موسوعة الإمام الخوئی جلد 33

ghaemiyeh.com

هوية الكتاب

سرشناسه : خوئی، سید‌ابوالقاسم، 1278 - 1371.

عنوان و نام پديدآور : المستند في شرح‌العروة‌الوثقی/ [محمدکاظم یزدی]؛ تقریرا الابحاث ابوالقاسم الموسوی‌الخوئی؛ تالیف مرتضی البروجردی.

مشخصات نشر : قم: موسسه احیاء آثارالامام‌الخوئی (قدس)، 14ق.= 20م.= 13.

مشخصات ظاهری : ج.

فروست : موسوعه‌الامام‌الخوئی.

شابک : ج.11، چاپ دوم: 964-6812-44-9 ؛ ج. 11، چاپ سوم: 964-6812-43-0 ؛ ج. 12، چاپ سوم: 964-6812-44-9 ؛ ج. 13، چاپ سوم: 964-6812-46-X ؛ ج. 14: 964-6812-50-3 ؛ ج. 15: 964-6812-53-8 ؛ ج. 16، چاپ سوم 964-6337-00-4 : ؛ ج. 17، چاپ سوم: 964-6337-04-7 ؛ ج. 18، چاپ سوم: 964-6337-03-9 ؛ ج. 19، چاپ سوم 964-6337-02-0 :

وضعیت فهرست نویسی : برون سپاری

يادداشت : عربی.

يادداشت : کتاب حاضر قبلا تحت عنوان "مستندالعروه‌الوثقی" به چاپ رسیده است.

يادداشت : فهرست‌نویسی بر اساس جلد یازدهم: 1421ق. = 2000م. = 1379.

يادداشت : ج.11( چاپ دوم: 1426ق.= 2005م.= 1384).

يادداشت : ج. 11 -18 (چاپ سوم : 1428ق. =2007م. = 1386).

يادداشت : ج.14 (چاپ سوم:1421ق.= 1379).

يادداشت : ج.30 (چاپ؟: 1422 ق. = 1380).

يادداشت : ج.30 (چاپ سوم: 1428ق. = 2007م. = 1386).

يادداشت : عنوان عطف: شرح عروه‌الوثقی.

یادداشت : کتابنامه.

مندرجات : ج.11 الصلاه.-ج.30. الاجاره.

عنوان عطف : شرح عروه‌الوثقی.

عنوان دیگر : العروه‌الوثقی. شرح.

عنوان دیگر : شرح‌العروه‌الوثقی.

موضوع : یزدی، سیدمحمدکاظم بن عبدالعظیم، 1247؟ - 1338؟ ق . عروه‌الوثقی -- نقد و تفسیر

موضوع : فقه جعفری -- قرن 14

شناسه افزوده : یزدی، سیدمحمدکاظم‌بن عبدالعظیم، -1253 1338؟ق.

شناسه افزوده : بروجردی، مرتضی، 1377-1308.

شناسه افزوده : موسسه احیاء آثار الامام الخوئی (ره)

رده بندی کنگره : BP183/5/ی4ع4021377 1300 ی الف

رده بندی دیویی : 297/342

شماره کتابشناسی ملی : م‌79-21167

المحرّر الرّقمي: محمّد علي ملك محمّد

اطلاعات رکورد کتابشناسی : ركورد كامل

المؤلف: السيّد محمّد تقي الخوئي

الناشر: مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي قدّس سرّه

الطبعة: 0

الموضوع : الفقه

تاريخ النشر : 0 ه.ق

ISBN (ردمك): 964-6084-06-0

المكتبة الإسلامية

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ

وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَی سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ

وَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَی أَعْدَائِهِم أَجْمَعِينَ

مِنَ الآنِ إِلَی قِيَامِ يَومِ الدِّينْ

اشارة

الْمَبَانِي فِي شَرْحِ الْعُرْوَةِ الْوُثْقَی

الْمَبَانِي فِي شَرْحِ الْعُرْوَةِ الْوُثْقَی

تقرير الإبحاث

الأستاذ الأعظم سماحة آية اللّه العظمی السيد أبوالقاسم الموسوي الخوئي قدس سره

«1317 - 1413 ه»

النكاح

تأليف: حجة الإسلام والمسلمين الشهيد السيد محمد تقي الخوئي رحمه اللّه

طبعة منقحة

مؤسسة الخوئي الإسلامية

جميع الحقوق محفوظة ومسجّلة لمؤسسة الخوئي الإسلامية

الجزء الثالث والثلاثون

الناشر: مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي قدس سره

(مؤسسة الخوئي الإسلامية)

هاتف: 2932264 251 98+ - 1530367 912 98+

تاريخ الطبع: 1430 ه ، 2009 م

المطبعة: نينوي

الطبعة: الرابعة

عدد النسخ: 1000 دورة

0 - 06 - 6084 - 964 : ISBN

Email:info@alkhoei.net

www.alkhoei.com

www.alkhoei.net

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله، والصلاة والسّلام على خير خلقه وأفضل بريته محمد وآله الطيبين الطاهرين واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.

وبعد؛ فهذا هو الجزء الثاني من كتابنا «مباني العروة الوثق» نقدمه للطبع بعون اللّه وتوفيقه، وهو يتضمن ما بقي من كتاب النكاح وكتاب الوصية.

وإنِّي إذ أبتهل إلى العلي القدير في أن يوفقني لطبع ما بقي من الكتب التي تشرفتُ بحضور محاضرات آية اللّه العظمى سيدنا الوالد - دام ظله - فيها ، أسأله أن يطيل في عمره ملاذاً للإسلام والمسلمين، واللّه من وراء القصد، وهو الموفّق.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

النجف الأشرف 20 / ربيع 2 / 1405 ه

محمد تقي الخوئي

فصل : [في الجمع بين الحرّة والأمة]

الأقوى جواز نكاح الأمة على الحرّة مع إذنها (1).


فصل

(1) على ما هو المعروف والمشهور بين الأصحاب ، بل ادعي عليه الإجماع في كلمات غير واحد من القدماء والمتأخرين.

نعم ، نسب الشيخ (قدس سره) إلى جماعة من الأصحاب القول بعدم الجواز (1)غير أن صاحب الحدائق (قدس سره) قد استشكل في ذلك ، وحمل كلام هؤلاء الجماعة على صورة عدم تمامية شرائط جواز التزوج من الأمة (2).

وكيف كان ، فقد استدل لمذهب المشهور بصحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع ، قال : سألت أبا الحسن (عليه السلام) : هل للرجل أن يتمتع من المملوكة بإذن أهلها وله امرأة حرّة؟ قال : «نعم ، إذا رضيت الحرّة». قلت : فإن أذنت الحرّة يتمتع منها؟ قال : «نعم» (3).

وهذه الصحيحة وإن كان موردها المتعة ، إلّا أنّه لا بدّ من التعدي إلى العقد الدائم أيضاً ، لعدم القول بالفصل. وغير بعيد أن يكون اختصاص السؤال بالمتعة ، من جهة أن إذن الحرّة فيها أيسر وأسهل من الإذن في العقد الدائم.

وبإزاء هذه الصحيحة صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : «تزوّج الحرّة على الأمة ولا تزوّج الأمة على الحرّة ، ومن تزوّج أمة على حرّة


1) النهاية : 459.

2) الحدائق 23 : 570.

3) الوسائل ، ج 21 كتاب النكاح ، أبواب المتعة ، ب 16 ح 1.

والأحوط (1) اعتبار الشرطين : من عدم الطَّول ، وخوف العَنَت. وأما مع عدم إذنها فلا يجوز ، وإن قلنا في المسألة المتقدِّمة بجواز عقد الأمة مع عدم الشرطين (2) بل هو باطل (3). نعم ، لو أجازت بعد العقد صحّ على الأقوى (4) بشرط تحقق


فنكاحه باطل» (1). وغيرها من الأخبار.

ومقتضى الجمع بينهما حمل الثانية على صورة عدم الإذن من الحرّة.

هذا ولو قطعنا النظر عن معارضة الصحيحتين ، فإن صحيحة الحلبي وغيرها من أدلّة المنع معارضة بما دلّ على الجواز في فرض خشية العنت وعدم الطول أو الاضطرار على ما دلّت عليه الآية الكريمة والنصوص الكثيرة المتقدِّمة إذ أن مقتضى إطلاقها عدم الفرق بين من كانت عنده حرّة وغيره ، كما أن مقتضى إطلاق الصحيحة وغيرها عدم الفرق بين موارد الاضطرار وغيرها. وحينئذٍ فيتعارضان ويسقطان ، ويكون المرجع هو عمومات الحلّ ، ومقتضاها جواز التزوج من الأمة في هذا الحال ، متعة كان أو دواماً.

فإن قلت : إذن فما الدليل على اعتبار إذن الحرّة في جواز نكاح الأمة؟

قلت : إنّ الدليل هو صحيحة ابن بزيع ، فإنّه إذا اعتبر الإذن في النكاح المنقطع الذي هو أهون حالاً من العقد الدائم ولا سيّما إذا كانت المدّة قصيرة جدّاً اعتبر الإذن في العقد الدائم بطريق أولى قطعاً.

وبالجملة فما ذهب إليه المشهور من القول بالجواز مع إذن الحرّة هو الصحيح.

(1) بل الأقوى ، لما تقدّم.

(2) فإن كلا منهما شرط مستقل وله دليله الخاص ، فلا يلزم من القول بعدم اعتبار أحدهما القول بعدم اعتبار الآخر.

(3) لصحيحة الحلبي المتقدِّمة.

(4) كما اختاره جملة من الأصحاب ، خلافاً للشرائع وغيرها حيث التزموا بالبطلان (2)بل في بعض الكلمات دعوى الإجماع عليه.


1) الوسائل ، ج 21 كتاب النكاح ، أبواب ما يحرم بالمصاهرة ، ب 46 ح 1.

2) شرائع الإسلام 2 : 340.

.................................................................................................


وكيف كان ، فالإجماع غير متحقق يقيناً ، والقواعد تقتضي البطلان ، فإن العقد حين وقوعه لما كان باطلاً ، فصحته بعد ذلك تحتاج إلى الدليل.

وقد ذكرنا في مسألة التزوج من بنت الأخ من دون إذن العمة أو بنت الأُخت من دون إذن الخالة ثم أذنتا ، أن العقد الفضولي وإن كان صحيحاً على القاعدة ، إلّا أن ذلك إنّما يختص بما إذا كانت إجازة من له الأمر موجبة لاستناد العقد إلى المجيز ، ولا يشمل مثل المقام الذي قد تحقق استناد العقد إلى الرجل في حينه وكانت صحته متوقفة على إذن شخص معين تعبداً ، فإن العقد حينئذٍ حين انتسابه لم يكن صحيحاً وليس بعده عقد ، فلا موجب للحكم بالصحّة.

وبعبارة اخرى : إن صحّة العقد الفضولي بالإجازة اللّاحقة إنّما تكون على القاعدة فإنّ العقد بالإجازة يستند إلى المجيز ومن له الأمر ، فتشمله العمومات الدالّة على الصحّة. وأما إذا كان العقد مستنداً إلى من له الأمر وكان محكوماً بالبطلان ، فلا تكون إجازة من اعتبرت إجازته تعبداً مصححة له.

نعم ، ذكرنا هناك أيضاً أنّ القاعدة وإن كانت تقتضي البطلان ، إلّا أنّه لا بدّ من الخروج عنها في مثل هذه الموارد ، للتعليل المذكور في صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) في مملوك تزوّج بغير إذن سيده ، حيث ورد فيها قوله (عليه السلام) : «إنّه لم يعص اللّه ، وإنّما عصى سيده ، فإذا أجازه فهو له جائز» (1). فإنّ مقتضاه هو الحكم بصحّة كل عقد لم يشتمل على معصية اللّه تعالى كالجمع بين الأُختين بل كان حلالاً في نفسه ، غاية الأمر كان فاقداً لإذن من يعتبر إذنه ، خاصة فيما إذا لحقته الإجازة كالمقام.

والحاصل إن المقام يلحق بالعقد الفضولي في الحكم بالصحّة فيما إذا لحقته الإجازة. لكن بفارق أن الحكم في العقد الفضولي للقاعدة ، في حين أنّه في المقام للتعليل المذكور في النص.

هذا وربّما يستدل للصحّة بصحيحة ابن بزيع المتقدِّمة ، بدعوى أنّها مطلقة من


1) الوسائل ، ج 21 كتاب النكاح ، أبواب نكاح العبيد والإماء ، ب 24 ح 1.

.................................................................................................


حيث تقدّم الإذن وتأخّره.

إلّا أنّه مدفوع بأنّ الظاهر من قوله (عليه السلام) : «نعم ، إذا رضيت الحرّة» هو اعتبار الإذن في صحّة العقد والتمتع ، بمعنى كونه في مرحلة سابقة على العقد بحيث لا يجوز العقد إلّا به ، فلا تشمل الرضاء المتأخر بالتمتع السابق.

ثم إن الشيخ (قدس سره) قد حكم في المقام بتخيّر الحرّة بين إمضاء عقد الأمة ، أو فسخه ، أو فسخ عقد نفسها (1).

مستدلّاً عليه بموثقة سماعة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل تزوّج أمة على حرّة فقال : «إن شاءت الحرّة تقيم مع الأمة أقامت ، وإن شاءت ذهبت إلى أهلها». قال : قلت : فإن لم ترض وذهبت إلى أهلها ، إله عليها سبيل إذا لم ترض بالمقام؟ قال : «لا سبيل عليها إذا لم ترض حين تعلم». قلت : فذهابها إلى أهلها طلاقها؟ قال : «نعم ، إذا خرجت من منزله اعتدَّت ثلاثة أشهر أو ثلاثة قروء ، ثم تتزوج إن شاءت» (2). وهذه الموثقة تدل على تخيرها في عقد نفسها ، وأما تخيرها في عقد الأمة فهو قد ثبت بالأدلة السابقة.

وما أفاده (قدس سره) هو الصحيح لو تمّ متن الرواية. غير أن الأمر ليس كذلك فإن الكليني (قدس سره) قد رواها بعين السند والمتن فيما عدا اختلاف يسير ، فإنّه ذكر في الكافي هكذا : في رجل تزوّج امرأة حرّة وله امرأة أمة ولم تعلم الحرّة أنّه له امرأة ، قال : «إن شاءت الحرّة» الحديث (3). فتكون الموثقة على هذا أجنبية عمّا نحن فيه.

وحيث لا يحتمل تعدّد الروايتين ، فلا محالة قد وقع الخطأ في إحدى النسختين ومن هنا فيتعيّن ترجيح نسخة الكليني (قدس سره) لكونه (قدس سره) أضبط نقلاً من الشيخ (قدس سره) ، فإنّ أخطاء الشيخ (قدس سره) في التهذيب والاستبصار كثيرة ، بل ذكر صاحب الحدائق (قدس سره) أنّه قلّما توجد فيهما رواية تخلو من


1) النهاية : 459.

2) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب ما يحرم بالمصاهرة ، ب 47 ح 3.

3) الكافي 5 : 359.

الشّرطين على الأحوط (1).

ولا فرق في المنع بين كون العقدين دواميين أو انقطاعيين أو مختلفين (2) بل الأقوى عدم الفرق (3) بين إمكان وطء الحرّة وعدمه ، لمرض أو قرن أو رتق ، إلّا مع عدم الشرطين (1)(4).

نعم ، لا يبعد الجواز إذا لم تكن الحرّة قابلة للإذن (5) لصغر أو جنون


الخطأ في السند أو المتن. وما ذكره (قدس سره) وإن كان لا يخلو من مبالغة ومسامحة فإنّه ما أكثر الروايات التي تخلو من الخطأ في السند والمتن فيهما ، غير إن وجود الخطأ فيهما ليس بعزيز.

وعلى كل فلا أقل من الالتزام بتساقطهما ، وحينئذٍ فلا يبقى دليل على تخيّرها في عقد نفسها.

(1) لبنائه (قدس سره) الحكم في أصل المسألة على الاحتياط.

(2) أما بالنسبة إلى عقد الحرّة ، فلإطلاق قوله في صحيحة ابن بزيع : (وله امرأة حرّة). وأما بالنسبة إلى عقد الأمة ، فالنص المذكور وإن كان وارداً في خصوص المتعة ، إلّا أنّك قد عرفت أنّه لا بدّ من التعدي عنها إلى عقد الدوام أيضاً ، للأولوية القطعية.

(3) لإطلاق الدليل.

(4) لم يظهر وجه لهذا الاستثناء ، إذ الكلام إنّما هو في فرض تحقق الشرطين ، وإلّا يتعيّن القول بعدم الجواز جزماً أو احتياطاً على الخلاف.

(5) نظراً لانصراف دليل اشتراط إذن الحرّة أعني صحيحة ابن بزيع إلى القابلة له ، على ما هو الظاهر منها عرفاً ، وعليه فيرجع في غيرها إلى عمومات الحلّ.

ومن هنا يظهر الفرق بين هذه المسألة ومسألة اعتبار إذن العمة والخالة في التزوج من بنت الأخ أو بنت الأُخت ، حيث ذكرنا فيها أنّه لا فرق في اعتبار إذنهما بين كونهما


1) (*) هذه الجملة زائدة أو أنّ في العبارة تقديماً وتأخيراً.

خصوصاً (1) إذا كان عقدها انقطاعياً ، ولكن الأحوط مع ذلك المنع.

وأمّا العكس وهو نكاح الحرّة على الأمة فهو جائز ولازم إذا كانت الحرّة عالمة بالحال (2).


قابلتين للإذن وعدمه.

والوجه في ذلك إن نصوص تلك المسألة دالّة على عدم جواز التزوج من بنت الأخ على العمة وبنت الأُخت على الخالة على الإطلاق ، غير إننا قد خرجنا عنه في فرض إذنهما لبعض النصوص الخاصة ، ومن هنا فإذا فرضنا عدم قابليتهما للإذن كانت إطلاقات المنع هي المحكمة. وهذا بخلاف المقام ، إذ قد عرفت أنّ مقتضى القاعدة هو الجواز ، نظراً لتعارض أدلّة المنع مع ما دلّ على الجواز في فرض الضرورة ، غاية الأمر إننا قد اعتبرنا إذن الحرّة لصحيحة ابن بزيع ، وحيث قد عرفت أنّها منصرفة إلى فرض قابليتها للإذن ، فلا محالة يكون المرجع في فرض عدم قابليتها للإذن هو عمومات الحلّ والجواز.

(1) لم يظهر وجه للخصوصيّة ، بعد ما تقدّم من عدم الفرق بين كون العقدين دواميين أو انقطاعيين أو مختلفين. نعم ، لا يبعد دعوى انصراف الدليل عن بعض أقسام الانقطاع الذي لا يقصد به الاستمتاع كالتزوج منها لكي تحرم أُمها عليه أبداً غير أن هذا لا يختص بالزوجة الصغيرة أو المجنونة ، بل يجرى حتى في الزوجة الكبيرة العاقلة.

(2) لموثقة سماعة المتقدِّمة بناءً على نسخة الكليني (قدس سره). وعلى فرض سقوطها نتيجة لمعارضتها لنسخة الشيخ (قدس سره) ، تكفينا صحيحة يحيى الأزرق قال : سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل كانت له امرأة وليدة فتزوج حرّة ولم يعلمها بأنّ له امرأة وليدة ، فقال : «إن شاءت الحرّة أقامت ، وإن شاءت لم تقم». قلت : قد أخذت المهر فتذهب به؟ قال : «نعم ، بما استحل من فرجها» (1).


1) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب ما يحرم بالمصاهرة ، ب 47 ح 1.

وأمّا مع جهلها ، فالأقوى خيارها في بقائها مع الأمة ، وفسخها ورجوعها إلى أهلها (1). والأظهر عدم وجوب أعلامها بالحال (2). فعلى هذا لو أخفى عليها ذلك أبداً لم يفعل محرماً.


ثم إنّ صاحب الوسائل (قدس سره) قد اقتصر في ذكر اسم راوي هذه الرواية على يحيى بن الأزرق ، وهو إن كان نتيجة سقط في النسخ فهو ، وإلّا فهو خلاف أُصول نقل الحديث. فإنّ يحيى هذا مشترك بين يحيى بن حسان الأزرق المجهول ويحيى بن عبد الرحمن الأزرق الثقة ، مع أن الشيخ (قدس سره) قد روى هذه الرواية في التهذيب عن يحيى بن عبد الرحمن الأزرق (1).

فالرواية على هذا صحيحة السند ، وإن عبّر عنها في الجواهر بخبر يحيى بن الأزرق (2).

(1) بلا خلاف فيه بين الأصحاب ، وتدلّ عليه موثقة سماعة وصحيحة يحيى بن عبد الرحمن الأزرق.

(2) بلا إشكال ، لعدم الدليل عليه ، إذ غاية ما دلّ عليه الدليل هو ثبوت الخيار لها عند علمها بالحال ، وهذا لا يعني وجوب أعلامها بذلك ، كما هو الحال في سائر موارد الخيار في العقود ، كالعيب والغبن وما شاكلهما. بل يمكن استفادة عدم الوجوب من موثقة سماعة وصحيحة ابن الأزرق ، باعتبار أن الإمام (عليه السلام) فيهما لما كان في مقام البيان ، فعدم ذكره لوجوب الإعلام يكون دليلاً على عدمه.

ومن الغريب ما حكاه صاحب الجواهر (قدس سره) عن الرياض من أنّه قال : ولو أدخل الحرّة على الأمة جاز ، ولزم علم الحرّة بأن تحته أمة إجماعاً ونصوصاً. ثم أشكل عليه بأنّه لم نتحقق ذلك ، وذكر أنّ من الممكن أن يريد الإجماع والنصوص على الحكم الأوّل ، أعني الجواز (3).


1) التهذيب 7 : 345 / 1413.

2) الجواهر 29 : 412.

3) الجواهر 29 : 413.

[3794] مسألة 1 : لو نكح الحرّة والأمة في عقد واحد مع علم الحرّة صحّ (1). ومع جهلها صحّ بالنسبة إليها ، وبطل بالنسبة إلى الأمة (2) إلّا مع إجازتها (3).


والظاهر أنّ نسخته (قدس سره) كانت مغلوطة ، والصحيح إضافة كلمة (مع) بعد قوله (لزم) كما هو الحال في النسخ المطبوعة من الرياض وإلّا لكانت العبارة غير مستقيمة جزماً ، إذ ينبغي أن تكون (ولزم إعلام الحرّة) لو كان المقصود هو ما ذكره صاحب الجواهر (قدس سره).

(1) باعتبار أنّ رضا الحرّة بهذا العقد مع علمها بالحال رضا بتزوج الرجل من الأمة ، فتشمله أدلة جواز إدخال الأمة على الحرّة إذا رضيت بذلك.

(2) لصحيحة أبي عبيدة الحذاء عن أبي جعفر (عليه السلام) ، قال : سئل أبو جعفر (عليه السلام) عن رجل تزوّج امرأة حرّة وأمتين مملوكتين في عقد واحد ، قال : «أما الحرّة فنكاحها جائز ، وإن كان سمّى لها مهراً فهو لها. وأما المملوكتان فإنّ نكاحهما في عقد مع الحرّة باطل ، يفرق بينه وبينهما» (1).

(3) والوجه فيه بعد إطلاق صحيحة أبي عبيدة المقتضي للبطلان ، بلا فرق بين علم الحرّة وجهلها ، والإذن وعدمه هو ما ادعاه صاحب الجواهر (قدس سره) من اليقين بتقييدها بصورة عدم الإذن والرضا (2). وهو غير بعيد ، ولعلّ منشأه الروايات التي دلت على جواز إدخال الأمة على الحرّة بإذنها ، فإنّه إذا جاز إدخالها عليها برضاها ، جاز الاقتران بطريق أولى.

هذا ويمكن أن يقال في توجيه الحكم : إنّ صحيحة أبي عبيدة معارضة للآية الكريمة الدالّة على جواز التزوج من الأمة عند عدم الطول وخشية العنت ، والنصوص الدالّة عليه مع الضرورة ، باعتبار أن النسبة بينهما إنّما هي نسبة العموم والخصوص من وجه. فيتعارضان في مورد الاجتماع ، حيث إنّ مقتضى الآية هو الجواز ، في حين أن مقتضى صحيحة أبي عبيدة هو المنع. وعليه فإن قلنا بترجيح الآية فهو ، وإلّا كان


1) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب ما يحرم بالمصاهرة ، ب 48 ح 1.

2) الجواهر 29 : 414.

وكذا الحال لو تزوجهما بعقدين في زمان واحد ، على الأقوى (1).

[3795] مسألة 2 : لا إشكال في جواز نكاح المبعضة على المبعضة (2). وأمّا على الحرّة ففيه إشكال ، وإن كان لا يبعد جوازه (3) لأنّ الممنوع نكاح الأمة على الحرّة ، ولا يصدق الأمة على المبعضة ، وإن كان لا يصدق أنّها حرّة أيضاً (4).

[3796] مسألة 3 : إذا تزوَّج الأمة على الحرّة ، فماتت الحرّة أو طلّقها ، أو وهب مدّتها في المتعة أو انقضت ، لم يثمر في الصحّة (5) بل لا بدّ من العقد على الأمة جديداً إذا أراد.


مقتضى تساقطهما هو الرجوع إلى عمومات الجواز.

ومقتضى هذا التقرير وإن كان هو الجواز حتى مع عدم رضا الحرّة ، إلّا أننا لما علمنا بأنّ للحرّة حقاً على الأمة كما يظهر ذلك مما دلّ على تخيّر الحرّة في عقد نفسها إذا دخلت هي على الأمة ، وفي عقد الأمة إذا دخلت الأمة عليها كان تخيّرها عند الجمع بينهما في عقد واحد في عقد نفسها أو عقد الأمة ممّا لا ينبغي الشكّ فيه ، إذ أنّ الجمع بينهما لا يقصر عن دخولها على الأمة أو العكس.

غير أنّ الاحتمال الأوّل أعني تخيّرها في عقد نفسها لما كان مخالفاً لصريح صحيحة أبي عبيدة ، تعيّن الثاني لا محالة ، فيحكم حينئذٍ بالبطلان لو لم تجز الحرّة العقد.

(1) وذلك للقطع بعدم خصوصيّة وحدة العقد في الحكم ، وإنّما العبرة باقتران التزويجين.

(2) من دون اعتبار لإذنها ، لعدم شمول الأدلة لها ، باعتبار عدم صدق الحرّة عليها.

(3) لعمومات الحل ، بعد عدم شمول أدلّة المنع لها لما ذكر في المتن.

(4) لكونها ملفّقة منهما.

(5) لأنّه حينما حدث ووقع في الخارج لم يكن مشمولاً لأدلّة لزوم الوفاء بالعقد والصحّة باعتبار أنّه يعتبر فيها إذن الحرّة وهو لم يتحقق بحسب الفرض وبعد انقطاع

[3797] مسألة 4 : إذا كان تحته حرّة فطلقها طلاقاً بائناً ، يجوز له نكاح الأمة في عدّتها (1). وإما إذا كان الطلاق رجعيا ففيه إشكال ، وإن كان لا يبعد الجواز (1)، لانصراف الأخبار عن هذه الصورة (2).


عصمة الحرّة لم يكن هناك عقد جديد كي يحكم بصحته ، وحيث إنّ الانقلاب غير معقول ، فلا بدّ من الحكم ببطلانه.

وبعبارة اخرى : إنّ أدلة اللزوم والصحّة ناظرة إلى إمضاء العقد من حين وقوعه. وحيث إنّ العقد في المقام لم يكن مشمولاً لها من ذلك الحين ، لعدم تحقق الإذن فشمولها له بعد ذلك يحتاج إلى الدليل ، نظير ما يذكر في علم البائع والمشتري بالثمن بعد العقد مع جهلهما به في حينه. وحيث إنّ الدليل في المقام منحصر فيما دلّ على اعتبار إذن الحرّة وهو لم يتحقق ، فمقتضى القاعدة هو البطلان.

(1) لانقطاع عصمتها ، ومعه فلا يصدق عليه أنّه أدخل أمة على امرأته الحرّة ، فلا تشمله نصوص المنع.

(2) سواء أقلنا بأنّ المعتدة رجعية زوجة حقيقة ، أم قلنا بأنّها في حكم الزوجة. وذلك لظهور قوله في صحيحة ابن بزيع المتقدِّمة : (وله امرأة حرّة) في كونه ذا زوجة حرّة باعتباره ونظره ، وحيث إنّ المطلقة رجعية ليست كذلك وإن كانت زوجة بحكم الشارع ، كانت الصحيحة قاصرة الشمول عن مثلها.

وبعبارة اخرى : إنّ المطلقة رجعية وإن كانت زوجة بحكم الشارع ، إلّا أنّ سؤال الراوي في صحيحة ابن بزيع منصرف عنها ولا يشملها ، وحينئذٍ فمقتضى العمومات هو الجواز.

هذا كلّه فيما إذا لم يرجع الزوج بالزوجة في أثناء العدّة ، وإلّا فلا ينبغي الشكّ في صدق أنّه تزوّج من أمة وله امرأة حرّة ، فإنّ الرجوع لا يحدث زوجية جديدة حتى في اعتبار الزوج ونظره ، وإنّما هو إبطال للطلاق وإزالة لأثره ، وحينئذٍ فيتعيّن اعتبار إذن الحرّة لا محالة.


1) (*) هذا إذا لم يرجع إليها بعد التزويج بالأمة ، وإلّا فالحكم بالجواز بعيد جدّاً.

[3798] مسألة 5 : إذا زوّجه فضولي حرّة فتزوّج أمة ثم أجاز عقد الفضولي فعلى النقل لا يكون من نكاح الأمة على الحرّة فلا مانع منه (1) وعلى الكشف مشكل (2).

[3799] مسألة 6 : إذا عقد على حرّة ، وعقد وكيله له على أمة ، وشكّ في السابق منهما ، لا يبعد صحتهما (3) وإن لم تجز الحرّة. والأحوط طلاق الأمة مع


(1) نظراً لتأخر زوجية الحرّة عن زوجية الأمة بحسب الفرض فلا تشمله أدلّة اعتبار إذن الحرّة في نكاح الأمة.

(2) والظاهر هو التفصيل ، نظير ما تقدّم في مسألة الجمع بين العمة وبنت الأخ أو الخالة وبنت الأُخت.

فإنّه بناءً على الكشف الحكمي لا ينبغي الإشكال في عدم اعتبار إذن الحرّة ، باعتبار أنّ استناد زوجيتها إليه إنّما يكون من حين الإجازة وإن ترتبت الآثار والأحكام من حين وقوع العقد تعبداً ، إلّا أنّ ذلك لا يعتبر من التزويج بالحرّة قبل الأمة ، وحينئذٍ فيكون الحال على هذا كالقول بالنقل.

وأما بناءً على الكشف الحقيقي بمعنى انكشاف استناد العقد إليه من حينه بحيث تكون الإجازة كالبيّنة فلا ينبغي الإشكال في صدق عنوان إدخال الأمة على الحرّة نظراً لكون زوجية الحرّة على هذا موجودة قبل زوجية الأمة وسابقة عليها ، فلا بدّ من اعتبار إذنها للنصوص المتقدِّمة.

وأما بناءً على الانقلاب فلا تخلو المسألة من إشكال ، باعتبار أن زوجية الحرّة وإن كانت سابقة على زوجية الأمة ، إلّا أنّها لما كانت سابقة من حين الإجازة بمعنى أنّها من حين الإجازة تصبح كذلك وكان ظاهر صحيحة ابن بزيع كونها سابقة على زوجية الأمة في حين وقوع العقد على الأمة ، فلا تشمله هذه الصحيحة ، وحينئذٍ فلا يخلو الحكم من إشكال.

(3) أما عقد الحرّة فلكونه صحيحاً على كل حال ، سواء أكان سابقاً أم لاحقاً ، إذ الممنوع إنّما هو إدخال الأمة على الحرّة ، وأما إدخال الحرّة على الأمة فلا إشكال فيه

عدم إجازة الحرّة (1).


ومن هنا فيحكم بصحّة عقد الحرّة لا محالة.

وأمّا عقد الأمة فلأن الممنوع إنّما هو إدخالها على الحرّة بمعنى أن تكون عنده حين التزوج من الأمة زوجة حرّة وحيث إنّه مشكوك ، فيستصحب عدمه إلى حين التزوج من الأمة. ولا يعارض ذلك باستصحاب عدم التزوج من الأمة إلى حين التزوج من الحرّة ، لعدم الأثر له في المقام ، لأنّه لا يثبت تأخر عقد الأمة إلّا بالملازمة فيكون من الأُصول المثبتة.

هذا ولكن الصحيح أن يقال بأنّ للمسألة صوراً :

فقد يُفرض أن الحرّة لا تفسخ عقد نفسها ، ولا ترضى بعقد الأمة أيضاً.

وقد يُفرض أنّها تأذن في عقد الأمة ، لكنها تفسخ عقد نفسها.

وثالثة يُفرض أنّها تفسخ عقد نفسها وعقد الأمة معاً.

فإنّ الحكم يختلف باختلاف هذه الفروض.

ففي الفرضين الأولين يحكم بصحّة العقدين معاً : لاستصحاب عدم التزوج بالحرّة إلى حين التزوج من الأمة في الفرض الأول ، فلا تشملها نصوص المنع عن إدخال الأمة على الحرّة. ولاستصحاب عدم التزوج من الأمة إلى حين التزوج من الحرّة في الفرض الثاني ، فلا تشملها أدلّة ثبوت الخيار للحرّة فيما إذا أُدخلت على الأمة.

وأما في الفرض الثالث فلا مجال للحكم بصحتهما معاً ، للعلم الإجمالي ببطلان أحد العقدين في الواقع. فإنّه لو كان عقد الأمة هو المتأخر كان نكاحها باطلاً ، لعدم إذن الحرّة. وإن كان عقدها هو المتقدم كان عقد الحرّة باطلاً ، لفسخها نكاح نفسها. وحينئذٍ فلا بدّ من التخلص من المشكلة ، أما من طلاق الزوجة الواقعية فتنفصلان منه معاً ، وأما من الرجوع إلى القرعة لتعيين الزوجة منهما عن الأجنبية ، نظراً لكونها لكل أمر مشكل ، وهذا منه.

(1) ولعلّه (قدس سره) ناظر إلى خصوص الفرض الثالث ، ومعه فقد عرفت أنّ له طريقاً آخر غير الطلاق.

[3800] مسألة 7 : لو شرط في عقد الحرّة أن تأذن في نكاح الأمة عليها صحّ (1) ولكن إذا لم تأذن لم يصحّ (2) بخلاف ما إذا شرط عليها أن يكون له نكاح الأمة (1)(3).

فصل : في نكاح العبيد والإماء

[3801] مسألة 1 : أمر تزويج العبد والأمة بيد السيد ، فيجوز له تزويجهما ولو من غير رضاهما ، أو إجبارهما (4) على ذلك. ولا يجوز لهما العقد على نفسهما


(1) لعموم ما دلّ على نفوذ الشرط.

(2) فإنّ شرطية إذنها لا تسقط بعصيانها لأمر الوفاء بالشرط.

(3) باعتبار أنّ مرجعه إلى توكيل الزوج في الإذن ، وقد عرفت فيما تقدّم أنّ الوكالة إذا كانت شرطاً في عقدٍ لازم كانت لازمة ولا يصحّ عزله عنها ، وحينئذٍ فيكون إذنه بمنزلة إذن الزوجة الحرّة حتى ولو لم ترض هي بذلك.

فصل

في نكاح العبيد والإماء

(4) بلا خلاف ولا إشكال فيه ، وتدلّ عليه عدّة من الآيات الكريمة والنصوص الشريفة.

فقد قال تعالى ( وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ وَالصّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ ) (2). فإنّه بعد الفراغ عن أنّه ليس للعبد والأمة شي‌ء من الأمر ، يكون الخطاب في الآية متوجِّهاً إلى المولى لا محالة ، فتدلّ على جواز تزويجه لهما.


1) (*) لا أثر لهذا الشرط إلّا أن يرجع إلى اشتراط الوكالة للزوج في الإذن من قبلها.

2) سورة النور 24 : 32.

من غير إذنه (1) كما لا يجوز لغيرهما العقد عليهما (2) كذلك ، حتّى لو كان لهما أب حرّ. بل يكون إيقاع العقد منهما أو من غيرهما عليهما حراماً (1)(3) إذا كان ذلك بقصد ترتيب الأثر ، ولو لا مع إجازة المولى.


وقال تعالى ( فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ ) (2).

حيث يستفاد منها أنّ أمر تزويجهما بيد المولى ، فله أن يزوِّجهما وله أن يمتنع عن ذلك.

وقال تعالى ( ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْ‌ءٍ ) (3). فإنّها دالّة على أنّ المملوك سواء في ذلك العبد والأمة ليس له من الأمر شي‌ء ، ومن هنا فلا يترتّب على ما يقوم به من معاملات وغيرها ومنها النكاح أي أثر.

وأمّا النصوص فهي متضافرة وكثيرة ، بل في بعضها التصريح بأنّه ليس له النكاح والطّلاق ، وإنّ من تزوّج بالأمة من دون إذن سيِّدها كان زانياً. ويدلّ عليه ما ورد من أنّ طلاق الأمة بيد المولى إذا زوَّجها من العبد ، وبيد الحر إذا زوَّجها منه.

وعلى كلٍّ ، فالحكم ممّا لا خلاف فيه بينهم ، وتدلّ عليه الآيات الكريمة والنصوص المتضافرة ، بل ومع غضّ النظر عن ذلك تقتضيه القاعدة. فإنّ العبد والأمة لمّا كانا قابلين للتزويج ، ولم يكن لهما من الأمر شي‌ء ، كان أمر ذلك بيد المولى لا محالة.

(1) ويقتضيه ما تقدّم.

(2) لما تقدّم أيضاً.

(3) وهو مبني على ما اختاره جماعة في محلّه ، من ثبوت الحرمة لمقدّمة الحرام إذا كان بقصد ترتّب الحرام عليها ، نظير حرمة المقدّمة التوليدية. إلّا أنّنا قد ذكرنا هناك أنّه لا دليل على هذا المدّعى بالمرّة ، إذ أنّ قصد الإتيان بالحرام إنّما يدخل في نيّة المعصية وهو نوع من التجرُّؤ ، وقد عرفت أنّه لا دليل على حرمته وإن كان فيه نوع


1) (*) ليس هذا حراماً شرعيّاً ، بل هو داخل في نيّة المعصية وهي نوع من التجرُّؤ.

2) سورة النساء 4 : 25.

3) سورة النحل 16 : 75.

نعم ، لو كان ذلك بتوقّع الإجازة منه ، فالظاهر عدم حرمته ، لأنّه ليس تصرّفاً في مال الغير عرفاً (1) كبيع الفضولي مال غيره.

وأمّا عقدهما على نفسهما من غير إذن المولى ، ومن غيرهما (1)(2) بتوقّع الإجازة فقد يُقال بحرمته (2)(3) لسلب قدرتهما وإن لم يكونا مسلوبي العبارة. لكنّه مشكل


طغيان وتعدٍّ على حقّ المولى ، فإنّ مجرّد ذلك لا يقتضي الحكم بالحرمة التشريعية حتّى ولو قلنا باستحقاق المكلّف للعقاب على ذلك ، إذ لا يلزم منه أن يكون الفعل حراماً.

والحاصل أنّ المقام داخل في التجرُّؤ ، وقد عرفت أنّه ليس بحرام ، سواء أتى بالمقدّمة أم لم يأت بها.

(1) فلا تشمله أدلّة عدم جواز التصرّف في مال الغير.

(2) العبارة لا تخلو من تشويش ، والظاهر أنّ موضع هذه العبارة إنما هو بعد قوله (قدس سره) : نعم ، لو كان ذلك.

(3) اختاره صاحب الجواهر (قدس سره) (3)ولعلّه لكونه تصرفاً منهما في نفسهما فتشمله أدلة حرمة التصرف في مال الغير.

وفيه : إنّ سلب القدرة إنما يكون منشأً للحكم الوضعي ، أعني عدم نفوذ العقد وصحته ، وأما الحكم التكليفي فلا مجال لاستفادته منه ، فيكون حال هذا التلفظ حال سائر تلفظاته وتكلماته.

هذا مضافاً إلى دلالة صحيحة منصور بن حازم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في مملوك تزوّج بغير إذن مولاه ، أعاصٍ لله؟ قال : «عاصٍ لمولاه». قلت : حرام هو؟ قال : «ما أزعم أنه حرام ونوله لا يفعل إلّا بإذن مولاه» (4)

ونولك أن تفعل، أي: حقك وينبغي لك، الصحاح 5:1836.

صريحاً على عدم الحرمة.

1) (*) في العبارة تشويش ، والمراد ظاهر فإنّ موضع هذه العبارة قبل سطرين ، يعني بعد قوله : (نعم لو كان ذلك) كما يظهر وجهه بأدنى تأمّل.

2) (**) لا وجه للقول بالحرمة أصلاً ، فإنّ سلب القدرة لا يكون منشأً للحرمة وإنّما يكون منشأً لعدم النفوذ.

3) الجواهر 30 : 204.

4) الوسائل ، ج 21 كتاب النكاح ، أبواب نكاح العبيد والإماء ، ب 23 ح 2.

لانصراف سلب القدرة عن مثل ذلك. وكذا لو باشر أحدهما العقد للغير بإذنه أو فضولة ، فإنه ليس بحرام (1) على الأقوى ، وإن قيل بكونه حراماً (2).

[3802] مسألة 2 : لو تزوّج العبد من غير إذن المولى وقف على إجازته ، فإن أجاز صحّ (3).


(1) لما تقدّم.

(2) اختاره صاحب الجواهر (قدس سره) أيضاً (1).

(3) على ما ذهب إليه الأكثر من الأصحاب ، بل لم ينسب الخلاف فيه إلّا إلى ابن إدريس (قدس سره) حيث التزم بالبطلان (2)، نظراً إلى أنّ النصوص الواردة في المقام أخبار آحاد وهو لا يلتزم بحجيتها. والقاعدة تقتضي البطلان ، لأن العقد حين وقوعه لم يكن صحيحاً لفقدان إذن المولى ، فصحته بعد ذلك بالإجازة المتأخرة تحتاج إلى الدليل وهو مفقود.

إلّا أن ما أفاده (قدس سره) لا يمكن المساعدة عليه ، لجملة من النصوص الصحيحة الدالّة على الصحّة صريحاً :

كصحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) عن أبيه عن آبائه عن علي (عليهم السلام) : «أنه أتاه رجل بعبده ، فقال : إن عبدي تزوّج بغير إذني ، فقال علي (عليه السلام) لسيده : فرِّق بينهما. فقال السيد لعبده : يا عدوّ اللّه طلِّق. فقال له (عليه السلام) : كيف قلت له؟ قال : قلت له : طلِّق. فقال علي (عليه السلام) للعبد : أما الآن فإن شئت فطلق ، وإن شئت فأمسك. فقال السيد : يا أمير المؤمنين ، أمر كان بيدي فجعلته بيد غيري. قال : ذلك لأنك حين قلت له : طلّق ، أقررت له بالنكاح» (3).


1) الجواهر 30 : 205 206.

2) السرائر 2 : 565.

3) الوسائل ، ج 21 كتاب النكاح ، أبواب نكاح العبيد والإماء ، ب 27 ح 1.

وكذا الأمة على الأقوى (1).


وصحيحة معاوية بن وهب ، قال : جاء رجل إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام) فقال : إني كنت مملوكاً لقوم ، وإني تزوجت امرأة حرّة بغير إذن مواليّ ثمّ أعتقوني بعد ذلك فأُجدِّد نكاحي إياها حين اعتقت؟ فقال له : «أكانوا علموا أنك تزوجت امرأة وأنت مملوك لهم»؟ فقال : نعم ، وسكتوا عني ولم يغيروا علي. قال : فقال : «سكوتهم عنك بعد علمهم إقرار منهم ، اثبت على نكاحك الأوّل» (1).

وصحيحة الحسن بن زياد الطائي ، قال : قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : إني كنت رجلا مملوكاً فتزوّجت بغير إذن مواليّ ، ثمّ أعتقني اللّه بعد ، فأُجدد النكاح؟ قال : فقال : «علموا أنك تزوّجت»؟ قلت : نعم ، قد علموا فسكتوا ولم يقولوا لي شيئاً. قال : «ذلك إقرار منهم ، أنت على نكاحك» (2).

إلى غير ذلك من النصوص الدالة على صحّة العقد عند لحوق الإجازة.

(1) خلافاً لما ذهب إليه صاحب الحدائق (قدس سره) ، حيث فصل بين العبد والأمة ، فالتزم بصحّة عقد العبد إذا لحقته الإجازة ، بخلاف الأمة فإنّ عقدها لا يصحّ حتى وإن لحقته الإجازة. بدعوى أنّ النصوص كلها واردة في العبد خاصة ، فتبقى الأمة مشمولة للقاعدة المقتضية للبطلان (3).

وما أفاده (قدس سره) إنما يتمّ لو انحصرت نصوص صحّة عقد العبد عند لحوق الإجازة بما تقدّم. فإنه حينئذ يمكنه أن يقال بأن القاعدة لما كانت تقتضي البطلان وكانت نصوص الصحّة مختصة بالعبد ، كان مقتضى الصناعة الحكم بالبطلان في عقد الأمة ، لعدم الدليل على خروجها عن القاعدة. إلّا أنّ الأمر ليس كذلك ، فإنّ في نصوص الصحّة ما يقتضي التعدي من العبد إلى الأمة ، ويدلّ على شمول الحكم لها أيضاً :


1) الوسائل ، ج 21 كتاب النكاح ، أبواب نكاح العبيد والإماء ، ب 26 ح 1.

2) الوسائل ، ج 21 كتاب النكاح ، أبواب نكاح العبيد والإماء ، ب 26 ح 3.

3) الحدائق 24 : 202.

.................................................................................................


كصحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) ، قال : سألته عن مملوك تزوّج بغير إذن سيده ، فقال : «ذاك إلى سيده ، إن شاء أجازه ، وإن شاء فرّق بينهما». قلت : أصلحك اللّه ، إنّ الحكم بن عيينة وإبراهيم النخعي وأصحابهما يقولون : إنّ أصل النكاح فاسد ، ولا تحلّ إجازة السيد له؟ فقال أبو جعفر (عليه السلام) : «إنه لم يعص اللّه ، وإنما عصى سيده ، فإذا أجازه فهو له جائز» (1).

وصحيحته الأُخرى عنه (عليه السلام) أيضاً ، قال : سألته عن رجل تزوّج عبده بغير إذنه فدخل بها ثمّ اطلع على ذلك مولاه ، قال : «ذاك لمولاه إن شاء فرّق بينهما وإن شاء أجاز نكاحهما. فإن فرّق بينهما فللمرأة ما أصدقها ، إلّا أن يكون اعتدى فأصدقها صداقاً كثيراً. وإن أجاز نكاحه ، فهما على نكاحهما الأوّل». فقلت لأبي جعفر (عليه السلام) : فإنّ أصل النكاح كان عاصياً؟ فقال أبو جعفر (عليه السلام) : «إنما أتى شيئاً حلالاً وليس بعاصٍ لله ، إنما عصى سيده ولم يعص اللّه ، إنّ ذلك ليس كإتيان ما حرَّم اللّه عليه من نكاح في عدّة وأشباهه» (2).

فإنّ التعليل المذكور فيهما يدلّ على عدم اختصاص الحكم بالعبد ، بل يجري في الأمة على حد جريانه في العبد ، لجريان التعليل المذكور بعينه فيها. فيقال : إنّ نكاح الأمة في نفسه ليس بمحرم كتزوجها من أخيها مثلاً ، وليست هي عاصية لله تبارك وتعالى ، وإنما هي عاصية لسيدها فإذا أجاز جاز.

هذا مضافاً إلى ما ذكره الفقهاء في غير واحد من الأبواب الفقهية ، من أنّ الحكم إذا تعلّق بعنوان اشتقاقي ولم تكن هناك قرينة على الاختصاص عمّ الرجل والمرأة كالأحكام الثابتة للمحرم والمسافر والحاضر والصائم والبيّعين وصاحب الحيوان وغيرها ، فإنه لا قائل باختصاصها بالرجل ، بل لم يناقش في عمومها أحد حتى صاحب الحدائق (قدس سره). وحيث إنّ المقام من هذا القبيل ، باعتبار أنّ المملوك المذكور في صحيحتي زرارة عنوان اشتقاقي جامع بين العبد والأمة ، فلا وجه للتفريق بينهما في الحكم.


1) الوسائل ، ج 21 كتاب النكاح ، أبواب نكاح العبيد والإماء ، ب 24 ح 1.

2) الوسائل ، ج 21 كتاب النكاح ، أبواب نكاح العبيد والإماء ، ب 24 ح 2.

.................................................................................................


ولا ينافي هذا ما دلّ على أنّ التزوّج من الأمة بغير إذن مولاها زنا ، فإنه مما لا إشكال فيه ، ولا يختص بالأمة بل يجري في جانب العبد أيضاً ، فإنه وإن لم يرد فيه هذا التعبير بخصوصه ، إلّا أنه قد ورد في جملة من النصوص ما يلازمه قهراً.

نظير ما دلّ على عدم جواز تزوّج العبد من غير إذن مولاه ، فإنّ لازمه بطلان العقد ، ولازم البطلان هو كون المواقعة زنا. وما دلّ على أن نكاحه من غير إذن سيِّده باطل ومردود. وكذا ما دلّ على أنّ الحرّة إذا زوّجت نفسها من العبد بغير إذن مولاه فقد أباحت نفسها وليس لها صداق ، فإنّه ظاهر في كون الفعل زنا ، وإلّا فلا وجه للحكم بعدم استحقاقها للصداق.

غير أنه مختص بحالة ما قبل إجازة المولى ، بمعنى كون النكاح في نفسه كذلك ما لم تلحقه الإجازة. وأما بعد الإجازة فليس الأمر كذلك ، بل يحكم بصحّة عقدهما ، فلا يكون الفعل زنا لا محالة.

وأما ما استشهد به صاحب الحدائق (قدس سره) لمدعاه ، من أن عدم ذكر الأمة في ضمن كلام الإمام (عليه السلام) مشعر بعدم جريان الحكم فيها ، مندفعٌ بأنّ ما صدر منه (عليه السلام) لم يكن لبيان الحكم ابتداء كي يكون لما قيل وجه ، وإنما كان في مقام الجواب عن السؤال الموجه إليه (عليه السلام) ، وحيث إنّ الأسئلة كانت مختصة بالعبد ، فلا مجال لاستفادة ما ذكر من عدم التعرض إلى ذكرها في الأجوبة.

ثمّ إنه ربّما يستدلّ على الصحّة في المقام بعموم قوله تعالى ( فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ ) بدعوى أنّ مقتضاه عدم الفرق بين الإذن السابق على العقد واللّاحق له.

إلّا أنه بعيد جدّاً ، إذ الظاهر من هذه الآية الكريمة هو ترتب النكاح على الإذن بحيث يكون النكاح صادراً ومسبباً عنه ، فإذا لم يكن العقد كذلك ، فالإذن المتأخر لا يقلبه فيجعله نكاحاً عن الإذن.

وبعبارة اخرى : إنّ المعتبر في الحلية إذا كان كلٌّ من النكاح والإذن مستقلا عن الآخر ، لكان لما ذكر وجه وإن لم يكن يخلو من الإشكال أيضاً. إلّا أنّ الأمر ليس كذلك ، حيث إنّ المعتبر فيها إنّما هو صدور النكاح المتفرِّع والمترتِّب على الإذن ، فلا وجه للحكم بصحّة النكاح الصادر عن غير الإذن وإن لحقه بعد ذلك ، إذ الإذن

والإجازة كاشفة (1). ولا فرق في صحته بها بين أن يكون بتوقعها ، أو لا بل على الوجه المحرم.


المتأخر لا يقلب النكاح السابق عن وصف كونه من غير إذن إلى كونه صادراً عن الإذن.

إذن فالصحيح في المقام هو التمسك بما ذكرناه لإثبات المدعى.

(1) وذلك فلأن النقل وإن كان ممكناً في نفسه بل قد وقع في بعض الموارد ، كبيع الصرف والسلم فيما إذا تأخر القبض عن العقد حيث يكون البيع في زمان والملكية في زمان آخر ، وكذا كل ما هو مشروط بالقبض كالهبة والوقف على جهة معينة إذا تأخر القبض من العقد ، إلّا أن الدليل لا يساعد عليه ، باعتبار أن الإجازة والإمضاء إنما تتعلّقان بالعقد الذي وقع في حينه ، ومن هنا فيكون الحكم بالملكية من حين الإجازة على خلاف الإمضاء ودليل النفوذ ، فيحتاج إلى دليل خاص ، وحيث إنه مفقود فلا مجال للالتزام به.

بل هو منافٍ لظاهر صحيحة محمد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) ، قال : «قضى في وليدة باعها ابن سيدها وأبوه غائب فاشتراها رجل فولدت منه غلاماً ، ثمّ قدم سيِّدها الأوّل فخاصم سيدها الأخير فقال : هذه وليدتي باعها ابني بغير إذني فقال : خذ وليدتك وابنها ، فناشده المشتري ، فقال : خذ ابنه يعني الذي باع الوليدة حتى ينفذ لك ما باعك ، فلما أخذ البيع الابن قال أبوه : أرسل ابني ، فقال : لا أُرسل ابنك حتى ترسل ابني ، فلما رأى ذلك سيد الوليدة الأوّل أجاز بيع ابنه» (1).

فإنها ظاهرة في الكشف والحكم بالصحّة من حين صدور العقد ، وإلّا لكان على المشتري أن يدفع لسيدها الأوّل مهر أمثالها نظراً لوطئه أمة الغير شبهة ، والحال أنه (عليه السلام) لم يتعرض لذلك.

وصريح صحيحة أبي عبيدة الحذاء ، قال : سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن غلام وجارية زوّجهما وليان لهما ، وهما غير مدركين؟ قال : فقال : «النكاح جائز ، أيهما


1) الوسائل ، ج 21 كتاب النكاح ، أبواب نكاح العبيد والإماء ، ب 88 ح 1.

.................................................................................................


أدرك كان له الخيار ، فإن ماتا قبل أن يدركا فلا ميراث بينهما ولا مهر ، إلّا أن يكونا قد أدركا ورضيا». قلت : فإن أدرك أحدهما قبل الآخر؟ قال : «يجوز عليه ذلك إن هو رضي». قلت : فإن كان الرجل الذي أدرك قبل الجارية ورضي النكاح ، ثمّ مات قبل أن تدرك الجارية ، أترثه؟ قال : «نعم ، يعزل ميراثها منه ، حتى تدرك وتحلف باللّه ما دعاها إلى أخذ الميراث إلّا رضاها بالتزويج ، ثمّ يدفع إليها الميراث ونصف المهر» الحديث (1).

فإنها صريحة في الكشف ، إذ لولاه لم يكن مجال للحكم بعزل نصيب البنت حتى تدرك ، لأنه وبمجرد موت أحد الطرفين لا يبقى مجال للحكم بالزوجية ، فإنها من الزوجية بين الحي والميت وهو باطل جزماً.

على أنّ القول بالنقل لا يتمّ في العقود المتقيدة بالزمان كالإجارة ونكاح المتعة ، كما لو آجر الفضولي الدار شهراً أو تزوّج من الأمة شهراً ولم يجز المالك إلّا بعد انقضاء نصفه. فإنه لو كانت الإجازة ناقلة لكانت الملكية أو الزوجية في خصوص النصف الباقي من الشهر ، أي من حين الإجازة إلى انقضاء الشهر ، والحال أن المنشأ إنما هو الملكية والزوجية شهراً كاملاً ، فيرد عليه إن ما أنشأ لم يمض وما امضي لم ينشأ فكيف يمكن الالتزام بصحته.

والحاصل : إنّ النقل وإن كان ممكناً في نفسه ، إلّا أن دليل الإمضاء والنفوذ لا يساعد عليه ، باعتبار أن ظاهره إمضاء ما وقع. ومن هنا فلا بدّ من الالتزام بالكشف ، غير أن الأقوال في الكشف لما كانت مختلفة : فمنهم من يقول بالكشف الحقيقي ، ومنهم من يقول بالكشف الانقلابي ، ومنهم من يقول بالكشف الحكمي ، فلا بدّ من تحقيق الحال لمعرفة الصحيح منها. ومن هنا فنقول :

أمّا الكشف الحقيقي فهو وإن كان ممكناً في نفسه بحيث تكون الإجازة شرطاً متأخّراً ، إلّا أنه لا دليل عليه أيضاً ، فإنّ ظاهر الأدلة إنما هو اعتبار نفس الرضا والإجازة لا اعتبار تعقبهما. وحيث ان من الواضح انهما لم يكونا موجودين حال العقد ولم يكن العقد عن الرضا ، فلا وجه للحكم بالصحّة وإن كان متعقباً بهما ، بل إنّ القول


1) الوسائل ، ج 26 كتاب الفرائض والمواريث ، أبواب ميراث الأزواج ، ب 11 ح 1.

.................................................................................................


به على خلاف ظاهر دليل الجواز ، فإنّ ظاهره إنما هو كون الجواز متفرعاً على الرضا لا أنه إذا أجاز العقد انكشف الجواز السابق ، ومن هنا فلا مجال للالتزام بهذا القول.

وأما الكشف الانقلابي ، بمعنى انقلاب العقد بعد الإجازة وثبوت الجواز من السابق ، فهو مضافاً إلى أنه لا دليل عليه غير معقول في نفسه ، لأن الشي‌ء لا ينقلب عما وقع عليه والزمان المعدوم لا يمكن إيجاده ثانياً ، بلا فرق بين الأُمور التكوينية والأُمور الاعتبارية ، فإنه محال فيهما معاً.

ومن هنا فيتعين القول بالكشف الحكمي ، فيحكم بنفوذ العقد من حينه من الآن.

ولتوضيحه نقول : إنّ الشي‌ء قد يكون موجوداً بالوجود الحقيقي الذي لا يختلف باختلاف الأنظار ، وقد يكون موجوداً بالوجود الاعتباري ، كالأحكام الوضعية والتكليفية. والأوّل ينقسم إلى قسمين : فإن الموجود بالوجود الحقيقي قد يكون موجوداً في الخارج كالأعيان ، وقد يكون موجوداً في النفس خاصة كمتعلق العلم فإنه موجود حقيقة غير إنّ وعاء وجوده إنما هو النفس دون الخارج.

والفرق بين الوجود الاعتباري والوجود الذهني هو أن الأوّل موجود في الخارج فإنه يتعلق بما هو موجود في الخارج لكن بالوجود الفرضي. في حين أنّ الثاني لا وجود له في الخارج ، بل ينحصر وجوده في الذهن خاصة ، فإنّ العلم لا يتعلق بما هو في الخارج ، وإنما يتعلق بصورته الحاضرة في الذهن ، كما هو واضح.

وأما الفرق بينهما وبين الوجود الخارجي الحقيقي ، فهو كامن في أن الثاني لا ينفك عن الموجود في الخارج إلّا بالاعتبار ، فإذا كان الوجود موجوداً فالماهية موجودة أيضاً ، كما أنه لو كانت الماهية موجودة كان الوجود موجوداً لا محالة. وهذا بخلاف الوجود الذهني والوجود الاعتباري ، فإنهما من الممكن أن يتعلقا بأمر سابق كموت زيد قبل شهر ، أو بأمر متأخر كطلوع الشمس غداً.

وإن كان التعبير بتعلق الوجود الذهني بالأمر السابق أو اللاحق لا يخلو من مسامحة ، باعتبار أنه إنما يتعلق بالصورة الذهنية وهي موجودة بالفعل ، غاية الأمر أن الصورة صورة لأمر متقدِّم أو متأخِّر ، لكنّه مع ذلك يعبر بما تقدّم ، فيقال إنّ العلم متعلِّق بمتقدِّم أو متأخِّر. وهذا بخلاف الاعتبار ، حيث إنه يتعلّق بالمتقدِّم أو المتأخِّر

.................................................................................................


حقيقة ، فيبيع المالك داره من قبل شهر أو بعد شهر ، من دون أن يكون في تعلقه بهما أي محذور.

نعم ، إنهما غير ممضيين شرعاً ، لعدم جواز التعليق في البيع أو غيره ، غير إنّ ذلك لا يعني عدم صحّة تعلقه بهما.

إذا اتضح ذلك يظهر أنه لا مانع في المقام من تعلق الاعتبار الإجازة بالملكية السابقة من الآن ، فإنه من الاعتبار المتعلِّق بالأمر المتقدم ، وقد عرفت أنه لا مانع منه ، لكن لا على نحو الانقلاب أو الشرط المتأخِّر ، فيحكم بالصحّة حينئذ نظير تعلّقه بالأمر المتأخر ، كما هو الحال في متعلِّق الاعتبار في التدبير والوصيّة ، حيث إن متعلقه إنما هو الحرية والملكية بعد موت المالك.

وبعبارة اخرى : إنّ الأُمور الاعتبارية قوامها باعتبار من بيده الأمر ، وليس لها واقع سوى الجعل والاعتبار وهو أمر خفيف المؤنة ، فيصح تعلقه بأمر متقدِّم أو متأخِّر على حدّ جواز تعلّقه بأمر موجود بالفعل ، وعليه فإذا اعتبر من بيده الأمر ترتّب عليه آثاره لا محالة.

ومن هنا فإذا كان هذا النوع من الاعتبار ممكناً في نفسه ، كان مقتضى أدلّة صحّة العقد الفضولي والأدلة الخاصة هو صحته ، باعتبار أن الإجازة إذا تعلقت بما أُنشئَ سابقاً استند ذلك المنشأ من حين الإجازة إلى المجيز ، بمعنى أن العقد الواقع قبل سنة مثلاً يستند إليه من حين الإجازة ، وبذلك فتشمله أدلة نفوذ العقد ، ويكون مقتضاها الحكم من الآن بصحّة العقد السابق من حينه.

هذا مضافاً إلى دلالة قوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة المتقدِّمة : «وإن أجاز نكاحه فهما على نكاحهما الأوّل» وقوله (عليه السلام) في صحيحة معاوية بن وهب المتقدِّمة أيضاً : «اثبت على نكاحك الأوّل» على ذلك ، باعتبار أن ظاهرهما الحكم بصحّة النكاح الأوّل من الآن.

وممّا يدلّ على أن الملكية ونحوها من الأُمور الاعتبارية ليست من الأعراض الخارجية ولا واقع لها سوى الاعتبار ، أنها تتعلق بالكلي كما هو الحال في موارد بيع الكلي ، مع أنه غير قابل لأن يكون معروضاً لعرض خارجي.

.................................................................................................


وتتعلق بالمعدوم كما هو الحال في تعاقب الأيدي ، فإن المالك إذا رجع على أحدهم بعد تلف العين كان له الرجوع على من بعده ، وهكذا إلى أن يستقر الضمان على من تلفت العين عنده ، ومن الواضح أن ذلك ليس إلّا لتملك من رجع عليه المالك للعين التالفة بعد دفع بدلها ، فيكون مالكاً للمعدوم ، ومن هنا يصح له الرجوع على من بعده. بل إن من الممكن إنشاء الملكية للمعدومين وتمليكهم من حين الإنشاء ، كما هو الحال في الوقف الذري والوصيّة بالنسبة إلى البطون المتأخرة وغير الموجودة حين الإنشاء ، فإنّ إنشاء الملكية متحقق من الآن في حين أنّ المالك معدوم.

وبالجملة فليست الملكية عرضاً خارجياً تحتاج في قيامها إلى موضوع خارجي ، بل هي وجود في مقابل الوجودات الخارجية والوجودات الذهنية ، على ما تقدّم بيانه.

إذن فلا محيص بمقتضى ظهورات الأدلة عن الالتزام بما ذكرناه من الكشف الحكمي ، فيقال : إنّ العقد بعد الإجازة يكون صحيحاً من الأوّل ، بمعنى اعتبار المرأة من حين الإجازة زوجة للرجل من حين وقوع العقد.

هذا وقد يورد على ما اخترناه بوجهين :

الأوّل : إنّ العبرة في التضاد لما كانت بزمان المعتبر لا زمان الاعتبار ، لم يعقل أن يكون المبيع في البيع الفضولي ملكاً لمالكه قبل الإجازة وملكاً للمشتري بعدها في زمان واحد وأعني زمان صدور العقد وإن كان الاعتبار في زمانين. وعلى هذا الأساس كان امتناع ثبوت حكمين مختلفين الوجوب والحرمة للخروج من الدار المغصوبة ، فإنه لا يعقل أن يحكم بحرمة ذلك التصرف حال الدخول ثمّ يحكم بوجوبه حين الخروج ، فإن الفعل الواحد لا يتصف بلحاظ زمان واحد إلّا بأحدهما ، وأما اتصافه بهما معاً فهو ممتنع حتى ولو كان زمان الاعتبارين مختلفاً.

وفيه : إنه إنما يتم في الأحكام الشرعية التكليفية ، باعتبار أنها إنما تنشأ من المصالح أو المفاسد الكامنة في متعلقاتها ، فإنه يمتنع أن يكون الشي‌ء الواحد محبوباً ومبغوضاً في زمان واحد حتى وإن اختلف زمان الحكم. ومن هنا حكمنا بعدم جواز اجتماع الوجوب والحرمة للخروج من الدار المغصوبة ، فإنه لا يمكن أن يكون محبوباً

.................................................................................................


ومبغوضاً في آن واحد.

وأما بالنسبة إلى الأحكام الوضعية الاعتبارية فلا يتم ما ذكر ، حيث تكون المصلحة في نفس الاعتبار ، فإنه لا مانع من الاعتبارين إذا اختلف زمانهما. فيعتبر في يوم السبت مثلاً ملكية زيد لشي‌ء معين في يوم الاثنين ، ثمّ يعتبر في يوم الأحد ملكية عمرو لذلك الشي‌ء في يوم الاثنين أيضاً ، من دون أي محذور فيه ما دامت المصلحة قائمة في الاعتبار. بل لو لم يكن هناك تنافٍ في الأثر ، لقلنا بجواز اعتبار ملكية شي‌ء واحد لشخصين على نحو الاستقلال في زمان واحد.

الثاني : إنّ ما ذكر إنما يتمّ في الأحكام المجعولة على نحو القضايا الخارجية ، ولا يتم في الاعتبارات المجعولة بنحو القضايا الحقيقية ، لأن هذه الاعتبارات موجودة بأجمعها في آن واحد هو أوّل الشريعة المقدّسة. وحيث إنّ الاعتبارات الشرعية من هذا القبيل ، فلازم القول بالكشف بالمعنى الذي ذكر أعني اعتبار الملكية للمالك قبل الإجازة واعتبارها للمشتري بعدها من حين صدور العقد هو اجتماع هذين الاعتبارين في زمان واحد هو أوّل الشريعة المقدّسة ، وهو محال.

وفيه : أن الإنشاء في هذه الاعتبارات وإن كان أزلياً وثابتاً مع بدء الشريعة المقدّسة ، إلّا أن فعليتها إنما تكون بعد تحقّق موضوعاتها في الخارج ، إذ قبله لا يتجاوز الاعتبار مرحلة الإنشاء. ومن هنا فحيث إنّ أحد الاعتبارين كانت فعليته قبل الإجازة ، في حين إنّ فعلية الاعتبار الثاني وهو اعتبار الملكية للمشتري إنشائي محض يتوقف بلوغه مرحلة الفعلية على إجازة المالك ، فلا يكون هناك أي تنافٍ بين هذين الاعتبارين.

ثمّ إنّ الكشف الحكمي بالمعنى الذي اخترناه غير الكشف الحكمي الذي ذهب إليه شيخنا الأعظم (قدس سره). والفرق بينهما يكمن في أنه (قدس سره) يرى اتحاد زمان الاعتبار والمعتبر ، بمعنى كونهما معاً بعد الإجازة ، غاية الأمر أنّ الآثار إنما تترتب من حين العقد. في حين إنا نرى اختلاف زمانهما ، فإن الاعتبار إنما يكون حين الإجازة ، وأما المعتبر فهو متقدم عليه وثابت حين العقد. فإنّ ما ذهب إليه (قدس سره) خلاف ظاهر الأدلة ، ولا دليل يساعد عليه.

ولا يضرّه النهي ، لأنه متعلق بأمر خارج (1)متّحد (1). والظاهر اشتراط عدم الردّ منه قبل الإجازة (2)،


إذن فما اخترناه هو الصحيح الموافق لظاهر الأدلّة والذوق العرفي.

ويترتّب على هذا أنه لو واقعها العبد فأولدها ثمّ أجاز المولى ، لم يحكم بكون المواقعة زنا ولا يحدّ لذلك ، إذ يفرض من الآن أنّ المواقعة إنما كانت مواقعة للزوجة لا للمرأة الأجنبية وإن كانت في وقتها كذلك لا محالة. ويتفرع على ذلك ترتب جميع آثار الوطء الصحيح من التوارث بينهما وما شاكله عليه.

وكذا الحال فيما لو أجاز المالك العقد الفضولي بعد مضي مدة من وقوعه ، فإنه يحكم من الآن بصحّة العقد السابق وتملك المشتري للمبيع من ذلك الحين. ويتفرع عليه جميع آثار الملكية الصحيحة ، ومنها جواز مطالبة المشتري للمالك بأُجرة مثل المنافع التي استوفاها من العين في الفترة ما بين العقد والإجازة.

فالمتحصِّل من جميع ما تقدّم أن القول بالكشف الحكمي لما كان ممكناً في نفسه وكان يساعد عليه دليل نفوذ العقد وبعض الأدلّة الخاصّة ، تعيّن القول به دون سائر الأقوال ، من النقل أو الكشف الحقيقي أو الانقلابي أو الحكمي بالمعنى الذي ذكره شيخنا الأعظم (قدس سره) لما عرفت من أنها بين ما هو ممتنع في نفسه ، وما لا يساعد عليه الدليل.

(1) لما اختاره (قدس سره) من أن وجوب المقدمة أو حرمتها إنما هو لعنوان المقدمية ، فيكون النهي في المقام متعلقاً بأمر خارج أعني عنوان المقدمية فلا يؤثر شيئاً.

نظير ما التزم به (قدس سره) في باب الوضوء فيما إذا كانت له غايتان إحداهما واجبة والأُخرى مستحبة وكان الوضوء مقدمة لهما ، من ثبوت الحكمين معاً للوضوء


1) (*) التعليل ضعيف جدّاً ، والصحيح أن يقال : إنّه على تقدير الحرمة ، فهي في المعاملات لا توجب الفساد.

2) (**) فيه إشكال بل منع.

.................................................................................................


فيلتزم بكونه واجباً ومستحباً بالفعل ، لأنه من اجتماع الحكمين في عنوانين يتحدان خارجاً وهو (قدس سره) ممن يرى جواز ذلك ، بل يرى جواز اجتماع الأمر والنهي إذا تعلقا بعنوانين وإن كانا منطبقين على شي‌ء واحد في الخارج ، فيحكم بكون الوضوء واجباً بما هو مقدمة للواجب ، ومستحباً بما هو مقدمة للمستحب.

ففي المقام يقال : إنّ العقد بما هو تزويج في نفسه فهو مباح ، وبما هو مقدمة للحرام حيث أتى به بقصد التوصل إلى الحرام فهو حرام ، فيكون متعلق النهي أمراً خارجاً عن التزويج ، فيحكم بصحته لا محالة.

غير أنك لما عرفت في باب الوضوء أنّ الصحيح أن عنوان المقدمية إنما هي من العناوين التعليلية لا من الجهات التقييدية ، كانت هذه المسألة أجنبية بالمرّة عن مسألة اجتماع الأمر والنهي بعنوانين ، إذ البحث المعروف في جواز الاجتماع وعدمه إنما هو فيما إذا تعلق الأمر بعنوان وتعلق النهي بعنوان آخر غيره ، وكان بين العنوانين نسبة العموم والخصوص من وجه ، كما هو الحال في مثال الغصب والصلاة ، ولا يجري فيما نحن فيه ، باعتبار أن مفهوم المقدمة بما هو غير متّصف بأي وصف ، والملازمة بناءً على القول بها إنما هي بين الواجب أو الحرام وما هو مقدمة له بالحمل الشائع فيكون عنوان المقدمية وتوقف الواجب أو الحرام على شي‌ء علة لوجوب ذات ذلك الشي‌ء أو حرمته ، لا علة وجوبه أو حرمته بعنوان المقدمية ، وهذا ما يصطلح عليه بالجهة التعليلية لوجوب ذات المقدمة أو حرمتها.

وعلى هذا فيكون الوضوء بعنوان واحد واجباً ومستحباً لعلتين ، فبما أنه مقدّمة للواجب يكون واجباً ، وبما أنه مقدمة للمستحب يكون مستحباً. وهو غير ممكن حتى عند من يرى جواز اجتماع الأمر والنهي ، فإن القائل به إنما يرى ذلك فيما إذا تعدد العنوان ، وأما إذا اتحد العنوان غاية ما هناك أن سبب الوجوب والحرمة كان متعدِّداً فلا قائل بالجواز على الإطلاق.

وعلى هذا الأساس ذكرنا في مسألة الوضوء أنّ ما أفاده الماتن (قدس سره) من الحكم بالوجوب والاستحباب ، غير تامّ في نفسه ولا يمكن المساعدة عليه.

ومن هنا يظهر الحال في المقام. فإنّ عنوان المقدمية لما كان من الجهات التعليلية

.................................................................................................


كان معروض الحرمة على القول بها انما هو ذات المقدّمة أعني التزويج لا محالة وعليه فلا يكون النهي متعلّقاً بأمر خارج عنه.

فما أفاده (قدس سره) ضعيف جدّاً ، ولا مجال للمساعدة عليه.

ثمّ إن لشيخنا المحقق (قدس سره) في المقام كلاماً ، حاصله أن الوجوب أو الحرمة إنما يتعلق بعنوان المقدمة وهو جهة تقييدية ، ولذا يعتبر في اتصاف المقدمة بهما قصد التوصل بها إلى ذي المقدمة.

وقد ذكر (قدس سره) في وجه ذلك أن انقسام الجهة إلى التعليلية والتقييدية إنما يختص بالأحكام الشرعية. فإن الجهة ان كانت في مرحلة سابقة عن الحكم ، وكانت علة لتعلق الحكم بالشي‌ء ، كانت جهة تعليلية. وأما ان كانت في مرحلة متأخرة في الرتبة عن الحكم ، كانت جهة تقييدية.

وأمّا الأحكام العقلية فليست فيها جهات تعليلية مغايرة للجهات التقييدية ، وإنّما الجهات التعليلية فيها هي بعينها جهات تقييدية ، سواء في ذلك الأحكام العقلية النظرية والأحكام العقلية العملية. فإذا أدرك العقل بأن وجود زيد مثلاً وعدم وجوده لا يجتمعان باعتبار أن لازمه اجتماع النقيضين ، فهي جهة تعليلية ، بمعنى أن استحالة اجتماع وجود زيد وعدمه معلول لاستحالة اجتماع النقيضين ، لانطباقه على المورد. وكذا الحال في كل قضية ممتنعة بحكم العقل ، فإن استحالة اجتماع النقيضين أساس لها ، لرجوعها إليها لا محالة. ومن هنا فتكون الجهة التعليلية تقييدية بالضرورة.

وهكذا الأمر في الأحكام العملية. فإن حكم العقل بحسن ضرب اليتيم تأديباً ولمصلحته باعتبار أنه إحسان له وعدل في حقه ، إنما يرجع إلى حكم العقل بحسن العدل والإحسان لانطباقه عليه ، فالجهة التعليلية فيه ترجع إلى الجهة التقييدية ، نظراً لرجوع حكم العقل بحسن الضرب والتأديب إلى حكمه بحسن الإحسان والعدل. وكذا الكلام في حكمه بقبح ضرب اليتيم لا للتأديب لكونه ظلماً ، فإنه إنما يرجع إلى حكمه بقبح الظلم ، فتكون الجهة التعليلية في القضية هي بعينها الجهة التقييدية. وهاتان القضيّتان أعني حسن العدل والإحسان وقبح الظلم هما الأساس لكل

.................................................................................................


مورد يحكم العقل بحسن شي‌ء أو قبحه.

إذن فليست في الأحكام العقلية جهات تعليلية تغاير الجهات التقييدية ، وإنما الجهات التعليلية هي بعينها جهات تقييدية ، كما أن الجهات التقييدية هي بعينها جهات تعليلية.

ومن هنا فبما أن وجوب المقدمة إنما هو بحكم العقل ، كان الوجوب ثابتاً لها بما هي مقدمة ، وعليه فلا بدّ من قصد التوصل ، نظراً إلى أن العنوان هو متعلق الوجوب أو الحرمة.

وما أفاده (قدس سره) وإن كان تاماً وصحيحاً في نفسه ، إذ ليست في الأحكام العقلية جهات تعليلية تغاير الجهات التقييدية ، إلّا أن تطبيقه لهذا الكلام على المقام مما لا يمكن المساعدة عليه. والسر في ذلك أن وجوب المقدمة على القول به إنما هو شرعي لا عقلي ، وإنما العقل يدرك الملازمة بين الوجوبين ، بمعنى أنه يدرك استحالة انفكاك وجوب ذي المقدمة شرعاً عن وجوب المقدمة كذلك ، وأما نفس الوجوب فهو شرعي محض.

وبعبارة اخرى : إن العقل إنما يدرك الملازمة واستحالة الانفكاك بين الوجوبين الشرعيين خاصة ، وأما نفس الوجوب فهو شرعي وليس مما يحكم به العقل. ومن هنا فيكون عنوان المقدمية جهة تعليلية للوجوب الشرعي ، بمعنى أن الترتب وتوقف الواجب عليها المعبر عنه بعنوان المقدمة ، علة لإيجاب ذات المقدمة شرعاً.

وعليه فلا يكون هذا من مصاديق ما أفاده (قدس سره) ، من أن الجهات التعليلية هي بعينها جهات تقييدية في الأحكام العقلية.

وكيف كان ، فالصحيح في التعليل أن يقال : إن النهي التكليفي عن المعاملات لا يقتضي فسادها ، إذ لا ملازمة بين حرمة المعاملة وعدم نفوذها ، بل قد تكون محرّمة وفي نفس الحين تكون نافذة ، كما هو الحال في النهي عن البيع وقت النداء فإنّه محرم وصحيح ، باعتبار أن النهي والمبغوضية لا ينافيان الإمضاء لعدم اعتبار القربة فيها كالعبادات ، كي يقال بأن المبغوض لا يصحّ التقرّب به.

فلا تنفع الإجازة بعد الرد (1). وهل يشترط في تأثيرها عدم سبق النهي من المولى


هذا والذي يهون الخطب أننا لم نلتزم بالحرمة في المقام أصلاً ، وقد عرفت أنه من مصاديق التجرُّؤ وهو غير محرم.

اذن فلا مجال للبحث في حرمة المقدّمة ، سواء أقصد بها التوصّل إلى إمضاء المولى أم قصد ترتيب الأثر عليه ، سواء أذن المولى أم لم يأذن.

(1) على ما هو المعروف والمشهور بين الأصحاب ، بل ادعى الشيخ الأنصاري (قدس سره) الإجماع عليه (1). وقد عللوا ذلك بأنه كرد البائع وعدوله الفاصل بين إيجابه وقبول المشتري ، حيث يمنع من تأثير قبول المشتري بلا كلام.

إلّا أن ما ذكروه لا يخلو من الإشكال ، بل المنع. وذلك فلأن من غير المحتمل أن يكون الإجماع في المقام إجماعاً تعبدياً يكشف عن رأي المعصوم (عليه السلام) ، بل من الواضح أن مستنده إنما هو استظهار كون المقام من قبيل رجوع البائع قبل قبول المشتري. وحيث إنّ بين المسألتين بوناً بعيداً ، فلا مجال للالتزام بما ذكروه.

والوجه فيه أنّ الموجب إذا رجع عن إيجابه قبل القبول لم يتحقق مفهوم العقد ، لأنه عبارة عن ضمّ التزام إلى التزام وربط تعهّد بآخر. فإذا فرض ارتفاع التزام البائع بالرجوع أو الموت أو الجنون لم يكن للقبول أثر ، باعتبار أنه ليس هناك التزام آخر يضم هذا الالتزام إليه ويربط بينهما ، فلا يتم مفهوم العقد. وأين هذا من المقام الذي ليس هناك أي التزام من المولى وانتساب للعقد إليه قبل الرد وبعده ، كي يقال إن الردّ قد أبطل أثره ؛ بل الرد وعدمه في المقام سيان حيث لا أثر له بالمرة ، فإن العقد لم يكن منتسباً إليه قبل الرد وكذا الحال بعده ، كما أنه لم يكن قبل الرد التزام من المولى وكذلك الحال بعده.

بل وكذا الحال لو اعتبرنا رضا المشتري بالمعاملة حين الإيجاب أيضاً ، على ما ذهب إليه الشيخ (قدس سره) ، وإن لم نرتضه في محله. وذلك لأن المفروض أن العقد


1) كتاب النكاح (طبع المؤتمر العالمي للشيخ الأنصاري) 20 : 246.

فيكون النهي السابق كالردّ بعد العقد ، أو لا؟ وجهان. أقواهما الثاني (1).


قد وجد في ظرفه واجداً لجميع الشرائط عدا استناده إلى المولى ، فمتى أجاز استند العقد إليه ، وليس هذا قبولاً وإنما هو إسناد للعقد الواقع إليه بعد أن لم يكن كذلك ومن هنا فلا يكون الردّ قاطعاً ومانعاً من لحوق الإجازة من المولى.

والحاصل أنّ ما ذكروه مضافاً إلى أنه لا دليل عليه مخالف لإطلاقات النصوص المتقدِّمة والقاعدة المقتضية لصحّة العقد الفضولي ، إذ ليس في المقام مانع من نفوذ العقد غير عدم إذن المولى ومعصية العبد له ، فإذا أجاز المولى ارتفع هذا المانع وجاز ، لعدم المقتضي للبطلان بعد اقتضاء القاعدة للصحّة.

هذا كلّه مضافاً إلى دلالة صحيحة محمد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : قضى في وليدة باعها ابن سيِّدها وأبوه غائب فاشتراها رجل فولدت منه غلاماً ثمّ قدم سيِّدها الأوّل فخاصم سيِّدها الأخير فقال : هذه وليدتي باعها ابني بغير إذني فقال : خذ وليدتك وابنها ، فناشده المشتري ، فقال : خذ ابنه يعني الذي باع الوليدة حتى ينفذ لك ما باعك ، فلما أخذ البيع الابن قال أبوه : أرسل ابني ، فقال : لا أُرسل ابنك حتى ترسل ابني ، فلما رأى ذلك سيِّد الوليدة الأوّل أجاز بيع ابنه (1)صريحاً على المدعى ، فإن المخاصمة والمطالبة أظهر أفراد الردّ ، ومع ذلك فقد حكم (عليه السلام) بصحّة العقد بعد الإجازة.

وبالجملة فما ذكروه من مانعية الردّ للإجازة مما لا يمكن المساعدة عليه ، بل الأدلة العامة والخاصة على خلافه ، فالمتعين هو القول بنفوذ العقد عند إجازة المولى ، سواء أصدر منه ردّ قبلها أم لم يصدر.

(1) لإطلاقات الأدلة ، حيث إن مقتضاها نفوذ العقد بالإجازة مطلقاً ، سواء أكان هناك نهي سابق أم لم يكن. وما ذكر من مانعية الرد فهو على تقدير الالتزام به ، إنّما يختص بالإنشاء ولا يشمل مجرد الكراهة النفسانية ، كما هو الحال في الإجازة أيضاً حيث إن مجرّد رضا المولى لا ينفع في الحكم بصحّة العقد واستناده إلى إجازة المولى.


1) الوسائل ، ح 21 كتاب النكاح ، أبواب نكاح العبيد والإماء ، ب 88 ح 1.

[3803] مسألة 3 : لو باشر المولى تزويج عبده أو أجبره على التزويج فالمهر إن لم يعيّن في عين يكون في ذمّة المولى (1). ويجوز أن يجعله في ذمّة العبد يتبع به بعد العتق مع رضاه. وهل له ذلك قهراً عليه؟ فيه إشكال (2) كما إذا استدان على أن يكون الدين في ذمّة العبد من غير رضاه.

وأمّا لو أذن له في التزويج ، فإن عيّن كون المهر في ذمّته ، أو في ذمّة العبد ، أو في عين معيّن ، تعيّن (3). وإن أطلق ، ففي كونه في ذمّته ، أو في ذمّة العبد مع ضمانه له وتعهده أداءه عنه ، أو كونه في كسب العبد ، وجوه : أقواها الأوّل (4) لأن الإذن في الشي‌ء إذن في لوازمه ، وكون المهر عليه بعد عدم قدرة العبد على شي‌ء وكونه


(1) بلا إشكال ولا خلاف في الحكم بالنسبة إلى الفرض الأوّل. وأما الفرض الثاني فالحكم كما أفاده (قدس سره) ، لما يأتي من أنه في حكم مباشرة المولى للعقد ، إذ ليس له فرض شي‌ء في ذمّة العبد.

(2) بل منع. فإن غاية ما ثبت بالدليل إنما هو جواز تصرف المولى في عين العبد ومنافعه وأمواله إن كانت ، وأما التصرف في ذمته فلا دليل عليه ، بل هو مقطوع البطلان. كما هو الحال في الاستدانة أو الشراء في ذمّة العبد ، فإنه لو كان جائزاً لأمكن للمولى أن يصبح من أثرى الأثرياء بالاستدانة أو الشراء في ذمّة العبد ، ثم عتق العبد فيتبع به دون المولى ، والحال إنه مما لا ينبغي الشك في بطلانه.

(3) بلا خلاف أو إشكال فيه.

(4) وذلك فلأن القول الثاني وإن كان ممكناً إلّا أنه لا دليل عليه. والقول الثالث لا وجه له بالمرة ، فإنّ كسب العبد لما كان من جملة أموال المولى لم تكن خصوصيّة فيه بالذات.

وبعبارة اخرى : إنّ المهر إن كان على المولى ، فلا موجب لتعيّنه في مال خاص من أمواله. وإن لم يكن عليه فلا موجب لأخذه من كسب العبد الذي هو من جملة أمواله ، فإنه لا دليل على خروجه منها.

إذن فيتعيّن القول الأوّل ، الذي عليه القرينة العرفية التي ذكرها الماتن (قدس سره).

كلّاً على مولاه (1) من لوازم الإذن في التزويج عرفاً (2). وكذا الحال في النفقة (3). ويدلّ عليه أيضاً في المهر رواية عليّ بن أبي حمزة (4)


(1) إن كان (قدس سره) يشير بذلك إلى الآية الكريمة التي تضمنت هذا التعبير فلا يخفى أنها غير واردة في العبد ، وإنما هي واردة في الأبكم.

قال اللّه تعالى ( وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْ‌ءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ أَيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ) (1).

بل لم يرد في شي‌ء من النصوص أنّ العبد ( كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ ) ، بل الأمر قد يكون بالعكس من ذلك تماماً ، كما إذا كان العبد كسوباً وكان المولى عاجزاً لا عمل له.

(2) كما هو أظهر من أن يخفى. وهذه القرينة لا تختص بالمولى والعبد ، وإنما هي قائمة في الإذن لكل من كان عيالا للآذن بالشراء لنفسه كالأب والابن ، فإنّ الظاهر من إذنه هو كون الثمن عليه.

ثمّ لو فرضنا عدم تمامية هذه القرينة ، فالمتعين هو الالتزام بأنّ المهر في ذمّة العبد من دون أن يكون للمولى دخل فيه مطلقاً ، فلا يضمن شيئاً على الإطلاق ، بل يكون إذنه هذا من باب رفع المانع من قبله خاصة. نظير إذن العمة أو الخالة في التزوج في بنت الأخ أو الأُخت ، حيث لا يحتمل أن يكون إذنهما مستلزماً لثبوت المهر عليهما.

وبذلك فيكون الحال في المقام كسائر موارد ضمانات العبد الثابتة نتيجة إتلافه لشي‌ء أو غيره باستثناء القتل وقصاص الجروح حيث إنّ له أحكاماً خاصة فإنّه يتبع به بعد العتق ، من دون أن يكون المولى ملزماً بشي‌ء على الإطلاق على ما تقتضيه القاعدة.

(3) فإنّ الكلام فيها كالكلام في المهر بلا اختلاف بينهما.

(4) عن أبي الحسن (عليه السلام) في رجل يزوج مملوكاً له امرأة حرّة على مائة


1) سورة النحل : 16 : 76.

وفي النفقة موثقة عمّار الساباطي (1).

ولو تزوّج العبد من غير إذن مولاه ثمّ أجاز ، ففي كونه كالإذن السابق في كون المهر على المولى أو بتعهّده ، أو لا ، وجهان. ويمكن الفرق بين ما لو جعل المهر في ذمّته ، فلا دخل له بالمولى (2)


درهم ، ثمّ إنه باعه قبل أن يدخل عليها ، فقال : «يعطيها سيده من ثمنه نصف ما فرض لها ، إنما هو بمنزلة دين له استدانه بأمر سيده» (1).

إلّا أنها ساقطة سنداً ، باعتبار أن علي بن أبي حمزة هذا هو البطائني الكذّاب المعروف.

(1) قال : سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل أذن لعبده في تزويج امرأة فتزوجها ، ثمّ إن العبد أبق من مواليه ، فجاءت امرأة العبد تطلب نفقتها من موالي العبد ، فقال : «ليس لها على مولاه نفقة وقد بانت عصمتها منه» الحديث (2).

وهي واضحة الدلالة على المدعى ، حيث إنّ ظاهرها أنّ نفقة زوجة العبد على مولاه ما لم يأبق فتسقط ، لانتفاء عصمتها.

(2) لأن الإجازة لما كانت إجازة للعقد السابق بجميع خصوصياته ، وكان مقتضى العقد السابق كون المهر في ذمّة العبد ، كان المهر على العبد لا محالة يتبع به بعد العتق من دون أن يكون للمولى دخل فيه. نظير ما لو أذن المولى قبل العقد في تزوّج العبد على أن يكون المهر في ذمته ، حيث لا يقوم إذنه حينئذ إلّا بدور رفع المانع من قبله كما عرفت.

ولكن مع ذلك فقد قيل بأنّ المهر على المولى ، لأنّ ذمّة العبد بعينها ذمّة المولى. كما قيل بأنّ القرينة الخارجية بأنّ العبد لا يقدر على شي‌ء ، قائمة على تعهده بالمهر عند الإذن.


1) الوسائل : ج 21 كتاب النكاح ، أبواب نكاح العبيد والإماء ، ب 78 ح 1.

2) الوسائل ، ج 21 كتاب النكاح ، أبواب نكاح العبيد والإماء ، ب 73 ح 1.

وإن أجاز العقد. أو في مال معين من المولى أو في ذمته ، فيكون كما عين (1) أو أطلق ، فيكون على المولى (2).


إلّا أنه لا يمكن المساعدة عليهما ، وذلك :

أمّا الأوّل : فلأن ما ذكر من أن ذمّة العبد غير مغايرة لذمّة المولى فهو مما لا أساس له ، بل للعبد ذمّة مغايرة لذمّة المولى ، ولذا لو أجاز المولى أن يتزوّج العبد مع كون المهر في ذمته صحّ العقد وكان المهر في ذمّة العبد يتبع به بعد العتق ، بل قد عرفت أن ذمّة العبد تنشغل بالضمانات الناتجة عن الإتلاف بلا خلاف فيه ، كما أنه لو أقرّ بشي‌ء قُبل إقراره وتبع به بعد العتق من دون أن تنشغل ذمّة المولى بشي‌ء. فما ذكر من أنّ العبد لا ذمّة له ، لا يمكن المساعدة عليه ، ولا دليل يعضده.

أمّا الثاني : فلأن القرينة لا تجري في المقام ، لأن الإجازة إنما هي إجازة للعقد السابق بجميع خصوصياته وبكيفيته التي وقع عليها ، وحيث إنه قد اشتمل على كون المهر في ذمّة العبد ، فلا مبرر للقول بتعهد المولى به. على أنه لو فرضنا ثبوت التعهّد فلا ينفع ذلك في إلزام المولى به ، لما يأتي قريباً.

(1) بلا خلاف ولا إشكال ، لما عرفت من أنّ الإجازة إنما تتعلق بالعقد السابق بجميع خصوصياته ، فيتعين ما عينه العبد لا محالة ، ويكون حاله حال الإذن السابق في التزويج مع كون المهر في ذمّة المولى أو عيناً معينة من أمواله.

(2) للقرينة العرفية التي تقدّمت ، فيكون حال الإجازة اللّاحقة في هذا الفرض حال الإذن السابق في فرض الإطلاق وعدم تعيين شي‌ء بخصوصه.

إلّا أن للمناقشة في هذا مجالاً. وذلك فلأن الذمم لما كانت مختلفة ، ولم يمكن جعل المهر على ذمّة مجهولة ، انصرف عدم التعيين إلى ذمّة العبد نفسه ، لأنه طرف المعاملة والمعاقدة. ومن هنا فحيث إن الإجازة متعلقة بما وقع وإجازة للعقد المتقدم ، وكان ما وقع عبارة عن تزوّج العبد مع كون المهر في ذمته وإن لم يذكر ذلك بالتصريح ، فحال هذه الإجازة حال الإذن السابق في العقد مع التصريح بكون المهر في ذمّة العبد ، ولا تجري القرينة العرفية المتقدِّمة في المقام.

ثمّ إنّ المولى إذا أذن ، فتارة يعين مقدار المهر ، وتارة يعمم ، وتارة يطلق. فعلى الأوّلين لا إشكال. وعلى الأخير ينصرف إلى المتعارف (1). وإذا تعدى وقف على


على أنّنا لو فرضنا جريانها في المقام ، بل لو فرضنا تصريح المولى عند الإجازة بتعهده بثبوت المهر في ذمته ، فلا يخرج ذلك عن كونه وعداً محضاً لا دليل على إلزامه به ، حيث لا موجب لانتقال المهر من ذمّة العبد إلى ذمّة المولى وفراغ ذمّة العبد به.

اللّهمّ إلّا أن يضمنه المولى عند الإجازة بالضمان الشرعي ، فإن الحق حينئذٍ ينتقل إلى ذمّة المولى بلا إشكال.

نعم ، في فرض عدم الضمان لو قامت القرينة على أن إقدام العبد على هذا التزويج إقدام على أن يكون المهر في ذمّة المولى كما لو علمت المرأة بأنّ العاقد عبد لا يملك شيئاً فلا بأس بالقول بأن المهر عند الإجازة يكون في ذمّة المولى للقرينة المتقدِّمة حيث إن الإذن فيه إذن في كون المهر في ذمته ، وبهذه القرينة يرفع اليد عن انصراف الإطلاق إلى كون المهر في ذمّة العبد.

(1) خارجاً بالنسبة إلى تزويج العبد من المرأة التي تناسبه.

والوجه في ذلك بعد ما ذكرنا في باب الإطلاق أن المطلق شامل للفرد النادر أيضاً على حد شموله للفرد الشائع هو ما ذكرناه في باب الوكالة والاستعارة ، من أن الملاك الأصلي والواقعي إنما هو الرضا الباطني للموكل والمعير والآذن دون اللّفظ فإنه إنما يعتبر لكشفه عن الرضا الباطني لا غير. فبهذا اللحاظ لا بدّ من الاقتصار على الفرد المتعارف ، لأن الإذن لا يكشف إلّا عن الرضا الباطني بالتصرف المتعارف كاللبس فيما يلبس والمطالعة في الكتاب ، ولا يكشف عن غير المتعارف كفرش ما يلبس أو سد فرجة الحائط بالكتاب ، أو البيع بأقل من ثمن المثل أو الشراء بأكثر منه.

ومن هنا فالإذن في المقام ينصرف إلى الفرد المتعارف دون غيره ، لعدم كاشفية اللّفظ عن الرضا الباطني بغيره.

إجازته (1). وقيل : يكون الزائد في ذمته يتبع به بعد العتق (2).

وكذا الحال بالنسبة إلى شخص الزوجة ، فإنه إن لم يعين ينصرف إلى اللائق بحال العبد من حيث الشرف والضعة. فإن تعدى وقف على إجازته (3).


(1) لأن ما وقع لم يأذن فيه ، وما أذن فيه لم يقع ، لكونه مقيداً بالمعين أو المتعارف.

(2) وفيه : أنه لا موجب للتفكيك بين ما أذن المالك فيه والزائد ، لما عرفت من أن ما أذن فيه لم يقع ، وما وقع لم يأذن فيه. فالصحيح هو القول بالتوقف على الإجازة.

(3) كل ذلك لما تقدّم من أن ما وقع لم يأذن فيه المولى ، وما أذن فيه لم يقع.

ثمّ إن في المقام فرعين يرتبطان بمسألة المهر لم يتعرض إليهما الماتن (قدس سره) ولا بأس بالتعرض إليهما.

الأوّل : لو أطلق المولى الإذن فتزوج العبد من دون مهر ، كان مهر المثل عند الدخول بها على المولى دون العبد ، لما تقدّم من أن إذنه في التزويج التزام منه بالمهر للقرينة العرفية ، فإنها قائمة على كون المهر عليه عند إذنه في التزويج وإن كان ثبوته بالدخول بها.

الثاني : لو تزوّج العبد بإذن المولى ، وبعد الدخول بها ظهر فساده لكون المرأة ذات بعل أو ذات عدة أو غير ذلك مع عدم علمها بالحال حين العقد كان مهر المثل على المولى ، لأنه بإذنه في التزويج قد التزم بالمهر ، فإذا ظهر بطلان العقد ثبت في ذمته مهر المثل بدلاً من المسمّى.

وأما لو تزوّج العبد من غير إذن المولى ، ودخل بها ثمّ ظهر الفساد :

فإن كانت المرأة عالمة بالحال فلا تستحق شيئاً ، لأنها بغية «ولا مهر لبغي». ففي معتبرة السكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : «قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) : أيّما امرأة حرّة زوّجت نفسها عبداً بغير إذن مواليه ، فقد أباحت نفسها ولا صداق لها» (1). وهي وإن كانت مطلقة إلّا أنه لا بدّ من تقييدها بصورة علم المرأة


1) الوسائل ، ج 21 كتاب النكاح ، أبواب نكاح العبيد والإماء ، ب 24 ح 3.

.................................................................................................


لقوله (عليه السلام) : «فقد أباحت نفسها» فإنها خير قرينة على اختصاصها بصورة العلم.

وإن كانت المرأة جاهلة بالحال كما لو تخيلت حريته ، أو أخبرها العبد بذلك فصدقته استحقت المهر في ذمّة العبد يتبع به بعد العتق ، لكونه حين العبودية غير قابل لأداء المهر باعتبار أنه وما في يده لمولاه ، من دون أن يكون للمولى دخل فيه لعدم إذنه في ذلك.

ثمّ هل المهر الثابت في ذمّة العبد هو المسمى في العقد ، أم مهر المثل؟

ذكر الفقهاء في أبواب متفرقة من الفقه كالبيع والإجارة ونحوهما ، أن فساد العقد يوجب الانتقال إلى ثمن المثل إن كانت المعاملة بيعاً ، وأُجرة المثل إن كانت إجارة أو ما شاكلها ، باعتبار أن المشتري أو المستأجر إنما أقدم على قبض العين أو المنفعة بالضمان لا مجاناً ، فإذا لم يسلم المسمّى لعدم إمضاء العقد من قبل الشارع ، ثبت عليه المثل إذ لا يذهب مال المسلم هدراً ، وعلى هذا الأساس ذكروا أن «ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده».

غير أنا قد ذكرنا في محله أن ما ذكر لا يمكن المساعدة عليه بإطلاقه ، بل لا بدّ من التفصيل في المقام. وذلك لأن بطلان العقد قد يكون من جهة عدم أهلية من سلطه على المال لذلك ، كما هو الحال في بيع الغاصب ، أو الوكيل مع اشتباهه في متعلّق الوكالة ، نظير ما لو وكله شخص في بيع داره فباع الوكيل دكانه خطأً. ففيه ينتقل إلى ثمن المثل بلا خلاف ، لما ذكروه من أن المشتري لم يقدم على قبض المال مجاناً ، وإنما أقدم على قبضه مع كون ضمانه عليه ، فإذا لم يسلم المسمى ينتقل إلى ثمن المثل لا محالة ، حيث لا يذهب مال المسلم هدراً.

وأُخرى يكون البطلان من جهة إيقاع من له السلطنة على المال العقد فاسداً ، بلا فرق بين كونه عالماً بذلك أو جاهلاً. ففيه قد يفرض أن المسمّى أكثر من ثمن المثل وقد يفرض تساويهما ، وقد يفرض زيادة ثمن المثل عن المسمّى.

ففي الأوّل لا يجب على المشتري دفع المسمّى بلا إشكال ، باعتبار أن ما أوجبه لم

.................................................................................................


يمض شرعاً فذمته غير مشغولة به ، لكنه حيث أتلف مال الغير مع الضمان ، فلا بدّ من أن يخرج عن عهدته إذ لا يذهب مال المسلم هدراً ، وتعيّن عليه دفع ثمن المثل لا محالة. وكذا الحال في الفرض الثاني.

وأما الفرض الثالث فلا وجه لما ذكره أكثر الفقهاء بإطلاق كلامهم من الانتهاء إلى ثمن المثل.

والوجه فيه أن المالك لما أقدم على إلغاء احترام ماله بالنسبة إلى الزائد وسلط المشتري على تلفه بالمقدار المعين ، كان مفوتاً لاحترام ماله فلا يجب على المشتري الزائد. ولا يجري في المقام ما ذكر من أن مال المسلم لا يذهب هدراً ، لأنه إنما يختص بما إذا لم يكن المالك ملغياً لاحترام ماله. فيتعين حينئذٍ دفع المسمى خاصة ، ومن المطمأنِّ به قوياً أن السيرة العقلائية قائمة على ذلك.

وهذا الكلام بعينه يجري في المقام. فإنّ الحرّة إذا أقدمت على التزوج بمهر دون مهر أمثالها ، فلا مقتضي للانتهاء إلى مهر المثل عند ظهور فساد العقد ، لأنها هي التي ألغت احترام ما تستحقه من المهر بالنسبة إلى الزائد.

وهذا الحكم مضافاً إلى كونه على طبق القاعدة يدل عليه صحيح زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) ، قال : سألته عن رجل تزوّج عبده بغير إذنه فدخل بها ثمّ أطلع على ذلك مولاه ، قال : «ذاك لمولاه ، إن شاء فرَّق بينهما ، وإن شاء أجاز نكاحهما. فإن فرَّق بينهما فللمرأة ما أصدقها ، إلّا أن يكون اعتدى فأصدقها صداقاً كثيراً» الحديث (1).

فإنها واضحة الدلالة على ثبوت المهر المسمى عند ظهور البطلان ما لم يكن العبد معتدياً فيه ، ومن الواضح أن فرض عدم الاعتداء كما يشمل تساوي المهرين يشمل كون مهر المسمّى أقلّ من مهر المثل.

والماتن (قدس سره) قد تعرّض لهذا الفرع في المسألة الثالثة عشرة من هذا الفصل ، لكن الأولى تقديمه إلى المقام لشدة المناسبة.


1) الوسائل ، ج 21 كتاب النكاح ، أبواب نكاح العبيد والإماء ، ب 24 ح 2.

[3804] مسألة 4 : مهر الأمة المزوَّجة للمولى (1) سواء كان هو المباشر ، أو هي بإذنه ، أو بإجازته. ونفقتها على الزوج (2) إلّا إذا منعها مولاه عن التمكين


(1) لأنّ المهر وإن لم يكن عوضاً في النكاح ولذا يصحّ من دونه إلّا أنه شبيه به ، لأنّ اعتباره إنما هو من جهة تمكن الزوج من الانتفاع بالمرأة والاستمتاع بها المعبّر عنه بملكيّة البضع. ومن هنا فحيث إن هذه المنافع مملوكة للمولى بلا إشكال ، بتبع ملكيته للأمة نفسها ، كان عوضه له لا محالة.

ومما يؤكِّد ذلك معتبرة أبي بصير عن أحدهما (عليهما السلام) في رجل زوّج مملوكة له من رجل حر على أربعمائة درهم ، فعجل له مائتي درهم وأخّر عنه مائتي درهم فدخل بها زوجها ، ثمّ إن سيدها باعها بعد من رجل ، لمن تكون المائتان المؤخّرة على الزّوج؟ قال : «إن كان الزوج دخل بها وهي معه ولم يطلب السيد منه بقية المهر حتى باعها ، فلا شي‌ء له عليه ولا لغيره» (1).

فإنها من حيث السند معتبرة ، لأن سعدان بن مسلم المذكور في سندها وإن لم يرد فيه توثيق في كتب الرجال ، إلّا أنه مذكور في أسناد كامل الزيارات وتفسير علي بن إبراهيم (2). ومن حيث الدلالة واضحة بل صريحة في أن المهر للمولى.

نعم ، إنها تضمنت سقوط المؤجل من المهر بالدخول بها ، وهي مسألة خلافية لاختلاف الأخبار فيها ، حيث دلّت جملة منها على السقوط ، في حين دلّت جملة أُخرى منها على عدمه. إلّا أنها خارجة عن محل كلامنا ، وسيأتي الحديث عنها في محلها إن شاء اللّه.

(2) بلا إشكال فيه ، على ما يستفاد من قوله تعالى ( وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ ) (3)وجملة من النصوص المعتبرة. فإذا وجبت على الزوج وضعاً كانت المرأة غنية باعتبار كونها مالكة لها في ذمّته ، فلا يجب على المولى الإنفاق عليها ، لأن وجوبها


1) الوسائل ، ج 21 كتاب النكاح ، أبواب نكاح العبيد والإماء ، ب 87 ح 1.

2) معجم رجال الحديث 9 : 104.

3) سورة البقرة 2 : 233.

لزوجها ، أو اشترط كونها عليه (1).

وللمولى استخدامها بما لا ينافي حق الزوج (2). والمشهور أن للمولى أن يستخدمها نهاراً ، ويخلي بينها وبين الزوج ليلاً ، ولا بأس به ، بل يستفاد من بعض الأخبار (1)(3). ولو اشترطا غير ذلك فهما على شرطهما (4).


عليه تكليفي محض فلا يجب مع غناها.

نعم ، لو سقطت بالنشوز ، كما ذهب إليه المشهور ؛ أو بخروجها من داره وانفصالها عنه ، كما اخترناه ؛ وجبت نفقتها على المولى لكونها فقيرة حينئذٍ.

(1) فينفذ لعموم «المؤمنون عند شروطهم». هذا إذا كان الشرط شرط الفعل بمعنى اشتراط كون أدائها عليه. وأما لو كان الشرط بنحو شرط النتيجة ، أعني اشتراط ثبوتها عليه ، فلا.

(2) لأنّها بالتزويج لا تخرج عن ملكه ، بل تبقى مملوكة له كما كانت ، فيكون مقتضى القواعد جواز استخدامها للمولى متى شاء في غير الاستمتاع إذا لم يكن منافياً لحق الزوج ، حيث إنه قد ملكه هذه المنفعة فلا يجوز له التصرف فيه أو تفويته عليه.

(3) وهو ما رواه في الجعفريات ، قال : أخبرنا عبد اللّه ، أخبرنا محمد ، حدثني موسى ، قال حدثنا أبي ، عن أبيه ، عن جدّه جعفر بن محمّد ، عن أبيه ، عن علي (عليهم السلام) أنه قال : «إذا تزوّج الحر الأمة ، تخدم أهلها نهاراً وتأتي زوجها ليلاً وعليه النّفقة إذا فعلوا ذلك به ، وإن حالوا بينه وبين امرأته فلا نفقة لهم عليه» (2). إلّا أن سند الكتاب غير موثق وإن أصر الشيخ النوري (قدس سره) على صحته ، غير أنه لا دليل عليه.

ومن هنا فلا وجه لما ذكر ، بل لا بدّ من الالتزام بالجواز مطلقاً ما لم يكن منافياً لحق الزوج ، وعدم الجواز كذلك عند منافاته له.

(4) لعموم وجوب الوفاء بالشرط.


1) (*) لكنّه ضعيف ، والأوجه ما ذكره أوّلاً.

2) الجعفريات (حجري) : 105 106.

ولو أراد زوجها أن يسافر بها ، هل له ذلك من دون إذن السيد؟ قد يقال : ليس له ، بخلاف ما إذا أراد السيد أن يسافر بها ، فإنه يجوز له من دون إذن الزوج. والأقوى العكس (1)(1) لأنّ السيد إذا أذن بالتزويج فقد التزم بلوازم


(1) بل الأقوى هو القول بعدم الجواز لكل منهما. وذلك لاستلزام سفر كل منهما بها تفويت الحق الثابت للآخر ، فسفر المولى بها يستلزم تفويت حق الزوج ، كما أن سفر الزوج بها يستلزم تفويت حق المولى في استخدامها ، فلا يجوز ذلك لكل منهما إلّا بإذن الآخر ، بل لو خالف الزوج ضمن المنافع الفائتة للمولى.

ثمّ في فرض تعارضهما ، فهل تجب على الأمة إطاعة زوجها ، أم تجب عليها طاعة مولاها؟

الصحيح هو أن يقال : إنّ المقام لما كان من مصاديق التزاحم ، حيث لا يمكن الأمة الجمع بين السفر وعدمه ، فلا بدّ من القول بالتخيير إن لم يكن هناك مرجع لأحد الطرفين. لكن من غير البعيد أن يقال بترجيح حق المولى ، لأنه أقوى باعتبار كونه مالكاً للعين والمنفعة ، بخلاف الزوج حيث لا يملك إلّا منفعة الاستمتاع. ويكفينا في تقديم حق المولى احتمال الأقوائية ، فإنه منجز في باب التزاحم على ما بُيّن في محله.

وبعبارة اخرى نقول : إنّ الأمة لما لم يمكنها الجمع بين حق المولى وحق الزوج حيث يأمر أحدهما بالسفر والآخر بالبقاء ، وقع التزاحم بين الأمرين لا محالة باعتبار أن كلّاً منهما مشروط بالقدرة ، ومقتضاه هو التخيير ما لم يحتمل أهميّة أحدهما ، وإلّا قدم ما احتمل أهميته. وحيث في المقام يحتمل أهمية أمر المولى ، لكونه مالكاً للعين وجميع منافعها باستثناء منفعة الاستمتاع ، تعيّن عليها إطاعته لا محالة.


1) (*) بل الأقوى عدم الجواز لكل من السيِّد والزّوج بدون إذن الآخر ، لأنّ لكل منهما حق الانتفاع من الأمة أحدهما بالاستخدام والآخر بالاستمتار. ولا يجوز لواحد منهما تفويت حق الآخر بدون رضاه ، وأما الأمة فبما أنه يجب عليها إطاعة زوجها وإطاعة سيِّدها ففي صورة المعارضة بينهما يدور أمرها بين المحذورين ولا يبعد تقديم حق السيِّد لاحتمال أهميته.

الزوجية ، و ( الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلَى النِّساءِ ) (1).

وأما العبد المأذون في التزويج فأمره بيد مولاه ، فلو منعه من الاستمتاع يجب عليه طاعته ، إلّا ما كان واجباً عليه من الوطء في كل أربعة أشهر (2) ومن حق القسم.

[3805] مسألة 5 : إذا أذن المولى للأمة في التزويج وجعل المهر لها ، صحّ على الأقوى من ملكية العبد والأمة (3) وإن كان للمولى أن يتملك ما ملكاه ، بل الأقوى


(1) الظاهر أن هذه الآية الكريمة أجنبية عن محلّ الكلام ، فإنها واردة في أن الرجل يقوّم ظهر المرأة ووجوب إطاعته عليها ، ومن الواضح أن هذا لا ينافي وجوب إطاعة المولى عليها أيضاً.

(2) فلا تجب إطاعته لمخالفته لأمر اللّه تبارك وتعالى ، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

(3) الكلام تارة في إمكان ملكيتهما ، وأُخرى في وقوعه خارجاً والدليل عليه.

أمّا المقام الأوّل : فلا ينبغي الشك فيه ، فإنّ الملكية إنما هي من الأُمور الاعتبارية وقائمة بالاعتبار وهو سهل المئونة ، فللشخص أن يعتبر ما يشاء ما دام يترتّب عليه الأثر كي لا يكون لغواً. وأما من تقوم به الملكية ويكون مالكاً فلا دليل على اعتبار كونه حرّا ، بل يمكن أن يكون جماداً كالوقف على المسجد وما شاكله.

وأمّا المقام الثاني : فيمكن الاستدلال على وقوعه بجملة من النصوص المعتبرة :

كالتي دلّت على نفي الزكاة في مال العبد (1). فإنه ظاهر في كون العبد مالكاً ، غاية الأمر أن أمواله مستثناة ، من حكم الزكاة ، وإلّا فلو لم يكن العبد مالكاً لم يكن وجه لنفي الحكم عنه ، لكونه سالبة بانتفاء الموضوع.

والتي دلّت على أن العبد لا يرث ولا يورث (2). فإن الحكم بأنه لا يورث ظاهر في


1) الوسائل : 9 : 91 وجوب الزكاة على الحر وعدم وجوبها على العبد ح 11597 ، 11598.

2) الوسائل ، ج 26 كتاب الفرائض والمواريث ، أبواب موانع الإرث ، ب 16.

كونه مالكاً لهما ولمالهما ملكية طولية (1).


أنه يملك ، إلّا أن أمواله لا تنتقل بموته إلى ورثته ، وإلّا فلو لم يكن له مال لعدم قابليته للملكية ، لم يكن وجه للقول بأنه لا يورث.

والتي دلّت على أن العبد ليس له التصرف في أمواله من دون إذن سيده ، كصحيحة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : «لا يجوز للعبد تحرير ولا تزويج ولا إعطاء من ماله إلّا بإذن مولاه» (1). فإنها تدل وبكمال الصراحة على أن العبد يملك ، غاية الأمر أنه محجور عليه وليس له التصرف إلّا بإذن مولاه.

(1) إذ لا محذور فيه عقلاً ، نظراً إلى أن الملكية من الأُمور الاعتبارية ، فلا يأتي فيها التضادّ أو التناقض أو التماثل ، لأنها إنما تختص بالأُمور التكوينية الموجودة في الخارج ، فلا مانع من اعتبار شي‌ء واعتبار عدمه في آن واحد عقلاً ، غاية الأمر أنه يكون لغواً ولا يصدر من الحكيم إذا لم يكن له أثر ، وإلّا فلا لغوية فيه أيضاً ، كما هو الحال في اعتبار وكيلين أو متوليين مستقلين بحيث يعمل كلٌّ منهما منفرداً عن الآخر.

هذا بشكل عام. وأما في خصوص الملكية فاعتبارها لشخصين كلّ منهما مستقلا عن الآخر لغو محض ، لأنّ مقتضى اعتبار ملكية زيد له هو جواز تصرفه فيه كيف يشاء وانتقاله إلى ورثته بعد موته ، في حين إنّ مقتضى اعتبار ملكية عمرو له هو عدم جواز تصرف زيد فيه في حياته وعدم انتقاله إلى ورثته بعد وفاته ، وكذا العكس فيكون لغواً محضاً.

ومن هنا فقد ذكرنا في باب الجمع بين الأحكام الظاهرية والواقعية ، أنه لا استحالة في الجمع بين الحكمين مطلقاً ، سواء أكانا معاً واقعيين ، أم كانا ظاهريين ، أم كان أحدهما واقعياً والآخر ظاهرياً.

غاية الأمر أن الأوّل لغو لا يصدر من الحكيم ، لا سيما إذا قلنا بتبعية الأحكام للمصالح والمفاسد في متعلقاتها ، فإنه حينئذ لا يمكن الجمع بينهما أيضاً ، حيث لا يمكن


1) الوسائل ، ج 21 كتاب النكاح ، أبواب نكاح العبيد والإماء ، ب 23 ح 1.

.................................................................................................


أن يكون الشي‌ء الواحد واجداً للمصلحة الراجحة والمفسدة الراجحة في آن واحد.

وأمّا الثاني فهو كالأوّل في اللغوية ، حيث لا يمكن للمكلف امتثالهما في الخارج.

وأمّا الثالث فلا محذور فيه أصلاً ، إذ إنهما لا يصلان معاً إلى المكلف أصلاً ، فإذا وصل الأوّل ارتفع موضوع الثاني ، وإذا وصلت النوبة إلى العمل بالثاني فلا بدّ من فرض عدم الأوّل. ومن هنا فلا يكون جعلهما معاً لغواً ، فضلاً عن كونه ممتنعاً عقلاً.

والحاصل أنه لا محذور عقلاً من اعتبار ملكية شي‌ء لشخصين مستقلين في نفسه مع كون أحدهما في عرض الآخر ، فضلاً عن كون ملكية المولى طولية ، نعم ، هو عبث ولغو فلا يصدر من الحكيم ، غير أن هذا غير الامتناع العقلي ، كما لا يخفى.

وأما بالنسبة إلى خصوص العبد ومولاه ، فاعتبار ملكية شي‌ء واحد لكل منهما مستقلا في عرض الآخر ، فمضافاً إلى أنه لا يصطدم بأي محذور عقلي ، لا يأتي فيه محذور اللغوية ، لأن العبد ممنوع من التصرف ولا يورث ، فلا يأتي فيه ما ذكر من أن اعتبار الملكية له يقتضي جواز تصرفه فيه كيف يشاء وانتقاله إلى ورثته بعد موته ، إذ إنه لا يقدر على شي‌ء.

إلّا أنه لا دليل عليه. بل ربّما ينافي ما دل على جواز هبة المولى لعبده شيئاً (1). فإن مفهومها إنما هو رفع اليد عن الملكية وسلب مالكيته عن شي‌ء وجعلها لآخر ، فإنه لا ينسجم مع كون المولى مالكاً لذلك الشي‌ء في عرض مالكية العبد أيضاً ، إذ إنه إنما يكون حينئذ من إضافة مالك إلى مالك لا سلب المالكية عن شخص وجعلها لآخر.

بل وربّما ينافيه ما دلّ على نفي الزكاة عن مال العبد (2). فإن المال لو كان مملوكاً للمولى أيضاً ، لوجبت فيه الزكاة من هذه الجهة ، وهو يتنافى مع الحكم بأنه لا زكاة فيه.

وبالجملة فالالتزام بملكية المولى للمال في عرض ملكية العبد له ، مضافاً إلى أنه لا دليل عليه ، ينافيه بعض النصوص الواردة في أبواب متفرقة من الفقه.


1) الوسائل 18 : 368 أبواب بيع الحيوان من كتاب التجارة ح 23647.

2) الوسائل 9 : 91 كتاب الزكاة ، باب 4 ح 11597 و 11598.

.................................................................................................


إذن فالصحيح هو الالتزام بما ذكره الماتن (قدس سره) من ملكية المولى للمال ملكية طولية ، بمعنى أن المال مملوك للعبد أوّلاً وبالذات ، غاية الأمر أن المولى يملكه أيضاً باعتبار ملكيته لمالك المال أعني العبد فهو مملوك له بالتبع لا بالأصالة ، فإنّ هذا الالتزام لا محذور فيه أصلاً.

وتدلّ عليه صحيحة محمّد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) أنه قال في المملوك : «ما دام عبداً فإنه وماله لأهله ، لا يجوز له تحرير ولا كثير عطاء ولا وصيّة إلّا أن يشاء سيده» (1).

وصحيحة إسحاق بن عمار ، قال : قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : ما تقول في رجل يهب لعبده ألف درهم أو أقل أو أكثر ، فيقول : حلّلني من ضربي إياك ، ومن كل ما كان منِّي إليك وما أخفتك وأرهبتك ، فيحلِّله ويجعله في حل رغبة فيما أعطاه ثمّ إنّ المولى بعد أصاب الدراهم التي أعطاه في موضع قد وضعها فيه العبد فأخذها المولى ، إحلال هي؟ فقال : «لا». فقلت له : أليس العبد وماله لمولاه؟ فقال : «ليس هذا ذاك» ثمّ قال (عليه السلام) : «قل له فليرد عليه ، فإنه لا يحل له ، فإنه افتدى بها نفسه من العبد مخافة العقوبة والقصاص يوم القيامة» (2).

فإنّ قول إسحاق (أليس العبد وماله لمولاه) وإجابة الامام (عليه السلام) عنه بأنه «ليس هذا ذاك» ظاهر الدلالة في أن ملكية المولى للعبد ومن ثمّ لما يملكه من الأُمور أمر مفروغ عنه.

والحاصل أن العبد مالك لأمواله أوّلاً وبالذات ، ومولاه مالك لتلك الأموال لكن بتبع ملكيته للعبد نفسه ، فملكية المال المعين معتبرة مرّتين : تارة للعبد بالذات ، وأُخرى للمولى بتبع ملكيته للعبد ، وقد عرفت أنه لا محذور في هذين الاعتبارين ما دامت هناك مصلحة فيه.

هذا مضافاً إلى دلالة صحيحتي محمد بن قيس وإسحاق بن عمار على ما ذكرناه.


1) الوسائل ، ج 19 كتاب الوصايا ، ب 78 ح 1.

2) الوسائل ، ج 18 كتاب التجارة ، أبواب بيع الحيوان ، ب 9 ح 3.

[3806] مسألة 6 : لو كان العبد أو الأمة لمالكين أو أكثر ، توقف صحّة النّكاح على إذن الجميع أو إجازتهم (1). ولو كانا مبعضين ، توقف على إذنهما وإذن المالك (2) وليس له إجبارهما حينئذ (3).

[3807] مسألة 7 : إذا اشترت العبد زوجته بطل النِّكاح (4) وتستحق المهر


نعم ، لا بدّ من استثناء صورة واحدة من هذا الحكم ، حيث لا يملك المولى فيها مال العبد بتبع ملكيته له ، وهي ما لو أعطى المولى شيئاً لعبده في قبال أن يحلّله مما اعتدى عليه فراراً من العقاب الأُخروي ، وذلك لصريح صحيحة إسحاق بن عمار المتقدِّمة فيملك العبد هذا المال مستقلا ومن دون أن يملكه المولى بالملكية الطولية.

(1) لما تقدّم في المالك المتحد ، إذ لا فرق بين المتحد والمتعدِّد ، فإنهم جميعاً يملكونه ولكل منهم حصة فيه ، فلا يصحّ التزويج من دون إذن المالك أو إجازته.

(2) أمّا اعتبار إذنهما فللحاظ الجزء الحر ، حيث لا سلطنة للمولى عليه. وأما اعتبار إذن المالك فللحاظ الجزء المملوك ، حيث يكون التصرف فيه بغير إذنه تعدياً على سلطانه ، وتصرفاً في ماله بغير رضاه.

(3) لعدم السلطنة على جزئهما الحر.

(4) الروايات الواردة في المقام أربع :

إحداها : واردة في شراء الحرّة زوجها العبد ، وهي رواية سعيد بن يسار ، قال : سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن امرأة حرّة تكون تحت المملوك فتشتريه ، هل يبطل نكاحه؟ قال : «نعم ، لأنه عبد مملوك لا يقدر على شي‌ء» (1). إلّا أنها ضعيفة السند ، من جهة أن شيخ الكليني (قدس سره) أبا العباس محمد بن جعفر لم يرد فيه توثيق.

وثلاث منها واردة في الإرث ، هي :

أ - صحيحة عبد اللّه بن سنان ، قال : سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول في


1) الوسائل ، ج 21 كتاب النكاح ، أبواب نكاح العبيد والإماء ، ب 49 ح 2.

.................................................................................................


رجل زوج أم ولد له مملوكه ، ثمّ مات الرّجل فورثه ابنه فصار له نصيب في زوج امّه ثمّ مات الولد أترثه امّه؟ قال : «نعم». قلت : فإذا ورثته ، كيف يصنع وهو زوجها؟ قال : «تفارقه وليس له عليها سبيل وهو عبدها» (1).

ثمّ إن صاحب الوسائل (قدس سره) قد جعل كلمة «وهو عبدها» بين قوسين وجعل عليها حرف (خ) إشارة إلى أنها نسخة ، غير أننا عند مراجعتنا إلى المصدر وجدنا أنّ الكلمة ثابتة فيه من غير الإشارة إلى كونها نسخة ، فما فعله (قدس سره) لعلّه من سهو القلم.

ب - صحيحة محمد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) ، قال : «قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في سرية رجل ولدت لسيدها ثمّ اعتزل عنها فأنكحها عبده ثمّ توفِّي سيِّدها وأعتقها فورث ولدها زوجها من أبيه ، ثمّ توفي ولدها فورثت زوجها من ولدها ، فجاءا يختلفان يقول الرجل : امرأتي ولا أُطلقها ، وتقول المرأة : عبدي لا يجامعني. فقالت المرأة : يا أمير المؤمنين ، إن سيدي تسراني فولدني ولداً ثمّ اعتزلني فأنكحني من عبده هذا ، فلما حضرت سيدي الوفاة أعتقني عند موته وأنا زوجة هذا وإنه صار مملوكاً لولدي الذي ولدته من سيدي ، وإن ولدي مات ثمّ ورثته ، هل يصلح له أن يطأني؟ فقال لها : هل جامعك منذ صار عبدك وأنت طائعة؟ قالت : لا يا أمير المؤمنين. قال : لو كنت فعلت لرجمتك ، اذهبي فإنه عبدك ليس له عليك سبيل. إن شئت أن تبيعي ، وإن شئت أن ترقي ، وإن شئت أن تعتقي» (2).

ج - معتبرة إسحاق بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال في امرأة لها زوج مملوك فمات مولاه فورثته ، قال : «ليس بينهما نكاح» (3).

وهذه النصوص وإن كانت واردة في تملكها له بالإرث ، إلّا أنّ الظاهر من الصحيحتين الأُوليين هو أن انفساخ الزوجية إنما هو من جهة عدم اجتماع الزوجية


1) الوسائل ، ج 21 كتاب النكاح ، أبواب نكاح العبيد والإماء ، ب 49 ح 1.

2) الوسائل ، ج 21 كتاب النكاح ، أبواب نكاح العبيد والإماء ، ب 49 ح 2.

3) الوسائل ، ج 21 كتاب النكاح ، أبواب نكاح العبيد والإماء ، ب 49 ح 4.

إن كان ذلك بعد الدخول (1). وأما إن كان قبله ، ففي سقوطه ، أو سقوط نصفه ، أو ثبوت تمامه (1)، وجوه مبنية على أنه بطلان أو انفساخ (2). ثمّ هل يجري عليها حكم الطّلاق قبل الدخول أو لا؟ وعلى السقوط كلّاً إذا اشترته بالمهر الذي كان


والعبودية مطلقاً ، وإن الرجل الذي هو عبد للمرأة «وليس له عليها سبيل» لا يصلح أن يكون زوجاً لها ويقوم ظهرها ، من دون أن يكون لسبب العبودية خصوصيّة.

ومن هنا فيتم ما ذكره الماتن (قدس سره) ، وإن كانت الرواية الواردة في شرائها لزوجها ضعيفة السند.

(1) بلا إشكال فيه ولا خلاف ، لاستقراره بالدخول بعد أن كان العقد صحيحاً فلا موجب لسقوط بعضه فضلاً عن تمامه.

(2) وذلك لأن ارتفاع العقد عند طرو ما يوجب زواله بعد الحكم بصحته ، إنما يكون على نحوين :

الأوّل : زواله على نحو تقدير أنه لم يكن ، فيفرض العقد حين طرو الرافع كأنه لم يقع في الخارج ولم يكن في حينه ، كما هو الحال في موارد الفسخ بالخيار.

الثاني : زواله من حين طرو العذر وبطلانه عند تحقق السبب ، كما هو الحال في الطلاق.

أما على النحو الأوّل ، فلا يجب على أحد المتعاقدين شي‌ء للآخر ، لارتفاع العقد وفرضه كأن لم يكن ، وفي حكم الفسخ الانفساخ ، أعني حكم الشارع به وإن لم يكن هناك فسخ من المتعاقدين. كما هو الحال في باب التداعي ، فإذا ادعى البائع أن المبيع كان داراً وادعى المشتري أنه كان بستاناً حكم بالانفساخ ، وفرض العقد كأن لم يكن من الأوّل.

ففي المقام لو فرض الانفساخ فليس للزوجة شي‌ء من المهر ، لأنه مأخوذ في ضمن العقد وهو قد فرض كأن لم يكن ، فلا موجب لثبوته مجرداً عنه ، سواء أكان الفسخ


1) (*) لا يبعد أنه المتعين.

.................................................................................................


من قبله أو من قبلها.

نعم ، في خصوص ما لو فسخت المرأة العقد لظهور الرجل عنيناً ، تستحق عليه نصف المهر ، للنص على ما سيأتي بيانه وإلّا فمقتضى القاعدة عدم استحقاقها شيئاً لفرض العقد غير واقع في الخارج.

وأما على النحو الثاني ، كما لو عرض البطلان نتيجة لارتضاع ابن الزوج من أُم الزوجة ، فإنه يبطل النكاح حيث لا ينكح أبو المرتضع في أولاد صاحب اللبن أو المرضعة ، لكنّه لا يعدّ فسخاً ورفعاً للعقد من الأوّل وفرضه كأن لم يكن ، وإنما هو حكم بأنه كالعدم من الآن.

وعلى هذا فتستحق المرأة في هذا التقدير المهر. لكنها هل تستحقه بتمامه ، أو تستحق نصفه خاصة؟ خلاف بين الأصحاب ، فمنهم من ذهب إلى الأوّل ، ومنهم من اختار الثاني.

والصحيح هو الأوّل. والوجه فيه أن سقوط المهر كلّاً أو بعضاً بعد ثبوته بالعقد وملكية الزوجة له على الزوج أو سيده ، يحتاج إلى الدليل ، وإلّا فمقتضى إطلاق أدلّته هو ثبوته تماماً في ذمته ، وحيث لا دليل في المقام فلا مجال للمصير إليه.

نعم ، دلّت الآية الكريمة وجملة من النصوص على سقوط النصف في الطلاق (1)كما ورد النص في إبراء الرجل لزوجته المنقطعة قبل أن يدخل بها (2). كما إن ذلك هو الصحيح عندنا في الموت أيضاً للنص الصحيح (3)وإن خالف فيه جماعة فالتزموا بثبوت التمام ، أو قيل بالتفصيل بين موت الزوج وموت الزوجة.

وأما في غير هذه الموارد من موارد بطلان العقد وارتفاعه بقاءً ، فحيث لا دليل على سقوط شي‌ء من المهر ، فلا وجه للقول به بل اللازم هو الالتزام بثبوت تمامه.

ثمّ إنه يظهر من كلمات بعضهم التفصيل في المقام بالقول : بأن سبب البطلان إن كان


1) الوسائل ، ج 21 كتاب النكاح ، أبواب المهور ، ب 51.

2) الوسائل ، ج 21 كتاب النكاح ، أبواب المتعة ، ب 30.

3) الوسائل ، ج 21 كتاب النكاح ، أبواب المهور ، ب 58.

لها في ذمّة السيِّد بطلَ الشراء ، للزوم خلو البيع عن العوض (1). نعم ، لا بأس به


هو الزّوج ، وجب عليه دفع تمام المهر إليها. وإن كانت هي الزوجة سقط المهر أجمع. وإن كانا هما معاً انتصف المهر ، فيسقط نصفه ويجب عليه دفع النصف الآخر إليها.

ولم نعرف لهذا القول وجهاً ، غير دعوى استناد التفويت إلى من هو سبب البطلان فيضمنه للآخر.

إلّا أنها مما لا يمكن المساعدة عليها. وذلك لأنّ الزوجية ليست من الماليات كي تضمن عند تفويتها ، ولذا لو قتل شخص زوجة أحد لم يضمن مضافاً إلى ديتها عوض الزوجية. وكذا لو تصدى الغير للبطلان وسبب فيه ، كما لو تصدّت أُم الزوجة لإرضاع الطفل عمداً فحرمت المرأة على زوجها ، فلا يحتمل ثبوت المهر عليها مع أنها هي التي فوتت الزوجية وأبطلتها.

والحاصل أنّ في موارد الفسخ أو الانفساخ لا يثبت للزوجة شي‌ء من المهر بالمرّة عدا مورد الفسخ نتيجة لعنن الزّوج حيث يثبت لها نصف المهر. وأما في موارد البطلان ، ففي غير الموارد التي دلّ الدليل على سقوط النصف كالموت والطلاق والإبراء لا يسقط من المهر ولا جزء من الألف فضلاً عن نصفه ، بل تستحق تمام ما سمِّي في العقد.

(1) لانفساخ الزوجية بمجرد شراء الزوجة زوجها ، فيرجع المهر إلى السيد لا محالة ، وبذلك لا يتحقق مفهوم البيع الذي هو عبارة عن مبادلة مال بمال ، لأنّ تملك العبد حينئذ يكون بلا عوض. وليس هذا تخصيصاً في أدلة البيع أو شراء الزوجة زوجها ، وإنما هو خروج عنها بالتخصص ، حيث لا يتحقق فيه مفهوم البيع والشراء.

وقد خالف في ذلك شيخنا الأُستاذ (قدس سره) ، حيث التزم بالصحّة. بدعوى أن سقوط المهر معلول لشراء الزوجة العبد ، وإلّا فالزوجية قبل ذلك ثابتة والمهر لازم للمولى وهي تملكه بلا خلاف ، وإنما يعرض البطلان في مرتبة متأخرة عن الشراء. ومن هنا فحيث إن المرأة تملك المهر في رتبة الشراء ، فلا وجه للحكم بالبطلان ، لعدم خلو البيع عن العوض.

.................................................................................................


وقد أشكل عليه في بعض الكلمات بأنه لا فرق في البطلان بين أن يكون في مرتبة متقدمة عن الشراء ، أو يكون في مرتبة لاحقة له. فإن سقوط المهر في الرتبة اللاحقة للشراء ، موجب لبطلان الشراء في الرتبة اللاحقة ، فيلزم نفس المحذور المذكور في المتن.

ولكنّه مندفع بأنه لا موجب للحكم ببطلان البيع فيما إذا كان سقوط المهر في مرحلة متأخرة عنه ، بل لا بدّ من الحكم بالصحّة ولزوم دفع بدل المهر إلى السيِّد على الزوجة ، نظراً لتلف نفس المهر حكماً بانتقاله إلى البائع في مرحلة سابقة عن انفساخ العقد ، كما هو الحال في سائر موارد الفسخ أو الانفساخ بعد تلف العوض حقيقة أو حكماً بالانتقال اللّازم عن ملكه.

ففي المقام يقال : إنّ الزوجة حينما اشترت زوجها كانت مالكة للمهر ، فصح البيع لتمامية الشروط. وحينما حكم ببطلان الزوجية في مرحلة متأخرة عن الشراء ، وجب عليها إرجاع المهر إلى من كان المهر عليه ، وحيث إنه تالف لانتقاله عنها لزمها دفع بدله ، كما هو الحال في جميع موارد تأخر الفسخ عن تلف أحد العوضين ، ولا موجب لدعوى البطلان في المقام.

غير أن هذا لا يعني تمامية ما أفاده شيخنا الأُستاذ (قدس سره) ، فإنه مما لا يمكن المساعدة عليه.

وذلك لما ذكرناه في كتاب الصلاة عند تعرض المصنف (قدس سره) لما إذا نسي المصلِّي التسليم حتى صدر منه الحدث ، من الحكم بالصحّة بالنظر إلى أن دليل «لا تُعاد» (1)شامل للتسليم أيضاً ، حيث إنه ليس من الخمسة المستثناة ، فيدلّ على سقوط جزئيته عند النسيان ، كما هو الحال في سائر أجزاء الصلاة التي لا تعاد منها. ومن هنا يكون الحدث بعد الفراغ من الصلاة لا محالة ، لسقوط جزئية التسليم فيحكم بالصحّة فيه.

وما قيل من أنّ الخروج عن الصلاة لما كان معلولاً للحدث وفي مرتبة متأخرة


1) الوسائل ، ج 6 كتاب الصلاة ، أبواب التشهد ، ب 7 ح 1.

إذا كان الشراء بعد الدخول ، لاستقرار المهر حينئذ (1).

وعن العلامة في القواعد : البطلان إذا اشترته بالمهر الذي في ذمّة العبد وإن كان بعد الدخول ، لأن تملكها له يستلزم براءة ذمته من المهر ، فيخلو البيع عن العوض. وهو مبني على عدم صحّة ملكية المولى في ذمّة العبد. ويمكن منع عدم الصحّة (2). مع أنه لا يجتمع ملكيتها له ولما في ذمته ، بل ينتقل ما في ذمّته إلى


عنه ، كان الحدث في مرتبة سابقة عن الخروج وهي حالة الصلاة ، ومن هنا فلا محيص عن الحكم بالبطلان.

مدفوع بما ذكرناه في مبحث الترتب ومبحث الواجب المشروط من المباحث الأُصولية ، من أن نسبة الأحكام الشرعية إلى تمام موضوعاتها إنما هي نسبة المعلول إلى العلة التامة في التكوينيات ، فهما مختلفان رتبة ومتحدان من حيث الزمان حيث لا يفصل بينهما أي فاصل زماني. ومن هنا فزمان الحدث هو بعينه زمان الخروج من الصلاة وإن كان الثاني متأخراً في الرتبة عن الأوّل ، إلّا أنه لا عبرة بذلك وإنما العبرة بالزمان ، وحيث إنه لا زمان يقع فيه الحدث مغايراً لزمان الخروج عن الصلاة بحيث يصدر منه الحدث وهو في الصلاة ، فلا موجب للحكم بالبطلان.

فإنّ هذا الكلام يجري بعينه في المقام ، فيقال : إنّ الزوجة في زمان انتقال العبد إلى ملكها لم تكن مالكة للمهر ، لانتقاله في ذلك الزمان إلى ملك من كان عليه المهر وإن كانا يختلفان في الرتبة ، وعلى هذا فليس هناك زمان ينتقل فيه المهر إلى البائع كي ينتقل العبد إلى ملك الزوجة وتحصل به مبادلة المال بالمال ، كي يحكم بالصحّة ، بل لا محيص عن الالتزام بالبطلان ، لخلو البيع عن العوض وعدم تحقق مبادلة بالمال.

(1) بلا خلاف فيه. حيث يكون ملكاً طلقاً لها تفعل به ما تشاء ، فإذا اشترت به العبد من مولاه حكم بصحّة البيع ، وبه يسقط ما في ذمّة المولى ، كما هو الحال في الشراء من المدين.

(2) بل قد عرفت أنه هو الصحيح ، فإنه يضمن ما يتلفه من أموال المولى بلا خلاف ، فيتبع به بعد العتق.

المولى بالبيع (1) حين انتقال العبد إليها.

[3808] مسألة 8 : الولد بين المملوكين رقّ (1)(2) سواء كان عن تزويج مأذون فيه ، أو مجاز ، أو عن شبهة مع العقد أو مجرّدة (3) ، أو عن زنا منهما ، أو من


(1) ثمناً وعوضاً لانتقاله هو إلى الزوجة.

(2) بلا إشكال ولا خلاف فيه بين المسلمين قاطبة ، فإنه نماء لهما ، فيتبعهما في الرقية.

وتدلّ عليه مضافاً إلى السيرة القطعية المتصلة بعهد المعصومين (عليهم السلام) فإنّ المسلمين كانوا يملكون العبيد والإماء ، وكانوا يملكون أولادهم أيضاً من غير ردع أو زجر جملة من النصوص المعتبرة الدالة على حرية المولود من أبوين أحدهما حرّ (2)فإنّ هذه الأسئلة والأجوبة إنما تكشف عن وضوح مملوكية المولود من المملوكين لدى السائل.

ويؤيِّد ذلك خبر أبي هارون المكفوف ، قال : قال لي أبو عبد اللّه (عليه السلام) : «أيسرك أن يكون لك قائد؟» قلت : نعم ، فأعطاني ثلاثين ديناراً وقال : «اشتر خادماً كسومياً» فاشتراه ، فلما أن حجّ دخل عليه فقال له : «كيف رأيت قائدك يا أبا هارون»؟ قال : خيراً. فأعطاه خمسة وعشرين ديناراً وقال له : «اشتر له جارية شبانية ، فإنّ أولادهنّ فره» فاشتريت جارية شبانية فزوجتها منه فأصبت ثلاث بنات ، فأهديت واحدة منهنّ إلى بعض ولد أبي عبد اللّه (عليه السلام) وأرجو ان يجعل ثوابي منها الجنة ، وبقيت ثنتان ما يسرّني بهن أُلوف (3).

غير أنّ هذه الرواية لا تخلو من الإشكال في السند.

(3) بلا خلاف فيه. فإنه نماء لهما وينتتسب شرعاً إليهما ، فيكون رقّاً لا محالة ، كما


1) (*) هذا إذا كانت الأُم أمة ، وأمّا إذا كانت حرّة فلا يبعد أن يكون الولد حرّا وإن كانت زانية أو عالمة بفساد العقد ، وسيأتي منه (قدس سره) في المسألة الرابعة عشرة الفرق بين الزنا وفساد العقد على خلاف ما ذكره هنا.

2) الوسائل ، ج 21 كتاب النكاح ، أبواب نكاح العبيد والإماء ، ب 30.

3) الوسائل ، ج 21 كتاب النكاح ، أبواب نكاح العبيد والإماء ، ب 42 ح 1.

أحدهما ، بلا عقد أو عن عقد معلوم الفساد عندهما ، أو عند أحدهما (1).

وأما إذا كان أحد الأبوين حراً ، فالولد حر إذا كان عن عقد صحيح (2) أو شبهة


هو الحال في التزويج الصحيح.

(1) كل ذلك لكونه نماءً لهما ، فلا يتّصف بالحرية مع كونهما رقّين ، بل يتبعهما في العبودية لا محالة.

(2) أما إذا كانت الأُم حرّة ، فلا إشكال ولا خلاف في حرية الولد. وتدلّ عليه مضافاً إلى السيرة القطعية المتصلة بعهد المعصومين (عليهم السلام) جملة من النصوص الصحيحة الدالّة بإطلاقها أو نصّها على المدعى ، كصحيحة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال في العبد تكون تحته الحرّة ، قال : «ولده أحرار ، فإن أعتق المملوك لحق بأبيه» (1). وغيرها من النصوص التي يأتي ذكرها.

وأما لو كان الأب حرّا وكانت الام أمة ، فالمشهور شهرة عظيمة بل ادعي عليه الإجماع أنه يلحق بالأب في الحرية ، ولا عبرة بعبودية الام. وقد دلّت على ذلك جملة من النصوص الصحيحة ، كمعتبرة جميل بن دراج ، قال : سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل تزوّج بأمة فجاءت بولد؟ قال : «يلحق الولد بأبيه» قلت : فعبد تزوّج حرّة؟ قال : «يلحق الولد بأُمه» (2). وغيرها من الأخبار.

ولكن قد خالف في ذلك ابن الجنيد ، فالتزم بتبعية الولد للأُم في الرقية إلّا إذا اشترط حريته (3).

واستدلّ عليه بعدة روايات معتبرة ، كصحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في رجل زوّج أمته من رجل وشرط عليه أنّ ما ولدت من ولد فهو حرّ فطلّقها زوجها أو مات عنها فزوّجها من رجل آخر ، ما منزلة ولدها؟ قال


1) الوسائل ، ج 21 كتاب النكاح ، أبواب نكاح العبيد والإماء ، ب 30 ح 3.

2) الوسائل ، ج 21 كتاب النكاح ، أبواب نكاح العبيد والإماء ، ب 30 ح 2.

3) المختلف 7 : 168.

.................................................................................................


«منزلتها ، ما جعل ذلك إلّا للأوّل ، وهو في الآخر بالخيار ، إن شاء أعتق ، وإن شاء أمسك» (1).

وهذه المعتبرة كما تراها صريحة في لحوق الولد بالأمة في صورة عدم الاشتراط.

ومن هنا فيقع التعارض بينها وبين النصوص المتقدِّمة ، التي دلّت على تبعية الولد للأب في هذا الفرض صراحة. وحيث لا مجال لحملها على صورة الاشتراط نظراً إلى أنّ الظاهر منها أنه (عليه السلام) إنما هو في مقام بيان تبعية الولد للأب من حيث حرية الأب بحدّ ذاتها ، ومع قطع النظر عن جهة أُخرى كالاشتراط ، يتعين حمل صحيحة الحلبي على التقيّة ، إذ ينسب إلى العامة القول باللحوق إلى الأم.

وإلّا فلا محيص عن الالتزام بسقوط الطائفتين معاً للتعارض ، ويكون المرجع حينئذ هو عمومات أو إطلاقات الآيات الكريمة والنصوص الشريفة المثبتة للأحكام التكليفية والوضعية ، حيث إن مقتضاها ثبوت هذه الأحكام لجميع المكلفين من دون توقّف على إذن أحد أو رضاه ، إلّا أنه قد خصص بالدليل المنفصل بالمملوك ، حيث لا يقدر على شي‌ء ولا بدّ له في جميع تصرفاته من إذن مولاه.

ولما كان أمر المخصص يدور بين الأقل والأكثر ، إذ لا يعلم أنّ الخارج هل هو خصوص المتولد من المملوكين ، أو ما يعمّ المولود من الحر والمملوكة ، فلا بدّ من الاقتصار على القدر المتيقّن والرجوع في المشكوك إلى العام ، حيث إن الشبهة حكمية.

وإذا ثبت وجوب التكليف عليه من دون تقيّد بإذن أحد ، ثبت عدم رقيته بالدلالة الالتزامية ، وقد ذكرنا في المباحث الأُصولية أن الدلالات الالتزامية حجة في الأمارات. فإنّ المولود يولد من دون أن يكون تحت سلطان أحد ، أو يكون تكليفه متوقّفاً على إذن أحد ، على ما تقتضيه إطلاقات وعمومات الكتاب والسنّة في الأحكام التكليفية والوضعية.

ومن هنا يمكن أن يقال : إنّه لا حاجة في الترجيح إلى القول بأنّ ما دل على


1) الوسائل ، ج 21 كتاب النكاح ، أبواب نكاح العبيد والإماء ، ب 30 ح 13.

مع العقد أو مجردة (1) حتى فيما لو دلست الأمة نفسها بدعواها الحرية فتزوجها حر على الأقوى (1)، وإن كان يجب


اللحوق بالحر في المقام مخالف للعامّة بخلاف معتبرة الحلبي حيث إنها موافقة لهم على ما نسب إليهم ذلك فإن ما دل على اللحوق بالحر موافق للكتاب ، فيترجح على الطائفة الثانية من دون أن تصل النوبة إلى المرجح الثاني ، أعني مخالفة العامة.

ومع قطع النظر عن هذين المرجحين وإطلاقات وعمومات الكتاب والسنّة فالمرجع بعد تساقط الطائفتين إنما هو أصالة الحرية. ومعنى هذا الأصل هو ما ذكرناه في مبحث البراءة من المباحث الأُصولية ، من جريان الاستصحاب بالنسبة إلى مقام الجعل أيضاً فيما إذا تردد الحكم بين إلزامي وغيره سواء في ذلك الوضعي والتكليفي الراجع إلى التردد في الإطلاق والتقييد ، إذ الذي يحتاج إلى الجعل إنما هو الإلزام والتقييد دون الإباحة والترخيص ، فإنهما ثابتان في غير ما أمر اللّه بفعله أو نهى عنه بالعقل والآيات والنصوص ، فإن البشر مطلق العنان في تصرفاته يفعل ما يريد ويترك ما يشاء غير ما أمر به المولى عز وجل. ومن هنا فإذا شككنا في جعل التقييد كان لنا التمسّك بالأصل لنفيه.

وعليه فحيث إن مرجع الرقية إلى التقييد بخلاف الحرية حين إن مرجعها إلى الإطلاق ، كان المرجع عند الشك في جعلها لفرد هو أصالة العدم ، ولا يعارض ذلك بأصالة عدم جعل الحرية حيث لا أثر لهذا الجعل بالمرة ، فيحكم بحرية هذا المولود لا محالة.

إذن فالصحيح هو ما ذهب إليه المشهور بل كاد أن يكون إجماعاً ، من لحوق الولد بالحر من الوالدين ، سواء أكان هو الأب أم كان الأُم.

(1) فإنّ الحر المشتبه إذا كان هو الزوج ، فلا إشكال في لحوق الولد به.

وتدلّ عليه مضافاً إلى أصالة الحرية جملة من النصوص المعتبرة ، كالتي وردت


1) (*) فيه تفصيل يأتي.

.................................................................................................


فيمن تزوّج امرأة ادعت الحرية فأولدها ، ثمّ انكشف كونها أمة ، حيث حكم (عليه السلام) بتبعية الولد للأب في الحرية (1). والتي وردت فيمن يشتري الأمة من السوق فيستولدها ، ثمّ يظهر كونها مغصوبة ولم يجز مالكها البيع ، فحكم الإمام (عليه السلام) بحرية الولد أيضاً (2). فإن هذه النصوص تدلّ على تبعية الولد للأب الحر وحريته فيما إذا كان هو المشتبه في الوطء.

وأما إذا كان الاشتباه من جانب الأُم الحرّة ، فالمشهور والمعروف بينهم هو الحكم بتبعية الولد لها في الحرية. وقد خالف في ذلك الشيخ المفيد (قدس سره) في المقنعة ووافقه عليه الشيخ الطوسي (قدس سره) ، حيث إنه (قدس سره) قد أورد كلام المفيد (قدس سره) وذكر رواية تدلّ عليه من دون أن يعلق عليه بشي‌ء فيظهر منه الرضا بما ذكر في المتن.

وهذه الرواية هي رواية العلاء بن رزين عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال في رجل دبّر غلاماً له فأبق الغلام ، فمضى إلى قوم فتزوج منهم ولم يعلمهم أنه عبد فولد له أولاد وكسب مالاً ، ومات مولاه الذي دبّره فجاء ورثة الميت الذي دبر العبد فطالبوا العبد ، فما ترى؟ فقال : «العبد وولده لورثة الميت». قلت : أليس قد دبر العبد؟ قال : «أنه لما أبق هدم تدبيره ورجع رقاً» (3).

إلّا أنّ هذه الرواية مضطربة السند إلى حد لم يعهد لها مثيل في الروايات على الإطلاق ، فإنّ الشيخ (قدس سره) قد ذكرها في التهذيب في موردين.

أحدهما في باب (العقود على الإماء) وقد ورد السند هكذا : البزوفري ، عن أحمد ابن إدريس ، عن الحسين (الحسن) بن أبي عبد اللّه بن أبي المغيرة (عن ابن أبي المغيرة) عن الحسن بن علي بن فضال ، عن العلاء بن رزين.

وثانيهما في (باب التدبير) وقد ورد السند هكذا : البزوفري ، عن أحمد بن إدريس


1) الوسائل 21 : 95 أبواب نكاح العبيد ، باب 9 ح 26618.

2) الوسائل 21 : 94 أبواب نكاح العبيد ، باب 9 ح 26616.

3) التهذيب 7 : 247 ح 1071 ، الاستبصار 3 : 139 ح 501.

.................................................................................................


عن الحسن بن علي ، عن أبي عبد اللّه (عبد اللّه) بن المغيرة (أبي المغيرة) عن الحسن بن عليّ بن فضال ، عن العلاء بن رزين. هذا بحسب الطبعة القديمة.

وأمّا الطبعة الحديثة فقد ورد في المورد الأوّل هكذا : البزوفري ، عن أحمد بن إدريس ، عن الحسن بن أبي عبد اللّه بن أبي المغيرة ، عن الحسن بن علي بن فضال عن العلاء بن رزين (1).

وأمّا المورد الثاني فقد ورد فيه : البزوفري ، عن أحمد بن إدريس ، عن الحسن بن علي بن عبد اللّه بن المغيرة ، عن الحسن بن علي بن فضال ، عن العلاء بن رزين (2).

وقد ذكرها صاحب الوافي (قدس سره) أيضاً في موردين ، ففي (باب النِّكاح) رواها عن البزوفري ، عن القمي ، عن الحسن بن أبي عبد اللّه ، عن ابن المغيرة ، عن ابن فضال ، عن العلاء بن رزين (3)من دون تعرّض لاختلاف النسخ.

وأما في (باب التدبير) فقد ذكر أن في أكثر النسخ : الحسين بن علي أبي عبد اللّه بن أبي المغيرة ، عن الحسن بن علي بن فضال ، عن العلاء بن رزين. إلّا أن في بعضها الحسن بدلاً عن الحسين ، كما أن في بعضها الحسين بن علي ، عن أبي عبد اللّه بن أبي المغيرة ، عن الحسن بن علي بن فضال ، عن العلاء بن رزين. ثمّ استظهر بعد ذلك كلّه أنّ الصحيح هو ما ورد في المورد الثاني من الطبعة الحديثة للتهذيب (4).

ثمّ إن صاحب الوسائل (قدس سره) قد رواها أيضاً في موردين ، فقد رواها في (أبواب التدبير) عن محمد بن الحسن ، عن البزوفري ، عن أحمد بن إدريس ، عن الحسين بن علي ، عن عبد اللّه بن المغيرة ، عن الحسن بن علي بن فضال ، عن العلاء بن رزين (5).


1) التهذيب 7 : 353 / 1437.

2) التهذيب 8 : 265 / 966.

3) الوافي 2 : ج 12 ، ص 83 ، أبواب وجوه النِّكاح ، باب الرّجل يدلِّس نفسه.

4) الوافي 3 : ج 6 ص 89 ، أبواب العتق والانعتاق ، باب التدبير.

5) الوسائل ، ج 23 كتاب التدبير والمكاتبة ، ب 10 ح 2.

.................................................................................................


كما رواها في أبواب (نكاح العبيد والإماء) عن محمد بن الحسن ، عن البزوفري عن الحسين بن أبي عبد اللّه ، عن ابن أبي المغيرة ، عن الحسن بن علي بن فضال ، عن العلاء بن رزين (1)من دون أن يتعرض إلى اختلاف النسخ في كلام الموردين.

ثمّ لا يخفى أن السند في المورد الثاني من الوسائل لا يخلو من سقط. فإن البزوفري لا يمكنه أن يروي عن الحسين بن أبي عبد اللّه مباشرة ومن دون واسطة ، لاختلاف طبقتهما ، ومن هنا فمن المطمأنِّ به سقوط (أحمد بن إدريس) من القلم أو الطبع.

وعلى هذا فالرواية ساقطة من حيث السند ، ولا مجال للاعتماد عليها.

ومنه يظهر الحال فيما ذكره صاحب الحدائق (قدس سره) ، من أن المشهور وإن ذهبوا إلى تبعية الولد لأشرف أبويه ، وهو الأُم في المقام لكونها حرّة ، إلّا أنّ الرواية المعتبرة لما كانت واردة في خصوص هذا المورد ودالّة على إلحاقهم بأبيه العبد ، فلا بدّ من تخصيص القاعدة (2).

فإنّ هذه الرواية غير معتبرة ، كما عرفت. على أنه لو فرض تمامية سندها فهي مبتلاة بالمعارض ، وهو صحيح محمد بن مسلم ، قال : سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن مملوك لرجل أبق منه فأتى أرضاً فذكر لهم أنه حر من رهط بني فلان ، وأنه تزوّج امرأة من أهل تلك الأرض فأولدها أولاداً ، وأنّ المرأة ماتت وتركت في يده مالاً وضيعة وولدها ، ثمّ أن سيده بعد أتى تلك الأرض فأخذ العبد وجميع ما في يديه وأذعن له العبد بالرق؟ فقال : «أما العبد فعبده ، وأما المال والضيعة فإنه لولد المرأة الميتة لا يرث عبد حراً». قلت : فإن لم يكن للمرأة يوم ماتت ولد ولا وارث ، لمن يكون المال والضيعة التي تركتها في يد العبد؟ فقال : «يكون جميع ما تركت لإمام المسلمين خاصة» (3)فإنها واردة في محل النزاع وصريحة في حرية الولد.

فلو تمّ سند تلك الرواية لكانت معارضة بهذه الرواية ، فتسقطان معاً لا محالة


1) الوسائل ، ج 21 كتاب النكاح ، أبواب نكاح العبيد والإماء ، ب 28 ح 1.

2) الحدائق 24 : 233.

3) الوسائل ، ج 21 كتاب النكاح ، أبواب العيوب والتدليس ، ب 11 ح 3.

عليه حينئذ دفع قيمة الولد إلى مولاها (1).

وأما إذا كان عن عقد بلا إذن مع العلم من الحر بفساد العقد ، أو عن زنا من الحرّ منهما ، فالولد رقّ (1)(2).


ويكون المرجع حينئذٍ هو عمومات ما دلّ على تبعية الولد لأشرف أبويه ، وأصالة الحرية.

ومن الغريب أن الشيخ (قدس سره) وصاحب الحدائق (قدس سره) لم يلتفتا إلى هذه الرواية عند تمسكهما برواية العلاء بن رزين ، مع تضلعهما في الأخبار.

(1) وسيأتي الحديث في هذا الفرع والذي سبقه في المسألة الثانية عشرة من هذا الفصل إن شاء اللّه.

(2) فإنّ الحر الزاني ان كان هو الأب كان الولد رقّاً.

لكن لا لما قيل من انتفاء الانتساب عنه شرعاً ، فيلحق بالأُم المملوكة فيكون رقاً لا محالة ، فإنه مردود بأنه لم يعثر في شي‌ء من الأخبار المعتبرة منها وغير المعتبرة ما يدلّ على انتفاء النسب بين الزاني أو الزانية والولد ، إذ غاية ما ورد في النصوص إنما هو نفي التوارث بينهما ، ومن الواضح أنه لا يدلّ على انتفاء النسب ، فإنه ثابت في القاتل والكافر ، والحال أنه لا قائل بانتفاء النسب بينهما.

وأما قوله (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) : «الولد للفراش وللعاهر الحجر» (2)فهو أجنبي عن محل الكلام بالمرة ، فإن مورده إنما هو حالة الشك وفرض عدم العلم ، فلا يشمل ما إذا علم تكون الولد من ماء الزاني ، حيث لا يلحق الولد بالزوج بلا خلاف.

ومن هنا كان التزامنا بترتّب جميع أحكام الأُبوة والبنوّة عدا الإرث عليهما فلا يجوز للزاني أن يتزوّج من البنت المخلوقة من مائه.


1) (*) هذا إذا كانت الأُمّ أمة ، وأمّا إذا كانت الأُمّ حرّة فلا يبعد أن يكون الولد حرّا وإن كانت زانية أو عالمة بفساد العقد ، وسيأتي منه (قدس سره) في المسألة الرابعة عشرة الفرق بين الزِّنا وفساد العقد على خلاف ما ذكره هنا.

2) الوسائل ، ج 21 كتاب النكاح ، أبواب نكاح العبيد والإماء ، ب 74 ح 1.

.................................................................................................


بل لجملة من النصوص المعتبرة التي دلّت على الحكم بالصراحة ، كصحيحة سماعة ، قال : سألته عن مملوكة قوم أتت قبيلة غير قبيلتها وأخبرتهم أنها حرّة فتزوّجها رجل منهم فولدت له ، قال : «ولده مملوكون إلّا أن يقيم البيِّنة أنه شهد لها شاهدان أنها حرّة ، فلا يملك ولده ويكونون أحراراً» (1).

وهي وإن كانت تشمل بإطلاقها صورة الوطء شبهة أيضاً ، إلّا أنه لا بدّ من تقييد الإطلاق بغير فرض الشبهة ، وذلك للنصوص المعتبرة المتقدِّمة الدالة على لحوق الولد بالحر إذا كان مشتبهاً ، وبذلك تكون الرواية دالة على لحوق الأولاد بالأمة في فرض الزنا وإن كان أبوهم حراً.

وصحيحة عاصم بن حميد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في رجل ظن أهله أنه قد مات أو قتل ، فنكحت امرأته وتزوّجت سريته ، فولدت كل واحدة منهما من زوجها ثمّ جاء الزوج الأوّل وجاء مولى السرية ، فقضى في ذلك : «أن يأخذ الأوّل امرأته فهو أحقّ بها ، ويأخذ السيد سريته وولدها إلّا أن يأخذ رضاه من الثمن ثمن الولد» (2)

وفيه : «إلّا أن يأخذ من رضا من الثمن له ثمن الولد» وجعلت عبارة المتن نسخة بدل.

. ومثلها صحيحة محمد بن قيس عنه (عليه السلام) (3).

فإنهما ظاهرتان في الزنا ، حيث إنهما واردتان فيمن ظن موت الرجل فتزوّج بامرأته أو جاريته المسراة ، ومن الواضح أن الظن لا يغني شيئاً فيكون الفعل زنا لا محالة.

ومعتبرة حريز عن زرارة ، قال : قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : أمة أبقت من مواليها فأتت قبيلة غير قبيلتها ، فادعت أنها حرّة فوثب عليها حينئذ رجل فتزوّجها ، فظفر بها مولاها بعد ذلك وقد ولدت أولاداً ، قال : «إن أقام البينة الزوج على أنه تزوّجها على أنها حرّة أعتق ولدها وذهب القوم بأمتهم ، وإن لم يقم البينة أوجع ظهره واسترق ولده» (4).


1) الوسائل ، ج 12 كتاب النكاح ، أبواب نكاح العبيد والإماء ، ب 67 ح 2.

2) الوسائل ، ج 21 كتاب النكاح ، أبواب نكاح العبيد والإماء ، ب 67 ح 6.

3) الوسائل ، ج 25 كتاب الغصب ، ب 6 ح 1.

4) الوسائل ، ج 21 كتاب النكاح ، أبواب نكاح العبيد والإماء ، ب 67 ح 3.

.................................................................................................


وهذه الرواية معتبرة سنداً ، باعتبار أن عبد اللّه بن يحيى المذكور في سندها من جملة رواة تفسير علي بن إبراهيم ، وليس هو الكاهلي كما توهمه بعضهم.

نعم ، ذكر الكليني (قدس سره) في الكافي هذه الرواية بعين هذا المتن والسند ، إلّا أن فيه عبد اللّه بن بحر بدل عبد اللّه بن يحيى وهو ممن لم يوثق ، وحيث أن الكليني أضبط نقلاً ، يشكلُ اعتبار هذه الرواية معتبرة من جهة السند.

وخبر علي بن حديد عن بعض أصحابه عن أحدهما (عليهما السلام) في رجل أقرّ على نفسه بأنه غصب جارية رجل فولدت الجارية من الغاصب ، قال : «تردّ الجارية والولد على المغصوب منه إذا أقرّ بذلك الغاصب» (1).

والحاصل أنّ الصحيح في المقام وإن كان هو ما ذهب إليه المشهور من عدم لحوق الولد بأبيه الحر ، إلّا أن الوجه فيه لم يكن ما ذكروه من عدم الانتساب إليه شرعاً فإنك قد عرفت بطلانه ، وإنما كان هو النصوص المعتبرة الواردة في المقام.

ومن هنا يظهر اندفاع توهّم أن الولد لما كان مولوداً من الحر كان مقتضى أصالة الحرية وما دلّ على عدم استرقاق من كان أحد أبويه حراً هو الحكم بحريته ، فإنه في غاية الفساد ، فإنّ النصوص التي تقدّمت تمنع من الرجوع إلى الأصل ، وتخصّص عمومات ما دلّ على عدم استرقاق من كان أحد أبويه حراً.

وإن كان الحر الزاني هي الأُم ، فقد يقال بأنّ الولد مملوك لمالك الأب العبد. لكنّه مدفوع بأنه لا أساس له سوى ما ذكرناه من دعوى ارتفاع النسب بالزنا ، فهو حينئذ لا يكون ولداً للحرّة ، فيتبع أباه في الرقية لا محالة. لكنّك قد عرفت فسادها حيث لا دليل عليها بالمرّة.

ومن هنا فالقول بتبعيته للُام هو المتعين ، فإنه نماء لها ، والرجل ليس إلّا لقاحاً. ويدلّ عليه ما دلّ على أنه لا يسترق من كان أحد أبويه حراً ، ومع التنزل عنه تكفينا إطلاقات وعمومات الكتاب والسنّة المقتضية للحرية ، حيث لا دليل على رقيته والشبهة حكمية ، ومع الإغماض عنها فأصالة الحرية هي المحكمة.


1) الكافي 5 : 405.

ثمّ إذا كان المملوكان لمالك واحد فالولد له (1). وإن كان كل منهما لمالك فالولد بين المالكين بالسويّة (1)(2)


(1) بلا خلاف ولا إشكال ، لكونه نماءً لملكه ، سواء أقلنا بتبعيته لأبيه أم قلنا بتبعيته لُامّه.

(2) لا نعلم لذلك وجهاً صحيحاً ، كما اعترف به غير واحد من الأصحاب. فإنّ المولود إنما هو نماء المرأة ، والرجل لا يقوم إلّا بدور اللقاح كما هو الحال في سائر الحيوانات ، حيث يعد المولود نتاجاً للأُنثى من دون أن يكون للذكر فيه نصيب إلّا قيامه بدور اللقاح.

وما يقال من أن الإنسان غير الحيوان حيث إن النسب مقصود في الآدميين فيلاحظ أب المولود بخلاف الحيوانات.

مدفوع بأنه لا أثر لذلك ، أعني ملاحظة النسب في كون النتاج نتاجاً للُام. فإن لحاظ اللِّقاح لبعض الأغراض ، لا يوجب انقلاب النتاج والنماء عن كونه نماءً لها خاصة إلى كونه نماءً مشتركاً لهما. على أن النسب مقصود في بعض الحيوانات كالخيول العربية وبعض أصناف البقر ومع ذلك فلا يخرج المولود عن كونه نتاجاً للُام.

وبعبارة اخرى نقول : إنه سواء أقلنا بأنّ منشأ تولد المولود هو مني الأب خاصّة وإنّ الام لا تقوم إلّا بدور المحل المناسب لتربيته وتطوره ، أم قلنا أنه هو مني الأُم خاصة وإن الأب لا يقوم إلّا بدور اللقاح ، أم قلنا أنه هو المنيان معاً ، فالولد لا يخرج عن كونه نتاجاً للأُم خاصة. وذلك فلأن المني كما إنه ليس بمال ليس بمملوك لأحد إذ هو فضلة كسائر الفضلات ، وليس هو كالحب المملوك حيث يتبعه الزرع في الملكية فإنّ البون بينهما بعيد ، فأحدهما مملوك والآخر فضلة غير مملوكة لأحد سواء فيه الحر والعبد.


1) (*) لا يبعد أن يكون الولد لمالك الأمة على أساس أنه نماؤها كما هو الحال في سائر الحيوانات.

.................................................................................................


ومن هنا فيكون النماء من نتاج الام ، حيث إنها التي تربي وبحسب الطبيعة التي خلقها اللّه تعالى والسر الذي أودعه فيها مني الزوج أو منيها أو منيهما معاً ، وتطوي به المراحل حتى يخرج خلقاً آخر ، فيكون تابعاً لها في الملكية حيث تكون رقاً ، نظير ما هو الحال في سائر الحيوانات.

ولو لا هذا الذي ذكرناه من تبعية الولد لُامِّه وكونه نتاجاً لها ، لم يكن وجه لاتفاقهم على أنّ العبد إذا زنى بأمة فحملت منه كان الولد لمولاها ، سواء أكانت هي زانية أيضاً أم لم تكن ، إذْ لم يرد في النصوص ولا خبر ضعيف يدلّ عليه.

نعم ، ورد ذلك في الحرّ إلّا أنه لا مجال لقياس العبد عليه ، حيث إنّ الحرّ مالك لجميع تصرّفاته ، فإذا أقدم على إلغاء احترام ماله لم يكن ماله بعد ذلك محترماً ، فيلحق الولد بالأمة. وهو بخلاف العبد فإنه لا يملك شيئاً ، فلو كان منيه مملوكاً وكان

الولد من نتاجه أو نتاجهما معاً ، لكان ينبغي القول باختصاص مولاه أو اشتراكه مع مولى الأمة في الولد ، حيث لا يتأتى هنا القول بأنه قد أقدم على إلغاء احترام ماله.

هذا ويمكن الاستدلال على تبعية الولد للُام وكونه من نتاجها بطوائف من الأخبار.

منها : ما ورد في المولود من فجور الحر بالأمة ، حيث دلت على كونه رقّاً لمالكها وقد تقدّمت جملة منها. فإنّه إنّما يتم بناءً على ما ذكرناه من كون الولد نتاجاً للُام ، وإلّا لم يكن وجه لكونه بتمامه رقّاً لمالك الأمة ، بل كان ينبغي أن يكون نصفه حراً ونصفه الآخر مملوكاً له.

ومنها : ما دلّ على أنّ الأمة إذا دلست نفسها وادعت الحرية فتزوّجها حرّ ، كان الأولاد أحراراً وكان على الأب أن يدفع قيمته إلى مولاها يوم سقط حيّاً ، كصحيحة سماعة ، قال : سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن مملوكة أتت قوماً وزعمت أنها حرّة ، فتزوجها رجل منهم وأولدها ولداً ، ثمّ إن مولاها أتاهم فأقام عندهم البينة أنها مملوكة وأقرّت الجارية بذلك ، فقال : «تدفع إلى مولاها هي وولدها ، وعلى

.................................................................................................


مولاها أن يدفع ولدها إلى أبيه بقيمته يوم يصير إليه» (1).

فإنه لو كان الولد نتاجاً للأبوين ، لكان ينبغي أن يدفع إلى مولاها نصف قيمته خاصّة ، فالحكم بضمانه لتمام القيمة دليل على كونه من نتاج الأمة خاصة.

ومنها : ما دلّ على أن حمل المدبرة إن كان بعد التدبير فهو مدبر كالأُم ، وإلّا فلا يتبع الأُم في التدبير ، كموثقة عثمان بن عيسى الكلابي عن أبي الحسن الأوّل (عليه السلام) قال : سألته عن امرأة دبّرت جارية لها فولدت الجارية جارية نفيسة فلم تدرِ المرأة حال المولودة هي مدبّرة أو غير مدبّرة؟ فقال لي : «متى كان الحمل بالمدبرة ، أقَبْلَ ما دبّرت أو بعد ما دبّرت»؟ فقلت : لست أدري ، ولكن أجبني فيهما جميعاً؟ فقال : «إن كانت المرأة دبّرت ، وبها حبل ولم تذكر ما في بطنها فالجارية مدبّرة والولد رقّ ، وإن كان إنما حدث الحمل بعد التدبير فالولد مدبّر في تدبير أُمّه» (2).

وكذلك ما ورد في أولاد المدبرة بعد التدبير ، كصحيحة أبان بن تغلب ، قال : سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل دبّر مملوكته ، ثمّ زوّجها من رجل آخر فولدت منه أولاداً ، ثمّ مات زوجها وترك أولاده منها ، قال : «أولاده منها كهيئتها ، فإذا مات الذي دبّر أُمهم فهم أحرار» (3).

وعنوان الرجل في هذه الرواية وإن كان أعمّ من الحر والمملوك إلّا أنه لا بدّ من حمله على المملوك ، إذ لو كان الأب حراً لم يكن وجه للسؤال عن كون الأولاد مدبرين أم لا ، لكونهم حينئذ أحراراً تبعاً لأشرف أبويهم. وعلى هذا فالرواية غير شاملة في نفسها لما إذا كان الزوج حراً ، وعلى فرض شمولها له فهو خارج بما دلّ من النصوص على حرية الولد إذا كان أحد أبويه حراً.

ومن هنا فقد أطلق صاحب الشرائع (قدس سره) ، حيث ذكر أن المدبرة لو حملت بمملوك ، سواء كان عن عقد أو زنا أو شبهة ، كان مدبراً. ولم يقيده بما إذا كان المملوك


1) الوسائل ، ج 21 كتاب النكاح ، أبواب نكاح العبيد والإماء ، ب 67 ح 5.

2) الوسائل ، ج 23 كتاب التدبير والمكاتبة ، أبواب التدبير ، ب 5 ح 2.

3) الوسائل ، ج 23 كتاب التدبير والمكاتبة ، أبواب التدبير ، ب 5 ح 1.

إلّا إذا اشترطا (1)التفاوت أو الاختصاص بأحدهما (1).


متولِّداً من عبد له ، فيعمّ الحكم ما إذا كان من عبد لغيره ، ونعم ما صنع (2).

وعلى كل فمقتضى إطلاق هذه الرواية أن الولد يكون لمالك الأمة ويكون مدبّراً بتبعها ، سواء أكان الأب مملوكاً له أم كان مملوكاً لغيره ، بل إن إطلاق رواية الحمل يشمل ما إذا كان الزوج حراً وكان التزويج فاسداً ، فيلحق الولد بامه ويكون مدبّراً وهو يدلّ على كونه من نتاجها خاصة.

إذن فالصحيح هو ما ذهب إليه أبو الصلاح وجماعة ، من تبعية الولد لُامِّه فيكون رقاً لمالكها (3)على ما تقتضيه القواعد.

(1) وكأنه لعموم قوله (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) : «المؤمنون عند شروطهم» حيث إن مقتضاه نفوذ كل شرط لا يخالف الكتاب أو السنّة.

إلّا أنه لا يمكن المساعدة على ذلك. والوجه فيه ما بيناه في مبحث الشروط مفصّلاً من أنّ دليل نفوذ الشرط ليس بمشرع بحيث يقتضي شرعية ما هو غير مشروع ، وإن غاية ما يقتضيه هو إلزام المؤمن بالوفاء بما هو مشروع في نفسه ومع قطع النظر عن الاشتراط ، بحيث يكون للمشروط عليه أن يفعله من دون الاشتراط. وأما ما ليس للمكلّف أن يفعله فلا أثر لاشتراطه ، ولا يقتضي ذلك لزومه ونفوذه ، باعتبار أنه شرط مخالف للكتاب والسنّة ومستلزم لتغيير حكم اللّه تبارك وتعالى. وحيث إنّ المقام من هذا القبيل ، باعتبار أن الولد حينما يولد مملوك لمالك الأُم خاصة على ما اخترناه ، أو مشترك بينه وبين مولى العبد على ما اختاروه ، كان اشتراط الزيادة أو الاختصاص مخالفاً لكتاب اللّه وسنّة نبيِّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) (4).

والحاصل أنّ كل أمر لم يكن ، مع قطع النظر عن الشرط ، مشروعاً لا يتصف نتيجة الشرط بالمشروعية ، ولا يلزم العمل به.


1) (*) الظاهر أنه لا أثر لهذا الاشتراط إذا كان على نحو شرط النتيجة ، وبذلك يظهر حال ما بعده.

2) شرائع الإسلام.

3) الكافي في الفقه : 315.

4) الوسائل ، ج 21 كتاب النكاح ، أبواب المهور ، ب 20 ح 4.

هذا إذا كان العقد بإذن المالكين (1)


وعلى هذا الأساس لم يلتزم فقيه بصحّة هذا الاشتراط في غير النكاح من العقود اللّازمة كأن يبيع داره ويشترط في ضمنه على المشتري أن يكون نتاج مملوكية له على نحو شرط النتيجة ، لكونه شرطاً مخالفاً لكتاب اللّه وسنّة نبيِّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم).

نعم ، لو كان أمر النتيجة مما للمشترط عليه أن يفعله قبل الشرط ، ولم يكن لتحقّقه سبب خاص ، صح اشتراطه ولزم ، كما لو اشترى داراً واشترط في ضمن العقد أن يكون جميع أثاث البيت له ، حيث لا مانع منه لأنه لا يحتاج إلّا إلى الاعتبار النفسي وإبرازه في الخارج بمبرز ، والمفروض تحققهما معاً بالعقد.

وبالجملة فكل أمر كان للمكلف أن ينشئه بالفعل ، أو فعل كان له أن يفعله كذلك ولم يكن له سبب خاص ، يصح اشتراطه ويلزم به. وأما ما ليس للمكلف أن يفعله أو ينشئه بالفعل ، أو كان متوقفاً على سبب معين ، فلا مجال لاشتراطه لكونه مخالفاً للكتاب والسنّة.

ثمّ إنّ بطلان شرط النتيجة يتوقف على أن يكون لدليل الحكم إطلاق يشمل فرض الاشتراط أيضاً ، فإنه حينئذ يكون اشتراط خلافه مخالفاً للكتاب والسنة. وأما إذا لم يكن لدليل الحكم إطلاق يشمل فرض الاشتراط ، وإنما كان مقيداً بفرض عدم الاشتراط كما هو الحال في الإرث في الزوجية المنقطعة ، فلا يكون اشتراطه مخالفاً للكتاب.

ومن هنا يظهر أنه لو التزمنا بما ذهب إليه ابن الجنيد من رقية المولود من حر وأمة إلّا إذا اشترط حريته ، لم يكن هذا الاشتراط مخالفاً للكتاب أو السنة ، إذ لو عملنا بالنصوص التي استدل بها على هذا المدعى ، لم يبق هناك إطلاق للكتاب والسنة يقتضي الرقية حتى في فرض الاشتراط.

(1) فيكون الولد مشتركاً بينهما ، لوحدة النسبة على ما اختاروه ، ومملوكاً لمالك الأُم خاصة على ما اخترناه.

أو مع عدم الإذن من واحد منهما (1)(1).


(1) ما ذكره (قدس سره) لم يظهر له وجه ، إذ قد تقدّم في جملة من النصوص المتقدِّمة التصريح بأن المملوك إذا تزوّج بغير إذن مولاه كان زانياً ، فلا ينسجم حكمه (قدس سره) هذا مع ما يذكره (قدس سره) صريحاً في ذيل هذه المسألة وعليه إجماع الأصحاب من أن العبد إذا كان زانياً لحق المولود بالأمة ، سواء أكانت هي زانية أيضاً أم لم تكن.

ومن هنا يظهر الحال فيما ذكره (قدس سره) بعد ذلك من اشتراك الموليين فيه ، فيما إذا كان النكاح عن إذن من أحدهما خاصة.

ومن غير البعيد أنه (قدس سره) يريد بذلك فرض الشبهة وعدم العلم بفساد العقد ، لاعتقادهما معاً الإذن ، أو اعتقادهما عدم اعتباره ، فإنه حينئذ يتمّ ما ذكره (قدس سره) من إلحاق الفرض بالزواج الصحيح.

وعليه فإن كانت الشبهة من الطرفين ، كان الولد مشتركاً بينهما على ما اختاروه ولمالك الأمة على ما اخترناه. وإن كانت الشبهة من أحدهما خاصة وكان الآخر مأذوناً ، كان الولد لمالك المشتبه ، باعتبار أن الإذن يقتضي تنازل الآذن عن حقه وإقدامه على فوات الولد منه ، باعتبار أن الإذن في التزويج مطلقاً يستلزم جواز تزويج المملوك من الحر فينعقد الولد حراً ، فيكون حال هذا الفرع كصورة اشتراط أحد الموليين وهو في المقام من لم يأذن الاختصاص بالولد.

غير أنك قد عرفت أنه لا أثر لاشتراط الاختصاص ، نظراً لكونه من شرط النتيجة ، فيكون الإذن من أحدهما مثله بطريق أولى ، باعتبار أنه لا يملك الولد حين الإذن وإنما سيملكه حين التولد.

وكيف كان ، فالعبارة لا تخلو من تشويش وغموض ، وإن ذكرت في كلمات غيره أيضاً.


1) (*) لعلّه يريد بذلك وبما بعده عدم العلم بفساد العقد ليكون الوطء شبهة ، وإلّا فهو داخل في ذيل المسألة وهو قول الماتن : «وأمّا لو كان الولد عن زنا من العبد ... إلخ».

وأما إذا كان بالإذن من أحدهما ، فالظاهر أنه كذلك (1). ولكن المشهور أن الولد حينئذ لمن لم يأذن. ويمكن أن يكون مرادهم في صورة إطلاق الإذن ، بحيث يستفاد منه إسقاط حق نمائية الولد ، حيث إن مقتضى الإطلاق جواز التزويج بالحر أو الحرّة ، وإلّا فلا وجه له.

وكذا لو كان الوطء شبهة (2) منهما ، سواء كان مع العقد أو شبهة مجردة ، فإن الولد مشترك (3).

وأما لو كان الولد عن زنا من العبد ، فالظاهر عدم الخلاف في أن الولد لمالك الأمة ، سواء كان من طرفها شبهة أو زنا (4).

[3809] مسألة 9 : إذا كان أحد الأبوين حراً فالولد حرّ (5) لا يصح اشتراط رقِّيّته على الأقوى (6) في ضمن عقد التزويج ، فضلاً عن عقد خارج لازم. ولا


(1) ظهر الحال فيه مما تقدّم ، فراجع.

(2) بلا خلاف فيه بينهم ، حيث يجري على المولود من الشبهة أحكام المولود من الزواج الصحيح.

(3) على ما اختاروه ، ومختص بمالك الأمة على ما اخترناه.

(4) وهو إنما يتمّ على ما اخترناه من تبعية المولود للأب ، وأما على ما اختاره الماتن تبعاً للمشهور من الاشتراك فلا وجه له ، بل لا بدّ من الحكم باشتراك المالكين في المولود ، فإنّ زنا العبد لا يوجب سقوط حق المولى عن نمائه. وأما النص الوارد في زنا الحر بالأمة وأنّ الولد حينئذٍ لمالك الأمة ، فلا يمكن التعدِّي عن موضوعه إلى العبد ، ولا سيما مع وضوح الفارق بينهما ، فإنّ الزاني إذا كان حراً فقد أقدم على إلغاء احترام مائه ، وأما العبد فليس له ذلك فإنّه هو ونماءه مملوك لغيره.

(5) لجملة من النصوص المعتبرة ، على ما تقدّم بيانها مفصلاً.

(6) خلافاً للمشهور ، حيث التزموا بصحّة الشرط ونفوذه ، مستدلين له :

تارة بعمومات أدلة نفوذ الشرط ، كقوله (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) : «المؤمنون عند شروطهم».

.................................................................................................


واخرى برواية إبراهيم بن هاشم ، عن أبي جعفر ، عن أبي سعيد عن أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : «لو أن رجلاً دبّر جارية ثمّ زوجها من رجل فوطئها كانت جاريته وولدها مدبّرين ، كما لو أن رجلاً أتى قوماً فتزوج إليهم مملوكتهم كان ما ولد لهم مماليك» (1).

بدعوى أنها وإن كانت مطلقة من حيث الاشتراط وعدمه ، إلّا أنه لا بدّ من الحمل على صورة الاشتراط ، جمعاً بينها وبين ما دلّ على حرية المتولد من أبوين أحدهما حرّ.

غير أن الصحيح هو ما ذهب إليه الماتن (قدس سره) ، فإنّ الاستدلال بالعمومات لا يمكن المساعدة عليه ، لما عرفته من أنها ليست مشرعة وإنّما هي تقتضي نفوذ الشرط المشروع خاصّة ، فلا توجب لزوم الحكم المخالف للكتاب والسنّة.

ولو تنزّلنا عن ذلك وقلنا بصحّة شرط النتيجة ، فلا مجال للقول بلزوم الشرط في المقام. وذلك لأن دليل لزوم الوفاء بالشرط ، إنما يقتضي إثبات لزوم الوفاء بالنسبة إلى المشروط عليه بحيث يلزمه ما لم يكن لازماً له ، وأما إثبات لزوم الوفاء بالنسبة إلى الأجنبي عنه فلا دليل عنه. ومن هنا فحيث إن الحرية من صفات المولود وقائمة به ، وليست هي من الأحكام المتوجهة إلى المشروط عليه ، فلا مجال للقول بلزوم اشتراط عدمها.

وأما الرواية فالكلام فيها من مقامين : السند ، والدلالة.

أمّا المقام الأوّل : فلا يخفى أنها ضعيفة من حيث السند ، باعتبار أن المكنى ب- (أبي جعفر) مشترك بين كثيرين ، والمعروف منهم هو أحمد بن محمد بن عيسى ، وهو ثقة. إلّا أنه لم يعهد ولا في رواية واحدة رواية إبراهيم بن هاشم عنه ، على أنّ لإبراهيم بن هاشم رواية عن أبي جعفر عن أبي بصير مباشرة ، مع أن من غير المحتمل رواية أحمد ابن محمد بن عيسى عن أبي بصير بلا واسطة.


1) الوسائل ، ج 21 كتاب النكاح ، أبواب نكاح العبيد والإماء ، ب 30 ح 10.

.................................................................................................


ومن هنا فليس (أبو جعفر) في المقام هو أحمد بن محمد بن عيسى ، وحيث لا يدرى من هو فلا يمكن الاعتماد عليها. واحتمال كونه هو أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي ، في غاية الضعف ، لأنه وإن كان يكنى بهذه الكنية على إشكال فإنّ النجاشي (قدس سره) قد كنّاه بأبي جعفر ، ثمّ ذكر أنه قيل أنّ كنيته (أبو علي) (1)إلّا أنّ الظاهر أنه غير معروف بهذه الكنية على ما يظهر ممّا ذكره النجاشي. على أنه لو فرض اشتهاره بذلك ، فلا نعهد في النصوص رواية يرد في سندها عنوان (أبي جعفر) ويراد به البزنطي ، وهذا يعني أنه وإن كان مشتهراً في غير النصوص بذلك إلّا أنه لم يعرف في النصوص بذلك ، وإنما يعبر عنه بالبزنطي وأحمد بن محمد بن أبي نصر وغير ذلك من العناوين.

هذا كله من جهة ، ومن جهة أُخرى فإنّ (أبا سعيد) أو (أبا سعد) على ما في بعض النسخ ، مجهول ولم يرد فيه توثيق.

ومن هنا فلا مجال للاعتماد عليها من حيث السند.

وأمّا المقام الثاني : فالرواية أجنبية بحسب الدلالة عن محلّ الكلام ، لأنّها كالصريحة إن لم تكن صريحة بالفعل في أنّ تبعية الولد للأُم إنما هي من جهة مملوكية الام ، بحيث تكون رقية الولد ناشئة من نفس رقية الأُم مع قطع النظر عن سائر الجهات على الإطلاق ، فلا تكون دليلاً على اقتضاء الاشتراط لرقيته ، على ما هو محل الكلام.

فلو تمّ سند هذه الرواية لكانت من النصوص الدالّة على مدعى ابن الجنيد ، من الحكم برقية الولد إذا كانت امه مملوكة وإن كان أبوه حراً ، ولا ترتبط بما نحن فيه بشي‌ء.

ومن هنا فالصحيح في المقام هو ما ذهب إليه الماتن (قدس سره) وغيره ، من إلغاء هذا الشرط واعتباره كالعدم ، لكونه مخالفاً للكتاب والسنة ، وإن ذهب المشهور إلى خلافه.


1) رجال النجاشي : 81 رقم 198.

يضرّ بالعقد إذا كان في ضمن عقد خارج (1).

وأمّا إن كان في ضمن عقد التزويج ، فمبنيّ على فساد العقد بفساد الشرط وعدمه ، والأقوى عدمه (2). ويحتمل الفساد وإن لم نقل به في سائر العقود إذا كان من له الشرط جاهلاً بفساده ، لأنّ في سائر العقود يمكن جبر تخلّف شرطه (1)


(1) كما لو زوج المولى أمته من حر من غير اشتراط ، ثمّ باعه شيئاً واشترط عليه أن يكون الولد رقّاً له ، فإنه حينئذٍ لا مجال للقول بسراية فساد الشرط إلى عقد التزويج الذي وقع مطلقاً ومن غير تقييد.

(2) باعتبار أن الشرط أجنبي عن العقد ولا يوجب تقييده بوجه ، فلا مجال لأنّ يقال : إنّ المنشأ لما كان هو المقيد كان فاسداً بفساد القيد ، إذ الدليل على الصحّة منحصر بعموماتها ، كقوله تعالى ( أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ) (2). فإذا لم يمض المقيد شرعاً لفساد القيد ، وغير المقيد لم ينشأ ، فلا محيص عن الحكم بفساده.

وذلك لما ذكرناه في محلِّه من أن الشروط في باب العقود لا تكون قيداً لها ، ولا يكون العقد مقيداً بالشرط كي يكون فساد الشرط موجباً لفساد العقد نفسه ، فإنّ للشرط في باب العقود معنى غير ما يذكر في الفلسفة أو في باب الأحكام ، حيث يفسر في الأوّل بجزء العلة وفي الثاني بالقيد للموضوع أو متعلق الحكم ، وقد تقدّم ذلك مفصلاً.

وملخصه أنّ معنى الشرط في العقد لا يخلو من أحد معنيين على نحو منع الخلو فإنهما قد يجتمعان وهما :

أوّلاً : تعليق العقد على التزام الطرف الآخر بشي‌ء ، بحيث يكون المنشأ هو الحصة المقيدة بالتزام الطرف الآخر. وهذا المعنى يرد في الشروط التي تذكر في التزويج وغيره من العقود والإيقاعات التي لا تقبل التزلزل والخيار ، فإنّ فيها لا بدّ من تفسير


1) (*) الشرط الفاسد لا يوجب الخيار في سائر العقود أيضاً.

2) المائدة 5 : 1.

.................................................................................................


الشرط بهذا المعنى أعني تعليق المنشأ على التزام الآخر إذ المورد غير قابل للمعنى الآخر الذي نذكره للشرط ، ومن هنا فلا محالة يكون نفس الالتزام قيداً للمنشإ دون الملتزم به. فلو قالت المرأة : زوجتك نفسي على أن لا تخرجني من هذا البلد مثلاً فقبل الرجل أصل الزواج من دون التزام بالشرط ، بطل العقد ، لأن ما أنشأته المرأة إنما هي الزوجية المقيدة بالالتزام ، فإذا لم يلتزم الزوج بذلك انتفى المقيد كلياً وحكم ببطلان العقد ، لعدم تحقق ما علق الإنشاء عليه.

وقد عرفت في محله أنّ مثل هذا التعليق لا يضرّ بصحّة العقد ، لكونه تعليقاً على أمر حاصل ومعلوم بالفعل. نعم ، لو فرضنا تعليق الزوجية على نفس السكنى في البلد المعين دون الالتزام به ، لكان من التعليق الباطل.

ثانياً : تعليق الالتزام بالعقد على تحقق المشروط في الخارج ووجوده. وهذا المعنى يرد فيما إذا كان المشروط أمراً خارجاً عن إرادة المشروط عليه واختياره ، كما هو الحال في اشتراط الكتابة في العبد عند شرائه ، فإنّ مثل هذه الشروط لا يمكن أن يرجع إلى المعنى الأوّل ، إذ ليس للمشروط عليه الالتزام بما هو خارج عن اختياره فالعقد غير معلق على شي‌ء وإنما المعلّق هو الالتزام بالعقد ، بحيث لو لم يوجد فلا التزام للشارط بالعقد وله رفع اليد عنه ، وهو ما يعبّر عنه بالخيار.

هذا وقد يجتمع المعنيان في عقد واحد ، كما لو اشترى قماشاً واشترط على البائع أن يخيطه. فإنّ أصل العقد معلق على التزام البائع بالخياطة ، كما أن التزامه بالعقد معلق على تحقّق الخياطة في الخارج ، فيكون المورد مجمعاً لكلا المعنيين.

إذا عرفت هذا كله يتضح لك أنّ فساد الشرط لا يوجب فساد العقد. إذ على المعنى الأوّل يكون العقد مقيداً بالالتزام ، والمفروض أنه قد تحقق من قبل الطرف الآخر ، فلا وجه للقول بفساد إنشاء العقد. وعلى المعنى الثاني فالعقد أجنبي عن جعل الخيار للشارط وإن كان الأوّل ظرفاً للثاني ، بمعنى أنه إنما يجعل في ضمن الأوّل.

وعليه فإذا فرض فساد الثاني بحكم الشارع ، لكونه مخالفاً للكتاب والسنّة ، لم يكن وجه للقول ببطلان الأوّل ، لأنه يحتاج إلى الدليل وهو مفقود ، بل المستفاد من بعض النصوص خلافه.

.................................................................................................


وهذه النصوص عديدة :

منها : ما هو صريح في عدم فساد العقد بفساد الشرط.

ومنها : ما هو ظاهر الدلالة فيه ، كصحيحة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : سمعته يقول : «من اشترط شرطاً مخالفاً لكتاب اللّه فلا يجوز له ، ولا يجوز على الذي اشترط عليه ، والمسلمون عند شروطهم مما وافق كتاب اللّه عزّ وجلّ» (1).

وصحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، أنه سئل عن رجل قال لامرأته : إن تزوجت عليك أو بتّ عنك فأنت طالق ، فقال : «إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) قال : من شرط شرطاً سوى كتاب اللّه عزّ وجلّ ، لم يجز ذلك عليه ولا له» (2).

وهما ظاهرتان في إلغاء الشرط خاصة وأنه يفرض كالعدم ، إذ لو كان أصل العقد فاسداً لم يكن وجه لنفي نفوذ الشرط خاصة ، حيث لا موضوع له مع فساد العقد.

وأوضح منهما صحيحة محمد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) ، أنه قضى في رجل تزوّج امرأة وأصدقته هي واشترطت عليه أن بيدها الجماع والطلاق ، قال : «خالفت السنّة ، ووليت حقاً ليست بأهله ، فقضى أن عليه الصداق وبيده الجماع والطلاق وذلك السنّة» (3).

وصحيحته الأُخرى عنه (عليه السلام) أيضاً ، أنه قال : «قضى علي (عليه السلام) في رجل تزوّج امرأة ، وشرط لها إن هو تزوّج عليها امرأة أو هجرها أو اتخذ عليها سرية فهي طالق ، فقضى في ذلك أن شرط اللّه قبل شرطكم ، فإن شاء وفى لها بالشرط ، وإن شاء أمسكها واتخذ عليها ونكح عليها» (4).

وهذه كما تراها صريحة في صحّة العقد وبطلان الشرط خاصة.


1) الوسائل ، ج 18 كتاب التجارة ، أبواب الخيار ، ب 6 ح 1.

2) الوسائل ، ج 22 كتاب الطلاق ، أبواب مقدمات الطلاق وشرائطه ، ب 18 ح 1.

3) الوسائل ، ج 21 كتاب النكاح ، أبواب المهور ، ب 29 ح 1.

4) الوسائل ، ج 22 كتاب الطلاق ، أبواب مقدمات الطلاق وشرائطه ، ب 13 ح 2.

بالخيار (1) بخلاف المقام حيث إنه لا يجري خيار الاشتراط في النِّكاح (2). نعم ، مع العلم بالفساد لا فرق ، إذ لا خيار في سائر العقود أيضاً.

[3810] مسألة 10 : إذا تزوّج حر أمة من غير إذن مولاها ، حرم عليه وطؤها (3)


(1) وهو غريب منه (قدس سره) ، إذ لا قائل بثبوت الخيار عند تخلف الشرط الفاسد ، وإنما هو فرع إمضاء الشارع للشرط ، فإذا لم يكن كذلك فلا يفرق الحال فيه بين النكاح وغيره.

(2) على ما هو المشهور شهرة عظيمة ، بل إن اشتراطه مبطل للعقد ، حتى وإن لم نقل باقتضاء فساد مطلق الشرط لفساد العقد.

والوجه في ذلك أن جعل الخيار في العقد لا ينفك عن تقييد العقد بزمان فسخ من له الخيار ، فيكون المنشأ محدوداً بعدم الفسخ لا محالة ، إذ إن إطلاق المنشأ لما قبل الفسخ وبعده كالإهمال ممتنع ، فإنه بعد الفسخ يرجع كل شي‌ء إلى مالكه. وحيث إن النِّكاح إمّا أبدي وإمّا مؤقّت مع لابدّيّة تعيين الوقت على ما دلّت عليه النصوص فلا مجال للالتزام بالصحّة في المقام ، نظراً لعدم معلومية وقت الفسخ ، بل إن أصل تحققه غير محرز ، فإنّ من له الخيار قد يفسخ وقد لا يفسخ بالمرة.

وهذه خصوصيّة في النِّكاح توجب فساد العقد عند اشتراط الخيار فيه ، نظير فساد البيع عند اشتراط أمر مجهول لكونه غررياً. وليس هذا من باب اقتضاء فساد الشرط لفساد العقد ، إذ النزاع في كبرى اقتضاء فساد الشرط لفساد العقد إنما هو في العقد الجامع لجميع شرائط الصحّة ، فلا يشمل مثل المقام ، حيث إن الفساد من ناحية عدم تعيين الوقت أو الغرر.

(3) بلا خلاف فيه. ولا يختص الحكم بالمقام ، بل يعمّ كل عقد يتوقّف على إجازة من له الإجازة ، سواء أكان هو السيد أم كان غيره ، كالتزوّج ببنت الأخ أو بنت الأُخت قبل إجازة العمّة أو الخالة ، أو التزوّج بالبكر قبل إذن أبيها.

وإن كان بتوقّع الإجازة (1). وحينئذٍ فإنْ أجاز المولى كشف عن صحته ، على الأقوى من كون الإجازة كاشفة (2). وعليه المهر ، والولد حر (3). ولا يحدّ حد الزنا وإن كان عالماً بالتحريم ، بل يعزر. وإن كان عالماً بلحوق الإجازة ، فالظاهر عدم


(1) إذ لا أثر لمجرّد توقّعها ، وإنما المعتبر في الحل هو تحقّقها في الخارج.

(2) هذا إذا التزمنا بالكشف الحقيقي كما اختاره الماتن (قدس سره) ، حيث ينكشف صحّة العقد من حين وقوعه وكون الوطء حلالاً في حينه ، وإن كان حراماً ظاهراً لاستصحاب عدم تحقّق سبب الزوجية في فرض الشك في لحوق الإجازة ، ولذا يحكم بتعزيره. وأما إذا علم حين الوطء بأن المولى سيجيزه بعد ذلك وقد تحقّقت الإجازة بالفعل ، لم يثبت حتى التعزير حيث يعلم بحصول الزوجية ، فلا يكون في الفعل مخالفة للحكم الواقعي أو الظاهري.

وأمّا إذا التزمنا بالكشف الحكمي كما اخترناه ، فالأمة محكومة بعدم الزوجية إلى ما قبل الإجازة ، وعندها يحكم بكونها زوجة من حين العقد.

ومن هنا فلا فرق بين العالم بلحوق الإجازة والشاكّ فيه ، فيحكم بكونه زانياً مطلقاً باعتبار أنه قد وطئ أجنبية من غير استحقاق أو شبهة ، ومن ثمّ فيحدّ حدّ الزنا.

نعم ، لو لحقت الإجازة قبل إجراء الحدّ سقط لا محالة ، إذ بها تجري عليه أحكام الزوجية ، فلا يعتبر الوطء السابق فعلاً زنا وإن كان كذلك إلى ما قبل الإجازة. إلّا أن هذا لا يعني سقوط التعزير أيضاً ، فإنّ الحرمة والمبغوضية لا تنقلبان بالإجازة إلى الإباحة ، ومن هنا فيعزر على فعله حتى مع علمه بلحوق الإجازة ، بل وحتى مع تحققها في الخارج أيضاً.

(3) لانكشاف صحّة العقد من حينه ، فيكون ولداً للحر ، فيحكم بحريته من هذه الجهة.

الحرمة (1)(1) وعدم التعزير أيضاً.

وإن لم يجز المولى كشف عن بطلان التزويج. ويحدّ حينئذ حدّ الزنا إذا كان عالماً بالحكم ، ولم يكن مشتبهاً من جهة أُخرى ، وعليه المهر بالدخول ، وإن كانت الأمة أيضاً عالمة على الأقوى (2)(2). وفي كونه المسمّى ، أو مهر المثل ، أو العشر إن كانت بكراً ونصفه إن كانت ثيّباً ، وجوه ، بل أقوال ، أقواها الأخير (3).


(1) بل الظاهر هو التحريم. فإنّ الفعل على ما اخترناه من الكشف الحكمي محرم قبل تحقق الإجازة في الخارج واقعاً ، ولا ينافيه الحكم بحليته بعد الإجازة ، إذ لا مانع من اعتبارين لأمرين متضادّين أو متناقضين في زمانين مختلفين ، كما عرفته مفصلاً. وكذلك الحال في التعزير ، إلّا إذا فرض كونه مشتبهاً.

(2) وهو مناقض لما تقدّم منه (قدس سره) في المسألة الخامسة عشرة من فصل عدم جواز التزويج في عدّة الغير ، حيث اختار هناك عدم استحقاق مولاها للمهر فيما إذا كانت الأمة عالمة ، وقد عرفت أنه الصحيح ، فما ذكره (قدس سره) هنا مضافاً إلى كونه غير تام في نفسه مناقض لما تقدّم منه (قدس سره).

(3) وذلك فلأن الأوّل لا وجه له مطلقاً بعد فرض فساد العقد.

والثاني وإن كان على طبق القاعدة ، إلّا أنه إنما يتمّ فيما إذا لم يكن دليل على الخلاف ، وحيث إنّ النصوص الخاصة دالّة على القول الأخير ، فلا مجال للعمل بمقتضى القاعدة.

وليست من هذه النصوص صحيحة الوليد بن صبيح عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في رجل تزوّج امرأة حرّة فوجدها أمة قد دلست نفسها له ، قال : «إن كان الذي


1) (*) بل الظاهر هو التحريم ، ولا ينافي ذلك الحكم بعدم الحرمة بعد الإجازة ، وكذلك الحال في التعزير إلّا إذا فرض أنه كان مشتبهاً.

2) (**) في ثبوت المهر في هذا الفرض إشكال بل منع كما تقدّم منه أيضاً في المسألة الخامسة عشرة من فصل عدم جواز التزويج في عدّة الغير.

.................................................................................................


زوّجها إياه من غير مواليها فالنكاح فاسد». قلت : فكيف يصنع بالمهر الذي أخذت منه؟ قال : «إن وجد مما أعطاها شيئاً فليأخذه ، وإن لم يجد شيئاً فلا شي‌ء له ، وإن كان زوّجها إياه ولي لها ارتجع على وليها بما أخذت منه ، ولمواليها عليه عشر ثمنها إن كانت بكراً ، وإن كانت غير بكر فنصف عشر قيمتها بما استحل من فرجها» (1).

بدعوى أنها لا تختص بالتدليس ، بل تعمّ وبمقتضى التعليل المذكور في ذيلها كل مورد يستحل الرجل فرج الأمة.

فإنه مدفوع بأنها واردة في الوطء بعقد صحيح ، غاية الأمر أن للزوج حق الفسخ من جهة التدليس ، فلا مجال للتعدي عن موردها إلى فرض الزنا الذي هو محل الكلام.

ولا صحيحة الفضيل بن يسار ، قال : قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : جعلت فداك ، إنّ بعض أصحابنا قد روى عنك أنك قلت : «إذا أحل الرجل لأخيه فرج جاريته فهي له حلال»؟ فقال : «نعم يا فضيل». قلت : فما تقول في رجل عنده جارية له نفيسة وهي بكر أحل لأخيه ما دون فرجها ، إله أن يقتضها؟ قال : «لا ، ليس له إلّا ما أحل منها ، ولو أحلّ له قبلة منها لم يحل له ما سوى ذلك». قلت : أرأيت إن أحلّ له ما دون الفرج فغلبته الشهوة فاقتضها؟ قال : «لا ينبغي له ذلك». قلت : فإن فعل أيكون زانياً؟ قال : «لا ، ولكن يكون خائناً ، ويغرم لصاحبها عشر قيمتها إن كانت بكراً ، وإن لم تكن فنصف عشر قيمتها» (2).

فإنها واردة في مورد خاص وليس فيها تعليل كي يتعدى به ، ومن هنا فإثبات حكمها في مورد الزنا يحتاج إلى الدليل.

وإنما هي صحيحة طلحة بن زيد عن جعفر عن أبيه عن علي (عليهم السلام) قال : «إذا اغتصب أمة فاقتضها فعليه عشر قيمتها ، وإن كانت حرّة فعليه الصِّداق» (3). فإنّها واردة في البكر وواضحة دلالة.


1) الوسائل ، ج 21 كتاب النكاح ، أبواب نكاح العبيد والإماء ، ب 67 ح 1.

2) الوسائل ، ج 21 كتاب النكاح ، أبواب نكاح العبيد والإماء ، ب 35 ح 1.

3) الوسائل ، ج 28 كتاب الحدود ، أبواب حد الزنا ، ب 39 ح 5.

ويكون الولد لمولى الأمة (1).

وأمّا إذا كان جاهلاً بالحكم ، أو مشتبهاً من جهة أُخرى ، فلا يحدّ. ويكون الولد حرّا (2). نعم ، ذكر بعضهم أنّ عليه قيمته يوم سقط حيّاً (1)، ولكن لا دليل عليه في المقام (3). ودعوى أنه تفويت لمنفعة الأمة ، كما ترى ، إذ التفويت إنما


وصحيحة عبد اللّه بن سنان ، قال : سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل اشترى جارية حبلى لم يعلم بحبلها فوطئها ، قال : «يردّها على الذي ابتاعها منه ، ويردّ معها نصف عشر قيمتها لنكاحه إياها» (2).

وموردها وإن كان وطء ما يملكه الإنسان لا الزنا ، إلّا أن التعليل المذكور في ذيلها أعني قوله (عليه السلام) : «لنكاحه إياها» يدلّ على اقتضاء مطلق النكاح وطبيعيه لثبوت نصف العشر في الثيب التي هي موردها ، باعتبار أن الحبل لا يكون غالباً إلّا بالوطء. وعلى فرض تسليم إطلاقها ، فهي مخصصة بالنصوص الدالة على ثبوت العشر بتمامه عند وطء الباكر.

إذن فالنتيجة في المقام هو القول بثبوت تمام العشر عند زنا الحرّ بالأمة البكر لصحيحة طلحة بن زيد ، ونصفه عند الزنا بالثيب لصحيحة عبد اللّه بن سنان.

(1) وقد تقدّم الكلام فيه مفصلاً في المسألة الثامنة من هذا الفصل ، حيث قد عرفت أن فرض زنا الأب مستثنى من عموم حرية الولد ، فيما إذا كان أحد أبويه حرّا.

(2) بلا خلاف فيه بين الأصحاب ، وقد تقدّم الكلام فيه أيضاً.

(3) ما أفاده (قدس سره) غريب منه ، إذ الروايات الواردة في تدليس الأمة وتزوّجها بدعوى الحرية ، غير قاصرة الشمول للمقام.

كموثقة سماعة ، قال : سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن مملوكة أتت قوماً


1) (*) هذا هو الصحيح لمعتبرة سماعة وغيرها ، وعليه فمن الغريب من الماتن (قدس سره) حيث إنه نفى الدليل عليه في المقام ، وذلك لأنّ مورد الروايات هو هذا المقام وهو ما إذا كان الواطئ جاهلاً بالحكم أو مشتبهاً.

2) الوسائل ، ج 18 كتاب التجارة ، أبواب أحكام العيوب ، ب 5 ح 1.

جاء من قبل حكم الشارع بالحرية. وعلى فرضه فلا وجه لقيمة يوم التولد ، بل مقتضى القاعدة (1) قيمة يوم الانعقاد ، لأنه انعقد حرّا ، فيكون التفويت في ذلك


وزعمت أنها حرّة فتزوجها رجل منهم وأولدها ولداً ، ثمّ إنّ مولاها أتاهم فأقام عندهم البينة أنها مملوكة وأقرّت الجارية بذلك ، فقال : «تدفع إلى مولاها هي وولدها ، وعلى مولاها أن يدفع ولدها إلى أبيه بقيمة يوم يصير إليه» (1).

إذ من الظاهر أنه لا اعتبار بالخصوصيات المذكورة فيها من التدليس وغيره في الحكم ، وإنما المدار على جهل الزوج بالحرمة ، سواء أكان ذلك ناشئاً من جهله بالموضوع أم جهله بالحكم خاصة ، فيشمل الحكم كلتا الصورتين وإن كان موردها هو الأوّل خاصة.

ومما يؤكد ذلك قوله (عليه السلام) في ذيل الصحيحة في جواب السؤال عما لو امتنع الأب عن السعي في ثمن ولده : «فعلى الإمام أن يفتديه ولا يملك ولد حر».

فإنه واضح الدلالة على عدم اختصاص الحكم بفرض الشبهة الموضوعية ، وإن العبرة إنما هي بكون الوطء شبهة ، بحيث ينتسب الولد إليه شرعاً ويتّصف بكونه ولداً للحرّ ، من دون فرق بين أن يكون ذلك من جهة التدليس أو من جهة أُخرى غيره. ومن هنا فيحكم بحرية الولد مع لزوم دفع قيمته إلى مولاها ، جمعاً بين الحقّين.

ومع قطع النظر عن ذلك ، فمن البعيد جدّاً أن يكون حكم الجهل بالحكم لا سيما إذا كان عن تقصير أهون من حكم الجهل بالموضوع ، فيجب في الثاني مضافاً إلى دفع العشر أو نصفه قيمة الولد ، في حين يكون الولد له في الأوّل من دون دفع شي‌ء.

وكيف كان ، فما ذكره جماعة من المحققين من وجوب دفع قيمة الولد يوم يسقط حياً الذي هو يوم يصير الولد إلى أبيه لمولاها ، هو الصحيح على ما تقتضيه نصوص التدليس.

(1) لكن العمل بها يتوقّف على عدم النص ، وحيث قد عرفت وجوده فلا مجال


1) الوسائل ، ج 21 كتاب النكاح ، أبواب نكاح العبيد والإماء ، ب 67 ح 5.

الوقت.

[3811] مسألة 11 : إذا لم يجز المولى العقد الواقع على أمته ولم يردّه أيضاً حتى مات ، فهل يصح إجازة وارثه له ، أم لا؟ وجهان ، أقواهما العدم ، لأنها على فرضها كاشفة ، ولا يمكن الكشف هنا ، لأنّ المفروض أنها كانت للمورث ، وهو نظير من باع شيئاً ثمّ ملك (1)(1).


للعمل بها.

(1) الكلام تارة يقع في غير النكاح من العقود كالبيع ونحوه ، وأُخرى في النكاح بخصوصه.

أمّا المقام الأوّل : فقد يفرض أنّ العقد قد صدر ممن قد انتقل إليه المال بعد ذلك وقد يفرض صدوره من غيره.

أمّا الفرض الأوّل ، كما لو باع الوارث المنحصر مالاً لمورثه في حياته ثمّ مات مورثه فانتقل المال إلى البائع ، فالأقوال فيه مختلفة ، حيث ذهب جماعة إلى النفوذ مطلقاً ، وذهب آخرون إلى العدم مطلقاً ، وفصّل ثالث بين الإجازة بعد الملك فيحكم بالنفوذ ، وعدمها فيحكم بالبطلان.

وقد تقدّم منا في محلِّه من مباحث المكاسب اختيار القول الأخير إذ لا أثر لرضاه بالبيع في ذلك الحين ، فلا يكون مشمولاً لدليل المستثنى في قوله تعالى ( لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ ) (2)فإذا ملكه ورضي به بعد ذلك كان مصداقاً للمستثنى.

والعمدة في صحّة هذا العقد ما ورد في الزكاة من أن المالك إذا باع تمام النصاب بعد


1) (*) ليس المقام نظير ذلك ، بل هو نظير ما إذا بيع دار زيد فضولاً من عمرو ، ثم انتقلت الدار منه إلى بكر ببيع أو نحوه ، فأجاز بكر ذلك العقد الواقع فضولاً ، هذا مضافاً إلى أنه قد ثبت صحّة العقد فيمن باع شيئاً ثمّ ملك بالنص ، وأمّا المقام فلا نصّ فيه ، ومقتضى القاعدة فيه هو البطلان.

2) سورة النساء 4 : 29.

.................................................................................................


تعلق الزكاة به وقبل إخراجها ، وجب على المشتري أداؤها ويرجع به على البائع ، إلّا إذا أخرجها المالك الأوّل بعد البيع من ماله الخاص ، فإنه حينئذ لا يجب على المشتري شي‌ء ويصح البيع. فإنّ من الواضح أن مورد هذه الروايات إنما هو بيع شي‌ء لم يملكه أعني حصة الزكاة ثمّ ملكه بعد ذلك بالأداء من ماله الخاص ، فتكون دليلاً على صحّة مثل هذا البيع.

وأما الفرض الثاني ، كما لو باع ثالث مال المورث فضولة فمات المورث قبل أن يمضيه أو يرده ، فانتقل المال إلى وارثه فأجاز العقد ، فهل يحكم بالصحّة أم لا؟

فيه خلاف ، اختار الماتن (قدس سره) الثاني باعتبار أن الإجازة كاشفة والكشف غير معقول في المقام ، واختار جماعة الأوّل.

وقد تعرض شيخنا الأنصاري (قدس سره) إلى هذه المسألة مفصلاً ، واختار فيها الصحّة. وقد أجاب عمّا ذكره الماتن (قدس سره) ، بأنّ الكشف إنما يكون في الزمان القابل لا مطلقاً ، ومن هنا فعند الإجازة ينكشف انتقال المال إلى المشتري من حين انتقاله إلى ملك المالك الثاني (1).

وما أفاده (قدس سره) هو الصحيح ، وليس المقام من قبيل من باع شيئاً ثمّ ملك فإنّ الفرق بينهما واضح ، ومن هنا فيحكم بصحّته عند إجازة المالك الثاني له ، وتفصيل الكلام في محلِّه.

وأمّا المقام الثاني : فلا يخفى أنه لا مجال للالتزام بالصحّة فيه ، وإن قلنا بها في غيره من العقود الفضولية.

والوجه فيه أنّ الصحّة في غير النكاح لم تكن تحتاج إلى الدليل الخاص وإنما كانت على وفق القاعدة ، حيث إن العقد كان مستجمعاً للشرائط غير الانتساب ، فإذا أجاز من له الأمر والولاية استند العقد إليه وحكم بصحته.

بخلاف النِّكاح ، حيث إن مقتضى القاعدة فيه هو البطلان ، غاية الأمر أننا التزمنا بالصحّة فيه لقوله (عليه السلام) : «إنه لم يعص اللّه ، وإنما عصى سيِّده ، فإذا أجاز فهو


1) كتاب النكاح 20 : 246 247 طبع المؤتمر العالمي.

[3812] مسألة 12 : إذا دلّست أمة فادعت أنها حرّة ، فتزوّجها حرّ ودخل بها ثمّ تبين الخلاف ، وجب عليه المفارقة (1). وعليه المهر لسيدها ، وهو العشر ونصف العشر على الأقوى (2) لا المسمّى ، ولا مهر المثل. وإن كان أعطاها المهر


له جائز» (1). ولما كان هذا التعليل لا يشمل المقام ، نظراً إلى أن الحر حينما تزوّج بالأمة كان العقد باطلاً ، لكونها عاصية لسيدها وهو لم يجز حتى مات وانتقلت هي عن ملكه إلى ملك غيره ، والمالك الجديد ليس له صلاحية إجازة العقد المتقدم ، لأنها لم تكن عاصية له حين العقد باعتبار أنه لم يكن مولاها. ومن هنا فيحكم بالبطلان لا محالة ، حتى وإن قلنا بصحّة البيع ونحوه.

(1) بلا خلاف فيه ولا إشكال.

(2) وقد تقدّم الحديث فيه مفصلاً ، حيث قد عرفت أنه مقتضى صحيحة الوليد بن صبيح وموثقة سماعة المتقدِّمتين.

ثمّ إن الحكم مما لا إشكال فيه ، فيما إذا كانت الأمة جاهلة بالحال ومشتبهة أيضاً. وأما إذا كانت عالمة بالحال فربّما يتوقّف في ثبوتهما ، لما تقدّم من أنه «لا مهر لبغي» إذ قد عرفت أن هذا التعبير وإن لم يرد في شي‌ء من النصوص المروية عن طرقنا ، إلّا أن مضمونه قد ورد في جملة من النصوص المعتبرة ، كالتي دلت على أن اجرة الفاجرة سحت.

إلّا أنه مدفوع بأنّ المهر الذي يثبت بالتقاء الختانين كالتعبير بالأجر ، ظاهر في المسمى أو المثل فيما إذا لم يكن هناك تعيين ، ومن الواضح أنه لا منافاة بين نفي هذا وبين ثبوت العشر أو نصفه بحكم تعبدي ولأمر خاص ، هو استحلال الرجل لفرج أمة الغير ووطؤها بعنوان أنه حلال له.

ومع الإغماض عن هذا ، فلا ينبغي الشك في أن حمل هذه النصوص على فرض كون الأمة مشتبهة أيضاً ، حمل على فرد نادر جدّاً باعتبار أنها واردة في التي تدلس نفسها. وعجز العبد والأمة عن كل شي‌ء وعدم جواز تزوجهما بغير إذن مولاهما


1) راجع ص 18 ه 1.

استرد منها إن كان موجوداً ، وإلّا تبعت به بعد العتق (1)(1).


ليس من الأُمور التي تخفى على أحد إلّا الشاذ ، ولذا ضرب اللّه به مثلاً ، فإنه إنما يكشف عن وضوح ذلك لدى الكلّ.

ومن هنا فتكون الرواية شاملة لمورد علمها أيضاً ، فيثبت الحكم من ناحية النص الصحيح.

(1) على ما تقتضيه القواعد ، فإنها هي التي أتلفت المال ، فيثبت في ذمتها ما دامت مملوكة وعليها الأداء بعد الانعتاق.

غير أن رواية صحيحة واردة في المقام ، قد دلّت على التفصيل بين ما إذا كان الذي زوجها إياه ممن له ولاية عليها ، وبين ما إذا كان الذي زوجها إياه غيره. حيث يرجع في الأوّل على وليها ، في حين لا شي‌ء له في الثاني.

وهذه الصحيحة هي ما رواه الوليد بن صبيح عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، في رجل تزوّج امرأة حرّة فوجدها أمة قد دلست نفسها له ، قال : «إن كان الذي زوّجها إياه من غير مواليها فالنكاح فاسد». قلت : فكيف يصنع بالمهر الذي أخذت منه؟ قال : «إن وجد مما أعطاها شيئاً فليأخذه ، وإن لم يجد شيئاً فلا شي‌ء له ، وإن كان زوّجها إياه وليّ لها ارتجع على وليّها بما أخذت منه» (2).

فإنّ مقتضاها عدم ثبوت شي‌ء في ذمتها عند تلف المسمّى في يدها مطلقاً ، سواء في ذلك زمان الرقية وبعده. وحيث إنها صحيحة السند ، فلا محيص من العمل بها ورفع اليد عما تقتضيه القاعدة ، وإن كان القول به مشهوراً بين الفقهاء بل أرسلوه إرسال المسلّمات.


1) (*) هذا الحكم وإن كان مشهوراً بين الفقهاء بل أرسلوه إرسال المسلّمات إلّا أنه مشكل جدّاً ، بل لا يبعد عدمه بمقتضى قوله عليه السلام في صحيحة الوليد بن صبيح : «وإن لم يجد شيئاً فلا شي‌ء له عليها» فإنه ينافي ثبوت شي‌ء عليها في ذمّتها.

2) الوسائل ، ج 21 كتاب النكاح ، أبواب نكاح العبيد والإماء ، ب 67 ح 1.

ولو جاءت بولد ، ففي كونه حراً ، أو رقّاً لمولاها ، قولان (1). فعن المشهور أنه رقّ ، ولكن يجب على الأب فكّه بدفع قيمته يوم سقط حيّاً ، وإن لم يكن عنده ما يفكّه به سعى في قيمته ، وإن أبى وجب على الإمام (عليه السلام) دفعها من سهم الرقاب أو من مطلق بيت المال.


(1) والصحيح هو التفصيل بين إقامة الزوج البيّنة على قيام البيّنة على حريتها حين تزوّجه منها ، فيحكم بكون ولده أحراراً.

وعدمه ، فيحكم بكونهم مملوكين لمولاها. لكن لا على نحو الملك المطلق كما هو الحال في سائر أرقّائه وعبيده ، وإنما على نحو الملك المتزلزل وغير المستقر ، حيث لا يجوز له بيعهم ولا غيره من التصرفات ، بل يجب عليه دفعهم إلى أبيهم وله مطالبته بقيمتهم يوم سقطوا أحياء ، فيكون ملكه لهم أشبه الأشياء بملك الرجل أحد عموديه أو محارمه من النساء ، حيث إن ملكيته لهم لا تكون مستقرة ، فلا يجوز له المعاملة عليهم ببيع أو غيره ، وإنما ينعتقون عليه بمجرّد دخولهم في ملكه آناً ما.

والوجه فيما اخترناه هو النصوص الواردة في المقام ، فإنّ بعضها صريح الدلالة في رقيتهم مطلقاً.

كصحيحة محمّد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) ، قال : «قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في المرأة أتت قوماً فخبرتهم أنها حرّة ، فتزوّجها أحدهم وأصدقها صداق الحرّة ثمّ جاء سيدها ، فقال : تردّ إليه وولدها عبيد» (1).

وصحيحة الوليد بن صبيح المتقدِّمة ، حيث ورد في ذيلها : قلت : فإن جاءت منه بولد؟ قال : «أولادها منه أحرار إذا كان النِّكاح بغير إذن الموالي» (2).

إذ إن حمل هذه الجملة على الخبرية لا يستقيم ، باعتبار أن مراده (عليه السلام) منها لو كان بيان حرية الولد لما كان هناك حاجة إلى ذكر الشرطية ، أعني قوله (عليه السلام) : «إذا كان النكاح بغير إذن الموالي». على أن هذه الشرطية مما لا يمكن


1) الوسائل ، ج 21 كتاب النكاح ، أبواب نكاح العبيد والإماء ، ب 67 ح 4.

2) الوسائل ، ج 21 كتاب النكاح ، أبواب نكاح العبيد والإماء ، ب 67 ح 1.

.................................................................................................


الالتزام بها في نفسها ، نظراً إلى أن مفهومها هو رقية الأولاد إذا كان النكاح بإذن مواليها ، وهو فاسد قطعاً.

فمن هنا يتعيّن حملها على الاستفهام الاستنكاري ، فتكون هذه الصحيحة موافقة في المدلول لصحيحة محمد بن قيس.

وعلى كل فلا يهمنا كون الجملة خبرية أو استفهامية ، لأنهما معاً مقيدتان بموثقة سماعة ، قال : سألته عن مملوكة قوم أتت قبيلة غير قبيلتها وأخبرتهم أنها حرّة فتزوجها رجل منهم فولدت له ، قال : «ولده مملوكون إلّا أن يقيم البيّنة أنه شهد له شاهدان أنها حرّة ، فلا يملك ولده ويكونون أحراراً» (1).

فإنها تقيّد صحيحة محمد بن قيس بما إذا لم يكن للزوج بيّنة على حريتها عند تزوجه منها ، كما تقيّد صحيحة الوليد بن صبيح على التقديرين : فتقيد بما قيدت به صحيحة محمد بن قيس لو حملت الجملة على الاستفهامية ، في حين تقيد بخلافه أعني ما لو كانت للزوج بيّنة لو حملت على الخبرية.

ثمّ إن ظاهر المملوكية في فرض عدم قيام البيّنة وإن كان هو الرق المطلق بحيث لمولاها أن يتصرف فيهم كيف يشاء ، إلّا أن موثقة سماعة الثانية تدلّ على أنه ليس لمولاها هذا الاختيار ، وإنّ رقيتهم إنما هي غير مستقرة ، فلا بدّ له من دفعهم إلى أبيهم ومطالبته بثمنهم ، فإن لم يكن لأبيه ما يأخذهم به كان عليه السعي ، فإن أبى فعلى الإمام أن يفتديه.

وهذه الموثقة هي ما رواها سماعة ، قال : سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن مملوكة أتت قوماً وزعمت أنها حرّة فتزوجها رجل منهم وأولدها ولداً ، ثمّ إن مولاها أتاهم فأقام عندهم البيّنة أنها مملوكة وأقرّت الجارية بذلك ، فقال : «تدفع إلى مولاها هي وولدها ، وعلى مولاها أن يدفع ولدها إلى أبيه بقيمة يوم يصير إليه». قلت : فإن لم يكن لأبيه ما يأخذ ابنه به؟ قال : «يسعى أبوه في ثمنه حتى يؤديه ويأخذ ولده». قلت : فإن أبى الأب أن يسعى في ثمن ابنه؟ قال : «فعلى الإمام أن يفتديه ولا


1) الوسائل ، ج 21 كتاب النكاح ، أبواب نكاح العبيد والإماء ، ب 67 ح 2.

.................................................................................................


يملك ولد حر» (1).

والاحتمالات في هذه الموثقة ثلاثة :

الأوّل : أن تحمل على صورة قيام البيّنة لدى الزوج حين التزويج على كونها حرّة.

الثاني : أن تحمل على صورة عدم قيام البيّنة على حرِّيّتها لديه.

الثالث : أن تحمل على ما يعمّ كلتا الصورتين.

والاحتمال الأوّل مندفع ، بأنه مضافاً إلى استلزامه للتقييد بغير موجب تقييد بفرد نادر جدّاً ، وخلاف ظاهر صدرها ، إذ الظاهر منه أن إقدام الرجل على التزويج منها كان مستنداً ومتفرعاً على زعمها الحرية وإخبارها بذلك.

على أن هذا الاحتمال غير سليم في نفسه. فإنه لو قامت البيّنة على حريتها ، فلا مجال لتسليمها إلى مدعي مالكيتها حتى ولو أقام البيِّنة ، فإنّ البيِّنتين تتعارضان وتتساقطان حيث لا مرجح لإحداهما على الأُخرى ، ومعه فلا مجال لتسليمها إليه.

ودعوى أن إقرارها يعضد بيّنة المدعي ويجعل الترجيح لها.

مدفوعة بأنه منافٍ لحقّ الزوج وإقرار في حقه فلا يسمع ، نظير إقرار المرأة بعد التزويج أنها ذات بعل.

وأما الاحتمال الأخير ، ففيه : أن الحكم لو كان عاما ، لبطلت فائدة التفصيل بين قيام البيّنة وعدمه في صحيحة سماعة الاولى وكان لغواً.

إذن فيتعين الاحتمال الثاني ، وهو الذي استظهرناه ، ويساعد عليه ظاهر صدرها حيث قد عرفت أن ظاهره هو الاعتماد على إخبارها دون البيّنة.

والحاصل فالصحيح في المقام هو التفصيل بين وجود البيّنة للأب ، فيكون ولده أحراراً. وعدمه ، فيكونوا أرقاء ، لكن لا على نحو الرق المطلق ، بل تكون رقيتهم رقية غير مستقرة ، فيجب على مولاها أن يدفعهم إلى أبيهم وله أن يأخذ ثمنهم منه فإن لم يكن له ما يأخذ ابنه به كان عليه السعي ، فإن أبى كان على الإمام دفع قيمتهم وفكّهم.


1) الوسائل ، ج 21 كتاب النكاح ، أبواب نكاح العبيد والإماء ، ب 67 ح 5.

والأقوى كونه حرّا (1) كما في سائر موارد اشتباه الحرّ ، حيث إنه لا إشكال في كون الولد حرّا ، فلا خصوصيّة لهذه الصورة. والأخبار الدالّة على رقيته (1)منزَّلة على أنّ للمولى أخذه ليتسلم القيمة (2) جمعاً بينها وبين ما دلّ على كونه حرّا. وعلى هذا القول أيضاً يجب عليه ما ذكر ، من دفع القيمة ، أو السعي ، أو دفع الإمام (عليه السلام) ، لموثقة سماعة.

هذا كلّه إذا كان الوطء حال اعتقاده كونها حرّة. وأما إذا وطئها بعد العلم بكونها أمة ، فالولد رقّ (3) لأنه من زنا حينئذ. بل وكذا لو علم سبق رقيتها


والحاصل فالصحيح في المقام هو التفصيل بين وجود البيّنة للأب ، فيكون ولده أحراراً. وعدمه ، فيكونوا أرقاء ، لكن لا على نحو الرق المطلق ، بل تكون رقيتهم رقية غير مستقرة ، فيجب على مولاها أن يدفعهم إلى أبيهم وله أن يأخذ ثمنهم منه فإن لم يكن له ما يأخذ ابنه به كان عليه السعي ، فإن أبى كان على الإمام دفع قيمتهم وفكّهم.

(1) بل الأقوى هو التفصيل ، كما عرفت.

(2) وهو في غاية البعد. فإنّه إنما يتمّ في خصوص ما دلّ على أنّ لمولاها أن يأخذهم ، ولا يتمّ فيما ورد فيه التصريح بكونهم أرقاء وعبيد كصحيحة محمّد بن قيس المتقدِّمة ، إذ لا مجال لحملها على أخذه لهم مقدّمة لاستلام قيمتهم.

(3) بلا خلاف فيه ولا إشكال. إذ يكون الفعل حينئذ زنا ، فيجري عليه جميع


1) (*) الصحيح في المقام أن يُقال : إنّ مقتضى عدّة من الروايات العامّة أنّ الولد حر إذا كان أحد أبويه حرّا فيما إذا كان الوطء صحيحاً ولو كان شبهة ، ولكن لا بدّ من رفع اليد عن إطلاق تلك الروايات بالروايات الواردة في المقام المفصّلة بين ما إذا كان الوطء بالشبهة مستنداً إلى بيِّنة شرعيّة وما إذا لم يكن مستنداً إليها ، فعلى الأوّل الولد حر وعلى الثاني رق ، فهذه الصورة بمقتضى هذه الروايات خارجة عن تلك المطلقات رغم أنّ الوطء فيها كان بشبهة ، نعم يجب على أبيه أن يفكّه عن الرقية بإعطاء قيمته لمولى الأمة يوم سقط حيّاً ، وهو اليوم الذي يصير إليه كما في موثّقة سماعة ، وإن لم يكن عند الأب ما يفكّه به سعى في قيمته ، وإن أبى فعلى الإمام عليه السلام أن يفديه ، وبذلك يظهر الحال فيما بعده.

فادعت أنّ مولاها أعتقها ، ولم يحصل له العلم بذلك ولم يشهد به شاهدان ، فإنّ الوطء حينئذ أيضاً لا يجوز ، لاستصحاب بقائها على الرقية (1)(1).

نعم ، لو لم يعلم سبق رقيتها ، جاز له التعويل على قولها ، لأصالة الحرية (2).


أحكام الزنا ، من إجراء الحدّ ، وكون الولد رقاً لمالكها.

(1) ولعدم حجية قول المملوك. ومن هنا فيكون الفعل زنا ، فيجري عليه جميع أحكامه.

نعم ، لا بدّ من تقييد ذلك بما إذا لم تحصل شبهة في البين ، وإلّا كما لو اعتقد حجية قولها فلا وجه لإجراء أحكام الزنا عليه.

ولعلّ واللّه العالم على هذا الفرض ، أعني الاستناد إلى قولها في العتق من دون حصول قطع أو قيام بيّنة ، تحمل موثقة زرارة ، قال : قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : أمة أبقت من مواليها فأتت قبيلة غير قبيلتها فادعت أنها حرّة ، فوثب عليها حينئذٍ رجل فتزوّجها ، فظفر بها مولاها بعد ذلك وقد ولدت أولاداً ، قال : «إنّ أقام البيِّنة الزّوج على أنه تزوّجها على أنها حرّة أعتق ولدها ، وذهب القوم بأمتهم ، وإن لم يقم البيّنة أوجع ظهره واسترق ولده» (2).

فإنها تحمل على علم الرجل الذي وثب عليها برقيتها قبل ذلك ، وتزوجه منها من دون قيام بيّنة على حريتها أو حصول قطع من دعواها ، وإلّا فالحكم بإجراء الحدّ عليه ورقية أولاده بلا موجب.

(2) المستفادة من صحيحة عبد اللّه بن سنان ، قال : سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول : «كان علي بن أبي طالب (عليه السلام) يقول : الناس كلهم أحرار ، إلّا من أقرّ على نفسه بالعبودية وهو مدرك من عبد أو أمة ، ومن شهد عليه بالرق صغيراً كان أو


1) (*) هذا إذا لم تكن شبهة ، وإلّا كما إذا اعتقد أنّ قولها حجّة فتزوّجها ثمّ وطئها كان الوطء وطء شبهة ، وحكمه ما عرفت بالإضافة إلى الولد ، يعني أن الولد رق ، ولكن يجب على أبيه فكّه على ما تقدّم.

2) الوسائل ، ج 21 كتاب النكاح ، أبواب نكاح العبيد والإماء ، ب 67 ح 3.

فلو تبيّن الخلاف لم يحكم برقِّيّة الولد. وكذا مع سبقها مع قيام البيّنة على دعواها (1).

[3813] مسألة 13 : إذا تزوّج عبد بحرّة من دون إذن مولاه ولا إجازته كان النكاح باطلاً (2) فلا تستحق مهراً (3) ولا نفقة (4) بل الظاهر أنها تحدّ حدّ الزنا (5) إذا كانت عالمة بالحال ، وأنه لا يجوز لها ذلك.

نعم ، لو كان ذلك لها بتوقع الإجازة واعتقدت جواز الإقدام حينئذ ، بحيث تكون شبهة في حقها ، لم تحدَّ. كما أنه كذلك إذا علمت بمجي‌ء الإجازة (1)(6). وأما إذا كان بتوقع الإجازة ، وعلمت مع ذلك بعدم جواز ذلك ، فتحدّ مع عدم حصولها ، بخلاف ما إذا حصلت ، فإنها تعزّر حينئذ ، لمكان تجرُّئِها (2)(7).


كبيراً» (3).

(1) أو حصول القطع له بصدقها ، لاستناده حينئذٍ إلى الحجة الشرعية.

(2) بلا خلاف فيه ، على ما تقدّم بيانه مفصلاً.

(3) لكونها زانية و «لا مهر لبغي».

(4) لأنها فرع الزوجية ، ومع فرض بطلانها فلا موضوع لها.

(5) لعموم أدلّته.

(6) وقد تقدّم الإشكال فيه في المسألة العاشرة ، فراجع.

(7) بناءً على ما اختاره (قدس سره) من الكشف الحقيقي ، فإنها كانت معتقدة بالحرمة وأقدمت على الفعل مع جهلها بالحلية. وأما بناء على ما اخترناه من الكشف الحكمي تعزّز ، لارتكابها المحرّم الواقعي ، حيث إنّ الفعل إنّما يتّصف بالحلِّيّة من حين


1) (*) مجرّد العلم بتحقّق الإجازة فيما بعد لا يوجب سقوط الحد عنها ما لم تتحقّق في الخارج إلّا إذا كانت مشتبهة وكانت معتقدة بالجواز في هذا الفرض.

2) (**) بل لارتكابها المحرّم واقعاً في ظرفه.

3) الوسائل ، ج 23 كتاب العتق ، ب 29 ح 1.

وإذا جاءت بولد فالولد لمولى العبد (1). مع كونه مشتبهاً ، بل مع كونه زانياً


الإجازة ، وإلّا فهو قبلها حرام واقعاً ، وقد عرفت فيما تقدّم من الكلام في المسألة العاشرة أنه لا مانع من اعتبار الحرمة لفعل في زمان واعتبار الحلية له في زمان آخر.

(1) فيه إشكال بل منع. فإنّ قاعدة النمائية غير ثابتة في جانب الأب ، إذ قد عرفت أنّ الولد من نتاج الأُم خاصة ، وأنّ الأب لا يقوم إلّا بدور اللقاح. وعلى تقدير ثبوتها ، فلا وجه لتفصيله (قدس سره) بين الزنا المقرون بالعقد الفاسد الذي هو محل كلامنا في هذه المسألة ، وبين الزنا المجرّد عنه الذي هو موضوع المسألة الآتية.

فإنّ الوجه في إلحاق الولد بالأب في المقام ، إن كان هو نفي انتساب الولد إلى الزاني من الأبوين وهو في الفرض الام ، فيكون نماءً للآخر أي الأب قهراً ، فهو بعينه جار في الزنا المجرد عن العقد الفاسد ، فلا بدّ من الحكم بلحوقه بالأب ، كما صرح به في المسألة الثامنة.

وإن كان هو رواية العلاء بن رزين عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال في رجل دبّر غلاماً له ، فأبق الغلام فمضى إلى قوم فتزوج منهم ولم يعلمهم أنه عبد فولد له أولاد وكسب مالاً ، ومات مولاه الذي دبّره فجاء ورثة الميت الذي دبّر العبد فطالبوا العبد فما ترى؟ فقال : «العبد وولده لورثة الميت». قلت : أليس قد دبّر العبد؟ قال : «لأنه لما أبق هدم تدبيره ورجع رقّاً» (1)على ما يظهر ذلك من صاحب الجواهر (قدس سره) حيث دلّت على لحوق الولد بالعبد في العقد الفاسد ، فيبقى غيره أعني فرض عدم وجود العقد خالياً من الدليل ، فلا يلحق الولد به.

فهي مضافاً إلى كونها مضطربة السند إلى حد لم يعهد لها مثيل في جميع النصوص على ما عرفت تقتضي عدم الفرق بين علمها بالحال وجهلها به ، إذ إن موردها إن لم يكن هو فرض جهل المرأة كما يظهر ذلك من قوله (ولم يعلمهم أنه عبد) فلا أقل من شمولها له. وحينئذ فلا وجه للتفصيل بين علم المرأة وجهلها ، بل ينبغي الحكم بلحوق


1) الوسائل ، ج 21 كتاب النكاح ، أبواب نكاح العبيد والإماء ، ب 28 ح 1.

أيضاً ، لقاعدة النمائية (1)بعد عدم لحوقه بالحرّة.

وأمّا إذا كانت جاهلة بالحال ، فلا حدّ. والولد حرّ (1). وتستحق عليه المهر يتبع به بعد العتق (2).

[3814] مسألة 14 : إذا زنى العبد بحرّة من غير عقد ، فالولد حرّ (3). وإن كانت الحرّة أيضاً زانية. ففرق (1) بين الزنا المجرّد


الولد بأبيه في فرض وجود العقد الفاسد مطلقاً ، مع أنه (قدس سره) قد حكم بحرية الولد في فرض جهل المرأة.

والحاصل أن كلام الماتن (قدس سره) هنا مضافاً إلى عدم التئامه مع ما ذكره هو (قدس سره) في المسألة الثامنة غير تامّ في نفسه.

فالصحيح هو ما ذكرناه في المسألة الثامنة ، من تبعية الولد لُامه مطلقاً ، سواء أكانت عالمة بالحال أو جاهلة ، فإنّ الولد من نمائها ، ولا دليل على نفي النسب بين الزاني وبين المولود منه شرعاً ، إذ غاية ما دلّ عليه الدليل هو نفي التوارث ، ومن الواضح أنه لا يقتضي نفي الانتساب.

(1) لانتساب الولد إليها شرعاً حينئذ ، بلا خلاف أو إشكال ، فيتبعها في الحرية لكونها أشرف أبويه.

(2) لعدم إمكان الاستيفاء منه في حال الرقية.

(3) على ما تقدّم بيانه في المسألة الثامنة.

(4) لكنك قد عرفت أنه لا وجه للتفريق.


1) (*) لم تثبت هذه القاعدة في طرف العبد ، وإنّما هي ثابتة من طرف الأمة ، وعلى تقدير ثبوتها فلا فرق بين الزنا المجرّد عن العقد الفاسد والزنا المقرون به ولا دليل على هذا الفرق أصلاً ، وأما إذا كان المدرك لذلك رواية العلاء بن رزين فهي ضعيفة سنداً ، ولو تمّت الرواية لم يختص الحكم بصورة العلم ، بل يعم صورة الجهل أيضاً مع أن الماتن (قدس سره) قد حكم في صورة جهل المرأة بكون الولد حرّا.

عن عقد (1)والزنا المقرون به مع العلم بفساده ، حيث قلنا إنّ الولد لمولى العبد.

[3815] مسألة 15 : إذا زنى حر بأمة ، فالولد لمولاها (1) وإن كانت هي أيضاً زانية. وكذا لو زنى عبد بأمة الغير ، فإن الولد لمولاها (2).

[3816] مسألة 16 : يجوز للمولى تحليل أمته لعبده (3).


(1) تقدّم الكلام في هذا الفرع في المسألة الثامنة ، وقد عرفت أن عموم أدلّة حرية المتولد من حر ومملوك وإن كان يقتضي حرية الولد هذا ، إلّا أن مقتضى بعض النصوص المعتبرة الواردة في خصوص هذا الفرض هو رقيته ، فتكون مخصصة للعمومات لا محالة.

(2) بلا خلاف فيه بينهم. إلّا أنه إنما يتم بناءً على ما اخترناه من كون الولد من نماءات الأُم خاصة. وأما بناء على ما ذهب إليه المشهور واختاره الماتن (قدس سره) من كونه نماء للعبد والأمة ، فاللازم هو الحكم بكونه مشتركاً بين مولييهما ، وقد تقدّم الكلام فيه في المسألة الثامنة.

وكيف كان ، فإجماعهم هنا على كون الولد لمولاها خاصة ، خير مؤيد لما اخترناه من كونه من نماءات الأمة فقط.

(3) على ما هو المشهور بينهم. وقد خالف فيه بعضهم مستدلاً عليه :

أوّلاً : بأن التحليل نوع من التمليك ، والعبد غير قابل لأن يملك.

وثانياً : بصحيحة علي بن يقطين عن أبي الحسن الماضي (عليه السلام) ، أنه سئل عن المملوك يحل له أن يطأ الأمة من غير تزويج إذا أحلّ له مولاه؟ قال : «لا يحلّ له» (2).

وفي الاستدلال بهما نظر.


1) (*) تقدّم أنه لا فرق بينهما وأن الولد حر على التقديرين ، كما أنه تقدّم منه (قدس سره) عدم الفرق بينهما وأن الولد رق على التقديرين في المسألة الثامنة من هذا الفصل.

2) الوسائل ، ج 21 كتاب النكاح ، أبواب نكاح العبيد والإماء ، ب 33 ح 2.

.................................................................................................


أمّا الأوّل : فلأن التحليل ليس بتمليك ولا تزويج ، وإنما هو إباحة يشبه العارية في غير مورد التحليل وبذلك يكون مخصصاً لقوله تعالى ( وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ. إِلّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ) (1).

على أنه لا دليل على عدم أهلية العبد للملك ، بل الدليل ثابت على خلافه ، غاية الأمر أنه محجور عليه ، حيث لا يجوز له التصرف إلّا بإذن مولاه.

وأما الثاني ، فلمعارضتها بما ورد في تفريق المولى بين العبد وزوجته الأمة ، من أنه يأمره بالاعتزال وتعتدّ من العبد ، ثمّ له أن يطأها بعد ذلك إن شاء ، وإن شاء ردّها إلى العبد بغير تزويج.

كصحيحة محمد بن مسلم ، قال : سألتُ أبا جعفر (عليه السلام) عن قول اللّه عزّ وجلّ ( وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ) قال : «هو أن يأمر الرجل عبده وتحته أمته ، فيقول له : اعتزل امرأتك ولا تقربها ، ثمّ يحبسها عنه حتى تحيض ثمّ يمسّها ، فإذا حاضت بعد مسّه إياها ردّها عليه بغير نكاح» (2). فإنها ظاهرة في كون ردّها إليه بالتحليل ، إذ إن النكاح الأوّل قد بطل بأمره باعتزالها والذي هو بمنزلة الطلاق ، والمفروض أنه لا نكاح جديد ، فينحصر الأمر بالتحليل لا محالة. وبذلك تتساقطان ، ويكون المرجع بعد ذلك هو إطلاقات ما دلّ على جواز التحليل من غير تقييد.

هذا وقد حمل بعض الأصحاب صحيحة علي بن يقطين على التقية ، وهو غير بعيد ، باعتبار أن العامّة لا يرون جواز التحليل مطلقاً.

ثمّ أنّ في المقام رواية تتضمن التفصيل بين تعيين المحلّلة وعدمه ، هي رواية الفضيل مولى راشد ، قال : قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : لمولاي في يدي مال ، فسألته أن يحلّ لي ما اشتري من الجواري ، فقال : إن كان يحلّ لي أن أحلّ لك فهو لك حلال فقال : «إن أحلّ لك جارية بعينها فهي لك حلال ، وإن قال : اشتر منهنّ ما شئت ، فلا


1) سورة المؤمنون : 23 : 5 6.

2) الوسائل ، ج 21 كتاب النكاح ، أبواب نكاح العبيد والإماء ، ب 45 ح 1.

وكذا يجوز أن ينكحه إيّاها (1). والأقوى أنه حينئذ نكاح لا تحليل (2). كما أن الأقوى كفاية أن يقول له : (أنكحتك فلانة) ولا يحتاج إلى القبول منه أو من


تطأ منهنّ شيئاً إلّا ما يأمرك ، إلّا جارية يراها فيقول : هي لك حلال. وإن كان لك أنت مال فاشتر من مالك ما بدا لك» (1).

فربّما يقال : إنه وجه جمع بين صحيحة علي بن يقطين وبين ما دلّ على الجواز فتحمل الاولى على عدم التعيين ، وتحمل الثانية على فرض تعيين المحلِّلة.

إلّا أنه لا يمكن المساعدة عليه ، نظراً إلى أنّ هذا الجمع بعيد في نفسه ، لمخالفته لظاهر صحيحة علي بن يقطين. مع كون الرواية ضعيفة السند وإن عبّر عنها في بعض الكلمات بالصحيحة ، فإنّ فضيل مجهول ولم يرد فيه توثيق فلا مجال للاعتماد عليها حتى وإن كان الراوي عنه هو ابن أبي عمير ، لما قد عرفت غير مرة من أنه لا مجال للقول بوثاقة كل من يروي عنه ابن أبي عمير ، فإنه غير ثابت بل الثابت في بعض الموارد خلافه.

(1) بلا خلاف فيه بينهم. وتدلّ عليه جملة من النصوص المعتبرة ، كصحيحة عليّ ابن يقطين المتقدِّمة ، حيث إن ظاهرها المفروغية عن جواز التزويج ومشروعيته.

(2) وتشهد له جملة من النصوص ، كصحيحة علي بن يقطين المتقدِّمة. وما ورد في طلاق العبد ، وأنه ليس له أن يطلق زوجته إذا كانت مملوكة لمولاه (2). أو الواردة في كيفية نكاح المولى عبده من أمته (3)وغيرها. فإنها بأجمعها ظاهرة في ثبوت النكاح والتزويج في العبد على حد ثبوته في الأحرار.

وقد ذهب بعض إلى الثاني ، مستدلّاً عليه بما دلّ على جواز تفريق المولى بينهما بالأمر بالاعتزال ، حيث يظهر منه أنه تحليل ، إذ لو كان تزويجاً حقيقة لما ارتفع إلّا بالطّلاق.


1) الوسائل ، ج 21 كتاب النكاح ، أبواب نكاح العبيد والإماء ، ب 33 ح 1.

2) الوسائل ، ج 21 كتاب النكاح ، أبواب نكاح العبيد والإماء ، ب 66.

3) الوسائل ، ج 21 كتاب النكاح ، أبواب نكاح العبيد والإماء ، ب 43.

العبد (1) لإطلاق الأخبار (2). ولأنّ الأمر بيده ، فإيجابه مغنٍ عن القبول. فإيجابه


وفيه : أن الزوجية من الأُمور التعبدية الاعتبارية التي أمرها بيد الشارع ، فلا محذور في التعبد بارتفاعها بالأمر بالاعتزال كالطلاق.

(1) على ما تقتضيه القاعدة.

إذ العقد إنما هو عبارة عن ربط التزام بالتزام آخر. وهو في غير المقام واضح حيث يعتبر الإنشاء والإبراز من كلّ من الطرفين ، لعدم كفاية مجرد الرضا القلبي في صدق العقد ، لأنه إنما يصدق فيما إذا كان كل من الالتزامين مبرزاً في الخارج ، وإلّا فلا يصدق عقد الالتزامين وربط أحدهما بالآخر ، كما هو واضح.

وأما في المقام ، فالزوجية وإن كانت قائمة بالعبد والأمة ، إلّا أنهما لما كانا بالنظر إلى مملوكيتهما غير قادرين على شي‌ء بحيث لم يكن لرضاهما أو عدمه أثر ، بل أمرهما بيد المولى يتصرف كيف يشاء ، فلا حاجة إلى وجود التزامين في المقام ، لأن المولى شخص واحد فيكفي التزامه خاصة.

ومن هنا فيكون المقام من الإيقاع لا العقد ، كي يحتاج إلى التزام آخر يرتبط مع التزامه.

ومجرّد قيام الزوجية في العبد والأمة لا يعني كونهما طرفي العقد كي يعتبر قبولهما بل الإنشاء ليس له إلّا طرف واحد هو المولى ، فيكون التزامه بزوجية العبد لها التزاماً منه بزوجية الأمة له أيضاً ، وعليه فيكتفى بمجرد إنشائه من دون حاجة إلى القبول منه أو من العبد.

(2) كصحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) ، قال : سألته عن الرجل ، كيف ينكح عبده أمته؟ قال : «يجزئه أن يقول : قد أنكحتك فلانة ، ويعطيها ما شاء من قبله أو من مولاه ، ولا بدّ من طعام أو درهم أو نحو ذلك» (1).

وصحيحته الأُخرى عنه (عليه السلام) أيضاً ، في المملوك يكون لمولاه أو مولاته أمة فيريد أن يجمع بينهما ، أينكحه نكاحاً أو يجزئه أن يقول : قد أنكحتك فلانة


1) الوسائل ، ج 21 كتاب النكاح ، أبواب نكاح العبيد والإماء ، ب 43 ح 1.

.................................................................................................


ويعطي من قبله شيئاً أو من قبل العبد؟ قال : «نعم ، ولو مدّاً» وقد رأيته يعطي الدراهم (1).

وعبد اللّه بن محمد المذكور في سند هذه الرواية والذي يروي عنه محمّد بن يحيى هو عبد اللّه أخو محمّد بن عيسى الملقب ب- (بنان) وهو ثقة ، فالرواية معتبرة.

وصحيحة الحلبي ، قال : قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : الرجل ، كيف يُنكح عبده أمته؟ قال : «يقول : قد أنكحتك فلانة ، ويعطيها ما شاء من قبله أو من قبل مولاه ، ولو مدّاً من طعام أو درهماً أو نحو ذلك» (2).

فإنّ هذه الروايات المعتبرة ظاهرة وواضحة الدلالة على كفاية إنشاء المولى ، ومن غير حاجة إلى اعتبار القبول.

هذا وقد ناقش صاحب الجواهر في دلالة هذه الروايات بوجهين (3):

الأوّل : أنها واردة لبيان كيفية قيام المولى مقام العبد في الإنشاء ، وليس لها نظر إلى ما به تمام العقد ، فلا تدلّ على كفاية إنشاء المولى خاصة في تحقّق التزويج.

وفيه : أنه خلاف ظاهر هذه الروايات ولا سيما صحيحة محمد بن مسلم الثانية حيث إن الظاهر منها هو كونها في مقام بيان تمام العقد ، لا خصوص قيام المولى في الإنشاء مقام العبد.

الثاني : ما عن كشف اللِّثام من أن الاكتفاء بقوله : (أنكحتك فلانة) ليس من جهة عدم اعتبار القبول في نكاح العبد والأمة ، بحيث يكون تخصيصاً في أدلّة اعتبار الإيجاب والقبول في التزويج ، وإنما هو من جهة دلالة قول المولى هذا على قبوله أيضاً ، فيكون إنشاؤه إيجاباً وقبولاً في آن واحد.

وفيه : أنه إن أُريد بدلالة إنشاء المولى على القبول استكشاف رضاه من طرف الأمة أيضاً فهو تامّ ، إلّا أنك قد عرفت أن مجرّد الرضا لا يكفي ، بل لا بدّ من إبرازه وإنشائه. وإن أُريد به أنّ إنشاءه إنشاء من طرف العبد والأمة معاً ، فهو مما لا يمكن


1) الوسائل ، ج 21 كتاب النكاح ، أبواب نكاح العبيد والإماء ، ب 43 ح 2.

2) الوسائل ، ج 21 كتاب النكاح ، أبواب نكاح العبيد والإماء ، ب 43 ح 1.

3) الجواهر 30 : 229 و 230.

مغنٍ عن القبول. بل لا يبعد أن يكون الأمر كذلك (1)في سائر المقامات (1) مثل الولي والوكيل عن الطرفين.


المساعدة عليه ، لأنه من استعمال اللفظ في أكثر من معنى الإيجاب والقبول وهو وإن كان ممكناً ، إلّا أنه خلاف الاستعمال العرفي بلا إشكال ، بل يعد من الأغلاط.

فالصحيح هو ما اخترناه من كفاية مجرد إنشاء المولى ، من غير حاجة إلى القبول منه أو من العبد.

(1) بل هو في غاية البعد ، فإنّ الفرق بين المقام وسائر المقامات واضح.

ففي المقام حيث لا يوجد هناك التزام ينضم إلى التزام آخر ، باعتبار أن طرف العقد منحصر بالمولى خاصة إذ العبد والأمة مملوكان لا أثر لرضاهما وعدمه ، يكتفى بإنشائه ولا يعتبر في صحّته قبوله أو قبول العبد.

وهذا بخلاف سائر المقامات كالبيع والإجارة وما شاكلهما ، حيث لا يوجد مورد يخلو من الالتزامين ، فإنّ لكل من الطرفين البائع والمشتري التزاماً مستقلا عن التزام الآخر ، غاية الأمر أنهما لا يقومان بأنفسهما بإبراز التزامهما ، وإنما يقوم الوكيل عنهما بهذا الدور. فينشئ وبه يبرز التزام موكله الأوّل البائع ، ثمّ يقبل وبه يبرز التزام موكله الثاني المشتري ولا يمكن له أن يبرز بإنشائه الأوّل كلا الاعتبارين والالتزامين معاً ، لأنه من استعمال اللفظ في أكثر من معنى ، وهو على تقدير القول بإمكانه مخالف للسيرة العرفية في مقام الاستعمال قطعاً ، بل لا يبعد عدّه من الأغلاط.

ومن هنا يظهر الحال في الولي أيضاً ، إذ الالتزام في الحقيقة قائم بالمولى عليهما والعقد بينهما ، غاية الأمر أنه حيث لا عبرة بإنشائهما مباشرة ، يقوم الولي مقامهما في الإبراز والإنشاء.

فالولي إنما يلتزم من قبل المولى عليه ، في حين إن السيد إنما يلتزم من قبل نفسه لا من قبل العبد أو الأمة.


1) (*) بل هو بعيد.

وكذا إذا وكّل غيره في التزويج (1) فيكفي قول الوكيل : أنكحت أمة موكلي لعبده فلان ، أو : أنكحت عبد موكلي أمته.

وأما لو أذن للعبد والأمة في التزويج بينهما ، فالظاهر الحاجة إلى الإيجاب والقبول (2).

[3817] مسألة 17 : إذا أراد المولى التفريق بينهما ، لا حاجة إلى الطلاق ، بل يكفي أمره إياهما بالمفارقة (3).


فالفرق بين المقامين واضح. ومعه لا مجال للتعدي عن مورد تزويج المولى أمته من عبده إلى مثل مورد الوكالة من قبل الطرفين أو الولاية عليهما ، بل لا بدّ فيهما من ضم قبوله إلى إيجابه ، كي يكون بذلك مبرزاً لالتزام الطرف الآخر أيضاً.

(1) لأنّ الوكيل كالأصيل وفعله فعله ، من دون فرق بين أن يكون الوكيل عبده أو أمته اللّذين يريد تزويجهما أو غيرهما ، ويكون إنشاء الوكيل إنشاء للسيد ، فيكتفى به ولا يحتاج إلى القبول.

(2) إذ الظاهر من هذا الإذن كونه قائماً بهما معاً ، بحيث يكون كل منهما مأذوناً فيما يخصه ويرتبط به ، فتكون الأمة مأذونه في الإيجاب والعبد مأذوناً في القبول ، ومن هنا فلا بدّ من صدور الصيغة منهما معاً.

ولا يقاس هذا بتوكيل السيد لشخص واحد ، حيث ينزل الوكيل منزلة السيد ويكتفى بإنشائه خاصة ، فإن الفرق بينهما لا يكاد يخفى.

(3) وتدلّ عليه جملة من النصوص المعتبرة الدالة على أن أمره بالاعتزال طلاق للأمة :

كصحيحة محمد بن مسلم التي تقدّمت في المسألة السابقة.

وصحيحة عبد الرحمن بن الحجّاج عن أبي إبراهيم (عليه السلام) ، قال : سألته عن الرجل يزوّج عبده أمته ثمّ يبدو له فينزعها منه بطيبة نفسه ، أيكون ذلك طلاقاً من العبد؟ فقال : «نعم ، لأن طلاق المولى هو طلاقها ، ولا طلاق للعبد إلّا بإذن

ولا يبعد جواز الطّلاق أيضاً (1) بأن يأمر عبده بطلاقها ، وإن كان لا يخلو من إشكال أيضاً (1).


مواليه» (2).

فإنها أصرح الروايات الدالّة على أن نزع المولى للأمة وعزلها عن العبد طلاق لها.

(1) وتفصيل الكلام أن يقال : إنّ المطلق إن كان هو المولى فلا إشكال في صحته لأن العبد والأمة لا يملكان من الأمر شيئاً ، وإنما أمرهما بيد المولى.

وتدلّ عليه مضافا إلى إطلاقات أدلة الطلاق صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج المتقدّمة ، وصحيحة زرارة عن أبي جعفر وأبي عبد اللّه (عليهما السلام) ، قالا : «المملوك لا يجوز طلاقه ولا نكاحه إلّا بإذن سيده» قلت : فإنّ السيد كان زوّجه ، بيد مَن الطّلاق؟ قال : «بيد السيد ( ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْ‌ءٍ ) أفشي‌ء الطّلاق» (3).

فإنّ هاتين الروايتين وغيرهما تدلّان وبكلّ وضوح على أنّ أمر الطلاق إنما هو بيد المولى دون العبد.

نعم ، في قبال هذه الروايات هناك رواية قد يتوهم دلالتها على كون أمر الطلاق بيد العبد ، وهي رواية محمد بن عيسى عن علي بن سليمان ، قال : كتبت إليه : رجل له غلام وجارية زوّج غلامه جاريته ثمّ وقع عليها سيِّدها ، هل يجب في ذلك شي‌ء؟ قال : «لا ينبغي له أن يمسّها حتى يطلقها الغلام» (4).

إلّا أن من غير الخفي أن هذه الرواية في نفسها ، ومع قطع النظر عن معارضتها للصحاح المتضافرة والموافقة للكتاب الكريم ، لا يمكن الاعتماد عليها. وذلك فلأن عنوان الغلام وإن كان يطلق على العبد ، إلّا أن من الواضح أنه من باب التطبيق لا


1) (*) الإشكال ضعيف جدّاً.

2) الوسائل ، ج 21 كتاب النكاح ، أبواب نكاح العبيد والإماء ، ب 66 ح 1.

3) الوسائل : ج 22 كتاب الطلاق ، أبواب مقدّماته وشرائطه ، ب 45 ح 1.

4) الوسائل ، ج 21 كتاب النكاح ، أبواب نكاح العبيد والإماء ، ب 66 ح 5.

.................................................................................................


الوضع ، فإنّ الغلام غير موضوع للعبد بل يطلق على الشاب والخادم أيضاً ، وعليه فليس في الرواية ظهور في كون الزوج عبداً ، ومن هنا فمن الممكن حملها على كون الزوج حراً ، فلا تكون هذه الرواية دالّة على خلاف ما دلّت عليه النصوص المعتبرة.

على أن هذه الرواية لا تخلو من الإشكال في السند. وذلك فلأن المسمى بعلي بن سليمان في الرواة كثير ، غير أنّ الثقة منهم منحصر بعلي بن سليمان الزراري الذي وثّقه النجاشي (قدس سره) (1)وأما غيره فلم يرد فيه توثيق ولا مدح ، ومن هنا فحيث إنّ الراوي عنه في المقام هو محمد بن عيسى وهو من أصحاب الرضا (عليه السلام) ، فمن البعيد جدّاً أن يكون علي بن سليمان هو الزراري صاحب المكاتبات والتوقيعات لاختلاف الطبقة والفصل الزمني الكثير.

إذن فعلي بن سليمان هنا إمّا هو ابن داود وإما هو ابن رشيد ، اللّذان روى عنهما محمّد بن عيسى في غير هذا المورد أيضاً ، وحيث إنهما لم تثبت وثاقتهما ، فلا مجال للاعتماد عليها من حيث السند أيضاً.

ومع التنزّل عن ذلك كله ، فلا بدّ من رفع اليد عنها ، لمعارضتها للنصوص الصحيحة والموافقة للكتاب الكريم.

وكذا الحال فيما إذا وكل المولى غيره في الطلاق.

وإن كان المطلق هو العبد بأمر المولى ، فإن كان أمره على نحو التوكيل ، فلا ينبغي الإشكال في صحته ، إذ المطلق حينئذ هو المولى في الحقيقة.

وإن كان على نحو إرجاع الأمر إليه ، فربّما يستشكل في صحته بأنّ العبد لما كان عاجزاً وغير قادر على شي‌ء لقوله تعالى ( ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْ‌ءٍ ) لا ينقلب إلى القدرة بإذن المولى ، فإنّ الإذن غير قابل لجعل من ليس بقادر قادراً. نظير ما يذكر في إذن الولي للصبي في المعاملة ، حيث أن إذنه لا يصحح المعاملة.

إلّا أنه مدفوع بأنّ الآية المباركة ظاهرة في عدم استقلال المملوك في شي‌ء ، بحيث


1) رجال النجاشي : 260 ترجمة رقم 681.

[3818] مسألة 18 : إذا زوّج عبده أمته يستحب (1) أن يعطيها شيئاً (1)سواء ذكره في العقد أم لا ، بل هو الأحوط. وتملك الأمة ذلك ، بناءً على المختار من صحّة ملكية المملوك إذا ملّكه مولاه أو غيره.


يكون أمره فعلاً أو تركاً بيده ، فلا تدلّ على عجزه وعدم قدرته على الفعل حتى مع إذن المولى.

ولو سلمنا عمومها ، فالروايات الصحيحة الدالة على عدم جواز نكاح العبد أو طلاقه إلّا بإذن مولاه أو بغير إذن مولاه على اختلاف التعابير مخصصة لها ، فيكون الحاصل اختصاص عدم الجواز بصورة عدم إذن المولى ، كصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج المتقدِّمة ، وصحيحة شعيب بن يعقوب العقرقوفي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : سئل وأنا عنده أسمع عن طلاق العبد ، قال : «ليس له طلاق ولا نكاح ، أما تسمع اللّه تعالى يقول ( عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْ‌ءٍ ) قال : لا يقدر على طلاق ولا نكاح إلّا بإذن مولاه» (2).

والحاصل أنّ عجز العبد عن الطلاق كعجزه عن النكاح ، فكما لا يجوز للعبد أن يستقلّ بالنكاح ، لا يجوز له أن يستقلّ بالطّلاق ، بل لا بدّ من إذن المولى فيهما ، فإذا أذن صحّ طلاقه كما يصح نكاحه بلا خلاف فيه ولا إشكال.

(1) بل يجب عليه ، لعدم وجود قرينة صالحة لصرف الأوامر الواردة في المقام عن ظاهرها.

وما ذكر في وجه الاستحباب ، من التمسك بأصالة عدم الوجوب تارة ، وبعدم تصور استحقاق المولى لنفسه على نفسه شيئاً باعتبار أن مهر الأمة مملوك لمولاها اخرى.

مدفوع بأنّ الأصل لا مجال للتمسك به ، مع وجود النصوص الصحيحة الآمرة بإعطائها شيئاً والظاهرة في الوجوب.


1) (*) لا يبعد وجوبه.

2) الوسائل ، ج 21 كتاب النكاح ، أبواب نكاح العبيد والإماء ، ب 66 ح 2.

[3819] مسألة 19 : إذا مات المولى وانتقلا إلى الورثة ، فلهم الأمر أيضاً بالمفارقة بدون الطّلاق (1).


والثاني يدفعه أنه لو تمّ فلا يختص بالوجوب ، بل يجري حتى مع القول بالاستحباب أيضاً ، فإنه كما لا يمكن تصوّر وجوب المحال لا يمكن تصوّر استحبابه.

على أننا لو التزمنا بملكية العبد أو الأمة ، فلا موضوع للإشكال في المقام ، إذ المولى حينئذ لا يستحق على نفسه شيئاً ، وإنما الأمة تستحق على مولاها ، وتملك ما أعطاها المولى تتصرّف فيه كيف شاءت. وكذا الحال لو قلنا بعدم ملكيتها ، فإنّ عدم الملكية لا يلازم القول بعدم وجوب إعطائها شيئاً في الخارج ، بحيث يجعل بعض أمواله تحت سلطنتها تتصرف فيه باختيارها ، بل من الممكن القول بعدم ملكيتها ووجوب تسليطها على بعض ماله.

إذن فليس هناك ما يوجب رفع اليد عن ظهور النصوص في اللزوم وحملها على الاستحباب.

وأما ما في بعض الكلمات ، من أن القائلين بالوجوب إنما ذهبوا إليه بدعوى كون ما يعطيها المولى مهراً لها ، والحال إنه ليس في الأخبار ظهور فيه ، فيكون المدعى بلا دليل ، والدليل لا يساعد على المدعى.

ففيه : إن ما نسب إلى القائل بالوجوب لم يعرف له وجه ، إذ لا ملازمة بين الوجوب وبين عدم كونه مهراً ، فمن الممكن القول بعدم كونه مهراً كما يساعد عليه ظاهر النصوص والحكم بجواز تأخيره إلى بعد العقد والقول بوجوب الإعطاء. نظير المتعة الثابتة بالتزوج من دون مهر ثمّ الطلاق قبل الدخول ، فإنها لازمة والحال إنها ليست بمهر.

وبعبارة اخرى : إنّ مجرّد عدم دلالة الروايات على كون المعطى لها مهراً ، لا ينافي دلالتها على وجوب الإعطاء ولزومه.

والحاصل أنّ رفع اليد عن ظهور الروايات في الوجوب ، بمجرد فتوى جماعة من الأصحاب بالاستحباب ، لا وجه له.

(1) بلا خلاف فيه. لكونه حقاً من حقوق المولى ، فينتقلان إلى وارثة ، باعتبار

والظاهر كفاية أمر أحدهم (1)في ذلك (1).


قيامه مقامه بما عليهما من الحق.

وتدل عليه جملة من النصوص الواردة في أن أمر المولى بالاعتزال طلاق لها المتضمنة للتعليل أو الاستشهاد بقوله تعالى ( عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْ‌ءٍ ) حيث إنّ الظاهر منها أنّ الحكم إنما هو من أحكام المولوية والعبودية ، من دون وجود خصوصيّة لكونه هو المزوج لهما وعدمه. ومن هنا يثبت الحكم حتى ولو انتقلا إليه بغير الإرث ، كالشراء ونحوه.

(1) وهو لا يخلو من إشكال بل منع ، لأنهم شركاء فيهما ، لأنّ المالك إنما هو مجموع الورثة لا كل منهم مستقلا. وعليه فكما لا يجوز للشريك الاستقلال في التزويج والطّلاق اتفاقاً ، لا يجوز له الأمر بالاعتزال ، ولا يتحقّق بذلك لو صدر منه الطّلاق.

وبعبارة اخرى نقول : إنّ الطلاق أو الأمر بالاعتزال إنما هو من صلاحيات المالك وأمره بيده ، وحيث إن كل واحد من الورثة ليس هو المالك وإنما هو نصف المالك على تقدير كونهما اثنين ، فليس له الطلاق أو الأمر بالاعتزال مستقلا ومع قطع النظر عن سائر الورثة.

نعم ، ربّما يقال : إن أحد الورثة إذا نهى العبد عن الوطء وأمره بالاعتزال حرم عليه وطؤها بلا خلاف ، لكونه أحد الشركاء ، فإذا حرم عليه وطؤها انفسخت الزوجية لا محالة للملازمة بينهما ، على ما بين ذلك في محله عند التعرض لبطلان العقد على المحارم النسبية أو السببية.

وفيه : أنه ليس للمولى نهي العبد عن الوطء دائماً وعلى الإطلاق ، وإنما له النهي عن غير الوطء الواجب شرعاً ، فإذا وجب عليه الوطء لمرور أربعة أشهر عن وطئه السابق ، فليس له النهي ولا يجب عليه امتثاله حتى ولو كانت الأمة مملوكة له أيضاً ومن الواضح أنه لا مجال لدعوى الملازمة بين النهي المؤقت وبطلان النكاح.


1) (*) لا يخلو عن إشكال بل منع.

[3820] مسألة 20 : إذا زوّج الأمة غير مولاها من حر ، فأولدها جاهلاً بكونها لغيره ، عليه العشر أو نصف العشر لمولاها ، وقيمة الولد (1) ويرجع بها على ذلك الغير (1)(2) لأنه كان مغروراً من قبله.


على أنه لو فرضنا أن للمولى النهي المطلق ، فلا مجال للقول بإيجاب الحرمة الناشئة منه لزوال الزوجية ، باعتبار أن الحرمة التي توجب زوال الزوجية إنما هي الحرمة الذاتية كحرمة المحارم النسبية مثل الأم والأُخت ، وأما الحرمة العارضية والتي تزول بزوال العارض كالحرمة الناشئة من الحيض أو المرض فلا توجب زوالها. وحيث إن الحرمة في المقام من هذا القبيل ، لأنها عارضة نتيجة لنهي المولى وتزول برجوع المولى عنه ، فلا توجب بطلان النكاح وزوال الزوجية.

(1) وقد تقدّم الكلام فيه مفصلاً في المسألة الثانية عشرة من هذا الفصل.

(2) وفيه إشكال بل منع ، فإنّ قاعدة الغرور لا دليل عليها.

وما ذكره بعضهم من أنها مستفادة من النبوي «المغرور يرجع على من غره» والتي قد عمل بها المشهور في جملة من الموارد.

ففيه : أنه لم يثبت كون الجملة المتقدِّمة رواية ، ليدعى انجبار ضعفها بعمل المشهور. وعلى تقدير ثبوتها فلم يثبت كونها هي المستند في عمل المشهور ، على أن الانجبار بعمل المشهور غير ثابت في نفسه.

نعم ، ورد في جملة من النصوص ضمان شاهد الزور إذا عدل عن شهادته بعد تلف المال ، إذا كانت الشهادة في غير ما يوجب الحدّ وإلّا فالاقتصاص منه.

إلّا أن هذا حكم تعبدي ، ولم يظهر كون الوجه فيه هو الغرور ، بل ثبوته في غير مورد الغرور أيضاً يدل على العدم. فإنه لو رجع الشاهد عن شهادته لظهور اشتباهه وتبيّن الخطأ له ، فإنه يضمن بنسبته إلى عدد الشهود المعتبر في القضية المال ، فيما إذا


1) (*) لا دليل عليه لأنّ قاعدة الغرور غير ثابتة مطلقاً ، والرواية الدالّة على ذلك ضعيفة سنداً ، بل لا يبعد أن يكون المستفاد من صحيحة الوليد عدم وجوب شي‌ء عليه غير المهر.

.................................................................................................


كانت الشهادة على غير ما يوجب الحدّ وإلّا فالدية ، والحال إنه ليس فيه أي غرور. فيكشف ذلك عن أن الحكم ليس من هذه الجهة ، وإنما هو من جهة فرض الشارع المقدّس للشاهد هو المتلف ، فيضمن وإن لم يكن هو المباشر ، لأقوائية السبب عن المباشر حينئذ.

ثمّ إنه قد يستدلّ على الحكم بروايات ثلاث :

الاولى : خبر رفاعة بن موسى ، قال : سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) إلى أن قال - : وسألته عن البرصاء ، فقال : «قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في امرأة زوّجها وليها وهي برصاء أن لها المهر بما استحل من فرجها ، وأن المهر على الذي زوّجها ، وإنما صار المهر عليه لأنه دلسها. ولو أن رجلاً تزوّج امرأة ، وزوّجها إياه رجل لا يعرف دخيلة أمرها ، لم يكن عليه شي‌ء ، وكان المهر يأخذه منها» (1).

بدعوى أن المستفاد من التعليل ، أعني قوله (عليه السلام) : «لأنه دلسها» عموم الحكم لجميع موارد التدليس ، وعدم اختصاصه بموردها.

وفيه : أن أصل الحكم في مورد الرواية وإن كان مسلماً لدلالة جملة من النصوص المعتبرة عليه ، إلّا أنه لا مجال للتعدي عن موردها إلى غيره ، لقصورها دلالة وسنداً.

أمّا الأوّل : فلأن غاية ما تفيده هو الرجوع على الذي قد دلّس بالمهر خاصة ، وأما الرجوع بكل ما يخسره الزوج نتيجة للزواج والتدليس فلا دلالة لها عليه ، وحيث إن كلامنا في المقام إنما هو في قيمة الولد لا المهر ، تكون الرواية أجنبية عن محلّ الكلام ولا تصلح للاستدلال.

وأمّا الثاني : فلكونها ضعيفة سنداً لوقوع سهل بن زياد في طريقه ، وهو ممن لم تثبت وثاقته.

الثانية : رواية إسماعيل بن جابر ، قال : سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل نظر إلى امرأة فأعجبته ، فسأل عنها فقيل : هي ابنة فلان ، فأتى أباها فقال : زوّجني ابنتك ، فزوّجه غيرها فولدت منه فعلم بها بعد أنها غير ابنته وأنها أمة ، قال : «تردّ


1) الوسائل ، ج 21 كتاب النكاح ، أبواب العيوب والتدليس ، ب 2 ح 2.

.................................................................................................


الوليدة على مواليها والولد للرجل ، وعلى الذي زوّجه قيمة ثمن الولد يعطيه موالي الوليدة ، كما غرّ الرجل وخدعه» (1).

ولا بأس بدلالتها على المدعى. فإن قوله (عليه السلام) : «كما غرّ الرجل وخدعه» بمنزلة التعليل ، وكأنه (عليه السلام) قال : لأنه غارّ وخادع للرجل ، فيمكن التعدي عن موردها.

إلّا أنها ضعيفة من حيث السند ، لوقوع محمد بن سنان في طريقها ، وهو ممّن لم تثبت وثاقته ، لتعارض الروايات الواردة في توثيقه بما اشتمل على ذمه وجرحه (2).

الثالثة : صحيحة جميل بن دراج عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، في الرجل يشتري الجارية من السوق فيولدها ثمّ يجي‌ء مستحق الجارية ، قال : «يأخذ الجارية المستحق ، ويدفع إليه المبتاع قيمة الولد ، ويرجع على من باعه بثمن الجارية وقيمة الولد التي أُخذت منه» (3).

وهي وإن كانت واضحة الدلالة على رجوع مالك الأمة على المشتري بالجارية وقيمة الولد وضمان البائع لقيمة الولد ، إلّا أنها واردة في خصوص البيع ، فالتعدي عن موردها يحتاج إلى الدليل ، لا سيما وإن مقتضاها رجوع المشتري على البائع عند رجوع المالك عليه مطلقاً ، حتى ولو لم يكن البائع غارّاً له ، كما لو كان البائع جاهلاً بالحال أيضاً ، فمن المحتمل قوياً أن يكون ثبوت الضمان عليه من جهة ترتب يده عليها الموجب للضمان ، فتكون الرواية أجنبية عن محل الكلام ، فلا بدّ من الاقتصار على موردها ولا مجال للتعدي عنه إلى غيره.

والحاصل أنّ ما أفاده الماتن (قدس سره) من رجوع الزوج على الذي زوّجه الأمة بقيمة الولد ، لا دليل عليه لعدم ثبوت قاعدة الغرور مطلقاً ، وضعف الروايات التي استدلّ بها على المدعى سنداً أو دلالة.


1) الوسائل ، ج 21 كتاب النكاح ، أبواب العيوب والتدليس ، ب 7 ح 1.

2) راجع معجم رجال الحديث 17 : 160.

3) الوسائل ، 21 كتاب النكاح ، أبواب نكاح العبيد والإماء ، ب 88 ح 5.

كما أنه إذا غرّته الأمة بتدليسها ودعواها الحرية ، تضمن القيمة (1) وتتبع به بعد العتق (1). وكذا إذا صار مغروراً من قبل الشاهدين على حريتها.

[3821] مسألة 21 : لو تزوّج أمة بين شريكين بإذنهما ، ثمّ اشترى حصة أحدهما ، أو بعضها ، أو بعضاً من حصة كل منهما بطل نكاحه ، ولا يجوز له بعد ذلك وطؤها (2).


(1) ظهر الحال فيه مما تقدّم هنا وفي المسألة الثانية عشرة ، ومنه يظهر الحال فيما ذكره (قدس سره) بعد ذلك.

(2) على ما هو المشهور شهرة عظيمة ، بل كاد أن يكون إجماعاً. فإنّ البضع لا يتبعّض ، فلا يجوز له أن يستحلّها بالملكية والزوجية ، بحيث يكونان معاً سبباً لحليتها.

ويدلّ عليه قوله تعالى ( وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ. إِلّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ) (2). فإن مقتضاها انحصار سبب جواز الوطء بأحد الأمرين التزويج أو ملك اليمين ، وقد أُضيف إليهما التحليل بمقتضى النصوص الخاصة ، فتبقى الملفقة منهما خارجة عنها ، لأنّها ليست بزوجية ولا ملك يمين.

والنصوص الدالّة على أن المولى إذا أراد أن يتزوج أمته كان عليه أن يعتقها ، ثمّ يتزوّجها بما يتّفقان عليه من المهر ، أو يجعل عتقها مهرها (3).

وموثقة سماعة الواردة في خصوص المقام ، أعني شراء الزوج لبعض حصّة أحدهما قال : سألته عن رجلين بينهما أمة فزوّجاها من رجل ، ثمّ إن الرجل اشترى بعض السهمين ، فقال : «حرمت عليه باشترائه إياها ، وذلك أن بيعها طلاقها إلّا أن


1) (*) لا دليل على ذلك ، وتقدّم الكلام في نظير ذلك [في المسألة 3812].

2) سورة المعارج 70 : 29 30.

3) الوسائل ، ج 21 كتاب النكاح ، أبواب نكاح العبيد والإماء ، ب 11.

.................................................................................................


يشتريها من جميعهم» (1).

فإنها صريحة في عدم جواز وطئها ، لا بالزوجية لارتفاعها ، ولا بملك اليمين لعدم استقلاله في ملكيتها ، وكونها مشتركة بينه وبين غيره.

وكيف كان ، فالحكم مما لا خلاف فيه بين الأصحاب ، إلّا ما نسب إلى الشيخ (قدس سره) من الالتزام بالجواز إذا رضي الشريك بالعقد ، وقد تبعه على ذلك القاضي (2).

قال في النهاية على ما حكاه عنه في الجواهر ما لفظه : إذا تزوّج الرجل أمة بين شريكين ، ثمّ اشترى نصيب أحدهما ، حرمت عليه إلّا أن يشتري النصف الآخر ، أو يرضى مالك نصفها بالعقد ، فيكون ذلك عقداً مستأنفاً (3).

والذي يظهر من عبارته (قدس سره) أن المراد بالعقد إنما هو عقد التزويج الذي كان قبل البيع.

غير أن صاحب الجواهر (قدس سره) قد نقل عن المحقق (قدس سره) ، أن «أو» المذكور في الجملة من غلط النساخ ، والصحيح هو «الواو» فيكون المراد بالعقد هو شراء الزوج للنصف الآخر (4). لكنه (قدس سره) استبعد ذلك إلّا أنه اعتبره أقرب من الاحتمال الأوّل ، نظراً إلى أن رضا الشريك بعقد التزويج لا أثر له ، فإنّ الزوجية إذا أمكن اجتماعها مع الملك فلا حاجة إلى رضاه لوقوع العقد في وقته صحيحاً ، وأما إذا لم يمكن اجتماعهما فلا أثر لرضاه ، فإنه لا يجعل الممتنع ممكناً. فما ذكر لا يمكن نسبته إلى من له أدنى معرفة بالفقه ، فضلاً عن شيخ الطائفة (قدس سره).

ثمّ احتمل (قدس سره) أن يكون المراد به هو عقد التحليل ، فتكون الحلية من هذه الجهة (5).


1) الوسائل ، ج 21 كتاب النكاح ، أبواب نكاح العبيد والإماء ، ب 46 ح 2.

2) كتاب النكاح للشيخ الأنصاري 20 : 233 طبع المؤتمر العالمي.

3) الجواهر 30 : 239 ، النهاية : 480.

4) الجواهر 30 : 240 ، نكت النهاية 2 : 350.

5) الجواهر 30 : 240.

وكذا لو كانت لواحد واشترى بعضها (1).

وهل يجوز له وطؤها إذا حلّلها الشريك؟ قولان ، أقواهما نعم ، للنص (2).


وعلى كل حال ، فلو ثبت ما نسب إلى الشيخ (قدس سره) من جواز وطئه لها برضا الشريك بعقد النكاح السابق ، فهو مما لا يمكن المساعدة عليه ، لعدم الدليل ، بل لدلالة موثقة سماعة المتقدِّمة بإطلاقها على خلافه.

(1) لما تقدّم من عدم جواز التبعيض في البضع.

(2) وهو صحيح محمد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) ، قال : سألته عن جارية بين رجلين دبّراها جميعاً ثمّ أحلّ أحدهما فرجها لشريكه؟ قال : «هو له حلال ، وأيهما مات قبل صاحبه فقد صار نصفها حراً من قبل الذي مات ونصفها مدبّراً». قلت : أرأيت إن أراد الباقي منهما أن يمسّها ، إله ذلك؟ قال : «لا ، إلّا أن يثبت عتقها ويتزوّجها برضى منها مثل ما أراد». قلت له : أليس قد صار نصفها حراً قد ملكت نصف رقبتها والنصف الآخر للباقي منهما؟ قال : «بلى». فقلت : فإن هي جعلت مولاها في حلّ من فرجها وأحلّت له ذلك؟ قال : «لا يجوز له ذلك». قلت : لم لا يجوز لها ذلك كما أجزت للذي كان له نصفها حين أحلّ فرجها لشريكه منها؟ قال : «إنّ الحرّة لا تهب فرجها ولا تعيره ولا تحلّله ، ولكن لها من نفسها يوم ، وللذي دبّرها يوم ، فإن أحب أن يتزوجها متعة بشي‌ء في اليوم الذي تملك فيه نفسها فيتمتع منها بشي‌ء قل أو كثر» (1).

وهذه الرواية صحيحة سنداً وصريحة دلالة ، وقد عمل بها جماعة من الأصحاب فلا موجب لرفع اليد عنها ، بدعوى إعراض الأصحاب أو غيرها.

ومن الممكن حمل كلام الشيخ (قدس سره) على هذا المعنى ، كما ذكره صاحب الجواهر (قدس سره).


1) الوسائل ، ج 21 كتاب النكاح ، أبواب نكاح العبيد والإماء ، ب 41 ح 1.

وكذا لا يجوز وطء من بعضه حر إذا اشترى نصيب الرقية ، لا بالعقد ، ولا بالتحليل منها (1). نعم ، لو هايأها ، فالأقوى جواز التمتع بها في الزمان الذي لها عملاً بالنص الصحيح (2) وإن كان الأحوط خلافه.

فصل : في الطوارئ

وهي العتق والبيع والطلاق.

أما العتق ، فإذا أُعتقت الأمة المزوّجة كان لها فسخ نكاحها إذا كانت تحت عبد (3).


ومن هنا يظهر أنه لا مجال للتمسك بالقاعدة لإثبات الحرمة ، بدعوى أن الملفق من التحليل والملك لا يشمله شي‌ء من أسباب الحل المذكورة في الآية والنصوص فيبقى على أصل المنع ، فإنه مردود بأنّ الصحيحة مخصصة لعموم الحرمة.

(1) على ما صرحت به صحيحة محمد بن قيس المتقدِّمة.

(2) وهو صحيح محمد بن قيس المتقدم ، حيث ورد في ذيلها التصريح بجواز التمتع بها في اليوم الذي تملك فيه نفسها ، فيتعيّن العمل بها ورفع اليد عن القاعدة المقتضية لعدم قابلية سبب الحلية للتبعيض ، على ما هو ظاهر الآية الكريمة وجملة من النصوص.

فصل في الطوارئ

(3) بلا خلاف ولا إشكال فيه بين الأصحاب ، وتدلّ عليه جملة من النصوص المعتبرة :

كصحيحة الحلبي ، قال : سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن أمة كانت تحت عبد فأُعتقت الأمة ، قال : «أمرها بيدها ، إن شاءت تركت نفسها مع زوجها ، وإن شاءت نزعت نفسها منه». قال : «وذكر أنّ بريرة كانت عند زوج لها وهي مملوكة فاشترتها عائشة وأعتقتها ، فخيّرها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) وقال : إن شاءت أن

بل مطلقاً وإن كانت تحت حرّ على الأقوى (1)(1).


تقرّ عند زوجها ، وإن شاءت فارقته» الحديث (2).

وصحيحة محمد بن مسلم ، قال : سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن المملوكة تكون تحت العبد ثمّ تعتق ، فقال : «تُخيّر ، فإن شاءت أقامت على زوجها ، وإن شاءت فارقته» (3).

وموثقة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : «إنه كان لبريرة زوج عبد ، فلما اعتقت قال لها النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) : اختاري» (4). وغيرها من الأخبار.

(1) واستدلّ له بجملة من النصوص تدلّ على المدعى بالصراحة أو بالإطلاق منها :

رواية أبي الصباح الكناني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : «أيما امرأة أُعتقت فأمرها بيدها ، إن شاءت أقامت معه ، وإن شاءت فارقته» (5).

فإنها بإطلاقها تدلّ على ثبوت الخيار للمعتقة ، سواء أكان زوجها عبداً أم حرّا.

ولا تنافي بين هذه الرواية والروايات المتقدِّمة ، حيث إن تلك الروايات وإن كان موردها العبد ، إلّا أنه لا دلالة فيها على اختصاص الحكم بما إذا كان زوجها عبداً ونفي الحكم عن غيره ، وتكون غاية دلالتها هو ثبوت الحكم فيما إذا كان زوجها عبداً من دون تعرض للنفي عن غيره ، فلا تعارض ما دلّ على ثبوت الخيار للمعتقة مطلقاً حتى وإن كان زوجها حرّا.


1) (*) فيه إشكال بل منع.

2) الوسائل ، ج 21 كتاب النكاح ، أبواب نكاح العبيد والإماء ، ب 52 ح 2.

3) الوسائل ، ج 21 كتاب النكاح ، أبواب نكاح العبيد والإماء ، ب 52 ح 7.

4) الوسائل ، ج 21 كتاب النكاح ، أبواب نكاح العبيد والإماء ، ب 52 ح 9.

5) الوسائل ، ج 21 كتاب النكاح ، أبواب نكاح العبيد والإماء ، ب 52 ح 8.

.................................................................................................


لكن هذه الرواية ضعيفة من حيث السند وإن عبّر عنها في الجواهر بالصحيحة (1)وكذا نقل في الحدائق عن الشهيد (قدس سره) في المسالك (2). إذ إن محمد بن الفضيل الواقع في سندها مشترك بين الثقة وغير الثقة ، ولم يثبت كونه محمّد بن القاسم بن الفضيل الثقة ، وإن أصرّ الأردبيلي (قدس سره) في جامع الرواة عليه (3).

ومنها : رواية عبد اللّه بن بكير ، عن بعض أصحابنا ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، في رجل حر نكح أمة مملوكة ثمّ اعتقت قبل أن يطلقها ، قال : «هي أملك ببضعها» (4).

وهي وإن كانت صريحة في المدعى ، إلّا أنها مرسلة لا مجال للاعتماد عليها.

ومنها : رواية محمد بن آدم عن الرضا (عليه السلام) ، أنه قال : «إذا أُعتقت الأمة ولها زوج خيّرت ، إن كانت تحت عبد أو حرّ» (5).

وهي وإن كانت صريحة في المدعى أيضاً ، إلّا أنها ضعيفة السند من جهتين ، فإنها مرسلة لعدم ذكر الواسطة بين الشيخ (قدس سره) ومحمد بن آدم الذي هو من أصحاب الرضا (عليه السلام) ، على أن محمد بن آدم نفسه لم يثبت توثيقه.

ومنها : رواية زيد الشحام عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : «إذا أُعتقت الأمة ولها زوج ، خيّرت ، إن كانت تحت عبد أو حرّ» (6).

وهي ضعيفة السند من جهة أن أبا جميلة المفضل بن صالح ممن ضعّفه النجاشي (7)فلا مجال للاعتماد عليها.


1) الجواهر 30 : 244.

2) الحدائق 24 : 249 ، مسالك الافهام 8 : 33.

3) جامع الرواة 2 : 177.

4) الوسائل ، ج 21 كتاب النكاح ، أبواب نكاح العبيد والإماء ، ب 52 ح 11.

5) الوسائل ، ج 21 كتاب النكاح ، أبواب نكاح العبيد والإماء ، ب 52 ح 12.

6) الوسائل ، ج 21 كتاب النكاح ، أبواب نكاح العبيد والإماء ، ب 52 ح 13.

7) رجال النجاشي : 128 ، (332) في ترجمة جابر بن يزيد.

.................................................................................................


إذن فجميع الروايات الدالّة على ثبوت الخيار للمعتقة فيما إذا كان زوجها حرّا ضعيفة السند ، ولا مجال للاعتماد عليها.

ومن هنا فيتعيّن الاقتصار في الحكم بثبوت الخيار على خصوص مورد الروايات المعتبرة ، أعني ما لو كان زوجها عبداً ، فإن التعدي عنه يحتاج إلى الدليل وهو مفقود كما عرفت ، ومقتضى إطلاقات أدلّة نفوذ العقد والإمضاء هو بقاء الزوجية وعدم ثبوت الخيار عند عتقها فيما إذا كان زوجها حراً.

والحاصل أن ما ذهب إليه الماتن (قدس سره) وغيره ، من عموم الحكم لما إذا كان زوجها حراً ، مشكل جدّاً بل ممنوع.

ثمّ هل يثبت الخيار لها لو أعتقت هي وزوجها معاً ، أم لا؟

الظاهر هو الثبوت. وذلك لأن القاعدة وإن كانت تقتضي عدم الخيار لها ، باعتبار أنه ليس في المقام زمان تكون الزوجة فيه حرّة والزوج عبداً ، فإنهما يعتقان في زمان واحد ويتصفان معاً بالحرية ، ومن هنا فلا تشمله نصوص الخيار لاختصاصها على ما عرفت بما إذا أُعتقت الزوجة وكان الزوج عبداً ، وهو غير صادق في المقام.

إلّا أن صحيحة عبد اللّه بن سنان دالّة على ثبوت الخيار لها في الفرض ، قال : سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول : «إذا أعتقت مملوكيك رجلاً وامرأته فليس بينهما نكاح» وقال : «إن أحبّت أن يكون زوجها كان ذلك بصداق» (1).

فإنها دالّة على ثبوت الخيار للأمة المعتقة حتى ولو أُعتق زوجها معها ، فمن هنا فلا محيص عن رفع اليد عن القاعدة والالتزام بما تضمّنه النص الصحيح.

نعم ، أورد صاحب الحدائق على الاستدلال بهذا النص ، بأنه دال على بطلان النكاح بينهما عند انعتاقهما معاً وارتفاع الزوجية قهراً (2).

إلّا أنه مدفوع بالقطع بعدم بطلان الزوجية في الفرض ، فإنه لا يخلو إما من الإلحاق بصورة كون الزوج حين عتقها عبداً ، وأما بالإلحاق بصورة كونه حراً.


1) الوسائل ، ج 21 كتاب النكاح ، أبواب نكاح العبيد والإماء ، ب 53 ح 1.

2) الحدائق 24 : 254.

.................................................................................................


فيثبت لها الخيار في الأوّل إجماعاً ، وفي الثاني على ما ذهب إليه المشهور وعلى ما اخترناه فلا خيار لها. وأما الحكم بالبطلان قهراً فلا وجه له ولم ينسب القول به إلى أحد ، ومجرد التعبير بأنه «ليس بينهما نكاح» لا يقتضي ذلك. فإنه قد ورد نظير ذلك في تأخير المشتري للثمن ، حيث ذكر (عليه السلام) أنه لا بيع بينهما (1)والحال أنه لم يحتمل أحد الحكم بالبطلان ، وإنما التزموا بثبوت الخيار للبائع خاصة.

والحاصل أنه لا بدّ من حمل التعبير في الصحيحة ب- «فليس بينهما نكاح» على نفي لزوم العقد السابق وثبوت الخيار لها ، دون بطلان أصل العقد.

ويدلّ على ما ذكرناه أمران :

الأوّل : قوله (عليه السلام) : «إن أحبت أن يكون زوجها كان ذلك بصداق». فإنه ظاهر في ثبوت الخيار لها ، وإلّا فلو كان النكاح باطلاً لم تكن محبتها خاصة كافية في ثبوت الجواز ، بل كان ينبغي تعليق الحكم على محبتهما معاً والتراضي من الطرفين فكفاية محبتها خاصّة إنما تكشف عن كون المراد بقوله (عليه السلام) : «ليس بينهما نكاح» هو نفي اللّزوم وثبوت الخيار لها.

الثاني : ذيل الحديث ، حيث ورد فيه : قال : سألته عن الرجل ينكح عبده أمته ثمّ يعتقها ، تخيّر فيه أم لا؟ قال : «نعم ، تخيّر فيه إذا أُعتقت» (2).

فإنّ سؤال ابن سنان عن عتقها وحدها بعد سماعه لحكم عتقهما معاً ، شاهد على فهمه لثبوت الخيار لها عند عتقهما معاً ، بحيث كان السؤال الثاني عن اختصاص الحكم بصورة عتقهما معاً أو عمومه لعتقها خاصة أيضاً.

ثمّ لو شرط المولى عليها عدم فسخ النكاح بعد عتقها ، فلا شك ولا إشكال في نفوذه ، لكونه أمراً سائغاً فيشمله عموم ما دلّ على لزوم الوفاء بالشرط ، بلا فرق بين أن يكون الاشتراط في ضمن العتق أو في ضمن عقد لازم غيره ، وسيأتي من المصنف (قدس سره) التعرض له في المسألة العاشرة من هذا الفصل.


1) الوسائل ، ج 18 كتاب التجارة ، أبواب الخيار ، ب 9.

2) الوسائل ، ج 21 كتاب النكاح ، أبواب نكاح العبيد والإماء ، ب 52 ح 1.

والظاهر عدم الفرق بين النِّكاح الدائم والمنقطع (1). نعم ، الحكم مخصوص بما إذا أُعتق كلّها ، فلا خيار لها مع عتق بعضها على الأقوى (2). نعم ، إذا أُعتق البعض


نعم ، لو اشترط عليها أن لا يكون لها خيار ، فقد يقال بالبطلان ، لكونه شرطاً على خلاف السنّة وشرط اللّه قبل شرطهم.

إلّا أنه مدفوع بأنّ صحيحة سليمان بن خالد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : سألته عن رجل كان له أب مملوك ، وكانت لأبيه امرأة مكاتبة قد أدّت بعض ما عليها ، فقال لها ابن العبد : هل لك أن أُعينك في مكاتبتك حتى تؤدي ما عليك بشرط أن لا يكون لك الخيار على أبي إذا أنت ملكت نفسك؟ قالت : نعم ، فأعطاها في مكاتبتها على أن لا يكون لها الخيار عليه بعد ذلك ، قال : «لا يكون لها الخيار المسلمون عند شروطهم» (1)دالّة صريحاً على الجواز.

فينكشف من ذلك أنّ سلب الخيار عنها ليس من الحكم المخالف لحكم اللّه على الإطلاق ، وإنما هو مخالف في خصوص فرض عدم اشتراطه في ضمن العقد. نظير اشتراط الإرث في عقد المتعة ونذر الإحرام قبل الميقات ، فإنه بأدلّة جوازه بالاشتراط أو النذر يفهم أن عدم مشروعيته مختص من الأوّل بصورة عدم الاشتراط أو النذر وإلّا فمع الاشتراط أو النذر فمشروع من الأوّل.

وحيث إنّ الرواية صحيحة من حيث السند وواضحة دلالة ، فلا محيص عن العمل بها والحكم بمقتضاها ، وإن كان مقتضى القاعدة هو البطلان.

(1) لإطلاق الأدلة ، حيث لم يرد في شي‌ء منها التقييد بالدوام ، فما عن بعضهم من القول باختصاص الحكم به لا وجه له ، لا سيما مع التعبير في صحيحة الحلبي بأن «أمرها بيدها».

(2) فإنّ موضوع النصوص هو الأمة المعتقة وهو غير صادق على المبعضة ، لأنها مملوكة في الجملة. بل إن قوله (عليه السلام) : «أمرها بيدها» يدلّ على اختصاص الحكم بالتي قد أُعتق كلها ، باعتبار أن أمر المبعضة ليس بيدها ، كما هو واضح.


1) الوسائل ، ج 23 كتاب التدبير والمكاتبة ، أبواب المكاتبة ، ب 11 ح 1.

الآخر أيضاً ولو بعد مدّة ، كان لها الخيار (1).

[3822] مسألة 1 : إذا كان عتقها بعد الدخول ثبت تمام المهر (2). وهل لمولاها ، أو لها؟ تابع للجعل في العقد ، فإن جعل لها فلها وإلّا فله (3). ولمولاها في الصورة الأُولى تملّكه كما في سائر الموارد ، إذ له تملك مال مملوكه ، بناءً على القول بالملكية ، لكن هذا إذا كان قبل انعتاقها ، وأما بعد انعتاقها فليس له ذلك (4).

وإن كان قبل الدخول ، ففي سقوطه ، أو سقوط نصفه ، أو عدم سقوطه أصلاً وجوه ، أقواها الأخير (5)


(1) لشمول النصوص لها ، فإن أمرها بعد انعتاق البعض الآخر بيدها.

(2) بلا خلاف فيه بين الأصحاب ، وتدلّ عليه جملة من النصوص المعتبرة.

(3) وقد تقدّم الحديث فيه مفصلاً في المسألة الرابعة والخامسة من الفصل المتقدِّم فراجع.

(4) فإنّ سلطانه على مالها إنما يختص بما إذا كانت مملوكة له ، فإذا خرجت عن ملكه فليس له سلطان عليها أو على أموالها ، كما هو واضح.

(5) وقد تقدّم الكلام في نظير هذا الفرع في المسألة السابعة من الفصل السابق ، فيما إذا ملكت المرأة زوجها قبل الدخول بها. وقد عرفت أن القول بسقوط المهر كلّاً لا وجه له ، إذ لا دليل على كون المانع الطارئ من الملك فسخاً للعقد ، بحيث يرتفع من الأوّل ويفرض كأن لم يكن. كما لا دليل على التنصيف وسقوط نصف المهر ، فإن الزوجة بمجرد العقد تملك تمام المهر ، وسقوط النصف في الطلاق كان للدليل الخاص فالتعدي عنه إلى غيره من موارد ارتفاع الزوجية لا وجه له وقياس محض.

وهذا الكلام بعينه يجري في المقام ، فإنه لا دليل على كون بطلان الزوجية بنزع الأمة نفسها منه فسخاً للعقد كي يبطل أصل المهر ، ودليل التنصيف مختص بالطلاق ولا مجال للتعدي عنه. فمن هنا يكون الصحيح هو ما اختاره الماتن (قدس سره) ، من ثبوت تمام المهر وعدم سقوط شي‌ء منه على الإطلاق.

وإن كان مقتضى الفسخ الأوّل (1) وذلك لعدم معلومية كون المقام من باب الفسخ لاحتمال كونه من باب بطلان النكاح مع اختيارها المفارقة ، والقياس على الطّلاق في ثبوت النصف ، لا وجه له.

[3823] مسألة 2 : إذا كان العتق قبل الدخول والفسخ بعده ، فإن كان المهر جعل لها فلها.

وإن جعل للمولى ، أو أطلق ، ففي كونه لها أو له قولان ، أقواهما الثاني ، لأنه ثابت بالعقد (2) وإن كان يستقر بالدخول ، والمفروض أنها كانت أمة حين العقد (3).

[3824] مسألة 3 : لو كان نكاحها بالتفويض ، فإن كان بتفويض المهر فالظاهر أنّ حاله حال ما إذا عيّن في العقد (4).

وإن كان بتفويض البضع ، فإن كان الانعتاق بعد الدخول وبعد التعيين (1)(5)


(1) في غير العنن ، وأما فيه فقد دلّ الدليل الخاصّ على ثبوت نصف المهر ، خلافاً لما تقتضيه القاعدة.

(2) على الأصح ، كما تقتضيه جملة من النصوص.

(3) فيكون المهر للمولى لا محالة. نعم ، إذا قلنا أنّ المهر إنما يثبت بالدخول كان المهر لها قهراً ، لأن المولى قبل الدخول لم يكن مالكاً لشي‌ء ، وحين الدخول فهي حرّة تملك ما يثبت به ، إلّا أن هذا المبنى لا يمكن المساعدة عليه بوجه.

(4) فإن جعل المهر لها كان لها ، وإن جعل للمولى أو أطلق فهو له.

(5) الظاهر أن «الواو» من غلط النساخ أو سهو القلم ، والصحيح هو «أو» حيث يكفي كل من الدخول أو التعيين في ثبوت حكم المهر المعيّن في أصل العقد للمقام.


1) (*) لا يبعد أن يكون المراد أحدهما بمعنى أنه مع الدخول أو مع التعيين قبل الدخول يكون حال المهر حاله مع التعيين حال العقد.

فحاله حال ما إذا عيّن حال العقد (1). وإن كان قبل الدخول ، فالظاهر أن المهر لها (2) لأنه يثبت حينئذ بالدخول ، والمفروض حريتها حينه.

[3825] مسألة 4 : إذا كان العتق في العدّة الرجعية ، فالظاهر أن الخيار باق (3) فإن اختارت الفسخ لم يبق للزوج الرجوع حينئذ ، وإن اختارت البقاء بقي له حق الرجوع. ثمّ إذا اختارت الفسخ لا تتعدد العدّة ، بل يكفيها عدّة واحدة (4)


(1) بلا خلاف فيه ، فيكون المهر لها أو له على اختلاف الجعل في العقد.

(2) فيما إذا تحقق الدخول بعد الانعتاق وقبل الفراق.

وأما إذا لم يتحقق الدخول بعد الانعتاق ، فلا شي‌ء على الزوج لها ولا للسيد ، لأن التعيين لم يحصل بحسب الفرض والدخول لم يتحقق ، والمهر إما يثبت بالتعيين أو الدخول ، فإذا لم يتحققا كان حكم النزع حكم الفسخ في عدم ثبوت شي‌ء بالمرّة.

(3) وهو بناءً على ما اخترناه ، من كون المطلقة رجعية زوجة حقيقة حيث إنها لا ترتفع إلّا بالطلاق وانقضاء العدة ، نظير باب السلم حيث لا يحصل الملك إلّا بالعقد والقبض ، واضح.

وأما بناءً على ما ذهب إليه المشهور ، فللإجماع على ثبوت جميع أحكام الزوجة لها ، أو للأولوية القطعية على ما ذكر في بعض الكلمات ، فإن الزوجة المعتقة إذا جاز لها فسخ نكاحها المستقر ، جاز لها فسخ نكاحها المتزلزل بطريق أولى.

(4) الظاهر أن المراد من العبارة ليس هو تعدّد العدّة ومن ثمّ تداخلهما بحيث تصبحان عدّة واحدة ، وإنما هو ثبوت عدّة واحدة لها هي عدّة الطلاق خاصة ، غاية الأمر أنها تنقلب من عدّة الأمة إلى عدّة الحرّة.

والوجه فيما ذكرناه عدم الدليل على ثبوت العدّة للفسخ إذا كان في أثناء العدّة وحينئذ فلا وجه لتعدّد العدّة كي يبحث في تداخلهما وعدمه ، وإنما السبب منحصر في الطلاق فتثبت عدّة واحدة خاصة.

وذلك لأن ثبوت العدّة ، إما من جهة الدخول والتقاء الختانين على ما دلّ عليه

ولكن عليها تتميمها عدّة الحرّة (1).

وإن كانت العدّة بائنة فلا خيار لها ، على الأقوى (2).


النص الصحيح مطلقاً حتى ولو كان الوطء شبهة ، وإما من جهة خصوص ما ورد في الفسخ بالعيب بعد دخوله بها مع عدم علمه بالعيب. والأوّل لا يقتضي إلّا العدّة الأُولى ، فإنّ الزوجة تعتدّ من دخول الزوج ، وهو لا يوجب إلّا عدّة واحدة هي التي بدأتها عند الطلاق. وأما الثاني فهو لا يقتضي ثبوت عدّة اخرى ، نظراً إلى أن موردها هو الفسخ وهي زوجة غير معتدّة ، فلا تشمل المقام أعني الفسخ وهي في أثناء عدّة الطّلاق.

ومن هنا فلا يبقى دليل على ثبوت عدة ثانية ، كي يبحث في تداخلهما وعدمه.

(1) لما دلّ على أن المطلقة رجعية إذا أُعتقت أثناء عدّتها ، انقلبت عدّتها عدّة حرّة (1).

وهذه النصوص وإن لم تكن تشتمل على التصريح بكون العدة التي أُعتقت الأمة فيها عدة رجعية ، إلّا أن القرينة قائمة على إرادتها.

وكيف كان ، فالحكم متسالم عليه ولا خلاف فيه.

(2) وظاهره وجود قول بثبوت الخيار لها في الفرض. إلّا أنّ الأمر ليس كذلك حيث لا قائل بثبوت الخيار لها في الفرض مطلقاً ، بل لا وجه متحصل للقول بثبوته. فإنه إنما يفيد اختيار المرأة في بقائها على الزوجية ، أو نزع نفسها منه ، والأوّل لا معنى له ، لفرض انفصالها عنه بالطلاق البائن. والثاني تحصيل للحاصل.

والظاهر أن قوله (قدس سره) : على الأقوى ، من سهو قلمه الشريف.

وكيف كان ، فعدم ثبوت الخيار لها عند عتقها وفسخها للزوجية في فترة العدة البائنة ، ممّا لا خلاف فيه ولا إشكال ، بل أرسله صاحب الجواهر (قدس سره) إرسال المسلّمات (2).


1) (*) الوسائل ، ج 22 كتاب الطلاق ، أبواب العدد ، ب 50.

2) الجواهر 30 : 247.

[3826] مسألة 5 : لا يحتاج فسخها إلى إذن الحاكم (1).

[3827] مسألة 6 : الخيار على الفور على الأحوط (1)(2) فوراً عرفيّاً. نعم لو كانت جاهلة بالعتق ، أو بالخيار ، أو بالفورية ، جاز لها الفسخ بعد العلم ، ولا يضرّه التأخير حينئذ.

[3828] مسألة 7 : إن كانت صبيّة أو مجنونة ، فالأقوى أنّ وليّها يتولّى خيارها (3).


(1) بلا خلاف فيه بيننا. فإنه من حقوقها ، نظير اعتبار إذنها في التزويج من بنت أخيها أو أُختها ، ولا دخل للحاكم فيه. نعم ، نسب ذلك إلى بعض الشافعية ، لكن وجهه غير واضح.

(2) لشبهة الإجماع على الفورية ، على ما ادعي في بعض الكلمات.

لكن الأظهر عدم الاعتبار ، وذلك لا للتمسك باستصحاب حكم المخصص الزماني في الأزمنة المتأخِّرة ، فيما إذا لم يكن للدليل الأوّل عموم أو إطلاق من حيث الزمان بل للتمسّك بعموم المخصّص أعني قوله (عليه السلام) : «أمرها بيدها» في الزمان المشكوك ، فإنه مقدّم على عموم الدليل الأوّل ، فيعمل به من دون أن يكون هناك مجال للتمسك بالاستصحاب ، كما هو واضح.

إذن فإن ثبت هناك إجماع تعبدي على الفورية فهو لكنه في حيز المنع جدّاً وإلّا فالمتعيِّن هو الرجوع إلى عموم المخصص أو إطلاقه ، ومقتضاه ثبوت الخيار لها مطلقاً ومن غير تقييد بالزمان الأوّل.

(3) خلافاً لما يظهر من جماعة من الأصحاب ، بل يظهر من كلمات بعضهم أنه لا خلاف في عدم ثبوت الخيار للولي.

وكيف كان ، فالذي ينبغي أن يقال في المقام : هو التفصيل بين ما إذا لم يترتب على عدم الفسخ مفسدة أو فوات مصلحة لها ، وبين ما إذا ترتب على ذلك فوات مصلحة أو مفسدة.


1) (*) وإن كان الأظهر عدم فوريّته.

[3829] مسألة 8 : لا يجب على الزوج أعلامها بالعتق أو بالخيار إذا لم تعلم ، بل يجوز له إخفاء الأمر عليها (1).


ففي الصورة الاولى ، لا يثبت خيار للولي ، كما لو كان جنون الزوجة أدوارياً وكان زمان إفاقتها قريباً ، أو كانت الصبية قريبة البلوغ ، فإنه لا بدّ من انتظار رشدها أو بلوغها من دون أن يكون لوليها الخيار ، لعدم الدليل على ذلك ، لأن الولي إنما جعل ولياً للتحفظ على مصالح المولى عليه ودفع المفاسد عنه ، فإذا فرض عدمهما فلا وجه لإثبات الولاية عليها في المقام.

والظاهر أن الماتن وكلّ من حكم بثبوت الولاية عليها في المقام غير ناظر إلى هذه الصورة.

وأما الصورة الثانية ، فالأقوى فيها ثبوت الولاية له.

والوجه في ذلك أنه وإن لم يرد نصّ يدلّ على ثبوت الولاية في المقام بخصوصه ، إلّا أن حق المسلم في ماله ودمه وعرضه لما كان محترماً ، إذ «لا تبطل حقوق المسلمين فيما بينهم» على ما في صحيحة يزيد الكناسي (1)و «لا يصلح ذهاب حق أحد» على ما في صحيحة الحلبي (2)كان لا بدّ من تداركها. وحيث إن من الواضح أن الحق العرضي لا يقلّ حرمة عن الحق المالي وقد ورد فيه أن حرمة مال المسلم كحرمة دمه فلا بدّ من احترامه ، ولما كان صاحب الحق عاجزاً عن استيفائه وغير قادر عليه لصغر أو جنون ، كان من مقتضى طبيعة الحال انتقاله إلى الولي خاصة إذ ليس لكل مسلم القيام بتحصيله ، بلا خلاف.

والحاصل أنه وإن لم يرد في هذه الصّورة نصّ خاص يدلّ على ثبوت الولاية لوليها ، إلّا أن في الأدلّة العامّة ما يكفي.

(1) لعدم الدليل على الوجوب ، فيكون مقتضى الأصل هو العدم.


1) الوسائل ، ج 28 كتاب الحدود ، أبواب مقدمات الحدود ، ب 6 ح 1.

2) الوسائل ، ج 27 كتاب الشهادات ، ب 40 ح 1.

[3830] مسألة 9 : ظاهر المشهور عدم الفرق في ثبوت الخيار لها بين أن يكون هو المباشر لتزويجها ، أو آذنها فاختارت هي زوجاً برضاها. ولكن يمكن دعوى انصراف الأخبار (1)إلى صورة مباشرة المولى بلا اختيار منها (1).

[3831] مسألة 10 : لو شرط مولاها في العتق عدم فسخها ، فالظاهر صحّته (2)(2).


(1) ولم يعلم وجه لهذا الانصراف. فإنّ المذكور في بعض روايات المقام وإن كانت الأمة المزوجة من قبل المولى ، إلّا أن الموضوع في جملة منها هو الأمة المزوجة من دون تعيين لمن هو المزوج لها ، وقد حكم الإمام (عليه السلام) فيها بثبوت الخيار لها بعنوان أن أمرها أصبح بيدها ، ومن الواضح أنه صادق في فرض تزويجها هي ، على حد صدقه في فرض تزويج المولى لها.

ثمّ لو سلم الانصراف ، فلا يخفى أنه بدوي لا يلتفت إليه.

إذن فالصحيح هو ما اختاره المشهور من عدم الفرق بين الفرضين.

(2) تقدّم الكلام فيه في ذيل التعليقة الثانية من هذا الفصل ، وقد عرفت أن الشرط سواء أكان شرط فعل أم كان شرط نتيجة نافذ وصحيح ، فلا يجوز لها الفسخ بعد ذلك.

نعم ، لو كان الشرط شرط عدم الفسخ وخالفت الشرط وارتكبت محرماً نفذ فسخها ، باعتبار أن الاشتراط لا يوجب سلب القدرة على الفعل ، وإنما يوجب لزوم الوفاء به تكليفاً خاصة.

ثمّ هل يعتبر رضا الأمة بالشرط ، أم لا؟

فيه خلاف ، منشأه الاختلاف في جواز جعل المولى ذمّة مملوكه مشغولة بشي‌ء


1) (*) لا وجه لهذه الدعوى.

2) (**) هذا الشرط وإن كان صحيحاً ويجب عليها العمل به إلّا أنها إذا فسخت كان فسخها مؤثراً وموجباً لبطلان العقد.

[3832] مسألة 11 : لو أُعتق العبد لا خيار له (1)


يتبع به بعد العتق ، كأن يستدين على ذمّة العبد ، وقد تقدّم الكلام في هذا الفرع وقد عرفت أنه ليس للمولى مثل هذه الولاية ، وإنما له التصرف في نفس المملوك أو ما يتعلق به من المنافع خاصة.

وعليه فمقتضى القاعدة في المقام ، هو اعتبار رضا الأمة بالشرط كي تدخل بذلك تحت عموم «المؤمنون عند شروطهم» فيصبح الشرط لازماً.

نعم ، نسب إلى العلامة (قدس سره) التفصيل بين اشتراط الخدمة وغيرها ، فاعتبر رضا المملوك في الثاني دون الأوّل (1). وهو متين ، فإن العتق مع اشتراط الخدمة يكون من عتق العين مسلوبة المنفعة ، فإنّ كلّاً منهما مملوك له فلا يعتبر رضاه بالشرط ، نظير وقف العين مسلوبة المنفعة ، وهذا بخلاف اشتراط غيرها كالمال حيث لا يكون مملوكاً له.

هذا ويدلّنا على عدم اعتبار رضا المملوك في اشتراط الخدمة عليه ، صحيحة أبان ابن عثمان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : سألته عن رجل قال : غلامي حرّ وعليه عمالة كذا وكذا سنة؟ قال : «هو حر وعليه العمالة». قلت : إن ابن أبي ليلى يزعم أنه حر وليس عليه شي‌ء ، قال : «كذب ، إن علياً (عليه السلام) أعتق أبا نيزر وعياضاً ورباحاً وعليهم عمالة كذا وكذا سنة ، ولهم رزقهم وكسوتهم بالمعروف في تلك السنين» (2).

فإنها مطلقة من حيث جعل المولى الخدمة عليه ومن دون تقييد برضا المملوك فتكون دليلاً على ما ذكرناه.

(1) لفقدان الدليل. على أنه لم يفت من العبد شي‌ء ، حيث إنه إذا لم يرض ببقاء الأمة زوجة له فله التخلص بالطلاق ، من دون أن يتوقف دفع مذمّة كون زوجته أمة


1) جامع المقاصد في شرح القواعد 13 : 101 و 102.

2) الوسائل ، ج 23 كتاب العتق ، ب 10 ح 3 ، عن أبان ، عن أبي العباس ، وكذا في التهذيب 8 : 238 / 857 ، والفقيه 3 : 75 / 262.

ولا لزوجته (1).

[3833] مسألة 12 : لو كان عند العبد حرّة وأمتان ، فأُعتقت إحدى الأمتين ، فهل لها الخيار أوْ لا؟ وجهان (1)(2). وعلى الأوّل إن اختارت البقاء ، فهل


على ثبوت الخيار له والفسخ.

وما نسب إلى بعضهم من القول بثبوت الخيار له ، فيما إذا استمرت الكراهة إلى حالة الاختيار.

مدفوع بأن الإكراه في زمن العبودية لا يقتضي الفساد لأنه إكراه بالحق لا الباطل والإكراه في زمن الحرية لو تحقق فهو يقتضي البطلان لا الخيار.

(1) فإن الأمر فيها أوضح إذ لم يفت عليها شي‌ء ، بل زيد في مقامها وشرفها حيث أصبحت زوجة للحر.

هذا مضافاً إلى دلالة معتبرة أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، في العبد يتزوج الحرّة ثمّ يعتق فيصيب فاحشة ، قال : فقال : «لا يرجم حتى يواقع الحرّة بعد ما يعتق». قلت : فللحرّة الخيار عليه إذا أُعتق؟ قال : «لا ، قد رضيت به وهو مملوك ، فهو على نكاحه الأوّل» (2).

ورواية علي بن حنظلة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، في رجل زوّج أُم ولد له من عبد فأُعتق العبد بعد ما دخل بها ، هل يكون لها الخيار؟ قال : «لا ، قد تزوجته عبداً ورضيت به ، فهو حين صار حراً أحق أن ترضى به» (3).

وكيف كان ، فالحكم مما لا خلاف فيه.

(2) أظهرهما الأوّل لعموم أدلّة الخيار ، على ما اعترف به (قدس سره) في المسألة الثانية من فصل عدم جواز الزيادة على الأربع في العقد الدائم.


1) (*) الأظهر هو الوجه الأوّل ، وعليه فإن اختارت الفسخ بطل نكاحها فحسب ، وإن اختارت البقاء فالأظهر رجوع الزوج إلى القرعة كما مرّ نظيره سابقاً.

2) الوسائل ، ج 21 كتاب النكاح ، أبواب نكاح العبيد والإماء ، ب 54 ح 1.

3) الوسائل ، ج 21 كتاب النكاح ، أبواب نكاح العبيد والإماء ، ب 54 ح 2.

يثبت للزوج التخيير أو يبطل نكاحها؟ وجهان (1). وكذا إذا كان عنده ثلاث (1)(2) أو أربع إماء (2)، فأُعتقت إحداها (3). ولو أعتق في هذا الفرض


(1) أما احتمال البطلان ، فهو ضعيف جدّاً ولا وجه له بعد الحكم بصحته ، إذ الممنوع إنما هو الجمع بينهنّ لا التزوج بكل واحدة منهنّ على حدة. وأما احتمال التخيير ، فقد عرفت فيما تقدّم أن دليله يختص بإسلام المجوسي على سبع زوجات ، ولا مجال للتعدِّي عنه. فمن هنا فلا محيص عن الالتزام بالقرعة ، فإنها لكل أمر مشكل والمقام منه.

ولا يقاس ذلك بالتزويج بالأُختين أو حرّتين وأمة في زمان واحد ، حيث يحكم فيه بالبطلان ، فإن مقتضي الصحّة في المثالين من الأوّل قاصر ، بخلاف المقام حيث لا مانع من زوجية كل واحدة منهنّ مستقلا ، وإنما المانع في الجمع بينهن خاصة.

(2) وذكره من سهو القلم ، حيث لا مانع من الجمع بين الحرّة والأمتين ، ويحتمل أن يكون في العبارة سقط ، ويكون الصحيح : فأعتقت اثنتان منهن ، كما ذكره (قدس سره) في المسألة الثانية من فصل عدم جواز الزيادة على الأربع في العقد الدائم. وحينئذ فيكون المثال من مصاديق المقام ، حيث إنه إذا أُعتقت اثنتان من الإماء الثلاث كان من الجمع بين حرتين وأمة وهو غير جائز على ما تقدّم ، أو أُعتقت أمة من الأربع حيث يكون من الجمع بين الحرّة وثلاث إماء.

(3) احتمال البطلان في المقام ، منافٍ لما ذكره (قدس سره) في المسألة الثانية من فصل عدم جواز الزيادة على الأربع في العقد الدائم ، حيث بنى فيها على عموم أدلة الخيار لها ، واحتمل فيها القرعة ، وقد عرفت أن القول بها هو المتعين والصحيح ، لاحتياج التعدي عن مورد النص الدالّ على التخيير إلى غيره إلى الدليل ، وهو مفقود.


1) (*) هذا من سهو القلم ، فإنه إذا أعتقت واحدة منها فلا مانع من الجمع بينها وبين الأمتين الباقيتين حيث إنه من الجمع بين حرّة وأمتين.

2) (**) يظهر حكم ذلك ممّا تقدّم.

جميعهنّ دفعة ، ففي كون الزوج مخيّراً وبعد اختياره يكون التخيير للباقيات ، أو التخيير من الأوّل للزوجات ، فإن اخترن البقاء فله التخيير ، أو يبطل نكاح الجميع ، وجوه (1)

تتمّة : إنّ الماتن (قدس سره) لم يتعرّض لحكم البيع والطّلاق ، فالمناسب أن نتعرّض له فنقول : إذا باع المالك أمته المزوّجة كان ذلك طلاقاً سواء كان زوجها حرّا أم كان عبداً ولكن يتخيّر المشتري بين إمضاء عقد النكاح وفسخه ، والمشهور على أنّ خياره فوري وفيه إشكال بل منع ، نعم إذا أمضى المشتري العقد ولم يفسخه سقط خياره وليس له الفسخ بعد ذلك ، وكذلك العبد المزوّج من أمته ، فإذا بيع كان ذلك طلاق زوجته وكان للمشتري الخيار وأمّا لو كانت زوجته حرّة فبيع فالمشهور أنّ بيعه أيضاً طلاق زوجته إلّا أنه لا يخلو عن إشكال بل منع ، وإذا زوّج المولى عبده من أمته كان الطّلاق بيد المولى ، بل له أن يفرِّق بينهما بلا طلاق كما مرّ ، وأمّا إذا زوّجه من أمة لغيره أو حرّة أو تزوّج العبد بإذنه فالطّلاق بيد العبد وليس للمولى إجباره على الطّلاق ، ولو بيعت الأمة المطلّقة أثناء عدّتها أتمّت العدّة ، وهل عليها الاستبراء زائداً على ذلك؟ قيل : نعم ، ولكن الأظهر عدم لزومه.

(1). ولا الإيجاب والقبول الفعليين.

فصل : في العقد وأحكامه

[3834] مسألة 1 : يشترط في النكاح الصيغة ، بمعنى الإيجاب والقبول اللّفظيين (2) فلا يكفي التراضي الباطني ، ولا الإيجاب والقبول الفعليين. وأن يكون


(1) ظهر الحال فيه مما تقدّم.

فصل

في العقد وأحكامه

(2) وهو مما لا خلاف فيه ، بل عليه إجماع علماء المسلمين على ما في كلمات بعضهم.


1) (*) قد عرفت أن الأظهر هو ثبوت الخيار لهنّ جميعاً ، فإن اخترن البقاء فالأظهر رجوع الزوج إلى القرعة ، وإن اخترن الفسخ بطل نكاحهنّ جميعاً ، وبذلك يظهر حال التبعيض.

.................................................................................................


واستدل عليه شيخنا الأعظم (قدس سره) بأنه الفارق بين السفاح والنكاح ، إذ الأوّل بحسب الغالب يقع بالتراضي بين الطرفين ، فإذا كان هو بوحدة كافياً ولم يعتبر اللفظ لم يبق فارق بينه وبين النكاح (1).

وما أفاده يعد غريباً منه (قدس سره) ، فإن الفارق بين النكاح والسفاح لا يكمن في اللفظ فإنه أجنبي عن ذلك ، إذ قد يكون السفاح مع اللفظ وقد يكون النكاح بغيره.

وإنما الفرق بينهما يكمن في أن النكاح أمر اعتباري ، حيث يعتبر الرجل المرأة زوجة له وتعتبر المرأة الرجل زوجاً لها ، في حين إن السفاح هو الوطء الخارجي المجرد عن اعتبار الزوجية بينهما.

نعم ، يمكن الاستدلال عليه بجملة من النصوص الدالّة على اعتبار اللّفظ في المتعة بل يظهر من بعضها مفروغية اعتباره لدى السائل ، وإنّما السؤال عن كيفياته وخصوصياته (2). فإنه إذا كان اعتباره في المتعة معلوماً ومفروغاً عنه ، فاعتباره في الدوام يكون بطريق أَولى.

على أن في بعض هذه النصوص أنها : «إذا قالت : نعم ، فقد رضيت وهي امرأتك وأنت أولى الناس بها» وهو ظاهر الدلالة في عدم كفاية الرضا الباطني واعتبار اللّفظ بحيث لولا قولها : «نعم» لما تحقّقت الزوجية ولما كان الرجل «أولى الناس بها».

هذا كلّه مضافاً إلى صحيحة بريد العجلي ، قال : سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قول اللّه عزّ وجلّ ( وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً ) فقال : «الميثاق هو الكلمة التي عقد بها النكاح ، وأما قوله ( غَلِيظاً ) فهو ماء الرجل يفضيه إليها» (3).

فإنها واضحة الدلالة على اعتبار التلفّظ ، وعدم كفاية مجرد الرضا الباطني ، بل وإظهاره بغير اللّفظ المعين.


1) كتاب النكاح للشيخ الأنصاري 20 : 77 طبع المؤتمر العالمي.

2) الوسائل ، ج 21 كتاب النكاح ، أبواب المتعة ، ب 18.

3) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب عقد النكاح وأولياء العقد ، ب 1 ح 4.

الإيجاب بلفظ النكاح أو التزويج على الأحوط (1)، فلا يكفي بلفظ المتعة في النِّكاح الدائم (1)


وكيف كان ، فاعتبار الصيغة في إنشاء النكاح وعدم كفاية المعاطاة مما لا خلاف فيه بينهم ولا إشكال.

(1) وذلك فلأن المذكور في النصوص الدالّة على اعتبار اللفظ إنما هو التزويج ومشتقّاته ، لكن حيث علمنا أنه لا خصوصيّة لهذا اللفظ بعينه ، جاز استعمال لفظ النكاح في إنشاء العقد الدائم ، لوروده في جملة من الآيات الكريمة والنصوص الشريفة.

وأمّا لفظ المتعة ، فلا ينبغي الإشكال في صحّة إنشاء العقد المنقطع به ، فإنه حقيقة فيه. وأما إنشاء العقد الدائم به فلا يخلو من إشكال بل منع ، حيث لم نظفر بآية أو رواية قد استعمل فيها هذا اللفظ في الزواج الدائم ، فيكون استعماله فيه استعمالاً مجازياً لا محالة ، ومن هنا فالاكتفاء به في إنشائه يحتاج إلى الدليل ، وهو مفقود.

وبعبارة اخرى : إن استعمال لفظ المتعة في الزواج الدائم وإن كان صحيحاً على نحو المجاز ، إلّا أن كفايته في إنشائه بعد اعتبار لفظ خاص فيه تحتاج إلى الدليل. والماتن (قدس سره) وغيره ممن يلتزم بالكفاية في المقام ، لا يكتفون بالاستعمالات المجازية في إنشاء العقود حتى مع نصب القرينة عليه في غير المقام كالبيع والإجازة ، لعدم الدليل عليه.

وبالجملة فلو كنا نحن ولم يكن دليل على اعتبار لفظ خاص ، لكان حال النكاح حال العقود التي يكتفى في إنشائها بكل مبرز ، إلّا أن مقتضى هذه الأدلة هو الاقتصار على لفظ خاص ، والمذكور فيها وإن كان هو التزويج إلّا أننا قد تعدينا عنه إلى لفظ النكاح أيضاً ، للقطع. وأما غيره فالتعدي إليه يحتاج إلى الدليل ، وحيث إنه مفقود فالأحوط لزوماً إن لم يكن الأقوى هو الاقتصار في إنشاء النكاح الدائم على لفظي الزواج والنكاح خاصة.


1) (*) هذا الاحتياط لا يُترك.

.................................................................................................


نعم ، في بعض الكلمات الاستدلال على جواز إنشاء النكاح الدائم به ، بما ورد من انقلاب المنقطع دائماً إذا لم يذكر فيه الأجل نسياناً.

وفيه : أنه لم ترد ولا رواية واحدة تدلّ على انقلاب العقد المنقطع دائماً في فرض النسيان ، فإن الأخبار خالية عن ذلك بالمرة ، وإنما ورد ذلك في بعض كلمات الأصحاب.

نعم ، وردت جملة من النصوص تدلّ على انقلاب المنقطع دائماً فيما إذا تعمد ترك الأجل ، على ما ورد التصريح بذلك في بعضها ، حيث ورد فيها : (إني أستحي أن أذكر شرط الأيام) (1). إلّا أنها أجنبية عن جواز إنشاء النكاح الدائم بلفظ التمتع ، فإنها ناظرة إلى خصوصيّة ذكر الأجل وعدمه خاصة ، من دون أن يكون لها نظر إلى بقية الشرائط المعتبرة في العقد الدائم.

وعلى هذا فهي إنما تتضمّن الانقلاب عند عدم ذكر الأجل ، فيما إذا كان العقد قابلاً لأنّ يكون زواجاً دائماً.

فإذا لم يكن العقد كذلك ، فلا يوجب ترك الأجل عمداً أو نسياناً انقلابه دائماً ، كما لو كانت لديه أربع زوجات دائمات فتزوج بالخامسة متعة ولم يذكر الأجل ، أو تزوّج بالكتابية متعة ومن دون ذكر الأجل بناءً على عدم جواز تزوّج الكتابية بالعقد الدائم أو تزوّج بالبكر كذلك من دون إذن أبيها بناءً على اختصاص اعتبار الإذن في نكاح البكر دائماً وعدم اعتباره في المتعة ، كما هو أحد الأقوال في المسألة.

فإنه حينئذ لا مجال للقول بالانقلاب وشمول تلك الأخبار لها ، فإنها إنما تنظر إلى خصوص العقد القابل للانقلاب ، وليس لها نظر إلى فقدان شرط معتبر في النكاح الدائم.

ومن هنا يظهر ما في استدلال شيخنا الأعظم (قدس سره) على عدم اعتبار الماضوية في الصيغة بهذه الروايات حيث ورد فيها : (أتزوّجك) ، وهو بضميمة انقلابه إلى النكاح الدائم عند عدم ذكر الأجل ، يدلّ على إمكان إنشاء النكاح الدائم بغير


1) الوسائل ، ج 21 كتاب النكاح ، أبواب المتعة ، ب 20 ح 2.

وإن كان لا يبعد (1) كفايته مع الإتيان بما يدلّ على إرادة الدوام.

ويشترط العربية مع التمكّن منها (2) ولو بالتوكيل على الأحوط. نعم ، مع عدم


صيغة الماضي ، وعدم اعتبارها فيه (1).

إذ يرد عليه ما قد عرفت ، من أن هذه النصوص ليست بصدد بيان جميع الشرائط المعتبرة في النكاح الدائم.

والحاصل أنه لا يجوز إنشاء العقد الدائم بلفظ المتعة ، لعدم الدليل عليه بعد أن كان استعماله فيه مجازياً ، ولا أقلّ من كون ما ذكرناه هو الأحوط.

(1) قد عرفت أنه بعيد ، ولا يساعد عليه دليل.

(2) على ما هو المعروف بينهم ، واستدلّ له :

أوّلاً : بما في كلمات المحقق الثاني (قدس سره) ، من عدم صدق العقد على غير العربي مع التمكن منه (2).

وفيه : أنه من غرائب ما صدر منه (قدس سره) ، فإنّ العقد من الأُمور القائمة بالنفس لا اللّفظ ، وإنما اللفظ هو المبرز خاصّة. ومن هنا فكما أنّ للعرب عقوداً فلغيرهم عقود أيضاً ، وقوله تعالى ( أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ) (3)خطاب لهم ولغيرهم على حدٍّ سواء ، وليس للعربية دخل في مفهوم العقد.

ثمّ لو كان مفهوم العقد متقوماً بالعربية ، لم يكن وجه للفرق بين القدرة عليها وعدمها ، فإنه ليس لهما دخل في المفهوم ، وإنما هما يرتبطان بمقام التكليف خاصّة حيث يصحّ مع القدرة ويقبح بدونه.

فما أفاده (قدس سره) لا يمكن المساعدة عليه.


1) كتاب النكاح للشيخ الأنصاري 20 : 78 طبع المؤتمر العالمي.

2) جامع المقاصد 12 : 74.

3) سورة المائدة : 5 : 1.

التمكّن منها ولو بالتوكيل على الأحوط يكفي غيرها من الألسنة (1) إذا أتى بترجمة اللّفظين من النكاح والتزويج.


ثانياً : أنّ العقد بالعربية هو القدر المتيقن من العقد الصحيح ، لورودها في القرآن الكريم وألسنة النصوص الشريفة ، وكفاية غيرها تحتاج إلى الدليل وهو مفقود ومقتضى الأصل هو الفساد.

وفيه : أن القرآن الكريم قد نزل بالعربية ، والنصوص كانت خطاباً وجواباً لأسئلة وجّهها أُناس يتكلّمون بالعربية إليهم (عليهم السلام) ، فمن هنا يكون من الطبيعي أن لا ترد فيهما صيغة غير عربية ، وهذا لا يدلّ على الاختصاص بها.

ثمّ إن عمومات النكاح ومطلقاته ، كقوله تعالى ( وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ وَالصّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ ) (1)وقوله (صلّى آله عليه وآله وسلم) : «النِّكاح سنّتي» (2)تمنع من الرجوع إلى الأصل والتمسّك بالقدر المتيقّن.

والحاصل أنّ مقتضى عمومات النكاح ومطلقاته ، هو الاكتفاء بغير العربية في إنشاء النكاح ، وإن كان الأحوط الاقتصار عليها مع الإمكان.

(1) واستدلّ عليه في بعض الكلمات بما ورد في طلاق الأخرس ، من كفاية وضع القناع على رأسها (3). بدعوى أن المستفاد منها هو كفاية غير اللفظ العربي عند العجز عنه مطلقاً.

إلّا أنه واضح الفساد ، باعتبار أن هذه النصوص واردة في خصوص طلاق الأخرس ، فالتعدي عنه إلى كل عاجز غيره يحتاج إلى الدليل وهو مفقود ، ولذا لم يلتزم المشهور بهذا الحكم في العاجز عن التكلم من غير الخرس ، كالوارم لسانه إلى حدّ يمنعه من التكلّم.


1) سورة النور 24 : 32.

2) الوسائل 20 : 15 كتاب النكاح ، أبواب مقدّمات النكاح ، باب 1 ح 24903.

3) الوسائل ، ج 22 كتاب الطّلاق ، أبواب مقدماته وشروطه ، ب 19.

والأحوط اعتبار الماضوية (1)


ومن هنا فقد استشكل صاحب المستند فيه ، واستظهر عدم كفاية الإنشاء بغير العربية حتى مع العجز عنها (1).

إلّا أنه لا يمكن المساعدة عليه ، للقطع بعدم إمكان الالتزام بتعطيل النكاح الذي عليه نظام العالم ، فلا مجال للقول بتعطيل النكاح في البقاع التي لا يعلمون العربية من العالم ، وبقاء الرجال والنساء من غير تزويج بحيث ينحصر أمر المقاربة بالزنا ، لا سيما مع ما ورد في جملة من النصوص من ان المرأة لا تبقى معطلة (2).

والحاصل أنه بناءً على اعتبار العربية في إنشاء النكاح وقد عرفت ما فيه فهو إنما يختص بحالة القدرة على الإنشاء بالعربية ولو بالتوكيل فيه. وأما مع العجر عنها فمقتضى عمومات النكاح وإطلاقاته السليمة عن المعارض ، هو الاكتفاء في إنشائه بأي لغة كانت.

(1) كما ذهب إليه المشهور من الأصحاب ، واستدلّ عليه :

تارة بأنه القدر المتيقن من العقد الصحيح.

وأُخرى بأنّ صيغة الماضي صريحة في الإنشاء ، بخلاف غيرها.

وفيهما معاً نظر. فإنّ الأوّل يدفعه أن مجرّد كونها القدر المتيقن ، لا يقتضي لزوم الاقتصار عليها في مقام الإنشاء ، ورفع اليد عن المطلقات والعمومات.

على أن مقتضى النصوص الواردة في كيفية عقد المتعة والمتضمنة إنشاءها بغير صيغة الماضي ، هو جواز إنشاء العقد الدائم بغير صيغة الماضي وعدم انحصاره بها لوضوح عدم الفرق بين العقد المنقطع والعقد الدائم.

ومن هنا يظهر الجواب عن الثاني ، فإن مجرد كونها صريحة فيه لا يكفي في لزوم الاقتصار عليها والقول بعدم كفاية غيرها ، إذ يكفي ظهور غيرها فيه حيث لا تعتبر


1) مستند الشيعة 2 : 477.

2) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب مقدمات النكاح ، ب 84.

وإن كان الأقوى عدمه (1) فيكفي المستقبل ، والجملة الخبريّة ، كأن يقول : (أُزوّجك) أو (أنا مُزوّجك فلانة).

كما أن الأحوط تقديم الإيجاب على القبول ، وإن كان الأقوى جواز العكس أيضاً (2).


الصراحة ، كما يؤكده ما ورد في المتعة من الإنشاء بغيرها.

على أن دعوى كون صيغة الماضي صريحة في الإنشاء ، باطلة من أساسها ، فإنها مشتركة بينه وبين الإخبار ، ولا بدّ في التعيين من القرينة.

ومن هنا فهي لا تختلف عن غيرها من هذه الجهة ، وليست هي صريحة فيه كما ادعيت.

إذن فالصحيح هو ما ذهب إليه جملة من الأصحاب من جواز الإنشاء بغيرها.

(1) على ما اختاره جملة من الأصحاب واستظهرناه.

(2) فيقول الرجل : (أتزوّجك على كتاب اللّه وسنّة نبيّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) ... إلخ) فتقول المرأة : (زوجتك نفسي).

ويدلّنا عليه عدم الدليل على اعتبار تقدّم الإيجاب على القبول ، بعد صدق العقد والمعاقدة مع العكس أيضاً ، إذ لا يعتبر في مفهومه كون الإيجاب متقدماً على القبول.

هذا مضافاً إلى إطلاقات أدلّة النكاح ، وما ورد في بيان كيفية صيغة المتعة من أن يقول الرجل لها : «أتزوّجك متعة على كتاب اللّه تعالى وسنّة نبيّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) لا وارثة ولا مورثة ، كذا وكذا يوماً» إلى أن قال : «فإذا قالت : نعم ، فقد رضيت ، وهي امرأتك وأنت أولى الناس بها» (1).

فإن موردها ليس هو قيام الرجل بدور الإيجاب والإنشاء وقيام المرأة بدور القبول كما توهمه بعضهم ، وإنما موردها تقديم القبول على الإيجاب ، فإن صيغة (أتزوّجك) من باب التفعل فلا يكون إنشاءً ، وإنما يكون قبولاً متقدِّماً. ومن هنا فقد


1) الوسائل ، ج 21 كتاب النكاح ، أبواب المتعة ، ب 18 ح 1.

وكذا الأحوط أن يكون الإيجاب من جانب الزوجة ، والقبول من جانب الزّوج ، وإن كان الأقوى جواز العكس (1).


مثّل المحقق (قدس سره) في الشرائع لتقديم القبول على الإيجاب ، بما إذا قال الرجل : (تزوّجت) فقالت المرأة : (زوّجتك نفسي) (1). فلا فرق بين التعبير ب- (أتزوّجك) و (قبلت) فإن المفاد فيهما واحد تماماً من دون أي فارق ، باستثناء أن القبول في الأوّل مستفاد من الهيئة ، في حين إنه في الثاني مستفاد من المادة.

ثمّ إن هذا كله فيما إذا كان القبول المتقدم بلفظ (أتزوّجك) وما شابهه. وأما إذا كان بلفظ (قبلت) أو (رضيت) فإن لم يذكر المتعلق ، فلا إشكال في عدم كفايته في إنشاء الزوجية. وإن ذكر المتعلق ، فالظاهر أنه لا مانع من الالتزام بصحته وكفايته ، لما عرفت من أنه لا فرق بين صيغة (قبلت) وصيغة (أتزوّجك) إلّا أن القبول في الأوّل مستفاد من المادة ، في حين إنه في الثاني مستفاد من الهيئة ، فيكون حاله حاله.

(1) وذلك لكون الزوجية من المفاهيم المتضايفة المتشابهة الطرفين ، بحيث يكون المضاف إلى كل منهما عين المضاف إلى الآخر. نظير الاخوة المضافة إلى الطرفين على حد سواء ، فكما أن هذا أخ لذاك فذاك أخ لهذا بلا اختلاف في النسبة ، وليست هي كالأُبوة والبنوّة.

ومن هنا فكما أنّ الرجل زوج للمرأة هي زوج له ، كما استعمل ذلك في جملة من الآيات الكريمة.

قال تعالى ( وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ ) (2).

وقال تعالى ( وَلَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ ) (3).

وقال تعالى : ( يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها


1) راجع شرائع الإسلام 1 : 322.

2) سورة البقرة 2 : 35.

3) سورة النساء 4 : 12.

وأن يكون القبول بلفظ : (قبلت) ولا يبعد كفاية (رضيت) (1). ولا يشترط ذكر المتعلِّقات (2) فيجوز الاقتصار على لفظ : (قبلت) من دون أن يقول : (قبلت


فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلاً ) (1).

وقال تعالى ( يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ وَبَناتِكَ وَنِساءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ) (2).

وقال تعالى ( وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ ) (3).

وقال تعالى ( يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ ) (4)، إلى غير ذلك من الآيات.

فالزوجية مفهوم في مقابل الفردية ، وهي عبارة عن انضمام أحدهما إلى الآخر مع وحدة علاقتها إليهما.

وعليه فلكل منهما إنشاؤها واعتبار الآخر زوجاً له أو لها ، فإذا تحقّق ذلك من أحدهما وتحقّق القبول من الآخر صدق العقد والمعاهدة ، ومن ثَمَّ شملته أدلّة اللّزوم.

والحاصل أنه لا موجب للقول بلزوم كون الإيجاب من الزوجة خاصة والقبول منه ، فإنه لا دليل عليه وإن كان هو الغالب خارجاً.

(1) بل الأقوى كفايته ، لعدم الدليل على اعتبار لفظ معين في القبول أو وجود خصوصيّة له ، ومقتضى الإطلاقات الاكتفاء بكل لفظ يدل على رضاه بالزوجية كي تصدق به المعاقدة والمعاهدة.

وممّا يدلّ على ما ذكرناه الصحيحة الواردة في المتعة : «فإذا قالت : نعم ، فقد رضيت» فإنها دالة على جواز القبول بلفظ : (أتزوّجك) على ما تقدّم الحديث فيها.

(2) إذ العبرة بمعلومية المتعلقات ، وهي تحصل بذكرها في ضمن إيجاب الزوجة ولا حاجة إلى إعادتها في ضمن القبول ثانياً.


1) سورة الأحزاب 33 : 28.

2) سورة الأحزاب 33 : 59.

3) سورة الأحزاب 33 : 37 و 50.

4) سورة الأحزاب 33 : 37 و 50.

النِّكاح لنفسي أو لموكِّلي بالمهر المعلوم).

والأقوى كفاية الإتيان بلفظ الأمر (1) كأن يقول : (زوِّجني فلانة) فقال : (زوّجتكها) وإن كان الأحوط (1)خلافه.


وتدلّ عليه الصحيحة المتقدِّمة الواردة في المتعة ، حيث حكم (عليه السلام) بتحقق الزوجية بمجرّد قولها : «نعم» متفرِّعاً على قول الزوج : «أتزوّجك متعة على كتاب اللّه وسنّة نبيِّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) ...»

فإنّه سواء جعلنا قولها : «نعم» قبولاً كما ذهب إليه بعضهم ، أو إيجاباً كما اخترناه فهي دالّة على عدم ذكر المتعلقات ، أما على ما ذكروه فواضح. وأما على ما اخترناه فلعدم الفرق بين الإيجاب والقبول من هذه الناحية ، حيث إن العبرة إنما هي بالمعلومية ، فإذا جاز عدم ذكر المتعلقات في الإيجاب لتحقق المعلومية من جهة أُخرى ، جاز عدم ذكرها في القبول أيضاً.

(1) كما ذهب إليه جماعة. والمبنى فيه أحد أمرين :

الأوّل : دعوى أنّ الأمر بالتزويج من قبل الزوج قبول منه ، وبذلك فيكون من مصاديق المبحث المتقدِّم ، أعني تقدّم قبول الزوج على إيجاب المرأة ، على ما صرح به بعضهم في ذلك المبحث حيث ذكر الأمر بالتزويج مثالاً له.

وفيه : أنه بعيد عن المتفاهم العرفي جدّاً ، فإن الأمر إنما هو إنشاء لطلب التزويج وهو وإن كان يكشف عن رضاه به إلّا أنه غير إنشائه لاعتبار الزوجية والتزويج ولا ظهور له فيه ، ومن هنا فلا مجال للاكتفاء به في المعاقدة.

وبعبارة اخرى : إنّ الأمر بالتزويج وإن كان دالّاً على الرضا الباطني به ، إلّا أنه لا يجدي شيئاً ما لم يستتبع إبرازه بمبرز دالّ بظاهره عليه ، وهو غير حاصل في المقام فإنّ الأمر به غير إنشائه للقبول ، كما هو واضح.

الثاني : دعوى أنّ أمره لها أو لغيرها لما كان توكيلاً في التزويج ، كفى إيجابها


1) (*) لا يُترك الاحتياط.

.................................................................................................


خاصّة ، لما تقدّم من أنّ الإيجاب والقبول إذا كان لشخص واحد بالولاية أو الوكالة أو بالتفريق بينهما وبين الأصالة ، كفى الإيجاب من دون أن تكون هناك حاجة إلى القبول.

وفيه : أنه قد تقدّمت في محلِّه المناقشة في الكبرى ، لأنه من قبيل استعمال اللّفظ في أكثر من معنى ، وهو على تقدير إمكانه خلاف الظاهر في مقام الاستعمال ، بل يعدّ من الأغلاط.

على أن في كون المقام من صغريات هذه الكبرى إشكالاً. وذلك فلأن الأمر بالتزويج لا يعدّ عرفاً توكيلاً لها فيما هو فعله ، وإنما الظاهر منه أنه طلب لما هو فعلها خاصة. نظير ما لو قال : (هبني ما عندك) فإنّه لا يعتبر توكيلاً له في قبول الهبة أو قبضه ، كي يقال بكفاية إيجابها عن القبول.

ولا يرد علينا أنا التزمنا بأن الزوجية من الأُمور المتضايفة المتشابهة الطرفين فيكون أمره لها أمراً بإنشاء ذلك الأمر الواحد.

إذ يرد عليه أن كون الزوجية من الأُمور المتضايفة المتشابهة الطرفين والنسبة وإن كان تامّاً ، إلّا أن الظاهر العرفي من الأمر ليس إلّا طلب ما هو فعلها خاصّة ، فلا يعتبر توكيلاً أو قبولاً فيما هو فعله.

ومن هنا فيشكل ما أفاده (قدس سره) تبعاً لجماعة ، من كفاية الإتيان بلفظ الأمر.

وأمّا النص الذي استدلّ به على الكفاية ، أعني صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) ، قال : «جاءت امرأة إلى النبيّ (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) فقالت : زوّجني ، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) : من لهذه؟ فقام رجل فقال : أنا يا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) ، زوِّجْنيها ، فقال : ما تعطيها؟ فقال : ما لي شي‌ء ، قال : لا. فأعادت ، فأعاد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) الكلام فلم يقم أحد غير الرجل ، ثمّ أعادت فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) في المرّة الثالثة : أتحسن من القرآن شيئاً؟ قال : نعم ، قال : قد زوّجتكها على ما تحسن من القرآن فعلّمها إيّاه» (1).


1) الوسائل ، ج 21 كتاب النكاح ، أبواب المهور ، ب 2 ح 1.

[3835] مسألة 2 : الأخرس يكفيه الإيجاب والقبول بالإشارة (1)مع قصد الإنشاء وإن تمكن من التوكيل على الأقوى (1).


بدعوى أنه لم يرد في شي‌ء من طرق هذه الصحيحة قبول الرجل بعد إيجاب النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) ، فيكشف ذلك عن الاكتفاء بأمره بالتزوج المتقدم على الإيجاب.

فالاستدلال به مشكل ، فإن دعوى كون أمر الرجل توكيلاً للنبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) بعيدة ، لأنه وبحسب المتفاهم العرفي ليس إلّا طلباً في التزويج.

وأبعد منها دعوى كونه قبولاً متقدماً وإنشاءً للتزويج ، إذ ليس للطلب ظهور في التزويج لا سيّما في المقام ، حيث فصلت جملات عديدة صدرت من النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) وأجوبة صدرت من الرجل بين أمره والإيجاب ، والحال أن المعروف والمشهور بين الأصحاب اعتبار التوالي بين الإيجاب والقبول.

على أنّ المهر إنما ذكر في الإيجاب خاصة ، ولم يكن له في الأمر ذكر ، فلا يمكن جعله قبولاً سابقاً ، لاستلزامه عدم تطابقه مع الإيجاب.

ومن هنا ، فإما أن تحمل هذه الصحيحة على أن الراوي لم يكن بصدد بيان جميع الخصوصيات وإنما هو بصدد بيان جهة خاصة ، هي عدم لزوم كون المهر درهماً أو ديناراً بل يكفي كونه قرآناً ، ولذا لم يذكر قبول الرجل. أو يقال بأن ذلك من خصوصيات النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) ، حيث يكتفى بإيجابه خاصة ، ولا يعتبر فيه القبول مع رضا الرجل أو حتى مع عدمه ، لولايته (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) العامة ، ومعه فلا مجال للتعدي عنه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) والاستدلال بها على الجواز في غير إيجابه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم).

وعلى كل ، فما أفاده الماتن (قدس سره) لا يمكن المساعدة عليه ، ولا أقل من كون خلافه هو الأحوط لزوماً.

(1) بل لم يظهر الخلاف فيه من أحد. واستدلّ عليه بأن دليل اعتبار اللفظ لما كان


1) (*) وبتحريك لسانه أيضاً.

.................................................................................................


هو التسالم بين المسلمين وهو دليل لبي ، فلا بدّ من الاقتصار فيه على القدر المتيقن وهو غير الأخرس ، وأما هو فيُكتفى بإشارته ، لإطلاقات أدلّة النكاح وعموماته.

إلّا أن لازم ذلك عدم اختصاص الحكم بالأخرس ، بل لا بدّ من الالتزام بعمومه لكل عاجز عن التكلم ، سواء أكان ذلك بالأصالة وهو المسمّى بالأخرس ، أم كان لعارض كالمقطوع لسانه.

نعم ، لو كان اعتبار اللفظ مستفاداً من الأدلّة اللّفظية كما استظهرناه ، كان مقتضى إطلاقها عدم الفرق بين القادر على التكلم والعاجز عنه مطلقاً ، إذ الأحكام الوضعية لا تختلف بالقدرة وعدمها ، وحينئذ فلا بدّ من التماس دليل على صحّة عقد الأخرس بالإشارة.

ويدلّ عليه ما ورد في طلاق الأخرس ، من الاكتفاء بالكتابة أو الإشارة على النحو الذي يعرف به سائر أفعاله ومقاصده ، مثل حبه أو كراهته (1). فإنه إذا جاز الطلاق بالإشارة ، جاز النكاح بها بطريق أولى ، إذ الطلاق أشدّ حالاً من النكاح.

وما ورد في قراءته في الصلاة أو تشهده أو تلبيته «وما أشبه ذلك» على حد التعبير الوارد في معتبرة مسعدة بن صدقة (2)من أنها بتحريك لسانه وإشارته بإصبعه (3). ومن الواضح أن المراد من «ما أشبه ذلك» هو كل ما يعتبر فيه التلفظ شرعاً.

ومن هنا تكون هذه الروايات شاملة للمقام ودالّة على المدعى ، أعني جواز إنشاء الأخرس للنكاح بإشارته.

غير أن مقتضى هذه النصوص لزوم إضافة تحريك اللسان إلى الإشارة بإصبعه وعدم الاكتفاء بالإشارة المجردة ، كما ورد ذلك في معتبرة مسعدة بن صدقة المتقدِّمة ويظهر من روايات الطلاق ، حيث قيد الحكم بكون إبرازه للنكاح بالإشارة كإبراز سائر مقاصده وأُموره ، ومن الواضح أن المتعارف عند الأخرس في مقام بيان مقاصده هو تحريك لسانه مضافاً إلى الإشارة بإصبعه أو يده أو غيرهما ، ومن هنا فلا محيص


1) الوسائل ، ج 22 كتاب الطلاق ، أبواب مقدماته وشروطه ، ب 19.

2) الوسائل ، ج 6 كتاب الصلاة ، أبواب القراءة في الصلاة ، ب 59 ح 1 ، 2.

3) الوسائل ، ج 6 كتاب الصلاة ، أبواب القراءة في الصلاة ، ب 59 ح 1 ، 2.

[3836] مسألة 3 : لا يكفي في الإيجاب والقبول الكتابة (1).

[3837] مسألة 4 : لا يجب التطابق بين الإيجاب والقبول في ألفاظ المتعلقات (2). فلو قال : (أنكحتك فلانة) فقال : (قبلت التزويج) أو بالعكس ، كفى. وكذا لو قال : (على المهر المعلوم) فقال الآخر : (على الصداق المعلوم). وهكذا في سائر المتعلقات.

[3838] مسألة 5 : يكفي على الأقوى في الإيجاب لفظ (نعم) (3) بعد الاستفهام ، كما إذا قال : (زوّجتني فلانة بكذا)؟ فقال : (نعم) فقال الأوّل : (قبلت). لكن الأحوط عدم الاكتفاء (1).


عن اشتراط تحريك اللِّسان في إنشاء الأخرس للنكاح بالإشارة.

(1) لعدم الدليل على الاكتفاء بها ، بعد ما دلّ على اعتبار اللفظ في الإنشاء.

(2) وذلك لعدم الدليل على اعتبار تطابق الإيجاب والقبول من حيث المادة ، إذ إن دليل اعتبار اللفظ لا يقتضي إلّا لزوم كون الدالّ على إنشاء التزويج لفظاً ، وأما اتحادهما من حيث المادة فلا دليل عليه. ومقتضى الإطلاق كفاية غير المتطابق أيضاً.

(3) الاكتفاء ب- (نعم) في مقام الإيجاب في حدّ نفسه مما لا ينبغي الإشكال فيه ، إذ تدلّ عليه مضافاً إلى ما تقدّم من أنّ المعتبر في اللّفظ كونه مبرزاً للاعتبار بنظر العرف من دون وجود خصوصيّة للفظ معين صحيحة أبان بن تغلب المتقدِّمة ، حيث ورد فيها : «فإذا قالت : نعم ، فقد رضيت وهي امرأتك» بناءً على ما تقدّم بيانه مفصلاً من أن كلمة (نعم) إيجاب منها ، حيث لا يمكن أن تكون كلمة (أتزوّجك) هو الإيجاب.

نعم ، ما أفاده (قدس سره) من كفايته في جواب الاستفهام مشكل جدّاً ، حيث إن جواب الاستفهام إنما يكون إخباراً لا إنشاءً ، فاستعماله في مكانه يكون من الإنشاء بالمجاز المستنكر وغير المعهود والمتعارف لدى العرف ، ومن هنا فلا مجال للاكتفاء به.


1) (*) بل لا يبعد أن يكون هو الأظهر.

[3839] مسألة 6 : إذا لحن في الصّيغة ، فإن كان مغيِّراً للمعنى لم يكف (1). وإن لم يكن مغيِّراً ، فلا بأس به إذا كان في المتعلّقات (2). وإن كان في نفس اللّفظين كأن يقول : (جوّزتك) بدل (زوّجتك) فالأحوط عدم الاكتفاء به (3). وكذا اللّحن في الإعراب.

[3840] مسألة 7 : يشترط قصد الإنشاء في إجراء الصيغة (4).


(1) لعدم صلاحيته لإبراز المعنى والاعتبار النفساني بحسب المتفاهم العرفي.

(2) لكونه مبرزاً للاعتبار لدى العرف.

(3) وإن كان الأقوى الاكتفاء به ، إذ العبرة إنما هي بكون اللّفظ مفهماً ومبرزاً للاعتبار بنظر العرف ، من دون أن يكون لموازين اللغة والإعراب دخل ، فإذا كان اللفظ كذلك صح إنشاء العقد به وإن كان غلطاً بحسب اللغة.

ومن هنا يظهر الفرق بين إنشاء العقود والقراءة في الصلاة. فإن المعتبر في الثاني هو اللفظ الخاص النازل من اللّه تبارك وتعالى ، فإذا وقع فيه تحريف لم يجز لعدم كونه النازل منه تعالى ، وهذا بخلاف العقود حيث لا يعتبر فيها لفظ خاص ، وإنما المعتبر فيها هو اللفظ المفهم للمعنى والمبرز للاعتبار بنظر العرف.

ومن هنا فالظاهر هو الاكتفاء بالملحون حتى ولو كان الغلط في نفس اللفظين فيما إذا كان اللحن نوعياً ، بحيث يكون مبرزاً للاعتبار بنظر العرف ، نعم ، إن الاحتياط في عدم الاكتفاء به.

ومما تقدّم يظهر الحال في اللحن في الإعراب ، فإن الحال فيه ما تقدّم.

(4) وذلك لأن اللافظ لصيغة العقد : إما أن لا يستعملها في معنى بحيث يكون قصده إيجاد اللفظ خاصة ، وإما أن يكون قصده في استعمالها الإخبار عمّا مضى أو عمّا يأتي ، وإما أن يكون قصده في استعمالها إنشاء الزوجية. ولا رابع لهذه الاحتمالات.

والأولان لا يتحقق بهما عنوان التزويج ، لخلو الأوّل من إرادة المعنى ، وقصد الإخبار في الثاني ، فينحصر أمر الإنشاء في الثالث لا محالة. ولا يختص هذا بباب

[3841] مسألة 8 : لا يشترط في المجري للصيغة أن يكون عارفاً بمعنى الصيغة تفصيلاً (1) بأن يكون مميِّزاً للفعل والفاعل والمفعول ، بل يكفي علمه إجمالاً بأن معنى هذه الصيغة إنشاء النكاح والتزويج. لكن الأحوط العلم التفصيلي.

[3842] مسألة 9 : يشترط الموالاة بين الإيجاب والقبول (2). وتكفي العرفية منها ، فلا يضرّ الفصل في الجملة ، بحيث يصدق معه أن هذا قبول لذلك الإيجاب. كما لا يضر الفصل بمتعلقات العقد ، من القيود والشروط وغيرها وإن كثرت.


النكاح ، بل يجري في إنشاء جميع العقود بلا اختلاف بينها.

(1) لأن المعاقدة إنما تتقوم بالاعتبار النفساني وإبرازه بمبرز في الخارج ، فإذا كان المجري للصيغة عالماً بأنها تبرز هذا الاعتبار النفساني ، كفى ذلك وإن لم يكن عالماً بخصوصياتها ، ولعل أكثر العرب فضلاً عن غيرهم لا يدركون ذلك ، بل غاية ما يدركونه إنما هو معنى الجملة من حيث المجموع ، دون كل جزء جزء هيئة ومادة.

(2) على ما ذكره غير واحد من الأصحاب ، وذكروا أن الأصل في ذلك إنما هو ارتباط المستثنى بالمستثنى منه ، حيث إنه إذا فصل بينهما لم يكن أحدهما مرتبطاً بالآخر ، ومن ثمّ فلا يعدان جملة واحدة.

فلو قال اللافظ (لا إله) ثمّ ذكر بعد فصل طويل (إلّا اللّه) لما اعتبر ذلك شهادة بوحدانية اللّه تبارك وتعالى ، بل يحكم بكفره لنفي الإله. وكذا الحال في الإقرار ، فلو أقرّ لشخص بمائة دينار مثلاً ، وبعد فصل طويل استثنى منه خمسين ، فإنه يؤخذ بإقراره الأوّل ويعتبر استثناء الخمسين من الإنكار فلا يلتفت إليه. ولا يختص هذا بباب الاستثناء ، بل يجري في كل أمرين مرتبطين كالقرينة وذيها.

والعقود حيث تتركب من الإيجاب والقبول ، فلا بدّ من عدم الفصل بينهما ، كي تتحقق المعاقدة والمعاهدة.

وما أفادوه بالنسبة إلى الاستثناء والقرينة وذيها واضح. فإن المتكلم إذا فرغ من كلامه ولم ينصب قرينة على مراده ، انعقد لكلامه ظهور لا محالة ، فيؤخذ بمقتضى ظهور كلامه. وعلى هذا الأساس كان ما ذكرناه في محله ، من أن القرينة المنفصلة

[3843] مسألة 10 : ذكر بعضهم أنه يشترط اتحاد مجلس الإيجاب والقبول. فلو كان القابل غائباً عن المجلس ، فقال الموجب : (زوّجت فلاناً فلانة) وبعد بلوغ الخبر إليه قال : (قبلت) لم يصح.

وفيه : أنه لا دليل على اعتباره (1) من حيث هو. وعدم الصحّة في الفرض المذكور ، إنما هو من جهة الفصل الطويل ، أو عدم صدق المعاقدة والمعاهدة ، لعدم التخاطب. وإلّا فلو فرض صدق المعاقدة وعدم الفصل مع تعدّد المجلس صحّ ، كما إذا خاطبه وهو في مكان آخر لكنّه يسمع صوته ويقول : (قبلت) بلا فصل مضر


لا توجب خللاً في ظهور الكلام ورفعه ، وإنما توجب رفع حجية الظهور خاصة.

إلّا أن هذا لا يجري في محل كلامنا ، فإن المعاقدة ليست هي بين اللفظين كي يقال إنها معنى واحد قائم بهما فلا بدّ من ارتباطهما ، وإنما هي قائمة بين الالتزامين والاعتبارين النفسيين ، وإطلاقها على اللفظين إنما هو باعتبار إبرازهما للاعتبارين.

ومن هنا فلا عبرة بالفصل بين اللفظين وعدمه ، وإنما العبرة بارتباط الالتزامين. فإذا كان الالتزام الأوّل باقياً على حاله من دون أن يعرض الملتزم عنه إلى حين تحقق الالتزام من الثاني ، بحيث تحقق الارتباط بين الالتزامين ، صحت المعاقدة حتى ولو كان الفصل بين اللفظين طويلاً.

نعم ، لو أعرض الطرف الأوّل عن التزامه قبل التزام الطرف الآخر ، لم يكن لالتزامه بعد ذلك أثر ، لعدم تحقق الارتباط بينهما. فإنه حين وجود الالتزام من الأوّل لم يكن الالتزام من الثاني متحققاً ، وحين تحقق الالتزام من الثاني لم يكن التزام الأوّل موجوداً.

وبعبارة اخرى : إن اعتبار التوالي من حيث الزمان لا دليل عليه ولا عبرة به ، وإنما العبرة بصدق المعاقدة. ولما كانت هي قائمة بين الالتزامين ، كفى تحقّق الثاني في حين بقاء الأوّل وقبل رفع اليد عنه ، حيث يتحقق الارتباط بينهما.

(1) كما يظهر ذلك جلياً مما تقدّم في المسألة السابقة.

فإنّه يصدق عليه المعاقدة (1).

[3844] مسألة 11 : ويشترط فيه التنجيز (2) كما في سائر العقود ، فلو علّقه على شرط أو مجي‌ء زمان بطل. نعم ، لو علّقه على أمر محقق معلوم كأن يقول : (إن كان هذا يوم الجمعة زوجتك فلانة) مع علمه بأنّه يوم الجمعة صحّ ، وأمّا مع عدم علمه فمشكل.


(1) بل قد عرفت أن صدق المعاقدة لا يتوقف على عدم الفصل بين الإيجاب والقبول ، وإنما يكفي تحقق الالتزام من الطرف الآخر في زمن وجود الالتزام من الأوّل.

(2) وتفصيل الكلام أن يقال : إن التعليق قد يكون على أمر يكون إنشاء ذلك العقد معلّقاً عليه قهراً ، سواء أذكره المنشئ أم لم يذكره ، كالزوجية في الطلاق والملكية في البيع. فهو لا يضر بالإنشاء جزماً ، فإن وجوده وعدمه سيان.

وقد يكون على أمر معلوم الحصول فعلاً ، أو معلوم الحصول في المستقبل ، لكن على نحو الواجب المشروط بالشرط المتأخر ، كما لو علّق الزوجية على حصول النهار غداً. وهو كالسابق لا يضرّ بصحّة العقد ووجوده كعدمه ، فإن اعتبار الزوجية حاصل من دون تعليق على شي‌ء ، باعتبار أن المعلّق عليه حاصل ومعلوم بالوجدان. ولا يحتمل تحقق الإجماع المدعى على البطلان فيه.

وقد يكون على أمر معلوم العدم ، أو مشكوك العدم ، مع كونه حين الإنشاء معدوماً واقعاً. وفيه لا ينبغي الشك في بطلانه ، سواء اعتبرنا التنجيز أم لم نعتبره ، لعدم تحقّق المعلّق عليه على الثاني.

وقد يكون على أمر متأخِّر معلوم الحصول في المستقبل ، على نحو الواجب المشروط بالشرط المقارن ، بحيث تكون الزوجية أو الملكية من حين حصول المعلق عليه. وهذا هو الذي قد ادعي في الكلمات التسالم على عدم صحته بعد استثناء الوصيّة والتدبير منه ، حيث لا تحصل الملكية فيهما إلّا متأخراً عن الإنشاء وبعد الموت.

.................................................................................................


هذا وقد يتوهّم أنّ الإجازة المتأخرة ، بأن يؤجر الإنسان فعلاً داره من بعد شهر مثلاً ، من هذا القبيل.

إلّا أنه واضح الفساد. فإن الإجازة بالنسبة إلى المنافع الآتية إنما هي أشبه شي‌ء بالواجب المعلق ، حيث إن التمليك فيها إنما يكون من الآن ، غاية الأمر أن متعلق الملكية والمملوك متأخر عن الإنشاء زماناً.

وقد يكون على أمر مشكوك الحصول ، سواء أكان أمراً فعلياً أم متأخراً. وقد حكم الأصحاب فيه بالبطلان أيضاً ، بلا فرق بين أن يكون التعليق من قبيل الشرط المتأخر أو الشرط المقارن.

هذا وقد ذكر في وجه البطلان في الأوّل : أن الوجود والإيجاد وإن كانا أمرين متغايرين بحسب الاعتبار ، لكنهما في الواقع أمر واحد وحقيقة واحدة ، وإن الاختلاف بينهما إنما ينشأ من حيث إضافة هذا الأمر الواحد ، فإنه إن أُضيف إلى الماهية عبّر عنه بالوجود ، وإن أُضيف إلى الفاعل عبّر عنه بالإيجاد ، فاختلافهما إنما هو بالاعتبار خاصة ، وإلّا فهما عنوانان لشي‌ء واحد ومتّحدان واقعاً.

ومن هنا فلا مجال للفصل بينهما ، بحيث يقال بتحقق الإيجاد دون تحقّق الوجود فإنه أمر ممتنع لاستلزامه الخلف.

وفيه : مضافاً إلى أنه لو تمّ فهو إنما يختص بالأُمور الحقيقية ولا يأتي في شي‌ء من الأُمور الاعتبارية التي منها المقام ، حيث إن الأمر فيها سهل المئونة فلا مانع من اعتبار الإيجاد بالفعل والوجود متأخراً عنه ، أنه مبني على كون الإنشاء إيجاداً للمعنى باللفظ. لكنك قد عرفت بطلانه مفصلاً في المباحث الأُصولية ، وأن الإنشاء إنما هو إبراز لما في النفس على حد الإخبار ، وإن اختلفا في قصد الحكاية وعدمه. وعليه فكما يصح تعلق الإخبار بأمر متأخر يصحّ إنشاء الأمر المتأخر أيضاً ، فيعتبر بالفعل الزوجية غداً وهو أمر معقول وممكن ، وأدلّ دليل على إمكانه هو وقوعه في الخارج كما هو الحال في الوصيّة والتدبير على ما عرفت.

هذا بالنسبة إلى البطلان في التعليق على أمر متأخر معلوم الحصول على نحو الشرط المقارن. وأما بالنسبة إلى البطلان في التعليق على أمر مشكوك الحصول ، فقد

.................................................................................................


قيل في وجهه بأن الإيجاد لما كان هو الوجود بعينه في الحقيقة ، فلا معنى للتعليق فيه فإنّ الشي‌ء إمّا هو موجود وإمّا هو معدوم ، ولا يمكن فرضه موجوداً على تقدير وغير موجود على تقدير.

وبعبارة اخرى : إنه لا وجه لإيجاد القيام مثلاً على تقدير دون تقدير ، وإنما هو إمّا متحقق على كل تقدير ، وإمّا غير متحقِّق كذلك.

إلّا أنّ جوابه قد ظهر مما تقدّم ، إذ لا إيجاد في المقام كي يرد ما قيل ، وإنما هو إبراز للاعتبار النفساني ، وهو كما يتعلق بأمر على كل تقدير يتعلق بأمر على تقدير دون تقدير ، فيكون المعتبر هو الحصة الخاصة ، وهو متحقق في الإخبار أيضاً ، فترى أنه يخبر عن طلوع الشمس فيما إذا كانت الساعة السادسة صباحاً مثلاً.

ومن هنا فما ذكر من الدليل لا يكفي في القول بعدم إمكان هذا النحو من التعليق واقتضائه للبطلان ، بل لا بدّ في إثباته من التماس دليل غيره.

هذا ويمكن أن يستدل على اعتبار هذا الشرط مضافاً إلى دعوى الإجماع على اعتباره ، وهو ليس ببعيد أن مقتضى أصالة الفساد وعدم نفوذ العقد بعد كون مثل هذا العقد المعلّق غير متعارف لدى عامة الناس بل كونه مستنكراً لديهم ، ودعوى انصراف أدلة العقود إلى المتعارف فلا تشمله ، هو اعتباره في الصحّة.

ولو أغمضنا النظر عن ذلك ، فيمكن الاستدلال عليه بجملة من النصوص الواردة في النكاح والبيع وغيرهما من العقود ، الظاهر في لابدّية ترتّب أثر العقد عليه بالفعل وبلا فصل ، إلّا ما خرج بالدليل كبيع الصرف ، حيث يتوقّف ترتّب الأثر عليه فيه على القبض.

وهذه النصوص كقوله (عليه السلام) في صحيحة أبان بن تغلب : «فإذا قالت : نعم ، فقد رضيت وهي امرأتك ، وأنت أولى الناس بها» (1). فإنها ظاهرة في أن الزوجية وترتب الأثر على عقد النكاح ، إنما يكون بمجرد قولها : «نعم» من دون أن ينتظر تحقق شي‌ء آخر.


1) الوسائل ، ج 21 كتاب النكاح ، أبواب المتعة ، ب 18 ح 1.

.................................................................................................


وما ورد في شراء الأمة ، من أن البائع إذا أخبر عن استبرائها أو كان البائع امرأة جاز وطؤها (1). فإنها ظاهرة في أن الحكم مترتب على مجرد شرائها وملكيته لبضعها من دون توقف على شي‌ء آخر.

ولا يبعد أن يدلّ عليه قوله (عليه السلام) في صحيحة الحلبي ، الواردة فيمن قال لامرأته إن تزوجت عليك أو بتّ عنك فأنت طالق : «أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) قال : من شرط شرطاً سوى كتاب اللّه عز وجل ، لم يجز ذلك عليه ولا له» (2). إذ من غير البعيد أن يكون المراد به هو الطلاق الشرطي بحيث تشترط المرأة الطلاق عند تحقق الشرط ، لا توكيلها في الطلاق بحيث يكون أمر الطلاق بيده ، غاية الأمر تكون المرأة وكيلة عنه في إجزائه.

والحاصل أن المستفاد من هذه النصوص ، كون ترتب الأثر على العقد فعلياً وبمجرّد تماميته من دون انتظار لشي‌ء آخر ، ومن هنا فيعتبر التنجيز في العقود مراعاة لظهور النصوص المتقدِّمة.

وكيف كان ، فاعتبار التنجيز متسالم بين الأصحاب ، لكن من غير الخفي أن اعتباره إنما يختص بالعقود المعاوضية وما يشبهها.

وأما العقود الإذنية كالوكالة وما شابهها ، فالظاهر أنه لا مانع من تعليقها على الأُمور الفعلية والآتية ، معلومة الحصول أو مشكوكته ، كاشتراط الزوجة الوكالة في الطّلاق عند تزوّج الرجل بغيرها ، أو التوكيل في بيع الدار إذا صادف له السفر ، أو غير ذلك من القيود. فإنه أمر متعارف بل واقع في الخارج كثيراً ولا يعتبر من المستنكرات لدى العرف ، فترى أن الصديق يقول لصديقه : أنا مسافر غداً مثلاً فإن لم أرجع إلى شهر فأنت وكيلي في بيع داري ، وما شاكل ذلك.

ولعلّ الوجه فيه أن الوكالة لا تحتاج إلّا إلى رضا المالك خاصة ، وهو متحقق مع التعليق على حد تحققه مع التنجيز.


1) الوسائل ، ج 18 كتاب التجارة ، أبواب بيع الحيوان ، ب 11.

2) الوسائل ، ج 22 كتاب الطلاق ، أبواب مقدماته وشروطه ، ب 18 ح 1.

[3845] مسألة 12 : إذ أوقعا العقد على وجه يخالف الاحتياط اللازم مراعاته ، فإن أراد البقاء فاللازم الإعادة على الوجه الصحيح (1) وإن أراد الفراق فالأحوط الطلاق (1)(2) وإن كان يمكن التمسك بأصالة عدم التأثير في الزوجية (3).


ولا نظنّ فضلاً عن القطع قيام الإجماع على بطلانه ، بل قد صرح المحقق القمي (قدس سره) في جامع الشتات بصحّة التوكيل المعلق في طلاق زوجته ، ونسب ذلك إلى السبزواري والملّا أحمد والظاهر أنه الأردبيلي (قدس سره) - (2).

(1) إذ ليس لهما ترتيب آثار الزوجية ما لم يحرزا الصحّة ، فراراً من الوقوع في المخالفة الاحتمالية من غير عذر.

(2) كي يحصل اليقين بانتفاء الزوجية بينهما.

(3) ما أفاده (قدس سره) ينافي كون الاحتياط لزومياً. فإن الاحتياط قد يكون حكماً ظاهرياً للمجتهد ، كما في موارد العلم الإجمالي ، أو موارد الشبهة قبل الفحص وفيهما لا يمكن الرجوع إلى أصالة العدم ، لاختصاصها بغيرهما ، فالرجوع إليها والتمسك بها يخرج المورد عن كونه من موارد الاحتياط اللزومي.

وقد لا يكون الاحتياط كذلك ، بأن يعلم المجتهد بالحكم إلّا أنه لا يريد إبداءه وإظهاره للناس لمانع خارجي ، كحفظ المصالح العامّة أو ما شابهه. وحينئذ فتكون وظيفة العامي هو الاحتياط لا محالة ، لتنجز الواقع في حقه ، باعتبار أنه يعلم بالتكاليف إجمالا أيضاً ، ولا طريق له إلى فتوى المجتهد كما هو المفروض. وليس له الرجوع إلى أصالة عدم تأثير العقد ، باعتبار أن إجراء الأُصول في الشبهات الحكمية إنما هو من وظيفة المجتهد خاصة.

ومن هنا فينحصر أمر الفراق بينهما بالطلاق لا غير ، لعدم انسجام التمسك بالأصل مع كونه من موارد الاحتياط اللزومي ، من دون أن يمكن الجمع بينهما.


1) (*) هذا الاحتياط لا يُترك.

2) جامع الشتات 2 : 453.

وإن كان على وجه يخالف الاحتياط الاستحبابي ، فمع إرادة البقاء الأحوط الاستحبابي إعادته على الوجه المعلوم صحته ، ومع إرادة الفراق فاللازم الطلاق.

[3846] مسألة 13 : يشترط في العاقد المجري للصيغة الكمال بالبلوغ والعقل ، سواء كان عاقداً لنفسه أو لغيره ، وكالة أو ولاية أو فضولاً.

فلا اعتبار بعقد الصبي (1)


(1) بلا خلاف ولا إشكال فيه إذا كان مستقلا في التصرف.

وتدلُّ عليه ، مضافاً إلى قوله تعالى ( وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ ) (1)حيث جعل اللّه سبحانه الغاية في دفع المال إلى الصبي بلوغه والرشد ، ومن الواضح أن مقتضاه عدم جواز دفع أمواله إليه قبل البلوغ حتى ولو كان رشيداً ، وعدم جواز تصرفاته فيها.

ما ورد في بعض النصوص من أن وضع القلم على الصبي إنما يكون بعد احتلامه وبلوغه ، حيث إن مقتضاه كون عمله قبل ذلك كلا عمل ، فلا يلزم بشي‌ء كما لا يؤاخذ على شي‌ء منها ، كموثقة عمار الساباطي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : سألته عن الغلام ، متى تجب عليه الصلاة؟ قال : «إذا أتى عليه ثلاث عشرة سنة ، فإن احتلم قبل ذلك فقد وجبت عليه الصّلاة ، وجرى عليه القلم ، والجارية مثل ذلك ...» (2).

ومعتبرة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : سأله أبي وانا حاضر عن اليتيم متى يجوز أمره؟ قال ( حَتّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ ) . قال : وما أشدّه؟ قال : «احتلامه» (3). وهذه الرواية رواها صاحب الوسائل (قدس سره) عن أبي الحسين الخادم بياع اللؤلؤ من دون ذكر ابن سنان ، غير أنه من سهو القلم أو السقط في الاستنساخ قطعاً ، والصحيح ما ذكرناه على ما هو المثبت في المصدر ، أعني كتاب


1) سورة النساء 4 : 6.

2) الوسائل ، ج 1 كتاب الطهارة ، أبواب مقدمة العبادات ، ب 4 ح 12.

3) الوسائل ، ج 18 كتاب الحجر ، ب 2 ح 5.

.................................................................................................


الخصال (1).

وكيف كان ، فالرواية معتبرة ، فإن أبا الحسين هذا هو آدم بن المتوكل الثقة. وهي دالّة على توقّف جواز أمر الغلام ومضيه على كون صدوره حال البلوغ ، فلو لم يكن كذلك فلا ينفذ ولا عبرة به.

ثمّ إن مقتضى إطلاقات هذه النصوص وأدلّة رفع القلم ، عدم الفرق في الحكم بين كون الفعل الصادر منه على نحو الاستقلال بإذن من الولي وعدمه ، فيحكم فيهما معاً بالبطلان ، ولعله متسالم عليه بينهم.

هذا كلّه في فرض استقلاله بالتصرف. وأما إذا كان الصبيّ مجرياً للصيغة خاصّة بأن كان العقد بين الولي والطرف الآخر الكامل ، فهل يحكم ببطلانه أم لا؟

قد يقال بالأوّل ، بدعوى أن المستفاد من النصوص أن الصبيّ مسلوب العبارة وأنها كاللّفظ الصادر من الحيوان.

إلّا أنّ الظاهر هو الثاني ، إذ ليس في المقام ما يدلّ على سلب عبارة الصبي ، فإنّ النصوص المستدلّ بها كلها واردة فيما هو أمر للصبي نفسه ، فلا تشمل ما إذا كان الأمر للوليّ والبالغ ، غاية الأمر كان الصبي مجرياً للصيغة خاصّة.

نعم ، ورد في بعض النصوص المعتبرة ، كصحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : «عمد الصبي وخطأه واحد» (2)فقد يقال بأنها تدل على كون الصبي مسلوب العبارة ، وإنه لا يترتب على فعله أي أثر.

وهذا المضمون وإن كان مذيلاً في بعض النصوص بقوله (عليه السلام) : «تحمله العاقلة» وهو ظاهر في اختصاصه بموارد الجنايات ولا تشمل المقام ، إلّا أن بعضها الآخر لما كان خالياً عن هذا الذيل ، كان مقتضى إطلاقه عموم الحكم لغير مورد الجناية من أفعال الصبي. ولا وجه للقول بتقييد الإطلاق بما تقدّم ، إذ لا منافاة بينهما.

لكنّه مدفوع بأنّ المذكور في هذه النصوص إنما هو : «عمد الصبي وخطأه واحد»


1) الخصال : 495.

2) الوسائل ، ج 29 كتاب الديات ، أبواب العاقلة ، ب 11 ح 2.

ولا المجنون ولو كان أدوارياً حال جنونه (1) وإن أجاز وليّه أو أجاز هو بعد بلوغه


لا أنّ (عمد الصبي لا عمد) وبينهما بون بعيد. إذ الثاني ظاهر في المدعى بخلاف الأوّل ، حيث إن ظاهره أن حكم عمل غير الصبي إذا كان ينقسم بلحاظ العمد والخطأ فهو متّحد بلحاظ الصبي دائماً ، وعليه فيختص النص بالجنايات لا محالة ، لكن لا من باب التقييد وإنما من جهة أن اختلاف حكم العمد والخطأ في غير الصبيان إنما يختص بالجنايات ، وأما غيرها فليس للخطائي منها أثر كي يقال إنهما واحد بالنسبة إلى الصبي.

على أنه لا مجال للمساعدة على هذا النص بإطلاقه ، فإنّ لازمه عدم قدح التكلم العمدي والأكل العمدي في صلاة الصبيّ وصيامه ، وهو مما لا يمكن الالتزام به.

إذن فهذه الروايات ناظرة إلى الجنايات خاصّة ، ولا تعمّ المقام.

ومن هنا فالصحيح هو الحكم بصحّة عقد الصبيّ ، فيما إذا كان دوره منحصراً في إجراء الصيغة خاصّة.

وممّا يؤيِّد ذلك رواية إبراهيم بن أبي يحيى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : «تزوّج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) أُم سلمة ، زوّجها إياه عمر بن أبي سلمة وهو صغير لم يبلغ الحلم» (1).

وهي وإن كانت دالّة على أن الصبي غير مسلوب العبارة ، إلّا أننا قد جعلناها مؤيدة لما تقدّم ، نظراً لضعف سندها ب- (سلمة بن الخطّاب) حيث لم يرد فيه توثيق.

(1) بلا خلاف فيه ، لعدم تحقق القصد منه أصلاً ، حيث لا يلتفت إلّا إلى اللّفظ وأما المعنى الإنشائي له فلا التفات له إليه ، فيكون حاله حال سائر الحيوانات حيث لم يصدر منه عقد. وعلى تقدير تحقق القصد منه ، فلا ينبغي الشك في انصراف أدلة نفوذ العقود عنه ، إذ العقلاء انما يتعاملون معه معاملة الحيوان نظير الصبي غير المميز ، فلا يترتّب على عقده أثر.


1) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب عقد النكاح وأولياء العقد ، ب 16 ح 1.

أو إفاقته ، على المشهور ، بل لا خلاف فيه. لكنه في الصبي الوكيل عن الغير محل تأمّل (1)(1) لعدم الدليل على سلب عبارته إذا كان عارفاً بالعربية ، وعلم قصده حقيقة ، وحديث رفع القلم منصرف عن مثل هذا. وكذا إذا كان لنفسه بإذن الولي ، أو إجازته ، أو أجاز هو بعد البلوغ (2).

وكذا لا اعتبار بعقد السّكران ، فلا يصح ولو مع الإجازة بعد الإفاقة (3). وأما


(1) بل منع ، إذ غاية ما يستفاد من النصوص المتقدِّمة أن عقد الصبي لا يكون نافذاً بالنسبة إلى نفسه. وأما بالنسبة إلى غيره فلا دليل على عدم نفوذه بعد فرض أنه ليس مسلوب العبارة ، فإنه حينئذ ليس من أمر الصبي الوكيل ، بل العقد مستند إلى الموكل حقيقة ، فيكون الأمر أمره. ومعه فمقتضى عمومات أدلة الوفاء بالعقد نفوذه.

وبعبارة اخرى نقول : إنه لا دليل على اعتبار البلوغ في الوكيل ، بل يجوز أن يكون صبيّاً إذا كان مميِّزاً عاقلاً ، والروايات الواردة في المقام غير شاملة للمورد ، إذ الصبي حينئذ غير مأخوذ بالعقد وإنما المأخوذ به هو الموكل خاصة ، فإن الأمر أمره والعقد عقده ، فتشمله عمومات الوفاء بالعقد.

(2) إذ البطلان في المقام ليس بمعنى إلغائه كلية ، وإنما هو بمعنى عدم التأثير ما دام متصفاً بكونه عقد الصبيّ ، فإذا ارتفع الوصف وانتفى المانع بالبلوغ والإجازة فلا مانع من الالتزام بصحّته ، كما هو الحال في عقد المكره.

وكذا الحال لو أجازه الوليّ ، لإضافة العقد حينئذ إليه ، فيكون كأنه هو العاقد ، نظير إجازة المولى لعقد عبده ، أو المالك لعقد الفضولي.

(3) ومحلّ الكلام هو الفاقد للشعور والعقل بحيث يكون مجنوناً مؤقتاً وبالعارض فإنّه حينئذ يحكم ببطلان عقده ، لعدم تحقّق قصد المعنى والاعتبار منه. وعلى تقدير تحقّقه ، فالعقلاء لا يعتبرون ذلك ولا يرتبون عليه أثراً ، لأنه هذيان نظير تكلّم النائم.


1) (*) بل منع.

عقد السّكرى إذا أجازت بعد الإفاقة ففيه قولان ، فالمشهور أنه كذلك. وذهب جماعة إلى الصحّة (1) مستندين إلى صحيحة ابن بزيع (2) ولا بأس بالعمل بها (3)


ومن هنا فلا تشمله أدلة نفوذ العقود ، لانصرافها عنه جزماً.

وعليه فحيث يعتبر هذا العقد كالعدم ، فلا تنفعه لحوق الإجازة بعد ذلك ، لأنها إنما تنفع فيما إذا لم يكن العقد قاصراً في نفسه ، بحيث يكون مستجمعاً لجميع شرائط الصحّة عدا صدوره ممن له الأمر.

وكيف كان ، فالحكم لا ينبغي الإشكال فيه ، وإن كان يظهر من المحقق وصاحب الجواهر (قدس سرهما) وجود الخلاف فيه بين الأصحاب (1).

(1) كالشيخ (2)وأتباعه (3)وصاحب الحدائق (4)وصاحب الوسائل (5).

(2) قال ، سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن امرأة ابتليت بشرب النبيذ فسكرت فزوجت نفسها رجلاً في سكرها ، ثمّ أفاقت فأنكرت ذلك ، ثمّ ظنت أنه يلزمها ففزعت منه فأقامت مع الرجل على ذلك التزويج ، إحلال هو لها أم التزويج فاسد لمكان السكر ولا سبيل للزوج عليها؟ فقال : «إذا أقامت معه بعد ما أفاقت فهو رضا منها». قلت : ويجوز ذلك التزويج عليها؟ قال : «نعم» (6).

(3) بل هو متعين ، وإن كان مضمونها مخالفاً للقاعدة. فإنها من حيث السند صحيحة ، ومن حيث الدلالة واضحة ، ولم يثبت إعراض الأصحاب عنها كي يقال بأنه موجب لطرحها ، فقد عمل بها جماعة كما عرفت.


1) شرائع الإسلام ، الجواهر 29 : 144.

2) النهاية : 468.

3) مختلف الشيعة 7 : 130 131.

4) الحدائق 23 : 175.

5) الوسائل 20 : 249.

6) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب عقد النكاح وأولياء العقد ، ب 14 ح 1.

وإن كان الأحوط خلافه ، لإمكان حملها (1)(1) على ما إذا لم يكن سكرها بحيث لا التفات بحيث لا التفات لها إلى ما تقول. مع أن المشهور لم يعملوا بها ، وحملوها على محامل ، فلا يترك الاحتياط.

[3847] مسألة 14 : لا بأس بعقد السفيه إذا كان وكيلاً عن الغير في إجراء الصيغة (2) أو أصيلاً مع إجازة الولي (3). وكذا لا بأس بعقد المكره على إجراء الصيغة للغير (4) أو لنفسه إذا أجاز بعد ذلك (5).


(1) ما ذكر من المحامل خلاف الفهم العرفي ، فلا يصار إليها إلّا بالدليل وهو مفقود.

(2) فإن الحجر عليه إنما يختص بتصرفاته في أمواله على نحو الاستقلال ، وليس بمسلوب العبارة قطعاً.

(3) لما عرفت من اختصاص الحجر عليه بصورة الاستقلال.

(4) كما لو طلب العاقد أجراً على العقد ، فأكرهه الزوجان أو أحدهما على إجرائه مجاناً.

والوجه فيه إطلاقات نفوذ العقد بعد عدم شمول حديث نفي الإكراه له ، باعتبار أن العقد لا أثر له بالنسبة إلى المكره نفسه بالمرة ، إذ المعاقدة إنما هي بين شخصين غيره فيحكم بتأثير العقد وصحّة الالتزام من الطرفين وإن كان المجري للصيغة مكرهاً.

(5) على ما هو المعروف والمشهور بينهم.

وقد ناقش فيه بعضهم ، بأن العقد لما كان حين وقوعه محكوماً بالفساد ، فصحته بعد ذلك تحتاج إلى الدليل وهو مفقود.

ولا يقاس ذلك بالبيع والنكاح الفضوليين ، فإن العقد حين وقوعه فيهما لا يكون مستنداً إلى من له الأمر والولاية ، وإنما رضاه بهما وإجازته لهما بعد ذلك ، يوجب استناد ذلك العقد الواقع سابقاً إليه وانتسابه له من حين الرضا والإجازة ، فيحكم


1) (*) هو بعيد جدّاً ، والعمدة دعوى إعراض المشهور ، وهي غير ثابتة لعمل جماعة من المتقدِّمين بها ، على أنّ كبرى هذه الدعوى غير ثابتة.

.................................................................................................


بصحته. وهذا بخلاف المكره ، حيث يستند العقد إليه من حين وقوعه ، فيقال : باع فلان داره مكرهاً ، أو اشترى كذلك.

ومن هنا فإذا كان العقد المنتسب إليه حين وقوعه محكوماً بالفساد ، فصحته بعد ذلك تحتاج إلى الدليل ، وحيث لا دليل عليها في المقام يحكم بفساده لا محالة.

وفيه : أن دليل الفساد في المقام لا يدلّ عليه بنحو الإطلاق ، وإنما هو يقتضيه ما دام الموضوع أعني كون العاقد مكرهاً موجوداً ، فإذا ارتفع هذا العنوان وانتفى هذا الموضوع حكم بصحّة العقد لا محالة ، إذ العقد ليس هو الإيجاب والقبول كي يقال إنه أمر حادث وقد انعدم فلا مجال للحكم بصحته ، وإنما هو الالتزام بالاعتبار عن الرضا والاختيار. فإذا لم يكن ذلك مشمولاً لعموم أدلة نفوذ العقد ابتداءً ، لكونه مشمولاً لأدلّة فساد عقد المكره ، لم يمنع ذلك من الحكم بصحته استمراراً ، بعد ارتفاع العنوان الموجب لانتفاء شمول دليل الفساد له ، فتشمله أدلّة النفوذ لا محالة.

توضيح ذلك : أن دليل الفساد في عقد المكره قاصر عن إثبات الفساد حتى في فرض الرضا بالعقد بعد ذلك ، فإنّ حديث الرفع وارد مورد الامتنان ، فلا يقتضي إلّا الحكم بفساده ما دام الإكراه باقياً ، فإذا ارتفع ذلك حكم بصحته ، لارتفاع المقتضي وكون بقاء الحكم بالبطلان منافياً للامتنان.

ولأجل هذا ذكرنا في محله أن هذا الحكم لا يجري في مورد الاضطرار ، فيحكم بصحّة عقد المضطر وترتب جميع الأحكام الوضعية عليه ، نظراً إلى أن الحكم بالبطلان لحديث الرفع موجب لوقوع المكلف في المشقة الشديدة ، وهو منافٍ للامتنان.

لا يقال : إنّ هذا الكلام وإن تمّ في الزواج ونحوه ، حيث كان الدليل على فساده في صورة الإكراه هو حديث نفي الإكراه ، إلّا أنه لا يتمّ في مثل البيع ونحوه ، مما يكون الدليل على فساده قصور دليل الصحّة من الأوّل لكونه مقيداً بالتراضي ، على ما دلّت عليه الآية المباركة (1)بناءً على كون الاستثناء فيها متصلاً ، فإنّ مقتضاه هو الحكم


1) سورة النساء 4 : 29.

.................................................................................................


ببطلان كل عقد إلّا الذي كان عن تراضٍ. وحيث إن العقد في المقام لم يكن عن تراضٍ حين صدوره ، يحكم بفساده حتى وإن رضي به بعد ذلك.

فإنه يقال : إن المراد بالتجارة ليس هو اللفظ الإيجاب والقبول وإنما المراد بها الالتزام بالمبادلة نفساً ، وهو وإن لم يكن عن الرضا حدوثاً ، إلّا أنه بقاءً لما كان يصدق عليه التجارة عن تراضٍ حكم بصحته.

ويؤكد ذلك : أن المستثنى منه أكل المال بالباطل بجميع أقسامه باطل ، والحال أن هذا الفرد ليس بباطل عند العقلاء جزماً. نظير ما لو غصب متاعاً ثمّ رضي مالكه ، فإنه ينقلب الغصب إلى الأمانة ونحوها.

إذن فالصحيح في المقام أن الحكم بالصحّة لا يختص بالزواج ونحوه ، بل هو عام لمثل البيع أيضاً ، باعتبار أن قصور العقد إنما هو من جهة الرضا خاصة ، فإذا تحقق بعد ذلك حكم بصحته. نظير التزوج ببنت أُخت الزوجة أو بنت أخيها من دون إذنها فإنها لو أذنت حكم بصحّة العقد كما تقدّم ، لانتفاء المانع.

وبعبارة اخرى : إن الأمر في المقام دائر بين رفع اليد عن عموم أدلّة صحّة العقد ونفوذه ، والالتزام ببطلان عقد المكره مطلقاً ، فيكون ذلك تخصيصاً لها. وبين رفع اليد عن إطلاقات تلك الأدلّة المقتضية لثبوت الحكم من الأوّل مستمراً ، والالتزام بالبطلان ما دام الإكراه متحققاً. فيتقدم الثاني لكونه الموافق للامتنان دون الأوّل.

ثمّ إن هذا كله مبني على الالتزام بالنقل في الرضا المتأخر ، وإن الحكم بالصحّة إنما يكون من حين الرضا ، كما ذهب إليه الشيخ (قدس سره). وأما بناءً على ما اخترناه من الكشف ، فحديث الرفع غير شامل لمثل هذا العقد المتعقب للإجازة من الأوّل لكونه منافياً للامتنان.

وعليه فلا موجب للحكم بالبطلان ، بل ينبغي الحكم بصحّة العقد من حين وقوعه ، غاية الأمر أن الرضا يكون شرطاً متأخِّراً فيه.

ومن هنا فلا يكون في المقام تخصيص ولا تقييد ، حيث لا حكم بالفساد عند لحوق الرضا واقعاً ، وإن حكمنا به قبل لحوق الرضا ظاهراً.

[3848] مسألة 15 : لا يشترط الذكورة في العاقد ، فيجوز للمرأة الوكالة عن الغير في إجراء الصيغة (1) كما يجوز إجراؤها لنفسها (2).

[3849] مسألة 16 : يشترط بقاء المتعاقدين على الأهلية إلى تمام العقد (3). فلو أوجب ، ثمّ جنّ أو أُغمي عليه قبل مجي‌ء القبول ، لم يصحّ. وكذا لو أوجب ثمّ نام ، بل أو غفل عن العقد بالمرّة. وكذا الحال في سائر العقود. والوجه عدم صدق المعاقدة والمعاهدة ، مضافاً إلى دعوى الإجماع وانصراف الأدلّة.


(1) لإطلاقات أدلّة التوكيل ، حيث لا دليل على اعتبار الرجولية في الوكيل.

(2) ويدلّ عليه مضافاً إلى عمومات وإطلاقات أدلّة النكاح قوله (عليه السلام) في صحيحة أبان بن تغلب : «فإذا قالت : نعم ، فقد رضيت وهي امرأتك ، وأنت أولى الناس بها» (1).

(3) الكلام في هذه المسألة يقع في جهات :

الجهة الأُولى : فيما ذكره شيخنا الأنصاري (قدس سره) من اعتبار أهلية القابل للقبول حين الإيجاب (2).

الجهة الثانية : في اعتبار اتصاف الموجب بالأهلية حين صدور القبول من القابل.

الجهة الثالثة : في اعتبار استمرار أهلية الموجب من حين الإيجاب إلى حين صدور القبول ، بحيث لا تتوسط بينهما حالة عدم الأهلية له.

أمّا الجهة الأُولى : فما أفاده (قدس سره) مما لا دليل عليه ، لأن عنواني المعاهدة والمعاقدة المعتبرين في العقود إنما يتوقفان على أهلية القابل للقبول حين القبول خاصة ، ولا يتوقفان على أهليته له حين الإيجاب ، فإنه إذا كان القابل حينه أهلاً له صدقت المعاهدة والمعاقدة وإن لم يكن كذلك حال الإيجاب ، لأنهما ليسا إلّا ضمّ عهد إلى عهد آخر وعقد التزام إلى نظيره كعقدة أحد الحبلين إلى آخر وهما صادقان


1) الوسائل ، ج 21 كتاب النكاح ، أبواب المتعة ، ب 18 ح 1.

2) كتاب النكاح للشيخ الأنصاري 20 : 90 طبع المؤتمر العالمي.

.................................................................................................


مع أهلية القابل له حين القبول خاصة أيضاً ، فيقال إنهما تعاقدا وتعاهدا ما لم يرجع الأوّل عن التزامه.

ودعوى اعتبار ما أفاده (قدس سره) لا من جهة دخله في عنوان المعاهدة والمعاقدة ، بل من جهة الإجماع أو التعبد.

مدفوعة بأنه لا دليل عليها ، وعهدتها على مدعيها.

ومن هنا يظهر أنه لا وجه لدعوى انصراف الأدلة عن مثل هذا العقد ، فإنه كيف يمكن قبول هذه الدعوى بعد صدق المعاهدة والمعاقدة عليه ، كما عرفت! بل الحكم كذلك حتى ولو كان القابل غير أهل للتخاطب حال الإيجاب ، كما لو كان مجنوناً أو نائماً ، لصدق المعاقدة والمعاهدة عليه عند ضمّه لالتزامه في حال أهليته إلى التزام الطرف الأوّل ، وبذلك تشمله عمومات وإطلاقات أدلّة الصحّة والنفوذ ، بعد أن لم يثبت إجماع على الخلاف أو انصراف.

والحاصل أنه تكفي أهلية القابل عند القبول خاصة وإن لم يكن كذلك عند الإيجاب ، لصدق المعاهدة والمعاقدة ، وعدم الدليل على اعتبارها حال الإيجاب.

وأمّا الجهة الثانية : فالظاهر أنه لا ينبغي الإشكال في اعتبار بقاء الموجب على أهليته حين صدور القبول من الطرف الآخر ، باعتبار أن ارتفاع أهليته يستلزم سقوط التزامه وزواله. وبه لا يتحقق عنوان المعاهدة والمعاقدة ، فإنّ تحققه كما عرفت يتوقّف على انضمام أحد الالتزامين بالآخر ، فإذا فرض ارتفاع التزام الطرف الأوّل نتيجة عدم أهليته له حين صدور الالتزام من الآخر ، لم يكن لالتزام الآخر أثر بالمرة. ومن هنا فإذا مات الموجب قبل صدور القبول ممن له القبول ، لم تصدق المعاقدة ولم يكن لقبوله بعد ذلك أثر.

بل الحال كذلك لو نام الموجب ، أو غفل عن التزامه بالكلية ، أو حكم عليه بالحجر ، لعدم تحقّق المعاهدة ، نظراً لعدم انضمام أحد الالتزامين إلى الآخر.

وأمّا الجهة الثالثة : فالظاهر أنه كالأوّل في عدم الدليل على اعتباره ، فإنّ توسط حالة عدم الأهلية بين حالتي الأهلية في حين الإيجاب والقبول ، لا يضرّ بصدق

[3850] مسألة 17 : يشترط تعيين الزّوج والزّوجة (1) على وجه يمتاز كل


المعاقدة والمعاهدة ، إذ العبرة في صدقهما إنما هي بانضمام أحد الالتزامين إلى الآخر ، كما عرفت. وحيث إن هذا متحقق في المقام ، نظراً لبقاء التزام الموجب بعد حالة عدم الأهليّة وحين القبول ، فلا وجه للقول بعدم صدق المعاقدة مع وجود الحالة المتخللة.

هذا ومما يعضد ما ذكرناه السيرة العقلائية خارجاً ، حيث نرى أنهم يلتزمون بصحّة البيع أو الهبة أو ما شاكلهما من العقود ، حتى مع تخلل حالة عدم الأهلية للموجب بين حالتي أهليته حين الإيجاب وأهليته حين القبول ، كما لو كان البائع في بلد والمشتري في آخر فكتب إليه بالبيع أو ما شاكله ، فإنه يلتزم بالصحّة فيه فيما إذا تعقب القبول ممن له ذلك ، والحال إنه لا تخلو هذه الحالات من عروض عدم الأهلية للموجب ولا أقلّ من النوم.

نعم ، في مثل الجنون لا يبعد القول بأنه مزيل للالتزام ، فلا يؤثر القبول في الصحّة بعد ذلك ، وذلك لأنّ المجنون لا التزام له ، وعلى فرض وجوده فهو في حكم العدم بلا خلاف ، فلا ينفع فيه القبول المتأخر.

ثمّ إن الظاهر أن الإغماء ملحق بالنوم دون الجنون ، فإنه نوم حقيقة ، غاية الأمر أنه مرتبة قوية منه. وعليه فيحكم بصحّة العقد عند القبول بعد ذلك ، لبقاء الالتزام الأوّل.

والحاصل أن طرو ما يزيل الأهلية عن الموجب قبل تحقق القبول ، لا يؤثر شيئاً في صحّة العقد عند تحقق القبول ، فيما إذا فرض بقاء الالتزام الأوّل وعدم زواله بعد زوال الأمر الطارئ.

نعم ، لو فرض ارتفاع الالتزام الأوّل نتيجة طرو ما يزيل الأهلية ، لم يكن للقبول المتأخر أثر في صحّة العقد.

(1) بلا خلاف فيه.

والوجه فيه أن الزوجية إنما تقوم بالأفراد الخارجية من الرجال والنساء ، كما يظهر ذلك من جملة من الآيات الكريمة ، كقوله تعالى : ( وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ وَالصّالِحِينَ

منهما عن غيره بالاسم ، أو الوصف الموجب له ، أو الإشارة.

فلو قال : (زوجتك إحدى بناتي) بطل (1). وكذا لو قال : (زوجت بنتي أحد ابنيك) أو : (أحد هذين). وكذا لو عيّن كل منهما غير ما عيّنه الآخر (2).

بل وكذا لو عيّنا معيّناً من غير معاهدة بينهما ، بل من باب الاتفاق صار ما قصده أحدهما عين ما قصده الآخر (3). وأما لو كان ذلك مع المعاهدة ، لكن لم يكن هناك دالّ على ذلك من لفظ أو قرينة خارجية مفهمة ، فلا يبعد الصحّة (4) وإن كان الأحوط خلافه.


مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ ) (1)وقوله ( فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ ) (2)وغيرها. فإنّ مقتضى انحلال العموم فيها ، جواز النكاح لكل فرد فرد من الإماء والنساء. وكذلك النصوص والسيرة العقلائية.

(1) لعدم وجود تعيين حتى في الواقع وعلم اللّه. والجامع بينهما وإن كان موجوداً إلّا أنه لا يصلح لترتب آثار الزوجية عليه ، كوجوب المجامعة في كل أربعة أشهر أو الإنفاق ، وما شاكلهما.

(2) لعدم تحقق المعاهدة ، إذ لم ينضم التزام الموجب إلى التزام القابل ، لعدم التطابق بينهما ، نظراً لتعلّق كل منهما بغير ما تعلّق به الآخر.

(3) والوجه فيه يظهر مما تقدّم ، إذ لم ينضمّ الالتزام من أحدهما إلى الالتزام من الآخر ، لعدم التطابق بينهما ، نظراً لاعتقادهما خلاف ذلك. ومن هنا فلا تتحقق المعاهدة بالنسبة إلى الشخص المعيّن ، ومجرد الانطباق الخارجي لا يكفي في تحقق المعاهدة وصدقها ، بعد عدم الانطباق بين الاعتقادين والالتزامين.

(4) بل لم يظهر وجه للبطلان في المقام ، فإن العبرة في صحّة العقد كما عرفت غير مرّة إنما هي بانضمام أحد الالتزامين بالآخر ووقوعهما لشخص واحد ، مع إبراز ذلك بمبرز من دون اعتبار لاتحاد المبرزين. وهذا المعنى لما كان متحققاً في المقام ، حيث إن


1) سورة النور 24 : 32.

2) سورة النساء 4 : 3.

ولا يلزم تمييز ذلك المعيّن عندهما حال العقد (1) بل يكفي التميز الواقعي مع إمكان العلم به بعد ذلك ، كما إذا قال : (زوّجتك بنتي الكبرى) ولم يكن حال العقد عالماً بتاريخ تولّد البنتين ، لكن بالرجوع إلى الدفتر يحصل له العلم.

نعم ، إذا كان مميزاً واقعاً ، ولكن لم يمكن العلم به ظاهراً كما إذا نسي تاريخ ولادتهما ولم يمكنه العلم به فالأقوى البطلان (1)، لانصراف الأدلّة عن مثله (2). فالقول بالصحّة والتشخيص بالقرعة ، ضعيف.

[3851] مسألة 18 : لو اختلف الاسم والوصف أو أحدهما مع الإشارة أخذ بما هو المقصود (3) والغي ما وقع غلطاً.


كلّاً من الالتزامين مرتبط ومنضمّ إلى الآخر وهما معاً لشخص واحد ، غاية الأمر أن المبرز لكل من الالتزامين يختلف عن المبرز للآخر ، حكم بصحته ، فإن ذلك غير ضائر حتى مع عدم القرينة بعد علمهما بالاتحاد فلا وجه لتوهم البطلان فيه بالمرة.

(1) لإطلاق الأدلّة ، على ما سيأتي توضيحه في التعليقة الآتية.

(2) لم يظهر لنا وجه ذلك. فإن المرأة معينة واقعاً والعقد واجد لجميع شروط الصحّة المعتبرة فيه ، ولا دليل على اعتبار التمييز في مقام الإثبات ، فإنه لا قائل ببطلان العقد فيما إذا حصل الاشتباه في الزوجة أو الزوج فور تمامية العقد بعد ما كان معيناً بالذات ، كما لو دخلت المرأة بعد العقد إلى مكان فيه أقرانها ثمّ ادعت كل واحدة منهن أنها هي المعقود عليها ، بل لا يعرف لذلك موجب بعد أن كان مقتضى إطلاقات الأدلّة هو الصحّة ، إذ لم يرد على شي‌ء منها تقييد بالمعلومية في مقام الإثبات.

نعم ، لا بدّ من رفع الاشتباه وتعيين المعقود عليها ، لترتب آثار الزوجية عليه ، إذ الجامع لا يصلح لذلك. وحيث إن الترجيح بلا مرجح لا مجال للقول به ، يتعيّن المصير إلى القرعة ، لأنها لكل أمر مشكل ، وما نحن فيه منه.

(3) لأنه الملاك في تطابق الالتزامين وعدمه ، فإذا اتحد صح العقد ، لتحقّق المعاهدة


1) (*) في القوّة إشكال ، بل الصحّة غير بعيدة.

مثلاً لو قال : (زوجتك الكبرى من بناتي فاطمة) وتبين أن اسمها خديجة ، صحّ العقد على خديجة التي هي الكبرى.

ولو قال : (زوّجتك فاطمة وهي الكبرى) فتبيّن أنها صغرى ، صحّ على فاطمة ، لأنها المقصود ، ووصفها بأنها كبرى وقع غلطاً فيلغى.

وكذا لو قال : (زوّجتك هذه وهي فاطمة) أو (وهي الكبرى) فتبين أن اسمها خديجة أو أنها صغرى ، فإن المقصود تزويج المشار إليها ، وتسميتها بفاطمة أو وصفها بأنها الكبرى وقع غلطاً فيلغى.

[3852] مسألة 19 : إذا تنازع الزوج والزوجة في التعيين وعدمه ، حتى يكون العقد صحيحاً أو باطلاً ، فالقول قول مدعي الصحّة (1)(1) كما في سائر الشروط إذا اختلفا فيها ، وكما في سائر العقود.


من دون أن يؤثر الاشتباه في الاسم أو الوصف أو الإشارة في الصحّة.

(1) والدليل عليها هو أصالة الصحّة في العبادات والمعاملات غير أنه قد تقدّم الكلام في هذا الأصل في المباحث الأُصولية وبعض المباحث الفقهية المتقدِّمة مفصّلاً وقد عرفت بما لا مزيد عليه أن هذا الأصل لم يدل عليه دليل لفظي من الكتاب أو السنّة ، وإنما الدليل عليه منحصر بسيرة المتشرعة المتصلة بعهد المعصومين (عليهم السلام).

ومن هنا فمع الشك في ضيق هذه القاعدة وسعتها بحسب الموارد ، لا بدّ من الاقتصار على القدر المتيقن فيها ، وهو ما إذا كان الشك في الصحّة والبطلان من جهة عدم إحراز بعض الشروط ، أو الشك في اقترانه بمانع من الموانع الشرعية ، بعد إحراز أركان العقد وما يعتبر في أصل تحققه.

وأمّا مع الشك في تحقق الأركان نفسها ، فلا مجال للحكم بالصحّة تمسكاً بأصالة الصحّة ، لعدم ثبوت السيرة والبناء على الصحّة في مثل المقام ، كما لو شككنا في كون


1) (*) إذا كان النزاع في وقوع العقد على المعين وعدمه كما هو ظاهر العبارة لم يكن مجال للتمسّك بأصالة الصحّة.

وإن اتّفقا الزّوج ووليّ الزّوجة على أنهما عيّنا معيناً ، وتنازعا فيه أنها فاطمة أو خديجة ، فمع عدم البيِّنة المرجع التحالف (1)(1) كما في سائر العقود.


المبيع خلّاً أو خمراً ، فإنه لا تنفع أصالة الصحّة في إثبات كونه خلّاً ومن ثمّ إلزام البائع بدفع الخل.

وعلى هذا ففي المقام حيث إن الشك في ركن من أركان العقد أعني التعيين ، فلا مجال لتقديم قول الزوج وإثبات كون المرأة المعينة هي الزوجة تمسّكاً بأصالة الصحّة بل لا بدّ على مدعي الزوجية والتعيين من البيّنة والإثبات على وفق الموازين المبيّنة في مباحث القضاء.

ومن هنا يظهر الحال في سائر العقود غير النكاح ، فإنّ الحال فيها هو الحال فيه.

(1) فإنّ كلّاً منهما يدّعي شيئاً وينكر ما يدعيه الآخر ، فالزوج مثلاً يدّعي زوجية فاطمة وينكر زوجية خديجة التي يدعيها وليّها ، والوليّ يدعي زوجية خديجة وينكر زوجية فاطمة التي يدعيها الزوج ، فيكون المقام من التداعي. ومقتضى القاعدة فيه أنه إن كانت لأحدهما بيّنة أُخذ ببيّنته وقُدِّم قوله ، وإن لم يكن لهما بيّنة وصلت النوبة إلى التحالف ، فإن حلف أحدهما خاصّة ثبت مدعاه ، وإن حلفا معاً أو نكلا معاً سقطت الدعويان لعدم المرجح.

وهذا كله مما لا إشكال فيه. إنما الإشكال فيما أفاده صاحب الجواهر (قدس سره) وادعى عليه الإجماع ، من انفساخ الزوجية في فرض حلفهما معاً أو نكولهما كذلك وكأنه لم يكن عقد في البين (2). فإنّ إثبات ذلك مشكل جدّاً ، فإنه وإن لم يكن لأحدهما إلزام الآخر بلوازم الزوجية ظاهراً ، فليس للزوج إلزام المرأة التي يدعي زوجيتها بالتمكين ، كما أنه ليس للمرأة الأُخرى إلزام الزوج بالنفقة وما شاكلها من لوازم الزوجية ، إلّا أن ذلك كله لا يعني انفساخ الزوجية واقعاً على ما هو ظاهر


1) (*) ويترتّب عليه سقوط الدعوى فقط ، فليس لكل من طرفي الدعوى إلزام الآخر بما يدّعيه وأمّا كون التحالف موجباً لانفساخ العقد كما في الجواهر فمحل منر. بل اللّازم على كل منهما أن يعمل بما هو وظيفته في الواقع.

2) الجواهر 29 : 153 156.

نعم ، هنا صورة واحدة اختلفوا فيها ، وهي ما إذا كان لرجل عدة بنات فزوّج واحدة ، ولم يسمِّها عند العقد ، ولا عيّنها بغير الاسم ، لكنه قصدها معينة ، واختلفا فيها. فالمشهور على الرجوع إلى التحالف (1) الذي هو مقتضى قاعدة الدعاوي.


كلماتهم ، فإنه لا دليل عليه بالمرّة.

ومن هنا فلا بدّ لكل منهما من ترتيب آثار الزوجية على نفسه في فرض العلم بصدق مدعاه واقعاً. فلو كان الزوج عالماً بصدق مدعاه من زوجية المرأة المعينة له واقعاً ، فلا بدّ من معاملتها معاملة الزوجة فليس له أن يتزوج بأُمها أو أُختها أو الخامسة ، وإن لم يمكنه إثبات مدعاه ظاهراً. وهكذا بالنسبة إلى المرأة التي تدعى زوجيتها للرجل.

وهذا الحكم لا يختص بباب النكاح ، بل يجري في جميع أبواب العقود.

نعم ، في خصوص البيع قد يستدلّ على الانفساخ الواقعي بالنبوي : «إذا اختلف المتبايعان ترادا» (1). إلّا أنها نبوية لم تثبت من طرقنا الخاصة ، فلا تصلح للاستدلال. على أنها غير مختصّة بالاختلاف من هذه الجهة ، بل هي مطلقة ، وهذا مما لا يمكن الالتزام به.

(1) الظاهر أن الأمر قد اشتبه على الماتن (قدس سره) ، فإن في المقام مسألتين تُشبه إحداهما الأُخرى لكنهما تختلفان في الحكم.

أُولاهما : ما إذا وقع الخلاف بين الزوج والأب في المعيّنة ، بعد اتفاقهما على وقوع العقد على واحدة معينة بالاسم أو الوصف أو الإشارة ، فادعى الزوج أنّ المعيّنة كانت هي الصغيرة ، وادعى الأب أنها هي الكبيرة.

وفيها لا خلاف ولا إشكال بينهم في الرجوع إلى التحالف ، كما لو كان الخلاف مع غير الأب من الأولياء ، حيث إن المقام من باب التداعي كما هو واضح ، ولم يذكر في المقام قول بالتفصيل بين رؤيته لهنّ وعدمها فيما نعلم ، بل ولم ينسب الخلاف في ذلك إلى أحد.


1) سنن ابن ماجة 2 : 737 ح 2186.

.................................................................................................


ثانيتهما : أن لا تكون المعقودة عليها معيّنة بحسب الخارج بالاسم أو الوصف أو الإشارة بالنسبة إلى الزوج والشهود ، وإنما تكون هي متعيّنة لدى الأب خاصّة حيث قصد هو واحدة بعينها فأجرى العقد عليها وقَبِل الزوج ذلك ، ثمّ وقع الخلاف بينهما ، فقال الأب : إنما زوجتك ابنتي الكبرى ، وقال الزوج : إنما قبلت زوجية بنتك الصغرى ، ومن ثمّ لم يحصل التطابق بين الإيجاب والقبول.

وفيها فالأصحاب على قولين :

التفصيل بين رؤية الزوج لهن أجمع ، فيكون القول قول الأب. وعدمها ، فيحكم ببطلان النكاح ، لصحيحة أبي عبيدة الحذاء.

والبطلان تمسكاً بالقاعدة ، حيث عرفت أن أصالة الصحّة لا أثر لها في مثل المقام بعد اطراح صحيحة أبي عبيدة بدعوى إعراض الأصحاب عنها ، أو لكونها من أخبار الآحاد كما عن ابن إدريس.

وليس فيها قول بالتحالف لأحد على الإطلاق ، بل لا موضوع له في المقام ، فإنه إنما يكون في فرض وجود مدعيين ومنكرين وليس المقام منه ، فإنّ كلّاً منهما إنما يخبر عمّا في نفسه وما نواه في إيجابه أو قبوله ، من دون أن يكون هناك إنكار لدعوى الآخر.

فما أفاده (قدس سره) من ذهاب المشهور في المسألة إلى التحالف من خلط هذه المسألة بالمسألة السابقة.

وكيف كان ، فالصحيح في هذه المسألة هو القول الأوّل ، أعني التفصيل بين رؤيته لهنّ وعدمها. فإنّ رواية الحذاء صحيحة سنداً وواضحة دلالة ، وقد عمل بها جملة من الأصحاب ، كالشيخ (1)وأتباعه (2)والعلّامة (3)والمحقِّق (4)بل نسب في الرياض العمل بها إلى الأكثر (5). وحملها على بعض المحامل تعسف محض.


1) النهاية : 468.

2) انظر السرائر 2 : 573.

3) قواعد الاحكام 2 : 4.

4) شرائع الإسلام 2 : 323.

5) رياض المسائل 2 : 70.

وذهب جماعة إلى التفصيل بين ما لو كان الزوج رآهن جميعاً فالقول قول الأب وما لم يرهن فالنكاح باطل. ومستندهم صحيحة أبي عبيدة الحذاء (1) وهي وإن كانت صحيحة إلّا أن إعراض المشهور عنها ، مضافاً إلى مخالفتها للقواعد ، مع إمكان حملها على بعض المحامل ، يمنع عن العمل بها. فقول المشهور لا يخلو عن قوّة (1)(2) ،


فالمتعيّن هو الحكم بالتفصيل تعبداً ، ورفع اليد عن القاعدة للنص.

(1) قال : سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل كنّ له ثلاث بنات أبكار فزوّج إحداهن رجلاً ولم يسمِّ التي زوّج للزوج ولا للشهود ، وقد كان الزوج فرض لها صداقها ، فلما بلغ إدخالها على الزوج بلغ الزوج أنها الكبرى من الثلاثة ، فقال الزوج لأبيها : إنما تزوّجت منك الصغيرة من بناتك ، قال : فقال أبو جعفر (عليه السلام) : «إن كان الزوج رآهن كلهن ، ولم يسمِّ له واحدة منهن ، فالقول في ذلك قول الأب ، وعلى الأب فيما بينه وبين اللّه أن يدفع إلى الزوج الجارية التي كان نوى أن يزوجها إياه عند عقدة النكاح. وإن كان الزوج لم يرهن كلّهنّ ، ولم يسمَّ له واحدة منهنّ عند عقدة النكاح ، فالنكاح باطل» (2).

(2) قد عرفت أن في القوة إشكالاً بل منعاً ، ومع ذلك فالاحتياط في محلِّه.


1) (*) إنّ هنا مسألتين قد خلط الماتن (قدس سره) بينهما : الأُولى ما إذا اتّفق الزّوج وأبو البنات على وقوع العقد على بنت معيّنة ثمّ اختلفا فادّعى الأب أنها الكبرى مثلاً وادّعى الزّوج أنها الصغرى ، ففي هذه المسألة ينتهي الأمر مع عدم البيِّنة إلى التحالف لا محالة بلا فرق بين رؤية الزّوج إيّاهنّ وعدم رؤيته ، ولم ينسب القول بالبطلان فيها في فرض عدم الرؤية وبتقديم قول الأب في فرض الرؤية إلى أحد. الثانية ما إذا لم يتّفقا على وقوع العقد على امرأة معيّنة واتّفقا على عدم التسمية والتعيين حال العقد فادّعى الأب أنه نوى تزويج الكبرى وادّعى الزّوج أنه نوى التزويج بالصغيرة ، ففي هذه الصورة حكم الشيخ وأتباعه وجملة من المتأخِّرين بل قيل : إنه الأشهر ؛ بتقديم قول الأب فيما إذا رآهنّ الزّوج وبالبطلان فيما إذا لم يرهن عملاً بصحيحة أبي عبيدة الواردة في هذا الموضور. وهذا هو الصحيح ، وخالف في ذلك الحلي فحكم بالبطلان على الإطلاق فإنه مقتضى القاعدة وهو لا يعمل بأخبار الآحاد ، واختاره جماعة ممّن تأخّر عنه ، ولم ينسب القول بالتحالف في هذه المسألة إلى أحد بل لا معنى له إذ لا تداعي في المقام حتى ينتهي الأمر إلى التحالف.

2) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب عقد النكاح وأولياء العقد ، ب 15 ح 1.

ومع ذلك الأحوط مراعاة الاحتياط. وكيف كان ، لا يتعدّى عن موردها.

[3853] مسألة 20 : لا يصحّ نكاح الحمل وإنكاحه وإن علم ذكوريته أو أُنوثيته ، وذلك لانصراف الأدلّة (1)(1). كما لا يصحّ البيع أو الشراء منه ولو بتولِّي الوليّ ، وإن قلنا بصحّة الوصيّة له عهدية ، بل أو تمليكية أيضاً (2).


(1) الصحيح في التعليل أن يقال : إنّ أدلّة المقام لا إطلاق لها يشمل الحمل ، فإنّ الآيات الكريمة والنصوص الواردة في النكاح جوازاً ومنعاً ، واردة في الإنسان الخارجي ، أعني ما هو بالفعل متصف بالإنسانية كالرجل والمرأة والصغير والبالغ والعبد والأمة ، ومن الواضح عدم صدق شي‌ء من هذه العناوين على الحمل.

إذن فليس هناك إطلاق يشمل الحمل ، كي يدعى انصرافه عنه. ومن هنا فيحكم بالبطلان ، لعدم الدليل عليه من الكتاب أو السنة ، وعدم جريان بناء العقلاء على إنكاح الحمل.

(2) فإنه لا يمكن قياس التزويج بالوصيّة ، حيث إن المعتبر في الوصيّة لما كان هو وجود الموصى له ، وقع الخلاف بينهم في كفاية الوجود في بطن الام حملاً ، وعدمها واعتبار وجوده في الخارج. فمنهم من ذهب إلى الأوّل ، لإطلاقات أدلّة الصحّة. ومنهم من ذهب إلى الثاني ، لاعتبار كون المالك إنساناً خارجياً ، فلا ينفع كونه حملاً. وهذا بخلاف التزويج ، حيث قد عرفت أن أدلّة النكاح قاصرة الشمول للحمل نكاحاً وإنكاحاً.

ثمّ إنّ الفرق بين الوصيّة العهدية والتمليكية في الأثر ، إنما يظهر فيما إذا حكمنا ببطلانها.

ففي الأوّل يحكم بلزوم صرف المبلغ الموصى به في أقرب الأُمور بالفعل المعيّن وذلك لعدم انتقاله إلى ملك الورثة حيث إن الإرث إنما يكون بعد الوصيّة ، بل يبقى على ملك الميت بحكم قانون الوصيّة ، فإذا لم يمكن صرفه في المورد المعيّن صرف في أقرب الموارد بالقياس إليه.


1) (*) الظاهر أنه لا يوجد إطلاق يعم نكاح الحمل حتى يدّعي انصرافه.

[3854] مسألة 21 : لا يشترط في النِّكاح علم كل من الزوج والزوجة بأوصاف الآخر (1) ممّا يختلف به الرغبات ، وتكون موجبة لزيادة المهر أو قلّته فلا يضرّ بعد تعيين شخصها الجهل بأوصافها. فلا تجري قاعدة الغرر هنا (2).


وهذا بخلاف الثانية ، حيث يرجع الموصى به إلى الورثة ، نظراً لبطلان التمليك الذي حققه الميت فلم يكن قد خرج عن ملكه بذلك التصرف ، وحيث إنه لم يبقه في ملكه ولم يحبسه لنفسه لعدم وجود وصيّة اخرى ، يكون حاله حال سائر أمواله ينتقل على حد باقي أمواله إلى ورثته.

(1) بلا خلاف فيه ولا إشكال بين الأصحاب ، بل ادعى في الجواهر الضرورة عليه (1). وتدلّ عليه السيرة القطعية المتصلة بعهد المعصومين (عليهم السلام) ، فإنها قائمة على الجواز من دون ردع.

(2) هذه القاعدة ثابتة في البيع بلا خلاف فيه ، سواء تمّ النبوي المشهور (نهى النبيّ عن بيع الغرر) أم لم يتمّ. وأما شمولها لغيره من المعاملات ، فهو مورد بحث وكلام بين الأصحاب ، ولا دليل عليه سوى ما ذكره العلامة (قدس سره) في التذكرة من (أن النبيّ (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) نهى عن الغرر) (2)لكنه لم يثبت.

وكيف كان ، فلا مجال للتعدي إلى النكاح ، لأنه ليس من العقود المعاوضية التي يراد منها تبديل الأعيان مع الاحتفاظ على المالية ، وإنما هو علقة خاصة قائمة بين الرجل المعيّن والمرأة المعيّنة ، ولذا يصح العقد من غير مهر على الإطلاق. نعم ، يثبت مهر المثل عند الدخول بها ، إلّا أنه غير العقد ، فإنه يصحّ من دونه.

وعلى هذا الأساس لم يلتزم أحد بثبوت الخيار في المهر له أو لها ، فيما إذا تبين زيادة المسمّى عن مهر المثل أو نقصانه عنه ، بدعوى الغبن.


1) الجواهر 29 : 157.

2) تذكرة الفقهاء 2 : 584 587.

فصل : في مسائل متفرِّقة

[3855] الأُولى : لا يجوز في النِّكاح دواماً أو متعة اشتراط الخيار في نفس العقد ، فلو شرطه بطل (1).


فصل

في مسائل متفرقة

(1) بلا خلاف فيه ، بل ادعي عليه الإجماع في كلمات غير واحد من الأصحاب. وقد نسب إلى بعضٍ القول بجوازه ، إلّا أنه لم يعرف قائله. ويدلّ عليه :

أوّلاً : أن جعل الخيار إنما يصحّ فيما إذا كان اللّزوم من حقوق المتعاقدين أو أحدهما. وأما إذا كان ذلك من الأحكام الشرعية ، فليس لهما اشتراط الخيار ، لأنه من تغيير الحكم الشرعي وأمره بيد الشارع ، وليس للمكلف فيه صلاحية نفياً أو إثباتاً نظير اشتراط اللّزوم في العقود الجائزة. وحيث إن اللّزوم في النكاح من الأحكام الشرعية ، فإن الزواج مستمر إلى تحقق ما يرفعه من الموت أو الطلاق أو انقضاء المدّة أو الإبراء في العقد المنقطع ، فلا يرتفع باشتراط الخيار فيه. والذي يكشف عن كون اللزوم في النكاح من الأحكام ، أنه لو كان من الحقوق لهما لوجب الالتزام بصحّة الإقالة فيه كما هو الحال في البيع ، والحال أنها غير جائزة فيه بلا خلاف.

ثانياً : أن جعل الخيار لما كان يرجع إلى تحديد المنشأ وتوقيته بعدم الفسخ لامتناع الإهمال وعدم معقولية الإطلاق والشمول لما بعد الفسخ على ما تقدّم بيانه مفصلاً في كتاب البيع كانت الزوجية مقيدة ومؤقتة بقبل الفسخ لا محالة ، وإذا كانت كذلك حكم ببطلانه ، لأن تحديد الأجل بنحو لا يقبل الزيادة والنقصان من أركان العقد المنقطع ، وهو مفقود في المقام بحسب الفرض ، حيث إن تاريخ الفسخ مجهول.

وفي بطلان العقد به قولان. المشهور على أنه باطل (1). وعن ابن إدريس أنه لا يبطل ببطلان الشرط المذكور. ولا يخلو قوله عن قوّة (1) إذ لا فرق (2) بينه وبين سائر الشروط الفاسدة فيه ، مع أن المشهور على عدم كونها مفسدة للعقد. ودعوى كون هذا الشرط منافياً لمقتضى العقد ، بخلاف سائر الشروط الفاسدة التي لا يقولون بكونها مفسدة ، كما ترى.


وبعبارة اخرى : إن عقد الزواج لا يخلو بحسب ما يستفاد من الأدلة من قسمين : دائم ، ومنقطع ، ولا ثالث لهما. والأوّل غير متصوَّر في المقام ، لاستلزام جعل الخيار التقييد. والثاني يقتضي البطلان ، لفقده ركناً من أركانه ، وهو تحديد الأجل بنحو لا يقبل الزيادة أو النقصان.

(1) في القوة إشكال بل منع ، والصحيح ما ذهب إليه المشهور.

والوجه فيه يظهر مما تقدّم في الوجه الثاني من وجهي بطلان الشرط نفسه ، فإن الزوجية حينئذ ليست بدائمة ، لمكان جعل الخيار وليس الأجل فيها محدوداً بحد معلوم ومضبوط ، فيحكم بفسادها ، نظير ما لو قالت : زوّجتك نفسي إلى مجي‌ء ولدي من السفر.

(2) الفرق بين النكاح وغيره يظهر مما قدمناه. فإن هذا الشرط موجب لبطلانه من جهة استلزامه لفقد ركن من أركان العقد ، وهذا لا يأتي في سائر العقود ، حيث قد عرفت فيما تقدّم أنه إنما يرجع إلى تعليق الالتزام بترتيب الآثار على العقد على وجود الشرط وتحققه ، فلا يوجب فساده فساد العقد.


1) (*) وهو الصحيح ، والفرق بينه وبين سائر الشروط الفاسدة هو أنّ اشتراط الخيار يرجع إلى تحديد الزوجية بما قبل الفسخ لا محالة ، وهو ينافي قصد الزواج الدائم أو المؤجّل إلى أجل معلوم ، وهذا بخلاف سائر الشروط الفاسدة ، فإنها بحسب الارتكاز العرفي لا ترجع في خصوص النكاح إلى جعل الخيار على تقدير التخلّف ، وإنما ترجع إلى تعليق الالتزام بترتيب الآثار على وجود الشرط ، ففسادها لا يسري إلى العقد.

وأمّا اشتراط الخيار في المهر فلا مانع منه (1) ولكن لا بدّ من تعيين مدّته (1)(2). وإذا فسخ قبل انقضاء المدّة ، يكون كالعقد بلا ذكر المهر ، فيرجع إلى مهر المثل (3). هذا في العقد الدائم الذي لا يلزم فيه ذكر المهر. وأما في المتعة حيث أنها لا تصحّ بلا مهر ، فاشتراط الخيار في المهر فيها مشكل (4).

[3856] الثانية : إذا ادعى رجل زوجية امرأة فصدّقته ، أو ادعت امرأة زوجية رجل فصدّقها ، حكم لهما بذلك في ظاهر الشرع ، ويترتب جميع آثار الزوجية بينهما ، لأنّ الحق لا يعدوهما (5)


(1) بلا خلاف فيه. والوجه فيه أن المهر ليس بركن في العقد ، ولذا يصحّ من دونه ابتداءً ، فلا محذور في جعل الخيار فيه.

(2) لم يظهر لنا وجه هذا الاشتراط ، فإنه لا فرق بين النكاح وغيره من العقود حيث يصحّ جعل الخيار فيه من غير اشتراط لتعيين المدة.

نعم ، يعتبر فيه أن لا يكون مجهولاً مطلقاً ومبهماً من جميع الوجوه ، بأن يجعل لنفسه الخيار في ساعة ما فقط من غير تعيين لتلك الساعة ، فإنه يبطل لعدم قابليته للجعل ، باعتبار أنه لا واقع له ولا تعيين حتى في علم اللّه سبحانه. وأما لو كان معيناً نوع تعيين ولو بجعله إلى الأبد وما داما حيين ، فلا مانع من الالتزام بصحته من دون اعتبار لتحديده زماناً بحدّ معين ومضبوط. ولعل هذا هو مقصود الماتن (قدس سره) في المقام.

(3) فيما إذا دخل بها ولم يتراضيا على مسمّى غير الأوّل.

(4) بل ممنوع ، لأن مرجعه إلى دوران العقد بين وجود المهر فيه وخلوه عنه ، وهو موجب للبطلان فيه ، لاعتبار ذكر المهر والأجل فيه إجماعاً.

(5) كما تقتضيه السيرة العقلائية القطعية من جميع الطوائف والمذاهب بلا خلاف فيه ، كما هو الحال في دعوى النسب.


1) (*) فيه إشكال بل منع.

ولقاعدة الإقرار (1). وإذا مات أحدهما ورثه الآخر. ولا فرق في ذلك بين كونهما بلديين معروفين أو غريبين.

وأما إذا ادعى أحدهما الزوجية وأنكر الآخر ، فيجري عليهما قواعد الدعوى فإن كان للمدعي بيّنة ، وإلّا فيحلف المنكر أو يردّ اليمين ، فيحلف المدعي ويحكم له بالزوجية ، وعلى المنكر ترتيب آثاره في الظاهر (2). لكن يجب على كلّ منهما


(1) التمسك بهذه القاعدة لإثبات الزوجية في المقام غير واضح ، فإنها إنما تختص بما يكون على المقرّ ويعتبر ضرراً عليه ، ولا تشمل ما لا يكون كذلك أو يكون فيه نفع له. ومن هنا فحيث إنَّ للزوجية نوعين من الأثر ما يكون على الزوج أو الزوجة ، وما يكون لهما بالقياس إلى الآخر ، فلا مجال لإثباتها بالإقرار ، وإنما يثبت بإقرارهما ما يكون عليهما خاصة من دون ما يكون لهما.

فبإقرار الزوج يثبت منعه من التزوج بأُمها وأُختها وبنتها وتلزمه نفقتها ، إلى غير ذلك مما يكون عليه من الآثار. وأما جواز وطئه لها فلا يثبت بإقراره ، لأنه ليس من الإقرار على نفسه.

وهكذا بالنسبة إلى الزوجة ، فإنه إنما يؤثر في منعها من التزوج بغيره والسفر أو الخروج بغير إذنه ويلزمها تمكينه من نفسها ، إلى غير ذلك من الآثار التي تكون عليها. وأما ما يكون لها من الآثار ، كالدخول عليه من غير ساتر أو مطالبتها له بالنفقة ، فلا يمكن إثباتها بهذه القاعدة.

والحاصل أنه لا مجال لإثبات عنوان الزوجية بالإقرار ، حيث إنه يشتمل على ما يكون للمقرّ ، وإذا لم يثبت ذلك فلا مجال لترتيب جميع الآثار كالإرث ونحوه عليه وإنما يثبت به خصوص ما يكون على المقرّ. ومن هنا فالصحيح في إثبات الزوجية في المقام ، هو الاستدلال بأن الحق لا يعدوهما ، على ما تقتضيه السيرة العقلائية في التزويج والنسب.

(2) فإنّ حكم الحاكم لا يبدل من الواقع شيئاً ، على ما تدلّ عليه جملة من النصوص ، فلا يكون غير الزوج بموجب حكم الحاكم زوجاً ولا غير الزوجة زوجة ، وإنما القضاء لفصل الخصومة ظاهراً مع بقاء الواقع على حاله.

العمل على الواقع فيما بينه وبين اللّه (1).

وإذا حلف المنكر حكم بعدم الزوجية بينهما ، لكن المدّعى مأخوذ بإقراره المستفاد من دعواه (2). فليس له إن كان هو الرجل تزويج الخامسة ، ولا أُم المنكرة ولا بنتها مع الدخول بها ، ولا بنت أخيها أو أُختها إلّا برضاها ، ويجب عليه إيصال المهر إليها (3). نعم ، لا يجب عليه نفقتها ، لنشوزها بالإنكار (4).

وإن كانت هي المدعية لا يجوز لها التزويج بغيره إلّا إذا طلّقها (1)(5) ولو بأن


(1) لما عرفت في التعليقة المتقدِّمة ، من أن حكم الحاكم لا يغير ولا يبدل من الواقع شيئاً.

(2) فإنه نافذ في حقه وإن لم يتمكن من إثباته خارجاً.

(3) في العبارة مسامحة أو غفلة واضحة. فإن الزوج غير ملزم بالمهر بموجب إقراره ، لأن إقراره بكونه مديناً للمرأة بالمهر معارض بإقرارها بعدم استحقاق شي‌ء عليه ، وبذلك يسقط الإقراران ولا يثبت عليه شي‌ء.

نعم ، لو علم الرجل فيما بينه وبين اللّه ثبوت الزوجية وصدق مدعاه ، وجب عليه إيصال المهر إليها ، باعتبار أنها مالكة له بالعقد ، إلّا أن هذا غير الثبوت بالإقرار ، كما هو أوضح من أن يخفى.

والحاصل أن ذكر وجوب إيصال المهر في عداد ما يلزم الرجل بإقراره ، مما لا يمكن المساعدة عليه ، فإنه غير ملزم به بمجرد الإقرار ، وإن كان يجب عليه ذلك إذا علم فيما بينه وبين اللّه بزوجيتها له.

(4) حيث إنّ المستفاد من جملة من النصوص ، أنّ الملاك في ثبوت النفقة إنما هو كون المرأة في بيت الزوج وتحت سلطانه ، فإذا خرجت عن ذلك ولو بإنكارها للزوجية لم تستحق النفقة.

(5) أو طلقها الحاكم الشرعي بعد رفعها لأمرها إليه وامتناع الرجل عن الطّلاق وذلك لكونه ممتنعاً عن الإنفاق ، والمرأة لا تبقى بلا زوج على ما ورد في بعض النصوص.


1) (*) وأمّا إذا امتنع عن الطّلاق فللحاكم الشرعي أن يطلِّقها.

يقول : (هي طالق إن كانت زوجتي) (1). ولا يجوز لها السفر (1)من دون إذنه (2). وكذا كلّ ما يتوقف على إذنه.

ولو رجع المنكر إلى الإقرار ، هل يسمع منه ويحكم بالزوجية بينهما؟ فيه قولان ، والأقوى السماع (2)(3) إذا أظهر عذراً لإنكاره ، ولم يكن متهماً ، وإن


(1) إذ قد عرفت فيما تقدّم أن مثل هذا التعليق لا يضرّ بصحّة العقد.

(2) فيه إشكال ، بل منع.

فإن عدم جواز ذلك للزوجة إنما هو من جهة مزاحمته لحق ، ولذا فلو لم تكن هناك مزاحمة لحقه كما لو كان مسافراً لم يتوقف جواز سفر المرأة على إذنه. وحيث إنه لا مزاحمة في المقام ، باعتبار أن الرجل لا يرى حقاً لنفسه فيها ، فلا وجه للحكم بتوقف جوازه على إذنه.

ومما تقدّم يظهر الحال فيما أفاده (قدس سره) بعد هذا ، من عدم جواز كل ما يتوقّف على إذنه بالنسبة إليها.

(3) في إطلاقه إشكال ، بل منع.

فإن الإقرار بعد الإنكار وإن كان مسموعاً باعتبار أنه حجة مطلقاً فيتقدم على حكم الحاكم والبيّنة ، إلّا أن ذلك لا يعني ثبوت الزوجية بجميع ما لها من الآثار في المقام ، وإنما يثبت به خصوص الآثار التي تكون عليه دون ما يكون له ، نظراً إلى أنه بإنكاره الأوّل قد اعترف بعدم استحقاقه على الآخر ، فإذا رجع عن إنكاره كان ذلك بالنسبة إلى ما اعترف بعدم استحقاقه ، رجوعاً عن الإنكار وادعاءً محضاً فلا يسمع كما هو مقرر في باب القضاء بلا فرق بين أن يكون قد أظهر عذراً وأن يكون


1) (*) فيه وفيما بعده إشكال.

2) (**) هذا بالإضافة إلى الحقوق التي ادعيت عليه ، والظاهر أنه لا يعتبر في سماعه حينئذ أن يظهر عذراً لإنكاره وأن لا يكون متّهماً ، وأمّا بالإضافة إلى حقوقه على المدّعى ففي سماعه إشكال وكذلك الحال فيما إذا رجع المدّعى عن دعواه وكذب نفسه ، بلا فرق بين الرجوع قبل إقامة البيِّنة والرجوع بعدها.

كان ذلك بعد الحلف. وكذا المدّعى إذا رجع عن دعواه وكذّب نفسه (1). نعم يشكل السماع منه إذا كان ذلك بعد إقامة البيّنة منه على دعواه (2) إلّا إذا كذبت البيّنة أيضاً نفسها.

[3857] الثالثة : إذا تزوّج امرأة تدعي خلوّها عن الزوج ، فادعى زوجيتها رجل آخر ، لم تسمع دعواه إلّا بالبيِّنة (1)(3). نعم ، له مع عدمها على كلّ منهما


متّهماً أم لا.

نعم ، لو قامت القرينة الخارجية على أن إنكاره الأوّل كان صورياً من دون أن يكون له واقع ، ففي قبول إقراره بعد ذلك خلاف بينهم ، وقد تقدّم مثله في مدعي الإقرار مواطاة.

(1) يظهر الحال فيه مما تقدّم.

فإن ادعاء الرجل مثلاً لزوجية امرأة ، يشتمل على اعتراف منه بعدم جواز تزوجه من أُمّها ، وأُختها ، وبنتها إذا كان قد دخل بها. ومعه كيف يمكن أن يقال بجواز ذلك بمجرّد إنكاره ورجوعه عن اعترافه ، فإن الإقرار حجة عليه في جميع التقادير ولا مجال لرفع اليد عنه. وهكذا بالنسبة إلى المرأة لو كانت هي المدعية.

فالصحيح هو التفصيل بين ما يكون عليه وما يكون له ، فيثبت الأوّل خاصة لأن الإقرار حجة على جميع التقادير ، دون الثاني لكونه دعوى بعد الإقرار فلا أثر له ولا يسمع.

(2) ظهر مما تقدّم أنه لا فرق في الحكم بين رجوعه قبل إقامة البينة وبعدها ، فإنّ سماعة إنما يختص بما يكون عليه دون ما له.

(3) على ما تقتضيه إطلاقات وعمومات القضاء. فإن مقتضاها عدم قبول قول


1) (*) والظاهر أنه حينئذ ليس له إحلاف الزوج ولا الزوجة ، أما الزوج فيكفي له عدم علمه بالحال ، وأما الزوجة فلأنّ اعترافها بالزوجية لا أثر له حتى يكون لحلفها أثر ، وبذلك يظهر الحال في بقيّة المسألة.

اليمين (1).


المدّعى من غير بيِّنة ، لا سيما بعد كون المرأة مصدقة في دعواها ، كما دلّت عليه جملة من النصوص (1).

مضافاً إلى مكاتبة الحسين بن سعيد الواردة في خصوص المقام ، أنه كتب إليه يسأله : عن رجل تزوّج امرأة في بلد من البلدان ، فسألها : لك زوج؟ فقالت : لا فتزوّجها ثمّ إن رجلاً أتاه فقال : هي امرأتي ، فأنكرت المرأة ذلك ، ما يلزم الزوج؟ فقال : «هي امرأته إلّا أن يقيم البيّنة» (2).

(1) وللنظر في ذلك مجال واسع ، فإن الظاهر من مكاتبة الحسين بن سعيد المتقدِّمة أن القضاء في المقام منحصر بالبيّنة ، بحيث لا يمكن الحكم بزوجيتها للمدعى إلّا بها.

والوجه فيه أنه لا مجال لوصول النوبة في المقام إلى اليمين ، إذ الزوج ليس منكراً لما يدعيه الآخر كي يتوجه إليه اليمين ، فإنه لا يدعي إلّا زوجية المرأة له استناداً إلى العقد عليها والمحكوم بالصحّة بحسب الظاهر ، لدعواها خلوها من البعل مع كونها مصدقة في ذلك شرعاً ، ومن دون أن ينفي ما يدعيه الآخر واقعاً.

ومن هنا فليس هو بمنكر كي يلزمه الحلف بمقتضى قواعد القضاء ، بل يكفيه في ترتيب آثار الزوجية عليها مجرد جهله بالحال والواقع ، كما هو مفروض الكلام.

وكذا الحال بالنسبة إلى المرأة. فإن اليمين إنما يتوجه على المنكر فيما إذا كان لاعترافه أثر ، بحيث لو أقرّ لكان إقراره مسموعاً ، فإذا لم يكن كذلك فلا وجه لتحليفه عند الإنكار. وحيث إنه لا أثر لاعتراف المرأة في المقام على ما سيأتي بيانه فلا معنى لتكليفها باليمين عند إنكارها.

وبعبارة اخرى : إنّ المرأة في المقام لو لم تحلف وردّت اليمين إلى المدعي فحلف ، لم يكن للحاكم الحكم بزوجيتها للمدعي ، نظراً لكونها زوجة للغير ظاهراً ، فلا يسمع


1) الوسائل ، ج 21 كتاب النكاح ، أبواب المتعة ، ب 10.

2) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب عقد النكاح وأولياء العقد ، ب 23 ح 3.

فان وجّه الدعوى على الامرأة فأنكرت وحلفت ، سقط دعواه عليها (1). وإن نكلت أو ردّت اليمين عليه فحلف ، لا يكون حلفه حجة على الزوج ، وتبقى على زوجية الزوج مع عدمها (2) سواء كان عالماً بكذب المدّعى أو لا ، وإن أخبر ثقة واحد بصدق المدّعى ، وإن كان الأحوط حينئذ طلاقها (3).

فيبقى النزاع بينه وبين الزوج ، فإن حلف سقط دعواه بالنسبة إليه أيضاً. وإن نكل أو ردّ اليمين عليه فحلف ، حكم له بالزوجية إذا كان ذلك بعد أن حلف في الدعوى على الزوجية بعد الردّ عليه ، وإن كان قبل تمامية الدعوى مع الزوجة. فيبقى النزاع بينه وبينها ، كما إذا وجّه الدعوى أوّلاً عليه.


إقرارها المنافي لذلك ، وبهذا الملاك ليس للحاكم تحليفها باعتبار أنه ليس لها الإقرار بذلك.

والحاصل أن مثل هذه الدعوى لا تنفصل إلّا بالبيّنة ، فإن أقامها المدعي فهو ، وإلّا فلا أثر لإقرارها أو يمينها.

ومن هنا يظهر الحال فيما رتبه (قدس سره) من الفروع على هذا الحكم.

(1) يظهر من عبارته (قدس سره) هذه وما يأتي في جانب النزاع مع الزوج ، أن في المقام دعويين ، إحداهما متوجهة نحو الزوج والأُخرى نحو الزوجة ، وإنّ لكل دعوى حكمها. إلّا أنّ الحال في ذلك يظهر مما تقدّم في التعليقة المتقدِّمة.

(2) أي عدم البيّنة للمدعي.

(3) استدلّ عليه في الكلمات بموثقة سماعة ، قال : سألته عن رجل تزوّج جارية أو تمتع بها ، فحدثه رجل ثقة أو غير ثقة فقال : إن هذه امرأتي وليست لي بيّنة ، فقال : «إن كان ثقة فلا يقربها ، وإن كان غير ثقة فلا يقبل منه» (1).

إلّا أن هذه الموثقة أجنبية عن محلّ الكلام ، ولا دلالة لها على المدعى ، فإنها إنما تتضمّن لزوم المفارقة فيما إذا كان المدعي هو ثقة ، والحال إن المدعى استحباب الطلاق


1) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب عقد النكاح وأولياء العقد ، ب 23 ح 2.

والحاصل أن هذه الدعوى على كل من الزّوج والزّوجة ، فمع عدم البيّنة إن حلفا سقط دعواه عليهما ، وإن نكلا أو ردّ اليمين عليه فحلف ثبت مدعاه.

وإن حلف أحدهما دون الآخر ، فلكلٍّ حكمه. فإذا حلف الزوج في الدعوى عليه فسقط بالنسبة إليه. والزوجة لم تحلف بل ردت اليمين على المدعي أو نكلت وردّ الحاكم عليه فحلف ، وإن كان لا يتسلط عليها لمكان حق الزوج ، إلّا أنه لو طلقها أو مات عنها ردّت إليه ، سواء قلنا أن اليمين المردودة بمنزلة الإقرار ، أو بمنزلة البيّنة ، أو قسم ثالث. نعم ، في استحقاقها النفقة والمهر المسمّى على الزوج إشكال (1) خصوصاً إن قلنا أنه بمنزلة الإقرار أو البيّنة.

هذا كلّه إذا كانت منكرة لدعوى المدعي. وأما إذا صدقته وأقرّت بزوجيّته فلا يسمع بالنسبة إلى حق الزوج (2) ولكنّها مأخوذة بإقرارها ، فلا تستحق


فيما إذا كان للمدعي شاهد ثقة.

وكيف كان ، فهذه الرواية وإن كانت موثقة من حيث السند ، إلّا أنه لا بدّ من رد علمها إلى أهله ، وذلك للقطع ببطلان مضمونها.

إذ المراد من قوله (عليه السلام) : «فلا يقربها» إن كان هو ترتب جميع آثار الزوجية عليها ما عدا وطأها ، فمقطوع البطلان من جهة استلزامه الأمر بترك الواجب ، أعني وطأها كل أربعة أشهر مرّة. وإن كان هو بطلان الزوجية وتقديم قول المدعي ، كما يشهد له قوله (عليه السلام) في فرض عدم كون المخبر ثقة : «فلا يقبل منه» فمقطوع البطلان من جهة أن الدعاوي لا تثبت إلّا بالبيّنة أو اليمين ، إذ القضاء لا يكون إلّا بهما كما تدلّ عليه جملة من النصوص ، فلا فرق بين كون المدعي ثقة وعدمه.

والحاصل أنه لا مجال للمساعدة على ظاهر الرواية ولا بدّ من ردّ علمها إلى أهله للقطع ببطلانه ، ولأجل هذا حملها غير واحد من الأصحاب على الاستحباب ولا بأس به احتياطاً ورجاءً.

(1) يظهر الحال فيه أيضاً مما تقدّم في توجه اليمين عليها وقبول إقرارها.

(2) لكونها إقراراً واعترافاً في حق الغير ، فلا يسمع ولا يثبت به بطلان الزوجية

النفقة (1)على الزوج ، ولا المهر المسمّى (1) بل ولا مهر المثل إذا دخل بها ، لأنها بغية بمقتضى إقرارها ، إلّا أن تظهر عذراً في ذلك. وتردّ على المدعي بعد موت الزوج أو طلاقه إلى غير ذلك.

[3858] الرابعة : إذا ادعى رجل زوجية امرأة وأنكرت ، فهل يجوز لها أن تتزوّج من غيره قبل تمامية الدعوى مع الأوّل ، وكذا يجوز لذلك الغير تزويجها أوْ لا إلّا بعد فراغها من المدعي؟


المحكومة بالصحّة ظاهراً.

(1) إن كان المراد بذلك أنه ليس للمرأة مطالبة الزوج بالمهر والنفقة ، فهو صحيح ولا بأس به. وأما إذا كان المراد به عدم ثبوت المهر والنفقة واقعاً ، بحيث يكون للزوج الامتناع عن إعطائها ذلك كما هو ظاهر عبارته (قدس سره) ، فهو في غاية الإشكال ولا يمكن المساعدة عليه بوجه.

والسر فيه أن الزوج حينئذ يعلم إجمالاً بحرمة الوطء أو وجوب دفع النفقة والمهر ، وهو يمنع من وطئها من دون المهر والنفقة ، لاستلزامه المخالفة القطعية والقطع بارتكابه المحرم ، ومن هنا فلا يجوز له وطؤها إلّا بدفع المهر والنفقة.

نعم ، لا أثر لهذا العلم الإجمالي من جهة بطلان العقد وعدم جواز وطئه لها ، إذ المفروض أن العقد محكوم بالصحّة ظاهراً ، فيجوز له وطؤها ، غاية الأمر أنه ملزم بدفع المهر والنفقة إليها وإن لم يكن لها هي المطالبة بهما.

والحاصل أن المرأة حينئذ إنما لا تستحق المطالبة بهما ، وإلّا فالزوج ملزم بتسليمها إليها ، فراراً من المخالفة القطعية للمعلوم إجمالاً.


1) (*) لعلّه يريد بذلك أنها لا تستحق مطالبة النفقة والمهر لاعترافها بأنها بغية ، وأما الزوج فيجب عليه النفقة والمهر ، فإن الحكم بجواز الوطء مع عدم وجوب النفقة والمهر مخالف للتكليف المعلوم إجمالاً ، لكن قيام الحجّة على صحّة العقد يوجب انحلال العلم ، فإذا صحّ العقد وجبت النفقة والمهر لا محالة.

وجهان : من أنها قبل ثبوت دعوى المدعي خلية ومسلطة على نفسها. ومن تعلق حق المدعي بها ، وكونها في معرض ثبوت زوجيتها للمدعي. مع أن ذلك تفويت حق المدعي إذا ردّت الحلف عليه وحلف ، فإنه ليس حجة على غيرها (1) وهو الزوج. ويحتمل التفصيل (2) بين ما إذا طالت الدعوى فيجوز ، للضرر عليها بمنعها حينئذ ، وبين غير هذه الصورة. والأظهر الوجه الأوّل (3).

وحينئذ فإنْ أقام المدعي بيِّنة وحكم له بها ، كشف عن فساد العقد عليها.


(1) لكونه إقراراً في حق الغير فلا يسمع ، فإن اليمين المردودة إنما تؤثر بالنسبة إلى المنكر خاصة ، ولا تزاحم حق الغير.

(2) الظاهر أن مفروض كلامهم فيما إذا لم يكن الرجل مماطلاً وممتنعاً من القضاء بحيث تطول الدعوى ، وإلّا فلا ينبغي الشك في الجواز ، فإن المرأة لا تبقى معطلة وبلا زوج على ما دلّت عليه النصوص.

(3) لبطلان الوجوه التي استدلّ بها على المنع. فإنّ مانعية الوجه الأوّل والثاني مصادرة على المدّعى ، فإنها أوّل الكلام وعين محل النزاع. والوجه الثالث لم يظهر له معنى محصل ، فإنّ دعوى المدعي لا تسقط بالتزويج جزماً ، بل له الترافع إلى الحاكم حتى بعد تزويجها من غيره.

نعم ، تزوّجها من غيره يوجب عجزه عن إثبات مدعاه فيما إذا لم تكن له بيّنة ، لأنه حينئذ ليس له إحلافها على ما اخترناه ، باعتبار أن توجّه اليمين فرع قبول الإقرار فإذا لم يكن إقرارها مسموعاً لم يكن معنى لتوجه اليمين إليها. وكذا بناءً على ما اختاره الماتن (قدس سره) من توجه اليمين إليها ، فإنها إن حلفت انفسخت دعواه ، وإن نكلت وردت اليمين إليه فحلف لم يقتض ذلك بطلان الزوجية الثابتة ظاهراً ، لأنه من قبيل الإقرار من حق الغير.

إلّا أن ذلك لا محذور فيه ، لعدم الدليل على عدم جواز تعجيز المدعي عن إثبات دعواه ، وكون الدعوى مانعاً من تصرف المكلف في ماله أو نفسه.

وإن لم يكن له بيّنة وحلفت ، بقيت على زوجيتها (1). وإن ردت اليمين على المدعى وحلف ، ففيه وجهان (1) : من كشف كونها زوجة للمدعي فيبطل العقد عليها. ومن أن اليمين المردودة لا يكون مسقطاً لحق الغير وهو الزوج. وهذا هو الأوجه فيثمر فيما إذا طلّقها الزوج أو مات عنها ، فإنها حينئذ تردّ على المدعي. والمسألة سيالة تجري في دعوى الأملاك وغيره أيضاً (2) ، واللّه أعلم.


ومن هنا فالظاهر أنه لا مانع من تزوّجها من غيره وتزوّج الغير منها ، نظراً إلى حجية قولها في كونها خلية كما دلّت عليه جملة من النصوص ، فيصح وإن أوجب ذلك عجز المدعي عن إثبات مدعاه باليمين المردودة.

(1) قد عرفت فيما تقدّم أنه لا وجه لتوجه اليمين عليها ، كما لا أثر لحلف المدعي بعد ردّها اليمين عليه.

(2) إلّا أن بين الزوجية وغيرها فرقاً واضحاً. فإن في غير الزوجية يمكن للمدعي عند عدم البيّنة إثبات دعواه باليمين المردودة ، وهذا بخلاف الحال في الزوجية ، حيث قد عرفت أنه لا مجال لإثباتها بها.

ومن هنا فلو فرضنا أن من بيده الدار مثلاً قد باعه ، حكم بصحته لقاعدة اليد.

إلّا أن ذلك لا يوجب سقوط دعوى المدّعى ، بل له الترافع لدى الحاكم. وحينئذ فإنّ أقام بيّنة على مدعاه حكم ببطلان البيع ، لظهور عدم كون البائع مالكاً ، وإلّا كان له إحلاف المنكر البائع فإن حلف سقطت دعواه وإلّا كان له ردّ اليمين على المدعي ، فإن حلف كان أثره تغريم البائع قيمة الدار لإتلافه عليه فيكون ضامناً له دون شخص العين المبيعة إذ لا أثر لاعترافه بالنسبة إليها ، لكونه من الاعتراف في حق الغير المشتري.


1) تقدّم أنّ الحلف لا يتوجّه على الزوجة بعد التزويج كما هو المفروض هنا حيث لا موضوع لحلفها ، فإنّ موضوعه إنما هو فيما إذا كان لاعترافها أثر ولا أثر له في المقام ، وبذلك يظهر حال اليمين المردودة.

[3859] الخامسة : إذا ادعى رجل زوجية امرأة فأنكرت ، وادعت زوجيته امرأة أُخرى ، لا يصحّ شرعاً زوجيتها لذلك الرجل مع الامرأة الأُولى ، كما إذا كانت أُخت الأُولى أو أُمها أو بنتها.

فهناك دعويان ، إحداهما : من الرجل على الامرأة ، والثانية : من الامرأة الأُخرى على ذلك الرجل. وحينئذ فإما أن لا يكون هناك بيّنة لواحد من المدعيين ، أو يكون لأحدهما دون الآخر ، أو لكليهما.

فعلى الأوّل يتوجّه اليمين على المنكر في كلتا الدعويين ، فإن حلفا سقطت الدعويان (1). وكذا إن نكلا ، وحلف كل من المدعيين اليمين المردودة (2). وإن حلف


وهذا بخلاف الزوجية ، حيث لا أثر لاعتراف المنكر المرأة بالنسبة إلى الزوجية الفعلية ، سواء أكان الاعتراف صريحاً أم من جهة ردّها اليمين على المدّعى ، لكونه اعترافاً في حق الغير فلا يسمع.

نعم ، ذكر أن أثره يظهر فيما لو مات الزوج الظاهري أو طلقها حيث ترجع إلى المدعي ، إلّا أن ذلك مسألة أُخرى غير ما نحن فيه. بخلاف الأموال ، حيث يُسمع فيها إقرار المنكر ، وفي حكمه حلف المدعي عند رده عليه ، لكن لا أثر له بالنسبة إلى العين المنتقلة إلى الغير ، وإنما يثبت له بذلك المثل أو القيمة.

(1) على ما تقتضيه قواعد القضاء.

(2) وذلك لأنه لو نكل الرجل عن أداء اليمين وردّها إلى المدعي المرأة التي ادعت زوجيتها له فحلف ، ونكلت المرأة الأُولى التي ادعى الرجل زوجيتها عن أداء اليمين وردّتها إلى المدعي الرجل فحلف ، كان مقتضى القاعدة ثبوت مدعى كلّ من المدعيين.

لكن في خصوص المقام لما لم يمكن الجمع بينهما ، لاستلزامه الجمع بين الأُختين أو الأُم والبنت وهو ممنوع ، ولم يكن مرجح لإحدى الزوجتين على الأُخرى ، تعيّن تساقطهما لا محالة.

أحدهما ، ونكل الآخر وحلف مدعية اليمين المردودة ، سقطت دعوى الأوّل وثبت مدعى الثاني (1).


فإن قلت : إنّ حلف المدعي الأوّل اليمين المردودة عليه ، يمنع من ردّ المنكر الثاني اليمين على المدعي الآخر. فإن الرجل مثلاً بعد أدائه لليمين المردودة من المرأة التي يدعي هو زوجيتها ، لم يكن له ردّ اليمين المتوجه إليها نتيجة لإنكاره دعوى المرأة الثانية التي تدعى هي زوجيتها له ، وذلك لأنه لا أثر لهذه اليمين المردودة غير تساقط الدعويين ، ومن الواضح أنه لا معنى للحلف من أجل تساقط الدعويين.

وعلى هذا فلا تصل النوبة في المقام إلى التساقط ، بل تثبت الدعوى الأُولى خاصة وهي ما يدعيه الرجل في المثال دون الثانية.

قلت : إن هذه الدعوى من البعد بمكان ، فإن نسبة الأدلّة الدالّة على أنّ للمدعي في فرض عدم البينة إحلافَ المنكر ، وله ردّ اليمين عليه إليهما سواء ، وشمولها لكلتا الدعويين على حدّ واحد ، ومجرّد تقدّم إحداهما زماناً لا يوجب سقوط الحكم بالنسبة إلى الدعوى المتأخرة ، بل الحكم ثابت لها حتى وإن كانت نتيجة ذلك هو التساقط ، فإنّ كلّاً من الدعويين مورد للحكم ومشمول للدليل. لكن حيث لا يمكن الجمع بينهما ، ولا ترجيح إحداهما على الأُخرى ، تعين الالتزام بتساقطهما.

ونظير المقام ما لو ادعى اثنان مالاً في يد ثالث. فإنّ إقامة أحدهما البيّنة قبل الآخر لا يوجب سقوط دعواه ولا يمنعه من إقامة البيّنة ، وليس ذلك إلّا لكون حجية البينة بالنسبة إليهما على حد سواء ، فلا وجه لأن يقال بتقديم الدعوى الاولى على الثانية ، لأنه بلا مرجح إذ لا أثر لمجرّد السبق الزماني ، بل تسمعان معاً وتتعارضان ونتيجة لذلك تتساقطان لا محالة.

والحاصل أن ما أفاده الماتن (قدس سره) في المقام من التساقط هو الصحيح.

(1) على ما تقتضيه قواعد القضاء. فإن دعوى الأوّل تسقط نتيجة لعدم البينة كما هو المفروض وأداء المنكر اليمين على خلافها ، ودعوى الثاني تثبت نتيجة لأداء المدعي اليمين المردودة عليه من قبل المنكر.

وعلى الثاني وهو ما إذا كان لأحدهما بينة يثبت مدعى من له البيّنة. وهل تسقط دعوى الآخر ، أو يجري عليه قواعد الدعوى من حلف المنكر أو ردّه؟ قد يدعى القطع بالثاني ، لأنّ كل دعوى لا بدّ فيها من البيّنة أو الحلف. ولكن لا يبعد تقوية الوجه الأوّل ، لأنّ البيّنة حجّة شرعية ، وإذا ثبت بها زوجية إحدى الامرأتين لا يمكن معه زوجية الأُخرى ، لأن المفروض عدم إمكان الجمع بين الامرأتين ، فلازم ثبوت زوجية إحداهما بالأمارة الشرعية عدم زوجية الأُخرى (1).

وعلى الثالث فإما أن يكون البينتان مطلقتين ، أو مؤرختين متقارنتين ، أو تاريخ أحدهما أسبق من الأُخرى.

فعلى الأوّلين تتساقطان ، ويكون كما لو لم يكن بينة أصلا (2).


(1) والأمارات الشرعية حجة في لوازمها ، سواء أكان الشاهد والمخبر ملتفتاً إلى الملازمة أم لم يكن.

هذا وقد يقال : إن حجية البيّنة بالنسبة إلى الدعوى الثانية مبنية على الالتزام بحجية البيّنة من المنكر أيضاً ، كما ذهب إليه جماعة من الأصحاب واستظهرناه في محله ، باعتبار أن قولهم (عليهم السلام) : «واليمين على المدعى عليه» لا يعني عدم قبول البيّنة منه ، بل إنما يعني أنه ليس مطالباً بها كالمدعي ، وإنما هو مطالب باليمين خاصّة ، وإلّا فلو أقام هو البيّنة باختياره فهي مسموعة لإطلاقات أدلّة حجيتها. وأما بناءً على عدم قبولها منه كما عليه المشهور ، فلا مجال لقبولها بالنسبة إليها ، بل لا بدّ من الرجوع إلى يمين المنكر ، أو اليمين المردودة منه على المدعي.

وفيه : أنّ المقام ليس من مصاديق النزاع المتقدم. فإن البيِّنة هذه ليست بيِّنة للمنكر كي يبحث في حجيتها وعدمها ، وإنما هي بينة خارجية قامت على عدم مشروعية زوجية المرأة الثانية له ، فلا تسمع دعواها من هذه الجهة ، سواء أقلنا بحجية بيّنة المنكر أم لم نقل.

(2) لعدم إمكان الجمع بينهما ، لتعارضهما وتكاذبهما ، وعدم وجود مرجح لإحداهما على الأُخرى.

وعلى الثالث ترجّح الأسبق (1) إذا كانت تشهد بالزوجية من ذلك التاريخ إلى زمان الثانية. وإن لم تشهد ببقائها إلى زمان الثانية فكذلك إذا كانت الامرأتان الام والبنت مع تقدّم تاريخ البنت ، بخلاف الأُختين والأُم والبنت مع تقدّم تاريخ الام ، لإمكان صحّة العقدين ، بأن طلق الاولى وعقد على الثانية في الأُختين


(1) والذي ينبغي أن يقال في المقام : إن البيّنتين قد تشهدان بالعقد المجرّد خاصة من دون تعرض لاستمرار الزوجية وعدمه. وقد تشهدان بالزوجية الفعلية ، بأن تشهد الاولى بالزوجية حدوثاً واستمراراً ، وتشهد الثانية بها فعلاً.

ففي الفرض الأوّل حيث لا تعارض بينهما لإمكان صدقهما معاً ، بأن يكون الرجل قد تزوّج من إحدى الأُختين أوّلاً ثمّ طلقها وتزوّج من الثانية ، فلا محالة تترجح الثانية لأصالة الصحّة من دون معارض لها ، وبذلك فيترتب على تلك المرأة جميع آثار الزوجية ، كما هو واضح.

إلّا أن هذا إنما يتمّ في غير الام والبنت إذا كان عقد البنت هو الأسبق بحسب البيّنة. وأما في هذا الفرض فيحكم بفساد العقد الثاني ، نظراً لخروج المرأة الثانية الأُم عن قابليتها للزوجية لذلك الرجل بمجرد العقد على المرأة الأُولى البنت فتترجح البيّنة الأولى ، بل لا أثر للبينة الثانية ، باعتبار أن العقد الثاني قد وقع على المرأة المحرمة أبداً.

وفي الفرض الثاني تسقط البينتان بالنسبة إلى الزوجية الفعلية ، نظراً لتعارضهما وتكاذبهما وعدم إمكان الجمع بينهما. وأما بالنسبة إلى الزمان السابق ، فحيث إنه لا تنافي ولا تكاذب بينهما ، حيث إن إحداهما تشهد بالزوجية في ذلك الزمان خاصة دون الأُخرى ، يتعين العمل بمقتضاها ، فتثبت زوجية تلك الأُخت في ذلك الزمان. وعليه فعند الشك في بقائها واستمرارها إلى الزمان الحالي ، يستصحب بقاؤها لا محالة ، وبه تثبت زوجية تلك الأُخت دون الثانية.

والحاصل أن زوجية إحدى الأُختين وإن ثبتت في المقام ، إلّا أن ذلك ليس من أجل ترجح بيّنتها على بيّنة الأُخرى ، لما قد عرفت من سقوطهما بالتعارض بالنسبة

وطلّق الام مع عدم الدخول بها. وحينئذ ففي ترجيح الثانية أو التساقط وجهان (1).


إلى الزمان الفعلي ، وإنما هو من جهة ثبوت زوجية تلك المرأة في الزمان السابق بالبينة من غير معارض ، ومن ثمّ استصحابها إلى زمان الشك.

لكن هذا أيضاً إنما يتم في غير الام والبنت مع كون عقد البنت هو السابق. وأما فيه فلا ، نظراً لمعارضة البينة الثانية للأُولى حدوثاً وبقاءً ، فإنه كما لا يمكن الجمع بين الزوجية الفعلية للأُم مع الزوجية الفعلية للبنت ، لا يمكن الجمع بين زوجية الام فعلاً وزوجية البنت سابقاً.

ومن هنا تكون بيّنة زوجية الام فعلاً معارضة لبينة زوجية البنت فعلاً وفي السابق أيضاً ، لعدم إمكان اجتماعهما ، فينتهي الأمر إلى التساقط لا محالة. وبذلك يكون حكم هذه الصورة حكم الصورة الاولى من المسألة ، أعني عدم وجود البيّنة لكلتا


1) (*) تارة يفرض شهادة البيِّنتين على العقد وأخرى يفرض شهادتهما على الزوجية ، فعلى الأوّل لا تنافي بينهما إلّا في الأُم والبنت وكان تاريخ عقد البنت مقدّماً على تاريخ عقد الأُم ، وفي مثله تتقدّم البيِّنة الأُولى على البيِّنة الثانية لأنها ترفع موضوعها ، وأما في غير الأُم والبنت كما في الأختين أو فيهما إذا كان تاريخ عقد الأُم متقدِّماً على عقد البنت ، فعندئذ لا تنافي بين البيِّنتين لإمكان صحّة كلا العقدين معاً إذ من المحتمل أن يطلِّق الأُولى ويتزوّج بالأُخرى ، وعليه فيؤخذ على طبق البيِّنة الثانية فيحكم بصحّة العقد على المرأة الأُخرى لأصالة الصحّة ، وعلى الثاني فإن كانت البيِّنة الأُولى قائمة على زوجية المرأة الأُولى فعلاً فعندئذ تسقط من جهة المعارضة مع البيِّنة الثانية التي تدلّ على زوجيّة المرأة الأُخرى ، فيكون المرجع في المسألة هو استصحاب بقاء زوجيّة الأُولى إلّا فيما كانت المعارضة بينهما في الأُم والبنت وكانت زوجيّة البنت متقدِّمة على زوجية الأُم ، فإنّه حينئذ كما أنّ البيِّنة الثانية تعارض البيِّنة الأُولى في البقاء كذلك تعارضها في الحدوث ، وعليه فبعد سقوطهما لا يمكن الرجوع إلى استصحاب بقاء زوجية الأُولى ، وأمّا الرواية الواردة في المسألة فهي ضعيفة لا يمكن الاعتماد عليها ، وبذلك يظهر ما في قول الماتن قبل أسطر : «ترجّح الأسبق إذا كانت تشهد ... إلخ» ، وإن كانت البيِّنة الأُولى قائمة على زوجيّة المرأة الأُولى فحسب من دون دلالتها على أنها زوجته فعلاً فعندئذ حال هذا الفرض حال الفرض الأوّل.

هذا ولكن وردت رواية (1) تدلّ على تقديم بيِّنة الرجل ، إلّا مع سبق بيِّنة الامرأة المدعية أو الدخول بها في الأُختين ، وقد عمل بها المشهور في خصوص الأُختين ، ومنهم من تعدى إلى الأُم والبنت أيضاً. ولكن العمل بها حتى في موردها مشكل ، لمخالفتها للقواعد ، وإمكان حملها على بعض المحامل التي لا تخالف القواعد.


الدعويين.

ومثله في الحكم ما لو شهدت البينة الأُولى بحدوث الزوجية للبنت في السابق وشهدت البينة الثانية بالزوجية الفعلية للُام ، وذلك لعدم إمكان الجمع بينهما كما عرفت ، فينتهي الأمر إلى التساقط لا محالة.

نعم ، في غير هذه الصورة أعني الأُم والبنت مع سبق عقد الثانية من فروض شهادة إحدى البيّنتين بالحدوث خاصة وشهادة الأُخرى بالزوجية الفعلية ، تترجح البيّنة الثانية لا محالة ، لعدم المعارضة والمنافاة بينهما فيحكم بثبوت الزوجية الفعلية التي شهدت البينة لها بذلك. ولا يعارضه استصحاب زوجية الأُولى بعد ثبوتها بالبينة في السابق ، لسقوط الاستصحاب بالبينة الدالّة على ثبوت الزوجية الفعلية للثانية.

ومما ذكرنا كله يتضح الحال في الفروع التي ذكرها الماتن (قدس سره) بعد هذا.

(1) وهي ما رواها محمد بن يعقوب ، عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، وعن علي بن محمد القاساني ، عن القاسم بن محمد ، عن سليمان بن داود ، عن عيسى بن يونس ، عن الأوزاعي ، عن الزهري ، عن علي بن الحسين (عليه السلام) ، في رجل ادعى على امرأته أنه تزوّجها بولي وشهود وأنكرت المرأة ذلك ، فأقامت أُخت هذه المرأة على هذا الرجل البينة أنه تزوّجها بولي وشهود ولم يوقتا وقتاً ، فكتب : «إن البيّنة بيّنة الرجل ، ولا تقبل بيّنة المرأة ، لأن الزوج قد استحق بضع هذه المرأة ، وتريد أُختها فساد النكاح ، فلا تصدق ولا تقبل بيّنتها إلّا بوقت قبل وقتها أو بدخول بها» (1).


1) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب عقد النكاح وأولياء العقد ، ب 22 ح 1.

[3860] السادسة : إذا تزوّج العبد بمملوكة ثمّ اشتراها بإذن المولى ، فإن اشتراها للمولى بقي نكاحها (1)على حاله (1).


وقد رواها الشيخ (قدس سره) بإسناده عن محمد بن الحسن الصفار ، عن علي بن محمّد ، عن القاسم بن محمد ، عن سليمان بن داود ، عن عبد الوهاب بن عبد الحميد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (2).

إلّا أن هذه الرواية بطريقيها ضعيفة سنداً. فإنّ علي بن محمّد القاساني ممّن ضعّفه الشيخ (قدس سره) ، ومحمّد بن القاسم مشترك بين الثقة والضعيف ، وعيسى بن يونس لم يوثق ، والأوزاعي والزهري ضعيفان ، وعبد الوهاب بن عبد الحميد لم يرد فيه توثيق.

ومن هنا فمثل هذه الرواية لا يمكن الاعتماد عليها بوجه ، لكن لا من جهة مخالفتها للقاعدة حيث إنها ليست من الأحكام العقلية كي لا تقبل التخصيص ، وإنما من جهة ضعفها سنداً.

ودعوى انجبارها بعمل المشهور ، فقد عرفت عدم تماميتها كبرى غير مرّة.

هذا مضافاً إلى اختصاص الرواية بالأُختين ، فلا مجال للتعدي عنها بعد كونها مخالفة للقاعدة.

(1) هذا الحكم ذكره غير واحد ، منهم المحقِّق (قدس سره) في الشرائع (3). ولم يذكر صاحب الجواهر (قدس سره) في شرحه خلافاً من أحد ، وعلل ذلك بالأصل (4). وأرسله بعضهم إرسال المسلمات.


1) (*) تقدّم أنّ بيع الأمة طلاقها وعلى هذا فيثبت الخيار للمولى على أساس أنه المشتري لها فإن أجاز بقي النكاح ، وإلّا انفسخ ، وعليه فلا يجوز للعبد وطؤها إلّا بإجازة المولى.

2) الوسائل ، ج 27 كتاب القضاء ، أبواب كيفية الحكم ، ب 12 ح 13 ، التهذيب 6 : 236 / 581.

3) شرائع الإسلام 1 : 324.

4) الجواهر 29 : 168.

.................................................................................................


إلّا أن في ذلك إشكالاً ، بل منعاً. وذلك لما أجمعوا عليه بغير خلاف بينهم في باب الطوارئ ، من أن بيع الأمة بمنزلة الطلاق بل هو طلاق لها على ما دلّت عليه جملة من النصوص المعتبرة ، من دون أن يستثني منه هذه الصورة أعني شراء العبد زوجته لمولاه فإن معه كيف يمكن أن يقال بقي على نكاحها! بل لا بدّ أن يقال إنّ مولاها الجديد بالخيار ، فإن أجاز فهو ، وإلّا انفسخ لا محالة.

والحاصل ان ما أفاده (قدس سره) في المقام بل نسب ذلك إلى الأصحاب ، لا يجتمع مع ما ذكر في باب الطوارئ ولا يمكن المساعدة عليه.

ثمّ إنّ صاحب الجواهر (قدس سره) بعد أن اختار في هذه المسألة بقاء النكاح على حاله (1)ذكر في مسألة ما لو بيعت الأمة المزوجة ما ملخصه ، أن فيها وجهين : بطلان النكاح ، لكون بيعها طلاقاً لها حقيقة ، فيحصل الفراق بينها وبين الزوج ، غاية الأمر أن للمشتري إرجاع الزوجية فيكون نظير رجوع الزوج بزوجته المطلقة في أثناء العدّة ، بناءً على مسلك المشهور من أنه إرجاع للزوجية بعد ارتفاعها. وبقاء النكاح ، مع ثبوت حق الفصل بينهما للمشتري.

ثمّ ذكر (قدس سره) أن الوجه الأوّل هو الأقوى إن لم يثبت إجماع على خلافه باعتبار أنه هو الذي تقتضيه النصوص المعتبرة الدالة على أن صفقتها طلاقها (2).

بل حسنة حسن بن زياد ، قال : سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل اشترى جارية يطأها فلبغه أن لها زوجاً ، قال : «يطأها ، فإن بيعها طلاقها ، وذلك أنهما لا يقدران على شي‌ء من أمرهما إذا بيعا» (3).

وصحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) ، قال : «طلاق الأمة بيعها أو بيع زوجها» وقال في الرجل يزوج أمته رجلا حراً ثمّ يبيعها ، قال : «هو فراق بينهما ، إلّا أن يشاء المشتري أن يدعهما» (4)كالصريحتين في المدعى.


1) الجواهر 29 : 168.

2) الجواهر 30 : 263.

3) الوسائل ، ج 21 كتاب النكاح ، أبواب نكاح العبيد والإماء ، ب 47 ح 2.

4) الوسائل ، ج 21 كتاب النكاح ، أبواب نكاح العبيد والإماء ، ب 47 ح 1.

ولا إشكال في جواز وطئها (1). وإن اشتراها لنفسه بطل نكاحها (2) وحلّت له بالملك ، على الأقوى من ملكية العبد.


أقول : إن ما أفاده (قدس سره) وإن كان مناقضاً لما أفاده أوّلاً ، إلّا أنه هو الصحيح ، حيث لم يثبت إجماع على الخلاف.

ثمّ كان عليه (قدس سره) التنبيه على رواية معتبرة معارضة لما تقدّم من النصوص ، حيث تدلّ بالصراحة على الوجه الثاني ، وهي صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) ، قال : سألته عن رجل تحته مملوكة بين رجلين فقال أحدهما : قد بدا لي أن أنزع جاريتي منك وأبيع نصيبي فباعه ، فقال المشتري : أُريد أن أقبض جاريتي ، هل تحرم على الزوج؟ قال : «إذا اشتراها غير الذي كان أنكحها إياه فإن الطلاق بيده ، إن شاء فرّق بينهما ، وإن شاء تركها معه ، فهي حلال لزوجها ، وهما على نكاحهما حتى ينزعها المشتري» الحديث (1).

وهذه الرواية وإن كانت صحيحة سنداً وواضحة دلالة ، إلّا أنها لما كانت معارضة للنصوص الصحيحة الصريحة والمستفيضة ، فلا بدّ من رد علمها إلى أهله ، حيث لا يمكن حمل هذه على محمل آخر لصراحتها ، ولا رفع اليد عن تلك الروايات لصحّة سندها واستفاضتها.

(1) يظهر الحال فيه مما تقدّم.

(2) بلا خلاف فيه بينهم.

إلّا أنّ المستند فيه ليس هو عدم اجتماع الزوجية والملكية المستفاد من الآية الكريمة والنصوص المعتبرة على ما ذكر في بعض الكلمات ، كي يرد عليه بأن استحالة الجمع لا تقتضي حدوث الملك وزوال الزوجية إذ من الممكن الحكم بالعكس ، باعتبار أن صحّة البيع تحتاج إلى الدليل ، ومع عدمه يكون البناء على بطلان البيع وبقاء الزوجية عملاً بالاستصحاب أولى.


1) الوسائل ، ج 21 كتاب النكاح ، أبواب نكاح العبيد والإماء ، ب 48 ح 2.

وهل يفتقر وطؤها حينئذ إلى الإذن من المولى أوْ لا؟ وجهان ، أقواهما ذلك (1) لأنّ الإذن السابق إنما كان بعنوان الزوجية وقد زالت بالملك (2) فيحتاج إلى الإذن الجديد (1).

ولو اشتراها لا بقصد كونها لنفسه أو للمولى ، فإن اشتراها بعين مال المولى كانت له وتبقى الزوجية (3). وإن اشتراها بعين ماله كانت له وبطلت الزوجية. وكذا إن اشترها في الذمّة ، لانصرافه إلى ذمّة نفسه (4). وفي الحاجة إلى الإذن الجديد وعدمها ، الوجهان.


وإنما المستند فيه ما أشرنا إليه في التعليقة السابقة ، من أن بيع الأمة بعضاً أو كلّاً طلاق لها ، على ما تدلّ عليه جملة من النصوص المعتبرة ، ومنها ما هو وارد في خصوص المقام كموثقة سماعة ، قال : سألته عن رجلين بينهما أمة فزوّجاها من رجل اشترى بعض السهمين ، فقال : «حرمت عليه باشترائه إياها ، وذلك أن بيعها طلاقها إلّا أن يشتريها من جميعهم» (2).

(1) ما أفاده (قدس سره) وإن كان متيناً في نفسه ، إلّا أن الظاهر كفاية الإذن في الشراء لنفسه عن ذلك ، فلا يحتاج إلى إذن آخر في الوطء. وذلك لأن الإذن في الشراء لنفسه ، إذن منه في الانتفاع بها بما هو المتعارف ، بمقتضى الفهم العرفي ومناسبات الحكم والموضوع.

(2) لتحقّق الطلاق بمجرد البيع ، كما عرفت.

(3) تقدّم ما فيه فلا نعيد.

(4) حيث لم تقم قرينة على الخلاف ، فإن كونه في ذمّة الغير يحتاج إلى مئونة زائدة وخلاف ظاهر الشراء.


1) (*) نعم إلّا أنّ الإذن في الشراء لنفسه إذن له فيه فلا يحتاج إلى إذن آخر.

2) الوسائل ، ج 21 كتاب النكاح ، أبواب نكاح العبيد والإماء ، ب 46 ح 2.

[3861] السابعة : يجوز تزويج امرأة تدعي أنها خلية من الزّوج من غير فحص (1) مع عدم حصول العلم بقولها ، بل وكذا إذا لم تدع ذلك (2) ولكن دعت الرجل إلى تزويجها ، أو أجابت إذا دعيت إليه. بل الظاهر ذلك وإن علم كونها ذات بعل سابقاً ، وادعت طلاقها أو موته (3).


(1) على ما هو المعروف والمشهور بينهم ، بل لم يظهر الخلاف فيه من أحد.

وتدلّنا عليه مضافاً إلى السيرة القطعية ، حيث يتزوج الرجل الغريب في غير بلده معتمداً على دعواها أنها خلية من غير فحص ، من دون أن يظهر التوقف في صحّة عقده من أحد معتبرة ميسر ، قال : قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : ألقى المرأة بالفلاة التي ليس فيها أحد ، فأقول لها : ألك زوج؟ فتقول : لا ، فأتزوّجها؟ قال : «نعم هي المصدقة على نفسها» (1).

ويؤيده خبر محمد بن عبد اللّه الأشعري ، قال : قلت للرضا (عليه السلام) : الرجل يتزوج بالمرأة فيقع في قلبه أن لها زوجاً؟ فقال : «وما عليه ، أرأيت لو سألها البيّنة كان يجد من يشهد أن ليس لها زوج» (2).

وهي بحسب الدلالة وإن كانت لا بأس بها ، إلّا أنها من حيث السند ضعيفة ، حيث إن محمّد بن عبد اللّه الأشعري لم يوثق ، ومن هنا جعلناها مؤيدة.

(2) للسيرة ومعتبرة ميسر المتقدمتين ، إذ لا فرق في كونها مصدقة على نفسها بين قولها وعملها ، فإنّ دعوتها للرجل أو إجابتها له ، إخبار منها بخلوها عن البعل والمانع.

(3) ظهر وجهه مما تقدّم ، حيث لم يرد تقييد لإطلاق قوله (عليه السلام) في معتبرة ميسر : «هي المصدقة على نفسها». وكذا السيرة ، فإنّ الرجال يتزوجون من الثيبات


1) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب عقد النكاح وأولياء العقد ، ب 25 ح 2.

2) الوسائل ، ج 21 كتاب النكاح ، أبواب المتعة ، ب 10 ح 5.

نعم ، لو كانت متهمة في دعواها ، فالأحوط الفحص (1)عن حالها (1).

ومن هنا ظهر جواز تزويج زوجة من غاب غيبة منقطعة ولم يعلم موته وحياته ، إذا ادعت حصول العلم لها بموته من الأمارات والقرائن أو بإخبار مخبرين ، وإن لم يحصل العلم بقولها. ويجوز للوكيل أن يجري العقد عليها ما لم يعلم كذبها في دعوى العلم ، ولكن الأحوط الترك ، خصوصاً إذا كانت متّهمة.


من غير فحص ، مع ظهور الثيبوبة في سبق الزوجية غالباً.

(1) بل مقتضى صحيحة أبي مريم عن أبي جعفر (عليه السلام) ، أنه سئل عن المتعة ، فقال : «إنّ المتعة اليوم ليست كما كانت قبل اليوم ، إنّهنّ كنّ يومئذ يؤمن ، واليوم لا يؤمنَّ ، فاسألوا عنهنّ» (2)هو وجوب الفحص.

فإنها صحيحة سنداً ، وواضحة دلالة ، ومقتضى القاعدة تخصيص ما دلّ على أنها مصدقة على نفسها بغير صورة التهمة.

إلّا أن المشهور لم يذهبوا إلى ذلك ، والتزموا باستحباب الفحص عند التهمة ، وهو الصحيح.

والوجه فيه أن المراد بالتهمة وعدم المأمونية في رواية أبي مريم ليست هي التهمة الشخصية ، بمعنى أن تكون المرأة المعيّنة التي يريد الرجل تزوّجها متهمة وغير مأمونة كما هو واضح ، وإنما المراد بها هي التهمة النوعية ، نظراً لتفشي الفساد وكثرة الفجور.

ومن هنا فحيث إن هذه التهمة كانت موجودة في عصر الإمام أبي عبد اللّه (عليه السلام) أكثر مما كانت عليه في زمان أبي جعفر (عليه السلام) كما يشهد لذلك نمو الفساد وتكثره يوماً بعد يوم ومع ذلك فقد حكم (عليه السلام) لميسر بجواز التزوج من غير فحص ، فلا بدّ من حمل صحيحة أبي مريم على الاستحباب ، جمعاً بينهما.

ومن هنا يظهر الحال فيما أفاده الماتن (قدس سره) بعد هذا من الفروع.


1) (*) لا بأس بتركه فيما إذا لم يكن اطمئنان بكذبها.

2) الوسائل ، ج 21 كتاب النكاح ، أبواب المتعة ، ب 6 ح 1.

[3862] الثامنة : إذا ادعت امرأة أنها خلية فتزوجها رجل ، ثمّ ادعت بعد ذلك كونها ذات بعل ، لم تسمع دعواها (1).

نعم ، لو أقامت البيّنة على ذلك فُرِّق بينها وبينه (2) وإن لم يكن هناك زوج معين ، بل شهدت بأنها ذات بعل على وجه الإجمال.

[3863] التاسعة : إذا وكلّا وكيلاً في إجراء الصيغة في زمان معين ، لا يجوز لهما المقاربة بعد مضي ذلك الزمان (3) إلّا أن يحصل لهما العلم بإيقاعه. ولا يكفي الظن بذلك ، وإن حصل من إخبار مخبر بذلك ، وإن كان ثقة (1)(4).


(1) فإنّ المستفاد من النصوص المتقدِّمة ، إنما هو حجية إخبارها بالنسبة إلى جواز التزويج. وأما بالنسبة إلى إبطال زوجية محكومة بالصحّة ظاهراً ، فلا دليل على حجية إخبارها فيه ، بل مقتضى كونه إقراراً في حق الغير عدم السماع.

نعم ، إخبارها هذا حجة بالنسبة إلى نفسها ، فلا تستحق المطالبة بالمهر والنفقة لاعترافها بكونها بغية ، وإن وجب على الزوج دفعهما إليها ، للعلم الإجمالي بوجوبهما أو حرمة الوطء ، على ما تقدّم بيانه مفصلاً في المسألة الثالثة من هذا الفصل ، فراجع.

(2) عملاً بأدلّة حجية البيّنة المحكمة في المقام من غير معارض.

(3) لاحتمال عدم وقوعه لنسيان أو غيره ، وحيث لم يحرز وقوعها فلا مجال لترتيب آثارها.

(4) على خلاف بينهم ، منشأه الخلاف في أن الأصل هل هو حجية خبر الثقة في الموضوعات إلّا ما خرج بالدليل ، أو عدمها إلّا ما خرج بالدليل؟

وقد عرفت في الأبحاث الماضية أن الصحيح هو الأوّل ، باعتبار أن السيرة العقلائية التي هي عمدة الدليل على حجية خبر الثقة ، قائمة على الحجية في الشبهات الموضوعية والحكمية على حد سواء ، من دون أن يرد دليل على خلاف ذلك.

وأما خبر مسعدة بن صدقة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : سمعته يقول :


1) (*) لا يبعد حجية قول الثقة وإن لم يحصل الظن منه.

نعم ، لو أخبر الوكيل بالإجراء كفى إذا كان ثقة (1) بل مطلقاً (2) لأن قول الوكيل حجّة فيما وُكِّلَ فيه.


«كل شي‌ء هو لك حلال حتى تعلم أنه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك ، وذلك مثل الثوب يكون عليك قد اشتريته وهو سرقة ، أو المملوك عندك ولعله حر قد باع نفسه أو خدع فبيع قهراً ، أو امرأة تحتك وهي أُختك أو رضيعتك. والأشياء كلها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك ، أو تقوم به البيّنة» (1).

فليس المراد بالبيّنة فيها هو المعنى الاصطلاحي في باب القضاء من الشاهدين أو الأربعة الشهداء أو الشاهد واليمين ، وإنما المراد بها مطلق ما يتبيّن به الأمر ويتضح به الحال ، وذلك لوضوح أنه لا ينحصر طريق الاستبانة بشهادة عدلين أو أربعة عدول فإن التبين يحصل بالإقرار وقول ذي اليد والاستصحاب ونحوها ، فلا دليل على اختلاف الحال في الشبهات الموضوعية عن الشبهات الحكمية ، باعتبار التعدّد في الأُولى دون الثانية.

والحاصل أنّ الصحيح هو كفاية اخبار الثقة الواحد وإن لم يكن وكيلاً ، لأن الأصل حجية خبره إلّا ما ثبت بالدليل ، كما هو الحال في باب القضاء.

(1) بلا إشكال فيه للأولوية بعد أن كان قول غيره حجة.

(2) كما ذهب إليه جماعة ، باعتبار أنه من مصاديق القاعدة المعروفة «من ملك شيئاً ملك الإقرار به» والمدعى عليها الإجماع ، بل أرسلها جماعة إرسال المسلمات.

إلّا أن إثباتها بالإجماع التعبدي على إطلاقها وكلّيتها بعيد غاية البعد ، فإنّ جملة من الأصحاب لم يتعرّض إليها ، بل لم تذكر في كلمات من تقدّم على الشيخ (قدس سره). على أنّ الصبي مالك للوصيّة ، لكن لا يسمع إقراره بها.

فالذي ينبغي أن يُقال : إنّ ما يكون إقراراً على النفس لا حاجة في إثبات حجيته إلى هذه القاعدة ، فإنه يكفينا فيه ما دلّ على نفوذ الإقرار على النفس ، من غير حاجة إلى إثبات الإجماع ونحوه.


1) الوسائل ، ج 17 كتاب التجارة ، أبواب ما يكتسب به ، ب 4 ح 4.

فصل : في أولياء العقد

وهم الأب ، والجدّ من طرف الأب (1) ، بمعنى : أب الأب فصاعداً ، فلا يندرج


وهكذا الحال بالنسبة إلى ما كان الإقرار بنفسه مصداقاً للإنشاء ، كما لو أخبر من له الفسخ بالفسخ ، أو أخبر الزوج في أثناء العدة عن الرجوع بزوجته ، فإنه خارج عن محل الكلام أيضاً ، حيث إنّ هذا الإخبار بنفسه يعتبر فسخاً ورجوعاً ، لأنه يبرز الاعتبار النفساني من غير حاجة إلى ثبوت رجوع سابق.

هذا وقد نسب شيخنا الأنصاري (قدس سره) في رسالته في قاعدة «من ملك» إلى الشهيد (قدس سره) أنه استشكل في سماع إخبار الزوج عن الرجوع في أثناء العدّة (1)لكننا لم نعرف لذلك وجهاً.

وأما في غير هذين الموردين ، فالظاهر هو السماع أيضاً ، لكن لا لما ذكروه ، بل للسيرة القطعية على عدم مطالبة الوكيل بالإثبات إذا أخبر عن العمل بوظيفته ، فإنه تسمع دعواه ويقبل قوله من دون أن يطالب بالبيِّنة.

ومن هنا يظهر الحال في الأولياء ، فإنه تسمع دعواهم في ما لهم الولاية من دون أن يطالبوا بالإثبات.

فصل

في أولياء العقد

(1) ثبوت الولاية لهما وللوصي والسيد والحاكم في الجملة من القطعيّات التي لا ينبغي الشك فيها ، وتدلّ عليه من النصوص جملة متضافرة نتعرض إليها في ضمن المسائل القادمة.


1) انظر كتاب النكاح للشيخ الأنصاري 20 : 167 168 طبع المؤتمر العالمي.

فيه أب أُم الأب (1) والوصي لأحدهما مع فقد الآخر ، والسيد بالنسبة إلى مملوكه والحاكم. ولا ولاية للأُم (2) ولا الجد من قبلها ، ولو من قبل أُم الأب ،


(1) ويقتضيه مضافاً إلى أصالة عدم ثبوت ولاية لأحد على غيره إلّا من خرج بالدليل ، باعتبار أن نفوذ العقد يحتاج إلى الدليل ، وإلّا فهو محكوم بالبطلان مفهوم صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) ، في الصبي يتزوج الصبية يتوارثان؟ فقال : «إذا كان أبواهما اللذان زوجاهما فنعم» (1). فإن مقتضاه انحصار الولاية فيهما ، وعدم ثبوتها لغيرهما على الإطلاق.

وكيف كان ، فالحكم مما لا خلاف فيه ، إلّا ما ينسب إلى ابن الجنيد (قدس سره) من الالتزام بثبوت الولاية له أيضاً ، مستدلاً ببعض النصوص الواردة في ولاية الأم (2)وستعرف الحال فيها عند التعرض لها في التعليقة الآتية.

(2) كما يقتضيه الأصل ، بل الإجماع المحكي في كلمات غير واحد ، حيث لم يخالف فيه إلّا ابن الجنيد ، وقد يستدل له برواية إبراهيم بن ميمون عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : «إذا كانت الجارية بين أبويها فليس لها مع أبويها أمر ، وإذا كانت قد تزوجت لم يزوجها إلّا برضا منها» (3)حيث إن ظاهرها عدم اختصاص الولاية للأب وثبوتها للُام أيضاً.

إلّا أنه مندفع بأنها مضافاً إلى معارضتها للروايات الصحيحة المستفيضة الدالة بمجموعها على دوران أمر الجارية بين أن يكون بيدها مستقلة ، أو يكون بيد أبيها مستقلا ، أو يكون بيدهما معاً ، حيث إن المستفاد منها أنه ليس للُام من أمرها شي‌ء لا دلالة لها على انفراد الأُم في الولاية عليها ، بل غاية ما تدلّ ثبوت الولاية لها منضمة إلى الأب ، وهو مخالف للإجماع المحقق القائم على استقلال الأب في الولاية وعدم وجود ضميمة في ولايته.


1) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب عقد النكاح وأولياء العقد ، ب 12 ح 1.

2) مجموعة فتاوى ابن الجنيد : 252 مسألة 2.

3) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب عقد النكاح وأولياء العقد ، ب 9 ح 3.

ولا الأخ (1)


والذي يهون الخطب أن هذه الرواية ضعيفة سنداً ، وإن عبر عنها في بعض الكلمات بالموثقة ، فإن إبراهيم بن ميمون لم يرد فيه مدح فضلاً عن التوثيق.

فالرواية ساقطة من هذه الجهة ، ولا تصلح للاستناد إليها.

(1) بلا خلاف فيه ، ويقتضيه الأصل.

نعم ، ذكر صاحب الجواهر (قدس سره) رواية أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : سألته عن ( الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ ) قال : «هو الأب والأخ والرجل يوصى إليه ، والذي يجوز أمره في مال المرأة فيبتاع لها ويشتري ، فأي هؤلاء عفا فقد جاز» (1). وقد عبّر عنها بالخبر ، وهو مشعر بضعف سندها. ثمّ ناقشها بلزوم تأويلها أو حملها على التقيّة ، حيث ذهب العامّة إلى ثبوت الولاية له عند عدم الأب (2).

إلّا أنه قد ورد التعبير عنها في كلمات بعضهم بالصحيحة.

والصحيح هو ما يظهر من كلام صاحب الجواهر (قدس سره) ، فإن هذه الرواية ضعيفة ، فإن أحمد بن محمد بن عيسى يرويها عن البرقي أو غيره ، وحيث لم يعرف ذلك الغير تكون الرواية ضعيفة.

وكيف كان ، فلا أثر لهذا النص بالخصوص ، إذ قد ورد مضمونها في جملة كبيرة من الأخبار المعتبرة ، بل في بعضها التصريح بثبوت الولاية له (3).

غير أن هذه الروايات على كثرتها لا بدّ من تأويلها والتصرف فيها ، بحملها على ما إذا كان الأخ وكيلاً عنها ، أو إلغائها وحملها على التقية ، للإجماع والقطع بعدم ثبوت الولاية له عليها. إذ كيف يمكن أن تكون للأخ ولاية عليها ، ولو في خصوص فرض عدم وجود الأب ، مع عدم ذهاب أحد منا إلى ذلك على الإطلاق! فإنّ فرض تصدي الأخ لشؤون أُخته خارجاً ليس بفرض نادر ، والحال أنه لم يذهب إلى ثبوت الولاية


1) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب عقد النكاح وأولياء العقد ، ب 8 ح 4.

2) الجواهر 29 : 171.

3) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب عقد النكاح وأولياء العقد ، ب 8.

والعم (1) والخال (2) وأولادهم.


له أحد من الأصحاب.

ومن هنا فهذه الروايات مقطوعة البطلان.

على أن في المقام روايتين صحيحتين تدلّان على عدم ثبوت الولاية للأخ :

إحداهما : صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : سئل عن رجل يريد أن يزوج أُخته ، قال : «يؤامرها ، فإن سكتت فهو إقرارها ، وإن أبت لا يزوّجها» (1).

ثانيتهما : صحيحة داود بن سرحان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، في رجل يريد أن يزوّج أُخته ، قال : «يؤامرها ، فإن سكتت فهو إقرارها ، وإن أبت لم يزوِّجها ، فإن قالت : زوّجني فلاناً ، زوّجها ممن ترضى» (2).

فإن تلك الروايات معارضة لهاتين الصحيحتين ، ولو لم نقل بترجيح هاتين ، فلا أقلّ من التساقط بالمعارضة والرجوع إلى مفهوم صحيحة محمد بن مسلم المتقدِّمة الدالّ على عدم ثبوت الولاية لغير الأب ، عدا من خرج بالدليل ، أو الأصل المقتضي للفساد.

(1) ويقتضيه مضافاً إلى الأصل ومفهوم صحيحة محمد بن مسلم المتقدِّمة خصوص رواية محمد بن الحسن الأشعري ، قال : كتب بعض بني عمي إلى أبي جعفر الثاني (عليه السلام) : ما تقول في صبية زوّجها عمها فلما كبرت أبت التزويج؟ فكتب لي : «لا تكره على ذلك والأمر أمرها» (3).

وهذه الرواية وإن عبر عنها في الجواهر بالصحيحة (4)إلّا أنها ضعيفة السند ، فإن محمّد بن الحسن الأشعري إنما هو محمد بن الحسن بن خالد الأشعري المعروف ب- (الشنبولة) ، وهو ممن لم يرد فيه توثيق.

(2) إجماعاً ، كما يقتضيه الأصل ، ومفهوم صحيحة محمد بن مسلم المتقدِّمة ، ومنه


1) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب عقد النكاح وأولياء العقد ، ب 4 ح 4.

2) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب عقد النكاح وأولياء العقد ، ب 7 ح 1.

3) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب عقد النكاح وأولياء العقد ، ب 6 ح 2.

4) الجواهر 29 : 170.

[3864] مسألة 1 : تثبت ولاية الأب والجد على الصغيرين (1) والمجنون المتصل جنونه بالبلوغ (2) بل والمنفصل على الأقوى (3). ولا ولاية لهما على البالغ


يظهر الحال في أولادهم.

(1) بلا إشكال. والروايات الدالّة على ثبوتها مستفيضة ، بل لا خلاف فيه إلّا ما يُنسب إلى ابن أبي عقيل من إنكار ولاية الجدّ وكأنه استند في ذلك إلى النصوص الدالة على حصر الولاية في الأب. إلّا أنه لا بدّ من رفع اليد عن هذه الروايات ، وذلك للنصوص الكثيرة الدالة صريحاً على نفوذ عقد الجد على ابنه أعني والد البنت وأنه يقدم إنكاح الجد للبنت على إنكاح الأب لها ، فإنها تقتضي أولوية ولاية الجد على ولاية الأب ، كما لا يخفى.

والحاصل أن إنكار ولاية الجد بعد الالتفات إلى هذه النصوص ، ليس في محله ولا يمكن المساعدة عليه.

(2) بلا خلاف فيه بينهم ، بل قد حكي عليه الاتفاق والإجماع.

(3) وفاقاً للمحقق في الشرائع (1)وصاحب الجواهر (2)وشيخنا الأعظم في رسالة النِّكاح (3). وهو الصحيح ، لعدم الفرق في الجنون بين المتصل بالبلوغ والمنفصل عنه فإن حالهما واحد من حيث ثبوت الولاية ، فالدليل المقتضي لثبوتها في الأوّل هو بعينه يقتضي ثبوتها في الثاني.

اللّهمّ إلّا ان يثبت إجماع على الخلاف ، لكنه وبالمعنى المعتبر أعني كشفه عن رأي المعصوم (عليه السلام) غير ثابت جزماً ، وذلك لكونه معلوم المدرك. فإن الأصحاب إنما التزموا بثبوتها عند اتصال الجنون بالبلوغ من جهة التمسك باستصحاب بقاء الولاية ، باعتبار أنها كانت ثابتة قبل البلوغ جزماً ، فإذا شك حين


1) شرائع الإسلام 1 : 325.

2) الجواهر 29 : 186.

3) رسالة النكاح 20 : 177 178 طبع المؤتمر العالمي.

.................................................................................................


البلوغ في ارتفاعها كان مقتضى الاستصحاب هو الحكم باستمرارها. وهذا بخلاف صورة الانفصال ، حيث إن الولاية قد ارتفعت بالبلوغ يقيناً ، غاية الأمر أنه يشك في ثبوتها بعد ذلك نتيجة لطرو الجنون ، فلا مجال للتمسك بالاستصحاب.

لكن لا يخفى ما في هذا الاستصحاب من خلل ، فإنه من استصحاب الحكم الكلي وقد تقدّم في محلِّه عدم جريانه مفصلاً.

على أنه يعتبر في الاستصحاب اتحاد القضيتين المتيقنة والمشكوكة ، ولا ينبغي الشك في فقدان هذا الشرط في المقام ، فإن الصغر والكبر كالحضر والسفر موضوعان مختلفان بنظر العرف. ومن هنا فلو فرضنا ثبوت حكم الصغر للكبر ، أو الحضر للسفر ، فليس ذلك من استمرار ذلك الحكم وبقائه ، وإنما هو حكم آخر مماثل للحكم الأوّل.

وبعبارة اخرى : إنّ الولاية المسببة عن الصغر قد زالت جزماً ، وإنما الشك في ثبوت ولاية جديدة غير الولاية الاولى ، فلا يفرق الحال فيها بين ما كان متصلاً بالصغر وما كان منفصلاً عنه. وإن لم يقم الدليل عليها ، فلا تثبت في كلتا الحالتين أيضاً.

هذا وقد استدل شيخنا الأعظم (قدس سره) على ثبوتها بنحو الإطلاق (1)بما رواه زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) ، قال : «إذا كانت المرأة مالكة أمرها ، تبيع وتشتري وتعتق وتعطي من مالها ما شاءت ، فإن أمرها جائز تزوّج إن شاءت بغير إذن وليها. وإن لم تكن كذلك ، فلا يجوز تزويجها إلّا بأمر وليها» (2)حيث إن من الواضح أن المجنونة من أظهر مصاديق التي لا تملك أمرها.

والظاهر أنه لا وجه للمناقشة في دلالتها ، من جهة أنها لم تتعرّض لإثبات من هو وليّها ، وهل هو أبوها أو جدّها أو الحاكم؟ وذلك لأن الظاهر من كلمة «وليّها» هو من يتصدّى لُامورها وشؤونها في غير النِّكاح ، ومن هنا فاحتمال كونه الحاكم بعيد


1) كتاب النكاح 20 : 175 طبع المؤتمر العالمي.

2) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب عقد النكاح وأولياء العقد ، ب 9 ح 6.

.................................................................................................


جدّاً ، كما استبعده شيخنا الأعظم (قدس سره) أيضاً (1). على أن الظاهر من إضافة الولي إلى الضمير العائد لها إرادة الولي المختص بها ، ومن الواضح أنه إنما هو الأب والجد لأنهما اللذان يختصان بإدارة شؤونها ، وأما الحاكم فليس بولي مختص لها.

وعلى هذا فالمناقشة في دلالة النص غير وجيهة.

نعم ، الرواية ضعيفة سنداً ، من جهة أن علي بن إسماعيل الميثمي وإن كان ممدوحاً من حيث إنه من أجلّاء المتكلمين ، بل الظاهر أنه أوّل من كتب في الإمامة ، إلّا أنه لم يرد فيه توثيق من حيث الرواية.

هذا والذي ينبغي أن يقال : إن السيرة القطعية قائمة على قيام الأب والجد بإدارة شؤون المجنون والمجنونة في النكاح وغيره ، من دون أن يثبت عن ذلك ردع.

ومن هنا فتكون ولاية النكاح لهما ، حتى وإن ثبت كون الحاكم ولياً لمن لا ولي له.

على أنه لم تثبت ولاية للحاكم إلّا في الأُمور الحسبية التي ينبغي تحققها في الخارج وتقتضي الحاجة والضرورة وجودها ، وذلك من باب أن الحاكم هو القدر المتيقن. وأما غيرها من الأُمور كتزويج المجنونة ، فلا موجب للقول بثبوت ولاية الحاكم له. ومن هنا فإذا انتفت ولاية الحاكم ثبتت الولاية للأب والجد ، للقطع واليقين بانحصار الأمر فيهما. حيث إنها ليست لغيرهما جزماً.

هذا كلّه مضافاً إلى قوله تعالى ( إِلّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ ) (2).

فإنّ هذه الآية الكريمة وبملاحظة النصوص الكثيرة الواردة في تفسير ( الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ ) بالأب والجد والأخ ، ظاهرة الدلالة في ثبوت الولاية لهم عليها بقول مطلق. نعم ، خرج الأخ بالدليل الخاص والإجماع. وخرجت الثيب المالكة أمرها الباقي بالنص فيبقى بما في ذلك المجنونة تحت الإطلاق.

ثمّ إن الأصحاب وإن ذكروا خلو النصوص من حكم المسألة ، وهو كذلك إن أُريد


1) كتاب النكاح 20 : 175 طبع المؤتمر العالمي.

2) سورة البقرة 2 : 237.

.................................................................................................


بها النصوص الخاصّة ، أعني ما هو وارد في الفرض بالذات ، إلّا أن في النصوص ما يمكن الاستدلال به على المدعى :

كصحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في الجارية يزوجها أبوها بغير رضاء منها ، قال : «ليس لها مع أبيها أمر ، إذا أنكحها جاز نكاحه وإن كانت كارهة» (1).

وصحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) ، قال : سألته عن الرجل ، هل يصلح له أن يزوج ابنته بغير إذنها؟ قال : «نعم ، ليس يكون للولد أمر إلّا أن تكون امرأة قد دخل بها قبل ذلك ، فتلك لا يجوز نكاحها إلّا أن تستأمر» (2).

وغيرهما مما دل على نفوذ عقد الأب على ابنته ، أو الوالد على ولده. فإن مقتضى إطلاقها نفوذ عقده عليهما على الإطلاق ، إلّا ما خرج بالدليل كالبنت الثيب والولد البالغ الرشيد. وحيث إنه لا دليل على خروج الصغيرة أو المجنونة والصغير أو المجنون فمقتضى الإطلاق ثبوت الولاية عليهم.

وأوضح من كل هذه دلالة ما ورد في باب الطلاق من أن الولي بمنزلة السلطان كصحيحة أبي خالد القماط ، قال : قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : الرجل الأحمق الذاهب العقل يجوز طلاق وليه عليه؟ قال : «ولم لا يطلق هو»؟ قلت : لا يؤمن إن طلق هو أن يقول غداً لم أُطلّق ، أو لا يحسن أن يطلق ، قال : «ما أرى وليّه إلّا بمنزلة السلطان» (3).

أو ما دل على أنه بمنزلة الإمام (عليه السلام) ، كروايته عنه (عليه السلام) أيضاً في طلاق المعتوه ، قال : «يطلق عنه وليّه ، فإني أراه بمنزلة الإمام عليه» (4).


1) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب عقد النكاح وأولياء العقد ، ب 9 ح 7.

2) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب عقد النكاح وأولياء العقد ، ب 9 ح 8.

3) الوسائل ، ج 22 كتاب الطلاق ، أبواب مقدمات الطلاق وشرائطه ، ب 35 ح 1.

4) الوسائل ، ج 22 كتاب الطلاق ، أبواب مقدمات الطلاق وشرائطه ، ب 35 ح 3.

الرشيد ، ولا على البالغة الرشيدة إذا كانت ثيباً (1). واختلفوا في ثبوتها على البكر الرشيدة على أقوال ، وهي : استقلال الولي (2)


أو ما دلّ على أن الولي إذا طلقها ثلاثاً اعتدت وبانت منه بواحدة ، كرواية شهاب ابن عبد ربه ، قال : قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : «المعتوه الذي لا يحسن أن يطلِّق يطلِّق عنه وليِّه على السنّة». قلت : فطلقها ثلاثاً في مقعد؟ قال : «ترد إلى السنّة ، فإذا مضت ثلاثة أشهر ، أو ثلاثة قروء ، فقد بانت منه بواحدة» (1).

فإنه لا ينبغي الشك في كون المراد بالولي في هذه النصوص هو الأب والجد في الدرجة الأُولى ، باعتبار أنهما اللذان يقومان بسائر شؤونه وفي مرحلة سابقة على السلطان والإمام (عليه السلام) ، وإذا ثبتت الولاية لهما في الطلاق ثبتت في النكاح : أما بالأولوية القطعية حيث إن أمر الطلاق أعظم ، ولذا ثبتت الولاية لهما على الصغير في النكاح ، في حين لم تثبت لهما ذلك في الطلاق. أو تمسكاً بقوله (عليه السلام) : «ما أرى وليه إلّا بمنزلة السلطان» فإنه ظاهر في كونه من باب تطبيق الكبرى على الصغرى ، وجعل ما للسلطان من صلاحيات في مثل هذه القضية له ، وحيث إن السلطان الذي هو الإمام المعصوم ولي بقول مطلق ومن غير اختصاص بالنكاح يكون الأب أيضاً ولياً عليه كذلك.

إذن فما أفاده صاحب الجواهر (قدس سره) من ثبوت الولاية للأب والجد على المجنون والمجنونة بقول مطلق ، سواء اتصل جنونهما ببلوغهما أم انفصل (2)هو الصحيح.

(1) بلا خلاف فيه وفيما قبله ، بل الحكم مما تسالم عليه الأصحاب ، عدا ما نسب إلى ابن أبي عقيل من إثبات الولاية لهما على الثيب (3)غير أنه مما لا شاهد له من النصوص مطلقاً ، بل الأخبار المستفيضة دالّة على الخلاف.

(2) كما اختاره جملة من الأصحاب ، وأصرّ عليه صاحب الحدائق (قدس


1) الوسائل ، ج 22 كتاب الطلاق ، أبواب مقدمات الطلاق وشرائطه ، ب 35 ح 2.

2) الجواهر 29 : 186.

3) انظر مختلف الشيعة 7 : 118.

.................................................................................................


سره) (1). وتدلّ عليه نصوص كثيرة صحيحة السند :

منها : صحيحة الفضل بن عبد الملك عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : «لا تستأمر الجارية التي بين أبويها إذا أراد أبوها أن يزوجها ، هو أنظر لها. وأما الثيب فإنها تستأذن وإن كانت بين أبويها إذا أرادا أن يزوجاها» (2).

ومنها : صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : سألته عن البكر إذا بلغت مبلغ النساء ، إلها مع أبيها أمر؟ فقال : «ليس لها مع أبيها أمر ما لم تثيب» (3).

ومنها : صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) ، قال : «لا تستأمر الجارية إذا كانت بين أبويها ، ليس لها مع الأب أمر» وقال : «يستأمرها كل أحد ما عدا الأب» (4).

ومنها : صحيحة أُخرى للحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في الجارية يزوجها أبوها بغير رضاء منها ، قال : «ليس لها مع أبيها أمر ، إذا أنكحها جاز نكاحه وإن كانت كارهة» (5).

والموضوع في هاتين الصحيحتين وإن كانت هي الجارية وهي تعمّ البكر والثيب. إلّا أنهما بعد التخصيص بما دل على لزوم استئذان الثيب تختصان بالبكر لا محالة.

ومنها : صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) ، قال : سألته عن الرجل ، هل يصلح له أن يزوج ابنته بغير اذنها؟ قال : «نعم ، ليس يكون للولد أمر إلّا أن تكون امرأة قد دخل بها قبل ذلك ، فتلك لا يجوز نكاحها إلّا أن تستأمر» (6).

إلى غير ذلك من النصوص الصحيحة الدالة على استقلال الولي بالأمر.


1) الحدائق 23 : 211.

2) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب عقد النكاح وأولياء العقد ، ب 3 ح 6.

3) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب عقد النكاح وأولياء العقد ، ب 3 ح 11.

4) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب عقد النكاح وأولياء العقد ، ب 4 ح 3.

5) تقدّمت في ص 205 ه 1.

6) تقدّمت في ص 205 ه 2.

.................................................................................................


وهذه النصوص لو لم يكن لها معارض ، لتعين العمل بها والالتزام بمضمونها ، إلّا أن في المقام معتبرتين تدلّان على لزوم استشارة البكر وعدم استقلال الأب في أمرها وهاتان المعتبرتان هما :

أوّلاً : معتبرة منصور بن حازم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : «تستأمر البكر ، وغيرها ولا تنكح إلّا بأمرها» (1).

ثانياً : معتبرة صفوان ، قال : استشار عبد الرحمن موسى بن جعفر (عليه السلام) في تزويج ابنته لابن أخيه ، فقال : «افعل ويكون ذلك برضاها ، فإن لها في نفسها نصيباً». قال : واستشار خالد بن داود موسى بن جعفر (عليه السلام) في تزويج ابنته علي بن جعفر ، فقال : «افعل ويكون ذلك برضاها ، فإن لها في نفسها حظاً» (2).

ومن هنا فلا بدّ من الرجوع إلى ما تقتضيه قواعد المعارضة. وحيث إن هاتين المعتبرتين توافقان الكتاب باعتبار أن مقتضى إطلاقاته عدم اعتبار إذن غير المرأة في العقد عليها ونفوذ عقدها مستقلة ، وتخالفان المشهور من الجمهور فإن المنسوب إلى الشافعي وأحمد ومالك القول باستقلال الأب (3)تترجحان على تلك الروايات مع كثرتها. وحينئذ فلا بدّ من حمل تلك على التقية ، أو عدم استقلال البكر في الزواج واشتراط انضمام إذن الأب إلى رضاها.

ثمّ لو فرضنا عدم رجحان هاتين الروايتين على ما دلّ على استقلال الأب والتزمنا بتساقطهما جميعاً نتيجة المعارضة ، فلا يخفى أن مقتضى الأصل هو عدم نفوذ تصرف أحد بالنسبة إلى غيره. وعليه فلا بدّ من اعتبار رضاهما معاً ، أما رضا الأب فلما دلّ عليه من غير معارض ، وأما رضاها فللقاعدة والأصل.

والحاصل أن الروايات التي استدلّ بها على استقلال الأب ، على طوائف ثلاث :

الاولى : ما تدلّ على اعتبار رضا الأب فقط ، ومن دون تعرّض لاعتبار رضاها


1) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب عقد النكاح وأولياء العقد ، ب 3 ح 10.

2) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب عقد النكاح وأولياء العقد ، ب 9 ح 2.

3) البحر الرائق 3 : 117 ، تحفة الفقهاء 1 : 152 ، المجموع 16 : 149.

واستقلالها (1)


نفياً أو إثباتاً. وهذه الطائفة لا يمكنها معارضة المعتبرتين المتقدمتين معتبرة منصور ابن حازم ومعتبرة صفوان لإمكان الجمع بينهما ، بالقول باشتراكهما في الأمر واعتبار رضاهما معاً.

الثانية : ما تعارض المعتبرتين السابقتين بالإطلاق ، وهي ما تضمنت نفي الأمر عنها وأنه ليس لها مع أبيها أمر ، فإنه أعمّ من نفي استقلالها في الأمر ونفي مشاركتها فيه. وهي أيضاً قابلة للجمع مع المعتبرتين ، بالالتزام باشتراكهما في الأمر وتقييد إطلاق هذه النصوص. ولا يبعد دعوى ظهور بعض هذه الروايات في نفي استقلالها كما يظهر ذلك من مقابلتها للثيب التي لها الأمر كلّه وتتصرّف في نفسها بما شاءت مستقلة.

الثالثة : ما دلّت على استقلال الأب صريحاً ، كصحيحة الحلبي الدالة على جواز إنكاحه لها وإن كانت هي كارهة. وهذه الطائفة وإن كانت تعارض المعتبرتين المتقدِّمتين ، إلّا أنها ليست من الكثرة بحيث يقطع بصدورها منهم (عليهم السلام).

ومن هنا تتقدّم هاتان المعتبرتان على هذه الطائفة ، نظراً لموافقتهما للكتاب والسنّة ، ومخالفتهما للمشهور من العامة.

ونتيجة ذلك اشتراك البنت وأبيها في الأمر ، وعدم استقلال كل منهما فيه ، نظراً للطائفة الأُولى والثانية الدالتين على اعتبار إذن الأب ، والمعتبرتين الظاهرتين في الاشتراك كما يظهر ذلك من التعبير بالحظ والنصيب والصريحتين في اعتبار إذنها.

(1) على ما هو المشهور والمعروف بين القدماء والمتأخرين ، بل ادعي عليه الإجماع في كلمات السيد المرتضى (1).

ويقتضيه من الأدلة العامة إطلاقات الآيات والنصوص الواردة في النكاح ، فإن العقد إنما هو الصيغة التي تقع بين الرجل والمرأة فيجب الوفاء به ، سواء أرضي الأب


1) الانتصار : 286.

.................................................................................................


أو الجدّ أم لم يرضيا بذلك.

كما يقتضيه إطلاق قوله تعالى ( وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ ) (1).

وكذلك إطلاق ما دلّ على جواز نكاح المرأة بعد انقضاء عدتها ، فإن مقتضاه عدم اعتبار إذن الولي من غير فرق في ذلك بين البكر والثيب.

وما ورد في معتبرة ميسرة ، من جواز التزوج من المرأة التي تدعى خلوها من البعل (2).

فهذه الإطلاقات وغيرها تقتضي استقلال البنت مطلقاً في أمرها ، بحيث لو كنا نحن وهذه الآيات والنصوص ، ولم يكن هناك نص خاص يقتضي الخلاف ، لكان القول باستقلالها هو المتعيّن.

وأما النصوص الخاصة ، فقد استدل بجملة منها على استقلال البكر في أمرها ، إلّا أن هذه النصوص لا تخلو بأجمعها من الضعف في الدلالة أو السند.

منها : صحيحة الفضلاء عن أبي جعفر (عليه السلام) ، قال : «المرأة التي قد ملكت نفسها ، غير السفيهة ولا المولى عليها ، تزويجها بغير ولي جائز» (3). فإن المراد ب- «المولّى عليها» هي من لها ولي عن غير النكاح قطعاً ، إذ لو كان المراد به الولاية في النكاح لكان الحمل ضرورياً ولم تكن هناك حاجة إلى بيانه ، فإنّ من لا ولاية عليه في النكاح نكاحه جائز بغير إذن الولي.

إلّا أن المناقشة في الاستدلال بهذه الصحيحة تكاد أن تكون واضحة. فإن الموضوع فيها هي الجارية وهي أعمّ من البكر والثيب ، ومن هنا فلا تكون هذه الصحيحة صريحة في المدعى ومن النصوص الخاصة للمقام ، وإنما هي مطلقة فيكون حالها حال الآيات والنصوص المتقدِّمة ، لا تصلح لمعارضة ما دلّ على اعتبار إذن الولي ، لو تمّت دلالة وسنداً.


1) سورة النساء 4 : 24.

2) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب عقد النكاح وأولياء العقد ، ب 3 ح 5.

3) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب عقد النكاح وأولياء العقد ، ب 3 ح 1.

.................................................................................................


ومنها : رواية زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) ، قال : «إذا كانت المرأة مالكة أمرها ، تبيع وتشتري وتعتق وتشهد وتعطي من مالها ما شاءت ، فإن أمرها جائز تزوّج إن شاءت بغير إذن وليها. وإن لم تكن كذلك فلا يجوز تزويجها إلّا بأمر وليّها» (1).

إلّا أنها مطلقة كالصحيحة المتقدِّمة ، فحالها حالها.

هذا وقد يقال بأنها ضعيفة سنداً ، من جهة جهالة طريق الشيخ إلى علي بن إسماعيل. ولكنّه لا يتم ، فإنّ طريق الصدوق إليه صحيح ، وطريق الشيخ إلى كتب الصدوق ورواياته صحيح ، فيكون طريق الشيخ إليه صحيحاً لا محالة. نعم ، الرواية ضعيفة لعدم توثيق علي بن إبراهيم الميثمي نفسه ، كما تقدّم.

ومنها : رواية سعدان بن مسلم ، قال : قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : «لا بأس بتزويج البكر إذا رضيت بغير إذن أبيها» (2).

وهي وإن كانت صريحة دلالة ، إلّا أنها ضعيفة ، لكن لا من جهة أن سعدان لم يرد فيه توثيق كما أفاده صاحب الحدائق (قدس سره) (3)فإنه ممن وقع في إسناد كامل الزيارات وتفسير علي بن إبراهيم ، وقد عرفت أن المختار هو وثاقة كل من يقع في أسناد هذين الكتابين ، وإنما من جهة أن هذه الرواية قد رويت بطريقين :

الأوّل : ما رواه الشيخ (قدس سره) بإسناده عن محمّد بن علي بن محبوب ، عن العباس وهو العباس بن معروف عن سعدان بن مسلم ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (4).

الثاني : ما رواه الشيخ (قدس سره) بإسناده عن محمد بن أحمد بن يحيى ، عن العباس بن معروف ، عن سعدان بن مسلم ، عن رجل ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (5).


1) تقدّمت في ص 203 ه 2.

2) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب عقد النكاح وأولياء العقد ، ب 9 ح 4.

3) الحدائق.

4) التهذيب 7 : 380 / 1538.

5) الوسائل ، ج 21 كتاب النكاح ، أبواب المتعة ، ب 11 ح 4 ، التهذيب 7 : 254 / 1095.

.................................................................................................


وحيث إن من المقطوع به أنّ النص رواية واحدة ، وأن سعدان لم يروها للعباس ابن معروف مرة عن الإمام (عليه السلام) مباشرة وأُخرى عن رجل عنه (عليه السلام) ، وكذا الحال بالنسبة إلى العباس بالقياس إلى محمد بن علي بن محبوب ومحمد ابن أحمد بن يحيى ، كانت هذه الرواية غير محرزة السند ، لعدم إحراز كونها مسندة لا مرسلة ، فتسقط عن الحجية لا محالة.

على أننا لو فرضنا تمامية هذه الرواية سنداً ، فهي رواية شاذة لا يمكنها معارضة الأخبار الكثيرة جدّاً بحيث تكاد تبلغ حدّ التواتر ، الدالّة على اعتبار رضا الأب في الجملة استقلالاً أو اشتراكاً للجزم بصدورها ولو بعضاً منهم (عليهم السلام).

ومنها : معتبرة أبي مريم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : «الجارية البكر التي لها الأب لا تتزوج إلّا بإذن أبيها» وقال : «إذا كانت مالكة لأمرها تزوجت متى ما شاءت» (1). بدعوى حمل الجملة الأُولى على الصغيرة ، والثانية على البالغة الرشيدة.

إلّا أن في الاستدلال بها ما لا يخفى. فإن الموضوع فيها ليس هو الجارية فقط ومن غير قيد ، وإنما هو الجارية البكر ، وهو مما يكشف عن وجود خصوصيّة للبكارة. ومن هنا فلا يمكن حمل الجملة الأُولى على خصوص الصغيرة ، وحمل الجملة الثانية على البالغة ، لأنه يستلزم إلغاء خصوصيّة البكارة ، باعتبار أن أمر الصبية بيد أبيها سواء أكانت باكراً أم ثيباً.

وعلى هذا الأساس فلا بدّ من حمل الجملة الثانية : إما على فرض موت الأب ، أو تثيب البنت بعد ذلك.

ومنها : معتبرة عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : «تزوّج المرأة من شاءت إذا كانت مالكة لأمرها ، فإن شاءت جعلت وليّاً» (2).

وفيها : أنه لو سلمنا صحّة حمل قوله (عليه السلام) : «مالكة لأمرها» على البالغة فدلالتها على المدعى إنما هي بالإطلاق. ومن هنا فيكون حالها حال الأخبار المطلقة


1) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب عقد النكاح وأولياء العقد ، ب 3 ح 7.

2) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب عقد النكاح وأولياء العقد ، ب 3 ح 8.

والتفصيل بين الدّوام والانقطاع باستقلالها في الأوّل دون الثاني (1) والتشريك


المتقدِّمة ، إنما يصحّ الاستدلال بها لو لم يثبت مخصّص.

هذه هي الأخبار التي يمكن الاستدلال بها على المدعى ، وقد عرفت أنها جميعاً لا تخلو من الضعف في الدلالة ، أو السند ، أو هما معاً.

نعم ، هي موافقة للكتاب وعمومات السنّة ، حيث قد عرفت أن مقتضاها نفوذ العقد مطلقاً ، وعدم ثبوت سلطنة لأحد على غيره. إلّا أن ذلك لا يكفي في المصير إلى هذا القول ، لو ثبت هناك ما يدلّ على سائر الأقوال.

وقد ظهر لك الحال فيما تقدّم في التعليقة السابقة ، وسنزيد ذلك وضوحاً فيما يأتي إن شاء اللّه.

(1) تمسكاً بإطلاقات أدلة النكاح المنقطع ، بعد فرض انصراف ما دلّ على اعتبار رضا الأب إلى العقد الدائم.

وفيه ما لا يخفى. فإنّ دعوى الانصراف في غير محلّها ، فإنّ المتعة نوع وقسم من النكاح ، يجري عليها جميع الأحكام الثابتة لعنوان الزواج ، كحرمة الأُم ، أو البنت في فرض الدخول ، وحرمتها هي بالزنا بها وهي ذات البعل ، أو التزوج بها في أثناء العدّة مع الدخول أو العلم بالحال.

على أنه لو سلم ذلك ، ففي المقام معتبرتان تدلّان على اعتبار إذن الأب في خصوص المتعة ، وهما :

أوّلاً : صحيحة البزنطي عن الرضا (عليه السلام) ، قال : «البكر لا تتزوج متعة إلّا بإذن أبيها» (1).

ثانياً : صحيحة أبي مريم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : «العذراء التي لها أب لا تزوّج متعة إلّا بإذن أبيها» (2).


1) الوسائل ، ج 21 كتاب النكاح ، أبواب المتعة ، ب 11 ح 5.

2) الوسائل ، ج 21 كتاب النكاح ، أبواب المتعة ، ب 11 ح 12.

.................................................................................................


ومن هنا يكون حكم المتعة حكم الزواج الدائم في اعتبار رضا الأب.

نعم ، في خصوص المتعة دلّت روايتان على جوازها من غير إذن الأب فيما إذا اشترطا عدم الدخول ، وهما :

أوّلاً : رواية الحلبي ، قال : سألته عن التمتع من البكر إذا كانت بين أبويها بلا إذن أبويها ، قال : «لا بأس ما لم يقتضّ ما هناك لتعفّ بذلك» (1).

ثانياً : رواية أبي سعيد القماط عمّن رواه ، قال : قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : جارية بكر بين أبويها تدعوني إلى نفسها سراً من أبويها ، أفعل ذلك؟ قال : «نعم واتق موضع الفرج». قال : قلت : فإن رضيت بذلك؟ قال : «وإن رضيت ، فإنه عار على الأبكار» (2).

وهاتان الروايتان لو تمتا سنداً فلا محيص عن الالتزام بمضمونهما ، لعدم المعارض لهما ، وبذلك فتكونان مخصصتين لما دل على اعتبار إذن الأب في تزويج البكر.

إلّا أنهما ضعيفتان سنداً ، ولا تصلحان للاعتماد عليهما.

وذلك أما الثانية فلوقوع محمّد بن سنان في الطريق ، مضافاً إلى إرسالها.

وأمّا الاولى فقد ذكرها الشيخ بإسناده عن أبي سعيد. وقد ذكر (قدس سره) في (الفهرست) أن أبا سعيد له كتاب الطّهارة ثمّ ذكر طريقه إليه (3)غير أنه لم يذكر أنه من هو بالذات. ومن هنا فتكون الرواية ضعيفة من حيث جهالة أبي سعيد ، على أن طريقه (قدس سره) إليه ضعيف بأبي الفضل.

ثمّ لو فرضنا أن المراد بأبي سعيد هو أبو سعيد القماط ، فلم يعلم طريق الشيخ (قدس سره) إليه. وذلك لأن المعروف من أبي سعيد هو خالد بن سعيد القماط ، وهو وإن كان من الثقات إلّا أن الشيخ (قدس سره) لم يذكر طريقه إليه بعنوانه ولعلّه غفلة منه (قدس سره) وإنما ذكر طريقه إلى أبي سعيد وقد عرفت ضعفه.


1) الوسائل ، ج 21 كتاب النكاح ، أبواب المتعة ، ب 11 ح 9.

2) الوسائل ، ج 21 كتاب النكاح ، أبواب المتعة ، ب 11 ح 7.

3) الفهرست : 184 رقم 823.

بمعنى : اعتبار إذنهما معاً (1). والمسألة مشكلة ، فلا يترك مراعاة الاحتياط بالاستئذان منهما.


(1) هذا القول هو المتعيّن في المقام ، لما فيه من الجمع بين النصوص الواردة ولخصوص ظهور قوله (عليه السلام) في معتبرة صفوان : «فإنّ لها في نفسها نصيباً» أو : «فإن لها في نفسها حظاً» فإنهما ظاهران في عدم استقلالها ، وكون بعض الأمر خاصّة لها.

هذا كلّه مضافاً إلى صحيحة زرارة بن أعين ، قال : سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول : «لا ينقض النكاح إلّا الأب» (1).

وصحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) ، قال : «لا ينقض النكاح إلّا الأب» (2).

فإنه وبعد الالتفات إلى أنه إنما يكون بالنسبة إلى الأمر المبرم ، وأن المقصود من العقد المبرم في المقام لا يمكن أن يكون العقد الصحيح بالفعل ، لأنه غير قابل للنقض مطلقاً إذ ليس لأحد الخيار في فسخ النكاح الصحيح جزماً وإجماعاً من المسلمين قاطبة ، لا بدّ من الحمل على الإبرام الشأني والصحّة التأهلية ، أي ما يكون صادراً من أهله وواقعاً في محلِّه ، بحيث له قابلية الإتمام والصحّة عند استكمال سائر الشروط المعتبرة.

واستعمال الإبرام في هذا المعنى ثابت في غير هذا المورد أيضاً ، فقد ورد في أبواب الصلاة أن من أجهر في موضع الإخفات ، أو أخفت في موضع الجهر ، فقد نقض صلاته (3). فإن من الواضح أنه ليس المقصود بذلك هو نقض الصلاة المحكومة بالصحّة بالفعل.


1) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب عقد النكاح وأولياء العقد ، ب 4 ح 1.

2) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب عقد النكاح وأولياء العقد ، ب 4 ح 5.

3) انظر الوسائل 6 : 77 ، أبواب القراءة في الصلاة ، باب 22 ح 7393.

.................................................................................................


وعلى هذا الأساس تدلّ هاتان المعتبرتان على اشتراك الأمر في التزويج بين البنت وأبيها ، لانحصار موردهما في تزوّج البكر بغير إذن أبيها وذلك لأن الثيب ليس لأبيها نقض عقدها مطلقاً ، وعقد الصبية محكوم بالبطلان وإن إذن الأب فإن العقد محكوم بالصحّة حينئذ ، لأنه صادر من أهله وواقع في محله ، غاية الأمر أن الصحّة هذه شأنية وتأهلية متوقفة على رضا الأب ، فإن رضي به صح بالفعل ، وإلّا انتقضت الصحّة الشأنية أيضاً.

ثمّ إن مما يدلنا على أن المراد بالنقض في هاتين المعتبرتين هو ما يقابل الإبرام الشأني لا الإبرام الحقيقي ، إطلاقهما الشامل للولد والبنت البكر والثيب. إذ لو كان المراد به الثاني ، لكان مقتضاه أنّ للأب أن ينقض كل عقد صحيح وتامّ صادر من ابنه أو بنته البكر والثيب وهو مقطوع البطلان ، ولا موجب لحملهما على خصوص البكر إذ لا قرينة تساعد عليه. وهذا بخلاف ما لو كان المراد به الأوّل ، فإنهما حينئذ تختصان بالبكر ولا تعمّان الولد والثيب ، لكون عقدهما محكوماً بالصحّة والإبرام الفعليين.

والحاصل أن الصحيح في الاستدلال على الاشتراك ، هو التمسك بهاتين الصحيحتين المتضمنتين لحقّ الأب في نقض العقد وموثقة صفوان.

وأما صحيحة منصور بن حازم فلا تصلح للاستدلال بها على المدعى ، لكونها مطلقة فتقيد بقوله (عليه السلام) في صحيحة محمد بن مسلم : «يستأمرها كل أحد عدا الأب».

ثمّ إن المعروف والمشهور بينهم عدم اختصاص الولاية على البنت الباكر بالأب وثبوتها للجد أيضاً ، وعلى هذا الأساس حكموا بصحّة عقدها لو أذن الجد في ذلك غير أن بعضهم ذهب إلى اختصاصها بالأب فقط وعدم ثبوتها للجد.

وكأن الوجه في ذلك عدم ورود ذكر للجدّ في شي‌ء من روايات المقام على اختلاف ألسنتها ، عدا ما ورد في نسخة من التهذيب من إضافته إلى ذيل قوله (عليه السلام) : «لا ينقض النكاح إلّا الأب» في صحيحة زرارة بن أعين المتقدِّمة ، إلّا أنها نسخة لم تثبت.

لكن الظاهر أن الصحيح هو ما ذهب إليه المشهور ، إذ لا يبعد دعوى أن المراد

ولو تزوّجت من دون إذن الأب ، أو زوّجها الأب من دون إذنها ، وجب (1) أما إجازة الآخر ، أو الفراق بالطلاق.


بالأب ما يعم الأب بلا واسطة والأب مع الواسطة.

والذي يدلّنا على ذلك جملة من الروايات المعتبرة الدالة على ثبوت الولاية للجد في كل مورد ثبتت للأب ، معللاً ذلك بأن فعل الجد نافذ على الأب ، وبذلك تكون حاكمة على أدلة اعتبار إذن الأب في نكاح البكر ، وهي كثيرة :

منها : معتبرة عبيد بن زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : «إذا زوّج الرجل ابنة ابنه فهو جائز على ابنه» قال : «ولابنه أيضاً أن يزوّجها ، فإن هوى أبوها رجلاً وجدّها رجلاً ، فالجدّ أولى بنكاحها» (1). فإنها وبإطلاقها تشمل الصغيرة والكبيرة البكر.

ومنها : صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) ، قال : سألته عن رجل أتاه رجلان يخطبان ابنته فهوي أن يزوج أحدهما وهوى أبوه الآخر ، أيّهما أحقّ أن ينكح؟ قال : «الذي هوى الجد أحق بالجارية ، لأنّها وأباها للجدّ» (2).

ومنها : معتبرة الفضل بن عبد الملك عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : «إن الجد إذا زوّج ابنة ابنه ، وكان أبوها حياً وكان الجد مرضياً ، جاز» (3). ومقتضى إطلاقها وإن كان الجواز على الإطلاق ، إلّا أنها وبقرينة الروايات السابقة تحمل على الجواز على الأب خاصة. وهي بإطلاقها تعمّ الصغيرة والكبيرة البكر.

(1) احتياطاً ، فراراً من الوقوع في الحرام.


1) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب عقد النكاح وأولياء العقد ، ب 11 ح 7.

2) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب عقد النكاح وأولياء العقد ، ب 11 ح 8.

3) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب عقد النكاح وأولياء العقد ، ب 11 ح 4.

نعم ، إذا عضلها الولي ، أي منعها من التزويج بالكف‌ء ، سقط اعتبار إذنه (1).


(1) بلا خلاف فيه بين الأصحاب ، بل ادعي عليه الإجماع في كلمات غير واحد.

وقد يستدلّ له بقوله تعالى ( فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ) (1).

إلّا أن فساده أوضح من أن يخفى ، فإنّ الموضوع في هذه الآية الكريمة إنما هو المطلّقات المدخول بهنّ ، كما يشهد لذلك قوله تعالى في صدرها ( وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ ) .

ومن هنا فتكون الآية الكريمة أجنبية عن محلّ كلامنا بالكلية ، فإن موضوعها عدم جواز منع المطلقة المدخول بها من التزوج بغير زوجها الأوّل ، أو الرجوع إليه بعد العدّة ، وأين هذا من عدم ثبوت الولاية للأب على ابنته البكر في فرض عضلها ومنعها من التزويج بالكف‌ء! فالصحيح في الاستدلال هو التمسّك :

أوّلاً : بمناسبات الحكم والموضوع ، فإنّ المستفاد من جملة من النصوص أن ولاية الأب ثابتة لها لا عليها ، ومن الواضح أن هذا إنما يقتضي النظر في أمرها ومراعاة مصلحتها في كل ما يقوم به لها.

ثانياً : ما ورد في المرأة إذا طلقها زوجها طلاقاً صحيحاً على وفق مذهبه وباطلاً عندها كتطليقها ثلاثاً من جواز تزوّج الغير لها ، معللاً ذلك بأنها لا تبقى معطلة ولا تترك بلا زوج (2)حيث يعلم من هذا التعليل عدم ثبوت الولاية للأب ، بمعنى منعها من التزويج بالمرّة ، باعتبار أن المرأة لا تبقى معطلة ولا تترك بلا زوج.

ثالثاً : صحيحة أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر (عليه السلام) ، إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) قال لرجل : «أنت ومالك لأبيك» ثمّ قال أبو جعفر (عليه السلام) :


1) سورة البقرة 2 : 232.

2) الوسائل ، ج 22 كتاب الطلاق ، أبواب مقدماته وشروطه ، ب 30 ح 3 ، 4.

وأمّا إذا منعها من التزويج بغير الكف‌ء شرعاً (1) فلا يكون عضلاً (2). بل وكذا لو منعها من التزويج بغير الكف‌ء عرفاً (3) ممن في تزويجه غضاضة وعار عليهم كان كفأً شرعياً. وكذا لو منعها من التزويج بكف‌ء معين مع وجود كف‌ء آخر (4).


ما أحبّ أن يأخذ من مال ابنه إلّا ما احتاج إليه مما لا بدّ منه ، إنّ ( اللّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ ) » (1). فإن تحديد ولاية الأب إذا ثبت في المال ، ثبت في العرض بطريق أولى فلا يكون للأب منعها عن التزويج بالمرة ، لأنه فيه الفساد ( وَاللّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ ) .

رابعاً : دليل نفي الحرج إذا فرضنا أن في بقائها كذلك حرجاً ، فإن هذا الدليل يرفع في هذه الحالة اعتبار إذن الأب والجد على نحو الاستقلال أو الاشتراك.

وتقريب ذلك : أن المستفاد من إطلاقات الآيات الكريمة والنصوص الشريفة ، أن أمر الزواج إنما هو بيد المرأة نفسها ومن دون أن يكون للأب أو الجد دخل فيه ، وقد رفعنا اليد عن ذلك لما دلّ على اعتبار رضاهما ، فإنّ هذه النصوص تقيد تلك الإطلاقات لا محالة ، لكن هذه النصوص لما كانت هي نفسها مقيدة بغير فرض الحرج لدليل نفي الحرج ، كان المقيد للمطلقات هو خصوص ما لم يكن اعتبار إذنه حرجياً.

(1) والمراد به هو من ورد النهي عن التزويج بهم ولو بنحو الكراهة ، كشارب الخمر ، وتارك الصلاة والمتجاهر بالفسق. وليس المراد به من يفقد الكفاءة المعتبرة شرعاً في صحّة النكاح ، كالإسلام إذا كانت المرأة مسلمة ، إذ إنها لا بدّ منها وبدونها يحكم ببطلان العقد ، سواء أذن الأب أم لم يأذن ، كانت البنت بكراً أم ثيباً.

وليس هذا الفرض محلّاً للخلاف ، من حيث كونه عضلاً وعدمه ، وسقوط ولاية الأب والجد وعدمه.

(2) لشمول أدلة الولاية بإطلاقها لهذا الفرض أيضاً.

(3) لإطلاقات أدلة اعتبار إذن الأب وولايته ، وعدم ما يقتضي الخلاف.

(4) لشمول إطلاقات أدلة اعتبار إذنه لهذه الصورة أيضاً.


1) الوسائل ، ج 17 كتاب التجارة ، أبواب ما يكتسب به ، ب 78 ح 2.

وكذا يسقط اعتبار إذنه إذا كان غائباً لا يمكن الاستئذان منه ، مع حاجتها إلى التزويج (1).

[3865] مسألة 2 : إذا ذهبت بكارتها (1)بغير الوطء من وثبة ونحوها فحكمها حكم البكر (2).


(1) بلا خلاف فيه. ويقتضيه ما دلّ على سقوط ولاية الأب عند العضل ، فإنه بحكمه.

(2) محتملات المراد بالبكارة ثلاثة :

الأوّل : من لم تذهب عذرتها.

الثاني : من لم تتزوّج.

الثالث : من لم يدخل بها.

والروايات الواردة في المقام على كثرتها لم تتعرّض إلى معنى البكر والثيب بهذين العنوانين ، والذي يظهر من اللغة ويساعد عليه العرف أنّ البكر هي التي لم يدخل بها ، وهو المستفاد من قوله تعالى ( إِنّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً. فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً ) (2)بضميمة قوله تعالى ( فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ ) (3).

فإنّ من الواضح أن الآية الثانية ناظرة للأُولى ، وبصدد تفسير ما ورد فيها من وصف حور الجنة بالأبكار ، كما يظهر ذلك جلياً من الآيات المتقدِّمة والمتأخرة عن الآيتين المذكورتين.

هذا كلّه مضافاً إلى صراحة صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) ، قال : سألته عن الرجل ، هل يصلح له أن يزوج ابنته بغير إذنها؟


1) (*) يعني عذرتها ، وإلّا فالبكارة لا تزول بغير الوطء.

2) سورة الواقعة 56 : 35 36.

3) سورة الرحمن 55 : 56.

وأمّا إذا ذهبت بالزِّنا أو الشّبهة ففيه إشكال (1).


قال : «نعم ، ليس يكون للولد أمر إلّا أن تكون امرأة قد دخل بها قبل ذلك ، فتلك لا يجوز نكاحها إلّا أن تستأمر» (1)في أن المرأة التي لا تحتاج إلى إذن أبيها في صحّة النكاح إنما هي التي دخل بها ، ومن هنا فتكون هذه الرواية شارحة للنصوص الكثيرة الدالة على احتياج البكر إلى إذن أبيها في نكاحها.

وعلى هذا الأساس يظهر صحّة ما أفاده الماتن (قدس سره) ، من أن البكارة إذا ذهبت بغير الوطء فحكمها حكم البكر.

(1) بعد ما عرفت أن المراد بالبكر هي من لم يدخل بها ، يقع الكلام في أنه هل لا يعتبر إذن الأب في نكاح مطلق الثيب ، أو أنه يختص بالتي دخل بها دخولاً شرعياً صحيحاً؟

مقتضى إطلاق صحيحة علي بن جعفر المتقدِّمة هو الأوّل ، فإنه (عليه السلام) لم يعتبر في اعتبار استثمار المرأة إلّا الدخول بها من غير تعرض لاعتبار كون ذلك عن زواج صحيح ، إلّا أن هناك عدة روايات قد يستدلّ بها على الثاني :

منها : صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، أنه قال في المرأة الثيب تخطب إلى نفسها ، قال : «هي أملك بنفسها ، تولي أمرها من شاءت إذا كان كفأً بعد أن يكون قد نكحت رجلاً قبله» (2).

ومنها : رواية عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه ، قال : سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الثيب تخطب إلى نفسها ، قال : «نعم ، هي أملك بنفسها ، تولي أمرها من شاءت إذا كانت قد تزوجت زوجاً قبله» (3)وغيرهما من الأخبار.


1) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب عقد النكاح وأولياء العقد ، ب 9 ح 8.

2) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب عقد النكاح وأولياء العقد ، ب 3 ح 4.

3) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب عقد النكاح وأولياء العقد ، ب 3 ح 12.

ولا يبعد الإلحاق (1)، بدعوى أن المتبادر من البكر من لم تتزوّج (1). وعليه فإذا تزوّجت ومات عنها أو طلقها قبل أن يدخل بها ، لا يلحقها حكم البكر (2). ومراعاة الاحتياط أوْلى.


إلّا أن الأخبار الواردة بهذا المضمون جميعاً باستثناء صحيحة الحلبي ضعيفة الإسناد ، فإن رواية عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه ضعيفة بالقاسم الذي يروي عن أبان فإنه مشترك بين الثقة وغيره.

وأما صحيحة الحلبي فهي قاصرة من حيث الدلالة ، فإنه (عليه السلام) ليس بصدد بيان القضية الشرطية وإن النكاح معتبر في كونها «أملك بنفسها» وإنما هو (عليه السلام) بصدد تكرار الموضوع المسئول عنه أعني الثيب بلسان ذكر الوصف الغالب ، باعتبار أن الثيبوبة غالباً ما تكون بالنكاح ، فيكون المعنى أن المرأة أملك بنفسها إذا كانت ثيبة. ومن هنا فلا تكون للرواية دلالة في تقييد الثيبوبة بالتي زالت عذرتها بالدخول بها بالنكاح الصحيح ، بل التقييد بعد الروايات المطلقة وتصريح صحيحة علي بن جعفر باعتبار الدخول خاصة بعيد جدّاً.

(1) ما أفاده (قدس سره) مذكور في رواية واحدة خاصة ، هي رواية إبراهيم بن ميمون عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : «إذا كانت الجارية بين أبويها فليس لها مع أبويها أمر ، وإذا كانت قد تزوجت لم يزوجها إلّا برضا منها» (2).

إلّا أنها مضافاً إلى ضعف سندها بإبراهيم بن ميمون مطلقة لا تصلح لمعارضة صحيحة علي بن جعفر المتقدِّمة ، بل المتعين رفع اليد عن إطلاقها ، وحملها على الغالب في الزواج حيث يستتبع الدخول بها.

(2) ظهر الحال فيه ممّا تقدّم.


1) (*) بل هو بعيد ، ودعوى التبادر لا أساس لها.

2) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب عقد النكاح وأولياء العقد ، ب 9 ح 3.

[3866] مسألة 3 : لا يشترط في ولاية الجدّ حياة الأب ولا موته (1).


(1) لإطلاقات الأدلّة الدالّة على ولاية الجد في النكاح ، فإنها وإن كان موردها جميعاً فرض وجود الأب ، إلّا أن المتفاهم العرفي منها ثبوت الولاية لكل من الأب والجدّ على نحو الإطلاق ، ومن دون تقييد ولاية كل منهما بفرض وجود الآخر أو عدمه ، فإنّ مجرّد فرض وجود الأب لا يوجب تقييداً في إطلاق جعل الولاية له.

ففي صحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) ، قال : «إذا زوج الرجل ابنة ابنه فهو جائز على ابنه ، ولابنه أيضاً أن يزوجها». فقلت : فإن هوى أبوها رجلاً وجدّها رجلاً؟ فقال : «الجدّ أولى بنكاحها» (1). ومن الواضح أن مقتضى إطلاقها كون ولاية الجدّ مطلقة وغير مقيّدة بوجود الأب ، وإن فرض ذلك في فرض وجوده.

ومثلها معتبرة عبيد بن زرارة المتقدِّمة (2)فإن المستفاد منها ثبوت الولاية للجدّ على حدّ ثبوتها للأب ، بل كونها أقوى من ولاية الأب.

ولعل الأوضح منهما دلالة صحيحة علي بن جعفر المتقدِّمة أيضاً (3)المتضمِّنة لتعليل الحكم بكون إنكاح الجد للبنت مقدماً على إنكاح الأب بقوله : «لأنها وأباها للجدّ» إذ من الواضح أنه ليس المراد كون مجموعهما بما هو مجموع للجد ، وإنما المراد كون كل منهما على حدة مستقلا له ، ومقتضى هذا ثبوت الولاية المطلقة على البنت سواء أكان الأب موجوداً أم كان ميتاً.

ثمّ إنه قد يتمسك لإثبات الحكم بالمقام بالاستصحاب ، بدعوى أن الولاية كانت ثابتة للجد في حياة الأب ، فعند الشك في ثبوتها بعده يستصحب بقاؤها.

إلّا أنه مدفوع بما تقدّم غير مرة ، من عدم جريان الاستصحاب في الأحكام الكلية. على أنه لا يتمّ إلّا فيما إذا كانت هناك حالة سابقة متيقنة ، فلا يتمّ في مثل ما لو كانت البنت حين موت أبيها حملاً في بطن أُمها.


1) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب عقد النكاح وأولياء العقد ، ب 11 ح 1.

2) تقدّمت في ص 217 ه 1.

3) تقدّمت في ص 217 ه 2.

والقول بتوقّف ولايته على بقاء الأب كما اختاره جماعة ضعيف (1). وأضعف منه القول بتوقّفها على موته (2) كما اختاره بعض العامّة.

[3867] مسألة 4 : لا خيار للصغيرة إذا زوّجها الأب (1)أو الجدّ بعد بلوغها ورشدها ، بل هو لازم عليها (3).


(1) نسب القول به إلى جملة من الأصحاب.

واستدل عليه بصحيحة الفضل بن عبد الملك المتقدِّمة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : «إن الجد إذا زوّج ابنة ابنه ، وكان أبوها حياً وكان الجدّ مرضياً جاز» (2). فإن مقتضى مفهوم الشرط عدم ثبوت الولاية له عند عدم الأب ، وإلّا لكان الشرط لغواً.

إلّا أن للمناقشة في ذلك مجالاً. فإنّ الظاهر عدم ثبوت المفهوم لهذا الشرط ، وذلك لأن المصرح به في جملة من الروايات المعتبرة ، أنّ المراد بالجواز في المقام هو الجواز على الأب ، بمعنى أنه ليس له معارضة الجد ونقض إنكاحه لها. ومن هنا يكون ذكر الشرطية في هذه الصحيحة من قبيل القضايا التي تساق لبيان وجود الموضوع ، فإنّه إذا لم يكن الأب موجوداً لم يكن موضوع لمعارضة الجد ، وكون ولاية الجدّ نافذةً في حقِّه. وإذا لم يكن للشرطية مفهوم ، كانت المطلقات سالمة عن المعارض والمقيّد.

إذن فالصحيح في المقام هو ما ذهب إليه المشهور واختاره الماتن (قدس سره) ، من ثبوت الولاية للجدّ مطلقاً.

(2) فإنّه باطل جزماً ، لدلالة جملة كبيرة من النصوص على ثبوت الولاية له في حياة الأب ، بل وكون ولايته أقوى من ولاية الأب ، ولذا يتقدم إنكاحه على إنكاح الأب ، ما لم يكن إنكاح الأب أسبق زماناً من إنكاحه.

(3) ويقتضيه مضافاً إلى إطلاقات ما دلّ على نفوذ عقد الأب والجد خصوص


1) (*) هذا هو المعروف ، بل ادعي فيه عدم الخلاف ، إلّا أنّ في رواية صحيحة ثبوت الخيار لها وللصغير بعد بلوغهما فيما إذا زوّجهما أبواهما حال الصِّغر ، فالاحتياط في هذه الصورة لا يُترك.

2) تقدّمت في ص 217 ه 3.

.................................................................................................


صحيحة عبد اللّه بن الصلت ، قال : سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الجارية الصغيرة يزوّجها أبوها ، لها أمر إذا بلغت ، قال : «لا ، ليس لها مع أبيها أمر» (1).

وصحيحة علي بن يقطين ، قال : سألت أبا الحسن (عليه السلام) : أتزوّج الجارية وهي بنت ثلاث سنين ، أو يزوّج الغلام وهو ابن ثلاث سنين ، وما أدنى حدّ ذلك الذي يُزوّجان فيه ، فإذا بلغت الجارية فلم ترض فما حالها؟ قال : «لا بأس بذلك إذا رضي أبوها أو وليّها» (2). إلى غيرهما من النصوص التي تكاد تبلغ حد التظافر.

إلّا أن بإزائها روايتين :

الأُولى : رواية يزيد الكناسي ، قال : قلت لأبي جعفر (عليه السلام) : متى يجوز للأب أن يزوِّج ابنته ولا يستأمرها؟ قال : «إذا جازت تسع سنين ، فإن زوّجها قبل بلوغ التسع سنين كان الخيار لها إذا بلغت تسع سنين» (3).

إلّا أن هذه الرواية لا يمكن العمل بها من جهة بُعد التفصيل المذكور فيها ، فإنه لا يحتمل ثبوت الخيار للتي زوّجها الأب قبل تسع سنين ، وعدم ثبوته للتي زوّجها بعد ذلك ، مع معارضتها للنصوص الكثيرة الدالة على نفوذ إنكاح الأب ، وأنه ليس لها من الأمر شي‌ء. وفي مقام حلّ المعارضة لا ينبغي الشك في تقدّم تلك عليها.

على أنها ضعيفة السند. فإن المذكور في نسخ التهذيب والاستبصار وإن كان يزيد الكناسي (4)إلّا أنه لم يثبت توثيقه أيضاً. وذلك لأن النجاشي (قدس سره) ذكر يزيد أبا خالد القماط ووصفه بأنه كوفي ووثّقه (5). والشيخ (قدس سره) ذكر يزيد الكناسي في كتابه الرجال وأفاد أنه ينتسب إلى كناسة محلة في الكوفة ، من دون أن يذكر له توثيقاً (6)لكنه (قدس سره) لم يتعرض لذكر يزيد أبي خالد القماط لا في الفهرست


1) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب عقد النكاح وأولياء العقد ، ب 6 ح 3.

2) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب عقد النكاح وأولياء العقد ، ب 6 ح 7.

3) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب عقد النكاح وأولياء العقد ، ب 6 ح 9.

4) التهذيب 7 : 382 / 1544 ، الإستبصار 3 : 237 / 855.

5) رجال النجاشي : 452 رقم 1223.

6) رجال الطوسي : 149 رقم 1655.

.................................................................................................


ولا في الرجال ، وهو ممّا يوجب الاطمئنان بأن يزيد الكناسي هو يزيد أبو خالد القماط ، وحينئذ فينفع توثيق النجاشي ليزيد أبي خالد القماط في إثبات وثاقة يزيد الكناسي.

غير أن ذلك معارض بأن البرقي الذي هو أقدم من الشيخ وأعرف منه بالرجال لقرب عهده إلى الرواة ذكر العنوانين معاً ، فقد ترجم يزيد الكناسي ويزيد أبا خالد القماط كلّاً على حدة (1)وهو إنما يكشف عن عدم اتحاد الرجلين. وعلى هذا الأساس فلا تنفع وثاقة يزيد أبي خالد القماط في إثبات وثاقة يزيد الكناسي.

وعليه فتكون الرواية ساقطة عن الاعتبار سنداً.

الثانية : صحيحة محمد بن مسلم ، قال : سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الصبي يزوّج الصبية ، قال : «إن كان أبواهما اللذان زوّجاهما فنعم جائز ، ولكن لهما الخيار إذا أدركا» (2).

وهي كما ترى واضحة الدلالة بل صريحة الدلالة في عدم لزوم العقد الصادر من الولي ، وثبوت الخيار لهما بعد البلوغ ، فإن حمل الخيار على الطّلاق كما أفاده الشيخ (قدس سره) - (3)بعيد غايته ، ولا وجه للمصير إليه.

ومن هنا فهي صالحة لتقييد ما تقدّم من النصوص ، الدالة على نفوذ عقد الأب أو الجد بغير هذا الفرض ، اعني ما لو كان كل من الزوجين صغيراً. إلّا أنه لم يعلم قائل به من فقهائنا.

وعليه فإن تمّ إجماع على عدم ثبوت الخيار لها فهو ، وبه يتعيّن رفع اليد عن هذه الصحيحة وردّ علمها إلى أهله ، وإلّا فيتعيّن العمل بها ، حيث قد عرفت مراراً أن إعراض المشهور عن الرواية المعتبرة لا يوجب وهنها وسقوطها عن الحجية.

وحينئذ فلا أقلّ من الالتزام بالاحتياط بالطلاق عند عدم رضاها بالعقد بعد البلوغ.


1) رجال البرقي : 32.

2) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب عقد النكاح وأولياء العقد ، ب 6 ح 8.

3) التهذيب 7 : 382.

وكذا الصغير على الأقوى (1).


(1) وهو المشهور والمعروف بين الأصحاب ، ويدلّ عليه جملة من النصوص المعتبرة.

كصحيحة الحلبي ، قال : قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : الغلام له عشر سنين فيزوّجه أبوه في صغره ، أيجوز طلاقه وهو ابن عشر سنين؟ قال : فقال : «أما تزويجه فهو صحيح ، وأما طلاقه فينبغي أن تحبس امرأته حتى يدرك» (1).

وصحيحة عبيد بن زرارة ، قال : سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يزوّج ابنه وهو صغير ، قال : «إن كان لابنه مال فعليه المهر ، وإن لم يكن للابن مال فالأب ضامن المهر ، ضمن أو لم يضمن» (2). فإن تفصيله (عليه السلام) في المهر دالّ على المفروغية عن صحّة النكاح.

وصحيحة الفضل بن الملك ، قال : سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يزوّج ابنه وهو صغير ، قال : «لا بأس» (3). وغيرها من النصوص المعتبرة.

فإن مقتضى إطلاق الصحيحة في هذه النصوص ، هو النفوذ حتى بعد بلوغ الطفل وفسخه للعقد.

ودعوى أن الصحّة لا تنافي عدم اللزوم وثبوت الخيار ، نظراً إلى أن موضوع الخيار هو العقد المحكوم بالصحّة ، إذ لا مجال للبحث عن الخيار في العقد المحكوم بالبطلان.

مدفوعة بأن موضوع الخيار إنما هو نفس الصحّة ، وعدم الخيار مستفاد من إطلاقها لا منها بنفسها ، فلا يكون هناك أي محذور.

ثمّ إن هذه النصوص وإن كانت بأجمعها واردة في الأب ، إلّا أنه لا بدّ من التعدي إلى الجدّ ، وذلك لما ذكرناه في إثبات الولاية للجد على البنت الباكر ، فإنّ تلك الوجوه


1) الوسائل ، ج 26 كتاب الفرائض والمواريث ، أبواب ميراث الأزواج ، ب 11 ح 4.

2) الوسائل ، ج 21 كتاب النكاح ، أبواب المهور ، ب 28 ح 1.

3) الوسائل ، ج 21 كتاب النكاح ، أبواب المهور ، ب 28 ح 2.

والقول بخياره في الفسخ والإمضاء (1) ضعيف.


تأتي بعينها في المقام.

(1) نسب هذا القول إلى الشيخ (1)وابن البراج (2)وابن حمزة (3)وابن إدريس (4)(قدس سرهم).

وذكر في وجهه مضافاً إلى التمسك بصحيحة محمد بن مسلم وخبر يزيد الكناسي المتقدِّمتين أن الحال في الابن يختلف عن البنت من حيث احتمال تطرّق الضّرر عليهما ، فإنّ الابن يجب عليه بدل المهر والنفقة دون مقابل ، بخلاف البنت حيث إنها تأخذهما دون أن تخسر شيئاً. ومن هنا لا بدّ من جعل الخيار للابن ، لكي يتمكن من دفع الضرر عن نفسه ، دون البنت حيث إنها ليست بحاجة إليه.

وفيه : أن ما ذكروه لا يرجع إلى محصل ، فإنه وجه اعتباري صرف لا يمكن إثبات الحكم الشرعي به. على أن النكاح وإن كان من الأُمور الاعتبارية ، إلّا أنه أشبه الأُمور بالمعاوضة. ومن هنا فلا يكون بذل الرجل للمهر والنفقة بإزاء لا شي‌ء ، فإنه إنما يملك الزوجية بإزاء ما يبذله ، كما إن المرأة لا تحصل عليهما بإزاء لا شي‌ء ، فإنها إنما تفقد حريتها وتكون تحت سيطرة الغير وفي حبالته بإزاء ما تقبضه ، فكل منهما يحصل على شي‌ء ويفقد بإزائه شيئاً.

وعليه فإن كان في المقام خيار وجب أن يثبت لهما ، وإن لم يكن فهو غير ثابت لهما أيضاً.

وأمّا خبر يزيد الكناسي ، فقد عرفت الحال فيه فلا نعيد.

نعم ، صحيحة محمد بن مسلم دالّة على ثبوت الخيار ، وبذلك تكون مقيّدة لما تقدّم من المطلقات. إلّا أنها وكما عرفت تختص بما إذا كان الزوجان معاً صغيرين ، فلا


1) النهاية : 467.

2) المراسم : 148.

3) الوسيلة : 300.

4) السرائر 2 : 562 و 563.

وكذا لا خيار للمجنون بعد إفاقته (1).

[3868] مسألة 5 : يشترط في صحّة تزويج الأب والجدّ ونفوذه عدم المفسدة (2) وإلّا يكون العقد فضوليّاً كالأجنبي ، ويحتمل عدم الصحّة (1)بالإجازة


تشمل ما لو زوّج الأب الصغير من المرأة البالغة.

(1) يظهر الحال فيه ممّا تقدّم ، فإنّ مقتضى إطلاق صحّة العقد الصادر من وليِّه ونفوذه ، هو عدم ثبوت الخيار له بعد إفاقته.

(2) اتفاقاً بل لم ينسب الخلاف فيه إلى أحد.

ويدلّنا عليه ، مضافاً إلى عموم صحيحة أبي حمزة الثمالي المتقدِّمة المتضمنة لقوله تعالى ( وَاللّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ ) حيث إن مقتضاه عدم الفرق بين المال والنكاح.

وقوله (عليه السلام) في صحيحة الفضل بن عبد الملك المتقدِّمة أيضاً : «وكان الجدّ مرضياً» حيث إن ظاهر التقييد وبملاحظة مناسبات الحكم والموضوع ، هو اعتبار كونه مرضياً بلحاظ تصرفاته الصادرة تجاه البنت ، وإلّا فكونه مرضياً بالنسبة إلى سائر تصرّفاته أجنبي عن ولايته على البنت.

وصحيحة عبيد بن زرارة ، قال : قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : الجارية يريد أبوها أن يزوّجها من رجل ، ويريد جدّها أن يزوّجها من رجل آخر ، فقال : «الجدّ أولى بذلك ما لم يكن مضاراً» (2). فإنّ التقييد بعدم كونه مضاراً ، إنما يدلّ على عدم ثبوت الولاية للجد إذا كان في مقام الإضرار بها.

دليل نفي الضرر ، فإنه وبحكم كونه حاكماً على جميع الأدلة ، يقتضي نفي جعل الولاية للأب والجد فيما إذا كان في إنكاحهما لها ضرر عليها ، وبذلك فتختص ولايتهما عليها وعلى الصبي بفرض عدم المفسدة لا محالة.


1) (*) لكنّه بعيد ، وكذلك الحال في المسألة الآتية.

2) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب عقد النكاح وأولياء العقد ، ب 11 ح 2.

أيضاً (1) بل الأحوط مراعاة المصلحة (2). بل يشكل الصحّة إذا كان هناك خاطبان أحدهما أصلح من الآخر بحسب الشرف ، أو من أجل كثرة المهر أو قلته بالنسبة


(1) والوجه فيه هو اعتبار وجود مجيز حال العقد في الحكم بصحّة العقد الفضولي على ما ذكره الماتن (قدس سره) في المسألة الآتية. وحيث إن الصبي والصبية فيما نحن فيه ليسا أهلين للإجازة والإمضاء حين صدور العقد ، فيحكم ببطلانه من رأس لا محالة.

إلّا أن هذا الكلام مبني على عدم الالتزام بكون صحّة العقد الفضولي بعد لحوق الإجازة على القاعدة ، واختيار كونها نتيجة للنصوص الخاصّة الدالّة عليها. فإنه حينئذ يمكن أن يقال : بأن النصوص الخاصة وبأجمعها واردة في فرض وجود المجيز ، فلا وجه للتعدِّي منه إلى فرض عدم وجوده.

لكنّك قد عرفت منّا مراراً ، عدم تمامية هذا المبنى وكون صحّة العقد الفضولي بعد لحوق الإجازة على القاعدة ، باعتبار أن الإجازة توجب انتساب الأمر الاعتباري الصادر من الغير إلى المجيز من حينها ، فيكون العقد من ذلك الحين عقداً له ، ومن هنا فتشمله أدلة وجوب الوفاء بالعقود.

وعلى هذا الأساس فلا وجه لاعتبار وجود مجيز حال العقد ، فإنه يكفي في الحكم بصحّته كون المجيز أهلاً لها في حينها ، ومن دون أن يكون لأهليته حين صدور العقد وعدمه دخل في الصحّة أو الفساد.

(2) نسب القول باعتبارها في الولاية على مال الطفل إلى المشهور من الأصحاب واستدلوا عليه بقوله تعالى ( وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) (1).

وذكر الشيخ (قدس سره) أنها وإن لم تكن تشمل الأب ، باعتبار أنه مع وجوده لا يكون ابنه يتيماً ، إلّا أنها تشمل الجد. وحينئذ فيثبت الحكم للأب ، بالقطع بعدم الفصل.


1) سورة الانعام 6 : 152.

إلى الصغير ، فاختار الأب غير الأصلح لتشهي نفسه (1).

[3869] مسألة 6 : لو زوّجها الولي بدون مهر المثل ، أو زوّج الصغير بأزيد منه ، فإن كان هناك مصلحة تقتضي ذلك صحّ العقد والمهر ولزم (2). وإلّا ففي صحّة العقد وبطلان المهر والرجوع إلى مهر المثل ، أو بطلان العقد أيضاً ، قولان (3) أقواهما الثاني. والمراد من البطلان عدم النفوذ ، بمعنى توقفه على إجازتها بعد


إلّا أننا لم نرتض هذا القول في محله. وعلى تقدير القول به فلا نقول به في النكاح وذلك لإطلاقات الأدلة الواردة في المقام السالمة عن المقيد ، حيث لم يرد في شي‌ء من النصوص اعتبار وجود المصلحة في إنكاح الأب أو الجد.

نعم ، الاحتياط في محلِّه حتى وإن كان الظاهر عدم الاعتبار.

(1) ظهر الحال فيه ممّا تقدّم ، فإنّ مقتضى إطلاقات الأدلة السالمة من المقيد والشاملة للفرض ، هو الحكم بالصحّة والنفوذ.

نعم ، الاحتياط على كل حال حسن.

(2) لإطلاقات الولاية السالمة عن المقيد.

(3) بل أقوال ثلاثة ، ثالثها ما نسب إلى الشيخ (قدس سره) من الحكم بالصحّة فيهما معاً (1)وكأن الوجه فيه إطلاقات أدلة الولاية.

إلّا أن ضعفه أظهر من أن يخفى ، ولعلّه لذلك أهمل الماتن (قدس سره) ذكره ، فإنّ أدلة الولاية قاصرة عن شمول ما كان فيه ضرر ومفسدة على المولى عليه ، كما عرفت في المسألة السابقة.

وأمّا القول الأوّل فهو منسوب إلى شيخنا الأعظم (قدس سره) (2). بدعوى أن العقد الصادر من الولي إنما ينحل إلى أمرين : التزويج والمهر ، وحيث إن الضرر في الثاني خاصّة يحكم ببطلانه مع بقاء التزويج على حاله ، وحينئذ فينتقل إلى مهر المثل لا محالة.


1) كتاب الخلاف 4 : 392 المسألة 37.

2) كتاب النكاح : 170.

البلوغ. ويحتمل البطلان ولو مع الإجازة ، بناءً على اعتبار وجود المجيز في الحال (1).

[3870] مسألة 7 : لا يصحّ نكاح السّفيه المبذِّر (1)(2) إلّا بإذن الولي (3)


وفيه : أنه إنما يتم فيما إذا كان المنشأ هو التزويج المطلق ، وحيث إن الأمر ليس كذلك باعتبار أن المنشأ انما هو التزويج المقيد بالمقدار المعين من المهر ، فلا محيص عن الحكم ببطلان التزويج أيضاً لما فيه من الضرر على المولى عليه ، وسقوط ولاية المزوج لكونه مضاراً.

على أن لازم ما أفاده (قدس سره) من بطلان المهر عدم التطابق بين الإيجاب والقبول حتى ولو قلنا بتعدد الإنشاء ، فإن الزوج إنما قبل العقد بالمهر المعين ولم يقبل التزويج الخالي عن المهر ، وهذا نظير أن ينشئ البائع بيع شي‌ء ويقبل المشتري شراء شي‌ء آخر. وحيث أن تطابق الإيجاب والقبول في المتعلق معتبر في صحّة العقد بلا خلاف ، كان فقده في المقام موجباً للبطلان.

ومن هنا فالصحيح هو ما اختاره الماتن (قدس سره) من الحكم ببطلانهما معاً وفاقاً لكثير من الأصحاب.

ثمّ لا يخفى أن محلّ البحث في تزويج الولي للصغير بأكثر من مهر المثل إنما هو فيما إذا كان للصغير مال حيث يكون المهر حينئذ عليه ، لا ما إذا لم يكن له مال لأن المهر حينئذ على الأب ، ومعه لا مجال للحكم بالبطلان ، لعدم ترتب أي ضرر على الطفل.

(1) وقد عرفت ما فيه مفصلاً في المسألة السابقة فلا نعيد.

(2) المراد بالقيد إن كان من لا يعرف مصالحه ومفاسده فهو قيد توضيحي ، وإن كان غير ذلك فلا دليل عليه ، ولا نعلم لاعتباره وجهاً.

(3) استدلّ عليه في بعض الكلمات ، بأن الزواج لما كان من الأُمور المالية لاستلزامه ثبوت المهر والنفقة على الزوج ، وكان السفيه ممنوعاً من التصرفات المالية


1) (*) الظاهر أنه أراد بهذا القيد من لا يعلم صلاحه وفساده ، ولأجل ذلك يكون القيد توضيحيّاً لا احترازيّاً حيث إنّ ذلك معنى السفيه في الماليات ، وإلّا فلا يكاد يظهر وجه للتقييد.

.................................................................................................


بلا خلاف ، كان اللازم الحكم بالفساد في المقام.

وفيه مضافاً إلى اختصاصه بالولد دون البنت - : أنه إنما يتم فيما إذا كان المهر عيناً معيّنة من أمواله الموجودة بالفعل ، دون ما إذا كان كلياً في الذمّة ، فإنه لا إجماع على منعه منه أيضاً. على أنه قد يفرض كون المهر من غيره ، ومن دون أي تصرف في شي‌ء من أمواله.

وأما وجوب الإنفاق ، فهو حكم شرعي متفرع على التزويج وليس من مصاديق التصرف المالي ، فلا وجه لاستلزام الحجر عنه للحجر بالنسبة إليه.

ومن هنا فالصحيح في الاستدلال هو التمسك بالنسبة إلى منع الولد بصحيحة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : سأله أبي وأنا حاضر عن اليتيم متى يجوز أمره؟ قال ( حَتّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ ) . قال : وما أشده؟ قال : «احتلامه». قال : قلت : قد يكون الغلام ابن ثمان عشرة سنة أو أقل أو أكثر ولم يحتلم؟ قال : «إذا بلغ وكتب عليه الشي‌ء جاز أمره ، إلّا أن يكون سفيهاً أو ضعيفاً» (1).

وهذه الرواية وإن رواها صاحب الوسائل (قدس سره) عن أبي الحسين الخادم بياع اللؤلؤ عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) مباشرة ، إلّا أن الصحيح وساطة عبد اللّه بن سنان في البين ، على ما هو مذكور في الخصال (2)، ولعل عدم ذكره في الوسائل من سهو القلم عند النسخ.

وكيف كان ، فهي واضحة الدلالة على عدم جواز أمر السفيه وبقاء الولاية عليه.

وأما بالنسبة إلى منع البنت فبالتمسك بصحيحة الفضلاء المتقدِّمة عن أبي جعفر (عليه السلام) ، قال : «المرأة التي قد ملكت نفسها ، غير السفيهة ولا المولى عليها تزويجها بغير ولي جائز» (3). حيث قيد (عليه السلام) استقلالها في النكاح بعد بلوغها المعبّر عنه بملك الأمر بعدم كونها سفيهة.


1) الوسائل ، ج 18 كتاب الحجر ، ب 2 ح 5.

2) الخصال : 495.

3) تقدّمت في ص 210 ه 3.

وعليه أن يعيّن المهر والمرأة (1). ولو تزوّج بدون إذنه وقف على إجازته ، فإن رأى المصلحة وأجاز صحّ ، ولا يحتاج إلى إعادة الصيغة ، لأنه ليس كالمجنون والصبي مسلوب العبارة (2) ولذا يصح وكالته عن الغير في إجراء الصيغة ومباشرته لنفسه بعد إذن الولي.

[3871] مسألة 8 : إذا كان الشخص بالغاً رشيداً في الماليات ، لكن لا رشد له بالنسبة إلى أمر التزويج وخصوصيّاته من تعيين الزوجة وكيفيّة الإمهار ونحو ذلك ، فالظاهر كونه كالسّفيه في الماليّات في الحاجة إلى إذن الولي (3) وإن لم أر من تعرّض له.

[3872] مسألة 9 : كل من الأب والجدّ مستقل في الولاية (4) فلا يلزم الاشتراك ، ولا الاستئذان من الآخر ، فأيهما سبق مع مراعاة ما يجب مراعاته


(1) على ما يقتضيه قانون الولاية ، فإنّ معناها رجوع الزواج بتمام شؤونه ومقتضياته إلى نظره.

(2) فإنه لا قصور في إنشائه ، وإنما القصور في النفوذ خاصة.

(3) كما يقتضيه قوله (عليه السلام) في صحيحة الفضلاء المتقدِّمة : «غير السفيهة ولا المولى عليها» إذ المتيقن وبملاحظة خصوصيّة المورد أعني كون الصحيحة واردة في الزواج هو السفيهة فيه. وإذا ثبت الحكم بالنسبة إلى السفيهة ثبت في السفيه بالقطع بعدم الفرق بينهما.

ويؤيده إطلاق صحيحة عبد اللّه بن سنان المتقدِّمة.

(4) بلا خلاف فيه ، ويقتضيه إطلاق النصوص.

نعم ، لصاحب الجواهر (قدس سره) عبارة ربّما تشعر بتوقفه فيه ، حيث قال في شرح قول المحقق (قدس سره) : (فمن سبق عقده صح) : بناء على استقلال كل منهما بالولاية (1).


1) الجواهر 29 : 208.

لم يبق محل للآخر (1). ولو زوّج كلّ منهما من شخص ، فإن علم السابق منهما فهو المقدم ولغي الآخر ، وإن علم التقارن قدّم عقد الجدّ (2). وكذا إذا جهل التاريخان.


غير أن مما يقطع به أنه ليس مراده (قدس سره) منها اشتراك الأب والجد في الولاية ، بمعنى اعتبار رضاهما معاً ، وذلك لاختياره (قدس سره) بعد أسطر من هذه العبارة تقديم إنكاح الجدّ لها على إنكاح الأب فيما لو أوقعاه دفعة ، مدعياً الإجماع عليه. فإنه واضح الدلالة على عدم اختياره (قدس سره) القول باشتراكهما معاً في الولاية ، وإنما مراده (قدس سره) منها هو الاحتراز عن تزويج البكر ، حيث إنّ كلّاً منهما يشترك حينئذ في الولاية معها من دون أن يكون له حق الاستقلال.

وعلى هذا فيكون معنى ما أفاده (قدس سره) هو : أنّ السبق في إيقاع العقد إنما يكون له أثر ، فيما إذا كانت المولى عليها صغيرة أو كانت كبيرة بكراً ، وقلنا باستقلال الأب والجد في إنكاحها. وأما إذا قلنا باعتبار استئذانها ، باعتبار أنّ «لها في نفسها نصيباً» (1)فلا أثر للسبق ، بل الخيار لها تجيز من العقدين ما شاءت.

(1) إجماعاً ومن غير الخلاف فيه ، وتدلّ عليه جملة من النصوص المتقدِّمة كصحيحة عبيد بن زرارة وغيرها ، فراجع.

(2) وتدلّ عليه مضافاً إلى التسالم وعدم الخلاف فيه عدّة من النصوص المعتبرة الدالّة على تقديم عقد الجدّ.

كصحيحة هشام بن سالم ومحمد بن حكيم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : «إذا زوّج الأب والجد كان التزويج للأوّل ، فإن كان جميعاً في حال واحدة فالجد أولى» (2).

وصحيحة عبيد بن زرارة ، قال : قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : الجارية يريد


1) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب عقد النكاح وأولياء العقد ، ب 9 ح 2.

2) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب عقد النكاح وأولياء العقد ، ب 11 ح 3.

وأمّا إذا علم تاريخ أحدهما دون الآخر ، فإن كان المعلوم تاريخ عقد الجدّ قدم أيضاً. وإن كان المعلوم تاريخ عقد الأب احتمل تقدّمه (1). لكن الأظهر تقديم عقد الجد ، لأنّ المستفاد من خبر عبيد بن زرارة أولوية الجدّ ما لم يكن الأب زوّجها قبله ، فشرط تقديم عقد الأب كونه سابقاً (2) وما لم يعلم ذلك يكون عقد الجد أولى.

فتحصّل أنّ اللّازم تقديم عقد الجدّ في جميع الصور ، إلّا في صورة معلوميّة سبق عقد الأب.


أبوها أن يزوّجها من رجل ، ويريد جدّها أن يزوّجها من رجل آخر ، فقال : «الجدّ أولى بذلك ما لم يكن مضارّاً ، إن لم يكن الأب زوّجها قبله ، ويجوز عليها تزويج الأب والجدّ» (1).

فإنّ مقتضى قوله (عليه السلام) : «إن لم يكن الأب زوّجها قبله» هو تقديم عقد الجدّ في فرض التقارن ، نظراً لعدم صدق ما اعتبر في تقديم عقد الأب ، فتكون مقيدة لأدلّة ولاية الأب لا محالة. وبها نخرج عن القاعدة المقتضية للبطلان ، حيث إن الجمع بينهما غير ممكن ، وترجيح أحدهما على الآخر ترجيح من غير مرجح.

(1) لأصالة عدم وقوع العقد من الجد إلى حين وقوع العقد من الأب ، فيحكم بصحته لعدم المعارض.

(2) وتوضيح ذلك : أن مقتضى صحيحة عبيد بن زرارة هو تقديم عقد الجد مطلقاً ، ومن دون فرق بين جميع الصور باستثناء ما إذا كان عقد الأب سابقاً ، فإنّ هذه الصورة هي المستثناة من ولاية الجد ونفوذ عقده وخارجة منها خاصّة.

ومن هنا ففي جميع هذه الصور يجري استصحاب عدم سبق عقد الأب على عقد الجدّ ، من غير فرق بين العلم بالتاريخ أو الجهل به ، والقول بجريان الاستصحاب في معلوم التاريخ وعدمه. ولا يعارضه استصحاب عدم وقوع العقد من الجد إلى زمان وقوع العقد من الأب ، لأنه لا يثبت السبق.


1) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب عقد النكاح وأولياء العقد ، ب 11 ح 2.

ولو تشاحّ الأب والجدّ ، فاختار كل منهما واحداً ، قدّم اختيار الجدّ (1).


وبعبارة اخرى نقول : إنّ صحيحة عبيد وإن لم تكن تتضمن لفظ السبق ، وإنما المذكور فيها عنوان القبلية ، فما أفاده الماتن (قدس سره) لا يخلو من التسامح في التعبير. ومع ذلك فالمراد به ليس هو تقديم عقد الجد ما لم يسبقه عقد الأب ، بمعنى لحوق عقد الجد له ، كي يتمسك باستصحاب عدم وقوعه إلى حينه ، فإنه غير معتبر جزماً ولذا يحكم بصحّة عقد الأب حتى ولو لم يقع عقد من الجد بالمرة ، مع أنه لم يتحقق السبق بهذا المعنى لعدم تحقق اللحوق ، فإنهما من العناوين المتضايفة لا يمكن تحقق أحدهما من دون تحقق الآخر. وإنما المراد منها الحكم بصحّة عقد الجد على الإطلاق ما لم يكن عقد الأب سابقاً عليه ، كما يظهر ذلك من الالتفات إلى أن الكلام إنما هو في المزاحمة وحيث إن هذا العنوان عنوان وجودي ، فلا يمكن إحرازه باستصحاب عدم عقد الجد إلى زمان عقد الأب.

ومن هنا فيحكم بصحّة عقد الجد في جميع هذه الصور ، لعدم إحراز شرط تقديم عقد الأب.

وبالجملة : إنّ المعتبر في تقديم عقد الجدّ قيد عدمي ، فيمكن إحرازه عند الشك فيه بالأصل. وهو بخلاف القيد المعتبر في تقديم عقد الأب فإنه وجودي ، فلا ينفع في إحرازه التمسك باستصحاب عدم تقدّم عقد الجد عليه ، فإنه لا يثبت كون عقده قبل عقد الجدّ.

(1) وتدلّ عليه صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) ، قال : «إذا زوّج الرجل ابنة ابنه فهو جائز على ابنه ، ولابنه أيضاً أن يزوجها». فقلت : فإن هوى أبوها رجلاً وجدّها رجلاً؟ فقال : «الجدّ أولى بنكاحها» (1).

وقوله (عليه السلام) في صحيحة عبيد اللّه بن زرارة : «فإنّ هوى أبوها رجلاً وجدّها رجلاً فالجدّ أولى بنكاحها» (2)ومعتبرته الثانية المتقدِّمة.


1) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب عقد النكاح وأولياء العقد ، ب 11 ح 1.

2) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب عقد النكاح وأولياء العقد ، ب 11 ح 7.

ولو بادر الأب فعقد ، فهل يكون باطلاً ، أو يصح؟ وجهان ، بل قولان (1) من كونه سابقاً فيجب تقديمه ، ومن ان لازم أولوية اختيار الجد (1)عدم صحّة خلافه. والأحوط مراعاة الاحتياط.

ولو تشاح الجد الأسفل والأعلى ، هل يجري عليهما حكم الأب والجد ، أوْ لا؟ وجهان ، أوجههما الثاني ، لأنهما ليسا أباً وجدّاً بل كلاهما جدّ ، فلا يشملهما ما دلّ على تقديم الجد على الأب (2).


(1) كما يظهر من صاحب الجواهر (قدس سره) ، حيث ذكر بعد القول بالصحّة أنه : قد يقال ببطلان عقده حينئذ (2)فإنه ظاهر في كونه قولاً وإن كان نادراً.

وكيف كان ، فالصحيح هو الثاني.

والوجه فيه أن أوْلوية عقد الجد في هذه الموارد كما دلّت عليه النصوص المعتبرة ليست هي بمعنى الأفضلية ، وإنما هي بمعنى ثبوت الولاية له دون الأب ، ومن هنا فتكون هذه النصوص مقيدة لأدلّة ولاية الأب ، بغير فرض هوى الجدّ رجلاً آخر ، ومعه فلا مجال للقول بالصحّة في المقام.

ومنه يظهر الحال في التمسك بإطلاق صحيحة هشام بن سالم ومحمّد بن حكيم فإنه لا مجال للتمسك به بعد ثبوت المقيد له.

وأما حمل الأولوية على الأولوية الاستحبابية أو الوجوبية التكليفية ، فهو على خلاف الظاهر جدّاً ، كما يشهد له ورود عين هذا التعبير في فرض تقارن عقديهما.

والحاصل أن هذا القول وإن كان نادراً بل لم يعلم القائل به ، إلّا أنه هو المتعيّن بحسب الأدلّة والنصوص.

(2) إلّا أنه قد يشكل على ما أفاده (قدس سره) ، بأنّ النصوص الواردة في المقام وإن كانت كلّها تختص بالأب والجدّ ، غير أن مقتضى التعليل المذكور في روايتين هو


1) (*) لا يبعد أن يكون هذا هو الأظهر.

2) الجواهر 29 : 209.

.................................................................................................


التعدِّي إلى الجدّ الأسفل مع الجدّ الأعلى ، وهاتان الروايتان هما :

أوّلاً : رواية عبيد بن زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : «إني لذات يوم عند زياد بن عبد اللّه إذ جاء رجل يستعدي على أبيه فقال : أصلح اللّه الأمير إن أبي زوّج ابنتي بغير إذني ، فقال زياد لجلسائه الذين عنده : ما تقولون فيما يقول هذا الرجل؟ فقالوا : نكاحه باطل. قال : ثمّ أقبل عليّ فقال : ما تقول يا أبا عبد اللّه؟ فلما سألني أقبلت على الذين أجابوه فقلت لهم : أليس فيما تروون أنتم عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) أن رجلاً جاء يستعديه على أبيه في مثل هذا ، فقال له رسوله اللّه (صلّى آله عليه وآله وسلم) : أنت ومالك لأبيك؟ قالوا : بلى. فقلت لهم : كيف يكون هذا وهو وماله لأبيه ولا يجوز نكاحه؟! قال : فأخذ بقولهم ، وترك قولي» (1).

فإنّ التعليل بقوله (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) : «أنت ومالك بفتح اللام كما يقتضيه استشهاده (عليه السلام) بهذه الكلمة في النكاح لأبيك» يقتضي عدم اختصاص الحكم بالأب بلا واسطة مع الجد ، وعموم الحكم للجد الأسفل مع الجد الأعلى ، فإنه وماله له.

ثانياً : صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) قال : سألته عن رجل أتاه رجلان يخطبان ابنته ، فهوي أن يزوّج أحدهما وهوى أبوه الآخر ، أيهما أحق أن ينكح؟ قال : «الذي هوى الجد أحقّ بالجارية ، لأنها وأباها للجد» (2).

فإنها وبعموم التعليل تدلّ على ثبوت الحكم للجدين الأسفل والأعلى.

لكن في الاستدلال بكلتا الروايتين نظر :

أما الأُولى : فهي مضافاً إلى ضعف سندها بسهل بن زياد لا دلالة فيها على تقدّم هوى الجد على هوى الأب عند التشاح ، أو عقد الجد على عقده عند التقارن


1) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب عقد النكاح وأولياء العقد ، ب 11 ح 5.

2) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب عقد النكاح وأولياء العقد ، ب 11 ح 8.

[3873] مسألة 10 : لا يجوز للولي تزويج المولى عليه بمن به عيب ، سواء كان من العيوب المجوزة للفسخ أوْ لا ، لأنه خلاف المصلحة (1). نعم ، لو كان هناك مصلحة لازمة المراعاة جاز.


بل غاية دلالتها هو ثبوت الولاية للجد ، وأنّ له أن يفعل كل ما كان للأب أن يفعله. ومن هنا فلا يمكن التمسك بهذه الرواية لإثبات المدعى.

وأما الثانية : فهي لو تمّت دلالتها فإنما تدل على تقديم هوى الجد الأعلى على هوى الجد الأدنى ، وأما تقديم عقد الأعلى على عقد الأدنى في فرض التقارن فلا دلالة لها عليه. على أن دلالتها على الأوّل محل نظر أيضاً ، وذلك لما ذكرناه فيما تقدّم من أنّ محل الكلام إنما هو في فرض استقلال الأب والجد في الولاية ، كما هو الحال في الولاية على الصغيرة ، وأما الكبيرة الرشيدة فالأمر بيدها تختار من العقدين ما شاءت. نعم ، يأتي قريباً إن شاء اللّه أنه يستحب لها أن ترضى بما رضي به الجدّ.

وحيث إنّ الظاهر أنّ مورده هذه الصحيحة هو فرض كونها كبيرة ، كما يظهر ذلك من قول السائل : (رجلان يخطبان ابنته) فإنّ ذلك إنما يكون بالنسبة إلى الكبيرة غالباً ، تكون الصحيحة أجنبية عن محلّ الكلام.

وممّا يؤيِّد ما ذكرناه ، أنه (عليه السلام) إنما حكم بأحقيّة الرجل الذي هواه الجدّ ولم يحكم بأحقيّة الجد نفسه ، فإنه إنما ينسجم مع ما ذكرناه من استحباب الرضا بما رضي به الجدّ ، من دون أن يكون له دلالة على سلب الولاية عن الأب.

ومن هنا فلا مجال للتمسك بهذه الصحيحة لإثبات تقدّم عقد الجدّ على عقد الأب عند التشاح ، فضلاً عن التعدي منهما إلى الجد الأعلى مع الجد الأدنى.

إذن فالصحيح في المقام هو ما اختاره الماتن (قدس سره) ، من اختصاص الحكمين بالأب بلا واسطة مع الجد ، وعدم ثبوته في الجدين الأعلى والأدنى.

(1) في التعبير مسامحة واضحة والمراد به وجود المفسدة ، كما يقتضيه مناسبة الحكم والموضوع.

وحينئذ لا خيار له ولا للمولى عليه إن لم يكن من العيوب المجوّزة للفسخ. وإن كان منها ، ففي ثبوت الخيار للمولى عليه بعد بلوغه أو إفاقته ، وعدمه لأن المفروض إقدام الولي مع علمه به ، وجهان. أوجههما الأوّل ، لإطلاق أدلّة تلك العيوب ، وقصوره بمنزلة جهله (1) وعلم الولي ولحاظه المصلحة لا يوجب سقوط الخيار للمولى عليه ، وغاية ما تفيد المصلحة إنما هو صحّة العقد ، فتبقى أدلّة الخيار بحالها.

بل ربّما يحتمل ثبوت الخيار للولي أيضاً ، من باب استيفاء ما للمولى عليه من الحق ، وهل له إسقاطه أم لا؟ مشكل (2) إلّا أن يكون هناك مصلحة ملزمة


(1) استشكل فيه بعضهم بأنّ علم الولي والوكيل لما كان بمنزلة علم المولى عليه والموكل ، خرج المورد عن منصرف أدلّة الخيار.

وفيه : أنّ التوكيل أو الولاية لا يقتضيان إلّا كون الفعل الصادر من الوكيل أو الولي ، بمنزلة الفعل الصادر من الموكل أو المولى عليه. وأما كون علمهما بمنزلة علمهما فهو مما لا يمكن إثباته بدليل ، ولا موجب لتقييد المطلقات الدالّة على ثبوت الخيار عند ظهور العيوب المعينة.

نعم ، في خصوص ما إذا اشترى الوكيل أو الولي بأغلى من ثمن المثل لمصلحة تقتضي صحّة العقد ، يمكن القول بعدم ثبوت خيار الغبن للمولى عليه والموكل ، وذلك لأنّ منشأ هذا الخيار إنما هو الاشتراط الضمني بمبادلة كل من المتبايعين ماله بما يساويه في المالية من الآخر ، ومن الواضح أنّ هذا الشرط الضمني يتوقّف على الجهل بالغبن ، إذ مع العلم به لا يمكن القول باشتراط التساوي في المالية.

إلّا أنّ هذا أجنبي عن محلّ الكلام. فإنّ عدم ثبوت الخيار فيه إنما هو من جهة فقد المقتضي ، أعني الاشتراط الضمني بالتساوي في المالية ، فلا يمكن التعدي إلى المقام حيث إن تقييد المطلقات يحتاج إلى الدليل ، ولا دليل على كون علم الولي بمنزلة علم المولى عليه.

(2) لا وجه للاستشكال ، بل ينبغي الجزم بعدم الثبوت ، فيما إذا لم يكن هناك

لذلك (1).

وأما إذا كان الولي جاهلاً بالعيب ولم يعلم به إلّا بعد العقد ، فإن كان من العيوب المجوزة للفسخ ، فلا إشكال في ثبوت الخيار له (2) وللمولى عليه إن لم يفسخ ، وللمولى عليه فقط إذا لم يعلم به الولي إلى أن بلغ أو أفاق.

وإن كان من العيوب الأُخر ، فلا خيار للولي (3). وفي ثبوته للمولى عليه وعدمه وجهان ، أوجههما ذلك (1)، لأنه يكشف عن عدم المصلحة في ذلك التزويج. بل يمكن أن يقال أن العقد فضولي حينئذ لا أنه صحيح ، وله الخيار (4).


مصلحة ملزمة ، وذلك لما فيه من تفويت حق الصغير والإفساد في أمره.

(1) وحينئذ فلا ينبغي الإشكال في ثبوت الولاية له ، فإنه من الأُمور الراجعة إلى المولى عليه ، فيكون له التصرف فيه.

(2) لعدم المقتضي ، لسقوطه ، وتقييد إطلاقات أدلّة الخيار.

(3) بما هو عاقد ومزوج للصغير أو المجنون ، وذلك لعدم ثبوته للزوج إذا كان هو المباشر للعقد ، فلا يثبت لمن هو فرع له. إلّا أن هذا لا ينافي ثبوته له من جهة ثبوته للمولى عليه ، باعتبار أن العقد الواقع خارجاً على خلاف مصلحته ، لو قيل به.

(4) والذي ينبغي أن يقال : إنّ العقد إذا كان خالياً عن المفسدة بالنسبة إلى الصغير وإن لم تكن فيه مصلحة له أيضاً ، فلا بدّ من الحكم بصحته من دون ثبوت الخيار للولي أو المولى عليه. أما الصحّة ، فلما عرفت من كفاية عدم وجود المفسدة في الحكم بها. وأما عدم ثبوت الخيار ، فلاختصاص أدلتها بعيوب معينة.

وأمّا إذا كان فيه مفسدة له ، فينبغي الحكم بالبطلان رأساً ، ولا وجه للحكم بالصحّة وثبوت الخيار.


1) (*) فيه إشكال بل منر. فإنّ تزويج الأب إن كان نافذاً في حقّه على أساس أنّ المعتبر في ولايته عليه عدم المفسدة فلا يكون عدم المصلحة مانعاً عن نفوذ تصرّفه في حقّه كما مرّ سابقاً وعليه فلا خيار له ، وإن لم يكن نافذاً فالعقد فضولي تتوقّف صحّته على إجازة المولى عليه بعد البلوغ.

[3874] مسألة 11 : مملوك المملوك كالمملوك في كون أمر تزويجه بيد المولى (1).

[3875] مسألة 12 : للوصي أن يزوِّج المجنون المحتاج إلى الزواج (2) ، بل


والحاصل أنه لا وجه للجمع بين الحكم بالصحّة وثبوت الخيار في المقام ، فإن الصحّة متوقفة على عدم المفسدة ، ومعه يكون العقد نافذاً من دون أن يكون لأحد الخيار فيه. وأما مع وجود المفسدة ، فالعقد فضولي وغير محكوم بالصحّة ، إلّا مع التعقيب بالإجازة.

(1) سواء التزمنا بقابلية العبد للملك كما هو المختار ، أم قلنا بعدمها.

والوجه فيه أن المولى مالك للعبد ولما يملكه ، فلا يجوز نكاحه من غير إذنه. وقد تقدّم البحث في هذه المسألة مفصلاً في نكاح العبيد والإماء ، فراجع.

(2) بلا خلاف فيه في الجملة ، وتقتضيه إطلاقات أدلّة نفوذ الوصيّة ، كقوله تعالى ( كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ. فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ. فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) (1).

فإنّ صدرها وإن كان يقتضي نفوذ الوصيّة المالية خاصة بالنسبة إلى خصوص الوالدين والأقربين ، إلّا أن المستفاد من قوله تعالى ( فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً ) نفوذها مطلقاً ولزوم العمل بمقتضاها دائماً باستثناء ما خرج ، أعني ما كان فيها جنف أو إثم أو ضرر على الوارث على ما دلّت عليه النصوص فإنه لا يجب العمل بها.

ومن هنا فتكون الآية المباركة شاملة للوصيّة بالمجنون ، فيجب العمل على وفق


1) سورة البقرة 2 : 180 182.

.................................................................................................


الوصيّة ، لأنّ في مخالفتها تبديلاً لها ، فيكون ( إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ ) .

وتوهّم أنّ الآية المباركة وجميع النصوص الواردة في الاستدلال بها مختصة بالوصيّة المالية ، فلا دليل على نفوذ الوصيّة في نكاح المجنون أو المجنونة.

مدفوع بأنّ صدر الآية الكريمة وإن كان موردها الوصيّة بالمال ، إلّا أنه غير ضارٍّ بإطلاق الآية المباركة. على أنه يكفي في إثبات عدم اختصاص نفوذ الوصيّة بالأُمور المالية ، ما دلّ على نفوذ الوصيّة بالمضاربة بمال اليتيم ، مع أنه وصيّة بالاتجار لا المال.

كصحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، أنه سئل عن رجل أوصى إلى رجل بولده وبمال لهم ، وأذن عند الوصيّة أن يعمل بالمال وأن يكون الريح بينه وبينهم ، فقال : «لا بأس به من أجل أن أباه قد أذن له في ذلك وهو حي» (1). وقريب منها خبر خالد الطويل (2).

فإنّ مقتضى عموم التعليل بقوله (عليه السلام) : «إن أباه قد أذن له في ذلك وهو حي» نفوذ الوصيّة بكل ما كان للأب في حياته.

ويؤيِّد ما ذكرناه ما ورد في تفسير من ( بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ ) (3)حيث اشتملت جملة منها على الوصي أيضاً ، فإنّ المراد به وبملاحظة مناسبة الحكم والموضوع ، هو من أوصى إليه بالنكاح دون من كان وصياً في إدارة شؤونه العامة.

وبالجملة لا ينبغي الإشكال في نفوذ الوصيّة بالنكاح بالنسبة إلى المجنون.

ثمّ إن الحكم بنفوذ الوصيّة مطلقاً إنما يتم في المقام بناءً على ما اخترناه ، من عدم اختصاص ولاية الأب أو الجد على المجنون بما إذا كان الجنون متصلاً بالصغر. وأما لو قلنا بذلك ، كان اللازم اختصاص نفوذ الوصيّة بذلك الفرض أيضاً وعدم تماميته في الجنون المنفصل ، إذ ليس للأب أو الجد الإيصاء لغيره بما ليس له.


1) الوسائل ، ج 19 كتاب الوصايا ، ب 92 ح 1.

2) الوسائل ، ج 19 كتاب الوصايا ، ب 92 ح 2.

3) سورة البقرة 2 : 237.

الصّغير أيضاً لكن بشرط نصّ الموصي عليه (1)(1) سواء عيّن الزّوجة أو الزّوج أو أطلق. ولا فرق بين أن يكون وصياً من قبل الأب أو من قبل الجدّ ، لكن


(1) أمّا مع النص عليه ، فيقتضيه جميع الوجوه المتقدِّمة في المجنون ، من الآية المباركة ، وصحيحة محمد بن مسلم ، وما ورد فيمن بيده عقدة النِّكاح.

إلّا أنه قد يستدلّ على عدم النفوذ في المقام بصحيحتين هما :

أوّلاً : صحيحة ابن بزيع ، قال : سأله رجل عن رجل مات وترك أخوين وابنة والبنت صغيرة ، فعمد أحد الأخوين الوصي فزوج الابنة من ابنه ثمّ مات أبو الابن المزوج ، فلما أن مات قال الآخر : أخي لم يزوّج ابنه فزوج الجارية من ابنه ، فقيل للجارية : أيّ الزوجين أحب إليك الأوّل أو الآخر؟ قالت : الآخر ، ثمّ إنّ الأخ الثاني مات وللأخ الأوّل ابن أكبر من الابن المزوج فقال للجارية : اختاري أيهما أحب إليك الزوج الأوّل أو الزوج الآخر؟ فقال : «الرواية فيها أنها للزوج الأخير ، وذلك أنها قد كانت أدركت حين زوجها ، وليس لها أن تنقض ما عقدته بعد إدراكها» (2).

وفيه : أنها أجنبية عن محل الكلام ، إذ لم يفرض فيها كون الوصي وصياً في التزويج فلا تعارض ما تقدّم ، لما عرفت من ورودها ولو بملاحظة مناسبة الحكم والموضوع في التزويج ، بل لا بدّ من حملها على الوصي في غير النكاح كادارة شؤونها العامة ، كما هو الغالب في الوصيّة.

ثانياً : صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) ، في الصبي يتزوج الصبية يتوارثان؟ قال : «إن كان أبواهما اللذان زوجاهما فنعم» (3). فإنها وبإطلاقها تدلّ على نفي التوارث فيما إذا زوجهما الوصي ، وعدم التوارث يدلّ على بطلان النكاح.

وفيه : أن المتفاهم العرفي من هذه الصحيحة أنه لا خصوصيّة للأبوين جزماً ، وإنما


1) (*) إذا لم ينص الموصي على الزواج ولكن كان للوصي التصرّف في مال الصغير بالبيع والشراء فالاحتياط بالجمع بين إذنه وإذن الحاكم لا يُترك.

2) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب عقد النكاح وأولياء العقد ، ب 8 ح 1.

3) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب عقد النكاح وأولياء العقد ، ب 12 ح 1.

.................................................................................................


ذكرا من جهة أنهما أظهر مصداق للولي ، ولذا يثبت التوارث بلا خلاف فيما إذا زوجهما الجد أو الوكيل باعتبار أن فعله فعل الموكل.

ومن هنا فليس فيها أي دلالة على بطلان العقد الصادر من غير الأبوين ، وإنما هي دالّة على اعتبار صدور العقد ممن بيده الأمر ، سواء أكان هو الأب أم غيره.

إذن فلا مناص من الالتزام بنفوذ نكاح الوصي ، فيما إذا كان الأب قد نصّ عليه بالخصوص.

وأما مع عدم النص عليه بخصوصه ، فإن كانت الوصاية أجنبية عن الصغير وخارجة عن شؤونه ، كما لو أوصى لشخص بصرف ثلثه أو تكفينه ودفنه ، فلا ينبغي الإشكال في عدم ثبوت وصاية للوصي على الطفل مطلقاً ، لا في النكاح ولا في غيره إذ لا يحتمل أن يكون هذا مصداقاً للوصي المذكور في عداد من بيده عقدة النكاح.

وإن كانت الوصاية راجعة إلى الطفل ، فإن لم تكن هناك مصلحة ملزمة للزواج ولو لأمر غير الحاجة إليه ، فلا شك في عدم ثبوت الولاية له على النكاح ، لعدم المقتضي له. ولعل صحيحة ابن بزيع المتقدِّمة محمولة على هذه الصورة.

وإن كانت هناك مصلحة ملزمة له كما لو توقف حفظ حياته أو حياتها على التزويج ، فالذي ذهب إليه المشهور واختاره الماتن (قدس سره) كما يأتي التصريح به في المسألة القادمة هو ثبوت الولاية للحاكم الشرعي ، إذ لا دليل على ثبوتها للوصي.

إلّا أنه مشكل ، باعتبار أنّ ولاية الحاكم لم تثبت بدليل لفظي خاص ، كي يؤخذ بإطلاقه في مثل هذه الصور. فإن التمسك بالنبوي : «السلطان ولي من لا ولي له» أو معتبرة أبي خديجة لإثباتها لا يخلو من إشكال بل منع. فإنّ الأوّل مضافاً إلى كونه رواية نبوية مختص بالسلطان وهو الإمام المعصوم (عليه السلام) ، فلا مجال للتعدي عنه إلى الحاكم. والثاني وارد في الترافع والقضاء ، وإنّ قضاءه نافذ وحكمه لا يجوز نقضه ، فالتعدي عنه إلى مثل الولاية على اليتيم والمجنون يحتاج إلى الدليل.

وإنما هي ثابتة له من باب أنه القدر المتيقن ممن يجوز له التصدي له ، إذ لا احتمال

بشرط عدم وجود الآخر (1) وإلّا فالأمر إليه.

[3876] مسألة 13 : للحاكم الشرعي تزويج من لا ولي له (2) من الأب والجدّ والوصي ، بشرط الحاجة إليه ، أو قضاء المصلحة اللّازمة المراعاة.


لثبوتها لغيره دونه ، وإذا كان الأمر كذلك فلا مجال لثبوتها في المقام لاحتمال ثبوتها للوصي ، فإنّ نفس هذا الاحتمال يكفي في نفيها عن الحاكم ، إذ به يخرج عن كونه القدر المتيقن.

وبعبارة اخرى : إنّ تزويج اليتيم أو المجنون في فرض وجود مصلحة ملزمة لهما لما كان مما لا بدّ من وقوعه خارجاً ، وكان لا بدّ من تصدي شخص معين له ، ثبتت الولاية للحاكم في فرض عدم وجود الوصي ، لكونه هو القدر المتيقن ممن له التصدِّي للتزويج. وأما مع فرض وجود الوصي ، فحيث لا يكون الحاكم هو القدر المتيقن ، فلا مجال للقول بثبوتها له.

وعلى هذا فمقتضى الاحتياط هو الجمع بين رضا الحاكم والوصي ، فإنّ الأمر لا يعدوهما.

ومن هنا يظهر الحال في المجنون ، فإنّ الكلام فيه عين الكلام في الصغير. فإنّ التفاصيل المتقدِّمة من النص على النكاح وعدمه ، ووجود مصلحة ملزمة وعدمه كلّها آتية فيه أيضاً.

(1) بلا خلاف فيه بينهم ، بل وعليه التسالم.

ويقتضيه قوله تعالى ( فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً ) فإن مقتضاه عدم نفوذ الوصيّة التي فيها إثم أو جنف ، وحيث إنّ في نفوذ هذه الوصيّة جنفاً على الولي الآخر ، فلا يثبت.

وبعبارة اخرى : إنّ وصيّة الولي إنما تنفذ بالنسبة إلى المولى عليه ، فإنه الذي يلزم بما فعله الوصي. وأما بالنسبة إلى الولي الآخر فلا دليل على نفوذها ، بل تقييد ولايته بما إذا لم يسبقه الوصي تعدٍّ عليه وجنف في حقه فلا تنفذ.

(2) قد عرفت الحال في هذه المسألة وما يمكن أن يستدلّ به ومناقشته في ذيل المسألة السابقة ، فلا نعيد.

[3877] مسألة 14 : يستحب للمرأة المالكة أمرها أن تستأذن أباها أو جدّها (1). وإن لم يكونا فتوكل أخاها ، وإن تعدّد اختارت الأكبر.


(1) لا يخفى اختصاص مورد الكلام بالثيب ، وعدم شموله للبكر لأنها لا تملك أمرها ، لما عرفت من اعتبار انضمام رضا أبيها أو جدها إلى رضاها.

نعم ، لو قلنا باستقلالها في النكاح ، فلا بأس في القول باستحباب استئذانها لهما. وذلك لما ورد من أن البكر لا تتزوج إلّا بإذن أبيها ، فإنّ ظاهره توقّف صحّة عقدها عليه ، فإذا فرض رفع اليد عن هذا الظهور ، تعيّن حملها على الاستحباب لا محالة.

وكيف كان ، ففي مورد الكلام لا يمكن إثبات استحباب الاستئذان بعنوانه الخاص نظراً لعدم الدليل عليه.

ودعوى أن الروايات الدالة على اعتبار استئذانها إذا سقطت عن ظهورها في الوجوب ، حملت على الاستحباب لا محالة.

مدفوعة بأنه لم يرد في المقام ولا رواية واحدة تدل على اعتبار استئذان الثيب لأبيها في النكاح ، كي تحمل على الاستحباب بعد رفع اليد عن ظهورها في الوجوب.

نعم ، ورد ذلك في البكر ، وقد عملنا بظاهرها كما عرفت فيما تقدّم. كما وردت روايات مطلقة تدلّ على اعتبار استئذان الجارية ، من غير تقييد بالبكر أو الثيب ، إلّا أنها محمولة على البكر جمعاً بين الأخبار ، وبعد تقييدها لا وجه لحمل الأمر على الاستحباب.

وأما الاستدلال على المدعى برواية سعيد بن إسماعيل عن أبيه ، قال : سألت الرضا (عليه السلام) عن رجل تزوّج ببكر أو ثيب لا يعلم أبوها ولا أحد من قراباتها ، ولكن تجعل المرأة وكيلاً فيزوّجها من غير علمهم ، قال : «لا يكون ذا» (1).

فمردود بأنها أجنبية عما نحن فيه ، فإنها دالّة على وجوب الإعلام ، ولذا لم يذكر فيها الأب خاصّة وإنما ذكر الأقرباء أيضاً ، فلا دلالة لها على استحباب الاستئذان.


1) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب عقد النكاح وأولياء العقد ، ب 3 ح 15.

[3878] مسألة 15 : ورد في الأخبار أن إذن البكر سكوتها عند العرض عليها ، وأفتى به العلماء ، لكنها محمولة على ما إذا ظهر رضاها ، وكان سكوتها لحيائها عن النطق بذلك (1).


وبعبارة اخرى : إنّ الرواية دالّة على وجوب الإعلام واعتباره في صحّة النكاح فلا بدّ من حملها على التقية لذهاب العامة إليه ، ووضوح عدم اعتباره عندنا. وعلى كل تقدير فهي أجنبية عن محل الكلام.

نعم ، لا بأس بإثبات الاستحباب في المقام ، من جهة كون الاستئذان من أظهر مصاديق احترام الأب والجد وتجليلهما ، إلّا أنه حينئذ لا يختص الحكم بالمذكورين في المتن ، بل يعمّ مثل الام والعم بل وكل كبير للُاسرة.

(1) ذكر صاحب الجواهر (قدس سره) في المقام صوراً : سكوتها مقروناً بقرائن تدلّ على رضاها بالعقد جزماً أو اطمئناناً ، والشك في رضاها مع عدم وجود قرينة تدلّ على رضاها أو عدمه ، وقيام قرينة ظنِّيّة تدلّ على رضاها ، وقيام قرينة تدلّ على عدم رضاها بالعقد جزماً أو اطمئناناً ، وقيام قرينة ظنِّيّة تدل على عدم رضاها به وقيام القرينتين معاً. وقد حكم (قدس سره) بالصحّة في الصور الثلاث الاولى والبطلان في الثلاث الباقية.

أمّا الصحّة في الأُولى والبطلان في الرابعة فوجههما واضح ، فإنهما خارجتان عن مورد النص بلا إشكال. أما الاولى فلأنّ العبرة إنما هي بإحراز رضاها كيف اتفق وبأي مبرز كان ، من دون حاجة إلى بيان أن سكوتها رضاها. وأما الثانية فلأنّ السكوت في النصوص منزل منزلة الإذن اللفظي ، في كونه كاشفاً عن الرضا الباطني وأمارة عليه.

ومن هنا فلا يبقى مجال لحمل النصوص على بيان حكم تعبدي ، ولا تكون الرواية شاملة للفرض ، إذ مع العلم بعدم الكشف وعدم رضاها لا أثر للسكوت ، كما لا أثر لإذنها الصريح.

وبعبارة اخرى : إنّ النصوص إنما دلت على تنزيل السكوت منزلة الإذن اللفظي

[3879] مسألة 16 : يشترط في ولاية الأولياء المذكورين البلوغ ، والعقل والحرية ، والإسلام إذا كان المولى عليه مسلماً.

فلا ولاية للصغير والصغيرة على مملوكهما (1) من عبد أو أمة ، بل الولاية حينئذ لوليهما. وكذا مع فساد عقلهما (2) بجنون (3) أو إغماء


في كونه أمارة كاشفة عن الرضا الباطني ، ولم تدلّ على تنزيله منزلة الرضا نفسه ، كي يكون حكماً تعبدياً ويكون له موضوعية ، بحيث يكتفى به حتى مع العلم بعدم الرضا. وحينئذ فحيث إنه مع العلم بعدم الرضا يسقط عن الكاشفية ، فلا وجه للاستناد إليه والاكتفاء به.

وأما التفصيل في باقي الصور فلم يظهر له وجه.

والذي يظهر بالتأمل في هذه النصوص أن السكوت إنما هو منزل منزلة الإذن الذي هو أمارة وكاشف عن الرضا الباطني ، ولذا عرفت خروج فرض الاطمئنان بعدم رضاها قلباً ، ومن هنا تكون حجية السكوت على حدّ حجية الإذن الصريح. وحيث إنه حجة ما لم يعلم عدم رضاها ، يكون الأمر في السكوت كذلك أيضاً ، من غير فرق بين قيام الظن بالوفاق أو الخلاف وعدمه ، فإن الأمارات كاشفة كشفاً نوعياً وحجة بقول مطلق ما لم يحصل العلم بالخلاف ، على ما هو محرر في محلِّه.

(1) بلا خلاف فيه ، للحجر عليهما في التصرف فيما يملكانه ، فتكون الولاية لوليهما لا محالة.

(2) العبارة لا تخلو من قصور ، فإن ظاهرها رجوع الضمير إلى الصغير والصغيرة إلّا أنه غير مراد جزماً ، فإن الجنون مانع عرضي فلا يكون له أثر مع وجود المانع الذاتي أعني الصغر بل المراد به المالكان الكبير والكبيرة إذا عرض عليهما الجنون كما يشهد له عدم تعرضه (قدس سره) لحكمهما بعد ذلك.

(3) لأنه محجور عليه ، فيكون تصرّفه بمنزلة العدم ، وحينئذ فتنتقل ولايته إلى وليِّه لا محالة.

أو نحوه (1)(1).

وكذا لا ولاية للأب والجدّ مع جنونهما ونحوه (2)(2). وإن جُنّ أحدهما دون


ثمّ كان عليه (قدس سره) أن يذكر اعتبار الرشد ، فإنّ السفيه محجور عليه في التصرّفات المالية أيضاً.

(1) كالسكر.

ثمّ إنّ المراد بنفي الولاية ، إن كان عدم الولاية من باب السالبة بانتفاء الموضوع باعتبار أنّ الولاية عبارة عن التسلط والتمكن من التصرف في ماله أو مال غيره وهو يتوقف على الشعور والإدراك ، فهو واضح ، إلّا أن مقتضاه نفي الولاية عن النائم والغافل أيضاً ، لعدم تمكّنهما من التصرف لعدم الشعور وقصورهما عن التصرّف.

وإن كان عدم الولاية بمعنى سلبها عنهما وانتقالها إلى غيرهما ، كما هو الحال في الصغير والمجنون على ما هو ظاهر العبارة ، فلا يمكن إثباته بدليل. ومن هنا فلو أُغمي على رجل ، لم يكن لأبيه أو الحاكم التصرف في أمواله بالبيع والشراء وغيرهما.

نعم ، لو كانت فترة نومه أو إغمائه طويلة إلى حد لم يتمكن معه من التصرف في ماله ، وكان المال في معرض التلف ، ثبتت الولاية عليه حسبة ، لأنّ مال المسلم محترم ويجب حفظه. إلّا أنه أجنبي عن انتقال الولاية بالإغماء إلى غيره.

والحاصل أن ما أفاده (قدس سره) من نفي الولاية عن المغمى عليه ومن هو بحكمه وانتقالها إلى غيره ، غير تامّ ولا يمكن إثباته بدليل.

(2) الكلام في هذا الفرع يقع في مقامين :

الأوّل : في ولايتهما على الصغير والصغيرة.

الثاني : في اعتبار إذنهما في نكاح الباكر.

أمّا المقام الأوّل : فلا ينبغي الشك في عدم ثبوتها لهما ، فإنهما إذا كانا محجورين عن


1) (*) لا تنتقل الولاية عن المالك إلى غيره بالإغماء ونحوه.

2) (**) إذا كان زمان الإغماء ونحوه بل الجنون أيضاً قصيراً فالظاهر أنّ البكر البالغة لا تستقل في أمرها ، بل لا بدّ لها من الانتظار حتّى يفيق أبوها أو جدّها فتستجيز منه.

الآخر فالولاية للآخر (1).


التصرّف في أنفسهما وأموالهما ، فهما أولى بالحجر عن التصرف في نفس الغير وماله.

ويؤكِّد ذلك مضافاً إلى انصراف جملة من النصوص الواردة في المقام إلى غير المجنون قوله (عليه السلام) في صحيحة الفضل بن عبد الملك المتقدِّمة : «وكان الجدّ مرضياً» (1).

وكذا ما ورد في لزوم المهر للأب إذا لم يكن للولد مال (2)فإنها مختصّة بالعاقل لا محالة ، فإن المجنون لا يلزمه شي‌ء ، فلا معنى لكون المهر عليه في حياته ، وخروجه من تركته بعد وفاته.

وأمّا المقام الثاني : فلا إشكال في سقوط الولاية عنهما. وإنما الإشكال في استقلال البكر في تزويج نفسها ، أو وجوب انتظارها إفاقة الأب من جنونه إذا كان أدوارياً أو إغمائه أو سكره ، بناءً على سقوط ولايته في هاتين الحالتين.

الظاهر هو الثاني. فإن جملة من النصوص الواردة في اعتبار إذن الولي ، وإن كانت قاصرة الشمول لمثلها باعتبار أنها لا ولي لها ، إلّا أن بعضها الآخر وهي التي وردت بلسان اعتبار استئذان الأب غير قاصر الشمول لها ، فإن استئذانها منه ممكن وذلك بالانتظار يسيراً حتى يفيق مما هو فيه ، كما هو الحال في سائر موارد الأعذار غير الجنون والإغماء ، كالنوم والحبس وغيرهما.

نعم ، لو كانت المدّة طويلة بحيث يستلزم الانتظار تضرّرها ، فلا بأس بالقول باستقلالها حينئذ ، إلّا أنه إنما يتمّ في الجنون حيث يمكن فرض كونه إطباقياً دون الإغماء والسكر ، حيث لا يمكن فرض طول المدة فيهما ، فيجب عليها الانتظار لا محالة.

(1) لعموم دليل ولايته السالم عن المعارض.


1) وسائل الشيعة 20 : 290 كتاب النكاح ، أبواب عقد النكاح وأولياء العقد ، باب 11 ثبوت الولاية للجدّ للأب في حياة الأب خاصّة ، الحديث 4.

2) وسائل الشيعة 21 : 287 كتاب النكاح ، أبواب المهور ، باب 28 إنّ من زوّج ابنه الصغير وضمن المهر أو لم يكن للابن مال.

وكذا لا ولاية للمملوك ولو مبعضاً على ولده ، حراً كان أو عبداً (1) بل الولاية في الأوّل للحاكم (2) وفي الثاني لمولاه.

وكذا لا ولاية للأب الكافر على ولده المسلم (3)


(1) أمّا مع حرية الولد ، فلأنّ العبد حتى ولو كان مبعضاً ، فهو لا يقدر على شي‌ء وممنوع من التصرف في نفسه فضلاً عن غيره. وأما مع رقيته فالأمر أوضح ، فإن أمره بيد مولاه وليس للأب ولاية عليه حتى ولو كان حراً ، فإن ولايته إنما هي بلحاظ ولده الصغير أو بنته البكر وبالنسبة إليهما خاصة ، وأما بالنسبة إلى مالكهما فدليل ولايته قاصر الشمول له.

(2) تقدّم الكلام فيه في المسألة الثانية عشرة من هذا الفصل ، وقد عرفت أن الولد إذا كان كبيراً فهو مستقل في أمره يفعل ما يشاء ، وأما إذا كان صغيراً فلا ولاية للحاكم عليه ، إلّا فيما تقتضيه المصلحة الملزمة ويعلم من الشارع وجوب التصدي إليه وتحقيقه ، وأما في غير ذلك فلا دليل على ولاية الحاكم عليه.

(3) بلا خلاف فيه ، بل الظاهر من كلماتهم أنه من الواضحات المتسالم عليها.

وقد استدلّ عليه في بعض الكلمات بجملة من الآيات الكريمة والنصوص الشريفة كقوله تعالى ( لَنْ يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً ) (1). وقوله (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) : «الإسلام يعلو ولا يعلى عليه» (2).

وقد تعرّض شيخنا الأعظم (قدس سره) إلى مناقشة دلالة هذه النصوص مفصّلاً ولقد أجاد (قدس سره) فيما أفاد. فإن السبيل المنفي في الآية المباركة إنما هو الحجّة لا التسلّط عليه ، ولذا يثبت للكافر السلطنة على أجيره المسلم ، حيث يجب عليه تنفيذ ما استأجره عليه. وعلو الإسلام لا يستلزم عدم ثبوت الولاية للكافر على المسلم.

فالعمدة في الاستدلال أمران :


1) النساء 4 : 141.

2) الوسائل ، ج 26 كتاب الفرائض والمواريث ، أبواب موانع الإرث ، ب 1 ح 11.

فتكون للجدّ إذا كان مسلماً (1) وللحاكم إذا كان كافراً أيضاً (2). والأقوى (3) ثبوت ولايته على ولده الكافر (1).


الأوّل : انصراف الأدلّة. فإن المتفاهم العرفي منها كون الولاية من جهة احترامهم وأداء حقوقهم ، فلا تشمل الكافر الذي يجب عدم موادته والابتعاد عنه.

الثاني : قاعدة الإلزام. فإنّ الكفار وبحسب ما هو معلوم من الخارج لا يلتزمون بجواز إنكاح الصغير مطلقاً ، كما لا يلتزمون بالولاية على بناتهم الأبكار وتوقف نكاحهنّ على إذنهم ، وحينئذ فمقتضى هذه القاعدة سقوط الولاية عنه ، والالتزام بصحّة نكاحها من غير إذنه.

(1) لعموم أدلة ولايته.

(2) قد عرفت الكلام في ولاية الحاكم ، فلا نعيد.

(3) وهو إنما يتمّ فيما إذا كان الزوج مسلماً ، وكان المستند في نفي ولاية الكافر على ولده المسلم قوله تعالى ( وَلَنْ يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً ) أو قوله (صلّى اللّه عليه وآله وسلم : «الإسلام يَعْلو ولا يُعْلى عليه» (2)فإنه حينئذ يمكن أن يقال بثبوت ولايته عليه ، لعدم شمول الدليلين له.

وأمّا إذا كان الزوج كافراً ، أو كان المستند في نفيها عنه انصراف أدلّة الولاية عن الكافر أو قاعدة الإلزام كما عرفت أنه هو الصحيح ففيما أفاده (قدس سره) إشكال بل منع. فإن الزوج إذا كان كافراً لم يعتبر في نكاحهما شي‌ء من شرائط الإسلام من إذن الأب أو غيره ، فإنّ لكل قوم نكاحاً. وكذا لو كان مسلماً ، ولكن كان المستند في النفي ما اخترناه ، فإنّ مقتضاه هو الحكم بالصحّة سواء أرضي الأب أم لم يرض ، لعدم الولاية له بمقتضى انصراف الأدلة وقاعدة الإلزام ، فإنهما شاملان للمقام أيضاً.


1) (*) فيه إشكال بل منع.

2) سنن البيهقي 6 : 205 ، فيض القدير 3 : 179 ، الفردوس بمأثور الخطاب 1 : 116 ح 395.

ولا يصحّ تزويج الولي في حال إحرامه ، أو إحرام المولى عليه (1) سواء كان بمباشرته أو بالتوكيل (2).


(1) لأنّ تصرّفه مقيد بكونه مشروعاً ، فإذا لم يكن كذلك لكون الولي أو المولى عليه محرّماً ، لم يكن له ولاية عليه وحكم ببطلانه ، لما دلّ على أن المحرّم لا يتزوّج ولا يزوّج. وليس هذا لقصور في ولايته ، وإنما القصور في الفعل الصادر منه ، فهو نظير تزويج الخامسة أو ذات البعل.

(2) سواء أكان التوكيل في حال الإحرام ، أم كان في حال إحلاله ، مع وقوع العقد في حال الإحرام.

واستدلّ عليه بأنّ الوكيل نائب عن الموكل ، وفعله فعله لانتسابه إليه حقيقة.

ومن هنا فإذا صدر العقد من الوكيل في زمان لم يكن الموكل أهلاً له لكونه محرّماً حكم ببطلانه ، لانتساب العقد إليه وهو محرّم.

وقد أورد عليه بأنه لا يتمّ فيما إذا كان التوكيل قبل الإحرام ، إذ لم يصدر من الموكل بعد إحرامه ما هو حرام بالنسبة إليه ، ومجرد انتساب العقد إليه في ذلك الحال لا يقتضي بطلانه.

إلّا أنه مدفوع بأن العبرة في البطلان إنما هي في انتساب العقد إليه في حال كونه محرماً ، وحيث إنه لا إشكال فيه في المقام ، إذ لا انتساب إليه قبل الإحرام ، حكم ببطلانه لا محالة. ولذا لا يحتمل الحكم بالصحّة في فرض اختصاص الوكالة بحالة الإحرام.

لكن الظاهر عدم تمامية ما استدل به على المدعى في كلا الفرضين. وذلك لأن فعل الوكيل إنما يكون فعل الموكل فيما إذا كان العقد والوكالة صحيحة ، فإنه حينئذ ينتسب كل ما يصدر من الوكيل إلى الموكل حقيقة. وأما إذا كانت الوكالة باطلة كما هو الحال في المقام ، باعتبار أنه ليس لأحد التوكيل فيما ليس له القيام به مباشرة ، فلا معنى لانتساب فعل الغير إليه حقيقة واعتباره فعلاً له.

والحاصل أن بطلان العقد في المقام ليس من جهة أن فعل الوكيل فعل الموكل

نعم ، لا بأس بالتوكيل حال الإحرام ، ليوقع العقد بعد الإحلال (1).

[3880] مسألة 17 : يجب على الوكيل في التزويج أن لا يتعدى عما عيّنه الموكل من حيث الشخص ، والمهر ، وسائر الخصوصيات ، وإلّا كان فضولياً (2) موقوفاً على الإجازة. ومع الإطلاق وعدم التعيين يجب مراعاة مصلحة الموكل (3) من سائر الجهات. ومع التعدي يصير فضولياً (4).

ولو وكّلت المرأة رجلاً في تزويجها ، لا يجوز له أن يزوِّجها من نفسه للانصراف عنه (5). نعم ، لو كان التوكيل على وجه يشمل نفسه أيضاً ، بالعموم أو الإطلاق ، جاز. ومع التصريح فأولى بالجواز. ولكن ربّما يقال بعدم الجواز مع الإطلاق ، والجواز مع العموم. بل قد يقال بعدمه حتى مع التصريح بتزويجها من نفسه ، لرواية عمّار (6)


حقيقة وهو محرم ، وإنما هو لأجل بطلان الوكالة وكون من صدر منه العقد أجنبياً بالمرة ، باعتبار أن الولي لما لم يكن له القيام بالعقد في ذلك الحال مباشرة ، لم يكن له تفويضه إلى غيره.

(1) لعمومات الأدلة السالمة عن المخصص أو المعارض.

(2) لأن ما وكله فيه لم يقع في الخارج ، وما وقع منه لم يكن وكيلاً فيه.

(3) لانصراف التوكيل عرفاً إلى ما فيه مصلحة للموكل.

(4) لما تقدّم.

(5) فإن التزويج وبحسب الفهم العرفي غير التزوج ، فإن الأوّل ظاهر في الإنكاح من الغير ، ومن هنا فلا يشمل التوكيل فيه الوكيل نفسه.

(6) قال ، سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن امرأة تكون في أهل بيت فتكره أن يعلم بها أهل بيتها ، أيحلّ لها أن توكل رجلاً يريد أن يتزوجها ، تقول له : قد وكلتك فاشهد على تزويجي؟ قال : «لا». قلت له : جعلت فداك ، وإن كانت أيّماً؟ قال : «وإن كانت أأيّماً». قلت : فإن وكلت غيره بتزويجها منه؟ قال : «نعم» (1).


1) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب عقد النكاح وأولياء العقد ، ب 10 ح 4.

المحمولة على الكراهة (1) أو غيرها من المحامل.


(1) وهو بعيد جدّاً. فالصحيح أن يقال : إن الموثقة أجنبية عن محل الكلام بالمرّة فإنها غير ناظرة إلى توكيل الزوج في إجراء العقد ، وإنما هي ناظرة إلى اعتبار الإشهاد في الزواج ، والسؤال عن كفاية شهادة الزوج في المقام ، فهو نظير ما ورد في القذف بالزنا من السؤال عن عدّ الزوج في جملة الشهود ، وحيث إن هذا مما لا يقول به أحد منا ، فلا بدّ من حملها على التقية لذهاب العامة إليه.

وبعبارة اخرى نقول : إنّ المشهور بين فقهاء العامّة اعتبار حضور شاهدين حال الزواج ، وقد ذهب بعضهم إلى كفاية حضورهما حال الزفاف وإن لم يكونا حاضرين حال العقد ، واعتبر بعضهم كونهما غير الزوج والزوجة ، وذكر بعضهم أنه لا بأس بكون أحدهما هو الوكيل ، وأما عندنا فالإشهاد غير معتبر في صحّة النكاح إجماعاً. نعم ، هو معتبر في الطلاق ، ولا يجوز أن يكون الزوج هو أحد الشاهدين. وأما الوكيل فقد ذكر في المسالك وجهين : كفايته لإطلاق أدلّة اعتبار الشاهدين غير الزوج والزوجة ، وعدمها لكونه نائباً مناب الزوج فيثبت له ما ثبت له (1).

إذا عرفت ذلك فنقول : إن هذه الموثقة لما كانت دالّة على عدم كفاية شهادة الزوج الوكيل في النكاح ، باعتبار أن قوله (عليه السلام) : «لا» متعلق بالتوكيل بجميع شؤونه وخصوصياته ، فلا بدّ من حملها على التقية ، إذ قد عرفت عدم اعتبار الإشهاد في النكاح عندنا بلا خلاف ، وإنما هو معتبر عندهم خاصة.

ثمّ إنّ صاحب المسالك (قدس سره) قد رمى الرواية بضعف السند (2). وهو مبني على اعتبار الإيمان بالمعنى الأخص في الرواة في صحّة الرواية ، وهو مما لا نقول به ، بل ولا يلتزم به هو (قدس سره) أيضاً ، وإلّا فرواة الرواية ثقات جميعاً ولا خدشة في أحد منهم.


1) مسالك الأفهام 9 : 115.

2) مسالك الأفهام 7 : 153.

[3881] مسألة 18 : الأقوى صحّة النكاح الواقع فضولاً مع الإجازة (1) سواء كان فضوليّاً من أحد الطرفين أو كليهما ، كان المعقود له صغيراً أو كبيراً حرّا أو عبداً.


ومما تقدّم يظهر الإشكال فيما أفاده صاحب الوسائل (قدس سره) في المقام ، حيث أخذ (قدس سره) في عنوان الباب الذي ذكر فيه هذه الرواية : ولا يجوز أن يتولّى طرفي العقد.

فإنه مضافاً إلى كونه أخصّ من المدعى ، إذ النسبة بين توليه للعقد وكونه وكيلاً عنها إنما هي العموم والخصوص من وجه ، فإن من الممكن أن يوكل هو غيره في القبول عنه ، فلا يكون متولياً لطرفي العقد مردود ، بأنّ الرواية غير ناظرة إلى المنع عن كونه موجباً قابلاً ، وإنما هي ناظرة إلى التوكيل مع جعله شاهداً للعقد.

والحاصل أن الصحيح في المقام هو ما ذهب إليه الماتن (قدس سره) ، من جواز توكيلها للرجل الذي يريد تزوّجها ، بل لا مانع من توليه لطرفي العقد ، كما هو الحال فيما إذا كان ولياً على الطرفين ، لعدم الدليل على المنع منه.

(1) وتقتضيه مضافاً إلى القاعدة ، باعتبار أن مقتضى عمومات الوفاء بالعقد هو إنهاؤه وعدم جواز نقضه وهو شامل للفضولي ، نظراً لعدم اعتبار مقارنة الالتزام للعقد في صدقه ، بل هو صادق حتى مع تأخر الالتزام عنه ، فإنه يوجب انتسابه إليه ومن ثمّ يجب عليه الوفاء به ولا يجوز له نقضه النصوص الواردة في المقام :

كصحيحة أبي عبيدة ، قال : سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن غلام وجارية زوجهما وليان لهما وهما غير مدركين ، قال : فقال : «النكاح جائز ، أيهما أدرك كان له الخيار ، فإن ماتا قبل أن يدركا فلا ميراث بينهما ولا مهر ، إلّا أن يكونا قد أدركا ورضيا». قلت : فإن أدرك أحدهما قبل الآخر؟ قال : «يجوز عليه ذلك إن هو رضي». قلت : فإن كان الرجل الذي أدرك قبل الجارية ورضي النكاح ، ثمّ مات قبل أن تدرك الجارية ، أترثه؟ قال : «نعم ، يعزل ميراثها منه ، حتى تدرك وتحلف باللّه ما دعاها إلى أخذ الميراث إلّا رضاها بالتزويج ، ثمّ يدفع إليها الميراث ونصف المهر».

والمراد بالفضولي هو العقد الصادر من غير الولي والوكيل (1) سواء كان قريباً كالأخ والعم والخال وغيرهم أو أجنبياً. وكذا الصادر من العبد أو الأمة لنفسه بغير إذن الولي. ومنه العقد الصادر من الولي أو الوكيل على غير الوجه المأذون فيه من اللّه أو من الموكل ، ما إذا أوقع الولي العقد على خلاف المصلحة أو تعدّى الوكيل عمّا عيّنه الموكل.

ولا يعتبر في الإجازة الفوريّة (2) سواء كان التأخير من جهة الجهل بوقوع العقد ، أو مع العلم به وإرادة التروِّي ، أو عدمها أيضاً.


قلت : فإن ماتت الجارية ولم تكن أدركت ، أيرثها الزوج المدرك؟ قال : «لا ، لأنّ لها الخيار إذا أدركت». قلت : فإن كان أبوها هو الذي زوجها قبل أن تدرك؟ قال : «يجوز عليها تزويج الأب ، ويجوز على الغلام ، والمهر على الأب للجارية» (1).

فإن صدرها الدالّ على صحّة النكاح إذا تعقبته الإجازة بعد البلوغ وارد في الفضولي ، حيث إن المراد بالوليين هو من يتولى أمرهما عرفاً دون الولي الشرعي كما يشهد له ذيل الصحيحة ، حيث إنه (عليه السلام) حكم بلزوم العقد على الصغير أو الصغيرة وعدم ثبوت الخيار لهما لو كان العقد صادراً من أبويهما.

ويؤيده ما دلّ على صحّة نكاح العبد إذا تعقبه إذن المولى ، معللاً ذلك ب- «أنه لم يعص اللّه ، وإنما عصى سيِّده ، فإذا أجاز جاز». فإنه وإن كان وارداً في العبد ، إلّا أنه دالّ على عدم اعتبار مقارنة الرضا للعقد ، وكفاية الرضا المتأخر إذا كان العقد في نفسه مشروعاً.

(1) والجامع له ، هو العقد الصادر ممن ليس له ولاية أو سلطنة عليه.

(2) فإن الإجازة بمنزلة إنشاء العقد ممن له ذلك ، لأنها إنما توجب إسناد العقد الصادر إليه فيكون حكمها حكمه ، له ذلك في أي زمان شاء ولا يلزمه التعجيل ، كما لا يلزمه الإنشاء لو لم يكن هناك عقد فضولي.


1) الوسائل ، ج 26 كتاب الفرائض والمواريث ، أبواب ميراث الأزواج ، ب 11 ح 1.

.................................................................................................


ولا وجه لقياس المقام بالخيارات الثابتة للبائع أو المشتري حيث يلتزم فيها بالفورية ، فإن العقد في مواردها تامّ ، غاية الأمر أن لأحدهما أو كليهما حق الفسخ. وهذا بخلاف المقام ، فإن العقد غير تام ، ولا يجب عليه إتمامه وإنما له ذلك إذا شاء.

هذا مضافاً إلى صحيحة محمّد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) ، قال : «قضى في وليدة باعها ابن سيِّدها وأبوه غائب فاشتراها رجل فولدت منه غلاماً ، ثمّ قدم سيِّدها الأوّل فخاصم سيِّدها الأخير فقال : هذه وليدتي باعها ابني بغير إذني ، فقال : خذ وليدتك وابنها ، فناشده المشتري ، فقال : خذ ابنه يعني الذي باع الوليدة حتى ينفذ لك ما باعك ، فلما أخذ البيع الابن قال أبوه : أرسل ابني ، فقال : لا أُرسل ابنك حتى ترسل ابني ، فلما رأى ذلك سيد الوليدة الأوّل أجاز بيع ابنه» (1).

فإنّها واضحة الدلالة في عدم لزوم الفورية ، وأنه لا محذور في الفصل بين الإجازة والعقد وإن كان كثيراً.

ثمّ لو زوّجت المرأة نفسها من رجل فضولة ، فهل يلزمه الإمضاء أو الردّ فوراً ، أو يثبت لها الفسخ كي لا تتضرّر المرأة ببقائها معطلة ، أو لا هذا ولا ذاك؟

أقوال مبنية على الالتزام بلزوم العقد الواقع بين الأصل والفضولي بالقياس إلى الأوّل ، بحيث لا يكون له التصرف على خلاف ما التزم به ، كما التزم به شيخنا الأعظم (قدس سره) (2).

إلّا أنه قد تقدّم منا في مباحث المكاسب عدم تمامية هذا المبنى ، باعتبار أن العقد متقوم بطرفين ، وحيث إنه لم يتحقق الالتزام من الطرف الآخر ، فلم يصدق العقد ومن ثمّ فلا تشمله أدلة اللزوم ، فهو نظير بيع البائع للمبيع قبل قبول المشتري من غيره.

ومن هنا فلا يكون في تأخير الإجازة أي ضرر عليها ، باعتبار أن لها التزوج من غيره.

ثمّ على تقدير تمامية هذا المبنى ، فلا يمكن الحكم بلزوم الفورية وإلزام الرجل


1) الوسائل ، ج 21 كتاب النكاح ، أبواب نكاح العبيد والإماء ، ب 88 ح 1.

2) كتاب النكاح 20 : 162 طبع المؤتمر العالمي.

نعم ، لا تصحّ الإجازة بعد الردّ (1)(1)


بالإجازة أو الرد ، لدليل نفي الضرر. فإنّ تضرر المرأة نتيجة لفعلها لا يوجب توجه تكليف إلى الرجل ، بعد أن لم يكن قد صدر منه أي فعل ولم يكن هو سبباً في تضرّرها. كما لا موجب للالتزام بثبوت الفسخ لها ، فإنه لا يرد النكاح إلّا بأُمور معينة ، ليس ما نحن فيه منها.

على أنّ تضررها قد نشأ من إقدامها فإنها هي التي أقدمت على ذلك وأضرّت بنفسها ، وليس ناشئاً من الحكم الشرعي ، فلا موجب لرفع ضررها بالالتزام بالفسخ.

وقد تقدّم بيان هذا مفصّلاً في الاستدلال على خيار الغبن بدليل نفي الضرر ، حيث قد عرفت أنه غير شامل له ، باعتبار أن الضرر إنما هو في نفس المعاملة لا الحكم باللّزوم ، وشموله له يعني إثبات ما يتدارك به الضّرر ، والحال أن دليل نفي الضرر قاصر عن إفادة هذا المعنى.

والذي يهوِّن الخطب أنّ مبنى هذا القول غير تامّ من أساسه ، كما عرفت.

(1) ذهب إليه جملة من الأصحاب. منهم شيخنا الأُستاذ (قدس سره) بدعوى أن الإجازة والردّ ضدّان ، فهما ضدّان أيهما سبق لم يبق مجالاً للآخر. في حين ذهب آخرون إلى خلافه ، منهم الماتن (قدس سره) في المسألة الرابعة من باب الوصيّة حيث أفاد بأن القول بعدم نفوذ الإجازة بعد الردّ مشكل إن لم يكن إجماع خصوصاً في الفضولي.

وكيف كان ، فقد استدل على القول الأوّل بأُمور :

الأوّل : الإجماع ، ويظهر من المصنف (قدس سره) التمسك به في باب الوصيّة.

وفيه : أنه ضعيف جدّاً ، إذ لم يتعرض لهذا الفرع فيما نعلم قبل الشهيد (قدس سره) (2)أحد من الأصحاب ، ومعه كيف يمكن دعوى الإجماع عليه! على أننا لو


1) (*) فيه إشكال ، بل لا يبعد نفوذها.

2) انظر الدروس 2 : 301.

.................................................................................................


سلمنا ذلك فلا مجال لإثبات كونه إجماعاً تعبدياً ، إذ من الممكن استناد المجمعين إلى ما يأتي من الوجوه.

الثاني : دعوى أنّ الإجازة في العقد الفضولي بمنزلة القبول في سائر العقود ، فإنّ استناد العقد إليه وتماميته إنما يكون بها. ومن هنا فكما أنّ الرد قبل القبول مانع من القبول المتأخِّر عنه ، فكذلك الردّ في العقد الفضولي يمنع من لحوق الإجازة وصحّتها.

وفيه : أنّ الرد الذي يكون مانعاً من لحوق القبول ، إنما هو ردّ الموجب ورفع يده عمّا التزم به ، فإنه حينئذ لا يبقى مجال لصدق العقد بالتزام الآخر ، إذ ليس هناك التزام ينضمّ إليه التزام القابل ، ليصدق معه المعاهدة والمعاقدة.

وأما ردّ القابل مع بقاء التزام الموجب على حاله ، فلا دليل على مانعيته وعدم اتصال القبول بالإيجاب ، لأنه لم يحدث بذلك شيئاً ، فإنّ غاية ما يفيد إنما هو إظهار عدم رضاه بالعقد ، ومن الواضح أنه يرتفع بالقبول المتأخر ، من دون أن يضر ذلك بصدق المعاهدة والمعاقدة.

ولو تنزلنا عن ذلك ، فالفرق بين الإجازة والقبول أوضح من أن يخفى. فإن الإجازة ليست قبولاً ، وإنما هي إسناد للقبول المتحقق من الفضولي من غير فصل بينه وبين الإيجاب إليه. ومن هنا فلا يزيد الردّ اللاحق عن النهي السابق على العقد ، حيث لا يؤثر في صحته شيئاً بعد إبرازه لرضاه من غير فصل بينه وبين الإيجاب.

الثالث : إن الفضولي بإنشائه للإيجاب أو القبول ، يحدث حقاً لمن قام مقامه في ماله ، من حيث الإجازة أو الرد. ومن هنا فإذا لم يكن رد الولي مسقطاً للعقد عن قابلية الإجازة ، كان ذلك منافياً لقوله (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) : «الناس مسلَّطون على أموالهم».

وفيه : أنّ هذه الرواية نبوية لم تثبت ، على أنها ليست مشرعة ولا تقتضي تشريع السلطنة للمالك على قطع العلقة الموجودة على تقدير ثبوتها ، وإنما دالّة على عدم حجر المالك عن التصرف المشروع في ماله أو نفسه. هذا مضافاً إلى أنّ الفضولي لم يحدث

كما لا يجوز الردّ بعد الإجازة (1) فمعها يلزم العقد.

[3882] مسألة 19 : لا يشترط في الإجازة لفظ خاص ، بل يقع بكل ما دلّ على إنشاء الرِّضا بذلك العقد (2) بل تقع بالفعل الدالّ عليه (3).


في المال شيئاً ، وإنما أحدث عقداً قابلاً للإجازة والردّ ، وإلّا فلو كان تصرفاً في المال لكان اللازم الحكم ببطلانه رأساً ، لمنافاته لسلطنة المالك. إذن فهذه النبوية أجنبية عن المقام بالكلية ، ولا علاقة لها به.

وممّا تقدّم يظهر أنه لا دليل على عدم تأثير الإجازة بعد الردّ ، بل من غير البعيد دعوى دلالة صحيحة محمد بن قيس المتقدِّمة على جوازه ، فإنها تضمنت الحكم بنفوذ إجازة المالك الأوّل بعد ردّه أوّلاً.

(1) بلا خلاف فيه بينهم. فإنّ العقد بالإجازة ينتسب إلى المجيز حقيقة ، ومن هنا تشمله أدلّة لزوم العقد ، فيحتاج فسخه بعد ذلك إلى الدليل ، كما هو الحال فيما لو كان هو المباشر للعقد.

(2) إذ لا يعتبر فيها إلّا ما يكشف عن إسناد المجيز للعقد السابق إلى نفسه وإقراره به ، فإنه يكفي في الحكم بصحّة ذلك العقد من دون أن تكون خصوصيّة في الكاشف. ومن هنا فلا يعتبر فيها اللفظ فضلاً عن صيغة معينة ، حتى ولو قلنا باعتبار اللفظ الصريح في العقد بدعوى أن العقد لا يصدق إلّا به ، فإنّ العبرة في الإجازة إنما هي بانكشاف رضاه كيف اتفق ، كما هو واضح.

(3) وقد ذهب جماعة إلى اعتبار اللفظ فيها ، تارة بدعوى أنها بمنزلة العقد الجديد ، واخرى بدعوى أن الاستقراء يقتضي اعتبار اللفظ فيما يقتضي اللزوم.

إلّا أن للتأمل في كلا هذين الوجهين مجالاً.

أمّا الأوّل : فهو مصادرة على المدعى ، فإن الإجازة ليست عقداً ولا هي بمنزلته وإنما هي إبراز للرضا به.

وبعبارة اخرى : إنّ قياس الإجازة بالعقود قياس مع الفارق. فإنّها ليست بعقد

[3883] مسألة 20 : يشترط في المجيز علمه (1)بأنّ له أن لا يلتزم بذلك العقد (1). فلو اعتقد لزوم العقد عليه فرضي به ، لم يكْفِ في الإجازة.


وإنما هي موجبة لاستناد العقد السابق إليه. ومن هنا فاعتبار اللفظ في العقود لو قيل به ، لا يقتضي اعتباره في الإجازة أيضاً.

وأمّا الثاني : فهو غير ثابت ولا دليل عليه ، وقد ذكرنا في محله أنّ الأظهر لزوم المعاطاة ، والحال أنها خالية من اللفظ. على أنّ الاستقراء ليس بحجة ، فإنّه ليس من الأدلّة الشرعية.

إذن فلا دليل على اعتبار اللفظ في الإجازة ، وإنما العبرة باستناد العقد السابق إليه كيفما اتفق ، وإن كان ذلك بالفعل أيضاً.

هذا بل يمكن استفادة ما ذكرناه من بعض النصوص ، كالتي دلّت على أن سكوت البكر إقرارها ، إذ لا يبعد دعوى إطلاقها لفرض الفضولي أيضاً. ويؤيده ما ورد في تزويج العبد من غير إذن مولاه ، حيث حكم (عليه السلام) بأنّ سكوت المولى بعد علمه إقرار منه (2).

وكيف كان ، فالعمدة في المقام عدم الدليل على اعتبار اللفظ.

(1) الظاهر أنه لا دليل على هذا الاشتراط ، إذ العبرة إنما هي باستناد العقد السابق إليه. ومن هنا فيكون الحال في اعتقاد لزوم العقد ، كالحال فيما ذكره (قدس سره) بعد ذلك من اعتقاد لزوم الإجازة. فإنّ إجازته إذا لم تكن من جهة رضاه بالعقد ، بأن كان من جهة رضاه بحكم اللّه سبحانه وتعالى وإن كان هو كارهاً له ، فلا أثر لها لأنه في الحقيقة لم يجز العقد ، فإنّ ما رضي به أعني حكم اللّه سبحانه غير متحقق في الخارج ، وما هو متحقق في الخارج أعني العقد لم يجزه.


1) (*) العبرة في صحّة العقد إضافته إليه بإجازته ورضاه بذلك العقد حقيقة ، ولا يعتبر في ذلك علمه بأنّ له ذلك.

2) الوسائل 21 : 117 ، باب 26 من أبواب نكاح العبيد والإماء ، ح 26671 ، 26673.

نعم ، لو اعتقد لزوم الإجازة عليه بعد العلم بعدم لزوم العقد ، فأجاز ، فإن كان على وجه التقييد لم يكف (1) وإن كان على وجه الداعي يكون كافياً (2).

[3884] مسألة 21 : الإجازة كاشفة عن صحّة العقد من حين وقوعه (3) فيجب ترتيب الآثار من حينه.

[3885] مسألة 22 : الرضا الباطني التقديري لا يكفي في الخروج عن الفضوليّة (4) ، فلو لم يكن ملتفتاً حال العقد ، إلّا أنه كان بحيث لو كان حاضراً وملتفتاً كان راضياً ، لا يلزم العقد عليه بدون الإجازة. بل لو كان حاضراً حال العقد وراضياً به ، إلّا أنه لم يصدر منه قول ولا فعل يدلّ على رضاه ، فالظاهر أنه فضولي (5) فله أن لا يجيز.


نعم ، إذا كانت إجازته من جهة رضايته بالعقد واقعاً ، ومع قطع النظر عن كونه لازماً أو غير لازم وإن كان هو يعتقد لزومه ، فهي نافذة ومؤثرة باعتبار أنها غير مقيدة به.

والحاصل أن العبرة في نفوذ الإجازة وصحتها إنما هي باستناد العقد السابق بها إليه ، وأما اعتقاد اللزوم وعدمه فهو أجنبي بتمام معنى الكلمة عنها.

(1) لانتفاء المقيد بانتفاء القيد لا محالة.

(2) فإن تخلّف الداعي لا يؤثر شيئاً.

(3) تقدّم الكلام فيه مفصلاً في المسألة الثانية من فصل نكاح العبيد والإماء ، فلا نعيد.

(4) بلا خلاف فيه بين الأصحاب. فإنّ الرضا الباطني وإن كان كافياً في حلّ التصرفات الخارجية التكوينية ، نظير الأكل وما شاكله ، كما يدلّ عليه السيرة العملية القطعية ، إلّا أن كفايته في انتساب العقد إليه لم يدلّ عليها دليل. ومن هنا فلا تشمله عمومات الوفاء بالعقد.

(5) على ما هو المشهور بين الأصحاب ، باعتبار أن الذي يخرج العقد عن

.................................................................................................


الفضولية إما هو الإذن السابق أو الرضا المتأخر ، ولا شي‌ء منهما متحقق في المقام.

إلّا أن الشيخ الأعظم (قدس سره) لم يرتض ذلك ، حيث ذهب إلى كفايته في خروج العقد عن الفضولية ، واستند فيه إلى ظواهر كلمات الفقهاء وجملة من النصوص.

فإنهم حكموا بعدم كفاية السكوت ، معللين ذلك بأنه أعم من الرضا ، فإنه إنما يكشف عن أن العبرة في صحّة العقد إنما هي بالرضا ، وأن السكوت إن لا ينفع لعدم كشفه عن الرضا.

كما يقتضيه جملة من النصوص ، كالتي دلّت على أن رضا البكر صماتها ، وما دلّ على نفوذ عقد العبد إذا علم به المولى وسكت ، وما ورد في السكرى إذا زوجت نفسها ثمّ أفاقت وأقامت معه كان ذلك رضا منها بالعقد ، وما ورد في الخيار من أنه إذا علم بالعيب وسكت كان رضا منه به.

على أننا لو قلنا بعدم اعتبار اللفظ ، وكفاية الفعل كما هو الصحيح ، فمن البعيد جدّاً أن يقال بوجود موضوعية للفعل في الحكم بالصحّة ، وإنما العبرة بالمنكشف ، أعني الرضا.

إلّا أنّ ما أفاده (قدس سره) لا يمكن المساعدة عليه. وذلك أمّا كلمات الفقهاء فهي ليست بحجّة ما لم تبلغ الإجماع. على أن النسبة بين السكوت والرضا إنما هي التباين فإنّ السكوت من الأفعال الخارجية ، في حين أن الرضا صفة نفسية. ومن هنا فلا يمكن أن يكون المراد من قولهم أن السكوت أعم من الرضا ، كون السكوت أعم من نفس الرضا ، وإنما المراد به كونه أعم منه كشفاً ، بمعنى أنه قد يكون كاشفاً كما هو الحال في البكر ، وقد لا يكون كذلك. وعليه فلا دلالة فيه على كفاية نفس الرضا في الحكم بالصحّة ، بل الأمر على العكس من ذلك تماماً ، حيث أنه يدل على اعتبار المبرز والكاشف في الحكم ، نظراً لأن السكوت أعم من الرضا كشفاً.

وأما النصوص ، فأما ما دلّ على أن سكوت البكر إقرارها فالاستدلال به غير واضح ، إذ لم يرد في شي‌ء منها أن سكوتها رضاها ، كي يقال أنها دالّة على كفاية الرضا ، وإنما الوارد أنّ سكوتها إقرارها ، أو أن إذنها صماتها. ومن الواضح أنّ التعبير بالإقرار أو الإذن دالّ على اعتبار المبرز والكاشف ، وعدم كفاية مجرد الرضا الباطني.

.................................................................................................


على أننا لو سلمنا ورود التعبير بالرضا في هذه النصوص ، فهي لا تقتضي كفاية مجرّد الرضا الباطني ، إذ يرد حينئذ ما تقدّم من أنه لا يمكن حمل الرضا على الفعل الخارجي ، بل لا بدّ من كون المراد أن السكوت أعم من الرضا كشفاً.

وعليه فتكون هذه الروايات دالّة على أنّ العبرة والملاك إنما هو بالرضا مع الكاشف ، وعدم كفاية الرضا الباطني المجرد.

ومن هنا يظهر الحال فيما دلّ على أن سكوت المولى مع علمه بعقد العبد إقرار منه فإنه دالّ على اعتبار الإقرار ، ولا دلالة فيه على كفاية الرضا الباطني. على أنّ احتياج نكاح العبد إلى إجازة المولى أجنبي عن الفضولي تماماً ، فإن العبد طرف للعقد حقيقة وهو ينتسب إليه حين صدوره بلا أي عناية ، غاية الأمر أن صحته متوقفة شرعاً على إجازة المولى ، وهذا نظير اعتبار إذن الزوجة في التزويج من بنت أخيها أو أُختها ، بخلاف عقد الفضولي حيث إن انتساب العقد إليه إنما يكون بالإجازة.

ومن هنا فلا مجال للاستدلال بهذه النصوص في المقام.

وأمّا التمسّك بما ورد في الخيار وعقد السكرى ، فيرد عليه أنهما خارجان عن الفضولي موضوعاً ، فإنّ العقد في مورد الخيار صحيح ومستند إليه حقيقة ، غاية الأمر أنّ له رفعه أو الالتزام به. وكذا الحال في السكرى ، فإنّ العقد منتسب إليها واقعاً غاية الأمر أنه لا يحكم بصحّته إلّا بعد إجازتها. فكفاية الرضا الباطني فيهما ، لا تقتضي كفايته في الفضولي أيضاً. على أن كفايته فيهما أيضاً محل منع ، وذلك لما تقدّم من أن الرِّضا أمر باطني ، فلا يمكن حمله على الفعل الخارجي ، إلّا باعتبار كاشفيته وكونه إمضاءً عملياً.

إذن فما أفاده شيخنا الأعظم (قدس سره) غير تامّ ، ولا مجال للمساعدة على شي‌ء منه.

ومن هنا فالحقّ في المقام هو ما ذهب إليه الماتن (قدس سره) ، من عدم كفاية الرِّضا الباطني واعتبار المبرز له في الخارج ، نظراً لعدم استناد العقد إليه بدونه.

[3886] مسألة 23 : إذا كان كارهاً حال العقد ، إلّا أنه لم يصدر منه ردّ (1)له (1) فالظاهر صحّته بالإجازة (2).

نعم ، لو استؤذن فنهى ولم يأذن ، ومع ذلك أوقع الفضولي العقد ، يشكل صحته بالإجازة ، لأنه بمنزلة الردّ بعده. ويحتمل صحته (2)(3) بدعوى الفرق بينه وبين الردّ بعد العقد ، فليس بأدون من عقد المكره ، الذي نقول بصحّته إذا لحقه الرضا ، وإن كان لا يخلو ذلك أيضاً من إشكال (4).


(1) بل حتى ولو صدر منه ردّ ، فإنه لا أثر له ، على ما عرفته في المسألة الثامنة عشرة من هذا الفصل.

(2) أما بناءً على ما اخترناه من عدم تأثير الردّ بعد العقد ، فالأمر أوضح ، فإنّ الكراهية قبل العقد لا تزيد عن الردّ اللاحق له.

وأما بناءً على ما ذهب إليه الماتن (قدس سره) من منع الردّ اللاحق عن لحوق الإجازة به ، فالأمر كذلك أيضاً. فإنّ العمدة في الدليل على منع الردّ اللاحق إنما كانت دعوى سلطنة المالك على إسقاط قابلية العقد عن لحوق الإجازة به ، وهي لا تجري في المقام ، لأن الردّ إنما يتوسط بين العقد والإجازة. ومن هنا فقد يقال إنّه يوجب الانقطاع ، وأما مع الكراهة السابقة أو المقارنة فليس هناك ما يوجب الانقطاع ، إذ ليس هناك عقد في حينها. ومن هنا فلو تحققت الإجازة بعد ذلك ، كانت هي ملحقة بالعقد مباشرة.

(3) هذا الاحتمال هو المتعيّن ، إذ يجري فيه ما تقدّم في الفرع السابق بعينه ، فإنه لم يصدر من المالك ما يوجب قطع الإجازة عن العقد ، فإنّ النهي لا يزيد العقد ما كان يقتضيه قبل ذلك من عدم التأثير ، نظراً لكونه فضولياً.

(4) إلّا أنه ضعيف جدّاً ، والصحيح هو الالتزام بالصحّة ، على ما هو المشهور


1) (*) تقدّم أن الرد لا أثر له.

2) (**) هذا الاحتمال هو الأظهر ، حتى على القول بكون الرد بعد العقد مانعاً عن الإجازة.

.................................................................................................


بينهم. وذلك أما مع مقارنة الرضا للإكراه فالأمر واضح ، لأن التجارة حينئذ تجارة عن تراضٍ والإقدام عليها إقدام مع الرضا ، فإنّه الذي يدعوه نحو الفعل ، والإكراه ليس إلّا داعياً آخر منضماً إلى الداعي الأوّل.

وأما مع تأخره عنه ، فلأن العقد حين صدوره لم يكن فاقداً لشي‌ء غير الرضا فإذا لحقه حكم بصحته.

وما استدل به لبطلان عقد المكره ، من قوله تعالى ( إِلّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ ) (1)بناءً على كون المراد بالتراضي هو ما يقابل الإكراه لا ما يقابل القصد وحديث نفي الإكراه ، فغير شامل للمقام.

أمّا الأوّل : فلأن المعلوم أن المراد بالتجارة ليس هو مجرد اللفظ والإنشاء الذي يوجد في الخارج وينعدم ، فإنه ليس إلّا مبرزاً لها في الخارج ، وإنما المراد بها هو المنشأ والمعتبر في الخارج.

ومن هنا فحيث إنّ للتجارة بهذا المعنى بقاءً واستمراراً ، فلا مانع من القول بعد لحوق الرضا بها أنها تجارة عن تراض.

وأمّا الثاني : فلأن حديث الرفع إنما هو وارد في مقام الامتنان كما هو معلوم ، ومن هنا فلا بدّ في الحكم بالرفع من ملاحظة ما يقتضيه الامتنان ، ولذا لا يحكم بفساد بيع المضطر. وحيث إنه في المقام إنما يقتضي رفع الحكم حدوثاً لا استمراراً وبقاءً ، فلا محالة يختص الرفع به دون البقاء ، لأن رفعه ينافي الامتنان.

والحاصل أنّ الامتنان إنما يكون في رفع الحكم ما دام الإكراه باقياً ، وأما رفعه بعد ارتفاع الإكراه ورضا المكره به فليس فيه أي امتنان عليه. وبذلك يظهر أن صحّة عقد المكره لا تتوقف على الإجازة ، بل يكفي فيها مجرد الرضا الباطني.

ثمّ هل يكفي مجرّد الرضا الباطني للمولى في الحكم بصحّة نكاح العبد ونفوذه ، أم لا؟


1) سورة النساء 4 : 29.

[3887] مسألة 24 : لا يشترط في الفضولي قصد الفضولية (1) ولا الالتفات إلى ذلك. فلو تخيّل كونه ولياً أو وكيلاً وأوقع العقد ، فتبين خلافه ، يكون من


اختار شيخنا الأعظم (قدس سره) الأوّل (1)حتى بناءً على القول باعتبار الإذن في نفوذ نكاح الفضولي ، وذلك لما يستفاد من صحيحة زرارة الواردة في نفوذ عقد العبد إذا لحقه إذن المولى ، معلّلاً ذلك بقوله (عليه السلام) : «إنه لم يعص اللّه ، وإنما عصى سيده ، فإذا أجازه فهو له جائز» (2)من أنّ العبرة في عدم النفوذ إنما هي معصية السيد ، وحيث إن مع الرضا الباطني للمولى وعلم العبد به لا يكون عاصياً له ، يحكم بصحّة عقده من دون حاجة إلى الإجازة.

إلّا أن ما أفاده (قدس سره) لا يمكن المساعدة عليه. وذلك لأن المستفاد من قوله تعالى ( فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ ) (3)والنصوص الكثيرة ، اعتبار إذن المولى في نفوذ نكاح المملوك ، وعدم كفاية مجرد الرضا الباطني فيه.

وأما الصحيحة المتقدِّمة فالمراد بالعصيان فيها ليس هو العصيان التكليفي ، أعني المخالفة في التكليف وارتكابه المحرم على ما صرح بذلك في بعض النصوص وإنما المراد به صدور العقد عن عدم الإذن ، وتصرف العبد في نفسه من غير إذن المولى ولذا اعتبر (عليه السلام) في جوازه إجازة المولى ، ولم يقل إذا رضي فهو له جائز.

إذن فالمستفاد من الآية الكريمة والنصوص الكثيرة لا سيما ذيل هذه الصحيحة اعتبار الإذن والإجازة في الحكم بالصحّة ونفوذ العقد ، وعدم كفاية مجرّد الرِّضا الباطني.

ومن هنا فيكون الحال في تزويج العبد من غير إذن مولاه كالحال في نكاح الفضولي ، وإن كان بينهما فرق من حيث انتساب العقد وعدمه.

(1) إذ لا خصوصيّة لعنوان الفضولية كي يعتبر قصده ، فإنّ العبرة إنما هي بالواقع


1) انظر كتاب النكاح 20 : 184 طبع المؤتمر العالمي.

2) الوسائل ، ج 21 كتاب النكاح ، أبواب نكاح العبيد والإماء ، ب 24 ح 1.

3) سورة النساء 4 : 25.

الفضولي (1) ويصحّ بالإجازة (2).

[3888] مسألة 25 : لو قال في مقام إجراء الصيغة : (زوّجت موكِّلتي فلانة) مثلاً ، مع أنه لم يكن وكيلاً عنها ، فهل يصح ويقبل الإجازة ، أم لا؟ الظاهر الصحّة (3).

نعم ، لو لم يذكر لفظ : (فلانة) ونحوه ، كأن يقول : (زوّجت موكلتي) وكان من قصده امرأة معينة ، مع عدم كونه وكيلاً عنها ، يشكل صحّته (1)بالإجازة (4).


والملاك في صحّة العقد إنما هو باستناد العقد بالإجازة إلى المجيز ، وأما العاقد فهو أجنبي عنه ، ولا يقوم إلّا بدور إنشاء العقد والتلفظ بالصيغة.

(1) لعدم انتساب العقد إلى من له الأمر.

(2) لاستناده إليه حينئذ ، فتشمله عمومات الوفاء بالعقد ، ولا أثر لما قصده الفضولي ، بل ربّما يستفاد ذلك من صحيحة أبي عبيدة المتقدِّمة في المسألة الثامنة عشرة من هذا الفصل ، حيث حكم (عليه السلام) بصحّة نكاح الغلام والجارية غير المدركين اللذين زوجهما ولياهما إذا أدركا وأجازا العقد.

حيث إنّ المراد بالولي فيها ليس هو الولي الشرعي جزماً ، فإنه (عليه السلام) قد حكم في ذيلها بنفوذ نكاحهما إذا كان المزوج لهما هو الأب ، وإنما المراد به الولي العرفي كالأخ والعم ، فإن مقتضى إطلاق الحكم بالصحّة حينئذ هو الحكم بالصحّة ، سواء اعتقد العاقد ولايته ونفوذ عقده أم اعتقد كونه فضولياً ، بل لا يبعد أن يكون الغالب في هؤلاء اعتقاد ولايتهم على القصر ونفوذ تصرفاتهم في حقهم.

(3) فإنّ كلمة (موكلتي) بعد ذكر اسمها تكون زائدة لا محالة ، حيث إن العقد يتعلق حينئذ بما ذكر من الاسم.

(4) فإنّ التزويج إنما وقع بعنوان الموكلة ، وحيث إنه ليس وكيلاً عنها ولم يذكر اسمها ، فيحكم بفساده لا محالة.


1) (*) لا إشكال فيها إذا كانت المرأة معيّنة بالقرينة.

[3889] مسألة 26 : لو أوقع الفضولي العقد على مهر معين ، هل يجوز إجازة العقد دون المهر ، أو بتعيين المهر على وجه آخر ، من حيث الجنس ، أو من حيث القلّة والكثرة؟ فيه إشكال ، بل الأظهر عدم الصحّة في الصورة الثانية (1)(1) وهي ما إذا عيّن المهر على وجه آخر. كما أنه لا تصح الإجازة مع شرط لم يذكر في العقد ، أو مع إلغاء ما ذكر فيه من الشرط (2).


ثمّ إنه ربّما يعلل ذلك بأنه من قبيل العقد بالمجازات البعيدة ، إذ لا يقع العقد عليها صريحاً ولا ظاهراً ، ولا دليل على صحّة العقد بها.

إلّا أنه مدفوع بأن الذي ذكره الأصحاب في باب العقود ، من اعتبار كون اللفظ صريحاً أو ظاهراً ، إنّما هو في مفاهيم العقود نفسها لا متعلقاتها. فلو قال : (وهبتك الدار) وقصد به البيع لم يصح ، لعدم ظهوره فيه فضلاً عن الصراحة. وأما بالنسبة إلى المتعلقات فلا يعتبر ذلك فيه ، لعدم الدليل عليه.

على أن المقام ليس من الإنشاء بالمجاز ، فضلاً عن كونه من المجازات البعيدة ، فإن اللفظ (موكلتي) مستعمل في معناه الحقيقي ، غاية الأمر أنه قد كذب في تطبيقه على الخارج ، وادعائه أنها وكلته في ذلك.

ومن هنا فلو نصب قرينة على إرادة المرأة المعينة ، كالعهد وما شاكله ، صحّ العقد.

(1) فإنّ الذي تعلقت به الإجازة غير الذي تعلّق العقد به ، فلا تنفع الإجازة لأنها إنما تصحِّح العقد الواقع في الخارج وتنسبه إلى المجيز. وحيث إنّ المفروض في المقام أنّ ما وقع في الخارج لم تتعلق به الإجازة ، وما تعلقت به لم يقع في الخارج حكم ببطلانه لا محالة ، لعدم التطابق بينهما.

(2) إذ يعتبر التطابق بين الإيجاب والقبول ، والإجازة بمنزلة القبول من حيث إيجابها استناد العقد إلى المجيز حقيقة ، فمع اختلافهما لم يصدق العقد ، لأنّ ما أوجبه الأوّل لم يقبله الثاني ، وما قبله لم يوقعه الأوّل. ومعه فلا يستند ذلك العقد الصادر فضولة إليه.


1) (*) بل في الصورة الأُولى أيضاً.

[3890] مسألة 27 : إذا أوقع العقد بعنوان الفضولية ، فتبين كونه وكيلاً فالظاهر صحته (1) ولزومه إذا كان ناسياً لكونه وكيلاً. بل وكذا إذا صدر التوكيل ممّن له العقد ولكن لم يبلغه الخبر ، على إشكال فيه (1)(2). وأما إذا أوقعه


ومن هنا يظهر الحال فيما استشكل فيه الماتن (قدس سره) في صدر المسألة ، أعني الصورة الأُولى وهي إجازة العقد دون المهر ، فإنّ الحال فيها كالحال في سائر صور المسألة ، لأن ذكر المهر في العقد لا يقلّ عن الاشتراط ، بمعنى كون التزامه بالعقد معلقاً على الالتزام بذلك المهر. وحينئذ فيجري فيها ما تقدّم في الاشتراط ، من عدم التطابق بين الإيجاب والقبول ، وعدم استناد العقد إلى المجيز ، لأن ما أنشأه هو النكاح بمهر معلوم ، وما قبله المجيز إنما هو طبيعي النكاح. ومعه فلا مجال للحكم بالصحّة.

والحاصل أنه يعتبر التطابق بين المجاز والإجازة ، كما يعتبر ذلك في الإيجاب والقبول.

(1) إذ لا يعتبر فيما يصدر عن الوكيل الالتفات إلى الوكالة وإيقاع العقد بعنوان أنه وكيل ، فإنه ليس كالعبادات المتوقفة على النية ، وإنما العبرة في الحكم بالصحّة بالواقع أعني صدوره ممن هو أهل له ومفوض فيه ، وهو متحقق في المقام.

(2) الإشكال قوي جدّاً ، فإن قياس هذه الصورة على الصورة السابقة قياس مع الفارق. فإن المجري للصيغة في الأوّل وكيل حقيقة ، والفعل الصادر منه صادر ممن له السلطنة واقعاً ، فيحكم بصحته على القاعدة وينتسب إلى الموكل لا محالة. وهذا بخلاف ما نحن فيه ، فإن من صدر منه العقد ليس بوكيل وليس له السلطنة على ذلك فإنّ الوكالة ليست من الإيقاعات ، وإنما هي من العقود المتوقفة صحتها على الإيجاب والقبول. ومن هنا فلا ينفع في الحكم بصحّة ما صدر مجرد إنشاء التوكيل ، ما لم يصل ذلك إلى المباشر ويقبله.

والحاصل أنّ الفعل في المقام صادر من غير الوكيل ، ولم يتحقق هناك ما يوجب انتسابه إلى من له الأمر ، فيحكم بفساده لا محالة.


1) (*) بل لا يبعد عدم اللّزوم.

بعنوان الفضوليّة ، فتبيّن كونه ولياً ، ففي لزومه بلا إجازة منه ، أو من المولى عليه إشكال (1)(1).


وتوهّم أن الفعل محكوم بالصحّة ، نظراً لتضمن إنشاء الوكالة للإذن فيه وإن لم تتحقق الوكالة في الخارج.

مدفوع بأن الإذن متوقف على العلم به أيضاً ، فإنه لا يصدق أن من له الأمر قد أذن له وأنه مأذون في الفعل بمجرد إنشاء الإذن ، ما لم يصل ذلك إلى المباشر فيعلم به فإنه ليس إلّا إبرازاً للرضا الباطني.

إذن فتدخل هذه المسألة في المسألة الثانية والعشرين ، أعني عدم كفاية الرضا الباطني في الحكم بصحّة العقد الصادر من الفضولي ، واحتياج ذلك العقد إلى الإجازة.

(1) لم يظهر لنا وجه التفرقة بين الوكيل والولي ، فإن لكل منهما السلطنة على الفعل.

اللّهمّ إلّا أن يقال : إن الولي بمنزلة المالك المباشر للعقد. وحيث إن المالك المباشر إذا كان ناسياً لملكه أو غافلاً عنه حين العقد ، فأوقع العقد على أنه للغير ثمّ بان أنه له كما لو باع الولد مال أبيه معتقداً أنه ملك أبيه ، ثمّ انكشف موت أبيه في ذلك الحين وانتقال المال بالإرث إليه ، لم يحكم بصحته إذ لم يصدق عليه التجارة عن تراض وبيع ماله بطيبة نفسه ، فإنه لم يبع ماله وإنما باع مال غيره وأنشأ ملكية مال الغير ، ففي المقام يكون الحال كذلك.

إلّا أن الفرق بين الولي والمالك لا يكاد يخفى ، إذ لا يعتبر في الولي إلّا رضاه بالعقد ، لغرض أنه يعلم أن المال ليس له وأنه لغيره ، ولا يقاس بالأصيل حيث إنه يعتقد خلاف الواقع ولا يقصده.

إذن فالصحيح في الولي هو الحكم بالصحّة ، كما التزمنا بها في الوكيل.


1) (*) أظهره اللّزوم وعدم الحاجة إلى الإجازة.

[3891] مسألة 28 : إذا كان عالِماً بأنه وكيل أو ولي ، ومع ذلك أوقع العقد بعنوان الفضولية ، فهل يصح ويلزم أو يتوقف على الإجازة ، أو لا يصح؟ وجوه (1)، أقواها عدم الصحّة (1) لأنه يرجع إلى اشتراط كون العقد الصادر من وليه جائزاً ، فهو كما لو أوقع البالغ العاقل بقصد أن يكون الأمر بيده في الإبقاء والعدم. وبعبارة اخرى : أوقع العقد متزلزلاً.


(1) وتفصيل الكلام في هذه المسألة أن يقال :

أن العقد الصادر من الولي أو الوكيل بعنوان الفضولية ، مع العلم بكونه ولياً أو وكيلاً : تارة يكون منجزاً وغير معلق على شي‌ء ، غاية الأمر أنه يقرنه بادعاء كاذب ويبني عليه ، وهو أنه ليس بوكيل أو ولي. وأُخرى يكون معلقاً على إجازة الموكل ، أو هو نفسه.

فإن كان من قبيل الأوّل حكم بصحته لا محالة ، إذ لا قصور في الإنشاء أو المنشأ أو شي‌ء آخر مما يعتبر في صحّة العقد ، ومجرد كونه مقروناً ببناء كاذب لا يضرّ بعد تمامية أركان العقد وما يعتبر في صحته.

ومن هنا يظهر الحال فيما لو كان المنشئ هو المالك الأصيل بانياً على الفضولية ، مع التفاته إلى كونه مالكاً ، فإنه يحكم بصحته ، لعدم القصور فيما يعتبر في صحّة العقد.

وإن كان من قبيل الثاني فالحكم بصحته أو بطلانه ، مبني على الخلاف في اقتضاء التعليق للبطلان وعدمه ، وقد تقدّم الحديث فيه مفصلاً.

نعم ، لو أوقع العقد متزلزلاً ، بأن أنشأه منجزاً ومن غير تعليق ، لكن جعل الخيار فيه لنفسه ، حكم ببطلانه ، لأن النكاح لا يقبل جعل الخيار فيه ، على ما تقدّم الكلام فيه فيما تقدّم.

إلّا أنّ الظاهر من عبارة الماتن (قدس سره) إرادة التعليق لا جعل الخيار فيه.


1) (*) أقواها الصحّة ، نعم لو علّق عقده على رضائه أو رضاء موكله متأخِّراً جاء فيه إشكال التعليق ، ولعلّ مراده (قدس سره) هو هذه الصورة.

[3892] مسألة 29 : إذا زوّج الصغيرين وليهما ، فقد مر أنّ العقد لازم عليهما (1)(1) ولا يجوز لهما بعد البلوغ ردّه أو فسخه. وعلى هذا (2) فإذا مات أحدهما قبل البلوغ أو بعده ورثه الآخر (3).

وأمّا إذا زوّجهما الفضوليان ، فيتوقف على إجازتهما بعد البلوغ (4) أو إجازة وليهما قبله. فإن بلغا وأجازا ثبتت الزوجية ، ويترتّب عليها أحكامها من حين العقد ، لما مرّ من كون الإجازة كاشفة. وإن ردّا ، أو ردّ أحدهما ، أو ماتا أو مات أحدهما قبل الإجازة ، كشف عن عدم الصحّة من حين الصّدور (5).

وإن بلغ أحدهما وأجاز ، ثمّ مات قبل بلوغ الآخر ، يعزل ميراث الآخر على تقدير الزوجيّة. فإن بلغ وأجاز ، يحلف على أنه لم يكن إجازته للطمع في الإرث


(1) مرّ الكلام فيه في المسألة الرابعة من هذا الفصل ، وقد عرفت أن مقتضى صحيحة محمد بن مسلم هو ثبوت الخيار لهما بعد البلوغ.

(2) لا يخفى عدم تمامية ما أفاده (قدس سره) ، من تفرع ثبوت الإرث على لزوم العقد ، وعدم ثبوت الخيار لهما بعد البلوغ. فإنه ثابت حتى مع القول بثبوت الخيار لهما كما اخترناه ، وذلك لأنّ منشأ التوارث إنّما هو صحّة العقد وثبوت الزوجية بينهما ، لا لزومه.

(3) على ما تقتضيه القاعدة ، ويدلّ عليه غير واحد من النصوص الصحيحة صريحاً.

(4) على ما تقتضيه القاعدة في عقد الفضولي.

(5) وتقتضيه مضافاً إلى القاعدة صحيحة أبي عبيدة الحذاء ، قال : سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن غلام وجارية زوّجهما وليان لهما وهما غير مدركين ، قال : فقال : «النكاح جائز ، أيهما أدرك كان له الخيار ، فإن ماتا قبل أن يدركا فلا ميراث


1) (*) مرّ الاشكال فيه ، ولكنّه مع ذلك يثبت بينهما التوارث ، لأنّ المفروض صحّة العقد وإن ثبت لهما الخيار بعد البلوغ.

فإن حلف يدفع إليه (1). وإن لم يجز ، أو أجاز ولم يحلف ، لم يدفع (2) بل يرد إلى الورثة. وكذا لو مات بعد الإجازة وقبل الحلف (3).

هذا إذا كان متهماً بأنّ إجازته للرغبة في الإرث. وأما إذا لم يكن متّهماً بذلك ، كما إذا أجاز قبل أن يعلم موته ، أو كان المهر اللّازم عليه أزيد مما يرث أو نحو ذلك ، فالظاهر عدم الحاجة إلى الحلف (4).


بينهما ولا مهر ، إلّا أن يكونا قد أدركا ورضيا». قلت : فإن أدرك أحدهما قبل الآخر؟ قال : «يجوز عليه ذلك إن هو رضي». قلت : فإن كان الرجل الذي أدرك قبل الجارية ورضي النكاح ، ثمّ مات قبل ان تدرك الجارية ، أترثه؟ قال : «نعم ، يعزل ميراثها منه حتى تدرك وتحلف باللّه ما دعاها إلى أخذ الميراث إلّا رضاها بالتزويج ، ثمّ يدفع إليها الميراث ونصف المهر». قلت : فإن ماتت الجارية ولم تكن أدركت ، أيرثها الزوج المدرك؟ قال : «لا ، لأن لها الخيار إذا أدركت». قلت : فإن كان أبوها هو الذي زوجها قبل ان تدرك؟ قال : «يجوز عليها تزويج الأب ، ويجوز على الغلام ، والمهر على الأب للجارية» (1).

(1) على ما دلّ عليه صريحاً الصحيح المتقدِّم.

ثمّ إن مورد الصحيحة وإن كان هو موت الزوج وبقاء الزوجة ، إلّا أن الظاهر أنه لا خصوصيّة لذلك كما عليه معظم الأصحاب ، فإنّ موت الزوج إنما ذكر في كلام السائل خاصة. والظاهر أنّ الحلف إنما هو للاحتياط في المال بالنسبة إلى الوارث وهو لا يختص بفرض موت الزوج وبقاء الزوجة ، بل يثبت الحكم مع موت الزوجة وبقاء الزوج أيضاً.

(2) لأنّ ظاهر الصحيحة ترتب الإرث على الإجازة والحلف معاً.

(3) لما تقدّم آنفاً.

(4) لأنّ الظاهر من النص أنّ الحلف ليس تعبّداً محضاً ، وإنما هو طريق لدفع


1) الوسائل ، ج 26 كتاب الفرائض والمواريث ، أبواب ميراث الزوج ، ب 11 ح 1.

[3893] مسألة 30 : يترتب على تقدير الإجازة والحلف جميع الآثار المترتبة على الزوجية (1) من المهر ، وحرمة الام والبنت (1)(2) وحرمتها إن كانت هي الباقية على الأب والابن ، ونحو ذلك. بل الظاهر ترتب هذه الآثار بمجرد الإجازة ، من غير حاجة إلى الحلف (3). فلو أجاز ولم يحلف مع كونه متهماً لا يرث ، ولكن يترتّب سائر الأحكام.

[3894] مسألة 31 : الأقوى جريان الحكم المذكور في المجنونين ، بل الظاهر التعدي إلى سائر الصور (4). كما إذا كان أحد الطرفين الولي والطرف الآخر الفضولي ، أو كان أحد الطرفين المجنون والطرف الآخر الصغير ، أو كانا بالغين كاملين ، أو أحدهما بالغاً والآخر صغيراً أو مجنوناً ، أو نحو ذلك.


التهمة ، فمع العلم بعدمها يكون لغواً.

(1) بلا خلاف فيه بين الأصحاب ، ويقتضيه صحيح أبي عبيدة المتقدِّم.

(2) ذكر البنت من سهو القلم جزماً ، فإنّ البنت لا تحرم إلّا بعد الدخول بأُمِّها وحيث إن مفروض كلامنا أن إجازته للعقد إنما كانت بعد وفاتها ، فلا مجال لتصوّر الدخول بالأُم كي تثبت حرمة البنت. على أن الكلام إنما هو في الصغيرة ، ومعه لا مجال لفرض البنت لها كي يبحث في حرمتها وعدمها.

(3) فإن الحكم على طبق القاعدة. وذلك لما عرفت من أن الإجازة توجب الحكم بصحّة العقد وانتسابه إلى المجيز من حين صدوره ، لكن بالكشف الحكمي بالمعنى الذي ذكرناه ، ومقتضى عمومات الصحّة ترتب جميع الآثار بلا استثناء.

نعم ، خرجنا عن هذه العمومات في خصوص الإرث ، لصحيحة أبي عبيدة الحذاء المتقدِّمة ، حيث دلّت صريحاً على اعتبار الحلف في ثبوته ، ولو لا هذه الصحيحة لقلنا بثبوته بمجرد الإجازة أيضاً.

(4) نظراً لكون الحكم على طبق القاعدة ، فلا يختص بفرض معين.


1) (*) هذه الكلمة من سهو القلم أو غلط النسّاخ.

ففي جميع الصور إذا مات من لزم العقد بالنسبة إليه لعدم الحاجة إلى الإجازة ، أو لإجازته بعد بلوغه أو رشده وبقي الآخر ، فإنه يعزل حصة الباقي من الميراث إلى أن يرد أو يجيز.

بل الظاهر عدم الحاجة إلى الحلف في ثبوت الميراث في غير الصغيرين من سائر الصور ، لاختصاص الموجب له من الأخبار بالصغيرين (1). ولكن الأحوط الإحلاف في الجميع (1)بالنسبة إلى الإرث ، بل بالنسبة إلى سائر الأحكام أيضاً.

[3895] مسألة 32 : إذا كان العقد لازماً على أحد الطرفين من حيث كونه أصيلاً أو مجيزاً ، والطرف الآخر فضولياً ولم يتحقق إجازة ولا ردّ ، فهل يثبت على الطرف اللازم تحريم المصاهرات (2) ، فلو كان زوجاً يحرم عليه نكاح أُم المرأة وبنتها وأُختها والخامسة ، وإذا كانت زوجة يحرم عليها التزويج بغيره؟ وبعبارة اخرى : هل يجري عليه آثار الزوجية وإن لم تجر على الطرف الآخر أوْ لا؟.


(1) ما أفاده (قدس سره) لا يتم بعد التعدي عن وفاة الزوج وبقاء الزوجة ، إلى فرض وفاة الزوجة وبقاء الزوج. فإن الملاك المصحح له ، أعني الاحتياط في المال بالنسبة إلى الوارث ، بعينه موجود في جميع هذه الصور ، ولا يختص هذا بالإرث ، بل يجري في أخذ الزوجة المهر أيضاً ، نظراً للتهمة. وأما دفع الزوج للمهر ، فلا حاجة فيه إلى الحلف ، نظراً لكونه عليه لا له.

(2) الكلام في هذه المسألة يقع في نقاط :

النقطة الاولى : في لزوم العقد بالنسبة إلى الأصيل أو المجيز ، بحيث لا يكون له رفع اليد عنه ما لم يرد الطرف الآخر. وعدمه ، كما هو الحال في رفع اليد عن الإيجاب قبل القبول.


1) (*) لا يترك الاحتياط بالإضافة إلى الإرث وإلى أخذ المهر ، وأما بالإضافة إلى بقيّة الأحكام فالظاهر عدم الحاجة إلى الحلف ، مع أنه أحوط.

.................................................................................................


الذي يظهر من كلمات بعضهم ، واختاره شيخنا الأُستاذ (قدس سره) (1)بل يظهر من كلمات الشيخ (قدس سره) (2)هو الأوّل.

واستدلّ عليه بقوله تعالى ( أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ) بدعوى أنه انحلالي بالنسبة إلى طرفي العقد ، فيجب على الطرف الأوّل الالتزام به ، حتى ولو لم يجب ذلك على الطرف الآخر لعدم صدور القبول منه.

وفيه : أن موضوع الأمر بالوفاء والحكم باللزوم إنما هو العقد ، وهو على ما تقدّم غير مرّة عبارة عن ربط التزام بالتزام آخر ، كما هو الحال في عقد الحبل وشدّه بآخر. ومن هنا فمع عدم التزام الطرف الآخر لا يصدق العقد ، ولا يكون موضوع الأمر بالوفاء واللّزوم ، الذي هو بمعنى عدم قابليته للنقض والانحلال ، متحقِّقاً.

وعليه فيكون حاله حال رفع اليد عن الإيجاب قبل القبول ، بل يكون هو من مصاديقه ، فإن قبول الفضولي لا يعتبر التزاماً كي ينضم إلى التزام الأصيل ، فإنه لا يلتزم بشي‌ء وإنما ينشئ أمراً يتعلّق بالغير.

ثمّ إن شيخنا الأُستاذ (قدس سره) قد استدل على اللزوم ، بأن الأصيل بنفس الإنشاء قد ملك التزامه للطرف الآخر ، ومن هنا فليس له أن يرجع فيه ، نظراً لكونه مملوكاً للغير.

وفيه : أن الالتزام ليس متعلقاً للتمليك وإنما هو التزام به ، فليس هو مملوكاً للغير بل لم يتحصل لنا معنى معقول لملكية الالتزام وإن كانت الاعمال قابلة للملك. على أن لازم ذلك بقاء الملك بلا مالك ، فإن الأصيل لا يملكه لأن المفروض أنه قد ملكه للغير ، والفضولي أجنبي عنه بالمرة فلا معنى لكونه هو المالك ، ولا يملكه من له الإجازة لعدم صدور القبول منه ، والملكية لا تكون قهرية بل تحتاج إلى الإيجاب والقبول ، فلا معنى لحصولها قبل القبول. فيبقى الملك بلا مالك ، وهو محال.

إذن فلا دليل على لزوم هذا الالتزام وعدم جواز رفع اليد عنه ، لعدم صدق العقد


1) كتاب النكاح 20 : 110 طبع المؤتمر العالمي.

2) انظر النهاية : 466.

.................................................................................................


في المقام ، وإن عبر عنه بالعقد الفضولي مسامحة. ويترتب على ذلك صحّة جميع التصرفات المنافية له ونفوذها ، ويكون ذلك فسخاً فعلياً للإنشاء الأوّل ، ومعه فلا يبقى أثر للقبول اللاحق. ومنه يظهر ما في صدر عبارة الماتن (قدس سره) من التعبير ب- (إذا كان العقد لازماً) فإنه لا وجه له ، اللّهمّ إلّا أن يحمل على المسامحة.

النقطة الثانية : في جواز التصرفات المنافية للإنشاء وعدمه من حيث الحكم التكليفي ، بعد البناء على لزوم الالتزام من طرف الأصيل والمجيز.

اختار شيخنا الأنصاري (قدس سره) الأوّل بناءً على القول بالنقل ، والثاني بناءً على القول بالكشف. واستدل عليه بالأمر بالوفاء بالعقد ، حيث إن مقتضاه ترتيب آثاره عليه ، وهو يعني عدم جواز التصرف المنافي له (1). وهذا منه (قدس سره) يبتني على ما ذكره في مبحث أصالة اللزوم في المعاطاة ، من أن المراد من الوفاء بالعقد هو ترتيب آثاره عليه. إلّا أننا قد ذكرنا في محله ، أن معنى الوفاء إنما هو إنهاء الالتزام واستمراره ، فصرفه عن معناه والالتزام بأن المراد به هو ترتيب الآثار عليه ، يحتاج إلى القرينة وهي مفقودة.

إذن فالوفاء الذي تعلق به الأمر ، يدور أمره بين أن يكون حكماً تكليفياً ، أو يكون إرشاداً إلى عدم تحقق نقضه في الخارج ، نظير قوله (عليه السلام) : «دعي الصلاة أيام أقرائك» (2). وحيث إن الأوّل غير محتمل ، لأن لازمه نفوذ الفسخ وإن كان محرماً من حيث الحكم التكليفي ، وذلك لأن الحكم لا يتعلق إلّا بأمر مقدور إذ لا معنى لوجوب الممتنع أو حرمته ، وعليه فيكون معنى حرمة الفسخ هو نفوذه وتأثيره وهذا ممّا لا يقول به أحد ، فيتعيّن الثاني.

ولو تنزّلنا عن هذا كلّه ، وقلنا بأن معنى الوفاء بالعقد هو ترتيب الآثار ، وأن الآية الكريمة تتضمن حكماً تكليفياً ، إلّا أن ذلك لا ينفع فيما ذكره (قدس سره) من اللزوم في المقام. والوجه فيه أن موضوع الأمر بالوفاء إنما هو العقد ، وقد عرفت أنه غير


1) كتاب النكاح 20 : 110 طبع المؤتمر العالمي.

2) الوسائل 2 : 287 أبواب الحيض باب (7) ح 2156.

.................................................................................................


متحقِّق في الخارج ، لعدم تحقق الالتزام من الطرف الآخر.

ومن هنا يظهر أنه لا وجه لتقييد الماتن (قدس سره) للجواز بما إذا لم يعلم لحوق الإجازة من الآخر بعد ذلك ، حتى بناءً على القول بالكشف ، إذ ليس بالفعل حكم بالملكية أو الزوجية ، نظراً لعدم تحقق العقد كما عرفت ، فيكون تصرفه فيه تصرفاً في ملكه.

نعم ، قد يقال بذلك بناءً على الكشف الحقيقي ، لانكشاف وجود الزوجية حين العقد واقعاً بعد ذلك.

إلّا أنه أيضاً قابل للدفع ، باعتبار أن الكشف الحقيقي أيضاً إنما يكون مع استمرار الطرف الأصيل على التزامه وبقائه إلى حين الإجازة ، وأما بعد رفع اليد عنه فلا مجال للكشف بالإجازة من الطرف الثاني عن وجود الزوجية آن ذاك.

النقطة الثالثة : في نفوذ تصرفات الأصيل المنافية لالتزامه قبل الإجازة وعدمه على تقدير لحوق الإجازة والقول بأنها كاشفة.

ذهب الماتن (قدس سره) إلى الثاني مع التزامه بالجواز تكليفاً ، بدعوى أن الإجازة لما كانت كاشفة عن صحّة العقد من حينه وإن كان الاعتبار من حينها ، كان لازم ذلك بطلان جميع التصرفات المنافية له والمتأخرة عنه زماناً. فلو تزوّج إحدى الأُختين فضولاً ، ثمّ تزوّج الأُخرى برضاها ، ثمّ أجازت الأُولى العقد ، كانت هذه الإجازة كاشفة عن زوجية الاولى له من حين العقد ، ولازم ذلك هو بطلان عقد الثانية ، نظراً لحرمة الجمع بين الأُختين.

والتحقيق : أنّ الحكم في هذه النقطة مبني على المختار في النقطة الأُولى. فإن قلنا فيها بلزوم العقد ، كما اختاره شيخنا الأنصاري (قدس سره) ، كان الأمر كما ذكره الماتن (قدس سره) ، من نفوذ العقد الفضولي بالإجازة ، وبطلان التصرف المنافي له. وإن قلنا بما اخترناه من عدم اللّزوم لعدم تحقق مفهوم العقد ، فالظاهر هو الحكم بصحّة العقد الثاني ونفوذه ، وبطلان الالتزام الأوّل لرفع اليد عنه بالتصرف المنافي له فإنه يعد فسخاً ورداً له ، ومعه فلا يبقى مجال للحوق الإجازة وانضمامها إليه كي يتحقّق به مفهوم العقد.

قولان ، أقواهما الثاني ، إلّا مع فرض العلم بحصول الإجازة بعد ذلك (1)الكاشفة عن تحقّقها من حين العقد (1). نعم ، الأحوط الأوّل ، لكونه في معرض ذلك بمجي‌ء الإجازة. نعم ، إذا تزوّج الأم أو البنت مثلاً ، ثمّ حصلت الإجازة كشف عن بطلان ذلك (2)(2).

[3896] مسألة 33 : إذ ردّ المعقود أو المعقودة فضولاً العقد ولم يجزه لا يترتّب عليه شي‌ء من أحكام المصاهرة ، سواء أجاز الطرف الآخر أو كان أصيلاً أم لا ، لعدم حصول الزوجية بهذا العقد الغير المجاز ، وتبين كونه كأنه لم يكن.


والحاصل أن العقد الثاني محكوم بالصحّة لصدوره من أهله ووقوعه في محلّه ، فإن الإجازة لا محل لها لارتفاع الالتزام الأوّل ، ومعه فلا مجال للكشف عن صحّة العقد الأسبق المقتضية لبطلان العقد الثاني لا محالة.

نعم ، بناءً على القول بالكشف الحقيقي بحيث تكون الإجازة مجرّد معرف فقط ، ربّما يقال ببطلان العقد الثاني ، لانكشاف كون الأُخت الاولى زوجة له من حين العقد واقعاً وإن لم يكن هو عالماً به ، ومعه تبطل زوجية الثانية لا محالة.

إلّا أنك قد عرفت فيما تقدّم ، أن القائلين بالكشف الحقيقي إنما يقولون به مع بقاء الأوّل على التزامه ، وأما مع رفع اليد عنه فلم يعرف منهم قائل به.

(1) عرفت فيما تقدّم أنه لا أثر للعمل بحصول الإجارة بعد ذلك وعدمه ، في جواز التصرف المنافي للالتزام الأوّل ونفوذه ، فإن للأصيل ذلك ما لم يتحقق مفهوم العقد بإجازة الطرف الآخر فعلاً ويؤمر بالوفاء.

(2) ما أفاده (قدس سره) ، حتى على تقدير تسليم ما تقدّم منه (قدس سره) من كشف الإجازة عن صحّة العقد الأوّل من حينه ، إنما يتمّ في الأُختين والبنت والأُم ، مع فرض تقدّم عقد البنت دون العكس.

وأما فيه ، كما لو تزوّج الام فضولة ثمّ تزوّج بنتها قبل إجازتها هي العقد ثمّ


1) (*) بل مع هذا الفرض أيضاً.

2) (**) فيه منز. نعم يتم ذلك على الكشف الحقيقي ببعض معانيه ، على إشكال فيه أيضاً.

وربّما يستشكل في خصوص نكاح أُم المعقود عليها (1). وهو في غير محله بعد أن لم يتحقق نكاح ، ومجرد العقد لا يوجب شيئاً ، مع أنه لا فرق بينه وبين نكاح البنت (1)(2). وكون الحرمة في الأوّل غير مشروطة بالدخول ، بخلاف الثاني ، لا ينفع في الفراق.


أجازت العقد ، فالحكم بالبطلان وإن كان هو المشهور والمعروف بينهم ، وإن لم يكن قد دخل بها كما صرح به بعضهم ، إلّا أننا لم نعثر على دليل له ، فإنه لم يرد في شي‌ء من النصوص حرمة الجمع بينهما كما هو الحال في الأُختين ، وإنما المذكور في الآية الكريمة والنصوص الشريفة حرمة الربيبة إذا دخل بأُمها ، فإذا فرض عدم الدخول بها كانت الربيبة داخلة في عنوان ( ما وَراءَ ذلِكُمْ ) الذي تضمّنت الآية المباركة حلِّيّته ومقتضى حلّ نكاحها هو صحّة العقد عليها كما هو واضح ، وحينئذ تحرم الام لقوله تعالى ( وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ ) ومعه فلا يبقى مجال لإجازتها للعقد السابق.

والحاصل أنّ البطلان إنما يكون في عقد الام دون عقد البنت ، كما هو الحال في الرضاع وما شاكله من الأسباب الموجبة لبطلان عقد الام قبل الدخول بها.

نعم ، لو ثبت ما يدلّ على حرمة الجمع بين الام والبنت بهذا العنوان ، تم ما أفاده (قدس سره) من بطلان عقد البنت ، بناءً على تسليم ما أفاده (قدس سره) من كشف الإجازة عن صحّة العقد من حينه ، إلّا أن مثل هذا الدليل مفقود.

(1) وكأن وجهه كفاية العقد الفضولي والمتحقِّق من جانب واحد فقط والربط الحاصل به ، في حرمة أُمها وإن لم تحصل الزوجية.

(2) الأمر وإن كان كما ذكره (قدس سره) في المقام ، فإنّ مجرّد العقد لا يوجب شيئاً ، إلّا أن ما أفاده (قدس سره) من النقض وعدم الفرق بين نكاح الام ونكاح البنت لا يمكن المساعدة عليه ، حتى بناءً على ما ذهب إليه المشهور من حرمة الجمع بينهما.


1) (*) الأمر وإن كان كذلك في المقام حيث لم يتحقّق عقد قبل الإجازة إلّا أنّ بين نكاح الأُم ونكاح البنت فرقاً من جهة أخرى ، وهي أنّ مجرّد نكاح الأُم لا يوجب بطلان العقد على البنت ، فلو عقد على البنت والحال هذه بطل عقد الأُم ، وهذا بخلاف عقد البنت فإنه بمجرّده يوجب بطلان العقد على الأُم.

[3897] مسألة 34 : إذا زوّجت امرأة فضولاً من رجل ولم تعلم بالعقد فتزوّجت من آخر ، ثمّ علمت بذلك العقد ، ليس لها أن تجيز لفوات محل الإجازة (1). وكذا إذا زوج رجل فضولاً بامرأة ، وقبل أن يطلع على ذلك تزوّج أُمها أو بنتها أو أُختها ، ثمّ علم.

ودعوى أن الإجازة حيث إنها كاشفة إذا حصلت ، تكشف عن بطلان العقد الثاني ، كما ترى.


وذلك لأنّ الموجب لحرمة البنت ينحصر في أحد أمرين : الدخول بالأُم ، أو الجمع بينهما في الزوجية على ما اختاره المشهور وإن لم نرتضه ولا شي‌ء من هذين العنوانين متحقق في المقام. فإن الأوّل مفروض العدم ، نظراً لعدم إجازتها للعقد. والثاني متوقف على تحقق العقد ، وهو غير صادق بمجرّد الالتزام من طرف واحد ولا قائل بكفاية مثل هذا الالتزام الصادر من جانب الرجل في حرمة البنت ، وإن قيل بها في حرمة الأُم.

وإذن فيصحّ عقد البنت بلا محذور ، ومعها لا يبقى مجال لإجازة الام للعقد السابق حيث إنها أصبحت أُم الزوجة.

والحاصل فما أفاده (قدس سره) من النقض غير تامّ ، ولا يمكن المساعدة عليه لوجود الفرق بين المقامين.

(1) وفاقاً للشيخ الأعظم (قدس سره) في مبحث ثمرات القول بالكشف أو النقل من المكاسب (1).

وهو بناءً على ما اختاره المشهور من عدم تأثير الإجازة بعد الردّ واضح ، فإنها وإن لم تكن ملتفتة إلى ذلك ، إلّا أن التزامها بالعقد الثاني لما كان التزاماً منها بجميع خصوصياته ولوازمه ومنها عدم كونها زوجة لغيره ، كان ذلك ردّاً للعقد السابق ورفضاً له وإن لم تكن هي عالمة به.


1) المكاسب : 134.

[3898] مسألة 35 : إذا زوّجها أحد الوكيلين من رجل ، وزوّجها الوكيل الآخر من آخر ، فإن علم السابق من العقدين فهو الصحيح (1). وإن علم الاقتران بطلا معاً (2). وإن شك في السبق والاقتران فكذلك ، لعدم العلم بتحقق عقد صحيح ، والأصل عدم تأثير واحد منهما (3).

وإن علم السبق واللّحوق ، ولم يعلم السابق من اللّاحق ، فإن علم تاريخ أحدهما


وأما بناءً على ما اخترناه ، من عدم مانعية الرد عن لحوق الإجازة ، فالأمر كذلك أيضاً ، باعتبار أنها تخرج بالعقد الثاني عن قابلية الإجازة.

والوجه فيه ما تقدّم مراراً من أن العقد إنما يكون عقداً لها وينتسب إليها بعد الإجازة ، وأما قبلها فلا انتساب إليها وليست هي بزوجة لذلك الرجل.

ومن هنا فحين التزويج الثاني تكون المرأة خلية من البعل ، فيحكم بصحّة هذا العقد لا محالة لصدوره من أهله ووقوعه في محله ، وبذلك تصبح المرأة ذات بعل فلا يصحّ لها أن تتزوج لفوات المحل ، بلا فرق في ذلك بين كون زمان الزوجية بالفعل أو السابق ، فإنه الآن لا يمكن الحكم بتلك الزوجية السابقة.

نعم ، بناءً على الكشف الحقيقي قد يقال بذلك. لكنك قد عرفت فيما سبق أنه لا يتمّ أيضاً ، لأنه إنما يتمّ فيما إذا كان العقد قابلاً للاستناد بالإجازة إلى المجيز. وحيث إنه لا قابلية في المقام ، لأن الزوجة لا تتزوج ثانياً ، فلا مجال للإجازة كي يقال إنها تكشف عن وجود الزوجية في ذلك الزمان حقيقة.

(1) بلا خلاف فيه ، ويقتضيه إطلاقات وعمومات أدلة نفوذ العقد.

(2) لعدم إمكان الجمع بينهما ، وترجيح أحدهما على الآخر ترجيح بلا مرجح.

(3) ما أفاده (قدس سره) إنما يتمّ بناء على ما سلكناه في الاستصحاب ، من جريانه في كلا الطرفين المعلوم التاريخ ومجهوله ، فإنّ أصالة عدم زوجية أُختها في زمان العقد عليها معارضة بمثلها في الأُخرى ، وحيث لا يمكن الجمع بينهما يتساقطان لا محالة ، حتى مع العلم بتاريخ أحدهما دون الآخر. فإن معلوم التاريخ وإن لم يجر فيه

حكم بصحّته (1)(1) دون الآخر. وإن جهل التأريخان ، ففي المسألة وجوه : أحدهما : التوقيف حتى يحصل العلم (2) ، الثاني : خيار الفسخ للزوجة ، الثالث : أن الحاكم يفسخ ، الرابع : القرعة.


الاستصحاب بالنسبة إلى عمود الزمان ، إلّا أنه بالنسبة إلى الزماني أعني عقد الأُخت الثانية يجري بلا محذور ، حيث يشكّ في وقوع العقد على الأُخت قبل ذلك الزمان ، فيجري الاستصحاب.

وأمّا على مبنى الماتن (قدس سره) والمشهور من عدم جريان الاستصحاب في معلوم التاريخ ، فلا يتمّ ما ذكره (قدس سره) على إطلاقه ، بل لا بدّ من التفصيل بين كونهما معاً مجهولين ، وكون أحدهما معلوماً والآخر مجهولاً.

(1) وهو إنما يتمّ على مسلكه (قدس سره) من عدم جريان الأصل في معلوم التاريخ.

وأمّا بناءً على ما اخترناه من جريان الأصل في كلا الطرفين ، بلا فرق في ذلك بين معلوم التاريخ ومجهوله ، باعتبار أن الأصل وإن لم يكن جارياً بالنسبة إلى عمود الزمان ، إلّا أنه لا محذور في جريانه فيه بلحاظ الحدث الآخر عقد الأُخت الثانية فلا فرق في الحكم بين الصورتين ، بمعنى كون حكم معلوم التاريخ هو حكم مجهوله.

(2) الظاهر أن هذا القول لا يعتبر تفصيلاً في المقام ، لأن مفروض الكلام عدم إمكان تحصيل العلم ، إذ مع إمكانه لا تكون هناك شبهة أو مشكلة في المقام. ولا يحتمل فيه القول بثبوت الخيار لها أو للحاكم أو القرعة ، كما لو عقد الوكيل عن الزوج على إحدى ابنتي زيد معينة وكان الزوج جاهلاً بها ، أفيحتمل القول بثبوت الخيار له أو للحاكم أو القرعة ، مع تمكنه من السؤال من الوكيل؟! نعم ، لو كان تحصيل العلم من الصعوبة بمكان بحيث يلحق بعدمه ، كما لو توقّف على الانتظار خمسين سنة مثلاً المستلزم لبقاء المرأة معطّلة ، لم يكن به اعتبار.


1) (*) الظاهر أنّ حكم المعلوم تاريخه حكم مجهوله.

والأوفق بالقواعد هو الوجه الأخير (1)(1).

وكذا الكلام إذا زوّجه أحد الوكيلين برابعة والآخر بأُخرى ، أو زوّجه أحدهما


(1) بل هو المتعين. وذلك لأن الضرر المتوجه إليها لم ينشأ من الزوجية أو آثارها كي يقال بثبوت الخيار لها أو للحاكم في فسخها ، فإنه لا ضرر في الزوجية نفسها أو في آثارها المترتبة عليها كلزوم التمكين وغيره ، ولذا لو كان الزوج معلوماً لم يكن فيهما أي ضرر ، وإنما الضرر ناشئ من الجهل بالزوج ، وحكم العقل بلزوم الاحتياط وعدم تمكنها من تمكين نفسها لزوجها الواقعي. فغاية ما يقتضيه دليل نفي الضرر ، هو عدم لزوم الاحتياط والبناء على زوجية نفسها لأحد الرجلين ، وهو يحصل بالقرعة. وأما ثبوت الفسخ لها ، أو للحاكم ، فلا مبرر له.

على أننا قد ذكرنا في مبحث خيار الغبن حيث تمسكوا لإثباته بدليل نفي الضرر أن الضرر إنما هو في نفس العقد. فلو كان دليل نفي الضرر شاملاً له للزم الحكم ببطلانه رأساً ، لا القول بصحته مع ثبوت الخيار للمتضرر ، إذ الذي يظهر من دليل نفي الضرر أن الحكم الضرري غير مجعول في الشريعة المقدسة لا أنه مجعول ، غاية الأمر أنه يتكفل إثبات ما يتدارك به.

إذن فلا وجه لإثبات الخيار للزوجة ، فضلاً عن الحاكم حيث لا دليل على ولايته. وعليه فيدخل المقام تحت قولهم (عليهم السلام) : «القرعة لكل أمر مشكل» (2)حيث إنه لا طريق لتخلصها والمرأة لا تبقى معطلة.

ثمّ لا يخفى أن مقتضى الاحتياط هو أن يطلقها أحدهما فيتزوجها الآخر بعقد جديد إن شاء وإلّا فيطلقها هو أيضاً ، كي يجوز لها جزماً التزوج من ثالث غيرهما.


1) (*) وإن كان الأحوط أن يطلِّقها أحد الرجلين فإن شاء الآخر تزوّجها بعقد جديد ، وإلّا فالأحوط أن يطلِّقها هو أيضاً ، وكذلك يُراعى الاحتياط في الفروع الآتية.

2) انظر الوسائل 26 : 290 كتاب الفرائض والمواريث.

بامرأة والآخر ببنتها (1)(1) أو أُمها أو أُختها. وكذا الحال إذا زوّجت نفسها من رجل وزوجها وكيلها من آخر ، أو تزوّج بامرأة وزوّجه وكيله بأُخرى لا يمكن الجمع بينهما.

ولو ادّعى أحد الرّجلين المعقود لهما السبق ، وقال الآخر : لا أدري من السابق وصدقت المرأة المدعي للسبق ، حكم بالزوجية بينهما لتصادقهما عليها (2).


(1) وهو إنما يتم بناءً على ما ذهب إليه المشهور واختاره الماتن (قدس سره) من حرمة الجمع بين الام والبنت. وأما بناءً على ما اخترناه ، من اختصاص حرمة البنت بفرض الدخول بالأُم ، فالمتعين هو الحكم بصحّة عقد البنت وبطلان عقد الام ، سواء أكان عقدها متقدماً أم مقارناً أم متأخراً.

(2) والحق لا يعدوهما ، فيؤخذ كل منهما بإقراره بالنسبة إلى ما للآخر عليه من حقوق ، بل تقتضيه السيرة القطعية حيث يحكم بزوجية كل متصادقين عليها من دون أن يطالبا بالبينة أو اليمين ، بل لا يبعد كونه من مصاديق كبرى تصديق المدعي إذا لم يكن له معارض.

واللّه ولي العصمة.

إلى هنا انتهى ما أفاده سماحة آية اللّه العظمى الإمام الوالد أدام اللّه ظله العالي على رؤوس المسلمين مناراً للإسلام وذخراً لهم ، في مجلس درسه الشريف شرحاً على كتاب النكاح من العروة الوثقى.

والحمد لله على توفيقه لي في الحضور والكتابة ، وأسأل اللّه عزّ وجلّ أن يطيل عمر سيِّدنا دام ظلّه لإحياء فقه آل محمّد (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) وتراثهم الخالد وأن يوفقني للحضور والفهم والكتابة ، إنه سميع مجيب.

وكان الفراغ من تسويده في اليوم الحادي والعشرين من شهر محرم الحرام سنة أربعمائة وثلاث بعد الألف من الهجرة النبوية الشريفة ، وصلّى اللّه على محمّد وآله الطيبين الطاهرين.


1) (*) الظاهر أنّ عقد البنت صحيح وعقد الأُم باطل كما تقدّم.

كتاب الوصيّة

اشارة

كتاب الوصيّة

[فصل : في معنى الوصيّة وأقسامها وشرائطها]

وهي إما مصدر : وَصَى يَصِي ، بمعنى الوصل (1) حيث إن الموصي يصل تصرفه بعد الموت بتصرفه حال الحياة. وأما اسم مصدر ، بمعنى العهد من : وصّى يُوصِّي تَوصية (2) أو : أوصى يوصي إيصاء.


[فصل في معنى الوصيّة وأقسامها وشرائطها]

(1) كذا ذكر جماعة من الأصحاب ، ولعل الأصل فيه ما ذكره الشيخ (قدس سره) في المبسوط (1).

إلّا أنه ضعيف جدّاً ، حيث لم يعلم ولا مورد واحد لاستعمالها فيه ، كما لم يذكر في شي‌ء من كتب اللغة ذلك ، فهذا الاحتمال بعيد بل مقطوع البطلان ، كما نبّه عليه الشيخ الأعظم (قدس سره) في رسالته (2).

(2) وهذا الاحتمال هو المتعين ، كما يشهد له استعمالها فيه في الآيات الكريمة وعرف المتشرعة.

كقوله تعالى ( مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ ) (3).

وقوله تعالى ( مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِها أَوْ دَيْنٍ ) (4).


1) المبسوط 4 : 3.

2) الوصايا والمواريث للشيخ الأنصاري 21 : 23 طبع المؤتمر العالمي.

3) سورة النساء 4 : 11.

4) سورة النساء 4 : 12.

وهي أما تمليكية أو عهدية (1). وبعبارة اخرى (2) : أما تمليك عين ، أو منفعة


وقوله تعالى ( مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أَوْ دَيْنٍ ) (1).

وقوله تعالى ( كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ ) (2). إلى غير ذلك من الآيات الكريمة.

فإنّ الكلمة في جميع هذه الموارد مستعملة في العهد واسم المصدر لوصّي يوصي توصية.

ثمّ لا يخفى أنّ المراد بها في عرف المتشرعة إنما هو قسم خاص وحصة معينة من العهد ، وهي ما يتعلق بما بعد الموت فحسب.

(1) الفرق بين القسمين يكمن في أن الاولى إنما تتعلق بالأُمور الاعتبارية التي هي نتيجة للفعل الخارجي ، وتتضمن تمليك الموصى له شيئاً من العين أو المنفعة ، ويلحق بها كل وصيّة لم يكن متعلقها فعلاً خارجياً ، كالوصيّة بفك الملك كالتدبير وإبراء المديون ، فإنها وإن لم تكن تمليكية بالمعنى الذي ذكرناه حيث إنها لا تتضمّن تمليك أحد شيئاً ، إلّا أنها تلحق بها لكون متعلقها نتيجة الفعل نفسه. وهذا بخلاف الثانية حيث إنها تتعلق بالأفعال الخارجية ، كتغسيله وكفنه ودفنه وغيرها.

وبعبارة اخرى : إنّ الاولى تصرف اعتباري من الموصي نفسه فيما يتعلّق بما بعد وفاته ، مستتبع لتحقق النتيجة قهراً بالموت. في حين إن الثانية عهد إلى الغير بأن يتولى بعد موته فعلاً خارجياً من تجهيز أو زيارة أو إطعام ونحوهما ، أو اعتبارياً من تمليك أو عتق أو إيقاف أو نحوها.

(2) لا يخفى أن ما ذكره (قدس سره) لا يتضمن الفرق بين الوصيتين التمليكية والعهدية ، بل لا يخلو من الإجمال من حيث كون ما ذكره (قدس سره) من الأمثلة


1) سورة النساء 4 : 12.

2) سورة البقرة 2 : 180.

أو تسليط على حق (1) أو فكّ ملك ، أو عهد متعلق بالغير ، أو عهد متعلق بنفسه كالوصيّة بما يتعلق بتجهيزه. وتنقسم انقسام الأحكام الخمسة.

[3899] مسألة 1 : الوصيّة العهديّة لا تحتاج إلى القبول (2). وكذا الوصيّة بالفك ، كالعتق (3).


غير الأوّلين وغير ما ذكره أخيراً من العهد المتعلق بنفسه أو بغيره من القسم الأوّل أو الثاني.

نعم ، يظهر من قوله (قدس سره) في المسألة الاولى من أن : الوصيّة العهدية لا تحتاج إلى القبول وكذا الوصيّة بالفك كالعتق ، أنها من الوصيّة التمليكية ، إذ لو كانت عهدية لما كان هناك حاجة إلى قوله (قدس سره) : وكذا.

(1) في العبارة مسامحة واضحة ، فإن التسليط لا يتعلّق بالحق وإنما يتعلّق بالتصرف ، إذ الحق هو السلطنة بعينها. فالأنسب تبديل العبارة بالقول : أو تسليط على التصرف.

(2) وهو إنما يتمّ على إطلاقه بالنسبة إلى الموصى إليه الوصي فإنّه لا يعتبر قبوله ، بلا خلاف فيه بين الأصحاب. نعم ، له الردّ ما دام الموصي حيّاً بشرط إبلاغه بذلك ، وإلّا فلا أثر لردّه أيضاً.

دون الموصى له ، فإنه وبالنسبة إليه لا بدّ من ملاحظة متعلق الفعل الذي تعلقت به الوصيّة. فإن كان مما يحتاج إلى القبول كالبيع والإجارة ونحوهما اعتبر قبوله جزماً وإلّا كالوقف والعتق ونحوهما فالأمر كما ذكره (قدس سره) من عدم الحاجة إلى القبول.

وكأن نظره (قدس سره) في نفي الحاجة إلى القبول في الوصيّة العهدية إلى الموصى إليه خاصة.

(3) بلا خلاف فيه وفي الإبراء ، فإنّهما من الإيقاع غير المحتاج إلى القبول إذا وقعا حال الحياة منجزين ، فيكونان كذلك إذا وقعا معلقين على الموت على وجه الوصيّة.

وأمّا التمليكية فالمشهور على أنه يعتبر فيها القبول جزءاً ، وعليه تكون من العقود (1).


(1) كما ادعي عليه الإجماع في بعض الكلمات ، ويشهد له ذكر الفقهاء (قدس سرهم) لها في أبواب العقود.

وكيف كان ، فالقائلون به على مذهبين :

الأوّل : ما اختاره الشيخ الأعظم (قدس سره) من كونه جزءاً ناقلاً (1).

الثاني : كونه جزءاً كاشفاً.

واستدل الشيخ الأعظم (قدس سره) على مختاره بوجوه ، عمدتها عدم الإطلاق في أدلة الوصيّة كي يستكشف منه عدم الحاجة إلى القبول ، والأصل عدم انتقال المال إلى الموصى له قبل القبول.

ولا يخفى عدم تمامية كلا هذين المذهبين ، والمناقشة فيهما تكون من ناحيتين : الثبوت ، والإثبات.

أمّا الأُولى : فالظاهر أنه لا مجال للالتزام بكون الوصيّة من العقود.

والوجه فيه ما تقدّم مراراً من أن العقد إنما هو عبارة عن ضم التزام بالتزام وربط أحدهما بالآخر ، كما هو الحال في عقد حبل بحبل آخر. وهو غير متحقق في المقام ، إذ لا يبقى التزام للموصي بعد وفاته كي ينضم إليه التزام الموصى له ، فإن الميت لا التزام له.

ومن هنا فلو اعتبر القبول ، فلا بدّ من جعله شرطاً كشفاً أو نقلاً لا محالة لاستحالة القول بكون الوصيّة عقداً.

وأمّا الثانية : فبناءً على النقل كما اختاره (قدس سره) ، لا تشمله أدلّة الوفاء بالعقد.


1) الوصايا والمواريث للشيخ الأنصاري 21 : 27 طبع المؤتمر العالمي.

.................................................................................................


وذلك فلأن الذي أنشأه الموصي ، أعني الملكية بعد الموت ، لم يمض من قبل الشارع. وما يدعى إمضاؤه له ، أعني الملكية بعد القبول ، لم ينشئه الموصي. فيكون من قبيل ما وقع لم يقصد ، وما قصد لم يقع.

ودعوى أن الاختلاف والتفاوت بين المنشأ والممضى واقع في موارد من الأبواب الفقهية ، نظير الهبة حيث أن المنشأ فيها هو التمليك الفعلي ، في حين أنّ الإمضاء متعلق بالتمليك بعد القبض.

مدفوعة بأنّ ذلك وإن كان ممكناً في نفسه إلّا أنه يحتاج إلى دليل خاص ، لعدم شمول الأمر بالوفاء له ، لما عرفت من أن المنشأ لم يمضه الشارع وما يدعى إمضاؤه له لم ينشأ ، وهو مفقود.

فما أفاده (قدس سره) لا يمكن الالتزام به ثبوتاً وإثباتاً.

وتوهّم أن تأخره عن القبول لا ينافي شمول أدلة الوفاء بالعقد له ، لأنه موجود في جميع المعاملات حيث يكون هناك فاصل زماني ولو كان قليلاً جدّاً بين الإيجاب والقبول لا محالة ، من غير أن يقال أن ما أنشأه المنشئ لم يتعلق به الإمضاء ، وما تعلق به الإمضاء لم ينشأ. وحيث إن الوصيّة كسائر العقود ، وإن كان زمان الفصل فيها أطول ، كان حكمها حكم غيرها في شمول أدلة الوفاء بالعقد لها.

مدفوع بأنّ المنشأ في سائر العقود كالبيع مثلاً ليس هو الملكية في زمان الإنشاء ، وإنما هو الملكية على تقدير القبول ، فإنه مبادلة مال بمال ومعاملة بينهما بالتراضي ، فلا ينشئ البائع الملكية للمشتري سواء أقبل أم لم يقبل. بخلاف الوصيّة حيث إن المنشأ مقيد بالزمان أعني زمان الموت وهو لم يتعلق به الإمضاء ، على ما اختاره الشيخ الأعظم (قدس سره) من أن القبول ناقل لا كاشف ، وما تعلق به لم ينشأ.

فالفرق بين الوصيّة وغيرها ظاهر.

هذا بناءً على القول بالنقل. وأما بناءً على الكشف بأن يحكم بالقبول بالملكية من حين الموت ، فهو لو فرضنا إمكانه وسلمنا صدق العقد عليه ، مخالف لما هو المعهود في

أو شرطاً على وجه الكشف أو النقل فيكون من الإيقاعات (1). ويحتمل قوياً


العقود والمرتكز في الأذهان من تأخر الأثر عن القبول بناءً على اعتباره ، ففرض تحقّق العقد وكون الأثر قبله ، مما لا يمكن المساعدة عليه.

(1) ويرد عليه :

أمّا بناءً على النقل فمضافاً إلى عدم الدليل عليه أنه مخالف لأدلة الوفاء بالعقد كما تقدّم ، فإن المنشأ إنما هو الملكية بعد الموت ، فالالتزام بالملكية بعد القبول ولو على نحو الشرطية مخالف لدليل الإمضاء.

وأمّا بناءً على الكشف فهو وإن كان ممكناً ولم يكن ينافيه دليل الإمضاء ، فإن الإنشاء متعلق بالملكية بعد الموت وبالقبول يحكم بها ، فيكون من الشرط المتأخر لا محالة ، إلّا أنه يحتاج إلى الدليل في مقام الإثبات.

وقد استدلّ عليه في بعض الكلمات بأصالة عدم الانتقال إلى الموصى له بغير القبول. وهذا الأصل لو تمّ فلا بدّ من الالتزام بشرطية القبول ، إلّا أنه مدفوع بإطلاقات أدلة الوصيّة وإن ناقش فيها شيخنا الأعظم (قدس سره) الدالة على نفوذ الوصيّة من غير تقييد بالقبول ، مثل قوله تعالى ( كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ. فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ. فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) (1).

فإنها وإن كان موردها خصوص الوصيّة إلى الوالدين والأقربين ، إلّا أن مقتضى استدلالهم (عليهم السلام) بها في جملة من النصوص على نفوذ وصيّة الموصي على الإطلاق ، هو عدم اختصاصها بموردها ، وإطلاق الحكم لجميع موارد الوصيّة.

بل ويمكن استفادة إطلاقها من الاستثناء ، نظراً إلى أن الوصيّة للوالدين والأقربين بالمعروف لا يكون فيها جنف إطلاقاً.


1) سورة البقرة 2 : 180 182.

.................................................................................................


إذن فالمستفاد من هذه الآية الكريمة وغيرها والنصوص الواردة في المقام ، أن الوصيّة نافذة ولازمة على الإطلاق ومن غير اعتبار لقبول الموصى له ، حيث لم يذكر ذلك في شي‌ء من الآيات والروايات ، ومعه فلا تصل النوبة إلى الأصل.

ثمّ إنه ربّما يستدلّ على اعتبار القبول بما دلّ على سلطنة الناس على أنفسهم ، حيث إن دخول شي‌ء في ملكه قهراً وبغير اختياره ينافي هذه السلطنة ، وثبوت مثله في الإرث والوقف إنما كان بدليل خاص ، فلا مجال للتعدي عنه.

إلّا أنه مدفوع أن هذه الجملة وإن وردت في كلمات الفقهاء ، إلّا أنها لم تذكر في شي‌ء من النصوص ، ولم يدلّ عليها دليل.

اللّهمّ إلّا أن يتمسك لها بقوله تعالى ( قالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلّا نَفْسِي وَأَخِي ) (1).

إلّا أن الاستدلال بها يعتبر من الغرائب ، فإنّها في مقام بيان قدرة موسى (عليه السلام) على تنفيذ أمر اللّه تبارك وتعالى ، وأنه لا قدرة له إلّا على نفسه وأخيه دون سائر بني إسرائيل ، وأين هذا من محلّ كلامنا؟! فالآية أجنبية عن السلطنة على النفس ، ولا يصحّ الاستدلال بها.

على أنا لو فرضنا ورود هذه الجملة في نص معتبر ، فهي لا تدلّ على اعتبار القبول كما هو المدعى ، إذ يكفي في السلطنة قدرته على الرد ، فإنه حينئذ لا تكون الملكية ملكية قهرية ، ولا تنافي سلطنته على نفسه.

نعم ، لو قيل بثبوت الملكية المستقرة غير القابلة للزوال بالرد ، كان هذا القول منافياً لقاعدة السلطنة بناءً على ثبوتها ، إلّا أنها لا قائل بها ولم يذهب إليها أحد ، فإن القائل بعدم اعتبار القبول يرى اعتبار عدم الرد في حصول الملكية لا محالة.

ثمّ إن من غرائب ما ورد في المقام ما استدل به بعضهم على اعتبار القبول ، بأن اعتبار عدم الرد في ملكية الموصى له للموصى به ، ملازم ومساوق لاعتبار القبول. وذلك لأنه لو لم يكن الأمر كذلك ، وكان الموصى له يملك الموصى به بمجرد الموت ، لم يمكنه بالرد إرجاعه إلى ملك الميت ثانياً ، لعدم ثبوت ولاية له تقتضي ذلك.


1) سورة المائدة 5 : 25.

عدم اعتبار القبول فيها (1)، بل يكون الردّ مانعاً (1) وعليه تكون من الإيقاع الصريح.

ودعوى أنه يستلزم الملك القهري ، وهو باطل في غير مثل الإرث. مدفوعة بأنه لا مانع منه عقلاً ، ومقتضى عمومات الوصيّة ذلك ، مع أن الملك القهري موجود في مثل الوقف.


فإنه مندفع بأن الملكية المدعاة في المقام إنما هي الملكية المتزلزلة على ما ذكره الشيخ (قدس سره) ونسب إلى العلامة في التذكرة (2)وهي ليس معناها إلّا ذلك ، أعني ملكية الموصى له ما لم يرد ، فإذا رد كان المال للميت ، من دون حاجة إلى الولاية وما شابهها.

على أن الذي يقول بمانعية الرد يلتزم بكشفه عن عدم الملك من الأوّل ، لا رجوع المال إلى ملك الميت بعد ما كان قد انتقل منه إلى الموصى له.

ويظهر ثمرة القولين في منافع الموصى به. فإنها على الأوّل للموصى له ، حيث إن العين كانت مملوكة له فيتبعها ثمارها في الملكية ، فإذا انتقلت هي عن ملكيته إلى ملكيه الميت ثانياً بقيت منافعها على ملكه لا محالة. وعلى الثاني تكون للميت ، لأنه وبرد الموصى له للوصيّة ينكشف ويظهر بطلانها ، وعلى هذا الأساس تبقى العين هي ومنافعها على ملك الموصي كما كانت.

إذن فالمتحصل مما تقدّم أنه لا دليل على اعتبار القبول في نفوذ الوصيّة ، بل مقتضى إطلاقات الآيات الكريمة والنصوص الواردة في المقام هو نفوذها ، وملكية الموصى له للموصى به من دون حاجة إلى القبول.

(1) بمعنى كشف الردّ عن بطلان الوصيّة وعدم ملكية الموصى له للموصى به ، كما ادعي عليه الإجماع ، وهو غير بعيد. وما اختاره (قدس سره) هو الصحيح.


1) (*) هذا الاحتمال هو الصحيح ، بل لا دليل على كون الرد مانعاً سوى ظهور التسالم عليه فإن تمّ إجمار. وإلّا فلا وجه له أيضاً.

2) انظر تذكرة الفقهاء 2 : 453 و 454.

[3900] مسألة 2 : بناءً على اعتبار القبول في الوصيّة ، يصحّ إيقاعه بعد وفاة الموصي بلا إشكال (1) وقبل وفاته على الأقوى (2).

ولا وجه لما عن جماعة من عدم صحته حال الحياة ، لأنها تمليك بعد الموت فالقبول قبله كالقبول قبل الوصيّة ، فلا محل له ، ولأنه كاشف أو ناقل ، وهما معاً منتفيان حال الحياة. إذ نمنع عدم المحل له ، إذ الإنشاء المعلق على الموت قد حصل


ويؤكِّده ما ورد في موت الموصى له قبل بلوغه خبر الوصيّة من دفع الموصى به لورثته ، فإنه وإن أمكن أن يكون حكماً تعبّدياً ، إلّا أن الظاهر منها أن الدفع إليهم إنما هو باعتبار ملكهم له وكونهم ورثته ، فيكون مؤكداً لعدم الحاجة إلى القبول في حصول الملك.

(1) وبه تلزم الوصيّة لإطلاقات أدلّتها ، ولو التزمنا بتقييدها بالقبول من الموصى له ، فإنّ القبول بعد الموت هو المتيقن كفايته في تحقق الملكية.

(2) وهو المشهور والمعروف بينهم ، ويدلّنا عليه أمران :

الأوّل : إطلاقات أدلة نفوذ الوصيّة. فإن مقتضاها وكما عرفت نفوذ الوصيّة مطلقاً ومن غير اعتبار القبول ، غاية الأمر أننا خرجنا عنها للأصل أو الملازمة أو قاعدة السلطنة واعتبرنا في نفوذها القبول ، إلّا أن هذا لا يقتضي إلّا اعتبار طبيعي القبول ، وأما خصوصيّة كونه بعد الموت فهي تحتاج إلى الدليل وهو مفقود. وحينئذ فالمتبع هو الإطلاق.

الثاني : إطلاقات وعمومات أدلة نفوذ العقود. فإننا وإن ناقشنا في جزئية القبول بعد الوفاة وتحقّق العقد به ، إلّا أنه لا إشكال في تحقّقه به إذا كان في حياة الموصي وذلك لانضمام التزامه بالتزامه ، كما لا يخفى. وحينئذ فلا يبقى مانع من شمول أدلّة نفوذ العقد له ، حتى ولو فرضنا عدم وجود دليل على نفوذ الوصيّة بالخصوص.

نعم ، قد يرد عليه أنه موجب للتعليق ، وهو يضرّ بصحّة العقد.

إلّا أنه مدفوع بأنه لا دليل على اعتبار التنجيز إلّا الإجماع ، ومن الواضح البديهي أنه لا يشمل الوصيّة ، لتقومها بالتعليق.

فيمكن القبول المطابق له (1). والكشف والنقل إنما يكونان بعد تحقّق المعلق عليه فهما في القبول بعد الموت لا مطلقاً (2).


(1) وبعبارة أُخرى نقول : إن الإنشاء على جميع المباني فيه فعلي وغير معلق على شي‌ء ، وإنما التعليق في متعلقه أعني الملكية فإنه المعلق على الوفاة.

وعليه فإذا تعلق به القبول كان معلقاً عليها لا محالة ، فما تعلق به إنشاء الموجب تعلق به قبول القابل أيضاً ، من دون أي اختلاف بينهما.

وعلى هذا الأساس ذكرنا في مبحث اعتبار التنجيز ، أنه لولا الإجماع على اعتباره لقلنا بجواز التعليق في العقود مطلقاً ، وحيث عرفت أن هذا الإجماع لا يشمل المقام فلا يبقى محذور في الحكم بصحتها.

(2) ثمّ إن هناك إشكالاً آخر لم يتعرض إليه الماتن (قدس سره) ، وهو ما ذكره بعضهم من أنه لا خلاف بين الأصحاب في عدم تأثير الرد قبل الموت ، نظراً لعدم تحقق شي‌ء يكون الرد رافعاً له ، حيث إن الملكية إنما تكون بعد الموت لا قبله. وإذا كان الرد غير مؤثر كان القبول كذلك ، للملازمة بين تأثيرهما.

وفيه : أن معنى تأثير الرد في حياة الموصي. إنما هو عدم إيجابه لإلغاء إنشاء الموصي وإسقاطه ، بحيث لا يكون قابلاً للقبول بعده ، وهو ثابت في القبول أيضاً ، فإنه لا يلزم العقد بحيث لا يكون له الرد بعده مع حياة الموصي. فالملازمة بينهما بهذا المعنى ثابتة ولا تقبل الإنكار ، إلّا أنها لا تنفع في إثبات المدعى ، إذ لا ملازمة بين عدم تأثير الرد بالمعنى الذي ذكرناه وعدم كفاية القبول وإن استمر إلى حين الموت ، فهي محض دعوى ولا دليل عليها.

بل إن ما ذكرناه هو مقتضى الجمع بين الأدلة ، وذلك لما عرفت من أن أدلة نفوذ الوصيّة غير مقيدة بشي‌ء. وإنما التزمنا باعتبار القبول على القول به للأصل أو الملازمة أو قاعدة السلطنة ، وبمانعية الرد للإجماع ، وإلّا لقلنا بكونها من الإيقاعات المحضة ، من غير اعتبار القبول أو مانعية الرد.

وعليه فأما بالنسبة إلى مانعية الرد ، فالذي ثبت بالإجماع هو مانعية خصوص

[3901] مسألة 3 : تتضيق الواجبات الموسعة بظهور أمارات الموت (1) مثل


الرد بعد الموت ، وأما الرد في حياته فالمشهور على عدم مانعيته ، بل قيل إنه لا خلاف فيه. ومن هنا فلا يكون مثل هذا الرد مانعاً عن الإيجاب وموجباً لإلغائه.

وأما بالنسبة إلى القبول ، فلأنا لو سلمنا اعتباره فدليله لا يقتضي إلّا اعتبار القبول في الجملة ، وأما اعتبار كونه بعد الموت فلا دليل عليه.

ثمّ إن الملازمة بالمعنى الذي ذكرناه ، أعني إذا كان الرد غير مبطل للإيجاب فالقبول غير ملزم للعقد ، إنما تختص بالمقام باعتبار أن الملكية غير حاصلة والعقد جائز ، ولا تثبت في غيره كموارد العقد الفضولي. إذ قد عرفت في محله أن رد من بيده الأمر للعقد لا يمنع من لحوق القبول ، في حين إن إجازته موجبة للزوم العقد ونفوذه.

بل الحكم كذلك في سائر العقود. فلو تحقق الإيجاب من البائع ، ورده المشتري ثم قبله قبل فوات الموالاة ، صحّ البيع. وهكذا الحال في غير البيع من العقود.

ثمّ إن الاستدلال بالملازمة إنما هو مبني على ما ذهب إليه المشهور ، من عدم تأثير الرد في حال حياة الموصي ، فلا يتم بناءً على ما سيجي‌ء من الماتن (قدس سره) في المسألة الرابعة من مانعية الردّ حال الحياة كما نعيته بعده ، لأن مقتضاه كون القبول نافذاً أيضاً.

إلّا أن الصحيح على ما سيأتي هو ما ذهب إليه المشهور.

(1) مقتضى ما سيأتي من الدليل على هذا الحكم ، عدم اختصاصه بفرض ظهور أمارات الموت ، أو حصول الظن به ، بل يكفي فيه مجرد احتماله. فما ذكره (قدس سره) لا خصوصيّة فيه ، ولا دليل على حجيته بالخصوص.

نعم ، قد يستدل له بالإجماع القولي والعملي على جواز التأخير ، مع عدم الظن بالضيق.

إلّا أنه مدفوع بأن الإجماع القولي لم يثبت جزماً ، وكذلك الإجماع العملي ، إذ لم يثبت لدينا تأخير الصالحين من المتشرعة والذين يهمّهم أمر دينهم لأعمالهم حتى مع احتمالهم للفوت.

قضاء الصلوات ، والصيام ، والنذور المطلقة ، والكفارات ، ونحوها. فيجب (1) المبادرة إلى إتيانها مع الإمكان. ومع عدمه يجب الوصيّة بها ، سواء فات لعذر أو لا لعذر ، لوجوب تفريغ الذمّة بما أمكن في حال الحياة ، وإن لم يجز فيها النيابة فبعد الموت تجري فيها ، ويجب التفريغ بها بالإيصاء.

وكذا يجب ردّ أعيان أموال الناس التي كانت عنده (2) كالوديعة والعارية ومال المضاربة ونحوها ، ومع عدم الإمكان يجب الوصيّة بها.


(1) لحكم العقل بوجوب تفريغ الذمّة يقيناً بعد اشتغالها كذلك. أما مباشرة مع التمكّن ، أو بالنيابة في موارد جوازها ، أو الوصيّة فيما إذا لم يتمكّن من التفريغ حال الحياة. فإنّ العقل بعد الالتفات إلى احتمال طرو ما يمنع من امتثال أمر المولى الثابت في الذمّة ، من موت أو نوم مستغرق للوقت أو غيرهما ، لا يحكم بالتخيير بالنسبة إلى الأفراد الطولية للواجب ، وحينئذ فيلزم المكلف الإتيان به فوراً ، حيث لا عذر له في التأخير.

والحاصل أنه إذا تيقّن المكلف أو اطمأن بتمكنه من امتثال الأمر في الأفراد الطولية المتأخرة ، أو قام الدليل على جواز التأخير فهو ، وإلّا فمجرّد احتمال العجز عنه يكفي في لزوم الإتيان به فوراً ، تحصيلاً للفراغ اليقيني. فإنّ حكم العقل بالتخيير بين الأفراد الطولية وجواز التأخير واختيار الفرد المتأخر ، يختص بما إذا أحرز التمكن من ذلك ليكون محرزاً للتمكن من تفريغ الذمّة يقيناً ، ومع عدم الإحراز المزبور واحتمال طرو المانع ، تسقط تلك الأفراد عن الطرفية ، للتخيير العقلي المذكور.

(2) ما أفاده (قدس سره) لا يمكن المساعدة على إطلاقه ، وذلك لأن عنوان الأمانة إنما يقتضي لزوم حفظها. وعليه فإذا كانت العين محفوطة على التقديرين حياته وموته وعلم الأمين بعدم خيانة ورثته وأدائهم للأمانات إلى أربابها ، فلا وجه للالتزام بوجوب الرد.

نعم ، يتمّ ما ذكره (قدس سره) في عكسه ، أي فيما إذا لم يعلم بعدم خيانة ورثته ففي مثله يلزمه الإيصال إلى المال ، لاقتضاء لزوم حفظ الأمانة ذلك ، بلا فرق بين الأمانة

وكذا يجب أداء ديون الناس الحالّة (1). ومع عدم الإمكان ، أو مع كونها مؤجلة ، يجب الوصيّة بها (2) إلّا إذا كانت معلومة ، أو موثقة بالإسناد المعتبرة.

وكذا إذا كان عليه زكاة أو خمس أو نحو ذلك ، فإنه يجب عليه أداؤها أو الوصيّة بها.

ولا فرق فيما ذكر بين ما لو كانت له تركة أو لا ، إذا احتمل وجود متبرِّع أو أداءها من بيت المال.

[3902] مسألة 4 : ردّ الموصى له للوصيّة مبطل لها (3) إذا كان قبل حصول الملكية (1)، وإذا كان بعد حصولها لا يكون مبطلاً لها.


الشرعية والأمانة المالكية.

(1) لم يظهر لنا وجه ذلك. فإنه إن كان مطالباً بها من قبل المالك فعلاً وجب عليه أداؤها ، سواء أظهرت عنده أمارات الموت أم لم تظهر ، كان مطمئناً بالبقاء أم لم يكن لحرمة حبس حق الغير عنه ، بل هو من الكبائر ، وإلّا فلا وجه لوجوب أدائها.

وما قيل من أن بقاءها حينئذ عنده وعدم دفعها إلى أربابها ، تصرّف في مال الغير بغير إذنه ، أو حبس للحق عن مالكه ، وكلاهما حرام بل يعدّان من الكبائر.

مدفوع بأن التصرف يتوقّف على تقليب المال ، فلا يشمل البقاء في الذمّة ، فإنه باق على حاله ولا يعدّ تصرّفاً. كما أن البقاء إذا كان مستنداً إلى عدم مطالبة المالك ، لم يعتبر حبساً للحق عن مالكه.

بل يمكن دعوى قيام السيرة القطعية عليه ، فإنه لا يبادر المديون إلى أدائها ما لم يطالبه المالك ، كما هو الحال في مهور الزوجات.

(2) لتوقف أدائها فيما بعد عليها ، فتجب من جهة لزوم تفريغ الذمّة.

(3) على تفصيل ستعرفه في التعليقات القادمة.


1) (*) المعروف بينهم أنّ رد الوصيّة حال حياة الموصي لا يبطلها ، وهو الصحيح ، وقد عرفت حاله بعد الموت وقبل القبول [في التعليقة المتقدِّمة] ، وأمّا الرد في سائر العقود فالظاهر أنه لا يبطلها ، فلو قبل بعده صحّت ، بل الأمر كذلك في العقد الفضولي أيضاً إن لم يقم إجماع على خلافه.

فعلى هذا إذا كان الردّ منه بعد الموت وقبل القبول ، أو بعد القبول الواقع حال حياة الموصي مع كون الردّ أيضاً كذلك ، يكون مبطلاً لها (1) لعدم حصول الملكية بعد.

وإذا كان بعد الموت وبعد القبول لا يكون مبطلاً ، سواء كان القبول بعد الموت أيضاً أو قبله ، وسواء كان قبل القبض أو بعده ، بناءً على الأقوى من عدم اشتراط القبض في صحتها ، لعدم الدليل على اعتباره (2) وذلك لحصول الملكية حينئذ له ، فلا تزول بالرد. ولا دليل على كون الوصيّة جائزة بعد تماميتها بالنسبة إلى الموصى له ، كما أنها جائزة بالنسبة إلى الموصي ، حيث إنه يجوز له الرجوع في وصيّته ، كما سيأتي.

وظاهر كلمات العلماء حيث حكموا ببطلانها بالردّ عدم صحّة القبول بعده ، لأنه عندهم مبطل للإيجاب الصادر من الموصي. كما أن الأمر كذلك في سائر العقود


(1) وهو إنّما يتمّ بالنسبة إلى الصورة الأُولى خاصة حيث إن الإجماع بقسميه قائم على مانعيّته ، دون الصورة الثانية حيث لا إجماع على مانعيته فيها ، بل الشهرة التي تكاد تبلغ الإجماع إذ لم ينسب الخلاف إلّا إلى شاذ على عدمها ، وحينئذ فمقتضى إطلاقات أدلة نفوذ الوصيّة صحتها في هذه الصورة.

(2) ومقتضى إطلاقات أدلّة نفوذها صحّتها ، سواء أقبض الموصى له للموصى به أم لم يقبض ، فإنها تامّة وسالمة عن المعارض.

ولو تنزلنا ووافقنا الشيخ الأعظم (قدس سره) في عدم تمامية الإطلاق بالنسبة إلى اعتبار القبول ، وقلنا بجريان استصحاب عدم الملكية قبله ، فلا نسلم به في غيره كالقبض ، فإن الإطلاقات بالنسبة إليه تامة ومحكمة. ومن هنا فلا مجال للتمسك بالأصل.

وأمّا قياس الوصيّة بالهبة والوقف ، حيث يعتبر في صحّتهما القبض مع أنهما تنجيزيان والوصيّة تعليقية ، فقياس مع الفارق ، فإنها إيقاع محض ، ولا موجب لرفع اليد عن إطلاقاتها من غير مقيد.

حيث إن الردّ بعد الإيجاب يبطله وإن رجع وقبل بلا تأخير. وكما في إجازة الفضولي ، حيث إنها لا تصحّ بعد الردّ. لكن لا يخلو عن إشكال إذا كان الموصي باقياً على إيجابه. بل في سائر العقود أيضاً مشكل (1) إن لم يكن إجماع ، خصوصاً في الفضولي ، حيث إنّ مقتضى بعض الأخبار صحّتها ولو بعد الردّ. ودعوى عدم صدق المعاهدة عرفاً إذا كان القبول بعد الردّ ، ممنوعة.


(1) ما ذكره (قدس سره) وإن كان صحيحاً بالنسبة إلى سائر العقود ، لما تقدّم من عدم الدليل على إبطال ردّ الطرف الثاني لإيجاب الطرف الأوّل ، بل يصدق العقد والمعاهدة عليه فيما إذا كان الموجب باقياً على التزامه ، وحينئذ فلا مانع من التمسك بإطلاقات وعمومات أدلّة الصحّة والنفوذ.

وكذلك الحال في العقد الفضولي ، حيث إن الرد فيه لا يكون مانعاً من الإجازة بعده ، بل ربّما يستفاد ذلك من صحيحة محمد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : «قضى في وليدة باعها ابن سيدها وأبوه غائب ، فاشتراها رجل فولدت منه غلاماً ، ثمّ قدم سيدها الأوّل فخاصم سيدها الأخير فقال : هذه وليدتي باعها ابني بغير إذني ، فقال : خذ وليدتك وابنها ، فناشده المشتري ، فقال : خذ ابنه يعني الذي باع الوليدة حتى ينفذ لك ما باعك ، فلما أخذ البيع الابن قال أبوه : أرسل ابني ، فقال : لا أُرسل ابنك حتى ترسل ابني ، فلما رأى ذلك سيد الوليدة الأوّل أجاز بيع ابنه» (1).

إلّا أن قياس الوصيّة عليها قياس مع الفارق ، لأن أدلتها ظاهرة في كونها إيقاعاً كما عرفت ، وعليه فلا حاجة إلى القبول ولا أثر للرد بل بها يحصل الملك القهري ، ولذا ورد في الأخبار أنه لو مات قبل بلوغه الخبر دفع الموصى به إلى ورثته ، وإنما خرجنا عن ذلك في خصوص الرد للإجماع على مانعيته بعد الموت.

ومن هنا فإن لم يتمّ هذا الإجماع فعدم مانعية الرد واضح ، وإلّا كما هو الصحيح -


1) الوسائل ، ج 21 كتاب النكاح ، أبواب نكاح العبيد والإماء ، ب 88 ح 1.

ثمّ إنهم ذكروا أنه لو كان القبول بعد الردّ الواقع حال الحياة صحّ. وهو أيضاً مشكل (1) على ما ذكروه من كونه مبطلاً للإيجاب ، إذ لا فرق حينئذ بين ما كان في حال الحياة أو بعد الموت. إلّا إذا قلنا : إن الردّ والقبول لا أثر لهما حال الحياة وإن محلّهما إنما هو بعد الموت ، وهو محل منع (2).


فلا وجه للحكم بصحّة الوصيّة بعد القبول ، بل يتعين الحكم ببطلانها ، نظراً لارتفاع التزام الموصي عند القبول ، فإن الميت لا التزام له.

وبعبارة اخرى : إن الموصي إنما أنشأ الملكية بعد الموت والتزم به إلى حين وفاته وأمّا بعد وفاته فلا التزام له لعدم قابلية الميت له. وحينئذ فإن التزمنا بثبوت الملكية قهراً ، سواء أقبل الموصى له أم لم يقبل لإطلاقات الأدلة فلا أثر للردّ أصلاً. وإن خرجنا عنها وقلنا باعتبار عدم الردّ للإجماع ، فالردّ يبطل ذلك الالتزام ، وحين القبول يحتاج إلى التزام جديد ، وهو ممتنع نظراً لموته.

فالصحيح في المقام هو التفصيل بين الوصيّة وغيرها. ففي غيرها يحكم بصحته مع بقاء الموجب على التزامه ، وبطلانه مع عدمه. وفيها بالبطلان ، بناءً على القول بمانعية الرد ، كما هو الصحيح.

(1) لا وجه للاستشكال فيه ، بعد ما عرفت من أن مقتضى إطلاقات أدلّة الوصيّة نفوذها مطلقاً ، من دون اعتبار للقبول أو تأثير الرد ، وإنما خرجنا عنها في خصوص الرد المتأخر عن الوفاة للإجماع. وحيث لا دليل على مانعية الرد حال الحياة ، إذ لا إجماع عليها بل الشهرة على خلافها ، فلا مانع من التمسك بإطلاقات أدلة نفوذ الوصيّة ، ومقتضاها الحكم بصحتها.

ولا يقاس ما نحن فيه بغيره من العقود ، فإنها مؤلفة من الإيجاب والقبول ، فيمكن أن يقال وإن لم نرتضه - : إن الردّ يقطع اتصال القبول بالإيجاب ويمنع منه. وأما ما نحن فيه فقد عرفت أنه إيقاع ولا يحتاج إلى القبول ، فلا وجه للقول بمنع الرد للاتصال بينهما.

(2) في القبول خاصة على ما تقدّم بيانه في المسألة الثانية دون الرد ، حيث قد

[3903] مسألة 5 : لو أوصى له بشيئين بإيجاب واحد ، فقبل الموصى له أحدهما دون الآخر ، صحّ فيما قبل ، وبطل فيما ردّ (1). وكذا لو أوصى له بشي‌ء فقبل بعضه مشاعاً أو مفروزاً وردّ بعضه الآخر. وإن لم نقل بصحّة مثل ذلك في البيع ونحوه. بدعوى عدم التطابق حينئذ بين الإيجاب والقبول ، لأن مقتضى القاعدة الصحّة في البيع أيضاً إن لم يكن إجماع. ودعوى عدم التطابق ممنوعة.


عرفت فيما تقدّم اختصاص دليل المانعية أعني الإجماع بالرد المتأخر عن الوفاة وأما ما يكون في حياة الموصي فلا أثر له ، لعدم الدليل عليه.

(1) الكلام في هذه المسألة يقع في مقامين :

الأوّل : في غير الوصيّة من العقود.

الثاني : في الوصيّة.

أما المقام الأوّل : فقد ذكر الأصحاب أنّ الحكم فيه البطلان ، لاعتبار التطابق بين الإيجاب والقبول ، وإلّا لم يحصل معنى العقد ولم يتحقق مفهومه ، فإنه وكما عرفت عبارة عن ضم التزام بالتزام وربط تعهد بتعهد.

إلّا أنه إنما يتم فيما لو لوحظ الاثنان بما هما واحد ، كمصراعي الباب والحذاء والجورب مما لهما وحدة عرفية ، حيث يكون بيع كل منهما مشروطاً بقبول المشتري لبيع الآخر. فإذا قبل المشتري شراء أحدهما دون الآخر حكم ببطلانه ، لأن ما أنشأه البائع أعني البيع المشروط لم يقبله المشتري ، وما قبله المشتري أعني البيع غير المشروط لم ينشئه البائع. فلم يرد الالتزامان على شي‌ء واحد ، ولم يتحقق انضمام أحدهما إلى الآخر ، وهذا هو معنى عدم التطابق بين الإيجاب والقبول.

وأمّا إذا لم يكونا كذلك ، بأن كان المقصود تمليك كل منهما مستقلا وبثمن معين ، إلّا أنه قد جمع بينهما في مقام الإبراز خاصة ، فلا مانع من الحكم بصحّة ما قبله ، وذلك لصدق المعاقدة والمعاهدة عليه إذ المفروض عدم ارتباط أحدهما بالآخر ، فإنهما بيعان مستقلّان من غير اشتراط أحدهما بقبول الآخر. ومن هنا فقبول كلّ منهما يكون مطابقاً لإيجابه لا محالة ، وبه يتحقّق مفهوم العقد ، فتشمله أدلّة الصحّة.

نعم ، لو علم من حال الموصي إرادته تمليك المجموع من حيث المجموع ، لم يصحّ التبعيض (1)(1).


والحاصل أن العبرة في صحّة العقد في المقام إنما هو بالتطابق بين الإيجاب والقبول فإذا تحقق حكم بصحته وإن بطل الآخر ، لعدم الارتباط بينهما ، وإلّا فيحكم ببطلانه.

وأمّا المقام الثاني : فإن كانت الوصيّة من قبيل القسم الثاني من العقود ، بأن كان مقصود الموصي تمليك الموصى له كلّاً من الأمرين مستقلا ومن غير تقييد بالآخر وإنما جمع بينهما في الإبراز خاصّة ، فلا ينبغي الإشكال في صحّتها بالنسبة إلى ما قبله بناءً على اعتبار القبول ، أو ما لم يرده بناءً على ما اخترناه ، وبطلانها بالنسبة إلى ما ردّه ، نظراً لكونها في حكم الوصيتين.

وإن كانت من قبيل القسم الأوّل ، بأن كان تمليك كل منهما بشرط قبول الموصى له للآخر بوصف المعية ، فالظاهر هو الحكم بصحّة ما قبله أيضاً.

ولا تقاس الوصيّة بالبيع وغيره من العقود حيث يعتبر فيه التطابق بين الإيجاب والقبول ، فإنّها ليست من العقود ، سواء اعتبرنا القبول أم لم نعتبره. أما على الثاني فواضح ، لأنها إيقاع محض. وأمّا على الأوّل فلما عرفت من أنه لا معنى لاعتباره إلّا كونه شرطاً ، كاشفاً أو ناقلاً وعليه فليس هو ركناً وطرفاً للعقد ، كي يعتبر التطابق بينه وبين الإيجاب.

نعم ، غاية ما يحصل عند ردّ الموصى له بعض الموصى به هو تخلّف الشرط وحينئذ فيثبت للموصي الخيار ، وحيث إنه ميت ينتقل إلى ورثته ، لأنه حق فيدخل فيما تركه.

والحاصل أن قياس الوصيّة التي هي من الإيقاع على سائر العقود في اعتبار التطابق بين الإيجاب والقبول ، قياس مع الفارق ، والفرق بينهما واضح.

(1) قد عرفت الحال فيه مما تقدّم. فإنّ المجموع من حيث هو مجموع لا يصحّ


1) (*) بل صحّ فيه أيضاً ، فإنّ تمليك المجموع من حيث إنّه مجموع لا محصل له ، إلّا أن يكون قبول الوصيّة في كل جزء أو عدم ردّها على القول بالاعتبار شرطاً في الوصيّة بالجزء الآخر ، وعليه فلا يترتّب على التخلّف إلّا الخيار دون البطلان.

[3904] مسألة 6 : لا يجوز للورثة التصرف في العين الموصى بها ، قبل أن يختار الموصى له أحد الأمرين من القبول أو الردّ (1). وليس لهم إجباره على اختيار أحدهما معجّلاً (2) إلّا إذا كان تأخيره موجباً للضرر عليهم ، فيجبره الحاكم


تمليكه ، فإنه أمر انتزاعي لا وجود له في الخارج ، فالمراد به هو تمليك أحدهما بشرط معيّته للآخر. ومقتضى تخلفه برد الموصى له لأحدهما ، هو ثبوت الخيار للموصي ، لا بطلان الوصيّة من رأس.

(1) لعدم كونها ملكاً لهم بالفعل ، فإنها بعد موت الموصي إما ملك للموصى له وإما ملك للموصي. فإنها ملك للموصى له على تقدير عدم الرد أو القبول بناءً على الكشف ، وملك للميت على تقدير الرد أو القبول بناءً على النقل.

وكيف كان ، فليس للورثة التصرف فيها. أما على التقدير الأوّل واضح. وأما على التقدير الثاني فلتأخر الإرث عن الوصيّة ، كما دلّت عليه الآية الكريمة صريحاً.

ومن هنا يظهر ما في القول بجوازه ، ظاهراً لاستصحاب عدم القبول المترتب عليه جواز التصرف بناءً على الكشف ، أو واقعاً بناءً على كون القبول ناقلاً. فإن المال فعلاً ليس لهم ولم ينتقل إليهم ، وإنما هو باقٍ على ملك الميت ، لتأخر الإرث عن الوصيّة.

والحاصل أنه ما لم يتحقق الرد من الموصى له لم ينتقل المال إليهم ، ولا يجوز لهم التصرف فيه لا ظاهراً ولا واقعاً. فإن الوصيّة وإن لم تنفذ بعد ، لعدم تحقق شرطها وهو القبول أو عدم الرد ، إلّا أنه يصدق على المال الموصى به أنه مال وصيّة ، فتشمله الآية المباركة. أما بقاؤه على ملك الميت ، فلأنه لما لم ينتقل إلى الموصى له لعدم نفوذ الوصيّة بعد ، ولا إلى الورثة لاستثناء مال الوصيّة عن حكم الإرث ، ولم يمكن بقاء المال بلا مالك ، فلا محيص عن كونه باقياً على ملك الميت ، ولا مانع من الالتزام به كما هو الحال في ملكه للثلث بالوصيّة.

(2) لعدم كونها ملكاً لهم.

حينئذ على اختيار أحدهما (1)(1).

[3905] مسألة 7 : إذا مات الموصى له قبل القبول أو الرد ، فالمشهور قيام وارثه مقامه في ذلك (2). فله القبول إذا لم يرجع الموصي عن وصيّته ، من غير فرق بين كون موته في حياة الموصي أو بعد موته ، وبين علم الموصي بموته وعدمه.

وقيل بالبطلان بموته قبل القبول.

وقيل بالتفصيل بين ما إذا علم أن غرض الموصي خصوص الموصى له فتبطل وبين غيره فلورثته.


(1) وفيه : أنه بعد فرض عدم انتقال المال إليهم لتأخر الإرث عن الوصيّة ، لا يمكن تصور الضرر في حقهم حتى ولو طالت المدة ما طالت.

نعم ، بتأخير الرد يفوت عليهم الانتفاع بها ، إلّا أنه لا دليل على لزوم إيجاد سبب الانتفاع لهم.

(2) الكلام في هذه المسألة يقع في مقامين :

الأوّل : في موت الموصى له في حياة الموصي.

الثاني : في موته بعد وفاة الموصي.

أمّا المقام الأوّل : فلا ينبغي الشك في كون مقتضى القاعدة فيه البطلان ، لأن المنشأ من قبل الموصي إنما هو ملكية الموصى له بعد موته الموصي وهذا غير قابل للتحقق في الخارج ، نظراً لسقوط الموصى له بموته عن قابليته للملك.

لكن ومع ذلك ذهب المشهور إلى الصحّة وانتقال الوصيّة إلى الورثة.

واستدل عليه بوجوه :

الوجه الأوّل : أن القبول حق للموصى له ، فينتقل بموته إلى ورثته.


1) (*) لا وجه له ولو قلنا باعتبار القبول في صحّة الوصيّة ، إذ لا ضرر على الورثة في التأخير غاية الأمر أنه يفوت عليهم الانتفاع على تقدير تأخير الرد.

والقول الأوّل وإن كان على خلاف القاعدة مطلقاً بناءً على اعتبار القبول في صحّتها لأن المفروض أن الإيجاب مختص بالموصى له. وكون قبول الوارث بمنزلة قبوله ممنوع. كما أن دعوى انتقال حق القبول إلى الوارث أيضاً محل منع صغرى وكبرى ، لمنع كونه حقاً ، ومنع كون كل حق منتقلاً إلى الوارث حتى مثل ما نحن فيه من الحق الخاص به ، الذي لا يصدق كونه من تركته.

وعلى ما قوينا من عدم اعتبار القبول فيها ، بل كون الرد مانعا أيضاً ، يكون الحكم على خلاف القاعدة في خصوص صورة موته قبل موت الموصى له ، لعدم ملكيته في حياة الموصي.


ويرده ما ذكره الماتن (قدس سره) من منعه صغرى وكبرى. إذ ليس كل ما يجوز للإنسان أن يفعله يعدّ من الحقوق ، بل حال القبول هنا حال سائر الأُمور السائغة له وكالقبول في سائر المعاملات. فإن الحق عبارة عن حكم تكليفي محض أو وضعي محض يتعلق دائماً بفعل الإنسان نفسه قابل للإسقاط ، فكل حكم تكليفي أو وضعي قابل للإسقاط فهو حق بالمعنى المصطلح وكل حكم كذلك لا يقبل الإسقاط وليس أمره بيد المكلف فهو حكم بالمعنى الذي يقابل الحق.

بيان ذلك : أن الملكية التي هي في قبال الحكم التكليفي قد تتعلّق بالأعيان الخارجية ، أو في الذمّة ، وقد تتعلق بالمنافع ، سواء أكانت من قبيل الأعمال الخارجية أم كانت قائمة بعين خارجي كسكنى الدار وركوب الدابة. ولا تتعلق بفعل الإنسان نفسه ، فإنه ليس من الملكية بالمعنى المصطلح ، وإن كان منها بمعنى السلطنة.

وأما الحقوق فهي تتعلق دائماً بفعل من له الحق نفسه ، وقد يكون من عليه الحق معيّناً كحق الشفعة والخيار ، وقد لا يكون كذلك كحق التحجير ، حيث إن من عليه الحق إنما هو جميع البشر. ولكن على كلا التقديرين ، لا يكون الحق إلّا حكماً متعلقاً بفعل نفس من له الحق.

والفرق بينه وبين سائر الأحكام ، أن من له الحق له إسقاطه إذا شاء ، وهو بخلاف سائر الأحكام ، وإلّا فليس هناك أي فرق بينهما.

لكن الأقوى مع ذلك هو إطلاق الصحّة كما هو المشهور ، وذلك لصحيحة محمّد بن قيس الصريحة في ذلك ، حتى في صورة موته في حياة الموصي ، المؤيّدة


والذي يدلنا على ذلك أنا لا نرى أي فرق بين جواز قتل القاتل عمداً قصاصاً وجواز قتل الكافر الحربي ، وكذا جواز الفسخ في البيع الخياري وجواز الفسخ في الهبة لغير الرحم ، ومثله اللزوم الحقي كالبيع واللزوم الحكمي كالنكاح.

فإنه لا فرق بين هذه الأحكام من أي جهة من الجهات كانت ، سوى أن الأوّل منها قابل للإسقاط ، سواء بالعفو ، أو إسقاط الخيارات ، أو الإقالة. بخلاف الثاني حيث إن أمره ليس بيد المكلف وليس له إسقاطه ، اتفق مع الطرف الآخر أم لم يتّفق فإنّ النكاح مثلاً لا يرتفع بتواطؤ الزوجين عليه بل لا بدّ من الطلاق ، أو سائر الأسباب الموجبة لرفعه.

والحاصل أن الحق ليس شيئاً وراء الحكم الشرعي التكليفي أو الوضعي وإنما هو هو بعينه ، غاية الأمر أنه متعلق بفعل الإنسان نفسه وقابل للإسقاط من قبله وليس هو مرتبة ضعيفة من الملكية.

فإن قلت : إن الحكم الشرعي كيف يمكن انتقاله إلى الورثة بالإرث.

قلت : إن ذلك لا يختص بما ذكرناه بل يجري على جميع التقادير في الحق ، فإنه بأي معنى كان حتى ولو بمعنى الملكية يختلف عن سائر الأموال في الإرث. فإن الإرث في غيره إنما يكون في المال لا في الملكية التي هي أمر اعتباري ، إذ الذي ينتقل إلى الورثة بعد الديون والوصايا إنما هو أموال الميت بما فيها المنافع والأعمال المملوكة له والتي يعبر عنها في الاصطلاح ب- «ما ترك» حيث يوجد للورثة ملكية جديدة بعد زوال ملكية الميت عنها.

وهذا بخلاف الحق ، فإنه وبعد أن لم يكن من الأعيان الخارجية أو المنافع ، حيث إنه ليس من الموجودات التكوينية من الجواهر أو الأعراض ، وإنما هو محض اعتبار شرعي أو عقلائي على جميع معانيه ، يكون المنتقل إليهم نفس المعتبر بهذا الاعتبار لا محالة.

.................................................................................................


والحاصل أن الحق يغاير غيره في الإرث. فإن المنتقل إلى الورثة في غيره إنما هو نفس المال الذي تتعلق به الملكية ، وأما نفس الملكية فهي لا تقبل الانتقال. في حين إن المنتقل فيه إنما هو نفس الحق ، والمعتبر بالاعتبار الشرعي أو العقلائي.

ومما تقدّم يتضح ما أفاده الماتن (قدس سره) من منع كون قبول الوصيّة حقّا ، لأنها ليست إلّا إنشاء لملكية الموصى له بعد وفاة الموصي ، وقبول ذلك على تقدير القول باعتباره كالقبول في سائر العقود ، بل كسائر الأفعال المباحة كالقيام والجلوس ، محكوم بالجواز الحكمي ولا يكون من الحقوق في شي‌ء.

ومع غض النظر عن ذلك ، فإن ثبوت الحق إما أن يكون بجعل من الشارع كحق الشفعة والتحجير ، وإما أن يكون بجعل من المكلف وإمضاء الشارع له كالخيار في العقود. والحق المدعى في المقام ليس من أحدهما ، فإن الذي أنشأه الموصي ليس إلّا الملكية بعد الموت ، والذي أمضاه الشارع هو الملكية بعد الموت أيضاً. نعم ، اعتبر القبول في نفوذ الوصيّة بناءً على القول به ، للإجماع. ولا شي‌ء من ذلك يقتضي كونه حقّا له.

ثمّ إنا إذا تنزلنا وبنينا على أنه حق للموصي ، فإن مثل هذا الحق غير قابل للانتقال إلى الورثة. وكبرى قابلية كل حق للانتقال إلى الوارث ممنوعة ، فإن منه ما يقوم بذي الحق نفسه ، فلا يقبل الانتقال إلى غيره. والقبول من هذا القبيل ، فإن الوارث لا يمكنه القبول لنفسه ، لأن الموصي لم ينشئ ذلك ، ولا يمكنه القبول للموصى له ، لأنه غير قابل للملكية.

الوجه الثاني : ما ذكره بعضهم من أن مقتضى إطلاقات الوصيّة نفوذها ، سواء أتعقّبها القبول أم لم يتعقّبها ، إلّا أننا قد خرجنا عنها بالإجماع على اعتبار القبول وحيث إن الإجماع دليل لبي فلا بدّ من الاقتصار فيه على القدر المتيقّن منه ، وهو القبول في الجملة والأعم من قبول الموصى له هو وقبول ورثته ، فيحكم عند تحقّقها بصحّتها لا محالة.

وفيه : أنه إنما يتم على تقدير كون موت الموصى له بعد موت الموصي وقبل قبوله والقول بكون القبول كاشفاً. فيقال حينئذ : إن قبول الوارث كافٍ ، لأن الإجماع إنما

.................................................................................................


قام على اعتبار القبول في الجملة.

وأما لو كان موته في حياة الموصي كما هو مفروض الكلام ، فلا معنى لقيام ورثته مقامه ، بعد أن لم يكن هو قابلاً للملكية نتيجة للموت.

ومنه يظهر الحال فيما لو كان موته بعد موت الموصي ، لكن قلنا بكون القبول ناقلاً فإنّه لا أثر له من الورثة ، إذ المنشأ إنما هو ملكية الموصى له بعد الموت ، وهو غير قابل لها بالفعل.

الوجه الثالث : صحيحة محمّد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) ، قال : «قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في رجل أوصى لآخر والموصى له غائب ، فتوفي الموصى له الذي أوصى له قبل الموصي ، قال : الوصيّة لوارث الذي أوصى له ، قال : ومن أوصى لأحد شاهداً كان أو غائباً ، فتوفي الموصى له قبل الموصي ، فالوصيّة لوارث الذي أوصى له ، إلّا أن يرجع في وصيّته قبل موته» (1). فإنها صحيحة سنداً وصريحة دلالة.

ودعوى أن اشتراك محمد بن قيس بين الثقة والضعيف ، يمنع من الحكم بصحتها والأخذ بها.

مدفوعة بأن الذي يروي قضاء أمير المؤمنين (عليه السلام) عن أبي جعفر (عليه السلام) ويروي عنه عاصم بن حميد ، إنما هو الثقة ، على ما حقق في محله من الرجال (2).

ويؤيدها أوّلاً : صحيحة العباس بن عامر ، قال : سألته عن رجل أوصي له بوصيّة ، فمات قبل أن يقبضها ولم يترك عقباً؟ قال : «أطلب له وارثاً أو مولى فادفعها إليه». قلت : فإن لم أعلم له ولياً؟ قال : «اجهد على أن تقدر له على ولي ، فإن لم تجد وعلم اللّه منك الجدّ فتصدق بها» (3).


1) الوسائل ، ج 19 كتاب الوصايا ، ب 30 ح 1.

2) معجم رجال الحديث 9 : 180 رقم 6054.

3) الوسائل ، ج 19 كتاب الوصايا ، ب 30 ح 2.

بخبر الساباطي وصحيح المثنى. ولا يعارضها صحيحتا محمد بن مسلم ومنصور ابن حازم بعد إعراض المشهور عنهما ، وإمكان حملها على بعض المحامل منها التقيّة ، لأن المعروف بينهم عدم الصحّة.


ووجه جعلها مؤيدة التردد في المراد بالقبض. فإن المراد به إن كان هو القبض الخارجي فقط ، فالرواية أجنبية عن محل الكلام ، فإن الظاهر حينئذ أن الموصى له كان له أن يقبض ولكنه مات قبل قبضه ، وعليه فحياة الموصى له وموت الموصي مفروغ عنهما. وأما إن كان المراد به هو القبول ، كما هو ليس ببعيد من جهة أن القبول غالباً ما يكون به ، فهي بترك الاستفصال وعدم السؤال عن أن موت الموصى له كان بعد موت الموصي أو قبله ، تدلّ على المدعى.

وأمّا المناقشة في سندها من جهة أن المذكور في الكافي وإن كان رواية العباس بن عامر عن الإمام (عليه السلام) بلا واسطة (1)إلّا انها لم تثبت. فإن الصدوق والشيخ روياها عن العباس بن عامر ، عن المثنى ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (2)وحيث إن المثنى هذا مجهول ، فلا مجال للحكم بصحّتها.

مدفوعة بأن الظاهر أن المثنى هذا هو عبد السلام ، كما صرح به في تفسير العيّاشي (3)وهو ثقة.

على أنه لو تمّ التردّد ، فهو مردّد بين المثنى بن عبد السلام ، والمثنى بن الوليد وكلاهما ثقة على ما ذكره الكشي عن مشايخه (4).

ثانياً : رواية محمد بن عمر الباهلي (الساباطي) ، قال : سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل أوصى إليّ وأمرني أن اعطي عماً له في كل سنة شيئاً ، فمات العم؟

فكتب : «أعط ورثته» (5). فإنها بترك الاستفصال ، تدلّ على عموم الحكم لصورة


1) الكافي 7 : 13.

2) التهذيب 9 : 231 / 905 ، الاستبصار 4 : 138 / 517 ، الفقيه 4 : 156 / 542.

3) تفسير العياشي 1 : 77 / 171.

4) رجال الكشي : 338 رقم 623.

5) الوسائل ، ج 19 كتاب الوصايا ، ب 30 ح 3.

نعم ، يمكن دعوى انصراف الصحيحة عمّا إذا علم كون غرض الموصي خصوص شخص الموصى له على وجه التقييد. بل ربّما يقال : إنّ محل الخلاف غير هذه الصورة. لكن الانصراف ممنوع ، وعلى فرضه يختص الإشكال بما إذا كان موته قبل موت الموصي ، وإلّا فبناءً على عدم اعتبار القبول بموت الموصي صار مالكاً بعد فرض عدم ردّه ، فينتقل إلى ورثته.


موت الموصى له قبل الموصي أيضاً.

ووجه جعلها مؤيدة أنها ضعيفة سنداً ، لأن محمد بن عمر الباهلي لا وجود له في الرجال ، ومحمد بن عمر الساباطي لم يوثق.

على أن موردها هي الوصيّة العهدية ، ومحل الكلام هي الوصيّة التمليكية.

فالعمدة في الاستدلال هي صحيحة محمد بن قيس الدالة على المدعى صريحاً.

إلّا أن بإزائها صحيحتين :

أُولاهما : صحيحة محمّد بن مسلم وأبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : سئل عن رجل أوصى لرجل فمات الموصى له قبل الموصي قال : «ليس بشي‌ء» (1).

ثانيتهما : صحيحة منصور بن حازم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : سألته عن رجل أوصى لرجل بوصيّة إن حدث به حدث ، فمات الموصى له قبل الموصي؟ قال : «ليس بشي‌ء» (2).

ومعارضة هاتين الصحيحتين لصحيحة محمد بن قيس ، مبنية على رجوع الضمير في قوله (عليه السلام) : «ليس بشي‌ء» إلى الإيصاء ، إذ لو كان الضمير راجعاً إلى الموت كما يقتضيه قربه إليه ، كانت هاتان الصحيحتان موافقتين لصحيحة محمّد بن قيس.

وكيف كان ، فمع فرض التعارض بينها لا ينبغي الشك في تقديم صحيحة محمد بن قيس ، نظراً لمخالفتها لمذهب العامة.


1) الوسائل ، ج 19 كتاب الوصايا ، ب 30 ح 4.

2) الوسائل ، ج 19 كتاب الوصايا ، ب 30 ح 5.

.................................................................................................


إذن فهي المعتمد في مقام الفتوى ، على ما عليه المشهور.

وأما الجمع بين هذه النصوص بحمل صحيحة محمد بن قيس على فرض عدم تقييد الوصيّة ، وحمل المعارض لها على فرض التقييد ، فيلتزم بصحتها وانتقال الموصى به إلى ورثة الموصي له في الأوّل ، والبطلان في الثاني.

فمدفوع بان المراد من تقييد الوصيّة بالموصى له إن كان تعلق غرضه به شخصاً ، في قبال تعلق غرضه بكون الموصى به من جملة أموال الموصى له يتصرف به هو في حياته وينتقل إلى ورثته بعد وفاته ، فهو وإن كان أمراً ممكناً إلّا أنه لا أثر له في مقام الإنشاء فإن العبرة في الحكم بالصحّة والفساد ليست بغرض المنشئ وداعيه إلى الإنشاء ، وإنما هي بما ينشئ.

مع أن حمل صحيحة محمّد بن قيس على الفرض الثاني مما لا شاهد له ، بل هو بعيد ومناف للإطلاق ، بل خلاف الظاهر ، وحمل على الفرد النادر من الوصايا ، حيث إن الغالب منها هو الفرض الأوّل ، أعني وجود خصوصيّة للموصى له.

وإن كان المراد أن نظر الموصي في مقام إنشاء الوصيّة قد يكون إلى شخص الموصى له ، وقد يكون إليه هو على تقدير حياته وإلى ورثته على تقدير وفاته فالوصيّة قد تكون مقيدة بشخص معين وقد تكون جامعة بينه وبين غيره ، فهو وإن كان ممكناً أيضاً إلّا أن صحّتها حينئذ على القاعدة ولا تحتاج إلى النص ، إذ الوارث موصى له حقيقة ، فحمل الصحيحة عليها حمل بعيد ولا شاهد فيها عليه ، بل الظاهر منها كون الوصيّة لشخص الميت بنفسه.

وإن كان المراد أن الموصي تارة يقيد الوصيّة بحياة الموصي له وأُخرى يطلق ، فإذا كانت الوصيّة من قبيل الأوّل حكم ببطلانها عند موت الموصى له ، لانتفاء المقيد بانتفاء قيده ، فهو وإن كان أقرب الوجوه المذكورة في التقييد ، بل يظهر من صاحب الجواهر (قدس سره) أن البطلان في هذه الصورة ليس محلا للكلام بينهم (1)إلّا أنه أيضاً لا يمكن المساعدة عليه ، نظراً لعدم الشاهد في صحيحتي محمد بن مسلم ومنصور بن حازم على تقييدهما بذلك.


1) الجواهر 28 : 257 258.

.................................................................................................


على أن هذا التقييد لا أثر له. فإن الوصيّة مقيدة بذلك في مقام الثبوت ، سواء أقيدها الموصي في مقام الإثبات أم لم يقيدها ، فإن الميت غير قابل للتمليك ابتداءً فالحياة مأخوذة في الموضوع على نحو مفروض الوجود. ومن هنا فلا يكون للتقييد أثر.

والحاصل أن مقتضى القاعدة وإن كان هو البطلان في فرض موت الموصى له في حياة الموصي ، إلّا أنه لا بدّ من الخروج عنها لصحيحة محمد بن قيس ، الدالة على النفوذ وانتقال المال إلى ورثته صريحاً.

ومقتضى إطلاقها عدم الفرق بين فرض التقييد وعدمه.

وأمّا المقام الثاني : فإن قلنا بأن الوصيّة إيقاع ولا تحتاج إلى القبول كما هو الصحيح ، غاية الأمر أنه يعتبر في نفوذها عدم الرد ، فالأمر واضح. فإن الموصى به ينتقل بمجرّد موت الموصي إلى ملك الموصى له لفرض عدم الرد ، وبموته ينتقل إلى ملك ورثته لا محالة ، فحاله في ذلك حال سائر أمواله ، فلا يعتبر قبولهم جزماً.

نعم ، يبقى الكلام في تأثير ردهم ، وهل أنه كردّ الموصى له يوجب بطلانها أم لا؟

فيه خلاف. والظاهر هو الثاني ، وذلك لإطلاقات أدلة نفوذ الوصيّة ، فإن مقتضاها نفوذها مطلقاً ، سواء أتحقق ردّ أم لم يتحقق ، غاية الأمر أننا خرجنا عنها للإجماع على مانعية الرد ، وحيث إنه دليل لبي فلا بدّ من الاقتصار فيه على القدر المتيقن وهو ردّ الموصى له نفسه ، فيبقى تأثير رد الورثة بلا دليل. على أن الورثة إنما يتلقون المال من أبيهم بعنوان الإرث ، ولا يتلقونها من الموصي بعنوان الوصيّة. ومن هنا فلا يكون لردهم أي أثر.

وإن قلنا باعتبار القبول ، فإن اعتبرناه كاشفاً ، فالأمر كما تقدّم ، إذ المتيقن من الإجماع الدالّ على اعتبار القبول اعتباره في الجملة ، أعني الأعم من قبول الموصى له هو وقبول ورثته ، فإذا قبل الورثة كشف ذلك عن ملكية الموصى له للموصى به من حين موت الموصي ، وحينئذ فينتقل إلى ملكهم كسائر أمواله.

وإن اعتبرناه ناقلاً ، أشكل الحكم بصحّة الوصيّة من هذه الجهة ، فإن ما أنشأه الموصي غير قابل للتحقق في الخارج ، وما تعلق به القبول لم ينشئه الموصي.

بقي هنا أُمور :

أحدها : هل الحكم يشمل ورثة الوارث ، كما إذا مات الموصى له قبل القبول ومات وارثه أيضاً قبل القبول ، فهل الوصيّة لوارث الوارث ، أوْ لا؟ وجوه (1)الشمول (1) وعدمه لكون الحكم على خلاف القاعدة ، والابتناء على كون مدرك الحكم انتقال حق القبول فتشمل ، وكونه الأخبار فلا.


إلّا أن هذا لا يمنع من الحكم بنفوذ الوصيّة وانتقالها إلى الورثة. وذلك لصحيحة محمد بن قيس المتقدِّمة ، فإنها وإن كانت واردة في موت الموصى له في حياة الموصي لكن الظاهر أنه لا خصوصيّة له ، بل المقام أولى في الحكم بالنفوذ من فرض موته في حياة الموصي. إذ الموصى له في الثاني لم يكن قابلاً للملكية ، نظراً لعدم تحقق شرطها أعني موت الموصي ، بخلاف المقام ، فيكون الحكم فيه ثابتاً بالأولوية القطعية.

واحتمال ملكية الميت في المقام المال آناً ما عند قبول الوارث ، بعيد غايته ولا دليل عليه.

والحاصل أن الموصى به ينتقل إلى ملك الورثة في المقام لانتقال الوصيّة إليهم تعبداً ، وكأنهم هم الموصى لهم ابتداءً.

(1) وهو الصحيح.

وذلك أما مع فرض تأخر موت الموصى له عن وفاة الموصي ، والقول بعدم اعتبار القبول في نفوذها ، فالأمر واضح. فإنه لا ينبغي الشك في قيام وارث الوارث مقامه فإنّ الموصى له قد ملك الموصى به بمجرد موت الموصي ، فبموته هو مع فرض عدم رده ينتقل ذلك المال إلى وارثه لا محالة ، وبموت الوارث ينتقل المال إلى وارثه كسائر أمواله ، ولا موجب للقول بعدم قيامه مقامه.

وكذا الحال لو اعتبرنا القبول في نفوذها وقلنا بكشفه ، فإن قبول وارث الوارث يكشف عن ملكية الموصى له للمال حين موت الموصي ، ومن هنا فيملكه هو لانتقال


1) (*) أقواها الأوّل ، بل لا وجه لغيره إذا كان موت الموصى له بعد موت الموصي على ما مرّ من عدم اعتبار القبول.

الثاني : إذا قبل بعض الورثة وردّ بعضهم ، فهل تبطل ، أو تصحّ ويرث الرادّ أيضاً مقدار حصته ، أو تصحّ بمقدار حصة القابل فقط ، أو تصحّ وتمامه للقابل ، أو التفصيل بين كون موته قبل موت الموصي فتبطل ، أو بعده فتصح بالنسبة إلى مقدار حصّة القابل؟ وجوه (1)(1).


أموال الموصى به بموته إلى وارثه ، وبموته إليه لا محالة.

نعم ، بناءً على القول بناقلية القبول ، لا مجال للحكم بصحّة الوصيّة وقيام الوارث مقام الموصى له فضلاً عن وارث الوارث ، مع قطع النظر عن صحيحة محمّد بن قيس فحكم هذا الفرض حكم ما بعده.

وأمّا مع فرض تقدّم موته على موت الموصي ، فالحكم بالانتقال إلى الوارث وإن كان على خلاف القاعدة ، ولذا تعين الحكم بالبطلان لولا صحيحة محمّد بن قيس ، إلّا أن الظاهر ثبوته في المقام أيضاً. وذلك لتضمن الصحيحة لبيان كبرى كلية ، هي انتقال الوصيّة إلى الوارث في فرض موت الموصى له ، فإن مقتضاها ثبوت وصيتين في المقام :

الاولى : الوصيّة بكون المال للموصى له ، وهذه الوصيّة هي التي أنشأها الموصي.

الثانية : الوصيّة بكون المال لورثة الموصى له ، وهذه الوصيّة إنما هي بجعل من الشارع وتعبّد منه.

وعليه فإذا ثبتت الوصيّة لورثة الموصى له ولو تعبداً ، كان مقتضى هذه الصحيحة ثبوتها لورثته.

وعلى هذا الأساس يظهر عدم الفرق ، بين كون مدرك الحكم هو انتقال حق القبول من الموصى له إلى ورثته ، وبين كونه هو صحيحة محمد بن قيس. ففي كل مورد كان للوارث أن يقبل الوصيّة ، كان ذلك لوارثه أيضاً.

(1) أصحّها التفصيل بين موت الموصى له قبل وفاة الموصي ، وموته بعد وفاته وقبل القبول.


1) (*) إذا كان موت الموصي قبل موت الموصى له ، فلا ريب في تعيّن الوجه الثاني على ما مرّ ، وأمّا إذا انعكس الأمر فعلى القول باشتراط تملّك الوارث بعدم ردّه فالمتعيِّن هو الثالث ، وأمّا على ما قوّيناه من أنه لا أثر للرد فيتعيّن الوجه الثاني أيضاً.

.................................................................................................


ففي الأوّل فالحكم بالبطلان وإن كان مقتضى القاعدة كما عرفت ، إلّا أن الدليل الخاص صحيحة محمد بن قيس دل على انتقال الوصيّة إلى ورثة الموصي له تعبداً ، وكأنها وصيّة لهم ابتداءً. وحيث إن الوصيّة للمتعدد تقتضي انحلالها إلى وصايا بعددهم ، تكون هذه الوصيّة منحلة لا محالة ، فيكون لكل منهما بنسبته إلى المجموع.

ومن هنا فاحتمال بطلانها من رأس لا وجه له. وكذا احتمال صحتها مع كون جميع الموصى به للقابل ، فإنّ الموصي لم ينشئ ذلك وليست الوصيّة كذلك ، بل له منها بنسبته إلى المجموع خاصّة.

وعليه فيدور الأمر بين الالتزام بصحتها مطلقاً مع إرث الرادّ أيضاً ، أو التفصيل بالالتزام بالصحّة بالنسبة إلى حصة القابل والبطلان بالنسبة إلى حصة الرادّ.

ومنشأ هذا الترديد هو الخلاف في تأثير الرد في المقام ، أعني الوصيّة التعبدية.

فإن قلنا إنه لا أثر لمثل هذا الردّ كما هو الصحيح ، لأن الدليل على تأثيره إنما كان هو الإجماع ، وحيث إنه مفقود في المقام لاختلاف الأقوال فيه كما عرفت ، فلا يكون له أثر. وعليه فتصحّ الوصيّة ، ويأخذ الرادّ حصته منها ، كما يأخذ القابل حصّته.

وإن قلنا إنّ الردّ من الوارث يؤثر أثره ، فلا بدّ من التفصيل في الصحّة بين حصّة القابل وحصّة الراد ، لانحلالها.

وأما في الثاني ، فإن قلنا بعدم اعتبار القبول كما اخترناه ، فلا ينبغي الإشكال في نفوذ الوصيّة مطلقاً ، من دون أن يكون لردّ الرادّ أثر ، إذ المال قد انتقل إليهم بالإرث لا بالوصيّة ، فإنّ الميت الموصى له قد ملكه بمجرد موت الموصي وعدم ردّه للوصيّة.

وإن قلنا باعتبار القبول ، فإن التزمنا بكاشفيته ، فالحكم كذلك أيضاً ، لما عرفت من أن الدليل على اعتباره ليس إلّا الإجماع ، وهو على تقدير تسليمه لا يقتضي إلّا اعتباره في الجملة ، أعني الأعم من قبوله هو وقبول بعض ورثته ، وحيث إنه متحقق لفرض قبول بعض الورثة ، كشف ذلك عن ملكية الموصى له للمال من حين موت الموصي. ومن هنا فيكون انتقاله إليهم بالإرث ، فلا يكون لردّ بعضهم أثر.

الثالث : هل ينتقل الموصى به بقبول الوارث إلى الميت ثمّ إليه ، أو إليه ابتداء من الموصي؟ (1) وجهان ، أوجههما الثاني (1)(2).


وإن التزمنا بناقليته ، جرى فيه ما تقدّم من الخلاف في تأثير الردّ في المقام وعدمه. فعلى الأوّل تصحّ بالنسبة إلى حصة القابل خاصة دون حصة الراد ، لانحلال الوصيّة. وعلى الثاني تصحّ مطلقاً ، فيأخذ الرادّ كما يأخذ القابل.

(1) يظهر أثر هذا النزاع في أخذ الزوجة من الأرض إذا تعلقت بها الوصيّة على الثاني دون الأوّل ، وخروج ديون الميت ووصاياه من الموصى به على الأوّل دون الثاني.

(2) بل الصحيح هو التفصيل بين موت الموصى له في حياة الموصي ، وموته بعد وفاته.

ففي الأوّل ينتقل الموصى به إليهم مباشرة ، ومن دون وساطة الموصى له لعدم قابليته للمكية ، حين موت الموصي.

وفي الثاني ينتقل المال إلى الموصى له أوّلاً ، حيث لم يتحقق منه الرد كما هو المفروض ، ومن ثمّ ينتقل إليهم بالإرث ، فحاله في ذلك حال سائر ما تركه الميت.

هذا إذا لم نقل باعتبار القبول ، كما هو الصحيح. وأما بناءً على اعتباره ، فإن قلنا بكونه كاشفاً فالأمر كذلك ، حيث يكشف قبولهم عن ملك الميت له أوّلاً ، وانتقاله بعد ذلك إليهم بالإرث.

واحتمال الكشف عن ملكية الورثة له من حين موت الموصي ، ضعيف ولا وجه له ، فإن الوصيّة إنما كانت للموصى له دون الورثة ، فانتقالها إليهم يحتاج إلى الدليل. وإن قلنا بكونه ناقلاً ، كان مقتضى الدليل انتقال الموصى به إلى الورثة ابتداءً ومن دون نقصان ، لانتقال الوصيّة إليهم تعبداً.


1) (*) هذا فيما إذا مات الموصى له قبل الموصي ، وأمّا في عكسه فالمال ينتقل إلى الوارث من الموصى له على ما مرّ.

وربّما يبنى (1) على كون القبول كاشفاً أو ناقلاً. فعلى الثاني الثاني. وعلى الأوّل الأوّل. وفيه : أنه على الثاني أيضاً يمكن أن يقال بانتقاله إلى الميت آناً ما ثمّ إلى وارثه. بل على الأوّل يمكن أن يقال بكشف قبوله عن الانتقال إليه من حين موت الموصي ، لأنه كأنه هو القابل ، فيكون منتقلاً إليه من الأوّل.

الرابع : هل المدار على الوارث حين موت الموصى له إذا كان قبل موت الموصي ، أو الوارث حين موت الموصي ، أو البناء على كون القبول من الوارث موجباً للانتقال إلى الميت ثمّ إليه ، أو كونه موجباً للانتقال إليه أوّلاً من الموصي فعلى الأوّل الأوّل ، وعلى الثاني الثاني؟ وجوه (1)(2).

الخامس : إذا اوصي له بأرض فمات قبل القبول ، فهل ترث زوجته منها أوْ لا؟


واحتمال تملك الميت للمال على هذا التقدير آناً ما وإن كان ممكناً إلّا أنه لا دليل عليه ، فإن مقتضى الوصيّة ملكية الموصى له للمال حين موت الموصي وهي لم تتحقّق والملكية عند القبول من الوارث لم ينشئها الموصي ولم يدلّ عليها دليل.

(1) ظهر الحال فيه وفيما يأتي مما تقدّم.

(2) أوجهها الأوّل.

وذلك أما بناءً على انتقال المال إلى الموصى له الميت أوّلاً ، ومن ثمّ انتقاله إليهم فالأمر واضح. فإنه وبعد انتقاله إليه ، ينتقل عند موته إلى ورثته الموجودين في ذلك الزمان لا محالة ، على ما تقتضيه قواعد الإرث.

وأمّا بناءً على انتقاله إليهم مباشرة ، فلظاهر قوله (عليه السلام) في صحيحة محمد ابن قيس : «الوصيّة لوارث الذي أوصى له» فإنه ظاهر في وارثه حين موته. وحمله على وارثه حين موت الموصي ، تقييد بلا دليل ، ولا وجه للمصير إليه.

ومن هنا فلو كان للموصى له حين موته ابن وأخ ، فمات الابن قبل موت الموصي وترك أولاداً ثمّ مات الموصي ، كانت الوصيّة لأولاد الابن دون عم أبيهم.


1) (*) أوجهها الأوّل.

وجهان مبنيّان على الوجهين في المسألة المتقدِّمة (1)(1). فعلى الانتقال إلى الميت ثمّ إلى الوارث ، لا ترث. وعلى الانتقال إليه أوّلاً لا مانع من الانتقال إليها ، لأنّ المفروض أنها لم تنتقل إليه إرثاً من الزوج ، بل وصيّة من الموصي. كما أنه يبنى على الوجهين إخراج الديون والوصايا من الموصى به بعد قبول الوارث وعدمه (2).

أمّا إذا كانت بما يكون من الحبوة ، ففي اختصاص الولد الأكبر به ، بناءً على الانتقال إلى الميت أوّلاً ، فمشكل (3) لانصراف الأدلّة عن مثل هذا.


(1) يعني الأمر الثالث. وقد عرفت فيه أن الصحيح هو التفصيل بين موت الموصى له في حياة الموصي ، وموته بعد وفاته. ففي الأوّل ترث منها ، لانتقال الوصيّة إليهم مباشرة. وفي الثاني لا ترث منها ، إلّا على تقدير اعتبار القبول والقول بكونه ناقلاً.

وقد يستشكل فيه بأن الدليل لما دلّ على كونها على نحو الإرث ، كان المستفاد منه حرمان من يحرم من الإرث كلّاً أو بعضاً منها. وحيث إن الزوجة تحرم من الأراضي إرثاً ، فهي تحرم منها وصيّة أيضاً ، لتنزيلها منزلته.

إلّا أنه مدفوع بأنّ الصحيحة لم تتضمّن تنزيل الموصى به منزلة التركة ، وإنما تضمّنت تنزيل الورثة منزلة الموصى له الميت ، وكأنه هم الموصى لهم ابتداءً. وحيث إنّ الزوجة داخلة فيهم بلا خلاف وإن كانت هي لا ترث من الأرض ، ولذا لا إشكال في شمول الوصيّة لها فيما لو أوصى الموصي بالأرض للورثة ابتداءً ، فهي أيضاً ممن جعلت الوصيّة له تعبّداً.

وهذا لا ينافي تقسيمها عليهم على نحو تقسيم الإرث ، فإنها وإن كانت الوصيّة لهم بالتعبّد إلّا أن ظاهر الدليل كونها لهم بما هم ورثة الموصي له ، فينبغي تقسيمها على نحو تقسيم الإرث.

(2) ظهر الحال فيه مما تقدّم في الأمر الثالث ، فراجع.

(3) وذلك لاختصاص الحبوة بما أعدّه الميت لنفسه وجعله مختصاً به ، فلا تشمل ما لم يكن كذلك حتى ولو كان مملوكاً له.


1) (*) وقد عرفت التفصيل فيها.

السادس : إذا كان الموصى به ممن ينعتق على الموصى له (1). فإن قلنا بانتقاله


هذا كلّه فيما إذا مات الموصى له بعد وفاة الموصي ، وقلنا بعدم اعتبار القبول ، أو اعتبرناه وجعلناه كاشفاً. وأما لو مات في حياة الموصي أو بعده ، مع القول باعتبار القبول ناقلاً ، فلا ينبغي الإشكال في عدم إجراء حكمها عليه ، نظراً لعدم انتقاله إليه بالمرّة.

(1) الكلام في هذه المسألة :

تارة يقع في الموصى به الذي ينعتق على الموصى له خاصة دون وارثه ، كما لو اوصي له بابنه الرق وكان له أولاد أحرار ، فإنه ينعتق عليه خاصة دون أولاده ، حيث لا مانع من ملك الرجل لأخيه.

وأُخرى في الموصى به الذي ينعتق على الوارث أيضاً ، كما لو اوصي له ببنته ، حيث لا يجوز للرجل أن يملك محارمه من النساء.

أمّا المقام الأوّل : فإن كان موت الموصى له في حياة الموصي ، فعلى ما اخترناه من انتقال الوصيّة منه إلى ورثته بالتعبد ، فلا إشكال في عدم انعتاقه إذ لم يدخل ولا آناً ما في ملك الموصى له ، وإنما انتقل من الموصي إليهم مباشرة ، والمفروض قابليتهم لتملّكه وعدم انعتاقه عليهم قهراً.

وعلى ما ذهب إليه بعضهم ، من انتقاله إلى الموصى له آناً ما ومن ثمّ انتقاله إلى الورثة بالإرث ، ينعتق لا محالة ، لانعتاقه بمجرد الدخول في ملك الموصى له ، ومعه فلا يبقى مجال لانتقاله إلى الورثة ، نظراً لعدم شمول ما ترك له. وبذلك يكون من مصاديق الوارث المتجدد بعد الموت ، فيأخذ تمام التركة إذا كان انعتاقه قبل القسمة وكان هو في مرتبة سابقة على الموجودين وإلّا شاركهم فيها ، وإن كان انعتاقه بعد القسمة فلا شي‌ء له.

وإن كان موت الموصى له بعد وفاة الموصي ، فعلى ما اخترناه من كون الوصيّة إيقاعاً محضاً فالأمر واضح. فإنه وبمجرد موت الموصي ينتقل إلى ملك الموصى له آناً ما ، فالحال فيه هو الحال في موت الموصى له قبل موت الموصي طابق النعل بالنعل.

.................................................................................................


فإن قلنا بانتقاله من الموصي إليهم مباشرة ، فلا ينعتق. وإن قلنا بانتقاله إلى الموصى له أوّلاً ، ومن ثمّ إليهم ، ينعتق بدخوله في ملك الموصى له قهراً.

وإن جعلناه كاشفاً ، كشف قبولهم عن انعتاقه حين موت الموصي ، فيرث معهم إذا كان في طبقتهم ، ويختص بالتركة إذا كان سابقاً عليهم ، بلا فرق في ذلك بين كونه قبل القسمة أو بعدها ، فإنه ليس من مصاديق الوارث المتجدِّد بعد الوفاة إذ المفروض حريته في حياة الموصي له ، غاية الأمر أن الكشف عن ذلك كان بالفعل.

وقد يستشكل فيه فيما إذا كان الموصى به أحق منهم بالإرث ومتقدماً عليهم بحسب الطبقة ، كما إذا كان الموصى به ابن الموصى له وكانت الورثة إخوته ، بأن لازم ذلك كشف قبولهم عن انتقال حق قبول الوصيّة إليه أيضاً واختصاصه به دون غيره ومعه كيف يكون قبولهم كاشفاً عن حريته ، حيث يلزم من كونه وارثاً عدم كونه وارثاً ، وما يلزم من وجوده عدمه محال.

وبعبارة اخرى : إنّ إخوة الموصى له إن كانوا ورثة له ، فكيف ينتقل المال إلى ابنه بعد انعتاقه ، وإن لم يكونوا كذلك فلا أثر لقبولهم أيضاً! وقد يجاب عنه بأن حق القبول إنما هو لوارث الميت عند موته ، دون من تجدد إرثه ولو كشفاً.

وفيه : أنه لا فرق في القبول بين الوارث عند موت الميت والمتجدد ، ولذا لو أعتق العبد قبل قبول إخوته كان حاله حالهم. فإذا كان هذا حال المعتق بعد وفاة الموصي له ، ففي ما نحن فيه يكون ذلك بالأولوية ، حيث إن التجدد في الكشف دون الحرية.

فالصحيح أن يقال : إن ثبوت حق القبول للوارث وكفايته عن قبول الموصى له ، لم يكن بدليل لفظي كي يقال إنه يلزم من وجوده عدمه ، وإنما كان اعتباره في صحّة الوصيّة بناءً على القول به للإجماع ، والمتيقن منه من كان وارثاً من غير جهة القبول وأمّا الوارث من جهة القبول فلا إجماع على اعتبار قبوله.

وبعبارة اخرى : إن القبول حق لمن يكون وارثاً في مرتبة سابقة عن هذا الحق وأمّا من يكون وارثاً بهذا الحق فلا إجماع على اعتبار قبوله.

إليه أوّلاً بعد قبول الوارث ، فإن قلنا به كشفاً ، وكان موته بعد موت الموصي (1)(1) انعتق عليه ، وشارك الوارث ممن في طبقته ، ويقدم عليهم مع تقدّم طبقته ، فالوارث يقوم مقامه في القبول ، ثمّ يسقط عن الوارثية ، لوجود من هو مقدّم عليه.

وإن كان موته قبل موت الموصي ، أو قلنا بالنقل وأنه حين قبول الوارث ينتقل إليه آناً ما ، فينعتق (2) لكن لا يرث إلّا إذا كان انعتاقه قبل قسمة الورثة


وعليه فبقبولهم ينكشف انعتاقه من حين موت الموصي ، وبه ينتقل جميع المال إليه.

وأمّا المقام الثاني : ففيه ينعتق الموصى به على جميع التقادير. إلّا أن الأثر بين الفروض المتقدِّمة يظهر في إرثه من الموصى له.

فإن كان موت الموصى له قبل موت الموصي ، وقلنا بانتقال الموصى به إلى الورثة مباشرة ، فهو من مصاديق الوارث المتجدد ، فيرث قبل القسمة لا بعدها. وإن قلنا بانتقاله إلى الموصى له أوّلاً ومن ثمّ إليهم ، فهو يكشف عن انعتاقه حين موت الموصي وهو يقتضي إرثه مطلقاً ، سواء قبل القسمة وبعدها.

وإن كان موت الموصى له بعد موت الموصي ، فإن لم نعتبر القبول في الوصيّة ، أو اعتبرناه وجعلناه كاشفاً ، فهو يرث مطلقاً ، لانكشاف حريته حين موت الموصى له. وإن جعلناه ناقلاً ، كان الموصى به من مصاديق الوارث المتجدد بعد الوفاة.

(1) عرفت فيما تقدّم أنه لا حاجة في هذا الفرض إلى قبول الوارث ، إذ الموصى به ينتقل وبمجرد موت الموصي إلى ملك الموصى له ، وعليه فينعتق سواء أقبل الورثة أم لم يقبلوا.

(2) ظهر الحال فيه مما تقدّم في الفرض الأوّل ، حيث لا مجال للقول بالانعتاق بعد


1) (*) لا حاجة في هذا الفرض إلى قبول الوارث على ما مرّ ، فيحكم بانعتاق الموصى به من الأوّل ، وأمّا إذا مات بعد الموصى له فلا وجه للانعتاق أصلاً ، لأنّ الوارث حينئذ يتلقّى الموصى به من الموصي دون الموصى له.

وذلك لأنه على هذا التقدير انعتق بعد سبق سائر الورثة بالإرث. نعم ، لو انعتق قبل القسمة في صورة تعدد الورثة شاركهم.

وإن قلنا بالانتقال إلى الوارث من الموصي لا من الموصى له (1) فلا ينعتق عليه ، لعدم ملكه ، بل يكون للورثة ، إلّا إذا كان ممن ينعتق عليهم أو على بعضهم فحينئذ ينعتق ، ولكن لا يرث إلّا إذا كان ذلك مع تعدد الورثة وقبل قسمتهم.

السابع : لا فرق في قيام الوارث مقام الموصى له بين التمليكية والعهدية (2).

[3906] مسألة 8 : اشتراط القبول على القول به مختصّ بالتمليكية كما عرفت ، فلا يعتبر في العهدية (3). ويختصّ بما إذا كان لشخص معين أو أشخاص معينين. وأما إذا كان للنوع أو للجهات ، كالوصيّة للفقراء والعلماء أو للمساجد


فرض انقلاب الوصيّة إلى الوارث ، وانتقاله من الموصي إليه مباشرة ومن غير وساطة الموصى له.

(1) كما هو الصحيح على ما تقدّم بيانه.

(2) والوجه فيه إطلاق صحيحة محمّد بن قيس ، فإن السؤال فيها إنما هو عن رجل أوصى لآخر ، وهو كما يشمل الوصيّة التمليكية يشمل الوصيّة العهدية ، فإنه مطلق من حيث تمليك الموصي شيئاً له ، أو أمره للوصي بأن يدفع إليه شيئاً.

ودعوى اختصاصها بالوصيّة التمليكية ، عارية عن القرينة ولا شاهد لها.

ثمّ إن هذه الصحيحة وافية بالمدعى ، ومعه فلا حاجة إلى التمسك برواية محمد بن عمر الباهلي (الساباطي) المتقدِّمة كي يورد عليها بضعف السند. نعم ، لا بأس بجعلها مؤيدة للحكم في المقام ، فإنها واردة في ذلك ودالة عليه بوضوح لولا ضعف سندها.

(3) بلا خلاف ولا إشكال ، لا من الموصى إليه ولا من الموصى له.

أمّا الأوّل : فلجملة من النصوص الدالّة على عدم اعتبار قبوله صريحاً. نعم ، له حق الردّ بشرط إعلام الموصي به.

وأمّا الثاني : فقد يفرض أن الموصى به أمر غير متوقف على قبوله ، كما لو أوصى

فلا يعتبر قبولهم (1) أو قبول الحاكم فيها للجهات (2) وإن احتمل ذلك أو قيل. ودعوى أن الوصيّة لها ليست من الوصيّة التمليكية بل هي عهدية ، وإلّا فلا يصح تمليك النوع أو الجهات ، كما ترى (3).

وقد عرفت سابقاً قوة عدم اعتبار القبول مطلقاً ، وإنما يكون الرد مانعاً ، وهو أيضاً لا يجري في مثل المذكورات ، فلا تبطل بردّ بعض الفقراء مثلاً ، بل إذا


الوصي بدفع ديونه وتفريغ ذمته. ففيه تنفذ الوصيّة ويلزم الوصي القيام بها ، سواء أقبل الموصى له أم لم يقبل.

وقد يفرض توفقه على القبول وعدم تحققه قهراً ، كما لو أوصى بهبة داره له ، أو بيعه له بنصف ثمن مثله. ففيه أيضاً لا يكون عدم قبوله موجباً لبطلان الوصيّة ، فإن القبول إنما يعتبر في صحّة العقد الموصى به لا في صحّة الوصيّة ، وإنما يوجب رفضه جعل الوصيّة متعذر المصرف. وحينئذ فيبقى الموصى به على ملك الميت ، ولا يكون إرثاً لأنه قد أبقاه على ملكه ، غاية الأمر أنه عين له مصرفاً معيناً وهو متعذر ، نظراً لرفض الموصى له ، فيصرف في وجوه البر مع تحري الأقرب فالأقرب إلى الوصيّة.

وهذا بخلاف الوصيّة التمليكية ، بناءً على اعتبار القبول فيها. فإن الموصي قد أخرج الموصى به عن ملكه وملّكه للموصى له ، فإذا رفض الموصى له القبول كشف ذلك عن بطلان الوصيّة. ومن هنا فينتقل الموصى به إلى ملك الورثة ، حيث لم يبقه الموصي على ملكه.

إذن يصح أن يقال وعلى نحو الإطلاق : إن القبول غير معتبر في الوصيّة العهدية سواء في ذلك الموصى إليه والموصى له.

(1) لعدم إمكانه من الكلي والنوع والجهة ، وقبول الأشخاص وإن أمكن إلّا أنه لا يجدي ، باعتبار أن قبولهم ليس قبولاً للكلي.

(2) لعدم الدليل عليه ، بل مقتضى إطلاقات أدلّتها نفوذها من غير قبول.

(3) لما تكرر منّا غير مرة ، من أن الملكية ليست من الأعراض الخارجية كي تحتاج إلى معروض خارجي ، وإنما هي من الاعتبارات ، وهي كما يصحّ تعلقها بالكلي يصح أن تكون للكلي ، كما التزموا بذلك في باب الخمس والزكاة والوقف بلا خلاف.

انحصر النوع في ذلك الوقت في شخص فردّ لا تبطل (1).

[3907] مسألة 9 : الأقوى في تحقّق الوصيّة كفاية كلّ ما دلّ عليها من الألفاظ ، ولا يعتبر فيه لفظ خاصّ (2) بل يكفي كل فعل دالّ عليها (3) حتى الإشارة والكتابة ولو في حال الاختيار إذا كانت صريحة في الدلالة بل أو ظاهرة ، فإنّ ظاهر الأفعال معتبر كظاهر الأقوال. فما يظهر من جماعة اختصاص كفاية الإشارة والكتابة بحال الضرورة لا وجه له. بل يكفي وجود مكتوب منه بخطّه ومهره إذا علم كونه إنما كتبه بعنوان الوصيّة (4).

ويمكن أن يستدلّ عليه بقوله (عليه السلام) : «لا ينبغي لامرئ مسلم أن يبيت ليلة إلّا ووصيّته تحت رأسه» (5). بل يدلّ عليه ما رواه الصدوق عن إبراهيم


وعليه فإذا لم يكن في قيام الملكية بالكلي أو كونها للكلي محذور ، لوقوعه في الخارج فضلاً عن إمكانه ، أمكن الالتزام به في الوصيّة أيضاً ، بأن يوصي بداره للفقراء أو العلماء أو الزائرين.

(1) لأنه رد من الشخص بخصوصه ، وهو بما هو شخص ليس بموصى له ، فلا أثر لردّه. وبهذا تفترق هذه الوصيّة عن الوصيّة إلى المعيّن.

(2) على ما تقتضيه إطلاقات أدلّتها.

(3) لإطلاق أدلّتها أيضاً ، فإنها غير مقيّدة باللفظ ، بل مقتضاها اللزوم وحرمة التبديل بمجرد صدق الوصيّة كيفما تحقّقت.

ودعوى تقييد الإطلاقات بالإجماع على احتياج العقود إلى اللّفظ.

مدفوعة بأنه لو تمّ فهو إنما يختصّ بالعقود اللّازمة ، وأما العقود الجائزة التي منها الوصيّة بناءً على كونها عقداً فلا إجماع على اعتبار اللفظ فيها.

(4) لصدق الوصيّة عليها ، وعليه فيتعين العمل بها لإطلاقات الأدلّة.

(5) رواه المفيد في المقنعة باختلاف يسير جدّاً (1). إلّا أنه لا يصلح للاستدلال به


1) الوسائل ، ج 19 كتاب الوصايا ، ب 1 ح 7.

ابن محمّد الهمداني (1) قال : كتبتُ إليه : كتب رجل كتاباً بخطِّه ، ولم يقل لورثته هذه وصيّتي ، ولم يقل إني قد أوصيت ، إلّا أنه كتب كتاباً فيه ما أراد أن يوصي به ، هل يجب على ورثته القيام بما في الكتاب بخطِّه ولم يأمرهم بذلك؟ فكتب : «إن كان


فإنه مضافاً إلى ضعف سنده بالإرسال مخدوش دلالة ، إذ لا دلالة فيه على كفاية ما يوجد بخطه وكونه حجة على الورثة بحيث يلزمهم العمل به ، فإنه وارد في الترغيب في الاستعداد للموت وعدم الاتكال على طول الأمل ، وأين هذا من حجية ما يوجد بخطِّه؟!.

(1) رواه الصدوق (قدس سره) بإسناده عن إبراهيم بن محمد الهمداني (1). ورواه الشيخ بإسناده عن محمد بن أحمد بن يحيى ، عن عمر بن علي ، عن إبراهيم بن محمد الهمداني (2).

والطريق الثاني ضعيف بعمر بن علي الذي هو عمر بن علي بن عمر بن يزيد حيث لم يرد فيه توثيق ، غير أن أحمد بن محمد بن يحيى قد روى عنه ولم يستثنه ابن الوليد ، إلّا أننا قد ذكرنا في كتابنا معجم رجال الحديث أن ذلك لا ينفع في إثبات الوثاقة للرجل ، فراجع (3). على أن الرواية بطريقيها ضعيفة بإبراهيم بن محمّد الهمداني نفسه ، فإنه لم تثبت وثاقته رغم كونه من وكلائهم (عليهم السلام) ، لما أوضحناه في مقدّمة كتابنا معجم رجال الحديث من أن الوكالة وحدها لا تكفي في إثبات وثاقة الوكيل.

نعم ، ورد في جملة من النصوص مدح الرجل وتجليله ، إلّا أنها جميعاً ضعيفة السند ، بل وراوي بعضها هو إبراهيم بن محمد الهمداني نفسه ، فلا تصلح للاعتماد عليها لإثبات وثاقة الرجل.

بل وعلى تقدير تماميتها سنداً لا تصلح دليلاً للحكم. وذلك لما تضمنته من حجية


1) الوسائل ، ج 19 كتاب الوصايا ، ب 48 ح 2 ، الفقيه 4 : 146 / 507.

2) التهذيب 9 : 242 / 936.

3) معجم رجال الحديث 9 : 180 رقم 6054.

له ولد ينفذون كل شي‌ء يجدون في كتاب أبيهم في وجوه البرّ وغيره».

[3908] مسألة 10 : يشترط في الموصي أُمور :

الأوّل : البلوغ ، فلا تصحّ وصيّة غير البالغ (1). نعم ، الأقوى وفاقاً للمشهور صحّة وصيّة البالغ عشراً إذا كان عاقلاً ، في وجوه المعروف للأرحام أو غيرهم (1)(2) لجملة من الأخبار المعتبرة (3) خلافاً لابن إدريس ، وتبعه جماعة.


هذه الوصيّة لولد الميت خاصة بعد أن كان السؤال عن حجيتها لمطلق الوارث ، ومفهوم ذلك عدم حجيتها لدى غيرهم ، وهذا التفصيل ممّا لم يقل به أحد ولا يمكن الالتزام به ، فلا بدّ من رفع اليد عنها.

إذن فالصحيح في الحكم هو التمسك بإطلاقات أدلة نفوذ الوصيّة ولزومها.

(1) في الجملة إجماعاً.

(2) في نفوذ وصيّته لغير الأرحام إشكال يأتي عند استعراض النصوص ، فلاحظ.

(3) منها معتبرة عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث قال : «إذا بلغ الغلام عشر سنين جازت وصيّته» (2).

ومعتبرة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) ، قال : «إذا أتى على الغلام عشر سنين ، فإنه يجوز له في ماله ما أعتق أو تصدق أو أوصى على حدّ معروف وحقّ فهو جائز» (3).

ومعتبرة عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أيضاً ، قال : «إذا بلغ الصبي خمسة أشبار أُكلت ذبيحته ، وإذا بلغ عشر سنين جازت وصيّته» (4).

ومعتبرة أبي أيوب عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في الغلام ابن عشر سنين يوصي قال : «إذا أصاب موضع الوصيّة جازت» (5).


1) (*) صحّة وصيّته للغرباء محل إشكال.

2) الوسائل ، ج 19 كتاب الوصايا ، ب 44 ح 3 7.

3) الوسائل ، ج 19 كتاب الوصايا ، ب 44 ح 3 7.

4) الوسائل ، ج 19 كتاب الوصايا ، ب 44 ح 3 7.

5) الوسائل ، ج 19 كتاب الوصايا ، ب 44 ح 3 7.

.................................................................................................


ومعتبرة منصور بن حازم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : سألته عن وصيّة الغلام ، هل تجوز؟ قال : «إذا كان ابن عشر سنين جازت وصيّته» (1).

إلى غير ذلك من النصوص المعتبرة سنداً والبالغة حدّ الاستفاضة ، الدالّة على نفوذ وصيّة الصبي إذا بلغ عشر سنين صريحاً.

ودعوى منافاتها لما دلّ على اعتبار العقل ، كمعتبرة جميل بن دراج (عن محمّد بن مسلم على ما في التهذيب -) عن أحدهما (عليهما السلام) ، قال : «يجوز طلاق الغلام إذا كان قد عقل وصدقته ووصيّته وإن لم يحتلم» (2)حيث إنها جعلت العبرة في نفوذ الوصيّة العقل دون البلوغ عشر سنين.

مدفوعة بأن العقل معتبر لا محالة وعلى كل تقدير ، سواء أوَرد ذكره في النص أم لم يرد ، فإنه معتبر في الموصي البالغ فضلاً عن الصبي الذي لم يبلغ الحلم. ومن هنا فلا يكون ذكره قيداً زائداً ، ومن ثمّ فلا يكون المقام من اختلاف الشرطيتين.

نعم ، هذه الرواية تخالف تلك النصوص من حيث إطلاقها لعدم البلوغ ، فتشمل حتى الذي لم يبلغ عشر سنين ، إلّا أن من الواضح لزوم تقييد إطلاقها بتلك ، على ما تقتضيه قواعد الجمع بين المطلق والمقيد.

هذا ولكن دلّ بعض النصوص على نفوذ وصيّة الصبي إذا بلغ ثمان سنوات. ففي رواية الحسن بن راشد عن العسكري (عليه السلام) ، قال : «إذا بلغ الغلام ثماني سنين فجائز أمره في ماله ، وقد وجب عليه الفرائض والحدود ، وإذا تمّ للجارية سبع سنين فكذلك» (3). وقد ذهب إليه ابن الجنيد (قدس سره) (4).

إلّا أن هذه الرواية لا يمكن الاعتماد عليها ، وذلك لما اتفقت عليه نسخ الرواية في المصادر على نقلها عن علي بن الحسن بن فضال عن العبدي عن الحسن بن راشد


1) الوسائل ، ج 19 كتاب الوصايا ، ب 44 ح 3 7.

2) الوسائل ، ج 19 كتاب الوقوف والصدقات ، ب 15 ح 2 ، التهذيب 9 : 182 / 733.

3) الوسائل ، ج 19 كتاب الوقوف والصدقات ، ب 15 ح 4.

4) انظر فتاوي ابن الجنيد : 238 244.

.................................................................................................


حيث إن العبدي مجهول ولا يعلم من هو ، لعدم ورود ذكر له في كتب الرجال على الإطلاق.

نعم ، من المحتمل أن تكون النسخ جميعاً مغلوطة نتيجة للسهو في النسخة الأصلية ، وإن الصحيح هو العبيدي الذي هو محمد بن عيسى بن عبيد ، بقرينة رواية علي بن الحسن بن فضال عنه كثيراً ، وروايته عن الحسن بن راشد كذلك. فالرواية تكون معتبرة ، فإن العبيدي ثقة ، بل قال ابن نوح : (من مثل العبيدي) وإن ناقش فيه ابن الوليد ، إلّا أننا ذكرنا في معجمنا أن الرجل ثقة (1).

لكن ذلك كلّه لا ينفع في التمسك بهذه الرواية والاستدلال بها. وذلك لأنها غير واردة في الوصيّة بخصوصها ، وإنما هي دالّة على جواز أمره مطلقاً ونفوذ جميع تصرفاته عند بلوغه ثماني سنين ، وهي بهذا تخالف جميع النصوص الموافقة للكتاب الدالّة على الحجر عليه ورفع القلم عنه ، وعدم مؤاخذته بشي‌ء من أفعاله أو أقواله ما لم يبلغ. فلا بدّ من طرحها ورفع اليد عنها ، حتى على تقدير تماميتها سنداً.

ثمّ إنّ هذه النصوص لا تنافيها صحيحة أبي بصير المرادي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، أنه قال : «إذا بلغ الغلام عشر سنين وأوصى بثلث ماله في حق جازت وصيّته ، وإذا كان ابن سبع سنين فأوصى من ماله باليسير في حق جازت وصيّته» (2).

حيث تضمّنت التفصيل بين الغلام إذا بلغ عشر سنين فتنفذ وصيّته بقدر ثلثه ، وبين ما إذا بلغ سبع سنين حيث تنفذ في اليسير من ماله ، فإنها غير مخالفة لما تقدّم بقدر مدلول تلك النصوص.

نعم ، هي تضمنت نفوذ وصيّة من بلغ سبع سنين في اليسير من ماله. وهذا إن لم يتم إجماع على خلافه فهو ، وإلّا كما هو الظاهر فلا بدّ من رفع اليد عنها ورد علمها إلى أهله.


1) معجم رجال الحديث 17 : 110 رقم 11508.

2) الوسائل ، ج 19 كتاب الوصايا ، ب 44 ح 2.

الثاني : العقل ، فلا تصحّ وصيّة المجنون (1). نعم ، تصحّ وصيّة الأدواري منه إذا


ومنه يظهر الحال في صحيحة محمد بن مسلم ، قال : سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول : «إن الغلام إذا حضره الموت فأوصى ولم يدرك ، جازت وصيّته لذوي الأرحام ولم تجز للغرباء» (1).

فإن الحال فيها هو الحال في معتبرة أبي بصير المتقدِّمة. فإن تمّ إجماع على عدم التفصيل فلا بدّ من طرحها ، كما يظهر ذلك من ذهاب المشهور إلى عدم الفرق ، وإلّا كما هو الظاهر فلا بدّ من تقييد إطلاق ما دلّ على نفوذ وصيّة الصبي إذا بلغ عشراً.

وبعبارة اخرى نقول : إن النسبة بين صحيحة محمد بن مسلم وبين ما دلّ على نفوذ وصيّة الغلام إذا بلغ عشراً ، إنما هي العموم والخصوص من وجه ، فهما قد يجتمعان وقد يفترقان. فيجتمعان في وصيّة الغلام البالغ عشراً لأرحامه. ويفترقان في موردين : وصيّة البالغ عشراً لغير أرحامه ، ووصيّة من لم يبلغ عشراً لأرحامه. حيث إن مقتضى ما دل على نفوذ وصيّة البالغ عشراً هو صحّة الأوّل وفساد الثاني ، في حين إن مقتضى صحيحة محمّد بن مسلم هو العكس فيهما. وحينئذ فمقتضى القواعد هو التساقط ، والرجوع إلى عموم ما دلّ على حجر الصبي وعدم نفوذ تصرّفاته ما لم يحتلم.

فما أفاده الماتن (قدس سره) وفاقاً للمشهور ، لا يمكن المساعدة عليه ، لأن القدر المتيقن من نفوذ وصيّة الصبي هو ما إذا بلغ عشراً وكانت وصيّته للأرحام. اللّهمّ إلّا أن يثبت إجماع على عدم الفرق ، لكنه غير ثابت.

(1) لرفع القلم عنه فلا أثر لتصرفاته ، ولا تثبت له الكتابة في قوله تعالى ( كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ ) (2). وكذا النصوص الواردة في المقام.


1) الوسائل ، ج 19 كتاب الوصايا ، ب 44 ح 1.

2) سورة البقرة 2 : 180.

كانت في دور إفاقته (1). وكذا لا تصحّ وصيّة السكران حال سكره (2). ولا يعتبر استمرار العقل ، فلو أوصى ثمّ جن ، لم تبطل (3).


(1) لتمامية الشرط في حقه.

(2) إذا بلغ حد فقد العقل وسلب الإدراك والشعور ، فإنّه يلحق حينئذ بالمجنون وإلّا فلا دليل على اعتبار عدمه ، لأن الدليل منحصر في إلحاقه بالمجنون وهو ليس كذلك.

(3) كما هو مقتضى صريح كلماتهم وحكمهم بصحّة وصيّة المجنون الأدواري في حال إفاقته.

ودعوى أن الوصيّة من العقود الجائزة ، وهي تبطل بالجنون المتأخر ما لم يدلّ دليل على عدمه ، وهو مفقود في المقام.

مدفوعة بأنها من الدعاوي التي لم يقم عليها دليل.

نعم ، هي ثابتة في موردين : أحدهما من العقود ، والآخر ليس منها.

فالأوّل : الوكالة ، حيث إن الوكيل إنما يجوز له التصرّف فيما جاز للموكل التصرّف فيه ، فإذا لم يكن للموكل ذلك للحجر عليه ، لم يكن للوكيل أيضاً. وهذا يعني بطلان الوكالة ، وهل هو على الإطلاق ، أو أنها تعود بعد ارتفاع الجنون؟ فيه كلام يأتي في محلِّه.

والثاني : الإباحة والإذن ، حيث يبطلان بالجنون المتأخر بلا إشكال ، باعتبار أنها شرط معتبر في كل تصرّف حيث لا بدّ من كونها مقارناً له ، وهي لا تصحّ من المجنون. إلّا أنها ليست من العقود.

وكيف كان ، فثبوت هذه القضية في مورد من العقود ، لا يقتضي ثبوتها وعمومها لكل العقود الجائزة. ومن هنا فلا مجال للحكم بالبطلان في المقام عند طرو الجنون للموصي بعد الحكم بصحتها.

كما أنه لو أُغمي عليه (1) أو سكر لا تبطل وصيّته. فاعتبار العقل إنما هو حال إنشاء الوصيّة.

الثالث : الاختيار (2).

الرابع : الرّشد ، (1)فلا تصحّ وصيّة السفيه (3) وإن كانت بالمعروف ، سواء كانت قبل حجر الحاكم أو بعده. وأمّا المفلس فلا مانع من وصيّته وإن كانت بعد


(1) يظهر الحال فيه مما تقدّم في الجنون ، بناءً على إلحاقه به لا بالنوم.

(2) إجماعاً ، ولرفع القلم عن المكره. حيث قد عرفت في بعض الأبحاث السابقة أن ظاهر الرفع ارتفاع كل ما يترتب على العمل من الآثار ، سواء في ذلك الكفارة والحدّ وغيرهما ، فيفرض ذلك الإنشاء كالعدم ولا يترتب عليه أثر. ومن هنا فيكون دليل الرفع حاكماً على ما دلّ على ثبوت شي‌ء وترتبه على ذلك الفعل.

ولا موجب لدعوى اختصاصه بالمؤاخذة خاصة ، فإنها دعوى بلا دليل ، بل يشهد لبطلانها صحيحة البزنطي عن أبي الحسن (عليه السلام) في الرجل يستكره على اليمين فيحلف بالطلاق والعتاق وصدقة ما يملك ، أيلزمه ذلك؟ فقال (عليه السلام) : «لا ، قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) : وضع عن أُمتي ما اكرهوا عليه ، وما لم يطيقوا ، وما أخطأوا» (2).

فإنّ استشهاده (عليه السلام) بنفي الإكراه في المقام ، دليل على عدم اختصاصه بنفي المؤاخذة.

(3) اختاره العلامة (قدس سره) (3)وجملة من الأصحاب. وكأنّ الوجه فيه إطلاق ما دلّ على الحجر على السفيه وأنه لا يجوز أمره ، فإنّ مقتضى إطلاقه عدم الفرق بين ما إذا كانت بالمعروف وعدمه ، وبين ما إذا حكم الحاكم بحجره وعدمه.


1) (*) في اعتباره إشكال ، والاحتياط لا يُترك.

2) الوسائل ، ج 23 كتاب الأيمان ، ب 12 ح 12.

3) انظر مختلف الشيعة 6 : 363 مسألة 141.

.................................................................................................


لكن عن جامع المقاصد أنّ المشهور بين الأصحاب جواز وصيّة السفيه في البر والمعروف (1).

والصحيح أن أدلة الحجر قاصرة الشمول لوصيّة السفيه. أما الآية الكريمة ( فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ ) (2)فهي ناظرة إلى دفع أموالهم إليهم ليتصرفوا فيها كيف يشاؤون ، فهي منصرفة عن الوصيّة ولا تنظر إليها. ولا يبعد دعوى ذلك في نصوص الحجر أيضاً.

ولعل الوجه فيه أن هذا الجعل (الحجر) إنما هو لمصلحة السفيه ومراعاة حفظ أمواله ، وإلّا فهو مالك له بلا إشكال ، فيختص بتصرفاته فيها حال حياته حيث تكون الأموال مملوكة له ، ولا تشمل بعد مماته لأنها تنتقل عنه إلى غيره لا محالة وبناءً على صحّة وصيّته تنتقل إلى الموصى له في الوصيّة التمليكية ، وتبقى في ملكه في العهدية. ومن هنا لا يكون في الحجر عليه من هذه الجهة أي امتنان عليه ، بل يكون هو خلاف الامتنان في حقه.

ويؤيده معتبرة أبي الحسين الخادم بياع اللؤلؤ عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : سأله أبي وأنا حاضر عن اليتيم متى يجوز أمره؟ قال ( حَتّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ ) . قال : وما أشده؟ قال : «احتلامه». قال : قلت : قد يكون الغلام ابن ثمان عشرة سنة أو أقل أو أكثر ولم يحتلم؟ قال : «إذا بلغ وكتب عليه الشي‌ء جاز أمره ، إلّا أن يكون سفيهاً أو ضعيفاً» (3).

فإنها ظاهرة في اختصاص الحجر على السفيه بما يكون عليه ، فلا يشمل ما لا يكون كذلك ، والوصيّة منها كما عرفت. ولذا يصح قبوله للوصيّة له بلا خلاف فيه فيما نعلم وإن كان المال لا يدفع إليه.

كما يؤيِّده معتبرة محمّد بن مسلم كما في التهذيب عن أحدهما (عليهما السلام)


1) جامع المقاصد 10 : 33.

2) سورة النساء 4 : 6.

3) الوسائل ، ج 18 كتاب الحجر ، ب 2 ح 5.

حجر الحاكم ، لعدم الضرر بها على الغرماء (1) لتقدّم الدَّين على الوصيّة.

الخامس : الحرِّيّة ، فلا تصحّ وصيّة المملوك ، بناءً على عدم ملكه وإن أجاز مولاه (2). وكذا بناءً على ما هو الأقوى من ملكه ، لعموم أدلّة الحجر (3) ، وقوله


قال : «يجوز طلاق الغلام إذا كان قد عقل وصدقته ووصيّته وإن لم يحتلم» (1). فإنّ ظاهرها كون العبرة في النفوذ بالعقل خاصة ، ومن غير اعتبار للرشد.

إذن فما نسب إلى المشهور من نفوذ وصيّة السفيه هو الصحيح.

ثمّ إن مقتضى ما تقدّم عدم الفرق بين وصيّته بالمعروف أي ما يكون راجحاً شرعاً وغيره ، فتنفذ وصيّته وإن تعلّقت بالمباح.

نعم ، لا تصحّ الوصيّة بما يخالف الكتاب والسنة ، إلّا أنه لا يختص بالسفيه.

(1) واختصاص الحجر عليه بالتصرف المزاحم لحقهم ، فحاله حال من أوصى وعليه ديون مستوعبة لجميع أمواله وبعد لم يحجر عليه.

(2) حيث لا تكون من الوصيّة الفضولية كي تصحّ بإذن مولاه ، لأنها إنما تكون فضولية فيما لو علق التمليك على وفاة المولى. وأما إذا علقه على وفاته هو كما هو المفروض ، فلا تصحّ حتى مع إجازة المولى ، إذ لا يصحّ تعليق الملكية على وفاة غير المالك.

(3) كقوله تعالى ( ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْ‌ءٍ ) (2).

وصحيحة محمد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) أنه قال في المملوك : «ما دام عبداً فإنه وماله لأهله ، لا يجوز له تحرير ولا كثير عطاء ولا وصيّة ، إلّا أن يشاء سيِّده» (3).


1) تقدّمت في ص 335 ه 2.

2) سورة النحل 16 : 75.

3) الوسائل ، ج 19 كتاب الوصايا ، ب 78 ح 1.

(عليه السلام) : «لا وصيّة لمملوك» (1) بناءً على إرادة نفي وصيّته لغيره (2) لا نفي الوصيّة له. نعم ، لو أجاز مولاه صحّ (3) على البناء المذكور.


هذا كلّه مضافاً إلى ما دلّ على نفوذ وصيّة المكاتب بحساب ما أعتق منه كصحيحة محمّد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) ، قال : «قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في مكاتب قضى بعض ما كوتب عليه ، أن يجاز من وصيّته بحساب ما أُعتق منه. وقضى في مكاتب قضى نصف ما عليه فأوصى بوصيّة ، فأجاز نصف الوصيّة. وقضى في مكاتب قضى ثلث ما عليه فأوصى بوصيّة ، فأجاز ثلث الوصيّة» (1)فإنها تدلّ على عدم نفوذ وصيّة العبد.

(1) رواه الشيخ بإسناده عن الحسين بن سعيد ، عن علي بن حديد ، عن جميل بن دراج ، عن أحدهما (عليهما السلام) (2).

وقد رده صاحب الجواهر (قدس سره) لضعف سنده بعلي بن حديد (3). لكن ناقش فيه بعضهم بأنّ الأظهر وثاقته ، لكننا لا نعلم له وجهاً ، فإنه لم يرد في شي‌ء من النصوص مدحه فضلاً عن توثيقه ، إلّا روايتين هما ضعيفتا السند ، فلا تصلحان للاعتماد عليهما. نعم ، ورد ذكره في أسناد كامل الزيارات وتفسير علي بن إبراهيم. فعلى ما اخترناه من وثاقة كل من يقع في إسنادهما فلا بأس بتوثيقه ، لولا أن الشيخ (قدس سره) قد ذكر في مواضع من كتابيه أنه ضعيف جدّاً (4)فإنه يمنع من الحكم بوثاقته.

(2) أي بمعنى كون إضافته إضافة إلى الفاعل كما هو الظاهر ، لا إضافة إلى المفعول.

(3) كما صرّحت به صحيحة محمّد بن قيس المتقدِّمة.

وكذا الحال فيما لو أوصى من دون إجازة المولى ثمّ أمضاها السيد ، حيث يشملها


1) الوسائل ، ج 19 كتاب الوصايا ، 81 ح 1.

2) الوسائل ، ج 19 كتاب الوصايا ، ب 78 ح 2.

3) الجواهر.

4) راجع التهذيب 9 : 169 / 688.

ولو أوصى بماله ثمّ انعتق وكان المال باقياً في يده صحّت (1) على إشكال (1)(2). نعم ، لو علّقها على الحرِّيّة ، فالأقوى صحّتها (3). ولا يضرّ التعليق المفروض


تعليله (عليه السلام) في صحيحة زرارة الواردة في نكاح العبد من دون إذن مولاه من : «أنه لم يعص اللّه ، وإنما عصى سيِّده ، فإذا أجازه جاز» (2)فإن مقتضى عموم التعليل عدم اختصاص الحكم بالنكاح. وحينئذ فيحكم بالصحّة فيما نحن فيه أيضاً ، ونتيجة ذلك هو القول بأن الإجازة المعتبرة أعمّ من الحدوث والبقاء ، بمعنى أن المصحِّح للعقد هو الأعمّ من الإذن السابق والإجازة اللّاحقة.

(1) وكأنّ الوجه فيها هو زوال المانع ، بعد عدم الدليل على مانعية الرقية على الإطلاق والبطلان إلى الأبد ، إذ الدليل يختص بما دام رقاً.

(2) قوي جدّاً ، لأن مقتضى إطلاقات أدلّة اعتبار الحرية وعدم نفوذ وصيّة العبد إلّا بإذن مولاه أو إمضائه كصحيحة محمد بن قيس ، عدم الفرق في البطلان بين تحرره وبقائه على الرقية ، فتكون كوصيّة الصبي قبل بلوغه عشراً ، فإنها حين وقوعها لم تكن محكومة بالصحّة ، فالحكم بصحّتها بعد ذلك يحتاج إلى الدليل وهو مفقود ، بل مقتضى إطلاق صحيحة محمّد بن قيس عدم تأثير الحرية المتأخرة في نفوذها.

نعم ، لو أمضاها بعد حريته حكم بصحّتها ، نظراً إلى أن إمضاءها لها بمنزلة وصيّة جديدة.

(3) بل الأقوى فسادها ، لأن المراد بالتعليق إن كان هو ما يكون على نحو الشرط المتأخر ، بمعنى كون الوصيّة فعلية وكون المعلق عليه أمراً متأخراً ، فلا حاجة في إثبات بطلانها إلى دعوى أن التعليق يقتضي البطلان ، فإنه وإن لم نقل بذلك فإنّ الروايات الواردة في المقام كصحيحة محمد بن قيس تكفينا في الحكم ببطلانها ، إذ أن المستثنى فيها إنما هو خصوص فرض مشيئة السيِّد ، ومقتضى إطلاقها عدم الفرق بين الوصيّة المعلقة وغيرها.


1) (*) الإشكال قوي فيه وفيما بعده ، نعم إذا أجازها بعد العتق صحّت وإن لم يجزها المولى.

2) الوسائل ، ج 21 كتاب النكاح ، أبواب نكاح العبيد والإماء ، ب 24 ح 1.

كما لا يضرّ إذا قال : هذا لزيد إن متّ في سفري (1). ولو أوصى بدفنه في مكان خاصّ لا يحتاج إلى صرف مال ، فالأقوى الصحّة (2). وكذا ما كان من هذا القبيل.


وإن كان هو ما يكون من قبيل الشرط المقارن ، بأن ينشئ العبد من الآن الوصيّة المتأخرة عن حريته ، بحيث لا يكون بالفعل غير الإنشاء وأما المنشأ فظرفه هو الزمان الآتي ، فمثل صحيحة محمد بن قيس وإن لم يقتض بطلانها حيث إن المنع والحجر إنما يتعلقان بنفس المنشأ دون اللفظ والصيغة ، فإنه لا دليل على حجره بالنسبة إليهما أيضاً ، إلّا أن مثل هذا التعليق مبطل جزماً بل هو القدر المتيقن من التعليق المبطل. ولا يقاس ذلك بتقييد الموصى له بكونه عالماً أو خيراً ، على ما سيأتي توضيحه.

إذن فالصحيح بطلان مثل هذه الوصيّة من العبد ، سواء أكان التعليق من قبيل الشرط المتأخر أم كان من قبيل الشرط المقارن ، ما لم ينشئ وصيّة جديدة بعد العتق ولو بإمضائه للوصيّة الأُولى.

(1) ما أفاده (قدس سره) يعد من غرائب ما صدر منه رحمه اللّه. فإنّ التعليق على الموت مقوم لعنوان الوصيّة ، سواء أكان تعليقاً على مطلق الموت وطبيعيه أم كان تعليقاً على موت خاصّ ، فلا يقاس على التعليق على الحرية.

ودعوى أنه لا دليل على بطلان الوصيّة بالتعليق ، فإنها لا تقاس بسائر العقود ، إذ لا مانع من تعليقها على كون الموصى لهم طلبة أو متدينين أو سكنة مدينة معينة.

مدفوعة بأنها أيضاً من غرائب الكلام. فإن التقييد ليس من التعليق في الوصيّة بل هي مطلقة وغير معلّقة على شي‌ء ، غاية الأمر أن الموصى له قد يكون مطلقاً وقد يكون مقيداً بصنف أو نوع معيّن ، فالتقييد إنما يكون في الموضوع خاصّة. وهذا بخلاف ما نحن فيه ، حيث إن تقييد الوصيّة بالحرية يرجع إلى تعليقها عليها ، بمعنى أنه إن كان حرّا فقد أوصى ، وإن لم يكن كذلك فهو لم يوص.

(2) لم يظهر لنا وجه أقوائية الصحّة.

السادس : أن لا يكون قاتل نفسه ، بأن أوصى بعد ما أحدث في نفسه ما يوجب هلاكه ، من جرح أو شرب سمّ أو نحو ذلك ، فإنّها لا تصحّ وصيّته على المشهور (1) المدَّعى عليه الإجماع ، للنصّ الصحيح الصريح (2) خلافاً لابن إدريس


فإنّ إطلاقات الحجر محكمة وشاملة للمقام ، كقوله تعالى ( ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْ‌ءٍ ) (1)فإنّ الوصيّة «شي‌ء». كما يشهد له استشهاد الامام (عليه السلام) في صحيحة زرارة لبطلان طلاق العبد بالآية الكريمة (2).

وصحيحة محمد بن قيس المتقدِّمة عن أبي جعفر (عليه السلام) أنه قال في المملوك : «ما دام عبداً فإنه وماله لأهله ، لا يجوز له تحرير ولا كثير عطاء ولا وصيّة ، إلّا أن يشاء سيده» (3).

فإنّ مقتضى إطلاق نفي نفوذها من دون مشيئة السيد ، عدم الفرق بين الوصيّة بالمال والوصيّة بغيرها.

ودعوى انصرافها إلى الوصيّة بالمال ، لا وجه لها.

(1) بل المتسالم عليه في الجملة ، حيث لم ينسب الخلاف فيه إلى أحد غير ابن إدريس (4)وتبعه بعض.

(2) وهو صحيح أبي ولاد ، قال : سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول : «من قتل نفسه متعمداً فهو في نار جهنم خالداً فيها». قلت : أرأيت إن كان أوصى بوصيّة ثمّ قتل نفسه من ساعته ، تنفذ وصيّته؟ قال : فقال : «إن كان أوصى قبل أن يحدث حدثاً في نفسه من جراحة أو قتل أُجيزت وصيّته في ثلثه ، وإن كان أوصى بوصيّة بعد ما أحدث في نفسه من جراحة أو قتل لعلّه يموت لم تجز وصيّته» (5).


1) سورة النحل 16 : 75.

2) الوسائل ، ج 22 كتاب النكاح ، أبواب مقدماته وشرائطه ، ب 45 ح 1.

3) الوسائل ، ج 19 كتاب الوصايا ، ب 78 ح 1.

4) السرائر 3 : 197.

5) الوسائل ، ج 19 كتاب الوصايا ، ب 52 ح 1.

وتبعه بعض. والقدر المنصرف إليه الإطلاق الوصيّة بالمال (1). وأما الوصيّة بما يتعلّق بالتجهيز ونحوه مما لا تعلّق له بالمال ، فالظاهر صحّتها.

كما إنّ الحكم مختصّ بما إذا كان فعل ذلك عمداً (2) لا سهواً أو خطأً ، وبرجاء أن يموت (3) لا لغرض آخر ، وعلى وجه العصيان (4) لا مثل الجهاد في سبيل اللّه. وبما لو مات من ذلك.

وأمّا إذا عوفي ثمّ أوصى ، صحّت وصيّته بلا إشكال (5). وهل تصحّ وصيّته


(1) ربّما يقال : إن الصحيح مختصّ بالمال ، بقرينة قوله (عليه السلام) : «في ثلثه». ومعه فلا وجه لدعوى الانصراف ، فإنه أساساً لا يشمل الوصيّة بغير المال.

وفيه : أن قوله (عليه السلام) : «في ثلثه» قيد لصورة تقدّم الوصيّة على الحدث في النفس ، وأما صورة تأخرها عنه التي هي محلّ الكلام فهي مطلقة وغير مقيّدة بالثلث.

وبعبارة اخرى : إن قوله (عليه السلام) : «في ثلثه» قيد لفرض جواز الوصيّة وأما فرض عدم جوازها فهو مطلق من هذه الناحية.

نعم ، الحكم في هذا الفرض منصرف إلى الوصيّة المالية ، بقرينة تقييده لفرض النفوذ بالثلث ، فلا مانع من الالتزام بنفوذها في غيره.

(2) وذلك لا لقوله (عليه السلام) في صدر الصحيحة : «من قتل نفسه متعمداً فهو في نار جهنم خالداً فيها» فإنّ من المحتمل أن يقال باختصاص هذا الحكم بالذات بالمتعمد ، وأما عدم نفوذ وصيّته فهو غير مقيد بالتعمد ، وإنما لقوله (عليه السلام) : «لعلّه يموت» فإنه صريح في الإتيان بالفعل عمداً لا سهواً أو خطأً.

(3) لقوله (عليه السلام) : «لعله يموت». ومن هنا فلو لم يكن الفعل لهذا الغرض فلا تشمله الصحيحة ، وإن ترتّب الموت عليه من باب الاتفاق.

(4) للانصراف العرفي ولو بقرينة صدر الصحيحة ، حيث حكم (عليه السلام) بأنه في نار جهنم خالداً فيها.

(5) بل الظاهر أن المسألة متفق عليها. وذلك لظهور صحيحة أبي ولاد في كون

قبل المعافاة؟ إشكال (1). ولا يلحق التنجيز بالوصيّة (2). هذا ولو أوصى قبل أن يحدث في نفسه ذلك ثمّ أحدث صحّت وصيّته ، وإن كان حين الوصيّة بانياً على أن يحدث ذلك بعدها ، للصحيح المتقدِّم (3) مضافاً إلى العمومات.


الوصيّة مقارنة لاحتمال الموت من قبل ذلك الحدث ، فلا تشمل ما إذا عوفي من الحدث وأوصى في حال الصحّة ، فإنّ الحدث السابق يكون حينئذ كالعدم.

(1) منشأه أن مقتضى صدر الصحيحة أن موضوع الحكم هو القاتل نفسه ، فلا يشمل ما نحن فيه ، لأن المفروض أنه عوفي منه ، وإن كانت وصيّته في زمان يحتمل فيه الموت نتيجة للحدث.

في حين إن مقتضى ذيلها ، أعني قوله (عليه السلام) : «وإن كان أوصى بوصيّة بعد ما أحدث في نفسه من جراحة أو قتل لعله يموت لم تجز وصيّته» هو عدم نفوذها سواء أتعقبها الموت أم لم يتعقبها. فالموضوع في عدم النفوذ هو المقدم على قتل نفسه من غير اعتبار لتحقق الموت في الخارج.

والثاني هو الأقوى ، ويدلّنا عليه مضافاً إلى ظاهر الصحيحة شمولها لمن أحدث في نفسه حدثاً لعله يموت ثمّ مات بسبب آخر غير ذلك الحدث ، كقتل غيره له أو الزلزلة أو نحوهما ، قبل المعافاة منه ، فإنه لم يلتزم أحد من الفقهاء بصحّة وصيّته ، بل لا يحتمل الحكم بنفوذها بدعوى أنه لم يمت بسبب ذلك الحدث. حيث يستكشف منه أنه لا يعتبر في عدم نفوذ وصيّته تعقبها للموت نتيجة للفعل ، بل هي ملغاة في هذه الحالة عقوبة له ، فتعتبر كالعدم ما لم ينشئ وصيّة جديدة بعد المعافاة.

(2) نظراً لكون الحكم في مورد الصحيحة على خلاف القاعدة ، فلا وجه لقياس غيرها من التصرّفات عليها.

(3) فإنّ مقتضى إطلاق قوله (عليه السلام) : «إن كان أوصى قبل أن يحدث حدثاً في نفسه من جراحة أو قتل أُجيزت وصيّته في ثلثه» عدم الفرق بين كونه بانياً على قتل نفسه حين الوصيّة وعدمه.

[3909] مسألة 11 : يصحّ لكل من الأب والجدّ الوصيّة بالولاية على الأطفال (1) مع فقد الآخر ، ولا تصحّ مع وجوده (2).


(1) بلا خلاف فيه بين الأصحاب. وتدلّ عليه جملة من النصوص عمدتها معتبرة محمد بن مسلم الواردة في المضاربة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، أنه سئل عن رجل أوصى إلى رجل بولده وبمال لهم وأذن له عند الوصيّة أن يعمل بالمال ، وأن يكون الربح بينه وبينهم ، فقال : «لا بأس به من أجل أنّ أباهم قد أذن له في ذلك وهو حيّ» (1).

فإنّ مقتضى عموم التعليل عدم اختصاص الحكم بالمضاربة ، وشموله لكل ما كان له التصرف فيه في حياته. ثمّ إنها وإن كانت واردة في الأب ، إلّا أنّ الحكم ثابت للجدّ أيضاً ، نظراً لأقوائية ولايته من ولاية الأب ، على ما تقدّم في كتاب النكاح.

هذا ويمكن أن يستدلّ على الحكم بما دلّ على أنّ عقدة النكاح بيد الأب والجدّ بدعوى أنه إذا ثبت ذلك في النكاح ثبت في الأموال بالأولوية القطعية ، باعتبار أنّ أمر الزواج أهمّ من غيره جزماً.

وكيف كان ، فالحكم متسالم عليه ، ولم ينسب الخلاف فيه إلى أحد.

(2) بلا خلاف فيه بين الأصحاب.

واستدلّ له بأنه ليس لدليل ثبوت الولاية إطلاق يشمل هذه الصورة أيضاً.

إلّا أنّ الأولى أن يستدلّ له بأنّ ولاية الأب والجد بمقتضى دليلها ولاية مطلقة وغير مقيّدة. ومن هنا فلا تنسجم مع جعل الولاية لغيرهما مع وجود واحد منهما في عرضه ، حيث إنّ مقتضاه تقييد ولايته بعدم تصرف ذلك الغير قبل تصرّفه. فهو نظير ما ذكرناه في باب الأوامر ، من أنّ مقتضى إطلاق الأمر كونه تعيينياً لا تخييرياً ، باعتبار أنّ جعل البدل له ينافي إطلاقه.

ففيما نحن فيه ، إطلاق الدليل ينافي كون الولي هو الجامع بين الباقي منهما ووصي الآخر ، بل مقتضاه كون الباقي هو الولي لا غير.


1) الوسائل ، ج 19 كتاب الوصايا ، ب 2 ح 1.

كما لا يصحّ ذلك لغيرهما حتى الحاكم الشرعي (1) فإنّه بعد فقدهما له الولاية عليهم ما دام حيّاً ، وليس له أن يوصي بها لغيره بعد موته ، فيرجع الأمر بعد موته إلى الحاكم الآخر ، فحاله حال كل من الأب والجدّ مع وجود الآخر.

ولا ولاية في ذلك للُام (2) خلافاً لابن الجنيد ، حيث جعل لها بعد الأب إذا كانت رشيدة (3).

وعلى ما ذكرنا فلو أوصى للأطفال واحد من أرحامهم أو غيرهم بمال ، وجعل أمره إلى غير الأب والجدّ وغير الحاكم ، لم يصحّ (4). بل يكون للأب والجد مع وجود أحدهما ، وللحاكم مع فقدهما. نعم ، لو أوصى لهم على أن يبقى بيد الوصي ثمّ يملكه لهم بعد بلوغهم ، أو على أن يصرفه عليهم من غير أن يملكهم ، يمكن أن يقال بصحّته (5) وعدم رجوع أمره إلى الأب والجدّ أو الحاكم.


(1) لقصور دليل ولايته ، لأنها إنما ثبتت له من باب كون الفعل مما لا بدّ من تحققه في الخارج ويرغب الشارع في حصوله وهو يحتاج إلى من يقوم به ، والقدر المتيقن منه هو الحاكم الشرعي ، فإنه يختص بحال حياته وما دام حاكماً شرعياً ، فلا يشمل إيصاءه لغيره بالولاية بعد مماته.

(2) بلا إشكال فيه ، لعدم الدليل على ثبوت الولاية لها في عرض الأب والجدّ أو طولهما.

(3) ولم يظهر لنا دليله.

(4) حيث لا يصحّ لأحد التشريع وجعل حكم لم يكن ثابتاً في الشريعة المقدّسة فإنّ الولاية على أموالهم منحصرة بالمذكورين ، فلا يصحّ جعلها لغيرهم.

(5) بل هو المتعيّن ، لأنه حينئذ ليس بمال للأطفال أو حقّ لهم ، وإنما هو مال للميت وباق على ملكه ، غاية الأمر أنه أمر وصيه بصرفه عليهم أو تمليكهم بعد بلوغهم إيّاه ، وهذا لا مانع منه حتى مع وجود الأبوين.

فصل : في الموصى به

تصحّ الوصيّة بكل ما يكون فيه غرض عقلائي محلل ، من عين ، أو منفعة ، أو حقّ قابل للنقل (1). ولا فرق في العين بين أن تكون موجودة فعلاً أو قوة. فتصحّ الوصيّة بما تحمله الجارية أو الدابّة أو الشجرة (2) وتصحّ بالعبد الآبق منفرداً (3) ولو لم يصحّ بيعه إلّا بالضميمة.

ولا تصحّ بالمحرّمات (4) كالخمر والخنزير ونحوهما ، ولا بآلات اللّهو ، ولا بما


فصل

في الموصى به

(1) لإطلاقات أدلّة الوصيّة ، وعمدتها قوله تعالى ( كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ ) (1). فإنّ المستفاد منها كون العبرة في نفوذ الوصيّة بصدق ما ترك على الموصى به ، وهو صادق على الأعيان والمنافع والحقوق القابلة للانتقال التي يخلفها المكلف بعد وفاته.

(2) للإطلاقات. فإنّ الوصيّة إنما تتعلق بثلث ما ترك لا ثلث ما هو موجود حينها ، كما يشهد له تأخر الإرث عنها ، وعلى هذا الأساس يدخل ما يتجدد له من الملك بعدها فيها.

نعم ، لو أوصى بثلث ما هو موجود عنده بالفعل ، لم يدخل الملك المتجدد في ضمنها.

(3) لما تقدّم من إطلاق دليل النفوذ ، وعدم الدليل على التقييد.

(4) لأنها لا تكون مملوكة له ولا متعلّقة لحقه ، ومعه فلا تدخل في عنوان ما ترك.


1) سورة البقرة 2 : 180.

لا نفع فيه ولا غرض عقلائي (1) كالحشرات وكلب الهراش ، وأمّا كلب الصّيد فلا مانع منه (2) وكذا كلب الحائط والماشية والزرع ، وإن قلنا بعدم مملوكية ما عدا كلب الصّيد ، إذ يكفي وجود الفائدة فيها (3). ولا تصحّ بما لا يقبل النقل من الحقوق (4) كحق القذف ونحوه. وتصحّ بالخمر المتّخذ للتخليل (5).

ولا فرق في عدم صحّة الوصيّة بالخمر والخنزير بين كون الموصي والموصى له مسلمين أو كافرين أو مختلفين ، لأنّ الكفار أيضاً مكلَّفون بالفروع (1)(6). نعم هم يقرّون على مذهبهم وإن لم يكن عملهم صحيحاً.


(1) لعدم اعتبار الملكية أو حقّ الاختصاص له أيضاً.

(2) لكونه مالاً ومملوكاً على حد سائر الأموال.

(3) فإنه يوجب كونه متعلقاً للحق ومختصّاً بمن هو في يده عند العقلاء ، ومن هنا فيدخل في عنوان ما ترك.

(4) لعدم صدق ما ترك عليه.

(5) لما تقدّم في كلب الحائط والماشية والزرع.

(6) الظاهر أنّ بطلان مثل هذه الوصيّة ، لا يتوقّف على دعوى تكليف الكفار بالفروع على حد تكليفهم بالأُصول ، بل هي لا تصحّ حتى بناءً على ما استظهرناه من بعض النصوص الصحيحة من عدم تكليفهم بالفروع.

وذلك لأن الإسلام وإن أقرّهم على ما هم عليه ، فلا يزاحمهم في بيع الخمر والخنزير أو الوصيّة بهما أو انتقالهما إلى الغير بالإرث ، إلّا أن ذلك لا يعني الحكم بالصحّة والأمر بنفوذها بعد ما كان مبغوضاً واقعاً ومنهياً عنه شرعاً ، بحيث يلزم الوصي بتنفيذها ويحرم عليه مخالفتها. فإنّ بين المسألتين ، أعني إقرارهم على مذهبهم والحكم بالنفوذ ، من البون ما لا يخفى. فهو نظير إيصاء الصبي لصبي مثله بالخمر ، فإنّه


1) (*) الحكم ببطلان الوصيّة بالخمر والخنزير ولو من الكافر للكافر لعلّه لا يتوقّف على تكليفهم بالفروع.

ولا تصحّ الوصيّة بمال الغير ولو أجاز ذلك الغير إذا أوصى لنفسه (1). نعم ، لو أوصى فضولاً عن الغير احتمل (1)صحّته إذا أجاز (2).


وإن قلنا بصحّة وصيّته ، إلّا أن ذلك لا يعني إلزام الشارع بتنفيذها ، نظراً لعدم كونه مكلّفاً بالفروع.

(1) بلا خلاف ظاهر فيه بين الأصحاب. فإنّ الإجازة إنما تصحّح العقد إذا كان للمجيز القيام بذلك التصرّف بالمباشرة ، وأما ما ليس له من التصرّفات فليس له أن يجيزه إذا صدر من غيره. وما نحن فيه من هذا القبيل ، فإنّ الوصيّة وإن كانت من العقود المعلَّقة ، إلّا أنها معلقة على موت نفس المالك ، وأمّا تعليقها على موت غيره فلا دليل على نفوذها.

وبعبارة اخرى : إنّ التعليق في التمليك غير جائز ، وإنما خرجنا عنه في التعليق على موت المالك لأدلّة نفوذ الوصيّة ، حيث عرفت أنّ قوامها بالتعليق ، فيبقى غيره على عموم المنع. فليس للمالك أن يعلّق التمليك على موت غيره ، وإذا لم يكن له هذا التصرّف بالمباشرة ، لم تصح إجازته له إذا صدر من غيره.

(2) بل هو المتعين ، بناءً على ما هو الصحيح ، واختار الماتن (قدس سره) في حاشيته على المكاسب من كون صحّة العقد الفضولي عند إجازة من بيده الأمر على القاعدة ، لأنه وبإجازته لها تنتسب تلك الوصيّة إليه ، فتكون وصيّة له حقيقة وإن لم يتلفظ بها مباشرة. وعليه فما أفاده الماتن (قدس سره) من الترديد في الصحّة في غير محلّه ، والمتعيّن هو الحكم بالصحّة بضرس قاطع.

وتوهّم أنّ ترديده (قدس سره) ناشئ من كون الوصيّة إيقاعاً على ما صرّح به والإجماع قائم على عدم جريان الفضولية في الإيقاعات.

مدفوع بعدم قيام دليل لفظي على عدم جريان الفضولية في الإيقاعات كي يتمسك بإطلاقه ، وإنما الدليل يختص بقيام الإجماع على عدم جريانها في الطّلاق والعتق


1) (*) هذا هو الأظهر.

[3910] مسألة 1 : يشترط في نفوذ الوصيّة كونها بمقدار الثّلث أو بأقلّ منه. فلو كانت بأزيد بطلت في الزائد (1)


حيث يعتبر فيهما لفظ خاص صادر من الزوج أو المولى. وحيث إن الإجماع دليل لبِّي ومورده يختص بهذين الإيقاعين ، فلا وجه للقول بعدم جريانها وعدم نفوذها بالإجازة في سائر الإيقاعات ، مثل الإبراء والوصيّة ، بل إنّ نفوذها بالإجازة في المقام أولى من نفوذها بها في العقود.

فإنّ العقد يتقوّم بالقبول ، فيمكن أن يرد عليه أن في زمان تحقّق القبول لم تكن إجازة ، وعند الإجازة لا قبول. بخلاف الإبراء والوصيّة ، حيث لا يعتبر فيها إلّا الاعتبار النفساني مع إبرازه في الخارج بمبرز. ومن هنا فتكون نفس الإجازة مصداقاً للإبراء أو الوصيّة ، فإنها ليست إلّا إبراز الاعتبار النفساني المتعلق بإسقاط ما في ذمّة المدين ، أو تمليك ماله عند موته لغيره ، فيكون نفوذها في المقام أَولى من نفوذها في العقود.

ومن هنا يظهر الفرق بين هذه الصورة والصورة السابقة ، حيث تصحّ هذه بإجازة المالك ، ولا تصحّ تلك بها.

هذا وقد ذكر شيخنا الأُستاذ (قدس سره) في تعليقته أمراً غريباً لم يكن متوقّعاً من مثله ، حيث ذكر أنه : لو كانت الوصيّة بمال الغير قابلة لأن تصحّ بالإجازة فالظاهر عدم الفرق بين الصورتين. فإنّ الفرق بين الصورتين أوضح من أن يخفى كما عرفت ، فلا وجه لقياس إحداهما بالأُخرى.

(1) والنصوص الدالّة عليه كثيرة ومتضافرة ، بل قيل إنها متواترة ، ولا يبعد دعوى التواتر الإجمالي وصدور بعضها منهم (عليهم السلام) جزماً.

ففي بعضها : «إن كان أكثر من الثّلث ردّ إلى الثّلث» (1).


1) الوسائل ، ج 19 كتاب الوصايا ، ب 67 ح 4.

إلّا مع إجازة الورثة بلا إشكال (1). وما عن علي بن بابويه من نفوذها مطلقاً (2) على تقدير ثبوت النسبة شاذ.


وفي بعضها إن أحدهم أوصى بجميع أمواله له (عليه السلام) فبعث إليه ، فأخذ (عليه السلام) الثلث وردّ الباقي (1).

بل وفي بعضها تفسير قوله تعالى ( فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ) بالزيادة على الثلث (2).

وكيف كان ، فالحكم متسالم عليه ، حيث لم ينسب الخلاف فيه إلى أحد غير علي ابن بابويه على خلاف في النسبة وهو شاذّ.

(1) إذا كانت الإجازة بعد وفاة الموصي ، فإن أمر المال حينئذ بيدهم ، فلهم أن يفعلوا به ما يشاؤون. وأما إذا كانت في حياته ، فقد وقع الخلاف في نفوذها. نعم المشهور هو النفوذ ، على ما سيأتي تحقيقه في المسألة الرابعة من هذا الفصل.

(2) استدل لهذا القول بروايات ثلاث :

الأُولى : رواية محمد بن عبدوس ، قال : أوصى رجل بتركته متاع وغير ذلك لأبي محمّد (عليه السلام) ، فكتبت إليه : رجل أوصى إليّ بجميع ما خلّف لك ، وخلّف ابنتي أُخت له ، فرأيك في ذلك؟ فكتب إليّ : «بع ما خلّف وابعث به إلى» فبعت وبعثت به إليه ، فكتب اليّ : «قد وصل» (3).

الثانية : رواية عمار بن موسى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : «الرجل أحقّ بماله ما دام فيه الروح ، إذا أوصى به كلّه فهو جائز» (4).

الثالثة : موثقة علي بن الحسن ، قال : مات محمد بن عبد اللّه بن زرارة وأوصى إلى أخي أحمد بن الحسن ، وخلّف داراً وكان أوصى في جميع تركته أن تباع ويحمل ثمنها


1) الوسائل ، ج 19 كتاب الوصايا ، ب 11 ح 7.

2) الوسائل ، ج 19 كتاب الوصايا ، ب 11 ح 2.

3) الوسائل ، ج 19 كتاب الوصايا ، ب 11 ح 16.

4) الوسائل ، ج 19 كتاب الوصايا ، ب 11 ح 19.

ولا فرق بين أن يكون بحصة مشاعة من التركة أو بعين معينة (1).


إلى أبي الحسن (عليه السلام) فباعها ، فاعترض فيها ابن أُخت له وابن عم له فأصلحنا أمره بثلاثة دنانير ، وكتب إليه أحمد بن الحسن ودفع الشي‌ء بحضرتي إلى أيوب بن نوح ، فأخبره أنه جميع ما خلف ، وابن عم له وابن أُخته عرض وأصلحنا أمره بثلاثة دنانير ، فكتب : «قد وصل ذلك» وترحّم على الميت ، وقرأت الجواب (1).

وقد ردّها بعضهم بأنها وإن كانت تعارض ما دلّ على أن حدّ الوصيّة الثلث ، إلّا أنّ الطائفة الثانية تترجّح عليها ، نظراً لأصحيّة سندها ، وأكثرية عددها ، وأوضحية دلالتها ، وموافقتها لفتوى الأصحاب ظاهراً.

لكن الظاهر أن الأمر ليس كذلك ، فإنّ هذه الطائفة تقصر عن معارضة تلك أساساً.

فإنّ الروايتين الأُوليين ضعيفتا السند ، وإن عُبِّر عنهما في بعض الكلمات بموثقة محمّد بن عبدوس ، وموثقة عمار بن موسى. أما الاولى فلأنّ محمّد بن عبدوس مجهول ، ولم يردْ فيه مدح فضلاً عن التوثيق. وأما الثانية فلأنّ في طريقها عمر بن شداد على ما في الكافي والتهذيب (2)أو عمرو بن شداد على ما في الفقيه والاستبصار (3)والسري. والأوّل مجهول ، لم يرد فيه مدح فضلاً عن التوثيق. والثاني مشترك بين أشخاص متعددين ، ومن ثمّ فمجهول.

وأما الرواية الثالثة فلعلّ الجواب عنها واضح. فإنها أجنبية عن محلِّ الكلام ، فإنّ مفروضها إجازة الوارث للوصيّة نتيجة لأخذه ثلاثة دنانير ، فلا تكون معارضة لما دلّ على أن حدّها الثلث ، وإلّا فقد وردت جملة من النصوص الدالّة على أنه (عليه السلام) اقتصر على أخذ الثلث في نظائر هذا المورد.

(1) بلا خلاف فيه بينهم. ويقتضيه مضافاً إلى إطلاقات الأدلّة صريح جملة


1) الوسائل ، ج 19 كتاب الوصايا ، ب 11 ح 17.

2) الكافي 7 : 7 ، التهذيب 9 : 187 / 753.

3) الفقيه 3 : 150 / 520 ، الاستبصار : 4 : 121 / 459.

ولو كانت زائدة وأجازها بعض الورثة دون بعض ، نفذت في حصّة المجيز فقط (1) ولا يضرّ التبعيض ، كما في سائر العقود. فلو خلف ابناً وبنتاً وأوصى بنصف تركته ، فأجاز الابن دون البنت ، كان للموصى له ثلاثة إلّا ثلث من ستة (2). ولو انعكس كان له اثنان وثلث من ستة.

[3911] مسألة 2 : لا يشترط في نفوذها قصد الموصي كونها من الثّلث الذي جعله الشّارع له (3). فلو أوصى بعين غير ملتفت إلى ثلثه ، وكانت بقدره أو أقلّ ، صحّت. ولو قصد كونها من الأصل ، أو من ثلثي الورثة وبقاء ثلثه سليماً


منها ، حيث إنّ النصوص التي استدلّ بها على مذهب المشهور واردة في كلا القسمين.

(1) كما هو ظاهر النصوص. ودعوى توقف نفوذها في حصته على إجازة الآخر لحصته ، بحيث يكون نفوذ الزائد بالإجازة على نحو الواجب الارتباطي ، بعيدة عن الفهم العرفي.

(2) باعتبار أنه يستحق اثنين من ستة بمقتضى أصل الوصيّة ، فيكون الفارق بينه وبين النصف سهماً واحداً من ستة. وحيث إنه مشترك بين الولد والبنت بمقتضى الإرث على نحو التفاضل ، يكون مقتضى إجازة الولد نفوذها في حصته والبالغة ثلثي هذا الواحد.

ومنه يظهر الحال في إجازة البنت للزائد دونه.

(3) إذ العبرة إنما هي بالواقع ، وكون الموصى به بمقدار الثلث أو أقل منه بحسب نفس الأمر. وأما قصد العنوان وعلم الموصي به أو التفاته إليه ، فلا عبرة به ولا دخل له في النفوذ وعدمه ، على ما يقتضيه إطلاقات الأدلة.

ولذا لو أوصى بعين معتقداً أنها تمام ماله ، ثمّ انكشف كونها بمقدار ثلثه أو أقلّ نفذت وصيّته ، سواء أكان الانكشاف قبل موته أم بعده. والعكس بالعكس ، فإنه لو أوصى بها معتقداً كونها بمقدار ثلثه أو أقلّ ، ثمّ بان كونها أكثر منه ، لم تنفذ الوصيّة إلّا في الثّلث خاصّة.

سليماً ، مع وصيّته بالثّلث سابقاً أو لاحقاً ، بطلت مع عدم إجازة الورثة (1).


(1) في إطلاق كلامه (قدس سره) إشكال ، بل منع.

والتحقيق أن يقال : أما في صورة قصد كونها من ثلثي الورثة مع بقاء ثلثه سليماً فالأمر كما أفاده (قدس سره). فإنّ الوصيّة بالعين المعينة ، مع فرض تحفظه على الثلث وعدم رفع اليد عن الوصيّة به سابقاً أو لاحقاً ، تكون من الوصيّة الزائدة عن الثلث لا محالة ، وحينئذ وبطبيعة الحال يتوقف نفوذها على إجازة الورثة.

وأما في صورة قصد كونها من أصل المال ، فالأمر في ثلثيها اللّذين يخرجان من ثلثي الورثة أيضاً كذلك. وأما ثلثها الذي يخرج من ثلث الميت ، فلم يظهر لنا وجه الحكم ببطلانه ، فإنّ للميت أن يعين ثلثه في أي عين من أعيان أمواله شاء على ما تقدّم لإطلاق الأدلّة ، بل لصريح بعضها ، ومن دون أن يكون فيه أي مخالفة للشرع.

ثمّ إن هذا الذي ذكرناه لا يختص بما إذا كانت له وصيّة بالثلث سابقة على وصيّته بهذه العين ، بل يجري فيما لو أوصى بها أوّلاً ثمّ أوصى بالثلث بعدها. فيقال : إنّ الوصيّة الأُولى تنفذ في ثلثها الذي يكون من ثلث الوصيّة الثانية ، وأما بالنسبة إلى ثلثيها الآخرين فيتوقف نفوذها على إجازة الورثة ، كما هو الحال فيما لو أوصى بكون جميعها من ثلثي الورثة.

والوجه فيه مع أنّ في الوصيّة الأُولى لم يكن الموصى به زائداً على الثلث ، هو أنّ العبرة في الزيادة عن الثلث وعدمها إنما هي بحال الموت لا حال الوصيّة. ولذا لو أوصى بتمام الدار التي لم يكن يملك حين الوصيّة غيرها لزيد ، ثمّ رزقه اللّه أموالاً بحيث أصبحت الدار حين موته بمقدار ثلثه أو أقلّ ، حكم بنفوذها. كما أنه لو كانت الدار حين الوصيّة ثلث ما يملكه ، ولكنها أصبحت حين موته تمام ما يملكه ، نفذت الوصيّة في ثلثها فقط.

وعلى هذا فلو أوصى أوّلاً بكون عين من أعيان أمواله لزيد ، بقصد كونها من مجموع المال أو خصوص ثلثي الورثة ، ثمّ أوصى بعد ذلك بالثلث ، انقلبت الوصيّة

بل وكذا ان اتّفق أنه لم يوص بالثّلث أصلاً. لأنّ الوصيّة المفروضة مخالفة للشرع (1)(1) وإن لم تكن حينئذ زائدة عن الثّلث. نعم ، لو كانت في واجب نفذت لأنّه يخرج من الأصل (2)(2) إلّا مع تصريحه بإخراجه من الثّلث.


الاولى عن وصف عدم كونها زائدة على الثلث إلى وصف كونها زائدة عليه ، فكانت وصيّته زائدة على الثلث بقاءً وإن لم تكن كذلك حدوثاً ، حيث لم تكن له وصيّة بالثلث.

ومن هنا فتنفذ الوصيّة في ثلثها خاصّة ، وأما ثلثاها الآخران فيتوقّف نفوذها فيها على إجازة الوارث.

فالمتحصِّل من جميع ما تقدّم ، أن إطلاق الماتن (قدس سره) للحكم بالبطلان ، لا وجه له ولا يمكن المساعدة عليه.

(1) فيه منع ظاهر ، إذ عرفت أن العبرة في الزيادة على الثلث إنما هي بحين الموت وهي غير متحققة في المقام وإن كان الموصي قد قصد هذا العنوان ، إلّا أنه لا أثر لقصده هذا. ولذا لو أوصى بداره وكان يعتقد أنها تمام ما يملكه ، ثمّ انكشف في حياته أو بعد وفاته الخلاف وأنها بمقدار ثلثه أو أقلّ ، نفذت الوصيّة. فإنّ العبرة على ما تقدّم إنما هي بالواقع ، لا بقصد كونه من الثلث أو من الزائد عليه.

وبعبارة اخرى نقول : إن تعنون هذه الوصيّة بكونها وصيّة زائدة على الثلث يتوقّف على الوصيّة في مرحلة سابقة على هذه الوصيّة أو لاحقة لها بالثلث. وأما مع عدمها ، فلا معنى لأنْ يقال بأنها زائدة عليه ، إذ لا شي‌ء كي تكون هذه زائدة عليه بالقياس إليه.

وعليه فالحكم بالبطلان في هذه الصورة ، لا وجه له ولا دليل عليه.

(2) مرّ في بحث الصلاة أنّ هذا الحكم إنما يختص بالواجبات المالية الواجبة


1) (*) فيه منع ظاهر.

2) (**) مرّ أنّ الواجبات الدينيّة كالصّلاة والصّوم لا تخرج من الأصل ، وبذلك يظهر حال المسألة الآتية.

[3912] مسألة 3 : إذا أوصى بالأزيد أو بتمام تركته ، ولم يعلم كونها في واجب حتى تنفذ ، أو لا حتى يتوقف الزائد على إجازة الورثة ، فهل الأصل النفوذ إلّا إذا ثبت عدم كونها بالواجب ، أو عدمه إلّا إذا ثبت كونها بالواجب؟ وجهان.

ربّما يقال بالأوّل ، ويحمل عليه ما دلّ من الأخبار على أنه إذا أوصى بماله كلِّه فهو جائز ، وأنه أحقّ بماله ما دام فيه الروح. لكن الأظهر الثاني ، لأنّ مقتضى ما دلّ على عدم صحّتها إذا كانت أزيد من ذلك ، والخارج منه كونها بالواجب ، وهو غير معلوم (1).

نعم ، إذا أقرّ بكون ما أوصى به من الواجب عليه يخرج من الأصل (2).


بالأصالة كالديون ، ومنها الخمس والزكاة وحجة الإسلام. ولا يعمّ الواجبات البدنية ، كالصلاة والصوم والواجب بالعارض كالحج المنذور ، فإنّ حالها حال غير الواجبات في الخروج من الثلث خاصة.

(1) فإنّ احتمال كونه مديناً مدفوع بالأصل ، كما هو الحال فيما لو لم يكن قد أوصى أصلاً ، أو كان قد أوصى بثلثه في جهة معينة. وعليه فلا يكفي مجرّد الاحتمال في جواز الإخراج من الأصل. وأما الإخراج من حيث الوصيّة فكذلك ، لكونه خلاف ما دلّ على عدم نفوذها في الزائد عن الثّلث.

وبعبارة اخرى : إنّ الإخراج من أصل التركة ، إما يكون بالوصيّة أو لكونه من الواجبات التي تخرج منه. والأوّل خلاف النصوص الدالّة على عدم نفوذ الوصيّة في الزائد عن الثلث إلّا بإجازة الوارث. والثاني خلاف الأصل.

وعليه ففي مورد الشك لا يجوز إخراج الزائد ، لا من حيث احتمال كونه من الواجبات التي تخرج من الأصل ، ولا من حيث الوصيّة.

(2) بلا إشكال فيه ، لقاعدة نفوذ إقرار العقلاء على أنفسهم فإنه منه ، وليس من الإقرار على الورثة كما قيل ، إذ الإرث إنما يترتب على عنوان ما ترك ، وإذا أقرّ

بل وكذا إذا قال : أعطوا مقدار كذا خمساً أو زكاة أو نذراً أو نحو ذلك ، وشكّ في أنها واجبة عليه أو من باب الاحتياط المستحبي ، فإنها أيضاً تخرج من الأصل ، لأنّ الظاهر من الخمس والزكاة الواجب منهما (1) والظاهر من كلامه اشتغال ذمّته بهما (2).

[3913] مسألة 4 : إذا أجاز الوارث بعد وفاة الموصي ، فلا إشكال في نفوذها (3) ولا يجوز له الرجوع في إجازته (4).


الموصي في حال حياته بالدين الزم به وأُجبر على دفعه إذا امتنع عنه ، وعندئذ فلا يبقى موضوع لإرث الورثة ، أعني عنوان ما ترك.

وبعبارة اخرى : إنّ دعوى كون إقرار الموصي هذا إقراراً في حقّ الورثة ، إنما تتم فيما إذا لم يكن لهذا الإقرار أثر إلّا الإخراج من أصل المال ، وأما إذا كان له أثر في حال حياته كلزوم دفعه وما شاكله نفذ إقراره ، وبه يثبت موضوع يرتفع معه إرث الوارث.

هذا مضافاً إلى إمكان استفادة الحكم من جملة من النصوص الدالة على أنّ الميت إذا كان أوصى بحجّة ، فإن كانت هي حجّة الإسلام خرجت من أصل المال ، وإلّا فمن الثّلث (1)فإنها تدل على أنّ اعتراف الميت في حياته مسموع ويلزم العمل على وفقه.

(1) إذ إن غير الواجب لا يكون خمساً أو زكاة ، وإنما هو تبرع وهدية.

(2) فلا أثر يترتب على احتمال الخلاف.

(3) بلا خلاف فيه بيننا ، ولأنهم مالكون للمال حقيقة لانتقاله إليهم بالإرث ، فلهم أن يتصرّفوا فيه كيف ما شاؤوا.

(4) لنفوذ الوصيّة وانتقال الموصى به إلى الموصى له بمجرد الإجازة ، بناءً على كون الإجازة تنفيذاً لعمل الموصي ، على ما سيأتي اختياره منا. وأما بناءً على كونها هدية منهم ، فلهم الرجوع فيها قبل القبض مطلقاً ، وبعده فيما إذا لم تكن الهبة لازمة بشرط أو لكونها إلى ذي رحم.


1) الوسائل 19 : 357 و 358 كتاب الوصايا ، باب 41 ح 24756 و 24757.

وأمّا إذا أجاز في حياة الموصي ، ففي نفوذها وعدمه قولان (1). أقواهما الأوّل ، كما هو المشهور ، للأخبار (2)


(1) بل أقوال :

النفوذ مطلقاً.

وعدمه مطلقاً. ذهب إليه المفيد (قدس سره) في المقنعة (1)وابن إدريس (قدس سره) (2)وغيرهما ، باعتبار أنهم أجنبيون عن المال تماماً ، ولا حقّ لهم فيه ما دام الموصي على قيد الحياة ، فلا تكون إجازتهم نافذة ، ولهم الرجوع عنها والمطالبة بالإرث بعد موت الموصي.

والتفصيل بين كون الوصيّة حال المرض فتنفذ إجازتهم ، وكونها حال الصحّة فلا.

والتفصيل بين غنى الوارث وفقره ، فتنفذ في الأوّل إذا كانت الإجازة من غير استدعاء الموصي ، ولا تنفذ إذا كانت باستدعائه أو كان الوارث فقيراً.

ولا دليل على شي‌ء من الأقوال الثلاثة الأخيرة.

نعم ، القاعدة الأوّلية تقتضي عدم نفوذها في حياة الموصي ، لأن الوارث أجنبي حينئذ عن المال. ومن هنا فتكون إطلاقات ما دلّ على عدم نفوذ الوصيّة فيما زاد عن الثلث محكمة ، حيث إن مقتضاها عدم الفرق بين إجازتهم في حياة الموصي وعدمه. لكن هذا إنما ينفع على تقدير عدم النص في المقام ، وحيث إنه موجود فلا أثر له.

(2) منها : صحيحة محمد بن مسلم والتي رواها المشايخ الثلاثة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، في رجل أوصى بوصيّة وورثته شهود فأجازوا ذلك ، فلما مات الرجل نقضوا الوصيّة ، هل لهم أن يردوا ما أقرّوا به؟ فقال : «ليس لهم ذلك ، والوصيّة جائزة عليهم إذا أقرّوا بها في حياته» (3).


1) المقنعة (مصنّفات الشيخ المفيد) 14 : 669 670.

2) السرائر 3 : 185 ، 194.

3) الوسائل ، ج 19 كتاب الوصايا ، ب 13 ح 1.

المؤيدة باحتمال كونه ذا حقّ في الثلثين (1) فيرجع إجازته إلى إسقاطه حقّه ، كما لا يبعد استفادته من الأخبار الدالّة على أن ليس للميت من ماله إلّا الثلث.


ومنها : صحيحة منصور بن حازم ، قال : سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل أوصى بوصيّة أكثر من الثلث وورثته شهود فأجازوا ذلك له ، قال : «جائز» (1).

فإنهما صحيحتا السند وصريحتا الدلالة ، ومعهما فلا أثر للرجوع إلى القاعدة وإطلاقات ما دلّ على عدم نفوذ الوصيّة فيما زاد عن الثلث.

ثمّ إنه لا فرق في المقام بين كون الإجازة سابقة على الوصيّة أو لاحقة لها ، وإن كان مورد الصحيحتين هو الثاني. فإنه إذا صحت الوصيّة بالإجازة صحّت بالإذن بطريق أولى ، إذ لا يحتمل أن يكون لتأخره دخل في التأثير ، فإنّ العبرة إنما هي بالرضا مع إبرازه في الخارج.

(1) وفيه : أنّ هذا الاحتمال ساقط جزماً ، وذلك لما عرفت من أنّ العبرة في الثلث أو الزيادة عليه ، إنما هي بحال الموت لا حال الوصيّة.

وعليه فإذا فرضنا تحقق الموت بعد الوصيّة بلا فصل ، لكانت هذه الدعوى ممكنة وإن لم يكن دليل عليها. وأما إذا فرضنا الفصل بينهما ، فلا حقّ لهم فيه جزماً ، لأنه حينها ليس في حال المرض أو الموت كي يقال بأنّ لهم حقاً فيه ، لا سيما إذا كانت ملكيته لبعض الأموال متأخرة عن الوصيّة ، فإنه حينئذ لم يكن لنفس الموصي حق فيه فضلاً عن ورثته.

وأما النصوص التي لم يستبعد (قدس سره) استفادة ذلك منها ، فهي أجنبية عن المقام ، حيث إنها لا تدلّ إلّا على أنه ليس للموصي الوصيّة بأزيد من الثلث ، وأما كون ذلك نتيجة لثبوت حق للورثة في الثلثين الآخرين ، فلا دلالة فيها على ذلك بالمرّة.


1) الوسائل ، ج 19 كتاب الوصايا ، ب 13 ح 2.

هذا والإجازة من الوارث تنفيذ لعمل الموصي (1) وليست ابتداء عطية من الوارث ، فلا ينتقل الزائد إلى الموصى له من الوارث بأن ينتقل إليه بموت الموصى أوّلاً ، ثمّ ينتقل إلى الموصى له بل ولا بتقدير ملكه ، بل ينتقل إليه من الموصي من الأوّل.


(1) خلافاً لما ذهب إليه جماعة من الأصحاب ، منهم صاحب الحدائق (قدس سره) حيث يظهر منه الميل إليه (1).

وهو وإن كان مقتضى القاعدة ، فإن مقتضى ما دلّ على بطلان الوصيّة في الزائد عن الثلث وعدم نفوذها ، انتقاله إلى الورثة وكونه ملكاً لهم على حد سائر أموالهم غاية الأمر أنا خرجنا عنها في فرض إجازتهم للزائد في حياته لصحيحتي محمّد بن مسلم ومنصور بن حازم المتقدمتين ، فيبقى الباقي بما في ذلك فرض إجازتهم له بعد وفاته على القاعدة ، فيحكم ببطلانها فيه وانتقاله إليهم. نعم ، لهم صرف المال فيما أوصى به الميت ، باعتبار أنّ للمالك السلطنة في صرف ماله كيف ما يشاء.

إلّا أنه إنما يتمّ فيما إذا لم يكن دليل يقتضي رفع اليد عن القاعدة في المقام أيضاً وحيث إنه موجود فلا مجال للتمسك بالقاعدة. فإنه يمكن أن يستدل عليه بالأولوية القطعية ، فإنّ الوصيّة إذا نفذت بإجازتهم لها في حال حياته مع كونهم أجنبيين عن المال بالكلية ، فنفوذها بإجازتهم بعد أن أصبحوا مالكين له يكون بطريق أوْلى.

هذا مضافاً إلى النصوص التي يمكن استفادة ذلك منها.

ففي صحيحة أحمد بن محمد ، قال : كتب أحمد بن إسحاق إلى أبي الحسن (عليه السلام) : إن درة بنت مقاتل توفيت وتركت ضيعة أشقاصاً في مواضع ، وأوصت لسيدنا في أشقاصها بما يبلغ أكثر من الثلث ، ونحن أوصياؤها وأحببنا إنهاء ذلك إلى سيِّدنا ، فإن أمرنا بإمضاء الوصيّة على وجهها أمضيناها ، وإن أمرنا بغير ذلك انتهينا إلى أمره في جميع ما يأمر به إن شاء اللّه. قال : فكتب (عليه السلام) بخطّه : «ليس يجب لها في تركتها إلّا الثلث ، وإن تفضلتم وكنتم الورثة كان جائزاً لكم إن شاء


1) الحدائق 22 : 424 و 425.

[3914] مسألة 5 : ذكر بعضهم : أنه لو أوصى بنصف ماله مثلاً فأجاز الورثة ، ثمّ قالوا : ظننا إنه قليل ، قضي عليهم بما ظنّوه ، وعليهم الحلف على الزائد. فلو قالوا : ظننا أنه ألف درهم ، فبان أنه ألف دينار ، قضي عليهم بصحّة الإجازة في خمسمائة درهم ، وأُحلفوا على نفي ظنّ الزائد. فللموصى له نصف ألف درهم من التركة وثلث البقية ، وذلك لأصالة عدم تعلّق الإجازة بالزائد ، وأصالة عدم علمهم بالزائد.

بخلاف ما إذا أوصى بعين معينة كدار أو عبد فأجازوا ، ثمّ ادعوا أنهم ظنّوا أنّ ذلك أزيد من الثلث بقليل فبان أنه أزيد بكثير فإنه لا يسمع منهم ذلك ، لأنّ إجازتهم تعلّقت بمعلوم ، وهو الدار أو العبد.


اللّه» (1).

حيث إن الظاهر منها أن التفضل انما هو إمضاء الوصيّة لا إهداء المال إليه (عليه السلام) ، ويؤكِّده قوله (عليه السلام) : «وكنتم الورثة» فإنّ تقييده (عليه السلام) ، بذلك لا معنى محصل له غير كون حق إجازة الوصيّة لهم ، وإلّا فهبة المال جائزة ، سواء أكان قد استحصله عن طريق الإرث أم من غيره.

وصحيحة علي بن الحسن ، قال : مات محمد بن عبد اللّه بن زرارة وأوصى إلى أخي أحمد بن الحسن ، وخلف داراً وكان أوصى في جميع تركته أن تباع ويحمل ثمنها إلى أبي الحسن (عليه السلام) فباعها ، فاعترض فيها ابن أخت له وابن عم له فأصلحنا أمره بثلاثة دنانير ، وكتب إليه أحمد بن الحسن ودفع الشي‌ء بحضرتي إلى أيوب بن نوح فأخبره أنه جميع ما خلف ، وابن عم له وابن أُخته عرض وأصلحنا أمره بثلاثة دنانير فكتب : «قد وصل ذلك» وترحّم على الميت وقرأت الجواب (2).

حيث إنها تدلّنا على نفوذ الوصيّة بتمام المال إذا أمضاها الوارث بعد الموت.


1) الوسائل ، ج 19 كتاب الوصايا ، ب 11 ح 1.

2) الوسائل ، ج 19 كتاب الوصايا ، ب 21 ح 17.

ومنهم من سوى بين المسألتين في القبول. ومنهم من سوى بينهما في عدم القبول. وهذا هو الأقوى (1) أخذاً بظاهر كلامهم في الإجازة ، كما في سائر المقامات. كما إذا أقرّ بشي‌ء ثمّ ادعى أنّه ظن كذا ، أو وهب أو صالح أو نحو ذلك ثمّ ادعى أنه ظنّ كذا ، فإنه لا يسمع منه.


ثمّ إن ثمرة هذا الخلاف تظهر فيما لو مات الوارث أو الموصى له بعد الإجازة وقبل القبض. فعلى ما مال إليه صاحب الحدائق (قدس سره) ينتقل المال إلى ورثة الوارث المجيز ، حيث إن الهبة لا تصحّ إلّا بالقبض وهو غير متحقّق ، فيكون المال باقياً على ملك الواهب ، وبموته ينتقل إلى ورثته. وأما على ما اخترناه ينكشف بمجرد الإجازة ملك الموصى له للزائد من حينها.

(1) بل الأقوى هو التفصيل بين الوصيّة بعين معينة ، وبين الوصيّة بالسهام كالنصف والثلثين ونحوهما.

ففي الأُولى : يحكم بنفوذها من دون أن يكون للورثة حق نقضها ، وذلك لإجازتهم لها ، وانتقال الموصى به إلى ملك الموصى له. واعتقادهم أنها تسوى كذا فضلاً عن ظنهم لا أثر له ، لأنه من قبيل تخلف الداعي وهو لا يوجب بطلان الإجازة. كما هو الحال في الهبة اللازمة ، فإنه لو وهب لزيد عيناً باعتقاده أنها لا تسوى إلّا مائة درهم ، ثمّ انكشف له أنها تسوى ألف درهم ، فإنّ ذلك لا يوجب بطلان الهبة وجواز رجوعه فيها ، لأنه ليس إلّا من قبيل تخلف الداعي ، وهو لا يقتضي البطلان.

وفي الثانية : فلا بدّ من التفصيل أيضاً بين ما إذا كان المراد من النصف هو النصف الخارجي على نحو الاشتراك ، بأن يكون الموصى له شريكاً للورثة في نصف ما تركه الموصي عيناً ، وإن كان ذلك نادراً جدّاً. وما إذا كان المراد به الشركة في المالية بتلك النسبة ، كما هو الغالب في الوصيّة ، لا أن يكون الموصى له شريكاً للورثة في عين المال ، نظير ما تقدّم منا اختياره في باب الزكاة.

فإن كانت الوصيّة من النحو الأوّل ، فهي ملحقة بالوصيّة بعين معينة ، حيث يحكم

بل الأقوى عدم السماع حتى مع العلم بصدقهم في دعواهم (1)(1) إلّا إذا علم كون إجازتهم مقيدة بكونه بمقدار كذا (2) فيرجع إلى عدم الإجازة. ومعه يشكل السّماع (2)(3) فيما ظنّوه أيضاً.


بنفوذها من غير تأثير لظنهم قلّة الزائد أو كثرة التركة ، فإنه من تخلف الداعي ، وهو لا يوجب بطلان الإجازة. بل الحال كذلك حتى مع تيقنهم لقلة الزائد ، فإنه لا أثر لانكشاف الخلاف ، كما هو الحال في الهبة اللازمة.

وإن كانت الوصيّة من النحو الثاني ، فإن علمنا بصدق دعواهم ، فلا مجال للقول بعدم سماعها ، لأنهم إذا اعتقدوا كون التركة ألف درهم فقط فأجازوا الوصيّة بالنصف ، فإنهم إنما أجازوا الخمسمائة درهماً خاصة ، فإذا انكشف كونها ألف دينار فهم لم يمضوا الخمسمائة دينار ، ومعه فكيف تكون نافذة فيها.

ومنه يظهر أنه مع الشك في صدق دعواهم وعدمه ، لا ترد بقول مطلق بحيث تنفذ عليهم مطلقاً ، بل هي مسموعة وإن كانت تحتاج في مقام القضاء إلى الإثبات ، حيث إنها على خلاف الظاهر. فإن أثبتوها فهو ، وإلّا مضت الإجازة عليهم.

(1) قد عرفت أنه إنما يتمّ فيما إذا كانت الوصيّة متعلقة بالعين الخارجية أو بالنسبة على نحو الإشاعة والشركة بالعين ، وأما إذا كانت متعلقة بالنسبة على نحو الشركة في المالية خاصة فالمتعين هو السماع.

(2) بلا فرق فيه بين تعلق الوصيّة بالعين أو النسبة على نحويها.

(3) الظاهر كون كلمة (السماع) من سهو القلم ، فإنّ دعواهم على ما عرفت -


1) (*) هذا إنّما يتم في مثل الوصيّة بمعلوم كالعبد والدار ، فإنّ الإجازة حينئذ تكون نافذة ولو علم مخالفة علم المجيز لما عليه الموصى به من الماليّة ، فإنّ التخلّف حينئذ من قبيل تخلّف الداعي وهو لا يضرّ بصحّة الإجازة ، وأمّا في مثل الوصيّة بالنصف مثلاً فالمجاز على تقدير اعتقاد المجيز بأنّ المال ألف درهم فرضاً إنّما هي الوصيّة بخمسمائة درهم فلا تكون الإجازة نافذة في الزائد ، وبذلك يظهر أنه لا مانع من سماع الدعوى في هذه الصورة ، إلّا أنها محتاجة إلى الإثبات لأنها مخالفة لظاهر الكلام.

2) (**) لعلّه من سهو القلم ، وصحيحه «يشكل القضاء».

[3915] مسألة 6 : المدار في اعتبار الثّلث على حال وفاة الموصي (1) لا حال الوصيّة ، بل على حال حصول قبض الوارث للتركة (2) إن لم تكن بيدهم حال الوفاة.


مسموعة. نعم ، لا يقضى بمجردها ، لكونها على خلاف الظاهر ، بل لا بدّ لهم من الإثبات. فالصحيح هو كلمة (القضاء) بدلاً من (السماع).

(1) بلا خلاف فيه.

ويقتضيه قوله تعالى ( كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ ) .

ورواية عمار بن موسى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : «الرجل أحقّ بماله ما دام فيه الروح ، إذا أوصى به كلّه فهو جائز» (1). وغيرها من النصوص التي تضمنت التعبير «بما ترك» أو «ماله» أو «ما خلّف» فإن المستفاد منها كون العبرة بما يتركه من بعده لا بما يملكه فعلاً.

بل ويدلّ عليه صريحاً معتبرة السكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : «قال أمير المؤمنين (عليه السلام) : من أوصى بثلثه ثمّ قتل خطأ ، فإنّ ثلث ديته داخل في وصيّته» (2)وغيرها. فإنّ الدية من الملك المتجدد له المتأخر عن الوصيّة ، وقد حكم (عليه السلام) بخروج الثلث منها أيضاً.

(2) وذلك لما عرفت من أنّ الوصيّة إنما تكون على نحو الإشاعة في المالية ، فيكون ثلث الميت مشاعاً بين تمام المال.

وعليه فإذا ورد نقص على الأموال ، كان النقص على الجميع ثلث الميت وثلثي الورثة بلا فرق في ذلك بين النقص الوارد على العين أو المالية ، فلا موجب لاختصاص أحدهما به.

ولا يقاس ذلك بالدين ، حيث لا بدّ من إخراجه على كل تقدير ، لأنه من قبيل الكلِّي في المعين ، والوصيّة من قبيل الإشاعة في جميع المال.


1) الوسائل ، ج 19 كتاب الوصايا ، ب 11 ح 19.

2) الوسائل ، ج 19 كتاب الوصايا ، ب 14 ح 2.

فلو أوصى بحصة مشاعة كالربع أو الثلث وكان ماله بمقدار ثمّ نقص ، كان النقص مشتركاً بين الوارث والموصي. ولو زاد كانت الزيادة لهما مطلقاً ، وإن كانت كثيرة جدّاً. وقد يقيد بما إذا لم تكن كثيرة ، إذ لا يعلم إرادته هذه الزيادة المتجددة ، والأصل عدم تعلق الوصيّة بها. ولكن لا وجه له ، للزوم العمل بإطلاق الوصيّة (1). نعم ، لو كان هناك قرينة قطعية (2) على عدم إرادته الزيادة المتجددة ، صحّ ما ذكر. لكن عليه لا فرق بين كثرة الزيادة وقلتها.

ولو أوصى بعين معينة كانت بقدر الثلث أو أقل ، ثمّ حصل نقص في المال أو زيادة في قيمة تلك العين ، بحيث صارت أزيد من الثلث حال الوفاة ، بطلت بالنسبة إلى الزائد مع عدم إجازة الوارث (3). وإن كانت أزيد من الثلث حال الوصيّة ، ثمّ زادت التركة أو نقصت قيمة تلك العين فصارت بقدر الثلث أو أقلّ صحّت الوصيّة فيها. وكذا الحال إذا أوصى بمقدار معيّن كلِّي كمائة دينار مثلاً.

[3916] مسألة 7 : ربّما يحتمل فيما لو أوصى بعين معيّنة أو بكلي كمائة دينار مثلاً أنه إذا تلف من التركة بعد موت الموصي ، يرد النقص عليهما أيضاً بالنسبة ، كما في الحصة المشاعة ، وإن كان الثلث وافياً. وذلك بدعوى أن الوصيّة بها ترجع إلى الوصيّة بمقدار ما يساوي قيمتها ، فيرجع إلى الوصيّة بحصّة مشاعة.


(1) والمراد بها إطلاق كلمة «ما ترك» و «ماله» و «ما خلّف». فإن مقتضاه عدم الفرق بين ما كان موجوداً بالفعل حين الوصيّة وما يملكه بعد ذلك ، ولذا لو كانت الزيادة قليلة لدخلت في الوصيّة بلا خلاف.

ويؤيده أن الناس وبحسب الغالب يتجدد لهم أموال في الفترة بين الوصيّة والموت فإنه خير قرينة على كون العبرة بحال الوفاة لا حال الوصيّة. ومجرد كون الزيادة غير متوقّعة ، لا أثر له بعد شمول الإطلاق له.

(2) والمراد بها مطلق ما يكون حجة.

(3) لما عرفت من كون المدار في الزيادة والنقصان عن الثلث على حال الوفاة لا حال الوصيّة.

والأقوى عدم ورود النقص عليهما ما دام الثلث وافياً (1). ورجوعهما إلى الحصّة المشاعة في الثلث أو في التركة ، لا وجه له ، خصوصاً في الوصيّة بالعين المعينة.

[3917] مسألة 8 : إذا حصل للموصي مال بعد الموت ، كما إذا نصب شبكة فوقع فيها صيد بعد موته ، يخرج منه الوصيّة كما يخرج منه الديون. فلو أوصى بالثّلث أو الرّبع أخذ ثلث ذلك المال أيضاً مثلاً. وإذا أوصى بعين ، وكانت أزيد من الثلث حين الموت ، وخرجت منه بضمّ ذلك المال نفذت فيها (2). وكذا إذا أوصى بكلي كمائة دينار مثلاً.


(1) لإطلاقات أدلّة نفوذ الوصيّة ، فإنها شاملة للمقام ، باعتبار أنّ الموصى به حين موت الموصي ليس زائداً على ثلثه ، فلا موجب لورود النقص عليه.

على أنّ لازم ملاحظة النسبة وحمل الوصيّة بالعين أو الكلي على الحصة المشاعة هو القول بزيادتها عند زيادة التركة. فلو أوصى بمائة دينار وكانت ملكيته عند ذلك تبلغ ألف دينار ، وقلنا بأن هذه الوصيّة ترجع إلى الوصيّة بالعشر ثمّ زادت بعد ذلك فبلغت ألفين ، كان لازم ذلك إخراج مائتي دينار للموصى له ، نظراً لكونها بالفعل عشر الوصيّة. ولا أظن أن أحداً يقول به ، لا سيّما إذا كان الموصى به عيناً معيّنة ، فإنها لو كانت حين الوصيّة تسوى ألفاً وكانت مالية الموصي عشرة آلاف ثمّ زادت بحيث بلغت عند موته عشرين ألفاً ، فلا قائل بلزوم إخراجها مع مثلها أو قيمتها ، باعتبار أنّ مرجع الوصيّة حينئذ إلى الحصة المشاعة وهي العشر في المثال.

(2) الكلام لا بدّ وأن يفرض فيما إذا كانت الأموال مقسمة ، وقد وقعت الشبكة في حصّة الوارث ثمّ وقع فيها الصّيد. أو يفرض كون الموصى به عيْناً معينة تزيد قيمتها عن الثّلث قبل وقوع الصيد في الشبكة ، وبعده تكون قيمتها بمقدار الثلث أو أقل. إذ لو كانت الوصيّة بالحصة المشاعة ، وكان وقوع الصيد في الشبكة قبل القسمة ، فلا ينبغي الإشكال في اشتراك الميت مع الوارث فيه ، وعدم اختصاص أحدهما به لاشتراك الشبكة كسائر أموال الميت بينه وبين الورثة.

وكيف كان ، فالمشهور بينهم أن ما يقع في الشبكة يكون ملكاً للميت ، ومن ثمّ

.................................................................................................


ينتقل بعد إخراج ديونه ووصاياه إلى الوارث ، فحاله في ذلك حال سائر أمواله.

ولكن قد يورد عليه ، بأن الصيد ملك جديد للوارث ، باعتبار أنه نتاج لما هو مملوك له ، فالموصي أجنبي عنه ، ومعه فلا موجب لاشتراكه فيه.

غير أن الحق هو ما ذهب إليه المشهور. وذلك لأن الصيد لا يتبع الآلة في الملكية وإنما هو تابع للصائد ، ولذا لو اصطاد شخص بالشبكة المغصوبة كان الصيد له دون مالك الشبكة. وحيث إن عنوان الاصطياد والصائد لا يصدقان على الوارث باعتبار أنه لم يفعل شيئاً بالمرة ، وإنما هما صادقان على الميت لأنه الذي تصدّى له ونصب الشبكة ، يكون الصيد في جميع التقادير قبل القسمة وبعدها ، كانت الوصيّة بعين معينة أم لا ملكاً للميت ، فيكون حاله حال سائر أمواله يخرج منها ديونه ووصاياه ، ثمّ ينتقل الباقي إلى الوارث بالإرث.

بل وكذا الحال في عكس المسألة. بأن رمى سهماً فأصاب شخصاً عمداً أو سهواً ، ثمّ مات قبل موت المصاب ثمّ مات المصاب ، كانت عليه الدية ، لفوات محل القصاص في العمد ، ولا يذهب دم امرئ مُسلم هدراً. وتخرج من أصل تركته بلا خلاف فيه وإن كان القتل متأخراً.

وليس الحكم في هذين المقامين إلّا لكون سبب الملكية في الأوّل ، والضمان في الثاني ، هو فعل الميت الموصي.

ولا يقاس ما نحن فيه بنتاج الحيوانات ، كما توهمه بعض. بدعوى أنه لو كان يملك بقرتين متساويتي القيمة ، فأوصى بإحداهما المعينة لزيد ، ردّت الوصيّة في الزائد حتى ولو ولدت الثانية فأصبحت قيمة الأُولى تساوي الثلث ، إذ لا يكون نقص الاولى متداركاً بولد الثانية.

فإنّه من القياس مع الفارق. فإن النتاج في الحيوانات يكون تابعاً لُامه ، على ما تقدّم الكلام فيه مفصّلاً في مباحث نكاح العبيد والإماء. بل وكذا الحكم في الإنسان أيضاً ، على ما اخترناه في محله.

وعليه فلا يحتمل أن يكون المولود في المقام مشتركاً بين الميت والوارث ، وهذا

بل ولو أوصى ثمّ قتل ، حسبت ديته من جملة تركته ، فيخرج منها الثّلث كما يخرج منها ديونه ، إذا كان القتل خطأً (1) بل وإن كان عمداً (2) وصولحوا على


بخلاف الصيد حيث إنه يكون تابعاً للصائد دون الآلة كما عرفت ، فلا وجه لقياس أحدهما على الآخر.

(1) إجماعاً ومن غير خلاف ينقل.

ويقتضيه ، مضافاً إلى صحيحة محمد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) ، قال : «قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في رجل أوصى لرجل بوصيّة مقطوعة غير مسماة من ماله ، ثلثاً أو ربعاً أو أقلّ من ذلك أو أكثر ، ثمّ قتل بعد ذلك الموصي فودي ، فقضى في وصيّته أنها تنفذ من ماله ومن ديته كما أوصى» (1).

ومعتبرته الأُخرى ، قال : قلت له : رجل أوصى لرجل بوصيّة من ماله ثلث أو ربع فيقتل الرجل خطأ ، يعني الموصي؟ فقال : «يجاز لهذه الوصيّة من ماله ومن ديته» (2).

ومعتبرة السكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : «قال أمير المؤمنين (عليه السلام) : من أوصى بثلثه ثمّ قتل خطأ ، فإن ثلث ديته داخل في وصيّته» (3).

ما عرفت من أن الوصيّة لا تلاحظ بالقياس إلى ما يملكه الموصي حالها ، بل تعم مطلق ما يدخل في ملكه ولو بعد الموت ، فإن الدية منها حيث يملكها الميت أوّلاً ثمّ تنتقل إلى الورثة ، على ما يستفاد من جملة من النصوص.

(2) أمّا إخراج الدين منها فمنصوص ، ففي معتبرة يحيى الأزرق عن أبي الحسن (عليه السلام) في رجل قتل وعليه دين ولم يترك مالاً ، فأخذ أهله الدية من قاتله عليهم أن يقضوا دينه؟ قال : «نعم». قلت : وهو لم يترك شيئاً ، قال : إنما أخذوا الدية فعليهم أن يقضوا دينه» (4).


1) الوسائل ، ج 19 كتاب الوصايا ، ب 14 ح 3.

2) الوسائل ، ج 19 كتاب الوصايا ، ب 14 ح 1.

3) الوسائل ، ج 19 كتاب الوصايا ، ب 14 ح 2.

4) الوسائل ، ج 18 كتاب التجارة ، أبواب الدين والقرض ، ب 24 ح 1.

الدية ، للنصوص الخاصة ، مضافاً إلى الاعتبار ، وهو كونه أحقّ بعوض نفسه من غيره.


ومعتبرة أبي بصير ، قال : سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل قتل وعليه دين وليس له مال ، فهل لأوليائه أن يهبوا دمه لقاتله وعليه دين؟ فقال : «إنّ أصحاب الدين هم الخصماء للقاتل ، فإن وهب أولياؤه دمه للقاتل ضمنوا الدية للغرماء ، وإلّا فلا» (1).

وأمّا الوصيّة فهي غير منصوصة بخصوصها في المقام. ومن هنا فقد يستشكل فيها بان الواجب في قتل العمد إنما هو القصاص ، نظراً إلى كون نفس القاتل بدلاً عن نفس المقتول ، والدية إنما تثبت بالمصالحة بين القاتل وأولياء المقتول ، فهي عوض في المصالحة الواقعة بينه وبينهم ، وهذا يقتضي دخولها في ملكهم ابتداءً ، لا بعد دخولها في ملك الميت إرثاً كي يخرج منه ديونه ووصاياه.

إلّا أن هذا الإشكال موهون ، نظراً لإمكان إثبات الحكم بالتمسك مضافاً إلى صحيحة إسحاق بن عمار عن جعفر (عليه السلام) : «إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) قال : إذا قبلت دية العمد فصارت مالاً ، فهي ميراث كسائر الأموال» (2)بإطلاق صحيحة محمد بن قيس المتقدِّمة ، فإنها غير مقيدة بالقتل الخطائي ، بل ومعتبرته الأُخرى حيث إن التقييد به إنما هو في كلام السائل دون الإمام (عليه السلام) ، فلا يدلّ على الاختصاص.

وأمّا معتبرة السكوني فالتقييد به وإن كان في كلامه (عليه السلام) ، إلّا أنها لا تدلّ على الاختصاص أيضاً ، نظراً لكونه من قيد الموضوع ، حيث إن الدية لا تكون إلّا في القتل الخطائي. وأما القتل العمدي فالواجب هو القصاص وإن كان للوارث العفو عنه بإزاء المال ، فلا تدلّ على عدم ثبوت الحكم في القتل العمدي.


1) الوسائل ، ج 29 كتاب القصاص ، أبواب القصاص في النفس ، ب 59 ح 1.

2) الوسائل ، ج 26 كتاب الفرائض والمواريث ، أبواب موانع الإرث ، ب 14 ح 1.

وكذا لو أخذ دية جرحه خطأً بل أو عمداً (1).


هذا كلّه مضافاً إلى إمكان استكشاف الحكم مما دلّ على خروج الديون منها حيث قد عرفت أنّ المستفاد منها أنهم إنما يأخذونها إرثاً من الميت لا استقلالاً وبالملكية الابتدائية بحيث تنتقل من الدافع إليهم مباشرة ، ولذا يقتسمونها قسمة الميراث ، فيكون الميراث متأخراً عن الوصيّة كما هو متأخر عن الدين.

(1) لكونه مالكاً لها في حياته ، فتنتقل إلى ورثته على حد انتقال سائر أمواله إليهم. إلّا أن من غير الخفي أن الدية هذه خارجة عن محل الكلام ، نظراً إلى أنها ليست من الأموال المتجددة بعد الموت ، وكلامنا فيها.

نعم ، لو كان مراده (قدس سره) من الجرح الجرح الواقع عليه بعد الموت ، فديته وإن كانت من الأموال المتجدِّدة بعد الموت ، إلّا أنها لا تورث بل تصرّف في وجوه البر ، على ما هو مذكور في محله.

والحمد لله أوّلاً وآخراً

هذا آخر ما أدركه فهمي القاصر من محاضرات سماحة آية اللّه العظمى السيِّد الوالد دام ظلّه شرحاً وتعليقاً على كتاب الوصيّة من العروة الوثقى.

وإنِّي إذ ابتهل إلى العلى القدير أن يحفظ سيدنا الأعظم ويطيل في عمره الشريف ذخراً وسنداً للإسلام والمسلمين ، أسأله أن يوفقني للاستمرار في هذا النهج ، إنه سميع مجيب.

وكان الفراغ منه في اليوم الثالث من شهر ربيع الثاني من عام أربعمائة وثلاثة بعد الألف من الهجرة النبويّة على مهاجرها آلاف الصلاة والسّلام في مدرسة دار العلم بجواز الحضرة العلويّة سلام اللّه عليه.

وأنا الأقل محمّد تقي الخوئي

فهرس الموضوعات

فهرس الموضوعات

الموضوع / الصفحة

فصل في جميع بين الحرّة والأمة... 1 - 12

نكاح الحرّة والأمة في عقد واحد... 8

نكاح المبعضة على المبعضة أو الحرّة... 9

حكم طلاق الحرّة بعد عقد الأمة... 9

نكاح الأمة بعد التزوج الفضولي بحرّة... 11

الشك في السابق من عقد الحرّة والأمة... 11

فصل في نكاح العبيد والإماء... 13 - 112

تزويج العبد والأمة بيد السيِّد... 13

صحة زواج العبد موقوف على إجازة المولى... 16

صحة زواج الأمة موقوف على إجازة المولى... 17

الإجازة الكاشفة... 20

الأقوال في الكشف... 22

الردّ على مختار المصنف... 24

تعلق الوجوب بالمقدمة... 26

مهر العبد وتعلقه به أو بالمولى... 32

مهر الأمة المزوَّجة للمولى... 40

إذن المولى في تزويج أمته وجعل المهد لها... 43

الملكية الطولية... 44

حكم نكاح المملوك المشترك والمبعض... 47

بطلان النكاح بشراء الحرّة زوجها المملوك... 47

حكم مهر الحرّة... 49

الولد بين المملوكين رق... 54

حرّية الولد إذا كان أحد أبويه حرّاً... 55

رقية المتولد من زنا الحرّ بالمملوكة... 61

حكم المتولد من مملوكين... 64

حكم اشتراط المالكين... 67

كون الوطء شبهة منهما... 70

بطلان اشتراط رقية من أحد أبويه حر... 70

التحقيق في شرط العقود... 73

تزوج الحرّ مملوكة غيره... 76

حكم ثبوت المهر عند بطلان التزويج... 78

حكم الولد المتولد من الشبهة... 80

إجازة وارث المولى العقد الواقع على أمته... 82

حكم الأمة المدلسة... 84

مهر المدلسة... 84

حكم ولد المدلسة... 86

حرّية الولد إذا كان الوطء بالشبهة مستنداً إلى بيّنة شرعيّة... 89

رقية الولد إذا لم يستند إلى بيّنة شرعيّة... 89

عقد العبد من دون إذن مولاه... 91

قاعدة النمائية... 92

زنا العبد بحرّة من غير عقد... 93

زنا الحرّ بأمة... 94

زنا العبد بأمة الغير... 94

تحليل المولى أمة عبده... 94

إيجاب الولي إذ الوكيل في الغنى عن القبول... 99

مأذونية العبد والأمة في القبول والايجاب... 100

إرادة المولى التفريق بين مملوكيه... 100

استحباب اعطاء شيئاً إذا زوّج عبده أمته... 103

لورثة المولى الأمر بالمفارقة... 104

إذا زوّج الأمة غير مولاها من حر... 106

تدليس الأمة... 109

حكم استحلال الأمة بالزوجية والملك معاً... 109

وطء أحد الشريكين الأمة إذا حللها الآخر... 111

وطء من بعض حر... 112

فصل في الطوارئ... 112 - 128

عتق الأمة المتزوجة... 112

تخير الأمة المتحرزة إذا كانت تحت عبد... 112

تخير الأمة المتحرزة إذا كانت تحت حر... 113

أدلّة الخيار... 114

حكم خيار المبعضة... 117

حكم المهر إذا كان العتق قبل الدخول والفسخ بعده... 119

لو كان نكاحها بالتفويض... 119

حكم الخيار إذا كان العتق في العدة الرجعية... 120

فسخها لا يحتاج لإذن الحاكم... 122

فورية الخيار... 122

وليّ الصبية أو المجنونة يتولى خيارها... 122

إعلام المعتقة بالحال... 123

عدم الفرق في ثبوت الخيار... 124

شرط مولاها في العتق عدم فسخها... 124

عدم ثبوت الخيار للعبد المعتق... 125

لو كانت عند العبد حرة وأمتان فأعتقت إحداهما... 126

فصل في العقد وأحكامه... 128 - 170

يشترط في النكاح الصيغة... 128

عدم كفاية لفظ المتعة في النكاح الدائم... 130

يشترط العربية مع التمكن منها... 132

لا يشترط ذكر المتعلقات في القبول... 137

الأخرس يكفيه الإيجاب والقبول بالإشارة... 140

عدم اعتبار الكتابة في الإيجاب والقبول... 142

عدم اعتبار تطابق الإيجاب والقبول من حيث المادة... 142

اجزاء لفظ نعم في الإيجاب... 142

اللحن في الصيغة... 143

اعتبار قصد الإنشاء في إجراء الصيغة... 143

عدم اعتبار المعرفة التفصيلية لمعنى الصيغة... 144

الموالاة بين الإيجاب والقبول... 144

اتحاد مجلس الإيجاب والقبول... 145

يشترط التنجيز في العقد... 146

وقوع العقد على وجه يخالف الاحتياط... 150

اعتبار الكمال في العاقد... 151

صحة وكالة السفيه عن الغير في العقد... 156

عدم اشتراط الذكورة في العاقد... 159

اشتراط بقاء أهلية المتعاقدين إلى تمام العقد... 159

لزوم تعيين الزوج والزوجة... 161

تقديم المقصود عنه تعارض الاسم والوصف مع الإشارة... 163

تنازع الزوجين في التعيين وعدمه... 164

الاختلاف في المعيّن بعد الاتفاق على التعيين... 165

نكاح الحمل وإنكاحه وإن علم ذكوريته أو أُنوثيته... 169

لا يشترط في النكاح علمهما بأوصاف الآخر... 170

فصل في مسائل متفرِّقة... 171 - 198

عدم اعتبار اشتراط الخيار في نفس العقد... 171

اشتراط الخيار في المهد... 173

تصادق الرجل والمرأة على الزوجية... 173

ادعاء أحدهما الزوجية وإنكار الآخر... 174

لو تزوج امرأة وادعى غيره زوجيتها... 177

إذا ادعى زوجية امرأة وأنكرتها... 181

إذا ادعى زوجية امرأة فأنكرت ، وادعت زوجيته أُخرى... 184

تزوج العبد مملوكة ثمّ اشتراها بإذن المولى... 190

تزوج امرأة تدعي أنها خلية من الزوج... 194

إذا ادعت الزوجة كونها ذات بعل... 196

إذا وكّلا وكيلاً في إجراء الصيغة في زمان معيّن... 196

فصل في أولياء العقد... 198 - 290

ولاية الأب والجد على الصغيرتين والمجنون... 202

الولاية على البالغ والبالغة... 206

استقلال الولي في تزويج البكر... 206

استقلال البكر في التزويج... 209

التفصيل في استقلالها بين الدوام والانقطاع... 213

في اعتبار إذنهما معاً... 215

لو تزوجت أو زوجها الأب من دون إذن الآخر... 217

إذا عضلها الولي... 218

لو ذهبت بكارتها بغير وطء... 220

حكمَ ذهاب البكارة بالزنا أو الشبهة... 221

لا يشترط في ولاية الجد حياة الأب بعد بلوغها... 224

لا خيار للصغير إذا زوجه الأب بعد بلوغه... 227

اشتراط عدم المفسرة في صحة تزويج الأب... 229

لو زوجها الولي بدون مهر المثل... 231

لزوم إذن الولي في نكاح السفيه المبرز... 232

حكم السفيه في النكاح خاصة... 234

استقلالية الجد والأب في الولاية... 234

تقديم عقد الجد على الأب... 236

حكم تزويج المولى عليه بمن به عيب... 240

مملوك المملوك كالمملوك... 243

للوصي أن يزوج الصغير... 245

ولاية الحاكم على تزويج من لا ولي له... 247

استحباب استئذان المرأة المالكة أمرها أباها... 248

حكم سكوت البكر عند العرض عليها... 249

الشرائط المعتبرة في ولاية الأولياء... 250

لا ولاية للمملوك على الآخرين... 253

لا ولاية للكافر على المسلم... 253

بطلان تزويج الولي حال الإحرام... 255

عدم جواز تعدي الوكيل عما عيّنه الموكل... 256

عدم شمول التوكيل في الزواج للوكيل نفسه... 256

صحة النكاح الفضولي مع الإجازة... 258

عدم اعتبار اللفظ الخاص في الإجازة... 263

حكم علم المجيز... 264

كاشفية الإجازة عن صحة العقد... 265

الرضا الباطني لا يكفي في تصحيح العقد الفضولي... 265

صحة الإجازة مع الكراهة حال العقد... 268

لا يشترط في عقد الفضولي قصد الفضولية... 270

لو قال غير الوكيل زوجت موكلتي فلانة... 271

لزوم التطابق بين الإجازة والمجاز... 272

إذا أوقع العقد فضولاً فبان وكيلاً... 273

إذا أوقع الوكيل أو الولي العقد فضولاً وهو عالم... 275

اعتبار العقد إذا زوج الصغيرتين وليهما... 276

حكم إذا زوج الصغيرتين فضوليان... 276

تترتّب على الإجازة والحلف جميع الآثار المترتبة على الزوجية... 278

تعدى الحكم لسائر الصور... 278

حكم العقد الفضولي بالنسبة للأصيل... 279

ردّ المعقود أو المعقودة فضولاً العقد... 283

حكم فوات محل الإجازة... 285

حكم إذا زوجها الوكيلين كلٌ من رجل... 286

حكم إذا زوجه أحد وكيليه بالمرأة والآخر بينهما... 289

كتاب الوصيّة

فصل في معنى الوصية وأقسامها وشرائطها... 293 - 349

معنى الوصية... 293

أقسام الوصية... 294

الوصية العهدية... 295

الوصية التمليكية... 295

كفاية قبول الموصى له حال حياة الموصي... 301

تتضيق الواجبات الموسعة بظهور أمارات الموت... 303

ردّ الموصى له للوصية مبطل لها... 305

لو أوصى بشيئين بإيجاب واحد فقبل الموصى له أحدهما... 309

تصرف الورثة في العين الموصى بها قبل أن يختار الموصى له... 311

قيام الوارث مقام الموصى له قبل القبول أو الرد... 312

هل الحكم يشمل ورثة الوارث... 321

قبول بعض الورثة وردّ بعضهم... 322

انتقال الموصى به بقبول الوارث إلى الميت... 324

هل المدار على الوارث حين موت الموصى له... 325

إذا أوصي له بأرض فمات قبل القبول... 326

إذا كان الموصى به ممن ينعتق على الموصى له... 327

قيام الوارث مقام الموصى له بين التمليكية والعهدية... 330

اشتراط القبول على القول به مختص بالتمليكية... 330

عدم اعتبار لفظ خاص في الوصية... 332

شرائط الموصي :... 334

الأوّل : البلوغ... 334

الثاني : العقل... 337

الثالث : الاختيار... 339

الرابع : الرّشد... 339

الخامس : الحرية... 341

السادس : أن لا يكون قاتل نفسه... 345

وصية الأب والجد بالولاية على الأطفال مع الانفراد... 348

عدم ثبوت الولاية للأُم... 349

فصل في الموصى به... 350 - 373

صحة الوصية بكل ما فيه غرض عقلائي محلل... 350

بطلان الوصية بالمحرمات... 350

لا تصح الوصية بما لا يقبل النقل من الحقوق... 351

بطلان الوصية بمال الغير... 352

يشترط في نفوذ الوصية كونها بمقدار الثلث أو أقل... 353

لا يشترط في نفوذ الوصية قصد الموصي كونها من الثلث... 356

إذا أوصى بالأزيد أو بتمام تركته... 359

إذا أجاز الوارث بعد وفاة الموصي... 360

الإجازة تنفيذ لعمل الموصي... 363

لو ادعى الورثة ظن قلّة المجاز... 365

المدار في اعتبار الثلث على حال وفاة الموصي لا الوصية... 367

لو أوصى بعين معيّنة ثمّ تلف بعض التركة... 368

إذا حصل للموصي مال بعد الموت... 369

دخول الدية في جملة تركته... 371

فهرست الموضوعات... 375

الصورة

387-33

الصورة

388-33

الصورة

389-33

الصورة

390-33

الصورة

391-33

الصورة

392-33