والأوصاف ، لأنّ الحنطة البيضاء تسوى بأكثر ممّا تسوى به الحنطة السوداء ، وكذا الحال في الأرز بحسب اختلافها في الأوصاف .

ثمّ إنّ تلك الأوصاف والمنافع المقوّمة لمالية المال على قسمين : فقسم منها ممّا لا يحتاج إلى البيان والاشتراط بل بناء العقلاء في كل مكان على وجوده فكان تحقّقه ووجوده في المبيع مفروغ عنه عندهم ، والقسم الآخر ما لا يكون وجوده مفروغاً عنه عند نوع العقلاء وإنما يرغب إليه شخص المشتري أو البائع فيشترطه في المبيع كاشتراط كون الأرز من قسم الداني لقلة ثمنه أو لكونه موافقاً لغرضه ، لأنّ جميع المتعاملين لا يرغبون في القسم العالي ، وهذا ظاهر .

ثم إنّ متعلّق المبيع والمعاملة إذا كان مشتملاً على جميع الأوصاف التي يرغب فيها نوع العقلاء أو شخص المشتري أو البائع إلّا أنّ قيمته كانت أكثر ممّا يسوى به في السوق ، فهذا هو مورد خيار الغبن وقد عرفت حكمه وأنه من جهة الارتكاز يوجب الخيار ، وأمّا إذا كانت قيمته مساوية لما يسوى به في السوق إلّا أنّ العين لم تكن واجدة للوصف الذي يرغب فيه شخص المشتري أو البائع فيكون هذا م--ن قبيل خيار تخلّف الشرط وقد تقدّم أيضاً ، وأمّا إذا لم تكن العين واجدة للوصف الذي يرغب فيه نوع العقلاء ويأخذونه مفروغاً عنه في المبيع فيكون ذلك من خيار العيب ، وعليه فالمناط في العيب هو ما يراه العقلاء عيباً وقد عرفت أنه يتحقّق في الأوصاف التي يرغب فيها العقلاء وكأنّها مفروغ عنها في المبيع فيكون فقد تلك الأوصاف موجباً للعيب ، وربما تكون الزيادة عيباً ، والجامع هو النقص عمّا يراه العقلاء لازماً في المبيع يجعل المبيع بشرط شيء أو بشرط لا (حتى يرجع الزيادة إلى

النقص )فتكون مثل الثيبوبة في الإماء المجلوبة من دار الكفر غير محكومة بالعيب لأنّ البكارة في مثلها ليست مفروغاً عنها عند العقلاء حتى يكون فقدها عيباً ، وأمّا مثل كون العبد آبقاً أو سيّئ الخلق أو كونه بصدد قتل مولاه ليشرد فهو عيب ، لأنّ عدمها مفروغ عنه عند العقلاء، ونظيره كون الرقي المشترى فاسداً وهكذا .

ثم إنّ ذلك ممّا لا يفرق فيه بين الأوصاف الأصلية والعرضية كما تقدّم ، بل المناط كون وجود الوصف في المبيع مفروغاً : عنه عند العقلاء ، فإذا اشترى كتاباً قد ذهبت قوة أوراقه من كثرة بقائه في موضع رطب بحيث يتمزّق عند وضع اليد عليها فإنه يعدّ عيباً عند العقلاء ، وكذا كون العبد سارقاً أو أبقاً ، وهذا ظاهر (فلا يختص العيب بالأوصاف الذاتية الخلقية) .

ثم لا يخفى أنّ المراد بالعيب هو العيب في مقام المعاملة والبيع لا العيب في الموجود بما هو موجود ، فإنّ وجود وصف أو فقده ربما يعدّ من العيب عند العقلاء في نفس ذلك الشيء إلّا أنّه ممّا لا يوجب نقصاً في القيمة في مقام البيع وهكذا كما إذا كان للعبد يد ثالثة قد خرجت من ظهره فإنه عيب في العبد بلا كلام إلّا أنه لا ينقص قيمته فيا إذا لم يمنع عن قوّته وعمله ، وكذا إذا كانت أعضاؤه أو بدنه أسود لحرق ونحوه فإنه عيب ولكنه لا يوجب نقص قيمته ، فإنّ المطلوب من العبد هو العمل ولا يطلب منه عدم كونه ذا عضو زائد أو عدم كونه أسود . نعم هذان يمنعان في الأمة فيوجبان نقص قيمتها فإنّ اليد الثالثة يوجب استنكار هيئتها ومانعاً عن الرغبة فيها ، بخلاف العبد فإنّ المطلوب منه هو العمل والمفروض أن وجود عضو زائد في ظهره لا يمنعه عن القيام بوظيفة العبودية ، وأمثال هذه العيوب خارجة عن محل الكلام ومثلها لا يوجب الخيار ، وذلك لأنّ الروايات قد جعلت الخيار مردّداً بين الردّ وأخذ الأرش ، ففيما لا يعقل فيه هذا التردّد لعدم الأرش لا يثبت فيه الخيار ، والمفروض في المقام أنه لا فرق في قيمة العبد بين كونه ذا يد ثالثة في ظهره

وعدمه وحيث لا أرش فلا يثبت فيه الخيار ، ومن هنا يظهر الوجه في عدم عدّهم كفر العبد من العيوب الموجبة للخيار مع أنه من أظهر أفراد العيب ولا يتصوّر عيب فوقه ، إلّا أنه عيب في نفس العبد لا فيه بما أنه مبيع ، فإنّ قيمة العبد لا تختلف بكفره وإيمانه ولا يوجب النقص في العبودية .

والمتلخّص من جميع ذلك : أنّ العيب عبارة عن نقص الوصف القائم بالشيء الذي له دخل في ماليته عند العرف والعقلاء ، والمراد بالنقص أع-م م-ن الزيادة (بإرادة النقص أعم من النقص الحقيقي أو النقص ع-مّا أخذ في الشيء بشرط لا) وليس المدار على النقص عن الخلقة الأصلية ، لأنّ مرسلة السيّاري ضعيفة مضافاً إلى عدم انحصار العيب به كما عرفت في مثل الإباق ونحوه ممّا لا ربط له بالخلقة حتّى أنّ بعض الروايات قد نصّ على كون الإباق عيباً مع أنه غير راجع إلى النقص عن الخلقة ، فكل وصف قائم بالشيء ويراه العرف والعقلاء دخيلاً في ماليته ويأخذون وجوده فيما يبذلون بازائه المال مفروغاً عنه ، يكون فقده ونقصه عيباً .

ومن ذلك يظهر أنّ الخصاء في العبيد والثيبوبة في الإماء المجلوبة من بلاد الكفر عيب ، وذلك لأنّ وصف البكارة في الإماء ممّا له مدخلية في قيمتها عند العقلاء والعرف ، فيكون فقدها نقصاً وعيباً ، ولا تكون غلبة الثيبوبة في الإماء المجلوبة من بلاد الكفر موجبة لخروجها عن العيب ، لأنّ البكارة القائمة بالإماء دخيلة فيما يبذلونه العقلاء من المال في مقابلها فعدمها عيب ، نعم غلبة الثيبوبة في المذكورات توجب خروجها عن حكم العيب فلا يوجب تخلّقها خيار العيب ، لأنّ غلبتها توجب علم المشتري بعدم بكارتها أو توجب التبرّي عن عيب الثيبوبة فلا يثبت معها خيار العيب ، إلّا أنّ كونها عيباً ممّا لا ينبغي التأمّل فيه .

وعلى ذلك يحمل ما ذهب إليه الفقهاء من عدم كون الثيبوبة في الإماء المجلوبة من بلاد الكفر عيباً ، فمرادهم أنّها لا توجب ثبوت أحكام العيب لا أنّها خارجة

عن موضوعه .

و ممّا يشهد على ما ذكرناه : ما ذكره المحقّق الثاني في جامع المقاصد (1)أو نقله عن العلّامة من أنّ الثيبوبة إنّما تكون عيباً فيا إذا لم يعلم المشتري بأنّها مجلوبة من بلاد الكفر لا مطلقاً ، فإن علم المشتري بكونها مجلوبة من دار الكفر وعدمه ممّا لا يعقل أن يكون موجباً لتعيبها وعدمه ، فإنّ العلم طريق لا موضوعية له ، فلا محالة يريد بذلك أنّ ارتفاع أحكام العيب عن الثيبوبة مشروط بعلم المشتري بأنّ الأمة من الإماء المجلوبة من دار الكفر حتى يعلم أنّ الغالب فيها هو الثيبوبة ، وأمّا مع عدم علمه بالحال أو اعتقاده بأنّها من الإماء المتولّدة في بلاد الإسلام فلا يعلم بغلبة الثيبوبة فيها كما لا يخفى فيثبت لها أحكام العيب .

فالمتحصّل : أنّ الغلبة أو الخلقة الأصلية ليستا مناط العيب وعدمه ، بل المناط فيه هو كون الوصف ممّا له مدخلية في مالية الشيء بحسب بناء العقلاء كانت الغلبة على وفقه أو لم تكن ، ومن هنا لو فرضنا سنة تعيّبت فيها الثمرات لأجل الحرّ أو البرد الشديدين بحيث لا يوجد الصحيح إلّا نادراً كما قد يتّفق ذلك في المركّبات من الليمون والبرتقال ، لا يمكن أن يقال إنّ الثمرات ليست معيبة ، لأنّ الغالب فيها ذلك ، وهذا ظاهر.

ثم إنّه قد اتّضح من جميع ذلك : أن مرادنا بالعيب في هذا المقام أعني خيار العيب وبيان معنى قوله (عليه السلام) « أيّما رجل اشترى شيئاً وبه عيب » الخ (2). هو العيب في مقام البيع والمالية أي فقد الوصف الدخيل في ماليته ، وأمّا العيب غير الموجب لنقصان المالية فلا يوجب الخيار ولو مع صدق العيب عليه لغة ، لأنّه ناقص


1) لاحظ جامع المقاصد 4 : 327 .

2) الوسائل 18 : 30 / أبواب الخيار ب 16 ح 2 .

أو زائد عن الخلقة الأصلية فهو خارج عن محل الكلام ، فمثل الخصاء في الديك أو وجود يد زائدة في العبد غير المانع عن وظيفته كما تقدّم خارجان عن محل الكلام ولا يثبت بتخلّفه الخيار أعني خيار العيب ، نعم إطلاق العقد يقتضي أن يكون الفرد المتعلّق عليه البيع نظير سائر الأفراد من حيث الوصف فيثبت بتخلّفه خيار تخلّف الشرط دون خيار العيب ، إلّا أنّ الظاهر أنّ هذا البحث أعني كون الخيار الثابت له خيار تخلّف الشرط أو خيار العيب ممّا لا يترتّب عليه ثمرة ، وذلك لأنّ الأرش لا يثبت في المقام لعدم التفاوت في قيمة المال بين صحيحه ومعيبه ، وأمّا مجرد الردّ فهو ممّا لا يترتّب على كونه من جهة العيب أو تخلّف الشرط ثمرة .

وربما يتوهّم كما في كلام شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1)ثبوت الثمرة على كون الخيار خيار عيب أو خيار تخلّف الشرط في موردين :

أحدهما : فيا إذا تصرّف المشتري في المال أو حدث فيه عيب آخر أو تلفت العين بنفسها ، فإنّ الخيار لو كان هو خيار العيب فلا محالة يسقط حينئذ فلا یبقی له خيار لأنّها من مسقطات الردّ كما تقدّم ، وأما إذا كان الخيار خيار تخلّف الشرط فلا وجه لسقوط خياره ، لأنّ حدوث الحدث أو تلف العين لا دليل على كونه موجباً لسقوط خيار تخلّف الشرط ، هذا .

وقد أجاب شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) عن هذه الثمرة بقوله فتأمّل والظاهر أنّ مراده (قدّس سرّه) من ذلك هو أنّ الخيار في المقام لا يسقط ع--لى ك-لا التقديرين . أمّا على تقدير كون الخيار خيار تخلّف الشرط فلما عرفت ، وأمّا بناءً على أنه من خيار العيب فلأنّ إسقاط المذكورات لخيار العيب أم--ر ع-لى خلاف القاعدة فيكتفى فيه بمقدار ثبت فيه النص وهو إنما دلّ على كونها مسقطاً للخيار فيها


1) المكاسب 5: 359 .

إذا ثبت للمشتري الأرش فحكم (عليه السلام) بأن يأخذ الأرش ولا يردّه لما حدث فيه من العيب أو التلف ، وأمّا مع عدم تحقّق الأرش كما في المقام فلا دليل على أنّ المذكورات تسقط الردّ لأنه على خلاف القاعدة كما مرّ ، وهذا الوجه لا بأس به .

وثانيهما : ما إذا حدث العيب بعد العقد وقبل القبض أو في زمان خيار المشتري فإنه على تقدير كون الخيار خيار عيب يثبت للمشتري الخيار ، إذ يعتبر في المبيع عدم العيب إلى زمان القبض أو إلى انقضاء خيار المشتري ، وهذا بخلاف ما لو كان الخيار خيار تخلّف الشرط فإنه لا يوجب الخيار للمشتري حينئذ ، لأنّ المشترط أن لا يكون العبد خصياً حين وقوع العقد عليه وأمّا بعده قبل القبض أو قبل انقضاء الخيار فلا ، هذا هو ما تعرّضنا له سابقاً عند الكلام في أنّ حدوث العيب بعد العقد وقبل القبض أو قبل انقضاء الخيار موجب للخيار أو لا ، وقلنا إنّ للكلام فيه جهتين إحداهما في أنه موجب للخيار أو لا ، وثانيهما في أنّ ضمانه على البائع أو لا، وقد أحلنا البحث عن الجهة الثانية إلى أحكام الخيار وتكلّمنا في الجهة الأولى في المقام فراجع (1)هذا .

ولا يخفى عدم تمامية هذه الثمرة أيضاً ، لأنّها تبتني على التفرقة بين خياري العيب وتخلّف الشرط في حدوث العيب قبل القبض أو قبل انقضاء الخيار ، مع أنّ التفرقة ممّا لا أساس له ، لأنّ المدرك لضمان العيب قبل القبض أو قبل انقضاء الخيار منحصر بالقاعدتين أعني قاعدة كل مبيع تلف قبل قبضه ف-ه-و م-ن م-ال ب-ائعه وقاعدة أنّ تلف المبيع في زمان الخيار ممّن لا خيار له ، وهاتان القاعدتان إن قلنا بشمولها لتلف الوصف والجزء أيضاً فنلتزم بأنّ تلف وصف الصحة قبل القبض أو قبل انقضاء الخيار مضمون على البائع في كل من خياري العيب وتخلّف الشرط ، إذ


1) الصفحة 178 .

لا وجه لتخصيصهما بخيار العيب بوجه ولم يردا في خصوص العيب .

وإن منعنا عن شمولهما لتلف الوصف أو الجزء وخصّصناهما بتلف نفس العين فلا نلتزم بثبوت الضمان عند تلف وصف الصحة قبل القبض أو قبل الانقضاء لا في خيار العيب ولا في خيار تخلّف الشرط، إذ لا دليل على ضمان البائع بتلف بعض أجزاء المبيع قبلهما ، فلا فرق في الخيارين من هذه الجهة كما هو ظاهر ، هذا أوّلاً.

وثانياً : هب أنّا سلّمنا أنّ القاعدتين مختصتان بخيار العيب وافترض أنه (عليه السلام) صرّح بأنّ تلف وصف الصحة قبل القبض أو قبل الانقضاء من البائع في خصوص مورد خيار العيب دون مورد خيار تخلّف الشرط ، إلّا أنّ ذلك لا یثبت المدّعى ، وذلك لأنّ غاية مدلول القاعدتين أنّ البائع ضامن لوصف الصحة عند تلفه قبل القبض أو الانقضاء ، ومعنى ضمانه لها أنه يردّ ما يقابلها من نفس الثمن أو من غيره ، وهذا لا ربط له بثبوت خيار العيب - أعني الخيار بين الردّ والأرش - للمشتري عند حدوث العيب قبلها ، فسواء كان الخيار خيار العيب أم كان خيار تخلّف الشرط لا يثبت الخيار عند حدوث العيب بعد العقد ، كان قبل القبض أم قبل انقضاء الخيار .

فإلى هنا ثبت أنّ الأرش منتف في أمثال المقام والردّ ثابت ، وأمّا كونه من جهة العيب أو من جهة تخلّف الشرط فهو ممّا لا ثمرة فيه ، هذا تمام الكلام في تحقيق مفهوم العيب ويقع الكلام بعد ذلك في بيان أفراده إن شاء الله تعالى .

ثمّ إنّه ذكر شيخنا الأنصاري (قدس سره )(1)عدّة من العيوب بعد بيان مفهوم العیب:

منها : المرض ، وقد عدّه (قدس سره) من جملة العيوب ، والأمر كما أفاده في


1) المكاسب 5 : 366 .

الجملة لا على نحو الاطلاق لأنّهم عدّوا حمّى يوم من العيب مع أنه ليس كذلك قطعاً لأنه أمر متعارف في جميع الأفراد ، ولا فرق بينه وبين غيره بحسب القيمة ع-ن-د العقلاء ، لأنه كوجع الرأس من الأمور المتعارفة حتى أنّ عدمه لا يدخل تحت الشروط الارتكازية في العقد ، نعم الحمى نوبة فيا إذا كان صعب العلاج من العيب .

ومنها : الحمل فقد عدّوه من العيوب التي يردّ منها المبيع ، وتارة يتكلّم فيه فيما إذا حدث الحمل في ملك البائع ، وأخرى فيما إذا حدث في ملك المشتري ، كما أنه ربما يقع في حمل الأمة وأخرى في غيرها من الحيوانات ، وقد تقدّم الكلام في أنّ الحمل في الأمة من العيب (1)حتّى أنّ الوطء المانع عن الردّ في المعيب بغير الحمل لا يمنع عن الردّ وفي المعيب بالحمل بمقتضى الأخبار المتقدّمة ، إلّا أنه يردّ معها نصف عشر قيمتها أو عشر قيمتها على الاختلاف بين البكر والثيّب ، هذا فيما إذا اشترى الأمة وظهرت حاملاً عند كونها في ملك البائع ، ولكنّه لا يخفى أنّ الأمر كذلك فيما إذا حدث الحمل في ملك البائع لا منه نفسه وإلّا لبطل البيع لأنّها أمّ ولد من البائع حينئذ وإن صحّحنا بيعها وقلنا بعدم حرمته لجهل البائع أو المشتري كما تقدّمت في بعض الأخبار السابقة ، فلابد من فرضها حاملاً عند البائع من زوجها العبد ونحوه وقد عرفت أنه عيب حينئذ .

ثم إنّ الحمل مضافاً إلى أنه عيب على ما في الروايات والأخبار لا قائل في كونه عيباً ولو مع قطع النظر عن الأخبار ، وذلك لأنها لو لم نقل بكونها في معرض الخطر موجب لتعيبّها فلا أقل يكون حملها مانعاً عن جملة من الانتفاعات التي منها نفس الاستيلاد ، لأنّ الحامل لا تستولد إلّا بعد وضعها ، واستيلادها من جملة المنافع لتكثير العبيد والإماء .


1) وسيأتي وجه كونه عيباً في الصفحة الآتية .

وأمّا إذا كانت الأمة المشتراة معيبة بغير الحمل إلّا أنّها صارت في ملك المشتري حاملاً ولكنّه بغير وطء المشتري وإلّا فالوطء بنفسه مانع عن الردّ فلنفرضه بالجذب ونحوه ، فقد ذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) أنّ الحمل عند المشتري أيضاً عيب مانع من الردّ بالعيب السابق ، وهو كما أفاد (قدّس سرّه) إلّا أنّ كونه مانعاً عن الردّ لا يتوقّف على صدق العيب عليه ، فإنّ المانعية غير معلّقة على العيب بل المانع هو إحداث الحدث ، ولا ينبغي الإشكال في أنّ الحمل عند المشتري

من أوضح أنحاء الاحداث فهو مانع ولو مع البناء على عدم كونه عيباً مثلاً ، فلا وجه لاتعاب النفس في إثبات أنه عيب كما ارتكبه شيخنا الأنصاري ونقل كلمات جملة من الأعاظم لاثبات أن الحمل عند المشتري عيب .

ثم لا يخفى أنّ ما ذكرناه لا يختص بالأمة بل هو جار في غيرها من الحيوانات فإذا اشترى حيواناً وبه عيب إلّا أنّه حمل عند المشتري فإنه يمنع حينئذ من ردّه لأنّه أحدث فيه حدثاً وهو مانع عن الرد كما هو ظاهر ، سواء قلنا بأنّ الحمل أم لم نقل كما مرّ .

بقي الكلام فيما إذا كان المبيع غير أمة من الحيوانات وكان حاملاً عند البائع وظهر كونه كذلك بعد الاشتراء فهل يكون هذا أيضاً من جملة العيوب التي يردّ معها المبيع أو لا، وهذان الاحتمالان مبنيان على مسلك الشيخ (قدّس سرّه) من كون الحمل من أجزاء المبيع ومن توابعه ، ومسلك مخالفيه في أنّ الحمل ليس من توابع المبيع بل هو موجود مستقل لا ربط له بالمبيع وغاية الأمر أنّ بطن المبيع أو رحمه ظرف له إلّا أنّه ملك للبائع لأنه موجود مستقل ولم يقع البيع إلّا على الظرف دون المظروف .

فإن قلنا بمقالة الشيخ (قدّس سرّه) فلا يكون الحمل في الحيوان عيباً ، لأنّ الحمل وإن كان يوجب فوت جملة من المنافع ومن جملتها الاستيلاد إلّا أنّ الحمل الموجود زيادة في المبيع وملك للمشتري حسب الفرض .

وبعبارة واضحة : أنّ العيب كما مرّ عبارة عن فوات وصف له مدخلية في مالية المال بلا حاجة إلى ذكره عند العقلاء ، ونحن إذا لاحظنا الحيوانات نرى أنّها على قسمين حامل وغير حامل ، إلّا أنّه لا تفاوت في قيمتها لاشتمال كل منهما على مزية وخصوصية يبذل بازائها المال فلم نفتقد وصفاً يوجب نقصاً في المالية ، فلا يكون الحمل في الحيوان بناءً على هذا المسلك عيباً ، بل يمكن أن يقال إنّ الحمل كمال في الحيوان وقيمة الحامل أكثر من قيمة غيره ، فإنّ قابلية الحيوان واستعداده للاستيلاد كمال والحمل ليس إلّا فعلية تلك القوة والاستعداد فهو استثمار واستنتاج لا أنه عيب ، وسيأتي أنّ احتمال الخطر في وضعها ممّا لا يعتني به العقلاء وهذا ظاهر .

وأمّا إذا قلنا بمقالة مخالفي الشيخ فلا ينبغي الاشكال في أنّ الحمل حينئذ عیب لأنه ملك البائع وقد عرفت أنه مانع عن جملة من الانتفاعات التي منها الاستيلاد لأنه مشغول بملك الغير فيكون هذا موجباً لنقص قيمته ، نعم احتمال الخطر بوضعه ممّا لا يعتنى به عند العقلاء ، لأنه نادر سيما في الحيوانات وبالأخص فيما إذا لم يكن أول وضعه كما إذا وضع قبل ذلك أولاداً وإلا لما كان يقدم العقلاء على استيلادها مع أنّهم يقدمون على ذلك بلا كلام ، فكون الحمل في الحيوان عند البائع مانعاً مبني على قول مخالفي الشيخ ، كما أنّ عدم كونه عيباً إنما يتم على مسلك الشيخ (قدّس سرّه) كما مرّ .

ومنها : الثيبوبة في الإماء ، وقد أسلفنا الكلام فيه مفصلاً تبعاً لشيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) وقلنا إنّها عيب ، وأظن أنّ تحريره (قدّس سرّه) لهذا المقام كان بعد فصل طويل بينه وبين ما تقدّم وإلّا فلا وجه لاعادته وتكراره ، فإنه (قدّس سرّه) ذكر في المقام عين ما أفاده سابقاً بلا زيادة ونقصان ، نعم المقام يشتمل على خصوصية ومزية ولعلّه (قدّس سرّه) لأجلها أعاد البحث وتلك الخصوصية هي روايتان تعرّض لهما شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) في المقام :

إحداهما : رواية سماعة « عن رجل باع جارية على أنها بكر فلم يجدها على ذلك ، قال : لا تردّ عليه ولا يجب عليه شيء ، إنه يكون يذهب في حال مرض أو أمر يصيبها »(1)ولعلّهم استدلوا بهذه الرواية على أنّ الثيبوبة ليست بعيب ولذا حكم (علیه السلام) بعدم الردّ والأرش بها .

ولا يخفى أنّ الرواية ضعيفة أولاً . وثانياً : أنّ الثيبوبة ولو فرضنا أنّها ليست عيب إلّا أنّ البكارة كانت مشروطة في العقد أفلا يوجب تخلّف الشرط الخيار وجواز ردّ الجارية حينئذ وإن لم نحكم بثبوت الأرش لعدم كون الخيار خيار عيب فلماذا حكم (عليه السلام) بعدم الردّ والأرش، فالرواية ممّا لا يمكن الاعتماد عليه .

والظاهر حملها كما ذكره شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (بل لا يحتاج إلى الحمل لظهورها فيه) على أمر آخر وهو أنّ البكارة على ما وجدناه في اللغة (2)عند مراجعتنا إليها لمعرفة معنى البكر في مسألة تزويج الحرّة على أنّها بكر ثم ظهرت ثيبّاً هو عدم إصابة الرجل إيّاها بمعنى عدم وطئها ، وليست البكارة بمعنى عدم خروج دم العُذرة منها ، بل المناط في البكر أن لا تكون قد وطئها رجل سواء خرجت دم العذرة منها لعارض كالسقوط من شاهق أم لم تخرج ، وعليه فالإمام (عليه السلام) إنمّا حكم بعدم الردّ والأرش من جهة عدم كون الجارية تيبّاً إذ لم يثبت المشتري أنّها وطئت وأصابها رجل، فالجارية بكر ولا موجب للأرش ولا للردّ حتى لو كانت البكارة شرطاً لعدم تخلّف الشرط، إذ على المشتري إثبات تخلّفه وإثبات أنّها وطئت ولذا قيّد (عليه السلام) الحكم بالأرش في الرواية الآتية بما إذا ع-ل-م ص-دق المشتري في دعواه ، فالرواية لا دلالة لها على عدم كون الثيبوبة عيباً .


1) الوسائل 18 : 108 / أبواب أحكام العيوب ب 6 ح 2 .

2) المصباح المنير : 59 .

وثانيتهما : رواية يونس « في رجل اشترى جارية على أنها عذراء فلم يجدها عذراء قال : يردّ عليه فضل القيمة إذا علم أنه صادق » (1)وهذه الرواية لا بأس بها وهي تدلّ على أنّ الثيبوبة بمعنى إصابة الرجل لها عيب (ومن هنا قيّد (عليه السلام) الحكم بالعلم بصدق المشتري في دعواه إصابة الرجل) لها نعم إذا كان الغالب في الإماء هو ذلك فيكون الغلبة بمنزلة عدم التزام البائع بالبكارة ويكون بمنزلة التبرّي فلا يجري حكم العيب على الثيبوبة لا أنّها خارجة عن موضوع العيب كما تقدّم .

ومنها : عدم الختان في العبد الكبير فإنّهم عدّوه من العيب عرفاً دون عدم الختان في الصغير فإنّه ليس من العيوب .

ولا يخفى أنّ عدم الختان المعبّر عنه بالغلفة ليس من العيوب في ح--دّ نفسه بحيث يعدّ غير المختون معيباً ولا يتفاوت بذلك قيمته ، والوجه في ذلك : أنّ الختان وعدمه غير دخيلين فيما يطلب من العبيد من الخدمات والقيام بوظائف العبودية فإنه لا يختلف فيها الختان وعدمه كما أشرنا إلى نظيره سابقاً، وعليه فلا يكون الأغلف معيباً لما قد عرفت من أنّ العيب هو عبارة عن فقد وصف له دخالة في مالية المال عند العقلاء وبه يختلف قيمته ، وقد ذكرنا أن قيمة العبد لا يختلف بالختان وعدمه ، فلا يقاس الغلف بالثيبوبة لأنها عيب لما تقدّم من أن للبكارة في النساء والاماء مدخلية تامة فى ماليتها عند العقلاء بخلاف الغلفة .

فالمتحصّل : أنّ عدم الختان في حدّ نفسه ليس من العيوب وإنما يعدّ عيباً عند العرف بلحاظ حكم الشارع عليه بوجوب الختان ، وختان الكبير أمر خطري على ما قيل ، هذا.


1) الوسائل 18 : 108 / أبواب أحكام العيوب ب 6 ح 1.

ولكن الصحيح أنّ الحكم الشرعى بالوجوب أيضاً لا يوجب عدّه عيباً ، أمّا فيا إذا كان العبد كافراً فظاهر ، لأنّ الكافر يقرّ على دينه وهو لا يرى الختان واجباً ولا يجب على المولى ختانه فلا يكون مورداً للخطر وحكم الشارع عليه بالوجوب وقد عرفت أنّ عدم الختان بنفسه أيضاً ليس من العيوب .

وأمّا إذا كان العبد مسلماً فهو وإن كان مورداً لحكم الشارع بوجوب الختان فيما إذا لم يكن معذوراً عن الختان من جهة ضعف بدنه ونحوه ، إلّا أنّ كونه محكوماً بوجوب الختان لا يوجب عدّه من العيب ، إذ احتمال الخطر في ختان الكبير ممّا لا يعتنى به عند العقلاء فإنه احتمال ضعيف ، والظاهر أنّ كونه في معرض الخطر إنمّا كان في الأزمنة المتقدّمة وأمّا في أمثال زماننا هذا مع وجود الأدوية والأدوات فلا يحتمل فيه خطر عند العقلاء ، لأنه ليس إلا قطع عضو زائد فهو نظير غ-ي-ره م-ن الجروح بل هو أهون من غيره فلا وجه لاحتمال الخطر بوجه ، هذا .

بل يمكن أن يقال : إنه كان فى الأزمنة المتقدّمة أيضاً غير محتمل الخطر ، لأنّ الكفّار الذين آمنوا في زمان رسول الله (صلى الله عليه و آله) كانوا يختنون لا محالة ولم یسمع خطر منهم بوجه ، وكذا في غير زمانه (صلّى الله عليه وآله) فإنه ربما كان بعض الكفّار يدخلون في الإسلام ويختنون ولم نسمع خطراً منهم ، وعليه فليس في الختان احتمال خطر حتی یعدّ ذلك من العيوب ، هذا كلّه .

على أنّا لو سلّمنا أنّ الختان أمر خطري واحتماله ممّا يعتنى به عند العقلاء وليس من الاحتمالات الضعيفة ، فلا نسلّم أنّ ذلك يوجب العيب ، فإنّ الختان لو احتمل فيه الخطر على وجه عقلائي يرتفع عنه وجوب الختان رأساً فلا يجب عليه الختان، وقد مرّ أنّ عدم الختان في نفسه أيضاً ليس بعيب ولا حكم شرعي متوجّه إليه حتى يوجب الخطر وبه يعدّ عيباً ، هذا كلّه .

ثم إنه إذا بنينا على أنّ عدم الختان عيب فهو إنما يوجب الخيار فيما إذا لم يعلم

المشتري بعدم ختان العبد ولا بكونه مجلوباً من بلاد الكفر ، وأمّا إذا كان عالماً بعدم ختانه أو جهله ولكنه علم بأنه مجلوب من بلاد الكفر فلا يثبت في حقّه الخيار ، لأنّ غلبة الغلفة فى العبيد المجلوبين من بلاد الكفر توجب عدم التزام البائع بوصف الختان لأنها في حكم التبريّ كما مرّ .

ويلحق بذلك عدم تلقيح الجدري في العبد فيما إذا كان مع عدمه عدمه مورداً للخطر والهلاك فإنه أيضاً في معرض التلف ويعد عيباً لو تحقّق كونه كذلك بعدم التلقيح ( ولابدّ من فرض ذلك فيا لم يمكن التلقيح بعد البيع وإلّا للقّح بعده) .

ومنها : عدم الحيض في الجارية فيما إذا كان من شأنها أن تحيض .

ولا يخفى أنّ عدم الحيض من صفات الكمال في حدّ نفسه لأنّ الحيض يوجب منع الزوج عن الانتفاعات منها مدّة من الزمان وعدمه كمال ، إلّا أنّ طبيعة المرأة لمّا كانت بحيث تقذف الدم بحسب عادتها وكان الحيض من الأمور التي يقتضيها طبيعتها لأنه كما في الرواية عبارة عن قذف الرحم للدم الزائد ، كان عدمه أي عدم الحيض كاشفاً عن اختلال في المزاج أو مرض في البدن ولأجله لا تقذف الطبيعةالدم فيها إذا لم يستند ذلك إلى مانع .

وبعبارة أخرى : أنّ الحيض لمّا كان من مقتضيات طبيعتها فعدمه إمّا أن يكون مستنداً إلى وجود مانع عنه كشرب دواء يمنع عن الحيض لو تحقّق مثل هذا الدواء وهذا لا يكون عيباً كما مرّ ، وإمّا أن يكون مستنداً إلى مرض وضعف في مزاجها (أي فيما لم يستند إلى مانع) فيكون عدم الحيض كاشفاً عن وجود عيب في المرأة ومن هنا يكون الأغلب في النساء عدم الولادة بعد انقطاع حيضها فلا تلد بعده لعلّة تعرضها بعدم الحيض ، فهو بنفسه ليس من العيوب بل كاشف عنه ، وبه يحكم بالخيار وللمشتري أن يرد الجارية بذلك ، ومن ذلك يظهر أنّ عدم الحيض الكاشف عن العيب ممّا لا مناص من الالتزام بكونه موجباً للخيار ولو لم يكن في

البين رواية أيضاً ، فلو ورد في ذلك رواية كما وردت فلا محالة تكون مؤكّدة لم-ا تقتضيه القاعدة .

وقد روى الكليني (قدّس سرّه) في الصحيح عن عدّة من أصحابه عن سهل بن زياد وأحمد بن محمد جميعاً عن ابن محبوب عن مالك بن عطيّة عن داود بن فرقد قال « سألت أبا عبدالله عن رجل اشترى جارية مدركة فلم تحض عنده حتى مضی لها ستة أشهر وليس بها حمل ، قال (عليه السلام) إن كان مثلها تحيض ولم يكن ذلك من كبر فهذا عيب تردّ منه » (1)وقد عرفت أنّ مقتضى القاعدة أيضاً هو ذلك بلا حاجة إلى الرواية .

ثم لا يخفى أنّ ما ذكره جملة من الأكابر على ما حكي عنهم من تقييد الحكم بالخيار بما إذا مضت ستّة أشهر اعتماداً على الرواية المتقدّمة فمما لا يمكن المساعدة عليه ، وذلك لأنّ التقييد بستة أشهر إنما كان في كلام الراوي دون كلام الإمام (عليه السلام) وكشف عدم الحيض عن المرض لا يتوقّف على مضي ستة أشهر ب-ل ب-عد شهرين أو ثلاثة أشهر يمكن الاستكشاف أيضاً ، بل ربما يمكن الاستكشاف بعد البيع بلا مضي زمان كما إذا علم بعده أنها لم تحض عند البائع سنة أو مدة أخرى وهذا ظاهر ، نعم عدم الحيض في شهر بل في شهرين لا يكون كاشفاً لأنه أمر عادي .

وبالجملة أنّ المعتبر هو المنكشف دون الكاشف حتى يتقيّد بمدة ونحوها ، وفي كل مورد انكشف العيب في الجارية بعدم حيضها فيحكم بالخيار كان قبل ستة أشهر أو بعدها ، لأنّ هذا هو مقتضى كون عدم الحيض كاشفاً عن العيب ولا يكون عدمه بنفسه عيباً كما تقدّم .

بقي في الرواية إشكال آخر وملخّصه : أنّها مخالفة لما عليه المشهور من أنّ


1) الوسائل 18 : 101 / أبواب أحكام العيوب ب 3 ح 1 ، الكافي 5: 213 / 1 .

التصرف في المبيع يمنع عن الردّ بالخيار ، لأنه (عليه السلام) حكم بجواز ردّ الجارية بعد ستة أشهر مع أنه من البعيد عدم تصرف المشتري فيها ولو بقوله له-ا أغلقي الباب ، ولأجل ذلك أسقطها بعضهم عن الاعتبار.

ولا يخفى أنّ الرواية صحيحة وسيأتي (1)عند التعرّض لأحداث السنة أنّ تلك الصحيحة وما ضاهاها تكشف عن بطلان القاعدة التي أسّستها المشهور وهي كون التصرف في المبيع ولو بمثل قوله جئني بالماء مانعاً عن الردّ ، وليست القاعدة بحيث يرفع اليد لأجلها عن الرواية الصحيحة فلا إشكال في الرواية .

ومنها : الإباق وقد قالوا إنه من العيوب الموجبة للخيار .

ولا يخفى أنّ إباق العبد مرّة واحدة لا يكون من العيب فيما إذا لم يكشف عن كونه كذلك دائماً ، وهذا كما إذا بعثه صديقه وحرّكه الأشرار على الهرب والإباق فانبعث بتحريكهم فأبق ثم رجع وتاب وندم ، فإنّ ذلك لا يكون من العيب بوجه

كيف وكلنا نفرّ من مولانا الحقيقي ثم نرجع ونندم ، وهذا لا يعدّ من العيوب .

وأمّا إذا كان العبد بحيث لا يطمأن عليه من الإباق والهرب واحتاج إلى موكّل يمنعه عن ذلك فلا ينبغي التأمّل في أنه عيب ، لأنه حينئذ نظير ما إذا كان العبد سارقاً ولا يطمأن عليه بالمال ، فإنه في المقام أيضاً كذلك لاحتمال أن يسرق نفسه فيكون هذا موجباً للخيار ، ولا تأمّل في ذلك .

وإنمّا الكلام في أنّ كونه كذلك هل يتحقّق بإباقه مرّة واحدة أو يحتاج إلى التعدّد والتكرّر ، وهذا مورد للتأمّل والإشكال ولا يبعد أن يقال بعدم كفاية المرّة في ذلك ، فإنّ العبد لا يكون بإباقه مرّة واحدة متّصفاً بصفة الإباق بل يحتاج ذلك إلى تعدّد حتى يصدق عليه ذلك العنوان ، ويدل عليه صحيحة أبي همام قال : « سمعت


1) في الصفحة 341 - 342 الجهة الخامسة .

الرضا (عليه السلام) يقول يردّ المملوك من أحداث السنة من الجنون والجذام والبرص ، فقلت - إلى أن قال - فقال له محمد بن علي فالإباق ؟ قال : ليس الإباق من ذا إلّا أن يقيم البيّنة أنه كان أبقاً عنده »(1)حيث دلّت على أنّ الإباق إنما يكون عيباً موجباً للخيار فيها إذا شهدت البيّنة على أنه كان متّصفاً بالإباق « كان أبقاً » عند البائع ، وهذا لا يتحقّق بالاباق مرّة واحدة ، إذ لعلّه أبق من جهة فقر مولاه وكونه على سعة عند مولاه الأول ونحوه ، لا من جهة كونه أبقاً . وبعبارة أخرى أنّ عبارة الرواية هي قوله (عليه السلام) كان أبقاً ) وهو من الصفات ، وليست العبارة بصيغة الماضي كقوله أبق مثلاً حتى يكتفى فيه بالمرّة الواحدة . وهذا أيضاً ظاهر .

وإنما الإشكال فيما توهّم من المعارضة بين صحيحة أبي همام المتقدّمة الدالّة على كون صفة الإباق موجباً للردّ والخيار ورواية محمد بن قيس « أنه ليس في إباق العبد عهد » (2)وظاهرها أنّ البائع غير متعهّد بالاباق .

ولا يخفى أنه لا وجه لتوهم المعارضة بينهما كما أفاده شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (3)لأنّ المراد بكون الإباق موجباً للخيار وعدمه هو إياق العبد عند البائع وأمّا إباقه عند المشتري فلا إشكال في عدم كونه موجباً للخيار ، ومعنى أنه لا عهدة في الإباق وأنّ الجنون ونحوه في عهدة البائع هو أنه بعد ما دخل العبد في ملك المشتري فأبق عنده فلا عهدة عليه ، بخلاف الجنون فإنه لو جنّ عند المشتري إلى سنة فعهدته على البائع(4)وذلك لأنه لا معنى لعهدة البائع للإباق فيما إذا كان العبد


1) الوسائل 18 : 98 / أبواب أحكام العيوب ب 2 ح 2 .

2) الوسائل 18 : 114 / أبواب أحكام العيوب ب 10 ح 2 .

3) مكاسب 5 : 378 .

4) وقد قيل فى حكمة ذلك أنّ الجنون ونحوه مما لا يحدث في زمان قليل فحدوثه عند المشتري بعد البيع يكشف عن وجوده فيه سابقاً إلى أن يمضي عليه السنة .

عنده وفي ملكه أو كونه متعهّداً لجنونه فيما إذا كان في ملكه ، لأنّ الإنسان لا يكون ضامناً ومتعهّداً لماله ، فاطلاق العهدة إنما يصح فيما إذا خرج عن ملكه وكان عند المشتري ، وعليه فمورد الروايتين مختلف ، فنفي العهدة إنما هو في الإباق عند المشتري كما أنّ إثبات الخيار فيما إذا كان الإباق عند البائع فلا معارضة بينهما .

ومن جملة العيوب : اشتمال المبيع على خليط خارج عن جنسه كالسمن المشتمل على الدردي فإنه بالاضافة إلى الخالص عنه معيب ، وهذا مضافاً إلى أنه كذلك عرفاً يستفاد من رواية ميسر بن عبدالعزيز قال « قلت لأبي عبدالله في الرجل يشتري زقّ زيت يجد فيه دردياً ، قال : إن كان يعلم أنّ الدردي يكون في الزيت فليس عليه أن يردّه وإن لم يكن يعلم فله أن يردّه »(1)فإنّ معناها أنّ المشتري إن كان عالماً بأنّ الزيت في الخارج يشتمل على الدردي بحسب الغالب وإن لم يكن يعلم بأنّ في هذا الزيت المبيع أيضاً الدردي موجود لاحتمال أن يكون المبيع صافياً فلا يثبت له الخيار ، لأنّ العلم بغلبة وجود الدردي بمنزلة براءة البائع عن صفة الخلوص ، ومع التبرّي عن وصف الصحة لا يثبت خيار العيب ، وأمّا إذا لم يعلم بالغلبة الخارجية فكأنه اشتراه بشرط وصف الصحة فيثبت له الخيار ، وهذا نظير ما ذكرناه في الثيبوبة ويأتي الثمرة المذكورة فيها في المقام بعينه فراجع ، هذا .

وروى السكوني عن جعفر عن أبيه «أنّ علياً (عليه السلام) قضى في رجل اشترى من رجل عكّة فيها سمن احتكرها حكرة فوجد فيها رُبّاً فخاصمه إلى علي (علیه السلام) فقال (عليه السلام) لك بكيل الربّ سمناً ، فقال له (عليه السلام) الرجل إنما بعته منه حكرة ، فقال له علي (عليه السلام) إنما اشترى منك سم-ن-اً ولم يش---ر م-ن-ك


1) التهذيب 7 : 66 الحديث 283 ورواه في الوسائل 18 : 109 / أبواب أحكام العيوب ب ل ح 1 مع اختلاف يسير .

ربّا »(1).

وقد وقع الإشكال في هذه الرواية على تقدير صدورها عنه (عليه السلام) من جهة أنهم فهموا من قوله (عليه السلام) للمشتري بكيل الربّ سمناً ، أنّ المشتري يطالب من البائع سمناً بمقدار الربّ الموجود فيه ، وهذا إنما يصح فيما إذا كان المشتري اشترى سمناً كلّياً في ذمّة البائع بمقدار معيّن ولم يدفع في مقام الأداء ذلك المقدار المعيّن وإنما أعطاه نصفه مثلاً مع نصف آخر من الربّ ، فيصح حينئذ أن يقال إنّ المشتري يطالب البائع بمقدار كيل الربّ سمناً لأنه المبيع دون الربّ .

إلّا أنّ احتمال كون البيع في الرواية من الكلّي في الذمّة مقطوع العدم، لأنه على خلاف صريح الرواية فإنها دلّت على أنّ المشتري قد اشترى السمن الموجود في العكّة حكرة أي مجموعاً ودفعة ، وليس هذا من بيع الكلّي في شيء. إذ لا معنى لبيع الكلّي حكرة ومجموعاً ، ولذا اعترض الرجل على علي (عليه السلام) بأنّ المشتري اشترى الموجود مجموعاً وحكرة لا أنه اشترى سمناً كلّياً فلماذا حكمت باستحقاقه سمناً بمقدار الربّ ، وبالجملة أنّ حكمه (عليه السلام) لا يلتئم مع كون المبيع جزئياً معيّناً .

ولكن هذا الإشكال في الرواية مبني على ما فهموه من أنّ المشتري يستحق على البائع السمن بمقدار الربّ الموجود ، والظاهر أنّ المراد بقوله (عليه السلام) « لك بكيل الربّ سمناً » هو أنّ للمشتري مطالبة البائع بالثمن بمقدار الربّ الموجود عوضاً عن السمن ، لا أنه يطالبه بالسمن بمقدار الربّ ، وذلك لأنّ سمناً إمّا حال أو تمييز وقوله (عليه السلام) « لك بكيل الربّ » لا يتم إلّا بتقدير شيء يكنّى به عن الثمن إذ لا معنى لقوله « لك بكيل الربّ » إلّا أن يضاف إليه في التقدير كلمة شيء أعني الثمن ، أي لك بكيل الربّ شيء أي ثمن ، وليس سمناً مبتدءاً متأخراً لقوله لك بكيل


1) الوسائل 18 : 110 / أبواب أحكام العيوب ب 8 ح 3.

الربّ وإلّا لكان مرفوعاً ، بل جيء به حالاً أو تمييزاً بمعنى أنّ للمشتري بمقدار الربّ الثمن في حالة فرضه أي المبيع سمناً ، وأنّ الثمن المعطى في مقابل ما فرضه سمناً يرجع إليه بمقدار الربّ الموجود ، والوجه في ذلك أنّ البائع قد استحق الثمن في مقابل السمن المكيل بكيل معيّن ، والمفروض أنه لم يسلّم له هذا المقدار ، فبمقدار الباقي يرجع إلى البائع ويأخذ الثمن ، إذ المفروض أنّ المبيع شخصي ، وعليه فلا إشكال في الرواية من هذه الجهة والرواية ليست على خلاف القاعدة كما لا يخفى .

ثم إنّ شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1)تعرّض في المقام لصورة أخرى خارجة عن محل الكلام ، إذ البحث إنما كان في خيار العيب وهو إنما يتم في صورة جهل المشتري به ، وأمّا صورة علمه بالعيب فلا يثبت له الخيار فيها ، إلا أنه (قدس سره) تعرّض بالمناسبة إلى هذه الصورة أيضاً وذكر (قدّس سرّه) أنّ المشتري إذا كان عالماً بوجود الدردي في السمن وقد اشتراه فمقتضى ما تقدّم أنّ البيع حينئذ صحيح وأنه لا يثبت له خيار العيب لعلمه به ، مع أنّ مقدار المبيع مجهول والجهل به يوجب البطلان ، لأنّ الفرض أنه يعلم مقدار مجموع السمن والخليط وأمّا أنّ الخليط بأيّ مقدار فلا، وهذا يوجب الجهل بمقدار المبيع ، والمفروض أيضاً أنّ الخليط خارج عن جنس المبيع ولا يتحوّل وليس من جنسه وممّا له مالية حتى يقال إنّ العلم بمقدار المجموع كافٍ في صحته كما إذا باع منّاً من الحنطة وقد خلطها بالشعير ، وهذا لا ينافي ما تقدّم (2)في بحث الاندار من جواز بيع المظروف مع ظرفه إذا كان مقدار المجموع معلوماً ، لأنّ الصحة في الصورة المذكورة إنّما ثبتت بالاجماع ومورده ما إذا كان المبيع هو المجموع من الظرف والمظروف ولا تنطبق على ما نحن فيه ، لأنّ المعلوم في


1) المكاسب 5 : 381 .

2) راجع المجلد الثاني من هذا الكتاب الصفحة 479 وما بعدها .

المقام هو مقدار مجموع السمن والدردي لا السمن مع ظرفه ، وهذا نظير ما إذا كان وزن الحنطة التي حملت على الحمير معلوماً من حيث المجموع بأن علمنا أنّ الحمل والمحمول عليه أي الحمار كذا مقداراً فهل يكفي هذا في صحة بيع الحنطة فيما إذا كان المبيع هو الحنطة فقط دون مجموعهما ، ولو صح ذلك لصح بيع المجهول في كل مورد كما إذا أراد بيع الحنطة ووضع في إحدى كفّتي الميزان وزنة أو حقّة من الأرز ونحوه ووضع مقداراً من الحنطة في الكفّة الأخرى ثم أكملها بالتراب إلى أن ساوت مع الكفّة الأخرى فيكون وزن مجموع الحنطة والتراب معلوماً وهو الحقّة الواحدة دون خصوص وزن الحنطة مع أنّ المفروض هو بيع خصوص الحنطة لا هي مع التراب والأمر في المقام كذلك لأنه إنما أراد بيع خصوص السمن لا ه-و م-ع الدردي والمعلوم هو وزنهما معاً لا خصوص وزن المبيع ، فالبيع باطل من أساسه .

وقد تصدّى (قدّس سرّه) للجواب عن هذا الإشكال وصوّر لهذا البيع صوراً.

الصورة الأولى : هي ما إذا كان الخليط في المبيع موجباً لتعيّب المبيع فقط أي موجباً لزوال وصف صحته من دون أن يوجب نقصاً في وزنه بأن كان الدردي المخلوط بالثمن قليلاً نظير خلط تراب قليل في كوز ماء فإنه يوجب كدر الماء ولا يقلبه إلى المضاف ، ففي هذه الصورة المعاملة صحيحة لأنّ الوزن في المبيع معلوم والمفروض أنه لا نقص فيه بحسب الوزن ، نعم إنما هو معيب ولكنه لعلمه به لا يأتي في حقه الخيار وهذا ظاهر ، وكونه ناقصاً على تقدير تصفيته من الخليط لا يمنع عن صحة المعاملة لكفاية العلم بالمبيع المعيب .

الصورة الثانية : ما إذا كان الخليط غير موجب لتعيّب المبيع أصلاً بل كان موجباً لنقصان وزنه كما إذا وضع في السمن حجراً ونحوه أو ربّاً كما في الرواية وباع ذلك السمن مع العلم بمقدار المجموع من السمن والحجر مع أنّ المفروض عدم العلم بوزن السمن الذي هو المبيع فقط ، وفي هذه الصورة تارة يبيع كل صاع من السمن

الموجود بكذا ، وقد تقدم في بيع كل صاع من الصبرة المعيّنة أنّ بيع كل صاع منها بکذا صحیح لأنه غير موجب للغرر والجهل بما يدخل في كيسه في مقابل ما يخرج منه ، إذ المفروض أنه يعطي في مقابل كل صاع يدخل في كيسه درهماً مثلاً فلا يذهب ماله هدراً فالبيع صحيح بلا خيار فيه أصلاً .

أمّا انتفاء خيار العيب فلوضوح أنّ الصاع غير معيب ، وأمّا انتفاء خيار تبّعض الصفقة فلأجل أنّ المبيع ليس إلّا كل صاع وصاع دون عشرة أو تسعة كما هو ظاهر . نعم إنّ شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) اشترط في صحة البيع في هذه الصورة العلم بمقدار المجموع من الظرف والمظروف ، وقد ذكرنا أنّ هذا أيضاً غير معتبر في صحة البيع ، إذ لا وجه لاعتباره مع عدم مدخليته في العلم بمقدار المبيع ولا في ارتفاع الغرر ، لأنه سواء كان عالماً بوزن المجموع أم لم يكن عالماً به لا يعلم أنه كم صاعاً ، ولكنه مع ذلك لا يوجب الغرر لأنه يدفع بازاء كل ما يدخل في كيسه درهماً فلا غرر في البين ولا خيار أصلاً وإن وجد فيه حجراً ونحوه .

وأخرى يبيع عشرة أواق سمناً من العكّة الموجودة أو عشرة أصواع من الحنطة ثم يظهر فيه دردي بمقدار وقية ، والمعاملة في هذه الصورة أيضاً صحيحة في تسعة أوقيات دون الوقية العاشرة لعدمها حسب الفرض ، ولكن يثبت للمشتري خيار تبّعض الصفقة لعدم وصول تمام المبيع إليه ، والفرق بين هذه الصورة والصورة المتقدّمة عليها هو أنّ المبيع في هذه الصورة هو مجموع العشرة أواق أو العشرة أصواع ، وأمّا الصورة المتقدّمة فالمبيع فيها كل صاع وصاع أو وقية ووقية دون المجموع .

ثم إنّ شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) ذكر صورة ثالثة في المقام وهي ما إذا باع الموجود على أنه عشرة أواق ، والفرق بينها وبين الصورة الثانية هو أنّ العشرة في هذه الصورة شرط وخارج عن ذات المبيع ، وأما في الصورة الثانية فهي عين المبيع

وأجزائه ، وحكم فيها بالصحة وخيار تبّعض الصفقة أو خيار تخلّف الشرط .

ولكنّا أسلفنا (1)في بيع صاع من الصبرة أنّ هذه الصورة بعينها هي الصورة الثانية ، وأنه لا معنى لاشتراط كونه كذا صاعاً ، وذلك لأنّ الاهمال في الواقعيات غير معقول ، وحينئذ نسأل عن أنّ المبيع أي شيء فهل هو عشرة أواق أو خمسة أو أقل أو أكثر بحيث لو كان غيرها فهي ليست بمبيعة ، فلا سبيل إلّا أن يقال إنّ المبيع هو العشرة ، إذ المفروض عدم ذكر غير العشرة فيكون كما في الصورة الثانية البيع صحيحاً إلّا أنّ تخلّف شيء منها يوجب خيار تبّعض الصفقة لعدم وصول تمام أجزاء المبيع إليه .

وبالجملة : أنّ العشرة ليست بشرط بل هي عين المبيع وأجزائه ، إذ مقتضى كونها شرطاً أنّ المبيع غيرها فيسأل عن أنه أي مقدار بعد استحالة الاهمال في الواقعيات فهل هو خمسة أوقيات أو أربعة أو أقل أو أكثر بحيث لا يكون غيرها مبيعاً ، وحيث إنّ المفروض أنّ جميعها مبيع فلا محالة تكون العشرة عين المبيع وأجزائه كما في الصورة الثانية ، ففي جميع هذه الصور يحكم بصحة المعاملة والبيع .

نعم لو باع السمن الموجود في الظرف مع علمه بوجود مقدار خليط فيه ممّا لا يسوى بشيء فلا محالة يحكم بالبطلان لعدم العلم بمقدار المبيع كما مرّ .

القول في أحداث السنة

قد تقدّم أنّ العيب في المبيع يوجب الخيار فيما إذا وقع البيع على المعيب إلّا في مثل الحيوان حيث ذهبوا إلى أنّ حدوث العيب فيه إلى ثلاثة أيام أيضاً في عهدة البائع وإن لم يكن حال البيع موجوداً ، وأمّا في غير الحيوان فثبوت الخيار فيه


1) لاحظ المجلد الثاني من هذا الكتاب الصفحة 382.

متوقّف على وقوع البيع على المعيب ، إلّا أنّهم استثنوا من ذلك عيوباً وجعلوها موجبة للخيار إلى سنة بعد المعاملة بحيث لو تحقّق شيء منها في أثناء السنة فهو يوجب الخيار وإن لم يكن شيء منها متحقّقاً حال المعاملة وهي على المشهور أربعة : البرص والجذام والجنون والقرن .

ولم يرد في روايات الباب ما يدّ على علّة ذلك ، إلّا أنّ بعضهم علّله بأنّ ظهور بعد تلك العيوب في أثناء السنة يكشف عن وجودها سابقاً ، وهذا من قبيل العلّة بعد الوقوع وإلّا فلا يكون ذلك علّة للحكم المذكور ومن هنا لو علمنا بحدوثها في هذه السنة أيضاً وعدم كونها متحقّقة قبلها لكانت موجبة للخيار أيضاً لاطلاق الأخبار وذلك لامكان حدوث العيوب المذكورة في تلك السنة أيضاً كما إذا جنّ لدهشة عرضية ، وليست هي كما ذكروه من أنّها لا توجد إلّا بعد كونها قبل تلك السنة وكيف كان فتحقيق الكلام في ذلك يقع في ضمن جهات .

الجهة الأولى : فيما ذكره شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (1)من أنّ الجذام لم يذكر في رواية محمد بن علي (2)التي قال بعضهم إنها ضعيفة . وذكر الأردبيلي (قدّس سرّه) (3)أظن أنه الحلبي فالرواية صحيحة ، وحكى عن المحقّق الأردبيلي (قدّس سرّه) أنه استشكل في عدّ الجذام من أحداث السنة من هذه الجهة أي من جهة عدم ذكره في رواية محمد بن علي ، ونقل عن الحدائق (4)أنه جمع بين تلك الرواية وغيرها ممّا اشتمل على لفظ الجذام بأنّ الأولى مطلقة فيحمل على المقيّد وهو غيرها من


1) المكاسب 5 : 384 .

2) الوسائل 18 : 98 / أبواب أحكام العيوب ب 2 ح 2 .

3) مجمع الفائدة 8 :449 .

4) الحدائق 19 : 105 - 106 .

الأخبار ، فأجاب عنه بأنّ المقام ليس من قبيل تعارض المطلق والمقيّد نعم هو شبيه بهما لوجود احتمال في أحدهما لا يحتمل في الآخر وهو احتمال سقط الجذام عن رواية محمد بن علي ، هذا .

ولا يخفى أنّ ما أفاده (قدّس سرّه) من أوّله إلى آخره على خلاف الواقع ، لأنّ الأردبيلي (قدّس سرّه) لم يستشكل في الجذام أوّلاً ، ولا نقله عنه في الحدائق ثانياً ، ولا أن ّرواية محمّد بن علي فاقدة للجذام ثالثاً ، لأنها كما رواها في الوسائل مشتملة على الجذام فراجع . نعم رواها في الحدائق بلا ذكر الجذام وأظن أنّ شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) اعتمد في نقله الرواية على نقل الحدائق ولم يراجع الوسائل ومن هنا نسب إليها عدم ذكر الجذام .

الجهة الثانية : أنّ بعض الروايات الواردة في المقام التي منها صحيحة وموثّقة وغيرها قد اقتصر فيها على ذكر الجنون والبرص والجذام كما فيما رواه الشيخ (قدّس سرّه) عن أبي همام (1)وفي بعضها الآخر أضيف إليها رابع وهو القرن وفي بعضها الآخر عطف الحدبة على القرن كما في رواية ابن فضّال (2)، إلّا أنّ الظاهر أنّ الحدبة ليس أمراً خامساً بل هو عين القرن وقد عطف عليه لأنه (عليه السلام) في صدر تلك الرواية حصر الأحداث في أربعة أشياء وقال (عليه السلام) أربعة ترد معها المبيع إلى سنة ، ثم عدّ الجنون والبرص والجذام والقرن والحدبة ، فيعلم منه أنّ الحدبة ليس غير القرن وإلّا لكانت خمسة مع أنها حصرها في أربعة . وقد فسّرت الحدبة بأنه حدب في الفرج يمنع عن المواقعة كما ربما تكون في الظهر . وفسّر القرن بأنه عظم في الموضع المذكور يمنع عن الوطء وكلاهما واحد ، وعليه فالموجبات لردّ


1) الوسائل 18 : 98 / أبواب أحكام العيوب ب 2 ح 2 ، التهذيب 7 : 273/63 .

2) نفس المصدر ح 1 .

المبيع إلى سنة أربعة ، هذا .

إلا أنّ الأردبيلي (1)قد استشكل في القرن لخلو رواية أبي همام عن القرن واقتصارها على الجنون والبرص والجذام، ومع خلوّ هذه الصحيحة عنه لا يمكن الحكم بالردّ إلى سنة في القرن ، لأنّ المتيقّن من الموجبات للردّ إلى سنة هو الثلاثة المذكورة ، وهذا هو الذي استشكل فيه الأردبيلي دون الجذام كما نسبه إليه شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) .

وأجاب في الحدائق (2)عن الأردبيلي بأنّ خلو الصحيحة عن القرن لا يمنع عن إلحاقه بالثلاثة لورودها في غيرها من أخبار الباب التي فيها صحيحة وموثّقة غاية الأمر أنّ الصحيحة مطلقة وغيرها مقيّدة بالقرن فنحمل المطلق على المقيّد .

وليس مراد صاحب الحدائق من الاطلاق والتقييد المطلق والمقيّد الاصطلاحيان حتى يرد عليه ما أورده شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) من أنّ المقام ليس من باب المطلق والمقيّد لوضوح أنه يتوقف على وحدة التكليف ليحمل المطلق فيه على مقيّده ولا وحدة في التكليف في المقام ، بل الظاهر أنّ مراده بالاطلاق هو أنّ الصحيحة واردة في مقام البيان ومعه ساكتة عن القرن ، والسكوت عن ذكر أمر في مقام البيان هو الذي يعبّر عنه بالاطلاق المقامي ، إذ لو سألنا الأردبيلي (قدّس سرّه) وغيره عن وجه الاقتصار على الثلاثة فلا محالة يجيب بأنّها مع ورودها في مقام البيان مطلقة وساكتة عن القرن ، إلّا أنّه لما ورد في سائر الروايات المستفيضة إضافة القرن إلى الثلاثة وعلمنا بعدم إطلاق مراده عليه السلام) من حيث عدم اعتبار غير الثلاثة ، فلا محالة نرفع اليد عن الاطلاق المقامي لهذه المقيدات ، وهذا هو مراد


1) مجمع الفائدة 8: 449.

2) الحدائق 19 : 105 .

صاحب الحدائق (قدّس سرّه) فلا يرد عليه ما أورده شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) .

إلّا أنّ إشكال الأردبيلي (قدّس سرّه) من جهة عدم ذكر القرن في صحيحة أبي همام وتقرير صاحب الحدائق له كلاهما اشتباه ، وذلك لأنّ القرن مذكور في صحيحة أبي همام فراجع . نعم تلك الصحيحة منقولة بطريقين بطريق الكليني (1)وطريق الشيخ (2)والخالي عن ذكر القرن هو ما رواه الكليني بطريقة ، وأمّا المنقول بطريق الشيخ فهو مشتمل على القرن (3)فراجع الوسائل (4)وهذا أوّل مورد وقفت فيه على اشتباه صاحب الحدائق في الحديث مع أنه أضبط في نقل الأخبار هذا أوّلاً .

وثانياً : لو سلّمنا عدم ذكر القرن في صحيحة أبي همام فلا يضرّ هذا بالمدّعى ، لأنه مذكور في غيرها من روايات الباب وهي تكفي في إلحاقه بالعيوب المذكورة ولذكرها فيها يحتمل النقصان في رواية الكليني لأنه وإن كان أضبط م--ن الشيخ إلا أنه إذا دار الأمر بين الزيادة والنقيصة فالثاني أقرب .

الجهة الثالثة : أنّ الأردبيلي (قدّس سرّه) (5)قد استشكل في البرص أيضاً


1) الكافي 5 : 217 / 17 .

2) التهذيب 7 : 63 / 273 .

3) وقد ذكر (دام ظله) بعد ما ذكر أنّها موجودة في الوسائل : إنّ الوقت لم يسعني لأراجع الكافي والتهذيب اللذين هما الأصل لنقل الوسائل، ولكن بعض الحاضرين ذكر أنّها غير موجودين في الكتابين والاشتباه من الوسائل فلابّد من مراجعة الكافي والتهذيب لأنه المدرك لنقل الوسائل ، وقال إنّي أظن عدم اشتباه أحد من المحدّثين صاحب الحدائق والوسائل لاحتمال اختلاف النسخ المخطوطة وإن لم يكن لذلك ثمرة فقهية كما عرفت .

4) الوسائل 18 : 98 / أبواب أحكام العيوب ب 2 ح 2 .

5) مجمع الفائدة والبرهان 8: 450 .

من جهة أنه وإن ورد في جميع تلك الأخبار المستفيضة إلّا أنها معارضة ب--رواي--ة عبدالله بن سنان (1)الموصوفة بالصحة عند بعضهم وبالموثّق عند آخر وبالضعيف عند ثالث ، حيث إنها دلّت على أنّ العهدة في البرص والحبل إلى ثلاثة أيام وفي غيرها من الجذام والجنون إلى سنة ، وهذه الرواية معتبرة وإن لم تكن بصحيحة كما أسلفناه سابقاً ، ومقتضاها عدم كون البرص من أحداث السنة .

فالإنصاف أنّ ما أفاده الأردبيلي (قدّس سرّه) تمام في حدّ نفسه لأنّ المتيّقن هو الثلاثة ويرجع في غيرها إلى العمومات المقتضية للزوم ، إلّا أنّه لمّا كانت الروايات المشتملة على البرص مستفيضة وعدّة منها من الاتّفاقيات بين الأصحاب الذي لم يخالف فيه إلا الأردبيلي (قدّس سرّه) كان ذلك موجباً للاطمئنان بكون البرص من أحداث السنة ، وعليه فيحتمل في رواية ابن سنان كما احتمله في الحدائق والجواهر التحريف وأنه اشتبه المرض بالبرص ، وهذا الاحتمال وإن لم يكن في نفسه خالياً عن البعد إذ لو صح ذلك جرى هذا الاحتمال في جميع الأخبار فيحتمل أنها كلمة أخرى شبيهة بما ذكر في الرواية ، إلّا أنه في المقام لا بأس به لأنه مورد التعارض بينها وبين تلك الأخبار المستفيضة مع عدم الخلاف في الحكم ، وبهذين الأمرين أعني معارضتها بالمستفيض وكون الحكم اتفاقياً لا بأس باحتمال التحريف في رواية ابن سنان.

فالصحيح أنّ البرص أيضاً من جملة العيوب التي تردّ معها المبيع فيما إذا حدثت إلى سنة .

الجهة الرابعة : أنه استشكل الشهيد الثاني (قدّس سرّه)(2)في عدّ الجذام من


1) الوسائل 18 : 12 / أبواب الخيار ب 3 ح 7.

2) المسالك .3 : 305 .

موجبات الردّ إلى سنة من جهة الدليل الدالّ على أنّ الجذام يوجب الانعتاق على مولاه ، وهذان الأمران كيف يجتمعان ، إذ مع الانعتاق لا يمكن الرد كما لا يخفى .

وبالجملة : الفتاوى تطابقت على النص (1)الوارد في المقام على أنّ الجذام من أسباب الانعتاق ، وقد روى السكوني أنّ العبد إذا عمي فلا رق وأنه إذا جذم فلا رق ، وهذا كيف يجتمع مع الحكم بخيار المشتري في الردّ .

وقد ذكروا في توجيه الطائفتين من الروايات أعني ما دلّ على الخيار مع الجذام وما دلّ على الانعتاق معه وجوهاً لا يرجع شيء منها إلى محصّل ، لأنها بأجمعها على خلاف ظواهر الأخبار ، فالطائفتان متعارضتان .

وربما ذكر بعضهم في توجيه الأخبار الدالة على خيار المشتري مع الجذام أنّ المراد من الردّ في الأخبار أعم من الردّ بالفسخ والرد بالانفساخ ، فكما أن الحيوان إذا مات في الثلاثة ينفسخ المعاملة بنفسها ولا ينافي ذلك الخيار فكذلك في الجذام فإنه ينعتق بذلك فيفسخ المعاملة وهو لا ينافي خيار المشتري في الردّ ، هذا .

ولا يخفى أنّ حمل الردّ بالخيار على الانفساخ القهري خلاف الظاهر قطعاً وبعيد في حدّ نفسه ، لمنافاته الخيار في الردّ لأنّه نظير الرد بالجنون والبرص فكما أنّ الردّ فيهما معناه ردّ المملوك الفعلي فكذلك في الجذام، فحمله على الانفساخ القهري بعيد . على أنّ هذا على خلاف صريح رواية الخصال عن ابن فضال (2)حيث إن--ه (علیه السلام) صرّح فيها بخيار السنة ، والخيار مع الانفساخ لا يجتمع .

فالصحيح أن يقال : إنّ الروايتين متعارضتان ، ورواية السكوني ضعيفة في نفسها بحيث لولا تسالم الأصحاب على الانعتاق بالجذام لاستشكلنا في أصل كون


1) الوسائل 23 : 45 / كتاب العتق ب 23 2 .

2) الوسائل 18 : 100 / أبواب أحكام العيوب ب 2 ح 7 .

الجذام موجباً للانعتاق ، فلابدّ من العمل على تلك الروايات المستفيضة الواردة في الخيار في موردها والعمل برواية السكوني في غير المقام ، ونلتزم في المقام بأنّ جذام العبد المشترى لا يوجب الانعتاق ، بل للمشتري الخيار في ردّه وإبقائه ، نعم الجذام في غير المقام يكون موجباً للانعتاق كالعمى .

ثم إنّ المشتري إذا أمضى العقد أو ردّه على بائعه فهل ينعتق على المشتري عند إمضائه وعلى البائع بعد ردّه إليه أو لا ينعتق بعد الحكم برقيته ؟ ذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (1)أنّ انعتاقه على البائع يحتاج إلى قيام دليل آخر غير تلك الرواية المتقدّمة ويدلّ على أنّ العبد المجذوم لا يتملّك ، ولا تكفي فيه تلك الرواية لأنّها تقتضي انعتاقه لو حدث في ملكه ، وأمّا إذا حدث في ملك شخص آخر فعدم التملك له بحسب البقاء يحتاج إلى دليل ، هذا .

ولا يخفى أنّ مدلول الرواية ليس هو الانعتاق ليقال إنّها تقتضي الانعتاق حدوثاً لا بحسب البقاء ، بل مدلولها أنّ الأعمى والمجذوم لا يكون رقيقاً ، وهذا مطلق بحسب الزمان والآنات فكما لا يكون رقيقاً في الآن الأول كذا لا يكون كذلك في الآن الثاني وهكذا ، فلا يحتاج في الانعتاق على البائع إلى دليل آخر .

الجهة الخامسة : أنّ الأخبار الواردة في ردّ المبيع بعيوب السنة مطلقة من حيث التصرف فيه وعدمه ، وإطلاقها يشمل صورة التصرف فيه أيضاً ، كما أنّ عدم تصرفه فيه في أثناء السنة بعيد ، وعليه فتكون هذه الأخبار معارضة لما دلّ على أنّ التصرف في المبيع يوجب سقوط الخيار ولو بمثل قوله أغلق الباب .

والظاهر أن يقال : إنّ هذه الأخبار تكشف عن بطلان تلك القاعدة وأنه لا وجه لسقوط الخيار بمطلق التصرفات ، فإنّ الخيار لا يسقط إلّا بأحد أمرين :


1) المكاسب 5 : 386 .

أحدهما إسقاط نفس ذي الخيار . وثانيهما التعبّد الشرعي بسقوطه ، وكلاهما مفقود في المقام ، نعم لو أسقطه بنفسه أو دل دليل شرعي على السقوط كما دل في خيار الحيوان بقوله (عليه السلام) « أرأيت إن لامس أو قبّل الخ»(1)فلا محالة نلتزم بالسقوط ، إلّا أنّ المفروض عدم إسقاطه بنفسه وعدم دلالة دليل شرعي على سقوطه ، فالخيار باقٍ ولو مع التصرف فيه بمثل اغلق الباب ونحوه .

نعم قد دلّت الأخبار على أنّ الوطء مانع عن الرد كما تقدّمت في روايات ردّ الجارية من الحبل إذ وطئت ، وقد دلّت على أنّ الجارية لا ترد إذا وطئت ، فتكون تلك الأخبار معارضة مع الأخبار المستفيضة الواردة في المقام بحسب الاطلاق والنسبة بينهما عموم من وجه ، لأنّ الطائفة الأولى مطلقة بحسب المورد وتقتضي مانعية الوطء عن الرد كان ذلك في عيوب السنة أم كان في غيرها ، والطائفة الثانية أيضاً مطلقة بحسب المورد لأنها تقتضي الخيار في عيوب السنة كان مع الوطء أم بدونه ، فيتعارضان في مادّة الاجتماع فيسقطان ، والمرجع عمومات لزوم المعاملة نحو (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (2)وقوله (عليه السلام) « إنّ البيع يلزم بعد الثلاثة في الحيوان »(3)والمتحصّل أنه لا خيار في عيوب السنة بعد الوطء .

الجهة السادسة : أنه ذكر بعض الأصحاب أنّ عيوب السنة نظير غيرها من العيوب في الأحكام فيحكم فيها بثبوت كل من الردّ والأرش من الابتداء أو بعد تعذّر الردّ لوط، أو موت ونحوهما ، ولكن الصحيح أنه لا أرش في المقام ، لما قد تقدّم أنّ ثبوت الأرش على خلاف القاعدة ، والعقلاء إنما يحكمون بجواز الردّ عند ظهور


1) الوسائل 18 : 13 / أبواب الخيار ب 4 3 (مع اختلاف يسير).

2) المائدة 5 : 1 .

3) روي مضمونه في الوسائل 18 : 12 / أبواب الخيار ب3 ح 9 .

العيب في المبيع دون الأرش، وهو إنما يثبت على خلاف القاعدة فلابدّ من الاقتصار فيه على مورده وهو غير عيوب السنة ، إذ لم يرد في شيء من الأخبار المستفيضة ما يدل على الأرش فيها ، بل كلّها اشتمل على أنّ المبيع ي-رد م-ن العيوب الأربعة المتقدّمة فلا أرش في المقام .

نعم لو قلنا إنّ الأرش على طبق القاعدة وأثبتنا أنّ مواد تلك العيوب أيضاً كانت موجودة حال العقد وقبله كما قيل ، فلا محالة يثبت الأرش في المقام أيضاً ، إلّا أنّ كليهما على خلاف الواقع ، لأنّ الأرش ليس على وفق القاعدة ، وهذه العيوب لا دليل على كونها في المبيع قبل ظهورها فيه ، إذ من الممكن أن يحدث في ملك المشتري كما إذا جنّ لدهشة عرضته على ما تقدّم ، هذا تمام الكلام في عيوب السنة.

الكلام في العيوب المتفرّقة

قد تقدّم الميزان في صدق العيب على نحو الكلّية ، والغرض في المقام التنبيه والاشارة إلى بعض العيوب . قد ذكروا أنّ الكفر من العيوب ، وذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (1)أنّ الكفر ليس في نفسه بعيب ، لأنه ليس ع--ل-ى خ-لاف الخلقة الأصلية ، فإنّها لا تقتضي شيئاً من الكفر أو الإيمان ، نعم في الإنسان قوّة لو لم يزلها عن نفسه بشهواته لأوصلته إلى الإسلام أعني التوحيد فقط ، دون البنوّة لأنّها ليست من الفطرة ، أو توصله إلى البنوّة أيضاً ، لأنّ حقيقة الإسلام من شؤون التوحيد وهو مقتضى الفطرة البشرية .

وكيف كان فالخلقة في نفسها لا تقتضي شيئاً من الكفر أو الإسلام فلا يكون عيباً، إلّا أنّ الغالب في العبيد والإماء في بلاد الإسلام لمّا كان هو الإسلام، فالإقدام


1) المكاسب 5 : 389 .

على شرائها يقتضي اشتراط الإسلام فيها بحسب الارتكاز والغلبة وتخلّفه يوجب خيار تخلّف الشرط ، هذا .

والصحيح هو ما ذكره العلّامة (قدّس سرّه) (1)من التفصيل بين أنحاء الكفر فإنّ مثل التهوّد والتنصّر لا يكون عيباً في العبيد ، لأنّ الإسلام في العبد كما أنه يوجب رغبة بعضهم إلى شرائه كذلك التهوّد والتنصّر فيه يوجب رغبة نوع آخر من العقلاء في شرائه حتى من المسلمين غير المبالين في الدين ، ولو من جهة ملاحظة أنّ العبد المسلم يشتغل في مقدار من الزمان بالوظائف الإسلامية فتبق أشغاله وأفعاله على حالها ، فيشتري اليهودي أو النصراني لئلّا يشغل نفسه بالعبادات اللازمة على المسلمين ويشتغل بأمور مولاه ، فالكفر بذلك نظير الخصاء في العبد الذي يرغب إليه بعض الفسقة ويبذل بازائه المال ، فلا يكون الخصاء موجباً لنقص القيمة ، فالتهوّد والتنصّر لا يكونان بعيب .

وأماّ النجاسة فهي مضافاً إلى كونها محل خلاف في أهل الكتاب ، لا تمنع عن الاشتغال بالأفعال التي لا يشترط فيها الطهارة ، فلا تكون عيباً .

وأمّا الكفر بمثل التوثّن والتمجّس فهو عيب وموجب لعدم رغبة النوع إليه بملاحظة أنّهما يمنعان عن مثل الوطء فيما إذا كان المبيع أمة لأجل النهي الشرعي وفوات مثل هذه الفائدة من العيب كما هو واضح ، فما أفاده العلّامة متين .

ثم إنه (قدّس سرّه) تعرّض في أثناء كلامه إلى أنّ العيب هو عدم قابلية المبيع للانتفاع نوعاً ، وأمّا عدمها بالاضافة إلى شخص المشتري فلا يعدّ من العيب .

وهو كما أفاده (قدّس سرّه) لأنه إذا اشترى أخت مملوكنه فإنه لا يمكنه الانتفاع بها بالوطء لعدم جواز الجمع بين الأختين كانتا مملوكتين أو إحداهما مملوكة


1) التذكرة 11 : 197.

والأخرى زوجة ، إلّا أنه لا يوجب العيب في المملوكة ، أو فرضنا العبد ممن ينعتق عليه ، فإنّ المناط هو عدم الانتفاع به بحسب النوع فإنه الذي يوجب نقصان قيمته دون شخص المشتري .

ومن جملة العيوب وجود علامة الوقف في المبيع ولو بحسب الاشتهار إن لم يبلغ إلى حدّ الحجية ، والوجه في ذلك أنّ اشتهار الوقف في المبيع كالدار أو وجود علامته فيه يوجب نقصان قيمته لا محالة فلا محالة يدخل تحت ضابطة العيب . ومنها : كون العبد ساحراً أو تماماً أو شارب الخمر ، والانصاف أنّ هذه الأمور إن بلغت إلى حدّ يوجب الفتنة وفوات الانتفاعات منها بحسب النوع فلا محالة توجب نقصان قيمته ويكون عيباً ، وأمّا إذا لم يبلغ إلى تلك المرتبة فلا لأنه لا يوجد عبد يكون عادلاً بتمام معنى العدالة فلو لم يكن تماماً فلا محالة كاذب أو يتّصف بغيره من الأمور القادحة في العدالة ، إلّا أنّها لاتعد عيباً كما هو ظاهر وبذلك يلحق كون الرقيق خشن الصوت أو رطب الكلام فإنها ممّا لا يوجب تبّعض القيمة كما تقدّم ، هذا تمام الكلام في المقام ويقع البحث بعد ذلك في الأرش .

القول في الأرش

الأرش عبارة عن المال الذي يطالبه البائع من المشتري على تقدير كون الثمن معيباً أو يطالبه المشتري من البائع فيما إذا كان المثمن معيباً ، والغالب هو الثاني لأنّ الثمن بحسب الغالب يكون من النقود والصحة فيها غالبية بخلاف المثمن ، وكيف كان فهذا هو المراد بالأرش في المقام ، ولا كلام لنا في الاصطلاح والألفاظ فإن شئت فعبّر عنه بلفظ آخر ، إلّا أنّ الفقهاء قد أطلقوا عليه لفظ الأرش ، وهو في اللغة (1)بمعنی الفساد ، إلّا أنّهم اصطلحوا به في الدية والمال الذي يطالبه أحد المتعاملين عن الآخر ، وقد جروا على هذا الاصطلاح في المقام وغيره من المقامات ومنها المال المأخوذ في جناية الإنسان على عبد غيره في غير المقدر الشرعي .

إذا عرفت المراد بالأرش في المقام فتفصيل القول فيه يتم في ضمن جهات :

الجهة الأولى : في أنّ الأرش هل هو على وفق القاعدة بحيث لو لم يكن في البين ما يدلّ عليه من الأخبار وغيرها أيضاً كنّا نلتزم به ، أو أن-ه ع-ل-ى خ-لاف القاعدة ويحتاج فيه إلى دلالة دليل ؟ الظاهر كما مرّت الاشارة إليه غير مرّة هو الثاني ، وذلك لأنّ وصف الصحة نظير غيره من الأوصاف ممّا لا يقابل بالمال وإنما الثمن يقع في مقابل ذات الشيء ، وليست الأوصاف كالأجزاء من حيث مقابلتها


1) المصباح المنير : 12 مادة «أرش» .

بالمال ، لما ذكرناه غير مرّة من أنّ البيع الواقع بازاء شيء ينحل إلى بيوع متعدّدة حسب تعدّد أجزائه ، فبيع شيء بدرهم ينحل إلى بيع نصفه بنصف الدرهم وثلثه بثلثه وهكذا ، نعم الأوصاف التي منها وصف الصحة توجب زيادة قيمة المال وماليته ، لأنّ المال الذي يبذل بازاء الصحيح أكثر ممّا يبذل بازاء المعيب ، كما أنّ ما يعطى في مقابل الكاتب أو النظيف أكثر ممّا يعطى بازاء غير الكاتب أو غير النظيف ولعلّه ظاهر .

ومن هنا صحّت معاملة المتجانسين فيما إذا كان أحدهما صحيحاً والآخر معيباً وكانا بحسب القيمة أو العدد متساويين كما إذا اشترى عشرة دراهم صحيحة بعشرة دراهم معيبة ، فإنّ المعاملة صحيحة حينئذ بلا خلاف فيها بينهم ، إلّا أنّ صحتها تبتني على ما ذكرناه من عدم مقابلة وصف الصحة بالمال وإلّا لبطلت المعاملة المذكورة لاستلزامها الربا الحرام ، وذلك لأنّ درهماً من العشرة المعيبة حينئذ لابدّ من أن يقع بازاء وصف الصحة في العشرة الصحيحة ويكون العشرة في طرف الصحيحة مقابلة بتسعة دراهم في طرف المعيبة ويزيد أحدهما على الآخ--ر بدرهم وهو زيادة محرّمة ، وحيث إنّ المعاملة المذكورة صحيحة فيستكشف منها أنّ الصحة ممّا لا يقابل بالمال .

بل لو قوبلت بالمال فى معاملة بطلت كما إذا اشترى عشرة صحيحة بإحدى عشر معيبة بأن يقع أحد الدراهم في طرف المعيبة بازاء وصف الصحة في طرف الصحيحة لأنّها كما تقدّمت من الربا المحرّم ، فإذا لم يكن وصف الصحة مقابلاً بالمال فلا يكون ذمّة البائع مشغولة بشيء زائد عمّا دفعه إلى المشتري حتى يستحقّه المشتري ، نعم إذا ظهر أنّ المال معيب يثبت له خيار تخلّف الوصف الذي هو بمعنى تخلّف الشرط ومن هذه الجهة يثبت له الخيار بين ردّه وإبقائه ، وأمّا مطالبة المشتري شيئاً زائداً عن ذات المبيع فلا مقتضي له كما عرفت .

وكذا الأدلّة الخاصة لا تستفاد منها كون الأرش على طبق القاعدة .

وكيف كان ، فالأوصاف وإن كانت مقوّمة لمالية المال كما عرفت بحيث لا يبذل بازائه شيء إذا فقد عنه الأوصاف ، لأنّ العقلاء إنما يبذلون المال في مقابله فيا إذا كانت له أوصاف ومنافع يرغبون إليها ، ومن هنا لا يبذلون المال في مقابل العين إذا سلبت عنها أوصافها ومنافعها ، إلّا أنّها مع ذلك لا تقابل بالمال ، والأدلّة الخاصة إنما أثبتت استحقاق الأرش بالمطالبة وأنه إذا طالب البائع به يستحقّه لئلّا يعمل خياره في الفسخ ، وأمّا قبل المطالبة فلا دليل على استحقاقه بل غاية ما هناك أنه لم يعمل خياره ، وأمّا أنّه يتمكّن من إلزام البائع به فلا ، وهذا كما ثبت في وصف الصحة كذلك لا مانع عنه في سائر الأوصاف كما في وصف الكتابة أو غيره إذا طالبه المشتري بالتفاوت وقد رضي به البائع ودفعه إليه لئلّا يفسخ المعاملة ، وكما أنه لا يتمكّن من إلزام البائع به في وصف الكتابة كذلك لا يتمكن من إلزامه به في وصف

الصحة .

والمتحصّل : أنّ الأرش ثبت على خلاف القاعدة ، وعلى خلاف بناء العقلاء .

وممّا يؤكّد ما ذكرناه : أنّا أشرنا في أوائل هذا الخيار إلى أنّ الأرش إنما يثبت بعد عدم تمكّن المشتري من الرد بتصرف ونحوه ولا يثبت من حين المعاملة ، فلو كان على وفق القاعدة لكان ثابتاً من الابتداء . هذا مضافاً إلى أنّ لازم ذلك أنّ يلتزم باشتغال ذمّة البائع بالثمن من ابتداء المعاملة كما يلتزمون به في فقد الأجزاء هذا .

ولكن السيد (قدّس سرّه) (1)ذهب في حاشيته إلى أنّ الأرش على طبق القاعدة مع تسليمه لما ذكرناه آنفاً بتمامه ، بدعوى أنّ للمعاملة مرحلتين : إحداهما


1) حاشية المكاسب (اليزدي) : 101 من مبحث الخيارات .

مرحلة الظاهر ، وثانيتهما مرحلة اللبّ والواقع ، والثمن وإن كان لا يقع بازاء وصف الصحة في مرحلة الظاهر ومن هنا حكمنا بصحة المعاملة في المتجانسين الفاقد أحدهما لوصف الصحة كما مرّ ، إلّا أنها بحسب اللبّ ليس كذلك ، فإنّ المشتري إنما يبذل الثمن في مقابل الذات ووصف صحته بحيث لو كان عالماً بعدم صحته لما رضي بدفع المال في مقابله ، فإذا طالبه بالأرش فقد فسخ المعاملة بالاضافة إلى وصف الصحة بمعنى أنه أراد استرداد ما دفعه في مقابل وصف الصحة وفسخ المعاملة بالاضافة إليه ، فلا محالة يستحق الجزء الواقع في مقابل وصف الصحة فيكون الأرش على طبق القاعدة ويستحقه بالمطالبة وإن لم يدل عليه دليل أيضاً ، هذا .

ولا يخفى أنّ ما أفاده (قدّس سرّه) يشبه بالعرفان ولا يمكن المساعدة عليه بوجه ، لأنه إن أراد من المعاملة ما يبذل بازاء المال (1)ففيه : أنها ممّا لا يتّصف بالظاهر والواقع ، لأنّ المعاملة كما ذكرناها في محله أمر اعتباري يبرز في الخارج بمبرز ،ما ، وهذا لا ظاهر فيه ، بل إن تحقّق فهو موجود بحسب الظاهر والواقع وإلّا فهو معدوم ، والاتّصاف بهما إنما يتم في الأمور الواقعية كما إذا رأى جسماً وتخيّل أنه حجر وكان في الواقع إنساناً ، وأمّا في الأمور الاعتبارية فلا ، وحينئذ فإن اعتبر مقداراً من المال في مقابل وصف الصحة وأبرزه فقد بذل المال في مقابل وصف الصحة ظاهراً وواقعاً ، وإن لم يبذله إلّا في مقابل ذات المال فلم يقع في مقابل الصحة شيء لا بحسب الظاهر ولا بحسب الواقع ، ولعلّه (قدّس سرّه) نظر بهذا الكلام إلى اختلاف الدواعي وأنّ داعي المشتري إلى بذل كذا مقدار من الثمن في مقابل المبيع إنما هو وصف صحته بحيث لو لم يكن بهذا الوصف لما بذله في مقابله ، وحينئذ فم-ا أفاده (قدّس سرّه) متين ، إلّا أنّ تخلّف الدواعي لا يوجب الأرش وإلّا لسحبناه إلى


1) كذا عبّر (دام ظلّه) والأولى أن يقال إنه إن أراد بالمعاملة وقوع المال في مقابلة شيء .

غير وصف الصحة من الأوصاف كما إذا بذل مقداراً من المال في مقابل العبد بداعي أنه كاتب ثم ظهر خلافه مع أنه ولا غيره من الفقهاء لا يلتزمون بالأرش في غير وصف الصحة ، نعم غاية ما في الباب أنّ تخلّف الداعي يوجب الخيار أعني خيار تخلّف الوصف أو الشرط ، وأمّا الأرش فلا .

والمتحصّل : أنّ الأرش ليس على وفق القاعدة وأنه غرامة تعبّدية ثبتت بالأخبار ولولاها لما كنّا نلتزم به بوجه، وعليه فلابدّ من ملاحظة أنّ الأخبار أثبتت الأرش في أي مورد وبأيّة كيفية.

الجهة الثانية : في كيفية الأرش المستفادة من الأخبار :

لا يخفى أنّ الأرش ليس هو نفس التفاوت الواقعي بين قيمتي الصحيح والمعيب ، وإنما هو عبارة عن الأخذ من الثمن بنسبة تفاوت قيمة معيب الشیء وصحيحه ، مثلاً إذا اشترى شيئاً بخمسة وعشرين درهماً وكان صحيحه يسوى

بخمسين ومعيبه بخمسة وعشرين فلا يؤخذ حينئذ نفس التفاوت بين قيمتي الصحيح والمعيب بحسب الواقع الذي هو عبارة عن خمسة وعشرين بحيث يبقى العين للمشتري مجاناً وبلا عوض ، بل يؤخذ من الثمن المسمّى بنسبة تفاوت قيمة المعيب والصحيح وهي النصف في المثال فيؤخذ من الثمن نصفه أعني اثنى عشر ونصفاً .

وهذا لا من جهة ما ربما يقال من أنّ الأخذ بنفس التفاوت الواقعي يستلزم اجتماع العوض والمعوّض ، وذلك لما عرفت من أنّ وصف الصحة لا يقابل بالمال حتى يكون الأرش من أجزاء العوض ويكون اجتماعه مع المبيع عند المشتري من اجتماع العوض والمعوّض ، بل الأرش غرامة تعبّدية يثبت بالدليل ، وليس هناك اجتماع عوض مع العوّض بل هو اجتماع الغرامة مع المعوّض ، ولا مانع من أن تكون الغرامة أزيد من المعوّض كما التزموا بذلك في ديّة جناية الجاني إذا وقعت الجناية على عبد الغير وفرضنا الديّة من المقدّر الشرعي وكان العبد كبيراً عاجزاً لا يسوى

إلّا بنصف الديّة المقدّرة شرعاً .

بل الوجه في عدم كون الأرش عبارة عن نفس التفاوت بين القيمتين الواقعيتين هو أنه لا مقتضي لكون الأرش عبارة عن نفس التفاوت ، فإنّ الأخبار (1)الواردة في الأرش بعضها بلسان أنه يردّ البائع أرش العيب ، وبعضها الآخر بلسان أنّه ينقص عن قيمة المبيع بقدر قيمة العيب ، وبعضها الآخر بلسان أنه ترد قيمة العيب ، وعلى كل حال فظاهرها أنّ الأرش هو بعض الثمن لا تمامه وظهورها العرفي في استرداد بعض الثمن مما لا يكاد يخفي ، ومن البديهي أنّ الأرش على تقدير كونه عبارة عن نفس التفاوت ربما يكون أزيد من الثمن وهو على خلاف ظواهر الأخبار لأنّ قوله ( عليه السلام) يردّ وينقص ظاهران في أنه بعض الثمن لا تمامه ، وعليه يكون الأرش عبارة عن المعنى الثاني دون الأول لعدم المقتضي له لا لأجل وجود المانع فلا تغفل .

وأمّا وجه عدم تعرّضهم (عليهم السلام) لذلك في الأخبار أي لكون الأرش عبارة عن نسبة التفاوت بين قيمتي الصحيح والمعيب ، فهو أنّ الأخبار إنما وردت على طبق الغالب ، والغالب هو عدم الغبن في المعاملة وفي مثلها وردت أنّ الأرش هو قيمة العيب ونحوها ، ومن هنا لم تشمل ما إذا كانت قيمته مستوعبة للثمن لأنّها إنما تكون كذلك في صورة الغبن في المعيب والغالب خلافها .

وأّمّا ما ذكره شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(2)بعد ردّ ما يتوهّم من ظاهر كلام جماعة من القدماء من تمثيله بما إذا اشترى جارية بدينارين وكانت معيبها تسوى مائة وصحيحها تسوى أزيد فيلزم استحقاق مائة دينار الخ ، فمّا لا محصّل


1) الوسائل 18 : 102 / أبواب أحكام العيوب ب 4 ، 5، 6 ، 7 .

2) المكاسب 5: 393 .

له ، لأنّ المحتمل في المقام أمران : أحدهما كون الأرش عبارة عن نفس التفاوت بين القيمتين . وثانيهما : كونه عبارة عن نسبة التفاوت بينهما من الثمن بأن يقوّم المبيع على تقدير كونه صحيحاً بكذا ويقوّم أيضاً معيباً بأن يقال إنّ هذا الشيء يسوى بكذا لو كان صحيحاً ومعيبه بكذا ويؤخذ بنسبة التفاوت بينهما من الثمن ، وأمّا احتمال أن يكون الأرش عبارة عن نفس قيمة المعيب كما هو ظاهر مثال شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) فهو غير متحقّق ولم يحتمله أحد ولعلّه صدر من سهور القلم ونحوه .

إلى هنا تحصل : أنّ الأرش هو ما يؤخذ من الثمن بنسبة تفاوت قيمة المعيب إلى قيمة الصحيح ، وأمّا ما في بعض الأخبار كرواية زرارة المتقدّمة في أوائل هذا الخيار من قوله (عليه السلام) ويردّ عليه بقدر ما نقص من ذلك الداء والعيب من ثمن ذلك لو لم يكن به » (1)أي لو لم يكن به عيب ، فهو وإن كان بحسب بادىء النظر ظاهراً في كون الأرش عبارة عن نفس التفاوت ، إلّا أنّ الصحيح أنه أيضاً غير مناف لما ذكرناه ، لأنّ الروايات الواردة في الأرش إنما سيقت على طبق الغالب والغالب في المعاملات وقوع البيع على المبيع بقيمته السوقية وعدم الغبن فيها ، وكون الثمن مساوياً للقيمة الواقعية بحيث لا يكون فيها خيار من غير ناحية العيب ويكون نسبة ما بين قيمتي الصحيح والمعيب من الثمن بمقدار نفس التفاوت حينئذ ويصح قوله (عليه السلام) يرد عليه بمقدار النقص والعيب من ثمن ذلك الشيء أي قيمته على تقدير عدم العيب فيه .

والمتحصّل : أنّ الأخبار كلّها ناظرة إلى إثبات الأرش الذي يكون أنقص من الثمن كما هو المطابق للمتفاهم العرفي أيضاً. ويؤيّده أنّا لا نعهد فقيهاً م-ن الع-رب والعجم يلتزم بردّ الأرش الزائد عن الثمن بأضعافه ، وعليه فإذا اشترى المعيب بقيمة


1) الوسائل 18 : 30 / أبواب الخيار ب 16 ح2 .

رخيصة وكان التفاوت أكثر من ثمنه فلا نلتزم فيه بالتفاوت لعدم شمول الأخبار لمثله وكونه على خلاف القاعدة ، والمتيقّن منه بعد سقوط احتمال أن يكون الأرش عبارة عن نفس التفاوت هو الأخذ من الثمن بنسبة قيمة المعيب إلى الصحيح .

واحتمال عدم ثبوت الأرش فيما إذا كان الأرش أكثر من ثمنه واختصاصه بما إذا كان أقل منه مقطوع العدم، للاتّفاق القطعي من الشيعة والسنّة على ثبوت الأرش في مطلق العيب ، وعليه فلابدّ من الالتزام بالأرش بالمعنى الذي ذكرناه أعني الأخذ بالنسبة من الثمن دون القيمة الواقعية ، وهو يجري في جميع وموافق للفهم العرفي أيضاً .

وبعبارة أخرى مع توضيح زائد : أنّ الوجه فيما ذكرناه من أنّ الأرش إنّما هو التفاوت بين القيمتين بالنسبة إلى الثمن المسمّى دون القيمة الواقعية ، هو أنّ لازم كون الأرش عبارة عن التفاوت بالنسبة إلى القيمة الواقعية الالتزام بوجوب ردّ أكثر من الثمن فيما إذا اشتراه بقيمة رخيصة عن القيمة السوقية ، وقد مرّ أنّ احتمال عدم ثبوت الأرش في مثله واختصاصه بما إذا كان الأرش أقل من الثمن مقطوع العدم، لأنّ من التزم بالأرش يلتزم به في جميع الموارد .

فلا محيص حينئذ من أن يقال إنّ الأرش ليس عبارة عن الأخذ بالنسبة من القيمة الواقعية أي بنفس التفاوت بين القيمتين ، وإنما هو أمر آخر لابدّ من استفادته بمعونة القرائن في الأخبار وهو ما ذكرناه من كونه عبارة عن الأخذ بالنسبة من الثمن المسمّى وهو أيضاً موافق للفهم العرفي كما لا يخفى .

وأمّا الأخبار فهي بأجمعها إمّا ظاهرة في كون الأرش ملحوظاً من القيمة الواقعية وإما ساكتة عن تعيين أنّه ملحوظ من القيمة الواقعية أو من الثمن المسمّى وهذا كقوله (عليه السلام) في بعض الأخبار « يرد عليه بقدر ما نقّصه الداء

والعيب » (1)فإنه ساكت عن بيان المقيس عليه وأنه يردّ عليه بقدر ما نقّصه الداء من الثمن المسمّى أو من القيمة الواقعية ، فلابد في تعيين الأرش من الاعتماد على قرائن الأخبار وما يستفاد منها بحسب الفهم العرفي .

وأمّا ما في بعض الأخبار من أنه يوضع من ثمنه بمقدار ما نقصه العيب فقد تقدّم وعرفت أنّها منزّلة على بيان المعاملة الغالبة العرفية المعاملة وهي مع تساوي الثمن والقيمة الواقعية وعدم الغبن فيها بحيث لا يكون فيها خيار من غير ناحية العيب ، فيكون الثمن المسمّى حينئذ مساوياً للقيمة السوقية الواقعية ، فلا دلالة فيها على تعيين الأرش بالاضافة إلى القيمة الواقعية كما لا يخفى .

فلابدّ من الاعتماد على الفهم العرفي والقرائن وقد مرّ أنّ ما يساعد عليه الفهم العرفي هو ملاحظة التفاوت من الثمن المسمّى دون القيمة الواقعية ، وسرّ هذا الفهم العرفي هو أنّ ضمان البائع لوصف الصحة ليس بضمان يد كما في الغصب حتى يحكم بضمانه للتالف بقيمته الواقعية كما إذا زال وصف الكتابة عن العبد تحت يد شخص آخر فإنه يضمنها بقيمتها الواقعية وهو واضح ، وذلك لأنّ الثمن ملك للبائع وليس هو ملكاً لشخص آخر حتى يضمنه البائع ، كما أنّ المبيع ملك للمشتري ولم يتصرف البائع في مال غيره أي غير نفسه حتى يضمنه بضمان اليد ، كما أنّ ضمانه لوصف الصحة ليس من ضمان المعاوضة حتى يحكم بضمانه للقيمة المسماة أي الثمن ، وذلك لما عرفت من أنّ وصف الصحة لا يقابل بالمال ولا يعاوض بشيء حتى يضمنها بضمان معاوضي ، لأنه مثلاً إذا اشترى كذا مقداراً من الحنطة على وجه كلّي في ذمة البائع ولم يرد البائع إليه تمام ما في ذمّته وأعطاه ناقصاً عما في ذمّته بمن ففي مثله يضمن البائع للمشتري نفس ذلك الجزء الكلّي الناقص كالمنّ ويطالبه المشتري بنفس ذلك


1) تقدّم مصدره في الصفحة السابقة .

الناقص ويجب على البائع تحصيله ودفعه إلى المشتري ، ولا يضمن له قيمة الناقص بحسب القيمة الواقعية .

وأمّا إذا كان المبيع شخصياً كما إذا اشترى عشرة أمنان معيّنة في الخارج ولم يدفع البائع إليه تمامها ، فإنّه حينئذ يضمن للمشتري قيمة الجزء الناقص بحسب القيمة المسماة ، وليس للمشتري أن يطالبه بتحصيل منّ من الحنطة مثلاً ، لأنّ ملكه هو الموجود الخارجي ولم يسلم له فيضمن قيمته المسماة ، ويسمّى ذلك بالضمان المعاوضي لأنّه بدفعه الثمن في مقابل المبيع يضمن البائع له ذلك المبيع فإذا لم يدفع إليه يطالب بما يخصه من الثمن ، نعم للمشتري الخيار في ردّ العاملة أو قبولها مع النقص باسترداد ما يقابله من الثمن ، وليس المقام من ذلك القبيل لأنّ الصحّة لم يقابل بشيء حتّى يضمنها البائع بالضمان المعاوضي وغاية ما يدلّ عليه الأخبار الواردة في الأرش هو أنّ وصف الصحة عند الشارع بمنزلة الجزء في الجملة لا في تمام آثاره ، ومن الظاهر أنّ تخلّف الجزء إنّما يوجب عدم انتقال ما يقابله م-ن الثمن المسمّى إلى البائع ولا ربط له بالقيمة الواقعية ، نعم ليس وصف الصحة كالجزء في جميع آثاره حتى في ضمان البائع لما يقابله من الثمن من عينه بل هو كالغرامة لا يختص بعين الثمن ، وكذا ليس نظير الجزء في انفساخ المعاملة بانتفائه بل هو كالجزء حكماً لا حقيقة ونزّل منزلة الجزء في خصوص ضمانه من الثمن لا بحسب القيمة الواقعية والذي ألجأنا إلى تفسير الأرش بما عرفت هو اتّفاق الشيعة والسنّة على عدم كونه عبارة عن نسبة التفاوت من القيمة الواقعية بل لم يختلف اثنان في أنّه نسبة التفاوت من الثمن المسمّى وهذا ظاهر .

الجهة الثالثة : في أنّ الأرش هل يجب أن يكون من عين الثمن كما ذهب إليه

بعض الأوائل والأواخر وقرّبه السيد (قدس سره) في حاشيته (1)أو لا يتعيّن أن يكون من عينه ويصح دفعه من مال آخر كما هو المشهور ؟

الصحيح هو الثاني، لما عرفت من أنّ الأرش ثبت على خلاف القاعدة وأنه غرامة ، والظاهر منه أنّ الواجب هو طبيعي الغرامة والأرش وأمّا خصوصية كونه من عين الثمن فيحتاج إلى دليل وهو مفقود ، ولا دلالة في شيء من الأخبار الواردة في المقام على لزوم كون الأرش من نفس الثمن حتى في مثل رواية زرارة المتقدّمة لأن قوله (عليه السلام) فيها « يردّ عليه بقدر ما نقص ... من ثمن ذلك » أريد بالثمن فيها القيمة دون الثمن الشخصي المسمّى في المعاملة .

نعم ، هناك روايتان ظاهرتان في بدء النظر في تعيّن الأرش من عين الثمن حيث قال فيهما : ويوضع من ثمنها بقدر العيب ، إلّا أنّ التحقيق أنّهما أيضاً لا يدلّان على تعيّن كون الأرش من الثمن ، والوجه في ذلك أنّ الوضع من الثمن غير الردّ منه فإنّ ظاهر الوضع أنّ الثمن بعدُ عند المشتري ولم يدفعه إلى البائع ، وحينئذ إمّا أن يكون الثمن كلّياً في ذمّة المشتري كما هو الغالب في المعاملات ، وإما أن يكون الثمن شخصياً معيّناً .

فإن كان كلّياً في ذمّة المشتري فمعنى وضع الأرش من ذلك الثمن أنّ البائع وإن ملك الثمن الكلّي في ذمّة المشتري إلّا أنّ المشتري أيضاً قد ملك درهمين مثلاً م--ن باب الأرش في ذمّة البائع ، وحيث إنّه أي المشتري مديون للبائع فبالنسبة إلى مقدار الدرهمين يتهاتران ويبرأ ذمّته ويدفع إليه الباقي ، وهذا لا دلالة له على أنّ الأرش لابد من أنّ يكون من عين الثمن كما هو ظاهر .

وإن كان الثمن شخصياً فالثمن الشخصي وإن كان ملكاً للبائع حينئذ بتمامه إلّا


1) حاشية المكاسب (اليزدي) : 101 من مبحث الخيارات .

أنّ للمشتري أن يضع عنه بمقدار ما يستحقّه عليه من الأرش ويدفع إليه الباقي ، لأنّ ما يستحقّه على البائع هو مثل ما يستحقّه البائع على المشتري ، فلا دلالة فيهما على المدّعى بوجه .

فالصحيح أنّ الأرش غرامة ولا يجب دفعها م-ن ع-ين الثم-ن ب-وجه ، ب-ل الواجب هو طبيعي الغرامة كما عرفت .

الجهة الرابعة : في أنّ الأرش هل يتعيّن أن يكون من النقدين مطلقاً ، أو يصح من غيرهما مطلقاً ، أو أنه يجب دفعه من النقدين إذا طالبهما المشتري لا مطلقاً ؟

لا ينبغي الإشكال في أنّ المشتري إذا طالبه بالأرش من النقدين يتعيّن على البائع دفعه منها ، لأنّهما المتمحّضان في المالية دون غيرهما من الأموال ، ولا يمكن تبديل غيرهما بشيء آخر بالسهولة ، وهو الظاهر من قوله (عليه السلام) « يرد عليه بقدر ما نقصه العيب من ثمن ذلك » أي من ثمنه من النقود ، ولا يبرأ ذمة البائع بدفع الأرش من غيرهما ، هذا فيا إذا طالبه المشتري بالنقدين . وأما إذا لم يطالبه بهما بل رضي بدفعه من غيرهما فلا ينبغي الإشكال حينئذ في كفاية ذلك عن الأرش .

ولكن يبقى الكلام في بحث آخر علمي لا ثمرة عملية له ، وهو أنّ المدفوع من غير النقدين هل هو عين الأرش ونفسه أو أنه بدله ؟ قوّى الأول شيخنا الأنصاري (1)إلّا أنّ الصحيح هو الثاني لما عرفت من أن الغرامة الثابتة على ذمّة البائع بأخبار الأرش ظاهرة في النقدين وهما اللذان اشتغلت بهما ذمّته ابتداء ، إلّا أنّ الحقّ لما كان بينهما ولم يكن يعدوهما كان لهما تبديل النقدين إلى جنس آخ--ر


1) المكاسب 5 : 397 .

فرضاهما بدفع غير النقدين تكون مبادلة ثانية ، والمدفوع من غير النقدين بدل الأرش لا نفسه .

الجهة الخامسة : هل يمكن أن يكون الأرش مستوعباً لتمام الثمن أو أنه أمر غير معقول وأنه لابدّ أن يكون الأرش ناقصاً عن الثمن في جميع المقامات ؟

ذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (1)أنّ الأرش لا يعقل أن يكون مستغرقاً لتمام الثمن ، والحقّ معه (قدّس سرّه) والوجه في ذلك : أنّا وإن لم نعتبر المالية في صحة المعاملة وذكرنا في أوائل البيع أنّ شراء شيء لا مالية له صحيح ومثّلنا بما إذا وجد شخص خطاً من خطوط جدّه مثلاً عند آخر وأراد شراءه منه بثمن لكثرة حبّه لجدّه فاشتراه بثمن غالٍ ، فإنّ بيعه صحيح وله غرض عقلائي في مثله أيضاً ، إلّا أنّه لا يسوى بشيء عند العقلاء ، لأنّ خطّ جدّه كخط غيره ممّا لا قيمة له ، وكيف كان فلم نعتبر في صحته المالية

إلّا أنّ الكلام في المقام لمّا كان في الأرش وهو إنما يعقل فيما له مالية وقيمة وإلّا فلا يفرق بين صحيحه ومعيبه ، كان مفروض الكلام في بيع شيء له مالية ، وإذا فرضنا أنّ الأرش استغرق قيمته كما إذا ظهر الرقي حامضاً لا يسوى عند العقلاء بشيء فمعناه أنه لا منفعة ولا مالية لذلك المبيع المعيب ، إذ لو كان له منفعة أو مالية لكان يسوى بشيء ولما استوعب الأرش تمام ثمنه ، وحيث إنّ البيع وقع على عنوان المال وقد ظهر لا مال فلا محيص من الالتزام ببطلان المعاملة حينئذ ، لأنّ الموجود غير جنس المبيع وتخلّف الصور النوعية والأجناس يوجب البطلان .

وأمّا إذا فرضنا أنّ للمعيب منفعة نادرة فهو خارج عن محل الكلام ، لأن-ه حينئذ يسوى بالمال غاية الأمر أنّ المبذول بازائه يكون قليلاً فلا يكون الأرش


1) المكاسب 5 : 398 .

مستوعباً لتمام ثمنه .

نعم ذكر شيخنا الأنصاري أنّ الأرش المستوعب لتمام الثمن يتصوّر في العيب الحادث بعد البيع كما إذا اشترى شيئاً وقبضه ثم حدث فيه عيب في ثلاثة أيام أعني عباً لتمام زمان الخيار الذي قلنا بضمان البائع للعيب الحادث فيه وكان العيب مستون قيمته ، فإنّ المشتري يطالب البائع حينئذ بتمام الثمن ويبقى العين مملوكة له أي للمشتري وإن لم يكن مالاً ، أو إذا فرضنا عدم كونه ملكاً أيضاً فهو متعلّق حقّ المشتري ومع ذلك يطالب البائع بتمام ثمنه الذي هو الأرش حسب الفرض ، هذا .

ولا يخفى ما فيه ، فإنّ الأرش إنما يختص بالعيب السابق على العقد ، وأمّا ماحدث بعده ولو في زمان الخيار أو قبل القبض فلا دليل على ثبوت الأرش في مثله لأنه على خلاف القاعدة وإنما أثبتته الأخبار في العيب السابق على البيع ، هذا كله فيما إذا لم يكن الأرش مستوعباً لتمام الثمن فضلاً عمّا إذا كان مستوعباً له ، نعم البائع ضامن للعيب الحادث في زمان الخيار أو قبل القبض ، إلّا أنّ معنى ضمانه كما سيأتي في أحكام الخيار والقبض إن شاء الله تعالى انفساخ المعاملة ورجوع الثمن إلى المشتري ، وفي المقام أيضاً تنفسخ المعاملة بحدوث العيب بعد البيع في زمان الخيار أو فيما قبل القبض ويرجع الثمن إلى المشتري ، إلّا أنّ المعيب يرجع إلى البائع مالاً كان أم ملكاً ، ولا يكون متعلّقاً لملك المشتري أو حقّه ، فيكون التعيّب بعد البيع بم--ا يوجب استيعاب الأرش لتمام القيمة ملحقاً بالتلف فيدخل تحت قاعدة كل مبيع تلف قبل قبضه أو في زمان الخيار فهو من مال بائعه الذي هو بمعنى الانفساخ ورجوع الثمن إلى المشتري ولا يبقى له المبيع ، لا أنه يطالبه بالأرش كما احتمل ما ذكرناه شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) فما أفاده (قدّس سرّه) ممّا لا يمكن الالتزام به .

نعم يمكن تصوير الأرش المستوعب لتمام الثمن فيما إذا كان المبيع متموّلاً في حدّ نفسه إلّا أنّ بقاء ماليته احتاج إلى بذل أكثر من قيمته وهذا كالكتاب إذا تعيّب

أو العبد تمرّض وتوقّف إصلاحها إلى بذل أكثر من قيمتها ، ولكنّها في نفسها متموّلان وإبقاء ماليتهما يحتاج إلى نفقة زائدة على قيمتها لا أنّ ماليتها ارتفعت بتمامها ، وحينئذ إذا اشتراه أحد يتمكّن من مطالبة البائع بالأرش الذي هو أكثر من الثمن مع بقائهما في ملك المشتري وكونها مالاً ، هذا .

ولكن الانصاف أنّ هذا المثال أيضاً غير تام ، لأن المفروض أنّ المبيع متموّل ويبذل بازائه مال لامكان الاستفادة منه في شيء في المطالعة أو العتق ونحوهما ومن هنا لو أتلفهما أحد لضمن قيمتها ، ومع ذلك لا يعقل أن يكون الأرش مستوعباً لتمام الثمن فلا محالة يكون أقل منه ولو بمقدار طفيف ، وأمّا إذا صار بحيث لا يبذل بازائه مال فالكلام فيه هو الكلام في سابقه حيث عرفت أنّ المعاملة باطلة في مثله ، لأنه إنما اشتراه بعنوان أنه مال وقد خرج عن كونه مالاً ، فالمعاملة باطلة وإن صحّحنا بيع ما لا مالية له ، إلّا أنّ في المقام المعاملة وقعت على عنوان المال وتخلّفه يوجب البطلان .

فالصحيح أنّ الأرش المستوعب لتمام الثمن غير معقول ، وهذا في العيوب الخارجية ظاهر فإنّ المبيع إذا استوعب الأرش ثمنه يسقط عن المالية فتبطل المعاملة ، إلّا أنّ العلّامة (قدّس سرّه) (1)على ما حكي عنه صوّر ذلك في العيوب الاعتبارية وذكر أنّ العبد الجاني عمداً يتوقّف بيعه على إجازة المجني عليه والمشتري يتمكّن من الفسخ إذا كان جاهلاً فيرجع بثمنه ، كما أنّه يتمكّن من إمضائه والمطالبة بالأرش ، فإن كانت الجناية مستوعبة تمام القيمة فالأرش ثمنه أيضاً أي يرجع بتمام الثمن لأنه أرشه إلى آخر ما أفاده (قدس سره) حيث صرّح بجواز مطالبة الأرش المستوعب لتمام قيمة العبد .


1) التذكرة 11 : 206 .

وتوضيح ما أفاده في هذا الفرع : هو أنّ جناية العبد إمّا أن تكون عمدية وإمّا أن تكون غير عمدية كالخطأ وشبه العمد لأنه أيضاً ملحق بالخطأ فيما نذكره .

فإن كانت الجناية غير عمدية فلا يثبت للمجنى عليه على تقدير حياته أو لوليّه على تقدير موته حق في عين العبد ، لأنّ الجناية خطأ وإنما يثبت لهما المطالبة بالدية وأرش الجناية من سيّده ، وللمولى أن يبيع ذلك العبد قبل مطالبة المجني عليه بالدية وبعده ، وليس له ولا لوليّه الممانعة عن بيعه لأنه ليس مورداً لحقّه ، والمالك لابدّ من أن يدفع الدية إلى المجني عليه أو وليه ، والدية أقل الأمرين من قيمة العبد وأرش الجناية ، فيرى المالك أيّهما أقل يدفعه إلى المجني عليه ، وبيع العبد في هذه الصورة صحيح وليس للمشتري الفسخ .

إلّا أنّ هذا كلّه فيها إذا كان المالك موسراً متمكّناً من ردّ الدية ، وأمّا إذا كان معسراً فللمجني عليه أن يأخذ بالعبد ويسترقّه بتمامه إذا كانت الدي--ة مستوعبة لقيمته ، أو يسترقّه ببعضه إن كانت أقل من قيمته ، فإن استرقّه بتمامه فالمعاملة الواقعة عليه باطلة ويرجع المشتري الجاهل بالحال إلى المالك بثمنه ، وإن استرقّه ببعضه فيثبت للمشتري خيار تبعض الصفقة ، وأمّا إذا كان المشتري عالماً بالحال فلا يتمكّن من الرجوع إلى المالك ولا يثبت له الخيار ، هذا فيما إذا كانت الجناية غير عمدية .

وأمّا إذا كانت عمدية فنفس العبد الجاني يكون متعلّقاً لحق المجني عليه أو وليّه ولهما أن يسترقّاه ، كما أنهما مختاران في الاقتصاص منه وفي ردّه إلى مالكه ومطالبته بالدية ، فإذا باع العبد في هذه الصورة فالبيع يتوقّف على إجازة المجني عليه وإلّا بطل ، فإن أجازه فيجب على المالك أن يدفع الدية إلى المجني عليه وقد عرفت أنها أقل الأمرين من أرش الجناية وقيمة العبد ، وأمّا المشتري فإن كان

جاهلاً فله أن يفسخ العقد ويرجع بتمام الثمن كما أنّ له الامضاء والمطالبة بالأرش وحينئذ إن كان الأرش مستوعباً لتمام قيمته يرجع على البائع بتمام الثمن أيضاً وهذه هي محل استشهادنا من كلام العلّامة ، والفرق بينه وبين صورة فسخ العقد ورجوعه بتمام ثمنه أنه فيها يرجع بعين ثمنه ، وأمّا في صورة مطالبة الأرش المستوعب يطالبه بمقدار الثمن وإن لم يكن عينه ، وإن لم يستوعب القيمة فيرجع ببعض الثمن هذه خلاصة ما أفاده العلّامة في المقام ، وفي هذا الفرع كلام طويل ولكنا لا نتعرّض إلّا لجملتين من كلامه .

الجملة الأولى : ما أفاده هو وغيره من أنّ صحة البيع في موارد تعلّق حق الغير بالعين تتوقّف على إجازة صاحب الحق كما في حق الرهانة أو الجناية ونحوهما إلّا أنّا ذكرنا في محلّه أنّ بيع العين لا ينافي تعلّق حق الغير بها ، لأنّ ذي الحق له أن يستوفى حقه منها ، كان مالكها هو البائع أم كان هو المشتري ، ولا خصوصية للمالك ، وهذا نظير ما إذا مات مالك العين وانتقلت إلى ورثته فإنه لا ينا في حق الغير المتعلّق به ، وما دام لا ينا في البيع حق الغير لا وجه لتوقّف صحته على إجازته لأنه أجنبي عن العين ولا ربط له بها من حيث كونها ملكاً للبائع أو لغيره ، فما أفاده من توقف صحة البيع على إجازة المجني عليه ممّا لا وجه له .

الجملة الثانية : ما أفاده من أنه يرجع أنه يرجع عليه بتمام الثمن أيضاً فيما إذا كان الأرش مستوعباً لقيمته ، ولا يخفى عليك أنّ العبد الجاني إمّا أن يكون مع الجناية الصادرة منه مالاً ويبذل بازائه شيء عند العقلاء ، وإمّا أن تزول ماليته بجنايته بحيث لا يسوى في الخارج بشيء . فإن كان مالاً ويبذل بازائه المال فلا يعقل أن يكون الأرش حينئذ مستوعباً لتمام ثمنه فما معنى أنه يرجع بتمام الثمن أيضاً ، وإن لم تبق له مالية بعد جنايته وسقط عن المالية بها وحينئذ فلا مانع من أن يكون الأرش

مستوعباً لثمنه ويرجع عليه بتمام الثمن فيما إذا كان جاهلاً بالحال ، إلّا أنه لا يمكن الحكم بصحة المعاملة حينئذ فيما إذا كان عالماً بالحال على مسلك المشهور والعلّامة (قدّس سرّه ) لأنه إذا كان عالماً بأنه جاني وأنه ممّا لا قيمة له فكيف يوقع المعاملة عليه مع أنهم يشترطون في صحتها أن يكون المبيع مالاً ، فكون العبد خارجاً عن المالية حينئذ لا يجتمع مع حكمه (قدّس سرّه) بصحة البيع وعدم ثبوت الخيار للمشتري فيما إذا كان عالماً بالحال ، لأنهم يعتبرون المالية في صحة المعاملة ، هذا .

على أنّ هذا الترديد تشقيق محض لا حقيقة له ، أعني قولنا إما أن يكون مالاً أو لا يكون ، لأنّ العبد ولو بلغت جنايته إلى ما بلغ مال فعلي غاية الأمر أنه في معرض التلف فيما إذا أراد المجني عليه الاقتصاص ، إلّا أنّ احتمال رضاه بالدية أو إرضائه بها كافٍ في بذل العقلاء في مقابله المال، غاية ما هناك أنه لا يسوى بم-ا يسوى به العبد غير الجاني لا أنه لا يقابل بشيء ، فالأرش المستوعب لتمام الثمن غير متصوّر في العيوب الاعتبارية ولا في العيوب الخارجية ، هذا كلّه في مفهوم الأرش.

الكلام في معرفة الأرش

البائع والمشتري ربما يعلمان بقيمة المبيع على تقدير الصحة والعيب ، وحينئذ يأخذ المشتري من البائع بنسبة ذلك التفاوت من الثمن وهذا ظاهر .

وأمّا إذا جهلا بقيمة الصحيح والمعيب فلابدّ من الرجوع إلى المقوّم العارف بقيمة المال ، والرجوع إلى إخبار العارف بقيمة المال يتصوّر على ثلاثة أقسام كما قسمه شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (1).

الأول : أن يكون المبيع موجوداً في الأسواق وله قيمة معيّنة عند أهل السوق


1) المكاسب 5: 403 .

ويعلمها جميعهم لأنه أمر محسوس بحيث لا يحتاج إلى إعمال نظر ودقّة ، وهذا نظير الفرش والكتاب ونحوهما ممّا يوجد في الأسواق بكثرة ، وإخبار العارف حينئذ يدخل في باب الشهادة لأنه راجع إلى الاخبار عن أمر محسوس خارجي .

الثاني : أن لا يكون المبيع موجوداً في السوق ولا له قيمة معيّنة عند أهلها وقد ظهر معيباً ، وهذا نظير كتاب التذكرة مثلاً إذا كان مخطوطاً بخط نفس العلّامة إلّا أنه كان معيباً لأنه أكلته الأرضة فرضاً ، وحينئذ لابدّ من المراجعة في استعلام قيمته إلى أهل الخبرة والاطلاع ، ويكون إخباره بقيمته إخباراً عن نظره وحدسه من جهة كثرة ممارسته بأشباهه ونظائره، لا إخباراً عن أمر محسوس يعرفه جميع أهل السوق .

الثالث : أن يكون كل من المتعاملين عالماً بالقيمة إلّا أنّهما يجهلان الانطباق كما إذا علما بأنّ الثوب من صوف قيمته كذا مقداراً والثوب المخلوط منه ومن القطن يسوى بنصفه إلّا أنّهما لا يدريان أنّ المبيع صوف أو مخلوط ، أو إذا علما بأن قيمة الذهب الخالص كذا ولم يدريا أنّ المبيع خالص أو مشوب ، وحينئذ لاب-دّ م-ن المراجعة إلى أهل الخبرة في تشخيص الخالص عن المخلوط ، وهو إنما يخبر عن خلوصه وعدمه لا عن قيمته لعلمها بها فهذه أقسام ثلاثة .

أمّا القسم الأول : فقد عرفت أنه من قبيل الشهادة ، لأنّ المخبر ب-ه أم-ر محسوس معلوم في الخارج بلا حاجة إلى إعمال دقّة ونظر ، فيعتبر فيه التعدّد لما ثبت من أنّ الشهادة تقوم باثنين فلا يكفي فيها الواحد .

وأمّا القسم الثاني والثالث فهما خارجان عن باب الشهادة ، لأنّ المخبر ب-ه ليس أمراً محسوساً غير محتاج إلى نظر ودقّة بل هو يحتاج إلى إعمال الدقّة والمهارة فهما من باب الرجوع إلى أهل الخبرة والإطلاع ، فهل يعتبر فيها التعدّد أيضاً أو لا ؟ الظاهر عدمه ، والوجه في ذلك أحد أمرين على سبيل منع الخلو .

أحدهما : أنّهما خارجان عن الشهادة المعتبر فيها التعدّد وداخلان في الرجوع إلى أهل الخبرة والإطّلاع الذي ثبت اعتبار قوله بالسيرة العقلائية ولم يردع عنها الشارع كما هو واضح ، فلا يعتبر فيهما التعدّد .

وثانيهما : أنّ الأصل في الخبر الواحد أن يكون حجّة في الموضوعات والأحكام كما بنينا عليه في محلّه من جهة الآيات والأخبار والسيرة العقلائية المتحقّقة التي بها بنينا على حجيّة فتوى المفتي مع قطع النظر عما دلّ عليه من الروايات ، ويحتاج إثبات عدم حجيته إلى دليل مخرج ، وهو إنما دلّ على عدم حجّيته بانفراده في باب المرافعات والمحاكمات دون غيرها ، فلا محالة يكون نظره في المقام وإخباره معتبراً ، هذا .

ثم إنّه إذا لم يوج يوجد في الخارج مقوّم وأهل اطّلاع أو وجد ولم يدر قيمته فهل يجب على البائع ردّ الأكثر إلى المشتري أو له أن يقتصر بالأقل ؟ ذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1)أنه يحتمل ضعيفاً وجوب دفع الأكثر ، ووجهه أن ذمّة البائع قد اشتغلت بمطالبة المشتري بالغرامة قطعاً ويشك في أنّ ذمّته هل تفرغ بدفع الأقل أو لا ، فمقتضى قاعدة الاشتغال واستصحابه وجوب ردّ الأكثر حتى يقطع بفراغ ذمّته ، هذا .

ولكنّك خبير بتكرّر هذا الجواب والسؤال في تضاعيف الكتاب ، وأنّ المورد من قبيل الشك في اشتغال الذمّة بالأكثر وعدمه لا الشك في الفراغ والمورد مجرى البراءة ، ولا يجب على البائع إلّا دفع الأقل ، هذا تمام الكلام في الرجوع إلى المقوّم ويبقى الكلام في اختلاف المقوّمين .


1) المكاسب 404:5 .

الكلام في تعارض المقومين

الاختلاف في مقدار الأرش بين المتبائعين تارةً بحيث يكون أحدهما مدّعياً والآخر منكراً كما إذا ادّعى المشتري أنّ الأرش بالنصف ونفاه البائع وقال إنّ الأرش بالخمس مثلاً ، فإنهما في المقدار الزائد عن الخمس مدّع ومنكر ، ولا يجري في هذه الصورة شيء ممّا ذكروه في تعارض المقوّمين والاختلاف في مقدار الأرش كما سيأتي ، بل المقام حينئذ من موارد الدعوى والانكار فيشمله حكمه ، ويحك-م بتقديم قول البائع لأنه منكر للزيادة وعلى المدعي إثباتها ، فإذا أقام بينة على مدعاه فيقدم قوله على قول المنكر لا محالة ، كما تقدّم بيّنته أي المدعي على بيّنة المنكر إذا أقامها على إنكاره بناءً على عدم الاعتبار ببيّنة المنكر ، لأن البيّنة للمدّعي .

وأمّا إذا قلنا باعتبار كل واحدة من البيّنتين كما التزم به بعضهم وحمل قوله (صلّى الله عليه و آله) « إنمّا أقضي بينكم بالبيّنات والأيمان» (1)وقوله (عليه السلام) « البيّنة على المدّعي » (2)على الغالب ، وأقام كل منهما على مرامه بيّنة ، فيدخل المقام حينئذ في مسألة أنّ بيّنة الداخل مقدّمة أو بيّنة الخارج (وهو المنكر) وكيف كان فلا مزية للمقام حينئذ على سائر موارد الدعوى والانكار .

والظاهر - وإن لم أر من تعرّض له فيها أعلم - أنّ كلماتهم في المقام أعني تعارض المقوّمين غير شامل لهذه الصورة أي صورة كون أحدهما مّدعياً والآخر منكراً ، وإنمّا كلامهم فيا إذا لم يكن هناك دعوى من أحدهما على الآخر كما إذا كانا جاهلين بالقيمة وأرجعاها إلى المقوّمين من دون أن يدّعي أحدهما شيئاً على الآخر ، أو أرجعاها إلى البيّنة واختلفت البيّنات أو المقوّمون ، فهل تقدّم بينة الأقل


1) الوسائل :27 : 232 / أبواب كيفية الحكم ب 2 ح1 .

2) الوسائل :27 : 233 / أبواب كيفية الحكم ب 3 ح 2 .

حينئذ لاعتضادها بالأصل لأنه يقتضي عدم اشتغال ذمة البائع بأكثر من الأقل ، أو تقدّم بيّنة الأكثر لأنها تدّعي العلم بثبوت الزيادة والأقل لا ينفيه بل يدّعي جهله بها (بمعنى أنّها ساكتة بخلاف الأكثر) أو يرجع إلى القرعة لأنها لكل أمر مشتبه ، أويرجع إلى الصلح ، أو يتخيّر الحاكم بينهما ، أو لابدّ من الجمع بينهما بالعمل بكل منهما في النصف إذا كان اثنان أو في الثلث إذا كانوا ثلاثة وهكذا ، لأنّ الجمع مهما أمكن أولى من الطرح ؟ وجوه .

المشهور بينهم هو الوجه الأخير وهو الذي اختاره شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (1)والكلام في مدرك ذلك وأنّ الجمع بينهما بالعمل بكل منهما في النصف لماذا يكون أولى وأن الوجه فيه ماذا

فإن كان مدرك ذلك ما نقله شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(2)عن الشيخ الطوسي (قدّس سرّه) (3)على ما هو ببالي في بحث التعادل والترجيح من أنّ الجمع مهما أمكن أولى من الطرح ، كما هو ظاهر صدر كلامه حيث قال من وجوب الجمع بينهما بقدر الامكان ، ففيه أنّ ذلك إنما هو فيها إذا كان بين الدليلين جمع عرفي بأن يكون أحدهما عند العرف قرينة على الآخر وهو إنما يتحقّق في الكلامين الصادرين من متكلّم واحد أو من هو بمنزلة الواحد كالأئمّة (عليهم السلام) ومن هنا ورد في بعض الأخبار (4)صحة إسناد ما يسمع من أحدهم (عليهم السلام) إلى الآخر بأن يقول قال أمير المؤمنين (عليه السلام) مع أنه سمعه من الصادق ( عليه السلام) وهذا غير ثابت في


1) المكاسب 5 : 405 .

2) فرائد الأصول 2 : 753 .

3) الظاهر أنّ المنسوب إليه هو الشيخ أبي جمهور الأحسائي فراجع .

4) الوسائل 27 : 104 / أبواب صفات القاضي ب 8 ح 85 ، 86 وغيرهما .

المقام ، لأنهما صادران من شخصين ولا يكون أحدهما قرينة على الآخر ، كيف لا وأحدهما يكذّب الآخر فيها يدّعيه ، فالجمع أولى من الطرح في موارد الجمع العرفي والأولوية حينئذ أولوية تعينية كما في آية أولوا الأرحام (1)دون غير تلك الموارد فإنه لا أولوية للجمع على الطرح، فإنّ في الجمع أيضاً طرحاً لكل واحد منهما في النصف ، لأنهما متعارضان في النصف أيضاً فمن يقول إنه يسوى بعشرة فيدّعي أنّ نصفه يسوى بخمسة ، وفي الجمع يطرح قول كل منهما في النصف ، فلا أولوية له بوجه كما ذكرناه في بحث التعادل والترجيح (2).

وإن كان مدرك ذلك أولوية الجمع في خصوص المقام أعني الماليات كما هو المستفاد من آخر كلامه ، لقوله لأنّ فيه جمعاً بين الحقّين ، لا مطلق المتعارضين بدعوی استفادة ذلك من سيرة العقلاء الجارية على الجمع بين الدليلين في الماليات ولم يرد عنها منع من الشارع كما هو ليس ببعيد وهو الذي يعبّر عنه بقاعدة العدل والإنصاف ، فإذا كان هناك مال مردّد بين شخصين فيعطي كل واحد منهما نصفه من باب المقدّمة العلمية حتى نعلم بوصول المال إلى مالكه ولو في النصف ، فكما ربما يكون صرف مقدار من المال مقدّمة وجودية لوصوله إلى مالكه كما إذا توقف وصوله إليه إلى صرف مقدار منه في البريد أو في إجارة الحمولة ونحوها ، كذلك ربما يكون صرف مقدار منه مقدمة علمية لوصول المال إلى مالكه ، فإنّ إعطاء النصف في المقام إلى كل منهما وإن لم يكن مقدّمة وجودية لوصول المال إلى مالكه لعدم توقفه عليه إلّا أنه مقدّمة علمية وموجب الحصول العلم بوصوله إلى مالكه ، وهذا مما .


1) الأنفال: 75 .

2) مصباح الأصول 3 (موسوعة الإمام الخوئي 48) : 483 .

أشير إليه في بعض الأخبار أيضاً كما ورد (1)في التنصيف في الدرهم الموضوع عند الودعي مع العلم بأنّ التالف إمّا هو درهم زيد وإمّا هو درهم عمرو والموجود أيضاً إمّا درهم زيد وإمّا درهم عمرو ، إلّا أنّ الإمام (عليه السلام) حكم بتنصيف الدرهم بينهما من جهة قاعدة العدل والإنصاف ، فهذه القاعدة لو سلّمناها كما هو ليس ببعيد فإنما تختص بما إذا كان هناك مال مردّد بين شخصين كما إذا أقرّ شخص عند موته بأنّ داري ملك زيد وأنها كانت عارية عندي وتردّد زيد بين شخصين مسمّيين ب-زيد فدار أمر الدار بينهما من دون أن يكون دعوى من أحدهما على الآخر في البين ، فإنّ مقتضى القاعدة المذكورة أن ينصف الدار بينهما من باب المقدّمة العلمية كما مرّ ، ولا تجري في المقام إذ ليس في المقام مال مردّد بين شخصين وإنما تشتغل ذمّة البائع بالأرش عند مطالبة المشتري به ولا ندري أنّ ذمّته عند مطالبة المشتري اشتغلت بالأقل أو بالأكثر ، والأقل معلوم ونشك في أصل الاشتغال بالأكثر ، فالمقام ليس من موارد قاعدة العدل والإنصاف ، ومن هنا يظهر أنّ الرواية الواردة في الودعي مما لا يمكن إجراؤها في المقام ، إذ لا مال مشترك بين شخصين .

كما أنه لا شهادة في بعض الأخبار الواردة في موارد التداعي للمقام حيث ورد أنّ المال إذا كان بيد شخصين وادّعى كل منهما أنه ملكه وأقام على مدّعاه بيّنة ينصف المال بينهما ، والوجه في عدم صحة الاستشهاد به في المقام هو أنّ حكمه (عليه السلام )بالتنصيف ليس من جهة الجمع بين البيّنتين بالعمل بكل منهما في النصف ، بل من جهة أنّ مفروض الرواية أنّ المال بيد الشخصين وإذا تعارضت البيّنتان وحكمنا بسقوطهما تبقى اليد بحالها ، ومقتضى اليد الاشتراكية هو الملكية الاشتراكية ، كما أنّ مقتضى اليد الاختصاصية هو الملكية الاختصاصية ، فالتنصيف من جهة مقتضى


1) الوسائل 18 : 452 / كتاب الصلح ب 12 ح 1 ، إلّا أنّ فيه بدل الدرهم « الدينار » .

اليد .

ويمكن أن يقال : إنّ الوجه في حكمه (عليه السلام) بالتنصيف هو أنّ كلاً من المدعيين مدّع في نصف المال ومنكر في النصف الآخر ، وحينئذ فيؤخذ بك-ل م-ن البيّنتين في مورد الادّعاء وهو النصف ويطرحان في مورد الانكار ، والنتيجة أنّ المال بينهما بالسوية .

والمتحصّل : أنّ هذه الرواية ممّا لا شهادة له للمقام لأنّ مورد الرواية هو اليد فيقتصر على موردها ، وعليه فلا وجه للجمع بين القيمتين أو البيّنتين بالعمل بكل منهما في النصف ، بل يمكن دعوى القطع ببطلان ذلك بملاحظة أشباه المسألة ونظائرها ، فإذا اختلفا أي المقومين أو البيّنتين في أصل ثبوت الأرش فأثبتته إحداهما ونفته الأخرى ، بأن قالت إحداهما إن معيب المال وصحيحه بحسب القيمة سواء، وقالت الأخرى بل صحيحه كذا ومعيبه كذا ، أو اخبرت إحدى البينتين عن عدم العيب في المبيع وأخبرت الأخرى بوجوده فيه فهل يحتمل في مثله أن يقال بوجوب الجمع بينهما والعمل بكل واحد منهما في النصف ، أو يقال إنّهما متعارضتان فتسقطان ، وبهذا وأمثاله يمكننا دعوى القطع بعدم صحة الجمع بين البيّنتين أو القيمتين والعمل بكل منهما في النصف

وبالجملة : فلم نعرف الوجه في ذلك وإن ذهب إليه معظم الأصحاب لم--ا عرفت من أنّ البيّنة كما هي معارضة في تمام القيمة كذلك هي معارضة في نصف القيمة ، لأنّ من أخبر بأنّ قيمة المال عشرة فقد أخبر بأنّ كل نصف منه بخمسة ومع المعارضة بينهما كيف نأخذ بكل واحد منهما في النصف ، فهذا الوجه ساقط .

وأمّا القرع عة فالعمل عليها يحتاج إلى عدم قيام شيء من الأمارات والأصول في موردها وإلّا فهي مقدّمة على القرعة ، إذ لو كان مورد القرعة هو مطلق الشك والتحيّر في الحكم الواقعي فلا يبقى لشيء من الأمارات والأصول مورد ، لأنّ

موردها هو الشك والجهل فلا محيص من تقييد موردها أي القرعة بعدم تعيين الحكم الواقعي وعدم ثبوت وظيفة ظاهرية وهو المعبّر عنه بالمشكل أعني ما لم يتضح حكمه بحسب الواقع ولا بحسب الظاهر ، وعليه فلا تجري القرعة في المقام (الجريان الأصل فيه كما سيأتي) ولم يقم عليها دليل بالخصوص

وأمّا الروايات (1)الواردة في الارجاع إلى القرعة في موارد التداعي مع إيجاب الحلف على من يخرج القرعة باسمه كما ورد في عدة روايات ، فهي وإن تكفي في جواز العمل على القرعة إلّا أنها تختص بموردها ، وموردها هو صورة التداعي ويستفاد هذا من إيجابه الحلف على من لم يخرج القرعة باسمه فراجع ونلتزم فيها بوجوب القرعة.

وأمّا في غير مورد التداعي كموارد الدعوى والانكار أو كموردنا الذي ليس فيه دعوى أصلاً ، لأنّ المفروض أنّ كلا المتبائعين يدّعيان الجهل بالقيمة ولا يدّعيان شيئاً من القيمة ويرجعانها إلى المقوّمين ، فلا تجري القرعة لعدم دلالة الدليل على جريانها فيهما ، فاحتمال القرعة أيضاً ساقط .

وأما دعوى تخيّر الحاكم بين البيّنتين فهي أيضاً كسابقيها غير ثابتة ، لما ذكرناه في بحث التعادل والترجيح (2)من أنه لا دليل على التخيّر بين المتعارضين إلّا في خصوص تعارض الروايتين ، وأمّا في غيرها من تعارض الأصول أو البيّنة أو

اليد أو غيرها من الأدلّة فلا دليل فيه على التخيّر بوجه وإنما حكمها السقوط .

وأمّا الرجوع إلى الصلح فهو أيضاً لا دليل عليه بحيث يجبران على المصالحة إذ لا يدّعي كل منهما إلّا ما يستحقّه بحسب الحكم الشرعي ، ولم يقم دليل فيه على


1) الوسائل 27 : 251 / أبواب كيفية الحكم ب 12 ح 5 وغيره .

2) مصباح الأصول 3 (موسوعة الإمام الخوئي (48) : 440 - 442 .

إلزامهما بالصلح ، نعم لو تصالحا باختيارهما فلا محالة يقع صحيحاً ، وأمّا الالزام عليه فلا وهذا ظاهر .

وأمّا ترجيح بيّنة الأكثر بدعوى أنّها مثبتة للزيادة ولا معارض لها ، لأنّ بيّنة الأقل لا تنفي الزيادة وإنمّا يدّعي عدم علمها بالأكثر فهو صحيح فيما إذا كان الأمر كما ذكر بأن تكون الأكثر مثبتة والأقل ساكتة وغير نافية لما يثبته الأكثر ، ولكن المقام ليس كذلك لأنّ الكلام فيما إذا كان كل من البيّنتين أو المقوّمين مدّعياً للعلم بالقيمة وأنّ الأقل يدّعي علمه بأنّ قيمة المال هو الأقل والأكثر يدّعي علمه بأنّ قيمته هو الأزيد لا أنّ الأقل ساكت، وعليه فهما متعارضان ومع التعارض لا وجه لأخذ أحدهما .

وأمّا ترجيح بيّنة الأقل من جهة اعتضادها بالأصل ، فيدفعه ما ذكرناه (1)وذكره شيخنا الأنصاري (2)في بحث التعارض من أنّ الأصول العملية لا تكون مرجّحة لأحد المتعارضين ، لأنّ مرتبتها متأخّرة عن مرتبة الأدلّة والأمارات وهي صورة الشك في الحكم الواقعي ، ومع وجود الدليل والبيّنة لا يبقى مورد رد للأصول حتى تجري وتوجب الترجيح ، فجميع الاحتمالات والوجوه ساقطة .

والصحيح أن يقال : إنّ المورد داخل تحت كبرى تعارض الأدلة والأمارات وحكمها هو السقوط ، لأنّ أدلة الاعتبار لا يمكن أن تشمل المتعارضين معاً لاستلزامه الجمع بين الضدّين ، وشمولها لأحدهما المعيّن ترجيح بلا مرجّح ، وشمول الأدلة لأحدهما على البدل مندفع بأنّ الواحد على البدل ليس فرداً مستقلاً فلابدّ من الرجوع إلى الأصل الموجود فيه والأصل في المقام براءة ذمة البائع عن الزائد فلا


1) [ لم نعثر عليه في مظانه ] .

2) فرائد الأصول 2 : 820 - 821 .

يجب عليه إلّا دفع الأقل .

ثمّ إنه بناءً على ما ذهب إليه المشهور من الجمع بين البيّنتين والعمل بكل واحد منهما في النصف لابدّ من التكلّم في كيفية الجمع بينهما وبيان طريقته فنقول : قد نسب إلى المشهور في كيفية الأخذ بنصف ما يثبته البينتان والجمع بينهما ما حاصله : أنّ القيم الصحيحة تجمع على حدة وكذا تجمع القيم المعيبة باستقلالها ثم ينّصف كل من الحاصلين ويستخرج التفاوت بينهما وتلاحظ النسبة بينه وبين نصف القيم الصحيحة ، ويؤخذ من الثمن بتلك النسبة ، أو يلاحظ نفس الحاصلين أي الحاصلين من الجمعين ويؤخذ من الثمن بتلك النسبة ، إذ لا فرق في النسبة بين ملاحظة تمام الحاصلين وبين ملاحظة نصفيهما ، مثلاً إذا قوم أحد المقوّمين صحيح المال باثني عشر درهماً ومعيبه بأربعة ، وقوّم الآخر صحيحه بستة دراهم ومعيبه باثنين فيجمع القيمتان الصحيحتان وهما اثنا عشر وستة وحاصله ثمانية عشر ويجمع القيمتان المعيبتان أيضاً وهما الأربعة والاثنان وحاصله ستة ، ثم ينصف الحاصلان ونصف الأول تسعة ونصف الثاني ثلاثة والتفاوت ستة وهي ثلثا التسعة ، فيرجع على البائع ويؤخذ من الثمن بثلثيه ، أو تلاحظ ثمانية عشر وستة والتفاوت اثنا عشر وهو أيضاً ثلثا الثمانية عشر فيرجع من الثمن بتلك النسبة ، هذا ما نسب إلى المشهور .

ثم إنّ لشيخنا الشهيد (قدّس سرّه) (1)كلاماً في المقام وحاصله : أنه لا اعتبار بالقيمتين الانتزاعيتين الحاصلتين من الجمع بين القيم الصحيحة والقيم المعيبة ، ولا دليل على ملاحظتها ولا موجب له ، وإنما اللازم والصحيح هو ملاحظة نفس النسبتين بين الصحيح والمعيب اللتين أخبر بهما المقوّمان بلا ملاحظة نفس القيم ، ثم يؤخذ من الثمن بنصف النسبتين ، مثلاً إذا أخبر أحدهما بأنّ النسبة بين صحيح هذا


1) الدروس 3 : 287 ، الروضة البهية 3 : 478 .

المال ومعيبه بالربع وأخبر الآخر بأنّ النسبة بينهما بالنصف فيؤخذ من ك--ل م-نه-ا نصفه فينصّف الربع والنصف ونصفهما هو الثمن والربع فيؤخذ من الثمن ربعه وثمنه بلا ملاحظة قيم الصحيح والمعيب .

وهذا الطريق قد يطابق طريقة المشهور بلا تفاوت بينهما ويكون هذا مجرد مطلب علمي ، وأخرى يغايره ويحصل بينهما التفاوت .

أمّا صورة تطابقها فشالها ما ذكرناه أوّلاً وهو ما إذا قوّم أحدهما صحيح المال باثني عشر درهماً ومعيبه بأربعة ، وقوم الآخر صحيحة بستة ومعيبه بدرهمين وفرضنا أنّ الثمن أيضاً هو اثني عشر درهماً وفي هذه الصورة لا يحصل التفاوت بين الطريقين ، لأنّ الأرش على طريقة المشهور هو الثلثان وهو من اثني عشر ثمانية لأنّ نسبة التفاوت بين مجموع قيمتي الصحيح وهو ثمانية عشر وبين مجموع قيمتي المعيب وهو ستة إلى مجموع قيمتي الصحيح أو نسبة نصفه إلى نصف الثاني هو الثلثان وهذا ظاهر ، وأمّا على طريقة الشهيد فلأنّ النسبتين متساويتان ، إذ المفروض أنّ المقوّم الأول جعل التفاوت بين صحيحه ومعيبه بالثلثين ، إذ نسبة ثمانية التفاوت إلى اثني عشر الثلثان ، وكذا المقوّم الثاني أخبر أنّ التفاوت بين صحيحه ومعيبه بالثلثين لأنّ نسبة أربعة التفاوت إلى الستة الثلثان وفي الاخبار بالنسبة لا اختلاف بين المقوّمين ، لأنّ النسبة على نظر كل منهما بثلثين ، فيؤخذ من الثمن بثلثيه وهو ثمانية بلا فرق في ذلك بين طريقي المعروف والشهيد .

وأمّا صورة تخالف الطريقين فهي تارةً بزيادة طريقة الشهيد على طريقة المشهور وأخرى بنقصانها عنها ، وقد مثل لهما شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1)بمثالين .


1) المكاسب 5: 409 .

أمّا صورة الزيادة فهي كما إذا قوم أحدهما صحيح المال باثني عشر درهماً ومعيبه عشرة ، وقوم الآخر صحيحه بثمانية ومعيبه بخمسة وفرضنا أنّ الثمن أيضاً هو اثنا عشر ، فعلى طريق المشهور يجمع بين القيمتين الصحيحتين وحاصله عشرون ، وأيضاً يجمع بين المعيبتين وحاصله خمسة عشر ونسبة التفاوت بالربع ، أو ينصف كل من مجموع الصحيحتين ومجموع المعيبين ونصف الأول عشرة ونصف الثاني سبعة ونصف ، ويلاحظ النسبة بين التفاوت وهو اثنان ونصف بين نصف مجموع الصحيحتين وهو عشرة وهي الربع ، فيؤخذ من الثمن ربعه وربع اثنى عشر هو الثلاثة ، هذا على طريق المشهور .

وأمّا على طريقة الشهيد (قدّس سرّه) فلابدّ من ملاحظة النس-بتين ، وأح--د المقوّمين قد أخبر بأنّ النسبة بين صحيحه ومعيبه بالسدس ، لأنّ النسبة بين اثنين التفاوت والاثنى عشر السدس ، والمقوّم الثاني أخبر بأن النسبة بثلاثة أثمان لأنها نسبة ثلاثة التفاوت إلى الثمانية ، ويجمع بين النسبتين وحاصله السدس وثلاثة أثمان ، وسدس اثنى عشر اثنان وثلاثة أثمانه أربعة ونصف ، لأنّ ثلاثة أثمان من الثمانية ثلثه ومن الأربعة واحد ونصف ويضاف إليه اثنان ويكون المجموع ستة ونصف وينصّف هذا المجموع ويكون ثلاث وربع ، وقد عرفت أنّ المأخوذ بناءً على طريقة المشهور هو ثلثه وطريقة الشهيد (قدّس سرّه) زادت عليها بالربع .

وأمّا صورة النقصان فهي كما إذا اتّفقا على أنّ معيب المال ستة واختلفا في صحيحة فقال أحدهما إنه عشرة وقال الآخر إنه ثمانية والمفروض أنّ الثمن اثنى عشر ، فعلى طريق المشهور نجمع بين الصحيحتين وهما عشرة وثمانية وحاصله ثمانية عشر ونجمع بين المعيبتين وحاصله اثنى عشر ونسبة أحدهما إلى الآخر بالثلث ، أو يُنصّف القيمتين ونصف الصحيحتين تسعة ونصف المعيبتين ستة ، ونسبة أحدهما إلى الآخر بالثلث ، فيؤخذ من اثنى عشر ثلثه وهو أربعة دراهم ، وأمّا على طريقة

الشهيد فلابدّ من ملاحظة النسبتين وقد أخبر أحدهما بأنّ نسبة صحيحه إلى معيبه خمسين ، لأنّ التفاوت بين العشرة والستة أربعة وهي خمسا العشرة وأخبر الآخر بأنّ نسبتهما بالربع ، إذ الفرق بين الثمانية والستة باثنين وهو ربع الثمانية فيجمع بينهما ، وحاصله خمسان وربع ، ويؤخذ نصفهما أعني الثمن والخمس ، وثمن اثنى عشر واحد ونصف وخمسه اثنان وخمسان والمجموع ثلاثة وأربعة أخماس ونصف خمس ، لأنّ كل عدد خمسة أخماس ونصفه خمسان ونصف فالنصف في واحد ونصف خمسان ونصف خمس ، فإذا أضيف إليه أي إلى الواحد وخمس--ان ونصف خمس يصير أربعة أخماس ونصف خمس بحيث لو أضيف إليه نصف خمس خمسان يصير عدداً كاملاً (وهو الواحد) وثلاثة وأربعة أخماس ونصف خمس ينقص عن الأربعة بنصف بخمس .

والمتحصّل : أنّ المأخوذ على طريقه المعروف أربعة من اثنى عشر وأمّا على طريقة الشهيد فهو الثلاثة وأربعة أخماس ونصف خمس وهو ينقص عن الأربعة بنصف خمس ، فإذا بنينا على المعروف من الجمع بين البيّنات المتعارضات أعني

العمل بكل واحد منهما في النصف فالصحيح هو ما ذهب إليه الشهيد (قدّس سرّه) .

وذلك لأنّ المستند في الجمع المذكور إن كان هو الجمع بين الأمارتين وعدم طرحها فلابدّ من العمل بقول كل واحد منهما في نصف مدلوله وهو ينطبق على طريقة الشهيد ، وأمّا انتزاع قيمة ليست مدلولة لشيء من البيّنتين فلا مقتضي له وإن كان المستند هو الجمع بين الحقّين فيتعيّن طريقة الشهيد (قدس سره) أيضاً لأنّ حقّ المشتري هو النسبة بين قيمتي الصحيح والمعيب لا نفس القيمتين ، فلابدّ من أخذ نصف النسبتين .

والمتحصّل : إنه لا وجه لما ذهب إليه المعروف في طريقة الجمع ولعلّ غرض المشهور أيضاً هو ما ذهب إليه الشهيد وإن عبّروا عنه بما لا يؤدّي إليه في بعض

الموارد نظير ما وقع من بعضهم في كتاب الزكاة حيث إنّ زكاة أرض تسقى بالمطر ونحوه من عشرة وزكاة الأرض التي تسقى بالدلاء ونحوه من عشرين ، وأمّا الأرض التي تسقى بالدلاء والمطر من دون أن يغلب أحدهما على الآخر فقالوا إنّ زكاتها في نصفها من عشرين وفي نصفها الآخر من عشرة ، وعبّر عن هذا بعضهم بأنّ زكاة الأرض المذكورة من خمسة عشر بتخيّل إنّ حكمها أن يؤخذ في نصفها من عشرين وفي نصفها الآخر من عشرة فكأنّ زكاتها من نصف عشرين وعشرة وهما يبلغان ثلاثين ونصفه خمسة عشر ، مع أنّ الأخذ من خمسة عشر لا يطابق لأخذها في نصف الأرض من عشرين وفي نصفها الآخر من عشرة فراجع ، مع أنّ غرضه معلوم ، ولعلّ المقام من هذا القبيل .

فهرس الموضوعات

الموضوع

الخيارات - 2

1 - خيار التأخير ...3

أدلّة خيار التأخير ...3

حمل الروايات على نفي اللزوم مع ظهورها في البطلان ...5

شروط خيار التأخير...8

الأول : عدم قبض المبيع ...8

الثاني : عدم قبض مجموع الثمن...17

الثالث : عدم اشتراط التأخير....22

الرابع : كون المبيع شخصياً أو ما بحكمه...22

ذكر أمور قيل باعتبارها في خيار التأخير...28

1 - عدم ثبوت خيار لهما أو لأحدهما ...28

2 - اشتراط تعدّد المتعاقدين ...39

3- أن لا يكون المبيع جارية أو مطلق الحيوان...40

مبدأ خيار التأخير...43

مسقطات خيار التأخير....44

فورية خيار التأخير ...52

هل تلف المبيع بعد الثلاثة من البائع ؟...54

ما نقل عن الشيخ الطوسي قدس سره في المقام ...60

شراء ما يفسد من يومه ...64

2 - خيار الرؤية....72

دليل خيار الرؤية ...73

مورد خيار الرؤية....78

اشتراط ذكر أوصاف المبيع الرافعة للغرر ...79

الغرر الشرعي والغرر العرفي ...81

الإشكال في صحة بيع العين الغائبة باستلزام الغرر دائماً...82

الفرق بين الأوصاف النوعية والكمالية ...87

فورية خيار الرؤية ...93

مسقطات خيار الرؤية....98

عدم سقوط الخيار ببذل التفاوت أو إبدال العين...105

ثبوت خيار الرؤية في كل العقود ....112

اختلاف المتبايعين في تخلّف الوصف ...115

لو نسج بعض الثوب فاشتراه على أن ينسج الباقي...122

3 - خيار العيب. ...125

دفع الإشكال الوارد في المقام ...125

معنى أصل السلامة في المبيع ...125

عدم الفرق بين اشتراط وصف الصحة بالصراحة أو بالتضمّن ....... 129

دليل التخيير بين الردّ والامضاء بأرش من الابتداء...130

هل ظهور العيب مثبت للخيار أو كاشف عنه ؟ ...134

الكلام في ثبوت خيار العيب للبائع ...136

تعميم خيار العيب إلى سائر العقود ...138

مسقطات خيار العيب ...139

1 - الإسقاط باللفظ ...139

2 - التصرف في المعيب ...140

سقوط خيار العيب بتغيّر المعيب ولو بآفة سماوية...141

سقوط خيار العيب بتغيّر المعيب حكماً ...141

التصرف في المبيع بهبة أو بيع جائزين...141

حكم التصرف في العين بما لا يوجب تغييرها...142

المناط بالكشف الشخصي عن الرضا لا النوعي...145

تنبیه : حول سند رواية موسى بن بكر ...145

دليل سقوط الخيار بكل تصرّف وإن لم يغيّر العين...146

إذا زال التغيّر فهل يثبت جواز الردّ ؟ ...149

لماذا يمنع وطأ الجارية من الرد مطلقاً ؟...151

عدم مانعية الوطء عن الردّ إذا كانت حبلى....154

الإشكال في ردّ نصف عشر القيمة مع الثيبوبة وعشرها مع البكارة ..170

المراد بالوطء غير المانع عن الردّ في الحبلى ...172

3 - تلف العين أو ما بحكمه ...173

4 - حدوث عيب عند المشتري...174

معنى ضمان البائع للمبيع قبل قبضه أو في زمان الخيار...180

المراد بالعيب الحادث عند المشتري ...183

حكم زوال العيب الحادث عند المشتري ...187

لو رضي البائع برده مجبوراً بالأرش ...189

الكلام في حكم تبعض الصفقة ...192

مسقطات الأرش ...209

مسقطات الارش والرد...214

1 - علم البائع أو المشتري بالعيب قبل العقد...214

2 - التبرّي من العيوب ...219

الاحتمالات فيما يضاف إلى التبرّي...223

التبرّي من العيوب مسقط للخيار فقط...225

الموارد التي قيل بسقوط الردّ والأرش فيها ...228

الأول : زوال العيب عن المبيع قبل العلم به ...228

الثاني : التصرّف في المعيب بعد العلم بالعيب...231

الثالث : التصرّف في المعيب الذي لم تنقص قيمته بالعيب...234

الرابع : حدوث العيب في المعيب الذي لم تنقص قيمته بالعيب ...... 236

الخامس : التصرف في الجنسين الربويين ...238

السادس : تأخير الأخذ بمقتضى الخيار ...243

الأقوال في وجوب الإعلام بالعيب ...247

الكلام في صحة المعاملة مع الغش...250

مسائل في اختلاف المتبايعين ...253

الأولى : صور الاختلاف في موجب الخيار...253

1 - الاختلاف في وجود العيب في المبيع وعدمه..253

2 - الاختلاف في كون شيء عيباً وعدمه..256

3- الاختلاف في تقدّم العيب على البيع وتأخّره...257

صور ترافع المتبايعين دعواهما إلى الحاكم ...260

لو باع الوكيل فوجد المشتري به عيباً ...264

4 - الاختلاف في وقوع المعاملة على السلعة المعيبة...271

الثانية : الاختلاف في المسقط ...276

الثالثة : الاختلاف في الفسخ ....2888

القول في ماهية العيب ...305

معنى العيب والعوار ...305

طريق معرفة حقيقة الشيء ومقتضاه الأولي ...306

التحقيق في معنى الخلقة الأصلية والطبيعة الأولية...308

الصحيح المختار في معنى العيب ...311

ظهور الثمرة بين خيار العيب وتخلّف الشرط في موارد...316

الكلام في بعض أفراد العيب ....318

1 - المرض ...318

2 - الحمل ...319

3 - الثيبوبة في الاماء...321

4 - عدم الختان في العبد الكبير...323

5 - عدم الحيض في الجارية ....325

6 - الاباق ...327

7- اشتمال المبيع على خليط من غير جنسه...329

القول في أحداث السنة ...334

الكلام في العيوب المتفرّقة...343

القول في الأرش. ...346

الكلام في معرفة الأرش ...363

تعارض المقومين ...366

فهرس الموضوعات ...378