ghaemiyeh.com
سرشناسه : غروی، علی، 1280 - 1376.
عنوان قراردادی : المکاسب.شرح
عنوان و نام پديدآور : التنقیح في شرحالمکاسب: تقریرا لابحاثالاستاذ... ابوالقاسم الموسویالخوئی/ تالیف علی الغروی.
مشخصات نشر : قم: موسسه احیاء آثار الامام الخوئی (قدس سره)، [ 14] ق.= [ 2] م.= [ 13] -
مشخصات ظاهری : ج.
شابک : ج.36: 964-7336-35-7 ؛ ج.33964-6084-06-0 : ؛ ج.37: 964-7336-36-5 ؛ ج.38:964-7336-37-3 ؛ ج.39:964-7336-38-1 ؛ ج.40964-7336-39-X :
وضعیت فهرست نویسی : برونسپاری
يادداشت : عربی.
يادداشت : ج. 33، 37،36 و 40 (چاپ سوم: 1428ق.=2007م.= 1386).
مندرجات : .- ج.33. النکاح.- ج.36 - 37. البیع.- ج.38 - 40. الخیارات
موضوع : انصاری، مرتضی بن محمدامین، 1214-1281ق . المکاسب -- نقدو تفسیر
موضوع : معاملات (فقه)
شناسه افزوده : خوئی، سیدابوالقاسم، 1278 - 1371.
شناسه افزوده : انصاری، مرتضی بن محمدامین، 1214-1281ق . المکاسب . شرح
شناسه افزوده : موسسه احیاء آثار الامام الخوئی (ره)
رده بندی کنگره : BP190/1/الف8م70217 1300ی
رده بندی دیویی : 297/372
شماره کتابشناسی ملی : 1150126
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمِینَ
وَالصَّلَاۀُ وَالسَّلَامُ عَلَی سَیِّدَنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِین َ
وَ لَعْنَۀُ اللهِ عَلَی اَعْدَائِهِمْ أَجْمَعِینَ
مِنَ الْآن إِلَی قِیَامِ یَوْمِ الدِّینْ
التَّنْقِیحُ فِی شَرْحِ الْمَکَاسِبِ
التَّنْقِیحُ
فِی شَرْحِ الْمَکَاسِبِ
تَقْرِيراً لِأَبْحَاثْ
الأُسْتَاذِ الْأعْظَمْ سَمَاحَۀِ آیۀ الله العُظْمَی
السِّیِّد اَبُوالْقَاسِمِ الْمُوسَوِیِّ الْخُوئِی(قدّس سرّه الشریف)
« 1317-1413ه- »
الْبِیْعُ
تاليف آيَةُ الله
الشَّهِيدِ الشَّيْخْ مِيرْزَا عَلِی الْغَرَوي(قدّس سرّه الشریف)
طبعۀ مُنَقَحَۀْ
مُؤَسّسةُ الْخُوئِى الْأِسْلَامِيَّةْ
AL-KHOEI ISLAMIC FOUNDATION
جميع الحقوق محفوظة ومسجّلة
لمؤسّسة الخوئي الإسلامية
الجزء السابع والثلاثون
الناشر: مؤسّسة إحياء آثار الإمام الخوئي(قدّس سرّه الشریف)
(مؤسّسة الخوئي الإسلامية)
هاتف: 2932264 251 98 + - 9121530367 98 +
تاريخ الطبع: 1430 ه- ، 2009 م
المطبعة: نينوى
الطبعة: الرابعة
عدد النسخ: 1000 دورة
ISBN: 5
5 - 36 - 1336 - 964 :ISBN
Emil: info@alkhoei.net
www. alkhoei.com
www. alkhoei.net
والكلام فيه يقع في اُمور :
الأول : يشترط في المجيز أن يكون جائز التصرّف حال الاجازة لا محالة فلو كان مجنوناً أو سفيهاً أو محجوراً عن التصرفات حال الاجازة فلا اعتبار باجازته كما هو ظاهر ، وهذا من دون فرق بين القول بالكشف والنقل ، وذلك لأنّ الكلام في شرائط المجيز من جهة أنه تصرّف في المال فيعتبر في المتصرف أن يكون جائز التصرف في المال، وأمّا أنّ أثر الاجازة الصادرة م-ن-ها - بعد الفراغ ع-ن صحّتها - أي شيء هل تؤثّر في الملكية من حين العقد أو من حين الاجازة فهو مطلب آخر لا ربط له بشرائط المجيز، وإنّما هو راجع إلى مقدار تأثيرها كما لا يخفى .
الثاني : أنه اشترط بعضهم في صحة الفضولي وجود مجيز حين العقد واستدلّ عليه العلّامة (قدّس سرّه)(1)بأنّ صحّة العقد في حال العقد مع فقد المجيز ممتنعة فإذا امتنع في زمان امتنع دائماً ، لأنّ المستحيل لاينقلب إلى الامكان بعد الاستحالة فوجود المجيز بعد العقد ممّا لا أثر له ، هذا أوّلاً.
وثانياً : أنّ المشتري يتضرّر حينئذ لامتناع تصرّفه في العين لاحتمال عدم الاجازة بعد ذلك ، ولا في الثمن لاحتمال صدور الاجازة من المالك ، ومقتضى شمول
1) القواعد 1 : 124 .
قاعدة لا ضرر له عدم صحّة المعاملة فيما إذا لم يكن مجيز صحة المعاملة فيما إذا لم يكن مجيز للعقد حين المعاملة ، هذا .
وعدم المجيز للعقد حين المعاملة يتصوّر على وجوه :
أحدها : عدم ذات الجيز وفقد ذاتٍ من شأنها الاجازة للعقد ، وهذا غير متحقّق على مسلك الإمامية كما حكي عن البيضاوي(1)إذ لا يتصوّر ملك بلا مالك يجيز العقد ، لأنّ الإمام (عليه السلام) موجود في كل عصر وهو الولي على الأموال على الاطلاق ، بل لا يتم ذلك بناء على مسلك الجماعة أيضاً لأنّهم يرون الخلفاء أولياء على الأموال .
والحاصل أنّ فرض عدم ذات المجيز لا يتم في الأموال ، وأمّا في غيرها كما في زواج الصغير والصغيرة مع عدم وليّهما أو جدّهما والبناء على أنه لا ولاية لغير الأب والجدّ في نكاح الصغيرين كما هو أحد الأقوال في المسألة فلا مانع منه .
ثانيها : عدم المجيز بوصف التمكّن من الاجازة وإن كانت ذاته متحقّقة إلّا أنّه حين المعاملة غير حاضر ولا يتمكّن من الوصول إليه كما إذا وقعت المعاملة في بر لا يمكن الوصول فيه إلى المالك ، أو كان المالك نائماً أو كان بعيداً أو كان وليّه غائباً فلو لم يكن له مالك أبداً فالإمام (عليه السلام) أيضاً لا يمكن الوصول إليه .
وثالثها : عدم المجيز شرعاً وإن كانت ذاته متحقّقة ويتمكّن من الاجازة أيضاً ، إلّا أنّ الشارع منعه عن الاجازة كما إذا باع الفضولي مال اليتيم على خلاف المصلحة فإنّ الولي لا يمكنه الاجازة حينئذ لأنه على خلاف مصلحة اليتيم كما إذا باعه بنصف قيمته ونحوه ثمّ حال الاجازة بعد المعاملة صار بيعه على وفق المصلحة لحكم أو قانون حكومي يقضي بتخريب أمثال تلك الدور من دون دفع ثمن أصلاً .
فأمّا الأوّلان فلا ينبغي التكلّم في اعتبارهما أبداً ، إذ لا دليل على اشتراط
1) حكى عنه الشيخ في المكاسب 3 : 432 .
ذات الجيز أو المجيز بوصف التمكّن من الاجازة في صحة المعاملات ، واشتراطهما خالٍ عن الوجه بالكلّية ، بل ما ورد في صحّة زواج الصغيرين أدلّ دليل على عدم اعتبارهما في صحة الفضولي ، إذ لم يستفصل فيها بين وجودهما حال العقد وعدمه .
وكذا الحال في الوجه الثالث إذ لا يعتبر في صحة الفضولي أن يكون له مجيز حال العقد شرعاً بل العبرة بوجود المجيز حال الاجازة ، والذي يوضّح ذلك ملاحظة عكس المسألة أعني ما إذا كان بيع مال اليتيم على وفق المصلحة حين العقد ثمّ ترقّت قيمة المال حين الاجازة وكانت إجازة البيع على خلاف المصلحة فهل للولي إجازة العقد الصادر من الفضولي حينئذ بدعوى أنه كان على وفق مصلحة اليتيم ، ومن الظاهر أنّ الاجازة حينئذ لغو حيث إنّ استناد البيع للولي وبيعه المال إنّما هو بالاجازة والمفروض أنه على خلاف المصلحة فلا محالة تبطل الاجازة في مثلها ، لأنّ اقتراب مال اليتيم إنّما يجوز فيما إذا كان على وفق المصلحة فقد قال الله تعالى : وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ(1)وقبل الاجازة لم يتحقّق بيع للولي حتّى يكون العبرة بزمان العقد ، وإنّما هو يتحقّق حين الاجازة فالاعتبار بزمانها ، والمفروض أنّ البيع حينها على خلاف المصلحة فتبطل الاجازة .
ومنه يظهر الحال في المقام وأنّ كون البيع حين المعاملة على خلاف المصلحة لا يمنع عن صحة الاجازة فيما إذا كان البيع حين الاجازة على وفقها ، فإنّ العبرة إنّما هي بزمان الاجازة كما لا يخفى ، فوجود المجيز للعقد حينه على نحو يتمكّن م-ن الاجازة شرعاً غير معتبر في صحة المعاملة كما هو ظاهر .
فالمتحصّل : أنه لا يعتبر في الفضولي أن يكون له مجيز حال العقد ، لا بذاته ولا بوصف التمكّن من الاجازة عقلاً ولا بوصف التمكّن منها شرعاً ، بل الأول غير
1) الاسراء 17 : 34 .
متصوّر على مسلك الامامية ، والثاني أيضاً لا دليل على اعتباره بوجه ، بل الغالب أنّ المالك غير متمكّن من الاجازة حين العقد لعدم علمه أو لنوم ونحوهما وه-و ظاهر ، كما أنّ الثالث لا دليل على اعتباره لما مرّ ، والروايات الواردة في صحة الفضولي لم تستفصل بين وجود المجيز بذاته أو بوصف الاجازة عقلاً أو شرعاً وعدمه ولعلّه ظاهر .
بقي الكلام فيما استدُلّ به(1)للعلّامة (قدّس سرّه) على المدّعى في المقام : أمّا الاستدلال بلزوم الضرر على المشتري فهو - بعد انتقاضه بما إذا تمكّن المالك م-ن الاجازة عقلاً وشرعاً ولكنّه لا يجيز العقد ولا يردّه فإنه لا يلتزم ببطلان المعاملة حينئذ بل يذهب إلى الالتزام بالخيار أو إجبار المالك على أحدهما فلماذا لا يلتزم بهما في المقام - مندفع بأنّ ذلك مبني على لزوم العقد بالنسبة إلى الأصل في المعاملات الفضولية قبل الاجازة كما ذهب إليه شيخنا الأنصاري(2)ولكنّك عرفت أنّ العمومات لا تشمله قبل إجازة المالك أبداً ، بل للأصيل أن يتصرّف في ماله تصرّف الملّاك في ملكهم لاستصحاب عدم الاجازة في الأزمنة المتأخّرة .
وأمّا استدلاله عليه بأنّ صحة المعاملة والحال هذه ممتنعة فإذا امتنع في زمان امتنع دائماً ، فلم نفهم ماذا أراد هذا الرجل العظيم بهذا الكلام ، فإنّ الامتناع تارةً امتناع ذاتي نظير استحالة اجتماع النقيضين والتسلسل والدور والخلف الذي مرجعها إلى استحالة اجتماع النقيضين وارتفاعهما ، ومثله لا إشكال في امتناعه إلى الأبد ، لأنّ المستحيل لا ينقلب عن امتناعه بمرور الزمان ولا يختلف الحال فيه باختلاف الحالات، فلا يحتمل إمكان اجتماع النقيضين في زمان من الأزمنة أبداً
وأُخرى يكون الامتناع امتناعاً بالغير كامتناع المعلول لعدم علّته أو المشروط لعدم شرطه ، وهذا لا مانع من تبدّله إلى الوجوب بالغير بعد وجود علّته أو شرطه فضلاً عن تبدّله إلى الامكان ، وصحّة البيع في المقام من هذا القبيل لأنّها إنّما كانت ممتنعة حال العقد لفقد علّتها وشرطها فبعد ما تحقّقت العلّة فلا مانع من صيرورة الصحّة واجبة بالغير ولعلّه ظاهر .
وبعبارة اُخرى : الامتناع حين المعاملة إنّما هو من أجل عدم علّتها وهي بيع الولي ، والوجوب بعد الاجازة من جهة وجود علّته وهي البيع المتحقّق بالاجازة . فالمتحصّل : أنّه لا وجه لاشتراط وجود ذات المجيز ولا المجي-ز ب--وصف الاجازة عقلاً ولا بوصف التمكّن منها شرعاً في صحة المعاملات الفضولية أبداً
ولعلّه ظاهر .
الأمر الثالث : أنه لا يشترط في الجيز أن يكون جائز التصرف حين البيع وكونه كذلك يتصوّر على وجوه :
أحدها : أن لا يكون المجيز مالكاً للمال حال العقد ومن أجل ذلك لم يكن تصرّفه حال العقد جائزاً ، فعدمه مستند إلى عدم المقتضي للجواز .
وثانيها : أن لا يكون المجيز نافذ التصرف في المال لفقد شرط من شروط نفوذ تصرّفاته كما إذا كان مجنوناً أو صغيراً أو سفيهاً ثمّ صار عاقلاً أو بالغاً أو رشيداً حال الاجازة للبيع ، فعدم صحة تصرّفاته من جهة عدم شرطها .
وثالثها : أن لا يجوز له التصرف في المال حين العقد لأجل مانع كتعلّق حقّ الغير به كما إذا كانت العين مرهونة ثمّ أخرجها من الرهن حين الاجازة ، فعدم الجواز مستند إلى وجود المانع عنه .
فأمّا الصورة الأُولى : فعدم الملك حين العقد تارةً من جهة عدم الملك واقعاً وظاهراً كما إذا باع مال الغير ثمّ ملكه . وأُخرى من جهة عدم الملك ظاهراً مع كونه
مالكاً له بحسب الواقع كما إذا باع مال أبيه بظنّ حياته ثمّ انكشف موت الأب وأنه كان ملكه واقعاً . وثالثة من جهة عدم الملك تخيّلاً واعتقاداً مع كونه ملكه واقعاً كما إذا اعتقد أنّ المال ملك شخص آخر فباعه ثم انكشف أنه ملكه ، وسيأتي تفصيل الكلام في هذه المسألة بجميع صورها عن قريب إن شاء الله تعالى.
وأمّا الصورة الثانية : أعني ما إذا استند عدم جواز التصرفات حال العقد إلى فقد شرط من شرائط الجواز كما إذا كان مجنوناً أو سفيهاً أو صبياً ونحوها ، فلا ينبغي الإشكال في أنّ مقتضى العمومات والاطلاقات صحّة المعاملة الصادرة عن المجنون إذا تمشّى منه قصد المعاملة والسفيه والصبي وغيرها ، وعدم اشتراط صحتها بكون البائع المالك جائز التصرف في المال، غاية الأمر أنها تتوقّف على إجازة الولي كغيرها من المعاملات الفضولية ، أو على إجازة نفسه فيما إذا بلغ أو صار رشيداً بعد المعاملة ، وذلك لأنّ المعاملة حينئذ تامّة الأجزاء والشرائط ولا قصور فيها إلّا من ناحية الاستناد من أجل أنّ استناد المعاملة إلى المالك المجنون أو السفيه كلا استناد عند الشارع ولا اعتبار له عنده ، فلابدّ في صحّتها من استنادها إليه على وجه معتبر ، فإذا حصل الاستناد باجازة الولي أو باجازة نفسه بعد البلوغ والرشد فلا مانع من أن تشملها العمومات نحو أَوْفُوا بِالْعُقُودِ و أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ .
نعم لو كان قصور تلك المعاملات من جهة الانشاء لا الاستناد بأن التزمنا بعدم اعتبار إنشاء الصبي أو السفيه أو المجنون وأنه كلا انشاء عند الشارع ولو أجازه الولي أيضاً ، فلا محالة تبطل المعاملة في هذه الصورة لعدم اعتبار إنشاء البايعين في مثل الصبي والمجنون والسفيه ، إلّا أنّا ذكرنا أن إنشاء الصبي باجازة الولي ممّا لا مانع منه ، وعليه فالقصور مستند إلى عدم استناد صحيح وهو يحصل بالاجازة المتأخّرة
كما هو ظاهر ، والذي يوضّح ذلك ما ورد(1)، في صحّة نكاح الصغيرين من أنّ الزوجة إذا بلغت فأجازت النكاح صحّ وترث من زوجها لا محالة .
وأمّا الصورة الثالثة : وهي ما إذا استند عدم جواز التصرّف حين العقد إلى وجود مانع نظير حقّ الرهانة ونحوه، وفي هذا الفرض تارةً يكون البائع ه-و المرتهن ، فلا إشكال في صحته إذا أجاز المالك لأنّ بيع المرتهن بنفسه إسقاط لحقّه . وأُخرى يكون البائع أجنبياً فيحتاج إلى إجازة المرتهن وإجازة المالك معاً ك-ما سيأتي ، وإنّما الكلام فيا إذا كان البائع هو الراهن ثمّ أدّى دينه وفكّ الرهن فإنه قد يقال ببطلان البيع ويستدلّ له : بأنّ العقد مع تماميته من جميع الجهات واستناده إلى المالك لم يمضه الشارع حين المعاملة ، والمفروض أنه لم يحصل الاستناد ثانياً ، كما أنّ الشارع لم يمضه مرّة أُخرى ، فلا محالة يقع باطلاً لأنّ العقد حين وقوعه ممّا لم يمضه الشارع مع تحقّق الاستناد فيه ، فكيف يصحّ بعد ذلك مع أنه لم يرد عليه إمضاء آخر .
ومنه يظهر أنّ المقام لا يشبه المعاملات الفضولية أبداً ، لأنّ عدم صحّة الفضولي قبل إجازة المالك إنّما هو مستند إلى فقدان الاستناد فإذا حصلت الاجازة فيتمّ استناد العقد إلى المالك فلا مانع من صحته بوجه ، وأمّا في المقام ونظائره ممّا يحصل العقد من نفس من ينبغي أن يسند إليه ومع يسند إليه ومع ذلك لا يمضيه الشارع لتعلّق حقّ شخص آخر بالعين كما في نكاح بنت أُخت الزوجة أو بنت أخيها ، فلا مجال للصحّة فيه أبداً ، لأنه حين العقد لم يتعلّق به الامضاء مع تحقّق الاستناد وبعد ذلك أيضاً لم يتعلّق به إمضاء آخر فلا محالة يقع باطلاً ، هذا .
ولا يخفى أنّ عدم شمول العمومات لمثل بيع المرهونة أو نكاح بنت أُخت
1) الوسائل 26 : 219 / أبواب ميراث الأزواج ب 11 ح 1 وغيره .
الزوجة إنّما هو من جهة ما دلّ على اعتبار رضا المرتهن أو الزوجة أو غيرهما ولولاه لما كان من شمول العمومات لها مانع أبداً ، فهذا الدليل كالمخصّص والمقيّد لتلك العمومات ، فإذن لابدّ من ملاحظة مقدار دلالة ذلك الدليل وأنه دلّ على اعتبار رضا المرتهن أو الزوجة أو غيرهما إلى أي مقدار ، ولا إشكال في أنه دلّ على خروجها عن عموم أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ونحوه في حال عدم رضا من يعتبر إجازته ورضاه ، فإذا لحقه الرضا ممّن يعتبر إجازته أو سقط حقّه فلا محالة يتمّ العقد فيشمله العمومات .
وبالجملة : أنّ هذا الدليل ليس من قبيل المخصّص الفردي الذي يخرج الفرد عن تحت العمومات الشاملة له حتّى نحتاج في دخوله تحتها إلى دليل ، بل هو مخصّص زماني للفرد في بعض الحالات وهو حال عدم الرضا ، فإذا ارتفع فالعمومات تشمله في سائر الحالات من الابتداء ولا نحتاج في شمولها له إلى دليل آخر عليه ، وهذه من صغريات الكبرى المعروفة وهي أنّ المتعيّن عند دوران الأم--ر ب--ين التقييد والتخصيص هو التقييد ، لأنه المقدار المتيقّن في البين ، وفي المقام الأمر يدور بين تخصيص العمومات بهذا الفرد من البيع حتّى يقع فاسداً وبين تقييد العمومات بحالة عدم كون الملك طلقاً لأجل الرهانة وعدم رضا من له الحقّ ، فإذا ارتفعت الحالة المانعة عن شمولها فلا مانع من شمول الاطلاقات والعمومات بوجه ولعلّه ظاهر فالبيع في المقام وإن لم تشمله العمومات بحسب الحدوث إلّا أنّها تشمله بحسب البقاء بعد ارتفاع الحالة المانعة كما لا يخفى .
والذي يدلّ على ذلك ما ورد(1)في صحة نكاح العبد فيما إذا أجازه سيده معلّلاً بأنه لم يعص الله وإنّما عصى سيده فإذا أجاز جاز ، فإنه يدلّ على أنّ العقد
1) الوسائل 21 : 114 / أبواب نكاح العبيد والاماء ب 24 ح1، 2 .
المتوقّف على إجازة الغير إنّما يقع صحيحاً فيما إذا أجازه الغير ، وبيع المرهونة في المقام من هذا القبيل فإنه يحتاج إلى إجازة المرتهن ما دام حقّ الرهانة باقياً أو إلى إجازته وإجازة المالك معاً فيما إذا باعها الأجنبي مثلاً ، وأمّا بعد سقوط حقّ الرهانة فتشمله العمومات ، وعليه فلا وجه لما استدلّ به على بطلان بيع العين المرهونة بوجه . ومنه يتّضح صحّة نكاح بنت أُخت الزوجة أو أخيها فيما إذا رضيت ب--ه زوجته .
بقي الكلام في أمرين ثانيهما عمدتهما ، الأول : أنّ المعاملة بعد ما خرجت العين عن الرهانة وفكّت عن حقّ المرتهن وصارت طلقاً هل تحتاج إلى إجازة المالك أو لا ؟ والثاني في أنّ الاجازة على تقدير لزومها في المقام يجري فيها نزاع الكشف والنقل أو أنّها ناقلة في المقام وإن قلنا بالكشف في غيره .
أمّا المقام الأول : فالظاهر أنه لا حاجة إلى إجازة المالك بعد صيرورة الملك طلقاً بفكّ المال عن الرهانة ، لأنّ المعاملة مستندة إلى المالك على الفرض وإنّما كان المانع من صحّتها حقّ المرتهن وقد سقط حقّه .
وأمّا الثاني فالاجازة على تقدير لزومها في المقام تتمحّض في الناقلية دون الكشف وفاقاً للمحقّق الثاني ومن تبعه حيث إنه مع إصراره على الكشف في الاجازة (1)التزم بالنقل في المقام ، والوجه في ذلك أنّ نزاع الكشف والنقل إنّما يجري فيما إذا كان العقد تامّاً . من جميع الجهات وكان متوقّفاً على الاستناد إلى المالك فقط فعند حصول الاستناد إليه بالاجازة يمكننا الالتزام بأنّ هذا الاستناد الفعلي تعلّق بالعقد المتقدّم ، فتكون الاجازة من الآن متعلّقة بالملكية من حال العقد وهو ممّا لا ضير فيه كما تقدّم سابقاً .
1) جامع المقاصد 4 : 74 .
وأمّا إذا كانت صحة العقد متوقّفة على أمر آخر مضافاً إلى توقّفها على الاجازة ففي مثله لا يمكن الالتزام بأنّ الاجازة تكشف عن الملكية من حال العقد كيف وهي . تتوقّف على أمر آخر حسب الفرض . نعم لا مانع من الالتزام بالكشف في المقدار الممكن وهو زمان حصول ذلك الأمر الآخر ، مثلاً إذا عقد الفضولي بيع الصرف يوم السبت وقبضه يوم الأحد وأجازه المالك يوم الاثنين فالاجازة لا معنى لأن تكون كاشفة عن الملكية يوم السبت ، لأنّها تتوقّف على القبض وه-و مفقود في ذلك اليوم ، نعم لا مانع من الالتزام بالكشف عن الملكية يوم الأحد لحصول القبض والاقباض حينئذ ، فالعقد تام والاستناد قد حصل يوم الاثنين وتعلّق بذلك العقد الواقع سابقاً فتؤثّر في الملكية في زمان يمكن فيه الملك كما عرفت وفي المقام لمّا كانت صحّة العقد الواقع على العين المرهونة متوقّفة على فكّ الرهانة أو إجازة المرتهن والمفروض أنّ الاجازة منتفية والفكّ إنّما حصل بعد الفقد بزمان أوجبت الاجازة المتأخّرة انتقال الملك من حين الانفكاك والطلاقة دون حين العقد والمعاملة ، وهذا هو معنى النقل الذي نلتزم به في المقام في مقابل الكشف عن الملكية من حين العقد ، هذا كلّه فيما إذا كان عدم جواز التصرف حال العقد مستنداً إلى فقدان الشرط أو وجود المانع عنه .
وأمّا فيما إذا كان مستنداً إلى عدم المقتضي وهو الملك فقد قسّمه شيخنا الأنصاري إلى أقسام : لأنه تارة لنفسه ثمّ يملكه بسبب اختياري كالاشتراء أو غیر اختياري كالارث . وأُخرى يبيعه للغير ثمّ يملكه . وثالثة يبيعه بتخيّل أنه ملك الغير أو بعنوان كونه للغير ظاهراً ثمّ ينكشف أنه ملكه .
والكلام فعلاً يقع في :
المسألة الاُولى
وهي ما لو باع شيئاً لنفسه ثمّ ملكه ، ولنفرض الكلام فيما إذا أجازه بعد الملك ثمّ نتكلّم فيما إذا ردّه بعد ذلك ، فقد نسب إلى الشيخ الطوسي (قدّس سرّه)(1)القول بالصحة في المسألة ، لأنّه (قدّس سرّه) ذهب إلى أنّ المالك فيما إذا باع مالاً زكوياً قبل إخراج الزكاة منه ثمّ أدّى عوضه بشيء آخر يقع البيع صحيحاً ، وهذه المسألة بعينها مسألة من باع شيئاً ثمّ ملك بناء على أنّ حقّ الفقراء في الزكاة متعلّق بالمال وأنّهم شركاء للمالك في المال الزكوي ، فإذا باعه بتمامه فقد باع حصة الفقراء فضولاً ثمّ ملكها بأداء عوضه خارجاً ، فلذا أورد عليه المحقّق في المعتبر(2)وغيره في غيره بأنّ ذلك من الشيخ مبني على جواز بيع مال الغير فيها إذا ملكه بعد ذلك مع أنه باطل لأنه حين العقد لم يكن مالكاً وحين الملك لم يتحقّق البيع.
واحتمل شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه )(3)أن يكون حكم الشيخ في المسألة مبنياً على عدم تعلّق الزكاة بالعين الخارجية حتّى يكون المال الزكوي مشتركاً بين المالك والفقير بل تتعلّق بها على نحو تعلّق حقّ الرهانة بها فيكون من باب وجود المانع لا عدم المقتضي ، هذا .
والتحقيق أنّ ما ذهب إليه الشيخ (قدّس سرّه) في المقام ليس مبنياً على طبق القاعدة ، وإنّما حكم بما حكم لأجل ما ورد في المسألة من النصّ وقد نقله السيّد (قدّس سرّه) في الحاشية(4)وتعرّض له شيخنا الأنصاري في كتاب الزكاة(5)ولا يلزم
في الرواية أن تكون على طبق القاعدة ، فكلامه وحكمه (قدّس سرّه) من جهة النصّ لا من جهة أنّ صحته على طبق القاعدة
والعجب من المحقّق وشيخنا الأنصاري (قدّس سرّهما) كيف رضيا بحمل كلامه على احتمالات بعيدة ولم يحتملا أن يكون ذلك منه من جهة النصّ الوارد في المسألة .
وكيف كان ، فقد ذهب جماعة إلى بطلان البيع في المقام ومنهم الشيخ أسد الله التستري (قدّس سرّه)(1)واستدلّ عليه بوجوه ، ومن المعلوم أنّ مقتضى القاعدة والعمومات والاطلاقات صحّة البيع وعدم اشتراط المعاملة بالملك حال العقد فلننظر إلى ما استدلّ به المانع في المقام فإن تمّ فهو ، وإلّا فمقتضى القاعدة هو الصحّة كما عرفت .
الوجه الأوّل : ما ذكروه في بطلان بيع الغاصب وهي أُمور :
الأول : أنّ الغاصب غير قاصد لحقيقة المبادلة ، والمقام أيضاً كذلك حيث إنّ الفضولي باع المال لنفسه مع علمه بأنه ملك الغير فكيف يتحقّق منه قصد المعاوضة الحقيقية حيث إنّها تقتضي خروج المال عن كيس من دخل المال في كيسه ، وهذا مفقود في المقام فلا محالة تقع المعاملة فاسدة .
وقد مرّ هذا الإشكال في بيع الغاصب سابقاً وأُجيب عنه بوجوه يأتي بعضها في المقام ولا يأتي فيه بعضها الآخر ، منها : أنّ الغاصب قد سرق الاضافة من المالك ونسبها إلى نفسه وادّعى المالكية لنفسه ، وبهذه الدعوى والتخيّل يراه مال نفسه فلذا لو سألناه عن أنه لمن ، فيجيب بأنه لي فهو قاصد للمعاوضة الحقيقية غاية الأمر اعتقاداً أو ادّعاء كما هو الحال في الغاصبين والسارقين ، فهذا الجواب لا يجري في المقام لأنّ البائع لا يدّعي أنه له بل مع إقراره بأنه ملك الغير واعترافه بأنه للمالك
1) مقابس الأنوار : 134
يبيعه لنفسه حتّى يشتريه من مالكه فيسلّمه إلى المشتري أو يدفعه إليه بعد موت أبيه ومورّثه كما قد يتّفق ذلك في الآباء الأثرياء الذين لا يعطون لأولادهم شيئاً فأبناؤهم يبيعون أموال مورّثهم بالمعاملات القطعية الرسمية ك-ي يدفعونها إلى المشترين بعد موت المورّثين ، هذا كلّه على تقدير تمامية الجواب المذكور في بيع الغاصب بناء على أنه سرق الاضافة المالكية ونسبها إلى نفسه دون الفضولي ، وأمّا بناء على أنه لا معنى لسرقة الاضافة لأنّ السرقة إنّما هي في المال فكيف يسرق الاضافة ، فهذا الجواب لا يتمّ في شيء من المقامين .
ومنها : أي من الأجوبة المذكورة في بيع الغاصب أنّ المعاملة إنّما تتقوّم بالمبادلة بين المالين كما يظهر من تعريفهم للبيع بأنه مبادلة مال بمال ، وهذه المبادلة التي بها يتقوّم البيع حقيقة متحقّقة في بيع الغاصب أيضاً لأنه قد بدّل المال بالمال ، نعم ضم إلى تلك المبادلة ضميمة أُخرى وهى أن يكون الثمن لنفسه ، وبما أنّ هذه الضميمة غير صحيحة عند العرف والشرع فلا محالة تلغو بخلاف أصل المبادلة بين المالين، فحقيقة المعاوضة متحقّقة في بيع الغاصب.
وهذا الجواب يجري في المقام من جهة أنّ الفضولي أوجد المبادلة بينهما أي المالين وضمّ إليها كون الثمن لنفسه فتلغو تلك الضميمة ، بخلاف المبادلة بين المالين .
الثاني : لبعض الأخبار والروايات الواردة بمضمون النهي عن بيع ما لا تملكه أو أنه لا يبيع إلّا في ملك ونحوهما ، ولا نتعرّض لها في المقام لأنّها تأتي في الوجه السابع من إشكالات الشيخ أسد الله التستري في المسألة وهناك نتعرّض إلى تفصيلها إن شاء الله تعالى .
الثالث : أنّ المالك إذا أجاز المعاملة فبالاجازة لا تقع المعاملة للغاصب أبداً وإنّما الاجازة توجب استناد العقد إلى المالك لا إلى غيره ، وعليه يصدق أن يقال إنّ ما وقع لم يتعلّق الاجازة به لأنّ الغاصب باعه لنفسه ، وما تعلّقت الاجازة به فهو
غير واقع إذ الواقع هو البيع لنفسه لا للمالك كما عرفت .
وهذا الإشكال لا يجري في المقام لمطابقة الاجازة للعقد الصادر من الفضولي حيث إنه باعه لنفسه ثمّ ملكه فأجازه، ومعناه أنّي راض بالمعاملة السابقة وهي بيعه لنفسه ، فالاجازة مطابقة للعقد . هذا كلّه بالنسبة إلى الوجه الأوّل ممّا استدلّ به التستري للمنع .
الوجه الثاني : أنه يشترط في صحّة البيع أُمور ثلاثة : الملك ، ورضا المالك والقدرة على التسليم ، ونلتزم بتحقّق هذه الشروط في المالك في بيع الفضولي له ، لأنّ البائع الحقيقي هو المالك دون العاقد كما هو ظاهر ، وأمّا في المقام فلا تتحقّق هذه الشروط للمالك حين العقد ، وذلك لأنّ المالك قد خرج عن قابلية الاجازة للعقد بالموت في بيع الوارث أو بالبيع للعاقد في غيره ، وإنّما تعتبر إجازة العاقد بعد ما صار مالكاً للمال دون المالك حال العقد ، فمن اعتبر رضاه في المسألة ليس بمالك ح--ال العقد ، والمالك حال العقد لا يعتبر رضاه ، هذا .
وقد حلّله شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1)إلى وجهين : أحدهما عدم الرضا ممّن يعتبر رضاه ، وثانيهما عدم القدرة على التسليم . وأجاب عن الأوّل بأنّ المعتبر من الرضا إنّما هو رضا المالك حال الرضا لا رضا المالك حال العقد ، لأنّ الدليل على اشتراط الرضا في المعاملات هو قوله تعالى : لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ(2)وقوله (عليه السلام) « لا يحلّ مال امرئ إلّا عن طيب نفسه » (3)ومقتضاهما اعتبار الرضا من المالك حال الرضا لا أزيد من ذلك .
وأجاب عن الثاني بأنّ القدرة على التسليم وإن كانت معتبرة في حقّ المالك حين العقد ولا يكتفى بحصول القدرة في المالك حال الاجازة ، إلّا أنه كلام آخر لا ربط له بالمقام .
توضيح ذلك : أنّ مقتضى الدليلين اعتبار الرضا من المالك بالبيع ، والمعاملة والبيع إنّما يتحقّقان عند الاستناد والاجازة ، فالمعتبر من رضا المالك رضا المالك حال الاجازة والمفروض أنّ المالك حالها راض بالمعاملة كما لا يخفى ، وأمّا القدرة على التسليم فهي وإن كانت معتبرة حين المعاملة حيث إنّ الكلام في البيع التام من حيث الأجزاء والشرائط ومع عدم قدرة المالك على التسليم حين المعاملة لا تكون تامّة من حيث الشرائط فلا محالة تقع باطلة ، إلّا أنّ المفروض قدرته على تسليم المبيع حينئذ ، فلو لم يقدر على التسليم حين المعاملة وكانت المعاملة باطلة من هذه الجهة فهو أمر آخر لا ربط له بالمقام، لأنّ الكلام في صحّة البيع الصادر عن الفضولي فيما إذا ملكه ثمّ أجاز ، وبطلانه من أجل عدم القدرة على التسليم أمر آخر وذلك ظاهر ، هذا ملخص ما أفاده شيخنا الأنصاري في المقام .
ولا يخفى أنّ اعتبار القدرة على التسليم (دون نفس التسليم الخارجي فإنه من الشروط الضمنية) إمّا من جهة الاجماع المدّعى على اعتبارها ، وإمّا من جهة النهي عن الغرر حيث إنّ المعاملة مع عدم قدرته على التسليم خطرية لاحتمال أن لا يقدر عليه أبداً كبيع الطير في الهواء أو السمك في الماء ، وشيء منهما لا يقتضي اعتبار القدرة في المالك حال المعاملة والانشاء . أمّا الاجماع فلأنه إنّما انعقد على اعتبار القدرة في المتعاملين والمتعاقدين، والمعاملة والمعاقدة إنّما تتحقّق في المالك بالاجازة والاستناد لا بمجرد إنشاء البيع على ماله فضولاً ، فمقتضى الاجماع اعتبارها في المالك حال الاجازة لا العقد . وأمّا النهي عن بيع الغرر فلأنّ الخطر والغ--رر إنّم-ا يتوجّه إليه بعد تحقّق حقيقة البيع بالاجازة وأمّا قبلها فلا خطر يتوجّه إلى شخص
فلابدّ من قدرته على التسليم حين الاجازة لئلّا يتوجّه الخطر إلى صاحبه .
وكيف كان ، فما أفاده شيخنا الأنصاري من اعتبار القدرة على التسليم حال العقد ممّا لا وجه له ، بل المعتبر هو القدرة عليه حال الاجازة وهي متحقّقة في المقام من دون فرق بين كون المالك حال الاجازة هو المالك حال العقد وكونه شخصاً آخر ، وصل إليه المال بالارث أو البيع .
قد ذكرنا أن ّمقتضى العمومات والاطلاقات صحّة البيع في من باع شيئاً ثمّ ملكه فأجاز كما ذهب إليه شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) وجماعة ، وخالفهم في ذلك الشيخ أسد الله التستري وتابعوه فذهبوا إلى البطلان ، واستدلّ عليه التستري بأنه غير قاصد للمعاوضة الحقيقية بل إنّما تكلّم بلفظ البيع مجازاً أو غلطاً. وقد أُجيب عن هذا الإشكال في بيع الغاصب لنفسه بوجهين وذكرنا أنّ الوجه الثاني من الوجهين المذكورين هناك يأتي في المقام دون الوجه الأول .
ولكن الانصاف أنّ هذا الإشكال في المقام ممّا لا مدفع له أبداً وأنّ شيئاً من الوجهين لا يأتي في المقام ، وتوضيح ذلك : أنّ الغاصب إنّما قصد المعاوضة الحقيقية من أجل ما طبقه على نفسه غلطاً وادّعاء بأنه المالك للمال ، وقد قصد خروج المال من ملكه إلى ملك المشتري ودخول الثمن من ملكه إلى نفسه ، فهذه معاوضة حقيقية غاية الأمر أنه غلط في تطبيق المالك على نفسه نظير ما ادّعاه السكاكي في المجازات من أنها مستعملة في معانيها الحقيقية غاية الأمر ادّعاء وبناء ، ومن الواضح أنّ الفضولي في المقام لا يدعي الملك أبداً ، فهذا الجواب غير جارٍ فيما نحن فيه بوجه .
وأمّا الجواب الثاني فهو أيضاً كالسابق لا يجري فيها نحن فيه ، وذلك لأنّ البيع لنفسه على قسمين :
فتارةً يبيع الوارث فعلاً ما سيملكه بعد موت مورّثه على نحو الواجب المشروط بأن يكون الانشاء فعلياً والمنشأ أمراً استقبالياً ، وفي مثل ذلك لا إشكال في أنه قصد المعاوضة الحقيقية في ظرف الموت إلّا أنه باطل من أجل التعليق حيث إنه باعه معلّقاً على تقدير الموت والملك ، وهذا داخل تحت معقد إجماعهم على أنّ التعليق مبطل في العقود وإن قلنا بعدم بطلانه فيما إذا علّقه على ملكه فعلاً كما إذا قال : بعتك إن كان ملكي لأنه تعليق على ما يتوقّف عليه صحّة العقد فعلاً وهذا بخلاف التعليق على الملكية المتأخّرة .
وأُخرى يبيع المال فعلاً قبل موت المورّث أو قبل اشترائه على أن يكون الثمن راجعاً إليه وإن كان المثمن للغير ، وفي مثل ذلك كيف تتحقّق المعاوضة الحقيقية من الفضولي لأنه هبتان مجّانيتان وليس من المعاملة والمعاوضة في شيء . وأمّا ما ذكرناه سابقاً من أنّ المعاملة غير متقوّمة إلّا بالمبادلة ، فيندفع بأنّ المبادلة لا تتحقّق في مفروض الكلام كيف والمثمن ليس ملكاً لمن يرجع إليه الثمن فكيف تتحقّق المعاوضة حتّى نقول إنّ البيع متحقّق وقصد البائع رجوع الثمن إليه لغو ، نعم إنّما يصحّ ذلك فيما إذا كان البائع قاصداً لدخول الثمن في ملك المالك لا في ملك نفسه واتّفق أنه صار مالكاً للمال بعد المبادلة أو صار المالك شخصاً آخر كالوارث بعد موت المورّث ، وفي مثله يقال إنّ خصوصية المالكين ملغاة بعد تحقّق المبادلة والمعاوضة ، وذلك لأنّ المبادلة قد تحقّقت بالبيع حيث إنّه قصد رجوع الثمن إلى من خرج منه المثمن غاية الأمر أنّ المالك انطبق على شخص آخر ، وهذا لا يضرّ بالمعاملة نظير ما إذا باعه باعتقاد أنه ملكه أو بادعاء أنه ملكه كما في الغاصب ثمّ ظهر أنه للغير فيتوقّف على إجازته لا أنه يبطل لعدم تحقّق المبادلة ، بل نظير ذلك في الفقه أيضاً متحقّق كما إذا وقف داراً على طبيعي العالم ثمّ صار الواقف عالماً فإنه يتصرّف في الدار وليس ذلك من الوقف على النفس في شيء .
فالمتحصّل : أنّ هذا الإيراد ممّا لا جواب له أبداً .
الوجه الثالث من وجوه المنع : أنّ الاجازة على الأصح عندنا وعند التستري كاشفة عن الملكية حال العقد ، ولازمه أن يكون المال ملكاً للمشتري الأصيل من حين المعاملة مع أنّ الفرض عدم كون البائع مالكاً للمبيع حين العقد وإنّما ملكه بعد المعاملة بزمان ، وعليه فيلزم خروج المال عن ملكه قبل الدخول فيه وهو مستحيل ، لأنّ الخروج فرع الدخول وما لم يدخل في ملكه كيف يعقل خروجه عنه وهذا يكشف عن أنّ المعاملة باطلة.
وقد أجاب عن ذلك شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1)بأنّ الكشف إنّما هو في مقابل النقل لا بمعنى الكشف عن الملكية حال العقد ، وهذا إنّما يتحقّق في الم--ورد القابل وهو يختلف باختلاف المقامات ، ففيما إذا كان العقد مستجمعاً للشرائط والقيود ولم يكن هناك شيء يتوقّف عليه صحّة العقد إلّا الاجازة فهي تكشف عن الملكية من حين العقد لقابلية المورد للملك حينئذ ، وأمّا إذا لم يكن تامّاً بحسب الأجزاء أو الشروط فتحقّقت بعد العقد بيوم فتكشف عن الملكية في اليوم القابل لا محالة كما في المقام حيث إنّ البائع لم يكن مالكاً للمال حال العقد حتّى تكشف الاجازة عن الملكية حال العقد وإنّما صار ملكه بعد العقد بزمان ، فالاجازة إنّما تكشف عن الملكية في اليوم القابل كما هو ظاهر ، فالخروج عن ملكه إنّما يتحقّق بعد الدخول في ملكه فلا يرد عليه المحذور المتقدّم بوجه .
ثم ذكر أنّ المقام لا يقاس بما تقدّم من أنّ المالك إذا خصّ الاجازة بزمان متأخّر عن العقد بأن أجاز العقد من حين الاجازة أو غيره دون وقت العقد والمعاملة ، تبطل الاجازة لا محالة لمخالفتها العقد الواقع من الفضولي والأصيل حيث
1) المكاسب 3 : 438 .
إنّهما عقدا على أن يكون الملك من حين العقد لا من زمان الاجازة أو غيرها ، فما وقع لم تتعلّق به الاجازة وما تعلّقت الاجازة به لم يقع في الخارج حسب الفرض وذلك لأنّ البطلان في تلك المسألة من جهة أنّ المورد كان قابلاً للملكية من أوّل الأمر ومع ذلك لم يجزها الجيز من زمان القابل وأجازها في غيره من الأزمنة كزمان الاجازة ونحوه من دون أن يكون للاجازة من أوّل الأمر مانع عقلي أو شرعي .
وهذا بخلاف المقام لأنه إنّما خصّ الاجازة بزمان آخر دون زمان العقد من أجل المحذور السابق أعني عدم كونه ملكه ، فلا محالة تكشف عن الملكية من ذلك الزمان لا من حين العقد للمانع المذكور .
وبعد ذلك ذكر (قدّس سرّه) أنّ البطلان في المسألة إمّا يكون من أجل فقد المقتضي أو من جهة وجود المانع ، والمقتضي للصحّة في المقام موجود وهو العمومات والاطلاقات ، والمانع عن تأثيره مفقود لما عرفت من أنّ الاجازة تكشف عن الملكية في المورد القابل لا من حين العقد حتّى يقال إنه يستلزم الخروج عن ملكه قبل الدخول وهو يمنع عن شمول العمومات له ، هذا ملخّص ما أفاده (قدّس سرّه) في المقام .
ولا يخفى أنّ المانع عن صحّة المعاملة في المسألة المتقدّمة وهي ما إذا خصّ الاجازة بزمان متأخّر عن العقد مع قابلية المورد للملكية حال العقد بعينه متحقّق في المقام ، فإنّ الوجه في بطلانها في المسألة المتقدّمة إنّما هو عدم مطابقة الاجازة لم-ا أوقعه الفضولي ، فكان الواقع غير المجاز والمجاز غير الواقع سابقاً ، وهذا بعينه جارٍ في المقام كما هو ظاهر ، لأنّ الأصيل إنّما اشتراه على أن يكون ملكه من زمان العقد والاجازة من المالك إنّما تعلّقت بالملكية من حين الارث أو الشراء لعدم صحّتها قبلهما ، لاستلزامه الخروج قبل الدخول فالواقع غير المجاز والمجاز غير الواقع حسب الفرض ، فالصحيح أنّ هذه المناقشة كالمناقشة المتقدّمة غير قابلة للجواب .
ثمّ إنّه ربما يستدلّ على البطلان - والمستدلّ شيخنا الأُستاذ (قدّس سرّه)(1)تأييداً لما ذكره التستري (قدّس سرّه) - بأنّ الردّ على ما ذكرناه سابقاً يرفع العقد الصادر عن الفضولي ويلغيه عن قابلية لحوق الاجازة لعموم « الناس مسلّطون على أموالهم »(2)، كما ذكرنا أنّ الرد يتحقّق بالفعل والقول ولا يختصّ بالثاني فقط ، فلذا قلنا إنّ الأمة المزوّجة فضولاً إذا زوّجها سيّدها من شخص آخر يكون ذلك ردّاً للعقد الفضولي السابق ، وعليه فبما أنّ المالك الأول الذي وقع العقد على ملكه فضولاً باعه من الفضولي فهو قد ألغى العقد الواقع عن التأثير فلا تصحّحه الاجازة المتأخّرة ، فلا محالة ة ، فلا محالة تقع المعاملة باطلة ، هذا .
وفيه : أنّا لو سلّمنا أنّ الرد يلغي العقد السابق عن قابلية الاجازة فإنّما نلتزم بذلك في ردّ المالك للعقد الواقع على ملكه ، وأمّا أنّ هذا الردّ يمنع عن الاجازة في ملك شخص آخر فلا ، لأنّ الحديث إنّما دلّ على أنّ « الناس مسلّطون على أموالهم » لا على أموال غيرهم ، فردّ المالك الأول في المسألة كيف يلغي إجازة المالك الثاني للعقد الواقع على ملكه ، لأنّ الكلام في إجازة الفضولي بعد الملك لا إجازة المالك الأول فلا تغفل ، هذا أوّلاً .
وثانياً : أنّ الدليل أخصّ من المدّعى ، لأنّ الردّ لو تحقّق بالفعل فإنّما يتحقّق بمثل البيع والهبة ونحوهما ، وأمّا انتقال الملك من مورّثه إليه فهذا كيف يكون ردّاً من المورّث للعقد الصادر عن الوارث ، والكلام في مطلق صيرورة الفضولي مالكاً للمال ، كان الانتقال بالبيع أو كان بالارث ، وما أفاده لا يتم في الارث أبداً . والعجب أنه (قدّس سرّه) التزم في صورة الارث بأنّ الاجازة من الوارث تكشف عن
الملكية من حال العقد في حياة المورّث بدعوى أنّ الوارث هو المورّث في قيامه مقامه في الأموال فكأنّ العقد قد صدر من المورّث بنفسه ، وهذا كما ترى ممّا لا يمكن الالتزام به .
الوجه الرابع : أنّ صحّة البيع في من باع شيئاً ثمّ ملكه فأجاز يستلزم اجتماع المالكين على ملك واحد ، وذلك لأنّ الاجازة تكشف عن ملكية المشتري الأصيل للمال حين المعاملة ، والمفروض أنّ المال في ذلك الوقت ملك للمالك الأول فلذا صحّ انتقاله منه إلى البائع بالبيع والارث ، وصحت إجازته للعقد وإلّا لم يكن شراؤه من المالك أو انتقاله إليه صحيحاً ، ولم تكن إجازة البائع نافذة لعدم انتقال المال إلي-ه ولازم ذلك أن يكون الملك الواحد مملوكاً للمالكين المشتري والمالك الأول .
بل يمكن أن يقال : إنّ ملك المشتري للمال حال العقد يستلزم عدم كون المالك الأول مالكاً له حينئذ (لاستحالة كونه ملكاً لهما) وذلك يوجب عدم انتقاله إلى البائع بنقل المالك الأول ، لأنّ المفروض أنه ليس مالكاً للمال وكيف ينتقل المال منه إلى البائع ، وهذا يستلزم عدم صحّة إجازة البائع للبيع الواقع سابقاً ، وذلك يستلزم عدم ملك المشتري للمال حال العقد ، وما يلزم من وجوده عدمه محال ، فملك المشتري للمال مستحيل والمعاملة باطلة ، هذا .
ولا يخفى أنّ الإشكال المزبور يبتني على الكشف من حين المعاملة ، وقد عرفت أن الاجازة إنّما تكشف عن الملكية من حين قابلية المورد ، وعليه فلا يلزم شيء من الايرادين في المقام ، لأنّ المفروض أنّ المشتري إنّما ملكه بعد صيرورة البائع مالكاً للمال بالإرث أو البيع لا من الابتداء حتّى يقال إنه يستلزم اجتماع المالكين على ملك واحد أو يلزم من ملك المشتري عدمه.
نعم يبقى إشكال عام وارد في جميع المعاملات الفضولية بناء على الكشف من حين المعاملة أو من حين قابلية المورد كما فيما نحن فيه : وهو أنّ الاجازة تكشف عن
ملكية المشتري للمال من حين العقد أو من حين قابلية المورد ، ولازم ذلك أن لا يكون المال ملكاً للمجيز حال الاجازة ، ومعه كيف تؤثّر إجازته في تملّك المشتري من حين العقد أو من حين قابلية المورد ، ولازم صحّة إجازته أن يكون المال ملك المجيز والمشتري في حال الاجازة .
وقد أجاب عن ذلك الشيخ أسد الله التستري(1)بأنّ المالكية الصورية الحاصلة بالاستصحاب للمجيز كافية في صحّة الاجازة وإن لم يكن مالكاً واقعياً لأنّ الاجازة رفع لليد وإسقاط للحقّ وفيه يكفي الملك الصوري ، وهذا بخلاف العقد الثاني في المقام حيث إنه يحتاج إلى الملك الواقعي لأنه عقد وصحة العقد تتوقّف على الملك واقعاً .
وقد أورد عليه شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه )(2)بايرادات متينة وملخّصها : أنّ الملك الصوري الاستصحابي لا يكفي في الاجازة فلذا لو فرضنا أنّ الفضولي باع مال أحد من زيد وقبل إجازة المالك باعه وكيل المالك من شخص آخر ولم يعلم به المالك ثمّ أجاز المالك البيع الفضولي باستصحاب ملكه وبعد ذلك ظهر أنه لم يكن مالكاً للمال حال الاجازة لأنّ الوكيل باعه من شخص آخر ، فلا يمكن الالتزام بصحّة الاجازة حينئذ مع أنّ الملك الصوري متحقّق في المثال ، ومنه يظهر أنّ الاجازة متوقّفة على الملك الواقعي ولا يكفي فيها الملك الاستصحابي ، نعم يكفي ذلك في ظرف الشكّ فقط لا بعد انكشاف الخلاف كما هو ظاهر .
ثمّ إنّه لم يعلم الفرق بين الاجازة والعقد الثاني حيث إنّ الاجازة ليست رفعاً لليد وإسقاطاً للحقّ ، بل هي ممّا تصحّح الاستناد وكأنّه باع ماله حين الاجازة
ومن الظاهر أنّ البيع يتوقّف على الملك الواقعي ولا يكفي فيه الملك بالاستصحاب لأنّه من الشرائط الواقعية لا العلمية حتّى يقال إنّه يكفي فيه الاستصحاب ، هذا ولو سلّمنا أنّ الاجازة إسقاط للحقّ أيضاً لا يمكن المساعدة على كفاية الملك الظاهري إذ لا يعقل إسقاط الحقّ مع انتفاء الحقّ قبل الاسقاط كما هو المفروض بناء على القول بالكشف حيث إنّ الاجازة تكشف عن ملكية المشتري من حين المعاملة فالمجيز غير مالك حال الاجازة .
ثمّ ذكر (قدّس سرّه) أنّ هذا الإشكال في المعاملات الفضولية إنّما يبتني على الكشف الحقيقي ، وأمّا بناء على ما سلكناه من الكشف الحكمي فلا يجتمع المالكان على مال واحد ، لأنّ المشتري إنّما ينزل منزلة المالك في ترتّب الآثار فقط ، لا أنه يكشف عن الملك الحقيقي ليرد الإشكال وأنّ المال الواحد كيف يجتمع فيه مالكان بل المشتري مالك تنزيلي أو مجازي فيرتفع الإشكال عن الفضولي بحذافيره ، كما أنه لا يأتي على ما ذكرناه في معنى الكشف حيث إنّ زمان الاعتبارين متعدّد . هذا ما أفاده شيخنا الأنصاري في المقام وظاهره الالتزام بالإشكال على القول بالكشف الحقيقي .
وأمّا شيخنا الأُستاذ (قدّس سرّه)(1)فقد ذكر أنه لا مانع من اجتماع المالكين على ملك واحد ، لأنّ المستحيل إنّما هو اجتماع المالكين العرضيين ، وأمّا إذا كان أحدهما في طول الآخر فلا ، وقد وقع نظير ذلك في الشريعة المقدّسة حيث إنّ ظاهر المشهور والعمومات والاطلاقات أنّ العبد يملك ماله كما إذا وجد شيئاً باللقطة أو حاز شيئاً من المباحات فإنّه ملك العبد حينئذ مع أنّ الملك والعبد كلاهما مملوكان لسيّده ، بل وهذا متحقّق في المالكية الحقيقية والواجدية الواقعية حيث إنه تعالى
1) منية الطالب 2 : 119 .
مالك للملّاك وأملاكهم وأموالهم ، وعليه فلا مانع في المقام من الالتزام باجتماع مالكين طوليين على مال واحد ، هذا .
ولا يخفى أنّ ما أفاده (قدّس سرّه) في العبد متين ، لأنّ السيد مالك للعبد وبتبعه يملك ملك العبد أيضاً ، وأمّا في المقام فلا نتصوّر له معنى صحيحاً ، لأنّ المالك لا يملك المشتري ليملك ما ملكه بتبعه ليكون ملك أحدهما في طول ملك الآخر ، وليس في المقام إلّا تبعية المعلول لعلّته حيث إنّ ملك المشتري معلول لاجازة المالك وبيعه ، إلّا أنّ كل واحد منهما مالك للمال بالاستقلال .
والصحيح أن يقال : إنه بناء على الكشف الحقيقي لا مانع من الالتزام بكفاية الاجازة عن من يخرج عن المالكية بنفس الاجازة ، أي الاجازة معتبرة عن من هو المالك لولا الاجازة ، بأن تكون الاجازة فعلاً بيعاً للمال من السابق ، وهذا أمر ممكن في حدّ نفسه ، نعم يحتاج إلى دليل في مقام الوقوع فإنّا ذكرنا سابقاً أنه لا مانع من بيع المالك فعلاً شيئاً من أملاكه منذ اسبوع بأن يكون البيع فعلياً والملكية من السابق فيما إذا وافقه دليل شرعي ، فيكون بيع المالك الذي يخرج عن كونه مالكاً بنفس البيع صحيحاً وممكناً في حدّ نفسه ، فيتملّك المشتري المال من قبل اسبوع ولا بأس بالالتزام بذلك ، نعم لابدّ من تتبّع الأدلّة ليرى أنّها توافق هذا الممكن أم لا .
الوجه الخامس : أنّ الاجازة كما عرفت تكشف عن الملكية من حين المعاملة وأنّ المشتري مالك له من الابتداء ، وحينئذ فبيع المالك للمال من البائع الفضولي معاملة فضولية قد وقعت على ملك المشتري فتتوقّف صحّتها على إجازته لأنه كالبيع الصادر من شخص أجنبي حيث إنّ صحّته تتوقّف على إجازة المالك الواقعي وهو المشتري ، وعليه يلزم أن تتوقّف إجازة كل من البائع الفضولي بعد صيرورته مالكاً والمشتري على إجازة الآخر ، أمّا إجازة المشتري فلأنّها تتوقّف على ملكه للمال وهو يتوقّف على إجازة المالك للبيع حتّى يملكه المشتري
والمفروض أنّ شراء البائع الفضولي وإجازته يتوقّف على إجازة المشتري لأنه ملكه ، فيتوقّف شراء البائع الفضولي وإجازته على إجازة المشتري وإجازة المشتري تتوقّف على شراء الفضولي وإجازته ، وهذا من الأعاجيب ، بل لازم ذلك اجتماع العوض والمعوّض في ملك المشتري ، لأنه إذا اشتراه بعشرين ديناراً م--ن الفضولي فأجازه بعد ملكه فتكشف الاجازة عن ملك المشتري من الابتداء ، وبعد ذلك إذا باعه المالك الأول من الفضولي بعشرين ديناراً مثلاً فقد وقع ذلك على ملك المشتري فضولاً فيرجع الثمن إلى المشتري لأنه المالك بحسب الفرض ، فيملك المشتري العين والثمن في البيع الثاني ، فتقع المعاملة الأُولى للمشتري بلا ثمن ، بل إذا باعه المالك الأول من الفضولي بثلاثين ديناراً مثلاً يربح المشتري تلك الزيادة مضافاً إلى ملكه للثمن والمثمن ، نعم لو باعه بأقل ممّا اشتراه به المشتري من الفضولي كثمانية عشر ديناراً يقع المثمن في مقابل دينارين في المثال .
وأجاب شيخنا الأنصاري(1)عن ذلك : بأنّ هذا الإشكال كسابقه مبنيّ على الكشف من حين المعاملة ، وقد عرفت أنّ الصحيح هو الكشف من الزمان القابل وهو يختلف باختلاف الموارد، ثمّ ذكر أنّ منشأ هذه الإشكالات شيء واحد وقد نبّه عليه في الإيضاح وجامع المقاصد وما جمعه التستري يرجع إليه .
الوجه السادس : أنّ الردّ الفعلي كافٍ في بطلان العقد الفضولي ، والمالك ببيعه المال قد ردّ العقد فلا يبقى هناك مورد للاجازة من البائع بعد ذلك.
وهذا الإشكال قد تقدّم سابقاً وعرفت أنّ الفعل لا يكون ردّاً مانعاً عن إجازة المالك الآخر، وإنّما يمنع عن إجازة الرادّ فقط وأمّا إجازة الآخر بعد انتقال المال إليه فلا مضافاً إلى أنّ البيع لا يكون ردّاً مبطلاً للعقد السابق بل إنّما هو معدم لموضوع
1) المكاسب 3 : 443 .
الاجازة بالنسبة إلى ملك البائع ، فلا مانع من صحّة الاجازة ممّن انتقل إليه الموضوع بالبيع والارث أبداً فراجع.
الوجه السابع : الأخبار الواردة في النهي عمّا ليس عنده وما لا يملكه ، وهي على طوائف ثلاث :
إحداها : ما ورد في المنع عن بيع الكلّي وظاهرة في النهي عنه كصحيحة معاوية بن عمّار قال : « سألت أبا عبد الله (عليه السلام) يجيئني الرجل فيطلب بيع الحرير وليس عندي منه شيء » الخ(1)حيث إنّها ظاهرة في عدم خصوصية المبيع بل إنّما يشتري منه الحرير على وجه كلّي .
وثانيتها : ظاهرة في المنع عن بيع الأعيان الخارجية فيما إذا لم يملكها كروايتي ابني الحجّاج يحيى وخالد(2)حيث إنّهما واردتان في بيع الثوب الشخصي أو الدابة المعيّنة .
وثالثتها : مطلقة بالنسبة إلى الكلّي والشخصي وشاملة لها معاً كقوله (صلّى الله عليه وآله وسلم) : « لا تبع ما ليس عندك »(3).
ولا يبعد أن تكون صحيحتا ابن مسلم ومنصور بن حازم(4)المشتملتان على لفظ المتاع من قبيل الطائفة الثانية ، إذ المراد بالمتاع الذي يرجع إليه ضمير «يشتريه » لا يصحّ أن يكون معنى كلّياً ، لأنّ الكلّي والنكرة غير المعيّنة غير قابل للاشتراء . وكيف كان فهذه الأخبار ممّا لا إشكال في سندها .
وأمّا دلالتها ، فالطائفة الاُولى الواردة في المنع عن بيع الكلّي لابدّ من أن تحمل على الكراهة أو التقية لصراحة غير واحد من الأخبار والروايات(1)في جواز بيع الكلّي ، وبها نرفع اليد عن ظهورها بحملها على الكراهة أو التقية ، لأنّ العامّة(2)قائلون بفساده فلذا نقض عليهم الإمام (علیه السلام) في بعض الأخبار(3)ببيع السلم حيث إنّهم يجوّزونه مع عدم كون المال عنده .
وأمّا المطلقات والعمومات أعني الطائفة الثالثة فلا وجه لرفع اليد عنها وحملها على الكراهة أو التقية ، بل غاية ما هناك نقيّدها بخصوص بيع الأعيان الشخصية لأجل ما ورد في صحة بيع الكلّي من الروايات والأخبار ويبقى عمومها وإطلاقها بالنسبة إلى بيع الأعيان الخارجية على حاله ومقتضاها كمقتضى الطائفة الثانية عدم جواز بيع العين الشخصية قبل تملّكها ، وبعد ما أثبتنا في محلّه من أنّ النهى في المعاملات ظاهر في الارشاد إلى الفساد فلا يبقى للإشكال في دلالتها على بطلان البيع قبل الملك مجال .
والإنصاف أنه لا ينبغي الترديد في دلالتها ولا في سندها على بطلان البيع في المقام . نعم يبقى هناك شيء وهو أنّ الأخبار تقتضي بطلان البيع في الصورة المذكورة على نحو الاطلاق ، أو أنّ البطلان يختصّ بما إذا لم يجزه المالك بعد تملّكه ؟ وبعبارة أُخرى : بطلان البيع إنّما هو فيما إذا كان على نحو التنجيز ، وأمّا معلّقاً على إجازة المالك فلا .
ولكن الصحيح أنّ الأخبار في النهي عن بيع ما ليس عندك مطلقة تشمل
صورتي التعليق والتنجيز وإجازة المالك وعدمها ، وعليه فلابدّ من الالتزام بفساد البيع قبل الشراء ، بل مقتضى هذه الأخبار أنّ المعاملة غير لازمة باللزوم المعاملي من أحد الطرفين أبداً ، وكأنّ المعاملة لم تكن ، ويدلّ على ذلك قوله « ولا تواجبها » الخ وقوله « أليس إن شاء أخذ وإن شاء ترك » .
وكيف كان ، فلا إشكال في أنّ مقتضى الروايات المتقدّمة اشتراط الملك في صحّة البيع والمعاملات ، ويؤكّد ذلك ويؤيّده : ما ورد(1)في تزويج العبد من دون إذن سيّده ثمّ أعتقه سيّده وسئل الإمام عن حكم تزويجه فقال (عليه السلام) ع--لم السيّد أنّك تزوّجت ، فأجاب نعم قد علم وسكت ، فقال (عليه السلام) ذلك إقرار منه أنت على نكاحك ، حيث لم يكتف ( عليه السلام) في صحّة النكاح باجازة الزوج بعد ما صار حرّاً ، بل سأله عن إجازة السيد حال العقد ، لأنه نظير من باع شيئاً ثمّ ملكه فأجاز ، والإمام (عليه السلام) حكم بلزوم إجازة المالك قبل ملك البائع له .
فإن قلت : إنّ لازم اشتراط الملك في صحّة المعاملات بطلان البيع الفضولي رأساً .
قلت : قد تقدّم أنّ المعاملة إنّما تتحقّق باجازة المالك في الفضولي ، وقبلها لا عقد ولا بيع ، وحين الاستناد تشمله العمومات لوجود الملك كما هو المفروض وهذه الأخبار إنّما دلّت على بطلان المعاملة للمخاطب والعاقد غير المالك ، وأم-ّ-ا بطلانها بالاضافة إلى غيره فيا إذا كان مالكاً فلا ، فلا دلالة فيها على بطلان المعاملة بالاضافة إلى المالك في الفضولي ، بخلاف العاقد في المقام حيث إنه مشمول للنهي في الأخبار فلا تقع المعاملة بالاضافة إليه صحيحة كما هو ظاهر .
كما أنّ هذه الأخبار لا تشمل بيع الغاصب ولو لنفسه ، لأنّها إنّما تمنع ع-ن
1) الوسائل 21 : 118 / أبواب نكاح العبيد والاماء ب 26 ح 3 وغيره .
صحّته بالاضافة إلى غير المالك ، والغاصب يبيعه بعنوان أنه مالك ، فالشرط حاصل في الغاصب ولو ادّعاء فلا وجه لبطلان المعاملة فيه .
فالمتحصّل : أنّ بيع ما هو خارج عن ملك البائع باطل لأجل الروايات المتقدّمة ، وإطلاقها يشمل كلتا حالتي الاجازة بعد الملك وعدمها ، هذا كلّه فيما إذا باعه على نحو التنجيز .
وأمّا إذا باعه معلّقاً على اشترائه المال بعد ذلك ، أو باعه منجّزاً ولكن علّق اللزوم على إجازته بعد الاشتراء فهل تشمله الأخبار المتقدّمة وتكون المعاملة باطلة أو لا ؟ ذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1)أنّ المتيقّن من الأخبار ه-و صورة التنجيز دون ما إذا علّقه على شرائه أو على إجازته ، فلا مانع من الالتزام بالصحّة فيهما ، كما أنّ ما استدلّ به العلّامة (قدّس سرّه) على بطلان بيع ما ليس عنده من كونه غررياً وعدم قدرة البائع على تسليمه إنّما يجري في صورة التنجيز لأن--ه غرري ولا يقدر على تسليم المبيع ، هذا .
ولا يخفى أنّ صورة التنجيز وإن كانت متيقّنة إلّا أنّ كونها كذلك لا يمنع عن التمسّك باطلاق الروايات ، وهو يقتضي الحكم بالفساد والبطلان مطلقاً سواء باعه على نحو التنجيز أم على نحو تعليق البيع بالشراء أو تعليق اللزوم بالاجازة بعد اشترائه ولعلّه ظاهر ، وعليه فهذه الأخبار تقتضي اشتراط الملك في صحّة المعاملة مطلقاً وكذا في صحّة الاشتراء ، وما تقدّم من دليلي العلّامة وإن كانا لا يجريان في صورة التعليق إلّا أنّ البطلان ليس مستنداً إليهما بل إلى ما ذكرناه ، هذا كلّه فيما إذا باعه لنفسه.
1) المكاسب 3 : 454 .
المسألة الثانية
ما إذا باعه للغير إلّا أنه صار ملكه بعد ذلك بالارث أو الشراء أو بالهبة ونحوها ، فله صورتان الاُولى : أن يبيعه للمالك . الثانية أن يبيعه للمالك . الثانية أن يبيعه للأجنبي معتقداً أنه المالك . أمّا الصورة الاُولى ، فهل تصحّ المعاملة فيها باجازته بعد الملك أم لا ؟ ذكر شيخنا الأنصاري(1)أنّ هذه الصورة خارجة عن أخبار لا تبع ما ليس عندك ، لأنه باعه للمالك لا لنفسه ، فلا مانع من صحّتها فيما إذا أجازها بعد الانتقال إليه ، هذا .
ولا يخفى أنه لا إشكال في عدم صحّتها بدون الاجازة بعد الانتقال ، وأمّا إذا أجازها فقد عرفت أنّ شيخنا الأنصاري ذهب إلى صحّتها وذكر أنه نظير ب-ي-ع الغاصب لنفسه فيما إذا أجازه المالك حيث إنّ المعاملة إنّما تتقوّم بالمبادلة بين المالين من دون خصوصية المالكين والأشخاص، والمقام نظير ذلك وعكسه حيث إنه باعه للمالك فأجازه بنفسه ، هذا .
ولا يخفى أنّ أخبار لا تبع ما ليس عندك وإن لم يشمل المقام لأنه لم يبع شيئاً لنفسه ، إلّا أنّ النهي عن الاشتراء إلّا من المالك كما ورد في بعض هذه الأخبار حيث قال (عليه السلام) في صحيحة ابن مسلم « ليس به بأس إنّما يشتريه م-ن-ه ب-ع-د ما يملكه »(2)يقتضي عدم صحّة الشراء من غير المالك للمال ، وفي المقام إنّما اشترى المشتري المال قبل انتقال المال إلى البائع فهو شراء من غير مالك المال فيبطل ، فهذه الصورة لا تقاس ببيع الغاصب حيث إنه يدّعي الملك ویری نفسه مالكاً للمال فشراء المشتري من مثله ممّا لا مانع عنه ، وهذا بخلاف المقام لما عرفت من شمول النهي عن اشتراء شيء من غير مالكه ، هذا .
مضافاً إلى أنّ المعاملة في حدّ نفسها باطلة في المقام من دون حاجة إلى الأخبار ، وذلك لأنّ المعاملة ليست إلّا تبديل طرفي الاضافة ، وهذه المبادلة إنّما أوقعها الفضولي للمالك بحسب الفرض ، والمالك لم يجزها كما هو المفروض وإنّم-ا أجازها الفضولي بعد انتقال المال إليه ، وهذه الاجازة بلا ثمرة إذ لا فائدة في إجازة المبادلة الواقعة على ملك الآخر ، لأنّ المبادلة السابقة إنّما وقعت على ملك المالك فاجازتها بلا فائدة ، ولم تقع مبادلة أُخرى على ملك الفضولي حتّى يجزها ، فما وقع غير قابل للاجازة والقابل للاجازة غير واقع فتبطل المعاملة لا محالة من دون حاجة في بطلانها إلى الأخبار ، وهذا بخلاف بيع الغاصب فإنه إنّما بدّل الاضافة للمالك بدعوى أنه هو والمالك إنّما أجاز المبادلة الواقعة للمالك فيتطابقان ، لما عرفت من أنّ دعواه أنه المالك كذب والمبادلة إنّما وقعت بعنوان المالك فإذا لحقتها الاجازة فلا يبقى للإشكال في صحّتها مجال وذلك ظاهر .
ومن ذلك يظهر الحال في الصورة الثانية وهي ما لو باعه للأجنبي لا لنفسه ولا للمالك باعتقاد أنّ الأجنبي مالك ثمّ انتقل المال إليه فأجازه ، والوجه في الظهور أنّ المعاملة في المثال باطلة ، لا لأجل النهي عن بيع ما ليس عندك ، لأنّ الأجنبي لم يبع ما ليس عنده ، بل لأجل اشتراط الاشتراء بكونه من المالك وهو إنّما اشتراه من غيره فيبطل . مضافاً إلى أنّها بنفسها باطلة ، لأنّ ما وقع من المبادلة إنّما وقع للمالك وأُضيف إليه وهذا غير قابل لاجازة البائع الفضولي ، إذ لا معنى لاجازة المبادلة الواقعة على ملك الغير ، والمفروض أنه لم تقع مبادلة أُخرى على ماله بعد الانتقال إليه ، فما أجازه غير قابل للاجازة والقابل للاجازة غير واقع وغير مجاز فيبطل .
وملخّص الدعوى أنّ مقتضى القاعدة اتّحاد المجيز والمالك حال العقد ، وأنّ المجيز لابدّ وأن يكون مالكاً للمال حال المعاملة ولا يكفي الانتقال إلى الغير بالارث أو البيع أو غيرهما أبداً .
وأمّا ما ذكره شيخنا الاُستاذ (قدّس سرّه)(1)من أنّ الوارث قائم مقام مورّثه في الماليات فإذا أجاز المعاملة فكأنّ المورّت أجازها فتكشف عن الملكية من زمان حياة المورّث ، فهو من غرائب الكلام ، إذ لم يرد دليل على ذلك التنزيل ولم يدلّ شيء على أنّ الوارث كالمورّث في جميع الأحكام ، بل إنّما ورد(2)أنّ ما تركه الميّت فلوارثه ، وهذا يكشف عن أنّ الميّت قد تركه وزالت ملكيته عنه والوارث شخص آخر غيره كما هو ظاهر .
ثمّ إنّه إذا قلنا ببطلان بيع من باع ثمّ ملك فأجاز، ففي صورة عدم الاجازة بعد الملك يبطل بطريق أولى ولعلّه ظاهر. وأمّا إذا بنينا على صحّته مع الاجازة وأغمضنا عمّا ذكرناه سابقاً فهل يصحّ بدون الاجازة أيضاً كما نقله شيخنا الأنصاري(3)عن بعضهم ، أو أنه بدون الاجازة باطل ؟ هناك وجهان ، والصحيح أنه يقع باطلاً في صورة عدم الاجازة ، وذلك لأنه تارة يبيع للمالك ثمّ يملكه وأُخرى يبيعه يبيعه لنفسه .
فأمّا في الصورة الأُولى فلا وجه لصحّته بعد الانتقال إليه في صورة عدم الاجازة ، إذ المفروض أنه لم يبع لنفسه لتقع المعاملة له بعد الانتقال إليه وذلك ظاهر .
وأمّا في الصورة الثانية فكذلك لا وجه لصحّته بدونها أي بدون الاجازة إلّا احتمال أنّ العمومات نحو أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ونحوه يشمله بعد الانتقال إليه وإن لم يشمله من الابتداء يعني قبل تملّكه ، فلا يحتاج إلى الاجازة بعد ذلك ، إلّا أنّه مندفع بأنّ العمومات لا تشمله حين المعاملة لأنه ليس بملكه ، وبعد ما صار ملكه لم يقع عليه بيع لتشمله العمومات لأنها خطابات للملّاك ، وقبل الانتقال لا ملك لتشمله
وبعده لا بيع حتّى نتمسّك في صحّته بالعمومات ، وبهذا ظهر ما في جواب شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) من أنّ المقام مقام استصحاب حكم الخاص لا مقام الرجوع إلى حكم العام ، فإنّ الدوران بين الأمرين إنّما هو فيما إذا كان هناك فرد وقد خرج عن حكم العام في زمان وبعده يقع الكلام في أنّ الفرد محكوم بحكم المخصّص بالاستصحاب أو أنه مشمول للعام وهو بحث مشهور ، وهذا غير متحقّق في المقام إذ قبل التملّك لا فرد للعقد إذ لا عقد له قبل الانتقال إليه وقد عرفت أنه خطاب للملّاك دون غيرهم ، وبعد الملك لا بيع ولا عقد له لتشمله العمومات ، هذا .
ولو سلّمنا وبنينا على أنّ مقتضى العمومات صحّة البيع بعد الانتقال إليه فيكفينا في الحكم بالبطلان الأخبار المتقدّمة الدالّة على فساد البيع قبل الملك
فتكون هذه الروايات مخصّصة للعمومات .
فالمتحصّل أنه لا وجه للحكم بالصحّة من دون توقّف على الاجازة بوجه .
ومن ذلك يظهر أنّ ما أفاده شيخنا الأُستاذ من أنّ المعاملة إنّما تتوقّف على الاجازة لأجل أمرين : أحدهما الرضا . وثانيهما : الاستناد ، وكلاهما حاصلان في المقام لأنّ المفروض أنه باعه لنفسه فلا نحتاج إلى الاجازة بعد الانتقال ، من غرائب الكلام ، لأنّ المعتبر من الرضا والاستناد إنّما هو رضا المالك واستناد العقد إليه ، لا رضا غير المالك والاستناد إليه ، وهو قبل الانتقال غير مالك فلا يكفي رضاه والاستناد إليه قبل الانتقال ، وأمّا بعده فلم يحصل منه شيء من الأمرين بحسب الفرض .
نعم هناك صورة أُخرى ذكرناها في أوائل البحث وهي ما لو باعه فعلاً ما سيملكه بعد الموت في الارث أو بعد الشراء في البيع ، وهذا على نحو التعليق بأن يكون الانشاء فعلياً والملكية بعد مدّة ، والرضا والاستناد فيها صحيحان إلّا أنّها باطلة لأجل الاجماع على بطلان التعليق في العقود ، والأخبار الناهية عن الشراء
قبل أن يشتريه البائع من مالكه ، وهذه الصورة خارجة عمّا نحن فيه ، إذ الكلام فيما إذا كان البيع بحيث لو أجازه المالك صحّ ، وهذا لا يصحّ ولو باجازة المالك لاختلاله من ناحية أُخرى. هذا كلّه في المسألة الثانية .
المسألة الثالثة
ما لو باعه باعتقاد عدم جواز التصرف بالأصل أو بغيره ثمّ ظهر جواز التصرف ، وهذا يعني اعتقاد عدم جواز التصرف إمّا من جهة الاعتقاد بعدم ولايته على البيع بمعنى عدم كونه وليّاً أو وكيلاً ومأذوناً من قبل المالك ثمّ ظهر وليّاً ، وإمّا من جهة الاعتقاد بعدم كونه مالكاً ثمّ ظهر مالكاً ، وعلى كلا التقديرين تارةً يبيع للمالك وأُخرى لنفسه فالصور أربع .
الصورة الاُولى : أن يبيعه للمالك باعتقاد عدم الولاية ثمّ انكشف أنه ولي . الظاهر أنّ البيع صحيح في هذه الصورة ولا يحتاج إلى الاجازة ونحوها أبداً ، لأنّ رضا المالك وإذنه المتقدّمين بحسب الواقع لا يقصران عن الاجازة المتأخّرة والمفروض أنّ المالك راض وقد أذن للبائع في بيع ماله غاية الأمر أنه نسيه أو لم يصل إليه ، ولا يشترط في صحّة المعاملة إلّا إذن المالك في البيع وإن لم يعلم ب--ه المأذون ، وكذا الحال فيما إذا ظهر أنه ولي للمالك فإنّ بيعه صحيح ولا يشترط فيه علم البائع بولايته ، هذا .
وقد حكي عن القاضي(1)أنه فصّل في بيع العبد فيما إذا أذن له السيّد ولم يعلم به العبد ولا غيره فبيعه باطل ، وما إذا علمه العبد أو غيره فبيعه صحيح ، إلّا أنّا لم
1) حكاه عنه العلّامة فى المختلف 5 : 455 - 456 .
نجد وجهاً لما أفاده من اعتبار الاعلام في الاذن كما استشكله في المختلف(1)واستحسنه شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) والمتحصّل أنّ المعاملة في هذه الصورة صدرت من أهلها ووقعت في محلّها ولا وجه فيها للبطلان أبداً .
الصورة الثانية : أن يبيعه لنفسه باعتقاد عدم جواز التصرف ثمّ ظهر أنه ولي ، والظاهر أنّ البيع في هذه الصورة أيضاً صحيح ، لما مرّ وعرفت من أنّ البائع قد قصد المعاوضة الحقيقية حيث أوقعه للمالك الواقعي إلّا أنه طبّق هذا العنوان على نفسه ادّعاء وتنزيلاً ، فالمعاملة صحيحة وهذه الاضافة زائدة ، فلذا ذكرنا في بيع الغاصب أنه إذا أجازه المالك صحّ ولا يضرّه إضافة الغاصب إلى نفسه ، والمقام نظير بيع الغاصب كما عرفت ، هذا .
وقد احتمل شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(2)بطلان المعاملة في هذه الصورة إلّا أن يجزها بعد انكشاف الحال ، بدعوى أنّ البائع وإن ظهر أنه كان مأذوناً في المعاملة لأجل أنه ولي إلّا أنه مأذون في البيع للمالك لا في البيع لنفسه ، فما وقع غير قابل للاذن ولم يتعلّق به أيضاً وما هو قابل له وقد تعلّق به وهو البيع للمالك غ--ير واقع ، فلذا تحتاج صحّته إلى الاجازة بعد الانكشاف ، هذا .
ولا يخفى أنّ هذا القيد أعني إضافته إلى نفسه إن أُخذ مقوّماً للمعاملة والبيع فكما لا يكون ذلك قابلاً للاذن المتقدّم إذ لا معنى للاذن في بيعه لنفسه ، كذلك لا يقبل الاجازة المتأخّرة إذ ما معنى الاجازة في البيع لنفسه ، وقد عرفت أنّ المبادلة بنفسها تقتضي دخول الثمن في ملك من خرج عن ملكه المثمن ، وإن كان القيد كما ذكرناه أمراً زائداً عن حقيقة المعاملة فهو كما لا يضرّ بالاجازة المتأخّرة وقابل لتعلّقها به
فكذلك قابل للاذن المتقدّم ولتعلّقه به .
وبالجملة : أنّ هذا الاحتمال المذكور في كلام الشيخ الذي عقّبه بالأمر بالتأمّل ممّا لا وجه له والصحيح ما ذكرناه .
الصورة الثالثة : أن يبيعه للمالك ثمّ ظهر أنه مالك ، وهل تصحّ المعاملة في هذه الصورة مطلقاً بلا توقّف على الاجازة بعد الانكشاف ، أو أنّها باطلة مطلقاً ، أو أنّها تصحّ بالاجازة بعد الانكشاف ، أو أنّها صحيحة إلّا أنه على نحو الجواز دون اللزوم وله أن يفسخ بعد الانكشاف كما له أن لا يفسخ بعد ذلك ولا تحتاج إلى الاجازة المتأخّرة ؟ هناك وجوه وأقوال .
والصحيح هو الوجه الثالث كما ذهب إليه شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1)وملّخصه : أنّ المعاملة صحيحة ومتوقّفة على الاجازة بعد انكشاف الحال .
أمّا أنّها صحيحة فلما قدّمناه سابقاً من أنّ المعاملة إنّما تتقوّم بالمبادلة بين المالين وأمّا قصد وقوعها لنفسه أو للغير فهو أمر زائد عن حقيقتها ، والبائع بما أ قصد المبادلة للمالك فقد نوى المعاوضة الحقيقية إلّا أنه لجهله أو لنسيانه أرجعها إلى الغير بتخيّل أنه هو المالك ، وهذا الخيال كادّعاء أنه مالك في الصورة المتقدّمة أمر زائد غير مقوّم لحقيقة المبادلة فيبقی لغواً ، ولعلّه ظاهر .
وأمّا أنّها متوقّفة على الاجازة بعد الانكشاف فلما ذكره شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) بتوضيح منّا من أنّ العمومات والأدلّة المقتضية لصحّة المعاملات نحو أَوْفُوا بِالْعُقُودِ(2)و أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ(3)بانضمام قوله (عليه السلام) « لا يحلّ مال
امرئ مسلم إلّا بطيب نفسه »(1)منصرفة إلى بيع كل واحد واحد من المالكين وتقتضي جواز المعاملة الصادرة من المالك بعنوان أنه مالك ، وهذا المعنى مفقود في المقام لأنه وإن باع مال نفسه واقعاً إلّا أنه بعنوان أنه ملك الغير ، فلم تصدر المعاملة منه بعنوان أنه مالك فلا تصحّ المعاملة منه ولا تستند إليه بهذا العنوان بل تحتاج في استنادها إليه وصدورها منه بعنوان أنه مالك إلى الاجازة بعد الالتفات إلى أنه مالك ، ولذا ذكرنا في الفضولي أنّ المعاملة لاتستند إلى المالك بمجرد العقد الصادر من الفضولي بل تحتاج إلى إجازة المالك لتستند إليه لامحالة وتصدر منه حتّى تشمله العمومات والاطلاقات . فالمتحصّل أنّ المعاملة صحيحة ولكنّها متوقّفة على الاجازة .
وأمّا ما استدلّ به العلّامة وولده(2)(قدّس سرّهما)على البطلان مطلقاً من الوجوه الثلاثة فلا يمكن المساعدة عليه بوجه .
أمّا الوجه الأول : فهو أنّ البائع إنّما قصد البيع لأبيه فيما إذا باع مال أبيه بظنّ حياته فبان ميتاً ، فهو باعه للأب لا لنفسه فلا يقع له بوجه .
والجواب عن ذلك : أنه إنّما باعه للمالك ، وإنّما أضافه للأب لا لخصوصية فيه بل بتخيّل أنه المالك للمال . وقد عرفت أنه أمر زائد عن حقيقة المبادلة فيقع لغواً .
وأمّا الوجه الثاني : فهو أنّ المعاملة حينئذ معلّقة على موت أبيه لأنه إنّما يبيعه على تقدير موت الأب والاجماع متحقّق على بطلان التعليق في العقود ، هذا. ولا يخفى عليك أنّ هذا الوجه لابدّ من أن يحمل على سهو القلم لجلالة شأن العلّامة وولده (قدّس سرّهما) عن الاستدلال بمثل ذلك في المقام ، وذلك لأنّ الكلام في
الصورة الثالثة إنّما هو فيما إذا باعه للمالك لا لنفسه وما معنى أنه يبيعه للمالك وه-و الأب معلّقاً على موته ، ولأجل ذلك أورد عليه شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) بأنّ هذا الوجه منهما مناقض للوجه الأول من استدلالهما حيث ذكرا في الوجه الأول أنه يبيعه للمالك وأبيه لا لنفسه ، فإذا باعه للمالك كيف يعلّقه على موته .
وأمّا الوجه الثالث : أنّ البائع مع فرض اعتقاده بأنّ المال ملك الغير كيف يصحّ أن يبيعه للمالك مع أنه أجنبي عن المال ، فهو في الحقيقة كالعابث في المعاملة هذا .
وقد عرفت سابقاً أنّ الفضولي قاصد للمعاوضة الحقيقية وليس عابثاً ك--ما ذكراه لذا استشكلنا(1)فيما ذكره صاحب المسالك من أنّ المكره والفضولي قاصدان للفظ دون المعنى وذكرنا أنّهما قاصدان للمعنى والمعاملة حقيقة ، وهذا الوجه لو تمّ يستلزم بطلان المعاملات الفضولية بأجمعها ولا يختصّ بالمقام كما لا يخفى ، هذا .
ثمّ إنّ المحقّق الثاني(2)استدلّ على توقّف المعاملة في المقام على الاجازة بأنّ البائع لم يقصد الملك من حين المعاملة بل من زمان إجازة المالك ، فلو لم يجزها بعد الانكشاف فلم يحصل الملك أبداً .
وأورد عليه شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(3)بأنه إنّما قصد الملك من حين المعاملة حيث قصد البيع والمعاملة وهو كافٍ في قصد الملك ورضاه بالمعاملة ، بل ذلك ينا في الكشف على مسلك المحقّق الثاني لأنه يرى الاجازة كاشفة عن الملك من
الابتداء ، فلو كان قصد البائع هو الملك بعد الاجازة فلا يتحقّق هناك م-ل-ك م-ن الابتداء لتكشف الاجازة عنه ، هذا .
ولا يخفى عليك أنه يمكن أن يقال إنّ مراد المحقّق الثاني ليس هو ما يظهر من عبارته كما فهمه شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) بل يريد أن يقول إنّ الملكية إنّما تحصل من حين المعاملة فيما إذا استندت المعاملة إلى المالك بالاجازة ، فلها دخل في تحقّق الملك من الابتداء ، ولولاها لم يتحقّق الملك أصلاً ، ولا يرد عليه ما ذكره شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) .
نعم يتوجّه عليه أنّ ذلك الدليل أخص من المدّعى ، وذلك لعدم جريانه فيما إذا باع شيئاً باعتقاد أنه ملك الغير وأنه وكيل في بيعه من قبل مالكه ثمّ ظهر أنه له وهو ملکه ، فإنه في هذه الصورة قد قصد النقل والملك من حين المعاملة لا معلّقاً على إجازة المالك لاعتقاد أنه وكيل ، هذا مع أنّ كون البيع متوقّفاً على الاجازة أو غير متوقّف عليها ليس دخيلاً في حقيقة البيع ليعتبر قصده أو يقدح قصد خلافه ، وإنّما هو من الأُمور المعتبرة في صحّة البيع وإمضائه فيما إذا وقع البيع على مال الغير ، وأمّا إذا وقع البيع على مال نفس العاقد فلا يعتبر في صحّته وامضائه إجازته . ولعلّ هذا هو مراد المحقّق الثاني بقوله : « إلّا أن يقال إنّ قصده إلى أص-ل الب-ي-ع ك-اف» فالصحيح في لزوم الاجازة ما ذكرناه .
فالمتحصّل من جميع ذلك : أنّ المعاملة صحيحة ولكنّها تتوقّف على الاجازة بعد الالتفات إلى أنه مالك .
ويؤيّد ما ذكرناه ويؤكّده : ما ذكره شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1)في المقام حيث إنه نظّره بما إذا أذن المالك لأحد في أكل شيء مثلاً معتقداً بكونه ملك الغير فانه
1) المكاسب 3 : 463 .
لا يسوغ أكله بذلك مع علم المأذون بأنه ملك نفسه، إذ لابدّ في الاباحة من ترخيص المالك بعنوان أنه مالك وهذا إباحة وتحليل من ذات المالك لا هو بعنوان المالك كما هو ظاهر فلا يصح التصرّف فيه بوجه ، وأمّا ما ذكره من مثال الطلاق والعتق وأنه إذا طلّق امرأة باعتقاد أنّها هي التي وكلّه زوجها في طلاقها ثمّ ظهر أنّها زوجته ، أو أعتق عبد الغير وكالة ثمّ ظهر أنه عبده فلا يصحّ منه الطلاق والعتق لعدم علمه بزوجيته للمرأة وكون المعتق ملكه ، فهو مؤيّد للمطلب لا أنه دليل وذلك لما أشرنا إليه غير مرّة من أنّ للأشخاص مدخلية في حقيقة النكاح والطلاق وكذلك العتق ، فإذا طلّق امرأة خاصّة فلا وجه لوقوعه عن امرأة أُخرى غيرها ، وكذلك الحال في العتق ، وهذا بخلاف المعاملات فإنّها لا تتقوّم بالأشخاص بل حقيقتها هي المبادلة كما لا يخفى ولا يمكن قياسها بالطلاق والعتق ولعلّه ظاهر .
وقد نظّر شيخنا الاُستاذ (قدّس سرّه)(1)المقام بما إذا تعمّد في التكلّم في الصلاة مع الغفلة عن أنّه في الصلاة أو تعمّد في الافطار مع عن أنه صائم في شهر رمضان فإنّ ذلك لا يبطل الصلاة والصوم ، إذ يعتبر فيهما أن يكون التعمّد في التكلّم في الصلاة فلا يكفي التعمّد في التكلّم بما هو هو ولو مع ولو مع الغفلة عن القيد ، وكذلك الحال في الافطار في شهر رمضان فإنّ التعمّد في الافطار في شهر رمضان يوجب البطلان والكفّارة لا التعمّد في أصل الافطار ، وفي المقام العمومات إنّما تشمل البيع الصادر عن المالك بوصف أنه مالك لا الصادر عن ذاته ولو مع الغفلة عن أنه مالك للمال . وهذا نعم التنظير في المقام .
فتلخّص من ذلك : أنّ صحّة المعاملة في هذه الصورة من جهة أنها بيع حقيقة ولا قصور فيها بوجه ، وتوقّفها على الاجازة من جهة انصراف العمومات والأدلّة
1) منية الطالب 2 : 132 .
إلى بيع كل شخص من المتعاملين بما هو مالك ، وهذا لا يتحقّق إلّا بالاجازة ، إذ لا بيع له قبلها . مضافاً إلى أنّ الاطلاقات والعمومات متقيّدة بطيب نفس الملّاك ورضاهم ، ولا رضا من المالك في المقام قبل الاجازة لغفلته وعدم علمه بأنه ملكه وإنّما يتحقّق ذلك بالاجازة المتأخّرة .
بقي في المقام ما ذكره بعضهم وذهب إليه صاحب الجواهر (قدّس سرّه)(1)من أنّ المعاملة صحيحة ولا تحتاج إلى الاجازة ، إلّا أنّها على نحو الخيار والجواز دون اللزوم ، لأنّ الحكم بلزوم المعاملة ضرري على المالك لعدم علمه بالحال وتخيّله أنه للغير ، فلو حكمنا بلزوم البيع في حقّه لكان ذلك مستلزماً لضرره وه-و م-نفي بالقاعدة ، فتكون المعاملة صحيحة وجائزة لأجل القاعدة .
وأورد عليه شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(2)بما ملخّصه : أنّ المعاملة تارةً تكون محكومة بالصحّة في حدّ نفسها إلّا أنّ العوضين يستلزمان الضرر على أحد المتعاملين لنقص في قيمتهما أو لعيب في ذاتيهما ، ولأجل ذلك يرتفع لزوم المعاملة وتكون خيارية وجائزة . وأُخرى تكون المعاملة في حدّ نفسها مورداً للكلام من حيث الصحّة والفساد ، لعدم شمول العمومات لها من دون أن يكون هناك ضرر في شيء من العوضين بحيث لو حكمنا بصحّتها لما كان ذلك موجباً لتضرّر أحدهما من حيث العوض والمعوّض لعدم نقصٍ في قيمتهما أو في ذاتيهما ، ففي مثل ذلك لو كان هناك ضرر فهو إنّما يكون ناشئاً من أصل العقد والمعاملة لا من جهة لزومها فمقتضى القاعدة عدم صحّة مثلها إلّا بالاجازة المتأخّرة ، لا أنّها صحيحة ويرتفع
لزومها ، لما عرفت من أنّ لزومها غير ضرري بحسب الفرض وإنّما الضرر في أصل المعاملة وصحّتها حيث إنه أمر لم يلتفت إليه ولم يكن راضياً به ومعه يكون الحكم بوقوع المعاملة من غير اختياره ضرراً عليه لا محالة فترتفع صحّتها بالقاعدة ، هذا .
بل يمكن أن يقال : إنّه لا مجال للقاعدة في المقام ، لأنّها ناظرة إلى الأدلّة الواقعية ، وقد عرفت أنّ الأدلّة لا تشمل مثل هذه المعاملة لانصرافها إلى بيع كل بائع بعنوان أنه مالك وتقيّدها بالرضا وطيب النفس ، وهذه الأُمور إنّما تتحقّق بالاجازة لا قبلها كما لا يخفى ، ومعها لا ضرر على أحد وقبلها لا دليل حتّى ترفعه قاعدة نفي الضرر كما هو ظاهر .
فالمتحصّل : أنّ الصحيح من الأقوال هو ما ذهب إليه شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) من الصحّة والتوقّف على الاجازة .
ثمّ إنّ ذلك إنّما هو في المعاملات القابلة للفضولية التي تصحّ بالاجازة المتأخّرة كالبيع ونحوه ، وأمّا ما لا يصحّ بالاجازة المتأخّرة لاشتراطه بالاذن والاجازة المقارنين للعقد وعدم قبوله الفضولية كما في الايقاعات كالطلاق والعتق بناء على ثبوت الاجماع المدّعى في عدم قبول الايقاعات للفضولي واشتراطها بالاذن المقارن معها ، فلا يجري فيه ما ذكرناه بل نحكم في مثله بالبطلان مطلقاً ، فلو طلّق أو أعتق باعتقاد أنّها زوجة الغير أو عبد الغير ثمّ ظهر أنّهما له فيحكم ببطلان الطلاق والعتق لعدم تصحيحهما بالاجازة المتأخّرة .
وبالجملة إذا كانت المعاملة ممّا تصحّ بالاجازة المتأخرة فحكمها الصحّة مع الاجازة ، وإذا كانت على نحو لا تصحّ بالاجازة فحكمها البطلان كما عرفت هذا . ثمّ إنّ ما ذكرناه في المقام من الصحة مع الاجازة لا يتوقّف على القول بصحّة الفضولي كما ذكره شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) بل لو قلنا ببطلان الفضولي في محلّه لقلنا بالصحّة مع الاجازة في المقام ، وذلك لعدم جريان الأدلّة المذكورة في بطلان
الفضولي في المقام كقوله (عليه السلام) لا تبع ما ليس عندك(1)فإنّهم قد استدلّوا به على بطلان الفضولي وأجبنا عنه فيما تقدّم بأنه ينهى عن ذلك بالاضافة إلى البائع الفضولي ولا دلالة فيه على فساده بالاضافة إلى المالك ، فلو أغمضنا النظر عن ذلك الجواب وبنينا على أنه يقتضي بطلان الفضولي لكنّه لا نلتزم به في المقام لعدم جريانه فيه ، فإنّ المفروض أنه مالك للمال غاية الأمر أنه غافل عن ذلك وغير عالم بالحال فهو انّما يبيع ما عنده لا ما ليس عنده ، ولعلّه ظاهر .
نعم ، لو استدللنا على بطلان الفضولي بالقبح العقلي لاستقلال العقل بقبح التصرّف في مال الغير كما تقدّم نقله وأغمضنا عمّا أجبنا به عنه أمكن أن يقال إنّ ذلك يجري في المقام من جهة استقلال العقل بقبح التجرّي ، وهو متجرٍ في مفروض الكلام لاعتقاده بأنّ المال للغير ومع ذلك تصرف فيه بالبيع وهو محكوم بالقبح عقلاً وإن كان مالكاً واقعاً ، هذا .
مع أنه يمكن أن يجاب عن ذلك : بأنّا إنّما نقول بفساد الفضولي من جهة حكم العقل بالقبح فيه واستلزام ذلك الحكم بالحرمة شرعاً ، ودلالة النهي على الفساد فرضاً ، لا من جهة مجرّد حكم العقل بالقبح وإن لم يستلزم الحكم بالحرمة شرعاً ، إذ مجرّد القبح العقلي لا يكفي في الحكم بالفساد ، وهذا لو قلنا به في الفضولي لا يمكن الالتزام به في المقام ، لعدم استلزامه حكم العقل بالقبح في التجرّي الحكم بالحرمة شرعاً حيث إنّ المتجرّي غير مرتكب للحرام الشرعي بوجه ، ومجرّد القبح العقلي لا يوجب الفساد ، هذا كلّه فى الصورة الثالثة .
وأمّا الصورة الرابعة : فهي ما لو باعه لنفسه باعتقاد أنه للغير وعدم جواز التصرّف فيه فظهر أنه مالك له، ولا إشكال في صحة البيع حينئذ ، لعدم قصور ذلك
1) تقدّم في الصفحة 28 .
عن الصورة المتقدّمة وبيعه للغير، وإنّما الكلام في أنه يحتاج إلى الاجازة بعد الالتفات أو لا ، الظاهر أنه لا حاجة إلى الاجازة بعد الانكشاف ، إذ الحاجة للاجازة فيما تقدّم إنّما هي من جهة عدم استناد البيع إلى نفسه لاعتقاده أنّ المال للغير ولأجل عدم رضاه ببيع ماله ، وذكرنا أنّهما يحصلان بالاجازة المتأخّرة ، وهذا لا يحتاج إليه في المقام ، لأنه باعه لنفسه بدعوى الملكية العقلائية كالغاصب ونحوه وإن اعتقد أنه للغير شرعاً ، وهذا المقدار من البيع والرضا يكفي في المعاملات ولا يحتاج فيها إلى العلم بالملكية الشرعية ، وهذا نظير معاملات جميع الخارجين عن شريعة الإسلام فإنّهم إنّما يتعاملون بالملكية العقلائية أو الاعتبارية الشخصية كاليهود ونحوهم بل المسلمين غير المتديّنين كما إذا قامر فغُلب وأُخذ منه شيء ثمّ قامر وغلبه وأخذ منه ما غلبه به بعينه فباعه حيث إنه ملكه شرعاً وواقعاً إلّا أنه اعتقد أنه للغير واقعاً وله بالملكية العقلائية ، ففي مثل ذلك لا يحتاج إلى الاجازة بعد الالتفات إلى أنه ملكه واقعاً لعدم اشتراط البيع بالعلم بالملكية الشرعية ، بل العلم بالملكية العقلائية كافٍ كالمأخوذ بالقمار ونحوه حيث إنّ العقلاء غير المتديّنين يعتبرونه مالكاً ويقولون إنه مالك لكذا مقدار من المال مع أنه بأجمعه مأخوذ بالقمار والغصب ، هذا كلّه في المجيز ويقع الكلام بعد ذلك في المجاز وهو العقد الصادر من الفضولي .
ويقع البحث فيه عن جهات :
الاُولى : يشترط في العقد المتعلّق للاجازة أن يكون مشتملاً على جميع الشرائط المعتبرة في صحّة العقد ، فلو كان فاقداً لبعضها فلا يقع صحيحاً بالاجازة المتأخّرة ، وذلك لوضوح أنّ الاجازة ليست بأولى من الاذن السابق حيث إنه إذا أذن في إنشاء عقد فاقد لبعض شرائط الصحّة فلا يكون ذلك موجباً لوقوع العقد على وصف الصحّة ، فكيف بالاجازة المتأخّرة ، بل لو عقد نفس المالك على شيء وكان العقد فاقداً لبعض شرائط الصحّة يقع باطلاً فضلاً عمّا إذا لحقته إجازته فيا لو عقد الفضولي . وبالجملة لابدّ في صحة العقد الصادر من الفضول أن يكون جامعاً لجميع الشرائط المعتبرة في العقد سوى رضا المالك ، وفي غير تلك الصورة يقع فاسداً ولا يمكن أن تكون الاجازة المتأخّرة مصحّحة للعقد الفاسد ، هذا كلّه بحسب الكبرى .
وأمّا بحسب الصغريات والتطبيق ، فلا إشكال في أنّ العقد لابدّ وأن يكون حاوياً للشرائط الراجعة إلى العقد كالماضوية والعربية والتطابق وغيرها ، فلو كان فاقداً لبعض تلك الشرائط يقع فاسداً .
وأمّا الشرائط المعتبرة في المتعاقدين بما هما متعاقدان (لا بما هم--ا م-الكان) كالبلوغ والعقل ونحوهما ، فلا إشكال في اعتبارها أيضاً ، فلو كان المتعاقدان أو
أحدهما صبياً أو مجنوناً فلا تقع المعاملة بالاجازة المتأخّرة صحيحة ، لأنّ عقدهما كلا عقد .
وأمّا الأُمور والشرائط المعتبرة في العوضين كالمالية أو الطهارة والطلقية ونحوها فهي أيضاً معتبرة في العقد الصادر من الفضولي بحيث لو كان العوضان فاقدين لبعض هذه الشروط كما إذا كان أحدهما خمراً أو كانت الأمة أُمّ ولد أو كان فاقداً للمالية وهكذا ، فلا ينبغي الإشكال في فساد العقد حينئذ وإن انقلب الخمر إلى الخلّ أو مات ولد الأمة أو عرضت المالية عليه حال الاجازة ، وذلك لاعتبار هذه الشروط في متعلّق البيع والعقد ، والاجازة ليست عقداً مستأنفاً ولا بيعاً ثانياً فلابدّ من اتّصاف العوضين بهذه الشروط حال العقد ولعلّه ظاهر .
وأمّا الشرائط الخارجة عن متعلّق البيع والمتعاقدين والعقد وه-ي الأُم--ور المعتبرة في المعاملة خارجاً وقد عبّر عنها شيخنا الأنصاري(1)بشرائط تأثير العقد کاشتراط القدرة على التسليم أو الشرائط المعتبرة في المالكين وإن لم يكونا عاقدين كالإسلام في مشتري المصحف والعبد المسلم بناءً على أنّ الكافر لا يملك شيئاً منهما فهي غير معتبرة في العقد بوجه ، بل القدرة على التسليم كما لا تعتبر في حال العقد كذلك لا تعتبر في حال الاجازة أيضاً ، وإنّما تعتبر في ظرف التسليم وهو أمر يختلف باختلاف الأغراض ، فربما يشترط التسليم في ظرف الاجازة وأُخرى في غيره من الأزمان كمن باع عشرة أمنان من الحنطة في ذمّة زيد فضولة على أن يسلّمها بعد ستّة أشهر ثمّ أجازها المالك من دون أن يكون قادراً على تسليمها حال الاجازة .
وكذا الإسلام فإنه لا يعتبر حال العقد أبداً ، لأنّ الدليل الدالّ على اعتباره في المشتري بعد الاجماع هو قوله تعالى : وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ
1) المكاسب 3 : 467 .
سَبِيلاً (1)بأن يكون اختيار المسلم بيد الكافر يفعل في حقّه ما أراد ، ومن الواضح أنّ العقد بمجرده لا يوجب السبيل للكافر على المسلم أبداً ، وإنّما هو يتحقّق بالاجازة ، إذ لا يمكنه التصرف في العبد قبلها ، فإذا فرضنا أنّ المشتري الكافر حال العقد أسلم حين الاجازة صحّ العقد والاجازة بلا إشكال . نعم بناء على الكشف الحقيقي أمكن القول بالفساد لتحقّق الملكية والسبيل حين العقد .
ثمّ إنّه هل يعتبر الاستمرار في الشروط المعتبرة حال العقد إلى زمان الاجازة بحيث لو انتفى بعضها بعد العقد وقبل الاجازة بطلت الاجازة ، أو لا يعتبر فيها الاستمرار ؟
ذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) بالنسبة إلى شروط العوضين : أنّ الظاهر اعتباره على القول بالنقل، لعدم تمامية البيع قبلها ، وحين تماميته بالاجازة لا شرط بحسب الفرض فتقع المعاملة باطلة . وكذا يعتبر الاستمرار على القول بالكشف من جهة أنّ زمان الاستناد إلى المالك إنّما هو زمان الاجازة ، ومع فقد بعض الشرائط المعتبرة في المعاملة لا يكفي إسناد المعاملة الفاقدة لبعض الأُمور المعتبرة فيها إلي-ه هذا .
والظاهر أنّ الاستمرار إلى حال الاجازة غير معتبر على كلا القولين ، وذلك لأنّ الكلام في شرائط البيع لا الملكية ، وقد فرضناه جامعاً لشرائط البيع حال العقد والبيع ، والاجازة ليست بيعاً ولا عقداً مستأنفاً ، فاعتبارها في حال الاجازة أيضاً يحتاج إلى دليل آخر ، والوجه في ذلك ما عرفت من أنّ شرائط البيع غير شرائط الملكية كما في بيع الكلب والمتنجّس ونحوهما حيث إنّهما مع ماليتها منع الشارع عن بيعهما تعبّداً ، إذ لا إشكال في أنّ الكلب ملك فلذا أوجب الشارع ضمانه على م--ن
1) النساء 4 : 141 .
أتلفه ، وكذا الحال في المنع عن بيع اُمّ الولد فإنّها ملك ويجب دفع قيمتها لو قتلها أحد ومع ذلك قد منع عن بيعها ، فهذه شرائط البيع دون الملك ، والمقدار الثابت من أدلّتها اعتبارها حال البيع ، والمفروض أنّها كانت متحقّقة حال البيع والعقد ، واشتراطها واعتبارها حال الاجازة أيضاً يتوقّف على دليل ، وهذا بخلاف الشرائط المعتبرة في الملك فإنّها شرط للملك بغضّ النظر عن وقوع البيع كما في الخمر فإنّها غير قابلة للملك حتّى لو لم يكن بيع أصلاً . وكلامنا إنّما هو في شرائط البيع لا شرائط الملك .
فرع : إذا انقلب الخل بعد العقد إلى الخمر ثمّ صار خلاً فهل يصحّ الانتقال أو لا ؟ الظاهر أنه لا ينتقل إلى المشتري حينئذ على القول بالنقل لأنه صورة نوعية أُخرى غير الصورة التي وقع عليها العقد ، وذلك لأنّ الخمرية والخلّية وإن كانتا من الأوصاف والأحوال عند العرف إلّا أنّهما بحسب نظر الشارع من الأوصاف النوعية التي بها تختلف الأشياء ، فإذا صار خمراً ثمّ انقلب إلى الخل فهو قد اتّصف بصفة نوعية أُخرى غير الصفة الأُولى كما لا يخفى ، وهذا نظير ما إذا انقلب عبدٌ إلى الصورة النوعية الكلبية بمعجزة ونحوها ثم انقلب إلى الصورة النوعية الانسانية فإنه لا إشكال في تغايره للإنسان الأول وكونه غيره حقيقة ، وكذلك الحال في المقام ، وعليه فيقع البيع باطلاً لأنّ متعلّقه تلف والموجود أمر آخر مغاير لما وقع العقد عليه ، وأمّا على القول بالكشف فالبيع صحيح لأنّ التبدّل يكون في ملك المشتري ، هذا تمام الكلام في الجهة الأُولى .
الجهة الثانية : أنه هل يشترط العلم بالعقد المجاز تفصيلاً بأن يعلم أنه عبارة عن البيع أو الاجارة أو النكاح ، أو أنه يكفي العلم الاجمالي بوقوع عقد عليه فيجيزه على ما هو عليه بيعاً كان أو نكاحاً ، وهذا لا يقاس بالوكالة المتعلّقة بأمر مبهم حيث ذهبوا إلى بطلانها .
والجهة الثالثة : أنه هل يكفي في صحّة العقد إجازته على تقدير وقوعه بأن
يقول أجزت ما وقع على مالي إذا كان بيعاً ثمّ انكشف أنه كان بيعاً ، أو أنّ ذلك من التعليق في العقود ، لأنّ الاجازة وإن لم تكن عقداً في حدّ نفسها إلّا أنها في حكم العقود لا محالة فيكون تعليقها على شيء موجباً لبطلانها ، وهاتان الجهتان لابدّ من التكلّم فيهما .
أمّا هذه الجهة الأخيرة فقد ذهب شيخنا الأنصاري(1)إلى أنّ التعليق في الاجازة مبطل لها ، لأنّها كالعقود ممّا لا يقبل التعليق . وذكر شيخنا الاُستاذ (قدّس سرّه )(2)أنّ الاجازة من الايقاعات والايقاع لا معنى للتعليق فيه ، هذا .
ولا يخفى عليك أنّ ما أفاداه في غاية الضعف والإشكال .
أمّا ما ذكره شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) فلأنّ المانع عن صحّة التعليق في العقود ليس إلّا الاجماع على أنّ التعليق في العقود يوجب البطلان ، ومن الظاهر أنّ الاجازة شرط لصحّة المعاملات وليست من العقود ، والاجماع إنّما يوجب بطلان التعليق في مورده وهو العقود دون غيره ، هذا . مضافاً إلى أنّ التعليق في العقود إنّما يوجب البطلان فيما إذا كان على غير موضوعاتها ، وأمّا إذا علّق العقد على موضوعه فلا وجه لبطلانه كما إذا قال : إن كان هذا مالي فبعته، والعقد في المقام موضوع للاجازة المتأخّرة ، إذ لولاه لوقعت الاجازة باطلة إذ لا معنى لاجازة المعدوم فلا مانع من تعليقها على موضوعها .
وأمّا ما ذكره شيخنا الأستاذ من أنه لا معنى للتعليق في الايقاعات ، فلم نفهم ماذا يريد بهذا الكلام ، لأنّ التعليق في الايقاعات كالتعليق في العقود أمر ممكن لا أنه مستحيل ولا معنى له ، غاية الأمر قام الاجماع على بطلانه في العقود ، وهذا لا
يمنع عن التعليق في الايقاعات ، كيف وقد وقع التعليق في موردين من الايقاعات أحدهما بلا كلام والآخر على كلام فيه ، والأول هو التدبير فإنه من الايقاعات بلا إشكال ومع ذلك قد علّق فيه الحرّية على الموت ، والثاني باب الوصية فإنّ الملكية فيها معلّقة على الموت إلّا أنّها مع الإشكال في كونها إيقاعاً لاحتمال كونها من العقود ، وإن كان الأول أظهر ، هذا كلّه في الجهة الأخيرة .
أمّا الجهة الثانية المتقدّمة : فصحّة الاجازة على العقد المعلوم بالاجمال من فروعات المسألة المتقدّمة وأنّ التعليق في الاجازة موجب للبطلان أو لا ، ولأجل ذلك قدّمناها على هذه الجهة ، فعلى ما ذكرناه هناك من أنّ التعليق في الاجازة لا يوجب البطلان ، لا مانع من الالتزام بصحّة العقد المعلوم إجمالاً فيما إذا تعلّقت به الاجازة ، لأنّ معناها حينئذ أنّي أجزت العقد الواقع إذا كان بيعاً ، وأجزت الواقع إذا كان نكاحاً ، وأجزته إذا كان إجارة وهكذا ، فلا مانع فيه إلّا التعليق وقد عرفت أنه غير موجب للبطلان .
ومن ذلك يظهر أنّ ما أفاده شيخنا الأُستاذ(1)من أن الاطلاق إنّما يعقل في الكلّيات وأمّا الفرد الواقع المبهم فلا إطلاق فيه حتّى يتمسّك باطلاقه ويجيزه مطلقاً ، نعم ، نعم الوكالة يعقل تعلّقها بالأمر المطلق بأن يوكّل مثلاً في هبة ماله على نحو الاطلاق زيداً كان الموهوب له أم عمراً .
لا يمكن المساعدة عليه في المقام ، وذلك لأنه لا يجيز الفرد المبهم حتّى يقال إنه لا إطلاق فيه ، بل إنّما يجيز جميع المحتملات التي منها ما وقع على ماله وهو لا يميّزه فإنه يقول أجزت ما وقع على مالي إن كان بيعاً ، وأجزته إن كان إيجاراً ، وأجزته إن كان نكاحاً ، كما إذا كان ماله أمةً وهكذا ، كما ظهر أنّ الحكم بالصحّة في المقام أولى
1) منية الطالب 2 : 138 .
من الحكم بصحّة الوكالة المتعلّقة بأمر مبهم ، فإنه إذا وكلّه في أحد أمرين : بيع ماله ونكاحه فهو يحتمل وجوهاً ، فتارةً يوكلّه في كل واحد من البيع والنكاح فينحل التوكيل المذكور إلى توكيلين ، ففي مثله لا إشكال في صحّة كل واحد من الأمرين غاية الأمر أنه لا يتمكّن إلّا من أحدهما ، فإمّا أن يبيع الأمة وإمّا يزوّجها . وأُخرى يوكّله في أحدهما من غير تعيين ، ففي مثله إذا كان للجامع بينهما أثر فلا مانع من صحة ما يرتكبه الوكيل ، لأنه مُجاز في ذلك الأثر حصل من هذا أو من ذاك ، وأمّا إذا لم يكن أثر يترتّب على الجامع بين الأمرين كما في المثال فلا محالة تقع الوكالة باطلة إذ لا معنى للوكالة في أمر مبهم .
وهذا بخلاف المقام فإنه يجيز العقد الواقع على ماله مطلقاً بيعاً كان أو نكاحاً أو إجارة ، فهو يجيز جميع المحتملات التي منها ما أوقعه الفضولي على ماله وهو لا يعلمه .
الجهة الرابعة : أنّ الاجازة تارةً تتعلّق بالعقد الواقع على نفس مال الغ--ير واُخرى تتعلّق بالعقد الواقع على عوض مال الغير ، وعلى كلا التقديرين إمّا أن تتعلّق بأوّل عقد وقع على مال الغير أو على عوضه ، وإمّا أن تتعلّق بآخر عقد واقع على مال الغير أو على عوضه ، فالصور أربعة . وأمّا إذا تعلّقت بالعقد المتوسّط بين الأول والآخر فهو إمّا متوسّط بين عقدين وقعا على نفس مال الغير ، وإمّا متوسّط بين عقدين وقعاً على عوض مال الغير ، وإمّا متوسط بين عقدين أحدهما وقع على مال الغير وثانيهما على عوضه بالاختلاف ، فربما يكون الأول واقعاً على المال والأخير على عوضه وأُخرى يكون الأمر بالعكس . ثمّ العقد المتوسط الذي تعلّقت به الاجازة تارةً يكون واقعاً على نفس مال الغير وأُخرى يكون واقعاً على عوضه
فتكون الصور فيه ثمانية ومع ضمّها إلى الأربعة المتقدّمة تصير اثنى عشر صورة . فإن اكتفينا بالبحث عن حكم الاجازة المتعلّقة بالمتوسط من العقود لأنّ حك-م اجازة الأول والأخير يعلم من حكم المتوسط بينهما فتكون الصور ثمانية وتصوير تلك الصور أشكل من تحقيق أحكامها . فنمثّل له بما إذا باع الفضولي عبدالمالك بفرس ثمّ باع الفرس بدرهم ، وأمّا مشتري العبد فباعه بكتاب ومالك الكتاب باع العبد بدينار ثمّ اشترى بالدينار جارية ، وهذه خمسة عقود ، فالعقد المتوسط فيها هو العبد بكتاب ، وهذا عقد متوسط بين عقدين وقعا على نفس مال الغير ، الأول هو بيع العبد بفرس والأخير بيع العبد بدينار ، كما هو عقد متوسط بين عقدين وقعا على عوض مال الغير وبدله ، والأول منهما بيع الفرس بدرهم والأخير منهما بيع الدينار بالجارية ، كما أنه عقد متوسط بين عقدين تعلّق أحدهما بنفس مال الغير وثانيهما بعوضه بالاختلاف ، فالأول منهما بيع العبد بفرس أو بيع الفرس بدرهم والأخير منهما بيع الدينار بالجارية أو بيع العبد بدينار ، فإذا ظهر حكم هذا العقد المتوسط بينهما فلا محالة يظهر حكم العقود السابقة واللاحقة عليه .
ثم إنّ الكلام في ذلك تارةً يقع على الكشف وأُخرى على القول بالنقل ولنتكلّم على الكشف أوّلاً فنقول : إنه إذا أجاز مالك العبد البيع الواقع عليه بالكتاب فهي تكشف عن أنّ العبد صار ملكاً لمالك الكتاب من الابتداء ، والكتاب ص-ار ملكاً لمالك العبد من حين المعاملة ، ونتيجة ذلك بطلان بيع العبد بالفرس ، إذ لم تتعلّق به الاجازة بحسب الفرض . وأمّا بيع الفرس بدرهم فهو غير مربوط بمالك العبد على كلا القولين من الكشف والنقل وإنّما هو راجع إلى صاحب الفرس فإن أجازه صحّ وإن ردّه بطل ، وأمّا العقود المتأخّرة عن بيع العبد بالكتاب وهو بيع العبد بالدينار والدينار بالجارية فهي بأجمعها صحيحة من جهة أنّ الاجازة إنّما كشفت عن ملكية العبد لصاحب الكتاب من الابتداء فهو إنّما باع ملك نفسه بالدينار ، كما أنّ مالك
الدينار (وهو مالك الكتاب) قد اشترى به الجارية فجميعها صحيحة ، هذا كلّه بناءً على القول بالكشف .
وأمّا على النقل فيما أنّ الاجازة توجب انتقال العبد إلى صاحب الكتاب من حين الاجازة فهي توجب بطلان بيع العبد بالفرس ، إذ لم تتعلّق به الاجازة بحسب الفرض . أمّا العقود المتأخّرة عن بيع العبد بالكتاب فصحّتها تتوقّف على ما تقدّم(1)من أنّ من باع شيئاً ثمّ ملكه صحيح على نحو الاطلاق أو مع الاجازة أو أنه باطل مطلقاً حيث إنّ مالك الكتاب قد باع العبد بالدينار ثم ملكه بالاجازة المتأخّرة على القول بالنقل ، فقد ظهر من جميع ذلك حكم المعاملة في ستة صور من الصور المتقدّمة وهي صور وقوع الاجازة على العقد الواقع على نفس مال الغير ، فيبقى في البين الصور الست للاجازة على العقد الواقع على عوض مال الغير .
والمتحصّل : أنّ البيع الواقع على عوض مال الغير المتقدّم ع-ل-ى ب-ي-ع الع-ب-د بالكتاب غير مربوط بمالك العبد وإنّما هو راجع إلى مالك الفرس على كلا القولين من الكشف والنقل فإن أجازه صحّ وإن ردّه بطل ، وأمّا البيع الواقع على مورد الاجازة في العقد المتوسط أعني بيع العبد بالفرس فهو أيضاً باطل على كلا القولين لعدم الاجازة بحسب الفرض حيث إنّها إنّما تعلّقت ببيع العبد بالكتاب ، وإنّما تظهر الثمرة بين الكشف والنقل في العقود المتأخّرة عن بيع العبد بالكتاب لأنّها على الكشف تصحّ لوقوعها في ملك مالك الكتاب كما مرّ ، وأمّا على النقل فصحّتها تبتني على صحّة البيع قبل الملك كما عرفت . وكيف كان فإذا أجاز العقد المتوسط صحّت العقود المتأخرة عنه بناءً على الكشف فهي إمضاء بالاضافة إليها وفسخ للعقود المتقدّمة عليه ، وأمّا على النقل فاجازته فسخ للعقود المتقدّمة فقط ، وأمّا صحّة المتأخّرة فهي
1) في الصفحة 13 .
مبتنية على المسألة المتقدّمة .
وينبغي التنبيه على أمرين في المقام الأول : أنّ إجازة المتوسط إنّما تكون فسخاً للعقود المتقدّمة عليه فيما إذا أجازه المالك لنفسه ، بأن يجيزه على أن يكون البيع له ، وأمّا إذا أجازه للبائع وهو بائع العبد بالكتاب فهي لا تكون موجبة لفسخ العقد المتقدّم عليه ، بل بالملازمة تقتضي صحة بيع العبد بالفرس لينتقل العبد إلى مالك الفرس حتّى يصحّبيعه بالكتاب ، وإلّا فمع عدم انتقال العبد إلى مالك الفرس كيف يصحّ بيع العبد بالكتاب الذي أجازه المالك للبائع بحسب الفرض ، فاجازته للبائع إجازة للعقد المتقدّم أيضاً .
الثاني : أنّ المراد بالعقود المتأخّرة عن المتوسط في الحكم بصحّتها إذا أجاز المتوسط ليس مجرد ما تأخّر عنه بزمان ، إذ يمكن أن يكون عقد متأخّراً عنه بحسب الزمان ومع ذلك لا يكون صحيحاً باجازة المتوسط بوجه كما سيتّضح ، بل المراد كل عقد تتوقّف صحته على صحة المتوسط كما إذا كان البائع في العقود المتأخرة أحد المتعاملين في المتوسط من المشتري والبائع كما عرفت في الأمثلة المتقدّمة ، فالتأخر تأخّر رتبي لا زماني ، فإنه إذا باع العبد بفرس من زيد ثمّ باعه بكتاب من بكر ثم باعه بدينار من عمرو ، فاجازة المتوسط لا يوجب إجازة المتأخّر عنه أبداً ، لأنه عقد أجنبي لا ربط له بالمتوسط والمتقدّم وإن وقع متأخّراً عنه بحسب الزمان ، هذا تمام الكلام فيما إذا كان متعلّق الاجازة العقد الواقع على نفس مال الغير .
وأمّا إذا كان متعلّقها العقد الواقع على عوض مال الغير فهذا أيضاً تارة يكون أوّل عقد وقع على عوض مال الغير ، واُخرى يكون آخر عقد وقع على ع-وضه وثالثة يكون متوسطاً بين عقدين وقعاً على عوض مال الغير أو بين عقدين وقعاً على نفس مال الغير أو بين عقدين تعلّق أحدهما بعوض مال الغير والآخر تعلّق بنفس مال الغير بالاختلاف كما مرّ في الصورة المتقدّمة .
ويظهر حكم الصورتين الأولتين أعني ما إذا تعلّقت الاجازة بأوّل عقد وقع على عوض مال الغير وما إذا تعلّقت بآخر عقد وقع على عوض مال الغير من بيان حكم الصورة الثالثة وهي تعلّق الاجازة بالعقد المتوسّط بين عقدين ، والمثال الجامع للأقسام كما مثّل به شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) هو ما إذا بيع العبد بفرس ثمّ بيع الفرس بدرهم ثمّ بيع الدرهم برغيف ثمّ بيع الرغيف بعسل ثمّ بيع الدرهم بحمار فهذه عقود خمسة ، والمتوسط بينها هو بيع الدرهم برغيف وهو عقد وقع على عوض مال الغير وهو العبد ، وقد سبقه عقدان أحدهما وقع على مورده وهو بيع الفرس بدرهم وثانيهما وقع على عوضه وهو بيع العبد بفرس كما لحقه عقدان أحدهما وقع على مورده وهو بيع الدرهم بحمار وثانيهما وقع على عوضه وهو بيع الرغيف بعسل .
فإذا ظهر حكم ذلك العقد المتوسط من حيث صحة سابقه أو لاحقه فيظهر منه حكم الصورتين الأوّلتين أيضاً وهما ما إذا أجاز أوّل عقد وقع على عوض مال الغير وما إذا أجاز آخر عقد وقع على عوضه ، لأنّا إذا قلنا بصحة العقود المتأخرة عن المجاز فلا محالة تصح العقود المتأخرة عن العقد الأول في الصورة الاُولى منهما كما أنه إذا قلنا بصحة العقود المتقدّمة على المجاز فلا محالة تصح العقود المتقدّمة على العقد الآخر في الصورة الثانية من الصورتين فلا يحتاج إلى إعادة الكلام فيهما .
وكيف كان ، فعلى القول بالكشف إذا أجاز المتوسط من العقود الخمسة المتقدّمة فلا إشكال في صحة العقود المتأخرة عنه الواقعة على مورده وهو الدرهم في المثال لوقوعها في ملك البائع بحسب الفرض ، فإنّ الدرهم صار ملكاً لمالك الرغيف فبيع الدرهم بحمار قد وقع في ملك نفسه فلا إشكال في صحته ، وأمّا بيع الرغيف بالعسل فهو غير مربوط بمالك الدرهم بل راجع إلى مالك الرغيف فيصحّ إذا أجازه أيضاً ، كما أنّ إجازة المتوسط حينئذ تقتضي إجازة العقد المتقدّم عليه ، إذ لولا صحة بيع الفرس بدرهم كيف يمكن الحكم بصحة بيع الدرهم برغيف ، كما أنّ صحة بيع
الفرس بالدرهم تتوقّف على صحة بيع العبد بفرس ، فصحة العقد المتوسط تستلزم صحة العقود المتقدّمة عليه كما أنها تستلزم صحة العقود المتأخرة عنه فيما إذا وقعت على مورده وهو الدرهم وبيعه بحمار .
وأّما على القول بالنقل فصحة نفس هذا المتوسط المجاز تتوقّف على صحة البيع قبل الملك وعدم اشتراط أن يكون المجيز مالكاً حال البيع ، لأنّ البائع في بيع الدرهم برغيف غير مالك حال البيع على النقل وإنّما يملكه بالاجازة ، فعلى القول بصحة مثله يصح المتوسط لا محالة ، وصحّته تستلزم صحة العقود المتقدّمة عليه كما تستلزم صحة العقود المتأخرة عنه الواقعة على مورده بناءً على صحة الب-ي-ع ق-ب-ل الملك .
وبالجملة : أنّ صحة العقد المتوسط توجب صحة جميع العقود المترتّبة على صحّته ، والعقود المتوقّفة عليها صحة ذلك العقد المجاز أعني لوازمه وملزوماته .
ثم إنه ظهر من ذلك أمران ، أحدهما : أنّ ما أفاده الشهيد الأوّل (قدّس سرّه) في الدروس(1)من أنه إذا أجاز العقد الواقع على المبيع صحّ وما بعده وإذا أج--از العقد الواقع على الثمن صح وما قبله ليس على إطلاقه بصحيح ، لما عرفت من أنّ الاجازة سواء وقعت على المبيع أو الثمن تستلزم صحة ما تتوقّف عليه صحة المجاز كما تستلزم صحة العقود المترتّبة على صحته كما في بيع الدرهم بحمار فمع أنه وقع على الثمن استلزم صحة بيع الدرهم برغيف صحته كما تستلزم صحة العقود المتقدّمة عليه .
ثانيهما : أنّ شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(2)ذكر في المقام أنّ العقود إذا
وقعت من أشخاص متعدّدة كان إجازة الوسط منها فسخاً لما قبله وإجازة لما بعده وإن وقعت من شخص واحد انعكس الأمر .
وهذا من غرائب كلام الشيخ (قدّس سرّه) إذ لا يفرق في صحة العقود المتأخّرة أو بطلانها كون العقود صادرة من أشخاص متعدّدة أو من شخص واحد ، فإذا فرضنا أنّ أحداً باع العبد بفرس و آخر باع الفرس بدرهم وشخصاً ثالثاً باع الدرهم برغيف وشخصاً رابعاً باع الرغيف بالعسل ومالك الدرهم اشترى ب-ه حم-اراً فالحكم في ذلك كما عرفت هو صحّة العقود المتقدّمة على بيع الدرهم برغيف فيما إذا تعلّقت الاجازة به (أي ببيع الدرهم برغيف) مع أنّ العقود وقعت من أشخاص متعدّدة ، كما أنّ الحال كذلك فيما إذا وقعت من شخص واحد ، فالمناط إنّم-ا ه-و بالملزومات واللوازم فإذا أجاز المتوسّط صحّت ملزوماته ولوازمه مطلقاً كانت العقود صادرة من شخص واحد أو من أشخاص متعدّدة .
ثمّ إنّ هنا إشكالاً في صحة العقود المتأخّرة بالاجازة وملخّصه : أنّ المشتري الأصيل أو البائع فيما إذا كان المشتري فضولياً إذا كان جاهلاً بالحال ولم يلتفت إلى أنّ البائع غصب المال وأنه ليس راجعاً إليه فلا إشكال . وأمّا إذا كان عالماً بأنّ البائع غاصب وأنه غير مستحق للمال ومع ذلك سلّم الثمن إليه وسلّط الغاصب على ماله فهو بذلك يذهب باحترام ماله ويرفع اليد عنه ويملّكه للغاصب لا محالة ، فهو ينتقل إلى الغاصب ولا ينتقل إلى المالك بالاجازة ، فإذا وقع عليه عقد فقد وقع على مال الغاصب لا على مال المالك فكيف تصح العقود المتأخّرة بالاجازة .
وهذا الإشكال قد أشار إليه العلّامة في القواعد(1)وأوضحه قطب الدين(2)
والشهيد (قدّس سرّهم)(1)وهذا تارة يجري في العقود المتأخرة فقط وأُخرى يأتي في العقد الأول أيضاً ، وذلك لأنّ التسليط إن قلنا بأنه يوجب التمليك مطلقاً بحيث لا يمكنه الرجوع في المال ولو مع بقائه في يد الغاصب وعدم تلفه فحينئذ يأتي الإشكال في العقد الأول من حيث إنّ الثمن قد انتقل إلى الغاصب بحسب الفرض فلا ينتقل إلى المالك بالاجازة ، وإذا لم يصح العقد الأوّل فكيف تصحّ العقود المتأخرة عنه ، وأمّا إذا خصّصنا الإشكال بصورة التلف وقلنا إنّ المال إذا كان باقياً فله أن يرجع فيه إلى الغاصب ويأخذه منه ، وأمّا إذا تلف فلا يمكنه المطالبة لأجل التسليط فلا يأتي الإشكال في العقد الأول حينئذ لبقاء المال عند الغاصب وإنّما يأتي الإشكال فيما إذا باعه أو اشترى به شيئاً فهو في حكم التلف ويملك الغاصب عوضه ، ومعه لا موضوع للاجازة لأنّ العقد الثاني وقع على ملك الغاصب .
والجواب عن هذا الإشكال بوجوه :
الأول : إنكار أصل المبنى وأنّ التسليط فيا إذا كان مع العوض فهو لا يوجب التمليك كما ذكرناه في قاعدة ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده ، بل مقتضى قاعدة على اليد ما أخذت هو الضمان وعدم انتقال المال إلى الغاصب بالتسليم من جهة أنّ المملّكات في الشريعة المقدّسة معدودة محصورة والتسليم ليس من أحدها ، والوجه في أنّ التسليط مع العوض في المقام وأنّ التسليم غير مجّاني في صورة علم المشتري بالحال هو أنّ المشتري إنّما دفع الثمن إليه من أجل أنه عوض عن المبيع في المعاملة لأصل دعوى البائع أنه مالك للمال فهو تسليم للمال عوضاً لا هبة ، وقد عرفت أنّ التسليط مع العوض لا يوجب التمليك فلم يرد تخصيص على الضمان في المقام .
الثاني : أنّ هذا الإشكال لو سلّم فإنّما يأتي على القول بالنقل ، وأمّا على مبنى
1) حكاه عنه السيّد العاملي في مفتاح الكرامة 4 : 192.
الكشف الذي ذهب إليه المشهور فلا وجه لهذا الإشكال ، لأنّ الاجازة تكشف عن انتقال المال إلى المالك حين البيع فيكون تسليط المشتري الغاصب على المال بعد المعاملة تسليطاً للغاصب على ملك الغير ولا يعقل أن يكون تسليط الغاصب على مال الغير موجباً للتمليك أبداً ، نعم لا مانع من ذلك على النقل فإنّ الاجازة لا موضوع لها لكونها متأخّرة عن التسليط .
الثالث : أنّ الإشكال كما لا يجري على القول بالكشف كذلك يمكن دفع ذلك على القول بالنقل أيضاً ، والوجه في ذلك أنّ التسليط إذا كان على نحو الاطلاق فلما ذكروه من الإشكال مجال ، وأمّا إذا كان على نحو التقييد فلا موجب للإشكال أبداً والتسليط في المقام من قبيل الثاني دون الأول ، حيث إنّ المشتري إنّما سلّمه إليه عوضاً عن المال فيما إذا كانت المعاملة صحيحة وسلّطه عليه فيا إذا كانت فاسدة فإذا أجازها المالك بعد ذلك وصحّت المعاملة بها فلا وجه لانتقال المال إلى الغاصب .
وبالجملة : أنّ المشتري لا يعلم ببطلان المعاملة على أيّ حال ليكون تسليطه البائع على المال تسليطاً على نحو الاطلاق، بل يحتمل صحّتها باجازة المالك بعد ذلك ، فيكون التسليط مراعى باجازة المالك وعدمها ، فإذا أجازها فقد صحّت المعاملة ولا تسليط للغاصب بوجه ، نعم إذا فسدت المعاملة بردّ المالك يكون ذلك تسليطاً للغاصب على المال .
فالمتحصّل : أنّ هذا الإشكال ممّا لا وجه له على كلا القولين .
وأمّا ما ذكره فخر المحقّقين(1)في مقام الجواب من أن بيع الفضولي يوجب حقّاً للمالك في المعاملة بحيث يمكنه الاجازة والردّ فيؤخذ بحقّ المالك في المسألة ، لأنّ الغاصب يؤخذ بأشقّ الأحوال وأخسّها ، فلم نفهم الوجه فيما أفاده ، لأنّ مسألة أنّ
1) إيضاح الفوائد 1 : 417 - 418 .
الغاصب يؤخذ بأشقّ الأحوال ليست رواية ولا آية فلماذا يؤخذ بأشقّها ، بل لابدّ من أن يؤخذ بما جعله الشارع في حقّه من الأحكام . مضافاً إلى أنّ العقد الفضولي لا يوجب حقّاً للمالك في المعاملة ليكون حقّه أولى من الغاصب مثلاً ، لأنّ الاجازة كما عرفت من الأحكام دون الحقوق فلذا قلنا إنّ الاجازة لا تورّث ، ومعنى الاجازة أنّ المالك له أن يبيع كما أنّ له أن لا يبيع نظير البيع الابتدائي ، ولا حقّ في البين ليكون أسبق من حقّ الغاصب بوجه .
الكلام في أحكام الردّ
والكلام في ذلك يقع في جهات :
الجهة الأُولى : في أنّ الردّ هل يتحقّق بالفعل كما يتحقّق بالقول واللفظ أم لا؟
وهذا البحث إنّما يثمر فيما إذا بنينا على أنّ الردّ قبل الاجازة يرفع العقد السابق ويمنع عن قابليته للنقل بالاجازة وحينئذ يقال إنّ الردّ الفعلي لا يوجب ذلك ولا يكون مصداقاً للردّ فيصحّ العقد السابق بالاجازة بعد الردّ الفعلي ، وأمّا إذا بنينا على صحة الاجازة بعد الردّ أيضاً كما ذكرناه سابقاً فلا يبق لهذا البحث أثر أبداً، إذ سواء تحقّق الردّ بالفعل أم لم يتحقّق تؤثّر الاجازة بعده على المفروض فلا يبقى لذلك أثر .
ثمّ لو قلنا بأن سبق الردّ يمنع عن تأثير الاجازة بعده فهل يكون الفعل أو القول موجباً لتحقّق الردّ أم لا ؟
لا إشكال في أنّ الردّ يتحقّق بلفظ رددت وغيره ممّا يفيد هذا المعنى ويصير مصداقاً للردّ ويترتّب عليه أحكامه ، وأمّا الفعل فلا إشكال فيه أيضاً بحسب الكبرى ، وأنه إذا صار مصداقاً للردّ يترتّب عليه أحكام الردّ ، لعدم دليل على أنّ
الأحكام المقررة للردّ لابدّ وأن تترتب على الردّ القولي ، وإنّما الكلام في أنّ الأفعال هل تكون مصداقاً للردّ أو لا ؟
ذكر شيخنا الاُستاذ (قدّس سرّه)(1)أنّ الأفعال لا يتحقّق بها الردّ بوجه وإنّما هی مفوِّتة لمحلّ الاجازة ومعدمة لموضوعها كالبيع والتزويج والهبة والعتق ، وهذا لا يقاس بالفسخ في المعاملات الجائزة لأنّ إرجاع المالكية السابقة أمر يتحقّق بالأفعال وبالتشبّث بالملكية كوطء الجارية والبيع والنكاح ، وأمّا ردّ انتساب العقد إليه فلا يتحقّق بتصرّف المالك لأنه بمقتضى طبعه الأصلي فليس له كاشفية نوعية عن الردّ ، نعم لو وجدنا فعلاً يتحقّق به الردّ في مورد فلا مانع من أن يترتّب عليه أحكام الردّ أبداً ، إلّا أناّ لا نجد فعلاً يكون مصداقاً للردّ كما عرفت ، هذا .
ولا يخفى أنّ الاشارة والكتابة من الأفعال ومع ذلك لا إشكال في صدق عنوان الردّ عليهما ، فإذا سألناه عن أنّك تقبل المعاملة الكذائية فحرّك رأسه ورفعه فمعناه أنه يردّها ويصدق عليه الردّ بلا كلام فيترتّب عليه أحكامه .
الجهة الثانية : هل تكون تصرّفات المالك الناقلة أو المخرجة عن الملك كالبيع والعتق بعد العقد وقبل الاجازة ، موجبة لالغاء الاجازة المتأخّرة أو لا ؟ ذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(2)أنّ الاجازة على الكشف الحقيقي تكشف عن سبق الملكية على التصرفات الواقعة على المال ، وتكون تلك الأفعال الصادرة من المالك صادرة عن غير المالك الحقيقي فيحكم بالبطلان أو بوقوفها على الاجازة من المشتري ، وأمّا بناءً على القول بالنقل أو الكشف الحكمي فهناك وجوه ثلاثة : الحكم بصحة الاجازة وإلغاء الأفعال الصادرة عن المالك بعد العقد وقبل
الاجازة ، والحكم بصحة تلك الأفعال وإلغاء الاجازة المتأخرة ، والحكم بصحة الاجازة والبناء على أنّ الأفعال واقعة على غير وجهها بمعنى أنّها تتوقّف على الاجازة من المشتري ، وذهب هو (قدّس سرّه) إلى الوجه الثاني والتزم بصحة الأفعال ولغوية الاجازة ، هذا .
ولا يخفى أنّ الصحيح هو الالتزام بصحة الأفعال الصادرة من المالك وعدم تأثير الاجازة المتأخّرة حتّى على القول بالكشف فضلاً عن القول بالنقل ، والوجه في ذلك أنّ تلك الأفعال قد صدرت من أهلها ووقعت في محلّها ، فلا وجه للحكم ببطلانها على جميع المسالك في الاجازة .
أمّا على النقل والكشف الحكمي ، فلوضوح أنّ المال ملكه قبل الاجازة حقيقة فقد تصرّف في ملك نفسه فلماذا نحكم ببطلانها .
وأمّا على الكشف الحقيقي ، فلأنّ الاجازة إنّما تكشف عن الملكية حال العقد للمشتري فيما إذا صدرت ممّن له الاجازة وهو المالك حال الاجازة ، لأنّ إجازة غير المالك لا يعقل أن تكون كاشفة عن الملكية المتقدّمة ، إذ لا أثر لاجازة الجار أو الصديق ونحوهما ، بل لابدّ في الاجازة الكاشفة من أن تصدر ع-ن الم-الك لولا الاجازة ، وهذا مفقود في مفروض الكلام ، لأنّ المفروض أنه باع ملكه أو وهبه أو أعتقه قبل الاجازة فهو غير مالك للمال لولا الاجازة أيضاً ، وقد عرفت أنّ الاجازة إنّما تكشف عن الملكية فيا إذا صدرت عن المالك لولا الاجازة ، والوجه في ذلك : أنّ الاجازة إنّما اعتبرت من أجل استناد العقد إلى المالك حتّى تشمله العمومات ، لأنّها خطابات للملاك كما تقدّم والمالك لم يبع قبل الاجازة حتّى تشمله العمومات ، وإنّما يصدق عليه ذلك بالاجازة ، فالاجازة من جهة استناد العقد إلى المالك ، وهي إنّما تسند العقد إليه فيما إذا لم يسبقه استناد آخر إليه ، ومع بيعه أو هبته قبل الاجازة واستناد ذلك إلى المالك سابقاً كيف يستند العقد السابق إليه بالاجازة
فهل يعقل بيع مال مرّتين ، فإذا لم تصح الاجازة بعد هذه الأفعال فلماذا لا نحكم بصحة هذه الأفعال والتصرّفات الواقعة قبلها . وتوهم أنّ الاجازة توجب فساد التصرفات السابقة ، باطل لأنّ صحة الاجازة متوقّفة على فساد تلك التصرفات فلو توقّف فسادها على صحة الاجازة لكان دوراً ظاهراً .
فتحصّل : أنّ الحكم على جميع المسالك هو صحة التصرّفات السابقة على الاجازة فتقع الاجازة لغواً ، وهذا لا من جهة أنّ الاجازة تتعلّق بالعين ولابدّ أن تكون العين باقية حال الاجازة ، بل من جهة أنّ الاجازة لا يبقى لها مجال بعد صحة التصرفات الصادرة من المالك وإن كانت الاجازة كالفسخ والامضاء متعلّقة بالعقد . هذا كلّه فى التصرفات الواقعة من المالك على المال الموجبة لتلف العين إمّا حقيقة كالأكل ونحوه وإمّا حكماً كالبيع والهبة والعتق ونحوها ، وقد عرفت أنّها لا تبقي نجالاً للاجازة المتأخّرة لصدورها من أهلها ووقوعها في محلّها فلا محالة تقع الاجازة لغواً . وبالجملة يعتبر في صحّة الاجازة أن يجتمع فيها أمران : البيع والملك وهذان غير مجتمعين في الأمثلة لأنّ المفروض أنه لا بيع حين الملك ولا ملك حين البيع .
ومن هنا يظهر صحة التمسّك بما ورد من النهي عن بيع ما لا يملك كقوله (عليه السلام) : « ... ليس به بأس إنّما يشتريه منه بعد ما يملكه»(1)فإنّ المستفاد منه البطلان إذا لم يكن البيع والشراء في ملك ، بلا فرق بين أن لا يكون مالكاً حين البيع ثم يملك فيجيز أو يكون مالكاً حين العقد ولم يكن مالكاً حين الاجازة ، ففي كلتا الصورتين لا يكون بيعه المستند إليه في ملكه .
والظاهر أنّ الاستيلاد أيضاً من هذا القبيل، فإذا استولد الأمة بعد البيع وقبل
1) الوسائل 18 : 51 / أبواب أحكام العقود ب 8 ح 8 .
الاجازة فتقع الاجازة لغواً ، لأنّ من شرائط المعاملة أن لا يكون المبيع أُمّ ولد وقد عرفت أنّ زمان الاجازة هو زمان البيع للمالك وبها تستند إليه المعاملة وتشمله العمومات لأنّها خطابات للملّاك وقد فرضنا الأمة مستولدة حين البيع فتقع الاجازة لغواً . إلا أن يقال إنّ الممنوع هو إنشاء البيع على اُمّ الولد لا إسناد البيع المنشأ سابقاً .
ومن هذه التصرفات ما لو زوّج الفضولي أمة المالك من شخص ثمّ زوّجها المالك بنفسه من شخص آخر فإنّ التزويج الصادر من المالك عقد صدر من أهله ووقع في محلّه ، وبه تصير الأمة مزوّجة ، ومعه لا يبقى مجال للاجازة المتأخّرة بوجه لأنّ المزوّجة لا تزوّج، والاجازة هي التزويج في الحقيقة كما عرفت ، هذا كلّه في التصرّفات الواقعة على نفس العين .
وأمّا التصرفات الواقعة على منافعها كما إذا آجرها المالك بعد ما وقع عليها البيع فضولة فهل يلحق ذلك بالتصرفات الواقعة على العين ويوجب إلغاء الاجازة أو لا ؟
ذهب شيخنا الأنصاري(1)إلى أنّ الاجارة كالاستيلاد لا تُبقی مجالاً للاجازة المتأخّرة ، لأنّ ملكية المنافع تابعة لملكية الأعيان والمفروض أنّ الفضولي باع العين من المشتري والمالك ملّك منافعها للمستأجر ، فهما متنافيان لأنّ ملكية العين تستتبع ملكية المنافع وبما أنّ عقد الاجارة صدر من أهله ووقع في محلّه فلذا لا يبقى للاجازة المتأخرة مجال ، هذا .
والصحيح أنه لا تنافي بين البيع والاجارة لاختلاف متعلّقهما ، فيقع كل واحد من الاجارة والاجازة (أي البيع ) صحيحاً ، غاية الأمر أنّ المالك بعد ما أجره إذا
1) المكاسب 3 : 477 .
أجاز البيع الواقع عليه فلا محالة يبيعه مسلوب المنافع إلى مدّة الاجارة ، ولا تنافي بين بيع العين مسلوبة المنافع وبين إجارتها .
نعم للمشتري أن يفسخ المعاملة بدعوى أنّي إنّما اشتريت المال لمنافعه وق--د ظهر مسلوب المنافع فله الخيار في الفسخ والامضاء ، هذا كلّه بناءً على النقل . وأمّا على الكشف الحكمي أو الحقيقي فالاجارة والاجازة صحيحتان غاية الأمر أنّ المالك قد فوّت المنافع على المشتري فيضمنها بأُجرة المثل نظير ما إذا أتلفها بسكناها ولعلّه ظاهر .
فتحصّل : أنه لا تنافي بين البيع والاجارة ، نعم لو كان الصادر من الفضولي إجارة أيضاً فتكون منافية للاجارة الصادرة عن المالك .
ومن ذلك يظهر أنه لا تنافي بين البيع والتزويج أيضاً ، مثلاً إذا باع الفضولي أمة المالك من شخص ثم زوّجها المالك من شخص آخر ثم أجاز البيع الواقع على الأمة ، فإنّ كلاً من التزويج والاجازة صحيحان وتنتقل الأمة إلى المشتري مزوّجة ، نعم للمشتري فسخ المعاملة من أجل أنه إنما اشتراها لاستيفاء منافعها لا لمجرّد عتقها ، والمزوّجة غير قابلة للاستيفاء شرعاً فله الخيار في الفسخ والامضاء .
وأمّا الرهن الصادر من المالك بعد ما عقد عليه الفضولي كما إذا باعه الفضولي من المشتري ثمّ رهنه المالك عند المرتهن لأجل الوثيقة في الدَين فهل ينا في ذلك البيع فلا يُبقي مجالاً للاجازة المتأخرة لأنّها بيع للرهن ، أو أنه لا تنافي بينهما وكل واحد من الرهن والبيع صحيحان ؟
الظاهر أنّ ذلك يبتني على مسألة جواز بيع الرهن وعدمه ، فإن اعتمدنا على النبوي الضعيف غير المنجبر بعمل الأصحاب ظاهراً في عدم جواز التصرّف في
الرهن من قوله (صلّى الله عليه وآله وسلم) « أنّ الراهن والمرتهن ممنوعان عن التصرف »(1)فلا ينبغي الإشكال في أنّ الاجازة والبيع تصرّف من الراهن في الرهن فيفسد بمقتضى الرواية النبوية ، فيكون الرهن موجباً لالغاء الاجازة المتأخرة .
وأمّا إذا بنينا على جواز بيع الرهن وطرحنا الرواية لضعفها فلا مانع من الالتزام بصحة كل واحد من الرهن والبيع ، إذ لا يشترط في الرهن أن يكون من مال الراهن والمديون ويصح أن يكون ملكاً لآخر وقد وضعه عند المرتهن للتوثيق فينقل العين إلى المشتري بوصف كونها رهناً غاية الأمر يتخيّر المشتري بين الفسخ والامضاء لاحتمال عجز المديون عن أداء دَينه وبيع المرهونة لاستيفاء دَين المرتهن .
والصحيح هو الوجه الأخير ، أعني صحة بيع الرهن كما عرفت وسيأتي تفصيله في محلّه(2)إن شاء الله تعالى ، هذا .
ثمّ لا يخفى أنّ هذه الأفعال التي ذكرنا أنّها تنافي الاجازة وتوجب لغويتها لا توجب ردّ العقد السابق أبداً ، ولا يترتّب عليها أحكام الردّ ، فإنّ الردّ يوجب سقوط العقد السابق عن قابلية لحوق الاجازة ، وهذا بخلاف هذه الأفعال فإنها تنافي الاجازة وتوجب خروج المالك عن قابلية الاجازة لا أنّها تكون ردّاً و توجب سقوط العقد عن قابلية الاجازة ، فهذه الأفعال تسقط الفاعل عن القابلية وهو المالك ، إذ بها يخرج عن كونه مالكاً ، لا أنّها تسقط القابل عن القابلية وه-و العقد ، وكم فرق بين الأمرين.
وتظهر الثمرة فيما إذا قلنا بمقالة شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(3)م--ن أن-ه لا
يعتبر في الجيز أن يكون مالكاً حال العقد، فإنّ المشتري من المالك حينئذ له أن يجيز العقد الواقع على المال في ملك مالكه ، فإنّ العقد لم يسقط عن القابلية على الفرض فإذا أجازه المشتري فينتقل الثمن إليه والمثمن إلى المشتري من الفضولي ، نعم ليس للمالك الاجازة لخروجه عن المالكية بهذه الأفعال ، وأمّا المشتري فلا كما عرفت لعدم اشتراط المالكية حال العقد في المجيز ، هذا كلّه في مثل البيع والعتق ونحوهما وقد عرفت حال الرهن والاجارة وأنّهما لا تنافيان الاجازة بوجه .
وقد ظهر من جميع ذلك أنه لا يفرق فيما ذكرناه بين التفات المالك إلى وقوع العقد الفضولي على المال وعدم التفاته لأنّها ليست ردّاً على كل حال ولا يسقط العقد عن القابلية كما مرّ .
بقي الكلام في مثل البيع الفاسد وعرضه للبيع وهل هما أيضاً ينافيان الاجازة المتأخرة أو لا بالاضافة إلى المالك ، وأمّا بالنسبة إلى المشتري من المالك فقد عرفت أنّ البيع الصحيح لا يوجب سقوط العقد عن القابلية بالاضافة إلى المشتري فكيف بالعقد الفاسد ونحوه ؟
فصّل شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1)بين ما إذا التفت المالك إلى العقد الفضولي وما إذا لم يلتفت إليه ، وأفاد أنّ العقد الفاسد أو التعريض للبيع في الصورة الاُولى يكون مصداقاً للردّ ، لأنّ معناهما أنّي غير راضٍ بما أصدره الفضولي فيشمله عموم أنّ الاجازة بعد الردّ لغو ، وهذا بخلاف الصورة الثانية لأنه جاهل بالعقد الصادر من الفضولي فلا تكون تلك الأفعال ردّاً له ولا يترتب عليه أحكامه .
وقد استدلّ على ما أفاده في الصورة الاُولى : باطلاقات الأخبار ثمّ ناقش في دلالتها .
1) المكاسب 3 : 479 .
والمناقشة في محلّها لغرابة الاستدلال بالروايات في المقام ، فإن ما ورد(1)في نكاح العبد والأمة بغير إذن مولاهما ، أو ما ورد(2)في من زوّجته أُمّه وهو غائب من أنه إن شاء فعل وإن شاء ترك ، إنّما هو في مقام تجويز الردّ للسيّد أو الابن ، وأمّا أنّ الردّ يتحقّق بماذا فلا نظر فيها إليه أبداً .
وقد استدلّ أيضاً : بأنّ المانع من صحة الاجازة بعد الردّ القولي موجود في الردّ الفعلي أيضاً وهو خروج المجيز بعد الردّ عن كونه بمنزلة أحد طرفي العقد . ويندفع بأنّ ذلك مصادرة منه (قدّس سرّه ) لأنّ كون العقد الفاسد أو التعريض للبيع رداً أوّل الكلام .
واستدلّ ثالثاً : بفحوى الاجماع المدّعى على أنّ الفسخ في العقود الخيارية يحصل بالفعل كالوطء والبيع والعتق ، والوجه في الأولوية والفحوى أنّ الفسخ رفع للملكية الثابتة بأسبابها ، والردّ دفع عن حصول الملكية بالعقد الفضولي ، والرفع أشكل من الدفع ، فإذا ثبت أنّ الفعل يوجب الرفع مثلاً فهو يوجب الدفع بطريق أولى ، هذا .
ولا يخفى أنه لا أولوية في المقام ، وذلك لأنّ البيع والعتق إنّما يقتضيان الفسخ في العقد الخياري من أجل أنّ قصدهما حقيقة لا يتحقّق من غير مالك المال والعبد فإنّ البيع عبارة عن المبادلة بين المالين وهي لا تتحقّق إلّا بخروج المثمن عن من دخل في ملكه الثمن ، كما أنّ العتق فكّ ملكيته وهذا لا يتحقّق إلّا بكون المعتق بالفتح - ملكاً له ، فالبيع والعتق يدلّان بالدلالة الالتزامية على أنه رجع إلى ملكه وفسخ العقد الجائز ، إذ لولاه لما يتحقّق منه قصد شيء من البيع والعتق حقيقة ، وهذا
بخلاف الردّ فإنّ الملك ملكه حينئذ وليس كالفسخ فإنّ الملك فيه للمشتري دون المالك ، فتصرّفاته في ملكه لا يحتاج إلى إرجاع الملكية السابقة لأنه ملكه فلا يكون فيها دلالة على ردّ العقد الفضولي ، فلا يمكن قياس الردّ بالفسخ .
وأمّا الوطء ، فلا دلالة فيه على الفسخ أبداً ، إذ لا يتوقّف الوطء على الملك كتوقّف قصد البيع والعتق حقيقة عليه بل يتحقّق بدون الملك أيضاً لامكان الزنا في العالم ، فلعلّه لم يقصد الفسخ بل أراد الزنا ، وحمل فعل المسلم على الصحّة إنّما يوجب عدم الحكم بزناه ، وأمّا أنه يوجب حمله على الفسخ فلا ، لأنه لا يثبت الصحة الواقعية كما لا يخفى . نعم الوطء في العدّة الرجعية بنفسه رجوع وإن قصد به الزنا لأنّها زوجته حقيقة وقصده ذلك ليس بشيء ، لأنه نظير قصد الزنا بزوجته .
فالمتحصّل : أنّ البيع الفاسد أو التعريض للبيع لا يكون ردّاً كيف والبيع الصحيح لا يكفي في الردّ ، كما أنّهما لا يوجبان سقوط المالك عن قابلية الاجازة لعدم المنافاة بينهما وبين الاجازة ، وهذا بخلاف البيع الصحيح ، لأنّ الصحيح منه مؤثّر في الانتقال فتقع الاجازة لغواً ، هذا كلّه في العقود اللازمة.
بقي الكلام في مثل الوصية والوكالة وأنه إذا أوصى لزيد بماله أو وكلّه في بيع شيء ثمّ باعه بنفسه ببيع فاسد أو عرّضه للبيع فهل هما يوجبان بطلان الوصية والوكالة أو لا ؟
قد عرفت ممّا ذكرناه في الفسخ بالبيع والعتق أنّ البيع ونحوه من الأفعال لا يوجب الفسخ والردّ في أمثال المقام ممّا لا يتوقّف قصد البيع فيه حقيقة على إرجاع الملكية السابقة لعدم خروجه عن ملكه حتّى يتوقّف على إرجاعها ، فإن كان البيع الواقع على المال صحيحاً فهو منافٍ للوصية والوكالة ومُعدم لموضوعهما لا أنه فسخ ، وأمّا إذا كان فاسداً أو تعريضاً للبيع فهو لا يدلّ على الفسخ كما عرفت ولا ينا فيهما لعدم كونه مؤثّراً ، فتكون الوصية والوكالة صحيحتين وباقيتين على حالهما
ولعلّه ظاهر .
لا إشكال في أنه إذا أجاز المالك البيع الفضولي الواقع على ماله فللمشتري مطالبة المال من المالك كما أنه يطالبه من البائع إذا كان المال بيده .
وأمّا إذا ردّه ، فإن كان المال عنده فهو ولا يرجع إلى الغير ولا يطالبه بشيء وأمّا إذا كان عند البائع أو المشتري فله مطالبته ممّن في يده .
وأمّا إذا كان المال تالفاً فقد تقدّم في أحكام الأيادي المتعاقبة وفي أحكام البيع الفاسد أنّ من تلف عنده المال يضمنه بقيمته يوم الدفع على القاعدة ، لأنّ المال إلى ذلك الوقت مضمون عليه ويجب عليه دفع عينه إذا كانت موجودة ، وأمّا إذا كانت تالفة فيلزمه دفع قيمته في ذلك الوقت ، وقد تقدّم تفصيل ذلك سابقاً(1).
نعم ، ذكرنا أنّ ظاهر صحيحة أبي ولّاد أنّ المال مضمون على الغاصب بقيمته يوم الغصب وهو يوم القبض في المقام ، وأمّا إن قلنا فيه بأعلى القيم وفرضنا أنّ قيمة المال عند البائع كانت خمسة دنانير فترقّت عند المشتري وبلغت إلى عشرة دنانير فللمالك أن يطالب المشتري بأعلى القيم لأنّ المال تلف عنده وقيمته عشرة دنانير وأمّا إذا عكسنا الأمر وفرضنا أنّ قيمة المال كانت عند البائع عشرة دنانير ثمّ تنزّلت قيمته حتى انتهت إلى خمسة دنانير ثمّ سلّمه إلى المشتري ففي هذه الصورة لا يجوز للمالك مطالبة الفوائد من المشتري لأنه إنما كان ضامناً للمال والمفروض أنّ قيمته عنده كانت خمسة دنانير ، نعم لا مانع من أن يرجع إلى البائع بالزيادة فيأخذ منه الزيادة وهي خمسة دنانير أيضاً ، هذا كلّه في نفس المال .
1) راجع المجلّد الأوّل من هذا الكتاب الصفحة 273 .
وأمّا منافعه فهي أيضاً مضمونة على من استولى على المال لتبعية المنافع في الضمان لنفس العين ، فهو بأخذه العين قد أخذ منافعها المتدرّجة في الوجود بعد ذلك فيكون ضامناً للعين ومنافعها ، فإن تلفت عند البائع رجع المالك إليه ببدلها وقيمة منافعها ، وإن تلفت عند المشتري فله أن يرجع إلى كل منها ببدلها وقيمة منافعها المستوفاة بلا إشكال وغير المستوفاة على كلام .
وأمّا الصفات الموجودة في العين ، فإن كانت العين في يد البائع متّصفة بصفة كالخياطة أو الكتابة أو الطبخ أو السمن فزالت عند المشتري ، فلا ينبغي الإشكال في أنّ المالك يرجع إليه بثمن العين والصفة ، لأنه بأخذه العين قد ضمنها بأوصافها ومنافعها ، والمفروض أنّها تلفت وقد ذهبت معها أوصافها ، أو أنّ العين باقية إلّا أنّ أوصافها زالت عند المشتري فيضمنها لا محالة ، كما أنّ له أن يرجع إلى الغاصب الأول بثمنها وقيمة أوصافها الفائتة عند المشتري .
وأمّا إذا حصلت الأوصاف عند المشتري وقد زالت عنده أيضاً بزوال العين أو لأجل شيء آخر مع بقاء عينها ، فحينئذ للمالك أن يرجع إلى المشتري بتلك الأوصاف ، ولا يجوز له أن يرجع إلى الأول بتلك الأوصاف لعدم حدوثها عنده وعدم تلفها تحت يده .
وقد ذهب شيخنا الاُستاذ (قدّس سرّه)(1)إلى أنّ المالك له مطالبة البائع بتلك الأوصاف أيضاً ، لأنه بأخذه العين قد ضمن للمالك ثمنها وأوصافها ، إلّا أنّا لم نفهم لضمان البائع الأوصاف المتجدّدة عند المشتري والتالفة عنده أيضاً وجهاً ، لأن المفروض أنّ الأوصاف لم تكن تحت يد البائع بوجه وإنّما وجدت عند المشتري وتلفت تحت يده ولم يضمن البائع إلّا العين ومنافعها ، وأمّا هذه الأوصاف المتجدّدة
1) منية الطالب 2 : 160 .
عند المشتري فلا وجه لضمانها أبداً ، وهذا بخلاف المنافع كما عرفت لأنّ البائع بأخذه العين قد أخذ المنافع أيضاً بتبعها ، وأمّا الأوصاف فهي لم تدخل تحت يده في زمان لنحكم بضمانها بوجه ، هذا كلّه حكم المالك ورجوعه إلى المشتري أو البائع .
وأمّا حكم المشتري الذي يدفع البدل إلى المالك بمطالبته أو يدفع بدل العين وقيمة منافعها وأوصافها إليه فهل يجوز له مطالبة البائع بما دفعه إلى المالك من القيمة أو الغرامة أو لا ؟ ففيه مسألتان : إحداهما في رجوعه إلى البائع بالثمن . وثانيتهما : في رجوعه إليه بما اغترمه للمالك من قيمة العين والمنافع والأوصاف .
أمّا المسألة الاُولى فلها صورتان : إحداهما ما إذا كان المشتري جاهلاً بالحال ولم يلتفت إلى أنّ البائع غاصب أو ساءٍ أو مشتبه . وثانيتهما : ما إذا كان عالماً بالحال .
أمّا الصورة الأُولى : فلا إشكال في أنه يرجع إلى البائع بعين ماله إذا كانت موجودة وبقيمته إذا كانت تالفة ، لعموم « على اليد ما أخذت »(1).
لا يقال : إنه كيف يرجع إلى البائع وقد اعترف بأنّ المال ملكه فلذا اشترى منه المال حسب الفرض .
فإنه يقال : هذا الاعتراف يتصوّر على وجوه :
أحدها : أن يكون مستنداً إلى قاعدة اليد وأنه بمقتضاها بني على أنّ البائع مالك للمال ولذا أقدم على شرائه ، وفي هذه الصورة لا مانع من أن يرجع إلى البائع بما اغترمه من الثمن ، لأنّ هذه البيّنة التي أقامها المالك على أنّ المال ليس ملكاً للبائع توجب سقوط قاعدة اليد في المقام ، فلا مانع من المراجعة إلى البائع أبداً .
وثانيها : أن يكون مستنداً إلى العلم بمالكية البائع خارجاً بحيث يرى البيّنة
1) المستدرك 14 : 8 / كتاب الوديعة ب 1 ح 12 .
التي أقامها المالك كاذبة ويدّعي استحقاق البائع للمال والثمن ، وفي هذه الصورة لا إشكال في أنّ المشتري مأخوذ على مقتضى علمه ولا يجوز له مطالبة البائع بالثمن لأنه يراه مالكاً للمال ومستحقّاً لما أخذه من الثمن فكيف يسوغ له مراجعة البائع ومطالبته بما هو مالك له باعتقاده .
وثالثها : أن يتردّد بين الأمرين ولم يعلم أنه مستند إلى قاعدة اليد أو العلم وهل تلحق هذه الصورة بالصورة الأُولى في الحكم بجواز المراجعة إلى البائع أو
بالصورة الثانية والحكم بعدم جواز مراجعته إليه ؟
نقل شيخنا الأنصاري(1)في ذلك وجهين ولم يرجّح أحدهما على الآخ--ر والظاهر أنّها تلحق بالصورة الاُولى ، لأنّ البيّئة التي أقامها المالك على أنّ المال ملكه حجّة شرعية لابدّ من ترتيب الآثار عليها ، ومنها كون البائع غاصباً للمال وغير مستحق لما أخذه من المشتري ، فله مراجعة البائع ومطالبته بالثمن ، وذلك لأنّ الموجب لالغاء البيّنة في الصورة الثانية إنّما هو العلم واعتقاد المشتري بأنّ البيّنة باطلة ، وهذا غير متحقّق في الصورة الثالثة ، وبذلك نحكم بأنّ المشتري يمكنه مطالبة البائع بما دفعه إلى المالك .
وأمّا الصورة الثانية : وهي ما إذا كان المشتري عالماً بالحال وأنّ البائع غير مالك للمبيع ففيها جهات للكلام .
الجهة الاُولى : في أنّ البائع يملك الثمن بتسليط المشتري أو أنه لا يدخل في ملكه بذلك .
الجهة الثانية : في أنه هل يجوز أن يتصرف في الثمن أو أنّ تصرفات البائع فيه غير صحيحة لأنّها تصرف في ملك المشتري .
1) المكاسب 3 : 484 .
الجهة الثالثة : في أنّ الثمن الذي أخذه البائع من المشتري إذا تلف هل يحكم بضمانه للمشتري أو لا ؟
أمّا الجهة الاُولى : فقد ذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) أنّ البائع لا يملك الثمن بتسليط المشتري أبداً ، وحاصل ما أفاده في وجه ذلك يرجع إلى وجوه ثلاثة : الأول : أنه لا مقتضي لصيرورة الثمن ملكاً للبائع أصلاً ، إذ التسليط ليس من أحد المملّكات ، ولم يحصل هناك سبب آخر للانتقال والتمليك . الثاني : أنّ التسليط لو كان موجباً للتمليك شرعاً لاقتضى ذلك التمليك في جميع البيوع الفاسدة مع أنّ التسليط فيها لم يلتزم أحد بكونه موجباً للتمليك . الثالث : أنّ التسليط لو أوجب التمليك فلازمه بطلان المعاملة لعدم صحة الاجازة المتأخرة حينئذ ، لأنّ الثمن قد انتقل إلى البائع بتسليط المشتري إيّاه قبل الاجازة كما مر تفصيل ذلك سابقاً ، هذا.
والصحيح من هذه الوجوه الثلاثة هو الوجه الأول ، إذ لا مقتضي للتمليك بالتسليط ، فإنه ليس من أحد المملّكات شرعاً ، فأكل المال في مقابله أكل للمال بالباطل على ما تقدّم من تفسير الأكل باثبات اليد على المال ، وكون المراد بالباطل الأسباب الباطلة ، فإنّ التسليط حينئذ ليس سبباً للأكل والتملّك شرعاً ، فيكون من باب أكل المال بالسبب الباطل غير الشرعي .
وأمّا الوجه الثاني ممّا أفاده فهو مندفع بعين ما أفاده بعد أسطر من هذا الكلام وملخصه : أنّ قياس التسليط في المقام على التسليط في البيوع الفاسدة قياس مع الفارق ، فإنّ التسليط في المقام مع العلم بأنّ الآخذ غاصب وغير مستحق لل--مال تسليط من دون التضمين ، وأمّا في البيوع الفاسدة فالاعطاء للمال من جهة أن-ه عوض للمبيع فيكون تسليطاً مع الضمان .
وبعبارة أُخرى : البيع الغرري أو الربوي سبب للملكية عند العرف ، وإنّما حكمنا بفسادهما لأجل المنع عنهما شرعاً ، وأمّا في المقام فهو تسليط مجاني وليس
موجباً للملكية عند العرف أيضاً وكم فرق بينهما كما هو ظاهر ، وقد أشار إلى ذلك هو (قدّس سرّه) بعد أسطر فراجع .
وأمّا الوجه الثالث فيدفعه ما ذكرناه سابقاً من أنّ الاجازة إنّما تكشف عن انتقال الثمن إلى المالك قبل تسليط المشتري البائع عليه ، فيكون التسليط حينئذ تسليطاً على مال الغير فلا يوجب التمليك للبائع وذلك ظاهر ، هذا على الكشف .
وأمّا على القول بالنقل فقد أجبنا عن ذلك بأنّ التسليط مراعىً بعدم إجازة المالك للبيع ، فإذا أجاز فهو لا يسلّطه عليه بل يريد المبادلة ونقل الثمن إلى المالك وبما أنّ الشرط وهو عدم إجازة المالك لم يحصل في صورة الاجازة فلا يكون التسليط متحقّقاً للبائع حتّى يوجب التمليك في حقه . فالمتحصّل أنّ الصحيح في الجواب هو الوجه الأول كما عرفت .
وقد أضاف إلى ذلك شيخنا الاُستاذ (قدّس سرّه)(1)وجهاً رابعاً وجعله ه-و الصحيح دون شيء من أجوبة شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) وهو أنه هب أنّ التسليط في المقام يوجب التمليك للبائع مثلاً وأنه كالهبة فرضاً إلّا أنه لا ينبغي الإشكال في أنه ملك جائز ولا يزيد على الهبة بوجه ، ولا مانع في الهبة من الرجوع واسترداد العين أبداً ، فللمشتري أن يرجع على البائع فيما وهبه إيّاه بالتسليط وهذا ممّا لا محذور فيه .
ولا يخفى عليك أن ما أفاده لو تم فإنّما يصحّ فيها إذا لم يتصرّف الموهوب له أيّ تصرّف في العين كخياطته أو بيعه أو غيرهما من أنحاء التصرفات ، كما أنه يختص بما إذا لم يكن الموهوب له ذا رحم للواهب وإلّا فالهبة لازمة ولا يمكنه الرجوع في المقام مع أنّ الكلام في جواز رجوعه إلى البائع مطلقاً تصرف فيه أم لم يتصرف
1) منية الطالب 2 : 162
كان ذا رحم بالاضافة إلى المشتري أو كان غيره ، فهذا الجواب لا يتم في جميع الموارد كما لا يخف ، هذا كلّه في الجهة الاُولى .
وأمّا الجهة الثانية : فقد ظهر حكمها ممّا ذكرناه في الجهة الاُولى ، إذ بعد ما لم يتحقّق هناك سبب شرعي لانتقال المال إلى البائع فبأيّ أمر يجوز تصرفاته في ملك الغير مع أنه من مصاديق أكل المال بالباطل وهو حرام ، إذ لم تتحقّق هناك تجارة عن تراض فجميع تصرفاته محكومة بالحرمة والبطلان .
وأما الجهة الثالثة : وهي أنه إذا تلف الثمن عند البائع مع علم المشتري بالحال وتسليط البائع على المال فهل يحكم بضمان البائع له أو أنه غير ضامن للثمن لأنّ المشتري سلّطه عليه مع علمه بالحال ؟ المشهور أنّ البائع غير ضامن له ، وذهب إليه شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1)وتبعه شيخنا الأُستاذ(2).
وقد استدلّ عليه شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) بأنّ الدليل الموجب للضمان أمران : أحدهما قاعدة « على اليد ما أخذت حتّى تؤدّيه » المرتكزة عند العقلاء حيث إنّهم يرون أخذ مال الغير وإثبات اليد عليه موجباً لضمانه . وثانيهما : الاقدام على الضمان كما ذكره الشيخ(3)والشهيد الثاني(4)(قدّس سرّهما) في المقبوض بالبيع الفاسد كما تقدّم تفصيل ذلك سابقاً في قاعدة ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده وشيء من الأمرين غير متحقّق في المقام. أمّا اليد فلأنّها وإن كانت متحقّقة في المقام إلّا أنّها لا تقتضي الضمان في جميع
مواردها ، لما ورد في غير واحد من الأخبار(1)من أنّ من استأمنه المالك على ماله فهو غير ضامن للمال كما في مثل الوديعة والعارية والاجارة ، وهذه الأخبار تقتضي عدم الضمان في المقام بطريق أولى ، إذ الاستئمان لو كان ملغياً للضمان فالتسليط في المقام يقتضي إلغاءه بالفحوى والأولوية ، لأنّ المالك في موارد الاستئمان لا يجوّز التصرف فيه ولا يسوّغ إتلافه كما في الوديعة ونظائرها ومع ذلك يوجب ذلك عدم الضمان ، ففي المقام الذي قد أجاز المالك التصرف في ماله على نحو الاطلاق بل قد سوّغ له الاتلاف بالتسليط لابدّ من الالتزام بعدم الضمان بالأولوية وذلك ظاهر . والمتحصّل أنّ قاعدة اليد مخصّصة بموارد الرضا المالكي كما عرفت .
وأمّا الاقدام فهو أيضاً مفقود في المقام ، لأنّ البائع لم يقدم على الضمان بل إنّما سلّطه المشتري على ماله مع العلم بالحال وأنه غير مستحق للمال ، ومن هنا يظهر الفرق بين المقام وبين سائر البيوع الفاسدة حيث إنّ المتعاملين في البيوع الفاسدة قد أقدما على الضمان غاية الأمر أنّ الشارع حكم بالفساد لفقد شرط من الشرائط المعتبرة في صحّتها ، وهذا بخلاف المقام إذ لا إقدام منهما على الضمان فيكون التسليط مجّانياً ولا يكون البائع ضامناً للثمن عند التلف .
ثمّ أورد نقضاً على نفسه بأنّ ذلك يقتضي عدم الضمان مطلقاً ولو مع جهل المشتري بالحال فإنه إنّما يتخيّل أنه مالك للمال فيعطيه الثمن في مقابل المثمن ، وأمّا في الواقع فهو غير مستحقّ للمال ، فالتضمين خيالي صوري لا حقيقي واقعي . وأجاب عنه بأنّ المشتري في صورة جهله بالحال إنّما يضمّن شخص البائع للمال ولا يسلّطه على ملكه مجّاناً ، وهذا بخلاف ما إذا علم بالحال فإنه مع ذلك إذا دفعه إليه فهو
1) الوسائل 19 : 79 / كتاب الوديعة ب 4 ، وص 91 / كتاب العارية ب 1 ، وب 28 ، 32 من كتاب الاجارة .
تسليط مجّاني لا محالة ، فيكون ضامناً له في الصورة الاُولى لأنّه إنّما دفعه إليه لبنائه على أنه مالك للمبيع .
ثمّ استشكل على نفسه بأنّ المشتري في صورة علمه بالحال أيضاً لا يسلّطه على ماله مطلقاً وبلا عوض بل إنّما يدفعه إليه ببناء أنه المالك للمال ، إذ لولا ذلك البناء لفسدت المعاملة قطعاً ولم يتحقّق مفهوم المعاوضة والمبادلة بوجه ، وهذا البناء على كونه مالكاً وإن كان ادّعائياً إلّا أنّ دفع الثمن إليه في مقابل المثمن حقيقي فالتضمين ودفع المال في مقابل المثمن حقيقي وإن كان ذلك مبنياً على أمر ادّعائي .
وأجاب عن ذلك : بأنّ العمدة في وجه تصحيح بيع الغاصب هو ما أشرنا إليه سابقاً من أنّ البيع عبارة عن مبادلة مال بمال من دون أن يكون فيها نظر إلى المالكين ، وبما أنّ المبادلة متحقّقة حسب الفرض فإذا أجازها المالك تقع المعاملة له لا محالة ، فالتضمين في الحقيقة إنّما هو بالاضافة إلى مالك المال ، وأمّا البائع ف--لا تضمين له من المشتري مع فرض أنه عالم بأنّ البائع غير مستحق للمال ومعه كيف يضمّنه على المال ولعلّ ذلك ظاهر ، هذا ملخّص ما أفاده (قدّس سرّه) في وجه عدم الضمان .
وشيخنا الأُستاذ (قدّس سرّه) وإن كان قد ناقش في بعض كلماته إلّا أنه موافق معه في أصل الطلب .
والتحقيق كما أشرنا إليه في قاعدة ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده أنّ الموجب للضمان ليس إلّا قاعدة اليد المرتكزة عند العقلاء ، وأنّ إثبات اليد على مال الغير يقتضي ردّه إلى مالكه ، وأمّا الاقدام فلم يثبت أنه يوجب الضمان وإن ذكره الشيخ والشهيد الثاني (قدّس سرّهما) إلّا أنّه لم يعلم أنّ الوجه في استدلالهما بالاقدام هو أنه من أحد أسباب الضمان ، أو أنّ الوجه فيه ما سنشير إليه عن قريب إن شاء الله تعالى . وبالجملة أنّ إثبات اليد على شيء يقتضي ردّه إلى مالكه وإن لم يكن
هناك إقدام على الضمان أصلاً ، وهما إنّما استدلّا على الضمان بالاقدام في البيع الفاسد بعد ذكر قاعدة اليد تتميماً للاستدلال بتلك القاعدة لأنّها مشروطة بعدم التسليط المجّاني وإلغاء المالك احترام ماله ، لا أنّهم ذكروه دليلاً للضمان بالاستقلال.
وكيف كان ، فالقاعدة هي المقتضية للضمان فلابدّ من ملاحظة أنّها متحقّقة في المقام أيضاً أم غير متحقّقة ، ولا ينبغي الإشكال في أنّ اليد ثابتة في المقام وإنّما الكلام في أنّها من جهة التسليط المجّاني حتّى لا توجب الضمان ، أو من جهة التسليط مع الضمان لبنائهما على البيع الفاسد ، وهذا هو مدار البحث في المقام ، ولكنه قد سقط من كلمات شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) ولا ينبغي الشكّ في أنّ المشتري إنّما يسلّط البائع على المال لبنائه على ذلك البيع الفاسد كما في غيره من البيوع الفاسدة مع علمهما بالحال ، فهو إنّما يعطي ليأخذ المثمن لا أنه يسلّط البائع عليه مجّاناً ، فالتسليط تضمّني ولولا ذلك للزم الالتزام بأنّ ما يدفعه المتقامران ويأخذاه موجب لالغاء الضمان لعلمهما بأنّ الآخذ غير مستحق للمال مع أنّا نلتزم بالضمان فيه من أجل أنّه إنّما يدفعه إليه لبنائها على ذلك الأمر الفاسد فيعطي ليأخذ المثمن في المقام ، بل لو كان هذا التسليط مجّانياً فلماذا التزم هو (قدّس سرّه) في الجهة الثانية بحرمة تصرفات البائع في الثمن ، فهل يكون التصرف فيا أجازه المالك حراماً ، وليس ذلك إلّا من أجل أنّ المشتري إنّما سلّطه عليه لبنائه على المعاملة الفاسدة حتّى يأخذ المثمن فتكون اليد موجبة للضمان كما هو ظاهر .
ومن هنا ظهر الفرق بين المقام وبين ما إذا سلّط المشتري ثالثاً على المال ، فإنّ اليد فيه غير ضمانية وإنّما هو تسليط مجّاني ، ولا يقاس ذلك بما إذا سلّط البائع على المال لبنائه على المعاملة ، فإنّ التسليط حينئذ في مقابل المثمن لا أنه تسليط مجّاني .
كما أنه ظهر الفرق بين المقام وبين البيع بلا ثمن والاجارة بلا أُجرة حيث ذكرنا في قاعدة ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده أنّ البيع بلا ثمن وكذا الاجارة بلا اُجرة
هبة غير معوّضة في الحقيقة غاية الأمر أنه عبّر عن الهبة بالبيع أو الاجارة مجازاً ، لا أنه بيع أو إجارة ، وهذا بخلاف المقام فإنّ البيع فيه في مقابل الثمن وإنّما أعطاه إلى البائع ليتملّك المثمن ، فلا ضمان في البيع بلا ثمن والاجارة بلا أُجرة دون المقام .
وأمّا دعوى أنّ البيع بلا ثمن وكذا الاجارة بلا اُجرة موجب للضمان ، إذ كل ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده فغير مسموعة لما أشرنا إليه هناك بأنّ هذا الكلام لم يرد في آية ولا في رواية ولا وقع معقد إجماع وإن أتعب شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) نفسه في توضيح معناه وتفسير ألفاظه ، فلا منشأ له ولا يمكن الاستدلال به على الضمان في مورد أبداً ، بل المناط لو أردنا تطبيق تلك الكبرى غير المسلّمة على المقام أنّ يقال إنّ كل عقد شخصي لو كان صحيحاً كان موجباً للضمان ففاسده أيضاً يوجب الضمان ، وهذا العقد لو كان صحيحاً لم يكن موجباً للضمان فلا يوجب فاسده ذلك أيضاً ، إلّا أنّ شيخنا الأنصاري لا يرضى بهذا الاحتمال في معنى القاعدة فراجع .
فالمتحصّل ممّا ذكرناه : أنّ تسليط المشتري البائع الغاصب على المال إنّما هو مبني على ذلك البيع الفاسد لا أنه تسليط مجّاني ، فعند التلف يضمنه لا محالة ، نعم في الموارد التي لا يكون فيها مبادلة ولو بنظر العرف كما إذا باع الحرّ من شخص فانه لا مالية للحرّ عند العرف والعقلاء فلا محالة يكون دفع المال إلى بائع الحرّ مثلاً مع العلم بالحال تسليطاً له على المال مجّاناً ، إذ المعاملة تتقوّم بالمبادلة بين المالين ولا مبادلة بينهما فرضاً ، إذ لا يدخل الحرّ في ملك المشتري بالمعاملة فيكون تسليط البائع على المال تسليطاً مجّانياً لا محالة .
وأمّا فيما إذا كان المبيع مالاً عند العرف والعقلاء وإن ألغى الشارع ماليته بالاضافة إلى المسلمين كما في الخمر والخنزير فدفع الثمن في مقابله تسليط مبني على المعاوضة الفاسدة وموجب للضمان لا محالة ، فإنّ الخمر مال عند العقلاء ، نعم ق-د
أسقط الشارع ماليته بالاضافة إلى المسلمين ، فلذا لو أتلف أحد خمر ذمّي يضمنه اللهم إلّا أن يتعدّى من الوظائف المجعولة له كما إذا باعه من ذمّي آخر علناً لا سرّاً وذلك ظاهر ، ومن هذه الموارد ما نحن فيه فإنّ المبيع مال عند العرف والعقلاء وإن ألغى الشارع ماليته بالاضافة إلى الغاصب البائع ، فيكون تسليط المشتري ذلك الغاصب على الثمن مبنياً على المعاملة الفاسدة وهو لا يرضى بالتصرّف فيه في غير صورة المعاوضة ، فلم يرد تخصيص على قاعدة اليد في المقام وهي شاملة له ، لأنّ التسليط لم يكن مجانياً حتّى لا يوجب الضمان فلا تغفل .
ثمّ إنّ شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1)ذكر أُموراً بعد حكمه بعدم الضمان في المقام منها : أنّ ما ذكرناه من عدم الضمان إنّما هو فيما إذا سلّطه المشتري على المال بأن دفعه إليه بنفسه ، وأمّا إذا أخذه البائع بعد المعاملة من دون أن يدفعه إلي-ه المشتري فلا محالة يحكم فيه بالضمان ، إذ البيع بمجرده ليس تسليطاً على شيء فما لم يدفعه إليه المشتري لا يكون في البين تسليط .
ومنها : أنّ ما ذكرناه من عدم الضمان في المقام لا يفرّق فيه بين أن يكون الثمن الذي سلّطه المشتري عليه أو المثمن الذي سلّطه البائع عليه فيما إذا كان المشتري غاصباً ، عيناً شخصية وبين أن يكون كلّياً قد شخّصه المشتري في شيء ودفعه إلى البائع ، لأنه تسليط مجّاني في كلا الموردين غير موجب للضمان .
ومنها : أنّ المشتري إذا سلّطه على الثمن بشرط أن يجيزه مالك المال ، وأمّا إذا رجع إليه فهو أيضاً يرجع إلى البائع بالثمن ، فلا مانع في مثله من الالتزام بالضمان لأنه تسليط غير مجّاني فإذا تلف عنده فيحكم بضمانه ، هذا .
وقد ذكر (قدّس سرّه) قبل هذه الفروع فرعاً آخر وهو أنّ ما ذكرناه من الحكم
1) المكاسب 3 : 492
بعدم الضمان إنّما هو فيما إذا باعه البائع الغاصب لنفسه ودفع المشتري الثمن إليه مع علمه بالحال ، وأمّا إذا باعه للمالك فدفع المشتري الثمن إليه ليوصله إلى مالك المال ثمّ تلف المال عند البائع قبل أن يوصله إلى المالك ففيه نحكم بضمان البائع ، فيجب عليه دفع قيمته لا محالة ، لأنه واسطة في الايصال ولم يأذن المشتري في تصرفه فيه وإتلافه ، فإذا تصرّف فيه أو أتلفه فلا محالة يكون ضامناً للمال ، هذا .
ولكنّا لم يسعنا توجيه ما أفاده (قدّس سرّه) في هذه المسألة ، لأنه (قدّس سرّه) إن أراد الضمان بالاتلاف فهو وإن كان صحيحاً إلّا أنه خارج عن محل الكلام والكلام إنّما هو في ضمانه عند التلف لا الاتلاف ، فإذا فرضنا أنّ المال قد تلف بآفة سماوية كالسرقة ونحوها فكيف يمكن الحكم بضمان الواسطة مع أنه أمين قد دفعه إليه المشتري حتّى يوصله إلى المالك ولا ضمان على الأمين ، بل الحكم بعدم الضمان في هذه المسألة أولى من الحكم بعدم الضمان فيما نحن فيه ، لما مرّ من أنّ تسليط المشتري الغاصب على المال مبني على المعاوضة ولا يرضى بتصرّفاته فيه في غير هذه الصورة ، فلابدّ من الحكم فيه بالضمان ، وأمّا في هذه المسألة فالبائع أمين وواسطة في الايصال فبأيّ وجه يحكم بضمانه حينئذ ، إذ لا مضمّن في الأمين ، فالمسألتان متعاكستان وياليته قد عكس الأمر وحكم فيما نحن فيه بالضمان دون هذه المسألة هذا كلّه في أنّ المشتري يرجع إلى البائع بالثمن الذي دفعه إلى البائع ع-ن-د رج---وع المالك عليه بالعين .
وأمّا(1)أنه يرجع إليه بالغرامات الزائدة على الثمن التي قد اغترمها للمالك أم لا ، فتفصيل الكلام فيها : أنّ الغرامة التي اغترمها المشتري ، إمّا أن تكون في مقابل العين كما إذا اشتراها المشتري من الغاصب بعشرة وكانت قيمتها السوقية في ذلك
1) [ هذه هي المسألة الثانية ، وقد تقدّمت المسألة الأولى في الصفحة 74] .
الزمان عشرين وقد اشتراها المشتري بأرخص من قيمتها كما هو الأغلب في الأموال المسروقة حيث يبيعها السارق بأرخص من قيمتها السوقية فرجع إلي-ه المالك وأخذ منه العشرين وهو زائد عن الثمن بعشرة ، أو فرضنا القيمة السوقية حال الاشتراء عشرة ثمّ ترقّت وبلغت إلى عشرين وأخذ المالك ذلك من المشتري .
وإمّا أن تكون الغرامة في مقابل المنافع دون نفس العين كما إذا سكنها م-دّة فرجع إليه المالك بقيمة تلك المنافع التي قد استوفاها المشتري منه أو أزيد أو أقلّ هذا في المنافع المستوفاة .
وإمّا أن تكون الغرامة في مقابل المنافع التي لم يستوفها المشتري بعد ، وكذا ما صرفه من الأموال ولم يرجع إليه نفعه ، كما إذا صرف مالاً في غرس الأشجار في الأرض أو في اجراء القنوات أو في تسوية الأرض ولم يستوف شيئاً في مقابلها وهذه مسائل ثلاثة .
والكلام فعلاً في المسألة الأخيرة والغرامة الواقعة في مقابل المنافع غير المستوفاة وما صرفه من الأموال وأنّ المشتري هل يرجع بها على البائع أو لا ؟ ربما يحكم بالرجوع على البائع في مثل هذه الغرامة بقاعدة لا ضرر وأنّ الحكم بعدم رجوعه إليه ضرر على المشتري . ولكنّك عرفت في قاعدة لا ضرر أنّها لا تشمل الموارد التي يوجب جريانها فيها ضرراً على الآخرين ويكون إضراراً على الغير، والمقام من هذا القبيل حيث إنّ الحكم برجوع المشتري على البائع ضرر على البائع وإضرار في حقّه ، فالقاعدة لا تشمل المقام .
وأمّا الاستدلال بقولهم : إنّ السبب أقوى من المباشر في الحك-م ب-رج-وع المشتري إلى البائع ، ففيه : أنّ الفعل الخارجي إذا استند إلى السبب في الحقيقة كما إذا حفر بئراً في وسط الطريق فوقع فيه أحد في ليلة ظلماء فإنه يصدق أن يقال إنه قتله ومنه تغريم شاهدي الزور لأنّهما أوجبا قتل أحد أو غرامته وكما إذا كان المباشر
مسلوب الشعور والقدرة والاختيار كما إذا أعطى سكّيناً بید صبي أو مجنون وقال أدخله في بطن هذا النائم ، وكذا إذا فتح باب قفص فطار الطائر ، ففي مثل ذلك كلّه لا مانع من المراجعة إلى السبب ، إلّا أنّ ذلك غير متحقّق في المقام .
وأمّا فيما إذا كان السبب من قبيل المعدّات للفعل الصادر من المباشر لشعوره واختياره كما إذا شوّقه وحركّه إلى قتل أحد فقتله باختياره أو التمس منه شرب خمر فشربه بارادته ففي أمثال ذلك لا دليل على أخذ السبب بالقصاص ونحوه وإن كان عاصياً في مثل التحريك على فعل المحرّمات ، وهذا الكلام أعني أنّ السبب أقوى الخ ليس آية ولا رواية والمقدار الصحيح منه ما أشرنا إليه ، فلا يمكن الاستدلال بذلك في المقام ، لأنّ البائع من أحد معدّات أفعال المشترى لا أنه علّة تامّة لها .
نعم ، ربما يستدلّ في المقام بقاعدة الغرور وهي ما ورد في بعض الأخبار(1)من أنّ المغرور يرجع إلى من غرّه ، وهي وإن كانت ضعيفة إلّا أنّها منجبرة بعمل الأصحاب ، وإن استشكلنا في الانجبار بحسب الصغرى والكبرى في بحث الشهرة(2)إلّا أنّها على تقدير تماميتها تكون المضمّنات ثلاثة : قاعدة اليد والاتلاف ، والغرور .
ولكن أشرنا إلى أنّ الرواية الواردة في قاعدة الغرور ضعيفة السند وق--د عرفت في محلّه أنّ الرواية الضعيفة لا تنجبر بعمل الأصحاب فلا يمكن الاعتماد عليها في المقام . بل لو قلنا بالانجبار بعمل الأصحاب في الأخبار الضعاف أيضاً لا يمكننا الالتزام بصحّة الرواية في المقام ، لما فيه من الخصوصية المانعة عن الانجبار وهي أنّ القائلين برجوع المشتري على البائع بما اغترمه في مقابل المنافع غير المستوفاة إنّما
استندوا إلى الأخبار الواردة في ذلك لا إلى تلك الرواية الدالّة على أنّ المغرور يرجع إلى من غرّه ، فلم يتحقّق صغرى الانجبار بعمل الأصحاب ، هذا .
مضافاً إلى أنه يمكن أن يقال إنّ هذه القاعدة على إطلاقها ممّا لا يمكن الالتزام به ، وذلك لأنّ أحداً إذا شوق آخر إلى شراء شيء بأنه ستترقّى قيمته وأنّ له مشترين كثيرين في البلد ، وبتشويقه ذلك اشتراه المشتري ثمّ انكشف أنه لا مشتري له في البلد أصلاً وأنّ قيمته لم تترقّ بوجه ، فهل يفتي فقيه بضمان ذلك المشوّق للمشتري بدعوى أنه غرّه في المعاملة .
فالمتحصّل أنّ هذه القاعدة ممّا لا يمكن الاستدلال بها في المقام .
وأمّا الأخبار التى استدلّ بها القائلون ب-رج-وع المشتري على البائع بالغرامات ، فهي ما ورد(1)في أنّ من زوّج امرأة عوراء أو بها أحد العيوب المجوّزة للفسخ من شخص آخر مع علمه بالحال يغرم مهرها ولا شيء على زوجها ، لأنّ المزوّج قد غرّه بذلك ، أو من زوّج أمة من شخص آخر وكان عالماً بالحال فعليه مهرها ولا شيء على زوجها ، وهكذا .
إلّا أنّ هذه روايات خاصّة قد وردت في خصوص المزوّج العالم بالحال فلا يمكننا التعدّي منها إلى سائر الموارد أبداً ، بل لا نتعدّى منها إلى غير مهرها أيضاً كما إذا اغترم زوجها بكراء دار أو بصرف أموال كثيرة ، وإنّما نقتصر على خصوص المهر لأجل تلك الأخبار .
وقد يستدلّ على رجوع المغرور إلى الغارّ في جميع الموارد بما ورد في بعض هذه الأخبار من التعليل بقوله « كما غرّ الرجل وخدعه » في خبر اسماعيل بن
1) الوسائل 21 : 211 / أبواب العيوب والتدليس ب 2 ح 1 ، 2 وغيرهما .
جابر(1)وقوله (عليه السلام) في خبر رفاعة « وإنّما صار المهر عليه لأنّه دلّسها(2)فيتعدّى من التعليلين إلى جميع موارد الغرور .
إلّا أنّ الاستدلال بهما على المدّعى ممّا لا يمكن المساعدة عليه ، لأنّ الرواية الاُولى ضعيفة السند بمحمّد بن سنان وهو ممّن ضعّفه بعض أهل الرجال وإن وتّقه بعضهم أيضاً إلّا أنّ المُراجع إلى قضاياه يرى أنّ الحقّ مع النافين لوثاقته وأنّ توثيق من وثّقه لا يرجع إلى شيء ، وقد نقل عنه أنه أوصى بعدم نقل رواياته حين وفاته معلّلاً بأنّها ممّا أخذه من أهل السوق لا من أهلها .
كما أنّ الثانية ضعيفة بسهل بن زياد لأنه أيضاً ممّن لم يوثّقوه في الرجال فلا يمكن الاستدلال بهما . وأمّا التعليل المذكور فيهما فهو إنّما يقتضي التعدّي منهما إلى كل من غرّ آخر في الزواج برجوعه إلى المزوّج في المهر لأنه المذكور في الروايتين لا إلى جميع موارد الغرور ولعلّه ظاهر .
وأمّا قيمة الولد في رواية إسماعيل بن جابر التي حكم (عليه السلام) بدفع المزوّج القيمة إلى موالي الوليدة فهو من أجل أنّ الوطء بما أنه وقع صحيحاً لأن-ه وطء شبهة يوجب إلحاق الولد بأبيه وهو من منافع الأمة قد ضيّعها المزوّج على موالي الأمة ، فلذا يؤخذ قيمته الولد منه .
فالمتحصّل : أنه لا يمكن الاستدلال بهذه الأخبار على قاعدة الغرور في جميع الموارد لما عرفت فلا وجه للاعادة ، هذا .
ثمّ إنّ رجوع المغرور إلى من غرّه في المعاملات ونحوها على تقدير الالتزام به إنّما هو فيما إذا كان البائع عالماً بالحال ، وأمّا إذا كان مشتبهاً أو معتقداً أنّ المال له فلا
تشمله القاعدة بوجه ، لما سيأتي عن قريب إن شاء الله تعالى من أنّ الغ--رور والخديعة والتدليس إنّما تتحقّق مع علم الغارّ بالحال وإلّا فلا يصدق الغرور ونظائره مع الجهل أبداً ، مع أنّ القائلين برجوع المغرور إلى الغارّ يلتزمون بذلك مطلقاً .
وعلى ما ذكرناه فلا وجه لما ذكره السيّد الطباطبائي في حاشيته(1)من أنّ المغرور يرجع إلى الغارّ مطلقاً . وبالجملة لا دليل على ثبوت تلك القاعدة في جميع الموارد بوجه .
وأمّا رواية جميل(2)فلا تعرّض فيها لقاعدة الغرور أبداً وإنّما دلّت على أنّ مالك الأمة يأخذ الجارية وأنّ المبتاع يدفع إليه قيمة الولد ويرجع على من باعه بثمن الجارية وقيمة الولد التي أُخذت منه ، وقد عرفت آنفاً أنّ الولد من منافع الأمة كغيرها من الحيوانات ، والمنافع تابعة للأُمّ في الملكية إلّا أنّ البائع لمّا باعها من المشتري وأوجب ذلك صحة الوطء منه لأنه وطء شبهة وهو يلحق الولد بأبيه فقد ضيّع تلك المنفعة على مالك الأمة ، فلذا حكم (عليه السلام) برجوعه إلى البائع في المقام ، وهذا حكم ثبت في مورده ولا وجه للتعدّي منه إلى غيره ، وهذا خارج عن المنافع المستوفاة وغير المستوفاة بالدليل ، فلا وجه لما أفاده شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(3)من أنّ الولد إمّا أن يعدّ من المنافع غير المستوفاة فهو عين محل الكلام ، وإمّا أن يعدّ من المنافع المستوفاة فيدلّ على ثبوت الحكم في المنافع غير المستوفاة بطريق أولى ، وذلك لأنّ الولد سواء كان من المستوفاة أو من غيرها إنّما خرج بالنصّ ، وهذا لا يقتضي التعدّي منه إلى جميع المنافع المستوفاة أو غير
المستوفاة.
وأمّا ما أفاده من أنّ توصيف قيمة الولد بقوله « التي أُخذت منه » فيه نوع إشعار لعلّية الحكم ، بمعنى أنّ الأخذ منه علّة لرجوعه إلى البائع ، والعلّة تعمّم الحكم إلى جميع موارد الأخذ ، فهو من غرائب الكلام ، لأنّا لو فرضنا أنّ التوصيف صريح في علّية الأخذ للحكم لما أمكن التعدّي منه إلى غيره فضلاً عمّا إذا كان مشعراً بذلك والوجه في ذلك ما سنبيّن في بحث تعاقب الأيادي عن قريب إن شاء الله تعالى من أنّ رجوع كل ضامن إلى ضامن آخر إنّما هو فيما إذا أخذ المالك منه المال المضمون عليه ، وأمّا قبل أخذه فلا يمكنه الرجوع إلى الآخر أبداً ولو مع العلم بأنه سيأخذ قيمته منه ، وفي المقام أيضاً إنّما يجوز للمشتري الرجوع إلى البائع فيما إذا أخذ المالك من المشتري قيمة الولد ، وأمّا قبله فلا شيء حتّى يرجع ب-ه المشتري إلى البائع وهذا هو الوجه في توصيف الإمام (عليه السلام) القيمة بكونها ممّا أُخذت منه فلا يمكن منه التعدّي إلى جميع موارد الأخذ أبداً ، بل الأخذ في هذا المورد يوجب الحكم برجوع المشتري إلى البائع لا مطلقاً كما لا يخفى ، واستفادة العلّية من ذلك نظير استدلال الشافعية على عدم الزكاة في معلوفة الإبل بقوله (عليه السلام) « في الغنم السائمة زكاة »(1)فإنّ السوم ليس علّة للزكاة مطلقاً بل في خصوص الغنم كما لا يخفى فهو لا يدلّ على نفي الحكم عن غير موارد السوم مطلقاً ولعلّه ظاهر ، هذا . مضافاً إلى أنّ في توصيف القيمة بكونها ممّا أُخذت من المشتري فائدة أُخرى أنّ قيمة الولد تختلف باختلاف الأماكن والحالات والبلدان ، فإذا رجع المالك إلى المشتري بقيمة الولد فلا يجوز للمشتري أن يرجع على البائع بأعلى القيم
1) ورد مضمونه في الوسائل 9 : 118 / أبواب زكاة الأنعام ب 7 ، المستدرك 7 : 63 / أبواب زكاة الأنعام ب 6 ح1 .
المتبادلة للولد ، بل إنّما يرجع إليه بخصوص القيمة التي أخذها المالك من المشتري لا بقيمة اُخرى زائدة عليها كما لا يخفى، هذا .
فالمتحصّل : أنّ الرواية حجّة في خصوص موردها فقط لتماميتها دلالة وسنداً .
ولا يصغى إلى احتمال كون بعض الرواة(1)في سلسلة السند فطحياً ضعيفاً . نعم يمكن أن يقال : إنه كان فطحياً سابقاً ثم رجع إلى الحقّ ، فالرواية قوية السند بلا تأمّل ، هذا كلّه في رواية جميل .
وأمّا رواية زرارة (2)فهي ساكتة عن رجوع المشتري على البائع وليست في مقام البيان من هذه الجهة وإنّما دلّت على أنه يقبض ولده ويدفع إليه الجارية ويعوّضه عن قيمة ما أصاب من لبنها وخدمتها ، وعلى فرض إطلاقها من ناحية أخذ قيمة الولد فنقيّدها بالرواية المتقدّمة من هذه الجهة .
وأمّا رواية زريق(3)فهي أيضاً لا دلالة فيها على حكم رجوع المشتري إلى البائع وإنّما دلّت على حكم رجوع المالك إلى المشتري وحكم رجوع المشتري إلى المالك ، أمّا رجوع المالك إلى المشتري فهو بالنسبة إلى الأرض على ما كانت عليه من الغرس والزرع ونحوهما ، فإذا كانت فيها أشجار قد غرسها والمشتري قلعها فيجب عليه أن يردّ الأرض مع تلك الأشجار أو الزرع أو البناء وهكذا ، أو يدفع إليه قيمة تلك الأشياء ، أمّا الزرع أو البناء اللذان أوجدهما المشتري في تلك الأرض فبالنسبة إلى الزرع يمكنه أن يصبر إلى أوان الحصاد ، ولا يجوز للمالك أن
يطالبه بتفريغ أرضه منه لأنه يوجب تلف الزرع لا محالة ، وأمّا البناء فللمشتري أن يهدمه ويأخذ أثاثه وأسبابه كما أنّ للمالك أن يأخذه منه بقيمته وكذلك في الزرع وقد ذكر (عليه السلام) أنّ كل تصرّف صدر من المشتري لاصلاح الأرض أو دفع النوائب عنه كما إذا بنى فيها سدّاً لدفع السيل ونحوه يرجع بها إلى المالك ، ولم يتعرّض فيها لحكم رجوع المشتري إلى البائع بوجه .
فالمتحصّل : أنّ قاعدة الغرور لم يدلّ عليها دليل ولا أساس لها بوجه لما تقدّم وعرفت ، وأمّا الروايات الخاصّة فهي إنّما وردت في موارد خاصة كضمان المزوّج للمهر فيما إذا زوّج أمة بعنوان أنّها حرّة ، وكضمان المزوّج أيضاً لقيمة الولد ، وأمّا في غيرهما فلم يثبت رجوع المغرور إلى الغار أبداً وإن كانت القاعدة مشهورة بينهم بل ادّعي الاجماع عليها كما نقله شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) وعليه فلا وجه لرجوع المشتري في المنافع غير المستوفاة على البائع بوجه ، وكذلك في المنافع المستوفاة بطريق أولى .
نعم يمكن أن يفصّل في المقام بين المنافع التي يضمنها البائع وبين المنافع التي لا يضمنها البائع ، وذلك لأنّ المنافع على قسمين : فقسم منها ما يضمنه البائع لا محالة كحيثية الدار للمسكونيّة فإنّ البائع بوضع يده على العين قد وضع يده على منافعها بالتبع وللمالك أن يرجع على البائع بالعين وبمنافعها لا محالة . وقسم منها ما لا يضمنه البائع بوجه ، وهذا كما إذا كان العين حيواناً فاستولد عند المشتري فولد شاة وهي منفعة يضمنها المشتري دون البائع لعدم تسلّطه عليها في زمان ، وكذا الخسارة التي يخسرها المشتري كضريبة الحكومة من الأرض فإنها ممّا لا يضمنه البائع لا محالة ففي القسم الأول إذا رجع المالك إلى المشتري فله أن يرجع إلى البائع بما اغترمه للمالك دون القسم الثاني ، وذلك لأنّ المالك كما سنبيّن في الأيادي المتعاقبة يمكنه الرجوع إلى كل واحد ممّن وقعت العين تحت يده ، وهو أيضاً يرجع إلى الثاني وهو
إلى الثالث إلى أن ينتهي إلى من تلفت عنده العين وهو لا يرجع إلى أحد ، وقد استشكل هناك بأنّ المال الواحد كيف يضمنه الأشخاص المتعدّون ، فإنّ الضمان بمعنى اشتغال الذمّة بالمال ، فمثل خمسة قرانات كيف يثبت في ذمّة أشخاص متعدّدة لأنّ معناه أنّ ذمّة هذا الشخص مشغولة بخمسة قرانات وذمّة الثاني أيضاً مشغولة بها مع أنّ المال ليس إلّا خمسة قرانات ، ولكن صحّحناه في محلّه على نحو الواجب الكفائي بناء على جريانه في الأحكام الوضعية أيضاً ، فذمّة أحدهم إذا فرغت تفرغ ذمم الباقين أيضاً .
إلّا أنه يقع الإشكال بعد ذلك في أنه لماذا يرجع من استفرغ ذمّته بأدائه إلى الثاني والثاني إلى الثالث وهكذا ، وقد أجبنا عن ذلك أيضاً بأنّ المال بعد أداء قيمته أو مثله ينتقل إلى ملك ذلك المؤدّي للسيرة العقلائية المرتكزة عندهم ، فإنه إذا أتلف فراش الغير تكون الأجزاء الصغار المتبقّية ملكاً للمتلف بعد أداء بدل الفراش ولأجله ذكرنا أنّ قاعدة الحيلولة ممّا لا أساس له ، بل المال ينتقل إلى الضامن بأداء قيمته ، وإن ذهب شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) إلى أنّ المالك له مطالبة المال أيضاً بعد أخذ قيمته ، وعلى ذلك فالضامن الأوّل الذي رجع إليه المالك إذا أدّى قيمته فينتقل إليه المال ويصير مالكاً له لا محالة ، وبما أنّ الثاني أيضاً ضمن هذا المال ووضع يده عليه فللمالك الفعلي أعني الضامن الأول أن يرجع إليه بقيمته ، وإذا أدّى الثاني قيمته للأوّل قد دخل المال في ملكه وهو أيضاً يرجع إلى المتصرّف الثالث وهكذا إلى أن ينتهي الأمر إلى من تلفت عنده العين ، وبما أنّ العين غير موجودة تنتقل إلى ملك غيره بأخذ قيمتها فلا يمكنه الرجوع إلى الغير في ذلك ولعلّه ظاهر .
فإذا عرفت ذلك تعلم أنّ المالك إذا رجع على البائع بالعين ومنافعها فينتقل المال إلى البائع بأداء قيمته لا محالة ، وهل له أن يرجع على المشتري بعد ما دخل المال في ملكه كما في الأيادي المتعاقبة على ما عرفت أو لا ؟ الظاهر أنه لا يرجع على
المشتري أبداً ، والسرّ في ذلك أنّ من سلّط أحداً على مال كمن قدّم طعاماً للغير فأكله وتصرّف فيه ثم انكشف أنّ المال كان ملكه أي ملك هذا الذي سلّط الغير على المال ، فهل له أن يرجع إلى الآكل أو المتصرف فيه بالمال بدعوى أنّي زعمت أنه للغير فسلّطتك عليه ولم أكن أُسلّطك عليه إن كنت علمت أنه لي ، فقد انكشف أنه كان ملكاً لنفسي فلابدّ لك من أن تخرج عن عهدة ذلك المال ، الظاهر أنه غير ضامن للمال بلا نكير ، لأنه الذي سلّطه على ماله بعنوان أنه لي وقد ظهر أنه له أيضاً واقعاً فبأيّ وجه يمكنه المطالبة به ، وهذا مضافاً إلى أنه ممّا تسالم عليه الفقهاء أمر مرتكز في أذهان العقلاء من دون كلام ولا إشكال .
ولا يفرق في ذلك بين أن يكون المال للمسلّط من الابتداء وبين أن يكون ملكه بحسب البقاء كما إذا قدّم طعاماً للغير من ملك آخر ثم ّانتقل إليه بالارث أو الهبة أو البيع فادّعى أنه مالي وأنت ضامن له ، وفي كلا الحالين لا يمكنه الرجوع إلى من سلّطه عليه بنفسه .
وفي المقام قد سلّط البائع المشتري على المال ثم ملكه بأداء قيمته فكيف يمكنه الرجوع على المشتري بقيمته مع أنه هو الذي سلّطه عليه بعنوان أنه لي ، فلا يصحّ له أن يرجع إلى المشتري أبداً ، وأمّا إذا رجع المالك إلى المشتري بالعين ومنافعها فله أن يرجع على البائع بهما فيما إذا كانت المنفعة ممّا قد ضمنها البائع كما مرّ دون المنافع التي لم يضمنها ولعلّه ظاهر .
فالمتحصّل : أنّ الصحيح في المقام أن يفصّل بين المنافع التي يضمنها البائع وبين ما لا يضمنها .
ثم إنّه ظهر من ذلك أنه لا فرق فيها ذكرناه بين المنافع المستوفاة للمشتري وما لم يستوفها ، فإنه إذا حكمنا بعدم رجوعه على البائع في المنافع غير المستوفاة فلا يمكنه الرجوع في المستوفاة بطريق أولى ، لأنه قد حصّل في مقابلها شيئاً لا محالة
وليست كالمنافع التي لم يستوفها .
وبالجملة : أنّ الاستيفاء للمنافع ليس من أحد المضمّنات للبائع فلا تغفل ، بل ولا يجري في تغريم المشتري بازاء ما استوفاه من المنافع قاعدة لا ضرر بوجه ، إذ لا ضرر عليه حينئذ حيث إنه استفاد ما يسوى بخمسة قرانات واغترم خمسة قرانات فلا ضرر على المشتري ، ومن أجل ذلك استشكل في الرياض(1)في جريان القاعدة في المقام ، وهو كما أفاده في بعض الموارد لا مطلقاً كما لا يخفى .
فالمتحصّل : أنّ قاعدة الغرور ممّا لا أساس له ، وأنّ المشتري لا يرجع على البائع في شيء من الغرامات التي اغترمها للمالك في المنافع المستوفاة وغير المستوفاة ، نعم لا بأس بالتفصيل المتقدّم وأنّ المشتري يرجع على البائع فيما يضمنه البائع من العين والمنافع دون ما لا يضمنه ، وأنّ البائع لا حقّ له أن يرج-ع ع--ل-ى المشتري فيما يضمنه ، لأنه قد سلّط المشتري على المال والمنافع ومعه لا يكون المشتري ضامناً لما أتلفه بتسليط البائع إيَّاه عليه وإن صار البائع مالكاً للتالف بدفع ما في ذمّته من الضمان .
بل الحال كذلك فيا إذا كان المتلف مالكاً للمال واقعاً ، وهذا كما إذا سرق المعطي شيئاً من أموال أحد ثمّ قدّمه له ليأكله فأكله المسلّط عليه جاهلاً بالحال ثمّ انكشف أنه أكل مال نفسه ، فإنّ المعطي ضامن له ، والمتلف المغرور وإن كان مالكاً للمال إلّا أنه لمّا كان جاهلاً بالحال حدوثاً أو بقاءً كما فيما نحن فيه فإنّ البائع الفضولي قدّم مال الغير للمشتري الجاهل فتلفت منافعه تحت يده وغرم قيمتها للمالك فتكون المنافع ملكاً للمشتري بقاءً وبما أنّ البائع هو الذي سلّطه على ماله يكون ضامناً لقيمتها كما لو كانت المنافع ملكاً للمشتري من أوّل الأمر .
1) رياض المسائل 14 : 47 .
وهل يُفرّق في ذلك بين علم المسلِّط وجهله ؟ الظاهر هو التفصيل بين التسليط المجّاني فيكون المسلِّط ضامناً في صورتي العلم والجهل وبين البيع ونحوه فلا يكون ضامناً إلّا إذا سلّطه عليه عالماً بالحال مع كون المشتري جاهلاً ، وهذا ثابت بحسب السيرة العقلائية فإذا قدّم طعاماً للغير ليأكله ثم تبيّن أنّ الطعام للأكل يكون المقدِّم ضامناً ولو كان جاهلاً لاستناد الاتلاف إليه عرفاً ، وأمّا إذا باع مال الغير وتلف المبيع أو بعض منافعه ، فإن كان البائع عالماً بالحال وقد غرّ المشتري يكون التلف مستنداً إليه عرفاً فيكون ضامناً ، وأمّا إن كان البائع جاهلاً كالمشتري فلا وجه لرجوع المشتري عليه بحسب الارتكاز العقلائي . هذا كلّه في المنافع المستوفاة وغير المستوفاة .
وأمّا ما يغرمه المشتري للمالك من قيمة العين التالفة عنده زائداً على الثمن المسمّى ، فحكمه حكم المنافع ويأتي فيه ما ذكرناه في المنافع .
وأمّا الأجزاء التالفة من المبيع فيظهر حكمها ممّا ذكرناه فإنّ المالك يسترجع ما بقي من عين ماله ، وأمّا الأجزاء التالفة فإن رجع بقيمتها على المشتري رجع المشتري على البائع في الزائد على ما يقابلها من الثمن المسمّى فيما إذا كان البائع غارّاً للمشتري .
وأمّا الأوصاف التالفة فقد فصل شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1)بين وصف الصحّة فألحقه بالأجزاء وبين غيره من الأوصاف فألحقها بالمنافع وحكم برجوع المشتري على البائع في كل ما يغرمه للمالك في مقابلها ، لأنّ ما عدا وصف الصحّة من الأوصاف لا يقابله شيء من الثمن المسمّى .
1) المكاسب 3 : 504 .
وقد أورد عليه شيخنا الاُستاذ (قدّس سرّه)(1)، بايراد ظاهر وهو أنّ الثمن كما لا يتقسّط على سائر الأوصاف كذلك لا يتقسّط على وصف الصحة ، وإنّما يقع الثمن بازاء نفس المال والأوصاف توجب زيادة قيمة العين ، ومن أجل ذلك إذا كانت العين معيبة ولم يعلم بها المشتري إلى آخر الأبد لا يجب على البائع دفع قيمة العيب والأرش وإنّما يجب عند المطالبة ، والأرش إنّما يثبت بدليل آخر عند المطالبة كما عرفت ، فالحقّ أنّ الأوصاف كلّها لا يمكن إلحاقها بالأجزاء كما لا يخفى .
ثمّ لا يخفى أنّ ما ذكرناه سابقاً من أنّ المشتري يرجع على البائع في موارد الغرور بخلاف البائع فإنه لا يرجع على المشتري لأنه قد غرّه وأتلف المال عليه ، إنّما هو فيما إذا كانت الغرامة المتوجّهة إلى المشتري مستندة إلى إغراء البائع إيّاه وكذبه في دعوى المالكية ، وأمّا إذا كانت مستندة إلى أمر آخر وراء كذب البائع في دع--واه بحيث لو كان البائع صادقاً في دعواه أيضاً كانت الغرامة متوجهة إلى المشتري كما إذا كانت المعاملة فاسدة من أجل أنّها ربوية أو لأمر آخر ، فلا يضمنه البائع في الغرامة بوجه ، لعدم استنادها إلى كذبه وتغريره بل إلى فساد المعاملة من ناحية أُخرى ، فلا يمكن للمشتري أن يرجع إلى البائع في الغرامة الزائدة عن الثمن بدعوى أنّك غررتني وكذبت في مقالتك ، فإنّ للبائع أن يقول : هب إنّي قد صدقت في مقالتي أفلست أنت ضامناً للغرامة لقاعدة على اليد الخ من أجل فساد المعاملة ، غاية الأمر أنّي لو كنت صادقاً في دعوى الملكية لكنت ضامناً بالنسبة إليّ وفعلاً ضامن للمالك لكذبي في دعواي المالكية ، وهذا ظاهر .
هذا أحد الأمرين اللذين ذكرهما شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(2)في المقام .
الأمر الثاني : أنّ المالك إذا رجع إلى المشتري المغرور فيرجع المشتري إلى البائع الغار لأنه غرّه وأتلف عليه المال ، وأمّا إذا رجع إلى البائع فهو لا يرجع إلى المشتري ، لوضوح أنه أتلف المال فلماذا يرجع إلى المشتري المغرور ، هذا كلّه في موارد الغرور .
وأمّا في غير موارد الغرور كما إذا كان البائع جاهلاً بالحال فللمالك أن يرجع على كل واحد ممّن وضع يده على ماله ، فإذا رجع إلى الضامن الأول فهو أيضاً يرجع إلى الثاني إلى أنّ ينتهي إلى من تلف المال عنده فإنه لا يرجع إلى الغير، كما أنّ المالك إذا رجع إليه من الابتداء لم يكن له الرجوع إلى السابقين بوجه. وقد استشكل في المقام بأنّ الموجب للضمان هو اليد أو الاتلاف ، والأول مشترك فيه بين السابق واللاحق ، والثاني لم يتحقّق من أحد منهما حسب الفرض وإلّا لحكمنا بضمانه لا محالة ، وعليه فلماذا نحكم بضمان اللاحق من دون أن يرجع إلى أحد ، والمفروض أنّ تلف المال بنفسه أو بآفة سماوية لا يوجب الضمان بأن يكون دركه عليه ، فما الوجه في رجوع كل من السابق إلى لاحقه وعدم رجوع اللاحق الذي تلف المال عنده إلى الغير .
وقد تصدّى شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) للجواب عن هذا الإشكال وتعرّض قبل ذلك إلى بيان كيفية اشتغال ذمّة كل واحد من السابق واللاحق ببدل المال المضمون عليهما ، وأنّ المال الواحد كيف يصير في عهدة كل واحد من الضمناء بأن يطلب المالك بدله من كل واحد منهم مع أنه ليس إلّا مالاً واحداً ، فوجّه تقريب ذلك وتصويره على نحو الواجب الكفائي في الأحكام التكليفية ، وأنّ ذمّة كل واحد ممّن وضع يده على المال مشغولة بالبدل إلّا أنه يسقط بأداء واحد منهم ، لأنه إذا تداركه ببدله فلا يصدق على الثاني عنوان البدل لا محالة ، وإن لم يؤدّوه أصلاً فللمالك أن يطالب كل واحد منهم على نحو البدليّة يوم القيامة ، وبالجملة أنّ للمال
ضامنين أو أكثر وله مطالبة أي منهما شاء .
وقد نظر (قدّس سرّه) ذلك بباب الضمان على مسلك الجمهور حيث إنّ الضمان عند الشيعة عبارة عن انتقال ما في ذمّة أحد إلى ذمّة الغير كما إذا ضمن أحد دَين شخص آخر فإن معناه أنّ ما في ذمّته قد انتقل في ذمّة الضامن واشتغلت ذمّ-ة الضامن بالدَين فهو مأخوذ من ضمن . وأما على مسلك الجمهور(1)فهو قد اُخذ من الضمّ وفسّروا الضمان بضمّ ذمّة إلى ذمّة اُخرى ، فقبل الضمانة كانت الذمّة المشتغلة بالدَين واحدة وهي ذمّة المديون وبعد الضمان صارت الذمّة اثنتين إحداهما ذمّة المديون وثانيهما ذمّة الضامن ، فللمالك أن يطالب ماله من كل واحد منهما إذا شاء وهذا بخلاف مسلك الشيعة لأنّ الضامن حينئذ هو الذي قد اشتغلت ذمته بمال المالك دون المديون . ومسلك الجمهور وإن كان مردوداً عندنا في مقام الاثبات إلّا أنه بحسب مقام الثبوت ممّا لا محذور فيه ولا مانع عقلي من تعدّد الضامن بوجه والمقام نظير ذلك كما عرفت .
ومن هنا ربما يقال في مقام التشنيع على هذا التوجيه بما ذكروه في مقام التشنيع على المسلك المتداول عند الجمهور ، هذا إلّا أنّك عرفت أنّه لا محذور في الالتزام بذلك في المقام وإن لم يساعده دليل في باب الضمان ، بل قد التزم بذلك بعض فقهائنا في موارد ضمان الأعيان دون ما في الذمم ، ولذلك موارد :
منها : الضمانة على المبيع أو الثمن فيما إذا لم يطمئن البائع بالمشتري واحتمل أن يكون ثمنه سرقة فأخذ منه ضامناً على الثمن حتّى يتعهّد دركه فيما إذا ظهر أنه سرقة أو المشتري لم يطمئن بالبائع واحتمل السرقة في المبيع وأخذ منه الضامن على دركه فيما إذا كان سرقة في نفس الأمر والواقع ، فإذا ظهر أنّ المبيع أو الثمن سرقة
1) المغني لابن قدامة 5 : 70 ، 83 ، المجموع 14 : 24 ، المهذّب 2 : 307 .
فللمشتري أن يرجع إلى كل واحد من البائع والضامن بثمنه ، أمّا على البائع فلأنه باختياره أخذه فهو له ضامن ، وأمّا الضامن فلأجل الضمان والتعهّد الذي التزم به كما أنّ البائع يرجع إلى المشتري أو ضامنه بالمبيع فيما إذا ظهر أنّ الثمن مسروق .
ومنها : العارية المضمونة فإنه إذا اشترط المعير الضمان في العين العارية على تقدير تلفها ثمّ أخذ منه ضامناً على المال ، فإنه إذا تلف فله أن يرجع إلى كل واحد من المستعير والضامن ، أمّا المستعير فلأجل الاشتراط ، وأما الضامن فلأجل الضمانة هذا ، بل حكي عن ابن حمزة(1)أنه التزم بتعدّد الضمناء في الذمم أيضاً .
فالمتحصّل : أنه لا مانع من رجوع المالك إلى كل واحد من الضامنين على نحو الواجب الكفائي ، هذا .
وقد استشكل في ذلك شيخنا الأُستاذ (قدّس سرّه)(2)وذهب إلى أنّ تصوير الوجوب الكفائي إنّما يختص بالأحكام التكليفية ، إذ للشارع أن يجعل الحكم على ، كل واحد من المكلّفين لا على نحو الاطلاق بل على نحو التقييد بأن يقول يجب عليكم الجلوس في الموضع المعيّن سيّما إذا كان الموضع غير قابل لجلوس أشخاص متعدّدين مقيّداً بعدم جلوس الآخر فيه ، فيجب عليك إن لم يجلس فيه زيد ويجب على زيد إن لم يجلس فيه عمرو ، كما التزم بذلك في باب الترتّب وأنه لا مانع من أن يجعل الشارع حكماً واحداً على شيئين متضادّين بأن يكون أحدهما مطلقاً والآخر مقيّداً أو يكون كلاهما مقيّدين .
وأمّا في الأحكام الوضعية فلا يتصوّر ذلك بوجه ، فإنّهم إن أرادوا في تصوير ذلك على نحو الوجوب الكفائي أنّ كل واحد واحد من الأشخاص ضامن لل--مال
مطلقاً ، فلازمه أن يكون المال الواحد مضموناً بضمانات متعدّدة وأن يكون في ذمّة أشخاص متعدّدين . وإن أرادوا أنّ هذا الشخص ضامن له إن لم يضمنه الشخص الثاني ، والثاني أيضاً ضامن إن لم يضمنه الشخص الأول ، فمرجعه إلى أنّهما فعلاً ليسا بضامنين للمال . نعم لا مانع من تعدّد الضامن على نحو الترتّب بأن يكون الضامن الثاني ضامناً للضامن الأول والثالث للثاني والرابع للثالث وهكذا ، ونظير ذلك ما إذا ضمن أحد دَين شخص آخر فالضامن قد ضمن للمالك في الدَين ، والمديون ضمن ما يؤدّيه الضامن للمالك ، إذ بعد ما ضمنه الضامن لا يسقط ضمان المال عن المديون ، بل الضامن يضمن للمالك والمديون يضمن للضامن على تقدير أدائه للدين ، وهذا الضمان الطولي لا مانع من أن نلتزم به في المقام بأن يكون الأول ضامناً للمال والثاني ضامناً للضامن الأول والثالث للثاني وهكذا ، هذا ما أفاده (قدّس سرّه) في المقام .
ولكنّه ممّا لا يمكن المساعدة عليه لا بحسب المبنى ولا بحسب البناء .
أمّا فساد ما أفاده بحسب المبنى : فهو من أجل أنّ الوجوب الكفائي عنده (قدّس سرّه) ليس عبارة عن الوجوب المشروط بعدم امتثال الآخر ، بل هو سنخ من الوجوب يغاير الوجوب المشروط وتوضيح ذلك الاجمال : أنّ المولى تارةً يرى المصلحة في خصوص فعل معيّن ويقوم غرضه به على نحو التعيين ، فيتعلّق شوقه به تعييناً لأنه مقتضى كون الفعل ممّا يقوم به غرضه سيّما على المسلك المشهور من تبعية الأحكام للمصالح أو المفاسد في متعلّقاتها، وهذا يعبّر عنه بالوجوب العيني وهو واضح.
واُخرى يرى المولى المصلحة في كل واحد من الفعلين على نحو يتساويان في إفادة الغرض ، وكل واحد من الفعلين يقوم بغرضه ويفي به ، وفي مثل ذلك لا وجه لتعلّق شوقه بأحد الفعلين على التعيين ، لأنه ترجّح بلا مرجّح وهو مستحيل ، فلابدّ من أن يتعلّق شوقه بأحدهما على نحو التخيير كما في مثل الكفّارات الثلاث ويعبّر
عنه بالوجوب التخييري .
ومنه يظهر الحال في تصوير الوجوب الكفائي وأنه إذ رأى المصلحة في فعل معيّن من غير خصوصية للفاعلين في تحصيل غرضه كما إذا كان المولى عطشاناً فأمر أحد غلمانه العشرة بسقيه ومجيئه بالماء بأن يقول فليجئ أحدكم بالماء ، فلا يمكن أن يتعلّق شوقه باتيان أحدهم على نحو التعيين ، إذ لا وجه للترجّح من غير مرجّح ، بل يتعلّق شوقه باتيان أحدهم على نحو التخيير ، فالفرق بين الكفائي والتخييري أنّ في الكفائي تلغى خصوصيات الفاعلين وفي التخييري تلغى خصوصيات الأفعال . وكيف كان ، فليس الوجوب الكفائي عنده عبارة عن الوجوب المشروط بعدم امتثال الآخر حتى يستشكل بذلك في تصويره في الضمان . وبناء على ما ذكرناه لا مانع من تصويره في المقام ، كما يمكن تصوير الوجوب التخييري فيه ، فإنه كما لا مانع من أن تتحقّق المصلحة في ضمان الشخص لأحد العينين كذلك لا مانع من أن تتحقّق في ضمان أحد الأشخاص لمال معيّن ، هذا كلّه بحسب المبنى .
وأمّا فساده بحسب البناء : فلانّا لو أغمضنا عمّا أشرنا إليه آنفاً وبنينا على أنّ الوجوب الكفائي عبارة عن الوجوب المشروط بعدم إتيان الآخرين ، فلا مانع من تصویر مثله في الضمان في الأيادي المتعاقبة ، وذلك لأن الشرط حينئذ ليس عبارة عن عدم ضمان الآخرين حتّى يقال إنّ مرجع ذلك إلى أنّه لا ضمان في شخص منهما فعلاً ، لأنّا إذا قلنا بضمان هذا الشخص فذاك غير ضامن كما أنه إذا قلنا بضمان الثاني فالأول ليس بضامن ، بل الشرط إنّما هو عدم امتثال الآخر في التكاليف وعدم أداء الآخر ما في ذمّته في الضمان ، إذ لو علّقنا الوجوب في حقّ أحدهما ع-ل-ى ع-دم الوجوب للآخر منهما ، فكما لا يعقل ذلك في الضمان لرجوعه إلى عدم ضمان شخص منها فعلاً ، كذلك لا يعقل ذلك في الواجبات والأحكام التكليفية لأنّ مرجعه إلى عدم الوجوب بشيء منها فعلاً ، لأنّا إذا حكمنا بوجوبه على هذا الشخص فالآخر
غير واجب عليه كما إذا حكمنا بوجوبه على ذاك الشخص فعلى الأول غير واجب ولا يمكن أن يكون الفعل واجباً عليهما معاً .
وكيف كان ، فالشرط إنّما هو عدم امتثال الآخر للأمر في الوجوب الكفائي وفي الضمان الكفائي عبارة عن عدم أداء الآخر للبدل ، وعليه فكما يعقل تصوير الكفائي في الأحكام التكليفية كذلك يعقل تصويره في الضمان ، إذ لا مانع من أن يحكم بضمان هذا الشخص لو لم يؤدّ الثاني البدل ، ويحكم بضمان ذاك إن لم يؤدّه الأول منهما ، فيكون ضماناً مشروطاً بعدم أداء الآخر ، وهو ممّا لا محذور فيه.
بل لو فرضنا أنّ شخصين تصرفا في مال الغير في زمان واحد من دون أن يسبق أحدهما الآخر في وضع يده عليه ، لا يمكن فيه الالتزام إلا بضمان أحدهما على نحو التخيير والوجوب الكفائي ، إذ الحكم بضمانهما معاً غير صحيح ، لأنّ المال الواحد لا معنى أن يكون له بدلان ، والحكم بعدم ضمانها بوجه ممّا لا يمكن التفوّه به فيتعيّن أن نحكم بضمان أحدهما لا على نحو التعيين ، فهذا الشخص محكوم بالضمان مشروطاً بعدم أداء الثاني البدل كما أنه محكوم به إن لم يؤدّ بدله الضامن الأول .
فالمتحصّل من جميع ذلك : أنّ ما أفاده شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) م-ن تصوير الضمان الكفائي في الأيادي المتعاقبة هو الصحيح ، وأنّ مسلك العامّة في باب الضمان أمر ممكن وغاية ما هناك أنه لم يقم عليه دليل في باب الضمان ، بخلاف المقام فالالتزام به في المقام ممّا لا مانع منه ، وهذا بخلاف الالتزام به في باب الضمان لعدم الدليل عليه هناك ، بل الدليل قائم على عدمه في ذلك الباب .
نعم يظهر من بعض كتب العلّامة (قدّس سرّه)(1)أنّ مسلك الجماعة أمر غير معقول ، إلّا أنّك عرفت أنه أمر ممكن غاية الأمر أن الدليل لم يساعده في باب
1) راجع التذكرة 2 : 93 ، البحث الرابع / النظر الأول .
الضمان . ويؤيدّه ما ذكره العلّامة(1)في بعض كتبه الأُخر من أنه ممّا لم ي--ق-م ع-ل-ي-ه دليل ، ومسلكهم إنّما لا يعقل فيما لو أرادوا منه الحك-م ب-ضمانهما للمال على نح-و الاستقلال بأن يكون كل واحد منهما ضامناً للمال في عرض ضمان الآخر له ، وذلك لأنّ المال الواحد لا معنى لأن يكون له بدلان ، وهذا بخلاف ما هو ظاهر كلامهم من أنّ أحدهما محكوم بالضمان لا على نحو التعيين وأنّ المالك له أن يرجع إلى أيّهما شاء هذا .
ثم إنه بعد ذلك يقع الكلام في وجه امتياز ذلك الكفائي في المقام عن بقية الأحكام الكفائية في سائر المقامات ، وأنّكم لماذا تلتزمون ب-رج-وع السابق إلى اللاحق فيما إذا رجع المالك إلى السابق ، وبعدم رجوع اللاحق إلى السابق فيما إذا رجع المالك إلى اللاحق وتلف المال عنده إلّا فيما إذا غرّه السابق كما مرّ ، مع أنّ تلف المال بآفة سماوية لا وجه لكونه موجباً لضمان اللاحق دون السابق ، لأنّ الموجب للضمان إنّما هو الاتلاف لا التلف وأمّا اليد فهي مشتركة بينهما .
وقد اُجيب عن ذلك بوجوه : منها ما أفاده السيد في حاشيته(2)من أنّ التلف والاتلاف في حكم واحد فإذا سلّمنا الحكم بالضمان في صورة الاتلاف من جهة أنّ اللاحق كان متمكّناً من ردّ المال إلى المالك قبل إتلافه فهو بعدم ردّه إليه قد سبّب ثبوت الضمان على السابق ، فلابدّ من أن نحكم بالضمان في صورة التلف أيضاً لجريان ما ذكرناه فيها أيضاً حرفاً بحرف حيث إنه كان متمكّناً من ردّ المال إلى مالكه قبل تلفه وبما أنه لم يردّه إليه فقد صار بذلك سبباً لثبوت الضمان على السابق بعدم ردّه إلى مالکه سابقاً قبل تلفه بآفة سماوية ، هذا .
ولا يخفى أنّ ما أفاده في الاتلاف غير ثابت فضلاً عن صورة التلف ، وذلك من جهة أنّ الاتلاف يوجب عدم بقاء الموضوع لردّ العين للمالك ، وأمّا الضمان فهو إنّما ثبت بقاعدة اليد دون الاتلاف بمعنى أنّ إتلافه وعدم دفعه المال إلى المالك إنّما أوجب عدم سقوط الضمان عن السابق ، لا أنه بذلك أوجب الضمان عليه لأنه إنّما ثبت بقاعدة اليد ، ولو سلّمنا ما أفاده في صورة الاتلاف فلا وجه له في صورة التلف أبداً ، لأنّ السابق واللاحق مشتركان في اليد وأنّ كل واحد منهما ضامن له بتلك القاعدة ، ولا مزية للاحق على السابق حتى يقال إنه بتلك المزية محكوم بالضمان ولا يرجع إلى السابق . أمّا تمكّنه من ردّ المال إلى مالكه قبل تلفه فهو أيضاً غير مختص باللاحق ، لأنّ السابق أيضاً كان متمكّناً من ردّه إلى مالكه قبل تلفه والمفروض أنّ المال لم لم يتلف بفعل اللاحق وإنّما تلف بآفة سماوية فلماذا يحكم بضمانه وعدم رجوعه إلى السابق ورجوع السابق إليه ، فهذا الوجه لا يمكن المساعدة عليه ، هذا .
وقد يظهر من كلمات شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1)في مقام الجواب أنّ الوجه في رجوع السابق إلى اللاحق دون العكس هو أنّ السابق إنّما ضمن العين بوضع يده عليها ، وأمّا الضامن اللاحق فهو إنّما يضمن العين التي ثبت لها البدل في ذمّة السابق فكأنّه ضامن لواحد من العين والبدل على سبيل البدلية ، فإذا رجع المالك إلى السابق فهو يرجع إلى اللاحق بأحد الأمرين ، لما عرفت من أنّ ذمّته مشتغلة بأحد الأمرين على سبيل البدلية ، وأمّا إذا رجع إلى اللاحق فهو لا يرجع إلى السابق ، لأنّ ذمّته إنّما اشتغلت بالبدل ما دام لم يؤدّ الثاني بدلها للمالك ، هذا .
ويرد على ذلك : أنّ الضامن إنّما يضمن بدل العين بعد تلفها ، والمفروض أنّ العين لم تتلف في يد الأول ولا في يد الثاني بعد فكيف يمكن أن يقال إنّ الأول ضمن
1) المكاسب 3 : 508 .
العين والثاني ضمن العين التي ثبت لها البدل مع أنّها موجودة بنفسها ولم تتلف بعد فالضامن الثاني كالأول إنّما وضع يده على المال فكلاهما على حدّ سواء ، فما معنى أنّ الثاني بمجرد وضع يده يضمن العين وبدلها على سبيل البدلية ، هذا .
وقد أورد عليه السيد (قدّس سرّه) في حاشيته بايرادات سبعة ، وبعض تلك الاعتراضات وإن كان قابلاً للجواب إلّا أنّ ثلاثة منها غير قابلة الذبّ :
الأول من هذه الاعتراضات : أنّ الضامن الثاني على تقدير تسليم أنه ضامن لأحد الأمرين على سبيل البدلية فهو إنّما يضمنه للمالك لا للغير ، لأنّ البدل في ذمّة الضامن الأول ملك للمالك فبدله الثابت في ذمّة الثاني أيضاً يكون للمالك ، فلماذا يحكم بضمانه للضامن الأول بالبدل .
الثاني : أنّ الموجب للضمان ليس إلّا قاعدة اليد أو الاتلاف ، والضامن الثاني إنّما وضع يده على المال لا على ما في ذمّة الضامن الأول ، لأنه غير قابل للاستيلاء المعبّر عنه باليد فلماذا يحكم بضمانه للعين وبدلها الثابت في ذمّة الضامن الأول .
الثالث : أنّا إذا فرضنا أنّ الضامن الثاني قد سلّم العين التي أخذها من الأول إلى ذلك الأول لاعتقاد أنه مالك للمال أو لغيره من الدواعي فتلفت العين في ي-د الضامن السابق فلا ينبغي الإشكال في أنّ المالك له أن يرجع إلى أيّهما شاء ، فإذا رجع إلى السابق فمقتضى ما ذكره الشيخ (قدّس سرّه) أنه يرجع إلى اللاحق في هذه الصورة أيضاً ، لأنّه ضمن العين وبدلها على سبيل البدلية ، وهذا ينافي ما سلكه هو وغيره في المقام من أنّ السابق لا يرجع إلى اللاحق.
فإن قلت : إنّ السابق قد انقلب إلى اللاحق في المثال واللاحق صار سابقاً عليه .
قلت : لا معنى لضمان السابق الذي صار لاحقاً بعد الحكم بضمانه قبل ذلك بوضع يده على المال ، لأنّ الضامن لا يضمن ثانياً بوضع يده عليه ثانياً ، وهذه
الاشكالات الثلاثة الظاهر أنها ممّا لا مدفع له .
وقد أورد شيخنا الاُستاذ (قدّس سرّه )(1)على السيد : بأنّ هذه الاعتراضات السبعة مبتنية على ما فهمه من ظاهر كلام الشيخ (قدّس سرّه) من أنّ المراد بالبدل هو بدل العين الثابت في ذمّة الضامن ، إلّا أنّ الأمر ليس كذلك ، بل المراد من البدل في كلماته (قدّس سرّه) إنّما هو بدل ما يضمنه الضامن الأول ، وتوضيحه : أنّه (قدّس سرّه) لمّا رأى أنّ المال لا يضمن بضمانين عرضيّين فلا يمكن أن يقال إنّ السابق واللاحق كلاهما ضامنان للمال في عرض واحد ، فجعل الضمان طولياً في المقام بأن يكون السابق ضامناً للمالك واللاحق ضامناً للضامن السابق نظير الضمانات الاختيارية كما إذا أمر مديون أحداً بالضمان ليضمن له عند الدائن فضمنه ذلك الشخص فقد سقط الضمان عن المديون وانتقل إلى الضامن ، إلّا أنّ المديون يضمن للضامن م--ا دفعه إلى الدائن ، فإن دفعه إليه فيضمنه بمقداره وإلّا فإن لم يدفع إليه شيئاً فلا لضمان المديون له بشيء ، وفي المقام أيضاً إن دفع السابق ما ضمنه للمالك فيضمن اللاحق له ما دفعه إلى المالك ، وإن لم يؤدّ إليه شيئاً فلا وجه لضمانه كما هو واضح فالمراد بالبدل في كلامه(قدّس سرّه) بدل ما يضمنه السابق للمالك ولعلّه ظاهر ، هذا. ولا يخفى عليك أنّ المقام لا يقاس بالضمان الاختياري كما في مسألة أمر المديون أحداً بالضمان ، فإنّ في مثلها لا مانع من الحكم بضمان المديون للضامن لأجل أمره إيّاه بالضمان ، وأمّا في المقام فلماذا نحكم بضمان اللاحق للسابق فهل أمره اللاحق بذلك أو أنّ هناك دليلاً آخر حتّى نحكم بضمانه للأوّل ، نعم هو كالسابق ضامنان للمالك لأجل استيلائهما على مال الغير فأيّ فرق بينهما في رجوع أحدهما إلى الآخر دون العكس ، فما أفاده من الضمان الطولي وإن كان أمراً معقولاً في حدّ
1) منية الطالب 2 : 188 .
نفسه إلّا أنه ممّا لم يقم عليه دليل في المقام ، هذا .
مضافاً إلى أنّ الضمان في المقام عرضي لما عرفت من أنّ المالك له أن يرجع إلى أيّهما شاء ، وهذا لا يمكن في الضمانين الطوليين كما لا يخفى ، لأنّ لازم ذلك أنّ المالك لا يحق له الرجوع على اللاحق ابتداءً ، فالظاهر أنّ ما فهمه السيد (قدّس سرّه) من ظاهر عبارة الشيخ (قدّس سرّه) هو الصحيح ، وعليه فيتوجّه عليه الاعتراضات الثلاثة مع ما أوردناه عليه أوّلاً ، هذا .
وقد ذكر صاحب الجواهر (قدّس سرّه)(1)وجهاً آخر في المقام : وهو أنّ الخطابات المتوجّهة إلى الغاصب الأول والثاني أعني من تلف عنده المال ليست من سنخ واحد بل سنخان ، فالخطاب المتوجّه إلى الأول إنّما هو مجرد خطاب تكليفي بأداء بدل المال من دون أن تكون ذمّته مشغولة به أبداً ، وأمّا الخطاب المتوجّه إلى من تلف عنده المال وهو الغاصب الثاني مثلاً فهو خطاب وضعي وذمّته مشتغلة بالعوض ، فإذا رجع المالك إلى الأول فهو المالك إلى الأول فهو يرجع إلى اللاحق لأنه بأداء البدل يكون مالكاً للتالف ، ولا مانع من فرض الملكية في التالف والمعدوم كما في الخيار فله أن يرجع إلى قيمته أو بغيرها من لوازم الملكية ، وأمّا إذا رجع المالك إلى اللاحق فهو لا يرجع إلى السابق إذ لا اشتغال في حقّه بشيء وإنّما كان الخطاب تكليفياً في حقّه وقد سقط بوصول المالك إلى حقّه ، هذا .
وقد أورد عليه شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) بايرادات يتوجّه بعضها إلى الجملة الأُولى من كلام صاحب الجواهر وهي دعوى أنّ الحكم مختلف بالاضافة إلى السابق واللاحق وأنه في الأول تكليفي وفي اللاحق وضعي ، وبعضها الآخر يتوجّه إلى الجملة الثانية من كلامه وهي أنّ السابق يملك التالف بأداء بدله .
1) الجواهر 37 : 34 .
أمّا الايرادات المتوجّهة إلى الجملة الاُولى فهي ثلاثة : اثنان منها يرجع إلى مقام الاثبات وواحد منها يرجع إلى مقام الثبوت .
أمّا ما يرجع إلى مقام الثبوت فهو مبنيّ على ما أفاده في الاستصحاب من أنّ الأحكام الوضعية منتزعة من الأحكام التكليفية ، فالضمان حكم وضعي ينتزع عن إيجاب أداء البدل ، فما معنى أنّ الحكم في السابق تكليفي وفي اللاحق وضعي مع أنّهما متلازمان .
والجواب عن ذلك : ما ذكرناه في محلّه من أنّ التكليفي والوضعي سنخان من الحكم وأحدهما غير منتزع عن الآخر ، ويشهد لذلك أنه لا خلاف ظاهراً في أنّ وجوب نفقة الوالدين الفقيرين على الولد إذا كان غنياً إنّما هو مجرد حكم تكليفي ولا يضمنها لو نسيها أو عصى ولم يؤدّ نفقتهما ، وهذا بخلاف وجوب نفقة الزوجة فإنه حكم تكليفي . مضافاً إلى أنه يضمنها فيما لو نسي أو عصى ولم يؤدّها إليها ، فيضمن لها نفقة الاسبوع أو الشهر أو السنة ، وكيف كان فهما سنخان متغايران .
وأمّا ما يرجع منها إلى مقام الاثبات ، فأحدهما : أن مدرك الضمان ليس إلّا قاعدة اليد في المقام ، كما أنّ الخطاب المتوجّه للسابق واللاحق منحصر بها ، وعليه فكيف يكون الخطاب الواحد وهو قاعدة اليد يعني على اليد ما أخذت تكليفياً بالاضافة إلى السابق ووضعياً بالاضافة إلى اللاحق ، بعد الاغماض والبناء على أنّهما سنخان متغايران . وثانيهما : أنّ الضامن السابق لو كان خطابه مجرّد حكم تكليفي لما أمكن إخراج دينه من تركته على تقدير موته ، ولما صحّ أن يصالحه المالك على ما في ذمّته مع أنّهما صحيحان ثابتان ، لجواز المصالحة على ما في ذمّته وإخراجه عن تركته على تقدير موته ، فلنا دليل على عدم كون الخطاب تكليفياً في حقّه ، لا أنه مجرد عدم الدليل ، هذا .
ثم إنه أورد على الجملة الاُولى أيضاً في آخر عبارته إيراداً رابعاً : وهو أنّ
لازم ما ذكره صاحب الجواهر (قدّس سرّه) عدم جواز رجوع السابق إلى الثاني فيما إذا كان المال تالفاً عند الثالث أو الرابع لأنه أيضاً مثله في عدم اشتغال ذمّته بشيء وخطابه تكليفي حسب الفرض ، بل لابدّ من أن يرجع إلى الضامن الأخير الذي تلف عنده المال ابتداء مع أنّهم جوّزوا رجوعه إلى الثاني والثاني إلى الثالث وهكذا.
وأمّا ما يرجع إلى الجملة الثانية : فهو أنّ للملكية أسباباً ولا تحصل بدونها سبب ملك العين أبداً ، فإذا فرضنا العين تلفت وأدّى الضامن الأوّل بدلها فبأي التالفة حينئذ ، أفبالبيع أو الهبة أو بشيء آخر ، والمفروض انتفاؤها بأجمعها ، ف--لا وجه لانتقال المال إلى ملك من أدى عوضه كما لا يخفى ، هذا .
ولا يخفى أنّ ما أورده على مقالة صاحب الجواهر متين ، إذ الخطاب في كل واحد من الضامن الأول واللاحق خطاب وضعي لوح--دت-ه ك-ا ذك--ره شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) إلّا أنّه يمكن أن يقال إنّ المقدّمة الثانية ممّا أفاده صاحب الجواهر كافية في إثبات المرام من دون حاجة إلى المقدّمة الأُولى من كلامه ، وهذه المقدّمة هي ما ذكره أخيراً من أنّ اللاحق يملك العين التالفة بأداء عوضها وذلك بعد ما عرفت من أنّ تصوير الضمان على سبيل البدلية والوجوب الكفائي أمر ممكن معقول ، وعليه فيتمّ الكلام بالمقدّمة الثانية وأنّ المعطى للبدل يتملّك العين التالفة بالمعاملة القهرية عند العقلاء والشرع ، ويدلّ على ذلك أمران :
أحدهما : أنه إذا أتلف أحد مال الغير وكان لتالفه قيمة زهيدة أو كان متعلّقاً لحقّ ، والأول كما إذا ذبح فرس الغير على وجه شرعي فإنّ لحمه وجلده حينئذ ممّا له قيمة وإن كانت زهيدة لا محالة . والثاني ما إذا ذبحه على وجه جعله ميتة فإنّ الميتة يمكن أن ينتفع بها في كل ما لا يشترط فيه الطهارة ومتعلّقة لحقّ الاختصاص ، وفي أمثال ذلك لا يمكن للمالك أن يأخذ تالف العين وباقيها ويطالب المتلف بباقي قيمتها
لأنّ العرف يرون المال قد تلف وما بقى منه أمر آخر لا ربط له بالمالك كأجزاء السيارة المنكسرة مثلاً ، وإذا أخذ قيمتها من المتلف أو مثلها فلا يمكنه أخذ ما بقي من العين أبداً ، لأنّ العرف يرون ذلك انتقالاً قهرياً كالصلح ، فباقي العين ينتقل إلى من أدّى الضمان فيما إذا كانت له قيمة ، أو كان ذلك متعلّقاً لحقّ من الحقوق .
وثانيهما : أنّ المال فيما إذا كان في حكم التلف ولم يكن تالفاً حقيقة كما إذا ضاع في بر أو وقع في بحر أو سرقه سارق مجهول يتعذّر الوصول إليه عادةً ففي هذه الموارد هل يحكم بلحوق المال الموجود في البر أو البحر أو في يد السارق بالمباحات الأصلية بحيث يتملّكه السارق بحيازته ولا يجب عليه ردّه ، وهذا ممّا لا يمكن التفوّه به ، أو يحكم بأنه ملك لمالكه الأول مع أنه أخذ مثله أو قيمته من المتلف ، فلا محالة يحكم بانتقاله إلى ملك المتلف بدفع عوضه وبدله ، فالوجه في الانتقال والملكية هو المصالحة القهرية الواقعة بين مالك المال ومتلفه ، وكيف كان فينتقل المال إلى الضامن الذي أدّى بدله وحينئذ فيعود السؤال المتقدّم من أنّ السابق لماذا يرجع إلى اللاحق الذي تلف عنده المال في غير موارد الغرور دون العكس.
وبالجملة : أنّ المالك كما له أن يرجع إلى كل واحد من السابق أو اللاحق فكذلك المالك بأداء البدل لابدّ وأن يجوز له الرجوع إلى أي من السابق واللاحق فلماذا نحكم بعدم جواز رجوعه إلى السابق ونقول إنه يرجع إلى اللاحق فقط . مثلاً إذا فرضنا الضامن ثلاثة أشخاص وقد رجع المالك الأصلي إلى الوسط فلماذا لا يرجع المتوسط إلى السابق ويرجع إلى اللاحق فقط مع أنه مالك للمال بأداء البدل فهو كالمالك الأصلي ينبغي أن يجوز له الرجوع إلى ك-ل م-ن ش-اء م-ن الس-ابق واللاحق ؟
فقد ذكر السيد (رحمه الله) في حاشيته(1)في وجه ذلك : أنّ الوجه في رجوعه إلى اللاحق دون السابق هو أنّ اللاحق هو الذي صار سبباً لاستقرار الضمان على السابق ، إذ كان يمكنه ردّ العين قبل تلفها وبما أنه لم يردّها فتلفت استقرّ الضمان على ذمّة السابق أيضاً ، فلابدّ وأن يرجع السابق إلى اللاحق كما ذكر مثل ذلك في أصل المسألة ونقلناه عنه هناك .
ولكنّك عرفت أنّ السبب لضمان كل من السابق واللاحق هو اليد والاستيلاء على المال ، فعدم ردّ اللاحق ليس موجباً لضمان السابق بل هو عدم إسقاط للضمان عن ذمّة السابق ، وهذا كيف يوجب ضمان اللاحق للمال مع أنّ التمكّن من الرد أمر مشترك بين السابق واللاحق كما هو ظاهر ، فهذا الوجه لا يرجع إلى شيء .
فالصحيح أن يقال : إنّ الوجه في ذلك هو ما عرفت من أنّ الضمان إنّما ثبت باليد، وغاية ذلك الضمان أداء المال وهذه الغاية حاصلة بالاضافة إلى السابق دون اللاحق كما يظهر بملاحظة نظائر المسألة ، مثلاً إذا كان الضامن المتوسط وارثاً للمالك الأصلي وبعد ما أخذ المال من السابق مات المالك الذي فرضناه مورّثاً للضامن المتوسط ، فلا يمكن له أن يرجع إلى السابق بالمال ، لأنّ المفروض أنه أدّاه إليه وهو أخذه منه، غاية الأمر قبل أن يكون مالكاً بموت مورّثه ، إلّا أنّ العقلاء يرون الأداء باقياً ومستمرّاً إلى زمان كونه مالكاً للمال بالارث .
وكيف كان ، فغاية الضمان هي أداء المال إلى المالك ولو كان ذلك قبل صيرورته مالكاً ، فإذا رجع المالك إلى اللاحق وأخذ المالك إلى اللاحق وأخذ منه البدل فاللاحق مالك للمال لكنّه تلقّاه من السابق فلا يمكنه الرجوع عليه لأنّ السابق قد أدّى المال وحصلت الغاية للضمان ، وهذا بخلاف ما لو كان السابق مالكاً للمال بالارث أو بأداء القيمة
1) حاشية المكاسب (اليزدي) : 183 .
والبدل فإنه يرجع إلى اللاحق الذي أخذ منه المال قبل كونه أي السابق مالكاً للمال فالفرق بين السابق واللاحق هو أنّ السابق أعطى المال وأخذ منه اللاحق فضمنه بقاعدة اليد للسابق على تقدير كونه مالكاً للمال ، وأمّا السابق فلم يأخذ من اللاحق حتّى يحكم بضمانه للاحق فيها إذا صار اللاحق مالكاً للمال بالارث أو بأداء البدل وهذا هو السرّ في أنّ المالك بالبدل يرجع إلى اللاحق لأنه أخذ منه المال حسب الفرض ولا يرجع إلى السابق لأنه لم يأخذ من المالك بالبدل وهو الوسط مثلاً شيئاً ليضمنه له ، وهكذا الحال في الضامن الثالث بالاضافة إلى الرابع إلى أن ينتهي الأمر إلى من تلف عنده المال فهو وإن تملّك المال بأداء البدل إلّا أنه لا يرجع إلى شخص إذ لم يأخذ المال منه أحد ليرجع إليه ، وإنّما تلف المال عنده ، هذا تم--ام الكلام في الأيادي المتعدّدة المتعاقبة . بقي الكلام في مسألة الابراء ، وأنّ المالك إذا أبرأ ذمّة واحد من الضامنين فحكمه ماذا ؟
والكلام في ذلك يقع في موردين: أحدهما في أنّ الابراء من المالك إبراء بالاضافة إلى خصوص هذا الضامن الذي أبرأ ذمّته ، أو أنّ إبراء ذمّة واحد منهم كرفع اليد عن المال وإبراء لذمم الضامنين على نحو الاطلاق .
وثانيهما : أنه إذا فرضنا أنّ الابراء يختص بخصوص من أبرأ المالك ذمّته ، فهل يصير ذلك الضامن كالمالك للمال بأداء البدل ويجوز له أن يرجع إلى اللاحق بالمال أو أنّ الابراء إسقاط لما في ذمّة ذلك الضامن ولا يصير مالكاً للمال بذلك ، فلا يجوز له أن يرجع إلى اللاحق بوجه .
أمّا المقام الأول : فالظاهر أنّ الابراء في حقّ واحد من الضامنين إبراء لذممهم على نحو الاطلاق، لأنّ معنى الابراء ليس هو إسقاط اليد عن كونه موجباً للضمان في خصوص هذا المتصرّف في المال مثلاً لأنه ليس مشرّعاً ولا يمكن ذلك في حقّ غير
الشارع ، بل إنّما معناه أنّي رفعت اليد عن مالي في ذمّة فلان نظير الاعراض في الأعيان الخارجية ، فإذا رفع اليد عن ماله فقد برأ ذمّة الجميع ، إذ لا يمكنه رفع اليد بالاضافة إلى بعضهم دون الآخرين لاستلزام عدم كونه ملكه سقوط المال عنهم بأجمعهم ، ولو فرضنا أنّ الابراء يختص بمن أبرأ المالك ذمّته فقط فيقع الكلام في :
المقام الثاني : في أنه هل يرجع إلى اللاحق بالمال كالمالك بأداء البدل أو لا فقد ظهر ممّا ذكرناه أنه لا يمكنه الرجوع إلى اللاحق بوجه ، لأنه لا يصير بالابراء مالكاً للمال كالمالك بدفع البدل ، إذ الابراء ليس إلّا اسقاطاً لما في ذمّته من البدل وأمّا صيرورته مالكاً للمال فلا ، هذا .
ثم إنّ شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1)تعرّض إلى مسألة أُجرة النقل فيما إذا نقل الغاصب ملك المالك إلى مكان آخر وأنه إذا رجع إليه فهل يجب على الغاصب بذل الأُجرة لنقل ملك المالك عن المكان الذي وضعه الغاصب في ذلك المكان أو لا ؟
الظاهر أنه لا إشكال في وجوب ذلك على الغاصب مقدّمة للردّ ، ودعوى أنّ ذلك ضرر على الغاصب فيرتفع وجوبه بالقاعدة ، مدفوعة بأنّ عدم بذله الاُجرة أيضاً ضرر على المالك فيتعارضان ، وقد عرفت في محلّه أنّ القاعدة لا تشمل أمثال المقام ، وهذا كله ممّا لا إشكال فيه .
وإنّما الكلام فيما إذا انحصر تحصيل المال ونقله في خصوص المالك كما إذا ألقاه الغاصب في بحر ونحوه واحتاج إخراجه إلى سباحة وغوص وانحصرت السباحة في مالك المال ، فلا ينبغي الإشكال حينئذ في أنه يستحق الأُجرة باخراجه ذلك ، لأنه كغيره في ذلك وعمله محترم يستحقّ الأُجرة في مقابله ، إلّا أنّ الكلام فيما إذا لم يرض المالك إلّا بأُجرة غالية وزائدة عن أُجرة أمثاله ، فهل يجب على الغاصب إعطاء تلك
1) المكاسب 3 : 511 .
الاُجرة التي يريدها مالك المال أو لا ؟
الظاهر أنه غير واجب على الغاصب ، إذ لا مانع من شمول قاعدة لا ضرر للمقام ، حيث إنّ دفع الغاصب للزائد من اُجرة المثل ضرر عليه . ودعوى أنّ الغاصب يؤخذ بأشقّ الأحوال وأخسّها ، ممّا لا وجه له كما أشرنا إليه سابقاً ، هذا .
ثمّ إنّ المالك هل يمكنه منع الغير عن نقل ماله أو إخراجه ولا يجوز للغاصب أن يعطي الاُجرة لغير المالك ويأمره باخراج مال المالك فيما إذا لم يرض المالك بذلك وأراد أن يخرجه بنفسه لتمليك اُجرة الاخراج، أو أنه لا يجوز للمالك ذلك أبداً ويجوز للغاصب أن يدفع الأُجرة إلى غير المالك ويأمره بالاخراج؟
الظاهر أنّ المالك متمكّن من منع غيره عن التصرف في ماله بالنقل والاخراج فيكون تصرف الغير فيه حراماً لعموم « الناس مسلّطون على أموالهم »(1)وعدم ورود تخصيص عليه في المقام فيخرجه المالك بنفسه ويتملّك الاُجرة ، نعم لو ادّعى الزيادة يجري فيه ما سبق من عدم وجوب دفع الزائد على الغاصب بوجه ، فهناك مسائل ثلاث :
الاُولى : أنّ المالك مثل غيره في أنه إذا نقل ماله بنفسه أو أخرجه عن البحر ونحوه يستحقّ الاُجرة لا محالة .
الثانية : أنّ المالك له أن يمنع غيره من التصرف في ماله بالاخراج والنقل ويتمكّن من أن يباشره بنفسه ويستحقّ به الاُجرة ؟
الثالثة : أنه لا يجوز للمالك مطالبة الزائد عن اُجرة المثل في صورة الانحصار وغيرها .
بقي الكلام في مسألة بدل الحيلولة وإنّما يتحقّق فيما إذا حيل بين المالك وملكه
1) عوالي اللآلي 3 : 208 ح 49 ، بحار الأنوار 2 : 272 .
مدّة مع رجاء الوصول إليه دون ما إذا يأس عنه ، إلّا أنّا أشرنا في محلّه إلى أنّ هذا البدل ممّا لا أساس له ، بل اللازم على الغاصب دفع قيمة العين إذا كانت تعدّ تالفة عند العرف ، أو هي مع قيمة منافعها فيما إذا كانت لها منافع في تلك المدّة ، وكذا يجب عليه دفع الأُجرة على مقدّمات الأداء فيما إذا كانت محتاجة إلى مؤونة كما عرفت فراجع .
استدراك
قد ذكرنا أنّ الضمان في المقام ضمان كفائي على نحو الواجب الكفائي ، ولكنّه لا يخفى أنّ الوجوب والطلب وإن تعلّق بالجامع بين الأفعال في الوجوب التخييري وبالجامع بين الأشخاص في الوجوب الكفائي ، إلّا أنّ ما به يسقط الوجوب وب-ه يحصل الامتثال هو فرد من أفراد الواجب ووجود من وجوداته ، فهذا الفرد الشخصي والوجود الممتاز عن غيره مسقط للواجب ، لا أنّ اختياره يكشف عن أنّ الواجب في الواقع هو ذلك الوجود ، بل الواجب هو الجامع والفرد مسقط له ومحقّق للامتثال ، وآثار الاتيان بالواجب وثمراته ولوازمه كلّها تترتّب على هذا الفرد الذي به حصل الامتثال لا على الجامع أو سائر الأفراد لامتياز كلّ منها عن غيره كما لا يخفى . ففيما إذا أتى بالصوم في الواجب التخييري أو صلّى أحد على الميّت في الواجب الكفائي فيستحقّ ثواب الصوم ويترتّب عليه لوازمه ، كما أنّ المثوبة في صلاة الميّت مترتّبة على صلاة من صلى على الميّت لا أنّ الأثر للجامع والمثوبة لجامع المكلّف أو يترتّب عليه ثواب الجامع بين الصوم والإطعام .
ففي المقام إذا أدّى أحد الضامنين بدل المال للمالك فقد حصل الامتثال وبه سقط الضمان ، ويترتّب آثار دفع البدل على من خرج عن عهدة الضمان الكفائي لا على الجامع بين الضامنين ، ومن آثاره انتقال المبدل إلى ملكه بدفع بدله للمالك وبعد
ما ملکه يرجع ببدله إلى اللاحق وهكذا ، هذا تمام الكلام في الأيادي المتعاقبة .
والكلام في ذلك يقع تارةً في صورة الردّ واُخرى في صورة الاجازة ، وعلى كلا التقديرين تارةً نلتزم بصحة الفضولي واُخرى نلتزم ببطلانه ، وتفصيل ذلك يظهر من التكلّم في جهات :
الجهة الاُولى : في صحة البيع الواقع على ملك نفسه وبطلانه ، والظاهر أنه لا ينبغي الإشكال في صحة البيع بالاضافة إلى ملك نفسه سواء قلنا بصحة الفضولي أو ببطلانه ، وعلى الأول أجازه المالك أم لم يجزه ، وذلك لأنّ الانشاء وإن كان واحداً إلّا أنّ المنشأ في الحقيقة متعدّد ، ولا مانع من انحلال الانشاء الواحد إلى اُمور متعدّدة في العامّ الاستغراقي وإن كان بينه وبين المقام فرق.
ويدلّ على ما ذكرناه الأخبار الواردة في المقام من أنّ البيع بالنسبة إلى ما يملك واجب .
الجهة الثانية : فيما ذكره بعضهم في المقام من أنّ صحّة البيع فيما يملكه إنّما هو فيما إذا لم يتولّد من عدم الاجازة مانع شرعي كلزوم الربا وبيع الآب--ق م-ن دون ضميمة ، وقد مثّلوا له بما إذا باع درهماً وديناراً بدرهمين ودينارين أو بثلاثة دراهم أو دنانير وكان الدرهم للغير، فإنه لو أجاز ذلك الغير يصحّ البيع وإن كان له في مقابلة درهمه درهم وقدر من الدينار ، وللبائع في مقابل دیناره درهم ودینار بل أزيد ، لأنّ المدار على ما وقع عليه المعاملة وهو المجموع بالمجموع ، وأمّا لو لم يجز فيكون البيع باطلاً لأنه من الأول كأنه وقع العقد على الدينار في مقابلة درهم ودينار بل أزيد فيكون من الربا ، هذا .
ولا يخفى عليك أنّ الربا يلزم على تقدير الاجازة أيضاً ، لأنّ المدار إنما هو
على معاملة نفسه ، والمفروض أنه في بيع نفسه قد أخذ درهماً وديناراً في مقابلة دينار واحد وهو من الربا المحرّم ، ولا ربط له ببيع الدرهم أيضاً بما وقع في مقابله لأنه بيع لمالك الدرهم لا له كما هو ظاهر .
ومثّلوا للثاني بما إذا باع الفضولي عبده الآبق وضمّ إليه مال الغير فإنه يبطل البيع بالنسبة إليه أيضاً لاستلزامه بيع الآبق بلا ضميمة .
ولا يخفى أنّ صحّة بيع الآبق بالضميمة ليست مستندة إلى تقسيط الثمن بالاضافة إلى الضميمة حتى لا تخلويد المشتري من المثمن فيما إذا أبق العبد ، بل إنما هو أمر تعبّدي ولذا لا نتعدّى منه إلى صحة إجازة الآبق مع الضميمة ، ومورد التعبّد هو أن تكون الضميمة من مال مالك العبد لا من مال غيره .
الجهة الثالثة : في الخيار وأنّ المشتري هل يمكنه فسخ المعاملة في صورة ردّ الغير أم لا ؟
أمّا في صورة علمه بالحال وأنّ المبيع مشترك بين البائع وغيره وأنه يبيعه على وجه الفضولي فلا يثبت له الخيار أبداً لعلمه بالحال . وأمّا فيا إذا كان جاهلاً فالظاهر أنّ المشتري يتمكّن من الفسخ لتبعّض الصفقة عليه ، ويسمّى هذا الخيار بخيار تبعّض الصفقة ، والسرّ في ذلك أنّ المنشأ وإن كان في الواقع متعدّداً إلّا أنّ البائع لمّا باعهما في إنشاء واحد وكان شراء أحدهما عند العرف مربوطاً ومنضمّاً إلى شراء الآخر فكأنه اشترط بالاشتراط الضمني الارتكازي أنّ وفاءه بشراء ذاك الجزء منوط بشراء الجزء الآخر ، وبما أنّ الشرط لم يحصل للمشتري فله ردّ الجزء الآخر أيضاً لهذا الاشتراط ، وقد عرفت سابقاً أنّ الخيار في المعاملات ليس على نحو التعليق في العقود وإنّما هو من باب تعليق الالتزام بالمعاملة على شيء آخر فلا تغفل هذا .
وربما يقال : إنّ البائع أيضاً يتمكّن من الفسخ في صورة جهله بالحال ، وهذا
إنّما يتصوّر فيما إذا باع مال نفسه ومال غيره من المشتري باعتقاد أنه ماله وكان بيع أحدهما مربوطاً ببيع الآخر عند المتفاهم العرفي ثمّ ظهر أنّ الجزء الآخر للغير، فإنه في حكم الاشتراط وكأنّه علّق التزامه ببيع أحدهما على بيع الآخر ، فيثبت له الخيار وأمّا في غير هذه الصورة أعني ما إذا لم يكن بيع أحد الشيئين مربوطاً ومنوطاً ببيع الشيء الآخر بحسب المتفاهم العرفي فلا يثبت الخيار للبائع أبداً ، إذ البيوع متعدّدة ولا ربط لأحدها بالآخر .
فالمتحصّل : أنّ الخيار إنّما يثبت فيما إذا اشترط في ضمن العقد أو فيما إذا كان بيع أحدهما منوطاً ببيع الآخر بحسب الفهم العرفي ، وأمّا مجرد قصد البائع ذلك من دون أن يذكره في ضمن المعاملة أو يكون أحدهما منوطاً ومربوطاً بالآخر عرفاً فهو لا يفيد في ثبوت الخيار ، والثاني أعني كون أحدهما مربوطاً ومنوطاً بالآخر عرفاً قليل بالاضافة إلى البائع ، وهذا بخلاف المشتري حيث إنه كثير الاتّفاق بالاضافة إلى المشتري في المعاملة الواحدة .
الجهة الرابعة : في تقسيط الثمن على كلا تقديري الردّ والاجازة ، غاية الأمر أنّ التقسيط في صورة الاجازة بين البائع والمالك وفي صورة الردّ بين البائع والمشتري ، وقد ذكروا في طريق ذلك أنّ كل واحد من المبيعين يقوّم منفرداً ثمّ يقوّمان مجتمعين وتلاحظ نسبة كل من القيمتين إلى قيمة المجموع ويؤخذ من الثمن بتلك النسبة ، وهذا الذي ذكروه إنّما يتمّ فيما إذا لم تكن للهيئة الحاصلة منهما خصوصية توجب زيادة القيمة كما في مصراعي الباب ، وأمّا في أمثال ذلك فلا وجه لما ذكروه ، مثلاً إذا قوّم كلا مصراعي الباب بثلاثين ديناراً وقوّم كل واحد منهما بعشرة دنانير فعلى ما ذكروه يرجع المشتري إلى البائع بثلث الثمن ويبقى للبائع ثلثاه وهو ممّا لا موجب له ، بل يمكن العكس بأن نقول البائع إنّما يأخذ بقيمة ماله من المصراعين وقيمته عشرة دنانير فيدفع ثلثي الثمن إلى المشتري ، هذا .
ولأجل ذلك ذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1)أنّ ما ذكروه لا يستقيم فيما إذا كان لاجتماع الملكين دخل في زيادة القيمة هذا ، وفي بعض الموارد يوجب اجتماع العوض والمعوّض وهذا كما إذا كانت الهيئة الاجتماعية موجبة لنقصان القيمة كما مثّلوا بالأمة وأُمّها فإنّ كل واحدة منهما بوحدتها لها قيمة وباجتماعهما قيمة أُخرى تنقص عن تلك القيمة ، فمثلاً تسوى الأمة خمسين ديناراً بوحدتها واُمّها تسوى بثلاثين كذلك وأمّا هما معاً فتشتريان بخمسين أو أقل ، لعدم جواز الانتفاع بالاُمّ مع الدخول بالبنت ، وحينئذ إذا ظهرت البنت للغير ولوحظت قيمتها بالاضافة إلى قيمتهما مجتمعين كانت خمسين بخمسين أي نسبة الشيء إلى مماثله فيستردّ المشتري تمام الثمن المسمّى وتكون الجارية له ، وهو ما ذكرناه من اجتماع العوض والمعوّض ، هذا .
ولا يخفى أنّ ما ذكرناه في المقام إنّما يتمّ على تقدير تقسيط الثمن للأوصاف كوصف الاجتماع ، وأمّا بناء على أنّ الثمن لا يتقسّط عليها وإنّما هي دواع لبذل الثمن على نفس المال والعين ، فلا قيمة لوصف الاجتماع حينئذ بل لابدّ من ملاحظة قيمة كل واحد من الجزأين منفرداً والجمع بين القيمتين وملاحظة نسبة كل منهما إلى مجموع القيمتين ثمّ الأخذ من الثمن بتلك النسبة ولعلّه ظاهر .
ثمّ إنّ للسيد (قدّس سرّه) كلاماً في حاشيته(2)وقد ذكر فيه أنّ الهيئة الاجتماعية قد لا تكون موجبة لشيء من الزيادة والنقيصة ، وقد تكون موجبة للزيادة في الطرفين بالسوية ، وقد تكون موجبة لها فيهما بالاختلاف بأن تكون قيمة أحدهما مع الانضمام خمسة ولا معه أربعة وقيمة الآخر معه ستّة ولا معه أربعة ، وقد تكون
موجبة للزيادة في أحدهما والنقيصة في الآخر .
إذا عرفت ذلك تعرف أنّ الأولى في كيفية التقسيط أن يقوّم كل منهما منفرداً لكن بملاحظة حال الانضمام لا في حال الانفراد ثمّ يؤخذ لكل واحد جزء من الثمن نسبته إليه كنسبة قيمته إلى مجموع القيمتين ، إذ لو قوّم كل منهما منفرداً لا في حال الانضمام يلزم الضرر على أحدهما في صور الاختلاف ، مثلاً إذا كان أحدهما تزيد قيمته بالانضمام والآخر تنقص قيمته به يلزم على طريقة المصنّف (قدّس سرّه) فيما إذا قوّم أحدهما منفرداً باثنين ومنضمّاً بأربعة والآخر منفرداً بأربعة ومنضمّاً باثنين أن يكون لمالك الأول ثلث الثمن ولمالك الثاني ثلثاه مع أنّ قيمة مال الأول في حال الانضمام ضعف قيمة مال الثاني في تلك الحال ، فينبغي أن يكون للأول الثلثان وللثاني الثلث وهكذا في سائر صور الاختلاف، وأمّا على ما ذكرناه فلا يلزم نقص في مورد من الموارد انتهى كلامه (قدّس سرّه) .
وقد حمل كلام العلّامة والشهيدين( من تقويم أحدهما بعد تقويم المجموع) على ما ذكره هو (قدّس سرّه) من تقويم كل واحد منهما منفرداً لكن بوصف الانضمام . وما أفاده (قدّس سرّه) متين جدّاً ، هذا كلّه في القيمي .
وأمّا المثلى فقد ذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1)أنّ الحصّة فيه إن كانت مشاعة قسّط الثمن على نفس المبيع فيقابل كل من حصّتي البائع والأجنبي بما يخصّه وإن كانت حصّة كل منهما معيّنة كان الحكم كما في القيمي من ملاحظة قيمتي الحصّتين وتقسيط الثمن على المجموع .
ولكنّا لم نفهم ما أراده (قدّس سرّه) من هذا الكلام ، فإنّ ما ذكره من ملاحظة القيمتين في صورة الافراز ، إن كان من جهة اختلاف الحصتين في القيمة من حيث
1) المكاسب 3 : 520 .
الجودة والرداءة فهو متين إلّا أنه لا يظهر من عبارته . وإن كان من جهة اختلاف قيم الأشياء باختلاف مقدارها قلّة وكثرة فهو لا يختص بفرض الافراز ب--ل يجري في فرض الاشاعة أيضاً فإنّ كمية من الطعام إذا بيعت بقيمة فنصف تلك الكمّية قد تباع بأقل من نصف القيمة أو أكثر حسب اختلاف الرغبات . فالصحيح أنّ المثلي حكمه حكم القيمي مطلقاً .
فتارةً يظهر بالقرائن الداخلية أو الخارجية أنّ المراد بالنصف هو نصفه المختصّ به أو نصف الغير أو النصف من نصفه والنصف من نصف الآخر وهكذا وهذا ممّا لا كلام لنا فيه .
وأُخرى يريد البائع مفهوم نصف الدار عرفاً من دون قصد شيء من خصوص نصفه أو نصف الآخر ، فهل يؤخذ بظاهر هذا الكلام ويكون حجّة على تعيين المبيع واقعاً من النصف المملوك أو المملوك للغير وهكذا، ولا ينبغي الإشكال في أنّ الظهور في مقام الاثبات حجّة على تعيين المراد في مقام الثبوت ، وحينئذ فيقع الكلام في أنّ نصف الدار ظاهر في أيّ نصف من النصفين .
وثالثة نعلم أنه أراد واحداً من النصفين بخصوصه أو النصف من كل نصف إلّا أنه لا قرينة على تعيين أحد هذه الاحتمالات فلا يُعرف مراده الواقعي ، وفي هذه الصورة أيضاً يؤخذ بظاهر النصف ، لأنّ الظهور في مقام الاثبات حجّة على تعيين المراد الواقعي ، وهذا القسم أيضاً داخل في محل الكلام فلا وجه لحصره بالصورة الثانية كما في كلام شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1).
1) المكاسب 3 : 521 .
ثم إنه في القسم الثاني الذي أراد البائع فيه مفهوم النصف عرفاً ، تارةً يكون المراد ما يستفاد من لفظة النصف بتجرّدها عرفاً ، وحينئذ إذا بنينا على أنّ النصف
بتجرّده ظاهر في النصف المشاع فلا محالة نقطع بالمراد ولا يبقى مجال للبحث عن أنه إذا باع النصف من الدار فعلى أي شيء يحمل لفظ النصف ، إذ المفروض أنّ المستفاد منه بتجرّده هو النصف المشاع فلا محالة نقطع بالمراد من النصف كما ذكره السيد (قدّس سرّه) في الحاشية(1).
إلّا أنّ الظاهر أنّ هذه الصورة ليست بمراد للشيخ (قدّس سرّه) فلا يرد عليه ما أورده السيد (قدّس سرّه) من أنه لا يبقى للبحث عمّا اُريد من النصف مجال حينئذ وإنّما أراد شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) الصورة الثانية التي نتعرّض لها بعد ذلك .
وأُخرى يكون المراد من النصف ما هو المستفاد منه عرفاً بملاحظة تمام الكلام لا ما يستفاد منه عرفاً بتجرّده ، وحينئذ يقع الكلام فيما اُريد بالنصف حيث إن--ه بتجرّده ظاهر في المشاع وبملاحظة تمام الكلام ظاهر في النصف المختصّ به لأنه ظاهر بيعه نصف الدار ، وهذه الصورة لعلّها هي مراد شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) دون السابقة ، فلا يرد عليه ما أورده السيد (قدّس سرّه) من أنّ المراد معلوم حينئذ ولا مجال للبحث عمّا أريد بالنصف .
وكيف كان ، فهذه أربع صور ، فالاُولى منها غير داخلة في محل النزاع وكذلك الاُولى من الثانية .
وأمّا الصورة الثانية منها فهي محل النزاع في المقام ، ولكن النزاع لا يختص بها بل يأتي في الصورة الثالثة أيضاً كما أشرنا إليه آنفاً ، هذا .
ثم إنه ربما يقال إنّ المعاملة في الصورة الثانية باطلة ، لأنه لا يدري ماذا يبيع
1) حاشية المكاسب (اليزدي) : 191 .
في مقام الانشاء ، وإنّما أحاله على ما يستفاد من النصف عرفاً، وقصد المبيع لازم في المعاملات لا محالة .
إلّا أنه يندفع بأنّ ذلك غير ضائر بالمعاملة بعد ما كان المبيع متعيّناً في الواقع حيث إنّا نعلم أنّ النصف ظاهر عند العرف في المشاع أو في غيره من المعاني فلا تردّد في المبيع ، غاية الأمر أنه لا يدري أنّ المالك للمبيع من هو وأنه هو بنفسه كما إذا كان النصف ظاهراً في النصف المختص به ، أو أنه هو وشريكه كما إذا أُريد منه المشاع ، أو أنه هو الشريك فقط كما إذا حمل على النصف المختص بالغير ، وقد تقدّم سابقاً أنّ المعتبر في المعاملة إنّما هو قصد التبديل بين المالين فقط ، وأمّا العلم بالمالك وخصوصياته فلا ولعلّه أوضح من أن يخفى ، هذا .
ثمّ إنّه تكلّم شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) فيما هو ظاهر النصف عرفاً وذكر أنّ فيه احتمالين : أحدهما حمله على المشاع لظهور النصف في الحصّة المشاعة بين النصفين . وثانيهما : حمله على النصف المختصّ به إمّا من أجل أنه منصرف في مقام التصرف إلى التصرف في نصفه المختص به ، وإمّا من جهة أنّ إنشاء البيع ظاهر في البيع لنفسه لأنّ بيع مال الغير لابدّ فيه من نيّة الغير ، أو اعتقاد كون المال لنفسه حقيقة أو ادّعاءً و هما خلاف المفروض .
ثمّ بعد ذلك تعرّض لما حكي عن الفخر (قدّس سرّه) من أنه قاس المقام على ما إذا كان للبائع عبد اسمه غانم وكان لغيره أيضاً عبد بهذا الاسم والعنوان وقال في مقام البيع بعت غانماً ، فإنه مع اشتراكه بين غانم نفسه وغانم غيره يحمل على غانم نفسه بالاجماع ، وهذه مسألة معنونة عندهم وادّعى الفخر (قدّس سرّه) أنّ المقام من هذا القبيل .
وأجاب عن ذلك شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) بإبداء الفرق بينه وبين المقام وأفاد أنّ غانم مشترك في حدّ نفسه ومجمل بين غانم نفسه وغانم غيره ، وكونه في
مقام التصرف قرينة على تعيين المراد من لفظة غانم فلذا يحمل على غ--انم نفسه وهذا بخلاف المقام حيث إنّ النصف ليس مجملاً ومشتركاً عند العرف بين المش---اع والحصّة المختصّة به وإنّما هو ظاهر في المشاع ، وكونه في مقام التصرف ظاهر في إرادة الحصّة المختصّة به فيتعارضان ولا يكون أحدهما قرينة على إرادة أحد المعنيين من المجمل كما في الغانم ، هذا ملخّص كلامه (قدّس سرّه) .
ولا يخفى عليك أنّ في كلامه موارد للمناقشة والإشكال .
أمّا أوّلاً : فلأنّ ما أفاده من أنّ الانشاء ينصرف إلى بيع ماله دون بيع مال الغير ممّا لم أتحصّل وجهه ، حيث إنّ الانشاء أعمّ من البيع لنفسه أو للغير في موارد الأعيان الخارجية ، إذ لا يلزم فيها تعيين المالك أبداً ، نعم في بيع الكلّي يتصرف الاطلاق إلى ذمة نفسه إذ لا مالية في الكلّي إلّا بالاضافة إلى ذمّة أحد وحيث أطلقه فينصرف إلى ذمّة نفسه كما إذا قال بعتك عشرة أمنان من الحنطة مثلاً حتّى أنه لو ادّعى بعد ذلك أنه أراد ذمّة الغير فلا يسمع منه أبداً .
وأمّا ثانياً : فلأنّ ما أفاده من أنّ كونه في مقام التصرف موجب لانصراف الظهور إلى بيع نصف نفسه ممّا لا يمكن المساعدة عليه ، لما عرفت من أنّ النصف ظاهر في الاشاعة وهو يمنع عن حمله على خلاف الظاهر لأجل كونه في مقام التصرف ، نعم إذا كان متعلّق البيع مجملاً كما في مثال غانم كان التصرّف قرينة على تعيين المراد وأمّا مع فرض ظهوره فلا يقاومه ظهور التصرف ، فالظاهر أنّ النصف محمول على الاشاعة كما ذكره بعضهم ، وهذا كما إذا باع داره بقوله بعتك نصف الدار فلا محالة يكون ظاهراً في الاشاعة ويكون المشتري شريكاً معه في النصف المشاع لا النصف المعيّن ، نعم للمناقشة في ظهور النصف في المشاع بين الحصّتين مجال واسع لأنه ليس ظاهراً فيه عرفاً وإنّما هو ظاهر في المشاع في مقابل النصف المعيّن ، وعليه يكون المقام مثل بيع غانم المجمل ويكون ظهور التصرّف في كونه في مال نفسه قرينة
على تعيين المراد وكون المبيع نصفه المختص . ومن هنا يظهر الفرق بين المقام وإقرار أحد الشريكين بأنّ نصف الدار للغير فإنّ الإقرار إخبار وليس تصرّفاً ليكون ظاهراً في كونه في مال نفسه بل هو مجمل من هذه الناحية وإنّما يقرّ بأنّ نصف الدار واقعاً لزيد ، وأمّا انّ نصفها الآخر له أو لغيره فهو ساكت عن ذلك .
ولأجل ما ذكرناه من ظهور النصف في النصف المختصّ بنفسه ذكروا أنّه لو أصدق المرأة عيناً فوهبت نصفها المشاع قبل الطلاق لشخص ثمّ طلّقها قبل الدخول يستحقّ الزوج بالطلاق النصف الباقي ، لأنّ ظاهر قوله تعالى : فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ(1)مطلق النصف الشامل للباقي أيضاً على وجه الاشاعة ، اللهم إلّا أنّ يحمل على الاشاعة بين النصفين فيأخذ نصف النصف الباقي وقيمة نصف الموهوب إلّا أنه خلاف الظاهر بل يحمل النصف على النصف المختصّ بها .
ملخّص ما ذكرناه في المقام : أنه إذا باع من له نصف الدار نصفها ، فقد ذكر شيخنا الأنصاري فيه احتمالين ، وجعل المعارضة بين ظهور لفظ النصف في المشاع وبين ظهور الانشاء والبيع في بيع حصة نفسه ، إلّا أنا ذكرنا أن الظهورين لا معارضة بينهما من جهة أنّ النصف وإن كان ظاهراً في المشاع إلا أنه غير ظاهر في المشاع بين النصفين بل في المشاع في مقابل النصف المعيّن ، وكونه في مقام التصرف والبيع قرينة على إرادة الحصة المختصة به، ويرفع إجمال النصف وتردّده بين نصفه ونصف الغير وعليه فيكون المقام من قبيل بيع غانم المشترك بين غانم نفسه وغانم الغير حيث إنّ كونه في مقام التصرّف يعيّن غانم نفسه ويكون رافعاً لا جماله وتردّده .
وعلى تقدير المعارضة بين الظهورين لا وجه لتقديم الأول على الثاني ب--ل الأمر بالعكس لأنه أقوى من الظهور الأول . ثم إنه من هذا القبيل ما لو أصدق عيناً
1) البقرة 2 : 237 .
للمرأة فوهبت المرأة نصفها المشاع لشخص ثمّ طلّقها زوجها قبل الدخول فإنّ الزوج يملك النصف الباقي بالطلاق لقوله تعالى فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ والباقي نصف ما فرضه للمرأة ، لما عرفت من أنّ النصف ظاهر في المشاع والباقي نصف مشاع كما ذكرناه في المقام .
وأمّا مسألة إقرار أحد الشريكين بأنّ نصف هذا المال للغير، فهي غير ظاهرة في نصفه المختصّ به لأنّه إنّما يقرّ بأنّ نصف هذه الدار لزيد ، وأمّا أنه نصف نفسه أو نصف الغير فلا معيّن له ، نعم لو التفت إلى أنّ الاقرار في ملك الغير لا معنى له وأتى في مقام الشهادة بلفظ الاقرار يمكن أن يقال إنه يعيّن اختصاصه بملك نفسه ، إلّا أنّ الكلام فيما إذا قال نصف هذه الدار للغير من دون التلفّظ بلفظ الإقرار .
وأمّا مسألة المصالحة في من كان بيده المال وأقرّ لأحد المدّعيين بنصف المال وذلك المدّعي يقرّ بأنّ سبب تملّكه المال مشترك بينه وبين المدّعي الآخر لأنه أخوه والمال وصل إليهما من مورّثهما فوقع الصلح بين المقرّ له والمقرّ على النصف الذي أقرّ به ، ففيها أيضاً يمكن أن يقال إنّ النصف المصالح عليه مشاع بين المدّعيين ، وذلك لأنّ إقرار ذي اليد بالنصف لأحدهما مع اعتراف المقرّ له باشتراكه مع الآخر يقتضي أن يكون ربع المال لكل منهما . فالمصالحة الواقعة نافذة في الربع وفضولية في الربع الآخر ومتوقّفة على إجازة المدّعي الآخر ، فهذه المسألة لا ربط لها بما نحن فيه ولا تنا في ما ذكروه في المقام .
وأمّا مسألة الإقرار بثلث المال للغير في العين التي ثبت يد كل واحد من الشريكين على نصفها وأنكره الشريك ، فقد ذكروا أنّ المقرّ يدفع إلى المقرّ له نصف ما بيده من أجل أنّ السدس الموجود بيد الشريك المنكر للاستحقاق كالتالف من المال المشترك ونسبته إلى المقرّ والمقرّ له على حدّ سواء، فلا محالة يقسّم المال الموجود بيد المقرّ بينهما .
وقد يقال إنّ هذه الفتوى تنافي ما ذكرناه سابقاً من أن النصف والثلث وغيرهما ظاهرة في المشاع ومقتضاه حمل الثلث على ثلث المال ولازمه استحقاق المقرّ له من النصف الموجود بيد المقرّ ثلثه وهو سدس مجموع المال . وفيه : أنّ ذلك إنما يتم فيا إذا كان النصفان مفروزين فيكون ثلث ما بيد المقرّ للمقرّ له ، وأما ما في يد مالك النصف الآخر فهو لا يرتبط بالمقرّ . وأما إذا كان المال مشاعاً فما يأخذه المنكر نظير ما يأخذه الغاصب عدواناً يحتسب على كل من المقرّ والمقرّ له ولا يختص به المقرّ له بل نسبته إليهما على حدّ سواء . فالسدس الذي بيد المنكر نصفه من مال المقرّ ونصفه الآخر من مال المقرّ له ومقتضى ذلك أن يكون الباقي بينهما مناصفة .
وأمّا إقرار أحد الورثة بوارث آخر مع انكار الآخرين فالحكم فيها كالمسألة السابقة فيكون نصف ما بيد المقرّ للمقرّ له ، إلّا أنّهم ذكروا أنّ الوارث المقرّ يدفع للمقرّ له المقدار الزائد على ما يستحقّه باعتقاده ولم يفتوا بالتنصيف ، ومستندهم في ذلك بعض الأخبار الضعيفة(1)المنجبرة بعمل الأصحاب . هذا ولكن الذي يسهل الخطب أنّ الأخبار الواردة في المسألة ضعيفة السند وقد ذكرنا في محلّه أنّ عمل المشهور لا يمكن أن يكون جابراً لضعف الرواية بوجه ، هذا مع أنّ دلالتها ضعيفة أيضاً لأنّها إنّما دلت على أنّ المقرّ له شريك في المال وأنّ المقرّ يلزم بذلك في حصّته وأمّا المقدار الذي يلزم به فلا دلالة فيها عليه ، فالصحيح أنّ حكم المسألتين واحد .
والمتحصّل من جميع ما ذكرناه : أنّ الاقرار كالعلم الوجداني بأنّ الثلث للمقرّ له ، ولازم ذلك تقسيم النصف بين المقرّ والمقرّ له بالسوية ، لا إعطاء ثلث النصف له الذي هو سدس أصل المال وإن ذهب إليه الأصحاب في مسألة الاقرار
1) الوسائل 19 : 323 / كتاب الوصايا باب 26 ح3 ، 5 .
بالنسب إلّا أنّهم استندوا في ذلك إلى الأخبار الواردة في المقام وقد أشرنا آنفاً إلى أنّها ضعيفة السند والدلالة وأنه لا يمكن الاعتماد عليها بوجه ، وأنّ الصحيح أن يعطى نصف المال الموجود للمقرّ له ، هذا .
وقد ذكر السيّد (قدّس سرّه) في حاشيته كلاماً عن صاحب الجواهر (قدّس سرّه) لم نفهم محصّله وحقيقته ولذا ننقل عين ألفاظه وعبارته قال : والفرق بينهما - يعني بين المقام والاقرار بالنسب في الارث - أنّ في المقام التلف للمال المشترك على حسب إقرار المقرّ مستند إلى يد المنكر حيث إنه أثبت اليد على النصف الذي ثلثه مشترك بين المقرّ والمقرّ له فيكون محسوباً عليهما ، وفي مسألة الاقرار بالنسب ليس مستنداً إلى اليد بل هو من جهة مجرّد إنكار المنكر لخصوص حصة المقرّ له وإلّا فلا أثر لليد لأنّ المفروض كون المال تركة للميّت ولا يد لأحد عليها غيره(1)انتهى كلامه (قدّس سرّه) .
ولا يخفى أنّ التلف في كلا المقامين مستند إلى سبب شرعي ، أمّا في المقام فلأنه مستند إلى اليد على ما اعترف به هو (قدّس سرّه) . وأمّا في مسألة الأرث فلأجل أنه مستند إلى أصالة عدم أخ آخر له في البين وإنكار المنكر ، والاقرار موجود في كلا المقامين ، وأمّا ما ذكره صاحب الجواهر (قدّس سرّه)(2)من أنّهم بأجمعهم يعترفون بأنّ ثلث المال للمقرّ فهو أيضاً موجود في المقام لأنّهم بأجمعهم يعترفون بأنّ المقرّ مالك لثلث المال فلا فرق بين المقامين أبداً ، هذا.
وقد ذكر شيخنا الأُستاذ (قدّس سرّه)(3)كلاماً أشار إليه شيخنا الأنصاري
(قدّس سرّه) بنفسه وهو أنّ المقرّ إنّما أقرّ بأنّ ثلث أصل المال للمقرّ له ، وذلك صريح في أنّ ثلث النصف الموجود في يده للمقرّ له كما أنّ ثلث النصف الموجود بيد الشريك للمقرّ له ، فهو لم يعترف إلّا بأنّ ثلث ما في يده للغير ، وعليه فلا وجه لدفع نصف ما بيد المقرّ إليه ، هذا .
ولا يخفى أنّ ذلك وإن كان مسلّماً عند شيخنا الأنصاري أيضاً ولا كلام لنا في ذلك أيضاً إلّا أنّ محطّ نظره وبحثه هو أنّ ثلث النصف الموجود بيد المقرّ وإن استحقّه المقرّ له باقرار المقرّ إلّا أنّ ثلث النصف الموجود بيد المنكر بأي وجه يختصّ به المقرّ له حتّى يحكم بأنّ نصف حصّته غصب بإذن من الشارع أو بغير إذنه ، وإن كان لشيخنا الأُستاذ (قدّس سرّه) كلام فليتكلّم في ذلك لا في أنّ المقرّ إنّما اعترف بأنّ ثلث المال الموجود بيده للمقرّ له فإنّ ذلك وإن كان مسلّماً إلّا أنه لا يكون سبباً لاختصاص السدس الذاهب بالمقرّ له بل يحتسب عليهما معاً ، وكيف كان فالصحيح ما ذكرناه من أنّ المال يقسّم بينهما نصفين . هذا تمام الكلام في من باع نصف الدار فيما إذا كان مالكاً لنصفها المشاع .
وأمّا إذا كان مالكاً لنصفها المفروز والمعيّن كما إذا كان مالكاً للنصف الشرقي وكان النصف الغربي لشريكه وباع نصفها ، فالظاهر أنه يحمل على نصفه المختصّ به كما في بيع الغانم المشترك لا على نصف الغير ما لم ينصب على إرادة بيع مال الغير قرينة ، هذا كلّه فيما إذا كان البائع أجنبياً عن شريكه وكان بيع ماله فضولياً بالاضافة إليه .
وأمّا إذا كان وكيلاً لشريكه أو ولياً عليه كما إذا كان جدّه فقد ذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1)أنّ المعارض لظهور النصف في المشاع إن كان هو ظهور
1) المكاسب 3 : 522 .
التصرف في التصرف فيما له الحقّ فلا معارضة في المقام ، لأنّ المفروض أنه جائز التصرف في كل واحد من النصفين فلابدّ من حمل النصف على الاشاعة . وأمّا إذا قلنا بأنّ المعارض لظهور النصف في المشاع إنّما هو ظهور الانشاء في البيع لنفسه فالمعارضة موجودة في المقام ولابدّ من تقديم ظهور النصف في الاشاعة على الظهور الثاني ، هذا .
وما أفاده من أنّ النصف ظاهر في الاشاعة وإن كان كما أفاده ، إلّا أنه ليس ظاهراً في المشاع بين النصفين بل في الاشاعة في مقابل النصف المعينّ ، وعليه فالظهور الثاني لا يعارض ظهور النصف ويحمل النصف على النصف المشاع المختصّ به .
ذهب المشهور إلى صحّة بيع ما يملك وما لا يملك وأنّ الثمن يتقسّط بينهما فيكون بالاضافة إلى ما يملك صحيحاً وبالاضافة إلى ما لا يملك باطلاً ، وهذا الذي ذهبوا إليه هو الذي تقتضيه القواعد والعمومات نحو (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) وذلك لم-ا أشرنا إليه سابقاً من أنّ الانشاء وإن كان واحداً إلّا أنّ البيع متعدّد ، وتقابل المجموع بالمجموع يقتضي تقابل البعض بالبعض فيتقسّط الثمن عليهما ويحكم بالصحة فيما قابل ما يملك وبالفساد فيما قابل ما لا يملك ، هذا .
وقد استدلّ شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1)على صحة البيع في المقام بصحيحة الصفّار(2)المتقدّمة حيث قال (عليه السلام) فيها يجوز البيع فيما يملك ولا
يجوز فيما لا يملك ، ومورد هذه الرواية وإن كان هو بيع ماله ومال غيره كما تقدّم سابقاً وهو أمر آخر غير بيع ما يُملك وما لا يُملك ، إلّا أنّ قوله (عليه السلام) يجوز فيما يملك ولا يجوز فيما لا يملك يقتضي صحة تقسيم الانشاء الواحد إلى أمرين ، ويتعدّى منه إلى المقام بتنقيح المناط ، وكيف كان فالبيع بالاضافة إلى ما يُملك صحيح ، هذا .
وربما يستشكل في صحّة البيع في المقام بوجوه .
الأول : أنّ البيع الواحد لا يقبل الصحة والفساد وكيف يحكم عليه بهما مع أنه إنشاء واحد وبيع فارد ، فإمّا أن يحكم بالصحة في الجميع ، وإمّا أن يحكم بالفساد كذلك ، وبما أنّ البيع في المقام غير محكوم بالصحة في الجميع فلا محالة يحكم بالفساد مطلقاً .
وهذا الوجه يندفع بما أشرنا إليه آنفاً من أنّ البيع متعدّد وإنّما الانشاء واحد إذ يصدق أن يقال إنّه باع الشاة وأنّه باع الخنزير ، ولا مانع من أن نحكم بالصحة في بعضها وبالفساد في بعضها الآخر .
الثاني : أنّ المتبايعين إنّما قصدا المجموع في مقابل المجموع دون بعضها في مقابل بعض الثمن ، فلا محالة يكون البيع بالاضافة إلى البعض باطلاً .
والجواب عن ذلك : يظهر ممّا ذكرناه آنفاً من أنّ البيع متعدّد وأنّه قصد بيع كل واحد من الشاة والخنزير ، غاية الأمر اشترط الانضمام فهو قاصد لبيع كل واحد منهما بشرط انضمامه إلى الآخر لا أنه غير قاصد إليه ، وعليه فيكون الحكم بالصحة في بعضها موجباً لتخلّف شرط الانضمام لا أنه حكم بالصحة فيما لم يقصده المتبايعان .
الثالث : أنّ الحكم بالصحة في مقابل الشاة يستلزم الجهالة بمقدار الثمن والجهالة توجب فساد المعاملة ، وذلك لأنه لا يعلم أنّ الواقع بازاء الشاة أيّ مقدار
من مجموع قيمتي المجموع ، وهذا الوجه حكي عن الشافعي(1)ولأجله خصّوا الحكم بالصحة بصورة جهل المشتري بأنّ أحدهما ممّا لا يُملك .
والجواب عن ذلك : أمّا الغرر فهو مفقود في المقام لعدم كون إقدامه على بيعهما خطريّاً إذ على تقدير عدم قابليته للملكية يتقسّط الثمن بينهما ، والجهالة إنّما اشترط عدمها في البيع بالاجماع ولا دليل عليه غيره ، والعلم بمقدار الثمن وعدم الجهالة إنّما يشترط بالاضافة إلى المجموع لا إلى كل واحد واحد من أجزاء المبيع بمعنى أنّ اللازم في صحة المعاملة هو العلم بأنّ مجموع المبيع في مقابل كذا مقدار من الثمن والجهل بذلك يوجب فساد البيع لا الجهالة بثمن بعض أجزاء المبيع . والاجماع إنّما هو على فساد البيع فيما إذا كان ثمن المجموع مجهولاً ولم يقم إجماع على بطلانه لجهالة ثمن بعض أجزاء المبيع كيف وقد ذهب المشهور إلى صحّة البيع في المقام مع أنّ الثمن الواقع في مقابل بعض الأجزاء مجهول .
وإن شئت قلت : إنّ المعتبر في صحة المعاملات إنّما هو العلم بمقدار الثمن في مقام البيع والمعاملة لا من حيث إمضاء الشارع وعدمه، ومقدار الثمن في مقام البيع غير مجهول في المقام ، وإنّما يتّصف بالجهالة عند التقسيط وحكم الشارع بالصحة في الشاة والفساد في الخنزير ولا دليل على بطلان المعاملة بتلك الجهالة ، والاجماع إنّما هو على اعتبار العلم في مقام البيع دون الامضاء ، وقد عرفت أنّ المشهور بل الاجماع على صحّة البيع في المقام فلا تغفل ، وكيف كان فلا ينبغي الإشكال في صحة البيع بالاضافة إلى ما يُملك بوجه .
نعم ، بقي في المقام شيء : وهو أنّا إذا بنينا على أنّ الشرط الفاسد مفسد للمشروط أيضاً من أجل أنّ الواقع من المعاملة إنّما هو الالتزام المقيّد بالشرط
1) المجموع 9 : 381 ، العزيز شرح الوجيز 4 : 140 .
الفاسد الذي ألغاه الشارع وحكم بفساده ، وهذا المقيّد لم يرض ب-ه الش--ارع ولم تشمله العمومات ، وأمّا المعاملة المجرّدة عن ذلك الشرط فهي لم تقع في الخارج حتّى تشملها العمومات ، فلا محالة تكون المعاملة المشروطة بالشرط الفاسد فاسدة نتعدّى من ذلك إلى فساد الجزء أيضاً ونقول إنّ الجزء الفاسد أيضاً يفسد المعاملة لأنّ مرجع فساد الجزء في المقام إلى فساد الشرط حيث إنه اشترط الانضمام بالجزء الفاسد فيكون موجباً لفساد البيع لا محالة ، نعم لو كان هناك دليل على أنّ الشرط الفاسد مفسد غير ما أشرنا إليه فلا محالة نقتصر على فساد الشرط دون الجزء ، إلّا أنّ البرهان المتقدّم آتٍ في الجزء أيضاً.
والذي يسهّل الخطب أنّا لا نقول بافساد الشرط الفاسد لما سيجيء في محلّه إن شاء الله تعالى ، وعلى ما ذكرناه لا يبقى لما أفاده شيخنا الأُستاذ (قدّس سرّه) (1)من الفرق بين فساد الجزء وفساد الشرط في المقام وجه .
وأمّا كيفية تقسيط الثمن فهي كما تقدّمت الاشارة إليه أن يقوّم كل واحد من المالين بلحاظ الانضمام إلى الآخر ثمّ يجمع بين القيمتين ويؤخذ من الثمن بنسبة قيمة كل واحد من المالين بلحاظ الانضمام إلى قيمة المجموع وهي مجموع القيمتين ، هذا كلّه فيما إذا كان كل واحد ممّا يُملك وما لا يُملك ممّا له مالية عند العرف لا محالة كما في الشاة والخنزير والخلّ والخمر .
وأمّا إذا كان عدم قابلية أحدهما للملكية مستنداً إلى عدم ماليته كما إذا باع الشاة والخنفساء التي لا مالية لها عرفاً ، فالظاهر أنّ المعاملة في مثل ذلك باطلة لأجل الجهل بمقدار ثمن الشاة حين المعاملة ، وذلك لأنه لا مالية عرفية للخنفساء حتّى يقال إنّ الخنفساء تقوّم في حالة الانضمام للشاة ويؤخذ بنسبتها إلى مجموع
1) منية الطالب 2 : 219 .
القيمتين عند التقسيط ، إذ المفروض أنه لا مالية للخنفساء عرفاً ، والقيمة الشخصية التي لاحظها المشتري حين المعاملة لا تصحّح المعاملة ، لأنّ المدار إنّما هو على ملاحظة قيمة كل من الجزأين عرفاً والأخذ بنسبتها إلى مجموع القيمتين ، ولا اعتبار بالقيمة الشخصية وبما اشترى به المشتري ، وهذا بخلاف بيع الشاة والخنزير حيث إنّ للخنزير مالية عند العرف فتلاحظ قيمتها حال الانضمام ويؤخذ من الثمن بنسبة قيمته إلى مجموع القيمتين ، هذا كلّه فيما إذا اشترى المشتري وباع البائع كل واحد من الشاة والخنزير بما أنه شاة وخنزير.
وأمّا إذا باعهما أو اشتراهما بما هما شاتان ثمّ ظهر أحدهما شاة والآخر خنزيراً فقد ذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1)أنّ الخنزير يقوّم بما أنه شاة لا بما أنه خنزير فيقال بأنّ الشاة بمقدار الخنزير وبلونه وسمنه تسوى كذا مقداراً حين الانضمام إلى الشاة الأُولى ويؤخذ من الثمن بتلك النسبة .
وأورد عليه شيخنا الأُستاذ (قدّس سرّه )(2)بأنّ البيع إنّما وقع على الأمر الواقعي وعلى العين الخارجية وهي الخنزير ولم يقع على الشاة ، إذ المفروض أنّ الموجود هو الخنزير فلابدّ من تقويم الخنزير بما هو خنزير لا بما هو شاة .
ولا يخفى أنّ البيع لو كان واقعاً عليه لكان لما أفاده وجه ، ولكن المفروض أنّا ندّعي عدم وقوع البيع عليه لفساده فلم يقع البيع على الموجود الخارجي حتّى يقال إنّه خنزير لا أنه شاة ، وإنّما الغرض تعيين قيمة الشاة التي وقع عليها البيع واقعاً وعليه فلا وجه لتقويم الخنزير بما أنه خنزير لأنه لم يشتر الخنزير حسب الفرض وإنّما اشترى الشاة . وبالجملة أنّ ما أفاده شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) ه-و
الصحيح .
فالمتحصّل : أنّ البيع بالاضافة إلى ما يُملك صحيح ويتقسّط الثمن بينهما كما عرفت .
وأمّا ما عن الشهيدين(1)والعلّامة (قدّس سرّه)(2)من أنّ الثمن بأجمعه يقع في مقابل ما يُملك ولا يتقسّط بينهما في صورة علم المشتري بالمال فلم نعرف له وجهاً لأنّه اشتراهما معاً وإنّما بذل الثمن في مقابلها لا في مقابل أحدهما .
قد ذكرنا في شرائط المتعاقدين أنّهما لابدّ من أن يكونا مالكين أو مأذونين من قبل المالك أو وليّين عليه وقد تقدّم الكلام في الأوّلين ، وبقي الكلام في الثالث ونقول : المتصرّف في مال الغير تارةً يستند إلى إذن ذلك الغير أو إجازته فيعبّر عنه بالوكيل والمأذون ، وتصرّفهما في ماله لابدّ وأن يكون عن رضاه وطيب نفسه .
وأُخرى يتصرّف في مال الغير من دون حاجة إلى إذن الغير وإجازته ولارضاه وطيب نفسه ومع ذلك تكون تصرفاته نافذة فى حقّ ذلك الغير ويعبّر عنه بالولي، ولهذه الولاية موارد .
منها : ولاية الأب والجدّ على الطفل ، وثبوتها كاد أن يكون من ضروريات الفقه إذ لم يختلف فيها اثنان ، هذا .
مضافاً إلى الأخبار والروايات المستفيضة الواردة في الأبواب المختلفة المصرّحة بولاية الأب والجدّ على الطفل :
منها : ما ورد(1)في النكاح من أنّهما وليّان على تزويج البنت والاب-ن . ومنها : ما ورد(2)في المضاربة ودلّ على جواز تصرفهما في مال الطفل باعطائه للغير من باب المضاربة . ومنها : ما ورد(3)في الحجر من أنّ الصغير لا يتمكّن من التصرف في ماله وإنّما يتصرف فيه الأب والجدّ، وغير ذلك ممّا ورد في أبواب الفقه.
والظاهر أنّ الأولوية التى ادّعاها شيخنا الأنصاري(قدّس سرّه)في المقام وذكر أنّ الأب والجدّ وليّان على التصرف في مال الطفل بفحوى ما ورد من سلطنتهما وولايتهما على تزويج البنت صحيحة وهي كما أفاده (قدّس سرّه) وإن منعنا الأولوية في باب الفضولي وذكرنا أنّ ما ورد في النكاح لا يستفاد منه جواز الفضولي في المعاملات ، والوجه في صحّة الأولوية في المقام هو أنّ الشارع إذا سبّب وجعل الولاية للأب والجدّ في تزويج البنت والابن الذي هو تسليط على شؤون البنت وتصرّف له أمد طويل وهو حلّيتها لزوجها إلى آخر الحياة ، فلا محالة يسبّب ويجعل الولاية لهما في التصرف في مال الصغير الذي هو تمليك للمال بطريق أولى ، إذ لا أهمية له ولا أمد طويل فيه ، وهذه الأولوية ملحوظة في مقام الجعل والتسبيب لا في مقام العمل بعد وقوعه كما في الأولوية في باب الفضولي فإنّها هي التي منعناها هناك وقلنا إنّ الحكم بصحة نكاح الفضولي لا يستلزم الحكم بصحّة البيع الفضولي بطريق الأولوية ، لأنّ الحكم بالصحة في النكاح إنّما هو لأجل الاحتياط وتقديم احتمال الزنا المجرّد على احتمال الزنا بذات البعل وهو غير موجود في المعاملات ، لأنّ غاية ما هناك أن يكون البيع فاسداً وغير موجب لانتقال المال إلى المشتري وهو
ليس بمحذور أهم ، وتوضيح ذلك : أنّ الحكم بالصحة في النكاح لأجل الاحتياط هو أنه إذا زوّجها الفضولي من أحد فإنّ الحكم بالصحة فيه أولى من الحكم بالفساد للاحتياط ، وذلك لأنّها إن كانت زوجته واقعاً وحكمنا بفساد النكاح فيلزم منه الزنا بذات البعل عند تزويجها من غيره ، وهذا بخلاف ما إذا حكمنا بالصحة فإنّها على تقدير عدم كونها زوجة له واقعاً لا يلزم منه إلّا مجرد الزنا ، ومن المعلوم أنّ الزنا بذات البعل لا يقاس بالزنا المجرد والثاني أهون منه بمراتب ، وإن كان كلاهما على خلاف الاحتياط، إلّا أنّ أولى الاحتياطين هو الحكم بالصحة . وكيف ك--ان فالأولوية المدّعاة إنّما هى الأولوية في مقام الجعل والتسبيب وقد عرفت الأولوية فلا نعيد ، وكيف كان فأصل ولاية الأب والجد ممّا لا يقبل الانكار .
فهل الولاية ثابتة في حقّهما على الاطلاق أو أنّها مقيّدة بالعدالة ف-ي-هم-ا ف-لا ولاية للأب والجدّ فيما إذا كانا فاسقين ؟
ذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1)أنّ الولاية ثابتة لهما مطلقاً كما ه-و المشهور ، واستدلّ على عدم اشتراط العدالة بالأصل والاطلاقات ، والمراد بالأصل في المقام ليس هو البراءة قطعاً ، إذ لا كلام لنا في ثبوت تكليف حتّى ننفيه بالبراءة وإنّما الكلام في اشتراط العدالة وعدمه، فالمورد خارج من موارد جريان البراءة فيتعيّن أن يراد بالأصل الاستصحاب .
فحينئذ إن أراد بالاستصحاب استصحاب عدم اشتراط ولايتهما بالعدالة في الشريعة المقدّسة بمفاد ليس الناقصة ، فيتوجّه عليه أنّ الولاية متى ثبتت لهما في الشريعة من دون اشتراط العدالة فيها لنستصحبه ونقول إنّها كما كانت ولم يشترط العدالة فيها فعلاً .
1) المكاسب 3 : 535 - 536 .
وإن أراد نفيه بمفاد ليس التامّة وإجراء الاستصحاب في العدم الأزلي ، فهو وإن كان متيناً في حدّ نفسه لما ذكرنا في محلّه من أنّ الاستصحاب يجري في الأعدام الأزلية فيقال في المقام إنّ كلاً من الولاية واشتراط العدالة كان غير موجود في الشريعة المقدّسة ثمّ علمنا بوجود الولاية وثبوتها وشككنا في تحقّق اشتراط العدالة معها فالأصل عدم تحقّق الاشتراط معها ، إلّا أنّ ذلك منافٍ لمسلكه (قدّس سرّه) من عدم جريان الاستصحاب في الأعدام الأزلية أوّلاً.
وثانياً : أنّ استصحاب عدم الاشتراط ولو باجراء الأصل في الأعدام الأزلية لا يثبت الاطلاق وأنّ الولاية لهما ثابتة على نحو الاطلاق إلّا بنحو الأصل المثبت الذي لا نقول به .
وثالثاً : أنّ هذا الاستصحاب مبتلى بالمعارض لما ذكرناه غير مرّة من أنّ الاطلاق والتقييد أمران متضادّان فاستصحاب عدم الاشتراط معارض باستصحاب عدم لحاظ الاطلاق في مقام الجعل والتشريع ، فإنّ كل واحد منهما يحتاج إلى لحاظ الحاكم لا محالة وأصالة عدم أحدهما معارض بأصالة عدم الآخر فيتعارضان ، وكيف كان فلا أصل لهذا الأصل .
وأمّا الاطلاقات فهي كما أفاده (قدّس سرّه) مطلقة وتدلّ على عدم اعتبار العدالة في الأب والجدّ ، بل لم يخالف في ذلك من الأصحاب إلّا ما حك-ي ع-ن الوسيلة(1)والايضاح(2)فإنّهما اعتبرا العدالة في ولايتهما واستدلّا على اشتراط العدالة بأنّها ولاية على من لا يدفع عن نفسه ولا يصرف عن ماله ، ويستحيل من حكمة الصانع أن يجعل الفاسق أميناً يقبل إقراراته وإخباراته عن غيره م-ع ن-صّ
القرآن على خلافه ، انتهى .
وقد استظهر شيخنا الأنصاري من جامع المقاصد(1)أنّهم أرادوا بنصّ القرآن قوله تعالى وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ (2)إِلَّا أَنّها لا دلالة فيها على اشتراط العدالة بوجه ، إذ المراد عدم الركون إلى الظالم فيما يرجع إلى أُمور الدين والآخرة دون غيره ، مثلاً إذا أخبر الظالم عن حرمة شيء أو نبوّة أحد فلا يمكن الركون إلى قوله لاستلزامه النار في الآخرة لعدم مطابقة قوله الواقع ، وأم-ّ-ا توكيل الظالم في بيع ماله أو أمر آخر فهو ليس ركوناً إليه على نحو يوجب مسّ النار كما في الآية المباركة ، وتوكيل الظالم ليس من المحرّمات الشرعية قطعاً ، مضافاً إلى أنّ جعله وليّاً ليس ركوناً إلى الظالم بعد ما صار أميناً بالولاية .
ويحتمل أن يراد بنصّ القرآن قوله تعالىإِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ(3)بملاحظة ذيل عبارة الايضاح المتقدّمة(4)حيث قال : ويقبل إقراراته وإخباراته ، إلّا أنّها أيضاً لا دلالة فيها على اشتراط العدالة في الولي من أجل أنّها إنّما تدلّ على عدم قبول إخبار الفاسق عن الغير فيما يترتّب عليه الآثار بلحاظ قوله تعالى فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَوأمّا إذا أخبر عن شؤون نفسه من دون أن يترتّب عليه أثر على الغير كما إذا قال : إنّ ثوبي ملك فلان أو نجس أفلا يجوز قبوله بدعوى أنه فاسق ، فإنه لابدّ من قبوله بما أنه ذو اليد لا بما أنه فاسق ، وفي المقام أيضاً نقبل إخبارات الأب الفاسق
بما أنه ولي لا بما أنه فاسق . وبعبارة اُخرى : الآية المباركة بقرينة ذيلها إنّما تدلّ على عدم اعتبار خبر الفاسق بصفة أنه فاسق لا على نحو الاطلاق كعنوان أنه مالك أو ذو يد أو ولي ، فكما نقبل إقرار الفاسق بما أنه مالك للمال فكذا نقبل إخباره عن أموال الطفل بما أنه وليّه بعد ثبوت ولايته ، فالاستدلال بهذه الآية ممّا لا مورد له .
وأمّا استحالة جعل الفاسق أميناً من حكمة الصانع كما اُفيد فيدفعه : أن-ه لا مانع من ذلك فيما إذا رأى الحكيم في ولاية الأب مصلحة ولأجلها جعل له الولاية والسلطنة ، وهذه المصلحة هي رأفة الأب على ولده وإن كان في أعلى مراتب الفسق ، إذ سائر الناس ليسوا بأرأف به من أبيه وجدّه ولو كانوا في أعلى مراتب العدالة ، وهذه الرأفة هي التي توجب حفظ مال الصبي .
وبالجملة : أنّ المصلحة النوعية وهي الشفقة على الولد بمقتضى الطبيعة البشرية توجب جعل الولاية لهما ، وعلى تقدير كونهما متلفين لأموال الولد فللحاكم عزلهما كما هو واضح .
فالمتحصّل : أنّ العدالة غير معتبرة في ولاية الأب والجدّ .
فيقع الكلام بعد ذلك في أنّ تصرف الأب والج-دّ ه-ل يشترط في صحته ونفوذه أن يكون على وفق مصلحة الولد أو يكفي في صحّته عدم المفسدة أو أنه لا يعتبر في صحّته شيء من المصلحة وعدم المفسدة ؟
قد حكي الأول عن الشيخ الطوسي(1)وذهب شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(2)إلى الثاني وحكى الثالث عن بعضهم . وربما يفصّل بين الأب والج-دّ باشتراط المصلحة في الجد والاكتفاء بعدم المفسدة في الأب .
وقد استدلّ لعدم اشتراط المصلحة وعدم المفسدة باطلاق ما ورد(1)من أنّ الولد وماله لأبيه ، أو « أنت ومالك لأبيك » أو غير ذلك ممّا ورد في المقام ، ومن الظاهر أنّ تصرّفات الإنسان في مال نفسه لا تشترط بالمصلحة أو عدم المفسدة بل هي صحيحة ونافذة مطلقاً ، هذا .
ولا يخفى أنّ هذه الأخبار بأجمعها أجنبية عن الولاية ولا دلالة لها على اشتراطها أو عدم اشتراطها بشيء وتوضيح ذلك : أنّ المراد من قوله (عليه السلام) «أنت ومالك لأبيك » ليس هو الملك قطعاً ، إذ لا معنى لأن يكون الولد ملكاً لوالده ، وإلّا فيصير كالعبد ولا يتملّك شيئاً ، نعم لو لم تشتمل الرواية على لفظة أنت لكان احتمال الملك ممكناً إلّا أنّك عرفت أنّ الرواية مشتملة على لفظة أنت ، ومعه لا يبقى مجال لهذا الاحتمال ، هذا .
مضافاً إلى أنّ ذلك ينا في ما ورد من أنّ الولي أعني الأب والجد يجوز أن يقترض من مال الولد(2)أو أنه يقوّم جارية الابن على نفسه(3)إذ لو كان الولد وماله ملكاً لهما فلا يحتاج إلى الاقتراض بل هو ماله ، كما لا يكون حينئذ معنى لتقويم الجارية ولعلّه ظاهر فاحتمال إرادة الملك مقطوع الفساد .
كما أنّ المراد منها ليس هو الولاية بمعنى أنت ومالك تحت تصرّف أبيك وذلك لأنّ بعضها ورد في الكبير كالرواية(4)المتضمّنة لشكاية الولد إلى النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) من أبيه وما ورد في تزويج الجد للبنت معلّلاً بأنّ البنت وأباها للجد
ومن المعلوم أنّ الكبير لا معنى للولاية عليه ، فهذا الاحتمال أيضاً مندفع .
وأمّا احتمال إرادة الملك تنزيلاً بمعنى أنّ الولد وماله وإن لم يكونا مملوكين للأب حقيقة إلّا أنّهما في حكم الملك بالنسبة إليه ، فهو أيضاً مندفع بأنّ ذلك ينافي الاقتراض من مال الولد وتقويم جاريته على نفسه لأنّ الإنسان لا يقترض من مال نفسه ولا يقوّم ماله على نفسه .
وأمّا احتمال إرادة الانتفاع بمال الولد ونفسه بمعنى أنّ الوالد يجوز له الانتفاع من الولد وماله ، فهو وإن كان صحيحاً في حدّ نفسه إلّا أنّه لا دلالة فيه على الولاية لأنّ جواز الانتفاع أمر غير الولاية على الولد كما هو ظاهر.
فتحصّل : أنّ هذه الأخبار لا دلالة فيها على الولاية ولا على تقييدها واشتراطها بشيء .
والتحقيق في معنى الحديث أن يقال : إنه ناظر إلى أمر أخلاقي ناشئ من الأمر التكويني ، وذلك الأمر التكويني هو أنّ الله تعالى قد وهب الولد لوالده ك-ا ه-و مقتضى قوله تعالىيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ(1)فهو موهوب وهدية من الله لوالده كما ورد في عدّة روايات(2)سئل فيها عن وجه حلّية م--ال الولد لوالده دون العكس فأجابه (عليه السلام) بأنّ الولد موهوب إلهي للأب ومقتضى الهدية في مقابل المشاق التي احتملها الأب وتوسّل إلى الله تعالى في طلب الولد أن لا يمنعه الولد عن التصرف فيه وفي ماله ، فلا ربط لتلك الروايات بالولاية كما لا يخفى .
واستدلّ أيضاً على عدم اعتبار شيء من الأمرين في ولايتهما باطلاق ما دلّ
على ولاية الأب والجدّ على تزويج البنت وتقديم تزويج الجد على تزويج الأب فيما إذا زوّجا البنت من شخصين في زمان واحد معلّلاً بأنّ الأب وماله للجدّ ، فولاية الجدّ أقوى من ولاية الأب في النكاح ، لكن الإنصاف أنه لا إطلاق لهذه الروايات بل هي منصرفة إلى جعل السلطنة للولي في التصرّفات التي لا تكون مضرّة بالمولى عليه .
وكيف كان ، فلم يثبت عدم اشتراط الولاية والتصرّف بالمصلحة في مثل البيع والاجارة وغيرهما من المعاملات ، فإذا قلنا باشتراطه فيها بالمصلحة لقلنا باشتراطه بها في النكاح بطريق أولى لأنه أهم ، كما أنّ نفوذ تزويجهما إذا لم يثبت اشتراطه بالمصلحة في النكاح لقلنا بعدم اشتراطه بها في المعاملات بطريق الأولوية .
فالمتحصّل : أنّ هذه الأخبار لا يستفاد منها عدم اشتراط التصرّف بالمصلحة وعدم المفسدة . مضافاً إلى أنّها على تقدير إطلاقها ودلالتها على عدم الاشتراط نقيّدها بصحيحة أبي حمزة الثمالي(1)الدالّة على تقييد التصرف في مال الابن بصورة الحاجة مذيّلة بقوله تعالى واللهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَاد(2)فإنّ معناه أنّ الله يبغض الفساد لا أنه يكرهه ، إذ لا معنى لكراهة الفساد ، فتكون هذه الصحيحة دليلاً على حرمة التصرف من دون مصلحة أو مع وجود المفسدة فيكون موجباً لتقييد هذه الأخبار المتقدّمة على تقدير إطلاقها ودلالتها على عدم الاشتراط . هذا كلّه في التصرّفات الراجعة إلى غير الولي في مال الولد .
وأّما في التصرفات الراجعة إلى نفسه في مال الولد فلا ينبغي الإشكال في عدم اشتراطها بالمصلحة بل مجرد عدم وجود المفسدة فيها كافٍ في صحّتها كما إذا
احتاج إلى تبديل فلوسه بدراهم الولد أو إلى جاريته وهكذا ، فإنّ عدم المفسدة في مثل تلك التصرفات كافٍ في صحّتها ولعلّه ظاهر .
ملخص ما ذكرناه : أنه استدلّ على عدم اشتراط الولاية بشيء من المصلحة وعدم المفسدة بالأخبار المتقدّمة الواردة في أنّ الولد وماله لأبيه ، إلّا أنّك عرفت أنّها غير واردة في الولاية بوجه ، ولا دلالة لها على الملكية الحقيقية ولا التنزيلية ولا غيرها ، وإنّما وردت لأجل أمر آخر لا ربط له بالولاية . نعم الأخبار الواردة في النكاح الدالّة على أنّ الجد والأب يزوّجان الابن والبنت وعلى تقدير المزاحمة يقدّم الجدّ على الأب قد يدعى أنّها مطلقة وغير مقيّدة بوجود المصلحة أو بعدم المفسدة ويمكن أن يستدلّ بها على عدم اشتراط الولاية بشيء ، وعليه فنفي الاشتراط في غير النكاح بطريق الأولوية ، إلّا أنّ صحيحة أبي حمزة الثمالي المتقدّمة(1)تدلّ على تقييد الولاية بعدم المفسدة وتوجب تقييد تلك المطلقات كما مرّ ، فإذا ثبت الاشتراط في غير النكاح فنثبته في النكاح بطريق أولى ، هذا .
وربما يقال كما عن بعض مشايخنا المحقّقين(2)إنّ الأخبار الواردة في النكاح أيضاً مقيّدة بعدم المفسدة ولا إطلاق فيها بوجه ، وذلك لما ورد في بعضها من أنّ الجدّ يقدّم على الأب عند المزاحمة إلّا إذا كان مضارّاً وفي مقام الاضرار ، وهي توجب تقييد غيرها من الأخبار بعدم المفسدة لا محالة ، هذا .
ولا يخفى أنه لا دلالة في هذه الرواية على الاشتراط بالمصلحة أو عدم المفسدة ، وذلك لأنّها إنّما دلّت على اشتراط أولوية الجد من الأب بصورة عدم الاضرار ، لا أنّها ذلّت على تقييد أصل ولاية الجد بعدم كونه مضاراً ، وأولوية الجد
من الأب في مقام المزاحمة أمر وولايته أمر آخر ولا ينبغي خلط أحدهما بالآخر ولعلّه ظاهر .
ثمّ إنّهم استدلّوا على اشتراط المصلحة في الولاية بوجوه :
الأول : أنّ نفس جعل الولاية في حقّ الصغير والمجنون وغيرهما يقتضي اشتراطها بالمصلحة ، لأنّ معناه أن يباشر الولي اُمور المولّى عليه لأجل أن يعود نفعها إلى ذلك المولّى عليه بأن يبيع داره لأجل مصلحته ويشتري له شيئاً لدف--ع مفسدته ، لا أن تجعل الولاية للتصرف في مال المولى عليه بلا مصلحة وصرفه فيما لا ينبغي له ، وكيف كان فالحكمة في جعل الولاية هي مصلحة الطفل والمولّى عليه وإلّا فيكون أصل تشريعها لغواً ، فمقتضى نفس جعل الولاية أن يراعى مصلحة المولّى عليه ، ولعلّ ذلك ظاهر .
والجواب عن ذلك : أن جعل الولي لشخص وإن كان مقتضياً لمراعاة مصالح المولّى عليه لا محالة ( وإلّا فلم يكن يحتاج إلى جعل الولي بل يخلّي الطفل بحاله وإن تصرف في ماله بما يضرّه لأنه وجعل الولاية على نحو الاطلاق على حدّ سواء في عدم عود المنافع إليه )إلّا أنّ ذلك كلّه فيما إذا لوحظ المولّى عليه في مقام جعل الولاية ، وكان جعلها بالاضافة إلى مصالحه فقط ، وأمّا إذا كان جعلها بملاحظة كل واحد من الطرفين ولأجل احترام الولي ، لأنّ المولّى عليه موهوب له كما ورد في الأخبار(1)من أنّ الولد هبة لأبيه ، فإنّما جعل الولاية له حفظاً لاحترامه ومصالحه ولأجل التصرّف في مال المولّى عليه وحفظه ، فلا يقتضي جعل الولاية للأب مثلاً رعاية مصالح المولّى عليه في جميع التصرّفات ، ولا وجه لتقييد أدلّتها مع أنّها مطلقة في مقام الاثبات ، بل ثبت أنّ الولي له أن يأكل من مال الطفل عند الحاجة إليه وإن
1) الوسائل 17 : 266 / أبواب ما يكتسب به ب78 ح 9 .
كان ذلك على خلاف مصلحة الصغير ، وذلك لأنّ نفقة الوالدين على الولد عند الاعسار كما أنّ نفقة الولد على الأبوين .
الوجه الثاني : الاجماع على اشتراط الولاية بالمصلحة في التصرف .
ويدفعه : أنّ المحصّل منه غير حاصل والمنقول منه ليس بحجّة . مضافاً إلى أنّ تحقّق الاجماع في حدّ نفسه غير خال عن التعسّف لكثرة المخالف في المسألة ، وقد ذهب بعضهم إلى عدم اعتبار شيء من المصلحة وعدم المفسدة . مع أنّ من المحتمل لو لم يكن هو المطمأن به أنّ القائلين بالاشتراط إنّما اعتمدوا في ذلك على الوجه السابق أو الوجه الآتي ، ومع هذا الاحتمال كيف يكون الاجماع على تقدير تحقّقه تعبّدياً كاشفاً عن رأي المعصوم (عليه السلام) .
الوجه الثالث : قوله تعالى وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ(1)والأحسن إنّما يتحقّق بالمصلحة ، فإن قلنا إنّ اليتيم عبارة عن خصوص من مات أبوه فلا تشمل الآية الأب كما هو ظاهر وتشمل الجدّ فقط عند فقدان الأب ، وإن عمّمناه لمن ماتت أمّه فتشمل الأب أيضاً ، فإذا ثبت اشتراط الولاية في الجد بالمصلحة فنثبته في ولاية الأب بطريق أولى ، لما مرّ وعرفت من أنّ ولاية الجد أقوى من ولاية الأب عند المزاحمة ، فإذا ثبت أمر في القوي فيثبت في الضعيف بالأولوية .
وبهذا يندفع ما ذكره شيخنا الأنصاري(2)في المقام من أنّ عدم القول بالفصل ممنوع ، وذلك لأنّك عرفت أنّ الوجه في عدم الانفصال هو الأولوية وهي ليست ممنوعة ، هذا .
إلّا أنّ الآية خطاب لعموم الناس ولا مانع من تخصيصها وتقييدها بما ورد في
ولاية الجدّ والأب من الأخبار المطلقة الدالّة على أنّ ولايتهما مشروطة بعدم الفساد لا بوجود المصلحة ، وبذلك تخرج ولاية الأب والجدّ عن الاشتراط بالمصلحة بخلاف ولاية غيرهما من الأولياء كالوصي الأولياء كالوصي والقيّم والح-اك-م وعدول المؤمنين وفسّاقهم عند عدم العدول .
فالمتحصّل أنّ اللازم في ولاية الأب والجدّ هو عدم المفسدة لقوله (عليه السلام) في صحيحة أبي حمزة الثمالي(1)« إنّ الله لا يحبّ الفساد » وأمّا المصلحة فلا .
بقى الكلام في أنّ المصلحة أو عدم المفسدة المعتبرة في ولاية الأب والجدّ هل الاعتبار بوجودهما الواقعي أو المعتبر فيها هو المصلحة أو عدم المفسدة بوجودهما الأحرازي ، وتظهر الثمرة فيما إذا تصرّف في مال الصغير بقصد المصلحة وعدم المفسدة فظهر أنه كان فاسداً في الواقع ، أو أنّه تصرّف فيه بقصد الافساد ثمّ ظهر أنه على وفق مصلحة الطفل فهل يحكم بالصحّة أو بالفساد ؟
وهذه المسألة لم تنقّح في كلماتهم بوجه إلّا بالاشارة في بعضها ونقول في تحقيق ذلك : أنّ المعتبر في ولاية الأب والجدّ عدم الافساد كما في صحيحة أبي حمزة الثمالي والمفسدة كعنوان المعصية متقوّمة بأمرين على ما ذكرناه في سفر المعصية من بحث الصلاة(2): أحدهما الفساد الواقعي . وثانيهما : قصده ، كما أنّ المعصية متقوّمة بالعصيان واقعاً وبالقصد إليه ، فإذا تصرّف في أموال الصغير بقصد الإفساد وكان ذلك فاسداً في الواقع أيضاً يحكم بعدم الصحّة والنفوذ لاشتراط الولاية بعدم المفسدة ، وأمّا إذا تصرّف فيه بقصد الافساد ولم يكن فاسداً في الواقع بل كان على مصلحة المولّى عليه أو تصرّف فيه من دون قصد الافساد وكان في الواقع فاسداً فلا
يحكم بالفساد بوجه ، لأنه كما عرفت متقوّم بوجود المفسدة الواقعية وبقصد ذلك الفساد وإذا انتفى أحدهما ينتفي الافساد كما في المعصية فلا تغفل(1).
استدراك وعدول
قد ذكرنا أنّ النسبة بين الروايات الواردة في ولاية الأب والجدّ والآية المباركة أي قوله تعالى : وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ(2)الخ عموم وخصوص ، وأنّ الروايات تتقدّم على الآية وتخصّصها ، إلّا أنّ الظاهر أنّ النسبة بينهما عموم من وجه وأنّ الآية في مقام بيان سعة ولاية الأب والجدّ وضيقها وإنّما دلّت على أنّ التصرف في مال اليتيم لابدّ وأن يكون عن مصلحة تعود إليه سواء كان الولي هو الأب أو الجدّ أو غيرهما ، والروايات دلّت على أنّ تصرّف الأب والجدّ لابدّ وأن لا يكون مع المفسدة سواء كان مع المصلحة أيضاً أو بدونها ، فتكون صورة عدم المصلحة وعدم المفسدة مورداً لاجتماعهما وتعارضهما ، ولا وجه لتقدّم الروايات على الآية أبداً هذا كلّه فيما إذا كانت دلالة الآية على اشتراط الولاية بالمصلحة تامّة.
إلّا أنّ للمناقشة في دلالتها على ذلك مجالاً واسعاً ، وذلك لأنّا تتبّعنا ولم نجد رواية من المعصومين (عليهم السلام في تفسير الآية المباركة بذلك ، وظاهرها أنّها
1) ولا يخفى أنه بناء على اعتبار المصلحة في الولاية يأتي فيها ما أفاده سيّدنا الأستاذ دام علاه لأنّ المصلحة كالمفسدة لابدّ من أن يتقوّم بأمرين أحدهما المصلحة الواقعية وثانيهما قصدها ، وعليه فإذا تصرف فيه بقصد المصلحة وكان في الواقع على خلافها أو تصرف فيه بقصد المفسدة وكان في الواقع على وفق المصلحة فهل يمكن الحكم بفساد ذلك التصرف وعلى ما أفاده السيد دام ظلّه لابدّ من الحكم بالفساد في الصورتين وهو مشكل.
2) الأنعام 6 : 152
نظير قوله تعالى لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ(1)وليس مفادها غير مفاد هذه الآية المباركة ، ومعنى القرب على ما بيّناه في محلّه يختلف باختلاف الموارد ففيما إذا أُضيف إلى فعل من الأفعال كما إذا قيل : لا تقربوا من شرب الخمر أو لا تقرب الزنا إنه كان فاحشة ونحو ذلك فمعناه لا تفعله ولا تأت به كما هو المصطلح بالفارسية أيضاً وإذا أُضيف إلى جنس من الأجناس كما في قوله تعالىوَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ (2)أو لا تقرب المزمار وآلات الغناء فمعناه أن لا تجعله تحت يدك ولا تملكه بالأكل والتصرف فيه ، والظاهر أنّ اليتيم في الآية إنّما ذكر من أجل أنّ الغالب أنّهم يتقرّبون من أموال اليتامى ويأخذونها لعدم تمكّن اليتيم من الدفع عن نفسه وإلّا ف-لا خصوصية لليتيم أبداً .
ثمّ إنّ الباء في قوله تعالىإلَّا بِالَّتِي سببية كما في قوله تعالىلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وقد حذف متعلّقها وهو الطريقة الوسطى كما يشهد له تأنيث الموصول ، ولا يراد به التقرّب الأحسن ، فمعنى الآية لا تأكلوا ولا تقربوا أموال اليتامى إلّا بالطريقة الوسطى وهي طريقة الإسلام ، بمعنى أنه لا تأكلوها إلّا بمجوّز شرعي الذي هو الطريقة الإسلامية ، فمساق الآية مساق قوله تعالى لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وعليه فالآية أجنبية عن الولاية بالكلّية، وذلك لأنّ التصرّف في مال اليتيم بالبيع ونحوه ليس تقرّباً للمال ، لما عرفت من أنّ معنى التقرّب هو الأكل والتملّك لا البيع والشراء وأمثالهما ، والنهي في المقام تكليفي قد تعلّق بالتقرّب بالمعنى المذكور ولا ربط له بالحكم الوضعي من الصحّة والفساد أبداً ، وعلى تقدير أنّ النهي أعمّ من التكليفي والوضعي أيضاً قد عرفت أنّ التقرّب لا يشمل
أمثال التصرّف بالبيع ونحوه ولعلّه ظاهر ، وعليه فالأخبار الواردة في ولاية الأب والجد الدالّة على اعتبار عدم المفسدة فقط تبقى بلا معارض .
بقي الكلام في اُمور : الأول : أنّ هذا الحكم هل يختص بالأب والجد الأدنى وهو أب الأب فقط ، أو أنه يعمّ جدّ الأب أيضاً وهكذا ؟ الظاهر أنّ الحكم عام ولا يختصّ بالجد الأدنى بل يعمّه وغيره من الأجداد أيضاً ، لاطلاق الأخبار(1)الواردة في النكاح ، مضافاً إلى ما ورد في تعليل ولاية الجدّ من « أنت ومالك لأبيك » فإنه موجود بالاضافة إلى الأجداد العالية أيضاً.
الثاني : أنه إذا فُقد الأب ومات فهل تختصّ الولاية بالجدّ الأدنى أو يشترك هو وأبوه في الولاية ؟ ربما يقال إنّ الولاية تختص بالأدنى لقوله تعالى وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ(2)الخ . وفيه : أنّ الآية ليست إلّا في مقام أولوية بعضهم على بعض آخر في الارث لا في غيره وإلّا فالولد أقرب بالاضافة إلى الأب مع أنّ الولاية ثبتت لكليهما وللأب أن يتصرّف في مال الصغير مع وجود ولده فالظاهر أنّ كلاً من الأجداد يمكنهم التصرف في أموال المولّى عليه لعموم قوله « أنت ومالك لأبيك » .
وبالجملة : أنّ المقتضي لولاية الأجداد موجود وهو الاطلاقات الواردة في باب النكاح من دون تقييدها بشيء والمانع مفقود ، وأمّا ما تخيّل مانعاً في المقام وهي الآية الشريفة فقد عرفت أنّها راجعة إلى الارث ولا تصلح للمانعية . وبعبارة أُخرى أنّ أصل ولاية الأجداد إن ثبت بالاطلاق ونحوه فلا وجه لرفع ال-ي--د ع-ن-ه وإن قلنا إنّ الأدلّة المثبتة للولاية منصرفة إلى غير الأجداد المتعالية فالمقتضي من
الابتداء قاصر .
الثالث : هل ولاية الجدّ تختصّ بحال حياة الأب أو أنّها عامّة والجدّ ولي على نحو الاطلاق سواء كان الأب حيّاً أو ميتاً ؟ ولا يخفى بُعد اختصاص الولاية في الجدّ بحال حياة الأب ، لأنّ ولايته أقوى من ولاية الأب فكيف تختصّ بحال حياة الأب هذا ولكن مورد بعض الأخبار الواردة في النكاح هو إثبات الولاية للجدّ مع وجود الأب ، إلّا أنّ الأخبار الأُخرى الواردة في إثبات الولاية للجدّ مطلقة ولا تقييد فيها بخصوص حياة الأب ، ولا مقيّد لاطلاقها إلّا ما رواه شيخنا المحقّق في حاشيته(1)عن فضل بن عبدالملك عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : « إنّ الجدّ إذا زوّج ابنة ابنه وكان أبوها حيّاً وكان الجدّ مرضياً جاز »(2)فإنّها قيّدت الولاية بحال حياة الأب .
ولكنّا حينما تفحّصنا عن الرواية في الوافي(3)وجدناها بغير هذا السند وقد رواها فيه عن البقباق ، هذا .
ولا يخفى أنه ظهر بعد المراجعة أنّ الرواية منقولة عن أبي العباس واسمه فضل ولقبه البقباق وقد رواها في الوافي باللقب تلخيصاً للكلام كما هو دأبه على ما صرّح به في أوائل كتابه ، وعليه فالطريقان متّحدان .
وعلى تقدير تمامية هذه الرواية بحسب السند والدلالة لابدّ من الالتزام بأنّ ولاية الجدّ تختصّ بحال وجود الأب فقط ، كما لابدّ من الالتزام باشتراط ولاية الجدّ بالعدالة لأنّها معنى قوله (عليه السلام) « وكان الجدّ مرضياً »فإنّ المرضي على وجه
الاطلاق أي في العمل والاعتقاد عبارة عن العادل كما ورد(1)في روايات إمام الجماعة فراجع ، وتكون هذه الرواية مقيّدة وموجبة لاشتراط الولاية بالعدالة شرعاً ولا ينحصر وجه الاشتراط في الوجه العقلي كما صنعه الفخر (قدّس سرّه)(2)فراجع .
إلّا أنّ الكلام في تمامية سند الرواية ودلالتها .
أمّا بحسب السند فالظاهر أنّها ضعيفة ، لأنّ من جملة رواتها جعفر بن سماعة وهو ممّن لم تثبت وثاقته وقد ضعف المجلسي سند الرواية في مرآة العقول (3)إلّا أنّ ذلك من جهة الوقف . وقد اعتقد صاحب الرجال الكبير(4)أنّ جعفراً هذا هو جعفر ابن محمّد بن سماعة وهو موثّق في كتب الرجال إلّا أنّ كون جعفر هو جعفر الموثّق لم يثبت عندنا ، لاحتمال أن يكون جعفر اسم شخصين أحدهما ولد لسماعة وثانيهما ولد ولده ، ورواة الرواية كلّهم واقفية إلّا أنه لا يضرّ بحجّيتها بعد ما كانوا موثّقين من غير جهة جعفر بن سماعة ، هذا كلّه بحسب السند .
وأمّا دلالتها فقد وقع الكلام في أنّ دلالتها على القيدين هل هي بمفهوم الوصف أو أنّها بمفهو الشرط ؟ وقد حكى شيخنا المحقّق(5)عن صاحب الجواهر(6)أنّ دلالتها عليهما بمفهوم الشرط، إلّا أنه (قدّس سرّه) ذهب إلى أنّها بمفهوم الوصف
1) الوسائل 8 : 326 - 2 ، 338ح 3 .
2) إيضاح الفوائد 2 : 628 .
3) [ لاحظ مرآة العقول 20 : 132 فإنّه ذكر أنّ الرواية موثّقة ] .
4) منهج المقال 3 : 201 . [ ولا يخفى أنه (قدّس سرّه) اختار في المعجم انصراف جعفر بن سماعة إلى جعفر بن محمد بن سماعة الثقة فلاحظ معجم رجال الحديث 5: 38 ] .
5) حاشية المكاسب (الأصفهاني) 2 : 377 .
6) الجواهر 29 : 171 .
لأنّ الشرطية سيقت لبيان تحقّق الموضوع حيث إنّ مفهومها أنه إذا لم يزوّج الجدّ ابنة ابنه ، ومن الواضح أنّ عدم الولاية حينئذ من باب السالبة بانتفاع الموضوع ومثله لا يدلّ على المفهوم ، وإنّما هو مستفاد من الوصف في المقام وقد أثبتنا في محلّه(1)أنّ الوصف لا مفهوم له ، وبذلك تسقط الرواية عن الاعتبار ، هذا.
إلّا أنّ الصحيح أنّ دلالتها على ثبوت القيدين إنّما هي بمفهوم الشرط كما ذكرنا ذلك فى الأُصول وقلنا إنّ نسبة الجزاء إلى الشرط تارةً نسبة المعلول إلى علّته عقلاً بحيث يستحيل أن يتحقّق الجزاء في الخارج من دون تحقّق الشرط وهذا نظير قوله : إن رزقت ولداً فاختنه أو إن ركب الأمير فخذ ركابه ، وفي أمثال ذلك يكون الشرط مسوقاً لأجل تحقّق الموضوع ولا دلالة في أمثاله على المفهوم لأنه سالبة بانتفاء الموضوع.
وأُخرى يكون نسبة الجزاء إلى الشرط نسبة المعلول إلى علّته شرعاً من دون أن يكون بينهما ترتّب عقلي وهذا كما إذا قال إن جاءك زيد فاعطه درهماً ، فإنّ إعطاء الدرهم لا يتوقّف على المجيء عقلاً وإنّما الترتب بينهما شرعي ، وفي مثل ذلك يؤخذ بمفهوم الشرط ويقال إنه حجّة .
وثالثة تشتمل الجملة الشرطية على قيدين أو قيود تكون النسبة والترتّب بين بعضها وبين الجزاء عقلياً وبين بعضها الآخر والجزاء شرعياً ، وهذا كما إذا ورد إن رزقت ولداً وكان تولّده يوم الجمعة فاختنه ، فإنّ الختان بالاضافة إلى المرزوقية معلول عقلي لعدم إمكانه بدونها ، وأمّا بالاضافة إلى التولّد يوم الجمعة معلول شرعي لامكان الختان من دون الحاجة إلى التولّد يوم الجمعة أصلاً ، ففي مثل ذلك لا يمكن استفادة المفهوم بالاضافة إلى الجملة الأُولى لأنّها مسوقة لتحقق الموضوع
1) محاضرات في أصول الفقه 4 (موسوعة الإمام الخوئي 46) : 274 .
بخلاف الجملة الثانية لأنّها تدلّ على المفهوم لا محالة ويستفاد منها أنّ التولّد إذا لم يكن يوم الجمعة فلا يجب الختان .
والرواية من هذا القسم الثالث لاشتمالها على تزويج بنت الابن وعلى كون الأب حيّاً وعلى كون الجد مرضياً ، فبالاضافة إلى الأُولى لا يمكن استفادة المفهوم لأنّها سيقت لتحقّق الموضوع وأمّا بالاضافة إلى الباقي فلا مانع من الأخذ بالمفهوم لأنّ الترتّب بينه وبين الجزاء شرعي فتدلّ على عدم الجواز فيما إذا لم يكن الأب حيّاً أو الجدّ مرضياً ، وبذلك يمكن تقييد المطلقات التي وردت في المقام .
نعم يمكن أن يقال : بملاحظة فتاوى العامّة في المسألة أنّ الجملة الشرطية لا مفهوم لها في خصوص المقام ، بل إنّما وردت لبيان الحكم الواقعي الذي أفتى العامّة(1)بخلافه ، وذلك لأنّهم ذهبوا إلى أنه لا ولاية للجدّ مع وجود الأب ، وأراد الإمام (عليه السلام) بيان أنّ الجدّ له الولاية على الطفل مع وجود أبيه أيضاً ، وكأنه أتى بواو الوصل وقال إنه ولي عليه ولو كان أبوه حيّاً ، وهذا التقييد وإن كان بعيداً في حدّ نفسه إلّا أنه بملاحظة فتاوى العامّة في المسألة يقرب هذا التقييد جدّاً .
وكيف كان ، فالعمدة هي ضعف الرواية بحسب السند .
1) الأُمّ 5: 13 ، المغني 7 : 346 ، المجموع 16 : 147 و 154 .
لا إشكال في أنّ للفقيه الجامع للشرائط عدّة مناصب منها : منصب الافتاء في المسائل الفرعية والموضوعات المستنبطة وغيرهما ممّا يحتاج إليه العامي في عمله ولا إشكال في جواز الافتاء له في تلك الموارد. والمراد بالجواز هنا ليس هو الجواز التكليفي فحسب بل الجواز الوضعي والنفوذ على مقلّديه ومن يجب عليه الرجوع إلى العالم ، لوضوح أنّ الجواز التكليفي بمجرّده لا يشترط فيه العدالة وبقيّة الشرائط المعتبرة في الفقيه الجامع للشرائط .
ومنها : منصب القضاء والحكم بما يراه حقّاً في باب المرافعات وغيرها في الجملة ، وهذا أيضاً ثابت له بلا خلاف . والمراد بجواز القضاء عليه أيضاً هو الوضع والنفوذ كما لا يخفى .
ومنها : ولاية التصرف في الأنفس والأموال ، وهذا قد وقع فيه النزاع والخلاف ، وهو كما ذكره شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1)يتصوّر على وجهين الأول : استقلال الولي بالتصرف سواء أكانت تصرّفات غيره منوطة باذنه أم لم تكن منوطة باذنه . الثاني : كون تصرّفات الغير منوطة باذنه سواء كان هو مستقلاً بالتصرف أم لم يكن كما في تصرّفات المالك فيما أخرجه من سهم الإمام (عليه السلام)
1) المكاسب 3: 546 .
فإنّ إذن الحاكم الشرعي شرط في صحته وإن كان الفقيه لا يتمكّن من التصرف في مال من وجب عليه الخمس باخراج سهم الإمام( عليه السلام) حيث إنّ تعيينه راجع إلى نفس المالك ، إلّا أنّ تصرف المالك في سهمه (عليه السلام) موكول إلى نظر الفقيه وإلى إجازته .
وكيف كان ، فالكلام في المقام يقع في الولاية بكلا المعنيين ، وإن كانت النسبة بينهما عموماً من وجه ، وذلك لأنّ الولاية بالمعنى الأول عبارة عن كون الفقيه جائز التصرف من دون فرق بين أن يكون غيره أيضاً جائز التصرف فيه ومن دون حاجة إلى ذن الغير وعدمه، والولاية بالمعنى الثاني عبارة عن كون الفقيه ممّن تعتبر إجازته في نفوذ تصرفات الغير ، كان الفقيه أيضاً جائز التصرف أم لم يكن .
وكيف كان ، فقد تكلّم شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) في المقام في ولاية النبي والأئمّة (عليهم السلام) ثمّ عقّبه بالتكلّم في ولاية الفقيه ، والكلام في ولاية النبي والأئمّة (عليهم السلام) يقع في موارد أربعة : أحدها في ثبوت الولاية التكوينية لهم وك--ون الخلق باختيارهم تكويناً . وثانيها : في ثبوت الولاية التشريعية في حقّهم . وثالثها : في الولاية بمعنى وجوب طاعتهم فيما يرجع إلى تبليغ أحكام الشريعة المقدّسة ورابعها : في ثبوت الولاية لهم في غير ما يرجع إلى الدين وأنّ إطاعتهم في مثل الأمر باتيان الماء ونحوه من الأوامر الشخصية واجبة أو لا .
أمّا الولاية التكوينية : فلا إشكال في ثبوتها وأنّ المخلوقات بأجمعها راجعة إليهم وإنّما خلقت لهم ، ولهم القدرة على التصرف فيها وهم وسائط التكوين ، ولعلّ ذلك بمكان من الوضوح ولا يحتاج إلى إطالة الكلام ، مضافاً إلى أنه خارج عمّا هو المهم في المقام .
وأمّا الولاية بالاضافة إلى أمر الدين وتبليغ أحكام الشريعة : فهي أيضاً لا إشكال في ثبوتها ،وهي ممّا لا يحتاج إلى إقامة البرهان ومن القضايا التي قياساتها
معها ، لأنّ وجوب الاطاعة لهم (عليهم السلام) فيما يرجع إلى أمر الدين من لوازم النبوّة والإمامة ، ولولاه لما كان معنى لنبوّة النبي أو إمامة الولي ، وكيف كان فلا ينبغي الإشكال في ثبوت الولاية بالاضافة إلى أمر الدين .
وأمّا الولاية في غير ما يرجع إلى الدين كأوامرهم الشخصية فقد وقع الكلام في ثبوتها وعدمه ، والمتسالم عليه بينهم هو أن إطاعتهم لازمة في أوامرهم الشخصية ، ويدلّ عليه قوله تعالى : أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ (1)حيث إنه سبحانه عطف إطاعة الرسول على إطاعة نفسه وهو يعطي التغاير بينهما ، ومن الواضح أنّ إطاعة الرسول فيما يرجع إلى أمر الدين إطاعة الله تعالى وهو داخل تحت قوله أَطِيعُوا الله فلا محالة يكون المراد في الأمر بالطاعة الرسول إطاعته في أوامره الشخصية ، ويوضّح ذلك : أنّ الامتثال والا طاعة الله إنّما يكون باطاعة أمر الرسول ، إذ لا يأمر الله أحداً بلا واسطة ، فكأنه تعالى قال أَطِيعُوا الله بامتثال أمر الرسول ثم عطف عليه الأمر بالطاعة الرسول في أوامره الشخصية ، وقد فسّر أُولوا الأمر بالأولياء (عليهم السلام) وكذا قوله تعالى وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ(2)حيث إنّ أوامرهم الشخصية داخلة تحت قضائه ، وقد نهى الله تعالى عن الاختيار بعد أمرهما ، فكأنه مسلوب الاختيار بعد أمرهما .
وكيف كان ، فلا إشكال في ثبوت الولاية في أوامرهم الشخصية بالآيات والروايات .
وأمّا الاستدلال على ثبوتها بالدليل العقلي المستقل والدليل العقلي غير
المستقل كما عن شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1)حيث استدلّ في المقام تارةً بوجوب شكر المنعم عقلاً ، وهم (عليهم السلام) منعمون علينا فيجب شكرهم باطاعتهم في أوامرهم الشخصية ، وأُخرى بالفحوى والأولوية حيث إنّ إطاعة الوالد واجبة فاطاعتهم تجب بطريق أولى .
فيدفعه : أنّ المسلّم من الدليل العقلي الاستقلالي هو حسن شكر المنعم ولا يترتّب على مخالفته العقاب الذي هو المقصود من الوجوب في المقام ، وإنّما يترتّب عليه الذمّ أو قطع الإحسان من المحسن وكلاهما أجنبيان عن العقاب ، ولذا ذكرنا أنّ وجوب شكر المنعم لا يثبت وجوب المعرفة أيضاً ولا يمكن أن يقال إنّ شكر المنعم واجب وهو لا يتم إلّا بمعرفته حتّى يشكر ، وذلك لأنه لا يترتّب على ترك ذلك الحكم العقلي عقاب ، وغايته الذمّ وقطع الإحسان وهو لا يثبت استحقاق العقاب وإنّما استدللنا على وجوب المعرفة باحتمال العقاب وظنّ الضرر على تقدير تركها ودفع الضرر المحتمل بهذا المعنى لازم عقلاً ويترتّب على مخالفته الضرر بمعنى العقاب ولا يجري ذلك في وجوب الطاعة لأنه مع الشكّ في وجوب ق في وجوب الطاعة تجرى قاعدة قبح العقاب بلا بيان ، وهذا بخلاف وجوب المعرفة فإنّ البيان غير ممكن قبل المعرفة فلا تجري قاعدة قبح العقاب بلا بيان في المعرفة .
نعم ، لا يمكن إنكار حسن الشكر عقلاً وشرعاً ، إذ هل جزاء الإحسان إلّا الإحسان ، كما لا يكاد ينكر أنّ الأئمّة (عليهم السلام) منعمون بالاضافة إلينا حيث إنّهم وسائط في الافاضة والإيجاد هذا كلّه في الاستدلال بحكم العقل المستقل .
أمّا الاستدلال بالحكم غير الاستقلالي وهو ما يتوقّف على مقدّمة شرعية أعني الاستدلال بالأولوية بعد ثبوت ولاية الأب ووجوب إطاعته شرعاً ، فإنّ
1) المكاسب 3 : 548 .
العقل يستقل بعد ذلك بوجوب إطاعة الأئمّة (عليهم السلام) بطريق أولى.
ففيه : أنّ إطاعته بجميع المراتب ليست واجبة ، فلذا إذا أمره بتمليك أمواله له لا يجب ذلك عليه قطعاً ، نعم يستحبّ الامتثال وعليه يحمل ما ورد بهذا المضمون من الروايات والأخبار حيث ورد «أنت ومالك لأبيك »(1)وحينئذ فكيف يمكن التعدّي منه إلى وجوب إطاعة الأئمّة (عليهم السلام) مطلقاً ، إذ لم يثبت وج-وب الاطاعة في حقّ الأب مطلقاً وفي جميع المراتب حتّى يمكن التعدّي منه إلى وجوبها في الأئمّة ( عليهم السلام) مطلقاً ، هذا أوّلاً .
وثانياً : أنّ المناط في وجوب إطاعة الأب غير معلوم ، وليس المدرك في وجوب إطاعته عبارة عن كونه موجباً لحياة الولد حتى نتعدّى منه إلى وجوب إطاعة الأئمّة (عليهم السلام) وإلّا للزم وجوب إطاعة من أنقذ أحداً من الغرق أو المرض لأنه أوجب حياته ومع ذلك لا يجب عليه إطاعته بوجه ، ويحتمل أن يكون المناط هو تربية الولد فعلاً وهي مفقودة في الأئمّة (عليهم السلام) .
فالمتحصّل : أنّ الولاية بهذا المعنى إنّما ثبتت بالآيات والأخبار لا بالوجهين العقليين أبداً .
وأمّا الولاية التشريعية وكون الأئمّة (عليهم السلام) نافذي التصرّف في الأموال والأنفس شرعاً ، فهي أيضاً ثابتة بلا ريب لقوله تعالىالنَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ(2)وقوله تعالى : إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللهُ وَرَسُولُهُ (3)وقوله (صلّى الله عليه وآله وسلم) في يوم الغدير : « ألست أولى بكم من أنفسكم ؟ قالوا بلى : قال : من
كنت مولاه فهذا علي مولاه »(1)وغير ذلك ممّا دلّ على ثبوت الولاية لهم في الأموال والأنفس ، فللإمام (عليه السلام) أن يبيع دار زيد أو يطلّق زوجته أو يزوّجها من أحد وهكذا من دون اعتبار رضا المالك أو الزوج .
وممّا يدلّ على ثبوت هذه الولاية لهم (عليهم السلام) ما حكاه الترمذي(2)في فضائل علي بن أبي طالب (عليه السلام) من أنّ جيشاً رجع إلى المدينة وكان يرأسهم الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) وقد كان معهم أسرى وأعجبت واحدة منهنّ الإمام (عليه السلام) فأخذها لنفسه وواقعها وقد ساء ذلك عند الجماعة ، والظاهر أنّهم هم الثلاثة ، وبنوا على أن يخبروا النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) بذلك ، فلمّا وص--ل الجيش إلى المدينة - وكانت العادة أن يزوروا النبي(صلّى الله عليه وآله وسلم) بلامة حربهم ثمّ يرجعوا إلى دورهم وينزعوا لامتهم - وقد حضر واحد منهم النبي(صلّى الله عليه وآله وسلم)وهو لابس لامته وأخبر النبي(صلّى الله عليه وآله وسلم) بالحال فسكت النبي(صلّى الله عليه وآله وسلم) ثمّ جاءه الثاني وأخبره بالخبر وسكت النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم)أيضاً حتّى جاءه ثالثهم فأخبره بالحال وعند ذلك غضب(صلّى الله عليه وآله وسلم) وقال : ماذا تريدون من علي بن أبي طالب ، أفلست أولى بكم من أنفسكم ؟ قالوا نعم ، وقال : وهو يعني علي بن أبي طالب خليفتي وقائم مقامي من بعدي . وهذه الرواية على تقدير تمامية سندها تدلّ على المقصود بأحسن وجه .
لا يقال : إنّهم بناءً على ذلك يتمكّنون من التصرف في أعراض المسلمين . فإنه يقال : إنّ تصرّفاتهم إنّما تنفذ فيما إذا كانت بالأسباب المقرّرة شرعاً لا بغيرها نظير تصرّف نفس المالك في ملكه ، مثلاً لهم أن يبيعوا دار أحد أو يطلّقوا زوجته ثمّ
بعد انقضاء عدّتها يزوّجها الإمام (عليه السلام) من نفسه مثلاً ، لا أنّهم يتصرّفون في زوجة الغير من دون طلاق أو زواج ، فتعالوا عن ذلك علوّاً كبيراً . ويدلّ على وجوب إطاعتهم أيضاً : ما ورد(1)في نفي ما نسب إليهم من أنّهم قالوا إنّ الناس عبيد لنا حيث قال (عليه السلام) لم أقل ذلك ولا سمعت من آبائي وإنّما الناس عبيد لنا في الاطاعة ، يعني لا في مثل جواز بيعهم وتملّكهم كما نسب إليهم . نعم سيرة الأئمّة (عليهم السلام) لم تجر على التصرف في أموال المسلمين أو أنفسهم ، ب--ل كانوا يشترون شيئاً من مالكه باجازته ولا يتصرفون في أموالهم بدون إذنهم ، إلّا أنّ ذلك يحتمل أن يكون من باب التقية أو لأجل ما يرونه من المصالح ، وكيف كان فهي لا تدلّ على عدم ولايتهم كما هو ظاهر ، هذا كلّه في الولاية بمعنى نفوذ تصرّفاتهم في الأموال والأنفس .
وأمّا ثبوت ولايتهم بالمعنى الثاني أعني اشتراط تصرفات الغير باذنهم وإجازتهم فهي أيضاً ثابتة في حقّهم بمقتضى الأخبار(2)الواردة في المقام إلّا أنّ شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(3)ذكر أنّ اشتراط إجازتهم في صحة التصرفات على خلاف الأصل وهو يقتضي خلاف الاشتراط وعدمه .
ولا يخفى أنّ مقتضى الأصل يختلف باختلاف الموارد ، فمقتضاه في بعض الموارد عدم الاشتراط وفي بعضها الآخر هو الاشتراط وتوضيحه : أنّه إن كان هناك إطلاق يقتضي صحة ذلك التصرف على نحو الاطلاق من دون حاجة إلى إجازة الأئمّة (عليهم السلام) كما في صلاة الميّت فإنه دلّ الدليل على صحتها ووجوبها
على المسلمين ولم يقيّدها باجازة الإمام (عليه السلام) لأنّ الدليل إنّما دلّ على أنّ السلطان أولى بالصلاة من غيره وأمّا أنّها مقيّدة باجازته فلا ، ففي مثله نتمسّك بذاك الدليل في رفع قيدية اجازة الإمام (عليه السلام) .
كما أنّه إن كان لدليل ذلك التصرف دلالة يقتضي عدم صحّة التصرف بدون إجازة الإمام (عليه السلام) كما في التصرف في أموال الناس بالبيع ونحوه أو في أنفسهم بالقصاص والتعزير ونحوهما ، فإنّ الثابت من ذلك جوازهما مع اجازة الإمام ، وأمّا بدونها فاطلاق ما دلّ على حرمة الايذاء وعدم جواز التصرف في أموال الناس من دون رضاهم يقتضي حرمتها فنتمسّك بذلك الدليل .
وأمّا إذا لم يكن هناك دليل على أحدهما ووصلت النوبة إلى الأصل العملي فإن كان الشك راجعاً إلى تقييد وجوب التصرف أو العمل باجازة الإمام (عليه السلام) كصلاة الجمعة مثلاً حيث علمنا بصحّتها ووجوبها مع إجازة الإمام (عليه السلام وشككنا في وجوبها بدون إذنه (عليه السلام) فهو شك في التكليف نرجع فيه إلى البراءة وبها نثبت عدم الوجوب بلا إذن الإمام (عليه السلام) ومرجعه إلى اشتراط الوجوب بالإذن والاجازة . وإن كان الشكّ راجعاً إلى تقييد صحة العمل بالاجازة بعد الفراغ عن ثبوت أصل الوجوب فنرجع في التقييد إلى البراءة ونرفعه بها ، ومرجع ذلك إلى أنّ العمل صحيح من دون حاجة إلى إجازة الإمام (عليه السلام) .
ثمّ إنّ الرجوع إلى الأصل العملي ينبغي أن يفرض في مورد لم يمكن الرجوع فيه إلى الإمام (عليه السلام) وسؤال حكم المسألة عنه (عليه السلام) وذلك لوضوح أنه لا يمكن الرجوع إلى الأصل العملي مع التمكّن من السؤال عن الإمام (عليه السلام) فإنّ الشبهات الحكمية يجب فيها الفحص والسؤال ولا ي-رج-ع ف-ي-ه-ا إلى الأص-ل بدونهما .
وكيف كان ، فالبحث عن ولاية الإمام (عليه السلام) بالمعنى الأول ممّا لا ثمرة عملية له ، لأنّ الإمام (عليه السلام) إن تصرّف في مال أحد فهو يكشف عن صحته وجوازه ، لأنه لا يرتكب الحرام فلا يحتاج إلى هذا البحث الطويل ، وإنّما تعرّضنا له لأجل البحث عن ولاية الفقيه وعن أنّها بأي مقدار على فرض ثبوتها .
وقد حكي عن بعض معاصري صاحب الجواهر أنه كان بانياً على ولاي--ة الفقيه على نحو ولاية الإمام وهي الولاية العامّة ، وقد اعترض عليه صاحب الجواهر في مجلس فقال : زوجتك طالق فأجابه المعاصر بأني لو كنت أعتقد اجتهادك لاجتنبت عن زوجتي إلّا أنّ اجتهادك محل كلام عندي ، وكان له مقام علمي شامخ .
وكيف كان ، فيقع الكلام في ولاية الفقيه وأنّها ثابتة له على نحو يتمكّن معها من التصرف في الأموال والأنفس نظير ولاية الإمام (عليه السلام) أو أنّه لا ولاية له في شيء من ذلك أبداً ، وأنّ تصرّفات الغير هل تناط باجازة الفقيه وإذنه أو أنها غير منوطة باجازته .
أمّا الولاية بالمعنى الأول - فمضافاً إلى أنها مقطوعة العدم في حدّ نفسها ، إذ لا وجه لقيام الفقيه بمنزلة الإمام (عليه السلام) في وجوب إطاعته في أوامره الشخصية أو في نفوذ تصرّفاته في الأموال والأنفس من غير اعتبار رضا صاحب المال ، نعم لا مانع من الالتزام بقيامه مقام الإمام (عليه السلام) بالاضافة إلى وجوب إطاعته في تبليغ الأحكام بعد استكمال جميع شرائط التقليد من الأعلمية على تقدير اعتبارها وغيرها من الشرائط - لا دليل على أنّ الفقيه كالإمام في ثبوت الولاية المطلقة له وأمّا ما استدلّ به على ذلك من الأخبار الواردة في شأن العلماء فهو لا دلالة له على ذلك أبداً .
أمّا قوله (عليه السلام) « إنّ العلماء ورثة الأنبياء وأنّ الأنبياء لم يورّثوا ديناراً
ولا درهماً ولكن ورثوا أحاديث فمن أخذ بشيء منها أخذ بحظ وافر(1)فلا وجه للاستدلال به إلا دعوى أن الورثة ينتقل إليهم ما للمورّث من الأشياء ومنها الولاية المطلقة الثابتة للنبي (صلى الله عليه وآله) فهي تنتقل إليه أي إلى الوارث وهو الفقهاء لا محالة .
إلّا أنه لا يمكن المساعدة عليه ، لأنّ المنتقل إلى الوارث عبارة عمّا تركه الميّت فلابدّ في انتقال شيء منه إلى وارثه من إحراز ذلك وأنه داخل فيما تركه كالمال ونحوه ، وأمّا مثل الشجاعة أو العدالة أو غيرها من الأوصاف القائمة بالشخص فلا معنى لانتقاله إلى الوارث كما هو ظاهر ، والولاية في المقام لا يعلم أنّها داخلة في عنوان ما ترك أو أنّها من قبيل الأوصاف القائمة بنفس النبي أو الإمام ، فلا تتم دلالة الحديث على ثبوت الولاية المطلقة للفقيه ، هذا مضافاً إلى أنّ الحديث قد صرّح بأنّ الموروث أي شيء حيث ذكر أنّهم ورثوا أحاديث ، فليس الموروث عبارة ع---ن الولاية أو غيرها ، فهذه الأخبار وإن كانت مشتهرة وصادرة عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) وليست مجعولة كما نسب إلى أبي بكر وقيل إنه جعل هذه الأحاديث ، إلّا أنه لا دلالة فيها على المدّعى أبداً . نعم إنّ ما جعله أبو بكر هو ما زاده في ذيل الحديث من قوله : ما تركناه صدقة ، وأراد بذلك إنكار فدك وأخذه من يد فاطمة (عليها السلام)غفلة عن أنّ الحديث ناظر إلى أنّ الأنبياء لا يجمعون الدرهم والدينار وإنّما نظرهم إلى الآخرة ، وليس نظر الحديث إلى أنّ الأنبياء لا يورّثون شيئاً ولو ألبسة بدنهم أو إناء دارهم أو نفس دارهم وغيرها ممّا هو ضروري الحياة ، هذا مضافاً إلى أنّ فدك كانت نحلة لها (عليها السلام) وقد أعطاها النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) إيّاها في حياته وإنّما ادّعت الارث بعد التنزّل عن كونه نحلة .
1) الوسائل 18 : 78 / أبواب صفات القاضي ب 8 ح 2 (مع اختلاف بسير) .
وأمّا قوله « العلماء أُمناء الرسل »(1)فهو أيضاً لا دلالة له على الولاية المطلقة بوجه ، فإنّ كونهم أُمناء لا يستدعي نفوذ تصرّفاتهم في الأموال والأنفس ، فإنّ معنى الأمين أنه لا يخون الوديعة المجعولة عنده من الأحكام أو غيرها ، وأمّا الولاية فلا كما لا يخفى ، هذا .
ومن القريب أن يراد بالعلماء الأئمّة الأطهار ، ويطلق العالم عليهم (عليهم السلام) دون من تعلّم الفقه والأُصول ، وذلك لعدم إمكان إرادة جميع العلماء من لفظه حيث إنه يشمل علماء الحساب والهندسة والتاريخ والجغرافيا فيلزم تخصيص الأكثر على تقدير إرادة الفقيه منه ، فلا محالة يحمل على الإمام (عليه السلام) ، وقد ورد في بعض الأخبار نحن العلماء وشيعتنا المتعلّمون(2)، وهذا الحديث نعم الحاكم في المقام ويدلّ على أنّ المراد بالعلماء هم الأئمّة الأطهار (عليهم السلام) وعليه فلا دلالة في الحديث على الولاية المطلقة للفقيه .
وكذا قوله (عليه السلام) « مجاري الأُمور بيد العلماء بالله الأُمناء على حلاله وحرامه »(3)فإنّ العالم بالله ليس إلّا الأئمّة الأطهار (عليهم السلام) وأنّهم هم الذين بيدهم مجاري الأُمور ، فلو تنزّلنا وفرضنا أنّ المراد بالعالم هو الفقيه فقوله (عليه السلام) : « الأُمناء على حلاله وحرامه » قرينة على أنّ مجاري الأُمور من حيث الأحكام والحلّية والحرمة بيد الفقيه إذ لو لم يبيّن حلّية بعض الأفعال وحرمة بعضها الآخر لتوقّفت الأُمور وتحيّر الناس لعدم العلم بحكمه ، فهو لا يدلّ على الولاية
المطلقة بوجه ، وإنّما يدلّ على أنّ للفقيه أن يبيّن الحلال والحرام ، وأمّا نفوذ تصرّفاته في الأموال والأنفس فلا كما هو أوضح من أن يخف .
وأمّا قوله « علماء أُمّتي كأنبياء بني إسرائيل » أو « منزلتهم منزلة الأنبياء في بني اسرائيل »(1)وغيرهما ممّا ورد بهذا اللسان فهو أيضاً كسوابقه لا دلالة له على الولاية بوجه ، إذ التنزيل والتشبيه لابدّ وأن يكون في أظهر الآثار والخواص وأظهرها في أنبياء بني اسرائيل أمران : أحدهما وجوب إطاعتهم في الأحكام ولزوم قبول قولهم في تبليغها ، وإنّما شبّههم بأنبياء بني إسرائيل من أجل أنّ أنبياءهم كانوا مختلفين في النبوّة فبعضهم كان نبي بلدته وآخر كان نبيّ محلّته أو قريته وثالث كان نبي أقربائه بل كان نبي داره ، وكانت إطاعتهم لازمة في تبليغ الأحكام والعلماء أيضاً مختلفون فبعضهم عالم بلده و آخر عالم محلّته أو قريته وهكذا ، فتجب إطاعتهم في تبليغ الأحكام بمقتضى هذا الحديث .
وثانيهما : رفعة محلّهم وعظمة منزلتهم عند الله وكأنه أراد في الحديث بيان أنّ علماء أُمّتي لا يقصرون في عظمة المنزلة عن أنبياء بني اسرائيل إذا عملوا بعلمهم والسرّ في ذلك أنّ تلميذ مدرسة تارة يكون أرقى منزلة من معلّم بالمدرسة النازلة كبعض تلامذة المدرسة الثانوية بالاضافة إلى معلّم المدرسة الابتدائية أو تلامذة المدرسة العالية في الطبّ بالاضافة إلى دكتور المحلّ وهكذا من جهة عظمة المدرسة وأهميّتها ، والمدرسة المحمّدية (صلّى الله عليه وآله وسلم) كذلك بالاضافة إلى أنبياء بني اسرائيل الذين كانوا مدرّسين لأُمّتهم معالم الإسلام، فيكون تلامذة تلك المدرسة العالية أشرف مقاماً وأعظم منزلة من معلّمي بني اسرائيل إذا عملوا بوظائفهم فإنّ نيابة الإمام (عليه السلام) من أهم المقامات ولا أقل من تساويهم معهم في الشرف
1) البحار 2 : 22 / 67 ، البحار :75: 3462 ذيل الحديث 4 .
هذا كلّه مع أنّ ثبوت الولاية بهذا المعنى في أنبياء بني اسرائيل أوّل الكلام فكيف بمن يقوم مقامهم وينزّل منزلتهم . فالحديث لا دلالة له على الولاية المطلقة بوجه بل إنّما ورد في بيان فضيلتهم وعلوّ مقامهم ولعلّه ظاهر.
وأمّا قوله (صلّى الله عليه وآله وسلم) « اللهم ارحم خلفائي ثلاثاً قيل ومن خلفاؤك يارسول الله ؟ قال الذين يأتون من بعدي ويروون حديثي وسنّتي »(1)فهو أيضاً لا دلالة له على الولاية لتصريحه بأنّ الذين يأتون بعده خلفاؤه في رواية الحديث لا في غيره من الأُمور ، مضافاً إلى ظهور قوله « من بعدي » في إرادة الأئمّة (عليهم السلام) لأنّ العلماء خلفاء الأئمّة (عليهم السلام) ويأتون بعدهم (عليهم السلام) لا بعد النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) ولعلّه ظاهر.
وأمّا الاستدلال على ذلك بقوله (عليه السلام) في نهج البلاغة « أولى الناس بالأنبياء أعلمهم بما جاؤوا به »(2)مستشهداً بقوله تعالى إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ(3)ففيه أنّ أولوية العلماء بالأنبياء إنّما هي بكونهم أقرب إليهم يوم القيامة من حيث المنزلة والمقام وهي لا تقتضي الولاية على التصرف في الأموال والأنفس أبداً .
وأمّا قوله (عليه السلام) في مشهورة أبي خديجة : « جعلته عليكم قاضياً »(4)فلعلّ الاستدلال به من جهة توهّم أنّ القاضي له الولاية على أموال الناس وأعراضهم . ويندفع بأنّ القضاء غير الولاية ولا ولاية للقاضي على أموال الناس
وأعراضهم .
بقي الكلام في الاستدلال باطلاق الحجّة على العلماء في التوقيع المشهور حيث قال (عليه السلام) : « هم حجّتي عليكم وأنا حجّة الله »(1)والظاهر أنّ ذلك أيضاً لا دلالة فيه على الولاية ، لأنّ الحجّة مناسبة للافتاء والقضاء لأنّ معناها تنجّز الأحكام على الناس بهم ، ولا يناسب الولاية على التصرف في الأموال والأنفس كما لا يخفى .
وأمّا ما ورد من إطلاق الحاكم على العلماء كما في مقبولة عمر بن حنظلة(2)حيث قال « جعلته عليكم حاكماً » فقد ذهب شيخنا الأُستاذ (3)إلى استظهار الولاية من هذه الرواية بدعوى أنّ الحاكم غير القاضي في زمان الأئمّة (عليهم السلام) وهما منصبان ، والحاكم هو من يتصرف في الأُمور والقاضي عبارة عمّن يقضي في المرافعات ، ولم يقل إنّي جعلته عليكم قاضياً وإنّما قال جعلته عليكم حاكماً بمعنى كونه ممّن يتصرّف في الأموال وغيره في مقابل القاضي الذي شأنه الافتاء والقضاء .
وفيه : أنّ المرسوم في تلك الأزمنة هو جعل الوالي والقاضي دون الحاكم والقاضي ، لأنّ الحاكم مرادف للقاضي كما هو ظاهر وإنّما المغاير له الوالي وهو عبارة عمّن يتولّى الأُمور ، ولم يقل إنّي جعلته عليكم والياً وإلّا لتمّت الدلالة على المدّعى بأوضح وجه ، ومن الغريب أنه (قدّس سرّه) أيّد مدّعاه بما ورد في صدر الحديث من التقابل بين السلطان والقاضي وهو يدلّ على تغاير الحاكم والقاضي . ولا يخفى ما فيه بعد ما ذكرناه من أنّ الحاكم بمعنى القاضي ويقابله الوالي والسلطان ، ويشهد لم-ا
ذكرناه أمران : الأول : قوله ( عليه السلام) بعد تلك الجملة : « فإذا حكم بحكمنا » فإنه لا يراد منه إلّا القضاء . الثاني : أنّ الحديث إنّما ورد في المرافعة والمناسب له-ا ه-و القضاء دون الولاية كما لا يخفى .
فالمتحصّل : أنّ الفقيه ليس كالإمام (عليه السلام) في وجوب الاطاعة إلّا في تبليغ الأحكام فيما إذا كان واجداً لشرائط المرجعية والتقليد ، فلا تجب إطاعته في الأمر بارسال الأخماس والزكوات ونحوهما ، اللهمّ إلّا أن يكون المقلّد يقلّد مجتهداً يرى ثبوت الولاية للمجتهد ووجوب إطاعته ، فلابدّ حينئذ من الاطاعة فيما أمر به الفقيه لا لأجل ثبوت الولاية له بل لأجل فتوى المجتهد بقبوله ، هذا تمام الكلام في الولاية بالمعنى الأول.
وأمّا ثبوت الولاية بالمعنى الثاني فقد استدلّ عليها ببعض ما أسلفناه وأسلفنا الجواب عنه كقوله (عليه السلام) « العلماء ورثة الأنبياء » ونحوه .
وربما يستدلّ على ثبوتها كما عن شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1)بما ورد من قوله (عليه السلام) : « أمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا » (2)بدعوى أنّ الاُمور المستحدثة في العالم لابدّ من الاستئذان فيها من الرواة والعلماء وقد استشهد على ذلك بأُمور :
منها : أنّ الإمام (عليه السلام) حكم بارجاع نفس الوقائع إلى الرواة لا بالرجوع في حكمها إليهم ، بل لابدّ من إرجاع نفس القضية إليهم حتى يتصرّفوا فيها بالمباشرة أو يأذنوا في التصرف فيها لآخر لا أنه يجب المراجعة في استفسار حكم الوقائع إليهم .
ومنها : أنه (عليه السلام) عقّب ذلك بقوله : « فإّهم حجّتي عليكم وأنا حجّة الله » وهذا يقتضي الولاية من أجل أنه لو اُريد بالرجوع إلى الرواة الرجوع إليهم في حكم الحوادث فالعلماء لا يتّصفون بالحجّة المضافة إلى الإمام (عليه السلام) لأنّهم حجّة الله في تبليغ الأحكام لا أنّهم حجّة الإمام كما هو ظاهر قوله (عليه السلام)« فإنّهم حجّتي » إذ الشارع قد حكم بلزوم إطاعة العلماء في تبليغ الأحكام ، وهذا بخلاف ما لو أُريد من الرجوع إلى الرواة الاستئذان منهم الذي هو بمعنى الولاية فإنّ الولاية لم تثبت للعلماء من قبل الشارع ابتداء بل إنّما جعلت للإمام وه-و يجعلها للعلماء فيكون العلماء حجّة الإمام في ذلك كما هو ظاهر .
ومنها : أنّ المراجعة في استفسار أحكام القضايا الحادثة إلى الأئمّة أو العلماء من بعدهم من البديهيات والضروريات التي لا تحتاج إلى السؤال أو إلى عدّه من المشاكل كما في صدر الحديث حيث إنّ إسحاق بن يعقوب ذكر في صدره أنّ مسائل قد أشكلت عليّ الخ وعدّ منها هذه المسألة ، وهذا بخلاف ثبوت الولاية للعلماء فإنه أمر مشكل غير معلوم فلا مانع عن الاستفسار والسؤال ، وعليه فهذه الرواية تدلّ على وجوب الاستئذان في الأُمور من العلماء وليست ناظرة إلى الرجوع إليهم في حكم هذه الأُمور كما لا يخفى ، هذا .
ولا يخفى أنّ الحديث ناظر إلى حكم الرجوع إلى العلماء في استفسار أحكام الوقائع الحادثة ، وأمّا ما استشهد به على مدّعاه ففيه : أنّ المذكور في الحديث هو الأمر بالمراجعة في الحوادث إلى العلماء لا إرجاع نفس الوقائع إليهم ليتصرّفوا فيها بل يجب عليهم السؤال عن حكمها لأنه ( عليه السلام) قال : « ارجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا » ولم يقل : ارجعوها إلى رواة أحاديثنا ، وهذه العبارة في إفادة ذلك أمر عرفي ، ونظيره يقع في المحاورات كثيراً فيقال راجع الفلاني في الأمر الفلاني أي شاور معه واستفسر حكمه .
وأمّا الاستشهاد الثاني فيدفعه : ما ذكرنا من أن الحجّية تناسب الافتاء لأنّها بمعنى تنجّز الحكم ولا تناسب الولاية كما لا يخفى ، وأمّا إضافة الحجّة إلى نفسه (عليه السلام) فهي من أجل أنّ الإمام (عليه السلام) يستشهد بالعلماء يوم القيامة في تبليغ الأحكام كما يستشهد الأنبياء بالأوصياء وأنّهم بلّغوها إليهم وهم يعترفون بذلك فيسأل الأوصياء عن تبليغ الأحكام فيقولون إنّا قد بلّغناها إلى العلماء والعلماء يعترفون بذلك ويقولون نحن أيضاً بلّغناها إلى الناس ، فالتعبير بحجّتي من أجل ذلك ومن أجل أنّ وجوب الرجوع في الأحكام إليهم إنّما ثبت بأمرهم (عليهم السلام) فهم واسطة في ذلك وبه يصحّ أن يقال إنّهم حجّتي .
وأمّا الاستشهاد الثالث ففيه : أنّ ظهور الرجوع في المسائل المستحدثة إلى الرواة بعد الأئمّة (عليهم السلام) غير بيّن لأنه في غاية الصعوبة والجهالة ، إذ من يعلم وجوب الرجوع في المسائل الجديدة التي لم تكن متحقّقة في زمن الأئمّة إلى العلماء كمسألة من صلّى الظهر في بلدته ثمّ سافر مع الطائرة إلى بلدة لم يدخل الظهر فيها بعد ثمّ صار الزوال بعد ذلك فهل تجب عليه الظهر ثانياً ، أو كمسألة من استحمل باللقاح لا بالدخول فهل الولد يلحق بصاحب الماء أو لا ، ولولا أمرهم (عليهم السلام) بالمراجعة فيها إلى الرواة والعلماء لأنّهم يستنبطون أحكامها من القواعد والأُصول لا محالة لم يكن ذلك ظاهراً لأحد ، نعم كبرى رجوع الجاهل إلى العالم مسلّمة وواضحة لا إشكال فيها .
فالمتحصّل : أنّ الفقيه لم تثبت له الولاية بالمعنى الثاني أيضاً إلّا في بعض الموارد على ما سيأتي إن شاء الله تعالى .
وأمّا الاستدلال على ذلك بما نسب إلى النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) من أنّ
«السلطان ولي من لا ولي له »(1)فندفع أوّلاً : بأنّ هذا الخبر ليس موجوداً في كتبنا المعتبرة ولعلّها نبوية عامية موجودة في طرقهم .
وعلى فرض أنّها مروية من طرقنا أيضاً لا يمكن الاعتماد عليها لضعفها والإنجبار قد عرفت ما فيه سابقاً وذكرنا أنّ عمل المشهور لا يمكن أن يكون جابراً لضعف الحديث .
وثالثاً : لو سلّمنا أنّ عمل المشهور جابر لضعف الرواية أيضاً لا وجه للاستدلال بها في المقام ، إذ الكلام في ولاية الفقيه دون السلطان كما هو ظاهر فالرواية أجنبية عمّا نحن بصدده .
ثمّ إنّه ربما يستدلّ على ولاية الفقيه بوجهين : أحدهما أنّا ننظر إلى العامّة فنرى أنّ خليفتهم أو من يقوم مقامه يتصدّى لاُمور الصغار والمجانين ويتصرّف في أموالهم بالبيع والشراء ونحوهما ، فمنه نستكشف أنّ هذه الاُمور لابدّ من أن يتولّاها أحد في الشريعة المقدّسة وإن كان صغرى ذلك أعني من يتصدّى لها عندهم باطلاً عندنا لعدم جواز تصدّي مثل الخلفاء في أموال الناس ، وأمّا كبرى المسألة وهي لزوم أن يتصدّى الاُمور المذكورة أحد في الشريعة فهي ممّا لا إشكال فيه ونستنبطها ملاحظة أفعال العامّة ، وصغرى هذه الكبرى عندنا هی أنّ الذي يتصدّى الأُمور المذكورة هو الفقيه لأنّا نعلم وجداناً أنه إذا دار الأمر بين الفقيه وغيره فالفقيه أولى بالتصدّي من غيره ، فيرجع هذا الدليل إلى كبرى ثابتة بالسيرة القطعية من العامّة وصغرى ثابتة بالعلم الوجداني .
ولكن يردّه : أنّ فعل العامّة وجريان سيرتهم على الرجوع إلى شخص لا يكون مدركاً شرعياً عندنا حتّى نفتي على طبقه بشيء ولعلّ ذلك من مبتدعاتهم في
1) سنن البيهقي 7 : 106 ، كنز العمّال 16 : 309 / 44643 .
الإسلام ، ولا يلزم أن يتولّى الاُمور المذكورة شخص ، فاستكشاف لزوم الرجوع إلى أحد في الشريعة من ملاحظة أفعال العامّة وسيرتهم أمر غلط وغير صحيح .
مع أنّا لو سلّمنا الكبرى فالصغرى غير ثابتة ، لأنّ حصر المرجع في الفقيه أيضاً لم يقم عليه دليل موجب للعلم أو الاطمئنان ، ولماذا لم يجز الرجوع في تلك الاُمور إلى عدول المؤمنين مثلاً ، فهذا الدليل ساقط لا يمكن الاستدلال به .
وثانيهما : ما استدلّ به بعض المعاصرين من رواية عمر بن حنظلة حيث ورد فيها إنّ رجلين تحاكما إلى السلطان أو القاضي لأجل التنازع في دين أو ميراث فحكم الإمام (عليه السلام) بأنّ التحاكم إليهما كالتحاكم والترافع إلى الجبت والطاغوت فأرجعهما إلى رواة الحديث ، فمنه يعلم أنّ كل ما كانوا يرجعون فيه إلى السلطان أو القاضي لابدّ من أن يرجعوا فيه إلى الرواة والفقهاء ولاب-دّ م--ن الاستجازة منهم .
ولكنّه مندفع بأنّ الإمام (عليه السلام) إنّما أرجعهما إلى الرواة في خصوص التنازع في دَين أو ميراث لا في جميع الأُمور وهذا ظاهر في ثبوت منصب القضاء والمحاكمة لهم ، فلا يستفاد منه الولاية المطلقة للفقيه بوجه .
فالمتحصّل : أنه لم تثبت للفقيه ولاية بنحو من الأنحاء في شيء من الموارد أبداً . هذا كلّه بحسب الدليل الاجتهادي .
وأمّا مقتضى الأصل العملي على تقدير الشكّ في ثبوت الولاية للفقيه وعدمه فقد ذكرنا سابقاً أنه يختلف باختلاف الموارد ، فتارةً نشكّ في أصل مشروعية بعض التصرّفات ولو في حقّ الفقيه أيضاً كما إذا أردنا تزويج الصغير مثلاً لأنه مشكوك الجواز ولو بالاضافة إلى الفقيه لأنه لم تثبت ولايته على الأطفال نظير الآباء والأجداد ، وكالحدود فإنّ إجراء كل أحد الحدّ على كل أحد غير جائز قطعاً بل لابدّ في أمثال ذلك من أن تصدر تلك الأفعال والتصرفات باجازة الإمام ، مثلاً إذا أردنا
الاقتصاص من أحد من المسلمين بالقتل فلابدّ فيه من الاستجازة من شخص الإمام وإلّا كيف يجوز قتل أحد من دون دليل فإنّ مقتضى عموم حرمة قتل النفس وإيذاء الناس حرمتهما على نفس الفقيه فضلاً عن غيره . فهذه الأُمور خارجة عن محل الكلام في المقام لتوقّفها على إجازة الإمام فقط ولا تكفي فيه إجازة الفقيه ولا غيره كما هو ظاهر .
وأُخرى نعلم أصل مشروعية العمل بل نعلم بوجوبه بلا تقييد إلّا أنّا نحتمل التقييد في الواجب بأن يكون العمل المأذون فيه من الفقيه واجباً فأصل الوجوب محرز ولا كلام فيه ، وإنّما الكلام في اشتراط الواجب بشيء ففي مثل ذلك لا ينبغي الإشكال في أنّ مقتضى البراءة عن التقييد والاشتراط عدم اشتراط العمل بشيء وهو نتيجة الاطلاق ، فمقتضى الأصل عدم لزوم الاستجازة من الفقيه .
وثالثة نعلم بأصل الوجوب في الجملة بمعنى أنّا نحتمل أن يكون الوجوب مقيّداً باجازة الإمام أو الفقيه كما في مثل صلاة الجمعة حيث يحتمل أن تكون واجبة فيما إذا أجاز الفقيه وغير واجبة فيما إذا لم يجزها ، ففي مثل ذلك مقتضى الأصل عدم الوجوب إلّا فيما إذا أجاز الفقيه لأنه متيقّن حينئذ وهو نتيجة التقييد.
ورابعة : نعلم أصل مشروعية العمل ولا نحتمل الوجوب في شيء ولكن نعلم بمشروعيته عند إجازة الفقيه ونشكّ في جوازه بدونها وهذا كما في التصرف في بعض الأوقاف العامّة أو الأخماس وسهم الإمام فإنّ التصرف فيها بإذن الفقيه مقطوع الجوز لعدم جواز التصرف في ملك الغير وهو الإمام ، وبما أنه غير متمكّن الوصول إليه وقلنا بعدم جواز دفنه أو الايصاء به أو إلقائه في البحر بل لابدّ من صرفه ، ولا نحتمل اشتراط إجازة غير الفقيه قطعاً ، فنعلم أنه عند إجازة الفقيه جائز قطعي ونشكّ في صورة عدم الاجازة ونفس الشكّ كافٍ في عدم جواز العمل ، فهذا ليس من أجل ولاية الفقيه بل من أجل الأخذ بالمقدار المتيقّن ، ومن ذلك أيضاً التصرف
في أموال القاصرين وحفظها فإنّ جواز حفظها ممّا لا إشكال فيه غير أنّا نشك في جوازه بدون إذن الفقيه ونعلم بجوازه ،معه ، فيعتبر إذنه من باب الأخذ بالمقدار المتيقّن .
إذا قلنا بولاية الفقيه في بعض الموارد وتعذّر الوصول إليه لعدم التمكّن من السؤال أو لبعد المكان وغيرهما من الأعذار فهل يجوز لعدول المؤمنين التصرف في ذلك المورد لثبوت الولاية لهم حينئذ أو لا ؟ فيه خلاف .
وتوضيح الكلام في المقام : أنّ الموارد التي كان مقتضى الأصل فيها جواز التصرف وعدم الاشتراط بإذن الفقيه كصلاة الميّت مثلاً ففي مثل ذلك إذا تعذّر الوصول إلى الفقيه فجواز التصرّف فيه للمؤمنين موافق لما يقتضيه الأصل العملي .
وأمّا في الموارد التي كان مقتضى الأصل فيها حرمة التصرّف وعدم جوازه وإنّما حكمنا بجواز التصرّفات للفقيه من باب الأخذ بالمقدار المتيقّن ، فإذا تعذّر الوصول إلى الفقيه في مثل ذلك فلا يجوز التصرّف لأحد أبداً ، لأنّ مقتضى الأصل عدم جواز التصرّف فيه ونشكّ في مشروعية أصل العمل إذا لم يكن باجازة الفقيه وكونه معروفاً والمعروف صدقه لا ينافي ما ذكرناه ، لأنّ كونه معروفاً بدون إجازة الفقيه أوّل الكلام اللهمّ إلّا أن نعلم خارجاً محبوبية العمل الله تعالى وأمره به ولو في حال التعدّر من الوصول إلى الفقيه ، فإنّ التصرّف حينئذ يجوز للمؤمنين للعلم بمشروعيته حسب الفرض ، إلّا أنّ لازم ذلك عدم احتمال اشتراط العمل بإذن الفقيه ، إذ العلم بمحبوبية العمل حال التعذّر من الوصول إلى الفقيه لا يجتمع مع احتمال الاشتراط بإذن الفقيه .وبالجملة أنّ نسبة عدول المؤمنين إلى الفقيه كنسبة الفقيه إلى الإمام فيأتي فيه ما كان يأتي في الفقيه بالاضافة إلى الإمام (عليه السلام) .
ومن ذلك القبيل سهم الإمام (عليه السلام) عند عدم التمكّن من الوصول إلى الفقيه لأنّا نعلم حينئذ محبوبية صرفه في حوائج المحتاجين فيجوز لنا أن نتصرف فيه حسبةً .
ثمّ إنّ المؤمن المتصرف في الأموال عند تعذّر الوصول إلى الفقيه هل يشترط أن يكون عادلاً ثقة أو لا يشترط فيه العدالة بوجه وتجوز تصرفات الفاسق أيضاً كالعادل عند عدم التمكّن من الفقيه ؟
وليعلم أنّ نسبة الفاسق إلى العادل كنسبة العادل إلى الفقيه فيما يقتضيه الأصل العملي ، ففي التصرفات التي مقتضى الأصل فيها عدم الجواز لا ينبغي الإشكال في أنّ المقدار المتيقّن هو صحّة تصرفات العادل دون غيره ، نعم فيما إذا تعذّر الوصول إلى العادل فلا محالة تصل النوبة إلى الفاسق فيتصرّف في الأموال وغيرها من التصرفات ، هذا كلّه بحسب الأصل العملي .
وأمّا بحسب ما ورد في المقام من الأخبار والروايات فلابدّ من أن يلاحظ أنّها هل تقتضي اعتبار الوثاقة فقط أو تقتضي اعتبار العدالة .
فمنها : صحيحة محمّد بن إسماعيل « رجل مات من أصحابنا بغير وصية فرفع أمره إلى قاضي الكوفة فصيّر عبد الحميد القيم بماله ، وكان الرجل خلّف ورثة صغاراً ومتاعاً وجواري ، فباع عبد الحميد المتاع ، فلمّا أراد بيع الجواري ضعف قلبه عن بيعهن إذ لم يكن الميّت صيّر إليه وصيته وكان قيامه فيها بأمر القاضي (وضعف قلبه) لأنّهنّ فروج ، فما ترى في ذلك ؟ قال فقال : إذا كان القيّم مثلك ومثل عبدالحميد فلا بأس »(1)فوقع الكلام في أنّ المراد بالمماثلة في الرواية ماذا ، احتمل
1) الوسائل 17 : 363 / أبواب عقد البيع وشروطه ب 16 ح 2 (مع اختلاف يسير) .
شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1)في الرواية أربعة احتمالات :
أحدها : المماثلة في التشيّع . وثانيها : المماثلة في الوثاقة . وثالثها : المماثلة في الفقاهة . ورابعها : المماثلة في العدالة ، وذكر أنّ الاحتمال الثالث منافٍ لاطلاق المفهوم الدالّ على ثبوت البأس مع عدم الفقيه ولو مع تعذّره ، مع العلم بأنّ القيمومة ثابتة لعدول المؤمنين عند تعذّر الوصول إلى الفقيه ، فبهذا العلم الوجداني نسقط الاحتمال الثالث عن الاعتبار ، إذن يدور الأمر بين الاحتمالات الثلاثة الباقية ، ولابدّ فيها من أن يؤخذ بما هو الأخص منها في مخالفة الأصل وهو العدل .
ويتوجّه عليه أوّلاً : أنّ العلم الخارجي بعدم إرادة الاطلاق م--ن الك--لام لا يرخّص رفع اليد عن ظهور اللفظ في الاطلاق، بل لابدّ من التحفّظ على الظهور وتقييد الاطلاق بالعلم الوجداني بالتقييد ، وأمّا رفع اليد عن أصل الظهور وحمل اللفظ على خلاف الظاهر فهو ممّا لا مجوّز له على ما فصلنا الكلام فيه عند التكلّم في مبحث العام والخاص وقلنا إنّ أصالة الظهور إنّما تجري في تعيين المراد لا - بعد العلم بالمراد - في أنه كيف يراد .
وثانياً : أنّ هذه المناقشة تجري في الاحتمال الرابع أيضاً للعلم بأنّ القيمومة ثابتة للفاسق عند تعذّر الوصول إلى العادل مع أنّ مفهوم الصحيحة ثبوت البأس عند عدم العدالة على نحو الاطلاق ، فالعلم الوجداني على الخلاف موجود في هذا الاحتمال أيضاً ، هذا .
والصحيح أن يقال : بأنّ الاحتمال الأول أيضاً ساقط عن الاعتبار أعني المماثلة في التشيّع ، لأنّ الظاهر من الرواية أنّ السؤال إنّما هو عن الميّت من الشيعة والعادة جارية على نصب واحد ممّن يوافق الميت في المذهب من أقران الميّت
1) المكاسب 3 : 565 .
وأصحابه قيّماً على أمواله وأطفاله ، فإنّ من البعيد غير المتعارف أن ينصب سنّي قيّماً على أولاد الشيعي المتوفّى ، إذن فالمماثلة في الطريقة والتشيّع كانت مفروغاً عنها في الرواية ، ومعه لابدّ في الخروج عن أصالة عدم جواز التصرف في أموال الغير من أن نعتبر جميع المحتملات الباقية في المماثلة كالوثاقة والعدالة والفقاهة وغيرها ممّا نحتمل في معنى المماثلة اقتصاراً على القدر المتيقّن في الخروج عن مقتضى الأصل حتّى مثل المكان والبلد والعمر فيها إذا احتملنا دخل هذه الأُمور ، والوجه في ذلك أنّ الظاهر من الرواية هو التمكّن من استئذان الإمام (عليه السلام) في التصرفات وكان العصر عصر الحضور ، كما أنّ المبيع كان متاعاً لا يخشى عليه من الضياع والتلف على تقدير تأخير بيعه إلى زمان تحصيل الاذن من الإمام (عليه السلام) .
ومن الظاهر أنه مع التمكّن من الإمام (عليه السلام) وحضوره ليس لغيره الولاية في أمثال مورد السؤال ، ومعه إذا جعل الولاية لواحد كما في قوله (عليه السلام) « إذا كان مثلك ومثل عبد الحميد فلا بأس » فهو حكم على خلاف القاعدة يقتصر فيه على المقدار المتيقّن كما ذكرناه ، فإنه ( عليه السلام) قد جعل بذلك الولاية لغيره مع التمكّن من الوصول إليه على طبق القضية الحقيقية ولو لأجل التساهل والارفاق ، فلا مناص من الاكتفاء في الخروج عمّا تقتضيه القاعدة ع-ل-ى الق-در المتيقّن .
ومنها : صحيحة علي بن رئاب « رجل مات وبيني وبينه قرابة وترك أولاداً صغاراً ، أو مماليك وجواري ولم يوص فما ترى في من يشتري منهم الجارية ويتخذها أُمّ ولد وما ترى في بيعهم ؟ قال : إن كان لهم ولي يقوم بأمرهم باع عليهم ونظر لهم وكان مأجوراً فيهم ، قلت : فما ترى في من يشتري منهم الجارية ويتّخذها أُمّ ولد ؟ فقال : لا بأس بذلك إذا باع عليهم القيّم بأمرهم الناظر فيما يصلحهم ، وليس
لهم أن يرجعوا فيما فعله القيّم بأمرهم الناظر فيما يصلحهم »(1)وهذه الرواية تدلّ على كفاية الوثاقة والأمانة ، وملاحظة غبطة اليتيم في صحة الولاية والتصرف في أموال الصغير وأنه لا يحتاج إلى العدالة بوجه وعليها حمل شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) الرواية المتقدّمة وبها فسّر المماثلة المذكورة فيها .
ولا يخفى أنّ الرواية ليست بصدد بيان الأوصاف المعتبرة في القيّم وغير ناظرة إليها ، وإنّما هي في مقام بيان جواز الشراء فيما إذا باع عليهم القيّم الناظر إلى أفعالهم ، أمّا أنّ أيّ وصف يعتبر في القيّم فهي غير ناظرة إليه فلا يمكن الأخذ باطلاقها . على أنّ هذه الرواية مطلقة من حيث عدم اعتبار تعذّر الوصول إلى الإمام فضلاً عن الفقيه ، بل حكم بجواز تولية آحاد المسلمين على نحو الاطلاق سواء كان ذلك في زمان الإمام وأمكن الوصول إلى محضره أم كان في زمان آخر تمكّن من الوصول إلى الفقيه أم لم يتمكّن ، وعليه فتكون هذه الرواية أجنبية عمّا نحن بصدده ، إذ الكلام في ولاية المؤمنين أو غيرهم في غير زمان التمكّن من الإمام أو الفقيه ، وأمّا جعل الولاية على نحو الاطلاق فيمكن أن يشترط فيها شيء ء آخر أو يحذف عنها بعض الشروط ، وكيف كان فالمقام غير ما دلّت عليه الرواية كما ه-و ظاهر.
ومنها : موثّقة زرعة عن سماعة « في رجل مات وله بنون وبنات صغار وكبار من غير وصية ، وله خدم ومماليك كيف يصنع الورثة بقسمة ذلك ؟ قال : إن قام رجل ثقة قاسمهم ذلك كله فلا بأس »(2).
وهذه الرواية غير منافية لاشتراط العدالة في القيّم بوجه ، وذلك لأنّ الثقة
أخص من العدالة ومعناها من يؤمن به في جميع أفعاله وأخلاقه ودينه ، ومنه ثقة الإسلام لقب الكليني (قدّس سرّه) وأمّا إطلاق الثقة في اصطلاح الرجاليين على من لا يكذب في الحديث فقط وإن كان فاسقاً في حدّ نفسه أو كان كافراً مثلاً فهو اصطلاح خاص للرجاليين وإنّما اصطلحوا بذلك لأنه مشغلتهم حيث إنّ شغلهم التفتيش عن صدق الرواة وكذبهم في الخبر ، وأمّا الثقة على نحو الاطلاق كما وقع في الحديث فهي عبارة عمّن يؤمن به في جميع الأُمور على نحو الاطلاق وهو أرقى من العدالة وأخصّ منها كما لا يخفى .
وهذه الرواية أيضاً مطلقة من حيث التمكّن من الوصول إلى الإمام أو الفقيه و عدمه كما في الرواية المتقدّمة .
ومنها : صحيحة إسماعيل بن سعد قال سألت الرضا (عليه السلام) عن رجل يموت بغير وصية وله ولد صغار وكبار أيحلّ شراء شيء من خدمه ومتاعه من غير أن يتولّى القاضي بيع ذلك ، فإن تولّاه قاض قد تراضوا به ولم يستعمله الخليفة أيطيب الشراء منه أم لا ؟ قال (عليه السلام) إذا كان الأكابر من ولده معه في البيع فلا بأس إذا رضي الورثة بالبيع وقام عدل في ذلك »(1)وهذه الرواية أيضاً تدلّ على اشتراط العدالة في القيّم .
فتلخّص من جميع ما ذكرناه : أنّ بيع مال اليتيم يجوز لكل عدل من المسلمين أن يتولّاه مع ملاحظة غبطة الصغير وإن لم يكن بإذن الإمام أو الفقيه ، إلّا أنّ ذلك أمر يختص بهذا المورد ، وأمّا في غير البيع من التصرفات المالية أو التصرفات في نفس اليتيم فلابدّ من الاستجازة من الفقيه إن كان ، وإلّا فعلى الترتيب المتقدّم سابقاً ، وأمّا بدون الاجازة فلابدّ من المراجعة إلى ما يقتضيه الأصل العملي وه-و
1) الوسائل 17 : 362 / أبواب عقد البيع وشروطه ب16 ح1 .
يقتضي حرمة التصرف في مال الغير بدون إذنه .
بقي الكلام فيما أفاده شيخنا الأنصاري(1)في المقام من أنّ الحاكم إذا تصرف في مال أحد ببيعه أو في عرضه بتزويجه ونحوهما فلا يجوز للحاكم الآخر أن يتصرف فيه بفسخه أو بشيء آخر ينا في تصرّف الأول ، وذلك لأنه مزاحمة لما ص--در م--ن الحاكم الأول ومزاحمته مزاحمة الإمام (عليه السلام) ، إذ المفروض أنه نائب عنه وفعله فعله ووضع يده على المال كوضع الإمام عليه السلام) يده عليه ومزاحمة الإمام غير جائزة ، بل الصحيح هو تصرّف الحاكم الأول ومعه لايبقى لتصرف الثاني فيه مجال ، لأنّ أدلّة النيابة عن الإمام لا تشمل ما كان فيه مزاحمة الإمام ، بل لولا ذلك للزم اختلال النظام في مثل هذه الأيام التي شاع فيها القيام بوظائف الحكّام ممّن يدّعون الحكومة فأحدهم يتصرف في مال والآخر يفسخه ، هذا .
ولا يخفى أنه بناء على نيابة الفقيه عن الإمام عليه السلام) لا معنى لمزاحمة الحاكم الثاني للحاكم الأول في تصرفاته ، وذلك لأنّ الحكّام حينئذ أيدي الإمام وأفعالهم كأفعاله ، فإذا تصرف فيه أحدهم بالبيع فقد تصرف فيه الإمام بالبيع فإذا فسخه الحاكم الثاني لما يراه من المصلحة في فسخه فقد فسخه الإمام ، ففعلهما كفعلي شخص واحد ، فلا يكون أحد فعليه مزاحماً لفعله الآخر بوجه ، فعلى القول بنيابة الفقيه فلا محيص من الالتزام بصحة فعل كل واحد منهما ولا يكون أحدهما مزاحماً لفعل الإمام أبداً .
ولكن الذي يسهل الخطب أنّ النيابة لم تثبت للفقيه ومقتضى الأصل الأولى عدم نفوذ تصرف أحد في مال الآخر أو عرضه ، وقد خرجنا عن مقتضى ذلك في الحاكم الأول من باب الأخذ بالمقدار المتيقّن ، وأمّا تصرف الحاكم الثاني فلا يشمله
1) المكاسب 3 : 571 - 572 .
الدليل لما عرفته من الأصل فيكون لغواً ، وإنّما حكمنا بصحة تصرف الأول وخرجنا فيه عمّا يقتضيه الأصل الأوّلي من أجل الأخذ بالقدر المتيقّن ممّا دلّ على نيابة الفقيه ، فلا يبقى لتصرفات الحاكم الثاني دليل فلا محالة يقع لغواً .
وأمّا ما ادّعاه (قدّس سرّه) من استلزام المنع عن ذلك اختلال النظام ، فيندفع بأنّ ذلك إنّما يلزم من كثرة دعوى المدّعين الكاذبين لا من أجل صحة تصرف الفقيه الثاني ، وكذب المدّعي واستلزامه الاختلال لا يمنع عن جعل النيابة لكل واحد من الفقيهين الجامعين للشرائط ، كما لا يلزم الاختلال من ثبوت الولاية للأب والجدّ في عرض واحد ، فلولا ما ذكرناه من عدم نيابة الفقيه للزم الالتزام بصحة فعل كل واحد من الحاكمين لا محالة ، إلّا أنّك عرفت أنّ الأصل يقتضي عدم نفوذ تصرف أحد في حقّ الغير والفرق بين ما أفاده شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) وبين ما ذكرناه أنه على ما أفاده (قدّس سرّه) لا يشمل الدليل ما كان فيه مزاحمة الإمام (عليه السلام) وأمّا بناء على ما ذكرناه فلا دليل على النيابة أصلاً فالنتيجة واحدة ، هذا كلّه في الحكّام .
وأمّا في عدول المؤمنين فقد أفاد (قدّس سرّه) أنه لا مانع من تصرف العادل الثاني أيضاً بعد تصرف الأول من أجل أنّ ولاية العادل مجرد تكليف وجوبي أو استحبابي وليست على وجه النيابة من الإمام حتّى يقال إنّ فعل الثاني منها مزاحمة للإمام (عليه السلام) بل كلاهما أمران واجبان أو مستحبّان، هذا .
ولكنّا لم نفهم ماذا يريد (قدّس سرّه) من هذا الكلام وأنّ الولاية بمعنى التكليف المجرّد ما معناها في المقام ، إذ لا معنى للولاية إلّأ كون تصرف العادل نافذاً وليست الولاية إلّا ذلك ، نعم هذه الولاية لم تثبت للعادل من قبل الفقيه .
وكيف كان فالظاهر أنّه لا فرق بين العدول والحكّام في ذلك وأنّ تصرف الثاني منهما ممّا لا دليل عليه وإنّما ينفذ تصرف الأول منهما من أجل الأخذ بالمقدار
المتيقّن ، نعم في الموارد التي مقتضى الأصل فيها الجواز كما في صلاة الميّت لا مانع من صحة فعل الثاني منها أي من العادل والحاكم ، لأنّ الأصل يقتضي الجواز فإذا أجاز الحاكم إقامة الصلاة على الميت الذي لا ولي له لأحد فسبقه شخص آخر في إقامتها عليه فلا مانع من الالتزام بصحتها ، لأنّ مقتضى الأصل فيها هو الصحة ، فالتفصيل إنّما هو بين الموارد التي مقتضى الأصل فيها الجواز وبين ما يقتضي الأصل فيه عدم الجواز من دون فرق بين العادل والحاكم ، فلو ادّعى (قدّس سرّه) لزوم الاختلال من تصرّف العادل الثاني لكان أولى من ادّعائه في الحاكم لكثرة عدول المؤمنين واقعاً.
بقي في المقام شيء غفلنا عنه في البحث المتقدّم : وهو أنّ شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1)ذكر أُموراً بعد اشتراط العدالة فى عدول المؤمنين حسب الأخبار الواردة في اشتراط ولايتهم بالعدالة ، ومن جملة هذه الأُمور : أنّ العدالة إنّما هي شرط صحة الشراء من الولي الذي هو المؤمنون وليست شرطاً في صحة مباشرة الولي لأُمور المولّى عليه في حد نفسه ، فللفاسق أن يتصرف في أموال الصغير إذا كان ذلك على وفق المصلحة ، إلّا أنّ الغير إذا أراد أن يشتري منه شيئاً من أموال الصغير فصحة ذلك الشراء مشروطة بعدالة البائع الولي ، فهي شرط في صحة أفعال الغير دون نفس مباشرة الولي .
وقد استدلّ على ذلك تارةً : بأنّ تصرفات الولي في أموال الصغير معروف وكل معروف إحسان أو صدقة ، فهي لا تتوقّف على عدالة ذلك الشخص ، وكذا تصرفاته في أُمور الطفل عون له وعون الضعيف صدقة.
وأُخرى : بقوله تعالى : وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ(2)
بتقريب أنه عام للعدول والفسّاق وقد اشترط في تقرّبهم إلى مال اليتيم أن يكون ذلك بما هو مصلحة في حقّه وأحسن بالاضافة إليه ، فعليه لا تشترط العدالة في مباشرة الولي في اُمور اليتيم بل إنّما هي شرط في صحة شراء الغير منه بمقتضى قوله « وقام عدل في ذلك » في صحيحة إسماعيل بن سعد (1)وأمّا صحيحة محمّد بن إسماعيل السابقة (2)المشتملة لقوله « إذا كان مثلك ومثل عبدالحميد فلا بأس » فقد عرفت أنّها محمولة على صحيحة علي بن رئاب (3)الدالّة على اعتبار الوثاقة عند الشراء ، هذا .
ولا يخفى أنّ ما استدلّ به على عدم اشتراط العدالة في المباشرة م-ورد للمناقشة الواضحة ، أمّا قوله (عليه السلام)« كل معروف صدقة » (4)أو عون الضعيف صدقة (5)فلأنّه إنّما تكفّل لبيان الحكم على وجه الكبروية ولا نظر له إلى بيان مصاديقها وصغرياتها ، ولا دلالة فيه على أنّ المورد معروف ، وعليه فمن أين يستفاد أن تصرف الفاسق في أموال اليتيم معروف ولعلّه أمر غير معروف لأنّ الأصل عدم جواز التصرف في مال الغير بدون إذنه .
وأمّا كونه على وفق مصلحته فهو لا يجعله معروفاً ، وذلك لعدم جواز بيع دار الغير كالجار فيما إذا رأينا مصلحة في بيعها بدعوى أنه مصلحة فهو معروف وك--ل معروف صدقة ، وذلك لحرمته وعدم صحته .
وأمّا الآية المباركة فقد عرفت أنّها تدلّ على عدم جواز أكل مال اليتيم إلّا
بطريق هي أحسن ، وهذا كسابقه أمر كبروي ولا دلالة فيه على أنّ ب-ي-ع الفاسق وتصرّفاته في مال اليتيم طريقة أحسن ، مع أنّ الأصل عدم جواز تصرّف أحد في مال الغير .
فالمتحصّل : أنّ العدالة شرط في صحة مباشرة الولي لا في خصوص الشراء أو غيره من أفعال الغير ، كما أنه لابدّ من إحراز العدالة في صحة الشراء منه ولا يمكن الاكتفاء في ذلك بحمل فعل المسلم على الصحة مطلقاً ، فلا وجه لما أفاده شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) من أنّ التمسك بأصالة الصحة إنّما لا يصحّ فيما إذا أردنا شراء شيء من أموال اليتيم من الولي الفاسق ، وأمّا إذا باعه الفاسق من شخص آخ--ر وأخذ الثمن منه فأردنا الشراء من ذلك الشخص الآخر فلا مانع من التمسك بأصالة الصحة فى المعاملة الواقعة بين الفاسق وذلك الشخص ومقتضاها جواز الشراء من الثاني ، وذلك لأجل الشك في أنّ مال اليتيم هل هو ذاك المال الموجود في يد البائع أو أنه عبارة عن الثمن الموجود في يد الولي الفاسق ، إذ المعاملة السابقة إن كانت صحيحة فماله هو الثمن ، وإن كانت باطلة فماله هو العين الموجودة في يد البائع ، فلا مانع من التمسّك بأصالة الصحة في جواز الشراء من الثاني .
والوجه في عدم صحة التمسّك بذلك : هو أنّا إذا اشترطنا في صحة الشراء عدالة الولي لما أشرنا إليه من الوجوه فمع عدم إحراز شرط الصحة والعلم بأنّ الولي فاسق يحكم بالبطلان لامحالة، سواء كان ذلك في الشراء من الولي أو كان في الشراء ممّن اشترى منه، فلابدّ من إحراز العدالة في صحّة المعاملة .
نعم لا مانع من التمسّك بأصالة الصحة فيما إذا وقع عقد على مال اليتيم وشككنا في صحته وفساده من أجل الشك في فسق الولي ، أو من جهة احتمال أنه استأذن من العادل مع إحراز فسقه بنفسه ، فلا مانع من التمسّك بأصالة الصحة والحكم بصحة ذلك العقد .
وأمّا إذا شككنا في صحة المعاملة قبل وقوع العقد على المال من أجل الشك في عدالة الولي أو فسقه فلا يصح التمسّك بأصالة الصحة في الحكم بجواز الشراء منه وذلك لأنّ حمل فعل البائع على الصحيح لا يقتضي الحكم بحصول شرط صحة شراء المشتري ، بل غاية ما يترتّب على أصالة الصحة في فعله هو الحكم بعدم صيرورة البائع فاسقاً بهذا التصرف ، وعليه فلابدّ من إحراز أنّ البائع عادل في صحة الشراء ، هذا كلّه في التصرف في أموال اليتيم ونحوه ممّا اشترط فيه العدالة .
وأمّا التصدّي لغيره من الأُمور ممّا لم يشترط فيها العدالة كإقامة الصلاة على الميت فلا إشكال في صحة الاكتفاء بفعل الفاسق لأنه يسقط الوجوب عن غيره لعدم اشتراط العدالة في صحة صلاة الميت ، نعم لو أخبر الفاسق بأنّي صلّيت على الميت أو صلّى عليه آخر فلا يمكن الاكتفاء بخبره ولا يسقط وجوبها عنه بذلك ، بل الأمر كذلك فيما لو أخبر بذلك العدل الواحد أيضاً فيما إذا قلنا بعدم شمول أدلّة حجّية خبر الواحد للموضوعات واختصاصها بالأحكام .
ثمّ إنه ظهر ممّا ذكرناه في المقام الفرق بين الشك في العدالة والشكّ في المصلحة في فعل الولي ، وذلك لأنّ أحدهما لا يقاس بالآخر بوجه ، لأنّ الشكّ في العدالة يرجع إلى الشك في أنه ولي أو ليس بولي، وأمّا الشكّ في المصلحة في فعل الولي فهو إنّما يكون شكّاً في مجوّز فعل الولي بعد الفراغ عن أنه ولي ، ولا إشكال في أنّ ما فعله الولي ممضى عند الشارع ويلزم الأخذ به ولو مع الشك في مصلحته ، وهذا بخلاف المقام لأنه شكّ في أصل الولاية فلا يمكن الأخذ بفعله ، فلا يرد ما أورده بعضهم على شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) من أنّ الشك في العدالة كالشكّ في المصلحة في فعل الولي وأنه لابدّ من الأخذ به .
ثمّ إنه يقع الكلام في أنّ تصرف الحاكم أو عدول المؤمنين أو فسّاقهم بناء على عدم اشتراط العدالة هل يشترط بوجود المصلحة في ذلك التصرف أو أنّ اللازم أن
لا يكون مع المفسدة وأمّا المصلحة فلا تعتبر فيه ، أو أنّ المعتبر في نفوذ تصرفات الولي هو أن يكون التصرف أصلح ومجرد المصلحة لا يكفي في صحة التصرفات ؟ هناك وجوه وأقوال وقد اختار الثالث شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1)وذكر أنّ بيع مال اليتيم بعشرة دراهم غير نافذ فيما إذا أمكن بيعه بأزيد منها وإن كان بيعه بعشرة دراهم أيضاً مصلحة في حقّه بل لو فعل ذلك في أموال نفسه عدّ سفيهاً .
ثم إنه استدلّ على ذلك بقوله تعالى : وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ(2)وبما أنّ الآية لم تُنقّح في آيات الأحكام تصدّى شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) لبيان معنى الآية وذكر أنّ القرب يحتمل وجوهاً .
الأول : مطلق التصرفات في المال ولو بنقله من مكان إلى مكان .
الثاني : مجرد وضع اليد على المال في الابتداء وأمّا التصرفات الواقعة عليه بعده من البيع والاجارة فهي خارجة عن القرب وإنّما هو عبارة عن وضع اليد عليه حدوثاً .
الثالث : ما يعدّ تصرفاً عرفاً فلا يشمل جميع التصرفات .
الرابع : مطلق التصرفات الأعم من الفعل والترك ، والجامع أن يكون أمراً اختيارياً متعلّقاً بمال اليتيم .
ثم إنّ لفظة أَحْسَنُالمذكورة في الآية المباركة تحتمل اُموراً : الأول أن يراد بها التفضيل كما هو ظاهرها . والثاني : أن يراد بها الحسن كما أُطلق في قوله تعالى :وَأَوْلُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ الله(3)وأُريد بها خلاف ظاهرها .
ثم إنّ الأحسن يحتمل أن يراد به الأحسن على نحو الاطلاق فإذا كان هناك فعلان كبيعه من زيد وبيعه من عمرو وترك واحد كترك بيعه مثلاً فلابدّ من اختيار الفعل الذي هو أحسن من تركه ومن الفعل الآخر ، كما يحتمل أن يراد به الأحسن في الجملة وهو الذي يكون أحسن من تركه فقط . وكذا الحسن يحتمل أن يراد به ما لا مفسدة فيه كما يحتمل أنّ يراد به ما فيه المصلحة ، ثم استظهر من احتمالات القرب الاحتمال الثالث من بينها ، و من احتمالات الأحسن الاحتمال الثاني وهو كونه بمعنى التفضيل المطلق ، ثم ذكر فرعاً وهو أنه إذا فرضنا أنّ المصلحة قد اقتضت بيع مال اليتيم فبعناه بعشرة دراهم ثم فرضنا أنه لا يتفاوت لليتيم إبقاء الدراهم على حالها أو جعلها ديناراً فلا يجوز للولي أن يجعل الدراهم ديناراً ، لأنّ هذا التصرف ليس أصلح من تركه وإن كان الولي في أوّل الأمر مخيّراً بين بيع مال اليتيم بالدراهم وبين بيعه بالدينار ، لأنّ المفروض عدم التفاوت بين الدراهم والدينار بعد فرض أنّ المصلحة تعلّقت بتبديل مال اليتيم بالنقد ، هذا كلّه بناء على الوجه المختار عنده (قدّس سرّه).
وأمّا إذا جعلنا الحسن بمعنى ما لا مفسدة فيه فيجوز تبديل الدراهم بالدينار لأنه تصرف من غير مفسدة ، وكذا لو جعلنا القرب بالمعنى الرابع وذلك لأنّ الولي مكلّف بأن يكون ترك تصرفاته في الدراهم على وجه الأحسن وبما أنّ المفروض أنّ الأحسن هو جعل مال اليتيم نقداً فلا محالة يكون مخيّراً بين إبقاء الدراهم على حالها وبين جعلها ديناراً ، فالقدر المشترك بين الابقاء والتبديل أحسن ، فليس له ترك كل واحد منهما فهو مخيّر بينهما لا محالة ، هذا ملخّص ما أفاده (قدّس سرّه) في المقام .
ولكنّك خبير بأنّ الاحتمالات الأربعة في معنى القرب كلّها غير محتمل الارادة من الآية .
أمّا الاحتمال الرابع ، فلأنّ شمول القرب للترك من غرائب الكلمات وكيف
يطلق على من ترك التصرف في مال اليتيم أنه تقرّب من ماله ، بل وعليه يجب الزام الناس بالتصرف في مال اليتيم لأنّ تركه تقرّب من ماله وهو حرام إلّا إذا كان على الوجه الأحسن .
وأمّا الاحتمال الثالث ، فلأنّ مجرد البيع أو الاجارة المتعلّقين بمال اليتيم لا يعدّ تقرّباً إلى أمواله ما دام لم يستول البائع على ماله ولم يتسلّط عليه خارجاً بنقله وتحويله ، فمجرد التصرف الاعتباري لا يكون مصداقاً للقرب كما هو ظاهر .
وأمّا الاحتمال الثاني : فلأنّ مجرد وضع اليد على المال لا يكون تقرّباً إلّا على نحو الاستيلاء خارجاً وهو لا يختصّ بالحدوث بل كما يكون تقرّباً عند الحدوث كذلك يصدق عليه التقرّب بالبقاء .
وأمّا الاحتمال الأول : فلأنّ مطلق التقلّب في مال اليتيم لا يصدق عليه القرب عند العرف ما لم يستول عليه في الخارج ، فالظاهر أنّ القرب بمعنى التسلّط والاستيلاء على مال اليتيم في الخارج .
ثم إنّ النهي في قوله تعالى لَا تَقْرَبُوانهي تكليفي محض ولا دلالة فيه على الفساد والبطلان ، لأنّ النهي قد تعلّق بالفعل الخارجي وهو الاستيلاء ولم يتعلّق بعنوان المعاملة ، فلا محالة يكون تكليفياً لا إرشاداً إلى الفساد ، وعليه فالآية أجنبية عن المعاملات الواقعة على مال اليتيم ولا تعرّض فيها لحكمها وأنّها صحيحة أو فاسدة أبداً ، وعليه فلا يهمّنا تحقيق معنى الأحسن وأنه بأي معنى أريد في الآية .
والتحقيق أنّ مطلق التصرفات الواقعة على مال اليتيم من البيع والاجارة ونحوهما غير نافذة ، من غير فرق في ذلك بين أن يكون التصرف مصلحة في حقّه أو أصلح ، صا ، صدر من الحاكم أو عدول المؤمنين ، وذلك لما عرفت من أنه لم تثبت ولاية أحد على مال اليتيم إلّا في الموارد المنصوصة كما في تقسيم ماله بعد موت الم--ورّث
بمقتضى قوله (علیه السلام) « قام عدل في ذلك »(1)الحديث ، نعم لا مانع من تصرّفهم في ماله حسبة كما إذا رأينا أنّ ماله يفوت ونعلم أنّ الشارع لا يرضى بفوته فلا مانع حينئذ من تبديل ماله بالنقد أو بشيء آخر على التفصيل المذكور في محلّه .
وأما معنى قوله تعالىإِلَّا بِالَّتِي هِيَ فمرجع الضمير لم يظهر لن-ا حقيقة ولكن بعضهم فسّره بالنيّة بمعنى أنّ التقرّب من مال اليتيم غير جائز إلّا بنيّة أحسن من غيرها ، وفسّره بعض آخر بالكيفية بمعنى حرمة التقرّب إلى مال اليتيم إلّا بكيفية هي أحسن من غيرها ، وقد فسّرناه نحن بالطريقة وإن لم نره في كلمات المفسّرين ، فيصير معنى الآية حينئذ لا تقربوا مال اليتيم إلّا بطريقة أحسن وهي الطريقة الإسلامية لأنّها أحسن من غيرها ، والباء حينئذ للسببية ومعناه أنّ التقرّب المرخّص في الشريعة المقدّسة هو الجائز دون غيره ، فما رخّصته الطريقة الإسلامية فلابدّ من الأخذ به دون غيره .
وقد تحصّل من جميع ما ذكرناه إلى الآن : أنّ مقتضى الأصل عدم جواز تصرف أحد من الحاكم وعدول المؤمنين وغيرهم في أموال اليتيم ببيعها وشرائها وإجارتها ، ولم تثبت ولا يتهم عليه كما مرّ فلا ينفذ شيء من تصرفاتهم ، وقد خرجنا عن مقتضى الأصل في بعض الموارد بالقطع برضا الشارع في التصرف في أموال اليتيم ، وذلك كما إذا رأينا أنّ داره تنهدم لو لم تبع ولا يصل إلى اليتيم شيء م--ن منافعها على تقدير إنهدامها ، فلا محالة نحرز بذلك أنّ الشارع راضٍ ببيع ماله أو إجارته وهكذا ، إلّا أنه لابدّ في ذلك من الاقتصار على مورد اليقين ولا يمكن التعدّي عن المقدار المتيقّن ، لأنّ المخصّص عقلي وفي مثله لابدّ من أن يؤخذ بالقدر المتيقّن وهو عبارة عمّا إذا كان البيع أو غيره من التصرفات أصلح بحاله وأنفع
1) تقدّمت في الصفحة 181
من غيره ، فإذا كان بيعه بعشرين در هماً ممكناً مثلاً فلا يجوز بيعه بعشرة دراهم وإن كان مصلحة أيضاً لوجود ما هو أصلح منه في حقّه ، اللهم إلّا أن يكون في بيعه بعشرة مصلحة تعود إلى اليتيم وهي أعظم من مصلحة بيعه بعشرين درهماً ، هذا هو الذي يقتضيه الأصل في المقام .
وأمّا الروايتان المذكورتان في كلام الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه) فاحداهما حسنة الكاهلي قال « قيل لأبي عبدالله (عليه السلام) إنّا لندخل على أخ لنا في بيت أيتام ومعهم خادم لهم فنقعد على بساطهم ونشرب من مائهم ويخدمنا خادمهم وربما طعمنا فيه الطعام من عند صاحبنا وفيه من طعامهم فما ترى في ذلك ؟ قال : إن كان في دخولكم عليهم منفعة لهم فلا بأس وإن كان فيه ضرر فلا »(1)وقد استظهر منها شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(2)أنّ مناط حرمة التصرف في أموال اليتيم هو الضرر فإذا انتفى فيجوز التصرف فيها وإن لم يكن فيه منفعة ، وهذا يبتني على حمل المنفعة في الرواية على عدم الضرر كما صنعه شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) .
وقد ذكر شيخنا الأُستاذ (قدّس سرّه ) (3)أنّ الرواية تقتضي اعتبار المنفعة في جواز التصرف في أموال اليتيم ، ومفهوم ذلك عدم جواز التصرف فيما إذا لم يكن هناك منفعة في التصرف أو كان فيه ضرر عليه ، والإمام (عليه السلام) إنّما صرّح بالشق الثاني من المفهوم لأنه أظهر الفردين ، لا أنّ مفهومه منحصر فيه كما حملها عليه شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) هذا .
والظاهر أنّ المراد بالمنفعة في الرواية هو عدم الضرر وتدارك ما يرد عليهم
من المضارّ كما ذكره شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) والوجه في ذلك : أنّ ورود الضيف على أحد بنفسه يقتضي الضرر عليه لأنه يأكل من مأكلهم ويشرب من مشربهم ويستفيد من خادمهم وفراشهم ، فليس للضيف والوارد قسمان قسم يضرّ بوروده وقسم لا يضرّ ولا ينفع ، وإنّما له فرد واحد وهو يوجب الضرر دائماً ولأجله لا يصح أن يعبّر في الرواية عوض قوله إذا كان في دخولكم عليهم منفعة بأنه إذا كان دخولكم عليهم غير مضرّ فلا بأس وإن كان فيه ضرر فلا ، وذلك لعدم صحته وعدم فردين للورود لأنه منحصر في المضرّ ، فلابدّ من أن يعبّر عن تدارك الضرر بالمنفعة في المقام ، وعليه فيستقيم ما أفاده شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) من أنّ الرواية تدلّ على اعتبار عدم المضرّة في جواز التصرف في أموال اليتيم .
إلّا أنّ الرواية غير واردة فيما نحن فيه من بيع مال اليتيم وإجارته ونحوهما من التصرفات المعاملية ، وإنّما وردت في التصرف في أم--وال ال-ي-ت-ي-م بأكله ولبس--ه ونحوهما ، ومن المعلوم أنّ أحدهما غير الآخر لا محالة ، والإمام (عليه السلام) إنّما جوّز التصرف في مال اليتيم بأكله وصرفه مشروطاً بعدم كونه مضراً في حق اليتيم ولم يجوّز البيع أو الاجارة مشروطاً بهذا الشرط ، والوجه في تجويزه التصرف في ماله بالأكل واللبس بالشرط ظاهر وهو أنه لولا ذلك لم يجز لأحد التصرف في أمواله ولا الدخول عليه ولا الجلوس على بساطه ، ومعه لم يمكن حفظ كيان الصغير ويخرج بذلك عن المجتمع ويكون منعزلاً عن الناس وهو ممّا لا يرضى به الشارع جزماً ، وهذا بخلاف عدم تجويز بيع مالهم لأنه لا يترتّب عليه شيء من المحاذير ولعلّه ظاهر ، وكيف كان فالرواية أجنبية عمّا نحن بصدده وهو واضح .
وثانيتهما : رواية ابن المغيرة « قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) إنّ لي ابنة أخ يتيمة فربما أُهدي لها الشيء فآكل منه ثم أطعمها بعد ذلك الشيء من مالي فأقول
ياربّ هذا بهذا ، فقال (عليه السلام) لا بأس »(1)وهذه الرواية أيضاً تدلّ على جواز التصرف في مال اليتيم فيما إذا لم يكن التصرف فيه بأكله بلا عوض ، وأمّا إذا تدارك ما أكل منه بشيء آخر أنفع له أو مساءٍ له فلا مانع من التصرف فيه بأكله ، والوجه في تجويز التصرف فيما أُهدي إلى اليتيم هو أنّ الهدية بحسب الغالب تكثر عن مقدار مأكل المهدى إليه ، وعليه فإذا لم يأكل مصاحب اليتيم من ذلك ولم يتصرف فيه بوجه فلا محالة يبقى ويتلف بنفسه أو يسقط عن حيز الانتفاع ، وهذا بخلاف ما لو أكله مصاحبه ثم أطعمه من ماله بعد ذلك فإنه نفع لليتيم وموجب لعدم تضييع ماله وكيف كان فهذه الرواية أيضاً أجنبية عمّا نحن فيه من التصرّف في مال اليتيم بالبيع والاجارة ونحوهما ومقتضى الأصل هو المحكّم في المقام .
الكلام في عدم صحة نقل العبد المسلم إلى الكافر
قد اشترطوا في من ينتقل إليه العبد المسلم الإسلام فلا يجوز بيعه من الكافر بوجه ، من دون فرق في ذلك بين أن يكون العبد ثمناً في المعاملة أو مثمناً . والدليل على ذلك تسالم الفقهاء من أصحابنا وإجماعهم على عدم جواز نقله إلى الكافر .
وقد استدلّ على ذلك أيضاً بما ورد(2)من أنّ العبد إذا أسلم يباع على مالكه إذا كان كافراً ، وأنّ الكافر لا يمكن أن يتسلّط على المسلم ، بتقريب أنّ هذه الأخبار الواردة في بيع العبد المسلم على مولاه إنّما دلّت على أنّ الشارع لا يرضى ببقاء ملك الكافر على المسلم ، ويستفاد من ذلك عرفاً أنّ إحداث الملك أيضاً ممّا لا يرضى به الشارع ، وذلك لأنّ المولى إذا أمر عبده باخراج شخص من منزله فيستفيد العبد من
ذلك أنّ المولى لا يرضى بدخول هذا الشخص في منزله من الابتداء ، وبما أنّ الشارع أمر بازالة العلقة المالكية بحسب البقاء فمنه نستفيد أنّ إحداث تلك العلقة أيضاً غير مرضية عنده لا محالة . وقد قاسوا ذلك بما ورد من وجوب إزالة النجس عن المساجد حيث إنّ العرف يستفيد منه أنّ إدخال النجس إلى المسجد حرام وإلّا فلم یکن وجه للمنع عن ابقائه ، هذا .
وقد أجاب عن ذلك شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1)بأنّ الأمر وإن كان كما ذكر وأنّ المنع عن إبقاء العلقة أو الشيء الآخر يدلّ على المنع من إحداثها أيضاً ، إلّا أنه إنّما يفيد في المقام فيما إذا كان الأمر ببيع العبد المسلم على مولاه الكافر حكماً وضعياً والنهي عن إبقائه نهياً وضعياً ، وحينئذ كنّا نستفيد منه أنّ إحداث تلك العلقة أيضاً غير صحيح بحسب الوضع ، ولكن الأمر والنهي في الابقاء تكليفيان فقط ولا يشم منهما رائحة الوضع أبداً ، وعليه فنتعدّى إلى الحدوث بحسب الحكم التكليفي ونحكم بحرمة إيجاد العلقة بين العبد المسلم الكافر فقط من دون أن يكون البيع فاسداً فلذا لا يستفاد ذلك من عدم انتقال العبد المسلم إلى الكافر فيما إذا بيع منه سهواً أو نسياناً أو عصياناً ، هذا .
ثم إنّ شيخنا الأُستاذ (قدّس سرّه)(2)ذكر في المقام أنّ النهي عن إبقاء العلقة الملكية يستدعي بطلان ملك الكافر للعبد المسلم بحسب البقاء ، فمنه يستفاد حكم الحدوث وأنه لا ينتقل إلى الكافر بحسب الحدوث أيضاً ، هذا .
ولا يخفى عليك أنه بعد بيان شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) وتقريبه عدم دلالة الأدلّة على أزيد من النهي عن إبقاء العلقة المالكية تكليفاً لا يبقى مجال لما ذهب إليه
شيخنا الأُستاذ (قدّس سرّه) في المقام ولم نفهم مرامه (قدّس الله نفسه) بعد هذا البيان الذي لا قصور فيه بوجه و ملخّصه : أنّ النهي عن البقاء تكليفي محض وليس بوضعي أبداً ، وبما أنّ الحدوث مانع للبقاء فلا محالة يكون أصل حدوث العلقة الملكية مبغوضاً تكليفياً للشارع فقط ولا يستفاد منه بطلان المعاملة وعدم انتقال العبد المسلم إليه .
وقد استدلّ على عدم صحة بيع العبد المسلم من الكافر أيضاً بما ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام)(1)حيث أمر ببيع العبد الذي أسلم من المسلمين فقال اذهبوا فبيعوه من المسلمين ، بتقريب أنّ بيعه لو كان صحيحاً من غير المسلمين أيضاً فلم يكن وجه لتقييده (عليه السلام) الحكم بالمسلمين .
والجواب عن ذلك : ما ذكره شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) من أنّ الغرض من ذلك إنّما كان تخليص المسلم من الكافر فلو رخّص في بيعه من الكافرين أيضاً لكان ذلك نقضاً للغرض ، وبالجملة أنّ الغرض هو إزالة ملك الكافر وهذا لا يحصل إلّا ببيعه من المسلمين فقط ، فهذه الرواية لا تدلّ على المطلوب أيضاً .
وبعبارة اُخرى : أنّ الشارع قد حرّم بيع العبد المسلم من الكافر وأوجب إزالة ملكه عنه ، وغرض أمير المؤمنين (عليه السلام) العمل بذلك الوجوب ، وهذا لا يحصل إلّا ببيعه من المسلمين لأنّ بيعه من الكافر حرام ومعه كيف يمكن للأمير (عليه السلام) أن يرخّص في بيعه من الكفّار ، فالتخصيص بالمسلمين من أجل أن بيعه من الكافر حرام لا أنّ الكافر لا يملك المسلم على تقدير بيعه أيضاً .
وأمّا الاستدلال على عدم تملّك الكافر للعبد المسلم بقوله تعالى لَنْ يَجْعَلَ اللهُ
1) تقدّم مصدره آنفاً
لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً(1)فمع أنّ عنوان السبيل لا يصدق على مجرد إنشاء البيع والملكية الاعتبارية من دون استيلاء خارجي ، ذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(2)أنّ باب المناقشة في الاستدلال بها واسع . أمّا أوّلاً : فلأنّ الظاهر من الآية أنّ علّة الحكم فيها إنّما هي علوّ مرتبة الإسلام وخساسة الكفر ، فالكفر والإيمان تمام الموضوع في نفي السبيل ولسانها آبٍ عن التخصيص خصوصاً بملاحظة تصديرها ب- لَنْ وعليه فلابدّ من حملها على معنى لا يتحقّق فيه التخصيص ، إذ لو حملناها على إرادة الملك للزم تخصيصها بموارد شتّى مع أنّ لسانها آبٍ عن ذلك جدّاً وذلك لكثرة الموارد التي جاز بيع العبد المسلم من الكافر وتملّك الكافر له ولو آناً ما فمنها ما إذا كان العبد ممّن ينعتق على الكافر كما إذا كان ولده أو أباه ، ومنها ما إذا مات الكافر وانتقلت تركته إلى وارثه الكافر ومن جملتها العبد المسلم وغير ذلك من الموارد .
وأمّا ثانياً (3): فلأنّ صدر الآية وهو قوله فَاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قرينة على أنّ المراد عدم جعل السبيل للكافرين على المؤمنين في الآخرة لا في غيرها، ولو كان المراد نفي السبيل في هذه النشأة لم يرتبط صدر الآي-ة ب-ذيلها ويشهد لذلك أيضاً ما نشاهده بالعيان من تسلّط الكفّار على المسلمين في الخارج في جميع الأزمنة بحسب التكوين ، فلا محالة تحمل الآية على إرادة نفي جعل السبيل في الآخرة .
وأمّا ثالثاً : فلأنّ الآية على تقدير ظهورها في الملكية أيضاً لا بدّ من رفع اليد
ورد لما في تفسيرها من الأخبار وقد فسّرتها بنفي الحجّة للكفّار على المؤمنين وقد ورد عن أبي الحسن (عليه السلام)(1)أنّه ردّ من توهّم أنّ الحسين (عليه السلام) لم يقتل بيد الملعون يزيد بن معاوية عليهما اللعنة والعذاب مستدلّاً بقوله تعالى :لَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً وقال (عليه السلام) ليس المراد بالسبيل هو تسلّط الكفّار على المسلمين لأنه أمر قد وقع على من هو أشرف من الحسين (عليه السلام) وهو أمير المؤمنين والحسن (عليهما السلام) حيث قتلها الكفّار بل قد قتل كثير من الأنبياء العظام بأيدي الكافرين كما أخبر به سبحانه في كتابه (2)، وإنّم-ا الم--راد بالسبيل هو الحجّة لأنه تعالى لم يجعل للكافرين حجّة على المسلمين ، وعليه فمعنى السبيل هو الحجّة لا الملكية ، ودعوى أنّ الحجّة تعمّ الملكية أيضاً وتشمل الاستيلاء لا تخلو عن تكلّف ، هذا .
ولا يخفى أنه وردت روايات كثيرة في أنّ تفسير الآيات بشيء في أخبار التفسير إنّما هو بمعنى أنّ المعنى المفسّر به مصداق من مصاديق معنى الآية لا أنّ معناها منحصر بما ورد التفسير به في الأخبار ، وعلّل ذلك بأنّ القرآن يجري كما يجرى الشمس والقمر وليست آياته مختصّة بمورد خاص وإلّا للزم انتفاؤه بانتفاء موردها لأنّها حينئذ قضايا في وقائع قد انقضت ، وقد نقلت هذه الأخبار في مقدّمة تفسير البرهان فراجع(3)وعليه فلا ينافي تفسير السبيل بالحجّة شمول السبيل للملكية أيضاً لعدم انحصار معناه في الحجّية كما لا يخفى ، هذا .
ثمّ أورد عليه بقوله : وثالثة : بأنّ معنى الآية على تقدير كونه هو الملكية
متعارض بقوله أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (1)وغيره من أدلّة البيع لأنّها تقتضي صحة بيع الكافر وشرائه للعبد المسلم والآية تقتضي بطلانها، فلا محالة تسقط الآي-ة ع-ن الاستدلال بها على عدم الجواز ، هذا .
ولا يخفى عليك أنّ الآية إنّما تعارض أدلّة البيع بنحو الع-م-وم م-ن وج-ه فيتعارضان في بيع العبد المسلم وبعد تساقطهما عن الاعتبار فلابدّ من المراجعة إلى ما يقتضيه الأصل في موارد المعارضة ومقتضى الأصل في المعاملات هو الفساد فيحتاج صحة بيع العبد المسلم بعد ذلك إلى دليل آخر يدلّ على صحته وهو مفقود .
نعم يمكن أن يقال إنّ الآية تعارضأَوْفُوا بِالْعُقُودِ تعارض الاطلاق مع العام ، وحينئذ فلا إشكال في تقدّم العام عليه فيتمّ كلام الشيخ حينئذ ولا يحتاج إلى دليل الصحة في بيع العبد المسلم من الكافر لكفاية عموم قوله تعالى أَوْفُوا بِالْعُقُودِ
وأورد عليه رابعاً : بأنّ مقتضى استصحاب الصحة فيما إذا كان المشتري مسبوقاً بالإسلام صحة بيع العبد المسلم من الكافر ، لأنّ بيعه منه حين كونه مسلماً كان صحيحاً والآن كما كان ، وكذا فيا إذا كان العبد كافراً ثمّ أسلم فإنّ بيعه حال كونه كافراً من الكافر صحيح فنستصحب الصحة إلى زمان إسلامه ، وإذا أثبتنا صحة بيع العبد المسلم في مورد فنثبت صحته في غيره من الموارد بعدم القول بالفصل، ثم ذكر (قدّس سرّه) أنّ استصحاب الصحة لا يعارضه أصالة الفساد في غير هذه الموارد لتقدّمه عليها ، هذا .
ولكن الاستدلال من أوّله إلى آخره لم يكن مترقّباً منه (قدّس سرّه) وذلك أمّا أوّلاً : فلانّه مبني على صحة الاستصحاب التعليق ، وذلك لأنّ الاستصحاب في
1) المائدة 5 : 1 .
المقام تعليقي لعدم وجود بيع في الخارج وإنّما نقول لو كان العبد المسلم بيع للكافر قبل ارتداده لكان صحيحاً أو لو بيع العبد الكافر قبل إسلامه من الكافر لكان جائزاً وقد عرفت أنّ الاستصحاب التعليقي لا أساس له ، هذا مضافاً إلى أنّ الاستصحاب في الأحكام الكلّية غير جارٍ من رأسه ، هذا كلّه أولاً .
وأمّا ثانياً : فلأنّ عدم القول بالفصل في الأحكام الظاهرية لا معنى له ، وإنّما يدعى ذلك فيما إذا ورد دليل وأثبت الحكم الواقعي في مورد وحينئذ يمكن التعدّي منه إلى سائر الموارد بعدم القول بالفصل ، وأمّا الأحكام الظاهرية فلا معنى لعدم القول بالفصل فيها لأنّها تابعة لتحقّق موضوعاتها ، والملازمة بين الموردين من حيث الحكم الواقعي لا يستتبع اتّحادهما من حيث الحكم الظاهري أيضاً ، مثلاً إذا علمنا باتّحاد ماءين من حيث الطهارة والنجاسة بحسب الواقع وك-ان أحدهما مستصحب الطهارة والآخر مستصحب النجاسة حكمنا في كل منهما بما يقتضيه الاستصحاب الجاري فيه لا محالة فنقول بطهارة أحدهما ونجاسة الآخر ظاهراً وإن علمنا إجمالاً بمخالفة أحد الحكمين للواقع .
وأمّا ثالثاً : فلأنّ أصالة الصحة إذا جرت في مورد جرى فيه استصحاب الفساد أيضاً ، حُكم بتقدّم أصالة الصحة على استصحاب الفساد وإلّا لم يبق لها مورد أصلاً لمكان وجود استصحاب الفساد في جميع موارد أصالة الصحة ، وأما إذا جرى استصحاب الصحة في مورد وجرى استصحاب الفساد في مورد آخ-ر وأمكن التعدّي من كل من الموردين إلى المورد الآخر بعدم القول بالفصل ، فلا وجه لحكومة أحدهما على الآخر بل يتعارضان ويتساقطان ، فما نحن فيه ليس من صغريات تقدّم أصالة الصحة على استصحاب الفساد بل من موارد تعارض الاستصحابين .
وأمّا رابعاً : فلأنّ استصحاب الصحة من أساسه غير جارٍ لعدم بقاء موضوعه ، إذ الإسلام والكفر من الحالات المقوّمة بنظر العرف فالموضوع غير باقٍ
حتّى يجري استصحاب الصحة في المقام ، فالمتحصّل من جميع ذلك أنّ بيع العبد المسلم من الكافر لا دليل على فساده إلّا التسالم والاجماع على تقدير تماميته . وأمّا الاستدلال بقوله « الإسلام يعلو ولا يعلى عليه »(1)ففيه : أنه إنّما يدلّ على أنّ الإسلام يعلو على غيره لوضوح برهانه واستقامة طريقه ، لا أنّ المسلمين يعلون على غيرهم ، على أنه ضعيف السند .
ثم إنّ هذا كلّه في البيع ، وهل الاجارة أو الهبة أو العارية أو الوديعة وغيرها من المعاملات في حكم البيع ، وعلى تقدير عدم صحته فهل يحكم بعدم صحة تلك المعاملات أيضاً أو لا ؟
أمّا الهبة فالظاهر أنها بحكم البيع فإذا منعنا عن البيع من أج-ل أن-ه س-بيل للكافر على المسلم فالهبة أيضاً توجب سلطنة الكافر عليه فيكون حكمها حكمه في البطلان .
وأمّا الاجارة ولواحقها فلابدّ من ملاحظة أنّ أيّها يوجب سلطنة الكافر على المسلم وأيّها لا توجبها ، أمّا الاجارة فان استلزمت سلطة الكافر عليه كما في خدّام الحكومة وغيرها حيث إنّهم يتحرّكون بأمر من يخدمونه ، فلابدّ من الحكم بعدم صحتها لأنّها توجب السبيل للكافر على المسلم ، وأمّا إذا كانت بنحو الخياطة للغير الذي هو من قبيل تقبّل العمل في ذمّته كالدين من دون أن يكون الخيّاط تحت سلطة الكافر أو غيره من المستأجرين فلا ينبغي الإشكال في صحتها ، وهذا من دون فرق بين العبد المسلم وغير العبد لأنّ سبيل الكافر على المسلم غير صحيح ، ومن أجل ذلك لا مانع من الاستدانة من الكفّار لأنّها توجب اشتغال ذمّة المسلم للكافر من دون استلزامها سلطنة الكافر عليه .
1) الوسائل 26 : 14 / أبواب موانع الارث ب 1 ح 11 .
وأمّا العارية أو الوديعة فالظاهر أنّهما لا توجبان سلطنة الكافر عليه ويعبّر عن العارية بتمليك الانتفاع كما يعبّر عن الاجارة بتمليك المنفعة ، وتمليك الانتفاع لا يوجب سلطة الكافر عليه ، والوديعة ليست إلّا جعل الكافر محافظاً له وهو لا يوجب السبيل ، وأمّا جعل العبد المسلم متعلّقاً لحقّ الرهانة بجعله رهناً ووثيقة للدَين بحيث يجوز للكافر بيعه عند عدم وصول ماله إليه فهو أيضاً لا يوجب السبيل ولا مانع منه بوجه ، هذا كلّه بناء على تمامية دلالة الآية على حرمة البيع وفساده ولكنّك عرفت أنّ الآية لا دلالة فيها على بطلان بيع العبد المسلم ولا على عدم جواز سلطنة الكافر عليه ، وإنّما هي تنفي السبيل في المستقبل ، لأنّ لَنْ لنفي المستقبل وأنّ الكافر لا يتسلّط على المسلم يوم القيامة ، وعليه فلا إشكال في صحة شيء من المعاملات المذكورة أبداً .
ثمّ إنه يقع الكلام بعد ذلك في تعيين الكافر وأنه عبارة عمّن حكم بنجاسته وإن انتحل الإسلام كالنواصب والغلاة ، أو أنه يختص بمن أنكر الاُلوهية والنبوّة فقط ولا يشمل من انتحل الإسلام ، بعد التسالم ظاهراً على عدم شموله للعامّة بوجه فلذا يجوز بيع العبد المسلم من السنّي بلا خلاف .
وكذا الكلام في المسلم فهل المراد منه هو من اعترف بالأئمّة الاثنى عشر، أو المراد به مطلق من اعترف بالوحدانية والنبوّة وإن لم يكن معتقداً بالأئمّة (عليهم السلام) ؟
ذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1)أنّ الظاهر من الكافر كل من حكم بنجاسته ولو انتحل الإسلام كالنواصب والغلاة والمرتدّ ، واستشهد بما حكي عن
1) المكاسب 3 : 590 ، راجع الهامش أيضاً .
الحنفيّة من أنّهم استدلّوا بالآية المباركة لَنْ يَجْعَلَ الله الخ(1)على بينونة الزوجة عن زوجها بالارتداد ، فيكون الارتداد أيضاً من أحد أسباب الكفر المانع ع--ن جواز بيع العبد المسلم منه ، هذا .
ولا يخفى أنّ الحنفية لا موقع لكلامهم ولا لأنفسهم حتّى يستشهد بكلامهم في استنباط الأحكام الشرعية . ثم إنّ استدلالهم ممّا لا وجه له ، لأنّ المرتدّ وإن حكمنا ببينونة زوجته عنه إلّا أنّه لأجل الأخبار(2)وغيرها من أدلّته وليس الوجه فيه منحصراً بالآية .
ثمّ إنّ الممنوع عن بيع العبد المسلم منه إنّما هو الكافر لا من حكم بنجاسته والكفر يجتمع مع الطهارة أيضاً وهذا كما إذا قلنا بطهارة أهل الكتاب فإنّهم محكومون بالكفر مع الحكم بطهارتهم فبيع العبد المسلم منهم غير صحيح ، كما أنه لا ينبغي الإشكال في جواز بيعه من النواصب والغلاة مع الحكم بنجاسة النواصب قطعاً والغلاة على كلام فيه وذلك لعدم صدق الكافر عليهم ، إذ الكافر المذكور في الآيات القرآنية هو من أنكر التوحيد أو الاُلوهية أو الرسالة أو غيرهما من ضروريات الدين ، والناصب غير منكر للتوحيد والرسالة وإن كان أنجس من الكلب وأخبث من اليهودي والنصراني كما في الأخبار(3)إلّا أنّ النجاسة حكم والكفر مطلب آخر ، وعليه فلا وجه لجعل المناط في عدم جواز ب-ي-ع الع-ب-د ه-و النجاسة بل الميزان هو الكفر سواء حكم عليه بالنجاسة كالنواصب أو بالطهارة كما في أهل الكتاب على القول بطهارتهم .
ثمّ إنّ إدخال المرتدّ في الحكم بعدم جواز بيع العبد المسلم منه لا يتوقّف على تفسير الكافر بمن حكم عليه بالنجاسة ، لأنّ المرتدّ كافر حقيقة سواء فسّرنا الكافر بمن حكم عليه بالنجاسة أم فسّرناه بغيره ، فلا وجه لما يظهر من كلام شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) من أنّ إدخال المرتدّ في ذلك فرع تفسير الكافر بمن حكم بنجاسته . فتحصّل أنّ المناط في المقام هو الكفر وأنّ بيع العبد المسلم من الكافر غير صحيح .
وأمّا ولد الكافر أو المجنون فهل يلحقان بالكافر أو أنّ بيع العبد المسلم من أولاد الكافر لا مانع منه لعدم كونهم مكلّفين ؟ الظاهر أنّ أولاد الكافر كافرون في الحقيقة كما أنّ أولاد اليهودي أو النصراني يهود أو نصارى حقيقة لانكارهم التوحيد أو الأُلوهية أو اعترافهم بعدم نبيّ بعد موسى أو عيسى (عليهما السلام) ف--لا يجوز بيع العبد المسلم من أولادهم أيضاً ، لكن ذلك فيما إذا كانوا مميّزين وأمّا إذا لم يكن ولد الكافر مميّزاً في ذلك ولم يعرف شيئاً من الانكار أو الاقرار فهو أيضاً ملحق بالقسم الأول لعدم القول بالفصل في أولاد الكافر.
ثمّ إنّ ما ذكرناه من كفر أولاد الكفّار المميّزين لا ينافي عدم التكليف في حقّهم ، إذ لا منافاة بين الكفر وعدم العقاب عليه لعدم التكليف .
وأمّا المجنون فهو تارة مسبوق بالكفر والتهوّد والتنصّر وأُخرى مجنون من الابتداء ، والظاهر صدق عنوان الكفر والتهوّد والتنصّر على القسم الأول لاعتقاده بما اعتقد به أهل ملّته ومذهبه ، وهذا بخلاف القسم الثاني إلّا أنّ الحكم يثبت في حقّهم بعدم القول بالفصل ، هذا كلّه في طرف المشتري للعبد المسلم .
وأمّا المسلم والمؤمن فلا ينبغي الإشكال في عدم اختصاصه بالشيعة ، إذ المراد بالمؤمن في الآيات هو من آمن بالله ورسوله ، نعم المراد بالمؤمن في الأخبار والروايات هو من آمن بالولاية ، فلا يختص الحكم بالشيعي بل يعم السنّي أيضاً
لأنّهم أيضاً محكومون بالإسلام ومؤمنون بالتوحيد والرسالة .
وهل يختص ذلك بمن آمن بهما حقيقة أو يشمل المنافق أيضاً لأنه يظهر الاقرار بهما وإن علمنا بعدم اعتقاده بهما حقيقة كما في كثير ممّن أسلم في صدر الإسلام لأنّه إنّما أقرّ بهما خوفاً من السيف والسيف لا يوجد الاعتقاد ، وكيف كان فهل يشمل المؤمن ما إذا علمنا بعدم اعتقاد أحد بشيء من التوحيد والرسالة ولكنّه أظهر الإسلام خوفاً أو طمعاً أو لا يشمله ؟ الظاهر عدم الشمول ، لأنّ المؤمن إنّما يذكر في القرآن في مقابل المنافق والإسلام في مقابل الكفر فالمنافق لا يشمله المؤمن ، نعم لو كان المذكور في الآية لفظة المسلم لكان يشمل المنافق أيضاً ، إلّا أنّ المذكور هو المؤمن والمنافق لا إيمان له حقيقة ، فلا مانع من بيع المنافق للكافر .
ثم إنّ أولاد المسلم أيضاً محكومون بالإسلام حقيقة فيما إذا كانوا مميّزين ومعترفين بالشهادتين ، وأمّا غير المميّز فهو أيضاً يلحق بالقسم الأول لعدم القول بالفصل .
وأمّا ما ذكره شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1)من أنّ المراد بالمؤمن هو المؤمن الظاهري لا الواقعي فالمنافق أيضاً داخل تحت المؤمن لقوله تعالى وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ(2)فإنّ ظاهرها أنّ الإيمان على قسمين قسم يدخل في القلب وقسم آخر كان في خارج القلب ، فالإسلام والإيمان بمعنى واحد ، ففيه : أنّ معنى قوله وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ هو أنّهم غير مؤمنين لأنّ وعاء الإيمان هو القلب وهو لمّا يدخل في قلوبهم فهم ليسوا بمؤمنين ، لا أنّ الإيمان في ظاهرهم وهذا نظير ما إذا قلنا إنّ الترحّم لا يدخل في قلبك فإنّ معناه أنّك لا ترحّم فيك لأنّ
ظرفه القلب وهو خالٍ عنه، لا أنّ الترحّم في ظاهره ، ونظيره ما إذا قلنا إنّ العلم لا يدخل في قلبك فإنّ معناه أنّك لست بعالم لا أنّ العلم في ظاهرك وذلك ظاهر .
ثمّ إنه قد استثني من عدم جواز بيع العبد المسلم من الكافر موارد .
الأول : فيما إذا كان العبد ممّن ينعتق على الكافر واقعاً وهذا كما إذا كان العبد من أقربائه نظير الأب أو الابن وهكذا ، والوجه في استثناء ذلك ظاهر وهو عدم شمول أدلّة المنع له ، لأنّ الدليل على المنع إن كان هو الاجماع فلا إجماع على البطلان في هذه الصورة بل قد أجمع على صحة البيع في هذه الصورة ، وإن كان الدليل هو الروايات الواردة(1)في أنّ العبد المسلم لا يقرّ على ملك الكافر ، فهي أيضاً إمّا غير شاملة لهذه الصورة حقيقة أو أنّها منصرفة عنها يقيناً ، إذ المفروض أنه بمجرد الشراء ينعتق عليه ولا يقرّ على ملكه أبداً ، وإن كان الدليل هو الآية المباركة المتضمّنة نفي السبيل على المؤمنين من الكافرين فهي أيضاً لا تشمل المقام لأنّ مجرد الشراء لا يوجب السبيل بعد فرض أنه ينعتق عليه قهراً ، هذا .
وربما بقال كما في كلام شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(2)أنّ الشراء وإن كان لا يوجب السبيل إلّا أنّ شراء الكافر يوجب المنّة على المسلم إذ لو لم يشتره لما كان العبد منعتقاً . ويدفعه : أنّ ذلك على كلّيته غير صحيح لأنّ الكافر ربما لا يلتفت إلى أنّ شراء الأقرباء يوجب انعتاقهم عليه شرعاً أو لا يلتفت إلى أنّ العبد من أقربائه لينعتق عليه قهراً ، نعم ربما يلتفت إلى الحكم والموضوع ويوجب شراؤه المنّة عليه إلّا أنه لا دليل على نفي المنّة من الكافر على المسلم وإنّما المنفي هو السبيل وهو أمر آخر غير المنّة ، ولأجل ذلك جاز الاستدانة من الكافر والاستيهاب منه أو قبول
هداياه مع أنّ الكل يستلزم المنّة كما هو واضح ، هذا كلّه فيما إذا انعتق العبد عليه واقعاً .
الثاني : إذا كان الانعتاق ظاهرياً وهذا كما إذا أقرّ الكافر بأنّ الع-ب-د م--ن أقربائه أو أنه حرّ ونحن لا نعلم صدقه فهو على قسمين : وذلك لأنّ الشراء على فرض صدق المعترف في اعترافه ربما يكون في حدّ نفسه صحيحاً وموجباً للانتقال ، وأُخرى يكون باطلاً وغير موجب للانتقال ، والأول كما في المثال الأول والثاني كما في الثاني .
أمّا الأول : فلا إشكال في صحّة البيع حينئذ ، لأنّ المانع من صحته ليس إلّا استلزامه السبيل على المسلم وهو منتفٍ ، لأنّ المقر مأخوذ باقراره وقد اعترف بأنه ينعتق عليه قهراً فلا سبيل والبيع صحيح .
وأمّا الثاني : فقد ذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1)أنّه ربما يشكل بالعلم بفساد البيع على تقديري صدق المعترف وكذبه ، وذلك لأنه على تقدير ص-دق الاعتراف حرّ وهو لا ينتقل إلى الغير ولا يدخل في ملك أحد ، وعلى تقدير كذبه عبد مسلم لا ينتقل إلى الكافر ، فلا يتصوّر صورة صحيحة لشراء من أقر بحريّته إلّا أن نمنع اعتبار مثل هذا العلم الاجمالي ثم أمر بالتأمّل ، هذا .
والظاهر أنه أشار بذلك إلى تفصيل صاحب الحدائق(2)في تنجيز العلم الاجمالي حيث ذكر أنه إنّما يوجب التنجيز فيا إذا كان الحكم في ك--ل واح--د م--ن الطرفين من سنخ واحد وكان لها جامع حقيقي وذلك كالعلم بنجاسة هذا الكأس أو ذاك الكأس فإنّ الجامع بينهما وهو النجس مأمور بالاجتناب عنه على أي تقدير
وأمّا إذا كان الحكم فيهما من سنخين ولم يكن بينهما جامع حقيقي كما إذا كان العلم الاجمالي متعلّقاً بنجاسة الكأس الشرقي أو بغصبية الكأس الغربي فلا يكون العلم الاجمالي منجّزاً لأنّ الجامع أمر انتزاعي ولا جامع حقيقي بينهما ، وليس شيء منهما معلوماً تفصيلاً بل كل واحد منهما محتمل ، وقد ذكر ذلك شيخنا الأنصاري في الرسائل(1)وردّه بأنّ العقل لا يفرّق بينهما ، وفي المقام العلم الاجمالي إنّما تعلّق بأنّ العبد إمّا حرّ أو يحرم بيعه من الكافر وأحدهما أجنبي عن الآخر ولا جامع بينهما هذا .
ويمكن أن يكون إشارة إلى أنّ العلم الاجمالي في المقام قد تولّد منه العلم التفصيلي ببطلان المعاملة ، لأنّا نعلم أنّ بيع هذا العبد باطل إمّا لأنه حر وإمّا لحرمة بيعه من الكافر ، وما ذكره صاحب الحدائق من التفصيل لو صحّ إنّما يصحّ فيما إذا كان هناك طرفان وفرض أنّا لم نقل بتنجّز العلم حينئذ ، وأمّا إذا كان الطرف واحداً فلا محالة يتولّد علم تفصيلي ببطلان المعاملة .
وكيف كان فقد أجاب عن ذلك شيخنا الأُستاذ (قدّس سرّه)(2)بأنّ العلم الاجمالي إنّما كان يؤثر في بطلان المعاملة فيما إذا ثبتت حرمة بيع العبد المسلم م--ن الكافر بالروايات أو بغيرها من الأدلّة ، وحينئذ يمكن أن يقال إنّا نعلم ببطلان المعاملة تفصيلاً إلّا أنّ حرمته لم تثبت إلّا من جهة أنه يوجب السبيل ، فإذا فرضنا أنّ البيع بحيث لا يوجب سبيلاً له على المسلم فلا وجه لبطلان المعاملة حينئذ والمفروض في المقام أنّ البيع لا يوجب السبيل لإقرار الكافر بحريّته ، وبعد ذلك لا وجه للعلم التفصيلي بالبطلان بل نحتمل كذبه في اعترافه وكونه عبداً في الواقع ، فبيعه
صحيح ولا سبيل للكافر عليه أيضاً . وما أفاده (قدّس سرّه) هو الصحيح .
المورد الثالث من موارد الاستثناء : ما إذا أمر الكافر أحداً بأن يعتق عبده من قبله ، وقد ذكروا أنّ عتقه من قبل الكافر يستلزم دخول العبد في ملك الكافر بأن لا يقبل غير العتق ولكنّه لا مانع منه لأنه لا يستلزم السبيل ، هذا كلّه بناءً على أنّ العتق من قبله يستلزم دخوله في ملك الآمر ، وأمّا إذا قلنا إنه لا يستلزم الدخول في ملكه حقيقة وإنّما هو ملك فرضي تقديري ، أو أنه لا يستلزم الدخول في ملكه أصلاً لا حقيقة ولا تقديراً بل يصح أن يعتقه من قبل الكافر ثم يأخذ قيمته من الكافر لأنه من لوازم أمره به نظير أمرنا الحلّاق بحلق رأسنا فإنّ الأمر بعمل محترم يستلزم ضمانه بقيمته ، ونظير ما إذا أمرنا الخبّاز بأن يعطي كذا مقداراً من الخبز لفلان فإنه يوجب الضمان بقيمة الخبز وإن لم يدخل الخبز في ملكنا ، وأظهر من ذلك ما إذا أعتق عبده من قبل ميّت فإنّ الالتزام بأنه دخل في ملك الميّت ثمّ انعتق مشكل جدّاً ، وعليه فلا تكون هذه الصورة من صور الاستثناء كما لا يخفى .
المورد الرابع من الموارد المستثناة عن عدم جواز بيع المسلم من الكافر : ما لو اشترط البائع على المشتري الكافر عتق العبد بعد الانتقال إليه ، وقد حكي عن جماعة في هذا المورد جواز البيع من الكافر بشرط العتق ، وقد تنظّر فيه الشيخ الأنصاري (رحمه الله)(1)من جهة كون الملكية قبل الاعتاق القابلة للاستقرار في نفسها سبيلاً ، وبديهي أنّ جواز البيع في المقام لو كان من باب عدم لزوم البيع وتزلزله فلابدّ من الالتزام بجواز البيع في جميع الموارد التي لا يكون الخي-ار ف-ي-ه مسقطاً بالاسقاط ، ضرورة أنّ البيع في كثير من الموارد متزلزل لثبوت خيار كخيار المجلس والحيوان وغير ذلك من الخيارات الموجبة لجواز البيع ، ويترتّب عليه صحّة
1) المكاسب 3 : 594 .
جميع العقود الجائزة من الهبة ونحوها من كافر ، وهو كما ترى .
وإن كان جواز البيع في المقام من جهة أنّ البائع يلزم الكافر بعتق العبد فيلزم جواز البيع في غير موارد الشرط أيضاً لكون الكافر ملزماً ببيع العبد المسلم بالزام الحاكم .
وكيف كان ، أنّ الحقّ عدم جواز البيع في هذا المقام كما ذكره الشيخ (قدّس سرّه) وملخّصه : أنه لا فرق بين المقام وبين إجباره على بيعه في عدم انتفاء السبيل بمجرد الشرط ، هذا كلّه في الملك الاختياري .
ويقع الكلام في الملك غير الاختياري مثل الارث ، وهل يلحق هذا بالملك الاختياري أم لا ؟ فإن كان الدليل على عدم جواز البيع في الاختياري الاجماع فلا مانع من جواز إرث الكافر العبد المسلم غاية الأمر يكون ملزماً على بيعه من قبل الشارع ، بل ادّعي الاجماع على الجواز في الارث .
وإن كان الدليل الروايات الواردة في عدم استقرار ملك الكافر للعبد المسلم كما في قوله (عليه السلام)« ولا تقرّوه عنده »(1)فهو أيضاً لا يمنع من تملّك الكافر العبد المسلم ابتداءً بارث ونحوه وغاية الأمر يلزم على بيعه .
وأمّا لو كان الدليل عليه الآية الشريفة (2)وقلنا بكون التملّك سبيلاً من الكافر على المؤمن ، فعليه إن قلنا بحكومة الآية على أدلّة الارث فعدم الملك ظاهر وأمّا لو قلنا بعدم الحكومة كما كان كذلك في البيع فيقع التعارض بين الآية الشريفة وأدلّة الارث ، فلابدّ من الرجوع إلى الأصل الموجود في المقام .
وللميرزا (قدّس سرّه)(1)في المقام كلام يريد به أن يفرّق بين الارث والبيع وأنّ أحدهما لا يقاس بالآخر بتقريب أنّ البيع عبارة عن التبديل بين المالين مع حفظ المالكين وتوضيح ذلك : أنّ الملكية بين المالك والمملوك لمّا كانت كالخيط المشدود أحد طرفيه بالمالك والآخر بالمملوك وعند البيع يفتح الخيط من طرف المملوك ويشد إلى الثمن ، وأمّا طرف المالك فهو باقي على حاله ، والملكية الحاصلة بين المشتري والمثمن ملكية حادثة لم تكن له بخلاف الارث لأنه ليس إلّا تبدّلاً من طرف المالك ، وأمّا الملكية فهي باقية على حالها ، فعليه لا مانع من الارث لعدم كونه إحداث ملك حتّى يكون مشمولاً لآية نفي السبيل ليقع التعارض ، بل هي ملكية كانت موجودة قبلاً غاية الأمر قد تبدّل المالك فيلزم على بيعه .
ولكنّه لا يخفى ما فيه، بداهة أنّ الملكية من الأُمور التي تكون قائمة بالطرفين ولا يعقل بقاؤها مع انتفاء أحد طرفيها فعليه توجد وتحدث ملكية جديدة للوارث . وبعبارة واضحة أنّ الملكية الحاصلة للوارث ملكية جديدة غير الملكية التي كانت للمورّث ، فما ذكره الشيخ (قدّس سرّه) هو المتين .
وكيف كان ، فبعد التعارض لابدّ من الرجوع إلى الأصل الموجود في المقام وقد ذكر الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه) أنّ الأصل في المقام عبارة عن أصالة بقاء رقيّة العبد ، ولكنّه لا يثبت بذلك تملّك الكافر بل يرثه الإمام (عليه السلام) لأن-ه مقتضى الجمع بين أصالة عدم عدم تملّك الوارث الكافر وبين أصالة بقاء رقيّة العبد .
وقد أُورد(2)على الشيخ (قدّس سرّه) بأمرين : أحدهما أنّ جريان الأصل في طرف بقاء رقيّة العبد مبني على جريان الاستصحاب في القسم الثالث من أقسام
استصحاب الكلّي ، بداهة أنّ الرقّية التي كانت ثابتة للمورّث قد فاتت بموت المورّث قطعاً ، ولو كان في المقام رقّية للوارث فهي رقّية أُخرى ، فائبات رقّية العبد الكذائي بعد موت المورّث باستصحاب بقاء كلّي الرقّية من باب جريان استصحاب الكلّي في القسم الثالث منه ، وقد حقّق في موطنه عدم جريان الاستصحاب فيه.
وفيه : أنّ مراد الشيخ (قدّس سرّه) من أصالة بقاء الرقّية أصالة عدم كونه حرّاً وليس هذا متوقّفاً على وجود الطرف ، ومن هنا لو شككنا في خروج المال عن كونه مملوكاً بعد موت المالك استصحبنا عدمه وإن فرضنا عدم وجود أيّ مالك في العالم ، بل لا نحتاج إلى استصحاب الرقّية أصلاً ، وذلك للعلم الوجداني ببقاء العبد في ملك مالكه إلى زمان موته ، فهو داخل في عنوان ما تركه الميّت فإذا استصحبنا عدم انتقاله إلى الوارث يتمّ به موضوع الانتقال إلى الإمام (عليه السلام) من دون حاجة إلى استصحاب الرقّية .
وثانيهما : أنّ الأصل كما يقتضي أصالة عدم تملّك الوارث كذلك يقتضي عدم تملّك الإمام أيضاً فيتعارضان . وبعبارة أُخرى أنا نعلم إجمالاً إمّا بعدم تملّك الكافر وإمّا بعدم تملّك الإمام (عليه السلام) ولا مرجّح في البين .
وفيه : أنّ الأمر وإن كان كذلك إلّا أنّه لا معارضة بين الأصلين لكونهما طوليين ، بداهة أنّ الثانى فى طول الأول لأنّا إذا أجرينا أصالة عدم تملّك الوارث الكافر للعبد المسلم وضممنا هذا الأصل إلى موت المورّث الذي نعلم بالوجدان فيكون موضوع إرث الإمام (عليه السلام) متحققاً وهو عبارة عن الميت الذي لا وارث له ، وبديهي أنّ هذا يتمّ بضمّ الوجدان إلى الأصل ، وما ذكرناه ليس مختصاً بالمقام بل يجري في كثير من الموارد كما إذا شككنا في وجود ولد للميّت فباستصحاب العدم نحكم بكون الارث لغيره من طبقات الورّاث .
ولا يخفى أنّ في تعبير الشيخ في المقام بقوله « إنه إذا نفي إرث الكافر بآية نفي
السبيل كان الميّت بالنسبة إلى هذا المال ممّن لا وارث له » مسامحة ظاهرة ، لأنّ المفروض تعارض الآية بأدلّة الارث. ومع ذلك كلّه الحقّ هو إرث الكافر الع-ب-د المسلم لوجود الاتّفاق والتسالم بين الفقهاء (قدّس سرّهم) .
وهل يلحق بالارث كل ملك غير اختياري أو لا يلحق ، أو يفصّل بين ما كان سببه اختيارياً فلا يلحق وما يكون سببه غير اختياري أيضاً فيلحق ؟ واختار الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه)(1)عدم الالحاق أوّلاً وعلى فرض تسليمه الالحاق فيما إذا كان سببه أيضاً غير اختياري ، ولعمري أنّ ما ذكره (قدّس سرّه) في غاية المتانة بناءً على ما ذكره من مقتضى القاعدة من أنّ الأصل عدم تملّك الكافر العبد المسلم غاية الأمر خرجنا في الارث لأجل الاتّفاق والتسالم بين الفقهاء (قدّس سرّهم) .
والمراد من الملك غير الاختياري أن يكون كذلك بالنسبة إلى الكافر ، والمراد من سببه غير الاختياري كما إذا تلف المبيع قبل قبضه كما إذا فرضنا أنّ المال الذي جعل في مقابل العبد المسلم تلف قبل قبضه فعليه يرجع العبد إلى ملك الكافر قهراً وكما أنّ الملك قهريّ فسببه الذي يكون عبارة عن التلف قبل القبض أيضاً غير اختياري ، والمراد من الملك غير الاختياري الذي يكون سببه اختيارياً ما إذا كان العقد خيارياً من جهة العيب في العبد أو من جهة الغبن وغير ذلك من أسباب الاختيار ، فبديهي أنّ ملك الكافر العبد المسلم وإن كان غير اختياري إلّا أنّ سببه الذي هو عبارة عن الفسخ اختياري للفاسخ ، وهذا أيضاً ينقسم إلى قسمين لأنه تارةً يكون اختيارياً من الطرفين وأُخرى يكون اختيارياً من أحد الطرفين . وكيف كان أنّ ما ذكره الشيخ (قدّس سرّه) هو المتين .
1) المكاسب 3 : 596 .
إذا عرفت هذا بقي الكلام في أمرين : الأول أنّ متولّي البيع هل هو الكافر أو أنه لا سلطنة له على ذلك والمتولّي عليه هو الحاكم أو المسلمون وأمّا الكافر فهو مسلوب السلطنة ؟ فإن قلنا بمقالة الفخر (قدّس سرّه)(1)من زوال ملك الكافر عن عبده المسلم وليس له إلّا استحقاق أخذ الثمن ، فعدم سلطنة الكافر في غاية الوضوح ، إلّا أنّ هذا في نفسه فاسد كما هو الظاهر لعدم الدليل عليه . مضافاً إلى أنه لو صحّ ذلك أي مقالة زوال ملك الكافر فلا يكون مستحقّاً لأخذ الثمن أيضاً بعد ما لم يكن العبد ملكاً له ، وأيضاً العبد بعد خروجه عن ملك الكافر يكون بلا مالك .
وأمّا لو قلنا بمقالة المشهور من كونه مالكاً غاية الأمر لابدّ له من إزالة ملكه عنه بقاءً ، فالحقّ ما ذهب إليه العلّامة الأنصاري (قدّس سرّه)(2)من كون متولّي البيع هو نفس الكافر وبديهي أنّ الناس مسلّطون على أموالهم ، خرجنا عنه بآي--ة ن--في السبيل في خصوص أنه ليس له إبقاء ملكه بل لابدّ له من إزالته ، وتظهر الثمرة فيما إذا أراد الكافر بيعه من شخص خاص أو أراد أن يهبه فبناءً على كون المتولّي هو الكافر فله ذلك وإلّا فلا .
وقد ذكر شيخنا الاُستاذ (3)في المقام أنّ المتولي هو المسلمون مستدلاً بقول أمير المؤمنين (عليه السلام)« اذهبوا فبيعوه من المسلمين »(4)بتقريب أنّ أمره (عليه السلام) المسلمين ببيع العبد المسلم يدلّ على سلب سلطنة الكافر عن بيعه بل المتولّي لابدّ وأن يكون من المسلمين .
وفيه أوّلاً : أنّ أمره (عليه السلام) المسلمين ببيعه إنّما هو بحسب الغالب ، بداهة أنّ الغالب أن لا يكون الكافر راضياً ببيع عبده كما يدلّ عليه قوله (عليه السلام) في ذيل الرواية « ولا تقروه عنده» وأمره (عليه السلام) إرشاد إلى هذا المعنى . وثانياً : لو سلّمنا ذلك نقول : إنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) لمّا كان وليّاً وكانت له الولاية على أموال الناس وأنفسهم فيحتمل أن يكون سلب سلطنة الكافر في البيع من باب الولاية في هذا المورد الخاص ، فعليه لا تكون الرواية دالّة على كون المتولّي ه-و الحاكم أو المسلمون ، وكيف كان أنّ ما ذكره الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه) هو المتين .
الثاني : في جواز رجوع العبد المسلم إلى ملك الكافر وعدمه كما إذا كان العقد جائزاً بالعرض أو بالذات كما في المعاطاة بناءً على كونها جائزة . الظاهر عدم الجواز لأنه لا فرق بين إرجاع العبد المسلم إلى الكافر بالخيار إذا كان جواز العقد بالعرض وبالرجوع إذا كان ذاتياً كما في المعاطاة وبين بيعه من الكافر ابتداءً في كونه سبيلاً ، بداهة أنّ ملكيّته في كل من المقامين ملكية جديدة ، وغير خفي أنه بناءً على كون الملكية سبيلاً وبعد فرض دلالة الآية على نفي السبيل الكذائي يكون عدم جواز الفسخ والرجوع في غاية الوضوح ، وما ذكره المحقّق الكركي(1)وغيره من الحكم بثبوت الخيار والردّ بالعيب تبعاً للدروس(2)من جهة أنّ العقد لا يكون خارجاً عن مقتضاه لأجل كون المبيع عبداً مسلماً لكافر ، وأيضاً لو اقتضى نفي السبيل ذلك أي عدم ثبوت الخيار والردّ بالعيب لكان مقتضياً لخروج العبد عن ملك الكافر ابتداءً في غاية البعد بعد ما سَلّم (قدّس سرّه) دلالة الآية الشريفة على ما ذكر في البيع ، بداهة أنه لا فرق بين البيع وبين هذه الموارد في كون الملكية الحاصلة بعد الفسخ والرجوع
ملكية جديدة ومنفيّة بالآية الشريفة .
بقى في المقام شيء ذكره الشافعي(1)ويحتمل أن يكون المقام مبنيّاً عليه : وهو عبارة عمّا ذكروه في المقام وفي غيره من موارد الخيار وفي المعاطاة من أنّ الزائل العائد كالذي لم يزل أو كالذي لم يعد ، وقد ذكروا في باب الخيارات أنه لو كان للملكية السابقة حكم من الأحكام يترتّب عليها بعد الفسخ ذلك الحكم بناءً على كون الزائل كالذي لم يزل ، ولا يترتّب عليها بناءً على كونه كالذي لم يعد ، وأيضاً ذكروا في باب المعاطاة بناءً على كونها جائزة وصيرورتها لازمة بالتصرّف ، لو تصرّف أحد المتعاطيين فيما انتقل إليه بعقد جائز ثمّ رجع عن ذلك العقد فعلى الأول يجوز الرجوع لكل واحد من المتعاطيين لأنّ الزائل العائد كالذي لم يزل ، وبناءً على الثاني لا يجوز الرجوع لأنه قد تصرّف في المال بالعقد ، والذي أرجعه بالفسخ هو غير الملكية السابقة فيكون الزائل العائد كالذي لم يعد ، وتطبيقه في المقام أنه لو فرضنا أنّ ملكية العبد المسلم للكافر العائدة من جهة الفسخ أو من جهة الرجوع في المعاطاة تكون ملكيته السابقة بناءً على كون الزائل العائد كالذي لم يزل فلا تشمله الآية الشريفة ، بل لابدّ من الزامه بالبيع بعد العود كما كان كذلك قبل الزوال ، وأمّا بناءً على كون الزائل العائد كالذي لم يعد فليس له ذلك أي الفسخ والرجوع لكونه ملكاً جديداً سبيلاً للكافر على المؤمن .
ولعمري أنه لا يمكن التمسّك لاثبات الحكم الشرعي بمثل هذه الاستحسانات التي بنى العامّة عليها في كثير من الموارد مثل القياس ونحوه وليس لها قيمة . فالتحقيق أنه بناءً على دلالة الآية الشريفة على انتفاء ملك الكافر عن العبد المسلم فلابدّ من الحكم بعدم صحة التملّك مطلقاً إلّا ما خرج بالدليل وهو خصوص الملكية
1) روضة الطالبين 3 : 136 ، 4 : 174 ، المجموع 12 : 301 ، 304 ، 307 .
الباقية بعد إسلام العبد أو كفر المالك ، وحينئذ فيجبر المالك على البيع . وأمّا الملكية الحادثة بعد ذلك فهي مشمولة للآية سواء كان سببها الفسخ أو غيره . فالصحيح على هذا المبنى عدم ثبوت الخيار .
ثم إنّ الشيخ (قدّس سرّه)(1)بعد ما ذكر في المقام أنّ أدلّة نفي السبيل كما تتقدّم على أدلّة البيع كذلك تتقدّم على أدلّة الخيار ، فلا يثبت الخيار لا للمشتري المسلم ولا للبائع الكافر ، نعم قد ثبت الأرش في خيار العيب لكل واحد من البائع والمشتري بالأدلّة الخاصّة ، قد فصّل (قدّس سرّه) في الخيار الذي ثبت بأدلّة لا ضرر بين المشتري المسلم والبائع الكافر وقال (قدّس سرّه) بثبوت الخيار للمسلم المتضرّر من لزوم البيع وعدم الخيار للكافر ولو تضرّر لكون الضرر حاصلاً من قبل نفسه ومن كفره الذي يمنع عن تملّك المسلم ، وإنّما قلنا بتملّكه في الارث لأجل الاتّفاق والتسالم بين الفقهاء (قدس سرّهم) .
وقد أورد عليه الميرزا (قدّس سرّه )(2)بأنّ الكفر وإن كان أمراً اختيارياً للكافر ولكنّه مقدّمة إعدادية للضرر لا أنه الموجب للضرر ، فلا يستند الضرر إليه بل إلى لزوم البيع كما إذا فرضنا أنّ أحداً لم يحفظ نفسه من البرد فم--رض وص-ار الوضوء في حقّه ضررياً فهل يمكن أن يقال بأنه لابدّ له من الوضوء لك--ونه س-بباً لتضرّره ، كلّا بل يقال إنّ الوضوء أو حكم الشارع عليه بالوضوء ضرري في حقّه فيرتفع وكم له من نظير ، وفي المقام الضرر ناش من حكم الشارع بلزوم العقد بالنسبة إلى الكافر وهذا الحكم ضرري فيرتفع بأدلّة لا ضرر .
وفيه : أنه فرق بين المقام وبين غيره من الموارد التي ذكرها (قدّس سرّه) وذلك
أنّ ما ذكره (قدّس سرّه) من عدم كون المقدّمة الاعدادية موجبة لنسبة الحكم إلى المقدّم وإن كان حقّاً إلّا أنه لا ربط له بالمقام ، لأنّ الشارع لم يحكم بلزوم العقد في المقام بل العقد جائز فعلاً أيضاً غاية الأمر جواز فسخه مقيّد بكون الفاسخ ومن له الخيار مسلماً ، فعدم جواز الفسخ في حال الكفر إنّما هو لأجل فقدان الشرط وهو الذي صار سبباً للضرر لأجل المسامحة في مقدّماته من جهة عدم الإسلام ، فله أن يسلم ويفسخ ، فالضرر لم ينشأ من حكم الشارع بل حصل من قبل نفسه ك--ما عرفت .
وما ذكره الشيخ (قدس سره) من هذه الجهة متين إلا أنه يرد عليه أولاً : أنه لا يمكن لنا أن نثبت شيئاً من الخيارات بأدلّة لا ضرر حتى خيار الغبن الذي استدلّ عليه بتلك الأدلّة ، لأنّ الدليل عليه تخلّف الشرط الضمني الارتكازي كما سيجيء الكلام فيه في باب الخيارات مفصلاً(1)إن شاء الله تعالى .
وثانياً : لو تنزّلنا عن ذلك ، فإن قلنا بعدم كون آية نفي السبيل حاكمة على أدلّة البيع والخيارات كما ذكر الشيخ (قدّس سرّه) آنفاً بقوله : وحكومة الآية عليها غير معلومة بل تكون الآية متعارضة مع الأدلّة فيتساقطان ، فالمرجع يكون عمومات لزوم البيع أو استصحاب بقاء الملكية ، ويكون دليل لا ضرر مقدّماً عليها لا لأجل قوله بل لأجل كونه حاكماً . وبعبارة أُخرى تقدّم أدلّة لا ضرر في المقام لأجل كونها حاكمة على أدلّة لزوم العقد ولا معنى لتقدّم لا ضرر على آية نفي السبيل لأنّ المفروض سقوط الآية بالتعارض ، بل يتقدّم لا ضرر على أدلّة اللزوم من باب الحكومة ، وأمّا لو قلنا بحكومة آية نفي السبيل على أدلّة البيع والخيارات كما أنّ أدلّة نفي الضرر حاكمة على أدلّة لزوم البيع فيقع التعارض بين الحاكمين ، ولا
1) راجع المجلّد الثالث من هذا الكتاب الصفحة 278
وجه لتقدّم أدلّة لا ضرر على آية نفي السبيل ، أمّا من حيث السند فبديهي أنّ الآية مقطوعة الصدور دون لا ضرر ، وأمّا بالنسبة إلى الدلالة فهما متساويان في الدلالة فيكونان متعارضين ، فلا جرم تصل النوبة إلى الأصل الموجود في المقام من استصحاب بقاء الملكية، ونحوه ، فما ذكره (قدّس سرّه) لا يمكن المساعدة عليه .
وقد وقع في المقام توهّم ولعلّ أوّل من أبداه هو العلّامة (قدّس سرّه) في القواعد(1)وهو أنه لا مانع من القول بثبوت الخيار للكافر أيضاً غاية الأمر يرجع إلى بدل العبد المسلم ، بداهة أنّ غاية ما ثبت من آية نفي السبيل عدم جواز رجوع العبد المسلم إلى ملك الكافر لكونه سبيلاً ، وأمّا بدله من القيمة فلا ، وقد تنظّر الشيخ (قدّس سرّه) في ذلك وقال إنّ هذا حسن لو لم يكن مجرد استحقاق القيمة سبيلاً على المسلم من الكافر وأيّد (قدّس سرّه) عدم الخيار بما حكم الفقهاء (قدّس سرّهم) به من سقوط الخيار في من ينعتق على المشتري .
ولا يخفى أنّ وهن ما ذكره الشيخ (قدّس سرّه) غنيّ عن البيان ، أمّا وهن ما ذكره من مقالة تحقّق السبيل بمجرد الاستحقاق فظاهر ، لأنّ مجرد استحقاق القيمة لا يكون سبيلاً عرفاً ، لأنه نظير استحقاق الكافر الثمن أو الاُجرة فيما إذا باع شيئاً أو آجر نفسه لعمل .
وأمّا حكم الفقهاء (قدّس سرّهم) بسقوط الخيار في من ينعتق على المشتري فغير مستند إلى دعوى أنه سبيل ، بل السرّ في ذلك أنّ الفسخ بمعنى حلّ العقد ورجوع كل من العوضين إلى ملك مالكه الأول وليس في ذلك الرجوع إلى البدل نعم إذا كان أحد العوضين تالفاً أو بحكم التالف اعتبر بحسب البقاء أيضاً ملكاً لمالكه وقد تلف في يد الآخر ومعه ينتقل الأمر إلى البدل ، وهذا المعنى من الفسخ إنّم-ا
1) القواعد 2 : 18
يتحقّق في غير المقام ، وأمّا إذا كان المبيع ممّن ينعتق على المشتري فلا معنى لاعتباره بحسب البقاء ملكاً لمالكه الأول ، إذ لا معنى لاعتبار ملكية الحرّ ولا يقاس ذلك بالتالف ، ومعه لا ينتقل الأمر إلى البدل .
و ممّا ذكرنا تبيّن ما في كلام العلّامة (قدّس سرّه) فإنّ الأمر في محل الكلام أيضاً كذلك ، لأنّ الشارع قد منع من اعتبار ملكية المبيع وهو العبد المسلم للكافر ف-لا ينتقل الأمر إلى البدل ، فما ذكره العلّامة والشيخ (قدّس سرّهما) لا يمكن المساعدة عليه كما عرفت فتأمّل .
وملخّص الكلام من أوّل البحث إلى هنا : أنه إن قلنا بكون الآية الشريفة ناظرة إلى نفي السبيل تكويناً وفي يوم الآخرة بقرينة صدرها ، أو إلى نفي الحجّة كما في بعض الروايات فلا مانع من صحّة بيع العبد المسلم من الكافر، غاية الأمر يكون الكافر ملزماً على بيعه بقاءً لأجل الروايات الواردة في عدم استقرار ملك الكافر للعبد المسلم كما ينادي بهذا قوله ( عليه السلام) « ولا تقرّوه عنده » .
وأمّا إن قلنا إنّ الآية الشريفة ناظرة إلى مرحلة التشريع مثل قوله تعالى :مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ(1)بأن تكون الآية الشريفة حاكمة وناظرة إلى نفي السبيل للكافر على العبد المسلم في عالم التشريع ، فحينئذ لا إشكال في تقديم الآية الشريفة والحكم بعدم صحة بيع العبد المسلم من الكافر بناءً على كون التمليك سبيلاً ، وأمّا إذا قلنا إنّ الآية الشريفة باطلاقها تشمل نفى السبيل في عالمي التشريع والتكوين فتقع المعارضة بين الآية الشريفة وبين الروايات الواردة في صحة العقود مثل قوله (عليه السلام) « الصلح جائز بين المسلمين »(2)وغير ذلك من الروايات
الواردة في صحة العقد بالعموم من وجه ، وقد ذكرنا في محلّه(1)أنه إذا وقعت المعارضة بين الآية والرواية بالعموم من وجه تتقدّم الآية على الرواية لكون الرواية مخالفة للقرآن ، وقد ذكرنا في محلّه أنّ المعارض بهذا الوجه أيضاً ممّا أمرنا بضربه على الجدار ، ولا يختص ذلك بما إذا كانت المعارضة بالتباين لأنه لا نعني بالمخالفة إلّا التنافي وهو موجود في المقام .
ولكن هذه الكبرى لا تجري في المقام ، بل لابدّ في المقام من تقديم أدلّة العقود ، وذلك لأنّ هذه المقالة إنّما هي فيما إذا لم تكن الرواية معتضدة بآية اُخ--رى وفي المقام الروايات الواردة في المعاملات معتضدة بقوله تعالىأَوْفُوا بِالْعُقُودِ (2)ويقدّم أَوْفُواعلى آية نفي السبيل لأجل كون دلالته بالوضع والعموم ودلالة آية نفي السبيل بالاطلاق ، وقد ذكرنا في محلّه أنّ ما يكون عمومه بالوضع يتقدّم على ما يكون بالاطلاق وبمقدّمات الحكمة ، فالنتيجة هي صحة بيع العبد المسلم من الكافر هذا كلّه في المعاملات .
وأمّا في الخيارات فإن كانت أدلّة الخيارات لفظية مثل قوله (عليه السلام)« البيّعان بالخيار »(3)أو « لصاحب الحيوان خيار ثلاثة أيّام »(4)وغير ذلك من الروايات الواردة في باب الخيار فالكلام هو الكلام في المعاملات بعينه ، وأمّا وجه تقديم أدلّة الخيارات على الآية في مرحلة المعارضة فلأجل أنه لو كان البيع الابتدائي جائزاً وأدلّة البيع مقدّمة يكون الفسخ وعود الملك جائزاً بطريق أولى بناءً على كون
الفسخ عوداً للملك السابق ، كما أنه لو لم يكن الفسخ جائزاً لا يكون تملّك الكافر العبد المسلم ابتداءً جائزاً بطريق أولى .
وبعبارة اُخرى : أنّ جواز البيع الابتدائي من الكافر يدلّ بالدلالة الالتزامية على جواز الفسخ بطريق أولى ، كما أنّ عدم جواز الفسخ يدلّ بالدلالة الالتزامية على عدم جواز التملّك الابتدائي بطريق أولى ، ومرجع هذا إلى المعارضة بين الدلالة الالتزامية لأوفوا بالعقود والدلالة الالتزامية لآية نفي السبيل وهو من المعارضة بين آيتين ، وحيث إنّ دلالة الاُولى وضعية ودلالة الثانية اطلاقية فيتقدّم أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ويؤخذ بعمومه وبلوازمه فتثبت صحة الفسخ . وإن شئت قلت : إنّ أدلّة الخيارات المعتضدة بعمومأَوْفُوا بِالْعُقُودِتتقدّم على آية نفي السبيل . هذا إذا ورد دليل لفظي خاص على الخيار .
وأمّا إذا كان دليل الخيار مثل قاعدة لا ضرر فحينئذ أيضاً إن قلنا بعدم كون الآية ناظرة إلّا إلى نفي السبيل في عالم التكوين والآخرة فلا إشكال في الخيار ، وأمّا إذا كانت الآية ناظرة إلى نفي السبيل في مرحلتي التشريع والتكوين فلا إشكال أيضاً في ثبوت الخيار لحكومة لا ضرر على جميع أدلّة الأحكام الواقعية ومنها آية نفي السبيل ، لأنّ المفروض عدم كون الآية حاكمة على أدلّة الأحكام بل هي مثلها فتكون محكومة بلا ضرر ، وأمّا إن قلنا بناظرية الآية إلى نفي السبيل في مرحلة التشريع فقط فيقع التعارض بين القاعدة والآية يعني يقع التعارض بين الحاكمين وحينئذ فقد يقال بتقدّمأَوْفُوا بِالْعُقُودِ على الآية ببيان ذكرناه ، فلابدّ من تقديم القاعدة على الآية في المقام أيضاً لكونها معتضدة بعمومأَوْفُوا بِالْعُقُودِ
إلّا أنّه لا يمكن المساعدة على ذلك ، وذلك لأنّ المفروض نظر آية نفي السبيل إلى التشريع وحكومتها على جميع أدلّة الأحكام بما في ذلكأَوْفُوا بِالْعُقُودِ ، فلا معاضدة في البين ، بل يكون التعارض بين الآية والقاعدة من صغريات التعارض
بين الكتاب والرواية بالعموم والخصوص من وجه والحكم فيه هو تقديم الكتاب وعليه فيحكم بعدم الخيار ويرفع اليد عن لا ضرر .
إلّا أنّ الصحيح أنه لا يوجد خيار ينحصر دليله بأدلّة نفي الضرر ، كما لا مجال لدعوى اختصاص السبيل بالسبيل التشريعي ، بل الآية الشريفة لا تشمل السبيل التشريعي أصلاً وإنّما هي ناظرة إلى السبيل التكويني في الآخرة ، وعليه فمقتضى القاعدة صحة تملّك الكافر للمسلم غاية ما هناك أنه يجبر على بيعه كما دلّت عليه الروايات . نعم لو تم إجماع في مورد عملنا به كما ادّعي في البيع الابتدائي ، لكن لم يثبت إجماع في الفسخ ومقتضى القاعدة ثبوت الخيار ، فما ذكره في جامع المقاصد تبعاً للدروس من ثبوت الخيار متين جدّاً .
ثم إنه يقع الكلام في جواز نقل المصحف إلى الكافر وعدمه . ولا يخفى أنّ محل الكلام في جواز بيع المصحف وعدمه إنّما هو مبني على جواز بيعه من المسلم ، وأمّا لو قلنا بعدم جوازه من المسلم كما عليه الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه)(1)فالجواز من الكافر غير محتمل فعليه يقع في مطلق النقل مثل الهبة ونحوها . وأيضاً فليعلم أنّ كلامنا في جواز نقله إلى الكافر وعدمه إنّما هو من حيث هو من دون أن ينطبق عليه عنوان آخر محرّم مثل الهتك ونحوه . على أنّ نقل المصحف إلى الكافر قد يوجب احترامه وتعظيمه لأنه يطّلع على معارفه وقواعده وإن لم يؤمن به وقد يكون هذا سبباً لهدايته وإيمانه . ثم إنه إذا عرفت هذا فاعلم أنّ عدم جواز بيع العبد المسلم من الكافر إن كان
1) صراط النجاة : 283 / المسألة 1168 .
دليله الاجماع فلا مانع من جواز بيع المصحف من الكافر لعدم الاجماع ، ولذا نقل الشيخ (قدّس سرّه)(1)عن بعض كراهة بيعه ، ولكنّه لم نعلم وجه الكراهة بل الأمر دائر بين المنع والجواز .
وكيف كان إن كان الدليل هناك الاجماع فهو غير تامّ هنا فلا مانع من جواز البيع . وإن كان الدليل هناك الآية الشريفة من جهة احترام المسلم فيمكن أن يقال في المقام بمناسبة الحكم والموضوع إنه إذا كان بيع العبد المسلم غير جائز من جهة الاحترام فعدم الجواز في المصحف بطريق أولى ، لأنّ القرآن أعظم احتراماً من المؤمن لأنه أساس الدين .
ولكن فيه منع ظاهر ، بداهة أنه لم يعلم أنّ عدم جواز بيع العبد المسلم من الكافر من جهة الاحترام ، بل يمكن أن يكون لنكتة أن لا يكون متخلّقاً بأخلاق الكفّار وأن يميل إلى الكفر وغير ذلك من النكات ، هذا بالنسبة إلى أصل المسألة .
وأمّا الأولوية فهي أيضاً ممنوعة ، وذلك لبداهة أنّ المؤمن أعظم احتراماً من المصحف الموجود الشخصي ولذا لو دار الأمر بين إتلاف القرآن الشخصي الموجود وبين تلف النفس المحترمة فلا إشكال في جواز إتلاف القرآن كما إذا توقّف إنقاذ المؤمن على شدّ القرآن بشيء وكان المصحف أيضاً مخطوطاً بحيث لو وصل إليه الماء لتلف فيلق على الشط مثلاً حتّى يأخذه الغريق ويصل إلى الساحل ، وكما إذا توقّف حفظ النفس على جعل المصحف تحت القدم فيما إذا كان المؤمن قريباً من الموت لأجل الجوع بحيث لو لم يجعل المصحف تحت القدم لم تصل يده إلى الخبز فيموت جوعاً فحينئذ لا إشكال في جوازه ، نعم إذا دار الأمر بين إيحاء أحكام القرآن وقواعد الدين من أصلها وقتل النفس المؤمنة فالمتعيّن هو الثاني ، وقد ضحّى الأئمّة
1) المكاسب 3 : 601 .
(عليهم السلام) بأنفسهم الشريفة في سبيل حفظه وتشييد قواعده وأحكامه . وكلامنا في جواز نقل المصحف الشخصي الموجود كما هو واضح ، وعلى فرض عدم جواز نقل المصحف هل يلحق به الأحاديث النبوية المتواترة أم لا ؟ الظاهر هو الثاني لعدم الدليل ، وعلى فرض التسليم فيه أيضاً هل تكون الأحاديث الآحاد ملحقة بالمتواترة أم لا ؟ الظاهر لا ، لأنّ كون شيء حجّة لا يوجب ترتّب جميع الأحكام عليه فلا يمنع عن جواز بيعه .
ولا ينقضي تعجّبي عن الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه) كيف ذكر قوله هذا «وما ذكروه حسن وإن كان وجهه لا يخلو عن تأمّل أو منع انتهى »(1)بداهة أنّه لو لم يكن الدليل تامّاً كيف يكون الافتاء بالدليل غير التامّ حسناً .
1) المكاسب 3 : 602 [ لكنّه ذكره في ذيل مسألة بيع المصحف ] .
قد ذكر الشيخ (قدّس سرّه)(1)أنّه يشترط في البيع كون كل واحد من الثمن والمثمن مالاً ، وأن يكون ممّا ينتفع به منفعة مقصودة للعقلاء ، وكل مورد علمنا بعدم كونه مالاً فلا إشكال في عدم جواز البيع كالخنافس والديدان ، كما أنّه لا إشكال في جواز البيع فيا إذا كان العوضان مالاً . ثمّ ذكر (قدّس سرّه) وأمّا إذا شككنا في كونه مالاً فإن كان أكل المال في مقابله أكلاً للمال بالباطل فالظاهر فساد المقابلة ، وما لم يتحقّق فيه ذلك فإن ثبت دليل من نصّ أو إجماع على عدم جواز بيعه فهو وإلّا فلا يخفى وجوب الرجوع إلى عمومات صحّة البيع والتجارة وخصوص قوله (عليه السلام) في المروي عن تحف العقول : « وكلّ شيء يكون لهم فيه الصلاح من جهة من الجهات فكلّ ذلك حلال بيعه » الخ(2).
وفيما ذكره (قدّس سرّه) مواقع للنظر منها : ما ذكره (قدّس سرّه) من مقالة اعتبار كون العوضين مالاً فإنه ممّا لم يقم عليه دليل كما ذكرناه مراراً وقدّمناه في أوّل كتاب البيع (3)فإنّ المعتبر تحقّق الغرض العقلائي ولو كان شخصياً وقد مثّلنا لذلك بما إذا
رأى أحد خطّ جدّه مثلاً عند شخص وكان مشتاقاً إليه فطلبه منه فأبى عن إعطائه إلّا بالبيع فلا مانع من صحّة بيعه وشرائه ، وكذا في مثل العقارب والديدان والخنفساء إذا كان في بيعها وشرائها غرض عقلاني لأجل الدواء ونحوه ، والحاصل أنّه لا دليل على اعتبار المالية في العوضين . وأمّا ما ورد في كلام المصباح(1)من أنّ البيع عبارة عن مبادلة مال بمال فلا حجّية فيه ، لأنّ أهل اللغة في مقام شرح الاسم لا في تحديد المعنى الحقيقي كما هو الظاهر .
ولو سلّمنا ذلك فغاية ما يترتّب على ذلك عدم شمول أدلّة إمضاء البيع للمعاوضة الواقعة على ما لا يتموّل وهذا لا يمنع من شمول قوله تعالى :أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ونحوه فيحكم بصحّة المعاوضة المذكورة ، وقد ذكرنا في بعض تنبيهات المعاطاة وشيّدنا أركان ما قلناه هناك من عدم كون بعض ما هو المتداول بين الناس بيعاً بل معاوضة مستقلّة برأسه كما ربما يبدّل أحد عباءه مع عباء شخص آخر وغير ذلك ممّا يقع التبديل بين الشقصين بين الناس من دون أن يلاحظوا الثمنية والمثمنية في أحد من المتاعين والشقصين ، وبديهي أنّ مثل هذه المعاملات ليس من البيع في شيء ولذا لو سئل عن كل واحد من المتبادلين هل بعت مالك فيقول في جوابه لا بل بدلته فراجع نفسك واجعل الانصاف بين يديك ، وهذا ظاهر كما لا يخفى على الناقد البصير ومع ذلك كلّه نحكم على هذه المعاوضات بالصحّة تمسّكاً بعموم أَوْفُوا بِالْعُقُودِ
ومنها : ما ذكره ثانياً من أّنه إذا شككنا في كون شيء مالاً فإن كان المال في مقابله أكلاً للمال بالباطل فلا إشكال في عدم الجواز بناءً على ما ذكره في تفسير معنى الآية الشريفة فراجع ، وذلك أنّه إذا شككنا في كون شيء مالاً نشكّ في كون مقابله
1) المصباح المنير : 69 .
أكلاً للمال بالباطل ، ومع احتمال كونه مالاً كيف يكون لنا العلم بأنّه أكل مال بالباطل وليس هذا إلّا جمعاً بين المتناقضين ، وأمّا على المبنى المختار عندنا فالآية أجنبية عن محلّ الكلام رأساً .
ومنها : ما ذكره أخيراً من قوله : وإلّا فلا يخفى وجوب الرجوع الخ وقد عرفت في أوّل الكتاب(1)عدم كون ما نقل عن تحف العقول رواية لأجل وجود القرائن التي نبّهنا عليها هناك ، وعلى فرض كونها رواية فهي ضعيفة بالإرسال . وأمّا التمسّك في هذه الموارد بالعمومات فمن أظهر مصاديق التمسّك بالعام في الشبهات المصداقية كما هو الظاهر لأهل الفنّ .
ثمّ ذكر (قدّس سرّه) أنّهم احترزوا باعتبار الملكية عن بيع ما لا يكون ملكاً كالماء والكلاء والسماك والوحوش قبل الإصطياد .
ولعمري أنّه لم يتقدّم منه (قدّس سرّه) اعتبار الملكية في العوضين بل ذكر (قدّس سرّه) أنّه يشترط أن يكون العوضان مالاً وبديهي أنّه لا ملازمة بين كون شيء مالاً وكونه ملكاً بل النسبة بينهما العموم من وجه كما هو الواضح ، هذا .
مضافاً إلى أنّ الملكية معتبرة في بيع الأعيان الشخصية لأجل الرواي--ات الواردة في المقام مثل قوله (صلّى الله عليه وآله وسلم) : « لا بيع إلّا في ملك » (2)و « لا بيع فيما ليس عندك »(3)بحيث لولا هذه الروايات لم يكن مانع عن بيع ما ليس عنده ثمّ اشتراؤه ودفعه إلى المشتري ، والمراد من اعتبار كون العوضين ملكاً في الأعيان الشخصية معناه اللغوي يعني أن يكون تحت سلطانه ولذا قلنا في بعض تحقيقاتنا
المتقدّمة (1)من أنّه لا مانع من جعل متعلّق الحقّ كحقّ التحجير ثمناً في البيع ، وأمّا في بيع الكلّي في الذمّة فلا يعتبر الملكية بلا إشكال وخلاف بين الفريقين كما صرّح الإمام (عليه السلام) بذلك في بعض الأخبار(2)نقضاً على المخالفين كما تقدّم م-نّا في بعض المباحث السابقة فراجع .
ثمّ ذكر (قدّس سرّه) بعد ذلك أيضاً ما هذا لفظه : واحترزوا أيضاً به - يعني باعتبار الملكية - عن الأرض المفتوحة عنوة ، ووجه الاحتراز عنها أنّها غير مملوكة لملّاكها على نحو سائر الأملاك الخ ، ولعمري أنّه كان الأولى له (قدّس سرّه) أن يقيّد الملكية في هذا المقام بالطلقية لكون الأراضي المفتوحة عنوة ملكاً للمسلمين غاية الأمر ليست ملكاً طلقاً ، ثمّ تعرّض لبيان كيفية التملّك وأقسام الملكية وتفصيل ذلك : أنّ الملكية تتصوّر على وجوه :
منها : ما إذا كانت العين والمنافع ملكاً للمالك كما في الأموال والأملاك الشخصية المتعارفة كمالكية الإنسان لداره ونحوها من أمواله .
ومنها : ما لا تكون العين ملكاً له بل تكون المنافع ملكاً له حتّى قبل القبض كما في الوقف الخاصّ بداهة أنّ الموقوف عليهم في الوقف الخاصّ يتملّكون المنافع بوجه المشاع حتّى قبل القبض كما هو واضح .
ومنها : ما تكون المنافع فقط مملوكة بعد القبض مثل الوقف العامّ كما في الوقف على العلماء والمؤمنين .
ومنها : ما لاتكون العين ملكاً لأحد إلّا بعد القبض كما في باب الزكاة والخمس بناءً على كونهما متعلّقين بالعين وكون عنوان السادات والفقراء مشتركاً مع
من عليه الزكاة والخمس، وبديهي أنّ السادات والفقراء قبل قبض العين لا يكونون مالكين للعين فضلاً عن منافعها ولذا لو مات أحد من الفقراء أو السادات قبل القبض وبعد تعلّق الخمس والزكاة لا يرثه وارثه كما هو واضح .
إذا عرفت هذا فاعلم أنّ الملكية الموجودة في الأراضي المفتوحة عنوة ليست من قبيل تلك الأُمور التي ذكرناها وتلونا عليك بل الملكية هنا نحو ملكية مستقلّة ومعناها صرف منافعها في مصالح المسلمين وأمرها في يد ولي الأمر وله تمليكها لكل شخص أراد ورأى فيه مصلحة لعامّة المسلمين .
ثمّ ذكر (قدّس سرّه) أنّه حيث انجرّ الكلام إلى ذكر بعض أقسام الأرضين لا بأس بالاشارة إلى جميع أقسام الأرضين بالإجمال ومن الله الاستعانة قال (قدّس سرّه) الأراضي إمّا موات أو عامرة ، وكل واحدة منها إمّا أن تكون كذلك بالأصالة وإمّا أن تكون بالعرض فالأقسام أربعة لا خامسة فيها . ومرادنا بالعامرة بالأصالة أن تكون كذلك في نفسها لا بمعمّر المعبّر عنها بالفارسية ب- (خودرو) .
ويقع الكلام أوّلاً في الأراضي التي لا تكون عامرة أي مواتاً بالأصالة وفيها جهات من البحث : الاُولى في أنّها مملوكة لأيّ شخص ؟ الظاهر أنّه لا إشكال ولا خلاف في كونها للإمام (عليه السلام) وكونها من الأنفال ، وما يكون من الأنفال فهو للإمام (عليه السلام) كما تدلّ عليه الآية الشريفة(1)وبعبارة واضحة : الكبرى ثبتت بالآية والصغرى يعني كون الأراضي الكذائية من الأنفال بالرواية ، وهو المتسالم عليه عند فقهاء الإمامية ، وأمّا استفاضة النصوص بذلك أو تواترها كما في كلام شيخنا العلّامة الأنصاري (قدّس سرّه )(2)فلم تظهر لنا ، بداهة أنّه إن أراد من
استفاضة النصوص الروايات الواردة في أنّ كل أرض خربة باد عنها أهلها أو أنّ الأرض كلّها للإمام (عليه السلام) فهي وإن كانت كثيرة إلّا أنّها خارجة عن مح--لّ الكلام ، لأنّ المراد من الأوّل ما يكون عامرة ثمّ خربت لأجل تفرّق أهلها ، وبديهي أنّ محل كلامنا في موات الأرض بالأصالة ، والثاني أيضاً خارج لأنّه لا شکّ ولا شبهة في كون الأرض والسماء وجميع ما خلق الله لهم (سلام الله عليهم أجمعين) ولكن كلامنا في خصوص موتان الأرض ، نعم قد وردت روايات ثلاثة أو أربعة في كون الأراضي الميتة للإمام (عليه السلام) كما ذكره صاحب الوسائل في كتاب الخمس في باب الأنفال فراجع الوسائل في كتاب إحياء الموات باب 4 أنّ الذمّي إذا أحيى الخ .
الجهة الثانية : في أنّ جواز التصرّف في هذه الأراضي وتعميرها هل ه-و مختصّ بالشيعة أو يعمّهم وجميع المسلمين أو يعمّ الكفّار أيضاً ؟ ويمكن الاستدلال على الثاني بما في النبويين من قوله (صلّى الله عليه وآله وسلم) : « موتان الأرض الله ولرسوله ثمّ هي لكم منّي أيّها المسلمون »(1)وقوله (صلّى الله عليه وآله وسلم) : « عادي الأرض الله ولرسوله ثمّ هي لكم منّي »(2)والمراد من العادي القديم الظاهر في الأرض الميتة .
ولكن الحقّ عدم دلالة النبويين على المطلب ، مضافاً إلى كونهما ضعيفتي السند لأنّ المستفادكون موتان الأرض للمسلمين حتّى قبل الإحياء ، وهو كما ترى مخالف لمذهب الشيعة لأنّها للإمام (عليه السلام) فافهم.
والأولى الاستدلال بما ورد في صحيحتي محمّد بن مسلم وأبي بصير فراجع الوسائل كتاب إحياء الموات باب 1 أنّ من أحيا أرضاً الخ وفي الصحيحة الأُولى
قال : « سألته عن الشراء من أرض اليهود والنصارى ؟ فقال (علیه السلام) ليس به بأس - إلى أن قال (عليه السلام) - وأيّما قوم أحيوا شيئاً من الأرض أو عملوه فهم أحقّ بها وهي لهم »(1)و في الصحيحة الثانية قال : « سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن شراء الأرضين من أهل الذمّة ، فقال (عليه السلام) لا بأس بأن يشترى منهم إذا عملوها وأحيوها فهي لهم » الخ(2)ومثل قوله (عليه السلام) « كل أرض ميتة لاربّ لها فهو للإمام (عليه السلام) »(3)فإذا كان الأمر في مطلق الكافر أو الذمّي كذلك يعني إذا جاز لهم بل لكلّ الناس كما يستفاد من من كلمة قوم في قوله « أيّما قوم أحيوا شيئاً من الأرض » فما ظنّك لغير الشيعي من المسلمين .
الجهة الثالثة : في وجوب الخراج وعدمه ، الظاهر أنّ حكم هذه المسألة مبنيّ على أنّ المحيي يكون مالكاً بالإحياء أو يكون له التصرف فيها ، والذي ه-و المتسالم فيه بين الإمامية عدم وجوب الخراج على الشيعي ولكنّ صحيحة الكابلي« قال أبو جعفر (عليه السلام) وجدنا في كتاب علي (عليه السلام)إِنَّ الْأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ إلى أن قال فمن أحيى أرضاً من المسلمين فليعمّرها وليؤدّ خراجها إلى الإمام (عليه السلام) من أهل بيتي أهل بيتي وله ما أكل منها »(4)وفي مصحّحة عمر بن يزيد « سأل رجل أبا عبدالله (عليه السلام) عن رجل أخذ أرضاً مواتاً - إلى أن قال (عليه السلام) كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول : من أحيى أرضاً من المؤمنين فهي له وعليه طسقها يؤدّيه إلى الإمام (عليه السلام) »
الخ (1)وقد ذكر الشيخ (قدّس سرّه )(2)أنّه يمكن حمل هذه الروايات على بيان أصل الاستحقاق ، ولا ينافي ذلك عدم وجوب الأداء على الشيعة لأجل إسقاط الأئمّة (عليهم السلام) ذلك بعد أمير المؤمنين (عليه السلام) وتحليلهم لشيعتهم ، كما أنّه يمكن حملها على زمان الحضور بأن يقال إنّه يجب الأداء في حال الحضور دون الغيبة .
ولكن لا يخفى ما فيه ، أمّا حمله الأول فإنّ الظاهر من الصحيحتين بيان الحكم والوظيفة الفعلية للسائل دون مجرّد أصل الاستحقاق بل هو (عليه السلام) بصدد بيان أنّ وظيفتك أن تؤدّي الخراج إلى الأئمّة (عليهم السلام) . وأمّا حمله الثاني فأبعد من الأول لأمرين : أحدهما أنّ هذه الروايات مطلقة وشاملة لعصري الحضور والغيبة . وثانيهما : أنّ قوله (عليه السلام) : « ما كان لنا فهو لشيعتنا » ونحوه ناظر إلى زمن الحضور أو هو مطلق للعصرين إلّا أنّ أبرز مصاديقه عصر الحضور فيتنافى مع حمل الصحيحتين على زمن الحضور.
فعليه يكون المستفاد من الصحيحتين وجوب أداء الخراج إلى الأئمّة ، إلّا أنّ الذي يسهّل الخطب في عدم وجوب أداء الخراج على الشيعة قوله (عليه السلام) في رواية مسمع بن عبد الملك «كلّ ما كان في أيدي شيعتنا من الأرض فهم فيه محلّلون يحلّ لهم ذلك إلى أن يقوم قائمنا (عليه السلام) فيجبهم طسق ما كان في أيديهم ويترك الأرض في أيديهم، وأمّا ما كان في أيدي غيرهم فإنّ كسبهم من الأرض حرام » الخ(3)فيخصّص عموم الصحيحتين ويقال بوجوب الخراج على غير الشيعي فافهم .
والذي يدلّنا على هذا الجمع أيضاً الروايات العامّة(1)الواردة في تحليل ما يكون لهم (عليهم السلام) لشيعتهم بداهة أنّ كون الشيعة فيه محلّلون ليس إلّا عبارة عن عدم وجوب الخراج عليهم وإلّا لا إشكال في حلّية التصرف في الأرض مع أداء الخراج للسنّي ولجميع الناس ، فتخصيصه (عليه السلام) بالشيعة ليس إلّا من هذه الجهة .
وأيضاً يدلّ على ما ذكرناه ما في رواية مسمع بن عبدالملك من قوله « فإنّ كسبهم من الأرض حرام عليهم» وليس حرمة الكسب لهم إلّا من جهة عدم إعطاء الخراج للأئمّة (عليهم السلام) وصدره أيضاً يدلّ على عدم وجوب الخراج على الشيعة كما ذكرناه .
لا يقال : إنّه كيف يمكن هذا الجمع مع أنّ مورد السؤال في صحيحتي الكابلي وعمر بن يزيد هم الشيعة لأنّه لو قلنا بخروج الشيعة ع-ن م-ورد الخراج يلزم تخصيص المورد ، وهو كما ترى لأنّه كيف يمكن أن يسأل عن حكم الشيعة ويجيب الإمام (عليه السلام) عن حكم الأشخاص الآخرين .
فإنّه يقال : إنّ الأمر ليس كذلك ، أمّا في صحيحة الكابلي فلم يسبقه سؤال فيه عن الإمام (عليه السلام) حتّى يقال بتلك المقالة ، نعم الراوي لها شيعي وهذا غير كون المورد هم الشيعة . وأمّا مصحّحة عمر بن يزيد فلم يعلم أنّ السؤال كان عن الشيعة بل السائل على ما ذكر في الوسائل كان رجلاً من أهل الجبل الذين هم الآن من المتعصّبين من أهل السنّة غالباً فما ظنّك بذلك الزمان ، مع أنّ قوله (عليه السلام) في آخر الرواية فليوطّن نفسه على أن تؤخذ منه قرينة على أنّ مورد السؤال كان من غير الشيعة فإنّ الشيعي لا تؤخذ منه الأرض عند قيام القائم (عجّل الله تعالى فرجه)
1) الوسائل 9 : 543 / أبواب الأنفال ب 4 .
وكيف كان أنّ ما ذكرناه من الجمع في غاية المتانة .
الجهة الرابعة : في كون الإحياء سبباً للملكية أو يورث الأحقّية فقط ؟ والمسألة ذات قولين ، ذهب المشهور إلى الأوّل يعني أنّ المحيي يكون بالإحياء مالكاً ، ولكن الظاهر هو الثاني يعني أنّ الإحياء يورث الأحقّية وقد ورد في المقام روايات مختلفة والمذكور في بعضها أنّ من أحيى الأرض فهي له(1)ويستفاد منها الملكية ، وفي بعضها أثبت الأحقّية كما في رواية فضالة عن جميل بن درّاج عن محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال (عليه السلام) « أيّما قوم أحيوا شيئاً من الأرض أو عمّروها فهم أحقّ بها »(2)وفي بعضها الآخر قد جمع بينهما كما في رواية محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال« سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول : أيّما قوم أحيوا شيئاً من الأرض وعمّروها فهم أحقّ بها وهي لهم »(3)وكذا في مرسلة الصدوق(4).
ولعمري أنّه من تأمّل في الروايات الواردة في هذا الباب بعين الإنصاف يجد في نفسه القطع بأنّ الإحياء يورث الأحقّية دون الملكية ، وذلك للروايات(5)الدالّة على وجوب إخراج الخراج على غير الشيعي وتحليله للشيعة ، والملك لا يجتمع مع وجوب إخراج الخراج وحرمة التصرّف في الأرض دون تأدية الخراج . فعليه تكون كلمة اللام في قولهم (عليهم السلام )« فهي لهم » أو « هو لهم» بمعنى الاختصاص يعني لا يجوز لأحد أن يزاحمه فيما أحياها من الأرض .
ويدلّنا على ذلك أيضاً أمران : أحدهما الروايات(1)الصحيحة الواردة في عدم جواز تعطيل الأرض لمن أحياها ولو عطّلها يجوز لغيره الغرس وإج-راء الأنهار وغير ذلك من أنحاء الإحياء . وبعبارة واضحة يجوز للغير أن يتصرّف في الأراضي التي أحياها الغير ولكنّه عطّلها وصارت خربة ، بداهة أنّه لو كان الإحياء موجباً لكون الأرض ملكاً لمحييها كيف يكون للغير أن يتصرف في ملك المحيي بلا إذن منه .
الأمر الثاني : ما في رواية عمر بن يزيد « فإذا ظهر القائم (عجّل الله تعالى فرجه) فليوطّن نفسه على أن تؤخذ منه »(2)بداهة أنّه لو فرضنا أنّ الإحياء يورث الملكية كيف يكون للإمام (عليه السلام) أخذ الأرض منهم وإخراجهم منها صغرة كما في ذيل رواية مسمع بن عبدالملك(3)وقوله (عليه السلام) في آخر رواية الكابلي « حتّى يظهر القائم من أهل بيتي بالسيف فيحويها ويمنعها ويخرجهم منها - إلى أن قال (عليه السلام) - إلّا ما كان في أيدي شيعتنا فإنّه يقاطعهم على ما في أيديهم ويترك الأرض في أيديهم » الخبر(4)كما هو واضح ، ويكفينا الشكّ في ذلك أيضاً لكون الأصل معنا بداهة أنّ الأرض كانت للإمام (عليه السلام) قطعاً وبعد الإحياء نشكّ في كونها ملكاً لمحييها والأصل عدمه ، فلابدّ من إحراز السبب الناقل عن ملكه (عليه السلام) إلى ملك المحيي .
فإن قلت : إنّ الإحياء سبب للملك ، قلت : هو مصادرة وأوّل الكلام كما لا
يخفى .
ومن هنا يظهر حكم المسألة التي سئلنا عن حكمها أزيد من عشرين مرّة وهو أنّه إذا أحيى أحد أرض الموات لأجل التجارة لا لجهة مؤونته كما إذا جعلها بستاناً أو غرس فيها شجراً لأجل التجارة هل يتعلّق بها الخمس أم لا بعد ما لم تكن يتعلّق بها الخمس إذا كان الإحياء لأجل المؤونة بلا إشكال ؟ بداهة أنّه بعد ما فرضنا أنّه لا يملك بالإحياء بل لم يثبت له إلّا الأحقّية من غيره لا معنى لتعلّق الخمس بها لعدم كون الأرض ملكاً له كما هو واضح .
الجهة الخامسة : في جواز بيع تلك الأراضي لمحييها ، الظاهر أنّه لا إشكال في جواز بيعها ، ولا ينافيه ما ذكرناه في الجهة الرابعة من عدم كونها ملكاً بالإحياء وذلك لأنّ معنى بيع الأراضي الكذائية تبديل طرفي الإضافة الموجودة في البائع للمشتري بأن يكون للمشتري ما كان للبائع من الأحقّية ع-ن غ-ي-ره ، وبعبارة واضحة أن يكون المشتري قائماً مقام البائع ، وأن تكون السلطنة الموجودة للبائع مضافة إلى المشتري ، وأن يكون المشتري واجداً لتلك السلطنة التي كانت للبائع فيكون المبيع في هذه الموارد هو الحقّ الثابت للبائع بالإحياء ، وإنّ أردت أن تقول إنّ المبيع هو العين من جهة الحقّ وأمّا نفس الأرض فهي باقية في ملك الإمام (عليه السلام) .
القسم الثاني : ما تكون عامرة بالأصالة كأطراف الشطوط والأنهار والأجام ونحوها ممّا تكون عامرة بالأصالة ، والكلام فيها يقع من جهتين : الاُولى في كونها للإمام (عليه السلام) ولم يرد فيها بخصوصها ما يدلّ على كونها للإمام (عليه السلام) إلّا أنّ العمومات كافية لإثبات ذلك مثل(1)ما عدّ فيه من الأنفال كلّ أرض
1) كما ورد في الوسائل 9 : 524 / أبواب الأنفال ب 1 ح 4 .
لا ربّ لها ، فإنّها تعمّ العامرة بالأصل ، ويدلّ عليه قوله (عليه السلام) في صحيحة الكابلي « والأرض كلّها لنا »(1)ثمّ ذكر الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه)(2)أنّ عموم ذلك لا يخصّص بمفهوم رواية حمّاد المرويّة في الكافي(3)حيث جعل فيه من الأنفال كلّ أرض ميتة لا ربّ لها ، لأنّ القيد وارد مورد الغالب، لأنّ غالب الأراضي التي لا ربّ لها ميتة فلا مفهوم له ونقول : هذا الكلام معروف بينهم من أنّ القيد إذا كان وارداً مورد الغالب فلا مفهوم له ، كما أنّه من المعروف أيضاً أنّ الاطلاق يحمل على الأفراد الشائعة .
أمّا الكلام الثاني فلا وجه له أصلاً ، لأنّ تخصيص الاطلاق بالأفراد النادرة مستهجن لا شموله لها .
وأمّا الكلام الأوّل فثبوت المفهوم للقيد إنّما هو من جهة أنّه لو لم يكن احترازياً دالاً على المفهوم لزم لغويته ، ففي القيد الوارد مورد الغالب لمّا لم يلزم منه هذا المحذور لم يثبت المفهوم وإلّا فلا فرق بينه وبين غيره من القيود ، والأولى أنّ الوصف لا مفهوم له أصلاً لعدم لزوم اللغوية من ذكر القيد ولو لم يكن له مفهوم ، فإنّ ذكره قد يكون من جهة كون المقيّد مورد السؤال أو من جهة عدم كون غيره مورد الابتلاء كما في الرواية المزبورة حيث إنّ الأراضي التي هي مورد ابتلاء أهل العراق والحجاز ميتة فلا مفهوم للوصف أصلاً ، فلا معارضة بين الدليلين المثبتين وإن كان أحدهما أخصّ من الآخر لعدم التنافي بينهما .
وليعلم أنّ هذه الرواية مرسلة لأنّ حمّاد يرويها عن بعض أصحابنا .
الجهة الثانية : في ثبوت الملكية بالحيازة وعدم ثبوتها . قال الشيخ (قدّس سرّه) : وهل تملك هذه بالحيازة أم لا ؟ وجهان ، من كونها مال الإمام (عليه السلام) ومن عدم منافاته للتملّك بالحيازة ، واستدلّ بعموم النبوي « من سبق إلى ما لم يسبقه إليه مسلم فهو أحقّ به »(1).
ولكنّه لا يخفى أنّ النبوي ضعيف السند أوّلاً ، وعليل الدلالة ثانياً ، وذلك لأنّ المستفاد منه الأحقّية دون الملكية ، مضافاً إلى أنّ النبوي راجع إلى المباحات الأصلية التي لا مالك لها ، وأمّا الأراضي التي لها مالك شخصي مثل الإمام (عليه السلام) في المقام وغيره ( عليه السلام) في غير المقام فلابدّ فيها من الإذن من مالكها وإلّا كانت الأحقّية ثابتة لكلّ واحد من المسلمين لو سبق إلى ملك الغير قبل أن يسبقه صاحبه وهو كما ترى ، فلابدّ من التماس دليل آخر لثبوت الأحقّية ، وقد ورد في خصوص الشيعة عن أئمّتنا ( عليهم السلام) قولهم (عليهم السلام) « ما كان لنا فهو لشيعتنا »(2)وفي رواية مسمع بن عبدالملك : « وكلّ ما كان في أيدي شيعتنا م--ن الأرض فهم فيه محلّلون »(3)وأمّا بالنسبة إلى غير الشيعي فلابدّ من التماس دليل آخر .
والعجب من الميرزا (قدّس سرّه )(4)حيث إنّه استدلّ على حصول الملكية بالحيازة للشيعة وغيره بأدلّة التحليل واستفاد منها الحكمة وقال إنّ التحليل وإن كان لخصوص الشيعة إلّا أنّ مقتضى تعليلهم ( عليهم السلام) الإباحة بأن تطيب ولادة
الشيعة كون التملّك بالتصرف عاماً لكل أحد حيث إنّ الكافر إذا استولى على أرض ربما تنتهي تلك الأرض إلى الشيعي ، فالحكمة تقتضي أن يملكها الكافر أيضاً .
ولا يخفى أنّ المستفاد من الرواية ليس إلّا التحليل ، وأمّا الملكية فلا كما هو واضح . ولو سلمنا ذلك أيضاً لماذا يكون عاماً لجميع الناس ، واختصاصه للشيعة لا ينا في بأن تطيب ولادة الشيعة بداهة أنّه إذا فرضنا أنّ الأرض صارت تحت يد غير الشيعي وتنتقل إلى الشيعة بعد مدّة تكون التصرفات التي صدرت من غير الشيعي قبل ذلك حراماً وتكون حلالاً للشيعي منذ زمان وقوعها تحت يده .
وممّا يمكن أن يستدلّ به على كون الحيازة مملّكاً ما في ذيل رواية موت الزوجين وتشخيص مال الزوجة عن مال الزوج من قوله (عليه السلام) « من استولى على شيء منه فهو له »(1)ولكنّه في غير محلّه لأنّه مضافاً إلى كونها في مقام بيان الحكم الظاهري لأنّها راجعة إلى قاعدة اليد وكون الاستيلاء أمارة الملكية لا أنّه سبب الملكية واقعاً ، أنّ الإشكال الذي ذكرناه في التمسّك بقوله (صلّى الله عليه وآله وسلم) «من سبق إلى ما لم يسبقه إليه مسلم فهو أحقّ به » وارد هنا ، بداهة أنّ الاستيلاء إنّما يكون كذلك إذا لم يكن ملكاً للغير فإنّ ملك الغير لا يجوز التصرّف فيه بغير إذنه . فتحصل أنّه ليس فى البين ما يستفاد منه كون الحيازة أو الاستيلاء بعنوانه سبباً للملك حتى في المباحات الأصلية فضلاً عن غيرها كما في المقام ممّا يكون ملكاً للإمام (عليه السلام) .
نعم في خصوص المباحات الأصلية يمكن الاستدلال لكون الحيازة مملّكاً بما ورد في صيد الطير من قوله (عليه السلام)(2)« للعين ما رأت ولليد ما أخذت » في
جواب من سأله (عليه السلام) عن الطير نظر إليه رجل واصطاده رجل آخر ، فإنّ ظاهره أنّ الاستيلاء أوجب كون الطير لمن أخذه وليس للعين إلّا النظر ، ومن الظاهر أنّه لا خصوصية للطير فالجواب يعمّ حيازة غيره من المباحات ، مضافاً إلى السيرة القطعية القائمة على أنّ الحيازة في المباحات توجب الملك ، فثبوت الملك بالاستيلاء على المباحات الأصلية ظاهر لا ريب فيه .
ثمّ إنّ الظاهر كون الأشجار والأخشاب الموجودة في الأراضي العامرة كالآكام ملكاً للإمام (عليه السلام) بتبع ملك الأرض وليست من المباحات الأصلية فلا تملك لغير الشيعي بالحيازة ولا يثبت له حقّ الأولوية بالاستيلاء عليها إلّا أن يتمسّك لذلك بالسيرة فإنّها قائمة على أنّ الاحتطاب لم يكن مختصّاً بغير الكفّار حتّى في زمان علي (عليه السلام) بل كان الكفّار يحتطبون ويشترى منهم ذلك ولم يكونوا يردعون عنه ، فيظهر من ذلك ثبوت الحقّ لغير الشيعي أيضاً إذا حاز الأشجار والأخشاب ولا يختصّ إباحة التصرّف فيها بالشيعي ، وهذا بخلاف الأراضي العامرة فلا يثبت لهم فيها حقّ أصلاً فإذا حاز أحدهم شيئاً منها يجوز للشيعي مزاحمته فيها وأخذها منه ، نعم يثبت لهم حقّ بالإحياء مع أداء خراجها .
ثمّ إنّ تحقق الإحياء في الموات بالأصل بمكان من الامكان كما هو واضح وأمّا العامرة بالأصل فهل يتحقّق فيها الاحياء ؟ الظاهر تحقّقه كما لو بني فيها بيتاً أو أجرى فيها الأنهار فتشملها أدلّة الاحياء . وعلى فرض عدم صدق الاحياء ف--لا إشكال في صدق عنوان التعمير فإنّ جملة من النصوص ورد فيها عنوان الاحياء وعنوان التعمير كما في صحيحة محمّد بن مسلم : « أيّما قوم أحيوا شيئاً من الأرض وعمروها فهم أحقّ بها »(1).
1) الوسائل 25 : 412 / كتاب إحياء الموات ب 1 ح4 .
فتلخّص من جميع ما ذكرنا : أنّ الأراضي العامرة بالأصالة أو الموات كذلك لا تملك بالاحياء ولا بالحيازة بل هي ملك للإمام (عليه السلام) ويثبت حقّ الأولوية للشيعي بالاحياء والحيازة ، وأمّا لغيرهم فبالاحياء يثبت حقّ الأولوية مع أداء الخراج لا بدونه ، وأمّا بالحيازة فلا يثبت لهم حقّ أصلاً .
هذا تمام الكلام في القسمين الأوّلين من أقسام الأراضي أي العامرة أو الموات بالأصالة .
وأمّا الكلام في القسم الرابع وهو ما عرض له الموت بعد العمارة فقد تقدّم الكلام أنّ العمارة لو كانت أصلية فهي ملك للإمام (عليه السلام) وإن كانت العمارة من معمّر فحينئذ وقع الكلام في كونها باقية في ملك معمّرها بناءً على إفادة الأخبار الملكية ، أو باقية في متعلّق حقّ المحيي بناءً على إفادتها الأحقّية كما قوّيناه ، أو خروجها عنه وصيرورتها ملكاً لمن عمّرها ثانياً أو صيرورة الثاني أحقّ بها من الأوّل بناءً على ما قوّينا ، أو يفصّل بين ما إذا كان الحقّ ثابتاً للأوّل بالإحياء أو بغير الإحياء كالشراء من الإمام (عليه السلام) أو العطيّة بأن يقال في الأول بصيرورة من يعمرها ثانياً أحقّ بها أو مالكاً لها وبقاؤها في ملك الأول أو متعلّقاً لحقّه في الثاني كما عن العلّامة (قدّس سرّه) في التذكرة(1)ولا يخفى أنّ كلامنا في غير الأراضي التي باد عنها أهلها ، لأنّ مثل هذه الأراضي من الأنفال بلا إشكال للنصّ الصريح .
والذي ظهر لنا في المقام أنّ الأقوال في المسألة ثلاثة : بقاؤها في ملك المحيي الأوّل بناءً على الملكية أو في متعلّق حقّ الأول بناءً على ما ذكرناه ، وكون الثاني أحقّ بها من الأول أو مالكاً لها بالاحياء، والتفصيل الذي ذكرناه ، والذي ينبغي أن يقال في المقام : إنّ التفصيل الذي ذهب إليه العلّامة (قدّس سرّه) وتبعه جم-ع م-ن
1) التذكرة 2 : 401 السطر 4 .
المتأخّرين لا وجه له وإن نسب صاحب الجواهر(1)إلى العلّامة (قدّس سرّه) أنّه ادّعى الاجماع وعدم الخلاف على ما ذكره من التفصيل ولكن عبارته المنقولة خالية عنه ، بل لا فرق بين ما كانت الأرض عند المحيي الأوّل بالاحياء وبين ما كان منتقلاً إليه بالعطيّة ونحوها في عدم كونها باقية في ملك الأوّل ، لا لقوله (عليه السلام) « من أحيى أرضاً فهى له»(2)كما تمسّك به بعض القائلين بالقول الثاني بداهة أنّ قوله (عليه السلام) « من أحيى » الخ إنّما هو فيما إذا لم يسبقه إليه ملك شخص آخر ولم يكن متعلّقاً لحقّ أحد في زمان من الأزمنة حيث إنّ مقتضى إطلاق قوله (عليه السلام) :« فهي له » أنّ الاحياء يوجب الملك أو الحقّ حدوثاً وبقاءً حتّى بعد موت الأرض وتركها ، وعليه فيكون إحياء الثاني لها إحياء لملك الغير أو متعلّق حقّه وهو غير جائز وضعاً وتكليفاً بمقتضى ما ورد من أنّه « لا يحلّ مال امرئ مسلم إلّا بطيب نفسه » (3)الحاكم على سائر الأدلّة ومنها دليل الاحياء ، بل إنّما نقول بكون الثاني أحقّ أو مالكاً للأرض بالاحياء لأجل صحيحتين :
الأُولى : صحيحة معاوية بن وهب قال« سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول أيّما رجل أتى خربة بائرة فاستخرجها وكرى أنهارها وعمّرها فإنّ عليه فيها الصدقة ، فإن كانت أرض لرجل قبله فغاب عنها وتركها فأخربها ثمّ جاء بعد يطلبها فإنّ الأرض الله ولمن عمّرها »(4)بداهة أنّ هذه الصحيحة باطلاقها تشمل موارد الاحياء والعطية خصوصاً قوله (عليه السلام) « فإنّ الأرض » الخ لأنّه بمثابة
عموم التعليل .
الثانية : صحيحة الكابلي عن أبي جعفر (عليه السلام) « فإن تركها فأخر بها فأخذها رجل من المسلمين من بعده فعمّرها وأحياها فهو أحقّ بها من الذي
تركها » الخ(1).
وغير خفي أنّ قوله (عليه السلام) « فإن تركها » صريح فيما ذكرناه ، ولك--ن موردها الاحياء ولا يمكن التعدّي إلى غير موارد الاحياء من الموارد التي تكون الأرض عند الأول بالعطيّة ونحوها ، إلّا أنّ في الصحيحة الأُولى غنى وكفاية .
ولكن في المقام صحيحة أُخرى لسليمان بن خالد قال « سألت أبا عبدالله عن الرجل يأتي الأرض الخربة فيستخرجها ويجري أنهارها ويعمّرها ويزرعها ماذا عليه ؟ قال (عليه السلام) : الصدقة . قلت فإن كان يعرف صاحبها قال (عليه السلام) فليؤدّ إليه حقّه »(2)تدلّ باطلاقها على بقاء ملك الشخص الأول أو كونه أحقّ بها من الثاني ، وروي مثلها عن الحلبي ، فربما يقال إنّ صحيحة سليمان وصحيحة الحلبي تقيّدان برواية الكابلي الدالّة على سقوط حقّ المحيي أو ملكه باحياء الشخص الثاني فإذن تنقلب النسبة التي كانت بين صحيحة سليمان وصحيحة معاوية بن وهب من التباين والمعارضة إلى المطلق والمقيّد ، فتقيّد رواية معاوية برواية سليمان فيكون ما فصّله العلّامة (قدّس سرّه) على القاعدة ، لأنّه بعد تقييد رواية سليمان والحلبي بموارد غير الاحياء برواية الكابلي تكون رواية سليمان والحلبي بالنسبة إلى رواية معاوية من قبيل المقيّد إلى المطلق ، فتقيّد رواية معاوية برواية سليمان والحلبي ، وهذا الكلام وإن كان موافقاً لما حقّقناه في التعادل والترجيح من صحة انقلاب النسبة ، إلّا أنّه في
المقام يرد عليه أمران :
أحدهما : أنّ المفصّل بين الاحياء وغيره إن كان مراده من غير الاحياء أن يكون كذلك حتّى مع الواسطة فلابدّ من حمل روايتي سليمان والحلبي على الموارد النادرة ، لأنّه غير خفي أنّ تملّك الأرض أو ثبوت الأحقّية فيها بغير الاحياء ولو بواسطة نادر جدّاً ، ضرورة أنّ فرض كون الأرض مملوكاً لأحد بغير الاحياء بل بتمليك من الإمام (عليه السلام) قليل جدّاً ، وإن كان مراده من غير الاحياء حالة المالك الأخير من دون نظر إلى الوسائط فهو وإن كان شائعاً وصحيحاً إلّا أنّه لابدّ من حمل رواية معاوية على الفرد النادر وهو ما إذا تملّك الأرض بالاحياء بنفسه بلا واسطة ، وحمل المطلق على الفرد النادر غير جائز كما حقّقناه في موطنه ، فلازم انقلاب النسبة حمل أحد الاطلاقين على الفرد النادر وهو كما ترى .
وثاني الأمرين وهو المهمّ : أنّ المقام ليس من قبيل انقلاب النسبة بل داخل في كبرى ما ذكرناه في باب التعادل والترجيح(1)من أنّه إذا ورد عام مثل أكرم العلماء ثمّ ورد خاص مثل لا تكرم من يرتكب المعاصي ثمّ ورد خاص آخر أخصّ من المخصّص الأول مثل لا تكرم من يرتكب الكبائر من المعاصي فلابدّ من تخصيص العام بكل واحد من المخصّصين الراجع إلى تخصيصه بأوسع المخصّصين ، لا أنّ العام يخصّص أوّلاً بالمخصّص الضيّق ثمّ تلاحظ النسبة بينه وبين المخصّص الأوسع فتنقلب النسبة ، وما نحن فيه أيضاً من هذا القبيل بداهة أنّ رواية سليمان والحلبي واردتان في موارد الأراضي الخربة أعم من أن يكون الخراب مستنداً إلى صاحب الأرض وباختياره أو لم يكن مستنداً إليه كما إذا أخذها الجائر وحبسها أو منع عن إحيائها وروراية الكابلي وكذا رواية معاوية واردتان في موارد استناد الخراب إلى صاحب
1) مصباح الأُصول 3 (الموسوعة 48) : 473 .
الأرض كما يستفاد هذا المعنى من قوله ( عليه السلام) في رواية معاوية « فإن كانت أرض رجل قبله فغاب عنها وتركها فأخربها» ومن قوله (عليه السلام) في رواية الكابلي « فإن تركها وأخربها » الخ إلّا أنّ الثاني أخصّ من الأول لاختصاصه بموارد الاحياء وهما أخصّ من روايتي سليمان بن خالد والحلبي ، فلابدّ من تخصيصهما بكل واحد من روايتي الكابلي ومعاوية ، فتكون النتيجة زوال حقّ الأول بالترك الاختياري سواء كان حقّه ثابتاً فيها بالإحياء أو بغيره من الأسباب.
ولا يخفى أنّ الظاهر أنّ الأراضي بتمامها لا تملك بل يكون محييها أحقّ بها من غيره ، فعند تركها وبقائها خربة فلغيره من الأشخاص أن يعمّروها كما أفتى ب-ه جماعة من المحقّقين (قدّس سرّهم) لعدم كونه تعالى راضياً ببقاء الأرض خربة كما يدلّ عليه بعض الروايات مثل رواية يونس عن العبد الصالح قال قال (عليه السلام) « إنّ الأرض الله جعلها وقفاً على عباده فمن عطّل أرضاً ثلاث سنين متوالية لغير ما علّة أُخذت من يده ودفعت إلى غيره »(1)وروايته الأُخرى عن رجل عن أبي عبدالله (عليه السلام) « قال : من أُخذت منه أرض ثمّ مكث ثلاث سنين لا يطلبها لا يحلّ له بعد ثلاث سنين أن يطلبها »(2)نعم هذه الروايات لا تخلو عن إشكال من حيث السند فراجع .
ثمّ إنّ الأراضي التي تكون في يد الكفّار إن كانت في أيديهم في دار الكفر فلا إشكال في كونها باقية في أيديهم ملكاً أو حقّاً على الخلاف ، كما أنّها كذلك إذا كانت في دار الإسلام بناءً على ما ذكرناه من عدم اختصاص الاحياء بالمسلمين بل يعمّ الكفّار ، كما أنّ الأمر كذلك لو أسلموا طوعاً يعني تبقى الأرض في أيديهم ، وأمّا
الأراضي التي انجلوا عنها وخلّوها للمسلمين والأراضي التي مات أهلها ولم يكن لهم وارث فهي من الأنفال وملك للإمام (عليه السلام) بلا إشكال ولا خلاف ، وأمّا الأراضي التي أُخذت منه بالقهر والغلبة فهي ملك للمسلمين فتوى ونصّاً إلّا أن يملّكها من في يده أُمور المسلمين ومن هو مأذون من قبل الأئمّة (عليهم السلام) في هذه التصرفات كالسلطان الجائر وقد تعرّضنا لهذا في آخر بحث المكاسب المحرّمة(1)وهي التي تسمّى بالأراضي المفتوحة عنوة .
وهنا قسم آخر لم يذكره شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) وهي عبارة عن الأراضي التي صالحوا عليها مع والي المسلمين وتسمّى هذه بالأراضي الصلحية تارة والخراجية اُخرى ، وهي تكون تابعة لكيفية المصالحة فإن صولحوا على أن تكون الأراضي ملكاً لهم ويؤدّون الخراج كانت مملوكة لهم وإن صولحوا على أن تكون الأراضي ملكاً للمسلمين فكذلك ، والكلام الآن في الأراضي المفتوحة عنوة والبحث عنها يقع في مقامين ، الأوّل : أنّه هل تملك تلك الأراضي بأحد أسباب الملك أم لا . المقام الثاني : أنه مع قطع النظر عن المقام الأول هل يجب أداء الخراج على من في يده تلك الأراضي أم لا.
أمّا الكلام بالنسبة إلى المقام الأول : فالظاهر عدم جواز التملّك بوجه من الوجوه بل هي باقية في ملك المسلمين ، وتدلّ عليه روايات وقد ذكر الشيخ (قدّس سرّه)(2)جملة منها ، وفي رواية أبي بردة المسؤول فيها عن بيع أرض الخراج ق--ال (عليه السلام) « ومن يبيعها هي أرض المسلمين ، قلت : يبيعها الذي هي في يده ، قال ويصنع بخراج المسلمين ماذا ؟ ثمّ قال : لا بأس اشترى حقّه منها ويحوّل حقّ
المسلمين عليه ولعلّه يكون أقوى » الخ(1)وغير ذلك من الروايات الواردة في هذا الباب المستفاد منها عدم جواز تملّك الأراضي من حيث رقبتها بل يملك المشتري على النحو الذي كان للبائع ، ومن راجع روايات الباب يجد في نفسه صدق ما نقلناه ويترتّب عليه عدم ترتب آثار المسجد على المساجد التي تحدث فيها ، وعدم ترتّب آثار الوقف وغير ذلك من الأُمور التي يعتبر أن يكون في ملك ، ولا فرق بين رقبة الأرض وبين أجزائها المنفصلة كترابها فلا يجوز بيعها بعد جعله كوزاً أو أجراً أو غير ذلك من الأشياء إلّا إذا اقتضاه تعمير الأرض كما لو حفر بئراً أو سرداباً وألق ترابها إلى الخارج فإنّه حينئذ لا يعدّ من الأرض بل يعدّ من منافعها فيجوز تملّكه .
ثمّ إنّ الشيخ (قدّس سرّه) ذكر من جملة الروايات في المقام رواية إسماعيل بن الفضل الهاشمي وفيها « وسألته عن رجل اشترى أرضاً من أرض الخراج فبنى بها أو لم يبن غير أنّ اُناساً من أهل الذمّة نزلوها أله أن يأخذ منهم أُجرة البيوت إذا أدّوا جزية رؤوسهم ؟ قال يشارطهم فما أخذ بعد الشرط فهو حلال »(2)ولكن لم نفهم أي ربط لها بالمقام ، لأنّ محلّ كلامنا الاستدلال على عدم جواز تملّك تلك الأراضي لا جواز أخذ الأُجرة على البيوت بالشرط ، بل يمكن أن يقال بدلالة صدر الرواية على جواز الشراء فتأمّل . كما أنّ مرسلة حمّاد(3)التي ذكرها (قدّس سرّه) مشتملة على أُمور لم يلتزم بها أحد مثل وجوب أداء الزكاة قبل تقسيم الزرع بين الشركاء «قال (عليه السلام) وليس لمن قاتل شيء من الأرضين - إلى أن قال (عليه السلام) -
فيؤخذ ما بقي بعد العشر(1)فيقسّم بين الوالي وبين شركائه الذي-ن ه-م ع-مّال الأرض» بداهة أنّ الأرض لمّا لم تكن ملكاً لزارعه فلابدّ وأن تكون الزكاة بعد القسمة وإعطاء كل حصته فعليه ربما لا يتعلّق زكاة بالزرع بعد القسمة لعدم بلوغه حدّ النصاب فافهم .
وأمّا المقام الثاني : فقد قيل بعدم وجوب الخراج في زمان الغيبة ، وقد قيل بعدمه بالنسبة إلى خصوص الشيعة لأجل أخبار التحليل ، وقد قيل بعدم وجوبه في حقّ من يستحق اُجرة هذه الأرض كما ورد في بعض الأخبار من قوله (عليه السلام)« أنّ لك نصيباً في بيت المال»(2)إلّا أنّ كلّها بعيد عن الصواب ، بل الحقّ وجوب الأداء . مضافاً إلى وروده في الرواية كما قال (عليه السلام) في رواية أبي بردة « يصنع بخراج المسلمين ماذا »(3)فمن يدّعي عدم وجوب الأداء لابدّ له من إقامة دلي--ل بداهة أنّه كيف يتصرف في ملك الغير بلا أُجرة ، ولا منافاة بين وجوب الأداء وبين جواز أخذه بعد الأداء من نائب الإمام (عليه السلام) أو ممّن هو مأذون من قبله في هذه الموارد كالسلطان الجائر .
وأمّا دعوى السيرة القطعية على بيع الأجزاء الخارجة من أرض العراق ونحوها وبيع نفس الأراضي فهي وإن كانت صحيحة إلّا أنّه لم يعلم كونها في الأراضي الخراجية ، لأنّه لم يتميّز إلى الآن الأراضي المفتوحة عنوة عن غيرها بالخصوص ، بل هي جارية في الأراضي المشكوكة التي لا يُعلم كونها مفتوحة عنوة ، وكيف كان لا نعلم بكون الأراضي الموجودة من الأراضي المفتوحة عنوة
لاحتمال أن تكون من الأراضي التي كانت مواتاً فأحياها شخص أو كانت م-ن المفتوحة عنوة وقد ملكها الإمام (عليه السلام) أو أحد خلفاء الجور ، أو كانت من الأراضي الصلحية التي هي باقية في يد الكفّار مع إعطاء جزية رؤوسهم ، أو كانت من الأراضي التي أسلم أهلها طوعاً ، ومع هذه الاحتمالات كيف يمكن إثبات أنّ الأراضي التي يتداول بيعها وشراؤها في زماننا من الأراضي المفتوحة عنوة، واليد أمارة الملك فيحكم بكونها ملك من كانت في يده.
وأمّا دعوى العلم الاجمالي بكون بعض تلك الأراضي من المفتوحة عنوة فإن كانت أطرافه في مورد الابتلاء بالمعنى الذي ذكرنا في محلّه بأن يكون قادراً على بيع كل واحدة واحدة من الأراضي بالخصوص ، فلا مانع معها من القول بعدم جواز البيع والشراء ، وأمّا مطلق العلم الاجمالي بوجود الأرض الخراجية في بين هذه الأراضي فلا يضرّ بعد خروج بعض الأطراف عن محل الابتلاء كما أنّ العلم الاجمالي بوجود دار وقف في النجف أو بوجود دار مغصوبة في النجف لا يمنع عن جواز بيع الدور وشرائها في النجف .
بقي في المقام شيء قد تعرّضنا له في آخر المكاسب المحرّمة(1)وذكره الشيخ (قدّس سرّه) (2)في المقام : وهو أنّ الأراضي التي كانت محياة حين الفتح لو عرض لها الخراب هل يجوز إحياؤها وتملّكها بالاحياء بناءً على إفادة الاحياء الملكية ، أو يثبت الأحقّية بناءً على إفادة الاحياء الأحقّية وعدم جواز مزاحمة الغير له ؟ ذهب الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه) إلى جواز الإحياء لعموم أدلّة الاحياء
و خصوص رواية سليمان بن خالد(1).
وفيه : أنّه قد ذكرنا أنّ أدلّة الاحياء منصرفة عن هذه الموارد إلى الموارد التي لا يسبقها ملك مسلم أو لم تكن متعلّقة لحقّ الغير ، والمفروض أنّ الأرض كانت من المفتوحة عنوة وملكاً للمسلمين وخروجها عن ملكهم يحتاج إلى دليل ، وتلك الأخبار أي أخبار الاحياء منصرفة عن هذه الموارد . وأمّا ما ذكره (قدّس سرّه) من خصوص رواية سليمان بن خالد فالظاهر أنّه سهو من قلمه الشريف ، بداهة أنّ تلك الرواية تدلّ على عكس المقصود ، لأنّ الإمام (عليه السلام) بعد سؤال الراوي « فإن كان يعرف صاحبها » قال (عليه السلام) « فليؤدّ إليه حقّه » ضرورة أنّ الإمام (عليه السلام) قد أمر بأداء الحقّ إلى صاحبه والمفروض أنّ الأرض كانت ملكاً للمسلم وبمقتضى هذه الرواية لابدّ من ردّ الأرض إلى ملك المسلمين .
1) الوسائل 25 : 415 / كتاب إحياء الموات ب3 ح3 .
قد ذكروا من الأُمور المعتبرة في العوضين أن يكونا ملكاً طلقاً ، وفرّعوا عليه عدم جواز بیع الوقف وأُمّ الولد في غير الموارد المستثناة ولا الرهن إلّا بإذن المرتهن ، وأيضاً فرّعوا عليه عدم جواز بيع ما يكون متعلّقاً لحقّ كما إذا كان الشيء متعلّق النذر أو الحلف أو كان متعلّقاً لخيار البائع أو المشتري . وقد تعرّض الشيخ (قدّس سرّه)(1)للموارد الثلاثة التي ذكرناها أوّلاً . والمراد من الطلق أن يكون المالك مستقلاً في التصرف في ماله بأي نحو أراد .
وذكر الشيخ (قدّس سرّه) أنّ هذا الشرط لا محصّل له وقال : فالظاهر أنّ هذا العنوان ليس في نفسه شرطاً ليتفرّع عليه عدم جواز بيع الوقف والمرهون وأُمّ الولد الخ .
وذكر الميرزا (قدّس سرّه )(2)أنّ مراد الأعاظم من هذا الشرط كون المالك تام السلطنة وعدم كونه ممنوعاً عن التصرف إمّا لقصور في المقتضي كما في الوقف وإمّا لوجود المانع كالرهانة والاستيلاد .
ولكن الحقّ ما ذكره الشيخ (قدّس سرّه) من عدم كون عنوان الطلقية من
الشرائط بل الشرط هو عنوان عدم الوقفية والرهانة على القول بكونها مانعة عن البيع إلّا بإذن المرتهن ، ويشترط أيضاً عدم كونه أُمّ ولد ، وبعبارة واضحة أنّه لا مانع من صحة البيع في ملك إلّا مع الدليل على عدم جوازه ، في كل مورد دلّ الدليل على عدم جواز البيع مثل الوقف ونحوه فنتعبّد به وإلّا فلا مانع من جواز البيع ، وعنوان الطلقية منتزع من الموارد الخاصّة التي ورد فيها المنع عن البيع .
المشهور بل المتسالم عليه عند الفقهاء عدم جواز بيع الوقف في غير الموارد المستثناة، والدليل عليه قوله (عليه السلام)« الوقوف على حسب ما يقفها أهلها» (1)وفي بعض النسخ على حسب ما يوقفها أهلها ، إلّا أنّ الأول أصحّ لأنّ الوقف يستعمل متعدّياً أيضاً . وبديهي أنّ الواقف نظره إلى انتقال ما وقفه إلى الموقوف عليهم بطناً بعد بطن أو انتفاع عامّة الناس منه إذا كان الوقف عاماً من دون أن تكون نفس العين الموقوفة داخلة في ملك أحد من الموقوف عليهم ، وقد أمضى الشارع هذا النظر والعقد من الواقف بالأدلّة العامّة مثل :أَوْفُوا بِالْعُقُودِ وبالأدلّة الخاصّة مثل ما ذكرناه من قوله (عليه السلام) « الوقوف » الخ .
ولا يخفى أنّ مرادنا من عدم جواز البيع وضعاً هو البيع الخارجي كما سيجيء الكلام فيه(2)عند التعرّض للاختلاف الذي بين الشيخ
(قدّس سرّه) وصاحب الجواهر (قدّس سرّه) .
و ممّا استدلّ به أيضاً رواية أبي علي بن راشد قال « سألت أبا الحسن (عليه
السلام) قلت جعلت فداك إنّي اشتريت أرضاً إلى جنب ضيعتي فلمّا وفّرت الم--ال خُبّرت أنّها وقف ، فقال : لا يجوز شراء الوقف ولا تدخل الغلّة في ملكك ادفعها إلى من أُوقفت عليه . قلت : لا أعرف لها ربّاً ، قال : تصدّق بغلّتها »(1)والمراد من الغلّة لابدّ وأن يكون منافع الأرض الموقوفة التي تخرج من الأرض من دون زارع وليس المراد منه الزرع الذي يزرعه المشتري قطعاً بداهة أنّ الغلّة للزارع في موارد كون الأرض غصباً غاية الأمر يكون عليه أُجرة الأرض فما ظنّك فيما إذا كان مشترياً جاهلاً بوقفيّتها ، وكيف كان يستفاد من قوله « لا يجوز شراء » الخ صريحاً عدم جواز بیع الوقف وشرائه .
ومن الروايات التي استدلّ بها في المقام : ما ورد من حكاية وق-ف أم-ير المؤمنين (عليه السلام) مثل ما عن ربعي بن عبدالله عن أبي عبدالله (عليه السلام) في صورة وقف أمير المؤمنين (عليه السلام) « بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما تصدّق به علي بن أبي طالب (عليه السلام) وهو حي سوي تصدّق بداره التي في بني زريق صدقة لا تباع ولا توهب »(2)الخ ، والظاهر كون الوصف صفة للنوع يعني أنّ قوله (عليه السلام) « لا تباع ولا توهب» صفة لقوله ( عليه السلام) « صدقة » التي هي المفعول المطلق النوعي بمعنى أنّ هذه الأوصاف معرّف لقسم من الصدقة الذي يكون كذا وهو الوقف ، ولا ينافي هذا جواز البيع في بعض الموارد كما سيجيء لأنّه(عليه السلام) أراد بهذا الكلام أن يشير إلى نوع من الصدقة الذي يكون في نفسه وبطبعه هكذا وهو لا ينافي جواز البيع عند طروّ مسوغاته كما إذا قال المولى لحم الأرنب أو الأسد حرام ولا ينافي ذلك كونه حلالاً للضرورة أو التداوي مثلاً
وللصدقة قسم آخر لا إشكال في جواز بيعه ونحوه مثل الزكاة ونحوها ، بداهة أنّه لا إشكال في جواز بيع ما أعطي من جهة الزكاة للفقراء وغير ذلك من الصدقات وكيف كان لا صدقة في الشريعة المقدّسة متّصفة بصفة أن لا تباع ولا توهب إلّا الوقف .
والحقّ كما ذكره الشيخ (قدّس سرّه)(1)من كون الوصف صفة نوع الصدقة وما استفاده بعض(2)من أنّ الشيخ (قدّس سرّه) يقول بكون الوصف قيداً توضيحياً ومؤكّداً لمعنى الوقف ، ثمّ اعترض عليه بأنّ الوصف قيد احترازي ، غير سديد بداهة أنّ مراد الشيخ أيضاً كون الوصف احترازياً وكون توصيف الصدقة بأنّها لا تباع ولا توهب معرّفاً لنوع خاصّ من الصدقة الذي هو عبارة عن الوقف ، وأمّا احتمال أن يكون شرطاً خارجياً بأن يكون معناه أنّ علياً (عليه السلام) تصدّق بداره التي في بني زريق صدقة واشترط في ضمن عقد الصدقة أن لا تباع ولا توهب فهو خلاف الظاهر .
واحتمال أنّه لا يمكن أن يكون شرطاً خارجياً لا من جهة كونه خلاف الظاهر بل من جهة أنّ اشتراط عدم البيع على الاطلاق مخالف للشرع من جواز بيعه في بعض الموارد فعليه يكون شرطاً فاسداً ومفسداً للعقد ، غير سديد .
وقد أجاب الشيخ (قدّس سرّه) عنه أوّلاً : بأنّ هذا الاطلاق نظير الاطلاق المتقدّم في رواية ابن راشد في انصرافه إلى البيع لا لعذر . وثانياً : بأنّ هذا التقييد ممّا لا بدّ منه حتّى على تقدير كون الصفة صفة لنوع الصدقة . وثالثاً : بأنّه من المحتمل علم الإمام (عليه السلام) بعدم عروض مسوغات البيع .
ولكن الجواب المتين أن يقال : إنّ الشرط إن كان راجعاً إلى عدم جواز البيع من دون نظر إلى وقوع البيع فهو غير سديد لعدم كون هذا مقدوراً للواقف وتحت اختياره ، لأنّ جواز البيع وعدمه بيد الشارع فله أن يحكم بالجواز في مورد وعدم الجواز في مورد آخر وبديهي أنّه لابدّ وأن يكون متعلّق الشرط مقدوراً ، كما أنّ اشتراط عدم الإرث أيضاً كذلك يعني غير مقدور بل هو وعدمه تابع لحكم الشارع بالارث وعدمه ، وإن كان متعلّق الشرط عدم وقوع البيع خارجاً لا أنّه لا يجوز فلا مانع من اشتراطه على نحو الاطلاق ، وليس هذا مخالفاً للمشروع لأنّه لا ينافي جوازه شرعاً . نعم ينافي وجوبه فلو وجب البيع في مورد كما إذا كان عدم بيع الوقف مؤدّياً إلى قتل النفس بين الموقوف عليهم يكون الشرط باطلاً .
وظهر من جميع ما ذكرناه : عدم جواز بیع الوقف بطبعه بالروايات ما لم يعرض عليه ما يجوّز بيعه ، فما ذكره الشيخ (قدّس سرّه) بقوله وممّا ذكرنا ظهر أنّ المانع عن بيع الوقف أُمور ثلاثة حقّ الواقف وحقّ الله سبحانه وحقّ الموقوف عليهم فمضافاً إلى أنّه لم يتقدّم شيء في كلامه (قدّس سرّه) يدلّ على ما نعية هذه الأُمور الثلاثة عن البيع ، بل الدالّ على عدم جواز البيع الروايات الواردة في المقام كما ذكرنا بعضها ، يرد عليه أنّ كونه متعلّقاً لحقّ الله تعالى حيث يعتبر فيه التقرّب على فرض تسليم مقالة اعتبار التقرّب ولا نقول به لا يكون مانعاً عن البيع لعدم الدليل عليه مع قطع النظر عن الروايات المانعة عن بيع الوقف ، وأمّا تعلّق حقّ الموقوف عليهم به أيضاً لا محصّل له ، بداهة أنّ حقّ البطون المتأخّرة موقوف على وجود العين الموقوفة وبانتقال العين يكون سالبة بانتفاء الموضوع ، كما أنّ تعلّق حقّ الواقف من حيث جعلها صدقة جارية ينتفع بها الناس إلى الأبد يزول بمجرد قراءة صيغة الوقف وليس له حقّ بعد الوقف وإخراج العين عن ملكه ، وكيف كان أنّ المانع عن جواز بيع الوقف هو الروايات الخاصّة الواردة في ذلك ، وإمضاء الشارع عقد الوقف
على حسب ما يقفه أهله بالأدلّة العامّة كقوله تعالى : (أَوْفُوا وبالأدلّة الخاصّة كقوله (عليه السلام) الوقوف على حسب ما يقفها أو يوقفها أهلها(1).
فتحصّل من جميع ما ذكرناه : أنّ مقتضى القاعدة عدم جواز بيع الوقف . وبعبارة واضحة : أنّ المال تارة يكون متحرّكاً وغير ساكن في يد مالكه يعني لمالكه أن يتصرّف فيه كيف يشاء ويحرّكه بحركته الاختيارية . وأُخرى يجعل ماله ساكناً وغير متحرّك وهذا عبارة عن الوقف وقد أمضى الشارع هذا الاعتبار من الواقف وكيف كان إنّ مقتضى القاعدة في الوقف عدم جواز البيع نعم دلّ الدليل بالخصوص في موارد مخصوصة على جواز بيعه ، وجواز البيع فيه على قسمين ، وذلك لأنّ جواز البيع يكون تارة بدخول الثمن في ملك البائع الموقوف عليه ، وله بعد البيع التصرف في ثمنه كتصرف الملّاك في أموالهم وأملاكهم ، وأُخرى يكون من قبيل التبدّل في الصورة النوعية مع بقاء الوقف على حاله كما إذا باع العين الموقوفة واشترى بثمنها شيئاً آخر. وبعبارة واضحة أنّ حقّ الموقوف عليهم يسقط عن شخص العين دون بدلها .
وكيف كان ، إنّ في المقام كلاماً بين شيخنا الأنصاري ومن تبعه من المحقّقين ومنهم الميرزا(2)(قدّس سرّهم) وبين كاشف الغطاء (3)وصاحب الجواهر(4)وهو أنّ جواز البيع هل يوجب بطلان الوقف يعني بمجرد جواز البيع يكون الوقف باطلاً لأنّه قد أُخذ في مفهوم الوقف عدم جواز البيع فما دام الوقف باقياً لا يجوز بيعه ، بل يكون
جواز بيعه مع كونه وقفاً من التضاد ، أو أنّ الوقف عند طروّ مسوغات البيع لا يكون باطلاً بل الوقف يبطل بنفس البيع ، والأول قول كاشف الغطاء وصاحب الجواهر (قدّس سرّهما) والثاني هو الذي ذهب إليه الشيخ ومن تبعه (قدّس سرّهم) .
وقال الشيخ (قدّس سرّه)(1)إن أُريد من بطلان الوقف عند طروّ مجوّز البيع انتفاء بعض آثار الوقف وهو عدم جواز البيع وحيث إنّ النفي في النفي ي-وجب الاثبات فمعناه أنّه بجواز البيع يجوز البيع ، فهذا لا محصّل له فضلاً عن أن يحتاج إلى نظر فضلاً عن إمعانه ، وإن أُريد من بطلان الوقف انتفاء أصل الوقف كما هو ظاهر كلامه حيث جعل عدم جواز البيع من مقوّمات الوقف بأن تدخل العين الموقوفة عند جواز بيعها في ملك مالكها ، ففيه مضافاً إلى كونه خلاف الاجماع لأنّه لم يقل أحد ممّن أجاز بيع الوقف في الموارد المخصوصة ببطلان الوقف وخروج العين الموقوفة عن الوقفية ودخولها في ملك الواقف ، أنّ عدم جواز البيع ليس من مقوّمات الوقف بل هو ثابت بالتعبّد الشرعي .
ثمّ أيّد (قدّس سرّه) ما ذكره من عدم بطلان الوقف في موارد جواز البيع بأمرين : أحدهما أنّه لا إشكال في بقاء العين على وقفيّتها لو طرأ عليها ما يوجب جواز بيعها ولكنّه لم يبع الموقوف عليهم بعد طروّ المسوّغ حتّى ارتفع وصار غير جائز البيع ومن هنا صرّح المحقّق الثاني(2)بعدم جواز رهن الوقف وإن بلغ حدّاً يجوز بيعه معلّلاً باحتمال طروّ اليسار للموقوف عليهم عند إرادة بيعه في دين المرتهن ، بداهة أنّه لمّا كان الرهن عبارة عن الوثيقة فلا يجوز أن يرهن ما يحتمل أن لا يكون للمرتهن والراهن عند تعّذر أداء ما أخذه من المرتهن بيعه ، ولذا منع المحقّق
الثاني عن المعاطاة في الرهن وليس هذا إلّا من جهة أنّه يعتبر في الرهن أن تكون العين المرهونة وثيقة لازمة ولمّا كانت المعاطاة غير لازمة بل جائزة فحكم بعدم جواز المعاطاة في الرهن .
والثاني ما ذكره بقوله : فإنّ مدلول صيغة الوقف وإن أُخذ فيه الدوام والمنع عن المعاوضة عليه الخ ، وقاسه (قدّس سرّه) بالهبة الجائزة التي هي عبارة عن تمليك المتّهب المقتضي لتسلّطه المنافي لجواز انتزاعه من يده ومع ذلك يجوز مخالفته وقطع سلطنته ، هذا عين عبارته (قدّس سرّه) .
ولكن الذي ينبغي في المقام أن يقال : إن كان المراد من بطلان الوقف بطلان أصل الوقف وخروج العين عن كونها وقفاً ودخولها في ملك واقفها فهو مقطوع العدم كما ذكر الشيخ (قدّس سرّه) ولا موجب لهذا أيضاً ولا يلتزم به كاشف الغطاء وصاحب الجواهر (قدّس سرّهما) أيضاً . وإن أُريد منه أنّه بعد ما طرأ عليه مسوغات البيع يكون ملكاً طلقاً للموقوف عليهم ولهم التصرف كيف ما شاؤوا كتصرف الملّاك في أموالهم وأملاكهم، فهذا لا دليل عليه ولا موجب له أيضاً ، مضافاً إلى أنّه لم يلتزم به أحد .
وإن أُريد منه بطلان الوقف من جهة البيع فقط لا من جميع الجهات بأن لا تكون هبته ولا إجارته ولا غير ذلك من التصرفات الموقوفة على الملك غير البيع جائزة ، وبعبارة أُخرى أنّ ما أنشأه الواقف هو السكون من جميع الجهات حتّى من جهة البيع لكن لا يكون دليل الامضاء شاملاً للوقف من جهة المنع عن بيعه بأن يكون عدم جواز هبته ونحوها من التصرفات ممضاة غير عدم جواز البيع ، فهو كلام متين لابدّ فيه من إمعان النظر لأنّ شمول الامضاء حتّى بهذا المقدار والحكم بجواز بيعه عند طروّ مسوغات البيع من التضادّ، بداهة أنّه لو قلنا بأنّ الشارع قد أمضى وحكم بالسكون مطلقاً ومع ذلك حكم بجواز البيع فمعناه أنّ الشارع منع عن البيع
وحكم بجواز البيع فهو شيء لا يمكن ، فما ذكره كاشف الغطاء وصاحب الجواهر متين جدّاً ولابدّ من الالتزام بما ذكراه لو كان مرادهم من بطلان الوقف ما ذكرناه .
ثمّ إنّه لا ثمرة للنزاع في المقام بل النزاع بين الطرفين علمي ، بداهة أنّ كاشف الغطاء وصاحب الجواهر والشيخ ومن تبعه من المحقّقين قائلون بعدم خروج العين عن الوقفية بمجرّد طروّ مسوغات البيع حتّى في صورة ارتفاع العذر وارتفاع المسوّغ بل ينادون بصوت واحد ببقاء الوقف على حاله في صورة عدم اتفاق البيع وارتفاع المسوّغ ، ولكن ذهب بعض الأكابر(1)إلى جواز البيع بعد طرق المسوّغ حتّى بعد الارتفاع سواء قلنا ببطلان الوقف بطروّ المسوّغ أو قلنا بعدمه. أمّا في الصورة الأُولى فظاهر . وأمّا في الصورة الثانية فالمورد يك--ون م--ن موارد الرجوع إلى استصحاب حكم المخصص بداهة أنّه بعد طروّ المسوّغ علمنا بجواز بيع الوقف وخروجه عن تحت عموم عدم جواز بيع الوقف ثمّ شككنا بعد ارتفاع المسوغ هل بقي في حالة جواز بيعه أو أنّه لا يجوز لشمول العموم له وحينئذ نتمسّك باستصحاب حكم المخصّص ونحكم بجوازه .
ولكن الحقّ عدم جواز البيع بعد زوال مسوّغ البيع . أمّا بناءً على عدم بطلان الوقف فظاهر لكون المورد من موارد التمسّك بالعام دون المخصّص ، وذلك لأنّ عموم عدم جواز بیع الوقف كان شاملاً لما قبل طروّ مسوّغ البيع والحالة طروّ المسوّغ ولما بعد زوال المسوّغ ثمّ علمنا بخروج حالة طروّ المسوّغ عن تحت عموم عدم الجواز فيبقى الباقي من المتقدّم على طروّ المجوّز والمتأخّر منه تحت العام ، وقد ذكرنا في بحث الأُصول أنّ الأفراد الطولية مثل الأفراد العرضية في كونها مشمولة لعموم العام وقد ذكرنا في ذلك البحث أنّه لا فرق بين العموم الافرادي الاستغراقي كما في المقام
1) حاشية المكاسب (الايرواني) 2 : 440
وبين العموم المجموعي من حيث التمسّك بالعام دون المخصّص ، وبديهي أنّ المقام من قبيل العام الاستغراقي لأنّ كلّ فرد من أفراد البيع محكوم بالبطلان سواء الأفراد الواقعة قبل طروّ المسوّغ أو بعد طروّه أو بعد ارتفاعه ، وكل مورد علمنا بخروجه عن تحت العام نتبعه وأمّا غيره فيكون مشمولاً لعموم العام ، وليس هذا كلّه إلّا من جهة حجّية الظهور وكونه مطابقاً للارادة الجدّية ، وكذا الكلام لو قلنا ببطلان الوقف لأنّ المراد ببطلان الوقف ليس هو خروج الشيء عن الوقفية وعوده إلى ملك الواقف، وليس مرادنا أيضاً كونه طلقاً للموقوف عليهم ، بل مرادنا من البطلان ما ذكرناه من مقالة عدم إمضاء الشارع هذا المقدار من الوقف أي جهة المنع عن بيعه فقط ، فعليه إذا علمنا بعدم إمضاء الشارع لهذا المقدار من الوقف ثمّ شكك-ن-ا ب-عد زوال العذر في جواز بيعه وعدمه نتمسّك بعموم دليل الامضاء بعين ما ذكرناه في الأوّل ، وليس المورد من موارد التمسّك بالمخصّص لما ذكرناه من أنّه لا فرق بين العموم الاستغراقي والمجموعي ، ولا يرفع اليد عن ظهور العام وكونه مطابقاً للارادة الجدّية للمتكلّم إلّا بالمقدار المعلوم، وليس المقدار المعلوم إلّا حالة وجود المسوّغ ومجوّز البيع ، وأمّا بعد زواله فلا .
مضافاً إلى أنّه لو سلّمنا بطلان الوقف وكونه ملكاً طلقاً للموقوف عليهم مثلاً لا يكون المورد من موارد التمسّك بالمخصّص بل لابدّ من التمسّك بعموم أدلّة الامضاء ، لأنّ ما أنشأه الواقف هو حبس العين وسكونها إلى الأبد ، ومقتضى عموم دليل الامضاء كونه ممضى كذلك ، وقد خرجنا عنه في صورة عروض المسوّغ وأمّا بعده أو قبله فنتمسّك بدليل الامضاء ولو كان مجموعياً متكفّلاً لحكم واحد مستمر بالبيان الذي ذكرناه فيما تقدّم ، فما ذكروه وادّعوا عليه عدم الخلاف من بقاء الشيء على وقفيته إذا لم يبع بعد عروض المجوّز حتّى زال هو مقتضى القاعدة .
وكيف كان فقد ذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1)أنّه قد ظهر من جميع ما ذكرناه أنّ مقتضى القاعدة في الوقف عدم جواز البيع ، فلابدّ من إقامة الدليل في كل مورد يجوز بيعه بالخصوص ، ثمّ تعرّض (قدّس سرّه) تارة لموضوع جواز بيع الوقف بمعنى أنّ أيّ وقف يجوز بيعه عند طروّ المسوّغ وأي وقف لا يجوز بيعه وذكر ما ذكره العلماء في المقام من الأقوال ، وأُخرى لما هو المجوّز للبيع .
أمّا الكلام في الجهة الاُولى : فقد منع بعض عن بيع الوقف مطلقاً كما يظهر من ابن إدريس(2)وقوّاه الشهيد (قدّس سرّه)(3)ولكنّه لم يذهب إلى ما ذهب إليه ابن إدريس لكونه نادراً .
وفي مقابله جواز البيع مطلقاً ، وبديهي أنّ من يقول بجواز البيع إنّما يقول في غير المساجد والمشاهد . وفصّل بعضهم بين المنقطع وبين المؤبّد وقال بالجواز في الأوّل وبعدمه في الثاني . والمراد من الوقف المنقطع انقطاع الموقوف عليهم بأن يكون الموقوف عليهم أشخاصاً معدودين ينقرضون في الخارج عادة فينقطع الوقف بانقراضهم ، لا كون الوقف محدوداً بزمان لكون مثل هذا الوقف باطلاً كما سيجيء الكلام فيه إن شاء الله تعالى .
وقد فصّل بعض بين المؤبّد وبين المنقطع وحكم بعدم الجواز في الثاني وبالجواز في الأول عكس ما قبله ، ولعلّ من يحكم بعدم الجواز في المنقطع يرى عود الوقف بعد انقطاع الموقوف عليهم إلى ملك الواقف .
ويمكن في المقام تفصيل آخر بأن يفصّل بين المساجد والمشاهد وبين غيرهما
من أفراد الوقف بالقول بعدم الجواز في الأول وبالجواز في الثاني ، إلّا أنّ هذا في الحقيقة ليس تفصيلاً لأنّه لم يقل أحد بجواز بيع المساجد والمشاهد .
وقد يفصّل بين أجزاء الوقف وآلاته وبين نفس العين الموقوفة ويقال بعدم الجواز في الثاني وبالجواز في الأول.
وأمّا الكلام في الجهة الثانية : فقد ذكر بعض أنّ المسوّغ أمر واحد وهو ما إذا وقع بين الموقوف عليهم اختلاف يخاف أو يظنّ من تلف المال والأنفس ، وذكر بعض غير ذلك سيجيء الكلام فيه تفصيلاً إن شاء الله تعالى .
والكلام في الجهة الأُولى فعلاً يقع في الوقف المؤبّد وهو على قسمين : لأن-ّه يكون تارة مثل عتق العبد في كونه تحريراً وفكّ ملك يعني يجعل الواقف ماله محرّراً وغير قابل للملكية وهذا مثل المساجد ولذا لو غصبها غاصب لا يكون ضامناً . والظاهر أنّه لم يستشكل أحد في عدم جواز بيعه إلّا أنّ عدم جوازه ليس من جهة كونه وقفاً بل لما ذكره كاشف الغطاء(1)من أنّه لا يصحّ بيعه لا لعدم تمامية الملك بل لعدم أصل الملك ، بداهة أنّه بعد جعله محرّراً لا يكون قابلاً للملك مثل العبد إذا أُعتق وصار حرّاً ، ولكنّه (قدّس سرّه) ذكر أنّه تجوز إجارته مع مراعاة الآداب اللازمة له إذا كان مسجداً وصرف منافعها في غيره من الأوقاف ، وهذا ممّا لا يمكن المساعدة عليه لأنّه لا دليل على جواز إجارته بعد ما لم يكن ملكاً لأحد ، والاجارة تقع في ملك مَن بعد ما فرضنا أنّه لا مالك له ، بل يمكن أن يقال إنه بعد اليأس عن الانتفاع به يصير من المباحات بمعنى أنّه يجوز لكلّ أحد أن يتصرّف فيه بالزرع ونحوه مع مراعاة الآداب اللازمة له إذا كان من المساجد والمشاهد من دون أن يكون مالكاً له بالاحياء .
1) شرح القواعد (مخطوط) : 84 .
وأُخرى لا يكون من قبيل التحرير وهو على قسمين : لأنّه قد يكون وق-ف-اً خاصاً على أشخاص خاصّة مثل الذرية وقد يكون وقفاً عاماً على الجهة . أمّا
الوقف الخاص فهو ملك للموقوف عليهم بنحو من الملكية بحيث ليس لهم التصرّف فيه مثل تصرّف الملّاك في أملاكهم . والذي يدلّنا على ذلك أي كونه ملكاً للموقوف عليهم بنحو من الملكية نفس كلمة «على» في قول الواقف وقفت عليهم ، بداهة أنّه في صورة عدم الملك لم يكن له هذا التعبير الدالّ على الضيق والضرر وليس هذا إلّا من جهة تضيّق دائرة الملكية يعني أنّهم مالكون لهذا الشيء الموقوف غاية الأمر دائرة الملكية مضيّقة عليهم ، وبالجملة إنّ نفس هذا التعبير يدلّ على الملكية وإلّا لم یکن وجه لهذا التعبير لكون رجوع المنفعة إليهم نفعاً لا ضرراً . والذي يشهد على هذا ما ذكره الفقهاء من أنّه يشترط في المبيع أن يكون طلقاً فلا يجوز بيع الوقف فاحترزوا عن بيع الوقف باشتراط كون المبيع ملكاً طلقاً لا مجرد كونه ملكاً . فالظاهر جواز بیعه عند عروض المجوّز ، لأنّ الملكية كانت تامّة لهم غاية الأمر كانت مضيّقة ، ولم يكن بيعه جائزاً لأجل المانع فإذا عرض له المجوّز يرتفع المانع ويجوز بيعه .
وأما القسم الثاني من الوقف وهو ما يكون وقفاً عاماً من دون أن يكون مثل المساجد في كونه تحريراً وفكاً للملك بل هو يبقى في ملك الموقوف عليهم ، فهو على قسمين : القسم الأول ما يكون وقفاً لجهة عامة مثل الوقف على العلماء والفقراء والسادات مثل الحمامات والدكاكين بأن تكون منفعة هذه الأمور راجعة إليهم و مملوكة لهم فإنّ معنى وقف هذه الأمور لهؤلاء الجماعة رجوع منفعة هذه الأمور إليهم وكونها مملوكة لهم فيجوز لهم الانتفاع بها مباشرة كما يجوز لهم إجارتها والانتفاع بأجرتها . والظاهر أنّ هذه الأمور أيضاً ملك لهم بعين ما ذكرناه في الوقف الخاص من
دلالة نفس « على » في قول الواقف وقفت عليهم ، كما أنّ الظاهر أنّه لا مانع من جواز البيع عند عروض المسوّغ والمجوّز له ، والفرق بين هذا وبين الوقف الخاص أنّه في الوقف الخاص يكون الشيء الموقوف ملكاً للأشخاص بنحو الاشاعة بخلافه في المقام بداهة أنّ الشيء الموقوف ليس ملكاً للعلماء بالاشاعة بأن يكون كلّ واحد من العلماء مثلاً مالكاً لمقدار من الوقف بنحو الاشاعة بل هو ملك للجهة . وبعبارة أُخرى أنّ دائرة الملك سعة وضيقاً تختلف بكثرة الموقوف عليهم وقلّتهم في الوقف الخاص بخلافه في هذا القسم بل هو باق على حاله على أي حال ، وكيف كان فلا فرق في جواز البيع بين هذا القسم وبين الوقف الخاص عند عروض مجوّز البيع .
والقسم الثاني من الوقف العام ما يكون وقفاً للعلماء أو لجميع الناس مثلاً ولكنّه على نحو ليس لهم إجارته ونحوها بأن لا تكون المنفعة راجعة إليهم مثل القسم الأول ، بل وقف عليهم لأن ينتفعوا منه مباشرة لا لأنّ يؤجر وتصرف منافعه فيهم وهذا مثل المدارس والخانات الواقعة في الطرق والقناطر ، وقد يعبّر عن هذا القسم في لسان العلماء بملك الانتفاع دون المنفعة ، ولكنّه ذكرنا في موطنه أنّ مرجع ه-ذا أيضاً إلى ملك المنفعة غاية الأمر المنفعة بالمباشرة لأنّ الانتفاع فعل الشخص وكيف يكون الشخص مالكاً لفعل نفسه ، فهو مالك للمنفعة لكن في جهة خاصّة ولا مانع من التعبير عنه بملك الانتفاع مسامحة من باب ضيق العبارة .
وكيف كان الظاهر كون الشيء الموقوف مثل القناطر والمدارس أيضاً ملكاً للجهة غاية الأمر يكون ملكاً مضيّقاً والمنفعة أيضاً مملوكة ملكاً مضيّقاً ، فالفرق بين هذا القسم والقسم السابق أنّه في القسم الأول تكون العين ملكاً للجهة لكن محبوسة لا طلقاً والمنفعة تكون ملكاً لهم طلقاً فيجوز لهم المعاوضة عليها والانتفاع بثمنها و في القسم الثاني كما لا تكون العين مملوكة للجهة طلقاً كذلك المنفعة لا تكون طلقة بل هي أيضاً محبوسة بمعنى اشتراط صرفها في جهة خاصة وهي الانتفاع بها
مباشرة ، وليس لهم إجارته ونحوها من التصرفات الواقعة من الملّاك بل لهم أن يجلسوا في المدارس والخانات إذا كانوا من الموقوف عليهم كما إذا وقف الخان على أن يسكن فيه الزوّار أو المسافرون .
وكيف كان ، يدلّ على الملكية في هذا القسم كلمة «على» بالتقريب الذي قدّمناه في الوقف الخاص ، ومضافاً إلى هذا يدلّ على ما ذكرناه : السيرة المستمرّة على الضمان ففي الوقف الخاص إذا غصب أحد العين الموقوفة على الذرّية مثلاً أو شيئاً من منافعها يعتبره العقلاء ضامناً لهم ، وفي الوقف العام بكلا قسميه يعتبرونه ضامناً للجهة وليس ذلك إلّا من جهة أنّهم يعتبرون العين والمنفعة ملكاً لهم . فعليه لا مانع من جواز البيع عند عروض المجوّز ، وما ذكره الشيخ (1)والميرزا(2)(قدّس سرّهما) من إلحاق هذا القسم بالمساجد في عدم كونه ملكاً لأحد بل فكّاً وتحريراً للملك مثل تحرير العبد لم يظهر لنا وجهه .
بقي الكلام في مثل المشاهد والحسينيات ، والكلام في هذه الأُمور يقع تارة في أرض هذه الأُمور وأُخرى في مثل الأخشاب والآجر والقنديل ونحوها من الآلات والأسباب .
أمّا الكلام في الأول ، فالظاهر أنّه يكون مثل المساجد في كونه تحرير ملك حيث يجعل الواقف الأرض وقفاً لتكون معبداً ومزاراً فتصير محرّرة مثل المساجد من جهة عدم ملاحظة تمليك أحد أو جهة من الجهات فلا يجوز بيعها أبداً .
وأمّا الكلام بالنسبة إلى الآلات الموضوعة في المشاهد والمساجد والحسينيات فهي تارة لا تكون إلّا لأجل الزينة وتعظيم شعائر المساجد والمشاهد
مثل القناديل المعلّقة في المشاهد الشريفة وغير القناديل من الآلات الموضوعة فيها لأجل التزيين ، ومن الظاهر أنّ هذه الأُمور وقف وملك لنفس المساجد والمشاهد والانتفاع منها يكون بالتزيين وليس في هذه الأُمور ملاحظة تمليك المسلمين و انتفاعهم أصلاً وهي من مصداق الوقف على الموقوفات وسيجيء الكلام عن قريب إن شاء الله تعالى أنّه لا يعتبر أن يكون المالك من ذوي الشعور بعد ما كانت الملكية أمراً اعتبارياً يعتبره العقلاء في هذه الموارد .
وأُخرى تكون الآلات الموضوعة في المشاهد والمساجد مثلاً وقفاً للمسلمين المصليّن في المسجد أو زوّار المشهد ولكنّه جعل محل الانتفاع منها المسجد والمشهد من دون أن يكون فيها تزيين للمشهد والمسجد مثل المبردات الموضوعة في المشاهد المشرّفة والمساجد المكرّمة لأن ينتفع الزوّار والمصلّون عند الزيارة والعبادة منها .
وثالثة يلاحظ فيها كلتا الجهتين من انتفاع المسجد بالتزيين وانتفاع الناس والظاهر في هذا القسم أيضاً أنّه وقف على نفس المسجد والمشهد لا على الزوّار والمصلّين ، ويؤكّد ذلك ما هو المتعارف في إنشاء وقفه فإنّه يعبّر عنه بالوقف على المسجد ونحوه لا على المصلّين والزائرين ، وكيف كان يجوز بيع جميع هذه الأُمور عند عروض المسوّغ وصرف ثمنها على المسجد ونحوه في القسم الأوّل والثالث وعلى المصلّين والزائرين في القسم الثاني .
وأمّا الكلام بالنسبة إلى الأجزاء المحدثة للمسجد كما إذا سقّف أحد سقف المسجد فالظاهر أنّه ليس مثل نفس مكان المسجد الذي قلنا إنّه تحرير ملك لا يجوز بيعه ، بل هو من قبيل سائر الموقوفات على المسجد يجوز بيعه عند عروض المجوّز ولا ينافي ذلك إجراء أحكام المسجد فيه.
ومثل السقف باب المسجد ونحوه من أجزائه المحدثة ، فإذن لا مانع من جواز بيعه عند عروض المجوّز لأنّه ليس من نفس المسجد بل هو سقف المسجد أو بابه .
ومن هنا ظهر حكم الأجزاء غير المحدثة كما إذا فرضنا أنّ أحداً بنى لنفسه داراً وبنى فيها سقفاً وأبواباً ونحوها ثمّ وقفها مسجداً ، فالظاهر أنّ وقف المجموع ينحل إلى جعل الأرض مسجداً وجعل غيره وقفاً على المسجد ، وذلك لأنّ المسجد إنّما هو اسم للفضاء والمكان وأمّا غيره من التراب والآجر والأخشاب فليس بمسجد ، ولذا لو انتزع وجعل في مكان آخر لم يلحقه أحكام المسجد نظير الكعبة والصفا والمروة ونحوها ممّا هو اسم للفضاء ولذا لو فرض نعوذ بالله انهدام الكعبة وجب الطواف حول ذاك الفضاء والتوجّه إليه في الصلاة والكون في ذلك الفضاء الخاص في الحج ّمثلاً ، ويشهد لهذا ما أفاده الميرزا(1)ونعم ما أفاد من أنّ المناسب للمسجدية التي هي تحرير للملك دائماً أن يتعلّق بما هو قابل للدوام والاستمرار وما هو قابل له هو الفضاء دون غيره ، فإذن يجوز بيع حيطان المسجد وجذوعه وبابه إلى غير ذلك ممّا يتعلّق به عند طروّ المسوغ ويصرف ثمنها على المسجد فإنّها مملوكة له من غير فرق بين الصورتين .
وأمّا ثوب الكعبة فقد ورد فيه في رواية مروان « يبيع ما أراد ويهب ما لم يرد وينتفع به ويطلب بركته ، قلت أيكفّن به الميّت ؟ قال : لا »(2)ولذا وقع الكلام في أنّه كيف يجوز بيعه مطلقاً بدون مسوغ على ما هو مقتضى إطلاق الحديث .
والظاهر أنّه ليس وقفاً أصلاً بداهة أنّه يعتبر في الوقف التأييد ومن المعلوم أنّ ثوب الكعبة يتجدّد في كل سنة سنة ، ومن جهة عدم كونه وقفاً جوّز الإمام (عليه السلام) بيعه ، وأمّا نهيه ( عليه السلام) عن التكفين به فلأجل احترام الكعبة ولذا قال (عليه السلام) ويطلب بركته ، وقد سمعنا أنّه جعل موضع في مصر وقفاً على هذا يعني
وقف وجعل منافعه لأن يشترى بها ثوب للكعبة في كل سنة ، فعليه لا مانع من جواز بیعه .
إذا عرفت هذا فاعلم أنّه بقيت في المقام صورة واحدة من صور الوقف وهي عبارة عن الوقف على الموقوفات مثل الحماّمات والدكاكين الموقوفة على المسجد والمدرسة ونحوهما ، والظاهر أنّ هذه الأُمور ملك لنفس المسجد ونحوه والمالك لهذه الأُمور هو المسجد والمدارس والمشاهد .
لا يقال : إنّ المدارس والمساجد والمشاهد ليس فيها شعور حتّى تكون مالكة لهذه الأُمور . فإنّه يقال : إنّه لا يعتبر أن يكون المالك ذا شعور بعد ما كانت الملكية من الأُمور الاعتبارية ويعتبرها العقلاء أيضاً في هذه الموارد ، ويترتّب عليه أنّ المنافع التي تحصل من تلك الأُمور تكون ملكاً طلقاً للمسجد والمدرسة ونحوهما نظير ما يكون وقفاً على الكلّي أو الذرّية كما إذا فرضنا أنّ دكّاناً كان وقفاً على العلماء أو الذرّية فكما أنّ منافع تلك الأُمور تكون ملكاً طلقاً لهؤلاء الجماعة كذلك تكون منافع هذه الأُمور ملكاً طلقاً للمسجد والمدرسة وللمتولّي أن يتصرّف فيها بما يراه صلاحاً بلا اعتبار عروض مجوّز للتصرّف أصلاً فله أن يشتري بمنافع هذه الأُمور شيئاً ويجعله وقفاً على نفس المسجد مثلاً ، نعم لابدّ في جواز بيع نفس الموقوف على الموقوفات من عروض مسوّغ ومجوّز فافهم .
الجهة الثانية من الكلام : في صور جواز بيع الوقف
الصورة الأُولى : عروض الخراب للوقف بحيث لا يمكن الانتفاع به إلّا بالبيع ، والمدار في جواز البيع عروض عدم إمكان الانتفاع من العين الموقوفة ، سواء كان عدم إمكان الانتفاع لأجل عروض الخراب عليها كحصير المسجد إذا اندرس مثلاً ، أو كان مع بقاء نفس العين أيضاً كما إذا فرضنا شخصاً وقف داراً جديدة في بلد لذرّيته طبقة بعد طبقة وجيلاً بعد جيل إلى أن يرث الله الأرض وفرضنا أنّ أهل تلك القرية قد تفرّقوا ولم
يمكن الانتفاع من تلك الدار لا بالسكنى ولا بالاجارة لأنّ المفروض تفرّق أهل القرية نعم يمكن الانتفاع ببيعها للزرع مثلاً وتبديلها بدار أُخرى في غير هذا المكان إذا عرفت هذا يقع الكلام في هذا المقام في أمرين : الأول عدم المانع من البيع . والثاني وجود المقتضي للبيع ، وشيخنا الأنصاري(1)أيضاً قد تعرّض للأمرين في المقام .
فأقول اتّكالاً على الله أمّا الكلام في الأول : فبديهي أنّ الاجماع الذي كان موجوداً في أصل المطلب من عدم جواز بيع الوقف ليس موجوداً في المقام لو لم يكن موجوداً على جواز البيع ، ولا أقل من كون جواز البيع في المقام من المعروف والمشهور .
وأمّا رواية أبي على بن راشد(2)الواردة في اشتراء الأرض الخربة التي قد عمّرها المشتري ثمّ علم أنّها وقف وسأل من الإمام (عليه السلام) حكمها وأج--اب (عليه السلام) « لا يجوز شراء الوقف ولا تدخل الغلّة في ملكك » منصرفة عن الموارد التي لا يمكن الانتفاع بها مع بقاء عينها وواردة في الموارد التي يمكن الانتفاع منها مع بقاء عينها ، وتوهّم أنّ الرواية باطلاقها تشمل الأراضي التي خربت ويمكن الانتفاع منها بالعمارة مثلاً والأراضي التي لا يمكن الانتفاع بها لأنّ المناط هو جواب الإمام (عليه السلام) وهو عام ومطلق بالنسبة إلى جميع الموارد ، في غير محله لأنّ الناقد البصير والعارف بأُسلوب الكلام يفهم من ظاهر الكلام أنّ مراده (عليه السلام) من عدم جواز البيع إنّما هو فيها إذا كان الانتفاع ممكناً مع بقاء العين الموقوفة كما لا يخفى .
وأمّا قوله (عليه السلام) الوقوف على حسب ما يقفها أو يوقفها أهلها(1)فهو أيضاً لا يشمل المقام بالبيان الذي ذكرناه في خبر أبي علي بن راشد من أنّه منصرف إلى موارد جواز الانتفاع بها مع بقاء عينها وقلنا إنّ معنى الوقف عبارة عن حبس العين وتسبيل المنفعة ، والمفروض أنّ هذا المعنى لا يمكن في المقام إلّا مع البيع وتبديل العين بشيء آخر كما سيجيء الكلام فيه إن شاء الله تعالى ، فالعين ليست محبوسة عن البيع حتّى بحسب جعل الواقف ، فلا يكون جواز البيع منافياً لقوله (عليه السلام) : « الوقوف على حسب ما يقفها أهلها » .
وما ذكره شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) بقوله : وأمّا قوله (عليه السلام)« الوقوف على حسب » الخ فلا يدلّ على المنع هنا لأنّه مسوق لبيان كيفية المصرف في الوقف من أنّ الواقف لو وقفه على جهة لابدّ من صرف منافعها في تلك الجهة ، لا يمكن المساعدة عليه أمّا أوّلاً : فإنّ هذا الكلام منافٍ لما ذكره في أوّل البحث(2)من الاستدلال بهذه الرواية على عدم جواز بيع الوقف بقوله (قدّس سرّه) ما هذا لفظه: مسألة لا يجوز بيع الوقف إجماعاً محقّقاً في الجملة ومحكياً ، ولعموم قوله (عليه السلام)« الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها » انتهى موضع الحاجة من كلامه (قدّس سرّه) .
وثانياً : أنّه لا وجه لهذا التخصيص بل هو عام يشمل كيفية التصرف وعدم جواز البيع غاية الأمر أنّ المقام لا يكون مشمولاً له ، لا أنّ الرواية لا تدلّ على المنع كما ذكره (قدّس سرّه) .
وثالثاً : أنّه لا مانع من شمول أدلّة الامضاء العامة كقوله تعالى : أَوْفُ--وا بِالْعُقُودِ لعدم جواز البيع في الوقف ، وقد ذكرنا أنّ عدم جواز بيع الوقف ليس من
أحكام الوقف بل هو مقوّم للوقف وداخل في إنشاء الواقف ، لأنّ الوقف كما ذكرنا مراراً عبارة عن تحبيس العين وتسبيل المنفعة إلى أن يرث الله الأرض ومحلّ كلامنا أيضاً في الوقف المؤبّد ، هذا كلّه في الأمر الأول .
وأمّا الكلام في الأمر الثاني وهو عبارة عن وجود المقتضى للبيع : فهو ما ذكره الشيخ (قدّس سرّه) بقوله : والحاصل وملخّص ما ذكره (قدّس سرّه) أنّ الأمر في المقام أي فيما إذا خرب الوقف ولم يمكن الانتفاع به دائر بين تعطيل العين حتّى تتلف بنفسها وبين انتفاع البطن الموجود به بالاتلاف وبين تبديل العين الموقوفة بما يبقى وينتفع بها الكل ، والأول غير جائز قطعاً لكونه تضييعاً وتبذيراً وهو ممّا لا يرضى به الله تعالى ، كما أنّ الثاني أيضاً غير مقصود .
وتوضيح ذلك : أنّه قد ذكرنا مراراً أنّ الوقف المؤبد عبارة عن تحبيس العين وتسبيل المنفعة إلى أن يرث الله الأرض ، ولا فرق بين تصريح الواقف في صيغة الوقف بكلمة إلى أن يرث الله الأرض وبين عدم تصريحه بذلك ، لأنّ معنى الوقف عبارة عن هذا ، فعليه لمّا كان الواقف واحداً من العقلاء ويعلم أنّ الأشياء كلّها فانية فلابدّ وأن يكون نظره من تحبيس العين وتسبيل المنفعة أعمّ من نفس العين ومن بدلها .
وبعبارة أُخرى : أنّ نظر الواقف من تحبيس العين وتسبيل منفعتها أوّلاً وبالذات إلى شخص العين ما دامت حالها هكذا يعني يمكن الانتفاع بها مع بقاء العين وثانياً وبالعرض إلى بدلها ، فعليه يكون نفس إنشاء الواقف تحبيس العين وتسبيل المنفعة على نحو الدوام دالاً على هذا المعنى ، فليس للبطون الموجودة إتلاف نفس العين لأنفسهم بل لابدّ من تبديل العين إلى شيء يبقى وينتفع به الكل إلى أن يرث الله الأرض .
وما احتمله شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) في المقام بقوله يمكن أن يقال إذا
كان الوقف ممّا لا يبقى بحسب استعداده العادي إلى آخر البطون فلا وجه لمراعاتهم بتبديله بما يبقى لهم إلى آخر كلامه ، لاوجه له وذلك لأنّ المستفاد من كلامه (قدّس سرّه) هذا كون العين الموقوفة ملكاً طلقاً للبطون الموجودة التي تسقط العين عن الانتفاع بها في زمانهم بحيث لو مات أحدهم يرث وارثه منها وه-و غ-ي-ر س-ديد بداهة أنّ الواقف لم ينشئ بالوقف ملكيتين ملكية غير طلقة للبطون السابقة وملكية طلقة لمن أدرك آخر أزمنة بقاء الوقف ، بل الواقف بعد التفاته إلى أنّ العين الموقوفة غير قابلة للبقاء إلى الأبد لا مناص له من أن يوقف العين بشخصها ما دامت باقية وبماليتها بعد التلف ، لا بمعنى أنّ الواقف أوقف البدل بشخصه ليقال إنّه لم يكن ملكاً له لا حدوثاً كما هو واضح ولا بقاءً لأنّه حين المبادلة لم يكن المبدل ملكاً للواقف ولا بمعنى أنّه وقف كلّي المالية السارية بين العين الموقوفة وبدلها ، بل بمعنى أنّه وقف العين الشخصية بشخصها وبماليتها غاية الأمر حبس شخص العين محدود بما إذا أمكن الانتفاع بها مع بقائها وبدونه تكون المالية وقفاً في ضمن أيّ شيء كانت وليست العين حينئذ محبوسة فيجوز تبديلها ، وهذا هو السرّ في عدم جواز إتلافها من قبل البطن الموجود فإنّ ماليتها موقوفة في ضمن أيّ عين كانت ولا يجوز إتلاف المالية الموقوفة ، وأمّا توهّم أنّ البطن الموجود لا يجوز لهم الاتلاف لكونها مملوكة للبطون اللاحقة بالملكية الشأنية ففيه : أنّا لا نتعقّل الملكية الشنية لتكون منشأة من قبل الواقف .
إذا عرفت ذلك يقع الكلام في بعض الفروع :
الفرع الأوّل : هل يكون البدل مثل المبدل في كونه وقفاً أو يصير ملكاً طلقاً للبطن الموجود فلابدّ لهم من إنشاء وقفه ؟ الظاهر أنّ مقتضى البدلية وقانون المبادلة يقتضي أن يكون البدل أيضاً وقفاً على نحو المبدل ، لما ذكرناه مراراً من أنّ الثمن يقوم مقام المثمن فعليه كما كان المثمن ملكاً غير طلق للبطون الموجودة يكون البدل أيضاً
كذلك ، وما ذكرناه من مقتضى قانون المبادلة أولى ممّا ذكره الشيخ (قدّس سرّه)(1)من أنّ البطن الموجود مالك له فعلاً ما دام موجوداً بتمليك الواقف فكذلك المعدوم مالك له شأناً ، لأنّه لم نعرف معنىً محصّلاً لما ذكره من كون المعدوم مالكاً له شأناً لأنّ معنی هذه الكلمة أنّه لو بقيت العين يكونوا مالكين وأمّا لو لم تبق فتكون ملكيتهم سالبة بانتفاء الموضوع .
وكيف كان ، مقتضى قانون البدلية والمبادلة هو أن يكون البدل مثل المبدل في كيفية الملكية للموجودين والمعدومين وكما أنّ المبدل والمثمن كان ملكاً غير طلق للموجودين بل كان ملكاً لهم وللمعدومين من باب حبس العين وتسبيل المنفعة يكون البدل أيضاً هكذا ، والذي يوضّح هذا المعنى أنّ أحداً لو أتلف الموقوفة وصار ضامناً لبدلها يكون البدل ملكاً لهم على نحو كانت الموقوفة ملكاً لهم ، وأولى منه ما ذكره الشيخ (قدّس سرّه) من أنّ اشتراك البطون في الثمن أولى من اشتراكهم في دية العبد المقتول ، لأنّ الدية حكم شرعي متأخّر عن تلف الوقف فيجوز أن يقال بسقوط حقّ البطون اللاحقة عن الديّة بتلف نفس الوقف بخلاف الثمن لأن الثمن يكون مثل المثمن في كونه قائماً مقام المثمن عند البيع . وأيضاً المقام أولى بالحكم من بدل الرهن الذي حكموا بكونه رهناً ، مع أنّه يمكن أن يقال بعدم كون البدل قائماً مقام المبدل في الرهنية من جهة أنّ حقّ الرهنية كان متعلّقاً بالعين من حيث إنّه ملك لمالكه الأول فيمكن أن يرتفع بارتفاع ملكية المالك الأول ، إلى آخ-ر م-ا أف-اده فراجع فإنّه متين جدّاً .
الفرع الثاني : هل يحتاج البدل أيضاً في كونه وقفاً مثل المبدل إلى صيغة الوقف أم لا ؟ الظاهر عدم احتياجه إلى الصيغة ، لأنّ نفس بيع المبدل يكون موجباً
1) المكاسب 4 : 63
لأن يكون البدل وقفاً أيضاً ، وبعبارة واضحة أنّ الأمر دائر بين أن يكون البدل وقفاً بلا احتياج إلى صيغة الوقف جديداً بل يكفي في وقفيته بيع المبدل لما ذكرناه من أنّ قانون المبادلة والبيع يقتضي هذا المعنى، وبين أن يكون ملكاً طلقاً للموجودين من البطون ، ولا يجب عليهم جعله وقفاً بداهة أنّه لو كان البدل ملكاً لهم بنحو الطلق لا وجه لجعله وقفاً بل يتصرفون فيه كتصرف الملّاك في أموالهم ، ولمّا لم يكن الأمر على الوجه الثاني لما ذكرناه من أنّه مخالف ومنافٍ لعنوان البدلية ولقانون المبادلة والبيع فلا محالة يكون على الوجه الأول يعني يكون وقفاً من دون احتياج إلى صيغة جديدة للوقف لاقتضاء قانون البدلية والمبادلة ذلك كما هو الواضح .
الفرع الثالث : أنّ حكم البدل مثل المبدل في عدم جواز بيعه إلّا بطروّ المجوّز وعروض المسوّغ ، أو أنّه ليس كذلك بل يجوز بيعه لو رأى من بيده الاختيار من الناظر والمتولّي أو الحاكم مصلحة في بيعه وتبديله إلى شيء آخر ؟ الظاهر هو الثاني لأنّ عدم جواز البيع في المبدل إلّا عند عروض المسوّغ كان مختصّاً بخصوص المبدل ولا يلزم أنّ يكون البدل قائماً مقام المبدل في جميع الخصوصيات الموجودة في المبدل ، وبديهي أنّ البدل قائم مقام المبدل من حيث كيفية الملكية ، يعني أنّ المبدل كما كان ملكاً غير طلق للموقوف عليهم كذلك البدل .
وبعبارة واضحة : أنّ إنشاء الواقف قد تعلّق بحبس العين وتسبيل المنفعة عند إمكان هذا المعنى وببدلها عند عدم الامكان ، يعني أنّ نظره كان إلى أن ينتفع الموقوف عليهم من بدل الموقوفة عند عدم امكان هذا المعنى من نفس المبدل ، وأمّا الانتفاع من أي بدل هل هو بدلها الأول أو الثاني أو الثالث وهكذا فهو غير ناظر إلى هذا ، فعليه لا مانع من جواز بيع البدل عند المصلحة في تبديله وإن لم يعرض له المجوّز .
ومن هنا يظهر أنّه لا مانع من تبديل العين الموقوفة في صورة عروض المسوّغ
وجواز البيع إلى ما لا يمكن أن يتعلّق به الوقف مثل الدنانير والدراهم التي لا يمكن الانتفاع بها إلّا بانعدام موضوعها ثمّ تبديلها بما ينتفع به ، لأنّه قد ذكرنا الآن أنّه لا مانع من تبديل البدل إلى شيء آخر بلا عروض مجوّز أصلاً لو كان في التبديل مصلحة فتأمّل . نعم لو قلنا إنّ قوله ( عليه السلام)
« لا يجوز شراء الوقف »(1)من أحكام الوقف لا أنّه من أدلّة الامضاء لما وقفه الواقف لا مانع من التمسّك به والحكم بعدم جواز بيع البدل أيضاً إلّا في صورة عروض المجوّز والمسوّغ مثل المبدل ، إلّا أنّه قد ذكرنا أنّ هذه الرواية أيضاً إمضاء لما أنشأه الواقف وليس حكماً تعبّدياً فلا يعمّ البدل بعدما فرضنا أنّ الواقف لم يحبسه عن البيع والتبديل ، بل يمكن أن يقال إنّ البدل بدل للمبدل الذي يجوز بيعه وبدل عنه في هذه الحالة فاذن يكون بدلاً عن الأمر الذي كان بيعه جائزاً فافهم .
الفرع الرابع : أنّه هل يعتبر بعد البيع شراء المماثل للوقف أم لا ؟ قد ذك--ر العلّامة (قدّس سرّه)(2)أنّه لابدّ من شراء المماثل لأنّه أقرب إلى مقصود الواقف من غيره ، وقد ذكروا هذا المعنى في باب الضمان أيضاً ، وذكر (قدّس سرّه) أنّ الشيء المضمون عند التحليل ينحل إلى أُمور ثلاثة : الخصوصيات الشخصية القائمة بنفس العين والمثل والمالية ، فلمّا لم يكن الأول بعد التلف ممكن الارجاع إلى صاحبه إمّا من باب استحالة إعادة المعدوم أو أنّ الضامن غير قادر عليه فاذن ينتقل إلى المثل وعند تعذّر ذلك أيضاً ينتقل إلى المالية ، وقد سلك(قدّس سرّه) في المقام هذا المسلك.
إلّا أنّ هذا المعنى ممنوع في المقام صغرىً وكبرىً .
أمّا صغرى ، فمن جهة عدم انضباط غرض الواقف ومقصوده بداهة أنّ
غرضه تارة يتعلّق بنفس العين الموقوفة فقط كما إذا كان للواقف دار فأراد أن يقفها على أولاده طبقة بعد طبقة وكان غرضه ومقصوده من هذا أن تكون نفس الدار باقية في أيديهم بحيث لا يختلف عنده الحال بعد البيع بين أن يشترى بثمنه دار أُخرى أو غير ذلك من الدكاكين والعقار مثلاً ، وأُخرى يكون غرضه ومقصوده من الوقف انتفاع الموقوف عليهم .
وبعبارة أُخرى : يكون أصل مقصود الواقف من الوقف انتفاع الموقوف عليهم من الوقف من دون خصوصية للعين الموقوفة ، فعليه يكون اشتراء غير المماثل إذا كان انتفاع الموقوف عليهم منه أكثر ، أقرب إلى مقصود الواقف ، وثالثة يكون نظره من الوقف انتفاع الموقوف عليهم من نفس ثمرة الوقف كما إذا وقف بستاناً لأن ينتفع الموقوف عليهم من ثمره ، فإذا دار الأمر بعد البيع بين اشتراء المماثل في بلد بعيد عن الموقوف عليهم بحيث لا يمكنه الانتفاع بنفس ثمرته بل ينتفعون من أُجرته فقط ، وبين اشتراء غير المماثل في بلد الموقوف عليهم بحيث تكون منفعته أكثر من المماثل ، يكون شراء غير المماثل أصلح من المماثل وأقرب إلى مقصود الواقف بالبداهة .
وأمّا بحسب الكبرى بعد تسليم الصغرى ، فلا دليل عليه ، وقوله (عليه السلام)« الوقوف » الخ امضاء لما أنشأه الواقف ولم يكن شراء المماثل ممّا أنشأه ، نعم لو اشترط صريحاً في ضمن الوقف أنّ الوقف إذا بيع عند عروض المسوّغ ، أن يشترى بثمنه مماثل للعين الموقوفة لكان متّبعاً لأنّه شرط سائغ يشمله قوله (صلّى الله عليه وآله وسلم) « المؤمنون عند شروطهم »(1)و « الوقوف » الخ .
الفرع الخامس : أنّ المباشر للبيع هل هو المتولّي والناظر أو الموقوف عليهم
1) الوسائل 21 : 276 / أبواب المهور ب 20 ح 4 .
الموجودون أو الحاكم أو البطون الموجودة مع الحاكم ؟ الظاهر أنّ المباشر له ه-و الناظر المنصوب من قبل الواقف لو كان وكانت نظارته شاملة لهذا أيضاً بأن يسلب الواقف سلطنة الموقوف عليهم عن الوقف من هذه الجهة ويجعل السلطنة بيد الناظر من هذه الجهة ، نعم لو لم يكن ناظر من قبل الواقف أو كان ولكنّه لم تكن نظارته شاملة لهذه الموارد بل كان منصوباً من قبل الواقف لإصلاح الوقف فقط يكون المباشر للبيع هو البطن الموجود من الموقوف عليهم ، لأنّ الوقف ملك لهم والناس مسلّطون على أموالهم ، ولا وجه لأن يكون منوطاً بنظر الحاكم أيضاً .
اللهمّ إلّا أن يقال إنّ انضمام الحاكم إلى البطون الموجودة من جهة كون الحاكم وليّاً من قبل الغائبين والمعدومين من الموقوف عليهم .
ولكن هذا المعنى ممنوع ، أمّا أوّلاً : فلانّه يمكن أن تكون الطبقة الثانية من الموقوف عليهم أيضاً موجودة كما إذا فرضنا أنّ شخصاً وقف داراً للأولاد طبقة بعد طبقة وفرضنا وجود الطبقة الثانية في زمان وجود الطبقة الأُولى كما إذا كان أولاد الأولاد موجودين عند وجود نفس الأولاد ، فعليه يكون المباشر نفس تلك الطبقة دون الحاكم ، فلا كلّية للقول بولاية الحاكم من قبل البطن الثاني لقصورهم من جهة كونهم معدومين لجواز وجودهم بل وجود البطن الثالث ، نعم يمكن دعوى كونه وليّاً من قبل الطبقة المعدومين فقط ، لكن لازم ذلك انضمام الموجودين من الطبقة المتأخّرة إلى الحاكم أيضاً ولم يلتزم به أحد .
وأمّا ثانياً : فقد ذكرنا في أوّل بحث الوقف أنّه ملك للموجودين من الموقوف عليهم من الطبقة الأُولى وليس ملكاً ولو شأناً لغيرهم من المعدومين والموجودين كما لم يتعلّق به حقّ لهم أصلاً حتّى يكون الحاكم وليّاً لهم في حفظ حقّهم ، نعم جعل الواقف لهم الملكية التقديرية بمعنى أنّهم يملكون الوقف لو انقرض البطن السابق
وهذا النحو من الملكية موجودة في الوارث أيضاً فإنّه مالك على تقدير م-وت المورّث مع أنّه لم يقل أحد باعتبار إذنه في بيع المورّث ، فتحصّل أنّه لا وجه لاعتبار انضمام الحاكم على جميع التقادير أصلاً .
الفرع السادس : ما ذكره الشيخ (قدّس سرّه) في ضمن الفرع السابق بقوله : والظاهر سقوط نظارته عن بدل الوقف(1)انتهى موضع الحاجة من كلامه (ق--دّس سرّه) رفع في الخلد مقامه ، ولكن الظاهر أنّ هذا لا يحتاج إلى بحث بل هو دائر مدار جعل الواقف في تعيينه الناظر ، لأنّه تارة يجعل شخصاً ناظراً لنفس العين الموقوفة لأجل خصوصية فيها بحيث لو باع الدار مثلاً واشترى بثمنها شيئاً آخر غير الدار لا يجعله ناظراً كما إذا كان الوقف داراً وجعل لها ناظراً من المعمارين من جهة أنّه أعرف بمصلحة الدار ، فعليه لو فرضنا بيعها بمجوّز واشترى بثمنها شيئاً آخر ليس للمعمار فيه شأن أصلاً ، فحينئذ لا مانع من القول بسقوط نظارته عن البدل .
وأُخرى يجعله ناظراً على الاطلاق أعمّ من نفس العين الموقوفة ومن بدلها كما أنّ القرينة أيضاً موجودة على هذا لأنّه لو لم يجعل الناظر تقع المخاصمة والمشاجرة بين الموقوف عليهم في كلّ طبقة ، وكيف كان أنّ المناط في هذا المقام كيفية جعل النظارة من قبل الواقف والمتّبع هو نظر الواقف كما لا يخفى .
الفرع السابع : ما ذكره الشيخ (قدّس سرّه) في المقام بقوله (قدّس سرّه) إنّه لو لم يمكن الخ(2)وملخّصه : أنّه إذا بيع الوقف بعد عروض المجوّز وبدّل بما لا يمكن وقفه والانتفاع به مع بقاء عينه مثل الدنانير والدراهم فلا يجوز دفعه إلى البطن الموجود
لأنّ البدل مثل المبدل في كونه مشتركاً بين جميع البطون فلابدّ من أن يوضع عند أمين . وبعبارة واضحة أنّ البدل الكذائي لا يقاس إلى نفس المبدل من حيث جعله تحت يد الموجودين ينتفع به مع بقاء عينه ، لأنّ المفروض أنّ الانتفاع من البدل الكذائي لا يمكن إلّا مع انعدام عينه ولما كان البدل مثل المبدل مشتركاً بين جميع البطون فلابدّ من وضعه عند أمين إلى زمان يمكن أن يشترى به ما ينتفع به ولو مع الخيار لأن ينتفع الموجودون به ما دام لم يفسخ .
ثمّ قال (قدّس سرّه) ولو طلب ذلك البطن الموجود فلا يبعد وجوب إجابته ولا يعطّل الثمن حتّى يوجد ما يشترى به من غير خيار ، ثمّ قال : إنّه لو رضي البطن الموجود بالاتّجار بالثمن وكانت فيه المصلحة جاز إلى أن يوجد ما يمكن اشتراؤه والربح تابع للأصل ولا يملكه الموجودون لأنّه ليس مثل المنفعة بل هو جزء من الثمن فيكون مشتركاً بين الجميع ، هذا ملخّص مرامه (قدّس سرّه) ولابدّ في توضيحه من التكلّم في جهات :
الأُولى : في جواز إبدال الوقف بما لا يمكن وقفه مثل الدنانير والدراهم وربما يقال(1)بعدم جواز ذلك ، لأنّ البدل لابدّ وأن يكون مثل المبدل في كونه تحبيساً للعين وتسبيلاً للمنفعة ، ولذا قلنا بعدم احتياج البدل إلى صيغة الوقف ، وهذا المعنى لا يمكن في مثل الدنانير والدراهم .
وفيه أوّلاً : أنّ ما ذكره (قدّس سرّه) من مقالة عدم إمكان هذا المعنى في مثل الدنانير وإن كان متيناً إلّا أنّه لا مانع من جعل البدل ديناراً مقدّمة لأنّ يشترى به ما يكون قابلاً للوقف . وبعبارة أُخرى أنّه لمّا كان الغالب كون الثمن من الدنانير والدراهم فلا مانع من تبديل الوقف إلى الدينار مثلاً ليوصل به إلى اشتراء ما يمكن
1) كما عن الايرواني في حاشيته على المكاسب 2 : 459 .
وقفه والانتفاع به مع بقاء عينه.
وثانياً : أنّه لا مانع من وقف نفس الدينار والدرهم لا ابتداءً بل في مرحلة التبديل بعد ملاحظة ما ذكرناه آنفاً من جواز بيع البدل ولو ب--لا ع--روض المج--وّز وذكرنا أيضاً أنّ البدل قد وقع بدلاً عن الوقف في حال جواز بيعه ، فعليه لا مانع من جعل نفس الدينار مثلاً وقفاً بحيث لايوهب ولا يورث ولكنّه يجوز تبديله في أي زمان أرادوا ، بأن يكون وقفاً وحبساً من جهة عدم جواز هبته وإرثه .
الجهة الثانية : في شراء ما ينتفع به مع الخيار والكلام هنا يقع في أمرين : الأول في جواز ذلك . الثاني في اعتبار إذن الموجودين ومطالبتهم بذلك . أمّا الأول : فقد أشكله بعض من حيث إنّه يعتبر في الوقف التأييد ، يعني من مقوّمات الوقف تأييد وتحبيس العين ، وهذا المعنى لا يمكن فيا إذا اشترى ببدل الوقف ما يكون في معرض الفسخ .
وفيه : أنّه قد ذكرنا مراراً أنّ اعتبار هذا المعنى إنّما هو في نفس العين الموقوفة ما دام يمكن الانتفاع بها وأمّا بالنسبة إلى بدلها فقد ذكرنا أنّه يجوز بيعه بلا عروض المجوّز أيضاً فراجع .
وأمّا الثاني فالظاهر أنّه لا وجه لتقييد وجوب الشراء بصورة المطالبة كما ذكره الشيخ (قدّس سرّه) بل يجب هذا الشراء مطلقاً سواء طلب البطن الموجود أم لا لأنّ تعطيل الوقف وعدم تبديله إلى شيء يمكن الانتفاع به ولو في زمان تضييع للوقف ، وهذا المعنى مخالف لانشاء الواقف ولغرضه بداهة أنّ غرضه من الوقف انتفاع البطون من نفس العين الموقوفة عند الامكان ومن بدلها مع عدمه فعليه لابدّ من تبديل الدنانير مثلاً إلى شيء خياري يمكن الانتفاع منه مع بقاء عينه ولو كان بزمان قليل مثلاً ، لأنّ تعطيل هذا تضييع للوقف ومناف ل- « الوقوف على حسب ما يقفها أهلها » من حيث تحبيس العين وتسبيل المنفعة .
الجهة الثالثة : أنّ ما ذكره الشيخ (رحمه الله ) من وجوب جعل الثمن عند أمين من دون أن يعطى إلى البطن الموجود لأجل كونه مشتركاً بين الموجودين منهم والمعدومين في غير محلّه ، بل لابدّ من إعطائه وجعله عند البطن الموجود لكونه ملكاً لهم فعلاً غاية الأمر الملكية الخاصّة أي التي لا توهب ولا تورث فلا وجه لجعله عند أمين، وقد ذكرنا أنفاً أيضاً أنّ المعدومين ليسوا بمالكين فعلاً ولا حقّ لهم في ذلك ، لا من باب استحالة كون المعدوم مالكاً بل من جهة عدم شمول إنشاء الواقف وتمليكه لهم مع وجود البطن الموجود ، نعم إنّ المعدومين يكونون مالكين بعد انقراض البطن الموجود وبقاء العين الموقوفة ، ولا يخفى أنّ نظرنا إلى دفع ما ذكره الشيخ (قدّس سرّه) من تعليله عدم جواز الاعطاء إلى الموجودين باشتراك المعدومين مع الموجودين في
الوقف .
الجهة الرابعة : في اتجار الموجودين بثمن الوقف ، والظاهر جوازه إذا كان فيه المصلحة لأنّه ملكهم ، والربح يكون تابعاً للعين لأنّه جزء البدل وليس من قبيل المنافع بل من قبيل اتّساع الوقف ، فإذا اشترى بالثمن صوفاً مثلاً صار ه-و ب-دل الوقف فإذا بيع بثمن أعلى صار مجموع الثمن بدل الوقف ، ولا وجه لعود الربح إلى البطن الموجود ، فهو نظير تبديل الدار الموقوفة الضيّقة بدار وسيعة فإنّ الدار الوسيعة حينئذ بأجمعها تكون وقفاً .
الفرع الثامن : أنّه إذا خرب بعض الوقف ولم يمكن الانتفاع به يجوز بيعه وجعل بدله وقفاً بعين ما ذكرناه في مورد جواز بيع جميع الوقف ، كما يجوز صرف ثمنه في جزئه الآخر لو كان موجباً لزيادة المنفعة فيه ، ويجوز أيضاً صرف الثمن في وقف آخر للموقوف عليهم إذا كان ذلك الوقف محتاجاً إلى تعمير ، والمناط في جميع هذه الأُمور (أي جواز بيع بعض الوقف عند عروض المجوّز وجعل بدله وق--ف-اً أو صرف ثمنه في بقية الوقف أو صرفه في وقف آخر لهم) واحد وهو عبارة عمّا ذكرناه
آنفاً من أنّ نظر الواقف انتفاع الموقوف عليهم من نفس العين الموقوفة مع بقائها ومن بدلها عند عروض المجوّز بأي نحو من الانتفاع ، ولا فرق في البدل بين أن يكون عيناً قائمة برأسها وبين أن يكون خشباً أو حديداً داخلاً في بناء البعض الباقي أو بناء وقف آخر لأنّها أيضاً أعيان يمكن الانتفاع بها مع بقائها فإذا خربت بدّلت بغيرها .
الفرع التاسع : أنّه إذا احتاج الوقف إلى صرف المنفعة الموجودة التي هي ملك طلق للموجودين من البطون في تعمير الوقف بحيث لو لم تصرف فيه لا يمكن انتفاع البطن اللاحق من الوقف ، هل يجب صرفها في عمارة الوقف حفظاً للوقف عن خروجه عن قابلية انتفاع البطون اللاحقة به أم لا يجب ؟
الظاهر أنّه إذا لم يشترط الواقف في ضمن وقفه إخراج مؤونة الوقف وم-ا يحتاج إليه من جهة العمارة من منافع الوقف قبل القسمة لايجب على الموجودين أن يصرفوا المنافع الموجودة في تعمير الوقف لأجل حفظ الوقف عن خروجه ع--ن قابلية الانتفاع به بالنسبة إلى البطون اللاحقة ، لأنّ المنفعة ملك طلق للموجودين فلهم أن ينتفعوا من الوقف ما داموا موجودين ، فلا وجه لأن يصرف الإنسان مال نفسه في حفظ مال شخص آخر ، ولا فرق بين هذا وبين ما كان للجار مثلاً وقف يشرف على الخراب والسقوط عن الانتفاع ، وهل يتوهّم أحد أنّه يجب على الجار أن يصرف ماله في وقف جاره لئلّا يكون وقف الجار ساقطاً عن الانتفاع به .
نعم لا يبعد دعوى الارتكاز في المصارف الجزئية كما إذا فرضنا أنّ الوقف احتاج في العمارة إلى صرف منفعة قليلة بمقدار الدينار أو أقل فلا يبعد أنّ يقال إنّ صرف المنفعة في هذه الموارد ارتكازي لجميع الناس . وبعبارة واضحة تارة يستند الخراب إلى عالم الكون والفساد حيث إنّ الموجودات في هذا العالم لا تبقى بحسب طبعها أزيد من الزمان المتعارف لها فحينئذ لا موجب لأن يصرف الموجودون المنفعة الموجودة التي هي ملك طلق لهم في تعمير الوقف لئلّا يكون الوقف ساقطاً
عن قابلية الانتفاع به بالنسبة إلى البطون اللاحقة، وأُخرى يستند الخراب إلى الأُمور الجزئية كما إذا سقط الميزاب من سطح الدار أو حصل ثقب في سقفها بحيث لو لم يعمّر ذلك لخربت الدار بنزول المطر ولم ينتفع منها الموجودون أيضاً ، فحينئذ لا مانع من القول بوجوب التعمير لأجل ما ذكرناه من الارتكاز.
الفرع العاشر : وهو الذي رتّبه الشيخ (قدّس سرّه) على الفرع المتقدّم : أنّه لو خرب بعض الوقف وخرج عن الانتفاع وبقي بعضه محتاجاً إلى العمارة ولا يمكن انتفاع البطون اللاحقة بدونها فحينئذ هل يصرف ثمن المخروب في عمارة الباقي وإن لم يكن البطن الموجود راضياً بها ، أو أنّ الأمر ليس كذلك بل لهم بيع ذلك البعض المخروب وتبديله إلى شيء آخر وجعله وقفاً لأن ينتفع به ، وحال هذا يعلم ممّ-ا ذكرناه فاعرف .
ثمّ إنّه (قدّس سرّه)(1)ذكر أنّ هنا فروعاً أُخر يستخرجها الماهر بعد التأمّل فأقول : منها ما إذا فرضنا أنّ العين الموقوفة لم تسقط عن الانتفاع بها إلّا أنّ الانتفاع بها لا يمكن في حقّ الموقوف عليهم لأنّهم غير متمكّنين من الانتفاع بها ولكن الغير متمكّن من الانتفاع بها لو كان مالكاً له . وبعبارة واضحة أنّ العين الموقوفة إذا فرضنا أنّها قد وقعت في مكان لا يتمكّن الموقوف عليهم من الانتفاع بها بوجه من الوجوه مع بقاء عينها بحيث لو لم تبع تكون بلا فائدة أو يتملّكها السلطان ، وبديهي أنّ المناط الذي ذكرناه في جواز بيع الوقف جار هنا بعينه وبلا كلام .
ومنها : ما إذا فرضنا أنّ الوقف ممّا يمكن الانتفاع به فعلاً إلّا أنّه لو لم يُبَع فعلاً يسقط عن الانتفاع بعد مدّة قليلة بالمرّة ولا يشتريه شخص آخر في ذلك الظرف كما إذا فرضنا أنّه يقع بعد شهر في الجادّة ، فحينئذ أيضاً لا إشكال في جواز بيعه لأنّ
1) المكاسب 4 : 70
تعطيله يؤدّي إلى تضييع الوقف وإعدام موضوعه فتأمّل ، وهنا فروع أُخر تظهر للناقد البصير .
الصورة الثانية : ما إذا خراب الوقف وسقط عن المنفعة المعتدّ بها وقد فصّل الشيخ (قدّس سرّه) في هذه الصورة بين ما إذا كانت المنفعة ملحقة بالعدم بأن تكون قليلة في الغاية بحيث تلحق بالمعدوم ، وبين ما إذا لم تكن كذلك بل كانت ممّا لا يعتدّ بها ، وحكم بجواز البيع في الأوّل لعين ما ذكرناه في الصورة الأُولى من عدم شمول أدلّة المنع من قوله (عليه السلام)« الوقوف » الخ أو الاجماع المدّعى ع-لى ع-دم جوازه ، ومن قوله (عليه السلام)« لا يجوز شراء الوقف » الخ وحكم بعدم الجواز في الصورة الثانية لوجود المقتضي لعدم الجواز لوجوب العمل بمقتضى وقف الواقف الذي هو عبارة عن حبس العين ، ولعموم قوله (عليه السلام) « لا يجوز شراء الوقف » .
وفيه : إن كان مراده (قدّس سرّه) من المنفعة غير المعتدّ بها أن تكون منفعة العين مع بقائها قليلة بالنسبة إلى حالتها الأُولى كما إذا كانت منفعة الوقف قبل خرابه مثلاً في كل سنة مائة دينار والآن يستأجر بخمسين ديناراً فهو ملحق بالصورة الثالثة التي ذهب (قدّس سرّه) فيها إلى عدم جواز البيع لأجل وجود وجود المقتضي لعدم الجواز ولعدم عروض المجوّز ، بداهة أنّ قلّة المنفعة لا توجب جواز بيعه وبديهي أنّ العين لو كانت من الأول هكذا يعني كانت منفعتها قليلة لكان وقفها جائزاً حدوثاً فما ظنّك في مرحلة البقاء فتأمّل وسيجيء الكلام فيه إن شاء الله تعالى .
وإن كان مراده من المنفعة غير المعتدّ بها أنّ المنفعة الموجودة لا تعدّ في العرف منفعة لتلك العين الموقوفة مثل السرير من الحديد إذا انكسر لا يمكن الانتفاع به إلّا في بعض الموارد التي يعدّ في العرف من موارد عدم المنفعة فهو عين الصورة الأُولى لأنّ المراد بعدم إمكان الانتفاع عدم ترتّب ما يعدّ منفعة له بنظر العرف ، وكيف كان
لا وجه لهذا التفصيل .
ثمّ إنّه (قدّس سرّه)(1)تعرّض بعد ذلك لأمرين ذكرهما صاحب الجواهر (قدّس سرّه )(2): الأمر الأول ما ذكرناه آنفاً منه (قدّس سرّه) من أنّ جواز بيع الوقف لا يكون إلّا مع بطلان الوقف ، ولكنّه قد عرفت أنّ الحقّ ما ذهب إليه صاحب الجواهر (قدّس سرّه) بالبيان الذي ذكرناه آنفاً من أنّ الوقف يبطل من هذه الجهة دون سائر الجهات من جواز هبته وإرثه ، لأنّ عدم بطلان الوقف من هذه الجهة أيضاً مع جواز البيع من التضادّ كما ذكرناه .
ثمّ وجّه صاحب الجواهر (قدّس سرّه) بطلان الوقف عند جواز بيعه بفوات شرط الوقف وقال : إنّ من شرائط الوقف ابتداء واستدامة كون العين ممّا ينتفع بها مع بقاء عينها ، ثمّ أشكل عليه الشيخ (قدّس سرّه) بإشكالات والمهمّ منها ما ذكره (قدّس سرّه) بقوله : فإنّ الشرط في العقود الناقلة يكفي وجوده حين النقل بداهة أنّ المبيع ربما يخرج عن المالية ومع ذلك لا يخرج عن ملك المشتري .
وفيه : أنّ هذا مسامحة محضة ولا يقاس الوقف بالبيع بداهة أنّ اعتبار المالية في الملك في البيع إنّما هو لأجل النقل وفي مرحلته وأمّا بعد ذلك فلا ضرورة لأنّ الغالب في المبيع خروجه عن المالية بعد مدّة من الزمان لأنّ غالب الأشياء يخرج عن المالية في عالم الكون والفساد بالوجدان ، وغير خفي أنّ خروج الشيء عن المالية بعد ما كان له المالية عند البيع لا يكون إلّا في ملك المشتري وهذا بخلاف الوقف لما ذكرناه مراراً من أنّ قوام الوقف ببقاء العين وتسبيل المنفعة ، ولو فرضنا عدم المنفعة مع بقاء العين يكون أحد ركني الوقف مرتفعاً ، وهذا المعنى أي بقاء العين وتسبيل
المنفعة من مقوّمات الوقف حدوثاً وبقاءً ، فما ذكره صاحب الجواهر (قدّس سرّه) في وجه بطلان الوقف بالمعنى الذي ذكرناه آنفاً من فقدان شرط الوقف عند عدم وجود المنفعة مع بقاء العين متين جدّاً ولا يرد عليه ما ذكره الشيخ (قدّس سرّه) منالاشكالات أصلاً .
الأمر الثاني ممّا ذكره صاحب الجواهر (قدّس سرّه) في المقام : أنّ الوقف قد يبطل بانعدام عنوان الوقف كما إذا فرضنا أنّه وقف بستاناً فخرج بعد ذلك من عنوان البستانية وبقيت عرصته ، ثمّ أيّد هذا بما ذكره الفقهاء في باب الوصية م--ن أن-ّه لو أوصى بدار فانهدمت قبل موت الموصي بطلت الوصية لانتفاء موضوعها ، ثمّ ذكر (قدّس سرّه) وجهين في أنّ الوقف بعد بطلانه هل يرجع إلى الواقف وورثته أو إلى الموقوف عليهم .
ثمّ أشكل عليه العلّامة الأنصاري (قدّس سرّه) بأنّه لا وجه للبطلان بانعدام العنوان ، مضافاً إلى وجود الاجماع على عدم بطلان الوقف بانعدام العنوان ، لأنه إن أراد بالعنوان ما جعل مفعولاً في قوله وقفت هذا البستان ، فغير خفي أنّه ليس إلّا مثل قولنا في البيع بعت هذا البستان أو وهبته فكما أنّ التمليك في البيع لا يدور مدار وجود العنوان كذلك في الوقف ، وإن أراد منه غير هذا فلم يظهر لنا ما يريده .
ثمّ قال (قدّس سرّه) إنّ تأييده بما ذكروه في الوصية في غير محلّه ، لأنّ ما ذكره من بطلان الوصية على فرض صحّة هذه المقالة في الصورة التي ذكرها (قدّس سرّه) إنّما هو قبل كون الموصى به ملكاً للموصى له وهذا أجنبي عن المقام ، بل المناسب أن يقاس المقام بالوصية بالبستان بعد تمامها وخروج البستان عن ملك الموصي بموته وقبول الموصى له فهل أفتى أحد فى هذه الصورة ببطلان الوصية بعد صيرورة البستان عرصة كلّا ، ثمّ ذكر (قدّس سرّه) أنّ ما ذكره من الوجهين ممّا لم نعرف له وجها الخ .
وقد فصّل الميرزا (قدّس سرّه)(1)في المقام بين زوال الصورة النوعية وبين ما يكون العنوان الزائل من قبيل العوارض وحكم ببطلان الوقف في الأول دون الثاني ، وملخّص ما ذكره (قدّس سرّه) أنّه إذا تبدّلت الصورة النوعية إلى صورة أُخرى كالنخلة الموقوفة إذا قلعت فصارت حطباً ، فغير خفي أنّ هذه المادّة الحطبية تعدّ فى العرف مباينة للنخلة لأنّ النخلة في نظر العرف عبارة عن الشجرة لا المادّة المشتركة بين النخلة والحطب والخشب ، وبطلان الصورة النوعية عبارة أُخرى عن بطلان الوقف ، بخلافه فيما إذا كان الزائل من العوارض مثل الدار التي زالت عنها صورة الدارية كما إذا انهدمت وصارت عرصة ، لأنّ الوقف قد تعلّق بالدار وهي مركّبة من العرصة والبناء وانهدام البناء لا يوجب بطلان الوقف رأساً لبقاء العرصة وزوال الصورة البنائية عن العرصة لا يوجب بطلان وقف العرصة . وبعبارة واضحة أنّ الوقف متقوّم بأمرين : حبس العين وتسبيل المنفعة وبانتفاء أحد الأمرين تخرج العين الموقوفة عن الوقفية، فكما يجوز بيعها عند عدم إمكان الانتفاع بها مع بقاء العين كذلك يجوز البيع إذا لم تبق صورتها النوعية التي هي أحد ركني الوقف .
ولا يخفى أنّه يرد على ما ذكره الميرزا (قدّس سرّه) ما أورده شيخنا الأنصاري (رحمه الله) على صاحب الجواهر من أنّ الوقف كالبيع لم يتعلّق بالصورة النوعية فقط بل تعلّق بالمادّة المتّصفة بالصورة الكذائية ، ولا يخفى أنّ مرادنا من المادّة ليس الهيولى بل مرادنا منها الجسم فإذا زالت الصورة النوعية تبقى المادة متعلّقة للوقف فلا وجه لرجوع المادّة بعد الوقف إلى ملك الواقف أو الموقوف عليهم بل هي باقية على الوقفية.
1) منية الطالب 2 : 285
وبعبارة أُخرى : هل يكون للواقف بعد وقفه حقّ ويكون الجسم ملكاً له و باقياً في ملكه من جهة كون الوقف متعلّقاً بالصورة النوعية ، أو أنه لا يبقى له حقّ وملك اصلا ، وبديهي أنّه لا يمكن الالتزام ببقاء ملكه في الجسم كما لا يخفى لأنّ الصورة النوعية تابعة للجسم وليست من الأُمور التي تباع أو توقف مستقلّة ، بل لا فائدة لها إلّا أنّ وجودها يوجب الزيادة في القيمة كما هو الواضح ، فعليه لا وجه لبطلان الوقف بانعدام الصورة النوعية بل الوقف باقٍ على حاله بالنسبة إلى الجسم فما ذكره الشيخ (قدّس سرّه) هو المتين .
الصورة الثالثة : ما إذا صارت منفعة الوقف قليلة إمّا لأجل خراب الوقف أو لأجل أمر آخر ولكنّه لا بمثابة يلحق بالمعدوم ، وقد ذهب بعض إلى جواز البيع في هذه الصورة أيضاً ، ولكن الحقّ عدم جواز البيع لوجود المقتضي لعدم البيع وهو عبارة عن وجوب العمل بمقتضى الوقف وقوله ( عليه السلام )« لا يجوز شراء الوقف » وعدم ما يصلح أن يكون مجوّزاً ومسوّغاً للبيع كما ذكره الشيخ (قدّس سرّه) .
الصورة الرابعة : ما إذا كان البيع أعود وأنفع للموقوف عليهم ، والظاهر أنّ عدم جواز البيع في هذه الصورة ممّا تسالم عليه الفقهاء ، نعم نسب إلى المفيد (قدّس سرّه) الجواز في هذه الصورة أيضاً ، ولكن العلّامة (قدّس سرّه) لم يرتض هذه النسبة لأجل أنّه مخالف لمقتضى القاعدة ولذا أوّل كلام المفيد (قدّس سرّه) .
والذي استدلّ به على جواز البيع في هذه الصورة روايتان : الأُولى رواية جعفر بن حيّان عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال« سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن رجل وقف غلّة له على قرابته من أبيه وقرابته من أُمّه وأوصى لرجل ولعقبه ليس بينه وبينه قرابة بثلاثمائة درهم في كل سنة ويقسّم الباقي على قرابته من أبيه وقرابته من أُمّه ، فقال : جائز للذي أوصى له بذلك. قلت : أرأيت إن لم تخرج من غلّة تلك الأرض التي أوقفها إلّا خمسمائة درهم ، فقال : أليس في وصيته أن يعطي
الذي أوصى له من الغلّة ثلاثمائة درهم ويقسّم الباقي على قرابته من أبيه وقرابته من أُمّه . قلت نعم ، قال ليس لقرابته أن يأخذوا من الغلّة شيئاً حتّى يوفوا الموصى له ثلاثمائة درهم ثمّ لهم ما يبقى بعد ذلك . قلت أرأيت إن مات الذي أوصى له ، قال : إن مات كانت الثلاثمائة درهم لورثته يتوارثونها بينهم ما بقي أحد منهم ، فإن انقطع ورثته ولم يبق منهم أحد كانت الثلاثمائة درهم لقرابة الميّت يرد إلى ما يخرج من الوقف ثمّ يقسّم بينهم يتوارثون ذلك ما بقوا وبقيت الغلّة . قلت : فللورثة من قرابة الميّت أن يبيعوا الأرض إذا احتاجوا ولم يكفهم ما يخرج من الغلّة ، قال : نعم إذا رضوا كلّهم وكان البيع خيراً لهم باعوا »(1).
وفيه : أنّ الرواية أوّلاً ضعيفة السند لأجل جعفر بن حياّن . وثانياً أنّ الرواية مشتملة على أشياء تصير موجبة لوهن الرواية ، وذلك أنّه كيف تجتمع الوصية مع الوقف لكونهما من المتنافيين بداهة أنّ الوصية لو كانت قبل الوقف تكون باطلة بمجرد الوقف مثل ما إذا باع الموصي الشيء الموصى به ، ولو كانت بعده فهي باطلة أيضاً لأنّ الموصى به خارج عن ملكه ، ولابدّ من أن يقال إنّ المراد من الوصية الشرط يعني أنّ الواقف شرط في وقفه هكذا ، وقد تطلق الوصية لغة وفي القرآن على الشرط مثل قوله تعالى : يُوصِيكُمْ الله(2). وأيضاً ما الوجه لمنع الإمام (عليه السلام) عن تصرف الموقوف عليهم قبل إخراج ما أوصى به في صورة عدم خروج الغلّة من الأرض إلّا بمقدار خمسمائة درهم ، بداهة أنّه لا مانع من التصرف في الغلّة وإخراجه بعد هذا ، بل لو لم يفوا بالشرط أصلاً لم يكن تصرّفهم في الغلّة حراماً لأنّ اشتراط دفع المبلغ إلى الرجل لا يترتّب عليه إلّا حكم تكليفي ولا
يكون شريكاً معهم في الغلّة .
وأيضاً أنّ ما حكم به الإمام (عليه السلام) بقوله : « إن مات كانت ثلاثمائة درهم لورثته - إلى أن قال - ما بقي أحد منهم » لم نفهم المراد منه بعد ما ذكرنا من أنّه لابدّ من أن يراد من الوصية الشرط، بداهة أنّه على هذا يكون إعطاء ثلاثمائة درهم منوطاً بوجود من شرط الاعطاء له ، فإذن لا وجه لاعطائه لورثة المشروط له.
وأيضاً أن ما حكم به بعد ذلك بقوله « فإن انقطع ورثته » الخ لم نفهم له وجهاً بداهة أنّه ولو فرضنا صحّة الوصية أيضاً لا وجه لأن يكون الموصى به بعد انقراض ورثة الموصى له راجعاً إلى قرابة الميّت الواقف ، بداهة أنّه على هذا يكون ممّا لا وارث له فعليه يكون مالاً للإمام (عليه السلام) لأنّه (عليه السلام) وارث من لا وارث له ، ولو أغمضنا النظر من جميع ما ذكرناه فالرواية لا دلالة لها على المطلب لأنّها تدلّ على جواز البيع بشروط ثلاثة :
1 - احتياج الموقوف عليهم .
2 - رضايتهم بالبيع .
3- كون البيع أعود وأنفع لهم ، فلا يستفاد من الرواية كفاية الشرط الأخير فقط .
الرواية الثانية : ما في الاحتجاج(1)من أنّ الحميري كتب إلى صاحب الزمان (عليه السلام) جعلني الله فداه « أنّه روي عن الصادق (عليه السلام) خبر مأثور أنّ الوقف إذا كان على قوم بأعيانهم وأعقابهم فاجتمع أهل الوقف على بيعه وكان ذلك أصلح لهم أن يبيعوه فهل يجوز أن يشترى عن بعضهم إن لم يجتمع كلّهم على البيع أم لا يجوز إلّا أن يجتمعوا كلّهم على ذلك ؟ وعن الوقف الذي لا يجوز بيعه
1) الوسائل 19 : 191 / كتاب الوقوف والصدقات ب6 ح9 .
فأجاب (عليه السلام) إذا كان الوقف على إمام المسلمين فلا يجوز بيعه وإذا كان على قوم من المسلمين يبيع كل قوم ما يقدرون على بيعه مجتمعين ومتفرّقين إن شاء الله » الخبر، ولا يخفى أنّ المراد من عدم جواز البيع إذا كان الوقف على إمام المسلمين أنّه لايجوز ذلك على غير الإمام ، وأمّا جوازه لنفس الإمام فهذا ممّا لا إشكال فيه وقد أمر الإمام (عليه السلام) في رواية ابن مهزيار(1)ببيع حصّته من الوقف كما سيجيء الكلام فيه إن شاء الله تعالى .
وكيف كان ، لا يمكن الاستدلال بهذه الرواية ،أيضاً ، وذلك - مضافاً إلى عدم ثبوت صحّة سند ما في الاحتجاج ولا يمكن الاستدلال بالروايات الموجودة في ذلك الكتاب نعم لا بأس باتيانها بوجه التأييد - أنّ الرواية ليست في مقام بيان ما هو المجوّز لبيع الوقف بل في مقام بيان أنّ أيّ وقف يصحّ بيعه بعد عروض المسوّغ وهي ساكتة من بيان ما هو المجوّز والمسوّغ. وبعبارة واضحة أنّ الرواية في مقام بيان أنّ بيع الوقف مع فرض وجود المسوّغ له هل يصح من بعض الموقوف عليهم أو يعتبر في جوازه اجتماعهم عليه ، وأمّا ما يكون مجوّزاً أو مسوّغاً فليست في م-ق-ام ب-ي-انه وعلى فرض التسليم إنّما تدلّ على جواز بيع الوقف مطلقاً لأنّ الأصلحية إنّما ذكرت في كلام السائل فلا توجب تقييداً .
سلّمنا كونها قيداً للحكم إلّا أنّ المراد بها على ما يظهر من إسناد البيع إلى أرباب الوقف كون البيع أصلح بحالهم لا بحال جميع البطون ، وبيع الوقف وتملّك ثمنه يكون أعود وأنفع لهم دائماً ، فالمستفاد من الرواية على هذا جواز بيع الوقف للبطون الموجودة في جميع الموارد ، فحينئذ لا تكون أخصّ من أدلّة منع بيع الوقف بل يكون بينهما التباين فتتعارضان ، وبديهي أنّ تلك الروايات المانعة عن بيع الوقف متقدّمة
1) الوسائل 19 : 187 / كتاب الوقوف والصدقات ب6 ح 5 .
على رواية الحميري لضعفها سنداً ، مضافاً إلى أنّ انقلاب النسبة يجعل تلك الروايات المانعة أخصّ من رواية الحميري ، وذلك لأنّ الروايات المانعة بعد م--ا خصّصت بما يدلّ على جواز بيع الوقف عند خرابه وعدم إمكان الانتفاع به مع بقائه تختصّ بغير صورة خراب الوقف فتكون أخصّ فتقيّد بها رواية الحميري . ولو أغمضنا النظر عن جميع ذلك أنّ الرواية تدلّ على شيء لم يفت به أحد ويقطع بخلافه وهي عبارة عمّا ذكر الشيخ (قدّس سرّه)(1)من أنّ الظاهر منها أن يكون الثمن بعد البيع ملكاً للموجودين من الموقوف عليهم وأن يتصرّفوا فيه كيف شاؤوا ، فعليه لا يمكن الاستدلال بها في المقام كما لا يخفى فافهم .
الصورة الخامسة : ما إذا أصاب الموقوف عليهم حاجة شديدة ، وقد ذهب بعض إلى جواز البيع في هذه الصورة ، وادّعى في الانتصار(2)والغنية(3)الإجماع على ذلك ، إلّا أنّ الإجماع المنقول غير معتبر في نفسه مضافاً إلى كونه معارضاً بإجماع آخر منقول عن السرائر (4)على عدم جواز البيع . وقد ذهب جم-ع م-ن القدماء والمتأخرين إلى عدم الجواز في هذه الصورة ، فلم يبق في المقام ما يمكن الاستدلال به إلّا رواية جعفر بن حيان المتقدّمة(5)الدالّة على جواز الب-ي-ع ع-ن-د الحاجة وعدم كفاية الغلّة للموقوف عليهم ، ولكن فيه ما لا يخفى وذلك أنّه مضافاً إلى ضعف سند الرواية أنّ ظاهرها جواز البيع عند عدم كفاية غلّة الأرض لمؤونة سنة الموقوف عليهم وهذا أقلّ مراتب الحاجة والفقر الشرعي .
والذي يظهر من عبارات القوم اعتبار الضرورة والحاجة الشديدة ، والنسبة بين الحاجة والفقر الشرعي وبين الضرورة والحاجة الشديدة عموم من وجه كما ذكره الشيخ (قدّس سرّه) فراجع . فالرواية بظاهرها غير معمول بها حيث إنّه لم يفت أحد بجواز البيع عند الحاجة الكذائية يعني فيما إذا لم يكفهم ما يخرج من الغلّة . وتوهّم أنّه لا مانع من الاستدلال على صحّة البيع بما في قوله (صلّى الله عليه وآله وسلم) في حديث الرفع « وما اضطرّوا عليه » فاسد ، أمّا أوّلاً فلأنّ الاضطرار لا يكون إلّا على المال لا على البيع فعليه لا مانع من إعطاء الوقف وأخذ شيء في مقابله ، إلّا أنّ المعاملة لا تكون صحيحة بل ترتفع الحرمة التكليفية لهذا العمل . وثانياً : أنّه على هذا لا يختصّ ذلك بالوقف بل له أن يسرق مال الغير . وثالثاً : أنّ هذا يتصوّر بالنسبة إلى كل فرد من أفراد الموقوف عليهم إذا اضطرّ إلى بيعه بل لا يختصّ بالموقوف عليهم ويصحّ من الغير أيضاً إذا اضطرّ ولم يتمكّن إلّا من بيع الوقف وكيف كان أنّ الاضطرار لا يوجب صحّة البيع ، نعم لا مانع من القول بأنّ الاضطرار يرفع الحكم التكليفي يعني يرفع الحرمة عن بيع الوقف كما تقدّم وأم-ّا صحّة البيع فلا .
الصورة السادسة : أن يشترط الواقف بيعه عند الحاجة ، وقد ذهب بعض إلى عدم الجواز مطلقاً وبعض إلى الجواز مطلقاً ، وبعضهم فصّل ولكنّه في الحقيقة ليس تفصيلاً وحاصل التفصيل جواز البيع عند الشرط في الموارد التي يجوز بيعه فيها لأنّ الشرط على هذا يكون مؤكّداً لجواز البيع ، وعدم الجواز في الموارد التي لا يجوز بيعه لكون الشرط باطلاً ، وهو كما ترى ليس تفصيلاً في المقام ، لأنّ مورد الكلام أن يستند جواز البيع إلى نفس الشرط كما لا يخفى ، وأيضاً من يقول بفساد الشرط على قولين قول بفساد نفس الشرط فقط وقول بفساد الشرط مع كونه مفسداً للوقف أيضاً .
وكيف كان ، أنّ الكلام يقع تارة في كون الشرط مخالفاً لمقتضى الوقف وأُخرى في كونه مخالفاً للسنّة . أمّا الكلام في الجهة الأُولى فقد يقال إنّ الشرط فاسد ويصير مفسداً للوقف أيضاً ، لأنّ الشرط مخالف لمقتضى الوقف الذي هو عبارة عن التأييد فيكون اشتراط جواز البيع عند احتياج الموقوف عليهم نظير أن يشترط في ضمن عقد البيع أن يكون بلا ثمن .
وفيه : أنّ الشرط إن كان بنحو أن يكون البدل أيضاً كالمبدل وقفاً فهذا ليس مخالفاً لمقتضى العقد بل الشرط حينئذ يكون مقيّداً لاطلاق الوقف من جهة أنّ مقتضى إطلاقه تحبيس العين عن الحركة بالأسباب الاختيارية ، والشرط أيضاً موافق لهذا المقتضى إلّا من جهة خاصّة وهي عبارة عن جواز تبديل العين وجعل بدلها كالمبدل وقفاً ، وهذا أيضاً لا مانع منه كما ذكرناه مراراً وفي خصوص ذكر كلام صاحب الجواهر (قدّس سرّه) .
وإن كان الشرط بنحو أن يصير ثمن العين الموقوفة بعد بيعها ملكاً طلقاً للموجودين من الموقوف عليهم وأن يتصرّفوا فيه كيف شاؤوا فهو فاسد لأنّه مخالف لمفهوم المبادلة والبيع ، لما ذكرناه مراراً من أنّ مفهوم المبادلة والبيع أن يكون العوض قائماً مقام المعوّض من جميع الجهات ، ولمّا كان المعوّض ملكاً غير طلق فلابدّ أن يكون العوض أيضاً هكذا ، نعم لو كان مفاد الشرط بطلان الوقف قبل البيع وكون الوقف ملكاً طلقاً للموجودين منهم ثمّ يبيعونه كما هو الظاهر من الشرط فلا يكون مخالفاً لمقتضى الوقف إلّا من حيث التأبيد ، ولكن الظاهر أنّ التأبيد ليس مقتضى عقد الوقف ومن مقوّماته بل هو أمر آخر ثبت بالإجماع ، فحينئذ إن كان الشرط شرطاً في الأزمان بأن يشترط جواز بيع الوقف بعد عشرين سنة وبعبارة أخرى أن يوقف عشرين سنة فهذا هو القدر المتيّقن من مورد الإجماع القائم على بطلان الوقف المنقطع ، وإن كان الشرط راجعاً إلى تضييق دائرة الوقف بالنسبة إلى
الموقوف عليهم أي يكون موضوع الوقف ممّا ينقطع لا محالة بأن يوقف العين لزيد ولعقبه إلى المرتبة الخامسة مثلاً ، وهذا هو محلّ الخلاف بين الأعلام (قدّس سرّهم) والمشهور ذهبوا إلى بطلانه .
ولكن الميرزا(1)قد اختار فى المقام صحّة الوقف إن كان الشرط بنحو جعل الخيار للموقوف عليهم بأن يجعل الشيء وقفاً دائماً ولكنّه جعل للموقوف عليهم الخيار في فسخه بأن يكون لهم الفسخ متى شاؤوا ، فهذه الصورة لا إجماع فيها على البطلان بل ذهب جمع إلى الجواز ، وليس مخالفاً لمقتضى العقد أيضاً بل مقتضى عموم قوله (عليه السلام) « الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها » نفوذ هذا الشرط ، فلم يثبت كون شرط البيع عند الحاجة مخالفاً لمقتضى عقد الوقف سواء أُريد به تبديله وجعل بدله وقفاً أو بيعه وأكل ثمنه .
وأمّا الكلام في الجهة الثانية : أي في كون الشرط مخالفاً للسنّة ، فلا يبعد القول بفساد هذا الشرط من جهة كونه مخالفاً للسنّة من قوله (عليه السلام) « لا يجوز شراء الوقف » حيث يدلّ باطلاقه على صورة الاشتراط أيضاً ، ولكنّه ليس مثل الشرط المخالف لمقتضى العقد فإنّه فاسد ومفسد للعقد لكونه مناقضاً له ، بل يبتني فساد العقد بالشرط المخالف للسنّة على ما سيأتي في باب الشروط من أنّ الشرط الفاسد ه--ل يكون مفسداً للعقد أم لا فعلى الأوّل يكون مفسداً للوقف في المقام ، وأمّا على المختار من عدم كون الشرط الفاسد مفسداً لأنّ الشرط التزام آخر فلا يكون مفسداً للوقف . والعجب من الميرزا (قدّس سرّه) حيث لم يتعرّض لكون الشرط مخالفاً للسنّة واكتفى بالجهة الأُولى أي عدم كونه مخالفاً لمقتضى العقد ، اللهمّ إلّا أن يقال كما قلناه آنفاً إنّ قوله ( عليه السلام) « لا يجوز شراء الوقف » الخ ليس حكماً تعبّدياً بل امضاءً
1) منية الطالب 2 : 288 - 289 .
لما أنشأه الواقف ، فعليه يكون الوقف الكذائي مشمولاً لقوله (عليه السلام) « الوقوف » الخ وغير ذلك من أدلّة الإمضاء .
ويؤيّد ما ذكرناه ويؤكّده ما رواه في الكافي(1)في الصحيح عن وقف أمير المؤمنين (عليه السلام) حيث اشترط في الوقف أنّ للحسن والحسين (عليهما السلام) بيع الوقف إذا شاءا بل لهما جعله شروى الملك أي مثل الملك من دون احتياج إلى البيع والعجب من الشيخ (قدّس سرّه )(2)حيث جعل تأويل الرواية مشكلاً والعمل بها أشكل ، إذ لا إشكال في العمل بها بعد كونها موافقة للقواعد وذهاب جمع من الفقهاء إلى صحّة ذلك .
ولا يخفى أنّ تأويل هذه الرواية بالوصية بأن يكون المراد من الصدقة الوصية مخالف لظاهرها بل صريحها كما لا يخفى على الناقد البصير فتأمّل .
الصورة السابعة : ما إذا علم أو خيف وظنّ أن يكون بقاء العين الموقوفة على حالها مؤدّياً إلى تلفها وعدم إمكان الانتفاع بها .
الصورة الثامنة : أن يقع بين الموقوف عليهم اختلاف لا يؤمن معه من تلف المال أو الأنفس ، وظاهر هذا الكلام أنّه يجوز بيع العين الموقوفة عند وقوع الاختلاف بينهم بحيث لا يؤمن من تلف المال ولو كان المال المخوف تلفه غير العين الموقوفة .
الصورة التاسعة : أن يكون بقاؤها مؤدّياً إلى الضرر على الموقوف عليهم . وبعبارة أُخرى أن يتوجه عليهم الضرر من بقاء العين الموقوفة .
الصورة العاشرة : أن يلزم من بقاء العين الموقوفة فساد يستباح منه الأنفس
وقد ذكر بعض في هذه الصور أنّه يجوز بيع العين الموقوفة . وذكر الشيخ (قدّس سرّه) بعد التعرّض لهذه الصور أنّ الحقّ جواز البيع في الصورة الأُولى أي فيما إذا علم أو خيف أنّ بقاءها يؤدّي إلى تلف العين الموقوفة وعدم إمكان الانتفاع بها ، وعدم جواز البيع في غير هذه الصورة لعدم الدليل على ذلك ، ولا يخفى أنّ ملخّص كلامه (قدّس سرّه) ينحلّ إلى قضيتين إيجابية وسلبية ، والأُولى عبارة عن جواز البيع فيما إذا علم أو ظنّ أنّ بقاءه يؤدّي إلى خرابه وعدم إمكان الانتفاع به ، والثانية عبارة عن عدم جواز بيعه في غير هذه الصورة .
إذا عرفت هذا فاعلم أنّ الكلام الآن يقع في الصورة الأُولى وقد قال (قدّس سرّه) إنّ المقتضي الجواز البيع موجود والمانع منه مفقود وملخّص استدلاله : أنّ الملكية مقتضية للبيع وإنّما خرجنا عنه في الوقف بدليل خارجي فلابدّ من الاكتفاء بموارد وجود المانع والمانع عن البيع في الوقف منحصر في أُمور أربعة : الإجماع وقوله (عليه السلام) « لا يجوز شراء الوقف » و « لا تدخل الغلة في ملكك » وقوله (عليه السلام)« الوقوف على حسب » الخ وإن استشكل الشيخ (قدّس سرّه) في دلالته وأنّ البيع مناف لغرض الواقف وحقّ الموقوف عليهم . وبديهي أنّ الإجماع في المقام غير متحقّق بل عدمه محقّق لأنّه ذهب بعض إلى جواز البيع في صورة كون البقاء مؤدّياً إلى الخراب وعدم إمكان الانتفاع به .
وأمّا الروايات المذكورة فهي منصرفة عن هذه الصورة بالبداهة ، وأمّا مقالة كون البيع منافياً لغرض الواقف فهي لا تتمّ لكون البيع وتبديل العين الموقوفة مع فرض الخراب إلى غيرها موافقاً لغرض الواقف وحقّ الموقوف عليهم .
وقد ذكر الميرزا (1)في المقام أنّ هذه الصورة داخلة تحت الصورة الأُولى
1) منية الطالب 2 : 289 .
وهي صورة خراب الوقف وعدم إمكان الانتفاع به مع بقائه بعد ما كان العلم طريقاً محضاً . وبعبارة أُخرى إذا احتمل احتمالاً عقلائياً تأديته إلى الخراب على نحو لو كان خراباً فعلاً لجاز بيعه، فحكم الاحتمال حكم نفس الخراب الفعلي ولكن من حيث كونه طريقاً لأنّه بعد اعتبار هذا الاحتمال عند العقلاء فكأنّه صار خراباً فعلاً .
ولا يخفى أنّ ما ذكره الميرزا (قدّس سرّه) من العجائب ، بداهة أنّه فرق بين الخراب الفعلي وبين ما يصير خراباً فيما بعد ، والثابت من جواز بيع الوقف هو الأوّل والدليل منصرف عنه ، وأمّا الثاني فلا وجه لجواز البيع فيه بعد ما كان مشمولاً لقوله (عليه السلام) « لا يجوز شراء الوقف » خصوصاً فيما إذا كان في البيع ضرر على الموجودين من الموقوف عليهم من جهة عدم إمكان انتفاعهم من بدلها فعلاً مثلاً .
وفيما ذكره الشيخ (قدّس سرّه) أيضاً مجال للمناقشة بعين الكلام الذي ذكرنا في جواب الميرزا من شمول أدلّة عدم جواز بيع الوقف وشرائه وعدم دخول الغلّة في ملكه وأنّه لا دليل على جواز البيع بعد ما كانت العين الموقوفة الآن قابلة للانتفاع فعلاً ، وكونها معدومة الانتفاع فيما بعد لا يكون موجباً لجواز بيعه إلّا في ظرفه كما هو الظاهر ، وهذه الصورة أشبه شيء بالصورة التي يكون انتفاع البطون اللاحقة من العين الموقوفة محتاجاً إلى أن يصرف البطون الموجودة حقّهم من الانتفاع في عمران العين الموقوفة ، وقد ذكرنا سابقاً أنّه لا يلزم على البطون الموجودة صرف أملاكهم لحفظ الوقف على غيرهم فإن صرف المنافع كصرف غيرها من أموال الموقوف عليهم ، وهكذا الكلام بالنسبة إلى ما ذكره الشيخ (قّدس سرّه) في ضمن كلامه وهو ما إذا علمنا بعدم وجود من يشتري العين الموقوفة فيما بعد وعند خرابها فإنّ عدم وجدان المشتري فيما بعد لا يكون موجباً لجواز بيعه فعلاً بعد ما كانت العين الموقوفة قابلة للانتفاع بها فعلاً فافهم .
وبالجملة استدلّ على جواز بيع الوقف فيها إذا أدّى بقاؤه إلى خرابه بوجوه
أربعة :
الأوّل : ما ذكره الشيخ (قدّس سرّه) بقوله : لما مرّ من الدليل على جواز بيع ما سقط عن الانتفاع ، وحاصله انصراف الأدلّة المانعة عن هذه الصورة . الثاني : ما ذكره الميرزا (قدّس سرّه) وقد عرفت المناقشة فيه وفيما ذكره الشيخ (قدّس سرّه) .
الثالث : ما عن العلّامة (قدّس سرّه) وحاصله : أنّ الأمر دائر بين إبقائه والانتفاع به ما دام باقياً وتلف العين بعده ، وبين تبديله إلى شيء آخ--ر وبقاؤه والانتفاع إلى الأبد ، وبديهي أنّ الثاني أولى في نظر الواقف وأوفق بمراده .
وفيه : أنّه لا يمكن أن يجعل الأوفقية بمقصود الواقف دليلاً مستقلاً على جواز بيع الوقف بعد ما كانت العين الموقوفة قابلة للانتفاع فعلاً ، لأنّ أدلّة المنع عن بيع الوقف شاملة للمقام وقد ذكرنا آنفاً أنّ انصراف دليل المنع إنّما هو في صورة الخراب الفعلي ولذا قلنا بعدم جواز تبديل الوقف إلى شيء أحسن منه ، ولو كان ملاحظة نظر الواقف في هذه الموارد دليلاً لكان هذا جائزاً ، نعم لو قلنا بوجود المقتضي لجواز البيع وعدم المانع عنه لأجل انصراف أدلّة المنع عن هذه الصورة كما عليه الشيخ (قدّس سرّه) لا بأس بجعل هذا الوجه أي الأوفقية بغرض الواقف مؤيّداً له إلّا أنّك قد عرفت ما فيه أيضاً .
الرابع : ما عن التنقيح(1)وملخّصه : أنّ عدم جواز البيع في صورة العلم أو الظنّ بأنّ بقاءه يؤدّي إلى خرابه أو غير ذلك من الأُمور المذكورة المتقدّمة موجب لتضييع المال وتبذيره وهو حرام ، فعليه لابدّ من القول بجواز بيعه في هذه الصور بل وجوبه .
1) التنقيح الرائع 2 : 330 .
وفيه : أنّ ترك المال ولو مال الإنسان نفسه الذي له السلطنة عليه إلى أن يخرب بنفسه وطبعه لا يعدّ إضاعة ولا إسرافاً وإلّا لزم تعمير الأوقاف المشرفة على الخراب ولو بغير البيع وهو كما ترى ، بل يجري ذلك في أموال نفس الإنسان التي يملكها طلقاً .
فتلخّص أنّ شيئاً من الوجوه المذكورة لا ينهض على تجويز البيع في المقام .
بقي الكلام في الرواية التي استدلّ بها كلّ من جوّز البيع في هذه الصور الأربعة وهي مكاتبة ابن مهزيار قال« كتبت إلى أبي جعفر الثاني (عليه السلام) إنّ فلاناً ابتاع ضيعة فأوقفها وجعل لك في الوقف الخمس ويسألك عن رأيك في بيع حصّتك من الأرض - إلى أن قال - فكتبت إليه (عليه السلام) إنّ بين من وقف عليهم بقية هذه الضيعة اختلافاً شديداً وأنّه ليس يأمن أن يتفاقم ذلك بينهم بعده ، فإن كان ترى أن يبيع هذا الوقف ويدفع إلى كلّ إنسان منهم ما وقف له م-ن ذلك أمرته فكتب (عليه السلام) بخطّه وأعلمه أنّ رأيي ، إن كان قد علم الاختلاف بين أرباب الوقف أنّ بيع الوقف أمثل فليبع فإنّه ربما جاء في الاختلاف تلف الأموال والنفوس»(1)الخبر .
ومورد الاستدلال هو قوله (عليه السلام) في آخر الخبر « فإنّه ربما جاء » الخ وهذه الرواية معتبرة السند ، إلّا أنّ الظاهر بملاحظة القرائن كونها أجنبية عن بيع الوقف رأساً ، بل لابدّ من حملها على ما قبل القبض وعدم تمامية الوقف وإلّا لم يكن وجه لأمر الإمام (عليه السلام) ببيع حصّته مع أنّ الاختلاف كان بين الموقوف عليهم غير الإمام (عليه السلام) ، مضافاً إلى أنّ مباشرة الواقف لبيعه بلا وجه ، إذ الواقف بعد تمام الوقف يكون أجنبياً فلا وجه لاحالة البيع إليه .
1) الوسائل 19 : 187 / كتاب الوقوف والصدقات ب6 ح 5، 6 .
والظاهر أنّ حكم الإمام (عليه السلام) ببيعه لم يكن إذناً له بعنوان الولاية بل كان (عليه السلام) في مقام بيان حكم المسألة بطبعها ، كما أنّ دفع ثمن الوقف إلى الموجودين من الموقوف عليهم بحسب حصّتهم لا وجه له حيث إنّا قد ذكرنا مراراً أنّ مقتضى قانون المبادلة قيام الثمن مقام المثمن كما كان ، وحيث كانت العين الموقوفة ملكاً غير طلق لا يجوز إتلافه للبطن الموجود بل لابدّ من إبقائه للبطون اللاحقة فلابدّ وأن يكون ثمنها أيضاً كذلك ، فلابدّ من حملها على صورة عدم تمامية الوقف من حيث عدم القبض بأن تكون هذه الأُمور المذكورة قرينة على أّن الاختلاف ونحوه كان قبل قبض الموقوف عليهم فتندفع الإشكالات الواردة كما حملها عليها بعض .
ولو سلّمنا ذلك كلّه فلا دلالة لها على الصورة السابقة وما بعدها أصلاً ، وذلك لأنّ الظاهر أنّ وجود الاختلاف بين الموقوف عليهم لا موضوعية فيه أصلاً ب--ل المناط هو تلف الأموال والأنفس والاختلاف طريق محض ، فلو كان بقاء الوقف على حاله موجباً لتلف الأموال والنفوس ولو لم يكن من جهة الاختلاف بين الموقوف عليهم لكان بيعه جائزاً وهذا ممّا لا يمكن أن ينسب إلى أحد من العلماء (قدّس سرّهم) هذا أوّلاً .
وثانياً : أنّ الظاهر من تعبير الإمام (عليه السلام) بالأموال عدم الخصوصية لمال الوقف فيجوز البيع حتّى فيما إذا لم يكن التالف العين الموقوفة في صورة اختلاف الموقوف عليهم ، بل كان التالف الأموال الآُخر . وهذا أيضاً ممّا لا يمكن أن ينسب إلى الأعلام (قدّس سرّهم) .
وثالثاً : أنّ الظاهر من كلمة « ربما » في كلامه (عليه السلام) الاكتفاء في جواز البيع بالاحتمال العقلائي وإن لم يحصل العلم أو الظنّ بذلك ، وهو كما ترى .
ورابعاً : أنّ مورد الرواية هو التلف ومقامنا مورد العلم أو الظنّ بأن يكون
خراباً ، والتلف غير الخراب فإنّ التلف عبارة عن انعدام العين بخلاف الخراب وإجراء حكم التلف على المقام على عهدة مجريه ، فظاهر الرواية ممّا لم يفت به فت به أحد فلابدّ من ردّ علمها إلى أهله .
بقي في المقام شيء لا بأس بالتعرّض له : وهو عبارة عمّا ذكره بعض من أنّه لو لم يكن في المقام رواية كنّا نقول بجواز بيع الوقف في هذه الصورة من ب--اب التزاحم أي تزاحم عدم جواز بيع الوقف مع الاختلاف الواقع بين الموقوف عليهم بحيث لو لم يبع يقع بينهم تشاجر ينجرّ إلى تلف الأموال والنفوس ولمّا كان حفظ الأموال والنفوس من التلف أهمّ في نظر الشارع من عدم جواز بیع الوقف فلابدّ من القول بجواز بيعه .
وفيه : أنّ التزاحم إنّما هو في مقام امتثال الأحكام التكليفية ومنشؤه عجز المكلّف عن الاتيان بكلّ من التكليفين فى مرحلة الامتثال ، وهذا لا دخل له بمقام الجعل ولا بالأحكام الوضعية ، نعم يتصوّر التزاحم بالنسبة إلى نفس الوقف وذلك أنّه لمّا كان التصرف في الوقف غير جائز وحراماً فعلاً فلا مانع من القول بعدم حرمة التصرف عند التزاحم وأمّا صحّة بيع الوقف الذي هو من الأحكام الوضعية فلا دخل لها بباب التزاحم بل هي منوطة بحكم الشارع . وبعبارة أخرى : التزاحم لا يكون بين الأحكام الوضعية لعدم اعتبار القدرة فيها وإنما يكون بين الأحكام التكليفية ، والتزاحم بين الأحكام التكليفية إنّما يوجب رفع المهم ولا يوجب يوجب جعل الشارع حكماً وضعياً كإمضاء البيع .
فتلخّص من جميع ما ذكرناه : أنّه لا يجوز بيع الوقف المؤبّد مطلقاً إلّا في صورتين :
الأُولى : ما إذا خرب وسقط عن قابلية الانتفاع به أو أشرف على ذلك بحيث عدّ خراباً فعلاً ، لانصراف أدلّة المنع عن هذه الصورة . الثانية : ما إذا شرط الواقف
بيعه عند الحاجة كما ورد في بعض أوقاف علي (عليه السلام) وأمّا في غيرهما فمقتضى العمومات المنع عن البيع .
ويقع الكلام في هذا المقام - بعد القول بصحّة الوقف المنقطع كما عليه المشهور - في جواز بيعه وعدمه ، وقد ذكر في المقام شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1)شقوقاً ونعم ما ذكره وحاصله : أنّا إن قلنا ببقاء العين في ملك الواقف وأنّه أوقف منفعتها إلى زيد وعقبه بلا واسطة مثلاً بأن يكون الوقف في الحقيقة هو المنفعة دون نفس العين ، ومرجع ، ومرجع هذا القول إلى إنكار الوقف المنقطع رأساً وأنّه كالحبس ، فلا يجوز بيع العين الموقوفة للموقوف عليهم ، لا لأجل المانع عن البيع بل لعدم المقتضي له ، لأنّ المفروض بقاء العين في ملك الواقف وعدم كون الموقوف عليهم مالكين له فيدخل بيعهم له تحت قوله (عليه السلام) : « لا تبع ما ليس عندك »(2)، وأمّا البيع بالنسبة إلى الواقف فلا مانع منه لوجود المقتضي وعدم صلاحية قوله (عليه السلام) « الوقوف » الخ و « لا يجوز شراء الوقف » الخ لأنّ يكون مانعاً عنه ، لأن الواقف يبيع العين مسلوبة عن المنفعة بمقدار حياة زيد وعقبه بلا واسطة .
نعم هنا مانع آخر من جواز البيع : وهي عبارة عن كون مثل هذا البيع غررياً لجهالة مدّة حياة الموقوف عليهم واستحقاقهم منافع العين ، إلّا أنّه قد وردت رواية في مورد السكنى في هذا المقام تدلّ على صحّة البيع وهي عبارة عن صحيحة حسين ابن نعيم قال « سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل جعل داره سكني لرج--ل
زمان حياته وجعلها له ولعقبه من بعده ، قال (عليه السلام) هي له ولعقبه من بعده كما شرطه . قلت أيبيع إذا احتاج إلى بيعها ؟ قال (عليه السلام) نعم . قلت فينقض البيع السكنى ؟ قال : لا ينقض البيع السكنى سمعت أبي يقول قال أبو جعفر (عليه السلام) لا ينقض البيع الاجارة ولا السكنى ولكن يبيعه على أنّ الذي يشتريه لا يملك ما اشتراه حتّى ينقضي السكنى على ما شرط» الخبر(1)وهذه الرواية تكون مخصّصة لأدلّة الغرر .
وأمّا لو قلنا بخروج العين عن ملك الواقف ما دام وقفاً فحينئذ إن قلنا برجوعها إلى ملك الواقف بعد انقطاع الوقف فصحة البيع وعدمها من الواقف فعلاً منوط بمسألة من باع شيئاً ثمّ ملكه وقد تقدّم الكلام فيها(2).
وأمّا لو قلنا بأنّه بعد انقطاع الموقوف عليهم تكون العين منتقلة إلى وجوه البرّ فلابدّ من صرف منافعها في وجوه البرّ وابقاء العين الموقوفة وهذا عين الوقف المؤبّد كما هو واضح فحينئذ لا يجوز بيعه كما تقدّم الكلام فيه مفصّلاً .
وأمّا لو قلنا بانتقال العين إلى ملك ورثة الموقوف عليهم فلا يجوز بيعه للطبقة الأخيرة فضلاً عن الوسطى والطبقة الأُولى لقوله (عليه السلام) « لا يجوز شراء الوقف ولا تدخل الغلّة في ملكك »(3)بداهة أنّ انتقال العين الموقوفة بعد انقراضهم إلى الورثة وكونها ملكاً طلقاً لهم لا يكون موجباً لجواز بيعه لمن هو ممنوع عن التصرف فيه .
ومن الموارد التي قيل بعدم جواز البيع وغيره من التصرفات فيها العين المرهونة وقد ذهب المشهور إلى عدم جواز بيع العين المرهونة للراهن ، وأمّا الكلام بالنسبة إلى المرتهن فعدم جواز البيع له من جهة عدم المقتضي لا لوجود المانع فهو خارج عن محلّ الكلام ، لأنّ البحث إنّما هو في موارد المنع عن بيع المالك لا في بيع الأجنبي ، نعم لا إشكال في صحّة بيعه فضولة . وقد ادّعي الإجماع في كلام بعض الأعاظم على عدم جواز بيع العين المرهونة للراهن ، واستدلّ أيضاً بالنبوي «الراهن والمرتهن ممنوعان من التصرف»(1).
ولا يخفى أنّه لا إشكال ولا خلاف في جواز التصرفات التي يتوقّف حفظ العين المرهونة عليها مثل إعطاء العلف للدابة المرهونة ونحوه ، كما أنّه لا إشكال في التصرفات التي لا تُعدّ في العرف تصرّفاً مثل اللمس في الأمة المرهونة والتقبيل وكذا لا إشكال في عدم جواز التصرفات التي تكون منافية لحقّ المرتهن ومخالفة لحقيقة الرهن مثل الاستيلاد والوقف أو العتق في الأمة المرهونة ، لأنّ هذه الأُمور تمنع عن استيفاء المرتهن حقّه من العين .
والكلام إنّما هو في التصرفات المتوسطة بينهما مثل البيع والاجارة ونحوهما
1) المستدرك 13 : 426 / كتاب الرهن ب 17 ح 6 .
وكلامنا مع المشهور إنّما هو في هذه الموارد . والحقّ أنّه لا مانع من القول بصحّة إجارة العين المرهونة أقلّ من مدّة الرهن بحيث لا توجب الاجارة نقصان قيمة العين كما إذا آجر الدار المرهونة ستة أشهر وكانت مدّة الرهن سنة واحدة ، بل لا إشكال في صحّة البيع أيضاً لأنّ المانع من صحّة البيع إمّا الإجماع فهو غير تامّ عندنا كما هو الظاهر ، وإمّا النبوي فهو أيضاً كما ترى لضعف سنده وعدم وثوقنا بصدوره ع---ن المعصوم(عليه السلام) مضافاً إلى عدم تمامية دلالته لأنّ الظاهر منه أنّ التصرّفات الممنوعة هي التصرفات المنافية للرهن مثل العتق والاستيلاد ، وغير خفي أنّه لا إشكال في صحّة الرهن فيما إذا كانت العين المرهونة عارية كما إذا استعار الراهن شيئاً وجعله رهناً ، ولا يعتبر في الرهن أن تكون العين المرهونة ملكاً لل-راه-ن ابتداءً وحدوثاً ، فعليه لا مانع من جواز بيعه بهذا النحو بأن يبيع العين مع وصف كونها مرهونة .
وبعبارة واضحة : أنّ العين المرهونة تكون عارية بقاءً فلا مانع من صحّة ذلك كما أنّه لو كانت عارية من الأوّل وحدوثاً لم يكن فيه إشكال ، فحينئذ إن كان المشتري عالماً بالحال فلا خيار له وإلّا يثبت له خيار العيب أو تخلّف الشرط ، لأنّ كون العين متعلّقاً لحقّ الغير عيب فيها ، أو أنّ الارتكاز يقتضي أن لا يكون المالان اللذان وقع العقد عليها متعلّقين لحقّ الغير ، هذا كلّه فيما إذا قلنا إنّ الرهن عبارة عن جعل الراهن العين وثيقة عند المرتهن لاستيفاء حقّه .
وأمّا إذا قلنا إنّ الراهن يسقط ملكه عن العين المرهونة مثل الوقف مدّة معيّنة فعدم الجواز هنا لعدم المقتضي أي الملكية .
ثمّ لو سلّمنا عدم جواز بيع العين المرهونة فهل يصحّ البيع مع الاجازة أو أنّه لا يصحّ أصلاً ؟ ذهب بعض إلى عدم الصحّة مطلقاً وبعض آخر إلى الصحّة مع
الاجازة كما عن شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1).
والحقّ أيضاً ما ذهب إليه شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) لأنّ المانع عن صحّة البيع إمّا الإجماع فهو غير متحقّق ، وإمّا النبوي فهو مضافاً إلى عدم ثبوته عند عندنا أنّ الظاهر من قوله « ممنوعان من التصرف » أن يكون الممنوع تصرف كل واحد منهما مستقلاً وأمّا مع الاجازة من الآخر فلا ، والشاهد على ذلك عطف المرتهن على الراهن وبديهي أنّه لم يستشكل أحد في صحّة بيع المرتهن العين المرهونة من قبل الراهن فضولة مع إجازة الراهن بعده. وقد استدلّ على صحّته كما عن الشيخ (قدّس سرّه) بما ورد من التعليل في ذيل رواية (2)العبد الذي تزوّج لنفسه بلا إذن من سيّده من أنّه لم يعص الله وإنّما عصى سيّده فإذا أجاز جاز ، وهذه العلّة تجري في المقام أيضاً بأن يقال إنّ الراهن لم يعص الله في بيعه العين المرهونة وإنّما عصى المرتهن فإذا أجاز جاز .
وقد استدلّ أيضاً لصحّة البيع مع الاجازة كما عن الشيخ (قدّس سرّه) بفحوى الروايات الواردة في بيع الفضولي حيث قال : هذا كلّه مضافاً إلى فحوى أدلّة صحّة الفضولي وأنّه إذا قلنا بصحّة العقد الفضولي فيما تقدّم مع أنّه كان بلا مقتضٍ ففي المقام الذي يقع العقد من نفس المالك فلابدّ من القول بصحّته بطريق أولى .
وربما يدّعى الأولوية في عكس ذلك أي في ناحية البطلان فيقال إنّه لو قلنا ببطلان الفضولي هناك يكون البيع في المقام باطلاً بطريق أولى ، ولكن في كلتا الأولويتين نظر ولا ملازمة بينهما أصلاً حيث لا مانع من القول بصحّة البيع في المقام لأجل شمول أدلّة صحّة العقد والقول ببطلان الفضولي هناك لأجل قوله (عليه السلام)
« لا بيع إلّا في ملك »(1)لأنّ المفروض وقوع العقد هنا من المالك وفي ملك ، وعدم وقوعه من المالك وفي ملك هناك فلا ملازمة بين الأمرين ، كما أنّه من الممكن أن نقول بصحّة الفضولي هناك لما ذكرناه في موطنه من أنّ صحّة العقد الفضولي على القاعدة من حيث إنّ العقد يكون مشمولاً لأدلّة الوفاء بالعقد وأدلّة البيع بعد الاجازة ، وأن نقول بالبطلان في المقام ببيان أنّ البيع في المقام وإن كان صادراً من المالك إلّا أنّه من حين وقوعه كان باطلاً لأجل كونه متعلّقاً لحقّ الغير ومنهيّاً عنه مثل بطلان العقد على بنت أخ الزوجة وبنت أُختها حتّى مع لحوق إجازة العمّة والخالة ، وصحّة العقد بعد الاجازة في هذه الموارد تحتاج إلى دليل وهو مفقود في المقام ، وهذا الوجه هو الذي ذكره في المقابس(2)(قدّس سرّه) ولكنّه قد عرفت الجواب عنه هناك من أنّه لا مانع من أن يكون العقد مشمولاً لعموم الأدلّة بقاءً بعد ما لم يكن مشمولاً له حدوثاً وتفصيله في موطنه فراجع باب الفضولي(3).
وكيف كان ، إنّ مرادنا نفي الملازمة والأولوية بين القولين لأنّه لا مانع من القول بصحّة الفضولي هناك وببطلان العقد في المقام أو بالعكس . فتحصّل من جميع ما ذكرناه بعد تسليم أنّه لا يصحّ بيع الراهن العين المرهونة استقلالاً ، أنّه لا مانع من صحّته مع إجازة المرتهن ،ولا فرق بينه وبين البيع الفضولي من هذه الجهة ، لأنّ غاية ما يستفاد من أدلّة ممنوعية الراهن والمرتهن عن التصرف أنّهما ممنوعان عن التصرف استقلالاً ، وبديهي أنّ الاجازة والرض--ا م--ن الأُمور التعلّقية التي قابلة لأن تتعلّق بأمر سابق بداهة أنّه يقال بعد إجازة المرتهن ورضاه
بعقد الراهن بعد زمان أنّه عقد مرضي به ، وليست الاجازة والرضا مثل سائر الشروط من البلوغ والعقل وغيرهما من الأُمور التي يعتبر وجودها عند إيجاد العقد وصدوره ، وقد عرفت أيضاً أنّ القول بأنّ العقد الواقع من الراهن لم يكن مشمولاً لأدلّة صحّة البيع عند صدوره وبعدُ لم يقع عقد آخر حتّى يحكم بالصحّة في غير محلّه لما ذكرناه مراراً عند التعرّض لعقد الفضولي من أنّه لا مانع من أن يكون العقد مشمولاً لأدلّة صحّة العقد بقاءً بعد ما لم يكن كذلك حدوثاً وتفصيل الكلام قد تقدّم في موطنه .
ثمّ إنّه قد نقل شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1)عن بعض معاصريه (قدّس سرّه) أنّه قوّى القول ببطلان بيع الراهن حتّى مع إجازة المرتهن ، لأنّ النهي في المعاملات إذا تعلّق بنفس العقد لا الأمر الخارج منه يوجب فسادها ، وحيث إنّ بيع الراهن العين المرهونة كان منهيّاً عنه يقع باطلاً ، كما أنّ بيع غير الراهن العين المرهونة يقع أيضاً باطلاً فيما إذا لم يكن بعنوان النيابة ، وقال إنّه لا فرق بي-ن ب-ي-ع الراهن وبين بيع الوقف وأُمّ الولد في كونه ممنوعاً ومنهيّاً عنه ، ولا يمكن التمسّك لصحّة بيع الراهن بالتعليل المذكور فيما ورد(2)في نكاح العبد من أنّه لم يعص الله وإنّما عصى سيّده ، لأنّ مورد هذا التعليل إنّما هو فيما إذا لم يكن الشخص مالكاً كما أنّ العبد لا يملك أمر نفسه فحينئذ يصحّ أن يقال إنّه لم يعص الله وإنّما عصى سيّده ، وأمّا المالك المحجور عليه فهو عاص الله بتصرّفه ولا يقال إنّه عصى المرتهن لعدم كونه مالكاً .
وقد أجاب عنه شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) بوجوه كلّها متينة وذلك أنّه منع أوّلاً : وجود الفرق بين بيع ملك الغير على وجه الاستقلال وبيعه على وجه النيابة
بداهة أنّ نفس اجراء العقد لو عدّ من التصرفات فلا فرق بينهما وإلّا فلا وج--ه للبطلان .
وثانياً : منع كون مطلق النهي لا لأمر خارج موجباً لفساد المعاملة ما لم يكن إرشادياً ، بداهة أنّه لا ملازمة بين الحرمة التكليفية وفساد المعاملة كما أنّ البيع في وقت النداء حرام مع أنّه لا يقع فاسداً .
وثالثاً : أنّ ما ذكره من مقالة أنّ التصرّف في مال الغير إن كان بنحو الاستقلال حرام والبيع باطل وإن كان بنحو النيابة لا حرمة فيه ويقع صحيحاً يتصوّر في بيع الراهن أيضاً ، لأنّه قد يبيع رجاءً لاجازة المرتهن ولا ينوي الاستقلال وقد يبيع لا كذلك .
ورابعاً : أنّ ما ذكره من منع جريان التعليل في روايات العبد فيما نحن فيه قائلاً بالفرق بينهما في غير محلّه ، لأنّ الظاهر كون النهي في كل منهما لحقّ الغير فإن منع الله (جلّ ذكره) ثابت في كلّ ما كان لحقّ الغير من غير فرق بين بيع الفضولي ونكاح العبد وبيع الراهن .
وخامساً : أن ما ذكره (قدّس سرّه) من قياس بيع الراهن على بيع الوقف وأُمّ الولد في غير محلّه ، لأنّ عدم الجواز في بيع الوقف وأُمّ الولد قد ثبت بالتعبّد ولذا لو رضي جميع الموقوف عليهم والواقف أو رضيت أُمّ الولد والولد لا يصحّ البيع أيضاً بخلافه فيما إذا كان المرتهن راضياً ببيعه بداهة أنّ بيع الراهن في صورة رضا المرتهن صحیح بلا إشكال ولا خلاف ولا يلتزم ببطلان العقد في هذه الصورة نفس هذا المعاصر فافهم .
وربما يشكل في صحّة بيع الراهن حتّى مع إجازة المرتهن بناءً على كون الاجازة كاشفة من جهة أنّه لو قلنا بأنّ الاجازة تكون كاشفة عن صحّة البيع يلزم أن يكون البيع مجتمعاً مع الرهن وهما متنافيان ولا يجتمعان نظير ما تقدّم في مسألة
من باع شيئاً ثمّ ملكه من أنّه على تقدير صحّة البيع يلزم اجتماع مالكين على ملك واحد في زمان واحد .
وجوابه ما ذكره شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1)من أنّ الاجازة كما تكون كاشفة عن صحّة البيع تكون كاشفة عن عدم الرهن أيضاً . وبعبارة أُخرى أنّ الاجازة في بيع الفضولي كما تكون كاشفة عن صحّة وقوع العقد من زمانه وعن لازمه وهي عبارة عن كونها كاشفة أيضاً عن خروج العين عن ملكه م--ن زم--ان العقد ، كذا تكون في المقام كاشفة عن صحّة البيع وعن لازمه الذي هو عدم الرهن نعم لهذا الكلام مجال في صورة فكّ العين عن الرهن بأداء حقّ الرهانة أو بإسقاط المرتهن حقّه وسيجيء الكلام فيه مفصّلاً إن شاء الله تعالى .
ثمّ إنّه يقع الكلام في كون الاجازة كاشفة أو ناقلة في المقام ، وقد ذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) في المقام أنّ الظاهر من بعض الأخبار كون الاجازة كاشفة وإن كان مقتضى القاعدة هو النقل كما تقدّم في بيع الفضولي ، فإذا كانت الاجازة كاشفة هناك ففي المقام بطريق أولى ، لأنّ إجازة المالك هناك كانت أشبه شيء بجزء المقتضي وفي المقام من قبيل رفع المانع ولذا جوّزوا عتق الراهن هنا مع تعقّب الاجازة من المرتهن مع أنّهم قائلون بعدم جريان الفضولي في الايقاعات والاعتذار عنه ببناء العتق على التغليب كما فعله جامع المقاصد(2)منافٍ لتمسّكهم في ذلك بعمومات أدلّة العتق ، هذا ملخّص مرامه (قدّس سرّه) .
والذي ينبغي أن يقال : إنّه لو قلنا إنّ مقتضى القاعدة كون الاجازة ناقلة
فلابدّ في الموارد التي تكون الاجازة كاشفة من إقامة الدليل عليه ، ولمّا كان الدليل (1)وارداً في مورد تزويج الصغيرين اللذين مات أحدهما قبل بلوغ الآخر وحكم الإمام (عليه السلام) بتحليف الآخر بأنّه لو كان الآخر باقياً لكان يختاره حتّى يرثه منه ، وقلنا في بيع الفضولي إنّه لا فرق بين تزويج الصغيرين وبيع الفضولي بالقطع الوجداني ، وأمّا التعدّي من هذه الموارد إلى مثل المقام فلابدّ من إقامة الدليل عليه
وبعبارة واضحة : أنّ الدليل على كاشفية الاجازة إنّما كان في الموارد التي لم يكن المباشر للعقد فيها هو طرف العقد ومن يكون العقد منتسباً إليه بل العقد ينتسب إليه بعد الاجازة ، وأمّا الموارد التي يكون المباشر للعقد هو نفس من ينتسب إلي-ه العقد كما في المقام فلابدّ في التعدّي إلى هذه الموارد من إقامة الدليل وحيث لا دليل في المقام فلابدّ من القول بالنقل على تقدير كونه مقتضى القاعدة ، وأمّا إذا قلنا إنّ مقتضى القاعدة كون الاجازة كاشفة بالكشف الحقيقي بالمعنى الذي ذكرناه في بيع الفضولي تكون الاجازة في المقام أيضاً بنحو الكشف على القاعدة.
ومن هنا يظهر أنّ مقالة الأولوية في المقام في غير محلّها ، لأنّه بناءً على النقل لا يمكن القول بالكشف هنا كما ذكرناه ، وأمّا بناءً على أن مقتضى القاعدة هو الكشف تكون الاجازة كاشفة في المقام بمقتضى القاعدة فلا أولوية . وأمّا عتق العبد المرهون فلا يكون دليلاً للأولوية لما ذكرناه في بيع الفضولي من أنّ المانع من عدم وقوع الفضولي في الإيقاعات كان هو الإجماع والمتيقّن منه ما كان الإيقاع من الأجنبي فلا يعمّ ما إذا كان من المالك وتوقّف على إجازة غيره كما في عتق الراهن فتشمله العمومات .
وأمّا الكلام في تأثير الاجازة بعد الردّ بمعنى أنّه هل يكون الرد موجباً
1) الوسائل 26 : 219 / أبواب ميراث الأزواج ب 11 ح 1 ، 4 .
لسقوط العقد عن التأثير بحيث لو أجاز المرتهن بعد الردّ لا يؤثّر أم لا يكون كذلك فقد ذكر الشيخ (قدّس سرّه)(1)فيه وجهين : من أنّ الردّ في المقام بمنزلة عدم رفع اليد عن حقّه فله إسقاطه بعد ذلك ، ولا يقاس ذلك بالردّ في بيع الفضولي لأنّ المجيز هناك أحد المتعاقدين وقد ذكرنا في محلّه أنّ ردّ أحد المتعاقدين يوجب إبطال إنشاء العاقد الآخر ، بخلافه في المقام بداهة أنّ المرتهن أجنبي عن طرفي العقد بل ليس له إلّا حقّ الرهانة في العين ، ومن أنّ الإيجاب المؤثّر لا يتحقّق إلّا برضا المالك والمرتهن فكما أنّ ردّ المالك يبطل العقد في الفضولي كذا ردّ المرتهن يكون موجباً لسقوط العقد عن التأثير .
ولعمري أنّ الحقّ هو الأوّل ، لا لما ذكره الشيخ (رحمه الله) بل من جهة أنّه لم يكن دليل على عدم تأثير الاجازة بعد الردّ إلّا الإجماع على التفصيل الذي ذكرناه في موطنه وبديهي أنّ القدر المتيقّن منه إنّما هو العقد الذي يكون فيه الرادّ ممّن يكون العقد منتسباً إليه على تقدير الاجازة ومشمولاً ل- أَوْفُوا بِالْعُقُودِ مثلاً ، وأمّا في المقام الذي لم يكن الرادّ هو أحد المتعاملين ومن يكون العقد منتسباً إليه بل يكون له حقّ قد تعلّق بالعين فلم يتحقّق الإجماع فلا مانع من القول بعدم كون ردّ المرتهن موجباً لسقوط العقد عن التأثير على تقدير الاجازة بعده بناءً على اعتبار إجازة المرتهن في صحّة العقد .
بل لعلّه يمكن أن يقال بقيام الدليل على نفوذ الاجازة وصحّة العقد بعد الردّ وهي رواية محمّد بن قيس الواردة في من باع وليدة كما تقدّم في بيع الفضولي وإن كان الاستدلال بتلك الرواية محلّ المنع والمناقشة كما ذكرناه هناك فراجع(2).
ثمّ إنّه قد وقع الكلام في كون فكّ الرهن بل مطلق السقوط الحاصل بالاسقاط أو الابراء أو غيرها من أسباب السقوط بعد البيع بمنزلة الاجازة بحيث يقع عقد الراهن صحيحاً أو أنّه ليس كذلك ، وقد ذهب بعض إلى الفرق بين الاجازة وبين فكّ الرهن بل مطلق السقوط ، وحكم بالصحّة في الاجازة دون غيرها ، لأنّ الاجازة إمضاء وإنفاذ للعقد السابق في زمان ثبوت حقّه . وبعبارة واضحة أنّ الاجازة متعرّضة لإنفاذ عقد الراهن وإمضائه وتصرّف من المرتهن في حال ثبوت حقّه بخلاف الاسقاط أو السقوط ضرورة أنّه ليس متعرّضاً لمعنى العقد وإنفاذه فالعقد باقٍ على حاله ، وحيث كان العقد عند وقوعه من الراهن متعلّقاً لحقّ الغير ولم يعقّب باجازة من له حقّ فهو باقٍ كما وقع، والمفروض عدم وقوع عقد آخر م--ن الراهن فعليه لايكون صحيحاً وهو أشبه شيء بمسألة من باع شيئاً ثمّ ملك .
وقد أجاب عنه الشيخ(1)وتبعه الميرزا (2)(قدّس سرّهما) بأنّ عدم صحّة البيع عند وقوع عقد الراهن ليس لأجل قصور المقتضي في العقد كما هو الحال في من باع شيئاً ثمّ ملك ، بل كان لأجل المانع والمفروض ارتفاع المانع بالاسقاط أو السقوط فالمقتضي بعد ارتفاع المانع يؤثّر أثره .
وفيه : أنّه قد ذكرنا مراراً أنّ مقالة المقتضى والمانع لا تجري في الأحكام الشرعية والأُمور الاعتبارية بل القيود والشرائط فيها ترجع إلى قيود الموضوع فعدم كون المبيع متعلّقاً لحقّ الغير قيد في الموضوع كسائر الشرائط المأخوذة في موضوع البيع ، هذا بناءً على مسلك المشهور من أنّ الراهن والمرتهن ممنوعان من التصرف .
وأمّا بناءً على ما سلكناه من صحّة بيع الراهن بلا حاجة إلى إجازة المرتهن فالأمر واضح . وكيف كان فعلى مسلك المشهور هذا الشرط مثل الشرائط الأُخر مأخوذ في الموضوع فلابدّ من أن يكون ما يقع عليه العقد طلقاً إمّا من حين وقوعه أو بالاجازة المتأخّرة الكاشفة عن وقوعه طلقاً.
ولا يقاس سقوط حقّ الرهانة بعد البيع بالاجازة لأنّ الحكم بصحّة البيع مع الاجازة كان من جهة أنّ غاية ما يستفاد من قوله (صلّى الله عليه وآله وسلم) « الراهن والمرتهن ممنوعان من التصرف »(1)عدم نفوذ تصرفاتهما بالاستقلال ، وبعد الاجازة لا يصدق الاستقلال فلا يعمّه دليل المنع بل تعمّه عمومات صحّة البيع وهذا الوجه غير جارٍ في المقام ، كما أنّه لا يجري في المقام أيضاً التعليل المذكور في ذیل رواية العبد « فإنّه لم يعص الله وإنّما عصى سيّده فإذا أجاز جاز » (2)حيث ذكر (سلام الله عليه) نفوذ العقد بالاجازة المتأخّرة ، والمفروض في المقام عدم الاجازة فعليه لا مانع من شمول إطلاق قوله (صلّى الله عليه وآله وسلم) « الراهن ... » لما نحن فيه بداهة أنّ إسقاط حقّ الرهانة أو سقوطها لا يكون موجباً لخروج العقد الواقع من الراهن في ظرفه عن كونه عقد الراهن فقط من دون رضا المرتهن .
ومن هنا يظهر أنّه لا مجال لما ذكره الشيخ (قدّس سرّه)(3)من أنّ المقام من باب وجوب العمل بالعامّ لا من باب استصحاب حكم الخاص الخ ، وذلك لأنّ قوله (صلّى الله عليه وآله وسلم) « الراهن والمرتهن » الخ باطلاقه يشمل موارد فكّ الرهن والاسقاط ، وقد تقدّم أنّ هذا الكلام مخصّص لأدلّة عموم أَوْفُوا بِالْعُقُودِ وليس
المقام إلّا مثل البيع الغرري إذا زال الغرر بعد البيع وهل توهم فاضل صحّة العقد الواقع غررياً بعد زوال الغرر كلّا ثمّ كلّا ، وإن كان ما ذكره (قدّس سرّه) من ع-دم صحّة التمسّك بالاستصحاب حقّاً خصوصاً على مسلكنا من عدم جريان الاستصحاب في الأحكام التكليفية الإلهية .
ثمّ إنّه لو تنزّلنا وقلنا بصحّة بيع الراهن مع لحوق فكّ الرهن وسقوط حقّ الرهانة فلابدّ من القول بالنقل دون الكشف ، وذلك أنّه لو قلنا إنّ الكشف على خلاف القاعدة والقول به كان لأجل الروايات الدالّة على الكشف فالأمر واضح بداهة عدم وجود رواية في المقام بل الروايات كانت في الاجازة ، وكذا إذا قلنا إنّ الكشف على مقتضى القاعدة لأنّه كان في الاجازة من حيث إنّ الاجازة من الأُمور التعلّقية التي يمكن تعلّقها بالأمر السابق ، والفكّ ومطلق السقوط بالأداء والإبراء ليس من هذا القبيل كما هو واضح ، فلابدّ من القول بالنقل وأنّ عقد الراهن يكون صحيحاً من حين الفكّ والاسقاط والسقوط .
ثمّ إنّه على القول بالكشف هل يكون للراهن فسخ العقد قبل الفكّ ونحوه أم لا ، ذهب شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1)في بيع الفضولي إلى عدم جواز فسخ العقد بالنسبة إلى المشتري الأصيل ، لأنّه (قدّس سرّه) ادّعى شمول أدلّة الوفاء بالعقد له . وفي المقام أيضاً قال (قدّس سرّه) بعدم جواز الفسخ للراهن ولا إيطاله ، ولكنّه قد عرفت فيما تقدّم أنّه لا يمكن المساعدة عليه لما ذكرناه من أنّ العقد قائم بالطرفين ولا يشمله عموم الأدلّة إلّا بعد تماميته ، وتفصيل الكلام في بيع الفضولي فراجع(2).
وعلى فرض تسليم اللزوم وعدم جواز الفسخ هل يجب على الراه--ن فکّ--ه
وتسليمه إلى المشتري أم لا ؟ ذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) في المقام وجهين إلّا أنّ الحقّ عدم الوجوب لأنّ الواجب على الراهن عدم نقض العقد ووج--وب الوفاء به وأمّا دفع حقوق الغير عن العين المبيعة وإحياء مقدّمات تملّك الغ--ير والمشتري مثلاً فلا . وغير خفي أيضاً أنّه لا يمكن أن يكون دليل واحد إرشادياً وتكليفياً معاً وقد ذكرنا مراراً أنّ وجوب الوفاء بالعقد في أدلّة البيع إرشادي محض وإرشاد إلى عدم نفوذ فسخه العقد ومع ذلك كيف يمكن أن يتكفّل وجوب الفكّ الذي هو من الأحكام التكليفية ، وتوهم أنّ الفكّ مقدّمة لتسليم ملك الغير إلى مالكه فيجب لذلك ، يدفعه أنّ المبيع لم يدخل بعدُ في ملك المشتري ليجب تسليمه بل هو بعد مراعى .
وعلى فرض تسليم وجوب الفكّ تكليفاً هل يجبر الحاكم ومن بيده الأم--ر الراهن في صورة امتناعه عن أداء حقّ الرهانة في صورة انحصار ماله في العين المرهونة وعدم انحصاره أم لا، الظاهر إجباره لأنّه ولي الممتنع غاية الأمر يقدّم حقّ المرتهن في صورة انحصار المال في العين المرهونة ويترتّب عليه بطلان العقد من باب السالبة بانتفاء الموضوع .
الشرط الثالث من شروط العوضين
القدرة على التسليم ، وكونها شرطاً في العوضين بحيث لو لم يكن هذا الشرط موجوداً يبطل البيع ، ممّا تسالم عليه الفقهاء من الخاصّة والعامّة في الجملة وسيأتي الكلام في مخالفة الفاضل القطيفي في ذلك ، نعم قد استثنى الخاصّة عن ذلك بيع العبد الآبق مع الضميمة وقالوا بصحته .
ثمّ إنّ المراد من القدرة على التسليم المعتبرة في صحّة البيع ليس ق-درة خصوص البائع على تسليم المبيع ، بل المراد نتيجة ذلك أي إمكان وصول المبيع في
يد المشتري حين البيع ولذا نحكم بصحّة البيع فيما إذا كان المشتري قادراً على التسلّم ولو لم يكن البائع قادراً على التسليم كما إذا كان المال في يد غاصب وكان المشتري قادراً على أخذه من يده ، ولكن يثبت للمشتري الخيار إذا كان جاهلاً بالحال لتخلّف الشرط الضمني ، إذ ليس عليه التسلّم بل يجب على البائع التسليم وللمشتري أخذ الأُجرة على تسلّم المبيع وتحصيله . وأيضاً نقول بصحّة البيع مع الخيار فيما إذا طرأ عليهما العجز بعد ما كانا قادرين على التسلّم والتسليم لوج--ود الشرط حين البيع إلّا أنّه إذا كان بمنزلة التلف يدخل تحت قاعدة «كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه » فينفسخ البيع بعد ما وقع صحيحاً .
وكيف كان ، قد استند الفقهاء لكون هذا شرطاً في العوضين ع-لى م-ا ه-و المشهور بين الفريقين من نهي النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) عن بيع الغرر(1)ويقع الكلام في هذا النبوي تارة من حيث السند وأُخرى من حيث الدلالة .
أمّا الأوّل فهو مبني على ما ذهب إليه المشهور من انجبار الخبر الضعيف بعمل المشهور ، ولكنّه لا يتمّ صغرىً وكبرىً .
ولو سلّمنا هذه المقالة منهم فالرواية بحسب الدلالة عقيمة ، وذلك أنّ الغرر في اصطلاح الفقهاء وأهل اللغة على معنيين أحدهما الخديعة والثاني الخطر ، والغرر في الأول متعدٍ ويقال غرّه أي خدعه وفي الثاني لازم .
ويؤيّد الأول ما عن النهاية(2)وما عن الشهيد (قدّس سرّه)(3)من تفسير الغرر بما يكون محبوب الظاهر ومجهول الباطن أو مكروه الباطن . وأيضاً يؤيّده ما
ذكره بعض أهل اللغة(1).
وكيف كان ، أنّه مع هذين المعنيين لا يمكن الاستدلال به ، بداهة أنّه بناءً على أن يكون معنى الغرر الخديعة فنهي النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) عن بيع الغرر يك--ون حكماً تكليفياً محضاً لا وضعياً وإرشاداً إلى بطلان البيع ولذا نقول بالخيار في التدليس وارتكاب المدلّس للحرام دون بطلان العقد ، لأنّ من حقّ المؤمن على أخيه المؤمن أن لا يخدعه ولا يدلّسه ، نعم لو ثبت المعنى الثاني فدلالته تامّة ولكن إثباته على عهدة قائله ، لأنّه مع هذا المعنى أي المعنى الأول في كلمات الفقهاء وأهل اللغة كيف يمكن إثبات المعنى الثاني ، وأمّا القول بأنّه يستكشف من استدلال الفقهاء بالنبوي المذكور واستناد الخاصّة والعامّة إليه في اشتراط هذا في العوضين أنّه أُريد منه المعنى الثاني فهو كما ترى ، لعدم كون استدلالهم موجباً لانعقاد الظهور في المعنى الثاني .
ولو فرضنا وسلّمنا أنّ الرواية دالّة على بطلان البيع الغرري فالحقّ ما ذهب إليه شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(2)من بطلان البيع سواء تعلّق الجهل بأصل وجود المبيع أو بحصوله في يد المشتري وبصفاته من حيث الكيفية أو الكمّية ، وأمّا تخصيص الشهيد (قدّس سرّه) (3)الغرر بموارد الجهل بالحصول و تخصیص بعضهم(4)بموارد الجهل بصفات المبيع مثلاً من حيث الكمية والكيفية ونقضه على الشهيد (رحمه الله) بأنّه لو كان الجهل بالحصول غررياً وموجباً لبطلان البيع يلزم أن يكون بيع الغائب باطلاً
وهذا مقطوع الفساد ، فلا يمكن المساعدة عليه ، وذلك لأنّ احتمال الخطر موجود في جميع ما ذكره الشيخ (قدّس سرّه) كما هو واضح .
وأمّا عدم صحّة نقض ذلك البعض فلأنّ بيع الغائب على قسمين : قسم محتمل الخطر كما إذا لم يوثق بحصوله فيكون داخلاً فيما نحن فيه ونحكم ببطلان مثل هذا البيع ، وقسم لا يحتمل فيه الخطر أصلاً كما إذا كان موثوق الحصول فيقع صحيحاً . وأيضاً ما ذكره الشهيد (قدّس سرّه) من أنّ الغرر شرعاً هو جهل الحصول ، في غاية الخفاء بداهة عدم ثبوت حقيقة شرعية للغرر بل هو على المعنيين اللذين ذكرهما أهل اللغة والفقهاء كما لا يخفى . ثمّ إنّه هل تكون موارد العلم بالخطر أيضاً مثل موارد الجهل واحتمال الخطر أم لا ؟ يمكن أن يقال بالثاني وأنّه لا يبطل البيع لأنّه قد أُخذ في مفهوم الغ--ر الجهل و موارد العلم بالخطر خارجة عن مورد النبوي ، ولكن الحقّ بطلان البيع في صورة العلم بطريق أولى بفهم العرف ، بداهة عدم الموضوعية للجهل بالخطر حتّى يقال بالمقالة المذكورة بل المناط في البطلان هو الخطر وإنّما حكموا ببطلان البيع في صورة احتمال الخطر لأجل أن لا يقع المتبايعان في الخطر .
وأمّا الاستدلال على بطلان هذا البيع بلزوم السفاهة أو بأنّه أكل المال بالباطل ففي غير محلّه ، لما ذكرناه مراراً من عدم الدليل على بطلان البيع السفهي والدليل إنّما هو على بطلان بيع السفيه ، وأيضاً لا ربط لمقالة أكل المال بالباطل بالمقام لما ذكرناه مراراً من أنّ الظاهر من الآية الشريفة حرمة أكل المال لسبب باطل مثل القمار ونحوه ، فتكون ناظرة إلى الأسباب وأجنبية عن شرائط العوضين .
وقد استدلّ الميرزا (قدّس سرّه)(1)على كون القدرة على التسليم شرطاً في
1) منية الطالب 2 : 339 - 340 .
العوضين وبطلان البيع عند عدمها : بأنّ العقلاء لا يرون المالية في المال الذي لا يمكن التسليم والتسلّم فيه ولا يكون مالكه قادراً ومتمكّناً على قلبه وانقلابه بأي نحو من أنحاء التصرّف كالطير في الهواء والسمكة في الماء والبحر . وهذا الوجه لا بأس فيه في الجملة بناءً على اعتبار المالية في المبيع، وإنّما الكلام في اعتبار مالية المبيع في صحّة البيع وقد ذكرنا في المباحث السابقة أنّه لا يعتبر في البيع أن يكون المبيع مالاً ، مضافاً إلى أنّه كيف تكون مالية المال معدومة عند عدم القدرة على التسليم والتسلّم ما لم يعدّ في العرف تالفاً ، وما ذكره الميرزا (قدّس سرّه) لا بأس فيه في مثل الطير في الهواء والسمكة في الماء ممّا يعدّ تالفاً عند العرف ، وأمّا في مثل الدار المغصوبة ونحوها فلا يعدّ تعالفاً بل يعدّ مالاً عند العقلاء(1).
وقد استدلّ شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(2)أيضاً على المقام بالنبوي المستفيض من قوله (صلّى الله عليه وآله وسلم) « لا تبع ما ليس عندك »(3)بناءً على عدم إرادة الحضور من قوله (صلّى الله عليه وآله وسلم) عندك الجواز بيع الغائب والسلف إجماعاً . ولا يخفى أنّ قوله (قدّس سرّه) والسلف لعلّه سهو من القلم ، لأنّ بيع السلف بيع الكلّي وبيع ما لا يملكه فهو صحيح وخارج عن محلّ الكلام بأي معنى فسّرنا قوله (صلّى الله عليه وآله وسلم) « لا تبع » الخ ، وأيضاً ليس المراد من كلمة عندك مجرّد الملك وإلّا ك-ان المناسب أن يقول (صلّى الله عليه وآله وسلم) ما ليس لك ، وأيضاً ليس معناه مجرّد السلطنة عليه والقدرة على تسليمه لمنافاته مع تمسّك العلماء طرا بالنبوي المذكور على عدم جواز بيع العين الشخصية المملوكة للغير ولو كان المبيع تحت قدرته وكان قادراً على
تسليمه خصوصاً إذا كان وكيلاً عن مالكه في بيعه ولو من نفسه ، مضافاً إلى ما ذكره العلامة (قدّس سرّه) في التذكرة كما نقل عنه الشيخ (قدّس سرّه) في باب الفضولي(1)من أنّ مورد الرواية بيع ما لا يملك ثمّ شراؤه من صاحبه والردّ إلى المشتري ، فالحقّ في معناه أن يقال إنّ المراد منه السلطنة التامّة الفعلية المتوقّفة على الملك والقدرة على التسليم.
ثمّ قال : ودعوى أنّ المراد به الاشارة إلى ما هو المتعارف في تلك الأزمنة من بيع الشيء غير المملوك ثمّ تحصيله بشرائه ودفعه إلى المشتري فمدفوع بعدم الشاهد على اختصاصه بهذا المورد ، ثمّ استدرك وقال إنّه يمكن أن يقال إنّ غاية ما يدلّ عليه هذا النبوي بل النبوي المتقدّم فساد البيع بمعنى عدم كونه علّة تامّة فلا مانع من وقوعه مراعى بانتفاء صفة الغرر وتبدّل عدم القدرة بالقدرة ، ولو سلّمنا أنّ الظاهر من النبويين فساد العقد رأساً يعني كونه لغواً بالمرّة فلابدّ إمّا من ارتكاب خلاف الظاهر وإمّا من إخراج بيع الراهن العين المرهونة لما ذكرناه من صحّة عقده بعد إجازة المرتهن مع أنّه كان غير قادر على تسليمها ، وكذا بيع العبد الجاني عمداً والمحجور عليه لسفه بعد إجازة وليّه أو رقّ بعد إجازة سيّده أو فلس بعد ارتفاع حجره .
وللمناقشة فيا ذكره (قدّس سرّه) مجال واسع ، أمّا ما ذكره (قدّس سرّه) أوّلاً في معنى النبوي من قوله فيتعيّن أن يكون كناية عن السلطنة التامّة الفعليّة الخ فغير سديد ، وذلك لأنّ هذا التعبير أي « عندك » تعبير متعارف في زماننا هذا أيضاً كما يقال : عندي من الأملاك كذا ومن النقدين كذا ، ويراد منه كون هذه الأشياء ملكاً له ، ويُعبّر عند عدم كونه مالكاً لشيء ما عندي شيء . وبعبارة واضحة أنّه ت--ارة
1) المكاسب 3 : 367 .
نلاحظ في كلمة عندك معناه الابتدائي وفي بدو النظر فعليه يكون معناه عدم كونه حاضراً عنده كما يقال ما عندي ساعة في جواب من يسأل عن مقدار الساعة من النهار مع كونه مالكاً لساعات وهي غائبة عنه ، وأُخرى نلاحظ معناه غير الابتدائي فهو عبارة عمّا ذكرناه من أنّ هذا التعبير إنّما يكون في موارد عدم كونه مالكاً كما يقال ليس عندي شيء يعني لست بمالك وليس الشيء مملوكاً لي ، فعليه يكون المراد من النبوي النهي عن بيع ما ليس ملكاً للبائع .
وأمّا ما ذكره (قدّس سرّه) بقوله : وأمّا الإيراد عليه بدعوى أنّ المراد به الاشارة إلى ما هو المتعارف في تلك الأزمنة الخ ، فمناف لما ذكره هو (قدّس سرّه) في بيع الفضولي ونقله عن العلّامة (قدّس سرّه) في التذكرة من أنّ مورد الرواية بيع الشيء غير المملوك ثمّ تحصيله من صاحبه ودفعه إلى المشتري .
وأمّا ما ذكره (قدّس سرّه) من عدم الرجحان لهذه التخصيصات وعدم المانع من الالتزام بوقوع البيع مراعى في كلّ مورد يعجز عن تسليمه الخ فلا يمكن المساعدة عليه ، وذلك .
أوّلاً : أنّ الالتزام بهذه التخصيصات لا محذور فيه لعدم الاستهجان بخروج ثلاثة موارد من تحت الرواية .
وثانياً : أنّه لو دار الأمر بين ارتكاب خلاف الظاهر والالتزام بهذه التخصيصات فالثاني أولى ، بداهة أنّ الظهور حجّة ولا يرفع اليد عنه إلّا بالمقدار المتيقن منه ولذا لم يتوهّم أحد في دلالة قولنا أكرم العلماء على الوجوب بعد ورود التخصيصات عليه بقولنا ولا تكرم زيداً ولا عمراً ولا بكراً ولم يحمله على الاستحباب مع الاعتذار عن هذا الحمل بأنّه لو لم يحمل على الاستحباب يلزم التخصيصات .
وثالثاً : أنّ ما ذكره من الموارد إنّما يكون تخصيصاً بالنسبة إلى قوله (صلّى الله
عليه وآله) « لا تبع » الخ دون قوله (صلّى الله علیه و آله وسلم) « نهى النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) عن بيع الغرر » لعدم تحقّق الغرر في تلك الموارد المذكورة ، بداهة أنّ المرتهن والولي إمّا أن يجيزا العقد أو لا ، فعند الاجازة يكون المبيع للمشتري وعند عدم الاجازة يبقى الثمن في ملكه فلا يتحقّق الخطر كما هو الظاهر ، ولذا لم يتمسّك أحد لبطلان الفضولي بقوله (صلّى الله عليه وآله وسلم)« نهى النبي(صلّى الله عليه وآله وسلم) عن بيع الغرر » .
ورابعاً : أنّ خروج هذه الموارد من باب التخصّص دون التخصيص ، وذلك لأنّ عقد المحجور لرقّ وصغر ونحوهما ليس إلّا مثل العقد الفضولي في ع-دم ك--ونه مشمولاً لعمومات أدلّة البيع إلّا بعد اجازة الولي ، والمنتسب إليه العقد إنّما هو الولي وبديهي أنّ الولي قادر على تسليمه عند كونه مشمولاً لأدلّة البيع ، والمناط هو عقد الولي مثل المالك في الفضولي ، فكما أنّ العقد بالنسبة إلى الفضولي ملغى كذا بالنسبة إلى المحجور . وأمّا مسألة العبد الجاني فخروجه بالتخصّص من الواضحات بداهة أنّ مالکه يبيع العبد بهذه الصفة أي كونه في معرض الاسترقاق والقتل ويسلّمه إلى المشتري ، فالعقد من الأول صحيح ومشمول لعمومات أدلّة الامضاء . وأمّا مسألة بيع الراهن فخروجه بالتخصيص موقوف على دلالة قوله(صلّى الله عليه وآله وسلم)« لاتبع» على عدم القدرة الشرعية أيضاً ، وأمّا إذا قلنا إنّه لا يدلّ إلّا على اشتراط قدرة التسليم خارجاً فهو أيضاً خارج بالتخصّص ، لأنّ الراهن قادر على تسليمه خارجاً مع قطع النظر عن عدم القدرة شرعاً .
ومن الأُمور التي استدلّ بها على اشتراط قدرة التسليم في العوضين دعوى الملازمة بين صحّة العقد ووجوب التسليم وبالقياس الاستثنائي يثبت عدم صحّة العقد عند عدم القدرة على تسليمه حيث إنّه يقال لو صحّ العقد لوجب التسليم لكن التسليم لا يجب في صورة العجز عنه فالعقد لا يصحّ .
وقد أجاب عنه شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1)بأنّه إن أُريد منه الوجوب المطلق فالملازمة ممنوعة لأنّه لا مانع من أن يكون العقد صحيحاً ولا يكون التسليم واجباً لعذر ، وإن أُريد منه مطلق الوجوب ولو بنحو الوجوب المشروط بالتمكّن فنسلّم الملازمة فنقول إنّه يجب التسليم عند القدرة عليه ، وفي تعبير الشيخ (قدّس سرّه) بالوجوب المطلق مسامحة ظاهرة ، بداهة عدم تعقّل الوجوب المطلق في نفسه لكون التكليف مشروطاً بالقدرة من دون أن يشكّ فيه أحد لاستحالة التكليف بما لا يطاق، فلا معنى لجعل الوجوب المطلق طرف الاحتمال ، وكان له (قدّس سرّه) أن يعبّر بهذا التعبير بأن يقول إن أُريد منه الوجوب الفعلي منعنا الملازمة الخ .
ثمّ ذكر (قدّس سرّه) أنّه قد يعترض بأصالة عدم تقيّد الوجوب ثمّ يدفع بمعارضته بأصالة عدم تقيّد البيع بهذا الشرط ، ثمّ قال وفي الاعتراض والمعارضة نظر واضح ، ولكنّه كان الأولى أن لا يذكر الاعتراض ولا المعارضة لأنّه لا يرجع إلى محصّل ، لأنّ مقتضى الأصل في ناحية الوجوب عند الشكّ في تقيّده التقييد بداهة أنّه لو كان في المقام إطلاق نتمسّك به ولا تصل النوبة إلى الأصل ، وإلّا فالمرجع هو أصل البراءة عن التكليف لرجوعه إلى الشكّ في التكليف الزائد عند فقد القيد ، مع أنّه لا شكّ لنا في كون التكليف مشروطاً بالقدرة لما هو الواضح عند الكلِّ من استحالة التكليف بما لا يطاق، وكذا لا محصّل لمقالة المعارضة أيضاً بداهة أنّه عند عدم وجود الاطلاق في باب المعاملات فالأصل هو الفساد كما ذكرناه في موطنه دون الصحّة وهو نتيجة التقييد .
ومن الأُمور المستدلّ بها في المقام أنّ الغرض من البيع انتفاع كلّ من المتبايعين بما يصير إليه ولا يتمّ هذا إلّا بالتسليم .
1) المكاسب 4 : 185
وقد أجاب عنه الشيخ (قدّس سرّه) بوجهين ونعم ما أجاب : أحدهما منع توقّف مطلق الانتفاع على التسليم الجواز عتق العبد الآبق في الكفّارة . وثانيهما : أنّ الغرض منه الانتفاع بعد التسليم وهو حاصل . ويضاف إلى ما ذكره (قدّس سرّه) أنّ تخلف الغرض لا يكون موجباً لعدم صحة العقد كما هو الواضح.
وممّا استدلّ به أيضاً في المقام : أنّ بذل الثمن على غير المقدور سفهي فيصير ممنوعاً . وقد أجاب عنه شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) بأنّ بذل المال القليل في مقابل المال الكثير المحتمل حصوله لا يكون سفهياً بل ربما يعدّ تركه اعتذاراً بعدم العلم بحصول العوض سفهياً . ويضاف إلى ما ذكره (قدّس سرّه) ما ذكرناه مراراً وحقّقناه مفصّلاً من أنّه لا دليل على بطلان البيع السفهائي وإنّما الدليل على بطلان بيع السفيه فافهم وتأمّل جيّداً ، وقد ذكرنا في أوّل البحث أنّ الميرزا (قدّس سرّه)(1)قد استدلّ على اعتبار القدرة على التسليم والتسلّم في صحّة العقد بوجه آخر وحاصله : أنّ المبيع الذي لا يكون البائع قادراً على تسليمه ولا المشتري ع--ل-ى تسلّمه لا يعدّ في العرف مالاً ويسقط عن المالية ، ثمّ أورد على نفسه أنّ لازم ذلك أن يقال بانفساخ البيع في صورة طروّ عدم القدرة على التسليم والتسلّم لأنّه يكون من قبيل التلف قبل القبض فيدخل تحت قاعدة « كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه » مع أنّ الفقهاء لا يلتزمون بذلك بل يقولون بالخيار لتعذّر التسليم ، ثمّ أجاب عنه بأنّ تلك القاعدة تختصّ بالتلف الحقيقي ولا تعمّ التلف الحكمي وذكر أنّه فرق بين المقام وبين هذا المورد بداهة أنّه لو لم يكن التسليم ولا التسلّم من الأوّل مقدوراً فهذا المال لا يعدّ في العرف مالاً ، بخلافه ما لو طرأ عليه العجز أو كان المنتقل إليه قادراً على تسلّمه دون المنتقل عنه فالمالية موجودة ويتدارك نقصها بالخيار .
1) تقدّم في الصفحة 322
وبعبارة أُخرى : أنّا لا نقول بالتلف بل نقول بعدم المالية عند عدم القدرة على التسليم والتسلّم ، فهذا المناط أي مناط المالية موجود في الصورة الثانية أي في صورة طروّ عدم القدرة .
ولكن الذي ينبغي أن يقال في المقام : إنّه لا ملازمة بين عدم القدرة على التسليم والتسلّم وبين خروج الشيء عن المالية وعدم إمكان الانتفاع به ، لأنّ الشيء قد لا يمكن فيه التسلّم من المشتري ولا التسليم من البائع ومع ذلك يمكن الانتفاع منه بالعتق ونحوه ويعتبره العقلاء مالاً من الأوّل كالعبد الآبق والجارية الآبقة ، بداهة أنّه وإن لم يتمكّن البائع ولا المشتري عن تسليمه وتسلّمه إلّا أنّه يمكن الانتفاع به في العتق ، ولا إشكال في كونه مالاً عند العرف أيضاً ، وليس مثل العبد الآبق إلّا مثل العبد المريض الذي يحتمل فيه الصحّة والموت من حيث كونه معيباً فيباع بهذا الوصف .
وأُخرى يكون الشيء من الأُمور التي لا يمكن الانتفاع بها إلّا مع التسليم والتسلّم ولا يقدر البائع ولا المشتري على تسليمه وتسلّمه ولا شخص آخر م--ن الناس ، فإن لم يحتمل رجوعه أيضاً كما إذا شرد الغزال الوحشي أو طار الطير الوحشي بعد اصطيادهما فإذن لا يصحّ بيعه لكونه في نظر العرف بمنزلة التلف ولا يرون فيه المالية ولا الملكية ، فلو لم تعتبر المالية في المبيع يكون بيعه باطلاً أيضاً لأنّ مثل هذا المال يعدّ في العرف تالفاً خارجاً عن الملك ، وأمّا إن كان مرجوّ الحصول والرجوع اطمئناناً أو علماً فحينئذ لا مانع من بيعه ولا إشكال في صحّته لكونه مالاً وماليته محفوظة عند العرف ، وإن كان ممّا يحتمل الرجوع والقدرة على تسليمه وتسلّمه ويحتمل عدم ذلك فحينئذ لا يمكن الحكم بصحّة بيعه ، ولا يمكن التمسّك بعمومات أدلّة البيع لأنّه من الشبهة المصداقية . نعم لو وقع العقد وحصلت القدرة بعده فنحكم بصحّته بداهة أنّ الاطمئنان والعلم لم يكن لهما موضوعية في صحّة العقد
بل كانا طريقاً محضاً ، وفي المقام أيضاً إذا حصلت القدرة نستكشف كونه مالاً وماليته محفوظة حين العقد أيضاً .
وثالثة يكون الشيء ممّا لا يقدر البائع والمشتري فقط على تسليمه وتسلّمه ولكنّه كان الثالث قادراً عليه كما إذا كانت الدار مغصوبة وقد غصبها مقتدر ولكنّه يقدر على أخذها منه شخص آخر دون البائع والمشتري ، فحينئذ أيضاً لا مانع من جواز البيع وصحّته لأنّه مال في نظر العرف بلا إشكال .
فتحصّل من جميع ما ذكرناه : عدم صحّة البيع في الصورة الأُولى من القسم الثاني ولو لم نعتبر المالية في المبيع أيضاً كما لا نعتبره ، وفي هذه الصورة إذا طرأ العجز بعد البيع نحكم بانفساخ المعاملة لصدق التلف عرفاً فتشمله قاعدة «كلّ مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه » وأمّا في باقي الصور فالبيع محكوم بالصحّة ، هذا كلّه بحسب القاعدة .
ولكنّه قد وردت في بيع العبد الآبق والجارية الآبقة روايات على عدم صحّة البيع عند عدم القدرة على تسليمه وتسلّمه بلا ضميمة ، ويستفاد من العلّة المذكورة في ذيل بعض تلك الروايات اشتراط القدرة على التسليم أو التسلّم ولو في بعض المبيع وهي عبارة عن قوله (عليه السلام) في ذيل موثّقة سماعة « فإن لم يقدر على العبد كان الذي نقده فيما اشترى معه »(1)الخبر، ولا يخفى أنّ مفاد هذا الكلام جواز بيع غير المقدور على تسليمه وتسلّمه مع الضميمة في غير العبد الآبق كالدابة الشاردة إذا ضمّ إليها شيء آخر ،مقدور ، ولكنّه لم يلتزم به المشهور في غير العبد الآبق .
ثمّ إنّه قد ذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(2)أنّ الظاهر من كلمات
الأصحاب (رضوان الله عليهم) كون القدرة شرطاً ، وقد صرّح بذلك في الغنية(1)بعد ما حكم بعدم صحّة بيع ما لا يمكن التسليم فيه قال فينتفي المشروط بانتفاء شرطه ، ومع ذلك قد استظهر في الجواهر(2)من هذه العبارة كون عدم القدرة مانعاً لا شرطاً واستشهد على ما ذهب إليه بمسألة بيع الضالّ والضالّة حيث حكم بعض منهم العلّامة (قدّس سرّه )(3)بصحّة بيعه ، لأنّ الأصل عدم المانع عند العقد ، ثمّ قال (قدّس سرّه) وتظهر الثمرة بينهما في موارد الشكّ بداهة أنّه لو قلنا بكون القدرة شرطاً فلابدّ من إحرازها عند العقد ، وإن قلنا بكونها مانعاً فيصحّ التمسّك بأصالة عدم المانع .
وقد أورد على هذا الشيخ (قدّس سرّه) أولاً : بأنّ القول بالمانعية يخالف ظواهر كلمات الأصحاب .
وثانياً : أنّه لا معنى لأن يكون عدم القدرة والعجز مانعاً ، لأنّ عدم القدرة والعجز أمر عدمي فلا يصلح لأن يكون مانعاً ، لأنّ المانع أمر وجودي فما معنى قولنا إنّ صحّة العقد يعتبر فيه عدم عدم القدرة أو عدم العجز ، فلا وجه للدوران بين الشرطية والمانعية في المقام ، نعم فرض الشرطية أو المانعية يصحّ في مثل العدالة أو الفسق بأن يقال إنّ العدالة شرط في إمام الجماعة أو الفسق مانع وأيضاً لهذا النزاع وجه في اللباس المشكوك لو شكّ في لباس هل هو مأخوذ م--ن المأكول أو من غيره بأن يقال : إنّ المأكولية شرط أو لبس غير المأكول مانع وملخّصه : أنّ هذا النزاع إنّما هو في موارد أمرين وجوديين لا فيما إذا كان أح--د الشيئين وجودياً والآخر عدمياً .
وثالثاً : أنّه لا ثمرة بينهما أصلاً ، بداهة أنّه لو كان الشخص مسبوقاً بالحالة
السابقة من القدرة وعدمها يكون المورد من موارد جريان الاستصحاب سواء قلنا بأنّ القدرة شرط أو أنّ العجز وعدم القدرة مانع ، وأمّا مسألة الضالّ والضالّة فلا ربط لهما بالمقام فإنّ اختلاف الأصحاب فيهما من جهة اختلافهم في تحقّق الغ--رر وعدمه كما سيأتي الكلام فيها إن شاء الله تعالى .
وفيما ذكره الشيخ (قدّس سرّه) ما لا يخفى ، أمّا ما ذكره من مقالة تسالم الفقهاء على كون القدرة شرطاً ، ففيه : أنّه مضافاً إلى عدم كون كلامهم حجّة أنّهم لا يذكرون هذه الكلمات إلّا من باب التعبير من دون ملاحظة المعاني المصطلحة للشرط والمانع أصلاً وإنّما يريدون بهما مجرد دخل الشيء في الحكم بل يعبّرون بمثل هذه الكلمات في موارد عديدة من غير تحقيق وتفكّر في أطرافها ، فلابدّ من النظر إلى دليل المسألة ، والمستفاد من النبوي الذي نهى النبي فيه عن بيع الغرر على فرض تماميته كون العجز مانعاً ، فإنّ النهي فيه إرشاد إلى المانعية وقد أُخرج البيع الغرري عن تحت عمومات الباب بالتخصيص .
وأمّا ما ذكره في جوابه الثاني فهو متين فيما إذا كان التقابل بين الشيئين تقابل الايجاب والسلب لا في مثل الموارد التي يكون التقابل بالعدم والملكة ، بداهة أنّه لا مانع من أن يكون المانع في هذه الموارد أمراً عدمياً ، وضروري أنّه لا نعني بالمانع في هذه الموارد إلّا أن يكون عدمه مأخوذاً في الموضوع ، والمقام أيضاً كذلك حيث إنّه يعتبر في صحّة البيع أن لا يكون غررياً وغير مقدور على تسليم المبيع فيه ، وليس المقام إلّا مثل قولنا إنّ العمى مانع عن صحّة الجماعة ويعتبر أن لا يكون الإمام أعمى ، ومن هنا يظهر أنّ ما قد يتراءى من كلام بعض من عدم إمكان تأثير المعدوم في الموجود ليس كما ينبغي ، لأنّ مرادنا بالمانع ليس هو معناه المصطلح بل المراد منه كما ذكرنا ما يكون عدمه مأخوذاً في موضوع الحكم .
وأمّا جوابه الثالث فهو تام لكن لا لما ذكره من الرجوع إلى الاستصحاب
على كلا الفرضين لأنّا نفرض الكلام فيما إذا كان الشخص جاهلاً بالحالة السابقة أو مسبوقاً بحالتين وشكّ في التقدّم والتأخّر ، بل الوجه في إنكار الثمرة أنّه كما لابدّ من إحراز الشرط لابدّ من إحراز عدم المانع أيضاً ، فلا ثمرة بين القولين إلّا على القول بقاعدة المقتضي والمانع بأن يقال إنّ العقد مقتضي الصحّة وعدم القدرة مانع فالأصل عدمه، ولكنّه قد ذكرنا في موطنه أنّه لا أصل لهذه القاعدة ، بل يمكن أن يقال إنّه لا شكّ لنا أصلاً بناءً على ما ذكره شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) في معنى الغ--رر م-ن احتمال الخطر ، بداهة أنّا في موارد الشكّ نحتمل الخطر فالمانع محرز فلا يصحّ العقد .
وبالجملة : أنّ الثمرة المذكورة بين القولين مردودة لأنّه كما يعتبر إحراز الشرط يعتبر إحراز عدم المانع أيضاً . وبعبارة أُخرى أنّ المناط في القدرة والعجز ليس وجودهما الواقعي بل وجودهما الاحرازي ، فلابدّ من إحرازهما سواء قلنا بكون القدرة شرطاً أو العجز وعدم القدرة مانعاً ، فعليه إذا كان عدم القدرة مسبوقاً بالحالة السابقة نستصحب ونحرز عدمها ونحكم ببطلان العقد ، ولكن هذا مبني على ما ذهب إليه الشيخ (قدّس سرّه) وقوّاه الميرزا (قدّس سرّه) واخترناه من أنّه لا يعتبر في جريان الاستصحاب أن يكون المستصحب حكماً شرعياً أو موضوعاً لحكم شرعي ، بل المعتبر في جريانه عدم اللغوية من جريانه ، خلافاً لصاحب الكفاية حيث اعتبر في جريانه أن يكون حكماً شرعياً أو موضوعاً لحكم شرعي ، بداهة أنّه بناءً على ما ذهب إليه لا يجري الاستصحاب المذكور لعدم كون القدرة وعدمها الواقعي حكماً ولا موضوعاً لحكم شرعي ، لعدم ترتّب الأثر على وجودها الواقعي بل على وجودها الاحرازي .
وتفصيل الكلام في المقام : أنّ الشكّ في القدرة على التسليم وع--دمه-ا ت-ارة يكون من جهة الشبهة الحكمية المفهومية وأُخرى من جهة الشبهة الموضوعية ، فإن كان بالوجه الأوّل كما إذا لم نعلم أنّ المراد من القدرة على التسليم القدرة العقلية بأن
لا يكون التسليم متعدّراً أو أنّ المراد منها العرفية بأن لا يكون متعسّراً ، فحينئذ لا فرق بين القول بشرطية القدرة أو أنّ عدم القدرة أو العجز مانع م-ن ك--ون العقد صحيحاً من جهة التمسّك بعمومات أدلّة صحّة البيع ، لما حقّق في موطنه من أنّه لا يرفع اليد عن عموم العام وإطلاق المطلق إذا كان دليل المخصّص أو المقيّد مجملاً إلّا بالمقدار المتيقّن .
وإن كانت الشبهة موضوعية بأن يشكّ في وجود القدرة وعدمها ، فحينئذ إن قلنا إنّ الدليل على اعتبار القدرة هو نهي النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) عن بيع الغرر فظاهره مانعية احتمال الخطر - بناء على كون المراد من الغرر احتمال الخطر - لا شرطية القدرة ولا مانعية العجز . فحينئذ أيضاً لا فرق بينهما في بطلان العقد وذلك لوجود هذا الاحتمال وجداناً وخروج المورد من موارد الشبهة رأساً . وتوهّم أنّه لو كانت القدرة مسبوقة بالحالة السابقة نستصحب ونثبت القدرة فعلاً فيحكم بصحّة العقد في غاية السقوط ، لأنّ الموجب لبطلان العقد وعدم صحّته هو احتمال الخطر فهو موجود وجداناً ، وليست القدرة موضوعاً للحكم بل الموضوع هو عدم احتمال الخطر كما هو المستفاد من النبوي (صلّى الله عليه وآله وسلم) وبديهي أنّ استصحاب القدرة لا يثبت عدم احتمال الخطر إلّا على القول بالأصل المثبت وهو كما ترى ، نعم لو قامت البيّنة على القدرة فعلاً تثبت لوازمها تعبّداً .
وأمّا إذا كان دليل الاعتبار قوله (صلّى الله عليه وآله وسلم) « لا تبع ما ليس عندك »(1)وفسّرنا « ما ليس عندك »بعدم السلطنة والقدرة لا عدم الملك ، فحينئذ إن كانت القدرة مسبوقة بالحالة السابقة نستصحب فنحكم بصحّة البيع ، وكذا نستصحب عدم القدرة أو العجز ونحكم ببطلان العقد إذا كان عدم القدرة أو العجز
1) الوسائل 18 : 47 / أبواب أحكام العقود ب 7 ح 2 (مع اختلاف بسير) .
مسبوقاً بالحالة السابقة بلا فرق بين شرطية القدرة أو مانعية العجز ، وأمّا إذا كان كلّ منهما مسبوقاً بالحالة السابقة ولكنّه قد اشتبه المتقدّم والمتأخر فيتعارض الاستصحابان ويرجع إلى الأصل الآخر الموجود في المقام وهو عبارة عن أصالة الفساد في المعاملة وعدم انتقال الثمن من ملك مالكه إلى البائع وأصالة عدم انتقال المثمن من ملك صاحبه إلى المشتري .
وأمّا إن لم يكن لهما حالة سابقة أصلاً فقد ذكرنا في موطنه أنّه يترتّب الأثر في موارد دوران الأمر بين شرطية أحد الضدّين ومانعية الضدّ الآخر كالعدالة والفسق إذا شككنا في كون العدالة شرطاً أو الفسق مانعاً ولم يكن لواح-د م-نه-ما ح-الة سابقة ، فحينئذ لو قلنا بكون العدالة شرطاً في الجماعة نستصحب عدمها باستصحاب العدم الأزلي فيترتّب عليه عدم جواز الصلاة خلفه ، وإن قلنا بكون الفسق مانعاً فنستصحب عدمه ويترتّب عليه جواز الصلاة خلفه أو قبول شهادته مثلاً ، إلّا أنّه لا ثمرة بينهما في مثل المقام الذي يكون التقابل بينهما تقابل العدم والملكة ، وذلك لجريان استصحاب عدم القدرة الأزلي على كل تقدير ويترتّب عليه بطلان العقد سواء قلنا بكون القدرة شرطاً أو العجز وعدم القدرة مانعاً ، نعم لو قلنا إنّ العجز أمر بسيط وجودي منتزع من عدم القدرة تكون الثمرة موجودة ، لأنه بناء على كون ذلك الأمر البسيط مانعاً فنستصحب عدمه باستصحاب العدم الأزلي فنثبت عدم العجز فيصحّ العقد ، كما لا يبعد أن يكون العمى من هذا القبيل أي أمراً بسيطاً لا من قبيل العدم والملكة ، فالعمى ليس عدم البصر في مورد من شأنه البصر بل العمى عنوان بسيط منتزع من عدم البصر ، إلّا أنّ الأمر في المقام ليس كذلك ، لعدم كون هذا العنوان أي عنوان العجز مأخوذاً في لسان دليل بل المأخوذ في الأدلّة عنوان عدمي وهو عبارة عن قوله (صلّى الله عليه وآله وسلم) « ما ليس عندك » بناءً على أن يكون هو المدرك في المقام ، فالمانع أمر عدمي والاستصحاب الأزلي يقتضي تحقّقه ويحكم بفساد
العقد ، فلا فرق بين المسلكين من حيث نتيجة الأصل العملي على جميع التقادير.
ثمّ إنّ هذا الشرط أي القدرة على التسليم إنّما يعتبر بالنسبة إلى من ينتسب إليه العقد ويصير العقد عقداً له ولا اعتبار لقدرة الأجنبي وعدم قدرته ، كما أنّ نهي النبي(صلّى الله عليه وآله وسلم) عن بيع الغرر موقوف على تحقّق موضوعه خارجاً بأن يكون الغرر فعلياً لا شأنياً .
وأيضاً إنّ قوله (عليه السلام) « لا تبع ما ليس عندك » بناءً على كون المراد منه عدم جواز بيع ما لا سلطنة عليه في تسليمه خطاب لمن يكون مأموراً بالتسليم ، لأنّ اعتبار القدرة من جهة كونها مقدّمة على التسليم والتسلّم ، وأمّا فيما لم يكن البائع مثلاً مأموراً بالتسليم فلا يكون مشمولاً لهذا الخطاب ، فإذن يترتّب عليه صحّة البيع فيما لا يكون المبيع عند مالكه ، بل المال موجود في يد المشتري كما إذا كان المبيع عند المشتري ولكن البائع لم يكن متمكّناً من أخذه منه فله أن يبيعه لنفس المشتري لا لغيره ، فحينئذ لا مانع ولا إشكال في صحّة البيع وإن لم يكن البائع قادراً على التسليم ، لأنّ المفروض حصول المال عند المشتري ، وقد ذكرنا أنّ اعتبار القدرة كانت مقدّمة لذلك ، وليس في المقام غرر أيضاً كما هو واضح .
ويترتّب عليه أيضاً صحّة بيع العبد الذي لا يكون البائع قادراً على تسليمه لمن ينعتق عليه ، لأنّ الغرر مفقود في المقام لعدم احتمال الخطر ، كما أنّ قوله (صلّى الله عليه وآله وسلم) « لا تبع » لا يكون شاملاً لهذا المورد ، لأنّ التسليم مع قطع النظر عن الغرر لم يكن لازماً في هذا المورد ولم يكن البائع مأموراً بالتسليم ولا المشتري قابلاً للتسلّم لفرض انعتاق العبد بمجرد تحقّق البيع .
ومن هنا ظهر فساد ما قد يتوهّم من أنّ انعتاق العبد فرع صحّة العقد وصحّته أيضاً منوط بقدرة البائع على التسليم والمفروض انتفاء الثاني فيصير المقدّم مثله .
وجه الفساد : أنّه قد ذكرنا أنّ اشتراط القدرة لا موضوعية لها ، بل هي مقدّمة
للتسليم فيما يكون البائع مأموراً بالتسليم ، والمفروض في المقام أنّه مع قطع النظر عن قوله (صلّى الله عليه وآله وسلم)« لا تبع » الخ لم يكن التسليم واجباً على البائع ، لأنّ العبد بمجرّد العقد ينعتق وكان العقد الكذائي مع قطع النظر عن قوله (صلّى الله عليه وآله وسلم)« لا تبع » مشمولاً لعمومات صحّة العقود ، كما لا يلزم الغرر هنا لعدم احتمال الخطر بملاحظة حكم الشارع بالانعتاق ، نعم لولا هذا الحكم لكان البيع غررياً إلّا أنّه غرر شأني لا يدور الحكم مداره ، وكيف كان إنّ هذا التوهّم فاسد بالمرّة .
وقد ظهر من مطاوي ما ذكرناه أنّ المعتبر في هذا الشرط إنّما هو مرحلة زمان استحقاق التسليم والتسلّم ، فإذن لو كان العقد من العقود التي لا يعتبر فيه التسليم إلّا بعد مدّة كما إذا اشترط البائع أن يكون تسليم المبيع بعد شهر يصحّ العقد فيما إذا لم يكن البائع قادراً على تسليمه إلّا عند حلول وقت التسليم ، وقد رتّب شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1)على هذا أي على أنّ المناط في اشتراط القدرة على التسليم إنّما هو زمان استحقاق التسليم والتسلّم صحّة بيع الفضولي من الطرفين لأنّه لا يستحقّ التسليم إلّا بعد إجازة المالك فلا يعتبر القدرة على التسليم قبل الاجازة ، ثمّ استشكل في صحّته بناءً على كون الاجازة كاشفة وكان العقد فضولياً من طرف واحد من حيث لزومه على الأصيل ، فيحصل الغرر من جهة أنّه قد انتقل إليه شيء لا يقدر على تحصيله .
ولكنّه لا يخفى ما فيه أصلاً وإشكالاً . أمّا أصلاً فلما ذكرناه من أنّ اعتبار هذا الشرط إنّما هو بالنسبة إلى من يكون العقد عقداً له ومنسوباً إليه ، وغير خفي أنّ العقد ليس عقداً للبائع الفضولي ، وهو خارج عن دائرة هذا الشرط لكونه أجنبياً عن العقد كما هو واضح . وبعبارة واضحة أنّ من له العقد وينتسب إليه العقد قادر
1) المكاسب 4 : 188
على تسليمه في ظرفه وعند الانتساب ، هو عبارة عن وقت الاجازة ، وأمّا البائع فهو أجنبي عن العقد وعن ساحة هذا الشرط .
وأمّا عدم ورود الإشكال فظاهر ، أمّا عدم لزوم الغرر فمن جهة أنّ العقد إن كان صحيحاً باجازة المالك يصير المثمن ملكاً للمشتري والمفروض قدرة المالك أيضاً على تسليمه حين الاجازة ، وقد ذكرنا أنّ هذا شرط في مرحلة الاستحقاق ولیست هذه المرحلة إلّا عند اجازة المالك ، لأنّ وقت الانتساب هو هذا الحين والمالك مأمور بالتسليم من وقت الاجازة لا قبلها كما ذكرنا آنفاً ، وإن لم يجز المالك فماله يبقى في ملكه فأين احتمال الخطر .
وأمّا عدم شمول قوله (صلّى الله عليه وآله وسلم) « لا تبع ما ليس عندك » للمقام فيظهر ممّا ذكرناه مراراً من أنّ هذا خطاب لمن يكون مأموراً بالتسليم ويكون العقد منسوباً إليه وضروري أنّ المالك مأمور بالتسليم بعد الاجازة والعقد منسوب إليه وعقد له بعد الاجازة ، وذكرنا أيضاً أنّ البائع الفضولي أجنبي وخارج عن ساحة هذه الأُمور كما لا يخفى .
وأيضاً يترتّب على ما ذكرنا صحّة بيع الراهن قبل اجازة المرتهن ولا يلزم غرر لأنّه لو أجاز المرتهن تكون العين المرهونة للمشتري وإلّا يبقى ماله في ملكه فلا غرر في بيعه ولا يكون مشمولاً لقوله (صلّى الله عليه وآله وسلم) « لا تبع ما ليس عندك » إذا قلنا إنّ المناط في القدرة وعدمها هي القدرة الخارجية ، والمفروض قدرته على التسليم خارجاً غاية الأمر قد منع الشارع عنه قبل إجازة المرتهن لأجل تعلّق حقّه به ، نعم لو قلنا إنّ العجز الشرعي مثل العقلي والمفروض أنّ الراهن في المقام غير قادر على التسليم شرعاً يكون المقام مشمولاً لقوله (صلّى الله عليه وآله وسلم) « لا تبع » ولكنّه قد ذكرنا آنفاً أنّه نلتزم في هذا المقام بالتخصيص لأجل ما استفدناه من القاعدة الكلّية من الروايات الواردة في عقد العبد من التعليل المذكور فيها من قوله
(علیه السلام) « فإنّه لم يعص الله وإنّما عصى سيّده فإذا أجاز جاز »(1).
ثمّ إنّه يقع الكلام في العقود التي يكون القبض من مقوّماتها مثل بيع الصرف والسلم ونفس عقد الرهانة ، وقد وقع الكلام في أنّه لو تعذّر التسليم في هذه العقود يكون العقد باطلاً أو لا ، واختار الشيخ (قدّس سرّه)(2)عدم اشتراط القدرة على التسليم في هذه الموارد وعدم كون التعدّر مانعاً عن صحّة العقد ، لأنّ تعذّر التسليم مانع عن صحّة العقد الذي يكون التسليم من أحكامه لا من شروط تأثيره ومقوّماته ، بداهة كون التسليم والقبض في هذه الموارد جزء ناقل ، والاعتبار بالقدرة إنّما هو بعد تمامية العقد ، والمفروض أنّ العقد قبل التسليم في هذه الموارد لم يتم ، وليس المقام إلّا مثل موارد عجز الموجب قبل القبول فكما أنّ عجزه قبل القبول لا يمنع عن صحّة العقد إذا كان قادراً بعد القبول ، فالمقام أيضاً كذلك يعني لا يمنع عجز المالك عن التسليم لعدم تمامية العقد قبل التسليم ، والمفروض أنّ المبيع بعد تحقّق الجزء الأخير من الناقل وهو في هذه الموارد عبارة عن القبض حاصل في يد المشتري ، فالقبض ليس إلّا مثل الاجازة بناءً على النقل ، وأولى منها بناءً على الكشف لأنّه لا يحتمل أن يكون القبض كاشفاً بل هو ناقل من حينه ، هذا حاصل مرامه (قدّس سرّه) ورفع في الخلد مقامه .
ثمّ أورد عليه الميرزا (قدّس سرّه) (3)بما حاصله : أنّه فرق بين الاجازة في الفضولي وبين القبض في هذه الأُمور ولا يقاس هذا بذاك ، لأنّ العقد في ب-اب الفضولي لا ارتباط له بالفضولي لكونه أجنبياً عنه ولا اعتبار بقدرته وعدم قدرته
كما أنّه ليس العقد عقداً للمالك لعدم كونه مستنداً إليه قبل الاجازة وإنّما يستند إليه بعد الاجازة ، والعقد إنّما يتمّ ويصير عقداً للمالك بعد الاجازة ، فإذن لا يعتبر قدرة المالك على التسليم إلّا بعد الاجازة والمفروض وجودها ، بخلافه في هذه الأُمور بداهة أنّ القبض في هذه الأُمور وإن كان شرطاً إلّا أنّه ليس جزءاً للسبب الناقل بل هو شرط للملكية ، لأنّ الالزام والالتزام العقدي قد تحقّق بمجرد العقد ولذا اختار المشهور وجوب التقابض ، فعليه يكون العقد فاسداً عند التعذّر وعدم القدرة على التسليم ، هذا ملخّص مرامه (قدّس سرّه) .
وفيه : أنّ ما ذكره (قدّس سرّه) من عدم تمامية العقد إلّا بعد الاجازة في عقد الفضولي وتماميته في المقام قبل القبض وكون القبض شرطاً للملكية ، وإن كان متيناً إلّا أنّ ما ذهب إليه من اعتبار القدرة على التسليم وفساد العقد عند عدم القدرة عليه فاسد ، كما أنّ ما نقله عن المشهور من وجوب التقابض في هذه الأُمور لا أصل له ، وذلك لأنّ الدليل على اعتبار القدرة لو كان نهي النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) عن بيع الغرر فهو مفقود في المقام ، لأنّ الأمر دائر بين الصحّة وفساد العقد ، لأنّه لو حصل القبض فقد صحّ العقد وإلّا يقع فاسداً ويبقى مال كلّ مالك في ملكه فأين الغرر ، كما أنّه لو كان قوله (صلّى الله عليه وآله وسلم) « لا تبع » الخ لا يتمّ في المقام لما ذكرناه مراراً من أنّ اعتبار القدرة من باب المقدّمة على التسليم فلا تكون معتبرة إلّا إذا كان البائع مأموراً بالتسليم والمفروض عدم كونه كذلك قبل القبض .
وأمّا حكم المشهور بوجوب التقابض فكلام لا أصل له ، بداهة أنّ وجوبه لو كان من باب لزوم دفع الملك إلى صاحبه وعدم جواز التصرف في ملكه فغير صحيح ، لأنّ الملك إنّما يحصل بعد صحّة العقد . وبعبارة واضحة حصول الملك فرع صحّة العقد والمفروض عدم صحّته قبل القبض . وإن كان الدليل عليه قوله تعالى :
أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (1)فبديهي أنّ موضوع هذا العموم هو العقد الصحيح الخارجي ولم يتحقّق هذا الموضوع قبل القبض ، مضافاً إلى ما ذكرناه من عدم دلالة هذه الآية الشريفة ومثلها من عمومات أدلّة البيع على الحكم التكليفي بل هي إرشاد إلى لزوم العقد وعدم كونه منفسخاً بفسخ المتبايعين كما حقّقناه في مورده فراجع . والعجب كلّ العجب من الميرزا (قدّس سرّه) حيث استدلّ على وجوب التقابض بما في قوله (عليه السلام) « فإن نزى حائطاً فانز معه »(2)الوارد في من تفرّق بدون رضا صاحبه ، بداهة أنّ الإمام (عليه السلام) في مقام بيان أنّه لو تفرّق أح---د المتبايعين في بيع الصرف مثلاً يكون العقد باطلاً وأنّ العقد إنّما يصحّ لو لم يتفرّق وهل يتوهّم أن يكون مراده (عليه السلام) أنّه يجب على أحد المتعاملين أن يمشي مع الآخر ، كلّا ثمّ كلّا . وكيف كان إنّ اعتبار القدرة على فرض تسليم كونها معتبرة إنّما هي في الموارد التي تكون القدرة على التسليم من أحكامه لا من مقوّماته وم--ن شروط الملكية هذا .
وقد ذكر الشيخ (قدّس سرّه )(3)أنّه لم يخالف في اعتبار هذا الشرط إلّا الفاضل القطيفي المعاصر للمحقّق الثاني حيث ذهب إلى عدم كون القدرة على التسليم شرطاً في أصل صحّة البيع ، ولا يخفى أنّه قد أجاد القطيفي فيما أفاده من عدم كون القدرة شرطاً في صحّة البيع كما ذكرناه في أوّل البحث، إلّا أنّه قد أخطأ في خصوص العبد الآبق حيث قال : إنّ قوله أي المحقّق (قدّس سرّه) في النافع « لو باع الآبق منفرداً لم يصحّ » إنّما هو مع عدم رضا المشتري أو مع عدم علمه الخ ، بداهة ورود الرواية في
خصوص العبد الآبق بعدم جواز بيعه منفرداً بل لابدّ في صحّة بيعه من الضميمة وقد ألحقنا غيره به خلافاً للمشهور .
الأوّل : أنّه لا إشكال في صحّة البيع فيما إذا لم يكن البائع قادراً على التسليم ولكنّه كان المشتري قادراً على التسلّم ، لعدم الغرر كما هو الظاهر وع--دم ك--ونه مشمولاً لقوله (صلّى الله عليه و آله وسلم) « لا تبع ما ليس عندك »(1)لما ذكرناه من أنّ اعتبار القدرة على التسليم ليس إلّا من جهة حصول الشيء عند المشتري والمفروض تحقّقه عنده .
الثاني : إذا لم يكن كلّ من البائع والمشتري قادراً على التسلّم والتسليم ولكنّه علما بحصول النتيجة كما إذا باع أحد طيراً وقد طار ولكنّه كان من الطيور التي تعتاد العود ، فالظاهر صحّته كما عليه الشيخ وجماعة (قدّس سرّهم) والإشكال بأنّه لا قدرة على التسليم وأنّ عود الطائر غير مؤثّر فيه إذ ليس له عقل باعث في غير محلّه لأنّ المانع عن صحّته إمّا لزوم الغرر المفروض انتفاؤه لأنّ المفروض علمنا بالعود وليس المورد أيضاً مشمولاً لقوله (صلّى الله عليه وآله وسلم) « لا تبع ما ليس عندك » لما ذكرناه من عدم الموضوعية للقدرة وإنّما اعتبرناها من باب المقدّمة على التسليم والتسلّم ولأجل حصول الشيء عند المشتري والمفروض أنّه سيحصل كما هو مورد الكلام .
الثالث : إذا لم يكن البائع ولا المشتري قادراً على التسليم والتسلّم مدّة لا يتسامح فيها عرفاً كسنة أو شهر أو شهرين ففي هذا المقام تكون المدّة تارة مضبوطة وأُخرى غير مقدّرة بقدر بل كانت مجهولة ، ففي الصورة الأُولى يكون المشتري تارة
1) تقدّم مصدره في الصفحة 333 .
عالماً بذلك وأُخرى يكون جاهلاً به ، وقد حكم الشيخ (قدّس سرّه)(1)بصحّة العقد في صورة العلم بلا خيار وفي صورة الجهل مع الخيار لأجل فوات منفعة الملك عليه مدّة .
ولا يخفى أنّ ما ذكره (قدّس سرّه) من صحّة العقد بلا خيار في صورة العلم متين لكون المقام بمنزلة اشتراط التأخير في التسليم ، يعني مرجع هذه الصورة إلى تلك الصورة أي صورة اشتراط تأخير التسليم ، إلّا أنّ ما ذكره في صورة جهل المشتري بالحال من صحّة البيع مع الخيار لا وجه له ، بل البيع باطل لكونه غررياً ، بداهة أنّ الغرر ليس إلّا عبارة عن احتمال الخطر وهو موجود ، وأيضاً يكون هذا المورد مشمولاً لقوله (صلّى الله عليه وآله وسلم) « لا تبع » الخ بداهة أنّ البائع ليس له سلطنة حين العقد عليه كما هو واضح ، وأمّا فيما إذا لم تكن المدّة مضبوطة كالعبد المنفذ إلى الهند لأجل حاجة لا يعلم زمان قضائها فالظاهر بطلانه ، لوجود الغرر وصدق قوله (صلّى الله عليه وآله وسلم) « لا تبع ما ليس عندك » كما هو غير خفي . ومثل ذلك في عدم جواز البيع الدار التي تكون مسلوبة المنفعة مدّة لا يعلم أمدها .
ثمّ إنّ المعتبر في القدرة هي القدرة المعلومة للمتبايعين لا القدرة الواقعية فقط وقال الشيخ (قدّس سرّه) أنّه لو باع ما يعتقد التمكّن منه فتبيّن عجزه في زمان البيع وتجدّدها بعد ذلك صحّ ، ولو لم تتجدّد بطل ، ولا يخفى أنّه لم نفهم ما يريده الشيخ (قدّس سرّه) وذلك لأنّ الصور في هذا المقام أربعة :
الصورة الأُولى : ما إذا كان البائع في الواقع قادراً على التسليم وك-ان المتبايعان أيضاً عالمين بذلك ، ففي هذه الصورة لا إشكال في صحّته ولا خلاف . الصورة الثانية : ما إذا لم يكن البائع قادراً على التسليم وكان المتبايعان
1) المكاسب 4 : 192.
أيضاً عالمين بذلك ، فحينئذ أيضاً لا إشكال ولا خلاف في بطلانه سواء قلنا إنّ الدليل على اعتبار القدرة نهي النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) عن بيع الغرر أو قوله (صلّى الله عليه وآله وسلم) « لا تبع ما ليس عندك » كما لا يخفى .
الصورة الثالثة : ما إذا كان البائع في الواقع قادراً ولكن المتبايعين لم يكونا عالمين بذلك ، فحينئذ إن قلنا بأنّ الدليل على اعتبار القدرة قوله (صلّى الله عليه وآله وسلم) « لا تبع » الخ فلا مانع من القول بصحة البيع لكون البائع قادراً ومسلّطاً عليه في الواقع وإن لم يكن عالماً بذلك ، وإن قلنا إنّ الدليل عليه نهي النبي (صلّى الله عليه وآله) عن بيع الغرر فالحقّ بطلان العقد لوجود احتمال الخطر الذي هو عبارة عن الغ--رر أنّ وبديهي وجود القدرة في الواقع مع عدم علمهما به لا يكون موجباً لرفع احتمال الخطر الذي هو حالة نفسانية كما لا يخفى .
الصورة الرابعة : ما إذا لم يكن المبيع في الواقع مقدور التسليم ولكن كان المتبايعان معتقدين أنّه مقدور ، فحينئذ إن قلنا بأنّ الدليل على اعتبار ذلك هو قوله (صلّى الله عليه وآله وسلم) « لا تبع » فلابدّ من الحكم ببطلان العقد لعدم كون البائع مسلّطاً عليه وقادراً على تسليمه واقعاً فيكون مشمولاً لقوله (صلّى الله عليه وآله وسلم) « لا تبع ما ليس عندك » حال البيع ، وبديهي أنّ تجدّد القدرة بعد ذلك لا يخرج البيع عمّا وقع عليه من كونه من بيع ما ليس عندك ، فما ذكره شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) من التفصيل بين تجدّد القدرة بعد البيع وعدمه لا وجه له .
وأمّا إذا قلنا بكون الدليل عليه نهي النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) عن بيع الغرر فالحقّ صحّة البيع إن قلنا إنّ قوام الغرر بالجهل . وبعبارة أُخرى أن يكون احتمال الخطر له موضوعية في ذلك لعدم صدق الغرر حينئذ لأنّ المفروض اعتقاد المتبايعين بالقدرة ، وأمّا إذا قلنا إنّه لا موضوعية للجهل واحتمال الخطر بل هو طريق محض إلى الهلاك الواقعي كما ذكرناه قبلاً فيما إذا علما بعدم القدرة ، فالظاهر بطلان البيع لأنّ
المفروض عدم قدرة البائع على التسليم كما لا يخفى ، هذا كلّه فيما إذا كان البيع من المالك .
وأمّا إذا كان من الغير كما إذا كان البائع وكيلاً عن المالك فحينئذ يكون الغير تارة وكيلاً في إجراء الصيغة فقط بأن يكون بمنزلة الآلة وأُخرى يكون وكيلاً مفوّضاً ، فإن كان بالوجه الأوّل فالمناط في القدرة وعدمها هو الموكّل لعدم ك--ون قدرة الوكيل دخيلاً في صحّة المعاملة وعدمها ، بداهة أنّ المفروض أنّه أجنبي عنه .
وأمّا إذا كان بالوجه الثاني بأن يكون وكيلاً مفوّضاً ، فحينئذ إن كان الوكيل قادراً على التسليم يكفي في صحّة العقد سواء كان الموكّل أيضاً قادراً أو لم يكن قادراً ، وسواء كان المشتري عالماً بعدم قدرة الموكّل أو جاهلاً بداهة انتفاء الغ--ر لأنّ المفروض قدرة الوكيل على التسليم وعدم كونه مشمولاً لقوله (صلّى الله عليه وآله وسلم) « لا تبع » الخ ، لأنّ المفروض كون المال تحت يده من حيث إنّه وكيل مفوّض وأمّا إذا لم يكن الوكيل قادراً عليه ولكنّه كان الموكّل قادراً على التسليم فلابدّ في صحّة العقد علم المشتري بقدرة المالك حتّى يرتفع احتمال الخطر وإلّا يكون العقد باطلاً لأجل كونه غررياً .
وبعبارة واضحة : أنّه يعتبر علم المشتري بقدرة المالك في صورة عدم قدرة الوكيل المفوّض ولا يعتبر علمه بقدرة المالك عند قدرة الوكيل المفوّض على التسليم . وربما يقال في صورة عدم قدرة الوكيل إنّه يعتبر في صحّة البيع في هذه الصورة مضافاً إلى علم المشتري بقدرة المالك أن يكون المالك راضياً ب-رج-وع المشترى عليه وكذا المشترى راضياً برجوعه عليه ، وعلى هذا بنى فساد العقد الفضولي لعدم كون الفضولي قادراً على التسليم قبل الاجازة ، وقدرة المالك إنّما يؤثّر لو بني العقد عليها وكان المالك راضياً به حال العقد والمفروض عدم رضاه حال العقد .
ثمّ أورد على نفسه بأنّه لا يقال بأنّا نفرض الكلام فيما إذا حصل للفضولي اطمئنان ووثوق بإرضاء المالك ويطمئن أنّ المالك لايخرج عن رأيه وكلامه ، فعليه يكون الفضولي حال العقد قادراً على التسليم ، ثمّ أجاب عنه بوجهين : أحدهما : أنّ هذا الفرض خارج عن بيع الفضولي لمصاحبة الإذن للبيع وكونه مقارناً معه فيخرج عن الفضولية . وثانيهما : أنّ المدعى أعمّ من هذه الصورة ، بداهة أنّ القائلين بصحّة الفضولي لا يقصرون الحكم على هذا الفرض ، هذا ملخّص كلامه .
وذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه )(1)أنّ ما ذكره من المبنى وما فرّع عليه من بطلان الفضولي والاعتراض الذي ذكره بعده ثمّ أجاب عنه كلّها محلّ نظر وتأمّل .
أقول : أمّا عدم صحّة أصل المبنى فبداهة أنّه لم يعتبر في صحّة العقد إلّا القدرة على التسليم والتسلّم وأمّا رضا المشتري بالرجوع على المالك عند عدم قدرة الوكيل وكذا رضا المالك برجوع المشتري عليه فلا دليل عليه ، بل ليس للمشتري إلّا التسلّم من أي شخص كان ، ويكون نظره إلى مرحلة مبادلة ماله بمال آخر وتسلّم المبيع والمفروض تحقّقه ، وأمّا اعتبار رضاه بأن يكون التسليم من نفس المالك فهو كما ترى ، وأمّا اعتبار رضا المالك فهو موجود بعين الوكالة بداهة أنّ يد الوكيل يده وبيعه بيعه ، وعلى أي حال يكون المال مطلوباً من الموكّل ومحسوباً منه فرضاه موجود بمحض الوكالة . وأمّا عدم صحّة تفريع بطلان الفضولي عليه على فرض تسليم المبنى فمن جهة ما ذكرناه مراراً أنّ المعتبر في باب الفضولي إنّما هو قدرة المالكين عند تمامية العقد وانتساب العقد إليهما والمفروض أنّ العقد يكون منسوباً إلى المالك عند إجازته ، والمفروض قدرته على التسليم أيضاً في مرحلة الاجازة
1) المكاسب 4 : 194
والعقد الكذائي إنّما يكون مشمولاً لعموم أدلّة الوفاء بالعقد من حين الاجازة ، وأمّا الفضولي فهو أجنبي بالمرّة عن العقد كما لا يخفى ، وهذا بخلاف المقام بداهة أنّ العقد من زمان وقوعه وحدوثه ومن الأول مشمول لأدلّة وجوب الوفاء بالعقد فكيف يقاس المقام بباب الفضولي .
وأمّا عدم صحّة الاعتراض على نفسه ، فلأنّ قدرة الفضولي على التسليم غير مؤثّرة لكونه أجنبياً كما عرفت ، وأمّا عدم صحّة جوابه الأول عن الاعتراض فلوجهين : أحدهما أنّه قد ذكرنا مراراً أنّ مقارنة العقد بالرضا لا يكون موجباً لخروج البيع عن الفضولية ما لم يكن في المقام إذن سابق أو إجازة مقارنة مع العقد .
وثانيهما : أنّه على فرض تسليم ذلك أيضاً فالمقام ليس من هذا القبيل لأنّ المفروض أنّ الفضولي يطمئن بارضائه فيما بعد لا حين العقد ، وليس رضا المالك مقارناً مع العقد بل هو متأخّر عنه .
ولا يخفى أنّه لو سلّمنا جميع ما ذكره هذا القائل فلابدّ من تسليم م--ا ذك--ره أخيراً بقوله إنّ القائلين بصحّة الفضولي لا يقصرون الحكم على هذا الفرض ، ولم يظهر لنا وجه التأمّل في هذا لشيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) ومن المحتمل أن يكون مراده (قدّس سرّه) من قوله : وفيما ذكره من مبنى مسألة الفضولي إلى آخر كلامه رفع في الجنّة مقامه التأمّل والمناقشة في المجموع من حيث المجموع لا كلّ واحد واح---د بالخصوص حتّى الجواب الأخير أيضاً فافهم وتأمّل جيّداً .
ذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1)أنّ المشهور بين علمائنا عدم جواز بيع
1) المكاسب 4 : 195
الآبق إلّا مع الضميمة ، وقد علّل ذلك في الرواية(1)بأنّ الضميمة تقع في مقابل ما نقده في صورة عدم رجوع الآبق ، وعلّل عدم جواز بيع الآبق بأنّه مع اليأس عن الظفر بمنزلة التالف ، ومع احتماله بيع غرر منفي إجماعاً نصّاً وفتوى ، ثمّ بعد ذلك تعرّض (قدّس سرّه) لجعل الآبق ثمناً إلى آخر ما أفاده في المقام ، وتوضيح ما ذكره (قدّس سرّه) في هذه المسألة يظهر في ضمن مسائل .
الأُولى : أنّه صرّح في ضمن كلماته في المقام بأنّ المنفي في حديث الغرر هو ما كان غرراً في نفسه عرفاً مع قطع النظر عن الأحكام الشرعية الثابتة للبيع ، وعليه فلا يفيد اشتراط الخيار في مثل بيع الآبق أو اشتراط ضمان البائع إلى أيّام معيّنة ، لأنّ بيع الآبق محكوم بالغرر عرفاً ، وتمكّن المشتري من فسخ العقد بالخيار أو باشتراط الضمان حكم شرعي ثبت عليه ولا اعتبار به في الحكم بالبطلان بالحديث ، هذا .
ولا يخفى أنّ نهيه (صلّى الله عليه وآله وسلم) عن بيع الغرر من قبيل القضايا الحقيقية وإنّما يتوجّه مع تحقّق موضوعه وهو الغرر ، وتطبيق الغرر على مصاديقه أمر غير راجع إلى العرف ، لأنّه إنّما يتّبع نظره في خصوص مفاهيم الألفاظ دون ب--اب التطبيقات ، لأنّها ثابتة على واقعها وتحقّق مواردها ومصاديقها ، ومن المعلوم أنّ المشتري إذا اشترط الخيار على البائع أو اشترط ضمانه عليه إن لم يوجد إلى عشرة أيّام مثلاً لما توجّه عليه غرر أبداً ، لأنّ المفروض أنّه على خيار وله أن يفسخ المعاملة إذا كانت ضررية عليه فلا يشمله نهيه (صلّى الله عليه وآله) عن بيع الغرر لأنّه أمر خارج عن موضوعه ، ولا يفرق في ذلك بين أن يصدق عليه الغرر عرفاً أو لا يطلق عليه ذلك لعدم الاعتبار بنظره في التطبيقات، وعليه فلا مانع من صحّة البيع
1) تقدّمت في الصفحة 329 .
عند اشتراط الخيار أو الضمان كما حكي ذلك عن الاسكا في(1)فتكون المنافع الفائتة في المدّة المشترط ضمانه بعدها نظير بيع الشيء مسلوب المنفعة في المدّة المشروطة وهو لا يضرّ بالبيع .
الثانية : لا يخفى أنّ الوجه في الحكم بعدم جواز بيع الآبق ليس هو الغ--رر لعدم الغرر مع تمكّن المشتري من عتقه والانتفاع به بذاك ، ولا يلزم في صحّة البيع أن يكون المشتري قادراً على الانتفاع بالمبيع بجميع منافعه ، وذلك نظير ب-ي-ع الع-ب-د المريض فإنّه يتمكّن من عتقه ولذا صحّ بيعه وإن كان لا يعلم أنّه يبرأ من مرضه حتّى ينتفع بجميع منافعه أو يموت ، كما لا يعلم في المقام أنّه أو يموت ، كما لا يعلم في المقام أنّه يرجع إليه حتّى ينتفع به بسائر منافعه أو لا يرجع إليه ، وكيف كان فلا يحكم بالبطلان في المقام مستنداً إلى الغرر وإنّما الوجه في الحكم بعدم الجواز هو النصّ الوارد في عدم جواز بيع الآبق كما في رواية رفاعة النخّاس قال « قلت لأبي الحسن (عليه السلام) أيصلح أن أشتري من القوم الجارية الآبقة - إلى أن قال (عليه السلام) - لا يصلح شراؤها إلّا أن تشتري منهم معها ثوباً أو متاعاً فتقول لهم : أشتري منكم جاريتكم فلانة وهذا المتاع بكذا وكذا درهماً فإنّ ذلك جائز »(2).
وفي موثّقة سماعة عن أبي عبدالله (عليه السلام) « في الرجل قد يشتري العبد وهو أبق عن أهله ؟ قال عليه السلام) لا يصلح إلّا أن يشتري معه شيئاً فيقول أشتري منك هذا الشيء وعبدك بكذا وكذا درهماً فإن لم يقدر على العبد كان الذي نقده فيما اشترى معه »(3).
وبذلك يرتفع التنافي المتراءى في كلمات الشهيد في اللمعة (1)والعلّامة في التذكرة(2)وذلك لأنّ الشهيد بعد ما جزم بعدم جواز جعل الآبق مثمناً تردّد في جواز جعله ثمناً ، قرّب الجواز أخيراً وحكم أيضاً بجواز بيع الضالّ أو المجحود مع أنّهما مشتركان مع الأول أي العبد الآبق في عدم القدرة على التسليم واستلزامه الغرر ، ولكنّك عرفت أنّ الوجه في الحكم بعدم الجواز في بيع الآبق إنّما هو النصّ وليس مستنداً إلى الغرر لعدم الغرر في بيع الآبق ، وبما أنّه ورد في خصوص بيع الأبق فلذا لا يتعدّى عنه إلى صورة جعله ثمناً أو إلى بيع الضالّ والمجحود ، وحكم بصحّتهما لانتفاء الغرر لتمكّنه من الانتفاع بهما بالعتق .
وأمّا العلّامة فقد ادّعى أوّلاً الإجماع على اشتراط القدرة على التسليم ليخرج البيع عن كونه بيع غرر، ثمّ ذكر في مسألة بيع الآبق أنّ المشهور عدم الجواز ولم يدّع الإجماع فيها على البطلان ، ثمّ ذكر الضالّ ولم يحتمل فيه إلّا جواز البيع ، فلایرد عليه أن المسائل كلّها مشتركة في الحكم بالبطلان للغرر ولابدّ من دعوى الإجماع على عدم جوازها ، ولماذا فرّق بينها وادّعى الإجماع على البطلان في بعضها والشهرة عليه في بعضها الآخر واختار أو احتمل الجواز في ثالثها ، والوجه في عدم ورود ذلك عليه أنّ الوجه في الحكم بعدم الجواز في مسألة بيع الآبق هو النصّ دون الغرر فلا يشملها الإجماع القائم على بطلان بيع الغرر ، ولا مانع من دعوى الشهرة فيها لتغايرها عمّا انعقد عليه الإجماع ، كما لا مانع من احتمال الجواز في الضالّ لأنّه
غير غرري والنصّ مختصّ بالآبق .
ثمّ إنّه ظهر ممّا ذكرناه في المقام أنّ بيع الضالّ والمغصوب لا يقاس بالآبق ، لأنّ النصّ مختصّ به ولا يمكن التعدّي منه إلى الضالّ، ولذا تردّد الشهيد في اللمعة(1)في جعل الآبق ثمناً ، لأنّ النهي إنّما اختصّ ببيعه وجعله مثمناً ولا يشمل ما إذا جعله ثمناً فكيف ببيع الضالّ والمغصوب . وبالجملة أنّ بيعهما ممّا لا يشمله النصّ ، وإن أمكن التعدّي منه إلى صورة جعله ثمناً لإمكان استفادة المنع عن مطلق المبادلة الواقعة عليه ولو بجعله ثمناً أو مورداً للاجارة ونحوه ، إلّا أنّه لا يمكن التعدّي منه إلى بيع الضالّ والمغصوب بوجه ، ومن الواضح أنّ بيعهما ليس غررياً لإمكان الانتفاع بعتقهما فلا محالة يقع بيعهما صحيحاً .
الثالثة : هل يلحق بالبيع الصلح على ما يتعذّر تسليمه فيعتبر فيه القدرة على التسليم أو أنّه لا يلحق بالبيع أو فيه تفصيل ؟ وجوه وأقوال ، بعد التسالم على أنّ سائر المعاملات كالاجارة والمزارعة والمساقاة بل الوكالة التي هي من غير المعاوضات كالبيع في الاشتراط بالقدرة على التسليم .
فربما يقال بأنّ الصلح كالبيع في الحكم بالاشتراط لأنّ الدائر على الألسنة هو نفي الغرر من غير اختصاص بالبيع ، بل قد أرسل في كلماتهم عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) والمرسل هو العلّامة (2)ظاهراً أنه (صلّى الله عليه وآله وسلم) نهى عن الغرر ولم يقيّده بالبيع فيشمل الصلح أيضاً لا محالة.
وأُخرى يقال بأنّ النهي يختصّ بالمبادلة الواقعة على المالين ولا يشمل الصلح الذي هو أمر آخر وراء المبادلة بين المالين .
وثالثة يفصّل بين الصلح المبني على المغالبة والتدقيق نظير صلح الدلالين الذي هو في الحقيقة بيع وقد أبرز بلفظ الصلح للتخلّص عن بعض الإشكالات ولكن الغرض هو بيع هذا بذاك وغرض كلّ من المتصالحين هو الغلبة على الآخر فحكم بالحاقه بالبيع ، وبين الصلح المحاباتي المبني على السماح والمسامحة لا على المغالبة كالمصالحة بين المالين من دون نظر إلى أنّ كلاً منهما يسوى كذا مقدار فحكم بعدم إلحاقه بالبيع .
والتحقيق أن يقال : إنّ إلحاق الصلح بالبيع أو عدمه متوقّف على ملاحظة مدرك ذلك الاشتراط في البيع ، فإن كان المدرك للاشتراط في البيع هو الإجماع المنعقد على اشتراط البيع بالقدرة على التسليم فلا محالة نحكم بعدم الإلحاق لأنّ الإجماع دليل لبّي فيكتفى فيه بالمقدار المتيقّن ، والقدر المتيقّن منه هو البيع فلا يشمل الصلح حينئذ .
وإن كان مدركه في البيع هو الحديث أعني نهي النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) عن بيع الغرر فلا مانع من الحكم بالإلحاق ، وذلك لأنّ هذا النهي حينئذ نظير نهيه (صلّى الله عليه وآله وسلم) عن بيع الملامسة أو الحصاة وغيرهما ممّا أريد منه البيع بالمعنى الأعمّ ويستفيد منه العرف أنّ المعاملة الغررية باطلة لأجل غررها من دون خصوصية للمعاملة ويتعدّون منه إلى جميع الموارد الغررية ، وهذا نظير ما إذا وهب أحد ماله لزيد واشترط عليه أن لا يبيعه فإنّ العرف يستفيد منه عدم جواز نقله إلى الغير من دون خصوصية للبيع بوجه ، وعليه فلا مانع من شمول الحديث للصلح .
إلّا أنّ الصلح المبني على السماح والمسامحة لا يأتي فيه الغرر أصلاً فهو خارج عن الحديث موضوعاً ، وذلك لأنّ الغرض المعاملي يعني ما ينشأه المتصالحان إنّما هو التسالم من دون نظر ولا غرض في أنّ هذا يسوى بكذا وكذا ، فهو ليس أمراً خطرياً بل هو بنفسه صالح الآخر لينتقل هذا المال إليه ، وعليه فلا مانع من التفصيل ب-ي-ن
الصلح المسامحي والصلح المبني على الدقّة ، هذا كلّه فيما إذا استندنا في إثبات شرطية ذلك إلى الإجماع أو الحديث .
وأمّا إذا استشكلنا في كلّ واحد من الإجماع والحديث وقلنا إنّ الإجماع الموجب للقطع برأي الإمام غير ثابت لأنّ دون تحصيله خرط القتاد ، وأنّ الحديث غير تامّ من جهة السند ، كما أنّ قوله (عليه السلام) « لا تبع ما ليس عندك » غير تامّ من جهة الدلالة فيبقى الاشتراط في نفس البيع خالياً عن الدليل فضلاً عن الحاق الصلح به ، وبما أنّه لا دليل عليه غير الأمرين المتقدّمين فلابدّ من ملاحظة الأدلّة الواردة في خصوص بيع العبد الآبق حتّى نرى أنّها بحيث يمكن استفادة هذا الشرط منها لمطلق البيع أو لا .
فنقول : إنّه ورد في بيع الآبق روايتان إحداهما رواية رفاعة وثانيتهما موثّقة سماعة وقد نقلناهما آنفاً ، وهما تدلّان على عدم جواز بيع الآبق إلّا في صورة الضميمة ، ويستفاد منهما أنّ التملّك في البيع بمجرّده لا يكفي في صحّته ، بل لابدّ في البيع من أن يصل إلى المشتري شيء يقابل ما بذله من الثمن ، فالعبد الآبق وإن أمكن الانتفاع منه بعتقه إلّا أنّه (عليه السلام) مع ذلك لم يكتف به بل اشترط في صحّة بيعه ضمّ شيء إليه ، وهذا من دون اختصاص ببيع الآبق بل لابدّ في جميع البيوع من ن أن يكون فيها شيء يعود إلى المشتري ، فإذا لم يجز بيع العبد من دون ضميمة مع إمكان الانتفاع منه بعتقه فلا يجوز بيع غيره ممّا لا يمكن الانتفاع منه بوجه بطريق الأولوية وهذا كما في بيع الفرس الشارد حيث إنّه غير قابل للانتفاع بوجه ، فمن ه-اتين الروايتين نستفيد اشتراط القدرة على التسليم وكون المبيع بحيث يعود إلى المشتري لا محالة في جميع البيوع بل مطلق المعاوضات من دون خصوصية لبيع الآبق .
ثم إنّ المذكور في ذيل موثّقة سماعة قوله ( عليه السلام) : « فإن لم يقدر على العبد كان الذي نقده فيا اشترى معه » وهو بمنزلة التعليل للحكم بالجواز ، ولازم ذلك
التعدّي من بيع الآبق مع الضميمة إلى بيع مثل الفرس الشارد مع الضميمة ، إلّا أنّ المشهور لم يلتزموا بذلك وذهبوا إلى بطلانه ، هذا تمام الكلام في إلحاق الصلح بالبيع .
الكلام في شرائط الضميمة
ذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1)أنّ ظاهر السؤال في صحيحة رفاعة والجواب في موثّقة سماعة هو الاختصاص بصورة رجاء الوجدان ، وذلك لأنّ السائل في الصحيحة سأله ( عليه السلام) عن شراء الجارية الآبقة وإعطاء الثمن إلى قومها وطلب الجارية بنفسه، كما أنّ الإمام (عليه السلام) في الرواية الثانية أج--اب الراوي بأنّ بيع الآبق وشراءه لا يصلح بمجرده إلّا أن يشتري معه شيئاً بحيث إذا لم يقدر على العبد كان الذي نقده فيما اشترى معه ، ومن المعلوم أنّ فرض السؤال في الصحيحة أعني قوله « وأطلبها » ، وظاهر الجواب في الرواية الثانية بقوله (عليه السلام) « إذا لم يقدر » يختصّان بصورة رجاء الوجدان وإلّا فمع القطع بعدم الوجدان لا معنى لقول السائل وأطلبها لأنّه مع القطع بالعدم لغو ، كما لا مجال لقول الإمام (عليه السلام) « إن لم يقدر على العبد حينئذ » إذ المفروض أنّه يقطع بعدم القدرة عليه وبأنّه لا يجده يقيناً ، فهذان التعبيران يختصّان بصورة رجاء الوجدان . ثمّ بعد ذلك علّله (قدّس سرّه) بأنّ المعاملة في صورة اليأس والقطع بعدم الوجدان سفهيّة كما أنّها أكل للمال بالباطل وهما باطلان ، وفي بعض النسخ أنّها غررية فلا يمكن أن يكون جزءاً من المبيع ، نعم لا مانع من أن يكون شرطاً في البيع كما إذا اشترى الضميمة باستقلالها واشترط على البائع تملّكه للآبق بنحو شرط النتيجة ، هذا ملّخص ما أفاده في المقام .
1) المكاسب 4 : 202 .
وللمسألة صور ثلاث : الأُولى صورة رجاء الوجدان عادة ، وه-ذه ه-ي المقدار المتيقّن من الروايتين ولا إشكال في صحّة المعاملة حينئذ .
الثانية : صورة عدم الوجدان عادة مع احتماله أي احتمال وجدانه عقلاً ولو احتمالاً ضعيفاً ، وهذه هي التي ادّعى شيخنا الأنصاري انصراف الروايتين عنها ولكن الأمر ليس كذلك لأنّها توافق التعبير ب- « أطلبها » كما توافق قوله (عليه السلام) « إن لم يقدر عليه » وذلك لأنّه يطلبه للاحتمال الوجداني بالوصول إليه ، إذ المفروض أنّ الوصول إليه ممكن عقلاً ، ويصدق عليه قوله « إن لم يقدر عليه » لأنّه ليس بمقطوع الزوال .
الصورة الثالثة : صورة القطع بعدم الوجدان ، وهذه الصورة وإن كانت خارجة عن الروايتين لعدم صحّة إطلاق « أطلبها » أو « إن لم يقدر عليه » مع القطع لعدم القدرة ، إلّا أنّ ذلك لا يضرّ بصحّة المعاملة ، وذلك لأنّ الإمام (عليه السلام) إنّما كان في الروايتين بصدد بيان أنّ ضمّ الضميمة شرط في صحّة المعاملة وأنّه على تقدير عدم الوصول إليه يكون ما نقده بازاء ما اشترى معه ، وأمّا أنّ العبد مورد للظنّ بالوجدان أو القطع بعدمه فليس محطّاً لنظره .
وأمّا ما أورده عليه بأنّه معاملة سفهية ، ففيه ما أشرنا إليه في أوائل كتاب البيع بأنّ المعاملة السفهية لا دليل على بطلانها ، بل مقتضى العمومات صحّتها وإنّما الباطل معاملة السفيه لا المعاملة السفهية ، هذا مضافاً إلى أنّ المعاملة عقلائية فيما إذا اشترى الآبق بقيمة نازلة مع أنّه كان يسوى بألف دينار فإنّ ذلك مطمع للعقلاء والمعاملة عقلائية .
وأمّا قوله إنّها أكل للمال بالباطل ، فهو أيضاً مندفع بما ذكرناه هناك من أنّ المراد بالآية حرمة أكل المال بالأسباب الباطلة كالقمار والنهب في مقابل التجارة عن تراض ، وهذا غير صادق في المقام إذ المفروض أنّه معاملة وتجارة عن تراض .
وأمّا إيراد أنّها غررية ففيه أنّا لو أغمضنا النظر عن شمول الروايتين لصورة القطع بعدم الوجدان وقلنا إنّها غررية فهذا لا يفرق فيه بين أن يكون الأمر الغرري جزءاً للمبيع أو شرطاً له ، فلماذا أجازها فيا إذا كان شرطاً للبيع مع أنّه صرّح في البحث عن أنّ الشرط الفاسد مفسد بأنّ الشرط الغرري موجب لبطلان المشروط .
فالصحيح أنّ المعاملة في جميع هذه الصور صحيحة ، والروايتان شاملتان لها بأجمعها ، ومعه لا يبقى لدعوى الغرر وجه .
ثمّ إنّ شيخنا الأنصاري(1)ذكر للضميمة شرطين : أحدهما أن تكون ممّا يجوز بيعه ، فما لا يصحّ بيعه شرعاً كالخمر والخنزير أو عند العقلاء كبيع الخنفساء لعدم ماليته لدى العرف فلا يصحّ جعله ضميمة للآبق بوجه . وثانيهما : أن يكون بيعها منفردة صحيحاً ، فلا يصحّ ضمّ الآبق الآخر في بيع العبد الآبق لعدم صحّة بيعه في حال الانفراد ، هذا .
أمّا الشرط الأول فاستفادته من الرواية ظاهرة حيث ذكر (عليه السلام) « إلّا أنّ يشتري معه شيئاً » إلى آخره ، فما لا يجوز بيعه لا يمكن شراؤه معه .
وأمّا الشرط الثاني فقد ذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) أنّ ذلك لا يظهر من الرواية ، وإليه مال شيخنا الأُستاذ (قدّس سرّه )(2)إلّا أنّه ذكر أنّ المناسبة بين الحكم والموضوع تقضي أن تكون الضميمة قابلة للبيع بمجردها ، ووافق شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) في عدم استظهاره من الرواية.
ولكنّا لا ندري أنّهما إلى أي شيء ينظران في الرواية مع أنّها بأعلى صوتها تنادي باشتراط ذلك في الضميمة ، وذلك لقوله ( عليه السلام) « فإن لم يقدر عليه كان
الذي بذله (نقده) فيما اشترى معه » فإذا فرضنا أنّ الضميمة لا تقابل بالمال بمجردها فكيف يقع ما نقده في مقابلها على تقدير عدم القدرة على العبد فلا يكفي فيه ضمّ الآبق الآخر إليه ، ولا ضمّ الطائر الذي يطير في الهواء لعدم القدرة على تسليمه ولعلّ ذلك ظاهر .
ثمّ إنّ المنفعة هل تكفي ضميمتها في صحّة بيع الآبق أو لا بدّ فيها أن تكون من الأعيان الخارجية ؟ إن استفدنا من الرواية أنّ غرض الشارع عدم ذه-اب م-ال المشتري بلا عوض وأن يكون هناك ما يقابل ثمنه على تقدير عدم القدرة على العبد فلا مانع من أن تكون الضميمة منفعة الدار إلى مدّة معيّنة مثلاً ، لأنّها ممّا يقابل بالمال ولا يذهب ماله هدراً على تقدير عدم القدرة على العبد .
وأمّا إذا قصرنا النظر على الرواية وتعبّدنا بظاهرها فلا يمكن جعل المنفعة ضميمة ، لأنّ الرواية دلّت على اشتراء شيء آخر معه فلابدّ أن يكون ذلك الشيء ممّا يصحّ شراؤه وبيعه والمنفعة لا تباع ولا تشترى ، إذ البيع إنّما هو لنقل الأعيان دون المنافع والمتكفّل لنقلها أي المنافع هو الاجارة .
فالمتحصّل من جميع ما ذكرناه : أنّ الضميمة يعتبر أن تكون قابلة للبيع بمجردها وفي حدّ نفسها كما يعتبر أن يكون بيعها جائزاً عند الشرع والعقلاء . ثمّ إنّ الرواية هل تدلّ على أنّ البيع يقع على الضميمة من الابتداء وعلى العبد معلّقاً على القدرة عليه ، فإذا قدر عليه فينعقد البيع على المجموع من العبد والضميمة وأمّا قبل القدرة عليه فلا بيع على المجموع ، ولازم ذلك عدم دخول العبد في ملك المشتري قبل حصول القدرة عليه فإذا أتلفه أحد حينئذ كان التلف في ملك البائع دون المشتري ، وهذا بعيد من ظاهر الرواية جدّاً وإن نسبه شيخنا الأنصاري(1)إلى
1) المكاسب 4 : 204 .
ظاهر كاشف الرموز حيث ذكر أنّ العبد ما دام آبقاً ليس مبيعاً في الحقيقة (ولكن في كلامه قرائن تدلّ على عدم إرادة ذلك) أو أنّ البيع يقع على المجموع من الابتداء غاية الأمر أنّ الإمام (عليه السلام) أرشد المشتري إلى حكمة اعتبار الضميمة في بيع الآبق وأنّه إذا لم يقدر عليه فيقع المال في مقابل الضميمة ، لا أنّ بيع الآبق معلّق على قدرته منه ، فهذا بيان لتلك الحكمة ولم يؤت به في الرواية لتعليق البيع عليه بل البيع يقع على مجموعهما من الابتداء كما هو ظاهر قوله (عليه السلام) « إلّا أن يشتري معه شيئاً» في فيكون العبد ملكاً للمشتري من أوّل الأمر ، وهذا الاحتمال هو الصحيح دون الأوّل نعم الرواية تدلّ على عدم جواز مراجعة المشتري إلى المالك فيما يقابل العبد من الثمن فيما إذا تلف وتعذّر الوصول إليه ، وإن اقتضت القاعدة رجوعه إليه لأنّ كلّ مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه والتعذّر كالتلف وهو لم يقبضه بعد ، فتكون هذه الرواية مخصّصة لعموم كلّ مبيع تلف قبل قبضه ، وذلك لأنّ المشتري بنفسه أقدم على شراء ذلك والبائع قد أبرأ ذمّته من ضمانه لو لم يقدر عليه والشارع أمضى ذلك بهذه الرواية ، هذا كلّه فيما إذا كان التلف بعد عدم القدرة عليه وكان التلف مستنداً إليه أي إلى عدم القدرة عليه .
وأمّا إذا تلف قبل حصول اليأس منه فهل للمشتري أن يرجع إلى المالك لأنّ كلّ مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه ، أو أنّ هذه الصورة كسابقتها في عدم جواز الرجوع إلى المالك ؟
ذكر شيخنا الأنصاري(1)هذين الاحتمالين في المقام ولم يرجّح شيئاً منهما والظاهر عدم رجوعه إلى المالك في هذه الصورة أيضاً ، لإطلاق قوله « فإذا لم يقدر عليه كان الذي نقده فيما اشترى معه » ولم يقيّد ذلك بما إذا كان عدم القدرة واليأس
1) المكاسب 4 : 204
مستنداً إلى شيء آخر غير التلف ، هذا فيما إذا تلف العبد .
وأمّا إذا تلفت الضميمة قبل قبضها ، فإن كان تلفها بعد القدرة على العبد بوجدانه أو بعتقه الذي هو في حكم الوجدان أو بإرسال طعام مهلك إليه وإتلافه به لأنّه كالعتق والوجدان ، فيتقسّط الثمن بالاضافة إلى الضميمة ويأخذ المشتري ما قابلها فقط ، لبطلان البيع بالنسبة إليها دون الآبق لوصوله على الفرض ، وتلف المبيع قبل قبضه إنّما يوجب بطلان البيع من حين التلف ولا يكشف عن بطلانه من الابتداء حتّى يقال إنّ البيع من الابتداء باطل في المقام ليبطل بذلك بيع الآبق أيضاً .
وإن كان تلفها قبل القدرة على العبد الآبق فهل يوجب انفساخ البيع في الضميمة لقاعدة كلّ مبيع الخ بطلانه بالاضافة إلى الآبق أيضاً من جهة أنّ المصحّح للبيع في الآبق هو الضميمة حدوثاً فإذا انفسخ البيع فيها فلا محالة يبطل في الآب--ق أيضاً لأنّها ممّا تعتبر في صحّة بيع الآبق حدوثاً كذلك تعتبر في صحّته بقاءً ، أو أنّ انفساخ البيع في الضميمة لا يوجب بطلانه في الآبق لأنّها إنّما تعتبر فيه حدوثاً وقاعدة كلّ مبيع تلف قبل قبضه إنّما تقتضي بطلان البيع في الضميمة من حين تلفها لا أنّه يكشف عن بطلان بيعها من الابتداء حتّى يتوهّم بطلان البيع في الآبق لعدم انضمام الضميمة إليه ؟
فيه وجهان ذكر هما شيخنا الأنصاري ثمّ رجّح الوجه الأوّل منهما وذهب إلى أنّ انفساخ البيع في الضميمة يوجب بطلان البيع في الآبق ، ولعلّ هذا هو الأرجح وذلك لقوله ( عليه السلام) » فإن لم يقدر على العبد كان الذي نقده بازاء ما اشترى معه » فإنّه يقتضي أن يكون في الآبق ضميمة يقع الثمن في مقابلها على تقدير عدم القدرة عليه ، فإذا فرضنا انفساخ البيع في الضميمة فلا شيء حينئذ ليقابل بالثمن على تقدير عدم القدرة على العبد ولعلّه ظاهر .
بقي في المقام فرعان أحدهما : أنّ الضميمة إذا كانت ملكاً لغير بائع العبد
ولكنّه باعها مع الآبق فضولةً ثمّ ردّه مالك الضميمة فهل يبطل البيع بالاضافة إلى الآبق ، أو أنّ البيع بالاضافة إليه صحيح نظير الفرع المتقدم ذكره ؟ لا ينبغي الإشكال في أنّ ردّ المالك يكشف عن عدم صحة البيع في الضميمة من الابتداء وكأنه باع الآبق بانفراده ، وعليه فلا يبقى وجه لصحة البيع في الآبق ، هذا كله في صورة الردّ .
وأمّا إذا أجاز المالك فهل يصحّ البيع في الآبق حينئذ أو أنّه كالسابق في بطلان بيع الآبق ؟ لم يتعرّض إليه شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) ولكن الظاهر بطلان البيع في كلتا الصورتين . أمّا في صورة الردّ فلما مرّ ، وأمّا في صورة الاجازة فلقوله (عليه السلام) « إن لم يقدر عليه يكون ما نقده بازاء ما اشترى معه » فإنّ ظاهر ذلك أنّه على تقدير عدم القدرة على العبد يقع ما بذله المشتري في مقابل الضميمة ولا يأكله البائع هدراً ، وهذا إنّما يتحقّق فيما إذا كانت الضميمة ملكاً للبائع ، وأمّا إذا كان ملكاً لغيره فلا محالة يتقسّط الثمن عليها وعلى العبد ، وبعد ما أخذ مالك الضميمة ما يخصّها من الثمن ووقع ما يخصّ العبد في مقابله وفرضنا أنّ المشتري لم يقدر على العبد فلا محالة يقع ثمن العبد في ملك البائع بلا عوض ولا يخرج من کیسه شيء في مقابل ثمن العبد إذ المفروض أنّ الضميمة ملك للغير ولعلّ ذلك ظاهر .
وثانيهما : ما إذا وجد المشتري في الآبق عيباً سابقاً على البيع فهل يرجع بأرشه إلى البائع كما يجوز له فسخ العقد بلا إشكال ، أو أنّه لا يمكنه أخذ الأرش من البائع ؟ الظاهر أنّ عمومات أدلّة الأرش تشمل المقام لأنّه عيب لم يعلمه المشتري فله الأرش ، ونسبه شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1)إلى القول وهو مشعر بتوقّفه في المسألة ، ولعلّ المانع تخيّل أنّ العبد لا يقع بازائه شيء قبل حصول القدرة عليه وإنّما
1) المكاسب 4 : 205
الثمن كلّه بازاء الضميمة فهو لم يشتر العبد حينئذ حتّى يرجع بأرشه ، ولكنّك عرفت سابقاً أنّ العبد كالضميمة صار ملكاً للمشتري من زمان البيع وهو قد اشتراه ولا مانع من أن يرجع بأرشه ، ولم تدلّ الرواية على أنّ العبد لم يدخل في ملك المشتري بوجه .
من جملة الشرائط في صحّة البيع العلم بالثمن ، وقد استدلّوا على اعتباره أوّلاً بإجماع المسلمين واتّفاقهم على أنّه إذا باع شيئاً بحكم المشتري بأن علّق تعيين الثمن على إرادة المشتري فالمعاملة باطلة . وثانياً بحديث النهي عن بيع الغرر(1)وثالثاً بالرواية الخاصّة (2)الواردة في أنّ الإمام (عليه السلام) كره أن يشتري الثوب بدينار إلّا درهم لأنّه لا يدري المشتري أنّ الدينار أيّ مقدار من الدرهم ، هذا .
أمّا الرواية المباركة فلا دلالة فيها على بطلان البيع عند الجهل بالثمن لأنّ الإمام (عليه السلام) إنّما كرهه وهو لا يقتضي البطلان . وأمّا دليل نفي الغرر فقد تقدّم ما فيه سنداً ودلالة ، فلا يبقى في البين إلّا الإجماع فإن تمّ فهو وإلّا فلا وجه للاشتراط أبداً ، والظاهر أنّ إجماع المسلمين لم ينعقد على بطلان البيع فيما إذا لم يعيّن ثمنه بل جعله القيمة السوقية ، بل ولا غرر فيه أيضاً كما هو ظاهر ، هذا كلّه بالاضافة إلى ما تقتضيه القاعدة .
وأمّا حكم المسألة بملاحظة الأخبار الواردة في المقام فقد وردت فيها
صحيحة رفاعة النخّاس(1)وقد سأل فيها الإمام (عليه السلام) عمّا اشتراه من الجارية بحكمه وبعد ما قبضها وواقعها بعث إلى بائعها بألف درهم وقال إنّه حكمي في ثمن الجارية فاستقلّها وأبى أن يقبلها ، فقال (عليه السلام) أرى أن تقوّم الجارية بقيمة عادلة فإن كان قيمتها أكثر ممّا بعثتها إليه ، كان عليك أن تردّ ما نقص من القيمة وإن كان قيمتها أقل ممّا بعثت إليه فهو له ... إلى آخر الخبر ، وظاهرها أنّ البيع بحكم المشتري ممّا لا مانع منه وإن كان الثمن مجهولاً بحسب الفرض ، هذا إلّا أنّ شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(2)وجماعة استشكلوا في الرواية بأنّ حكم المشتري إذا كان كافياً في صحّة البيع فلماذا أوجب القيمة السوقية بعدما وقع البيع بثمن خاصّ ، وإذا لم يكن حكم المشتري كافياً فلماذا صحّح البيع في صورة زيادة ما بعثه إليه من القيمة السوقية .
وقد حملها صاحب الحدائق(3)على حكم المشتري المنصرف إلى القيمة السوقية . ويدفعه : أنّ ذلك لا يصحّح الرواية ، إذ لو كان حكم المشتري المنصرف إلى القيمة السوقية كافياً فلماذا أوجب عليه عدم أخذ الزيادة فيما إذا كان ما بعثه إليه أكثر من القيمة السوقية .
وقد أوّلها شيخنا الأنصاري وحملها على ما لا ينبغي حملها عليه، بل وإسقاطها أولى من تأويلها بما ذكره (قدّس سرّه) وذلك لأنّه (قدّس سرّه) حملها على كون رفاعة وكيلاً من قبل مالك الجارية في بيعها بالقيمة السوقية ولذا وجب عليه ردّ ما نقص من القيمة عند كون ما بعثه إليه أقلّ من القيمة السوقية ، وأمّا وجه عدم
أخذ الزيادة عند كون ما بعثه أكثر منها فهو أنّ المالك يرى غبنه في المعاملة وهو بدفعه الزيادة يريد إرضاء المالك حتّى يُسقط خياره لا أنّه يسقط كما تخيّله بعض الأكابر وأورد عليه بأنّ دفع الزيادة ليس من مسقطات الخيار بل هو يُسقطه بمعنى أنّه يأخذ الزيادة ويُسقط خياره بنفسه ، وهذا الحمل كما ترى ليس بأقلّ من إسقاط الرواية رأساً .
والصحيح أن يقال : إنّ الرواية لا تحتاج إلى التأويل وأنّها ناظرة إلى ما هو المتعارف بين أهل السوق سيّما الحمّالين حيث إنّ الحمّال يأخذ الحمل ليوصله إلى محلّه فتسأله عن أُجرته وأنّها أيّ مقدار فيقول كيفك وأي مقدار تريده ، والقرائن الحالية قائمة على أنّه لا يريد الأقل من القيمة السوقية وإنّما يخيّره بين دفع أُجرة المثل والزيادة ، وهو بهذا اللفظ يجعل الأُجرة أو الثمن أمراً كلّياً يتحقّق بكلّ واحد من الزيادة والقيمة السوقية ، وقد ذكرنا في الصحيح والأعمّ (1)أنّ بعض الألفاظ يوضع للكلّي الجامع بين القليل والكثير ومثلنا له بالكلمة لأنّها وضعت لما يشتمل حرفين فصاعداً ، وعليه فيكون الأخ كلمة وأحمد أيضاً كلمة لا أنّ الأُولى أنقص والثانية أزيد أو كلمة مع الزيادة بل كلّها كلّمة بلا زيادة ولا نقيصة ، وكذا لفظ الدار فإنّها وضعت لساحة مشتملة على أربعة حيطان مع الغرفة فإنّها إذا اشتملت على سرداب وغرفتين أيضاً دار لا أنّها دار وزيادة .
وكيف كان فلا مانع من أن يجعل الثمن أمراً كلّياً وجامعاً بين الزائد وثمن المثل ، فإذا كان ما دفعه موافقاً للقيمة المتعارفة فقد أدّى الثمن وإذا كان أكثر منها فقد دفعه أيضاً ، وليس له أخذ الزيادة لأنّه بدفعه الزائد أوجد الكلّي بذلك الفرد كما أنّه إذا كان أنقص يجب عليه أن يتمّ نقصه لقيام القرائن على عدم توكيله في دفع الناقص
1) محاضرات في أُصول الفقه 1 (الموسوعة 43) : 184 .
عن ثمن المثل ، وبذلك تندفع جميع المحاذير المتقدّمة فلا يبقى وجه جه لتأويل الرواية أو إسقاطها مع صحّة سندها ولعلّه ظاهر .
وكيف كان ، فلا ينبغي الإشكال في صحّة الرواية وأنّه لا مانع من جهالة مقدار الثمن ، إذ لا غرر فيها فيما إذا باعه بالقيمة السوقية وهي معروفة بين أه--ل السوق كما أنّه إذا باعه بسعر ما باعه لغيره أيضاً لا يكون فيه غرر فيما إذا كان ما باعه لغيره بقيمة السوق ، فما ذكره الاسكا في(1)من تجويز قول البائع بعتك بسعر ما بعت والحكم بصحّته نعم ما ذكره ، ولكن قوله : يكون للمشتري الخيار ممّا لا نعرف له وجهاً ، وذلك لأنّ البيع بالسعر المجهول إن كان موجباً للغرر فالمعاملة باطلة من أساسها ، وإن لم يوجب الغرر فالمعاملة صحيحة فما الموجب للخيار في البين ، هذا كلّه في اشتراط العلم بمقدار الثمن .
والدليل على اعتباره هو الأدلّة المتقدّمة في اعتبار العلم بمقدار الثمن ، ولكنّك عرفت ما فيها وأنّ الإجماع لم يعلم انعقاده ، والغرر غير آتٍ في مثله ، مضافاً إلى عدم تمامية دليله سنداً ولا دلالة ، فإذن لا دليل على اعتبار العلم بمقدار المثمن .
وربما يستدلّ على اعتبار العلم بمقدار المثمن بما ورد من الأخبار في اعتبار الكيل والوزن في المكيل والموزون وأنّهما لا يصحّ بيعهما من غير كيل ووزن . وفيه : أنّ الكلام في مطلق البيع لا في خصوص بيع المكيل والموزون كما هو ظاهر ، وعليه فالكلام في ذلك يقع في مقامين : أحدهما في اعتبار العلم بمقدار المثمن في مطلق المعاملات ، وقد عرفت أنّه لم يقم دليل على اعتباره بوجه .
1) حكاه عنه في المختلف 5 : 266 .
نعم يمكن الاستدلال على اعتبار العلم بمقدار المثمن بتقرير الإمام المستفاد من صحيحة الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام) « أنّه سئل عن الجوز لا نستطيع أن نعدّه فيكال بمكيال ثمّ يعدّ ما فيه ثمّ يكال ما بقي على حساب ذلك العدد ، قال لا بأس به»(1)فإنّ ظاهرها أنّ السائل اعتقد عدم جواز البيع من غير العلم بمقدار المثمن والإمام لم يردعه عن هذا الاعتقاد ولم ينبّهه على أنّ العلم بمقدار المبيع غير لازم ، بل قد قرّره على ذلك وأجاب عن المسألة بقوله « لا بأس به » فمنه يستفاد أنّ العلم بمقدار المثمن لازم في صحّة المعاملة وإلّا لردعه الإمام (عليه السلام) ونبّهه على عدم الاشتراط ، وهذا وإن كان وارداً في خصوص المعدود والمثمن ولكنّه يتعدّى منه إلى جميع البيوع والثمن للقطع بعدم الفرق ، هذا كلّه في المقام الأوّل .
وثانيهما : في اعتبار العلم بمقدار المثمن في خصوص المكيل والموزون ، وهذا ممّا لا إشكال في اعتباره للأخبار المعتبرة الواردة في اعتبار العلم بمقدار المثمن ومنها صحيحة الحلبي « في رجل اشترى من رجل طعاماً عدلاً بكيل معلوم ثمّ إنّ صاحبه قال للمشتري ابتع منّي هذا العدل الآخر بغير كيل فإنّ فيه مثل ما في الآخر الذي ابتعته ، قال (عليه السلام) لا يصلح (لا يصحّ على نسخة الفقيه) إلّا بكيل . قال وما كان من طعام سمّيت فيه كيلا فإنّه لا يصلح مجازفة ، هذا ممّا يكره من بيع الطعام »(2)و هي كما ترى تنادي باعتبار العلم بمقدار المثمن بالكيل .
وقد يناقش في هذه الصحيحة من وجوه : الأوّل أنّ الإمام (عليه السلام) ذكر أنّ بيع المكيل مجازفة ممّا يكره من المعاملات والكراهة لا تقتضي بطلان البيع كما هو واضح ، وعليه فالصحيحة لا دلالة لها على بطلان بيع المكيل بلا علم بمقداره .
والثاني : أنّ الإمام قد نوّع وقسّم الطعام إلى قسمين فذكر أنّ ما كان من طعام سمّيت فيه كيلاً ، وظاهره أنّ الطعام منه ما هو مكيل ومنه ما لا كيل فيه وهو تنويع له إلى قسمين مع أنّ الطعام كلّه من المكيل ولا طعام لا يكون فيه كيل .
والثالث : أنّ الإمام (عليه السلام) منع عن شراء العدل الآخر بإخبار البائع بوزنه مع أنّ إخبار البائع ممّا لا إشكال في صحّة الاعتماد عليه في المعاملات فالصحيحة غير معمول بها عند المشهور وهي مجملة لا يمكن الاعتماد عليها ، هذا . والظاهر أنّ الرواية ممّا لا إشكال في دلالتها أبداً .
أمّا الوجه الأوّل من الإيرادات ففيه : ما ذكره شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1)من أنّ ظهور الكراهة في المعنى المصطلح في مقابل الحرام وغيره إنّما هو عند الفقهاء ، وأمّا في ألسنة الأخبار فهي تستعمل بمعناها اللغوي وهو المبغوض ، وهذا معنى جامع بين الحرمة والكراهة الإصطلاحية ولا يختصّ بالثاني ، وعليه فظهور لا يصلح أو لا يصحّ يعيّن إرادة الحرمة منها فلا يكون لظهور لا يصلح في البطلان معارض .
وأمّا الثاني من الوجوه فيدفعه : أنّ قوله (عليه السلام) « سمّيت فيه كيلاً» من قبيل الأوصاف وهو وصف للطعام ومن الواضح أنّ الأوصاف لا مفهوم لها ، نعم إنّما يؤتى بها في الكلام لأجل فائدة ولا يكون ذكر الأوصاف لغواً ، ولعلّ الفائدة في ذكره في المقام هو الإشعار بعلّية الوصف للحكم وأنّ الحكم لا يختصّ بالطعام بل كلّ ما فيه كيل يجب كيله في مقام بيعه .
وأمّا الثالث من الوجوه فالجواب عنه : أنّ تصديق البائع في إخباره واعتبار قوله في ذلك وإن كان ثابتاً بالروايات التي سيمر عليك ذكرها وقد نقلها
1) المكاسب 4 : 212
شيخنا الأنصاري بعد ذلك بأسطر إلّا أنّه يختص بما إذا كان إخباره عن الحسّ بأن يكيله سابقاً ويعلم بقدره ويخبر المشتري بذلك ، وأمّا إذا كان إخباره عن حدسه ونظره من دون أن يكيله فاعتباره يحتاج إلى دليل مستقل ولا يمكن اتّباعه ، وفي المقام إنّما أخبره البائع بوزن العدل الآخر بحدسه من دون أن يكيله كما يدلّ عليه قوله « ابتع منّي هذا العدل الآخر من غير كيل» وقد عرفت أنّ حجّية نظر البائع و حدسه يحتاج إلى دليل وهو مفقود في المقام، وعليه فلا إشكال ولا إجمال في دلالة الصحيحة أبداً .
وكيف كان ، فهل يعتبر الكيل والوزن في المكيل والموزون في جميع الموارد أو يختصّ ببعضها ؟ قد عرفت أنّ المستند في اعتبار الكيل والوزن في المكيل والموزون أحد الأُمور الثلاثة : الإجماع وأدلّة نفي الغرر والروايات . أمّا الإجماع فعلى فرض تماميته فالمقدار المتيقّن منه يؤخذ به وأمّا فيما شكّ في اعتبار الكيل أو الوزن فيه فيرجع إلى سائر العمومات والاطلاقات وبها ندفع اشتراط الكيل والوزن فيه .
وأمّا إذا كان المستند هو دليل نهي النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) عن بيع الغرر فيقع الكلام حينئذ في أنّ المناط هل هو الغرر الشخصي أو أنّ المناط هو الغرر النوعي .
ذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1)أنّ ذلك يبتنى على أنّ الغرر هل ه-و حكمة للنهي عن البيع الغرري أو أنّه علّة له ، فعلى الأوّل لابدّ من أن يجعل المناط في الفساد هو الغرر النوعي ، إذ لا يلزم في الحكمة الاطراد فنحكم بفساد البيع فيما إذا باع مقداراً من الطعام بما يقابله في الميزان من غير اختلاف بينهما في القيمة ، وذلك لأنّه وإن لم يكن فيه غرر بشخصه إلّا أنّ الغرر حكمة للنهي عمّا يوجب الغرر بنوعه وهذا نظير جعل العدّة على المطلّقة لأجل عدم اختلاط المياه حتّى في الموارد التي
1) المكاسب 4 : 214
نعلم بعدم اختلاطها ، أو جعل الحلّية والطهارة في الحديد لأجل استلزام النهي عنه العسر والحرج وإن لم يكن الاجتناب عنه موجباً للعسر في حقّ واحد ، وذلك لأنّ العسر أو عدم اختلاط المياه حكمة للجعل لا أنّهما علّتان للحكم حتّى يدور الحكم مدارهما .
وعلى الثاني لابدّ من أن يكون المناط في الفساد هو الغرر الشخصي وملاحظة كلّ مورد مورد ، فإن كان فيه غرر فيحكم بالفساد دون غيره وإن كان ذلك موجباً للغرر بنوعه ، وعليه فالبيع في المثال المتقدّم صحيح لعدم الغرر فيه . وكذا فيما إذا كان حدس المتبايعين قويّاً جدّاً فباعا واشتريا بحدسهما من دون كيل فإنّه لا غرر حينئذ لقوّة حدسهما كما لا يخفى . وكذا فيما إذا كان المبيع قليلاً جدّاً أو كثيراً لم يتعارف وزن الميزان لمثله وهذا كما إذا دفع فلساً وأراد به دهناً لحاجة أو أراد بيع زبرة الحديد فإنّ المعاملة في مثلهما تتمّ بالتراضي والتخمين ولا غرر فيهما عند العرف ، هذا.
ولا يخفى أنّ الحكم تارةً يترتّب على موضوع خاصّ مستنداً إلى عنوان من العناوين الثانوية كما إذا رتّبت الحلّية على الحديد لأجل عنوان العسر والحرج وأنّ في عدم حلّيته حرج على العباد ، أو تجعل العدّة على المطلّقة بعنوان عدم اختلاط المياه ، وفي مثل ذلك يمكن الخلاف في أنّ هذا العنوان الثانوي الذي لأجله ترتّب الحكم على موضوعه علّة له ليدور مداره أو أنّه حكمة لجعل الحكم على موضوعه .
وأُخرى تكون هذه العناوين الثانوية بأنفسها موضوعاً للحكم كقوله تعالى :مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ(1)أو نهي النبي عن الغرر أو قوله (صلّى الله عليه وآله وسلم) : « لا ضرر ولا ضرار »(2)وهكذا غيرها ممّا يتعلّق الحكم فيه بنفس تلك
العناوين ، وفي مثل ذلك لا مجال للكلام في أنّ هذه العناوين علّة للحكم أو حكمة له لأنّها موضوعات لأحكامها والحكم لا يتحقّق إلّا بتحقّق موضوعه ، فتدور تلك الأحكام المترتّبة على هذه العناوين مدار تحقّق موضوعاتها التي هي العناوين المتقدّمة ، ففي كلّ مورد تحقّق فيه حرج يترتّب عليه حكمه ، كما أنّ الغرر إذا وجد في مورد يترتّب عليه حكمه ، ولا معنى لجعل هذه العناوين علّة أو حكمة حينئذ بل ذلك غلط محض ، واللازم هو أن يلاحظ كلّ مورد تحقّق فيه شيء من هذه العناوين فيحكم بالارتفاع أو البطلان فيه دون غيره ، فهل سمعت فقيهاً يفتي بعدم وجوب الوضوء على من لا مشقّة عليه في الوضوء فيما إذا كان على أهل بلده بأجمعهم مشقّة في التوضّي للبرد أو الحرّ بدعوى أنّ الوضوء حرجي على النوع ، وذلك لوضوح أنّ الحرج إنّما يرفع الوجوب فيما إذا كان هناك حرج لا مع فقدانه لأنّ الحكم فيه انحلالي فينحلّ إلى أفراده ومصاديقه ، وكذا النهي عن الغرر ولعلّ ذلك ظاهر ، وعليه فلا مناص من ملاحظة كلّ معاملة معاملة فإذا كانت غررية يحكم ببطلانها وإذا لم تكن كذلك يحكم بصحّتها وإن كان نوعها غررياً .
وأمّا إذا جعلنا الدليل في اعتبار الكيل في المكيل هو الأخبار كما هو الصحيح فلابدّ من ملاحظة أنّها هل علّقت الحكم بالغرر حتّى يلاحظ الغرر في المعاملات فيحكم ببطلان ما فيه غرر أو لا ؟ والصحيح هو الثاني لعدم أخذ الغرر في شيء من لسان الأدلّة أي الروايات كما هو ظاهر ، وعليه هل يحكم بصحّة المعاملة في الموارد الثلاثة المتقدّمة أو ببطلانها أو يفصل بين الأمثلة ؟ الظاهر هو الثالث ، وذلك لأنّ المثال الأوّل لابدّ من أن يحكم ببطلانه لعدم الكيل والوزن فيه وإن لم يلزم فيه غرر أيضاً ، إذ المناط في البطلان ليس هو الغرر كما مرّ بل لابدّ من كيل ما يسمّى فيه كيل والمفروض أنّه باع مقداراً من الطعام بما يقابله في الميزان من غير معرفة مقدارهما فيحكم ببطلانه .
وأمّا المثال الثاني فالحكم فيه هو الصحّة وذلك للعلم بمقدارهما وهو يكفي في البيع ، إذ لا يحتمل أن يكون للكيل موضوعية في الأخبار بل الظاهر أنّه طريق إلى معرفة المقدار والمفروض أنّهما يعلمان المقدار بحدسها لقوّة نظرهما .
وأمّا الثالث فهو أيضاً محكوم بالصحّة لأنّ المبيع وإن لم يُكل فيه أيضاً إلّا أنّ الكيل إنّما يجب في المكيل الذي فيه كيل في مقام المعاملة فلذا قال (عليه السلام) « كل طعام سمّيت فيه كيلاً » لا أنّ المكيل لابدّ وأن يكال وإن لم تجر العادة على كيله في مقام المعاملة ، وبعض الأُمور لقلّته أو لكثرته لا يتعارف كيله في مقام البيع وإن كان من المكيل ويجري فيه الربا ، وذلك لأنّ الربا إنّما يأتي فيما هو مكيل بجنسه وإن لم يكن مكيلاً بشخصه في مقام المعاملة ، وأمّا الكيل فهو يختصّ بما تعارف كيله في مقام المعاملة ولأجل ذلك جاز التعامل بالفلوس والدراهم والدنانير من غير علم بمقدارها ولا وزنها مع أنّها من الموزون ، والوجه في ذلك أنّها لا توزن في مقام المعاملة ولو كانت من الموزون بجنسها بل يعامل معها معاملة المعدود فيقال هذا بفلسين أو درهمين لا أنّه بمثقال من النحاس أو مثاقيل من الفضّة ، ولكن يجري فيها الربا لأنّها بجنسها من الموزون وإن لم تكن موزوناً بشخصها كما لا يخفى . فالمتحصّل من الروايات : أنّ الكيل أو الوزن معتبر في المكيل والموزون فيما إذا كان المتعارف في معاملته في الخارج هو الكيل أو الوزن ، وأمّا المكيل أو الموزون الذي لم يتعارف فيه الكيل أو الوزن في الخارج فلا يعتبر فيه الكيل أو الوزن أبداً ولأجل ذلك لم يعتبر في الفلوس والدراهم والدنانير الوزن مع أنّها من الموزون ومن هذا القبيل زبرة الحديد الموضوعة في الأبنية والعمارات ، وعليه فإذا ظهر في شيء من الفلوس أو الدراهم والدنانير نقصان بحسب الوزن فلا تبطل بذلك المعاملة فيما يقابل النقص ، مثلاً إذا كان الدرهم خمسة مثاقيل ونقص عنها بمثقال فلا تبطل المعاملة في خمس المبيع لأجل ذلك النقصان وإنّما يثبت له خيار العيب في خصوص
الدراهم والدنانير ، وأمّا في مثل الفلوس فلا يعدّ النقص عيباً أيضاً ولذا ورد في رواية عبدالرحمن(1)أنّ إعطاء الدرهم الناقص في المعاملة غير جائز (لأنّه عيب) إلّا أن يبيّنه لصاحبه ، وأمّا في الفلوس والدراهم الأوضاحية التي هي ق-س-م م-ن أقسام الدرهم فلا مانع من إعطاء الناقص ولا يلزمه الإعلام والتبيين ، وذلك لم-ا عرفت من أنّهم يعاملون معها معاملة المعدود كما صرّح به في الرواية المتقدّمة (أعني رواية عبد الرحمن) وإن كانت بحسب جنسها من المكيل والموزون ، هذا .
ثمّ إنّ اللازم في معرفة مقدار الثمن أو المثمن هو المعرفة الإجمالية ، وأمّا العلم التفصيلي بمقدارهما فهو إمّا متعذّر أو متعسّر ، وذلك لكفاية العلم بأنّ المثمن منّ أو أوقية أو حقّة وهكذا ، وأمّا معرفة أنّ الأوقية أربعة أرباع وأنّ الربع كذا مثقال وأنّ المثقال كذا حبّات من الحنطة وأنّ الحنطة أيّ مقدار وهكذا إلى أن يصل إلى الجزء الذي لا يتجزّى الذي لا وجود له خارجاً ، فهي غير معتبرة في صحّة المعاملات بل غير ممكن ، بل ذكر بعض الأفاضل في رسالة الكرّ أنّي وزنت الكرّ حتّى في الموازين الموضوعة للذهب التي هي أدقّ الموازين فرأيت أنّ مقدار المثقال مختلف ولا يتوافق وزن میزان لما وزنه میزان آخر ، وما ذكره هو الصحيح لاختلاف الموازين جدّاً ومعه كيف يمكن العلم التفصيلي بمقادير المثمن أو الثمن وهذا ظاهر . نعم لابدّ من معرفتها بنحو الإجمال كالأوقية أو الكيلو أو غيرهما ممّا لا نعلم مقداره حقيقة ، وأمّا معرفتها تماماً فهي تختصّ بعلّام الغيوب ، هذا .
ولا يخفى أنّ العلم التفصيلي بمقادير هذه الأوزان وإن لم يكن معتبراً ، إلّا أنّ التقدير لابدّ وأن يكون بشيء من المكيال أو الميزان المتعارف ، وأمّا إذا باع طعاماً أو شيئاً آخر بحجر مجهول المقدار وقال إنّ الطعام بمقدار هذا الحجر كذا مقدار فهو
1) الوسائل 18 : 187 / أبواب الصرف ب 10 ح 7 .
من بيع الجزاف ، وكذلك الحال في المكيال فإنّه لابدّ وأن يكون ممّا يتعارف الكيل به وأمّا المكيال المجهول فلا يكفي في صحّة البيع ، هذا .
ثمّ إنّ العلم الإجمالي بمقدار المثمن أو الثمن أيضاً إنّما يكفي فيما إذا كان المقدار معيّناً عنده ومعلوماً أنّ المراد به هو ذاك المقدار كمقدار أكل نفرين أو أكثر مثلاً وأمّا إذا كان عالماً باسمه فقط من دون العلم بمقداره ولو إجمالاً كالمنّ مثلاً فإذا سمع اسمه وأراد أن يشتري بهذا المقدار طعاماً أو غيره من دون الالتفات إلى أنّه منّ العطاري أو التبريزي أو النجفي الذي هو ستّة أو سبعة عشر حقّة فلا تكون المعاملة صحيحة ، هذا كلّه في المكيل والموزون .
وأمّا المعدود فهو أيضاً ملحق بالمكيل والموزون ولابدّ فيه من العدّ أو الكيل أو الوزن الموصل إلى العدّ ولا يصحّ بيعه جزافاً على ما يستفاد من تقرير الإمام (عليه السلام) في رواية الحلبي(1)حيث إنّ السائل فيها اعتقد عدم جواز بيع المعدود جزافاً وقرّره عليه الإمام ولم يردعه عن عقيدته ، ولكنّه جوّز بيعه بالكيل المجعول طريقاً إلى عدّه ، وأمّا التكلّم في صغريات المعدودات فهو خارج عن محطّ الكلام في المقام ، والظاهر أنّه يختلف باختلاف الأماكن والموارد فيباع البيض في ايران بالوزن و في العراق بالعدّ فلابدّ من أن يعامل في كلّ بلدة بعادتها ، هذا كلّه في المعدود .
وأمّا المذروع فلم ترد فيه رواية ولم يمنع عن بيعه جزافاً اللهمّ إلا أن يستفاد من الأخبار الواردة في المكيل والموزون والمعدود أنّ نظر الشارع من اعتبار الكيل وأخواته إلى حفظ النظام وعدم اختلال الأوضاع ، وعليه فلابدّ من اعتبار الذرع في المذروع لأجل ما ذكر أو الكيل أو الوزن الموصل إلى الذرع ولا يجوز بيعه جزافاً ، واستفادته هذه من الرواية ممّا يوافق الإنصاف ، وإن لم نستفد ذلك من
1) تقدّمت في الصفحة 364 .
الأخبار وتمّ هناك دليل نهي النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) عن الغرر فيلاحظ ذلك في المذروع أيضاً فيجوز بيعه جزافاً إلّا فيا أوجب الغرر ، فلا مانع من بيع مقدار من المذروع في مقابل مذروع آخر بهذا المقدار في الميزان فيما إذا كانا متساويين في القيمة لعدم الغرر حينئذ ، وإن لم يتم دليل الغرر أيضاً فلا محالة يجوز بيع المذروع جزافاً حينئذ لعدم الدليل على اعتبار الذرع أو الكيل فيه .
بقي الكلام في جواز بيع المكيل بالوزن وبيع الموزون بالكيل وأنّه صحيح مطلقاً أو غير صحيح كذلك أو أنّ فيه تفصيلاً فيجوز بيع المكيل بالوزن دون العكس كما ذهب إليه شيخنا الأنصاري(1)من جهة أنّ الوزن هو الأصل وقد جعل الكيل طريقاً إليه فلا مانع من وزن المكيل بوجه وهذا بخلاف العكس ولعلّ ذلك ظاهر . ولعلّ القائل بالجواز مطلقاً نظر إلى الروايات الواردة في المكيل والموزون واستفاد منها أنّ التقدير في الجملة لابدّ منه في المكيل والموزون حتّى يخرج البيع بذلك عن كونه جزافاً ، وأمّا اشتراط تقدير المكيل بالكيل والموزون بالوزن فممّا لا يدلّ شيء من الأخبار عليه ، فلا مانع من تقدير المكيل بالوزن أو الموزون بالكيل لخروج المعاملة بذلك عن الجزافية ، هذا .
وفيه : أنّ تقدير مالية المال بغير ما تعرف ماليته به لا يخرج المعاملة عن كونها جزافاً ، ومن المعلوم أنّ مقدار المالية في الموزون إنّما تعرف بالوزن كما أنّ مقدار مالية المكيل تعرف بالكيل على ما تعارف فيهما عرفاً ، فتقدير أحدهما بالآخر تقدير للمالية بشيء غير معلوم من حيث المالية ، فلا تخرج المعاملة بذلك عن الجزافية قطعاً، والمعاملة الجزافية ممّا منعت عنه الروايات ، هذا .
ولا يخفى أنّ البحث في المقام إنّما هو على تقدير الاستدلال بالروايات وأمّا
1) المكاسب 4 : 219
بناءً على أنّ الدليل في اعتبار الكيل والوزن هو دليل نفي الغرر فجواز بيع المكيل بالوزن أو الموزون بالكيل يتبع تحقّق الغرر وجوداً وعدماً .
وأمّا ما ذهب إليه شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) من التفصيل بين بيع المكيل بالوزن وبين العكس بتجويز المعاملة في الأوّل دون الثاني ، فالوجه فيه ما أفاده من أنّ الأصل في التقدير هو الوزن والكيل إنّما هو فرع له ، فإذا أوقعنا المعاملة على المكيل بالوزن فقد قدّرناه بما هو الأصل في التقدير ، وهذا بخلاف ما إذا قدّرنا الموزون بالكيل لاستلزامه الجزافية وعدم معرفة المقدار في المثمن أو الثمن .
ويدفعه : أنّ بيع الموزون بالكيل كما لا يكفي في خروج المعاملة عن كونها جزافية كذلك لا يوجب تقدير المكيل بالوزن صحّة المعاملة وخروجها عن الجزافية وذلك لما أشرنا إليه من أنّ تقدير مالية المال إذا كان بالوزن أو بالكيل فلا يكون تقدير ماليته بشيء آخر موجباً لمعلومية مقدار ماليته فتكون المعاملة بذلك جزافية نعم ما أفاده من أنّ الأصل في التقدير هو الوزن ممّا لا يمكن إنكاره ، وذلك لاختلاف المكائيل في البلدان وعدم رجوعها إلى شيء آخر غير الوزن بالأخرة ، فالوزن هو الأصل لرجوع الأوزان على اختلافها إلى شيء واحد وهو المثقال الذي هو أربعة وعشرون حمّصة ، إلّا أنّ ذلك لا يوجب جواز بيع المكيل بالوزن لعدم معلومية مقدار المالية في المكيل إلّا بالكيل ولعلّه ظاهر ، هذا أوّلاً .
وعلى تقدير الإغماض والبناء على عدم الجزافية في المكيل عند تقديره بالوزن فنقول ثانياً : إنّ الرواية الثانية وهي رواية ابن محبوب عن زرعة عن سماعة(1)قد دلّت على أنّ المكيل والموزون لايباع إلّا بالكيل أو الوزن ، وظاهرها هو اللفّ والنشر بمعنى أنّ الكيل لابدّ في المكيل والوزن في الموزون ، لا أنّ المكيل والموزون
1) الوسائل 17 : 345 / أبواب عقد البيع وشروطه ب 5 ح 7 .
يباع بالمجموع من الكيل أو الوزن بأن يقع مجموعهما في مقابل المكيل والموزون حتّى يستفاد منها أنّ في بيع المكيل والموزون لابدّ من أحدهما من دون تعيين الكيل في المكيل والوزن في الموزون وهو القول بالجواز مطلقاً ، وهذه الرواية لو لم تكن ظاهرة فيما ادّعيناه من اعتبار الكيل في المكيل بخصوصه واعتبار الوزن في الموزون كذلك فلا محالة ليست بظاهرة في كفاية أحدهما في بيع أحدهما أيضاً ، وعليه فتكون الرواية مجملة فلابدّ من المراجعة إلى سائر العمومات والاطلاقات ، هذا كلّه في عدم كفاية الوزن في المكيل .
نعم لو كان البيع واقعاً على الموزون بالوزن ولكنّا جعلنا الكيل طريقاً إلى الوزن للتسهيل بأن كلنا مقداراً من الطعام في ظرف فوزنّاه وعلمنا مقداره بحسب الوزن ثمّ كِلناه ثانياً على حساب الوزن الأوّل ، فلا إشكال في صحّته وكفايته ، لأنّ ذلك فى الحقيقة تقدير بالوزن غاية الأمر لا بالميزان بل بالمكيال وبذلك نستكشف مقداره بحسب الوزن ، ولا يضرّ في ذلك ظهور الاختلاف اليسير بين ذلك وبين المقدار الموزون كما إذا نقص عنه بشيء يتسامح فيه عادة أو زاد عنه كذلك ، لأنّ ذلك ممّا لابدّ منه حتّى في الوزن بالميزان ولا يوجد ميزانان في العالم بحيث لا يكون بينهما الاختلاف في مقدار قليل هذا ، بل لو ظهر الاختلاف بكثير أيضاً لا يضرّ ذلك في صحّة المعاملة بل غاية الأمر أنّ المشتري له أن يرجع إلى البائع بالمقدار الناقص وهذا أشبه شيء ببيع الكلّي وتسليم الناقص في مقام التسليم .
و ممّا ذكرناه ظهر أنّ ما أورده شيخنا الأُستاذ(1)على شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) من أنّ بيع الموزون بالكيل لو كان صحيحاً حتّى في صورة انكشاف النقصان بمقدار لا يتسامح فيه الجاز بيع الموزون بلاكيل ووزن على أنّه كذا مقدار فإنّه أيضاً إذا
1) منية الطالب 2 : 366
ظهر ناقصاً يرجع إلى البائع بمقدار الناقص مع أنّ المعاملة في هذه الصورة باطلة غير وارد من أساسه أساسه ، وذلك لأنّ مفروض كلام الشيخ (رحمه الله) إنّما ه-و ص-ورة استكشاف وزن المبيع بالكيل بالاطمئنان ، وأنّ لها صورتين صورة المطابقة وعدم ظهور النقص وصورة الاختلاف وظهور النقصان بمقدار كثير ، وما أورده عليه من النقص لا كشف لمقدار المبيع فيه لا بالوزن ولا بالكيل ولا بإخبار البائع ، وبيع المكيل والموزون بالمشاهدة غير صحيح ولأجل ذلك لا وجه لصحّته أبداً ، وهذا بخلاف الصورة المتقدّمة فإنّ المقدار والوزن مستكشفان بالكيل في الابتداء والكيل طريق إلى الوزن إلّا أنّه ظهر فيه النقص بعد انعقاد المعاملة صحيحة ، هذا .
ثمّ إنّ شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1)بعد ذلك ذكر أنّه علم ممّا ذكرناه أنّ المقدار في الموزون والمكيل لابدّ وأن يكون معلوماً لكلّ واحد من المتبايعين ، وإذا فرضنا أنّ المعاملة وقعت على عنوان مقدار من المقادير معلوم عند أحدهما دون الآخر كالحقّة والرطل والوزنة باصطلاح أهل العراق الذي لا يعرفه غيرهم سيّما الأعاجم فهي محكومة بالبطلان لا محالة ، لأنّ مجرّد ذكر أحد هذه العناوين وجعله في الميزان ووضع صخرة مجهولة المقدار معلومة الاسم في مقابله لا يوجب للجاهل معرفة زائدة على ما يحصل بالمشاهدة ، هذا .
ولا يخفى أنّ العلم بالمقادير على نحو التفصيل إن كان معتبراً في صحّة المعاملات فاللازم بطلان أكثر المعاملات بل أجمعها لأنّ المتعاملين غالباً لا يعرفون أوزان المقادير تفصيلاً حتّى أنّهم لا يدرون أنّ الحقّة أو الوقية تساوي بكم مثقال وأنّ المثقال أيّ مقدار غالباً ، وإن قلنا بكفاية العلم بالمقادير في الجملة فهو موجود في معاملات الأعاجم مع أهل العراق لأنّه يراه في الميزان ويعلم أنّه بمقدار حقّة
1) المكاسب 4 : 224 .
وهذا المقدار من العلم بالمقدار كافٍ في صحّة المعاملات ولا نظنّ أحداً يحكم بفساد تلك المعاملات الواقعة بين الأعاجم وأهل العراق مثلاً ، وقد أشرنا سابقاً إلى أنّه إذا عرف من المقادير اسمها لا حقيقتها وعامل معاملة في الذمّة مثلاً كما إذا اشترى حقّة من الحنطة في ذمّة البائع والحال أنّه لم ير ولم يعلم أنّ الحنطة بمقدار الحقّة أيّ مقدار فلا محالة يحكم ببطلانها لعدم العلم بالمقدار حقيقة ، وهذا بخلاف ما إذا رأى المقدار في الميزان وعلم مقداره بالمشاهدة ولعلّ ذلك ظاهر ، هذا كلّه في المكيل والموزون .
وأمّا المعدود فقد يستفاد من رواية الحلبي عدم جواز بيع جواز بيع المعدود بغير العدّ لأجل تقرير الإمام وعدم ردعه السائل عن اعتقاده عدم جواز بيع المعدود بغير العدّ ، وهو كذلك كما أشرنا إليه سابقاً ، فهل يكفي فيه الكيل أو الوزن فيما إذا جعلا طريقاً إلى العدّ ، الظاهر أنّه لا مانع من ذلك بوجه كما صرّح به في الرواية المتقدّمة ولا ينافي ذلك ظهور الاختلاف في بعض الأوقات بمقدار يسير ، وهذا لا يختصّ بحال الاضطرار بل يجوز في حالتي الاختيار وعدمه .
وقد يقال إنّ ظاهر الرواية أنّ السائل كان يعتقد عدم جواز بيع المعدود بغير العدّ في حال الاختيار فلذا سأله عن صورة عدم استطاعة العدّ والاضطرار إلى الكيل ، والإمام (عليه السلام) قرّره على ذلك .
ولكن يمكن المناقشة في ذلك : بأنّ الوجه في عدم السؤال عن كيل المعدود في صورة التمكّن من العدّ ليس هو الاعتقاد بعدم جوازه بل لعلّه من أجل عدم الحاجة إلى الكيل مع التمكّن من العدّ الذي هو أسهل من الكيل فلا تقرير في الرواية بوجه وهذا ظاهر .
والكلام إنّما هو في كيل المعدود أو وزنه على نحو الاستقلال من دون أن يجعلا طريقاً إلى العدّ ، فهل يجوز ذلك مطلقاً أو لا يجوز كذلك أو يفصّل بين الكيل والوزن ويحكم بالجواز في الوزن وبعدمه في الكيل ؟ وجوه
اختار شيخنا الأنصاري(1)التفصيل بينهما ، ولم يذكر الوجه في صحّة الوزن في المعدود بل اكتفى بنقل كلمات الأصحاب في أنّه لا يجوز السلم في المعدود إلّا بالوزن ، والظاهر عدم كفاية شيء من الكيل والوزن في صحّة المعاملة في المعدودات ، وذلك لأنّ المالية في المعدودات إنّما هي بالعدّ كما أنّها في المكيل بالكيل وفي الموزون بالوزن ، إذ الميزان في مالية كلّ شيء بحسبه ، وهذه المالية لا تعلم في المعدود إلّا بالعدّ لا بالكيل والوزن لأنّ الكيل أو الوزن لا يعيّنان مقداره حتّى يعلم به ماليته ، فتكون المعاملة في المعدود بالكيل والوزن جزافية لما مرّ من أنّ الجزاف عبارة عن عدم العلم بمقدار مالية المال، هذا كلّه في المكيل والموزون والمعدود .
والكلام بعد ذلك يقع في أنّ المناط في كون شيء من المكيل أو الموزون ماذا وقد نسب إلى المشهور في الحدائق(2)وغيره ، وإن استشكل ف-ي-ه ص-احب الجواهر(3)وأيّد النسبة إلى المشهور شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) ، أنّ المناط في المكيل والموزون والمعدود هو زمان النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) ، وكلّ شيء كان مكيلاً أو موزوناً في زمانه (صلّى الله عليه وآله وسلم) فهو مكيل أو موزون إلى يوم القيامة ، هذا فيما علمنا بأنّه كان كذلك في زمان النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) ، وأمّا ما لم يكن كذلك فلابدّ فيه من ملاحظة العادة في جميع البلدان ، فإن كان في جميعها مكيلاً أو موزوناً وإن كان في بعض البلدان الصغيرة على خلافها أيضاً فيعامل معه معاملة المك-ي-ل والموزون ، وإذا فرضنا البلدان الغالبة مختلفة بأن كان في هذا البلد مكيلاً وفي الآخر موزوناً وفي ثالث معدوداً ، فاللازم مراعاة المتعارف في كلّ بلد بخصوصه فيعامل مع
الشيء الواحد في هذا البلد معاملة المكيل والموزون وفي البلد الآخر معاملة المعدود وهكذا هذا .
وقد ذكروا نظير ذلك بل عينه ومطابقه في الربا ، وأن المناط أوّلاً هو ملاحظة زمان النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) ثمّ العرف العام ثمّ عادة كلّ بلد بخصوصه، وهذا إن قام على طبقه إجماع واتّفاق أو ورد في بعض خصوصياته نصّ ورواي--ة ك-ما في الدرهم والدينار حيث ورد أنّهما من المكيل والموزون ويدخل فيهما الربا وإن كان معدوداً في مقام المعاملة فهو ، وإلّا فاثبات ذلك لعلّه مستحيل فضلاً ع-ن ت-ع-سّ-ره والوجه في ذلك أنّ الجمع بين القضية الحقيقية التي يترتّب فيها الحكم على موضوعاته المقدّرة والمفروضة الوجود ، وبين القضية الخارجية المترتّب فيها الحكم على موضوعاته المعلومة والمتحقّقة في الخارج غير ممكن ، فإن كان الحكم بأنّ المكيل والموزون لا يباع إلّا بالكيل أو الوزن من قبيل القضايا الخارجية بأن يكون النظر فيه إلى المكيل والموزون الموجودين في الخارج في زمن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) وزمن صدور الحكم فلا محالة تختصّ أحكام الكيل والوزن بما هو كذلك في زمان النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم)ولا يتعدّى عنه بوجه ، وعليه فما الوجه في التزام المشهور بجريان أحكامهما التي منها جريان الربا فيما صار مكيلاً أو موزوناً في العرف العام وجميع البلدان بعد ما لم يكن مكيلاً أو موزوناً في زمانه (صلّى الله عليه وآله وسلم) ، وإن كان الحكم فيهما على نحو القضايا الحقيقة بأن يكون النظر فيه إلى كلّ ما وجد في الخارج وصدق عليه المكيل والموزون المعبّر عنه بالأفراد المقدّرة الوجود بحيث يشمل كلّ ما هو مكيل فعلاً وما سيوجد بعد ذلك ، فيرتفع الإشكال المتقدّم إلّا أنّه يتوجّه عليه أنّهم لماذا لا يجرون أحكام المكيل والموزون فيا لم يكن من قبيلهما في زمان النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) وصار منهما بعده حيث ذكروا أنّه يعامل معه معاملة غير المكيل والموزون إلى يوم القيامة مع أنّه صار من أفراد الموضوع الذي
حكم عليه بأحكام المكيل والموزون في القضية الحقيقية .
وبالجملة : الجمع بين هذين الأمرين مستحيل كما ذكره شيخنا الأنصاري من أنّ الجمع بينهما وتطبيقهما على الروايات مشكل ، بل قد عرفت أنّه متعذّر لعدم الجامع بين القضيّتين .
والظاهر أنّ هذا الحكم كنظائره من الأحكام والقضايا المجعولة على نحو القضية الحقيقية وأنّ المناط فيه هو صدق عنواني المكيل والموزون على شيء من دون اختصاصه بالأفراد المتحقّقة منها في زمان النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) كما لع--لّ-ه يشير إلى ذلك بقوله (عليه السلام) « وما كان من طعام سمّيت فيه كيلاً » الخ ، فإنّ ظاهره أنّ ما كان من الطعام المتعارف كيله فلا يجوز بيعه مجازفة ، وهذا عنوان لا يختصّ بالأفراد الموجودة بل يعمّها وما يتحقّق فيما بعد من الأفراد كما هو الشأن في جميع القضايا الحقيقية ، لأنّ الحكم فيها إنّما يترتّب على الأفراد المقدّرة الوجود فيتوقّف ترتّبه على شيء على صدق ذلك العنوان في الخارج ، فإذا ورد أنّ العالم يجب إكرامه فيلاحظ في الحكم بالوجوب أنّ هذا الشخص فعلاً يصدق عليه عنوان العالم أو لا ، فإذا صار أحد متّصفاً بذلك العنوان فيدخل تحت الحكم بوجوب إكرامه سواء كان متّصفاً به في زمان ورود الحكم أيضاً أم اتّصف بذلك بعده ، كما أنّه لا يشمل من انقلب عنه وخرج عن العالمية فعلاً ولو كان متّصفاً به قبل ذلك ، وعلى هذا فالميزان في الحكم بلزوم الكيل والوزن هو ملاحظة المتعارف في كلّ بلد بلد ، فإذا كان شيء في بلد من المكيل أو الموزون فيلحقه حكمه ولو كان في البلد الآخر معدوداً أو شيئاً آخر ، وهذا هو المناط في المكيل والموزون من حيث الحكم بالكيل والوزن وجريان أحكام الربا ، اللهمّ إلّا أن يرد نصّ في خصوص شيء ويدلّ على أنّ ذلك الشيء بما أنّه كان من المكيل والموزون في زمان النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) فهو محكوم بحكمهما إلى يوم القيامة وإن انقلب منهما وصار بعده من المعدود أو غيره ، وهذا نظير الدراهم
الأوضاحية وغيرها من الدراهم والدنانير فإنّها من المكيل والموزون ويلحقهما حكمهما من حيث جريان الربا وإن صارا في الخارج من المعدود ، أو يقوم إجماع كاشف عن رأي المعصوم (عليه السلام) على أنّ ما كان مكيلاً أو موزوناً في زمانه (صلّى الله عليه وآله وسلم) فهو محكوم بحكمهما إلى يوم القيامة ، ففي كلّ مورد لم يرد فيه نصّ أو إجماع فحكمه ملاحظة أنّه من المكيل أو الموزون في هذا البلد أم من غيرهما فعلى تقدير صدق ذلك العنوان عليه يجري فيه أحكامهما من جهة لزوم كيله ووزنه وجريان الربا ، وإن كان في البلد الآخر محكوماً بالعدد وغير داخل في المكي-ل والموزون ، هذا ملخّص الكلام في مناط المكيل والموزون .
بقي هنا شيء وهو أنّ المبيع إذا كان في بلد المكيل والموزون ووقع عليه العقد في بلد ليس ذلك المبيع فيه من قبيل المكيل والموزون ، فهل اللازم اعتبار م-ا ه-و متداول في مكان البيع والحكم بعدم لزوم كيله ووزنه ، أو أنّه لابدّ من ملاحظة مكان المبيع والحكم بكيله ووزنه ؟ الظاهر هو الثاني لأنّ المفروض أنّ المبيع هو بادنجان كربلاء مثلاً وهو فيها ممّا يوزن أو يكال ، فالبيع إنّما وقع على ما يصدق عليه المكيل والموزون إذ المفروض أنّ بادنجان كربلاء مكيل أو موزون فلا اعتبار بمكان إنشاء البيع بوجه .
ثمّ إنّ هنا فروعاً لابدّ من أن يراجع فيها إلى الأُصول العملية وذلك كما إذا وقعت المعاملة على شيء في صحراء متوسط بين البلدين لا يلتحق بذلك ولا بذاك لعدم كونه من ملحقاتهما فهل اللازم فيه اعتبار الكيل أو الوزن ؟ الظاهر أنّ حكمه جواز بيعه من غير كيل ولا وزن ، إذ يكفي في عدم لزوم وزنه وكيله عدم كونه مكيلاً وموزوناً فيرجع إلى عمومات أدلّة الامضاء .
الكلام في جواز تصديق البائع في إخباره
والكلام في ذلك يقع في جهات ثلاث :
الجهة الأُولى : في أصل ذلك ، ولا ينبغي الإشكال في أنّ البائع يعتبر قوله وإخباره عن كيل المبيع ووزنه ، لدلالة الروايات المتقدّمة على تصديق البائع في إخباره وجواز تصديقه ، والاكتفاء به عن الكيل والوزن ممّا لا يعتريه ريب . وأمّا ما ربما يتوهّم من ذيل صحيحة الحلبي المتقدّمة من منعه (عليه السلام) عن تصديق البائع في إخباره ، فقد تقدّم دفعه وأنّه (عليه السلام) إنّما منعه عن تصديقه من أجل أنّ إخباره كان مستنداً إلى حدسه ونظره لا إلى حسّه وكيله ووزنه ، والروايات إنّما تدلّ على أنّ إخباره عن حسّه كما إذا كاله أو وزنه بنفسه ثمّ أخبر به المشتري ممّا يمكن الاكتفاء به لا مطلقاً ولو كان إخباره مستنداً إلى حدسه ونظره ، وهذا ظاهر .
الجهة الثانية : في أنّ إخبار البائع وقبول قوله هل أنّه من جهة الموضوعية في إخباره بأن يعتبر الشارع في بيع المكيل والموزون أحد الأمرين الكيل والوزن أو إخبار البائع بهما ولو كان البائع فاسقاً مشتهراً بالكذب في أقواله وأخباره ، أو أنّه من جهة الطريقية إلى وزنه أو كيله فلابدّ وأن يكون المخبر ثقة أو يحصل الاطمئنان بخبره وإلّا فلا يصغى إلى إخباره بل لابدّ من كيله أو وزنه ، أو أنّه لا ذاك ولا هذا بل من أجل أنّ إخباره بمنزلة الاشتراط على أنّه بذاك المقدار وبما أنّه يوجب انتفاء الغرر عن المشتري إذ له أن يفسخ المعاملة على تقدير عدم كونه بهذا المقدار فلذا كان موجباً لصحّة البيع من دون اعتبار شيء من الكيل أو الوزن فيه ؟
الصحيح هو الثاني من الاحتمالات ، لأنّ احتمال الموضوعية في الإخبار بعيد بل قد دلّت الروايات (1)على أنّه إذا ائتمنك فلا مانع من أن يشتريه بلا كيل أو إذا
1) الوسائل 17 : 343 / أبواب عقد البيع وشروطه ب5 .
صدّقته فلا مانع ، فمنه يظهر أنّ إخباره طريق إليهما لا أنّ له موضوعية في جواز المعاملة ، إذ لو كان الأمر كذلك لصحّ الاكتفاء بإخباره حتّى مع عدم الاطمئنان بصدقه أو مع فسقه وكذبه ، وقد عرفت عدم صحّة الاعتماد عليه حينئذ بحسب دلالة الأخبار ، وأمّا احتمال أنّه من أجل رجوعه إلى الاشتراط الموجب لانتفاء الغرر فأبعد ، لأنّه لو كان موجباً لصحّته لجازت المعاملة بالاشتراط على أنّه كذا مقدار من دون توسيط إخبار البائع مع أنّه من الجزاف بل لابدّ من كيله ووزنه ، والوجه فيه أنّ المستند في اعتبار الكيل والوزن ليس هو دليل نفي الغرر حتّى يتوهم صحّة المعاملة فيما انتفى فيه الغرر ولو بغير الكيل والوزن ، بل المستند فيه هو الأخبار والروايات الواردة في الباب ، وعليه فلا يفرق في اعتبارهما بين انتفاء الغرر وعدمه .
الجهة الثالثة : أنّ المبيع إذا ظهر على خلاف ما أخبر به البائع من مقداره ووزنه بأن ظهر أنّه أنقص ممّا أخبر به أو ظهر أنّه أزيد إمّا من أجل تعمّد البائع أو سهوه واشتباهه ، فهل اللازم بطلان المعاملة حينئذ لأنّ البيع إنّما وقع على م-ا ه-و معنون بعنوان كونه كذا مقدار والمدفوع غير متّصف به فتكون المعاملة الواقعة عليه بما أنّه كذا وكذا باطلة ، أو أنّ المعاملة صحيحة غاية الأمر يتخيّر المشتري بين الفسخ وإمضائها ، وعلى تقدير الامضاء هل يمضى العقد بالثمن المسمّى على ذلك المبيع الناقص بحسب الفرض بأن يقع الثمن بأجمعه في مقابل الناقص أو أنّه يمضى في المقدار الباقي بأن يخرج من الثمن بنسبة الناقص إلى المثمن لا أنّه يعطى جميعه في مقابل ذلك الناقص ، ففي المقام موارد للبحث .
المورد الأوّل : في أنّ ظهور المبيع أنقص من المقدار الذي أخبر به البائع أو قامت البيّنة عليه أو أزيد من ذلك المقدار يوجب بطلان المعاملة أو أنّه لا يضرّ بصحّتها ؟
ربما يقال ببطلان المعاملة فى هذه الصورة من جهة أنّها من قبيل تخلّف العنوان
عن المعنون نظير ما إذا باع شيئاً على أنّه كتّان فظهر أنّه قطن فالمعاملة باطلة . ثمّ يجاب عن ذلك بأنّ البطلان في المثال من جهة أنّ المبيع غير الموجود بحسب الجنس وهذا لا يقاس بالمقام لأنّ المبيع والموجود كلاهما من جنس واحد بل هو هو وإنّما الاختلاف بينهما في الكمّ وظهور أنّه أنقص منه بشيء ، فهما متحدان جنساً ووصفاً إلّا في خصوص الكمّ ، هذا .
واحتمل شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1)البطلان في المقام ثمّ ذهب إلى صحّتها مع الخيار ، وما ذهب إليه (قدّس سرّه) هو الصحيح وتوضيح ذلك : أنّا ذكرنا مراراً أنّ المواد المشتركة بين الموجودات والأشياء المعبّر عنها بالهيولى لا تقابل بالمال أبداً ، لأنّ المادّة المشتركة بين التراب والذهب لا يدفع بازائها المال خارجاً وإنّما المال يبذل بازاء الأوصاف بمعنى أنّها واسطة لثبوت المالية للمواد . وهذه الأوصاف تارة تكون من قبيل الصور النوعية وأُخرى تكون من الأعراض غير المقوّمة ، فإذا تخلّفت الصورة النوعية في معاملة سواء كان ذلك من الصور النوعية العقلية أم كان من الصور النوعية العرفية بطلت المعاملة ، مثلاً إذا باع جارية فظهر أنّها فرس فإنّ الصورة النوعية مختلفة فيهما عقلاً إذ المفروض أنّ أحدهما صامت والآخر ناطق فيحكم ببطلان المعاملة من جهة أنّ الموجود لم يقع عليه بيع وما وقع عليه البيع غير موجود بحسب الفرض . أو إذا باع جارية فظهر أنّها عبد فإنّ الصورة النوعية فيهما مختلفة عرفاً وإن لم تكونا كذلك عقلاً لاتّحادهما بنظر العقل حقيقة إذ الذكورية والأُنوثية ليست مقوّمة بنظر العقل بوجه وإنّما هما من الأعراض فلذا يمكن أن يتبدّل أحدهما بالآخر بإعجاز أو بغيره كما ربما يتّفق في بعض الموارد ، إلّا أنّهما لمّا كانتا من الصور النوعية عرفاً فلذا يحكم ببطلان المعاملة حينئذ لأنّ ما وقع
1) المكاسب 4 : 241 .
عليه البيع غير موجود والموجود لم يقع عليه بيع ، فالبطلان في المعاملات عند التخلّف إنّما هو في هاتين الصورتين .
وأمّا إذا ظهر الاختلاف والتخلّف في بعض الأعراض دون الصور النوعية كما إذا باع الحنطة على أنّه كذا مقدار ثمّ ظهر أنّه أنقص منه أو أزيد ، فإنّ الموجود والمبيع حينئذ شيء واحد حقيقة وعرفاً ولا اختلاف بينهما إلّا في خصوص المقدار والكم ففي مثل ذلك لا وجه للبطلان غاية الأمر أنّ للمشتري الخيار لتخلّف شرط أنّه كذا مقدار .
المورد الثاني : أنّ الخيار الثابت في المقام هل هو خيار الغبن أو أنّه خيار تخلّف الشرط ؟ ظاهر كلام العلّامة (قدّس سرّه)(1)هو الأوّل حيث ذكر في قواعده عند ظهور الزيادة أو النقيصة أنّ المغبون منهما يتخيّر بين الفسخ والامضاء ، ولكن الصحيح أنّ الخيار في المقام خيار تخلّف الشرط ، وأمّا تعبير العلّامة (قدّس سرّه) ففيه من المسامحة ما لا يخفى ، ولعلّه بذلك أراد إثبات الخيار لكلّ من توجّه عليه الضرر منهما ، فعلى تقدير الزيادة فالضرر متوجّه على البائع فهو على خيار ، كما أنّه على تقدير النقيصة متوجّه على المشتري فهو مخيّر بين الفسخ والإمضاء ، ولم يرد الغبن الاصطلاحي إذ لم تقع المعاملة على ثمن زائد عن القيمة السوقية حتّى يتوهّم أنّ المشتري مغبون في المعاملة لأنّه اشتراه بأكثر من القيمة السوقية وذلك ظاهر ، وهو نظير تعبير الشهيد في اللمعة كما نقله شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(2)بل الظاهر أنّ الخيار مستند إلى تخلّف الشرط كما عرفت ، هذا .
وربما يمنع عن ذلك بأنّ هذا الخيار إنّما يثبت مع التصريح باشتراط الوصف
والمقدار في العقد وهو غير مفروض الكلام ، لأنّ الفرض أنّ البيع وقع عليه بما أنه كذا مقدار ولم يشترط فيه المقدار بالصراحة .
وأجاب عن ذلك شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) بأنّ ذلك في الأوصاف الخارجية التي لا يشترط اعتبارها في صحّة المعاملة كالكتابة والخياطة ونحوهما وأمّا الوصف المأخوذ في عنوان المبيع بحيث لو لم يلاحظ لم يصحّ البيع كالمقدار المعيّن من الكيل أو الوزن فلا يحتاج إلى ذكره في متن العقد ، بل الأوصاف غير الدخيلة في صحّة المعاملة أيضاً إذا وقعت المعاملة عليها لا يحتاج إلى ذكرها في العقد ، فإذا باعه عبداً كاتباً بقوله بعتك هذا العبد الكاتب بكذا فإنّه بمنزلة أن يقول بعتك هذا العبد بشرط أن يكون كاتباً فيوجب تخلّفه الخيار ، فهذا الإشكال ممّا لا أساس له .
المورد الثالث : أنّ المشتري إذا فسخ العقد فهو ، وأمّا إذا رضي به وأمضاه فهل يرجع إلى البائع بالثمن بنسبة الناقص إلى المبيع ، أو أنّ الثمن بأجمعه يقع في مقابل المبيع الذي ظهر نقصه ؟ لا ينبغي الإشكال في أنّ المشتري له أن يرجع إلى البائع بجزء من الثمن نسبته إليه كنسبة الناقص إلى المبيع ، ولا وجه لتوهّم عدم جواز رجوعه ، والوجه في ذلك أنّ الثمن يتقسّط على أجزاء المبيع في المعاملات فإذا اشترى عشرة أمنان من الحنطة بعشرة دراهم فمعناه أنّه اشترى ك--لّ م-نّ ب-درهم وعليه فإذا ظهر أنّه أنقص من المقدار المعيّن بمنّين فلا محالة يكون جزءان من الثمن بلا مثمن وبلا عوض ، فالمعاملة تصير بالاضافة إليهما باطلة ، إذ لا معنى للبيع ب-لا مثمن ، وأمّا في غيرهما من الأجزاء الباقية فالمعاملة صحيحة ولكن للمشتري خيار تبعّض الصفقة لأنّه إنّما اشترى الثمانية بشرط أن تكون في ضمن العشرة ولم يشتر الثمانية باستقلالها ومرجع ذلك الخيار إلى خيار تخلّف الشرط كما عرفت ، وبالجملة لا يقاس المقام بما إذا اشترى شيئاً بوصف معيّن فظهر أنّه فاقد له فإنّ الثمن لا يتبعّض حينئذ لأنّه بأجمعه إنمّا وقع في مقابل الموصوف ، وأمّا الصفة فهي ممّا لا يقع بازائها
الثمن ، وهذا بخلاف المقام لأنّ الفرض أنّ المبيع ظهر ناقصاً وفاقداً لبعض أجزائ--ه و هی أي الأجزاء يتقسّط الثمن عليها بلا خلاف .
المورد الرابع : إذا ظهر أنّ المبيع أزيد من المقدار المعيّن فهل للبائع أن يفسخ المعاملة أو لا ؟ الظاهر أنّه لا وجه للخيار للبائع أبداً وغاية ما هناك أنّه يرجع في مقدار الزائد إلى المشتري ، إذ لا وجه ولا موجب لتخيّره بين الفسخ والامضاء وهذا لا يقاس بما إذا ظهرت الزيادة في الأوصاف التي لا يتمكّن البائع من إرجاعها إلّا بارجاع نفس الموصوف كما إذا باع عبده بما أنّه مريض ثمّ ظهر أنّه صحيح فإنّ البائع يتخيّر حينئذ بين الفسخ والامضاء بلا كلام ، وأمّا في المقام الذي له أن يأخذ الزيادة فلا موجب للخيار ، نعم يوجب ذلك اشتراك المثمن بينهما وهذا أي الشركة نقص وعيب في المال فللمشتري خيار العيب وله أن يفسخ المعاملة أو يلتزم بها ولكنّه لا أرش له لأنّه ليس ممّا يقابل بالأرش فالخيار للمشتري دون البائع ، فما أفاده شيخنا الأُستاذ(قدّس سرّه)(1)من أنّ الخيار للمشتري على كلا تقديري ظهور الزيادة والنقصان هو الصحيح .
الكلام في بيع المشاهد
قد عرفت أنّه يعتبر الكيل والوزن في المكيل والموزون كما أنّه يعتبر العدّ والذرع في المعدود والمذروع للقطع بعدم الفرق بينها ، وأمّا ما ليس من قبيل المكيل ولا الموزون ولا المعدود ولا المذروع فلا مانع من بيعه بالمشاهدة وذلك كما في الأراضي والدور لتفاوت قيمتها باختلاف الأنظار ، فإذا اشترى داراً أو أرضاً بالمشاهدة وكانت بنظره كذا مقداراً ثمّ انكشف أنّها أقلّ من ذلك المقدار فلا خيار
1) منية الطالب 2 : 375 - 376 .
له ، كما لا إشكال في صحة بيعه وذلك لأنّه إنّما اشتراها بالمشاهدة ولم يشترط في عقد المعاملة أن تكون كذا مقدار ، نعم لو اشترط في ضمنها أن تكون كذا مقدار وظهرت أقلّ منه فله خيار تخلّف الشرط كما هو ظاهر .
وذهب العلّامة(1)إلى جواز بيع قطيع الغنم بالمشاهدة ، لأنّ الغنم ليس من المكيل أو الموزون ولا من المعدود والمذروع بل يباع بالمشاهدة لاختلاف قيمته باختلافه من حيث السمن والهزال فلا مانع من بيع القطيع م-ن-ه ب-المشاهدة . واستشكل في ذلك شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(2)من جهة الغرر في أمثالها م--ن المعاملات لاختلاف القطيع من حيث العدد والأفراد وهي غير معلومة للمشتري كما هو المفروض فتكون المعاملة جزافية ، وكيف كان فلا مانع في البيع بالمشاهدة إلّا فيما إذا استلزم الغرر في مورد وبنينا على تمامية أدلّة الغرر من الإجماع أو الرواي--ة ولعلّ ذلك ظاهر .
المبيع تارة يكون تمام الشيء من أوّله إلى آخره وهو ممّا لا إشكال في صحّته وأُخرى يكون بعض أجزائه كثلثه المشاع أو ربعه كذلك ، فيكون المشتري حينئذ شريكاً مع البائع في المال بالثلث والربع أو غيرهما ، وهذا أيضاً لا إشكال في صحّته نظير الشركة الأوّلية كما إذا مات أحد وانتقل ماله إلى ورثته فإنّهم يشتركون في تلك الأموال بالنسبة ، فإذا كانوا ثلاثة فالمال بينهم بالثلث وإذا كانوا اثنين فهو بينهما بالنصف ، وإذا فرضنا أحدهما بنتاً وثانيهما ابناً فثلثاه للابن وثلثه للبنت ولعلّ ذلك
واضح، وكيف كان فبيع بعض أجزاء الشيء يتصوّر على أقسام وصور :
الصورة الأُولى : أن يشتري كسراً مشاعاً كما إذا اشترى منّاً من الحنطة الموجودة في الخارج من غير أن يعلم بأنّ نسبة المنّ إلى مجموع الحنطة بالعُشر أو بالربع أو بغيرهما من المقدار وذلك للجهل بمقدار مجموع الحنطة ، فالبائع لا يدري أنّ المشتري يشترك معه في ثلث ماله أو في ربعه ولكنّه يعلم أنّه يشترك معه في المال بنسبة المنّ إلى مجموع الحنطة فإن كانت هي بالثلث فبالثلث وإن كانت بالربع فبالربع وهكذا ، فمقدار المبيع معلوم ولكن أنّه بأيّة نسبة من الثلث أو الربع غير معلوم .
ولا إشكال في صحّة المعاملة في هذه الصورة للعلم بمقدار المبيع وتعيين النسبة في الواقع وعلم الله ، ولا يضرّ الجهل بها في صحّة البيع بعد العلم بمقدار المبيع ، وهذا لا يختصّ بالحنطة بل يجري ويصحّ في بيع دار من الدارين أو ع-ب-د م-ن الع-بدين بالاشاعة بأن يكون المشتري شريكاً مع البائع في الدارين والعبدين بالنصف نصف من هذه الدار ونصف آخر من الدار الأُخرى ونصف من هذا العبد ونصف آخر من العبد الآخر ، هذا .
ولكن حكي عن العلّامة (قدّس سرّه)(1)الإشكال في صحّة بيع عبد من عبدین أو شاة من شاتين وإن ذهب إلى الصحّة في مثل منّ الحنطة ، ولكن لا فرق بينهما إلّا في أنّ العبد لا يطلق على النصف من عبد والنصف من عبد آخر فلا يصحّ أن يقال عرفاً إنّ له عبداً ، وهذا أمر راجع إلى مقام الإثبات ولا يضرّ بصحّة المعاملة في مقام الثبوت ، إذ لا مانع من إطلاق العبد وإرادة النصفين من عبدين مع علم المتبايعين بالمراد سيّما إذا صرّح بالمراد في العقد ، وأمّا اعتبار الصراحة والحقيقة في المعاملات وأنّ المعاملات لا تصحّ بالألفاظ المجازية أو الكنائية فقد عرفت في
1) التذكرة 10 : 86 .
محلّه أنّه على تقدير اعتباره إنّما يعتبر في نفس البيع والاجارة ونحوهما بأن لا يقول بعت ويريد منه الاجارة وبالعكس ، وأمّا في متعلّقات البيع والمعاملة فلا مانع من استعمال المجاز أو الكناية بل الغلط أيضاً كما مرّ ، وفي المقام قد ذكر البيع بالصراحة وقال بعت وإنّما الإجمال أو المجاز في متعلّقه وهو العبد وقد عرفت أنّه لا يوجب البطلان سيّما مع نصب القرينة أو التصريح بالمراد .
ثمّ إنّ ما ذكرناه في المقام لا يختصّ بما إذا كانت الأجزاء متساوية القيمة بل يجري فيما إذا كانت قيمتها مختلفة أيضاً ، كما أنّه لا يختصّ بما إذا كانت أجزاؤه مجتمعة بل يصحّ فيما إذا كانت الأجزاء متفرّقة كما إذا باعه منّاً من حنطة التي مقدار منها في هذا المكان ومقدار منها في مكان آخر وذلك ظاهر.
الصورة الثانية : أن يكون المبيع من قبيل الكلّي في الخارج وهذه هي التي جعلها شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1)ثالث الأقسام في المقام ونحن قدّمناها على الثاني لنكتة تظهر عن قريب إن شاء الله تعالى .
المبيع تارة يكون كلّياً في الذمّة بأن لا يضاف إلى شيء وله اعتبار عند العقلاء ويعتبرونه مالاً فلذا لا مانع من جعل مثله صداقاً في نكاح أو ثمناً في معاملة بأن يجعل الصداق مائة دينار الثابتة على ذمّة زيد ، وأُخرى يكون كلّياً مضافاً إلى ما في الخارج كبيع صاع من صبرة معيّنة ، ومعنى كونه كلّياً أنّ الخصوصيات والتشخّصات في أفراد الصيعان كلّها مملوكة للبائع ولم تنتقل منه إلى المشتري فلذا ليس له المطالبة بخصوص حصّة معيّنة ، إذ للبائع أن يجيب أنّك إنّما اشتريت صاعاً من الحنطة لا بهذه الخصوصية وهذا ظاهر .
الصورة الثالثة : التي هي الصورة الثانية في كلام شيخنا الأنصاري وهي ما
1) المكاسب 4 : 253
إذا كان المبيع فرداً غير معيّن ونكرة مردّدة بين الأفراد لا كلّياً كما في الصورة الثانية ولا معيّناً في الواقع كما في الصورة الأُولى بل حصّة غير معيّنة واقعاً ولا ظاهراً وهذا هو الذي يعبّر عنه بالنكرة والفرد المنتشر بين الأفراد الذي لا تعيّن له بحسب الواقع وقد وقع الكلام في صحّة المعاملة حينئذ وبطلانها، وحكي عن المحقّق الأردبيلي(1)أنّه ذهب إلى البطلان . وربما أورد على صحّتها بالجهالة تارة والإبهام أُخرى والغرر ثالثاً ، ورابعاً بأنّ الملك صفة وجودية تحتاج إلى محلّ تقوم ب-ه کس--ائر الصفات والفرد المردّد غير متحقّق في الخارج حتّى تقوم به صفة الملك كما هو ظاهر ، هذا .
والأُولى أن يتكلّم في إمكان هذه الصورة واستحالتها حتّى لا نحتاج إلى التكلّم في الصحّة والفساد بعد وضوح استحالتها فنقول : الظاهر أنّ هذه الصورة في حدّ نفسها غير معقولة ، لأنّه إن أُريد بالفرد المنتشر الفرد غير المعيّن في الواقع الذي لا خصوصية له ولا تشخّص فيه بوجه فهذا أمر لا يوجد في الخارج بوجه ،لأنّ الفرد الموجود في الخارج لا معنى لعدم تشخّصه وتعيّنه ، لأنّ الوجود عين التشخّص ولا يوجد في الخارج فرد من دون خصوصية ، فالمبيع أمر غير موجود فعلاً كما أنّه لا يوجد إلى أبد الدهر دائماً فالمعاملة باطلة حينئذ بلا إشكال .
وإن أُريد يد منه الفرد غير المعيّن ابتداءً والمعيّن بعد ذلك واقعاً كما إذا باع صبرة أو عبداً يُعيّنه بعد ذلك ، فإنّ العبد الذي يعيّنه بعد ذلك أمر معيّن في علم الله والواقع وإن كان مجهولاً عنده ابتداء ، فهذا أمر آخر وراء الفرد المنتشر الذي لا تعيّن له في الواقع لما عرفت من أنّه معيّن في علم الله تعالى ومجهول عنده ، فلا يرد عليه شيء من الايرادات المتقدّمة إلّا الجهالة ، فإن كانت الجهالة بهذا المقدار أيضاً موجبة للبطلان فنلتزم ببطلان المعاملة وإلّا فلا .
1) مجمع الفائدة 8 : 181 - 182 .
وأمّا إيراد الابهام فقد عرفت أنّه غير مبهم في الواقع والغرر منتف لفرض تساوي الأفراد والأجزاء بحسب القيمة ، كما أنّ الفرد متحقّق موجود في الواقع فلا مانع من أن يعرضه الملك أبداً ، فلا إشكال فيه إلّا الجهالة وهي إنّما تضرّ فيما إذا قلنا بأنّ الجهالة عند المشتري توجب البطلان وإن كان معلوماً في الواقع ونفس الأمر وكيف كان فهذه الصورة خارجة عن الفرد المنتشر كما عرفت .
فالمتحصّل من جميع ذلك : أنّ الصورة الأُولى وهي بيع كسر مشاع كمنّ و نحوه ممّا تكون النسبة فيه معيّنة في الواقع وإن لم يعلم بها المتبايعان صحيحة وممّا لا إشكال فيه ، لأنّ البائع إنّما يعلم أنّ المشتري صار شريكاً معه في ماله بمقدار نسبته إلى المال كنسبة المنّ إليه ، وأمّا أنّه أي مقدار من الثلث أو الربع فلا علم له به بوجه وقد عرفت أنّ المعاملة في هذه الصورة صحيحة .
وأمّا الصورة الثانية وهي بيع الكلّي في الخارج فهي أيضاً ممّا لا إشكال في صحّته كما أنّه أمر متعارف بين العقلاء ، وذلك لأنّ كثيراً من المعاملات الواقعة بين المتعاملين إنّما هي من قبيل بيع الكلّي في الخارج، هذا مضافاً إلى صحيحة بريد عن أبي عبد الله (عليه السلام) « عن رجل اشترى عشرة آلاف طنّ من القصب من أنبار فيه ثلاثون الف طنّ ثمّ بعد ذلك وقع فيه نار فاحترق منه عشرون طنّ وبقي عشرة آلاف طنّ ، فقال (عليه السلام) العشرة آلاف طنّ التي بقيت هي للمشتري »(1)وذلك لأنّها إنّما تنطبق على بيع الكلّي في الخارج دون صورة اشتراء القصب بوجه مشاع كما في الصورة الأُولى وإلّا فلازمه اشتراك المشتري مع البائع في المقدار الباقي لا اختصاص الباقي بالمشتري فقط وهذا ينطبق على اشتراء العشرة بنحو الكلّي في الخارج، وبما أنّها تنطبق على الباقي فلذا حكم ( عليه السلام) باختصاصها به لما مرّ من
1) الوسائل 17 : 365 / أبواب عقد البيع وشروطه ب 19 ح 1 .
أنّ لازم الاشاعة الاشتراك وهو يقتضي الشراكة في الباقي ، وكيف كان فبيع الكلّي أمر لا غرابة فيه بل هو أمر متعارف وقع في زمان الشارع فلا مانع من أن تشمله العمومات ، هذا مع أنّ وجود ذلك وتحقّقه في زمانه (عليه السلام) غير معتبر في شمول العمومات له .
وأمّا الصورة الثالثة فقد عرفت أنّه إن أُريد من الفرد المردّد والمبهم أنّ المبيع أمر لا تعيين فيه في الخارج ولا في علم الله تعالى بل أمر مبهم من جميع الجهات ولا خصوصية فيه بوجه ، فالمعاملة حينئذ باطلة لأنّ مثل ذلك ممّا لم يوجد إلى الآن ولا سيوجد بعد ذلك بل هو أمر غير ممكن ، إذ الفرد الموجود لا يمكن أن يكون عارياً من جميع الخصوصيات والتشخّصات ، وإن أُريد منه ما هو معيّن في الواقع وغير معيّن عند المتبايعين كما إذا باع أحد عبدين يعيّنه فيما بعد حيث إنّ ما يعيّنه بعد ذلك أمر معيّن في علم الله تعالى فصحّته تبتني على عدم اعتبار العلم بالمبيع وعدم كون الجهالة ولو عند المتبايعين موجبة للبطلان .
ثمّ إنّ الكلام يقع في تصوير الاشاعة وبيع الكلّي في المعيّن ، أمّا الاشاعة فهي على المعروف منهم عبارة عن التملّك للشيء في كلّ جزء خاص من أجزائه بالثلث أو النصف أو غيرهما من النسب ، فكلّ واحد من أجزائه متعلّق للملكية له بالثلث أو بالنصف المعيّن في الواقع المجهول ظاهراً . وقد تفسّر الاشاعة بأنّها عبارة عن التملّك للنسبة الكلّية كالنصف الكلّي مثلاً القابل للانطباق على النصف الأخير للشيء أو نصفه الأوّل ، فإذا اشترى عبداً بنحو الشركة مع البائع في نصفه فهو مالك لنصفه الكلّي الصادق على كلّ واحد من النصفين ، هذا .
ولا يخفى عليك أنّه لا يمكن الالتزام بشيء من هذين المعنيين في المقام ، وهذا من دون فرق بين أن نقول بوجود الجزء الذي لا يقبل التجزّي في الخارج الذي يعبّر عنه بالجوهر الفرد أو نقول بعدم إمكان ذلك في الخارج ، لأنّ الجزء الخارجي ممّا
يتميّز شماله عن جنوبه وأنّه إذا اتّصل به خيط من طرف فهو يغاير الخيط المتّصل به من طرف آخر ، فلا محيص من أن يكون قابلاً للقسمة وإن لم يكن لنا آلة لنقسمه إلى قسمين فعلاً إلّا أنّه في حدّ نفسه قابل للقسمة والتجزّي .
والوجه في عدم إمكان الالتزام بشيء من المعنيين هو أنّ البيع الواقع على الكلّي في الخارج وإن كان أمراً معقولاً ومتداولاً أيضاً إلّا أنّه في باب الشركة غير ممكن ، وذلك لأنّ الشريكين مالكان للخصوصيات الموجودة في المال فإذا فرضنا أنّ كلاً منهما إنّما ملك نصف المال على نحو الكلّي فمعناه أنّه لم يتملّك الخصوصيات كما هو معنى ملك الكلّي ، فحينئذ تقع الخصوصيات خارجة عن حيّز ملك الشريكين فتكون الخصوصيات ملكاً بلا مالك وهو أمر محال .
كما أنّ المعنى الأوّل أيضاً ممّا لا يمكن المساعدة عليه ، لأنّ كون الشريك مالكاً لهذا النصف الشخصي دون النصف الشخصي الآخر ممّا يحتاج إلى مرجّح ، فأيّ شيء دلّ على أنّ هذا الشريك مالك لهذا النصف أو الثلث أو غيرهما دون النصف أو الثلث الآخر ، مثلاً إذا فرضنا أنّهما اشتريا مالاً بالشراكة أو انتقل إليهما مال من مورّثهما فصارا شريكين في المال ، فإن كان كلّ واحد منهما مالكاً لنصف المال على وجه الكلّي فلازمه أن تكون الخصوصيات ملكاً بلا مالك ، وإن كان كلّ واحد منهما مالكاً لنصف مشخّص فهو يحتاج إلى مملّك آخر حتّى يملك هذا النصف المعيّن لذاك دون الآخر ، والمفروض عدم المرجّح في البين وعدم دلالة دليل على أنّه مالك لهذا النصف المشخّص دون النصف الآخر ، فعليه لابدّ في المقام من تفسير الإشاعة بمعنى آخر وهو أن يقال إنّ المال من أوّله إلى آخره ملك لمالكين وهما قائمان مقام المالك الواحد ، فالوارثان كالمورّث مالكان للمال وقائمان مقامه ، فكما أنّه ملك لهذا الشريك كذلك ملك للشريك الآخر غاية الأمر أنّه ملك غير تام فهو مال للمجموع والمجموع كالواحد ، وبالجملة أنّ الملك لمّا كان من الأُمور الاعتبارية كان تصوير
الملك لشخصين ومالكين في غاية الوضوح فهو بأسره ملك لهذا كما هو بأسره ملك لذاك إلّا أنّ المجموع من الشريكين منزل منزلة المالك الواحد ، وبه يندفع إشكال عدم تملّك الخصوصيات أو عدم المرجّح للتعيين .
وممّا يؤيّد ما ذكرناه : أنّ جزء المال تارة لا يكون مالاً عند العرف بحيث لو قسّمناه إلى أجزاء لما كان شيء من تلك الأجزاء مالاً وإنّما يصدق عليه المال فيما إذا اجتمعت دون صورة الافتراق وهذا كأعواد الشخّاط فإن كلّ واحد منها ليس بمال وإن كان مجموعها مالاً ، بل ربما يخرج عن الملك أيضاً كما إذا قسّمناه إلى ألف جزء إذ العقلاء لا يعتبرون الملك فيه لصغره جدّاً ، وحينئذ فكيف يمكن أن يقال إنّه مالك لثلث هذا المال على نحو الكلّي أو على نحو التشخّص مع أنّ ثلثه أو ربعه خارج عن المالية والملكية ، فهل هو اشترى ما ليس بمال أو ملك ما ليس بملك ، وربما يكون المال المشترك من قبيل المنافع والحقوق وهما من البسائط حيث إنّها من الأعراض فكيف تقبل القسمة إلى نصفين أو الثلث ونحوهما وهذا كما إذا كان المورّث مالكاً لمنفعة أو كان له حقّ فانتقلا إلى ورثته ، والمنافع من قبيل الأعراض وه-ي م-ن البسائط لا تقبل القسمة ، وهذا بخلاف ما ذكرناه من التفسير فإنّهما أي الشريكان يملكان المنافع بأجمعها لا بالقسمة كما عرفت ، وكيف كان فلا يمكن تصوير الاشاعة بشيء من الأمرين المتقدّمين .
وتوضيح ذلك : أنّ تفسيرها بالتملّك للنصف الكلّي أو بالثلث كذلك أو تفسيرها بالتملّك للنصف المعيّن في الواقع وعلم الله وغ-ي-ر الم--عيّن عند المتعاملين والشريكين الذي عبّرنا عنه بالنصف المشخّص أو الثلث كذلك ممّا لا يمكن المساعدة عليه بوجه ، بل لا نتعقّل لها معنىً غير ما أشرنا إليه آنفاً وذكرنا أنّ الشركة والاشاعة إنّما هي عبارة عن كون الملك الواحد مملوكاً لمالكين أو أكثر غاية الأمر أنّه حينئذ ملك ناقص وغير تامّ .
وتوضيح ذلك : أنّ من اشترى نصف مال أو ربعه أو نحو ذلك فإنّما تنتقل إليه مالكية المال لكن لا بمجموعها بل بنصفها أو ربعها فهما مالكان للمال وكلّ منهما نصف مالك لتمام المال . وبعبارة أوضح : أنّ المالك تارةً ينقل إضافته المالكية للمال بتمامها إلى المشتري بمعنى أنّه يعدم إضافته إلى نفسه ويوجد علقة وإضافة أُخرى للمال إلى المشتري لما ذكرناه في أوائل البيع من أنّه لا معنى لتبديل الاضافة ونقلها إليه لتقوّمها بالمالك الأوّل والمال ، فلا يمكن تبديلها ونقلها إلى الغير فالبيع إعدام إضافة وإيجاد إضافة أُخرى ، فتارةً تكون الاضافة بتمامها منتقلة بالمعنى المتقدّم إلى المشتري وأُخرى ينقل المالك الملكية الناقصة للمشتري ، والملكية وإن كانت من الأُمور الاعتبارية وهي كالأعراض غير قابلة للقسمة إلّا أنّها تقبلها من جهة محلّها نظير البياض ومعروضه حيث إنّه غير قابل للقسمة في نفسه وقابل لها من جهة محلّه ، فإنّ البياض العارض لجزء من القرطاس يغاير البياض العارض للجزء الآخر ، وكذلك الملكية فإنّ موضوعها مجموع الشخصين وهي تنقسم بهذا الاعتبار ولا مانع من أن يعدم المالك الاضافة التي كانت بينه وبين المال ويوجد إضافة أُخرى قائمة بمجموع الشخصين ، وكذلك الحال في الوارثين فإنّهما يشتركان ويتملّكان التركة بهذا النحو المذكور ولعلّه ظاهر لا أنّ أحدهما مالك لكلّي الثلث أو النصف أو للثلث والنصف المعينين في الواقع والمجهولين عند المتبايعين .
ثمّ إنّه لا بأس بالتعرّض إلى بيان معنى القسمة وأنّ التقسيم هل هو بيع أو أنّه إفراز حقّ ، وقد ذهب العامّة(1)إلى الأوّل ، وخالفهم الخاصّة في ذلك وذكروا أنّه عبارة عن إفراز الحقّ ، وهذا أحد الموردين اللذين خالفنا فيها العامّة بأسرهم
1) المغني 11 : 492 ، المجموع 20 : 172
وثانيهما باب الضمان حيث ذهب العامّة(1)إلى أنّه عبارة عن ضمّ ذمّة إلى ذمّة وذكر أصحابنا أنّه عبارة عن نقل المال من ذمّة إلى ذمّة أُخرى .
فنقول : إن أراد الخاصّة ظاهر ذلك الكلام والتزموا بأنّها عبارة عن إفراز الحقّ بمعنى أنّ الحقّ كان غير معيّن في الواقع ومجهولاً في نفس الأمر فيتعيّن بالقسمة فلا يمكن المساعدة عليه أبداً ، لما ذكرناه من أنّ كون الحقّ غير معيّن إنّما ينطبق على بيع الكلّي في المعيّن ولا يأتي في الاشاعة والشركة لما مرّ من عدم صحّة تفسير الاشاعة بالملك الكلّي في النصف ونحوه بل الحقّ معيّن في الواقع لا إبهام فيه حتّى يتعيّن بالقسمة، وقد مرّ أنّ الاشاعة والشركة عبارة عن تملّك جميع المال بالربع أو النصف على الوجه المختار ، أو عبارة عن تملّك الحصّة المعيّنة في الواقع وإن كانت مجهولة عندنا ، وعند القسمة إذا أُعطي لأحدهما إحدى الدارين المشتركتين بينهما وللآخر أُخرى كيف يكون هذا إفراز حقّ بل يكون من قبيل تبديل الملك غير التام إلى التام لأنّه مالك مستقلّ في الدار المنتقلة إليه بالقسمة أو تبديل للملك في بعض أجزاء إحدى الدارين بالملك في بعض أجزاء الدار الأُخرى وهذا لا يكون إفرازاً للحقّ بل تبديلاً ومعاملة ، نعم لا بأس بما ذكروه في مثل الخمس والزكاة بناءً على أنّهما يتعلّقان بالكلّي ويفرزان بتقسيم المالك وتعيينه ، وكيف كان فلا يمكن المساعدة لما هو ظاهر هذا العنوان .
وإن أرادوا من ذلك ما هو خلاف ظاهر العنوان كما هو الظاهر بأن يريدوا بذلك ردّ مقالة العامة وأنّها ليست بيعاً ومعاملة لتجري فيها أحكام البيع من خياري المجلس والحيوان ونحوهما بل هى معاملة أُخرى مستقلّة في حدّ نفسها فهو صحيح ولا مناص عن الالتزام به ، وذلك لما ذكرناه في المعاطاة من أنّه لا مانع من تصوير
1) المغني لابن قدامة 5 : 70 ، 83 ، المجموع 14 : 24 ، المهذب 2 : 307 .
معاوضة لا تكون بيعاً ولا شيئاً آخر من المعاملات المتعارفة ، ولا مانع أيضاً من أن تشملها العمومات نحو (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) وذلك كما إذا تبادلا بمالين من دون ملاحظة المالية في شيء منهما بأن أعطى كتاباً وأخذ كتاباً آخر من غير ملاحظة المالية بينهما فإنّها حينئذ خارجة عن البيع إذ لا بائع فيه ولا مشتري حينئذ، ولا يتعيّن أحدهما عن الآخر حتّى في علم الله تعالى ، إذ لا واقع له حتّى يتعيّن فيه ومع ذلك تشمله عمومات أدلّة العقد والتجارة ، وحينئذ نقول : إنّ تبديل الملك الناقص بالملك التامّ أو تبديل الملك في بعض أجزاء أحد المالين بالملك في بعض أجزاء الم-ال الآخ--ر معاوضة مستقلّة في قبال البيع ونحوه ولا مانع من أن تشملها عمومات أدلّة العقد والتجارة وإن كانت خارجة عن البيع ولا تجري فيها أحكام البيع بوجه .
وبعد ذلك يقع الكلام في تصوير بيع الكلّي في الخارج فنقول : ربما يقال إنّ بيع الكلّي في الخارج عبارة عن بيع كلّي في الذمّة مشروطاً بأن يكون ذلك من الصبرة المعيّنة في الخارج ، وعليه يتعيّن أن يكون المبيع هو الحنطة في الصبرة المعيّنة وه-و ظاهر . ويدفعه : أنّ هذا البيع في الذمّة مشروطاً بأن يكون من صبرة خارجية وإن كان صحيحاً في حدّ نفسه إلّا أنّه خارج عن بيع الكلّي في الخارج ، والوجه في ذلك أنّ البائع عند بيع الحنطة في الذمّة مثلاً مشروطاً بالشرط المذكور يتمكّن من أن يؤدّي المبيع من غير الصبرة المشروطة في البيع لأنّه أيضاً حنطة وليس خارجاً عن المبيع غاية الأمر أنّ للمشتري خيار تخلّف الشرط عند الالتفات إلى الحال ، ولكن البائع يكون قد أدّى ما عليه لصدق المبيع على غير الحنطة الموجودة في الصبرة أيضاً ، وهذا بخلاف بيع الكلّي في الخارج فإنّ البيع وقع على ما في الصبرة من الحنطة بحيث لو أدّاها من غير الصبرة المعيّنة لم يؤدّ ما في ذمّته وللمشتري أن يطالبه بالأداء
لا أنّ الذمّة قد فرغت ولكن المشتري على خيار ، وعليه فلا يمكن أن يكون بيع الكلّي في الخارج عبارة عن بيع شيء في الذمّة مشروطاً بأن يكون من صبرة معيّنة خارجاً .
وأُخرى يقال : إنّ بيع الكلّي في الخارج عبارة عن بيع كلّي في الذمّة مقيّداً بأن يكون من صبرة معيّنة في الخارج ، وعليه فلابدّ للبائع من أن يؤدّيه من الصبرة المعيّنة لتقيّد المبيع بكونه منها بحيث لو أدّاه من غيرها لم يؤدّ ما في ذمّته ، وبذلك يندفع الإيراد المتوجّه على الوجه الأول كما ذكرناه ، هذا .
ويرد عليه أنّ دائرة الكلّي في الذمّة وإن كانت تتضيّق بما أُخذ فيه من القيود التي توجب انحصار الفرد في الخارج بحيث لا ينطبق إلّا عليه ولا يصدق على الكلّي المتحقّق في غيره ، وبذلك يفترق هذا الوجه عن الوجه السابق حيث إنّ الكلّي كان شاملاً فيه لغير الصبرة المعيّنة لعدم تقييده بشيء ، وهذا بخلاف الوجه الثاني فإنّه مقيّد بالصبرة المعيّنة ومع ذلك لا يخرج عن كونه كلّياً لأنّ الكلّي لا يصير جزئياً بما أُخذ فيه من القيود الموجبة لانحصار مصاديقه في فرد معيّن ، إلّا أنّ لازم ذلك أن لا يلحقه التلف حيث إنّ التلف ممّا يعرض على الموجود الخارجي ولا يتّصف الكلّي بالتلف أبداً ، مثلاً إذا فرضنا تلف الحنطة الموجودة في الصبرة بأجمعها فلا يصح أن يقال إنّ المبيع تلف فيما إذا كان البيع واقعاً على الكلّي المقيد بما ينطبق على الصبرة المعيّنة لأنّ الكلّي لا معنى لتلفه فلا يوجب تلف الصبرة انفساخ المعاملة ، نعم يكون تلفها موجباً لتعذّر وجود ذلك الكلّي في الخارج ، والبيع لا ينفسخ بالتعذّر ب--ل للمشتري أن يرجع إلى البائع بمثله أو قيمته ، لا أنّ المعاملة تنفسخ بتلف الصبرة كما هو ظاهر ، وهذا بخلاف بيع الكلّي في الخارج فإنّ تلف الصبرة حينئذ يوجب تلف المبيع ويلحقه حكمه من الانفساخ ، وكيف كان فلا يمكن أن يقال إنّ بيع الكلّي في الخارج عبارة عن بيع الكلّي في الذمّة بالاشتراط أو بالتقييد كما في الوجهين
المتقدمين .
وثالثة يقال كما عن شيخنا المحقّق (قدّس سرّه)(1)أنّ بيع الكلّي في الخارج عبارة عن بيع الكلّي من دون تقييده بالذمّة ولا بالوجود الخارجي بل المبيع هو نفس الكلّي وطبيعي الوجود من دون إضافته إلى الذمّة ولا إلى الوجود الخارجي .
ويرد عليه : مضافاً إلى ما أوردناه على الوجهين المتقدّمين ، أنّ المبيع حينئذ لا خصوصية له بشيء ولا تعيّن له في صفع من الأصقاع وقد ذكرنا سابقاً أنّ مثل ذلك لم يخلق ولا يخلق أبداً ، لأنّ الموجود الخارجي لا يخلو عن شيء من الخصوصيات والتشخّصات ، هذا .
ويرد عليه إيراد ثالث : وهو أنّ بيع الكلّي من دون إضافته إلى شيء م--ن الذمّة أو الخارج لا يقبل البيع عند العقلاء ، إذ لابدّ فيه من أن يضاف إمّا إلى الذمّة أو إلى الخارج ومع قطع النظر عنهما لا يكون عند العقلاء مورداً لشيء م--ن الاعتبارات ، هذا .
والظاهر أنّ بيع الكلّي في الخارج عبارة عن بيع الكلّي الخ--ارج---ي المحدود بحدود معيّنة وتوضيح ذلك : أنّا كما نتصوّر الجامع بين جميع الأفراد الموجودة في الخارج ونعبّر عنه بمفهوم الوجود في مقام التعبير عن ذلك الجامع ونتعقّل حقيقته ونعبّر عنه بحقيقة الوجود وواقعه ، كذلك لنا أن نتصوّر الجامع بين أفراد معيّنة من الوجود دون جميع الأفراد كما إذا تصوّرنا الجامع بين عشرة أفراد وعبّرنا عنه بالحنطة الموجودة في الصبرة المشخّصة لأنّ هذا هو الجامع بين الأفراد والطبيعي المتصوّر في ضمن جميع الأفراد ، غاية الأمر على نحو التضييق لا التوسعة على نحو يشمل جميع الأفراد ، وهذا الجامع بين أفراد الوجود المضيّق بالقيود أم--ر ل-ه ت-ع-يّن
1) حاشية المكاسب (الاصفهاني) 3 : 334
بحسب الواقع وهو الحنطة والكلّي الموجود في ضمن كلّ واحد من هذه الأفراد العشرة وقد باعه البائع على سبيل البدلية دون الاستغراق ، وبما أنّ المعاملة وقعت على الكلّي الجامع بين الأفراد لا يكون المشتري مالكاً لشيء من الخصوصيات الفردية بل كلّها مملوكة للمالك والتعيين بيده ، وهذا أمر يعتبره العقلاء فيما بينهم من المعاملات بل قد وقع نظيره في الشرعيات أيضاً كما في صحيحة الأطنان المتقدّمة مضافاً إلى معهوديته في الاجارة ونحوها كما إذا استأجر أحداً للخياطة في مكان خاص بين مبدأ ومنتهى فإنّ معناه أنّ المستأجر قد ملك الخياطة الكلّية من الأجير ولكن لا على سريانها وإطلاقها بل الخياطة الواقعة بين هذا المبدأ والمنتهى على سبيل البدلية ، فله أن يخيطه فى هذه النقطة أو النقطة الثانية الموجودة بين المبدأ والمنتهى ، ولا يمكنه المطالبة بالخياطة في نقطة خاصّة منها لأنّ المؤجر إنّما ملّكه كلّي الخياطة لا شيئاً من الخصوصيات ، وبالجملة أنّ البيع لمّا كان أمراً اعتبارياً لم يكن مانع من اعتباره في مثل الجامع بين أفراد مخصوصة كالحنطة الموجودة في صبرة معيّنة . فتحصّل أنّ الكلّي في الخارج عبارة عن الكلّي بنحو صرف الوجود المحدود بحدّ خاص فلا فرق بينه وبين الكلّي في الذمّة إلّا من حيث الاضافة والتحديد كما عرفت .
الكلام فيما لو باع صاعاً من صبرة
لا إشكال ولا خلاف في أنّ بيع الصاع من الصبرة يحمل على الكلّي في الخارج فيما إذا علمنا بأنّ المتبايعين قد قصدا منه البيع على نحو الكلّي في الخارج ، لأنّ العقود تابعة للقصود ولو فرضنا ظهور الكلام في غير الكلّي في الخارج أيضاً ، وذلك لما أشرنا إليه سابقاً من أنّ اشتراط الصراحة أو الظهور في المعاملات إنّما هو في نفس العقود والمعاملات دون المتعلّقات ، وعليه فلا مانع من أن يقصد بيع الكلّي في
الخارج في مثل بيع صاع من صبرة ولو كان ذلك ظاهراً في بيع الكسر المشاع .
كما أنّه لا ينبغي الإشكال في حمله على الكسر المشاع فيما إذا أحرزنا أنّهما قد قصدا الاشاعة منه ولو فرضنا ظهوره في بيع الكلّي في الخارج ، وأمّا إذا علمنا أنّ أحدهما قصد الاشاعة وثانيهما الكلّي في الخارج فلا إشكال في فساد المعاملة حينئذ لعدم تطابق الإيجاب والقبول، وهذا كلّه ممّا لا إشكال فيه.
وإنّما الكلام فيما إذا شككنا في المراد ولم نحرز أنّهما قصدا الكلّي في الخارج أو بيع الكسر المشاع ، فهل هذا الكلام بنفسه ظاهر في بيع الكلّي أو في بيع الكسر المشاع حتّى يحمل عليه فيما إذا وقع الخلاف والنزاع بين المتبايعين فادّعى أحدهما أنّه باعه على نحو بيع الكلّي في الخارج وثانيهما أنّه باعه بنحو الكسر المشاع ، أو إذا نسيا ما قصداه حين المعاملة مع العلم بأنّهما أنشأ البيع ببيع صاع من صبرة ، أو وقع الخلاف بين وارثيهما بعد موتهما ، وذلك لوجود الثمرة بين الأمرين والبيعين ، إذ لو فرضنا أنّ الصبرة تلف نصفها فعلى الاشاعة يحمل التالف عليهما كما أنّ الموجود لهما على نحو الاشتراك ، وأمّا على بيع الكلّي في الخارج فالتالف محسوب على البائع دون المشتري كما هو واضح .
وكيف كان ، الظاهر أنّ المعاملة صحيحة ومحمولة على بيع الكلّي في الخارج وذلك أمّا أوّلاً : فلأجل صحيحة الأطنان(1)حيث حكم فيها الإمام (عليه السلام) بأنّ الموجود مال المشتري بتمامه مع أنّ المفروض فيها أنّه قد باع عشرة آلاف طنّ من أنبار فيه ثلاثون ألف طن نظير بيع صاع من صبرة فيها كذا مقدار من الصيعان فمنها يستفاد أنّ أمثال تلك البيوع محمولة على بيع الكلّي في الخارج لعدم موافقة
1) وهي صحيحة بريد المروية في الوسائل 17 : 365 / أبواب عقد البيع وشروطه ب19 ح1.
الجواب فيها مع فرض الاشاعة بوجه ، وذلك لأنّه (عليه السلام) حكم بكون الباقي للمشتري كما لا يخفى .
وأمّا ثانياً : فلأنّ الأمر يدور بين أن يكون الصاع بعنوانه موضوعاً للبيع والحكم كما في بيع الكلّي ، وبين أن يكون طريقاً ومشيراً إلى كسر مشاع كالثلث والربع ونحوهما على حسب نسبة الصاع إلى الصبرة ، ولا ينبغي الإشكال في أنّ الظاهر أنّه بعنوانه واستقلاله مأخوذ في الموضوع لا بما أنّه طريق إلى الكسور ، وممّا يؤيّد ذلك ملاحظة ما إذا حكم على عنوان الصاع بحكم من الأحكام الشرعية كالحرمة ونحوها أفلا تحمل الحرمة حينئذ على نفس عنوان الصاع من دون أن تكون محمولة على الكسر المشاع وكذلك الحال في المقام ، هذا .
وربما يقال : إنّ ظاهر الكلام في مثل بعتك صاعاً من صبرة هو الفرد المنتشر لأنّ الصاع منوّن والتنوين للتنكير والنكرة عبارة عن الفرد المنتشر دون الكلّي في الخارج .
وفيه : أنّ حمل التنوين فيه على التنكير ممّا لا دليل عليه ولا وجه لحمله عليه ولعلّه تنوين التمكّن حيث إنّ العرب تنوّن الاسم فيما إذا لم يكن هناك مانع عن تنوينه وتعبّر عنه بتنوين التمكّن ، هذا أوّلاً .
وثانياً : : هب أنّ التنوين فيه للتنكير ولكنّك عرفت سابقاً أنّ الفرد المنتشر غير معقول في باب البيع فلا وجه لحمله على النكرة .
وثالثاً : أنّ الصاع لا يلزم أن يكون في جميع الموارد منوّناً فلنفرض الكلام فيما إذا ذكر بنحو الاضافة إلى الصبرة كما إذا قال : بعتك صاع الصبرة المعيّنة بكذا أو بنحو المحلّى باللام كقوله بعتك الصاع من هذه الصبرة وذلك ظاهر .
ثمّ إنّه إذا بنينا على أنّ البيع فيه من قبيل الكلّي في الخارج أو من قبيل بيع الكسر المشاع تترتّب عليه فروع ولا يختصّ ترتّبها على ما إذا بنينا على المختار من
تصوير الكلّي في الخارج بل تترتب وتتفرّع على الوجه غير المختار أيضاً.
فمنها : أنّ تعيين الخصوصيات بيد البائع فيما إذا حملناه على بيع الكلّي في الخارج ولا حقّ للمشتري في مطالبة شيء من الخصوصيات أبداً لأنّه إنم-ا م-لك الجامع بنحو صرف الوجود في الأفراد المعيّنة دون شيء من الخصوصيات وهذا نظير ما إذا أمر المولى عبده بكلّي وطبيعي مثلاً فإنّه لا يتمكّن من عقاب العبد أو مطالبته بشيء من الخصوصيات والأفراد ولا يمكنه إلزامه بشيء منها إلّا بأمر آخر وكذلك الحال في المقام فليس للمشتري مطالبة خصوصية من الخصوصيات كما هو ظاهر، وهذا بخلاف ما إذا حملناه على بيع الكسر المشاع لأنّ تعيين الخصوصيات حينئذ ليس بيد البائع ولاالمشتري بل لابدّ حينئذ من التراضي بينهما كما هو ظاهر هذا .
وقد حكي عن المحقّق القمّي (قدّس سرّه)(1)في غير مورد من كتاب جامع الشتات أنّ الاختيار في تعيين الخصوصيات في بيع الكلّي بيد المشتري إلّا أنّه لم يعلم له وجه .
ومنها : أنّه إذا تلف من الصبرة شيء كنصفها أو ثلثها ونحوهما فعلى بيع الكلّي لا يحسب التالف على المشتري بل هو محسوب على البائع ولابدّ من إخراج المبيع من المقدار الباقي حينئذ لأنّه إنّما اشترى صاعاً وهو موجود في الصبرة بعد تلف بعضها ولكن الاختيار بيد البائع أيضاً في المقدار الباقي كما عرفت ، نعم إذا تلفت الصبرة بأجمعها ولم يبق منها إلّا صاع واحد يجب على البائع دفعه إلى المشتري لانحصار حقّه فيه ، لا من باب أنّ الخصوصيات أيضاً مملوكة للمشتري ، وهذا بخلاف القول بالكسر المشاع فإنّ التالف يحسب عليهما كما أنّ الموجود لهما لأنّهما
1) جامع الشتات 2 : 95 المسألة 72
حينئذ شريكان في مجموع المال فيشتركان في التالف والباقي لا محالة ، هذا .
ثمّ إنّ شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه )(1)ذكر فرعاً آخر في المقام : وهو أنّه إذا باع صاعاً من صبرة ثمّ باع صاعاً كلّياً آخر من شخص آخر ثمّ تلفت الصبرة ولم يبق منها إلّا صاع واحد فالظاهر أنّ الصاع الباقي للمشتري الأوّل ، لأنّ الصاع الكلّي الذي باعه ثانياً سار في ما عدا الصاع من الصبرة ، والمفروض أنّ ما عدا الصاع تلف قبل قبضه ، واللازم حينئذ الحكم بانفساخ البيع الثاني ، والوجه في ذلك أنّ الصاع الأول خرج من ملك البائع وصار للمشتري ، وعليه فيكون سريان الصاع الثاني الذي باعه ثانياً مختصّاً في مال البائع الذي هو ما عدا الص--اع م--ن الصبرة وحيث إنّ ما عدا الصاع من الصبرة تلف قبل قبضه فلا محالة يحكم ببطلان المعاملة الثانية حينئذ ، هذا .
ولا يخفى عليك أنّا ذكرنا في تصوير بيع الكلّي في المعيّن أنّ المملوك للمشتري والذي وقع عليه البيع إنّما هو صرف الوجود في الأفراد المخصوصة وهو أمر لا تعيّن له بوجه حتّى في علم الله تعالى ، ومن الواضح أنّ تطبيق ذلك على فرد من الأفراد المخصوصة لا يكشف عن أنّ البيع وقع على ذلك الفرد وأنّ المملوك هو ذاك بل المملوك هو الجامع بين الأفراد المخصوصة على نحو صرف الوجود غاية ما هناك أنّ الفرد الخارجي مطابق للمملوك لا أنّه عينه ، وهذا الذي ذكرناه لا يختصّ بالأُمور الاعتبارية بل هو جار في الأوصاف الحقيقية والأُمور الواقعية أيضاً ، فلذا ذكرنا في تصوير العلم الاجمالي أنّ متعلّقه إنّما هو عنوان أحد الان--اء ين كالعلم بنجاسة أحدهما وهذا ربما لا يكون له تعيّن في صقع من الأصقاع حتّى في علم الله تعالى كما إذا فرضنا كليهما متنجساً حيث إنّه لا تعيّن للمعلوم بالاجمال في الواقع أيضاً ، فإذا
1) المكاسب 4 : 260 .
قامت البيّنة بعد ذلك على أنّ أحد الاناءين نجس وبذلك انحلّ علمنا الاجمالي فلا يكون هذا كاشفاً عن أنّ المعلوم بالاجمال كان هو ذلك الفرد الذي حكمنا بنجاسته بالبيّنة ، بأن يقال إنّ هذا الفرد بجميع خصوصياته ومشخّصاته كان متعلّقاً للعلم وكان معلوماً لنا بالاجمال لأنّه خلاف الوجدان بالبداهة ، نعم ذاك الفرد المحكوم بالنجاسة حينئذ مطابق لذلك العنوان الذي تعلّق به العلم الاجمالي .
وكذا الحال في القدرة فإذا فرضنا أحداً يقدر على أكل أحد الرغيفين فقط لا على أكل كليهما وتلف أحدهما بعد ذلك أو اختار أحدهما فهل يمكن الحكم بأنّ ذلك يكشف عن أنّ مقدور الأكل لهذا الرجل هو هذا الفرد دون الآخر مع أنّهما بالاضافة إلى قدرته على حدّ سواء وهو كما كان قادراً على أكل هذا الرغيف كان قادراً على أكل الرغيف الآخر أيضاً ، فلذا لو قايسنا حاله بالاضافة إلى كلّ واحد واحد منهما لقلنا بقدرته على هذا وحده وذاك وحده .
وكيف كان ، فلا يمكننا الحكم بأنّ اختيار هذا الفرد كاشف عن أنّ متعلّق قدرته هو هذا الفرد بل متعلّق القدرة هو عنوان أحدهما وهذا الفرد مطابق لذلك العنوان لا أنّه متعلّق لقدرته ، هذا في الأُمور الحقيقية والأوصاف الواقعية ، وكذلك الحال في الأُمور الاعتبارية كالملكية ونحوها ، فالملكية القائمة في صقع النفس متعلّقها عنوان جامع بين الأفراد المخصوصة وهو ممّا لا تعيّن له في شيء من الأوعية ، فإذا اختار أحد تلك الأفراد خارجاً فهو لا يكشف عن أنّ المملوك هو هذا الفرد وأنّ البيع وقع عليه ، بل المملوك وما وقع عليه المعاملة هو العنوان الجامع العنوان الجامع بين الأفراد وهذا الفرد الخارجي مطابقه لا أنّه عينه بل هو بنفسه ممّا لا تعيّن له بوجه ، وعليه فإذا باع صاعاً كلّياً بعد المعاملة الأُولى فقد باع صاعاً جامعاً بين هذه الأفراد المخصوصة ، ومتعلّق البيع حينئذ هو متعلّق البيع الأوّل لأنّ المبيع في كلّ واحد من البيعين هو الجامع بين الأفراد المعبّر عنه بالصاع وليس الكلّي كالفرد الخارجي غير
قابل للبيع مرتين أو أكثر ، إذ الكلّي يقبل البيع مرتين أو أكثر نظير بيع الكلّي في الذمّة إذا باع منّاً من الحنطة في ذمّته ثمّ باع منّاً منها من آخر وهكذا فإنّ المبيع في جميع ذلك شيء واحد وهو المنّ الكلّي من الحنطة ، وهذا لا يختصّ بالبيع والأُم--ور الاعتبارية بل يجري في الأُمور الواقعية أيضاً كما أشرنا إليه ، مثلاً إذا علمنا بأنّ أحد هذه المائعات بول ثمّ علمنا بأنّ أحدها خمر فإنّ متعلّق العلم في كليهما عنوان أحدها ، وكيف كان فمتعلّق البيع الأول والثاني هو الكلّي ولا تميّز لأحد المبيعين عن الآخر .
وعليه فلا يمكننا المساعدة لما أفاده شيخنا الأنصاري في المقام من أنّ الصاع الباقي يتعيّن للمشتري الأول دون الثاني ، وذلك لأنّ المبيع في كل واحد من البيعين هو الكلّي والأفراد لم يقع عليها البيع حتّى يقال إنّ الفرد الباقي للمشتري الأول ولا تميّز للمبيع في البيع الأول حتّى يختصّ للمشتري الأوّل دون الثاني ، وليس في المقام فرق بينهما إلّا من حيث الزمان ، والتقدّم والتأخّر في الزمان لا يوجب تعيين المشتري الأول كما هو ظاهر ، إذ لو فرضنا أنّه باع صاعين منها معاً مع تلف الصبرة إلّا بمقدار صاع واحد يأتي فيه ما ذكره (قدّس سرّه) حرفاً بحرف ، وما أفاده (قدّس سرّه) مبني على التعيّن في المبيع بالبيع الأول وقد عرفت خلافه .
وبعد ذلك يقع الكلام في أنّ البائع يجب عليه أن يدفع الصاع الباقي للمشتري الأول حتّى يكون ذلك موجباً للتلف في البيع الثاني وانفساخ المعاملة أو أنّه يتخيّر بين دفعه إلى الأول أو الثاني أو أنّه لا هذا ولا ذاك بل لابدّ من تنصيفه وإعطاء نصفه لأحدهما ونصفه الآخر للآخر وبطلان البيع في كليهما في نصفي المبيع .
ربما يقال : إنّ البائع قبل تلف الصبرة كان مخيّراً في أن يدفع الفرد الباقي إلى المشتري الأوّل وأن لا يدفعه إليه وهذا التخيير لم يحدث ما يزيله . ويدفعه : أنّ ذلك إنّما هو قبل التلف من جهة وجود الأفراد والصيعان وكان الاختيار في التعيين بيده
وكان متمكّناً من أن يدفع هذا الفرد الباقي إليه أو أن يدفع إليه فرداً آخر ، وبعد عروض التلف يرتفع هذا التمكّن إذ لم يبق في البين إلّا صاع واح-د ف--لا م-وضوع للتخيير ، ونسبة البيعين إليه على حدّ سواء فلا موجب لترجيح أحدهما على الآخر فيدور الأمر حينئذ بين الحكم بالانفساخ في كلا البيعين والالتزام به مشكل ، وبين أن يدفع نصفه إلى أحدهما ونصفه الآخر للآخر ، وهذا هو الصحيح والسرّ في ذلك ما ذكرناه مراراً من أنّ البيع الواحد ينحلّ إلى بيوع متعدّدة حسب تعدّد أفراد المبيع وأجزائه ، وهو وإن باع صاعاً واحداً بدينار إلّا أنّه ينحلّ إلى بيع نصف الصاع بنصف دينار ونصفه الآخر بنصف الآخر منه في كلا البيعين ، فيدفع نصفه إلى أحدهما ونصفه الآخر إلى الآخر ويبطل البيع لكلّ واحد منهما في نصف المبيع وحينئذ إذا كان المبيع ممّا يتعلّق فيه الغرض العقلائي بالهيئة الاجتماعية فيثبت للمشتري خيار تبعّض الصفقة ، لأنّ الاجتماع حينئذ كوصف الصحّة من الأُمور المشروطة في البيع بحسب الارتكاز العقلائي ، وأمّا إذا كان ممّا لا يتعلّق فيه الغرض العقلائي بالهيئة الاجتماعية كما في مثل الحبوبات والأدهان فلا يثبت للمشتري الخيار.
وكيف كان ، فما أفاده شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) وقوّاه شيخنا الأُستاذ (قدّس سرّه)(1)من اختصاص الصاع للمشتري الأول وبطلان البيع في الثاني ممّا لا يمكن المساعدة عليه ، والوجه في ذلك ما مرّ آنفاً من أنّ المبيع في البيع الأول غير متميّز لأنّه ليس إلّا صاعاً كلّياً وأمّا الخصوصيات فهي بأجمعها للمالك ، كما أنّ المبيع في البيع الثاني أيضاً لا تميّز له ، والاختيار في التعيين بيد البائع فإذا تلفت الصبرة وبقي منها صاع واحد فلا وجه لتخصيصه بالمشتري الأول لأنّه ترجيح بلا مرجّح
1) منية الطالب 2 : 388 .
كما لا وجه لتخيّر البائع في دفعه إلى الأول أو الثاني لأنّ تخيّره قبل تلف الأجزاء إنّما هو من جهة إمكان تطبيق مملوك المشتري على كلّ واحد من الأفراد ، وب-ع-د م-ا فرضنا أنّ الأفراد تلفت ولم يبق منها إلّا فرد واحد فما معنى تخيّره في تطبيق المملوك على الأفراد ، إذ لا منطبق عليه غير ذاك الصاع ، وعليه فيدور الأمر بين الالتزام بانفساخ كلا البيعين كما التزمنا به في غيره من الموارد مثلاً إذا باع مال نفسه في زمان وباعه وكيله من شخص آخر في ذلك الزمان ، أو أنّها عقدت على نفسها من أحد وعقد وكيلها من شخص آخر فإنّ المعاملة والزواج محكومان بالبطلان لعدم الترجيح بلا مرجّح ، وبين الالتزام بالتنصيف وأنّ النصف منها للمشتري الأول والنصف الآخر للآخر .
والأخير هو الصحيح ، وتوضيحه أنّ الوجه في الالتزام بالبطلان في كل واحد من البيعين في غير المقام إنّما هو وجود المزاحم في كلّ كسر يمكن أن يتصوّر في المال مثلاً إذا عقد على ماله بنفسه من مشتر وعقد عليه وكيله من مشتر آخر فكلّ واحد من نصف المال أو ثلثه أو ربعه أو خمسه مملوك لشخصين ، لأنّ المفروض أنّهما باعاه بأجمعه لشخصين ففي كل كسر يمكن أن يتصوّر في المال ، فرض كونه من أحدهما معارض ومزاحم بفرض كونه من الآخر ولأجل ذلك التزمنا فيه بالبطلان .
وأمّا في المقام فحيث إنّ المبيع في كلّ واحد من البيعين أمر كلّي ولا ربط له بالخصوصيات والتشخّصات وأنّ بيع شيء ينحلّ إلى بيعين أو أكثر بحسب نصفيه وغيرهما من الأجزاء ، فلا مانع من أن يكون كلّ واحد من النصفين مملوكاً لك-لّ واحد من المشتريين ، ولا يكون فرض كون هذا النصف مملوكاً لأحدهما مزاحماً لفرض كونه مملوكاً للآخر وذلك لتمكّن البائع من تطبيق الكلّي في نصف الصاع في كلّ واحد من البيعين ، ولم يتلف من المبيعين إلّا نصفهما وأمّا نصفاهما الآخران فهما باقيان ، ومع عدم التلف في النصفين لا وجه للالتزام بالبطلان فيهما ، نعم لمّا كان
نصفاهما الآخران تالفين بحسب الفرض فنلتزم بالبطلان في نصفي الصاعين المبيعين فالنصف من كل واحد منهما مملوك لهما ولم يحدث في المقام شيء يزيل ملكية المشتري الأول أو الثاني في نصفي الصاعين ، فلا وجه لرفع اليد عن الملكية في النصفين أبداً ، نعم النصفان الآخران خارجان عن ملكهما بالتلف ، وأمّا النصفان الباقيان فيما أنّ البائع يمكنه تطبيق الكلّي عليهما لأنّهما نصفا المبيعين لم يكن وج-ه لخروجهما عن ملكهما كما هو ظاهر . ثمّ إنّ الاختيار في التعيين في النصفين بيد البائع أيضاً وهو أمر واضح لا سترة عليه ، هذا ما عندنا في هذا المقام .
ثمّ إنّه تعرّض شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) في المقام : إلى أنّ الكلّي إنّما يبقى على وصف الكلّية ما دام لم يقبضه المشتري وأمّا إذا قبضه فإن أقبضه البائع إلي-ه منفرداً عمّا عداه فهو يختصّ بالمشتري لا محالة ، وأمّا إذا أقبضه البائع مجموع الصبرة فإن كان ذلك من جهة توكيل المشتري في تعيين حقّه وقبضه منها وابقاء الأصواع الأُخر عنده أمانةً ، أو كان من جهة إبقاء الصبرة بأجمعها أمانة عند المشترى ، فهذا القبض كلا قبض ولا يترتّب عليه أثر ، فإذا تلفت الصبرة مثلاً فهو من باب تلف المبيع قبل قبضه .
وأمّا إذا كان إقباض الصبرة بأجمعها للمشتري من جهة إيفاء حقّه في صاع منها وإبقاء الباقي عنده أمانة ، بأن كان دفعها إليه بعنوان إقباض مملوكه وتعيينه له في ضمن المجموع ، فيكفي ذلك في حصول القبض لا محالة ، وعليه فإذا فرضنا أنّ الصبرة تلفت بأجمعها أو تلف نصفها فهو يحسب على كلّ واحد من البائع والمشتري ، وذلك لأنّه بقبضه المملوك في ضمن الصبرة قد اشترك مع البائع في الصبرة على نحو الاشاعة ، وحينئذ فلا يمكن حساب التالف على البائع دون المشتري لأنّه ترجيح بلا مرجّح ، هذا .
ولا يخفى أنّ في المقام أمرين : أحدهما كفاية إقباض الصبرة في قبض المشتري
للمبيع بحيث لو تلف بعد ذلك لما انطبقت عليه قاعدة : كلّ مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه ، لأنّ ذلك يكفي في حصول القبض وهذا ظاهر . وثانيهما : أنّ المبيع الكلّي هل ينقلب من الكلّية إلى التشخّص والجزئية باقباض الكلّي إلى المشتري بأن أقبضه الصبرة بأجمعها فهل يكفي ذلك في تعيين المبيع وتشخّصه أو لا ؟ والظاهر أنّ المبيع لا يتشخّص باقباض الكلّي وجميع الصبرة إلى المشتري ، لأنّ البائع الذي بيده التعيين والتشخيص لم يشخّصه ، ولم يحدث التعيين والتشخّص من شخص آخر فبماذا يصير المبيع الكلّي متشخّصاً ومتعيّناً ، وعليه فإذا تلفت الصبرة بأجمعها فقد تلف الكلّي الذي أقبضه البائع للمشتري ، وبما أنّه تلف بعد القبض فيتلف المبيع على المشتري ، وأمّا إذا تلف نصفها وبقي نصفها الآخر فلا وجه لاشتراك التالف والباقي بينهما بل لمّا كان المبيع كلّياً و قابلاً للصدق على الباقي فله أن يقول إنّ المملوك لم يتلف بعد ويأخذه من المقدار الباقي والتالف محسوب على البائع فقط ، ولا يمكنه دعوى أنّ المبيع تلف بتلف نصف الصبرة ، لأنّ الفرض أنّ المبيع لم يتشخّص بعد وهو باقٍ على كلّيته كما كان وهو ينطبق على الباقي ويصدق عليه ، فلا محالة يتمكّن المشتري من إخراج مملوكه من الباقي .
وأمّا دعوى حصول الشركة بين البائع والمشتري فتندفع بأنّ انقلاب المملوك الكلّي وتبدّله إلى الكسر المشاع يحتاج إلى معاملة جديدة ومراضاة منهما ولا يكفي فيه مجرد إقباض الصبرة إلى المشتري ، اللهمّ إلّا أن يكونا بذلك قاصدين لتبديل الكلّية إلى الاشاعة وهو أمر آخر يحتاج إلى قرينة ، وكيف كان فلا وجه لما أفاده شيخنا الأنصاري في المقام ، هذا .
ثمّ إنّه قد عرفت أنّ الصاع في بيع صاع من صبرة محمول على الكلّي في المعيّن دون الاشاعة ، ولكن يظهر من المشهور خلاف ذلك فيما إذا باع ثمرة أشجار واستثنى منها أرطالاً حيث ذكروا أنّه إذا خاست الثمرة وتلفت من عند نفسها فيسقط م-ن
الأرطال المستثناة بحسابها ، وهذا إنّما ينطبق على الاشاعة دون الكلّي في المعيّن لأنّ لازمه حينئذ عدم حساب التالف على المالك ، وعليه فيقع الإشكال في الفارق بينه وبين بيع الصاع من صبرة ، لأنّ حال الأرطال المستثناة في المثال بعينها حال الصاع في بيع الصاع من صبرة فلماذا التزموا في الاستثناء بالاشاعة وفي البيع بالكلّي في المعيّن ، وقد ذكروا في وجه الفرق وجوهاً :
منها : أنّ الفارق بين البيع والاستثناء النصّ وهو صحيحة الأطنان(1)الواردة في خصوص القصب ، ولولاه لما التزمنا بالكلّي في البيع أيضاً ، لأنّ ظاهر لفظ الصاع ونحوه كالرطل هو الاشاعة دون الكلّي .
وقد أورد عليه شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) بأُمور :
الأول : أنّ النصّ إن جاز التعدّي من مورده وهو بيع القصب إلى غيره كبيع الحنطة مثلاً فلا مانع من أن نتعدّى منه إلى الاستثناء أيضاً ، وإن لم يجز التعدّي من مورده فلابدّ من الاقتصار على خصوص بيع القصب وحمل الصاع على الكلّي فيه دون بيع سائر الأشياء كبيع صاع من الحنطة والمشهور لا يلتزم بذلك ، هذا.
ويمكن المناقشة في ذلك بأنّ التعدّي من مورده إلى بيع غير القصب إنّما ه-و للقطع بعدم الفرق بين بيع طنّ من القصب وبيع صاع من الحنطة مثلاً ، وهذا بخلاف التعدّي منه إلى الاستثناء لعدم القطع بالتسوية
الثاني : ما أفاده في آخر كلامه من أنّ ظاهر لفظ الصاع مثلاً إذا كان الاشاعة والكسر فلماذا جاز للمشتري التصرّف في الأثمار بما شاء من دون الاستجازة والاستئذان من البائع مع أنّهما شريكان في الثمرة حينئذ ولا يجوز التصرف لأحد
1) وهي صحيحة بريد المروية في الوسائل 17 : 365 / أبواب عقد البيع وشروطه ب19 ح1 .
الشريكين في المال المشترك إلّا برضاهما.
الثالث : أنّ اللازم من الاشاعة أن يحسب التالف عليهما مطلقاً سواء كان التلف مستنداً إلى المشتري أم كان مستنداً إلى آفة سماوية غايته أنّ المشتري ضامن لحصّة البائع من التالف في صورة الاستناد فلماذا لم يحسبوا التالف عليهما عند استناد التلف إلى المشتري حيث أوجبوا إخراج تمام الأرطال حينئذ من الباقي وخصّوا ذلك بما إذا كان التلف مستنداً إلى الآفات السماوية وغير الاختيارية ، هذا .
ويرد على الفرق بالنصّ إيراد رابع : وهو أنّ اللازم حينئذ عدم تبعية العقود للقصود ، لأنّ ظاهر لفظ الصاع والطنّ حينئذ هو الكسر المشاع وهو المقصود للمتبايعين عند التلّفظ بلفظ الصاع والطنّ فلا وجه لحمله على الكلّي في البيع بالنصّ لأنّ مرجعه إلى أنّ العقد غير تابع للقصد في هذا المورد بالنصّ وهو كما ترى .
ومنها : أنّ الفارق بين المسألتين ه-و الإجماع ولولا الإجماع على حمل الأرطال على الاشاعة في الاستثناء لحملناها على الكلّي حتّى في الاستثناء
أيضاً .
وفيه : كما ذكره شيخنا الأنصاري أنّ الإجماع لا يمكن الاعتماد عليه في المقام لعدم كشفه عن قول المعصوم (عليه السلام) لاحتمال أنّ استنادهم إلى النصّ أو غيره من الأدلّة ومعه لا يبقى للاعتماد عليه مجال ، هذا مضافاً إلى الايرادين الأخيرين اللذين أوردناهما على الوجه الأول وهما أنّ لازم الفرق بالإجماع والحمل على الاشاعة أن لا يجوز للمشتري التصرف في الأثمار إلّا بإذن شريكه وهو ممّا لم يلتزم به المشهور ، كما أنّ لازم ذلك أن يحسب التالف عليهما والباقي له-ما م-ن دون اختصاص ذلك بصورة تلف الثمرة بنفسها ، بل يعمّ ما إذا أتلفها المشتري أيضاً مع أنّهم التزموا في صورة الاتلاف بلزوم إعطاء الأرطال من الباقي وعدم احتساب التالف من البائع .
ومنها : أنّ الوجه في الفرق بين المسألتين لزوم القبض في البيع ، إذ لولاه لا يكون البيع لازماً بل ينفسخ حينئذ (فاللزوم في مقابل الانفساخ لا في مقابل الخيار) وعليه فإذا فرضنا أنّ الصبرة تلفت ولم يبق منها إلّا بمقدار صاع فيجب على البائع بمقتضى لزوم القبض إقباض الصاع الباقي إلى المشتري ، إذ لو لم يقبضه إليه لا يكون البيع ثابتاً بنحو الاستمرار ، لأنّ المبيع لم يصل إليه فلا يمكنه حساب التالف عليه وإلّا لا يصدق عليه الإقباض فتنفسخ المعاملة ، وهذا بخلاف مسألة الاستثناء إذ لا يجب على المشتري إقباض الأرطال للمالك ، فإذا تلفت الأثمار وبقي منها بمقدار الأرطال فلا يتعيّن عليه دفعها للمالك كما في البيع إذ لا يبطل بيع الأثمار بذلك حينئذ دون بيع الصاع من صبرة ، وهذا هو الفارق بين المسألتين بعد اشتراكهما في أنّ الصاع ونظائره ظاهر في الكلّي دون الحصّة المشاعة ، هذا .
ولا يخفى أنّ مسألة لزوم القبض وعدم ثبوت البيع بدونه وإن كانت صحيحة إلّا أنّها أجنبية عن المقام ولا ربط لها بما هو محل الكلام ، إذ الكلام في أنّ الأرطال المستثناة لماذا حملت على الاشاعة في المسألة مع أنّ حالها حال الصاع في البيع وقد حملوه على الكلّي هناك ، وهذا أيّ ربط له بمسألة لزوم القبض وعدم ثبوت البيع بدونه ، هذا .
مضافاً إلى أنّ إيجاب القبض في المقدار الباقي متفرّع على حمل الصاع على الكلّي وكيف يمكن إثبات حمله على الكلّي بلزوم القبض في الباقي ، هذا مع أنّ القبض كما يجب في البيع يجب في الأرطال أيضاً لأنّها حينئذ أمانة عند المشتري وقد أُمرنا بردّ الأمانات إلى أهلها ، فيأتي فيه ما ذكره المستدلّ في القبض في البيع ، وكيف كان فلم نفهم محصّل هذا البيان كما لم يفهمه شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) أيضاً .
ومنها : أنّ الأثمار لمّا كانت تحت يد البائع وهي ملك للمشتري وقد استثنى منها أرطالاً لنفسه فهي ملك له، فيما أنّهما في قبضه و تحت يده صار شريكاً مع
المشتري ، وهذا نظير ما ذكره شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) فيما إذا كانت الصبرة بأجمعها تحت يد المشتري من أنّه يصير بذلك شريكاً مع البائع وبعد ما حصلت الشركة بينهما فالتالف عليهما لا محالة وإن كان لفظ الصاع ظاهراً في الكلّي أيضاً في كلتا المسألتين ، هذا .
ولا يخفى أنّ حصول الشركة بقبض الجميع غير مسلّم كما عرفت ، ومع الإغماض عن ذلك والبناء على حصول الشركة بقبض المجموع أيضاً لا يمكننا المساعدة عليه في المقام ، لأنّ ذلك إنّما هو فيا إذا أقبضه المشتري فيقال حينئذ إنّ المشتري قد أقبضه مجموع الأثمار التي فرضنا بعضها ملكاً للبائع فيحصل بذلك الشركة بينهما ، وأمّا إذا لم يقبضها المشتري بل كانت في يده من الابتداء فهذا كيف يوجب الاشتراك مع فرض أنّ الرطل كلّي في حدّ نفسه ، هذا مضافاً إلى أنّ ذلك أخصّ من المدّعى فلنفرض الكلام فيا إذا كانت الأثمار بيد المشتري برضا البائع أو بالغصب ، أو فرضناها في يد ثالث وتلفت الأثمار حينئذ فإنّهم يلتزمون بالإشاعة في الأرطال مع أنّ الأثمار ليست تحت يد البائع حتّى يقال إنّ الشركة حصلت بقبضه ولعلّه ظاهر .
ومنها : أنّ مقايسة الأرطال في المقام بالصاع في بيع صاع من الصبرة في غير محلّها ، بل الذي ينبغي أن يقاس إلى الصاع إنّما هو المستثنى منه أعني المبيع الذي هو ما عدى الأرطال ، وذلك لأنّ ما يملكه المشتري في مسألة الاستثناء هو م-ا ع-دا الأرطال ، كما أنّ ما يملكه في بيع صاع من الصبرة هو الصاع ، فالمقايسة في المقام لابدّ وأن تكون بين الصاع وما عدى الأرطال ، وعليه فيرتفع الإشكال عن المسألة لأنّ ما عدى الأرطال أمركلّي في المعيّن وليس أمراً خاصّاً، والبيع إنّما وقع على هذا العنوان الكلّي وبما أنّ المالك أقبضه إلى المشتري في ضمن المجموع منه ومن الأرطال المستثناة فصار ملك المشتري أعني ما عدى الأرطال أمراً خارجياً ، وبه تحصل
الشركة والاشاعة بين ملكه وملك البائع فإذا تلف منها شيء فيحسب عليهما لا محالة ، هذا .
وفيه أوّلاً : أنّ إقباض الكلّي في ضمن المجموع منه ومن مال البائع لا يوجب انقلاب استحقاق الكلّية إلى استحقاق الاشاعة كما مرّ تفصيله في الردّ على شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) في مسألة قبض الكلّي .
وثانياً : أنّ المبيع أعني ما عدى الأرطال ليس كلّياً في المعيّن بل هو عبارة عن مجموع الأثمار الخارجية ، فدعوى أنّه كلّي خلاف المتبادر والمتعارف العرفي .
وثالثاً : أنّ ذلك لا يدفع الإشكال ، إذ لنا أن نسأله عن أن-ّه لم--اذا جاز للمشتري أن يتصرف في الأثمار بلا استئذان من المالك مع أنّها مال مشترك حينئذ والقاعدة تقتضي عدم جواز تصرّف الشريك في مال الشركة إلّا بإذن شريكه ولماذا لا يحسب التالف عليهما فيما إذا كان إتلاف بعض الأثمار مستنداً إلى المشتري حيث ذكر المشهور أنّ حصّة المالك حينئذ لابدّ من أن تخرج من الباقي مع أنّ الشركة تقتضي الشراكة في التالف والباقي على حسابهما وإن ضمن المتلف قيمة ما أتلفه وكيف كان فهذا الوجه أيضاً لا يدفع الإيراد .
ومنها : ما ذكره شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) في مقام الفرق بين المسألتين على تقديري الحمل على الكلّي والاشاعة في الأرطال فله في المقام جوابان :
أحدهما : ما ذكره على تقدير الكلّية في الأرطال قبل التلف وملخّصه : أنّ المتبادر من الكلّي المستثنى هو الكلّي والأرطال غير المعيّنة فيما يسلّم للمشتري من الثمرة لا الأرطال الكلّية في مطلق الثمرة الموجودة حال البيع ، هذا .
ولا يخفى أنّ هذا الاستدلال بظاهره غير تامّ بل ينتج خلاف مقصود المستدلّ ، وذلك لأنّا إذا فرضنا أنّ ما سلّم للمشتري من الأثمار هو نصف الاثم--ار الموجودة حال البيع فالمالك يستحقّ منه تسعة أرطال مثلاً كما كان يستحقّها فيما إذا
سلّم للمشتري جميع الأثمار الموجودة حال البيع ، فلم ينقص من المستثنى شيء وإنّما النقص ورد على المشتري فقط ، وهذا خلاف المقصود لأنّ الفقهاء ذكروا أنّ التالف يحسب عليهما ، ولعلّ في البين سقط شيء من الكلمات ، وكيف كان فهذا لا يدفع الإيراد .
وثانيهما : ما أجاب به على تقدير الاشاعة في الأرطال قبل التلف وملخّصه أنّ المستثنى كما يكون ظاهراً في الكلّي كذلك المستثنى منه أيضاً ظاهر في كونه كلّياً وعليه فكلّ واحد منهما مالك لعنوان كلّي ، والموجود بينهما لا يمكن احتسابه بأجمعه من أحدهما لأنّه ترجيح بلا مرجّح ، فلا محالة يكون بينهما بالنسبة ويشتركان فيه و في التالف لا محالة ، هذا .
وفيه : أنّه مضافاً إلى أنّ الكلّية في المستثنى لا تستلزم الكلّية في المستثنى منه أبداً وإلّا لزم في المقام أن لا ينتقل إلى المشتري شيء من الخصوصيات ، كما أنّه--ا خارجة عن ملك البائع فتبقى بلا مالك ، وعلى تقدير احتسابها من المشتري يكون نقلاً بلا ناقل ولا سبب، وكيف كان فلا مانع من أن يكون المستثنى أمراً كلياً منتزعاً من الخصوصيات الواقعة في المستثنى منه كما إذا قال بع جميع كتبي إلّا واحداً منها فإنّه كلّي مع أنّ المستثنى منه أمر معيّن خارجي لا كلّية فيه بوجه .
يرد عليه : أنّ هذين الوجهين لا يدفعان الإيرادين الأخيرين ، إذ يبقى لنا سؤال الوجه في جواز تصرّف المشتري في الأثمار من دون استئذان من المالك وأنّه لماذا لا يحسب التالف عليهما فيما إذا استند التلف إلى المشتري حيث التزموا بأنّ التالف إنّما يحسب منهما فيما إذا كان التلف غير مستند إلى المشتري ، وكيف كان فلم نر فيما ذكروه من الأجوبة في المقام ما يدفع الايرادات بأجمعها ويجمع بين ك--ون الأرطال على نحو الكسر ، وجواز تصرّف المشتري في الأثمار من دون الاستئذان من المالك ، وعدم احتساب التالف من المالك على تقدير إتلاف المشتري وإخراج
حقّه من الباقي ، وهذه الأُمور الثلاثة هي التي لابدّ من تصحيحها وقد عرفت أنّها بحالها ولم يذكر في المقام وجه صالح للجواب عن الأُمور الثلاثة .
فالذي يمكننا أن نقول ولعلّه المراد من كلام شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) أيضاً على تقدير إضافة كلمة أو كلمتين على ما أفاده في المقام : هو أنّ الأرطال كسر كلّي على نحو القضية الخارجية دون الحقيقية ، وبذلك ترتفع الإشكالات عن المسألة وتوضيحه : أنّ الكسر كالنصف والثلث والربع ونحوها من الكسور الواقعة في شيء من المعاملات كالبيع والوصية ونحوهما يمكن أن يستعمل على نحوين : أحدهما الكسر المشاع كما هو الظاهر المتبادر منه وهذا مثل ما إذا قال بعتك ثلث هذا المال بكذا أو نصفه أو ربعه وأراد منه الاشاعة فإنّ المشتري حينئذ يصير شريكاً مع المالك في المال ، فما تلف منه يحسب عليهما كما أنّ الموجود لهما ، وثانيهما الكسر الكلّي دون المشاع ولو بواسطة نصب القرينة على إرادة الكلّية منه بناءً على أنّ ظهوره في نفسه في الاشاعة وهذا كما إذا أوصى لزيد بثلث ماله وأراد منه الكلّي دون الاشاعة والاشتراك فإنّ الموصى له حينئذ يملك ثلث المال بنحو الكلّي في المعيّن ، واختيار التعيين بيد الوارث حينئذ فله أن يعيّن له ما شاء ، ولا يكون الموصى له شريكاً مع الورثة في المال حتّى أنّه إذا تلفت التركة ولم يبق منها إلّا مقدار ثلثها فيجب عليهم أن يعطوه إلى الموصى له لأنّه ملكه .
ثمّ إن الكسر الكلّي تارة يلاحظ على نحو القضية الحقيقية وأُخرى على نحو القضية الخارجية ، والأول كما إذا أوصى له بثلث ماله أي ما يوجد في الخارج ويصدق عليه أنّه ماله فثلثه للموصى له فالكلّي في ذلك على نحو القضية الحقيقية فإذا فرضنا أنّ نصف مال الموصي قد أخذته الحكومة أو تلف فللموصى له ثلث جميع المال ممّا بقي في أيديهم لا ثلث ما وصل إليهم حتّى أنّ الباقي إذا كان بمقدار ثلث جميع أمواله فهو للموصى له حينئذ ، والثاني كما إذا أوصى له بثلث ماله على نح--و
الكلّي والقضية الخارجية بأن أراد من المال الأموال المعيّنة خارجاً فأوصى بثلث تلك الأموال الخارجية لزيد ، ومن ذلك ما إذا أوصى له بثلث ما سلّم للوارث وحينئذ فالثلث وإن كان كلّياً لا محالة إلّا أنّه كلّي في الأموال المعيّنة أو فيما يسلّم للورثة ، وعليه فإذا فرضنا أنّ نصف أموال الموصي تلف أو أخذته الحكومة ولم يسلّم للورثة إلّا نصفها فالموصى له إنّما يستحقّ ثلث هذا الذي سلّم لا ثلث جميع الأموال ، نعم لو سلّم لهم جميع أموال الموصي فالموصى له يستحقّ ثلث جميع ما سلّم ، هذا .
ثمّ إنّه ربما يراد الكسر من الشيء ولكن لا يستعمل فيه شيء من ألفاظ الكسور كالنصف والثلث بل يستعمل فيه لفظ آخر ويجعل ذلك مرآة إلى الكسر ومشيراً إليه كما إذا أوصى أو باع منّاً من الحنطة وأراد به ثلثها لأنّ نسبة المنّ إليها نسبة الواحد إلى الثلاث مثلاً ، وعلى هذا الفرض فالكسر المستعمل في الوصية أو البيع ونحوهما لا يوجب الشركة مع الورثة أو المالك ، ولكن ينقص بنقص المال الذي يسلّم للورثة ويتمكّن الورثة من التصرف في الترك-ة م-ن دون حاجة إلى الاستئذان من الموصى له ، كما أنّهم إذا أتلفوا مقداراً من التركة فلا يحسب على الموصى له بل يتعيّن حقّه في الباقي .
أمّا الدعوى الأُولى فلأنّ المفروض أن الكسر كلّى لا على نحو الاشاعة . وأمّا الثانية فلانّه كسر كلّي فيها يسلّم للوارث لا فيما يصدق عليه أنّه مال الموصي فيختلف باختلاف ما سلّم للوارث ، فإذا أُخذ نصف ماله فهو في الواقع يخرج من الوارث والموصى له . وأمّا الثالثة فلأنّ التركة مالهم وليسوا شركاء مع الموصى له حتّى يحتاجوا إلى إذنه ، وأمّا الرابعة فلأنّهم إذا أتلفوا منها مقداراً فإنّما أتلفوا ملكهم وهو لا يضرّ بملك الموصى له ، فإذا أكل الوارث شيئاً ممّا تركه الميّت من الطعام فلا محالة مال الموصى له يتعيّن في الباقي لأنّ التعيين بيد الوارث فإذا أتلف مقداراً منها فمعناه
أنّه لا يعيّن ذلك للموصى له وإنّما يعيّن ماله فيما بقى منها ، إذا عرفت ذلك في الوصية فندّعي مثله في استثناء الأرطال في المقام .
فنقول : إنّها أُخذت على نحو الاشارة إلى الكسر الواق-ع-ي ك-العُشر ونحوه والكسر كلّي حسب المتفاهم العرفي في نظائره التي جرت عليها عادتهم ، وهذا الكسر الكلّي أُخذ على نحو القضية الخارجية فيما يسلّم للمشتري حسب السيرة العقلائية المتحقّقة في البيع واستثناء شيء منه ، وعليه فتندفع جميع الإيرادات المتقدّمة .
أمّا أنّ البائع لا يصير شريكاً مع المشتري فلفرض أنّ المبيع كسر كلّي لا مشاع . وأمّا أنّ التالف يحسب عليهما فلأنّ الأثمار إذا سلّمت بتمامها فللبائع منها ستّة أرطال مثلاً ونفرض أنّ نسبتها إليها نسبة العشر فيستحقّ البائع من المشتري عشر الأثمار الواقعة في البستان ، فإذا فرضنا أنّ ما سلّم للمشتري نصف الأثمار لا تمامها فعشر ذلك النصف للبائع فالتالف عليهما لا محالة ، وأمّا أنّه يجوز للمشتري أن يتصرف فيها بلا حاجة إلى إذن البائع فلأنّه ليس شريكاً معه وإنّما يستحقّ أرطالاً كلّية أي كسراً كلّياً على الفرض ، وأمّا أنّه إذا أتلف مقداراً منها فتتعيّن حصّة البائع في المقدار الباقي فلأنّ التعيين بيد المشتري حينئذ وله أن يعيّن العشر من هذا الطرف أو من الطرف الآخر ، فإذا أكل ما في أحد الطرفين أو أتلفها بغير الأكل فمعناه أنّه لا يعين ذلك للبائع ولا بدّ من أن يعيّنه في المقدار الباقي ، وهذا الذي ذكرناه هو المتفاهم بين الناس من مثل الوصية بالثلث والاستثناء من المبيع بل عليه المدار عند العقلاء فإذا لم يسلّم جميع التركة للورثة أو جميع الأثمار للمشتري فلا يلزمون الورثة أو المشتري بدفع ثلث جميع التركة أو ثلث جميع الثمرة الذي ربما يستغرق ما سلّم للمشتري أو الورثة كما إذا لم يسلّم لهما أزيد من ثلث التركة أو الثمرة، فاجباره على إعطائه للموصى له أو البائع كما ترى ، فما ذكرناه في الوصية قطعيّ وفي البيع
والاستثناء أيضاً كذلك حسب المتعارف بينهم .
ولعلّ ما ذكرناه في المقام هو المراد من عبارة شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) حيث قال : المتبادر من الكلّي المستثنى هو الكلّي الشائع فيما يسلم للمشتري لا مطلق الموجود وقت البيع(1)فلو كانت العبارة : الكسر الكلّي فيما يسلّم للمشتري لكان عين ما أشرنا إليه آنفاً . فالمتحصّل من جميع ذلك : أنّ المستثنى إنّما هو كسر غ--ير مشاع لا أنّه هو الأرطال بنفسها بل هي بما أنّها مرآة إلى الكسر الكلّي . ثمّ لا يخفى أنّ الكسر إنّما يضاف إلى مجموع الأثمار فيقال إنّ عُشر الأثمار للمالك ، هذا كلّه فيما ذكرناه أنفاً من تصوير المستثنى في المقام .
ويمكن تصوير المطلب بنحو آخر وهو أن يقال : إنّ المستثنى هو الكسر الكلّي ولكن لا بالاضافة إلى مجموع الثمرة بل بالاضافة إلى كل حصّة حصّة ، فمثلاً إنّ العشر المستثنى لا يضاف إلى مجموع الثمرة بأن يكون المالك مالكاً لعشر مجموعها بل المستثنى هو العشر في كلّ عشرة عشرة بأن يكون البائع مالكاً في كلّ عشرة لواحد منها وهذا وإن كان في النتيجة مشتركاً مع الوجه السابق كما هو ظاهر إلّا أنّ بينهما فرقاً آخر كما سيظهر عن قريب إن شاء الله تعالى ، وبهذا أيضاً يندفع محذور أنّ التالف كيف يحسب عليهما ، والوجه في الإندفاع أنّ الثمرة حينئذ إن كانت عشرين رطلاً مثلاً فللبائع من كلّ عشرة أرطال رطل فإذا تلفت عشرة أرطال فقد تلف من البائع رطل ومن المشتري تسعة أرطال ، ومعنى هذا ورود النقص على كليهما ويبقى للبائع رطل من الأرطال العشرة الموجودة ، هذا .
ولكن الفرق بينه وبين الوجه السابق يظهر في أنّ هذا الوجه الأخير وإن أوجب اندفاع الإشكال في احتساب التلف عليهما إلّا أنّه مورد للإشكال من
1) المكاسب 4 : 266 .
الجهتين المتقدّمتين : إحداهما أنّ البائع إذا ملك عُشراً في كلّ عشرة فكيف يسوغ للمشتري أن يتصرف في مجموع العشرة مع العلم بأنّ أحدها لغيره ، وثانيتهما : أنّ مقتضى كون المالك مستحقّاً للواحد في كلّ عشرة وفرضنا أنّ بعض العشرات أتلفه المشتري بأكله ونحوه فلماذا يحتسب حقّ المالك في الباقي ، مثلاً إذا أتلف نصفها فلماذا يوجبون إخراج حقّ المالك من الباقي لأنّه يستلزم حينئذ أن يكون مالكاً للاثنين في كلّ عشرة من العشرات الباقية ، إذ الفرض أنّ نصف تلك العشرات تلف من جهة المشتري فيصير حقّه الثابت في التالف محسوباً من العشرات الباقية .
وهذان الإشكالان لا يردان على الوجه الأول ويمكن الجواب عنهما بأنّ ذلك من جهة الاشتراط في العقد بحسب الارتكاز العقلائي حيث إنّهم يرون التولية في تبديل حقّ المالك وتعويضه بشيء آخر بيد المشتري ، فله أن يتصرف في حصّة المالك في هذه العشرة ويعوّض عنها من العشرة الثانية كما ثبت ذلك في الخمس والزكاة بالنصّ(1)حيث ورد أنّ المالك له تبديل الخمس والزكاة بالدرهم أو الدينار ، بل ذهب بعضهم إلى جواز تبديلها بكلّ شيء أراد المالك ، وعليه فيندفع الإيرادان عن الوجه الثاني ، هذا ما تحصل لنا في هذه المسألة .
بقى في المقام أمران : أحدهما أنّ الشهيد (قدّس سرّه)(2)ذكر أنّ أقسام بيع الصبرة خمسة وبحسب تعلّق العلم والجهل يصير المجموع عشرة ، ونفرض الك--لام أوّلاً في أقسام العلم بمقدار الصبرة أحدها : أن يبيع الصبرة بأجمعها ، ولا إشكال في صحّة المعاملة حينئذ لأنّ المفروض أنّ مقدار المبيع معلوم فلا إشكال في صحّتها . ثانيها : أن يبيع بعضها أي بعض هذه الصبرة المعلومة المقدار كما إذا باع نصفها أو
ثلثها أو ربعها . وهذه المعاملة أيضاً صحيحة للعلم بمقدار المثمن حسب الفرض وهو بيع كسر مشاع . ثالثها : أنّ يبيع صاعاً منها على نحو بيع الكلّي في المعيّن ، وقد مرّ أنّ بيع الكلّي في المعيّن صحيح ولا إشكال في صحته بوجه . رابعها : أن يبيع جميع ما في الصبرة من الحنطة على حساب كلّ صاع منها بدرهم . ولا ينبغي الإشكال في صحّة المعاملة للعلم بمقدار الصبرة حسب الفرض فالمبيع معلوم والفرض بيعه بالكيل فكلّ صاع من المبيع كذا مقدار ، وهذا لا إشكال فيه بوجه . وخامسها : أن يبيع كلّ صاع أراد المشتري من الصبرة بدرهم ، فالصبرة وإن كانت معلومة المقدار حسب الفرض إلّا أنّ المبيع ليس هو الصبرة في هذه الصورة بل المبيع هو كلّ صاع أراده المشتري ، فبما أنّ المبيع غير معلوم فقد وقع فيه الإشكال ، فذهب بعضهم إلى بطلان المعاملة برأسها وذهب آخر إلى الصحّة في الصاع الأوّل والبطلان في الأصوع المتأخرة ، وقد تعرّضنا لهذه المسألة في الاجارة في بحث الأُصول(1)عند التعرّض لما ذكره العلّامة (قدّس سرّه) من أنّ أصالة الصحّة في مواردها لا تثبت اللوازم وذكرنا هناك أنّ معنى آجرتك الدار كلّ شهر بدرهم معناه آجرتك هذا الشهر بدرهم والأشهر الآتية بعدد ما أردته بهذه الأُجرة ، وعليه فالاجارة في الشهر الأول صحيحة للعلم بمقدار المدّة وبالاضافة إلى الأشهر الآتية باطلة ، ونظير ذلك نلتزم في المقام لأنّ معنى بعتك كل صاع بدرهم بعتك هذا الصاع بدرهم والباقي على حساب ذلك ، فالمعاملة في الصاع الأول صحيحة وفي الأصوع المتأخرة باطلة ، هذه هي الأقسام الخمسة في صورة العلم بمقدار الصبرة وهي بعينها تجري في صورة الجهل بمقدارها .
أمّا الصورة الأُولى أعني بيع جميع الصبرة مع الجهل بمقدارها فلا إشكال في
1) مصباح الأُصول 3 (الموسوعة 48) : 403 .
بطلانها للجهل بمقدار الصبرة ، فالمبيع مجهول وغير معلوم المقدار ويكون البيع غررياً وجزافاً . ثانيتها : بيع بعض منها كنصفها أو ثلثها وهي أيضاً باطلة للجهل بمقدار الصبرة الموجب للجهل بنصفها أو ثلثها وأنّه أيّ مقدار . وثالثتها : بيع صاع من الصبرة المجهولة المقدار على نحو بيع الكلّي في المعيّن ، وهذا لا إشكال في صحّته للعلم بمقدار المبيع وهو الصاع وإن لم يعلم أنّ نسبة الصاع إلى مجموع الصبرة هي النصف أو الثلث أو غيرهما إلّا أنّ ذلك لا يضرّ بصحّة المعاملة إذ لا يشترط فيها العلم بمقدار نسبة المبيع إلى المجموع وأنّه صار شريكاً مع البائع في أيّ مقدار ، نعم هناك كلام في أنّه يشترط في صحّة البيع العلم باشتمال الصبرة على المقدار المبيع أو لا يشترط ذلك بل مع الجهل باشتمالها عليه أيضاً تصحّ المعاملة وسيأتي الكلام في ذلك(1)عن قريب . ورابعتها : أن يبيع كل صاع من الصبرة المجهولة بكذا بأن يكون المبيع كل صاع يريده المشتري، فقد وقع الإشكال في صحّة هذه المعاملة وفسادها إلّا أنّ الظاهر صحّة المعاملة في هذه الصورة أيضاً بالاضافة إلى الصاع الأول دون الأصوع الأُخرى لعدم شيء من الموانع في البين ، أمّا الغرر فلأنّه لا غرر حينئذ في المعاملة لأنّ المفروض أنّ كلّ صاع إنّما يقع في مقابل درهم فلا يذهب ماله هدراً نعم لا يعلم بعدد الأُصوع وأنّ ما ينتقل إليه أيّ مقدار ولكنّه يعلمه بعد التقدير والكيل ، وهذا المقدار من الجهالة لا يمنع عن صحّة البيع لعدم استلزامه الغرر ، وأمّا الكيل والوزن فالمفروض أنّ الصاع الأول معلوم الكيل وإنّما الجهالة في الأص-وع الأُخرى للجهل بمقدار ما يريده المشتري .
وخامستها : بيع الصبرة المجهولة على أنّ كل صاع منها بدرهم ، بأن يكون المبيع هو نفس الصبرة بأجمعها لا كلّ صاع منها كما مرّ في سابقتها ، فالظاهر صحّة
1) في الصفحة الآتية .
المعاملة لعدم لزوم الغرر ، فإنّ كلاً منهما يعلم أنّ كلّ صاع هو في مقابل درهم غاية الأمر أنّهما لا يعلمان بعدد الدراهم والأصوع وهذا ليس خطرياً . وأمّا اشتراط معرفة المقدار بحسب الكيل والوزن والعدد فالروايات الدالّة عليه إنّما تدلّ على بطلان بيع الجزاف ، فالمناط هو صدق هذا العنوان ومن الواضح أنّ بيع الصبرة المجهولة على أنّ كل صاع منها بدرهم ليس جزافاً للعلم بمقدار ما يح-ص-ل ع-ليه المشتري في مقابل كل درهم وما يحصل عليه البائع في مقابل كل صاع . فالمتحصّل من ذلك أنّ بعض صور العلم والجهل مشترك في الصحّة والفساد وبعضها الآخ--ر مفترقان .
ومن صور الافتراق ما إذا باع الصبرة بأجمعها لأنّه صحيح عند العلم بالصبرة وباطل عند الجهل بها ومنها : ما إذا باع كسراً مشاعاً منها كما إذا ب-اع نصفها أو ثلثها وهكذا فإنّه صحيح أيضاً عند العلم بمقدار الصبرة وباطل في صورة الجهل بمقدارها .
ومن صور الاشتراك ما إذا باع الصبرة بأجمعها على أنّ كل صاع منها بدرهم فإنّه صحيح على تقديري العلم والجهل . ومنها : ما إذا باع كل صاع منها بدرهم فإنّ البيع في الصاع الأول منها صحيح على كلا تقديري العلم والجهل وفي غ-ي-ره م--ن الأصوع باطل على كلا التقديرين أيضاً. ومنها أيضاً : ما إذا باع صاعاً منها بكذا فإنّه يبيع كلّي في المعيّن وصحيح على كلا التقديرين ، نعم هناك كلام في أنّا إذا جهلنا باشتمال الصبرة على الصاع فهل يحكم بصحّة المعاملة أو يحكم ببطلانها ؟ فربما يقال بالبطلان حينئذ للجهل بوجود المبيع والجهل بوجوده من أوضح أنواع الغرر ، وقد مال إليه شيخنا الأُستاذ (قدّس سرّه)(1)بدعوى أنّ المعاملة غررية .
1) منية الطالب 2 : 395
والظاهر أنّ المعاملة صحيحة أمّا أوّلاً : فلأنّ الغرر إنّما يتوجّه فيما إذا باع الصاع على كلّ تقدير وأمّا إذا باعه على تقدير وجوده فلا يتحقّق فيه غرر بوجه والتعليق على وجود الموضوع لا يوجب البطلان .
وأمّا ثانياً : فلأن البيع كما ذكرناه سابقاً ينحلّ إلى بيعين أو أكثر حسب تعدّد المبيع ، وعليه فإذا باع صاعاً مثلاً بدرهم فقد باع كل نصف منه بنصف درهم فإذا فرضنا أنّ الموجود في الصبرة نصف الصاع لا تمامه فالبيع في الموجود صحيح وفي النصف غير الموجود باطل ، فهو لا يوجب البطلان في النصف الموجود أيضاً لأنّه من قبيل ضمّ بيع باطل إلى صحيح وهو لا يوجب البطلان ، وأمّا أنّ المشتري يتخيّر حينئذ أو لا يتخيّر فسيأتي الكلام فيه في بحث الخيار تفصيلاً وأشرنا إليه سابقاً وذكرنا أنّ الخيار المعاملي( دون التعبّدي كخيار المجلس ونحوه) إنّما يثبت بأمرين :
الأول : الاشتراط من المتعاملين فإنّه يوجب الخيار عند التخلّف لا محالة والثاني اشتراطه ببناء العقلاء وإن لم يشترطه المتعاملان ، والأول غير متحقّق في المقام فلابدّ من ملاحظة أنّ الاجتماع في نصفي المبيع هل يتعلّق به غرض العقلاء وأنّ العقلاء يعتبرونه في المعاملات كما في مصراعي الباب أو النعال أو جلدي كتاب واحد وهكذا فيثبت له الخيار لا محالة ببناء العقلاء ، أو أنّ الاجتماع ليس متعلّقاً للغرض العقلائي كما في الأرز والحنطة وغيرهما من الحبوب فإنّ العقلاء لا يتعلّق غرضهم باجتماع نصفي الأوقية في الأرز مثلاً بل لا يفرّق بين اجتماعهما وافتراقهما فلا يثبت له الخيار ، نعم ربما يكون الاجتماع في مثل الأرز أيضاً متعلّقاً للغرض الشخصي كما إذا كان نصفه الآخر من أُرز آخر لأوجب الفساد في الطبخ ، إلّا أنّ الأغراض الشخصية لابدّ من أن تشترط في ضمن العقد لا محالة .
الأمر الثاني : إذا شاهد عيناً في زمان سابق ثمّ عقد عليها بتلك الرؤية المتقدّمة فهل المعاملة صحيحة أو فاسدة ؟ والكلام في ذلك يقع في مقامين : أحدهما في حكم نفس البيع بلحاظ الرؤية السابقة من الصحّة والفساد . وثانيهما : في حكمه بلحاظ اشتراط وجود الأوصاف وأنّ حكمه عند التخلّف ماذا .
أمّا المقام الأول : أعني ما إذا باع شيئاً بملاحظة الرؤية السابقة من دون أن يشترط فيه وجود الأوصاف المرئية سابقاً بل بما هو هو كما إذا تبرّأ البائع ع--ن الأوصاف ، وإنّما باع الموجود الذي رآه سابقاً وإلّا فبملاحظة اشتراط الأوصاف فلا ينبغي الإشكال في صحّته ولو لم يره أصلاً بوجه ، فنقول : إنّ العادة تارة تقتضي عدم تغيّر العين عمّا شاهدها عليه من الأوصاف كما إذا شاهد جارية قبل شهر أو شهرين أو شاهد داراً قبل أشهر فإنّ العادة تقتضي في أمثال ذلك عدم تغيّر الجارية من قوّة باصرتها أو صحّة مزاجها وجمالها في مدّة شهر واحد ، وكذلك الحال في الدار ولعلّه ظاهر . واُخرى تقتضي تغيّرها وعدم بقائها على تلك الأوصاف كما إذا شاهد الجارية قبل أربعين سنة أو الدار قبل ثلاثين سنة فإنّ العادة تقتضي ذهاب جمال الجارية وضعف قوّة باصرتها للخياطة ونحوها كما أنّها تقتضي خراب الدار واضمحلال أوضاعها في المدّة المزبورة .
فإن كانت المشاهدة قبل مدّة تقتضي العادة عدم بقاء العين على أوصافها السابقة فلا ينبغي الإشكال في فساد المعاملة لجهالة المبيع وعدم مشاهدته حسب الفرض حين المعاملة ، وأمّا إذا كان قبل مدّة تقتضي العادة بعدم تغيّر العين وزوالها عمّا شاهدها عليه من الأوصاف فلا محالة يحكم بالصحّة للاطمئنان حينئذ بالبقاء وإذا فرضنا أنّ العادة لا تقتضي البقاء ولا تقتضي الزوال في مورد كما إذا شاهد الجارية قبل عشر سنين فإنّ العادة في مثل ذلك غير مقتضية للبقاء أو الزوال فهل يمكن إحراز بقاء الأوصاف في مثله بالاستصحاب ويحكم بصحّة المعاملة بذلك
أو لا .
ذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1)أنّ الاستصحاب من الطرق العقلائية للإحراز وهو نظير إخبار البائع بالكيل والوزن فلا مانع من استصحاب بقائها على حالها والحكم بصحّة المعاملة الواقعة عليها ، هذا .
وقد استشكل في ذلك شيخنا الأُستاذ (2)بأنّ الأثر في المقام أعني الحكم بصحّة المعاملة غير مترتّب على وجود تلك الأوصاف واقعاً وبقاء العين بحالها في نفس الأمر ، بل إنّما يترتّب على إحرازها والعلم بها وإن لم تكن موجودة في الواقع وذلك لأنّ الغرر إنّما ينتفي بالإحراز والعلم ببقاء العين على أوصافها السابقة لا بوجود تلك الأوصاف في الواقع وإن لم تحرز في المعاملة ، والاستصحاب إنّما يجري فيما إذا كان الأثر مترتّباً على الواقع فإنّه يوجب الحكم بترتّبه في مقام الشكّ أيضاً دون ما إذا كان الأثر مترتّباً على نفس الإحراز والعلم .
وهذا الذي أفاده (قدّس سرّه) ينافي مسلكه حيث إنّه (قدّس سرّه)(3)بنى على أنّ الأُصول تقوم مقام القطع الموضوعي الطريقي فلا وجه لمنعه عنصحّة المعاملة في المقام بالاستصحاب ، نعم بناءً على ما ذهب إليه صاحب الكفاية (قدّس سرّه)(4)من عدم قيام الأُصول والأمارات مقام القطع المأخوذ في الموضوع على وجه الطريقية لا مانع من منع جريان الاستصحاب في المقام ، هذا .
ويمكن أن يقال إنّ الاستصحاب إنّما يجري في المقام فيما إذا كان الأثر مترتّباً
على نفس الواقع أو على العلم به وإحرازه بناءً على أنّ الاستصحاب يقوم مقام القطع المأخوذ في الموضوع على وجه الطريقية ، إلّا أنّ الأثر أعني صحّة المعاملة ليست مترتّبة على شيء من الواقع والعلم به بل إنّما يترتّب على عدم الغرر وانتفائه كما هو مقتضى قوله (صلّى الله عليه وآله وسلم) « نهى النبي عن بيع الغرر »(1)فالموضوع للصحّة هو عدم الغرر أي عدم احتمال الضرر ، وأمّا العلم فلم يترتّب الصحّة عليه في شيء من الروايات وغيرها ، نعم عدم احتمال الضرر وانتفاء الغرر ملازم عقلاً للعلم بوجود الأوصاف ، فعليه فاستصحاب بقاء الأوصاف على القول بقيامه مقام العلم لا يثبت انتفاء الغرر وعدم احتمال الخطر حتّى يترتّب عليه الصحّة إلّا بناء على القول بالأُصول المثبتة ، لأنّ عدم احتمال الخطر الذي هو الموضوع للحكم بالصحّة ملازم للعلم بوجود الأوصاف عقلاً ، وهذا هو الوجه في عدم جريان الاستصحاب في المقام .
وأمّا المقام الثاني : إذا اشترى العين المرئية سابقاً من جهة اقتضاء العادة ببقائها على ما كانت عليه وظهر المبيع كما كان فلا إشكال في صحّة البيع ، وأمّا إذا ظهر التخلّف وعدم اشتمالها على الأوصاف السابقة فهل يحكم ببطلان المعاملة أو بصحّتها ؟ فيه وجوه، الأول : الحكم بالبطلان كما نسب إلى العلّامة (قدّس سرّه)(2)والثاني : الحكم بالصحّة من دون خيار . والثالث : الحكم بالصحّة مع الخيار ، وهو المعروف .
أمّا الوجه الأول فالوجه فيه أمران : أحدهما دعوى أنّ الأوصاف يتقسّط عليها الثمن فإذا تخلّفت فالمبيع غير متحقّق في الخارج لأنّ الثمن إنّما بذل على الذات
وأوصافها والمفروض أنّ الأوصاف متخلّفة ، وهذا أنسب بما حكي عن العلّامة (قدّس سرّه) من الاستدلال على البطلان بأنّ ما وقع لم يقصد وما قصد لم يقع .
ويدفعه : ما ذكرناه غير مرّة من أنّ الأوصاف لا يتقسّط عليها الثمن وإنّما يبذل المال في مقابل الذوات ، نعم الصفات دخيلة في زيادة قيمة الموصوف أو المشروط لا أنّها ممّا يقع الثمن بازائها ، والمفروض أنّ المبيع موجود فلا وجه للبطلان حينئذ .
وثانيهما : دعوى أنّ البيع إنّما وقع على الموصوف أو المشروط وانتفاء الشرط والوصف يوجب انتفاء الموصوف والمشروط لا محالة فالمبيع غير موجود . وفيه : من المغالطة ما لا يخفى ، وذلك لأنّ انتفاء الشرط أو الوصف إنّما يوجب انتفاء المشروط فيما إذا كان من أجزاء العلّة كما إذا وقع العقد على المشروط مقيّداً ومعلّقاً على وجود الشرط والوصف بحيث لو لم يكن المشروط متّصفاً به لم يلتزم بالبيع ، فنفس البيع دون المبيع معلّق على الشرط والوصف فانتفاؤه حينئذ وإن كان يوجب انتفاء المشروط أيضاً إلّا أنّ البيع في مثله باطل ولو مع وجود الأوصاف أيضاً فضلاً عمّا إذا تخلّف عن المشروط ، وذلك لأنّه من التعليق المبطل للمعاملة وأمّا إذا لم يكن الشرط والوصف من أجزاء العلّة بل إنّم-ا وق-ع الب-ي-ع على شيء واشترط فيه أمر خارج عن المبيع فتخلّفه لا يوجب انتفاء المشروط لأنّه حينئذ من قبيل الالتزام في التزام فتخلّفها يوجب الخيار فقط كما سيأتي تفصيل ذلك في بحث الشروط إن شاء الله تعالى .
وأمّا الوجه الثاني ، أعنى الحكم بالصحّة من دون خيار فالوجه فيه أنّ البيع والمعاملة صحيحة لما عرفت من أنّ الثمن لا يتقسّط على الأوصاف ، وأمّا وجه عدم الخيار فهو أنّ الوصف والشرط لم يذكر في ضمن العقد حتّى يوجب تخلّفه الخيار بل إنّما تبانيا عليه خارجاً وتخلّفه حينئذ لا يوجب الخيار .
وأجاب عن ذلك شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1)بأنّ الشروط والأوصاف التي لا تصحّ المعاملة إلّا إذا وقعت مبنيّة عليها لا يحتاج إلى ذكرها في ضمن العقد بل دخولها فيه أولى من دخول الشرط المذكور على وجه الشرطية .
وقد أوضحه شيخنا الأُستاذ (قدّس سرّه)(2)بأنّ الأوصاف والشروط على أقسام أربعة : الأوّل الشرط أو الوصف المذكور في العقد ، فلا ينبغي الإشكال في أنّ تخلّفه يوجب الخيار . الثاني : الشرط أو الوصف الذي بني العقلاء على اشتراطه في المعاملات ولأجل هذا البناء تدلّ المعاملة على الاشتراط به بالدلالة الالتزامية وتخلّف ذلك أيضاً يوجب الخيار ، وهذا كاشتراط تسليم المبيع في بلد المعاملة أو اشتراط كونه بالقيمة السوقية فإنّهما وإن لم يذكرا في المعاملات ، إلّا أنّ العقلاء بنوا على اشتراطها بهما فلو أراد تسليم المبيع في بلد آخر يكثر فيه المبيع فلا أظنّ فقيهاً التزم بلزوم هذه المعاملة بل هو من قبيل تخلّف الشرط يوجب الخيار ، وهكذا الأمر فيما إذا ظهرت قيمته أكثر من القيمة السوقية فإنّ المشتري على الخيار وإن لم يشترط ذلك في ضمن المعاملة . الثالث : الشرط أو الوصف الذي لم يبن العقلاء على اشتراط المعاملة به ولم يذكر في العقد أيضاً بل كان شرطاً شخصياً إلّا أنّ صحّة المعاملة في المورد كانت متوقّفة عليه ، وهذا نظير المقام فإنّ وصف الكتابة ليس ممّا بنى العقلاء على اشتراط المعاملة بوجوده ولم يذكر في العقد أيضاً إلّا أنّ صحّة بيع العين الغائبة تتوقّف على وجوده دفعاً للغرر وهو شرط شخصي ويوجب تخلّفه الخيار أيضاً .
الرابع : الشرط أو الوصف الخارجي غير المذكور في العقد ولا بنى العقلاء على اشتراط المعاملة به ولم يكن ممّا يتوقّف عليه صحّة العقد أيضاً كوصف الكتابة في بيع
العبد الحاضر ، فتخلّف مثله لا يوجب الخيار ، هذا ملخّص ما أفاده (قدّس سرّه) في توضیح کلام شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) .
وللمناقشة فيما أفاده كبرىً وصغرىً مجال واسع ، أمّا بحسب الصغرى فلأنّ صحّة العقد في بيع العين المرئية لا يتوقّف على وجود الأوصاف وبناء العقد عليها دائماً ، وذلك لبداهة أنّ المشتري إذا كان مطمئناً بوجود الأوصاف السابقة من جهة اقتضاء العادة بقاءها أو من جهة إخبار البائع بوجودها فيما إذا كان البائع ممّن يوثق به وتبرّأ البائع من الأوصاف وقال إنّما أبيع الموجود المشاهد سابقاً بأيّ نحو ك--ان وأسقط الخيار ، فلا ينبغي الإشكال في أنّ المعاملة صحيحة حينئذ وإن تخلّف عنها الأوصاف أيضاً ، وذلك للإطمئنان بوجودها حين البيع وعدم كون البيع حينئذ غررياً ، نعم لو لم يكن مطمئناً بوجود الأوصاف كما إذا لم تكن العادة مقتضية لبقائها أو لم يخبر البائع بوجودها أو أخبر ولكن لم يكن موثوقاً به فحينئذ لابدّ في صحّة المعاملة من إيقاعها مبتنية على وجودها ، وتتوقّف صحّتها على بناء العقد على وجود الأوصاف لا محالة ، ولكنّ المورد لا ينحصر بذلك وقد عرفت أنّ في بعض الموارد والمصاديق لا تتوقّف صحّة العقد على البناء على وجودها ولعلّ ذلك ظاهر .
وأمّا بحسب الكبرى : فلأنّ الوجه في صحّة العقد عند البناء على الأوصاف السابقة إنّما هو صيرورة المشتري بذلك ذا خيار عند ظهور تخلّف الأوصاف وهذا الخيار ينفي احتمال الخطر ويدفع الغرر ولذا يوجب صحّة المعاملة حينئذ ، فتصير النتيجة أنّ اشتراط تلك الأوصاف في البيع ينفي الغرر ، وعليه فنسأل الفارق بين الأوصاف والشروط التي اشتراطها ينفي الغرر ويستلزم ص-ح-ّة الع-ق-د ، وبين الأوصاف والشروط التي لا ربط لها بنفي الغرر ولا يلزم من عدمها الغ--رر أي-ض-اً وأنّه لماذا يستلزم تخلّف القسم الأول الخيار ولو لم يذكر في العقد بخلاف التخلّف في القسم الثاني المعبّر عنه بالأوصاف الخارجية فإنّ التخلّف فيها لا يستلزم الخيار إلّا
فيما إذا ذكرت في ضمن العقد والمعاملة ، ولم يظهر ممّا أفاده (قدّس سرّه) وجه الفرق بينهما .
فالمتحصّل : أنّه لا دليل على الفرق بين القسمين ولا وجه له أيضاً ، بل لابدّ إمّا من أن نلتزم بالخيار عند التخلّف في كلا القسمين ولو لم يذكرا في العقد ، وإمّا أن نلتزم بعدم الخيار عند تخلّفهما فيما إذا لم يذكرا في ضمن المعاملة ، وبناءً على عدم الخيار في القسم الأول إمّا أن نلتزم بفساد المعاملة للغرر وإمّا أن نلتزم بصحّتها من جهة وجود المبيع وعدم تقييده بالأوصاف ، فما أفاده (قدّس سرّه) في المقام مورد للمناقشة كبرىً وصغرىً .
والتحقيق أن يقال : إنّ ما اشتهر من أنّ الشرط إذا لم يذكر في ضمن العقد فلا يوجب تخلّفه الخيار كلام عار عن الدليل ولم ترد بذلك رواية ولا آية فلا يمكن الالتزام به بوجه ، نعم نلتزم بأنّ العهود القلبية والبناء القلبي ممّا لا اعتبار به في باب المعاملات بل لابدّ من إبرازها في الخارج بمبرز لا محالة ، بل لا يصحّ إطلاق الشرط على البناء القلبي أيضاً كما سيأتي تفصيله في بحث الشروط لأنّ الشرط كما حكاه شيخنا الأنصاري(1)عن القاموس عبارة عن الرابط بين شيئين ومنه الشريط المعروف لأنّه يربط أحد الشيئين بالآخر ، والأمر القلبي ما لم يبرز في الخارج ولم يتحقّق في عالم الوجود الخارجي لا معنى لكونه ربطاً بين الشيئين ، إذ لا وجود له في الخارج حتّى يوجب الارتباط ، إلّا أنّ الابراز لا وجه لتقييده بما يكون مذكوراً في ضمن العقد والمعاملة بل يكفي في الإبراز القرائن الحالية والمقالية ومنها الارتكاز العقلائي كما ذكرناه في مثل تسليم المال في بلد العقد والغبن والعيب فإنّها توجب الخيار وإن لم تذكر في ضمن المعاملة والعقد .
1) لاحظ المكاسب 6 : 11
وعليه فنقول : إنّ اشتراء العين المشاهدة سابقاً قرينة على أنّ العقد إنّما يبتني على وجود تلك العين على ما كانت عليه حين المشاهدة، وكذا تحاورهما وتبانيهما قبل العقد على وصف أو شرط كافٍ في الابراز وإيجاد المعاملة عليه ، فيكون تخلّفه موجباً لثبوت الخيار من دون فرق بين الأوصاف الموجبة للغرر بعدم اشتراطها وبين غيرها كما لا يخفى ، هذا تمام الكلام في أصل المسألة .
فرعان : الأول أنّ البائع والمشتري إذا اختلفا فادّعى أحدهما أنّ العين المشاهدة أو الموصوفة إنّما هى العين المهزولة وأنّ المشاهدة وقعت على العين على ما عليه من الأوصاف فعلاً وادّعى الآخر أنّ المشاهدة إنّما وقعت على العين وهي سمينة وقد تغيّرت أوصافها عمّا كانت عليه ولم تقع المشاهدة عليها في حالة الهزال فالمنسوب إلى المشهور أنّ المشتري هو المنكر في المقام والقول قوله والمدّعي وهو البائع عليه أن يثبت أنّ المشاهدة وقعت على المهزول ، وعليه فيقع الكلام فعلاً في وجه تقديم قول المشتري على البائع وأنّه لماذا يكون البائع مدّعياً والمشتري منكراً في المقام وقد ذكروا في وجه ذلك وجوهاً لا يمكن المساعدة على شيء منها :
الأوّل : أنّ المشتري يده على الثمن وأصالة الصحّة في اليد مع المشتري والبائع يريد انتزاعه منه فعليه إثبات أنّ الثمن ملكه فيكون المدّعي هو البائع هذا .
وقد أورد عليه شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1)أنّ اليد لا فائدة مترتّبة عليها في المقام ، لأنّ المشتري يعترف بأنّ الثمن ملك البائع لإقراره بصحّة البيع غاية ما هناك أنّه يدّعي ثبوت الخيار لنفسه من جهة دعوى تغيّر العين عمّا كانت عليه حين المشاهدة ، ومع الإقرار والاعتراف بأنّ الثمن ملك للبائع فلا يبقى لليد أثر على تقدير صحّتها لأنّها عليه يد أمانة كما هو ظاهر ، نعم يمكن أنّ يقال إنّ المشتري لا
1) المكاسب 4 : 275
يجب عليه دفع الثمن إلى البائع لأنّه يدّعي الخيار ، وقد ذكر العلّامة (قدّس سرّه)(1)أنّ تسليم الثمن والمثمن في مدّة الخيار غير واجب على المتعاملين ولم ينسب خلاف ذلك إلى أحد إلّا بعض الشافعية والسرّ في ذلك أن المشتري بدعواه الخيار يدّعي سلطنته على عدم تسليم الثمن إلى البائع لتزلزل العقد بالخيار وتسلّطه على حلّه ورفع جميع آثاره ومنها وجوب تسليم الثمن إلى البائع .
وذكر شيخنا الأُستاذ (قدّس سرّه )(2)أنّ ما أفاده شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه )من أنّ الخيار يمنع عن وجوب دفع الثمن إلى البائع إنّما يتمّ في الخيارات الزمانية كخياري المجلس والحيوان دون الخيارات غير الزمانية ، والخيار في المقام من جهة تخلّف الشرط أو الوصف أمر آخر غير الخيارات الزمانية فلا يتمّ ما أفاده في المقام .
وبالجملة : أنّه (قدّس سرّه) سلّم ما أفاده شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) بحسب كبراه وإنّما ناقش فيه من جهة الصغرى كما عرفت ، والحقّ أنّ المطلب ممّا لا يمكن المساعدة عليه بحسب الأصل والكبرى أيضاً ، وذلك لأنّ الثمن بعد الاعتراف بصحّة المعاملة ملك للبائع ، وعموم« الناس مسلّطون على أموالهم »(3)غير مخصّص في المقام ، فلا يجوز للمشتري منع البائع عن الثمن ويجب عليه دفعه إليه ، إذ لم يرد على العموم المذكور شيء من المخصّصات ، ومن العجب أنّ شيخنا الأُستاذ (قدّس سرّه)(4)نسب إلى شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) في بحث الخيار تسلّم ما حكي عن العلّامة من عدم وجوب دفع الثمن أو المثمن في مدّة الخيار واستظهره من عبارة شيخنا
الأنصاري (قدس سرّه) في بحث الخيار « لو قلنا بوجوب التقابض في عقد الصرف والسلم فثمرة الخيار واضحة وهي عدم وجوب التقابض » حيث عبّر ب- « لو » الظاهر في أنّ خيار المجلس يمنع عن وجوب دفع الثمن والمثمن وتقابضها ، هذا .
ولكن ذلك ممّا ينبغي أن يعدّ من غرائب كلام شيخنا الأُستاذ (قدّس سرّه) (على تقدير صحّة ما في التقريرات كما هو المظنون ، لأن المقرّر كان كثير الاهتمام بضبط كلام شيخنا الأُستاذ (قدّس سرّه) وذلك لأنّ الوجه في عدم وجوب التقابض في بيع الصرف والسلم هو عدم حصول الملك منها إلّا بالتقابض ، فقبله لا ملك للبائع حتّى يجب على المشتري تسليمه إلى مالكه ، وهذا بخلاف غيرهما من البيوع فإنّ الملك في غيرهما يحصل بالعقد والمعاملة وبعده لا معنى للتصرف في مال الغير وعدم تسليمه إلى مالكه ، فما أفاده شيخنا الأنصاري إنّما هو في الصرف والسلم لا في مطلق البيع فتعبيره بكلمة « لو » في محلّه ، لما عرفت من أنّه لا ملك قبل التقابض فيهما .
فالمتحصّل أنّ شيخنا الأنصاري لم يظهر منه تسلّم هذا المطلب بوجه ، وقد عرفت أنّ أصل الكلام ممّا لا يمكن الالتزام به وهذا ظاهر هذا كلّه ، مضافاً إلى أنّ هذا الدليل أخصّ من المدّعى ، إذ ربما يكون الثمن بيد البائع دون المشتري وهذا كما إذا كان الثمن داراً يسكنها البائع سابقاً وقد وقع ثمناً في بيع شيء اشتراه منه أو نفرض الثمن دَيناً للمشتري كان في ذمّة البائع فباشترائه منه سقط من ذمّته قهراً ، فلا يد في أمثال ذلك حتّى يدعى أنّ المشتري هو المنكر لمطابقة قوله للأصل .
الثاني : أنّ البائع يدّعي علم المشتري بالمبيع على وصف الهزال والمشتري ينكر علمه به بهذا الوصف والأصل عدم علمه به بهذا الوصف ، فالمشتري منكر ويقدّم قوله والبائع مدّع وعليه أن يثبت مدّعاه بالبيّنة أو بغيرها ، هذا .
وقد أورد عليه شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) بالمعارضة بأصالة عدم علم
المشتري بالمبيع بوصف السمن فلا حقّ له في الخيار ، ثمّ ذكر أنّ الشكّ في علم المشتري بوصف الهزال وعدمه إنّما نشأ وتسبّب عن الشكّ في وجود غير وصف الهزال عند المشاهدة ، فإذا نفينا وجود غير الهزال حين المشاهدة فيه يرتفع الشكّ عن علم المشتري ، لأنّ الشكّين سببي ومسبّبي.
وشيخنا الأُستاذ (قدّس سرّه)(1)سلّم المعارضة بين الأصالتين أعني أصالة عدم علمه به بهذا الوصف وأصالة عدم علمه به بغير هذا الوصف . والصحيح أنّ ذلك كلّه منافٍ لمسلك شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) لأنّ الأصلين لا أثر لهما إلّا باعتبار لوازمهما والمثبت ليس بحجّة عنده ، مضافاً إلى أنّ التسبّب غير شرعي فلا حكومة في مثلهما ، والسرّ فيما ذكرناه أنّ الأثر وهو الخيار لم يترتّب على وج-ود وصف السمن واقعاً ولا على العلم بالمبيع بهذا الوصف بل إنّما هو مترتّب على وجود الاشتراط بوصف السمن وعدمه ، إذ من الممكن أن يكون السمن موجوداً بحسب الواقع وقد علم به المشتري أيضاً إلّا أنّه لم يشترط هذا الوصف في المعاملة فوجوده والعلم به لا أثر له في حدّ نفسه بل الأثر للاشتراط وعدمه ، نعم من لوازم العلم بوصف السمن حين المعاملة اشتراطه كما أنّه من لوازم عدم العلم به عدم اشتراطه فاستصحاب عدم العلم لأجل إثبات أثر ذلك اللازم من المثبت ، نعم لو كان الأثر وهو الخيار مترتّباً على العلم بالوصف كما في خيار العيب لارتفاعه مع العلم بالحال وثبوته عند عدم العلم لم يكن لجريان الأصلين مانع حينئذ .
الثالث : أنّ وصول حق المشتري بيده بدفع العين المهزولة مشكوك والأصل عدم وصول حقّه إليه فيكون المشتري هو المنكر وعلى البائع أن يثبت وصول حقّه بالبيّنة أو بشيء آخر .
1) منية الطالب 2 : 401 .
وفيه : ما أورده عليه شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1)من أنّ المراد بالحقّ إن كان هو ذات العين فهو قد وصل إلى المشتري قطعاً، وإن أُريد بالحقّ العين بوصف السمن فثبوت ذلك أوّل الكلام ، ومع عدم ثبوته لا معنى لاستصحاب عدم وصول حقّه ، إذ لم يثبت له حقّ حتّى يستصحب عدمه، وإن أُريد به حقّ الخيار فهو لا معنى لوصوله إليه بل هو تابع للاشتراط كما مرّ ، وعليه فلا يمكن الاعتماد بشيء من الوجوه المذكورة في المقام .
ولأجل ذلك ذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) في المقام معنىً آخر ووافقه عليه شيخنا الأُستاذ وملخّصه : أنّه لابدّ في المقام من ملاحظة أنّ الأوصاف المتخلّفة هل كانت أُخذت في المعاملة قيداً للمبيع كما إذا اشترى مقداراً من الاُرز الحاصل من مكان كذا كالعنبر مثلاً فإنّ الوصف حينئذ قيد في المبيع فإنّه لم يشتر الاُرز المجرّد حينئذ بل الاُرز المقيّد بقيد العنبر ، وفي مثله القول قول المشتري لأنّه يدّعي عدم انعقاد المعاملة على الفاقد للوصف حينئذ والمفروض أنّ العقد وقع على المقيّد بذاك الوصف لا على ذاته كما عرفت ، فعليه فلا معاملة على الفاقد فالقول قول المشتري وعلى البائع إثبات أنّ البيع وقع على الفاقد أيضاً ، أو أنّ هذه الأوصاف إنّما شروط خارجية والعقد إنّما وقع على ذات الموصوف غاية الأم-ر ب-اشتراط ذاك الوصف بخصوصه ، وعليه فالقول قول البائع لأنّهما متّفقان على وقوع المعاملة على الفاقد للشرط والمشتري يدعي حقّاً زائداً على الذات فعليه الاثبات ، ويتّضح هذا بملاحظة ما ذكرناه سابقاً من أنّ الثمن إنّما يبذل بازاء ذات المشروط والموصوف ولا يقع في مقابل هذه الأوصاف الكمالية شيء من الثمن فإنّ المعاملة حينئذ وقعت على الذات والمشتري يدّعى أمراً زائداً عليه وعليه الاثبات.
1) المكاسب 4 : 276
وحينئذ فيقع الكلام في تشخيص أنّ الأوصاف هل هي مأخوذة على وجه القيدية أو على وجه الشرطية ، وملخّص ما ذكره (قدّس سرّه) أنّه لابدّ من ملاحظة أنّ الرؤية السابقة هل هي بمنزلة تقييد المبيع كما إذا فرضنا أنّ المبيع كلّي كالاُرز والحنطة ونحوهما إلّا أنّ المشتري قيّده في المعاملة بكونه كذا كتقييد الحنطة بالمكان المخصوص والأرز بكونه من العنبر على نحو يكون نتيجة التقييد هو الخيار عند عدم حصول القيد دون البطلان ، فيكون التقييد مشتركاً مع الاشتراط في النتيجة ، وعليه فيكون قول المشتري مقدّماً حينئذ ، لأنّ الأصل عدم وقوع العقد على الموجود الخالي عن الوصف وأثره عدم إلزام المشتري بأخذه من البائع ، ولا يعارض ذلك بأصالة عدم وقوع العقد على المقيد الذي يدّعيه المشتري لأنّه لا أثر له في المقام إلّا إثبات أنّ العقد وقع على هذا الموجود الفاقد للوصف والأصل المثبت لا اعتبار به بوجه ، فيكون القول قول المشتري ، هذا كلّه فيما إذا أُريد بالأصل أصالة عدم وقوع العقد على المقيّد على نحو مفاد ليس التامة وقد عرفت أنّها ممّا لا يترتّب عليه أثر شرعي .
وأمّا إذا أُريد بالأصل أصالة عدم الوقوع على الأمر المقيّد على نحو مفاد ليس الناقصة فهو وإن كان يترتّب عليه الأثر وهو لزوم أخذه على المشتري وعدم ثبوت الخيار له إلّا أنّه لا حالة سابقة له ، إذ لم يسبق زمان وقع عقد على الفاقد للوصف ولم يقع عليه مقيّداً حتّى نستصحبه ونقول الأصل إنّ العقد الواقع وقع على ما لم يكن مقيّداً بوصف ، وقد نظّر ذلك شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) باستصحاب عدم الكرّية فی الماء المخلوق الساعة أو الماء غير المعلوم حاله سابقاً حيث إنّ استصحاب عدم الكرّية على نحو مفاد ليس التامّة يجري ولا يترتّب عليه أنّ الماء الموجود في الحوض غيركرّ ، وأمّا استصحاب عدم اتّصافه بالكرّية على نحو مفاد ليس الناقصة فهو وإن ترتّب عليه عدم كرّية الماء الموجود في الحوض إلّا أنّه لا حالة سابقة له ليجري
استصحاب اتّصافه بعدم الكرّية سابقاً ، وكيف كان فالأصل في هذه الصورة مع المشتري لأنّ البائع يدّعي حينئذ أنّ البيع وقع على الفاقد والمشتري ينكره والأصل عدم وقوع البيع على الفاقد ، وأمّا إذا كانت الرؤية السابقة بمنزلة الاشتراط دون التقييد بأن يكون العقد واقعاً على ذات العين المشاهدة واشترط في ضمنه أن تكون كذا وكذا فالقول قول البائع حينئذ ، لأنّ المشتري يدّعي أمراً زائداً عن العين على البائع والأصل عدم التزام آخر سوى الالتزام بالعين ، هذا ملخّص م-ا أف--اده في المقام .
ولابدّ في تحقيق الكلام من التكلّم في مقامين : أحدهما في أنّ المشتري إذا ادّعى الاشتراط أو التقييد فهل يقدّم قوله أو قول البائع . وثانيهما : في أنّ الرؤية السابقة هل توجب الاشتراط أو توجب التقييد .
أمّا البحث عن المقام الأول فنقول : إن ادّعى المشتري الاشتراط وأنكره البائع فلا ينبغي الشكّ في أنّ الأصل مع البائع حينئذ ، لأنّ المشتري يطالب أمراً زائداً عن المبيع والأصل عدم التزام آخر على غير العين ، فلابدّ للمشتري من إثبات مدّعاه بييّنة ونحوها ، وإذا ادّعى كلّ منهما الاشتراط فالمورد من موارد التداعي .
وأمّا إذا ادّعى المشتري أنّ المبيع كان مقيّداً بقيد غير متحقّق فعلاً ف-ت-ارة يدّعي البائع عدم التقييد ويقول إنّ المعاملة مطلقة واُخرى يدّعى البائع أيضاً التقييد بقيد آخر كما أنّ المشتري يدّعي التقييد بقيد ، فإن ادّعى كل واحد منهما تقييد المبيع بقيد كما إذا اشترى اُرزاً أو حنطة على وجه كلّي وقد قيّده بكونه من مكان مخصوص أو من العنبر مثلاً وادّعى البائع أنّك اشتريت اُرزاً أو حنطة من مكان آخر أو من غير العنبر مثلاً فهما حينئذ متداعيان لأنّ كل واحد منها يدّعي أمراً ينكره الآخر وأصالة عدم وقوع العقد على المقيّد الذي يدّعيه المشتري معارضة بأصالة عدم
وقوعه على المقيّد الذي يدّعيه البائع ، فالأصلان متساقطان وبعده لابدّ من أن يثبتا مدّعاهما ببيّنة ونحوها وإلّا فيتحالفان ويحكم بانفساخ المعاملة كما هو الحال في موارد التداعي .
وأمّا إذا ادّعى المشتري التقييد وادّعى البائع عدم التقييد وقال إنّ البيع مطلق والاختيار بيدي واُعيّن شيئاً آخر غير المقيّد الذي يدّعيه المشتري ، فالظاهر أنّ الأصلين متعارضان أيضاً من دون فرق بين جريان الأصل في العدم الأزلي أو جريانه في العدم على نحو مفاد ليس التامّة ، وذلك لما ذكرناه سابقاً وحقّقناه في مباحث الأقل والأكثر والتعبّدي والتوصّلي من أنّ الإهمال في الواقع غير معقول وأنّه لابدّ وأن يكون الشيء ملحوظاً مقيّداً أو على نحو السعة والاطلاق ، وع--ل-ي-ه فكلّ واحد من التقييد والإطلاق أمر وجودي مسبوق بالعدم غاية الأمر أنّ الاطلاق عبارة عن ملاحظة الشيء موسّعاً والتقييد ملاحظته على نحو التضييق ، نعم الاطلاق في مقام الاثبات أمر عدمي لأنّه في مقام الابراز عبارة عن عدم التقييد وعليه فإذا ادّعى أحدهما التقييد وادّعى الآخر إطلاقه فكلاهما يدّعيان أمراً وجودياً مسبوقاً بالعدم ، فأصالة عدم التقييد أي عدم كون المبيع مضيّقاً بحسب الالتزام معارض بأصالة عدم كون المبيع ملحوظاً على نحو السعة فتكون المسألة من التداعى فإذا أثبت أحدهما مدّعاه بشيء فهو وإلّا يتحالفان ويحكم بانفساخ المعاملة كما في الصورة المتقدّمة، وهذا من دون فرق بين استصحاب عدم وقوع العقد على المضيّق على نحو مفاد ليس التامّة وبين استصحاب عدم الاتّصاف بالتضيّق على نحو مفاد ليس الناقصة بناءً على جريان الأصل في العدم الأزلي بأن يقال الأصل عدم تحقّق التضيّق مع البيع على هذا الموجود لما عرفت من أنّ كلّ واحد منهما معارض بالمثل في الطرف الآخر فالأصل عدم ملاحظة التوسعة وعدم تحقّقها معه ، هذا كلّه في كبرى المسألة .
وأمّا البحث عن المقام الثاني وأنّ المشاهدة والرؤية السابقة هل هي تفيد الاشتراط أو التقييد فملخّص الكلام في ذلك : أنّ التقييد غير ممكن في المقام لأنّ العين المشاهدة الخارجية أمر غير قابل للتوسّع والتضيّق ، لأنّ الجزئي لا يتضيّق ولا يتوسّع وإنّما القابل لهما هو الكلّي ، وأمّا المبيع الخاص فلا معنى للتقييد والاطلاق فيه بوجه ، نعم يمكن أن يتصوّر فيه ذلك لا من جهة نفسه بل بلحاظ الحكم عليه معلّقاً على شيء كما هو الحال في الواجب المشروط بأن يقال أكرم هذا الجائي إن كان زيداً أو يقال أكرم هذا الجائي سواء كان زيداً أو غير زيد ، وعليه فيمكن أن يقال في المقام قد وقع البيع على هذه العين الخارجية مقيّداً ومعلّقاً ع-ل-ى وج-ود الوصف الفلاني أو وقع عليه من دون تقييد بوجود الوصف إلّا أنّ تعليق البيع على شيء من الأوصاف مبطل للمعاملة ولو مع وجود الوصف أيضاً فضلاً عمّا إذا لم يتحقّق الوصف معه .
فالمتحصّل : أنّ تقييد المبيع غير ممكن الجزئيته وتقييد البيع غير صحيح لأنّه من التعليق في العقود ، وعليه فيتعيّن أن تكون الرؤية مفيدة للاشتراط وقد تقدّم أنّ القول حينئذ قول البائع دون المشتري ، وبه يحكم بتقدّم قول البائع في المقام لأنّ النزاع في الاشتراط والمشتري يدّعي أمراً زائداً عن المبيع والأصل عدمه ولا يعتنى بقول المشتري ، اللهمّ إلّا أن يقيم البيّنة على مدّعاه وهو أمر آخر ، وأم-ّا ب-دونها فالقول قول البائع خلافاً للأعاظم بأجمعهم .
وملخّص ما ذكرناه في المقام : أنّ المبيع لمّا كان جزئياً خارجياً فلا يمكن تقييده وتوسعته ، وعليه أي بناءً على عدم إمكان التقييد في المبيع وأنّه لابدّ وأن يرجع إلى الالتزام بالأوصاف والاشتراط ، لا معنى للالتزام بوصف السمن أو الكتابة ونحوهما من الاُمور الخارجة عن اختيار البائع في المبيع ، فما معنى الالتزام بتلك الأوصاف فيه ، فلا محالة إمّا أن يرجع ذلك إلى تعليق البيع على وجود تلك
الأوصاف في المبيع ، وإمّا أن يرجع إلى تعليق الخيار على هذه الأوصاف بمعنى أنّ المشتري على اختيار من الالتزام بالفاقد عند تخلّف الأوصاف ومن فسخ المعاملة حينئذ ، والتعليق في البيع على تلك الأوصاف الكمالية التي لا يبذل بازائها الثمن يوجب البطلان في البيع ولو مع تحقّقها ووجودها في المبيع ، نعم التعليق على الأوصاف النوعية المقوّمة للمبيع التي يبذل المال بازائها لا يوجب البطلان كما مرّ في محله ، ولكن السمن والكتابة ونحوهما ليست من الأوصاف النوعية كما هو ظاهر فلا محالة يكون تعليق الخيار متعيّناً ، وعليه فيرجع دعوى تغيّر المبيع في المقام إلى أنّ المشتري يدّعي الخيار بعد وصول حقّه وهو العين إليه والبائع ينكره وقد عرفت أنّ الأصل حينئذ مع البائع وعلى المشتري إثبات مدّعاه ، وبما ذكرناه في المقام يتّضح الحال في محلّ الكلام ولا يبقى حاجة إلى ما ذكره الشيخ (قدّس سرّه) في المسألة ، هذا كلّه في صورة النقص في العين .
وأمّا إذا فرضنا الزيادة فيها كما إذا كانت العين عند المشاهدة مهزولة وادّعى البائع أنّها صارت سمينة بعد ذلك فلي الخيار لأنّى إنّما بعت العين المهزولة ، وأنكره المشتري وقال إنّ المبيع هو العين السمينة فلا خيار لك ، فقد ظهر الحال في ذلك ممّا ذكرناه في صورة دعوى النقص وأنّ هذه المسألة على عكس المسألة المتقدّمة حيث إنّ المشتري يدّعي اللزوم والبائع يدّعي الخيار والأصل مع المنكر للخيار ، لأنّ الأصل عدم الالتزام بشيء غير الالتزام بالعين ، فعلى البائع إثبات مدّعاه على خلاف ما ذكره شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) في المقام ، هذا كلّه في الفرع الأول من
الفرعين .
الفرع الثاني : إذا اتّق كلّ واحد من البائع والمشتري على وقوع التغيّر في العين بعد المشاهدة وأنّها وقعت على السمين مثلاً إلّا أنّهما اختلفا في زمان حصول ذلك التغيّر كالهزال فادّعى المشتري أنّه حدث قبل المعاملة عليها فلى الخيار ، وقال
البائع إنّه حدث بعد المعاملة فلا خيار لك ، فهل القول قول البائع أو قول المشتري وعنوان الاختلاف بذلك أي بما إذا ادّعى المشتري وقوعه قبل البيع والبائع حدوثه بعده مبنيّ على أنّ تلف الأوصاف قبل قبض العين ليس راجعاً إلى البائع لأنّ الدليل إنّما ورد في تلف نفس المبيع وأنّه إذا تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه وبما أنّه على خلاف القاعدة فيقتصر فيه على مورد الدليل ، وأمّا إذا بنينا على أنّ الأوصاف كالعين فى أنّ تلفها قبل قبضها من مال بائعها ، فيمكن عنوان الاختلاف في المقام بعد البيع أيضاً بأن اتّفقا على أنّ العقد والبيع وقعا على العين بوصف السمن واتّفقا أيضاً على تغيّرها فعلاً إلّا أنّ البائع يدّعي حدوث التغيّر بعد قبض المشتري أو وكيله العين وأنكره المشتري وقال إنّه حدث قبل قبض المبيع فهي من مال بائعها .
وكيف كان ، فقد ذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1)أنّ هناك حادثين البيع والتغيّر والخلاف في تقدّم أحدهما على الآخر وتأخّره ، واستصحاب عدم حدوث البيع إلى زمان حدوث التغيّر معارض باستصحاب عدم حدوث التغيّر إلى زمان حدوث البيع فهما متساقطان ، أو غير جاريين في نفسهما على خلاف في ذلك بيننا وبين صاحب الكفاية (قدّس سرّه)(2)وكيف كان فالأثر في المقام وهو الخيار غير مترتّب على عدم حدوث البيع إلى زمان حدوث التغيّر كما أنّ نفيه غير مترتّب على عدم حدوث التغيّر إلى زمان حدوث الحادث الآخر بل إنّما هو مترتّب على عدم وصول حقّ المشتري إليه بعد الاعتراف بحقّه والبيع ، ومن الظاهر أنّ شيئاً من الاستصحابين لا يثبت وصول حقّه إليه أو عدم وصوله إلّا على نحو المثبت وهو لا اعتبار به ، وعليه فهذه المسألة نظير المسألة المتقدّمة في جريان الأصل في عدم
وصول حقّه إليه فيثبت الخيار للمشتري بهذا الأصل فيقدّم قوله على قول البائع كما ذكرناه في المسألة المتقدّمة ، بل المقام أولى بجريان استصحاب عدم وصول حقّه من المسألة المتقدّمة ، لأنّ النزاع في المسألة المتقدّمة إنّما كان في ثبوت الحقّ وعدمه وفي المقام يتّفقان على ثبوت الحقّ للمشتري بالبيع وإنّما الخلاف في وصوله وعدمه والأصل عدمه ، هذا ما أفاده شيخنا الأنصاري في المقام .
ولكن ذلك ممّا لا يمكن المساعدة عليه ، لما ظهر من مطاوي ما ذكرناه أنّه لا حقّ للمشتري سوى العين وهي قد وصلت إليه بالقطع ولم يثبت له حقّ آخر غيرها لمّا مرّ من أنّ مرجع اختلافهما إلى الخلاف في ثبوت الخيار للمشتري وعدمه والأصل عدمه ، فلا حقّ له حينئذ حتّى يجري فيه الاستصحاب . وأمّا ما أفاده من أنّ الخيار إنّما يترتّب على عدم وصول حقّه إليه ، فقيه : أنّه لم يرد بهذا العنوان دليل وعليه فنقول إنّ الخيار في المقام إنّما يترتّب على عدم بقاء وصف السمن في زمان البيع إذ مع بقائه فلا وجه للخيار .
وعليه فلا نرى مانعاً من استصحاب بقاء السمن والوصف الموجود حين المشاهدة إلى زمان البيع فيترتّب عليه عدم الخيار للمشتري فيقدّم قول البائع إلّا أن يثبت المشتري مدّعاه(1)ولا يعارض هذا باستصحاب عدم وقوع العقد على العين في زمان السمن لأنّه لا أثر لهذا الاستصحاب ، لعدم إثباته أنّ العقد وقع على العين في زمان عدم السمن حتّى يثبت له الخيار ، هذا فيما إذا اتّفقا على حصول النقيصة في العين كما إذا كانا عالمين بالسمن في العين حين المشاهدة وبعده عرضها الهزال .
وأمّا إذا انعكس الأمر واتّفقا على الهزال حين المشاهدة والسمن بعدها
1) ولا يخفى أنّ هذا الاستصحاب لا يثبت وقوع العقد على السمين حتّى يرتفع ب-ه خ-ي-ار المشتري .
واختلفا في تقدّمه على البيع حتّى يكون البائع مخيّراً وتأخّره عنه حتّى لا يثبت له الخيار فلا مانع فيها أيضاً من استصحاب الهزال إلى زمان البيع ويترتّب عليه عدم الخيار للبائع .
مسألة : إذا عقدا على العين بعد المشاهدة ثمّ ظهرت تالفة واختلفا في أنّ التلف كان مقدّماً على البيع حتّى يكون البيع باطلاً ، إذ لا معنى لبيع المعدوم ، أو أنّ التلف كان متأخّراً عن البيع فالبيع صحيح ، أو اختلفا في أنّ التلف كان قبل القبض حتّى يحسب من البائع أو أنّه حدث بعد القبض حتّى يحسب من المشتري فيما إذا كان المبيع ممّا يكفي في قبضه التخلية بينه وبين المشتري كاعطاء المفتاح له ، فقد ذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) أنّ الأصل في ذلك مع المشتري ، لأنّ الأصل ع-دم زوال ملك المشتري عن الثمن وبقاء ملكه عليه وهو أصل حكمي ، ولم يتعرّض إلى الاُصول الموضوعية نفياً ولا إثباتاً.
وشيخنا الاُستاذ (قدّس سرّه)(1)تعرّض إلى الاُصول الموضوعية وذكر أنّها مثبتة بأجمعها ولابدّ من أن يرجع إلى الأصل الحكمي وهو بقاء ملك المشتري على الثمن ، هذا ولابدّ في تنقيح المقام من التكلّم في موردين :
أحدهما : ما إذا كانت العين تحت يد المشتري قبل وقوع المعاملة عليها كما إذا كانت العين عنده عارية ثمّ اشتراها من مالكها وغير ذلك ممّا لا يحتاج فيه إلى القبض بعد البيع . وثانيهما : فيما إذا كانت العين تحت يد البائع واستيلائه ولكنّها ممّا يكفي في قبضها وإقباضها التخلية بينها وبين المشتري كاعطاء مفتاح الدار ونحوه .
فأمّا المورد الأول فملخّص الكلام فيه أنّ هناك حادثين : أحدهما البيع وثانيهما التلف ، ولا مانع من استصحاب عدم التلف إلى زمان البيع لأنّ الموضوع
1) منية الطالب 2 : 407 - 408 .
مركّب من البيع وبقاء المبيع وقد أحرزنا أحد جزأيه وهو البيع بالوجدان . وفيه : أنّ البيع مشكوك لأنّ معناه وهو المبادلة بين المالين غير متحقّق لأجل الشك في تلف المبيع ، ومع كونه تالفاً في الواقع لا معنى للمبادلة، والعلم بمجرد الانشاء لا أثر له فلا مانع من إحراز جزئه الآخر بالاستصحاب ، فالبيع وعدم التلف موضوع للحكم بالصحّة كما هو الحال في غير هذا المقام كما إذا باع العبد الآبق مع الشكّ في موته وحياته فإنّه لا مانع من استصحاب البقاء وضمّه إلى البيع الم-تحقّق بالوجدان والحكم بصحّة المعاملة فيه ، هذا .
إلّا أنّ هذا الاستصحاب في المقام معارض باستصحاب عدم تحقّق البيع إلى زمان التلف ، وذلك لأنّ هذا الأصل وإن لم يثبت وقوع البيع بعد التلف إلّا أنّا لا نحتاج في الحكم بالبطلان إلى إحراز أنّ البيع وقع بعد التلف بل نفس عدم تحقّق البيع مع بقاء العين وإلى زمان تلفها كافٍ في الحكم بالبطلان ، وبما أنّهما متعارضان فيتساقطان فيرجع إلى الأصل الحكمي في البين ، هذا بناءً على ما سلكناه في استصحاب الحادثين من عدم جريانه في شيء منهما مطلقاً سواء كان كلاهما مجهولي التاريخ أو كان تاريخ أحدهما معلوماً وتاريخ الآخر مجهولاً على خلاف في أنّ الاستصحابين لا يجريان فيهما أصلاً أو أنّهما يجريان ويتساقطان بالمعارضة على كلام في ذلك بيننا وبين صاحب الكفاية (قدّس سرّه)(1)، وأمّا بناءً على التفصيل في الحادثين وتجويز جريان الأصل فيما جهل تاريخه عند العلم بتاريخ أحدهما كما عليه شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه )(2)ووافقه على ذلك شيخنا الاُستاذ (قدّس سرّه)(3)
فلابدّ من التفصيل في المقام بين ما إذا كان تاريخ كلّ واحد من البيع والتلف مجهولاً فلا يجري الاستصحاب في شيء منهما كما عرفت ، وبين ما إذا كان تاريخ أحدهما معلوماً وتاريخ الآخر مجهولاً فيحكم حينئذ بجريان الاستصحاب في مجهول التاريخ ويترتّب عليه أثره ، فإن كان المجهول هو البيع فالاستصحاب يقتضي الحكم ببطلان المعاملة حينئذ كما أنّ المجهول إذا كان هو التلف فمقتضاه الحكم بصحّة المعاملة فراجع .
وأمّا المورد الثاني : أعني ما إذا ظهرت العين تالفة بعد التخلية بينها وبين المشتري باعطاء مفتاحها ونحوه ولم يعلم أنّ التلف متقدّم أو المتقدّم هو التخلية فالظاهر أنّ الاستصحاب يجري في إحراز عدم القبض من دون معارض ، وذلك لعدم العلم بحدوث القبض أصلاً ، لأنّ التخلية بين العين والمشتري لا يكون تخلية وقبضاً فيما إذا كانت العين تالفة واقعاً ، إذ لا معنى للتخلية بين المعدوم والموجود ، إذ التخلية إنّما هي بين شيئين موجودين فحدوث القبض غير معلوم والأصل ع-دمه وبذلك نحكم بأنّ العين تلفت من مال بائعها ، هذا .
وربّما يتمسّك في المقام بأصالة الصحّة في البيع لأجل الشكّ في صحّته وفساده ، إذ البيع لو كان واقعاً عليه بعد التلف فهو غير صحيح ، كما أنّه إذا وقع عليه قبله فهو صحيح ، وأصالة الصحّة فيه تقتضي الحكم بالصحّة لا محالة ، هذا .
ويرد عليه اُمور منها : ما ذكرناه في بحث أصالة الصحّة من أنّها نظير قاعدة الفراغ بل هي هي بعينها غاية الأمر أنّ قاعدة الفراغ تجري في فعل نفسه وأصالة الصحّة تجري في فعل الغير ، وعليه فكما أنّ قاعدة الفراغ لا تجري عند الشكّ في احتمال المصادفة الواقعية من دون أن يكون المشكوك أمراً اختيارياً للفاعل فكذلك الحال في أصالة الصحّة فإنّها تجري فيما إذا شككنا في فعل اختياري للمتبايعين وأنّهما مثلاً هل أوقعا الصيغة عربية أو ماضوية ونحوهما ، وأمّا إذا شككنا
فيما لايرجع إلى اختيار الفاعل أصلاً بل لو تحقّق فإنّما يتحقّق من باب المصادفة الواقعية فلا تجري أصالة الصحّة فيه ، لأنّ مدركها السيرة وجريانها في مثله غير متحقّق وهذا ظاهر ، وبما أنّ التلف وعدمه خارجان عن اختيار المتبايعين فلا يجري أصالة الصحّة فيه ، وهذا هو الذي كنّا نعبّر عنه في قاعدة الفراغ بما إذا كانت صورة العمل محفوظة كما إذا اعتقد أنّ مائعاً ماء فتوضّاً منه ثمّ شكّ في أنّه ماء أو غير ماء وقلنا إنّ القاعدة لا تجري في مثله ، نعم لو كان مرجع الشكّ إلى الشكّ في وجود أمر اختياري للمكلّف فلا مانع من جريان قاعدتي الفراغ والصحّة وهذا كما إذا ك--ان عنده ما يعان فتوضّأ بأحدهما ثمّ شكّ في أنّه توضّأ بالمايع الذي هو الماء أو بالمايع الثاني الذي هو الخلّ فلا مانع من جريان قاعدة الفراغ في مثله لأنّ مرجعه إلى الشكّ في أنّه هل اختار التوضّؤ بالماء أو اختار التوضّؤ بالخلّ واختيار هذا أو ذاك فعل اختياري له ، وعليه فإذا شككنا في المقام في أنّ العقد هل وقع يوم السبت حتّى يقع باطلاً للعلم بتلف المبيع يوم الجمعة أو أنّه وقع يوم الخميس فلا مانع من جريان أصالة الصحّة فيه ، لأنّه يرجع إلى أنّه هل اختار إيقاع البيع يوم الخميس حتّى يصحّ أو أنّه اختار إيقاعه يوم السبت حتّى يقع باطلاً وهو أمر اختياري للعاقد والبائع .
ومنها : ما أشرنا إليه في بحث أصالة الصحّة أيضاً من أنّها إنّما تجري بعد إحراز قدرة المكلّف عليه ومع الشكّ في القدرة لا مجال لأصالة الصحّة بوجه ، ، فلذا قلنا إنّ القاعدة لا تجري فيما إذا باع أحد داراً أو غيرها من الأملاك من دون أن نحرز أنّها ملكه أو أنّه وكيل من قبل مالكها إذ لم نحرز حينئذ قدرته على بيعها حينئذ ، ولذا لا يسلّم العقلاء الثمن إلى البائع في أمثال هذه الموارد أصلاً ، وكذا فيما إذا طلّق أحد زوجة شخص آخر من دون أن نعلم بوكالته من قبل زوجها فإنّه لا تجري القاعدة في مثله لعدم إحراز قدرة الفاعل على الفعل ، وبما أنّ قدرة الفاعل على البيع غير محرزة في المقام ، لأنّ التلف إذا كان متقدّماً على البيع لا يمكنه بيعه إذ لا قدرة
على بيع المعدوم شرعاً فلا يجري أصالة الصحّة في حقّه (وقد كان يعبّر عن ذلك في الاُصول باشتراط إحراز القابلية في المورد أو الفاعل في جريان أصالة الصحّة) وكيف كان فمع الشكّ في قدرة الفاعل على الفعل لا تجري أصالة الصحّة ، ومن هنا اشترطنا إحراز القابلية في المورد والفاعل في جريان أصالة الصحّة على خلاف في ذلك بين المحقّق الثاني(1)وشيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(2)نعم فيما إذا أحرزنا القابلية وشككنا في صحّته وفساده من جهة اُخرى لا مانع من التمسّك بأصالة الصحّة كما هو ظاهر .
ومنها : أنّه إذا قلنا بعدم اعتبار إحراز القابلية في المورد أو الفاعل في جريان أصالة الصحّة وفاقاً لشيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) في رسائله حيث التزم بجريانها مع الشكّ في القابلية أيضاً فلا تجري أصالة الصحّة في المقام أيضاً، وذلك لأنّ أصالة الصحّة إنّما تجري فيما إذا أحرزنا الجامع بين الصحيح والفاسد وشككنا في صحّته وفساده كما إذا علمنا أنّ أحداً يصلّي على الميّت قطعاً وشككنا في صحّة صلاته وفسادها فتجري أصالة الصحّة في حمل صلاته على الصحيح ، وأمّا إذا لم نحرز العنوان والجامع بين الصحيح والفاسد كما إذا رأينا أنّ أحداً قائم على جنازة ولا ندري أنّه يصلّي على الميّت أو أنّه يدعو ويستغفر للميّت مثلاً فلا معنى حينئذ لحمل فعله على الصحيح والحكم بصحّة صلاته إذ لم نحرز أنّه يصلّي حتّى نحكم بصحّتها وفي المقام أيضاً لم نحرز عنوان البيع أصلاً حتّى نشكّ في صحّته وفساده ، لأنّ وجود المبيع مقوّم لحقيقة البيع والمعاملة وبما أنّا نشكّ في وجوده فنشكّ في تحقّق مفهوم البيع فأصل الجامع بين الصحيح والفاسد غير محرز حتّى تجري أصالة الصحّة ونحكم بها
بصحّة البيع ، وهذا الوجه هو الذي ذكره شيخنا الأنصاري في المقام دون الوجه المتقدّم عليه ، لأنّه (قدّس سرّه) ينكر اعتبار إحراز القابلية في جريان أصالة الصحّة في رسائله(1).
عدول
قد ذكرنا في صورة الشكّ في تقدّم التلف على البيع وتأخّره مع عدم الحاجة إلى القبض أنّه لا مانع من جريان الاستصحاب في التلف وإثبات عدمه إلى زمان البيع ، وبما أنّ البيع محرز بالوجدان فبضمّ الوجدان إلى الأصل يتم كلا جزأي الموضوع للحكم بالصحّة ، وقلنا إنّ هذا لا يختصّ بالمقام بل الحال كذلك عند الشكّ في حياة الآبق عند بيعه فإنّ استصحاب حياته ينضمّ إلى وجود البي-ع الم-تحقّق بالوجدان وبهما نحكم بصحّة البيع . ولكن الصحيح أنّ الاستصحاب لا يجري في التلف والموت ولا يمكن إثبات عدمهما بالاستصحاب لعدم إحراز البيع بوجه، لأنّ مفهوم البيع الحقيقي الذي هو المقوّم له في الحقيقة عرفاً عبارة عن التبديل بعوض ، ومع تلف المبيع لا معنى لتبديله في مقابل العوض ، فوجود المبيع مقوّم للمبادلة والبيع عرفاً مع قطع النظر عن حكم الشارع كما هو واضح ، وعليه فلا يبقى مجال لاستصحاب عدم التلف إلى زمان البيع وينتهي الأمر إلى استصحاب بقاء ملك المشتري على الثمن كما ذكره شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) وكذا الحال في استصحاب الحياة في بيع العبد الآبق فلا مجال لاستصحابها لعدم إحراز البيع لتقوّمه بوجود المبيع ، نعم لنا علم بمجرد إنشاء البيع وصدور صيغة بعت ، ولكن الانشاء لا أثر له إلّا على نحو التعليق بأن يقال إنّه لو كان
1) فرائد الأصول 2 : 724
متحققاً في زمان وجود المبيع أو اليوم السابق لكان مؤثّراً وصحيحاً والأصل أنّه كذلك فعلاً ، إلّا أنّك عرفت أنّ الاستصحاب التعليقي لا أساس له في الأحكام فضلاً عن الموضوعات ولعلّ هذا ظاهر .
الكلام في بيع ما يفسده الاختبار وما لا يفسده الاختبار
مسألتان تعرّض لهما الأصحاب في المقام وهما بيع ما لا يفسده الاختبار كالعطور والعنب ونحوهما وبيع ما يفسده الاختبار كالبطيخ والجوز وغيرهما ممّا لا يبقى بعد قصّه أو كسره إلّا ساعات أو أكثر ويوجب ذلك فساده .
فأمّا ما يفسده الاختبار فلا ينبغي الإشكال في عدم اعتبار الاختبار فيه لأنّ الفرض أنّ الاختبار يوجب فساده ويمنع عن الانتفاع به ، والبيع إنّما هو لأجل الانتفاع بالمبيع فيما يريد المالك الانتفاع به فيه ، نعم ربما يكون الغرض من الابتياع استهلاكه بالأكل ونحوه وفي مثله لا مانع عن الاختبار لأنّه لا يوجب سقوطه عن الانتفاع به في الأكل ، وأمّا في غيره من الموارد التي يمنع اختبار المبيع فيها عن أن ينتفع به مالکه فلا وجه لاعتبار الاختبار فيه أبداً بل لابدّ في صحّة بيعه من الاُمور التي ستأتي الاشارة إليها عن قريب إن شاء الله تعالى .
وأمّا ما لا يفسده الاختبار فقد اختلفوا في صحّة بيعه على أقوال ، فذهب بعضهم إلى صحّة بيعه مع الاختبار ، وذكر بعض آخر أنّ بيعه مشروط باشتراط الصحّة عند عدم اختباره ، وحكي عن عن ثالث اعتبار أحد الأمرين في صحّة بيعه إمّا اشتراط الصحّة فيه وإمّا البراءة عن العيوب ، هذا ولا يهمّنا التعرّض إلى كلماتهم في المقام ولابدّ من التكلّم في أصل المسألة وما تقتضيه القاعدة فيها إذ لم يرد في ذلك رواية أو شيء آخر من الأدلّة النقلية .
فنقول : أمّا ما يفسده الاختبار فقد مرّ عدم اعتبار الاختبار فيه لمنافاته
الغرض من الابتياع كما عرفت .
وأمّا ما لا يفسده الاختبار فلا ينبغي الإشكال في اعتبار الاختبار فيه، إذ المفروض اختلاف قيمته باختلاف طعمه وريحه أو غيرهما من الأوصاف التي لها مدخلية في زيادة قيمة المبيع وفي اتّصافه بالصحّة والفساد ، والوجه في ذلك أنّه عند عدم اختباره لا يؤمن من صحّة المبيع وفساده وهو أمر خطري يستلزم الغرر ، لأنّ الجهل بالكيفية قد يوجب الغرر بأكثر ممّا يوجب الجهل بالكمية من الكيل والوزن ولعلّه ظاهر ، كما لا إشكال في كفاية اشتراط الصحّة في صحّة المعاملة فيه لأن-ّه يتمكّن من فسخها عند ظهور الفساد وعدم صحّة المبيع وبهذا يرتفع الغرر لا محالة ولكن اشتراط الصحّة ممّا لا حاجة إليه في المعاملة لما أشرنا إليه سابقاً من أنّ الصحّة ممّا يعتبره العقلاء في المعاملات ويشترطونها في جميع الأشياء والاُمور من دون حاجة إلى اشتراطها في ضمن المعاملة ، وعليه فإذا باع أو اشترى شيئاً على وجه الاطلاق من دون أن يشترط فيه الصحة في المعاملة فلزوم المعاملة أيضاً متوقف على صحّة المبيع وعدم عيبه ، لأنّ المطلق ينصرف إلى الصحيح فكأنّه قد اشتراه من البائع بهذا الشرط في المعاملة فيرتفع الغرر بذلك لا محالة .
وممّا ذكرناه يظهر أنّ ما ذكره شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1)من التفصيل ممّا لا يمكن المساعدة عليه حيث فصّل (قدّس سرّه) بين الموارد التي يتوقّف معظم المالية والانتفاعات بالمبيع على وصف الصحّة فلابدّ من إحرازها بالاختبار ونحوه وبين الموارد التي لا يتوقّف معظم المالية على وصف الصحّة فلا يجب إحرازها ومثّل للأوّل بما إذا ظهرت الجارية المبيعة خنثى حيث إنّ الانتفاع من الجارية في الطبخ والكنس وغيرهما من وظائف النساء والاستمتاع ونحوه يتوقّف على عدم كونها
1) المكاسب 4 : 293 - 294
خنثى وإلّا فتفوت عنه تلك الانتفاعات كما لا يخفى ، ومثّل للثاني بما إذا ظهرت الجارية ممّن لا تحيض وهي في سنّ من تحيض فإنّ ذلك عيب إلّا أنّه لا يوجب انتفاء أكثر المالية عن الجارية لتمكّنه من الاستمتاع والانتفاع بها في الكنس والطبخ ، نعم لا يحصل منها الولد فقط ، والتزم ببطلان المعاملة في الصورة الاُولى دون الثانية واستشكل فيما ذكر من أنّ أصالة السلامة من الطرق التي يعتمد عليها العقلاء في مقام إحراز الصحّة والسلامة في المبيع بأنّ أصالة السلامة إنّما يعتمد عليها العقلاء فيما إذا كانت الصحّة والسلامة في المبيع محرزة سابقاً وحينئذ يعتمد على صحّته السابقة وسلامته في المعاملة ، دون ما إذا لم تحرز الصحّة في المبيع سابقاً .
والوجه في عدم إمكان المساعدة عليه : أنّ أصالة الصحّة والسلامة ليست من طرق الإحراز عند العقلاء مطلقاً من دون فرق في ذلك بين إحراز الصحّة في المبيع سابقاً وبين عدم إحرازها فيه كذلك ، إذ لم يثبت بناء من العقلاء على اعتبار بقاء وصف الصحّة فيما إذا كانت موجودة سابقاً ، والاستصحاب أمر تعبّدي يثبت من الأخبار لا ببناء العقلاء كما ذكرناه في محلّه ، فأصالة الصحّة في مقام إحراز السلامة ممّا لم يثبت بناء العقلاء عليها بوجه ، نعم لو اُريد من ذلك أنّ العقلاء ب-ن-وا ع--لى اشتراط الصحّة والسلامة في المبيع بحيث إذا ظهر المبيع معيباً يتمكّن المشتري من الفسخ لأجل هذا البناء من دون حاجة إلى بيان ذلك وذكره في المعاملة ، فقد عرفت أنّه كذلك إلّا أنّ ذلك لا يفرّق فيه بين كون الصحّة موجودة في السابق أو غير موجودة ، وكون معظم المالية متوقّفة على وصف الصحّة أو غير متوقّفة ، لأنّ العقلاء في جميع ذلك بنوا على اشتراط الصحّة من العيب في المعاملات .
وكيف كان فما أفاده (قدّس سرّه) في المقام ممّا لا يمكن المساعدة عليه ، وق--د عرفت أنّ اشتراط الصحّة فيا لا يفسده الاختبار وإن كان ممّا لا بأس به إلّا أنّه لا حاجة إليه بعد بناء العقلاء على اشتراط الصحّة في المبيع من غير أن يحتاج فيه إلى
ذکرها فی العقد والمعاملۀ .
وأمّا ما اعتبره بعضهم من البراءة عن العيوب ، فإن أراد منه براءة المبيع عن العيوب بأن يبيع ويتبرّاً عن أن يكون المبيع معيباً فهو عبارة اُخرى عن اشتراط الصحّة في المبيع وتغيير لفظ فقط ، لأنّ معناه اشتراط عدم العيب في المبيع ، وعدم العيب ليس إلّا عبارة عن الصحّة إذ لا واسطة بين الصحّة وعدم العيب .
وإن أراد منه تبرّي البائع عن العيوب بأن يبيع ويتبرّأ عن عيوب المبيع وكأنّه يقول بعتك هذا الموجود أعمّ من المعيب والصحيح ، فيدفعه أنّ ذلك من أوضح أنحاء الغرر حينئذ وهو نظير البيع كيف ما كان كما إذا باع حنطة موجودة أعمّ من أن تكون حقّة أو أزيد منها أو أنقص وهو أمر غرري .
وبعبارة اُخرى : أنّ هذه الاشتراطات إنّما هي لأجل دفع الغرر لا محالة وحينئذ إن كان المشتري عالماً ومحرزاً للصحّة في المبيع فتبري البائع لا يمنع ع--ن صحّة المعاملة لعدم الغرر حينئذ ، وأمّا إذا كان المشتري جاهلاً بالحال فتبري البائع يؤكّد الغرر ، إذ لولا تبري البائع له أن يرجع إليه عند ظهور العيب لاشتراط الصحّة ببناء العقلاء ، فإذا تبرأ البائع من العيوب فمعناه أنّ المشتري لا يجوز له الرجوع إلى البائع على أي تقدير فهو يؤكّد الغرر حينئذ.
فالمتحصّل من جميع ذلك : أنّ ما لا يفسده الاختبار يصحّ بيعه بالاختبار واشتراط الصحّة وبدونه لأجل بناء العقلاء على اشتراط الصحة في المبيع ، وأمّا ما يفسده الاختبار فصحّة بيعه بأحد الأمرين الآخرين أعني الاشتراط في متن العقد أي اشتراط الصحّة وعدمه لأجل بناء العقلاء على اشتراط البيع بالصحّة ولا يشترط فيه الاختبار بوجه ، فهما متحدان في الأخيرين وإنّما يفترقان في أنّ الأول يجوز بيعه بالاختبار دون الثاني كما مرّ ، وقد عرفت عدم الحاجة في شيء منهما إلى اشتراط الصحّة في المعاملة لكفاية بناء العقلاء على الصحّة كما مرّ .
وأمّا ما في رواية محمّد بن العيص « عن الرجل يشتري ما يذاق أيذوقه قبل أن يشتري ؟ قال : نعم فليذقه ولا يذوقنّ ما لا يشتري »(1)فلا دلالة فيها على اعتبار الاختبار فيما لا يفسده الاختبار ، لأنّ السؤال فيها كما ذكره شيخنا الأنصارى (قدّس سرّه)(2)إنّما هو عن جواز الذوق لا عن وجوبه وتعيّنه وأجابه الإمام (عليه السلام) بجواز ذوق ما أراد أن يشتريه دون ما لا يشتريه كما إذا أخذ بالذوق من الأعناب الموجودة في السوق من أوّله إلى آخره من هذا الدكّان وذاك إلى أن يصل إلى آخره ولا يشتري شيئاً من العنب مع أنّه أكل منها بمقدار كثير .
فالمتحصّل : أنّ ما يفسده الاختبار وما لا يفسده الاختبار يجوز بيعه بلا اختبار وبلا اشتراط الصحّة لكفاية بناء العقلاء على اشتراطها في البيع دائماً ، فما ذكره الحلّي(3)ووقع في عبارة كثيرين من عدم جواز بيعه بلا اختبار اعتماداً على أصالة الصحّة بالمعنى المتقدّم ممّا لم نفهم له وجهاً ، وكيف كان فما لا يفسده الاختبار يجوز بيعه بالاختبار وباشتراط الصحّة وبالاعتماد على أصالة السلامة بالمعنى الذي ذكرناه من دون فرق في ذلك بين ما يتوقّف معظم المالية على وصف الصحّة وما لا يتوقپف معظمها عليه ، لما مرّ من أنّ أصالة السلامة تكفي في اشتراط الصحّة من دون حاجة إلى ذكره في العقد ، نعم أصالة السلامة بالمعنى الذي ذكره شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) أعني كونها طريقاً لإحراز وصف الصحّة ممّا لا أساس له .
وأمّا ما يفسده الاختبار فهو كما لا يفسده الاختبار في جواز بيعه باشتراط الصحّة أو بالاعتماد على أصالة السلامة بالمعنى الذي ذكرناه ، نعم لا يمكن بيعه
بالاختبار لأنّ المفروض أنّ الاختبار يفسده ، وهذا هو الفارق بينه وبين ما لا يفسده الاختبار ، هذا كلّه في وصف الصحة فيما لا يفسده الاختبار وم-ا يفسده الاختبار .
وأمّا سائر الأوصاف الكمالية التي لها دخل في زيادة القيمة من دون مدخلية لها في صحّة الشيء وفساده وذلك كالحلاوة والحموضة في البطيخ والخلّ والرقّي ونحوهما فلا يمكن فيها الاعتماد على أصالة السلامة ، لأنّ الفرض أنّ المبيع سالم عن العيب وإنّما يشكّ في أوصافه الكمالية الموجبة لزيادة قيمته ، فإن كان ذلك الوصف الكمالي ممّا يمكن وصفه وبيانه كما في أصل الحلاوة في البطيخ والرقّي فلابدّ في صحّة البيع حينئذ إمّا من اختبار ذلك الوصف أو البيع باخبار البائع بالوصف الذي هو بمنزلة الاشتراط وبهما يرتفع الغرر في المعاملة ، هذا فيما لا يفسده الاختبار .
وأمّا ما يفسده الاختبار فصحّة البيع فيه منحصر بالبيع باخبار البائع بالوصف الكمالي ، إذ بدونه يحتمل فيه الخطر والغرر والمفروض عدم إمكان اختباره لأجل الفساد بالاختبار .
وأمّا إذا كان الوصف ممّا لا يمكن توصيفه وبيانه كما في مراتب الحلاوة في البطيخ أو مراتب الحموضة في الخلّ فإنّها ممّا يدرك ولا يوصف ، فإن كان المبيع ممّا لا يفسده الاختبار تعيّن في صحّة البيع فيه الاختبار ، إذ المفروض عدم إمكان إخبار البائع بالوصف ، وبيعه بلا اختبار الوصف غرري فيتوقّف صحّة البيع فيه على الاختبار ، وأمّا إذا كان المبيع ممّا يفسده الاختبار وفرضنا الشكّ في الأوصاف الكمالية وكان الوصف مما لا يمكن بيانه وتوصيفه والمفروض عدم إمكان الاختبار لأنه مما يفسده الاختبار ، فالظاهر أنّ مثل ذلك الوصف ممّا لا مالية له بحسب العرف حينئذ ، لأنّ القيمة والمالية في أمثال ذلك إنّما هي على المبيع على ما هو عليه من دون فرق بين المتّصف بذلك الوصف وبين غير المتّصف به ، وهذا نظير البطّيخ والبرتقال
فإنّ القيمة إنّما هي على مقدار خاص من البطيخ كالأوقية والحقّة فإنّ خمسين فلساً إنّما هو في مقابل الحقّة من البطيخ بما هو عليه سواء كان حلواً أو غير حلو فالحلاوة فيه ملغاة عن المالية ، وكذا الحال في البرتقال فإنّ عشر فلوس إنّما هي في مقابل الواحد من البرتقال سواء كان ريّاناً أو غير ريّان كان حلواً أو غير حلو ، فالوصف ملغىً عن القيمة والمالية ولا يوجب الاختلاف في القيمة عندهم ، وعليه فلا مانع من البيع في مثله بلا إخبار ولا اختبار لعدم احتمال الخطر أو الغرر فيه ، إذ الفرض اختلاف القيمة السوقية باختلافها ، ولا مانع في مثله من تبرّي البائع عنه لعدم اختلاف القيمة باختلافها وجوداً وعدماً كما لا يخفى ، هذا تمام الكلام في بيع ما يفسده الاختبار وما لا يفسده الاختبار وقد ظهر حكم كلّ واحد منهما ممّا أسلفناه عدم آنفاً .
ولكن شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1)مع ذلك أعاد التكلّم فيما يفسده الاختبار وأوقع الكلام فيه لأجل بعض الخصوصيات التي ستمرّ عليك إن شاء الله تعالى وعليه فلا مانع من التعرّض إليه فنقول : قد عرفت أنّ ما يفسده الاختبار يصحّ بيعه باشتراط الصحّة وبالاعتماد على أصالة السلامة بالمعنى المتقدّم فيما إذا كان التردّد والشكّ في وصف الصحّة والفساد وهذا ممّا لا إشكال فيه ، وإنّما الكلام فيما إذا ظهر المبيع فاسداً بعد الابتياع باشتراط الصحّة أو بالاعتماد على أصالة السلامة أو بغيرهما من الطرق المصحّحة للبيع فقد قسّم شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) ذلك إلى أقسام وذكر أنّ المبيع فيما إذا ظهر فاسداً فامّا أن يكون فاسده ممّا يقابل بالمال ولو بمقدار قليل وهذا كما في البطيخ الفاسد والمدوّد وفي الجوز فإنّ البطيخ يمكن الانتفاع به بغير مواضع الدود منه والجوز ينتفع بفاسده في استخراج زيته فيقابلان بالمال
1) المكاسب 4 : 295 .
وإمّا أن لا يكون لفاسده قيمة ، وعلى التقدير الأول إمّا أن يكون الفاسد ممّا لا يعدّ عرفاً من جنس ذلك الشيء وهذا نظير الجوز المجوّف الذي لا لبّ فيه بل هو قشر محض فإنّ له قيمة للانتفاع به في الاحراق إلّا أنّه أمر آخر وراء الجوز فإنّ الج--وز عبارة عمّا ما في بطن القشر من اللبّ وأمّا القشر فهو ليس بجوز بل هو قشره ، وإمّا أن لا يعدّ الفاسد شيئاً آخر غير جنسه .
فأمّا القسم الثاني ، أعنى ما إذا كان لفاسده قيمة ولم يعدّ أيضاً أمراً آخر وراء جنسه فالمشتري يتخيّر بين الالتزام بالفاسد ومطالبة الأرش والردّ ، هذا فيما إذا ظهر العيب قبل أن يتصرّف فيه المشتري بكسره كما إذا ظهر له العيب بملاحظة البطيخ و مشاهدة آثار الدود فيه من خارجه ، وأمّا إذا ظهر له الفساد بعد التصرّف فيه بالكسر فحينئذ يسقط عنه الردّ لدلالة الأخبار والروايات على عدم جواز الردّ مع التصرّف في المعيب ويتخيّر بين إمضاء الفاسد والمطالبة بالأرش.
وأمّا القسم الأوّل ، أعني ما إذا ظهر الفساد وكان لفاسده قيمة إلّا أنّه يعدّ عرفاً جنساً آخر وشيئاً مغايراً للمبيع لا فاسداً له فالظاهر أنّ المعاملة فيها باطلة لأنّ ما وقع عليه العقد فهو غير موجود والموجود لم يقع عليه البيع فيبطل لا محالة وذلك لفرض أنّ الفاسد مغاير للمبيع عرفاً وقد أشرنا سابقاً إلى أنّ البيع يبطل بتغيّر الأوصاف النوعية ولعلّه ظاهر ، هذا .
ثمّ إنّه يمكن تقريب الأقسام ببيان آخر أوضح من الأوّل : وهو أنّه إذا باع ما يفسده الاختبار ثمّ ظهر فاسداً فهناك ستّة صور ، وذلك لأنّ الفاسد تارة يساوي الصحيح بحسب القيمة ولا تختلف قيمته بحسب الصحّة والفساد وذلك كما في أواني الصفر قبل سنين حيث إنّ فاسده كان بقيمة الصحيح في النجف من أجل أنّ الغرض إنّما كان في المادّة دون الهيئات. واُخرى تكون قيمة الفاسد أقلّ وأنقص من قيمة الصحيح كما هو المتعارف غالباً ، وثالثة لا يكون للفاسد قيمة أصلاً كما مثّلنا بالبطيخ
المدوّد على نحو غير قابل للأكل ولا لشيء آخر
وعلى جميع التقادير الثلاث ربما يظهر الفساد بعد الكسر والتصرّف في المبيع و اُخرى قبل الكسر والتصرف وهذه ستّة صور ، فإذا فرضنا أنّ الفاسد مساوٍ بحسب القيمة مع الصحيح ولم يتصرف المشتري فيه بالكسر فللمشتري الردّ خاصّة دون الأرش ومطالبة التفاوت بين قيمة الصحيح والفاسد ، لأنّ الفرض ع-دم اختلاف القيمة بحسب الصحّة والفساد فلا تفاوت بين القيمتين حتّى يطالبه المشتري ، نعم له الردّ لظهور الفساد والعيب في المبيع ، وأمّا إذا ظهر الفساد في هذه الصورة بعد الكسر والتصرف فليس للمشتري أن يرجع إلى البائع بشيء ، أمّا أنّه لا يرجع بالأرش والتفاوت بين القيمتين فلما عرفت من أنّه لا تفاوت بين القيمتين حتّى يرجع به إلى البائع ، وأمّا أنّه لا يرجع إليه بالردّ فلأجل التصرف فيه بالكسر والتصرف مسقط للخيار كما هو ظاهر .
وإذا فرضنا أنّ الفاسد أنقص بحسب القيمة من الصحيح ولم يتصرّف المشتري فيه بالكسر وبعد البيع ظهر الفساد ، فللمشتري الردّ ومطالبة البائع بالأرش لتفاوت قيمتي الصحيح والفاسد ، نعم إذا تصرّف فيه بالكسر أو بغيره فلا محالة يسقط الردّ ويبقى له الأرش فقط ، وهذا من دون فرق في الصورتين بين أن يكون لمكسوره أيضاً قيمة أم لم يكن له قيمة ، لأنّ الكسر إنّما وقع بتصرّفه وفي ملكه ولا ربط له بالبائع ، ففي الصورة الاُولى يرجع إلى البائع بردّه فيما إذا لم يتصرف فيه بالكسر ولا أرش فيها ليرجع إليه بذلك أيضاً ، وفيها إذا تصرّف فيه بالكسر ف-لا يمكنه الردّ أيضاً كما عرفت ، وفي الصورة الثانية يرجع إليه بالردّ أو الأرش ولكن الأرش هو ما به التفاوت بين قيمة الصحيح والفاسد قبل الكسر ، وأمّا إذا لم يكن للفاسد قيمة أصلاً فالبيع باطل لانكشاف أنّ العقد وقع على ما لا مالية له بحسب الفرض وهذا من دون فرق بين القول باعتبار المالية في المبيع وبين القول بعدم
اعتبارها ، وذلك لأنّ الشيء بوصف أنّه من المتموّل وم-ا ل-ه م-الية يغاير الشيء المسلوب عنه المالية عند العرف ويعدّان شيئين متغايرين ، فصورته النوعية مباينة له بعد سلب المالية عنه وإن كانا متحدين في نظر العقل وقد مرّ أنّ الصور النوعية مقوّمة للمبيع وبتبدّلها ينعدم المبيع قهراً ولو لم نعتبر المالية فيه أيضاً ، فإنّه إذا اشترى عصفوراً فبان أنّه حشرة فلا يمكن في مثله الالتزام بصحّة البيع لتغاير العصفور والحشرة ولو مع القول بعدم اعتبار المالية في المبيع ولعلّ ذلك ظاهر ، وكيف كان فإذا ظهر الفساد في أمثال ذلك فهو يكشف عن عدم انعقاد المعاملة من الابتداء وأنّ البيع وقع على ما لا مالية له ، هذا .
ولكن الشهيد (قدّس سرّه)(1)ذهب إلى أنّ المعاملة تبطل في هذه الصورة من حين ظهور الفساد لا أنّه يكشف عن بطلانها من الابتداء ، وأورد عليه شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(2)بأنّ ذلك أمر غير معقول ، لأنّ المبيع إن كان ممّا له مالية بحسب الواقع فلا وجه للبطلان من حين ظهور الفساد ، بل له أن يرجع بالأرش إن كان قيمة الفاسد فيه أنقص من قيمة الصحيح لا أنّه يرجع إليه بالثمن ، ولا يمكنه الرجوع بالأرش أيضاً فيما إذا كانت قيمة الفاسد فيه متساوية للصحيح ، وإن لم يكن المبيع ممّا له مالية بحسب الواقع فالبيع باطل من الابتداء لأنّه وقع على ما لا مالية له وهو أمر مغاير اير للمبيع عرفاً ، فلا وجه للبطلان من حين ظهور الفساد .
ثمّ إنّه (قدّس سرّه) وجّه البطلان من حين ظهور الفساد بقوله اللهمّ إلّا أن يقال ، وملخّص ما أفاده في توجيه كلام الشهيد : هو أنّ الفاسد قبل ظهور الفساد مال واقعي فلذا يبذل بازائه المال فإذا ظهر الفساد فله أن يرجع إلى البائع بالثمن
لأنّ سقوط المبيع عن المالية مستند إلى أمر سابق على العقد وهو فساده واقعاً وليس مستنداً إلى أمر آخر حصل عنده حتّى لا يرجع إلى البائع بالثمن ، بل لا وجه لانفساخ البيع أيضاً إذ المعاملة صحيحة وله إمضاؤها أيضاً وغاية الأمر أنّ المبيع معيوب وله خيار العيب بالردّ والأخذ بالأرش وهو يختار الثاني دون الأول ، إلّا أنّ العيب لمّا كان مستنداً إلى أمر سابق على العقد وكان موجباً لفوات المالية عنه فهو لا يتدارك إلّا بدفع تمام الثمن ، هذا .
ثمّ أورد على التوجيه بأنّ العلم بالفساد إمّا أن يؤخذ طريقاً في المقام وإمّا أن يؤخذ على نحو الموضوعية دون الطريقية، وعلى الأوّل فالعلم طريق إلى عدم المالية للمبيع من الابتداء وإنّما يبذل المال بازائه قبل العلم بالفساد من جهة الجهل والحكم الظاهري من باب أصالة السلامة لا أنّه مال واقعي ، فلا محالة يحكم بالبطلان من الابتداء لا من حين العلم بالفساد ، وأمّا على الثاني فالمعاملة صحيحة والعلم بالفساد الذي جعلناه موضوعاً في فوات مالية المال إنّما حدث في ملك المشتري فلماذا يرجع إلى البائع بتمام الثمن لأنّ المالية إنّما فاتت في ملك المشتري ، وهذا لا ربط له بالبائع حتّى يقال إنّه عيب مجهول وله خيار العيب .
ولو سلّمنا وقلنا إنّ العلم وإن كان موضوعاً في الحكم بفوات المالية إلّا أن-ّ-ه جزء للموضوع في الحكم وجزؤه الآخر هو فساد المبيع بحسب الواقع ، وهو أمر سابق على العقد وكان مجهولاً للمشتري ، فإذا بان أنّه فاسد فيثبت له خيار العيب على نحو قد عرفت ، إلّا أنّه لا وجه للرجوع بتمام الثمن حينئذ ، لأنّ حاله حينئذ كحال المريض أو الأرمد قبل الشراء فإنّه إذا مات أو عمى بعده مستنداً إلى المرض السابق على العقد فلا يصحّ للمشتري أن يرجع إلى البائع بتمام الثمن بل له الرجوع بتفاوت قيمة المريض والصحيح وتفاوت قيمة الأرمد وغير الأرمد لا أنّه يرجع بتمام الثمن حينئذ ، هذا ما أورده شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) على الشهيد وهو في غاية المتانة
كما عرفت .
وأمّا الثمرة بين الحكم بالبطلان من أوّل الأمر والحكم بالبطلان من حين انکشاف الفساد ، فقد ذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) أنّ الثمرة تظهر في تصرفات البائع في الثمن فإنّه إذا اشترى بهذا الثمن داراً أو عيناً غيرها فإنّه على القول بالبطلان من الابتداء الثمن ملك للمشتري وقد تصرف فيه البائع ، فصحّة تصرفاته تتوقّف على إجازته ، فلو أجاز شراء الدار بثمنه فتنتقل الدار إلى ملكه ، وإن لم يجزه فينفسخ البيع ويرجع كل من الدار والثمن إلى ملك مالكهما سابقاً ومالك الثمن ه-و المشتري ، وهذا بخلاف القول بالبطلان من حين العلم بالفساد فإنّ تصرّفات البائع في الثمن حينئذ وقعت في ملكه ، وحين الانفساخ لو كان الثمن باقياً يردّه إلى المشتري ، وأمّا إذا باعه أو اشترى به شيئاً فينتقل الأمر إلى بدله من المثل أو القيمة .
وكذا تظهر الثمرة في مؤونة نقل المبيع من محلّه إلى محل الاختبار فإنّها ع-ل-ى البائع بناءً على أنّ المعاملة فاسدة من الابتداء وعلى المشتري بناءً على أنّ فسادها من حين العلم والانكشاف ، لأنّ المبيع على الأول في ملك البائع وعلى الثاني في ملك المشتري ، فتكون مؤونة الملك على مالكه لا محالة ، كذا نقله شيخنا الأنصاري عن الدروس وظاهره الارتضاء به .
ثمّ حكى عن المحقّق الثاني في جامع المقاصد(1)أنّ المؤونة على المشتري على كلّ تقدير ، إذ لا مقتضي لكونها على البائع لأنّه لم يأمره بنقله فلا يضمن المؤونة ولو كان ملكه . وعن بعض الأساطين وهو كاشف الغطاء (قدّس سرّه)(2)أنّ المؤونة على البائع على كلا التقديرين ، أمّا في صورة كون المبيع ملكه فلأنّه ملكه ومؤونة الملك
على مالكه ، وأمّا في صورة كونه ملكاً للمشتري فلأجل أنّ النقل إنّما كان مستنداً إلى البائع فهو الموجب للنقل فعليه مؤونته وخسارته .
وكيف كان ، فالمتحصّل في المقام أقوال ثلاثة : التفصيل بين كونه ملكاً للبائع فالمؤونة عليه وبين كونه ملكاً للمشتري فمؤونة النقل عليه لأنّه ملكه ، والقول برجوعها إلى المشتري مطلقاً ، والقول برجوعها إلى البائع على نحو الاطلاق .
والصحيح هو الوجه الرابع ، إذ لا يمكن المساعدة على شيء من الأقوال المتقدّمة ، أمّا القول الأول أعني التفصيل بين كون المبيع ملكاً للبائع كما على القول ببطلان المعاملة من الابتداء وكونه ملكاً للمشتري كما على القول ببطلانها من حين الانكشاف والعلم بالفساد ، فلأنّه لا ملازمة بين كون المبيع ملكاً لأحد وكون مؤونة النقل عليه ، ولم يرد نص على أنّ المالك يضمن الخسارة والمؤونة في النقل لامكان أن تكون المؤونة على غير مالك المال ولم نفهم لارتضاء شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) بذلك وجهاً .
وأمّا القولان الآخران فهما أيضاً لا يمكن المساعدة عليها ، لأنّ المباشر للنقل هو المشتري فبحسب القاعدة لابدّ من ضمانه لمؤونة النقل وغيره ممّا يباشره ، اللهمّ إلّا أن يكون فعله ذلك مستنداً إلى البائع وتغريره فإنّ المؤونة والخسارة ترجع إلى الغارّ والمغرور يرجع إلى من غرّه في الخسارات .
وعليه فالحقپ في المسألة أن يقال : إن كان نقل المشتري مستنداً إلى تغرير البائع إيَّاه كما إذا كان البائع عالماً بالفساد وكان المشتري جاهلاً به فلا محالة تكون الخسارة في النقل على الغارّ دون المشتري المباشر للنقل ، وهذا من دون فرق بين كون المبيع ملكاً للبائع وكونه ملكاً للمشتري ، وإن لم يكن المشتري مغروراً من قبل البائع كما إذا كان البائع أيضاً جاهلاً بالحال كالمشتري أو فرضنا المشتري عالماً بالفساد وقد أقدم عليه مع علمه بالحال فالمؤونة على المشتري لا محالة لأنّ النقل
فعله ولا سبب آخر له ، وهذا أيضاً من دون فرق بين كون المبيع ملكاً للبائع وكونه ملكاً للمشتري ، والوجه في ذلك ما ذكرناه في محلّه من أنّ الغرور يتقوّم بعلم الغارّ وجهل المغرور ومع انتفاء أحدهما ينتفي الغرور فلا يكون البائع ضامناً للخسارة وهذا هو الوجه الرابع الذي ذكرنا أنّه الصحيح في المقام ، هذا كلّه في مؤونة نقل المبيع من محلّ البيع إلى محلّ الاختبار .
وأمّا مؤونة نقل المتاع من محل الاختبار إلى البائع عند ظهور الفساد فقد فصل شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1)بين كون المبيع المكسور ملكاً مع عدم تموّله نظير حبّة الحنطة فالمؤونة على البائع ، وبين عدم كونه قابلاً للتملّك فلا يستبعد أن تكون المؤونة على المشتري ، هذا.
ولكنّك عرفت أنّ كون شيء ملكاً للمالك لا يستلزم ضمان المالك للمؤونة في نقله ، فالصحيح أنّ مقتضى قانون المبادلة هو ردّ المبيع إلى البائع في المكان الذي تسلّم فيه المبيع من مالكه فهل يمكن أن يقول المشتري للبائع أعطني ثمني فيطالبه البائع بالمبيع فيجيبه بأنّ مالك في بلد كذا ، بل لابدّ من دفع مال المالك إليه وأخذ عوضه وبدله ، لأنّ المالك إنّما سلّمه إليه فى ذاك المكان فلابدّ من إرجاعه إلى ذاك المكان ، والارجاع إليه أمر راجع إلى المشتري فعليه المؤونة والخسارة في إرجاعه إليه ، اللهمّ إلّا أن يكون المشتري مغروراً من البائع في المعاملة والنقل كما إذا كان المالك عالماً بالفساد وكان المشتري جاهلاً بالحال لأنّه عليه يرجع إلى البائع بالخسارة لأنّه الذي أوقعه فيها .
فالصحيح في هذه الصورة أيضاً هو التفصيل بين كون المشتري مغروراً من قبل البائع فالمؤونة على البائع ، وبين عدم الغرور كما إذا كان البائع أيضاً جاهلاً
1) المكاسب 4 : 300 .
بالحال أو كان المشتري عالماً بالحال فالمؤونة على المشتري ، لأنّه بمقتضى قانون المبادلة لابدّ من أن يدفع المبيع إلى البائع عند انفساخ المعاملة والمؤونة في إرجاعه وتسليمه إلى البائع عليه ، ولا يختصّ ذلك بالمقام بل الأمر كذلك في كلّ مقبوض بالعقود الفاسدة ، هذا كلّه فيما إذا طالبه المالك بالمبيع .
وأمّا إذا فرضنا أنّ المالك ردّ الثمن إلى المشتري ولم يطالبه بالمبيع ، إمّا لذهاب ماليته وملكيته وإن كان متعلّقاً لحقّه ، وإمّا لأجل أمر آخر وفرضنا المبيع في مثل المسجد أو المشاهد أو في ملك شخص وقد ألزمنا المالك بتفريغ مكانه من المبيع الفاسد كالبطيخ المدوّد الموجب للرائحة الكريهة أو كنّا مأمورين من قبل الشارع بتنظيف المساجد والمشاهد من القذارات سيّما إذا كانت نجسة ، فهل المؤونة في تفريغ المكان منها على البائع أو أنّها على المشتري ؟
الظاهر أنّ تفريغ المكان من القذارة حكم متوّجه إلى من أشغله به-ا وه-و المشتري ببناء العقلاء ولو كان المشتري مغروراً في المعاملة من البائع ، ولا يصحّ أن يرجع بمؤونة التفريغ إلى البائع ، لأنّ المغرور إنّما يرجع إلى الغار فيما غرّه أو كان لازماً للعمل المغرور فيه ، ومن الواضح أنّ كسره في المسجد وتلويثه ليس من لوازم البيع بالغرور إذ لم يلزمه أحد بوضعه في المسجد ، وبما أنّه غير لازم للغرور فلا يصحّ أن يرجع إلى البائع بهذه المؤونة بل هي ببناء العقلاء متوجّهة إلى المشتري ولعلّه ظاهر .
نعم لو كان ذلك الاشغال مستنداً إلى غير اختيار المشتري فلا يتوجّه إلي-ه الحكم بالتفريغ بل الحكم حينئذ متوجّه إلى جميع المسلمين كما التزمنا بذلك في تنجيس المسجد وقلنا إنّ ذلك إذا صدر عن النائم بلا اختياره كما إذا بال في نومه مثلاً فالمكلّف بتطهير المسجد هو الجميع دون خصوص النائم كما هو ظاهر ، وأمّا إذا كان ذلك مستنداً إلى اختياره فهو المكلّف بالتفريغ كما عرفت ، هذا .
ثمّ إنّ شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) تعرّض لاشتراط صحّة البيع فيما لا يمكن اختباره بأحد أمرين : اشتراط الصحّة أو براءة البائع عن العيوب ، وقد تعرّضنا نحن لذلك سابقاً ونعيده في المقام أيضاً على نحو الإجمال فنقول : إن اُريد بالبراءة عن العيوب براءة البائع عن العيوب مع قيام طريق معتبر على صحّة المبيع عند المشتري ولو كان ذلك أصالة السلامة (على تقدير صحّتها) فالبراءة عن العيوب حينئذ وإن كانت لا تضرّ بالبيع إلّا أنّها غير محتاج إليها مع قيام الطريق على صحّة المبيع لانتفاء الغرر بها ، وإن اُريد منها براءة البائع عن العيوب مع جهل المشتري بالحال وعدم قيام طريق على إحراز صحّة المبيع فاشتراطها لا يعقل أن يكون مصحّحاً للبيع لأنّه يؤكّد الغرر حينئذ فالمعاملة معه غررية باطلة ، وإن اُريد بها اشتراط براءة المبيع عن العيوب (الذي مرجعه إلى اشتراط صحّته) فهو لا بأس به إلّا أنّه خلاف ظاهر القائلين بالاشتراط والبراءة ، لأنّ ظاهرهم اشتراط براءة البائع لا المبيع ، ولكن الأمر إذا دار بين الحمل على الغلط أو على خلاف الظاهر فالثاني متعيّن ويقال حينئذ إنّ قولهم يشترط فيه شرط الصحّة أو البراءة الخ من قبيل عطف تفسير وأنّ المراد بها بها براءة المبيع عن العيوب .
لا إشكال في صحّة بيع المسك في فأره لما ذكرناه سابقاً من اعتبار أصالة السلامة في المبيع عند العقلاء بمعنى اشتراط المبيع بالصحّة والسلامة لأنّها بذلك المعنى ترفع الغرر ، إذ على تقدير فسادها فللمشتري خيار تخلّف الشرط ، هذا .
وربما يناقش في صحّة بيع المسك من جهتين : إحداهما الجهل بصحّة المسك وفساده . وثانيتهما : نجاسة المسك لأنّه دم منجمد على المشهور . فأمّا الجهة الأُولى فقد عرفت اندفاعها بأصالة السلامة بمعنى اشتراط الصحّة في المعاملة عند العقلاء
وأنّها تمنع الغرر لا محالة . وأمّا الجهة الثانية فهى أيضاً مندفعة بأنّا لا نعلم أنّ المسك هو الدم أو كان أصله ذلك فلعلّه شيء آخر ، هذا أوّلاً . وثانياً : أنّه على تقدير كونه من الدم محكوم بالطهارة شرعاً فلذا يستعملونه مع العنبر ويذكرونه م-ع-ه وهم-ا طاهران بالإجماع والنصّ . وثالثاً : أنّ النجاسة بما هي غير مانعة عن البيع وق--د ذكرنا ذلك في بحث المكاسب المحرّمة(1)واعترف به شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) في بحث بيع الميتة(2)فراجع ، وكيف كان فلا ينبغي الإشكال في صحّة بيع المسك في فأره ، هذا كلّه بناءً على أنّ الشكّ في المسك من جهة الشكّ في صحّته وفساده .
وأمّا إذا شككنا فيه من جهة الأوصاف الكمالية الزائدة على صحّته كقوّة رائحته أو حسنها ونحوهما فحينئذ لا يمكن الاعتماد على أصالة السلامة بالمعنى المتقدّم لاختصاصها بالصحّة والفساد ، بل لابدّ من إحرازها بإخبار البائع وتوصيفه أو باختباره .
وقد ذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه )(3)أنّ طريق اختباره هو أن يدخل فيها خيط بابرة ثمّ إخراجه و شمّه حتّى يعلم ميزان رائحته فلا يحتاج إلى فتق الفأرة حينئذ ، ثمّ ذكر أنّ الأولى أن يتصدّى البائع باختباره إذ لو تصدّى له المشتري فللبائع أن يطالبه بالنقص الوارد على المسك بإدخال الخيط مع الابرة فيه على تقدير عدم شرائه منه ، وذلك لأنّ المشتري يضمن النقص الوارد عليه ، وهذا من جهة ضمان المقبوض بالسوم حيث ذكروا أنّ المقبوض بالسوم تلفه على المشتري ، وهذا لا يختصّ بتلف العين بل يشمل تلف الوصف أيضاً كما في المقام ، هذا .
ويمكن المناقشة فيما أفاده بوجهين أحدهما : أنّ المشتري لو كان ضامناً للنقص الوارد على المسك فضمانه ليس مبنياً على الضمان في المقبوض بالسوم ، وذلك لأنّ الضمان في المقبوض بالسوم يختصّ بصورة التلف ولذا ذكروا أنّه إذا تلف بنفسه فيضمنه المشتري والمفروض في المقام إتلاف المشتري للوصف لا أنّه تلف بنفسه فضمانه النقص حينئذ من باب عموم من أتلف مال الغير فهو له ضامن لا من جهة الضمان في المقبوض بالسوم . وثانيهما : أنّ المشتري لا يضمن النقص الوارد على المسك في المقام من جهة أنّ النقص إنّما كان برضا البائع وإجازته لا أنّ المشتري نقّصه من عند نفسه ، فسواء قلنا إنّ ضمانه من باب الضمان في المقبوض بالسوم أو من جهة عموم من أتلف الخ فلا يحكم بضمانه في المقام بل يمكنه أن يتصدّى للاختبار برضا البائع وإجازته ، هذا .
ثمّ إنّه (قدّس سرّه) تعرّض لبيع اللؤلؤ في الصدف وللبيض في بطن الدجاج وذكر أنّ بيعهما باطل للجهالة ، فأمّا اللؤلؤ في الصدف فلوضوح اختلاف قيمته بحسب اختلاف لونه شدّة وضعفاً صفاءً وكدراً ، فربّ لؤلؤ يسوى بألف درهم لصفائه ولا يسوى فرد آخر منه بدرهم لكدره كسائر المجوهرات فإنّ بعضها يسوى بقيمة غالية لشدّة لونه دون بعضها الآخر لضعفه كما في الفيروزج ، وجهالة أوصافها من أوضح أنحاء الغرر ، وأمّا بيع البيض في بطن الدجاج فإن كان ذلك الدجاج معتاداً على بيض معيّن من حيث الكبر والصغر فلا مانع من بيعه في بطنه للعلم بمقداره بحسب عادته فلا غرر حينئذ لاطمئنانه أو علمه بمقداره وقيمته ، وأمّا إذا لم تكن له عادة معيّنة فالبيع غرري للجهل بكبره وصغره ولقيمته زيادة ونقيصة .
لا إشكال في بطلان بيع المجهول ولو انضمّ إليه شيء آخر معلوم أيضاً بحسب
القاعدة الأوّلية ، للجهل بمقدار المركّب من المجهول والمعلوم ، والجهل بمقدار المبيع يوجب الغرر وهو يوجب البطلان ، ولا ينا في ذلك كون بعض أجزائه معلوماً إذ ما من شيء مجهول غرري إلّا وبعض أجزائه معلوم للمتبايعين ، هذا بحسب القاعدة الأوّلية .
إلّا أنّ المشهور بين المتقدّمين وكذلك بين المتأخرين كالأردبيلي(1)والسبزواري(2)وغيرهما إلّا بعضهم جواز بيع المجهول منضمّاً إلى معلوم، من دون فرق في ذلك بين كون الغرض هو ابتياع المجموع بذاتهما وبين كون الغرض منه هو ابتياع المجهول وإنّما ضمّ إليه المعلوم للوصلة إلى غرضه وتصحيح بيعه ، وقد اعتمدوا في الحكم بالجواز الذي هو على خلاف مقتضى القاعدة الأوّلية على روايات(3)واردة في جواز بيع المجهول بالضمّ إلى معلوم ، وهذه الروايات بين ضعيفة وموثّقة وصحيحة ، وقد ورد بعضها في بيع أسماك الأجمة بأن يخرج سمكاً منها بيده فيبيع ما في الأجمة من الأسماك بضمّ السمك المعلوم الذي بيده إليها ، فإذا لم يوجد في الأجمة سمك يقع الثمن في مقابل السمكة المعلومة لا محالة ، وبعضها الآخر ورد في بيع اللبن في الضرع بضمّه إلى ما في السكرجة من اللبن المحلوب ، وقد ورد بعضها الثالث في بيع ما في بطون الغنم من الحمل بضمّ أصوافها إليها إلى غير ذلك من الأخبار فراجع .
وقد أورد شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه )(4)على الاستدلال بالرواي--ات المتقدّمة مناقشات يرجع حاصلها إلى وجوه : الأوّل أنّ الروايات على تقدير
دلالتها والعمل على طبقها تختص بمواردها ولا يمكن التعدّي منها إلى غيرها لأنّها على خلاف القاعدة الأوّلية كما عرفت . الثاني : أنّ مورد الأخبار إنّما هو الشكّ في وجود المجهول كالشكّ في وجود السمك في الأجمة وعدمه ومحلّ الكلام إنّما هو الشكّ في صفة الموجود فوجود المبيع معلوم ونشكّ في أوصافه ، وهذا غير مورد الروايات كما لا يخفى . والثالث : أنّ هذه الأخبار لا يمكن العمل على طبقها في مواردها فكيف بالعمل بها في غيرها من الموارد ، وذلك لأنّها دلّت على جواز بيع المجهول بضمّه إلى مجهول آخر وهذا ممّا لا يلتزم به أحد .
أمّا ما ورد في بيع السمك فلأنّ السمك من الموزون ولذا ذهبوا إلى جريان الربا في السمك فراجع ، وإخراج سمك السمك بيده لا يخرج عن الجهالة فكيف يكون ضمّ ذلك إلى المجهول موجباً لصحّة بيع المجهول .
وأمّا ما ورد في بيع الحمل في بطون الغنم فلأنّ الأصواف المنضمّة إليه مجهولة المقدار ولا يعلم أنّ أصواف النعم على ظهورها أيّ مقدار فالضميمة مجهولة فكيف تصحّح البيع ، وكذا الحال فيما ورد في بيع اللبن في الضرع للجهل بمقدار ما في السكرجة من المحلوب ، ومع كون الضميمة مجهولة لا يمكن الالتزام بصحّة المجهول هذا ملخّص ما أورده (قدّس سرّه) على الاستدلال بالأخبار .
أمّا ما أورده أوّلاً فقد ظهر الجواب عنه ممّا بيناه(1)في بيع العبد الآبق مع الضميمة ، لأنّا ذكرنا هناك أنّ قوله (عليه السلام) في روايات جواز بيع الآبق مع الضميمة أنّه على تقدير عدم وجدانه الآبق يكون ما نقده بازاء ما اشترى معه بمنزلة التعليل للحكم بالجواز ، وهو بيان للمناط في جواز بيع المجهول مع الضميمة والروايات الواردة فيما نحن فيه أيضاً مشتملة على التعليل ، وعليه فلا مانع م-ن
1) في الصفحة 354
التعدّي عن موارد الأخبار إلى غيرها ، هذا مع أنّ السائل في الروايات لم يكن يحتمل الخصوصية في المورد قطعاً وإنّما سأله عنها من باب المثال حتّى يعرف حكم المسألة في غيره من الموارد .
وأمّا الجواب عن الوجه الثاني : فهو أنّ بيع المجهول بحسب الوجود إذا صحّ بالضمّ إلى معلوم فكيف لا يصحّ بيع شيء معلوم الوجود مجهول بحسب الأوصاف عند الضمّ إلى شيء معلوم ، فما أفاده (قدّس سرّه) من أن مورد الأخبار هو الشكّ في وجود المجهول فلا تشمل ما إذا كان وجود المجهول ثابتاً وشككنا فيه بحسب الأوصاف ممّا يقتضي العجب ، لأنّ البيع في مثل المجهول بحسب الأوصاف يصحّ بطريق أولى .
وأمّا الجواب عن الوجه الثالث : فهو أنّ الغرض من الأخبار ومحطّ النظر فيها إنّما هو تصحيح بيع المجهول بالضمّ إلى معلوم، وأمّا أنّ المعلوم لابدّ وأن يكون على أيّ نحو فليست الروايات مسوقة لذلك وإنّما هي تدلّ على جواز بيع المجهول بالضمّ إلى المعلوم المشروط جواز بيعه بما ذكر في البيع من المعلومية والوزن وغيرهما من الشروط ، لا أنّها دلّت على جواز بيع المجهول بالضمّ إلى معلوم لا يعلم قدره أو وزنه بوجه ، لوضوح أنّها في مقام بيان الجواز في المجهول بضمّه إلى معلوم على الشروط المذكورة في صحّة بيع ذلك الضميمة المعلومة ، هذا.
مضافاً إلى أنّ الضمائم من أين استكشفنا جهالتها في الروايات ، أمّا في ضمّ الأصواف إلى بيع الحمل في البطون فلاحتمال انفصالها عن ظهور الغنم ومعلومية مقدارها ، أو احتمال معلوميتها على ظهورها لأجل تعيين أهل الخبرة على وجه لا يوجب الغرر ، وأمّا ضمّ اللبن في السكرجة فلاحتمال أنّ السكرجة كانت كيلاً معيّن المقدار وكان اللبن الموجود فيها معلوم المقدار لا محالة ، وأمّا السمك فهو أيضاً كذلك لاحتمال العلم بوزنه ومقداره ، على أنّا نمنع من كون السمك من الموزون بل هو يباع
بالوزن تارة وبالعدد اُخرى كما لا يخفى على من لاحظ موارد بيع السمك ، فإثبات جهالة الضمائم في الروايات على عهدة مدّعيها . وأمّا جريان الربا في السمك فهو ليس مستنداً إلى كونه من الموزون بل هو من جهة قاعدة أنّ كل شيء كان موزوناً في زمان أو في بلد يجري فيه الربا ولو كان ذلك الشيء من المعدود في مكان آخر أو بلد آخر فلا تغفل ، وكيف كان فلا مانع من الاستدلال بالأخبار في المقام ، هذا .
على أنّ لنا أن نقول : إنّ المستند في عدم جواز بيع المجهول هو الإجماع كما ذكرناه في بيع العبد الآبق دون قاعدة نفي الغرر للمناقشة في دلالتها وسندها والمتعيّن الثابت من الإجماع هو بيع المجهول على استقلاله وتجرّده ، وأمّا مع الضمّ إلى شيء آخر معلوم ولو لأجل الحيلة في تصحيح المعاملة فلا إجماع منهم على البطلان كيف وقد عرفت أنّ المشهور بين المتقدّمين والمتأخّرين كالأردبيلي والسبزواري وجملة من المحقّقين هو الجواز ، وعليه فالظاهر أنّ بيع المجهول فيما إذا ضمّ إليه معلوم صحيح سواء كان المعلوم بنفسه مقصوداً في المعاملة أم كان ضمّه لأجل الوصلة إلى بيع المجهول ، هذا .
ثمّ إنّ القائلين بعدم صحّة ضمّ المعلوم إلى المجهول استثنوا من ذلك ما إذا كان المجهول تابعاً للمبيع وذكروا أنّ التابع لا يضرّ الجهل به في صحّة المعاملة على المتبوع ولأجل ذلك وقع الكلام في معنى التابع وأنّ المراد به أي شيء .
والذي يمكن أن يقال : إنّ التابع يحتمل فيه اُمور ، لأنّ التابع ربما يطلق على جزء الشيء الذي هو ليس أمراً آخر مغايراً للشيء والمبيع لأنّه جزؤه وهو لا يقابل بالمالية على وجه الاستقلال في المعاملات ، ومثل ذلك لا يضرّ الجهل به في المعاملة وهذا نظير اُسّ الحيطان والأشجار فإنّ من اشترى الدار والحيطان فقد اشترى اُسّها وأساسها أيضاً مع الجهل بمقدار أساس الحيطان والآجر والجصّ المستعمل فيها وكذلك اُسّ الشجر وأساسه إذ لا يدرى أنّه أي مقدار نفذ في الأرض من أساس
الشجر ، والجهل بالتابع بمعنى جزء المبيع وإن كان لا يمنع عن البيع إلّا أنّه خارج عن محل الكلام في المقام ، لأنّه ليس أمراً آخر مغايراً مع المبيع بل هو جزؤه والكلام في ضم شيء آخر للمبيع بأن يكون هناك شيئان ، هذا .
مضافاً إلى أنّ المبيع في جميع الموارد لا يخلو عن كون بعض أجزائه مجهولاً للمشتري أو للمتبايعين ولا يوجد مبيع يكون معلوماً له بتمام أجزائه وجهاته وهذا ظاهر.
واُخرى يطلق التابع على أمر خارج عن المبيع ، وكون مثل ذلك الشيء تابعاً للمبيع مع مغايرته له وعدم وقوع المعاملة عليه إنّما يتصوّر بوجهين : أحدهما أن يكون جزءاً للمبيع بالجعل كما إذا قال بعتك هذين الشيئين بكذا فإنّ المبيع حينئذ مجموع شيئين ومركّبهما ، فكلّ واحد منهما جزء من المبيع . وثانيهما : أن يكون شرطاً للمبيع بالجعل كما إذا باع شيئاً واشترط عليه ضمّ شيء آخر إلى المبيع ، وكيف كان فالأمر الخارج عن المبيع لا يكون تابعاً للمبيع إلّا بجعل المتبايعين ، نعم ربما يكون الاشتراط ثابتاً بجعل العقلاء وبنائهم وهذا كما في المسامير الثابتة في الدار فإنّ البيع وإن لم يقع عليها بوجه وإنّما اشترى المشتري الدار فقط ، إلّا أنّ بناء العقلاء على انتقال المسامير أيضاً إلى المشتري يكفي في اشتراط تبعية المسامير للمبيع في الملكية والانتقال ، ونظيرها البيض في بطن الدجاجة المشتراة حيث إنّها إذا باضت تكون ملكاً للمشتري ببناء العقلاء مع عدم وقوع المعاملة عليها.
وممّا ذكرناه يظهر أنّ ما احتمله شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) في معنى التابع بقوله : يحتمل أن يراد به ما يعدّ في العرف تابعاً ، ممّا لا يرجع إلى وجه محصّل ، لأنّ التابع العرفي ليس أمراً خارجاً عن المحتملات الثلاثة المتقدّمة أعني جزء المبيع الذي لا يعدّ عرفاً مغايراً مع المبيع أو الشيء المغاير له المجعول جزءاً بحسب إيقاع البيع عليهما أو الاشتراط ، إذ لا يخلو التابع عن ذلك قطعاً ولا معنى للتابعية في غيرها .
اللهمّ إلّا أن يراد به التبعية بحسب بناء العقلاء وهو أمر راجع إلى اشتراط التبعية وليس معنى آخر في مقابله ، وكذا الاحتمال الأخير الذي نقله عن صاحب الجواهر (قدّس سرّه) حيث احتمل أن تكون التبعية بمعنى التبعية في الجعل والتباني في مقام إنشاء البيع بأن ينشأ البيع على المعلوم مع تبعية المجهول له ولو لأجل التخلّص عن محذور الغرر ، وذلك لأنّ التابع لا يخلو عن أحد الاُمور الثلاثة المتقدّمة ولا يكون شيء أجنبي عن المبيع تابعاً له إلّا يجعله جزءاً أو شرطاً في المبيع.
وكيف كان ، فالمحتملات في المقام أربعة: الأول أن يكون التابع بمعنى ما اُخذ في المعاملة شرطاً للمبيع ، وهذا هو الذي يظهر من كلمات العلّامة (1)في موارد متعدّدة ، وعليه فإذا اُخذ المجهول شرطاً في المعاملة فيصحّ ، وإذا اُخذ بنحو الضميمة فيبطل . والثاني : أن يكون التابع بمعنى ما ذكر في العقد ثانياً كما أنّ المراد بالأصل ما ذكر فيه أوّلاً كما إذا قال : بعتك هذا المعلوم بضمّ هذا المجهول بكذا ، وعليه فتصحّ المعاملة في المثال وتبطل فيما إذا انعكس كما إذا قال بعتك هذا المجهول بضمّ هذا المعلوم بكذا وهذا هو الذي أورد عليه المحقّق الثاني(2)بأنّ التقديم والتأخير في اللفظ لا أثر له . الثالث : أن يكون التابع بمعنى ما قصد في المعاملة تبعاً بحسب الغرض النوعي وهذا كما إذا اشترى القصب مع أنّ فيها سمكة أو سمكتان أو أكثر ، فإنّ الجهل بمقدار السمك في القصب لايضرّ بصحّة المعاملة. والرابع : أن يكون التابع بمعنى ما قصد في المعاملة تبعاً بحسب الغرض الشخصي دون النوعي كمن أراد السمك القليل إلّا أنّ شراءه لم يتيسر له إلّا بشراء قصب الأجمة ، فیما أنّ السمك مقصود شخصي للمشتري فالجهالة فيه توجب البطلان بخلاف الجهالة في قصب الأجمة لأنّها تابعة
للغرض الشخصي كما عرفت ، فالجهالة فيها غير مانعة عن صحة البيع ، هذا .
ولا يخفى أنّ المراد من صحّة المعاملة مع جهالة التابع في التبعية بحسب الغرض النوعي إن كان صحّة المعاملة فيما إذا كانت الجهالة في التابع بحيث لا يوجب الغرر كما إذا اشترى حنطة فإنّ فيها يوجد مقدار من التراب لا محالة إلّا أنّ الجهل بمقدار التراب التابع للحنطة لا يوجب البطلان لأنّه لا يوجب الغرر لقلّته ، فهو صحيح من جهة عدم الغرر في المعاملة كما بيّناه في مثل التراب القليل في الحنطة لا من جهة أنّ التراب تبع ، وإن اُريد صحّة المعاملة حتّى فيما إذا كانت المعاملة غررية للبائع كما إذا كانت في قصب الأجمة أسماك كثيرة ولعلّ قيمتها تساوي قيمة القصب ففي مثله لا يمكن دعوى صحّة المعاملة مع الجهل بمقدار الأسماك بدعوى أنّ الأسماك تابع بحسب النوع ، وذلك لأنّه يوجب الغرر على البائع وذلك ظاهر ، وأمّا كون التابع منوطاً بالغرض الشخصي فهو واضح الفساد ، لأنّ لازم ذلك صحّة المعاملة الغررية فيما إذا كان الغرض الشخصي متعلّقاً بالأعم ، وهذا كما إذا احتاج إلى فلز من الفلزات حتّى يجعله عياراً في الميزان فاشترى الفلز مع الجهل بأنّه حديد أو ذهب فإنّ لازم كون الاعتبار بالغرض الشخصي أن تكون المعاملة في مثل ذلك صحيحة لأنّ غرضه متعلّق بالأعم من الحديد والذهب ، وهذا ممّا لا يمكن المساعدة عليه .
إعادة فيها توضيح
بعد الفراغ عن أنّ الجهالة تمنع عن صحّة المعاملة وقع الكلام في أنّها هل هي مانعة مطلقاً أو فيما إذا لم ينضمّ إلى المجهول معلوم ، وقد تقدّم أنّ ضمّ المعلوم إلى المجهول يوجب صحّة البيع الواقع على المجهول ، ولكن بعضهم فصّل في ذلك بين ما إذا كان المجهول تابعاً للمعلوم فالبيع صحيح وبين ما إذا لم يكن تابعاً له فالمعاملة باطلة ، ولأجل ذلك وقع الكلام في أنّ المراد بالتابع ما هو ، وقد قدّمنا أنّ التابع تارة
يطلق على جزء المبيع الذي ليس شيئاً مغايراً معه وليس هناك شيئان ومثل هذا التابع لا يقابل بالمال ولا تختلف القيمة بوجوده وعدمه وزيادته ونقيصته ومثال ذلك أساس الجدران فإنّ بعض الأراضي لأجل رخوتها لا يبنى فيها الجدران إلّا مع النزول إلى الأرض بمقدار ويختلف زيادة ذلك ونقيصته باختلاف الأراضي ففي بعضها يكون الأساس متراً وفي بعضها مترين وهكذا ، والفرض أنّه ممّا يستلزم صرف المال بمقدار لا محالة إلّا أنّه مع ذلك لا يلاحظ بالمال ولا تختلف قيمة الجدران بوجوده وعدمه ولا بزيادته ونقيصته ، ومثل ذلك تابع وداخل في المبيع ولو مع غفلة المتبايعين ولا يستلزم الجهل به غرراً ولا وجوده تفاوت قيمة أصلاً ، وأمثال ذلك خارج عن محلّ الكلام قطعاً إذ لا تختلف القيمة بوجوده فلا يكون الجهل به موجباً للغرر بوجه .
واُخرى يطلق التابع على شيء زائد على المبيع وأمر مغاير معه إلّا أنّه مع ذلك تابع للمبيع ولا تلاحظ قيمته وماليته في المعاملة على المتبوع أيضاً ، وهذا أمر لا يمكن إلّا بواسطة الشرط كالاشتراط العقلائي في مثل المسامير الموجودة في الدار المبيعة فإنّ قيمة الدار لا تختلف بوجود المسامير وعدمها ، ونحوها ممّا هو خارج عن المبيع ، فلذا لو شرط البائع أخذ المسامير منها لا تنتقل إلى المشتري ، إلّا أنّه إذا لم يشترط عدمه فأمثالها باشتراط العقلاء داخلة في المبيع تبعاً من دون أن تلاحظ المالية في مقابلها ، ولا يبعد أن يكون البيض في بطن الدجاجة أيضاً من هذا القبيل بأن يكون تابعاً للدجاجة ومنتقلاً إلى المشتري بلا ملاحظة قيمته فإنّ أمثال ذلك أمر خارج عن المبيع إلّا أنّه تابع له بحسب شرط العقلاء من دون أن يكون هذا موجباً لاختلاف قيمته ، وهذا أيضاً لا إشكال في دخوله في المبيع وعدم مانعية الجهل به في صحة البيع ، إلّا أنّه أيضاً خارج عن محلّ الكلام لأنّه لا يوجب الاختلاف في القيمة ولا الغرر بجهالته .
فالمتحصّل أنّ التابع إمّا أن يكون بنحو الجزئية وإمّا أن يكون بنحو الشرطية كما عرفت في القسمين المتقدّمين ، وقد عرفت أنّ الجهالة في التابع بالمعنيين المتقدّمين غير مانعة عن صحّة البيع في المتبوع، وأمّا التابع في غير المعنيين المتقدّمين بحيث لايمنع الجهل به في البيع فقد ذكر فيه اُمور:
الأول : التابع بمعنى الشرط بأن يقال إنّ المجهول إذا كان في البيع على نحو الشرطية دون الجزئية فلا يضرّ الجهل به في البيع على المشروط ، نعم إذا كان المجهول هو الجزء فهو يمنع عن صحّة البيع لاستلزامه الجهل بالمبيع وهذا بخلاف الجهل بالشرط فإنّه لا يستلزم الجهل بالمبيع. وهذا هو التفصيل الذي ذكره العلّامة (قدّس سرّه) وأورد عليه جامع المقاصد بأنّ التغيّر في اللفظ وذكر المجهول بلفظ الجزئية أو الشرطية لا يثمر في صحّة البيع وبطلانه ، وقد اختار شيخنا الاُستاذ (1)هذا التفصيل وذكر أنّ التابع بمعنى الشرط لا يوجب الجهل به بطلان المعاملة للعلم بكلّ واحد من الثمن والمثمن ولا يشترط في البيع أزيد من العلم بهما .
الثاني : الفرق بين التابع العرفي وغيره فلا مانع من الجهل بالتابع العرفي ولا يمنع عن صحّة البيع في المتبوع . وفيه : أنّه إن اُريد بالتابع ما ذكرناه من الاشتراط الذي هو أحد القسمين المتقدّمين فهو راجع إليه وليس تفصيلاً آخر في قباله بل إنّما هو توضيح وبيان لموارد اشتراط العقلاء وعدمه، وأنّ اشتراط الدخول في أي مورد دون مورد آخر فلا يصحّ عدّه تفصيلاً في مقابله ، وقد عرفت أنّ التابع بهذا المعنى خارج عن محلّ الكلام لعدم الغرر فيه ، وإن اُريد بالتابع العرفي غير ذلك فلم أتحصّل له معنى صحيحاً ، لما عرفت من أنّ الشيء المغاير للمبيع لا معنى لدخوله فيه إلّا على نحو الجزئية أو الشرطية .
1) منية الطالب 2 : 410 .
الثالث : أنّ التابع بمعنى ما لا يكون متعلّقاً للغرض ، ففي مثله لا تمنع الجهالة عن صحّة بيع متعلّق الغرض، بمعنى أنّ الغرض إذا كان متعلّقاً بالمعلوم فالبيع صحيح وإن كان الخارج عن الغرض مجهولاً وبالعكس في العكس .
وفيه : أنّه إن اُريد بالغرض الغرض الشخصي فهو لا مدخلية له في الغ--رر وعدمه ، فربما يكون متعلّق الغرض أمراً غررياً كما إذا تعلّق غرضه بفلز أعمّ م--ن الحديد والذهب والفضّة والنحاس فإذا اشترى الفلز مع الجهل بأنّه من أيّها فلا محالة تكون المعاملة غررية فهي توجب البطلان ، فكون الغرض الشخصي مناطاً في المسألة لا يدفع الغرر واحتمال اعتباره واضح الفساد .
وإن اُريد بالغرض الغرض النوعي فإن كان ذلك بمعنى أنّ العقلاء ونوع الناس لا يعتبرون العلم بما هو خارج عن متعلّق الغرض لقلّته ويتسامحون فيه لعدم الاعتداد به كما في المسامير والأسماك القليلة عند ابتياع قصب الأجمة فهو وإن كان صحيحاً لأنّ الجهل في مثله لا يوجب الغرر كما عرفت إلّا أنّه راجع إلى الاشتراط المتقدّم .
وإن اُريد به أنّ المناط إنّما هو كون المتعلّق للغرض النوعي معلوماً ولو كان المجهول والخارج عن متعلّق الغرض مقداراً كثيراً ولعلّه أزيد من المعلوم فهو أم--ر غرري ولابدّ من العلم بمقدار المجهول حينئذ لاحتمال أنّ الأسماك في الأجمة المبيعة أكثر وأزيد قيمة من نفس الأجمة وهو أمر خطري .
الرابع : هو ما ذكره صاحب الجواهر(1)والمحقّق الأردبيلي(2)من أنّ المناط هو تعلّق البيع وإيقاعه ، فإن أوقع المعاملة والبيع على المعلوم فهو صحيح وإن كانت
الضميمة مجهولة ، وإن أوقعها على المجهول فهو باطل ولو كانت الضميمة معلومة .
وفيه : أنّا لم نتحصّل له معنى محصّلاً ، وذلك لما عرفت من أنّ التابع إنّما يتحقّق بالجزئية والشرطية ولا معنى محصّل للتابع في غيرهما ، ولا اعتبار في إيقاع البيع على المعلوم أو المجهول ، وكيف كان فشيء من الاُمور المحتملة في المقام لا يصلح للتكلّم فيه إلّا الوجه الأول الذي ذكره العلّامة (قدّس سرّه) واختاره شيخنا الاُستاذ .
والإنصاف أن يفصّل في ذلك أيضاً ، لأنّ مدرك اعتبار العلم بالمبيع إن كان قوله ( عليه السلام)« نهى البني (صلّى الله عليه وآله وسلم) عن بيع الغرر »(1)فلا يفرق الحال بين الجهل بالمبيع والجهل بالشرط ، لأنّ الجهل بالشرط وإن لم يستلزم الجهل بالمبيع إلّا أنّ البيع بهذا الشرط غرري لأنّه التزام في التزام وهو مجهول غرري وهو باطل وإن ناقشنا في دلالة ذلك وسنده كما ناقشنا في محلّه وقلنا إنّ المدرك في مانعية الجهل هو الإجماع فلا إجماع على البطلان فيما إذا كان المجهول هو الشرط مع العلم بكلّ واحد من الثمن والمثمن وإنّما الإجماع قام على بطلان المعاملة التي يكون المبيع أو الثمن مجهولاً فيها والمفروض أنّهما معلومان في المقام ، وعليه يتمّ ما أفاده العلّامة (قدّس سرّه) من التفصيل في كون المجهول هو الشرط أو الجزء .
لا إشكال في جواز الاندار في الجملة ، وإنّما وقع الكلام في بعض الخصوصيات والأقوال في المسألة كما ذكرها شيخنا الأنصاري(2)ستّة ، فذهب بعضهم إلى جواز الأندار فيما إذا كانت العادة جارية على الاندار فيه سواء علم الزيادة أو النقيصة أم لم
يعلم ، وآخر إلى جوازه بشرطين : جريان العادة على الاندار فيه وعدم العلم بالزيادة . وثالث إلى ذلك بعطف عدم العلم بالنقيصة إليه بمعنى اشتراطه بالعادة وبعدم العلم بالزيادة أو النقيصة ، ورابع إلى جواز الاندار فيما يحتمل فيه الزيادة وأمّا مع العلم بالزيادة فاشترط فيه التراضي ، وخامس إلى جوازه فيما يحتمل فيه الزيادة وأمّا مع العلم بالزيادة أو النقيصة فالتراضي وهذا هو الذي نسبه المحقق الثاني(1)إلى كل من لم يذكر النقيصة ، والحق معه (قدّس سرّه) إذ لا يحتمل أن يكون للعلم بالزيادة خصوصية تميّزه عن العلم بالنقيصة ، إذ الظاهر أنّ كليهما ممّا لا بدّ فيه من تحصيل التراضي كما هو ظاهر ، والقول السادس هو ما ذهب إليه كاشف الغطاء (قدّس سرّه)(2)من أنّ الجواز منوط بعدم الغرر وإلّا فلا يفيد التراضي على المعاملة الغربية صحّتها كما لا يخفى ، هذا .
والظاهر أنّ مورد الأقوال الستّة مختلف وأنّ النفي والإثبات فيها غير واردين على مورد واحد ، وذلك لأنّ في المقام مسألتين قد اختلطت إحداهما بالاُخرى كما يظهر من مطاوي كلمات شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) وعليه فلابدّ من تحريرهما على نحو يتّضح الحال في المقام فنقول : إنّ الاندار تارة يقع بعد تحقّق المعاملة صحيحة وفي مقام الوفاء بالحقّ وهذا كما إذا باع دُهناً في ظرفه على أنّ كل رطل منه بدرهم فتحقّقت المعاملة على وجه صحيح من دون حاجة إلى الاندار في صحّتها ، وذلك لما ذكرناه في بيع الصبرة من أنّ بيع كل رطل منها بدرهم صحيح ولا غرر فيه بوجه ، أو باعه منضمّاً إلى شيء معلوم وبنينا على صحّة بيع المجهول ع-ن-د ض--م-ّه إلى معلوم وكيف كان فقد أوقعنا المعاملة صحيحة بلا حاجة إلى الاندار ، إلّا أنّا احتجنا إليه في
مقام الوفاء بحقّ البائع وأنّ المبيع أي مقدار ليأخذ البائع في مقابل كلّ رط--ل م-ن-ه درهماً ، ففي هذه الصورة إذا أندر البائع مقداراً للظرف علمنا بزيادته ع--ن وزن-ه فمعناه أنّ البائع وهب مقداراً من المبيع إلى المشتري ، كما أنّه إذا أندر المشتري مقداراً أقل من وزن الظرف في مقام الأداء فمعناه أنّه وهب للبائع مقداراً من الثمن ، وكيف كان فإذا رضيا بإندار الأقل أو باندار الزائد لا مانع من صحّته ولا يأتي في ذلك اشتراط عدم الغرر بوجه ، إذ المفروض أنّ البيع وقع صحيحاً والان--دار في مقام الأداء والايفاء بالحقّ ، ولا مانع من جواز اندار الزيادة أو النقيصة مع تراضي المالكين لأنّ مرجعه إلى هبة شيء من المبيع أو الثمن ولعله ظاهر . نعم يأتي في هذه الصورة اشتراط التراضي لا محالة ، ولم يظهر لنا وجه ما ذكره شيخنا الاُستاذ (قدّس سرّه)(1)من أنّ ذلك يوجب الجهل بمقدار المبيع وذلك لما عرفت من أنّ المفروض أنّ المعاملة وقعت صحيحة والاندار في مقام الأداء فإذا رضي البائع بالزيادة فهو هبة منه مقداراً من المبيع كما عرفت ، هذا فيما إذا رضيا باندار القليل أو الكثير .
وأمّا إذا لم يرض البائع بمقدار الاندار ولم يرض المشتري باندار القليل ، فإن كان الظرف ممّا تعارف فيه الاندار بمقدار معلوم ، وكانت العادة تجري على إندار هذا المقدار ، وكان البائع والمشتري عالمين بالعادة والمتعارف بين المتعاملين فلابدّ من إخراج المقدار الذي جرت عليه العادة ، لأنّ إخراجه شرط ضمني ارتكازي ف--لا حقّ للبائع ولا للمشتري أزيد من المقدار المتعارف حينئذ .
وإذا فرضنا اختلاف العادة في الظرف أو عدمها أو عدم علم المشتري أو البائع بما هو المتعارف ولم يرض كلّ منها بما رضي به الآخر فلا محالة تنتهي النوبة إلى الأصل ، لأنّ الأصل أنّ المشتري لا يجب عليه الأداء في غير المقدار المتيقّن من
1) منية الطالب 2 : 411 .
الثمن ، والأصل عدم استحقاق البائع أزيد من المقدار المتيقّن منه ، فعلى المشترى أن يدفع المقدار المتيقّن والرجوع في الزائد منه إلى الأصل وهو يقتضي عدمه ، هذا كلّه فيما إذا وقعت المعاملة صحيحة في حدّ نفسها وإنّما احتجنا إلى الإندار في مقام الأداء والإيفاء بحقّ البائع من الثمن ، وقد عرفت أنّ اشتراط عدم الغرر أو عدم العلم بالزيادة والنقيصة لا يجري حينئذ .
واُخرى يحتاج إلى الاندار في تصحيح البيع والمعاملة ، وذلك كما إذا باع دهناً في ظرفه ولم يعلم أنّ المبيع أيّ مقدار ، وفي مثله لابدّ من الاندار للظرف حتّى يعلم مقدار المبيع وتصحّ المعاملة الواقعة عليه ، ويأتي في هذه الصورة اشتراط الان--دار على نحو يدفع الغرر ، ولا يفيد التراضي على إندار مقدار معيّن لا يعلم زيادته أو نقصيته لأنّه عين التراضي على الغرر وهو لا يوجب صحّة المعاملة الغررية.
والوجه في اشتراط عدم الغرر ظاهر وذلك لأنّ العلم بالمبيع شرط في صحّة البيع كما مرّ والمفروض أنّ مقداره مجهول في المقام ، وكون مقداره مع الظرف معلوماً لايوجب العلم بمقدار المبيع لأنّه نظير ما إذا كان وزن المبيع مع الحجر الموجود في الدار معلوماً للبائع حيث إنه لا يوجب العلم بمقدار المبيع ولا يحتمل أن يكون للظرف وكونه فيه مدخلية في عدم اعتبار العلم بمقدار المبيع بأن يقال إنّ المبيع لو لم يكن في ذلك الظرف كان العلم بوزنه شرطاً في المعاملة إلّا أنّه لمّا كان في ظرفه كان العلم بمجموعهما كافياً في صحّته وإن لم نعلم مقدار نفس المبيع ، وذلك لبداهة أنّ كلّ دهن له ظرف لا محالة وكيف يمكن إلغاء اعتبار العلم بالوزن في المبيع من جهة كونه في الظرف ، وقد عرفت أنّ العلم بمجموعهما نظير العلم بوزن مجموع المبيع والحجر الموضوع بجنبه .
فالمتحصّل : أنّه لابدّ من العلم بوزن المبيع حتّى تصحّ المعاملة فلا محالة يشترط في ذلك انتفاء الغرر ، نعم لو كانت هناك عادة جارية في الظرف وإنداره
بمقدار معيّن كما كان النفط من هذا القبيل سابقاً حيث كانوا يضعون من كل تنكة من النفط حقّة لظرفه كانت العادة طريقاً إلى وزن المبيع وبذلك يرتفع الغرر لا محالة .
وممّا ذكرناه في المقام يظهر أنّ الأخبار الواردة في المقام على طبق القاعدة لأنّ المتعارف في المعاملات هو الاندار في مقام الأداء فعمّر الزيّات(1)كان يشتري الزيت في زقاقه وكان يحسب عليه النقصان والاندار لمكان الظرف والزقاق في مقام الأداء فنهاه (عليه السلام) عن الاندار فيما إذا زاد ، والوجه في نهيه (عليه السلام) أنّ البائع الذي هو الواسطة بين المشتري ومالك الزيت كأهل القرى والبادية ربما كان يحسب في مقام الاندار مقداراً زائداً على وزن الزقاق تخفيفاً للمشتري بلا رضا مالكه أو علمه فلذا نهاه عن ذلك ، وكذا إذا كان يحسب الناقص عن وزنه تخفيفاً ومساعدة للمالك بلا رضا المشتري ، وأمّا إذا كانا راضيين على الزائد أو الناقص فلا يحتمل أن يكون ذلك منهياً عنه في الرواية بوجه ، لأنّ هبة البائع مقداراً من المبيع أو هبة المشتري مقداراً من الثمن غير منهي عنهما في الشريعة المقدّسة كما عرفت ، نعم فيما إذا لم يتراضيا على الزيادة أو النقيصة فلا يصحّ كما أشرنا إليه فراجع .
وتوضيح ما ذكرناه في هذه الرواية : أنّ الرواية ظاهرة في الاندار في مقام الأداء والإيفاء سيّما بعد ملاحظة الفاء في قوله إنّا نشتري الزيت في زقاقه فيحسب لنا النقصان الخ حيث إنّه كالصريح في أنّ الاندار والحساب بعد تحقّق الشراء والبيع وأنّه إنّما يحسب عليه في مقام الأداء ومقتضى القاعدة عند الان-دار بعد البيع واحتسابه في مقام الأداء هو الصحّة مع التراضي سواء علم بالزيادة أو النقيصة أو احتملهما ، كان غررياً أم لم يكن ، جرت عليه العادة أو لم تجر ، وعليه فلابدّ م--ن الحكم في الرواية بالصحّة على تقدير التراضي وبعدمها والرجوع إلى الع--ادة أو
1) الوسائل 17 : 367 / أبواب عقد البيع وشروطه ب 20 ح 4 .
الأصل على تقدير عدم التراضي.
وأمّا وجه حكمه (عليه السلام بالجواز فيما احتمل الزيادة في تقدير الزقّ والنقصان وبعدمه عند العلم بالزيادة ، فهو أنّه إذا احتملنا الزيادة في التقدير تارةً والنقيصة فيه اُخرى الذي هو المتعارف في التخمينات والتقديرات لأنّها تارةً تزيد واُخرى تنقص على وجه يتسامح فيه في العرف ففي مثله يكون المالك والمشتري راضيين بالتقدير لا محالة لأنّه المتعارف حسب الفرض ، وهذا بخلاف ما إذا كان التقدير زائداً على وزن الظرف دائماً فإنّه على ضرر المالك وهو لا يرضى به عادةً وقد عرفت أنّ الرواية ناظرة إلى ما هو المتعارف فى الخانات والأسواق من أنّ مالك المتاع كأهل البادية والقرى لا يباشرون البيع والشراء وإنّما يباشرهما الدلّال وهو وكيل من قبل المالك في البيع ، ثمّ إنّ هنا شخصاً آخر غير الدلّال المباشر للبيع وهو يباشر المحاسبة والاختيار بيده في الحساب فربما يحسب النقصان واُخرى الزيادة وبما أنّه ليس مالكاً للمتاع ولا وكيلاً من قبله في الاحتساب فلذا لم يعتن الإمام (عليه السلام) بحسابه الزيادة دائماً ومنعه عن الارتكاب من جهة عدم رضا المالك بتلك الزيادة ، وعليه فالرواية مطابقة لما تقتضيه القاعدة في المقام .
و ممّا ذكرناه في المقام ظهر أنّ ما أفاده شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1)من أنّ الرواية ظاهرة في رضا المالك بالزيادة لأنّ المباشر إمّا هو المالك أو وكيله ورضاهما يكفي في صحّة المعاملة ممّا لا يمكن المساعدة عليه ، لما مرّ من أنّ المتعارف أنّ المباشر هو الدلّال وهو وكيل من قبله في البيع دون الحساب والمتصدّي للحساب شخص ثالث وهو غير وكيل من قبل المالك ، فالرواية إمّا مطلقة من حيث رضا المالك وعدمه فتقيّدها الروايات المصرّحة بالصحّة عند التراضي وعدمها عند عدمه ، وإمّا
1) المكاسب 4 : 327
ظاهرة في عدم رضا المالك كما ذكرناه ، هذا تمام الكلام في أصل المسألة .
ثمّ إنّه إذا ظهر الخلاف وانكشف أنّ التقدير في الزقّ والان--دار كان مخالفاً للواقع ، فحينئذ إذا كان الاندار في مقام تصحيح البيع والمعاملة لا في مقام الأداء بعد إيقاع المعاملة فهو نظير المسألة المتقدّمة في بيع الصبرة على أنّها كذا مقداراً من الوزن ثمّ ظهر أنّها أقلّ أو أزيد عن المقدار الذي وقع عليه البيع بعينه لأنّه في المقام قد اشترى دهناً على أنّ كل رطل منه بكذا وأنّه كذا أرطال ثمّ ظهرت الزيادة أو النقيصة فيه فراجع .
وأمّا إذا كان الاندار في مقام الأداء دون البيع ثمّ ظهر التخلّف في المقدار المندر ، فإن كان الاندار في المقدار بالتراضي من البائع والمشتري فلا خيار لأحدهما ولا شيء آخر ، والمعاملة صحيحة بلا رجوع أحدهما إلى الآخر ، إذ المفروض أنّ كل واحد من المتبايعين راضٍ بالمقدار الخارج ، فإن كان المقدار المندر أزيد من المقدار الواقعي فالبائع وهب تلك الزيادة من المبيع للمشتري ، وإن كان المندر أنقص فالمشتري وهب مقداراً من الثمن إلى البائع فلا ي-رج-ع أحدهما إلى الآخر بوجه .
وأمّا إذا كان المقدار المندر غير مبنيّ على المراضاة بل من جهة جريان العادة على إندار ذلك المقدار المندر في مثله مع علم المتبايعين بالعادة فكذلك لايرجع أحدهما إلى الآخر ولا خيار في البين ، لأنّ إندار المقدار مشروط بالشرط الضمني الحاصل ببناء العرف والعقلاء والمفروض أنّهما أقدما على الاندار والمعاملة مع العلم بالحال ، فهما راضيان بالاندار المفروض لا محالة فلا رجوع في البين .
وإذا فرضنا أنّهما غير راضيين بالمقدار المندر ولا العادة جرت على إنداره وإنّما حكمنا على المشتري بوجوب دفع المقدار المتيقّن لأصالة عدم وجوب دفع الزائد على المقدار المقطوع ثمّ انكشف الخلاف وظهر أنّ وزن الظرف في الواقع أزيد
أو أنقص من ذلك المقدار المندر بالأصل فلا خيار في البين أيضاً ، بل إن كان المندر أزيد من المقدار الواقعي كان المشتري ضامناً للزيادة للبائع ، كما أنّه إذا كان أنقص فالبائع يضمن المقدار الناقص للمشتري مع أنّ المعاملة صحيحة ولا خيار في البين .فتحصّل أنّ الخيار إنّما يثبت بظهور التخلّف فيما إذا كان الاندار في مقام البيع دون مقام الأداء كما لا يخفى ، هذا تمام الكلام في بيع المظروف من دون ظرفه .
الكلام في بيع المظروف وظرفه على نحو المجموع
نسب إلى فقهائنا (رضوان الله عليهم) جواز بيع المظروف في ظرفه بنحو الاجتماع وإن لم يعلم وزن كل واحد منهما للاكتفاء بالعلم بوزن المجموع ، وإن خالف فيه بعضهم . وذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1)أنّ المظروف إن كان ممّا يجوز بيعه باندار مقدار ظرفه وإن استلزم ذلك الجهل بمقدار المظروف كما في المسألة المتقدّمة فلا مانع من بيعه بضمّ ظرفه إليه ، لأنّ ضمّ الظرف إلى المظروف لا يمنع عن جواز بيع المظروف حينئذ لأنّه لا يوجب ارتفاع شرط ولا إيجاد مانع ، إذ المفروض صحّة بيع المظروف بتجرّده مع الجهل بمقداره بعد الاندار ، وبضمّ ظرفه إليه لا ينقلب المظروف عن الجهالة والمفروض جواز بيعه مع الجهل بمقداره ، وكيف كان فضمّ ظرفه إليه حينئذ نظير ضمّ غيره من الأشياء إليه وذلك ظاهر .
وأمّا إذا كان المظروف ممّا لا يجوز بيعه مع الجهل بوزنه فلا يجوز بيعه بضمّ ظرفه إليه وبيع مجموعهما فيما إذا استلزم الغرر ، وهذا كما إذا كان هناك سبيكة ذهب مردّدة بين أن تكون مائة مثقال وبين أن تكون ألف مثقال وكان هناك سبيكة اُخرى من فضّة مردّدة بين أن يكون ألف مثقال أو ألف وتسعمائة مثقال ولكنّا علمنا بمقدار
1) المكاسب 4 : 333
مجموع السبيكتين وأنّهما ألفا مثقال ، فإمّا أنّ الفضّة ألف وتسعمائة مثقال والذهب مائة مثقال ، أو أنّ كلّ واحد منهما ألف مثقال ، وفي مثل ذلك لا يكفي العلم بوزن المجموع منهما وبيعهما بكذا لأنّه غرر ظاهر للجهل بمقدار كلّ واحد من الجزأين وهذا يوجب اللوم من العقلاء واستحقاق الذمّ منهم .
وأمّا إذا لم يكن هناك غرر فلا مانع من بيعهما فيما إذا علمنا بوزن المجموع وإن جهلنا مقدار كلّ واحد منهما ، وهذا كما إذا كان هناك مقدار من الرصاص مردّد بين الألف والمائة وكان مقدار آخر من الصفر مردّد بين الألف والألف وتسعمائة وعلمنا أنّ مقدارهما معاً هو الألفان وفرضنا قيمة الرصاص والصفر متساويين فإنّ العلم بوزن المجموع يكفي في صحّة البيع حينئذ لعدم اشتراط العلم بمقدار كلّ واحد من أجزاء المبيع وإنّما يشترط العلم بوزن مجموعهما ، فلذا نرى أنّهم يبيعون الاُرز والماش بكذا ويكتفون بالعلم بوزن المجموع منهما وإن كان وزن كلّ واحد منهما مجهولاً وهذا متداول بين الناس كما هو ظاهر .
ثمّ تعرّض (قدّس سرّه) لما إذا كان أحد الموزونين ممّا يجوز بيعه منفرداً م-ع معرفة وزن المجموع لأجل الاندار دون الموزون الآخر ومثّل له بما إذا باع الفضّة مع الشمع وقلنا بجواز بيع الأواني المصوغة من الفضّة أو الذهب لأنّ المحرّم هو استعمالهما لا بيعهما ، وحينئذ فيكفي في صحّة بيع الفضّة العلم بوزن المجموع منها ومن الشمع المنصوب فيها ، لأنّهم يتسامحون في مقدار الشمع الذي هو مثقال أو أقل أو أكثر وهذا بخلاف بيع الشمع فيما إذا كان مجهولاً في حدّ نفسه ولا يكتفون فيه بالعلم بمقدار المجموع منه ومن غيره ، فأفاد أنّ الشمع إذا فرضناه تابعاً في المثال فلا تضرّ جهالته هذا ملخّص ما أفاده في المقام .
والذي ينبغي أن يقال : إنّ الظرف إذا لم يكن من الموزون فلا يمكن القول بجواز البيع للاكتفاء بالعلم بوزن المجموع من المظروف الموزون وظرفه غير الموزون
كما إذا كان المظروف سمناً وظرفه من الخزف والسفال ، بل لابدّ في صحّة بيع المظروف من العلم بمقداره ولو بالاندار لظرفه بمقدار المعتاد أو المطمأن بكونه كذا مقدار ، وذلك لوضوح أنّ المكيل والموزون لابدّ من العلم بوزنه ، ولا فائدة في العلم بوزن المجموع منه وممّا هو من المعدود أو غيره ممّا هو خارج عن الموزون كما إذا علمنا بوزن مقدار من الاُرز وكتاب الرسائل فإنّه لا يكفي في صحّة بيع المجموع بوجه ، فلا محيص في مثله من الاندار للظرف ثمّ بيعهما معاً فيما إذا أراد بيع كلّ واحد من الظرف والمظروف .
وبيع المجموع منهما كما ذكره شيخنا الأنصاري يتصوّر على وجهين :
فتارة يندر للظرف كذا مقدار فبعد تعيين المظروف بذلك وأنّه خمسة أمنان مثلاً يبيع المجموع من المظروف والظرف معاً بعشرة دنانير على أن يكون كلّ منّ من المظروف بدينار ونصف، وحينئذ فيصير مجموع قيمة المظروف سبعة دنانير ونصف لأنّه خمسة أمنان ويكون قيمة الظرف دينارين ونصف دينار ، واُخرى بعد الاندار يبيع المجموع بعشرة دنانير من غير تعيين لقيمة المظروف .
وهاتان الصورتان وإن كانتا مشتركتين في الحكم بالصحّة مع الان-دار والفساد بدونه إلّا أنّ الفرق بينهما يظهر فيما إذا ظهر الظرف مستحقّاً للغير، فإنّه على الأوّل يرجع المشتري إلى البائع بدينارين ونصف دينار لأنّه قيمة الظ-رف ع-ل-ى المفروض ، وأمّا على الثاني فلا تعيين لقيمة كلّ واحد من المظروف وظرفه بل لابدّ من أن يقوّم كلّ واحد منهما بحسب القيمة المتعارفة ثمّ يجمع بين القيمتين ويعلم أنّ المجموع كذا مقداراً ثمّ يلاحظ نسبة قيمة الظرف إلى مجموع القيمتين فيؤخذ من الثمن المسمّى بتلك النسبة كما هو الحال في غيره من موارد الجهل بالقيمة . فالمتحصّل أنّ بيع المجموع فيما إذا كان الظرف خارجاً عن الموزون باطل إلّا فيما اُندر للظرف مقدار يطمأن به بحسب العادة .
وأمّا إذا كان الظرف أيضاً من الموزون كالمظروف فالظاهر أنّ العلم بمقدار المجموع منهما يكفي في صحّة المعاملة مطلقاً ولا نتصوّر في ذلك مورداً يستلزم الغرر في المعاملة ، وذلك لأنّ المراد بالغرر على تقدیر اعتبار عدمه إنّما هو الجهل بذات المبيع من أنّه موجود أو معدوم والجهل بأوصافه التي لها دخل في قيمته كالأوصاف النوعية من الإنسانية والحيوانية ، ولابدّ في المعاملة من العلم بأنّ المبيع موجود أو معدوم وأنّه عبد أو شاة وهذا هو معنى الغرر كما ذكرناه سابقاً ، وأمّا العلم بأنّ قيمة المبيع مطابقة للقيمة السوقية أو أقلّ منها فلا يعتبر في صحّة المعاملة بوجه ، مثلاً إذا اشترى الذهب بقيمة أنقص من قيمة الذهب في السوق فلا يحتمل أن تكون المعاملة غررية وباطلة غاية الأمر أنّ البائع له الخيار فيما إذا لم يسقطاه في المعاملة ولا نظنّ فقيهاً يلتزم بالبطلان في المثال ، وعليه فإذا فرضنا سبيكة ذهب مجهولة المقدار في ظرف من فضّة لا نعلم بمقدارها أيضاً ولكن نعلم أنّ مجموعهما أربعون مثقالاً فبعناهما على أنّ كل مثقال من المجموع بدرهم فلا يمكن الخدشة في صحّة المعاملة حينئذ ولو مع كون قيمة الذهب أكثر منه في السوق ، وقد أشرنا في بيع الصبرة إلى أنّ بيع الصبرة المجهولة المقدار على أنّ كلّ صاع منها بكذا صحيح ، لأنّ المفروض أنّه يكيلها ويوزنها ، نعم لا يعلم المشتري أنّها أيّ مقدار وصاع ولكنّه سيعرفه بعد وزنها ، ومن الظاهر أنّ الذهب إذا كان منفرداً في كيس ولم نعلم بوزنه أيضاً ولكن بعنا مجموع ما في الكيس على أنّ كل مثقال منه بدرهم لم يكن مانع عن صحته للعلم بذات المبيع ووصفه ، وكون الثمن مطابقاً للقيمة السوقية غير لازم فالمعاملة صحيحة .
وكذا فيما إذا كانت الفضّة منفردة صحّ بيعها على أنّ كلّ مثقال منها بكذا مع الجهل بمقدار مجموع الفضّة في الكيس ، وعليه فلا يحتمل أن يكون بيع كلّ واحد من الذهب والفضّة معاً غير صحيح بعد فرض صحّة البيع في كلّ واحد منهما .
فالمتحصّل : أنّه إذا باع السبيكة الذهبية في ظرف من الفضّة المجهول مقدار كلّ واحد من الذهب والفضّة والمعلوم وزن المجموع منهما على أنّ كل مثقال منهما بكذا لا يلزم فيه غرر بوجه ، وعليه فلا وجه لتفصيل شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) في المقام بين استلزام البيع الغرر وعدمه، إذ لا نجد مورداً يكون البيع فيه غررياً .
ذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1)أنّ المعروف بين الأصحاب تبعاً لظاهر تعبير الشيخ بلفظ ينبغي استحباب التفقّه في المسائل المتعلّقة بالتجارات حتّى لا يقع في الفاسد والمحرّم منها ، ثمّ حاول (قدّس سرّه) توجيه الاستحباب الظاهر من كلام الشيخ (قدّس سرّه) .
والذي ينبغي أن يقال : إنّ تحصيل العلم بالأحكام تارة يكون واجباً من جهة حفظ الأحكام عن الاندراس ولأجله يجب تحصيل العلم بالمسائل التي لا يبتلى بها ذلك العالم المحصل لها ، مثلاً يجب عليه تحصيل العلم بمسائل الحج مع القطع أو الاطمئنان بعدم حصول الاستطاعة له أو تحصيل الأحكام المتعلّقة بالنساء مع أنّه لا يبتلى بها ، وهكذا في غيرها من الأحكام لأجل التحفّظ عن الاندراس .
والوجوب في هذا المقام كفائي فيجب معرفة الأحكام على كل واحد من الناس على نحو الكفائي ، فلو قام به مَن به الكفاية في معرفة الأحكام بل تدريسها وتعليمها فضلاً عن تعلّمها لسقط عن غيره لا محالة. ّ
والدليل على وجوب التعليم والتعلّم في الأحكام قوله تعالى : فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ
1) المكاسب 4 : 337
كُلِّ فِرْقَةٍ الآية(1)، فإنّها أو جبت التفقّه في الدين على بعضهم دون جميعهم ، هذا . ثمّ إنّ الامتثال لهذا الواجب الكفائي لا يمكن إلّا بالاجتهاد لأنّه الذي يمنع عن اندراس الأحكام ولا يكفي فيه التقليد بوجه بل يجب الاجتهاد في جميع الأحكام الشرعية وتعليمها على نحو الواجب الكفائي . واُخرى يجب معرفة الأحكام ووسائل الحلال والحرام من جهة عمل نفسه و وظيفته لا من جهة حفظها عن الاندراس ، وعليه فيجب عليه تحصيل العلم بالأحكام والمسائل التي يحتمل ابتلاءه بها عادة ، لتنجّز الأحكام بالعلم الاجمالي بوجودها ، وعليه فلو قصّر في تحصيل العلم بالأحكام وارتكب وصادف المحرّم الواقعي يعاقب عليه لا محالة ولو كان حين الارتكاب غافلاً لتقصيره في المقدّمات.
نعم ، هناك كلام في أنّ العقاب هل هو على مخالفة الحكم الواقعي المجهول أو على مخالفة الأمر بالتعلّم وترك تحصيل المعرفة بالأحكام ، وقد ذهب الأردبيلي(2)إلى الثاني والمشهور إلى الأول ، وقد تعرّضنا للخلاف وبيّنا الصحيح منهما في الاُصول(3)فلا نعيد .
وكيف كان ، فالوجوب في هذا المقام عيني ، ولكنّه إنّما يجب في المسائل التي يحتمل ابتلاءه بها عادة لا في جميع الأحكام ولو لم تكن راجعة إليه كمسائل الحجّ مع القطع بعدم حصول الاستطاعة له أو مسائل الزكاة على البقّالين مع اطمئنانهم بعدم حصول النصاب في الزكاة عندهم ، وكذا مسائل النساء للرجال أو العكس فإنّ تعليمها وتعلّمها ليس واجباً على من يطمئن بعدم الابتلاء بها .
ثمّ إنّ تحصيل العلم والمعرفة بالأحكام أعمّ من معرفتها على نحو الاجتهاد والتقليد ، فالمتعيّن عليه هو المعرفة وأمّا الاجتهاد فلا كما هو أوضح من أن يخفى .
فالمتحصّل أنّ المقصّر في تحصيل المعرفة في الأحكام الشرعية معاقب على تقدير مصادفته الحرام واقعاً ، ويجب عليه تحصيل العلم والمعرفة قبل ذلك بمجرد احتمال الابتلاء بها بحسب العادة . ثمّ إنّ هذا الوجوب حكم عقلي من جهة دفع الضرر والعقاب المحتمل ، هذا كلّه في كبرى المسألة .
وأمّا في خصوص المقام ففيه مزية خاصّة على غيره من المقامات فإنّه في سائر المحرّمات إذا قصّر في تحصيل المعرفة فلا يترتّب عليه إلّا العقاب على تقدير ارتكابه الحرام واقعاً ، وأمّا في المقام فمضافاً إلى ترتّب العقاب في المحرّمات التكليفية من المعاملات يترتّب عليه أي على عدم معرفة الأحكام عدم جواز التصرف في شيء من المثمن أو الثمن ، لاستصحاب عدم انتقال المثمن من ملك مالكه إلى المشتري ، وكذا الثمن بالنسبة للبائع فلا يجوز للمشتري التصرف في المثمن لاحتمال عدم الانتقال إليه ولا في الثمن لاحتمال صحّة المعاملة بحسب الواقع وانتقاله إلى البائع ولا يجري استصحاب عدم انتقاله إلى البائع لكون الشبهة حكمية قبل الفحص وإنّما كان يجري استصحاب عدم انتقال المثمن إليه لكونه موافقاً للاحتياط فيجري قبل الفحص، وعليه فالنهي في صورة الجهل في المعاملات عقلي من جهة دفع احتمال العقاب وشرعي من جهة الاستصحاب ، وهذا بخلاف سائر المقامات فإنّ النهي فيها عقلي فقط ، هذا كلّه فى هذه الصورة .
وثالثة تكون معرفة الأحكام مستحبّة شرعاً لا واجباً كفائياً ولا عينياً ، وهذا كما في الموارد التي يطمئن بعدم ابتلائه بها ولكنّه يحتمل الابتلاء بعيداً كالعراقي الذي لا شغل له بخارج العراق كبلاد اُروبا إلّا أنّه يحتمل المسافرة إليها بعيداً فيتعلّم أحكام القبلة في تلك البلاد وأنّها إذا اشتبهت ماذا يصنع المكلّف بالصلاة ، أو أنّ المياه
الموجودة في الأنابيب غير المعلوم اتّصالها بالكرّ طاهرة أو محكومة بالنجاسة وعليه فتكون معرفة تلك الأحكام مستحبّة لاطلاق روايات الاحتياط مثل« أخوك دينك فاحتط لدينك »(1)فالمتحصّل أنّ معرفة الأحكام تجب بالوجوب الكفائي تارةً وبالوجوب العيني اُخرى وتتّصف بالاستحباب ثالثة ، هذا .
ثمّ إنّهم ذكروا أنّ الروايات(2)الدالّة على طلب الاكتساب والمعاملة متعارضة مع الروايات الدالّة على طلب العلم وتحصيله ، ومن ثمّة جمع صاحب الحدائق(3)بينهما بتخصيص أدلّة الاكتساب بالأدلّة الدالّة على طلب العلم ، وأنّ ما دلّ على طلب الاكتساب مختصّ بغير طالب العلم ، هذا .
ولا يخفى أنّ هذا الجمع وتخصيص أدلّة الاكتساب بما دلّ على طلب العلم ممّا لا وجه له بحسب مقامي الثبوت والاثبات . أمّا بحسب مقام الثبوت ، فلأنّ طالب علم إذا لم يزاحمه الاشتغال بالاكتساب كما إذا كان حسن الخط جدّاً بحيث يباع كل سطر منه بدينار في السوق من دون أن يكون كتابة سطر واحد مزاحماً لتحصيله في كل يوم فلا مانع من أن يكتسب بذلك الكسب الحلال ويكتب سطراً في كل يوم ويتعيّش به ويشتغل بتحصيل العلوم والكمالات أيضاً فإنّه أحسن من طلب العلم من دون اكتساب لأنّه عليه يجمع بين كلّ واحد من الفضيلتين ، فلا يحتمل في مثله أن يقال إنّ طلب الاكتساب غير مستحبّ في حقّه ، هذا في مقام الثبوت .
وكذلك الحال في مقام الاثبات ، إذ لم يرد دليل على تخصيص أدلّة الاكتساب بما دلّ على طلب العلم فلا وجه له بوجه ولا شاهد عليه أصلاً ، هذا .
ثمّ إنّه ذكر الأخبار الدالّة على أنّ الله تكفّل لطالب العلم برزقه ولا يجوز له الاتّكال على الأسباب الظاهرية بل عليه أن يتوكّل على الله ثمّ استشهد عليه بكلام الشهيد الثاني (قدّس سرّه) في آداب تحصيل العلم وأيّده بروايات اُخرى وردت في عدم جواز الاتّكال على غيره تبارك وتعالى .
ولكن الصحيح كما أفاده شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1)أنّ هذه الأخبار وكلام الشهيد كلّها أجنبية عن المراد ولا يكون ذلك قرينة على تخصيص أدلّة الاكتساب بما دلّ على طلب العلم ، لأنّ التوكّل على الله وعدم الاتّكال على غيره لازم على جميع الناس ولا يختصّ به طالب العلم وإن كان مراعاته في حقّه أولى من غيره، والاكتساب لا ينافي التوكّل على الله ولذا كان أمير المؤمنين (عليه السلام) والباقر(عليه السلام) وغيرهما (سلام الله عليهم) يكتسبون بالاُجرة والعمل لليهودي أو بالزراعة ونحوهما مع أنّهم كانوا متوكّلين عليه تعالى .
فالصحيح في المقام أن يقال : إذا فرضنا كل واحد من الاكتساب وتحصيل العلم مستحبّاً كما إذا كان عنده مقدار الواجب من عنده مقدار الواجب من النفقة لنفسه وعياله الواجب النفقة عليه وأراد الاكتساب للتوسعة عليهم أو لأجل الصرف في الوجوه الخيرية كالزيارة والإحسان ونحوهما ، وفرضنا أيضاً أنّه عالم بمسائل نفسه وهناك من يقوم بحفظ الأحكام عن الإندراس وإنّما أراد تحصيل العلم ليصل إلى مرتبة الاجتهاد ويعلّم الناس فإنّه أمر محبوب كما أنّ الاكتساب للتوسعة محبوب ، فيدخلان في باب المزاحمة لعدم قدرته على الجمع بينهما نظير غيرهما من المستحبّات المتزاحمة كزيارة الأمير (عليه السلام) والصلاة المبتدأة أو قضاء حوائج المؤمنين فلا يكونان متعارضين ، وبما أنّ كلّ واحد من المستحبّات مرخّص في تركه فلا يلزم من الأمر
1) المكاسب 4 : 342 - 345
بجميعها محذور ، فيكون كلّ واحد منهما مستحبّاً وباقياً على محبوبيته ، فينبغي حينئذ ملاحظة الأهم منهما وأنّ أيّهما أنفع له من المستحبّين فربما يكون طلب العلم راجحاً في حقّه لأنّه لو اشتغل بتحصيل العلم يمكن أن يخدم الدين بتأليفاته وترويجه ولكنّه لو اشتغل بالكسب لا يتمكّن من المبرّات إلّا الإحسان لفقير واحد ، فحينئذ ينبغي الأخذ بطلب العلم ، واُخرى يكون الاكتساب أرجح من طلب العلم كما إذا فرضنا أنّه لا يترتّب أثر مهم على طلب علمه لقلّة فهمه وعدم استعداده ، وأمّا لو اشتغل بالكسب يتكفّل لحاجات أكثر المشتغلين ويدفع الضرورة عن المحتاجين ويروّج الدين بتعمير المساجد وتأسيس المدارس ونحوهما فالأولى في حقّه هو الأخذ بالاكتساب ، وثالثة يتساويان فيتخيّر بينهما ، وكيف كان فحالهما حال سائر المتزاحمين غاية الأمر أنّه لا يستحق العقاب بتركهما أو ترك الأهم منهما وإنّما يلزم ترك الأولى .
كما أنّه إذا فرضنا كلّ واحد من الاكتساب والتحصيل واجباً كفائياً لوجود من يقوم بنفقة عائلته ونفقة نفسه لو اشتغل بطلب العلم ووجود من يحفظ الأحكام عن الاندراس لو اشتغل بالكسب ، فهما من الواجبين المتزاحمين فلابدّ من ملاحظة أنّ أيّهما أهمّ ومع عدم الترجيح يتخيّر بينهما .
وكذا فيما إذا فرضناهما واجبين عينيين كما إذا لم يكن هناك من يتكفّل نفقة نفسه وعائلته ولم يكن هناك مجتهد يحفظ الأحكام عن الاندراس نعوذ بالله فإنّ الأهم منهما مقدّم على المهم ، فإذا فرضنا أنّه بحيث لو لم يشتغل بالعلم لاندرست الأحكام واضمحلّ الدين فنوجب عليه التحصيل ولو كان ذلك موجباً لهلاكة من تجب عليه نفقته ، وأمّا إذا كان اكتسابه موجباً لئلّا يكون هناك مجتهد في البين ولكن لا تندرس به الأحكام لقيام آخرين بذلك عن قريب فيتعيّن عليه الاكتساب لئلّا تموت عائلته . وبالجملة أنّ حالهما حال سائر المتزاحمين والفرض أنّهما خارجان عن
التعارض ، هذا أحد المقامين اللذين ينبغي التكلّم فيهما في المقام .
المقام الثاني : أنه هل يصحّ الاشتغال بالعلم وترك الاكتساب مع صرف الوجوهات في نفقته أو لا ؟ وهو ممّا لابدّ من التعرّض له حتّى يكون موعظة لطلّاب العلم والمشتغلين فنقول : إن كان الاشتغال بالعلم مستحبّاً في حقّه وفرضناه مواظباً لأعماله بحيث كان الغرض من تحصيلاته خدمة الدين وترويج شريعة سيّد المرسلين (عليه وعلى أولاده صلوات الله ربّ العالمين) ولم يكن متساهلاً فيما يقول وغير مبال بما يعمله ويفعله وكان ممّن يرضى الإمام (صلوات الله عليه) بتصرّفه في ماله (عليه السلام) فلا مانع من أن يصرف من سهم الإمام (عليه السلام) ويشتغل بطلب العلم والتحصيل وإن كان قادراً على الاكتساب بالتجارة أو الخياطة أو الكتابة وغيرها من الأفعال والمكاسب ، لأنّ سهم الإمام (عليه السلام) لا يختصّ بالفقير العاجز عن الاكتساب بل يصرف فيما رضي به الإمام (عليه السلام) .
وأمّا إذا كان الغرض من تحصيلاته الخدمة لنفسه ب-ل المقصود التعيّش والاكتساب بالاشتغال بالعلم ، أو لم يكن له نفع عائد إلى الإمام (عليه السلام) بمقدار ما يصرفه من ماله ، أو كان متساهلاً في أفعاله ماله ، أو كان متساهلاً فى أفعاله وغير مبال بوظائفه فلا يجوز له صرف السهم بوجه ، لأنّ ذلك نظير الدوائر الحكومية بلا تشبيه فلابدّ من أن ينفع بمقدار ما يصرفه من مال الحكومة لا محالة ، وهذا أمر تشخيصه بيده لأنّ الإنسان أعرف بنفسه ، والإمام (عليه السلام) أعرف به منه ، فلا يمكن التصرف في ماله بأنحاء الحيلة والخدعة والمكر وهو ممّن نرجو شفاعته ، فلا ينبغي أن نجعل شفيعنا خصمنا و نتصرّف في ماله على ضرره ونصرفه بالاشتغال بما يضرّه ولا ينفعه (عصمنا الله وإيّاكم من مخادع الشيطان وتسويلات النفس الأمّارة بالسوء) هذا كلّه في سهم الإمام (عليه السلام) .
وكذا لا مانع من أن يصرف الأموال الموقوفة والمبذولة للبرّ والإحسان .
وأمّا الزكاة والخمس الذي هو سهم الفقراء من الهاشميين فلا يجوز صرف شيء منهما بالاشتغال بالعلم مع التمكّن والقدرة على الاكتساب لاشتراط الفقر فيهما ، وقد فسّر الفقر في الروايات بما يرجع حاصله إلى عدم القدرة على مؤونته فعلاً أو قوّة والمفروض أنّ المشتغل بالعلم قادر على الاكتساب فلا يجوز له صرف الخمس والزكاة ، لأنّ الاشتغال بالعلم نظير الاشتغال بغيره من المستحبّات كالاشتغال بالصلوات الابتدائية من أوّل الصبح إلى المغرب فإنّه بذلك لا يجوز أن يصرف الزكاة أو سهم السادات لقدرته على الكسب بترك الاشتغال بالمستحبّ وذلك ظاهر نعم لا مانع من إعطاء الزكاة من سهم سبيل الله للمشتغل بالعلم فيما إذا كان تحصيله نافعاً للدين ، كما يجوز صرفها من ذلك السهم في من يروّج الدين بالوعظ في القرى والبوادي ولو مع استغنائه وتمكّنه ، وأمّا من سهم الفقراء فلا لأنّه ليس بفقير ، كما لا يجوز إعطاء سهم السادات للمشتغل بالعلم القادر على الاكتساب لاشتراط الفقر فيه كالزكاة ، نعم لو كان الاشتغال واجباً عليه عيناً فلا مانع من أن يصرف الزكاة والخمس لعجزه عن الاكتساب شرعاً ، هذا تمام الكلام في ذلك المقام ونسأل الله أن ينفعنا وإيّاكم بذلك ويوفّقنا لمرضاته بحقّ محمّد وآله الطاهرين .
والأقوال في ذلك ثلاثة : أحدها الحرمة كما حك-ي ع-ن ب-عض الأع--لام . وثانيها : الكراهة وهي المشهور بين الأصحاب . وثالثها : عدم الحرمة ولا الكراهة والمعاملة صحيحة لعمومات أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ و تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ . أمّا القائل بالحرمة فقد استند إلى الأخبار الواردة في النهي عن تلقّي الركبان كقوله « لا تلقّ » وقوله « لا يتلقّی أحدكم تجارة خارجاً من المصر ولا يبيع حاضر لباد والمسلمون
يرزق الله بعضهم من بعض »(1)وظاهرها الحرمة . ويدفعه : أنّه إن اُريد الاستدلال بهذه الأخبار فهي ضعاف ولا يمكن الاعتماد على شيء منها ولا تثبت بها الحرمة وإن اُريد الاستدلال بمجموع تلك الأخبار البالغة حدّ الاستفاضة بدعوى أنّها توجب الاطمئنان بصدور بعضها لا محالة ، ففيه : أنّه يختصّ حينئذ بمن حصل له الاطمئنان بصدور بعضها منها ونحن لا نطمئن بل لا نظن بصدورها ، لأنّ الروايات بأجمعها نبويّات ولا يمكننا الاعتماد عليها مع أنّه لو كان محرّماً لبان وظهر .
والقول بالكراهة مبنيّ على القول بالتسامح في أدلّة السنن بأخ-ب-ار م--ن ب-ل-غ والالتزام بأنّها تدلّ على استحباب العمل الذي بلغه الثواب فيه ، وأمّا إذا قلنا بأنّ أخبار من بلغ إرشادية إلى حكم العقل بحسن العمل برجاء الثواب أو برجاء أم--ر المولى في حدّ نفسه فلا يبقى للاستدلال بها على الاستحباب مجال ، إذ لا أمر طولي فيها ولو بنحو الاستحباب ، وكذا يبتني على تعميم السنن إلى المكروهات أيضاً بأن يقال إنّ أخبار من بلغ تشمل الخبر الدالّ على الحزازة والمنقصة في عمل كما تشمل الخبر الدالّ على الثواب ، وأمّا إذا قلنا بأنّها على تقدير ثبوتها تختصّ بما إذا بلغه فيه الثواب على عمل ولا تشمل ما إذا بلغه فيه منقصة وحزازة فلا يبقى للاستدلال بها مجال ، نعم بعد تمامية المقدّمتين لا مانع من الاعتماد عليها في القول بالكراهة في المقام .
وبعد تسليم المقدّمتين لا وجه للاعتراض كما عن بعض الأعلام بأنّ قاعدة التسامح لو ثبتت فإنّما تفيد فيها إذا دلّ خبر ضعيف على الاستحباب أو الكراهة ، وأمّا إذا دلّ على الوجوب أو الحرمة كما في المقام فلا معنى للاستدلال بالقاعدة ، لأنّا إن صحّحنا الخبر وأخذنا به فلابدّ من الالتزام بالحرمة لأنّها مفاد الخبر على الفرض
1) الوسائل 17 : 443 / أبواب آداب التجارة ب 36 ح 5 وأورد ذيله في ص 444 / أب--واب آداب التجارة ب 37 ح 1
وإن لم نلتزم به فلا نلتزم بالحرمة فمن أين جاءت الكراهة أو الاستحباب .
والوجه في عدم صحّة الاعتراض ما ذكرناه في قاعدة التسامح في أدلّة السنن من أنّها على تقدير صحّتها تقتضي الالتزام بالاستحباب فيما إذا ورد خبر ضعيف ودلّ على استحبابه أو فيما إذا وردت رواية ضعيفة ودلّت على وجوبه ، وذلك لأنّها حينئذ دلّت على الثواب في فعل ذلك الشيء وأخبرت عنه غاية الأمر أنّها أخبرت عن ثبوت العقاب على تركه أيضاً ، وهذا الإخبار لا يثبت لضعفها ، وأمّا إخبارها بثواب العمل فلا مانع من الأخذ به بأدلّة التسامح في أدلّة السنن .
وكذا الحال فيا إذا عمّمنا السنن وقلنا بشمولها للمكروهات أيضاً فإنّه إذا وردت رواية ضعيفة ودلّت على كراهة العمل لا بدّ من الالتزام بها بهذه القاعدة ، أو وردت رواية ودلّت على حرمته مع ضعف سندها فلابدّ من الالتزام بكراهة العمل حينئذ لأنّها قد أخبرت عن ثبوت الحزازة والمنقصة في الفعل (كالرواية الدالّة على الكراهة )وأخبرت أيضاً عن ثبوت العقاب في فعله ، والإخبار الثاني لا يثبت لضعفها فلا نلتزم بالحرمة ، وأمّا الاخبار بالحزازة والمنقصة فلابدّ من الأخذ ب-ه لقاعدة التسامح كما عرفت ، وكيف كان فلا تختصّ القاعدة بما إذا ورد خبر ضعيف على استحباب العمل أو كراهته بل تعمّه وما إذا دلّ على وجوبه أو حرمته ولم يمكننا الأخذ به لضعف سنده .
فالمتحصّل أنّه لا وجه للقول بالحرمة في المقام ، والقول بالكراهة يبتني على أمرين وعلى تقدير ثبوتهما لا مانع من الفتوى بالكراهة في تلقّي الركبان ، هذا كلّه في حكم تلقي الركبان .
وأمّا شروط ذلك الأمر المحرّم أو المكروه : فقد اشترطوا في الحرمة أو الكراهة أن يكون التلقّي إلى أربعة فراسخ فما دونها ، والظاهر أنّ الحدّ خارج عن المحدود بمعنى أنّ الكراهة أو الحرمة إنّما هي فيما لم يبلغ إلى أربعة فراسخ وأمّا إذا كان التلقّي
إلى أربعة فراسخ فتزول الكراهة أو الحرمة ، لأنّه مسافرة حقيقة ولا مانع من الضرب في ب في الأرض لأجل التجارة بل وفي بعض الأخبار(1)أنّها جلب لا تلقٍ وذلك لأنّه إذا سار أربعة فراسخ فلابدّ من أن يرجع أربعة فراسخ أيضاً ، فهذه مسافة يجب فيها القصر وهو ضرب في الأرض والضرب للجلب أم--ر ممدوح وكيف كان فهذا أحد الشروط .
الشرط الثاني : أن يكون قصده من ذلك هو تلقي الركب للتجارة وأمّا إذا كان قصده شيئاً آخر كما إذا خرج للسير أو لطلب غريم فصادف الركب واشترى متاعهم ، أو كان قصده استقبال قريب له في الركب يرجع من سفره فصادف التجارة فيها فاشتراها فلا وجه للكراهة ولا الحرمة لأنّه لم يتلق الركب كما هو ظاهر ، وكيف كان فالغرض من هذه الأخبار على تقدير صدورها عدم المبادرة والسبق إلى المعاملة عن سائر المسلمين كما يشير إليه قوله ( عليه السلام) « والمسلمون يرزق الله بعضهم من بعض » والمنهي هو المبادرة إليها دون نفس المعاملة ، لأنّ المتلقّي أيضاً من المسلمين فلا مانع من أن ينتفع بالركب ، فلا يمنعه قوله « المسلمون يرزق الله بعضهم من بعض » وإنّما اُريد من هذه الأخبار عدم المبادرة والسبق على سائر المسلمين ، فإذا لم تكن نفس المعاملة مكروهة أو محرّمة والمفروض أنّه لم يبادر إلى الركب وإنّما استقبل صديقه أو ابن عمّه فصادف الركب واشترى منهم فلا حرمة ولا كراهة ، فالظاهر أنّ ما أفاده شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(2)من اعتبار القصد في الحكم بالكراهة أو الحرمة هو الصحيح.
وأمّا ما ذكره بعض الأعلام من أنّ القصد والتلقّي مقدّمة والمنهي هو نفس
المعاملة ، فيدفعه : أنّ المعاملة لا حرمة فيها ، لأنّ المتلقّي أيضاً من أحد المسلمين وإنمّا المبغوض المعاملة المبادر إليها لا نفسها، فهي بهذا الوصف منهي عنها لا بنفسها فلذا لو فرضنا أنّ دكّان أحد وقع في أوّل السوق أو في الطريق فنزل الركب في دكّانه من دون أن يبادر إليه لم يكن شراؤه منهم مكروهاً أو محرّماً ، فالمتحصّل أنّ هذا الإيراد لا وجه له .
ثمّ إنّ قوله ( عليه السلام)« المسلمون يرزق الله بعضهم من بعض » حكمة للنهي عن تلقّي الركبان لا أنّه علّة ، ولا يدلّ على كراهة المعاملة فيما إذا لم يكن قاصداً للتلقّي ، هذا .
ثمّ إنّ الأخبار المتقدّمة قد اشتملت على النهي عن أن يبيع الحاضر للباد وليس المراد منه بيع الحاضر متاعه له وإلّا فلا إشكال في صحّته ولا مانع من أن يبيع الحاضر متاعه ممّن جاء من خارج البلد ، بل المراد أن يبيع الحاضر متاع الباد لمنفعة ذلك الباد ، وقد علّله بأنّ « المسلمون يرزق الله بعضهم من بعض » ، والغرض منه أنّ بيع الحاضر متاع الباد ممنوع لأنّه أعرف بقيمة السوق فيبيعه بالقيمة الزائدة بل لابدّ من أن يكون البادي هو المباشر لبيع أمتعته وربما يبيعها بأرخص ممّ-ا يبيعها الحاضر فينتفع به المشتري منه وهو أيضاً يبيعها للمشترين بهذه القيمة الرخيصة فتنتفع بذلك جماعة .
ثمّ إنّ الكراهة أو الحرمة في تلقّي الركبان هل تختصّ بالشراء منهم ولا تعمّ البيع أو غيره من المعاوضات ، أو أنّها أعمّ وتشمل جميع المعاوضات ؟ الظاهر هو الثاني لاطلاق التجارة الواقعة في بعض الأخبار والروايات وعدم اختصاصها بشيء ، وعليه يشمل الحكم لما إذا تلقّى الركب ليبيع منهم شيئاً ، وكذا تشمل الصلح وغيره من المعاوضات ، والظاهر أنّ فعل الخدمة في زماننا هذا وتلقّي الزوّار لأجل الإيجار أيضاً من هذا القبيل فيحكم بكراهته أو بحرمته لو قلنا بها في تلقّي الركبان
هذا .
ثمّ إنّ بعض الأخبار الواردة في المقام دلّ على أنّ الركب إذا اشترى منهم المتلقّي متاعاً ثمّ دخلوا السوق فهم بالخيار ، والظاهر أنّ المراد بذلك ما إذا ظهر غبن الركب وعرفوا أنّ القيمة السوقية أكثر ممّا أخذوه من المتلقّي وحينئذ فيثبت لهم خيار الغبن من دون حاجة إلى هذه الروايات، وأمّا مع عدم ظهور الغبن فلا وجه للخيار إذ لا موضوعية لدخولهم السوق ، لأنّ ظاهر قوله (عليه السلام) « فإذا أتى السوق فهو بالخيار » أنّه إذا أتى السوق ورأى غبنه بحسب القيمة السوقية فهو بالخيار ولا ظهور فيه في الاطلاق .
قد تقدّم الكلام في حرمة النجش بسكون الجيم وفتحه في المكاسب المحرّمة ولعلّ شيخنا الأنصاري ذكره في المقام سهواً ، نعم بين المقامين اختلاف يسير وكيف كان ، فقد استدلّ على حرمته بما حكي عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم)(1)من أنّ الناجش والمنجوش له ملعون ، إلّا أنّها ضعيفة لا يمكن الاعتماد عليها في الحكم بالحرمة ، ويبقى في البين بعض الوجوه الاُخر التي استدلّ بها على حرمة النجش وقد تقدّم الكلام فيها في المكاسب المحرّمة فلا نعيد ، وقد نقل أيضاً النهي عن التدابر فراجع .
الكلام فيما إذا دفع مالاً إلى غيره ليصرفه في محلّه
إذا دفع إنسان مالاً إلى غيره ليصرفه في محلّه ، فإن كان ذلك بعنوان ولاية
1) الوسائل 17 : 458 / أبواب آداب التجارة ب 49 ح2 .
المدفوع إليه على المال كما في اعطاء الوجوهات إلى الإمام أو إلى نائبه وهو المجتهد أو إلى نائب نائبه كوكلاء المراجع للتقليد ، فلا ينبغي الإشكال في أنّه يجوز للمدفوع إليه التصرّف في المال لأنّه خرج عن تحت سلطنة المالك بالفرض ، ولذا لا يمكنه الرجوع وأخذ ما دفعه إلى الإمام (عليه السلام) أو نائبه ، فولاية التصرف في المال إلى المدفوع إليه وله أن يتصرف فيه أو يدفعه إلى غيره حسب الموازين المقرّرة عليه .
وأمّا إذا لم يكن إعطاء المال إليه بعنوان الولاية بل كان دفعه إلى الح--اك--م بعنوان الوكالة في صرفه إلى أهله كما إذا جهل الحاكم ولم يعرف أنّ المدفوع إلي-ه حاكم شرعي فدفعه إليه وكالة من قبله في صرف الوجوهات في محلّها ، فهل يجوز للمدفوع إليه أن يتصرف فيها بنفسه لأنّه أيضاً من أحد المصاديق والأفراد التي يصرف المال إليهم ، أو أنّه لا يجوز التصرف فيها بأخذ مقدار منها لنفسه ؟
فإن كانت هناك قرينة على رضا المالك في صرف المدفوع إليه من المال أيضاً كما إذا صرّح بذلك أو كان كلامه ظاهراً في ذلك بوجه من الوجوه فلا إشكال في جواز أخذ مقدار منه لنفسه ، كما أنّه إذا كانت هناك قرينة على عدم رضا المالك بصرفه لنفسه كما إذا عيّن له مقداراً قبل دفع المال إليه ثمّ دفعه إليه وقال اصرفه في محلّه ولك كذا ، فلا كلام في عدم جواز تصرّف المدفوع إليه في المال .
وإذا فرضنا أنّ المالك عيّن أشخاصاً مختلفة المراتب في الحصّة من المال كما إذا قال اصرفه في العلماء للمبتدئين منهم كذا وللمتوسّطين كذا وللمنتهين كذا وللمجتهدين كذا ، أو أنّ للمجرّد منهم كذا وللمعيل والمتأهّل كذا ، وقد اعتقد المالك أنّ المدفوع إليه من المتوسطين ولكنّه كان من المجتهدين بحسب الواقع ، أو اعتقد أنّه مجتهد وكان من المبتدئين ، أو اعتقد أنّه مجرد وكان متأهّلاً ، أو أنّ المالك عيّن أشخاصاً حسبهم مجتهدين وكانوا غير متّصفين بذلك بحسب الواقع .
فإن كان تعيين ذلك على نحو القضايا الحقيقية المعبّر عنها بالموضوعية في كلام
شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1)بأن كان الحكم معلّقاً على العنوان فلا محالة يتبع في ذلك اعتقاد المدفوع إليه بحسب الواقع دون اعتقاد المالك ، إذ المفروض أنّ المال لابدّ وأن يصرف في عنوان المجتهد أو المحصّل، وزيد الخارج-ي غ-ي-ر م-ت-ّص-ف بعنوان الاجتهاد بحسب الواقع فلا يدفع إليه.
وإن كان على نحو القضايا الخارجية التي عبّر عنها شيخنا الأنصاري بالداعي بأن أراد المالك دفعه إلى زيد وعمرو وبداعي اعتقاد الاجتهاد فيهما ، فحينئذ لابدّ من اتّباع اعتقاد المالك وصرف المال فيهما وإن لم يكونا بتلك الصفة واقعاً ، إذ الداعي يتبع الاعتقاد لا الواقع ، وهذا كلّه واضح .
وإنّما الكلام والإشكال فيما إذا لم تكن هناك قرينة على إرادة المدفوع إليه ولا على عدم إرادته ، فهل يجوز للمدفوع إليه أن يتصرف فيه أو لا ؟ فذهب بعضهم إلى حرمة التصرف في المال حينئذ لعمومات حرمة التصرف في مال الغير إلّا باذنه وإذن المالك غير محرز ، وذهب آخرون إلى الجواز ولعلّه من جهة الروايات وإلّا فلا وجه له مع أنّ الأصل في الأموال حرمة التصرف حيث يثبت الإذن .
ثمّ نقل شيخنا الأنصاري تفصيلين في المقام : أحدهما التفصيل بين ما إذا أمره بالصرف بصيغة ضعه فيهم فيجوز للمدفوع إليه أن يضعه في داره ويتصرف فيه وبين ما إذا كان بصيغة ادفعه إليهم فلا يجوز ، لأنّ الدافع غير المدفوع إليه . وثانيهما التفصيل بين علم المالك بفقر المدفوع إليه وجهله به ، وأنّه إذا كان جاهلاً بفقره يجوز للمدفوع إليه التصرف في المال، وأمّا إذا كان عالماً بفقره فلا لأنّه لو أراده أيضاً لصرّح به وعيّنه فإذا لم يعيّن المدفوع إليه فظاهره عدم الرضا بتصرّفه فيه ، هذا .
والظاهر أنّ هذين الوجهين ليسا تفصيلين في المقام بل هما لبيان ظهور الكلام
1) المكاسب 4 : 358
في رضا المالك وعدمه ، وأنّه في أيّ مورد ظاهر في رضاه وفي أي مورد غير ظاهر فيه ، فعليه فيدخلان فيما إذا كانت هناك قرينة على أحد الأمرين في البين ، وكلامنا في المقام فيما إذا لم يكن هناك قرينة تدلّ على أحدهما وقد عرفت أن بعضهم ذهب إلى الحرمة وبعض آخر إلى الجواز ، وذكرنا أنّ الأصل أيضاً يقتضي حرمة التصرفات في مال الغير إلّا بإذن مالكه ، ولذا ذكروا أنّ من وكّلته امرأة في أن يزوّجها من أحد لا يجوز أن يزوّجها من نفسه ، وكذا إذا وكلّه في شراء شيء فأعطاه من عنده .
وكيف كان ، فقد وردت في المقام رواية دلّت على حرمة التصرّف أيضاً على وفق مقتضى الأصل ، وهذه الرواية صحيحة ابن الحجّاج التي نقلها العلّامة مسندة ، وربما تنقل على وجه الاضمار أيضاً إلّا أنّه لا يضرّ بالرواية بعد م-ا ع-لم سندها ، كما ذكرناه في روايات الاستصحاب(1)وقلنا إنّ إضمارها لا يضرّ بصحّتها للعلم باسنادها حسبما نقلها السيّد بحر العلوم في فوائده(2)وأسندها إلى الباقر (عليه السلام) تارة وإلى الصادق (عليه السلام) اُخرى وإلى أحدهما ثالثاً ، وإنّم-ا ح-ص-ل الاضمار لأجل التقطيعات الطارئة على الأخبار ، وكيف كان فقال ابن الحجّاج« سألته عن رجل أعطاه رجل مالاً ليصرفه في محاويج أو في مساكين وهو محتاج أيأخذ منه لنفسه ولا يعلمه هو ؟ قال : لا يأخذ شيئاً حتّى يأذن له صاحبه »(3)ومقتضاها حرمة تصرف المدفوع إليه في المال في مفروض الكلام ، إلّا أنّها معارضة
بثلاثة روايات(1)فيها صحاح وروى بعضها ابن الحجّاج أيضاً وقد دلّت هذه الروايات على الجواز . ودعوى أنّ الأخبار المجوّزة تتقدّم على المانعة لأنّها أكثر مندفعة بما ذكرناه في الاُصول من أنّ تعدّد الرواية غير موجب للترجيح .
وذكر شيخنا الأنصاري أنّ الروايات الواردة في المقام ترخيصاً ومنعاً ليست من باب التعبّد بوجه، إذ لا يحتمل أن يكون نهى الإمام في الرواية المانعة تعبّدياً ولو مع شمول العموم في الاجازة للمدفوع إليه وظهوره في جواز صرف المدفوع إليه منه ورضا المالك به إلّا أنّه (عليه السلام)منعه عن التصرف فيه تعبداً حتّى يأذن له المالك خصوصاً ، وكذا الأخبار المجوّزة إذ لا يحتمل أن يكون تجویزه (علیه السلام) التصرف فيه مع ظهور عدم رضا المالك به وشمول المنع له بحسب العموم إلّا أنّه جوّزه تعبّداً حتّى يمنع عنه بالخصوص ، وذلك لبعد ترخيص الإمام مع منع المالك أو يمنعه (عليه السلام) مع ترخيص المالك ، هذا بل لا مورد للسؤال عن جواز التصرف مع نهي المالك أو عن عدمه مع ترخيصه ، فسؤال الراوي أيضاً قرينة على عدم ترخيص الإمام مع منع المالك تعبّداً أو منعه (عليه السلام) مع ترخيص المالك كذلك أي تعبّداً ، وكيف كان فلا يحتمل التعبّد في شيء من روايات الترخيص والمنع ، وعليه فلابدّ من حمل المجوّزة على ما إذا كانت هناك قرينة على الجواز ورضا المالك ، وحمل المانعة على صورة ظهور عدم رضاه .
وعلى تقدير تسليم المعارضة بينهما فيتساقطان فلابدّ من المراجعة إلى ظهور الكلام وأنّه ظاهر في المنع أو الترخيص ، وعلى تقدير عدم استفادة شيء م-ن الأمرين في الكلام فيرجع إلى عمومات حرمة التصرف في مال الغير إلّا بإذنه ، هذه
1) الوسائل 17 : 277 / أبواب ما يكتسب به ب 84 ، والمجلّد 9 : 288 / أبواب المستحقّين للزكاة ب 40 ح 2 ، 3 .
خلاصة ما أفاده شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) في المقام .
ولا يخفى عليك أنّ حمل الروايات المجوّزة على صورة ظهور الكلام في الترخيص وحمل المانعة على صورة ظهوره في المنع أو عدم ظهوره في الاذن غير صحیح، لما عرفت من أنّ الحكم في هاتين الصورتين لا يحتاج إلى السؤال ولا حاجة إلى ترخيص الإمام مع إذن مالك المال ولا إلى منعه مع منع المالك عن التصرف فيه ، فلا وجه لما أفاده شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) في الجمع بينهما فالظاهر أنّ مورد السؤال والجواب في كلتا الطائفتين من الأخبار هو صورة عدم ظهور الكلام في شيء من الترخيص والمنع .
والوجه في سؤال السائل مع عدم إذن المالك هو أنّ الإذن من المالك لمّا تعلّق بعنوان كلّي كالفقراء أو المحتاجين وكان المدفوع إليه أيضاً من مصاديقه إلّا أنّ المالك لم يصرّح به بخصوصه لجهله بحاله بحيث لو كان عالماً بفقره لصرّح باسمه فاستأذن منه (عليه السلام) في التصرف في المال مع عدم تصريح المالك بعنوانه وإن كان داخلاً في عنواني الفقير والمحتاج لاحتمال الجواز في التصرف حينئذ ، فأجابه (عليه السلام) بالجواز في بعضها وبالمنع في بعضها الآخر ، فيما أنپهما متعارضان فلابدّ من العلاج فيهما .
وقد ذكروا في الجمع بينهما وجهين : أحدهما أنّ النهي عن التصرف في المال ظاهر في الحرمة والأخبار المجوّزة ناصّة في الجواز فيرفع اليد بتلك المجوّزة عن ظهور النهي في الحرمة فنحملها على الكراهة .
وفيه : أنّ النهي وإن كان ظاهراً في الحرمة وغير نصّ فيها بخلاف الأخبار المجوّزة لنصوصيتها في الجواز كما في غير هذا المقام أيضاً إلّا أنّ في المقام خصوصية تمنع عن رفع اليد عن الحرمة بالأخبار المجوّزة ، وهذه الخصوصية هي اشتمال المانعة على قوله « حتّى يأذن له صاحبه » لأنّه ظاهر الاشارة إلى التمسك بحرمة التصرّف
في المال إلّا بإذن مالكه ، فكأنّه يمنعه لتلك الكبرى المسلّمة فيحرم التصرف في المال حينئذ ، لأنّ الغاية المذكورة تجعله كالنصّ في الحرمة فلا يصحّ رفع اليد عنها بالأخبار المجوّزة حينئذ.
وثانيهما : حمل الرواية المانعة على ما إذا سمّى المالك أشخاصاً معيّنين فلا يجوز للدافع أن يتصرف فيه بوجه ، وحمل المجوّزة على ما إذا لم يسمّ أحداً وإنّما دفعه إليه ليعطيه إلى عنوان كلّي فيجوز للمدفوع إليه التصرف فيه ، والشاهد على هذا الجمع صحيحة ابن الحجّاج حيث فصّلت بين الصورتين ومنعت عند التسمية ورخّصت عند عدمها فهي شاهد جمع بين الطائفتين المانعة والمجوّزة ، هذا .
ويدفعه : أنّ الرواية المانعة قد اشتملت على لفظة محاويج أو مساكين وهما نكرتان لا تعيين فيهما في شيء ، فهي إنّما منعت مع عدم التسمية والتعيين فكيف تحمل على صورة التسمية وتعيين أشخاص .
وعليه فالصحيح حمل الرواية المانعة على الأموال الشخصية أي المملوكة لشخص المعطي والمجوّزة على غيرها من الأموال النوعية كالزكاة ، وتوضيح ذلك : أنّ المالك إذا دفع مقداراً من ماله الخاص إلى شخص وقال له أعطه للفقراء مثلاً فلا يجوز للمدفوع إليه أن يتصرّف في ذلك بشيء لأنّ ظاهر اعطه وادفعه وغيرهما عدم شمول الترخيص له ولا يجوز التصرف في مال أحد إلّا بإذنه ، وأمّا إذا كان المال من الأموال النوعية كالزكاة والخمس وغيرهما من الأموال التي ليست ملكاً للمالك بوجه ففي هذه الصورة لا مانع من أن يأخذ المدفوع إليه من ذلك المال والشاهد على هذا الجمع قوله في الروايات المجوّزة «الرجل يعطى الزكاة » وهي ليست من الأموال الشخصية وقوله «رجل أعطى مالاً يفرّقه في من يحلّ له » وهو ظاهر في أنّ للمال المدفوع موارد و مصارف لابدّ من صرفه فيهما ، وليس هذا إلّا الصدقات الواجبة من الزكاة والخمس ، وقوله في صحيحة ابن الحجّاج « يقسّمها ويضعها في
مواضعها » فيعلم منه أنّ للمال مواضع مقرّرة وهو لا ينطبق إلّا على غير الأموال الشخصية ، وأمّا الرواية المانعة فلم تدلّ إلّا على أنّه أعطى مالاً ليصرفه في محاويج فلا اختصاص فيه بالصدقات والأموال النوعية فلابدّ من حملها على الأموال الشخصية وحمل المجوّزة على الأموال النوعية الخارجة عن سلطان المالك .
وللبحث فيها جهات : الجهة الاُولى وقع الخلاف في أنّ الاحتكار محرّم أو مكروه ، والمشهور بين الأصحاب هو الحرمة وذهب جمع إلى الكراهة إلّا إذا ط--رأ عنوان ثانوي كما إذا أمره الحاكم بأن يعرض الطعام للبيع لرفع استيحاش الناس عن الغلاء فيكون تركه محرّماً من جهة مخالفة حكم الحاكم لا من جهة حرمته في نفسه .
والصحيح هو ما ذهب إليه المشهور وأنّ الاحتكار حرام ولم يجعل الله تعالى سلطنة للمالك في حبس ملكه من الطعام ، غاية الأمر أنّ الحرمة مشروطة بعدم باذل طعام غيره ، وذلك لصحيحه سالم الحنّاط(1)حيث سأله (عليه السلام) عن عمله فقال قلت حنّاط ربما قدمتُ على نفاق وربما قدمتُ على كساد ، وعند الكساد اشتريت الطعام وحبسته ، قال (عليه السلام) فما تقول العامّة والناس من جهتك وقِبلك ؟ قال قلت يقولون إنّ سالم يحتكر ، فسأله (عليه السلام) أنّه هل يبيعه أحد غيرك أم لا فأجابه بأنّ البائع كثير والطعام من الكثرة بحدّ لا يكون ما أبيعه جزءاً من ألف جزء من الطعام الموجود في السوق ، قال لا بأس، فمنها يظهر أنّ الحرمة مشروطة بصورة عدم الباذل ، وأمّا مع وجود الباذل فلا حرمة في الاحتكار كما يستفاد ذلك من نهي
1) الوسائل 17 : 428 / أبواب آداب التجارة ب 28 ح 3 (نقل بالمضمون) .
النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) حكيم بن حزام(1)بقوله إيّاك أن تحتكر أي ابتعد عن الاحتكار ، لأنّه كان يشتري جميع الطعام في المدينة .
وكذا يدلّ على ما ذكرناه صحيحة الحلبي(2)عن أبي عبدالله (عليه السلام) المنقولة في المكاسب وقد صرّح فيها بالتفصيل بين صورتي وجود الباذل وعدمه وكذا كتاب أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى مالك الأشتر على ما في نهج البلاغة(3)من أنّ من قارف أي ارتكب حكرة بعد نهيك فنكّل به وعاقب في غير إسراف ، إذ لو كان الاحتكار مكروهاً لم يكن وجه لمعاقبة مالك وعقابه المرتكبين للمكروه فمنه يظهر أنّه حرام والعقاب من غير إسراف في محلّه .
وأمّا صحيحة الحلبي(4)قال سألته عمّن يحتكر الطعام ويتربّص ب-ه إلى أن قال فإنّه يكره أن يحتكر ... الحديث ، فغاية ما هناك أنّ الكراهة غير ظاهرة في الحرمة لا أنّها ظاهرة في عدم الحرمة ليعارض بها الأخبار الدالّة على الحرمة ، وذلك لأنّ الكراهة المستعملة في لسانهم (عليهم السلام) بمعنى المبغوضية لا بمعنى المكروه المصطلح عليه بين الفقهاء الذي هو في مقابل الحرام ولعلّه ظاهر ، وعليه فتكون الأخبار المحرّمة قرينة على إرادة الحرمة من الكراهة في هذه الرواية أيضاً .
وأمّا ما ذكره شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) على وجه التأييد من رواية أبي مريم الأنصاري عن أبي جعفر (عليه السلام) « قال قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) أيّما رجل اشترى طعاماً فحبسه أربعين صباحاً يريد به الغلاء للمسلمين ثمّ باعه
وتصدّق بثمنه لم يكن كفّارة لما صنع »(1)فالظاهر أنّه لا تأييد فيها بوجه ، لأنّ الظاهر أنّها رواية أخلاقية غير مربوطة بالكراهة أو الحرمة في الاحتكار ، لأنّ الطعام إذا لم يكن هناك باذل له فلا يفرّق في الحرمة بين الأربعين والثلاثين يوماً وإن كان له باذل فلا يفرّق في جواز حبسه بين الأربعين والسنين ، إذن الظاهر أنّ حبس الطعام بقصد الغلاء للمسلمين وازدياد قيمته يكشف عن خبث سريرة ذلك المحتكر لأنّ الاحتكار إنّما هو حبس الطعام ، لا لأجل أن تترقّى قيمته السوقية بل لأجل أنّ القيمة السوقية في وقت الشتاء مثلاً أزيد من قيمته في الصيف فيشتريه لأن يبيعه في ذلك الوقت لا أن يشتريه ويجمعه من السوق حتّى تغلى قيمته فإنّه كاشف عن خباثته ، فلو رفع يده عن ذلك قبل الأربعين فيغفر الله له ذلك وإلّا فهو معاقب بحسب الأخلاق ، هذا بحسب الدلالة في الرواية .وأمّا بحسب السند فهي ضعيفة .
وأمّا ما ذكره شيخنا الأنصاري(2)من أنّ في الرواية بعض بني فضّال وقد أمر العسكري (عليه السلام)(3)بالأخذ برواياتهم وطرح آرائهم بعد فسقهم، فهو دليل على اعتبار رواياتهم في كتبهم ، والظاهر أنّ هذه الرواية أيضاً مأخوذة من كتبهم فتكون معتبرة ويستغنى بذلك عن ملاحظة من قبلهم في السند ، فبنو فضّال كمحمّد بن مسلم وزرارة وابن أبي عمير الذين أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح ّعنهم .
فيدفعه أمران : أحدهما أنّ الإجماع على تصحيح ما يصحّ عن هؤلاء الجماعة بحيث يستغنى بهم عن ملاحظة من قبلهم في السند غير تامّ ، بل لا وجه له أصلاً وتفصيل الكلام فيه موكول إلى محلّه ، وثانيهما : أنّ توثيق الإمام لبني فضّال والأخذ
برواياتهم ناظر إلى أنّ فسقهم بعد ذلك لا يمنع عن اعتبار رواياتهم ، ف-رواي--اتهم كروايات زرارة ومحمّد بن مسلم وغيرهم من الثقات ، وليس ناظراً إلى أنّ رواياتهم معتمدة ولو كان الراوى قبله كذّاباً فاسقاً .
وبالجملة أنّ الأمر بأخذ رواياتهم يدلّ على أنّ رواياتهم بعد صيرورتهم فسّاقاً كاعتبار رواياتهم عند كونهم عدولاً ، فكما أنّ الراوي قبلهم عند كونهم عدولاً لابدّ من ملاحظته فلا يؤخذ بروايته فيما إذا كان كذّاباً ، فكذلك بعد فسقهم إذ لا نحتمل أن يكون صيرورتهم فاسقين موجباً لحجّية رواياتهم ولو مع كذب الرواة المتقدّمين عليهم ، لأنّها لم تكن معتبرة عند كذب الرواة فيما إذا كانوا عادلين فكيف تكون معتبرة مع كذب الرواة بعد فسقهم ، فلا مدخلية لفسقهم بعد ذلك أبداً غاية الأمر أنّ توثيق العسكري (عليه السلام) روايات بني فضّال يجعلها كروايات محمّد بن مسلم أو زرارة ، ومن المعلوم أنّ رواياتهما إنّما تعتبر بملاحظة من تقدّمهما في السند فلا يؤخذ بها فيما إذا كان الراوي قبلها غير موثّق ولا عادل كما إذا كان كذّاباً ، هذا وقد تعرّض لما أفاده في المقام في بحث الصلاة(1)ولعلّ موضعه باب الوقت على ما أذكره فعلاً ، وقد عرفت حقيقة الحال وأنّه لا وجه لما أفاده في المقامين من أنّ أمر العسكري (عليه السلام) يغني عن ملاحظة من تقدّمهم في السند ، وأنّه ناظر إلى اعتبار رواياتهم لا إلى حجّيتها ولو مع فسق الرواة المتقدّمين عليهم فلا تغفل .
الجهة الثانية : في أنّ الاحتكار هل يختصّ بالحنطة أو الشعير أو يعمّ غيرهما من المأكولات التي يحتاج إليها الإنسان أو أنّ هناك تفصيلاً ؟ موضوع الحكم في الروايات المتقدّمة هو الطعام وهو اسم لما يطعمه الإنسان ممّا به تعيّشه وق--وام-ه كالحنطة والشعير والاُرز وغيرها ، وهذا يختلف باختلاف الأماكن والبلدان ففي
1) کتاب الصلاة 1 : 36
مثل بلادنا هذه ليس الشعير من الطعام ، إذ لا حاجة للناس إليه فليس الاحتكار فيه محرّماً ، نعم الحنطة والاُرز من الطعام في هذا البلد لأنّ قوامهم بهما فاحتكارهما محرّم ، وفي بعض مدن ايران كمازندران ورشت الاُرز من الطعام لانحصار تعيّشهم فيه غالباً ، فالحنطة خارجة عن الطعام فلا مانع من احتكارها في المدن المذكورة وكيف كان فالمدار على صدق الطعام فلا حرمة في غيره كما في الزبيب وغيره من الفواكه كالأثمار والتتن فلا يكون احتكارها محرّماً .
ثمّ إنّ الظاهر من الطعام هو الطعام بوصف الطعامية لا بذاته وتجرّده ، وعليه فيدخل في الاحتكار مقارنات الطعام من الملح والسمن أو الزيت في بعض البلاد لأنّ الطعام بدون الملح غير قابل للأكل ، وكذا الطعام بدون السمن والزيت فاحتكارهما بمنزلة احتكار نفس الحنطة أو الاُرز لسقوطهما عن الأكل والتعيّش به ولأجل ذلك ورد الزيت في بعض الأخبار(1)المتقدّمة حيث ع-دّ احتكاره م-ن الحرام ، فمنه يعلم دخول الملح والسمن في الاحتكار بطريق أولى .
بل يمكن التعدّي إلى مقدّمات الطعام كالنفط الذي عليه يتوقّف الطبخ عادة فحبس النفط من الاحتكار الحرام ، وقد استفدنا ذلك كلّه من صحيحة الحلبي المتقدّمة (2)حيث أجاب فيها الإمام بأنّه يكره أن يحتكر ويترك الناس ليس لهم طعام ، فمنها يظهر أنّ المناط في الاحتكار جعل الناس ليس لهم طعام فيشمل ذلك احتكار الملح والنفط وغيرهما ممّا يتوقّف عليه قوام الطعام من المقارنات والمقدّمات .
وأمّا الروايات المحاصرة الواردة في المقام فبين حاصرة للاحتكار في أربعة
الحنطة والشعير والتمر والزبيب ، وبين حاصرة في خمسة باضافة الزيت وبين حاصرة في ستّة باضافة السمن ، ومفهومها عدم الحرمة في الاحتكار في غير الموارد الستّة ولو عدّ من الطعام كما في الاُرز وغيره ، إلّا أنّها ضعيفة السند فلا يمكننا رفع اليد عن الاطلاق في الروايات الصحيحة الدالّة على حرمة الاحتكار في الطعام بتلك الأخبار الضعيفة التي لم يثبت اعتبارها ، فما هذا وصفه كيف يمكن أن يكون رافعاً للاطلاق في الأخبار الصحيحة .
الجهة الثالثة : روى السكوني(1)أنّ الحكرة في الخصب وعدم الغلاء أربعون يوماً وفي الغلاء ثلاثة أيّام ، فلا يجوز الاحتكار أزيد من الأربعين في الخصب وأزيد من الثلاثة عند الغلاء ، إلّا أنّ الرواية ضعيفة فلا يمكن الاعتماد عليها إذ المدار على حاجة الناس وعدمها ، فمع الحاجة لا يجوز الاحتكار ولو في أقلّ من ثلاثة أيّام ، ومع عدم الحاجة لا مانع من الاحتكار ولو في أزيد من أربعين يوماً ولا مانع من حمل رواية السكوني على صورة مظنّة الحاجة بدعوى أنّ الحاجة في الخصب في أزيد من الثلاثة وفي الغلاء في أقلّ من أربعين يوماً كما حكي عن الشهيد وإن كان الحمل في حدّ نفسه بعيداً .
الجهة الرابعة : أنّ الاحتكار هل يختصّ بالشراء كما ورد في صحيحتين من الروايات المتقدّمة(2)يث ورد في إحداهما « وكان إذا دخل الطعام المدينة اشتراه » الخ وفي الصحيحة الاُخرى « قال إنّما الحكرة أن تشتري طعاماً » الخ ، أو أنّ الاحتكار مطلق حبس الطعام ولا يختصّ بخصوص الاشتراء بل يعمّ ما إذا وهبه أحد أو زرع هو بنفسه وحبسه ؟ الظاهر ه-و الثاني لعدم اختصاص الحكرة
بالاشتراء ، وأمّا ما ورد في صحيحة سالم الحنّاط(1)من أنّ حكيم بن حزام كان إذا دخل الطعام المدينة اشتراه كلّه فمرّ عليه النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) فقال له يا حكيم بن حزام إيّاك أن تحتكر ، فهو بيان لمورد من موارد الاحتكار فلا يوجب اختصاص الحكم به .
وأمّا ما في صحيحة الحلبي من قوله « إنّما الحكرة أن تشتري طعاماً وليس في المصر طعام غيره فتحتكر فإن كان في المصر طعام غيره فلا بأس » فالمفهوم المستفاد من كلمة إنّما الحصرية هو أنّه لو كان في المصر طعام غيره فلا بأس كما صرّح به بعده لا أنّ مفهومها أنّه إن لم يشتر الطعام فلا بأس ولا احتكار حتّى يتوهّم أنّ الاحتكار يدور مدار الاشتراء فينتفي عند انتفائه ، فهي أيضاً بيان للمورد الغالبي في الاحتكار لأنّ الغالب في التجار هو الاشتراء دون الزرع أو الاتّهاب . فالمتحصّل أنّ الاحتكار لا يختصّ بالشراء .
الجهة الخامسة : أنّ الحاكم يجوز أن يجبر المحتكر على البيع ، وهذا ممّا لا خلاف فيه بينهم ، نعم لا يمكنه التسعير على ماله بل يجبره على أن يبيع الطعام بأيّة قيمة أراد ما لم يبلغ إلى حدّ يوجب منع الناس عن الاشتراء لأنّه ممنوع لرجوعه إلى الاحتكار في السوق ، إذ الاحتكار ليس بمعنى إخفاء المال ووضعه في الدار بل المراد منع الناس عن الوصول إليه ولو مع مشاهدتهم إيّاه كما إذا أراد ب-ي-ع م-ا ي-س--وى بدرهمين بدينارين ، وقد حكي عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم)(2)أنّه (صلّى الله عليه وآله وسلم) لم يسعّر للطعام وقال التسعير بيد الله تعالى بحسب الزيادة والنقصان أي بحسب زيادة الطعام ووفوره الموجب لنقصان قيمته أو نقصانه الموجب لزيادة قيمته ، وإنّما
جوّز إجبار المحتكر على البيع كما أنّ للحاكم إجبار المالك على البيع في غير موارد الاحتكار إذا كانت في بيعه مصلحة للناس .
الجهة السادسة : أنّ الاحتكار بما هو وفي نفسه لا ينقسم إلّا إلى الحرام والحلال لأنّه مع الحاجة حرام وبلا حاجة حلال ، وأمّا اتّصافه بسائر الأحكام من الاستحباب والوجوب والكراهة فالظاهر أنّه لأجل عنوان آخ--ر ط-ارئ على الاحتكار ، لما عرفت من أنّ الاحتكار في حدّ نفسه لا يتّصف بغير الحرمة والحلّية نعم يمكن أن يكون الاحتكار واجباً بعنوان حفظ النفوس المحترمة كما إذا توقّف حفظها على احتكار الطعام في الخصب حتّى لا يموتون في المجاعة جوعاً ، ويمكن أن يتّصف بالاستحباب كما إذا احتكر الطعام مع عدم الحاجة لأجل التوسعة على الزوّار حيث إنّ الطعام عند قدومهم يغلى وتترقّى قيمته وربما ينفد ، فلا مانع من باب التوسعة والإعانة للزوّار أن يتّصف بالاستحباب ، كما ربما يتحقّق عنوان يوجب كراهة الاحتكار ، إلّا أنّ هذا كلّه من جهة العناوين الطارئة لا إنقسام الاحتكار إليها في نفسه ، هذا تمام الكلام في البيع وقد انتهى الأمر إلى آخر كتاب البيع ي--وم الأحد ثلاثة وعشرين خلت من شهر جمادى الاُولى من شهور سنة خمسة وسبعين وثلاثمائة بعد الألف في المدرسة الخليلية الكبرى في النجف على ساك-نه-ا الس--لام حامدين مصلّين والحمد لله ربّ العالمين .
الموضوع ....الصفحة
البيع - 2
الكلام في المجيز...3
اشتراط كون المجيز جائز التصرف حين الاجازة ...3
اشتراط وجود مجيز حين العقد ...3
اشتراط كون المجيز جائز التصرف حين العقد ...7
بيع العين المرهونة ....9
من باع شيئاً لنفسه ثمّ ملكه ...13
ما يمكن أن يستدلّ به على بطلانه ...14
عدول واستدراك....18
الأخبار الواردة في النهي عمّا ليس عنده وما لا يملكه ...28
لو باع للغير ثمّ ملكه بعد ذلك ....32
لو باع معتقداً عدم جواز التصرف ثمّ ظهر جوازه ....36
الكلام في العقد المجاز....47
اعتبار كون العقد المجاز جامعاً لجميع الشرائط ...47
هل يشترط الشروط إلى زمان الاجازة ؟...49
فرع : اذا انقلب الخل بعد العقد إلى الخمر...50
هل يشترط العلم بالعقد المجاز تفصيلاً ؟...50
التعليق في الاجازة ....50
ترتب العقود الفضولية ...53
الكلام في أحكام الردّ ....62
تحقّق الردّ بالفعل...62
تصرّفات المالك قبل الاجازة ...63
أحكام قبض المال ودفعه بعد الاجازة والردّ ...72
مطالبة المالك العين ممّن توجد عنده ...72
حكم تلف العين مع ردّ المالك ...72
حكم تلف المنافع مع ردّ المالك ...72
حكم زوال صفات العين ...73
رجوع المشتري الجاهل على الفضولي بالثمن مع ردّ المالك ...74
رجوع المشتري العالم على الفضولي بالثمن مع ردّ المالك ....75
عدم تملّك الفضولي بتسليط المشتري له على الثمن ...75
حكم تصرّف الفضولي في الثمن مع ردّ المالك...77
هل يضمن البائع الفضولي تلف الثمن ؟...78
حكم ما يغترمه المشتري من المنافع والقيمة والأجزاء والأوصاف ...84
قاعدة الغرور ...86
كيفية اشتغال ذمم متعدّدة بمال واحد ...98
الكلام فيما إذا باع الفضولي ملك نفسه وملك غيره ...117
من باع نصف الدار مع كونه مالكاً لنصفها...122
بيع ما يُملك مع ما لا يُملك...131
الكلام في ولاية الأب والجدّ ...136
دليل ولاية الأب والجدّ...136
تقيّد الولاية بالعدالة ...138
تقيّد الولاية بالمصلحة أو عدم المفسدة ...141
عموم الولاية للجدّ الأعلى ...151
فُقد الأب فهل تختصّ الولاية بالجدّ أو يشترك معه أبوه ؟ .......151
عدم اختصاص ولاية الجدّ بحال حياة الأب ...152
الكلام في ولاية الفقيه....156
مناصب الفقيه : الفتوى ، الحكم ، التصرّف في الأنفس والأموال ........ 156
أقسام ولاية النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) والأئمّة (عليهم السلام) ........157
المناقشة في الروايات المتوهّم دلالتها على ولاية الفقيه ...1164
التأمّل في ثبوت الولاية لأنبياء بني اسرائيل...168
الروايات الدالّة على ولاية الفقيه بمعنى وجوب استئذانهم...170
الاستدلال على ولاية الفقيه بوجهين آخرين ...173
مقتضى الأصل العملي عند الشكّ في ولاية الفقيه ...174
ولاية عدول المؤمنين....176
اشتراط العدالة فى المؤمن....177
حكم مزاحمة فقيه لفقيه آخر ونقضه لحكمه ...182
هل يجوز مزاحمة من تصدّى من المؤمنين ؟ ....183
اعتبار العدالة في الولي لتصحيح الشراء منه ...184
اشتراط المصلحة في تصرف الحاكم وعدول المؤمنين...187
بيع المسلم من الكافر. ...194
أدلّة بطلان البيع ومناقشتها ...194
تعميم المنع للاجارة والهبة والعارية والوديعة ...201
معنى الكافر في المقام ....204
تعميم المنع لأولاد الكفّار وللمجنون ...204
عدم اختصاص المؤمن بالشيعي في حرمة بيعه للكافر...204
تعميم المنع للمنافق ...205
الحكم بالإسلام على أولاد المسلمين ...205
مستثنيات عدم جواز بيع المسلم من الكافر ...206
1 - كون العبد ممّن ينعتق على الكافر...206
2 - إذا اعترف الكافر بأنّ العبد من أقربائه...207
3- إذا أمر الكافر بعتق العبد المسلم عنه...209
4 - اشتراط البائع على المشتري الكافر عتق العبد...209
إرث الكافر للعبد المسلم ...210
هل يلحق بالارث كلّ ملك غير اختياري ؟....213
الكلام في من يتولّى بيع العبد المسلم ...214
عدم ثبوت الخيار للكافر في شراء العبد المسلم...215
بيع المصحف من الكافر . ..223
الكلام في شروط العوضين ...226
1 - اشتراط المالية في العوضين....226
أقسام الأرضين وأحكامها ...230
ملكية الإمام (عليه السلام) لأراضي الموات بالأصالة ...230
اختصاص جواز التصرّف بالشيعة. ...231
وجوب الخراج وعدمه ...232
حصول الأحقّية أو الملكية بالاحياء ...235
بيع الأراضي المحياة...237
ملكية الإمام (عليه السلام) للأراضي العامرة بالأصالة...237
ثبوت الملكية بحيازة الأراضي العامرة...239
الأراضي التي عرض لها الموت بعد العمارة...242
أقسام الأراضي التي تكون في يد الكفّار...246
الأراضي الصلحية أو الخراجية ...247
تملك الأراضي المفتوحة عنوة ...247
وجوب الخراج على الأراضي المفتوحة عنوة ...249
الأراضي المحياة حين الفتح لو عرض لها الخراب...250
2 - اشتراط كون العوضين ملكاً طلقاً ...252
الكلام في بيع الوقف ....253
أدلّة عدم جواز بيع الوقف....253
الكلام في بطلان الوقف بمجرد جواز بيعه...257
الأقوال في جواز بيع الوقف ...262
أقسام الوقف الذي يجوز بيعه وما لا يجوز ...263
صور جواز بیع الوقف....269
الأُولى: عروض الخراب للوقف بحيث لا يمكن الانتفاع به ...269
التنبيه على فروع :
الفرع الأوّل : جريان حكم الوقف على البدل كالمبدل...273
الفرع الثاني : عدم الحاجة إلى صيغة الوقف ...274
الفرع الثالث : هل البدل كالمبدل في عدم جواز بيعه إلّا لمجوّز...275
الفرع الرابع : هل يعتبر بعد بيع الوقف شراء مماثله أم لا ...276
الفرع الخامس : الكلام في من يباشر بيع الوقف...277
الفرع السادس : سقوط نظارة متولّي الوقف مع بيعه ...279
الفرع السابع : إبدال الوقف بما لا يمكن وقفه كالدراهم والدنانير .... 279
جعل ثمن الوقف عند أمين ...282
الفرع الثامن : إذا خرب بعض الوقف....282
اتّجار البطن الموجود بثمن الوقف ...282
الفرع التاسع : احتياج الوقف إلى صرف المنفعة فيه ...283
الفرع العاشر : لو خرب بعض الوقف واحتاج بعضه الآخر إلى التعمير... 284
حكم سقوط الوقف عن الانتفاع بالنسبة للموقوف عليهم...284
سقوط الوقف عن الانتفاع بعد مدّة قليلة ...284
الثانية : خراب الوقف بحيث يسقط عن الانتفاع المعتدّ به...285
الثالثة : قلّة منفعة الوقف ...289
الرابعة : إذا كان البيع أعود وأنفع للموقوف عليهم....289
الخامسة : إذا أصاب الموقوف عليهم حاجة شديدة...293
السادسة : اشتراط الواقف بيعه عند الحاجة...294
السابعة : العلم أو الظنّ بأداء بقائه إلى الخراب...297
الثامنة : وقوع الاختلاف بين الموقوف عليهم ...297
التاسعة : كون بقاء الوقف مؤدّياً إلى الضرر على الموقوف عليهم ...297
العاشرة : لزوم فساد يستباح منه الأنفس ...297
الكلام في الوقف المنقطع ...304
الكلام في بيع العين المرهونة...306
هل يصحّ بيع العين المرهونة مع لحوق الاجازة ؟...307
هل الاجازة كاشفة أم ناقلة ؟ ...312
الكلام في تأثير الاجازة بعد الردّ...313
فكّ الرهن بعد البيع بمنزلة الاجازة ؟....315
هل يجوز للراهن فسخ العقد قبل الفكّ ونحوه ؟ ...317
3 - اشتراط القدرة على تسليم العوضين...318
الاستدلال عليه بحيث النهي عن بيع الغرر...319
لحوق العلم بالخطر باحتمال الخطر في بطلان البيع...321
الاستدلال على البطلان بلزوم السفاهة ...321
الاستدلال على البطلان بعدم مالية المتعذّر تسليمه ...321
الاستدلال على البطلان بقوله « لا تبع ما ليس عندك »...322
الاستدلال على البطلان بالملازمة بين صحّة العقد ووجوب التسليم ...325
الاستدلال على البطلان بلزوم نقض الغرض من البيع...326
هل القدرة على التسليم شرط أو العجز مانع ؟....330
اختصاص اعتبار القدرة على التسليم بمن ينتسب إليه العقد ....... 335
صحة بيع العبد مع عدم القدرة على تسليمه لمن ينعتق عليه...335
اعتبار القدرة على التسليم في زمانه لا مطلقاً ...336
ذكر فروع في المقام ...341
كون الشرط هو القدرة المعلومة لا القدرة الواقعية...342
الكلام في بيع العبد الآبق ...346
لحوق الضال والمغصوب بالآبق...350
الصلح على ما يتعذر تسليمه ....350
شروط الضميمة في بيع الآبق ...353
اختصاص جواز بيع الآبق بصورة رجاء الوجدان...354
اشتراط كون الضميمة ممّا يملك ويباع منفرداً ...355
ضمّ المنفعة إلى بيع الأبق ...356
وقوع البيع في مقابل المجموع من العبد والضميمة ...356
تلف العبد قبل حصول اليأس منه ...357
تلف الضميمة قبل قبضها....357
العقد على الضميمة فضولاً ...358
4 - اشتراط العلم بمقدار الثمن ...360
5- اشتراط العلم بمقدار المثمن ...363
اعتبار العلم بالكيل والوزن في المكيل والموزون...363
عدم اعتبار الكيل والوزن في الدراهم والدنانير...369
كفاية العلم الاجمالي بمقدار الثمن والمثمن ...370
عدم جواز بيع المعدود جزافاً...371
بيع المذروع جزافاً ...371
بيع المكيل بالوزن وبيع الموزون بالكيل...372
هل يلزم علم المتبايعين بالمقادير تفصيلاً ؟...375
الكلام في جواز كيل المعدود أو وزنه ...376
المناط في كون شيء من المكيل أو الموزون...377
تصديق البائع في إخباره بمقدار المبيع ...381
إذا ظهر المبيع على خلاف ما أخبر به البائع...382
البيع بالمشاهدة فيما لا يكال ولا يوزن...386
الكلام في بيع بعض أجزاء الشيء ...387
تصویر الاشاعة وبيع الكلّي في المعيّن...392
القسمة وأنها بيع أو إفراز حقّ...395
معنی تصوير بيع الكلّي في الخارج...397
بيع صاع من صبرة...400
الشك في قصد المتبايعين الكسر المشاع أو الكلي في الخارج...401
تعيين البائع خصوصيات المبيع في بيع الكلّي في الخارج...403
عدم حساب التلف على المشتري في بيع الكلّي في الخارج ...403
حكم ما لو باع من شخص آخر صاعاً كلّياً آخر وقد تلف المبيع ....404
صور إقباض الكلّي ...409
لو باع ثمرة أشجار واستثنى منها ثمرات ...410
أقسام بيع الصبرة ...421
بيع العين بمشاهدة سابقة...426
إحراز بقاء أوصاف المبيع بالاستصحاب...427
إذا اشترى المبيع برؤية سابقة وقد ظهر التخلّف ...428
الاختلاف في تغيّر المبيع ...433
الاختلاف في تقدّم تغيّر المبيع وتأخّره ...442
الاختلاف في تقدّم التلف على البيع أو تأخّره عنه...445
بيع ما يفسده الاختبار وما لا يفسده...451
عدم اعتبار الاختبار فيما يفسده الاختبار...451
اعتبار الاختبار فيما لا يفسده الاختبار ...452
جواز ترك الاختبار باشتراط الصحة ....452
اعتبار البعض البراءة من العيوب....454
حكم تبيّن فساد المبيع ...457
الكلام في من يتحمّل مؤونة النقل...462
بيع المسك في الفأر ...466
بيع اللؤلؤ في الصدف والبيض في الدجاج...468
بيع المجهول فيما إذا ضمّ إليه معلوم ...468
الكلام في معنى التابع الذي استثني من ضمّ المجهول إلى معلوم...472
الكلام في الاندار للظرف ...479
بيع المظروف وظرفه ...486
الكلام في التفقّه في مسائل التجارات ...490
الجمع بين روايات طلب الكسب وطلب العلم ...493
هل يجوز ترك الاشتغال وطلب العلم مع الصرف من الوجوه الشرعية ؟...496
الكلام في تلقّي الركبان ...497
الكلام في النجش ...502
دفع المال إلى الغير للصرف في جهة خاصة ...502
احتكار الطعام ...509
فهرس الموضوعات....517