ghaemiyeh.com
سرشناسه : غروی، علی، 1280 - 1376.
عنوان قراردادی : المکاسب.شرح
عنوان و نام پديدآور : التنقیح في شرحالمکاسب: تقریرا لابحاثالاستاذ... ابوالقاسم الموسویالخوئی/ تالیف علی الغروی.
مشخصات نشر : قم: موسسه احیاء آثار الامام الخوئی (قدس سره)، [ 14] ق.= [ 2] م.= [ 13] -
مشخصات ظاهری : ج.
شابک : ج.36: 964-7336-35-7 ؛ ج.33964-6084-06-0 : ؛ ج.37: 964-7336-36-5 ؛ ج.38:964-7336-37-3 ؛ ج.39:964-7336-38-1 ؛ ج.40964-7336-39-X :
وضعیت فهرست نویسی : برونسپاری
يادداشت : عربی.
يادداشت : ج. 33، 37،36 و 40 (چاپ سوم: 1428ق.=2007م.= 1386).
مندرجات : .- ج.33. النکاح.- ج.36 - 37. البیع.- ج.38 - 40. الخیارات
موضوع : انصاری، مرتضی بن محمدامین، 1214-1281ق . المکاسب -- نقدو تفسیر
موضوع : معاملات (فقه)
شناسه افزوده : خوئی، سیدابوالقاسم، 1278 - 1371.
شناسه افزوده : انصاری، مرتضی بن محمدامین، 1214-1281ق . المکاسب . شرح
شناسه افزوده : موسسه احیاء آثار الامام الخوئی (ره)
رده بندی کنگره : BP190/1/الف8م70217 1300ی
رده بندی دیویی : 297/372
شماره کتابشناسی ملی : 1150126
التَّنقيح في شرح المكاسب
الجزء الثامن والثلاثون
الناشر: مؤسّسة إحياء آثار الإمام الخوئي (قدّس سرّه)
(مؤسّسة الخوئي الإسلاميّة)
هاتف: 2932264 251 98 + - 9121530367 98 +
تاريخ الطبع : 1430 ه-، 2009م
المطبعة: نينوى
الطبعة: الرابعة
عدد النسخ: 1000 دورة
المحرّر الرقمي: محمّد رادمرد
بِسْمِ اللّه الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد للّه ربّ العالمين
والصّلاة والسّلام علی سيّدنا محمّد وآله الطّاهرين
و لعنة اللّه علی أعدائهم أجمعين
من الآن إلی قیام يوم الدّين
التنقيح
في شرح المكاسب
التَّنقيح
في شرح المكاسب
تقريراً لأبحاث
الأستاذ الأعظم سماحة آية اللّه العظمی
السيِّد ابو القاسم الموسوي الخوئي (قدّس سرّه)
«1317-1413ه-»
الخيارات
تأليف آية اللّه
الشهيد الشّيخ ميرزا علي الغروي
طبعة المنقحة
مؤسّسة الخوئى الإسلاميّة
جميع الحقوق محفوظة ومسجّلة
لمؤسّسة الخوئي الإسلاميّة
الجزء الثامن والثلاثون
الناشر: مؤسّسة إحياء آثار الإمام الخوئي (قدّس سرّه)
(مؤسّسة الخوئي الإسلاميّة)
هاتف: 2932264 251 98 + - 9121530367 98 +
تاريخ الطبع : 1430 ه-، 2009م
المطبعة: نينوى
الطبعة: الرابعة
عدد النسخ: 1000 دورة
ISBN: 3 - 37 - 7336 - 964
Emil: info@alkhoei.net
www. alkhoei.com
www. alkhoei.net
الخيار اسم مصدر لاختار، والمصدر هو الاختيار، وفسر في اللغة بالأخذ بما فيه المنفعة والخير والانتقاء والاصطفاء (1)
وفي لسان العرب 4 : 267 والاختيار : الاصطفاء وكذلك التخيّر. وفي الحديث : البيعان بالخيار ما لم يتفرّقا. الخيار : الاسم من الاختيار وهو طلب خير الأمرين : إمّا إمضاء البيع أو فسخه.... و في البستان : تخيّر الشيء : انتقاه واصطفاه. اختاره من القوم : اصطفاه من بينهم. استخار استخارة : طلب الخيرة... الخيار بالكسر... الاسم من الاختيار. ومنه خيار البيع وغيره عند الفقهاء.
وفي أقرب الموارد 1 : 311 تخيّر الشيء : انتقاه واصطفاه، بمعنى استبقاه وذخ--ره. اختاره من الرجال اختياراً : انتقاه واصطفاه من بينهم... استخار استخارة : طلب الخيرة. الخيار بالكسر... الاسم من الاختيار.
فاختار بمعنى طلب الخير وأخذ بما يراه صلاحاً وخيراً. فهو عنوان للفعل الخارجي نظير الأكل مثلاً فكما أنّه عنوان للفعل الخارجي فكذلك الاختيار، لأنّه بمعنى الأخذ بما فيه الخير والصلاح.فما عن المتكلمين من أنّه بمعنى القدرة والمشيئة التي هي من الأفعال النفسانية
1) في تاج العروس 3: 194 - 195 خار الشيء : انتقاه واصطفاه... والخيار الاسم من الاختيار وهو طلب خير الأمرين إمّا امضاء البيع أو فسخه. وفي الحديث البيعان بالخيار... .
فهو على خلاف المعنى اللغوي ولا وجه له، اللّهمّ إلّا أن يكون ذلك اصطلاحاً خاصاً بينهم فلا مشاحة في الاصطلاح، أو يكون نظرهم في ذلك إلى مثل صيغة المختار الذي هو بمعنى مَن فيه اقتضاء الاختيار، لا أنّ الخيار بمعنى القدرة على ما يأتي تفصيله إن شاء اللّه.
ثم إن الاختيار بما ذكرنا له من المعنى كما يتعلّق بالأفعال فيقال إنّه اختار الفعل الفلاني من بين الأفعال بمعنى أخذه له بما هو مشتمل على المصلحة، كذلك يمكن تعلقه بالجوامد فيقال إنّه اختار هذا الشخص من بين الأشخاص فيما إذا أخذه بما أنّ أخذه له مشتمل على المصلحة والخير.
والاختيار بهذا المعنى أيضاً يقابل الاضطرار والا لجاء، وعليه فلا يطلق على مثل الأشل أنّه مختار في المشي ولا يطلق على مثلنا أنّه مختار في الطيران لأننا غير متمكنين منه، والأشل غير متمكّن من المشي، فلا يصح فيها اختيار المشي أو الطيران بمعنى أخذه خيراً ومصلحة، إذ المفروض أنّه لا يتمكن من الأخذ حتى يلاحظ أنّه أخذه خيراً أو شرّاً ومن غير مصلحة. فالمتحصّل : أن الاختيار عنوان للفعل الخارجي كغيره من العناوين المتعلقة بالأفعال الخارجية.
ثم إنّ الظاهر أنّ هذا المعنى الذي ذكرناه هو المراد من لفظ الخيار الواقع في بعض أخبار خياري المجلس والحيوان، فإن معنى «البيعان بالخيار» (1)أنّهما يتمكنان من الأخذ بما فيه الصلاح من الفسخ وتركه، وكذلك قوله (عليه السلام) «الخيار في الحيوان ثلاثة أيام للمشتري» (2)وكذلك خيار المالك بين الرد والامضاء في بيع الفضولي فانّه بالمعنى المذكور.
ومن خلال ما ذكرناه ظهر أنّ تفسير الخيار بملك فسخ العقد ونح-وه غ-ير وجيه، لأن معناه كما عرفت عبارة عن طلب الخير وأخذ ما يراه خيراً من الفسخ وتركه، وأما ملكه لذلك فهو خارج عن معناه، وإنما يستفاد من اللام في قولنا له الخيار - أي هو مالك لأخذ ما يراه صلاحاً من الفسخ وتركه - أو من كلمة صاحب وذي في قولنا : صاحب الخيار أو ذو الخيار، أو من هيئة المختار، لأنّها بمعنى صاحب الاختيار.
ثم إن ما ذكره المتكلمون من تفسير الاختيار بالقدرة يمكن أن يكون بالنظر إلى مثل صيغة المختار، توضيح ذلك : أنّ المشتق تارة يستعمل في المتلبس بالمبدأ فعلاً كما في مثل كلمة عالم، وأخرى يستعمل في القابلية والاقتضاء وأنّ الموضوع يتلبس به بعد ذلك لا أنّه متلبس به فعلاً كما يقال : سيف قاطع مع أنّه في غمده، أو سم قاتل مع أنّه لم يشربه أحد، فانّ معناه أنّ السيف فيه قابلية القطع واقتضائه، وأنّ السم قابل ومقتض للقتل عند الشرب نظير القضايا الشرطية بمعنى أنّه على تقدير الشرب يقتل، وأنّ السيف على تقدير الضرب به يقطع.
ومن هذا القبيل صيغة المختار فإنّها بمعنى أنّه إذا أراد أن يختار الترك فيترك وإذا أراد أن يختار الفعل فيفعل لا أنّه يختار فعلاً. وبعبارة أخرى : أنّه قادر على اختيار الفعل والترك، فما ذكره المتكلّمون من أنّ الاختيار بمعنى القدرة نظرهم إلى مثل صيغة المختار الذي معناه أنّ فيه اقتضاء الاختيار أي قابل وقادر على الاختيار لا أن الخيار بمعنى القدرة.
فاتضح أن معنى الخيار شيء واحد بالاتفاق - وهو طلب الخير وأخذ ما يراه خيراً - فى اللغة والفقه وعند المتكلمين، وأنّ ما أفاده شيخنا المحقق (قدّس سرّه) (1)
1) حاشية المكاسب (الاصفهاني) 10:4.
من أنّ الاختيار بمعنى القدرة عند المتكلّمين ممّا لا يمكن المساعدة عليه، بل هو بمعنى واحد عند الجميع. نعم ذكر اللغويون (1)أن الخيار عبارة عن الانتقاء والاصطفاء ومعناه ترجيح أحد طرفي الممكن على الآخر، وهذا التعبير أولى من التعبير بأنّه الأخذ بما يراه خيراً، وقد عرّفه المتكلّمون بذلك أيضاً، وهذا المعنى موجود في جميع موارد استعمال الخيار.
ثم إنّه ليس المراد من الخيار في المقام معناه الوسيع الشامل لمثل اختيار الأكل ونحوه من الأمور الخارجية، بل الظاهر أنّ المراد منه ما كان متعلقه الفسخ وتركه ولازم ذلك أن يتحقق عقد قبل الخيار حتى يصح أن يقال إنّه متمكن ومالك للفسخ وتركه، لوضوح أنّه مع عدمه لا معنى للفسخ وتركه.
ومنه يتّضح أن إطلاق الخيار في بيع الفضولي وفي نكاح بنت أخت الزوجة أو بنت أخيها، وفي نكاح الأمة من العبد بعد ما صارت حرّة ليس بمعناه المصطلح عليه، لأنّ المالك في بيع الفضولي إنّما يسند العقد إلى نفسه ويصححه باجازته، أو يلغي العقد عن قابلية الاستناد إليه بردّه، فلا عقد صحيح قبل الاجازة حتى يملك فسخه أ. خه أو ترك فسخه. نعم هو مختار ومالك للرد والقبول - أي الامضاء وعدمه - إلّا أنّه أمر آخر غير ملك الفسخ وتركه.
وهكذا الحال في إجازة العمّة والخالة والأمة المزوّجة من حرّ بعد ما صارت حرّة، فإنّ الاجازة فيها تصرّح العقد السابق، ولا عقد صحيح سابقاً حتى تتمكن العمّة أو الخالة أو الأمة من فسخه وتركه. نعم لا مانع من الامضاء والرد إلّا أنّه أمر آخر غير الخيار المصطلح عليه، وهو التمكّن من فسخ العقد وتركه. فجميع موارد الحاجة إلى الاجازة خارجة عن الخيار بالمعنى المصطلح عليه
1) مرّ تخريجه في الصفحة 3.
ثم إنّ الفرق بين الخيار في العقود اللازمة وبينه في العقود الجائزة كما في الهبة مع أنّ المتعاملين في كلا النحوين متمكنان من فسخ العقد وتركه، هو أن من له الخيار في العقود اللازمة كما له سلطنة على فسخ العقد وتركه كذلك له سلطنة أُخرى على إزالة التمكن من الفسخ وعدمه، فله سلطنة على السلطنة المتعلقة بالفسخ وتركه وهذا بخلافه في العقود الجائزة، فإنّ من له الخيار كالواهب في الهبة - إنّما يتمكّن من فسخ العقد وتركه ولا سلطنة ثانية له على إزالة تلك السلطنة المتعلقة بالفسخ وتركه عن نفسه، بل لو قال مراراً إنّي أسقطت الخيار فلا يسمع منه وتكون سلطنته على الفسخ وتركه باقية على حالها، وبذلك خرجت العقود الجائزة عن الخيار بمعناه المصطلح عليه.
وبهذا يتبيّن أنّ الخيار بمعناه المصطلح عليه يعتبر فيه قيدان مضافان ع-ل-ى معناه اللغوي أحدهما : كون متعلّقه هو الفسخ وتركه. وثانيها : كون من له الخيار متمكناً على إزالة تمكنه من الفسخ وتركه وتكون له سلطنة أخرى على سلطنته المتعلقة بالفسخ وتركه.
والملخّص : أنّ المعنى الذي ذكرناه للخيار - وهو ترجيح أحد طرفي الممكن - موجود في جميع موارد العقود اللازمة والجائزة وموارد الاحتياج إلى الاجازة - كما في بيع الفضولي - وذلك لأنّه تارةً يسند إلى الأفعال والأمور الخارجية فيقال إنّه مختار في الأكل ونحوه، وأخرى يسند إلى الامضاء والرد كما في بيع الفضولي، وثالثة يسند إلى الفسخ وتركه، كما في كل واحد من العقود اللازمة والجائزة،، لأنّه مختار في كليهما بالاضافة إلى الفسخ وتركه، وتفترق العقود اللازمة عن العقود الجائزة بأنّ في موارد العقود اللازمة خيارين أحدهما : متعلّق بالفسخ وتركه، وثانيها : متعلّق بازالة السلطنة على الفسخ وابقائها، والخيار الأول ممتاز عن الثاني، وأما في موارد العقود الجائزة فالموجود فيها خيار واحد متعلّق بالفسخ وتركه.
ومن خلال هذا العرض يتضح أنّ تعريف الخيار بأنّه ملك إقرار العقد وإزالته - كما حكي عن القدماء - هو الصحيح، وذلك لما عرفت من أنّ في موارد الخيار المصطلح عليه سلطنتين إحداهما : السلطنة على الفسخ وعدمه، وهي المعبر عنها في التعريف بالازالة بمعنى أنّ له إزالة العقد وعدمها - أي فس--خ-ه وع--دم-ه - وثانيتهما : السلطنة على جعل العقد لازماً باسقاط الخيار وإزالة التمكن من الفسخ وعدمه بحيث يسقط العقد بعد ذلك عن قابلية الفسخ وعدمه.
وبكلمة أخرى : عبّروا عن مجموع هذين الخيارين في العقود اللازمة بملك إقرار العقد وإزالته بمعنى أنّه مالك لفسخ العقد ولعدمه ومالك لابقاء سلطنته على الفسخ وإزالتها.
ومن هذا يظهر أنّ ما ذكره شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه) (1)من أن المراد باقرار العقد هو ترك الفسخ الذي هو أحد طرفي الخيار المتعلّق بالفسخ وتركه، وأنّه في الحقيقة إعمال لأحد طرفي الخيار غير تام، لما عرفت من وجود خيارين أحدهما متعلّق بالفسخ وتركه وثانيهما متعلّق بابقاء السلطنة وإزالتها، فاقرار العقد عبارة عن إزالة السلطنة على الفسخ وتركه الراجعة إلى إسقاط الخيار كما عرفت، وليس إقرار العقد هو إعمال أحد طرفي الخيار الأول.
نعم، يرد على التعريف المذكور : أنّ الملك غير داخل في معنى الخيار، وإنما يستفاد من الهيئة كما في المختار أو من كلمة ذي أو له ونحو ذلك، فالتعريف المذكور من غير هذه الجهة لا إشكال فيه، وهو الموافق لما أثبتناه من السلطنتين في موارد الخيار المصطلح عليه، هذا.
1) منية الطالب 3: 6.
وقد أورد شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (1)على التعريف المذكور بما ملخصه بتوضيح منّا : أن ذكر إقرار العقد أي إثباته وجعله لازماً إما مستدرك وإمّا موجب للدور، لأنّ المراد من إقرار العقد إن كان ابقاءه بحاله وترك فسخه فذكره مستدرك لغو ولا حاجة إليه، لأنّ القدرة على إزالته قدرة على عدم الازالة وترك العقد بحاله لأن القدرة لا تتعلّق إلّا بطرفين، وإن أريد من إقرار العقد إزالة الخيار وجعل العقد لازماً فهو دور ظاهر، لأخذ الخيار في تعريف نفسه، إذ مرجعه إلى أن الخيار عبارة عن ملك إزالة الخيار والفسخ.
ويرد عليه : أنّ في المقام سلطنتين إحداهما : السلطنة على فسخ العقد وتركه وثانيتهما : السلطنة على إسقاط الخيار وجعل العقد لازماً، ومعه فنختار الشق الثاني من الترديد ولا يرد عليه محذور الدور، لأنّ التعريف إنّما هو للخيار بمعنى السلطنة على الفسخ وتركه، فلا مانع أن يؤخذ في تعريفه الخيار بالمعنى الثاني - وهو السلطنة على جعل العقد لازماً - ويلزم من ذلك أنّه أخذ في تعريف الخيار بالمعنى الأول الخيار بالمعنى الثاني، ولا يلزم من ذلك أخذ الخيار بالمعنى الأول في تعريف نفسه حتى يلزم الدور، وذلك ظاهر.
ثم إنّه (قدّس سرّه) أورد عليه ثانياً : بأن هذا التعريف لو تم فإنما يتم فيما إذا كان الخيار في العقد من جانب واحد، فإنّ من له الخيار يتمكن من جعل العقد لازماً حينئذ باسقاط خياره، إلّا أنّه لا يتم فيما إذا كان الخيار من جانبين، لأن العقد لا يصير لازماً حينئذٍ باسقاط أحدهما خياره، فلا يصدق هذا التعريف على الخيار المشترك لعدم إمكان جعل العقد لازماً باسقاط خياره، لوضوح أنّ اللزوم حينئذ يتوقف على إسقاط الخيار من جانبين ولا يكفي فيه إسقاطه من أحدهما. وبالجملة :
1) المكاسب 5 : 12.
التعريف ينتقض بالخيارات المشتركة كما في خيار المجلس الثابت لكل واحد من البائع والمشتري.
إلا أن الايراد المذكور غير وارد بناءً على ما ذكرناه آنفاً، لأنك عرفت أن في المقام سلطنتين وخيارين : أحدهما متعلّق بالفسخ وتركه، وثانيها : متعلّق بجعل العقد لازماً وعدمه، والذي لا يقبل التبعيض إنّما هو الفسخ المتعلّق للخيار الأول لأن معنى فسخ العقد رجوع المالين إلى مالكهما فلا يصح في مثله أن يكون الفسخ متبعضاً وأن يفسخه أحدهما ولا يفسخه الآخر، بل إذا فسخ أحدهما لا يبقى للآخر مجال، أما إسقاط الخيار بالمعنى الثاني وجعل العقد لازماً فهو أمر قابل للتبعيض فيمكن أن يسقط أحدهما الخيار ويجعل العقد لازماً من قبله بحيث لا يتمكن من فسخه وتركه ولا يسقط الآخر خياره بهذا المعنى ولا يجعل العقد لازماً من قبل نفسه ولا يزيل سلطنته، وهذا أمر لا يقبل الانكار، بل لا معنى أصلاً لاسقاط أحد المتبايعين السلطنة الثابتة للآخر، لأنّه إنّما يملك سلطنة نفسه لا سلطنة شخص آخر.
وعليه فالمراد من إقرار العقد هو إقراره من قبل نفسه وإزالة سلطنته لا إقراره من طرف شخص آخر وإزالة سلطنة الآخر، وبعبارة أخرى : المراد من جعله لازماً إنّما هو جعله لازماً من طرف نفسه، وهذا أمر متحقق في جميع الموارد.
هذا فيما إذا كان الخيار ثابتاً لكل واحد من المتعاملين.
وأمّا إذا اشترك اثنان أو أكثر في خيار واحد، بأن يكون الخيار الواحد متعلقاً بالمجموع لا أن يكون هناك خياران أحدهما متعلق بهذا والآخر بذاك ب--ل ثبت خيار واحد للمجموع، وهذا كما في الخيار المنتقل إلى الورثة فيما إذا كان الوارث أكثر من واحد، فإنّ القول بثبوت الخيار لمجموع الورثة الذي ه-و أح--د الأقوال في المسألة هو الأقوى، فهو لا يقبل التبعيض أيضاً، إلّا أنّه ليس مراد شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) قطعاً، لأن الخيار كما لا يسقط فيه باسقاط أحدهم كذلك لا
ينفسخ العقد بفسخ بعضهم، بل لابد في كل واحد من طرفي الخيار من اتفاق الورثة بأجمعهم.
وبالجملة : أنّ تعريف الخيار بملك إقرار العقد وإزالته تام ولا يرد عليه ما ذكره الشيخ قدّس سرّه).
نعم، يرد عليه ما ذكرناه من أنّ الملك غير مأخوذ في مفهوم الخيار، ولعلّ الوجه في تعبيرهم بالقدرة والملك - حيث ذكروا أنّ الخيار عبارة عن القدرة على إزالة العقد وأنّه ملك فسخ العقد، مع أن معنى الخيار كما عرفت هو ترجيح أح---د طرفي العقد على الآخر الذي هو من الأفعال الخارجية من دون أن يؤخذ فيه القدرة - هو أنّ سائر الأفعال الخارجية كالأكل والنوم والضرب كما تتحقق مسبوقة بالقدرة كذلك تتحقق من دون السبق بالقدرة كما إذا اضطر إلى شيء من الأفعال فأكل من دون قدرة.
وهذا بخلافه في الترجيح فانّه يمتاز عن غيره من الأفعال الخارجية باختصاصه بسبق القدرة، ولا يتحقق فيها إذا لم تكن قدرة، إذ الترجيح إنّما يعقل مع القدرة على طرفي الشيء، وأما مع عدم القدرة على أحدهما فلا معنى للترجيح كما هو ظاهر.
ولعلّ هذا هو الوجه في أخذ القدرة في الخيار حيث قالوا إنّه عبارة عن القدرة على فسخ العقد مع أنّه عبارة عن ترجيح أنّه عبارة عن ترجيح أحد طرفي العقد مع القدرة لا القدرة على ترجيح أحدهما فلا تغفل. هذا كله في أولى المقدمتين اللتين ذكرهما شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) في المقام.
ذكر غير واحد من الفقهاء أنّ الأصل في البيع اللزوم وأنّ الجواز فيه يحتاج إلى دليل. وقد ذكره العلّامة (قدّس سرّه) في كتبه (1)وعلله بأن الغرض من المعاملة أن يتصرّف كل واحد من المتعاقدين فيها انتقل إليه، وهذا إنّما يتم فيما إذا قلنا باللزوم حتى يأمن من فسخ صاحبه. وذكر (قدّس سرّه) أيضاً أنّه يُخرج من هذا الأصل بأمرين : ثبوت خيار أو ظهور عيب. انتهى.
ولابد من البحث فيما يقتضيه الأصل في البيع حتى يرجع إليه في موارد الشك في اللزوم والجواز، ولأجل ذلك وقع الكلام في أنّ المراد بالأصل في كلمات الفقهاء ماذا، وذكر لذلك عدّة احتمالات :
الاحتمال الأول : أنّ المراد بالأصل هو الغلبة، وأن الغالب في البيع اللزوم فإذا شككنا في مورد في الجواز واللزوم فنلحقه بالغالب.
ويرده : أنّ الغلبة ممنوعة صغرى وكبرى. أما بحسب الكبرى - وإنما لم يتعرّض شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) إلى وجه منع الغلبة بحسب الكبرى لوضوحه وعدم احتياجه إلى الذكر - فلأن الغلبة أدون من الحكم بالاستقراء الناقص بمراتب لأن الحكم في موارد الاستقراءات الناقصة مستند إلى مشاهدة فردين أو أفراد من
1) القواعد 2 : 64.
طبيعة، وملاحظة أنّ أفراد تلك الطبيعة متصفة بوصف وبه يحكم على أن سائر الأفراد أيضاً واجدة لتلك الصفة مع الجهل بحالها وعدم ملاحظتها من جهة أن اتصاف عشرة أفراد من طبيعة واحدة بوصف يكشف عن أن هذا الوصف ثابت لنفس الطبيعة وأنّه ليس من عوارض الفرد وإلّا لم يوجد في هذه الأفراد الكثيرة بنسق واحد، وبما أنّ الوصف ثبت لنفس الطبيعة بملاحظة تلك الأفراد الواجدة للوصف فيحكم بأنّ الطبيعة أينما سرت تتصف بهذا الوصف حتى في الأفراد الأخر التي نجهلها ولم نشاهدها.
وأمّا في الغلبة وملاحظة أنّ الغالب في البيع أو المعاملات هو اللزوم مع العلم بأنّ بعضها جائز لأجل دليل خارجي، فلا يمكن فيها دعوى أن اللزوم من أوصاف طبيعة البيع مثلاً بملاحظة أنّه بحسب الغالب لازم، إذ لو كان اللزوم م--ن أوصاف نفس طبيعة البيع لم ينفك عنها في بعض الموارد مع أنّ المفروض أنا نعلم أنّ البيع في بعض الموارد جائز، فمع عدم استكشاف أن الوصف من أوصاف الطبيعة كيف يمكن الحكم على أن سائر الموارد والأفراد أيضاً واجدة لوصف اللزوم.
فظهر أنّ حال الغلبة أدون من الاستقراء الناقص بمراتب، وبما أن الاستقراء الناقص ليس بحجّة فالغلبة لا تكون حجة بالأولوية.
وبالجملة : لا وجه للالحاق بالغالب إلّا دعوى حصول الظن بأن المشكوك من الأعم الأغلب، مع أنّ الظنّ لا يحصل به في جميع الموارد لوجود بعض قرائن خاصة، وعلى تقدير حصوله لا يمكن الاعتماد عليه لأن الظنّ لا يغني من الحق شيئاً.
وأما بحسب الصغرى، فقد أورد عليه شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (1)بأنّه ما المراد من الغلبة في المقام، فإن أريد منها غلبة اللزوم بحسب الأفراد ودعوى أنّ
1) المكاسب 5 : 14.
الغالب في أفراد البيع اللزوم، ففيه : أنّ البيع غالباً ينعقد جائزاً لأجل خيار المجلس أو غيره، فالغلبة في أفراد البيع هي انعقادها بوصف الجواز وإنما تصير لازمة باسقاط الخيار ونحوه، فلا غلبة من هذه الجهة.
وإن أريد منها الغلبة بحسب الزمان، فهي وإن كانت كذلك لأنّه إنّما يكون جائزاً في مقدار ساعة أو أقل ما دام لم يتفرّقا وأما بعده فهو لازم إلى يوم القيامة فالغلبة بحسب الزمان في اللزوم، إلّا أنّ هذه الغلبة إنّما تفيد فيما إذا شككنا في البيع أنّه في زمان المجلس أو في زمان الافتراق. وبعبارة أخرى شككنا في أنّ الزمان هل هو من الزمان المحكوم فيه بالجواز الذي هو بمقدار ساعة مثلاً، أو أنّه من الأزمنة المحكوم فيها باللزوم التي هي بعد الساعة الأولى إلى يوم القيامة، فيلحق الزم--ان المشكوك بالأعمّ الأغلب ويحكم عليه بأنّه من الأزمنة المحكومة باللزوم. وأما إذا شككنا في بيع في أول انعقاده وأنّه هل انعقد جائزاً أو لازماً، فلا يمكن إلحاقه بالأزمنة المحكومة باللزوم، للعلم بأنّ الزمان زمان الحكم بالجواز وهو أول زمان انعقاد البيع، بل لابد حينئذ من إلحاقه بالجائز، لأن الغالب في أول زمان انعقاد البيع هو الجواز لأجل خيار المجلس ونحوه، وإن كان الغالب بعد زمان انعقاده هو اللزوم إلّا أنّ الغالب في أول انعقاده لما كان هو الجواز فيلزم إلحاقه به، لأنّ غلبته تمنع من إلحاقه بغير صنفه الذي هو أول زمان الانعقاد.
ونظير ذلك ما إذا فرضنا أنّ الغالب في الإنسان هو أن يكون أقل من مترين إلّا صنف خاص - كسادات الكاظمين، فإنّ الغالب في هذا الصنف أن يكون أزيد من مترين - فإذا شككنا في فرد من هذا الصنف الخاص أنّه بمقدار مترين أو أكثر فلا محيص من إلحاقه بالغالب في صنفه، وهو أن يكون أزيد من مترين، ولا يمكن إلحاقه بغير صنفه الذي يكون الغالب فيه أقل من مترين وذلك ظاهر. وهكذا في
المقام فإنّه لابد من إلحاق المشكوك الذي هو البيع في أول انعقاده بالغالب في صنفه وهو الجواز، لأن الغالب فيه في أول انعقاده هو الجواز، لا بالغالب في غير صنفه الذي هو في غير زمان الانعقاد، والغالب فيه اللزوم، وهذا من دون فرق بين أن يكون الشك من جهة الشبهة الموضوعية أو من جهة الشبهة الحكمية.
و من ذلك يظهر أنّ ما ذكره غير واحد من الأعلام من أنّ الغلبة بحسب الزمان تجدي في إلحاق الفرد المشكوك بالغالب بحسب الزمان ممّا لا يمكن مساعدته ولعله من جهة عدم الوصول إلى مراد شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه).
الاحتمال الثاني : الاستصحاب، بأن يقال إن مقتضى استصحاب الملكية بعد فسخ أحدهما أو كليهما أن الملكية باقية ولم تزل بذلك.
ويرده : أنّه مختص بما إذا لم تكن الملكية متصفة بالجواز سابقاً، إذ مع اتصافها بالجواز لا يبقى لاستصحاب الملكية مجال، لوجود أصل حاكم عليه، وهو استصحاب بقاء الجواز في الملك، هذا.
مضافاً إلى المناقشة في جريان الاستصحاب في الأحكام الكلية، وكيف كان فالأصل بمعنى الاستصحاب لا يفيد قاعدة كلية.
الاحتمال الثالث : أن مقتضى وضع البيع هو اللزوم، لأن بناءه بحسب الشرع والعرف والعقلاء عليه - ولعلّ هذا هو مراد العلّامة (قدّس سرّه) (1)، حيث ذكر أن الغرض تمكّن المتعاقدين من التصرف فيما صار إليهما، وهذا لا يحصل إلّا فيما أمن من فسخ صاحبه، وقد يوجب فسخه نقض الغرض من المعاملة ولا تصل إليه قيمة ماله لكثرتها -.
1) تقدم تخريجه في الصفحة 12.
وهذا حسن ولا بأس به، لأنّ السيرة الجارية بين المتدينين وغيرهم إنّما هي على اللزوم، فلذا إذا جاء بالمبيع بعد سنة أو شهر وأراد فسخ المعاملة لا يسمعون قوله. وهذا البناء يشكل شرطاً ضمنيّاً في المعاملة والبيع بحسب بناء العقلاء فکأنّهم شرطوا على المتعاقدين عدم الرجوع. وهذه السيرة ممّا لم يردع عنها الشارع ويكفي ذلك في الامضاء إلّا في مقدار خيار المجلس والحيوان فلابد م-ن تخصیصه بمقدار خياري المجلس والحيوان.
ثم إنّه يظهر من كلمات شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (1)أنّ الجواز في زمان خيار المجلس إن كان جوازاً حكمياً فهو ينا في بناء العقلاء والشرع على اللزوم في البيع، إذ لا يصح أن يقال إنّ بناءهما على اللزوم مع الالتزام بالجواز الحكمي في زمان خيار المجلس. وأما إذا كان الجواز حقياً فهو أمر ثبت بحسب الخارج فلا ينافي بناء العقلاء والشرع على اللزوم في البيع، هذا.
إلّا أنّ الفرق بين الجواز بحسب الحكم والحق لم يظهر لنا بعد، إذ لا تنافي بينه وبين بناء البيع على اللزوم عند العقلاء والشرع، إذ بعد ثبوت الجواز وأن البائع أو المشتري يتمكّن من الفسخ في زمان فلابد من تخصيص هذا البناء من دون ف--رق بين الجواز الحكمي والحقي لاشتراكهما في القدرة على الفسخ، وهو لو كان منافياً مع البناء فمنافٍ في كليهما، وإن لم يتناف معه كما لا منافاة بينهما لأجل التخصيص - فلا منافاة في كليهما.
وبالجملة : لا وجه للتفرقة بين الجواز بحسب الحكم والحق، لما أشرنا إليه من أنّه لا فرق بينهما في أنّ البائع أو المشتري معهما يتمكن من الفسخ وإن افترقا من
1) المكاسب 5 : 14.
حيث إن رفع أحدهما ممكن دون الآخر كما عرفت إلّا أنّهما بحسب التمكن من الفسخ متساويان.
ثم إنّ هذا الأصل يختص بالبيع ونحوه كما في الاجارة، وأما في غيرهما فلا أثر لهذا البناء فلا يمكن التمسّك به في جميع المعاملات كالصلح ونحوه ولا يكون قاعدة كلية عند الشك في جميع المعاملات كما ذكره شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه). ومع تماميته في البيع لا نحتاج إلى شيء من عموم (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (1)و «المؤمنون عند شروطهم» (2)و «الناس مسلّطون على أموالهم» (3)لأنّها تمت أو لم تتم فالأصل المذكور يكفي في البيع وبه نلتزم باللزوم فيه.
الاحتمال الرابع : أن يراد بالأصل القاعدة المستفادة من العمومات والاطلاقات فإنّ المستفاد منها اللزوم حيث إنّ عموم (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) و أَحَلَّ اللّه الْبَيْعَ) (4)يقتضي بقاء المثمن على ملك المشتري وبقاء الثم-ن ع-ل-ى م-لك البائع والفرق بين الأصل بهذا المعنى وبينه بمعنى الاستصحاب هو أنّ الاستصحاب يصح التمسّك به في كل واحد من الشبهات الحكمية والموضوعية، وأما العمومات فتختص
بالشبهات الحكمية لعدم جواز التمسّك بها في الشبهات الموضوعية والمصداقية. ثمّ إنّ الكلام في الأصل بهذا المعنى وأنّه يمكن استفادة اللزوم من العمومات
وعدمه يأتي التعرّض إليه بعد استعراض كلام العلّامة في التذكرة (5).
تعرّض شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (1)قبل بيان العمومات التي يمكن استفادة اللزوم منها إلى توجيه كلام العلّامة (قدّس سرّه) في التذكرة وهو قوله : وإنما يخرج عر عن الأصل بأمرين : أحدهما ثبوت الخيار. والثاني ظهور عيب في أحد العوضين، حيث إنّه قد وقع الكلام في أنّه ما المراد بثبوت الخيار وظهور العيب ولماذا عطف أحدهما على الآخر مع أنّ ظهور العيب من أحد أسباب الخيار وهو داخل في ثبوت الخيار، ولا وجه لاعادته وذكره على حدة، وقد ذكروا في توجيه ذلك عدّة أمور :
الأول : ما ذكر في جامع المقاصد (2)من أنّه من قبيل عطف الخاص على العام الذي هو أمر متداول شائع.
ويرده : أنّ ما ذكر بعيد، لأنّ عطف الخاص على العام وإن كان شائعاً إلّا أنّ ذلك لا يجري في المقام، لأنّ المعطوف عليه هو ثبوت الخيار والمعطوف سبب الخيار وهو ظهور العيب فلا يكون الثاني خاصاً بالنسبة إلى الأول. نعم لو كان المذكور في الأول هو أسباب الخيار لكان ما أفاده من التوجيه صحيحاً، إلّا أنّه ثبوت الخيار لا أسبابه.
الثاني : ما ذكره شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (3)من أن المراد بثبوت الخيار هو ثبوت أحد الخيارات الموجبة لرفع العقد من أساسه وفسخه بتمامه برجوع الثمن إلى ملك المشتري والمثمن إلى ملك البائع، ويدخل فيه خيار العيب أيضاً فيما إذا
أريد به به فسخ العقد بتمامه لا فيما أريد أخذ الأرش فقط. والمراد بظهور العيب ه-و ثبوت خيار يوجب رفع العقد الواقع على مجموع العوضين من حيث المجموع الذي يكفي فيه رفعه في مقدار من الثمن لأجل الأرش، فإنّ العيب الموجب للأرش لا يرفع العقد من أساسه ولا يبطله بتمامه وإنما يوجب رفعه عن المجموع بما هو مجموع بمعنی أنّه يرفع العقد في حصة خاصة من الثمن في مقابل الوصف المفقود كوصف الصحة، فهو إنّما يرفع العقد بلحاظ مجموع الثمن والمثمن لا بلحاظ جميعهما. وبذلك يظهر الفرق بين ثبوت الخيار وظهور العيب.
ثم أورد عليه (قدّس سرّه) بأنّه إنّما يصح بناء على ما ذهب إليه البعض من لزوم كون الأرش من الثمن كما عن بعض العامة، وأما بناءً على ما ذهب إليه العلامة (قدّس سرّه) من عدم اعتبار كون الأرش من عين الثمن وجواز الابدال عنه فلا يكون ظهور العيب عند أخذ الأرش موجباً لانفساخ العقد في جزء من الثمن الذي عبرنا عنه بفسخ مجموعهما من حيث المجموع فلا يتم التوجيه حينئذ، هذا.
مضافاً إلى ما أورده السيد (قدّس سرّه) في حاشيته (1)على هذا التوجيه من أنّ لازم انفساخ العقد في جزء من الثمن ورجوع جزء منه إلى المشتري انفساخه في جزء من المبيع ورجوعه إلى البائع، لأنّ انفساخ العقد من طرف المشتري فقط لا معنى له.
الثالث : ما ذكره شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه) (2)وهو أحسن التوجيهات في المقام، وملخّصه : أنّ في البيع بناءين من العقلاء والشرع : أحدهما البناء المتقدّم وهو بناؤهم على أنّ النقل من الجانبين أبدي نظير الزواج الدائم وليس موقتاً بسنة
أو سنتين مثلاً، فلا يقبلون رجوع أحدهما بعد ذلك بوجه. وثانيهما : البناء على عدم رجوع أحد المتعاملين إلى صاحبه بأمر زائد على المثمن أو الثمن، فإذا رجع أحدهما على الآخر وطالبه بدينار معلّلاً بأني قد بعتك المال الفلاني فلا يسمعون كلامه ويجيبون بأنك أخذت الثمن فلا حق آخر لك في البين، فکأنّهم بنوا على عدم جواز مطالبة أحدهما الآخر بشيء غير الثمن والمثمن.
وهذان البناء ان ثابتان وممضيان، إلّا أنّه ورد التخصيص على البناء الأول بثبوت شيء من الخيارات الموجبة لرجوع أحدهما أو كليهما عن المعاملة وفسخها. بتمامها، ومنها خيار العيب فيما إذا أريد به فسخ العقد، وورد التخصيص على البناء الثاني بظهور العيب فيما إذا أريد به أخذ الارش مع الالتزام بالبيع وعدم فسخه فالبناء الأول على حاله إلّا أنّه يرفع اليد عن البناء الثاني لأجل العيب فيطالب البائع بشيء زائد على المثمن وهو قيمة وصف الصحة المفقود. وبالجملة مراد العلّامة (قدّس سرّه) من ثبوت الخيار هو ثبوت الخيار المخصص للبناء الأول، ومن ظهور العيب هو ثبوت الأرش المخصص للبناء الثاني.
إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى بيان الأصل بمعنى القاعدة المستفادة من العمومات والاطلاقات، وقد استدلّ شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) على اللزوم بأمور:
منها : قوله تعالى (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (1)بتقريب أن المراد منها وجوب العمل والوفاء بالعقد أو العهد - على ما فسّر به العقد في صحيحة ابن سنان (2)- والعقد هو المعاقدة الاعتبارية كالعقد الحقيقي في مثل عقد حبل بحبل آخر، فمقتضى الآية أنّ
الوفاء والعمل على طبق العقد لازم وأنّ نقض ذلك حرام على نحو الاطلاق، بمعنى أن نقضه حرام قبل الفسخ وبعده وفي هذا الزمان وذاك الزمان، لأن الاطلاق يشمل جميع الأزمان فتدل الآية على حرمة التصرف في المال بعد الفسخ وقبله، وبالدلالة الالتزامية تدلّ على أنّ البيع لازم ولا يرتفع بالفسخ، إذ لو جاز فسخه لما كان لحرمة نقضه على نحو الاطلاق مجال - لأنّه ملكه حينئذ والتصرف في ملك نفسه جائز - فالآية الكريمة دالة على الحكم التكليفي والوضعي معاً، أو أنّها تدلّ على الحكم التكليفي فقط وينتزع منه الحكم الوضعي على مسلكه (قدّس سرّه)، هذا.
وربما يورد على الاستدلال بالآية الكريمة : بأنّها تدلّ على وجوب الالتزام بالعقد ما دام العقد موجوداً - لأنّ للمعاقدة بقاءً عرفياً - فما دام موجوداً يجب الالتزام به ويحرم نقضه دون ما إذا كان معدوماً أو مشكوك الوجود كما هو الحال في جميع الأحكام المجعولة على نحو القضية الحقيقية، فإنّ ما دلّ على حرمة الخمر إنّما يقتضي حرمته ما دام موجوداً، وأما إذا انقلب إلى الخل وانعدم فلا يمكن التمسّك باطلاق ما دلّ على حرمة الخمر لاثبات حرمته كما هو ظاهر.
ومن الواضح أنّ العقد بعد فسخ أحدهما غير معلوم الوجود لاحتمال ارتفاعه، ومع الشك في وجود وجود الموضوع لا معنى للتمسّك بالاطلاق لاثبات وجوب الالتزام على طبقه، فالاستدلال بالآية الكريمة على اللزوم في المعاقدات عند الشك في بقائها وارتفاعها ممّا لا وجه له، اللّهمّ إلّا أن يستصحب وجود العقد وعدم ارتفاعه بعد الفسخ، إلّا أنّه تمسك واستدلال بالاستصحاب في إثبات اللزوم لا بالآية.
وفيه : أن الكلام ليس في الملكية الحاصلة بالعقد حتى يقال بأن الملكية بعد الفسخ ورجوع أحدهما مشكوكة، فلا يصح الاستدلال بالآية على عدم جواز نقضه، بل الكلام في أنّ الآية تدلّ على وجوب الالتزام بالعقد وعدم جواز نقضه
والعقد ليس له بقاء عرفي بل هو أمر يوجد وينعدم وهو بحدوثه يكون موضوعاً لوجوب الالتزام بمتعلّقه إلى الأبد. والآية باطلاقها تدلّ على وجوب الالتزام بالعقد بمجرد حدوثه وعدم جواز رفع اليد عن متعلّقه إلى الأبد باطلاقها، وهذا كما هو الحال في النذر فانّه بحدوثه يكون موضوعاً لوجوب الوفاء بمتعلقه إلى الأبد، وعليه فلا ربط للاشكال بالمقام ولا يرد عليه بوجه.
نعم، يرد على ما أفاده شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) اعتراضان آخران :
أحدهما : أنّ الآية إنّما دلّت على وجوب الالتزام بالملتزم به وحرمة نقضه فان كان الملتزم به هو العمل الخارجي كما في النذر فيما إذا نذر الاتيان بعمل خارجي فيجب عليه الالتزام به ويحرم عليه تركه لأنّه نقض له، وإذا كان الملتزم به من الأمور الاعتبارية كالملكية في البيع مثلاً فتدل على وجوب الالتزام بذلك الأمر الاعتباري. وحرمة نقضه. وأما التصرف في المال حينئذ فلا تستفاد حرمته من الآية المباركة لأنّه ليس نقضاً للملتزم به، لما عرفت من أن الملتزم به هو الملكية وهي أمر اعتباري، والمتصرف لا ينقض اعتبار الملكية، بل يعترف بأنّه ملكه ولكنّه يتصرف فيه خارجاً، فالآية لا دلالة لها على حرمة العمل الخارجي وهو التصرف في المال في المقام مع قطع النظر عمّا دلّ على حرمة التصرف في مال الغير من دون رضاه.
وعلى الجملة : لو خلينا نحن والآية الكريمة ومع قطع النظر عن حرمة التصرف في مال الغير من دون رضاه لم يمكن أن يستفاد منها حرمة العمل الخارجي وهو التصرف في المبيع أو الثمن، لعدم كونه نقضاً للملتزم به وهو ظاهر.
والوجه في ذلك : أنّ حرمة التصرف من أحكام الملتزم به وآثاره المترتبة عليه، وترك بعض ما يترتّب على الملتزم به لا ينا في الالتزام بذلك الملتزم به، وهذا نظير ما إذا تزوّج بامرأة والتزم بالزوجية الدائمة وكان بانياً من الابتداء على عدم الانفاق عليها، فإنّه لا إشكال في صحة الزوجية حينئذ، لأن عدم العمل ببعض
الآثار المترتبة على الملتزم به لا ينا في التزامه بذاك الأمر الملتزم به.
وعليه فلا دلالة للآية على حرمة التصرف في المال حتى يتمسك باطلاقها فيما بعد الفسخ ورجوع أحدهما وتدل بالدلالة الالتزامية على لزوم المعاملة.
ثانيهما : أنا إذا سلّمنا دلالة الآية على حرمة التصرف في المال على نحو الاطلاق لأنّه نقض للالتزام الثابت بالعقد، فنقول هل الآية تدل على وجوب الالتزام بالعقد في كل آن فآن بأن ينحل إلى وجوبات متعدّدة حسب تعدّد الأزمنة والآنات، فيجب الالتزام في هذا الزمان ويجب الالتزام في الزمان الثاني وهكذا، أو أنّها تدلّ على وجوب التزام واحد مستمر إلى الأبد ؟
لا ينبغي الاشكال في أنّه لا يستفاد منها وجوبات متعدّدة إنحلالية وإنما هي توجب الالتزام بأمر واحد مستمر، ومعه فإذا رفع اليد عن هذا الواجب المستمر الواحد ونقض في ساعة - مثلاً - فلا محالة يسقط عند ذلك الالتزام المستمر بالعصيان ونقض الأمر الواحد المستمر، ومعه فما الدليل على وجوب الالتزام به بعد ذلك أيضاً ؟
وقد ذكروا نظير ذلك في النذر وأنّه إذا نذر الجلوس في مكان راجح كالمسجد ونحوه من أول الصبح إلى الغروب مثلاً فيجب عليه أن يفي بنذره ذلك ويجلس فيه من أول الصبح إلى الغروب، وإذا نقض ذلك الالتزام فقام عنه في ساعة فلا يجب عليه الجلوس فيه بعد ذلك الزمان، لأنّه عصى ونقض الالتزام الواجب في حقه، ومن المعلوم أنّ شمول الآية للنذر والبيع على حد سواء، ومعه فلابد أن يلتزم في المقام بأنّه إذا عصى وتصرف في المال مرّة واحدة فلا يجب أن يرده بعد ذلك إلى مالكه ولا يحرم عليه التصرف فيه. فالآية لا يستفاد منها لزوم البيع وحرمة التصرف بعد الفسخ.
والصحيح في تقريب الاستدلال بالآية على اللزوم أن يقال - كما ذكرناه في
باب المعاطاة - إنّ الوفاء بمعنى التمام والايفاء بمعنى الاتمام ومتعلقه هو الالتزام والمعنى أنّه يجب إنهاء الالتزام وإتمامه وحرمة نقضه وفسخه وأنّه لابد من الادامة على ما التزم به من البيع والملكية ويحرم نقضه، وعليه فيكون الفسخ محرّماً لأنّه قطع الالتزام ومنع عن الاتمام الواجب.
ثم إنّ المراد بالأمر بالوفاء ليس هو الأمر المولوي حتى يقال إن الاتمام واجب تكليفي والفسخ والنقض محرّمان شرعاً، وذلك للقطع بأنّ البقاء على الالتزام ليس من الواجبات، وبأنّ الفسخ ليس من أحد المحرّمات الشرعية بحيث يوجب الفسق ويخرج المرتكب له العدالة عن بسببه، وهذا ممّا تشهد به ضرورة الفقه، فلابد من كون الأمر به في الآية المباركة إرشاداً إلى اللزوم وعدم انفساخ العقد بالفسخ نظير النهي عن صلاة الحائض بقوله «دعي الصلاة أيام أقرائك» (1).
وبعبارة أخرى : أنّ ظهور الأمر في المولوية عند الشك فيها وإن كان غير قابل للانكار إلّا أنّ المورد غير قابل للمولوية في محل الكلام، لبداهة عدم كون الفسخ أحد المحرّمات الشرعية، فلا محالة يكون الأمر إرشاداً إلى أن المعاملة والمعاقدة لا تنفسخان بالفسخ.
وعليه فالآية الكريمة تدلّ بالدلالة المطابقية على اللزوم في العقود فيتمسك بها عند الشك في الجواز واللزوم، هذا.
وربما يقال كما قيل إنّ الأمر يدور في المقام بين أمرين :
فاما أن يتحفّظ على ظهور لفظ العقود في العموم ويبنى على شموله للعقود المتعلقة بالالتزام كما في البيع ونحوه - لأنّ متعلّقه هو الالتزام - وللعقود المتعلّقة بالأفعال الخارجية كالنذر واليمين وغيرهما ممّا يتعلّق بالفعل الخارجي، ونرفع اليد
1) الوسائل 2 : 287 / أبواب الحيض ب 7 ح 2.
عن ظهور الأمر في المولوية ونحمله على الارشاد ونقول : إن الوجوب ليس بتكليفي بل هو إرشاد إلى الصحة واللزوم، لما عرفت من أنّه لا معنى للوجوب التكليفي في الالتزام، للقطع بأنّ الالتزام ليس من الواجبات في الشريعة.
وإما أن نتحفّظ على ظهور الأمر في المولوية والوجوب ونرفع اليد عن ظهور كلمة العقود في العموم ونحملها على العقود المتعلّقة بالأفعال الخارجية كالنذر ونحوه، إذ لا يمكن الجمع بين كلا الظهورين وإلّا فمعناه أنّ الالتزام في العقود المتعلّقة بالالتزامات واجب شرعاً مع القطع بأنّ الالتزام غير واجب.
وعليه فلابد من الحكم باجمال الآية أو تقديم ظهور الأمر في الحكم المولوي، لأنّه أقوى من ظهور العقود في العموم، فنبني على أن الآية لا دلالة لها على حكم العقود المتعلّقة بالالتزام كالبيع ونحوه، وإنما تدلّ على وجوب العمل في مثل النذر ونحوه، هذا.
ويمكن دفعه : بأنّ ظهور الأمر والنهي في المولوية عند دوران الأم--ر ب-ي-ن-ه-ا وبين الارشادية وإن كان أقوى وهو المتعيّن لا محالة، إلّا أنّ المراد بالارشادية في المقام إنّما هو في مقابل التكليف لا في مقابل المولوية، بمعنى أن حم--ل الأم--ر ع--ل-ى الصحة واللزوم المعبّر عنه بالارشاد وحمله على الوجوب والتكليف كلاهما حمل للأمر على المولوية في المقام، وليس أحدهما مولوياً والآخر إرشادياً بمعناه المصطلح عليه وهو عدم ترتب شيء عليه نظير الأمر بالاطاعة في قوله تعالى (أَطِيعُوا اللّه وَالرَّسُولَ) (1)الذي يرجع الانشاء فيه إلى الاخبار بوجود المصلحة ونحوه، لأنّ الحكم باللزوم مولوي لا محالة ويترتّب عليه الأثر فلا ينفسخ بالفسخ وليس الارشاد في مقابل المولوية بل في مقابل التكليف وهو الحكم الوضعي وكلاهما
1) آل عمران 3 : 32.
مولویان.
وعليه فلا مانع من التحفّظ على كلا الظهورين والبناء على أنّ المراد بالعقود هو العموم الشامل للبيع والنذر كما نبني على أنّ الأمر مولوي، فلابد من الوفاء بهذا المعنى العام في العقود، إلّا أنّ الأمر المولوي يختلف أثره باختلاف الموارد، ففي بعضها يقتضي الوجوب فيجب العمل به خارجاً كما في النذر، وفي بعضها الآخر يقتضي اللزوم والصحة كما في مثل البيع.
وليس ذلك من باب استعمال اللفظ الواحد في أكثر من معنى واحد، لم-ا سلكناه في باب الانشاء من أنّه ليس عبارة عن إيجاد المعنى باللفظ بل ه-و إب-راز للأمر النفساني. والأمر النفساني في المقام بالاضافة إلى مثل النذر هو الالتزام بالعمل خارجاً، وبالاضافة إلى مثل البيع هو الالتزام بالملكية وعدم ارتفاعه بالفسخ وقد أبرزا في الخارج بذلك الانشاء والابراز.
وعلى الجملة : أنّه من باب استعمال الانشاء في معناه إلّا أن معناه يختلف باختلاف الموارد والمقامات، ونظير ذلك كثير منها : ما ورد (1)في الشرط من أنّه لازم أو جائز بين المسلمين، فإنّ معناه أنّ الشرط ثابت بينهم مع أن الشرط تارة يجب العمل به خارجاً كما إذا شرط أحد المتبايعين على الآخر أن يخيط ثوبه، وأخرى لا يجب العمل به خارجاً بل هو شرط بمعنى أن تخلّفه يوجب الخيار، وهذا كما إذا اشترى شخص حنطة وشرط على البائع أن تكون من جنس معيّن، فإنّ العمل على طبقه غير واجب وإنما يوجب تخلّفه الخيار، مع أنّه استعمل في الكلام مرّة واحدة.
وعلى الجملة : لا مانع من استعمال اللفظ في معناه واختلاف المعنى بحسب اختلاف الموارد، وهذا ظاهر.
1) المستدرك 15 : 87 / أبواب المهور ب 31.
الثاني من العمومات : قوله تعالى : (أَحَلَّ اللّه الْبَيْعَ)(1). وقد ذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (2)في تقريب الاستدلال بهذه الآية الكريمة ما يقرب من استدلاله في الآية المتقدّمة وملخصه : أنّها دلّت على حلّية جميع التصرفات المترتبة على البيع، لأنّ ذلك هو معنى تحليل البيع، وبما أنّها مطلقة وغير مقيدة بخصوص التصرفات الواقعة قبل فسخ أحد المتبايعين فلا محالة تشمل التصرفات الواقعة بعد رجوع أحدهما، ومن حلّية التصرفات حينئذٍ يستكشف أنّ المعاملة لازمة، إذ لو كانت جائزة وتنفسخ برجوع أحدهما فلا يكون وجه لحلية التصرفات لأنّه ملك الغير برجوعه في البيع.
واستدل (قدّس سرّه) أيضاً بقوله تعالى : (إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةٌ عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ) (3)وذكر في وجه الاستدلال ما نقلناه عنه في الآية المتقدّمة وملخصه : أنّ التجارة سبب لحلية التصرفات مطلقاً ولو كانت بعد رجوع أحد المتبايعين، ومنه يستكشف أن البيع لازم كما ذكرناه في الآية المتقدمة.
ثم إنّه (قدّس سرّه) أورد على الاستدلال بالآيتين الأخيرتين : بأن التمسّك بالاطلاق إنّما يصح في القيود والحالات السابقة على الحكم كاحتمال تقيّد الموضوع بقيد العدالة أو بغيرها من القيود، وأمّا القيود الطارئة على الحكم والمتأخرة عنه فاطلاقه لا رفعها لتأخّرها عنه، ومن الظاهر أنّ الشك في المقام في ارتفاع الحكم برجوع أحد المتعاملين وعدم ارتفاعه ولا يمكن التمسّك باطلاق الحكم في إثبات عدم ارتفاع نفسه لتأخّره عنه - بمعنى أنّ إطلاق الحكم لا يشمل احتمال عدم
نفسه وارتفاعه فلا يمكن أن يقال إنّ الحكم ثابت حتى على تقدير ارتفاعه وعدمه وهو ظاهر - اللّهمّ إلّا أن يتمسك باستصحاب الحكم بعد فسخ أحدهما وهو تمسك بالأصل لا بالآية.
وأورد عليه : بأنّ هذا الاشكال غير مختص بالآيتين الأخيرتين بل هو جارٍ في الآية الأولى أيضاً بتقريب أنّ الأمر بالوفاء لا يمكن أن يشمل باطلاقه احتمال عدمه وارتفاعه، لأنّ الفسخ على تقدير نفوذه يرفع المعاقدة، وبه ترتفع الآث--ار المترتبة عليها التي منها وجوب الوفاء بها، فإذا شككنا في نفوذ الفسخ وعدمه فقد شككنا في أنّ الأمر بالوفاء باقٍ أو مرتفع، فلا يمكن التمسّك باطلاقه لرفع احتمال ارتفاعه بأن يقال إنّ الوفاء بالعقد وترتيب الأثر عليه واجب حتى في صورة ارتفاعه وعدمه.
ولأجل ذلك تصدّى شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه)(1)لبيان الفارق بين الآية الأولى والآيتين الأخيرتين بعد ما تعرض للاستدلال بالآيتين ولهذه المناقشة بعين ما استشكل به شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) فأفاد في وجه تخصيص الشيخ هذه المناقشة بالآيتين الأخيرتين وعدم تعميمها للآية الأولى : أن الاشكال المذكور لا يرد على الآية الأولى، لأن الحكم إنّما ثبت فيها للعقد بالمعنى المصدري - كما ذكرنا سابقاً وقلنا إنّ العقد بحدوثه موضوع للحكم بوجوب الوفاء - والفسخ على تقدير تأثيره لا يرفع العقد بالمعنى المصدري لأنّه حدث ولا يمكن رفعه، وإنما يرفع المعاقدة التي هي العقد بمعنى الاسم المصدري، وبما أنّ العقد لا يمكن رفعه فلا مانع من التمسّك باطلاق الحكم الثابت عليه عند الشك في بقائه وارتفاعه. وهذا بخلافه في الآيتين الأخيرتين فإنّ الفسخ على تقدير تأثيره يرفع الحلية الثابتة للبيع ومع
1) منية الطالب 3 : 12.
الشك في بقائها لا يمكن التمسّك بالاطلاق، هذا.
ولكن الانصاف أنّ الآيتين الأخيرتين قد لا تكون لها دلالة على اللزوم وعلى تقدير دلالتهما عليه لا يرد عليها إشكال شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) وعلى تقدير وروده فهو غير مختص بهما بل وارد على الآية الأولى أيضاً، فلنا ثلاث دعاوی :
الدعوى الأولى : أنّ الآيتين قد لا تكون لها دلالة على اللزوم.
الدعوى الثانية : أنّه على تقدير دلالتهما على اللزوم لا يرد عليهما إشكال شيخنا الأنصاري : (قدّس سرّه).
الدعوى الثالثة : أن إيراده (قدّس سرّه) على تقدير صحته لا يختص بهما بل هو وارد على الآية الأولى أيضاً.
أما الدعوى الأولى : فالوجه فيها بالنسبة إلى قوله تعالى (أَحَلَّ اللّه الْبَيْعَ) أنّ الحلّية إنّما رتبت على نفس البيع، كما أنّ الحرمة رتبت على نفس الربا لا على التصرفات، وعليه فلا يخلو المراد من الحلية من أحد احتمالات ثلاثة : فإما أن يراد منها الحلية التكليفية وهي الجواز والترخيص. وإمّا أن يراد منها الحلية الوضعية. وإمّا أن يراد منها الجامع بين الحلّية التكليفية والحلّية الوضعية.
فإن أريد منها الحلّية التكليفية، فمعنى الآية أنّ اللّه سبحانه رخص في البيع في مقابل الربا حيث حرّمه فمرتكب الربا مرتكب لأمر محرّم دون مرتكب البيع لأنّه أمر رخص فيه الشارع ولو كان البيع فاسداً، أيضاً، لأنّه ليس من المحرّمات الشرعية، ومن المعلوم أنّ الترخيص في البيع وتجويزه لا ربط له بلزوم البيع وعدمه ولا دلالة فيه على أنّ هذا الأمر المرخّص فيه لازم ولا ينفسخ بالفسخ، وهذا ظاهر.
وإن أريد منها الحلية الوضعية، فمعنى الآية أنّ البيع نافذ وصحيح في مقابل الربا فانّه باطل وفاسد، ولا دلالة فيها على أنّ البيع لازم أو غير لازم وإنما تقتضي
الحكم بصحته ونفوذه، وأما أنّه بعد صحته وتأثيره لا يرتفع بالفسخ أبو يرتفع فهو ممّا لا يستفاد من الآية الشريفة.
وإن أريد منها الجامع بين الحليتين كما هو ليس ببعيد، لأنّ تقسيم الحلية إلى الوضعية والتكليفية إنّما حدث بين الفقهاء والأصوليين وإلّا فالحلية إنّما هي في مقابل العقدة، فالبيع حلال أي أنّه مفتوح السبيل وليس بمغلق الباب. وهذا المعنى يشمل الترخيص بحسب التكليف والوضع، بمعنى أنّ التصرف في البيع بايجاده وترتيب الأثر عليه مفتوح السبيل ولا مانع منه في مقابل الربا الذي هو مغلق الباب وممنوع منه بجميع أنحاء التصرف فيه بايجاده أو بترتيب الأثر عليه، وعلى ذلك أيضاً لا يستفاد منها اللزوم بعد الانعقاد والصحة.
وأما بالنسبة إلى قوله تعالى (إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ) فَلأُنَّ الآية المذكورة تدلّ على أن أكل أموال الناس بالأسباب الباطلة حرام، وأما أكلها بسبب التجارة عن تراض فهو جائز وغير محرّم، ومن المعلوم أن المراد بالأكل ليس هو الازدراد والأكل في مقابل الشرب وإلّا لاختصت الآية بقليل من كثير من الأموال لأنّ نسبة المأكول من الأموال إلى غير المأكول منها كنسبة القطرة إلى البحر كالأراضي والأملاك والألبسة والحيوانات غير مأكولة اللحم، بل إنّما المراد بالأكل هو التصرف في المال كما هو شائع في الاستعمال حيث يقال إن فلاناً أكل مالي أو داري، وعليه فالتصرف في الأموال بسبب التجارة عن تراض جائز وهذا أي ربط له بلزوم المعاملة والبيع وعدم انفساخها، وهذا ظاهر.
وأمّا الدعوى الثانية : وهي عدم تمامية إشكال شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) على الآيتين الأخيرتين، فالوجه فيها أنّ التمسّك باطلاق الحكم حتى في رفع احتمال عدمه والقول بأن الحكم ثابت حتى على تقدير ارتفاعه وعدمه وإن كان أمراً غير معقول ولا معنى للتمسّك بالاطلاق عند الشك في ارتفاعه وإنما يتمسك
بالاطلاق عند الشك في قيد من قيود الموضوع، إلّا أنّ الغرض في المقام ليس هو التمسّك بالاطلاق كذلك، وإنما يراد التمسّك باطلاق الحكم بالحلية عند الشك في بقائها بعد صدور فعل من الأفعال الخارجية من المشتري أو البائع وهو الفسخ والرجوع، بمعنى أنا نشك في أنّ اللّه تعالى هل جعل الحلية إلى أن يفسخ أحدهما أو أنّه جعلها إلى يوم القيامة ولو مع فسخ أحدهما، وهذا شك في إطلاق الحكم م--ن حيث فعل المتبايعين، ولا مانع من التمسّك بالاطلاق بالاضافة إليه كما لا مانع من تقييد الحكم به بأن يقال إنّما يحلّ البيع أو التصرفات إلى أن يصدر الفسخ من أحدهما ولا يترتّب عليه أيّ محذور، فكما لا مانع من تقييده به فلا مانع من إطلاقه بالاضافة إليه وجعل الحلّية إلى الأبد ولو مع صدور هذا الفعل من أحدهما، فهذه المناقشة غير واردة من أساسها.
وأمّا الدعوى الثالثة : وهي أنّ الايراد على تقدير تماميته يرد على الآي--ة الأولى أيضاً، فالوجه فيها ظاهر لأنا إذا أغمضنا النظر عمّا ذكرناه في وجه الدعوى الثانية وبنينا على أنّ التمسّك بالاطلاق عند الشك في الفسخ أيضاً غير صحيح، فهذا يأتي في التمسّك باطلاق الأمر بالوفاء بالعقود أيضاً، لأن الحكم وإن رتب فيها على العقد بمعناه المصدري، والفسخ إنّما يتعلّق بالعقدة الحاصلة من المصدر إلّا أن العقدة إذا فسخت فلا محالة يرتفع وجوب الوفاء بالعقد ولو بمعناه المصدري، إذ لا معنى لوجوب الوفاء بالعقد بعد فسخ المعاملة.
وعليه فالشك في نفوذ الفسخ يرجع إلى الشك في وجوب الوفاء بالعقد وترتيب الآثار عليه، وقد بنينا على أنّ التمسّك باطلاق الحكم بالوفاء حتى على تقدیر ارتفاعه وشموله لصورة عدم نفسه غير معقول، هذا.
ويمكن الاستدلال بالآيتين على اللزوم بوجه آخر : وهو أن البيع عبارة عن الالتزام بملكية المثمن للمشتري وملكية الثمن للبائع، وهذا الالتزام لو لم يقيد بالخيار
مطلق بالاضافة إلى الزمان، لأنّه قد التزم بالملكية إلى يوم القيامة لا إلى زمان دون زمان، كما أنّه مطلق بالاضافة إلى الزماني وهو الفسخ، ومعناه أني التزمت بالملكية مطلقاً سواء رجعت عن التزامي وهو الفسخ أم لم أرجع، وأن الالتزام غير مقيد بعدم الرجوع فيه وغير موقت إلى زمان الرجوع. كما أن معنى جعل الخيار في البيع أنّ الالتزام بالملكية والبيع مقيّد بعدم الرجوع فإذا رجعت فالملك لي، ولا معنى للخيار إلّا ذلك، ولا محذور فيه إلّا أخذ الحكم في موضوع نفسه، وقد تقدم الجواب عنه في بحث أخذ قصد القربة في موضوع الحكم.
وعلى الجملة : لا محذور في الالتزام بالملكية مطلقاً سواء رجع عن التزامه أم لم يرجع فيه، فيكون جعل الخيار في البيع موجباً لتضييق دائرة الالتزام، لأنّه على تقدير عدم جعله يلتزم بالبيع والملكية سواء رجع عن التزامه بعد ذلك أم لم يرجع نظير من أودع عند أحد مالاً وأوصاه بعدم ردّه إليه ولو مع مطالبته المال بنفسه.
وإذا اتضح هذا فنقول : إن مقتضى الآيتين كما عرفت عبارة عن إمضاء المعاملة وما تعاقدا عليه، فإن كان العقد وما تعاقدا عليه التزاماً مقيداً بعدم رجوعه عن التزامه فيمضيها الشارع على نحو الجواز، وإن لم تكن المعاملة والالتزام مقيّداً بذلك بل مطلقاً من حيث رجوعه وعدمه فلا محالة يمضيها الشارع على نحو الاطلاق وأنّه ملك للمشتري أو البائع مطلقاً، سواء رجع أحدهما عن التزامه أم لم يرجع وبعد ذلك - أي بعد التزامه على نحو الاطلاق - إذا رجع فلا يمكن للشارع إمضاء ذلك الفسخ لأنّه يؤدّي إلى التناقض كما هو ظاهر، لأنّ المفروض أنّه أمضاها على نحو الاطلاق، ومعناه أنّ المثمن ملك للمشتري سواء رجع البائع عن التزامه أم لم يرجع ومعه فلا يعقل أن يمضي الشارع فسخ البائع، لأن معناه أنّه ملك للبائع عند الرجوع، وهذان لا يجتمعان.
وبالجملة : أنّ الآيتين تدلان على أنّ الشارع يمضي المعاملة حسبما أوقعها
المتعاقدان، والمفروض أنّهما أوقعاها على نحو يكون الالتزام مطلقاً ولا يحصل الانفساخ بالفسخ وهو معنى اللزوم. وقد ذكروا نظير ذلك في باب الوكالة وأنّه إذا اشترط التوكيل في ضمن عقد على نحو لا ينعزل الوكيل بالعزل فتثبت له الوكالة المطلقة ولا تزول برجوع الموكل عن التوكيل، وإن لم نرتض بذلك في الوكالة فراجع.
و ممّا استدل به شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1)على اللزوم قوله تعالى : (لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ) (2)والاستدلال بها على اللزوم يتوقف على أمرين :
أحدهما : أن المراد بالباطل هو الباطل العرفي وأن كل تصرف عُدَّ في العرف باطلاً حرام إلّا أن يدل دليل شرعي على جوازه وعدم كونه من الباطل، وهذا كما في حق المارّة والشفعة ونحوهما لأنّهما باطلان عرفاً لو لم يدل عليها دليل شرعي.
وثانيها : أنّ فسخ أحدهما وتصرفه في المال من دون رضا الآخر من الباطل عرفاً، وبعد ضم أحد هذين الأمرين إلى الآخر يثبت أن الفسخ والتصرف في المال باطل وحرام ولا يكون نافذاً لا محالة، هذا.
ولكن للمناقشة في الأمرين مجال، وذلك لعدم الدليل على أنّ المراد بالباطل هو الباطل العرفي، لأنّ الألفاظ موضوعة للمعاني النفس الأمرية والواقعية لا للمعاني المقيّدة بما يراه العرف، نعم رؤية العرف ونظره طريق إلى الواقع فيما إذا أمضاها الشارع لا أنّها جزء للمعاني، وعليه فالمراد بالباطل هو الباطل الواقعي في مقابل الحق والثابت، وبهذا المعنى صح قول الشاعر : ألا كل شيء ما خلا اللّه باطل
لعدم ثبوت غيره تعالى وأنّ غيره من الأشياء زائل تالف وليس بحق بل الحق هو اللّه جل شأنه، ومعه فلا يمكن الاستدلال بالآية في المقام لأنا نشك في أن الفسخ والتصرف في المال باطل واقعاً أو حق، ومع الشك في ذلك لا يصح التمسّك بالعام لأن الشبهة مصداقية.
فالاستدلال بجملة المستثنى منه بمجردها غير صحيح، نعم لو ضمّت إلى جملة المستثنى فيستفاد من مجموعها اللزوم، لأنّ المركّب منها يدلّ على حصر سبب حل التصرّف والأكل بالتجارة عن تراض، لأنّ الاستثناء من أدوات الحصر ومن الواضح أن الفسخ من دون رضا الآخر ليس من التجارة عن تراض فلا يكون موجباً لحل الأكل والتصرفات، هذا كلّه بناءً على أنّ المراد بالباطل هو الباطل الواقعي في مقابل الحق.
وأما بناءً على أنّ المراد بالباطل هو الباطل العرفي كما ادعاه شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (1)فحينئذٍ إن قلنا بأنّ الموارد الخارجة عن النهي خارجة عن عنوان الباطل العرفي بالتخصيص - بمعنى أنّ مثل حق المارّة والشفعة والخيار من الباطل العرفي حقيقة إلّا أنّ الشارع خصصها وأخرجها عن حكم الحرمة مع كونها داخلة في الموضوع - فلا مانع من التمسّك بعموم (لَا تَأْكُلُوا) الخ لاثبات عدم جواز الفسخ وعدم نفوذه، لأنّه باطل عرفاً ولم يرد مخصص يخرجه عن الحكم، وهذا ظاهر.
وأمّا إذا قلنا بأنّ موارد ترخيص الشارع خارجة عن الباطل العرفي حقيقة كما ذكره شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) فلا يصحّ التمسّك بالعموم لاثبات عدم تأثير الفسخ، وذلك لأنّ الموضوع للحكم حينئذٍ ليس هو الباطل العرفي بمجرده ب--ل الباطل العرفي بقيد أن لا يرخّص فيه الشارع، وإلّا فهو مع ترخيصه ليس م-ن
1) المكاسب 5 : 20.
الباطل الموضوع للحكم، وصدق هذا العنوان المقيّد بعدم ترخيص الشارع على الفسخ غير معلوم، إذ نحتمل أنّ الشارع رخّص فيه كما نحتمل عدمه، فنشك في أنّ الفسخ هل هو من أفراد الموضوع للحكم أو من غيرها، ومع الشك في الموضوع لا مجال للتمسّك بالعموم.
ومن جملة الوجوه التي استدلّ بها شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (1)في المقام قوله (صلى اللّه عليه وآله) : «لا يحلّ مال امرئ مسلم إلّا عن طيب نفسه» (2)ذكر (قدّس سرّه) أنّ وجه الاستدلال به يظهر ممّا قدمه في الاستدلال بقوله تعالى (وَلَا تَأْكُلُوا) الخ.
ولا يخفى أنّ الحلّية تارةً تحمل على الحلّية التكليفية فحسب فيقال لا يجوز التصرف في مال المسلم إلّا عن طيب نفسه، وعليه فلا مانع من الاستدلال به على حرمة الفسخ تكليفاً، لأنّه تصرف في مال المسلم من دون رضاه وهو أمر محرّم. وأخرى تحمل على الحلّية الوضعية كذلك أي فحسب بمعنى عدم الامضاء والنفوذ أي لا ينفذ تصرف الغير في مال المسلم إلّا بطيب نفسه، وعلى هذا أيضاً لا مانع م--ن الاستدلال به على عدم نفوذ الفسخ وعدم إمضائه، لأنّه أيضاً متعلّق بمال المسلم لا عن طيب نفسه، هذا بالاضافة إلى إرادة الحلّية التكليفية بمجردها أو الوضعية كذلك.
ولكن هل يصح في المقام إرادة الجامع بين الحليتين كما صح ذلك في مثل (أَحَلَّ اللّه البيع) على ما أشرنا إليه سابقاً حتى يمكننا أن نستدل بهذه الرواية على اللزوم وعدم تأثير الفسخ في المعاملات، أو أنّ إرادته غير ممكنة ؟ الظاهر ه-و
الثاني، لأنّ ظاهر قوله (صلى اللّه عليه وآله) «لا يحل مال امرئ مسلم» أنّ الموضوع للحكم هو المال الذي يكون مضافاً إلى المسلم والغير ومقارناً للتصرف فيه بحسب الزمان. وبعبارة أخرى : ظاهر الرواية أنّه لابد وأن يكون مال الغير متحققاً في رتبة سابقة على التصرفات وزمان سابق عليها بأن يحرز أن المال مال زيد مثلاً حينما يتصرف فيه المتصرف بالأكل والتملك وأشباههما، ومعلوم أنّه مع الفسخ لا يمكن إحراز هذا المعنى بأن يحرز أنّ المال الذي يتصرف فيه هذا المتصرف هو مال زيد المشتري، وذلك لاحتمال أنّه مال نفس هذا المتصرف بسبب الفسخ.
وعلى الجملة : إرادة الحلّية التكليفية بمجردها بالاضافة إلى مورد والوضعية بالاضافة إلى مورد آخر وإن كان ممكناً في نفسه، إلّا أنّ ظهور المال في المقام في كونه مالاً للغير المسلم في زمان سابق على التصرفات يمنعنا عن إرادة الجامع بينهما، وبما أشرنا إليه يظهر أنّ ارادة الحلّية الوضعية أيضاً أمر غير صحيح، هذا أوّلاً.
وثانياً : أن الحل والحرمة المضافتين إلى الموضوعات الخارجية لا معنى لها ظاهراً، إذ لا معنى مثلاً لحرمة ذات الماء أو الخمر أو الأمهات أو غير ذلك من الأعيان الخارجية، فلابد أن يراد في موارد إضافة الحرمة أو الحلية إليها الآث--ار الظاهرة فيها، أو إرادة جميع الآثار بحسب المناسبات الموجودة بين الأحكام وموضوعاتها حسب اختلاف الموارد والمقامات. مثلاً إذا ورد أنّ الخمر حرام فيما أنّه لا معنى لأن تكون ذات الخمر محرّمة فلابد أن نقدّر إرادة شربه، لأنّه أظهر الآثار المترتبة على الخمر، فنحكم بذلك على حرمة شرب الخمر فقط ولا نتعدى منها إلى حرمة بيعه أيضاً بنفس هذا الدليل، وإذا ورد( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ) (1)فلا محالة تحمل على إرادة حرمة نكاحهن، لأنّه الأثر الظاهر في النساء دون مثل النظر إليها أو
1) سورة النساء 4 : 23.
المعاملة معها ونحو ذلك. وفي المقام حيث أسندت الحلية إلى نفس المال وهي كما عرفت ممّا لا معنى لها، فلا مناص من حمله على الأثر المناسب له وليس هو إلّا التصرف فيه بأكل أو بنقل من مكان إلى مكان أو بنحو ذلك من التقلبات الخارجية.
وأما التصرفات الاعتبارية كتملك المال ونحوه فالحرمة منصرفة عنها كما لا يخفى. إذن لا دلالة للحديث على عدم حصول التملك بالفسخ كما أراده شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه).
وممّا استدلّ به شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1)في المقام قوله (صلى اللّه عليه وآله) «الناس مسلّطون على أموالهم»(2)ومقتضى سلطنة الشخص على ماله عدم جواز أخذه من يده وتملكه عليه، هذا.
ولا يخفى أنّ الرواية ضعيفة السند ولا يمكن الاعتماد عليها كما ذكرناه في البيع وعلى تقدير تسليم سندها لا دلالة لها على اللزوم لأن معناها أن المالك مسلّط على ماله وله التصرف فيه كيف ما شاء بأكله أو بيعه أو هبته وغير ذلك ممّا يوجب تلفه حكماً أو حقيقة، وليس لأحد منعه عن التصرف فيه لأنّ المالك ليس محجوراً عليه في التصرف بماله.
وعلى الجملة : فمقتضى السلطنة أن يتصرف في ماله بما شاء، ولا يستفاد منها أنّ غيره لا سلطنة له على المال ولا يتمكن من التصرف فيه ببيعه ونحوه، اللّهمّ إلّا من باب مفهوم اللقب وأنّ مفهوم كون المالك مسلّطاً على ماله عدم تسلّط الغير عليه، ولكن مفهوم اللقب ليس بحجة، وهذا نظير السلطنة الثابتة للأب على مال ولده فإنّ ثبوت سلطنة الأب عليه لا يدل على عدم سلطنة الجد عليه، بل كلاهما
مسلّطان ولها الولاية عليه.
وبالجملة : أنّ الرواية إنّما تنفي حجر المالك عن التصرف في ماله، وأمّا أنّ غيره لا سلطنة له عليه فلا يستفاد منها بوجه. هذا.
مع إمكان أن يقال إنّ الرواية رتبت سلطنة كل مالك ع-لى م-اله بمقتضى الاضافة، والفسخ رافع لموضوع السلطنة لأنّه يوجب خروج المال عن كونه مال الغير وصيرورته مال الفاسخ، ومن المعلوم أنّ الرواية لا نظر فيها إلى ما يثبت موضوع نفسها أو ينفيه، لأنّها تثبت السلطنة على فرض تحقق موضوعها وهو كون الشيء مالاً لشخص، وأما أنّ هذا المال مال للفاسخ أو لغيره فليست الرواية ناظرة إلى ذلك كما هو الحال في سائر القضايا الحقيقية. وعليه فلا منافاة بين نفوذ الفسخ وسلطنة كل مالك على ماله.
و ممّا استدلّ به (قدّس سرّه) (1)قوله (عليه السلام) «المؤمنون عند شروطهم» (2)وقد ذكر (قدّس سرّه) في تقريب الاستدلال به أن الشرط عبارة عن مطلق الالتزام والعهد فيصدق على مثل البيع وغيره من المعاملات. ثمّ ناقش فيه بأنّ الشرط لا يطلق على الالتزامات الابتدائية، هذا.
ونحن لو سلّمنا أن الشرط يستعمل في الالتزامات الابتدائية وقلنا بأنّ الشرط في مثل قوله (عليه السلام) «ما الشرط في الحيوان ؟ قال ثلاثة أيام للمشتري» (3)ونحوه مستعمل في الشرط الابتدائي، إذ لم يسبق من اللّه تعالى عهد أو عقد حتى يكون الشرط المذكور مذكوراً في ضمنه، وإنما شرطه اللّه تعالى
وعهده ابتداء - مع إمكان حمله على الشروط الضمنية بارجاعه إلى الامضاء بأن يقال إن امضاءه تعالى للعقد والبيع مشروط بالخيار في الحيوان كذا أو في المجلس كذا - فلا نسلّم صحة إطلاقه عرفاً على مثل البيع وغيره من المعاملات وإن كان شاملاً له بحسب معناه اللغوي، وذلك لعدم إطلاق الشرط على البيع، فإذا باع أحد داره فلا يصح أن يقال عرفاً إن فلاناً شرط داره بل يعد الاستعمال المذكور من الأغلاط. وعليه فمناقشة شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) في المقام في محلّها، هذا.
ثم إنّ استفادة اللزوم من قوله (عليه السلام) «المؤمنون عند شروطهم» في غاية الاشكال، لأنّ سياقه سياق قوله : المؤمن عند عدته، فهو إخبار بحسب الصورة وإن كان إنشاء بحسب المعنى فکأنّه يخبر عن أن المؤمن ملاصق لشرطه ووعده ولا ينفك عنه، إلّا أنّ الحديث أخذ في موضوعه «المؤمنون» وقد رتب على هذا العنوان قوله «عند شروطهم» ولم يرتبه على جميع الناس، فيستفاد من الحديث المذكور أنّ الحكم المذكور فيه من أحكام صفة الايمان وأنّ المؤمن بوصف أنّه مؤمن ولا يعصي اللّه تعالى لا ينفك عن شرطه بخلاف الفاسق الذي يعصي اللّه تعالى فانه ينفك عن شرطه ولا يلازمه، ومعه فيستفاد من الحديث المذكور أنّ ذلك حكم تكليفي فحسب. نعم لو كان عوض كلمة «المؤمنون» كلمة الشارطون ونحوها لكانت استفادة اللزوم منه بمكان من الامكان.
ثم إن إرادة وج وجوب العمل على طبق الشرط إنّما يتم فيما إذا كان متعلّقاً بفعل من الأفعال الخارجية كالنذر المتعلّق بالفعل لأنّه شرط فيراد منه وجوب العمل بذلك الفعل، أو إذا اشترط فعلاً كالخياطة في ضمن عقد - مثلاً - فيجب عليه العمل بذلك الشرط، وأما إذا تعلّق بأمر اعتباري كالملك في المقام فلا يمكن حمله على وجوب العمل على طبقه لأنّه ليس من الأعمال كما لعله ظاهر.
وإن شئت قلت : إنّ الاستدلال على اللزوم بقوله (عليه السلام) «المؤمنون عند
شروطهم» مخدوش صغرى وكبرى.
أما بحسب الصغرى، فلانا نمنع صحة إطلاق الشرط على الشروط الابتدائية عند العرف كالبيع والاجارة ولو قلنا باستعماله في ذلك في كلمات الفصحاء والأكابر، إلّا أنّ استعماله في مثل البيع ونحوه يعد من الأغلاط، لأنّ الشرط إنّما يستعمل في الربط الحاصل في ضمن عقد أو شيء آخر، وهذا ظاهر.
وأما بحسب الكبرى، فلأنّ ظاهر قوله (عليه السلام) «عند شروطهم» الذي هو بمعنى أنّهم ملاصقون لشروطهم كناية عن أنّهم يعملون به-ا ه-و الوجوب التكليفي، لأنّه إخبار عن أنّ المؤمن الذي لا يرتكب المعصية لا يتخلّف عن شروطه كقوله المؤمن لا يزني أو لا يكذب، والمقصود هو الكناية عن وجوب الترك في الأمثلة ووجوب العمل على طبق الشروط في المقام، ومن الظاهر أنّ المناسب للمؤمن هو ذلك، يعني أنّ المؤمن لا يرتكب الحرام فيعمل بشروطه دون غير المؤمن كما هو واضح. وأما إرادة اللزوم فهي لا تختص بالمؤمن، لأن البيع لو كان لازماً فلا يختلف بالاضافة إلى المؤمن أو الفاسق للزومه في كليهما، وهذا بخلاف الوجوب فانّ العمل على طبقه من خصائص المؤمن دون غيره.
ومن جملة ما استدلّ به شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (1)في المقام : ما دلّ على أن البيعين بالخيار ما لم يفترقا، وأنّه إذا افترقا وجب البيع، وأنّه لا خيار لها بعد الرضا (2). وقد استدل (قدّس سرّه) بهذه الأخبار على اللزوم في خصوص البيع دون غيره من المعاملات لوضوح اختصاص الأخبار بالبيع. وتقريب الاستدلال بها واضح، فإنّ المستفاد منها أنّ البيع لازم بعد الافتراق والرضا وأنّه لا ينفسخ
بالفسخ والرجوع، هذا.
وقد أورد عليه المحقق الخراساني (قدّس سرّه) (1)وتبعه غيره بأنّ هذه الأخبار لا دلالة لها على لزوم البيع بعد الافتراق من جميع الجهات ولو من جهة خيار الغبن أو العيب ونحوهما، وإنما هي تدلّ على اللزوم من جهة خيار المجلس فقط وأنّه بعد الافتراق لازم من ناحية خيار المجلس، وأمّا أنّه لازم من جهة أمر آخر أو سائر الخيارات فهي ليست بصدد بيان ذلك فلا إطلاق فيها بالاضافة إليها حتى يتمسك باطلاقها عند الشك في انفساخها بالفسخ والرجوع.
وهذا الكلام من الغرائب، لأنّ الروايات المذكورة ظاهرة في أنّ البيع لازم بعد الافتراق وبعد حصول الرضا منهما، وكونه كذلك غير مقيد بشيء، فاطلاقها يقتضي اللزوم سواء كان هناك غبن أم لم يكن وسواء كان المبيع معيباً أم لم يكن، بل هذا الاطلاق من أقوى الاطلاقات في الفقه فإنّ بعض الأخبار تعرّضت إلى خيار الحيوان ودلّت على أن الشرط فيه ثلاثة أيّام وفي المجلس ما لم يفترقا وأنّه بعد ذلك يكون لازماً، فمنه يظهر أنّ لها نظراً إلى سائر الخيارات وکأنّها دلّت على أن البيع لازم من جميع الجهات ومن تمام الحيثيات.
ثم إن المتحصّل من جميع ما ذكرناه في المقام : أنّ المعاملة إذا كانت تقتضي الملكية فعلاً فيتمسك لاثبات لزومها بقوله تعالى (لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ) (2)لأنّه دلّ على حصر السبب المحلّل للأكل بالتجارة عن تراض، والفسخ ليس تجارة عن تراض فيكون أكل المال بذلك من
الأكل بالباطل، وبقوله تعالى (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (1)لما تقدّم من دلالته على اللزوم. وأما إذا لم تقتض الملكية فعلاً وإن اقتضتها بعد ذلك كما هو الحال في المضاربة والمساقاة والسبق والرماية وغيرها ممّا لا يقتضي الملكية قبل العمل فيتمسك لاثبات لزومها بعموم (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) ولا يصح التمسّك ف-ي-ه-ا بقوله تعالى (لَا تَأْكُلُوا) الخ، إذ لا ملكية في البين حتى يقال إنّ فسخها والرجوع فيها أكل للمال بالباطل. نعم بعد حصولها لا مانع من التمسّك به أيضاً.
ثم إن الشيخ (قدّس سرّه) (2)تعرّض إلى الاستصحاب وذكر أنّه ربما يتمسك في المقام باستصحاب عدم انقطاع علاقة المالك الأول عن العين، وبه يصح أن يرجع في البيع أو غيره من المعاملات، وهذا الأصل حاكم على استصحاب الملكية بعد فسخ أحدهما، لأنّ الشك فيهما من قبيل الشك السببي والمسبّبي، إذ الشك في بقاء الملكية وعدمه ناشئ عن الشك في جواز فسخ المالك وعدمه، فإذا استصحبنا العلقة السابقة فمقتضاه أنّ المالك يجوز أن يفسخ المعاملة وبه يرتفع الشك في بقاء الملكية وعدمه.
وأجاب (قدّس سرّه) عن ذلك : بأنّ المراد إن كان هو بقاء علاقة الملك أو بقاء الآثار المترتبة على الملك كجواز الوطء في مثل الأمة ونحوه، فهذه العلاقة وإن كانت ثابتة قبل المعاملة، إلّا أنا نقطع بزوالها بالبيع، فلا شك لنا في بقائها لنستصحبها.
وإن أريد بالعلاقة علاقة الملك بمعنى السلطنة على إعادة العين وتملّكها
فهذه العلاقة وإن كانت مشكوكة إلّا أنّها لم تثبت للمالك ما دام مالكاً حتى نستصحبها، فإنّها لو ثبتت فإنّما تثبت بعد خروج العين عن ملكه، وحينئذ يمكن أن يقال إنّه مسلّط على إرجاعها وتملّكها، وأما مع كونها تحت ملكه فلا معنى لتسلّطه على إرجاعها إلى ملكه مع أنّه مالك لها، فهذه العلاقة لا حالة سابقة لها فلا يجري فيها الاستصحاب، ومعه فيبقى استصحاب الملكية بلا معارض.
وإن أريد بالعلاقة العلاقة الثابتة للمالك في المجلس للقطع بأنّه ما دام لم يفترقا يتمكن من إرجاعها، فيستصحب هذا التمكّن والعلاقة إلى ما بعد افتراقها فالجواب عنه أمران : أحدهما : أنّ ذلك أخص من المدّعى، لامكان فرض الكلام لم يثبت فيه خيار المجلس كما إذا اشترطا سقوطه في ضمن المعاملة ويأتي موارد عدم خيار المجلس عن قريب إن شاء الله، بل لا يصح الرجوع إلى الاستصحاب حتى في موارد ثبوت خيار المجلس بناءً على أنّ الشك في استمرار حكم المخصص يُرجع فيه إلى عموم العام - وهو هنا (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) - لا إلى الاستصحاب.
وثانيهما : أنّ الأخبار دلّت على ارتفاع تلك العلاقة بعد الافتراق، ومع دلالة الدليل على الارتفاع لا مجال للاستصحاب.
وكيف كان، فلا، فلا يبقى مجال لاستصحاب بقاء العلاقة ويجري استصحاب الملكية بلا مزاحم. ثمّ أمر (قدّس سرّه) بالتأمل، هذا ملخص ما أفاده في المقام.
ولا يخفى أنّ ما أفاده (قدّس سرّه) من جریان استصحاب الملكية بعد الافتراق إنّما يتم فيما إذا قلنا بمقالة المحقق الخراساني (قدّس سرّه) من عدم دلالة الأخبار الواردة في خيار المجلس على لزوم البيع من جميع الجهات، وإنما دلّت على لزومه من جهة خيار المجلس فقط، إذ حينئذٍ لا مانع من استصحاب الملكية بعد فسخ أحدهما وأما بناء على ما أفاده (قدّس سرّه) وقوّيناه من دلالة الأخبار على لزوم البيع بعد الافتراق من جميع الجهات فلا وجه للتمسّك باستصحاب الملكية حينئذ لوجود
الدليل على الملكية.
وبالجملة : أنّ هذه الروايات كما تمنع من جريان استصحاب عدم ارتفاع العلقة الثابتة في المجلس لدلالتها على اللزوم بعد الافتراق، كذلك تمنع من جريان استصحاب الملكية بعده.
وكيف كان فلا وجه للتمسّك باستصحاب الملكية مع وجود الروايات. ولعله إلى ذلك أشار بالأمر بالتأمل.
ثم إنّه (قدّس سرّه) (1)تعرّض إلى كلام العلّامة (قدّس سرّه) في المختلف(2)وذكر أنّ ظاهره أنّ الأصل عدم اللزوم عند الشك في مثل المسابقة من أنّها لازمة أو جائزة. وقال إن من تأخر عنه (قدّس سرّه) لم يردّه إلّا بعموم قوله تعالى (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) ثمّ ذكر أنّ التمسّك بأوفوا بالعقود في مثل المسابقة ونحوها ممّا لا يتضمّن تمليكاً أو تسليطاً قبل العمل وإن كان صحيحاً وبه نحكم بلزومها إلّا أنّه لولا عموم هذا الدليل لم يكن مانع من استصحاب عدم اللزوم في مثل المسابقة لعدم اشتمالها على تمليك أو تسليط قبل العمل ويجوز لها الرجوع، فإذا رجع أحدهما بعد العمل وشككنا في لزومها حتى لا يؤثر فيها الفسخ وجوازها حتى يؤثر ف-ي-ه ف-يتمسك باستصحاب الجواز، وبه نثبت أنّ الأصل في مثل المسابقة عدم اللزوم. وكيف كان فقد استحسن هذا الاستصحاب في المسابقة، هذا.
وقد ذكرنا تفصيل ذلك في بحث الاستصحاب التعليقي(3)وذكرنا أنا لا نقول بجريان الاستصحاب في الأحكام الكلّية الإلهية، وعلى تقدير القول به فلا نقول
بجريانه في الأحكام التعليقية، إلّا أنّه لا مانع من جريان الاستصحاب في مثل المسابقة والجعالة ونحوهما فيما إذا قلنا بجريانه في الأحكام الكلية، إذ ليست تلك العقود من قبيل الأحكام التعليقية، وذلك لأنّ الحكم في موارد التعليق غير محقق فعلاً ومعلّق على ثبوت أمر آخر وهو المعلّق عليه، ولذا أنكرنا جريان الاستصحاب فيه، وفي هذه العقود ليس الالتزام تعليقياً بل هو فعلي والملتزم ب-ه أم-ر ت-قديري وذلك لأنّ الالتزام فيها على نحو القضية الحقيقية وکأنّه انعقد على أنّ كل من سبق الآخر فله كذا، فالحكم والالتزام فعلي والملتزم به وهو الجزاء معلّق على تحقق السابق على الآخر خارجاً، ولأجله إذا شككنا بعد العمل في أنّ الالتزام هل يرتفع بالفسخ أو لا يرتفع فيستصحب الالتزام السابق لا محالة، لأن الالتزام الفعلي بعد ما صدر منهما فقد أمضاه الشارع حسب الفرض فلو بدا لأحدهما في التزامه بعد العمل فلا يبدو للشارع في إمضاء التزامها.
وعلى الجملة : يجري استصحاب الالتزام في المسابقة ونحوها بلا إشكال كما ذكرنا تفصيل ذلك في الأصول وتعجّبنا من شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) تبعاً لشيخنا الأستاذ (قدّس سرّه) حيث إنّه التزم بجريان الاستصحاب في الأحكام التعليقية ولم يلتزم به في المقام أعني عقود المسابقة والجعالة ونحوها - ولعله م--ن جهة عدم ثبوت اللزوم قبلها فيكون من الاستصحاب التعليقي - لأنّه كما عرفت يستصحب الجواز دون اللزوم، وياليته عكس الأمر والتزم بجريان استصحاب اللزوم في المقام ومنع من جريانه في الأحكام التعليقية.
ثم إنّ ما ذكرناه من أنّ الأصل في المعاملات اللزوم من جهة عموم (أَوْفُوا بالعقود) أو الاستصحاب أو غيرهما إنّما هو في الشبهات الحكمية كما إذا شككنا في
أن البيع لازم أو جائز، وأما في الشبهات الموضوعية كما إذا شككنا في أن الواقع في الخارج هل هو عقد بيع حتى يحكم بلزومه أو أنّه عقد هبة حتى يحكم بجوازه للعلم بخروج مثل الهبة عن عموم (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) وغيره من الأدلة الدالة على اللزوم فإن قلنا بجواز التمسّك بالعام في الشبهات المصداقية فلا مانع من التمسّك بعموم (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) لاثبات اللزوم.
وأما إذا منعنا عنه فإن كان هناك أصل موضوعي يثبت الجواز أو اللزوم فهو المتبع، وهذا كما إذا شككنا في أنّ الهبة ممّا قصد به القربة حتى لا يجوز فيها الرجوع لأن ما كان اللّه فلا رجوع فيه، أو أنّها ممّا لم يقصد به القربة فيجوز الرجوع فيها، لأن الأصل في مثله عدم قصد القربة وبه يثبت الجواز.
فكذلك الحال فيما إذا شككنا في أنّ بين الواهب والمتهب قرابة وأنّ الهبة إليه هبة إلى ذي الرحم حتى يحكم بلزومها أو أنّه لا قرابة بينهما وأن الهبة إليه هبة إلى غير ذي الرحم فيحكم بجوازها، لأنّ الأصل يقتضي عدم القرابة بينهما وأنّه لم يتولّد المتهب من أمه أو عمه ونحوهما وبه يثبت الجواز.
أو إذا شككنا بعد انقضاء المجلس في أنّها هل جعلا الخيار في البيع أم لم يجعلاه فيستصحب عدم جعلها الخيار وبه يثبت اللزوم.
وإن لم يكن في البين أصل موضوعي - وهذا كما إذا شككنا في أنّ الواقع عقد بيع أو هبة أو أنّه صلح أو عقد جائز آخر - فلابد من الرجوع إلى استصحاب الملكية بعد رجوع أحدهما وفسخه لأجل الشك في ارتفاعها به، هذا فيما إذا قلنا بجريان الاستصحاب في الأحكام ولو في الشبهات الموضوعية كالمقام.
وأمّا إذا بنينا على عدم جريان الاستصحاب في الأحكام حتى في الشبهات الموضوعية من جهة الشك في مقدار المجعول من الابتداء، إذ لا نعلم أنّ الملكية هل جعلت إلى زمان الفسخ أو إلى الأبد ولو بالاضافة إلى هذا الفرد من العقد، فالأصل
الجاري في المجعول بعد الفسخ يعارض الأصل الجاري في عدم الجعل في المقدار الزائد وهو ما بعد زمان الفسخ.
وعليه فيشكل الأمر في المقام ولا محيص حينئذ إلّا أن يقال إن الثابت بالأدلة المتقدمة كأوفوا بالعقود وغيره أن كل عقد لازم وإنما خرج من ذلك الهبة فإذا أثبتنا عدم كونه هبة - فيما إذا شككنا في أنّه صلح أو هبة - فلا نحتاج إلى إثبات أنّه صلح في الحكم باللزوم، بل بمجرد أنّه لم يكن هبة فهو لازم بمقتضى العموم المذكور.
وبكلمة أخرى : نثبت عدم كون العقد الواقع هبة باستصحاب العدم الأزلي وبعد عدم كونه هبة يدخل تحت العموم، وقد فرضنا أنّ العقود لازمة فيتمسك بالعموم فيه لا من باب التمسّك بالعموم في الشبهات المصداقية بل من جهة إحراز أنّه من أفراد العموم ببركة إجراء الأصل في العدم الأزلي، هذا فيما إذا لم يكن لكل واحد من المحتملين أثر يترتّب عليه كما في مثل الصلح والهبة.
وأما إذا كان لكل واحد من المحتملين أثر يترتّب عليه كما إذا شككنا في أنّ الواقع عقد بيع أو هبة، حيث إن أثر البيع وجوب دفع الثمن إلى البائع وأثر الهبة جواز الرجوع فيها وكون الفسخ مؤثراً، ففي مثل ذلك يكون الأصل الجاري في كل واحد منهما معارضاً بالأصل الجاري في الآخر، ولا يجري فيه ما ذكرناه من التمسّك بالأصل في العدم الأزلي فينتهي الأمر إلى التصالح بينها.
وأما ما ذكره شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (1)من الرجوع إلى البراءة عن وجوب دفع العوض فهو إنّما يتم قبل الفسخ ولا يتم فيما إذا فسخ، لأنّه إذا فسخ فيعلم بوجوب أحد الأمرين عليه إجمالاً، فاما أنّه يجب عليه دفع العوض إلى المالك لو كان بيعاً في الواقع، وإمّا أنّه يجب عليه دفع نفس العين لو كان هبة، ومعه ف--لا
1) المكاسب 5 : 24.
تجري البراءة عن وجوب دفع العوض بل لابد من المصالحة بينهما.
أقسام الخيار وإن كانت كثيرة وربما عدها بعضهم إلى أربعة عشر قسماً إلّا أن جلها يرجع إلى خيار تخلّف الشرط، ولذا لم يتعرّض شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) إلّا إلى سبعة منها لأنّها العمدة.
والأوّل منها خيار المجلس، وقد سمّي هذا الخيار الثابت للمتبايعين قبل الافتراق بخيار المجلس من جهة أنّ الغالب تحققه في حالة الجلوس وإلّا فلا اختصاص له بالمجلس أبداً، ولذا يتحقق فيما إذا تعاملا قائمين من دون جلوس. كما أنّه لا اختصاص لهذا الخيار بالمكان لثبوته فيما إذا كانا ماشيين أو كان أحدهما في حالة العدو والفرار والآخر يتبعه
ومنه يتضح أنّه لا وجه لما يتراءى من كلام شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) من اختصاصه بالمكان، لما عرفت من ثبوته حال الفرار والمشي ما لم يتفرّقا، ولذا لو كان يعبّر عن هذا الخيار بخيار الاجتماع في مقابل الافتراق لكان أولى وأحسن.
وهذا الخيار لا إشكال في ثبوته بينهم للنصوص المستفيضة الدالة على أنّ البيعين بالخيار ما لم يفترقا وإذا افترقا وجب البيع (1)أو بعبارات أخرى نحوها.
ثم إن شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) ذكر موثقة عن الصادق (عليه السلام) حاكية عن علي (عليه السلام) أنّه قال : «إذا صفق الرجل على البيع فقد وجب (2)ثمّ أفاد أن الرواية المذكورة وإن كانت موثقة إلّا أنّها مطروحة أو مؤوّلة في مقابل الأخبار
المستفيضة الدالّة على ثبوت هذا الخيار كما أوّلها بعضهم فحملها على التقية، هذا.
والظاهر أنّ الموثقة لا تحتاج إلى طرح أو تأويل لعدم دلالتها على نفي الخيار وذلك لأن معنى التصفيق على ما في اللغة ضرب أحدهما يده على يد الآخر دلالة على لزوم البيع وكناية عنه، فإذا صفقا فمعناه أنّهما ألزما البيع باسقاطها الخيار. ولا ينبغي الاشكال في أنّهما إذا أسقطا الخيار وجب البيع ولزم، وهذا لا يدلّ على عدم ثبوت خيار المجلس فيما إذا لم يسقطا الخيار حتى يحتاج إلى الطرح أو التأويل.
و ممّا يؤكد ما ذكرناه : وجود لفظ البيع في الموثّقة حيث قال (عليه السلام) «إذا صفق الرجل على البيع» فإنّه يستفاد منه أنّ البيع كان متحققاً بينهما ثمّ حصل التصفيق منهما لاثبات لزومه باسقط الخيار لا أنّهما صفقا لا يجاد البيع.
لا إشكال في ثبوت خيار المجلس للمالك والوكيل في الجملة. وأما أنّه هل يثبت للوكيل مطلقاً فهو مورد الخلاف بينهم، وتوضيح ذلك : أن الوكيل على ثلاثة أنحاء :
الأول : أن يكون الوكيل وكيلاً في مجرد إجراء العقد والصيغة بين المتعاملين من دون أن يكون وكيلاً في رة الثمن أو المثمن أو تبديلها بشيء آخر أبداً كما يشاهد ذلك في مثل النكاح والمعاملات الواقعة على الأموال الخطيرة حيث يوكلون العالم بالصيغة وشرائطها في إجراء العقد الواقع على المال المعين بازاء العوض المعيّن، وفي هذا النحو لا قدرة للوكيل في غير إجراء العقد بل هو کأنّه لسان الموكل لا أكثر وكأنّ الموكل يجري الصيغة بلسان الغير.
الثاني : أن يكون الوكيل وكيلاً مفوّضاً في بيع المال إلى أي شخص أراد أو بأية قيمة شاء، وهذا كما يتفق في الدلالين حيث يعطي مالك المال ماله إلى الدلال
ويوكله في بيعه ويفوّض أمر المال إليه، فله أن يبيعه لمن شاء وبأية قيمة أرادها وهو الذي تنقضي وكالته بالبيع أو الشراء.
الثالث : أن يكون الوكيل وكيلاً مفوّضاً بنحو أوسع من الثاني بأن يكون وكيلاً في بيعه ومختاراً في بيع ثمنه أو المثمن بشيء آخر وبيع العوض الثاني وهكذا وکأنّه المالك بعينه، فهو مفوّض في جميع التصرفات الواقعة على المال برده وقبوله وبيعه وفسخه، وهذا كما في عامل المضاربة فانّه وكيل من قبل المالك في التصرف في المال بأيّ نحو أراد، هذه أقسام ثلاثة للوكيل.
أما القسم الأول : فقد ذهب شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (1)إلى عدم ثبوت الخيار له خلافاً لما حكي عن صاحب الحدائق (قدّس سرّه) (2)حيث ذهب إلى ثبوته للوكيل في إجراء الصيغة حتى مع منع المالك عن ثبوته للوكيل.
وقد استدل الشيخ (قدّس سرّه) (3)على ذلك بوجوه
منها : أنّ أدلّة خيار المجلس منصرفة عن الوكيل في اجراء العقد
وفيه : أنّ الانصراف إما من جهة مادة البيع أو من جهة هيئة «بيع» الذي هو فعيل من البيع. أما دعوى انصراف المادة فهي واضحة الفساد، لأن البيع عبارة عن تبديل مال بمال والوكيل بدل مالاً بمال فلماذا لا يصدق عليه البيع ؟ نعم إنّما باعه وبدله لا لنفسه بل لغيره، إلّا أنّ ذلك لا يوجب انصراف البيع عنه وإلّا فالوكيل المفوّض الذي التزم هو (قدّس سرّه) بثبوت الخيار له ممّن يصدق عليه البيع مع أن--ه يبيعه للغير أيضاً، وهكذا ولي الطفل إذا باع مال الطفل، وكذا الحال في بيع الحاكم
وبيع الوقف ونحوهما، فلا وجه للانصراف بحسب المادة.
وأما بحسب الهيئة فمن الظاهر أنّ الهيئة إنّما تدلّ على ثبوت المادة في من تلبس بها وأنّه متلبس بها فعلاً، ولا تدلّ على خصوصية أخرى توجب انصراف البيع عن الوكيل، فدعوى الانصراف ساقطة.
ومنها : أن خيار الحيوان قد ذكر في الروايات(1)مقارناً مع خيار المجلس وموضوعهما واحد حيث سئل (عليه السلام) عن الشرط في الحيوان فقال : ثلاثة أيام، وفي غير الحيوان إلى إن يفترقا، وبما أنّ خيار الحيوان لا يثبت للوكيل ولا يلتزم فقيه بثبوته للوكيل فكذلك في خيار المجلس، وذلك لأنّهما وإن لم يكونا من قبيل المطلق والمقيد لأن أحدهما أجنبي عن الآخر إلّا أن سياق الجمع يشهد باتحاد المراد بالبيع في المقامين، هذا.
ولكنّه ينبغي أن يعدّ من غرائب الكلام، لأنّ موضوع خيار الحيوان هو صاحب الحيوان ومالكه، وموضوع خيار المجلس البيعان، فهما حكمان على موضوعين لا ربط لأحدهما بالآخر، نعم لو كان الموضوع في خيار الحيوان أيضاً البيعان وكنا قطعنا بارادة المالك في أحدهما لكنا حكمنا بارادة المالك في الآخر أيضاً، إلّا أنّ الأمر ليس كذلك، لأنّ خيار الحيوان إنّما يثبت على عنوان صاحب الحيوان فكيف يمكن استفادة أنّ المراد بالبيعين هو المالكان من جهة أنّ المراد من صاحب الحيوان هو المالك.
وقد يقال : إنّ نظر المستدلّ إلى مثل صحيحة محمد بن مسلم : «المتبايعان بالخيار ثلاثة أيام في الحيوان وفيما سوى ذلك من بيع حتى يفترقا» حيث إنها رتبت خياري المجلس والحيوان على موضوع واحد هو «المتبايعان» وبما أنا علمنا
1) راجع الوسائل 18 : 6 / أبواب الخيار ب 1 ح 3، وأورد صدره في ص 11 ب3ح 5.
بالقرائن الخارجية أنّ المراد بالمتبايعين في خيار الحيوان هو المالكان فوحدة السياق تقتضي أن يكون المراد بالمتبايعين في خيار المجلس أيضاً هو المالكان، دون غيرهما.
والجواب عن ذلك : أنّ المراد الاستعمالي من المتبايعين واحد في كلا الخيارين وإنما علمنا بالقرائن الخارجية أنّ المراد الجدّي من المتبايعين في أحدهما هو المالكان دون مطلق المتبايعين، بل ولا يشمل البائع أيضاً لانحصاره بالمشتري الذي ه-و صاحب الحيوان، إلّا أنّ العلم بالمراد الجدّي في أحدهما لا يوجب إرادة ذلك في موضوع الآخر بل نأخذ باطلاق المتبايعين في موضوع خيار المجلس لعدم ثبوت المقيّد، ونرفع اليد عن إطلاق الموضوع في خيار الحيوان لأجل القرينة الخارجية الكاشفة عن ضيق دائرة الارادة الجدّية. وهذا نظير ما إذا ورد : أن الدم نجس ويحرم أكله ولا تجوز الصلاة فيه، حيث رُتبت الأحكام الثلاثة على موضوع واحد هو الدم، ثمّ ورد جواز الصلاة في الدم فيما إذا كان أقل من درهم، فانكشف أنّ موضوع عدم جواز الصلاة هو الدم الذي يكون بمقدار درهم أو أكثر، فإنّ ذلك لا يكشف عن تقيّد موضوع الحكمين الآخرين بل هما باقيان على إطلاقها، وهذا ظاهر.
و ممّا ذكرنا يظهر ضعف الاستدلال على ذلك بأن غيره من الخيارات تختص بالمالك ولا يثبت في حق الوكيل، فكذلك خيار المجلس لابد وأن يثبت في حق المالك دون الوكيل، وذلك لأنّ الموضوع في سائر الخيارات لو كان هو البيعان لقلنا أيضاً بعدم اختصاصها بالمالك في غير خيار الغبن، لأن الضرر فيه يتوجه على خصوص المالك دون الوكيل وإنما قلنا باختصاصها بالمالك من جهة كون موضوعها هو المالك ونحوه.
ومنها : أن الحكمة في جعل خيار المجلس هي تروّي المالك وتفكره حتى لا يتندّم بعد البيع فهي إرفاق للمالك، وهذه الحكمة لا تأتي في الوكيل، فالحكمة الداعية
إلى جعل الخيار لا توافق ثبوته للوكيل.
وفيه : أن الحكمة في الخيار وإن كانت هي الارفاق إلّا أنّها ليست بمنصوصة حتى يدور الخيار مدارها، لأن المدار على العناوين المذكورة في الأدلة، وعنوان البيِّع يشمل الوكيل وإن لم تكن الحكمة جارية في حقه. وممّا يدل على عدم تبعية الخيار للحكمة أنّ الخيار لا إشكال في ثبوته بالاضافة إلى المالك فيما إذا قطعنا بأنّ البيع مصلحة في حقه وأنّه يتندّم قطعاً باخبار المعصوم أو بالاطمئنان الخارجي.
ومنها : الذي هو العمدة في الوجوه المذكورة في كلام شيخنا الأنصاري(1)أنّ أدلّة الخيار إنّما تثبت السلطنة على استرداد المال المنتقل عنه بعد تسلّطه على ردّ المال المنتقل إليه، فموضوع أدلّة الخيار هو التمكّن من ردّ المال المنتقل إليه، وه-ذا الموضوع لابد من إحرازه قبل ثبوت الحكم لا محالة، ولا يمكن إثباته بالحكم الذي هو الخيار، لأن الحكم لا يثبت موضوعه، ثمّ أيّد ذلك بقوله «ألا ترى أنّه لو شك المشتري في كون المبيع ممّن ينعتق عليه لقرابة أو يجب صرفه لنفقة أو إعتاقه لنذر فلا يمكن الحكم بعدم وجوبه لأدلّة الخيار بزعم إثباتها للخيار المستلزم لجواز رده على البائع وعدم وجوب عتقه».
ويرد عليه : إن ما أفاده أصلاً وفرعاً ممّا لا يرجع إلى محصل.
أما بحسب الأصل، فلأنّه صرّح في باب المعاطاة (2)عند بيان الفرق بين الجواز الثابت في المعاطاة والجواز الثابت في الخيار وكذا في أوّل بحث الخيار (3)وفي
بحث الشروط على ما سيأتي (1)بأنّ موضوع الخيار هو حل العقد دون المالين، ولذا يمكنه فسخه بعد تلف العين بأكلها أو ببيعها مع أنّه غير متمكن من ردّ ما انتقل إليه حينئذ، فلا يشترط في ثبوت حق الخيار أن يكون متمكناً من ردّ المال المنتقل إليه. وأما بحسب الفرع، فلأنّ التمكّن من الفسخ وثبوت الخيار لا يتوقف ع--ل-ى إحراز أنّ المال المنتقل إليه ليس ممّن يجب إعتاقه أو صرفه أو ممّن ينعتق عليه بوجه لما مرّ من أن الخيار متعلّق بالعقد فله أن يفسخ العقد ولو مع عدم التمكن من ردّ المال المنتقل إليه، غاية الأمر يدفع إلى المالك مثله أو قيمته، هذا مضافاً إلى أنّ له إثبات عدم كونه ممّن ينعتق عليه بأصالة عدم القرابة بينهما كما يمكنه إثبات عدم وجوب عتقه أو صرفه بأصالة عدم وجوبها، بل لو علم بوجوبها أمكنه الرد إلى المالك لأن الواجب من الاعتاق والصرف في النفقة إنّما هو إعتاقه أو صرفه بعد فرض دخوله في ملكه، والمفروض أنّه يخرجه عن ملكه بالردّ، غاية الأمر أنّه يرتكب المعصية بتعجيز نفسه عن الاعتاق والصرف الواجبين في حقه برده المال وإخراج-ه ع-ن ملكه، وهذا لا يمنع عن ثبوت الخيار، وكيف كان فهذا الوجه غير وجيه ولا يمكن المساعدة عليه بوجه.
ومن هنا وجه شيخنا الأستاذ (2)كلام شيخنا الأنصارى بأن مفاد أدلّة الخيار أن الخيار الذي هو عبارة عن السلطنة على نقض ما التزم به الآخر إنّما يثبت لمن كان له سلطنة على نقض ما التزم به نفسه بالاقالة. وبعبارة أخرى : أنّ موضوع الخيار عبارة عمّن يتمكن من رفع يده عمّا انتقل إليه بالاقالة فيما إذا رضي به الآخر، فانّه يتمكن بالخيار من نقض ما التزم به الآخر ولو من دون رضاه.
وهذا التوجيه أيضاً لا يرجع إلى أمر محصل، وذلك لأن الفسخ والاقالة كلاهما متعلّقان بالعقد ويوجبان حلّه، ولا فرق بينهما إلّا في أنّ الاقالة مشروطة برضى الآخر دون الفسخ، إذ لا يشترط فيه رضى الطرف الآخر، وليست الاقالة عبارة عن حل العقد من طرف نفسه والفسخ حلّه من كلا الطرفين، لأن العقد كالعقدة بين حبلين لا يقبل الحل من طرف واحد، فلو حلّ من طرف أحدهما فقد حلّ من طرف الآخر أيضاً كالفسخ، غاية الأمر أن أحدهما مشروط بالرضا دون الآخر.
وبالجملة : أنّ العقد لا يتبعض بحسب الانفساخ بأن ينفسخ من طرف أحدهما دون طرف الآخر، ولا يقاس الحلّ والفسخ بالالتزام فانه يعقل أن يكون من طرف أحدهما دون الآخر، وأما الحل فلا كما لا يخفى.
وعليه فلا تقدّم للاقالة على الفسخ حتى يقال إنّ الاقالة مأخوذة في موضوع الفسخ، بل كلاهما أمران يوجبان حل العقد وفسخه بلا تقدم أحدهما على الآخر. وكيف كان فما أفاده ممّا لا يمكن الالتزام به، هذا كله بحسب الحل.
وأما بحسب النقض، فينتقض ما أفاده بالنكاح فإن أحد الزوجين فيه يتمكن من فسخ العقد بأحد العيوب المذكورة في بابه مع أنّه لا يتمكن من إقالته لأنّه لا يقبل الاقالة، كما ربما يتحقق التمكّن من الاقالة من دون أن يتمكن من الفسخ وهذا كالبيع بعد زمان المجلس فانّه لا يتمكّن من فسخه لعدم الخيار ويتمكن من إقالته كما هو واضح، فلو كان مراده (قدّس سرّه) من التوجيه أنّ الاقالة مأخوذة في موضوع الفسخ فقد مرّ أنّه ممّا لا يرجع إلى محصل، وإن أراد من ذلك أن أدلّة الخيار تنصرف إلى صورة التمكّن من الاقالة فهو داخل في الجواب الأول الذي ذكره شيخنا الأنصاري وذكرنا الجواب عنه فلا يكون وجهاً على حدة.
ثم إنّ في المقام وجهاً ثالثاً ذكره بعض مشايخنا المحققين (قدّس سرّه)(1)وملخصه : دعوی انصراف أدلة الخيار عن الوكيل في مجرد صيغة المعاملة من جهة قلة الوجود إذ الغالب أنّ الناس يباشرون معاملاتهم بأنفسهم فلو وكلوا فيها أحداً فيوكلون الوكيل على نحو التفويض في البيع والشراء لا محالة، فصدور معاملة من الوكيل في إيقاع الصيغة فقط أمر نادر وقليل ولأجله تنصرف الأدلة عنه.
وهذا منه (قدّس سرّه) عجيب، لأنّه صرّح في موارد عديدة بأنّ قلّة الوجود وكثرته لا يوجب الانصراف، هذا. مضافاً إلى أنّ الوكيل في مجرد إيقاع العقد وإن كان أقل من البيع بالمباشرة أو بالوكيل المفوّض إلّا أنّه أيضاً في حد نفسه كثير وليس في القلّة بحيث يلحق بالمعدوم كما يظهر ذلك من ملاحظة بيع الأمور الخطيرة من القرى والبساتين والدور الكبيرة، لأنّ الغالب في مثلها توكيل العالم بوضع العقد في مجرد إيقاعه.
ثم إنّ شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه) (2)استدلّ بوجه آخر : وهو أن أدلّة الخيار مخصصة لعمومات (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) وغيره من الأدلة الدالة على لزوم المعاملة، ومن الظاهر أنّ العمومات كأوفوا بالعقود تختص بالمالك لأنّه خطاب للملاك وهو الذي يجب عليه الوفاء بعقده دون الوكيل، وإذن فيكون الخيار أيضاً ثابتاً في حق المالك دون الوكيل، إذ لا معنى لكون المستثنى منه غير شامل للوكيل وكون المستثنى شاملاً له، هذا.
وما أفاده وإن كان بظاهره - بناء على أن معنى (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) وج--وب الوفاء بها وحرمة التصرفات فيما انتقل عنه كما ذكره شيخنا الأنصاري في معنى
الآية - ممّا لا بأس به، إلّا أنّه بحسب الواقع ممّا لا يمكن المساعدة عليه سيما بملاحظة ما ذكرناه في معنى الآية من أنّها إرشاد إلى لزوم المعاملات وعدم انفساخها بالفسخ، لما عرفت من أنّ الوفاء بمعنى الانهاء والأمر بالانهاء في العقود كناية عن عدم فسخها، وعليه فلا مانع من شمول العمومات للوكيل والالتزام بأنّ الوكيل أيضاً مأمور بالأمر الارشادي بانهاء العقود كناية عن عدم قبولها الفسخ، فإذا شمل المستثنى منه الوكيل فلا مانع من أن يشمله المستثنى أيضاً، وهذا ظاهر.
فإلى هنا عرفت عدم تمامية شيء ممّا ذكر في المقام من الوجوه على عدم شمول أدلّة الخيارات للوكيل في مجرد إيقاع الصيغة، ومع ذلك كله لا يطمئن النفس بشيء.
والذي يمكن أن يقال في المقام : إنّ موضوع الخيار ليس هو البيع على نحو الاطلاق، بل المراد هو البيع الذي يكون بيعه موضوعاً لأحل اللّه البيع وغيره من أدلة الحل، ومن الظاهر أنّ أدلّة حلّ البيع وإمضاء المعاملات إنّما تشمل البيع الصادر عن الوكيل في مجرد إيقاع الصيغة بما أنّه منتسب إلى المالك لا بما أنّه صادر منه.
وتوضيح ذلك : أنّ البيع الصادر عن الوكيل المذكور الذي هو بيع واحد له إضافتان، إضافة صدورية إلى الوكيل وإضافة الانتساب إلى المالك، لأن المعاملة ببيع الوكيل تسند إلى المالك فيقال إن فلاناً باع داره، فبيع الوكيل واسطة في الثبوت وعلّة لشمول (أَحَلَّ اللّه الْبَيْعَ) لبيع المالك، إذ لولا بيعه لما يتحقق للمالك بيع حتى تشمله آية الحلّ، وعليه فالبيع بحسب الحدوث مضاف إلى المالك والسلطنة تثبت له حدوثاً، لا للوكيل المذكور إذ لا سلطنة له بوجه، لأنّه وكيل في إيقاع الصيغة فقط وأدلّة الخيار تقتضي بقاء ملك السلطنة بعد حدوثها، والمفروض أنّها حدثت في حق المالك دون الوكيل، ولا يمكن إثبات الخيار للوكيل بمجرد إضافة البيع إليه بحسب
الصدور وإلّا لانتقض بيع الفضولي فإنّه ممّا لم يذهب أحد إلى ثبوت خيار المجلس للفضولي ولو مع إجازة المالك له في مجلس البيع، وليس هذا إلّا من جهة أنّ آية الحل إنّما تشمله بما أنّه منتسب إلى المالك لا بما أنّه صادر من الفضولي.
وهذا الذي ذكرناه ليس راجعاً إلى دعوى الانصراف وأن البيع لا يشمل الوكيل لأنّه كما عرفت غير صحيح، بل مع الاعتراف بأن البيع شامل له كما أن--ه يشمل الفضولي ندعي عدم ثبوت الخيار في حقه من جهة أن موضوعه ه-و م-ن تشمله آية الحل، وهي إنّما تشمل البيع لانتسابه إلى المالك كما مر، هذا.
ثم لا يخفى أنّه ليس في المقام عموم كلفظة «كل» ونحوها حتى يتمسك به في تسرية الخيار للوكيل كما إذا ورد أنّ كل بيع له الخيار، وإنما يمكن تسرية الحكم إليه بواسطة الاطلاق والتمسك بمقدمات الحكمة، وعليه فيمكن أن يقال إن الأدلة التي ذكروها في المقام لاختصاص الخيار بالمالك حتى ما ذكرناه أخيراً يكفي في المنع عن تمامية المقدّمات لصحة الاعتماد عليها في مقام البيان، ومعه لا يمكن التمسّك بالاطلاق وتسرية الخيار إلى الوكيل، فيكون الدليل مجملاً، ويكفي لنا الاجمال في المنع عن ثبوت الخيار للوكيل، فنأخذ بالمقدار المتيقن وهو ثبوته للمالك وأما في الوكيل فلا بل تكون الأدلة الدالة على لزوم البيع بالاضافة إلى فسخ الوكيل محكمة، وهذا بخلاف ما لو ادّعينا الانصراف فإنّ معناه ظهور الدليل في المالك لا إجماله والأخذ بالمقدار المتيقن كما هو واضح، هذا في الوكيل في مجرد إيقاع الصيغة.
وأما الوكيل المفوّض في التصرفات فلا ينبغي الاشكال في ثبوت الخيار في حقه كالأولياء ولا يأتي فيه شيء من الوجوه المانعة حتى الوجه الذي اعتمدنا عليه، وذلك لأنّ البيع بيعه حقيقة وآية الحل تشمله بما أنّه منتسب إليه لا لأجل انتسابه إلى الصغير، نعم لو اعتمدنا في المنع عن ثبوت الخيار للوكيل في إجراء الصيغة على ما اعتمد عليه شيخنا الأنصاري من وحدة المراد بالمتبايعين في خياري
الحيوان والمجلس، فلا يمكن إثبات خيار المجلس في الوكيل المفوّض أيضاً من جهة أنّ خيار الحيوان لا يثبت للوكيل ولو كان مفوّضاً، لاختصاصه بالمالك وصاحب الحيوان، وعليه فلا وجه لاثباته للوكيل المفوّض في المجلس. وهذا نقض على شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) حيث إنّه مع اعتماده على الوجه المذكور ذهب إلى ثبوت خيار المجلس للوكيل المفوّض مع أنّ ما ذكره في الوكيل في إجراء الصيغة يأتي في المفوّض أيضاً.
نعم لا مانع من ثبوت الخيار للوكيل المفوّض إذا كانت وكالته تشمل الفسخ وإعمال الخيار، إلّا أنّ ذلك خارج عن محل الكلام، لأنّه أمر قد يثبت في الوكيل في إجراء الصيغة أيضاً. وإنما الكلام في ثبوت الخيار له على نحو الاستقلال بم-ا أن-ه «بيِّع» لا من جهة ثبوت الخيار للموكل وتوكيل الوكيل في إعماله.
وأمّا الوكيل المتوسط بين الوكيلين أعني الوكيل في مجرد البيع أو الشراء فعلى بعض الوجوه يثبت له الخيار وعلى بعضها الآخر فلا، فإن اعتمدنا في المنع عن ثبوته للوكيل في مجرد الانشاء على أنّ حكمة تشريع الخيار لا تشمل الوكيل، أو قلنا إن خيار المجلس وغيره من الخيارات إنّما يثبت بعد الفراغ عن سلطنة البائع على ردّ ما انتقل إليه أو على الاقالة عن طرفه برفع التزام نفسه كما ذكره شيخنا الأستاذ(1)فلا يثبت الخيار للوكيل في مجرد الشراء والبيع، لعدم جريان الحكمة في الوكيل وعدم تسلّطه على ردّ ما انتقل إليه، ولا على الاقالة برفع التزام نفسه، لأنّه بمجرد البيع أو الشراء تنتهي وكالته فلا تبقى له سلطنته على شيء، ولكنك عرفت ضعف تلك الوجوه.
وأمّا إذا بنينا على ما ذكرناه من أنّ الخيار إنّما يثبت للبيع الذي له سلطنة على
1) تقدّم تخريجه في الصفحة 55.
المال، وأنّ الوكيل في مجرد إجراء الصيغة لا سلطنة له على المال ولذا لا تشمله آية الحل في حد نفسه وإنما تشمله بما أنّه بيع منتسب إلى المالك، فلا مانع من الالتزام بثبوت الخيار للوكيل في مجرد البيع أو الشراء لسلطنته على المال، وآية الحل تشمل بيعه بما أنّه منتسب إليه كما في بيع الولي مضافاً إلى صدق «البيع» عليه، وذلك ظاهر. هذا تمام الكلام في الوكلاء الثلاث.
وأما الموكلان فهل يثبت لهما الخيار أيضاً أو لا ؟ وقبل التكلّم في ذلك لابد من أن يعلم أنّ ثبوت الخيار للموكلين وعدمه غير مبني على عدم ثبوت الخيار للوكيل كما يظهر من ظاهر كلام شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1)بل سواء بنينا على ثبوته للوكيل أم على عدمه نتكلّم في ثبوت الخيار للموكلين وعدمه، فيقع البحث في ثبوته لهما على أنحاء الوكالات الثلاث.
فأما الموكلان للوكيل في إجراء الصيغة، فإن كانا حاضرين في المجلس ف--لا إشكال في ثبوت الخيار لهما سواء كان حضورهما بعنوان حضور البيع قاصدين وملتفتين إلى البيع أو بعنوان شيء آخر كحضور أنس أو البحث من غير التفات منهما إلى بيع وكيلها، وذلك لاطلاق قوله «البيعان بالخيار ما لم يفترقا» لصدق البيع على الموكلين وعدم تقييده بكونهما في المجلس ملتفتين إلى البيع.
وأما دعوى انصراف البيع إلى المالك العاقد بحيث لا يشمل المالك لوحده ولا العاقد كذلك فلابد من اجتماعهما في صدق البيع، وبعبارة أخرى يُشترط في صدق البيع على المالك مباشرته للبيع فلو لم يباشر لم يكن بائعاً ومن هنا لو حلف على أن لا يبيع فلا يحنث ببيع الوكيل، فمندفعة بأنّ هذا الانصراف لو تم فإنما يتم في الأفعال الحقيقية الخارجية كالقتل ونحوه لظهورها في المباشرة، وأما الأفعال
1) المكاسب 5 : 30.
الاعتبارية كالبيع ونحوه فلا يفرق في صدقها بين المباشرة والتسبيب، ولذا قلنا في بيع الفضولي بأنّه يستند إلى المالك بعد الاجازة مع أنّه لم يباشر البيع، فلو كانت المباشرة شرطاً في صدق البائع لم يكن وجه لتصحيح بيع الفضولي بالاجازة. وبالجملة أن إطلاق البائع على المالك بعد بيع وكيله عرفاً ممّا لا يمكن إنكاره.
وأما مسألة الحنث فلا إشكال في أنّه إذا وكل أحداً لبيع داره يحنث ببيع الوكيل، نعم لو كان قصده من عدم البيع عدم المباشرة له أو كان الوكيل وكيلاً مفوّضاً وقد باعه من غير قصد ولا التفات من الموكّل فلا يحصل الحنث ببيعه لاشتراط القصد والالتفات في حصول الحنث كما هو ظاهر، هذا كله فيما إذا كانا حاضرين في المجلس.
وأما إذا لم يكونا حاضرين في المجلس، فإن كانا مجتمعين في مكان وكانا على هيئة الاجتماع كما إذا كانا جالسين في دار ووكيليها قد أنشئا العقد في مكان آخر فلا إشكال أيضاً في ثبوت الخيار للموكلين لأنّهما بيعان فهما على الخيار ما لم يفترقا والوجه في ذلك عدم تقييد الأخبار بتفرّقهما عن مجلس العقد وإنما دلّت على اعتبار التفرّق عن الاجتماع، فلا يعتبر وجودهما في مجلس العقد. وأوضح من ذلك ما إذا كان اجتماعهما لأجل البيع ووكيلاهما أنشئا العقد في مكان آخر ولو كان بينهما فاصل كثير كفرسخ أو فراسخ ثمّ أخبراهما بالهاتف باجراء العقد.
وأما إذا لم يكونا على هيئة الاجتماع كما إذا كان أحدهما في الحمام والآخر في السوق مثلاً فالظاهر عدم ثبوت الخيار حينئذ للوكيلين، لما مرّ من عدم ثبوته للوكيل في مجرد إجراء الصيغة ولا للموكلين لعدم اجتماعها، وهذا من أحد الموارد التي لا يثبت فيها خيار المجلس في البيع.
والمتحصّل : أنّ الموكلين إذا كانا مجتمعين في مجلس العقد أو في غيره فلا إشكال في ثبوت الخيار لهما إلى أن يفترقا، وأما إذا كانا متفرقين ولم يكونا على هيئة
الاجتماع فلا خيار لهما لاستفادة شرطية الاجتماع في ثبوت الخيار بقرينة الاستثناء بقوله ما لم يفترقا، وهل لهما توكيل الوكيلين في أمر الخيار بأن يفوضا أمر الخيار إلى الوكيلين ؟ الصحيح عدم صحة ذلك لأن فاقد الشيء لا يكون معطياً له وقد عرفت أنّ الموكلين هما بنفسهما غير واجدين للخيار في صورة عدم الاجتماع فكيف يوكلان فيه الوكيل ولعلّه ظاهر. وكيف كان فلا يشترط حضور مجلس العقد في ثبوت خيار المجلس بل اللازم أن يكونا على هيئة الاجتماع في مجلس العقد أو في غيره على خلاف ما يظهر عن بعض كلمات شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه) (1)هذا كله في الموكلين فيما إذا كان وكيلاهما وكيلين في مجرد إجراء الصيغة.
وأما الموكلان فيما إذا كان وكيلاهما مفوضين فلا ينبغي الاشكال في ثبوت الخيار للوكيلين حينئذ، وأما نفس الموكلين فهما أيضاً فيما إذا كانا مجتمعين ولو في غير مجلس البيع لا إشكال في ثبوته لها، وعليه فإذا اجتمع الموكلان مع الوكيلين في مجلس العقد فلكلّ واحد منهم الخيار، وهذا الخيار الثابت للوكيلين حكم شرعي ليس مستنداً إلى توكيل الموكل له في الخيار، فهل يسقط الخيار حينئذ بتفرّق الموكلين أو بتفرّق الوكيلين ؟ احتمل شيخنا الأنصاري (2)احتمالات أربعة وهي سقوطه بتفرّق الموكلين عن مجلس العقد، أو بتفرّق المتعاقدين الوكيلين، أو بتفرّق الموكلين عن مجلسهما ولو كان في غير مجلس العقد، أو بتفرّق الجميع، وقد قوّى الأخير وذكر أنّه عليه يكفي في بقاء الخيار بقاء أصيل واحد مع وكيل آخر في مجلس العقد.
وقد أورد عليه شيخنا الأستاذ (1)بأنّ اعتباره (قدّس سرّه) حضور الموكلين في ثبوت الخيار لهما والقول بكفاية بقاء أصيل واحد ووكيل متنافيان متناقضان، وذلك لأنّ استدامة حضورهما في المجلس لو لم تكن معتبرة بل كان حضور أحدهما مع حضور وكيل الآخر كافياً في ثبوت الخيار لها فلماذا اعتبر حضورهما في المجلس ابتداء في ثبوته لهما، وكيف يعقل أن يكون حضورهما في المجلس شرطاً ابتداء لا استدامة، هذا
ولكن ذلك من غرائب كلامه، إذ لا مانع من اشتراط حضور كلا الموكلين في ثبوت الخيار لهما معاً، وهذا لا ينافي ثبوته لأحدهما فقط إذا كان حاضراً مع وكيل الآخر. وبالجملة أنّه لم يشترط حضورهما في ثبوت الخيار لأحدهما حتى يقال إنّ خيار أحدهما كيف لا يشترط بحضورهما بقاء.
ثم إنّ السيد اليزدي (قدّس سرّه) (2)ذكر في حاشيته احتمالاً خامساً وه-و سقوط الخيار وارتفاعه بمجرد صدق التفرّق ولو بتفرّق واحد منهم.
والصحيح أن يفصل في المقام بين ما إذا كان الموكلان في مجلس آخر غير مجلس الوكيلين وبين ما إذا كانوا في مجلس واحد. أما إذا كانا في مجلس آخر فارتفاع الخيار في كل من الوكيلين والموكلين يتوقف على المفارقة عن مجلسيها فخيار الوكيلين إنّما يسقط بتفرّق أحدهما عن الآخر كما أن خيار الموكلين يرتفع بتفرّق أحدهما عن الآخر، وفي مثل ذلك لا وجه لما احتمله السيد (قدّس سرّه) من سقوط الخيار بتفرّقهم في الجملة، إذ لا ربط لتفرّق الوكيلين عن مجلسها بتفرّق الموكلين وسقوط خيارهما.
وأما إذا كانوا في مجلس واحد فإن قلنا إنّ الخيار إنّما يثبت على جنس البيع فالتفرّق أيضاً لابد من أن يسند إلى الجنس، فما دام الجنس باقياً في المجلس فالخيار باقي، لأن ارتفاع الطبيعي إنّما هو بارتفاع جميع أفراده، فما دام ف--رد م-نها باقياً فالطبيعي باقٍ، وعليه فإذا تفرّقوا وبقي أحد الموكلين مع أحد الوكيلين فطبيعي البيعين غير متفرّق فالخيار باقٍ، ولكن لازم ذلك الالتزام بثبوت الخيار للموكلين ولو لم يجتمعا في مكان أصلاً، وذلك لعدم تفرّق الطبيعي على الفرض فيثبت الخيار للطبيعي وكلا الموكلين من أفراده، وهذا ممّا لا يلتزم به شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) ولا ينبغي الالتزام به.
وأما إذا قلنا إنّ القضية حقيقية وأنّ الخيار إنّما ثبت لمن صدق عليه البيع فكل واحد من البيعين بالخيار، فحينئذ لابد من أن يسند التفرّق أيضاً إلى مصاديق البيع، وعليه فما أفاده شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) من أن الخيار يبقى مع وجود أحد الموكلين وأحد الوكيلين أو مع بقاء الموكلين أو مع بقاء الوكيلين هو الصحيح وذلك لأنا إذا فرضنا تعدّد البيع في طرف البائع والمشتري مع فرض أن القضية حقيقية وأن لكل من صدق عليه البيع خياراً مستقلاً فلا محالة يثبت لكل واحد من الوكيل والموكّل في طرف البائع خيار واحد مستقل وكذا في طرف المشتري، فكل من خرج من المجلس فقد سقط خياره لافتراقه عن الطرف الآخر للعقد، وكل من بقي في المجلس فخياره باقٍ لعدم افتراقه عن الطرف الآخر. فإذا خرج الوكيل البائع فقد ارتفع خياره لافتراقه عن المشتري، وأما خيار الموكل البائع فهو باقٍ لأنّه ما زال مجتمعاً مع المشتري، ولو خرج الموكل المشتري ارتفع خياره أيضاً لافتراقه عن البائع، وبقي خيار الوكيل المشتري لأنّه مجتمع مع البائع، هذا.
ثم إنك عرفت أنّ ثبوت الخيار للموكلين مشروط بكونها على هيئة الاجتماع ولو في غير مجلس البيع ولا يشترط حضور هما فيه، ولكن شيخنا
الأستاذ (1)قد أصر على اشتراط الحضور في مجلس العقد في ثبوت الخيار، ولكنّك عرفت أنّ الحضور في المجلس ممّا لم يدلّ عليه دليل وإنما استفدنا من الأخبار اشتراط الاجتماع فقط، وأما كونه في خصوص المجلس فلا كما هو أوضح من أن يخفى.
بقي في المقام شيء قد أشار إليه (قدّس سرّه) في ضمن كلامه (2): وهو أنّه إذا ثبت الخيار لجماعة متعدّدين فكل من سبق من الموكلين أو الوكيلين إلى إعماله نفذ وسقط خيار الباقين، وأما مسألة تقديم الفاسخ على المجيز فهي لا تأتي في المقام لأنّ موردها ما إذا كان للخيار طرفان كما في البائع والمشتري في المجلس أو في خيار الحيوان أو غيرهما فأمضى أحدهما العقد وأجازه ثمّ فسخ الآخر، فلا ينبغي الاشكال في أنّ الفسخ يوجب بطلان البيع ويتقدّم على الاجازة والامضاء، لأنّ معنى إمضاء أحدهما إمضاؤه من قبله لا من قبل الطرف الآخر أيضاً، فإذا أعمل الآخر خياره فلا مانع من نفوذه وتأثيره وبطلان البيع بذلك.
وأمّا في مسألتنا هذه فقد ثبت الخيار في أحد الطرفين المتعدّد كما في الخيار الثابت للأب والجد الوليين على الطفل فإنّ كل واحد منهما له خيار إلّا أن كليهما متعلقان بأحد طرفي المعاملة، وما نحن فيه من هذا القبيل فمورد المسألتين مختلف.
وكيف كان، فلا إشكال في أنّ الوكيل أو الموكّل في أحد طرفي العقد إذا أعمل الخيار بالفسخ سقط خيار الآخر لا محالة، لأنّ العقد إذا انفسخ ينحل فلا يبقى لخيار الآخر مجال، وأما إذا أعمل أحدهما خياره بالامضاء فهل للآخر فسخ العقد بخياره أو أن الامضاء كالفسخ يُسقط خيار الآخر أيضاً ؟
الظاهر أنّ هذه المسألة تبتني على ملاحظة أنّ الخيار في قوله (عليه السلام) «البيعان بالخيار» يثبت على أيّ نحو، فإن قلنا إنّه يثبت لجنس البيع وأنّ المراد أنّ جنس البيع في طرف البائع على الخيار، وأن جنس البيع في طزف المشتري أيضاً على الخيار، لأنّ التثنية وهي البيعان في قوة تكرار المفرد فكأنّ البيع ذكر مرتين وقد أريد من كل منهما الجنس، وإنما أطلق البيع على المشتري أيضاً إما من جهة التغليب كما في مثل الشمسين والقمرين وإمّا من جهة إرادة المعنى الأعم من البيع وهو مطلق من ترك شيئاً وأخذ شيئاً أو بدل ماله بآخر، وعليه فإذا كان أفراد البيع في طرف البائع أو المشتري أو كليهما متعدّدين كما إذا كان البائغ هو المؤكل مع وكيله المفوض ثبت خيار واحد لجنس البائع، وكل من الفردين يمكنه إعمال هذا الخيار بالفسخ أو الامضاء. وهذا نظير مسألة إرث الخيار بناء على أنّ الحق المنتقل إلى الوارث يثبت لجنس الوارث لا للجميع على نحو الاشتراك، وعليه فإذا أعمل أحدهما الخيار وأسقطه فلا محالة يسقط الخيار الثابت للجنس، لأنّ الجنس قد أعمل خياره فلا يبقى خيار حتى يعمله الآخر بالفسخ أو الامضاء.
وأما إذا قلنا بأنّ الخيار يثبت لكل من صدق عليه البيع على نحو القضايا الحقيقية فهو ينحل إلى خيارات متعدّدة حسب تعدّد مصاديق البيع، وه-ذا ه-و الظاهر من القضايا المتكفّلة للأحكام الشرعية، وعليه فلكل واحد من الوكيل المفوّض والموكّل خيار مستقل، فإذا أعمل الوكيل خياره في إمضاء العقد قبل الموكّل فلا محالة يسقط به خيار الموكل أيضاً، لأنّ فعل الوكيل فعل الموكل بعينه من دون حاجة إلى قصد كونه واقعاً عن الموكّل، فهو يُسقط خيار نفسه بالأصالة ويُسقط خيار موكله بالوكالة حتى أنّه لو كان له وكيل مفوّض غائب عن مجلس العقد ثمّ حضر قبل تفرّقها ففسخ أو أمضى سقط خيار الموكل فكيف بالوكيل المفوّض الحاضر في مجلس العقد. نعم لو قصد بذلك إسقاط الحصة الثابتة له من
الخيار فلا يسقط به خيار الموكّل، لأن حصة كل واحد منهما تغاير حصة الآخر وفي غير هذا الفرض يسقط خيارهما.
وأما إذا أسقط الموكل خياره قبل إسقاط الوكيل فإن قلنا إن ثبوت الخيار للوكيل متوقف على قدرته على الاقالة أو الرد كما عليه شيخنا الأنصاري وشيخنا الأستاذ فيسقط بذلك خيار الوكيل أيضاً، لأنّ إمضاء الموكل للعقد وجعله لازماً إسقاط للوكيل عن الوكالة في المال باعدام موضوع الوكالة فإنّه نظير ما إذا وكله في بيع شيء ثمّ باعه بنفسه، وفي المقام لما أنفذ العقد وأمضاه فقد أخرج المال عن تحت سلطنة نفسه ووكالة الوكيل، والمفروض أنّ ثبوت الخيار للوكيل متوقف على تمكنه من الأقالة أو الردّ، فإذا خرج المال عن تحت سلطانه فلا يتمكن من الاقالة والردّ بعد ذلك فينتفي خياره. وأما إذا أنكرنا هذا الاشتراط كما هو الصحيح وقلنا بأنّ الوكيل المفوّض يتمكّن من الفسخ والامضاء، وثبوت الخيار له لا يتوقف على شيء بعد صدق البيع عليه، وشمول آية الحلّ لبيعه بما أنّه بيعه، فاسقاط الموكل وإمضاؤه العقد لا يوجب سقوط خيار الوكيل، بل له أن يفسخ بعد إمضاء الموكل بحكم الشارع، هذا.
ثم إنّ شيخنا الأنصاري (1)تعرّض إلى مسألة الفضولي في البيع والشراء أو في أحدهما، وأنّ الفضوليين لا إشكال في عدم ثبوت الخيار لهما لما مرّ في الوكيل في مجرد إجراء الصيغة، وأمّا المالكان فإن كانا مجتمعين حال إجازتهما في مجلس العقد فلا إشكال في ثبوت الخيار لها، لأنّ الاجازة توجب صدق البيعين عليهما في ذاك الحال فما لم يفترقا فهما على الخيار، وأما إذا كانا مجتمعين في حال الاجازة لا في مجلس العقد فقد استظهر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) ثبوت الخيار لهما على القول
1) المكاسب 5: 33.
بالنقل، لأنّهما يبيعان حينئذ من حين الاجازة، فكأن مجلس الاجازة هو مجلس البيع. وأورد عليه شيخنا الأستاذ (1)بأن الخيار إنّما يثبت مع الاجتماع في مجلس العقد وقد أصرّ على عدم ثبوته فيما إذا كانا متفرّقين عن مجلس العقد وإن كانا مجتمعين في حال الاجازة، هذا.
ولكنّه منه عجيب، لما مرّ من أن دليل ثبوت خيار المجلس لم يشترط الاجتماع في حال العقد وفي مجلس البيع، وإنما دلّ على اعتبار اجتماعها مطلقاً ولو كان في خارج مجلس العقد، وعليه فالظاهر ثبوت الخيار للمالكين فيما إذا كانا مجتمعين في حال إجازتهما قلنا بالنقل أو بالكشف، لأنّهما مختلفان في الحكم بالملكية شرعاً، فأحدهما يوجب الحكم بالملك من حين الاجازة والآخر يكشف عن الملك من أول الأمر، وهذا لا ربط له بالمقام، لأن صدق البيعين عليهما إنّما هو في حال الاجازة فقط ولا يصدق عليها البيع قبلها، فالخيار إنّما يثبت لهما في ذلك الحال من دون فرق بين القول بالنقل والقول بالكشف.
لا إشكال في ثبوت الخيار للمالك والوكيل على تفصيل تقدم ذكره فيثبت الخيار لكل واحد منهما، وتظهر نتيجة ذلك فيما إذا أسقط أحدهما خياره فإنّ الآخر يتمكن من إعمال خياره بفسخ البيع وإمضائه وهذا ممّا لا كلام فيه.
وأما إذا كان العاقد واحداً فله صور ثلاث :
الأولى : أن يبيع مال الغير لنفسه بولايته على مالك المال أو وكالته عنه.
الثانية : أن يبيع مال نفسه للغير بولايته على المشتري أو وكالته عنه.
الثالثة : أن يبيع مال غيره لغيره لولايته على البائع والمشتري أو وكالته عنهما، وكيف كان فالعاقد شخص واحد وهو بائع ومشتري، فهل يثبت له خيار
1) منية الطالب 3 : 29.
المجلس كما في صورة تعدّد المتبايعين وغاية الأمر أنّه يسقط بغير التفرّق م-ن المسقطات لعدم إمكان تحقق الافتراق فيه، أو أنّ خيار المجلس لا يثبت في مثله ؟
المشهور عدم ثبوت الخيار فيه، وخالفهم في ذلك بعض الأصحاب ووافقه عليه السيد (قدّس سرّه) في حاشيته (1)وذهب إلى ثبوت الخيار في المسألة ومستندهم في ذلك هو إطلاقات أدلّة الخيار كقوله (عليه السلام) «المتبايعان بالخيار حتى يفترقا» وقولهم (عليهم السلام) «البيعان بالخيار ما لم يفترقا» وسيأتي أن التعدّد بحسب الاعتبار كافٍ في ثبوت الخيار وصدق المتبايعان والبيعان، وسيجيء تفصيل الكلام في ذلك عن قريب إن شاء اللّه.
وأما المانعون فلهم في المنع عن ثبوت الخيار في المسألة وجوه ومرجعها إلى ثلاثة أمور :
الأول : أنّ أكثر الأخبار الواردة في خيار المجلس قد اشتملت على كلمة البيعان وفي بعضها المتبايعان كما أشرنا إليه آنفاً، ومن الظاهر أنّها تثنية والمثنى لا يصدق على الواحد فلا يقال للواحد رجلان ولا للبائع البيعان لأنّه مفرد والمفرد غير التثنية. نعم يصدق عليه عناوين متعدّدة كعنوان العالم والعادل ونحوهما على وجه الانفراد، وأما التثنية فلا. وكيف كان فلا تشمل الأخبار صورة اتحاد البائع والمشتري، هذا.
ويمكن الجواب عن ذلك : بأنّ المراد من كلمة البيعان أو المتبايعان هو كل واحد من البائع والمشتري، لأنّ التثنية في قوّة تكرار المفرد فکأنّه ورد البائع بالخيار وورد المشتري بالخيار وإنما عبّر بالبيعان أو المتبايعان من جهة أنّ البائع والمشتري بحسب الأغلب اثنان لا أنّه مقيّد بخصوص تلك الصورة، ولا ينبغي الاشكال في أنّ
1) حاشية المكاسب (اليزدي) : 6 من مبحث الخيارات.
كل واحد من عنواني البائع والمشتري يصدق على العاقد الواحد لأنّه بائع كما أنّه مشتر، فلا مانع من شمول الأخبار للعاقد الواحد من هذه الجهة فلذا لا نتوقف في الحكم بشمول سائر أحكامها له.
الثاني : أنّ الروايات قد اشتملت على قوله «حتى يفترقا» أو «ما لم يفترقا» وهو غاية وقيد للحكم بالخيار يعني أنّ الخيار ثابت قبل الافتراق، أو أنّه قيد للموضوع بمعنى أنّ الخيار ثبت للمتبائعين المقيدين بعدم الافتراق، وكيف كان فهو يقتضي عدم ثبوت الخيار في مورد عدم إمكان الافتراق، إذ لا معنى لتقييد الحكم الشرعي بقيد أو غاية عير ممكنة.
ومنه يظهر أنّ ذلك لا ينا في صحة دخول «حتى» على المستحيل كما في قوله تعالى (حَتَّى يَلجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ) (1)لوضوح أن التعليق على المحال معناه أنّ الأمر المعلّق كالمعلّق عليه في عدم التحقق والحصول ويقال في المقام إنّ سقوط الخيار معلّق على الافتراق فما أنّ الافتراق غير ممكن فالخيار غير ساقط، فإنّ هذا المعنى وإن كان صحيحاً إلّا أنّه لا يجري في المقام لما مرّ من أنّ الحكم الشرعي لا معنى لتقييده أو تعليقه على أمر مستحيل وخارج عن الامكان، وكيف كان فهذا الخيار إنّما يثبت فيما إذا كان افتراق المتبايعين ممكناً وبما أنّه مستحيل في العاقد الواحد لأنّه دائماً مجتمع مع نفسه، ولا معنى لافتراق الشخص عن نفسه، فلا يثبت الخيار في حقه، هذا.
والجواب عن ذلك بالنقض والحلّ، أما النقض فهو ما أورده السيد (قدّس سرّه) في حاشيته (2)على هذا الوجه في كلام شيخنا الأنصاري من أنا إذا فرضنا
شخصين متلاصقين لا يمكن افتراقها إلّا بالموت لاتصال أحدهما بالآخر في بعض أجزائهما، وافتراقهما في الأجزاء الرئيسية كالقلب ونحوه بح-ي-ث ك--انا شخصين متعدّدين أحدهما يتكلّم والآخر يسكت وأحدهما يبيع والآخر يشتري، ففي مثل ذلك لا إشكال في ثبوت خيار المجلس لهما مع أنّ الافتراق فيها مستحيل، وثبوت الخيار في المثال ممّا لا يقبل الانكار فلا يمكن إنكار ثبوت الخيار بمجرد استحالة الانفكاك والافتراق، أو فرضنا رجلين حبسهما ظالم بحيث لا يتمكنان من الخروج عن مكانهما إلى يوم القيامة، فإنّ في مثله لا يمكن نفي الخيار مع استحالة الافتراق.
وأما الحل فهو أنّ الغاية إذا كانت من الأمور المستحيلة بالذات أي التي لا تنفك عن الاستحالة أبداً وإن كان لا يمكن أخذها في الحكم لأنّه لا معنى للقول بأنك مالك إن اجتمع الضدّان، أو إنّ هذا واجب إن اجتمع النقيضان أو تحقق الدور أو التسلسل في الخارج لأنّه لغو محض، إلّا أنّ جعل شيء جامع بين الامكان والاستحالة غاية للحكم ممّا لا ينبغي الاشكال في صحته كما إذا جعل الغاية للحكم شيئاً يستحيل في بعض الموارد ويمكن في بعضها الآخر نظير ما ورد في الروايات من أن ما لاقاه البول نجس حتى تغسله حيث إنها أخذت الغسل غاية للنجاسة فيما لاقاه البول، ومقتضاها أنّ كل ما لاقاه البول فهو نجس وترتفع النجاسة بالغسل وهو أمر ممكن بالذات وإن كان مستحيلاً في بعض الموارد، فإذا فرض استحالته في مورد كما إذا تنجس القند والسكّر أو الأصباغ وغيرها من الأمور التي تتلف عينها بالغسل فهو لا يكشف عن أنّ ملاقاة البول فيه لا توجب النجاسة لاستحالة حصول الغاية فيه، بل هو نجس ويبقى على نجاسته لعدم إمكان حصول الغاية فيه.
والمقام من هذا القبيل فإنّ استحالة التفرّق فى العاقد الواحد لا تكشف عن عدم ثبوت الخيار في حقه.
وبالجملة : الباطل هو أن تكون الغاية مستحيلة بالذات، وأما المستحيل
بالقياس والاضافة فلا مانع من جعله غاية للحكم، والافتراق من هذا القبيل لأنّه ممكن بالاضافة إلى غير العاقد الواحد ومستحيل بالاضافة إليه، فلا مانع من أخذه غاية للحكم، واستحالته في مورد لا توجب انتفاء الحكم فيه، وعليه فنلتزم في المقام بثبوت الخيار وعدم سقوطه إلّا بغير الافتراق من المسقطات.
الوجه الثالث : أنّ بعض الأخبار الواردة في المقام أخذ الافتراق غاية للحكم حيث دلّ على أن البيعان بالخيار حتى يفترقا، وبعضها أخذ عدم الافتراق قيداً للموضوع ودلّ على أنّهما بالخيار ما لم يفترقا، ولكن مرجعها إلى أمر واحد وذلك لما بيناه في محلّه من أن كل قيد أخذ في ناحية الحكم لابد وأن يكون مفروض الوجود ويكون حاله حال القيود الراجعة إلى الموضوع من حيث عدم فعلية الحكم قبل تحققها، وعليه فالمستفاد من الأخبار أنّ موضوع الخيار مقيّد بعدم الافتراق ولا اختلاف بين التعبير بأنّهما بالخيار حتى يفترقا وبين التعبير بأنّهما بالخيار ما لم يفترقا، لأن معناهما واحد والاختلاف في مجرد التعبير. وكيف كان فالتقابل بين الافتراق وعدم الافتراق وإن كان تقابل السلب والايجاب فلابد من تحقق أحدهما لا محالة، وليس التقابل بينهما تقابل العدم والملكة، ولا يقاس ذلك بالاجتماع والافتراق فانّهما أمران وجوديان ويتقابلان بالعدم والملكة ويمكن ارتفاعها فيما إذا لم يكن هناك قابلية الاجتماع، وهذا بخلاف الافتراق وعدمه فإنّ العدم والوج--ود يقابلهما تقابل السلب والايجاب، إلّا أنّ ظاهر كل قضية موجبة أو سالبة أن السلب والايجاب فيها سلب للمحمول بعد الفراغ عن الموضوع، أو إيجاب المحمول بعد فرض وجود الموضوع، وهذا في الموجبة ظاهر، وأما السالبة فهي أيضاً كذلك، لأنّ السلب وإن كان يصدق عقلاً مع انتفاء الموضوع أيضاً إلّا أن ظهوره العرفي أنّه سلب للمحمول عن موضوعه الموجود، فإذا قال أحد إنّ داري ليست بوسيعة أو إنّ زوجتي ليست بجميلة فظاهرهما أن له داراً وزوجة مسلوباً عنهما السعة والجمال، لا
أنه فاقد لنفس الدار والزوجة، وإن كان ذلك بحسب العقل صادقاً.
وعليه فظاهر قوله (عليه السلام) «البيعان بالخيار ما لم يفترقا» أنّ الموضوع للافتراق موجود والافتراق مسلوب عنه، ومن البديهي أن الافتراق وعدمه إنّما يتعقل في صورة التعدّد والاثنينية وأمّا صورة الوحدة والانفراد فهي غير قابلة للافتراق وعدمه مع فرض وجود الموضوع، إذ لا معنى لافتراق الواحد عن نفسه أو عدم افتراقه عن شخصه، فنفس مفهوم الافتراق متقوم بالتعدد، فسلب الافتراق حينئذ معناه أنّها متعدّدان والافتراق مسلوب عنهما، لا أنّه واحد غير متعدّد حتى لا يحتاج إلى الافتراق ويكون عدم الافتراق من باب السالبة بانتفاء الموضوع، وذلك لما عرفت من أنّ ظاهر القضية السلبية أنّ الموضوع فيها متحقق وإنما سلب عنه حكمه ومحموله، لا أنّ السلب من جهة عدم تحقق الموضوع.
وبعبارة أخرى : ظاهر الأخبار أنّ الخيار مقيّد بعدم الافتراق، وعدم الافتراق إنّما يصح عرفاً فيما إذا كانا متعدّدين غير متفرّقين، لا في صورة الاتحاد حتى يكون سلب الافتراق من جهة انتفاء موضوعه، لما مرّ من أنّ التفرّق وعدمه إنّما يتعقلان في صورة التعدّد، لأن إطلاق التفرّق وعدمه للواحد غلط عرفاً وإن كان سلبه لأجل سلب الموضوع صحيحاً عقلاً، والعاقد الواحد حيث لا يصح إطلاق عدم الافتراق في حقه فلا يثبت له الخيار.
وهذا الوجه لا بأس به، ولا يرد عليه ما أورده السيد (قدّس سرّه) في حاشيته (1)من النقض بصورة اتصال أحد الشخصين بالآخر، وذلك لأن التعدّد الذي هو موضوع الافتراق متحقق في صورة الاتصال فيعقل فيه الافتراق وعدمه وغاية ما هناك أنّ أحدهما لا ينفصل عن الآخر بالعرض، وأما لو انفصل فهما
1) حاشية المكاسب (اليزدي) : 6 من مبحث الخيارات.
متعدّدان، وهذا بخلاف ما هو محل الكلام لأنّ العاقد الواحد لا تعدّد فيه بوجه فلا معنى فيه للافتراق كما مرّ، لأنّه بنفسه ومفهومه يقتضي التعدّد والاثنينية، وهذا ظاهر.
نعم، قد يقال بوجود المناط لثبوت الخيار في العاقد الواحد أيضاً بأن يقال إن الخيار إنّما جعل في حق البائع والمشتري ارفاقاً لهما ليترؤيا ويأخذا بما هو أصلح لهما من البيع وتركه، وهذا المناط موجود في صورة اتحاد العاقد حتى يتروّى في أنّ البيع الصادر منه هل هو مصلحة في حق من اشتراه له أو لا، إلّا أن استكشاف المناط أمر غير ممكن، وما ذكر في وجه ذلك أمور استحسانية لا يعتمد عليها في مقابل أصالة اللزوم في المعاملات، إذ لا يمكن الخروج منها إلّا بدليل وهو مفقود في المقام.
من جملة المستثنيات الخيار المجلس شراء العمودين، وقد ذكروا أنّهما ينعتقان بمجرد المعاملة ولا يثبت في بيعهما الخيار، وقد علّلوا ذلك بوجوه :
الوجه الأول : أنّ الرضا بحسب البقاء الذي هو غير الرضا بأصل المعاملة يوجب سقوط خيار المجلس كما سيأتي ان شاء اللّه حيث ورد في بعض أخبار خيار الحيوان (1)إن لامس أو قبل فذاك رضى منه بالبيع، فإذا تصرف أحدهما فيما انتقل إليه بنحو من أنحاء التصرف بأكله وبيعه ونحوهما فهو يكشف عن رضاه بالمعاملة وبذلك يصير البيع لازماً ويسقط خياره، وهذا المسقط موجود في المقام من الابتداء لأنّه يعلم أنّ شراء العمودين يوجب الانعتاق فهو ببيعه ذلك يتصرف في المبيع
1) ورد مضمونه في الوسائل 18 : 13 / أبواب الخيار ب 4 ح 1.
ويتلفه، وهو يكشف عن رضاه بالبيع لا محالة وبه يسقط خياره، لأن ما يوجب سقوط الخيار بحسب البقاء فهو أولى بأن يسقطه بحسب الحدوث، وأن ما يصلح للرفع فهو أولى في الصلاحية للدفع، فمن أوّل الأمر يمنع ذلك الرضا عن الخيار هذا ما اعتمد عليه شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (1).
ثم استشكل فيه : بأنّه إنّما يختص بصورة علم المتبايعين بالعمودين وأن بيعها يوجب الانعتاق بأن يكونا عالمين بالمسألة صغرى وكبرى، وحينئذ يمكن أن يقال إن كلاً من البائع والمشتري أتلفا المبيع بالبيع وإتلافها يكشف عن رضاهما بالبيع وأمّا في صورة الجهل بالحال وعدم العلم بصغرى المسألة أو بكبراها فكيف يكون ذلك كاشفاً عن رضاهما بالبيع، هذا.
والظاهر أنّ الخيار لا يسقط في صورة العلم أيضاً، وذلك أما في طرف البائع فلوضوح أنّ التصرف والاتلاف الكاشفان عن الرضا إنّما يسقطان الخيار فيما إذا وردا على ما انتقل إلى البائع من الثمن، وأمّا تصرف البائع فيما انتقل عنه للمشتري ولو باتلافه فلا يكشف عن رضاه بالمعاملة حتى يسقط بذلك الخيار، فإذا فرضنا أنّ البائع كان عالماً بأنّ المشتري سيتلف المبيع بأكله أو ببيعه وقلنا إنّ إقدامه على البيع حينئذ إتلاف للمبيع، فإنّ هذا لا يوجب سقوط خيار البائع ويكشف عن رضاه بالبيع، فلا مقتضي لسقوط الخيار من طرف البائع أصلاً.
وأما من طرف المشتري فهو أيضاً كذلك، لأنّ التصرف الكاشف عن الرضا الموجب لسقوط الخيار إنّما هو التصرفات الواقعة بعد البيع والمعاملة التي تعدّ عرفاً ترتيباً للأثر المترتب على المعاملة كما هو ظاهر قوله «أرأيت إن لامس أو قبل» يعني أنّه لو أراد ترتيب أثر المعاملة وبنى على أنّه له فتصرف فيه، فهو الذي يكشف
1) المكاسب 5: 39.
عن رضاه بحسب البقاء وهو رضا ثانٍ غير رضاه بأصل البيع، وأما التصرف المقارن للبيع والملازم لتحقق البيع فهو لا يكشف إلّا عن رضاه بأصل المعاملة لا عن رضاه بابقاء المال، ومثله لا يكون كاشفاً عن الرضا بحسب البقاء فلا يكون مسقطاً فالبيع الذي هو إتلاف للمبيع لا يوجب سقوط الخيار.
نعم، لو ادعينا انصراف الأخبار إلى صورة تمكّن ذي الخيار من ردّ عين المال المنتقل إليه كما ادعاه شيخنا الأنصاري في بحث المعاطاة وفي أوائل بحث الخيار (1)لأمكن أن يقال إنّ المشترى للعمودين حيث لا يتمكّن من ردّ المال المنتقل إليه فلا يثبت له الخيار، إلّا أنك عرفت سابقاً أن الخيار أمر غير راجع إلى العوضين بل هو حل للعقد الواقع على المال، وبعد حلّه لابد من إرجاع عين المال إلى مالكه لو كان وإلّا فلابد من ردّ بدله إليه من المثل أو القيمة، وهذا نظير حكمهم بثبوت الأرش فيما إذا ظهر في المبيع عيب مع فرض تلفه، وقد التزموا بجواز الرجوع بالأرش إلى البائع والحال أن المبيع تالف، فليكن الخيار أيضاً كذلك ويجوز له أن يرجع ببدل المبيع إلى المشتري فيما إذا انعتق عليه.
والمتحصّل من جميع ذلك : أن إطلاقات أدلة الخيار محكمة في المقام ولا وجه لرفع اليد عنها كما لا يخفى.
الوجه الثاني : أنّ خيار المجلس إنّما ثبت في البيع ولا بيع في شراء العمودين أو غيرهما ممّن ينعتق على المشتري، وذلك لأنّه عتق وإتلاف حقيقة، وليس في البين إلّا مجرد إنشاء البيع دون البيع الحقيقي، وهو وإن كان قاصداً للتملك بانشائه إلّا أنّ الشارع حكم فيه بالانعتاق، فلا بيع في البين حتى يثبت فيه الخيار، وأما العتق فلا خيار مجلس فيه.
1) المكاسب 5 : 29.
وهذا الوجه ربما يستفاد من كلمات شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) حيث ذكر أنّ الملك في بيع العمودين تقديري فرضي وليس بتحقيقي، وأنّ البيع في مثل ذلك إخراج للمال عن المالية، فترى أنّه لا يراه بيعاً وموجباً للملكية الحقيقية، وكيف كان فلو تم هذا الوجه لما كان لثبوت الخيار في بيع العمودين مقتض أصلاً، لأنّه ليس ببيع وإنما هو عتق.
إلّا أنّ الالتزام بذلك وإثبات أنّه عتق وخارج عن البيع مشكل ودون إثباته خرط القتاد، لاستلزامه الحكم بأنّ ما قصداه لم يقع والشارع حكم بالحرية عوضاً عن الملك، وأنّ ما وقع لم يقصداه، وهذا كما ترى ممّا لا يمكن الالتزام به إلّا بدليل يدلّ عليه وهو مفقود في المقام. فالصحيح أنّ المشتري يملك المبيع في زمان قليل بحيث لا يترتّب عليه سوى الانعتاق فهو بيع حقيقة والانعتاق حكم شرعي قهري.
الوجه الثالث : أنّ الفسخ يتوقف على رجوع العين إلى ملك البائع فيما لو باعها المشتري أو أتلفها في زمن الخيار، وحينئذ إذا فسخ البيع يصح للبائع أن يطالب المشتري ببدل ماله الذي تلف تحت يده حيث إنّ العين دخلت في ملكه ثمّ أتلفها المشتري فيضمنها المشتري بدليل من أتلف ونحوه، وإلّا فلا معنى للفسخ في صورة تلف المال، لأنّ المال قد أتلفه المشتري في ملكه فبأي وجه يغرم للبائع القيمة مثلاً، فلابد من القول بأنّ العين تدخل في ملك البائع قبل تلفها فتكون ملكه، وبما أنّ المشتري أتلفها أو تلفت هي تحت يده فيطالبه ببدلها بعد الفسخ، وهذا التقدير في مثل تلف المبيع عند المشتري ببيعه وإتلافه ممكن، وأما في مثل المقام الذي فرضنا انعتاق المبيع فيه على المشتري غير متصوّر، لأنّه لو كان داخلاً في ملك البائع بفسخه لما كان هناك وجه لانعتاقه، لأنّه إنّما ينعتق على المشتري دون البائع والمفروض أنّ البائع لم يعتقه بعد ذلك، وبما أنّه حرّ لا ينقلب إلى المملوكية بعده فلا يدخل في ملك البائع، بل قد عرفت أنّه لو دخل في ملكه لما كان وجه لانعتاقه، وحيث إن المبيع لا
يمكن أن يكون داخلاً في ملك البائع فلا يتصوّر فيه الفسخ والخيار، هذا.
ولا يخفى أنّ الالتزام بلزوم دخول المبيع في ملك البائع قبل إتلاف المشتري ممّا لا ملزم عليه، لما عرفت من أنّ الخيار والفسخ يرجعان إلى حل العقدة الأولية ومقتضى حلّها رجوع كل مال إلى ملك مالكه إن كان وإلّا فبدله مثلاً أو قيمة، بل لا يمكن الالتزام بذلك أصلاً لاستلزامه رجوع الثمن فيما إذا باعه المشتري قبل فسخ البائع إلى ملك البائع، وذلك لأنا فرضنا المبيع ملكه قبل بيعه، ومقتضى قانون المبادلة أن يرجع الثمن إلى ملك من خرج عن كيسه المثمن والمفروض أنّه خرج من كيس البائع، مع أنّه خلف لأنا قد فرضنا أنّ المشتري باعه لنفسه لا للبائع، وكيف كان فالالتزام بأنّ المال لابد من أن يتلف في ملك البائع وأنّه لابد من أن يدخل في ملکه قبل طرق الاتلاف عليه ممّا لا يمكن المساعدة عليه.
الوجه الرابع : أنّ الخيار حق متعلّق بالمالين فإذا تلف أحدهما أو كلاهما فلا يبقى معه مجال للخيار، إذ لا يمكن ردّ المال حينئذ بالفسخ وإعمال الخيار كما ذكروا ذلك في المعاطاة.
وقد عرفت الجواب عن ذلك سابقاً بأنّ الخيار إنّما يتعلّق بالعقد والالتزام لا بالمالين والعوضين وإلّا فلازم ذلك سقوط خيار البائع في صورة بيع المشتري للمبيع لعدم إمكان ردّه إلى المالك حينئذ.
الوجه الخامس : ما ذكره الشيخ أسد اللّه التستري (قدّس سرّه) (1)من أن الخيار والانعتاق أمران حادثان، فلابد من ملاحظة متعلّقها وأنّهما هل تعلّقا بشيء واحد أو بشيئين وأيهما أسبق من الآخر وأيهما لاحق عليه، فأما أن يكون متعلّقها أمراً واحداً بلا سبق وتقدم من أحدهما على الآخر كما إذا قلنا بتعلقها بالبيع أو
1) مقابس الأنوار : 240.
بتعلّقهما معاً بالملكية، وإمّا أن يكون متعلّقها مختلفاً ويكون أحدهما أسبق من الآخر كما إذا قلنا بتعلّق الخيار بالبيع وتعلّق الانعتاق بالملكية أو عكسنا الأمر وقلنا إنّ العتق يتعلّق بالبيع والخيار بالملكية.
فإن كان متعلّقهما متعدّداً فلا محالة يكون أحدهما أسبق من الآخر، لأنّ الملكية متأخرة عن البيع بحسب الرتبة فما يتعلّق بها متأخر عمّا يتعلق بالبيع لا محالة فإن كان المتعلّق بالبيع هو الخيار فنلتزم بالخيار في المقام لسبقه على الانعتاق، كما أنّ الانعتاق لو كان متعلّقاً بالبيع فلابد من الالتزام به ورفع اليد عن الخيار بسبق العتق عليه
وأما إذا كان متعلّقها واحداً بلا سبق ولا لحوق، فتارة قدم (قدّس سرّه) العتق على الخيار بدعوى أن دليله أنص وأصرح من الآخر، وأخرى التزم بكليهما من جهة عدم التنافي بينهما وحكم بردّ البدل عند الفسخ.
إلّا أنّ هذا التفصيل ممّا لا تترتب عليه ثمرة، إذ السبق واللحوق بحسب الزمان خارج عن فرض المسألة، والسبق واللحوق بحسب الرتبة ممّا لا يترتّب عليهما أثر، والوجه في ذلك ما ذكرناه في محله من أنّ العبرة في التقدم والتأخر في الأحكام الشرعية بالخارج والزمان، وأما التقدم والتأخر بحسب الرتبة فلا اعتبار بهما في الأحكام الشرعية بوجه، وعليه فإذا كان البيع والملك متقارنين بحسب الزمان كما إذا باع العبد ممّن ينعتق عليه ببيع الحال فلا محالة يكون العتق والخيار متقارنين فلابد من الأخذ بأحدهما إذا كان بينهما التنافي وإلّا بكليهما، وهذا من دون فرق بين ما إذا قلنا بأنّ العتق يترتّب على البيع والخيار على الملك أو قلنا بعكسه وأن الخيار يترتّب على البيع والعتق على الملك، وذلك لأنا ولو سلمنا أن الخيار في الفرض الأول متأخّر عن العتق بحسب المرتبة لأنّ مرتبة الملك متأخرة عن مرتبة البيع وهو متقدم على الملك فيكون العتق متقدّماً على الخيار، إلّا أنك عرفت أن مجرد
التقدم والتأخر بحسب المرتبة لا اعتبار به في الأحكام الشرعية كما هو ظاهر، هذا كله فيما إذا كانا متقارنين بحسب الزمان.
وأما إذا كان البيع والملك مختلفين زماناً بأن كان أحدهما متقدّماً والآخر متأخراً بحسب الخارج والزمان كما إذا باع العبد ممّن ينعتق على المشتري ببيع السلم حيث إنّ البيع فيه فعلي وحصول الملك أم-ر م-تأخر لتوقفه على القبض المتأخر عن البيع بحسب الزمان، فحينئذ إذا كان العتق مترتباً على البيع والخيار على الملك فالعتق يتحقق بمجرد البيع وهو يمنع عن حصول الملك للمشتري فيمنع عن الخيار أيضاً برفع موضوعه ومورده، لأنّ الخيار يترتّب على الملك حسب الفرض ومع الانعتاق بالبيع لا يبقى مجال للملكية، كما أنّ المترتب على البيع إذا كان الخيار وكان العتق مترتباً على الملك فاعمال الخيار يمنع عن العتق لتحققه قبله ومنعه عن الملكية التي فرضناها متعلّقة للعتق وذلك ظاهر.
إلا أن الكلام ليس في مثل بيع السلم الفاقد لشرط الملكية حين المعاملة وإنما الكلام في البيوع المتعارفة الواجدة لجميع شرائط الملكية، وقد عرفت الح--ال حينئذ وأنّه لا اعتبار بالتأخّر والتقدّم بحسب المرتبة، وأما بيع السلم ونحوه ممّا لا يكون مشتملاً على شرائط الملك كما إذا كان البيع فاقداً للقبول أو للاجازة والامضاء في بيع الفضولي أو لسائر شرائط الملكية مع تحقق البيع، فيمكن أن نلتزم بالتخصيص في مثلها وأنّ كل بيع فيه الخيار إلّا مثل بيع السلم فيما إذا كان الخيار مترتباً على الملك، أو يقال كل شراء العمودين يوجب الانعتاق إلّا في الشراء في بيع السلم فيما إذا كان الانعتاق مترتباً على الملك المتأخّر عن البيع بحسب الزمان، بل يمكن أن يقال إنّ خروج أمثال بيع السلم ليس من جهة التخصيص بل هو خروج موضوعي، لأنّ الكلام في البيع الواجد لجميع شرائط الملك وأما الفاقد كما في الأمثلة المتقدّمة فهو ليس من البيع الواجد للشرائط، هذا كلّه.
مضافاً إلى أنّ الفرض الأول وهو كون العتق مترتباً على البيع والخيار على الملك فرض بحت كأنياب الأغوال لا واقعية له بوجه، لأن العتق إنّما يترتّب على شراء العمودين وملكهما لا على مجرد البيع، كما أنّ الخيار يترتّب على عنوان «البيّع» لا على المالك، فهذا الفرض ساقط عن الاعتبار.
وأما الفرض الثاني أعني عكس الصورة الأولى وهو كون الخيار متقدماً ومترتباً على البيع والعتق على الملك فهو أمر ممكن، لما عرفت من أن الموضوع للخيار هو «البيّع» وللعتق ملك العمودين، فيتمكّن المتبايعان من أن يرجعا عن التزامهما الثابت بالبيع قبل حصول الملك، إلّا أنّهما إذا كانا متقارنين بحسب الزمان فقد عرفت عدم الأثر على تقدّم أحدهما عن الآخر بحسب المرتبة حينئذ، بل لابد من أن يؤخذ بأحدهما إذا كان بينهما تنافٍ وإلّا فيؤخذ بكليهما ويحكم برد بدل العبد إلى المالك البائع، وأما فيما إذا كانا مختلفين بحسب الزمان فقد مرّ أنّه خارج عن محل الكلام بالتخصيص أو التخصص، هذا كله في هذه المسألة.
ومن جملة المستثنيات شراء العبد المسلم من الكافر حيث ذهب بعضهم إلى أنّه لا خيار فيه للكافر ولا للمشتري، وهذا من دون فرق بين صورة ارتداد المالك المسلم وصيرورته كافراً وبين إسلام العبد الكافر وصيرورته مسلماً، وكيف كان يقع الكلام في وجه الحكم بعدم الخيار فنقول :
إن قلنا بأن شراء العبد المسلم من الكافر ليس ببيع حقيقة بل من جهة أنّ العبد المسلم لا يجتمع مع المولى الكافر فهو بمجرد إسلامه قد انعتق وصار حرّاً غاية الأمر أنّ الشارع راعى جانب المالك وحكم بردّ ثمنه إليه من بيت مال المسلمين لئلا يتضرر الكافر بذلك، فهذا مجرد صورة البيع لا أنّه بيع حقيقة كما احتمل ذلك في
المسألة المتقدّمة، فعدم ثبوت الخيار في شراء العبد المسلم من الكافر ظاهر لأنّه ليس ببيع.
وأما إذا قلنا بأنّه بيع حقيقة وأنّ إسلام العبد لا يمنع عن كونه مملوكاً للكافر فلذا ورد عنهم (عليهم السلام) الأمر باجبار الكافر على البيع، لا أنّه ينعتق بمجرد الإسلام بل لابد من بيعه فهو بيع حقيقة، فعليه إن قلنا بأنّ الملك الاستمراري ليس بسبيل وإنّما السبيل هو الملك الابتدائي، فلا مانع من أن يثبت فيه الخيار، لأن الفسخ حينئذ يوجب عود الملك السابق لا إحداث ملك جديد وقد فرضنا أنّ إسلام العبد لا يمنع عن كونه مملوكاً للكافر غاية الأمر أنّه يجبر على البيع ثانياً فكأنّ البيع الأول لم يكن من الابتداء فيكون مملوكاً للكافر ثمّ يجبر الكافر على البيع ثانياً وإذا فرضنا البيع الثاني خيارياً أيضاً فيفسخ فيعود إلى ملك الكافر ثالثاً ثمّ يجبر الكافر على البيع مرّة ثالثة وهكذا إلى أن يبيعه بما لا خيار فيه باسقاط ونحوه.
وأما إذا قلنا بأنّ العبد لا يعود ملك الكافر، لأنّ عوده إلى ملك الكافر سبيل للكافر على المسلم كالملك الابتدائي وَلَنْ يَجْعَلَ اللّه لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً) (1)أو لأنّ الأمر بالبيع ينا في الخيار وحكم الشارع برجوعه رقاً إلى الكافر إذ لو جاز كونه رقاً للكافر فلماذا أمر بالبيع وأجبر عليه، وإن لم يكن الشارع راضياً برقية المسلم وكونه تحت سلطنة الكافر فلماذا حكم بعوده إلى ملك الكافر رقاً فهذان الأمران لا يجتمعان، فحينئذ إن اشترطنا في ثبوت الخيار رجوع المبيع من المشتري إلى ملك البائع وكون ذلك ممكناً، فلا محالة لا يثبت الخيار في شراء العبد المسلم، لعدم إمكان رجوعه إلى ملك البائع حسب الفرض.
وأما إذا قلنا كما هو الحق - بأنّ الخيار أمر متعلّق بالعقد، والفسخ يوجب
1) النساء 141:4.
حله فيرجع كل مالك إلى ملكه إن كان وإلّا فإلى بدله، فلا مانع من الالتزام بثبوت الخيار في المقام ويقال إنّ الكافر يتمكّن من الفسخ والرجوع عن المعاملة والالتزام إلّا أنّه لا يجب ردّ ملكه إليه كما يجب في سائر المعاملات من أجل حكم الشارع بعدم صحة تملك الكافر له، فهو بمنزلة التالف فيجب ردّ بدله إليه من القيمة لا محالة.
وعليه فهذه الصورة - يعني شراء العبد المسلم من الكافر - لا تكون من المستثنيات لثبوت الخيار فيها كما عرفت. وكيف كان فلا يمكن الحكم بعدم الخيار بمجرد عدم جواز عود العبد إلى ملك الكافر بل لا بدّ فيه من التفصيل المتقدّم.
ومن جملة المستثنيات شراء العبد لنفسه بناءً على صحة بيعه، حيث ذكروا أن خيار المجلس لا يثبت فيه، والوجه في ذلك أنّ اعتبار البيع متوقف على أن يكون هناك مالك ومملوك وهذا المعنى غير متحقق في شراء العبد لنفسه، لأنّه إنّما يشتري نفسه لنفسه وقد عرفت أنّ الملكية الاعتبارية المصطلحة في البيع ونحوه يعتبر فيها تعدّد المالك والمملوك ولا اعتبار للملكية في صورة الاتحاد، إذ لا يعتبرون الشخص مالكاً لنفسه بالملك الاعتباري.
وأما الملكية الحقيقية أعني عدم كونه محجوراً في التصرفات لنفسه وسلطنته عليها فهي وإن كانت ثابتة إلّا أنّها عين الحرّية والانعتاق، لأن العبد لا يملك نفسه ولا سلطنة له على نفسه بخلاف الحرّ، ومنه قوله تعالى ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي) (1).
فالمتحصّل : أنّ الملكية الاعتبارية غير معقولة في المقام لتوقفها على تعدّد
1) المائدة 5: 25.
المالك والمملوك وتغاير أحدهما عن الآخر، وأمّا الشخص الواحد فلا يعتبر المالكية فيه لنفسه بحيث يتمكّن من بيع نفسه للآخرين وإلّا فلو أمكن ذلك بحسب الحدوث فلا وجه لسقوطه بل يبقى مالكاً لنفسه إلى يوم القيامة بالملك الاعتباري فحيث إنهم لا يلتزمون بالملكية الاعتبارية بحسب البقاء ويقولون بسقوطها بعد الحدوث فلا نلتزم بها بحسب الحدوث أيضاً، فإنّ المانع بحسب البقاء هو المانع بحسب الحدوث أيضاً، فالملكية الاعتبارية غير معقولة في الشخص الواحد والملكية الحقيقية عين الحرية والانعتاق، وعليه فلا بيع في المقام واقعاً لأنّه عتق بصورة البيع ولا خيار في غير البيع الحقيقي.
وممّا ذكرناه يظهر أنّ المانع عن الخيار في المقام غير المانع عنه في مسألة شراء العمودين، فإنّ الملكية الاعتبارية معقولة بالاضافة إلى العمودين في حد نفسها، إذ لا مانع من أن يتملك الإنسان أبويه، وإنما منع عن ذلك الشارع فلذا قلنا لا مانع من ثبوت الخيار فيه لدخولهما في ملك المشتري بآنٍ ثمّ يطرؤهما الانعتاق فالمانع عن التملك فيها شرعي، وهذا بخلاف المقام لأنّ المانع من تملك الإنسان لنفسه عقلي، إذ لا يعقل اعتبار الإنسان مالكاً لنفسه فلا يمكن في ذلك الملكية ولو بآنٍ حتى يتصوّر فيه الخيار.
وعليه فما يظهر من كلمات شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه) (1)من أن شراء العبد لنفسه وشراء العمودين من وادٍ واحد والمانع في أحدهما هو المانع في الآخر، كما ترى لما مر من أنّ المانع في أحدهما عقلي وفي الآخر شرعي، ولأجله لا مانع من الالتزام بالخيار في شراء العمودين والرجوع إلى البدل، بخلاف شراء العبد لنفسه فانه أمر غير معقول، فهو عتق فلا يثبت فيه الخيار، ولعلّه لأجل ذلك ادّعى شيخنا
1) منية الطالب 3 : 37.
الأنصاري (1)انصراف أدلّة الخيار إلى صورة مغايرة المالك والمملوك.
استثناء شراء الجمد في الصيف
ومن جملة المستثنيات ما ذكره العلّامة (قدّس سرّه) في التذكرة (2)من أنّه لو اشترى جمداً في شدّة الحرّ لا يثبت فيه خيار المجلس، ولعله من جهة اشتراط الخيار بعدم التلف، ولذا استشكل عليه في جامع المقاصد (3)بأنّ التلف لا يسقط الخيار، وقد وجّهه شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه) (4)بما حاصله : أن إقدام المتبايعين على ما يعلمان بتلفه حقيقة أو من جهة حكم الشارع عليه بالانعتاق إعراض عن مالها ورفع اليد عنه ولذا يسقط فيه الخيار، هذا.
وقد تقدم دعوى سقوط الخيار بمجرد علم المتبايعين بأن المبيع سيتلف وذكرنا هناك أنّ علمها بذلك لا يمنع عن الخيار وإلّا لزم الالتزام بما لا يلتزم به هو (قدّس سرّه) قطعاً وهو ما إذا علم البائع أنّ المشتري سيعتق العبد المشترى قطعاً، أو باع طعاماً يعلم أن المشتري يأكله أو يتلف هو بنفسه، فإنّ لازم ما أفاده (قدّس سرّه) في المقام هو الالتزام بعدم ثبوت الخيار في المسألة للبائع مع أنّه ممّا لا يلتزم ب-ه ف-قيه وعليه فالظاهر أنّ العلم بالتلف لا يمنع عن الخيار وغاية الأمر أنّه يرجع إلى بدله عند التلف.
وأما ما أفاده شيخنا الأنصاري وحمل كلام العلّامة عليه من أنّه من جهة
احتمال اعتبار قابلية العين للبقاء، ففيه : أنّ هذا الاشتراط ممّا لم يقم على اعتباره دلیل فلا وجه للالتزام به، هذا تمام الكلام في المستثنيات.
ذكر الشيخ الطوسي (قدّس سرّه) (1)في بعض كلماته أن خيار المجلس لا يمنع من دخوله في الوكالة والعارية والقراض والجعالة مانع كما لا يمنع من دخول خيار الشرط فيها، ولأجل ذلك وقع الكلام في اختصاصه بالبيع أو جريانه في. جميع المعاملات فنقول :
أما الصلح والاجارة والدين وغيرها من المعاملات المحكومة باللزوم ولو من طرف واحد كما في الدين فلا مانع من جريان خيار المجلس فيها بحسب الثبوت كما يجري فيها سائر الخيارات كخيار الشرط ونحوه، ولكنه لم يدلّ عليه دليل في مقام الاثبات، لاختصاص دليله بالبيع، ولا يمكننا التعدي عنه إلى غيره من دون دلالة دليل ولا قيام قرينة عليه. نعم في بعض موارد الأحكام نتعدى إلى غيره من جهة المناسبات بين الموضوعات والأحكام كما في مثل : لعن اللّه بائعها - أي الخمر - وشاربها الخ (2)حيث إنّه وإن كان مورده بيع الخمر إلّا أنا نقطع بعدم خصوصية للبيع في ذلك، لأنّه لو وهبها أو أباحها أيضاً ثبتت الحرمة من جهة تلك المناسبة الموجودة بين الخمر والحكم بحرمة بيعها، وأمّا فيما لم تقم عليه قرينة فلا ولعله ظاهر.
وبالجملة أنّ المانع عن جريان خيار المجلس في تلك العقود منحصر بمقام
الاثبات وهو عدم دلالة الدليل، وأمّا في مثل الوكالة والعارية والمضاربة ونحوها من العقود الجائرة بالذات فلا معنى محصل لخيار المجلس فيها، لأنّها بحسب ذاتها محكومة بالجواز ومع ذلك يكون جعل الخيار الذي هو بمعنى جواز العقد لغواً محضاً، وقد ذكرنا أنّ الجواز الخياري هو عين الجواز الحكمي الثابت في تلك المعاملات وغاية الفرق بينهما أنّ الأول يقبل الاسقاط دون الثاني، وعليه فلا يبقى مجال لجعل الخيار في العقود المذكورة لأنّه يتمكّن فيها من الرجوع وحلّها. وأما من حيث إسقاط حق الرجوع فالمفروض أنّ هذه العقود جائزة ولا يرتفع جوازها بالاسقاط فما معنى جعل الخيار فيها، وعليه فالمانع عن الخيار في العقود الجائزة مضافاً إلى المانع بحسب الاثبات هو المانع الثبوتي.
وأما ما أفاده الشيخ الطوسي (قدّس سرّه) فلابد من تأويله بوجه ولو بما أوّله شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (1)وإن كان بعيداً في حد نفسه بأن يقال : إن المراد من دخول الخيار فيها هو اشتراط مثل الوكالة أو المضاربة في المعاملة البيعية حيث إنّ الخيار في البيع يسري إلى الوكالة المشروطة فيها بالتبع، لأنّه لو فسخ البيع تنفسخ الوكالة أيضاً لا محالة، أو نحمل كلامه على الاشتباه أو نلتزم بعدم فهم كلامه.
لا إشكال في أنّ مبدأ هذا الخيار من حين العقد والبيع كما هو ظاهر النصّ والفتاوى، ومن ثمّ وقع الكلام في بعض أفراد البيع كالصرف والسلم ونحوهما ممّا تتوقف صحة البيع فيه بعد العقد على أمر آخر كالتقابض فيهما، ولا ينبغي الاشكال في ثبوت الخيار فيهما أيضاً فيما إذا تحقق التقابض في مجلس العقد لحصول شرط البيع
1) المكاسب 5: 48.
والملك، وإنما الكلام في ثبوته فيهما قبل التقابض، وقد وقع الخلاف في ذلك بينهم وتفصيل الكلام في ذلك يقع في مقامين : المقام الأول في وجوب التقابض في الصرف والسلم وعدمه. والمقام الثاني : في جريان الخيار فيهما على كلا تقديري القول بوجوب التقابض وعدمه.
أما المقام الأول : فقد استدلّ على وجوب التقابض فيها بقوله تعالى (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (1)لأنّ الوفاء بالعقد يقتضي التقابض فيها فيكون واجباً شرعاً. وحكي عن العلامة (قدّس سرّه) (2)انه استدلّ على وجوب التقابض في بيع الصرف بأنّه لولا التقابض للزم الربا، لأنّ بيع أحد المتجانسين بالآخر على أن يكون أحدهما معجّلاً والآخر مؤجّلاً محرّم وربا، فلو أقبض أحدهما في المقام ولم يقبض الآخر فلا محالة يشبه الربا فيكون التقابض واجباً شرعاً.
أما الاستدلال بآية (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) ففيه أوّلاً : أن الآية لا دلالة لها على وجوب الوفاء تكليفاً وإنما وردت هي في مقام الارشاد إلى عدم انفساخ البيع بالفسخ، فهي إرشاد إلى الحكم الوضعي وهو اللزوم كما ذكرنا تفصيل ذلك سابقاً.
وثانياً : أنا لو سلمنا أنّها توجب الوفاء بالعقد شرعاً، فهو إنّما يتم فيما إذا كان للعقد أثر يترتّب عليه خارجاً، وأمّا إذا لم يكن للعقد أثر أصلاً لعدم تماميته عند الشارع من أجل توقفه على أمر غير متحقق، فلا معنى لوجوب الوفاء به، والعقد في البيعين أعني الصرف والسلم ممّا لا يترتّب عليه أثر شرعاً لتوقف تأثيره على حصول التقابض حسب الفرض، فالعقد بدونه ممّا لا أثر له فما معنى وجوب الوفاء به.
وثالثاً : لو سلّمنا شمول الآية للمقام وقلنا إنّ العقد بما هو قابل لوجوب الوفاء به، فنقول إنّ ذلك إنّما يتم فيما إذا كان هناك التزام بالملكية في البين حتى يقال بوجوب الوفاء على طبقها وإنهائها إلى الأبد، وليس في المقام التزام بشيء قبل التقابض، وإنما التزم كل واحد منهما بتمليك ماله وإعطائه إلى الآخر على تقدير تمليك الآخر ودفعه المال إليه، فلا التزام بشيء قبل حصول التقابض من الطرفين والالتزام تعلّق بالملكية بعد التقابض، وعليه فلا معنى لوجوب الوفاء قبله، إذ لا التزام حينئذ بشيء، هذا كله في الاستدلال بآية (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ).
وأما ما حكي عن العلامة (قدّس سرّه) من أنّ عدم وجوب التقابض يستلزم شباهة المقام للربا فيكون التقابض واجباً، فينبغي أن يعد هذا من غرائب الكلام ولا أدري كيف رضي العلّامة (قدّس سرّه) باستنباط الأحكام الشرعية بهذه الاستحسانات الباردة وهي أشبه شيء باستدلالات المخالفين، وذلك من جهة أنّ ما أفاده على تقدير تماميته أخص من المدعى وإنما يجري فيما إذا كان العوضان الربويان متجانسين كما إذا باع الذهب بالذهب فإنّه الذي إذا كان أحدهما معجّلاً والآخر مؤجّلاً استلزم الربا الحرام، وأمّا إذا باع الفضة بالذهب ولم يكن العوضان الربويان متجانسين فلم يدل دليل على أن كون أحدهما نسيئة أو مؤجّلاً محرم لأنّه ربا فيكون الدليل أخصّ من المدّعى.
وثانياً : أنّ ما أفاده لو تم فإنما يقتضي الحرمة فيما إذا أقبض أحدهما ولم يقبض الآخر لأنّه الأشبه بالربا، وليس هذا مورد البحث في المقام وإنما نتكلّم فيما إذا لم يكن قبض ولا إقباض من الطرفين في البين، ومن الظاهر أنّه غير شبيه بالربا كما هو أوضح من أن يخفى.
وثالثاً : هب أنّ المقام أشبه بالربا الحرام، إلّا أن مجرد الشباهة لا تستدعي الحرمة أفيمكن أن يقال إن الأشبه بالخمر من حيث الرائحة أو اللون حرام لأن
الخمر حرام، وكيف كان فالحق أنّ التقابض تما لا دليل على وجوبه شرعاً في الصرف والسلم وفاقاً للمحقق الأردبيلي (قدّس سرّه) (1)هذا.
ثم إنّه ربما يستدلّ على وجوب التقابض بقوله (عليه السلام) «وإن نزا حائطاً فانز معه» (2)بدعوى أنّه إنّما أمر بالنزو من جهة تحصيل التقابض، فمنه يستكشف أنّ التقابض واجب، إذ لولاه لما أمر بالنزو مع الطرف، هذا.
ولا يخفى أنّ تلك الأخبار في مقام الارشاد إلى شرطية التقابض في بيع الصرف والسلم ولا دلالة فيها على وجوب التقابض تكليفاً، إذ لا إشكال في جواز ترك النزو معه شرعاً فيبطل العقد بالتفرّق من دون تقابض، وعليه فلا يمكن الاستدلال بها في المقام، هذا كله في المقام الأول.
وأما المقام الثاني : أعني ثبوت الخيار في الصرف والسلم على كلا تقديري القول بوجوب التقابض وعدمه، فالكلام فيه أيضاً يقع في مقامين : المقام الأول في إمكانه بحسب مقام الثبوت. والمقام الثاني في ثبوته بحسب مقام الاثبات.
أمّا الكلام في مقام الثبوت فملخصه : أنّه لا ينبغي الاشكال في إمكان جريان الخيار في بيع الصرف أو السلم على كل من احتمالي وجوب التقابض وعدمه. أما على القول بوجوب التقابض فلوضوح أنّ الخيار إذا ثبت فيهما فيترتّب عليه جواز الفسخ وهو يوجب رفع وجوب التقابض الذي فرضنا ثبوته بالعقد، وأما على القول بعدم وجوب التقابض فلأن نتيجة الخيار وجواز الفسخ حينئذ رفع صلاحية
العقد للتأثير على تقدير التحاق التقابض به، لبداهة أنّ العقد يصلح لذلك فيما إذا لحقه التقابض وأمّا إذا فسخه فيسقط عن قابلية التأثير بالانضمام إلى التقابض. وبالجملة لا مانع بحسب مقام الثبوت من أن يثبت خيار المجلس في بيع الصرف والسلم كما ذكره شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه).
وأما الكلام بحسب مقام الاثبات : فمجمل القول فيه أن الروايات الدالة على خيار المجلس بل وخيار الحيوان أيضاً إنّما دلّت على ثبوتها للبيعان، وهذا العنوان إنّما يثبت للمتعاقدين في الصرف والسلم بعد حصول التقابض، وأما قبله فلا بيع في البين فلا يصدق عليهما البيعان، هذا أوّلاً
وثانياً : أنّ مورد هذا الخيار بحسب الروايات هو ما يكون صحيحاً في حدّ نفسه بحيث لو افترقا لزم البيع، وليس الأمر في المقام كذلك لأنّهما لو افترقا بطل البيع في الصرف والسلم فلا تكون صحة المعاملة مفروغاً عنها، ومعه لا يثبت فيها الخيار لما عرفت من أنّ مورده هو البيع الصحيح الذي لو افترقا عن مجلس البيع لزم لا أنّهما لو افترقا بطل. وكيف كان فلا دليل بحسب مقام الاثبات على جريان خيار المجلس وثبوته في بيع الصرف والسلم. نعم لا مانع من جريان خياري الغبن والعيب ونحوهما فيها لعمومية أدلّتهما ولعلّه ظاهر.
و ممّا ذكرناه في المقام يظهر أنّ الخيار في بيع الفضولي للمالكين الحاضرين في مجلس العقد إنّما هو من زمان إجازتها، لأنّه زمان الانتساب والاستناد إليهما فصدق البيع عليها إنّما هو من هذا الزمان، وهذا من دون فرق بين القول بالنقل والقول بالكشف.
من جملة المسقطات لخيار المجلس اشتراط سقوطه في ضمن العقد على نحو
شرط النتيجة دون شرط العمل، وقد استدلوا على ذلك بالاجماع على سقوطه باشتراطه في ضمن العقد.
ويدفعه : ما ذكرناه غير مرّة من أنّ الاجماع في أمثال المقام لا يمكن الاعتماد عليه، للعلم باستناد المجمعين إلى الأدلة الدالة على العمل بالشرط، بل لا يصح الاعتماد عليه فيما إذا احتمل الاستناد إلى دليل فضلاً عمّا إذا علمنا بالاستناد والوجه في ذلك أن الاتفاق بما هو لما لم يكن حجّة معتبرة بل إنّما صار كذلك من جهة كشفه عن رأي المعصوم (عليه السلام) فلا محالة يختص بما إذا استكشفنا رأيه (عليه السلام) عن الاجماع بالقطع، وأما فيما إذا احتملنا أو علمنا بأنّ المجمعين اعتمدوا في ذلك إلى دليل فلا يحصل لنا القطع بكشف الاجماع عن رأيه (عليه السلام) ومعه لا يمكن الاعتماد عليه وهذا ظاهر.
وقد استدلّ أيضاً على ذلك بالرواية المستفيضة «المؤمنون عند شروطهم» أو «المسلمون عند شروطهم» (1)وبما أنّه شرط سقوط الخيار فيجب العمل عليه والالتزام به بمقتضى الرواية المستفيضة.
والظاهر أنّ الرواية لا دلالة لها على سقوط الخيار باشتراط سقوطه في ضمن العقد، وهذا لا من جهة معارضتها بأدلّة الخيار لأنّها على تقدير تماميتها ودلالتها على وجوب العمل بالشرط تتقدّم على أدلّة الخيار لحكومتها عليه-ا م-ن حيث إنّها ناظرة إلى الأحكام الثابتة على العناوين الأولية كما ذكره شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) بل من جهة ما ذكرناه سابقاً من أن ظاهر الرواية وجوب العمل على الشرط تكليفاً نظير قوله المؤمن عند عدته بمعنى أن كونه عنده والتزامه به من لوازم الإيمان، وهذا إنّما يتم في اشتراط الأعمال التي يتمكن المكلف من إتيانها
1) الوسائل 21 : 276 / أبواب المهور ب 20 ح 4.
وتركها فيكون العمل بها من لوازم الإيمان. وأمّا في مثل المقام الذي يشترط فيه سقوط الخيار على نحو شرط النتيجة فهو أي سقوطه وعدمه لا يكون من لوازم الإيمان، إذ لا ربط له بالمكلّف، لأنّ الخيار حكم شرعي إن أمضى الشارع شرط سقوطه فيسقط وإلّا فلا. وبالجملة أنّه ليس عملاً للمكلّف ومرتبطاً به ليقال إنّه من لوازم الإيمان، لأنّ عدم سقوطه غير مرتبط به حتى يكتشف به عدم الإيمان مثلاً. وكيف كان فهذه الرواية لا تشمل المقام، هذا.
على أنّ الرواية على تقدير تماميتها في حد نفسها والغض عمّا ذكرناه لا تشمل اشتراط السقوط، لأنّ هذا الشرط مخالف للسنة. نعم ليس مخالفاً لمقتضى العقد لأنّ مقتضاه الملكية إمّا إلى الأبد وإمّا إلى زمان الفسخ، واللزوم والجواز حكمان شرعيان وليسا من المنشآت في العقد حتى يكون من مقتضياته وإنما المنشأ هو نفس الملكية فقط.
وبالجملة : أن سقوط الخيار والحكم باللزوم غير مخالف لمقتضى العقد كما هو ظاهر، ولكنّه مخالف للسنّة، وذلك لأنّ ما دلّ من السنّة على أن «البيعان بالخيار» يقتضي باطلاقه ثبوت الخيار على كلا تقديري اشتراط السقوط وعدمه، فيكون ذلك الاشتراط مخالفاً للسنّة وقد دلّت الروايات الواردة في الشروط على عدم لزوم العمل بها فيما إذا خالفت الكتاب والسنّة. فالمتحصّل : أنّ اشتراط سقوط الخيار لا يشمله عموم «المؤمنون عند شروطهم».
وأما صحيحة مالك بن عطية قال «سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن رجل كان له أب مملوك وكان تحت أبيه جارية مكاتبة قد أدّت بعض ما عليها، فقال لها ابن العبد هل لك أن أعينك في مكاتبتك حتى تؤدّي ما عليك بشرط أن لا يكون
لك الخيار بعد ذلك على أبي إذا أنت ملكت نفسك، قالت نعم، فأعطاها في مكاتبتها على أن لا يكون لها الخيار عليه بعد ذلك، قال (عليه السلام) : لا يكون لها الخيار المسلمون عند شروطهم» (1).
فهي وإن كانت صحيحة إلّا أنّه لابد من تخصيصها بموردها أو من حملها على ما سيأتي توضيحه، وذلك لأنّ مفاد الصحيحة سقوط خيار الأمة باشتراط السقوط قبل تحقق المقتضي للخيار، إذ الموجب لخيار الأمة هو الحرية والانعتاق وهذا إنّما يتحقق بعد دفع مال المكاتبة، والمفروض أنّ اشتراط السقوط إنّما هو قبل أداء مال المكاتبة وكيف يسقط الخيار الثابت بعد الحرية باشتراط السقوط قبل ثبوت مقتضيه، وهذا نظير ما إذا اشترط في ضمن عقد الاجارة سقوط خيار المجلس في البيع الذي سيوجده بعد شهر وهذا ممّا لا يلتزم به الفقهاء، فلابد من أن يقتصر على موردها فلا يجوز التعدّي منها إلى غيرها، ومن الواضح أن مورد الكلام هو اشتراط سقوط الخيار في ضمن البيع المقتضي للخيار لا فيما قبل ثبوت المقتضي كما في المثال، فلا يمكننا التعدّي منها إلى المقام.
نعم يمكن أن يقال : إنّ المراد بالخيار واشتراط نفيه في الرواية ليس هو الخيار المصطلح عند الفقهاء أعني ملك فسخ العقد وإمضائه حتى يستدل بها في المقام، بل المراد منه هو الخيار بالمعنى اللغوي أعني الاختيار الذي هو بمعنى طلب الخير والأخذ بما فيه المصلحة، وهو مصدر واسمه الخيار، فمعنى اشتراط أن لا يكون لها الخيار أن يشترط عليها أن لا تأخذ بالفسخ، ومعنى وجوبه عليها أنّه يجب ع-ل-ى الأمة أن لا تفسخ العقد، ومن الظاهر أنّ عدم فسخها من الأفعال فهو من قبيل اشتراط الفعل لا من قبيل اشتراط النتيجة أعني سقوط الخيار، وعليه فالرواي--ة
1) الوسائل 23 : 155 / أبواب المكاتبة ب 11 ح1.
أجنبية عن المقام والحكم فيها على القاعدة، لما مرّ من أن الرواية المستفيضة إنّما تقتضي وجوب الوفاء بالشرط فيما إذا كان الشرط من الأفعال الداخلة تحت اختيار المكلّف حتى يصح أن يقال إن عمله من لوازم الإيمان.
فإلى هنا تحصل أن الاستدلال بعموم «المؤمنون عند شروطهم» على سقوط الخيار باشتراط سقوطه ممّا لا يمكن المساعدة عليه.
والذي يمكن أن يقال في المقام : إنّ الخيار ممّا لا ينبغي الاشكال في سقوطه بالاسقاط بعد المعاملة، لأنا استفدنا أن جواز الفسخ حقي وليس من الأحكام بواسطة الروايات التي منها قوله «فذلك رضاً منه» (1)والحكم والحق وإن ك--ان كلاهما صادرين مجعولين من قبل الشارع لا محالة إلّا أنّ أحدهما ممّا يتمكن المكلّف من رفعه ووضعه بجعل من اللّه دون الآخر.
وكيف كان، فسقوط الخيار بالاسقاط بعد المعاملة ممّا لا كلام فيه، وعليه فلا مانع من سقوطه بالاسقاط حين المعاملة أيضاً، ولا يتوجه عليه شيء من المحاذير إلّا ما عن بعض الشافعية (2)من أنّه إسقاط لما لم يجب، وقد ذكرنا سابقاً أن إسقاط ما لم يجب ممّا لا مانع عنه ولم يرد بطلانه في آية ولا في رواية، ولا محذور فيه إلّا من جهة التعليق المجمع على بطلانه حيث إنّ معنى الاسقاط حينئذ أنّي أسقطته لو تحقق بعد ذلك ورفعت اليد عنه على تقدير ثبوته في الآتية، والتعليق ممّا أجمع على بطلانه ولكن لا إجماع على بطلان التعليق في المقام بل الاجماع على خلافه، وعليه فلا مانع من إسقاطه حين المعاملة وإن كان من قبيل إسقاط ما لم يجب، هذا.
ثم إن شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (1)ذكر أن اشتراط عدم الخيار على ثلاثة أقسام :
الأول : اشتراط عدم الخيار من الابتداء وهذا هو الذي تقدّم الكلام فيه وقلنا إنّه لو لا رجوعه إلى إسقاط الخيار في المعاملة الذي استفدنا من الأخبار جوازه من جهة كون الخيار حقياً لأمكن المنع عنه لمخالفته السنة أعني الرواي--ات الدالة على أنّ «البيعان بالخيار» وإن لم يكن مخالفاً للعقد إلّا أنا ذكرنا أنّه يرجع إلى الاسقاط ولا مانع عنه ولو فيما قبل البيع، لعدم قيام الاجماع على بطلان إسقاط ما لم يجب في المقام وقد مرّ تفصيله فراجع.
الثاني : اشتراط عدم الفسخ خارجاً بعد البيع والمعاملة، ومعناه اشتراط أن لا تفسخه، وهو يرجع إلى اشتراط الفعل فلا مانع عنه، وبذلك يحرم عليه الفسخ ويكون العقد لازماً.
وربما يقال : إن لزوم العمل بالشرط إنّما هو من جهة وجوب الالتزام بالعقد الذي وقع الشرط في ضمنه، فيكون اللزوم في الشرط متفرّعاً ومتوقفاً على اللزوم في العقد، إذ لا معنى لجواز العقد مع وجوب العمل بالشرط المذكور في ضمنه، فإذا فرضنا أنّ العقد جائز لأجل الخيار ولا يجب الالتزام في نفس العقد والمعاملة فكيف يمكن أن يقال بوجوب الالتزام في الشرط، وعليه فيكون الشرط كالعقد جائزاً فله أن يفسخ المعاملة فلا يكون البيع لازماً بذلك، هذا.
ويمكن الجواب عن ذلك : بأنّ الشروط الواقعة في ضمن العقود ممّا يج- الالتزام بها مطلقاً بمقتضى عموم «المؤمنون عند شروطهم» وغيره، كان العقد جائزاً أو لازماً، ومعنى كون الشرط جائزاً من جهة جواز العقد أن العقد فيما إذا كان
1) المكاسب 5 : 55 - 57.
في حد نفسه جائزاً فللمكلّف أن يرفع موضوع ذلك الشرط الواجب وه-و الع-ق-د وبرفع موضوعه يرتفع الشرط لا محالة لأنّه أمر مربوط بالالتزام العقدي، فإذا رفعنا اليد عن الالتزام في العقد فلا يبقى للعمل بالشرط مورد ومحل، لا أن الشرط في ضمن العقد الجائز ممّا لا يجب العمل به، فإذا وهب ماله واشترط في ضمنه خياطة ثوب أو عمل آخر فيجب على المشروط عليه خياطة الثوب أو ذلك العمل، اللّهمّ إلّا أن يرجع في الهبة ولا يستمر على ذلك الالتزام فحينئذ يرتفع موضوع ذلك الشرط فلا يبقى له محلّ، ونظير ذلك حرمة التصرف في العوضين في العقود الجائزة فانّ التصرف في العوضين فيها محرّم ما دام العقد بحاله، اللّهمّ إلّا أن يفسخ العقد ويرفع موضوع الحكم بحرمة التصرفات، إلّا أنّ ذلك في مثل اشتراط الخياطة ونحوها من الأفعال، وأمّا إذا اشترط عدم الفسخ وترك رفع موضوع الشرط فلا يتمكن من رفع الالتزام العقدي ولا يجوز له رفع اليد عن المعاملة حسب الشرط فيجب عليه الوفاء به ويكون العقد لازماً، وفي مثله لا يتمكن من رفع موضوعه لأن الشرط هو ترك ذلك وعدم فسخ العقد، فلا إشكال في اشتراط عدم الفسخ من هذه الجهة.
نعم يبقى في المقام كلام وهو ما أشار إليه شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (1)من أنّ هذا الاشتراط لا إشكال في أنّه يوجب حرمة الفسخ تكليفاً فارتكابه ي-وجب الفسق لا محالة، فهل هذا الاشتراط يوجب حرمة الفسخ وضعاً بحيث لو عصى وفسخ العقد لا ينفذ فسخه، أو أنّه لا يقتضي إلّا حرمته حرمته التكليفية دون الحرمة الوضعية ؟
احتمل شيخنا الأنصاري عدم نفوذ الفسخ بعد الاشتراط، كما احتمل النفوذ
1) المكاسب 5 : 56 - 57.
لعموم أدلّة الخيار، ثمّ اختار الاحتمال الأول وتبعه شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه) في ذلك، ولكنّهما اختلفا في الاستدلال على عدم نفوذ الفسخ، وقد أفاد شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه) في وجه ذلك ما ذكره في بحث النهي عن المعاملات (1)وملخصه : أنّ النهي إن تعلّق بالسبب كالنهي عن البيع وقت النداء، أو البيع في أثناء الصلاة لأنّه كلام والتكلّم في أثناء الصلاة محرّم، فهو لا يقتضي الفساد ولا يمنع عن صحة المسبّب ونفوذه كما هو ظاهر إذ لم يتعلّق به نهي، وأما إذا تعلّق بالمسبب كالنهي عن بيع الخمر فهو يقتضي الفساد، لأن صحة المعاملات بالمعنى الأعم يتوقف على القدرة عليها لا محالة، والمفروض أنّ المكلّف غير قادر على البيع شرعاً والممتنع شرعاً كالممتنع عقلاً، فلا يصح البيع في المقام لعدم القدرة عليه شرعاً، وبما أنّ عدم الفسخ واجب حسبما يقتضيه الاشتراط فيكون الفسخ حراماً، والنهي عنه يقتضي فساده لعدم قدرته عليه شرعاً، فلا يكون الفسخ بعد اشتراط عدمه نافذاً هذا.
وقد تعرّضنا لهذا الكلام في بحث النهي عن المعاملات (2)وغيره وذكرنا هناك أنّ النهي التكليفي عن شيء لا يلازم الفساد كما يظهر ذلك بملاحظة غ-ير موارد المعاملات كالتطهير بماء مغصوب الذي يحرم استعماله والتصرف فيه، أو الاستنجاء بالمحرّمات كالكتب الفقهية ونحوهما فإنّها محرّمان ولكن يوجبان الطهارة لا محالة، فلا ملازمة بين الحرمة التكليفية والحرمة الوضعية أبداً.
وأمّا النهي المتعلّق بالمسبّب فهو وإن كان يقتضي الفساد ونحن نلتزم بفساد بيع الخمر في المثال، إلّا أنّه لا من جهة أنّ النهي يقتضي الفساد، بل من جهة أنّ النهي
عن المعاملات ظاهر في الارشاد إلى الفساد بحيث لولا ما دلّ على حرمة بيع الخمر تكليفاً لما كنا نلتزم بالحرمة التكليفية فيه بهذا النهي بل كنا نحمله على الارشاد وتفصيل الكلام في ذلك موكول إلى محله.
وأمّا شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) فقد استدلّ على عدم نفوذ الفسخ باطلاق ما دلّ على وجوب العمل بالشرط، لأنّ إطلاقه يشمل زمان بعد الفسخ أي-ض-اً حيث إنّه شرط عدمه وقلنا إنّ الالتزام بعدم الفسخ لازم فهو يشمل زمان بعد الفسخ فيقال له يجب عليك الالتزام بالعقد وهكذا إلى الأبد ومعناه عدم نفوذ الفسخ، وهذا نظير ما أفاده (1)في التمسّك بعموم (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) عند الاستدلال على لزوم البيع بناءً على أنّ المراد بالوفاء ترتيب آثار العقد خارجاً حيث ذكر أنّ عمومه يشمل زمان بعد الفسخ أيضاً فيقال له بعد فسخه بأنك مأمور بترتيب الأثر على العقد، ولازمه عدم نفوذ فسخه، وقد ذكر نظير ذلك في المقام، هذا.
ولا يخفى أنّ ما أفاده (قدّس سرّه) هناك وفي المقام مبني على إرادة وجوب ترتيب الأثر على العقد أو الشرط خارجاً بأن يقال إنّ التصرف في المال بعد شرط عدم الفسخ حرام لعموم قوله (عليه السلام) (المؤمنون عند شروطهم» فهو حرام بعد نقض الشرط وفسخ العقد، فإذا حكمنا بحرمة التصرف بعد فسخه فمعناه أنّ الفسخ لغو.
وأما إذا قلنا إن المراد بالوفاء هناك و «المؤمنون عند شروطهم» في المقام هو الانهاء والالتزام بالشرط، وأنّ الأمر فيهما ارشادي إلى اللزوم، فلا يبقى لما أفاده في المقامين وجه كما ذكرناه عند التكلّم في التمسّك بأوفوا بالعقود على لزوم البيع
1) المكاسب 5 : 18.
فراجع (1)هذا.
ولا يخفى أنّ ما ذكرناه من تمامية التمسّك بالاطلاق في المقام على ما أف--اده شيخنا الأنصاري فيها إذا أريد منهما وجوب ترتيب الأثر خارجاً إنّما يصح فيما إذا اشترط الخياطة أو غيرها من الأفعال في البيع، وأمّا في مثل اشتراط عدم الفسخ فلا معنى للقول بأنّ الفسخ حرام ولو بعد الفسخ باطلاق «المؤمنون» الخ، فيحرم عليك الفسخ بعد الفسخ لأنّ المشترط عليه إن فسخ العقد فقد ارتفع الموضوع والعقد فما معنى حرمة الفسخ بعده، هذا فيما إذا كان فسخ المشترط عليه مؤشّراً. وأما إذا قلنا بعدم نفوذه فالفسخ الثاني كالفسخ الأول لا يكون نافذاً، فلا معنى للنهي عن الفسخ بعد الفسخ، فلا يبقى في البين إلّا احتمال حرمة الفسخ فيما لو أنشأ الفسخ سابقاً بأن يقال إنّك إذا أنشأت الفسخ أي تلفظت به بلا تأثير وإرادة معناه) يحرم عليك الفسخ ثانياً، ولكن إنشاء الفسخ مجرداً لم يكن محرّماً عليه لعدم اشتراطه عدم الانشاء، وإنما اشترط عدم الفسخ واقعاً، فانشاؤه ليس نقضاً للشرط بوجه.
وكيف كان، لا إشكال في أنّ متعلّق النهي لابد من أن يكون ميسوراً للمكلّف، والفسخ بعد الفسخ ليس ميسوراً له فلا يشمله عموم «المؤمنون عند شروطهم» كما هو ظاهر، وعليه فلا دليل على عدم نفوذ فسخه فيما لو خالف شرط عدم الفسخ وفسخ العقد بخياره، هذا.
ثم إن في اشتراط عدم الفسخ كلاماً آخر، وهو أنّه لا إشكال في صحة اشتراط عدم فسخ عقد آخر في ضمن معاملة كما إذا اشترط في ضمن البيع أن لا يفسخ عقد الهبة المجانية الصادرة منها سابقاً، وأما إذا اشترط عدم فسخ هذا العقد
1) الصفحة 24.
الذي يريدان إنشاءه فالمعروف المشهور (1)أنّه صحيح ويجب على المشترط عليه ترك الفسخ خارجاً وإنما اختلفوا في نفوذ فسخه فيما لو خالف الشرط وفسخ العقد أو لا، وأمّا أصل صحته فکأنّه ممّا لا كلام فيه عندهم، إلّا أنّ لنا مناقشة في صحة هذا الشرط ذكرناها في تعليقتنا على باب المضاربة من العروة (2)وملخصه : أنّ اشتراط عدم فسخ المعاملة التي يقصدانها غير صحيح، ويظهر وجهه بالتأمل في معنى الاشتراط في العقد فنقول : الشرط بمعنى الربط فربما لا يكون بين المعاملة والشرط ربط أصلاً وإنما يتعاملان بمعاملة ومقارناً لهذه المعاملة والالتزام يلتزم أحدهما بشيء كالخياطة ونحوه من دون أن يكون بين هذه المعاملة وذاك الالتزام ربط أصلاً، بل هناك أمران متقارنان البيع والوعد بالخياطة من دون أن يعلّق أحدهما على الآخر، وهذه الصورة وإن كانت معقولة إلّا أنّه ممّا لم يلتزم أحد من الأصحاب بوجوب العمل بالشرط فيها لأنّه وعد، فمن يرى وجوب العمل بالوعد فعليه أن يلتزم بذلك في المقام. وكيف كان فلا ينبغي الاشكال في عدم وجوب مثل هذا الشرط.
وأخرى يرتبط الشرط بالعقد والمعاملة، وهذا على قسمين : فتارة يكون أصل المعاملة والبيع مربوطاً بالشرط ومعلّقاً عليه بحيث لا معاملة ولا التزام منه بالبيع والانتقال قبل العمل بالشرط نظير الواجبات المشروطة قبل فعلية موضوعاتها كقوله تعالى (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً) (3)فيما
إذا فرضنا عدم تحقق المستطيع في الخارج، فإنّ الوجوب لا يصير فعلياً ويبقى على إنشائه، فيكون أصل الالتزام بالمبادلة بين المالين وفعليته متوقفاً على عمل المشروط عليه بالشرط ولولاه فلا يكون الالتزام البيعي فعليّاً. وهذه الصورة أيضاً معقولة ولكنّها باطلة إجماعاً، لأنّ التعليق في العقود يوجب البطلان حتى فيما إذا كان المعلّق عليه متحققاً في الخارج لاشتراط التنجيز في صحتها.
وأخرى أصل الالتزام بالمبادلة والبيع لا يتوقف على شيء وإنما يلتزم بالمبادلة من حال العقد بلا شرط، ولكن التزامه بهذا الالتزام أي إنهاءه وعدم رجوعه عنه وإقامته عليه واستمراره مشروط ومعلّق على عمل المشروط عليه بالشرط بحيث لو لم يعمل المشروط عليه بالشرط فهو لا ينهي التزامه ولا يُقرّ نفسه عليه ويرجع عنه، فهناك التزامان التزام بأصل المبادلة والتزام آخر بعدم رجوعه عمّا التزم به، والأوّل منجز فلا تعليق في العقد والثاني مشروط ومعلّق على حصول الشرط، وهو معنى الاشتراط الموجب تخلّفه الخيار، ولا معنى معقول للشرط غير ذلك، لما عرفت من أنّ الصور ثلاثة، والأوليان منها باطلتان فتبق الأخيرة.
فإذا عرفت معنى الاشتراط فنقول : إذا باع واشترط الخياطة على المشتري أو عملاً آخر، فمعناه أنك إذا لم تف بشرطك فأنا أرجع عن التزامي بالبيع، وكذا فيما إذا شرط عدم فسخ عقد آخر فإنّه إذا فسخ الهبة فهذا لا يلتزم بالبيع، وهذا ظاهر صحيح.
وأما إذا اشترط عدم فسخ المشتري هذا العقد الصادر منهما، فمرجعه إلى إنك إذا لم تف بعهدك وشرطك وفسخت العقد فأنا لا ألتزم بالبيع والعقد، وهذا ممّا لا معنى له، لأنّه إذا رجع وفسخ العقد فالعقد ينحل ويرتفع لا محالة سواء التزم البائع أم لم يلتزم، فما معنى أنّ العقد إذا انحل بفسخك فأنا أفسخ العقد، إذ العقد قد انفسخ
بفسخ المشترط عليه وهذا ظاهر، ولذا ذكرنا أن اشتراط عدم الفسخ للمعاملة الصادرة منها في ضمن تلك المعاملة أمر لا معنى له ولغو فيكون فاسداً، وتبتني صحة المعاملة على أنّ الشرط الفاسد مفسد للعقد أو غير مفسد، ولا بأس بالمراجعة إلى العروة وما علّقناه عليها في المقام، هذا كله في الصورة الثانية.
الصورة الثالثة : أن يشترط إسقاط الخيار وهو شرط إيجاد الفعل كما أنّ الصورة السابقة شرط ترك الفعل وعدم الفسخ، والظاهر أنّ هذا الاشتراط ممّا لا مانع عنه بوجه، فيجب على المشترط عليه إسقاط الخيار بعد المعاملة، فلو تخلّف فللمشروط له فسخ المعاملة والرجوع عن التزامه، لأنّ عدم إسقاطه الخيار يوجب تزلزل العقد، والتزلزل ممّا يرغب عنه في حد نفسه، فله أن لا يبقى على التزامه سواء قلنا بنفوذ فسخ المشترط عليه فيما لو تخلّف وأعمل خياره بالفسخ أم لم نقل، لأن عدم نفوذ فسخه حكم شرعي لا ينافي تزلزل العقد بنظر العقلاء، وهذا أمر مرغوب عنه عند العقلاء والمشروط له فيثبت له خيار تخلّف الشرط.
وأما أنّه إذا تخلف وفسخ فهل ينفذ فسخه أو لا فيأتي فيه الوجهان المتقدمان في الصورة الثانية، وقد عرفت أنّ الظاهر نفوذ فسخه لعدم تمامية شيء من الوجهين المتقدمين عن شيخنا الأنصاري وشيخنا الأستاذ (قدّس سرّهما).
ثم إن شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (1)ذكر استطراداً أن اشتراط عدم الفسخ أو عدم الخيار لجميع الصور المتقدّمة إنّما يؤثر على المشهور فيما إذا ذكر في متن العقد وأما إذا ذكراه قبله فلا يؤثر بوجه. وهذه المسألة وإن كان محلّها بحث الشروط إلّا أنّ شيخنا الأنصاري تعرّض لها تطفلاً في المقام، وما أفاده من أن صدق الشرط على الشروط الابتدائية غير ثابت هو الصحيح، لأنّ الشرط يستلزم المشروط نظير
1) المكاسب 5 : 57.
غيره من المتضايفين، ولا يعقل شرط بلا مشروط، فالشروط الابتدائية خارجة عن الشرط قطعاً وإنّما هي وعد، وعلى تقدير عدم القطع بخروجها عن الشرط فلا أقل من كونها مشكوكة الدخول فلا يمكن التمسّك بعموم «المؤمنون عند شروطهم» لاثبات وجوب العمل على الشروط الابتدائية، إما للقطع بأنّها ليست بشرط وإمّا لأجل الشك في صدق الشرط عليها، فلا دليل على وجوب الالتزام بالشروط الابتدائية وهو ظاهر.
وقد فصل شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه) (1)بين العوضين وشرائطهما وبين سائر الشرائط الخارجية كاشتراط الخياطة مثلاً، فإنّهما إذا تقاولا وتبانيا على بيع شيء بكذا ثمّ في مقام البيع لم يذكرا شيئاً من العوضين وإنما اكتفيا على مجرد إنشاء البيع بقوله بعت وقبلت، فلا ينبغي الاشكال في صحة مثله لأنّهما منويان مقدّران فهما كالمذكورين وإن كانا محذوفين، وكذا الحال في اشتراط الأوصاف الثابتة على العوضين بالارتكاز كاشتراط وصف الصحة فيهما واشتراط التسليم والتسلّم واشتراط مساواة قيمته للقيمة السوقية فإنّها ارتكازية وثابتة في المعاملات سواء ذكرت في ضمن العقد أم لم تذكر، لقيام القرينة العامة على ثبوتها واشتراطها وهي الارتكاز، وأمّا سائر الشرائط الخارجية كاشتراط الخياطة ونحوها فلا ينفع ذكرها قبل العقد بوجه فيما إذا لم تذكر في ضمن العقد لعدم اشتراطها حسب الفرض، وعدم قیام قرينة خارجية عليها، ومن ذلك القبيل شرائط العوضين غير الثابتة بالارتكاز كاشتراط الكتابة في العبد أو كون سنّه كذا وغيرها ممّا لا يشترطونها بالارتكاز.
وبالجملة : أنّ الشروط الخارجية محلّ الكلام، فقد وقع الكلام في أنّه إذا ذكرا اشتراط السقوط قبل العقد فهل يسقط خياره بذلك أو يجب عليه إسقاطه أو لا ؟
1) منية الطالب 3 : 48.
ظاهر كلام الشيخ الطوسي (قدّس سرّه) (1)أنّ اشتراط عدم ثبوت الخيار قبل العقد صحيح وهو لازم العمل نظير الشروط الواقعة في ضمن العقد والمعاملة، وأمّا شيخنا الأنصاري (2)فقد ذهب إلى عدم صحة هذا الاشتراط وأنّه لا دليل على لزوم الشروط الابتدائية، وحاول أن يأوّل كلام الشيخ الطوسي (قدّس سرّه) ويحمله على ما إذا ذكراه في ضمن العقد، بدعوى أنّ المراد باشتراط عدم ثبوت الخيار قبل العقد في كلامه هو اشتراط عدم ثبوته قبل تمامية العقد لا قبل الشروع في العقد وعليه فيكون من قبيل الشرط في ضمن العقد، وذكر أنّ هذا هو المناسب لك--لام الشيخ من جهة أنّ بعض أصحاب الشافعي يخالف في صحة هذا الاشتراط في ضمن العقد قبل تمامه بتوهم أنّه من إسقاط ما لم يجب، وكأن كلام الشيخ ناظر إلى دفع ذلك، وأنّه إذا اشترط في ضمن العقد قبل تمامه لا مانع من شمول العمومات له وقال (قدّس سرّه) إن ملاحظة عنوان المسألة والتأمل في كلمات الشيخ يورث القطع بإرادة ذكر الاشتراط في ضمن العقد قبل تمامه، هذا.
والظاهر أنّ كلام الشيخ ظاهر في إرادة الاشتراط قبل الشروع في العقد كما فهمه المتأخّرون من كلامه وفهمه العلّامة واستشكل عليه في المختلف(3)ع-لى م--ا حكاه عنه شيخنا الأنصاري بأنّ الشرط إنّما يعتبر حكمه لو وقع في م--ن الع-ق-د. وكيف كان فلا يهمنا فتوى الشيخ بالصحة أو بالفساد.
والذي ينبغي أن يقال : إنّ ذكر اشتراط عدم ثبوت الخيار أو غيره من الشرائط قبل العقد على قسمين : فتارة ينشئان المعاملة بعد هذا الاشتراط غافلين
عن اشتراطهما لنسيان أو غير ذلك من الجهات بحيث لم يوقعا المعاملة على ذلك الاشتراط، وأخرى يتعاملان ويتعاقدان مبنياً على ذلك الاشتراط وإن لم يذكراه في ضمن العقد.
أما الصورة الأولى : فالظاهر المعروف عدم لزوم الاشتراط وكونه قبل العقد كعدمه لا يترتّب عليه الأثر، إذ المفروض خلوّ العقد عن الاشتراط كما أنّ المفروض أنّهما أنشئا الملكية على نحو الاطلاق من غير التزام بذلك الشرط فالملكية بحسب مقام الثبوت مطلقة ولم يذكر الاشتراط في مقام الاثبات أيضاً فبأي وجه يجب العمل على الشرط بعد ما عرفت من عدم صدق الشرط عليه قطعاً أو الشك في صدقه عليه، خلافاً للسيد في حاشيته (1)حيث ذهب إلى لزوم الشرط في هذه الصورة أيضاً.
وأمّا الصورة الثانية : فالظاهر صحة الاشتراط ولزومه، إذ المفروض أنّ الملكية مقيّدة بذلك الشرط بحسب الالتزام في النفس، وهذا الالتزام في مقام الثبوت في ضمن إنشاء الملكية كافٍ في صحة الشرط، لأنّه ليس من قبيل البيع والاجارة وغيرهما من المعاملات أو العقود والايقاعات حتى يقال بتقومه بالالتزام النفساني وبالابراز في الخارج كما ذكرناه في البيع وقلنا إن مجرد الالتزام في النفس لا يصدق عليه البيع ولو مع العلم بأنّ البائع قد التزم بالبيع في نفسه ما لم يبرزه خارجاً بلفظ أو بفعل، لأنّ الشرط لا دليل على اشتراط الابراز فيه، وعليه فمجرد الالتزام في النفس كافٍ في تحقق الشرط ويشمله عموم «المؤمنون» وإن لم يذكراه في مقام الاثبات والعقد.
1) حاشية المكاسب (اليزدي) : 12 من مبحث الخيارات.
وما ذكره شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه) (1)من أنّ القصود والدواعي غير معتبرة في العقود ما لم ينشأ لفظ على طبقها لا يمكن المساعدة عليه، لأنّ نفس العقود وإن لم تتحقق بمجرد القصد والداعي بل لابد من إنشائها وإبرازها بلفظ أو بفعل، إلّا أنّ الشروط يكفي فيها مجرد القصد والالتزام، ولا دليل على لزوم إنشائها باللفظ أو بغيره.
ثم إنّ هذا كله فيما إذا لم يذكر الشرط في ضمن العقد على وجه التفصيل أو الاجمال، أما التفصيل فظاهر، وأمّا الاجمال فكما إذا تقاولا قبل العقد واشترطا شروطاً ككون العبد كاتباً وكون سنّه كذا مقدار وبقائه عند البائع شهراً ثمّ أنشأ المعاملة من غير ذكر هذه الشروط تفصيلاً بل بالاشارة إليها بقوله على ما ذكر فإنّ لفظ ما الذي هو من المبهمات يكفي في الاشارة إلى الشروط المذكورة، وإلّا فلا إشكال في لزوم الشرط كما هو ظاهر.
بقي الكلام في الفرع الذي ذكره العلامة (قدّس سرّه)
حكي عن العلّامة في التذكرة (2)أنّ من جملة موارد عدم جواز اشتراط عدم الخيار في العقد ما إذا نذر المولى أن يعتق عبده إذا باعه، فإنّ اشتراط عدم الخيار حينئذ في المعاملة يفوّت المنذور الذي هو عتق العبد بعد بيعه، إذ لو لم يكن له خيار فكيف يسترجعه إلى ملكه حتى يعتقه.
وقد استصوبه شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) وزاد عليه بأنّ الأقوى في الشرط أيضاً كونه كذلك بمعنى أنّه إذا اشترى العبد بشرط أن يعتقه فإنّه لا يتمكن
من بيعه بعد ذلك باشتراط عدم الخيار لأنّه ينا في الوفاء بالشرط. وبالجملة أنّ عموم «المؤمنون» الخ إنّما يأتي فيما إذا لم يكن في البين حكم شرعي ينافي سقوط الخيار هذا.
وفيما أفاداه مجال للمناقشة صغرى وكبرى، أما بحسب الصغرى، فلأنّه يتمكن من عتقه بعد البيع بشرط عدم الخيار باشترائه من المشتري أو باستيهابه منه، أو لأجل الانتقال من المشتري إلى البائع لأنّه مورّثه ومشرف ع--ل-ى الم-وت وهكذا، نعم لابد من أن يعلم بتمكنه من استرجاعه إلى ملكه أو يطمئن بذلك وإلّا فيدخل تحت تفويت القدرة. وأما بحسب الكبرى فلما ذكرناه سابقاً من أن الحكم التكليفي الشرعي لا ينافي الحكم الوضعي، ووجوب الاعتاق لا ينافي صحة اشتراط عدم الخيار في بيع منذور العتق وسقوط الخيار بهذا الاشتراط، غاية الأمر أنّه يحنث بنذره فتجب عليه الكفّارة ويعاقب بهذا الفعل الحرام، وأما عدم صحة الاشتراط فلا.
وتظهر الثمرة فيما إذا باعه بشرط عدم الخيار غافلاً عن نذره وناسياً لوجوب عتقه، فانه لا يعاقب بشيء حينئذ لجهله بالحرام مع صحة الاشتراط وسقوط خياره بذلك، وقد ذكرنا سابقاً (1)أنّ الحكم الشرعي التكليفي لا ينافي صحة التصرفات وضعاً، وذلك في الجواب عمّا ذكره شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه) من أن النهي عن المسبّب يوجب سلب القدرة الشرعية عليه فراجع.
المسقط الثاني لخيار المجلس إسقاط هذا الخيار بعد العقد، وقد استدل شيخنا
1) في الصفحة 99.
الأنصاري (قدّس سرّه) (1)على سقوطه بالاسقاط بوجوه أربعة :
الوجه الأول : الاجماع على أنّ الاسقاط بعد العقد مسقط
ولكن أمثال هذه الاجماعات ممّا لا يمكن الاعتماد عليها، لأنّهم وإن اتفقوا على سقوطه بالاسقاط إلّا أنّه من جهة الاستناد إلى الأدلة الأخرى الموجودة في البين، ومع ذلك لا يكشف الاتفاق عن رأي المعصوم (عليه السلام) فلا يصح الاعتماد عليه.
الثاني : الأولوية المستفادة ممّا ورد من أنّ «الناس مسلّطون على أموالهم» (2)حيث إنّ الحق أضعف من المال فإذا كان الإنسان مسلّطاً على أمواله فهو مسلّط على حقوقه بطريق أولى، وحيث إنّ السلطنة على الحق غير القابل للانتقال لا معنى لها غير التصرف فيها باسقاطها فيستكشف منه أنّ المراد بالسلطنة على الحقوق هو التصرف فيها ولو باسقاطها، بل الحق بنفسه يقتضي السقوط بالاسقاط كما ستأتي الاشارة إليه، هذا.
وفيه : أنّه إن دلّ دليل في الخارج على أنّ الخيار من الحقوق فيمكن أن يقال إنّ الحق قابل للاسقاط لأنّه معنى الحق كما ذكرناه في أوائل البيع وقلنا إنّ الحكم والحق متحدان بحسب الحقيقة إلّا أنّ الحق متمايز عن الحكم بأن اختيار إبقائه ورفعه موكول إلى المكلّفين، فالحق ممّا يتمكّن المكلّف من إسقاطه، إلّا أنّ هذا الدليل كافٍ في إثبات سقوط الخيار بالاسقاط بلا حاجة إلى التمسّك بحديث سلطنة الناس على أموالهم.
وإن لم يقم دليل على أن الخيار من الحقوق وشككنا في أن-ه ح-ق ق-ابل
للاسقاط أو أنّه من الأحكام غير القابلة للاسقاط والانتقال إلى الورثة، فلا يمكننا التمسّك بحديث السلطنة على المال ولو مع التعدّي منه إلى الحقوق بالأولوية، لأجل الشك في أنّ الحكم الثابت في المقام من الحقوق أو الأحكام، ومع الشك في الموضوع لا معنى للتمسّك بالعموم، بل قد ذكرنا أنّ الأصل عند الشك في كون حك-م م-ن الحقوق أو من الأحكام هو كونه من الأحكام تمسكاً باطلاق الدليل الشامل إلى زمان إسقاطه.
الوجه الثالث : عموم «المؤمنون عند شروطهم» (1)بناءً على أن الشرط شامل للالتزامات الابتدائية أيضاً، فإنّ إسقاط الخيار التزام بأن لا يكون له خيار فيكون من الشروط الابتدائية، هذا.
وقد عرفت سابقاً أنّ الشرط لا يشمل الالتزامات الابتدائية قطعاً ولا أقل من الشك في شموله لها، هذا. مضافاً إلى أنا لو قلنا بالشمول أيضاً فهو إنّما يتم فيما إذا كان الشرط من الأمور الاختيارية للمكلّف بحيث يتمكن من أن يأتي به ويفي بشرطه وأن يتركه، وأمّا إذا كان الشرط أمراً خارجاً عن تحت قدرة المكلّف فلا معنى لوجوب الوفاء بما لا يرجع أمره إليه، وعليه فنقول ربما يشترط في المقام على نحو الشرط الابتدائي أن لا يفسخ العقد أو من باب الوعد بترك إعمال الخيار، وهذا لا مانع من أن يتمسك في إثبات وجوبه بدليل «المؤمنون عند شروطهم» بناءً على شمول الشرط للالتزامات الابتدائية. وأخرى يعد أو يشترط على نحو الشرط الابتدائي أن لا يكون له خيار، وهذا كما ترى أمر خارج عن تحت قدرته واختياره، لأنّ ثبوت الخيار وعدمه أمر راجع إلى الشارع لا إلى المشترط عليه فحينئذ لا معنى للتمسّك بدليل «المؤمنون عند شروطهم» على إثبات وجوبه.
1) الوسائل 21 : 276 / أبواب المهور ب 20 ح 4.
وكيف كان فهذه الوجوه لا دلالة لها على سقوط الخيار بالاسقاط.
الوجه الرابع : الذي هو الصحيح في المقام : هو ما أفاده من أنا استفدنا من الأخبار الواردة في خياري المجلس والحيوان أن الخيار حق لذي الخيار حيث ورد في خيار المجلس أنّهما إذا افترقا فلا خيار لهما بعد الافتراق لأنّه علامة الرضا (1)وكذا ورد في خيار الحيوان أنّه إذا تصرف في الحيوان فلا خيار له لأنّه دليل الرضا حيث قال «فإن أحدث المشتري فيما اشترى حدثاً... فذلك رضاً منه»(2). وكيف كان فقد استفيد أنّ الخيار من الحقوق وممّا يسقط بالرضا بسقوطه، وهذا الوجه هو المتّبع.
ثم إنّه يترتّب على ذلك أمور :
الأول : أنّه لا يشترط فى سقوط الخيار لفظ خاص وصيغة مخصوصة ب--ل يسقط بكل شيء كاشف عن الرضا الباطني، وذلك لدلالة الأخبار المتقدّمة على أنّ المسقط للخيار هو الرضا الباطني المستكشف بشيء من الاشارة أو اللفظ أو الفعل أو غيرها.
الثاني : أنّ شبه الفضولي يجري في المقام فانه إذا أسقط أحد خيار أحد المتبايعين فضولة ثمّ أمضاه ذو الخيار ورضي به، فإنّ هذا الامضاء والرضا بنفسه يسقط الخيار.
الأمر الثالث : ما ورد في بعض الروايات (3)وذهب إليه الأكثر من أن أحد المتبايعين إذا قال لصاحبه اختر، يسقط خياره بذلك ويبقى المخاطب بحاله، فإن
فسخ ينفسخ العقد لا محالة، وإن أسقط خياره يسقط وإلّا فهو على خيار، وقد وقع الكلام في أنّ قول اختر هل هو مسقط تعبّدي أو أنّه من جهة كشفه تعبّدي أو أنّه من جهة كشفه عن رضا القائل وتفويضه الخيار إلى المخاطب.
وتوضيح ذلك : أنّ القائل بكلمة اختر تارةً يريد تمليك خياره للمخاطب وجعل الأمر إليه، وبعد ذلك فلا يبقى للقائل خيار فيكون البيع لازماً من قبله، وأما المخاطب فهو على خيار ويتمكّن من الفسخ والاسقاط، وهذا الأمر ربما يتفق خارجاً فترى أن أحداً أعطى لباساً لشخص وقال البسه فانّه كناية عن تمليك الثوب إياه.
وأخرى يريد بهذا الكلام تفويض الأمر إلى المخاطب وتوكيله من قبله في إسقاط الخيار أو الفسخ، وحينئذ فالقائل بعد على خياره قبل إسقاط المخاطب لأنّه لم يعزل نفسه عن الخيار وإنما وكل المخاطب في إعماله.
وثالثة يريد القائل بكلمة اختر استكشاف حال المخاطب ليرى أنّه يختار الفسخ أو يمضي العقد حتى يتروّى في حال نفسه ويرى أنّ فسخه أو إمضاءه صلاح أو لا مصلحة فيه، فقد ذهب بعضهم إلى أنّ قول اختر يسقط الخيار مطلقاً، وقال آخر إنّه إنّما يدلّ على تفويض أمر الخيار إلى المخاطب ولا يقتضي سقوط خيار القائل.
والصحيح ما أفاده شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (1)من أن مادة كلمة اختر وهيئتها لا يقتضيان شيئاً من الاسقاط أو التفويض أو الاستكشاف، فإن قامت قرينة على أنّ المراد بتلك الكلمة أحد الأمور المتقدّمة فهو وإلّا فلا دليل على سقوط خيار القائل بها بوجه، ولا يحتمل أن يكون كلمة اختر من المسقطات في عرض
1) المكاسب 5 : 64.
الاسقاط والافتراق. وأمّا الرواية الدالّة على أنّ قول اختر من المسقطات فلم تثبت صحتها ولا يمكن الاعتماد عليها.
ذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (1)أنّ الخيار إذا ثبت لمتعدّد فاسقاط أحدهما خياره بامضاء العقد لا يوجب سقوط خيار الآخر بل هو على خياره إن شاء فسخ وإن شاء أمضى، وهذا فيما إذا كان الخيار ثابتاً للمتبايعين واضح، فإنّ البائع إذ أمضى العقد وأسقط خياره فلا موجب لسقوط خيار المشتري بذلك، ولذا قلنا في أوائل بحث الخيار (2)إنّه ملك فسخ العقد وإمضائه من قبله لا م-ن ق-بل شخص آخر، وهذا ظاهر.
وأمّا إذا ثبت الخيار لمتعدّد من طرف واحد كما إذا ثبت للمالك والوكيل في طرف البائع أو انتقل الخيار إلى الورثة المتعدّدين وفسخ بعضهم وأمضاه بعض آخر، فقد ذکر شيخنا الأنصاري أنّ الفسخ والامضاء يتعارضان حينئذ ولا موجب لتقديم أحدهما على الآخر لأنّه بلا مرجّح، ودليل الخيار لا يشملهما معاً لعدم إمكان الجمع بينهما فيتساقطان ونفرضها كأن لم يكونا، ثمّ نقل عن العلامة (قدّس سرّه) (3)تقديم الفسخ على الامضاء في الصورة المتقدّمة، وذكر أن تقديم العلامة (قدّس سرّه) الفسخ لم يظهر له وجه تام، هذا.
وتحقيق الكلام أن يقال : إنّ الخيار إمّا أن نقول بثبوته للطبيعي كطبيعي الوارث أو طبيعي البائع بحيث لا خصوصية لشيء من الأفراد، وثبوته لها من جهة أنّها فرد للطبيعي كما هو أحد الاحتمالات في الخيار المنتقل إلى الورثة بحيث إذا أعمل
أحدهم الخيار بالفسخ أو الامضاء لصدر ممّن له حق الخيار لأنّه فرد من الطبيعي الثابت له الخيار، فهناك خيار واحد ثبت للطبيعي فمن سبق باعماله من الأفراد فقد أعمل الخيار الثابت للطبيعي وذلك واضح.
وإما أن نقول بثبوت الخيار للأفراد، وهذا على قسمين : لأن الخيار الثابت لبعض الأفراد ربما يكون متفرّعاً على ثبوته لفرد آخر وبما أنّه ثبت له يثبت للآخرين أيضاً. وبعبارة أخرى : يكون بعض الأفراد في طول الفرد الآخر، وهذا كما في ثبوت الخيار لوكيل من له الخيار في إعمال الخيار، فإن الخيار إنّما ثبت للوكيل في إعمال الخيار من جهة ثبوته لمن له الخيار أعني الموكل، فخيار الوكيل متفرع على ثبوته للموكل وفي طوله، أو كان خيار فردين متفرّعاً على خيار شخص ثالث وهذا كما في الوكيلين في إعمال الخيار فإنّ الخيار الثابت لهما متفرّع على ثبوته للموكل وفي طول ثبوت الخيار له بحيث لو أعمل الموكل الخيار بالفسخ أو الامضاء لما بقي لاعمال الآخر مجال، وكذلك فيما لو أعمل الوكيل لأن فعله فعل الموكل كما سيأتي.
وأخرى يكون الخيار الثابت لكل واحد من المتعدّد في عرض الخيار الثابت للآخر بحيث لو أسقط أحدهما الخيار فلا يوجب سقوط الخيار الثابت للآخر هذه صور المسألة.
فأما الصورة الأولى : وهي ما إذا قلنا بثبوت الخيار للطبيعي، فلا ينبغي الاشكال في أنّ كل من سبق من الورثة أو الموكل والوكيل في البيع باعمال الخيار بفسخ العقد أو بامضائه فقد أعمل الخيار الثابت للطبيعي فصدر من أهله ووقع في محلّه، وهو لا يبقي خياراً للآخرين، لأنّ الطبيعي قد أسقط خياره وأعمله، هذا فيما إذا سبق أحدهم باعمال الخيار، وأما إذا تقارنا كما إذا فسخ أحدهما وأمضى الآخر في زمان واحد، فحينئذ لا محيص من تعارضها ولا وجه لتقدّم أحدهما على الآخر، لأنّ ذلك نظير الشخص الواحد الذي أعمل خياره في زمان واحد بفسخ
العقد وإمضائه، لأن كل فرد من الأفراد ممّن يصدق عليه الطبيعي وف-ع-ل-ه ف-ع-ل-ه فكأن الطبيعي باحدى يديه فسخ العقد وبيده الأخرى أمضاه فيقع التعارض بينهما نظير من اشترى عبداً بجارية ثمّ أعتقهما بانشاء واحد فانه بهذا الفعل الواحد أسقط خياره بفسخ العقد حيث تصرف في الجارية وأعتقها وأسقطه با مضائه حيث تصرف في العبد وأعتقه، فهو فسخ وإمضاء متعارضان، وبما أن تقدّم أحدهما على الآخر بلا مرجّح، وشمول الأدلة الدالّة على الخيار لهما غير ممكن لاستحالة الجمع بينهما، فيتساقطان ونفرضهما كأن لم يكونا، فلو أراد العلّامة (قدّس سرّه) تقديم الفسخ في هذه الصورة على الاجازة والامضاء فهو ممّا لا وجه له. وما أفاده شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) من أنّه لم يظهر له وجهه محمول على الأدب وإلّا فلا وجه له كما عرفت.
وأمّا الصورة الثانية : وهي ما إذا قلنا بثبوت الخيار للأفراد وكان ثبوته لبعضها متفرّعاً على ثبوته للآخر وفي طول ثبوته له، كالوكيل حيث إن خياره من جهة أنّ الموكل له الخيار أو الوكيلين اللذين خيارهما في طول خيار الموكل، فهي أيضاً كالصورة الأولى، فإذا سبق أحدهما باعمال الخيار بفسخ العقد أو بامضائه فلا يبقى مجال لخيار الآخر، لأنّ الموكَّل إذا أسقط خياره فلا يتمكن الوكيل من إعماله بعد ذلك لانتفاء موضوع الوكالة، وكذا فيما إذا أسقطه الوكيل لأن فعله فعل الموكل. وبعبارة أخرى الخيار واحد فإذا سقط فلا يبقى موضوع للفسخ أو الامضاء، هذا فيما إذا تقدم أحدهما على الآخر.
وأما إذا تقارنا كما إذا فسخ العقد أحدهما وأجازه الآخر في ذلك الزمان، فهو كما في الصورة السابقة متعارضان ولا يمكن ترجيح أحدهما على الآخر، فلابد من فرضهما كأن لم يكونا لأنّه نظير الفسخ والامضاء الصادرين من شخص واحد.
وأما الصورة الثالثة : وهي ما إذا ثبت الخيار للمتعدّد وكان خيار كل واحد منهم في عرض الخيار الثابت للآخر، وفي مثله إذا سبق أحدهما بفسخ العقد فقد سقط خيار الآخر أيضاً، لارتفاع العقد بفسخ الأول، فلا يبقى للخيار بعد فسخ العقد مجال، وأما إذا سبق بامضاء العقد فخيار الآخر باق ويتمكّن من فسخه وإمضائه بعد ذلك، لأنّ السابق إنّما أسقط خياره وهو أمر غير مربوط بخيار الآخر فله أن يفسخ العقد بعد ذلك أو يمضيه.
ومن ذلك يظهر الحال فيما إذا تقارنا كما إذا فسخ أحدهما في حال إجازة الآخر، فإنّ الفسخ يتقدّم على الامضاء لأنّه يتقدّم عليه فيما إذا تأخر عن الامضاء كما ذكرناه فضلاً عمّا إذا تقارنا، لما أشرنا إليه من أن أحدهما إذا أجاز العقد وأمضاه فهو لا يوجب سقوط خيار الآخر ويتمكن الآخ-ر م-ن فسخ العقد بعد ذلك وإمضائه. وبالجملة : أنّ الفسخ يتقدّم على الامضاء فيما إذا تأخر عنه فضلاً عمّا إذا تقارنا، وتقدّم الفسخ على الامضاء إنّما هو في هذه الصورة، ومراد الفقهاء من تقديم الفاسخ على المجيز إنّما هو هذه الصورة دون الصور المتقدّمة.
ومن ذلك يظهر أنّ كلام العلّامة في هذه الصورة صحيح، وعليه فيفصل فيما أفاده العلّامة بين ما إذا كان الفسخ مؤثراً فيها إذا تأخر عن الامضاء فهو متقدّم في صورة تقارنهما أيضاً، وبين ما إذا لم يكن الفسخ عند تأخره مؤثراً فلا يتقدّم عند المقارنة. ومن هذه الموارد أي من الموارد التي يؤثر الفسخ فيها فيما إذا تأخّر عن الامضاء ثبوت الخيار للموكل والوكيل في البيع دون الوكيل في إعمال الخيار لصدق البيع عليهما، وبه قلنا بثبوت الخيار لكل واحد منهما، وعليه إذا أسقط الموكّل خياره بامضاء العقد فخيار الوكيل بحاله وله أن يفسخ المعاملة بعد ذلك، وكذا الحال فيما إذا تقارنا فإنّ الفسخ يتقدّم على الامضاء ويوجب ارتفاع العقد لا محالة.
ومن جملة المسقطات افتراق المتبايعين وزوال الهيئة الاجتماعية في حال المعاملة، والكلام في ذلك يقع تارةً في أنّ الافتراق الموجب لسقوط الخي-ار ه--ل يوجب السقوط من أجل كونه كاشفاً عن الرضا نوعاً أو شخصاً، فهو طريق وكاشف فعلي عن الرضا، أو أنّ له موضوعية في إسقاط الخيار من دون أن يكون كاشفاً عن الرضا ؟ وتحقيق الكلام في ذلك يأتي في البحث الآتي من أن الافتراق عن إكراه هل يوجب سقوط الخيار أولا، ويتكلم هناك في أنّ الافتراق هل له موضوعية في إسقاط الخيار أو أنّه طريق وكاشف عن الرضا.
وأخرى يقع الكلام في معنى الافتراق الموجب لسقوط الخيار، وه-ذا ه-و المقصود بالبحث في المقام فنقول : إنّ الأقوال في المسألة ثلاثة على ما يظهر من كلام شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (1).
الأول : أنّ المعتبر في الافتراق الموجب لسقوط الخيار هو حصول الافتراق ولو بأدنى مراتبه كالتفرّق بشعرة أو بشبر ونحوهما لصدق التفرّق عليه عقلاً، وهو موضوع الحكم بسقوط الخيار. وهذا هو الذي اختاره شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) وذكر أنّ المتبايعين إذا كانا جالسين في سفينتين وفرضناهما سائرتين فحصل الافتراق بينهما بأدنى مراتبه فهو يوجب سقوط الخيار.
الثاني : ما ذهب إليه بعضهم تبعاً لتمثيل كثير من الأصحاب من أن الافتراق المسقط للخيار هو ما يكون بمقدار خطوة، فالافتراق بمقدار أقل لا يوجب سقوط الخيار. وهذا القول لم يعرف له دليل، إذ لم يرد تحديد الافتراق بمقدار الخطوة في شيء من الأخبار، ومعه لا يمكن الالتزام به لوضوح أنّه كالتحديد في السفر الموجب
1) المكاسب 5 : 66 فما بعدها.
للقصر بأربعة فراسخ ذاهباً وجائياً، والتحديد في الكر والتحديد في الزكاة أعني مقدار النصاب يتوقف على دليل لا محالة وهو مفقود في المقام.
الثالث : ما ذكره بعضهم من أنّ الافتراق إنّما يوجب سقوط الخيار فيما إذا صدق عليه الافتراق عرفاً، وهو إنّما يتحقق فيما إذا تفرّق عن الآخر بقصد الاعراض عن المجلس، وأما مجرد الافتراق ولو بقصد أمر آخر بخطوة أو أكثر فضلاً عن الافتراق بمقدار شبر أو شعرة فلا يصدق عليه الافتراق عرفاً.
وهذا الوجه هو الصحيح، وذلك لأنّ المراد بالافتراق في الروايات ليس هو الافتراق في مقابل الاتصال، لأنّ المتبايعين لا يكونان متصلين متلاصقين ح--ال المعاملة بحسب العادة والغالب، إذ لا أقل من أن يكون بينهما فاصل بمقدار شبر أو أكثر، فالافتراق الدقي العقلي حاصل من الابتداء ولا معنى للافتراق بعد ذلك لأنّه من تحصيل الحاصل المحال (1)بل المراد بالتفرّق افتراق أحدهما عن مكان المعاملة عرفاً، لما عرفت من أنّ الافتراق العقلي حاصل بنفسه والافتراق عرفاً إنّما يصدق فيما إذا تفرّق أحدهما عن الآخر بقصد الاعراض عن المجلس، وأما الافتراق بخطوة أو بشبر بل بخطوتين أو أكثر فهو وإن كان افتراقاً حقيقة إلّا أنّ العرف لا يراه
1) ولا يخفى أنّ عدم إمكان إرادة الافتراق العقلي لا يقتضي إرادة الافتراق العرفي لعدم انحصار الأمر بهما، لصحة إرادة الافتراق العقلى عمّا بينهما من البعد حال المعاملة، فإذا فرضنا بعدهما حال المعاملة بشبر فالافتراق عن هذا المقدار ولو بابرة يوجب سقوط الخيار ومع هذا لا تصل النوبة إلى إرادة المعنى العرفي هذا، مضافاً إلى أنّه (دام ظله) إنّما اعتبر الافتراق عن مكان المعاملة والافتراق عن مكانها عقلاً أمر ممكن، ومعه لا وجه لحمله على المعنى العرفي مع وضوح أن تطبيق المفاهيم على مصاديقها ب-ي-د العقل، ولا مجال للنظر العرفي في التطبيقات بعد وضوح مفهوم الافتراق.
افتراقاً، فلذا لو قام أحدهما عن مجلس البيع لأجل شرب الماء ونحوه فلا يصدق عليه الافتراق عرفاً، فما أفاده شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) من أنّ الافتراق العقلي يكفي في سقوط الخيار ولو كان بمقدار إبرة فهو وإن كان متيناً إلّا أنّه إنّما يتم فيها إذا أريد بالافتراق الافتراق عقلاً ودقة، وقد عرفت أنّ المراد منه هو الافتراق العرفي، ولا معنى لارادة الافتراق العقلي لأنّه من قبيل تحصيل الحاصل المحال، فعليه فالخيار إنّما يسقط فيما إذا حصل الافتراق بينهما عرفاً.
إلا أنّه ورد في المقام رواية وقد دلّت على أنّ التفرقة خطى توجب سقوط الخيار، وهي ما عن أبي جعفر (عليه السلام) من أنّه (عليه السلام) قال : فلما استوجبتها قمت فمشيت خطاً ليجب البيع (1)ومنها يظهر أنّ التفرقة بمقدار خطئ كافية في سقوط الخيار، ولولا هذه الرواية لما قلنا بكفاية الخطى في سقوط الخيار ما لم يصدق عليه الافتراق بحسب النظر العرفي وذلك ظاهر.
ثم إنّ الافتراق سواء كان أمراً وجودياً أو أمراً عدمياً تارةً يحصل بافتراق كل واحد من المتبايعين عن الآخر كما إذا افترق كل واحد منهما عن الآخر ومشى إلى طرف، وأخرى يحصل الافتراق بينهما بفعل أحدهما كما إذا كان أحدهما جالساً والآخر تباعد عنه ومشى، وفي هذه الصورة أيضاً تارة يكون سكون الجالس مع الالتفات إلى مشي الآخر وتحركه، وأخرى يكون بلا التفاته ولا إرادته، وكيف كان فالافتراق أمر إذا اتصف به أحدهما فلا محالة يتصف به الآخر، فإذا صدق أن زيداً افترق عن عمرو فيصدق أنّ عمراً أيضاً افترق عن زيد نظير الاتصال والانفصال والقرب والبعد، فلا يعقل أن يتصف بها أحدهما دون الآخر، فلا معنى لأن يقال إنّ زيداً متصل بعمرو ولكنّ عمراً غير متصل بزيد، أو أنّه متفرّق عن رفيقه وهو غير
1) الوسائل 18 : 8 / أبواب الخيار ب 2 ح 2 (مع اختلاف يسير).
متفرّق عن زيد.
نعم، تارة يكون اتصاف أحدهما بهذه الصفة اختيارياً له كما إذا كان ملتفتاً إلى مشي الآخر ولم يمش معه، وأخرى يتصف بها بلا إرادته ولا اختياره كما إذا كان غافلاً عن حركة الآخر وغير ملتفت إليها، أو كان مكرهاً على عدم الحركة كما إذا أوعده بالقتل على تقدير حركته، وعلى أي حال يتصف بالافتراق فلا معنى لاتصاف أحدهما بالافتراق دون الآخر.
فما أفاده شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (1)من أنّ ذات الافتراق من المتحرّك واتصافها بكونها افتراقاً من الساكن، ممّا لم نفهم له معنى محصلاً، لما عرفت من أنّ الافتراق نظير غيره من الاتصال والاقتران نسبته إليهما على حد سواء، فكما أنّ المتحرك أوجد الافتراق بحركته واتصف به فكذلك الجالس بسكونه قد أوج-د الافتراق فاتصف به، فما معنى أنّ ذات الافتراق من أحدهما ووصف الافتراق من الساكن. نعم هناك كلام في أنّه إذا تحرك أحدهما وتفرّق عن الآخر بلا التفات الساكن وإرادته هل يسقط خيارهما معاً، أو يسقط خيار المتحرك لتفرّقه باختياره ولا يسقط خيار الساكن لعدم اختياره، أو أنّه لا يسقط شيء من الخيارين ؟ وربما يقال إن خيار الساكن لا وجه لسقوطه لعدم اختياره من جهة أن أحدهما إذا أكره على التفرّق وترك التخاير لا يسقط خياره، إلّا أنّه أمر آخر لا ربط له باتصاف المتبايعين بالافتراق.
لا إشكال في سقوط الخيار فيما إذا تفرّق المتبايعان عن إرادة واختيار مع
1) المكاسب 5 : 67.
التمكّن من الفسخ، كما أنّه لا ينبغي الاشكال في سقوطه فيما إذا أكره على التفرّق مع التمكن من الفسخ، لأنّه مع التمكن من الفسخ إذا تفرّق ولو على نحو الاكراه فقد أسقط الخيار بارادته واختياره، وكذا الحال فيها إذا أكره على عدم الفسخ إلّا أنّه كان متمكناً من البقاء في المجلس وعدم التفرّق، فإنّه إذا تفرّق فقد أسقط خياره باختياره وإرادته، وهذه الصور الثلاث ممّا لا كلام فيها.
وأما إذا أكره على كل من التفرّق وترك الفسخ، فالمشهور أنّه لا يوجب سقوط الخيار بل ادّعي عليه الاجماع، والكلام في مدرك ذلك فنقول : الذي يستفاد من مجموع كلام شيخنا الأنصاري (1)في وجه عدم سقوط الخيار أمور :
منها : الاجماع المنقول الذي اعتمد عليه شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) بقوله : فالأولى الاستدلال عليه مضافاً إلى الشهرة المحققة الجابرة للاجماع المحكي الخ.
ويدفعه : أنّ الاجماع المنقول ليس بحجّة في حد نفسه، كما أن الشهرة الفتوائية لا دليل على اعتبارها، وضمّ غير حجّة إلى مثله لا يفيد شيئاً، فلا يمكن الاعتماد على أمثال ذلك من الضعاف.
ومنها : التبادر والانصراف، حيث إنّ المتبادر من الأفعال كأكل وضرب وغيرهما أنّها صدرت بالارادة والاختيار، وعليه فالمتبادر من قوله (عليه السلام) «البيّعان بالخيار ما لم يفترقا، وإذا افترقا وجب البيع» (2)أنّهما إذا افترقا بالارادة والاختيار وجب البيع، لا فيما إذا افترقا بلا اختيار، فيكون الخيار باقياً بحاله فيما إذا حصل التفرّق عن إكراه وبلا اختيار.
وأورد عليه شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) بأن هذا التبادر إنم-ا ه-و في
الاختيار في مقابل الاضطرار لا في الاختيار في مقابل الاكراه، مثلاً يمكن أن يقال إنّ المتبادر في مثل يقوم ويجلس أنّ الفاعل يقوم بنفسه واختياره، وأما إذا كان قیامه اضطرارياً كما إذا أقامه غيره فلا يصدق عليه يقوم لانصرافه إلى القيام بنفسه لا القيام باقامة الغير إيّاه، وأمّا إذا قام بنفسه وإرادته ولكن لا من جهة رضاه بل بداعي الخوف من قتل الجائر إيّاه حيث أوعده بالقتل على تقدير عدم القيام ف--لا وجه لدعوى انصراف قام عن مثله، إذ المفروض أنّه صدر بإرادته غاية الأمر لا بداعي الرضا أو الرغبة إليه بل بداعي الخوف والاكراه، هذا.
ويمكن أن يقال : إنّ الأفعال لا يتبادر منها شيء من الاختيار في مقابل الاضطرار ولا الاختيار في مقابل الاكراه، أما الثاني فلما أشرنا إليه آنفاً في تقريب كلام شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) وأما الاختيار في مقابل الاضطرار فلأنّه أجنبي عن الأفعال بموادّها وهيئاتها، أما بحسب المواد فلأنّ القيام مثلاً إسم للهيئة الخاصة من دون فرق بين حصولها بالاختيار وبين حصولها بالاضطرار، وأما بحسب الهيئات فلأنّ هيئة قام تدلّ على أنّ الفاعل تلبّس بمادة القيام من غير اختصاص بما إذا تلبس بها باختياره. وبالجملة فلو كنا نحن وهذه الرواية لقلنا بسقوط الخيار بمجرد الافتراق سواء كان بارادته واختياره أو باضطراره إليه أو اكراهه عليه هذا.
ثم أورد عليه شيخنا الأنصاري ثانياً : بأنّ التبادر لو تم للزم الالتزام بعدم سقوط الخيار فيما إذا كان متمكناً من الفسخ وأكره على التفرّق فقط، مع أنّهم التزموا بسقوط الخيار حينئذ ولم يقل أحد بعدم سقوطه بدعوى أن التفرّق صدر باكراه وهو لا يوجب سقوط الخيار. وهذا الاشكال متين كما هو ظاهر.
ومنها : التمسّك بحديث الرفع، بدعوى أن مقتضى الحديث أن الفعل الصادر عن إكراه كلا فعل وأنّه لا يترتّب عليه أثر، وبما أنّ التفرّق صدر باكراه فهو ك--لا
تفرّق بمقتضى الحديث، وعليه فلا محالة يبقى خياره بحاله.
وقد أورد عليه شيخنا الأنصاري : بأنّ لازم التمسّك بالحديث أن يلتزم ببقاء الخيار حتى فيما إذا كان متمكناً من الفسخ، وبما أنّهم ذهبوا إلى سقوط الخيار عند تمكّنه من الفسخ فيستكشف منه أنّ الحديث ممّا لا يمكن التمسّك به في المقام، هذا.
ويمكن الجواب عن هذا الايراد بأنّ الحديث إنّما يرفع الحكم عن الأفعال الصادرة من المكلّفين فيما إذا صدرت عن الاكراه أو النسيان أو غيرهما من العناوين المذكورة في الحديث، وكان لها أثر وحكم، والحكم أعني اللزوم إنّما يترتّب في المقام على مجموع أمرين أحدهما : الافتراق وثانيها : عدم الفسخ، فالافتراق مع عدم الفسخ موضوع للحكم باللزوم، فإذا تعلّق الاكراه بمجموع هذين الأمرين اللذين فرضناهما موضوعاً للحكم باللزوم فلا محالة يوجب رفع ذلك الحكم، لأن الفعل الصادر عن إكراه كلا فعل.
وأما إذا تعلّق الاكراه بأحدهما لا بمجموعهما فلا يترتّب عليه أثر، إذ لا أثر الجزء الموضوع ولا حكم له حتى يرتفع بالحديث، فالاكراه على الجزء ممّا لا أثر له وعليه فإذا انضم إليه جزوه الآخر فلا محالة يترتّب عليها الأثر، لأن الاكراه المتعلق بأحدهما كلا شيء وکأنّه لم يكن، إذ لا يترتّب عليه أثر من جهة أن متعلّقه ليس محكوماً بحكم حتى يرفعه الحديث، فإذا أكره على التفرّق فلا يترتّب على هذا الاكراه أثر، لأنّ التفرّق ليس موضوعاً لحكم حتى يرتفع حكمه بالحديث، فإذا ضمّ إليه عدم الفسخ بالاختيار فلا محالة يترتّب عليها الحكم باللزوم، إذ المفروض أنّ اللزوم يترتّب على مجموع الافتراق وعدم الفسخ، وهذا هو الوجه في عدم التزام الأصحاب بسقوط الخيار فيما إذا كان متمكّناً من الفسخ - كما يمكن أن يكون الوجه في عدم التزامهم بالسقوط عند التمكن من الفسخ هو إجماع الأصحاب على عدم سقوط الخيار -.
وبالجملة : أن الوجه فيما ذهبوا إليه أنّ الاكراه لم يتعلّق بأمر محكوم بحكم لأن جزء الموضوع لا حكم له، فلا يرد بذلك نقض على الأصحاب ولا يستكشف بذلك أنّ الحديث لا يجري في المقام، وهذا لا يختص بالمقام بل يجري في جميع الموارد، فإذا أكره أحد على قول بع وهو تكلّم به عن إكراه وضمّ إليه تاء المتكلّم بقصد الانشاء وقال بعت، فلا يمكن أن يقال إنّ جزءه لما كان على وجه الاكراه فقد ارتفع حكمه فلا يترتّب على هذا الانشاء أثر، وذلك لأن نصف كلمة بعت جزء لموضوع الانشاء والجزء لا حكم له حتى يرتفع بالاكراه، وكيف كان فهذا الايراد لا يمكن الاعتماد عليه ولا يكون دليلاً على عدم جريان الحديث في المقام.
والذي يمكن أن يقال في وجه عدم صحة التمسّك بالحديث في المقام : هو أن الحديث إنّما يمكن التمسّك به فيما إذا كان الافتراق موضوعاً للحكم باللزوم، وحينئذ يمكن أن يقال إنّ الافتراق لما كان مورداً للاكراه فهو كلا افتراق فلا يترتّب عليه الحكم باللزوم، وأما إذا لم يترتّب عليه حكم لأنّ اللزوم إنّما ترتب على العقد من حين صدوره لعموم (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) وإنما أخرج الشارع حصة خاصة من الزمان عن هذا الحكم وحكم فيه بالجواز منّة وتسهيلاً إلى أن يحصل الافتراق، فحينئذ لا يترتّب على الاكراه المتعلّق بالافتراق أثر، لأنّ الافتراق غاية للحكم بالجواز على نحو الاطلاق صدر عن الاختيار أو عن الاكراه، وليس موضوعاً للحكم باللزوم حتى يقال إنّه لما كان متعلّقاً للاكراه فلم يترتّب عليه أثره لأنّه كلا افتراق، وذلك لما أشرنا إليه من أن الحكم باللزوم إنّما صدر من الابتداء وليس موضوعه الافتراق.
وأما قوله (عليه السلام)» «فإذا افترقا وجب البيع» فمعناه إذا افترقا يزول الحكم بالجواز ويكون العقد والبيع لازماً باللزوم من أوّل الأمر، لا أنّ اللزوم يترتّب مع التفرّق، فالتفرّق إنّما هو غاية للحكم بالجواز، ولا مانع من أن تكون
الغاية للأحكام الترخيصية مطلق وجود الشيء صدر عن الاكراه أو عن الاختيار وهذا كما إذا أبحت التصرف في مالك لأحد إلى أن يجيئ شخص معين بحيث إذا جاء ذلك الشخص ارتفع الحكم بالاباحة، سواء كان مجيؤه باختياره أو بنسيانه وعدم إرادته، وهو لا يقاس بالحكم الالزامي أعني لزوم البيع، لأنّه مترتب على العقد ولم يتعلّق به إكراه، وإنما تعلّق بالافتراق وهو ليس بموضوع للحكم باللزوم وسيجي مزيد توضيح لهذا المطلب بعد قليل، هذا.
وقد ذكر شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه) (1)وجهين آخرين لعدم جريان الحديث في المقام :
أحدهما : أن الحديث كما دلّ على رفع ما استكرهوا عليه دلّ على رفع النسيان أيضاً، ومقتضى التمسّك به في المقام أن يلتزم بعدم سقوط الخيار فيما إذا تفرّقا نسياناً مع أنّه ممّا لا يلتزم به الأصحاب، فيستكشف من ذلك أنّ ذات الافتراق بما هو فعل لا بما هو صادر عن اختيار جعل من المسقطات، وهذا النقض متين.
الوجه الثاني : أنّ الحديث إنّما يرفع متعلّقات الأحكام فيما إذا صدرت عن إكراه ولا يشمل موضوعاتها، فإذا شرب الخمر عن إكراه فمقتضى الحديث أنّه كلا شرب، فلا يترتّب عليه آثار شرب الخمر لأنّه متعلّق للحكم بالحرمة، وأما إذا استكره على موضوع من موضوعات الأحكام فلا يشمله الحديث، فإذا أكره على إقامة عشرة أيام في سفره فإنّه يجب عليه الاتمام وإن كانت الاقامة التي هي موضوع الحكم بوجوب التمام صادرة عن إكراه، فلا يمكن أن يقال إنّه يجب عليه القصر لأن الاقامة صدرت عن إكراه فهي كلا إقامة شرعاً، وعليه ففي المقام لما كان الافتراق موضوعاً للحكم الشرعي مثلاً فلا يكون الاكراه عليه مشمولاً للحديث، هذا.
1) منية الطالب 3 : 52.
ولا يخفى أنّ ما أفاده (قدّس سرّه) في المقام ممّا لم يلتزم به في الأصول بل عمّم الحديث للمتعلّقات والموضوعات ونعم ما صنع، ولم يلتزم باختصاصه بالمتعلّقات وذلك لعموم الحديث، ولذا ترى الفقهاء في جميع الأبواب الفقهية يتمسكون بالحديث في رفع الأحكام عند الاكراه على موضوعاتها، فهذه باب الكفارات فإنك إذا راجعتها ترى أنّ الفقهاء يلتزمون بارتفاع الكفّارة عند الاكراه على ما ثبتت له الكفّارة في الشريعة المقدّسة، فإذا أكره أحد على الأكل في نهار شهر رمضان فإنّه موضوع للكفّارة، إلّا أنّه لما كان مورداً للاكراه التزموا بعدمها في المثال، وهكذا الحال في غير باب الصوم من موارد الكفّارة.
وأما ما أورده (قدّس سرّه) نقضاً من أنّه إذا أكره على الاقامة يجب عليه الاتمام مع أنّها موضوع للحكم بوجوب التمام فهو منه (قدّس سرّه) ع--ج-ي-ب، وذلك لأنّ الحديث كما ذكرناه في محلّه إنّما يشمل الأفعال الصادرة عن المكلّفين فيما إذا ترتب عليها أثر أو كانت متعلّقات للأحكام، وأما إذا تعلّق الاكراه بشيء آخر غير الأفعال كما إذا أكره على لمس يده المتنجّسة بشيء فلا يمكن أن يقال في مثله بعدم نجاسة الملاقي من جهة أنّ الملاقاة حصلت بالاكراه فهي كلا ملاقاة، وذلك لأنّ النجاسة من آثار تلاصق شيئين أحدهما نجس، وليست من الآثار المترتبة على الفعل الصادر من المكلّفين.
والأمر في المقام كذلك، لأنّ وجوب التمام من آثار العلم بالاقامة وليس من آثار الاقامة التي هي من الأفعال الصادرة عن المكلّفين فوجوب الاتمام إنّما يترتّب على العلم باقامة العشرة لا على نفسها، إذ للعلم موضوعية في وجوب التمام، فلذا يجب عليه الاتمام فيما إذا علم باقامة العشرة وإن لم يُقمها بعد ذلك، ومن الواضح أنّ العلم بالاقامة ليس مورداً للاكراه وإنما الاكراه تعلّق بالاقامة وب-ه ع-ل-م المكلف باقامته فترتب عليه وجوب الاتمام، فعدم صحة القول بوجوب القصر حينئذ من
جهة تمامية موضوع الحكم بالتمام لا من جهة أنّ الحديث لا يشمل الاكراه في موضوعات الأحكام.
وعليه فالصحيح في الجواب : ما ذكرناه آنفاً من أن الافتراق ليس موضوعاً للحكم باللزوم وإنما هو قيد وغاية للجواز وتوضيحه : أن الحديث إنّما يرفع الحكم تعلّق الاكراه بمتعلق ذلك الحكم أو موضوعه، ويدل على أن إيجاد ذلك الموضوع أو المتعلّق بالاكراه أو النسيان كالعدم فلا يترتّب عليه أثره وحكمه، وأما إذا تعلّق الاكراه بضد شيء أو نقيضه فلا يمكن إثبات ذلك الشيء بالحديث.
وتفصيل هذا الاجمال : أنّ الاكراه تارة يتعلّق بالبقاء في المجلس وعدم الافتراق، وحينئذ يمكن أن يقال إنّ هذا البقاء في المجلس عن إكراه أو نسيان كالعدم فلا يترتّب على هذا البقاء جواز العقد والخيار بناءً على أن الحديث يشمل المباحات والأحكام الترخيصية أيضاً، لأنّ البقاء في المجلس وعدم الافتراق موضوعان للحكم بالجواز والخيار، وحيث إنهما موردان للاكراه فهما كالعدم بحكم الحديث وهذا يوجب ارتفاع حكمه لا محالة، إلّا أنّ الصحيح عدم شمول الحديث للأحكام الترخيصية.
وأخرى يتعلّق الاكراه بالافتراق أي باعدام موضوع الخيار والجواز كما هو المفروض في المقام، وحينئذ فلا يمكن أن يقال إنّ هذا الافتراق الذي هو إعدام لموضوع الحكم بالجواز لما صدر عن إكراه فهو كلا افتراق، ولا يصح القول بأنّ المتعاملين لما أرادا الاجتماع الذي هو موضوع الحكم بالجواز والخيار وأكرهها مكره على ترك ذلك الاجتماع فتركاه بالاكراه فيكون هذا العدم أي عدم الاجتماع مرفوعاً وكالعدم وکأنّها مجتمعان، لأنّ عدم عدم الاجتماع عبارة أخرى عن الاجتماع فيترتّب عليه أحكام الهيئة الاجتماعية من الجواز والخيار، والوجه في عدم صحّة ذلك أن الحديث إنّما يرفع الأحكام عن موضوعاتها أو متعلّقاتها فيما إذا تعلّق
الاكراه بإيجاد الموضوعات أو المتعلّقات ويدلّ على أنّ هذا الوجود كالعدم، ف--لا يترتّب عليه أثر، وأمّا إذا أكره أحد على عدم إيجاد موضوع أو متعلّق فلا يرفع الحديث هذا العدم حتى يدلّ على أنّ الموضوع ليس بمعدوم فيترتّب عليه حكمه.
مثلاً إذا أراد أحد بيع داره وأكرهه مكره على عدم بيعه فإنّه لا معنی لدلالة الحديث على أنّ عدم البيع لما صدر عن الاكراه فهو كالعدم فالبيع كالموجود ويترتّب عليه النقل والانتقال من دون حاجة إلى إنشاء آخر، أو إذا أراد أحد أن يجاهد في سبيل اللّه ويلبس الحرير لأن لبس الحرير في الجهاد جائز وأكره على عدم الجهاد فيقال إنّ عدم الجهاد كالعدم بحكم الحديث فکأنّه مشغول بالجهاد فيجوز له لبس الحرير أو أراد أن يصلّي جماعة للتخلّص عن الوسوسة في القراءة أو عدد الركعات فمنعه مكره فيقال إنّ ترك الجماعة كالعدم فکأنّه صلّى جماعة فتسقط عنه القراءة وحفظ عدد الركعات، وهكذا.
وبالجملة : أنّ الحديث إنّما يرفع وجود الموضوع أو المتعلّق فيما إذا كان وجودهما عن إكراه، وأما إذا كان عدم الموضوع أو المتعلّق من جهة الاكراه ف--لا يشمله الحديث حتى يوجب ترتب حكم ذلك الموضوع أو المتعلق بج-ع-ل الع-دم عدماً، والأمر في المقام كذلك لأنّه إنّما أكره على ترك الموضوع وإعدام موضوع الجواز، وحينئذ فلا يمكن أن يقال إنّ هذا العدم كالعدم وكأن الموضوع موجود فيترتّب عليه أثره.
ودعوى أنّ الافتراق موضوع للحكم باللزوم، قد تقدّم دفعها في هذا البحث وذكرنا تفصيل ذلك في القيود المأخوذة في المتعلقات وقلنا إن الأحكام إنّما تترتب على التقيّدات لا على القيود، فقيد الافتراق لم يترتّب عليه حكم وإنما الحكم أعني اللزوم إنّما ترتب على تقيّد العقد والبيع بالافتراق، إذ الأحكام لا تترتب على القيود فلذا ذكرنا في محلّه أنّ القيد إذا كان خارجاً عن الاختيار فلا مانع من أخذه في
المتعلّق فيما إذا كان التقيّد به أمراً ممكناً، فإنّ القبلة وإن كانت غير مقدورة للمكلّف إلّا أن تقيّد الصلاة بكونها واقعة إلى القبلة ممكن فكان التكليف بالصلاة المقيدة بها صحيحاً، وفيما نحن فيه نفس الافتراق لم يترتّب عليه حكم وإنما هو قيد واللزوم إنّما ترتّب على العقد المقيّد، هذا.
ولكن الصحيح إمكان الفرق بين مثل الافتراق وسائر القيود المأخوذة في الموضوعات والمتعلّقات، بأنّ الافتراق بمنزلة الجزء الأخير من العلة التامة للزوم بحيث يتوقف تأثير البيع في اللزوم على انضمام الافتراق إليه، فبوجوده يوجد اللزوم كما أنّه ينعدم بانعدام الافتراق، وفي مثله إذا أكره على الافتراق فلا محالة يرتفع اللزوم لتوقفه عليه بحسب الوجود والعدم، والسر في ذلك أنّه بعد ما أوجد البيع والعقد فلا يتمكن من أن يمنع عن اللزوم فيما إذا انضم إليه الافتراق، فليس تأثير المقيَّد في اللزوم أمراً اختيارياً له، كما أنّ عدم تأثيره فيه عند ترك الافتراق خارج عن اختياره، فمن هذه الجهة لا مانع من شمول الحديث للافتراق.
ولكن التحقيق أنّ الحديث لا يشمل مثل الافتراق من جهة أخرى، وهي أنّ حديث الرفع إنّما يرفع الأحكام فيما إذا تعلّق الاكراه بموضوعاتها أو متعلقاتها وكان ذلك الموضوع أو المتعلّق من الأفعال الصادرة عن المكلّفين، بمعنى أنّها باعتبار جهة صدورها عن المكلف بالقدرة والاختيار كانت موضوعاً أو متعلّقاً للحكم.
وبعبارة أخرى : أخذ فيها جهة المصدرية التي هي الصدور عن فاعلها، نظير الافطار في شهر رمضان فإنّه موضوع للحكم بالكفّارة فيما إذا كان على وجه العمد والاختيار وقد أخذ في الموضوع بما أنّه فعل صادر عن المكلف مسبوقاً بالارادة والاختيار، فإذا أكره على الافطار في شهر رمضان فلا محالة شمله الحديث ويوجب رفع حكمه وهو الكفّارة، هذا في الموضوعات.
وأما المتعلّقات فهي ممّا أخذ فيه صدورها على وجه الارادة والاختيار دائماً
لوضوح اشتراط القدرة في متعلقات الأحكام، وأمّا إذا كان الموضوع من غير الأفعال المأخوذ فيها جهة الصدور على وجه الارادة والاختيار وإن كان ربما يصدر من المكلّفين باختيارهم إلّا أنّ صدوره على وجه الاختيار ليس معتبراً في موضوعيته للحكم، ففي مثله لا مجرى للحديث، وهذا كما في باب النجاسات فإنّ موضوعها الملاقاة مع النجس ولم يؤخذ فيها عنوان صدورها عن المكلّف على وجه الاختيار، بل الملاقاة بما هي هي سواء وقعت على وجه الاختيار أو ع-ل-ى وج-ه الاكراه والاضطرار أو على وجه آخر موضوع للحكم بالنجاسة لقوله (عليه السلام) «اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه» (1)وغيره من الروايات التي دلّت على وجوب الغسل بمجرد ملاقاة شيء مع النجس من دون أخذ صدورها على وج-ه الاختيار فيها، وهذا ظاهر.
وبهذا قلنا إن الاكراه على الملاقاة لا يوجب رفع النجاسة والحكم بوجوب غسلها، لأنّها ليست من الأفعال الصادرة عن المكلّفين على وجه الاختيار وإن كانت ربما تحصل باختيارهم إلّا أنّ الموضوع هو نفس الملاقاة بما هي، ولولا م--ا ذكرناه في المقام لم يكن وجه لعدم شمول الحديث لباب النجاسات فيما إذا تعلق الاكراه بالملاقاة، ولذا كانت مسألة النجاسات من العويصات وذهب الأصحاب فيها إلى اليمين والشمال، مثلاً أجاب عنها شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه) (2)بأنا علمنا علماً وجدانياً أنّ الملاقاة في النجاسات علّة تامّة مؤثرة لا تختلف باختلاف الحالات من الاختيار والاضطرار ولأجله لا يجري فيها الحديث، مع أنّه يمكن أن يناقش فيه بمنع هذا العلم، إذ لا منشأ له ولا دليل عليه.
وبالجملة : أنّ ما ذكرناه من اختصاص الحديث بموارد الاكراه على فعل صادر عن المكلّف على وجه الاختيار يرفع الاشكال في باب النجاسات، ولذا لا ترى فقيهاً يتمسك بالحديث عند تعلّق الاكراه بالسفر أو الاقامة في رفع وج-وب القصر أو الاتمام بدعوى أنّ السفر أو الاقامة مورد للاكراه، وليس هذا إلّا من جهة أنّ السفر لم يؤخذ في موضوع وجوب القصر بما أنّه فعل يصدر عن المكلّف على وجه الاختيار، وإنما أخذ فيه بما هو هو سواء صدر عن الاختيار أو عن الاكراه وكذلك الاقامة حيث إنّ الاقامة بما هي موضوعة لوجوب التمام عند العلم بها لا بما أنّها صادرة عن المكلّف عن اختيار.
وإذا عرفت ذلك فنقول : إنّ الافتراق المأخوذ في موضوع اللزوم إنّما أخذ فيه بما هو هو لا بما أنّه فعل اختياري يصدر عن المتعاملين، ولذا ربما ينسب التفرّق إلى ما لا شعور له ولا اختيار فيقال تفرّق أجزاء الدار أو الكتاب، وبما أنّه ليس من الأفعال الصادرة على وجه الاختيار بمعنى أنّه لم يؤخذ فيه بما هو صادر عن الارادة والاختيار وإن كان ربما يصدر على وجه الاختيار فلا يجري فيه الحديث. فالمتحصّل أنّه لا وجه لبقاء الخيار بعد الاكراه على التفرّق وترك الفسخ لأجل ما عرفت.
ثم لو أغمضنا عن ذلك وبنينا على أن الافتراق بما هو فعل صادر عن المكلّف عن موضوع للحكم باللزوم فنقول : إنّ الحديث إنّما يرفع الأحكام فيما إذا كان في رفعها امتنان وإرفاق على نوع المكلّفين، وأيّ إرفاق ومنة في سلب سلطنة المالك عن المال بجعل الخيار للمشتري مثلاً، فإنّ الحكم بجواز رجوع المشتري في المعاملة ينافي سلطنة البائع على الثمن فإنّه أكل للمال بلا تجارة عن تراض وتصرّف في سلطان المالك وليس في ذلك إرفاق وامتنان، وحديث رفع الاكراه كحديث نفي الضرر إنّما
يجريان فيما لو كان في رفع الحكم بهما امتنان، وسيأتي في بعض الخيارات الآتية (1)أنّ التمسّك فيها بقاعدة نفي الضرر لاثبات الخيار غير تام لأنّه على خلاف الامتنان
هذا مضافاً إلى النقض بصورة الافتراق نسياناً الذي هو العمدة في الجواب. ومنها : ما ذكره شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (2)من أنّ المتبادر من قوله (عليه السلام) «البيّعان بالخيار ما لم يفترقا فإذا افترقا وجب البيع» أنّ الافتراق المتصل بالرضا يوجب سقوط الخيار، وأمّا مجرد الافتراق فلا يترتّب عليه أثر، وبما أن الافتراق غير متصل بالرضا في المقام فلذا لا يترتّب عليه سقوط الخيار.
ويدفعه : أنّ هذا الانصراف والتبادر لا منشأ له وهو تقييد بلا دليل، بل مقتضى إطلاقه أنّ الافتراق يسقط الخيار سواء اتصل بالرضا أم لم يتصل به، هذا مضافاً إلى أنّ هذا المدعى لو تم في الاكراه على الافتراق يستلزم الالتزام بعدم سقوط الخيار أيضاً فيما إذا حصل الافتراق غفلةً أو نسياناً ونحوهما، لأنّه في صورة الغفلة أو النسيان لم يكن راضياً بالافتراق، وإنما صدر منه نسياناً مع أنّهم التزموا بسقوط الخيار حينئذ حتى الشيخ (قدّس سرّه) وهذا يكشف عن أن الافتراق غير مقيّد بالاتصال بالرضا.
ومنها : صحيحة الفضيل : «فإذا افترقا فلا خيار بعد الرضا منهما» (3)حيث إنها صرّحت على أنّ الافتراق المسقط للخيار إنّما هو الافتراق المقرون بالرضا والاختيار وأما مجرد الافتراق من دون إرادة ولا رضا فلا يترتّب عليه أثر، وبهذه الرواية استشهد شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) على أنّ الافتراق لابدّ من أن يتصل
بالرضا، وذلك لأن المراد بالرضا ليس هو الرضا بأصل المعاملة، لأن المفروض أنّهما تعاملا عن رضاهما بالبيع، فتعيّن أن يكون المراد بالرضا هو الرضا المتصل بالافتراق للاجماع القطعي على عدم اعتبار رضا آخر في زمان آخر في المعاملة هذا.
وفيه : أنّ هذا الاستدلال لو تم لأوجب الالتزام بعدم سقوط الخيار فيما إذا حصل الافتراق نسياناً أو غفلة، لعدم رضاه بالافتراق حينئذ مع أنّهم ذهبوا إلى سقوط الخيار بالافتراق غفلة أو نسياناً.
وأما الصحيحة فهي أيضاً لا دلالة لها على اعتبار الرضا متصلاً بالافتراق ومعناها (واللّه العالم) أنّ البيع إذا صدر برضاهما وحكم الشارع عليه باللزوم فلا وجه فيه للخيار بعد انقضاء زمان الحكم بالجواز فيه إرفاقاً، لما مرّ من أنّ اللزوم إنّما يترتّب على البيع والعقد وإنما خرج منه حصة خاصة من الزمان إرفاقاً، فإذا انقضى هذا الزمان فلا وجه للخيار بعده بعد رضاهما بالمعاملة وإمضاء الشارع لها وحكمه باللزوم.
ومنها: ما يظهر من كلمات شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (1)من أن الافتراق إنّما يسقط الخيار من أجل كشفه غالباً عن رضاهما بالعقد، وهذا الكشف لا يتم عند الاجبار والاكراه على الافتراق.
ويدفعه : ما أشرنا إليه مراراً من أنّ هذا المدّعى على تقدير تماميته يوجب الالتزام بعدم سقوط الخيار عند الافتراق غفلة أو نسياناً، لعدم كشفه عن الرضا حينئذ مع أنّه ممّا لم يلتزم به أحد، هذا.
مضافاً إلى أنّه لا دليل على أنّ الافتراق يسقط الخيار من أجل كشفه عن
1) المكاسب 5 : 71.
الرضا، بل الرواية ظاهرة في أنّ الافتراق غاية للحكم بالجواز صدر عن الاختيار أو عن الاكراه.
وحاصل الكلام : أنا لم نفهم الفرق بين صورتي الاكراه والنسيان، وأن الخيار لماذا يسقط عند الافتراق غفلة ونسياناً ولا يسقط عند الافتراق إكراهاً بعد شمول حديث الرفع لكليهما.
وأما ما في كلام شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه) (1)من أن الفارق بينهما النصّ فلم نقف على أيّ نصّ دلّ على عدم سقوط الخيار عند الاكراه وسقوطه عند النسيان. وأما الصحيحة فقد عرفت عدم دلالتها على أزيد من سقوط الخيار بعد رضاهما بأصل المعاملة.
إذا بنينا على بقاء الخيار عند الاكراه على الافتراق وترك الفسخ - على خلاف ما اخترناه - فنقول : إنّها تارةً يتفرّقان على وجه الاختيار فلا ينبغي الاشكال في سقوط الخيار، وأخرى يكره كلاهما على التفرّق وترك الفسخ ف-لا ينبغي الاشكال في عدم سقوط الخيار على المشهور، وثالثة يكره أحدهما على الافتراق وترك الفسخ مع بقاء الآخر على اختياره في البقاء في المجلس والفسخ ورابعة يكره أحدهما على البقاء والمجلس وعلى ترك الفسخ ويبقى الآخ-ر ع-لى اختياره في الافتراق والفسخ. والصورتان الأوّلتان واضحتان وإنما الكلام في الصورتين الأخيرتين.
ولا يخفى أنّ البحث في هذه المسألة يبتني على القول بعدم سقوط الخيار
1) منية الطالب 3 : 51.
بالاكراه على التفرّق وترك الفسخ وإلّا فإذا بنينا على سقوطه حتى في صورة الاكراه فلا يبقى للبحث في هذه المسألة مجال، وكيف كان فعلى القول بعدم سقوط الخيار بالاكراه فهل يسقط خيار كل واحد من المختار والمكره في الصورتين أو لا يسقط خيارهما أصلاً أو يسقط خيار المختار دون خيار المكره أو يفصل بين ما إذا كان المختار في المجلس فكلاهما على الخيار وبين ما إذا خرج المختار عن المجلس باختياره فخیار كليهما ساقط، هذه هي أقوال المسألة.
ومبنى هذه الأقوال هو أنّ الغاية للخيار هل هي تفرّقها بالاختيار بنحو الاجتماع بأن يكون افتراق كليها باختيارهما غاية للخيار، أو أن الغاية هي افتراق أحدهما باختياره، وعلى الأول فهل تفرّقهما باختيارهما غاية لسقوط الخيار على نحو العموم الاستغراقي بأن يكون افتراق كل منهما باختياره مسقطاً لخيار نفسه، أو أن تفرّقهما أخذ غاية على نحو العموم المجموعي بمعنى أن افتراق كليهما عن اختيارهما موجب لسقوط الخيار بحيث لو افترق أحدهما على نحو الاكراه فلا يسقط شيء من خياريهما. وعلى الثاني أعني كون الغاية هي افتراق أحدهما باختياره فهل يشترط في الافتراق المسقط للخيار أن يكون مبرزاً بأمر وجودي أو يكفي فيه مثل عدم الحركة أيضاً.
فعلى المبنى الأول وهو كون الغاية كلا التفرّقين على نحو العموم الاستغراقي يسقط خيار المختار خاصة، لأنّه تفرّق على نحو الاختيار دون المكره لعدم تفرّقه بنحو الاختيار.
وعلى المبنى الثاني وهو كون الغاية كلا التفرّقين على نحو العموم المجموعي فخيار كليهما ثابت لعدم صدور الافتراق منهما على نحو الاختيار، إذ المفروض أن أحدهما تفرّق على نحو الاكراه.
وعلى المبنى الثالث وهو كون الغاية افتراق أحدهما مع اشتراط كون المبرز
للافتراق أمراً وجودياً يتوجّه تفصيل العلّامة في التحرير (1)فلا يسقط خيارهما فيما إذا كان المختار باقياً في المجلس، وذلك لعدم صدور افتراق اختياري منهما، أما المكره فلأنّ الافتراق منه ليس اختيارياً له، وأما المختار فلأجل أنّه لم يبرز الافتراق بأمر وجودي وإنما سكن وبق في المجلس وهو ليس أمراً وجودياً كما هو ظاهر. نعم لو خرج المختار عن المجلس فيسقط خيارهما معاً لصدور الافتراق الاختياري المبرز بأمر وجودي.
وعلى المبنى الرابع وهو كون الغاية افتراق أحدهما من دون اشتراط إبرازه بأمر وجودي وكفاية عدم الحركة في تحققه، يسقط خيار المك-ره والمختار كليه-ا لصدور الافتراق الاختياري من المختار بسكونه في المجلس باختياره، هذه هي مباني الأقوال في المسألة.
ولا بد لتعيين القول الصحيح من ملاحظة الأدلّة الدالة على أن الافتراق غاية للخيار على تقدير صدوره على وجه الاختيار، فنقول : إنّ مقتضى قوله (عليه السلام) «البيّعان بالخيار ما لم يفترقا» كما عرفت سقوط الخيار بمجرد الافتراق من دون اشتراط الاختيار، فاطلاقه يقتضي سقوط الخيار على نحو الاطلاق، فلابد من ملاحظة الدليل الذي قيّد إطلاق قوله (عليه السلام) «ما لم يفترقا فإذا افترقا وجب البيع» بما إذا صدر الافتراق على وجه الاختيار، فإن كان دليل اشتراط الافتراق بالرضا هو الاجماع المنقول المعتضد بالشهرة المحقّقة كما في كلام شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) فلازمه الاقتصار في الخروج عن مقتضى الاطلاق بالمقدار المتيقن وهو صورة الافتراق عنهما على وجه الاكراه، وفي غير تلك الصورة يتحكّم الاطلاق أي إطلاق قوله (عليه السلام) «البيّعان بالخيار ما لم يفترقا فإذا افترقا وجب البيع»
1) التحرير 2 : 284.
وعليه فلابد من الالتزام بسقوط الخيار في المقام مطلقاً لتحقق الافتراق المسقط بحكم الاطلاق، وإنما خرجنا عنه في خصوص ما إذا كان كل واحد منهما مكرهاً على الافتراق، وفي غير هذه الصورة لابد من التمسّك بالاطلاق وهو يقتضي سقوط الخيار بمجرد الافتراق.
وإن كان دليل اشتراط الافتراق بالرضا هو الانصراف والتبادر أو صحيحة الفضيل أو حديث رفع الاكراه، فالظاهر أنّه لابد من القول حينئذ ببقاء الخيار في كل واحد من المكره والمختار، وذلك لأنّ الافتراق أمر وحداني سواء قلنا إن-ه أم--ر وجودي أو قلنا إنّه أمر عدمي وهو عدم الاجتماع، غاية الأمر أنّه من الأعدام والملكات لا من الأعدام الصرفة، وهذا الأمر الوحداني من الأعراض النسبية المتضايفة فيحتاج إلى طرفين كالأبوّة والبنوّة فإذا قلنا إن زيداً افترق فمعناه أنّ طرفه الذي هو عمر و قد اتصف أيضاً بالافتراق، ولا يعقل أن يكون أحد المجتمعين مفترقاً دون الآخر، لأنّه كالاتصال والانفصال فإذا انفصل أحدهما فالآخر أيضاً منفصل، ولا معنى لانفصال أحدهما واتصال الآخر، كما لا يعقل أن يكون هذا إبناً لزيد ولا يكون زيد أباً له.
فإذا كان الافتراق أمراً واحداً قائماً بطرفين فنقول : إن هذا الأمر الواحد القائم بطرفين قد قيّد بالرضا بحكم الانصراف، فإذا افترق أحدهما بالاكراه فلم يحصل الافتراق عن رضا الذي هو الغاية للخيار، فإذا لم يكن أحدهما مفترقاً فالآخر أيضاً ليس مفترقاً، لأنّه أمر واحد قائم بشخصين، ولا يعقل أن يكون هذا غير مفترق والآخر مفترقاً، وهذا ظاهر.
وكذا الحال فيما إذا كان المدرك صحيحة الفضيل لأنّها قد قيّدت الافتراق بما إذا كان عن رضاهما، فإذا كان افتراق أحدهما عن إكراه فلا محالة لم تحصل الغاية للخيار وهي الافتراق عن رضاهما، فإذا لم يكن أحدهما متصفاً بالافتراق فالآخر
أيضاً متصف بعدم الافتراق.
وكذا فيما إذا كان الدليل لاشتراط الرضا حديث الرفع فإنّه قد رفع الافتراق الحاصل من المكره فهو بحكم الحديث ليس مفترقاً فيلزمه أن لا يكون الآخر أيضاً متصفاً بالافتراق، لأنّه أمر واحد فإذا تحقق في أحدهما أو انس-لب م-ن أحدهما فيتحقق في الآخر أو ينسلب منه أيضاً وهذا ظاهر، وعليه فتكون الغاية مجموع افتراقها عن اختيار، ولا يمكن أن يقال إنّ مقتضى مقابلة الجمع بالجمع هو أن يكون افتراق كل منهما غاية لسقوط خيار نفسه نظير قوله تعالى ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ) (1)أو (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (2)بمعنى أنّ كل واحد يمسح برجل نفسه وبرأسه وكل واحد يفي بعقده، وفي المقام أيضاً كل واحد يسقط خياره بافتراق نفسه والوجه في عدم تأتي ذلك في المقام هو أنّ الرجل والرأس أو العقد متعدّد لا مانع فيه لتقابل الجمع بالجمع، وأمّا في المقام فقد عرفت أنّ الافتراق أمر واحد وليس متعدّداً بتعدد المتعاملين ليكون لكل واحد افتراق بل الافتراق واحد وقائم بشخصين وطرفين فلابد وأن يكون هذا الأمر الواحد صادراً من كليهما حتى يكون موجباً لسقوط الخيار ولا وجه للقياس.
وما ذكرناه من أنّ لازم الاعتماد على مثل الانصراف والصحيحة والحديث أن يلتزم بالخيار في كل من المكره والمختار ممّا لا مانع عنه إلّا ما ذكره شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (3)من أنّ قوله (عليه السلام) «فمشيت خُطاً ليجب البيع حين افترقنا» ظاهر في أنّ الغاية للخيار هي افتراق أحدهما سواء كان الآخر أيضاً
راضياً بذلك وملتفتاً له أو لا يكون ملتفتاً ولا راضياً ولا شاعراً بافتراقه، هذا.
ولا يخفى أنّ الرواية غير مانعة عمّا ذكرناه في المقام، من جهة أنّها حاكية لفعل الامام (عليه السلام) وليس في فعله إطلاق ودلالة على أن مجرد الافتراق من أحدهما يوجب سقوط الخيار كان الآخر أيضاً راضياً بذلك أو لا، هذا أولاً.
وثانياً : أنّ قوله «حين افترقنا» دليل على أنّ مراده (عليه السلام) وجوب البيع بالخطى عند افتراقها، وعليه فهي كغيرها من الأدلة الدالة على أن غاية الخيار هو الافتراق مع بيان ما يتحقق به الافتراق من مشيه خطى، وحينئذ فنقيدها بتلك الأدلّة الدالّة على اشتراط الافتراق بالرضا نظير غيرها من الروايات الدالة على أنّ الغاية هي الافتراق.
لا ينبغي الاشكال في ثبوت الخيار بعد زوال الاكراه فيما إذا بنينا على أنّ التفرّق عن إكراه لا يسقط الخيار، لأنّه لم يسقط من الابتداء فإذا زال الاكراه وارتفع المانع فله أن يختار أحد الأمرين من الفسخ أو الامضاء كما هو معنى الخيار ولا كلام في ذلك، وإنما الكلام في أمد ذلك الخيار وأنّه يسقط بأي شيء، فقد ذهب بعضهم إلى أن الخيار حينئذ على الفور فلو زال عنه الاكراه فلم يفسخ العقد بعده على وجه الفور يسقط خياره. وذهب آخر إلى أنّه يسقط بغير الافتراق من المسقطات. وثالث ذكر أنّه يسقط بالتفرق عن مجلس زوال الاكراه.
وقد أورد على هذا القول الثالث شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (1)بأنّ الأدلة إنّما دلت على أن المكره محكوم بالخيار وأنّه لا يسقط بالاكراه، وأما أن المجلس باقي
1) المكاسب 5: 79.
فهو ممّا لا يستفاد من الأدلة، وعليه فلا نص على غاية ذلك الخيار، وسيأتي تفصيل الكلام في خيار الغبن (1)وأنّه إذا لم يرد دليل على غاية خيار فهل يتمسك بعد مقدار من الزمان الذي تمكّن فيه من الفسخ بعمومات أدلة اللزوم، لأن المقدار المتيقن ممّا خرج عنها هو الآن الأول الذي يتمكّن فيه من الفسخ، أو يتمسّك فيه باستصحاب الخيار على الخلاف في أنّه إذا ورد مخصص على عام في زمان فهل يتمسك بعد ذلك الزمان بالعموم أو باستصحاب حكم المخصص، هذا ملخص ما أفاده (قدّس سرّه) في المقام.
ويمكن أن يقال : إنّ هذه المسألة غير مبتنية على مسألة التمسّك بالعام أو بالاستصحاب بعد زمان التخصيص على ما سيأتي تفصيله في خيار الغبن، وذلك لكفاية إطلاقات الخيار في المقام من دون حاجة إلى الاستصحاب.
وتوضيح ذلك : أنّه إذا بنينا على أن مطلق الافتراق لا يوجب سقوط الخيار إمّا من جهة الاجماع على اعتبار الاختيار في التفرّق، أو من جهة صحيحة فضيل التي قيدت الافتراق بخصوص الافتراق الاختياري، أو من جهة حديث الرفع الدال على أنّ الافتراق عن إكراه كلا افتراق، أو من جهة دعوى الانصراف إلى خصوص الحصّة الاختيارية من الافتراق، وكيف كان فقد قيّدنا الافتراق المسقط للخيار بأمر وجودي وهو كونه عن اختيار كما إذا اعتمدنا على الصحيحة أو الانصراف، أو بأمر عدمي وهو كونه لا عن اكراه كما إذا تمسكنا بحديث الرفع، ومن المعلوم أنّ الافتراق عن اختيار أمر وحداني والمفروض عدم تحققه إلى زم--ان ارتفاع الاكراه لأنّ ما تحقق حينئذ إنّما هو مجرد الافتراق وقد عرفت أنّه بمجرده لا يسقط الخيار، وأنّ الغاية للخيار هي الحصة المقيدة بالرضا والاختيار، وهي غير
1) فى الصفحة 410 وما بعدها مبحث فورية خيار الغبن.
حاصلة إلى زمان ارتفاع الاكراه، فإلى هذا الزمان لم تحصل غاية الخيار، وأما بعد زمان الزوال وارتفاع الكره فلا يمكن أن تحصل تلك الغاية المتقدمة وهي الافتراق الاختياري، وذلك لأنّ الافتراق إنّما يطرأ على الاجتماع لا على الافتراق، فالمفترق لا يفترق، وبما أنّهما مفترقان بالحس والعيان من جهة الاكراه فلا يعقل أن يتصفا بالافتراق بعد ذلك أيضاً، وعليه فالخيار مستمر إلى أن يحصل هناك شيء آخر من المسقطات.
وأمّا الافتراق فهو لا يمكن أن يكون غاية في المقام لعدم تعقل الافتراق بعد الافتراق، وقد دلّت إطلاقات أدلّة الخيار على أنّهما بالخيار إلى زمان الافتراق والافتراق غير متحقق في المقام بل ولا يتحقق أصلاً، فخيارهما باقٍ إلى أن يطرأ عليه أحد المسقطات الآخر، وهذا ظاهر.
وبالجملة : أن مقتضى عمومات اللزوم أنّ المعاملة محكومة باللزوم في جميع الأزمان، وقد خرج منه مقدار خاص من الزمان إلى أن يحصل الافتراق الاختياري فأدلّة الخيار تقتضي الخيار باطلاقها أو عمومها إلى أن يحصل الافتراق الاختياري أو غيره من المسقطات، إذ لا عبرة بالافتراق الاكراهي، والمفروض أنّ الافتراق الاختياري لا يمكن أن يحصل بعد ذلك، لأنّ الافتراق لا يحصل بعد الافتراق، فلابد في سقوطه من طرق شيء من سائر المسقطات، وكيف كان فليس المقام من موارد التمسّك بالاستصحاب أو بعموم العام المقتضي للزوم.
ذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (1)أنّ من جملة المسقطات لخيار المجلس
1) المكاسب 5 : 81.
التصرف على ما سيأتي تفصيله في خيار الحيوان (1)إن شاء اللّه تعالى، ولم يرد بذلك نص في خصوص المقام، وإنما ورد (2)في خيار الحيوان أنّه إذا أحدث المشتري فيما اشتراه حدثاً قبل الثلاثة أيام فذلك رضى منه فلا شرط أي فلا خيار، وقد تعدّوا من ذلك إلى المقام وإلى خيار الشرط وذكروا أنّه إذا تصرف في المبيع فهو يوجب سقوط الخيار، وقد ذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) في وجه ذلك أمرين :
أحدهما : أنّ قوله (عليه السلام) «فذلك رضى منه» تعليل لسقوط الخيار فكأنّ الجزاء محذوف في الرواية وبعد حذفه أقيمت العلة مقامه نظير قوله تعالى (فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ) (3)﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللّه غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ) (4)وهكذا، وعليه فالرواية هكذا : إذا أحدث المشتري فيما اشتراه حدثاً قبل ثلاثة أيام فيسقط خياره لأنّه رضى منه بالبيع، ويستفاد من عموم التعليل أن سقوط الخيار معلول للرضا بالمعاملة، وعليه فهذا التعليل يجري في المقام أيضاً.
وثانيهما : أن قوله (عليه السلام) «فلا شرط» يوجب نفي مطلق الشرط والخيار بعد إحداث الحدث في المبيع من دون خصوصية لخيار الحيوان والمجلس وغيرهما، ثمّ عقبه بقوله فتأمل، والوجه في الأمر بالتأمل ظاهر، وهو أنّ الامام (عليه السلام) إنّما هو بصدد نفي ما أثبته أوّلاً وهو خيار الحيوان ثلاثة أيام، لا أنّه في مقام نفي مطلق الخيار، فهذا الوجه لا يرجع إلى محصل، والعمدة هو الوجه الأوّل. والظاهر أنّه أيضاً لا يثبت ما ادعاه، وذلك لأن غاية ما يستفاد منه أنّ
التصرف الكاشف عن الرضا يوجب سقوط الخيار، فإذا عمل عملاً بقصد إسقاط خياره ورضاه بالبيع بحسب البقاء فلابد من الالتزام بكونه مسقطاً لخياره بمقتضى تعليله (عليه السلام) من أنّه إذا أحدث في المبيع حدثاً فهو رضى منه بالبيع فلا خيار بعده ولو في غير خيار الحيوان أي في خيار المجلس، لأن الخيار المجعول فيها واحد والاختلاف إنّما هو بحسب الأمد، وذلك من جهة ورودهما في رواية واحدة. وأما إذا فرضنا أنّه تصرف فيه من دون قصد إسقاط الخيار ولا توجه إلى خياره أصلاً كما لو قبل الأمة في طريقهما إلى الدار من دون أن يكون ذلك من جهة قصد إسقاط الخيار أو الرضا بالبيع بقاء بل إنّما يأتي بها إلى داره ليتروّى بعد ذلك، ففي مثله لا دليل على أنّه مسقط للخيار، إذ المفروض أنّه غير كاشف عن الرضا بالبيع بحسب البقاء، نعم لابد من الالتزام به في خصوص خيار الحيوان فيما إذا قلنا بدلالة الحدث على سقوط الخيار فيه بمجرد التصرف في المبيع، وأما في غيره من الخيارات كخيار المجلس أو الشرط أو الغبن فلا دليل على أنّه يسقط الخيار، اللّهمّ إلّا أن يقوم بذلك إجماع، فلو تم الاجماع فهو وإلّا فقد عرفت أنّ الرواية لا دلالة لها على المطلب.
ثبوت خيار الحيوان في الجملة ممّا لا إشكال فيه، وإنما الكلام في بعض خصوصياته. و توضيح ذلك في عدّة جهات :
الجهة الأولى : في المبيع وأنّه هل المراد بالحيوان هو جميع الحيوانات على نحو الاطلاق خصوصاً بملاحظة قوله (عليه السلام) «في الحيوان كله شرط ثلاثة أيام للمشتري» (1)و «كل» من أدوات العموم، أو أنّ المراد به هو خصوص الحيوان المقصود حياته، وأما الحيوان المقصود به لحمه كالجراد المحرز في إناء أو السمك المخرج من الماء وغيرهما ممّا لا يقصد حياته وإنما يشترى بقصد الجسم واللحم منه دون الجسم والروح، فهو لا يثبت فيه خيار الحيوان ؟
ذهب شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (2)إلى الثاني ورجحه على الوجه الأول وتعدى عن مثل الجراد إلى الحيوان المقصود به لحمه لعارض كالصيد المصاب بجراح عارضة عليه من جهة إصابة السهم أو الكلب المعلّم بحيث كان مشرفاً على الموت، والتزم في أمثال ذلك بعدم ثبوت الخيار. ويردّه : أنّه إن أراد (قدّس سرّه) من ذلك أنّ الحيوان الذي قصد منه لحمه
بشخصه لا يثبت فيه الخيار، ففيه أنّ الخيار إنّما ثبت لعنوان بيع الحيوان ويحتاج تقييده بكونه ممّا قصد منه الحياة إلى دليل وهو مفقود في المقام، بل لا يلتزم به هو (قدّس سرّه) فمثلاً إذا أراد بيع خروف في منى لأجل الهدي والذبح بحيث كان المقصود منه هو اللحم ولم يكن مقصوداً بما هو حيوان إلّا أنّه بدى له بعد ذلك وقبل انقضاء الثلاثة أيام فهل يمكن القول بأنّه لا يتمكن من إرجاعه بدعوى أنّ هذا الحيوان غير مقصود بما هو حيوان وإنما قصد بما هو لحم، وهكذا في الحيوان المشترى لأجل الاطعام الواجب كما في الكفّارة أو غير الواجب، فهذا ممّا لا يلتزم ب-ه ولا دليل عليه.
وإن أراد (قدّس سرّه) أن الحيوان الذي لا تقصد منه الحياة بنوعه خارج عن أدلة الخيار نظير السمك والجراد والصيد المصاب المشرف على الهلاك فهو أيضاً كسابقه ممّا لا وجه له بعد عمومية أدلة الخيار وعدم تقييدها بما قصد حياته نوعاً لما عرفت من أنّ الخيار إنّما ثبت لعنوان بيع الحيوان ولم يثبت تقييده بما قصد حياته من الحيوانات نوعاً، ومجرد أنّه كذلك نوعاً لا يقتضي اختصاص الخيار بغيره ولعله ظاهر، هذا.
مضافاً إلى أنّه لا انضباط لذلك، بل كل حيوان ربما تقصد منه الحياة ت--ارة وربما يقصد منه لحمه أخرى كما في السمك فإنّه تارة يشترى لأجل الابقاء في الدار وأخرى لأجل الأكل، ودعوى أنّ الخيار علل بنظرة المشتري وهذا لا يأتي في الحيوان المقصود منه لحمه، مدفوعة بأنّه حكمة ولا يدور مداره الخيار. مضافاً إلى أنّ الحكمة نظرة المشتري في أصل البيع لا في المبيع، والبيع متحقق في الحيوان المقصود به لحمه.
نعم، الحيوان الذي يشتريه المشتري بما أنّه لحم لا بعنوان أنّه حيوان بحيث يجوز للبائع أن يذبحه ويدفعه إلى المشتري لا يوجب بيعه الخيار لعدم صدق ب-ي-ع
الحيوان عليه، لأنّه بيع لحم لا بيع حيوان فهو خارج عن أدلة الخيار بالتخصص ونظير ذلك كثير كما إذا اشترى ما يحرم شراؤه من هياكل العبادة أو كتب الضلال أو غيرهما ممّا لا يجوز بيعه بعنوان الخشب أو الورق فقد أشرنا في محلّه إلى أنّ ذلك جائز، إذ لا يصدق عليه أنّه بيع هياكل العبادة، لأنّه بيع هياكل العبادة، لأنّه بيع خشب أو بيع ورق، وكذا الحال فيها إذا اشترى ورقاً وقد وضع البائع كتاباً في ضمنه ودفعه إليه بعنوان أنّه ورق ثمّ وجد ذلك الكتاب ناقصاً فإنّ المشتري لا يتمكن من إرجاعه إلى البائع ومطالبة التام منه، لأنّه إنّما اشترى الورق ولم يشتر الكتاب كما هو واضح.
والمتحصّل : أنّه لا وجه للالتزام بعدم جريان الخيار في بيع الحيوان الذي لا يشتريه المشتري بداعي إبقائه وحياته، بل بداعي لحمه بحسب شخص الحيوان أو نوعه.
ثم إنّه إذا قلنا بثبوت الخيار في مثل بيع السمك والجراد والصيد المشرف على الهلاك وفي الحيوان المشترى للذبح كما قلنا إنّه الصحيح فهل أمد الخيار ومنتهاه هو زمان ذبحه وتلفه، أو أنّه إلى ثلاثة أيام، أو أنّه فوري أو لا أمد له حتى يسقط بمسقط آخر ؟ قد نقل في ذلك وجوه.
والظاهر أنّه لا وجه لهذا الاختلاف ولا معنى لجعل الأمد هو زمان التلف والهلاك ولا لجعله فورياً، بل الصحيح أن الخيار فيه أيضاً إلى ثلاثة أيام، والوجه فيما ذكرناه : أنا إما أن نقول بعدم شمول أدلة خيار الحيوان لأمثال ذلك، وإمّا أن نقول بشمولها له، فعلى الأول فهو من قبيل السالبة بانتفاء الموضوع، إذ لا خيار حينئذ حتى يتكلّم في منتهاه، وعلى الثاني فالمقام نظير غيره من بيع الحيوانات والمفروض أنّ الدليل دل على أنّ الشرط والخيار في بيع الحيوان ثلاثة أيام، وعليه فلا محيص من الالتزام باستمرار الخيار في المقام أيضاً إلى ثلاثة أيام ما لم يطرأ عليه مسقط آخر قبلها، وهذا ظاهر.
الجهة الثانية : هل يختص هذا الخيار بالمبيع المعيّن والبيع الشخصي ولا يجري في بيع الكلّي، أو أنّه يعمها ولا يختص بالبيع الشخصي ؟
ذهب شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (1)إلى اختصاصه بالمبيع المعين ونقول : إنّ لبيع الكلى أقساماً ثلاثة :
وذلك لأنّ الكلّي تارةً من قبيل الكلّي في المعيّن، وهذا كما إذا كان عنده حيوانات متماثلة من حيث الأوصاف أو فرضناها متولّدة من أب وأم كما في الانسان، وبالجملة كانت متماثلة من جميع الجهات فباع أحد تلك الحيوانات المحصورة في المعيّن، والظاهر أنّ هذا القسم ملحق بالبيع الشخصي لاتحاده معه في الأحكام، ولعلّ شيخنا الأنصاري أيضاً لم يرد هذا القسم في نفي جريان الخيار كما سيتضح ذلك إن شاء اللّه عن قريب.
وأخرى يكون من قبيل الكلّي في الذمة على نحو بيع الحال كما إذا باع حيواناً موصوفاً في ذمّته على أن يؤدّيه حالاً.
وثالثة يكون من الكلّي في الذمة على نحو ب-ي-ع ال-س-ل-م والس--لف بحيث لا يتمكّن المشتري من مطالبة البائع بالحيوان فعلاً، وهذان القسمان هما محل الكلام في جريان الخيار وعدمه، وأما القسم الأول فقد عرفت أنّه ملحق بالبيع الشخصي ولا تجري فيه الوجوه المذكورة لعدم جريان الخيار في البيع الكلّي.
ومن ثمّ لم يستشكل شيخنا الأستاذ (2)في جريان الخيار في الكلّي في المعيّن وإنما خصّ الاشكال بالقسمين الباقيين وأفاد في وجه المنع من جريان الخيار في بيع الكلّي بما حاصله : أنّ الخيار لا يمكن جريانه في بيع الكلّي في الذّمّة على نحو السلم من
جهة أنّ المشتري قبل زمان قبضه ليس مالكاً للحيوان، لوضوح أن الملكية إنّما تتحقق بعد القبض لا من زمان إنشاء البيع في السلم والسلف، ففي زمان إنشاء البيع لا ملكية في البيع حتى يحكم عليه بالخيار، لأن الخيار إنّما يثبت بعد كون الملكية مفروغاً عنها لا محالة، وأمّا بعد القبض فكذلك أيضاً، وذلك لأنّ ظاهر الأدلة أنّ الخيار إنّما يثبت من زمان البيع لا بعده بمدّة، وكيف كان فمثل بيع الكلّي على نحو السلم ممّا لا يمكن جريان الخيار فيه، فإذا لم يثبت الخيار في هذا القسم من أقسام بيع الكلّي فلا يثبت في القسم الثاني منه أيضاً وهو بيع الكلّي على نحو الحال لعدم القول بالفصل في المقام، هذا مضافاً إلى أنّ الحكمة في جعل الخيار إنّما هي تروّي المشتري في خصوصيات المبيع وهذا لا يأتي في بيع الكلّي لعدم كونه مالكاً لخصوصيات المبيع فيه، هذا.
وربما يستدلّ لذلك أيضاً بالانصراف كما في كلمات شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) هذا.
ولا يخفى أنّه لا وجه لاختصاص الخيار بالبيع الشخصي أبداً، إذ لا وج--ه لدعوى الانصراف بعد مثل قوله (عليه السلام) «في الحيوان كله شرط ثلاثة أيام» (1)مع أنّ هذا الخيار إنّما ذكر مقترناً بخيار المجلس في قوله (عليه السلام) الشرط في الحيوان ثلاثة أيام للمشتري وفي غير الحيوان البيعان بالخيار ما لم يفترقا (2)ولم يتوهم أحد اختصاص خيار المجلس بالبيع الشخصي مع أنّه وخيار الحيوان مذكوران في كلام واحد، وكيف كان فلا وجه لدعوى الانصراف في المقام.
وأما ما أفاده شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه) من عدم جريان الخيار في الكلّي على
نحو السلم ولأجله لا يجري في الكلّي على نحو الحال لعدم القول بالفصل، ففيه أوّلاً : أنّه لم يثبت اتحاد الكلّي الحال والكلّي السلم في الحكم فمن أين علمنا أنّهما في الحكم سواء، فعلى تقدير صحة ما أفاده (قدّس سرّه) في المقام لابد من التفصيل في بيع الكلّي بعدم جريان الخيار في السلم منه وجريانه في الحال منه.
وثانياً : أنّ ما أفاده في وجه عدم جريان الخيار في السلم غير تام، وذلك لأنّ البيع إنّما يتم في نظر الشارع في بيع السلم بعد القبض، وأما قبله فکأنّه لا بيع أصلاً ولازم ذلك أن يتحقق الخيار من زمان القبض في السلم، لأنّه زمان البيع شرعاً.
وبعبارة أخرى : أن أدلّة الخيار إنّما تخصص عموم قوله تعالى (أَوْفُوا بالْعُقُودِ) (1)ولا بد في جريان الخيار من ملاحظة أنَّ (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) من أي وقت يشمل البيع في المقام، ومن الظاهر أنّه إنّما يشمل السلم بعد القبض وأما قبله فليس البيع فيه لازماً من طرف المشتري وإن كان لازماً من طرف البائع، وحيث إنّ (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) يشمل السلم من زمان القبض فلا محالة تشمله أدلة الخيار أيضاً من ذلك الزمان، لأنّه الزمان الذي لولا جريان الخيار فيه لحكم عليه باللزوم دون زمان قبل القبض.
وبالجملة : أنّ المقام نظير البيع قبل القبول فكما أنّه غير لازم م-ن ط-رف المشتري قبل القبول فكذلك الحال في المقام قبل القبض. والمتحصّل : أن أدلّة الخيار إنّما تشمل الكلّي السلم بعد القبض لأنّه زمان الحكم بوجوب الوفاء فلم يتم ما أفاده (قدّس سرّه) في السلم حتى نسحبه إلى الكلّي الحال بدعوى عدم القول بالفصل.
وأما مسألة عدم جريان الحكمة في بيع الكلّي ففيه : أن الحكمة مضافاً إلى عدم لزوم اطرادها لا تختص بالتروّي في خصوصيات المبيع ولعله لأجل التروّي
1) المائدة 5 : 1.
في أصل البيع ليرى أنّه متمكّن منه أو غير متمكّن ويوافيه ماله أو لا، ومن الظاهر أنّ ذلك كما يجري في البيع الشخصي يجري في البيع الكلّي أيضاً.
فالمتحصّل : أنّ الخيار لا يختص بالبيع الشخصي بل يجري فيه وفي بيع الكلّي كما عرفت.
الجهة الثالثة : في اختصاص خيار الحيوان بالمشتري وعدمه، المشهور بين الأصحاب اختصاص خيار الحيوان بالمشتري وأن المبيع إذا كان حيواناً فللمشتري خيار ثلاثة أيام وليس للبائع خيار سواء كان الثمن أيضاً حيواناً أم لم يكن، فإذا فرضنا أن الثمن حيوان دون المبيع فلا خيار للمشتري ولا للبائع بوجه.
وعن السيد المرتضى (قدّس سرّه) (1)أن الخيار ثابت للبائع أيضاً كالمشتري ولعله أول من قال بثبوت الخيار للبائع كما قيل وقد وافقه عليه غيره أيضاً، وق--د ادعى السيد الاجماع على ذلك أيضاً، وعن الشهيد في المسالك (2)وغيره في غيره أنّ الخيار إنّما يثبت لمن انتقل إليه الحيوان سواء كان بائعاً أو مشترياً، فإذا فرضنا أنّ الثمن حيوان دون المبيع فالخيار للبائع فقط لأنّه الذي انتقل إليه الحيوان، كما أنّه إذا انعكس ينعكس ويثبت الخيار لكليهما فيما إذا كان كل من الثمن والمثمن حيواناً، هذه هي الأقوال في المسألة، والوجه في اختلافها هو اختلاف الأخبار الواردة في المقام وهي على ثلاثة طوائف :
الطائفة الأولى : ولعلّها خمسة روايات (3)دلّت على أن الخيار للمشتري ثلاثة أيّام وهي بين ما اشتملت على السؤال عن أن الشرط في الحيوان ماذا
فأجاب (عليه السلام) بأنّ الشرط في الحيوان ثلاثة أيام للمشتري وفي غيره حتى يفترقا، وبين ما اشتملت على أنّ الشرط في الحيوان نظرة ثلاثة أيام للمشتري بلا سبق سؤال، وهذه الروايات ظاهرة بل صريحة في اختصاص الخيار بالمشتري وعدم ثبوته للبائع. والأصرح من الجميع في اختصاص الخيار بالمشتري ه-و صحيحة علي بن رئاب (1)المحكية عن قرب الاسناد حيث سئل فيها الامام (عليه السلام عن أنّ الخيار للمشتري أو للبائع أو لكليهما، فأجاب بأنّه لمن اشترى نظرة ثلاثة أيام، حيث خصه به دون البائع كما هو ظاهره، وهذه الأخبار هي مدرك المشهور في اختصاص خيار الحيوان بالمشتري.
الطائفة الثانية : هي صحيحة محمد بن مسلم «المتبايعان بالخيار ثلاثة أيام في الحيوان، وفيما سوى ذلك من بيع حتى يفترقا» (2)حيث أثبت خيار الحيوان لكل من البائع والمشتري وقد قارنه بخيار المجلس في ثبوته لهما وسوى بينهما من تلك الجهة، فلا فرق بينهما إلّا من حيث أمد الخيار وأنّه في الحيوان ثلاثة أيام وفي غيره إلى أن يفترقا، ومقتضاها ثبوته للبائع أيضاً كثبوت خيار المجلس له كما ذهب إليه السيد المرتضى وغيره.
الطائفة الثالثة : وهي أيضاً صحيحة أخرى لمحمد بن مسلم «صاحب الحيوان بالخيار ثلاثة أيام» (3)وقد روي ذلك بطريق آخر موثق عن ابن فضال إلّا أنّها قيّدت الصاحب بالمشتري حيث قال صاحب الحيوان المشتري - بصيغة اسم
الفاعل - بالخيار ثلاثة أيام» (1)ومقتضى هذه الصحيحة أن الخيار إنّما يثبت لمن انتقل إليه الحيوان، لوضوح أنّ المراد بصاحب الحيوان في الصحيحة ليس هو مالکه قبل المعاملة لظهور المشتق في المتلبّس دون المنقضي عنه التلبّس، مضافاً إلى صراحة الموثقة في تقييد الصاحب بالمشتري، فيعلم منه أن المراد منه ليس هو الصاحب قبل البيع، بل المراد هو المالك الفعلي كان هو البائع أو المشتري، ومن ثمّ ذهب في المسالك إلى ثبوت الخيار لكل من انتقل إليه الحيوان بائعاً كان أو مشترياً وعليه يمكن فرض ثبوت الخيار للبائع دون المشتري كما إذا كان الثمن حيواناً دون المبيع، هذا.
ولا يخفى أنّ الطائفة الأولى بكلا قسميها أعني ما اشتملت على السؤال وما لم تشتمل عليه كما دلّت على ثبوت الخيار للمشتري بمنطوقها دلّت بمفهومها على عدم الخيار للبائع، وذلك لأن الوصف وإن لم يكن له مفهوم إلّا أنّه في غير مقام التحديد وأما عند التحديد فلا إشكال في أنّ للوصف مفهوماً، ونظير ذلك ما ذكرناه في أخبار الكر حيث سئل (عليه السلام) عمّا لا يتنجس بملاقاة النجس، فقال (علیه السلام) كرّ من الماء، ولا إشكال في أنّ مفهومه أنّ غير الكرّ لا يحكم عليه بعدم الانفعال، وفي المقام أيضاً كذلك لأنّه (عليه السلام) في مقام تحديد خيار الحيوان حيث سئل عن أنّه لمن فهل هو للبائع أو للمشتري أو لهما، فأجاب (عليه السلام) بأنّه للمشتري. وفي آخر قال : الشرط في الحيوان ثلاثة أيام للمشتري، فراجع.
وعليه فتعارض الطائفة الثانية الدالّة على ثبوت الخيار للبائع والمشتري لأن الطائفة الأولى تنفي الخيار عن البائع والطائفة الثانية تثبته له، وتأويل الطائفة الثانية بأنّ المراد ليس ثبوت الخيار للبائع بحياله في مقابل المشتري، بل المراد ثبوت
1) الوسائل 18: 3 / أبواب الخيار ب 3 ح 2.
الخيار بينهما أي بين المجموع وعدم لزوم العقد ويكفي فيه ثبوته للمشتري فقط مندفع بأنّ المراد بالمتبايعين في كل من خياري المجلس والحيوان واحد وقد ذكرا في رواية واحدة، ولازم ذلك عدم ثبوت الخيار للبائع في خيار المجلس أيضاً، وبما أنّ المراد بهما هو كل واحد من البائع والمشتري في خيار المجلس فليكن المراد بهما ذلك فى خيار الحيوان أيضاً، وعليه فالطائفتان متعارضتان، فلو كانت مجرد كثرة إحدى الروايتين المتعارضتين بلحاظ الأخرى مرجّحة في المتعارضين لحكمنا بتقديم الطائفة الأولى لكثرتها ولعلّها خمسة روايات وتلك رواية واحدة، إلّا أنا ذكرنا في باب التعادل والترجيح (1)أنّ المراد بالشهرة ليس مجرد كثرة إحدى الروايتين المتعارضتين، بل المراد بها هو معناها اللغوي أعني المعروف الشائع الثابت، ولذا استشهد عليه السلام) في ذيل الرواية بما رواه عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله) (2)من التثليث وأنّ الأمور ثلاثة أمر بين رشده فيتبع وأمر بين غيه فيجتنب حيث جعل (عليه السلام) الرواية المشهورة من البيّن رشده، وهذا إنّما يتحقق فيما إذا كانت إحدى الروايتين المتعارضتين مقطوعة السند حتى تكون من البين رشده، ومن الظاهر أنّ الطائفة الأولى ليست بمقطوعة السند فلا يمكن ترجّحها على الثانية لأجل الكثرة والشهرة، وعليه فالطائفتان من أوضح مصاديق «إذا جاءكم خبران متعارضان» فلابد من الرجوع في العلاج بينهما إلى المرجحات.
وقد ذكرنا في محلّه (3)أنّ أوّل المرجّحات موافقة الكتاب والسنة، ولا إشكال في أنّ الطائفة الأولى موافقة لاطلاق الكتاب والسنة، وذلك لأن مقتضى
إطلاق قوله تعالى (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) وجوب الوفاء بكل عقد لكل من المتبايعين وقد خرجنا عن ذلك في خيار الحيوان في المشتري بالقطع الحاصل من تطابق الطوائف الثلاث على ثبوته له، وأمّا البائع فهو مورد الشك والتردّد ومقتضى الاطلاق لزوم العقد في حقه، وكذا إطلاق قوله «فإذا افترقا وجب البيع» في خيار المجلس وغيره من السنة الدالة على لزوم العقد، فلا محالة تتقدّم الطائفة الأولى على الثانية، ومع جلالة محمد بن مسلم وعظمته تطرح روايته لأجل المعارضة وقواعد العلاج.
وحمل الطائفة الثانية أعني قوله «المتبايعان بالخيار إلى ثلاثة أيام» بقرينة الطائفة الثالثة على صورة كون كل واحد من الثمن والمثمن حيواناً حيث دلّت الطائفة الثالثة على أنّ صاحب الحيوان بالخيار مطلقاً يستلزم انحصار الخيار الثابت لهما بما إذا كان العوضان حيواناً، وإذن يبقى صورة كون المبيع حيواناً دون الثمن كما هو الغالب أو العكس مسكوتاً عنها مع أنّها هي الأولى بالتعرّض، هذا.
وربما يقال في وجه تقديم الطائفة الأولى على الثانية أن الأولى مشتملة على التعليل وهو قوله «نظرة ثلاثة أيام» أي لينتظر ثلاثة أيام، وظهوره في المشتري أقوى من ظهور المتبايعين في إرادة كل واحد منهما فتتقدم عليه.
وفيه : أنّ المراد بالنظرة المدّة والامهال لا التنظر الخارجي، فلا تعليل في شيء من الطائفتين حتى يكون ظهوره أقوى من ظهور المتبايعين. والمتحصّل : أنّ الطائفة الأولى متقدّمة على الطائفة الثانية من جهة موافقتها للكتاب والسنة دون الثانية، هذا.
مضافاً إلى ما ربما يقال : من أنّ الطائفة الثانية المنحصرة في رواية محمّد بن مسلم ممّا أعرض عنها الأصحاب، وأنّ الطائفة الأولى مشهورة ومخالفة للعامة وأما الطائفة الثالثة أعني ما دلّ على أن صاحب الحيوان بالخيار المستفاد من
صحيحة أخرى لمحمد بن مسلم فهي وإن كانت بظاهرها تقتضي ثبوت الخيار لكل من انتقل إليه الحيوان إلّا أنّ الصاحب في موثقة ابن فضال قد قيّد بالمشتري بصيغة الفاعل أو بالمشترى بصيغة المفعول على ما احتمله شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه) (1)وعلى أي حال سواء كان وصفاً للصاحب أم كان وصفاً للحيوان فهو منحصر بالمشتري ولا يشمل البائع، وحمل المطلق على المقيد وإن كان لا يجري في الأحكام الانحلالية لوضوح أنّه إذا ورد الخمر حرام ثمّ ورد أن الخمر المتخذ من العنب حرام لا يمكن رفع اليد عن إطلاق الأول بالثاني، إلّا أنّ الأخبار لما كانت واردة في مقام التحديد وعلمنا أنّ الحد أحدهما فلا محالة يحمل المطلق على المقيّد منهما. هذا على تقدير تمامية الموثقة، ومع الاغماض عن ذلك فتتعارض الطائفة الثالثة مع الطائفة الأولى ويدور الأمر بين حمل تقييد الخيار بالمشتري في الطائفة الأولى على الغالب بأن نقول إنّ الخيار يثبت في حق كل من انتقل إليه الحيوان وإنما قيّد بالمشتري في الطائفة الأولى من جهة أنّ الغالب في من ينتقل إليه الحيوان هو المشتري، إذ الغالب أن يكون المبيع حيواناً، وبين حمل صاحب الحيوان في الطائفة الثالثة على الغالب بأن ندعي أن الخيار يختص بالمشتري وإنما عبّر عنه بالصاحب في الطائفة الثالثة من جهة أن الغالب في صاحب الحيوان هو المشتري، لأنّ المبيع هو الذي يكون حيواناً غالباً، وهذان الاحتمالان متساويان ولا ترجيح لأحدهما على الآخر.
فما عن شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) من أنّ الغلبة قد تكون بحيث توجب حمل التقييد على مورد الغالب (وهو تقييد ذي الخيار بالمشتري) ولا توجب حمل الاطلاق عليه أي على الغالب، ممّا لا محصل له في المقام، لما عرفت من أنّ الأخبار في مقام بيان الضابط، ولا إشكال في أنّ أخذ قيد لا مدخلية له في الضابط لغ--و
1) منية الطالب 3 : 58.
ظاهر، فلا يمكن حمل التقييد على الغالب، بل الاحتمالان متساويان ومع الشك في ثبوت الخيار للبائع مقتضى العمومات لزوم العقد بالاضافة إليه، هذا.
مضافاً إلى أنّ الطائفة الثالثة لا يمكن أن تعارض الطائفة الأولى أي تكافئها، لتقدّمها عليها من جهة أنّ الطائفة الأولى في مقام التحديد وإعطاء الضابط فدلالتها على اختصاص الخيار بالمشتري أقوى من دلالة الطائفة الثالثة على ثبوته لكل من انتقل إليه الخيار، وعليه فما ذهب إليه المشهور من اختصاص خيار الحيوان بالمشتري هو الصحيح.
قد عرفت أنّ خيار الحيوان وهو ثلاثة أيام يختص بالمشتري، وهذا من دون فرق بين أقسام الحيوانات وأصنافها، فلو باع أمة فللمشتري خيار ثلاثة أيام لأنّها أيضاً من أقسام الحيوان، هذا.
وقد خالف في ذلك صاحب الغنية (1)على ما حكي عنه، كما حك-ي ع-ن الحلبي (2). حيث ذهبا إلى أنّ مدّة الخيار في الأمة مدّة استبرائها، وهذا هو الذي يستفاد من نص عبارة الغنية، وأما غيرها فلم يصرحوا بذلك وإنما يستفاد ذهابهم إلى هذا القول من جهة حكمهم بضمان البائع لها أي للأمة مدة استبرائها، وضمان البائع للمبيع يلازم ثبوت الخيار للمشتري، وبما أنّهم حكموا بضمانه إلى آخر أمد
استبرائها فيعلم من ذلك أنّ مذهبهم هو استمرار الخيار إلى ذلك الزمان. وكيف كان، فلم يظهر على ما ذهبوا إليه دليل، وهذا من دون فرق بين أن
يكون مدركهم هو ضمان البائع للأمة في مدة استبرائها أو يكون مدركهم أمراً آخر لأنّ الحكم بضمان البائع في تلك المدة لا يلازم الحكم بثبوت الخيار للمشتري في زمان استبرائها، فلعل الضمان مستند إلى أمر آخر ولم تثبت ملازمة بين ضمان البائع وخيار المشتري، وإنما الملازمة بين ثبوت الخيار للمشتري وثبوت الضمان للبائع دون العكس كما في المقام.
وبالجملة : أنّ مدركهم لو كان هو ذلك فالمعنى باطل، كما أن مدركهم إذا كان غيره فلم يظهر لنا ذلك، وعليه فلا وجه للتفرقة بين الأمة وغيرها من أقسام الحيوان في أمد الخيار.
ظاهر الروايات الواردة في المقام أنّ مبدأ ثلاثة أيام في بيع الحيوان هو زمان تمامية العقد، وذلك لأن مقتضى الأخبار هو اتحاد خياري المجلس والحيوان من تمام الجهات ولا اختلاف بينهما إلّا من جهة المنتهى، فإنّ الأول ينتهي بانتهاء المجلس والثاني ينتهي بانتهاء ثلاثة أيام، ولا اختلاف بينهما بحسب المبدأ بوجه، فكما أنّ مبدأ خيار المجلس هو حين العقد فكذلك مبدأ خيار الحيوان، بمقتضى تسوية الأخبار بين الخيارين كما تقدّم.
وعن الشيخ (1)والحلّي (2)أنّ مبدأ خيار الحيوان هو حين التفرق وزوال خيار المجلس على ما يقتضيه كلامهما في خيار الشرط فراجع، وعلى ذلك فلا يمكن أن يكون زمان خيار المجلس أطول من زمان خيار الحيوان بمعنى أن يتحدا في زمان
ثم يرتفع خيار الحيوان ويبقى خيار المجلس، وذلك لأنّ مبدأ هذا الخيار كما عرفت إنّما هو بعد انقضاء زمان المجلس، وهذا بخلاف ما إذا قلنا إن مبدأه من حين تمامية العقد فانه ربما يكون زمان امتداد خيار الحيوان أقصر من زمان خيار المجلس وهذا كما إذا فرضنا محبوسين في مكان واحد تبايعا ومضت عليه ثلاثة أيام حيث إنّ بانقضائها ينقضي خيار الحيوان مع أنّ خيار المجلس بحاله لعدم التفرق الذي جعل غاية للخيار.
وكيف كان، فقد عرفت أنّ ظاهر الروايات الواردة في خيار الحيوان هو أنّ مبدأ ذلك الخيار من حين تمامية العقد، وعليه فلا يمكن الخروج عمّا يقتضيه ظاهر الأدلة إلّا بدليل آخر، وقد ذكروا في الخروج عمّا يقتضيه الدليل وجوهاً ثلاثة :
الوجه الأوّل : الأصل العملي وهو الاستصحاب بتقريبين :
أحدهما : استصحاب بقاء الخيار وعدم ارتفاعه بعد مضي ثلاثة أيام من زمان العقد بمقدار بقاء المجلس، فإذا فرضنا أنّ المجلس كان باقياً بمقدار يوم فبعد مضي ثلاثة أيام من زمان العقد يجري استصحاب بقاء الخيار في اليوم الرابع، كما أنّ مقدار خيار المجلس إذا كان ساعة فنجري استصحاب بقائه بعد مضي الثلاثة من زمان العقد في تلك الساعة.
وثانيهما : استصحاب عدم حدوث الخيار قبل انقضاء المجلس.
ولا تخفى عليك المناقشات في كلا التقريبين والاستصحابين.
أما الأول فيرد عليه أوّلاً : أنّ ذلك مبني على جريان الاستصحاب في الأحكام الكلية وعدم معارضته باستصحاب عدم الجعل في أكثر من المقدار المتيقن وهو زمان الشك، وقد ذكرنا عدم جريانه في الأحكام الكلية لابتلائه بالمعارض دائماً، وعليه فلا يصح إجراء الاستصحاب في بقاء الخيار بعد ثلاثة أيام لمعارضته باستصحاب عدم جعل الخيار في أكثر من ثلاثة أيام بعد زمان العقد.
وثانياً : أن جريان الاستصحاب في بقاء الخيار في المقام مبني ع-ل-ى ع-دم اختصاص الاستصحاب بالشك في الرافع وجريانه عند الشك في المقتضي بناء على تفسير الاقتضاء بما ذكره شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه) (1)وهو أن يكون الشك في بقاء شيء بحسب عمود الزمان مع قطع النظر عن وجود شيء كان معدوماً أو عن عدم شيء كان موجوداً، بل هو بنفسه بحسب استمرار الزمان مشكوك البقاء لأنّه بحسب استمرار الزمان ينصرم وينعدم بنفسه مع قطع النظر عن حدوث شيء في العالم وارتفاعه، كما أنّ المناط في الشك في الرافع أن يكون الشك في البقاء ناشئاً من جهة الأمور الخارجية لا من جهة عمود الزمان نظير الطلاق في النكاح الذي نعلم ببقائه لولا حدوث ذلك الطلاق، فإذا شككنا في غاية شيء من الأحكام أو من غيرها فلا يمكننا استصحابه، لأنّ الشك فيه في المقتضي لأجل الشك فيه بحسب عمود الزمان، فبناء على ذلك لا يجري الاستصحاب في المقام، لأن بقاء الخيار بعد انقضاء ثلاثة أيام مشكوك بحسب عمود الزمان بمعنى أنا نحتمل أن يرتفع الخيار بنفسه بمرور الزمان وإن لم ينقلب شيء في العالم من الوجود إلى العدم ولا من العدم إلى الوجود نعم لا بأس بجريان الاستصحاب على مذاق صاحب الكفاية وغيره ممّن يرى الاستصحاب جارياً في كل من الشك في الرافع والشك في المقتضي.
وأما الثاني : فلأجل أنّه لا يترتّب على عدم جعل الخيار قبل انقضاء المجلس أثر شرعي، وأما كون مبدأ الخيار هو زمان التفرّق فهو لازم عقلي لعدم جعل الخيار قبله، نعم لو كان لعدم جعل الخيار قبله أثر شرعي لكنا حكمنا بثبوته بهذا الاستصحاب (وهذا كما إذا مات أحد المتبايعين قبل انقضاء المجلس فإنا نحكم بعدم استحقاق الورثة للخيار وبلزوم العقد بهذا الاستصحاب) إلّا أنّ الكلام في إجرائه
1) راجع أجود التقريرات 4 : 27.
لاثبات أنّ المبدأ هو التفرّق وهو الأثر المرغوب في المقام، وقد عرفت أنّ الاستصحاب بالاضافة إليه مثبت، هذا كلّه مضافاً إلى أن الأصل لا يجري مع الدليل وقد عرفت أنّ مقتضى الأدلة أن مبدأ الخيار هو حين العقد لا زمان انقضاء الخيار، وهذا ظاهر.
الوجه الثاني : أنّ قاعدة كون تلف الحيوان في الثلاثة من البائع تقتضي أن يكون مبدأ الخيار هو زمان التفرّق، لأنّ الخيار حينئذ يختص بالمشتري وكل مبيع تلف في زمان الخيار فهو ممّن لا خيار له فيحكم على البائع بالضمان، لأنّه الذي لا خيار له في البين، وهذا بخلاف ما إذا كان مبدؤه حين العقد لأن الخيار حينئذ مشترك بين البائع والمشتري، وتلف المبيع في زمان الخيار المشترك من مال المشتري لا من البائع مع أنك عرفت أنّ مقتضى القاعدة أن تلف الحيوان في الثلاثة من البائع، فلو كان مبدؤه حين العقد لكانت تلك القاعدة معارضة بقاعدة كل مبيع تلف في زمان الخيار المشترك فهو من مال المشتري، هذا.
ولا يخفى أنّ مقتضى القاعدة الأوّلية أن يكون تلف كل مال من ملك مالكه ويكون هو الضامن لماله، إذ لا معنى لضمان شخص لمال شخص آخر عند تلفه من دون أن يكون في البين سبب للضمان من اليد والاتلاف ونحوهما، والخروج عن هذه القاعدة الأوّلية يحتاج إلى دليل، وقد خرجنا عنها فيما إذا تلف المبيع في زمان خيار المشتري حيث حكمنا فيه بضمان البائع للمبيع مع أنّه تلف في ملك المشتري بمقتضى الروايات الواردة في ذلك. وكيف كان فضمان غير المالك ملك آخر هو الذي يتوقف على دليل ورواية. وأما قاعدة أنّ كل مبيع يتلف في زمان الخيار المشترك فهو من مال المالك المشتري فهي على طبق القاعدة وليست مدلول دليل ولا آية أو رواية لما عرفت من أنّ مقتضى القاعدة الأوّلية أن يكون ضمان كل مال على مالكه لا على شخص آخر، وبما أنّ المشتري مالك للمال في زمان الخيار المشترك فلذا حكمنا
بضمانه.
إذا عرفت ذلك فنقول : إذا تلف الحيوان قبل انقضاء ثلاثة أيام فقد عرفت أن مقتضى الروايات أنّه من مال بائعه، فإذا تمسكنا باطلاق تلك الروايات حيث إن إطلاقها يقتضي أن يكون تلفه في ثلاثة أيام من مال البائع سواء كان قبل انقضاء المجلس أم كان بعده، فلازمه أن يحكم بضمان البائع للمبيع سواء كان التلف قبل انقضاء المجلس أم بعده، ولا تعارضه قاعدة أن تلف المبيع في زمان الخيار المشترك من مال المشتري، وذلك لما عرفت من أنّ ذلك ممّا تقتضيه القاعدة الأولية ولم ترد فيها آية ولا رواية حتى تعارض الرواية الدالّة على خلاف القاعدة وأن تلف الحيوان في ثلاثة أيام من البائع، وبما أنّها مطلقة ولا معارض لها فلا مح-ي-ص م--ن الأخذ بها.
وبعبارة أخرى : أنا كما خرجنا عمّا تقتضيه القاعدة الأولية في القاعدة الأولى أعني كون تلف المبيع على من لا خيار له بالروايات، فكذلك نخرج عمّا تقتضيه القاعدة الأولية في المقام باطلاق الرواية الدالّة على أن تلف الحيوان من البائع مطلقاً أي ولو كان في زمان الخيار المشترك، ولا وجه لحمل الرواية الدالة على أنّ تلف الحيوان في ثلاثة أيام من البائع على الغالب كما ذكره شيخنا الأنصاري حيث حملها على صورة انقضاء المجلس لأنّها الغالب، والوجه فيما ذكرناه ما أشرنا إليه مراراً من أنّه لا وجه لحمل المطلقات على الغالب سيما في أمثال المقام ممّا لا يكون الطرف الآخر ملحقاً بالنادر.
وفي المقام ليست صورة تلف المبيع قبل انقضاء المجلس نادرة، لأنّه كثيراً ما يتفق تلف الحيوان بعد البيع قبل التفرّق بآفة سماوية أو غيرها. نعم صورة التلف بعد الانقضاء أكثر إلّا أنّ كون التلف في زمان المجلس الذي هو ساعة مثلاً أقل من التلف بعد الانقضاء الذي هو ساعات كثيرة لا يوجب انصراف الرواية عنه وإلّا فك-لّ
ساعة ولو بعد الانقضاء في مقابل مجموع الساعات الأخر بعد الانقضاء يكون التلف فيها أقل من مجموع الساعات التي في مقابل تلك الساعة، وهذا لا يوجب حمل الرواية على غير تلك الساعة، والوجه فيه أنّه لا وجه لقياس ساعة إلى مجموع الساعات التي في مقابلها، بل لابد من ملاحظة كل ساعة ومقايستها بساعة أخرى وحينئذ فلا إشكال أن ساعة زمان المجلس كالساعة بعد الانقضاء لا يكون التلف في إحداهما أكثر من الأخرى فلا وجه للحمل على الغالب، بل لابد من أن يؤخذ باطلاقها ولا تعارضه القاعدة الثانية كما عرفت.
الوجه الثالث : أنّ اجتماع سببين وعلّتين على معلول واحد وسبب فارد غير صحيح، فكيف يمكن أن يكون الخيار الواحد مستنداً إلى علّتين من المجلس والحيوان، وقد عبّر عنه بعضهم باجتماع المثلين وقال إن اجتماعها كاجتماع الضدين مستحيل، وعليه فيتعيّن أن يكون مبدؤه بعد انقضاء المجلس حتى لا تجتمع العلتان على معلول واحد.
وهذا الوجه لا يحتاج إلى الجواب بعد وضوح أن اجتماع خيارين أو أكثر غير عزيز ولا باطل، وهذا نظير اجتماع خياري الغبن والمجلس وخياري الغبن والشرط وهكذا، فلا محذور في الجمع بينهما أبداً، هذا.
وتحقيق الكلام في المقام أن يقال : إنّ العلة الفاعلية للأحكام الشرعية تكليفية كانت أم وضعية ليست هي الموجودات الخارجية كالعقد والملاقاة والزوال وغيرها من الموضوعات، بل العلّة الفاعلية للأحكام نظير غيرها من الأفعال هي اختيار الشارع وإرادته كما في غير الأحكام من أفعاله الاختيارية. نعم لابد وأن يكون اختياره للنجاسة عند الملاقاة أو الوجوب عند شرطه مستنداً إلى وجه ومصلحة حتى يخرج بذلك عن اللغوية ويصبح قابلاً لأن يصدر من الحكيم، إذ لولا تلك المصلحة لاختيار الحكم بالنجاسة لما كان لاختياره لها دون الحكم بالطهارة أو
الحكم بالوجوب وجهاً. وكيف كان فلا محيص من فرض مصالح وأغراض تدعو إلى اختيار الشارع وإرادته للأحكام، إلّا أنّ العلة الفاعلية لأحكامه هو إرادته واختياره، وعليه فلا يمكن أن تكون الأمور الخارجية كالعقد والملاقاة ونحوهما علّة للأحكام بوجه.
فإن أريد حينئذ بالأسباب تلك الموجودات والأمور الخارجية فهي ليست سبباً أي علّة للأحكام ولا معرّفات إليها، بل هي أعني تلك الأمور الخارجية خارجة عن العلية والمعرفية للأحكام رأساً.
وإن أريد بها الموضوعات للأحكام التي نسبتها إليه-ا كنسبة العلل إلى معاليلها بمعنى تحقق الأحكام وفعليتها عند تحقق موضوعاتها، فهو وإن كان لا بأس به إلّا أنّها أسباب للأحكام بهذا المعنى أي موضوعات لها لا علل لها ولا معرّفات إليها، لبداهة أنا إذا قلنا السفر يوجب القصر في الصلاة فظاهره أن السفر بنفسه موضوع لوجوب القصر لا أنّه معرّف للموضوع كما لا يخفى.
وبالجملة : أنّ الموضوعات خارجة عن العلل والمعرّفات، وحينئذ إذا تعدّد الموضوع في مورد فان كان الحكم أيضاً قابلاً للتعدّد بأن يترتّب على كل واحد من الموضوعات حكم غير الحكم المترتب على الموضوع الآخر كما في الكفّارة الناشئة من الجماع في نهار شهر رمضان والافطار فإنّهما يستدعيان كفارتين فلا محالة يلتزم بهما معاً فيجب عندهما كفّارتان، ونظيرها باب الأحداث إذا استفدنا من الأخبار أن كل واحد من الجماع ومسّ الميت وغيرهما من الموجبات يقتضي من الموجبات يقتضي غسلاً واحداً فانه لا مانع حينئذ من الالتزام بوجوب غسلين عند اجتماع سببين للغسل، وأما إذا لم يكن الحكم قابلاً للتعدّد كما في المقام فإنّ الملكية الاعتبارية للفسخ أعني الخيار غير قابلة للتعدد فإنّها نظير ملكية شيء آخر من الكتاب أو العباء فهل يمكن أن يتملك الانسان الكتاب بملكين، بل ليست الملكية الاعتبارية قابلة للاشتداد أيضاً
فضلاً عن التعدّد، فحينئذ لابد من الالتزام بتداخل الأسباب وكونها مؤثرة في الحكم على نحو الاجتماع نظير اجتماع العلل الخارجية على معلول واحد حيث إنّه يستند إلى مجموع العلّتين أو العلل.
فالمتحصّل : أنّه لا مانع من اجتماع سببين أي موضوعين لحكم واحد أبداً وهذه المسألة أعني مسألة أنّ الأسباب الشرعية علل أو معرّفات كثيرة الدوران في الأبحاث الفقهية والأصولية، وقد ذكرنا في الموارد المناسبة أن العلل الفاعلية للأحكام الشرعية هي إرادة الشارع دون الأمور الخارجية كما عرفت، وعليه فهذا الاشكال أيضاً غير وارد، هذا كله.
مضافاً إلى أنّ هذا الايراد غير وارد من أساسه، فانه إنّما يتوجه فيما إذا بنينا في المقام خيارين متعدّدين وهما خياري المجلس والحيوان فحينئذ يمكن أن يقال إن السببين أعني المجلس والخيار كيف يجتمعان على مسبّب واحد وهو الخيار، وأمّا إذا قلنا إن الخيار واحد في البين أي في حق المشتري كما أن المجعول في حق البائع خيار واحد غير هذا الخيار وليست هناك أسباب متعدّدة فلا يتوجه هذا الاشكال أبداً.
وتوضيح ذلك : أنّ خيار المجلس والحيوان لا يجتمعان في مورد واحد، لأنّ هذين العنوانين اصطلاحان من أهل الفن وليس منهما في الروايات عين ولا أثر وإنما الموجو جود فيها هو أنّ «البيعان بالخيار ما لم يفترقا (1)وفي بيع الحيوان «المشتري بالخيار ثلاثة أيام» (2)ولم يدل دليل على أن المشتري في بيع الحيوان بالخيار إلى أن يتفرّقا وبالخيار إلى ثلاثة أيام، نعم البائع بالخيار في بيع الحيوان إلى
أن يتفرّقا، وأما المشتري فهو بالخيار إلى ثلاثة أيام وليس له الخيار إلى أن يتفرّقا وهذا الذي ذكرناه هو مقتضى الجمع بين الروايات الواردة في المقام.
وبيان ذلك : أنّ مقتضى الأخبار الواردة في خيار المجلس أنّ «البيعان بالخيار ما لم يفترقا» وهذه الروايات مطلقة وبإطلاقها تشمل صورة كون المبيع حيواناً أيضاً، وقد أثبتت الخيار لكل من البائع والمشتري، كما أن مقتضى صحيحة محمّد بن مسلم (1)الواردة في خيار الحيوان أنّ المتبايعين بالخيار إلى ثلاثة أيام، في بيع الحيوان وفي غيره إلى أن يتفرّقا، ولازمه أن يكون كل من البائع والمشتري بالخيار إلى ثلاثة أيام وإلى زمان الافتراق، إلّا أنك عرفت عدم قابليتها للاعتماد والمعارضتها بروايات أخرى دلّت على اختصاص خيار الحيوان بالمشتري، فلا يمكن التمسّك بها لا محالة، ومقتضى رواية الفضيل التي سئل (عليه السلام) فيها عمّا هو الشرط في الحيوان فقال (عليه السلام) «ثلاثة أيام للمشتري، وعمّا هو الشرط في بيع غير الحيوان قال : البيعان بالخيار ما لم يفترقا إنّ المشتري بالخيار إلى ثلاثة أيام» (2)وهذه الرواية كما ترى إنّما تثبت الخيار ثلاثة أيام للمشتري في بيع الحيوان، وأمّا أنّ البائع له خيار إلى أن يتفرّقا أو لا خيار له إلى زمان التفرّق فالرواية ساكتة عنه، وعليه فيبقى البائع تحت إطلاقات قوله (عليه السلام) «البيّعان بالخيار ما لم يفترقا» وكذا الحال في طرف المشتري فإنّ الرواية لا تنفي خيار المشتري إلى أن يتفرّقا، فلا محالة يبقى تحت إطلاقات الأخبار.
وأما صحيحة محمّد بن مسلم الثانية وهي «البيّعان بالخيار حتى يفترقا
وصاحب الحيوان بالخيار إلى ثلاثة أيام» (1)فمقتضاها أنّ المتبايعين بالخيار إلى زمان الافتراق في جميع أفراد البيع، وإنما خرج المشتري عن هذا الخيار في خصوص بيع الحيو الحيوان، ولازمها أنّ البائع باق تحت إطلاقات «البيّعان بالخيار ما لم يفترقا» حتى في بيع الحيوان، وإنما خرج المشتري عن هذا الخيار وثبت له الخيار إلى ثلاثة أيام، فليس هناك دليل يدل على أن المشتري كالبائع في بيع الحيوان بالخيار إلى زمان الافتراق حتى يقال قد اجتمع في المشتري سببان للخيار المجلس والحيوان وهو من باب اجتماع العلل المتعدّدة على معلول واحد، بل قد عرفت أنّ المشتري بالخيار إلى ثلاثة أيام ولا خيار له غيره، والبائع بالخيار إلى زم--ان الافتراق ولا خيار له غيره، فأين اجتماع العلل على معلول واحد، وقد عرفت أنّ تسمية أحدهما بخيار المجلس والآخر بخيار الحيوان اصطلاح نشأ من عندنا وليس منه في الأخبار عين ولا أثر، وعليه فالخيار واحد وهو في حق البائع إلى زم--ان الافتراق وفي حق المشتري إلى ثلاثة أيام في بيع الحيوان.
فالمتحصّل من جميع ما ذكرناه في المقام : أنّ مبدأ خيار الحيوان كمبدأ خيار المجلس من حين تمامية العقد، ولا يتوجه عليه إشكال.
بقي الكلام في أمر قد نبّهنا عليه في خيار المجلس، وهو أنّ مبدأ هذا الخيار هل هو زمان تمامية إنشاء العقد أو أنّه زمان حصول الملكية، وتظهر ثمرة الخلاف في موردين :
أحدهما: بيع الفضولي فيما إذا باع حيواناً فضولاً وقلنا بالنقل في الاجازة فانه على القول بأنّ مبدأ الخيار هو زمان تمامية مجرد العقد فثلاثة أيام لابد من أن تحسب من زمان العقد، وعلى القول بأنّ مبدأه زمان حصول الملكية فالثلاثة تحسب
1) الوسائل 18 : 5 / أبواب الخيار ب 1 ح1.
من زمان الاجازة، لأنّه زمان حصول الملكية.
وثانيهما : بيع السلم فيما إذا تبايعا على نحو السلم ولم يقبض، فإنّ الخيار على القول الأول يحسب من زمان العقد وعلى الثاني يحسب من زمان القبض، وهذا ظاهر.
وقد نقل شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (1)عن بعض معاصريه ولعلّه صاحب الجواهر (قدّس سرّه) أنّ المبدأ هو زمان حصول الملك، ورتب عليه أنّه إذا أسلم حيواناً في بيع طعام وقلنا إنّ الخيار لا يختص بالمشتري بل يثبت في حق البائع أيضاً يكون مبدأ الخيار للبائع زمان القبض لا محالة، لأنّه زمان حصول الملكية دون زمان العقد، وقد قوّى شيخنا الأنصاري هذا الوجه أيضاً.
وهناك قول ثالث وهو أن يكون المدار على زمان تحقق البيع وصدق البيع على المتعاملين دون زمان العقد ولا زمان الملكية، فإذا باع حيواناً فضولاً وقلنا بالكشف على المعنى المختار وهو أن تكون الاجازة موجبة للحكم بالملكية السابقة من الآن أي من زمان الاجازة، فلا محالة يكون مبدأ الخيار هو زمان الاجازة لا زمان الملكية السابقة ولا زمان العقد، وذلك لأنّ زمان الاجازة هو الزمان الذي ينتسب البيع فيه إلى البائع ويصدق على المتعاملين عنوان البيعين دون زمان الملكية ولا زمان العقد كما هو ظاهر، وقد دلّت الأخبار على أنّ «البيعان بالخيار ما لم يفترقا، وصاحب الحيوان بالخيار إلى ثلاثة أيام» حيث أخذ في موضوع الخيار عنوان البيع كما عرفت، وهذا العنوان إنّما يحصل في زمان الاجازة لا في زمان الملك على المختار في معنى الكشف.
ومن هنا لو قلنا بصحة البيع فيما إذا باع فعلاً داره من السنة المتقدمة بأن
1) المكاسب 5 : 94.
تكون الملكية من السنة السابقة ببيعه فعلاً، أو باع حيواناً له بهذا النحو بأن يكون المشتري مالكاً له من السنة الماضية بالبيع فعلاً، لقلنا بالخيار من زمان البيع لا من زمان الملكية الذي هو السنة المتقدّمة، إلّا أنّ هذا النحو من المعاملات غير صحيح عند العرف وهو ظاهر، وذلك لأنّ زمان البيع هو الزمان الذي يتصف المتعاملان فيه بالبيتعين دون زمان الملكية كما هو واضح، فعلى ما ذكرناه لا عبرة بزمان الملكية ولا بزمان العقد بما هو عقد وإنما المدار على زمان صدق البيع وعدمه، وعليه فإذا باع حيواناً على نحو السلم فيكون مبدأ الخيار فيه زمان القبض دون زمان العقد وذلك لعدم صحة البيع في السلم قبل القبض، وزمان صدق البيع على المتعاملين إنّما هو زمان القبض.
وبعبارة أخرى : إنّ أدلّة الخيار مخصصة لعموم وجوب الوفاء بالعقد ووجوب الالتزام والوفاء فرع صدق البيع وتحققه، فالخيار إنّما يثبت في البيع الصحيح الذي يكون نافذاً شرعاً، والسلم قبل القبض ليس ببيع في نظر الشارع وما لا يكون صحيحاً ولا نافذاً شرعاً لا معنى لجعل الخيار فيه.
ثم إنّ المثال الذي مثل به بعض المعاصرين للشيخ فيما نقلناه عنه مبني كما أشار إليه شيخنا الأنصاري على عدم جريان الخيار في بيع الحيوان الكلي واختصاصه بالحيوان الشخصي، وأمّا بناء على ما ذكرناه من جريانه في بيع الحيوان على نحو الكلّي أيضاً فلا حاجة إلى جعل الحيوان ثمناً كما في المثال، بل يجري الخيار ولو فيما إذا كان الحيوان مبيعاً على نحو السلم.
وأنّ الليالي أيضاً داخلة في الأيام الثلاثة أو لا ؟ ربما يقال إنّ اليوم عبارة عن أربعة وعشرين ساعة، فمعنى الثلاثة أيام هو اثنتان وسبعون ساعة، فإذا وقع البيع
في أوّل ليلة الأربعاء فلا محالة تنتهي الثلاثة في آخر يوم الجمعة وتكون الليالي الثلاثة أيضاً داخلة في الخيار.
وأخرى يقال : إن مفهوم اليوم عبارة عن بياض يوم من طلوع الشمس إلى غروبها في مقابل الليل كما في الاستعمالات القرآنية (سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ) (1)ونحوه، ويحتاج إرادة الزائد على ذلك من اليوم إلى دليل كما في يوم الصوم حيث دلّ الدليل على أن يومه من طلوع الفجر لا من طلوع الشمس، وعليه فالليالي خارجة عن الأيام، إلّا أنّ الليلتين المتوسطتين لا إشكال في دخولهما في الخيار من جهة أنّ الخيار مستمر في ثلاثة أيام ولا يمكن معه إخراج الليلتين المتوسطتين عن الخيار لاستلزامه انقطاع الخيار والمفروض أنّ الخيار مستمر وغير منقطع، كما أنّه إذا عقد في أوّل الليل أو في أثنائه لابد من أن يحكم عليه بالخيار في ذلك الزمان فتكون الليلة الأولى بأجمعها أو بنصفها أيضاً داخلة في الحكم بالخيار، وهذا من جهة العلم الخارجي بعدم انفكاك الخيار عن العقد، ففي أي زمان تم فيه البيع والعقد فلابد من أن يحكم عليه بالخيار من ذلك الزمان، إذ لو حكمنا عليه بالخيار من أوّل طلوع الشمس للزم انفكاك الخيار عن العقد بمقدار ليل أو نصف ليل وهو كما ترى، فلابد في مفروض المثال من الالتزام بدخول الليلة الأولى أيضاً كالليلتين المتوسطتين وهذا لا من جهة أنّ الليل داخل في مفهوم اليوم بل من جهة الاستمرار في الليلتين ومن جهة عدم الانفكاك في الليلة الأولى.
وربما يقال : بدخول الليلة الثالثة أيضاً، بدعوى أن المفروض أن الليلتين المتوسطتين داخلتان في الحكم، فلو لم يحكم بدخول الليلة الثالثة أيضاً للزم الاختلاف في أفراد الأيام الثلاثة، حيث إنّ المراد في يومين منها هو أربعة
1) الحاقة 69: 7.
وعشرين ساعة، وفي اليوم الثالث منها يراد باليوم بياضه من دون دخول الليل فيه هذا.
وقد أجاب عن ذلك شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1)بأن دخول الليلتين المتوسطتين ليس من جهة دخولهما في مفهوم اليوم، بل من جهة استمرار الخيار وحيث لا يمنع خروج الليلة الثالثة عن استمرار الخيار فلذا لا نحكم بدخولها كالمتوسطتين، وملخص ما أفاده شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) في المقام : أنّ المراد باليوم هو طلوع الشمس إلى غروبها ودخول الليلتين المتوسطتين من جهة استمرار الخيار، كما أنّ دخول الليلة الأولى لو وقع العقد في أوّلها أو في أثنائها من جهة عدم انفكاك الخيار عن العقد. وما أفاده (قدّس سرّه) متين بأسره.
بقي الكلام في كفاية التلفيق في اليوم وعدمها، مثلاً إذا عقد في ظهيرة يوم فتنتهي الثلاثة في ظهيرة اليوم الرابع حتى يتلفّق النصف من هذا اليوم والنصف من اليوم الرابع ويصير يوماً وبانضمامه إلى اليومين المتوسطين تتم الثلاثة، أو أن التلفيق لا يكفي في صدق اليوم ؟ وهذه المسألة غير مختصة بالمقام بل هي جارية في مسألة الحيض وقصد الاقامة ونحوهما.
والظاهر كفاية التلفيق لأنّ الظاهر من اليوم هو مقدار بياضه ولا خصوصية فيه لكونه ما بين الطلوع والغروب، فإذا انضم نصف البياض من هذا اليوم ونصف البياض من اليوم الرابع يكفي ذلك في صدق اليوم.
و ممّا يدلّ على ما ذكرناه : أنّه من البعيد جداً أن تحيض المرأة في أول طلوع الشمس بل غالباً تحيض في أثنائه أو وسطه، فعدم احتسابها ذلك من أيام حيضها يحتاج إلى دليل، وكان لازماً عليهم (عليهم السلام) البيان والتنبيه على ذلك وه-و
1) المكاسب 5 : 95.
مفقود، وكذا المسافر فانه لا يحضر البلد في أول طلوع الشمس حتى إذا قصد الاقامة في ذلك البلد يحسبه يوماً واحداً وإنما يحضره في وسط الي-وم وأثنائه فالظاهر أنّ التلفيق كافٍ فيقيم في البلد تسعة أيام ونصف اليوم العاشر وبانضمامه إلى نصف اليوم الذي ورد فيه البلد تتم عشرة أيام، وبذلك يصدق أنّه أقام عشرة أيام كما يصدق ذلك في إقامة سنتين أو سنة واحدة ملفّقة نصفها من هذه السنة ونصفها الآخر من السنة المتقدمة، فيقال إني أقمت في البلد الكذائي سنة أو سنتين، وكذا في الساعة الملفّقة نصفها من هذه الساعة ونصفها الآخر من الساعة الثانية، وهذا ظاهر.
الأول من المسقطات : اشتراط سقوطه في العقد الثاني : إسقاطه بعد العقد وقد تقدّم الكلام في هذين المسقطين في خيار المجلس وتعرّضنا هناك لما أورد عليهما فراجع، وعليه فلا حاجة إلى التعرّض لهما في المقام إلّا أنّ شيخنا الأنصاري (1)ذكر في المقام كلاماً يجري في خيار المجلس أيضاً،، وهو أنّه لا إشكال في عدم سقوط الخيار بالاضافة إلى بعض المبيع دون بعضه كما إذا أراد أن يسقط خياره في نصف الحيوان أو ربعه أو ثلثه دون نصفه الآخر أو ثلاثة أرباعه الباقية، والوجه في عدم صحة ذلك أنّ المبيع أمر واحد وهو مجموع النصفين بشرط الاجتماع، وهو إما أن يقبله وإمّا أن يردّه وليس له ردّ نصفه وإبقاء نصفه الآخر حتى يصير شريكاً مع البائع في المبيع.
وأما إسقاط بعض الخيار بحسب استمرار زمانه كاسقاطه في اليوم الأول من
1) المكاسب 5 : 97.
الأيام الثلاثة في خيار الحيوان أو إسقاطه في إحدى الساعتين اللتين فرضناهما زمان خيار المجلس فهو أمر جائز، لأنّ حق الخيار ينحل إلى خيارات متعدّدة حسب تعدّد الآنات في زمان الخيار، لأنّه ليس معنى الخيار إلّا ملك فسخ العقد وهو كما يكون مالكاً لفسخ العقد في هذا الزمان كذلك يكون مالكاً لفسخه في الزمان الثاني والثالث وهكذا، وله أن يرفع يده عن حقه في زمان وإسقاط خياره المختص بهذا الزمان دون حقه في الزمان الثاني كما هو ظاهر.
الثالث من المسقطات : التصرف في الحيوان، وكلماتهم في المقام مضطربة غاية الاضطراب وأقوالهم فيه مختلفة، ومنشأ الاختلاف هو اختلاف الروايات الواردة في المقام واختلاف الأنظار في تفسيرها وملاحظة مقتضى القاعدة الأولية في المقام، ولا ينبغي الاشكال في أنّ مقتضى القاعدة الأوّلية سقوط الخيار بكل ما دلّ على الرضا بالبيع سواء كان لفظاً أم كان من الأفعال فيما إذا صدرت عن الاختيار والالتفات، لكشفها حينئذ عن الرضا بالعقد بحسب البقاء وإسقاطه الخيار، وذلك لما مر في باب المعاطاة من أنّ الفعل كاللفظ والقول في وقوع كل عنوان من عناوين العقود والايقاعات به إلّا في مثل الطلاق والنكاح وغيرهما ممّا دلّ الدليل فيه على عدم وقوعه بالفعل، ومن هذه الموارد المقام فلا مانع من أن يوجب الفعل سقوط الخيار لكشفه عن الرضا بالعقد بحسب البقاء، فهو نظير الاسقاط بالقول.
وهذه الكبرى أعني سقوط الخيار بشيء من الأفعال الكاشف عن رضا الفاعل والمتصرف بالعقد بحسب البقاء ممّا لا كلام فيها ولا إشكال، إلّا أن الكلام في تحقق الصغرى لتوقف الكبرى على تحقق صغرياتها، وهذا إنّما يتحقق مع العلم بالحال والتفاته إلى أنّ التصرف مسقط للخيار شرعاً، فإنّ مثله يكشف عن رضا المتصرف بسقوط الخيار وإبقاء العقد، وأما إذا تصرف في المبيع جاهلاً بحكمه شرعاً ولم يدر أن التصرف مسقط فتصرف في الحيوان بأرقى أنحاء التصرفات كما إذا كان
المبيع أمة فوطأها، فهذا وأمثاله كيف يكون كاشفاً عن الرضا بالعقد، إذ ربما يتصرف فيها لأجل أن يدفعها إلى صاحبه بعد التصرف فيها، ومثل ذلك لا يكون موجباً لسقوط الخيار، والوجه فيه أنّ التصرف المسقط للخيار يتوقف على قصد عنوان الاسقاط لا محالة لأنّه كأحد الأفعال الاختيارية لفاعله، ولا يمكن أن يتحقق التصرف المزيل من دون علمه بالحال وعدم قصده الاسقاط، وإن ذهب شيخنا الأستاذ (1)إلى سقوطه بمجرد التصرف حتى في صورة جهل المتصرف بالحال بدعوى أنّ بعض العناوين لا يتوقف حصوله على القصد والارادة، إلّا أن الحق أنّه كأحد الأفعال الاختيارية للفاعل ولا يمكن أن يتحقّق بلا قصد.
وكيف كان، فالأفعال ممّا يسقط بها الخيار فيما إذا كانت كاشفة عن الرضا بالعقد، وذلك لأنّه لم يرد نص في كيفية الاسقاط وأنّه بالفعل أو باللفظ، بل كل شيء يكون مبرزاً لرضا الطرف بالبيع يجوز الاسقاط به.
فالمتحصّل : أنّ التصرف المبرز للرضا من المسقطات في المقام.
وأما سائر التصرفات في المبيع سيّما إذا كانت غير مسبوقة بالاختيار والالتفات، فلا وجه لاسقاطها الخيار، نعم قد ورد في بعض الصحاح أنّ مطلق إحداث الحدث في الحيوان مسقط للخيار سواء كان على نحو الاختيار أو من غير التفات، منها صحيحة ابن رئاب «فإن أحدث المشتري فيما اشترى حدثاً قبل الثلاثة أيام فذلك رضى منه ولا شرط له» (2)ومثلها صحيحة الصفار (3)وعليه فكل فعل صدق عليه أنّه حدث أي زيادة على خلقته الأصلية أو نقيصة عنها فلا
محالة يوجب سقوط الخيار مطلقاً صدر عن القصد والاختيار أو عن الجهل والغفلة.
ثم إنّ الروايات قد أطبقت على تطبيق الحدث على ما ليس داخلاً تحت الحدث حقيقة نظير التقبيل واللمس للجارية بل النظر منها إلى ما لا يجوز النظر إليه لغير زوجها أو مالكها مع أنّها ليست من الأحداث حقيقة لعدم كونها تصرفاً موجباً لزيادته على أصله أو نقيصته عنه، إلّا أنّ الامام (عليه السلام) طبقه عليها حيث قال في صحيحة ابن رئاب «قيل له وما الحدث، قال إن لامس أو قبل أو نظر منها إلى ما كان محرّماً عليه قبل الشراء» فيكون ذلك تعبداً من الشارع في التطبيق فلا محالة نأخذ بذلك التطبيق تعبّداً ونحكم بسقوط الخيار بمثل هذه التصرفات التي أطلق عليها الحدث في الرواية، وأما في غير عنوان الحدث حقيقة أو تعبداً فلا نلتزم بسقوط الخيار به سواء كان من الأفعال الكبيرة أو الأفعال الصغيرة، بل لو قلنا بأنّ كل تصرف من أنحاء التصرفات يسقط الخيار لكان جعل الخيار لغواً ظاهراً، إذ لا يخلو المبيع والحيوان من التصرف فيه بعد بيعه ولو بأخذه وسحبه إلى الدار أو ركوبه لأجل الاختبار أو لأجل إيصاله إلى الدار أو بأمره باغلاق الباب أو مشيه خلفه فإذا فرضنا أنّ تلك الأفعال والتصرفات تقتضي سقوط الخيار فأي فائدة في جعل الخيار في بيع الحيوان حينئذ، فيكون جعله من اللغو الظاهر
وبالجملة : أنّه لا دليل لنا على أنّ الأفعال الحقيرة أو الجليلة توجب سقوط الخيار في غير عنوان الحدث، بل الدليل قام على عدم سقوطه بغير الحدث من الأفعال، وهذا الدليل هو صحيحة الصفّار (1)حيث سئل في ذيلها عن سقوط الخيار بالحدث أو الركوب فأجاب (عليه السلام) بأنّه إذا أحدث حدثاً فقد وجب الشراء ولم يتعرض إلى أن الركوب أيضاً يسقط الخيار، وحيث إن السائل جعل الركوب في
1) تقدم مصدره آنفاً.
مقابل الحدث فمنه يعلم أنّ الحدث غير شامل له وأنّ مثل الركوب الذي ه-و م-ن أجلى التصرفات لا يوجب سقوط الخيار.
وبعبارة أخرى : أنّ الأدلة الدالة على لزوم العقود تقتضي الحكم باللزوم ولا يمكن الخروج عمّا تقتضيه تلك الأدلة إلّا بدليل، ثمّ قام الدليل على عدم اللزوم في بيع الحيوان ثلاثة أيام، ولا يمكن الخروج عمّا يقتضيه ذلك الدليل الدال على عدم لزوم البيع إلى ثلاثة أيام إلّا بدليل آخر يدل على لزوم العقد، وهذا الدليل إنّما قام في الاسقاط بالفعل أو باللفظ بل بالاشارة أيضاً وفي مطلق الحدث وفي الموارد التي طبّق الامام (عليه السلام) الحدث عليها تعبّداً، وأمّا في غير هذه الموارد فلا دليل على سقوطه وصيرورة العقد لازماً ولعلّه ظاهر.
فالمتلخّص : أنّ الاسقاط فعلياً كان أم لفظياً يوجب سقوط الخيار، كما أنّ الحدث أيضاً يوجب السقوط بمقتضى الأخبار الواردة في المقام، وإنما الكلام في أنّه هل هناك مسقط آخر غير الاسقاط الفعلي أو القولي وغير الحدث، أو المسقط ينحصر بهما، وقد عرفت أن كلمات الفقهاء مضطربة في المقام غاية الاضطراب ومنهم من جعل المدار في السقوط على الرضا الشخصي، ومنهم من جعل المدار على الرضا النوعي، وثالث جعل كل تصرف من المسقطات في الحيوان حتى أمثال قوله أغلق الباب، فلابد من النظر إلى روايات الباب حتى نرى أنّها تدل على أن ك--ل تصرف من المسقطات وإن لم يعد من الحدث، لأنّ الحدث هو ما يوجب التغيّر في الحيوان لا مطلق التصرف كما هو واضح، أو أنّها لا تدلّ على ذلك.
فنقول : من النصوص الواردة في المقام صحيحة علي بن رئاب «فإن أحدث المشتري فيما اشترى حدثاً قبل الثلاثة أيام فذلك رضى منه ولا شرط له» (1)وإلى
1) الوسائل 18 : 13 / أبواب الخيار ب 4 ح 1 (مع اختلاف يسير).
هنا دلّت بمقتضى إطلاقها على أن كل حدث يسمّى بذلك عرفاً فهو يوجب سقوط الخيار، كان ذلك الحدث منه بقصد إسقاط خياره أم لم يكن، والحدث كما أشرنا إليه هو ما يوجب تغيّراً في الشيء، ولكنه ينا في ذلك ظهور قوله بعد ذلك «قيل له وما الحدث، قال : إن لامس أو قبل أو نظر منها إلى ما كان محرّماً عليه قبل الشراء» والوجه في التنافي أنّ اللمس والتقبيل والنظر إلى ما كان محرّماً عليه قبل الشراء ليس من الحدث قطعاً، لما عرفت من أنّ الحدث هو ما يوجب تغيّراً في المبيع، واللمس وأخويه لا يوجب التغيّر كما هو ظاهر، وعليه فيدور الأمر في هذا الذيل بين أمرين :
أحدهما : أن يقال إنها تمثيل لمطلق التصرف في المبيع، ومعناه أن كل تصرف يحرم على غير المالك فهو يوجب سقوط الخيار، واللمس وأخويه من التصرفات المحرّمة لغير المالك، فمن هذه الجهة ذكرها الامام (عليه السلام) في تفسير الحدث وعليه فتدل الصحيحة على أن كل تصرف محرّم على غير المالك مسقط للخيار حتى مثل الأمر باغلاق الباب بل حتى الخلوة مع الأمة بناء على أنّ الخلوة مع الأجنبية محرّمة توجب السقوط وإن لم يكن ذلك تغيّراً في المبيع.
وثانيهما : أن يقال إنّ المناط في السقوط هو الحدث، ومعنى الحدث ما تقدّم من كونه موجباً لتغيّر في المبيع، وأما هذه الأمثلة فهي حكومة من الشارع في تطبيق الحدث عليها عنده وإن لم يكن منه واقعاً، وعليه فيكون المسقط ثلاثة : الاسقاط الفعلي والقولي والحدث، والأمثلة المذكورة أعني اللمس وأخويه، ولا يحكم بسقوط الخيار بمطلق التصرف ما لم يطلق عليه الحدث عرفاً أو كان داخلاً في الأمثلة المتقدّمة، والرواية لو لم تكن ظاهرة في الحمل على الاحتمال الثاني غير ظاهرة في الأول منها، فتكون مجملة لا محالة.
ومنها : صحيحة الصفّار كتبت إلى أبي محمد (عليه السلام) «في الرجل اشترى
دابة من رجل فأحدث فيها حدثاً من أخذ الحافر أو نعلها أو ركب ظهرها فراسخ أله أن يردّها في الثلاثة أيام التي له فيها الخيار بعد الحدث الذي يحدث فيها أو الركوب الذي يركبها فراسخ ؟ فوقّع (عليه السلام) إذا أحدث فيها حدثاً فقد وجب الشراء إن شاء اللّه تعالى» (1)وهذه الرواية كما تراها جعلت الركوب في مقابل الحدث وهو كذلك، لما مرّ من أنّ الحدث هو ما يوجب تغيّراً في المبيع، والركوب خارج عن ذلك لا محالة، وهي لو لم تكن دالة على أن مطلق التصرف كالركوب لا يوجب السقوط حيث سأله عن سقوطه بالحدث والركوب فأجاب بأن أحدهما وهو الحدث يوجب السقوط فتكون ظاهرة في أنّ الركوب الذي هو من التصرفات لا يوجب السقوط، فليست بدالّة على سقوطه بمطلق التصرف لا محالة وأنّها إمّا تدلّ على عدم السقوط به وإمّا ساكتة ولا تدلّ على سقوطه بمطلق التصرف، وإنما تدلّ بمقتضى جواب الامام (عليه السلام) على أنّ الحدث يوجب السقوط وهو غير التصرف كما هو ظاهر.
ومنها : ما عن قرب الاسناد «قلت له أرأيت إن قبلها المشتري أو لامس ؟ قال فقال (عليه السلام) : إذا قبل أو لامس أو نظر منها إلى ما يحرم على غيره فقد انقضى الشرط ولزم البيع» (2)وهذه الرواية غير مشتملة على الحدث والتصرف وإنما صرّحت بسقوط الخيار باللمس وأخويه، ومقتضى إطلاقها عدم الفرق في سقوط الخيار بين أن يكون قاصداً بهذه الأفعال للسقوط أو كان قاصداً بها عدم السقوط كما إذا أراد أن يقبلها ثمّ يفسخ عقدها أو لامسها ثمّ رفع اليد عنها، فإنّ مقتضى إطلاقها سقوط الخيار بأحد هذه الأفعال مطلقاً.
وهذه الروايات الثلاث لا يستفاد من شيء منها أن مطلق التصرف المحرّم على غير المالك يسقط الخيار، بل إنّها دلّت على أنّ الحدث يوجب السقوط كما أن هذه الأفعال المذكورة من اللمس وأخويه توجب السقوط، وأما مطلق التصرف فلا.
بقي الكلام في قوله (عليه السلام) في صحيحة علي بن رئاب «فذلك رضى منه ولا شرط» وفي ذلك احتمالات أربعة كما ذكرها شيخنا الأنصاري (1).
أحدها : أن يكون المراد بقوله «فذلك رضى منه» هو الرضا الشخصي بمعنى أنّ تلك التصرفات تكشف عن رضا الفاعل والمتصرف ببقاء البيع شخصاً أي رضا شخصياً، فيكون المدار في سقوط الخيار هو الرضا الشخصي ولولاه لم يسقط الخيار، وإنما حكم (عليه السلام) بسقوطه بهذه الأفعال من جهة كشفها عن الرضا الفعلي ببقاء المعاملة ولو بحسب الغالب، فإنّ المتصرف باللمس وأخويه يكون غالباً راضياً بلزوم المعاملة.
ويدفعه : أنّ تلك التصرفات لا تكشف عن الرضا الفعلي ولو بحسب الغالب، لأنّ غالب الناس لا يلتفت إلى أنّ في الحيوان خيار ثلاثة أيام، بل يمكن دعوی ذلك في حق بعض المحصلين كالمبتدئين حيث لا يدري بل ولا يحتمل أن يكون في بيع الدجاج خيار ثلاثة أيام، وإن التفت فإنما يحتمله في أمثال بيع الفرس ونحوه من الحيوانات الكبار، هذا.
مضافاً إلى أنّ الخيار لا يختص بالمسلمين لثبوته في بيع الكفّار أيضاً، مع أنّ غير المسلم لا يلتفت إلى الخيار بوجه فكيف يمكن مع ذلك دعوى أن تلك الأفعال تكشف عن إسقاطه الخيار وعن رضاه الشخصي بالبيع، فهذا الاحتمال ساقط.
1) المكاسب 5 : 100 - 102.
وثانيهما : أن يراد بالرضا في قوله (عليه السلام) «فذلك رضى منه» الرضا النوعي بمعنى أن تلكم الأفعال كاشفة عن الرضا النوعي بالبيع، فيكون المناط في سقوط الخيار هو التصرف الذي له ظهور نوعي في الالتزام بالمعاملة وإن لم يكن له دلالة على الرضا في خصوص المقام، إلّا أنّ المدار على ما يدلّ عليه نوعاً، نظير ظهور الألفاظ فى الكشف عن معانيها فإنّها متبعة وإن لم يكن له كشف عن الارادة في خصوص المورد.
وهذا الوجه أيضاً كسابقه في السقوط، لعدم كشف تلكم الأفعال عن الرضا ولو نوعاً بعد ملاحظة أن أغلب الناس غافلون عن مثل ذلك الخيار فكيف يكون لها كشف عن إسقاط الخيار الذي لا يلتفت إليه المتصرف حسب الفرض، وعليه فيبقى في البين الوجهان الأوّلان في كلام شيخنا الأنصاري ومرجعها إلى شيء واح--د وهو أن تكون الجملة أعني قوله «فذلك رضى منه» نفس الجزاء أو أنّها حكمة له وذكر شيخنا الأنصاري أنّه بناء على هذين الاحتمالين يكون كل تصرف مسقطاً وإن علم عدم دلالته على الرضا من جهة حكم الشارع بأنّ هذا التصرف رضى بالبيع تعبداً، أو أنّه يوجب نفي الخيار من جهة كشفه عن الرضا النوعي بالمعاملة.
وفيه : أنّ الرواية وإن دلّت على أنّ الحدث رضى منه، وظاهره أنّ نفس الحدث رضى وأنّها متحدان، وبما أنّه غير مراد لأنّ الحدث فعل خارجي والرضا فعل قلبي فكيف يكون أحدهما عين الآخر، فلا محالة يكون معناها أنّ الحدث رضا فعلي وإجازة فعلية للمعاملة، ولازمه أن يكون كل حدث مسقطاً للخيار لأنّه رضا فعلي، إلّا أنّه لا يستفاد منها أنّ كل تصرف يسقط الخيار، لأن الرضا إنّما حمل في الرواية على الحدث لا على التصرف، ومعناها أنّ كل حدث رضا عملي لا ك--ل تصرف، وهذا الذي ذكره مبني على تفسير الحدث بالتصرف ثمّ الحكم بأن ك--ل تصرف يسقط الخيار، مع أنّه لا وجه له، وأحدهما غير الآخر كما هو واضح.
فالمتحصّل إلى هنا : أنّ المسقطات ثلاثة : الاسقاط الفعلي أو القولي لعدم اختصاصه بالقولي بل كل فعل قصد به إسقاط الخيار يكون مصداقاً للاسقاط لا محالة، والحدث مطلقاً سواء قصد به الاسقاط أم لا، واللمس وأخويه كما مرّ وعرفت أنّه مقتضى الجمع بين الروايات الواردة في المقام، وأما مطلق التصرف فلا يكون مسقطاً للخيار.
الظاهر أنّه لا خلاف في صحة هذا الاشتراط بأن يشترط أحد المتعاملين أن يكون له أو لها الخيار إلى زمان على نحو الاتصال أو الانفصال.
ويستفاد ذلك ممّا ورد (1)في جواز البيع الذي اشترط فيه الفسخ عند ردّ مثل الثمن المعبّر عنه ببيع الخيار (البيع بشرط) حيث إنّه عقد اشترط فيه الخيار للبائع وقد دلت الرواية على جوازه.
وكذا يدلّ عليه ما ورد (2)من أنّ هلاك المبيع في يد المشتري قبل أن يمضي الشرط وهو اشتراط أيام معدودة من مال البائع، وذلك لأنّها سلمت جواز اشتراط الخيار أياماً معدودة وفرضته مفروغاً عنه ثمّ حكمت بأن تلف المبيع في زمان الخيار المذكور من مال البائع.
فإن استظهرنا من هاتين الروايتين جواز اشتراط الخيار على نحو العموم فهو وإلّا فإن قلنا إن جعل الخيار على خلاف القاعدة لأنّ مقتضاها اللزوم في جميع العقود ومنها البيع، فلا يمكن التعدّي من ثبوته في مقامين وموردين إلى غيرهما لأنّه على خلاف القاعدة، مثلاً إذا اشترط في ضمن عقد البيع أن يكون له خي-ار ب-عد
عشرة أيام فلا يمكن استفادة جواز ذلك من هاتين الروايتين وأنّه لابد من الاقتصار عليهما حتى يثبت جواز اشتراط الخيار على نحو العموم، فلابد من إقامة الدليل على صحة اشتراط الخيار في العقود.
وقد يستدل على ذلك بما روي وادعي تواتره من أنّ «المسلمون عند شروطهم» (1)حيث إنّ مقتضاها جواز اشتراط الخيار.
وقد أورد على الاستدلال بتلك الرواية صاحب المستند (2)بأن اشتراط الخيار في العقود من الشروط المخالفة للكتاب والسنّة، وذلك لأن مقتضى قوله تعالى (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) وقوله (عليه السلام) في روايات خيار المجلس «فإذا افترقا وجب البيع» أو غيرهما من أدلّة اللزوم أنّ كل عقد من العقود لازم ومنه عقد البيع فاشتراط جوازه يخالف الكتاب والسنة فلا يصح مثل هذا الاشتراط.
وقد أُجيب عن ذلك بوجهين : أحدهما : ما عن شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه) (3)من أنّ اللزوم والجواز على قسمين، فقسم منها حقي والقسم الآخر حكمي، ويعرف الحقي منهما بجواز دخول الاقالة عليه، مثلاً اللزوم في البيع حقّي فلذا يقبل الاقالة برضا البائع والمشتري، فمنه يظهر أنّ اللزوم فيه من جهة مراعاة حق المتبايعين، وأمّا اللزوم في النكاح فهو حكمي ولذا لا تدخله الاقالة ك-ما إذا رضي كل من الزوج والزوجة برفع اليد عن العقد فإنّ ذلك لا يوجب رفعه، فمنه يعرف أنّ اللزوم فيه حكمي. وكذلك الجواز فإنّ الجواز في الهبة حكمي ولذا لا يرتفع بالتراضي على ارتفاعه، وأما الجواز في البيع ما داما في المجلس فهو حقي لقبوله
الاسقاط لأن ذي الحق يمكنه إسقاط حقه.
والشرط المخالف للكتاب والسنّة هو الذي يخالف اللزوم الحكمي كما في النكاح، وأما المخالف للزوم الحقي فهو لا مانع من صحته، لجواز رف-ع ال-ي-د ع-ن الحق، وبما أن قوله «المسلمون عند شروطهم» وغيره من أدلة الشروط يرفع لزوم البيع وهو حقي، فلا يكون اشتراط الخيار فيه من الشروط المخالفة للكتاب والسنّة، هذا.
ولا يخفى أنا ذكرنا في أوائل البيع (1)أنّ الحق والحكم عبارتان عن شيء واحد وهو الحكم، غاية الأمر أنّ بعض الأحكام مشروط وبعضها غير مشروط ويعبّر عن المشروط بالحق، إلّا أنّ كونه مشروطاً بعدم رفع اليد عنه لا يوجب اختلافاً وتعدّداً في المجعول بحسب الماهية بل المجعول هو الحكم وهو أمر واحد والمخالف لأحدهما مخالف للآخر وغير المخالف لأحدهما غير مخالف للآخر كما هو مقتضى الاتحاد، والحكم باللزوم في البيع والنكاح أمر واحد ولذا جاز فسخ النكاح في بعض الموارد للزوج وفي بعضها الآخر للزوجة، وقد رفعنا اليد عنه في البيع بالأخبار الواردة في الاقالة من أنّ المتعاملين إذا تراضيا على انحلال العقد فلا مانع من انحلاله، وأما رفع اليد عنه برضا أحدهما دون الآخر فهو أول الكلام. وبالجملة أنّ الفرق بين ما تدخل فيه الاقالة وما لا تدخل فيه ممّا لا وجه له.
الوجه الثاني : ما ذكره السيد (قدّس سرّه) (2)على ما هو ظاهر كلامه وملخصه : أنّ الشرط المخالف للكتاب والسنّة هو الشرط المخالف لذات الحكم الثابت فيهما، وأمّا المخالف لاطلاق الحكم المذكور في الكتاب والسنة فهو غير ساقط
عن الاعتبار، بل جميع الشروط في العالم مخالفة لاطلاق الأحكام الثابتة في الكتاب أو السنة، فمثل اشتراط الخياطة في ضمن البيع مخالف للأدلة الدالة على جواز الخياطة وإباحتها، إلّا أنّ الاشتراط قد بدله إلى الوجوب، واشتراط الخيار في البيع من هذا القبيل لأنّه مخالف لاطلاق (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) ويقيّده بغير ما اشترط فيه الخيار، وليس مخالفاً لأصل لزوم المعاملات، فلا يكون هذا النحو من المخالفة موجباً لرفع اليد عن الشرط، هذا.
وفيه : ما لا يخفى من المناقشة الظاهرة، لأن التفصيل في المخالف بين المخالف لأصل الحكم والمخالف لاطلاقه إنّما هو في المخالفة لمقتضى العقد لا في المخالفة للكتاب والسنّة وتوضيحه : أنّه يعتبر في الشروط أمران : أحدهما أن لا يكون مخالفاً لمقتضى العقد. وثانيهما : عدم المخالفة للكتاب والسنّة، أما الاشتراط الأول فهو ليس من جهة دلالة دليل خارجي على لزوم عدم كونه مخالفاً لمقتضى العقد، بل لا دليل عليه في شيء من الآيات والروايات، وإنما الدليل على هذا الاشتراط هو استحالة اجتماع الضدين أو النقيضين، فإنّه إذا باع ماله واشترط على المشتري أن لا يتصرف فيه فمعناه أنّي بعته وأني لم أبعه، أو إذا وهب ماله واشترط إرجاعه إليه فإنّ معناه أنّي ملكته لك وأني لم أملكه لك وهكذا غيرهما من الشروط المخالفة لمقتضى نفس العقد فإنّ مالها إلى اجتماع الضدين والنقيضين، وليس لهذا الاشتراط دليل غيره.
ومن هنا يفصل في الشروط المخالفة للعقد بين الشرط المخالف لأصل العقد كما إذا باع ماله واشترط عليه أن يبقيه عنده ويجوز له التصرف فيه كيف شاء، وبين الشرط المخالف لاطلاق العقد لا لأصله، وهذا كما إذا باع ماله واشترط عليه أن يتصرف فيه مدة شهر واحد، فإنّ الشرط الأول مخالف لأصل العقد ومعناه ه-و الجمع بين النقيضين وهو البيع وعدم البيع، وأمّا الشرط الثاني فهو مخالف لاطلاق عقد البيع، لأنّ مقتضى إطلاقه أن ينتقل إليه المبيع من الآن ولا يجوز للبائع أن
يتصرف فيه من حين المعاملة، إلّا أنّه قيد ذلك الاطلاق وأخرج منه منه مدة شهر واحد من زمان المعاملة، والوجه في التفصيل بينهما ظاهر بما عرفت حيث إن اجتماع النقيضين إنّما يلزم في الشرط المخالف لأصل العقد، وأمّا الشرط المخالف لاطلاقه فلا يوجب الجمع بين النقيضين كما هو ظاهر.
وأما الاشتراط الثاني، أعني عدم كون الشروط مخالفة للكتاب والسنة فدليله الروايات الدالة على عدم اعتبار الشرط المخالف لكتاب اللّه أو سنة نبيه وهذا لا يفرق فيه بين الشرط المخالف لأصل الكتاب والسنة وبين المخالف لاطلاقها، والوجه في ذلك أن إطلاق الأحكام أيضاً من الأحكام فلابد من اتباعه فإذا باع شيئاً واشترط عليه شرب الخمر في حالة كذائية فهو شرط مخالف لاطلاق حرمة شرب الخمر الثابتة في الكتاب والسنّة فلا يمكن في مثله أن يقال إنّ هذا الشرط مخالف لاطلاق الآية الدالّة على حرمة شرب الخمر وليس مخالفاً لأصل حرمة شربها وذلك ظاهر، وعليه فهذان الوجهان لا يمكن الاعتماد عليهما في الجواب عمّا أورده صاحب المستند (قدّس سرّه).
فالصحيح في الجواب أن يقال : الظاهر أنّ هذه الشبهة لا تندفع إلّا بما أشرنا إليه سابقاً في كيفية اشتراط عمل أو شيء آخر في ضمن العقد حيث قلنا إن اشتراط مثل الكتابة أو الخياطة أو غيرهما من الشروط في العقود مرجعه إلى تعليق الالتزام بالمعاملة والعقد على فعل ذلك الشرط، وليس مرجعه إلى التعليق في العقود المبطل لها بالاتفاق، فمعنى اشتراط الكتابة في بيع شيء أنّ التزامي وعدم رجوعي في هذه المعاملة متوقف على الكتابة. وبعبارة أخرى أنّ مرجع هذا الاشتراط إلى جعل الخيار، وهذا الاشتراط والتعليق في الالتزام تارةً يكون على نحو الدلالة الالتزامية كما في اشتراط الكتابة في بيع شيء الراجع إلى تعليق الالتزام بالكتابة وجعل الخيار لنفسه، وأخرى على نحو الدلالة المطابقية كاشتراط الخيار إلى ثلاثة أيام، لأن معناه
المطابقي أنّ التزامي بهذه المعاملة معلّق على انقضاء الثلاثة أيام.
إذا عرفت ذلك فنقول : إنّ قوله (عليه السلام) «المسلمون عند شروطهم» (1)إنّما ورد في هذا المقام أي في تعليق الالتزام بالمعاملة على أمر آخر، فلو منعنا عن شموله له بدعوى أنّه مخالف للكتاب والسنّة فلازمه أن لا يبقى لهذه الرواية مورد فتكون لغواً، فاشتراط الخيار وإن كان مخالفاً للكتاب والسنة إلّا أنّه لابد من الالتزام به لورود الرواية في هذا المقام، ولولاه لما بقي لها محل أصلاً، وذلك تخصيص لما دلّ على اشتراط عدم المخالفة للكتاب والسنة في الشروط.
فالمتحصّل من جميع ذلك : أنّ مرجع الاشتراط سواء كان على نحو الدلالة المطابقية أو كان على نحو الدلالة الالتزامية إلى جعل الخيار، وهذه الرواية إنّما وردت في خصوص جعل الخيار والاشتراط، فمنه يظهر أن وجوب الالتزام في العقود والمعاملات ليس من الأحكام الأبدية غير قابلة للزوال، بل إنّما ه-و م-ن الحقوق، هذا كلّه بناءً على ما سلكناه من أنّ مرجع الاشتراط إلى جعل الخيار.
ويمكن الجواب عن هذه الشبهة بناء على مسلك المشهور في الاشتراط وهو كون الشرط التزاماً آخر مقارناً للالتزام المعاملي وهو موضوع لوجوب الوفاء بأن يرجع اشتراط الخيار إلى تضييق دائرة الملكية وتقييدها بقيد وتوضيح ذلك : أنّ إنشاء الملكية المطلقة مع جعل الخيار لنفسه متنافيان، لأن معنى إنشاء الملكية المطلقة هو إنشاؤها على نحو الاطلاق سواء فسخ بعد ذلك أم لم يفسخ، ومعنى جعل الخيار أني متمكّن من إرجاع الملكية إلى نفسي بعد الفسخ، وكون المبيع ملكاً للمشتري سواء فسخ أم لم يفسخ، وكونه ملكاً للبائع إذا فسخ متنافيان وممّا لا يجتمعان، فمعنى جعل الخيار أنّ الملكية المنشأة ليست بمطلقة بل إلى زمان الفسخ
1) تقدّم مصدره في الصفحة 183.
وذلك لما ذكرناه مراراً من أنّ الأهمال في الواقعيات غير معقول، فإذا لم تعقل الملكية المطلقة مع جعل الخيار فلا محالة يتعيّن أن تكون الملكية مقيدة إلى زمان الفسخ. وبالجملة أنّ ما أنشأه البائع هو الملكية إلى زمان الفسخ لا الملكية المطلقة ولا يقاس إنشاء الملكية المقيّدة إلى زمان الفسخ بانشاء الملكية المقيدة بزمان دون زمان أو بحال دون حال كبيع شيء إلى سنة أو إلى شهر أو في وقت كذا أو غيرها ممّا لا إشكال في بطلانه، والوجه في عدم صحة القياس هو أن إنشاء الملكية المقيّدة بزمان الفسخ أمر متعارف بين الناس، والعقلاء ينشئون الملكية الموقتة بزمان الفسخ في موارد اشتراط الخيار في العقد، فهذا ليس أمراً خارجاً عن المتعارف حتى لا تشمله الأدلّة كما هو ظاهر، فإذا صار الأمر كذلك فنقول ليس في اشتراط الخيار مخالفة للكتاب أو السنة.
أمّا الكتاب فلوضوح أن قوله تعالى (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) إِنما يقتضي وج-وب الالتزام على ما أنشأه، فإن كان المنشأ هو الملكية المطلقة فاللازم هو الالتزام بها مطلقة، وإن كانت مقيّدة فمقيّدة، وبما أنّ إنشاء الملكية في صورة جعل الخيار مقيّد بزمان الفسخ إذ المفروض أنّه إنّما أنشأ الملكية إلى ذلك الزمان، فعدم الالتزام بها بعد الفسخ لا يكون مخالفاً ومنافياً لوجوب الالتزام بما أنشأه، لأنّه قد التزم على طبقه ولم يرفع اليد عنه إلى زمان الفسخ، وأما بعد الفسخ فلم يلتزم بالملكية بعده حتى يكون رفع اليد عنها بعد الفسخ مخالفاً لقوله تعالى (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) لأن معناه أوفوا بمنشأكم والمفروض أنّه وفى بما أنشأه.
وأما السنّة فلأن معنى قوله (عليه السلام) «فإذا افترقا وجب البيع»(1)لزوم البيع الذي أنشأه المتعاملان، والملك الذي أنشأه البائع في فرض اشتراط الخيار هو
1) الوسائل 18: 6 / أبواب الخيار ب 1 ح 4.
الملك الموقت إلى زمان الفسخ والمفروض أنّه وفى به إلى ذلك الزمان ولم ينشأ الملك المطلق حتى يجب عليه الالتزام على الاطلاق، فلا يكون رفع اليد عنه بعد زمان الفسخ مخالفاً للسنة وذلك ظاهر.
على أن الروايات الواردة في خيار المجلس إنّما أثبتت الخيار التعبّدي ما دام المتعاقدان في مجلس البيع، لأنّ المتعاملين لم يجعلا لأنفسهما الخيار حتى تكون تلك الأخبار إمضاء لذلك الخيار، بل إنّما حكم الشارع في المجلس بالخيار من باب التعبد كما هو ظاهر، وعليه فيكون قوله (عليه السلام) «فإذا افترقا وجب البيع» ناظراً إلى ارتفاع ذلك الخيار التعبدي بالافتراق، لا أنّه يدلّ على لزوم البيع بمجرد الافتراق مطلقاً.
وتوضيح ذلك : أنّ الخيار الثابت للمتعاملين في مجلس البيع كما عرفت تعبّدي، فلو كان قد اقتصر في ارتفاع ذلك الخيار بقوله (عليه السلام) «فإذا افترقا وجب البيع» لكنا حكمنا بأنّ البيع محكوم باللزوم بعد الافتراق مطلقاً كان هناك شرط أم لم يكن، وقلنا إنّ اشتراط الخيار حينئذ على خلاف السنة وهو ظاهر، إلّا أنّه (عليه السلام) لم يقتصر على ذلك وورد في بعض الروايات الواردة في خيار المجلس أنّه لا خيار بعد الرضا منهما وقد فسّرنا الرضا سابقاً(1)بالرضا بالالتزام بالبيع وقلنا إن معنى الحديث هو أنّ مقتضى رضا المتعاملين بلزوم المعاملة والالتزام بها هو الحكم بلزوم المعاملة من الابتداء، وإنما حكمنا في خصوص زمان المجلس بالخيار لأجل التخصيص تعبّداً فإذا انقضى زمان التخصيص التعبدي فرجع البيع إلى حاله السابق، ويكون محكوماً باللزوم من جهة أنّهما كانا راضيين بذلك من الابتداء، وخيار المجلس كان تعبداً وتخصيصاً لأجل الارفاق أو غيره، وعليه فلا
1) راجع الصفحة 143.
يمكننا الحكم بلزوم المعاملة بعد الافتراق على نحو الاطلاق بل الحكم باللزوم بعد الافتراق مختص بما إذا كان المتعاملان راضيين بلزوم المعاملة من الابتداء كما فيما إذا تبانيا بلا اشتراط شيء.
وأما إذا لم يتحقق منها الرضا بالالتزام بالمعاملة مطلقاً بل بشرط شيء أو إلى زمان فالرواية لا دلالة لها على لزومها بعد الافتراق حينئذ، لأنّهما ليسا براضيين باللزوم وإنما هما راضيان بها إلى زمان الفسخ أو إلى ذلك الشرط، فلا يأتي فيه قوله (عليه السلام) «ولا خيار بعد الرضا منهما» وعليه فليست المعاملة في صورة اشتراط الخيار إلى مدة معيّنة لازمة بعد الافتراق حتى يكون اشتراط الخيار فيها وكونها جائزة بعد الافتراق على خلاف السنة.
وبالجملة : فلا ينبغي الشك في جواز اشتراط الخيار في العقود.
ثم إنّه ينبغي البحث في أمور :
الأمر الأول : لا فرق في صحة اشتراط الخيار بين اشتراطه إلى زمان دون زمان واشتراطه إلى آخر العمر على نحو الاطلاق، ولم نر ولم نسمع من استشكل في صحة اشتراط الخيار إلى الأبد وما دامت الحياة بل هو واقع كما في بعض السجلات حيث إنّه مثلاً يبيع ملکه ويشترط لنفسه الخيار ما دامت الحياة، إلّا أن شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه) (1)منع عن مثل هذا الاشتراط وذهب إلى بطلان جعل الخيار لنفسه إلى آخر الحياة من جهتين :
إحداهما : من ناحية الجهل بمدة الخيار لبداهة عدم العلم بزمان حياته ومقداره وأنّه إلى ثلاثة أشهر أو سنة أو سنوات، والجهل بالمدة مستلزم للغرر وهو يوجب البطلان.
1) منية الطالب 3 : 73.
وثانيهما : أنّ هذا الاشتراط مخالف لمقتضى العقد حيث إن لكل عقد دلالتان : إحداهما دلالته المطابقية على بيع كذا بكذا. وثانيها : دلالته الالتزامية على أنّ البائع والمشتري كلاهما ملتزمان بما عقداه، فإذا جعل لنفسه أو لكليهما الخيار إلى مدة معيّنة كشهر أو شهرين ونحوهما فمعناه أنا غير ملتزمين بهذا العقد إلى ذلك الزمان، وهذا تقييد للمدلول الالتزامي فلا بأس به وهو ظاهر، وأما إذا اشترط الخيار إلى آخر الحياة فمعناه إسقاط المدلول الالتزامي على نحو الاطلاق ومرجعه إلى أنّ هذا العقد لا التزام فيه بمدلوله إلى آخر الأمد وهو منافٍ للمدلول الالتزامي والشرط المخالف لما يقتضيه العقد باطل.
أقول : أما ما أفاده في الجهة الأولى فيدفعه : أن جعل الخيار إلى آخر الحياة الذي مرجعه إلى جعل العقد جائزاً إلى الأبد ممّا لا يستلزم الغرر الذي هو بمعنى الخطر، نعم الجهل بالمدة موجود إلّا أنّه لا يترتّب عليه خطر أبداً، أفيمكن أن يقال إنّ الهبة غررية لأنّها جائزة إلى آخر الحياة ومدة الجواز مجهولة، وسيأتي توضيح لذلك عن قريب إن شاء اللّه تعالى.
وأما ما أفاده في الجهة الثانية فقد ظهر وجه المناقشة فيه ممّا أسلفناه آنفاً وقلنا إنّ اشتراط عدم المخالفة لمقتضى العقد ممّا لا دليل عليه إلّا استحالة اجتماع النقيضين وعليه فلابد من ملاحظة أنّ اشتراط الخيار ما دامت الحياة هل يناقض البيع والمعاملة حتى يستحيل اجتماعهما أو لا، ولا ينبغي الاشكال في أن بيع شيء وجعل الخيار لأحد المتبايعين إلى آخر الحياة ليسا من المتناقضين والمتضادين، إذ لا مانع من أن يكون المشتري مالكاً للمبيع ويكون البائع قادراً على إرجاعه إلى نفسه وعليه فاشتراط الخيار إلى آخر الحياة ممّا لا محذور فيه.
الأمر الثاني : أنّه لا فرق في صحة اشتراط الخيار بين كون زمان الخيار متصلاً بالعقد أو منفصلاً عنه كما إذا اشترط الخيار بعد شهرين أو في رأس شهر
معيّن، وذلك لعموم أدلّة لزوم العمل بالشرط.
وقد نقل عن بعض الشافعية(1)عدم صحة ذلك فيما إذا كان زم--ان الخيار منفصلاً عن العقد بدعوى أن الملك بعد انعقاده وكونه في برهة من الزمان لازماً كيف ينقلب إلى الجواز.
وفيه : أن انقلاب اللزوم إلى الجواز كانقلاب الجواز إلى اللزوم كما في أكثر البيوع حيث تصير لازمة بعد انقضاء زمان الخيار ولا محذور في ذلك أبداً. مضافاً إلى انتقاض ذلك في موارد كثيرة منها خيار التأخير ومنها خيار تخلّف الشرط حيث إنّ العقد بعد ما كان لازماً ينقلب إلى الجواز فيما إذا لم يعمل المشروط عليه حسب اشتراطه وهذا ظاهر.
الأمر الثالث : أنّه تارةً تكون المدة عند اشتراط الخيار معلومة كشهر أو شهرين أو ما دامت الحياة فقد عرفت أن صحته ممّا لا ريب فيه حتى اشتراط الخيار إلى آخر الحياة، وقد نقلنا مناقشة شيخنا الأستاذ في صحة اشتراط الخيار إلى آخر الحياة وأجبنا عنها بوجهيها كما تقدّم. وأخرى تكون المدة مجهولة كاشتراط الخيار إلى قدوم الحاج أو إلى نزول المطر وغيرهما ممّا لا نعلم بأصل تحققه أولاً لاحتمال أن لا يقدم أحد من حجاج البلد كما إذا كان حجّاجه قليلين كشخصين أو ثلاثة وقد أقاموا في بلدة أخرى كالشام ولم يرجعوا إلى بلادهم، ولاحتمال أن لا ينزل المطر أصلاً، ولا نعلم بزمانه ثانياً لأنا نحتمل تقدّمه وتأخّره، فزمان حصوله مجهول إذ لا زمان معيّن لقدوم الحاج أو نزول المطر، والمعروف المشهور بينهم هو بطلان الاشتراط في هذه الصورة ولهم في تقريب بطلانه وجوه ثلاثة :
الوجه الأول : أنّ هذا الاشتراط غرري لعدم تعينه حسب الفرض والشرط
1) نقل عنهم في التذكرة 11 : 50 المسألة 242 خيار الشرط.
الغرري فاسد.
وهذا الوجه مبني على رواية العلّامة (1)من أن النبي (صلى اللّه عليه وآله) نهى عن الغرر، وأما بناءً على ما هو المشهور في رواية الحديث من أنّه نهى ع-ن ب-ي-ع الغرر (2)فلا يصح الاستدلال على بطلان الشرط بحديث الغرر، إذ المفروض أن المنهي عنه هو البيع الغرري لا مطلق الغرر حتى يشمل الشرط فيما إذا كان غررياً. وكيف كان فإذا فسد الشرط فيبتني إفساده البيع على القول بأن الشرط الفاسد مفسد للمشروط.
الثاني : أن يقال إنّ اشتراط الخيار في مدة مجهولة على خلاف السنة، لأنّ الشرط غرري.
وهذا الوجه مبني على تفسير الشرط بنفس الالتزام والاشتراط، فإنّ الغرر على تقدير تحققه فإنما هو في نفس الاشتراط، وأمّا إذا فسرنا الشرط بالمشروط به كما هو المراد فيما دل على النهي عن الشرط المخالف للكتاب والسنة فإن معناه النهي عن المشروط به والملتزم به الذي يخالف الكتاب والسنّة كاشتراط ترك أحد الواجبات أو اشتراط فعل أحد المحرّمات كالزنا والغيبة فإنّ الملتزم به حينئذ مخالف للكتاب والسنة وهو الغيبة والزنا، لا أنّ نفس الالتزام والاشتراط مخالف لهما كما في المقام وليس الملتزم به في المقام غررياً.
وهذا الوجه هو الذي ذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (3)أنّه يشبه الأكل من القفا حيث إنّه في إيطال البيع يتمسك بأنّ شرطه غرري والفساد منه يسري إلى
المشروط فيكون البيع فاسداً، مع إمكان إيطال البيع من الابتداء بدعوى أن البيع غرري لسراية الغرر من الشرط إلى المشروط.
الثالث : هو أن البيع غرري من جهة جهالة المدة التي اشترط فيها الخيار وهذا هو الذي اعتمد عليه شيخنا الأنصاري، فإن قام اجماع على بطلان الاشتراط فيما إذا كانت المدة مجهولة فلا مانع من أن نقول بفساد اشتراط الخيار عند الجهل بالمدة، لأنّ الغالب هو التشاح عند جهالة المدة المضروبة للخيار لأنّها مورد اهتمام العقلاء، فنستفيد من الاجماع أو من مذاق الشارع أنّه ليس راضياً بهذا الاشتراط المستلزم للتشاح، وأما إذا لم يقم في البين إجماع فللمناقشة في جميع هذه التقاريب الثلاثة مجال، والوجه في ذلك هو أنّه - مضافاً إلى ما قدمناه في مسألة اشتراط العلم بمقدار الثمن (1)من عدم ثبوت نهي النبي الخ وكونه ضعيفاً - إن أريد بالغرر الجهالة بأن يكون معنى نهى النبي عن بيع الغرر نهى النبي عن بيع فيه جهالة، فلا إشكال في أنّ البيع في المقام غير مجهول للعلم بالثمن والمثمن ومقدارهما، والجهل بالخيار والشرط لا يوجب جهالة في الثمن والمثمن، وكون ذلك موجباً للجهل بفسخ من له الخيار وأنّه يفسخ المعاملة غداً أو بعد يومين لا يمنع عن صحة البيع، لأن الحال كذلك في جميع الخيارات حتى فيما إذا كانت المدة معلومة ككونها إلى شهر، فإنّ من عليه الخيار لا يدري أنّ المشروط له الخيار هل يفسخ العقد في زمان كذا أو في زمان آخر، فلا يكون هذا موجباً للبطلان في البيع هذا، مضافاً إلى أنّ الغرر بمعنى الجهل غير ثابت كما ذكرناه في محله وقلنا إنّ الغرر بمعنى الخطر دون الجهل.
وإن أريد منه الخطر فأي خطر في المعاملة فيما إذا كانت مدة الخيار مجهولة لأن الخطر بمعنى أن يذهب ماله سدى وبلا عوض، وهذا غير متوجه في المقام، لأنّه
1) راجع المجلد الثاني من هذا الكتاب الصفحة 360.
إذا فسخ فيردّ الثمن ويأخذ المثمن وإذا لم يفسخ فيأخذ الثمن ولا يطالب بالمثمن فعلى أي حال أحد المالين واصل إليه إمّا هذا أو ذاك فلا خطر في البين، وكون ذلك موجباً للخطر في المعاملة من جهة عدم معلومية فسخ ذي الخيار وأنّه يفسخ أو لا يفسخ أصلاً لا يمنع عن صحة المعاملة لتحققه في جميع الخيارات حتى في خيار الشرط فيما إذا كانت المدة معلومة، للجهل بأنّ ذي الخيار يفسخ أو لا يفسخ.
فإلى هنا تحصل أنّه لا غرر في شيء من الشرط والبيع فلا مانع من الالتزام بصحة الشرط والمعاملة في هذه الصورة لشمول إطلاق مثل قوله «المؤمنون عند شروطهم» له، هذا كله فيما إذا اشترط الخيار مدة مجهولة ولكنها كانت متعينة بحسب الواقع وعلم اللّه كما في قدوم الحاج ونزول المطر.
وأما إذا اشترط الخيار وعلّقه على ما لا تعيّن له في الواقع ونفس الأمر أيضاً كما إذا اشترط الخيار مدة فإن المدة ممّا لا تعين له في علم اللّه ونفس الأمر أيضاً، أو لم يذكر المدة أصلاً كما إذا قال : لي الخيار، فالظاهر بطلان هذا الاشتراط، وهذا لا من جهة الجهل والغرر بل من جهة عدم إمكان الامضاء الشرعي في هذه الصورة، لأنّهما إنّما أنشئا الخيار إلى مدة أو بلا ذكر المدة أيضاً (1)وهذا ممّا لا تعين له واقعاً وفي علم اللّه حتى يمضيه الشارع ويقول بصحة هذا الاشتراط ونفوذه، والشارع إنّما يمضي ما له تعيّن في الواقع ويحكم بأنّ الخيار إلى ذلك الزمان، فإذا لم يكن الزمان متعيّناً حتى في علم اللّه فما معنى إمضاء الشارع، وعليه فمقتضى القاعدة هو البطلان عند اشتراط الخيار على نحو الاهمال أو اشتراطه إلى مدة بلا تعيين.
وربما يقال : إن الخيار عند إهمال التعيين واشتراطه مدة أو بلا ذكر المدة أيضاً
1) إنّما أنشآ الخيار إلى مدة أو بلاد ذكر مدة كقوله : لي الخيار، غفلة حتى يصح منها الانشاء.
ثلاثة أيام، وقد نقلوا لذلك أخبار وروايات، ولا يخفى عليك أن هذه الأخبار لو صحت وكانت متحققة في محلها فلا شك حينئذ في الحكم بالخيار ثلاثة أيام عند ذكر المدة في اشتراط الخيار أو اشتراطه على نحو الاهمال نظير حكم الشارع ثلاثة أيام للخيار في الحيوان سواء التفت إليه المتعاملان أم لم يلتفتا، وفي المقام أيضاً نقول : المتعاملان أو من اشترط له الخيار على خيار ثلاثة أيام تعبّداً من الشارع وإن لم يكونا ملتفتين إلى ذلك بل كانا قصدا الخيار إلى مدة مجهولة المقدار.
إلا أن الكلام في ثبوت تلك الأخبار، والظاهر أنّه لم ترد رواية بهذا المضمون بين الأخبار، وأما ما حكي عن الشيخ (قدّس سرّه) (1)من وجود أخبار الفرقة فهو لا يدل على وجود رواية وردت في المقام حتى يكون ذلك منه في حكم الارسال وتكون الاجماعات المنقولة موجبة لانجبارها، إذ لا معنى لانجبار رواية لم ينقل لنا عينها ولا أثرها، والانجبار على تقدير القول به إنّما يصح فيما إذا رويت رواية لها دلالة على حكم إلّا أنّ سندها ضعيف فيقال حينئذ إنّ الشهرة توجب انجبار ضعفها بحيث لو كانت حكيت لنا تلك الرواية لاستفدنا منها ذلك الحكم، وأما مجرد نقل رواية لم يرو لنا عينها ولا دلالتها، لا هو في جامعيه ولا غيره من المحدثين في كتب الأخبار، فلا يثبت به وجود الرواية، إذ لو كانت هناك رواية لنقلها هو في جامعيه أو غيره من المحدثين، فالظاهر أنّ الشيخ قد استفاد هذا الحكم باستنباطه من ملاحظة بعض الأخبار كروايات خيار الحيوان وغيرها، وإلى تلك الروايات أشار بقوله لوجود أخبار الفرقة، لا أنّ المراد بها هو رواية خاصة دلّت على هذا الحكم وقد صدر منه (قدّس سرّه) (2)نظير ذلك في صلاة المسافر في باب السفر للصيد حيث
حكم فيه بالتمام مستدلاً بقوله لأخبار الفرقة، إلّا أنا وجدنا تلك الأخبار التي أشار إليها الشيخ هناك بخلاف المقام، وعليه فإذا اشترط الخيار أو اشترطه مدة بلا تعيين فالظاهر بطلان الاشتراط لما مرّ فلا نعيد.
مبدأ هذا الخيار إنّما هو على حسب جعل المتعاقدين فإذا اشترطا الخيار إلى مدة معينة وقد عيّنا مبدأ الخيار فتحسب المدة من ذلك الزمان الذي جعلاه مبداً للخيار، وهذا ممّا لا إشكال فيه، وإنما الكلام فيما إذا أطلقا ولم يعيّنا المبدأ فالظاهر أنّ المبدأ حينئذ من حين العقد، لأنّه المتبادر من الاطلاق.
وقد ذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (1)أنّه إذا شرط خيار الغد كان مبدؤه من طلوع فجر الغد، ولكنه مبني على أن يكون اليوم عبارة عن طلوع الفجر إلى الغروب وفيه كلام وإشكال، وقد ذكرنا في بحث الصلاة (2)أن اليوم اسم لطلوع الشمس إلى غروبها، وأنّ الشمس ما دامت تحت الأرض يحسب من الليل على خلاف في محله.
وكيف كان فقد ذهب الشيخ (3)والحلّي (4)إلى أن مبدأ الخيار أي خيار الشرط عند الاطلاق من حين التفرق، هذا.
وقد تقدم وجه ذلك في خيار الحيوان وهو أنّه إذا كان مبدأ خيار الحيوان أو
الشرط من حين العقد للزم اجتماع خيارين في زمان واحد وهم-ا خ-ي-ار المجلس وخيار الحيوان أو هو وخيار الشرط، ولكنّك عرفت الجواب عن ذلك وقلنا إنّه لا مانع من اجتماعهما، فإنّ الخيار كالقصاص وإن لم يكن قابلاً للتعدّد ولا للتأكد إلّا أنّه من جهة تعدّد أسبابه في حكم المتعدّد فراجع، هذا.
مضافاً إلى أنّ لازم جعل مبدأ خيار الشرط من حين التفرّق فراراً عن محذور اجتماع الخيارين في زمان واحد هو جعل مبدأ خيار الشرط بعد ثلاثة أيام في خيار الحيوان، لأنّ جعله من حين العقد مستلزم لمحذور الاجتماع أيضاً، وهذا ممّا لا يلتزم به القائل في خيار الحيوان ولا يرضى بجعل مبدأ خيار الشرط بعد ثلاثة أيام في خيار الحيوان، فلا وجه لجعل مبدأ الخيار من حين التفرق.
بل ذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (1)أنّه لو جعل مبدؤه من حين التفرق بطل الشرط لأدائه إلى جهالة مدة الخيار، إذ لا يعلم أنّ مدة زمان المجلس ساعة أو نصف يوم أو أقل أو أكثر، وبما أنّ مبدأ خيار الشرط من منته-ى خ-ي-ار المجلس ومنتهاه مجهول، فيكون مبدأ خيار الشرط مجهولاً، والجهل بالمدة على مذاق المشهور يوجب البطلان، فلا يصح جعل مبدأ الخيار من حين التفرق، هذا.
ولكنّك عرفت أنّ الجهل بالمدة لا يمنع عن الاشتراط، بل يمكن أن يقال في خصوص المقام إنّ الجهالة لو قلنا بأنّها مانعة عن صحة الاشتراط في غير المقام لا تكون مانعة عنها في خصوص المقام فيما إذا كان منتهى خيار الشرط معلوماً معيناً وهذا كما إذا وقع العقد أوّل يوم الخميس وقد اشترطا الخيار إلى غروب ذلك اليوم وهو يوم الخميس، أو اشترطا الخيار إلى سنة من حين العقد، وذلك للعلم بأنّ المشتري مثلاً يتمكّن من الفسخ إلى آخر تلك المدة المعينة، غاية الأمر أنّه لا يعلم
1) المكاسب 5 : 120.
الاستناد وأنّه بعد نصف ساعة من زمان البيع هذا التمكن من الفسخ مستند إلى خيار المجلس أو إلى خيار الشرط، والجهل بالاستناد مع العلم بمنتهى الخيار غير مانع عن الاشتراط أبداً.
نعم، لو كان منتهى خيار الشرط غير معيّن كما إذا اشترط الخيار من حين التفرق إلى سنة أو إلى شهر، لكان ذلك موجباً لجهالة مدة خيار الشرط للجهل بزمان التفرق فلا يدري أنّه بعد نصف يوم حتى تحسب السنة بعد نصف يوم أو أنّه بعد ساعة حتى تحسب السنة بعد ساعة، وباختلاف مبدأ السنة يختلف انتهاؤها فتكون المدة مجهولة، وهذا بخلاف المثالين المتقدمين فإن حين العقد إلى سنة أو أوّل يوم الخميس إلى غروبه مضبوط معين لا اختلاف فيه، هذا.
ثم إنّ المقام يزيد على خيار الحيوان بإشكال آخر : وهو أن خياري المجلس والحيوان مجعولان بجعل إلهي، وأمّا في المقام فخيار الشرط فيه مجعول بنفس المتبايعين، والمتبادر من جعلهما الخيار إلى مدة كذا هو جعل الخيار في زمان لولا هذا الخيار لكان العقد لازماً، وهذا إنّما يتحقق فيما إذا كان مبدأ الخيار بعد الافتراق، إذ لو كان من حين العقد لما كان العقد فيه لازماً لولا هذا الخيار.
وفيه أوّلاً : أنّه لا وجه لهذا التبادر بوجه.
وثانياً : أنّ هذا لو تم فإنما يتم فيها إذا كان المشتري أو البائع الذي يجعل لنفسه الخيار عالماً بخيار المجلس، وأمّا إذا كان جاهلاً بخيار المجلس فكيف يمكن أن يقال إنهما إنّما يجعلان الخيار في زمان لولا هذا الخيار لكان العقد لازماً، فلابد أن يكون مبدؤه بعد الافتراق، إذ المفروض أنّهما جاهلان بخيار المجلس فلا يدريان أن البيع حين العقد غير لازم حتى لا يجعلا فيه الخيار.
وثالثاً : أن هذا لو تم لاقتضى أن يكون خيار الشرط في بيع الحيوان من حين انقضاء الثلاثة ولم يلتزم أحد بذلك، هذا
ثم إن شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (1)ذكر وجهاً آخر في المقام : وهو أن مبدأ الخيار لو كان هو زمان الافتراق بحكم الشارع للزم أن لا تكون العقود تابعة للقصود، لأنّ قصدهما هو جعل الخيار من زمان العقد لا من زمان الافتراق.
وأورد عليه شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه) (2)بأنّ تخلف العقود عن القصود إنّما هو فيما إذا قصد المتعاملان أحد المتباينين كالهبة مثلاً والشارع حكم عليها بالمتباين الآخر كالبيع، أو قصد الانقطاع والشارع حكم عليها بالدوام بناءً على تباينها وأما إذا كان التخلّف بواسطة تضيّق دائرة مقصود المتعاقدين فهذا لا يكون من تخلف العقود عن القصود، وهذا كما إذا باع ما يملك وما لا يملك معاً والشارع حكم بأحدهما دون الآخر، أو قصد المتعاقدان الملكية في الهبة والوقف من حين العقد والشارع حكم بالملكية بعد الاقباض فيها، وكذا في الصرف والسلم حيث إنّ قصدهما حصول الملكية من زمان العقد والشارع إنّما أمضاهما بعد التقابض والوجه في ذلك هو انحلال القصد إلى قصدين أو أكثر والشارع يمضي أحدهما دون الآخر ويضيق بذلك دائرة مقصود المتبايعين
وبالجملة : أنّ أمثال ذلك خارج عن باب تخلف العقود عن القصود، وفي المقام وإن كان قصدهما الخيار من حين العقد، إلّا أنّه لا مانع من أن يحكم الشارع بالخيار من حين التفرق ويخرج حصة خاصة من الزمان وهي زمان العقد إلى زمان الافتراق عن الحكم بالخيار، لأنّه تضييق دائرة المقصود لا من باب تخلف العقود عن القصود، هذا.
وما أورده شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه) مبني على أن يكون مبدأ الحكم بالخيار
هو زمان العقد، وعليه فلا يكون حكم الشارع بالخيار من ذلك الزمان أي من زمان الافتراق من باب تخلف العقود عن القصود، ولكن الظاهر أن مراد شيخنا الأنصاري توجه الاشكال فيما إذا كان مبدأ الحكم بالخيار هو زمان التفرّق وأنّه إذا قصد الخيار من زمان العقد والشارع حكم عليه بالخيار من زمان الافتراق لزم تخلف العقود عن القصود، وعدم ورود هذا الايراد على هذا التقدير أمر ظاهر لا خفاء فيه، وذلك لأنّهما إذا قصدا الخيار من حين العقد إلى سنة وحكم الشارع عليها بالخيار من زمان الافتراق لزم تخلّف العقود عن القصود، لأن زمان المجلس وافتراقهما إذا كان بمقدار نصف يوم فالشارع أضاف إلى مقدار السنة من حين العقد نصف يوم، وأنّهما بعد مضي سنة من حين العقد على الخيار إلى نصف يوم، وإذا كان زمان الافتراق ساعة يضيف الشارع ساعة إلى مقدار السنة ويحكم بخيارهما فيها مع أنّهما لم يقصدا الخيار إلّا من حين العقد إلى سنة وقد انقضت، أما الخيار بنصف يوم أو بساعة بعد السنة، فهو غير مقصود لهما مع أن الشارع حكم على خلاف قصدهما بالخيار، فيلزم تخلف العقود عن القصود.
والكلام في ذلك يقع في جهات : الجهة الأولى : في أصل مشروعية جعل الخيار للأجنبي. والظاهر بل المقطوع به أن محل الكلام غير صورة توكيل الأجنبي في فسخ العقد وإمضائه من قبله كما إذا اشترط أحد المتبايعين أن يكون ثالث أجنبي وكيلاً من قبله في فسخ العقد وإمضائه، بأن يكون الفسخ فسخ ذلك المتبايع الموكل والامضاء إمضاؤه، وذلك لأن توكيل الأجنبي ممّا لا إشكال في جوازه شرعاً ولا مانع عنه في المقام قطعاً إلّا أنّه يحتاج إلى قبول الأجنبي، لأن الوكالة من العقود وتحتاج إلى إيجاب وقبول، وقبول أحد المتبايعين غير مربوط بقبول الأجنبي، فبعد
إيجاب الوكالة من أحد المتعاملين يتوقف ثبوتها على قبول الأجنبي الذي هو الوكيل، وهذا ظاهر.
وإنما الكلام في جعل الخيار للأجنبي لا على أن يكون الأجنبي وكيلاً من قبل أحدهما في إعمال الخيار، بل بأن يجعل الخيار له على نحو الاستقلال ن-ظ-ي-ر خ-ي-ار نفس البائع أو المشتري، فكما أنّه حق يثبت لهما فكذلك يثبت للأجنبي عند اشتراطه في العقد، فربما يقال الخيار إنّما هو في مقابل الالزام والالتزام، وهما إنّما يثبتان للمتعاملين لأنّهما يلتزمان بالعقد وبالخيار يرتفع عنهما اللزوم والالتزام فيصيران غير ملتزمين، لأنّه مقتضى تقابل الخيار الذي هو بمعنى عدم الالتزام للالتزام بتقابل العدم والملكة، وأمّا الأجنبي فهو غير ملتزم بالعقد من الابتداء فجعل الخيار في حقه أي صيرورته غير ملتزم بالعقد م-ن ب-اب السالبة بانتفاء الموضوع. فبالجملة أنّ الأجنبي أجنبي عن المعاملة والالتزام فلا معنى لجعل الخيار له وعليه، فيكون اشتراط الخيار للأجنبي مخالفاً للشرع، لأن الثابت إنّما هو صحة اشتراط الخيار لأحد المتعاملين أو لكليهما، وأما صحته للأجنبي فهي بعد تحتاج إلى دليل.
ودعوى شمول قوله (عليه السلام) «المؤمنون عند شروطهم» (1)لاشتراط الخيار للأجنبي، مدفوعة بأن قوله «المؤمنون» الخ ليس مشرعاً للحكم وإنما هو ناظر إلى الالتزام بما ثبت مشروعيته في الشريعة المقدسة، وأنّه إذا اشترط أمراً ثابتاً في الشرع فلابد من أن يلتزم به، وكون اشتراط الخيار للأجنبي مشروعاً أوّل الكلام. مضافاً إلى أنّ شموله للأحكام الوضعية غير معلوم، لما قويناه في محله من اختصاصه بالأحكام التكليفية وأنّ معنى «المؤمنون عند شروطهم» الخ وج-وب
1) الوسائل 21 : 276 / أبواب المهور ب 20 ح 4.
العمل على طبق ما اشترطه نظير قوله : المؤمن عند عدته.
وبما ذكرنا يظهر أنّ ما أفاده شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (1)من أنّه لا مانع من اشتراط الخيار للأجنبي عقلاً ولا شرعاً غير تام، لأن المانع كما أفاده وإن كان مفقوداً إلّا أن الكلام في أصل ثبوت المقتضي لصحة اشتراط الخيار للأجنبي مع أنّه أجنبي عن طرفي المعاملة، وأي دليل دلّ على ارتفاع اللزوم بفسخ ذلك الأجنبي مع عمومات أدلة اللزوم ودلالتها على لزوم البيع وعدم انفساخه بفسخ الأجنبي. نعم يثبت ارتفاع عقد المتعاقدين بفسخ الأجنبي في مثل النكاح حيث يثبت فيه للعمة والخالة الخيار عند تزويج بنت اختها أو بنت أخيها إلّا أنّه ثبت بدليل وإلّا فلا وجه لارتفاع معاملة أحد بفسخ شخص أجنبي.
والانصاف أنّ الشبهة قوية والظاهر أنّه لا مناص عنها إلّا بما أشرنا إليه في الأمر المتقدم في معنى جعل الخيار واشتراطه في العقود حيث قلنا إن مرجع اشتراط الخيار إلى أن الملكية المنشأة ملكية موقتة ومقيّدة بزمان فسخ من اشترط له الخيار من المتعاقدين، فإنّ إنشاء الملكية الموقتة والمقيّدة إذا كان أمراً معقولاً عند اشتراط الخيار لأحد المتبايعين فلا محالة يكون معقولاً عند اشتراط الخيار للأجنبي فيكون معنى جعل الخيار له أنّ الملكية المنشأة مقيّدة وموقتة إلى زمان فسخ ذلك الأجنبي، وهذه الملكية الموقتة بالفسخ كما أشرنا إليه في الأمر المتقدم أمر عقلائي فتشملها عمومات أدلة البيع نحو (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) وغيره.
وهذا لا يقاس بالملكية الموقتة من حيث الزمان كالبيع إلى سنة أو إلى شهرين، فإنّ العرف يرون البيع متقوّماً بالدوام من حيث الزمان فلا تشمل مثله العمومات، بخلاف المقيد بالفسخ فإنّه أمر دارج عند العقلاء فتشمله أدلّة لزوم
1) لاحظ المكاسب 5 : 124.
المعاملة، وشمول العمومات يكفي في صحة هذا الاشتراط وإن قلنا بعدم شمول «المؤمنون عند شروطهم» للمقام، لما أشرنا إليه من اختصاصه بالتكليفي دون الوضعي، وبما ذكرناه يصح جعل الخيار للأجنبي كما يصح جعله لأحد المتعاملين لأن مرجعه إلى إنشاء الملكية المقيّدة بزمان فسخ الأجنبي أو المتعاملين.
الجهة الثانية : هل يحتاج اشتراط جعل الخيار للأجنبي إلى قبول ذلك الأجنبي، أو أن الخيار يثبت له سواء رضي به وقبله أم لم يرض به ولم يقبله ؟ وعلى تقدير الاحتياج إلى القبول وعدم قبول الأجنبي يثبت للمشروط له الخيار لأنّه إنّما رضي بالعقد مشروطاً بثبوت الخيار للأجنبي، فإذا لم يثبت له الخيار فللمشروط له الخيار وله فسخ العقد وإجازته من أجل تخلّف شرطه كما هو ظاهر عبارة الوسيلة(1)حيث قال وإن لم يرض كان المبتاع بالخيار ؟
فربما يقال : إنّ الخيار ملك فسخ العقد وإثباته فهو ملكية، وحصول الملكية لأحد يتوقف على قبوله لا محالة، لأنّ الناس مسلّطون على أموالهم فكيف بأنفسهم، فكيف يمكن أن يجعل الملكية لشخص بلا إذنه وقبوله ومخالفته لسلطنته على نفسه، وقد استفدنا السلطنة على النفس من مضامين الروايات وفحوى قوله «الناس مسلّطون على أموالهم» (2)وقد ورد ملك النفس أيضاً في الكتاب كقوله تعالى (لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي) (3)الخ. وبالجملة أنّ ثبوت الملكية له يتوقف على إجازته وقبوله لأنّ ثبوتها له بلا رضاه مخالف لتسلّطه على نفسه، هذا.
ولا يخفى أنّ الجواز الثابت بالخيار بعينه الجواز الثابت في مثل الهبة ولا فرق
بينهما بحسب الحقيقة ولا تمايز بينهما إلّا من جهتين :
الأولى : أنّ الجواز الثابت بالاشتراط والخيار أمر رفعه بيد المكلّف وله أن يرفعه عند إرادته، بخلاف الجواز الثابت في أمثال الهبة من العقود الجائزة حيث إنّه لا يرتفع بالرفع ولا يسقط بالاسقاط.
وثانيهما : أنّ الجواز في الهبة لما كان لازماً لها وغير منفك عنها برفع المكلّفين فلا جرم كان مختصاً بمن ثبت له، ولا يصح انتقاله إلى وارثه عند موته لكون الجواز غير منفك عن المورّث، وهذا بخلاف الجواز في الخيار فانه ينتقل إلى الورثة بالموت كما يصح إسقاطه، وأمّا بحسب الحقيقة فلا فرق بين الحكمين والجوازين.
فإذا عرفت ذلك فنقول : الملكية في الأمور الخارجية كملكية الكتاب ونحوها المعبّر عنها بالملكية الاعتبارية أمر يتوقف على أسبابه، ولا تحصل بدون السبب إلّا في الارث، وأمّا في غيره فالتملك يحتاج إلى سبب حتى في المباحات الأصلية. وأمّا المالكية على النفس والسلطنة عليها فهي ليست من الملكية الاعتبارية، ومعناها أنّ الإنسان مسلّط على أمواله ونفسه بحيث لا يحجر عليه في تصرفاته الراجعة إلى أمواله أو إلى نفسه، وأما الأحكام الع--ارض-ة ع-ل-ي-ه ف-ه-ي خارجة عن متعلّق سلطانه وليس له السلطنة على أحكامه، وإنما ثبت له السلطنة على أمواله ونفسه بالمعنى المتقدّم، وقد ذكرنا أنّ الجواز الثابت بالخيار بعينه الجواز الثابت في الهبة فهو حكم حقيقة وإن كان له خصوصية من الجهتين المتقدمتين، وقد عرفت أن معنى الخيار هو ملك فسخ العقد وإبقائه بمعنى أن له القدرة على أحدهما لا بمعنى الملكية الاعتبارية.
وعليه فإذا اشترط الخيار للأجنبي وقلنا إنّ مرجعه إلى تقييد الملكية إلى ما قبل زمان الفسخ بحيث لو فسخ ترتفع الملكية ولو لم يفسخ فلا ترتفع لا محالة وفرضنا أن العمومات شملته، فلا محالة يثبت للأجنبي جواز الفسخ وإمضائه، وهو
حكم من الأحكام وليس له السلطنة على أحكامه، وقد عرفت أن معنى الخيار أيضاً هو القدرة على الفسخ أو الامضاء، وثبوت مثل ذلك لا يتوقف على قبوله لأنّه حكم ثبت في حقه ولا سلطنة له على أحكامه. فالمتحصّل أن القبول ممّا لا حاجة إليه في اشتراط الخيار للأجنبي.
ومن ذلك يظهر أنّ الأجنبي الذي حكمنا بقدرته على فسخ العقد أو إمضائه شرعاً ليس له إسقاط ذلك الخيار، لأنّ الثابت هو أنّ المتبايعين إذا أسقطا خيارهما أو خيار أحدهما يسقط لتمكنه من رفع الجواز الثابت في حقه شرعاً، وأما الأجنبي الثابت له الجواز والقدرة على أحدهما فلم يدل دليل على إسقاط الجواز عنه باسقاط نفسه كما لم يدل دليل على انتقاله منه إلى وارثه، بل الثابت بحسب الدليل أن الأجنبي يجوز له رفع العقد وإبقاؤه إذا فسخ، فتحصل غاية الملكية الموقتة فترتفع بوصول غايتها، وإلّا فلا محالة تبقى لعدم حصول غايتها، وأما أزيد من ذلك من سقوطه بالاسقاط وانتقاله إلى ورثته فلا لعدم قيام الدليل عليه.
الجهة الثالثة : هل يتمكّن البائع أو المشتري من رفع اليد عن هذا الخيار الثابت للأجنبي باشتراطهما بعد المعاملة بأن يتراضيا على لزوم المعاملة ب-ع-د م-ا أوقعاها بشرط الخيار للأجنبي ويسقطا هذا الخيار، أو أن الخيار الثابت للأجنبي باشتراطهما ممّا لا يقبل السقوط باسقاطها ؟
ذكر السيد (قدّس سرّه) (1)في حاشيته أنّ خيار الأجنبي يسقط باسقاط المشروط له أحدهما كان أو كلاهما، وذلك لأنّه وإن كان حقاً ثابتاً للأجنبي إلّا أنّه من جهة حق المشروط له، لأنّ خيار الأجنبي حق للمشروط له فكما أنّه إذا كان اشترط الخيار لنفسه كان حقاً له فكذلك فيما إذا اشترطه للأجنبي يكون حقاً له
1) حاشية المكاسب (اليزدي) : 25 من مبحث الخيارات.
فله أن يرفع يده عن حقه باسقاطه، فإذا أسقطه فلا محالة يسقط خيار الأجنبي هذا.
ولا يخفى أنّ الخيار الثابت للأجنبي بمجرد الاشتراط لم يدل دليل على سقوطه باسقاط نفس ذلك الأجنبي فضلاً عن المشروط له، والعلة في تحققه هو حدوث الاشتراط دون بقائه، فسواء رفع يده عن اشتراطه أم لم يرفعها يتمكّن الأجنبي من الفسخ والامضاء، إلّا أنّه لا يتمكن من إسقاطه لعدم دلالة الدليل على سقوطه باسقاطه كما لم يقم دليل على سقوطه باسقاط المشروط له، وعليه فالظاهر أنّ إسقاط المشروط له بعد الاشتراط لا يرفع الخيار الثابت للأجنبي بعد شمول العمومات لذلك الملك الموقت الحاصل باشتراط الخيار للأجنبي.
وما أفاده إنّما يتم في شروط الأفعال كاشتراط الخياطة ونحوها، فإنّ معناه كما عرفت سابقاً هو جعل الخيار لنفسه، وله بعد المعاملة أن يسقط هذا الخيار الثابت له على تقدير عدم الخياطة، وأمّا في شرط النتيجة كما في المقام فلا، لأنّه بمجرد الاشتراط حصل للأجنبي هذا الخيار ولا حالة انتظارية له كما كان له تلك الحالة في شرط الفعل كالكتابة والخياطة، لأن الخيار إنّما يثبت له بعد عدم كتابة المشروط عليه أو عدم خياطته لا بمجرد العقد، وهذا بخلاف المقام لأن الخيار يثبت فيه بمجرد العقد المتضمّن للاشتراط لأنّه من شرط النتيجة وهي تتحقق بمجرد الاشتراط، فلا يتمكن المشروط له من إسقاط الخيار الثابت للأجنبي بعد الاشتراط.
الجهة الرابعة : هل يجب على الأجنبي المجعول له الخيار مراعاة المصلحة للجاعل، ويلاحظ أنّ الأصلح في حقه الفسخ فيختار الفسخ أو الامضاء فيختار الامضاء بحيث إذا اختار غير الأصلح لا يكون نافذاً، أو أن خياره مطلق ولا يشترط فيه مراعاة الأصلح بل له أن يختار ما يشاء ولو كان على خلاف مصلحته ؟
أما بحسب مقام الثبوت فتقيّد الخيار بمراعاة المصلحة وعدمه يتبعان كيفية جعل الخيار، فيمكن أن يشترط خيار الأجنبي على نحو الاطلاق من دون تقييده
بمراعاة المصلحة، كما يمكن أن يجعل الخيار له مقيّداً بمراعاة ما هو الأصلح في حق الجاعل، وكلا الأمرين ممكن وهو تابع للجعل كما عرفت.
وأمّا بحسب مقام الاثبات ففيما إذا كان اشتراط الخيار للأجنبي من أحد الجانبين وأحد المتعاملين لا من كليهما، فالمتبادر منه أنّه إنّما جعل الخيار للأجنبي لأجل مراعاة ما هو الأصلح له من الفسخ والامضاء، كما أن الظاهر فيما إذا اشترط كلا المتعاملين الخيار للأجنبي أنّ الخيار المجعول للأجنبي غير مقيد بمراعاة المصلحة، لأنّ الغالب أنّ المعاملة المبنية على المغابنة والمرابحة إذا كانت رابحة للبائع فهي خاسرة للمشتري وإذا كانت رابحة للمشتري فهي خاسرة للبائع.
نعم، يمكن في بعض الموارد أن يكون البيع مصلحة للبائع والشراء مصلحة للمشتري إلّا أنّه نادر، فإذا اشترط المتعاقدان كلاهما خيار الأجنبي فالظاهر حسب المتفاهم العرفي أنّهما لا يريدان بذلك أن يختار الأجنبي ما هو الأصلح لهما من الفسخ والامضاء، لما أشرنا إليه من أنّ المعاملة بحسب الغالب لا تكون مصلحة لكل من البائع والمشتري، وهذا بخلاف ما إذا كان اشتراط الخيار للأجنبي م-ن ق-بل أحدهما فإنّ الظاهر منه أنّه يريد بجعل الخيار أن يختار الأجنبي ما يراه مصلحة في حقه وإن أمكن عدم إرادة ذلك أيضاً إلّا أن الظاهر هو ما ذكرنا.
الجهة الخامسة : أنّ الخيار ربما يجعل للأجنبي بانفراده وحكمه ما عرفت. وأخرى يجعل الخيار له ولنفسه، بأن يكون هناك خيار واحد ويقوم بالجامع بينهما، وعليه فإذا سبق أحدهما الآخر باعمال الخيار بفسخ العقد أو بامضائه فقد سقط الخيار، لأنّ المفروض أنّه قائم بالجامع بينهما والجامع ق-د أعمل الخيار بالامضاء أو الفسخ، والخيار واحد فقد سقط باختيار الفسخ أو الامضاء، ومعه لا يبقى للمتأخّر منهما الخيار لسقوطه باعمال السابق وذلك ظاهر.
وثالثه يشترط الخيار لنفسه وللأجنبي على نحو الاستقلال بأن يكون لكل
منها خيار مستقل، فهناك خياران فإذا سبق أحدهما الآخر بالفسخ ف-لا محالة يسقط خيار الآخر أيضاً لانفساخ العقد وارتفاعه بفسخ السابق منهما، وأما إذا سبقه بامضاء العقد فمعناه أني أسقطت حقي ورفعت اليد عن خياري، وحينئذ فلا يسقط بذلك خيار الثاني منهما، لأنّ إسقاط الأول حقه لا يستلزم إسقاط الآخر له فله بعد ذلك أن يعمل خياره بالفسخ أو الامضاء.
ورابعة يشترط الخيار للمجموع منه ومن الأجنبي بأن يثبت لهما بتلك الهيئة المركبة خيار واحد كما ذكرنا ذلك في الخيار المنتقل إلى الورثة وقلنا إنّ الورثة بأجمعهم بمنزلة مورّثهم فلمجموعهم خيار واحد، وحينئذ إذا اتفقوا بأجمعهم فأمضوا البيع فلا محالة تنفذ المعاملة ويسقط الخيار، وإن اتفقوا ففسخوا فتنفسخ المعاملة وأما إذا فسخ بعضهم دون الآخرين أو أمضاه بعضهم بدون بعض فهو لا يوجب سقوط الخيار، لأنّه كما فرضناه قائم بالمجموع والمجموع لم يسقطه ولم يفسخ فلا محالة يبقى على حاله.
فالمتلخّص : أن الخيار المجعول للمتعدّد تارةً على نحو جعل خيار واحد قائم بالطبيعي وحينئذ عند سبق أحدهما الآخر بالفسخ أو الامضاء يرتفع الخيار الواحد باعماله، وأخرى على نحو جعل خيارات مستقلة لكل ممّن اشترط خياره، وثالثة يجعل الخيار للمجموع المركب وقد عرفت حكمه في خيار المجلس وإنما تعرضنا له في المقام تبعاً لما ذكره شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (1)استطراداً.
الجهة السادسة : حيث تعرّضوا لاشتراط الخيار للأجنبي، عنونوا اشتراط الخيار على نحو آخر متوسط بين اشتراط الخيار للأجنبي واشتراطه لنفسه، وهذا كما إذا اشترط الاستثمار من الأجنبي فيأتمر بأمره، وهذا كثير الوقوع فترى أنّه يشتري
1) المكاسب 5 : 122.
مبيعاً ويشترط فيه الخيار لنفسه على تقدير عدم رضا والده أو أخيه أو غيرهما وهذا هو معنى الاستثمار بأن يطلب منه أمره في المعاملة التي أوقعها، فإن رآها مصلحة فيأمره بالامضاء، وإن رآها ممّا لا مصلحة فيه فيأمره بفسخها، ومسألة الاستثمار وإن كانت ذات صور عقلية متعدّدة بحسب التصوّر إلّا أن المتعارف منها اثنتان كما ذكره السيد (قدّس سرّه) في الحاشية (1).
إحداهما : أن يكون الغرض من اشتراط الاستثمار جعل حق وخيار لنفسه في البيع إلّا أنّه لما لم يعرف المصلحة والفساد لأنّ البلدة غريبة أو المبيع ممّا لم يبتل به ولا يعرف حسنه اشترط الاستثمار من أجنبي كالوالد أو الأخ أو غيرهما، وفي هذه الصورة ليس للأجنبي حق الأمر ولا الاجبار بشيء وإنما الحق للمستأمر بالكسر وأنّه الذي يتمكّن من الفسخ والامضاء بعد الاستثمار، وعليه إذا أراد الفسخ قبل الاستثمار من الأجنبي فلا ينفذ، إذ لا حق له في الخيار ولا قدرة له قبل الاستثمار نعم له إسقاط حقه وخياره قبل الاستثمار لسلطنته على إسقاط حقه، ولا محذور فيه إلّا دعوى أنّه من قبيل إسقاط ما لم يجب، إذ المفروض أن الخيار إنّما يثبت له بعد الاستثمار لا قبله فاسقاطه قبله إسقاط لما لم يجب، إلّا أنّها مندفعة بعدم الدليل على عدم جوازه إلّا الاجماع المعلوم عدم انعقاده في المقام.
كما أنّ الأجنبي إذا أمره بالفسخ أو بالامضاء قبل أن يستأمره لا إشكال في ثبوت الخيار له، وذلك لأنّه وإن كان مشروطاً بالاستثمار إلّا أنّ المتفاهم العرفي في مثله يقتضي عدم الموضوعية للاستثمار والسؤال، إذ الظاهر أنّهما طريقان إلى أمر الأجنبي وليس لسؤاله منه موضوعية، وهذا أشبه شيء بالسؤال في آية (فَاسْأَلُوا
1) حاشية المكاسب (اليزدي) : 25 من مبحث الخيارات.
أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (1)حيث إن أهل الذكر إذا أخبره بالحرمة أو الوجوب قبل أن يسأله الجاهل لا إشكال في وجوب متابعته، ولا يصح في مثله أن يقال إنّ وجوب العمل بقول أهل الذكر مشروط بالسؤال وهو بعد لم يسأله، إذ الظاهر أنّ السؤال طريق إلى كشف نظر العالم أو الآمر في المقام، لأنّهما لا يعلمان الغيب حتى يأمرا قبل السؤال وإنما يلتفتان إلى الحال بعد السؤال، فهو طريق ولا موضوعية له وعليه فإذا أمره الآمر أي الأجنبي قبل استثماره فلا محالة يثبت له الخيار.
ثم إنّه إذا استأمره أو لم يستأمره إلّا أنّه أمره بالاجازة والامضاء فليس له حق الفسخ حينئذ، لأنّ قدرته عليه مشروطة بالاستثمار من الأجنبي والأخذ برأيه ونظره، ونظره فعلاً هو الامضاء دون الفسخ.
وأما إذا أمره بالفسخ ابتداءً أو بعد الاستثمار فهل يجب على المستأمر الفسخ ؟ الظاهر لا، وذلك لأنّ المشروط والمعلّق على أمر الأجنبي إنّما هو قدرة المستأمر على الفسخ لا وجوب الفسخ كما هو واضح، والمستأمر بعد أمر الأجنبي يتمكن من الفسخ والامضاء، فلا وجه لوجوب الفسخ عليه بعد أمر الأجنبي بالفسخ، والظاهر أن مراد الفقهاء من اشتراط الاستثمار وعدم ثبوت الخيار للمستأمر قبل الاستثمار وعدم تمكنه من الفسخ على تقدير أمر الأجنبي له بالامضاء وتمكنه من الفسخ فيما لو أمره به قبل استثماره وعدم وجوب الفسخ عليه فيما إذا أمره بالفسخ، كل ذلك إنّما هو هذه الصورة أعني جعل حق لنفسه على تقدير أمر الأجنبي، لأنّها المتبادر من اشتراط الاستثمار حسب المتفاهم العرفي وهي التي تقع كثيراً، وعليه فيرد عليهم النقض بأنّ ذلك من باب تعليق الخيار على أمر مجهول الحصول كقدوم الحاج ونوم زید، فكما إذا اشترط الخيار لنفسه على تقدير قدوم الحاج يبطل الاشتراط لكونه
1) النحل 16: 43.
مجهول المدة والحصول، فكذلك فيما إذا اشترط الخيار على تقدير أمر الأجنبي فإنّه أمر مجهول من حيث المدة والحصول، وقد ذكروا أن تعليق الخيار على أمر مجهول الحصول مبطل، ولازم ذلك أن يكون اشتراط الاستثمار موجباً للبطلان لأنّه من تعليق الخيار على شيء مجهول، وهذا النقض وارد على الفقهاء ولا مناص لهم عنه إلّا على ما أشرنا إليه من أنّ الجهالة في الخيار لا توجب الغرر ولا البطلان، وأنّ حديث نفي الغرر على تقدير تماميته يختص بالبيع ولا يشمل مطلق الغرر.
والمتحصّل من جميع ذلك : أنّ الصورة المرتكزة عند المتعاملين من اشتراط الاستثمار هي هذه الصورة، وملخصها أن يشترط المستأمر لنفسه الخيار معلّقاً على استثمار الأجنبي وأمره، فالخيار حق للمستأمر معلّقاً على الاستثمار، وليس للأجنبي حق في البين ولا يمكنه الاجبار بشيء.
الصورة الثانية : أن يشترط الخيار مع حق للطرف عليه كما أن له حقاً على طرفه، وهذا يتصوّر على وجهين :
الأول : أن يشترط أحد المتعاملين على الآخر عدم إعمال خياره إلّا مع أمر الأجنبى له بأن يثبت له الخيار من الابتداء إلّا أن إعماله مشروط ومعلق على أمر الأجنبي له، وعليه فللمستأمر حق وخيار على طرفه كما أن له حقاً على المستأمر حيث إنّه اشترط على المستأمر عدم إعمال خياره إلّا على تقدير أمر الأجنبي، وقد ذكرنا سابقاً أن مرجع الاشتراط إلى جعل الخيار لنفسه، وعليه فيثبت للطرف الخيار، أي خيار تخلّف الشرط على تقدير إعمال المستأمر خياره قبل الاستثمار هذا.
ولكن هذه الصورة لا ترجع إلى معنى محصل بناءً على الوجه المختار في معنى الاشتراط، لأنّ اشتراط شيء في ضمن المعاملة مرجعه إلى جعل الخيار لنفسه على تقدير عدم ذلك الشرط، وعليه فلا معنى لاشتراط عدم إعمال المستأمر خياره إلّا
بعد الاستثمار، فإنّ مرجعه إلى أنّ الطرف يشترط لنفسه الخيار على تقدير إعمال المستأمر خياره قبل الاستثمار من جهة تخلّف الشرط، والمستأمر إذا تخلف وأعمل خياره قبل أن يستأمر الأجنبي فيما أنّ خياره ثابت من الابتداء فينفذ فسخه وب-ه ترتفع المعاملة، إلّا أنّه لما تخلّف عن الشرط يثبت للطرف خيار تخلّف الشرط، مع أنّه من اللغو الظاهر إذ لا ثمرة للخيار بعد ارتفاع العقد بفسخ المستأمر وإعماله الخيار قبل الاستثمار، لارتفاع موضوعه فما معنى الخيار الثابت للطرف.
نعم، بناءً على مسلك المشهور في معنى الاشتراط وهو كون الاشتراط التزاماً مقارناً للالتزام المعاملي وموضوعاً لوجوب الوفاء تكليفاً، يترتّب على هذا الاشتراط ثمرة، وهي أن المستأمر لو فسخ قبل حصول شرطه يرتكب أمراً محرماً إذ يجب عليه أن يفسخ بعد حصول شرطه لا قبله وهو مجرد حكم تكليفي ومخالفة وعصيان له، إلّا أنّ فسخه نافذ لأنّه صدر من أهله ووقع في محله.
نعم، بناء على مسلك شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه) في أمثال المقام من أن حرمة الفسخ تكليفاً توجب سلب قدرة المشروط عليه على الفسخ شرعاً، لا تترتب على فسخه قبل حصول شرطه الذي هو الاستثمار ثمرة ولا تنفسخ به المعاملة، إلّا أنّ مرجعه إلى الصورة الأولى وهي تعليق أصل الخيار على الاستثمار من الأجنبي بحيث لا يتمكن من الفسخ قبله، فلا تكون هذه الصورة مغايرة للصورة الأولى كما هو ظاهر.
الثاني : أن يشترط الطرف على المستأمر فسخ العقد بعد أمر الأجنبي له وهذا من دون فرق بين ثبوت الخيار للمستأمر من الابتداء وثبوته له بعد أمر الأجنبي، ومرجع هذا إلى اشتراط الفعل دون اشتراط النتيجة، وعليه فإذا حصل المعلّق عليه وفسخ المستأمر فهو وإلّا فيثبت للطرف الخيار ويتمكن من فسخ العقد وإمضائه، وهذه الصورة لا إشكال فيها إلّا أنّ المرتكز عند المتعاملين هو الصورة
الأولى كما عرفت، هذه هي الصور المعقولة لشرط الاستثمار.
ثم إنّ الخلاف والنزاع المتقدم في مسألة جعل الخيار للأجنبي وأنّه مشروط بمراعاة الأصلح أو غير مشروط به يأتي في المقام أيضاً فيقال إن المعلّق عليه هل هو أمر الأجنبي فيما إذا راعى الأصلح، أو أن المعلّق عليه هو مطلق أمر الأجنبي صدر عن مراعاة المصلحة أو من جهة الاشتهاء النفساني ؟
مقتضى الاطلاق وعدم تقييد أمر الأجنبي بكونه صادراً عن ملاحظة المصلحة هو أنّ المعلّق عليه مطلق أمر الأجنبي، كما أن مقتضى المناسبات المرتكزة عند العرف بين الأحكام وموضوعاتها يقتضي أن يكون المعلق عليه هو الأمر الصادر من الأجنبي عن مراعاة المصلحة، لأنّ هذا الاشتراط إنّما هو من جهة أنّ المتعامل جاهل بالصلاح والفساد ومن أجل ذلك اشترط أمر الأجنبي، لأنّه عارف بما هو الصلاح والفساد فيكون المعلّق عليه الأمر المبني على مراعاة الأصلح لا مطلق الأمر ولو صدر من مجرد الاشتهاء النفساني، هذا تمام الكلام في اشتراط الاستثمار وجعل الخيار للأجنبي.
ومن أقسام ذلك بيع الخيار وهو اصطلاح، والمراد به البيع الذي فيه الخيار يجعل المتعاقدين، وهو البيع الذي اشترطوا فيه الخيار على تقدير رد مثل الثمن وهذا متعارف بين الناس من جهة احتياجهم إلى النقود مع إرادة التحفظ على خصوصيات الأموال لبعض الأغراض ككون الكتاب مخطوطاً بخط جده أو كون فرسه متخصصاً بخصوصية تمنع عن رفع اليد عنه وهكذا، ولأجل ذلك يبيع ماله ليأخذ ثمنه لحاجته إلى النقد، وبما أنّه لا يريد أن يرفع اليد عن ماله لم-ا ف-ي-ه م-ن الخصوصيات الداعية إلى إبقائه فيشترط على المشتري الخيار على تقدير ردّ مثل
الثمن لا نفسه لاحتياجه إليه، وبهذا يجمع بين رفع احتياجاته بالنقود وإبقاء ماله لما فيه من الخصوصيات.
وكيف كان، فلا إشكال عندنا في جواز ذلك بوجه، إلّا أنّ العامة (1)أكثرهم أو جميعهم منعوا منعوا عن ذلك وبهذا جرت قوانينهم اليوم حيث لا اعتبار بالبيع بشرط الخيار عند ردّ مثل الثمن بحسب القوانين الوضعية، وليس عندهم إلّا الرهن دون هذا البيع.
لنا على ذلك - مضافاً إلى ما تقدم من عمومات أدلة الشروط لأنّه أيضاً من الشروط في ضمن المعاملة وهي جائزة - الروايات (2)الواردة في المقام، وفيها صحيح وموثق وغير موثق وقد دلّت على أن البيع واشتراط الخيار عند ردّ مثل ثمنه جائز، وكيف كان فأصل ذلك ممّا لا خلاف فيه، وإنما الكلام في أمور :
في تصوير كيفية هذا الاشتراط وهو يتصور على خمسة أوجه :
الأول : وهو المعروف المرتكز بين الناس أن يبيع ماله ويشترط فيه الخيار لنفسه عند ردّ مثل الثمن فيكون الخيار معلّقاً على ردّ مثل الثمن.
الثاني : أن يشترط الخيار لنفسه من الابتداء، إلّا أن إعماله بالفسخ معلق على رد مثل الثمن وکأنّه اشترط فسخ العقد مقارناً لردّ مثل الثمن أو بعد زمان ردّ مثله ويكون المعتبر هو الحصة الخاصة من الفسخ وهو الذي يقارن رد مثل الثمن، دون مطلق الفسخ ولو كان قبل الرد، وبالجملة أنّ قدرته على الفسخ إنّما هي في الزمان
المقارن للرد وأمّا قبله فلا قدرة له عليه. نعم له قدرة على إيجاد القدرة على الفسخ بايجاد المعلّق عليه بأن يردّ مثل الثمن فإنّه بردّه يقدر على الفسخ أيضاً، وهو نظير القدرة على صلاة القصر فإنها إنّما تحصل بعد السفر لا قبله، إلّا أنّه قادر على تحصيل القدرة عليه بايجاد موضوعه الذي هو السفر. وهذا القسم عين القسم الأول عند التحقيق، لأنّ القدرة على الفسخ في كليهما تتوقف على الرد ولا قدرة له قبله في كلتا الصورتين، فلا تغاير بينهما إلّا بحسب الألفاظ والمعنى في كليهما واحد كما شرحناه.
الثالث : أن يشترط كون الرد فسخاً للمعاملة، إذ الفسخ تارةً يكون باللفظ بعد ردّ الثمن وأخرى يكون بالفعل كما إذا ردّ الثمن بقصد كونه فسخاً، وهذا في الحقيقة تضييق لدائرة الفسخ إلّا أنّه مثل الوجهين السابقين، غاية الأمر أن الفسخ فيها كما يمكن أن يكون فعلياً كذلك يمكن أن يكون لفظياً، وأما في هذا الوجه فالفسخ لابدّ وأن يكون فعلياً بالردّ، لأنّه يمكن أن يكون مصداقاً للفسخ كما إذا ردّ الثمن بقصد كونه فسخاً، وأما إذا كان مثل الثمن عند المشتري من جهة من الجهات أو ردّه بقصد الأمانة أو العارية فلا يحصل به الفسخ. وبالجملة أنّ هذا الوجه أيضاً مرجعه إلى الأولين.
الرابع : أن يشترط انفساخ العقد عند ردّ مثل الثمن وهذا غير معقول كما أشار إليه شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (1)في أواخر كلامه، وذلك لأنّه إن أراد أن يكون رد المثل بما هو هو موجباً لانفساخ العقد وغاية لارتفاع ملكية المشتري ولو لم يقصد بالرد فسخ المعاملة كما إذا ردّه إليه أمانة أو عارية أو وجده المشتري لقطة فهذا أمر لم يثبت في الشريعة المقدسة، لأنّ الرد بما هو ليس غاية لملكية المشتري وموجباً للانفساخ بل يحتاج بعده إلى الفسخ، وإن أراد بذلك أن الرد إذا قصد ب-ه
1) المكاسب 5 : 131.
الفسخ يحصل الانفساخ فهو صحيح إلّا أنّه عين الوجوه المتقدمة، لأنّه شرط لانفساخ العقد بالفسخ، وكل عقد ينفسخ بالفسخ كما في الوجوه المتقدمة، لوضوح ارتفاع كل معاملة بعد فسخها.
الخامس : أن يشترط فعلاً على المشتري عند رد مثل الثمن بحيث إذا لم يفعله المشتري يثبت للبائع الخيار، وهو أن يشترط إقالة المشتري فيما إذا استقاله بعد رد مثل الثمن، فإذا رد مثل الثمن فاستقاله فأقاله المشتري فهو وإلّا فيثبت له الخيار في بيع ماله ويتمكن من فسخه لخيار تخلف الشرط، وهذا الوجه في مقابل الوجه الأول، وهو وجه مستقل إلّا أنّه بعيد عن المرتكز بين الناس، لرجوعه إلى جعل الخيار لنفسه على تقدير عدم فعل المشتري وعدم إقالته، وكيف كان فالمعروف المرتكز هو الأول.
أن الثمن في بيع الخيار إما أن يكون كلّياً وإمّا أن يكون شخصياً، وعلى تقدير كونه كلياً تارة يكون كلّياً في ذمّة البائع وأخرى يكون في ذمة المشتري أو في ذمة شخص ثالث.
إذا كان الثمن كلّياً وفي ذمة البائع فلا يأتي فيه القبض والاقباض، إذ لا معنى لقبض ما في ذمته، فإذا فرضنا أنّ البائع مقروض للمشتري بمقدار من الدرهم أو الدينار ثمّ اشترى منه المشتري كتابه أو داره وجعل ثمنه المال المفروض في ذمة البائع، فقد ملك البائع بذلك ما في ذمته بلا حاجة إلى القبض، بل لا يمكن فيه القبض بوجه إذ لا معنى لقبض ما في ذمته وبذلك يسقط ما في ذمته، ويمكن أن يعود ما في ذمته ثانياً كما إذا فسخ البيع فإنّه حينئذ مقروض للمشتري بما كان في ذمته، وكيف كان فلا معنى للقبض في هذه الصورة، إلّا أنّ البائع مع ذلك يتمكن من الفسخ فيما إذا
اشترط في البيع فسخه عند ردّ مثل الثمن، فإنّ الرد وإن لم يعقل في المقام لأنّه عبارة عن الأخذ والاعطاء، والأخذ غير متحقق فيما إذا كان الثمن كلّياً في ذمة البائع، إلّا أنّ الرد لا موضوعية له في خيار الفسخ، وإنما المراد منه رفع اليد عن الثمن والتخلية بينه وبين المشتري سواء كان ذلك بالاعطاء بعد الأخذ أو كان بالاعطاء بلا أخذ كما في المقام، والوجه في ذلك هو الفهم العرفي عند اشتراط الخيار برد مثل الثمن وهذا ظاهر.
وأمّا إذا كان الثمن كلّياً وفي ذمة المشتري أو في ذمة شخص ثالث فلا مانع حينئذ من القبض، لأنّ القبض من المشتري أو الثالث أمر ممكن، فإذا فرضنا في هذه الصورة أنّ البائع لم يقبض الثمن من المشتري باختياره حتى انتهت المدة التي اشترط الخيار في أثنائها فهل يسقط بذلك خياره أو لا ؟ احتمل شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (1)فيه وجهين : أحدهما السقوط من جهة عدم قبضه ورده الثمن في المدة المشروط فيها رد الثمن حتى انقضت المدة فلا محالة يسقط خياره. وثانيهما : الثبوت و عدم سقوط الخيار من جهة أنّه وإن اشترط الرد إلّا أنّه بالدلالة الالتزامية يدل على اشتراط القبض أيضاً، لأن الرد بلا قبض غير معقول فحيث إنّه اشترط الرد المشروط بالقبض فکأنّه اشترط كلاً من الرد والقبض، وبما أنّ القبض والرد لم يتحققا في مفروض الكلام فلا محالة لا يسقط خياره ما لم يقبض الثمن، هذا.
ولا يخفى أنّ احتمال ثبوت الخيار وعدم سقوطه بلا وجه، وذلك لأنّه لم يشترط الرد حتى يوجب ذلك اشتراط القبض بالدلالة الالتزامية، بل إنّما اشترط الخيار لنفسه وعلّقه على رد الثمن، فليس الرد مشروطاً حتى يقتضي اشتراط القبض أيضاً ولعلّه ظاهر.
1) المكاسب 5 : 131.
فالصحيح أن الخيار يسقط بمجرد انقضاء المدة لا محالة. نعم يمكن أن يقال إن للبائع خيار تخلّف الشرط من جهة أنّ البيع قد اشترط في ضمنه القبض والاقباض من الطرفين، إذ ليس البيع لمجرد حصول العلقة الملكية بل هي مع الاقباض، فإذا استند عدم حصول القبض إلى انقضاء مدة الخيار إلى المشتري كما إذا طالبه البائع به ولم يدفعه إليه أو لم يسلّمه إليه بلا مطالبة البائع أيضاً فكان المانع ع--ن ح-صول القبض هو المشتري، فلا محالة يثبت للبائع خيار تخلف الشرط الضمني، وأما إذا كان عدم حصول القبض مستنداً إلى نفس البائع ولم يكن المشتري ممتنعاً عن الاقباض فلا يثبت له الخيار بوجه، لا الخيار المشروط عند رد مثل الثمن ولا خيار تخلّف الشرط ولعلّه ظاهر.
ثم إن الثمن إذا كان معيّناً فتارةً يشترط البائع رد عين الثمن المعيّن وأخرى يشترط ردّه أو ردّ مثله وبدله فيما إذا لم يتمكن من رد عين الثمن بسبب إتلاف شخص آخر غير البائع أو حتى بتلفه مطلقاً ولو كان من جانب البائع أيضاً أو ولو مع التمكن من رد العين، وثالثه يطلق ولا يقيده بشيء، هذه صور المسألة.
أما الصورة الأولى : فلا إشكال في صحتها فيكون الخيار مشروطاً برد عين الثمن فلو تلف الثمن فلا محالة يسقط خياره فلا يتمكن من الفسخ، اللّهمّ إلّا أن يقال إنّ هذا الاشتراط منصرف إلى اشتراط سقوطه باتلاف البائع فيبقى إتلاف غير البائع داخلاً تحت الخيار، إلّا أنّ ذلك نزاع صغروي وه-و ت--ابع للظهور العرفي المستفاد من الكلام.
وأما الصورة الثانية : وهي ما إذا اشترط ردّ عين الثمن أو بدله فيما إذا لم يتمكن من عين الثمن بسبب أمر غير مستند إلى البائع أو مطلقاً أي ولو كان بسبب نفس البائع أو ولو مع التمكن من رد عين الثمن، فقد استشكل فيها شيخنا الأنصاري
(قدّس سرّه) (1)فيما إذا اشترط ردّ عينه أو بدله ولو مع التمكن من ردّ عينه من جهة أنّ مقتضى فسخ المعاملة رجوع كل من العوضين إلى ملك مالكه الأول، فاشتراط ردّ بدله مع وجود عينه منافٍ لمقتضى الفسخ في المعاملات، هذا.
ولا يخفى أنّ هذا الايراد إنّما يختص بما إذا اشترط ردّ بدله مع وجود نفس الثمن بأن يكون البدل هو المنتقل إلى المشتري، وأمّا إذا اشترط في خياره ردّ بدل الثمن وثيقة وعند ردّ البدل يتمكن من الفسخ بأن يرجع كل واحد من العوضين إلى ملك مالكها الأول عند مجيء البائع ببدل الثمن، فلا إشكال فيه وهذا ربما يتفق عند المتعاملين كما إذا خاف المشتري من أن يفسخ البائع المعاملة ولا يرد ثمنه ولذا يشترط عليه أن يأتي ببدل الثمن المعين عند إرادة الفسخ، فإذا جاء به ودفعه إلى المشتري يتمكن من الفسخ، فإذا فسخها فيرجع كل من عين الثمن المعين والمثمن إلى مالكها الأول ثمّ يرد المشتري بدل الثمن الذي ردّه إليه البائع إليه.
وبعبارة أخرى : يكون شرط رجوع كل من عين الثمن والمثمن إلى مالكها هو ردّ بدل الثمن، لا لأجل أنّ بدله ينتقل إلى المشتري بل ينتقل إليه عين الثمن، إلّا أنّ ردّ بدله شرط في تمكّن البائع من الفسخ لئلا يفسخ بلا ردّ ثمنه ثمّ يدفع المشتري هذا البدل إلى نفس البائع وينتقل إليه عين الثمن، وهذا كما ترى ليس من باب رجوع بدل الثمن إلى المشتري مع بقاء عينه، نعم لو اشترط ردّ بدله إلى المشتري بأن يكون هو المنتقل إلى المشتري مع بقاء عين الثمن، فلا محالة يكون ذلك منافياً لمقتضى الفسخ، إلّا أنّه يمكن أن يقال إنّ هذا أيضاً لا ينافي مقتضى الفسخ، فإنّ مرجع اشتراط ردّ بدله مع التمكّن من عينه إلى أمرين أحدهما : اشتراط الخيار عند رد ذلك البدل، وثانيهما : اشتراط مبادلة هذا البدل مع عين الثمن بأن يرجع كل من
1) المكاسب 5 : 132.
عين الثمن والمثمن إلى مالكهما الأول إلّا أنّه يشترط تبديل عين ذلك الثمن الذي هو ملك المشتري بذلك البدل وهذه مبادلة أخرى، فباشتراط رد البدل يشترط أمرين الخيار والمبادلة، وهذا لا محذور فيه ولا ينافي مقتضى العقد.
وأما الصورة الثالثة : وهي ما إذا أطلق وقال : لي الخيار عند ردّ الثمن ولم يقيده ببدله أو بعينه، فقد ذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (1)أن الاطلاق منصرف إلى عين الثمن، لأن الثمن في المعاملة معيّن والألف واللام في الثمن يشير إلى الثمن المعهود وهو الثمن المعيّن كما هو المفروض، ومن الظاهر أن بدل الثمن ليس بثمن بل هو بدله، هذا.
وما أفاده (قدّس سرّه) في حد نفسه وفي سائر المقامات ممّا لا غبار عليه، إلّا أنّه في خصوص المقام أعني بيع الخيار غير تام، لقيام القرينة فيه على إرادة البدل من الثمن وتلك القرينة هي ما أشرنا إليه في أول بحث بيع الخيار (2)من أن هذا الخيار إنّما يشترطه البائع فيما إذا احتاج إلى النقود والثمن وإلّا لم يرض برفع اليد عن ملكه على الاطلاق، فلذا باعه بشرط أنّه إذا جاء بمثل الثمن يتمكن من إرجاع ملكه إلى نفسه وهذه قرينة على أن الثمن المعيّن لا يبقى بحاله بعد البيع بل يتلفه البائع وأن-ه إنّما أراد بالثمن بدله ومثله، ولولا هذه القرينة كان ما أفاده (قدّس سرّه) متيناً جداً هذا.
ولكن الانصاف أن ما ذكرناه من القرينة والخصوصية في المقام إنّما تتم فيها إذا كان الثمن من النقود أو ما بحكمها ممّا يحتاج البائع إليه بشخصه كما إذا أراد البائع الاطعام فباع كتابه وجعل الخيار لنفسه إذا ردّ مثل الثمن، فتارة يبيعه بالنقود حتى
يصرفها في حوائجه من شراء الأرز والدهن ونحوهما، وأخرى يبيع الكتاب بنفس الأرز لاحتياجه إلى الأرز وهكذا بحيث يعلم خارجاً أن البائع أراد صرف الثمن الشخصي، وأما إذا كان الثمن من غير النقود ومن غير ما يحتاج البائع إلى صرفه بنفسه كما إذا باع ماله بكتاب ككتاب الجواهر مثلاً نظراً إلى حاجته إلى مطالعة الجواهر من دون أن يصرفه بنفسه ولا يتمكن من رده بعينه، ففي أمثال ذلك لا قرينة على إرادة الأعم من الثمن وبدله كما هو ظاهر، بل ظاهر اشتراط رد الثمن هو رد الثمن بعينه لانصرافه إليه كما ذكره شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه).
وعليه فالحق في المقام أن يفصل بين ما إذا كان الثمن من النقود أو ما بحكمها ممّا يصرفه البائع بعينه، وبين ما إذا كان من غير النقود ومن غير ما يحتاج البائع إلى صرف شخصه ونفسه، ويقال بارادة الأعم من الثمن وبدله في الصورة الأولى وبارادة خصوص عين الثمن في الصورة الثانية، هذا كلّه فيما إذا كان الثمن شخصياً.
وأما إذا كان الثمن كلّياً في ذمة البائع فقد عرفت أنّه يسقط بعد المعاملة، وإذا أراد البائع فسخ المعاملة فيثبت في ذمته ذلك الثمن ثانياً، وهو مثل الثمن لا محالة لا شخصه ونفسه، إذ لا شخص في البين لأن الثمن كلّي، وأما إذا كان الثمن كلّياً في ذمة المشتري كما هو الغالب وقد طبّق المشتري ذلك الكلّي على فرد ودفعه إلى البائع فتارةً يشترط في هذه الصورة رد عين ذلك الفرد المدفوع إلى البائع، وأخ--رى يشترط ردّ الأعم منه ومن مثله، وثالثة يكون اشتراط رد الثمن مطلقاً، فهل يحمل الاطلاق على الكلّي أو ينصرف إلى نفس الفرد المدفوع إلى البائع ؟ ذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (1)أنّ المتبادر في هذه الصورة بحسب الغلبة هو إرادة الأعم من الفرد المدفوع ومثله، ثمّ ذكر أنّ ذلك ممّا يدل عليه صريح بعض الأخبار الواردة
1) المكاسب 5: 133.
في بيع الخيار، ولكن المتيقن منها صورة فقد العين لا مطلقاً ولو مع بقائها، هذا.
ولا يخفى أنا لا نحتاج في المقام إلى إثبات الغلبة ولا إلى التمسّك بالأخبار فهب أنّ الغلبة منتفية وأن الأخبار ساكتة عن ذلك، إلّا أنّ نفس اشتراط ردّ الثمن في المقام يقضي بارادة الثمن الكلّي لا خصوص الفرد المدفوع، لأن الفرد الذي دفعه المشتري إلى البائع ليس هو الثمن بل الثمن كلّي وقد اشترط رد الثمن، فلابد من أن يردّ الثمن الكلّي بأن يطبّق الكلّي عند ردّه على فرد ويدفعه إلى المشتري ولو كان غير ما دفعه إليه المشتري ولعلّه ظاهر، ومع كون ذلك من مقتضيات نفس اشتراط ردّ الثمن لا نحتاج إلى دعوى الغلبة ولا إلى دلالة الأخبار.
وممّا ذكرناه في المقام يظهر أنّ الثمن الشخصي والثمن الكلّي عند إطلاقها متعاكسان، لما مرّ من أنّ الاطلاق في الشخصي يقتضي ردّ عين الثمن، وأما في الكلّي فهو كما عرفت يقتضي ردّ الثمن الكلّي لا خصوص الفرد الذي دفعه إليه المشتري هذا تمام الكلام في هذا الأمر
إنّ المعروف بينهم أنّ الفسخ في بيع الخيار إنّما يتحقق بنفس الرد كما يستفاد ذلك من الأخبار الواردة في المقام، إلّا أنّ بعضهم ذهب إلى الفسخ بعد الرد ولا يتحقق الفسخ بالرد، لأنّ الردّ شرط في ثبوت الخيار له وبعد رده وثبوت الخيار له يفسخ المعاملة.
فإن أرادوا بذلك أنّ الفسخ نظير العقود والايقاعات ويشترط فيها اللفظ ولا يكفي في تحققها الانشاء بالفعل ولذا منعوا عن صحة المعاطاة وذهبوا إلى أنّها ليست بيعاً، ففيه : أنّ ذلك ممّا لا يلتزمون به في فسخ العقود والايقاعات، بل قد ذكروا أن الفسخ فيهما يتحقق بما هو أدنى وأضعف من الرد ومن هنا قالوا إن
التصرف فيما انتقل إليه يدل على اللزوم كما أنّ التصرف فيما انتقل عنه يدل على الفسخ وعدم الرضا بالبيع.
وإن أرادوا من ذلك أمراً آخر وهو ما احتمله شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه) (1)من أن مرادهم أن الردّ شرط في ثبوت الخيار فإذا رد الثمن أو بدله فحصل شرط الخيار وصار البائع متمكناً من الفسخ، فيفسخ المعاملة بعد ذلك إما فسخاً لفظياً وإمّا فسخاً فعلياً، ولكن الرد لا يكون فسخاً لا فعلياً ولا لفظياً.
فيدفعه : أنّ هذا المعنى وإن كان ممكناً في حد نفسه، إلّا أن الكلام في أن البائع بأي عنوان يردّ الثمن - فيما إذا كان كلّياً - إلى المشتري، فإن ردّه إليه بعنوان التمليك للمشتري فمن الواضح أنّ الملك لا يحصل بالرد ما لم يفسخ المعاملة به، لأن مجرد الرد كيف يكون موجباً لحصول ملك المشتري، وإن ردّه إليه بعنوان الأمانة والوثيقة فهو لا بأس به إلّا أنّه بعد فسخ البائع لا تدخل تلك الأمانة والوثيقة إلى ملك المشتري إذ لا ربط لفسخ المعاملة بدخول الوديعة إلى ملك المشتري، وهذا بخلاف ما إذا فسخ المعاملة بنفس الرد، فإنّ ردّه بقصد الفسخ معناه رجوع كل من العوضين إلى ملك مالكه.
يسقط هذا الخيار بالاسقاط بعد العقد، وربما يستشكل في ذلك فيما إذا كان الخيار مشروطاً بالرد بأن لا يكون له خيار قبله ويكون الرد شرطاً في ثبوت الخيار، والوجه في الاستشكال أنّ هذا إسقاط للخيار قبل ثبوته فهو من إسقاط ما لم يجب وما هذا شأنه لا يترتّب عليه أثر.
1) منية الطالب 3: 86.
وهذا الاشكال وإن كان بظاهره مختصاً بما إذا كان الردّ شرطاً في أصل ثبوت الخيار ولا يجري في الصورة الثانية وهي ما إذا كان الرد شرطاً للفسخ وكان الخيار ثابتاً من الابتداء، إلّا أنا ذكرنا أن مرجع تلك الصورة أيضاً إلى الأولى فراجع.
وكيف كان، فقد استشكل في ذلك بأنّه من إسقاط ما لم يجب كما صرح بذلك العلّامة (قدّس سرّه) في التذكرة (1)حيث استشكل في إسقاط خياري الحيوان والشرط بعد العقد في المجلس بدعوى أنّه من إسقاط ما لم يجب، لأنّه (قدّس سرّه) يرى مبدأ خياري الحيوان والشرط زمان الافتراق، وأما قبله فلا خيار في البين شرطاً كان أم حيواناً، هذا.
وقد أجاب عن ذلك شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(2)بالفرق بين المقام وبين إسقاط الخيارين قبل الافتراق، من جهة أنّ المشروط له في المقام يتمكن من إثبات الخيار لنفسه وقادر على اتصافه به من جهة قدرته على الرد الذي فرضناه شرطاً في ثبوت الخيار له، فمن أجل تمكنه من ذلك يصح له إسقاطه، وهذا بخلاف ما ذكره في التذكرة، هذا.
ويمكن المناقشة فيما أفاده بوجهين : أحدهما : أن الدليل أخص من المدعى لا مكان فرض الكلام فيما لا يتمكن من الرد كما إذا شرطا الخيار في رأس شهر معيّن مشروطاً بالرد في أول ذلك الشهر، فلا يصح الاكتفاء بما أفاده في الجواب. وثانيها : أنّ المدار في جواز الاسقاط هو ثبوت الحق له فعلاً، وأما مجرد تمكنه من إثبات حقه فهو لا يمكن أن تُناط به الأحكام الشرعية، فلذا ترى أن الطلاق يتوقف على الزوجية الفعلية لا على التمكن من إيجادها وكذلك غيره من الأحكام، فالقدرة
والتمكن ممّا لا يترتّب عليهما أثر بل الأثر يترتّب على الحق فعلاً.
وعليه فالصحيح في الجواب أن يقال : إنّ إسقاط ما لم يجب ليس مدلولاً لدليل، وإنما ثبت ذلك بالاجماع وبناء العقلاء في بعض الموارد كاسقاط الخيار قبل البيع، ومن الظاهر أنّ الاجماع غير متحقق في المقام، لأن أكثرهم ذهبوا إلى جواز الاسقاط بعد العقد، وعليه فيمنع عن أصل مقتضي عدم الجواز لعدم الاجماع كما عرفت.
ومن جملة المسقطات : انقضاء المدة وعدم ردّ الثمن في خلالها، وإذا فرضنا أنّه رد الثمن قبل انقضاء المدة إلّا أنّه بعد انقضائها ظهر المردود من غير جنس الثمن المشروط ردّه فلا يثبت له الخيار لانقضاء المدة وعدم حصول شرط الخيار وهو ردّ الثمن، لأنّه إنّما ردّ غير الثمن، وهذا من دون فرق بين أن يكون متعمّداً في ردّ غير الثمن أو يكون من جهة الاشتباه، وهذا ظاهر لا إشكال فيه.
وإنما الكلام فيما إذا ظهر المردود من جنس الثمن إلّا أنّه كان معيباً فهل يمنع ذلك عن ثبوت الخيار، أو أن شرطه وهو ردّ الثمن حاصل فلا محالة يثبت له الخيار ؟ ذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (1)أنّه يكفي في الرد وبه يحصل شرط الخيار، إلّا أنّ للمشتري الاستبدال، هذا.
وما أفاده (قدّس سرّه) إنّما يتم فيها إذا كان الثمن كلّياً دون ما إذا كان معيّناً، وذلك لأن الثمن إذا كان كلياً وقد اشترط ردّه فلا محالة يثبت في ذمة البائع ذلك الكلّي عند إرادة ردّه وفسخ المعاملة، فإذا دفع إلى المشتري فرداً معيوباً فللمشتري أن يرضى بذلك المعيب كما أن له أن يستبدله بفرد آخر صحيح. وبعبارة أخرى : أنّ هناك معاملتان : إحداهما المعاملة الواقعة على المبيع
1) المكاسب 5 : 135.
والثمن الكلّي الذي اشترط فيها ضمناً أن يكون الثمن صحيحاً. وثانيهما : المعاملة الواقعة على تطبيق ذلك الكلّي على الفرد المدفوع للمشتري، وهذه بمنزلة المعاملة وليست معاملة حقيقة، بل لابد أن يكون المشتري راضياً بذلك التطبيق، فإذا طبقه على فرد معيب فله أن يرفع يده عن الشرط الضمني في المعاملة ويقول إنّي راض بتطبيق الثمن على هذا الفرد المعيب، ومطالبة الصحيح وإن كانت حقي إلّا أنّي أسقطته ورضيت بهذا المعيب، كما له أن يطالب البائع بثمنه ولا يرضى بالمعيب وهذا ظاهر
وأمّا إذا كان الثمن معيّناً فليس هناك حق استبدال، لأن الثمن أمر واحد وقد اشترط فيه الصحة ضمناً، وبما أنّ المدفوع غير ما اشترط دفعه إليه فلا محالة لا يثبت له الخيار لانقضاء المدة وعدم حصول شرط الخيار وهو ردّ الثمن الشخصي الصحيح.
وإن اشترط ردّ الثمن الأعم من الصحيح والمعيب فدفع المعيب إلى المشتري وإن كان يوجب حضول شرط الخيار لأنّ المفروض اشتراط رد الأعم من المعيب والصحيح، إلّا أنّه إذا تمكن من الخيار ففسخ المعاملة فمقتضى الفسخ أن يرد كل من الثمن والمثمن إلى مالكها الأول، وبما أنّ الثمن الذي انتقل من المشتري هو الثمن الصحيح فالفسخ يقتضي أن يرجع الثمن الصحيح إلى المشتري ويدخل في ملكه وأما ما دفع إليه من المعيب فهو وثيقة وأمانة لديه فيرجعه إلى البائع. وكيف كان فليس هذا المقام من موارد الاستبدال فلا تغفل.
ومن جملة المسقطات : التصرف في الثمن المشروط ردّه، وقد استدل عليه المشهور باطلاق ما دل (1)على أن تصرف ذي الخيار فيما انتقل إليه رضى منه بالعقد
1) راجع الوسائل 18 : 13 / أبواب الخيار ب 4 وغيره.
فهو مسقط الخياره، وقد تعدّى الأصحاب عن مورد النصّ إلى كل تصرف وقع فيما انتقل إليه، ومن هنا ذكروا أنّ التصرف في الثمن أو المثمن في خياري المجلس والشرط مسقط للخيار مع أنّهما ليسا مورد النص.
وقد حكي عن الأردبيلي (قدّس سرّه) (1)وصاحب الكفاية (2)عدم سقوط هذا الخيار بالتصرف في الثمن، وكأنهما سلّما بالمقتضي لسقوط جميع الخيارات بالتصرف، وأنّ إطلاق النصّ الدال على سقوطه بالتصرف يقتضي سقوط هذا الخيار أيضاً بالتصرف في الثمن، إلّا أنّها أبديا المانع عن سقوط الخيار في خصوص المقام من جهة أنّ الغالب في هذا الخيار هو التصرف في الثمن والانتفاع به، بل هذا هو المدار في هذا الخيار، ومعه كيف يمكن أن يكون التصرف في الثمن مسقطاً للخيار.
وقد أورد عليه السيد بحر العلوم (قدّس سرّه) (3)بأن التصرف المسقط التصرف الواقع في زمان الخيار، والخيار في المقام إنّما يثبت بعد الرد لا قبله فالتصرف الواقع قبل الرد الذي لأجله انعقدت المعاملة وهو المدار في هذا الخيار خارج عن المسقط تخصصاً، لأنّ المسقط هو التصرف الواقع بعد الرد لأنّه زم--ان ثبوت الخيار.
وقد أجاب عن ذلك الرد صاحب الجواهر (قدّس سرّه) (4)وأورد عليه بوجوه منها : أنّ زمان الخيار لو كان مبدؤه من زمان الرد لاستلزم ذلك الجهل بمبدأ
الخيار، والجهالة بمبدأ الخيار تمنع عن صحته كما مرّ. ومنها : أن جعل الخيار من زمان الرد لا من حين المعاملة منافٍ للفهم العرفي في مثل اشتراط هذا الخيار. وأورد عليه ثالثاً : بأنّ الشيخ (قدّس سرّه) لما ذهب إلى أنّ الملكية تحصل بعد زمان الخيار ردّ عليه جماعة بأنّ ذلك على خلاف النصوص الواردة في هذه المسألة والدالة على أنّ غلّة المبيع للمشتري في زمان الخيار، فلو لم يكن المبيع ملكاً للمشتري في زمان الخيار فكيف تنقل غلته إليه، وهذه النصوص تدل على أنّ الخيار في المقام أيضاً يثبت من حين المعاملة، وزمانه هو مجموع تلك المدّة من حين المعاملة إلى انتهائها، هذا.
وقد تنظر في جميع ذلك شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1)بقوله : وفي أص--ل الاستظهار المتقدّم أي قول الأردبيلي (قدّس سرّه) والرد المذكور عن السيد بحر العلوم والمناقشات التي أوردها عليه صاحب الجواهر نظر.
أما ما ذهب إليه الأردبيلي (قدّس سرّه) فلأنّ ما أفاده من أنّ الغرض في هذا الخيار هو التصرف في الثمن والانتفاع به وإن كان متيناً جداً، إلّا أنّه لا يستلزم عدم سقوط الخيار بالتصرف، لأنّ مورد كلامهم في أنّ التصرف في الثمن يسقط الخيار هو خصوص الثمن الشخصي المشروط رد عينه أو الثمن الكلّي فيما إذا اشترط رد شخص الفرد المدفوع من الثمن، وفي مثلها لا يكون المدار والغرض على التصرف في الثمن، إذ المفروض اشتراط ردّ الثمن بعينه، ومعه كيف يتصرف فيه، إلّا أنّ مثلها نادر في هذا الخيار، والغالب فيه هو اشتراط رد الثمن الأعم من رد نفسه أو من رد مثله، وهذا هو الذي يدور فيه الخيار على التصرف في الثمن.
وبعبارة أخرى : أن كون الغرض هو التصرف في الثمن إنّما هو فيها إذا ألغي النظر عن الخصوصيات في الثمن وكان الغرض ردّ ماليته بنفسه أو بمثله وبدله، وقد
1) المكاسب 5 : 137.
مرّ أنّ هذه الصورة ليست محل الكلام، ومورد كلامهم في أن التصرف في الثمن يسقط الخيار هو الصورتان المتقدمتان وهما الثمن الشخصي عند اشتراط رده بنفسه والثمن الكلّي فيما إذا اشترط رد عين الفرد المدفوع من أفراد كلّي الثمن، وفي هاتين الصورتين لا يدور الخيار مدار التصرف في الثمن ولا يكون الغرض منه ذلك. فالمتحصّل أنّ موارد كون الغرض من هذا الخيار هو التصرف في الثمن غير الموارد التي حكموا فيها بسقوط الخيار بالتصرف بالثمن.
وأما ما أورده السيّد بحر العلوم (قدّس سرّه) فلان لازم ما أورده على الأردبيلي أن لا يجوز إسقاط الخيار قبل الرد ولو بالاسقاط اللفظي كما إذا قال : أسقطت خياري، إذ لا خيار قبله حتى يسقطه، وبما أنّ إسقاطه قبل الردّ لفظاً ممّا أطبقت عليه الفتاوى، إما من جهة ثبوت الخيار من الابتداء وكون الرد شرطاً في جواز الفسخ، وإمّا من جهة القدرة على الخيار بالقدرة على الرد وتمكنه من سببه وإمّا من جهة ما ذكرناه من أنّ إسقاط ما لم يجب ممّا ليس فيه محذور، فلا مناص من أن يكون إسقاطه الفعلي أيضاً جائزاً قبل الردّ لتساوي الاسقاط اللفظي والفعلي من هذه الجهة وعدم الفرق بينهما بالنص والفتوى، ومن الظاهر أن التصرف في الثمن قبل الرد إسقاط فعلي للخيار وهو كالاسقاط اللفظي ممّا لا إشكال في جوازه قبل الرد ولعله ظاهر.
وأمّا المناقشات التى أوردها صاحب الجواهر (قدّس سرّه) فلأن المناقشة الأولى منها وهي لزوم الجهل بمبدأ الخيار، مندفعة : بأن الجهل لو منع فإنما يمنع من جهة الغرر، ولا غرر في الجهل بمبدأ الخيار في المقام بعد تمكنه من سببه الذي هو الردّ في مدة معلومة، وذلك لأنّه نظير جعل مبدأ الخيار من حين المعاملة وكون الرد شرطاً في جواز الفسخ، فكما أنّ الغرر في هذه الصورة منتف لتمكنه من الفسخ بالقدرة على الرد فكذلك فيما إذا كان أصل الخيار متوقفاً على الرد فلا غرر فيه لتمكنه
من سببه وهو الرد، وقد ذكرنا في أوائل هذا البحث أن مرجع كلتا الصورتين إلى أمر واحد وإحداهما عين الأخرى فراجع.
نعم ربما يشكل على اشتراط الخيار من حين التفرق باستلزامه الجهل بمبدأ الخيار كما نقل عن العلّامة (1)إلّا أنّ الفرق بينه وبين المقام ظاهر، وذلك لأنّ المشروط له الخيار متمكن في المقام من سبب الخيار وهو الرد وله أن يردّه متى شاء وهذا بخلاف التفرق فإنّ الافتراق وإن كان أيضاً سبباً للخيار المشروط به إلّا أنّه أمر خارج عن قدرة المشروط له الخيار، لأنّ الافتراق متقوم بإرادة الحركة م--ن أحدهما وإرادة السكون من الآخر وهذا كيف يقدر على إرادة السكون في الآخر ومع عدمها لا يحصل الافتراق لأنّه يتعقبه أينما مشى فلا يحصل الافتراق، فهو ليس متمكناً من سبب الخيار، فلذا قلنا إنّ الجهالة فيه تمنع عن الاشتراط، وهذا بخلاف المقام لتمكنه منه للقدرة على سببه (2).
وأمّا المناقشة الثالثة : أعني ما ذكره بعض الأصحاب في ردّ الشيخ (قدّس سرّه) بمخالفته للنصوص، ففيها : أنّ هذا لعلّه من جهة أنّ الأصحاب فهموا من مذهبه توقف الملك على انقضاء زمان الخيار مطلقاً حتى في الخيار المنفصل.
هذا ملخص ما أفاده شيخنا الأنصاري في المقام، وهو من المتانة بمكان وعليه فلا مانع من أن يكون التصرف في الثمن مسقطاً للخيار في المقام، هذا.
ولكن لنا كلام في أصل هذا الكلام وأنّ التصرف بأي مقتض يوجب سقوط الخيار في المقام، فنقول : ربما يكون الغرض من التصرف في الثمن إسقاط الخيار ويكون التصرف بقصد كونه مسقطاً فعلياً للخيار وكاشفاً عن رضاه بالعقد، وهذا
مما لا إشكال في كونه مسقطاً له، لأنّ الاسقاط الفعلي كالاسقاط القولي من حيث كونه كاشفاً عن رضاه بالعقد، والخيار حق له، وله أن يسقط حقه بأي نحو شاء وهذا ظاهر.
وأخرى لا يقصد بالتصرف في الثمن إسقاط الخيار، وإنما يتصرف فيه غفلة أو يتصرف فيه بقصد الانتفاع حتى يردّه بعد ذلك إلى مالكه كما مثلنا له في بيع الحيوان بما إذا قبل الجارية حتى يردّها بعده بحيث لا يكون تصرفه ذلك كاشفاً بالعقد، وفي مثل ذلك أيّ دليل على أنّه يسقط الخيار، لأنّه لو كان فإنما يكون تعبداً محضاً ولم يثبت في هذا الخيار أنّ التصرف فيه مسقط تعبّدي، والرواية إنّما ورد في سقوط خيار الحيوان بالتصرف فيه تعبداً، ولذا قلنا إنّه إذا لامس الجارية أو قبلها أو نظر منها إلى ما يحرم على غير سيدها وزوجها فلا محالة يسقط الخيار تعبداً وإن لم يكن بذلك قاصداً للرضا بالمعاملة، إلّا أنّ ذلك مخصوص بخيار الحيوان ولا دليل على كونه مسقطاً تعبّدياً في هذا الخيار، وأي مانع من أن يتصرف في الثمن بما يشاء من التقبيل واللمس بل الوطء بقصد أن يدفعه بعده إلى المشتري ومع ذلك لا يسقط خياره، نعم لو تصرف في الثمن بما يوجب إتلافه حقيقة أو بنقله إلى غيره فلا محالة يسقط خياره من جهة انتفاء موضوع الرد وعدم إمكانه حتى يثبت له الخيار بعده.
فالمتحصّل أنّ التصرفات على ثلاثة أقسام :
الأول : التصرف فيه بقصد إسقاط الخيار وهو الذي قلنا إنّه كاشف عن الرضا بالمعاملة ومسقط فعلي.
الثاني : التصرف المعدم لموضوع الردّ والخيار إما إعداماً حقيقياً كأكله أو إعداماً شرعياً كبيعه، وهذا يوجب عدم ثبوت الخيار قهراً لارتفاع موضوعه كما مرّ.
والثالث : التصرف الذي لا يعدم الموضوع ولا يكشف عن الرضا بالعقد
كالتصرف فيه غفلة أو بقصد ردّه بعد التصرف، وهذا هو الذي لم يدل دليل على إسقاطه الخيار تعبّداً، وعليه فأصل المقتضي لسقوط الخيار بالتصرف في الثمن غير محرز، ومع عدم المقتضي لا تصل النوبة إلى إبداء المانع عنه في المقام على ما ذكره الأردبيلي (قدّس سرّه) حتى يرد عليه ما ذكره السيد بحر العلوم ويدفعه ص-احب الجواهر (قدّس سرّه) ويستشكل فيها بأجمعها شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه).
مقتضی القاعدة الأوّلية التي جرت عليها السيرة العقلائية من غير نكير أنّ تلف كل مال إنّما هو من ملك مالكه، إذ لا معنى لتلف مال شخص واحتسابه من ملك مالك آخر بلا موجب ولا ضمان، وبالجملة أنّ تلف كل مال يرجع إلى مالكه وهذا ممّا لا ينبغي الاشكال فيه بوجه، إلّا أنّه ورد مخصص لهذه القاعدة الأولية ودلّ على أنّ تلف المبيع قبل قبضه من مال بائعه مع أنّه ملك للمشتري إلّا أنّه لم يقبضه بعد، فمقتضى القاعدة الأوّلية أن يكون تلفه من مال المشتري لأنّه مالكه، ولكن الروايات (1)دلّت على أنّ تلف المبيع قبل قبضه من مال بائعه، وقد ثبت هذا المخصص بالتعبّد، ويحتمل أن تكون سيرة العقلاء أيضاً جارية على ذلك لأنّهم قبل إقباض المبيع يرونه من مال بائعه وكأنّ البيع لم يتحقق بعد عندهم، وكيف كان فإذا باع أحد ماله من المشتري وقد تلف قبل إقباضه له فهو من مال بائعه، إلّا أن معنى ذلك ليس هو ضمان البائع للمشتري بدفع مثل المبيع أو قيمته كما هو معنى الضمان في غير المقام، بل المعنى أنّ التالف يفرض مالاً للبائع كما هو مقتضى قوله فهو من مال بائعه، ولازم فرضه مالاً للبائع انفساخ المعاملة وارتفاعها، وإلّا ففرض أنّه مال
1) المستدرك 13 : 303 / أبواب الخيار ب 9.
لبائعه قبل تلفه بأن لا يجتمع مع كونه ملكاً للمشتري كما هو ظاهر، فمعنى أن تلف المبيع قبل إقباضه من مال بائعه أنّ المبيع لو تلف قبل إقباضه تنفسخ المعاملة، وقد عرفت أنّ هذا المخصص ثبت بالتعبّد وبالسيرة العقلائية على احتمال.
ثم إنّه ورد على القاعدة الأوّلية مخصص ثانٍ وهو إنّما ثبت بالتعبد المحض بلا ثبوت السيرة العقلائية على طبقه، حيث ورد (1)أنّ تلف المبيع في زمان الخيار ممّن لا خيار له، وهذا كما ترى على خلاف ما تقتضيه القاعدة الأولية من أنّ تلف كل شيء ممّن يملكه لا من شخص آخر، إلّا أنّه ثبت بالتعبّد المحض أنّ تلفه في زمان الخيار ممّن لا خيار له، هذا كله بحسب الكبرى الكلّية.
وأما في المقام أعني البيع المشروط فيه الخيار على تقدير ردّ الثمن فتارة يقع الكلام في تلف المبيع عند المشتري وأخرى يقع الكلام في تلف الثمن عند البائع.
أما تلف المبيع عند المشتري في زمان الخيار فلا ينبغي الاشكال في أنّ تلفه عليه، لأنّه مالكه وقد عرفت أنّ مقتضى القاعدة الأوّلية أن يكون تلف كل مال من ملك مالكه لا من ملك شخص آخر، فكون تلف المبيع على المشتري هو الذي تقتضيه القاعدة الأولية بلا حاجة إلى تعبّد ودليل.
وليس المقام من موارد التمسّك بما دلّ على أنّ التلف في زمان الخيار ممّن لا خيار له والمشتري حسب الفرض ممّن لا خيار له، وذلك لأن قاعدة كون التلف في زمان الخيار ممّن لا خيار له إنّما تأتي فيما إذا أردنا إثبات التلف على غير المالك من جهة أنّه ممّن لا خيار له، وأمّا إثبات التلف على مالكه ولو كان ممّن لا خيار له فهو على طبق القاعدة الأوّلية، ولا يحتاج فيه إلى التمسّك بالمخصص التعبدي الثابت على خلاف القاعدة الأولية.
1) راجع الوسائل 18 : 14 / أبواب الخيار ب 5.
فإذا ثبت أنّ تلف المبيع على المشتري لأنّه ملكه يقع الكلام والبحث في أمرين آخرين :
أحدهما : في أنّه إذا تلف المبيع عند المشتري فهل يسقط خيار البائع بذلك أو أنّ خياره باقٍ، وحيث ذكرنا في أوائل الخيارات أن الخيار متعلّق بالعقد وليس متعلقاً بالعين حتى يسقط بتلفها، فمقتضى ذلك عدم سقوط خيار البائع بتلف المبيع إلّا أنّه لما كان غرض البائع في بيع ماله بثمن بخس كما هو الغالب في البيوع الخيارية إبقاء خصوصية ماله، إذ لو كان غرضه رفع اليد عنه لباعه في السوق بالقيمة السوقية التي هي أكثر من الثمن المجعول في البيع بالشرط، كان لازم ذلك اشتراط إبقاء المبيع على المشتري ضمناً، فکأنّه باع واشترط الخيار واشترط أيضاً إبقاء ماله، فإذا تلف ذلك المال بنفسه عند المشتري فلا محالة يرتفع موضوع شرط الابقاء، ولكن لا يسقط خياره بتلف المبيع لاطلاقه حسب الفرض، وليس اشتراطه الخيار معلّقاً ومقيّداً بزمان بقاء المبيع، وإذا كان إبقاء المبيع مشروطاً على المشتري بالاشتراط الضمني فيشمله عموم «المؤمنون عند شروطهم» (1)وأمّا أنّ وجوب الابقاء تكليفي أو وضعي فسيأتي في أحكام الخيار إن شاء اللّه تعالى.
ثانيهما : أنّ المشتري هل يتمكن من إتلاف المبيع أو لا يجوز له ذلك، وهذا قد ظهر ممّا ذكرناه وأنّ مقتضى الاشتراط الضمني وعموم «المؤمنون عند شروطهم» عدم جواز الاتلاف، إلّا أن كونه تكليفياً أو وضعياً سيأتي الكلام فيه في بحث أحكام الخيار.
فإلى هنا تحصل أنّ تلف المبيع عند المشتري لا يحتاج إلى التشبث بذيل المخصص الثابت على خلاف القاعدة، لأنّه مقتضى القاعدة الأوّلية كما مرّ.
1) الوسائل 21 : 276 / أبواب المهور ب 20 ح 4.
وأمّا تلف الثمن عند البائع فهو تارةً يتصوّر قبل الردّ وأخرى بعد الردّ، وعلى كلا التقديرين تارة يكون الثمن كلياً وأخرى يكون شخصياً.
أما إذا كان الثمن كلياً فسواء كان قبل الرد أو بعده لا تشمله قاعدة كون التلف في زمان الخيار ممّن لا خيار له، لاختصاصها بالمبيع والثمن الشخصيين ولا تجري في الكليين، والوجه فيه ظاهر لأن كون الثمن كلّياً وإن كان هو الأغلب ويكون المدفوع فرداً من ذلك الكلّي إلّا أنّ التالف حينئذ هو الفرد المدفوع وهو ليس مبيعاً ولا ثمناً لأنّهما المبيع والثمن الكليان والفرد غير الكلّي، والرواية إنّما دلّت على أن تلف المبيع أو الثمن في زمن الخيار ممّن لا خيار له، لا أنّ تلف غير المبيع وغير الثمن أيضاً ممّن لا خيار له، فالثمن أو المبيع الكليين خارجان عن مورد القاعدة، وهي تختص بالمبيع والثمن الشخصيين.
وأما إذا كان الثمن شخصياً فتارة يتلف قبل الردّ وأخرى بعده.
فإن كان التلف بعد الردّ فملخص الكلام فيه : أنّ الردّ إن كان بعنوان الفسخ بأن يكون الردّ فسخاً فعلياً فلا إشكال في أن الثمن حينئذ ملك للمشتري فلو تلف فهو من مال مالكه أعني المشتري، وكيف كان فهو خارج عن مورد قاعدة التلف في زمن الخيار ممّن لا خيار له.
وأما إذا كان الرد بعنوان الوديعة عند المشتري حتى يفسخ المعاملة بعد ذلك فحينئذ ربما يقال إنّ مقتضى كون التلف فى زمان الخيار ممّن لا خيار له أن يكون تلف الثمن من المشتري، لأنّه لا خيار له وقد عرفت أن معنى كون التلف ممّن لا خيار له فرض كون التالف ماله ولازمه انفساخ المعاملة، إلّا أن ذلك مبني على عموم القاعدة وشمولها للثمن كالمثمن وعدم اختصاصها بخصوص الثاني، ومع فرض عمومها فلا مانع من الاستدلال بها في المقام، والكلام في ثبوت أصل المقتضي وعدم قصوره، فنقول : إنّ قولنا التلف في زمن الخيار ممّن لا خيار له ليس
وارداً في شيء من الأخبار بهذا اللفظ ولا بهذا المعنى، وإنما ورد(1)في خصوص خيار الحيوان أن الحيوان المبيع لو تلف في زمن الخيار الذي هو ثلاثة أيام فهو من مال البائع وورد (2)أيضاً في خيار الشرط أنّ المبيع إذا تلف في زمان الشرط الذي جعله المشتري لنفسه فهو من مال بائعه حتى تنقضي أيام شرطه، ولم يرد هذا المعنى في غير هذين الموردين. نعم قد ألحق المشهور خيار المجلس بهذين الخيارين وذكروا أن تلف المبيع في زمان خيار المجلس أيضاً من مال بائعه بدعوى أنا نستفيد من قوله (عليه السلام) في ذيل هذه الأخبار الواردة في خياري الحيوان والشرط «حتى ينقضي الشرط ثلاثة أيام ويصير المبيع للمشتري» (3)أنّ المناط في كون التلف محسوباً من البائع هو عدم لزوم العقد وعدم صيرورة المبيع ملك المشتري لزوماً.
وبالجملة : أنّ تلك القاعدة غير واردة بهذا اللفظ ولا بهذا المعنى في الأخبار إلّا أن صاحب الجواهر (قدّس سرّه) (4)استدل على اختصاص القاعدة بالمبيع وأنّ كون التلف ممّن لا خيار له يختص بما إذا كان التالف هو المبيع ولا يشمل ما إذا كان التالف الثمن برواية معاوية بن ميسرة قال سمعت أبا الجارود يسأل أبا عبدالله (عليه السلام) عن رجل باع داراً له من رجل وكان بينه وبين الذي اشترى الدار خلطة فشرط إنك إن أتيتني بمالي ما بين ثلاث سنين فالدار دارك، فأتاه بماله، قال : له شرطه. قال له أبو الجارود : فإنّ هذا الرجل قد أصاب في هذا المال في ثلاث
سنين قال هو ماله. وقال عليه السلام) أرأيت لو أنّ الدار احترقت من مال من كانت تكون الدار دار المشتري»(1)، هذا.
وذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (2)أنّ وجه الاستظهار من الرواية غير ظاهر. ونحن نوافق الشيخ (قدّس سرّه) ونقول إنّ الرواية كما عرفت إنّما اشتملت على حكمين : أحدهما أنّ منافع الثمن التي أصابها البائع قبل ردّه ملك للبائع. وثانيهما : أنّ تلف المبيع في مدة المعاملة قبل ردّ الثمن من المشتري ولم تشتمل الرواية على أزيد منها، وهما كما ذكره شيخنا الأنصاري حكمان إجماعيان سواء قلنا بأنّ تلف المبيع أو الثمن ممّن لا خيار له أم لم نقل به، وعليه فلا ربط للرواية بالمقام ولا دلالة فيها على أنّ التلف إنّما يحسب ممّن لا خيار له فيما إذا كان هو المبيع دون الثمن وهو ظاهر.
نعم، هذه القاعدة منافية لقاعدة الخراج بالضمان حيث إن كون منافع الثمن للبائع يستلزم أن يكون تلفه أيضاً من البائع بتلك القاعدة مع أنا نريد إثباته على المشتري، ولعل نظر صاحب الجواهر (قدّس سرّه) أيضاً إليه.
إلا أنا ذكرنا في بحث ضمان المنافع عند التكلم في صحيحة أبي ولاد أن الخراج بالضمان نبوي ولا أساس له بوجه، وإنما الثابت منه على تقدير تسليم سنده أنّ الضمان المعاملي أي صيرورة المال ملكاً لشخص بالمعاملة وبذل الثمن في مقابله يستلزم أن تكون منافع ذلك المال أيضاً عائدة إليه، لأنّه معنى انتقال المال إلي-ه فليس كل ضمان موجباً لتملك المنافع كما ذهب إليه أبو حنيفة (3)فحكم أن منافع المغصوب ملك للغاصب لأنّه ضامن للمغصوب والخراج بالضمان، بل الضمان
المعاملي هو الذي يوجب ملكية المنافع كما هو ظاهر، وعليه فمفاد الخراج بالضمان بالمعنى الذي ذكرناه أمر ثابت لا مجال لانكاره وهو على وفق القاعدة الأولية ولازم ذلك أن يكون ضمان الثمن على البائع في المقام كما أن منافعه له، فيكون الحكم بأن تلف الثمن في زمان الخيار من المشتري منافياً لذلك
إلا أنّه إذا ثبت عموم تلك القاعدة وشمولها لتلف الثم--ن أي-ض-اً ف--لا محالة تخصص مفاد الخراج بالضمان بعموم هذه القاعدة، لما عرفت من أن مفاد الخ--راج بالضمان على وفق القاعدة الأوّلية من أنّ الضامن لتلف الملك إنّما هو مالكه الذى ترجع إليه منافعه ولا وجه لضمان شخص آخر له، وإذا ثبت عموم تلك القاعدة للثمن فلا محالة تكون واردة في مورد تلك القاعدة الأولية وتوجب تخصيصها كما خصصتها في طرف المثمن.
وعليه فالعمدة هو التكلم في عموم تلك القاعدة للثمن وعدمه، وأم-ا ب-عد عمومها وشمولها للثمن فلا تصل النوبة إلى المعارضة بقاعدة الخراج بالضمان، وأمّا الكلام في كون القاعدة عامة وشاملة للثمن فسيأتي إن شاء اللّه تعالى في أحكام الخيار، والغرض أنّ قاعدة كون التلف في زمن الخيار ممّن لا خيار له لم ترد بهذا اللفظ ولا بهذا المعنى في شيء من الأخبار وقد عرفت عدم دلالة الروايات عليها بل إنّما وردت في خياري الحيوان والشرط وقد ألحقوا خيار المجلس بهما كما عرفت فنرفع اليد عن القاعدة الأولية في طرف المبيع بهذه الأخبار الدالة على أن تلف المبيع في زمان الخيار من مال بائعه.
وأمّا في طرف الثمن فيما أنّ الحكم بضمان من لا خيار له على خلاف القاعدة الأولية، فلا محالة نحتاج في تسريتها إلى الثمن إلى دليل وهو مفقود في المقام، هذا كله فيما إذا كان التلف بعد الرد وقبل الفسخ.
وأما إذا تلف الثمن قبل الرد فالكلام فيه هو الكلام في الصورة السابقة، إلّا
أنه ربما يقال في هذه الصورة بأنّ الخيار غير ثابت قبل ردّ الثمن فيكون تلف الثمن في غير زمان الخيار، والتلف في غير زمان الخيار لم يثبت أنّه ممّن لا خيار له.
وقد أجاب شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (1)عن ذلك أولاً : بأن المبنى فاسد من جهة ما ذكره سابقاً من أنّ الخيار ثابت من الابتداء والفسخ معلّق على الردّ فيكون التلف في زمان الخيار هذا، وقد أشرنا سابقاً إلى أن مرجع هاتين الصورتين إلى أمر واحد وليس بينهما فرق أبداً.
وأجاب عنه ثانياً : بفساد البناء وأنّه لا فرق بين الخيار المتصل والمنفصل بدعوى أنا استفدنا من الروايات الواردة في أنّ التلف في زمن الخيار ممّن لا خيار له أنّ المناط في ذلك عدم لزوم المعاملة وتزلزلها حيث قال (عليه السلام) «حتى ينقضي الشرط ويصير المبيع للمشتري» وإذا فرضنا أنّ له خياراً عند رأس شهر فلا محالة لا يصدق أنّ الشرط انقضى فيكون التلف حينئذ أيضاً محسوباً ممّن لا خيار له، من دون فرق في ذلك بين المتصل والمنفصل، هذا.
ولا يخفى أنّ للمناقشة فيما أفاده (قدّس سرّه) مجالاً واسعاً يأتي تفصيله إن شاء اللّه تعالى في أحكام الخيار ونبيّن هناك أنّ القاعدة عامة للثمن أيضاً أو مختصة بالمثمن، وأنّها تختص بالمتصل أو تأتي في المنفصل أيضاً.
ولكن شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) تعرّض إلى ثمرات النزاع في المقام وأفاد بما ملخصه : أنّه إذا قلنا بشمول القاعدة للثمن وتلف بعد ردّه فلا محالة تنفسخ المعاملة، لما عرفت من أنّ كون التلف ممّن لا خيار له معناه أن التالف يفرض مالاً له بآن ولازمه الانفساخ، وبه يرجع المثمن إلى ملك البائع لا محالة ولا يبقى معه مجال للخيار.
1) المكاسب 5 : 141.
وأما إذا قلنا بعدم شمولها للثمن واختصاصها بالمثمن فالمعاملة بحالها كما أن البائع على خياره فيما لو اشترط ردّ الأعم من نفس الثمن وبدله المثل أو القيمة، لأنّه حينئذ يرد إلى المشتري بدل الثمن التالف ويفسخ المعاملة، وأما إذا اشترط ردّ نفس الثمن فبتلفه يسقط خياره لأنّه لا يتمكن معه من ردّ شخص الثمن فلا يتمكن من فسخ المعاملة، كما هو ظاهر. هذا فيما إذا تلف قبل الرد، وأما إذا تلف بعد الرد فالبائع يتمكن من استرجاع المبيع وفسخ المعاملة مطلقاً سواء شرط ردّ الأعم أو شرط ردّ شخص الثمن.
لا إشكال في أنّه إذا اشترط في بيع الخيار ردّ الثمن إلى نفس المشتري فلا يجوز ردّه إلى من يقوم مقامه من الولي أو الوكيل أو الحاكم، ولا يثبت به شرط الفسخ الذي هو ردّ الثمن إلى نفس المشتري، فإذا فرضنا أنّ المشتري غائب أو مجنون أو ميت فلا محالة يسقط خيار البائع بمعنى أنّه لا يتمكّن من الفسخ لعدم قدرته على شرطه وهو ردّ الثمن إلى نفس المشتري حسب الاشتراط، كما أنّه إذا اشترط ردّه إلى الأعم منه منه وممن يقوم مقامه أو من الأجنبي يجوز ردّه إليه وإلى من يقوم مقامه بل إلى الأجنبي، ويتمكن بذلك من الفسخ لحصول شرطه، والوجه في ذلك : أنّ هذا الخيار جعلي ويتبع جعل المتعاقدين واشتراطهما كما هو ظاهر ولا كلام فيه.
وإنما الإشكال فيما إذا أطلقا ولم يشترطا ردّه إلى نفس المشتري ولا إلى الأعم منه وممن يقوم مقامه، فهل يحصل الشرط حينئذ بردّه إلى الولي أو الوكيل أو الحاكم عند عدم التمكن من ردّه إلى نفسه، أو أنّ الشرط لا يحصل بذلك بل لا بد فيه من ردّه
إلى نفس المشتري، نقل شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (1)حصوله بردّ الثمن إلى الحاكم عن المحقق القمّي (قدّس سرّه) في أجوبة مسائله كما نقل ع-دم-ه ع--ن ال-س--ي-د صاحب المناهل في كتابه، ونقل أيضاً عن صاحب الحدائق كلاماً واستغربه، وهو كذلك، وذلك لأنّه (قدّس سرّه) بعد ما نقل أنّ المشهور عدم اعتبار حضور الطرف في فسخ ذي الخيار وعدم اعتبار الاشهاد على فسخه، ذكر أنّ ظاهر الرواية اعتبار حضور المشتري في فسخ البائع بعد دفع الثمن إليه أي إلى المشتري، ثمّ ذكر أنّ ما ذهب إليه الأصحاب من جواز الفسخ مع عدم حضور المشتري وجعل الثمن أمانة إلى أن يجيء المشتري وإن كان ظاهرهم الاتفاق عليه، إلّا أنّه بعيد ع--ن مس--اق الأخبار المذكورة، هذا.
والوجه في الاستغراب أنّ في المقام مسألتين :
إحداهما : أنّه هل يشترط في نفوذ الفسخ في مقام الثبوت حضور الطرف الآخر أو الاشهاد على فسخه بحيث لولا أحدهما لما يكون الفسخ نافذاً حتى عند الفاسخ العالم بفسخه، أو لا يشترط في نفوذه أحدهما وإن كان يلزم في مقام الترافع والاثبات إثبات مدعي الفسخ فسخه ببينة أو بحلف، إذ مقتضى الأصل عدمه إلّا أنّه في مقام الثبوت غير مشروط بأحد الأمرين بحيث لولا أحدهما لما نفذ فسخه حتى عند نفس الفاسخ ؟ وهذه المسألة هي التي تعرّض إليها الأصحاب وذكروا أن حضور الطرف لا يشترط في فسخ ذي الخيار في مقابل العامة (2)حيث ذهبوا إلى الاشتراط.
وثانيتهما : أنّه هل يشترط في التمكن من الفسخ في بيع الخيار ردّ الثمن إلى
نفس المشتري أو لا ؟ ومن الظاهر أنّ اشتراط الحضور في الفسخ على تقدير القول به لا يلازم اشتراط حضوره في الردّ أي في ردّ الثمن، لأن أحدهما غير الآخر والأخبار لو دلّت فإنما تدل على اعتبار الحضور في الفسخ وأين هذا من اشتراطه في رد الثمن، وهذه المسألة كما ذكرها شيخنا الأنصاري (1)غير منقحة في كلامهم، بل ذكر (قدّس سرّه) أنّه لم يجد فيما رآه من تعرّض لحكم ردّ الثمن مع غيبة المشتري في هذا الخيار ولم يظهر منهم جواز الفسخ بجعل الثمن أمانة عند البائع حتى يحضر المشتري ومع هذا الوصف كيف يصح دعوى الاتفاق من الأصحاب على جوازه، ثمّ رده بأنّه بعيد عن مساق الأخبار.
وكيف كان، فلم ترد في هذه المسألة رواية حتى يستفاد منها جواز الردّ إلى من يقوم مقام المشتري أو عدمه، فلابد في استفادة أحد الأمرين من المراجعة إلى أنّ مثله عند العرف ظاهر في أي شيء حتى يكون ذلك قرينة عرفية على أحدهما فنقول : الظاهر أنّه لا موضوعية لخصوص البائع أو المشتري في بيع الخيار، ب--ل الغرض والمناط عند العرف في مثله هو وصول الثمن إلى المشتري وتمكنه منه ووصول المبيع إلى بائعه، سواء كان الراد هو نفس البائع أو ورثته، كما إذا مات البائع وأراد ورثته ردّ ثمن المبيع إلى المشتري فليس عند العرف حق المخالفة بدعوى أنّ المعاملة إنّما تحققت مع البائع لا مع ورثته، بل يرون الورثه متمكنين من فسخ البيع بعد ردّ ثمنه إلى المشتري، وليس هذا من جهة إرث الخيار لأن ذلك لو كان من ناحية انتقال الخيار إلى الورثة لما كان هذا منافياً لعدم تمكنهم من الفسخ من جهة عدم القدرة على شرطه الذي هو ردّ الثمن، والمفروض أن المنتقل هو الخيار دون شرطه كما هو ظاهر، بل من جهة عدم خصوصية البائع في ردّ الثمن إلى المشتري، كما
1) المكاسب 5 : 142
أنّ المشتري لا موضوعية له في هذا الخيار فلو دفع الثمن إلى ورثته كفى ذلك ع-ن-د العرف في ثبوت حق استرجاع المبيع، ولا يمنعونه عن استرجاعه بدعوى أن طرف المعاملة هو المشتري والمفروض عدمه، وكذلك من يقوم مقامه من الحاكم ونحوه، إذ لا موضوعية لخصوص البائع والمشتري في ذلك حسب المتفاهم العرفي من مثل بيع الخيار، وعليه فلا ينبغي الشك في جواز ردّ الثمن إلى من يقوم مقامه عند غيبته وبذلك يصير البائع متمكناً من الفسخ ما لم يصرحوا باشتراط ردّه إلى خصوص المشتري، هذا.
بقي الكلام في شيء وهو أنّه إذا اشترى الأب للطفل شيئاً ببيع الخيار من باب ولايته عليه وكون البيع بخيار مصلحة له حتى يصح بيعه، فهل البائع يتمكن من ردّ الثمن إلى جده وبه يفسخ المعاملة لأنّه أيضاً وليه، أو اشتراه جده والبائع أراد ردّ الثمن إلى أبيه لأنّه أيضاً ولي للطفل، أو أنّ اللازم ردّه إلى خصوص المتصدّي للبيع بخيار دون غيره ؟ ونظيره ما لو اشترى الحاكم لصغير شيئاً ببيع الخيار والبائع دفع الثمن إلى حاكم شرعي آخر فهل يتمكن بذلك من الفسخ ؟
احتمل شيخنا الأنصاري (1)جواز دفعه إلى حاكم آخر لأنّه أيضاً ولي، ولا مزاحمة في ذلك للحاكم الأوّل في شيء، نعم يجب على الثاني ردّ الثمن إلى الأول لئلا تتحقق المزاحمة، ثمّ احتمل عدم وجوب الدفع إلى الحاكم الأول بدعوى أنّ هذا ملك جديد لم يتصرف فيه الحاكم الأوّل حتى لا يجوز مزاحمته فيه، بل هو ملك جديد حصل بالرد من غير سبق التصرف فيه من حاكم آخر، ثمّ احتمل أخيراً أنّها مزاحمة عرفية للحاكم الأوّل فيجب عليه أن يدفعه إلى الحاكم الأوّل، هذا
1) المكاسب 5 : 144.
ولا يخفى عليك أنا ذكرنا في بحث الولاية (1)أن ولاية الحاكم لم تثبت بدليل لفظي حتى نتمسك باطلاقها كما نثبت ولاية الأب والجد بالروايات وللتمسّك باطلاقها مجال، وبه نقول بجواز ردّ الثمن إلى الأب عند اشتراء الجدّ أو إلى الجد عند اشتراء الأب لأنّهما وليّان للطفل مطلقاً، وأمّا الحاكم فلم يدل على ولايته دليل حتى يصح التمسّك باطلاقه، بل إنّما قلنا بولايته من باب الحسبة أي القطع بعدم رضا الشارع بذهاب مال الصغير أو نفسه هدراً أو بتلفه بلا موجب، وأنّ الشارع راض بالتصرف في أمواله حفظاً له أو لماله عن الضياع والتلف، والمقدار المتيقن ممّن يجوز له التصرف في أموال الأطفال من باب الحسبة هو الحاكم، وذلك لعدم احتمال كون العدالة مانعة عن القيام بتلك الوظيفة وعن جواز التصرف في مال الطفل بأن يكون الفسق شرطاً في جواز التصرف في مال الطفل، كما لا نحتمل مانعية العلم عن ذلك بأن يقال باعتبار الجهل في المتصرف، وعليه فالأمر يدور بين تعين الحاكم الشرعي أي العالم العادل في التصرف في أموال الأطفال وبين غيره من المؤمنين، ولا إشكال أن الحاكم متعين.
وكيف كان، فالأخذ بالحاكم وإثبات ولايته من باب الحسبة والأخذ بالمقدار المتيقن كما ذكرناه في بحث الولاية، وعليه فنقول : إذا قام بهذه الوظيفة أحد الحاكمين وباع أو اشترى للطفل مع مراعاة الغبطة والصلاح، فبأي دليل تبق الولاية للحاكم الثاني حينئذ حتى يجوز له أخذ الثمن أو نحوه، لما عرفت من أن ولايته من جهة الأخذ بالمقدار المتيقن والحاكم الثاني ليس من القدر المتيقن بعد تصرفات الحاكم الأوّل، وعليه فليس جواز ردّ الثمن إلى الحاكم الثاني أو عدمه مبنيّاً على مسألة المزاحمة وعدمها، بل من جهة عدم المقتضي وعدم ولاية الحاكم
1) راجع المجلد الثاني من هذا الكتاب مبحث الولاية الصفحة 175.
الثاني.
وبالجملة : فنفصل في المقام بين الأب والجد وبين الحاكمين، ونلتزم بجواز ردّ الثمن إلى الأب عند مباشرة الجد وبالعكس في العكس، بخلاف الحاكمين فإنّ الردّ إلى الحاكم الثاني غير مجوّز للفسخ لعدم ولايته حسب الفرض.
تارةً يشترط في بيع الخيار ردّ الثمن بأجمعه وعليه فلو ردّ بعضه فلا يتمكن من الفسخ لعدم حصول شرطه، ولا يجوز للمشتري أن يتصرف في ذلك البعض المدفوع لأنّه باقٍ على ملك البائع ولم ينتقل بعد إليه، فتصرفاته فيها تصرف في ملك الغير بلا إذنه وهو حرام، والظاهر أنّ ذلك ممّا لا ينبغي الاشكال فيه.
وإن ناقش فيه بعضهم بأنّ الحق بينهما فإذا رضي البائع ب-رج-وع البعض المدفوع إلى ملك المشتري ورضي به المشتري أيضاً بتصرفاته فيه فيكون ذلك إقالة واستقالة فلا تكون تصرفات المشتري فيه محرّمة.
ويدفعه : أنّ دفع البعض ليس على وجه التمليك للمشتري بل إنّما يدفعه إليه حتى يفسخ المعاملة بعد ذلك بردّ جميع الثمن، ولربما لا يفسخ بعد ذلك أيضاً لبعض المصالح بنظره، وكيف كان فليس دفع البعض من باب الاستقالة والفسخ الفعلي وعليه فلا يكون ذلك منتقلاً إلى المشتري لبقائه على ملك البائع، والظاهر أنّ م--ا ذكرناه ممّا لا إشكال فيه.
ثم إنّه إذا فرضنا أنّ البعض المدفوع تلف عند المشتري بغير تفريط فهل يضمنه المشتري أو لا ؟ ذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (1)أنّ المشتري يضمنه
1) المكاسب 5 : 145.
لأن البائع دفعه إليه على وجه الثمنية فلا محالة يكون تلفه على المشتري، هذا.
والظاهر أنّ المشتري لا يضمن البعض المدفوع بوجه، لأنّه عنده أمانة مالكية، وأما ما أفاده (قدّس سرّه) من أن دفع البعض على وجه الثمنية فلم يظهر أنّه ماذا أراد بهذا الكلام، فإن أراد أنّ دفع بعض الثمن على وجه الفسخ ولو بالاضافة إلى مقدار المدفوع، ففيه : أنّه خلف الفرض، إذ المفروض أن الخيار مشروط بردّ جميع الثمن. وإن أراد أنّ دفعه على وجه أنّه من الثمن حتى يتمكن من الفسخ بعد إكماله، فمعناه أنّه أمانة مالكية عند المشتري والأمين لا يضمن، وبالجملة فلا نتصوّر غير الأمانة المالكية في المقام ولا ضمان في مثلها.
ولا يقاس المقام بالمقبوض للسوم فإنّا وإن قلنا فيه بالضمان وفاقاً للمشهور إلّا أنّه من جهة أنّ الأخذ لأجل صلاح المشتري، وأمّا في المقام فليس قبض البعض المدفوع مصلحة للمشتري بل هو على صلاح البائع، لأن الغالب في بيع الخيار عدم رضا المشتري بالفسخ لأنّ ثمنه أقل من ثمن مثله غالباً والفسخ إنّما هو على مصلحة البائع، فمع كون دفعه لأجل صلاح نفسه فلا وجه لضمان المشتري له على تقدير تلفه بلا تفريط.
وأخرى يشترط البائع الفسخ عند دفع بعض الثمن بحسب نسبة المدفوع إلى الثمن، فإن كان بالنصف فيفسخ المعاملة في نصفها، وإن كان بالربع فيفسخ ربعها وهكذا، وهذا أيضاً شرط صحيح لا محذور فيه، وذلك لما أشرنا إليه سابقاً من أنّ هذا الخيار أمر جعلي للمتعاقدين وليس أمراً ثابتاً بأصل الشرع، وقد ذكرنا أنّ صحة جعل الخيار واشتراطه في المعاملات على طبق القاعدة ولم نستند في صحته إلى الروايات الواردة في بيع الخيار حتى يقال كما قيل إنّ الروايات إنّما اشتملت على جواز فسخ المعاملة عند دفع جميع الثمن دون بعضه، فلا يصح اشتراط جواز الفسخ عند ردّ بعض الثمن، كما منعنا عن ذلك في خياري المجلس والحيوان وقلنا إن فسخ
نصف البيع فيهما باطل وإنما نثبت بالأخبار فسخ تمام البيع أو إمضاء جميعه، وأم--ا فسخ بعضه دون بعض فلم تشتمل عليه الأخبار، ولكن في بيع الخيار بما أنا لم نستند إلى الأخبار بل قلنا إن صحته من جهة القاعدة الأولية بحيث كنا حكمنا بصحته ولو لم تكن في البين رواية أصلاً، فلا محالة نقول بصحة اشتراط الخيار في فسخ نصف المبيع أو ربعه أو غيرهما، لأنّه على وفق القاعدة الأولية وقوله (عليه السلام) «المؤمنون عند شروطهم» (1)وهذا ظاهر.
ثم ذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (2)أنّ للمشتري خيار تبعض الصفقة إذا لم يفسخ البائع بقية المبيع وخرجت المدة هذا، ولكنّا كلّما تأملنا في هذا المقام لم نتعقل خيار تبعض الصفقة فيما إذا لم يفسخ البائع بقية المبيع إلى أن انقضت المدة، وذلك لأنّ اشتراط الفسخ عند دفع بعض الثمن بنسبة المدفوع إلى الجميع يتصوّر على وجوه :
أحدها : أن يشترط الخيار في فسخ جميع المبيع إلّا أن فسخه يكون تدريجياً بأن يفسخ من المبيع بمقدار ما يدفعه من الثمن حتى ينتهي الثمن بانقضاء المدة إرفاقاً للبائع، لعدم تمكنه من دفع الثمن بأجمعه مرّة واحدة، وفي هذه الصورة إذا فسخ مقداراً من المبيع بدفع مقدار من الثمن ولكن انقضت المدة قبل أن ينتهي الثمن ففي مثل ذلك يحكم بعدم خيار البائع لعدم وقوع فسخ الجميع في خلال المدة المشروط فيها فسخ تمام المبيع، وهذا نظير إبطال الصلاة في التشهد الأخير ونظير إبطال الصوم بآن قبل الغروب، فإنّ عدم تحقق الفسخ في جزء من أجزاء المبيع في أثناء المدة يكشف عن عدم تحقق الفسخ من الابتداء، لأنّ المقام نظير الواجب الارتباطي
فلو أخل بجزء يسير منه فلا محالة يكشف ذلك عن عدم تحقق شيء من أج-زاء الواجب أصلاً، وأنّ ما وقع في الخارج ليس من أجزاء الواجب لانتفاء بعض أجزائه، وفي هذه الصورة لا خيار له أصلاً ويكشف عدم تحقق الفسخ في بعض أجزاء المبيع عن عدم تحققه في شيء من أجزائه من الابتداء.
وثانيها : أن يشترط الخيار في فسخ كل جزء دفع ثمنه إليه من دون أن يكون الخيار في فسخ هذا الجزء مربوطاً بالخيار في فسخ سائر الأجزاء أبداً، فكأنها معاملات متعددة حسب تعدد الأجزاء بشرط الخيار في كل واحد منها، حيث إنّ خياره في كل واحد المعاملات غير مربوط بخياره في المعاملة الأخرى وهذا
من ظاهر، وعليه فإذا فسخ البائع في جزء من أجزاء المبيع ولم يفسخ في غيره فهذا لا يوجب خيار تبعض الصفقة، لأنّ هذا الخيار إنّما يثبت بالاشتراط الارتكازي حيث إنّ ظاهر اشتراء شيء اشتراؤه بجميع أجزائه وبشرط اتصال أحد أجزائه بالآخر، فعند انتفاء ذلك يثبت للمشتري خيار تبعض الصفقة، وأما إذا أقدم المشتري على تبعّض الصفقة من الابتداء حيث اشترط عليه البائع الفسخ في جزء معيّن أو جزء غير معيّن من المبيع وقد رضي به المشتري، فمعناه أنّه أقدم على تبعض صفقته، فإذا أعمل البائع خياره في الجزء المعيّن أو غير المعيّن فهذا لا يوجب تبعض الصفقة بوجه.
مثلاً ربما ربما يبيع البائع للمشتري شاة منضمة إلى شاة ثانية بلا اشتراط الفسخ في البين، وفي مثله إذا فسخ البيع في إحدى الشاتين أو تبين بطلان المعاملة بالاضافة إليها لكونها ملك الغير، فلا محالة يثبت للمشتري الخيار لتبعض الصفقة عليه، لأنّ ظاهر شراء مجموع الشاتين أنّه يشتريها بوصف الاجتماع، والمفروض عدم وصوله إليه بوصف الاجتماع فيثبت له الخيار.
وأخرى يبيع البائع للمشتري شاتين ويشترط لنفسه الخيار في فسخ بيع إحداهما، فإذا أراد فسخ بيعها بعد ذلك أو تبيّن بطلان المعاملة بالاضافة إليها فهذا لا يوجب خيار تبعض الصفقة على المشتري لأنّه بنفسه أقدم عليه وألغى اشتراطه الارتكازي.
وثالثة : يشترط الخيار في فسخ كل واحد من الأجزاء بحيث يكون فسخ بعضها غير مربوط بفسخ الآخر أبداً فكأنها معاملات قد اشترط فيها الخيار، فإنّ الخيار في بعض تلك المعاملات لا ربط له بالخيار في المعاملة الأخرى، إلّا أنّه يشترط عليه فسخ سائر الأجزاء أيضاً على تقدير فسخ بعضها، فيرجع اشتراطه إلى شرط فسخ تمام المبيع إذا فسخ البيع في بعض أجزائه، وفي مثله إذا فسخ البائع في بعض أجزاء المبيع ولم يفسخه في تمامه فيثبت للمشتري خيار تخلف الشرط، فيأمر البائع بفسخ الجميع فإن فسخه فهو وإلّا جاز للمشتري فسخ الجميع.
وبالجملة : أنّ مرجع هذا الاشتراط إلى اشتراط إخراج سائر الأجزاء أيضاً عن ملكه على تقدير إخراج بعض الأجزاء، وفي هذه الصورة يثبت للمشتري خيار تخلّف الشرط كما ذكرناه فأين خيار تبعض الصفقة في المقام، ولا ندري أنّه ما إذا أراد به شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه).
والعجب أنّه ذهب إلى ثبوت خيار تبعض الصفقة فيما إذا لم يفسخ البائع بقية المبيع قبل خروج المدة أيضاً، وذلك لأنا لو صححنا ما أفاده (قدّس سرّه) بعد خروج المدة بارجاعه إلى ما ذكرناه من خيار تخلّف الشرط فلا نتمكن من تصحيح ذلك قبل خروجها، إذ لا موجب فيه للخيار لعدم انقضاء المدّة على الفرض، ولم نر من تعرّض لهذه الجملة من كلامه (قدّس سرّه) تصحيحاً ولا رداً، ولعله أراد من ذلك ما لا تصل إليه أفهامنا.
ذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (1)أنّه كما يجوز للبائع اشتراط الفسخ بردّ الثمن كذلك يجوز للمشتري اشتراط الفسخ بردّ المثمن، وقد عرفت أن صحته من جهة موافقته للقاعدة الأولية وقوله (عليه السلام) «المؤمنون عند شروطهم» (2)ولا إشكال في صحته كما مرّ، إلّا أنّ بين اشتراط البائع فسخ المعاملة بردّ الثمن واشتراط المشتري ذلك بردّ المثمن فرقاً من جهة أنّ الغالب في بيع الخيار هو مساس الحاجة إلى الثمن، فلذا قلنا إنّ الاطلاق فيه منصرف إلى اشتراط ردّ الأعم من شخصه أو مثله، وأمّا في اشتراط المشتري فسخ المعاملة برد المثمن فلا يأتي فيه ذلك، لأنّ إطلاقه ظاهر في ردّ نفس المثمن دون الأعم منه ومن بدله، لأنّ ما يحتاج إلى تبديله ولا يكون النظر فيه إلّا إلى المالية بلا غرض في خصوصياتها هو الثمن، فلذا ترى في المعاملات السوقية أنّ أحداً إذا فسخ معاملة لا يمكنه مطالبة البائع بعين ثمنه الذي دفعه إليه، بل يطالبه بماليته الأعم من شخصه وبدله عند العقلاء، بل الظاهر أن الثمن في المعاملات المتعارفة كلّي دائماً ولا تقع المعاملات على الأثمان الشخصية، وهذا بخلاف المثمن فإنّ الغرض فيه لا يتعلّق بماليته غالباً بل بشخصه وخصوصياته، فلذا عند إطلاق الاشتراط لابد من دفع شخص المثمن لا مثله وبدله، اللّهمّ إلّا أن يشترطا الأعم وحينئذ فلا مانع من ردّ مثله وبدله.
والمتلخّص أن القرينة العامة القائمة في طرف البائع بإرادة الأعم من ردّ نفس الثمن وبدله غير متحققة في طرف المشتري إلّا أن يشترط ردّ الأعم من نفس المثمن وبدله، فإن اشترط ردّ نفس المثمن على تقدير بقائه وعدم انتفائه حقيقة أو
بالانتقال إلى الغير ورد بدله على تقدير تلفه حقيقة أو حكماً، فلا إشكال في صحة ذلك بعد ما عرفت من شمول الأدلة الدالة على جواز الاشتراط في طرف البائع له. وأمّا إذا اشترط ردّ الأعم مطلقاً أي ولو مع التمكّن من ردّ نفس المثمن فقد تقدّم أنّ شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) استشكل في صحته من أجل منافاته لمقتضى الفسخ حيث إن معناه رجوع كل من المالين إلى مالكهما على تقدير وجودهما، ومعه إذا اشترط ردّ بدله فلا محالة يكون ذلك على خلاف مقتضى الفسخ وعلى خلاف الكتاب والسنّة، هذا.
وقد ذكرنا سابقاً أنّ ما أفاده (قدّس سرّه) من كون مقتضى الفسخ رجوع كل من المالين إلى مالكهما وإن كان صحيحاً ولازمه أن لا يجوز اشتراط ردّ البدل مع التمكن من ردّ نفس الثمن أو المثمن، إلّا أنّه يمكن أن يكون اشتراط ردّ الأعم راجعاً إلى شرط مبادلة حين الردّ بأن يقول إنّ مقتضى فسخ المعاملة وإن كان رجوع نفس الثمن أو المثمن إلى مالكه إلّا أنّي أشترط أن أبدله ببدله نظير اشتراط الوكالة في التبديل بل هو هو بعينه على نحو شرط النتيجة، فيكون المشتري في المقام بعد الاشتراط وكيلاً في تبديل المثمن على تقدير فسخه ببدله وردّ البدل إلى مالكه وبهذا صححنا اشتراط ردّ البدل مع التمكن من ردّ نفسه.
فإذا عرفت ذلك وصح اشتراط ردّ البدل مع بقاء المثمن فيظهر لك الحال فيما لو اشترط ردّ المثل في صورة تلف القيمي أو اشترط ردّ القيمة عند تلف المثلي مع أن مقتضى القاعدة فيه رجوع القيمة في القيمي والمثل في المثلي، فإنّه بناء على ما ذكرناه ممّا لا ينبغي الاشكال في جوازه فإنّه أيضاً من باب اشتراط الوكالة في تبديل القيمة بالمثل أو تبديل المثل بالقيمة، ولا فرق بينه وبين الصورة المتقدمة أعني اشتراط ردّ البدل مع بقاء نفس المثمن، ولكن شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) ذهب إلى الصحة في الثانية دون الأولى، وقد عرفت أنّه لا فرق بينهما إلّا في أن التبديل في
الصورة الأولى تبديل أمر خارجي وهو المثمن الخارجي ببدله، وفي الصورة الثانية تبديل لما في الذمة من المثل إلى القيمة أو من القيمة إلى المثل، ولا فرق بين تبديل ما في الذمة وتبديل ما في الخارج، فإن جاز جاز كلاهما وإن بطل بطل كلاهما.
ثم إنّه كما يجوز للبائع اشتراط فسخ المعاملة بردّ الثمن ويجوز للمشتري اشتراطه بردّ المثمن كذلك يجوز اشتراط الفسخ لكل منهما على الآخر برد ما انتقل إليه وهو ظاهر.
قد عرفت أن الدليل على جواز اشتراط الخيار موافقته للقاعدة الأولية وشمول أدلة الشروط له نظير قوله «الشرط جائز بين المسلمين» (1)و «المؤمنون عند شروطهم» (2)وقوله «الشرط جائز إلّا ما خالف كتاب اللّه» (3)وغيرها ممّا دل على جواز الاشتراط، وليس مدركه خصوص الأخبار الواردة في البيع، وعليه فلا مانع من جريانه في جميع العقود والايقاعات، إلّا أنّهم ذهبوا إلى عدم جريانه في بعض الموارد :
منها : الايقاعات كالطلاق والابراء والعتق، وقد استدل على عدم جريانه فيها على ما نقله شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (4)بقصور المقتضي وعدم صدق الشرط إلّا على ما كان بين اثنين وكان معاملة قائمة بين شخصين، ومن الواضح أنّ
الطلاق ليس معاملة بين المطلق والمطلّقة والعتق بين السيد والعبد والابراء بين الدائن والمديون، بل إنّما هي أمور قائمة بالمطلّق والسيد والدائن، ومعه لا يصدق الشرط لاحتياجه إلى شخصين، هذا.
والجواب عن ذلك : ما أفاده شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) من أن الشرط يحتاج إلى المشروط له والمشروط عليه ولا حاجة له إلى موجب وقابل، فلا مانع من اشتراط شيء في عتق عبده أو إبراء مديونه لتحقق المشروط له والمشروط عليه، وأما الموجب والقابل فقد عرفت عدم احتياجه له وتشمله أدلة الشروط لا محالة، فلا قصور من حيث المقتضي ويصدق عليه الشرط.
ومن هنا تمسك شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) في وجه عدم جريان الخيار في الايقاعات بأمر آخر وقد أصرّ عليه شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه) (1)في أكثر المقامات وملخصه : أنّ المناط في جواز دخول الخيار في شيء قابليته للاقالة والاستقالة فكل أمر قابل للاقالة يدخل عليه الخيار لأنّها تكشف عن أنّ اللزوم فيه حقي ولذا جاز سقوطه بالاقالة، وأما ما لا يقبل الاقالة فذلك كاشف عن أن لزومه حكمي ومن هنا لم يسقط بالاقالة، وإلى ذلك يرجع أيضاً ما أفاده شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) حيث ذكر أنّ الوجه في عدم جريان الخيار في مثل الايقاعات عدم مشروعية الفسخ وقد علمنا مشروعيته في البيع من جهة دخول خياري المجلس والحيوان عليه، وأمّا الايقاعات فلم تثبت مشروعية فسخها، هذا فراجع.
وقد ذكرنا سابقاً أنّ المناط في جريان الخيار وقبوله الفسخ والاسقاط ه-و الدليل، إذ لا فرق بين الحق والحكم سنخاً فهما أمر واحد حقيقة غاية الأمر أنّ اختيار بعض الأحكام موكول إلى المكلّفين وبعضها الآخر غير داخل تحت قدرته
1) منية الطالب 3 : 102.
ولا يتمكن من رفعه ووضعه، وليس مدار الجواز وعدمه كون شيء حقاً أو حكماً إذ لا فرق بينهما كما مرّ، ومن هنا نرى أنّ بعض العقود ممّا حكم الشارع بجواز فسخه من بعض الجهات وعدم جوازه من بعض الجهات الأخر، وهذا كالنكاح حيث إنّ الشارع رخص في فسخه بأحد العيوب الستة ولم يرخص في فسخه بشيء آخ--ر غيرها.
وبالجملة : أنّه ممّا لا تدخل فيه الاقالة مع جريان الفسخ والخيار فيه، غاية الأمر لا على نحو الاطلاق بل مقيّداً ببعض الجهات.
وعليه فالمناط في جريان الخيار وعدمه هو ملاحظة الدليل، فإذا فرضنا أنّ
الروايات الواردة في أنّ «الشرط جائز» أو «المؤمنون عند شروطهم»» أو «إنّ الشرط بين المسلمين جائز إلّا ما خالف الكتاب» وقوله (عليه السلام) : «: «فليف بشرطه» (1)وغيرها من الروايات مطلقة ولا قصور فيها في الشمول لاشتراط الخيار في الايقاعات، فيمكننا القول بجواز اشتراط الخيار حتى في الايقاعات كالعتق لأنّه شرط غير مخالف للكتاب وأنّ «المؤمنون عند شروطهم» إلّا أنّ ظاهر تلك الأخبار هو مجرد الالزام بالوفاء والعمل بالشرط من دون إثبات الخيار، بل ظاهرها مجرد الالزام والحكم التكليفي وهو الوجوب، ووجوب العمل على الشرط والالزام به إنّما يتحقق في شروط الأفعال كاشتراط الخياطة ونحوها ولا يشمل موارد شرط النتيجة كاشتراط الخيار ونحوه إذ لا عمل فيها حتى يجب على المشروط عليه، هذا.
ولو سلّم شموله لمطلق الشروط أيضاً فلا يمكن الالتزام بشموله للمقام وذلك لأنّ الحكم بوجوب الوفاء والالزام به بقرينة قوله «فليف بشرطه» ونحوه إنّما
1) الوسائل 18 : 17 / أبواب الخيار ب 6 ح 5.
يختص بما إذا أضيف الشرط إلى المفعول، فمعنى قوله (علیه السلام) «فليف بشرطه» أي بما اشترطه على نفسه، وكذا معنى قوله «عند شروطهم» فإنّه بمعنى ع-ن-د م--ا اشترطوا على أنفسهم، وكيف كان فيحتاج الحكم بالوفاء إلى إضافة الشرط إلي-ه حتى يصدق أنّه شرطه ويجب عليه الوفاء بشرطه وهكذا وإضافة الشرط إلى المشروط عليه بحيث يصدق أنّه شرطه يتوقف على التزام المشروط عليه به،، وإلّا فمجرد التزام المشروط له بشيء على المشروط عليه لا يصحح إضافة الشرط إلى المشروط عليه، إذ لا يصدق أنّه شرطه لأنّه يمكنه أن يقول متى اشترطت على نفسي حتى أفي بشرطى ويجب على الوفاء به.
وعليه فلا يصدق الشرط المضاف إلى المشروط عليه على الشروط في الايقاعات، فإنّ الزوج إذا طلّق زوجته والتزم من عند نفسه على المطلقة الخ-ي-ار فلا يصدق على التزام المطلّق أنّه شرط المطلّقة فلتف بشرطها، إذ لها أن تقول متى شرطت على نفسي حتى التزم به، إذ المفروض أنّ الوفاء إنّما يجب بشرطه والمفروض أيضاً أنّه غير عالم ولا ملتزم بشيء وإنما التزمه المشروط له عليه في ضمن الايقاع وقد عرفت أنّ هذا لا يصحح إضافة الشرط إليه، بل إضافته إليه وصدق أنّه شرطه يتوقف على التزام آخر من المشروط عليه حتى يتعاقد مع التزام المشروط له ليكون عقد التزام بالتزام آخر، وهو لا يتحقق إلّا في العقود دون الايقاعات.
وبعبارة أخرى : أنّ الشرط لو كان مضافاً إلى الفاعل بمعنى المصدر المضاف إلى الفاعل فهو لا يحتاج إلى أزيد من التزام نفس المشروط له الذي هو الشارط لصحة أن يقال : إنّه شرطه فليف به، وأمّا إذا أضيف إلى المشروط والمفعول فلا تتحقق تلك الاضافة إلّا في ضمن التزام بالتزام، وهو يختص بالعقود ولا يتحقق التزام في الايقاعات من المشروط عليه، فلأجل ذلك لا يشمل قوله «المؤمنون عند
شروطهم» (1)الشروط في ضمن الايقاعات.
والذي يدل على ما ذكرناه : أنا لا نحتمل فقيهاً يفتي بلزوم العمل على طبق الشرط الذي شرطه المشروط له في الايقاعات فيما إذا كان الاشتراط اشتراط أمر آخر غير الخيار كاشتراط الخياطة في ضمن الطلاق واشتراط أن لا تتزوّج المطلقة أو لا تخرج من بيتها ونحو ذلك، لأنّه أيضاً نحو من الاشتراط عند الأصحاب وإن كان مرجعه عندنا إلى اشتراط الخيار كما تقدم. مع أنّه لم نسمع ولا نحتمل أيضاً أن يفتي فقيه بوجوب العمل على ما اشترطه المشروط له على المشروط عليه في ضمن إيقاع من الايقاعات، وليس هذا إلّا من جهة عدم إضافة ذلك الشرط إلى المشروط عليه لعدم اطّلاعه عليه وعدم التزامه به وإنما التزمه المشروط له عند نفسه في الايقاع، وأما ما نقل من جواز العتق بشرط خدمة شهر فهو أمر صحيح ولا يمكن قياسه على المقام كما سيأتي توضيحه عن قريب إن شاء اللّه تعالى.
والمتلخّص أنّ دليل جواز الشروط إن كان هو قوله «المؤمنون عند شروطهم» وغيره من الأخبار الواردة بما يقرب من هذا المضمون فهو لا يشمل الشروط في ضمن الايقاعات، وأما إذا كان مدركه هو العمومات الدالة على جواز البيع والصلح وغيرها من المعاملات كما هو كذلك على مسلكنا، فجواز الاشتراط في الايقاعات وعدمه يحتاج إلى جريان ما ذكرناه في معنى اشتراط الخيار في ضمن العقود في الايقاعات أيضاً وتوضيحه : أنا ذكرنا سابقاً أن معنى الاشتراط في مثل البيع ونحوه هو تضييق دائرة الملكية المنشأة، ومرجعه إلى البيع الموقت بزمان الفسخ في مقابل البيع ورفع اليد عن الملك على نحو الاطلاق على ما مرّ تفصيله سابقاً، وقد ذكرنا أنّ البيع المقيد بالفسخ أمر جرت عليه سيرة العقلاء، وهو أمر متعارف عند
1) الوسائل 21 : 276 / أبواب المهور ب 20 ح 4.
العرف، ولأجل ذلك يشمله عموم (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (1)و (أَحَلَّ اللّه الْبَيْعَ) (2)وغيرها من أدلّة صحة البيع، فيكون الدليل على جواز الاشتراط أي البيع إلى زمان الفسخ هو عمومات (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) و (أَحَلَّ اللّه الْبَيْعَ) من غير حاجة إلى دليل آخر، هذا كله في مثل البيع ونحوه ممّا يكون فيه إيجاد أمر معدوم إلى زمان الفسخ إذ البيع عبارة عن إعطاء السلطنة أي ربط العلقة الملكية بالمشتري بعد ما كانت مربوطة بالبائع، وقد عرفت أنّه أمر عليه بناء العقلاء، ولذا تشمله العمومات كما تقدم آنفاً.
وأمّا الايقاعات التي هي إعدام أمر موجود، لأنّ العتق إعدام للتقيّد وجعل العبد بلا تقيّد بعد ما كان مقيّداً، والطلاق إعدام للزوجية وجعل المرأة بلا قيد المعبّر عنه في الفارسية ب- (رها کردن) فاشتراط الخيار فيها أو اشتراط أمر آخر كالخياطة الراجعة بالأخرة إلى إشتراط الخيار على مسلكنا معناه إيجاد العتق مقيداً بزمان الفسخ وإنشاء الطلاق إلى زمان الفسخ، وكذلك الابراء بأن يكون العبد خارجاً عن العبودية إلى زمان الفسخ ونفرضه خمسة سنوات وبعده يكون رقاً له، والمرأة تكون خليّة وبلا تقيّد إلى زمان الفسخ وتكون زوجة له بعد الفسخ، نظير ما ذكرناه في البيع وشمول إطلاقات الطلاق أو العتق أو الابراء للطلاق المقيّد إلى زمان الفسخ، أو الابراء والعتق الموقتان إلى زمان فسخ الدائن والسيد يتوقف على كون ذلك أمراً دارجاً عرفياً بحيث يجوز عرفاً أن تتزوّج المرأة خلال تلك المدة متعة ثمّ إذا فسخ المطلق طلاقها تعود إلى زوجية زوجها السابق، إلّا أنّها كما ترى ليست أموراً عرفية وأمراً دارجاً متعارفاً عند العقلاء، ولأجل ذلك لا تشملها الاطلاقات ولا يصح
اشتراط الخيار ولا اشتراط شيء آخر في الايقاعات، لأن مرجعه إلى الايقاع المقيد والموقت إلى زمان الفسخ.
وأما ما ذكروه من جواز العتق بشرط خدمته سنة أو شهر فهو وإن كان صحيحاً إلّا أنّه من جهة أنّ العتق كالبيع ورفع اليد عن الملك، والمالك للشيء مالك لمنافعه فيصح له بيعه مسلوب المنافع إلى مدة معيّنة بمعنى عدم إخراج المنافع عن ملكه من الابتداء لا إخراجها ثمّ إدخالها في ملكه، وبما أن العتق كالبيع فله أن يرفع اليد عن ملکه وهو العبد بتحريره وعتقه مسلوب المنافع إلى مدة معينة وهو غير راجع إلى العتق الموقت بزمان الفسخ.
فالمتحصّل : أنّ جعل الخيار مرجعه إلى تضييق دائرة المنشأ، وهذا في الايقاعات التي هي إعدام أمور موجودة غير صحيح، لعدم قبولها التوقيت عند العرف والعقلاء، فلا يصح عندهم الطلاق الموقت إلى زمان الفسخ ولا العتق إلى زمانه ولا الابراء إلى ذلك الزمان، لأنّه ينا في الارسال والاطلاق والحرمة في مقابل التقييد والتضييق، نعم لا مانع من جريان ذلك في العقود التي هي إيجادات وأما في الايقاعات فلا، فكما لا يصح تقييدها بزماني كنزول المطر وقدوم الحاج فكذلك لا يصح تقييدها بالزمان كزمان الفسخ ونحوه.
وأمّا الايقاعات التي هي إيجاد أمور معدومة نظير الوصية بناءً على أنه-ا إيقاع وأنّها لا تحتاج إلى قبول كما قواه السيد في عروته (1)ولا يبعد أن يكون كذلك، ونظير الوقف لأنّه على التحقيق لا يحتاج إلى قبول ومن الظاهر أنّها من الايجاد نظير الهبة غاية الأمر أنّها تمليك في زمان الحياة والوصية تمليك بعد الحياة فالكلام فيها هو الكلام في العقود وسيأتي تحقيقها عن قريب إن شاء اللّه تعالى.
1) العروة الوثقى 2 : 659 فصل في معنى الوصية المسألة [ 3899].
فالمتحصّل : أنّ الوجه في عدم جريان اشتراط الخيار في الايقاعات هو أنّ جعل الخيار مرجعه إلى التوقيت، والتوقيت فيها غير صحيح عند العقلاء كما لا يخفى
وأما العقود فبعضها ممّا لا يأتي فيه اشتراط الخيار بالاتفاق وهذا كالنكاح ولم نسمع ولم نعرف أحداً يلتزم فيه بجواز الاشتراط، ولكن السيد (قدّس سرّه)(1)قد استشكل في عدم جريان الخيار فيه لولا الاجماع عليه، وأنّه لا ميز بينه وبين سائر العقود اللازمة مع أنّهم التزموا بجواز اشتراط الخيار فيها، فليكن النكاح أيضاً كذلك، هذا.
والظاهر أنّ الوجه في عدم جريان الخيار في النكاح هو ما ذكرناه في معنى اشتراط الخيار، لما عرفت من أنّ مرجعه إلى التوقيت فيؤول جعل الخيار في النكاح إلى النكاح الموقت بزمان الفسخ، فلا يكون نكاحاً مطلقاً دائمياً، إذ لا يجتمع الدوام مع التوقيت، لأنّ معنى التوقيت عدم اعتبار العلقة الزوجية بعده ومعنى الدوام هو اعتبارها مطلقاً وهذان لا يجتمعان، فإذا صار النكاح منقطعاً وموقتاً فلابد فيه من تعيين الوقت لما ورد (2)من الأخبار في اشتراط العلم بالمدة، وبما أنّ التعليق على الفسخ تعليق له بما لا تعيّن له، لأنّه لا يدري أنّه يفسخ أو لا يفسخ أصلاً ولو مع تعيين زمان الخيار أيضاً لأنّ الفسخ مع ذلك غير معلوم، فلا محالة يكون تعليق النكاح على الفسخ موجباً لبطلانه ومفسداً له.
ومن هذا يظهر الفرق بين النكاح وبين غيره من العقود اللازمة، وأنّ اشتراط الخيار في غيره لماذا لا يوجب الفساد ولكن يوجبه في النكاح.
وأما توقيت النكاح بمثل الطلاق، لأنّ النكاح واقعاً موقت بزمان الطلاق، أو بمثل الفسخ عند أحد العيوب الستة الموجبة للفسخ والخيار، فهو ممّا لا مانع م-ن-ه لامضاء الشارع له حسب الفرض وبعد إمضائه لا محذور فيه بوجه، فلو تزوّجها وصرّح بتوقيته إلى الطلاق فعقده صحيح، لأنّه موقت بذلك بحسب الواقع فالتصريح به لا يزيد على واقعه، وكذا التوقيت بأحد العيوب الموجبة للخيار شرعاً، وهذا ظاهر.
ومن العقود والايقاعات الايجادية ما هو مشكوك ومحل الكلام في جواز اشتراط الخيار فيه وعدمه، وهذا كالوقف حيث اختلفوا في جواز اشتراط الخيار فيه، والتحقيق أنّ الوقف على قسمين كما ذكرناه في الوقف :
أحدهما : التحرير وفك الملك في الحقيقة نظير وقف الأرض مسجداً فإنّه كما ذكرناه تحرير وجعل الأرض حرّة وإزالة لقيد الملك، لأنّه بيت اللّه فهو إعدام لأمر موجود كالعتق، وفي مثله لا يصح اشتراط الخيار، لأنّ مرجعه إلى التحرير الموقت وقد مرّ أنّ العتق والتحرير الموقتين غير صحيحين عند العرف والعقلاء، لأنّه منافٍ للاطلاق، وقد عرفت أنّ المسجد يتوقف على تحرير الملك حتى لو لم يحرّره بل وقفه مدة معينة كخمسين سنة مسجداً لله لما كان ذلك مسجداً ولا يترتّب عليه آثاره، نعم هو معبد أو مدرس أو غيرهما ممّا هو تمليك لجهة عامة أو خاصة إلّا أنّه غير المسجد بحسب الأحكام كوجوب إزالة النجاسة عنه. وكيف كان فبحكم (أَنَّ الْمَسَاجِدَ للّه) (1)يشترط في المسجد تحرير الملك، وهذا لا يجتمع مع التوقيت كما عرفت.
وثانيهما : تمليك في الحقيقة لجهة أو للموقوف عليهم على أن لا يباع نظير الوقف للأولاد أو لغيرهم، وهذا القسم في حد نفسه ممّا لا مانع من اشتراط الخيار
1) الجن 72 : 18.
فيه ولم يمنع عنه دليل، اللّهمّ إلّا إذا قلنا باشتراط الدوام في صحة الوقف، وأن التمليك فيه لابد أن يكون دائمياً كما دل عليه بعض الأخبار (1)من أن الموقت ليس بوقف بل هو عمرى وسكنى ونحوهما، فلا محالة لا يدخله الخيار لمنافاته الدوام المعتبر فيه فجریان اشتراط الخيار في الوقف وعدمه مبني على تحقيق مسألة اشتراط الدوام في الوقف وعدمه، وما ذكرناه هو الوجه في عدم جريان الخيار في الوقف.
وأما ما ربما يقال : من أنّ الوقف يعتبر فيه قصد القربة ويكون اللّه وكل ما يكون اللّه وقصد به القربة فهو لا يرجع إلى مالكه، فمندفع بحسب الصغرى والكبرى أما بحسب الصغرى فلأن الوقف لا يعتبر فيه قصد القربة لصحة الوقف على الذرية والأولاد لأجل ما فيهم من الخصوصية والغرض لا لأجل القربة كما هو ظاهر. وأما بحسب الكبرى فلعدم الدليل على أنّ كل ما قصد به القربة فهو لا يرجع إلى مالكه.
وأما الموثقة التي استدل بها شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (2)ففيها أنّها على تقدير تماميتها واردة في اشتراط رجوع الوقف إلى مالكه بنفسه وبنحو شرط النتيجة، وهذا أجنبي عن اشتراط الخيار وإرجاع الوقف بالفسخ كما ه-و مح-ل الكلام، هذا.
ثم إن شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (3)بعد ما ذكر أن بعض العقود لا يأتي فيه الاشتراط بالاتفاق وبعضها الآخر محل الخلاف ذكر أنّه عند الشك في جواز الاشتراط وتأثيره في الخيار في مورد فالمرجع هو الأصل والأصل عدم التأثير وعدم سببية الاشتراط للفسخ، وهذا هو الذي يهمّنا تحقيقه في المقام لنرى أنّ
الأصل عند الشك في جواز الاشتراط في عقد هو التأثير أو عدمه، وذلك لما عرفت من أنّ مرجع اشتراط الخيار إلى تضييق المنشأ وتوقيته بوقت الفسخ، وذكرنا أنّ البيع والاجارة وغيرهما من المعاملات موقتاً بوقت الفسخ أمر سائغ عند العقلاء (وإن لم يجز عندهم البيع الموقت بزمان كالبيع إلى شهر) وتشمله العمومات نحو (أَحَلَّ اللّه الْبَيْعَ) و(أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) وغيرهما، ومقتضاه رجوع الملك إلى مالكه الأول عند فسخ المعاملة، فإذا اشترط الخيار في معاملة وشككنا في قبولها له وعدمه فمقتضى الأصل أعني الاطلاقات والعمومات هو ثبوت الملك إلى زمان الفسخ وأما الأزيد منه فلا، وذلك لأنّ ما أنشأه المنشئ هو الملكية الموقتة بوقت الفسخ و مقتضى الاطلاقات صحة هذا الأمر الموقت وكون الملكية موقتة بهذا الوقت بحيث إذا فسخ المعاملة يرجع الملك إلى مالكه، وأمّا الملك على نحو الأبد حتى بعد زمان الفسخ فهو أمر لم يثبت بدليل ولا قصده المتعاقدان فبأي شيء يمكننا الحكم بالملكية الدائمة وعدم ارتفاعها بالفسخ، لأنّه إما أن يستند إلى إنشاء المتعاقدين والمفروض عدمه لأنّها قد أنشأها موقتة بوقت الفسخ كما هو معنى اشتراط الخيار، وإمّا أن يستند إلى حكم الشارع بثبوت الملكية الدائمة غير المرتفعة بالفسخ فهذا يحتاج إلى دليل لأنّه على خلاف ما قصده المتعاقدان وعلى خلاف ما أنشأه، وعليه فمقتضى الأصل أي الاطلاقات تأثير الفسخ وكون المنشأ هو الملكية إلى زمان الفسخ لا مطلق الملكية، فما معنى أنّ الأصل عدم تأثير الاشتراط كما في كلام شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه).
وتحقيق هذا الكلام يتوقف على بيان الشروط وبيان معنى الاشتراط في العقود فنقول : إنّ الاشتراط قد يكون معناه جعل الخيار منوطاً بعدم حصول ذلك الشرط، وقد يكون معناه أمراً آخر غير جعل الخيار وقد يكون معناه مجمعاً بينهما و توضيحه :
أنّ الشرط تارةً من قبيل الأمور الخارجة عن اختيار المتعاقدين نظير اشتراط كون العبد كاتباً أو بوصف كذا أو كونه من قبيلة كذا وغيرها من الأوصاف الخارجة عن الاختيار، فمعنى هذا الاشتراط إمّا هو التعليق في العقود بأن تكون المعاملة معلّقة على كون العبد كذا أو المبيع بوصف كذا وهو يوجب البطلان، كما هو ظاهر، وإمّا معناه جعل الخيار لنفسه على تقدير عدم اتصاف المبيع بذلك الوصف وليس في هذا القسم إلزام والتزام بهذا الشرط بأن يلتزم المشروط عليه بكون المبيع كذا وكذا ممّا هو خارج عن اختياره ولا يشمله عموم «المؤمنون عند شروطهم» بل تشمله عمومات (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) و(أَحَلَّ اللّه الْبَيْعَ) إذ المفروض أنّها أمور خارجة عن اختياره، وما لا يكون داخلاً تحت الاختيار فلا يمكن الالزام به، وما لا يمكن الالزام به لا يمكن الالتزام به أيضاً، فليس معنى هذا الاشتراط إلّا جعل الخيار لنفسه على تقدير تخلّف المبيع عمّا اشترطاه فيه، من دون الحكم بوجوب العمل على طبق هذا الاشتراط لأنّه أمر خارج عن الاختيار.
وأخرى يكون الشرط من الأمور الداخلة تحت اختيار المتعاقدين نظير اشتراط الخياطة أو الكتابة ونحوهما من الأفعال الاختيارية، ومرجع هذا الاشتراط إلى تعليق العقد على نفس الالتزام بالشرط، وهذا التعليق خارج عن التعليق المبطل للمعاملة، وذلك لأن مدرك كون التعليق مبطلاً في العقود ه-و الاجماع وهو دليل لبّي والمقدار المتيقن منه هو ما إذا علّق المعاملة على وج-ود الملتزم به، وأما التعليق على نفس التزام الطرف بالشرط المفروض وجوده أي وجود الالتزام حال العقد فما لا دليل على بطلانه، ومن هنا أي من أجل أنّ أمثال هذه الشروط مرجعها إلى تعليق العقد على نفس الالتزام بها ذكر شيخنا الأنصاري
(قدّس سرّه) (1)وغيره أنّه إذا باع بشرط كذا فقبله المشتري بلا شرط بطل العقد لأنّه إنّما يعلّق العقد على التزام الطرف بالشرط ولا يبيع ولا يتعامل معه لولا هذا الالتزام كما هو المشاهد في الاشتراطات المتعارفة فيقول البائع للمشتري : بعتك على أن تلتزم بكذا، وهذا يشمله عموم «المؤمنون عند شروطهم» فيجب على المشروط عليه أن يعمل حسب شرطه.
ثم إنّ هذا الاشتراط إذا كان في العقود الجائزة بنفسها كالوكالة أو كان في العقود اللازمة التي نعلم بعدم قبولها الخيار كالنكاح معناه مجرد الالتزام ووجوب العمل حسب الاشتراط من دون استلزامه لجعل الخيار، وذلك لأن العقود الجائزة بالذات جائزة في حد نفسها إلى الأبد، فما معنى اشتراط الخيار فيها، فيكون جعل الخيار في أمثال هذه العقود من اللغو الظاهر، وكذا في عقد يعلمان باستمراره وعدم قبوله الخيار كالنكاح فإنهما مع علمهما بالحال كيف يجعلان فيه الخيار، فليس مرجع الاشتراط في الأمور الاختيارية إلّا إلى وجوب العمل على طبق التزامه شرعاً، وأمّا إذا كان هذا الاشتراط في العقود اللازمة التي يدخلها الخيار كالبيع فمرجعه إلى كلا الأمرين من وجوب العمل حسب التزامه ومن جعل الخيار لنفسه على تقدير عدم العمل على التزامه، فلذا ذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(2)وغيره أنّه في هذه الموارد يجبر أوّلاً على العمل بما اشترط عليه شرعاً، فإن عمل بما التزمه فهو وإلّا فيثبت له أي للمشروط له الخيار ويتمكن من الفسخ، وهذه الصورة هي مجمع الأمرين أعني وجوب العمل على التزامه وجعل الخيار على تقدير عدمه. ثمّ إنّه إذا اشترط الخيار فيما لا يدخل فيه الخيار عند العقلاء كالابراء والعتق
والطلاق، أو فيما لا يدخل فيه الخيار شرعاً كما في النكاح كان ذلك موجباً لفساد العقد رأساً، وذلك لما عرفت من أنّ مرجع الاشتراط وجعل الخيار فيها إلى التضييق في دائرة المنشأ، وأنّ المنشأ موقت بوقت الفسخ، والمفروض أنّ الشارع حكم بفساد ذلك الشرط وأنّ المنشأ لابد وأن يكون مطلقاً، وعليه فما أنشأه المتعاقدان وهو الحرية أو الزوجية الموقتة لم يمضه الشارع حسب الفرض وما أمضاه وهو الزوجية الدائمة أو الحرية المطلقة لم ينشئه المتعاقدان، فلا محالة يكون اشتراط الخيار فيما لا يدخله الخيار شرعاً كما في النكاح أو عند العرف كما في الابراء والعتق والطلاق موجباً لفساد المعاملة رأساً، لأنّ المنشأ فيها غير ممضى والممضى غير منشأ وهذا ظاهر، وعليه فيكون فساد تلك العقود بفساد شرطها حسب القاعدة، ومن هنا قلنا بفساد النكاح عند اشتراط الخيار فيه في حواشينا على العروة(1)من جهة أنّه على طبق القاعدة فلا يحتاج فيه إلى دليل، هذا كله عند اشتراط الخيار.
وأما بطلان الشرط في القسم الثاني ممّا يكون العقد فيه مبنياً على نفس الالتزام ومعلّقاً عليه، فهو لا يوجب بطلان المعاملة رأساً (2)وذلك لأنّ المفروض أنّ العقد معلّق على الالتزام وقد فرضنا أنّه حاصل عند البيع، ولازم-ه ص-حة المعاملة ولو كان نفس الالتزام فاسداً، لأنّ عدم جوازه أو حرمته لا يمنع عن
1) العروة الوثقى 2 : 638 فصل في مسائل متفرقة من النكاح المسألة الأولى [ 3855].
2) ولعلّ نظره إلى أنّ فساد الشرط في هذا القسم ليس كفساده في اشتراط الخيار في النكاح موجباً لعدم إمضاء الشارع، بل لا مانع من أن يكون العقد ممضى في في هذا القسم، غاية الأمر أنّه مبني على أنّ فساد الشرط يفسد المشروط أو لا، ففساده لو كان فإنما هو من هذه الجهة لا من جهة عدم الامضاء كما ذكرناه في النكاح، وكذا الحال في القسم الثالث.
حصول ما يتوقف عليه، فالمعاملة صحيحة إلّا أن شرطها وهو الالتزام بكذا محرّم وفاسد، فلا يلزم منه فساد المعاملة رأساً، وأما فساد الشرط في القسم الأخير الذي هو مجمع اشتراط الخيار ووجوب العمل بما التزمه فلابد فيه من ملاحظة كلتا الجهتين فنرى أنّ العقد ممضى في حد نفسه، وفساده لو كان فإنما هو من جهة فساد شرطه، أو أنّه من قبيل اشتراط الخيار في النكاح يوجب فساده بحسب القاعدة أي يوجه يوجب عدم إمضائه في حد نفسه ولو مع قطع النظر عن فساد الشرط.
وحاصل الكلام (1)أنّ مرجع اشتراط الخيار إلى توقيت المنشأ إلى أمر زماني وهو الفسخ بحيث تكون له السلطنة التامة في العين بجميع شؤونها وأنحائها ويتمكن من جميع التصرفات في العين باعدامها تكويناً كما إذا أكل الخبز أو باعدامها حكماً كما إذا أعتق العبد أو باعه من شخص آخر، وهذه السلطنة التامة في العين بجميع شؤونها حتى باعدام تلك السلطنة موقتة إلى زمان الفسخ، فإذا فسخ المشروط له العقد فترتفع تلك السلطنة المطلقة لحصول غايتها وانتهاء أمدها، ولا منافاة بين كون السلطنة مطلقة وبين توقيتها بوقت، إذ له أن يتصرف في خلال تلك المدة بتصرف أبدي في العين باعدامها أو إتلافها، وكيف كان فهذا نظير الرئاسة الحكومية فإنّ المتصرف ذا سلطنة في بلده موقتة بسنة أو سنتين، إلّا أنّ سلطنته مطلقة بحيث يتمكن من إيجاد أمور وتصرف يبقى إلى الأبد كإيجاد الشوارع ونحوها أو تأجير أرض خمسين سنة.
وبالجملة : أنّ تلك السلطنة التامة المعبّر عنها بالملك موقتة بالفسخ كما أنّها موقتة ومقيّدة ببقاء العين، إذ اعتبار الملك بعد تلف العين من اللغو الظاهر إذ لا أثر لذلك الاعتبار، اللّهمّ إلّا أن يكون التلف مستنداً إلى متلف فيعتبر التالف حينئذ
1) هذا ليس بحاصل لما سبق بل هو مطلب جديد أفاده بعد بيان المطالب المتقدّمة.
ملكاً لمالكه حتى يصح له مطالبة المتلف بمثل التالف أو قيمته، وأما في التلف السماوي فلا معنى لاعتبار الملكية في العين التالفة بوجه، فيكون التلف أيضاً غاية لارتفاع الملكية كما أن الفسخ غاية لها.
إلّا أنّ بين التلف والفسخ فرقاً واضحاً، وهو أن التلف يوجب ارتفاع الملكية لعدم الأثر في اعتبارها بعد التلف، إلّا أنّه لا يرفع المعاقدة المتحققة بينهما، بل للمعاقدة وجود وتحقق عند العقلاء حتى بعد تلف العين، بمعنى أن المالك حسب تلك المعاقدة لا يتمكن من رفع اليد عنها ومطالبة المشتري بالمثل أو القيمة، بل لا يستحق إلّا الثمن المسمّى وهذا ظاهر، وما أشبهه بالحجية فإنّ الحجة كالأمارات حجة قبل العمل بها كما أنّها حجة بعد العمل بها، ومعنى حجيتها بعد العمل الاستناد في عدم وجوب الاعادة أو القضاء إليها، فإذا قامت الأمارة على طهارة ماء فتوضأ منه أحد بحسب قيام تلك الأمارة وصلّى به وبعد الصلاة قيل له لماذا لا تعيد صلاتك ولماذا لا تأتي بها ثانياً فيجيب بأنّي إنّما لا أعيد من جهة تلك الأمارة لأن عملي بحسب مقتضاها صحيح.
وبالجملة : أنّ الحجة حجة قبل العمل وبعده كما أنّ المعاقدة معاقدة قبل التلف وبعده، بمعنى أنّ المالك لو طالبه ببدل ملکه (بعد ردّ ثمنه) قبل تلفه فيجيبه بأنا تعاقدنا فالملك ملكي وتصر في كان في ملكي لا في ملكك، وبهذا يجيبه لو طالبه بمثله أو قيمته بعد تلفه. ومن هنا أي من أجل بقاء المعاقدة بهما تصح الاقالة بعد تلف العين، فإذا تحققت الاقالة بمعنى اعتبار التالف ملكاً للبائع قبل تلفه بأن يكون الاعتبار فعلياً والمعتبر وهو الملكية أمراً سابقاً على التلف ويعتبر الثمن ملكاً للمشتري، فللبائع أن يطالب المشتري بثمن مثل التالف أو بقيمته، لأنّه من الآن صار ملكاً له من الابتداء وقد تلف هذا الملك تحت يد المشتري، فله أن يخرج عن عهدتها بدفع مثل الثمن أو بقيمته (نعم لا يعتبر التالف ملكاً بالفعل لأنّه لغو) كما أنّ
العين إذا كانت موجودة يطالبه بعين ماله.
وهذا بخلاف الفسخ فإنّه كما يوجب ارتفاع الملكية يوجب ارتفاع المعاقدة أيضاً، فبعد الفسخ لا معنى للاقالة ولا تبقى معاقدة أبداً، فإذا فسخ العقد وارتفعت المعاقدة والملك، فإن كانت العين باقية فيستردها إلى ملكه، وإن كانت تالفة فيطالبه بالمثل أو القيمة.
ثم إنّ المناط في أنّ الخيار يدخل في أيّ عقد أو إيقاع هو شمول الاطلاقات والعمومات للعقد مع اشتراط الخيار، فكل عقد أو إيقاع شمله عموم أو إطلاق مع فرض اشتراط الخيار فيه يصح اشتراط الخيار فيه إلّا فيما إذا كان اشتراط الخيار منافياً لمقتضى العقد أو الايقاع عند العقلاء وهذا كما في اشتراط الخيار في الابراء أو العتق أو الطلاق ونحوها، لأنّها كما عرفت لا تجامع اشتراط الخيار، والحرية عندهم
لا يعقل أن تكون موقتة بحيث يرجع رقاً عند فسخ العتق، فإنّه بهذا الاشتراط لا يشمله عموم ولا إطلاق، وكذا في الموارد التي علمنا بردع الشارع عن ذلك الاشتراط فيه كالنكاح فإنّه بهذا الاشتراط لا يشمله عموم ولا إطلاق، وأمّا في غير هذه الموارد إذا اشترط الخيار في ضمن عقد أو إيقاع فلا محالة تشمل العقد المشروط بالخيار عمومات تلك المعاملة وإطلاقاتها، ومعنى ذلك أن العقد مع هذا الاشتراط الذي مرجعه إلى توقيت المنشأ إلى زمان الفسخ صحيح وممضى ع-ن-د الشارع، وحينئذ يتمكن المشروط له من الفسخ وإذا فسخ يؤثر في ارتفاع الملكية والمعاقدة كما عرفت.
ثم إنك قد عرفت أنّ الملكية عند اشتراط الخيار موقتة إلى وقت الفسخ، وبه ترتفع الملكية لا محالة، كما أنّها ترتفع بالتلف إذ لا معنى لاعتبار الملكية في التالف فلو فسخ البائع قبل تلف المبيع فهو، فيرجع المبيع إليه وهو متمكن من الفسخ قبل التلف، لأنّه معنى اشتراط الخيار، كما أنّه متمكن من الفسخ بعد التلف فرجع إلى
مثله أو قيمته، والكلام الآن في وجه ذلك وأنّه لماذا يتمكن من الفسخ بعد التلف مع أنّ العين غير موجودة (1)والوجه في ذلك أنّ كل عقد اشترط فيه شرط لا محالة يكون معلّقاً عليه، وغاية الأمر أنّ المعلّق هو الالتزام والمعلّق عليه أيضاً هو التزام المشروط عليه بالشرط، وربما يكون المعلّق عليه التزام المشروط عليه بأمر واحد كالبيع بشرط التزام المشتري بكون حل العقد بيد البائع، وكذلك فيما إذا كان الشرط خارجاً عن تحت الاختيار بحيث لا يمكن له الالتزام به فيرجع إلى اشتراط الخيار بمعنى كون حل العقد بيد البائع.
وأخرى يكون المعلّق عليه التزامان وأمران أحدهما الالتزام بالخياطة الذي هو المدلول المطابقي للكلام، وثانيهما التزام الطرف على أن يكون حل العقد بي-د البائع، وهذا يستفاد من اشتراطه الخياطة على المشتري بالدلالة الالتزامية، فترى أنّه يبيع ماله بنصف قيمته معلّقاً على التزامه بها أي بالخياطة مثلاً، ويك--ون ح--ل العقد بيد البائع، وإلّا فلا داعي له ولا غرض عقلائي في بيع ماله بنصف ثمنه، فليس هذا إلّا من جهة تعليق البيع على التزام المشتري بأن يكون حل العقد بيد البائع.
وكيف كان، فهذا الاشتراط والتعليق أمر غير مستنكر عند العقلاء ولا مانع عندهم من اشتراط أن يكون حل العقد بيد البائع وهو ظاهر، وعليه فيشمل (أَوْفُوا بالْعُقُودِ) هذا العقد بجميع شرائطه من أوّلها إلى آخرها، لأنّه عقد بهذه الوتيرة فيشمله (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) بهذين الشرطين، وعليه فيكون اشتراط الخيار في العقود
1) الغرض من هذا البيان هو العدول عمّا تقدّم من تقسيم المعاملات إلى معلقة على الالتزام وغير معلّقة عليه، والبناء على أنّ جميع العقود معلّقة إما على التزام واحد وإمّا على التزامين، وهذا هو المطلب الآخر الذي بنى عليه سيدنا الأستاذ (دام ظله) بعد ما كرّر النظر وقربه بنحوين متقدمين، فلا تغفل.
على طبق القاعدة وممّا يقتضيه نفس عموم (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) وحينئذ فيمكن أن يقال بجواز اشتراط الخيار في جميع العقود، لما عرفت من أنّه على وفق القاعدة وهو لا يحتاج إلى دليل، وبهذا يكون حل العقد بيده قبل التلف أو بعده، لما مرّ من أن التلف لا يوجب إلّا ارتفاع الملكية فقط، وأما المعاقدة فقد ذكرنا أنّها لا ترتفع بالتلف فيتمكن البائع من رفع اليد عن المعاقدة بعد التلف، وبذلك يرجع إلى بدله من المثل أو القيمة.
بقي الكلام في العقود والايقاعات الخارجة عن جواز اشتراط الخيار فيها وقد ذكرنا أنّ الابراء والطلاق والعتق خارجة عن ذلك، وكذا النكاح والوقف لاعتبار التأبيد فيه كما مرّ، وكذلك الصدقة لأنّ الروايات والآية (1)قد دلّت على أنّ آخذها هو اللّه تعالى ويعتبر فيها القربة وما كان اللّه فلا رجوع فيه، هذا.
وربما يقال كما في بعض الحواشي بأنّ ما ذكره شيخنا الأنصاري في الصدقة (2)من عدم جواز الاشتراط فيها لاعتبار قصد القربة فيها وأن ما كان اللّه فلا رجوع فيه، يناقض ما أفاده في الوقف ردّاً على من علل عدم جواز اشتراط الخيار فيه بأنّه أمر قربي وما كان اللّه لا يرجع فيه، من أن الكبرى ممنوعة يعني أنّه لا وجه لعدم الرجوع فيما كان اللّه ولا دليل على أن ما كان اللّه لا رجوع فيه، وهذان الكلامان متناقضان، هذا.
ونحن أيضاً ذكرنا هناك أنّه لا دليل على تلك الكبرى كما أنّه لا دليل على اعتبار قصد القربة في الوقف. ولا يخفى عليك أنّ الكلامين غير متناقضين، والوجه في ذلك أنّ المراد بما كان اللّه ليس هو كل عقد قصد فيه القربة، وإلّا فلازم هذا أن لا
يجوز اشتراط الخيار في إجارة الدار للزوّار فيما إذا قصد بالاجارة القربة أو في بيع دار لسيد أو مؤمن قربة إلى اللّه تعالى، مع أنّهما ممّا لا إشكال في جواز اشتراط الخيار فيها، بل لو قلنا بوجود معاملات مستحبّة بنفسها في الشريعة المقدسة للزم عدم جواز اشتراط الخيار فيها لأنّها ممّا قصد به القربة، نعم قد استشكلنا في وجود المعاملة المستحبّة وقلنا بأنّه لا معاملة مستحبّة لنا في الشريعة، وإنما الموجود نفس الأمور المستحبّة كالرعي لا المعاملة عليها، فراجع أوائل المكاسب المحرّمة (1).
وكيف كان، فليس المراد من قوله (عليه السلام) «ما كان اللّه» هو كل أمر قصد به القربة، بل المراد أن ما هو راجع إلى اللّه في حد نفسه لا يرجع فيه، والصدقة أمر راجع إليه لأنّه الآخذ لها كما دلّت عليه الروايات، وهذا هو الذي لا رجوع فيه وأين الوقف من ذلك لأنّه تمليك للبطون أو غيرها من الموقوف عليهم غاية الأمر أنّه أمر قصد به القربة فلا تغفل.
وأما الوصية فلا معنى لاشتراط الخيار فيها، لأنّها عقد أو إيقاع جائز من طرف الموصي ما دامت الحياة بلا حاجة إلى اشتراط الخيار، فلو أراد الخيار بعد موته فهو كما ترى أمر غير ممكن، نعم لا مانع من أن يشترط الخيار لورثته ويكون الورثة بعد موته متمكنين من الفسخ. والظاهر أنّ هذا ممّا لا مانع عنه وتشمله أدلّة الوصية. نعم هناك استبعاد محض وهو أن الورثة لو فسخوا الوصية فالمال لا ينتقل إليهم ابتداءً بل لا بد من أن ينتقل إلى المورّث الميت ثمّ بعده ينتقل إلى الورثة مع أنّ المورّث ميت فكيف يملك المال حتى ينتقل منه إلى ورثته، إلّا أنّه كما ذكرنا استبعاد محض ولا مانع من أن يدخل المال في ملك المورّث بعد موته ثمّ بعد ذلك ينتقل منه إلى ورثته.
1) مصباح الفقاهة 1 (موسوعة الإمام الخوئي 35) : 40.
وأما الهبة اللازمة كالهبة للزوجة أو لذي القرابة فالظاهر أنّه لا مانع من اشتراط الخيار فيها.
وأما الضمان فربما يقال بجواز اشتراط الخيار فيه، وببالي أن السيد في العروة (1)أيضاً ذهب إلى الجواز.
والصحيح أن الضمان لا يقبل اشتراط الخيار، وذلك لأن الضمان على مسلكنا معاشر الشيعة نقل ذمة إلى ذمة أخرى، وبه تبرأ ذمة المديون وتنتقل الذمة إلى الضامن، وعليه فلا يصح اشتراط الخيار فيه، لما مر من أن ذمة المديون قد برأت بانتقالها إلى الضامن، فارجاع ذمته واشتغالها ثانياً بعد صيرورتها مبرأة يحتاج إلى دليل، لأنّ الابراء الموقت ممّا يستنكره العقلاء كما ذكرناه في الابراء، بل المقام هو هو بعينه.
وأمّا الصلح فهو على قسمين : لأنّ المصالحة تارةً تقع على متاركة الدعوى والنزاع في مورد المخاصمة، وهذا ممّا لا مانع من أن يدخله شرط الخيار بأن تكون المصالحة موقتة بوقت فسخها فإذا فسخت تعود المخاصمة لا محالة.
وأما ما يقال من أنّ الصلح تقطع المنازعة، وهو لا يجتمع مع جعل الخيار لعودها بالفسخ وهو نقص للغرض، فلم نفهم حقيقته، إذ البيع أيضاً كذلك لأنّه للتمليك وجعل الخيار فيه نقض لهذا الغرض، وحل ذلك أن الغرض ربما يتعلّق بقطع المنازعة أو الملكية على نحو الاطلاق، وربما يتعلّق بهما في قطعة خاصة من الزمان، وحينئذ فلا يكون اشتراط الخيار فيهما مناقضاً للغرض.
وأخرى تقع المصالحة على ترك الدعوى حيث إن لكل مسلم ومؤمن حق الدعوى على غيره، ومطالبته بما يدعيه ولو من غير منازعة بينهما قبل ذلك، ولذا
1) العروة الوثق 2 : 539 المسألة 5 [ 3572 ] من أحكام الضمان.
أي لأجل ذلك الحق يأمر الحاكم بحضور المدعى عليه، وللمدعي حق الاحلاف على المدعى عليه، وليس له الاستنكاف من الحضور ولو بدعوى أني لا أعرفه، فإنّ الحاكم يجبره على الحضور، فإن قامت عنده البينة على مدعاه فهو وإلّا فله أن يستحلفه عليه، فإذا تصالحا على أن لا يعمل الآخر هذا الحق ولا يدعي عليه فهو ممّا لا يدخله شرط الخيار لأنّه نظير إبراء الطرف عن حق الدعوى وبعد إبرائه لا يمكن فيه الرجوع، لأنّ الابراء لا يقبل الرجوع كما مرّ.
وأما الرهن فقد يقال بعدم دخول شرط الخيار فيه، لأنّه وثيقة للدين بمعنى كون المرتهن على اطمئنان من دينه وجعل الخيار فيه منافٍ للاطمئنان.
وفيه : أنّ الرهن ليس بهذا المعنى بل الوثيقة بمعنى المربوطة بالدين والمعقودة به، ومنه قوله تعالى : (فَشُدُّوا الْوَثَاقَ) (1)والوثوق بمعنى الربط والعقد ومن هنا يطلق عليه الاعتقاد أيضاً أي عقد شيء بشيء. فالرهن وثيقة أي مربوط بالدين فلذا لا يصح للراهن أن يتصرف فيه لشدّه بالدين وربطه به، وعليه فلا مانع من اشتراط الخيار وأخذ العين المرهونة، لأنّه حينئذٍ يصير من الدين المطلق بعد ما كان من الدين المشدود والمربوط، والدين المطلق أمر صحيح.
وكيف كان، فشرط الخيار لا مانع من أن يدخل في كل عقد أو إيقاع لم يرد نص على عدم جواز اشتراطه بالخيار كما في النكاح، ولم يكن ممّا يستنكره العقلاء كما في الابراء والعتق وغيرهما من العدميات، وفي غير ذلك لا يحتاج جواز هذا الاشتراط إلى دليل، بل هو على وفق القاعدة فيحكم بجوازه ما لم يرد دليل على خلافه، هذا.
1) محمد 4:47.
ثم إن شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (1)أفاد عند التعرّض لدخول الخيار في القسمة أنّ هذا الخيار أعني خيار الشرط إنّما يختص بالعقود والمعاملات اللفظية ولا يجري في المعاملات الفعلية كالمعاطاة من جهة أنّ الاشتراط اللفظي لا يرتبط بالعمل الخارجي وهو المعاطاة، ومن هنا قال بعدم جريانه في القسمة الفعلية وإنما يجري في القسمة اللفظية فراجع، هذا.
ولكنه ممّا لا يمكن المساعدة عليه، وذلك لأن الخيار كما عرفت أمر قلبي بأي معنى فسرناه، فسواء قلنا بأنّه تحديد للملكية المنشأة أو قلنا إنّه التزام في ضمن التزام أو قلنا إنّه أمر آخر، فهو فعل قلبي كما أن المعاملات أمور اعتبارية وم--ن الأفعال النفسية، ولا إشكال في ارتباط أحدهما بالآخر لأن كليهما من أفعال النفس ومن الأمور القائمة بها، نعم تارةً يكون المبرز لهذا الأمر النفساني هو اللفظ وأخرى هو العمل، والربط إنّما يعتبر في المبرزين بالفتح لا بين المبرزين بالكسر، وقد عرفت أنّ المبرزين ممّا لا إشكال في ارتباطها.
1) المكاسب 5 : 155.
وهو بالسكون في البيع وبالحركة في غيره (1)، وقد تسالم الأصحاب على هذا الخيار وذكروا أنّ المشتري إذا كان مغبوناً أو كان البائع مغبوناً يثبت له الخيار في فسخ العقد وإمضائه، هذا.
وقد قيدوا ثبوت هذا الخيار بأمور :
منها : أن قيمة المبيع لابد وأن تلاحظ بجميع قيوده وشروطه لا بقيمة نفسه مجرداً، فإنّ للشروط والقيود مدخلية في قيمة المال، وهذا كما إذا باع شيئاً واشترط في ضمنه عملاً كالخياطة مثلاً، فإنّ الشيء بهذا الشرط قيمته أقل منه فيما إذا بيع بلا هذا الاشتراط. وكذا إذا باع شيئاً واشترط في ضمنه الخيار لنفسه فإنّ هذا الاشتراط يوجب نقص القيمة لا محالة. وكيف كان فلابد من ملاحظة المبيع بجميع قيوده وشروطه، فإذا كانت قيمته بلحاظ متعلقاته مساوية للقيمة السوقية فهو وإن زادت عليها فللمشتري الخيار كما أنّها إذا نقصت يكون الخيار للبائع، وليس المناط في زيادة القيمة أو نقيصتها ملاحظة قيمة ذات المبيع بلا ملاحظة متعلقاته، وهذا ظاهر.
ومنها : أن يكون المغبون جاهلاً بالقيمة، وأما مع علمه بالحال وإقدامه عليه
1) كما ذكره الصحاح [ 6: 2172 ] مادة «غبن».
فلا يصدق عليه الغبن كما سيجيء، وأما علم الغابن فهو لا يشترط في ثبوت الخيار وذلك لأنّ الغبن وإن كان بمعنى الخديعة وهي لا تتحقق عند جهل الغابن بالحال، إلّا أنا لا نخصص الخيار بهذه الصورة، بل نلتزم به ولو مع جهل الغابن بل مع كونه معتقداً مراعاة المشتري بتخفيض قيمة المبيع، وسيأتي الوجه في ذلك عن قريب إن شاء اللّه تعالى.
ومنها : أن يكون التفاوت بين القيمتين ممّا لا يتسامح به عادة، وأما التفاوت اليسير المتسامح به عرفاً كما لا يخلو سوق من الأسواق التي رأيناها عن ذلك حيث إنّ المشاهد اختلاف قيم الأجناس فهو لا يوجب الخيار، هذا.
ثم إن ثبوت هذا الخيار عند الأصحاب بالقيود المتقدمة ممّا لا إشكال فيه وعن العلّامة (1)نسبته إلى الاجماع كما حكي عن غيره. نعم حكي عن المحقق (قدّس سرّه) (2)إنكار هذا الخيار في بحثه كما حكى عن الاسكافي (3)أيضاً، وعليه فيقع الكلام في مدرك هذا الخيار مع أنّه ممّا لم يرد عليه نص بخصوصه فنقول :
قد استدلّ عليه العلّامة (قدّس سرّه) بقوله تعالى ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ) الآية (4)بتقريب أنّ المشتري إنّما رضي بالمعاملة والمبادلة على تقدير عدم زيادة القيمة عن القيمة السوقية، فکأنّه قيّد المعاملة بتساوي القيمتين، إلّا أنّ هذا القيد والشرط لما لم يكن من أركان المعاملة فلا جرم لم يوجب انتفاؤه انتفاء المعاملة رأساً، وإنما أوجب تخلّفه الخيار نظير تخلّف سائر الأوصاف غير المقومة للمعاملة هذا.
وقد أورد عليه شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (1)بوجهين :
أحدهما : أن كون الثمن مساوياً للقيمة السوقية وعدم زيادته عنها ليس من قبيل العناوين والأوصاف الموجب تخلّفها الخيار، بل ه-و م-ن ق-بيل الدواع-ي للمعاملة، وتخلّف الدواعى لا يوجب شيئاً من البطلان والخيار، بل تساوي الثمن ربما لا يكون داعياً أيضاً كما إذا كان المقصود تحصيل المبيع بأي ثمن اتفق من دون ملاحظة مقدار ماليته نظير ما إذا كان غرضه شراء الدواء بأية قيمة اتفقت.
وثانيهما : أنا لو سلّمنا أنّ تساوي الثمن للقيمة السوقية من الأوصاف والشروط التي يوجب تخلّفها الخيار نقول إنّ مطلق الاشتراط لا يترتّب عليه الخيار، بل إنّما يثبت ذلك فيما إذا ذكر الشرط في متن العقد، وبما أنّ هذا الاشتراط لم يذكر في ضمن العقد فلا يترتّب على تخلّفه الخيار، هذا.
ولا يخفى أنّ ما أفاده العلّامة (قدّس سرّه) هو الصحيح وأن مدرك خيار الغبن هو الاشتراط، وإن كان الاستدلال على ذلك بالآية المباركة غير تام وتوضيح ذلك : أنّ العقلاء إنّما يبدلون أموالهم بحسب الحاجات الداعية إلى التبديل مع التحفّظ على مقدار مالية الأموال، في غير الموارد التي علمنا فيها بعدم التحفظ على المالية وإرادته المبيع بأي ثمن اتفق كما في المثال المتقدّم، وذلك لأن العاقل لا يبدل أزيد من مقدار مالية المبيع للبائع، فلا يشتري ما لا يسوى بدينار بخمسة دنانير لمنافاته العقل، ومثله لا ينبغي أن يعد من العقلاء، وإنما العقلاء يبدلون أموالهم مع التحفّظ على مالية أموالهم، وعليه فالعقلاء يشترطون في معاملاتهم التساوي بين الثمن والمثمن بحسب المالية، إلّا أنّ كون الثمن كذا وعدم زيادته على القيمة السوقية ليس من الأمور والأوصاف المقوّمة للمبيع بحيث عند انتفائها ينتفي البيع، بل إنّما هو من
1) المكاسب 5: 159.
الأوصاف التي يوجب تخلّفها الخيار، وحينئذ فما أفاده العلامة (قدّس سرّه) ه-و الصحيح.
وأما ما أورده عليه شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) أولاً بأنّ عدم زيادة الثمن من الدواعي لا من قبيل الأوصاف، فيندفع بأنّ عدم زيادة كل من الثمن والمثمن في المالية على الآخر إنّما هو من الشروط الثابتة عند العقلاء، لأنّ العاقل لا يقدم على معاملة شيء بشيء إلّا بهذا الاشتراط، فلا يكون عدم الزيادة من الدواعي بل هو من الأوصاف والشرائط هذا أوّلاً.
وثانياً : ما معنى أنّ عدم زيادة الثمن عن القيمة السوقية من الدواعي فإنّه بظاهره لا يرجع إلى محصل، إذ الداعي هو ما يوجب تصوّره ووجوده الذهني التحريك والانبعاث نحو العمل حتى يترتّب عليه ذلك الأمر المتصور، فالدواع-ي بوجودها الذهني متقدمة على العمل وبوجودها الخارجي متأخرة عنه ومترتبة عليه، فإذا اشترى دهناً وأرزاً لأجل ضيف نزل به ثمّ بعد ما اشتراهما ذهب عنه الضيف ولم يصل إلى غرضه، فمثله لا يوجب الخيار لأنّه من تخلف الدواعي وتخلّفها لا يوجب الخيار، وهذا المعنى لا نتعقله في مثل عدم زيادة الثمن عن القيمة السوقية فما معنی أنّ تصور عدم الزيادة أوجب حركته وانبعاثه نحو المعاملة حتى يترتّب عليها عدم زيادة الثمن عن القيمة السوقية، ولعلّه ظاهر.
وأما ما أورده عليه ثانياً من أنّ الشرط إذا لم يذكر في ضمن العقد لا يجب الوفاء به، ففيه : أنّ اشتراط كونه مذكوراً في ضمن العقد لم يرد في لسان دليل، وإنما اعتبروه تحقيقاً لمعنى الشرط لأنّه بلا طرفيه غير متحقق ولا يصدق الشرط فيما إذا يقع في ضمن شيء، وكون الشرط في ضمنه تارةً يكون بذكره في ضمنه وأخرى بقيام القرينة المتصلة عليه، وما نحن فيه من الثاني لأنّ هذا الاشتراط أمر ارتكازي عند العقلاء، وهذا الارتكاز كالقرينة الحالية المتصلة بالعقد وه-و يكفي في ك-ونه
مذكوراً وواقعاً في ضمن المعاملة وهذا ممّا سلّمه شيخنا الأنصاري في موارد متعدّدة منها : موارد تعذر تسليم الثمن وموارد دفع المبيع وتسليمه في غير بلد العقد فإنّه لم يرد دليل على أن الثمن إذا تعذر تسليمه إلى البائع يتمكن البائع من فسخ المعاملة كما أنّهما لم يشترطا هذا الخيار في ضمن المعاملة، مع أنّه ممّا لا إشكال في ثبوت الخيار له عند عدم دفع الثمن، وكذا إذا باعه حنطة في بلدة وأراد أن يسلّمها ويدفعها في بلدة أخرى هي فيها رخيصة وكثيرة فإنّ للمشتري حينئذ الخيار لاشتراط دفعه في البلد الذي وقع فيه العقد ارتكازاً لا في البلد الآخر، مع أن هذين الاشتراطين الموجب تخلّفها الخيار لم يذكرا في ضمن المعاملة، وليس هذا إلّا من جهة أنّ الارتكاز بمنزلة القرينة المتصلة وهو يكفي في ثبوته في ضمن المعاملة.
فالمتحصّل : أنّ ما أفاده العلّامة (قدّس سرّه) هو الصحيح، وأن عدم زيادة الثمن عن القيمة السوقية من جهة الاشتراط الضمني الارتكازي، ولكن لا بمعنى أنّه مقوّم للبيع والمعاملة، بل بنحو يوجب تخلّفه الخيار كما مرّ.
نعم، إنّما يثبت هذا الخيار فيها إذا ظهر التفاوت بمقدار كثير لا يتسامح في مثله عادةً، وأمّا إذا كان التفاوت يسيراً على وجه يتسامح فيه عادةً فلا يثبت في مثله الخيار، وهذا أي التفاوت اليسير كما ذكرناه لا تخلو الأسواق عنه بل في سوق واحد ترى التفاوت بين أهله كما تقدم، وفي أمثال ذلك لا يثبت الخيار.
كما أنّ هذا الخيار إنّما يثبت في صورة جهل المغبون بالتساوي وعدمه بمعنى عدم علمه بالقيمة السوقية، وأما إذا كان عالماً بالتفاوت وملتفتاً إلى القيمة السوقية ومع ذلك أقدم على الشراء بثمن زائد عن القيمة السوقية فاقدامه ذلك مع العلمبالحال بمنزلة عدم اشتراط التساوي فلا يثبت في حقه الخيار، وعليه فما ذهب إليه المشهور من اختصاص هذا الخيار بما إذا كان المغبون جاهلاً هو الصحيح، لعدم الاشتراط فيها إذا أقدم على الزيادة عالماً بالحال، هذا.
ثم إنّه استدل لثبوت هذا الخيار بوجوه أخر منها قوله تعالى : (لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ) (1)وتقريب الاستدلال بهذه الآية المباركة على وجهين :
أحدهما : ما أفاده شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (2)وملخصه : أنّ للبيع مع الخدعة صور ثلاث الأولى : البيع قبل انكشاف الغبن وقبل الرضا به. الثانية : البيع بعد انکشاف الغبن وبعد عدم الرضا به. الثالثة : البيع بعد انكشاف الغبن مع الرضا به.
أما الصورة الأخيرة : أعني البيع فيما إذا انكشف الغبن ولكن المغبون رضي بغبنه، فلا إشكال في صحته وعدم كون ذلك من الأكل بالباطل لغرض رضاه بالغبن فهي صحيحة ولو بالأولوية المستفادة ممّا دل على صحة بيع المكره فيما إذا رضي به بعد الاكراه.
وأمّا الصورة الثانية : فهى من أكل المال بالباطل، إذ المفروض عدم رضا المغبون بالغبن، فتكون المعاملة حينئذ مصداقاً للأكل بالباطل وهو حرام وفاسد.
وأمّا الصورة الأولى : فلازم ما ذكرناه في الصورة الثانية وإن كان هو بطلانها أيضاً، لأنّ مقتضى قوله تعالى (لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ) هو عدم جواز أكل أموال الناس بغير رضى منهم، والمفروض في الصورة الأولى عدم رضا المغبون لعدم علمه بالحال، ومع عدم الرضا لا تكون المعاملة صحيحة ومن التجارة عن تراض فلا محالة تقع فاسدة، إلّا أنا خرجنا عن مقتضى الآية المباركة في الصورة الأولى بالاجماع القائم على صحة المعاملة قبل انكشاف الغبن وقبل رضا المغبون هذا ما أفاده شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) في تقريب الاستدلال بالآية المباركة.
ويرد عليه وجوه :
الأول : أنّ لازم هذا الكلام أن تكون المعاملة الغبنية باطلة من غير حاجة في رفعها إلى الفسخ، إذ المفروض أنّها أكل للمال بالباطل فلا يحتاج في رفعها إلى الفسخ مع أنّهم لا يلتزمون بالبطلان قبل فسخها.
الثاني : أن خروج الصورة الأولى بالاجماع ليس من جهة إجماع تعبدي قام على صحتها مع كونها من الأكل بالباطل، فإنّ الآية آبية عن التخصيص، ب-ل صحتها من جهة التخصص وعدم كونها من قبيل أكل المال بالباطل لا أنّه منه، إلّا أنا خرجنا عن بطلانها بالاجماع.
الثالث : أن البيع في الصورة الثانية ليس من الأكل بالباطل، وذلك لأن معنى الآية كما تقدم أنّه لا تأكلوا أموال الناس بوجه من الوجوه وبسبب من الأسباب إلّا بالتجارة عن تراض، وحينئذ فتكون المعاملة عن تراض مبايناً وقسيماً لأكل المال بالباطل وفي مقابله لا من قبيل الفرد والقسم للأكل بالباطل.
وعليه فنقول : إذا كانت المعاملة قبل انكشاف الغبن معاملة صحيحة وكانت مع التراضي أيضاً لفرض أنّه جاهل بالغبن وجهله به هو الذي بعثه على المعاملة عن الرضا، وبالجملة كانت المعاملة قبل انكشاف الغبن تجارة عن تراض فكيف تنقلب هذه المعاملة الواقعة عن الرضا إلى أكل المال بالباطل بعد انكشاف الغبن وذلك لما عرفت من أنّهما متقابلان فما يكون مصداقاً لأحدهما كيف يكون منقلباً إلى الآخر ومصداقاً له، وهذا ظاهر.
الوجه الثاني في تقريب الاستدلال بالآية المباركة : ما أفاده شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه) (1)من أنّ المراد بالتجارة في الآية المباركة ليس هو التجارة بالمعنى
1) منية الطالب 3 : 108 - 109.
المصدري، بل المراد بها المعنى الحاصل من المصدر الذي له بقاء، وهذه التجارة التي لها بقاء يعتبر أن تكون مورداً للرضا بحسب الحدوث والبقاء، وعليه فإذا انكشف الحال ولم يكن المغبون راضياً بالمعاملة الغبنية فلا محالة تقع المعاملة باطلة، لأنّها بحسب الحدوث وإن كانت متعلّقة للرضا إلّا أنّها بحسب البقاء خارجة عن الرضا فتكون داخلة في الأكل بالباطل، نعم لو كان راضياً بها بعد الانكشاف فلا محالة تكون المعاملة مصداقاً للتجارة عن تراض وتشملها الآية الشريفة من غير حاجة إلى الاستدلال بما ورد في صحة البيع الصادر عن الاكراه.
وهذا الوجه أيضاً يلحق بالوجه السابق في أنّه لا يرجع إلى محصل، وذلك أمّا أوّلاً فلأنّ لازمه كما أشرنا إليه آنفاً بطلان المعاملة بمجرد انكشاف الغبن مع عدم الرضا من غير حاجة وتوقف على الفسخ، مع أنّهم لا يلتزمون بالبطلان قبل فسخها.
وأما ثانياً : فلأنّ المعتبر في صحة المعاملات ه-و تعلّق الرضا بها بحسب الحدوث فقط سواء تعلّق بها الرضا بحسب البقاء أيضاً أم لم يتعلّق، وهذا كما إذا باع ثمّ ارتفعت القيمة السوقية فندم البائع ولم يرض بالتجارة بقاءً، فإنّ المعاملة صحيحة حينئذ بلا إشكال، ولم يقم دليل على اعتبار الرضا بالمعاملات بحسب البقاء أيضاً ولعلّه ظاهر. فالانصاف أنّ الآية لا دلالة لها على خيار الغبن بوجه
ومن جملة ما استدل به على ثبوت الخيار في المقام ما ورد (1)من إثبات النبي (صلى اللّه عليه وآله) الخيار للركبان عند تلقيهم فيما إذا وردوا السوق ورأوا اختلاف القيمة السوقية وزيادتها على الثمن الذي باعوا به، فإنّ هذا الخيار ليس إلّا من أجل غبنهم.
1) صحیح مسلم 3 : 1157 / 17، مسند أحمد 3 : 269 / 9951.
وفيه : ما أشرنا إليه في كراهة تلقي الركبان من أنّ هذا إنّما نقل بطريق العامة وليست منه في مجاميعنا عين ولا أثر، فلا يمكننا الاعتماد عليه حتى على تقدير القول بانجبار ضعف الروايات بعمل المشهور على طبقها، وذلك لأنّه لم يثبت كونها رواية حتى تنجبر بعمل المشهور.
ومن الوجوه التي استدل بها على ثبوت خيار الغبن هو قاعدة نفي الضرر وقد عدّه شيخنا الأنصاري (1)من أقوى ما يتمسك به في إثبات خيار الغبن بتقريب أنّ لزوم المعاملات الغبنية حكم يوجب تضرّر المغبون فهو مرتفع، فإذا ارتفع اللزوم فيثبت الخيار إذ لا واسطة بينهما.
وقد أورد عليه شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) وصاحب الكفاية (قدّس سرّه) (2)بوجهين (3)أحدهما : وهو ما أورده صاحب الكفاية (قدّس سرّه) من أنّ حديث نفي الضرر على تقدير جريانه في المقام فغاية ما يترتّب عليه هو نفي اللزوم في المعاملة، وأما إثبات الخيار بحيث يقبل الاسقاط وينتقل إلى الورثة بالموت وغيرهما من أحكام الخيار فلا، لأنّ نفي اللزوم أعم من الخيار لامكان نفي اللزوم بالحكم بجواز المعاملة جوازاً حكمياً غير قابل للاسقاط ولا الانتقال إلى الورثة بالموت. وبالجملة : أنّ غاية ما يثبت بحديث نفي الضرر هو رفع اليد عن اللزوم وعن وجوب الوفاء بالعقود وأما إثبات الخيار فلا، هذا.
وفيه : أنا ذكرنا سابقاً أنّه لا فرق بين الجواز الحق والحكمي بحسب الذات وإنما هما من سنخ الأحكام، ولكنها على قسمين فبعضها ممّا اختياره بيد المكلّف من
حيث إسقاطه وبعضها الآخر ليس راجعاً إليه، فإذا فرضنا شمول حديث نفي الضرر للمقام وقلنا إنّ لزوم المعاملة ضرري فهو مرتفع بالحديث، فلا محالة يثبت بذلك الجواز أعني كون العقد قابلاً للفسخ، وهذا المقدار من الجواز أي قبول العقد للفسخ الذي يمكن أن يتكفّله حديث نفي الضرر، إذ بهذا المقدار يرتفع الضرر لا محالة ومعه لا يثبت به أمر زائد، فلذا سيأتي أنّ المدرك في خيار الغبن لو كان هو حديث نفي الضرر، فلا محالة يكون الخيار فورياً بمعنى أنّه إنّما يثبت الخيار في مقدار م--ن الزمان الذي يتمكن فيه من الفسخ، إذ بهذا المقدار من الخيار يرتفع الضرر فلا يثبت له الخيار بأزيد من هذا المقدار.
وكيف كان، فالمقدار الثابت في المقام بحديث نفي الضرر عدم لزوم العقد وقبوله الفسخ، وأما الأزيد من ذلك فلا، وعليه فلا يمكننا إثبات الالزام بهذا الجواز بالحديث بأن نقول إنّ الحديث يثبت الجواز الحكمي أي الجواز اللازم وعدم قبوله الاسقاط، وذلك لأنّه أمر خارج عمّا يرتفع به الضرر، لما مر من أنّه إنّما يرتفع بنفس قبول العقد للفسخ وأما كون الجواز لزومياً فلا، بل لا يمكن أن يتكفّله الحديث لأنّه على خلاف الامتنان، وأي امتنان في إلزام المغبون بالبقاء على الجواز وعدم تمكنه من إسقاطه، فبذلك نقول إنّ الثابت بحديث نفي الضرر جواز العقد وقبوله الفسخ من دون إلزام بهذا الجواز، فبما أنّ الجواز ليس إلزامياً فله إسقاطه ورفع اليد عنه فإذا جاز له رفع اليد عنه فتجوز المصالحة عليه في مقابل شيء بأن يرفع اليد ع--ن الجواز بكذا مقدار من المال، وأمّا انتقاله إلى الورثة فهو لا يثبت بهذا الحديث، لأنّه إنّما يقتضي الجواز بالاضافة إلى المغبون لتضرّره بلزوم المعاملة، وأمّا الورثة المتلقون للملك من مورّثهم فلا يتوجه عليهم ضرر بلزوم هذه المعاملة، غاية الأمر أنّ منفعتهم تقل بذلك، إذ لولا تلك المعاملة لكان المال المنتقل إليهم بمقدار ألف دينار، وأما مع لزوم تلك المعاملة فالمال المنتقل إليهم خمسمائة دينار.
وبالجملة : أنّ الورثة لا يتضررون بلزوم المعاملة بل تقل منفعتهم، فلابد في تصحيح الانتقال إلى الورثة فيها إذا علم المغبون بالغبن فأراد أن يفسخ المعاملة فمات أو لم يلتفت المغبون إلى الغبن أصلاً فمات وعلم به الورثة وأرادوا فسخ المعاملة من إقامة دليل آخر، فيمكن أن يقال إنّ الوجه في انتقال الجواز من المغبون إلى ورثته هو ما استفدناه من بعض الروايات الواردة في الوصية من أن الورثة وجود تنزيلي للمورّث وأنهم هو بعينه، غاية الأمر أنّ صورته تبدّلت إلى صورة أخرى، فما دلّ على ذلك ما ورد (1)في عدم جواز الوصية بأزيد من مقدار الثلث معللاً بأنّه تضييع للورثة وظلم في حقهم، ومن الظاهر أنّه لولا اتحاد الورثة مع المورّث لما كان لهذا النهي وجه، لأنّه إنّما يتصرف في مال نفسه وهو أجنبي عن ورثته، فهذه الرواية دلت على أن الورثة وجود تنزيلي للمورّث، وحينئذ فإذا ثبت للمورث جواز فسخ المعاملة من جهة تضرره فلا محالة يثبت ذلك في حق ورثته أيضاً لاتحادهما وكون أحدهما وجوداً تنزيلياً للآخر، هذا كله.
مضافاً إلى أنّ البائع إذا باع ماله وصرّح بأنّه لا يلتزم بتساوي القيمتين وإنما يبيع ماله بهذا الثمن المعيّن زاد أو نقص لأنّ الناس مسلّطون على أموالهم والمشتري أيضاً أقدم على المعاملة المذكورة جاهلاً بالتساوي وعدمه ثمّ ظهر زيادة القيمة عن القيمة السوقية، ففي هذه الصورة لا إشكال في عدم ثبوت الخيار للمغبون لتصريح البائع باسقاطه وقبول المشتري إيّاه، وهو نظير ما إذا كان المشتري عالماً بزيادة القيمة عن القيمة السوقية فلا محالة يلتزم صاحب الكفاية في هذه الصورة بعدم الخيار لأنّه إسقاط للخيار، وعلى مسلكنا إسقاط لاشتراط تساوي القيمتين و مرجعه إلى إسقاط الخيار وهذا لا إشكال فيه، فإذا صح إسقاط جواز الفسخ قبل
1) الوسائل 19 : 267 / كتاب الوصايا ب 8.
المعاملة وقبل ظهور الغبن فلا محالة يصح إسقاطه بعد ثبوته بالمعاملة وظهور الغبن فمنه يستكشف أنّ هذا الجواز جواز حق لا حكمي، لما عرفت من أن مرجعه إلى إسقاط الاشتراط وإسقاط الخيار، هذا كله فيما أفاده صاحب الكفاية والجواب عنه. ثمّ إن شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه) (1)أجاب عن جريان قاعدة نفي الضرر في المقام بما ملخصه : أنا إن أثبتنا الخيار في الغبن بالاشتراط الضمني بين العقلاء كما أشرنا إليه سابقاً وقلنا إنّ العقلاء إنّما يتبادلون باشتراط التساوي بين الثمن والمثمن بحسب المالية، فحينئذ يمكن أن يقال إنّ لزوم المعاملة في حقه ضرري لأن-ه ع-لى خلاف شرطه، وإلزامه على خلاف ما اشترطه موجب للضرر، إلّا أن المدرك حينئذ هوذلك الاشتراط الضمني دون حديث نفي الضرر.
وأمّا إذا لم نعتمد في إثبات الخيار على الاشتراط الضمني كما لم يعتمد عليه شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) وقلنا بأنّ التساوي من قبيل الدواعي للبيع، فحينئذ فلا يبقى مجال للتمسّك بحديث نفي الضرر في المقام، لأنّه إنّما ينتفي الضرر الناشئ من قبل الحكم الشرعى نظير وجوب الوضوء الموجب لتضرّر أحد، وأمّا الضرر الناشئ من إقدامه بنفسه فلا، والضرر في المقام إنّما نشأ من إقدامه على المعاملة بذلك الثمن ولو كان إقدامه عن جهل إلّا أنّه أقدم على تلك المعاملة الضررية باختياره والشارع أمضى ما أقدم عليه، وليس الضرر فيها مستنداً إلى حكم الشارع وإلزامه بل مستند إلى إقدامه باختياره، نعم لو كان الضرر مستنداً إلى حكم الشارع كما في إلزامه بالوضوء فلا محالة يرتفع بحديث نفي الضرر.
وبالجملة : أنّ الضرر إنّما يرتفع فيما إذا كان علته هو الحكم الشرعي أو كان الحكم الشرعي هو الجزء الأخير من علّة التضرّر، والمقام ليس من هذا القبيل لأنّ
1) منية الطالب 3 : 111 - 112.
المفروض أنّ العلّة التامة لتضرره هو إقدامه على المعاملة جهلاً، والشارع لم يلزمه بذلك قبل إقدامه، وإنما أمضى إقدامه بعد ما صدر منه بنفسه واختياره، ثمّ نظر المقام بباب الاتلافات والضمانات وأنّه إذا أتلف أحد مال غيره جهلاً بتخيل أنّه مال نفسه ثمّ تبيّن أنّه للغير أفهل يمكن أن يقال إنّ مقتضى حديث نفي الضرر عدم ضمانه لم-ا أتلفه لأنّ ضمانه أمر ضرري، والوجه في عدم إمكان ذلك هو أن الضمان وإن كان أمراً ضررياً على المتلف إلّا أنّه أمر قد أقدم عليه باختياره وإن كان جاهلاً والشارع حكم على طبق ذلك الاقدام، وفي المقام أيضاً الضرر مستند إلى إقدام نفسه على المعاملة وغير مستند إلى إلزام الشارع وحكمه، هذه خلاصة ما أفاده (قدّس سرّه) في المقام.
ولا يخفى ما فيه، أما في تنظيره فلما أسلفناه في محله (1)من أن باب الاتلافات والضمانات خارجة عن حديث نفي الضرر، لأنّ رفع الضمان فيها على خلاف الامتنان على مالك المال، ومعه لا مجال لحديث نفي الضرر.
وبعبارة أخرى : أنّ كلاً من حكم الشارع بالضمان وعدم حكمه به علی خلاف الامتنان وموجب للتضرّر لا محالة، لأنّ حكمه بالضمان على خلاف الامتنان للمتلف وموجب لتضرره، كما أن عدم حكمه بالضمان على خلاف الامتنان للمالك وموجب لضرره، وبما أنّ الشارع لابد له من أحد الحكمين فلذا لا يشمله حديث نفي الضرر، بل ولا حديث رفع الاكراه ورفع الاضطرار والنسيان، لأنّ جريانها في موارد الاتلافات على خلاف الامتنان، على كلام في خصوص رفع الاكراه فإنّ رفع الضمان بالاكراه لا يكون على خلاف الامتنان للمالك من جهة الحكم بضمان المكره
1) مصباح الأصول 2 (موسوعة الإمام الخوئي 47) : 625 ذيل التنبيه الثالث م--ن تنبيهات لا ضرر.
بالكسر للمال وإلزامه بدفعه إليه، وهذا يرفع عدم الامتنان في خصوص مورد الاكراه، وهذا بخلاف المقام لأن جريان حديث نفي الضرر ليس على خلاف الامتنان بل على وفقه بالاضافة إلى المغبون، وأما بالاضافة إلى الغابن فهو موجب لعدم انتفاعه لا لتضرّره.
وأما ما أفاده من أن الضرر مستند إلى إقدامه، ففيه : أنّه إنّما يصح فيما إذا أقدم عليه مع العلم بالغبن، فإنّه حينئذ نظير الهبة إقدام على ما فيه الضرر والحديث لا يشمله كما لا يشمل الهبة مع أنّها أيضاً ضرر وموجب للنقص في المالية، وأما مع الجهل بالحال فهو إنّما أقدم على المعاملة باحراز عدم الضرر وباعتقاد التساوي بين القيمتين، وهذا نظير ما إذا اعتمد على إخبار مخبر بالتساوي فأقدم عليه. وبالجملة أنّ إقدامه مبني على تخيّل عدم الضرر، وعليه فهو إنّما أقدم على المعاملة لا على الضرر فلا يكون إقدامه ذلك موجباً وعلّة لضرره فيكون ضرره مستنداً إلى حكم الشارع باللزوم، هذا كلّه فيما أجاب به شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه).
ثانيهما : ما أورده شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (1)من أنّ انتفاء الضرر في المعاملات الغبنية لا يختص ولا ينحصر بجعل الخيار للمغبون، بل يمكن رفع الضرر بأحد وجهين آخرين :
أحدهما : أن يكون المقام نظير بيع المريض إذا باع شيئاً في مرضه بأقل من قيمته أو اشترى شيئاً بأزيد من قيمته فمات، فإنّ وارثه يطالب المشتري في الصورة الأولى أو البائع في الصورة الثانية بعين المقدار الزائد عن القيمة السوقية فيقال في المقام إنّ المغبون له أن يطالب الغابن بالمقدار الزائد عن القيمة السوقية من عين الثمن المدفوع وبذلك يرتفع ضرره بلا حاجة إلى جعل الخيار في حقه، وهذا أيضاً نظير ما
1) لاحظ المكاسب 5 : 161.
ذكره العلّامة (قدّس سرّه) في بيع المرابحة فيما إذا ظهر كذب البائع في إخباره برأس ماله كما إذا أخبر بأنّ رأس ماله هو عشرة دنانير وباعه بالمرابحة في كل عشرة دنانير بدينار فصار مجموع الربح ورأس المال أحد عشر ديناراً، ثمّ ظهر كذب البائع وعلمنا أن رأس ماله خمسة دنانير، فللمشتري مطالبة البائع بنصف مجموع الربح ورأس المال فيسترجع خمسة دنانير ونصفاً.
وثانيهما : أن يدفع ضرر المغبون بالحكم بتغريم الغابن بالمقدار الزائد عن القيمة السوقية، والفرق بين هذا وبين الوجه السابق أنّ الغرامة بمقدار الزائد عن القيمة السوقية لا يلزم أن تكون من عين الثمن المدفوع، وهذا بخلاف الصورة الأولى فإنّ الرجوع فيها إنّما هو في المقدار الزائد عن نفس الثمن المدفوع.
وكيف كان، فالضرر يمكن اندفاعه بأحد الوجهين المذكورين كما يمكن اندفاعه بجعل الخيار، إلّا أنّه (قدّس سرّه) رجّح الوجهين على هذا الوجه الثالث أعني جعل الخيار من جهة أنّ إثبات الخيار بحديث نفي الضرر غير صحيح، لأنّه على خلاف الامتنان بالاضافة إلى الغابن، لتعلّق غرض الناس بأبدال أموالهم وأعواضها، فإذا جعلنا للمغبون الخيار وبه فسخ العقد واسترجع المال المنتقل إلى الغابن فهذا يوجب نقض الغرض للغابن حيث إنّ غرضه تعلّق بما انتقل إليه، ونقض الغرض ضرر وعلى خلاف الامتنان، وهذا بخلاف الوجهين السابقين، ولأجل ذلك احتمل أن يكون الخيار مختصاً بصورة امتناع الغابن من البذل أي بذل الغرامة أو بذل المقدار الزائد، وعلى هذا يمنع عن جريان استصحاب الخيار من جهة احتمال أنّ الخيار من الأول مضيّق ومختص بتلك الصورة، ومعه لا يبقى مجال للاستصحاب هذه خلاصة ما أفاده (قدّس سرّه) في المقام.
إلا أن للمناقشة فيما أفاده مجالاً، أمّا الوجه الأول من الوجهين ففيه : أنّ حديث نفي الضرر إنّما يرفع الأحكام التي يترتّب عليها الضرر، ولكنه لا يشرّع
حكماً آخر على خلاف القواعد الفقهية، وذلك لأنّ المعاملة وقعت بين مجموع الثمن ومجموع المثمن فإذا صحت تلك المعاملة وأمضيت فالمعاملة في مجموعها صحيحة ونافذة، وإن لم تمض تلك المعاملة فالمعاملة الواقعة بين مجموع الثمن والمثمن باطلة وأما أنّها صحيحة بمعنى وقوع مجموع المثمن في مقابل بعض الثمن فهو ممّا لا أساس له، لأنّ هذه المعاملة أعني مبادلة مجموع المثمن ببعض الثمن ممّا لم ينشئها المتعاملان حتى يمضيها الشارع، فلو أمضاها الشارع فهو إمضاء لما لم يصدر من المتعاملين ولم ينشئاها أصلاً فكيف يمكن أن يقال إن حديث نفي الضرر يوجب إمضاء معاملة لم ينشئها المتعاملان وليس لها اطلاع عليها.
ثم لا يخفى أنا لا نقول إنّ المعاملة الواحدة لا تنحل إلى أجزائها ولا تكون صحيحة في بعضها وفاسدة في بعضها الآخر، فإنّ ذلك ممّا صرّحنا به مراراً وقلنا إنّ المعاملة الواحدة تنحل إلى معاملتين لو كان لها جزءان، وإن كان لها أجزاء متعدّدة فتنحل إلى معاملات متعددة، فإذا باع ما يملك وما لا يملك أو ما يُملك وما لا يُملك فتنحل المعاملة إلى بيعين فتصح في أحدهما وتبطل في الآخر، إلّا أنّها إذا بطلت يرجع ما يقابله من الثمن إلى المشتري كما يرجع بعض المثمن إلى البائع، وليس معناه أن المعاملة تقع في مقابلة مجموع الثمن وبعض المثمن فإنّه أمر لم ينشئه أحد، وفي المقام لا تبطل المعاملة في نصفها بأن يرجع نصف المبيع إلى ملك البائع ونصف الثمن إلى ملك المشتري، بل يخرج نصف الثمن مثلاً عن ملك البائع ويُدفع إلى المشتري بلا إخراج مقابله من المثمن عن ملك المشتري، وعليه فيكون مجموع المثمن في مقابل بعض الثمن وهذا هو الذي ندعي مخالفته للقواعد الفقهية وأنّه ممّا لا يثبته نفي الضرر، لأنّها معاملة جديدة لم يطلع عليها المتعاملان.
وأمّا شراء المريض بأكثر من القيمة السوقية فلو سلمنا أن الورثة يتمكنون من إرجاع المقدار الزائد عن القيمة السوقية من البائع فهو حكم تعبدي وقع في
مورد. وأما مسألة كذب البائع في المرابحة بالإخبار عن رأس ماله فهي يمكن أن تكون على طبق القاعدة، وذلك لأنّ المعاملة وقعت فيها على عنوان رأس المال الواقعي، ولكنه من باب الخطأ في التطبيق طبقه على الزائد، فإذا انكشف الخلاف فهو لا يوجب بطلان المعاملة بل يسترد المقدار الزائد تحصيلاً لذلك العنوان الواقعي، وليس الأمر كذلك في المقام، لأنّ البيع وقع على مجموع الدينارين في مقابل مجموع المثمن فكيف يمكن فيها الحكم بعدم صحة تلك المعاملة وصحة البيع في خصوص نصف الثمن ومجموع المثمن، فلو أراد تنظير المقام بتلك المسألة لكان عليه أن يقول : إذا باع ماله بعنوان القيمة السوقية واقعاً وطبّقها على دينارين ثمّ انكشف أنّها دينار واحد فلا إشكال في صحة المعاملة واسترداد الزائد.
وأمّا الوجه الثاني من الوجهين فيدفعه : أن تغريم الغابن بلا وجه، فبأي دليل نغرمه، أبدليل الاتلاف أو بدليل اليد أو بغيرهما من الأسباب الموجبة للضمان والغرامة، فلا طريق شرعي لتغريمه حتى نسمّيها بالغرامة خوفاً من أن تكون من الهبة المجانية، ومن هنا أي من جهة عدم اشتغال ذمة الغابن بشيء وعدم قيام دليل على ضمانه ذهب فخر المحققين (1)وجماعة ومنهم شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه) (2)إلى أنّها هبة مجانية من الغابن وقد أصروا عليه، ونعم ما صنعوه إذ قد عرفت أن ذمة الغابن غير مشتغلة بشيء، وممّا يؤيد ذلك : أنّ المغبون لو لم يلتفت إلى غبنه أو لم يطالب الغابن بتلك الغرامة أفهل تكون ذمة الغابن مشغولة ويكون ضامناً للزيادة بحسب الواقع.
فالانصاف أنّ رفع الضرر بهذين الوجهين وإن كان ممكناً إلّا أنّهما لا صحة
لها كما عرفت، فالمتعيّن على تقدير جريان حديث نفي الضرر في المقام هو الحكم بجواز فسخ المعاملة بدعوى أنّ الحديث يوجب رفع وجوب الوفاء بالعقد.
ولكن الصحيح كما ذكرناه في الدورة المتقدمة أنّ المقام ممّا لا يجري فيه حديث نفي الضرر، لأنّه على تقدير جريانه يوجب بطلان المعاملة رأساً لا أنّه يرفع لزومها، وذلك لأنّ الموجب للضرر هو صحة المعاملة لا لزومها، بل لزومها إلزام من الشارع بما فيه الضرر لا أنّه بنفسه ضرري، والوجه في ذلك أنّ المعاملة وقعت بين المثمن والثمن الرخيص، فتلك المعاملة هي بنفسها أوجبت نقصان المال للمغبون فإنّه بهذه المعاملة خرج عن كونه مالكاً لألف دينار وصار مالكاً لخمسمائة دينار، فيكون إمضاء تلك المعاملة ضررياً فيرتفع بحديث الضرر فلا محالة تقع المعاملة فاسدة، فإذا فرضنا أنّه كان مالكاً لجوهر ثمين وقد باعه بدينار مع أنّ قيمته السوقية مائة دينار، فهو بتلك المعاملة خسر تسعة وتسعين ديناراً فصحتها وإمضاؤها يكون ضررياً، ولزوم تلك المعاملة إلزام بما فيه الضرر، وليس في نفس الالزام ضرر بل نفس المعاملة موجبة لخسرانه وتضرّره وإن أمكنه تداركه بأخذ المقدار الناقص من المشتري الغابن، إلّا أنّ حديث نفي الضرر يوجب رفع الأحكام الضررية، وليس معناه تدارك الضرر كما بيّناه في محله، وعليه فيوجب رفع صحة المعاملة الغبنية، فتكون المعاملات المشتملة على الغبن فاسدة.
فالأمر يدور في المقام بين الالتزام ببطلان المعاملات الغبنية، وبين عدم جريان حديث نفي الضرر والالتزام بثبوت الخيار لأجل الاشتراط الضمني كما تقدم، ولكن لا يمكن الالتزام ببطلان المعاملات الغبنية باجراء حديث نفي الضرر إما للاجماع على صحة المعاملات المتضمّنة للغبن، إذ لو كانت تلك المعاملات فاسدة لبان ذلك وظهر لكونها من الأمور المبتلى بها دائماً حتى في زمن الأئمة (عليهم السلام) حيث كان المسلمون يتعاملون ويتغابنون بمرأى منهم ومسمع.
وإما من جهة عدم جريان حديث نفي الضرر في المعاملات الغبنية لأنّه على خلاف الامتنان بالاضافة إلى الغابن، إذ المفروض أنّه يوجب فوت منفعته وه-و خلاف الامتنان سيما إذا لم يكن الغابن عالماً بزيادة القيمة السوقية أصلاً فإنّه كيف يمكن إبطال معاملته، ويشترط في جريان القاعدة أن لا يكون جريانها على خلاف الامتنان بالاضافة إلى أحد.
وبالجملة : إما ندعي عدم بطلان المعاملات الغبنية لأجل التخصيص بالاجماع بأن نلتزم على أنّها لا يجري فيه حديث نفي الضرر إلّا أنا ندعي المخصص لتلك القاعدة وهو الاجماع، وإمّا ندعي عدم بطلانها لأجل التخصص بدعوى عدم جريان الحديث في المعاملات الغبنية لأنّه على خلاف الامتنان للغابن، إذن فلابد من الالتزام بصحة المعاملات الغبنية مع الخيار من جهة الاشتراط الضمني بتساوي القيمتين.
فالمتحصّل : أنّ التمسّك في إثبات الخيار بحديث لا ضرر ممّا لا وجه له.
ومن من الوجوه التي يستدل بها على ثبوت خيار الغبن : الأخبار الواردة في حكم الغبن بمضمون «غبن المسترسل سحت» (1)أو «لا يغبن المسترسل فإن غبنه لا يحل» (2)إلى غير ذلك من الأخبار التي نقلها شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (3).
ويمكن أن يقال : إنها كما لا دلالة لها على عدم جواز الغبن وضعاً إذ المفروض أنّها مشتملة على النهي عن الغبن ولا دلالة فيها على بطلان الغبن بوجه، كذلك لا دلالة لها على عدم جواز المعاملة الغبنية بأن تكون المعاملة الغبنية من المحرّمات في
الشريعة المقدّسة، وذلك لاحتمال أنّ المراد بالغبن هو الغبن بالفتح الذي هو بمعنى الخيانة في الرأي والمشاورة، فتكون الأخبار ناظرة إلى بيان حرمة الخيانة عند الاستشارة بأن لا يغبن المسترسل ويريه ما هو ضارّ في حقه فإنّه خيانة، فلا ظهور في تلك الروايات في النهي عن المعاملات الغبنية أبداً إلّا الرواية الأولى ممّا نقله شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) حيث إنها اشتملت على كلمة سحت ودلت على أن «غبن المسترسل سحت» (1)وكلمة السحت ظاهرة في المعاملات التي يكون الثمن فيها حراماً، ومنه إنّ ثمن الكلب سحت (2)وفي بعض الروايات أجور الفاجرة والرشاء في الحكم ونحوهما من السحت (3)وكيف كان فلها ظهور في المعاملة التي يكون الثمن فيها سحتاً، وعليه فلا يمكن حملها على الغبن بالفتح في الاستشارة كما حملنا غيرها من الأخبار عليها، وظاهر تلك الرواية أنّ المعاملة المشتملة على الغبن سحت أي حرام شديد.
وذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) أنّ المعاملات الغبنية لما لم تكن محرّمة على نحو الاطلاق في الشريعة المقدّسة، فلذا يمكن تصحيح الرواية بحملها على صورة خاصة وهي ما إذا اطلع عليه المغبون وردّ المعاملة المغبون فيها فحينئذ يمكن أن يقال إنّ المعاملة الغبنية سحت كما يمكن أن يقال إنّ المقدار الزائد عن القيمة السوقية من السحت فنحمل الرواية عليه، أو نقول إنّ المراد بتلك الروايات هو أن الغابن بمنزلة آكل السحت في استحقاق العقاب على خديعته فهي تنظير وتشبيه، هذا.
ولا يخفى عدم تمامية شيء من الوجهين الأخيرين اللذين ذكرهما شيخنا
الأنصاري (قدّس سرّه) كما أنّ نفس الاستدلال بالرواية في المقام ممّا لا وجه له وذلك لأن السحت ظاهر في الأموال المأخوذة في المعاملات على وجه الحرام كأجرة الفاجرة وثمن الكلب والرشاء في الحكم وهكذا، وفي هذه الرواية أطلق السحت على نفس الغبن مع أنّه ليس من الأموال المحرّمة بل من الأفعال، ولا يصح إرادة الثمن من الغبن لعدم صحة استعمال الغبن في الثمن ولو مجازاً، ولم يطلق السحت على الثمن حتى يستظهر منها المعاملة الغبنية، فلا يمكن فيها إرادة المال الحرام من السحت، فيتعيّن أن يراد بالسحت مطلق الحرام مالاً كان أو فعلاً كما هو أحد معنيي السحت، وبهذا المعنى صح إطلاقه على الغبن، وعليه فتسقط الرواية عن الدلالة على حرمة المعاملات الغبنية لاحتمال إرادة الغبن بالفتح منها أي الخيانة في مقام الاستشارة فيكون حال هذه الرواية نظير سائر الروايات التي أسقطنا دلالتها على الحرمة التكليفية في المعاملات الغبنية باحتمال إرادة الغبن منها بالفتح.
بقى الكلام في مسائل
المسألة الأولى : قد عرفت في أوائل البحث أنّ ثبوت هذا الخيار يتوقف على جهل المغبون بالقيمة السوقية، فإذا كان غافلاً عن القيمة السوقية وغير ملتفت إليها أصلاً أو كان معتقداً عدم الزيادة فلا ينبغي الاشكال في ثبوت الخيار له، بل هما المقدار المتيقن من موارد ثبوت خيار الغبن، سواء كان المدرك في ذلك هو الاشتراط الضمني العقلائي كما ذكرناه، أم كان المدرك حديث نفي الضرر وهو ظاهر لتخلّف الاشتراط الضمني وتضرره بالغبن، ويلحق بالاعتقاد الاطمئنان العقلائي.
وأما إذا علم بالقيمة السوقية أو اطمأنّ بها ومع ذلك أقدم على المعاملة فلا ينبغي الاشكال أيضاً في عدم ثبوت الخيار في هذه الصورة، ك--ان الم-درك ه-و الاشتراط الضمني أم كان حديث نفي الضرر، وذلك لأن مرجعه إلى إسقاط الخيار بمعنى عدم اشتراط التساوي بين القيمتين وإلى الاقدام على الضرر، والحديث لا يشمله حينئذ لأنّه على خلاف الامتنان، إذ لا امتنان في إيطال معاملة قصدها المغبون باقدامه عليها، وهذا أيضاً ظاهر.
وإنما الكلام فيما إذا شك في القيمة السوقية أي في تساوي القيمتين أو ظنّ زيادة القيمة أو ظن نقيصتها بظن غير معتبر، فهل يثبت له الخيار في هذه الصور فيما إذا كانت القيمة السوقية أكثر أو لا ؟
ربما يقدم على المعاملة مع الشك في القيمة السوقية ب-لا ت-عليق لالتزام-ه
بالمعاملة على التزام الطرف الآخر بالخيار على تقدير عدم التساوي بل يشتريه على نحو الاطلاق كانت القيمتان متساويتين أم لم تكونا بمعنى أنّه راغب بهذه المعاملة مطلقاً كانت القيمتان متساويتين أم كانتا مختلفتين، ففي هذه الصورة لا يثبت له الخيار، لما أشرنا إليه سابقاً من أنّ مرجع ذلك إلى إسقاط الخيار بمعنى عدم اشتراط التساوي حيث يثبت له الخيار على تقدير عدمه، كان المدرك هو الاشتراط أم كان حديث نفي الضرر كما تقدم.
وأخرى يقدم على المعاملة لا بالغاء الاشتراط بل بتعليق التزامه على التزام الطرف بالخيار على تقدير عدم التساوي كما هو معنى جعل الخيار، فيكون إقدامه إقداماً على المعاملة بهذا الاشتراط لا بالغائه كما في الصورة المتقدمة، وفي هذه الصورة لا وجه لسقوط خياره أصلاً.
ودعوى : أن الشاك في إقداماته يساوي العالم من حيث المدح واللوم، فإنّه إذا احتمل أن يكون الشبح المرئي إنساناً كما احتمل أن يكون غيره ومعه أطلق عليه البندقية فقتله، أو ألق شخصاً في ماء لا يعلم بعمقه مع عدم معرفة الطرف السباحة فغرق فإنّ العقلاء يلومونه على فعله ذلك وإن كان شاكاً في كون الشبح هو الانسان أو في عمق الماء بمقدار يوجب الغرق إلّا أنّ العقلاء يعاملونه معاملة العالم من حيث اللوم والذم، فليكن الشاك في القيمة السوقية كالعالم بها من حيث عدم ثبوت الخيار له.
مدفوعة : بأنّ الشاك في الأمثلة المذكورة وغيرها من الأحكام الشرعية وإن كان مورداً للوم والذم بل للعقاب، إلّا أنّه من جهة أن نفس الاحتمال في الأحكام الشرعية يوجب التنجيز، فإذا شك في أنّ الشبح إنسان فيجب عليه الاحتياط فراراً عن الضرر المحتمل الواجب دفعه، ومعه إذا أقدم عليه فلا يكون معذوراً في ذلك لوجوب الاحتياط عليه، والمفروض أن المورد ممّا نعلم بعدم رضا
الشارع فيه باجراء البراءة أو الاستصحاب أو سائر الأصول لا يجابه الاحتياط فيه، ومعه لا مرخص له في ذلك فلا محالة يلام ويذم بل ويعاقب عليه.
وهذا لا يقاس بالمقام ممّا لا يكون الاحتمال فيه منجزاً مع فرض أنّه أق--دم على المعاملة بهذا الاشتراط العقلائي سيما مع العلم بحكم الغبن وأنّ حكم-ه ه-و الخيار، فإنّه كيف يمكن أن يقال إنّه أقدم على إسقاط الخيار، فالظاهر أن الشاك وكذا الظان يثبت لهما الخيار في هذه الصورة كما ذهب إليه شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (1)ولا يمكننا المساعدة على ما ذهب إليه شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه) (2)من عدم ثبوت الخيار للشاك.
ثم إنّه إذا اعتقد زيادة القيمة السوقية بمقدار معلوم فأقدم عليها كما إذا اعتقد أنّ القيمة السوقية عشرة فاشتراه بعشرين بزيادة عشرة، فإن كان ذلك مطابقاً للواقع أيضاً بأن كانت القيمة السوقية في الواقع هي العشرة فهو فلا خيار له كما مرّ وكذلك الحال فيما إذا ظهر أن القيمة السوقية أكثر من العشرة فإنّه قد رضي بخسارة عشرة زائدة عن القيمة السوقية فكيف بما هو أقل منها، كما إذا ظهر أن القيمة السوقية خمسة عشر فإنّه حينئذ خسر خمسة مع أنّه رضي بخسارة عشرة فالمعاملة صحيحة ولا خيار له، وهذا كلّه ظاهر.
وأمّا إذا ظهر أن القيمة السوقية أقل ممّا اعتقده في المعاملة فلها أربعة صور وذلك لأن التفاوت بين الثمن وبين ما اعتقده من القيمة السوقية وأقدم على خسارته ربما يكون بمقدار يتسامح فيه عادةً، وأخرى لا يكون من المقدار المتسامح فيه، كما أنّ الفرق بين القيمة السوقية وما اعتقده من القيمة ربما يكون بالمقدار
المتسامح فيه، وأخرى لا يكون بمقدار يتسامح فيه عادةً، وهذه أربعة صور.
فإن كان التفاوت بين الثمن وما اعتقده من القيمة بمقدار يتسامح فيه كما إذا اعتقد أن القيمة السوقية تسعة فاشتراه بعشرة وكان التفاوت بين ما اعتقده من القيمة والقيمة السوقية بمقدار يتسامح به أيضاً كما إذا ظهر في المثال أن القيمة السوقية ثمانية، والفرق بينها وبين التسعة واحد وهو مورد للمسامحة، فلا إشكال في ثبوت الخيار في هذه الصورة، لأنّه إنّما أقدم على خسارة مقدار يتسامح فيه وقد ظهرتت الخسارة بمقدار لا يتسامح به، لأنّ ما يتسامح به هو الواحد في العشرة وهو الذي قد أقدم عليه، وقد ظهر الفرق باثنين والاثنان في العشرة ممّا لا يتسامح فيه والواحد في حد نفسه وإن كان مورداً للمسامحة إلّا أنّه لا يلاحظ وحده بل بضمه إلى الواحد الذي أقدم عليه ومجموعهما اثنان وهو ممّا لا يتسامح به، إذ لو لوحظ ك--ل واحد واحد من الدراهم بمفرده فهو وإن كان مورداً للمسامحة إلّا أنّه يوجب انتفاء الغبن مطلقاً حيث إن كل جزء من أجزائه ممّا يتسامح فيه حتى ينتهي إلى آخره.
وبعبارة أخرى : أنّ المغبون إنّما أقدم على خسارة الواحد بشرط لا، وقد ظهرت الخسارة بمقدار الواحد بشرط شيء وهي ممّا لم يقدم عليه فلا محالة يثبت له الخيار.
وإن كان التفاوت بين الثمن وما اعتقده من القيمة الذي قد أقدم على خسارته بمقدار يتسامح به عادة كما في المثال ولكن التفاوت بين ما اعتقده من القيمة والقيمة السوقية كان بأكثر ممّا يتسامح به كما إذا ظهر في المثال أن القيمة السوقية خمسة والفرق بينها وبين ما اعتقده أربعة وهي ممّا لا يتسامح به، ففي هذه الصورة أيضاً لا ينبغي الاشكال في ثبوت الخيار لأنّه إنّما أقدم على ما يتسامح به وهو الواحد في العشرة وقد ظهر التفاوت بما لا يتسامح به فيثبت له الخيار، وهذا ظاهر.
وأما إذا كان التفاوت بين الثمن وما اعتقده من القيمة أعني مقدار الخسارة
التي أقدم عليها ممّا لا يتسامح به كما إذا نزل به ضيف فاحتاج إلى شراء الثلج في وسط الليل ولم يوجد إلّا عند واحد فاشتراه منه كل كيلو بعشرين مع اعتقاد أن قيمته في السوق خمسة عشر فلساً فقد أقدم على خسارة خمسة في عشرين وهي ممّا لا يتسامح به، وكان الفرق بين ما اعتقده وبين القيمة السوقية بمقدار لا يتسامح فيه كما إذا ظهر أن قيمة كل كيلو من الثلج في السوق عشرة، والفرق بينها وبين م--ا اعتقده من القيمة خمسة وهي أكثر ممّا يتسامح فيه فقد ذكر شيخنا الأنصاري(1)وشيخنا الأستاذ (قدّس سرّهما) (2)أنّه يثبت له الخيار في هذه الصورة، والصحيح هو ما ذكراه، وذلك لأنّه إنّما أقدم على خسارة خمسة وقد ظهرت الخسارة عشرة، فهي ممّا لم يقدم عليه وما أقدم عليه هو خسارة خمسة فلا محالة يثبت له الخيار، ولا وجه لسقوط خياره أبداً لأنّ ما لم يقدم عليه بمقدار يوجب الخيار في حد نفسه، إذ المفروض أنّه بمقدار لا يتسامح به وهو موجب للخيار، وهذا ظاهر.
وإذا كان التفاوت بين الثمن وما اعتقده من القيمة أي المقدار الذي أقدم على خسارته بمقدار لا يتسامح به كما في المثال المتقدم، وكان الفرق بين القيمة السوقية وبين ما اعتقده من القيمة بمقدار يتسامح به عادة كما إذا ظهر أن كل كيلو من الثلج في السوق أربعة عشر فلساً، والفرق بينهما وبين ما اعتقده فلس واحد وه-و م-ورد للمسامحة عرفاً، فهل يثبت له الخيار أيضاً أو يسقط خياره ؟
ذهب شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه) (3)إلى سقوط الخيار لما أشرنا إليه في الصورة المتقدمة من أنّ المقدار غير المتسامح فيه هو ما أقدم عليه المغبون بنفسه وأما المقدار الزائد أعني الفلس الواحد فهو ليس بانفراده موجباً للخيار لأن-ه ممّا
يتسامح فيه في العادة، فما يثبت الخيار أعني ما لا يتسامح فيه فقد أقدم عليه وأما ما لم يقدم عليه فهو لا يثبت الخيار لأنّه ممّا يتسامح فيه عادة.
وذهب شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) إلى ثبوت الخيار في هذه الصورة أيضاً والحق معه، وذلك لأنّه وإن أقدم على ما لا يتسامح فيه إلّا أن له مراتب مختلفة والمفروض أنّه أقدم على بعض مراتبه وهو الخمسة ولم يقدم على غيرها من المراتب كالستة، والمفروض أنّ ما لا يتسامح فيه ظهر ستة وهي ممّا لم يقدم عليه فلا محالة يثبت له الخيار وهو ظاهر. فالمتحصّل أنّ في جميع الصور الأربعة يثبت له الخيار.
بقيت صورة خامسة وهي ما إذا كان ما أقدم عليه من الخسارة بمقدار يتسامح به، وكان الفرق بين ما اعتقده وبين القيمة الواقعية أيضاً ممّا يتسامح فيه، وكان المجموع ممّا أقدم عليه وممّا لم يقدم عليه أيضاً ممّا يتسامح فيه، وهذا كما إذا اعتقد أنّ قيمة المبيع تسعة عشر فاشتراه بعشرين ثمّ ظهر أنّ قيمته السوقية ثمانية عشر ومجموع ما أقدم عليه من الخسارة وهو الفلس الواحد وما لم يقدم عليه من الفرق بين ما اعتقده والقيمة السوقية وهو الواحد أيضاً ممّا يتسامح فيه، لأن الاثنين في العشرين مورد للمسامحة، وفي هذه الصورة لا يثبت له الخيار لأن الخسارة ليست ممّا يوجب الخيار، إلّا أنّ هذه الصورة خارجة عن محل الكلام.
ذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (1)أنّ العبرة بالقيمة حال المعاملة وأنّها إذا لم تكن مساوية للقيمة المعاملية حين المعاملة فلا محالة يثبت له الخيار، فلو زادت القيمة السوقية بعد المعاملة وتساوت مع القيمة المعاملية فلا تنفع ولا يوجب
1) المكاسب 5 : 167.
سقوط الخيار، ثمّ احتمل سقوطه فقوّاه من جهة تدارك الضرر قبل حصول القبض فهو حينما يقبض المال لا يتوجه عليه ضرر، بل وكذلك الحال بعد القبض فيما إذا حصل التدارك بترق القيمة السوقية بعد القبض وقبل العلم بالغين فإنّه إذا علم بالحال يرى القيمة المعاملية مساوية للقيمة السوقية، وكذلك فيما إذا حصلت الزيادة بعد العلم وقبل الرد، والجامع أنّه لا يتضرر ولا تكون القيمة المعاملية أكثر من القيمة السوقية.
وذكر (قدّس سرّه) أنّ الحال في العقود التي يتوقف فيها الملك على القبض أظهر من حيث عدم ثبوت الخيار، وذلك لأنّه يمكن أن يقال في الصورة الأولى بأنّ الزيادة حصلت في ملك المغبون وهي غير مربوطة بتساوي القيمة المعاملية مع القيمة السوقية، وأمّا في هذه الصورة فالمفروض أنّه غير مالك للمال قبل قبضه وعند صيرورته ملكه ترقّت القيمة وحصل التساوي، ولم يكن حصول الزيادة في ملكه بل في ملك مالكه الأول.
نعم، بناء على ما ذكره العلّامة (قدّس سرّه) في العقود التي يتوقف فيها الملك على القبض من أنّ الملك وإن لم يحصل فيها قبل القبض إلّا أن القبض فيها واجب بعد العقد، وإيجاب القبض مع عدم تساوي القيمتين ضرري، يثبت الخيار لثبوت الضرر بوجوب إقباض الزائد في مقابل الناقص، هذا.
ولا يخفى أنّ المدرك في خيار الغبن لو كان هو قاعدة نفي الضرر لكان لما أفاده (قدّس سرّه) في المقام مجال، وذلك من جهة أن القيمة فيما إذا ترقت بعد العقد أو بعد القبض بل وبعد العلم بالغبن أيضاً لا يتوجه على المغبون ضرر مالي، لأنّ المفروض تساوي القيمتين حينذاك وليس هناك ضرر حتى يوجب ارتفاع اللزوم، نعم لو كان فسخه قبل ترقي القيمة لكان له مجال لأنّ المعاملة في حقه ضررية حينئذ، وأمّا بعد حصول الزيادة فلا.
وبعبارة أخرى : الأحكام الشرعية تابعة لتحقق موضوعاتها وتدور مدارها بحسب الحدوث والبقاء، فما دام الضرر موجوداً على المغبون فحكمه وه-و ع-دم لزوم المعاملة كان ثابتاً لتحقق موضوعه، وأما إذا ارتفع الضرر فلا محالة يرتفع الخيار أيضاً لارتفاع موضوعه، وليس الضرر موضو موضوعه، وليس الضرر موضوعاً له بحسب الحدوث إذ لا يحتمل أن يكون الضرر في بعض الأزمنة المتقدمة موجباً للخيار إلى يوم القيمة. وكيف كان فلما أفاده (قدّس سرّه) في المقام بناءً على أنّ المدرك هو قاعدة نفي الضرر وجه.
وأمّا بناءً على أنّ مدركه هو الاشتراط فلابد من ملاحظة أن الاشتراط تعلّق بأي شيء، فهل الاشتراط تعلّق بتساوي القيمتين حين المعاملة فقط أو بتساويهما إلى الأبد، فبحسب التصوير العقلي يمكن أن يكون متعلّق الاشتراط هو تساوي القيمتين إلى الأبد بحيث لو فرضنا القيمة أقل من القيمة السوقية أو أكثر منها في شيء من هذه الأزمنة يثبت للمغبون منهما خيار تخلف الشرط، ولازم ذلك أنّه إذا كانت القيمتان متساويتين حال العقد ثمّ ارتفعت أو تنزلت بعده فيثبت له الخيار لعدم تساوي القيمتين بعد العقد على الفرض، كما أنّه إذا كانت القيمتان مختلفتين حال العقد فيثبت له الخيار وإن تساوتا بعد المعاملة لعدم تساوي القيمتين حال المعاملة أيضاً، وهذا ظاهر.
إلا أن شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (1)نقل الاجماع في الفرع الآتي وهو ما إذا تبدلت القيمة وترقت أو تنزلت بعد العقد مع كونهما متساويتين حين العقد على عدم ترتب الأثر عليه وأنّه لا يوجب الخيار له، ولازم ذلك عدم الاعتناء بترقي القيمة أو تنزّلها بعد تساويهما حال المعاملة، ويمكن أن يكون متعلّق الاشتراط هو
1) المكاسب 5: 168.
التساوي حال القبض ولازمه عدم الخيار فيما إذا كانت القيمتان مختلفتين حال المعاملة ولكنها كانتا متساويتين حال القبض، هذا.
والظاهر أنّ الاشتراط راجع إلى اشتراط التساوي بين القيمتين حين المبادلة، لأنّ المتبادر العرفي من اشتراط التساوي هو أن تكون القيمتان عند المبادلة متساويتين لا بعدها إلى يوم القيامة، لأنّ شأن الأموال هو الترقي والتنزل في كل وقت و آن فربّ تاجر يربح بعد تجارته و تاجر آخر يخسر، وهذا راجع إلى الحظ والنصيب ولا يتعلّق الاشتراط بتساويها دائماً، وعليه فإذا كانت القيمتان متساويتين وبعد المبادلة نزلت أو ترقّت لا يترتّب عليه أث-ر ك-ما أنّه إذا لم تكن القيمتان متساويتين حال المعاملة والمبادلة ثمّ حصل التساوي لا يوجب هذا رفع الخيار الثابت له حين المعاملة لتخلّف شرطه.
ثم إن الاجماع المدعى على عدم الخيار فيما إذا ترقت القيمة أو تنزلت بعد العقد لو كان إجماعاً تعبدياً فهو ولا كلام فيه، إلّا أنا نستبعد التعبدية في الاجماع ولعله من جهة إنتفاء الضرر أو الاشتراط الضمني مع التساوي حين المعاملة، وعليه فالجمع بينه وبين عدم ثبوت الخيار فيما إذا تساوت القيمتان بعد المعاملة وكانتا مختلفتين حينها من الجمع بين المتناقضين، وذلك لما عرفت من أنّ الاشتراط راجع إلى اشتراط التساوي حين المعاملة، ولازم ذلك ثبوت الخيار عند اختلاف القيمتين حال المبادلة ولو تساوت بعدها لتخلّف شرطه الضمني وهو اشتراط التساوي حين المعاملة، وعليه فما معنى عدم ثبوت الخيار عند تساوي القيمتين بعد المعاملة، وهذا بخلاف الصورة المدعى عليها الاجماع لعدم تخلّف الشرط فيها، إذ المفروض تساوي القيمتين فيها حال المعاملة، فالجمع بينهما جمع بين متنافيين حتى بناءً على أن المدرك في ثبوت الخيار هو قاعدة نفي الضرر، وذلك لأنّ الضرر وإن كان ينتفي عند تساوي القيمتين بعد المعاملة إلّا أنّ لازم ذلك ثبوت الخيار في الصورة المدعى فيها
الاجماع على عدم الخيار لتضرّر المغبون باختلاف القيمتين بعد العقد بآن، فما وجه سقوط الخيار حينئذ، فالمسألتان من وادٍ واحد وإن كان يظهر من شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه) (1)الفرق بينهما. نعم لو كان الاجماع تعبدياً لما كان في الجمع بينهما محذور، إلّا أنك عرفت البعد في كونه تعبدياً، لاحتمال أن مدركه هو الاشتراط الضمني أو قاعدة الضرر ونحوهما، فراجع.
القول فى ثبوت خيار الغبن عند علم الوكيل بالقيمة الوكيل تارةً يكون وكيلاً في مجرد إنشاء الصيغة فقط، ولا يعتبر في مثله العلم بالعوضين ولا بمقدارهما ولا بشيء آخر، بل يبيع الأمر المعلوم بالأمر المعلوم وإن لم يعلم بهما بوجه، ومثله لا يثبت له الخيار لأنّه نظير الآلة للموكل فكأنّ الموكل يجري العقد بلسان غيره، وعليه فالمناط بجهل الموكّل بالقيمة فإذا كان جاهلاً فيثبت له الخيار كما أنّه إذا كان عالماً بها فلا يثبت في حقه كما مرّ.
وأخرى يكون وكيلاً على نحو الاطلاق حتى في الفسخ والارجاع فيثبت الخيار للوكيل عند جهله بالقيمة، وكذا فيما إذا كان وكيلاً في مجرد المعاملة فقط بلا وكالة له في فسخها وإرجاعها فإنّه إذا كان جاهلاً بالقيمة يثبت الخيار ولكن لموكله لا لنفسه، وأما عند علمهما بالقيمة ومعرفتهما بالغبن فإن كانت وكالتها شاملة لتلك الحالة أيضاً كما إذا وكل أحداً في شراء شيء ولو مع علمه بالغبن فمعاملتها صحيحة إلّا أنّه لا خيار للموكَّل في البين، لأنّه قد أسقط خياره بتوكيل الوكيل على نحو الاطلاق حتى في صورة علمه بالغبن، وبالجملة أنّ علمه كعلم الموكل بالغبن ومعه لا يثبت له الخيار.
1) منية الطالب 3 : 122.
وأما إذا كان الوكيل جاهلاً فقد عرفت ثبوت الخيار للموكل إذا كان الوكيل وكيلاً في خصوص البيع فقط، وللوكيل فيما إذا كان وكيلاً عاماً حتى في فسخ المعاملة أيضاً، إلّا فيما إذا كان الوكيل وكيلاً في خصوص البيع وكان الموكل عالماً ببيع وكيله جاهلاً بالقيمة وكونه مغبوناً في تلك المعاملة، فإنّه ذهب شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (1)فيها إلى عدم ثبوت الخيار للموكل لعلمه بالغبن وع---دم ردعه الوكيل، فتقريره له لعدم ردعه موجب لسقوط خياره، هذا.
وقد خالفه شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه) (2)وذهب إلى عدم سقوط خيار الموكّل في هذا الحال سيما إذا كان عالماً بحكم الغبن وأنّه يوجب الخيار له، والحق معه (قدّس سرّه) لأنّ المدرك إذا كان هو الاشتراط الضمني فلفرض أنّ الوكيل بجهله اشترط التساوي بين القيمتين فلا محالة يثبت للموكل الخيار ولو مع علم الموكل بأنّ وكيله قد اشترط الخيار والتساوي بين القيمتين، لأنّ علم شخص آخ--ر باشتراط البائع الوكيل لا يمنع عن ثبوت الخيار له عند تخلف شرطه، كما أن الحال كذلك فيما إذا كان المدرك هو قاعدة نفي الضرر لأنّ علمه بالحال لا يوجب إقدامه على الضرر مع علمه بثبوت الخيار له عند معاملة الوكيل، لتمكنه من الفسخ بعدها على تقدير كونها ضررية، وبالجملة أنّ تقريره لعلّه من جهة تمكنه من الفسخ بعد المعاملة.
إذا ثبت جهل المغبون وزيادة القيمة عن القيمة السوقية حال المعاملة بطريق
شرعي أو باعتراف الغابن فلا كلام.
وأمّا إذا لم يثبت الأمران بشيء من الاعتراف والطريق الشرعي واختلف الغابن والمغبون فادّعى المغبون الخيار وأنكره الغابن فهذا يتصوّر على وجهين :
أحدهما : أن يختلفا في أصل زيادة القيمة عن القيمة السوقية حال المعاملة فادعى المغبون ذلك وأنكره الغابن بدعوى أن القيمة كانت متساوية للقيمة السوقية حال المعاملة وإنما حصلت الزيادة بعد المعاملة فلا غبن، أو بدعوى أن الزيادة كانت قبل المعاملة ولكنّهما حين المعاملة كانتا متساويتين، وكيف كان فيختلفان في أصل حصول الغبن وعدمه.
وثانيهما : أن يتفقا في أصل الغبن ويعترفا بزيادة القيمة عن القيمة السوقية حين المعاملة إلّا أنّ الغابن ادعى علم المغبون بالحال وينكره المغبون ويدعي جهله بالزيادة، وهناك وجه ثالث للاختلاف لعلّنا نشير إليه بعد ذلك إن شاء اللّه تعالى. أما إذا اتفقا على حصول الغبن واختلفا في علم المغبون وجهله فقد ذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (1)في تصوير كون المغبون منكراً حينئذ وجهاً، ثمّ ذكر وجهاً ثانياً وجعله مدعياً ومع ذلك قدم قوله مع اليمين.
أما ما ذكره أوّلاً فملخصه : أنّ موضوع الخيار مركب من أمرين أحدهما البيع بالزيادة عن القيمة السوقية وهذا حاصل بالوجدان حسب الفرض، وثانيهما عدم علم المغبون بالزيادة وهذا يمكن تحصيله باستصحاب عدمه وبه ي--ت-م ك--لا جزأي الموضوع، وحيث إنّ قول المغبون مطابق للأصل فيكون منكراً ويقدم ق--ول-ه م-ع اليمين، وهذا الأصل أعني استصحاب عدم العلم حاكم على أصالة اللزوم في المعاملة لأنّه أصل موضوعي ينقح الخيار، هذا ما أفاده في الوجه الأول.
1) المكاسب 5: 169.
وأما الوجه الثاني : فقد ذكر فيه أنّه إذا بنينا على عدم جريان استصحاب عدم العلم وقلنا إنّ المغبون مدع للخيار، فلا محيص من تقديم قوله على قول الغابن أيضاً مع اليمين، وذلك لأنّ إقامة البينة على جهله غير متيسرة فدعواه ممّا لا يمكن إثباته بها ولا يعلم إلّا من قبله، وفي مثله لا مناص من تقديم قوله مع اليمين، ولا يمكن مطالبته بالبينة، إذ لا يمكن إقامتها على الأمور القائمة بنفس المدعي التي لا تعرف إلّا من قبله، كما لا يمكن إحلاف الغابن على علم المغبون بالحال، لأن الغابن كالبينة لا يمكن أن يكون عالماً بالأوصاف القائمة بنفس المدعي، إذ كيف يعرف الغابن أنّ المغبون عالم بالحال فيما أنّه جاهل بعلم المغبون فلا يصح حلفه عليه، فلا طريق إلّا الأخذ بقول ذلك المدعي مع اليمين، هذا ملخص م--ا أف--اده شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) من الوجهين.
وللمناقشة فيما أفاده فيها مجال واسع، أما فيما ذكره في الوجه الثاني فلوضوح إمكان العلم بعلم شخص آخر أو بجهله، وهذا كعلم كل أحد بجهلنا بقيمة الفرش والجواهر، مضافاً إلى أنّه لا دليل على قبول قول المدّعي فيما إذا لم يمكن إقامة البينة على دعواه، وإلّا فلازمه قبول دعوى مدعي الفساد فيما إذا عقد في محل خال عن الناس بحيث لا يمكنه إقامة البيّنة عليه.
وأما ما أفاده من عدم إحلاف الغابن على علم المغبون من أجل عدم علم الغابن بعلم المغبون أو بجهله، ففيه : أنّه لا مانع من أن يكون أحد الصديقين أو المعاشرين عالماً بعلم الآخر أو بجهله بالحال، فلا محذور في إحلاف الغابن على علم المغبون. وكيف كان فما أفاده في الوجه الثاني ممنوع بحسب الصغرى والكبرى كما عرفت.
وأما ما أفاده في الوجه الأول، ففيه : أنّ الأولى أن يعبّر بعدم الاقدام بدلاً عن عدم العلم، وذلك لما أشرنا إليه سابقاً من أنّ العلم وعدمه ليسا موضوعين للأثر
في ذلك الخيار، وإنما الأثر مترتب على عدم إقدام المغبون على الضرر وإقدام-ه عليه، وتوضيح ذلك : أنّ المقتضي لخيار الغبن إنّما هو الاشتراط الارتكازي بعدم الزيادة عن القيمة السوقية، ومقتضى ذلك ثبوت الخيار للمغبون مطلقاً كان ملتفتاً لهذا الاشتراط أم كان غافلاً عنه، وذلك لأنّه معنى كونه ارتكازياً، ومرجعه إلى أنّه لو التفت لاشترط، فاشتراطه ذلك موجود في خزانة نفسه، ولازمه ثبوت الخيار له مطلقاً، ولا يمنع عن ذلك إلّا إقدام المغبون على الضرر فإنّه حينئذ يرفع ذلك الاشتراط الضمني الارتكازي ويمنع عن ثبوت الخيار، فإذا شككنا في أنّ المغبون أقدم على الضرر أم لم يقدم عليه، فمقتضى استصحاب عدمه أنّه لم يقدم على الضرر وبهذا الاستصحاب نثبت الخيار، لأنّ صدور المعاملة وكونها غبنية مورد للاتفاق الجزء الآخر وهو عدم المانع يثبت بالأصل فيترتّب عليه أثره وهو الخيار، ولا معنى لاستصحاب عدم العلم لأنّه ليس موضوعاً للأثر، ن-ع-م الع-ل-م م-ن م-ب-ادئ الاقدام ومقدّماته لا أنّه بنفسه يترتّب عليه الأثر، هذا.
كما يمكن أن يقال : إنّ المعاملة مع عدم ثبوت الاقدام على الضرر محكومة بالخيار عند العقلاء وقد أمضاها الشارع فلا حاجة للأصل، هذا كله فيما إذا لم يكن المغبون من أهل الخبرة.
وأما إذا كان من أهل الاطلاع والخبرة بالقيمة السوقية فلا يمكن قبول دعواه الجهل بالقيمة، وذلك لما ثبت في محلّه من أنّ من شرائط صحة الدعوى أن تكون عقلائية، ومن الضروري أنّ دعوى أهل الاطلاع عدم الاطلاع على القيمة مناقض للفرض، أعني فرض كونه من أهل الاطلاع فلا تكون دعوى عقلائية، نعم لو ادعى غفلته عن القيمة السوقية وزيادتها فهي دعوى عقلائية لامكان الغفلة من غير المعصوم (عليه السلام) إلّا أنّها دعوى على خلاف الأصل، إذ الأصل عدم الغفلة وبهذا ننفي الغفلة فنحكم بعدم الخيار، هذا.
وربما يقال : بأنّ الوجه في عدم قبول قوله إنّما هو تقديم الظاهر على الأصل وكونه مدعياً لمخالفة دعواه للظاهر، إلّا أنّه ليس كل مدّع محتاجاً إلى إقامة البينة بل ربما يقبل قوله مع اليمين كما إذا تعسّر عليه إقامة البيّنة على مدعاه، لأنّه ممّا لا يعرف إلّا من قبله، وبتلك الجهة لا مانع من تقديم قوله مع اليمين لتعسّر إقامة البينة على غفلته، هذا.
وقد أجاب عن ذلك شيخنا الأنصاري (1)بوجه فيه خلط، وذلك لأنّ في المقام أمران : أحدهما كبرى قبول قول كل مدّع يتعسّر عليه إقامة البينة على مدعاه. وهذه الكبرى هي التي ناقشناها سابقاً، وأورد عليها شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) بأنّ الكبرى غير مسلّمة، لأنّ لازمها قبول قول مدعي الفساد فيما إذا أوقع العقد في برّ أو بحر خالٍ عن الناس. وثانيهما : كبرى قبول قول كل من لا يعرف ذلك القول إلّا من قبله، وهذه الكبرى غير الكبرى المتقدمة لأن معناها أن كل قول بطبعه لا يمكن معرفته إلّا من قبل قائله ومدّعيه لا بدّ من قبوله، لا كل ما تعسّر إقامة البينة عليه في مورد مع إمكان إقامتها عليه بطبعه وفي حد نفسه إلّا أنّه لما وقع في مكان خالٍ عن الناس اتفاقاً لا يمكنه إقامة البينة عليه، ولكنها أيضاً ممّا لم ترد في آية ولا في رواية وإنما ثبتت في خصوص إخبار المرأة بانقضاء عدتها وبما في رحمها وبعادتها لأنهن مصدّقات في الثلاثة لا في جميع الموارد، وإلّا فلازمه قبول قول مدعي العدالة والتقى لأنّه ممّا لا يعرف إلّا من قبله، هذا أوّلاً.
وثانياً : أن تطبيق تلك الكبرى على المقام غير صحيح، وذلك لما عرفت من إمكان الاطلاع على جهل شخص آخر أو علمه.
فالمتحصّل : أنّ أهل الخبرة لا يثبت في حقه الخيار وهذا بخلاف غير أه--ل
1) المكاسب 5: 169.
الخبرة كما تقدّم، لأنّ أصالة عدم الاقدام على الضرر تثبت الخيار في حقه فيقدّم قوله مع اليمين، كما يمكنه إحلاف الغابن على علمه بالحال فيما إذا كان المغبون من أهل الاطلاع فيحلف على عدم علمه بغفلته وبه تجري أصالة عدمها ويحكم بعدم الخيار وليس هذا من اليمين المردودة لأنّها إنّما تكون فيما لم يوافق الأصل وقد عرفت أنّ عدم غفلته يوافق للأصل ولا مانع من أن يحلف على عدم علمه، هذا تمام الكلام في هذه الصورة من الاختلاف.
وأمّا الصورة الأخرى من اختلافهما فتفصيل الكلام فيها : أنّ اختلافها تارةً في القيمة السوقية مع الاتفاق على مقدار الثمن، وهذا كثيراً ما يتفق فيما قلّ وجوده في الخارج كما في الجواهر وبعض الأجناس القيمية الراقية، وفي أمثال ذلك يتفق الاختلاف في القيمة السوقية كما إذا ادّعى البائع أنّ هذا الجوهر يسوى في السوق بثمانين ديناراً وادعى المشتري أنّه يسوى أربعين مع الاتفاق على مقدار الثمن في المعاملة.
وأخرى يختلفان في الثمن مع الاتفاق على القيمة السوقية كما في الأجناس كثيرة الوجود فإنّ قيمتها السوقية لا تقبل الاختلاف لامكان المراجعة إلى السوق وهذا كما إذا اختلفا في أنّ الثمن عشرة أو خمسة عشر مع اتفاقها على أن قيمته السوقية عشرة، فادّعى المغبون أنك بعته بخمسة عشر وقال الغابن بل بعته بعشرة فلا غبن.
وثالثة يختلفان في التغيّر وعدمه، وهذا كما إذا اتّفقا على أن قيمة ذلك المال قبل شهر عشرة واختلفا في قيمته حين المعاملة فادّعى المغبون أن قيمته لم تتغيّر حال المعاملة فلي الخيار لأنك بعته بخمسة عشر وقيمته عشرة، وادّعى الغابن آنها تغيّرت وترقت القيمة حال المعاملة وصارت خمسة عشر فلا غبن، أو اتفقا على أنّ قيمته فعلاً عشرة واختلفا في قيمته السابقة حال المعاملة فادعى أحدهما الخيار من
جهة أنّه اشتراه بخمسة عشر مع أنّ قيمته فعلاً عشرة وكذلك قيمته السابقة ولم تتغيّر قیمته ولم تتنزّل بعد المعاملة، وأنكره الآخر وادّعى أنّ قيمته حال المعاملة كانت خمسة عشر ثمّ تنزلت القيمة وصارت عشرة فعلاً فلا غبن، وفي هاتين الصورتين المغبون يدعي عدم التغيّر بحسب الزيادة أو النقيصة والغابن يدعي التغيّر، وربما يكون المغبون مدعياً التغيّر والغابن يدعي عدمه وهذا كما إذا اشتراه المغبون بعشرة وفرضنا أنّ قيمته بالفعل أيضاً عشرة ولكن المغبون ادعى التغير وأن قيمته حال المعاملة كانت أقل من عشرة وحيث باعه أو اشتراه بعشرة فله الخيار للغبن والغابن ادعى عدم التغيّر وأنّ قيمته من الابتداء عشرة لا أنّها ترقت بعد المعاملة فلا غبن ولا خيار.
إذا عرفت هذه الصور فنقول : لا يمكن الرجوع في تلك الصور إلى أصالة عدم التغيّر، لأنّها لا تثبت وقوع المعاملة على القيمة المتساوية وعدم الزيادة عن القيمة السوقية فلا يترتّب عليها أثر.
و من ذلك يظهر ما في كلام شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1)حيث تمسك في إثبات عدم الخيار في المقام وتقديم قول مدّعي عدم الغبن بأصالة عدم التغيّر والاشكال فيه من جهتين : إحداهما ما عرفته من أنّ الأصل مثبت ولا يثبت به وقوع العقد على المتساوي وعدم الزائد. وثانيتهما : أنّ أصالة عدم التغيّر على تقدير جريانها لا تجري في جميع الصور المتقدمة، لما عرفت من أن الاختلاف في الصورتين الأولتين غير راجع إلى التغيّر بل ربما يتفقان على عدمه أو وجوده، وإنما اختلافهما من ناحية الاختلاف في القيمة السوقية أو في الثمن فلا مجرى لأصالة عدم التغيّر فيهما، كما أنّها على تقدير جريانها لا تثبت عدم الخيار، إذ قد عرفت أنّ
1) المكاسب 5 : 169.
المغبون تارةً هو الذي يدعي عدم التغيّر فتكون أصالة عدمه موجبة للخيار فلا تنفع في تقديم قول مدعي عدم الغبن دائماً، هذا.
ثم إنّه (قدّس سرّه) استدلّ على تقديم قول مدّعي عدم الغبن بأصالة اللزوم ولكن لم يعلم أنّه (قدّس سرّه) ماذا يريد بأصالة اللزوم، فإن أراد من ذلك التمسّك ومات (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) و لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ إلى آخر الآية، وغيرهما ممّا اعتمد عليه في الحكم باللزوم، ففيه : أنّ التمسّك بها في المقام من باب التمسّك بالعام في الشبهات المصداقية، لأنّ المعاملة على تقدير كونها غبنية خارج-ة ع-ن تلك العمومات، فالمعاملة مردّدة بين أن تكون داخلة تحت المخصص أو تحت العمومات ومعه لا يمكن التمسّك بعمومات اللزوم.
وإن أراد منها الاستصحاب الحكمي وهو استصحاب بقاء ملكية المال للمغبون بعد فسخه حيث إنّه كان ملكه قبل ذلك قطعاً ونشك في بقائه وارتفاعه بفسخه فالأصل عدم زواله، فهذا الاستصحاب على تقدير القول بجريان الاستصحاب في الأحكام الكلّية وإن كان لا بأس به إلّا أنّه بناءً على ما سلكناه في معنى الخيار لا مجال لذلك الاستصحاب أيضاً، وتوضيحه : أنك عرفت أن معنى جعل الخيار عبارة عن تحديد دائرة الملكية وتضييقها إلى زمان الفسخ، فکأنّه أنشأ الملكية الموقتة والمقيدة إلى زمان الفسخ، وعليه فنقول في المقام إنّ المغبون قد أنشأ الملكية إلى ذلك الزمان أي إلى زمان الفسخ، وأما الملكية بأزيد من ذلك الزمان أي الملكية بعد زمان الفسخ فمشكوكة من الابتداء والأصل عدم جعلها وعدم إنشائها وعليه فلا يمكن المساعدة على ما أفاده شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) من الوجهين في المقام بل تبقى تلك الصور على حالها من الخلاف.
فالتحقيق أن يقال : إنّ الشرط الضمني الارتكازي إذا كان واقعاً على تساوي القيمتين بأن يشترط المتعاقدان تساوي كل واحد من المالين بحسب القيمة
السوقية كما عبّرنا بهذه العبارة في بعض عباراتنا السابقة، فالأصل مع مدعي الغبن والخيار، لأنّ المفروض وقوع المعاملة بين المالين ونشك في شرطها الذي هو أمر وجودي وهو وقوعها على المالين المتساويين بحسب القيمة والأصل عدم وقوع المعاملة على المتساويين فلا لزوم بحكم الاستصحاب، إذ التساوي والمعاملة الواقعة عليه أمران وجوديان مسبوقان بالعدم فالأصل عدم وقوع المعاملة على القيمة المتساوية للقيمة السوقية.
وأما إذا كان الاشتراط الضمني متعلّقاً بما هو المتعارف بين الناس والمرتكز في الأذهان وهو عدم الخديعة والزيادة، فكأنهما يشترطان عدم الخديعة وعدم الزيادة في الثمن والقيمة فلذا ترى أنّه يقول لصاحبه لا يكن بيعك أو شراؤك هذا بأزيد من قيمته، والمراد بالخديعة هو صورتها إذ لا يعتبر في خيار الغبن الخديعة بل يثبت ولو مع جهل الغابن بالحال، وعليه فإذا تعاملا وشككنا في حصول هذا الشرط وهو عدم الخديعة وعدم الزيادة فالأصل مع من يدّعي اللزوم لأصالة عدم وقوع البيع على الخديعة والزيادة وأصالة عدمهما، وهذا الوجه الثاني هو الأرجح لأنّه الموافق للمتعارف والمرتكز في الأذهان من الغبن، ويؤيد ذلك عنوان الفقهاء حيث عنونوه بخيار الغبن أي خيار الزيادة والخديعة، وعليه ففي جميع الصور المتقدمة نحكم بلزوم المعاملة وعدم وقوع البيع على القيمة الزائدة أو الخديعة، هذا تمام الكلام في المسألة الأولى.
المسألة الثانية
أن الأصحاب اشترطوا في ثبوت هذا الخيار أن يكون التفاوت بين القيمتين أزيد ممّا يتسامح فيه عادة، وهذا الاشتراط ممّا لا غبار عليه سيما على مسلكنا من كون خيار الغبن ثابتاً بالاشتراط الضمني، لأنّهم إنّما يشترطون التساوي أو عدم
الزيادة بما لا يتسامح فيه، وأما المقدار المتسامح فيه عرفاً فالظاهر أنّه لا يعد غبناً وزيادة موجبة للخيار، وهذا على إجماله ممّا لا خلاف فيه.
وإنما الكلام في تحديد مقداره وأنّ أيّ مقدار ممّا يتسامح فيه وأي مقدار لا يتسامح فيه، وقد نقل عن بعض العامة (1)أن التفاوت بالثلث مورد للتسامح ولا يثبت به الخيار، فإذا اشترى ما يسوى ستة بثمانية فلا يثبت له الخيار لأن الزيادة بالثلث، وهذا التحديد ممّا لا إشكال في سقوطه، إذ كيف لا تكون الزيادة بثلث الثمن موجبة للغبن، وقد ذكر شيخنا الأنصاري (2)بل ورجّح حصول الغبن بزيادة الخمس، هذا.
والظاهر أنّه لا يمكن تقدير الغبن بالكسور المتعارفة أعني الثلث والربع والخمس، وذلك لأنّ الخمس مثلاً أو الثلث في بعض الموارد لا يوجب الغبن أي الزيادة بما لا يتسامح فيه لقلّته، وفي بعض الموارد الأخر يوجب الزيادة بكثير، مثلاً إذا اشترى ما يسوى بثلاثة أفلس بأربعة فقد اشتراه بزيادة فلس واحد وه-و الثلث إلّا أنّه ليس ممّا يوجب الغبن والخيار لقلّته، وأما إذا اشترى ما يسوى بثلاثة آلاف دينار بأربعة آلاف فقد زاد بثلث الثمن وهو الألف مع أنّه من أظهر مصاديق الزيادة التي لا يتسامح فيها، وكلّما فرضنا العدد أزيد تصير الزيادة في الغبن أوضح فإذا اشترى شيئاً بخمسة عشر ألف دينار وهو يسوى باثنتي عشر ألف دينار فقد زاد ربع القيمة وهو ثلاثة آلاف، ومن، ومن الظاهر أنّه ممّا لا يتسامح فيه بل ربما يكون الواحد في المائة موجباً للزيادة الخارجة عن مورد المسامحة وهذا كما إذا اشترى ملكاً بمليون وعشرة آلاف دينار ثمّ ظهر أن قيمته هو المليون وقد زاد عشرة آلاف
ونسبتها إلى مليون نسبة الواحد إلى المائة، مع أنّه من أظهر مصاديق ما لا يتسامح فيه. وبالجملة فلا يمكن تقدير ذلك بالكسور المتعارفة أو الأعشار، وعليه فلنا ثلاثة مقامات :
فتارةً نقطع ونعلم بأن الزائد ممّا يتسامح فيه فلا غبن فيه. وأخرى نعلم بأنّه ممّا لا يتسامح فيه فيثبت فيه الخيار. وثالثة نشك في أنّ المقدار الزائد هل هو ممّا يتسامح فيه أو لا يتسامح فيه فهل يحكم في هذه الصورة بالخيار أو أن المعاملة لازمة حينئذ ؟ فربما يقال بعدم صحة التمسّك في مثل ذلك بعموم قاعدة نفي الضرر ولا بالعمومات المقتضية للزوم، بدعوى أنّ الشبهة مصداقية ولا ندري أنّ الضرر ممّا يتسامح فيه حتى لا تشمله القاعدة أو أنّه ممّا لا يتسامح فيه فالقاعدة تشمله.
إلّا أنّ ذلك ممّا لا أساس له، وليست الشبهة مصداقية في المقام، وإنما الشك في خروج المقدار الزائد عمّا نعلم بخروجه ومن قبيل الشك بين الأقل والأكثر في المخصص، وذلك لأنا نعلم بخروج مثل العشرة في الخمسين وأنّها ضرر لا يتسامح فيه، فهي ممّا تشمله قاعدة نفي الضرر قطعاً فتكون العشرة خارجة عن الحكم باللزوم، ولكنا نشك في أنّ الخمسة في الخمسين أيضاً خارجة عن اللزوم أو لا لأجل الشك في أنّها ممّا يتسامح فيه عند العقلاء أو ممّا لا يتسامح فيه، فالشك في خروج المقدار الزائد عمّا نعلم بخروجه ومن باب الشك في خروج الأقل أو الأكثر.
وكيف كان، فليست الشبهة مصداقية لأنّ الشبهة المصداقية إنّما تتحقق فيها إذا علمنا بمقدار الخارج وشككنا في مورد أنّه من الأفراد الخارجة أو الباقية تحت العام بحيث لا يكون خروج ذلك المشكوك مستلزماً لتخصيص زائد على التخصيص الوارد على العام، ولكنك خبير بأنّ الشك في المقام من جهة الشك في مقدار الخارج وأن المقدار الزائد عمّا نعلم بخروجه أيضاً خارج عن العموم وهو مستلزم لتخصيص زائد على العموم، أو أنّه ليس بخارج عنه فيكون تخصيص العموم منحصراً بالمقدار
المعلوم دون الزائد، وبالجملة الشك في المقام من قبيل الشك بين الأقل والأكثر فهل يجوز الرجوع فيه إلى قاعدة نفي الضرر وبها نثبت الخيار، أو أن المرجع ه-و أصالة اللزوم ؟
ذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (1)أنّ المرجع حينئذ أصالة ثبوت الخيار لأن المفروض أن موارد الضرر خارجة عن الحكم باللزوم، وإنما خرجنا عن هذا العموم فيما إذا كان الضرر ممّا يتسامح فيه الناس، وحيث إنّ الضرر متحقق في المقام ولم يعلم أنّه ممّا يتسامح فيه فنتمسك بعموم ما دلّ على الخيار عند الضرر وع--دم الحكم باللزوم معه، إذ لم يثبت أنّ الضرر ممّا يتسامح فيه حتى يحكم بعدم الخروج عن عمومات اللزوم، ثمّ عدل عن ذلك واحتمل الرجوع إلى أصالة اللزوم، لأنّ المقدار الخارج عن عمومات اللزوم هو الضرر المتفاحش أو الضرر الذي يناقش فيه أي الضرر الكثير لا مطلق الضرر، ولم يثبت بعد أنّ الضرر كثير، فما دام لم يثبت المخصص نتمسك بالعموم، هذا.
والظاهر أن الصحيح على مسلكه ومسلك غيره ممّن اعتمد في خيار الغبن على قاعدة نفي الضرر هو الاحتمال الأول دون الاحتمال الثاني الذي عدل إلي-ه والوجه في ذلك : أنّ الخارج عن عمومات اللزوم مطلق الضرر أعم من المتفاحش وغيره ولم تقيّد أدلّة نفي الضرر بالضرر الكثير، وإنما لم نقل بالخيار فيما إذا كان الضرر ممّا يتسامح فيه العقلاء ويقدمون عليه من أجل أن شمول قاعدة نفي الضرر له على خلاف الامتنان حيث إنهم قد أقدموا على ذلك الضرر فالحكم بارتفاعه ممّا لا امتنان فيه، إلّا أنّ ذلك تخصيص ثانٍ لبّي وارد على المخصص، فكما أن أدل-ة ن--في الضرر خصصت اللزوم بموارد عدم الضرر كذلك خصصنا هذا المخصص بموارد عدم
1) المكاسب 5 : 170.
إقدام العقلاء على ضرر أنفسهم من جهة قلّته، فإذا شككنا في مورد في أنّ الضرر هل هو ممّا يقدم عليه العقلاء أو لا، فلا محالة يكون المخصص الوارد على المخصص الأول مشكوكاً ومع الشك في المخصص الثاني يكون عموم المخصص الأول محكماً ومعه لا يمكن الرجوع إلى عموم العام، إذ الشك إنّما هو في تخصيص عموم المخصص الأول فإذا لم يثبت تخصيصه فنتمسك بعمومه أي بعموم المخصص الأول لا محالة ونحكم بالخيار وعدم اللزوم. وكيف كان فليس الخارج عن عمومات اللزوم خصوص الضرر المتفاحش وإنما خرج عنه مطلق الضرر وبما أنّه متحقق في المقام فنتمسك بعموم المخصص لا محالة، هذا كله بناءً على مسلكهم.
وأما بناءً على ما سلكناه من أنّ المدرك في خيار الغبن هو الاشتراط الضمني أعني اشتراط التساوي وعدم الزيادة عن القيمة السوقية من طرف المشتري واشتراط عدم النقيصة من طرف البائع، فالظاهر أنّ المرجع هو عمومات اللزوم وذلك لأنّ الاطلاق في مقام الاثبات والكلام يكشف عن الاطلاق وعدم التقييد في مقام الثبوت والاعتبار النفساني.
وتوضيحه : أنّ المعاملة في مقام الاثبات مطلقة وليست مقيدة باشتراط التساوي باللفظ وهذا ظاهر، فنستكشف أنّ المعاملة بحسب الواقع ومقام الثبوت مطلقة وغير مقيّدة بعدم زيادة مثل الخمسة في الخمسين وغيرها ممّا نشك في كونه ممّا يتسامح فيه، والاعتماد على القرينة المقامية والارتكاز إنّما يتم بالاضافة إلى اشتراط عدم الزيادة بمقدار لا يتسامح فيه، وأمّا عدم اشتراط الزيادة بمقدار يشك في أنّه ممّا يتسامح فيه فلا، لعدم صلاحية الارتكاز للقرينية على اشتراط مثله أي مثل ما يشك في أنّه ممّا يتسامح فيه، ولا يسوغ له الاعتماد في تقييد اعتباره النفساني على ما لا صلاحية له للقرينية والتقييد، نعم له صلاحية القرينية والتقييد بالاضافة إلى ما لا يتسامح فيه. إذن فالمعاملة بالاضافة إلى ما نشك في أنّه ممّا يتسامح فيه مطلقة في مقام
الاثبات فنتمسك بالاطلاق في الكلام وبه نستكشف أن اعتباره النفساني أيضاً مطلق وغير مقيد بعدم الزيادة بما يشك في كونه ممّا يتسامح فيه، إذ لو كان اعتباره مقيّداً بذلك لكان عليه البيان ونصب القرينة على ذلك، وحيث لم ينصب قرينة عليه فيعلم أنّ اعتباره مطلق، وعليه فيحكم عليه باللزوم وعدم الخيار، وهذا من موارد الفرق والثمرة بين مسلكنا ومسلك الشيخ (قدّس سرّه).
بقي في المقام شيء وملخصه : أنّ الفقهاء (قدس اللّه أسرارهم) قد فرّقوا بين العبادات والمعاملات وذهبوا إلى أنّ الضرر في المعاملات نوعي، وأنّ المعاملة إذا كانت بنوعها ضررية فيحكم عليها بعدم اللزوم وإن لم تكن ضررية بالاضافة إلى شخص المتعاملين، وأمّا في العبادات فقالوا إنّ المدار على الضرر الشخصي دون النوعي، ومن هنا قالوا بوجوب شراء الماء للوضوء بأضعاف قيمته بالاضافة إلى من لا يتضرر بذلك، وأما من يتضرر بذلك فلا ويجب عليه التيمم حينئذ.
وبعبارة أخرى كما أشار إليه شيخنا الأنصاري (1)إذا كان المدار على الضرر المالي في باب الوضوء فلا يجب شراء الماء للوضوء إذا كان بأضعاف قيمته بالاضافة إلى جميع الناس، لأنّ دفع أضعاف قيمة الماء ضرر مالي على كل أحد حتى للأغنياء الذين لا يعتنون بأمثال تلك القيمة من المال إلّا أنّه نقص في المال لا محالة، وأما إذا كان المدار على الضرر الحالي فحينئذ يفرق في وجوب الشراء بأضعاف قيمة الماء بين من يكون ذلك ضرراً بحاله وموجباً لنفاد قوته أو مسكنه فلا يجب عليه الشراء، وبين من لا يكون ذلك مضراً بحاله وإن كان مضراً بماله لا محالة إلّا أنّه إذا دفعه إلى مالك الماء لما بقى وأفراد عائلته جياعاً ولا يمرض بالحرارة أو البرودة فيجب عليه الشراء، إلّا أنّهم ذهبوا إلى الثاني وقالوا إن المدار على الضرر
1) المكاسب 5 : 171.
الحالي في الوضوء كما أنّه شخصي في غيره من العبادات، ومن هنا إذا فرضنا أنّ التوضؤ يوجب المرض لجميع من في البلد إلّا رجلاً واحداً فإنّه لحرارة مزاجه لا يتضرر بالوضوء ولا يمرض، فلا محالة نحكم عليه بالوجوب وإن كان الوضوء بحسب النوع ضررياً حسب الفرض، وهذا بخلاف المعاملات فإنّ المدار عندهم على الضرر النوعي، فإذا كانت المعاملة بنوعها ضررية فيحكمون فيها بعدم اللزوم وإن لم تكن كذلك بالاضافة إلى شخص المتعاملين، هذا.
والذي ينبغي أن يقال : إنّ الضرر والحرج وغيرهما من موضوعات الأحكام ممّا لا إشكال في دوران الحكم مدار فعليتها كما هو مقتضى القضايا الحقيقية، ولا يحتمل أن يكون الحكم فعلياً من دون أن يكون موضوعه أيضاً فعلياً ومتحققاً، فإذا حكم الشارع بوجوب الصلاة عند الزوال وقال : إذا زالت الشمس فقد وجب الطهور والصلاة، فلازمه أن يتوقف فعلية وجوب الصلاة في حق أحد على فعلية زوال الشمس في حقه، ولا يمكن أن يقال بوجوب الصلاة في حقه فيما إذا لم يتحقق الزوال في حقه، فلذا لا مجال للحكم بوجوب صلاة الظهر لأهل العراق قبل ثلاثة ساعات من الزوال من جهة فعلية الزوال لأهل الهند حينئذ، إذ الزوال في الهند يتحقق قبل ثلاثة ساعات من الزوال في العراق.
وبالجملة : أنّ فعلية كل حكم في حق أحد يتوقف على فعلية موضوعه بالاضافة إلى ذلك الشخص كما هو مقتضى كون القضية حقيقية، وعليه فالأحكام المترتبة على الضرر أو الحرج إنّما تصير فعلية فيما إذا صار الضرر فعلياً في حق ذلك الشخص، وهذا من دون فرق بين العبادات والمعاملات.
ثم لا إشكال في أنّ الضرر المالي ضرر بالاضافة إلى جميع الناس غنياً كان أم مفلساً، لأنّه بالأخرة نقص في المال والضرر عبارة عن النقص في المال أو في العرض أو في النفس، وعليه فلابد في مثل شراء ماء الوضوء بأضعاف قيمته من الحكم بعدم
الوجوب بالاضافة إلى الجميع لأنّه حكم ضرري على الجميع، وإنما خرجنا عن ذلك في مسألة الوضوء وشراء الماء بأضعاف قيمته من جهة النص(1)الوارد في إلغاء الضرر المالي في باب شراء ماء الوضوء، فيجب شراء الماء ولو بأضعاف قيمته ولو مع كونه مضراً بالمال لا محالة، فوجود الضرر المالي كعدمه لأنّه ساقط بحسب النص، وحينئذ فنبقى نحن وغير الضرر المالي من المضرّات فلابد من ملاحظة الأشخاص لنرى أنّه هل تتضرّر بغير المال من سائر الجهات عند دفع أضعاف قيمة الماء كمن لو دفع أضعاف قيمة الماء لا تبقى له نفقته ويبقى عياله جياعاً أو لا يتمكن من تحصيل المكان فينام في البرّ فيمرض للحرارة أو البرودة، أو أنّه لا يتضرر بغير المال، فعلى الأول نحكم بعدم وجوب الشراء وعلى الثاني نحكم بالوجوب، وكيف كان فالضرر المالي ساقط عن الاعتبار في باب الوضوء والمدار على غيره من الاضرار، فيكون ذلك النصّ مخصصاً لعموم قاعدة نفي الضرر.
وقد ذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (2)أنّه يمكن أن يلتزم بعدم الضرر المالي في العبادات من جهة تداركه بالأجر العظيم والمثوبة الكثيرة، إذ لا إشكال في أنّ من دفع مالاً وأخذ شيئاً في مقابله لا يعد ذلك من الضرر وإلّا فتكون جميع المعاملات ضررية حيث تدفع فيها الأموال ويؤخذ ما يقابلها، وعليه فمسألة شراء ماء الوضوء تخرج عن عموم قاعدة نفي الضرر بالتخصص دون التخصيص، إذ لا ضرر حينئذ في دفع أضعاف قيمة الماء، هذا.
ولا يخفى أنّه لا يمكن المساعدة على ذلك من جهات :
الأولى : أن لازم ذلك عدم الاعتناء بالضرر المالي في جميع أبواب العبادات
والظاهر أنّهم لا يلتزمون بذلك، فإذا فرضنا أنّ هناك سارقاً يسرق المال إذا اشتغل مالكه بالصلاة قياماً أو إلى القبلة، فإنّ لازم هذا الكلام أن يحكم بوجوب الصلاة عليه قائماً ومستقبل القبلة ولا يعتنى بتضرّره وسرقة السارق، لأنّ ما يعطيه اللّه من الأجر لصلاته يقابل الضرر الوارد عليه، وهذا ممّا لا يمكن الالتزام به.
الثانية : أنا لو قلنا بعدم صدق الضرر عند تداركه بالأجر في مقابله، فهو إنّما يتوقف على إحراز تداركه بالأجر ومن أخبرنا بثبوت الأجر في موارد الضرر في العبادات، إذ الضرر إنّما ينفي الحكم وأما ثبوت الأجر على تحمّل الضرر فلا دليل عليه، نعم لو كان في موارد الضرر أمر من قبل الشارع باتيان ما فيه الضرر كما في شراء الماء في الوضوء لأمكن استفادة الأجر من ذلك الأمر بما فيه الضرر، وأما أن نلتزم بوجوب تحمّل الضرر في جميع موارد العبادات بدعوى أن فيه أجراً فهو يحتاج إلى دليل ولا دليل عليه في غير مسألة شراء الماء.
الثالثة : أنّ المدّعى إن كان تقييد حديث لا ضرر بالضرر غير المتدارك فهو كما ذكرناه في محلّه بلا موجب، إذ أيّ دليل دلّ على تقييد الضرر بذلك، بل لا بد من أن يؤخذ باطلاقه ويقال بشموله لجميع أنحاء الضرر وأقسامه. وإن كان المدعى عدم صدق الضرر على الضرر المتدارك فهو لو سلّم - مع أنا لا نسلّمه - إنّما يتم فيما إذا كان التدارك من جنس الضرر، وهذا كما إذا أتلف شخص مال غيره فحكم عليه الشارع بضمان مثله أو قيمته، فحينئذ لا يصدق الضرر، وأما تداركه بغير جنسه فهو لا يمنع عن صدق الضرر. وعليه فتدارك الضرر المالي في الوضوء أو في غيره من العبادات بالأجر والثواب الذي هو من غير جنس المال لا يمنع عن صدق الضرر عليه، فدعوى عدم صدق الضرر على مثله أشبه شيء بالعرفان.
فالمتحصّل : أنّه لا وجه لاخراج العبادات عن الضرر، بل العبادات والمعاملات جميعها على حدّ سواء وعند تحقق الضبرر فيهما بالاضافة إلى أحد فلا
محالة يرتفع الحكم بالاضافة إليه مالاً كان الضرر أو غيره إلّا في مسألة شراء الماء فإنها خارجة بالنص فيلاحظ فيها الضرر من غير ناحية المال.
وكيف كان فلابد من ملاحظة كل حكم وكل واحد من الموضوعات فعند تحقق شيء منها يحكم بتحقق حكمه كان الموضوع هو الضرر أو أمراً آخر، وعليه فلابد من أن يكون الضرر شخصياً في كل واحد من العبادات والمعاملات، نعم لا مانع من أن يكون الضرر أو الحرج النوعي مثلاً حكمة في تشريع بعض الأحكام وهذا كما في قوله (صلى اللّه عليه وآله) «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك» (1)حيث إن عدم تشريع وجوب السواك مستند إلى حكمة الحرج النوعي، وما ورد في الحديد من أنّ الحكم بطهارته من جهة أنّ الحكم بنجاسته يوجب الحرج نوعاً فترى أن الحرج أو الضرر نوعاً كان من المصالح والحكم الداعية إلى حكم الشارع بالطهارة أو عدم تشريعه الوجوب، إلّا أنّ البحث في المقام فيما إذا كان الضرر أو الحرج موضوعاً للحكم وحينئذ ندعى أن فعلية ذلك الحكم المترتب على الضرر يدور مدار فعلية الضرر في حق كل واحد من المكلّفين، وهذا غير باب كون الضرر أو الحرج حكمة في ترتيب الأحكام على موضوعاتها.
إشكال : نقل شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(2)عن الروضة والمسالك في أقسام الغبن، أن المغبون إما أن يكون هو البائع أو المشتري أو كلاهما، وقد وقع الاشكال في تصوير الغبن من كلا الطرفين، فذهب بعضهم إلى استحالة ذلك من جهة أن الثمن لا يمكن أن يكون أقل من القيمة السوقية وأكثر منها، وذهب بعض آخر إلى امكانه، وما ذكروا في تصويره وجوه :
منها : ما نقله (1)عن المحقق القمّي (قدّس سرّه) (2)من أن ذلك إنّما يتصور فيما إذا باع متاعه بأربعة توامين مع أنّ قيمته في السوق خمسة، واشترط البائع على المشتري أن يعطي بدل أربعة توامين ثمانية دنانير لأنّها مساوية للأربعة حينذاك، مع أنّ ثمانية دنانير تسوى في السوق بخمسة توامين، وحينئذ يكون البائع مغبوناً لأنّه باع ماله بأربعة والحال أنّه يسوى بخمسة، ويكون المشتري أيضاً مغبوناً من جهة أنّه أعطى ثمانية دنانير في مقابلة أربعة توامين والحال أنّها تسوى بخمسة توامين فكلاهما مغبونان.
وقد أجاب عن ذلك شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) بأن المناط في الضرر في المعاملة ملاحظة المبيع بجميع قيوده وشروطه منها النقد والنسيئة، فإنّ المال إذا بيع بقيمة معينة نقداً ربما يكون موجباً للضرر، وأما إذا بيع بتلك القيمة نسيئة فلا تكون ضررية، ومنها شروط الفعل فإنّ المعاملة بدون شرط مثل الخياطة ربما تكون ضررية وأمّا معها فتكون نافعة، وكيف كان فلابد من ملاحظة مجموع الثمن والخصوصيات والشروط، فإذا لاحظنا المتاع بشرط تبديل الأربعة إلى ثمانية دنانير فلا نرى فيها ضرراً ولا غبناً على البائع بوجه فيكون المغبون هو المشتري فقط، ثمّ أوضح ذلك بأنّ الشروط في ضمن المعاملات إما أن تكون جزءاً فتكون المعاملة المشروط فيها معاملة واحدة فلابد فيها من ملاحظة مجموع الثمن والشرط والفرض أنّ قيمة مجموعها لا تنقص عن القيمة السوقية فإما لا غبن فيها لأحد أصلاً، وإمّا هي غبنية لأحدهما خاصة، وإمّا أن يكون الاشتراط معاملة مستقلة كما ذكره بعضهم من أنّ الشرط التزام في ضمن التزام، وحينئذ لابد من ملاحظة كل
واحد من المعاملتين والمفروض أنّ معاملة الشرط غبنية للمشتري خاصة والمعاملة الأولى غبنية للبائع فقط، فليس هناك معاملة واحدة غبنية لكل واحد من البائع والمشتري.
ومنها : ما ذكره بعضهم من فرض ذلك فيما إذا باع شيئين في معاملة واحدة أحدهما بأزيد من قيمته السوقية وثانيهما بأنقص منها كما إذا باع مجموع الرسائل والمكاسب بثلاثة دنانير على أن يكون ثمن الرسائل نصف دينار والحال أنّه يسوى بدينار، وثمن المكاسب دينارين ونصفاً والحال أنّه يسوى بدينارين، ففي هذه المعاملة الواحدة البائع مغبون في الرسائل والمشتري مغبون في المكاسب.
والجواب عن ذلك : يظهر ممّا ذكرناه في الوجه السابق وهو أنّ هذه المعاملة الواحدة بحسب الصورة إما أن تنحل إلى معاملتين مستقلتين في الحقيقة وإنما جمعا بحسب اللفظ فقط، فحينئذ هناك بيعان والبائع في أحد البيعين مغبون كما أن المشتري في البيع الآخر مغبون، وليس هناك بيع واحد يكون كل من البائع والمشتري فيه مغبوناً، وإمّا أن تكون معاملة واحدة حقيقة وحينئذ فلا غبن أصلاً، لأن مجموع الرسائل والمكاسب بحسب القيمة السوقية يسوى بثلاثة دنانير، دينار للأول وديناران للثاني حسب الفرض، والفرض أنّه باعهما بتلك القيمة أيضاً، غاية الأمر فرض قيمة أحدهما نصف دينار والآخر دينارين ونصفاً ومجموعهما ثلاثة دنانير فالمتحصّل أنّه لا غبن في المعاملة حينئذ فلو كان فهو لأحدهما لا لكليهما.
ومنها : ما ذكره بعض آخر من تصوير ذلك فيما إذا كان قيمة المال مختلفة في مكانين ونفرضهما داخل البلد وخارجه كما إذا حواها العسكر وحصل الغلاء خارج البلد وفرضنا أنّ قيمة الطعام في البلد ديناران وفي خارج البلد أربعة دنانير وق--د اشترى واحد من أهل البلد طعاماً ممّن هو خارج البلد بثلاثة دنانير التي هي حد متوسط بين قيمتي الخارج والداخل، فإنّ البائع في تلك المعاملة مغبون بحسب قيمة
مكانه وهو خارج البلد، لأنّ قيمة الطعام فيه أربعة دنانير وقد باعه بثلاثة، كما أنّ المشتري فيها مغبون لأنّ قيمته بحسب مكان نفسه وهو داخل البلد أكثر إذ المفروض أن قيمته في داخل البلد ديناران، وكذا يمكن فرض ذلك بحسب البلدين.
والجواب عن ذلك : أنّ المبيع حينئذ أي شيء، فإن كان المبيع هو الطعام خارج البلد فالمغبون حينئذ هو البائع فقط وإنما تنزلت قيمته بنقل المشتري إياه إلى مكان الرخص، وإن كان المبيع هو الطعام داخل البلد فالمشتري هو المغبون فليس هناك معاملة واحدة غبنية بالاضافة إلى كلا المتبايعين.
ومنها : ما ذكره في مفتاح الكرامة (1)وقد صوّر الغبن من الجانبين في الحكم الظاهري كما إذا باع متاعه بقيمة فتداعيا وادّعى البائع أن قيمته السوقية أكثر وادعى المشتري أنّ قيمته السوقية أقل ولم يتمكنا من الرجوع إلى السوق، أو إذا باع فرساً بعبد فادعى مالك العبد أنّه يسوى بفرسين وادعى مالك الفرس أن فرسه يسوى بعبدين مع عدم التمكن من المراجعة إلى السوق كما إذا وقعت المعاملة في البرّ، فإذا تداعيا فيتحالفان لما ذكرنا سابقاً من أنّ منكر الغبن هو الذي يوافق قوله الأصل فيحلف كل واحد منهما وبذلك يثبت الغبن لكل واحد منهما، كذا ذكره.
وفيه أوّلاً : أنّ الكلام في الغبن الواقعي بالاضافة إلى المتبايعين دون الغبن الظاهري.
وثانياً : أن ثبوت الغبن بحلف كل واحد منهما إنّما يبتني على ما تقدم من أنّ المدعي إذا لم يتمكن من إقامة البينة على مدّعاه خصوصاً في أمثال المقام ممّا لا يعلم إلّا من قبل المتبايعين إذا حلف يثبت به مدّعاه، وحينئذ إذا حلف كل واحد منهما على غبنه فلا محالة يثبت به غبنه، ولكنّك عرفت فساد هذا المبنى وأنّه لم يقم دليل
1) مفتاح الكرامة 10 : 986.
على أن حلف المدعي يوجب ثبوت مدعاه على تقدير عدم تمكنه من إقامة البينة على مدعاه، بل الحلف متوجه إلى منكر الغبن فيما أنّهما ينكران غبن الآخر فيحلف كل منهما على عدم غبن الآخر وبه يرتفع غبنهما ولا يثبت الخيار لهما.
والمتحصّل : أنّ تصوير الغبن من الجانبين غير ممكن، نعم لا مانع من تصوير الغبن بالمعنى الأعم من زيادة القيمة والخديعة في الجانبين، وهذا كما إذا شاهد العين في زمان ورأى أنّها سمينة تسوى بأربعة دنانير ثمّ اشتراها بتلك القيمة والحال أنّها تسوى في السوق بخمسة دنانير إلّا أنّها ظهرت غير سمينة، أو أن البائع أخبره بوزن المبيع ثمّ ظهر أنّه أنقص مع أنّه يسوى في السوق بأكثر ممّا اشتراه، فإنّه يوجب غبن البائع لأنّ المفروض أنّه باعه بأقل من القيمة السوقية، كما يوجب غبن المشتري لأنّه خُدع وأعطي المهزول بدل السمين أو الناقص عوض الكامل، فلكل واحد منها الخيار حينئذ.
والذي ينبغي أن يقال بعد إلغاء لفظة الغبن من البين إذ لا كلام لنا في الألفاظ أن المدرك لهذا الخيار إن كان هو ما ذكرناه من اشتراط التساوي ضمناً بحسب الارتكاز فيستحيل حصول الغبن لكلا المتبايعين، إذ لا يعقل أن تكون القيمة زائدة عن القيمة السوقية وناقصة عنها، وأما إذا كان المدرك هو قاعدة نفي الضرر فيمكن تصویر الضرر للمتبائعين في معاملة واحدة، وهذا كما إذا باع خشباً واشترط عليه المشتري أن يكون ذلك الخشب من أخشاب داره ثمّ ظهر أن قيمة الخشب في السوق أقل، فإنّ البائع يتضرر حينئذ من جهة أنّ العمل بالشرط يوجب خراب داره وهدمها حتى يخرج منها الخشب الموضوع في سقفها ويدفعه إلى المشتري وهذا أمر ضرري وهو ظاهر، ومثل هذا الاشتراط من الشروط غير المقابلة بالمال عرفاً، فإنّ الخشب لا يفرق عند العقلاء بين أن يكون خشب داره أو يكون من سائر الأخشاب فلا يوجب ذلك زيادة في الثمن، إلّا أن العمل بهذا الاشتراط
موجب لتضرّر البائع وهو ظاهر، كما أنّ المعاملة ضررية للمشتري إذ المفروض أنّ قيمة الخشب في السوق أقل فلا محالة يثبت لهما الخيار.
قد وقع الخلاف في أنّ ظهور الغبن شرط شرعي في حدوث الخيار أو أن--ه كاشف عقلي عن حدوثه حين العقد، بمعنى أنّ الخيار هل يثبت من زمان العقد حتى يكون العلم بالغبن كاشفاً وطريقاً إلى ثبوته من الابتداء، أو أنّه يثبت من زمان العلم بالغبن فله موضوعية وهو شرط في ثبوته ولا خيار قبله، وكلمات الأصحاب مختلفة في المقام فمنهم من ذهب إلى ثبوته من الابتداء ومنهم من قال بحدوثه حين العلم بالغبن، وقد تصدّى شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (1)للجمع بين كلماتهم وحمل كلام القائلين بحدوثه من الابتداء على إرادة ثبوت الحق الواقعي، وحمل كلام القائلين بحدوثه من حين العلم بالغبن على إرادة السلطنة الفعلية التي بها يقتدر على الفسخ أو الامضاء، ثمّ تعرّض (قدّس سرّه) إلى بيان الآثار المجعولة للخيار وقسمها إلى قسمين قسم يترتّب عليه من زمان العقد وقسم يترتّب عليه من حين العلم بالغبن، هذا.
ولا يخفى أنا ذكرنا سابقاً أنّ الخيار معناه الحق والسلطنة والمعبّر عنها بملك فسخ العقد، ولا معنى للخيار إلّا ذلك، وعليه فمن قال بثبوت الخيار من حين العقد فلا محالة يلتزم بثبوت السلطنة الفعلية وملك الفسخ من زمان العقد، كما أن من ذهب إلى ثبوته من حين العلم بالغبن يلتزم بثبوت تلك السلطنة والملك من زمان العلم بالغبن، وحينئذ فلا يبقى مجال للجمع بين كلماتهم بحمل الأولى على إرادة الحق الواقعي والثانية على إرادة السلطنة، إذ قد عرفت أن معنى الخيار ليس إلّا السلطنة
1) المكاسب 5 : 176 - 178.
والملك على الفسخ فما معنى إرادة الحق دون السلطنة، نعم إعمال تلك السلطنة لا محالة يتوقف على العلم بالغبن كما يتوقف على العلم بالخيار في مثل خياري المجلس أو الحيوان، وهذا لا ينافي ثبوت السلطنة من حين العقد كما في خياري المجلس والحيوان المتقدمين.
فالمهم هو التكلّم في مقامين : أحدهما في أنّ الخيار هل يثبت من حين العقد أو من زمان العلم بالغبن. وثانيهما : في الآثار المترتبة على هذا الخيار وأنه-ا ه-ل تترتب عليه من حين العقد أو من زمان العلم بالغبن.
أمّا المقام الأول : فملخص الكلام فيه أنّ العمدة في مدرك هذا الخيار أمران : أحدهما : قاعدة نفي الضرر كما تمسك بها شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) ولعله المعروف بين المتأخرين. وثانيهما : ما ذكرناه من الشرط الضمني الارتكازي بتقريب أنّ كلاً من المتبايعين حسب ارتكازه يشترط التساوي على الآخر، فالبائع يشترط عدم النقيصة في الثمن والمشتري يشترط عدم الزيادة فيه، وهذان الوجهان هما العمدة في هذا الخيار، ومقتضى كليهما ثبوت الخيار من الابتداء.
أما قاعدة نفي الضرر فلأنها تنفي الضرر الواقعي سواء علم به الشخص أم لم يلتفت إليه أصلاً، ولا ينبغي الاشكال في أنّ لزوم المعاملة الغبنية ضرر على المغبون من الابتداء وعلمه وجهله لا يرفع الضرر الواقعي.
وأمّا الاشتراط الضمني فلأجل أنّ المعاملة الغبنية فاقدة للتساوي م-ن الابتداء والشرط متخلّف فيها من حين العقد، فلازم ذلك أن يكون الخيار ثابتاً للمغبون من حين العقد والمعاملة لا من زمان العلم بالغبن، غاية الأمر أن إعمال سلطنته يتوقف على العلم بالغبن والخيار نظير العلم بالخيار في خياري المجلس والحيوان.
وبالجملة : أنّ الموضوع للخيار بناءً على هذين الوجهين إنّما يصير فعلياً حين
تحقق العقد وبفعلية الموضوع يكون الحكم أيضاً فعلياً، إذ لا معنى لفعلية الضرر والتخلّف حين العقد وعدم فعلية حكمهما في ذلك الزمان وكونه فعلياً ب-ع-د زم--ان العلم بالغبن، وعليه فلابد من فعلية الحكم أعني الخيار حين العقد وهو ظاهر.
نعم، لو استندنا في هذا الخيار إلى غير الوجهين المتقدمين واعتمدنا فيه على الرواية النبوية الواردة في تلقي الركبان المشتملة على أنّهم بالخيار إذا دخلوا السوق فظاهرها ثبوت الخيار من حين العلم بالغبن بتقريب أنّ المراد بقوله (صلى اللّه عليه وآله) «إنهم بالخيار إذا دخلوا السوق» (1)ليس هو تعليق الخيار على خصوص الدخول بالسوق بأن يكون للدخول في السوق موضوعية في ثبوت الخيار كما ذهب إليه الحلّي على ما نقله عنه شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (2)وإلّا فلازم ذلك أن لا يحكم لهم بالخيار فيما إذا علموا بالقيمة السوقية قبل دخول السوق وظهر أنّهم مغبونون، مع أنّه ممّا لا يمكن المساعدة عليه، إذ الظاهر من الرواية أن الدخول بالسوق من باب الانكشاف وظهور الغبن، فكأن معناها أنّهم بالخيار إذا تبين غبنهم وظهر أنّهم مغبونون، وعليه فيكون ظاهر الرواية دليلاً على أن الخيار إنّما هو من زمان ظهور الغبن لا محالة، وكذلك الحال إذا كان المدرك هو الاجماع فإنّ المقدار المتيقن منه هو الخيار بعد ظهور الغبن.
والجواب عن ذلك أوّلاً : أنّ الرواية ضعيفة السند ولا أثر منها في كتب أصحابنا الامامية، ولا يمكن انجبار ضعفها لعدم اعتماد الأصحاب عليها في خيار الغبن، لأنّهم إنّما تمسكوا في إثباته بالوجهين المتقدمين وغيرهما من الوجوه.
وثانياً : أنّ الرواية ضعيفة بحسب الدلالة أيضاً، وذلك لأن المراد بظهور الغبن
وتبينه ليس هو التبين بما أنّه موضوع في الحكم بالخيار، بل إنّما أخذ م-ن ب-اب الطريقية إلى الغبن الواقعي، واستعمال التبيّن والانكشاف وإرادة الطريقية منها كثير في المحاورات العرفية وموجود في الكتاب العزيز أيضاً وهو قوله تعالى (كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ) (1)مع أن التبين لا موضوعية له في حرمة الأكل وإنما أخذ طريقاً إلى واقع الفجر وهو الموضوع في حرمة الأكل. وأما الاجماع فهو مدركي وليس بحجة. فالمتحصّل أنّه لا ينبغي الاشكال في أنّ الخيار يحدث من زمان العقد لا من زمان ظهور الغبن.
وأما المقام الثاني فنقول : إنّ من جملة الآثار إرث هذا الخيار فيما إذا مات مورّثه قبل أن يعلم بالغبن، فعلى ما ذكرناه ينتقل الخيار إلى وارثه لعموم ما تركه الميت فلوارثه ومنها حق الخيار، نعم بناء على أنّ الخيار يحدث حين العلم بالغبن لا يمكن الحكم بانتقال الخيار للوارث لأنّه بعد لم يثبت في حق مورثه، إذ المفروض أنّه مات قبل ظهور غبنه فلم يثبت له حق حتى ينتقل إلى وارثه.
ومنها : جواز التصرف للغابن قبل انكشاف الغبن للمغبون، فربما يقال إنّ جواز التصرفات للغابن في تلك المدة قبل علم المغبون بالغبن يدل على أن الخيار يحدث من حين العلم بالغبن، إذ لو كان ثابتاً من حين العقد لما جاز لمن عليه الخيار أن يتصرف في المال في زمان الخيار، وذلك لأنّ المعروف عدم جواز التصرف لمن عليه الخيار في مدة الخيار، فحيث حكموا بجواز تصرفات الغابن في المقام قبل ظهور الغبن فمنه يستكشف أنّ الخيار يحدث من حين العلم بالغبن.
وفيه : أنّ هذا الاستكشاف إنّما يصح فيها إذا كانت المسألتان كلتاهما إجماعيتين : إحداهما عدم جواز التصرف لمن عليه الخيار في زمن الخيار، وثانيتهما :
1) البقرة 2 : 187.
جواز التصرف للغابن قبل علم المغبون بالغبن، فإذا كانت كلتا المسألتين إجماعية فيمكننا استكشاف أنّ الخيار من حين العلم بالغبن بترتيب قياس استثنائي بتقريب أنّه لو كان الخيار ثابتاً من حين العقد لما جاز للغابن أن يتصرف في المال قبل العلم بالغبن، ولكن التصرف للغابن قبل العلم بالغبن جائز، فليس الخيار ثابتاً من حين العقد بل إنّما يحدث من زمان العلم بالغبن.
إلّا أنّ المسألتين كلتيهما خلافيتان، وليس عدم جواز التصرف لمن عليه الخيار أمراً اتفاقياً بل هي مسألة خلافية، فمنهم من ذهب إلى عدم الجواز مطلقاً ومنهم من قال بجوازه كذلك ومنهم من فصل بين البيع الخياري المشروط برد مثل الثمن فلا يجوز وبين غيره فيجوز، كما أنّ جواز التصرف للغابن قبل العلم بالغبن ليس أمراً مسلّماً عندهم وإنما ذهب إليه بعض الأصحاب ومع ذلك كيف يصح استكشاف أنّ الخيار من زمان العلم بالغبن من مجرد جواز التصرف للغابن قبل العلم بالغبن، ولعلّ من ذهب إلى ذلك يرى أنّ الخيار من حين العلم بالغبن كما يحتمل أن يقول بثبوت الخيار من حين العقد، ولكنه لا يرى عدم جواز التصرف لمن عليه الخيار في زمن الخيار بل يرى جوازه، وكيف كان فمع هذا الاختلاف لا يمكننا استكشاف أنّ الخيار يحدث من زمان العلم بالغبن من مجرد فتوى بعضهم بجواز تصرف الغابن قبل علم المغبون بالغبن.
نعم، الانصاف أنّه لا وجه للحكم بعدم وجه للحكم بعدم الجواز في المسألة الأولى وهي جواز التصرف لمن عليه الخيار في زمن الخيار، وذلك لأنّ الخيار ليس حقاً متعلقاً بالعين وإنما هو حق تعلّق بالعقد، والعين ملك من عليه الخيار فله أن يتصرف في ملكه حتى باتلافه، فإذا فسخ صاحب الخيار فيرجع إلى بدله إلّا في مثل البيع المشروط برد الثمن للعلم الخارجي فيه بأنّ بناء المتعاملين على عدم التصرف في العين بنقلها وبيعها، بل لابد من إرجاع نفس العين عند رد مثل الثمن، إذ لأجل التحفظ على بقاء
العين أقدم على البيع بشرط ردّ الثمن، وعليه فلا مانع في المقام من أن يحكم بجواز تصرفات الغابن في المال قبل ظهور الغبن مع البناء على أن الخيار يحدث من زمان العقد.
ومنها : تلف المبيع قبل ظهور الغبن فإنّ ظاهر الأصحاب أنّ تلفه من المغبون فلو كان الخيار ثابتاً من حين العقد لكان اللازم أن يكون تلف المبيع من الغابن لا تفاقهم على أنّ تلف المبيع في زمن الخيار ممّن لا خيار له، فمن حكمهم بأن التلف من المغبون يستكشف أنّ الخيار يحدث بعد العلم بالغبن حتى لا يكون المغبون في زمان التلف ممّن له الخيار، هذا.
ولكنّك عرفت سابقاً أن كون التلف في زمان الخيار ممّن لا خيار له ممّا لم يرد في لسان دليل، وإنما ورد ذلك في خصوص خياري الحيوان وشرط أيام معدودة، فإن تعدّينا منهما إلى كل خيار فلازم ذلك أن نحكم في المقام أيضاً بأن تلف المبيع قبل العلم بالغبن من الغابن لأنّه ليس له خيار، وإن لم نتعد منها إلى غيرهما فلا نحكم بذلك لا في خيار الغبن ولا في غيره من الخيارات إلّا في خياري الحيوان والشرط. وبالجملة على تقدير صحة التعدّي منهما إلى سائر الخيارات نلتزم في المقام بأنّ تلف المبيع من الغابن وهذا ممّا لا محذور فيه.
فالمتحصّل : أنّ جميع آثار الخيار تترتب على العقد من حين صدوره، فمنه يظهر الاشكال فيما ذكره شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (1)في المقام من أن بعض الآثار يترتّب عليه بعد العلم بالغبن وبعضها الآخر يترتّب عليه من حين صدوره وذلك لما مرّ من أنّها بأجمعها تترتب عليه من حين صدوره، هذا.
وقد بقي من الآثار تصرّف المغبون قبل ظهور الغبن وهل يكون تصرفه في
1) المكاسب 5 : 178.
المال مسقطاً للخيار أو لا ؟ فإن قلنا بأنّ التصرف مسقط تعبّدي كما التزمنا بذلك في خصوص التصرف في خيار الحيوان حيث قلنا إنّ تقبيل الجارية ونحوه موجب لسقوط خيار الحيوان تعبداً وإن لم يقصد به سقوطه ولم يكن راضياً به، فلا محالة نلتزم في المقام أيضاً بسقوط خيار الغبن بتصرفات المغبون قبل العلم بالغبن.
وأما إذا قلنا باسقاطه بالتصرفات من باب أنّها تكشف عن رضا المتصرف بالبيع لا من باب التعبّد كما هو كذلك في غير خيار الحيوان، فلا يمكن القول بسقوط الخيار في المقام بتصرف المغبون قبل ظهور الغبن، والوجه فيه أنّه مع الجهل بالغبن لا يكون تصرفه كاشفاً عن رضاه بالغبن فلا يسقط به خياره، هذا.
ثم إنّ ما ذكرناه في الغبن من ترتب الآثار وتحقق الخيار من زمن العقد يأتي في كل خيار ثابت بالاشتراط كخياري الرؤية والعيب من حيث الخيار لا من حيث أخذ الأرش فإنّه ثابت بالأخبار، وأمّا نفس خياري العيب والرؤية فهما ثابتان بالاشتراط الضمني من دون حاجة إلى الأخبار، فإذا اشترى شيئاً برؤيته السابقة ولم يكن المبيع باقياً على ما رآه المشتري فلا محالة يثبت له الخيار من حين العقد لأنّه مشروط ببقاء العين على ما كانت عليه فبتخلّفه يثبت له الخيار وإن لم يعلم ب-ه المشتري، هذا.
ثم إنّ شيخنا الأنصاري تكلّم بعد ذلك في أمور منها : إسقاط هذا الخيار، وله أربعة صور : وذلك لأنّه إما أن يسقطه قبل العلم بالغبن وإمّا بعد العلم بالغبن، وعلى كلا التقديرين تارةً يسقطه بلا عوض وأخرى يسقطه م-ع الع-وض ع-ل-ى وج-ه المصالحة، أما إذا أسقطه قبل العلم بالغبن فلا ينبغي الاشكال في صحته بناء على ما سلكناه من ثبوت الخيار بالعقد ولو قبل ظهور الغبن، فهو إنّما أسقط خياره الثابت.
وربما يناقش في ذلك : بأنّه مع الجهل بالغبن وعدم علمه ب--ه كيف يُنشئ السقوط أو كيف يتصالح عليه مع أنّه لا يدري بغبنيته، ومعه لا يتحقق منه الانشاء على وجه الجزم إلّا على نحو التعليق بأن يسقط خياره على تقدير ثبوته له بحسب الواقع أو يتصالح عليه على هذا التقدير، والتعليق في العقود والايقاعات مبطل والاسقاط من الايقاعات.
والجواب عنها : هو ما أشرنا إليه سابقاً من أنّ التعليق على بعض الاحتمالات جائز فيما إذا كان المعلّق عليه ممّا يتوقف صحة العقد أو الايقاع عليه عقلاً أو شرعاً فله أن يطلّق امرأة يحتمل أنّها زوجته فيقول أنتِ طالق على تقدير كونك زوجتي فإنّ الطلاق من دون المزاوجة مستحيل وهو من باب تعليق الشيء على ما هو معلّق عليه واقعاً ولا مانع عنه أبداً، ومن الظاهر أنّ إسقاط الخيار أيضاً من دون أن يثبت له خيار غير معقول، فتعليقه عليه صحيح ولا إشكال فيه من هذه الجهة.
وأما بناءً على أنّ الخيار يثبت بعد ظهور الغبن فهل إسقاطه قبل العلم به صحيح ؟ ذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (1)أنّ إسقاطه حينئذ أيضاً ممّا لا مانع عنه لثبوت المقتضي للخيار ومعه يصح إسقاطه.
وهذا الذي أفاده (قدّس سرّه) إن رجع إلى ما سنبينه عن قريب إن شاء اللّه تعالى فهو، وإلّا فما أفاده لا يرفع الاشكال، فإنّ فعلية الشيء وتحققه إنّما هي بتحقق كل من مقتضيه وشرائطه وعدم مانعه، وأما مجرد وجود المقتضي فإنّه لا أثر له وجود المسبب المسبّب، ومعه لا يتحقق خيار في المقام حتى يصح إسقاطه من جهة وجود
مقتضيه، ولا يوجب خروج ذلك عن كونه من إسقاط ما لم يجب فالصحيح في الجواب أن يقال : إنّه لا مانع من إنشاء الاسقاط فعلاً لما
1) المكاسب 5 : 182.
سيثبت له من الخيار في ظرفه نظير الواجب المشروط وهذا أمر ممكن لا مانع عنه أبداً، نعم في مثل المعاملات البيعية ونحوها لا يجري ذلك لأنّه على خلاف المتعارف وبعضها مورد للنهي، ولولاهما لجاز أن يبيع فعلاً ما سيشتريه بعد مدة، إلّا أنّه مورد للنهي ومخالف للمتعارف، وهذا بخلاف الاسقاط فإنّه ممّا لا مانع عنه فعلاً وإن كان الساقط أمراً سيأتي بعد ذلك في ظرفه، ولم يرد دليل لفظي على عدم جواز إسقاط ما لم يجب حتى يؤخذ باطلاقه، ولعلّ مدركه هو عدم تعارف ذلك في البيع وكونه مورداً للنهي في بعض الموارد الأخر، وكيف كان فلو كان له دليل فهو ليس إلّا الاجماع وهو غير متحقق في المقام قطعاً. وبالجملة أن عدم إسقاط ما لم يجب ليس برهاناً عقلياً حتى لا يمكن تخصيصه وإنما هو أمر إجماعي مدركه ما عرفت وهو غير متحقق في المقام، وهذا هو الصحيح في الجواب ولعل ذلك ممّا لا إشكال فيه.
وإنما الكلام فيما إذا أسقط خياره المحتمل بتخيّل أنّ الغبن على تقدير تحققه خمس دراهم ثمّ ظهر أنّه خمسون، فهل يسقط خياره بذلك أو أنّه يسقط بمقدار ما تخيله دون المقدار الزائد ؟ وتفصيل الكلام في ذلك أنّه ربما يسقط خياره بتخيل أنّه كذا ثمّ يظهر أنّ ما أسقطه مطابق للواقع أيضاً وأنّ الغبن بذلك المقدار، وهذا ممّا لا إشكال فيه.
وأخرى يسقط خياره بتخيّل أنّه خيار المجلس ثمّ بان أن خياره خيار الحيوان، وهذا أيضاً ممّا لا إشكال في عدم سقوطه به لأنّ ما أسقطه غير ثابت وما هو ثابت لم يتعلق به الاسقاط.
وثالثة يسقط خياره بتخيّل أنّه خمسة دراهم ثمّ يظهر أنّ غبنه خمسون درهماً، وكذا لو أسقط خياره بالغاً ما بلغ فإنّه بمعنى بالغاً إلى ما بلغ بمقدار خمسة دراهم مثلاً لا بمقدار خمسين كما هو ظاهر، فهل هذا من قبيل التقييد بمعنى أنّه قيد إسقاط خياره بما إذا كان الغبن بمقدار خمسة دراهم حتى لا يسقط فيها إذا ظهر أزيد
منه، أو أنّه من باب الداعي وتخلّفه لا يوجب البطلان ؟
فربما يقال : بعدم سقوط خياره إلّا في مقدار خمسة دراهم دون غيرها قياساً له بباب الابراء في الدين فإنّه إذا كان لأحد على أحد بضعة دراهم فأبرأ ذمة المديون بتخيّل أنّها خمسة دراهم ثمّ ظهر أنّ ذمته مشغولة بألف درهم أو أقل، فإنّه لا إشكال عندهم في عدم سقوط الدين عن ذمة المديون إلّا بمقدار خمسة دراهم وكذلك في المقام فيكون الاسقاط بتخيّل كذا راجعاً إلى باب التقييد، هذا.
ولا يخفى عليك الفرق بين الدين والمقام فإنّه انحلالي وينحل إلى ديون كثيرة حسب تعداد الدراهم ممّا له مالية، فإذا قلنا إنّ عليه دين خمسين درهماً فمعناه أن عليه خمسين ديناً، وعليه فإذا قصد واعتبر في نفسه أبرأ ذمة المديون عن كذا مقدار فلا محالة يكون الساقط عن ذمته ذلك المقدار، لأنّ الحكم في غير التداعي والتحاكم مترتب على قصده واعتباره فکأنّه أدّى من دينه كذا مقدار فيبقى الباقي في ذمته، وأمّا الشرط في المقام أعني شرط التساوي أو شرط عدم الزيادة فإنّه أمر واحد لا تعدد فيه، فإنّ القيمة السوقية إذا كانت مختلفة عن القيمة المعاملية فهو متصف بالزيادة وعدم التساوي كان الزائد واحداً أو اثنان أو مائة أو ألف، فشرطه واحد لا أنّه ينحل إلى شروط متعددة بأن شرط عدم زيادة القيمة بواحد ثمّ شرط عدم الزيادة باثنين وهكذا، بل إنّما اشترط شرطاً واحداً وهو التساوي أو عدم الزيادة وهو إنّما أسقط شرطه، وبما أنّه أمر واحد فلا محالة يسقط ولا يبقى له بعد ذلك شرط.
فالمتحصّل : أنّ باب التقييد في المقام غير معقول، لأن الشرط أمر واحد لا يقبل التعدد، فلا محالة يكون المقام داخلاً في باب الدواعي فکأنّه أسقط خ-ي-اره بداعي أنّ غلته كذا مقدار ثمّ تبيّن أنّه أزيد وهو لا يوجب البطلان، نعم لا مانع من تعليق إسقاطه بكون الغبن بمقدار خمسة دراهم مثلاً بحيث لو كان مقداره أزيد منها
لا يكون متعلّقاً للاسقاط، فلا يتعيّن كونه من قبيل الدواعي بعد بطلان التقييد كما ذكره شيخنا الأنصاري (1)وشيخنا الأستاذ (قدّس سرّهما)(2)بل يمكن على وج-ه التعليق، بل هذا أمر متعارف عند العرف فترى أنّه إذا اشترى شيئاً يحتمل فيه الغبن بدرهم أو بدرهمين يقول لا مانع منه لو كان الغبن بهذا المقدار، وبطلان التعليق في العقود والايقاعات إنّما هو من جهة الاجماع والاجماع غير متحقق في المقام قطعاً هذا كله في إسقاط الخيار قبل العلم بالغبن أو بعده بلا عوض سواء قلنا بأن الخيار يتحقق من حين العقد أو بعد ظهور الغبن.
وأمّا إذا أسقطه مع العوض على وجه المصالحة قبل العلم بالغبن أو بعده فالكلام فيه من جهتين :
إحداهما : أنّ المال في المصالحة فيما إذا كانت مع العوض لابد وأن يقع في مقابل شيء معلوم، فإنّ المصالحة مع العوض كالبيع في صورة المصالحة فلابد فيها من عوض ومعوّض، والمعوّض أعني خيار الغبن غير معلوم في المقام فيما إذا كانت المصالحة قبل العلم بالغبن، إذ يحتمل أن لا يكون له خيار لعدم غبنه، ومع هذا الاحتمال كيف يسوغ للمتصالح التصرف في مال المصالحة لاحتمال أنّه من أكل المال بالباطل وبلا عوض وهو محرّم.
وهذا الاحتمال لا دافع له، ودعوى أنّ المال في المصالحة في مقابل احتمال الخيار، مدفوعة بأنّ الاحتمال كما هو ثابت قبل المصالحة كذلك باقٍ بعده، ولا معنى للمصالحة على عدم الاحتمال ولا أثر يترتّب عليه حتى تكون المصالحة عليه بلحاظ آثاره، لأنّ الأثر مترتب على واقع الغبن لا احتماله، وعليه فالمتعيّن وإن عبر شيخنا
الأنصارى (1)بالأولى أن تكون المصالحة على الخيار المحتمل مع العوض في ضمن معاملة ولو بزيادة الثمن كما إذا قال : بعتك هذا الكتاب بدينار على أن تصالحني على خيارك على تقدير ثبوته بكذا، أو بشرط أن يسقط خيارك على تقدير وجوده أو تسقط خيارك على تقدير تحققه، هذا.
ولكن الصحيح هو التفصيل في ذلك بين ما إذا كان طرف المصالحة والمعوّض نفس الحق والخيار وما إذا كان طرفها إسقاط الخيار لا نفس الخيار، وتوضيح ذلك : أنّ المصالحة تارةً تقع على نفس الخيار كما إذا تصالحا على أن لا يكون له خيار في مقابل كذا مقدار من المال بحيث يسقط حقه بذلك بلا حالة انتظارية، وهذه هي التي قلنا إن نتيجة المصالحة مع العوض فيها هي البيع وحكمنا ببطلان المصالحة حينئذ لعدم العلم بوجود المعوّض الذي هو الحق والخيار، وإن كانت المصالحة عليه أو بيعه صحيحاً فيما إذا كان معلوم الوجود من أجل أن الحق من الأموال.
وأخرى تكون المصالحة واقعة على فعل من أفعال من له الخيار بحيث يترتّب على فعله سقوط الخيار وهو إسقاطه، لأن الاسقاط فعل من الأفعالفتكون المصالحة واقعة على إسقاطه في مقابل كذا، ونتيجة هذه المصالحة هي الايجار فکأنّه استأجره على هذا العمل أعني الاسقاط، ولا يسقط الخيار بمجرد هذه المصالحة بل لسقوطه حالة انتظارية وهي إسقاط الأجير بعد المصالحة، نعم يملك المتصالح هذا الفعل على من له الخيار وله مطالبته به بعد المصالحة، وبعد ما وفى من له الخيار بما وجب عليه من الاسقاط يترتّب عليه سقوط الخيار، وهذه المصالحة صحيحة لمعلومية العوض والمعوّض فيها كما أنّ إجارته صحيحة، فإنّ الاسقاط من الأعمال بأن يسقط حقه على تقدير ثبوته فانه عمل وثمرته عدم تشويش البائع بعد
1) المكاسب 5 : 182.
ذلك واطمئنانه على بيعه ولو لم يكن في الواقع له حق، فإنّ الاسقاط بما هو فعل من الأفعال قابل للمصالحة عليه ولبذل المال في مقابله، لا بما أنّه موجب لسقوط الخيار به حتى يتوقف على ثبوت الخيار، فلذا لو لم نشترط في صحة الاجارة ترتب الأثر عليها لصحت إجارته لمجرد هذا العمل بما هو هو أعني به الاسقاط، وحيث إنّ المعوض في تلك المصالحة معلوم فلا مانع من صحة المصالحة، وهذه المصالحة واقعة على الفعل، نظير ما ذكرناه في المعاطاة من أنّه ربما تكون المبادلة واقعة بين فعلين بأن يكون تمليك هذا في مقابل تمليك الآخر بحيث بعد المعاملة يجب عليه تمليك ماله وبهذا التمليك بعد المعاملة ينتقل المال إلى الآخر، لا بنفس المعاملة كما ذكرناه في المصالحة في المقام، إلّا أنّ غرضنا الاشكال على ما أفاده شيخنا الأنصاري (1)من وقوع المصالحة على نفس الحق وقد عرفت عدم صحتها.
الجهة الثانية : أنّ المصالحة على خيار الغبن مع العوض تارةً تكون على نحو العموم بمعنى أنّه يصالحه بكذا بلغ غبنه ما بلغ ولو كان في الواقع ألوف الدنانير وحينئذ فلا إشكال في سقوطه بتلك المصالحة كان أقل أم كان أكثر. وأخرى يصالح الخيار بكذا بزعم أنّ الغبن خسمة دنانير لا على نحو الاطلاق ولو بلغ ما بلغ ثمّ يظهر في الواقع أنّ غبنه أيضاً خمسة دنانير، وهذا أيضاً لا إشكال في إسقاطه الخيار.
وثالثة يصالح الخيار بكذا باعتقاد أنّه خمسة ثمّ يظهر أنّ غبنه بحسب الواقع أكثر فهل يسقط خياره حينئذ بذلك أو لا ؟ فيه احتمالات ثلاث على ما ذكره شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (2).
الأوّل : بطلان المصالحة وعدم سقوط الخيار كبطلان الاسقاط في الاسقاط
المجاني بدعوى أن المصالحة على خياره بكذا معلّقة بحسب الواقع على أن يكون غبنه خمسة دنانير، والمفروض عدم حصول المعلّق عليه، فلا تتحقق المصالحة لانتفاء شرطها المعلّق عليه، فتبطل المصالحة ويكون خياره باقياً على حاله كما ذكرناه في الاسقاط المجاني بعينه.
وهذا الاحتمال ضعيف، لأن تعليق المصالحة على كون الغبن كذا مقداراً أمر خارج عن الأذهان العامية، ولا يقاس تعليق المصالحة على تعليق الاسقاط في الاسقاط المجاني كما لا يخفى.
الثاني : لزوم المصالحة وصحتها وسقوط الخيار بها من جهة أنّ الخيار حق واحد والمفروض أنّه أسقطه بتخيّل أنّ غبنه كذا، واعتقاده من قبيل الدواعي وتخلّفها لا يوجب البطلان كما أشرنا إليه في الاسقاط المجاني.
وسيأتي أنّ هذا الاحتمال أيضاً ضعيف.
الثالث الذي هو الصحيح وأمر مرتبط بين الاحتمالين والافراط والتفريط : هو أن يقال إن المصالحة في تلك الصورة صحيحة إلّا أنّها خيارية عند ظهور الغبن بأكثر ممّا اعتقده، وذلك لأن الخيار كما عرفته حق واحد وقد صالح عليه بكذا، وقد اشترط في ضمن المصالحة حسب الاشتراط الارتكازي أن لا يكون الغبن أزيد من خمسة دنانير نظير اشتراط عدم الزيادة في أصل المعاملة، وحينئذ إذا ظهر الغبن أكثر فقد تخلّف شرطه الارتكازي فهو يتمكن من أن يلتزم بالصلح ويتمسك بخياره، وذلك لأنّ الاشتراط الارتكازي لا يفرق فيه بين البيع وغيره من المعاملات، وتخلّف ذلك الشرط يوجب التمكن من رفع اليد عن المصالحة وعدم رفع اليد عن الخيار المتصالح عليه، وعليه ففي المقام نلتزم بصحة المصالحة، إلّا أنّ الغبن إذا ظهر أكثر يتمكن المغبون من رفع اليد عن المصالحة فيكون خياره باقياً على حاله.
وهذا الوجه هو الصحيح، ومنه يظهر بطلان الوجهين السابقين، هذا تمام الكلام في المسقط الأول.
ومن المسقطات وهو المسقط الثاني : اشتراط سقوط الخيار في متن العقد.
وقد تعرّض شيخنا الأنصاري للاشكالات الواردة على اشتراط سقوط الخيار في متن العقد في خياري المجلس والحيوان فلا نعيدها، وقد ذكرناها مع أجوبتها هناك فليراجع، وعمدتها هي مسألة إسقاط ما لم يجب بتقريب أنّ في زمان الاسقاط لا خيار وفي زمان الخيار لا إسقاط، وقد عرفت الجواب عنه بما لا مزيد عليه.
ولا يخفى عليك أنّ المدرك في خيار الغبن إن كان هو الاجماع أو الرواية أعني النبوي الوارد في تلقي الركبان أو قاعدة لا ضرر كان لتلك المناقشة وجه، وجه، لأن خيار الغبن حينئذ يكون نظير غيره من الخيارات ثابتاً بجعل الشارع، وحينئذ يمكن أن يناقش عند شرط سقوطه في ضمن العقد بأنّه من إسقاط ما لم يجب أو غيره من المناقشات.
وأما بناءً على أنّ مدركه هو الاشتراط الضمني الارتكازي كما ذكرناه ف--لا يتوجه على اشتراط إسقاطه إيراد، وذلك لأنّ خيار الغبن حينئذ يغاير سائر الخيارات من جهة أنّه إنّما يثبت بجعل نفس المتعاقدين واشتراطها بلا ج-ع-ل م-ن الشارع، فإذا اشترطا سقوطه في ضمن العقد فمعناه أنّهما لم يشترطا عدم الزيادة أو عدم النقيصة، وعدم الاشتراط والجعل ليس إسقاطاً لما لم يجب فلا يتوجه عليه إشكال، فلا مناقشة في اشتراط السقوط من تلك الناحية
ولكنه مورد للاشكال من جهة أخرى، وهي أن إسقاط خياره على نحو الاطلاق ولو بلغ الغبن إلى ما بلغ غرري، لأنّه أقدم على معاملة لا يعلم بمقدار مالية
المبيع فيها، فيكون اشتراط سقوطه على نحو الاطلاق غررياً، كما أن اشتراط سقوط خيار الرؤية غرري من جهة أن معناه رفع اليد عن أوصاف المبيع التي رآها سابقاً والبيع بلا تلك الأوصاف غرري كما ذكره الشهيد (قدّس سرّه) في الدروس (1).
وأجاب عن ذلك شيخنا الأنصاري (2)بأنّ المعاملة في نفسها لو كانت غررية فخيار الغبن لا يوجب ارتفاعه، لأنّ الخيار حكم شرعي وهو لا يرفع الغرر، وإن لم تكن المعاملة غررية فوجود الخيار وعدمه لا يوجب كونها غررية هذا، وقد تقدّم الكلام في ذلك عند التكلّم في الغرر وأنّه هل يرتفع بالخيار أو لا وذكرنا هناك أنّ الخيارات التي هي مجعولات للشارع وأحكام من قبله كخياري المجلس والحيوان ونحوهما وإن كان لهذا الكلام فيها وجه، إلّا أن الخيارات الثابتة يجعل المتعاقدين كخيار الشرط والغبن فهي ممّا يرفع الغرر الذي هو بمعنى الخطر فإنّه في أيّ مورد رأى الخطر فيه فيفسخ المعاملة حيث إنهما بنفسها جعلا ذاك الخيار فلماذا لا يكون الخيار رافعاً للغرر.
فما أجاب به (قدّس سرّه) عن إيراد الغرر غير صحيح، إلّا أن أصل إشكال الغرر أيضاً ليس بوارد، وذلك :
أولاً : لأنّ الغرر بمعنى الخطر على ما فسروه إنّما يتحقق في موردين : أحدهما عند الجهل بأصل وجود المبيع كما إذا باع ما في كيسه وهو غير معلوم ولعله لا يوجد فيه شيء. وثانيها : عند الجهل بأوصافه التي بها تختلف الرغبات ومنها رغبة نفس المشتري كما إذا اشترى حيواناً لا يدري أنّه فرس أو دجاجة، أو اشترى فلزاً لا
يدري أنّه ذهب أو رصاص، فإنّ المعاملة في أمثال ذلك خطرية، لأنّه لا يعلم بما دخل في ملكه وفي مقابل أي شيء رفع يده عن ماله.
وأمّا إذا كانت الأوصاف المقومة لمالية المبيع الموجبة لاختلاف الرغبات معلومة وكان أصل وجود المبيع أيضاً معلوماً للمتبائعين وقد أقدما على بيعه بكذا مقدار من الثمن نفرضه مائة دينار، فلا تكون المعاملة غررية وإن لم يعلما بالقيمة السوقية، وذلك لأن القيمة السوقية والمالية بحسب السوق أمر اعتباري، ولا وجه لكون المعاملة عند الجهل بالأمر الاعتباري غررية حيث إن معناه الجهل بأن غيري هل يشتري ذلك بهذه القيمة أو لا، ومجرد الجهل بذلك مع العلم بأصل المبيع وأوصافه التي باختلافها تختلف الرغبات ومنها رغبة المشتري لا يوجب الغ--رر وإلّا لكانت المعاملة فيما إذا لم تكن هناك سوق باطلة كالمعاملة في الصحاري والجبال التي لا سوق فيها ولا مشتري سواه، أو فرضنا أنّ الانسان العاقل في العالم منحصر بالمتبايعين أفهل تكون المعاملة غررية حينئذ من أجل الجهالة بأن المبيع هل يشتريه غيرنا بتلك القيمة أو لا.
وبعبارة واضحة : أنّ الجهل بأصل وجود المبيع أو الجهل بأوصافه الدخيلة في الرغبات يوجب الجهالة بما ينتقل إليه في مقابل ما يبذله ولو مع انحصار الانسان العاقل بالمتبايعين أو فيما ليس هناك سوق كالصحاري، فإنّه مع الجهل بهما لا يدري أنّ ما دخل في ملكه ماذا أفهل هو ممّا يرغب إليه أو ممّا لا يرغب إليه، أو أنّه موجود أو غير موجود، وهذا يوجب الخطر، بخلاف الجهل بمجرد القيمة السوقية ومقدار مالية المال عند غيرهما مع العلم بأصل الوجود وأوصافه الدخيلة في زيادة الرغبة فإنّه لا يمنع عن العلم بما دخل في ملكه في مقابل ما يبذله ولا يبقى في البين إلّا مجرد عدم العلم بأنّ غيره يشتريه بهذه القيمة أو لا، وهذا لا يشترط في صحة المعاملة وإلّا لما صحت المعاملة في الصحاري وعند فرض انحصار الانسان بهما، هذا كله.
مضافاً إلى أنّ العلم بالقيمة السوقية لو كان دخيلاً في صحة المعاملات للزم اشتراط العلم بالقيمة السوقية في بيع السلم بأن يقال إنّ المتبايعين لابد من أن يعلما بقيمة المبيع في ظرف تسليمه عند بيعه قبلاً لاحتمال أن تكون القيمة السوقية بعد سنة ضعف القيمة الفعلية، وهذا ممّا لم يقل به أحد من الفقهاء ولا العقلاء.
وثانياً : هب أنّ العلم بالقيمة السوقية شرط في صحة المعاملة وأن الجهل بها يوجب الغرر، إلّا أنّ النسبة بين إسقاط الخيار والغرر عموم من وجه، فلعله عند إسقاطه مطمئن بعدم زيادة القيمة السوقية أو نقيصتها عن الثمن، فمجرد الاسقاط لا يوجب الجهل بالقيمة حتى تكون المعاملة خطرية وغررية، ومجرد كون القيمة السوقية أكثر بحسب الواقع لا يوجب أن تكون المعاملة غررية، لما ذكرناه في محله من أنّ المناط في الغرر هو الحالة الوجدانية حال البيع، فإذا لم يحتمل الخطر في حال المعاملة فهي ليست غررية ولو ظهر بعد ذلك أن القيمة السوقية أكثر، وكيف كان فليس إسقاط الخيار ملازماً للغرر بل النسبة بينهما عموم من وجه.
وممّا ذكرناه في المقام يظهر الجواب عن إشكال الغرر عند إسقاط خيار الرؤية، فإنّ إسقاط الخيار لا يلازم رفع اليد عن الأوصاف المرئية بل لعله مطمئن ببقاء المبيع على أوصافه لقلّة المدّة وعدم الفصل الطويل بين زمان الرؤية وزم--ان المعاملة، أو من جهة العلم ببقائه على حاله، ومعه لا تكون المعاملة غررية. فالظاهر أنّ إسقاط الخيار في الغبن والرؤية ممّا لا يوجب الغرر، بل يمكن إسقاط خيار العيب أيضاً فإنّه إذا باعه أمة مبتلاة بالسل أعاذنا اللّه منه ومن نظائره بحيث لا يمكن الاستفادة منها ولا التداني إليها ولا التكلّم معها لاحتمال سراية السلّ منها واشترط على المشتري سقوط الخيار وقبله المشتري وأسقط خياره واشتراها بما عليها من الأوصاف كائنة ما كانت باطمئنان منه بصحة الأمة أو باعتماده على أصالة السلامة إذا قلنا إنها أصل عقلائي، فهل تكون المعاملة غررية مع أنّه حين
البيع لا يحتمل الخطر.
وبالجملة : لا وجه لدعوى الغرر عند إسقاط الخيار أبداً فيصح إسقاط الخيار، لأنّ تساوي القيمتين في خيار الغبن أو الصحة في خيار العيب ليسا مصححاً للمعاملة حتى تبطل المعاملة بعدمهما وإسقاطهما، وإنما ثبتا من جهة الاشتراط الضمني الارتكازي وبه قلنا بثبوت الخيار عند تخلّفه، فإذا بنى المتعاملان على المعاملة ولو مع كون المبيع معيوباً أو القيمة السوقية غير متساوية فلا محالة يسقطان شرطها الارتكازي فلا يثبت لهما الخيار حينئذ عند تخلفه، وهذا ظاهر
الثالث من المسقطات : تصرف المغبون فيما انتقل إليه.
وقد ذكروا أنّه من المسقطات فيما إذا كان بعد العلم بالغبن، وأما قبل العلم به فلا يكون التصرف مسقطاً للخيار، على خلاف خياري التدليس والعيب حيث إنّ التصرف فيهما مطلقاً مسقط لها كان قبل العلم أم بعده، وعليه فيقع الكلام في وجه التفصيل في هذا الخيار بين كون التصرف قبل العلم بالغبن وكونه بعده فنقول : إن أرادوا من ذلك أن التصرف بعد العلم بالغبن كاشف عن رضاه بالعقد وطريق إلى التزامه به الراجع إلى إسقاطه الخيار، وهذا بخلاف ما إذا كان التصرف قبل العلم به فإنّه لا كاشفية له عن الرضا ولا يرجع إلى إسقاط الخيار، فهذا التفصيل متين وذلك لما عرفت من أنّ إسقاط الخيار من أحد المسقطات ولا يفرق في الاسقاط بين اللفظي منه وغيره، فكما أنّ اللفظ يكفي في إسقاط الخيار فكذلك الفعل يكشف عن رضاه بالعقد وإسقاطه الخيار وهذا ظاهر، إلّا أنّ ذلك يختص بالتصرفات التي لها ظهور نوعي في إسقاط الخيار كما إذا تصرف فيه بداعي إسقاطه.
وأمّا إذا أراد التصرف فيه من غير إرادة إسقاط خياره بل بانياً على ردّه بعد ذلك التصرف كما إذا كان المبيع لحافاً وكان الهواء في غاية البرودة فأراد الانتفاع به ليلاً ثمّ يردّه إلى مالكه نهاراً، أو ركب الدابة في طريق ردّها إلى مالكها، فإنّ
التصرف في هذه المقامات لا يكشف عن إسقاط الخيار ولا عن رضا المتصرف بالعقد، فلا يكون موجباً لسقوط الخيار حينئذ ولو كان بعد العلم بالغبن، كما أنّ التصرف قبل العلم بالغبن يمكن أن يكون مسقطاً له، وذلك لما ذكرناه في الاسقاط من أنّ إسقاط الخيار قبل العلم بثبوته على وجه التعليق والتقدير يوجب سقوطه وعليه فإذا تصرف في المبيع بانياً على الالتزام بالعقد على تقدير ثبوت الغبن له فلا محالة يكون ذلك كاشفاً عن رضاه بالعقد وإسقاطه الخيار على وجه التعليق.
فالمتحصّل من جميع ذلك : أنّه لا موضوعية لما قبل العلم وبعده بأن يكون نفس عنوان التصرف قبل العلم غير موجب للسقوط ويكون عنوان التصرف بعد العلم موجباً له، بل هما طريقان بحسب العادة إلى الرضا والاسقاط وعدمهما، فلذا ذكرنا أنّه في موارد عدم الطريقية والكشف عن الاسقاط والرضا لا وجه لسقوط الخيار بمجرد كون التصرف بعد العلم، أو عدم سقوطه لأجل أن التصرف قبل العلم ولم يرد دليل على أنّ التصرف بعد العلم بما هو هو موجب لسقوط الخيار كما ورد ذلك في خيار العيب وأنّ التصرف في المعيوب يسقط الخيار وتنتهي النوبة إلى الأرش كان ذلك قبل العلم أم بعده. نعم ما ذكروه في خيار التدليس من سقوطه بالتصرف مطلقاً لا دليل عليه، لما مر من أنّ عنوان التصرف لم يدل دليل على كونه موجباً لسقوط الخيار فلا موضوعية له في ذلك، ولا يوجب السقوط إلّا فيما إذا رجع إلى الاسقاط وكان كاشفاً نوعياً عن رضا المتصرف بالعقد.
والوجه فيما ذكرناه : أنّ المدرك في خيار الغبن إما هو قاعدة لا ضرر كما تمسك بها شيخنا الأنصاري (1)وجماعة، ومن الظاهر أنّ مقتضاها ثبوت الخيار للمغبون قبل التصرف وبعده، فإنّ تصرفه فيه لا يرفع الضرر فلا يكون العقد لازماً عليه
1) المكاسب 5 : 161.
لأن الحكم بلزومه ضرري، ولازم ذلك أن لا يوجب التصرف سقوط الخيار بناءً على أن مدركه قاعدة نفي الضرر، نعم لو أقدم على المعاملة مع العلم بالغبن لا تشمله تلك القاعدة، لأنّها على خلاف الامتنان حينئذ، إذ المفروض أنّه بنفسه أقدم على ضرره فالحكم برفعه على خلاف الامتنان، وأما في غير صورة الاقدام فقد عرفت أنّه لا مانع من شمول القاعدة لما بعد التصرف ومقتضاها عدم لزوم المعاملة بذاك التصرف. وبالجملة في غير موارد الاقدام على الضرر من الابتداء كما إذا أقدم على المعاملة مع العلم بالغبن أو بحسب الاستدامة كما إذا تصرف في المبيع بقصد إسقاط خياره، لا مانع من شمول حديث نفي الضرر، تصرف فيما انتقل إليه أم لم يتصرف فيه.
وإما مدركه ما ذكرناه من الاشتراط الضمني أعني اشتراط تساوي القيمتين، وهذا أيضاً غير قاصر الشمول لما بعد التصرف، وذلك لأن تخلف الاشتراط الضمني يوجب الخيار سواء تصرف معه فيما انتقل إليه أم لم يتصرف فيه ولازمه عدم سقوط الخيار بمجرد التصرف في المال، والفرق بين ما ذكرناه وسابقه بعد شمول كل واحد منها لما بعد التصرف، أنّ الخيار في الأول مجعول شرعي وفي الثاني مجعول من قبل المتبايعين حسب اشتراطهما الضمني.
وبالجملة : أنّه لا وجه لرفع اليد عن الخيار المجعول شرعاً أو عند المتبايعين بمجرد التصرف، اللّهمّ إلّا أن يدلّ دليل على أنّ التصرف مسقط للخيار كما دلّ في خيار الحيوان وهو مفقود، ومع فقده لا يمكن رفع اليد عن المجعول.
نعم، لو اعتمدنا في المقام على الاجماع وقلنا إنّه المدرك في خيار الغبن فالمقدار المتيقن منه هو الخيار قبل التصرف وأمّا بعد التصرف فيه فلا إجماع على الخيار وعدم لزوم العقد، وحينئذ فيقع الكلام في جريان استصحاب الخيار الثابت بالاجماع قبل التصرف فيما إذا شككنا في بقائه بعد التصرف فيه وعدمه، وأن الشك
حينئذ من قبيل الشك في الرفع أو أنّه من الشك في الدفع.
وتوضيح ذلك : أنّ التصرف وعدمه هل هما من العناوين المقومة لموضوع الخيار وعدمه نظير عنوان المسافر والحاضر والاجتهاد والعدالة، أو أنّهما من قبيل الحالات الطارئة على موضوع الخيار، فربما يتوهم أن التصرف وعدمه من العناوين المقومة نظير عنوان المسافر والحاضر فانهما وإن كانا متحدين في الواقع لا محالة، لأن المسافر هو ذلك الشخص قبل ساعة كما أنّ الحاضر هو ذلك الشخص بعد ساعة، والأحكام أيضاً مترتبة على نفس ذلك الشخص كوجوب القصر أو التمام، إلّا أنّه مع ذلك إذا التي خطاب يجب القصر على المسافر إلى العرف، فلا محالة يستفاد منه أن لعنوان المسافر مدخلية في وجوب القصر كما أن لعنوان الحاضر دخالة في وجوب التمام، وكذلك فيما إذا قيل قلّد المجتهد أو صلّ خلف العادل، فإنّ ظاهره أنّ عنوان المجتهد أو العادل تمام الموضوع و له دخل في وجوب التقليد والائتمام، فإنّ الائتمام أو التقليد وإن كان على ذات المجتهد والعادل إلّا أن لذلك العنوان أعني عنواني الاجتهاد والتقليد مدخلية في جوازهما.
وعدم التصرف أيضاً من هذا القبيل فإنّ الخيار مترتب على المعاملة الغبنية التي لم يتصرف المغبون فيها فيما انتقل إليه، فلعدم التصرف دخالة في تحقق الخيار وعليه فلا يمكن جريان استصحاب الخيار في المقام بعد تصرف المغبون فإنّه حينئذ يشبه القياس ويكون من قبيل إسراء حكم من موضوع إلى موضوع آخر، لارتفاع موضوع الحكم بواسطة التصرف، كما لا يمكن استصحاب وجوب القصر في من كان مسافراً ثمّ حضر قبل خروج وقت الصلاة، أو استصحاب وجوب التمام في صورة العكس لارتفاع موضوع السفر والحضر في المسألتين. وكذا في من زال اجتهاده أو عدالته فإنّه لا يمكن في مثله استصحاب جواز تقليده أو ائتمامه لارتفاع موضوعيها نعم لو قلنا بأنّ عدم التصرف من قبيل الحالات لا المقومات لم يكن ذلك مانعاً عن
جریان استصحاب الخيار في المقام، ولعلّ هذا هو مراد شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) من قوله : إلّا أن يقال إنّ الشك في الرفع لا الدفع فيستصحب فتأمل (1)ك--ما جزم به شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه) (2)هذا.
والظاهر أنّ عدم التصرف والتصرف ليسا من مقومات موضوع الخيار وإنما هما من حالاته، وذلك لأنّ تمام الموضوع للخيار هو الغبن ولا مدخلية في ثبوته لشيء آخر أبداً، وعليه فلا مانع من استصحاب الخيار بعد التصرف فيما إذا شككنا في بقائه وارتفاعه فيما إذا كان المدرك فيه هو الاجماع بناءً على ما ذكرناه في محله (3)من أنّ الاستصحاب كما يجري فيما ثبت بالأدلة اللفظية كذلك يجري فيما ثبت بالدليل اللبّي وهو الاجماع.
اللّهمّ إلّا أن يقال بما ذكرناه في محله (4)من عدم جريان الاستصحاب في الأحكام الكلية وحينئذ فلا يجري استصحاب بقاء الخيار بعد التصرف، وعليه فلابد من الرجوع إلى دليل آخر ومقتضى ذلك الدليل هو اللزوم في المقام، وذلك لأن الاطلاقات والعمومات الواردة في أبواب المعاملات تقتضي اللزوم مطلقاً، وقد خرجت عنها المعاملة الغبنية التي لم يتصرف المغبون فيها فيما انتقل إليه، فإنّ حكمها الجواز، فإذا تصرف فيه المغبون فمقتضى تلك العمومات هو اللزوم وعدم جواز الفسخ بعد التصرف فيما إذا كان مدرك الخيار هو الاجماع.
الرابع من المسقطات : عدّوا من جملة المسقطات تصرف المشتري المغبون
قبل العلم بالغبن تصرفاً مخرجاً عن الملك، وقد اشتهر ذلك بين المتأخرين بل إنّ شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (1)أسنده إلى الشيخ أيضاً حيث إنّه ذكر في خيار المشتري مرابحة عند كذب البائع لو هلك السلعة أو تصرف فيها سقط الرد، والوجه في إسناد ذلك إلى الشيخ هو اتحاد خيار البيع مرابحة مع خيار الغبن على ما ذك--ره المحقق الثاني في جامع المقاصد (2)وكيف كان فسقوط الخيار بتصرف المغبون تصرفاً مخرجاً عن الملك قبل العلم بالغبن هو المشهور عند الأصحاب، وهذا الكلام ممّا لا إشكال فيه بناءً على أن مدرك هذا الخيار هو الاجماع لأنّه دليل لبي يقتصر فيه على المقدار المتيقن وهو زمان عدم تصرف المغبون في المبيع تصرفاً مخرجاً عن الملك، وأما بعد تصرفه فلا إجماع على ثبوت الخيار.
وأما إذا كان مدركه دليل لا ضرر أو الشرط الضمني كما سلكناه فلا مجال لهذا الكلام.
أما بناءً على الشرط الضمني فلأنّ المفروض تخلف ذلك الشرط وعدم تساوي القيمتين، وبذلك يثبت له الخيار سواء تصرف في المال أم لم يتصرف، اللّهمّ إلّا أن يقوم إجماع على سقوط الخيار عند تصرف المغبون في المال كما ربما يظهر من كلام الشهيد الثاني (قدّس سرّه) (3)حيث ذكر في آخر كلامه أن تصرف المغبون لا يمنع خياره إن لم يكن الحكم إجماعياً، وحينئذ يمكن أن يرفع اليد عن حق المشتري الثابت له بتخلّف شرطه بذلك الاجماع، إلّا أنّ انعقاد إجماع على سقوط خيار المشتري عند تصرفه فيه تصرفاً مخرجاً عن الملك غير محتمل احتمالاً عقلائياً، لأن
القدماء لم يتعرّضوا لهذه المسألة ومن تعرّض منهم أو من المتأخرين لحكمها فإنما ذهبوا إلى سقوط الخيار عند تصرف المشتري بدليل آخر ولم يثبت إجماع تعبّدي على السقوط، وهذا ظاهر.
وأما دليل لا ضرر فإنّه كما عرفت ينفي اللزوم من جهة أنّه ضرري على المشتري بلا نظر فيه إلى بقاء العين وعدمه ولزوم المعاملة، كما أنّه ضرري قبل تصرف المشتري في المال كذلك ضرري بعد تصرفه، فلا وجه لسقوط خياره وصيرورة المعاملة لازمة بعد تصرف المشتري في المال.
نعم، ربما يتوهم عدم جريان دليل لا ضرر بعد التصرف بوجهين :
أحدهما : وهو ناظر إلى نفي المقتضي الجريان دليل لا ضرر بتقريب أن دليل لا ضرر لا يشمل موارد إقدام المشتري على ضرر نفسه، وتصرفه في المال إقدام منه على ضرره ولو حال الجهل بالغبن، ومعه لا يجري الدليل لأنّه على خلاف الامتنان.
والجواب عن ذلك : ما ذكره الشهيد (قدّس سرّه) (1)من أن الاقدام فرع العلم بالضرر ومع الجهل بغبنه وضرره لا معنى لاقدامه على ضرر نفسه.
وثانيهما : وهو راجع إلى إبداء المانع عن جريان دليل لا ضرر ببيان أنّ لزوم المعاملة وعدم تمكن المشتري من الفسخ بعد تصرفه وإن كان ضررياً عليه، إلّا أنّ عدم لزوم المعاملة والحكم بجواز فسخ المشتري أيضاً ضرري على البائع، لأنّ لازم ذلك رجوع بدل المبيع إلى الغابن وعدم تملكه لعين ماله وهو ضرر، فبما أنّ الضررين متعارضان فلا يشملها الدليل.
1) الروضة البهية 3: 465.
والجواب عنه : ما أشار إليه الشهيد (قدس اللّه روحه) (1)بأن قبول الغابن بدل ملكه ليس فيه أي ضرر عليه، إذ المبيع إن كان مثلياً فرد مثله إليه لا يوجب الضرر عليه، لأنّ الخصوصيات الفردية في المثليات لا تقابل بالمال فلا تفوته مالية ماله، كما أنّه إذا كان قيمياً لا يكون ردّ بدله وقيمته إليه ضررياً، إذ المفروض أنّه رفع يده عن خصوصية ماله وكان بصدد تبديله فإذا ردّ إليه بدله فلا يتوجه إليه ضرر بوجه. نعم ربما تكون الخصوصيات مورداً للأغراض الشخصية كما إذا كان المبيع كتاباً فيه خط جده المرحوم وقد فاته ذلك بقبول بدله، إلّا أنّ الضرر عبارة عن النقص في المال ولا يصدق الضرر على فوت الأغراض الشخصية أبداً. إذن لا مانع من بقاء خياره بعد تصرفه في المال بعد وضوح أنّ الخيار يتعلّق بالعقد دون العين، فبقاء العين وزوالها لا ربط له بالخيار ولعلّه ظاهر، هذا.
ثم لا يخفى أنّه لا فرق فيما ذكرناه بين البائع والمشتري، فإذا فرضنا أن البائع مغبون وقد تصرف في الثمن قبل علمه بالغبن تصرفاً مخرجاً له عن الملك فهذا لا يمنع عن خياره بعده ولا يوجب ذلك سقوط حقه بوجه. نعم لو كان المدرك في سقوط خيار المغبون بالتصرف هو الاجماع أمكن الفرق بين المشتري المغبون والبائع المغبون، لأنّ المقدار المتيقن منه هو المشتري دون البائع المغبون، ولكنك عرفت أنّ انعقاد الاجماع على السقوط أمر غير محتمل.
ثم إنّه لا فرق في التصرف المخرج عن الملك بين التلف الحقيقي والتلف الحكمي، كما لا فرق على الثاني بين خروجه عن صفة الملكية وبين بقائه على الملك والجامع عدم التمكن من الرد كما يظهر من عباراتهم كقولهم : هل يسقط خياره فيما إذا تصرف في المبيع تصرفاً يستحيل معه ردّه إلى مالكه، وتعليلهم سقوط الخيار
1) الروضة البهية 3: 465.
بعدم إمكان ردّه إلى مالكه.
وكيف كان، فتارةً يتصرف المشتري المغبون في المال تصرفاً متلفاً له حقيقة كما إذا كان المبيع خبزاً فأكله، وأخرى يتصرف فيه تصرفاً متلفاً له حكماً، وهذا على قسمين :
فإنّ إتلافه تارةً يوجب خروجه عن ملك المشتري ويزيل صفة المملوكية له مع وجوده في نفسه، وهذا كما إذا نقله إلى ملك شخص آخر كبيعه منه، أو يزيل صفة المملوكية منه مطلقاً، وهذا كالعتق فإنّه يخرج العبد عن المملوكية للمشتري وغيره مع ثباته في نفسه.
وأخرى لا يوجب التصرف خروجه عن وصف المملوكية للمشتري إلّا أنّه مع ذلك لا يتمكن من ردّه، وهذا كالاستيلاد في الأمة فإنّه لا يخرجها عن ملك سيدها إلّا أنّه يمنع عن ردّها وإخراجها عن ملکه، وجميع ذلك مشترك في عدم إمكان ردّ المبيع إلى الغابن، فعلى ما ذهب إليه المشهور لا يتمكن المشتري من الفسخ بعد تلك التصرفات.
ثم إنّ التصرف فيه بمثل الهبة الجائزة أو البيع الجائز ونحوهما ممّا يتمكن المشتري معه من إرجاعه إلى ملكه هل يلحق بالتصرفات اللازمة ويمنع عن الفسخ على المشهور أو لا يلحق بها ولا يوجب سقوط خياره ؟ ذكر شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه) (1)أنّ التصرفات الجائزة كاللازمة من حيث إن مقتضى الفسخ إرجاع الملك إلى الغابن من ملك المغبون، وهذا غير ممكن عند إخراجه عن ملکه مطلقاً، كان الاخراج لازماً أم كان جائزاً، نعم له إيجاد موضوع الفسخ فيما إذا كان تصرفه من التصرفات الجائزة إلّا أنّه أمر آخر وهو لا يوجب صحة الفسخ لم-ا
1) منية الطالب 3 : 144.
عرفت.
وذهب شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (1)إلى أنّ التصرفات الجائزة حيث لا تمنع عن إرجاع المبيع إلى ملك المغبون لا توجب سقوط خياره لتمكنه من ردّه إلى مالكه، هذا.
ويمكن أن يقال : إنّ فسخ المغبون حينئذ بنفسه يوجب انفساخ التصرفات الجائزة بلا حاجة إلى فسخها وإبطالها قبل ذلك وتوضيح ذلك : أنّ الفسخ عبارة عن إرجاع مال البائع إلى البائع ومال المشتري إلى المشتري، فإذا أراد المغبون فسخ المعاملة فلازمه أن يخرج المبيع عن ملك المشتري الثاني أو الموهوب له ويرجعه إلى ملك الغابن ويرجع الثمن إلى ملكه، وهذا بعينه معنى الفسخ ولا إمكان له بغير ذلك النحو فإنّ الفسخ بدون إرجاع ملك البائع إليه ممّا لا معنى له، نعم لابد من أن يدخل المبيع في ملك المشتري آناً ما ثمّ منه ينتقل إلى البائع، فالفسخ يلازم رفع اليد عن التصرف السابق وإلّا فلا يتعقل له معنىً.
بقي الكلام في التصرف فيه بمثل الاجارة فهل تمنع الاجارة عن الفسخ أو لا ؟ الظاهر أنّ الاجارة لا تمنع عن فسخ المشتري وخياره، لبقاء عين المبيع في ملكه وتمكنه من إرجاعه إلى الغابن، وإنما لا يتمكن من إرجاع منافعها إليه فيضمن له قيمة المنافع وبدلها، ولا وجه لسقوط خياره بعد تمكنه من ردّ عينه.
والمتحصّل إلى هنا : أن تصرّف المغبون في المال بأي نحو من أنحاء التصرفات لا يسقط خياره، سواء كان تصرفه مخرجاً عن الملك أو كان على نحو آخر، ومن ذلك يظهر أنّ إخراج منافع العين عن الملك بالاجارة لا يمنع عن الخيار بطريق أولى لتمكنه من ردّ العين حينئذ.
1) المكاسب 5 : 190.
بقي الكلام فيما إذا تغيّرت العين بالامتزاج أو بنقيصة أو بزيادة عينية أو حكمية.
أما التغيّر بالامتزاج فالبحث فيه يقع في مقامين : أحدهما في أن المزج والامتزاج هل يمنعان عن الفسخ ويسقطان الخيار أو لا ؟ وقد ظهر حكم ذلك ممّا قدمناه فإنّ التصرف المخرج عن الملك لا يسقط الخيار فكذلك الامتزاج سواء كان بالمساوي أو بالأعلى أو بالأدنى، وسواء امتزج بمال المشتري أو بمال غيره. ثانيهما : أنّ المغبون إذا فسخ بعد الامتزاج هل يجب عليه ردّ نفس ملك الغابن إليه أو ردّ بدله ؟
فنقول : إنّ الامتزاج يوجب الشركة وفي الشركة قولان :
أحدهما : أن الشريكين كل منهما يملك كل نصف متصور في المال حسب انقساماته غير المتناهية على القول بعدم الجزء الذي لا يتجزى، فكل من الشريكين مستقل في المالكية ولا قصور فيه، وإنما النقص والقصور في المال، لأنّ المملوك لكل منهما هو نصفه لا جميعه استقلالاً، وكل واحد من المملوكين معلوم معيّن في علم اللّه تعالى وإن انضم أحدهما إلى الآخر ولا يتميّزان، فالمالكان مستقلان والمملوك ناقص وغير مستقل لأنّه نصف المال.
وثانيهما : أنّ الشريكين مالكان للمال، فهو كما أنّه ملك هذا الشريك ملك للشريك الآخر، فالمملوك مستقل ولا نقص فيه وإنما المالك ناقص وغير مستقل لأنّهما بما هما مالك واحد ومنزلان منزلة شخص فارد طرف للعلقة الملكية، فكل منهما نصف المالك للمال، والقول الأول هو المعروف.
وعلى كلا القولين الامتزاج يلحق بالنقل اللازم فيجب ردّ البدل، وذلك لأنّه إذا اشترى المغبون زيتاً فمزجه بزيت شخص آخر أو اشترى حنطة أو ماء فمزجهما بحنطة أو ماء شخص آخر، فعلى الوجه الأول في باب الشركة ينتقل نصف زيت
المغبون إلى ملك مالك الزيت الآخر بازاء نصف زيت ذلك المالك، لأنّه ينتقل إلى ملك المغبون حينئذ، فيكون كل واحد منهما مالكاً مستقلاً لنصف مجموع المالين إذ لولا انتقال نصف ملك المغبون إلى ملك صاحب الزيت وبالعكس لما حصلت الشركة، ولا معنى للشركة الظاهرية كما ذكره في العروة(1)بأن يقال ببقاء كل من الزيتين في ملك مالكهما بلا نقل وانتقال من أحدهما إلى الآخر، فإن معنى ذلك عدم حصول الشركة فلا تغفل.
وعليه فإذا فسخ المغبون فلا يتمكن من إرجاع ملك الغابن إليه، إذ المفروض أن نصفه قد انتقل إلى ملك شخص آخر بنقل لازم لأجل الشركة، فمع عدم بقائه على ملكه لا يجوز للغابن أن يطالبه بعين ماله، فلابد للمغبون من أن يردّ قيمة العين أو مثلها.
وأما على الوجه الثاني في باب الشركة فربما يتوهم بقاء المملوك على حاله إذ المفروض أنّ النقص إنّما حصل في المالكين لا في المملوك فلا مانع من ردّه.
ولكن النظر الدقيق يقتضي خلافه، وذلك لأنّه بالأخرة يرجع إلى الوجه السابق فيكون ملك الغابن الذي هو من من الحنطة مثلاً منين بانضمامه إلى من من الحنطة لشخص آخر، وذلك لأنّ الفرض أن مجموع المالين ملك لهذا الشريك وملك للشريك الثاني والنقص في طرف المالك دون المملوك. وبالجملة أن من الحنطة للمغبون قد زاد بالامتزاج وصار منّين، وهذا المجموع أي المنان ملك للمغبون كما أنّه ملك لمالك المنّ الآخر، فالنقص في طرف المالك فإنّه بمنزلة نصف المالك لمجموع المنّين، ونصفه الآخر هو الشريك الآخر، ولا نقص في المملوك، فإذا صار المنّ منّين فقد تغيّر ملك الغابن على نحو لا يمكن تميّزه عن غيره فلا يمكن ردّه
1) العروة الوثقى 2 : 475.
فينتقل الأمر إلى بدله، وهذا ظاهر.
وأما إذا تغيّر بالنقيصة كما إذا اشترى فرشاً فتعيب عنده بحرق أو خرق، فإن رضي الغابن حينئذ بردّ ذلك الناقص إليه يجب على المغبون أن يدفع إليه نفس ملكه لأنّ وصف الصحة حقه وله إسقاطه ولا يجوز له الاباء إلّا عن دفع ماله خالياً عن العيب، وأما إذا لم يرض به المالك فلا إشكال حينئذ في وجوب ردّ بدله إليه لتعذر إرجاع ملك الغابن إليه كما أخذه.
وأمّا التغيّر بالزيادة العينية كما إذا اشترى عبداً صغيراً فكبر عنده وصار رجلاً، أو اشترى أشجاراً صغاراً فغرسها ثمّ كبرت في ملكه حتى صارت أشجاراً عظيمة، فهو أيضاً لا يوجب سقوط الخيار، إلّا أنّ الغابن لا يتمكن من مطالبة عين ملكه لتغيّرها وعدم بقائها على حالتها الأولى بل يجب على المغبون دفع بدلها إليه. وأما التغيّر بالزيادة الحكمية كما إذا اشترى شيئاً ثمّ ترقت قيمته السوقية أو ترقت قيمته لحصول بعض الكمالات له كما إذا كان المبيع عبداً عاميّاً ثمّ صار عالماً عند المغبون بالخياطة أو بالبناية أو بالفقه ونحوها بلا حصول تغيّر وزيادة له في بدنه، فهو كما عرفته لا يسقط الخيار، إلّا أنّ الغابن يتمكن حينئذ من مطالبة نفس ملكه لبقائه على حاله وعدم تغيّره عمّا كان عليه.
ثم يقع الكلام في مسألتين :
الأولى : أنّه إذا قلنا بسقوط الخيار بالتصرفات المخرجة عن الملك وتصرف فيه المغبون باخراجه عن ملكه، فهل يسقط خياره بذلك مطلقاً حتى أن المال لو عاد إلى ملكه ثانياً بفسخ أو إرث أو هبة أو شراء لا يتمكن من الفسخ لسقوط خياره أو أن سقوط خياره موقت ومحدود إلى زمان عدم التمكن من ردّ العين والملك فإذا عاد إليه الملك بالفسخ أو الارث أو غيرهما فلا محالة يتمكن من الفسخ لبقاء خياره.
الثانية : أنّه هل يجب على المغبون أن يدفع العين بعد عودها إليه ثانياً إلى الغابن لأنّها ملكه وإنما جاز ردّ بدلها من جهة عدم التمكن من ردّها، فإذا تمكّن منه فلا محالة يجب عليه ردّها إلى مالكها وهو الغابن، أو لا يجب عليه ردّها إليه لأنّها خرجت عن ملكه بردّ بدلها فرجوعها إلى المغبون كانتقالها إلى شخص آخر، إذ لا يفرق للغابن بين انتقالها إلى شخص آخر وانتقالها إلى المغبون ثانياً.
أمّا المسألة الأولى : فقد عرفت عدم سقوط خياره بالتصرف المخرج عن الملك من الابتداء، وعلى تقدير تسليم سقوطه باجماع أو شهرة ونحوهما فلا محالة نقتصر على المورد المتيقن وهو ما إذا لم يعد إلى المغبون ثانياً، وأما إذا رجع الملك إليه بفسخ أو هبة ونحوهما فلا إجماع على سقوط خياره، وهذا ظاهر.
والعمدة هي المسألة الثانية : فهل يجب على المغبون ردّ العين إلى الغابن بعد ما رجعت إليه ثانياً لأنّها ملكه، أو لا يجب عليه ردّها لأنّه ملك جديد وهو كانتقاله إلى شخص ثالث سيّما مع ترتب الأيادي وانتقالها إلى المغبون بعد اليد الثالثة، أو يفصل بين ما إذا كان ملك المغبون ثانياً من شؤون ملكه السابق فيجب عليه ردّها إلى الغابن لأنّه كملكه السابق، وهذا كما إذا باعه المغبون أولاً ثمّ أزاله بالاقالة أو الفسخ الذي معناه إرجاع الملكية السابقة، وما إذا كان ملكه ملكاً جديداً بسبب آخر غير السبب الأول، وحينئذ فلا يجب عليه ردّها وهذا كما إذا انتقل إليه بهبة أو بيع أو إرث ونحوها، لأنّه حينئذ ملك جديد وهو كانتقاله إلى شخص آخر ؟
ربما تبنى المسألة على ما عن الشافعية (1)من أن الزائل العائد كالذي لم يزل أو كالذي لم يعد. وذكر شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه) (2)أن كلام الشافعية مطلب
علمي لم ينقله شيخنا الأنصاري لحسنه فلابد من تحقيقه وملخص ما ذكره هو (قدّس سرّه) وأشار إليه شيخنا الأنصاري : هو التفصيل بين رجوعه إليه بفسخ أو إقالة ورجوعه إليه بأسباب جديدة كالارث والشراء ونحوهما، فإنّ الملك عند الفسخ أو الاقالة كالذي لم يزل فإنّه من شؤون ملكه السابق وليس بسبب جديد فکأنّه لم يبع ولم يخرج عن ملكه من الابتداء، وأما الملك الحاصل له بسبب جديد كالارث والهبة ونحوهما فهو كالذي لم يعد لأنّه ملك آخر جديد غير مربوط بالملكية السابقة وسنشير إلى تفصيل ذلك عند التكلّم في تصرف الغابن، هذا كله في تصرف المغبون.
وأما تصرفات الغابن فإن كان تصرفه إتلافاً حقيقياً للمال فلا إشكال حينئذ في الانتقال إلى ردّ بدله لعدم التمكن من ردّ عينه، وأما إذا كان تصرفه بالنقل اللازم أو الجائز أو بنحو الاستيلاد المانع عن الردّ مع بقاء المال في ملكه فلا ينبغي الاشكال في أنّ ذلك لا يوجب سقوط خيار المغبون لعدم الربط بينهما، وإنما توهم سقوطه في تصرفات المغبون من أجل أن تصرفه غالباً يكشف عن رضاه بالعقد فيسقط به خياره، وأمّا تصرف الغابن فلا ربط له باسقاط خيار المغبون وهو ظاهر.
وإنما الكلام في صحة تصرفات الغابن والرجوع إلى بدل المال أو في بطلانها وإرجاعه نفس العين إلى المغبون.
أما تصرفه بالنقل اللازم فالوجوه المتصورة فيه ثلاثة : أحدها بطلان التصرفات من الابتداء. وثانيها : بطلانها من حين فسخ المغبون. وثالثها : صحة التصرفات والانتقال إلى ردّ بدله.
أما وجه بطلان تصرفات الغابن من الابتداء فهو أن الخيار حق ثابت في العين، والغابن إنّما باع متعلّق حق الغير وبما أنّه لا يزيد على بيع عين ملك الغير فلا
محالة تتوقف صحته على إجازة المالك ومن له الحق الذي هو المغبون، كما يتوقف فساده على ردّه لأنّه من قبيل بيع الفضولي، وعليه فإذا لم يفسخ المغبون بعد هذا التصرف من الغابن فهو إمضاء عملي وإجازة لبيع متعلّق حقه، وأما إذا فسخ فيكون ذلك رداً للمعاملة الواقعة على متعلّق حق نفسه وبه يستكشف فساد المعاملة من الابتداء.
وفيه أوّلاً : أن الخيار إنّما تعلّق بالعقد وليس متعلّقه العين بدليل أنّه لو كان متعلقاً بالعين للزم ارتفاع الخيار بانعدام العين لعدم معقولية بقاء الخيار مع انعدام موضوعه، مع أنّ الخيار لا يرتفع بزوال العين، وهذا يكشف عن أن الخيار متعلّق بالعقد ومرجعه إلى حل العقدة بلا ربط له بالعين كما عليه بناء العقلاء نعم إذا ارتفعت العقدة فإن بقي عين ماله على حاله فهو وإلّا فيطالبه ببدله.
وثانياً : أن بيع متعلّق حق الغير يحتاج إلى إجازة ذي الخيار وإمضائه ومجرد عدم الرد لا يكفي في الامضاء، إذ لعله لم يلتفت إلى خياره أصلاً، ولأجل غفلته لم يردّ المعاملة ولم يفسخها، وهذا كيف يكون امضاء لها.
وأما وجه بطلان تصرفات الغابن من حين فسخ المغبون فهو أن تصرفات الغابن إنّما وقعت في متعلّق حق الغير إلّا أنّها لما كانت واقعة في ملكه فلا مانع من صحتها إلى حين الفسخ، فكأنّ الجمع بين دليل سلطنة الناس على أموالهم ودلي--ل الخيار يقتضي نفوذ تصرفات الغابن ما لم تبلغ حدّ المزاحمة لحق المغبون، وأما إذا بلغت حد المزاحمة فللمغبون إبطال تصرفات الغابن.
وفيه : أن الخيار إذا كان متعلّقاً بالعين فتصرفات الغابن تكون فضولية ومتوقفة على إجازة المغبون، فإذا لم يجز فتلك التصرفات باطلة من الابتداء، وأمّا إذا كان الخيار متعلّقاً بالعقد فتصرفات الغابن صحيحة لعدم وقوعها في متعلّق حق الغير فلا وجه لبطلانها أصلاً.
وإذا ظهر بطلان كلا الوجهين فيتعيّن الوجه الثالث لا محالة وهو أن يقال ليس للمغبون إبطال تصرفات الغابن بوجه، بل يرجع إليه ببدل ماله، والوجه في ذلك ما سيأتي في محلّه من أن تصرفات من عليه الخيار صحيحة ونافذة ولو مع العلم بخيار طرفه، وإنما يستثنى من ذلك خصوص البيع المشروط بردّ مثل الثمن فإنّ الغرض فيها هو التمكن من إرجاع نفس العين عند ردّ مثل ثمنها فلا يجوز للمشتري أن يتصرف فيها بنقلها، وأمّا في غيره فلا مانع لمن عليه الخيار أن يتصرف في ملكه بنقله وهبته ونحوهما، فإذا فسخ من له الخيار فلا محالة يرجع إلى بدله، هذا كله في تصرفات الغابن اللازمة.
وأمّا تصرفاته الجائزة فالظاهر أنّها كالتصرفات اللازمة وليس للمغبون إبطالها، ولا تقاس تلك التصرفات الجائزة من الغابن بتصرفات المغبون الجائزة ولا يأتي فيها ما ذكرناه هناك حيث قلنا في تصرفات المغبون إنها إذا كانت جائزة وكان اختيار إبطالها وفسخها بيد المغبون فإذا أراد فسخ المعاملة الواقعة بينه وبين الغابن والتفت إلى أنّ معنى الفسخ إرجاع مال الغابن إلى الغابن وإرجاع مال نفسه إلى نفسه، يكون فسخ تلك المعاملة الغبنية بعينه فسخاً للمعاملة الجائزة الصادرة من المغبون.
ولكن ذلك لا يجري في المقام من أجل أنّ اختيار فسخ تلك التصرفات بيد المغبون الذي يريد فسخ المعاملة الغبنية، وأما في المقام فليس اختيار فسخ التصرفات الجائزة الصادرة من الغابن بيد المغبون حتى يكون فسخه المعاملة فسخاً لتلك التصرفات الصادرة من الغابن، ومعنى كون تصرفات الغابن جائزة أنّها جائزة للغابن أو له ولطرفه، لا أنّها جائزة بالاضافة إلى المغبون فلا يتمكن المغبون من فسخ تلك التصرفات، فلا يبقى في البين إلّا إجبار المغبون وإلزامه الغابن
على فسخ تلك التصرفات وهو بلا وجه صحيح وإن ذهب في المسالك (1)إلى ذلك حيث قال : لو كان الناقل ممّا يمكن ابطاله كالبيع بخيار الزم بالفسخ فإن امتنع فسخه الحاكم وإن امتنع فسخه المغبون على ما نقله في المكاسب (2)إلّا أنّه أجاب عنه شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) بأنّ فسخ المغبون للعقد الغبني إما بدخول العين في ملكه وإمّا بدخول بدلها، فعلى الأول لا حاجة إلى الفسخ حتى يتكلّم في الفاسخ وعلى الثاني فلا وجه للعدول عمّا استحقه بالفسخ وهو البدل إلى نفس العين.
فإن قلت : إن البدل ليس بدلاً عن الملك وإنما هو بدل الحيلولة بين الملك ومالكه فيجب على الغابن تحصيل ملك المغبون مع ردّ بدل الحيلولة.
قلت : قد عرفت في محلّه أنّ بدل الحيلولة ممّا لا أساس له كما أنكرناه في محله (3)إلّا أنّه على تقدير القول به أيضاً فهو يختص بما إذا كان الملك باقياً على ملك مالکه وهو المغبون حتى يكون البدل بدلاً عن تصرفاته وسلطانه في ملكه على تقدير عدم الحيلولة، وقد عرفت أنّ المغبون إنّما كان مالكاً له قبل المعاملة وأما بعدها وخروجه عن ملك الغابن أيضاً فلا يستحق المغبون إلّا بدله، وحيث ليس مالكاً للمال فلا يتم فيه بدل الحيلولة، إذ لا ملك حتى يأخذ بدل حيلولته، هذا كله في تصرفاته الجائرة.
وأمّا التصرّفات التي لا توجب خروجها عن ملك الغابن ولكنّها تمنع عن إخراجها عن ملكه كالاستيلاد فقد ذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (4)أنّ
الاستيلاد وإن كان مانعاً عن خروج المبيع عن ملك الغابن إلّا أنّ ذلك فيما إذا لم يسبقه حق الغير، وبما أنّ المبيع قد تعلّق به حق المغبون فهو يمنع عن تأثیر الاستيلاد في عدم الرد، هذا.
وما أفاده على تقدير تماميته يختص بما إذا قلنا بتعلق حق الخيار بالعين وحينئذ يمكن أن يقال إنّ المبيع متعلّق لحق الغير وهو يمنع عن تأثير الاستيلاد فيه ولكنك عرفت أنّ الخيار إنّما يتعلق بالعقد، ومقتضى فسخه رجوع المالين إلى مالكهما مع إمكان الرجوع، وعليه فيكون الاستيلاد حاكماً على وجوب ردّها لأنّه يمنع عن إخراجها عن ملك الغابن، وبه يتعذر الردّ فتنتهي النوبة إلى ردّ مثله، هذا.
بقي الكلام في أنّه إذا خرج الملك عن الغابن بنقل لازم أو جائز ثمّ اتفق عود المال إلى ملكه بفسخ أو هبة أو إرث أو شراء فهل يجب على الغابن أن يدفع العين إلى المغبون عند فسخه أو ينتقل إلى بدله، أو أنّ هناك تفصيلاً مبنياً على أن الزائل العائد كالذي لم يزل أو كالذي لم يعد، وقد أسمعناك سابقاً (1)أن شيخنا الأنصاري وشيخنا الأستاذ (قدّس سرّهما) ذهبا إلى هذا التفصيل، وأنّ الملك إذا رجع إليه بفسخ أو إقالة لا بسبب مغاير لسبب الملك أوّلاً فهو كالذي لم يزل، وأما إذا عاد إليه بأسباب جديدة كالإرث والشراء والهبة فهو كالذي لم يعد، وقد وعدناك التعرّض إلى تحقيق هذا الكلام.
فنقول : إن عود المال إلى ملك الغابن تارةً قبل فسخ المغبون وأخرى بعد فسخه.
أما إذا كان العود بعد فسخ المغبون فلا وجه لارجاعه إلى المغبون، لأن المال قد انتقل إلى بدله حين فسخ المعاملة، إذ المفروض عدم تمكن الغابن من ردّ عينه
1) في الصفحة 360 وما بعدها.
وبعد انتقاله إلى البدل لا دليل على رجوع عين المال إليه إلّا دعوى أن البدل بدل الحيلولة لا بدل أصل المال، وقد عرفت أن بدل الحيلولة لا أساس له، وهذا ظاهر. وأما إذا كان عود المال إلى ملك الغابن قبل فسخ المغبون فقد ذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (1)وتبعه شيخنا الأستاذ (2)ما محصله : أن عود الملك إلى الغابن إذا كان بفسخ المعاملة الواقعة عليه أو باقالتها فلا محالة يتلقاه المغبون من الغابن، لأنّه بعينه الملك الذي الذي انتقل إليه من المغبون وليس بسبب جديد، إذ سببه ليس إلّا المعاملة الواقعة بينه وبين المغبون، فالملك الزائل العائد بإبطال المعاملة الواقعة عليه کأنّه لم يزل وكأنّ المعاملة لم تقع عليه، وأما إذا عاد إليه بأسباب جديدة كثيرة أو هبة أو إرث فلا يصح للمغبون أن يتلقاه من الغابن، لأنّه ملك آخر جديد وليس هو الملك المنتقل منه إلى الغابن حتى يتلقاه منه، بل هو ملك جديد قد حصل بأسبابه من الارث والهبة والشراء، فالملك الزائل العائد بتلك الأسباب الجديدة کأنّه لم يعد، لأنّه ملك آخر، هذا.
والصحيح هو ما ذكره السيد (قدّس سرّه) (3)من أنّه لا فرق بين العود بالفسخ والعود بسائر الأسباب، ومقتضى القاعدة رد العين إلى المغبون مطلقاً، وذلك لأن المبادلة بينهما إنّما وقعت بين نفسي المالين لا بين ملكيتين، إذ الملكية كما أشرنا إليه غير مرّة أمر اعتباري قائم بمعتبره من الشارع أو العقلاء، ولا معنى للمبادلة بين اعتبارين قائمين بشخصين، وإنما المبادلة تقع بين المالين، فإذا فسخ المغبون ورأى عين ماله الواقع طرفاً في المبادلة فله أن يأخذها ويطالب الغابن به، لأن-ه ط-رف
المبادلة، وإن كانت الملكية العائدة إليه ملكية جديدة على أي حال حتى فيما إذا كان العود بالفسخ، لأنّ الملكية الحاصلة بالفسخ حينئذ ملكية جديدة وليست ه-ي الملكية السابقة، ولكن المال لما كان هو الطرف في المبادلة وقد عاد إلى ملك الغابن جاز للمغبون مطالبته به، ولعلّه ظاهر.
ثم إنّ الغابن إذا تصرف في المال تصرفاً مغيّراً للعين فلا يخلو إما أن يكون التغيّر بالنقيصة كما إذا باعه عشرين متراً من قماش وقد أخذ منها الغابن خمسة أمتار فبقي خمسة عشر منها، أو يكون بالزيادة، أو لا هذا ولا ذاك وكان المال باقياً بحاله بلا نقيصة ولا زيادة ولكنه امتزج بغيره ولا يمكن تميّزه.
أمّا التصرف الموجب للتغيّر بالنقيصة فهو أيضاً إما أن يكون نقصاً في أجزاء العين بأن يكون التصرف موجباً لزوال نصف المال أو ثلثه، وإمّا أن يكون نقصاً في الأوصاف وهو على ثلاثة أقسام : لأنّه إما أن يكون نقصاً يوجب الأرش بأن يكون التصرف موجباً لذهاب وصف الصحة، وإمّا أن يكون موجباً لزوال وصف آخر غير وصف الصحة ولكنه كان موجباً لاختلاف قيمة المال كوصف الكتابة في العبد فإنها ليست بوصف الصحة إلّا أنّها توجب اختلاف قيمة العبد وه-و ظاهر وإمّا أن يكون النقص والتغيّر بزوال وصف لا مدخلية له في زيادة القيمة ولا في نقيصتها وهذا ككون العبد المبيع حين المعاملة ممّن يحب الشيء الفلاني وقد زال منه ذلك الوصف عند الغابن، أو كان الثوب الواقع ثمناً أصفر اللون حين المعاملة ثمّ صبغه الغابن بلون آخر لا يوجب تفاوتاً في القيمة، فإنّ الوصف في المثالين متغيّر إلّا أنّه لا لا يوجب تفاوتاً في ناحية القيمة أبداً، هذه هي أقسام النقيصة المتصوّرة في المقام.
أمّا النقص بزوال القسم الثالث من الأوصاف أعني الوصف غير الدخيل في قيمة المال كزوال وصف الحبّ لأمر كذا، أو وصف البياض المتبدل بالسواد من دون
فرق بين الوصفين في قيمة المال، فالظاهر أنّه خارج عن محل الكلام، لأن وجوده وعدمه على حد سواء، ولا يكون النقص بزواله مغيّراً للعين ولا لقيمتها، فوجوده كعدمه ممّا لا يترتّب عليه أثر.
كما أن النقص إذا كان من قبيل القسم الأول أعني به زوال بعض أجزاء العين كذهاب نصفه أو ثلثه فلا إشكال في دخوله في محل الكلام وكونه موجباً لردّه قيمة المقدار الناقص عند فسخ المغبون، وهاتان الصورتان لا إشكال فيها من حيث الوجود والعدم.
وإنما الكلام في القسمين المتوسطين وهما زوال وصف الصحة وزوال وصف كمال آخر غير الصحة، فقد ذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (1)أنّ الناقص إذا كان هو الصحة فيأخذ المشتري أي المغبون عين ماله مع الأرش، لأنّ الفائت وهو وصف الصحة مضمون بجزء من العوض فإذا ردّ تمام العوض وجب ردّ مجموع المعوّض، فيتدارك الفائت منه ببدله.
وأما إذا كان الناقص وصفاً آخر غير موجب للأرش إلّا أنّه كان دخيلاً في تفاوت قيمة المال كما مثلنا بوصف الكتابة في العبد، فيأخذ المغبون عين ماله بلا أخذ شيء آخر للوصف الفائت، لأنّ الأوصاف لا تقابل بالمال عند المعاملة، وإنما هي توجب زيادة قيمة المال.
ثم ترقى (قدّس سرّه) وذكر أنّ الاجارة أيضاً من هذا القبيل فإذا فسخ المغبون ووجد العين قد استؤجرت فإنما يأخذ عين ماله بعد انقضاء مدة الاجارة، وليس له مطالبة الغابن بأجرة مثل منافعها في مدة الاجارة، لأن المنافع المنتقلة إلى المستأجر بالاجارة من الأوصاف وهي لا تقابل بالمال عند المعاملة حتى يأخذ ع-وضها
1) المكاسب 5 : 194.
بالفسخ، والغابن إنّما آجرها وهي ملكه، ومنافع المملوك مملوكة، فلا يجب عليه دفع ما يقابلها إلى المغبون، بل عليه أن يصبر إلى أن ينقضي مدة الاجارة ولو كانت خمسين سنة ما لم يبلغ إلى حد تلف العين بزيادة مدة الاجارة.
ثم نقل عن المحقق القمي (قدّس سرّه) (1)انفساخ الاجارة في بقية المدة بفسخ المغبون، لأنّ ملك المنافع تابع لملك العين فإذا خرجت العين عن ملك الغابن بالفسخ فتبعه المنافع أيضاً فتخرج عن ملكه وتقع الاجارة باطلة، إلّا أنّه أجاب عنه : بأن ملك الغابن للعين ليس ملكاً محدوداً بزمان وإنما كان ملكها ملكاً مطلقاً وتتبعه منافعها وتكون مملوكة له مطلقاً وقد تصرف في ملكه حينئذ و آجرها إلى كذا مقدار ومدة فلا موجب لبطلانها.
ثم نقل عن العلامة (2)الحكم برجوع المغبون إلى الغابن بأجرة مثل المدة الباقية فيما إذا تفاسخا، وکأنّه (قدّس سرّه) يرى الفرق بين صورتي التفاسخ والفسخ كما أشار إليه بقوله : وسيجيء ما يمكن أن يكون فارقاً بين المقامين أي الفسخ والتفاسخ، هذا ملخص ما أفاده (قدّس سرّه) في المقام.
وفي كلامه (قدّس سرّه) مواقع للنظر وتأملات :
منها : تفصيله (قدّس سرّه) بين وصف الصحة وسائر الأوصاف الكمالية حيث فرّق بينهما بالحكم بضمان وصف الصحة ووجوب ردّ الأرش عند ردّ العين دون سائر الأوصاف الكمالية، وذلك لأنّه لا فرق بين الأوصاف الكمالية وصفة الصحة أبداً، لأنّها بأجمعها لا تقابل بالمال حتى وصف الصحة، وإنما هي توجب زيادة قيمة المال فما هو الفارق بينهما.
أضف إلى ذلك : أنّه إذا أغمضنا النظر عن ذلك وقلنا بضمان وصف الصحة وتقابلها بالمال فالواجب حينئذ ردّ ما يقابل الصحة من عين الثمن لا من غيره، وكذا في غير وصف الصحة من الأوصاف الكمالية، مع أنّهما ممّا لا يلتزم به هو ولا غيره من الفقهاء، وذلك لأنّهم لم يلتزموا في الأرش أن يكون من عين الثمن كما لم يلتزموا بالأرش في غير وصف الصحة من الأوصاف الكمالية، وأما الأرش في خصوص وصف الصحة فإنما ثبت بمقتضى الأخبار وإلّا فمقتضى القاعدة عدم مقابلة شيء من الأوصاف بالمال، وكذا يلزمه وجوب ردّ الأرش أعني قيمة الوصف الزائل مطلقاً سواء طالبه به المغبون أم لم يطالبه، لأنّه قيمة الجزء الفائت وهو ملكه، مع أنّه ممّا لا يلتزم به الفقهاء ولا يجب دفع الأرش عندهم إلّا في صورة مطالبة مالك المال.
وبعبارة أخرى : إن قلنا بضمان وصف الصحة دون سائر الأوصاف من باب مقابلته بجزء من العوض دون سائر الأوصاف، ففيه : أنّ الأوصاف مطلقاً لا تقابل بشيء من العوض. على أن لازم مقابلته بالمال ردّ جزء من عين الع--وض سواء طولب به أم لا، ولم يلتزم به أحد. وإن قلنا بضمان وصف الصحة من باب وجوب ردّ العين إلى مالكها كما أخذها الغابن لقوله (عليه السلام) «على اليد ما أخذت» إلخ فلابد من أن نلتزم بذلك في سائر الأوصاف الكمالية أيضاً، كما أنّه إذا لم نقل بذلك فلا نقول به في سائر الأوصاف أيضاً، فالفرق بين وصف الصحة وسائر الأوصاف ممّا لا يرجع إلى وجه متين.
ومنها : ما أفاده في الاجارة من أنّ المغبون يرجع إلى نفس ماله ويصبر إلى أن تنقضي مدة الاجارة بلا مطالبة شيء آخر في مقابل المنافع في المدة الباقية، فإنّ ذلك ممّا لا يمكن المساعدة عليه بوجه، لأنّ الغابن يجب عليه رد مال المغبون إليه كما أخذه بمقتضى «على اليد ما أخذت» ومن المفروض أن المال حينما أخذه الغابن لم يكن مسلوب المنافع فكيف يردّه مسلوب المنافع، وإلّا فلو صح ذلك لأمكن أن
يؤجرها الغابن بمدة خمسين سنة، ثمّ إذا فسخ المغبون يردّها إليه مسلوبة المنافع بلا ردّ قيمة المنافع في تلك المدة، وهذا كما ترى لا يمكن الالتزام به.
بل لابد من أن يردّه العين كما أخذها، وحيث إنّ العين لم تكن مسلوبة المنافع حين أخذها فيجب عليه ردّها بتلك المنافع، وحينئذ فتقوم العين مجرّدة عن المنافع كما تقوّم مع المنافع في تلك المدة، ويؤخذ التفاوت بين القيمتين ويرد إلى المغبون.
وممّا ذكرناه يظهر أنّ المردود إلى المغبون إنّما هو تفاوت القيمتين أعني قيمة العين مجردة وقيمتها مع منافعها في مدة الاجارة دون أجرة مثل المدة الباقية كما وقع في كلام العلّامة (قدّس سرّه) والذي يسهل الخطب أنّ التفاوت بين القيمتين غالباً بل دائماً تطابق أجرة مثل العين في مدة الاجارة كما نبه عليه شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه) (1)والوجه في ذلك : أنّ التفاوت بين القيمتين إنّما نشأ من قيمة المنافع في مدة الاجارة وهي المعبّر عنها بأجرة المثل، فإذا فرضنا الفرق بينهما خمسة دنانير مثلاً فهي أجرة مثل العين في تلك المدة. نعم لا يمكن المساعدة على ما ذهب إليه المحقق القمي من بطلان الاجارة في المدة الباقية من جهة أنّ العين كانت مملوكة للغابن حين تصرفه كما كانت المنافع مملوكة له بتبعها، وإنما تصرف في ملكه فلا وجه لبطلان تصرفاته، فلابد من الالتزام بصحة المعاملة والاجارة وردّ العين مع التفاوت ما بين القيمتين.
فالمتحصّل من جميع ذلك : أنّ التصرف في العين تصرفاً مغيّراً بالنقيصة أعم من أن يكون مغيّراً وموجباً للنقص بحسب أجزاء العين أو من جهة زوال الأوصاف الأعم من وصف الصحة وسائر الأوصاف الكمالية مضمون على الغابن فيجب عليه ردّ العين وردّ بدل الفائت أعم من أجزاء العين أو من الأوصاف.
1) لاحظ منية الطالب 3 : 147.
فالمتلخّص من جميع ذلك : أنّ النقيصة في أجزاء العين أو في الأوصاف أعم من الأوصاف الكمالية ووصف الصحة مضمون على الغابن بمقتضى «على اليد ما أخذت» ويجب عليه ردّ ما أخذه بعينه، والأوصاف وإن كانت لا تقابل بالمال إلّا أنّها لا تقابل بالمال على وجه الاستقلال لا على نحو الاطلاق حتى على نحو التبعية مثلاً لا يمكن بيع بياض الثوب أو علم العبد مستقلاً، ولكن بيعهما تبعاً لبيع الثوب والعبد ممّا لا إشكال فيه، لأنّها أي الأوصاف توجب زيادة في القيمة فيجب الخروج عن عهدتها كما في الغاصب بعينه، وغاية الفرق أنّ الغاصب يرتكب المعصية بتصرفه في المال وهذا بخلاف الغابن فإنّه إنّما يتصرف في ملك نفسه ولا معصية عليه.
وأما إذا فسخ المغبون ورجع إليه بماله فيجب عليه ردّ ماله بجميع أوصافه الكمالية وغيرها، لأنّها مضمون على الغابن كما عرفت، ومن ذلك ما لو وجد العين مستأجرة فإنّ الغابن لابد من أن يردّ إلى المغبون عين ماله كما أخذها منه، وحيث إنّه أخذها منه من غير سلب المنافع عنها فعليه أن يردها إليه مع منافعها، وبما أنّها فاتت بالاجارة فلا محالة يخرج عن عهدتها بردّ بدلها، هذا كله في النقيصة.
بقي منها صورة واحدة لم يتعرّض لها شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) ولعلّه لوضوحها : وهي ما إذا نقصت قيمة العين في السوق من دون عروض نقيصة في نفسها وإنما تنزّلت القيمة السوقية فقط، وفي مثل ذلك لا يجب على الغابن دفع مقدار النقص من قيمة المال، لأنّ المضمون على الغابن إنّما هو نفس العين وتوابعها من الأوصاف دون القيمة السوقية، لأنّها ممّا لا يشمله «على اليد ما أخذت» لأنّ يده إنّما وقعت على العين وأوصافها لا على قيمة المال في السوق فانها لا تدخل تحت يد أحد حتى لا يؤخذ بها الغاصب مع أنّه يؤخذ بأشق الأحوال فضلاً عن الغابن فإنّه إذا غصب مالاً ثمّ تنزلت قيمته السوقية فإنّ اللازم عليه هو ردّ نفس العين وأوصافها لا قيمتها السوقية زيادة ونقيصة وهذا ظاهر، ولعلّ وضوح المسألة منع
شيخنا الأنصاري عن التعرّض إلى حكمها.
وأما التغيّر بالزيادة فإن كانت الزيادة زيادة في القيمة السوقية فقط من دون حدوث شيء في نفس المال نظير النقيصة في مجرد القيمة السوقية فلا يوجب ذلك مطالبة الغابن من المغبون شيئاً، بل يردّ إليه نفس المال وأوصافه بلا حق له على المغبون، إذ المفروض أنّه لم يوجد في عين المال وصفاً ولا عمل عملاً، وإنما ترقّت القيمة السوقية بنفسها، فلا وجه لمطالبته المغبون بالزيادة كما لم يكن للمغبون مطالبة الغابن بالنقيصة عند تنزل القيمة السوقية، لما عرفت من أنّها لا تدخل تحت يد أحد حتى يضمنها الغابن وهذا ظاهر، وهذه المسألة أيضاً لم يتعرّض لها شيخنا الأنصاري لوضوحها.
وأما إذا زادت قيمتها السوقية بواسطة أمر حدث في العين وهذا كقصارة الثوب أي تنظيفه وتنزيهه عن الوسخ أو تعليم العبد صنعة أو علماً من العلوم الدينية، فإنّ ذلك ممّا يوجب زيادة القيمة السوقية مع إحداث حدث في العين كتنظيف أوساخه أو تعليم شيء من الصنائع، فالظاهر أن الغابن بذلك يصير شريكاً في المال مع المغبون بنسبة تلك الزيادة، وذلك لأنّ الأوصاف وإن كانت لا تقابل بالمال على وجه الاستقلال إلّا أنّها تقابل به على وجه التبعية للعين، فهي ملك الغابن لا محالة، إذ لو لم تكن الأوصاف مقابلة بالمال مطلقاً لما أمكن الحكم بضمانها على الغابن عند نقيصتها، وكذا لم يمكن مطالبتها من الغاصب مع أنّه ممّا لا إشكال فيه ظاهراً، فكما أن نقيصتها توجب ضمانها على الغابن أو الغاصب ولها مالية حينذاك فكذلك في صورة زيادتها تقابل بالمال، وبما أنّها ملك للغابن فلا محالة يصير شريكاً معه في المال.
وبالجملة : أن تقابل الأوصاف بالمال ظاهر، فإنّ قيمة المال معها وقيمته بدونها مختلفة، وليست زيادة القيمة في المال عند وجود الأوصاف إلّا من جهة تلك
الأوصاف وهي قيمتها، هذا.
وربما يورد على القول بالشركة في هذه الصورة : بأن الأوصاف كما عرفت لا تقابل بالمال، والمفروض أنّ الغابن لم يحدث في نفس العين زيادة عينية، وعليه فلماذا يصير شريكاً مع المغبون في المال، إذ العين ملك للمغبون ولم يحدث أم--ر يوجب زواله وانتقال بعضه إلى الغابن.
وهذه المناقشة متينة جداً فيما إذا أراد شيخنا الأنصاري من الشركة شركة الغابن مع المغبون في العين، فإنّ العين كانت ملكاً للغابن ثمّ رجع إلى المغبون ولم يحدث أمر يوجب نقص ملكية المغبون عن العين، والأوصاف لا تقابل بالمال، ولم يحدث في العين زيادة عينية فلماذا يصير الغابن شريكاً مع المغبون في العين. وبالجملة أنّ حصول الاشتراك بينهما بلا موجب.
وأما إذا أراد (قدّس سرّه) من الشركة الاشتراك في المالية فلا يرد عليه إشكال وذلك لأنّ الأوصاف تقابل بالمال تبعاً كما أشرنا إليه في صورة نقيصة الأوصاف وقد عرفت أنّها مضمونة على متلفها، فمنه يظهر أنّ لها مالية، وإذا انتقل العين إلى ملك المغبون فلا تذهب مالية الأوصاف هدراً بل يضمنها المغبون فيكون شريكاً مع الغابن في المالية لا محالة، بمعنى أنّ الغابن يشترك مع المغبون في مقدار مالية المال وقيمته بنسبة قيمة الشيء مع الأوصاف وقيمته بدونها، لا أنّه يشترك معه في العين (1)وتظهر الثمرة بينهما في أنّ الوصف إذا زال عن العين بنفسه كما إذا أصبح العبد العالم ولا يدري شيئاً تزول شركة الغابن مع المغبون، وهذا بخلاف ما إذا كان شريكاً
1) لا يخفى أنّ لازم تبعية الأوصاف للعين في المالية والملكية زوال ملكيتها بخروج العين عن الملك، فإذا رجع العين إلى المغبون فكيف تبقى مالية الأوصاف في ملك الغابن وعليه فيسقط ما أفيد في المتن إلى آخره، وتتجه مقالة المحقق النائيني لا محالة فراجع.
معه في العين فإنّ تلف بعض أجزائه فضلاً عن زوال بعض أوصافه لا يمنع عن اشتراكها، بل كل ما بقى منه لهما وما زال عليهما.
وممّا ذكرناه يظهر أن المال إنّما يقابل نفس الأوصاف التي هي نتائج الأعمال لا أن الغابن يستحق أجرة المثل لأعماله، إذ التفاوت في قيمة المال مع الأوصاف وقيمته بدونها إنّما ينشأ من قبل نفس تلك الأوصاف لا من جهة عمل العامل في المال.
وعليه فلا يفرق في حصول الاشتراك بين كون هذه الأوصاف مستندة إلى فعل الغابن كما إذا نظف الثوب عن الوسخ أو علّم العبد صنعة من الصنائع، وكونها مستندة إلى اللّه تعالى كما إذا أصبح العبد في ملك الغابن عارفاً بالمسائل الدينية وصار من أتقى الأتقياء وبذلك زادت قيمته، فإنّ صفة التقوى والعدالة في العبيد توجب زيادة قيمتها، فالغابن بذلك يصير شريكاً مع المغبون، لأن الأوصاف إنّما حدثت في ملكه وقد عرفت أنّ المال إنّما يقع بازاء نفس الأوصاف تبعاً لا بازاء الأعمال الصادرة من الغابن حتى تكون أجرة لها، ومن هنا لو أتعب نفسه في تعليم العبد صنعة أو علماً من العلوم ولكنّه لم يحصل شيئاً منهما ولم يصر بذلك عالماً أو صانعاً، لا يستحق بذلك شيئاً على المغبون مع أنّه عمل أعمالاً وأتعب نفسه في تعليمه، ولأجل ذلك نقول إنّ المال إنّما يقع بازاء تلك الصفات التي هي نتائج الأعمال لا بازاء تلك الأعمال نفسها.
فما أصر عليه شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه) (1)من عدم استحقاق الغابن شيئاً على المغبون، وعدم صيرورته شريكاً معه فيما إذا حصلت تلك الأوصاف بفعل تعالى أو بفعل نفس العبد دون فعل الغابن، بدعوى أن الغابن لم يعمل حينئذ عملاً
1) منية الطالب 3 : 148.
يستحق به أجرة المثل ولم يزد في العين زيادة عينية حتى يصير شريكاً مع المغبون.
فممّا لا يمكن المساعدة عليه، لما عرفت من أن الشركة إنّما هي لأجل حدوث تلك الأوصاف المقابلة بالمال في ملك الغابن، وليست هي من أجل أجرة المثل لأعماله، إذ المال إنّما هو في مقابل الصفات التي هو في مقابل الصفات التي هي من نتائج الأعمال لا في مقابل نفسها، هذه كلّها في التغيّر بالزيادة الحكمية.
وأما إذا حصل التغيّر في الملك بالزيادة العينية كما إذا كان الثمن أرضاً وقد بنى فيها الغابن بناءً أو غرس فيها أشجاراً أو نقش فيه نقوشاً بخيوط موجودة فيه فيما إذا كان الثمن من قبيل الأثواب والأقمشة، أو بغير ذلك من الزيادات العينية الموجودة في المال، فإذا فسخ المغبون في أمثال هذه الموارد فهل يتمكن من إلزام الغابن بقلع الزيادات الحاصلة بفعله عن المال أو لا يتمكن ؟ فيه خلاف وأقوال.
وبعبارة أخرى : لا إشكال عندهم كما كذلك في أن الغابن إذا كانت له أموال وأجناس في مكان قد اشترى ذلك المكان من المغبون وكانت قيمة تلك الأجناس في هذا المكان أغلى وأكثر منها في مكان آخر، إذا فسخ المغبون يلزمه بتخلية مكانه من الأجناس، لأنّ الأموال والأجناس في هذا المكان لا يختلف ولا يتغير عمّا هي عليه فيما إذا وضعت في مكان آخر، وإنما تختلف قيمتها السوقية فقط ولا يحصل فيها أيّ تغيّر أو نقص في عينها، وليس للغابن الامتناع بدعوى أنّي أتضرر بتخلية المكان ووضع أجناسي في مكان آخر لأن قيمتها في غير هذا المكان أنقص، وذلك لأنّ المغبون ليس بضامن لما يرد عليه من الضرر فيما إذا كان منشؤه مجرد اختلاف القيمة السوقية ما لم يحصل بذلك نقص في أعيان تلك الأجناس وهذا الحكم ممّا لا خلاف فيه بينهم.
وإنما اختلفوا في أنّ المقام أيضاً ملحق بهذه المسألة، لأن المغبون مالك الأرض ويطلب ملكه، أو أنّ بينها وبين المقام فرقاً من جهة أنّ أموال الغابن في
المسألة المتقدّمة لا تتغيّر عمّا هي عليه عند وضعها في مكان آخر وإنما تختلف قيمتها السوقية فقط، وأمّا في المقام فالبناء المقلوع متباين للبناء غير المقلوع لأنّه إذا قلع خرج عمّا هو عليه من وصف البناء ويصير أخشاباً وأحجاراً، وكذلك الشجر فإنّه إذا قلع من الأرض فلا محالة يصير خشباً ويخرج عن كونه شجراً، وبين الشجر والخشب فرق ظاهر، فلا يقاس المقام بالمسألة المتقدّمة المتفق فيها على جواز تخلية المغبون مكانه من أجناس الغابن.
وكيف كان، الأقوال في المسألة ثلاثة :
الأوّل : أنّ المغبون متمكن من إلزام الغابن بالقلع بلا أرش نظير المسألة المتقدمة حيث كان المغبون مسلّطاً فيها على إلزام الغابن بتخلية المكان بلا وجوب أرش عليه.
الثاني : عدم تمكنه من إلزامه بالقلع.
والثالث : تسلّطه على إلزامه بالقلع مع دفع الأرش إلى الغابن، لتفاوت الشجر بحسب القيمة قبل القلع وبعده، هذا.
وتفصيل الكلام في المقام : أنّ ملكي المالكين إذا كان أحدهما أجنبياً ع--ن الآخر ولم يكن له حق و علقة على الآخر، لا إشكال في أن مالك الأرض متمكن حينئذ من قلع الملك الآخر عن ملكه من دون أن يجب عليه شيء وهذا نظير موارد الغصب كما إذا غصب أحد أرضاً وبنى فيها بناءً شاهقاً قيمته أضعاف قيمة الأرض فإنّ ذلك الملك أعني البناء ليس له حق ولا ربط بالملك الآخر وه-و الأرض ولمالكها مطالبة الغاصب بتخريب البناء ودفع أرضه خالية عنه إليه، وليس لأحد منع المالك عن ذلك أبداً، والوجه في ذلك أنّ ملك المالك غير محدود بحد والملكية المطلقة غير المحدودة بشيء تقتضي جواز قلع أشجار الغاصب وبنايته وهو ظاهر.
ومن ذلك موارد البيوع الفاسدة لالتحاقها بالغصب م-ن ت-لك الناحية
فلمالك المثمن مطالبة المشتري بتخلية أرضه ومتاعه عمّا أحدثه فيها، وليس لأحد منعه عن ذلك.
وأيضاً من ذلك جميع موارد التصرفات الصحيحة فيما إذا انتهت مدتها كما إذا استأجر أرضاً بمدة سنة فأحدث فيها بناءً وغرس فيها أشجاراً، أو استعارها لمدة سنة فأحدث فيها شيئاً، فإنّ هذه التصرفات الصادرة من المستأجر والمستعير سائغة في أثناء هذه المدّة، ولكنّها إذا انقضت فللمالك مطالبة ملكه وأرضه خالية عن جميع ما أحدثوه فيها من البناء والغرس أو غيرهما، ولعلّ ذلك ظاهر ولا إشكال فيها، هذا قسم.
ويقابل ذلك قسم آخر وهو ما إذا كان لأحدهما حق مكث وبقاء في الآخر وبينهما علقة وربط، وهذا كما إذا وهب أحد الأرض لأحد ولديه ووهب الأشجار الموضوعة فيها لولده الآخر، فإنّ الأرض المملوكة لأحدهما إنّما صارت ملكه مشغولة بتلك الأشجار أو الأبنية وليس له إلزام الآخر بقلعها عن الأرض، فإنّ الثاني إنّما ملك الأشجار بوصف أنّها أشجار ولم يتملك الأخشاب، والأشجار بعد قلعها أخشاب، وبالجملة ليس لمالك الأرض قلعها أبداً، ونظيره ما إذا باع الأرض لشخص والأشجار من شخص آخر.
ومنها أيضاً : ملك الزوجة وإرثها من المثبتات في الأرض كالشجر والبناء فإنّ الورثة ليس لهم إلزامها بقلع حصتها من المثبتات، لأنّها إنّما ملكتها بم-ا ه-ي مثبتات وأبنية وأشجار لا بما هي أخشاب وأحجار ونحوهما، ووجهه، ووجهه أن الملكية محدودة من الابتداء وليست ملكية مطلقة حتى تقتضي جواز قلع أشجار المالك الثاني لما عرفت من أنّه إنّما ملك الأرض المشغولة بالأشجار، وهذه الصورة أيضاً ممّا لا إشكال فيها من حيث عدم جواز إلزام مالك الأرض لمالك الشجر والبناء بقلعهما، وذلك ظاهر.
وإنما الكلام في القسم الثالث وأنّه إذا اشترى أو باع أحد شيئاً وفرضنا الثمن أرضاً وكانت المعاملة غبنية من طرف البائع وقد تصرف الغابن في الأرض بغرس الأشجار وبناء الأبنية ونحوهما، فهل يلحق بالقسم الأول وأن المالك يتمكن من إلزام الغابن بتخلية أرضه وقلع شجره وملكه غير محدود، أو أنّه ملحق بالقسم الثاني وأنّ المالك ليس له قلع أشجار الغابن وتخريب أبنيته وأنّ الملكية فيه محدودة وليست مطلقة.
والوجه في ذلك : أنّ الغابن هل بتصرّفه ذلك قد استوفى منفعة الأرض م--ا دامت مشغولة بالأشجار والبناء نظير ما إذا آجرها من مستأجر حيث سبق أن الغابن حينئذ قد استوفى بذلك منفعة الأرض إلى منتهى مدة الاجارة، وعليه فليس للمالك قلع تلك الأشجار كما ليس له إبطال الاجارة لأنّها استيفاء للمنافع، وغاية الأمر أن الغابن يغرم للمغبون أجرة مثل المنافع التي استوفاها من أرضه، أو أن ذلك ليس من باب الاستيفاء ولا يقاس بالاجارة، لأن ملكية المنافع أمر اعتباري يمكن أن نعتبر أحداً مالكاً لمنافع عشر سنوات مستقبلات، وأما في المقام فهو استيفاء خارجي وتصرّف في الملك وإنما يكون ذلك من باب الاستيفاء فيها إذا قلنا بعدم جواز قلع المالك وهو أوّل الكلام فكيف يقاس أحدهما بالآخر، بل للمالك أن يستلم ملكه ويطالبه بتفريغ ملكه عمّا أحدثه فيه، هذا.
والتحقيق هو الوجه الثاني وأنّ المالك له إلزام الغابن بتفريغ ملكه عن شجره وبنايته، لأن ملكه قبل ذلك لم يكن مشغولاً بتلك الأمور والملكية مطلقة غ-ي-ر محدودة، والفسخ ليس إلّا إرجاع الملك السابق على ما هو عليه، فليس لأحد منع المالك عن ذلك ولعله ظاهر، وقد عرفت الفرق بينه وبين الاجارة، هذا.
ثم إنّه هل يجب على المغبون ردّ أرش الشجر المقلوع إلى الغابن لتفاوت قيمته
مع قيمة الشجر حال كونه منصوباً على الأرض كما ذهب إليه في المسالك (1)وقواه بعضهم ومنهم شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه) (2)أو ليس على المغبون شيء ؟ الظاهر هو الثاني، خلافاً لما ذهب إليه في المسالك، وذلك لأنّه يجب على الغابن ردّ المال إلى مالكه كما أخذه منه، وحيث إنّ الأرض حينما أخذها الغابن لم تكن مشغولة بالشجر وغيره فيجب على الغابن تفريغ أرض المغبون عمّا أحدثه فيها، ولا يجب في ذلك أرش أو غرامة على المغبون.
وكيف كان، فلا موهم لوجوب الأرش على المغبون إلّا أمران : أحدهما دليل نفي الضرر حيث إنّ الغابن يتضرر بقلع أشجاره بلا أرش. وثانيها : احترام مال المسلم فإنّ ذلك يقتضي حرمة الأشجار والبناء لأنّهما من أموال الغابن فكيف يسوغ قلعها وهدمها بعد صحة تلك التصرفات في حد نفسها، فإنّها صدرت من أهلها ووقعت في محلّها، فهي محترمة لا محالة واحترامها يمنع عن جواز قلعها وهدمها بلا أرش، وسيأتي الجواب عن هذين الوجهين بعد توضيح لما تقدّم فنقول :
إنّ الأقوال في المسألة ثلاثة :
أحدها : أنّ مالك الأرض مسلّط على القلع بلا أرش واختاره العلّامة في المختلف (3).
وثانيها : عدم تسلّطه على القلع مع الأرش ولا بدونه، وهذا منسوب إلى المشهور.
وثالثها : تسلّطه عليه مع الأرش كما ذهب إليه في المسالك.
أما ما ذهب إليه المشهور فلعل الوجه فيه أنّ الغابن بغرسه قد استوفى منفعة الأرض ما دام غرسه باقياً نظير ما إذا آجرها قبل فسخ المغبون فلا يتمكن المغبون من إبطال الاجارة ولا من قلع الأشجار المنصوبة على الأرض، نعم يجب على الغارس دفع أجرة المثل للمالك كما ذكرناه فيها إذا آجرها الغابن قبل فسخ المغبون وذلك من جهة استيفائه منافع ملك الغير فيجب عليه الخروج عن عهدتها بدفع الأجرة.
وقد أجبنا عن ذلك : بأنّ المقام لا يقاس بباب الاجارة من أجل أن تمليك المنافع أمر اعتباري يمكن أن يملك الغابن أحداً منافع خمسة سنوات قبل فسخ المغبون، وأمّا الغرس فليس ذلك استيفاء للمنافع استيفاء ما دام الغرس وإنما ه-و تصرف في الأرض، فللمالك أن يقلعه، وإنما يكون ذلك استيفاء فيما إذا أثبتنا عدم جواز قلعه على المالك، وهذا كما ترى لا يثبت بمجرد الغرس لأنّه أوّل الكلام وعليه فلا يبقى لما ذهب إليه المشهور وجه، لأنّ المالك إنّما يستحق الأرض الخالية عن الشجر فإذا رآها مشغولة به فله أن يقلعه، هذا.
وأما القول الثالث أعني تسلّطه عليه مع الأرش، فالوجه فيه أن الغارس إنّما يملك الشجر المنصوب على الأرض، وهذا يمنع عن قلع شجره، لأن المقلوع ه-و الحطب وليس بشجر، فلا يصح قلعه لأنّه موجب لتضرّر الغارس، وليس المقام من قبيل وضع الغارس أو غيره متاعه في مكان حتى يصح لمالك المكان تخلية ملكه لأنّ المتاع الموضوع في المكان بعينه هو المتاع الموضوع في مكان آخر بعد تخلية المكان الأول منها ولا يوجب هذا نقصاً وتبديلاً في المتاع وإن اختلفت قيمتها بحسب المكانين، وهذا بخلاف المقام حيث إنّ ملكه قبل قلعه شجر وبعده ينقلب حطباً، وكيف كان فقلع شجر الغابن بلا ردّ الأرش إليه ضرر، كما أن الغابن إذا قلعه بنفسه يجب عليه طمّ حفره حتى لا يتضرّر المالك بذلك.
وبالجملة : أنّ الدليل على وجوب ردّ الأرش أمران : أحدهما دليل لا ضرر لتضرّر الغارس بقلع أشجاره بلا ردّ أرشها. وثانيها : قاعدة الاحترام التي أشار إليها شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه) حيث إنّ مال المسلم كدمه فكيف يذهب هدراً بقلعه وقلبه من الشجر إلى الحطب.
أما الجواب عن الوجه الأول فيمكن بوجوه : منها أن قلع شجر الغارس بعد الفسخ ليس ضرراً عليه بل هو منع عن المنفعة العائدة إليه ببقاء شجره على أرض المالك بأن يقال إنّه إنّما ملك نصب الشجر على الأرض مدة خمسة سنوات أو أقل أو أكثر إلى أن يفسخ المالك، ولم يملك نصبه إلى الأبد.
وبعبارة أخرى : أن ملكه لألف درهم أعني قيمة الشجر حال كونه منصوباً على الأرض ملكية محدودة وموقتة بوقت الفسخ، وليس ملكاً أبدياً حتى يتضرّر بقلع الشجر بعد الفسخ وصيرورة قيمته خمسمائة درهم، بل إنّما كان مالكاً للألف إلى هذا الزمان ملكاً محدوداً، وكان مقتضى ملكيته قاصراً عن الشمول إلى زمان بعد الفسخ، وعليه فقلع شجره لا يوجب نقصاً في ملكه نقصاً في ملكه وماله بل به ينتهي أمد ملكه. نعم لو أبقى الشجر على مكانه يترتّب عليه نفع زائد فيكون القلع مانعاً عن النفع لا موجباً للضرر، إذ الضرر هو النقص في المال أو في النفس أو في العرض ولا نقص في شيء من الثلاثة في المقام. أمّا الثانيان فواضح، وأمّا الأول فلما مرّ من أن ملكية الألف محدودة إلى زمان الفسخ، فلا ملكية له بعده حتى يوجب القلع نقصاً في-ه وهذا ظاهر.
وأضف إلى ذلك : أنا لو سلّمنا أنّ القلع ضرر على الغارس فهل يكون دليل الضرر موجباً لتضرّر أحد لأجل دفع الضرر عن شخص آخر، ولأجل عدم تضرّر الغارس يلقى المالك في ضرر دفع الأرش حتى يرتفع به ضرر الغارس، فما تقصير المالك ولماذا أغرم الأرش مع أنّه مالك للأرض وأراد فسخه وله مطالبة
ملكه كما أعطاه وهو الملك الخالي عن الشجر، مع وضوح أن دليل لا ضرر لا يتكفّل لأمثال ذلك وهو ظاهر، وسيأتي عن ذلك جواب ثالث سنذكره بعد أجوبة الدليل الثاني لاشتراكهما من ناحية ذلك الجواب.
وأما الجواب عن قاعدة الاحترام فهو أنّ غاية ما يقتضي قاعدة احترام مال المسلم عدم جواز إتلافه وعدم جواز التصرّف فيه وعدم ذهاب ماله هدراً، ومن هنا التزمنا بضمان من أتلف مال غيره ناسياً أو غافلاً لأنّه مال محترم فيجب تداركه ولكن القاعدة لا تقتضي حرمة قلع الشجر المنصوب على ملك الغير والمفروض أنّ الملك راجع إلى المغبون وليس للغارس نصب الشجر في ملكه وله قلع ذلك، اللّهمّ إلّا أن يكون له حق الابقاء وهو مفروض العدم، وإلّا فلو كان له ذلك الحق فلماذا جاز قلعه مع الأرش.
فالمتحصّل : أنّ شيئاً من القاعدتين لا يقتضي الأرش، إذ لو اقتضيا الأرش في المقام لتوجه عليهما جواب ثالث وهو النقض بما إذا غرس أحد في ملك الآخر شجراً نسياناً أو جهلاً أو غفلة بحيث لم يصدق عليه عنوان الغاصب، أو فرضنا أنّه اعتمد على اليد فاشترى منها فغرس فيها شجراً ثمّ تبين أنّه ملك الغير، أليس للمالك قلع هذه الأشجار حينئذ، أفتقتضي القاعدتان وجوب الأرش على المالك لاحترام مال المسلم وتضرّره، كلا ثمّ كلا، والوجه في ذلك أنّ قاعدة احترام مال المسلم لا تقتضي عدم جواز قلع الشجر فيما إذا غرس في ملك الغير.
وعليه فالصحيح هو الوجه الأول وملخصه : أن المالك متسلّط على قلع الشجر أو هدم البناء بلا وجوب أرش عليه، هذا كلّه في الجواب عن الوجهين السابقين أعني قاعدتي الاحترام ونفي الضرر.
وهناك وجه ثالث يستفاد من كلام شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (1)وهو أنّ مالك الغرس لا يستحق على مالك الأرض البقاء كما لا يستحق مالك الأرض على مالك الغرس أجرة أو حقاً آخر، إذ الغارس إنّما يملك الشجر المنصوب بم-ا أن-ه منصوب، كما أنّ مالك الأرض يستحق الأرض لا غيره، ولكل واحد منهما تخليص ملکه عن ملك الآخر، وليس لمالك الأرض منع الغارس عن قلع شجره، لأنّه ملكه وله أن يتصرف فيه بتبديلها خشباً ولو كان متعلّق ملكه هو الشجر بوصف أن-ه منصوب إلّا أنّه حقه، وليس للمالك منعه عنه، كما أنّ مالك الغرس لا يتمكن من منع المالك عن مطالبة ملكه الخالي عن الشجر ولكل منهما مطالبة ملكه، فإن تصدّى مالك الغرس لتخليص شجره عن ملك مالك الأرض فعليه طمّ أرض المالك، كما أنّ المالك إذا تصدّى لقلع شجر الغارس وتخليص ملكه فعليه أرش الشجر، فإنّ الغارس كما عرفت إنّما يملك الشجر بوصف الشجرية والنصب، والشجر المقلوع حطب وليس بشجر، فتبديل الشجر حطباً يوجب الضمان، هذا ملخص ما أفاده عدة في المقام.
ويرد عليه : أنّ النقص وإن كان يتوجّه على مالك الغ-رس بقلع الشجر وتبديله إلى الحطب لا محالة إلّا أنّه أمر غير راجع إلى مالك الأرض، فإنّ المالك إنّما يطالب الغارس بملكه كما أخذه، ودفع ملكه إليه بما هو ملكه أعني الملك الخالي عن الشجر يستدعي قلع شجر الغارس، فهو أمر غير مربوط بالمالك أبداً وإلّا للزم الحكم بالضمان فيما إذا غرس أحد في أرض غيره نسياناً وغفلة أو اعتماداً على قاعدة يد أو استصحاب ثمّ ظهر خلافه، فإنّ مالك الأرض يطالب أرضه من الغارس ولا يتوجه عليه ضمان تبديل الشجر خشباً، وعليه فالصحيح ما أفاده العلّامة (قدس
1) المكاسب 5 : 197.
سره) في المختلف من أن المالك له قلع ما غرسه الغابن بلا توجّه أرش عليه.
بقي الكلام فيما ذكره صاحب المسالك (1)من التفصيل بين الغرس والزرع حيث حكم في الزرع بابقائه مع الأجرة دون الغرس وقد علّله بأنّ للزرع أمداً ينتظر بخلاف الغرس فلا يكون إبقاؤه مع الأجرة ضرراً على مالك الأرض بخلاف الغرس، هذا.
فإن أراد (قدّس سرّه) التفصيل بينها من حيث إن للزرع أمداً ولا أمد للغرس، ففيه : أنّ الغرس ليس من الأمور التي لا أمد لها، بل له أيضاً أمد معيّن ويقولون إن أطول الأشجار عمراً هو النخيل فإنّه يبقى مائة عام وغيره كذا مقدار فلا يبقى فرق بينهما إلّا من جهة قصر المدة في الزرع، لأنّ غاية أمده ثلاثة أشهر أو ستة وطولها في الشجر، فإن أراد الفرق بينهما بذلك أي بقلة المدة وبطولها، فيدفعه : أنّه لا فرق بين طولها وقصرها، فإنّ الوجه في جواز قلع المالك عدم حق الابقاء للغارس وهذا كما ترى لا يفرّق بين قصر المدة وطولها، إذ للمالك في كليهما مطالبة الغارس بأرضه كما أخذ، ولا يجوز التصرف في ملك الآخر بدعوى أن التصرف فيه مع الأجرة لا يوجب ضرراً على المالك، إذ لو تمت هذه الدعوى لجاز التصرف في ملك الغير بزرعه ونحوه ولو على وجه الغصب، فإنّ دفع الأجرة إليه يمنع عن الضرر، وغاية الأمر أنّه قد ارتكب محرّماً أيضاً، مع أن هذا ممّا لا يرضى به أحد.
وكيف كان فلا فرق بينهما أي بين الغرس والزرع إلّا ما ذكره شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه) (2)في توجيه كلام صاحب المسالك من أن الأرض المعدة للزرع لا يكون بقاء الزرع فيها موجباً لتضرر المالك مع دفع الأجرة إلى المالك، وهذا بخلاف
بقاء الأشجار فإنّه يوجب الضرر على المالك لا محالة.
وهذا الفرق كلام صوري لا أساس له لتأتيه في غير الزرع أيضاً فيقال إنّ الأرض المعدّة للغرس لا يكون بقاء الغرس فيها موجباً لتضرّر المالك مع دفع الأجرة إليه، فلا يمكن الاعتماد على أمثال ذلك، إذ التصرف في ملك الغير بغرسه أو بزرعه ينا في سلطنته المطلقة على ماله بحيث يتمكّن من غرسه أو زرعه أو غيرهما من التصرفات.
فالمتحصّل : أنّه لا فرق بين الغرس والزرع فيما ذكرناه أبداً.
بقي الفرق بين خياري الغبن والتفليس فهل يجري ما ذكرناه في المقام في خيار التفليس أيضاً أو أنّه يختص بخيار الغبن فقط ؟
ذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (1)أن ما ذكرناه في المقام لا يجري في خيار التفليس، وذلك للفرق بينهما من حيث إن حق المغبون في المقام كان متعلّقاً بالأرض قبل تلك التصرفات من الغرس والزرع ونحوهما، وأما في خيار التفليس فحق الغارس متقدّم وسابق على حق الفاسخ، لأنّ الخيار إنّما نشأ من الفلس وهو إنّما وجد بعد الغرس أو الزرع، فحق الغارس مقدّم على حق الفاسخ على عكس المقام، هذا.
ولا يخفى أن الوجه في جواز قلع المالك هو عدم حق الإبقاء للغارس، وهذا لا يفرّق فيه بين سبق حق المالك أو سبق حق الغارس، ولا أثر للتقدم والتأخر فيما إذا كان للمتأخر أثر، فإنّ الحق السابق حينئذ يتزاحم بالحق المتأخر بقاء وإن لم یکن متزاحماً معه حدوثاً، فالصحيح عدم الفرق بين الخيارين من هذه الجهة.
نعم، هناك كلام في أنّ من له الخيار في خيار التفليس هل يتمكن من الفسخ
1) المكاسب 5 : 197.
مع حدوث تلك التصرفات في المال كما يتمكّن منه في المقام أي في خيار الغبن، أو أن حدوث هذه التصرفات يمنع عن الفسخ كما يمنع عن رجوع الواهب في الهبة وهذا لأنّه بعد تصرف الموهوب له في المال لا حق للواهب في الرجوع لاشتراط بقاء المال بحاله في جواز الرجوع في الهبة، وفي خيار التفليس على خلاف وكلام حيث إنّه إذا كان المبيع قرطاساً مثلاً فكتب فيه المشتري دورة فقه أو أصول ثمّ عرضه الفلس، أو رجع الواهب في الهبة فهل ترى جواز أخذ الجزوات من المشتري أو الموهوب له حينئذ، وكيف كان فتفصيل الكلام في ذلك موكول إلى محله وهو باب التفليس.
ثم إنّه إذا قلنا بجواز القلع في هذه المقامات فهل يتصدّى المغبون ويباشر القلع بنفسه أو أنّه يطالب الغارس بذلك ؟ وحيث إن قاعدة الاتلاف لم يرد عليها مخصص في المقام فالظاهر عدم جواز المباشرة للمغبون لاستلزامه الضمان لأنّه إتلاف لمال الغير، والمفروض أنّه لم يوضع فيه على وجه الغصب حتى لا يبقى له احترام، وعليه فيطالب الغارس بملكه وأن يردّه إليه كما أخذه حسب القانون الدارج بين العقلاء، لأنّهم يرون لزوم ردّ ما أخذ كما أخذ، دون قاعدة اليد لضعف روايتها، فإن قلع غرسه ودفعه إليه فهو، وإلّا فيرجع إلى الحاكم فهو يلزم الغارس بالقلع أو يرخص المغبون بقلعه من باب ولايته.
وهذا نظير المسألة التي ذكرها شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) وه-ي م-ا لو دخلت أغصان شجر الجار إلى ملكه فإنّ القاعدة تقتضي الضمان فيما إذا أتلفها صاحب الملك لأنّها ملك الغير، فلابد من مطالبة مالك الشجر بذلك، وإلّا فيرفع أمره إلى الحاكم كما سبق تفصيله، ولا فرق بينها وبين المقام، إذ لا يفرق فيما ذكرناه بين دخول ملك الغير إلى ملكه باختياره أو بلا اختياره، إذ في كليهما يطالب المالك بتفريغ ملكه عن ملكه، نظير ما إذا دخل حماره إلى داره فإنّ المكلف بالإخراج هو
مالك الحمار دون مالك الدار فلا تغفل. هذا تمام الكلام في مسألة تصرف الغابن في المال بالغرس ونحوه.
بقي الكلام في أنّ الغارس الغابن إذا أراد قلع شجره فهل لمالك الأرض الامتناع ومنعه لاستلزام القلع نقص ملكه بالحفر، أو لا يجوز للمالك منعه ع-ن تخلیص ملکه ؟ ذکر شيخنا الأنصاري (1)فيه وجهين، ولم أفهم لتردّده (قدّس سرّه) في المسألة (كما هو ظاهر قوله فيه وجهان) وجها بعد تصريحه قبل ذلك بأسطر بأنّ كل واحد من المالكين يتمكن من تخليص ملكه عن ملك الآخر وليس لأحدهما منع الآخر عنه، فتردّده في المقام مع ما صرّح به قبل ذلك بم-ا ع-رفت متناقض ومتناف، إذ مقتضى عدم تسلّط المالكين على منع الآخر عن إفراز ملكه عدم جواز المنع عن القلع، وغاية الأمر أنّ القلع إذا استلزم نقصاً في ملك المالك بحفره فعليه تدارك الضرر لأنّه نشأ من قبله، وأمّا منع الغارس عن القلع فلا وجه له بوجه، إذ لا يجب على الغابن بعد الفسخ إلّا ردّ مال الغير إليه، وأما ردّه مع إضافة الغرس فلا مقتضي له أبداً، هذا كلّه فيما إذا كان التغيير بالزيادة العينية.
وأما إذا كان التغيير بالامتزاج فقد ذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (2)أنّ المال الممتزج تارةً ينعدم بالامتزاج ويستهلك في المال الآخر وهذا كما في الملح أو الفلفل في الطعام أو الزيت فيه، وكماء الورد الممتزج مع الزيت أو العطر المختلط به أي بالزيت، فإنّ الممتزج في الأمثلة مستهلك في المال الآخر ولا وجود له بعد الامتزاج عرفاً، وفي هذه الصورة لا تحصل بينها الشركة، لأنّه في حكم التالف فيرجع فيه إلى قيمته.
وأخرى لا يستهلك الممتزج في الآخر ولا يعد تالفاً، وهذا تارةً من قبيل امتزاج الجنس بجنسه وأخرى من امتزاج الجنس بغير جنسه، أما إذا امتزج بغير جنسه نظير العسل الممتزج مع الخل فيحتمل فيه الشركة كما يحتمل التحاقه بالصورة المتقدّمة وصيرورته كالمعدوم لتغيّر حقيقته. وأما إذا امتزج بجنسه فإن كان الجنسان متساويين فلا محالة تثبت فيه الشركة بين المالكين، وكذلك الحال فيها إذا كان أحدهما أردأ من الآخر فإنّهما يشتركان، إلّا أنّ الكلام حينئذ في أن مالك الأجود يستحق أرش النقص أو تفاوت الرداءة من الجنس أو من ثمنه، واحتمل فيه وجوهاً.
وأمّا إذا امتزج بما هو أجود منه فاحتمل (قدّس سرّه) فيه الشركة في المالية كما احتمل الشركة في نفس المالين، هذه خلاصة ما أفاده في المقام.
وما ذكره بطوله مناقض لما أفاده في مسألة تصرف المغبون في المال وحصول الامتزاج بفعله، فإنّه ذهب هناك إلى أنّ الامتزاج يلحق بالتلف، وقد قوّيناه فيما أفاده وقلنا إنّ مقتضى قانون الفسخ رجوع كلّ من المالين إلى مالكها لا رجوع مقدار من المالين ومقدار آخر من مال شخص آخر إليه، فإنّ أحد المالين إذا امتزج بمال وحصلت الشركة بينهما بالامتزاج فلا يمكن ردّ نفس ذلك المال إلى مالكه الأوّل ونفرضه الغابن مثلاً، بل إذا رددنا مقداراً من المال المشترك إلى الغابن حينئذ فقد دفعنا إليه مقداراً من ماله ومقداراً من مال نفس المغبون الممتزج بمال الغابن على الفرض، وهذا ممّا لا يقتضيه قانون الفسخ، ولذا قلنا برجوع المغبون أو الغابن إلى القيمة حينئذ، لأنّ المال حينئذ في حكم التالف، فراجع.
وعليه فمقتضى ما أفاده هناك أن يحكم في المقام بأن جميع صور الامتزاج كصورة التلف فيرجع فيها إلى القيمة لا محالة، وكيف كان فكلامه في المقامين متناقض، إذ لا يفرق في إلحاق الامتزاج بالتلف بين الامتزاج الحاصل بتصرف
المغبون والامتزاج الناشئ بتصرف الغابن، فإنّ حكم الامتزاج حكم التلف مطلقاً فيرجع فيه إلى القيمة.
نعم، يستثنى من ذلك صورة واحدة وهي ما إذا امتزج أحدهما بالآخر وصار مستهلكاً ومنعدماً فيه فإنّ مثل هذا الامتزاج لا يوجب الاشتراك قطعاً ومثله لا يمنع عن رجوع مالكه إليه بالفسخ، إذ المانع عن الرجوع كان هو الشركة وقد عرفت أنّها لا تحصل في المقام، ولا تتغيّر العين عمّا كانت عليه، سواء أوجب زيادة قيمة المال المستهلك فيه كما إذا مزج عطر شخص في زيته ليستحسن ريح-ه وتترقى قيمته، أم لم يوجب زيادة أيضاً كما إذا امتزج كوز من ماء حلو في حوض من ماء مرّ، وهذه الصورة كما نستثنيها في المقام نستثنيها فيما إذا حصل المزج بتصرف المغبون فإنّه أيضاً لا يمنع من الفسخ، لعدم استيجابه الاشتراك ولا تغيّراً مانعاً عن رجوع المال إلى مالكه، وعليه فلا وجه لما أفاده (قدّس سرّه) في المقام هذا.
إلا أنّه لا بأس بالتكلّم في أحكام المزج وأقسامه في المقام تبعاً لشيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) وإن كان خارجاً عن محل الكلام.
فنقول : الامتزاج تارةً على نحو الاستهلاك والانعدام كما إذا امتزج مقدار من الماء الحلو في حوض من الماء المرّ واستهلك فيه وانعدم، وهذا القسم من الامتزاج لا يوجب الاشتراك بل هو من باب التلف، فلا يصير مالك الماء الحلو شريكاً لمالك الماء المرّ بوجه، كما ليس له مطالبته بشيء، لأن الامتزاج حصل بنفسه ووقع الكوز في الحوض بلا استناده إلى أحد.
وهذا من دون فرق بين زيادة قيمة المال المستهلك فيه بالامتزاج كما إذا امتزج عطر أحد في زيت مالك آخر وترقت قيمة الزيت لطيب رائحته، وبين عدمها كما في المثال السابق، وفي كلتا الصورتين لا يستحق مالك المال المستهلك
على الآخر شيئاً لتلف ماله بنفسه.
وأمّا إذا كان المزج بفعل مالك المال المستهلك فيه، فإن كان يده على المال المنعدم يد ضمان فلا إشكال في وجوب ردّ بدله عليه لإتلافه والفرض أن يده ي--د ضمان، وأمّا إذا لم يكن يده على وجه الضمان كما إذا كان عنده أمانة وامتزجا بغير إفراط منه فلا يجب عليه تداركه، وهذا ظاهر.
وأخرى يكون الامتزاج موجباً لتلف كلا الممتزجين بحسب الصورة وحصول صورة ثالثة، وهذا كما إذا امتزج الترياك مع البرش والزعفران وحصل منه معجون البرش المتداول في سابق الزمان وكان يستعمله الشباب غالباً ونحن أدركناه، فإنّ المزج بينها يوجب انعدام كل من الأجزاء المذكورة ويحدث صورة ثالثة، ولعلّه من هذا القبيل مزج العسل بالخل لانعدام-ه-ا وحصول السكنجبين وهو شيء آخر، ومن ذلك أيضاً مزج الماء والورد لاستحصال العرق منها ويسمّى بعرق الورد، فإنّه ليس بماء ولذا منعنا عن التوضؤ به كما أنّه ليس بورد وهو طبيعة ثالثة، ففي أمثال هذه الموارد يحصل الاشتراك بين المالين لا محالة، لأنّ خصوصيات المالين وإن زالت وانعدمت بالامتزاج إلّا أنّ هذه الهيئة الحاصلة بالفعل أعني الصورة الثالثة تابعة في الملكية لمادتها وهي مشتركة بين المالكين، إلّا أنّ الاشتراك حينئذ اشتراك في المالية لا في نفس المالين، إذ لم يبق من المالين عين وانعدما بالامتزاج، فلا وجه لاشتراكهما في المعدومين وإنما يشتركان في المالية، فإذا فرضنا أن قيمة أحدهما كالخل نصف قيمة الآخر كالسكر مثلاً وكان السكّر منّاً والخلّ منّين فالمال بينهما بالسوية، كما أن كل واحد منهما إذا كان مناً واحداً فالمال بينهما بالثلث والثلثين، فثلثان منه لمالك السكّر وثلث منه لمالك الخل لأنّه مقتضى مالية المالين، إذ المفروض أنّ مالية السكر ضعف مالية الخل ومعه لا معنى لتساويها في المال الحاصل منهما.
وثالثة لا يوجب الامتزاج تلف شيء من الممتزجين، بل المالان على حالها إلّا أنّها امتزجا كما إذا امتزج أحد المتجانسين بالآخر، فإنّ هذا الامتزاج لا يوجب تلف شيء منها ولكنّه يوجب الاشتراك، وبما أنّ المالين موجودان بنفسها فلا مجال للشركة في المالية، بل يشتركان في نفس المال المشترك، والوجه في ذلك : أنّ الفائت بالامتزاج ليس إلّا الخصوصية الشخصية دون أصل المال، ولا يقاس هذه الصورة بالصورة المتقدّمة أعني مثل مزج العسل بالخل الموجب لتلف المالين وانقلابهما إلى شيء ثالث، ومع بقاء المالين في المقام لا وجه للاشتراك في المالية بل يشتركان في نفس المال. هذا فيما إذا كان المالان الممتزجان متساويين من حيث الجودة والرداءة، فإذا كان أحدهما مناً والآخر منّين فيكون المال مشتركاً بينهما أثلاثاً، فثلث منه لمالك المنّ وثلثان منه لمالك المنّين، كما أن كل واحد منهما إذا كان مناً واحداً فالمال بينهما نصفين.
وأما إذا اختلف المالان من حيث الرداءة والجودة وكان أحدهما جيّداً والآخر رديئاً، فقد قسمه شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (1)إلى قسمين : فتارةً فرض الجيد ملكاً للمغبون والرديء ملكاً للغابن، وأخرى عكسه وفرض ك-ون ملك المغبون رديئاً وملك الغابن جيّداً، وإن لم يكن بينهما فرق على ما ذكرناه سابقاً من أنّ حكم الامتزاج هو حكم التلف، وليس لما أفاده شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) في المقام وجه إلّا أنّه فرضه كذلك، واحتمل في القسم الأول وهو ما كان الجيد ملكاً للمغبون احتمالات ثلاثة :
أحدها : أن يكون المغبون مستحقاً لأرش النقص الوارد على ماله بامتزاج مال الغابن به فيطالب الغابن بالأرش.
1) المكاسب 5 : 199.
وثانيها : أنّه يستحق التفاوت بين الجيد والرديء بأن يأخذ تفاوت الرداءة من نفس المال الممتزج كما إذا كان تفاوت الرداءة نصف من فيأخذ المغبون مقدار ماله مضافاً إلى نصف من آخر من المال المشترك.
وثالثها : أن يستحق تفاوت الرداءة من الثمن لا من نفس المال المشترك كما إذا كان تفاوتهما بمقدار درهم فيأخذ الدرهم من ثمن المال المشترك.
وأمّا في القسم الثاني وهو ما إذا كان ملك الغابن جيّداً وملك المشتري رديئاً احتمل فيه أمرين :
أحدهما : أن يكون الغابن والمغبون مشتركين في الثمن لا في نفس المال ويعطى من الثمن لكل منهما بنسبة قيمة ماله
وثانيهما : أن يكونا مشتركين في نفس المال بنسبة قيمة مالها، فإذا كان الأجود يساوي قيمتي الرديء كان المال بينهما أثلاثاً، فثلثه لصاحب الرديء وثلثاه لمالك الجيّد، هذا.
وقد اختار شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه) (1)من بين المحتملات الاحتمال الأول وأفاد أن امتزاج الجيد بالرديء يوجب الشركة في المال بنسبته، فإذا كان الجيد مناً والرديء منين فالمال بينهما أثلاثاً، وذلك لأنّ الرديء إذا كان ملك المغبون وق--د مزجه الغاصب أو الغابن بجيّد فهو رزق رزقه اللّه إيّاه، لأن قيمة ماله يترقى بذلك وأمّا إذا انعكس وكان الجيّد ملكاً للمغبون والرديء ملكاً للغابن وقد مزج-ه ب-ه فيضمن الغابن أرش النقص الذي أورده على مال المغبون، ولكن المال مشترك بينهما ولصاحب المنّ منّ من المال المشترك ولصاحب المنّين منّان، وقد أفاد أن الاشتراك في المالية حينئذ مع عدم زوال الكمية عن المالين ممّا لا وجه له، لأنّ ما زال
1) منية الطالب 3: 154.
إنما هو خصوصية الجودة والرداءة أي الكيفية، وأما الكمية أعني من مالك الرديء أو مقدار من مالك الجيّد فهي بعد باقية، ومعه لا وجه لرفع اليد عنها والاشتراك في المالية، وعليه فلصاحب المنّ منّ من المشترك ولمالك المنّين منّان منه، وليس هذا نظير مزج العسل بالخل موجباً لتلف الكمّية أيضاً بحيث لا يمكنه تحصيل مقدار منه من المشترك، وقد عرفت أنّ مع بقائها أي الكمية لا وجه للرجوع إلى الشركة في المالية وإن تلفت الكيفية، هذا ملخص ما أفاده في المقام.
قلت : قد عرفت أن مسألة المزج والاشتراك غير مختصة بالغبن، بل قد سبق أنّها أجنبية عن الغابن والمغبون، وعليه فلابد من ملاحظة أن المزج مقتضاه ماذا وأن السيرة التي هي العمدة في حصول الشركة بالامتزاج هل تقتضي في امتزاج الجيد بالرديء الشركة في المال أو الشركة في المالية، ثمّ إنها هل تقتضي ضمان النقص الوارد على مالك الجيّد أو لا، بلا مدخلية الغابن والمغبون في ذلك.
فنقول : إذا فرضنا مالين متجانسين في مكان واحد لشخصين بلا وقوع معاملة بينهما وقد امتزج أحدهما بالآخر لا بواسطة فعل أحدهما بل بآفة سماوية كريح عاصف أو زلزلة (نعوذ بالله) أو بفعل حيوان من الحيوانات، فلا ينبغي الاشكال حينئذ في أنّه لا موجب لضمان النقص الوارد على مالك الجيد أبداً، إذ لم يصدر ذلك عن أحدهما وهو ظاهر، فالحكم بضمان النقص على أحدهما حينئذ بلا وجه، كما أنّه لا وجه لاشتراكهما في المال المشترك بنسبة مالها، بأن يطالب مالك المنّ منّاً من المشترك ومالك المنّين منين منه، لأنّ المالين قد امتزجا فمن منه مركب من جيد ورديء فكيف يأخذه مالك المنّ الرديء، فالاشتراك في المال بنسبة مالها ممّا لا مقتضي له.
بل الصحيح حينئذ أن يشتركا في المال لكن لا بنسبة مالها بل بنسبة قيمة مالها، فإذا كانت قيمة الأجود تساوي قيمتي الرديء وفرضنا كلاً منهما مناً فالمال
بينهما أثلاثاً، فثلث منه لمالك الرديء وثلثاه لمالك الجيّد كما هو نسبة قيمتها والغرض أنّ الامتزاج يقتضي الشركة في المال دائماً ولا موجب للشركة في المالية والثمن، إلّا أنّ الاشتراك فيه بنسبة ماليتهما، فإذا كان مالية أحدهما أكثر من مالية الآخر بالضعف فلا محالة يشتركان في نفس المال أثلاثاً كما تقدم، وهذا تارةً يوجب وصول أكثر من من واحد لمالك المنّ، وأخرى يوجب وصول أقل من مقدار ماله.
ومن هنا يظهر أنّه مع بقاء نفس المالين لا وجه للاشتراك في الثمن بأن يباع المال ويقسّم ثمنه، فإنّ الاشتراك فيه من أجل اشتراكهما في نفس المال فيشتركان فيه بلا موجب للبيع، هذا كله فيها إذا لم يستند الامتزاج إلى أحد.
وأمّا إذا استند إلى أحد المالكين أو إلى ثالث، فإن لم يحصل بذلك نقص في قيمة المجموع عن قيمة الجميع كما إذا كان أحدهما يسوى مائة فلساً والآخر خمسين فلساً ومجموعهما يسوى بمائة وخمسين فلساً فلا كلام، وأما إذا حصل بالمزج نقص عن قيمة الجميع كما إذا مزج أرزاً يسوى كيلو منه مائة فلس كارز رشت بأرز آخر يسوى كيلو منه عشرين فلساً ومجموعهما لا يشترى بمائة وعشرين وإنما يسوى بثمانين لأجل زوال وصف الخلوص عن أرز رشت وصيرورته مخلوطاً بالأجزاء الصغار، فلا إشكال في ضمان النقص على من استند إليه المزج، فإن كان مستنداً إلى ثالث فيضمن النقص لكل من المالكين بنسبة حصته، وإذا كان مستنداً إلى أحدهما فبالإضافة إلى حصة نفسه يتلف ويضمن حصة المالك الثاني، هذا كله فيما إذا امتزج أحد المتجانسين بالآخر، والمتحصّل أن أحدهما إذا كان جيداً والآخر رديئاً يشتركان في نفس المال المشترك بنسبة مالية مالهما.
ويبقي الكلام فيما ذكره الشيخ الطوسي (قدّس سرّه) (1)من أن الاشتراك في المال
1) المبسوط 2 : 263.
بنسبة المالية يستلزم الربا لما أشرنا إليه من أنّه ربما يصل إلى مالك المنّ أكثر من من واحد وهو ربا.
والجواب عن ذلك : أنّ الربا عبارة عن إعطاء الناقص في مقابل الزائد أو مبادلة الزائد بالناقص، وهذا إنّما يتحقق فيما إذا كانت المبادلة والمعاوضة اختيارية للمالكين، وفي المقام لا مبادلة اختيارية بين الجنسين المتجانسين، وحرمة الربا تختص بالبيع وما يلحقه، وعلى تقدير التعدّي إلى كل معاوضة فلا محالة تختص بالمعاوضة الاختيارية، وقد عرفت أن المبادلة في المقام قهرية حصلت بحكم الشارع بعد الامتزاج حتى أنّ المالكين إذا صرحا بعدم رضاهما بذلك التبديل لا يصغى إليهما، لرضا اللّه تعالى بتلك المعاوضة فهي قهرية لا معنى للحرمة فيها، هذا كله في المتجانسين.
ومنه يظهر الكلام في امتزاج جنس بغير جنسه بلا استهلاك أحدهما في الآخر كما في الصورة الأولى ولا تلف المالين معاً وانقلابهما إلى صورة نوعية ثالثة كما في الصورة الثانية، ولا مع بقائهما وكونهما من جنس واحد كما في الصورة الثالثة وهذا كما إذا امتزج دقيق الأرز بدقيق الحنطة أو بدقيق الحمص أو العدس، فإنّ حكم هذه الصورة بعينها حكم الصورة الثالثة، إذ لا فرق بينهما إلّا في أن المالين الممتزجين من جنس واحد في الصورة الثالثة ومن جنسين متغايرين في هذه الصورة، وعليه فإذا لم يكن المزج مستنداً إلى أحد فلا ضمان للنقص الوارد على مالكي المالين.
وأمّا إذا كان مستنداً إلى أحد فإن كان مستنداً إلى فعل ثالث غير المتبادلين فيضمن النقص للمالكين، وإن كان مستنداً إلى فعل أحدهما فبالإضافة إلى حصة نفسه يكون تالفاً ويجب عليه دفع حصة المالك الآخر إليه، هذا كله فيما إذا حصل بالامتزاج نقص على مجموع المالين عن قيمة الجميع، وإلّا فلا ضمان، وقد عرفت
أن المالكين يشتركان في المال بنسبة مالية مالهما كما تقدّم في صورة امتزاج أح--د المتجانسين بالآخر، هذا تمام الكلام في الامتزاج وإنما تعرّضنا لحكمه بالمناسبة تبعاً لشيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) إلّا أنك عرفت أنّ الامتزاج في حكم التلف كما صرّح به هو (قدّس سرّه) فيما إذا حصل المزج بتصرف المغبون، وأن بين ما أفاده في المقام وما ذكره هناك تهافتاً ظاهراً، نعم الامتزاج الذي هو في حكم التلف لا يوجب سقوط الخيار لأنّه لا يسقط بالتلف الحقيقي فكيف بالامتزاج.
ذكر شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه) (1)أنّ الوجه والمناسبة في التعرّض إلى حكم تلف العوضين في خيار الغبن هو أنّهم لما ذكروا في المقام سقوط الخيار بتصرف المغبون في المال كان هذا موهماً لسقوط الخيار عند تلف المالين بطريق أولى، لأن المال عند تصرف المغبون باقٍ حقيقة ولكنّه حيث تصرف فيه المغبون حكمنا بسقوط الخيار به، فإذا تلفت العين حقيقة يكون الخيار ساقطاً بذلك بطريق أولى فلأجل ذلك تعرّضوا لتلك المسألة في المقام وأرادوا أن يبينوا الفارق بين التلف وتصرف المغبون، وإلّا فالأنسب أن يذكر ذلك في أحكام الخيار.
وكيف كان، التلف في المقام يتصوّر على أقسام : فإنّه تارةً لا يستند إلى أحد وإنما يتلف بآفة سماوية، وأخرى يستند إلى فعل أحد المتعاملين، وثالثة إلى فعل الأجنبي، وهذا من دون فرق بين تلف المال المنتقل إليه والمال المنتقل عنه، فإنّ حكمهما من باب واحد، هذا.
1) منية الطالب 3: 156.
وقد قسّم شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (1)في المقام تقسيماً آخر حيث فرض الصور الثلاث المتقدّمة فيما وصل إلى المغبون وهو المال المنتقل إلي-ه ت-ارةً وفرضها فيما وصل إلى الغابن وهو المال المنتقل عنه عنه أخرى.
وأورد عليه شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه) بأنّ هذا التقسيم ممّا لا يترتّب عليه أثر، لأنّ تلف المال المنتقل إليه أو المنتقل عنه حكمه حكم الآخر ولا فرق بينهما في الحكم بوجه.
وهذا هو الصحيح لأنّهما من وادٍ واحد لا يختلف حكمها.
وعلى أي حال إذا قلنا بتعلّق حق الخيار بالعين كما يظهر ذلك من بعض كلمات العلّامة (قدّس سرّه) (2)عند تعليله لسقوط الخيار بأنّ العين تلفت ومعه لا يمكن التراد نظير الهبة من العقود الجائزة لاشتراط جواز الرجوع فيها ببقاء نفس العين، وكجواز الرجوع في المعاطاة حيث إنّ الجواز فيها بمعنى تراد العينين، كان لتوهم سقوط خيار الغبن بتلف المالين وجه، لاستحالة التراد حينئذ كما في المعاطاة وخصوص الهبة من من العقود الجائزة.
وأما إذا قلنا بتعلّق حق الخيار بالعقد لأنّه بمعنى ملك فسخ العقد و من آثاره تراد العينين على تقدير بقائها لا أنّ الخيار معناه التراد، فلا وجه لسقوط الخيار في المقام بتلف المالين، وهذا ظاهر.
وعليه فيقع الكلام في مسائل :
المسألة الأولى : فيما إذا تلف أحد المالين بآفة سماوية أو أتلفه من في يده كما إذا أتلف المغبون ما في يده. ثمّ التلف والاتلاف قد يكون قبل الفسخ وقد يكون
بعده، وعلى كل تقدير فالمال مضمون على من أتلفه أو تلف في يده، فإن كان هو المغبون كان هو الضامن، إذ بالفسخ تنحل المعاملة ويرجع كل مال إلى مالكه إن كان موجوداً وإلّا فلابد من دفع بدله، ويد المغبون فيما إذا كان التلف بعد الفسخ ليست يداً أمانية وإنما هي يد ضمانية، لأنّ الغابن لم يدفعه إليه للحفظ والأمانة وإنما دفعه إليه في مقابل ماله، فالتلف في هذه الصورة مضمّن ولا إشكال فيه، لأنّه نظير غيره من موارد تلف مال أحد عند غيره وكون يده ضمانية.
وإنما الكلام في أنّه يضمن للغابن قيمة المال يوم التلف أو قيمته يوم الفسخ أو قيمته يوم الأداء ؟
أمّا احتمال وجوب دفع أعلى القيم من يوم الفسخ إلى يوم الأداء فهو مقطوع العدم في المقام، لأنا لم نقل به في الغصب فكيف بالبيوع الفاسدة والمقام، والوجه في عدم اعتباره ما ذكرناه في محلّه من أنّ الضامن بالغصب أو بغيره من أسباب الضمان إنّما يجب عليه أن يخرج عن عهدة نفس العين وأوصافها التي يدخل تحت ي-د الضامن، وأمّا القيمة السوقية فهي أمر اعتباري لا يدخل تحت يد أحد حتى يضمنها، ولأجل ذلك إذا دفع الغاصب نفس العين بعد تنزل القيمة السوقية لا يجب عليه ردّ المقدار النازل من القيمة السوقية، لأنّه إنّما يضمن العين دون القيمة السوقية وهذا ظاهر، فلا وجه لاحتمال وجوب ردّ أعلى القيم في المقام.
وأما قيمة يوم التلف فالوجه في وجوب دفع تلك القيمة أنّ هذا الوقت أعني وقت التلف هو زمان الحكم عليه بوجوب ردّ القيمة، لأنّه إلى هذا الزمان كان مكلّفاً برد نفس العين لبقائها، وحين تلفها تبدّل ضمان العين بضمان قيمتها أو مثلها وتوجّه عليه التكليف بوجوب دفع القيمة.
وقد أجبنا عن ذلك في محله : بأن وقت التلف وإن كان وقت تبدل الضمان أي تبدل ضمان العين بضمان القيمة وقد حكم عليه بوجوب ردّ قيمتها، إلّا أنّ المراد
بالقيمة لا يتعيّن أن يكون هو قيمة يوم التلف، بل يحكم عليه حينئذ بوجوب ردّ قيمة يوم الغصب أو يوم الأداء، وبالجملة فتوجّه وجوب ردّ القيمة وإن كان في زمان التلف إلّا أنّه لا بد من بيان أنّ المراد بها أي قيمة فهل يحكم عليه في ذاك الوقت بوجوب ردّ قيمة ذلك الوقت أو قيمة وقت آخر، فلا يوجب توجه الحكم بوجوب ردّ القيمة حين التلف أن يكون الواجب ردّ قيمة يوم التلف، هذا ما أجبنا به عن تعيّن قيمة يوم التلف في موارد الغصب.
وأمّا في أمثال المقام ممّا إذا كان التلف قبل الفسخ فلا حاجة إلى هذا الجواب أيضاً، لأنّ المال حين تلفه لم يكن ملكاً للغير كما في الغصب حتى يتوجه عليه وجوب ردّ قيمته، بل كان التالف ملك نفسه وإنما يفسخ المعاملة بعد ذلك وبه ينتقل التالف إلى ملك مالكه السابق، وأمّا قبل الفسخ فالتالف لا يدخل في ملك شخص آخر حتى يتوجه عليه ذلك الخطاب.
وليعلم أن مرادنا من كون التالف ملكه مع تلفه، أن العين تنتقل إلى ذمته في عالم الاعتبار، وهي في هذا الحال ليست مملوكة للغير ولعله ظاهر، فإذن يدور الأمر بين وجوب ردّ قيمة يوم الغصب وهو ينطبق في المقام على يوم الفسخ، لأنّه يوم اشتغال ذمته بمال الغير، ووجوب ردّ قيمة يوم الأداء وقد ذكرنا في محلّه أنّ مقتضى القواعد تعين قيمة يوم الأداء، لأنّه وقت تفريغ الأداء، لأنّه وقت تفريغ الذمة عن مال الغير، فإن كانت عينه موجودة فيرد عينه وإلّا فيرد قيمتها حينئذ كما ذهب إليه شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه) (1).
وما أفاده من تعين قيمة يوم الأداء في غاية المتانة لولا صحيحة أبي ولاد حيث دلّت على وجوب ردّ قيمة يوم الغصب، ولكنّها تختص بالغصب ولا يمكن
1) منية الطالب 3: 157.
التعدّي عن موردها إلى غيره من البيوع الفاسدة وما نحن فيه، إلّا بتقريب أن يقال : إنّ بين قيمة يوم الغصب وقيمة يوم الأداء عموماً من وجه، وذلك لتطابقها وتساويهما في بعض الموارد كما إذا كان قيمة المال يوم غصبه خمسة دنانير وكانت قيمته يوم الأداء أيضاً كذلك، واختلافهما في موردين، وهذا لأن قيمة يوم الغصب تارةً يكون أزيد وأعلى من قيمته يوم الأداء كما إذا كانت قيمته يوم الغصب عشرة ونزلت يوم أدائها وصارت خمسة، وأخرى يكون قيمة يوم الأداء أزيد من قيمته يوم الغصب كما إذا كانت القيمة يوم الغصب عشرة ويوم الأداء خمسة عشر، وقد دلّت الصحيحة على أنّ الواجب على الغاصب ردّ قيمة يوم الغصب، فلو حكمنا في المقام بوجوب ردّ قيمة يوم الأداء لكان حال غير الغاصب أسوأ من حال الغاصب لأنّ المغبون غير غاصب في المقام فكيف يحكم عليه بوجوب دفع خمسة عشر التي هي قيمة يوم الأداء (عند ترقّي القيمة وزيادتها عن قيمة يوم الغصب) ويحكم على الغاصب بوجوب ردّ قيمة يوم الغصب وهي عشرة، أفهل يكون حال غير الغاصب أسوأ من حاله ويراعي الشارع جانب الغاصب ويكلّف غيره بأشق من حكم الغاصب، كلا إنّ هذا ممّا لا وجه لاحتماله مع اشتهار أن الغاصب يؤخذ بأش--قّ الأحوال.
وكيف كان، فتعيّن قيمة يوم الأداء يستلزم هذا المحذور في بعض الموارد (وهو ما إذا كانت قيمة يوم الأداء أزيد من قيمة يوم الغصب) وحيث إنا نقطع بأنّ الشارع لا يراعي حال الغاصب ولا يسامحه بما لا يسامح به غير الغاصب، لأنّه إمّا أن يساوي الغاصب أو يكون حال الغاصب أسوأ منه، وأما كون حال غير الغاصب أسوأ من حال الغاصب فهو ممّا لا نحتمله، فلابد من تعيين قيمة يوم الغصب في المقام حتى يكون حاله مساوياً مع الغاصب ولا يكون حاله أسوأ من حال الغاصب وبهذا لا مانع من أن تشمل الصحيحة البيوع الفاسدة في المقام، فلا يمكن الالتزام
بتعيّن قيمة يوم الأداء أبداً.
ولا يكاد ينقضي تعجبي أنّ شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه) مع التفاته إلى م--ا ذكرناه وتوجهه إليه عند التكلّم في صحيحة أبي ولاد ذهب في المقام إلى تعيّن قيمة يوم الأداء.
والمتحصّل من جميع ذلك : أنّه يجب على المغبون ردّ قيمة المال إلى الغابن بعد فسخ المعاملة لاستحالة ردّ العين، هذا فيما إذا تلف أحد المالين.
وأما إذا تلف كلاهما فيسقط القيمة عن كل منهما بالتهاتر ويجب دفع المقدار الزائد منهما، هذا كلّه في التلف السماوي أو إتلاف أحدهما م-ا ع-ن-ده م-ن الم-ال والمتلخّص أنّ الفاسخ يضمن حسب القاعدة قيمة المال يوم الأداء للغابن لأنّ العين في ذمته حتى يخرج عن عهدتها، فلا محالة يضمن قيمة يوم الأداء، إلّا أن صحيحة أبي ولاد دلّتنا على أنّ الاعتبار بيوم الغصب المنطبق في المقام على يوم الفسخ، لأنّه يوم ضمان المال وقبله كان ملكه ولا معنى لضمانه مال نفسه، وإن شئت عبرت عنه بيوم الضمان.
المسألة الثانية : ما إذا أتلف أحدهما ما عند صاحبه من المال كما إذا أتلف المغبون ما عند الغابن من المال المنتقل إليه منه أو أتلف الغابن ما عند المغبون ثمّ بعد ذلك فسخ المغبون، وقد عرفت أن إتلاف المغبون مال الغابن أو العكس كلاهما من وادٍ واحد ولا فرق بينهما، وإن فصل بينهما شيخنا الأنصاري وجعلها قسمين.
وكيف كان فإذا فرضنا أنّ المغبون قد أتلف ما عند الغابن ثمّ فسخ أو أتلف الغابن ما عند المغبون ثمّ فسخ المغبون (لنفرض الكلام في إتلاف الغابن حتى يظهر منه حكم إتلاف المغبون) فلا محالة يستحق المغبون ثمنه الذي أداه إلى الغابن كما هو معنى الفسخ، لأنّه يوجب انتقال كل من المالين إلى مالكه الأوّل، فبالفسخ يرجع الثمن إلى المغبون كما يرجع الغابن ببدل ماله إلى المغبون لعدم بقاء عين ماله
والمفروض أنّه قيمي فيطالب المغبون بقيمة ماله، كذلك المغبون يطالب الغابن بقيمة ماله الذي أتلفه الغابن قبل فسخ المعاملة، لأن المال حينئذ كان ملك المغبون وأتلفه عليه الغابن فيضمن له بقيمته، وفي الحقيقة يطالب المغبون الغابن بأمرين : أحدهما الثمن وهو يرجع إليه بلا خلاف بمقتضى الفسخ. وثانيهما : قيمة المال الذي أتلفه الغابن في ملك المغبون، كما أنّ الغابن يطالب المغبون بقيمة ماله بمقتضى الفسخ وعدم بقاء عين ماله. أما الثمن فهو يرجع إلى المغبون بالفسخ وهو ظاهر، وأما قيمة المال الذي أتلفه الغابن فيطالبها المغبون من الغابن كما يطالبها الغابن من المغبون، وهي قيمة مال واحد كان انتقل من الغابن إلى المغبون بالبيع.
فإن جعلنا الاعتبار في موارد الغصب والبيوع الفاسدة والاتلافات بقيمة يوم الأداء أو بقيمة يوم التلف فيسقط كل ما لأحدهما على الآخر من القيمة بالتهاتر القهري لتساويهما حينئذ.
وأما إذا جعلنا المدار بقيمة يوم الغصب والضمان فيختلف القيمتان اللتان يطالبهما الغابن من المغبون والمغبون من الغابن أحياناً.
و توضيح ذلك : أنّه إذا قلنا بضمان قيمة يوم الأداء التي تقتضيها القواعد حيث إنّ العين في ذمّة المتلف إلى أن يخرج عن عهدتها بردّ عينها إن كان وإلّا بردّ قيمتها أي قيمة العين التي في ذمته إلى هذا الزمان وهي قيمة يوم الأداء، أو قلنا بقيمة يوم التلف، فالقيمة التي يطالبها الغابن من المغبون مساوية للقيمة التي يطالبها المغبون من الغابن، لأنّ المال المطالب بقيمته كل من الغابن والمغبون مال واحد ويوم تلفه يوم واحد، وقد فرضنا أنّ المغبون يطالب الغابن بقيمة يوم التلف لأنّه أتلفه عليه كما أن الغابن يطالب المغبون بقيمة ماله يوم التلف، فالقيمتان قيمة يوم التلف فيكون ما في ذمّة أحدهما للآخر مطابقاً ومساوياً لما في ذمّة الآخر له، فيتساقطان بالتهاتر القهري.
وكذا الحال فيما إذا جعلنا المدار بقيمة يوم الأداء فإنّ المغبون يطالب الغابن بقيمة ماله يوم الأداء لأنّه في ذمته إلى هذا الوقت فعليه أن يخرج عن عهدته كما أن الغابن يطالب المغبون بقيمة ماله يوم الأداء، فالقيمتان قيمة يوم الأداء وهو ي--وم واحد (إذ يوم أداء المغبون القيمة إلى الغابن هو يوم أداء الغابن ما على ذمته إلى المغبون، وذلك لأنّ كلاً منهما إذا طالب الآخر بخمسة قرانات فأراد أحدهما أداء ما في ذمته فلا محالة يسقط عنه بالتهاتر كما يسقط عن ذمّة الآخر، كذا أفيد) فالقيمتان متساويتان فيتساقطان بالتهاتر القهري.
وأما إذا جعلنا الاعتبار بقيمة يوم الغصب والضمان فتختلف القيمتان، لأن يوم الضمان من طرف الغابن هو يوم إتلافه، لأنّه قد ضمن قيمة هذا المال للمغبون في ذلك الوقت، وأما يوم الضمان من طرف المغبون فهو يوم الفسخ لأن-ه يوم ضمان المغبون بالقيمة وهو ظاهر، وحيث اختلف اليومان فقد تختلف القيمتان، وعليه فالتهاتر إنّما يكون في مقدار منهما دون المقدار الزائد وهو واضح، هذا.
ويمكن أن يقال : إنّ مقتضى صحيحة أبي ولاد وإن كان ضمان يوم الغصب إلّا أنّ مقتضى السيرة العقلائية خلاف ذلك، لأنّهم في أمثال المقام ممّا يطالب فيه الاثنان المال الواحد كل من الآخر والضمان من جانبين يرون الاعتبار بيوم الأداء وتساقطها بالتهاتر، وصحيحة أبي ولاد كما عرفت جعلت الضمان والاعتبار بقيمة يوم الغصب على خلاف القاعدة، إذ القاعدة تقتضي اعتبار قيمة يوم الأداء، لأنّ العين في ذمة المتلف حتى يخرج عن عهدتها بأداء نفسها أو قيمتها وقتئذ وهي قيمة يوم الأداء، ولا يمكن التعدّي عن موردها إلى المقام لأنّها وردت في مورد الضمان من طرف واحد حيث قال (عليه السلام) : «قيمة بغل يوم خالفته» خالفته» (1)والضمان في
1) الوسائل 19 : 119 / كتاب الاجارة ب 17 ح 1.
المقام من طرفين فأحدهما يضمن قيمة المال بالفسخ وهو المغبون، وثانيهما يضمنها بالاتلاف فيتساقطان بالتهاتر القهري، إذ المدار حينئذ بقيمة يوم الأداء.
وتوضيحه : أنّ ضمان القيمة ووجوب دفعها إنّما هو في صورة عدم وصول العين إلى مالكها حقيقة أو حكماً، إذ لا يحتمل مع وصول العين إلى مالكها تغريم الطرف بقيمتها، وفي مفروض المقام قد وصل العين إلى الغابن باتلافه، وهذا نظير ما إذا غبن خبّاز أحداً فباع القرص من الخبز بعشرين فلساً ثمّ أخذه من يد المشتري المغبون فأكله، فإذا فسخ المغبون حينذاك وطالب الخبّاز بفلوسه أفيحتمل أن يطالبه الخباز بقرصه فإنّه يجيبه بأنك قد أخذت مالك وأكلته.
وبالجملة : أنّ التغريم بالقيمة في غير صورة وصول العين إلى مالكها حقيقة أو حكماً، وأمّا معه فلا وجه لوجوب دفع القيمة، والمقام من هذا القبيل لوصول المال إلى مالكه حكماً لأنّه الذي أتلفه، وعليه فتتساقط القيمتان بالتهاتر ولا وجه لضمان قيمة يوم الضمان حينئذ.
وهذا الوجه وإن لم أر من تعرّض له إلّا أنّه موافق للقاعدة ومطابق للسيرة العقلائية، والصحيحة مختصة بموردها ولا يمكن التعدّي عنها لمخالفتها للقاعدة وموردها هو ما إذا كان الضمان من طرف واحد، وأما في موارد ضمان شخصين لمال واحد كما في المقام فلأجل عدم مطابقة الصحيحة للقاعدة لا يمكن التعدّي إليه، هذا كله في صورة الاتلاف من غير إبراء المالك ذمّة المتلف عن ضمانه.
وأمّا إذا أبرأ المغبون ذمّة الغابن عن ضمان ما أتلفه عليه ثمّ بعد ذلك فسخ العقد، فمقتضى قانون الفسخ رجوع الثمن إليه وللغابن مطالبته بالمثمن، ولا يمنع عنه إتلافه لأنّه قد خرج عن عهدته بابراء المغبون فکأنّه لم يتلف أصلاً فيرجع إلي-ه بالمثمن لا محالة، هذا كله في صورة إتلاف أحدهما مال الآخر.
المسألة الثالثة : فيما إذا أتلفه الأجنبي ثمّ بعد ذلك فسخ المغبون، فللمالك أن
يرجع إلى كل من طرفه أو الأجنبي، لأنّ المال بحسب البقاء صار ملكه فيطالب المتلف بماله، كما يتمكّن من مطالبة طرفه، وهذا بناءً على أن الاعتبار بضمان قيمة يوم الأداء أظهر، لأنّ العين باقية في ذمّة المتلف حتى يخرج عن عهدتها، فما دام لم يؤدّها فذمته مشغولة بالعين، وحيث إنها صارت ملك الطرف بقاء بالفسخ فله أن يطالب من عنده ملكه، وكذا الحال بناءً على أنّ الاعتبار بقيمة يوم التلف.
وأما بناءً على أنّ الاعتبار بقيمة يوم الغصب والضمان فيمكن أن يقال إنّه لا يصحّ للمالك أن يرجع إلى المتلف، لأنّ ضمان المتلف إنّما هو بقيمة يوم التلف لأنّه وقت ضمانه بها، وضمان الطرف بقيمة يوم الفسخ، وقد عرفت إمكان اختلاف القيمتين بحسب اليومين، ومعه أي مع عدم كون ما اشتغل به ذمة المتلف والطرف متحداً لا يتمكن المالك من مطالبة المتلف، إذ له أن يقول إنك إنّما تستحق قيمة يوم الفسخ وما في ذمتي قيمة يوم التلف وأحدهما غير الآخر، فلا يصح له أخذ ما في ذمّة المتلف حينئذ.
قد وقع الخلاف في جريان هذا الخيار وهو خيار الغبن في غير البيع من المعاوضات والعقود واختصاصه بالبيع، ثمّ على تقدير اختصاصه بالبيع فهل يختص بقسم خاص منه وهو ما لا يكون مبنياً على السماح أو يعم جميع أفراد البيع ك--ان مبنياً على السماح أم لم يكن ؟
فمنهم من ذهب إلى جريان الخيار في جميع أقسام العقود والمعاوضات، ومن ذهب إلى اختصاصه بالبيع، ومنهم من ذكر أنّ العبرة بملاحظة كل عقد ومعاوضة في نفسه فإذا كان مورداً للمداقة وعدم المغابنة فيجري فيه هذا الخيار، كان عقد بيع أو عقد إجارة أو عقداً غير مشتمل على المعاوضة كالصلح غير المتضمّن للمعاوضة
كما أنّه إذا كان مورداً للسماح وعدم الدقة بحسب المالية فلا يجري فيه الخيار، عقد بيع كان أو عقد إجارة أو صلح.
وهذه المسألة كما ذكرها شيخنا الأنصاري (1)ممّا لم يتعرض لها الفقهاء، وإنما تعرّضوا الجريان خيار الشرط في جميع العقود وصرّحوا بعدم اختصاصه بالبيع، كما تعرضوا لخيار المجلس وخصوه بالبيع، ولا يستفاد من تعرّضهم لهذين الخيارين وتخصيص خيار المجلس بالبيع أنّ غيرهما من الخيارات ممّا لا خلاف في جريانها في جميع العقود، إذ لا مفهوم لتخصيص خيار المجلس بالبيع في جريان غيره في تمام العقود، لأنّ الوجه في تعرّضهم لخيار المجلس هو ردّ بعض العامة حيث ذهب إلى جريانه في غير البيع من العقود فأرادوا بذلك ردّه، فلا دلالة فيه على جريان سائر الخيارات في جميع العقود.
إذن فلابد من ملاحظة مدرك هذا الخيار لنرى أنّه يقتضي اختصاصه بالبيع أو شموله لسائر الخيارات فنقول : إن كان مدرك خيار الغبن هو الاجماع فلابد من تخصيصه بالبيع، لأنّه المقدار المتيقن دون غيره من سائر العقود، إذ لا إجماع عليه في غير البيع وهو ظاهر.
ثم إنّه لا يجري في جميع أفراده بل يختص بقسم خاص وهو البيع المبني على التدقيق بحسب المالية وعدم المغابنة دون المبني على السماح، إذ لا إجماع هناك والمقدار المتيقن منه هو خصوص البيع المبني على الدقّة.
وإن كان مدركه حديث لا ضرر كما اعتمد عليه بعضهم فهو يشمل جميع العقود والمعاوضات، لأنّه عام ولم يرد عليه تخصيص في مورد، نعم لو قام هناك دليل على عدم جريان لا ضرر في عقد من العقود فلا محالة لا يجري فيه الخيار
1) المكاسب 5 : 205.
ولكنه لم يرد عليه تخصيص إلّا في موارد الاقدام لما أشرنا إلى وجهه من أنّ شموله لتلك الموارد أيضاً ينافي الامتنان، فهل يشمل ذلك موارد البيع غير المبني على التدقيق أو لا، هذا مبني على ملاحظة أنّ الاقدام على الضرر هل يختص بصورة العلم بالضرر وعليه فلا يشمل البيع المبني على المسامحة، إذ لا إقدام فيه على الضرر لعدم العلم بالضرر في مثله، أو أنّه يعم موارد الجهل بوجود الضرر أيضاً وأن الاقدام يصدق مع الجهل بالضرر، وعليه فلا يجري الخيار في مثل البيع المبني على السماح لصدق الاقدام فيه وهو مخصص لعموم قاعدة لا ضرر.
وأما إذا كان مدركه هو الاشتراط الضمني فحال البيع المبني على السماح أظهر وتوضيح ذلك : أنّ بعض العقود بحسب طبعها مبني على التدقيق بحسب المالية والقيمة، وهذا نظير البيع والاجارة ونحوهما، لأن طبعهما يقتضي التدقيق وبعضها الآخر بحسب طبعه غير مبني على الدقة وهذا كالصلح فإنّ السماح وإن لم يؤخذ في الصلح على وجه التقييد، لأنّ بعض أفراده كالبيع مبني على المداقة، إلّا أنّه بحسب طبعه مبني على المسامحة.
فأما القسم الأوّل فكون طبع العقد في نفسه مقتضياً ومبنياً على التدقيق قرينة ارتكازية عامة على اشتراط تساوي القيمتين ضمناً، ومع الاشتراط الضمني لا محالة يتحقق الخيار، بل يكون من أحد أفراد خيار الشرط الذي صرحوا بعدم اختصاصه بالبيع. وبالجملة إذا تحقق الاشتراط الضمني في مورد فلا محالة يترتّب عليه الخيار، عقد بيع كان أو عقد إجارة أو عقداً آخر.
وأما القسم الثاني فحيث إنّ طبع العقد في حد نفسه مبني على السماح فلا يستفاد في مثله الاشتراط الضمني إلّا إذا قامت عليه قرينة شخصية، وهذا أيضاً لا يفرّق فيه بين الموارد، بل المدار على قيام القرينة الشخصية على الاشتراط الضمني فإنّه يستتبع الخيار لا محالة.
وملخص ذلك : أنّ جريان الخيار في كل مورد يتوقف على جعل الخيار والاشتراط الضمني، والكاشف عن ذلك في مثل البيع ونحوه ممّا يقتضي المداقة بطبعه هو نفس الارتكاز، لأنّه قرينة عامة على جعل الخيار والاشتراط، وأما في غير العقود التي تقتضي المداقة بطبعها كالصلح ونحوه فلابد في الكشف عن جعل الخيار والاشتراط من وجود قرينة خاصة قائمة عليه، وعليه فما أفاده ذلك البعض الذي ذهب إلى ملاحظة كل عقد في حد نفسه وأنّه مبني على المداقة أو غير مبني ع--ل-ى التدقيق هو الصحيح، وهذا من غير فرق بين العقود إذ المدار على جعل الخيار والاشتراط سواء كان هناك قرينة عامة على الخيار أم لم يكن، وهذا كما إذا تصالح أحد مع الآخر باعتقاد أنّه يطلبه بمقدار قليل ثمّ ظهر أنّه يطلبه بآلاف دينار، فإنّ الصلح في حدّ طبعه مبني على السماح، إلّا أنّ هناك قرينة خاصة على الاشتراط أي اشتراط التساوي وعدم زيادة الدين عمّا يعتقده، فإذا ظهر خلافه فلا محالة يثبت له الخيار.
ومن هنا يظهر أنّ لفظ الغبن وإن لم يرد في لسان الدليل حتى تحقق مفهومه ونرى أنّه صادق أو غير صادق إلّا أنا لا نحتاج إلى صدق الغبن في ثبوت الخيار، بل إنّما نتبع جعل الخيار والاشتراط.
وبالجملة : أنّ مقتضى الأصل في المعاملات اللزوم ويحتاج الخروج عمّا تقتضيه أصالة اللزوم إلى دليل مخرج وهو جعل الخيار والاشتراط، فلابد من ملاحظة كل عقد عقد ليرى أنّه هل فيه قرينة عامة أو خاصة على جعل الخيار والاشتراط فيحكم فيه بخيار الغبن، أو أنّه ليس هناك قرينة عليه لا على نحو العموم والارتكاز ولا على نحو الخصوص، فلا يرفع اليد حينئذ عن أصالة اللزوم كما لا يخفى.
قد وقع الكلام في أنّ خيار الغبن فوري بحيث إذا علم بغبنه وتمكن من إعمال خياره ولم يُعمل سقط خياره، أو أنّه متراخ وله الخيار بعد العلم بغبنه مطلقاً، وقد ذهب المشهور إلى أنّ الخيار فوري واستدل عليه : بأنّ الخيار على خلاف الأصل لأنّ الأصل في البيع هو اللزوم، فلابد من الاقتصار فيه على المتيقن وهو الزم--ان الأول.
وعن صاحب الرياض (قدّس سرّه) (1)أن مدرك الخيار إن كان هو الاجماع فالخيار على التراخي للاستصحاب، وإن كان مدركه حديث نفي الضرر فهو فوري لارتفاع الضرر واندفاعه بالخيار في الزمان الأول.
قلت : إنّ التمسّك فى فورية الخيار بأنّه على خلاف الأصل فيقتصر فيه على القدر المتيقن إنّما يصح فيها إذا لم يكن دليل على الخيار في الآن الثاني والثالث وهكذا، إذ مع وجود دليل الخيار لا معنى للتمسّك بالقدر المتيقن فإنّه يتوقف على أمرين : أحدهما ثبوت المقتضي للملكية واللزوم في الآن الثاني. وثانيها : عدم المانع عن تأثيره، وحينئذ يتمسك في الخيار والجواز بالقدر المتيقن وه-و ال-زم-ان الأول، وأما مع وجود المانع عن مقتضي اللزوم في الآن الثاني أو انتفاء المقتضي له فلا معنى للتشبّث بالمتيقن، فإذن لابدّ من النظر إلى ما يدل على وجود مقتضي الملكية وعدم المانع عنه في المقام.
ومن هنا قرّر صاحب جامع المقاصد (قدّس سرّه)(2)دليل فورية الخيار بأنّ
عموم (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (1)يقتضي لزوم العقود في جميع الأزمنة، إذ لا معنى للزوم العقد آناً ما، فإنّ الأمر بالوفاء في الآن الواحد لغو و تحصيل للحاصل، لبعد فسخ المتعاملين المعاملة بعد تحققها بلا فصل، لأنّ العادة تقتضي الالتزام بها في مدة وزمان أكثر من الآن قطعاً، ثمّ لو فسخها يفسخ بعد تلك المدة، وبهذا أثبت المقتضي للملكية في الزمان الثاني وهو عموم (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) وعدم المانع عنه بعدم ثبوت الخيار في الآن الثاني لعدم إطلاقه، هذا.
وقد أورد عليه شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (2)بما أفاده في المتن وبينه في رسائله (3)وحاصله : أن الحكم تارة يتعلّق بكلّ فرد من الأفراد الطولية للموضوع كما يتعلّق بكل واحد من الأفراد العرضية له بأن يلاحظ كل فرد في كل زمان من الأزمنة المتعاقبة موضوعاً وفرداً منه، فيكون هناك أحكام متعدّدة وإن كان إنشاؤها واحداً، وفي هذه الصورة إذا خرج فرد من تلك الأفراد عن تحت العموم فهو لا يمنع عن التمسّك بالعموم في الفرد الآخر، إذ المفروض أنّها أفراد متغايرة وكل واحد منها موضوع مستقل للحكم ولا ربط لخروج أحدها بسائر الأفراد بوجه.
بل ولا يصح الاستصحاب في هذا القسم فيما لو ابتلي العام بمعارض ولم يمكننا التمسّك به، وذلك لأنّه من باب اسراء حكم من موضوع إلى موضوع آخر وليس من باب إبقاء حكم واحد على موضوعه.
وأخرى يترتّب الحكم على مجموع الأفراد الطولية ويفرض الجميع فرداً واحداً فيحكم عليه بحكم، فيكون الفرد في كل واحد من الأزمنة جزءاً للموضوع
المركب لا فرداً مستقلاً من الموضوع، وفي هذا القسم إذا ورد مخصص على الحكم وأخرج بعض الأفراد في بعض الأزمنة من عموم ذلك الحكم للعام، فلا محالة يرتفع به أصل الحكم ويحتاج ثبوته في الزمان الثاني إلى دليل آخر، إذ المفروض أن الحكم كان واحداً وقد ارتفع في زمان، ولا إطلاق للمخصّص أيضاً حتى يتمسك باطلاقه في الأزمنة المتأخرة، وفي هذه الصورة لابد من التمسّك باستصحاب حكم المخصص للقطع بارتفاع حكم العام بالتخصيص، فلو ورد حينئذ دليل وقد دلّ على عموم ذلك الحكم العام واستمراره إلى الأبد كدليل اللغوية والحكمة، أو رواية دلّت عليه مثلاً، فهو لا يكون منافياً للحكم الخاص، وذلك لأن الاستمرار حينئذ حكم طراً على حكم العموم وأنّ حكمه إذا ثبت يدوم، فإذا ورد خاص ورفع حكم العام فلا يثبت في البين حكم حتى يحكم باستمراره وهذا نظير قوله (عليه السلام) «ح--لال محمّد (صلى اللّه عليه وآله) حلال إلى يوم القيامة» (1)حيث دلّ على استمرار حلّية ما ثبتت حلّيته، فإذا فرضنا دليلاً دلّ على حرمة أمر مباح كحرمة الأكل والشرب في نهار شهر رمضان المحلّلين في غيره، فهل يكون ذلك مناقضاً لقوله (عليه السلام) «حلال محمّد» إلخ، والوجه في عدم المناقضة ما عرفت من أن قوله (عليه السلام) «حلال محمّد (صلى اللّه عليه وآله» دليل على استمرار كلّ حلّية لو تحققت وثبتت فإذا ارتفعت الحلية في مورد فهو لا يتكفّل لاثبات موضوعه ولا يدلّ على أنّه حلال حتى يناقض ما دلّ على حرمته، وإنما يقتضي الاستمرار لو ثبتت الاباحة.
وبعبارة أخرى : الاستمرار في هذا القسم وارد على الحكم وموضوعه ه-و الاباحة أو الوجوب ونحوهما، وأن الحكم أياً ما كان مستمر، وهذا بخلاف القسم الأول فإنّ الحكم فيه ورد على الاستمرار وأنّ هذا العالم يجب إكرامه في هذا الزمان
1) الكافي 1 : 58 / 19.
بوجوب مستقل وفي الزمان الثاني أيضاً كذلك وهكذا، وهذا معنى قوله (قدّس سرّه) إن الزمان أخذ ظرفاً للحكم في هذا القسم.
ثم بعد ذلك أفاد أنّه يظهر ممّا ذكرناه أنّ مورد جريان كل من العام والاستصحاب مغاير لمورد الآخر، وفي مورد جريان الاستصحاب لا مجال للتمسّك بالعام وهو القسم الثاني، كما أنّ مورد جريان العموم لا مجال فيه للاستصحاب كما في القسم الأول وأنّه لا مورد لاجتماعهما حتى يقال إن الع--ام يخصص بالاستصحاب، هذا ثمّ طبّق ما أفاده على المقام وقال : إنّ ما نحن فيه من قبيل القسم الثاني في كلامنا فإنّ (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) قد أمر باللزوم في جميع الأزمنة وهو حكم واحد مترتب على مجموع الأزمنة، واستمراره فيها إذا دلّ عليه دليل أو قاعدة الحكمة واللغوية متفرّع على وجود الحكم باللزوم، فإذا ورد عليه مخصص في زمان فقد ارتفع الحكم باللزوم وبعد ارتفاعه في زمان يحتاج عوده بعده إلى دليل فلو شكّ حينئذ فلابد من استصحاب حكم المخصص لارتفاع حك-م الع--ام قطعاً ووجوب الاستمرار على تقدير دلالة الدليل عليه متوقف على بقاء اللزوم وقد فرضنا ارتفاعه بالمخصص، هذا حقيقة ما أفاده شيخنا الأنصاري في المقام وروحه.
أمّا ما أفاده بحسب الكبرى من أنّ الحكم تارةً يتعلّق بالاستمرار كما في القسم الأول الذي فرض فيه الزمان متقطعاً ومكثراً للموضوع والأفراد، وأخرى يتعلّق الاستمرار بالحكم بمعنى أنّ الحكم بالاستمرار موضوعه وجود الحكم وتحققه وبعد وجوده وثبوته نحكم عليه بالاستمرار، فمما لا نتعقله في الأحكام التكليفية فإنّ الحكم التكليفي تارةً يتعلّق بموضوعه على نحو العموم الاستغراقي بحيث ينحل إلى كلّ واحد واحد من أفراد موضوعه كما في النواهي بأجمعها فإنّ حرمة الكذب مثلاً تنحل إلى أحكام ونواه متعدّدة حسب أفراده، فيكون هذا الكذب حراماً وذاك الكذب حراماً، وكذا يتصوّر في الواجبات كما إذا قال : أكرم العلماء، وفي مثله
إذا ورد تخصيص على بعض أفراد الموضوع وأخرج الكذب أيام الربيع عن الحرمة فلا ينبغي الاشكال في أنّه يتمسك بالعموم حينئذ في سائر الأفراد، إذ كل فرد من أفراد الكذب موضوع مستقل ولا ربط الخروج أحدها بالآخر، فيبقى غ-ي-ره م-ن الأفراد تحت العموم.
وأخرى يتعلّق بموضوعه على نحو العام المجموعي بأن يفرض الجميع فرداً واحداً مركباً من أجزاء متعدّدة كعشرة أو أزيد بحيث يكون إتيان الجميع امتثالاً واحداً ومخالفته مخالفة واحدة، وفي هذه الصورة أيضاً إذا ورد دليل وأخرج فرداً من العام فلا محالة يبقى عموم العام في الباقي متبعاً ويجب عليه إتيان سائر الأفراد.
وتوضيح ذلك : ما إذا فرضنا المخصص متصلاً كما إذا قال : أكرم هؤلاء العشرة إكراماً لو خالفت في واحد لما امتثلت أصلاً إلّا زيداً فإنّ اكرامه غير واجب، فإنّ الكلام حينئذ لا يشتمل على تناقض ولا تهافت، وكذلك فيما إذا كان المخصص منفصلاً.
وبالجملة : فلا فرق في التمسّك بالعموم بين أفراد العام من الاستغراقي والمجموعي، فإنّ العام في كليهما متبع في غير ما أخرجه الدليل، فيكون الاستمرار في كلا القسمين متعلّقاً للحكم دون العكس، فينافيه رفع اليد عن الحكم بعد ذلك : وكيف كان فما أفاده من أنّ الحكم تارةً يتعلّق على الاستمرار وأخرى يكون متعلّقاً للاستمرار ممّا لا نتعقله في الأحكام التكليفية.
نعم يتصوّر ذلك في الأحكام الوضعية كالملكية فإن الملكية آناً ما غير معقول، فإذا ورد أنّ من حاز ملك فيستفاد منه الملكية المطلقة والدائمية، ولكنه لا ينا في تخصيصه بالحيازة في البلدان فإنها لا توجب الملكية في البلد وإنما توجبها في الصحاري ونحوها، فإنّ الحكم باستمرار الملك متفرّع على أصل وجود الملك والحكم باستمراره لا يتكفّل لإثبات موضوعه، وكذا ورد إن الوارث إذا كان كافراً
لا يكون مالكاً ولا ينتقل إليه التركة، فإذا صار بعد مدة مسلماً فيشك في أنّه ينتقل إليه المال أو لا ينتقل.
وبالجملة فلا يمكن التمسّك بعموم العام بعد إخراج فرد منها وتخصيصه في زمان كالاستيلاء فإنّ قوله «من استولى على شيء فهو له» قد أوجب الملكية للاستيلاء، فإذا أخرجنا الاستيلاء عن ذلك الحكم في زمان فلا يمكن التمسّك بعموم من استولى بعد ذلك الزمان، فإنّ ثبوته بعد تخصيصه يحتاج إلى دليل، إذ الاستمرار في مثله إنّما ورد على الحكم بدليل خارجي وهو دليل الحكمة مثلاً، وهو أي الدليل الدال على استمراره فرع ثبوت موضوعه وهو الحكم، وبعد ما فرضنا أن الحكم أي الملكية مخصصة وقد ارتفعت فلا يبقى موضوع لدليل الاستمرار حتى يقتضي دوامه كما يمكن أن يكون الحكم في الأحكام الوضعية متكفّلاً لاستمراره بمعنى أن يكون الحكم وارداً على الاستمرار بأن يجعل الملكية المستمرّة أو الزوجية الدائمة، وحينئذ إذا خرج فرد من أفراده عن الحكم في زمان فنتمسّك بعمومه بعد ذلك الزمان لفرض استمرار الحكم المجعول، هذا.
وتفصيل الكلام في المقام : أنّ الأحكام التكليفية أعم من التحريمية والوجوبية متعلقة بالأفعال وهي أمر تتقدّر وتتحدّد بالزمان وتنقسم إلى أف--راد بحسب الآنات، مثلاً الكذب الواحد له أفراد طولية بحسب الزمان، لأن الكذب كقوله عندي كذا مقداراً من المال في هذا الآن فرد وفي الآن الثاني فرد آخر، ولو كان أحدهما مثل الآخر كقوله عندي كذا مقدار إلخ فإنّ الكيف المسموع وإن كان بحسب الألفاظ واحداً إلّا أنّه بحسب الحقيقة متعدّد، وفي مثل ذلك يمكن أن يتعلّق الحكم على كل واحد واحد من الأفراد الطولية بحسب الزمان، كما يمكن أن يتعلّق حكم واحد على الجميع.
وإذا فرضنا للمتعلّق أفراداً طولية فالمولى بحسب مقام الثبوت إما أن يلاحظ
الإطلاق ويحكم على طبيعة ذلك العمل بلا مدخلية شيء من الخصوصيات الفردية وإمّا أن يلاحظ التقييد ويحكم به في زمان خاص وعلى فرد أو أفراد متعيّنة لاستحالة الاهمال في مقام الثبوت، فإذا نظرنا إلى مقام الاثبات ولم نظفر بتقييد في الكلام فنتمسّك باطلاقه لكشفه عن الاطلاق في مقام الثبوت وبه نحكم بثبوت الحكم في كل فرد من أفراد الزمان، فإذا خرج فرد من تلك الأفراد وعلمنا بتخصيص الحكم في زمان فلا محالة نتمسك باطلاقه بعد ذلك الزمان، هذا من غير فرق بين لحاظ الآنات بأجمعها فرداً واحداً و لحاظ كل واحد منها فرداً مستقلاً، لما عرفت في بحث العام والخاص من عدم الفرق في صحة التمسّك بالعموم بين العام المجموعي والاستغراقي، هذا كله في الأحكام التحريمية.
وكذلك الحال في الأحكام الوجوبية فإنّ الوجوب إذا تعلّق بعمل فيتصوّر له أفراد بحسب الآنات والأزمنة، والمولى في مقام الثبوت لابد له إما من الحكم على نحو الاطلاق وإمّا على نحو التقييد، فإذا كان كلامه في مقام الاثبات مطلقاً فنتمسك بإطلاقه، وإذا علمنا بتخصيص ذلك الحكم في زمان فلا محالة نتمسك بإطلاق الواجب بعد ذلك الزمان، وهذا أيضاً من دون فرق بين لحاظ الأفراد على نحو الاجتماع وبين لحاظ كل واحد منها فرداً مستقلاً، لجواز التمسّك بالعام في كل م--ن العام الاستغراقي والمجموعي.
فالمتحصّل : أنّ التخصيص في الأحكام التكليفية في زمان لا يمنع عن التمسك بعمومها وإطلاقها بعد زمان التخصيص، هذا.
ومن هنا يظهر أنّ ما أصر عليه شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه) هنا (1)وفي بحث
1) منية الطالب 3 : 169.
الأصول (1)من عدم جواز التمسّك بالعموم في باب النواهي بعد ورد التخصيص عليها في زمان بدعوى أن النهي عن المحرّمات لا محيص عن استمراره، لأنّ النهي عنها في آنٍ من الآنات لغو و تحصيل للحاصل، إذ كل أحد لا محالة يترك الحرام في آن من الآنات، فالاستمرار في النواهي استفيد من دليل خ-ارج-ي وه-و دل-ي-ل الحكمة، فالاستمرار وارد على الحكم فإذا علمنا بارتفاعه في زمان فيحتاج ثبوته بعد ذلك إلى دليل، ولا يمكننا التمسّك بعمومه، لأنّ دليل الاستمرار يقتضي استمرار الحكم على تقدير وجوده ولا وجود له لتخصيصه، ولا يمكن استفادة العموم من نفسه لأن الحكم لا يتكفّل لاستمرار نفسه.
مما لا وجه له ويعدّ من غرائب كلامه كما عددناه عند إلقائه، إذ ليس معنى الاستمرار فيها استمرار الحكم الواحد بل معناه وجود أفراده الطولية بوجود أفراد موضوعه الطولية. فبعد إطلاقها في مقام الاثبات وعدم تقييدها بوقت أو بفرد فلماذا لا يمكننا التمسّك باطلاقها، إذ لا محيص من أحد الأمرين، فأما أن يقيدها المولى في مقام الثبوت وإمّا أن يطلقها، وحيث لا دليل على التقييد فيستكشف الاطلاق في الحرمة بحسب أفراد الزمان والآنات، فإذا خرج فرد من ذلك وعلمنا بتخصيصها في زمان فلا وجه لعدم التمسّك باطلاقها أو عمومها بعد ذلك الزمان.
وأما ما نقله عن الفقهاء في المريض إذا احتاج إلى شرب الخمر حيث ذهبوا إلى حرمته عليه حينئذ تمسكاً باستصحاب الحرمة الثابتة في حقه قبل المرض واستحسنه (قدّس سرّه) من أجل أنّ المقام ليس من موارد التمسّك بالعموم، لأنّ الحكم لا يتكفّل لاستمرار نفسه، فهو أغرب من أصل كلامه، لأنّ الكلام في المقام في صحة التمسّك بالعمومات بعد ورود تخصيص عليها في زمان، وأما التمسّك بها
1) أجود التقريرات 4 : 175.
قبل ورود التخصيص عليها عند الشك في شمولها لبعض الحالات كالسفر والحضر والمرض والقيام ونحوها فهو ممّا لا خلاف فيه ولا إشكال، وإلّا فلا يبقى للتمسّك بالعموم والاطلاق مورد ومكان.
بل لازم ما أفاده أن أحداً إذا مرض من أوّل بلوغه لا يحرم عليه الخمر ولا سائر المحرّمات لعدم إمكان التمسّك بالإطلاقات وعدم جريان استصحاب الحرمة في حقه لعدم الحالة السابقة فيه، وهذا ممّا لا يلتزم به (قدّس سرّه).
على أنّ إسناد الفتوى بحرمة الخمر حال المرض إلى الفقهاء لأجل الاستصحاب غير مطابق للواقع، لأنّ كلمات الفقهاء المعروفين الذين بموافقتهم تتم الشهرة لا استدلال لهم في كتبهم إلّا في موارد نادرة على وجه الاشارة كقولهم للاشتغال ونحوه، وأما غيرهم فالميسور من كتبهم عند المراجعة ليس إلّا واحد أو اثنين مع اختلافهم بين المجوّز والمحرّم، ومعه كيف يصح إسناد ذلك إلى الفقهاء.
وأمّا الأحكام الوضعية فقد ذكر شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه) كما يظهر من كلمات شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (1)أيضاً أنّها لما لم تعتمد على المتعلّق وهو الأفعال - لأن الأحكام الوضعية حكم ولها موضوع ولا يتوقف على متعلّق كالأحكام التكليفية من الأفعال، إذ الملكية حكم وموضوعها الدار أو الكتاب ونحوهما - لم يمكن فيها فرض متعلقات متعدّدة حسب الآنات والأزمنة كما صوّرناه في متعلّق الأحكام التكليفية، وعليه فلا تدلّ أدلتها على الاستمرار بحسب الزمان، بل هي أحكام تثبت لموضوعاتها فلابد في استفادة استمرارها من التماس دليل آخر كدليل الحكمة ونحوه و به نحكم باستمرار الأحكام الوضعية فيكون الاستمرار فيها وارداً على الحكم، وإذا كان الأمر كذلك وورد عليها
1) المكاسب 5 : 209.
تخصيص في زمان فلا يمكننا التمسّك بعمومها بعد ذلك الزمان، لأن استفادة استمرارها من نفسها غير ممكنة، لأنّ الحكم لا يتكفّل لاستمرار نفسه، ولا من دليل المحكمة ونحوها لأنّها إنّما تثبت الاستمرار في الأحكام الموجودة والمفروض أن الحكم قد ارتفع في المقام بالتخصيص ثمّ طبقا ذلك على المقام، هذا.
وما أفاداه في الأحكام الوضعية متين في الجملة لا في جميع الموارد، إذ ك-لا القسمين ممكنان في الأحكام الوضعية، وذلك لأنّ الاستمرار تارةً يراد منه الاستمرار في الجعل أعني بقاء الجعل وعدم نسخه، وأخ--رى يراد منه استمرار المجعول، أما الكلام في أنّ الحكم يتكفّل عدم نسخه أو لا أعني استمرار جعله فهو ممّا لا يهمنا في المقام وله محل آخر، فما مثل به من قوله (عليه السلام) «حلال محمد حلال إلى يوم القيامة» خارج عن محل الكلام وناظر إلى أن الحلال لا يرتفع إلّا بالنسخ، وإنما الكلام في استمرار المجعول وأنّ الحكم هل يتكفّل استمرار نفسه أو لا والظاهر أنّه لا مانع من أن يتكفّل الدليل استمرار الحكم المجعول بوجه بأن يجعل الملكية الدائمية أو الزوجية الأبدية، كما له أن يتكفّل لعدم استمرار الحكم المجعول بأن يجعل الزوجة الانقطاعية والملكية في ساعة بحيث لا نحتاج في استفادة استمراره إلى دليل آخر، فأي معنى لعدم إمكان تكفّل الحكم لاستمرار نفسه، وعليه فإذا ورد عليه تخصيص في زمان فلا محالة نتمسك بعمومه لما بعد زمان التخصيص.
نعم، في مورد لا يمكن التمسّك بعموم العام بعد تخصيصه وهو ما إذا كان الدليل في مقام الاهمال ولم يكن مطلقاً وقد استفدنا عمومه واستمراره من دليل آخر كدليل الحكمة مثلاً ثمّ علمنا بارتفاع الحكم في زمان فلا نتمكن بعد ذلك من التمسّك بالعام، إذ المفروض أنّ الدليل لا إطلاق له حتى نستفيد الاستمرار من نفسه، وأمّا الدليل الدالّ على استمراره فهو إنّما دلّ على استمرار الحكم على تقدير ثبوته وبعد الفراغ عن وجوده، وهو غير ثابت بعد ارتفاعه بالتخصيص في زمان.
والمتحصّل : أنّ ما يظهر من كلام شيخنا الأنصاري وشيخنا الأستاذ (قدّس سرّهما) من أن العموم الزماني متفرّع على العموم الافرادي على إطلاقه غير تام.
فذلكة الكلام : كل حكم شرعي كان متعلّقاً بفعل من أفعال المكلّفين - أعم من الأحكام التكليفية والوضعية، حيث إنّ التكليفية بأسرها متعلقة بالأفعال والوضعية أيضاً ربما يكون متعلقاتها من الأفعال نظير بطلان الطهارة بالحدث والصلاة بالتكلّم في أثنائها وهما من الأفعال - تارةً يلاحظ كل فرد من أفرادها الطولية بحسب الزمان على نحو الاستقلال نظير العام الاستغراقي بأن يكون هناك أحكام متعدّدة حسب تعدد الآنات. وأخرى يلاحظ مجموع الأفراد على نحو يكون كل واحد منها جزءاً من الموضوع نظير العام المجموعي بأن يكون هناك حكم واحد مترتب على مجموع الأزمنة، وعلى كلا التقديرين إذا ورد عليه تخصيص في زمان فبعد ذلك يتمسك بعموم العام لا محالة ولا مجال للاستصحاب فيهما، أما فيما إذا كان الزمان ملحوظاً على نحو التقطيع وفرض كل آن منه فرداً مستقلاً كما في الع-ام الاستغراقي فلوضوح أنّ الاستصحاب في مثله من قبيل إسراء حكم موضوع إلى موضوع آخر حتى أنّه لو لم يمكن التمسّك فيه بالعام لم-ا يمكن التمسّك فيه بالاستصحاب أيضاً، وأما إذا أخذ مجموع الأفراد على نحو العام المجموع-ي ف--لأنّ الاستصحاب أي استصحاب حكم الخاص وإن كان جارياً في حد نفسه، إلّا أنّه مع وجود الأصل اللفظي أعني العموم والاطلاق لا مورد له لحكومتهما عليه، والوجه في ذلك ما عرفت من أنّ الاهمال في الواقعيات غير معقول والحاكم في ك-ل م-ن صورتي لحاظ الأفراد على وجه الاستقلال و لحاظ المجموع على نحو العام المجموعي إما أن يحكم على نحو الاطلاق فلا يقيد متعلّق حكمه بشيء، وإمّا أن يقيده بقيد لا محالة، وعند عدم القرينة على التقييد فيؤخذ باطلاق كلامه، ومعه لا محال للاستصحاب أبداً، وفي كلا الفرضين يكون الحكم وارداً على الزمان لا محالة، وهذا
ظاهر.
وأما الأحكام الوضعية غير المتعلّقة بشيء من الأفعال كملكية الأجسام (دون ملكية الأفعال فإنها من القسم المتقدّم) فهي أيضاً تارةً على نح--و الع--ام المجموعي وأخرى على نحو العام الاستغراقي، وعلى كلا التقديرين يمكن أن يكون الحكم وارداً على الزمان فيهما ويكون الدليل متكفّلاً لاستمرار المجعول ك-جعل الملكية الأبدية أو الموقتة، نعم لا يعقل أن يتكفّل الحكم لبقاء نفسه بحسب الزمان وعدم نسخه و استمرار جعله، إلّا أنّه ممّا لا كلام لنا فيه، وحيث إن الحكم وارد على الزمان في هذا القسم أيضاً فإذا ورد تخصيص على تلك الأحكام في زمان وشككنا في بقاء الحكم بعد زمان التخصيص فلا مح-ي-ص م-ن التمسّك بالعموم ولا مجال للاستصحاب معه، سواء فرض العموم استغراقياً أو مجموعياً، لوضوح أنّه لا مجال للاستصحاب مع الأصل اللفظي كما تقدّم.
وأمّا إذا فرضنا أنّ الحكم ورد على شيء ولم يتكفّل لبيان عمومه واستمراره وإنما استفدنا عمومه بدليل آخر كدليل الحكمة ونحوه، ثمّ ورد عليه تخصيص وكان التخصيص من الابتداء، فلا يمكننا التمسّك بعد ذلك الزمان بالعام، وذلك لأنّ نفس الدليل غير متكفّل لإطلاقه أو عمومه حتى نتمسك به، وأما الدليل الخارجي فهو إنّما دلّ على أن ذلك الحكم إذا وجد يستمر ولم يوجد الحكم في المقام حتى يحكم عليه باستمراره، مثلاً إذا ورد أنّ الاستيلاء على شيء يوجب الملك واستفدنا استمرار الملكية الحاصلة بالاستيلاء بدليل خارجي وهو الحكمة لأن الملكية آناً ما لغو لا أثر لها، فلابد من كون الملك مستمرّاً، ثمّ ورد عليه تخصيص وأنّ الاستيلاء في غير البالغين لا يفيد الملك وقد استولى غير بالغ على شيء، ثمّ بعد مدة بلغ فلم ندر أنّ الحكم السابق أعني قوله من استولى إلخ يشمل هذا المستولي البالغ بالفعل من أجل أن استيلاءه كان قبل بلوغه، فلا يمكننا التمسّك في مثله بالعموم، إذ نفس الدليل لا
عموم له حسب الفرض، وأمّا دليل الحكمة فهو إنّما يقتضي استمرار الحك-م ب-عد وجوده ولم يحدث الملكية في حق غير البالغ حتى يحكم باستمرارها.
نعم لو ورد التخصيص على مثل ذلك في الأثناء لا من الابتداء كما إذا حكمنا بملكية المال لأحد باستيلائه عليه ثمّ بعد مدة ورد عليه تخصيص في زمان، وحكمنا بعدم الملك في مدة وبعد تلك المدّة شككنا في أنّه هل صار مالكاً أو لا، لا لا مانع من التمسّك بعموم الدليل الخارجي حيث دلّ على أنّ الملك إذا وجد يدوم والمفروض أنّ الملكية قد وجدت في حقه قبل زمان التخصيص فقتضاه أن الملكية مستمرة في حقه، وفي هذا القسم الأخير أي فيما إذا استفدنا عموم الحكم من دليل خ--ارج--ي يكون الزمان وارداً على الحكم بخلاف القسمين المتقدمين، هذا كله من أوله إلى آخره فيما إذا كان ثبوت الحكم في كلّ فرد من الأفراد أو في مجموعها بنفسه مدلولاً للدليل وقد عرفت أنّه معه لا مجال لاستصحاب حكم الخاص بل عموم العام محكّم في مثله.
وأما إذا كان مدلول الدليل أمراً يلازم ثبوت الحكم في كل فرد أو في مجموع الأفراد ولم يلحظ ثبوته لكل واحد أو لمجموعه على وجه الاستقلال، وهذا كما إذا كان مدلوله استمرار الحكم فإن استمراره يلازم ثبوته على كل فرد أو في مجموع الأفراد، وليس هو عين الحكم بثبوته لكل فرد أو لمجموع الأفراد، وإن شئت قلت إنّ المأخوذ في الدليل حينئذ هو الهيئة الاتّصالية ثمّ ورد عليه تخصيص ودلّ على انقطاع الاستمرار وارتفاع الهيئة الاتصالية ثمّ شككنا بعد زمان التخصيص، فلا دليل على الرجوع إلى حكم العام، لأنّ الحكم إنّما ورد على الاستمرار والهيئة الاتصالية والمفروض ارتفاع ذلك بالتخصيص، فثبوت الحكم بعد ارتفاعها يحتاج إلى دليل، هذا تمام الكلام في استيفاء القول في المقام ولعلنا تعرضنا إلى جميع الأقسام المتصوّرة ولم يفتنا شيء.
وأما تطبيق ذلك على المقام فملخص الكلام فيه : أن قوله تعالى (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (1)إن كان بمعنى وجوب ترتيب الأثر على العقد على نحو الاطلاق الشامل بعد الفسخ أيضاً كما ربما يظهر من كلمات شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) فيكون مفاده حكماً تكليفاً ومرجعه إلى عدم ارتفاع العقد بالفسخ، وإلّا فلا وجه لوجوب ترتيب آثار ملكية الغير على ماله، وعليه فإذا ورد عليه تخصيص في زمان وحكمنا فيه بعدم وجوب ترتيب الأثر على العقد من الابتداء أو الوسط كما في خياري المجلس والغبن فبعد ذلك الزمان لابد من التمسّك بعموم العام وهو وجوب ترتيب الآثار على العقد كما مرّ وهذا في مثل قوله (عليه السلام) «لا يحل مال امرئ» (2)إلخ أو (لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ) (3)أظهر، فإنّ التصرف في مال الغير حرام مطلقاً، فإذا خرج منه زمان وشككنا بعده في حرمة التصرف فيه فلا محيص من التمسك بعموم «لا يحلّ» من حيث الزمان، وكذا (لَا تَأْكُلُوا) فإنّ مقتضاه حرمة جميع أفراد الأكل، هذا الأكل وذاك الأكل وهكذا، فإذا ورد عليه تخصيص في زمان وقلنا فيه بجواز أكل مال الغير وشككنا بعد ذلك الزمان في جوازه وحرمته فلا محيص من التمسّك بالعام وهو يقتضي حرمة التصرف والأكل في مال الغير.
وأما إذا بنينا على ما سلكناه من أن معنى (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) عدم تأثير الفسخ وأنّه إرشاد إلى اللزوم، إذ لا يفهم منه عرفاً إلّا عدم فسخها ولا يستفاد منها الحكم التكليفي بوجه، فما أفاده جامع المقاصد في توجيه فورية الخيار ممّا لا غبار عليه ولا مانع من الالتزام به، فإنّه إذا خصص في زمان وحكم فيه بتأثير الفسخ وعدم اللزوم
وشككنا في اللزوم بعد ذلك الزمان فلابد من التمسّك بعموم (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) حيث إنّه دلّ على لزوم العقد وعدم ارتفاعه بالفسخ في كل واحد من أفراد الزمان، وإذا حكم بخروج زمان وفرد من تلك الأفراد فلا محالة يرجع في غيره إلى العام.
وبالجملة : أنّ ما أفاده جامع المقاصد ممّا لا نرى فيه إشكالاً.
تلخص من جميع ذلك : أن مقتضى العمومات نحو (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) و أَحَلَّ اللّه الْبَيْعَ وغيرهما لزوم المعاملة إلى الأبد، فإذا ورد عليها تخصيص ودلّ على تفاع اللزوم في مدّة خاصة فلا مانع من التمسّك بعمومها بعد تلك المدة كما ذهب إليه المحقق الكركي خلافاً لما أفاده شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه) وشيخنا الأنصاري حيث منعا عن التمسّك بالعموم بعد زمان التخصيص بدعوى أن الحكم ورد عليه تخصيص وقد ارتفع بذلك فثبوته بعده يحتاج إلى دليل، وقد عرفت تفصيل الكلام في ذلك فراجع، وكيف كان فلا مجال للتمسّك بالاستصحاب، هذا.
ثم على تقدير تسليم ذلك والبناء على عدم إمكان التمسّك بالعمومات فهل يمكننا التمسّك بالاستصحاب بعد زمان ورود التخصيص أو لا يمكن التمسّك بالاستصحاب أيضاً ؟
أما بناءً على عدم جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية كما ذكرناه في محله فلا إشكال في عدم جريانه في المقام، لأنّ الاستصحاب في الشبهات الحكمية التي منها المقام مبتلى بالمعارض دائماً وهذا ظاهر.
وأما إذا قلنا بجريانه في الشبهات الحكمية فهل يجري الاستصحاب حينئذ في المقام، أو أنّه لا يجري لخصوصية في المقام، الصحيح هو الثاني وأنّ الاستصحاب لا يجري في المقام حتى بناء على جريانه في الشبهات الحكمية، والوجه في ذلك أنّ المدرك في خيار الغبن لا يخلو عن أحد أمور ثلاث : فإما هو الشرط الضمني كما ذكرناه، أو حديث نفي الضرر، وإمّا هو الإجماع، وأما غيرها من المدارك فهو ممّا لا
إشكال في فساده.
فإن كان المدرك هو الشرط الضمني فهو إنّما يقتضي ارتفاع اللزوم في خصوص الزمان الذي يتمكّن فيه من الفسخ، إذ بذلك يتمكن من دفع الضرر الوارد على نفسه، لأنّ اشتراط التساوي إنّما هو بمناط عدم ورود الضرر عليه، وأمّا في المقدار الزائد عن ذلك الزمان فلا يقتضي الشرط الضمني الخيار فإنّه بحسب الارتكاز لا يقتضي الخيار دائماً بل إنّما يقتضيه في مدة يتمكن فيها من ردّ المعاملة ومن الظاهر أنّ مثل هذا الخيار لا يمكن إثباته في الزمان الثاني بالاستصحاب وذلك لأن الخيار بمقتضى الاشتراط إنّما ثبت في تلك المدة الخاصة التي يتمكّن فيها من الفسخ والامضاء، وإثبات الحكم والمشروط في غير مورد الشرط من القياس الظاهر، وهذا نظير ما إذا اشترط على نفسه صوم يوم معيّن أفهل يمكن إثبات وجوب الصوم في غير هذا اليوم بالاستصحاب، وحيث إن الشرط هو الخيار في خصوص المدة التي يتمكّن فيها من الفسخ فإثباته في غير مورد الشرط أعني غير المدة التي يتمكّن فيها من الفسخ إثبات للحكم في غير موضوعه، والاستصحاب على تقدير جريانه في الشبهات الحكمية إنّما هو فيما إذا كان الموضوع باقياً وكان الاستصحاب إبقاء للحكم على موضوعه، لا فيما إذا ارتفع موضوعه وكان استصحابه من قبيل إسراء حكم الموضوع المرتفع إلى موضوع آخر ولعله ظاهر.
وأما إذا كان المدرك حديث نفى الضرر فهو أيضاً كسابقه يمنع عن جريان الاستصحاب بعد الآن الأول، وذلك لأنّه إنّما ينفي الضرر وأن اللزوم الموجب لتضرّر المشتري مثلاً مرتفع في الشريعة المقدّسة، ومن الظاهر أنّ اللزوم في الآن الثاني مع عدم فسخه باختياره في الآن السابق ليس ضررياً عليه، وإنما الضرري هو اللزوم الدائمي ويرتفع الضرر بجعل الخيار له في الآن الأول فإذا تركه حينئذ باختياره فلا يكون اللزوم في الآن المتأخّر ضررياً في حقّه، فلا يمكن استصحاب
ارتفاع اللزوم بعد ذلك الآن لأنّه ثبت للمتضرر وهو في الآن المتأخر ليس متضرراً، والاستصحاب لا يتمكن من إسراء حكم موضوع إلى موضوع آخر.
وأما إذا اعتمدنا على الاجماع فعدم جريان الاستصحاب أوضح، وذلك لأن
الاجماع دليل لبّي ويكتفى فيه بالمقدار المتيقن ولا يدرى أثبت الحكم على عنوان المتضرّر أو على عنوان المغبون وأنّه قام على أنّ المتضرّر في المعاملة بالخيار أو على أنّ المغبون متمكّن من الفسخ، ومن هنا نشك في بقاء الموضوع لأنّه إن ك--ان ه-و عنوان المتضرر فهو مرتفع قطعاً، لأنّ المشتري في الآن الثاني مع تركه الخيار في الآن السابق باختياره غير متضرّر، وإن كان هو عنوان المغبون فهو باق ومع الشك في بقاء الموضوع لا يجري الاستصحاب.
فالمتحصّل إلى هنا : أنّ الاستصحاب لا مجال له في المقام، بل الصحيح هو التمسّك بالعمومات كما مرّ، وعلى تقدير التسليم فكما لا يمكن التمسّك بالعمومات فلا يمكن التمسّك بالاستصحاب خلافاً لشيخنا الأستاذ (قدّس سرّه) ولشيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) بحسب المدرك وإن كنّا موافقين لهما في النتيجة، بل مقتضى التمسّك باستصحاب الفساد في الفسخ عدم ترتيب الأثر عليه للشك في صحته وتأثيره وأصالة الفساد يقتضي عدم تأثيره (على مناقشة في ذلك) وعلى هذا فالخيار على الفور لا على التراخي.
بقي الكلام في معنى الفور، فيمكن أن يراد منه الآن الأوّل بعد العلم بالغين بالدقة العقلية بأن يكون الآن العقلي مورداً للخيار ويرتفع في الآن الثاني بعده على تقدير عدم الفسخ في الآن الأول.
كما يحتمل أن يراد منه الفور بالمعنى العرفي بمعنى أنّه لا يلزمه إعمال الخيار في الآن العقلي بعد العلم بالغبن بل بحيث يعدّ فوراً لدى الع--رف، فإذا ع-ل-م ب-الغبن واشتغل بحاجياته من الصلاة أو الأكل ونحوهما ثمّ فسخ بعد ذلك نفذ لأن-ه ف-ور
عرفي.
ويحتمل في المقام معنى متوسط بين العقلي والعرفي وهو أن يقال : إن المراد بالفور هو أن لا يصدق عليه المتواني عندهم، وهذا أمر يختلف باختلاف الموارد والأشياء بحسب الكبر والصغر، مثلاً إذا أراد فسخ معاملة واقعة على قرية فإنّه يتوقف على إحضار عالم أو الحضور عند مدير الأملاك، فلا يصدق عليه المتواني في تأخير إقامة مجلس الفسخ، وهذا بخلاف ما لا يتوقف فسخه على تمهيد مجلس أو إحضار عالم، كما لا يصدق التواني فيما إذا علم به في منتصف الليل وأخر الفسخ إلى بعد الطلوع، فإنّه لا يصدق عليه المتواني وليس للبائع أن يقول أين كنت في هذه المدة، وهذا بخلاف من علم بالغبن في اليوم وأخر الفسخ إلى اليوم الثاني أو الثالث فإنّه من التواني عرفاً.
وبالجملة : المناط هو صدق ذلك فلا يصدق على من علم به عند طلوع الشمس وأخره إلى بعد ساعة من افتتاح السوق، ويختلف هذا باختلاف الحالات والأشياء وهو موكول إلى العرف، وليس مضيّقاً كالنظر العقلي ولا موسعاً بسعة النظر العرفي حتى لا يمنع عنه الاشتغال بالحاجيات، بل هو أمر متوسط بينهما كما لا يخفى.
وممّا ذكرناه يظهر أنّ الناسي أو الجاهل بالخيار حكماً أو موضوعاً لا يعدّ عندهم من المتواني فلا يسقط خيارهم بذلك، هذا تمام الكلام في خيار الغبن.
الموضوع / الصفحة
الخيارات - 1
معنى الخيار لغة واصطلاحاً...3
أصالة اللزوم في البيع ...12
معاني الأصل ...18
معنى قول العلّامة : لا يخرج من هذا الأصل إلّا بأمرين... 20
أدلة أصالة اللزوم ...20
1 - الاستدلال بآية (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) ...20
2 - الاستدلال بآية (أَحَلَّ اللّه البيع)... 27
3- الاستدلال بآية (لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ...)... 33
4 - الاستدلال برواية «لا يحل مال امرئ...» ...35
5 - الاستدلال برواية «الناس مسلّطون على أموالهم»... 37
6 - الاستدلال برواية «المؤمنون عند شروطهم»... 38
7 - الاستدلال برواية «البيعان بالخيار» ...40
الاستدل بالاستصحاب ...42
الأصل عدم اللزوم في مثل المسابقة ...44
أصالة اللزوم في الشبهات الموضوعية... 45
أقسام الخيار... 48
1 - خيار المجلس ...49
معنى المجلس... 49
دليل خيار المجلس... 49
ثبوت خيار المجلس للوكيل ...50
خيار المجلس للوكيل في إجراء العقد فقط ...50
خيار المجلس للوكيل المفوض ...59
خيار المجلس للوكيل في البيع والشراء ...60
خيار المجلس للموكل ...61
ثبوت خيار المجلس لمتعدّدين ...66
خيار المجلس للفضولي ...68
خيار المجلس لعاقد واحد... 69
استثناء بعض أشخاص المبيع عن خيار المجلس ...75
الأوّل : مر : من ينعتق على أحد المتبايعين... 75
الثاني : العبد المشترى من كافر ...82
الثالث : شراء العبد نفسه ...84
الرابع : شراء الجمد في الصيف ...86
خيار المجلس في غير البيع من المعاملات ...87
مبدأ خيار المجلس ...88
مسقطات خيار المجلس... 92
المسقط الأوّل : اشتراط السقوط ضمن العقد ...92
أقسام اشتراط عدم الخيار ...97
اشتراط السقوط قبل العقد... 104
مورد عدم جواز اشتراط عدم الخيار في العقد ...108
المسقط الثاني : الإسقاط بعد العقد ...109
لو قال أحدهما لصاحبه اختر ...112
إذا فسخ بعض من له الخيار وأمضى الآخر ...114
المسقط الثالث : افتراق المتبايعين ...118
معنی الافتراق المسقط للخيار ...118
ما يحصل به الافتراق ...129
إفتراق المتبايعين عن إكراه ...121
إفتراق أحد المتبايعين عن إكراه ...135
حكم ما لو زال الاكراه ...140
المسقط الرابع : التصرف ...142
2 - خيار الحيوان ...145
عموم الخيار لكل حيوان ...145
عموم هذا الخيار للمبيع الكلي ...148
شهرة اختصاص الخيار بالمشتري ...151
عدم الفرق بين الأمة وغيرها في مدة الخيار ...157
مبدأ خيار الحيوان ...158
دخول الليلتين المتوسطتين في الثلاثة أيام ...169
مسقطات خيار الحيوان ...172
3 - خيار الشرط... 182
أدلة خيار الشرط ...182
جعل الخيار إلى آخر العمر ...190
عدم الفرق بين اتصال زمان الخيار بالعقد وانفصاله عنه ...191
اشتراط تعيين مدة الخيار... 192
مبدأ خيار الشرط... 197
جعل الخيار للأجنبي... 201
اشتراط استثمار الأجنبي... 209
بيع الخيار... 214
التنبيه على أمور : ...
1 - وجوه تصوير بيع الخيار ...215
2 - أنحاء الثمن المشروط ردّه ...217
3 - كفاية مجرد ردّ الثمن في تحقق الفسخ ...223
4 - مسقطات بيع الخيار ...224
5 - تلف المبيع أو الثمن ...233
6 - ردّ الثمن إلى الوكيل أو الولي ...242
7 - رد البائع بعض الثمن... 246
8 - اشتراط المشتري الفسخ برد المثمن ...251
الكلام في جريان خيار الشرط في جميع العقود والايقاعات...253
4 - خيار الغبن ...276
شروط ثبوت خيار الغبن ...276
أدلّة خيار الغبن... 277
ثبوت خيار الغبن مع الشك في القيمة السوقية ...298
صور التفاوت بين الثمن وما اعتقده من القيمة ...299
اعتبار قيمة حال العقد ...302
ثبوت خيار الغبن للوكيل ...306
صور الاختلاف بين الغابن والمغبون ...307
تحديد المقدار الذي يتسامح فيه والذي لا يتسامح فيه ...315
كون الضرر في المعاملات نوعياً وفي العبادات شخصياً ...320
كيفية تصوير الغبن من الجانبين ...324
مبدأ خيار الغبن ...329
مسقطات خيار الغبن... 335
1 - إسقاطه بعد العقد... 335
2 - اشتراط سقوطه في متن العقد ...343
3 - تصرف المغبون فيها انتقل إليه... 347
4 - تصرّف المشتري المغبون قبل العلم بالغبن ...351
عدم الفرق في تصرف المغبون بين البائع والمشتري ...354
عدم الفرق في التصرف المخرج عن الملك بين التلف الحقيقي والحكمي... 354
حكم التصرف بمثل التصرفات الجائزة ...355
حكم التصرف بمثل الاجارة... 356
إذا تغيّرت العين بالامتزاج أو بنقيصة أو بزيادة ...357
لو اتفق زوال المانع عن الردّ ...359
حكم تصرف الغابن بالنقل أو التلف ...361
لو اتفق عود الملك إلى الغابن ...365
تصرف الغابن تصرفاً مغيّراً للعين...367
حصول الشركة بين المغبون والغابن مع تصرّفه بما يوجب الزيادة...373
حكم الزرع الذي زرعه الغابن إذا أراد ردّ الأرض ...376
الفرق بين خيار الغبن والتفليس ...386
حكم التغيّر بالامتزاج... 388
أقسام المزج وأحكامه ...390
حكم تلف العوضين ...397
جریان خيار الغبن في غير البيع... 406
الكلام في فورية خيار الغبن... 410
فهرس الموضوعات... 428