موسوعة الإمام الخوئی جلد 31

ghaemiyeh.com

هوية الكتاب

سرشناسه : خوئی، سید‌ابوالقاسم، 1278 - 1371.

عنوان و نام پديدآور : المستند في شرح‌العروة‌الوثقی/ [محمدکاظم یزدی]؛ تقریرا الابحاث ابوالقاسم الموسوی‌الخوئی؛ تالیف مرتضی البروجردی.

مشخصات نشر : قم: موسسه احیاء آثارالامام‌الخوئی (قدس)، 14ق.= 20م.= 13.

مشخصات ظاهری : ج.

فروست : موسوعه‌الامام‌الخوئی.

شابک : ج.11، چاپ دوم: 964-6812-44-9 ؛ ج. 11، چاپ سوم: 964-6812-43-0 ؛ ج. 12، چاپ سوم: 964-6812-44-9 ؛ ج. 13، چاپ سوم: 964-6812-46-X ؛ ج. 14: 964-6812-50-3 ؛ ج. 15: 964-6812-53-8 ؛ ج. 16، چاپ سوم 964-6337-00-4 : ؛ ج. 17، چاپ سوم: 964-6337-04-7 ؛ ج. 18، چاپ سوم: 964-6337-03-9 ؛ ج. 19، چاپ سوم 964-6337-02-0 :

وضعیت فهرست نویسی : برون سپاری

يادداشت : عربی.

يادداشت : کتاب حاضر قبلا تحت عنوان "مستندالعروه‌الوثقی" به چاپ رسیده است.

يادداشت : فهرست‌نویسی بر اساس جلد یازدهم: 1421ق. = 2000م. = 1379.

يادداشت : ج.11( چاپ دوم: 1426ق.= 2005م.= 1384).

يادداشت : ج. 11 -18 (چاپ سوم : 1428ق. =2007م. = 1386).

يادداشت : ج.14 (چاپ سوم:1421ق.= 1379).

يادداشت : ج.30 (چاپ؟: 1422 ق. = 1380).

يادداشت : ج.30 (چاپ سوم: 1428ق. = 2007م. = 1386).

يادداشت : عنوان عطف: شرح عروه‌الوثقی.

یادداشت : کتابنامه.

مندرجات : ج.11 الصلاه.-ج.30. الاجاره.

عنوان عطف : شرح عروه‌الوثقی.

عنوان دیگر : العروه‌الوثقی. شرح.

عنوان دیگر : شرح‌العروه‌الوثقی.

موضوع : یزدی، سیدمحمدکاظم بن عبدالعظیم، 1247؟ - 1338؟ ق . عروه‌الوثقی -- نقد و تفسیر

موضوع : فقه جعفری -- قرن 14

شناسه افزوده : یزدی، سیدمحمدکاظم‌بن عبدالعظیم، -1253 1338؟ق.

شناسه افزوده : بروجردی، مرتضی، 1377-1308.

شناسه افزوده : موسسه احیاء آثار الامام الخوئی (ره)

رده بندی کنگره : BP183/5/ی4ع4021377 1300 ی الف

رده بندی دیویی : 297/342

شماره کتابشناسی ملی : م‌79-21167

المحرّر الرّقمي: محمّد علي ملك محمّد

اطلاعات رکورد کتابشناسی : ركورد كامل

المؤلف: السيّد محمّد تقي الخوئي

الناشر: مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي قدّس سرّه

الطبعة: 0

الموضوع : الفقه

تاريخ النشر : 0 ه.ق

ISBN (ردمك): 964-6084-07-9

المكتبة الإسلامية

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ

وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَی سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ

وَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَی أَعْدَائِهِم أَجْمَعِينَ

مِنَ الآنِ إِلَی قِيَامِ يَومِ الدِّينْ

اشارة

الْمَبَانِي فِي شَرْحِ الْعُرْوَةِ الْوُثْقَی

تقرير الإبحاث

الأستاذ الأعظم سماحة آية اللّه العظمی السيد أبوالقاسم الموسوي الخوئي قدس سره

«1317 - 1413 ه»

المضاربة والمساقاة

تأليف: حجة الإسلام والمسلمين الشهيد السيد محمد تقي الخوئي رحمه اللّه

طبعة منقحة

مؤسسة الخوئي الإسلامية

جميع الحقوق محفوظة ومسجّلة لمؤسسة الخوئي الإسلامية

الجزء الحادي والثلاثون

الناشر: مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي قدس سره

(مؤسسة الخوئي الإسلامية)

هاتف: 2932264 251 98+ - 1530367 912 98+

تاريخ الطبع: 1430 ه ، 2009 م

المطبعة: نينوي

الطبعة: الرابعة

عدد النسخ: 1000 دورة

7 - 21 - 6084 - 964 : ISBN

Email:info@alkhoei.net

www.alkhoei.com

www.alkhoei.net

الصورة

-5-31

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

المقدمة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسّلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين إلى قيام الدين.

وبعد، فمن دواعي سروري واعتزازي أن ألتقي بالقارئ الكريم مرة أخرى، في محاولة أخرى لشرح جانب آخر من الجوانب المهمة للفقه الإسلامي الشامل.

وإذا كانت الدراسة الأولى - كتاب النكاح - ذات أهمية كبيرة، بالنظر لاشتمالها على نظام تكوّن المجتمع وتنظيم نسب أفراده وانتماءاتهم، فالدراسة الثانية - الكتاب الذي بين يديك - لا تقل أهمية عنها لأنها المكمل الأساسي في نظام المجتمع السعيد.

فإنّ كلاً من نظام ارتباط الافراد بعضهم ببعض والنظام الاقتصادي يعتبر مقوماً أساسياً للمجتمع في حياته وكيانه بعد نظام العبادات الذي يقوم بربط العبد بمولاه ويكون الطريق المفتوح بين المخلوق وخالقه. فإنّ المجتمع إذا كان لا يستقيم إلا بنظام يتحكم في انتساب الأفراد وشخصيّتهم، فهو لا يستقيم أيضاً إلا بقواعد تتحكم في معاملاتهم وإدارة شؤون أموالهم.

وعلى أي حال فالكتاب الذي بين يديك دراسة اقتصادية فقهية مهمة، تشتمل على كتاب المضاربة الذي يعتبر أحد الأركان الأساسية لنظام الاقتصاد الإسلامي وما يعرف بالمصطلح الحديث بنظام المصرف اللاربوي.

وهي تقرير للمحاضرات التي ألقاها سماحة آية اللّه العظمى الإمام السيد الوالد (دام ظله) وقد حظي هذا الجزء كسابقيه - بفائق لطفه وعنايته (حفظه اللّه) حيث أولاه اهتماماً خاصاً فطالعه بتمامه .

حفظ اللّه سيدنا (دام ظله) مناراً للإسلام والمسلمين، وأسأله التوفيق لنشر ما بقي من المحاضرات التي كان لي شرف حضورها وتدوينها ، واللّه ولي التوفيق.

النجف الأشرف 20 / ذق / 1406ه

محمد تقي الخوئي

كتاب المضاربة

اشارة

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

كتاب المضاربة

وتسمّى قراضاً عند أهل الحجاز. والأوّل من الضرب ، لضرب العامل في الأرض لتحصيل الربح ، والمفاعلة باعتبار كون المالك مسبّباً له والعامل مباشراً (1).


(1) ما أفاده (قدس سره) إنما هو لتوجيه صدق المفاعلة في المضاربة ، حيث إنّ باب المفاعلة يقتضي صدور الفعل من اثنين ، وهو غير متحقّق في المقام ، فإن القرض إنّما يكون من المالك خاصّة ، والضرب من العامل فقط.

غير إنّنا ذكرنا في مباحث المكاسب ، أنّ هيئة المفاعلة وإن اشتهر وضعها للدلالة على صدور المادّة من اثنين ، إلّا أنه لا أساس له. فإنها لا تدلّ إلّا على قيام الفاعل وتصدّيه نحو تحقيق المادة في الخارج ، سواء أتحقّق ذلك أم لم يتحقق ، فيقال : خادعته فلم ينخدع. والشواهد على ذلك كثيرة ، حيث تستعمل هذه الهيئة ولا يراد منها سوى تصدي الفاعل ولوحدة للفعل ، فيقال : سايرته ودافعته ولو كان الطرف الآخر واقفاً لا يتحرك وطالعت وناولته إلى غير ذلك.

نعم ، قد تقتضي المادّة في بعض الموارد القيام في اثنين ، كالمساواة والمقابلة والمحاذاة والمشاركة وغيرها ، حيث إنها لا تتحقّق إلّا بطرفين ، غير أنّ ذلك أجنبي عن الهيئة وإنما هو من خصوصيات المادّة.

والذي يدلّنا على ما ندّعيه قوله تعالى ( يُخادِعُونَ اللّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَما يَخْدَعُونَ إِلّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ ) (1). فإنها تدلّنا على عدم اتحاد مفهوم (خادع)


1) سورة البقرة 2 : 9.

والثاني من القرض ، بمعنى : القطع ، لقطع المالك حصّة من ماله ودفعه إلى العامل ليتَّجر به. وعليه العامل مقارض بالبناء للمفعول ، وعلى الأوّل مضارب بالبناء للفاعل.

وكيف كان ، عبارة عن دفع (1) الإنسان مالاً إلى غيره ليتَّجر به ، على أن يكون الربح بينهما ، لا أن يكون تمام الربح للمالك ، ولا أن يكون تمامه للعامل.

وتوضيح ذلك : أنّ من دفع مالاً إلى غيره للتجارة :

تارة على أن يكون الربح بينهما ، وهي مضاربة.

وتارة على أن يكون تمامه للعامل ، وهذا داخل في عنوان القرض إن كان بقصده (2).

وتارة على أن يكون تمامه للمالك ، ويسمّى عندهم باسم البضاعة.


مع مفهوم (خدع) حيث إنّ الثاني ظاهر في تحقّق المادة في الخارج ، في حين إن الأوّل لا يدلّ إلّا على تصدّي الفاعل وإرادته لذلك ، من غير اعتبار لتحقّقه في الخارج.

وعلى هذا الأساس فلا حاجة لتحمل عناء ما ذكر من التأويلات لتصحيح صدق المفاعلة على المضاربة ، فإنها صادقة عليها حقيقة ومن غير حاجة إلى التأويل ، نظراً لقيام المالك مقام الضرب وتصدّيه للقرض.

(1) بل هو عقد بين المالك والعامل.

(2) وإلّا فيبقى المال في ملك المالك ، ومقتضى قانون تبعية الربح لرأس المال كونه بأكمله للمالك.

وبعبارة اخرى : إنّ القرض يتوقف على القصد. فإن قصدا ذلك كان المال ملكاً للعامل ، وحينئذٍ فتكون الأرباح وبمقتضى القاعدة ملكاً له أيضاً. وإلّا ، بأنْ قصد المالك إبقاء المال على ملكه ، كانت المعاملة من المضاربة الفاسدة ، فتجري عليها أحكامها. وذلك لأن كون تمام الربح للعامل غير ممضى شرعاً ، لعدم الدليل عليه ومقتضى القاعدة تبعية الربح للمال.

وتارة لا يشترطان شيئاً ، وعلى هذا أيضاً يكون تمام الربح للمالك (1) فهو داخل في عنوان البضاعة.

وعليهما يستحقّ العامل اجرة المثل لعمله (2) إلّا أن يشترطا عدمه ، أو يكون العامل قاصداً للتبرّع. ومع عدم الشرط وعدم قصد التبرع أيضاً ، له أن يطلب الأُجرة ، إلّا أن يكون الظاهر (1)منهما في مثله عدم أخذ الأُجرة ، وإلّا فعمل المسلم محترم ما لم يقصد التبرع.


(1) بموجب القاعدة ، حيث إنّ كون بعضه أو كلِّه للعامل يحتاج إلى جعل من المالك وإمضاء من الشارع ، وهما معاً مفقودان.

(2) ما أفاده (قدس سره) بالنسبة إلى القسم الثالث البضاعة ينافي ما التزم به في المسألة الرابعة عشرة من كتاب المساقاة ، حيث صرح بعدم استحقاق العامل للأُجرة فيما إذا اشترط المالك انفراده بالثمر ، لكونه حينئذٍ متبرِّعاً ، فإنّ المسألتين من وادٍ واحد.

والظاهر أنّ ما ذكره (قدس سره) في باب المساقاة هو الصحيح. فإنّ لهذا الكلام اعني طلب العمل على أن لا يكون له من الربح شي‌ء ظهوراً عرفياً في التبرّع والعمل المجّاني. وعليه فلا يكون له بإزاء عمله شي‌ء ، لا من الربح للتصريح بعدمه ، ولا اجرة المثل للتبرع بالعمل.

وأما ما أفاده بالنسبة إلى القسم الأخير ، فهو تامّ ومتين. وذلك لأن أمر الغير بعمل له قيمة ومالية لدى العرف ، تارة يكون ظاهراً في المجانية ، فحينئذٍ لا اجرة للعامل ، نظراً لكون الأمر متعلقاً بحصة معينة هي العمل المجّاني ، فكأنّ العامل قد فعل هذا الفعل من غير أمر.

وأُخرى لا يكون له ظهور في المجّانية. وفي هذا الفرض إنْ قصد العامل التبرّع


1) كما هو كذلك في البضاعة ، وقد التزم (قدس سره) في باب المساقاة بعدم استحقاق العامل الأُجرة فيما إذا اشترط المالك انفراده بالثمر.

ويشترط في المضاربة الإيجاب والقبول (1). ويكفي فيهما كل دالٍّ ، قولاً ، أو فعلاً (2). والإيجاب القوليّ كأن يقول : ضاربتك على كذا ، وما يفيد هذا المعنى فيقول : قبلت.

ويشترط فيها أيضاً بعد البلوغ ، والعقل ، والاختيار (3) وعدم الحجر لفلس (4) (1)


والمجانيّة ، فلا يستحقّ الأُجرة عليه أيضاً ، لأنه متبرع به ، وبذلك فقد فوّت على نفسه ما كان يستحقّه من الأُجرة. وإن أتى به بقصد الأُجرة كما هو الغالب في أكثر المعاملات الخارجية ، فيؤمر الحمال بحمل المتاع من غير تحديد للأُجرة فحينئذٍ وبطبيعة الحال وبمقتضى السيرة العقلائية القطعية يستحقّ العامل عليه الأُجرة ، فيكون الآمر ضامناً لها.

بل وكذا الحال فيما لو كان لمتعلق الأمر مالية ، كأمر الخباز بإعطاء الخبز للفقير فإنّه لو لم يكن للأمر ظهور في المجّانية وقصَد الدافع أخذ الثمن ، كان الآمر مطالباً به.

وعلى هذا ففيما نحن فيه ، إذا فرض أنه لم يكن أمر المالك للعامل بالتجارة ظاهراً في المجّانية ، كما هو الغالب في أكثر الأوامر المتعلقة بالأعمال ، فللعامل المطالبة بأُجرة مثل عمله فيما لم يقصد التبرع ، سواء أتحقق الربح أم لم يتحقق ، على ما تقتضيه القاعدة.

(1) ليتحقق بهما مفهوم العقد والمعاملة ، كما هو الحال في سائر العقود.

(2) لما عرفت غير مرّة من أنه مقتضى القاعدة في العقود ، حيث لا يعتبر فيها إلّا الاعتبار النفساني وإبرازه بمبرز في الخارج ، وهو متحقق في المقام.

نعم ، لا بدّ من رفع اليد عن القاعدة فيما دلّ الدليل على اعتبار لفظ خاصّ فيه كالطلاق ، أو مطلق اللفظ كالنكاح.

(3) بلا خلاف فيها ، فإنها من الشرائط العامة المعتبرة في كل عقد.

(4) مقتضى إطلاق العبارة أنّ المفلس لا تصحّ منه المضاربة ، سواء أكان مالكاً أم عاملاً. إلّا أنّ الإطلاق غير مراد جزماً ، فإنّه لا محذور في كونه عاملاً ، وسيجي‌ء منه (قدس سره) التصريح بصحّتها حينئذ.


1) (*) هذا في المالك ، وسيأتي منه (قدس سره) عدم اعتباره في العامل.

أو جنون (1)(1) أُمور :

الأوّل : أن يكون رأس المال عيناً (2) فلا تصحّ بالمنفعة (2)، ولا بالدين. فلو كان له دين على أحد ، لم يجز أن يجعله مضاربة إلّا بعد قبضه. ولو أذن للعامل في قبضه ، ما لم يجدّد العقد بعد القبض.


(1) لا يبعد أن يكون مراده (قدس سره) منه السفه ، لأن حمله على معناه الحقيقي أي ما يقابل العقل ، يوجب كونه مستدركاً ، لأنه (قدس سره) قد اعتبر فيها العقل صريحاً.

ثمّ بناءً على الأوّل ، مقتضى إطلاق كلامه (قدس سره) اعتبار عدمه في كلا طرفي المضاربة ، وقد صرّح بذلك بعضهم ، غير أن أكثر الفقهاء لم يتعرّضوا لذلك في كتاب المضاربة ، وإنما اقتصروا على ما ذكروه في باب الحجر ، من أنّ السفيه محجور عليه في ماله.

وكيف كان ، فاعتباره بالنسبة إلى المالك مما لا خلاف فيه ، فإنه ليس للسفيه أن يعقد المضاربة مع العامل ، لكونه محجوراً عن التصرّف في أمواله.

وأما اعتباره بالنسبة إلى العامل فلا وجه له ، إذ لا يعتبر قبول ذلك منه تصرّفاً في أمواله كما هو واضح ، بل ولا عمله الذي هو بحكم المال ، وذلك لأن العامل لا يملك المالك عمله ، وإنما المضاربة عقد شبيه بالوكالة كما عن المحقق (قدس سره) (3)أو الجعالة.

وعليه فلا وجه لاعتبار عدم السفه فيه ، فإنه غير ممنوع منهما ، بل ذكر غير واحد منهم أن له أخذ عوض الخلع ، لكونه من تحصيل المال لا التصرّف في أمواله.

(2) اعتبره غير واحد من الفقهاء ، نظراً لاختصاص أدلّتها الخاصة بالعين ، فلا


1) (*) لعلّه يريد به السفه ، وإلّا فهو من سهو القلم ، وعلى الأوّل فإنّما يعتبر عدمه في المالك دون العامل.

2) (**) على الأحوط.

3) الشرائع 2 : 161.

نعم ، لو وكَّلَه على القبض والإيجاب من طرف المالك والقبول منه ، بأن يكون موجباً قابلاً ، صحّ.


يمكن الحكم بالصحة في المنفعة والدين ، لعدم الدليل عليها.

وخالف فيه بعضٌ فالتزم بالصحة ، تمسُّكاً بالأدلّة العامة وعمومات التجارة بدعوى أنّ مقتضاها نفي اشتراط ما يحتمل اعتباره في العقد.

وقد أشكل عليه في بعض الكلمات ، بأنّه لا مجال للتمسك بهذه العمومات في نفي اعتبار ما يحتمل اعتباره بالنسبة إلى العقد.

والذي ينبغي أن يقال : أن العقد الواقع في الخارج قد يكون من قبيل البيع والإجارة ونحوهما ، مما يكون التمليك من كل من الطرفين للآخر تمليكاً لما يملكه. وفيه لا مانع من التمسك بعمومات التجارة ، وقد تمسّكنا بها لإثبات صحة المعاملة المعاطاتية.

وقد لا يكون كذلك ، بأن لا يكون فيه تمليك من أحد الطرفين ماله للآخر كالمضاربة والمزارعة والمساقاة ، حيث لا يملّك المالك العامل إلّا حصّة من الربح ، وهي غير متحققة بالفعل ، لأنه لا يملك إلّا أصل ماله ، فكيف يصحّ تمليكها لغيره؟ وفيه فالقاعدة تقتضي البطلان ، ولا عموم يقتضي صحته. وعليه فيكون تمام الربح للمالك نظراً لتبعية المنافع للأصل.

وكون بعضه للعامل رأساً وابتداءً على خلاف القاعدة في العقود ، إذ مقتضاها كون العوض لمن له المعوض فمن يبذل المثمن له الثمن ، والعكس بالعكس ، فلا وجه لكون بعضه للعامل.

وانتقاله آناً ما إلى ملك المالك ومن ثمّ إلى العامل وإن كان معقولاً ، إلّا أنه على خلاف قانون المضاربة والمزارعة والمساقاة. على أنه من تمليك ما لا يملك فعلاً ، إذ ليس له الآن السلطنة عليه. ولذا لم يستشكل أحد في بطلان العقد إذا لم تكن حصّة العامل من ربح ما يتَّجر به ، بأن يقول له المالك : اتّجر بهذا المال ولك الربع من أرباح تجارتي الخاصة ، أو من ثمر بستاني في العام القادم.

.................................................................................................


والحاصل أنّ الصحة في هذه الموارد التي ليس فيها شي‌ء مملوك للمملك بالفعل يملكه لغيره ، تحتاج إلى دليل خاص ، فإن كان فهو ، وإلّا فالقاعدة تقتضي البطلان. نظير ما تقدّم في إجارة الأرض بحاصلها ، أو بيع ما سيرثه من مورثه ، فإنها غير مشمولة لأدلّة التجارة عن تراضٍ ، وصحّتها على خلاف القاعدة ، فلا بدّ لإثباتها من دليل خاصّ ، وإلّا فهي محكومة بالفساد.

على أن المضاربة تزيد على غيرها في الإشكال ، بأنها لا تنحصر غالباً بالتجارة مرّة واحدة ، بل تكون من التجارة المستمرة والمتعددة.

وعلى هذا فلو فرض أنّ رأس المال مائة دينار وكان للعامل نصف الربح ، فاتجر العامل به واشترى سلعة بمائة دينار ثمّ باعها بمائتي دينار ، كان مقتضى العقد اختصاص المالك بمائة وخمسين ديناراً واختصاص العامل بخمسين ديناراً فقط.

فلو اشترى بعد ذلك شيئاً بمائتي دينار ثمّ باعه بأربعمائة دينار ، فمقتضى العقد ان يكون للعامل مائة وخمسون ديناراً وللمالك مائتان وخمسون ديناراً. وهو مخالف للقاعدة من حيث أن المائتين ديناراً الحاصلة من التجارة الثانية ، إنما هي ربح لمجموع خمسين ديناراً حصّة العامل ، ومائة وخمسين ديناراً حصّة المالك. ومقتضى القاعدة أن يكون ربع هذا المبلغ له ، والثلاثة أرباع الباقية بينه وبين المالك.

وهذا يعني أن يكون للعامل من مجموع الأربعمائة مائة وخمسة وسبعون ديناراً وللمالك منه مائتان وخمسة وعشرون ديناراً فقط ، والحال أنه لا يأخذ إلّا مائة وخمسين ديناراً. ولازمه أن يكون ربح العامل أيضاً مناصفة بينه وبين المالك ، وهو على خلاف القاعدة ، حيث إنّ المالك لم يعمل فيه شيئاً ، بل ذلك المال حصّة العامل بتمامه والعمل فيه من العامل ، فلا وجه لأن يكون للمالك نصف ربحه.

ومن هنا فلو كنا نحن والقاعدة ، ولم يكن هناك دليل على الصحة ، لالتزمنا بفساد عقد المضاربة بقول مطلق ، وإنما قلنا بالصحة فيها للنصوص الخاصّة. وعليه فلا بدّ في تحديد ما يعتبر في الحكم بالصحة من اتّباع دلالتها ، فبمقدار تلك الدلالة يحكم بالصحة ، والباقي بما في ذلك المشكوك يبقى على أصل الفساد.

وعليه فنقول : أما بالنسبة إلى الدَّين ، فيكفي في الحكم بفساد المضاربة به معتبرة

وكذا لو كان له على العامل دين ، لم يصحّ جعله قراضاً (1) إلّا أن يوكله في تعيينه ، ثمّ إيقاع العقد عليه بالإيجاب والقبول بتولّي الطرفين.


السكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : «قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في رجل له على رجل مال فيتقاضاه ولا يكون عنده ، فيقول : هو عندك مضاربة ، قال : لا يصلح حتى تقبضه منه» (1).

على أنّ المذكور في أدلّة المضاربة عنوان (إعطاء المال) وهو ظاهر في دفع العين فلا تشمل الأدلّة الدَّين. ويكفينا في ذلك الشكّ ، حيث عرفت أن مقتضى الأصل البطلان.

وأما بالنسبة إلى المنفعة ، فالمعروف والمشهور بينهم هو عدم الجواز. لكن يمكن أن يقال : إنّ التعبير في أدلّة المضاربة بالمال ، لا سيما ما ورد في الوصية بالمضاربة بمال أولاده ، شامل للمنفعة أيضاً ، حيث لا دليل على بطلان المضاربة بها ، خلافاً للدَّين.

إلّا أنه مردود بأنّ الظاهر من نصوص المضاربة ، أنّ موضوعها إعطاء المالك ماله للعامل كي يعمل به على أن يكون رأس المال محفوظاً والربح بينهما على حسب ما يتفقان عليه ، وهو لا ينطبق على المنفعة حيث إنها غير قابلة للبقاء نظراً إلى أنها تتلف بنفسها ، ومن هنا فكل ما يكون في قبالها يكون بأجمعه ربحاً. ولذا قالوا في باب الخمس إنّ كل ما يقع بإزاء المنافع سواءً الأعيان وغيرها يكون متعلقاً للخمس وليس ذلك إلّا لكونه بأجمعه ربحاً ، لا أن الأصل محفوظ والباقي هو الربح.

إذن فما ذكره المشهور من عدم صحة المضاربة بالمنفعة ، إن لم يكن أقوى فهو أحوط.

هذا بناءً على جواز المضاربة بمطلق المال وإن لم يكن من الأثمان. وأما بناءً على عدم جوازه ، فلا ينبغي الإشكال في عدم جواز المضاربة بالمنفعة.

(1) للقاعدة ومعتبرة السكوني ، على ما تقدّم.


1) الوسائل ، ج 19 كتاب المضاربة ، ب 5 ح 1.

الثاني : أن يكون من الذهب أو الفضة المسكوكين بسكة المعاملة ، بأن يكون درهماً أو ديناراً. فلا تصحّ بالفلوس ، ولا بالعروض ، بلا خلاف بينهم ، وإن لم يكن عليه دليل سوى دعوى الإجماع. نعم ، تأمَّل فيه بعضهم ، وهو في محلِّه لشمول العمومات ، إلّا أن يتحقَّق الإجماع ، وليس ببعيد (1)(1) فلا يترك الاحتياط.


(1) الظاهر أنّ الإجماع المدعى من الإجماع المنقول ، فلا يمكن الاعتماد عليه ، لا سيما بعد خلوّ كلمات غير واحد من الأصحاب من التعرض إليه.

وكيف كان ، فالأصل في هذه الدعوى كلام القاضي في الجواهر ، إلّا أنّ عبارته صريحة في دعوى الإجماع على صحّة المضاربة بالدراهم والدنانير (2)وأين هذا من دعوى الإجماع على بطلانها في غيرهما؟ فإن بينهما بوناً بعيداً.

ومنه يظهر أن الإجماع ، بمعنى الاتفاق الكاشف عن رأي المعصوم (عليه السلام) غير متحقّق في المقام.

ومعه فلا موجب لرفع اليد عن إطلاقات الأدلّة المعتبرة للمال في المضاربة ، حيث لم يثبت تقييد بكونه من الدراهم أو الدنانير ، فإنّ هذا العنوان كما يصدق عليهما ، يصدق على غيرهما من الأثمان والأموال المتمحضة في المالية.

نعم ، الحكم لا يعمّ العروض ، باعتبار أنّ الربح والخسران إنما يلاحظان بالنسبة إلى ما هو متمحض في المالية ، وهو الأثمان التي يتحفظ بها أوّلاً ، ثمّ يلاحظ ربحها وخسارتها.

إذن فما اختاره صاحب الحدائق (قدس سره) من عدم اعتبار هذا الشرط (3)هو الصحيح.


1) (*) الظاهر أنّ الإجماع لم يثبت ، وعبارة القاضي في الجواهر تدلّ على تحقّق الإجماع على صحّة المضاربة بالدراهم والدنانير ، لا على عدم صحّتها في غيرهما ، فالظاهر جواز المضاربة بما يكون في حكم النقدين من الأوراق النقديّة وغيرها.

2) الجواهر 26 : 356 357.

3) الحدائق 21 : 204.

ولا بأس بكونه من المغشوش الذي يعامل به (1) مثل الشاميات والقمري ونحوها. نعم ، لو كان مغشوشاً يجب كسره ، بأن كان قلباً ، لم يصحّ (2) وإن كان له قيمة ، فهو مثل الفلوس.

ولو قال للعامل : بع هذه السلعة وخذ ثمنها قراضاً ، لم يصحَّ (1)(3) إلّا أن يوكله في


(1) إذ العبرة بناءً على اعتبار كونه من الذهب والفضّة المسكوكين بصدق الدرهم والدينار ، وهو صادق على المغشوش على حد صدقه على الخالص ، بل الخالص منهما إما لا يكون أو يكون نادراً جدّاً ، وقد تقدّم الكلام فيه مفصّلاً في باب الزكاة.

نعم ، لو كان الغش بحدّ يمنع صدق الاسم عليه ، منع من صحة المضاربة به ، بناءً على القول باعتبار كون مال المضاربة درهماً وديناراً.

(2) بأن كان الغش في الهيئة لا المادة ، بأن صب الذهب والفضة بشكل الدراهم والدنانير ، فإنه لا يكون حينئذ من الأثمان ، وتقدّم اعتبار كون مال المضاربة منها. وبذلك يظهر الفرق بينه وبين الفلوس.

(3) وكأنه لأن الذي يعطيه المالك للعامل ليس بالفعل درهماً أو ديناراً ، وقد اعتبر كون مال المضاربة منهما. وثمنه وإن كان منهما ، إلّا أنه حين إعطائه له لم يكن مالكاً لذلك ، وإنما يملكه بعد البيع.

وفيه ما لا يخفى. فإنا وإن سلّمنا عدم صحة المضاربة بالعروض ، إلّا أنه إذا قصد المعطي المضاربة بالبدل والثمن كما هو صريح عبارته ، كان ذلك في الحقيقة توكيلاً للعامل في جعل الثمن قراضاً ، كما هو الحال في سائر موارد الأمر بالأُمور المترتبة ، كأن يقول : بع داري واصرف ثمنه على الفقراء ، فإنّه توكيل في الصرف عليهم لا محالة.

ومن هنا فإذا نفّذ العامل ذلك فباع المتاع ، ثمّ تصدى للتجارة بالثمن ، كان فعله هذا إيجاباً للمضاربة بالوكالة من المالك ، وقبولاً منه هو.


1) (*) فيه إشكال ، بل لا تبعد الصحّة.

تجديد العقد عليه بعد أن نض الثمن.

الثالث : أن يكون معلوماً قدراً ووصفاً (1) (1).


ومحذور كونها مضاربة معاطاتية ، مدفوع بأنه لا إشكال فيها ، حيث عرفت أنّ مقتضى العمومات عدم اعتبار اللفظ في صحة العقد إلّا ما خرج بالدليل.

(1) ذكر صاحب الجواهر (قدس سره) في وجهه : أنّ الجهالة تمنع من تحقق الربح الذي ينبغي أن يكون مشتركاً بين المالك والعامل ، وحيث إنه روح هذه المعاملة فيحكم ببطلانها (2).

وفيه : إنا لو سلّمنا عموم النهي عن الغرر للمضاربة أيضاً ، فالمقام خارج عنه تخصصاً ، إذ لا غرر في هذه المعاملة من ناحية المضاربة. فإنه لو أعطى المالك العامل كيساً مملوءاً بالدنانير وأمره بالمضاربة بها من دون أن يعلما مقدارها أو وصفها ، لم يكن ذلك غررياً ، من جهة تمكن العامل من عدّها بعد ذلك وإخبار المالك به فيرتفع جهلهما ، لكونه أميناً عنده.

على أن لو لم يتمكن من عدّها ، فيكفي في رفع الغرر أن المعاملة بذلك المال يستلزم علمه ولو تدريجاً بمقداره ، فإنه كلما يشتري شيئاً ليتّجر به يعرف ما أخرج بإزائه من الكيس إلى ان ينتهي كلّ ما فيه ، وحينئذ يرتفع غرره ويعلم بما كان في الكيس حين قبضه.

ثمّ لو فرضنا عدم ذلك أيضاً ، فالربح يكون مشتركاً بين العامل والمالك ، وحينئذٍ فيمكن حلّ المشكلة بالرجوع إلى التصالح إن أمكن ، وإلّا فيحلّها الحاكم ولو بالقرعة.

وليس في شي‌ء من ذلك أي غرر ، حيث إنه عبارة عن الخطر المالي أو العرضي أو النفسي ، وكلها مفقود في المقام ، فإنّ الربح لكلٍّ منهما مضمون.

إذن فالظاهر عدم اعتبار هذا الشرط في عقد المضاربة ، نظراً لعدم الدليل عليه.


1) (*) على الأحوط الأولى.

2) الجواهر.

ولا تكفي المشاهدة وإن زال به معظم الغرر (1).

الرابع : أن يكون معيّناً (1)(2). فلو أحضر مالين وقال : قارضتك بأحدهما ، أو بأيِّهما شئت ، لم ينعقد إلّا أن يعيِّن ثمّ يوقعان العقد عليه.

نعم ، لا فرق بين أن يكون مشاعاً أو مفروزاً (3) بعد العلم بمقداره ووصْفه. فلو كان المال مشتركاً بين شخصين ، فقال أحدهما للعامل : قارضتك بحصتي في هذا المال ، صحّ مع العلم بحصته من ثلث أو ربع. وكذا لو كان للمالك مائة دينار مثلاً ، فقال : قارضتك بنصف هذا المال صحَّ.


(1) خلافاً لما حكي عن الشيخ (قدس سره) من الاكتفاء بها ، لما ذكره (2). وقد ظهر الحال فيه مما تقدّم.

(2) لم يظهر لنا وجهه.

فإنّ دعوى أن أحدهما والفرد المبهم لا وجود له في الخارج ، إذ الموجود في الخارج إنما هو الفرد المعيَّن المشخَّص ، فلا تصحّ المضاربة به.

مدفوعةٌ بما ذكرناه في مبحث الواجب التخييري من المباحث الأُصولية ، من أنّ الفرد المردَّد وإن لم يكن له وجود في الخارج ، إلّا أنّ الجامع الذي هو عبارة عن عنوان أحدهما موجود في الخارج لا محالة ، فإنه موجود بوجود الفردين. ولذا يقال : إنه يعلم بنجاسة أحد الإناءين ، والحال أنّ الذي لا وجود له كيف يعلم بنجاسته؟.

إذن فلا مانع من إيقاع المضاربة على أحدهما ، فإنه مشمول للعنوان الوارد في النصوص ، أعني دفع المال للتجارة. وحينئذٍ فيكون التخيير للعامل أو المالك على حسب ما يتَّفقان عليه.

(3) لصدق المال المذكور في النصوص عليهما على حدٍّ سواء.


1) (*) على الأحوط ، ولا يبعد عدم اعتباره.

2) المبسوط 3 : 168.

الخامس : أن يكون الربح مشاعاً بينهما (1). فلو جعل لأحدهما مقداراً معيناً والبقية للآخر ، أو البقية مشتركة بينهما ، لم يصحّ (1)(2).


(1) لتقوّم مفهوم المضاربة به ، وإلّا فيكون داخلاً في مفهوم الإجارة أو الجعالة. وعلى كلا التقديرين يحكم ببطلان العقد ، لأن غير المملوك بالفعل لا يصلح أن يكون اجرة أو جعلاً بإزاء عمل العامل.

(2) ما أفاده (قدس سره) إنّما يتمّ فيما إذا لم يكن وثوق بزيادة الربح عن المقدار الذي جعل لأحدهما تعييناً ، فإنه حينئذٍ تخرج المعاملة عن المضاربة ، حيث إن معه لا يبقى للآخر شي‌ء من الربح.

وأما إذا كان هناك وثوق بزيادة الربح عن المقدار المعيَّن ، فقد استدلّ للبطلان فيه بأنّ ظاهر كون الربح مشتركاً بين المالك والعامل على ما دلّت عليه النصوص ، هو اشتراكهما في كلّ جزء منه على نحو الإشاعة. ومن هنا فاختصاص أحدهما بجزء منه دون الآخر يكون على خلاف مفهوم المضاربة ، فلا يشمله دليلها ، والقاعدة تقتضي البطلان.

وفيه : أنه لا يستفاد من أدلّة المضاربة كون كل جزء من الربح مشتركاً بينهما كما قيل ، وإنما المستفاد منها أنّ مجموع الربح يكون بينهما في قبال اختصاص أحدهما به وهو صادق في المقام أيضاً. فإنه إذا استثنى المالك لنفسه عشرة دنانير مثلاً على أن يكون باقي الربح بينهما مناصفة ، كان مرجع ذلك إلى المضاربة بالمال على أن يكون للعامل نصف الربح إلّا خمسة دنانير ، وهو لا محذور فيه مع الوثوق بزيادة الربح على عشرة دنانير ، لصدق كون الربح بينهما مشتركاً ومشاعاً.

وقد التزم الماتن (قدس سره) بجواز ذلك في المساقاة ، مع أنّ المضاربة والمزارعة والمساقاة من هذه الجهة من وادٍ واحد ولا فرق بينهما.

إذن فالحكم بالبطلان في هذه الصورة لا يخلو عن إشكال ، بل منع.


1) (*) لا يخلو من الإشكال فيما إذا علم أنّ الربح يزيد على المقدار المعيّن ، وقد التزم (قدس سره) في باب المساقاة بالصحّة في نظير المقام.

السادس : تعيين حصّة كلّ منهما (1) من نصف أو ثلث أو نحو ذلك ، إلّا أن يكون هناك متعارف ينصرف إليه الإطلاق (2).

السابع : ان يكون الربح بين المالك والعامل. فلو شرطا جزءاً منه للأجنبي عنهما ، لم يصحّ (3) إلّا أن يشترط عليه عمل متعلّق بالتجارة (4).


(1) فإنّ الملك لا بدّ وأن يتعلق بأمر معيَّن ، فإنّ الشي‌ء الذي لا واقع له لا يصلح أن يكون مملوكاً لأحدهما. وحيث إن النسبة المجهولة لا واقع لها ، فلا يصلح تمليكها للعامل.

هذا إذا كانت النسبة مجهولة ومردَّدة في الواقع. وأما إذا كان لها واقع لكنهما لم يكونا يعلمان بها ، كما لو ضاربه بالنسبة التي اتفقا عليها في السنة الماضية مع نسيانهما لها ، فهل يحكم بصحتها أم لا؟ قيل بالثاني ، من جهة استلزامه للغرر.

إلّا أنّك قد عرفت ما فيه ، حيث لا خطر على العامل في الربح ، وإنما الشك في زيادته ونقصانه. على أنه لم يثبت نهيه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) عن مطلق الغرر.

إذن فلا مانع من الالتزام بصحتها ، إذ يصدق معه أنّ المالك أعطى ماله للعامل ليتَّجر به ، على أن يكون الربح مشتركاً بينهما بنحو الإشاعة على النسبة المعينة في الواقع.

لكن لا يخفى أنّ ظاهر عبارة الماتن (قدس سره) هو القسم الأوّل ، فإنه (قدس سره) غير ناظر إلى فرض كون النسبة معلومة في الواقع.

(2) حيث به يحصل العلم بالمقدار.

(3) وذلك لأن مقتضى القاعدة وكما عرفت هو تبعية المنافع بأكملها لرأس المال في الملكيّة ، وإنما خرجنا عنها في المضاربة حيث يكون بعض الربح للعامل بالدليل الخاصّ. وحيث لا دليل على جواز الجعل للأجنبي يكون باطلاً لا محالة ، بعد أن لم يكن له شي‌ء من رأس المال أو العمل.

(4) لأنها في الحقيقة ترجع إلى المضاربة مع اثنين.

نعم ، ذكروا أنّه لو اشترط كون جزء من الربح لغلام أحدهما صحّ. ولا بأس به ، خصوصاً على القول (1)بأنّ العبد لا يملك ، لأنه يرجع إلى مولاه. وعلى القول الآخر يشكل. إلّا أنه لما كان مقتضى القاعدة صحّة الشرط حتى للأجنبي (1) والقدر المتيقن من عدم الجواز ما إذا لم يكن غلاماً لأحدهما ، فالأقوى الصحة مطلقاً. بل لا يبعد القول به في الأجنبي أيضاً وإن لم يكن عاملاً ، لعموم الأدلّة (2).

الثامن : ذكر بعضهم أنه يشترط أن يكون رأس المال بيد العامل ، فلو اشترط المالك أن يكون بيده لم يصح. لكن لا دليل عليه (3) فلا مانع أن يتصدّى العامل للمعاملة مع كون المال بيد المالك ، كما عن التذكرة.

التاسع : أن يكون الاسترباح بالتجارة. وأما إذا كان بغيرها ، كأن يدفع إليه


(1) مراده (قدس سره) من القاعدة هي العمومات والإطلاقات. غير انك قد عرفت منا غير مرّة إنكار ذلك ، حيث ليس لدينا أي عموم أو إطلاق يشمل تمليك ما لا يملك. ولذا لو اشترط شيئاً من الربح للأجنبي في غير عقد المضاربة ، لم يصح جزماً ، لأنه من تمليك المعدوم.

إذن فالصحيح أنّ الجعل للأجنبي غير جائز ، سواء أكان الأجنبي عبداً لأحدهما بناءً على ملكيّة العبد كما هو الصحيح ، أم لم يكن.

(2) ظهر الحال فيه مما تقدّم.

(3) إذ المضاربة إنما تكون باعتبار صدور العمل من العامل ، ورجوع الربح إليه وإلى المالك مشتركاً على النسبة المتفق عليها. وأما كون المال بيد العامل فلم يدلّ عليه دليل ، بل ربّما لا يكون في العامل وثوق فيُبقي المالك ماله في يده تحفظاً عليه.

نعم ، بعض النصوص تضمن التعبير ب- (يعطي مالاً) (2)وهو ظاهر في الدفع إليه


1) (*) لا يبعد ابتناء صحّة الاشتراط على هذا القول إذا كان الشرط من شرط النتيجة كما هو المفروض ، وأمّا الاشتراط للأجنبي فالظاهر عدم صحّته.

2) الوسائل ، ج 19 كتاب المضاربة ، ب 1 ح 1 ، 2.

ليصرفه في الزراعة مثلاً ويكون الربح بينهما ، تشكل صحته (1) إذ القدر المعلوم من الأدلّة هو التجارة. ولو فرض صحة غيرها للعمومات ، كما لا يبعد (1)(2) لا يكون داخلاً في عنوان المضاربة.

العاشر : أن لا يكون رأس المال بمقدار يعجز العامل عن التجارة به ، مع اشتراط المباشرة من دون الاستعانة بالغير ، أو كان عاجزاً حتى مع الاستعانة بالغير ، وإلّا فلا يصحّ (2)(3) لاشتراط كون العامل قادراً على العمل. كما أن الأمر كذلك في الإجارة للعمل ، فإنه إذا كان عاجزاً تكون باطلة.

وحينئذٍ فيكون تمام الربح للمالك ، وللعامل اجرة عمله


وجعله في يده ، إلّا أن التقييد وارد في كلام السائل دون جوابه (عليه السلام) ، فلا يدلّ على اعتبار كونه في يد العامل ، وعدم صحتها عند الخلاف.

على أنّ بعض النصوص مطلقة. ففي بعضها : (الرجل يقول للرجل : ابتاع لك متاعاً والربح بيني وبينك) (3). وفي بعضها : (الرجل يعمل بالمال مضاربة) (4)وغيرها. فإنّ هذه التعابير إن لم تكن ظاهرة في كون المال في يد المالك ، فلا أقلّ من كونها عامة لكلا الطرفين.

(1) لاختصاص المضاربة ، على ما يستفاد من نصوصها ، بالاسترباح بالتجارة.

(2) بل هو بعيد ، لما عرفت من عدم تمامية العمومات ، واحتياج الحكم بالصحة في هذه المعاملات إلى الدليل الخاص ، وحيث انه مفقود ، فالقاعدة تقتضي البطلان.

(3) فيه إشكال ، بل منع. فإنّ المضاربة كغيرها من العقود تنحل إلى عقود متعددة على أجزاء رأس المال ، وإن كانت بحسب الإنشاء واحدة حالها في ذلك حال سائر العقود.


1) (*) بل هو بعيد.

2) (**) لا تبعد الصحّة في المقدار الذي يقدر العامل على الاتجار به.

3) الوسائل ، ج 19 كتاب المضاربة ، ب 3 ح 1.

4) الوسائل ، ج 19 كتاب المضاربة ، ب 1 ح 3.

.................................................................................................


ومن هنا فحيث إنّ المفروض أن العامل ليس بعاجز عن التجارة بجميع أجزاء ذلك المال وإن كان عاجزاً عن الاتجار بمجموعه ، فلا موجب للحكم بالبطلان من رأس وفي جميع المال ، بل يتعين الحكم بالصحة فيما يقدر عليه ، والبطلان فيما يعجز عنه. فإنه لا محذور فيه سوى توهم أنّ الجهالة بالمقدار المقدور يستتبع الغرر الموجب لبطلان العقد ، إلّا أنك قد عرفت ما في هذا التوهم ، حيث لا غرر فلا موجب للحكم بالفساد.

نعم ، لو كانت اجرة المثل في الخارج أقلّ من الربح المجعول للعامل ، وكان المالك حين العقد جاهلاً بعجز العامل عن الاتجار ببعض المال ، كان له الخيار في فسخ العقد من رأس ، لتخلف الشرط ، وهو انضمام المضاربة بكل جزء بالمضاربة بالجزء الآخر كما هو الحال في سائر موارد تبعض الصفقة. فيثبت للعامل اجرة مثل عمله حينئذٍ ، أو إمضاء العقد في ذلك الجزء ، فيكون له ما اتفقا عليه من النسبة. وأما الحكم بالبطلان من رأس كما أفاده الماتن (قدس سره) ، فلا وجه له ولا يمكن المساعدة عليه.

وبعبارة اخرى نقول : إن المقدار المقدور ، تارة يكون متميزاً عن غير المقدور وأُخرى لا يكون كذلك.

ففي الأوّل : لا ينبغي الشك في صحة المعاملة بالنسبة إلى المقدار المقدور ، فإنه من ضم المعاملة الصحيحة إلى المعاملة الفاسدة. نظير بيع الخنزير والشاة جملة ، أو بيع ماله ومال غيره كذلك ، فإنها تتبعض لا محالة ، فتبطل في الخنزير ومال الغير ، وتصحّ في الشاة وماله.

وهذا جارٍ في الإجارة أيضاً ، فإنه لو آجره لعملين أحدهما مقدور والآخر غير مقدور دفعة ، صحّت بالنسبة إلى المقدور ، وبطلت بالنسبة إلى غيره.

والحاصل إنَّ ضمَّ معاملة صحيحة إلى أُخرى فاسدة ، لا يوجب البطلان بالنسبة إلى الصحيحة ، بل تنحلّ المعاملة الواحدة إلى معاملتين ، فتصحّ بالنسبة إلى الواجدة للشرائط ، وتبطل بالنسبة إلى غيرها.

ومنه يتّضح فساد ما ذكره (قدس سره) من عدم استحقاق العامل شيئاً من الربح فإنّ له النسبةَ المتَّفقَ عليها من ربح ما اتّجر به ، لانكشاف كونه مقدوراً وصحيحاً.

مع جهله بالبطلان (1) ويكون ضامناً


وفي الثاني : فيحكم بالصحة في المقام أيضاً ، وإن كنا نحكم بالفساد في الإجارة باعتبار أنه يعتبر فيها معلومية العمل بخلاف المضاربة ، حيث قد عرفت أنه لا يعتبر فيها معرفة مقدار المال ، لعدم الغرر في الجهل به. وعلى تقديره ، فلا دليل على نفيه بقول مطلق.

إذن فلا موجب للحكم فيه بالبطلان فيما ظهر مقدوريته بعد ذلك من رأس ، بعد أنْ كانت المضاربة عقداً جائزاً ولم يتضمّن التمليك من الابتداء ، ولا مجال لقياسها بالإجارة التي هي من العقود اللازمة المتضمنة للتمليك من الطرفين. بل المتعين هو الحكم بثبوت النسبة المعينة من الربح للعامل ، فيما إذا لم يكن المالك جاهلاً بعجزه عن المضاربة بالجميع من أوّل الأمر. وإلّا فهو بالخيار ، إن شاء أبقى المعاملة كما كانت فيأخذ العامل نصيبه من الربح. أو فسخ ، لتبعض الصفقة ، فيكون للعامل اجرة مثل عمله.

(1) ما أفاده (قدس سره) متفرع على اختياره لبطلان المضاربة في المقام ، فلا تثبت له الحصّة المعينة من الربح. وأما بناءً على ما اخترناه من صحّتها بالنسبة إلى المقدور ، فلا موضوع لهذا الكلام كما عرفت.

وكيف كان ، فكأنّ الوجه فيما أفاده (قدس سره) من استحقاق العامل لُاجرة مثل عمله عند جهله بالبطلان خاصّة ، هو عدم إقدام العامل حينئذٍ على التبرع بعمله والمجانية ، بخلاف ما لو كان عالماً بالفساد وعدم استحقاقه للنصيب المعيَّن ، فإنه وبإقدامه بعد ذلك على العمل يكون مقدماً على التبرع بالعمل والمجانية.

إلّا أنك عرفت في مبحث الإجارة ، أنّ العلم بالفساد لا يعني إقدام العامل على العمل مجّاناً ، بل غاية ما يقتضيه هو العلم بعدم إمضاء الشارع المقدس للعقد وعدم استحقاقه للنصيب المعين ، وهو لا يعني التبرع بعمله والإقدام على المجّانية. ولذا يضمن كلٌّ من المتبايعين ما قبضاه بالعقد الفاسد ، حتى مع علمهما بالفساد.

لتلف المال (1)(1) إلّا مع علم المالك بالحال (2).


وعليه فلا وجه للقول بعدم استحقاق العامل لُاجرة مثل عمله على تقدير علمه بفساد العقد ، بل هو مستحقّ لها على كلا التقديرين ، نظراً لعدم إقدامه على المجانية.

نعم ، استحقاقه لُاجرة المثل إنما هو في فرض عدم زيادتها عن الحصّة المعينة في المضاربة الفاسدة ، وإلّا فليس له إلّا ذلك المقدار ، لإقدامه على العمل بذلك المقدار وإلغاء احترامه بالنسبة إلى الزائد.

(1) فيه إشكال ، بل منع. فإنّ الضمان إنما يثبت ببناء العقلاء ، أو ضمّ الدليل الشرعي إليه ، أو التعبد المحض في موارد خاصّة ، من تعدٍّ ، أو تفريط ، أو أخذ مال الغير بغير رضاه ، أو الإتلاف ، أو إقدام الآخذ على الضمان كما هو الحال في العقود الضمانية ، أو عارية الذهب والفضة.

ولا شي‌ء من هذه العناوين متحققة في المقام. فإنّ المفروض عدم التعدي أو التفريط. وكلمة الأخذ ظاهرة في القهر والغصب ، فلا تشمل ما إذا كان برضاه أو اختياره. والإتلاف العمدي مفروض العدم. وليس الآخذ مقدماً على الضمان ، بل ولم يسلمه المالك المال في المقام على أن يكون دركه عليه. ولا نصّ خاص يقتضي الضمان في المقام.

ومن هنا فمقتضى كون اليد أمانة مالكية ، عدم الضمان في المقام.

ويقتضيه مضافاً إلى ذلك ، تسالمهم على ما ذكره الشيخ الأعظم (قدس سره) على أنّ «ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده» وبالعكس. فإنّ مقتضاه عدم ثبوت الضمان فيما نحن فيه ، لأنّ المضاربة الصحيحة غير مضمونة ، فتكون فاسدتها كذلك.

(2) ظهر مما تقدّم أنه لا وجه لتقييد عدم الضمان بفرض علم المالك بالحال ، فإنّ أدلّة الضمان قاصرة عن شمول المقام ، سواء علم المالك بالحال أم جهل.


1) (*) الظاهر أنّه لا يضمن مطلقاً.

وهل يضمن حينئذ جميعه ، لعدم التميز مع عدم الإذن في أخذه على هذا الوجه. أو القدر الزائد ، لأن العجز إنما يكون بسببه ، فيختصّ به. أو الأوّل إذا أخذ الجميع دفعة. والثاني إذا أخذ أوّلاً بقدر مقدوره ، ثمّ أخذ الزائد ولم يمزجه مع ما أخذه أوّلاً؟ أقوال ، أقواها الأخير.

ودعوى أنه بعد أخذ الزائد يكون يده على الجميع ، وهو عاجز عن المجموع من حيث المجموع ، ولا ترجيح الآن لأحد أجزائه ، إذ لو ترك الأوّل وأخذ الزيادة لا يكون عاجزاً (1) ، كما ترى ، إذ الأوّل وقع صحيحاً ، والبطلان مستند إلى الثاني وبسببه (2)


(1) وبعبارة اخرى : إنّ الدفعين الأوّل والثاني لما كانا مبنيين على المضاربة الواقعة على الجميع ، والمحكوم عليها بالفساد بالنسبة إلى جميع المال أيضاً المقدور وغير المقدور كما هو المفروض ، لم يكن للتفصيل وترجيح الأوّل على الثاني وجه ، فإنّ العقد واحد ، ونسبة كل واحد من الدفعين إليه واحدة أيضاً.

(2) وتوضيحه أن يقال : إنّ عقد المضاربة لما كان جائزاً من الطرفين ، وكان المالك غير ملزم بدفع المال إلى العامل بعد العقد ، حيث إنه ليس له مطالبته به كما أنه ليس للمالك إلزام العامل بالعمل ، فلا وجه لأن يقال إنّ تسليم المالك للعامل من الجري على المعاملة الفاسدة ، ونسبة تلك المعاملة إلى كلا الدفعين واحدة.

فإنّه إنما يتمّ في العقود اللازمة ، حيث لا يكون التسليم بعد الحكم بالفساد بنفسه مصداقاً لإنشاء ذلك العقد ، فيتعيّن كونه جرياً على العقد الفاسد. وأما في العقود الجائزة التي يكون العمل بعد العقد الفاسد بنفسه مصداقاً لذلك العقد ، فلا مجال لأن يكون العمل بعده جرياً على العقد السابق ، بحيث يرى المالك نفسه ملزماً به ، بل هو بعينه يكون مصداقاً لذلك العقد.

فلو أكره شخصٌ آخر ليهب ماله إليه ، فوهب ومن ثمّ سلَّم المال باختياره إليه ، لم يكن ذلك من الجري على الهبة الفاسدة ، وإنما كان التسليم بنفسه مصداقاً للهبة.

وما نحن فيه من هذا القبيل. فإنّ دفع المالك للمال بعد فساد المضاربة إلى العامل

والمفروض عدم المزج (1).

هذا ولكن ذكر بعضهم أن مع العجز المعاملة صحيحة ، فالربح مشترك ، ومع ذلك يكون العامل ضامناً مع جهل المالك. ولا وجه له ، لما ذكرنا ، مع أنه إذا كانت المعاملة صحيحة لم يكن وجه للضمان.


لا يمكن أن يكون جرياً على المعاملة الفاسدة ، وإنما هو مضاربة حقيقية انشِئتْ بالفعل لا اللفظ ، حيث إنّ المالك بدفعه للمال قاصد لمتاجرة العامل به على أن يكون الربح بينهما على النسبة التي اتفقا عليها ، فيحكم بصحّته حيث لا موجب للحكم بالفساد فإنّ مجرّد كون العقد السابق اللفظي محكوماً بالفساد ، لا يقتضي الحكم بالبطلان فيما أنشأ بعده بالفعل.

وعلى هذا الأساس يتّضح وجه ما أفاده الماتن (قدس سره) من التفصيل. فإن المقدار المقدور المقبوض أوّلاً مضاربة مستقلة عن المضاربة بالمقدار الثاني ، حيث يكونان من الجري على المضاربة القولية الفاسدة ، فيحكم بصحّة الأُولى حيث لا موجب للبطلان ، وفساد الثانية لكونها غير مقدورة.

والظاهر أنّ ما ذكرناه هو مراد الماتن (قدس سره) من قوله : إذ الأوّل وقع صحيحاً ، فإنه محمول على أنّ الأوّل مضاربة معاطاتية صحيحة ، وإلّا فالجري على العقد السابق فعل خارجي لا معنى لوصفه بالصحة والفساد.

وبالجملة فالمتعين بناءً على القول ببطلان تمام المضاربة عند عدم القدرة على بعضها ، والحكم بضمان العامل لتلف المال مع جهل المالك بالحال كما بنى عليها الماتن (قدس سره) ، هو ما أفاده (قدس سره) من التفصيل بين قبض المال جملة وتدريجاً.

(1) لم يظهر لنا وجه تقييد عدم الضمان في المقدار المقدور المقبوض أوّلاً ، بما إذا لم يمزج الثاني به ، بحيث لو مزجه لكان ضامناً للجميع. فإنّ المزج وعدم التمييز لا يقتضي ثبوت الضمان فيما لم يكن مضموناً من قبل ، فإنّه لا موجب للضمان فيه ، لا سيما وإنّ المالين ملك لمالك واحد.

ثمّ إذا تجدّد العجز في الأثناء ، وجب عليه ردّ الزائد (1) وإلّا ضمن.

[3390] مسألة 1 : لو كان له مال موجود في يد غيره ، أمانة أو غيرها فضاربه عليها صحّ (2). وإن كان في يده غصباً أو غيره ، مما يكون اليد فيه يد ضمان ، فالأقوى أنه يرتفع الضمان بذلك ، لانقلاب اليد حينئذ (1)، فينقلب الحكم (3).

ودعوى أن الضمان مغيا بالتأدية (4) ولم تحصل ، كما ترى (5).


(1) يظهر وجهه مما تقدّم. فإنّ هذا المال بعد العجز عن المضاربة به يكون أمانة شرعية في يد العامل ، وعليه ردّه إلى مالكه في أقرب أزمنة الإمكان.

(2) إذ لا يعتبر في المضاربة أن يكون المال عند المالك كي يقبضه إلى العامل.

(3) فإنّ موضوع الحكم بالضمان إنما هو اليد الضمانية ، كيد الغاصب أو العارية المضمونة. وحيث إنّ هذا الموضوع تبدل بيد الأمانة والمضاربة ، ينتفي الضمان قهراً ويكون من السالبة بانتفاء الموضوع.

(4) لقوله (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) : «على اليد ما أخذت حتى تؤدّي» (2)حيث إنّ مقتضاه ثبوت الضمان إلى حين الأداء والتسليم.

(5) فإنّ هذه الرواية نبوية لم تثبت ، والعبرة في الضمان إنما هي ببناء العقلاء أو المتشرعة عليه ، ولا شي‌ء منهما متحقق في المقام.

على أنّ موضوع هذا النصّ هو الاستيلاء على مال الغير على نحو يوجب الضمان كالغصب والعارية المضمونة ، والمفروض عدم بقائه لأنه تبدل إلى الأمانة ، ومعه فلا


1) (*) مرّ أنّه لا يعتبر في المضاربة كون المال بيد العامل ، وعليه فلا دلالة لعقدها على رضا المالك ببقاء المال في يد الغاصب من دون قرينة ، إلّا أنّ عقد المضاربة من المالك على ذلك المال قرينة عرفيّة على رضاه ببقاء هذا المال في يده وتصرّفه فيه ، وعليه فلا ضمان ، نعم لو لم تكن هنا قرينة على ذلك فالصحيح ما ذكره الجماعة من بقاء الضمان.

2) مستدرك الوسائل : باب 1 من كتاب الوديعة ح 12.

ولكن ذكر جماعة بقاء الضمان ، إلّا إذا اشترى به شيئاً ودفعه إلى البائع ، فإنّه يرتفع الضمان به ، لأنه قد قضى دينه بإذنه (1). وذكروا نحو ذلك في الرهن أيضاً وأن العين إذا كانت في يد الغاصب فجعله رهناً عنده أنها تبقى على الضمان. والأقوى ما ذكرنا في المقامين ، لما ذكرنا.

[3391] مسألة 2 : المضاربة جائزة من الطرفين ، يجوز لكلّ منهما فسخها (2)


مجال لبقاء الحكم الأوّل. نظير ما لو تبدّل عنوان الغصب أو العارية المضمونة بالإجارة ونحوها ، فإنّ معه أفيحتمل الحكم ببقاء الضمان من دون موضوع؟!.

بل لو تنزّلنا عن هذا أيضاً ، فإطلاق هذا النص معارَض بإطلاق ما دلّ على عدم ضمان الأمين. حيث إنّ المال وبعد إجازة المالك أمانة بيد العامل ، ومقتضى إطلاق أن الأمين لا يضمن عدم ضمانه ، بلا فرق فيه بين ما إذا كان مضموناً قبل ذلك وعدمه. وحينئذ فيتعارض الإطلاقان ، ومن ثمّ يتساقطان ، والنتيجة هو الحكم بعدم الضمان.

إذن فالصحيح هو الحكم بعدم الضمان ، تبعاً للماتن (قدس سره).

ولكن لا بدّ من تقييد ذلك بما إذا قامت القرينة على رضاه ببقاء المال عند العامل وإلّا فمجرد عقد المضاربة لا يقتضي سقوط الضمان ورضاه ببقائه عنده ، إذ قد عرفت فيما تقدّم أنه لا يعتبر في عقد المضاربة كون المال بيد العامل.

نعم ، الظاهر أنّ إجراء المالك لعقد المضاربة مع الغاصب مع عدم مطالبته به ، قرينة عرفية على رضاه ببقاء ذلك المال في يده وتصرّفه فيه ، فينتفي الضمان.

(1) فيكون في فعله هذا كالوكيل ، فيسقط الضمان عنه ، لأنه أداء لحقّه حقيقة.

(2) وليس الوجه فيه هو الإجماع ، كي يناقش بأنه غير معلوم. وإنّما هو قصور أدلّة اللّزوم عن شمول العقود الإذنية التي لا يكون فيها أي التزام من أحدهما بشي‌ء كي يشمله ( أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ) (1)وإنّ من التزم بشي‌ء فعليه أن يُنهيه وإنما هي مجرّد


1) سورة المائدة 5 : 1.

سواء كان قبل الشروع في العمل أو بعده ، قبل حصول الربح أو أو بعده (1) نض المال أو كان به عروض ، مطلقةً كانت أو مع اشتراط الأجل وإن كان قبل انقضائه (2).

نعم ، لو اشترط فيها عدم الفسخ إلى زمان كذا ، يمكن أن يقال بعدم جواز فسخها قبله ، بل هو الأقوى ، لوجوب الوفاء بالشرط. ولكن عن المشهور بطلان


إباحة وإذن في التصرّف من أحدهما وقبول من الآخر كالعارية. وعليه فمتى ما رجع الآذن في إذنه ، لكونه مسلّطاً على ماله يتصرف فيه كيف يشاء ، ارتفع الموضوع ، ومعه ينتفي الحكم لا محالة.

(1) يريد بذلك جواز الفسخ بالنسبة إلى المعاملات المتأخرة عن المعاملة الواقعة التي ظهر فيها الربح. وأما بالنسبة إليها فلا خلاف ولا إشكال في اللزوم ، وإنّ الربح وبطبيعة الحال يكون مشتركاً بينهما ، وليس للمالك أن يفسخ العقد ليأخذ تمام الربح ويدفع للعامل اجرة المثل.

والوجه فيه واضح. فإنّ العقد لما كان محكوماً بالصحة وممضًى من الشارع ، كان مقتضاه اشتراك المالك والعامل في الربح الحاصل على النسبة المتفق عليها وبمجرد ظهوره ، وليس للمالك أن يفسخ العقد لينزعه منه من غير رضاه.

نعم ، قد يثبت له ذلك من جهة أُخرى ، كتخلف العامل عن شرط اشترط عليه إلّا إنه خارج عن محلّ كلامهم.

(2) حيث إنّ التأجيل لا يعني إلّا تحديد الإذن بالأجل وتقييد جواز التصرّف بالمال به ، بحيث لا يكون العامل مأذوناً فيه بعد ذلك. وليس معناه اشتراط عدم الفسخ في تلك الفترة ، كما توهمه بعض ، فإنّ لكل منهما فسخ العقد متى شاء. ومن هنا يندفع ما قيل من أنه إذا لم يصحّ اشتراط عدم الفسخ ، لم يصحّ اشتراط التأجيل أيضاً.

الشرط المذكور ، بل العقد أيضاً (1)، لأنّه منافٍ لمقتضى العقد. وفيه منع ، بل هو منافٍ لإطلاقه (1). ودعوى أن الشرط في العقود الغير اللازمة


(1) وفيه ما لا يخفى.

وذلك أما إذا كان الشرط هو عدم مالكيته للفسخ ، أو عدم الفسخ خارجاً بعد ظهور الربح ، فقد ظهر لك مما تقدّم عدم منافاته للعقد أو إطلاقه ، بل كونه تأكيداً محضاً لمقتضاه ، لكونه ثابتاً قبل الاشتراط.

وأما إن كان الشرط هو عدم مالكيته للفسخ أو عدم الفسخ خارجاً في محلّ الكلام أعني قبل ظهور الربح فهو خارج عن مقتضى العقد أصلاً وإطلاقاً ، إذ الجواز واللزوم حكمان شرعيان خارجان عن العقد وليسا من مقتضياته.

إذن فلا مجال للحكم بفساد العقد من هذه الناحية.

وأما من سائر النواحي ، فقد ذكرنا في طي أبحاثنا الفقهية غير مرّة أن الشرط في العقد ليس مجرّد مقارنة التزام بالتزام أو أمر آخر ، وإنما هو نحو ارتباط بين الشرط والمشروط ، وهو يكون على نحوين على سبيل القضية مانعة الخلو إذ قد يجتمعان معاً.


1) (*) ذكرنا في محلّه أنّ اشتراط العقد بشي‌ء ليس معناه مجرّد مقارنة التزام مع التزام آخر ، بل هو يختلف باختلاف الموارد ، فقد يكون معنى الشرط في ضمن العقد تعليق الالتزام بالعقد والوفاء به عليه كما إذا اشترط في بيع عبد مثلاً كونه كاتباً أو عادلاً أو ما شاكل ذلك ، وقد يكون معناه تعليق نفس العقد على الالتزام بشي‌ء كما إذا اشترطت المرأة في عقد النكاح السكنى في بلد معيّن مثلاً أو نحو ذلك ، وقد يكون كلا الأمرين معاً كما إذا اشترط البائع أو المشتري على الآخر خياطة ثوب أو كتابة شي‌ء مثلاً ، ثمّ إنّ الاشتراط فيما نحن فيه ليس من قبيل الأوّل حيث إنّه لا التزام هنا بالعقد حتى يعلّق على شي‌ء آخر ، بل هو من قبيل الثاني بمعنى أنّ المعلّق على الالتزام بشي‌ء إنّما هو عقد المضاربة نفسه ، وعليه ففيما نحن فيه إن كان المعلّق عليه هو لزوم العقد ووجوب الوفاء به فهو باطل ، وإن كان هو الالتزام بعدم فسخه خارجاً فهو صحيح ويجب عليه الوفاء به ولكن لا يلزم وجوب العقد وضعاً ، ومن هنا إذا فسخ كان فسخه نافذاً وإن كان غير جائر. وكذا الحال فيما إذا اشترط في ضمن عقد آخر ، وبذلك يظهر الحال في سائر فروض المسألة.

.................................................................................................


فقد يكون الشرط بمعنى تعليق المنشأ ونفس العقد على التزام المشروط عليه بشي‌ء ، بحيث لو لم يلتزم به لما كان الأوّل منشإ لذلك العقد ، كاشتراط الزوجة الاستقلال في السكنى أو عدم إخراجها من بلد أهلها ، فيصحّ بقبول الآخر ، ولا يضرّ مثله لأنه من التعليق على أمر حاصل حال العقد ، ويجب عليه الوفاء به لقوله (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) : «المؤمنون عند شروطهم» (1).

إلّا أنه لا يترتب عليه غير إلزامه به ، إذ التعليق إنما كان على نفس التزامه وقد حصل ولم يكن على الفعل في الخارج.

وقد يكون الشرط بمعنى تعليق التزامه بالمنشإ والوفاء به على شي‌ء في الخارج فيكون العقد فيه مطلقاً وغير معلق ، وإنما المعلق التزامه ووفاؤه به ، ويرجع هذا في الحقيقة إلى جعل الخيار لنفسه عند فقدان ذلك الوصف المطلوب ، كاشتراط الكتابة أو العدالة في قبول بيع العبد.

وقد يجتمعان معاً ، كما إذا اشترط أحد طرفي العقد على الآخر عملاً معيّناً كخياطة ثوب أو كتابة شي‌ء ، فإنه يكون من تعليق نفس العقد على التزام الآخر بذلك العمل وتعليق التزامه بذلك العقد والوفاء به على تحقّق ذلك العمل في الخارج.

إذا اتضح ذلك فما نحن فيه لا يمكن أن يكون من قبيل الثاني ، حيث إنّ المضاربة على ما عرفت من العقود الإذنية ، حيث ليس فيها أي التزام من الطرفين المالك والعامل كي يكون الاشتراط فيها من تعليق الالتزام بشي‌ء ، فلا محالة يكون الاشتراط من قبيل الأوّل ، بمعنى تعليق نفس إذن المالك في التصرّف بالمال أو قبول العامل على ذلك.

وحينئذ فتارة يفرض كون المعلق عليه هو اللزوم وعدم مالكيته للفسخ.

وأُخرى يفرض كونه هو التزام الآخر بعدم الفسخ خارجاً.

ففي الأوّل : فبما أنّ المعلق عليه غير حاصل في الخارج ، باعتبار أنّ عقد المضاربة عقد جائز حيث إنّ كلّاً من المالك والعامل مالك للفسخ بحكم الشارع ولا ينقلب إلى


1) الوسائل ، ج 21 كتاب النكاح ، أبواب المهور ، ب 20 ح 4.

غير لازم الوفاء ، ممنوعة (1).

نعم ، يجوز فسخ العقد ، فيسقط الشرط ، وإلّا فما دام العقد باقياً يجب الوفاء بالشرط فيه. وهذا إنّما يتم في غير الشرط الذي مفاده عدم الفسخ ، مثل المقام


اللازم بالاشتراط ، يكون هذا العقد تبعاً للشرط محكوماً بالبطلان ، لأن المالك لم يقدم على التجارة بماله على الإطلاق ، وإنما أذن فيها على تقدير عدم ثبوت ملك الفسخ للآخر ، وحيث إنّه ثابت فالمالك لم يأذن فيها.

وفي الثاني : فحيث إنّ الفسخ فعل سائغ وجوداً وعدماً ، فليس فيه أي محذور ، إذ الالتزام بعدمه كالالتزام بسائر الأُمور المباحة من الخياطة والكتابة وغيرهما.

فحيث لم يكن يجب على المالك أو العامل الفسخ أو عدمه وكان كل منهما سائغاً وجائزاً في حقه ، لم يكن في الالتزام به محذور بل يصحّ الشرط والعقد معاً.

إذن فالصحيح في المقام هو التفصيل ، بين اشتراط عدم ملك الفسخ فيحكم فيه بفساد الشرط والعقد ، وبين اشتراط عدم الفسخ خارجاً فيحكم بصحتهما.

(1) لعموم قوله (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) : «المؤمنون عند شروطهم» (1). فإنّه غير مختص بالشروط في ضمن العقود اللازمة ، بل يعمّ كل ما يصدق عليه الشرط ، سواء أكان في ضمن عقد لازم أم جائز. بل لو لم يكن الشرط ظاهراً في نحو ارتباط شي‌ء بشي‌ء ، لقلنا بوجوب الوفاء بالشروط الابتدائية ، لكن الأمر ليس كذلك باعتبار أنّ الشرط الابتدائي ليس شرطاً في الحقيقة ، وإنما هو وعد محض.

ودعوى أنّ الشرط لا يزيد على المشروط ، فإذا لم يكن لازماً فلا يكون الشرط لازماً أيضاً ، بالأولوية.

مدفوعة بأنها صدى محض لا واقع لها. إذ لا مانع من كون وجوب الوفاء بالشرط مشروطاً بأمر جائز ، كما هو الحال في أكثر الواجبات المشروطة ، كالسفر بالنسبة إلى القصر في الصلاة ، أو قصد الإقامة بالنسبة إلى التمام. فإنه وفى حين إنه لا يجب السفر


1) الوسائل ، ج 21 كتاب النكاح ، أبواب المهور ، ب 20 ح 4.

فإنّه يوجب لزوم ذلك العقد (1).

هذا ولو شرط عدم فسخها في ضمن عقد لازم آخر ، فلا إشكال في صحة


يجب القصر على تقديره ، فللمكلف أن يبقي السفر فيجب عليه القصر ، وله أن ينهاه ويرجع إلى أهله فينتفي موضوعه. ومن هنا فلا ملازمة بينهما ، ولا أولوية.

وعليه ففي المقام ، فللمكلف أن يلغي العقد فينتفي الشرط ، وله أن يبقيه فيجب عليه الوفاء به ، فإبقاء العقد وإن لم يكن واجباً ، إلّا أنه على تقدير إبقائه يجب الوفاء بالشرط.

وما قد يقال من أنّ ما دلّ على جواز العقد ، دالّ على جوازه بتوابعه ، ومنها الشرط.

مدفوع بأنّ دليل الجواز في عقد المضاربة ، إما هو الإجماع كما ذهب إليه المشهور وهو يختص بنفس العقد. وإما هو ما ذكرناه من عدم الدليل على اللزوم فيه ، فهو مختص بالعقد أيضاً ولا يعمّ الشرط ، لأنه واجب الوفاء ، لقوله (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) : «المؤمنون عند شروطهم» فلا يمكن أن يقال إنه لا دليل على لزومه.

وبالجملة فالصحيح أنّ الشروط مطلقاً ، سواء أكانت في ضمن عقد لازم أم كانت في ضمن عقد جائز ، يجب الوفاء بها ما دام العقد باقياً ، فإذا ارتفع العقد انتفى الموضوع.

ثمّ إنّ لزوم الشرط هذا إنما هو لزوم تكليفي محض ولا يترتب عليه أي أثر وضعي ، باعتبار أنّ دليله ، أعني قوله (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) : «المؤمنون عند شروطهم» لا يقتضي أزيد من ذلك. ومن هنا فإذا تخلف المشروط عليه نفذ فعله وإن فعل حراماً.

(1) قد عرفت أنّ العمل بالشرط وإن كان لازماً ، إلّا أنه لا يوجب لزوم العقد فإن اللزوم محض تكليف ولا يترتب عليه أي أثر وضعي.

ثمّ إنه ذكر بعضهم : إنّ وجود العقد إذا كان شرطاً في لزوم العمل بالشرط ، امتنع أن يكون لزوم العمل بالشرط مقتضياً لوجود العقد ومانعاً من فسخه.

الشرط (1) ولزومه. وهذا يؤيد ما ذكرنا من عدم كون الشرط المذكور منافياً


وبعبارة اخرى : إنّ وجوب العمل بالشرط لما كان منوطاً ببقاء العقد ، كان لا بدّ من التفصيل في اشتراط عدم فسخ المضاربة بين ما يكون في نفس العقد ، وما يكون في عقد جائز آخر. ففي الثاني يصح الشرط ويجب الوفاء به ما دام العقد الثاني باقياً وأما إذا فسخ انتفى الشرط لانتفاء موضوعه. وأما في الأوّل فينبغي الحكم بعدم صحة الشرط ، وذلك لأنه لما كان فرع بقاء العقد ، لم يعقل أن يكون بقاء العقد معلولاً له.

وفيه ما لا يخفى. إذ إن توقّف وجوب العمل بالشرط على بقاء العقد ليس مستنداً إلى دليل خاص ، من إجماع أو نص أو غيرهما ، وإنما هو من جهة قصور الشرط بنفسه عن إثبات الأزيد من ذلك. فإنّ المتفاهم العرفي من اشتراط شي‌ء على الغير في المعاملة ، هو العمل بالشرط ما دام العقد باقياً. ولذا لو فسخ العقد بخيار المجلس أو غيره ، لم يجب على المشروط عليه العمل بالشرط ، بدعوى أنه يجب الوفاء به. وكذا لو اشترطت المرأة على الرجل النفقة في النكاح المنقطع. فإنّ المتفاهم العرفي في جميع ذلك هو العمل بالشرط ما دام العقد باقياً ، بلا فرق في ذلك بين عقد المضاربة وغيره.

هذا كله إذا كان الشرط عملاً خارجياً. وأما إذا كان الشرط هو عدم الفسخ فحيث إنّه لا معنى لأن يكون متوقّفاً على بقاء العقد ، إذ لا معنى للقول بأنّ عدم الفسخ متوقف على بقاء العقد ، وجب العمل على وفق ذلك الشرط والوفاء به مباشرة.

وملخّص الكلام : إن المستفاد من قوله (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) : «المؤمنون عند شروطهم» هو وجوب العمل بكل شرط سائغ وممكن بقول مطلق.

نعم ، قد يكون وجوب العمل ببعض الشروط مشروطاً ببقاء الموضوع من جهة المتفاهم العرفي ، إلّا أنّ ذلك لا يعني توقف وجوب الوفاء على بقاء العقد دائماً.

إذن فما ذكر من التفصيل لا يمكن المساعدة عليه ، والصحيح هو القول بصحّة الشرط على التقديرين.

(1) في إطلاقه إشكال بل منع ، إذ يجري فيه ما ذكرناه من التفصيل في الشرط.

لمقتضى العقد ، إذ لو كان منافياً لزم عدم صحته في ضمن عقد آخر أيضاً.

ولو شرط في عقد مضاربة ، عدم فسخ مضاربة أُخرى سابقة ، صحّ (1) ووجب الوفاء به ، إلّا أن يفسخ هذه المضاربة فيسقط الوجوب. كما أنه لو اشترط في مضاربة مضاربة أُخرى في مال آخر ، أو أخذ بضاعة منه ، أو قرض ، أو خدمة أو نحو ذلك ، وجب الوفاء به ما دامت المضاربة باقية ، وإن فسخها سقط الوجوب.

ولا بدّ أن يحمل ما اشتهر من أنّ الشروط في ضمن العقود الجائزة غير لازمة الوفاء على هذا المعنى ، وإلّا فلا وجه لعدم لزومها مع بقاء العقد على حاله ، كما اختاره صاحب الجواهر (قدس سره).


فإن كان الشرط هو عدم الفسخ خارجاً ، تم ما أفاده (قدس سره) ، نظراً لكون فعله سائغاً فيجب بالشرط ، لقوله (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) : «المؤمنون عند شروطهم». لكن يبقى هذا الوجوب تكليفياً محضاً ، ولذا لو عصى وفسخ لكان فسخه نافذاً ، وإن ثبت بذلك للشارط الخيار في العقد اللازم الآخر لتخلف الشرط.

وإن كان الشرط هو لزوم المضاربة وعدم مالكيته للفسخ ، فهو باطل ، لكونه مخالفاً للسنّة. حيث إن عقد المضاربة جائز ، فلا ينقلب بالشرط إلى اللزوم ، فإنّ الحكم الشرعي لا يتغير به.

وحينئذٍ فهل يسري فساده إلى العقد ، أم لا؟ فيه خلاف ، والصحيح عندنا هو الثاني ، فيبقى العقد ويبطل الشرط.

(1) على التفصيل المتقدِّم حرفاً بحرف ، بالقياس إلى صحة الشرط وفساده. وأما العقد المشروط فيه ، فيختلف الحال فيه في المقام عن الحال في العقد اللازم ، فإنّ بطلان الشرط هناك لم يكن يوجب فساد العقد. وهذا بخلاف المقام ، فإنّ بطلانه يوجب بطلان العقد لا محالة ، لأن الإذن في التصرّف إنما كان معلقاً على الشرط ، فإذا انتفى ينتفي هو أيضاً ، ومعه فلا يجوز للمشروط عليه التصرّف فيه.

بدعوى أنها تابعة للعقد لزوماً وجوازاً ، بل مع جوازه هي أوْلى بالجواز وإنها معه شبه الوعد. والمراد من قوله تعالى ( أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ) اللّازمةُ منها لظهور الأمر فيها في الوجوب المطلق. والمراد من قوله (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) : «المؤمنون عند شروطهم» بيان صحّة أصل الشرط ، لا اللزوم والجواز. إذ لا يخفى ما فيه (1).

[3392] مسألة 3 : إذا دفع إليه مالاً وقال : اشترِ به بستاناً مثلاً ، أو قطيعاً من الغنم.

فإن كان المراد الاسترباح بهما بزيادة القيمة ، صحّ مضاربة.

وإن كان المراد الانتفاع بنمائهما بالاشتراك ، ففي صحّته مضاربة وجهان : من أن الانتفاع بالنماء ليس من التجارة فلا يصحّ ، ومن أن حصوله يكون بسبب الشراء فيكون بالتجارة. والأقوى البطلان مع إرادة عنوان المضاربة ، إذ هي


هذا فيما إذا كان الشرط لزوم العقد وعدم مالكية المشروط عليه الفسخ. وأما إذا كان الشرط هو عدم الفسخ خارجاً ، وتخلف المشروط عليه عن شرطه وفسخ العقد ، فإذا كان ذلك قبل ظهور الربح في المعاملة الثانية المشروطة ، فلا أثر لتخلّف الشرط ، فإن العقد جائز في نفسه. وأما إذا كان بعد ظهور الربح في المعاملة الثانية فللمشروط له أن يفسخ العقد من جهة تخلف الشرط ، فيكون تمام الربح للمالك وللعامل اجرة المثل.

(1) أما الأوّل فيرده ما ذكرناه في مباحث المكاسب عند التعرض لما يقتضيه الأصل عند الشك في لزوم عقد أو جوازه ، من أن الوفاء إنما هو بمعنى الإتمام والإنهاء فالوفاء بالشي‌ء عبارة عن إنهائه وعدم فسخه. وحيث إنه يقطع بعدم حرمة الفسخ تكليفاً ، فلا بدّ من حمل الأمر بالوفاء على الإرشاد إلى اللزوم وعدم نفوذ الفسخ والرجوع.

ما يكون الاسترباح فيه بالمعاملات وزيادة القيمة ، لا مثل هذه الفوائد (1). نعم لا بأس بضمها إلى زيادة القيمة (2).

وإن لم يكن المراد خصوص عنوان المضاربة ، فيمكن دعوى (1)صحّته للعمومات (3).


إذن فالآية الكريمة دليل للزوم كل عقد نشكّ في لزومه وجوازه ولم يقم دليل على جوازه ، لا أنّ موضوعها العقد اللازم.

وأما الثاني فلما عرفت من أنه إنما يتضمن حكماً تكليفياً صرفاً ، نظير قولهم (عليهم السلام) «المؤمن عند عدته» لا الصحة ،

وإنما هي تستفاد بالملازمة من الحكم التكليفي ، وليس هذا موضوعاً للجواز أو اللزوم ، بل مقتضاه وجوب الوفاء بكل شرط سائغ في ضمن أي عقد من العقود كان الجائزة أو اللّازمة ولا مانع من الالتزام بذلك.

(1) وبعبارة اخرى : إن هذا العقد غير مشمول لأدلّة المضاربة. حيث إنّ المستفاد من أدلّتها اعتبار كون الاسترباح وما ينتفع به كل من المالك والعامل كلّ حسب حصّته ، حاصلاً بالتجارة بحيث يعد ربح التجارة ، وهو غير صادق على النماء ، فإنه ليس بربح التجارة.

(2) بلا خلاف فيه بينهم. فإنّ الإذن في التجارة ببيع وشراء ما له نماء إذن في بيع النماء أيضاً ، فيشتركان في ربحه. ولا ينافيه عنوان المضاربة ، لأنه اشتراك في الربح الحاصل من التجارة ، وإن كان مال التجارة يزيد أيضاً.

(3) ك- ( أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ) و ( تِجارَةً عَنْ تَراضٍ ) . بدعوى أنها وبمقتضى عمومها تقتضي الحكم بصحّة كل معاملة تنشأ بين طرفين ، سواء أكانت من المعاملات المتعارفة المعهودة أم لم تكن.


1) (*) لكنّها بعيدة ، وقد تقدّم نظير ذلك.

[3393] مسألة 4 : إذا اشترط المالك على العامل أن تكون الخسارة عليهما كالربح ، أو اشترط ضمانه لرأس المال ، ففي صحّته وجهان ، أقواهما الأوّل (1)(1) لأنه ليس شرطاً منافياً لمقتضى العقد كما قد يتخيل ، بل إنما هو مناف لإطلاقه ، إذ مقتضاه كون الخسارة على المالك ، وعدم ضمان العامل إلّا مع التعدي أو التفريط.


غير أنك قد عرفت غير مرّة ، أنّ هذه العمومات لا تصلح لأن تشمل مثل هذه المعاملات. فإنّ التمليك لا بدّ وأن يتعلق إما بشي‌ء خارجي مملوك له بالفعل ، وإما بشي‌ء في ذمّته. باعتبار أنه مسلط عليهما وهما تحت سلطانه. فإذا أنشأ المالك تمليك شي‌ء من هذين ، شملته العمومات لا محالة.

وأما إذا تعلق إنشاء التمليك بأمر معدوم ليس بمملوك له فعلاً ، فلا يصحّ بأي مملك كان ، ولذا لم يلتزموا بصحّته فيما إذا كان ذلك في ضمن عقد آخر. واشتراط أن يكون ملكاً له في ظرفه غير صحيح أيضاً ، إذ الملكيّة لا تكون بغير سبب مملك.

إذن فهذا النحو من المعاملة الذي يتضمن تمليك أمر معدوم غير صحيح ، وإنما قلنا بصحته في المزارعة والمضاربة والمساقاة والوصية لأجل الدليل الخاص ، وإلّا فمقتضى القاعدة فيه هو البطلان.

(1) بل الأقوى هو التفصيل ، بين ما إذا كان الشرط هو الضمان وكون الخسارة في عهدة العامل فيبطل ، وبين ما إذا كان هو التدارك الخارجي فيصحّ.

أمّا الأوّل : فليس ما ذكرناه من جهة كونه منافياً لمقتضى العقد ، إذ الضمان وعدمه كالجواز واللزوم خارجان عن مقتضى العقد أصلاً وإطلاقاً ، فإنّ مقتضاه ليس إلّا عمل العامل بالمال وتصرّفه فيه على أن يكون الربح بينهما على ما اتفقا عليه. وإنما


1) (*) هذا إذا كان الاشتراط راجعاً إلى لزوم تدارك العامل الخسارة من كيسه ، وأمّا إذا رجع إلى اشتراط رجوع الخسارة إليه فالأظهر بطلان الشرط ، وبذلك يظهر الحال في اشتراط ضمانه لرأس المال.

.................................................................................................


ذلك من جهة ملاحظة أن العامل أمين ، ومقتضى ما دلّ على أن الأمين لا يضمن ، ولا سيما بعض النصوص الواردة في خصوص المضاربة ، هو عدم الضمان.

وعليه فيكون اشتراط الضمان من الشرط المخالف للسنة ، حيث إنّ مقتضاه عدم ضمان الأمين ، سواء اشترط ذلك عليه أم لم يشترط ، فيبطل لا محالة.

وأما الثاني : فحيث أن تدارك العامل للخسارة والتلف من ماله الخاص ، لا على نحو الضمان ، أمر سائغ وفعل جائز قبل الاشتراط ، فلا مانع من اشتراطه عليه ، وعنده فيجب الوفاء به.

ومن الغريب في هذا المقام ما صدر من بعضهم ، من القول بانقلاب عقد المضاربة عند اشتراط الضمان على العامل قرضاً ، فيكون جميع الربح للعامل ، ولا يكون للمالك إلّا رأس ماله ، وذلك للنص المعمول به لدى الأصحاب.

وكأنه صحيحة محمد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث - : «إنّ علياً (عليه السلام) قال : من ضمن تاجراً فليس له إلّا رأس ماله ، وليس له من الربح شي‌ء» (1).

لكنها وإن كانت صحيحة بحسب السند ، إلّا أنها أجنبية بحسب الدلالة عن محلّ الكلام ، فإنّها واردة في التضمين من أوّل الأمر ، لا اشتراط الضمان عند التلف الذي هو محلّ كلامنا.

فإنّا ذكرنا في مبحث الفرق بين البيع والدين من مباحث المكاسب ، أنّ البيع عبارة عن مبادلة المال بالمال ، بحيث إنّ كلّاً من المتبايعين يعطي شيئاً بإزاء أخذ شي‌ء من صاحبه. في حين إنّ القرض لا يتضمن أيّ مبادلة بين المالين ، وإنما هو تمليك للمال مع الضمان ، بمعنى إثباته في عهدة الآخر ونقله إلى ذمّته ، كما هو الحال في الغاصب مع التلف. فليس القرض تبديل مال بمال غيره ، وإنما هو جعل المال المعيّن بعينه في ذمّة الآخر ، وهذا ما يعبّر عنه بالضمان المطلق.


1) الوسائل ، ج 19 كتاب المضاربة ، ب 4 ح 1.

[3394] مسألة 5 : إذا اشترط المالك على العامل أن لا يسافر مطلقاً ، أو إلى البلد الفلاني ، أو إلّا إلى البلد الفلاني ، أو لا يشتري الجنس الفلاني ، أو إلّا الجنس الفلاني ، أو لا يبيع من زيد مثلاً ، أو إلّا من زيد ، أو لا يشتري من شخص ، أو إلّا من شخص معين ، أو نحو ذلك من الشروط. فلا يجوز له المخالفة (1) وإلّا ضمن المال لو تلف بعضاً أو كلّاً ، وضمن الخسارة مع فرضها.

ومقتضى القاعدة (2) وإن كان كون تمام الربح للمالك على فرض إرادة القيدية (3) إذا أجاز المعاملة ، وثبوت خيار تخلّف الشرط على فرض كون المراد من الشرط الالتزام في الالتزام ، وكون تمام الربح له على تقدير الفسخ ، إلّا أنّ الأقوى


إذن فهذه الصحيحة لما كانت ناظرة إلى الضمان المطلق ، أعني دفع ماله إلى غيره ليكون في عهدته من أوّل الأمر ، كانت الرواية أجنبية عن محل الكلام ، فإنها واردة في القرض ابتداءً ، لا في انقلاب المضاربة إلى القرض بالاشتراط.

فالصحيحة ، بناءً على ما ذكرناه واختاره صاحبا الوافي (1)والحدائق (2)غير واردة في المضاربة ، وإنما هي واردة في التضمين الفعلي ، وأين ذلك من اشتراط الضمان عند التلف؟.

فما ذكره هذا القائل من كون الصحيحة معمولاً بها ، غير تامّ بالقياس إلى المعنى الذي ذكره.

(1) عملاً بشرط المالك ، واقتصاراً على مورد إذنه.

(2) باعتبار أنّ العامل حينئذٍ فضولي. فإن أجاز المالك ما صدر من المعاملة منه صحّ العقد وكان تمام الربح له ، وإلّا حكم ببطلان المعاملة الصادرة منه.

(3) يمتاز القيد من الشرط في العقود الالتزامية التمليكية كالبيع ، بأنّ الشرط فيها


1) الوافي 18 : 880.

2) الحدائق 21 : 207 208.

.................................................................................................


قد يكون أمراً خارجياً أجنبياً عن المبيع والثمن كالخياطة. ففي مثله لا يمكن أن يكون قيداً لمتعلق العقد ، إذ المبيع وجود والشرط وجود آخر ، والنسبة بين الوجودين هي التباين ، فلا معنى لأن يكون أحدهما مقيداً للوجود الآخر ، فيقال : إن الحنطة مقيدة بخياطة الثوب.

نعم ، من الممكن جعله قيداً للمنشإ ، بمعنى تعليق نفس البيع لا المبيع على الخياطة إلّا أنه باطل جزماً ، لأنه من التعليق في العقود ، وهو موجب لبطلانه.

ومن هنا فينحصر أمره في أن يكون شرطاً في العقد ، بمعنى تعليق الالتزام بالعقد على الخياطة ، فيكون من الالتزام في ضمن الالتزام.

وقد يكون وصفاً لمتعلق العقد ، وهو تارة يكون من الأوصاف الذاتية المقومة للذات ، فهو قيد لا محالة ، كأن يقول : بعتك هذا الموجود الخارجي على أن يكون ذهباً. وعليه فلو تخلف الوصف لكان البيع محكوماً بالبطلان لا محالة ، وذلك لأن مالية الأشياء إنما هي بفصولها وما يمتاز به كل صنف عن الآخر من الصفات ، وحيث إنّ الجامع بين الصنفين فاقد لها فلا مالية له.

والعبرة في اختلاف الصنف والنوع إنما هي بالنظر العرفي لا الدقة العقلية الفلسفية. فإنه إذا باع المملوك على أنه أمَة فبان عبداً ، حكم ببطلان البيع ، إذ العرف يراهما نوعين ، وإن كانا بنظر العقل واحداً ، باعتبار أن الذكورية والأُنوثية من العوارض للإنسان.

وأُخرى لا يكون مقوِّماً للذات ، كما لو باع العبد على أنه كاتب ، ومثله لا يصلح أن يكون قيداً. فإنّ الموجود الخارجي لا إطلاق له لكي يكون مقيداً بالكتابة في بعض الأحيان ، وإنما هو موجود واحد ، إما هو كاتب بالفعل أو ليس بكاتب كذلك.

وحيث لا يجوز أن يكون من تعليق نفس البيع عليه ، لأنه من التعليق المبطل جزماً ، ينحصر أمره في كونه شرطاً ، أعني تعليق الالتزام بالعقد على كونه كاتباً فيكون له الخيار على تقدير عدمه.

هذا كله بالنسبة إلى المائز بين القيود والشروط في الأعيان الخارجية ، وقد اتّضح

.................................................................................................


أنه يختلف باختلاف الشرط.

ومن هنا يتضح أنّ العبرة في الفرق بينهما إنما هو بواقع الشرط لا التعبير ، فلا فرق بين أن يقول : بعتك هذا العبد الكاتب ، أو : بعتك هذا على أن يكون كاتباً ، فإنّ الحال فيهما واحدة.

وأما إذا كان متعلق العقد كلياً في الذمّة ، فحيث إنّ وجود الكلي ينحصر في وجود أفراده إذ لا وجود له إلّا في ضمنها ، كان الاشتراط مقوِّماً كان الشرط أو غيره موجباً لتعدد الوجود وامتياز المقيد عن غيره. ومن هنا يكون الشرط قيداً في متعلق المعاملة لا محالة ، بحيث يكون متعلقها خصوص الحصّة المقيّدة دون غيرها ، لاقتضاء أخذ الوصف تخصص الكلي لا محالة. وعليه فلو سلّمه غيرها لم تبرأ ذمّته ، ووجب عليه أداء الحصّة التي اتفقا عليها.

وبهذا يفترق الكلّي عن العين الخارجية.

وكذا الحال إذا كان متعلق العقد عملاً من الأعمال ، فإنّه عرض من الأعراض ، وهو يختلف ويتعدّد في الوجود بما له من صفات ، فهو موجود بوجودين واجد الصفة وفاقدها.

ومن هنا فأخذ صفة في ضمن العقد ، يعني كون متعلق المعاملة خصوص تلك الحصة ، فلو أتى الأجير بغيرها لم تفرغ ذمّته.

وليس هذا من موارد الخيار ، وإنما هو من موارد عدم تحقق متعلق العقد في الخارج.

والحاصل أنّ باب الكلّي في الذمّة والأعمال من جهة ، يغاير باب الأعيان الخارجية التي تكون متعلّقة للعقد من جهة أُخرى.

هذا كله في العقود الالتزامية التمليكية. وأما في عقد المضاربة الذي ينحلّ في الحقيقة إلى أمرين : إذن المالك للعامل في العمل والتزامه بأن يكون الرّبح بينهما ، فهو من العقود الإذنية بلحاظ الجهة الأُولى ، ومن العقود الالتزامية بلحاظ الجهة الثانية.

فإذا اشترط المالك على العامل ما يرجع إلى خصوصية في المبيع أو الشراء ، كان

اشتراكهما في الربح على ما قُرِّر ، لجملة من الأخبار الدالّة على ذلك (1). ولا داعي


ذلك من تقييد الإذن لا محالة ، فيكون راجعاً إلى الجهة الأُولى في المضاربة. ومقتضى ذلك أنّ مخالفة الشرط توجب انتفاء الإذن في التصرّف فيه ، وعليه فيحكم بعدم استحقاق العامل شيئاً. وأما ما وقع من العمل خارجاً فهو معاملة فضولية ، إن أجازه المالك كان الربح أو الخسران له ، وإلّا فهو محكوم بالفساد من أصله.

وأما إذا كان الشرط أمراً خارجياً ، كالخياطة والكتابة ونحوهما ، فيمكن أن يكون راجعاً إلى الجهة الأُولى ، فيكون من تعليق الإذن في التجارة والتصرّف بالمال على ذلك الفعل المعين ، كما هو الحال في الإباحات. ولا يقدح فيه التعليق ، لأن الممنوع إنما هو التعليق في العقود التمليكية ، والمضاربة من العقود الإذنية.

ويمكن أن يكون راجعاً إلى الجهة الثانية ، أعني التزامه بكون الربح بينهما على النسبة المعينة ، وهذا هو الأظهر في الشروط التي لها مالية.

وعليه فعند تخلّف العامل عن الشرط ، فللمالك أن يرفع يده عن التزامه هذا ، وإن كان إذنه في أصل التجارة باقياً ، فيأخذ تمام الربح ، ويكون للعامل اجرة مثل عمله.

هذا تمام الكلام بالنسبة إلى ما تقتضيه القاعدة ، ومنه يظهر الحال في بعض ما أفاده الماتن (قدس سره) في هذا المقام.

(1) كصحيحة جميل عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في الرجل دفع إلى رجل مالاً يشتري به ضرباً من المتاع مضاربة ، فذهب فاشترى به غير الذي أمره ، قال : «هو ضامن والربح بينهما على ما شرط» (1).

وصحيحة الحلبي عنه (عليه السلام) أيضاً ، في الرجل يعطي الرجل مالاً مضاربة فيخالف ما شرط عليه ، قال : «هو ضامن والرّبح بينهما» (2). وغيرهما من النصوص.


1) الوسائل ، ج 19 كتاب المضاربة ، ب 1 ح 9.

2) الوسائل ، ج 19 كتاب المضاربة ، ب 1 ح 5.

إلى حملها على بعض المحامل (1) ولا إلى الاقتصار على مواردها ، لاستفادة


ثمّ إنّ أغلب هذه الروايات وإن كانت واردة في مخالفة العامل للمالك في الخروج من البلد والمكان الذي حدده له في التجارة ، وصحيحة جميل واردة في مخالفته للمالك في جنس ما عيّنه له ، إلّا أنه يمكن إثبات الحكم بشكل عام والتعدي عن المورد ، بدعوى الأولوية القطعية. حيث إنه إذا ثبت اشتراك العامل والمالك في الربح على النسبة المعيّنة ، مع مخالفة العامل للمالك في جنس المتاع والمخالفة ذاتية ، كان ثبوته في مورد مخالفته للشرائط الأُخر العائدة إلى الاختلاف في الأوصاف أو الأزمان ، بطريق أَوْلى.

وإن أبيت عن قبول ذلك ، يكفينا في إثبات الحكم في سائر الموارد إطلاق صحيحة الحلبي المتقدِّمة ، حيث إنّ مقتضى إطلاق قوله : (فيخالف ما شرط عليه) عدم الفرق بين كون المخالفة من حيث الجنس أو الزمان أو الوصف.

(1) حمل بعضهم المخالفة في هذه النصوص على المخالفة الصورية. بدعوى ان قصد المالك حين إعطائه لرأس المال للعامل إنما هو الاسترباح ، غاية الأمر انه كان يتخيل انه إنما يكون بشراء الأطعمة مثلاً ، لكن العامل لما يعلم انفعية شراء الحيوان مثلاً فيشتريه ، فلا يمكن ان يقال انه كان من غير إذن المالك ، لأنه لما كان قصده الاسترباح كان راضياً بكل معاملة فيها ربح. ومن هنا تكون المعاملة صحيحة ، والربح بينهما بالنسبة لا محالة ، باعتبار ان المخالفة صورية لا حقيقية.

وعليه فالمتحصل ان هذه النصوص لا تتضمن حكماً تعبدياً مخالفة للقاعدة ، وإنما تتضمن حكماً تقتضيه القواعد بنفسها.

وفيه : انه لو تم فهو إنما يتم في صورة وجود الربح في المعاملة التي أتى بها العامل. وأما مع الخسارة فمقتضى القاعدة كون المعاملة فضولية ، ان أجازها المالك كانت الخسارة عليه وإلّا استحق نفس ماله وعينه ، لا الحكم بصحتها مطلقاً مع تحمل العامل للخسارة ، فإنه لا ينطبق على أي قاعدة من القواعد.

على انه إنما يختص بما إذا كان ربح المعاملة التي قام بها العامل ، أزيد أوْ لا أقل

العموم من بعضها الآخر (1).


مساوياً لربح المعاملة التي أمر بها المالك. وأما مع قلته بالنسبة إليه ، فكيف يمكن أن يقال : ان المالك راضٍ بها وان المخالفة صورية؟ والحال ان هذه النصوص مطلقة وغير مقيّدة بفرض تساوي الربحين ، أو زيادة ربح الثانية عما أمر به المالك.

هذا كله مضافاً إلى ان العبرة في صحة التصرّف في مال الغير ، انما هي بكون العقد الصادر منسوباً إلى المالك ، وهو لا يكون إلّا بإذنه السابق أو إجازته اللاحقة. ولا يكفي مجرّد الرضا الباطني التقديري ، فإنّ كل إنسان يرضى باطناً بالربح ، لكن أفهل يصحّح ذلك أخذ ماله والتصرّف من غير إذنه؟!.

إذن فهذه المخالفة حقيقية واقعية وليست بصورية ، ومقتضى القاعدة الحكم ببطلان ما صدر من العامل ، غير أنّ النصوص تضمنت صحّته تعبداً ، وكون الربح بينهما والخسارة على العامل.

(1) على ما تقدّم بيانه.

نعم ، الظاهر أنها إنما تختص بمخالفة العامل للشرط الراجع إلى الجهة الأُولى في المضاربة ، أعني الإذن في التصرّف في المال ، ولا تشمل مخالفته لما يرجع إلى الجهة الثانية وكون الربح بالنسبة المعينة بينهما.

وذلك لانصراف هذه النصوص عن مثل هذه المخالفات ، إذ الظاهر أنها ناظرة إلى عمل العامل عملاً لم يأذن فيه المالك وصدور العمل على خلاف الشرط ، لا ما إذا كان العمل مأذوناً فيه ؛ غاية الأمر أنه لم يف بشرط خارجي اشترط عليه بلحاظ جعل الربح له ، على ما يشهد له ملاحظة سائر النصوص الواردة في مخالفة العمل ، فإنها تقيد ما ظاهره الإطلاق لا محالة.

بل الظاهر أنه لا حاجة إلى ذلك أيضاً ، إذ الظاهر من صحيحة الحلبي المتقدِّمة ترتب الأثر على العمل بخلاف ما شرط عليه ، ولو بملاحظة مناسبة الحكم والموضوع ، حيث إنّ مجرّد عدم العمل بالشرط لا يقتضي الضمان ، وإنما يقتضيه العمل

[3395] مسألة 6 : لا يجوز للعامل خلط رأس المال مع مال آخر ، لنفسه أو غيره (1) إلّا مع إذن المالك عموماً ، كأن يقول : اعمل به على حسب ما تراه مصلحة ، إن كان هناك مصلحة ، أو خصوصاً. فلو خلط بدون الإذن ضمن التلف إلّا أنّ المضاربة باقية والربح بين المالين على النسبة (2).

[3396] مسألة 7 : مع إطلاق العقد يجوز للعامل التصرّف على حسب ما يراه ، من حيث البائع والمشتري ونوع الجنس المُشترى. لكن لا يجوز له أن يسافر من دون إذن المالك (3) إلّا إذا كان هناك متعارف ينصرف إليه الإطلاق. وإن خالف فسافر ، فعلى ما مرّ في المسألة المتقدِّمة (4).


والتصرّف على خلاف ما أذن فيه المالك وشرط على العامل. وهذا غير متحقق في الشرط الخارجي ، لأن الأثر غير مترتب على العمل بخلاف ما شرط ، وإنما هو مترتب على عدم العمل بالشرط.

فالأثر هناك مترتب على الفعل ، وهنا على الترك ، والبون بينهما بعيد. ولما لم يكن الثاني مورداً للروايات ، فلا بدّ فيه من الرجوع إلى القواعد ، وهي تقتضي الحكم بصحّة المضاربة مع ثبوت الخيار للمالك ، فإن أجاز كان الربح بينهما ، وإن فسخ أخذ تمام الرّبح ودفع للعامل اجرة مثل عمله.

(1) لكونه على خلاف ما أذن فيه المالك ، حيث إنّ ظاهر كلامه عند تجرّده عن القرينة هو الاتجار بالمال بشخصه ، لا مع خلطه بغيره.

(2) كلّ ذلك للنصوص المتقدِّمة ، حيث إنها غير قاصرة الشمول لمثل المقام.

(3) يظهر الوجه فيه مما تقدّم في المسألة السابقة. فإنه على خلاف ظاهر كلامه حيث إنّه منصرف إلى الاتجار في البلد ، فيما إذا لم يكن الاتجار في خارج البلد أمراً متعارفاً كما كان الحال في الأزمنة السابقة.

(4) من كون الربح بينهما ، والخسران على العامل ، للنصوص المطلقة الشاملة للمقام ، بل وجملة من النصوص الواردة في خصوصه.

[3397] مسألة 8 : مع إطلاق العقد وعدم الإذن في البيع نسيئة ، لا يجوز له ذلك (1) إلّا أن يكون متعارفاً ينصرف إليه الإطلاق.

ولو خالف في غير مورد الانصراف ، فإن استوفى الثمن قبل اطلاع المالك فهو (2).

وإن اطلع المالك قبل الاستيفاء ، فإن أمضى فهو (3) وإلّا فالبيع باطل (4). وله الرجوع على كلٍّ من العامل والمشتري ، مع عدم وجود المال عنده ، أو عند مشترٍ آخر منه (5).


(1) لأنّه على خلاف ظاهر إذنه.

(2) حيث يحكم بصحّة المضاربة والعقد الذي صدر من العامل ، بلا خلاف فيه ولا إشكال.

وعليه فإن كان هناك ربح فهو بينهما على النسبة التي اتفقا عليها ، وإن كانت وضيعة فهي على العامل ، على ما تضمنته النصوص. حيث إن المقام من مصاديق مخالفة العامل للمالك فيما شرط عليه ، إذ أنه قد اتجر تجارة لم يأذن المالك فيها ، فيكون مشمولاً لها لا محالة.

(3) حيث يحكم بصحّة المعاملة ، لانتسابها بالإجازة إليه.

(4) لأنّها معاملة غير مأذون فيها ، ولا تشملها النصوص السابقة ، لظهورها في كون المال عند العامل بالفعل ، بحيث لو طالب المالك برأس ماله لأخذه مع الرّبح ، أو مع تدارك العامل للخسران. وهذا غير متحقق في المقام ، حيث إنّ المال عند المشتري ، ولا يلزمه الوفاء قبل الأجل.

وعليه فيحكم ببطلانها عند عدم إجازة المالك لها.

(5) وبعبارة اخرى : إنّه إن كانت العين موجودة ، كان للمالك مطالبتها من كل من وضع يده عليها. وإن كانت تالفة ، كان له تغريم أي منهم شاء بالمثل أو القيمة ، على ما هو الميزان في باب الضمانات.

فإن رجع على المشتري بالمثل أو القيمة ، لا يرجع هو على العامل (1) إلّا أن يكون مغروراً من قبله وكانت القيمة أزيد من الثمن ، فإنه حينئذٍ يرجع بتلك الزيادة عليه (2). وإن رجع على العامل ، يرجع هو على المشتري بما غرم (3) إلّا أن يكون مغروراً منه وكان الثمن أقلّ ، فإنه حينئذٍ يرجع بمقدار الثمن.

[3398] مسألة 9 : في صورة إطلاق العقد لا يجوز له أن يشتري بأزيد من قيمة المثل ، كما أنه لا يجوز أن يبيع بأقلّ من قيمة المثل (4) وإلّا بطل. نعم إذا اقتضت المصلحة أحد الأمرين لا بأس به (5).

[3399] مسألة 10 : لا يجب في صورة الإطلاق أن يبيع بالنقد ، بل يجوز أن


وقد ذكرنا في مبحث تعاقب الأيادي من مباحث المكاسب ، أنه لا مانع من اعتبار المال الواحد في ذمم أشخاص متعددين ، بمعنى أن يكون لمالكه مطالبة أيهم شاء ، وإن استقر الضمان على من تلف المال بيده.

(1) لأن المال قد تلف بيده ، أو يد من أعطى المال له. ومن هنا فلو رجع على العامل ، رجع هو عليه ، لأن المفروض أنه قد أخذ منه.

(2) كما هو الحال في غير المضاربة من العقود أو التمليكات المجانية ، نظراً لكون السبب أقوى من المباشر.

(3) فإنّ ماله لا يذهب هدراً ، بل وبالمعاوضة القهرية ببناء العقلاء يملك المال التالف بمجرد دفع عوضه ، وحينئذٍ فله مطالبة كل من ترتبت يده لاحقاً عليه ببدله وهكذا يرجع كل من السابق على اللاحق.

(4) والوجه في ذلك كله هو أنّ عقد المضاربة مبني على كون التجارة بالبيع والشراء بالقيمة المتعارفة وفي معرض تحصيل الربح ، فلا يشمل صورة علم العامل بالخسارة ، بأن يشتري بأزيد من ثمن المثل ، أو يبيع بالأقل منه.

(5) فإن العبرة إنما هي بالمصلحة ، كما لو خاف تلف المال أو سرقته عند بقائه فباعه بأقل من ثمنه ، فإنه يحكم بصحته بلا إشكال.

يبيع الجنس بجنس آخر (1). وقيل بعدم جواز البيع إلّا بالنقد المتعارف ، ولا وجه له ، إلّا إذا كان جنساً لا رغبة للناس فيه غالباً (2).

[3400] مسألة 11 : لا يجوز شراء المعيب ، إلّا إذا اقتضت المصلحة (3). ولو اتفق ، فله الرد أو الأرش ، على ما تقتضيه المصلحة.

[3401] مسألة 12 : المشهور على ما قيل أن في صورة الإطلاق يجب أن يشتري بعين المال ، فلا يجوز الشراء في الذمّة.

وبعبارة اخرى : يجب أن يكون الثمن شخصياً من مال المالك ، لا كليّاً في الذمّة. والظاهر أنه يلحق به الكلي في المعيّن أيضاً.

وعُلِّل ذلك بأنه القدَر المتيقّن. وأيضاً الشراء في الذمّة قد يؤدّي إلى وجوب دفع غيره ، كما إذا تلف رأس المال قبل الوفاء ، ولعلّ المالك غير راضٍ بذلك. وأيضاً إذا اشترى بكلّي في الذمّة ، لا يصدق على الربح أنه ربح مال المضاربة. ولا يخفى ما في هذه العلل (4).

والأقوى كما هو المتعارف جواز الشراء في الذمّة ، والدفع من رأس المال.

ثمّ إنهم لم يتعرضوا لبيعه. ومقتضى ما ذكروه وجوب كون المبيع أيضاً شخصياً لا كلّياً ، ثمّ الدفع من الأجناس التي عنده. والأقوى فيه أيضاً جواز كونه كلّياً وإن لم يكن في التعارف مثل الشراء.


(1) لعدم الدليل على اعتبار النقد ، فضلاً عن النقد المتعارف. واقتضاء الإطلاق جواز كل عقد يكون في معرض الربح وفي مصلحة المالك.

(2) فلا يجوز ، لكونه على خلاف مبنى عقد المضاربة.

(3) ظهر وجهه مما تقدّم ، فإنّ العبرة في الصحّة إنما هي بوجود المصلحة ، وكون التجارة في معرض الربح.

(4) فإنها مخالفة لإطلاقات أدلّة المضاربة المقتضية للصحّة ، ولا موجب لرفع اليد عنها.

ثمّ إنّ الشراء في الذمّة يتصوّر على وجوه :

أحدها : أن يشتري العامل بقصد المالك وفي ذمّته من حيث المضاربة (1).

الثاني : أن يقصد كون الثمن في ذمّته من حيث إنه عامل ووكيل عن المالك. ويرجع إلى الأوّل ، وحكمها الصحّة ، وكون الربح مشتركاً بينهما على ما ذكرناه (2). وإذا فرض تلف مال المضاربة قبل الوفاء ، كان في ذمّة المالك (1)يؤدّي من ماله الآخر (3).


(1) بمعنى قصده لأداء الثمن من مال المضاربة.

(2) لما تقدّم من عدم اعتبار كون الشراء أو البيع شخصياً ، وجواز كونهما في الذمّة.

(3) اعتبره في المسالك من المسلّمات (2)واستدل عليه في الجواهر بأنه مقتضى إطلاق إذن المالك (3).

وفيه : أما التسالم فلم يثبت. وعلى تقديره فلا يمكن المساعدة عليه ، إذ كيف يمكن إلزام المالك بالدفع من ماله الخاص ، والحال أنه لم يأذن فيه ، فإن إلزامه بذلك تعسّف محض وبلا موجب ، فإنّ المالك إنما أذن بالشراء من ماله إما شخصياً أو كلياً على أن يدفع بدلهُ من المال المعين للمضاربة ، ولم يأذن في غيره.

وأما دعوى الإطلاق فهو واضح الاندفاع ، حيث إنّ المالك إنما أذن في التصرّف بالمال المعين ، ولم يجز في الزائد منه كي يكون مضموناً في مالِهِ الخاص.

وعليه فالصحيح هو الحكم ببطلان هذهِ المعاملة. فإنّ الثمن وإن كان كلياً في الذمّة لكنه لما كان مقيداً بالدفع من المال الخارجي المعيّن وتعذر ذلك ، كان من مصاديق تلف الثمن قبل قبضهِ ، فيحكم بانفساخ العقد ورجوع مقابله إلى مالكهِ الأصلي. ولا


1) (*) في إطلاقه إشكال بل منع.

2) مسالك الافهام 4 : 351.

3) الجواهر 26 : 360.

الثالث : أن يقصد ذمّة نفسه وكان قصده الشراء لنفسه ، ولم يقصد الوفاء حين الشراء من مال المضاربة ، ثمّ دفع منه. وعلى هذا الشراء صحيح (1) ويكون عاصياً في دفع مال المضاربة من غير إذن المالك ، إلّا إذا كان مأذوناً في الاستقراض وقصد القرض.

الرابع : كذلك ، لكن مع قصد دفع الثمن من مال المضاربة حين الشراء ، حتى يكون الربح له ، فقصد نفسه حيلة منه. وعليه يمكن الحكم بصحّة الشراء (2) وإن كان عاصياً في التصرّف في مال المضاربة من غير إذن المالك ، وضامناً له بل ضامناً للبائع أيضاً ، حيث إنّ الوفاء بمال الغير غير صحيح.

ويحتمل القول ببطلان الشراء (3) لأن رضى البائع مقيّد بدفع الثمن ، والمفروض


موجب للحكم بالصحّة ، مع تحمل العامل أو المالك للضرر ، بدفع عوضه من ماله الخاص.

(1) بلا إشكال فيه. فإنّ البيع أو الشراء أمر ، والأداء الخارجي أمر آخر ، فيصحّ الشراء لكونه في الذمّة ، ويبطل الأداء لكونه تصرفاً في مال الغير بغير إذنه. ومن هنا فلا تبرأ ذمّته من الثمن بالنسبة إلى البائع ، في حين أنه ضامن للعين بالنسبة إلى المالك لتصرّفه فيها من غير إذنه.

وبالجملة حال الدفع من مال المضاربة في هذه الصورة ، حال الأداء من غير مال المضاربة من أموال الغير ، كمال الوديعة أو الغصب فإنّ الحال فيهما واحد.

(2) لأنه قد اشتراه لنفسه ، ونيته لأداء ثمنه من مال القراض أمر خارج عن حقيقة البيع ، فإنه عبارة عن مبادلة مال بمال ، فلا تكون موجبة لفساده.

(3) وفيه : أن التقيد لم يثبت بدليل. فإن معنى البيع على ما عرفت إنما هو المبادلة بين المالين ، والمنشأ إنما هو ملكيّة كل منهما لمال الآخر ، وأما الزائد عنه فلم يثبت بدليل. ودفع الثمن شرط ضمني يوجب تخلفه الخيار لا غير ، وليس هو مقوِّماً للبيع ، وإلّا لوجب القول بالبطلان في الصورة السابقة أيضاً ، إذ لا فرق بينهما من هذه الجهة حيث إنّ القيد

أنّ الدفع بمال الغير غير صحيح ، فهو بمنزلة السرقة (1) كما ورد في بعض الأخبار أن من استقرض ولم يكن قاصداً للأداء فهو سارق (2).

ويحتمل صحّة الشراء ، وكون قصده لنفسه لغواً بعد أن كان بناؤه الدفع من مال المضاربة ، فإنّ البيع وإن كان بقصد نفسه وكليّاً في ذمّته ، إلّا أنه ينصبّ على هذا الذي يدفعه ، فكأنّ البيع وقع عليه (3).

والأوفق بالقواعد الوجه الأوّل ، وبالاحتياط الثاني (4) وأضعف الوجوه الثالث وإن لم يستبعده الآقا البهبهاني.


متخلف فيهما ، فلا مبرر للفرق.

(1) لأنه ناوٍ لعدم دفع الثمن.

(2) النص ضعيف ، ولا أقل من كونه مرسلاً. ولعلّه محمول على عدم قصده للدين من أوّل الأمر ، حيث يكون اختلاساً وسرقة.

ثمّ إن نصوص المقام غير منحصرة فيما أشار إليه الماتن (قدس سره) ، إلّا أن جميعها لا يخلو من ضعف في السند ، أو قصور في الدلالة.

(3) وفيه : أنّ مجرّد قصده للأداء من مال الآخر ، كيف يجعله منصباً عليه ويجعل البيع له ، مع عدم قصد العامل الشراء له بالمرة؟ فإنّ العقد لا ينقلب عما وقع عليه والأداء وفاء للمعاملة وخارج عنها. ولذا لو قصد المشتري الأداء من مال غير مال المضاربة ، غصباً كان أم وديعة أم غيرهما ، لم يحكم بكون العقد لصاحب المال.

ومن هنا يظهر الحال فيما أفاده شيخنا الأُستاذ (قدس سره) في تعليقته ، من أنه ليس ببعيد ، فإنه بعيد جدّاً بل لم نعرف له وجهاً.

(4) ووجهه غير واضح. فإنّ كلّاً من الأمرين على حد سواء ، وليس أحدهما أحوط من الآخر ، إذ الأمر دائر بين ملكيّة المبيع للمشتري أو البائع أو مالك المال ومع احتمال كل منها لا وجه للقول بأن الثاني موافق للاحتياط.

الخامس : أن يقصد الشراء في ذمّته من غير التفات إلى نفسه وغيره. وعليه أيضاً يكون المبيع له (1) وإذا دفعه من مال المضاربة يكون عاصياً. ولو اختلف البائع والعامل في أن الشراء كان لنفسه ، أو لغيره وهو المالك المضارب ، يقدم قول البائع ، لظاهر الحال (2). فيلزم بالثمن من ماله ، وليس له إرجاع البائع إلى المالك المضارب.

[3402] مسألة 13 : يجب على العامل بعد تحقّق عقد المضاربة ما يعتاد بالنسبة إليه وإلى تلك التجارة ، في مثل ذلك المكان والزمان ، من العمل ، وتولّي ما يتولّاه التاجر لنفسه ، من عرض القماش والنشر والطيّ وقبض الثمن وإيداعه في الصندوق ، ونحو ذلك مما هو اللّائق والمتعارف. ويجوز له استئجار من يكون المتعارف استئجاره ، مثل الدلّال والحمّال والوزّان والكيّال وغير ذلك ، ويعطي الأُجرة من الوسط.

ولو استأجر فيما يتعارف مباشرته بنفسه ، فالأُجرة من ماله (3). ولو تولّى بنفسه ما يعتاد الاستئجار له ، فالظاهر جواز أخذ الأُجرة إن لم يقصد التبرع. وربّما يقال بعدم الجواز. وفيه : أنه منافٍ لقاعدة احترام عمل المسلم المفروض عدم وجوبه عليه (4).


(1) فإنّ كونه للغير يحتاج إلى مئونة زائدة ، فما لم يقصده المنشئ يحكم بكون العقد لنفسه ، كما هو الحال في سائر الوكلاء.

(2) فإنّ ظاهر الإنشاء انتسابه إلى نفسه وكونه هو المسئول عن بدله ، بحيث يكون هو طرف العقد والمطالب به ، كما يقتضيه بناء العقلاء والسيرة الجارية.

(3) لكونه على خلاف مقتضى عقد المضاربة ، حيث إنه يقتضي كون تلك الأفعال على العامل نفسه.

(4) تقدّم غير مرّة أن هذا المقدار من التعليل لا يكفي في جواز أخذ العامل للأُجرة ، بل لا بدّ في إثباته من إضافة أنّ العمل صادر بإذنه ومستند إليه ، وإلّا فلو لم يكن العمل صادراً بأمره لم يكن وجه لإثبات الأُجرة عليه.

[3403] مسألة 14 : قد مر أنه لا يجوز للعامل السفر من دون إذن المالك. ومعه فنفقته في السفر من رأس المال (1) إلّا إذا اشترط المالك كونها على نفسه (2). وعن بعضهم كونها على نفسه مطلقاً ، والظاهر أنّ مراده فيما إذا لم يشترط كونها من الأصل. وربّما يقال له تفاوت ما بين السفر والحضر. والأقوى ما ذكرنا (3) من جواز أخذها من أصل المال بتمامها ، من مأكل ومشرب وملبس ومسكن ونحو ذلك ، مما يصدق عليه النفقة.

ففي صحيح علي بن جعفر عن أخيه أبي الحسن (عليه السلام) في المضارب : «ما أنفق في سفره فهو من جميع المال ، فإذا قدم بلده فما أنفق فمن نصيبه».

هذا وأما في الحضر فليس له أن يأخذ من رأس المال شيئاً (4) إلّا إذا اشترط على المالك ذلك.


فصدور العمل عن أمر المالك مقوِّم لثبوت الأُجرة عليه. وهو متحقق في المقام فإنّ العمل لما كان الاستئجار عليه أمراً متعارفاً ، كان مقتضى إذن المالك في المضاربة الإذن في الاستئجار ودفع الأُجرة بإزائه ، ومقتضى إطلاق هذا الإذن عدم الفرق بين كون الأجير هو العامل أو غيره. فإنه وكما يجوز للعامل استئجار عبده للقيام بذلك الفعل فتكون الأُجرة له قهراً ، كذلك يجوز له القيام به مباشرة ليأخذ الأُجرة بلا واسطة.

(1) لأنها من لوازم السفر ، والإذن بالشي‌ء وبالدلالة الالتزامية إذن في لوازمه. ويقتضيه مضافاً إلى ذلك السيرة القطعية الجارية.

(2) فيتبع الشرط بلا كلام. ويقتضيه قولهم (عليهم السلام) : «المؤمنون عند شروطهم» بعد أن كان الفعل في حدّ نفسه سائغاً.

(3) إذ أن القولين الآخرين مضافاً إلى منافاتهما لإطلاق الإذن ، والسيرة القطعية الجارية بالتزام الآمر لجميع نفقات المأمور في سفره منافيان لصحيحة علي بن جعفر المذكورة في المتن.

(4) للسيرة وصحيحة علي بن جعفر المتقدِّمة.

[3404] مسألة 15 : المراد بالنفقة ما يحتاج إليه من مأكول وملبوس ومركوب وآلات يحتاج إليها في سفره ، وأُجرة المسكن ونحو ذلك. وأما جوائزه وعطاياه وضيافاته ومصانعاته ، فعلى نفسه (1) إلّا إذا كانت التجارة موقوفة عليه.

[3405] مسألة 16 : اللازم الاقتصار على القدر اللائق ، فلو أسرف حسب عليه (2). نعم ، لو قتّر على نفسه ، أو صار ضيفاً عند شخص ، لا يحسب له (3).

[3406] مسألة 17 : المراد من السفر العرفيُّ لا الشرعيُّ (4) فيشمل السفر فرسخين أو ثلاثة. كما أنه إذا أقام في بلد عشرة أيام أو أزيد كانت نفقته من رأس المال ، لأنه في السفر عرفاً. نعم ، إذا أقام بعد تمام العمل لغرض آخر مثل التفرج ، أو لتحصيل مال له أو لغيره ، مما ليس متعلقاً بالتجارة فنفقته في تلك المدّة على نفسه (5).

وإن كان مقامه لما يتعلّق بالتجارة ولأمر آخر ، بحيث يكون كل منهما علّة مستقلة لولا الآخر : فإن كان الأمر الآخر عارضاً في البين ، فالظاهر جواز أخذ تمام النفقة من مال التجارة (6). وإن كانا في عرض واحد ، ففيه وجوه (1)(7) ثالثها


(1) لعدم صدق النفقة عليه.

(2) لخروجه عن المأذون من قبل المالك.

(3) إذ العامل لا يملك على المالك مقدار نفقته كي يأخذه على كل تقدير ، وإنما يجوز له التصرّف من رأس المال بمقدار نفقته ، فإذا لم يصرف لم يبق موضوع للحكم.

(4) فإنّ المراد به ما يقابل كونه في بلده.

(5) لأن نفقته حينئذٍ ليست بما أنه عامل مضارب ، فلا يشملها دليل خروجها من أصل المال.

(6) لإطلاق الدليل بعد صدق كون مقامه للتجارة.

(7) أقواها جواز الإنفاق ، حيث لا قصور في شمول الأدلّة للمقام ، بل يقتضيه


1) (*) لا يبعد أن يكون الأخذ من مال التجارة هو الأظهر.

التوزيع ، وهو الأحوط في الجملة (1) وأحوط منه كون التمام على نفسه. وإن كانت العلّة مجموعهما ، بحيث يكون كل واحد جزءاً من الداعي ، فالظاهر التوزيع (2).

[3407] مسألة 18 : استحقاق النفقة مختصّ بالسفر المأذون فيه (3). فلو سافر من غير إذن ، أو في غير الجهة المأذون فيه ، أو مع التعدي عما اذن فيه ، ليس له أن يأخذ من مال التجارة.


السيرة القطعية الجارية ، حيث يتحمل المرسل نفقات الرسول ، من غير فرق بين أن يكون للعامل في البلد المرسل إليه شغل غيره وعدمه.

(1) أي بالنسبة إلى العامل.

(2) ويقتضيه الارتكاز العرفي. فإنه إذا كان تمام المقام مستنداً إلى المالك ولأجله كان تمام نفقة العامل عليه. فإذا لم يكن غير بعضه له ، كان عليه من النفقات بحساب ذلك البعض إلى المجموع.

وبحسب هذا الارتكاز يمكن استفادة الحكم من صحيحة علي بن جعفر المتقدِّمة أيضاً. إذ العامل في سفره هذا يجمع بين صفتين ، فهو عامل مضاربة وغيره ، حيث إن سفره أو مقامه مستند إليهما معاً ، فله أن يطالب المالك من النفقات بمقدار ما هو عامل مضارب.

(3) على ما يقتضيه الارتكاز العرفي. فإنّ ثبوت النفقة كان بملاك أن الإذن في الشي‌ء إذن وبالدلالة الالتزامية في لوازمه ، ومع انتفاء أصل الإذن لا تبقى دلالة التزامية.

ومن هنا وبحسب الارتكاز أيضاً ، يكون مورد صحيحة علي بن جعفر المتقدِّمة مختصاً بفرض الإذن ، فلا تعمّ صورة الغصب ، فإنّ معه كيف يمكن للعامل الصرف من مال المالك؟

على أنا لو سلمنا إطلاقها ، فمقتضى ما دلّ على ضمان العامل عند مخالفته لأمر المالك ، هو ضمان العامل لما ينفقه عند مخالفته لإذنه.

[3408] مسألة 19 : لو تعدد أرباب المال كأن يكون عاملاً لاثنين أو أزيد ، أو عاملاً لنفسه وغيره توزّع النفقة (1). وهل هو على نسبة المالين ، أو على نسبة العملين؟ قولان (1)(2).


ومن هنا فإن قلنا بتقدم القاعدة عليها ولو من جهة الفهم العرفي ، فهو المطلوب. وإن قلنا بمعارضتها بالعموم من وجه وتساقطهما ، فالمرجع هو عمومات ما دلّ على أن من أتلف مال غيره فهو له ضامن ، فإنها شاملة للمقام بلا إشكال ، ومقتضاها ضمان العامل لما يتلفه بالإنفاق ، وهو يعني عدم جواز صرفه من مال المالك.

(1) على ما يقتضيه الارتكاز العرفي والقاعدة وصحيحة علي بن جعفر ، على ما تقدّم بيانه.

(2) ذهب المشهور إلى الأوّل ، بل وكأنه المتسالم عليه بينهم. ونسب إلى بعض القول الثاني ، إلّا أنه لم يعرف قائله.

وكيف كان ، فهو الحق. وذلك لعدم ملاحظة القيمة والمالية في المضاربة عند إخراج نفقات العامل ، فإنه يأخذ نفقات سفره بتمامها وكمالها بإزاء عمله ، من غير فرق بين قلّة مال المضاربة وكثرتها. كما لو أرسل كل من تاجرين رسولاً إلى بلد لقيامه بعمل معيّن ، وكان رأس مال أحدهما أضعاف رأس مال الآخر ، فإنّ كلا منهما سيخسر من النفقات بمقدار ما يخسره الآخر منها إذا تساوت نفقتهما ، والحال أنّ رأس مال أحدهما أضعاف رأس مال صاحبه. وليس ذلك إلّا لكون العبرة في إخراج نفقته من رأس المال ، بالعمل والسفر لأجله ، دون كثرة مال المضاربة أو قلّتها.

وإذا كان الأمر كذلك في أصل المطلب ، يكون الأمر كذلك عند التوزيع أيضاً فيلحظ العملين دون المالين.

والحاصل أن سبب استحقاق النفقة إنما هو العمل دون المال ، فإنّه أجنبي بالمرّة عنه ، ولعل هذا هو المرتكز في الأذهان.


1) (*) لا يبعد أن يكون القول الثاني هو الأظهر.

[3409] مسألة 20 : لا يشترط في استحقاق النفَقة ظهور ربح (1) بل يُنفق من أصل المال وإن لم يحصل ربح أصلاً. نعم ، لو حصل الربح بعد هذا تُحسب من الربح ، ويعطى المالك تمام رأس ماله ، ثمّ يقسَّم بينهما (2).

[3410] مسألة 21 : لو مرض في أثناء السفر ، فإن كان لم يمنعه من شغله فله أخذ النفقة (3) وإن منعه ليس له (4). وعلى الأوّل لا يكون منها ما يحتاج إليه للبرء من المرض (5).


(1) للسيرة القطعية. فإنّ العامل يؤدّي اجرة ذهابه إلى تلك البلدة من رأس المال والحال أنه لا ربح عند ذاك ، بل وكذا نفقاته من المأكل والمشرب في الطريق ، بل وفي البلدة عند بدو الوصول إليها ، بل وبعد وصوله إلى قبل اشتغاله بالتجارة ، بل وفي بعض مراحلها أيضاً. فإنه وفى كل تلك المراحل يصرف من رأس المال وقبل ظهور الربح.

(2) على ما يقتضيه النص ، فإنّ «جميع المال» المذكور فيه ليس إلّا كلّ ما تحت يد العامل من الأصل والربح. فتخرج النفقات منه ، ثمّ يستثني رأس المال ، والباقي يكون بينهما بمقتضى ما دلّ على أنّ الربح بينهما على ما اتفقا عليه.

نعم ، حكي عن الرياض القول بخروجها من أصل المال من غير تدارك من الربح بعد ذلك ، ناسباً له إلى الأصحاب (1).

إلّا أنه غير قابل للتصديق ، فإنه خلاف خروجها من «جميع المال» وظاهر النص والارتكاز العرفي استثناؤها من الربح على تقدير ظهوره.

(3) بلا إشكال فيه ، لشمول الأدلّة له.

(4) فإن الصرف من مال التجارة في مورد يكون القصور من قبله ، لا لوجود مانع ، ليس مشمولاً للنص ، ولا يدخل في الارتكاز العرفي.

(5) قد يقال : إنّ الحكم في هذه المسألة مبنيّ على الخلاف في شمول النفقات


1) رياض المسائل 1 : 606 607.

[3411] مسألة 22 : لو حصل الفسخ أو الانفساخ في أثناء السفر ، فنفقة الرجوع على نفسه (1)(1) بخلاف ما إذا بقيت ولم تنفسخ ، فإنها من مال المضاربة.


الواجبة كنفقة الزوجة لمثل نفقات العلاج ، وعدمه بدعوى اختصاصها بالمسكن والملبس والمأكل والمشرب.

إلّا أنه في غير محلّه ، ولا يمكن المساعدة عليه. فإن كلّاً من الأمرين تابع لدليله. وقد اخترنا في مسألة نفقات الزوجة وجوب نفقة العلاج بكل ما يكون دخيلاً في قوام حياتها ، كالحمام للتنظيف على الزوج ، باعتبار أنّ الوارد في النصوص عنوان «يقيم ظهرها» (2)وهو شامل لكلّ ما تحتاج إليه في حياتها المتعارفة.

وأما فيما نحن فيه ، فلا دليل على وجوب نفقة العلاج على المالك. فإنّ الارتكاز العرفي مختصّ بما هو المتعارف وما يعد نفقة للمسافر في سفره ، فلا يعمّ ما يحتاج إليه من غير جهة السفر ، كالدية لو وجبت عليه ، فإنها غير مشمولة للارتكاز العرفي جزماً.

وكذا الحال بالنسبة إلى صحيحة علي بن جعفر ، حيث إن المذكور فيها : «ما أنفق في سفره» وهو ظاهر فيما ينفقه لأجل سفره فلا تشمل ما كان أجنبياً عنه.

ومن هنا فالصحيح هو القول بتحمل العامل بنفسه لها ، إذ لا موجب لإخراجها من أصل المال أو الربح.

(1) فيما إذا انفسخ العقد بموت أو غيره ، أو جاء الفسخ من قبل العامل. وأما إذا كان بفعل المالك ، فالالتزام بكون مصرف الرجوع على العامل نفسه مشكل جدّاً. فإنّ صحيحة علي بن جعفر وإن لم تكن شاملة لها ، باعتبار أنّ موضوعها هو العامل المضارب وهو غير متحقق في المقام ، إلّا أنه لا موجب لرفع اليد عن الارتكاز العرفي والتزام المالك بكون نفقاته في سفره عليه.


1) (*) وفيه أنّ الأمر كذلك في فرض الانفساخ وفيما إذا كان الفسخ من قِبَل العامل ، وأمّا فيما إذا كان الفسخ من قِبَل المالك ففي كون نفقة الرجوع على نفسه لا يخلو عن إشكال قوي.

2) الفقيه 3 : 279 / 1331 ، الوسائل 21 : 509 أبواب النفقات ح 27714.

[3412] مسألة 23 : قد عرفت الفرق بين المضاربة والقرض والبضاعة. وأنّ في الأوّل الربح مشترك ، وفي الثاني للعامل ، وفي الثالث للمالك.

فإذا قال : خذ هذا المال مضاربة والربح بتمامه لي ، كان مضاربة فاسدة (1) إلّا إذا علم أنه قصد الإبضاع (2) فيصير بضاعة. ولا يستحقّ العامل أُجرة (3) إلّا مع


وبعبارة اخرى : إن أساس المضاربة قائم على أن لا تتوجّه خسارة على العامل بوجه من الوجوه. فهو إما أن يأخذ شيئاً وذلك على تقدير ظهور الربح ، وإما أن لا يكون له شي‌ء ، وإما تحمّله للخسارة من كيسه الخاص فهو خارج عن عنوان المضاربة.

نعم ، لو كان الفسخ من قبله تحمل هو نفقات رجوعه ، حيث إنه جاء من قبله والمالك لم يلتزم بنفقاته حتى على تقدير فسخه هو للعقد.

(1) لفساد الشرط ، حيث إنه مخالف لمقتضى العقد ولا يجتمع معه ، وليس هو كاشتراط أمر خارجي حتى لا يكون فساده سارياً إلى العقد نفسه ، فإنّ بينهما بوناً بعيداً. فإنّ في المقام لما لم يكن المنشئ قد أنشأ العقد مطلقاً وإنما أنشأه مع شرطٍ منافٍ ، كان ذلك من إنشاء أمر لا يتحقق في الخارج ، فهو في إنشائه فرض عدمه ، حيث اعتبر عنوان المضاربة وكون الربح مشتركاً بينهما على أن لا يتحقق ذلك في الخارج ، فيحكم ببطلانه حيث لا يقبل الإمضاء.

ومن هنا يظهر أن البحث الكلي في سراية الفساد من الشرط إلى العقد وعدمه غير شامل للشرط المخالف لمقتضى العقد ، فإنه محكوم بالبطلان جزماً ، نظراً لاعتبار المالك عدمه في ضمن وجوده ، لأنه أنشأه على أن لا يتحقق في الخارج.

(2) فيحكم بصحّته ، لأنه حينئذ ليس بمضاربة ، وإنما أتى المنشئ بلفظها غلطاً أو مجازاً أو جهلاً بمفاهيم الألفاظ.

(3) باعتبار أنّ العمل لم يصدر عن أمره الضماني ، فإنه لم يأمر به بضمان وإنما أمره به مجاناً ، فلا وجه لاستحقاق العامل الأُجرة عليه.

الشّرط ، أو القرائن الدالّة على عدم التبرع (1). ومع الشكّ فيه وفي إرادة الأُجرة يستحقّ الأُجرة أيضاً (1)، لقاعدة احترام عمل المسلم (2).

وإذا قال : خذه قراضاً وتمام الربح لك ، فكذلك مضاربة فاسدة (3) إلّا إذا علم أنه أراد القرض (4).

ولو لم يذكر لفظ المضاربة ، بأن قال : خذه واتجر به والربح بتمامه لي ، كان بضاعة (5) إلّا مع العلم بإرادة المضاربة ، فتكون فاسدة (6).

ولو قال : خذه واتجر به والربح لك بتمامه ، فهو قرض ، إلّا مع العلم بإرادة المضاربة ، ففاسدة.

ومع الفساد في الصور المذكورة (2)، يكون تمام الربح للمالك (7) وللعامل اجرة عمله (3)(8)


(1) فتثبت اجرة المثل ، لصدور العمل عن الأمر مع الضمان.

(2) وفيه : أنّ مجرّد ذلك لا يقتضي ثبوت الأُجرة عليه ، بعد ما كان الإبضاع ظاهراً في العمل مجاناً ، كما يظهر ذلك من اشتراط كون تمام الربح له ، وقصد العامل لعدم التبرع لا أثر له ، بعد ان لم يكن الآمر قد أمر بضمان.

(3) لمنافاته لمقتضى العقد على ما عرفت.

(4) ظهر وجهه مما تقدّم.

(5) لظهوره فيه.

(6) لما تقدّم.

(7) لتبعية النماءات والأرباح للأصل ، فهي لمالك المال.

(8) قد يفرض فساد المضاربة لسبب غير اشتراط ما ينافي مقتضى العقد ، كما لو


1) (*) لا يبعد عدم الاستحقاق ، لظهور الكلام في العمل مجّاناً ، وأمّا قاعدة الاحترام فهي بنفسها لا تفي بالضّمان ولو علم أنّ العامل لم يقصد التبرّع بعمله.

2) () الظاهر أنّه أراد بها غير الصورة الأُولى حيث إنّه (قدس سره) قد بيّن حكمها بتمام شقوقها.

3) (*) الظاهر ثبوته في فرض علمه أيضاً.

.................................................................................................


كان رأس المال دَيناً. وقد يفرض فساده من جهة اشتراط ما يخالف مقتضاه.

والحكم في الأوّل كما أفاده (قدس سره). فإنّ الربح بتمامه يكون للمالك ، ولا يعطى للعامل منه شي‌ء ، باعتبار أنه لا أثر لجعل النسبة المعينة منه له ، فإنه قد بطل بعدم إمضاء الشارع للعقد. لكن لما كان العمل بأمر من المالك لا على نحو المجانية ، واستيفاء العمل المحترم بضمان يوجب الضمان ، كان عليه دفع اجرة مثل العمل إلى العامل.

وأما في الثاني ، فلا بدّ من التفصيل بين ما إذا كان الشرط المخالف لمقتضى العقد هو كون تمام الربح للعامل ، وبين ما إذا كان الشرط كون تمامه للمالك.

ففي الأوّل فالحكم ما تقدّم أيضاً. فإنّ تمام الربح يكون للمالك ، لكن لما كان عمل العامل عملاً محترماً وصادراً بأمر المالك على نحو الضمان ، تثبت اجرة المثل لا محالة. وهذا بخلاف الثاني ، حيث لا وجه فيه للضمان بالمرّة ، فإنّ وجهه في العقود الفاسدة إنما هو الإقدام عليه وأمر الغير بعمل له اجرة من غير ظهور في المجانية ، وهو غير متحقّق في المقام ، لظهور أمره في التبرع والمجانية ، كما يظهر من اعتبار كون تمام الربح له. ومعه فكيف يكون ضامناً؟

بل حال هذه الصورة حال البضاعة عند عدم القرينة على الأُجرة ، وهو الموافق للقاعدة الكلّيّة : «ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده».

ثمّ إن في إطلاق استحقاق العامل لُاجرة المثل في فرض فساد العقد ، بأي وجه كان ، نظراً بل منعاً.

إذ الضمان في مثل هذه الموارد لم يثبت بدليل لفظي كي يتمسك بإطلاقه ، وإنما هو ثابت ببناء العقلاء ، والقدر المتيقن منه هو استحقاقه للأُجرة فيما إذا كانت مساوية للمقدار الذي جعل له في العقد الفاسد أو أنقص منه. فلو كان الفساد من جهة اشتراط كون تمام الربح للعامل ، وفرضنا أنه كان مائة دينار ، فهو لا يستحق في فرض الفساد إلّا ذلك المقدار من اجرة المثل.

وأما إذا فرض زيادة الأُجرة عليه ، فلم يثبت بناء منهم على لزوم دفعها بتمامها ، بل لا ينبغي الشك والريب في عدم وجوب دفع ما زاد عن الربح إليه ، لأنه الذي ألغى احترامه فيه.

إلّا مع علمه بالفساد (1).

[3413] مسألة 24 : لو اختلف العامل والمالك في أنها مضاربة فاسدة أو قرض ، أو مضاربة فاسدة أو بضاعة ، ولم يكن هناك ظهور لفظي ولا قرينة معينة ، فمقتضى القاعدة التحالف (1)(2).


والحاصل أن إطلاق لزوم دفع اجرة مثل عمل العامل في فرض فساد المضاربة إنما يتمّ فيما إذا كانت الأُجرة أنقص أو مساوية لما اتفقا عليه من الربح ، وأما إذا كانت أزيد منه فلم يثبت بناءً منهم على استحقاقه للزائد.

(1) تقدّم نظيره في عدّة من أبواب المعاملات ، وقد تكلمنا حوله في مبحث الإجارة مفصَّلاً ، حيث قد عرفت أنّ العلم بالفساد وعدمه سيّان من هذه الجهة. فإنّ علمه بالفساد ليس إلّا العلم بعدم إمضاء الشارع لهذا العقد ، وهو لا يلازم قصده التبرع والمجانية ، بل هو قاصد للربح ولو بغير استحقاق شرعاً. فإذا كان قصده كذلك ، ولم يكن أمر الآمر ظاهراً في المجانية ، فلا وجه للحكم بعدم استحقاقه للأُجرة.

والحاصل أنّ العلم بالفساد لا يلازم قصد التبرع والمجانية في العمل ، وإنما هو من هذه الناحية مع عدمه سيّان.

(2) ذكرنا في محلّه من كتاب القضاء ، أن النصوص الواردة في التخاصم على كثرتها لم تتعرض لبيان المدّعى والمنكر. ومن هنا فلم تثبت لهما حقيقة شرعية ولا متشرعية ، بل هما باقيان على معناهما اللغوي المفهوم عرفاً.

والمراد بالمدعي كل من يدّعي شيئاً ويكون هو المطالب بإثباته عند العقلاء. وهو


1) (*) هذا إنّما يتم فيما إذا ادّعى المالك القرض وادّعى العامل المضاربة الفاسدة ، وأمّا إذا انعكست الدعوى فالظاهر أنّ الحلف يتوجّه إلى المالك لإنكاره القرض ، وليس في دعواه المضاربة الفاسدة إلزام للعامل بشي‌ء ليتوجّه الحلف إليه أيضاً ، وإذا اختلفا في أنّها مضاربة فاسدة أو بضاعة فلا أثر له بناءً على استحقاق العامل اجرة المثل في البضاعة ، وذلك لاتفاقهما على كون الربح للمالك واستحقاق العامل اجرة المثل على عمله ، نعم ، بناءً على عدمه كما اخترناه يتوجّه الحلف إلى المالك لإنكاره المضاربة الفاسدة ، وكيف كان فلا مجال للتحالف.

.................................................................................................


يتحقّق في موردين : ادعائه على غيره شيئاً من مال أو حق. أو اعترافه بثبوت حق لغيره عليه مع دعواه الأداء والوفاء ، كما لو أقرّ بدين لغيره على نفسه وادّعى الأداء فإنّ المطالب وإن كان هو المقرض ولو ترك ترك ، إلّا أنه لما اعترف الطرف الآخر به كان هو المدّعى والملزم بالإثبات لدى العقلاء.

ومن هنا فإن كان هذا من طَرف واحد فهو المدّعى ، والطرف الآخر هو المنكر. وإن كان من الطرفين ، بحيث يدّعي كلّ منهما على الآخر شيئاً وهو ينكره ، فهو التداعي ، فيلزم كلّ منهما ببناء العقلاء بإثبات ما يدعيه ، فلا بدّ من التحالف. فإن حلفا سقطت كلتا الدعويين ، وإلّا فدعوى الذي لم يحلف خاصة.

هذا كله بحسب كبرى المسألة. وأما بلحاظ تطبيقها على المقام ، فقد يفرض أن المالك يدّعي القرض والعامل يدّعي المضاربة الفاسدة ، وكانت المعاملة خاسرة ، فبناءً على ما تقدّم منه (قدس سره) من استحقاق العامل لُاجرة المثل في المضاربة الفاسدة مطلقاً وإن ناقشنا فيه على تفصيل تقدّم فهو من مصاديق التداعي ، حيث يطالب كلّ منهما الآخر بشي‌ء. فالمالك يدّعي القرض ويطالب العامل بتمام المال من دون أن يتحمل شيئاً من الخسارة ، والعامل يدّعي المضاربة الفاسدة ويطالب المالك بأُجرة مثل عمله ، فيتحالفان لا محالة.

وأما لو انعكس الأمر بأن كانت التجارة مربحة ، والمالك يدّعي المضاربة الفاسدة كي يكون تمام الربح له ، والعامل يدّعي القرض ليحرمه منه ، فليس المورد من التداعي في شي‌ء. وذلك لأنّ المالك بدعواه المضاربة الفاسدة لا يطالب العامل بشي‌ء كي يكون عليه إثباته ، وإنما يكفيه عدم ثبوت ما يدّعيه العامل ، لأنّ انتقال الربح التابع لرأس المال قهراً إلى العامل بالقرض هو الذي يحتاج إلى الإثبات ، فإن أثبته بالبيّنة كان الربح له ، وإلّا حلف المالك وأخذه بتمامه.

وبعبارة اخرى : إنّ المالك لا يحتاج في أخذ الربح إلى إثبات كون العقد مضاربة فاسدة ، فإنه لا يلزم العامل بشي‌ء ، وإنما يطالبه بربح ماله بعد أن يثبت كونه قرضاً.

ومن هنا فالنماء له حتى ولو لم يدع المضاربة الفاسدة ، حيث يكفيه مجرّد إنكاره للقرض.

وقد يقال بتقديم قول من يدّعي الصحة. وهو مشكل ، إذ مورد الحمل على الصحّة (1) ما إذا علم أنهما أوقعا معاملة معينة واختلفا في صحّتها وفسادها ، لا مثل المقام الذي يكون الأمر دائراً بين معاملتين على إحداهما صحيح وعلى الأُخرى باطل ، نظير ما إذا اختلفا في أنهما أوقعا البيع الصحيح أو الإجارة الفاسدة مثلاً. وفي مثل هذا مقتضى القاعدة التحالف. وأصالة الصحّة لا تثبت كونه بيعاً مثلاً لا إجارة ، أو بضاعة صحيحة مثلاً لا مضاربة فاسدة.


وعلى هذا فالعامل هو المدّعى ، والمالك هو المنكر.

وأوضح من هذا ما لو ادّعى أحدهما البضاعة والآخر المضاربة الفاسدة ، بناءً على ما اختاره (قدس سره) من ثبوت اجرة المثل للعامل في كلا الفرضين ، مع كون الربح بتمامه للمالك. فإنه لا وجه لجعله من موارد التداعي ، إذ لا نزاع بينهما بالمرة ، لاتفاقهما على ثبوت الربح للمالك واستحقاق العامل اجرة المثل على التقديرين ، فليس هناك نزاع بينهما إلّا في الصورة ، وإلّا فليس في الواقع مدّعٍ ومنكر.

نعم ، بناءً على ما اخترناه من عدم استحقاق العامل الأُجرة في البضاعة ، فلو ادّعى العامل المضاربة الفاسدة والمالك البضاعة ، كان العامل هو المدّعى والمالك منكراً ، لأنه لا يلزمه بشي‌ء ، ولا تصل النوبة إلى التداعي.

(1) على ما تقدّم بيانه منّا غير مرّة ، فإنّ أصالة الصحّة تجري في موردين :

الأوّل : حمل فعل المؤمن على الصحّة وأنه لا يرتكب فعلاً على خلاف وظيفته والأصل في هذا المورد ثابت بدليل لفظي ، وأنه لا ينبغي أن يُتَّهم بل ينبغي حمل فعله على أحسنه.

ومن هنا فلا يختلف الحال فيه بين إحراز عنوان العمل وعدمه. فلا فرق في وجوب الحمل على الصحّة بهذا المعنى ، بين أن يرى مفطراً في شهر رمضان مع احتمال كونه مسافراً أو مريضاً ، فيحمل عمله على الصحّة ولا يتهم بالإفطار في شهر رمضان عمداً ، وبين ما لو صدر منه كلام مردد بين الشتم والسلام ، فيحمل على الصحيح ولا يظن به السوء.

[3414] مسألة 25 : إذا قال المالك للعامل : خذ هذا المال قراضاً والرّبح بيننا ، صحّ ولكلٍّ منهما النصف (1).

وإذا قال : ونصف الربح لك ، فكذلك (2).

بل وكذا لو قال : ونصف الربح لي ، فإنّ الظاهر إنّ النصف الآخر للعامل.

ولكن فرق بعضهم بين العبارتين ، وحكم بالصحَّة في الأُولى ، لأنه صرح فيها بكون النصف للعامل والنصف الآخر يبقى له ، على قاعدة التبعية. بخلاف العبارة الثانية ، فإن كون النصف للمالك لا ينافي كون الآخر له أيضاً ، على قاعدة التبعية


إلّا أن أصالة الصحّة بهذا المعنى لا تثبت لوازمها وأنه قد سلّم ، ومن هنا فلا يجب الجواب عليه.

الثاني : الحمل على الصحّة ، بمعنى ترتيب آثارها على الفعل. فإذا صدر منه بيع أو طلاق أو غيرهما من العقود ، وشككنا في اشتماله على شرائط الصحّة وعدمه ، كان مقتضى أصالة الصحّة الحكم بالصحّة وترتيب آثارها عليه. فهي كقاعدة الفراغ في العبادات.

وهذا الأصل لا دليل عليه سوى السيرة القطعية ، والتسالم عليه بين المسلمين. ومورده ما إذا كان العنوان معلوماً ، وكان الشكّ في الصحّة والفساد فقط.

وأما إذا كان العمل مجهولاً ، كما لو دار الأمر بين طلاق زوجته طلاقاً صحيحاً أو إجارة داره إجارة فاسدة ، فلم تثبت السيرة منهم على البناء على الصحّة وترتيب آثار الطلاق الصحيح عليه ، إذ لم يحرز عنوان الطلاق كي يحكم بصحّته.

(1) لأنه ظاهر الكلام ، حيث إنّ مثل هذا التعبير ظاهر عرفاً في التساوي ، وخلافه هو الذي يحتاج إلى الإثبات. كما هو الحال في سائر الموارد ، كالوصية بشي‌ء واحد لاثنين ، فإنها ظاهرة في تساويهما فيه. ولأجل هذا الظهور يحكم بصحّة المعاملة ، وإن كانت قد تبدو لأوّل وهلة مجملة.

(2) حيث إنّ ظاهره كون تمام النصف الآخر للمالك ، باعتبار أنّ النماء بتمامه تابع للعين ، فما لم يجعله المالك لغيره يكون بطبيعة الحال له ، لأنه نماء ملكه.

فلا دلالة فيها على كون النصف الآخر للعامل. وأنت خبير بأنّ المفهوم من العبارة عرفاً كون النصف الآخر للعامل (1).

[3415] مسألة 26 : لا فرق بين أن يقول : خذ هذا المال قراضاً ولك نصف ربحه ، أو قال : خذه قراضاً ولك ربح نصفه ، في الصحّة والاشتراك في الربح بالمناصفة.

وربّما يقال بالبطلان في الثاني. بدعوى أنّ مقتضاه كون ربح النصف الآخر بتمامه للمالك ، وقد يربح النصف فيختصّ به أحدهما ، أو يربح أكثر من النصف فلا تكون الحصّة معلومة ، وأيضاً قد لا يعامل إلّا في النصف.

وفيه : أنّ المراد ربح نصف ما عومل به وربح (2) فلا إشكال.

[3416] مسألة 27 : يجوز اتحاد المالك وتعدّد العامل (3) مع اتحاد المال ، أو تميز مال كل من العاملين. فلو قال : ضاربتكما ولكما نصف الربح ، صحّ وكانا فيه سواء. ولو فضّل أحدهما على الآخر ، صحّ أيضاً وإن كانا في العمل سواء ، فإنّ غايته اشتراط حصّة قليلة لصاحب العمل الكثير ، وهذا لا بأس به. ويكون العقد الواحد بمنزلة عقدين مع اثنين ، ويكون كما لو قارض أحدهما في نصف المال بنصف ، وقارض الآخر في النصف الآخر بربع الرّبح ، ولا مانع منه.

وكذا يجوز تعدد المالك واتحاد العامل. بأن كان المال مشتركاً بين اثنين


(1) باعتبار أنّ ظاهر الكلام هو كون النصف تمام ما له من الربح وتحديد ما يستحقه بذلك ، وهو يقتضي كون الباقي للعامل ، وإلّا لما كان تمام ما للمالك هو النصف.

(2) فالمراد ربح نصف المقدار الذي وقع مورداً للتجارة ، فهو نصف الرّبح فيما اتجر به لا ما لم يتجر كما يشهد له الفهم العرفي ، كما هو الحال في التعبير الأوّل أيضاً.

(3) لإطلاق الأدلّة ، وانحلال المضاربة في الحقيقة والواقع إلى مضاربتين أو أكثر فهو كما لو ضارب المالك كلّاً منهما بنصف المال رأساً ، فإنّ الاتحاد في مقام الإنشاء لا ينافي التعدّد في الواقع واللب.

فقارضا واحداً (1) بعقد واحد ، بالنصف مثلاً متساوياً بينهما ، أو بالاختلاف بأن يكون في حصّة أحدهما بالنصف وفي حصّة الآخر بالثلث أو الربع مثلاً.

وكذا يجوز مع عدم اشتراك المال. بأن يكون مال كلّ منهما ممتازاً ، وقارضا واحداً مع الإذن في الخلط ، مع التساوي في حصّة العامل بينهما ، أو الاختلاف بأن يكون في مال أحدهما بالنصف وفي مال الآخر بالثلث أو الربع.

[3417] مسألة 28 : إذا كان مال مشتركاً بين اثنين ، فقارضا واحداً واشترطا له نصف الربح ، وتفاضلا في النصف الآخر ، بأن جعل لأحدهما أزيد من الآخر مع تساويهما في ذلك المال ، أو تساويا فيه مع تفاوتهما فيه.

فإن كان من قصدهما كون ذلك النقص على العامل بالنسبة إلى صاحب الزيادة ، بأن يكون كأنه اشترط على العامل في العمل بماله أقلّ مما شرطه الآخر له ، كأن اشترط هو للعامل ثلث ربح حصّته ، وشرط له صاحب النقيصة ثلثي ربح حصّته مثلاً ، مع تساويهما في المال ، فهو صحيح ، لجواز اختلاف الشريكين في مقدار الربح المشترط للعامل (2).

وإن لم يكن النقص راجعاً إلى العامل بل على الشريك الآخر ، بأن يكون المجعول للعامل بالنسبة إليهما سواء ، لكن اختلفا في حصّتهما بأن لا يكون على حسب شركتهما ، فقد يقال فيه بالبطلان ، لاستلزامه زيادة لأحدهما على الآخر مع تساوي المالين ، أو تساويهما مع التفاوت في المالين ، بلا عمل من صاحب الزيادة ، لأنّ المفروض كون العامل غيرهما ، ولا يجوز ذلك في الشركة.

والأقوى الصحّة (3) لمنع عدم جواز الزيادة لأحد الشريكين بلا مقابلتها لعمل


(1) لما تقدّم من الإطلاق ، وانحلال المضاربة بعدد الملاك.

(2) والوجه فيه واضح ، بعد ما عرفت من انحلال المضاربة الواحدة في الواقع إلى مضاربتين مستقلّتين بنصفي المال ، على أن يكون للعامل في إحداهما ثلثا الرّبح وللمالك الثلث ، وفي الأُخرى بالعكس.

(3) بل الأقوى هو القول الأوّل وهو البطلان ، لعدم نفوذ مثل هذه الشروط ، على

منه ، فإنّ الأقوى جواز ذلك بالشرط (1). ونمنع كونه خلاف مقتضى الشركة ، بل هو مخالف لمقتضى إطلاقها. مع أنه يمكن أن يدعى الفرق (2)بين الشركة والمضاربة وإن كانت متضمّنة للشركة (1).


ما تقدّم بيانه غير مرّة. فإنّ أدلّة نفوذ الشروط ، كقولهم (عليهم السلام) : «المؤمنون عند شروطهم» غير شاملة له ، لأن هذا الشرط وإن لم يكن مخالفاً لمقتضى العقد ، إلّا أنه مخالف للسنة.

والوجه فيه ما عرفت من أن أدلّة نفوذ الشروط غير مشرعة ، وإنما هي دالّة على لزوم العمل بكل شرط سائغ في نفسه ، فما لم يكن سائغاً بنفسه قبل الاشتراط لا يكون سائغاً بالشرط.

فإنّ الاشتراط لا يوجب انقلاب الحكم الشرعي ، ولا يقتضي تحليل الحرام أو تحريم الحلال.

ومن هنا فحيث إنّ مقتضى تبعية النماء للعين في الملك ، كون ربح مال كل أحد له يكون اشتراطه لغيره محتاجاً إلى الدليل الخاص. ولذا لم يلتزموا بصحّة هذا الشرط في غير عقد الشركة والمضاربة ، كما لو باع متاعه لشخص على أن يكون ربحه من تجارته الأُخرى له ، على نحو شرط النتيجة كما هو المفروض في المقام ، فإنه يكون باطلا جزماً.

إذن فهذا الشرط مخالف للسنة ، وأدلّة نفوذ الشرط لا تشمله لأنها غير مشرّعة.

(1) ما أفاده (قدس سره) مبنيّ على ثبوت إطلاق في أدلّة المضاربة ، يقتضي جواز جعل بعض الربح للأجنبي ، كما اختاره (قدس سره) في أوّل الكتاب ، فإنّ المقام من صغريات تلك الكبرى ، حيث إنّ كلّاً من الشريكين أجنبي بالنسبة إلى حصّة شريكه


1) (*) فيه إشكال إذا كان الشرط من شرط النتيجة ، ولا بأس به إذا كان من شرط الفعل ، لكنّه خلاف المفروض في المقام.

2) (**) هذا الفرق مبتن على ما تقدّم منه (قدس سره) من جواز اشتراط كون جزء من الربح للأجنبي ، وقد تقدّم المنع عنه.

[3418] مسألة 29 : تبطل المضاربة بموت كلّ من العامل والمالك. أما الأوّل ، فلاختصاص الإذن به (1). وأما الثاني ، فلانتقال المال بموته إلى وارثه فإبقاؤها يحتاج إلى عقد جديد بشرائطه (2). فإن كان المال نقداً صحّ ، وإن كان عروضاً فلا (3) لما عرفت من عدم جواز المضاربة على غير النقدين (1).

وهل يجوز لوارث المالك إجازة العقد بعد موته؟ قد يقال بعدم الجواز ، لعدم علقة له بالمال حال العقد بوجه من الوجوه ، ليكون واقعاً على ماله أو متعلّق حقّه. وهذا بخلاف إجازة البطن السابق في الوقف أزيد من مدّة حياته ، فإنّ البطن اللاحق يجوز له الإجازة ، لأنّ له حقاً بحسب جعل الواقف.

وأما في المقام ، فليس للوارث حق حال حياة المورث أصلاً ، وإنّما ينتقل إليه المال حال موته. وبخلاف إجازة الوارث لما زاد من الثلث في الوصية ، وفي المنجز حال المرض على القول بالثلث فيه ، فإنّ له حقاً فيما زاد ، فلذا يصحّ إجازته.


الآخر.

لكنك قد عرفت منا عدم ثبوت مثل هذا الإطلاق. ومن هنا فالظاهر عدم جواز هذا الاشتراط ، بلا فرق في ذلك بين الشركة والمضاربة.

نعم ، لو كان هذا الاشتراط على نحو شرط الفعل لا شرط النتيجة ، لصحّ ووجب الوفاء به ، لأنه فعل سائغ في نفسه. إلّا أنه خارج عن محلّ الكلام ، حيث إنّ المفروض في المقام ملكيّة أحد الشريكين لبعض حصّة شريكه بمجرد الشرط.

(1) فيرتفع بموته ، وورثته أُناس أجانب عنه فليس لهم التصرّف في المال من دون إذن مالكه.

(2) لما تقدّم من بطلان العقود الإذنية الجائزة بموت أحد الطرفين.

(3) على خلاف تقدّم في محلّه ، وقد عرفت أنّ الأقوى جواز المضاربة بغير النقدين ، فراجع.


1) (*) مرّ أنّ جواز المضاربة على غير النقدين من الأوراق النقدية ونحوها هو الأظهر.

ونظير المقام إجارة الشخص ماله مدّة مات في أثنائها ، على القول بالبطلان بموته ، فإنه لا يجوز للوارث إجازتها. لكن يمكن أن يقال (1): يكفي في صحّة الإجازة كون المال في معرض الانتقال إليه ، وإن لم يكن له علقة به حال العقد (1) فكونه سيصير له كافٍ ، ومرجع إجازته حينئذ إلى إبقاء ما فعله المورث (2) لا قبوله ، ولا تنفيذه.

فإنّ الإجازة أقسام : قد تكون قبولاً لما فعله الغير ، كما في إجازة بيع ماله فضولاً. وقد تكون راجعاً إلى إسقاط حق ، كما في إجازة المرتهن لبيع الراهن


(1) وفيه : أنّ الكلام في إجازة الوارث للمضاربة بعد موت المالك لا في حال حياته ، ومن هنا فكونه في معرض الانتقال إليه أجنبي عن الموضوع بالمرة ، لأنه إذا ثبت له حق الإجازة كان له ذلك ، سواء أكان في معرض الانتقال إليه أم لم يكن ، إذ لا فرق في المجيز بين كونه وارثاً وكونه أجنبياً ، كما لو انتقل إليه المال بالشراء أو الصداق ، فإنّ الكلام في ثبوت حق الإجازة له هو الكلام في ثبوته للوارث.

(2) لم يتحصل لما أفاده (قدس سره) وجه محصل. فإنّ الموت يوجب بطلان المضاربة ، ومعه كيف يمكن الحكم ببقائها؟ بل إن كانت هناك مضاربة فهي مضاربة جديدة غير التي كانت بين المالك الأوّل والعامل.

على أن لازم بقاء المضاربة الأُولى وعدم كون هذه المضاربة الثانية مضاربة جديدة ، هو تدارك الخسران الواقع في زمن المالك الأوّل من الرّبح في عهد المالك الجديد ، وبالعكس ؛ وهو يعني حرمان العامل في إحدى المضاربتين عن بعض الربح وتحميله لبعض الخسارة ، وهذا مما لا يمكن الالتزام به ، لمنافاته لما دلّ على عدم تحمّل العامل لشي‌ء من الخسران.

إذن فما أفاده (قدس سره) لا يمكن المساعدة عليه ، والصحيح هو الحكم بالبطلان.


1) (*) إلّا أنّه لا دليل عليه ، بل الدليل قائم على عدمه.

وإجازة الوارث لما زاد عن الثلث. وقد تكون إبقاءً لما فعله المالك كما في المقام.

[3419] مسألة 30 : لا يجوز للعامل أن يوكِّل وكيلاً في عمله ، أو يستأجر أجيراً ، إلّا بإذن المالك (1). نعم ، لا بأس بالتوكيل أو الاستئجار في بعض المقدّمات ، على ما هو المتعارف (2). وأما الإيكال إلى الغير وكالة أو استئجاراً في أصل التجارة ، فلا يجوز من دون إذن المالك ، ومعه لا مانع منه. كما أنه لا يجوز له أن يضارب غيره إلّا بإذن المالك.

[3420] مسألة 31 : إذا أذن في مضاربة الغير ، فأما أن يكون بجعل العامل الثاني عاملاً للمالك ، أو بجعله شريكاً معه في العمل والحصّة ، وأما بجعله عاملاً لنفسه.

أمّا الأوّل فلا مانع منه ، وتنفسخ مضاربة نفسه على الأقوى (3). واحتمال


(1) لقبح التصرّف في مال الغير بغير إذنه ، وخروجه عن عنوان المضاربة.

(2) كاستئجار الحمال على نقل البضائع ، أو الصانع لمساعدته في بعض العمل. والوجه فيه أن التعارف قرينة على رضا المالك بذلك التصرّف.

(3) بل الأقوى البقاء ، بل لم يظهر للانفساخ وجه صحيح. فإنّ المضاربة من العقود الإذنية الجائزة ولا تتضمن أيّ تمليك أو تملّك ، وإنما هي عبارة عن الإذن في التصرّف بالمال ، ونتيجتها كون الرّبح مشتركاً بينهما. ومعه فما هو المانع من مضاربة اثنين من بادئ الأمر؟ فيكون لكل منها الاتجار بذلك المال ، فإن سبق أحدهما واتجر به انتفى موضوع المضاربة الثانية ، فإن ظهر ربح كان بين المالك والعامل.

ولا تقاس هذه بالإجارة أو المزارعة حيث إنهما يتضمنان التمليك ، ولا يصحّ أن يكون العمل الواحد مملوكاً لشخصين ، أو يصدر العمل الواحد من اثنين على نحو الاستقلال كي يكونا مالكين للأُجرة ، بل المقام من قبيل التوكيل ، حيث لا مانع من توكيل المتعددين في العمل الواحد.

بقائها مع ذلك ، لعدم المنافاة ، كما ترى (1). ويكون الرّبح مشتركاً بين المالك والعامل الثاني ، وليس للأوّل شي‌ء (1) إلّا إذا كان بعد أن عمل عملاً وحصل ربح فيستحقّ حصّته من ذلك (2). وليس له أن يشترط (2)على العامل الثاني شيئاً من الرّبح (3) بعد أن لم يكن له عمل بعد المضاربة الثانية.


والحاصل أنه لا وجه لما أفاده (قدس سره) بعد إمكان اجتماع المضاربتين على المال الواحد.

(1) لخروجه عن حدود المضاربة ، لأنه ليس بمالك لرأس المال ولا عامل فيه.

(2) عملاً بالمضاربة التي اتفقا عليها هو والمالك.

(3) ما أفاده (قدس سره) إنما يتمّ بناءً على ما اخترناه من عدم جواز جعل شي‌ء من الربح للأجنبي ، نظراً إلى كون الحكم في المضاربة على خلاف القاعدة ، باعتبار أن مقتضى تبعية النماء لأصل المال هو كون الربح بأكمله للمالك ، فكون بعضه لغيره على خلاف القاعدة ، ومن هنا يحتاج نفوذه إلى الدليل ، وهو مختصّ بما إذا اشترط البعض للعامل.

وأما أدلّة الوفاء بالشروط فقد عرفت أنها ليست بمشرعة ، فلا تشمل مثل هذا الشرط المخالف للسنة.

وأما بناءً على ما أفاده (قدس سره) من جواز اشتراط بعض الربح للأجنبي تمسّكاً بما ادّعاه من عموم «المؤمنون عند شروطهم» فلا وجه للقول بعدم نفوذ الشرط في المقام ، إذ العامل الأوّل أجنبي بالنسبة إلى المضاربة الثانية ، فلا مانع من أن يستحقّ شيئاً من الربح بالاشتراط.


1) (*) لا أرى فيه شيئاً بعد ما كانت المضاربة من العقود الإذنيّة ، وعليه فلكلّ من العاملين أن يتجر بالمال ، والربح يكون مشتركاً بين العامل والمالك.

2) (**) لا مانع منه بناءً على ما تقدّم منه (قدس سره) من عدم استبعاد جواز جعل جزء من الربح للأجنبي.

بل لو جعل الحصّة للعامل في المضاربة الثانية أقل مما اشترط له في الأُولى ، كأن يكون في الأُولى بالنصف وجعله ثلثاً في الثانية ، لا يستحقّ تلك الزيادة ، بل ترجع إلى المالك. وربّما يحتمل جواز اشتراط شي‌ء من الرّبح ، أو كون الزيادة له. بدعوى أنّ هذا المقدار ، وهو إيقاع عقد مضاربة ثمّ جعلها للغير ، نوع من العمل يكفي في جواز جعل حصّة من الربح له. وفيه : إنه وكالة لا مضاربة (1).

والثاني أيضاً لا مانع منه (2). وتكون الحصّة المجعولة له في المضاربة الأُولى مشتركة بينه وبين العامل الثاني ، على حسب قرارهما.

وأما الثالث فلا يصحّ (3) من دون أن يكون له عمل مع العامل الثاني ، ومعه يرجع إلى التشريك.

[3421] مسألة 32 : إذا ضارب العامل غيره مع عدم الإذن من المالك ، فإن أجاز المالك ذلك كان الحكم كما في الإذن السابق في الصور المتقدِّمة ، فيلحق كلّاً حكمهُ (4). وإن لم يجز بطلت المضاربة الثانية.

وحينئذ فإن كان العامل الثاني عمل وحصل الرّبح ، فما قُرِّر للمالك في المضاربة


ومنه يظهر الحال فيما أفاده (قدس سره) ، فيما لو جعل الحصّة للعامل في المضاربة الثانية أقلّ مما اشترط له في الأُولى ، فإنه من مصاديق اشتراط بعض الربح لنفسه أيضاً.

(1) وبعبارة اخرى : إنّ مطلق العمل لا يوجب استحقاقه شيئاً من الرّبح ، وإنما الذي يقتضيه هو العمل تجارة مع ظهور الرّبح فيه ، وليس هذا منه.

(2) فإنّ العقد الثاني لما كان وبحسب الفرض بإذن المالك ورضاه ، كان مرجعه إلى تعدّد العامل المضارب في المضاربة الأُولى بعد أن كان متحداً حدوثاً.

(3) فإنّ العامل أجنبي عن مال المضاربة ، فلا يحقّ له تسليط الغير عليه بإنشاء العقد عليه معه ، فإنّ ذلك من مختصّات المالك أو من يقوم مقامه.

(4) لانتساب العقد الصادر فضولة بالإجازة إلى المجيز ، فيكون العقد عقده ، ومن ثمّ يترتب عليه الآثار.

الاولى فله. وأما ما قُرِّر للعامل ، فهل هو أيضاً له ، أو للعامل الأوّل ، أو مشترك بين العاملين؟ وجوه وأقوال ، أقواها الأوّل ، لأن المفروض بطلان المضاربة الثانية ، فلا يستحقّ العامل الثاني شيئاً ، وإنّ العامل الأوّل لم يعمل حتى يستحقّ فيكون تمام الرّبح للمالك إذا أجاز تلك المعاملات الواقعة على ماله. ويستحقّ العامل الثاني أُجرة عمله مع جهله بالبطلان (1) على العامل الأوّل ، لأنه مغرور من قبله. وقيل : يستحقّ على المالك (2). ولا وجه له ، مع فرض عدم الإذن منه له في العمل.

هذا إذا ضاربه على أن يكون عاملاً للمالك. وأمّا إذا ضاربه على أن يكون عاملاً له ، وقصد العامل في عمله العامل الأوّل فيمكن أن يقال : إنّ الرّبح للعامل الأوّل ، بل هو مختار المحقّق في الشرائع.

وذلك بدعوى أنّ المضاربة الأُولى باقية بعد فرض بطلان الثانية ، والمفروض أن العامل قصد العمل للعامل الأوّل ، فيكون كأنه هو العامل فيستحقّ الرّبح وعليه اجرة عمل العامل إذا كان جاهلاً بالبطلان ، وبطلان المعاملة لا يضرّ بالإذن الحاصل منه للعامل له.


(1) وأمّا إذا كان عالماً بالحال ، فالأظهر أنه لا ضمان ، لا على المالك ولا على العامل. ولا ينافيه ما تقدّم منا في غير مورد أنه لا فرق في الضمان بين علم العامل بفساد العقد وعدمه ، فإن بينه وبين المقام من الفرق ما لا يكاد يخفى.

فإنّ المفروض في غير المقام صدور العمل من العامل بأمر الآمر لا على نحو المجانية ، فهو بأمره قد التزم للعامل بالأُجرة ، فلا يضرّ علم العامل بالفساد.

وهذا بخلاف المقام ، حيث لم يلتزم العامل الأوّل للثاني بشي‌ء ، وإنما أخبره عن ضمان المالك له ، وحيث إنّ العامل يعلم كذبه وأنه ليس بوكيل عنه ، فلا وجه للحكم بضمانه ، بل يكون حاله حال من استأجر غيره للعمل في ملك الغير على أن تكون أُجرته على المالك ، مع علم الأجير بعدم كونه وكيلاً عنه.

(2) وكأنه لأنّ المالك قد استفاد من فعله ، وهو قد عمل على طبق نفعه ، وعمل المسلم محترم.

لكن هذا إنما يتمّ إذا لم تكن المباشرة معتبرة في المضاربة الأُولى (1). وأما مع اعتبارها فلا يتمّ ، ويتعيّن كون تمام الرّبح للمالك (1)(2) إذا أجاز المعاملات ، وإن لم تجز المضاربة الثانية.

[3422] مسألة 33 : إذا شرط أحدهما على الآخر في ضمن عقد المضاربة مالاً أو عملاً ، كأن اشترط المالك على العامل أن يخيط له ثوباً أو يعطيه درهماً أو نحو ذلك ، أو بالعكس ، فالظاهر صحّته. وكذا إذا اشترط أحدهما على الآخر بيعاً أو قرضاً ، أو قراضاً أو بضاعة ، أو نحو ذلك.

ودعوى أنّ العقد المتيقّن ما إذا لم يكن من المالك إلّا رأس المال ، ومن العامل إلّا التجارة. مدفوعة بأن ذلك من حيث متعلق العقد ، فلا ينافي اشتراط مال أو عمل خارجي في ضمنه ، ويكفي في صحّته عموم أدلّة الشروط.

وعن الشيخ الطوسي فيما إذا اشترط المالك على العامل بضاعة ، بطلان الشرط دون العقد في أحد قوليه ، وبطلانهما في قوله الآخر. قال : لأن العامل في القراض لا يعمل عملاً بغير جعل ولا قسط من الرّبح ، وإذا بطل الشرط بطل القراض


إلّا أن فساده أوضح من أن يخفى. فإن احترام عمل المسلم لا يقتضي أن يكون لغيره ضمان بالنسبة إليه ، ما لم يكن العمل بأمره وإذنه.

(1) فإنه حينئذٍ تصحّ المضاربة الأُولى ، ويكون للعامل الأوّل ما قرراه من الرّبح وللثاني اجرة مثل عمله على الأوّل مع جهله بالفساد ، بل مع علمه به أيضاً على ما تقدّم ، لأنّ العمل قد استوفاه العامل الأوّل ، والتزم بعوضه للثاني ، فيضمنه عند ظهور فساد العقد معه.

(2) لأن الأوّل لم يعمل شيئاً ، والثاني وإن عمل إلّا أن عمله لم يكن بأمر المالك فلا يستحقّ شيئاً.


1) وأمّا الأخبار الدالّة على أنّ الربح يشترط فيه العامل والمالك عند مخالفة الشرط أيضاً فهي غير شاملة للمقام ، كما يظهر بالتأمّل.

لأنّ قسط العامل يكون مجهولاً (1). ثمّ قال : وإن قلنا أنّ القراض صحيح ، والشرط جائز لكنه لا يلزم الوفاء به ، لأنّ البضاعة لا يلزم القيام بها ، كان قويّاً.

وحاصل كلامه في وجه بطلانهما : أن الشرط المفروض منافٍ لمقتضى العقد فيكون باطلاً ، وببطلانه يبطل العقد ، لاستلزامه جهالة حصّة العامل من حيث إنّ للشرط قسطاً من الربح ، وببطلانه يسقط ذلك القسط ، وهو غير معلوم المقدار.

وفيه : منع كونه منافياً لمقتضى العقد ، فإنّ مقتضاه ليس أزيد من أن يكون عمله في مال القراض بجزءٍ من الرّبح ، والعمل الخارجي ليس عملاً في مال القراض (2).


وتوهّم استحقاق العامل الأوّل لما قرر في المضاربة الأُولى ، باعتبار أنّ المقام من مصاديق تخلّف الشرط ، وقد دلّت النصوص على استحقاقه للحصّة المعيّنة من الرّبح عند ظهوره.

مدفوع بأنّ النصوص إنما وردت في عمل العامل على خلاف شرط المالك ، كما لو اشترط التجارة في البلد فتاجر في غيره ، وأين هذا من صدور العمل من أجنبي عن حدود المضاربة بالكليّة؟.

وبعبارة اخرى : إنّ المفروض في هذه النصوص صدور التجارة من العامل فاقداً لشرط المالك ، فلا تشمل صورة صدور الفعل من غيره ، كما هو الحال في المقام.

(1) وذلك لأنّ المالك إنما رضي بجعل النسبة المعيّنة من الرّبح للعامل ، لاشتراطه عليه عملاً آخر مجاناً. فهو إنما أعطاه النصف مثلاً لاشتراطه عليه خياطة ثوبه مجاناً ولولاها لما كان يجعل للعامل النصف ، وهذا يعني مقابلة بعض الحصّة المجعولة للشرط.

ومن هنا فإذا فسد الشرط فسد ما يقابله قهراً ، وحيث إنه مجهول يكون ما بإزاء نفس عمل المضاربة مجهولاً أيضاً. وحينئذ فيبطل العقد ، إذ يعتبر في عقد المضاربة تحديد حصّة العامل من الرّبح.

(2) وبعبارة اخرى : إنّ مقتضى عقد المضاربة أن لا يكون عمل العامل في مال المضاربة مجّاناً وبلا عوض ، بل لا بدّ من جعل شي‌ء من الرّبح بإزائه ، وأما كون عمله

هذا مع أنّ ما ذكره من لزوم جهالة حصّة العامل بعد بطلان الشرط ممنوع ، إذ ليس الشرط مقابلاً بالعوض في شي‌ء من الموارد ، وإنّما يوجب زيادة العوض ، فلا ينقص من بطلانه شي‌ء من الحصّة حتى تصير مجهولة.

وأما ما ذكره في قوله : وإن قلنا ... ، فلعل غرضه أنه إذا لم يكن الوفاء بالشرط لازماً يكون وجوده كعدمه ، فكأن لم يشترط ، فلا يلزم الجهالة في الحصّة. وفيه : أنه على فرض إيجابه للجهالة لا يتفاوت الحال بين لزوم العمل به وعدمه ، حيث إنه على التقديرين زِيدَ بعض العوض لأجله.

هذا وقد يقرَّر في وجه بطلان الشرط المذكور : أنّ هذا الشرط لا أثر له أصلاً ، لأنه ليس بلازم الوفاء ، حيث إنه في العقد الجائز ، ولا يلزم من تخلفه أثر التسليط على الفسخ ، حيث إنه يجوز فسخه ولو مع عدم التخلف.

وفيه أوّلاً : ما عرفت سابقاً من لزوم العمل بالشرط في ضمن العقود الجائزة ما دامت باقية ولم تفسخ ، وإن كان له أن يفسخ حتى يسقط وجوب العمل به.

وثانياً : لا نسلّم إنّ تخلّفه لا يؤثّر في التسلّط على الفسخ ، إذ الفسخ الذي يأتي من قِبل كون العقد جائزاً إنما يكون بالنسبة إلى الاستمرار ، بخلاف الفسخ الآتي من تخلّف الشرط فإنه يوجب فسخ المعاملة من الأصل (1)(1).


في مال آخر عيره بعوض أيضاً ، فلا يقتضيه عقد المضاربة ولا دليل عليه ، بل مقتضى عمومات الوفاء بالشرط صحّة هذا الشرط.

(1) والفرق بينهما : أنّ الجواز الآتي من قبل الشرط جواز وضعيّ حقي قابل للإسقاط من قبل المتعاقدين ، في حين إنّ الجواز المضاف إلى العقد مباشرة جواز حكميّ لا يقبل الإسقاط.


1) (*) والفرق بينهما هو أنّ الجواز الآتي من قبل تخلّف الشرط جواز وضعي ، والجواز في العقد الجائز جواز حكمي.

فإذا فرضنا أنّ الفسخ بعد حصول الرّبح ، فإن كان من القسم الأوّل اقتضى حصوله من حينه ، فالعامل يستحقّ ذلك الرّبح بمقدار حصّته. وإن كان من القسم الثاني يكون تمام الرّبح للمالك ، ويستحقّ العامل اجرة المثل لعمله ، وهي قد تكون أزيد من الرّبح (1)(1) وقد تكون أقل. فيتفاوت الحال بالفسخ وعدمه إذا كان لأجْل تخلّف الشرط.

[3423] مسألة 34 : يملك العامل حصّته من الرّبح بمجرَّد ظهوره من غير توقُّف على الإنضاض أو القسمة ، لا نقلاً ولا كشفاً ، على المشهور ، بل الظاهر الإجماع عليه ، لأنه مقتضى اشتراط كون الرّبح بينهما (2) ولأنّه مملوك وليس للمالك


(1) إنما يستحقّ العامل زيادة الأُجرة عن الحصّة المعيّنة من الرّبح على تقدير الفسخ ، فيما إذا لم يكن التخلف من نفسه ، كما لو جاء الفسخ نتيجة لتخلف المالك عما شرط عليه. وأما إذا كان الفسخ نتيجة لتخلف العامل عن الشرط ، فهو إنما يستحقّ أقل الأمرين ، من اجرة المثل وما اتفقا عليه من الحصّة. ولا يستحق الزيادة ، لإقدامه على العمل في المضاربة بأقل من ذلك المقدار ، فهو قد ألغى احترام ماله فيه.

(2) فإنّ مقتضاه مع ملاحظة إطلاقات أدلّة المضاربة ملكيّة العامل للرّبح بمجرد ظهوره ، ومن غير توقّف على أمر آخر غيره.

وقد ذكرنا في مبحث الخمس تبعاً للماتن (قدس سره) ، أنّ ارتفاع القيمة السوقية قد يفرض في الأموال التي لم تعد للتجارة والاكتساب كالمعدات المتخذة للانتفاع الشخصي ، وقد يفرض فيما يتخذ للانتفاع بماليته.

ففي الأوّل لا يعد ترقي القيمة ربحاً عند العقلاء ، نظراً إلى أنّ الغاية من ملكيته لها ليست هي التجارة كي تكون مورداً لصدق الرّبح والاستفادة. فمن يشتري دار سكناه بألف ثمّ ترتفع القيمة السوقية بمرور الزمان فتصبح خمسة آلاف ، لا يعد لدى العقلاء


1) (*) إذا كان تخلّف الشرط من قِبَل العامل فهو وإن كان يستحقّ اجرة المثل إلّا أنّه لا بدّ أن لا يكون أزيد من الربح ، وإلّا فلا يستحقّ الزائد.

فيكون للعامل ، وللصحيح (1) : رجل دفع إلى رجل ألف درهم للمضاربة فاشترى أباه وهو لا يعلم ، قال : «يقوِّم فإن زاد درهماً واحداً انعتق ، واستسعى في مال الرجل» إذ لو لم يكن مالكاً لحصّته لم ينعتق أبوه.

نعم ، عن الفخر عن والده أنّ في المسألة أربعة أقوال ، ولكن لم يذكر القائل ولعلّه من العامّة.

أحدها : ما ذكرنا.

الثاني : أنه يملك بالإنضاض ، لأنه قبله ليس موجوداً خارجياً ، بل هو مقدَّر موهوم.

الثالث : أنه يملك بالقسمة ، لأنه لو ملك قبله لاختص بربحه ، ولم يكن وقاية لرأس المال.


أنه قد ربح أربعة آلاف ما دام هو يحتفظ بداره ولم يبعها ، وإنما هو يملك دار سكناه فقط. نعم ، لو باعها صدق الرّبح عند ذلك.

وهذا بخلاف الثاني ، حيث إنّ زيادة القيمة فيه تعتبر ربحاً لدى العقلاء ، سواء أباعه أم لم يبعه ، فإنه رابح ومالك للزيادة بالفعل.

ودعوى أنه أمر موهوم ، واضح الفساد. فإنه أمر اعتباري ثابت ببناء العقلاء على حدّ ثبوت أصل المالية ، وإلّا فلا نعرف أيّ فرق بين الذهب والحديد. فتاجر الحنطة وإن لم تزد حنطته عيناً ، إلّا أنها لما كانت تباع في آخر السنة بأكثر مما كانت تباع به في أوّلها ، يصدق عليه أنه ربح كذا مقداراً.

وعليه ففيما نحن فيه ، العبرة في صدق الرّبح عرفاً إنما هو بصدق الرّبح لدى العقلاء ، وحيث إنك قد عرفت صدقه عند ظهوره في الأموال التجارية حقيقة وبالاعتبار العقلائي ، يكون العامل مالكاً لحصّته. ولو لا ذلك لما كان له مطالبة المالك بالقسمة ، وكان للمالك أن يفسخ العقد من دون أن يعطيه شيئاً.

(1) رواه الكليني ، عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن محمّد بن

الرابع : أنّ القسمة كاشفة عن الملك سابقاً ، لأنها توجب استقراره.

والأقوى ما ذكرنا ، لما ذكرنا. ودعوى أنه ليس موجوداً ، كما ترى (1). وكون القيمة أمراً وهمياً ، ممنوع. مع أنا نقول : إنه يصير شريكاً في العين الموجودة بالنسبة ، ولذا يصحّ له مطالبة القسمة ، مع أنّ المملوك لا يلزم أن يكون موجوداً خارجياً ، فإنّ الدين مملوك مع أنه ليس في الخارج.

ومن الغريب (2) إصرار صاحب الجواهر على الإشكال في ملكيّته ، بدعوى أنه حقيقة ما زاد على عين الأصل ، وقيمة الشي‌ء أمر وهمي لا وجود له ، لا ذمّةً ولا خارجاً ، فلا يصدق عليه الرّبح. نعم ، لا بأس أن يقال : إنه بالظهور ملك أن يملك ، بمعنى أن له الإنضاض فيملك. وأغرب منه أنه قال : بل لعل الوجه في خبر عتق الأب ذلك أيضاً ، بناءً على الاكتفاء بمثل ذلك في العتق المبنيّ على السراية ، إذ لا يخفى ما فيه (3).


ميسر (قيس) ، قال : قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) (1).

(1) ظهر وجهه ووجه ما يليه مما تقدّم منا بيانه.

(2) استغرابه (قدس سره) في محلّه ، بعد ما عرفت صدق الرّبح عند العقلاء حقيقة.

(3) لوضوح دلالة الصحيحة ، بعد توقّف العتق وبحسب الارتكاز العرفي على الملك ، فلو لم يكن العامل مالكاً لجزء من أبيه بالشراء ، فلا وجه لانعتاق مال الغير على العامل. على أنّ قوله (عليه السلام) : «واستسعى في مال الرجل» دليل على أنّ العتق إنما بدأ من حصّة العامل وملكه ، حيث يعلم من هذا التعبير أنّ مال الرجل غير المقدار الذي انعتق ، ولو كان الجميع للمالك لوجب الاستدعاء في جميع قيمته لا في خصوص مال الرجل.


1) الوسائل ، ج 19 كتاب المضاربة ، ب 8 ح 1.

مع أن لازم ما ذكره كون العين بتمامها ملكاً للمالك حتى مقدار الرّبح ، مع أنّه ادّعي الاتفاق على عدم كون مقدار حصّة العامل من الرّبح للمالك ، فلا ينبغي التأمل في أن الأقوى ما هو المشهور.

نعم ، إن حصل خسران أو تلف بعد ظهور الرّبح ، خرج عن ملكيّة العامل (1) لا أن يكون كاشفاً عن عدم ملكيته من الأوّل.

وعلى ما ذكرنا يترتب عليه جميع آثار الملكيّة ، من جواز المطالبة بالقسمة وإن كانت موقوفة على رضى المالك ، ومن صحّة تصرّفاته فيه من البيع والصلح ونحوهما ، ومن الإرث ، وتعلّق الخمس والزّكاة ، وحصول الاستطاعة للحج وتعلّق حقّ الغرماء به ، ووجوب صرفه في الدَّين مع المطالبة ، إلى غير ذلك.

[3424] مسألة 35 : الرّبح وقاية لرأس المال ، فملكية العامل له بالظهور متزلزلة. فلو عرض بعد ذلك خسران أو تلف ، يجبر به إلى أن تستقرّ ملكيته (2).


(1) على ما سيأتي بيانه في المسألة القادمة.

(2) بلا خلاف فيه بينهم ، بل وعليه التسالم ، مضافاً إلى كونه مقتضى عقد المضاربة من أوّل الأمر ، فإنّ إرجاع رأس المال بتمامه عند عدم الخسران أمر مفروغ عنه في أصل عقد المضاربة.

ومعنى هذا أخذ المالك لرأس ماله بعد الانتهاء من التجارة ، على أن يكون الزائد على تقدير وجوده مشتركاً بينه وبين العامل. ومن هنا فإذا خسرت التجارة أوّلاً ثمّ ربحت ، لم يكن للعامل المطالبة بحصّة من الرّبح إذا لم يكن زائداً عما خسرته أوّلاً وعلى هذا الارتكاز العرفي.

وبعبارة اخرى : إنّ المجعول في عقد المضاربة للعامل ليس هي الحصّة من الرّبح في كل معاملة بعينها ، وإنما هي الحصّة من الرّبح من حيث مجموع التجارات. وعليه فما دامت التجارة باقية ومستمرة ، يكون الخسران بأجمعه وارداً على الرّبح السابق عليه ومنجبراً بالذي يحصل بعده ، نظراً لعدم صدق ربح مجموع التجارة ، من حيث إنه مجموع على الزائد قبل ذلك ، كما هو واضح.

والاستقرار يحصل بعد الإنضاض والفسخ والقسمة (1) فبعدها إذا تلف شي‌ء لا يحسب من الرّبح (2) بل تلف كلٍّ على صاحبه.

ولا يكفي في الاستقرار قسمة الرّبح فقط مع عدم الفسخ (3) بل ولا قسمة الكلّ كذلك (1)(4) ولا بالفسخ مع عدم القسمة (5). فلو حصل خسران أو تلف أو ربح كان كما سبق ، فيكون الرّبح مشتركاً والتلف والخسران عليهما ، ويتمّ رأس المال بالرّبح.

نعم ، لو حصل الفسخ ولم يحصل الإنضاض ولو بالنسبة إلى البعض وحصلت القسمة ، فهل تستقرّ الملكيّة أم لا؟ إن قلنا بوجوب الإنضاض على العامل


ومن هنا فلا حاجة في الحكم إلى الدليل الخاص ، إذ يكفي فيه كونه مقتضى عقد المضاربة بحدّ ذاته.

(1) بلا خلاف فيه ، بل يظهر من بعض الكلمات دعوى الإجماع عليه. ويقتضيه إنهاء العقد ، وتسلّط كل على ما يختص به.

(2) لانتهاء العقد ، ووقوع التلف على أمر غير متعلق للعقد بالفعل ، فيختص الخسران بمالكه.

(3) لعدم ارتفاع عقد المضاربة ، فيبقى حكمه ، اعني جبر الخسارة بالرّبح ، سواء تحققت قسمة الرّبح أم لم تتحقق.

(4) بان يرجع الأصل إلى المالك ويكون الرّبح بينهما على ما اتفقا عليه. إلّا ان الالتزام بذلك مشكل جدّاً ، حيث ان الفسخ لا يتوقف على اللفظ ، بل يحقق بالفعل أيضاً. ومن أظهر مصاديقه إعطاء العامل للمالك رأس ماله مع حصّته من الرّبح وأخذه هو حصّته منه أيضاً ، فإنه فسخ فعلي وإنهاء لعقد المضاربة. ومعه فلا وجه لجبران الخسارة بالرّبح السابق.

(5) لعدم وصول رأس المال معه إلى مالكه ، فيكون الخسران محسوباً من الرّبح لا محالة.


1) (*) الظاهر أنها فسخ فعلي ، فلا يكون التلف بعدها محسوباً من الربح.

فالظاهر عدم الاستقرار (1). وإن قلنا بعدم وجوبه ، ففيه وجهان (1)، أقواهما الاستقرار (2).

والحاصل أنّ اللّازم أوّلاً دفع مقدار رأس المال للمالك ، ثمّ يقسم ما زاد عنه بينهما على حسب حصَّتهما ، فكلّ خسارة وتلف قبل تمام المضاربة يجبر بالرّبح وتماميتها بما ذكرنا من الفسخ والقسمة.

[3425] مسألة 36 : إذا ظهر الرّبح ونض تمامه أو بعض منه ، فطلب أحدهما قسمته ، فإن رضي الآخر فلا مانع منها ، وإن لم يرض المالك لم يجبر عليها ، لاحتمال الخسران بعد ذلك والحاجة إلى جبره به (3).


وبعبارة اخرى : ان العبرة انما هي بوصول ما أعطاه المالك رأس المال إليه ، فما لم يتحقق ذلك يكون الخسران منجبراً بالرّبح خاصة ، ولا وجه لجعله في مال المالك أو المجموع منه ومن الرّبح.

(1) لعدم انتهاء العقد ، نظراً لبقاء المتمّم له.

إلّا أنّ هذا القول لا وجه له. إذ القول بوجوب الإنضاض على العامل بعد رضا المالك بقسمة العروض ، ومن ثمّ إلغاء حقه في المطالبة بالإنضاض كما هو مفروض المسألة ، بعيد جدّاً ولا موجب له ، نظراً لعدم كونه من الواجبات التعبدية.

(2) لانتهاء عقد المضاربة بالقسمة ، وعدم كون الإنضاض متمّماً له ، فإنّ معه لا يبقى وجه للقول بعدم الاستقرار.

(3) الظاهر أنّه (قدس سره) لا يريد بهذا التعليل دعوى كونها ضررية عليه ، كي يورد عليه بأنّه لا ضرر عليه في القسمة ، لإمكان أخذ الكفيل ونحوه على المال مما يطمئن معه بعدم الضرر. وإنما يريد به ما ذكره (قدس سره) في المسألة السابقة ، من كون الرّبح وقاية لرأس المال ، فإنّه وإن كان يملك بمجرّد ظهوره ، إلّا أن ذلك لا يعني أنّ للعامل أخذ حصّته من الرّبح في كل معاملة شخصية ، فإنه غير جائز ، لما عرفت من أن العبرة في الربح إنما هي بالنتيجة.


1) (*) الظاهر أنّه لا إشكال في عدم وجوبه مع فرض رضا المالك بالقسمة قبله كما هو المفروض.

قيل : وإن لم يرض العامل فكذلك أيضاً ، لأنه لو حصل الخسران وجَب عليه ردّ ما أخذه ، ولعله لا يقدر بعد ذلك عليه لفواته في يده ، وهو ضرر عليه. وفيه : أنّ هذا لا يعدّ ضرراً (1). فالأقوى أنه يجبر إذا طلب المالك.

وكيف كان ، إذا اقتسماه ثمّ حصل الخسران ، فإن حصل بعده ربح يجبره فهو وإلّا ردّ العامل أقلّ الأمرين من مقدار الخسران وما أخذ من الرّبح ، لأنّ الأقل إن كان هو الخسران فليس عليه إلّا جبره والزائد له ، وإن كان هو الرّبح فليس عليه إلّا مقدار ما أخذه (2).

ويظهر من الشهيد أنّ قسمة الربح موجبة لاستقراره وعدم جبره للخسارة الحاصلة بعدها ، لكن قسمة مقداره ليست قسمة له من حيث إنّه مشاع في جميع المال ، فأخذ مقدار منه ليس أخذاً له فقط.

حيث قال على ما نقل عنه : إنّ المردود أقلّ الأمرين مما أخذه العامل من رأس المال لا من الربح. فلو كان رأس المال مائة والربح عشرين ، فاقتسما العشرين


وبعبارة اخرى : إنّ الملكيّة وإن كانت حاصلة من الأوّل حين حصول الربح.

ومعه فكيف يكون للعامل المطالبة به وأخذه وإتلافه وإن كنا على ثقة بعدم تضرر المالك؟ فإنّ الربح وبحكم الاشتراط متعلق لحق المالك ، فلا يجوز التصرّف فيه بغير إذنه.

إذن فلا بدّ للعامل حينئذ من كسب رضى المالك ، أو انتظار انتهاء الأمد ، أو انفساخ المضاربة.

(1) لإمكان تحفظه على المال وعدم التصرّف فيه حتى يتبين الأمر. وعلى تقدير تعديه بالتصرف فيه ، فدفع بدله لا يعدّ ضرراً.

على أننا لو سلّمنا كونه ضرراً في بعض الأحوال ، فهو لا يوجب سقوط سلطنة المالك عن ماله ، لأنه ضرر عليه أيضاً.

(2) على ما يقتضيه عقد المضاربة ، كما ظهر مما تقدّم.

فالعشرون التي هي الربح مشاعة في الجميع ، نسبتها إلى رأس المال نسبة السدس فالمأخوذ سدس الجميع ، فيكون خمسة أسداسها من رأس المال وسدسها من الربح. فإذا اقتسماها استقرّ ملك العامل على نصيبه من الربح ، وهو نصف سدس العشرين وذلك درهم وثلثان ، يبقى معه ثمانية وثلث من رأس المال. فإذا خسر المال الباقي ردّ أقل الأمرين ، مما خسر ومن ثمانية وثلث.

وفيه : مضافاً إلى أنه خلاف ما هو المعلوم من وجوب جبر الخسران الحاصل بعد ذلك بالربح السابق إن لم يلحقه ربح وأن عليه غرامة ما أخذه منه ، أنظار أُخر.

منها : أنّ المأخوذ إذا كان من رأس المال ، فوجوب ردّه لا يتوقف على حصول الخسران بعد ذلك.

ومنها : أنه ليس مأذوناً في أخذ رأس المال ، فلا وجه للقسمة المفروضة.

ومنها : أنّ المفروض أنّهما اقتسما المقدار من الربح بعنوان أنه ربح ، لا بعنوان كونه منه ومن رأس المال.

ودعوى أنه لا يتعين لكونه من الربح بمجرّد قصدهما ، مع فرض إشاعته في تمام المال.

مدفوعة بأنّ المال بعد حصول الربح يصير مشتركاً بين المالك والعامل ، فمقدار رأس المال مع حصّة من الربح للمالك ، ومقدار حصّة الربح المشروط للعامل له ، فلا وجه لعدم التعين بعد تعيينهما مقدار ما لهما في هذا المال. فقسمة الربح في الحقيقة قسمة لجميع المال ، ولا مانع منها.

[3426] مسألة 37 : إذا باع العامل حصّته من الربح بعد ظهوره ، صحَّ مع تحقق الشرائط ، من معلومية المقدار وغيره. وإذا حصل خسران بعد هذا لا يبطل البيع (1) بل يكون بمنزلة التلف ، فيجب عليه جبره بدفع أقلّ الأمرين ، من مقدار قيمة ما باعه ومقدار الخسران.


(1) أما إذا كان البيع بإذن المالك ، فلا ينبغي الشك في صحّته ، لكونه بمنزلة التقسيم وعدم ما يقتضي منعه منه ، فإن «الناس مسلَّطون على أموالهم» وللمالك التصرّف فيما

[3427] مسألة 38 : لا إشكال في أنّ الخسارة الواردة على مال المضاربة تجبر بالربح (1) سواء كان سابقاً عليها أو لاحقاً ، ما دامت المضاربة باقية ولم يتمّ


يملكه كيفما يشاء. فإن ظهرت هناك خسارة بعد ذلك ، فلا بدّ من تداركها بالبدل لا محالة ، لتلف العين المملوكة بالملك المتزلزل.

وأما إذا كان البيع بغير إذن المالك ، فقد يقال ببطلانه ، نظراً لكون الربح متعلقاً لحق المالك. ومن هنا فالخسارة ، إما ان تكشف عن عدم ملكيّة العامل للحصّة المبيعة من أوّل الأمر ، وإما أن تكشف من تعلق حق المالك بها ، فلا يصحّ التصرّف فيها بغير إذنه.

لكن الظاهر أن هذه المسألة لا تقاس بمسألة عدم إلزام المالك بالقسمة عند طلب العامل ذلك.

والوجه فيه أنّ مطالبة العامل بالقسمة مطالبة لتمييز حقه ليستقل به ، وهو أمر على خلاف أساس المضاربة ، حيث إنه عقد قائم على أساس كون الربح وقاية لرأس المال وتداركاً للخسارة المحتملة ، وهذا بخلاف تصرف العامل فيما يستقل به ويملكه. فإنه وإن كان على خلاف ما شرط عليه ، إلّا أنه لا يوجب بطلان التصرّف الصادر منه وإنما غايته ثبوت الخيار للمالك في فسخ عقد المضاربة ، نظراً لتخلف الشرط. فإن فسخ فهو ، وإلّا الزم العامل بتدارك الخسارة من ماله بدلاً عما أتلفه من الربح بالبيع بدفع أقلّ الأمرين من قيمة ما باعه ومقدار الخسران.

وأما احتمال بطلان بيع العامل ، فلا موجب له بعد ما كان البيع واقعاً على ما يملكه بالفعل.

وكذا الحال في احتمال كشف الخسارة اللاحقة عن عدم ملكيّة العامل للمبيع من بادئ الأمر ، فإنه موهون ولا وجه له ، إذ الملك يحصل بمجرّد ظهور الربح ، ويستقلّ به العامل من غير أن يكون هناك أي حق للمالك فيه.

ومن هنا فتصرفه فيه لا يكون إلّا مخالفة للشرط ، وهي لا تقتضي إلّا الحكم التكليفي بالحرمة ، وثبوت الخيار للمالك.

(1) على ما يقتضيه عقد المضاربة بنفسه.

عملها. نعم ، قد عرفت ما عن الشهيد من عدم جبران الخسارة اللاحقة بالربح السابق إذا اقتسماه ، وأنّ مقدار الربح من المقسوم تستقر ملكيّته.

وأمّا التلف ، فإما أن يكون بعد الدوران في التجارة ، أو بعد الشروع فيها ، أو قبله. ثمّ إما أن يكون التالف البعض ، أو الكلّ. وأيضاً إما إن يكون بآفة من اللّه سماوية أو أرضية ، أو بإتلاف المالك أو العامل أو الأجنبي على وجه الضمان.

فإن كان بعد الدوران في التجارة ، فالظاهر جبره بالربح (1) ولو كان لاحقاً مطلقاً ، سواء كان التالف البعض أو الكل (2) كان التلف بآفة أو بإتلاف ضامن من العامل أو الأجنبي. ودعوى أنّ مع الضمان كأنه لم يتلف ، لأنّه في ذمّة الضامن كما ترى (3). نعم ، لو أخذ العوض يكون من جملة المال (4).

بل الأقوى ذلك إذا كان بعد الشروع في التجارة وإن كان التالف الكلّ (5). كما إذا اشترى في الذمّة وتلف المال قبل دفعه إلى البائع فأدّاه المالك ، أو باع العامل المبيع وربح فأدّى.

كما أن الأقوى في تلف البعض الجبر وإن كان قبل الشروع أيضاً (6). كما إذا سرق في أثناء السفر قبل أن يشرع في التجارة ، أو في البلد أيضاً قبل أن يسافر.


(1) لاقتضاء أصل المضاربة ذلك ، حيث إنها مبنية على بقاء رأس المال وعوده إلى المالك وعدم تضرره فيه.

(2) حيث يقوم الباقي مقام رأس المال إن كان مساوياً له ، فيختص به المالك ، لما تقدّم. وكذا الحال إذا كان أنقص منه ، حيث يأخذه المالك ولا شي‌ء للعامل.

(3) إذ العبرة إنما هي بأخذ المالك وتسلّطه على ما أعطاه للعامل من رأس المال وهو غير متحقّق في المقام. ومجرّد وجوده في ذمّة ضامن ، لا يوجب عدم صدق التلف عليه ، فإنّ التلف صادق وجداناً وإن كانت الملكيّة محفوظة.

(4) فيكون مشتركاً بينهما على ما اتفقا عليه.

(5) لما تقدّم من اقتضاء العقد له.

(6) لما عرفت من كون أساس المضاربة على عدم ورود النقص على مال المضاربة

وأمّا تلف الكلّ قبل الشروع في التجارة ، فالظاهر انه موجب لانفساخ العقد إذ لا يبقى معه مال للتجارة حتى يجبر أو لا يجبر. نعم ، إذا أتلفه أجنبي وادّى عوضه ، تكون المضاربة باقية. وكذا إذا أتلفه العامل.

[3428] مسألة 39 : العامل أمين (1). فلا يضمن إلّا بالخيانة (2) كما لو أكل بعض مال المضاربة ، أو اشترى شيئاً لنفسه فأدّى الثمن من ذلك ، أو وطئ الجارية المشتراة ، أو نحو ذلك. أو التفريط ، بترك الحفظ. أو التعدّي ، بأن خالف ما أمره به أو نهاه عنه ، كما لو سافر مع نهيه عنه أو عدم إذنه في السفر ، أو اشترى ما نهى عن شرائه ، أو ترك شراء ما أمره به. فإنه يصير بذلك ضامناً للمال لو تلف ولو بآفة سماويّة ، وإن بقيت المضاربة ، كما مرّ. والظاهر ضمانه للخسارة الحاصلة بعد ذلك أيضاً (3).

وإذا رجع عن تعدّيه أو خيانته فهل يبقى الضمان أوْ لا؟ وجهان. مقتضى الاستصحاب بقاؤه ، كما ذكروا في باب الوديعة أنه لو أخرجها الودعي عن الحرز


وأخذ المالك لتمام رأس المال ، وكون الاشتراك في الزائد خاصّة.

(1) بلا خلاف فيه ولا إشكال ، بل وعليه الإجماع.

(2) على ما يستفاد من جملة من النصوص الواردة في الضمان ، بل والنصوص الواردة في خصوص المضاربة ، حيث علّقت الضمان على المخالفة والتعدي ، فيكون مفهومها عدم ضمان العامل عند تلف مال المضاربة من غير تعدٍّ أو تفريط.

نعم ، عند التلف بالتعدّي أو التفريط يكون ضامناً له بلا خلاف ، لقاعدة اليد حيث خرج منها عنوان الأمين ويد العامل هذا ليست منه. مضافاً إلى النصوص الكثيرة الدالّة على ضمان العامل عند مخالفته لما اشترط عليه. وقد تقدمت في المسألة الخامسة ، فراجع.

(3) لإطلاق النصوص ، حيث إنّ مقتضاه كون الوضيعة على العامل حينئذ ما لم يصل مال المالك بتمامه إليه ، بلا فرق في ذلك بين كونها حال المعاملة أو بعدها.

بقي الضمان وإن ردّها بعد ذلك إليه. ولكن لا يخلو عن إشكال ، لأن المفروض بقاء الإذن ، وارتفاع سبب الضمان (1).

ولو اقتضت المصلحة بيع الجنس في زمان ولم يبع ، ضمن الوضيعة إن حصلت بعد ذلك (2). وهل يضمن بنية الخيانة مع عدم فعلها؟ وجهان (1)(3) : من عدم كون مجرّد النيّة خيانة ، ومن صيرورة يده حال النيّة بمنزلة يد الغاصب. ويمكن الفرق بين العزم عليها فعلاً وبين العزم على أن يخون بعد ذلك (4).

[3429] مسألة 40 : لا يجوز للمالك أن يشتري من العامل شيئاً من مال المضاربة ، لأنه ماله (5). نعم ، إذا ظهر الربح يجوز له أن يشتري حصّة العامل منه


(1) وبذلك ينتفي موضوع الاستصحاب ، أعني التعدي أو التفريط ، ومعه فلا مقتضي للحكم بالضمان. هذا مضافاً إلى عدم جريان الاستصحاب في الأحكام الكليّة ، على ما بينّاه في محلّه.

ومنه يظهر الحال فيما ذكروه في باب إخراج الودعيّ للوديعة من الحرز.

(2) وتقتضيه الأخبار الواردة في مخالفة العامل لما شرط عليه. فإنّ إبقاء المال عنده على خلاف المصلحة على خلاف ما شرط عليه ومبنى عقد المضاربة من كون المال متخذاً للاسترباح.

(3) أقربهما عدم الضمان ، نظراً لكون المستفاد من النصوص الواردة في المقام دوران الضمان مدار المخالفة الفعليّة والخيانة الخارجيّة فيكون مقتضى مفهومها عدمه عند عدمها.

ودعوى انّ النيّة توجب انقلاب اليد من الأمانة إلى الغصب ، أوّل الكلام وعهدتها على مدّعيها ، فإن النيّة المحضة لا أثر لها.

(4) بالالتزام بالضمان في الأوّل ، باعتبار كون يده في ذلك الحين يداً غصبية. وعدمه في الثاني ، لبقاء يده حين النيّة على وصف الأمانية. لكن ضعفه يظهر مما تقدّم.

(5) ومعه فلا تتحقق المعاوضة ، ولا يصدق كونه مبادلة مال بمال ، كما هو واضح.


1) (*) لا يبعد أن يكون الوجه الأوّل أقرب.

مع معلومية قدرها (1). ولا يبطل بيعه بحصول الخسارة بعد ذلك ، فإنه بمنزلة التلف (2). ويجب على العامل ردّ قيمتها لجبر الخسارة (3) كما لو باعها من غير المالك.

وأما العامل فيجوز أن يشتري من المالك قبل ظهور الربح (4) بل وبعده ، لكن يبطل الشراء بمقدار حصّته من المبيع ، لأنه ماله. نعم ، لو اشترى منه قبل ظهور الربح بأزيد من قيمته ، بحيث يكون الربح حاصلاً بهذا الشراء ، يمكن الإشكال فيه ، حيث إن بعض الثمن حينئذ يرجع إليه من جهة كونه ربحاً ، فيلزم من نقله إلى البائع عدم نقله من حيث عوده إلى نفسه.

ويمكن دفعه بأن كونه ربحاً متأخر عن صيرورته للبائع ، فيصير أوّلاً للبائع الذي هو المالك من جهة كونه ثمناً ، وبعد أن تمّت المعاملة وصار ملكاً للبائع وصدق كونه ربحاً ، يرجع إلى المشتري الذي هو العامل على حسب قرار المضاربة ، فملكيّة البائع متقدِّمة طبعاً.

وهذا مثل ما إذا باع العامل مال المضاربة الذي هو مال المالك من أجنبي بأزيد من قيمته ، فإنّ المبيع ينتقل من المالك والثمن يكون مشتركاً بينه وبين العامل. ولا بأس به ، فإنّه من الأوّل يصير ملكاً للمالك ، ثمّ يصير بمقدار حصّة العامل منه له بمقتضى قرار المضاربة.


(1) لما عرفت فيما سبق ، من ملكيّة العامل لحصّته من الربح بمجرّد ظهوره.

(2) على ما تقدّم بيانه في المسألة السابعة والثلاثين مفصَّلاً ، فراجع.

(3) لأنّ مجرّد الإذن في البيع وجواز الإتلاف ، لا يقتضي عدم ضمانه ووجوب تداركه عند ظهور الخسارة.

(4) لعدم اتحاد مالك العوض والمعوض ، فتصدق المعاوضة حقيقة ، حيث ينتقل المال المشترى من المالك إلى العامل ، في حين ينتقل الثمن من العامل إلى المالك.

لكن هذا على ما هو المشهور (1)(1) من أن مقتضى المعاوضة دخول المعوض في ملك من خرج عنه العوض وأنه لا يعقل غيره. وأما على ما هو الأقوى من عدم المانع من كون المعوض لشخص ، والعوض داخل في ملك غيره ، وأنه لا ينافي حقيقة المعاوضة ، فيمكن أن يقال : من الأوّل يدخل الربح في ملك العامل بمقتضى قرار المضاربة ، فلا تكون هذه الصورة مثالاً للمقام ونظيراً له.

[3430] مسألة 41 : يجوز للعامل الأخذ بالشفعة من المالك في مال المضاربة (2)


(1) بل هو المتعيّن ، لما ذكرناه في مباحث المكاسب من أنّ حقيقة البيع مبادلة بين المالين وتبديل للمال ، وإلغاء للخصوصية في العوضين. فمن يشتري الكتاب مثلاً بدينار أو يبيعه به ، يبدّل ماله بشي‌ء آخر يقوم مقامه في المالية ، وإن لم يكن مشتملاً على ما اشتمل عليه ماله من الخصوصيات.

وعلى هذا فحقيقة البيع متقوّمة بالأخذ والعطاء في قباله بحسب المرتكز العرفي وحيث إنّ هذا المعنى غير متحقّق في المقام ، فقد يشكل الحكم بصحّته.

إلّا أنه مندفع بما في المتن ، من أنّ حصّة العامل من الربح في المضاربة لا تدخل في ملكه ابتداء ، بل تدخل في ملك البائع المالك آناً ما ، ثمّ تنتقل وبموجب عقد المضاربة إليه.

وهذا مما لا محيص عن الالتزام به ، إذ به يتحقّق الجمع بين مقتضى العقدين : البيع المقتضي لدخول المعوض في ملك من خرج منه العوض ، والمضاربة المقتضية لملكية العامل للحصّة المعيّنة من الربح.

(2) لوجود المقتضي وانتفاء المانع. فإنّ المالك لمّا أصبح شريكاً للعامل في المال بشرائه حصّة شريكه ، شملته أدلّة الشفعة من غير معارض ، فإنه شريك وله الأخذ بالشفعة في حصّة شريكه المبيعة لغيره.


1) (*) وهو صحيح.

ولا يجوز العكس (1). مثلاً إذا كانت دار مشتركة بين العامل والأجنبي ، فاشترى العامل حصّة الأجنبي بمال المضاربة ، يجوز له إذا كان قبل ظهور الربح أن يأخذها بالشفعة (2) لأن الشراء قبل حصول الربح يكون للمالك ، فللعامل أن يأخذ تلك الحصّة بالشفعة منه. وأما إذا كانت الدار مشتركة بين المالك والأجنبي ، فاشترى العامل حصّة الأجنبي ، ليس للمالك الأخذ بالشفعة ، لأن الشراء له فليس له أن يأخذ بالشفعة ما هو له.

[3431] مسألة 42 : لا إشكال في عدم جواز وطء العامل للجارية التي اشتراها بمال المضاربة بدون إذن المالك ، سواء كان قبل ظهور الربح أو بعده ، لأنها مال الغير ، أو مشتركة بينه وبين الغير الذي هو المالك. فإن فعل كان زانياً يحدّ مع عدم الشبهة كاملاً إن كان قبل حصول الربح (3) وبقدر نصيب المالك إن كان بعده (4). كما لا إشكال في جواز وطئها إذا أذن له المالك بعد الشراء ، وكان


(1) لانتفاء موضوعها فيه. فإنّ المال وبشراء العامل حصّة شريك المالك له يصبح وبتمامه مملوكاً للمالك ، ومعه فلا مجال لأخذه بالشفعة ، لأنها إنما تثبت لأحد الشريكين في الحصّة المبيعة لشريكه الآخر من غيره ، وهو منتفٍ في المقام.

(2) مقتضى مفهوم هذه القضيّة ، عدم ثبوت الشفعة للعامل إذا كان بعد ظهور الربح. ولم يظهر لنا وجه ذلك ، فإنّ أدلّة الشفعة شاملة للمقام من غير معارض ، حيث إنّ الحصّة المبيعة حصّة شريك العامل ، فله أن يأخذ بالشفعة حتى بعد ظهور الربح.

نعم ، إنه يملك بعض تلك الحصّة من جهة ظهور الربح بمقتضى عقد المضاربة ، لكنه لا يمنع من الأخذ بالشفعة في غيره ، ولعله (قدس سره) نظر إلى عدم جواز أخذ الجميع بالشفعة ، وإلّا فلا وجه لما ذكره.

(3) لتمحض الجارية في الرقية لمولاها وانفراده في ملكها.

(4) لاشتراكهما في ملكيّتها.

قبل حصول الربح (1) بل يجوز بعده ، على الأقوى (2) من جواز تحليل أحد الشريكين صاحبه وطء الجارية المشتركة بينهما.

وهل يجوز وطؤها بالإذن السابق في حال إيقاع عقد المضاربة ، أو بعده قبل الشراء ، أم لا؟ المشهور على عدم الجواز ، لأن التحليل إما تمليك أو عقد ، وكلاهما لا يصلحان قبل الشراء (3).

والأقوى كما عن الشيخ في النهاية الجواز ، لمنع كونه أحد الأمرين ، بل هو إباحة (4) ولا مانع من إنشائها قبل الشراء إذا لم يرجع عن إذنه بعد ذلك ، كما إذا


(1) حيث تكون محللة من قبل المالك.

(2) تقدّم الكلام في هذا الفرع في المسألة الحادية والعشرين من فصل نكاح العبيد والإماء. وقد عرفت أنّ مقتضى القاعدة في المقام وإن كان هو المنع والحرمة ، باعتبار أنّ الملفقة من التحليل والملك لا يشملها شي‌ء من أسباب الحلّ المذكورة في الآية الكريمة والنصوص ، إلّا أنه لا محيص عن رفع اليد عنها والالتزام بالجواز.

وذلك لصحيحة محمد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) ، قال : سألته عن جارية بين رجلين دبّراها جميعاً ، ثمّ أحلّ أحدهما فرجها لشريكه ، قال : «هو حلال وأيّهما مات قبل صاحبه فقد صار نصفها حراً من قبل الذي مات ونصفها مدبّراً» الحديث (1)، فإنها صريحة في جواز وطء الجارية المشتركة بإذن الشريك.

وهذه الصحيحة وإن لم تكن واردة في المضاربة ، إلّا أن الحكم ثابت فيما نحن فيه أيضاً ، للقطع بعدم وجود خصوصية للتدبير ، فإنّ الحكم ثابت للأمة المشتركة بما هي مشتركة.

(3) لعدم ملكيّته لها ، ومن هنا فلا أثر لتمليكه وطأها لغيره أو العقد عليها له.

(4) وفيه : أنّ الوطء وإن كان من منافع الأمة ، فيمكن تمليكه للغير بإباحتها له ويدخل ذلك في قوله تعالى ( أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ ) (2)إلّا أنه لا دليل على جوازه.


1) الوسائل ، ج 21 كتاب النكاح ، أبواب نكاح العبيد والإماء ، ب 41 ح 1.

2) سورة المؤمنون 23 : 6.

قال : اشتر بمالي طعاماً ثمّ كل منه (1).

هذا مضافاً إلى خبر الكاهلي (1)(2) عن أبي الحسن (عليه السلام) ، قلت : رجل


على أنّ الظاهر من الآية الكريمة كون المجوز للوطء هو ملكيّة عين الأمة ، فلا تشمل ملكيّة منفعتها.

وبعبارة اخرى : إنّه لو كنا نحن والآية الكريمة لقلنا بعدم جواز وطء الأمة المحللة حيث إنها ظاهرة في حصر سبب الحل في الزوجية وملك اليمين ، والتحليل خارج عنهما.

غير أننا التزمنا بجوازه به للنصوص الخاصّة الدالّة عليه ، فإنّها تكون مخصِّصة لعموم الآية الكريمة.

لكن هذا لا يعني الموافقة على ما أفاده الماتن (قدس سره) في مقام التعليل. فإنّ هذه النصوص وإن كانت دالّة على حلّية الجارية بالتحليل ، إلّا أنها ظاهرة في حلّيتها بالتحليل الصادر من المالك بالفعل ، فلا تشمل المقام ، حيث لا يكون الآذن مالكاً لها حين إذنه وإنما سيملكها بعد ذلك.

(1) قياسه (قدس سره) للمقام على ما ذكره من المثال ، قياس مع الفارق. فإنّ جواز الأكل في المثال على القاعدة ، حيث لا يعتبر في أكل مال الغير والتصرّف فيه إلّا تحصيل رضاه وطيب نفسه ولو باطناً ، فيجوز التصرّف فيه حتى مع عدم الإذن الإنشائي بالمرّة ، فضلاً عن وجوده في مرحلة سابقة على ملكيته له.

وأين هذا من المقام ، أعني باب التحليل ، حيث يعتبر فيه الإنشاء ولا يكفي مجرّد إحراز رضا المالك؟! والحاصل أنّ المؤثر في حلّية الجارية إنما هو إنشاء المالك لحلّيتها له ، ومن هنا فلا أثر لإنشاء غيره وإن كان سيملكها فيما بعد ، لعدم الدليل عليه.

(2) رواه الشيخ (قدس سره) بإسناده عن الحسن بن محمد بن سماعة ، عن محمد


1) (*) هذا هو العمدة ، وإلّا فللمناقشة فيما ذكره مجال.

سألني أن أسألك : أنّ رجلاً أعطاه مالاً مضاربة يشتري له ما يرى من شي‌ء وقال له : اشتر جارية تكون معك ، والجارية إنما هي لصاحب المال ، إن كان فيها وضيعة فعليه وإن كان ربح فله ، فللمضارب أن يطأها؟ قال عليه السلام : «نعم». ولا يضر ظهورها في كون الشراء من غير مال المضاربة من حيث جعل ربحها للمالك لأنّ الظاهر عدم الفرق بين المضاربة وغيرها في تأثير الإذن السابق وعدمه.


ابن زياد ، عن عبد اللّه بن يحيى الكاهلي ، عن أبي الحسن (عليه السلام) (1).

وهذه الرواية هي العمدة في الاستدلال ، فإنها إن تمّت أمكن الالتزام بالجواز في المقام ، وإلّا فمقتضى القاعدة هو المنع. وما ذكره الماتن (قدس سره) أوّلاً لا يصلح دليلاً.

وكيف كان ، قد أورد على هذه الرواية تارة بضعف السند ، وأُخرى بضعف الدلالة.

أمّا الأوّل : فلأن المذكورين في السند وإن كانوا بأجمعهم ثقات ، إلّا أنّ طريق الشيخ (قدس سره) إلى الحسن بن محمد بن سماعة على ما في الفهرست ضعيف بأبي طالب الأنباري وعلي بن محمد بن الزبير (2).

وفيه : أنّ الأمر وإن كان كذلك ، فإنّ طريق الشيخ (قدس سره) في الفهرست إلى الحسن بن محمد بن سماعة ضعيف ، خلافاً لما ادعاه الأردبيلي (قدس سره) من صحّته (3)، إلّا أن ذلك لا يمنع من القول بصحّة الرواية بعد وجود طريق آخر صحيح للشيخ (قدس سره) إلى الحسن بن محمد بن سماعة ، وهو ما ذكره (قدس سره) في المشيخة (4).

والحاصل أنّ صحّة طريقه (قدس سره) في المشيخة إلى الحسن بن محمد بن


1) التهذيب 7 : 191 / 845 ، الوسائل / ج 19 كتاب المضاربة ، ب 11 ح 1.

2) الفهرست ص : 51 52 رقم 193.

3) جامع الرواة 2 : 472.

4) التهذيب 10 : 75 من المشيخة.

.................................................................................................


سماعة ، تكفي في الحكم بصحّة هذه الرواية ، وإن كان طريقه (قدس سره) في الفهرست إليه ضعيفاً.

إذن فالرواية صحيحة من حيث السند.

وأمّا الثاني : فقد أورد على دلالتها بإيرادين :

الأوّل : ما ذكره (قدس سره) في المتن من كونها أجنبية عن محل الكلام ، نظراً لتضمنها الحكم بكون الربح بأجمعه للمالك.

وفيه : ما أفاده (قدس سره) من عدم وجود فرق بين المضاربة وغيرها من هذه الناحية ، فإذا كان التحليل قبل الملكيّة مجوِّزاً لوطء الجارية في غير مال المضاربة لكان مجوِّزاً له في مال المضاربة أيضاً.

الثاني : ما ذكره غير واحد من كونها مضطربة من حيث المفهوم والدلالة ومتروكة أو مهجورة من قبل الأصحاب. وذلك لظهورها في كون الجارية وديعة عنده ، حيث لم يرد فيها ما دلّ على تحليله إياها له ، وهذا المعنى مما يقطع ببطلانه ولم يلتزم أحد بجوازه. ومن هنا فلا بدّ من ردّ علمها إلى أهلها.

وفيه : منع عدم دلالتها على التحليل ، فإنّ كلمة : (تكون معك) ظاهرة فيه ، فإنها بمعنى المصاحبة ، وهي في المقام كناية واضحة عن جواز وطئها باتخاذها زوجة أم أمة محللة له ، على ما يشهد استعمالها في القرآن الكريم فيه.

قال تعالى ( يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ. وَصاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ ) (1).

وقال تعالى ( يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ. وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ. وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ ) (2).

والحاصل أنّ الرواية واردة في المقام ، أعني تحليل الرجل الأمة لغيره قبل أن يملكها.


1) سورة المعارج 70 : 11 12.

2) سورة عبس 80 : 34 36.

وأما وطء المالك لتلك الجارية ، فلا بأس به قبل حصول الربح (1) بل مع الشك فيه ، لأصالة عدمه. وأما بعده ، فيتوقف على إذن العامل ، فيجوز معه ، على الأقوى من جواز إذن أحد الشريكين صاحبه.

[3432] مسألة 43 : لو كان المالك في المضاربة امرأة ، فاشترى العامل زوجها ، فإن كان بإذنها ، فلا إشكال في صحّته (2) وبطلان نكاحها (3) ولا ضمان عليه (4) وإن استلزم ذلك الضرر عليها بسقوط مهرها (1)ونفقتها (5). وإلّا ففي المسألة أقوال :

البطلان مطلقاً ، للاستلزام المذكور ، فيكون خلاف مصلحتها.


وأما دعوى إعراض المشهور عنها ، فقد عرفت منّا غير مرّة أنه لا يوجب رفع اليد عن الرواية وطرحها بعد تمامية سندها.

إذن فما ذهب إليه الماتن (قدس سره) من الجواز هو الصحيح ، حيث لا موجب لرفع اليد عن صحيحة الكاهلي ، وإن كان ما استند إليه (قدس سره) أوّلاً قابلاً للمناقشة.

(1) لاستقلاله حينئذ في ملكيّتها.

(2) بلا خلاف فيها ، كما لو باشرت هي ذلك بنفسها.

(3) ويدلّ عليه مضافاً إلى النصوص العديدة الإجماع وتسالم الأصحاب عليه. وقد تقدّم بيان ذلك مفصَّلاً في المسألة السابعة من فصل نكاح العبيد والإماء من كتاب النكاح ، فراجع.

(4) لصدور الفعل عن إذنها.

(5) أما الأخير فلارتفاع موضوعها ، أعني الزوجية.


1) (*) إنّ الشراء إن كان بعد الدخول فلا إشكال في عدم سقوط المهر ، وإن كان قبل الدخول ففي سقوطه كلام يأتي في المسألة السابعة من نكاح الإماء ، ولعلّ الماتن (قدس سره) أراد هذه الصورة.

والصحّة كذلك ، لأنّه من أعمال المضاربة المأذون فيها في ضمن العقد ، كما إذا اشترى غير زوجها.

والصحّة إذا أجازت بعد ذلك. وهذا هو الأقوى ، إذ لا فرق بين الإذن السابق والإجازة اللّاحقة (1).

فلا وجه للقول الأوّل ، مع أن قائله غير معلوم ، ولعله من يقول بعدم صحّة الفضولي إلّا فيما ورد دليل خاص. مع أن الاستلزام المذكور ممنوع ، لأنها لا تستحقّ النفقة إلّا تدريجاً ، فليست هي مالاً لها فوّته عليها ، وإلّا لزم غرامتها على من قتل الزوج. وأما المهر فإن كان ذلك بعد الدخول فلا سقوط ، وإن كان قبله فيمكن أن يدعى عدم سقوطه أيضاً بمطلق المبطل ، وإنما يسقط بالطلاق فقط (2). مع أنّ


وأمّا الأوّل ، فإن كان ذلك بعد دخوله بها ، فلا إشكال في عدم سقوطه واستقراره به. وإن كان قبله ، ففيه أقوال : السقوط مطلقاً ، وعدمه كذلك ، والتنصيف إلحاقاً له بالطلاق.

وقد عرفت في المسألة السابعة من فصل نكاح العبيد والإماء أن القاعدة تقتضي الثاني. إذ السقوط ينحصر بالفسخ الكاشف عن عدم ثبوت العقد من حينه ، فإلحاق غيره من موجبات البطلان كالرضاع ونحوه به ، يحتاج إلى الدليل وهو مفقود. كما لا وجه لقياسه على الطلاق ، حيث ثبت فيه التنصيف بالدليل التعبدي الخاص.

(1) بناءً على ما هو الصحيح من كون صحّة العقد بالإجازة اللاحقة على القاعدة. وأما لو قلنا بأن صحّته على خلاف القاعدة ، فلا بدّ من الاقتصار في الحكم بصحّة العقد الفضولي على القدر المتيقن منه ، حيث ليس في المقام دليل خاص يقتضي صحّته.

(2) ما أفاده (قدس سره) من سهو القلم جزماً ، إذ لا قائل بسقوط المهر بالطلاق وإنما به ينتصف المهر. وحقّ العبارة أن يبدل كلمة (الطلاق) ب- (الفسخ).

المهر كان لسيِّدها (1) لا لها (1).

وكذا لا وجه للقول الثاني بعد أن كان الشراء المذكور على خلاف مصلحتها لا من حيث استلزام الضرر المذكور (2) بل لأنها تريد زوجها لأغراض أُخر والإذن الذي تضمنه العقد منصرف عن مثل هذا.

ومما ذكرنا ظهر حال ما إذا اشترى العامل زوجة المالك ، فإنه صحيح مع الإذن السابق أو الإجازة اللّاحقة ، ولا يكفيه الإذن الضمني في العقد ، للانصراف.

[3433] مسألة 44 : إذا اشترى العامل من ينعتق على المالك ، فإما أن يكون بإذنه ، أوْ لا.

فعلى الأوّل ، ولم يكن فيه ربح ، صح وانعتق عليه (3) وبطلت المضاربة بالنسبة إليه ، لأنه خلاف وضعها وخارج عن عنوانها ، حيث إنها مبنيّة على طلب الربح المفروض عدمه ، بل كونه خسارة محضة ، فيكون صحّة الشراء من حيث الإذن من المالك ، لا من حيث المضاربة. وحينئذ فإن بقي من مالها غيره بقيت بالنسبة إليه (4) وإلّا بطلت من الأصل (5) وللعامل اجرة عمله إذا لم يقصد التبرع (6).


(1) وهو من سهو القلم أيضاً ، فإنّ الكلام في الحرّة التي يكون زوجها عبداً.

(2) لما عرفت من عدم ثبوته. فإنّ ارتفاع النفقة بعد ارتفاع موضوعها وكونها تدريجياً ، لا يعدّ ضرراً. وسقوط المهر لا نقول به.

(3) جزماً وبلا خلاف فيه ، فإنّه كما يصحّ للمالك مباشرته لشرائهم ، يصحّ له شراؤهم بالواسطة.

(4) لعدم المقتضي للبطلان بالقياس إليه.

(5) لانتفاء موضوعها بذهاب رأس المال بأجمعه.

(6) لاستيفاء المالك عمله المحترم الصادر عن أمره من غير قصد للمجانية والتبرع.


1) (*) مفروض المسألة رقية الزوج دون المرأة ، وعليه فلا موقع لهذا الكلام.

وإن كان فيه ربح ، فلا إشكال في صحّته. لكن في كونه قراضاً فيملك العامل بمقدار حصّته من العبد (1) أو يستحق عوضه على المالك للسراية (2) أو بطلانه مضاربة واستحقاق العامل اجرة المثل لعمله (3) كما إذا لم يكن ربح ، أقوال ، لا يبعد ترجيح الأخير لا لكونه خلاف وضع المضاربة ، للفرق بينه وبين صورة عدم الربح (4) بل لأنه فرع ملكيّة المالك (1)المفروض عدمها (5).

ودعوى أنه لا بدّ أن يقال : إنه يملكه آناً ما ثمّ ينعتق ، أو تقدر ملكيّته حفظاً لحقيقة البيع ، على القولين في تلك المسألة ، وأي منهما كان يكفي في ملكيّة الربح.

مدفوعة بمعارضتها بالانعتاق الذي هو أيضاً متفرع على ملكيّة المالك ، فإن لها أثرين في عرض واحد : ملكيّة العامل للربح والانعتاق ، ومقتضى بناء العتق على التغليب تقديم الثاني. وعليه فلم يحصل للعامل ملكيّة نفس العبد ، ولم يفوِّت المالك عليه أيضاً شيئاً ، بل فعل ما يمنع عن ملكيّته. مع أنه يمكن أن يقال : إن التفويت من الشارع لا منه.

لكن الإنصاف أنّ المسألة مشكلة ، بناءً على لزوم تقدّم ملكيّة المالك وصيرورته للعامل بعده ، إذ تقدّم الانعتاق على ملكيّة العامل عند المعارضة في


(1) وكأنّ الوجه فيه عموم أدلّة المضاربة مع عدم القول بالسراية.

(2) لكون الانعتاق عليه ، فيكون وكأنه هو المعتق له بالمباشرة.

(3) لصدوره عن أمره من غير قصد للتبرع.

(4) إذ مع وجود الربح لا يمكن أن يقال إنه خلاف كونه في مقام الاسترباح.

(5) بل الصحيح في التعليل أن يقال : إنّ عدم استحقاق العامل للحصّة من الربح ناشئ عن عدم تحققه واقعاً في المقام ، وذلك لتوقف ملكيّة العامل لها على كون المعاملة رابحة بالنسبة إلى المالك ، وهو غير متصور فيما نحن فيه ، إذ الملكيّة آناً ما قبل الانعتاق القهري لا يعدّ ربحاً ، كي يقال باستحقاق العامل منه شيئاً.


1) (*) بل لأنّ هذه المعاملة لم يربح المالك فيها لتكون حصّة منه للعامل.

محل المنع (1)(1).

نعم لو قلنا : إنّ العامل يملك الربح أوّلاً بلا توسط ملكيّة المالك بالجعل الأوّلي حين العقد ، وعدم منافاته لحقيقة المعاوضة ، لكون العوض من مال المالك والمعوض مشتركاً بينه وبين العامل كما هو الأقوى (2)- (2) لا يبقى إشكال.


وبعبارة اخرى : إن أدلّة المضاربة لما كانت صريحة في تقسيم الربح بين المالك والعامل على ما اتفقا عليه ، وكان ذلك متوقفاً على صدق الربح وتحققه في الخارج وهو مفقود في المقام ، حيث لا أثر للربح التقديري وإنما العبرة بالربح الفعلي ، فلا مجال لشمولها له.

إذن فالصحيح في التعليل هو نفي تحقق الربح في المقام ، لا نفي تحقق ملكيّة المالك.

(1) وكأنه من جهة أن دليل صحّة المضاربة ملكه للعمودين ، فلا يشمل ما إذا لم يكن ملكه مستقراً حتى مع عدم دليل الانعتاق.

وبعبارة اخرى : إنّ ظاهر دليل الانعتاق هو عدم استقرار ملكه للعمودين على نحو بحيث لولاه لكان مستقراً ، فلا يشمل المقام الذي لا يكون الملك مستقراً حتى ولو فرض عدم الدليل على الانعتاق القهري ، حيث إنّ الحصّة المعيّنة تنتقل إلى ملك العامل بمقتضى قانون المضاربة ، ولا تكون مستقرة في ملك المالك.

وفيه : أنه إنما يتمّ فيما إذا لم نلتزم بكون ملكيّة العامل مترتبة على ربح المالك في المعاملة ، وإلّا فلا وجه للمنع من تقدّم الانعتاق عليها ، نظراً لما عرفت من عدم صدق الربح بالملك التقديري عرفاً مع كفايته في الانعتاق.

ومن هنا تكون أدلّة الانعتاق شاملة للمقام من غير مزاحم ، لعدم شمول أدلّة المضاربة له ، باعتبار أن أساسها مبني على الاسترباح ، وهذه المعاملة خاسرة بالقياس إلى المالك من بادئ الأمر.

(2) بل الأقوى خلافه ، على ما تقدّم بيانه غير مرّة ، باعتبار أنّ حقيقة المعاوضة


1) (*) لا وجه للمنع بعد كون ملكيّة العامل مترتِّبة على ربح المالك في المعاملة.

2) (**) تقدّم أنّ الأقوى خلافه.

فيمكن أن يقال بصحّته مضاربة ، وملكيّة العامل حصّته من نفس العبد على القول بعدم السراية ، وملكيّته عوضها إن قلنا بها.

وعلى الثاني أي إذا كان من غير إذن المالك فإن أجاز فكما في صورة الإذن (1) وإن لم يجز بطل الشراء. ودعوى البطلان ولو مع الإجازة ، لأنه تصرف منهيّ عنه ، كما ترى ، إذ النهي ليس عن المعاملة بما هي ، بل لأمر خارج (2) فلا مانع من صحّتها مع الإجازة.

ولا فرق في البطلان مع عدمها بين كون العامل عالماً بأنه ممن ينعتق على المالك حين الشراء ، أو جاهلاً. والقول بالصحّة مع الجهل ، لأنّ بناء معاملات


والمبادلة بدخول العوض في كيس من خرج منه المعوض وبالعكس ، وإلّا لما كانت معاوضة.

(1) حيث ينتسب العقد بالإجازة إليه ، وحاله في ذلك حال سائر العقود الفضولية. وبذلك يكون كالعقد الصادر عن إذنه السابق ، فيلحقه حكمه حرفاً بحرف.

(2) الصحيح في الجواب أن يقال : إنّ المعاملة الخارجية المفروضة قد تقع على شخص مال المضاربة ، بأن يشتري العامل أبا المالك بعين مال المضاربة. وقد تقع على الذمّة بأن يشتري العامل أبا المالك في ذمّته قاصداً الأداء من مال المضاربة.

أما في الثاني فالحكم واضح ، حيث لا نهي مولوي في البين ولا حرمة شرعية مطلقاً ، بل غاية ما هناك عدم نفوذ المعاملة قهراً على المالك وتوقفها على إذنه.

وأما في الأوّل فالأمر كذلك ، إذ المعاملة بما هي ليست بمحرمة شرعاً ، وإنما المحرم التصرّف في مال الغير بتسليمه إلى البائع بغير إذن المالك.

فالحكم في هذه المعاملة هو الحكم في بيع الغاصب لنفسه ، حيث يتعلق التحريم بتصرفه فيه ولو بإبقاء المال عنده.

إذن فالحرمة في المقام لم تتعلق ، لا بالمعاملة نفسها ، ولا لأمر خارج عنها.

هذا مضافاً إلى ما تقدّم غير مرّة ، من أن النهي حتى ولو كان متعلقاً بعنوان المعاملة لا يوجب الفساد.

العامل على الظاهر ، فهو كما إذا اشترى المعيب جهلاً بالحال ، ضعيف ، والفرق بين المقامين واضح (1).

ثمّ لا فرق في البطلان بين كون الشراء بعين مال المضاربة ، أو في الذمّة بقصد الأداء منه وإن لم يذكره لفظاً.

نعم ، لو تنازع هو والبائع في كونه لنفسه أو للمضاربة قدم قول البائع ، ويلزم العامل به ظاهراً (2) وإن وجب عليه التخلص منه (3). ولو لم يذكر المالك لفظاً ولا قصداً ، كان له ظاهراً وواقعاً (4).


(1) إذ إن أمر الشراء منوط بنظر العامل ، ولما كان شراء المعيب أمراً متعارفاً حيث يتحقق فيه الاسترباح أيضاً ، كان داخلاً تحت عقد المضاربة ومشمولاً لإذن المالك ، غاية ما هناك أنه إذا جهل العيب كان له الخيار في فسخ المضاربة أو أخذ الأرش. وهذا بخلاف المقام ، حيث إنّ شراء من ينعتق على المالك ليس أمراً متعارفاً كي يشمله الإذن ، بعد كون مبنى عقد المضاربة على الاسترباح ، وكون هذه المعاملة متمحِّضة في الخسارة.

(2) لاقتضاء الظهور الحالي ذلك ، حيث إن الظاهر من إقدام كل إنسان على عقد كونه له ، ما لم ينصب القرينة على الخلاف.

(3) لبقائه على ملك مالكه.

إلّا أنه قد يقال بجواز أخذه له مقاصّة ، باعتبار أنه قد أخذ منه الثمن قهراً.

لكنه مدفوع بأن أدلّة التقاصّ مختصّة بما إذا كان المقتصّ منه ظالماً أو مماطلاً ، فلا تشمل المقام ، حيث يكون أخذ البائع للثمن منه بمقتضى الموازين الشرعية.

نعم ، لا بأس بالالتزام بذلك من جهة أنه ليس للبائع الجمع بين الثمن والمثمن معاً وعلى هذا يكون أخذه للثمن مبرزاً لرضاه بتملك العامل للمثمن بإزائه ، فيجوز للعامل التصرّف فيه من هذه الجهة.

(4) لما تقدّم من الظهور الحالي ، حيث يكفي في كونه لنفسه واقعاً إقدامه على الشراء من دون إضافته إلى الغير ، فإنّ إضافته إلى غيره تحتاج إلى مئونة زائدة وبيان.

[3434] مسألة 45 : إذا اشترى العامل أباه أو غيره ممن ينعتق عليه ، فإن كان قبل ظهور الربح ولا ربح فيه أيضاً (1) صحّ الشراء وكان من مال القراض (2).

وإن كان بعد ظهوره أو كان فيه ربح ، فمقتضى القاعدة وإن كان بطلانه (3) لكونه خلاف وضع المضاربة ، فإنها موضوعة كما مر للاسترباح بالتقليب في التجارة ، والشراء المفروض من حيث استلزامه للانعتاق ليس كذلك ، إلّا أن المشهور بل ادّعي عليه الإجماع صحّته. وهو الأقوى في صورة الجهل بكونه ممن ينعتق عليه ، فينعتق مقدار حصّته من الربح منه ، ويسري في البقيّة ، وعليه عوضها (1)للمالك مع يساره ،


(1) الفرق بين الفرضين يكمن في أن الأوّل ناظر إلى الربح السابق على هذا الشراء والمشترك بين المالك والعامل بمقتضى قانون المضاربة ، بحيث يكون العامل قد اشترى من ينعتق عليه من ربح التجارات السابقة. في حين أن الثاني ناظر إلى وجود الربح في نفس هذا الشراء ، بحيث تكون هذه المعاملة بنفسها رابحة.

والحاصل أن مراده (قدس سره) من هذه المقابلة بيان اعتبار عدم كون شراء من ينعتق على العامل من أرباح التجارات السابقة عليه ، وعدم كونه بنفسه تجارة رابحة في الحكم بصحّة هذا الشراء.

(2) لاستقلال المالك في ملكيّة العبد ، إذ لا موجب لاشتراك العامل معه في ذلك ومن ثمّ الحكم بعتقه.

(3) وفيه : أنّ البطلان مبني على القول بالسراية وتغليب جانب العتق مطلقاً ، ومن دون فرق بين صورتي العلم والجهل. إلّا أن الأمر ليس كذلك ، فإنّ صحيحة محمد بن قيس مختصّة بصورة الجهل ولا تشمل صورة العلم ، ومعه فلا يبقى وجه للقول بالسراية مع علم العامل بالحال.

نعم ، ورد في بعض النصوص أنّ عتق أحد الشريكين لحصّته من العبد المشترك موجب لانعتاق الباقي وسراية العتق فيه.


1) (*) لا دليل عليه ، بل الظاهر عدم الفرق بين يساره وإعساره.

.................................................................................................


إلّا أنه أجنبي عن محلّ الكلام ، حيث إنه يختصّ بالعتق الاختياري الناشئ من إنشاء أحد الشريكين له بالنسبة إلى حصّته من العبد المشترك ، فلا مجال للتعدي عنه إلى موارد الانعتاق القهري مطلقاً ، سواء أكان بمقدمات اختيارية كالشراء ، أو غيرها كالإرث.

والحاصل أنّ النص إنما يختص بالعتق الاختياري بالمباشرة ، فلا يشمل موارد الانعتاق القهري حتى ولو كان بمقدمات اختيارية.

ومن هنا يكون مقتضى القاعدة في المقام هو الالتزام بصحّة الشراء مع التبعيض في العتق ، بالقول بانعتاق حصّة العامل ، مع بقاء حصّة المالك على صفته ، أعني كونه مال المضاربة.

على أنا لو التزمنا بالسراية حتى في مورد الانعتاق القهري ، لا سيما بناءً على ما ذكره (قدس سره) من كفاية حصول الربح في البعض الآخر من أموال المضاربة ، كان لازمه بطلان الشراء مضاربة حتى في الفرض الأوّل.

وذلك فإنّ بناء المضاربة كما عرفت إنما هو على الاسترباح ، ولا يتصوّر ذلك في شراء العبد في مفروض الكلام. فإنه إما أن لا يكون بعد ذلك زيادة في قيمة العبد ولا في غيره من أموال المضاربة ، وإما أن يكون ذلك ، وعلى التقديرين لا يكون ربح في هذه المعاملة. أما على الأوّل فواضح ، وكذا على الثاني ، فإنّ حصّة العامل من الربح في العبد ينعتق عليه ، ويسري العتق إلى الباقي فيكون خسارة على المالك ، ومعه كيف يمكن أن يقال إنه يصح الشراء ويكون من مال القراض؟.

وبالجملة إن القول ببطلان الشراء مضاربة بحسب القاعدة في مفروض كلامه (قدس سره) ، إنما يتمّ بناءً على القول بالسراية مطلقاً ، حيث يكون الشراء حينئذ متمحضاً في الخسارة ، وأساس المضاربة على الاسترباح. وأما بناءً على ما هو الصحيح من اختصاص السراية بالعتق الاختياري بالمباشرة ، فلا وجه للحكم بالبطلان فيما نحن فيه ، حيث يكون الانعتاق قهرياً.

ثمّ إنّ مما ذكرنا يظهر أنّ أساس المضاربة وإن كان على الاسترباح ، إلّا أنه يكفي فيها إمكان استرباح المالك ، وإن حصل الجزم بعدم حصول الربح للعامل.

ويستسعي العبد فيه مع إعساره (1).

لصحيحة ابن أبي عمير عن محمد بن قيس عن الصادق (عليه السلام) ، في رجل دفع إلى رجل ألف درهم مضاربة فاشترى أباه وهو لا يعلم ، قال (عليه السلام) : «يقوّم ، فإن زاد درهماً واحداً انعتق ، واستسعى في مال الرجل». وهي مختصة بصورة الجهل المنزل عليها إطلاق كلمات العلماء أيضاً.

واختصاصها بشراء الأب لا يضرّ ، بعد كون المناط كونه ممن ينعتق عليه (2). كما أن اختصاصها بما إذا كان فيه ربح لا يضرّ أيضاً ، بعد عدم الفرق بينه وبين الربح السابق (3). وإطلاقها من حيث اليسار والإعسار في الاستسعاء أيضاً منزَّل على الثاني ، جمعاً بين الأدلّة (1)(4).


هذا كلّه بالنسبة إلى ما تقتضيه القاعدة في المقام ، إلّا أنه لا بدّ من الخروج عنها في خصوص فرض الجهل من المقام ، حيث دلّت صحيحة محمد بن قيس على السراية فيه.

(1) لا دليل على ما أفاده (قدس سره) من التفصيل. فإنّ صحيحة محمد بن قيس مطلقة ، ومقتضاها سعاية العبد في عوض حصّة المالك ، سواء أكان العامل موسراً أم معسراً. وسيأتي مزيد بيان عند تعرضه (قدس سره) له ثانياً في هذه المسألة.

(2) إذ العبرة إنما هي بمالكيّة العامل ، ومن حيث إنه لا يمكن أن يكون مالكاً له ملكيّة مستقرة.

(3) ظهر وجهه مما تقدّم في التعليقة السابقة. فإنّ العبرة إنما هي بمالكيّة المالك حيث إنّ الموجب للانعتاق هو دخول العبد في ملكه. ولا فرق في ذلك بين حصول الربح في نفس الشراء ، أو شرائه من الربح الحاصل سابقاً.

(4) وفيه : أنه لا تعارض بين الأدلّة كي يحتاج إلى الجمع بينها بما ذكر ، فإنّ أدلّة التفصيل مختصة بعتق الشريك حصّته من العبد المشترك اختياراً ، فلا تشمل موارد الانعتاق القهري. ومن هنا فيتعين العمل في هذه الموارد بإطلاق صحيحة محمد بن


1) (*) لا دليل على ضمان العامل مع يساره في مفروض الكلام ، والدليل على التفصيل يختص بعتق الشريك حصّته من العبد اختياراً.

هذا ولو لم يكن ربح سابق ، ولا كان فيه أيضاً ، لكن تجدّد بعد ذلك قبل أن يباع ، فالظاهر أنّ حكمه أيضاً الانعتاق والسراية ، بمقتضى القاعدة (1)(1). مع إمكان دعوى شمول إطلاق الصحيحة أيضاً للربح المتجدِّد فيه ، فيلحق به الربح (2)الحاصل من غيره ، لعدم الفرق (2).


قيس ، الدال على استسعاء العبد في عوض حصّة المالك في الفرضين ، حيث لا موجب لرفع اليد عنه.

(1) لكنك قد عرفت أنّ القاعدة لا تقتضي السراية في المقام ، وإنها إنما تقتضي السراية في خصوص موارد العتق بالمباشرة.

نعم ، دعوى شمول صحيحة محمد بن قيس له غير بعيدة. فإنّ مقتضى إطلاق قوله (عليه السلام) فيها : «يقوّم ، فإن زاد درهماً واحداً انعتق ، واستسعى في مال الرجل» عدم اختصاص التقويم بزمان البيع ، بل متى ما قوم وكانت قيمته زائدة ولو بدرهم عن قيمة شرائه بحيث كان العامل شريكاً فيه ، انعتق وسرى العتق.

والحاصل أن العبرة على ما يستفاد من الصحيحة ، إنما هي بشركة العامل للمالك في العبد في أي زمان تحققت.

(2) ما أفاده (قدس سره) مبني على اشتراك العامل مع المالك في جميع أموال المضاربة ، لا في خصوص ما يكون فيه ربح.

إلّا أنه لم يثبت بدليل ، بل ينافيه إطلاق مفهوم صحيحة محمد بن قيس المتقدِّمة حيث إنّ مقتضاه عدم انعتاق الأب إذا لم تزد قيمته ، حتى ولو زادت قيمة سائر أموال المضاربة.

ثمّ إنّه لو انعكس الأمر ، بأن حصلت النقيصة في سائر أموال المضاربة ، فهل يمنع ذلك من انعتاق الأب عند ظهور الربح فيه بخصوصه ، أم لا؟


1) (*) في كون ذلك بمقتضى القاعدة إشكال بل منر. نعم لا يبعد شمول الصحيحة للمقام.

2) (**) في الإلحاق إشكال ، بل منز. بعد عدم شمول النص لذلك.

[3435] مسألة 46 : قد عرفت أن المضاربة من العقود الجائزة ، وأنه يجوز لكل منهما الفسخ (1) إذا لم يشترط لزومها (2) في ضمن عقد لازم ، بل أو في ضمن


الصحيح في المقام هو التفصيل : فإنّ الخسارة إما أن تكون سابقة على الربح ، أو مقارنة له ، أو متأخرة عنه.

ففي الأوليين ، لا ينبغي الشكّ في عدم الانعتاق إذا لم يكن الربح الحاصل فيه زائداً عن الخسارة الحاصلة ، فإنّ الصحيحة منصرفة عن هذا جزماً ، إذ الانعتاق إنما هو بملاك ملكيّة العامل لجزء من أبيه. ومن الواضح أنّه مع فرض الخسران السابق يكون الربح وبمقتضى قانون المضاربة بإزائه ، ولا شي‌ء للعامل كي ينعتق عليه.

نعم ، لو زاد الربح عن الخسران السابق ، كان للعامل حصّته من الزيادة وينعتق الأب عليه ، على ما تقدّم تفصيله.

وأما في الفرض الثالث ، فلا إشكال في كون الربح السابق جابراً للخسران اللاحق ، لما عرفت من كون الملاك في صدق الربح وعدمه مجموع المعاملات لا خصوص كل معاملة على حدّه.

إلّا أنّ هذا لا يكشف عن عدم تحقق العتق من الأوّل ، فإنّه متحقق ، غايته أنه يجب على العامل تدارك الخسارة اللاحقة من سائر أمواله. فيكون المقام من قبيل طرو الخسارة بعد إتلاف العامل لما ملكه من الربح.

ومما يدلّ على ما ذكرناه إطلاق صحيحة محمد بن قيس المتقدِّمة ، حيث إنّ مقتضاه تحقق الانعتاق عند ظهور الربح فيه ، سواء طرأت الخسارة بعد ذلك على المضاربة أم لم تطرأ.

(1) تقدّم الكلام فيه في المسألة الثانية. وقد عرفت أنّ جواز الفسخ إنما هو بالنسبة إلى ما يأتي من المعاملات ، لا بالنسبة إلى ما سبق منها ، فإنها بالنسبة إليها لازمة ولا بدّ لها من العمل على وفق ما اتفقا عليه ، فليس للمالك فسخ العقد وأخذ الربح كله في قبال إعطاء أُجرة المثل.

(2) قد عرفت في المسألة الثانية ، أنّ اشتراط اللزوم إنما ينفع فيما إذا كان على نحو

عقدها أيضاً (1). ثمّ قد يحصل الفسخ من أحدهما. وقد يحصل البطلان والانفساخ لموت أو جنون ، أو تلف مال التجارة بتمامها ، أو لعدم إمكان التجارة لمانع ، أو نحو ذلك.

فلا بدّ من التكلم في حكمها من حيث استحقاق العامل للأُجرة وعدمه ، ومن حيث وجوب الإنضاض عليه وعدمه إذا كان بالمال عروض ، ومن حيث وجوب الجباية عليه وعدمه إذا كان به ديون على الناس ، ومن حيث وجوب الردّ إلى المالك وعدمه ، وكون الأُجرة عليه أوّلاً.

فنقول : إما أن يكون الفسخ من المالك أو العامل ، وأيضاً إما أن يكون قبل الشروع في التجارة أو في مقدماتها أو بعده ، قبل ظهور الربح أو بعده ، في الأثناء أو بعد تمام التجارة ، بعد إنضاض الجميع أو البعض أو قبله ، قبل القسمة أو بعدها. وبيان أحكامها في طي مسائل.

[3436] الأُولى : إذا كان الفسخ أو الانفساخ ولم يشرع في العمل ولا في مقدماته ، فلا إشكال ولا شي‌ء له ولا عليه (1). وإن كان بعد تمام العمل والإنضاض فكذلك. إذ مع حصول الربح يقتسمانه. ومع عدمه لا شي‌ء للعامل ولا عليه إن حصلت خسارة ، إلّا أن يشترط المالك كونها بينهما ، على الأقوى من صحّة هذا الشرط (2)(2) أو يشترط العامل على المالك شيئاً إن لم يحصل


شرط الفعل ، أعني اشتراط عدم إعمال سلطنته على الفسخ. وأما إذا كان على نحو شرط النتيجة ، بأن يكون العقد لازماً ولا يكون له حقّ الفسخ ، بمعنى أن لا يملك الفسخ ، فهو فاسد ومفسد للعقد أيضاً.

(1) لعدم المقتضي له.

(2) بل الأقوى هو التفصيل بين شرط النتيجة وشرط الفعل.


1) (*) مرّ الكلام فيه [في المسألة 3391].

2) (**) فيه تفصيل قد تقدّم [في المسألة 3393].

ربح (1). وربّما يظهر من إطلاق بعضهم ثبوت اجرة المثل مع عدم الربح. ولا وجه له أصلاً ، لأن بناء المضاربة على عدم استحقاق العامل لشي‌ء سوى الربح على فرض حصوله (2) كما في الجعالة.

[3437] الثانية : إذا كان الفسخ من العامل في الأثناء قبل حصول الربح ، فلا اجرة له لما مضى من عمله. واحتمال استحقاقه لقاعدة الاحترام ، لا وجه له أصلاً (3). وإن كان من المالك ، أو حصل الانفساخ القهري ،


ففي الأوّل : كما لو اشترط عليه كون بعض الخسارة في عهدته ، يبطل لأنه ليس بمشرع ، ومضمونه مخالف للسنة الدالة على عدم ضمان الأمين.

وفي الثاني : كما لو اشترط عليه أن يعطيه شيئاً من أمواله ، يصح حيث لا محذور فيه ، لأنه وبحد نفسه فعل سائغ ، فإذا وقع متعلقاً للشرط وجب الوفاء به ، ومجرّد كونه في ضمن عقد جائز لا يمنع من وجوب العمل به ، لما عرفت من كونه لازماً بالنسبة إلى ما مضى من المعاملات.

نعم ، له رفع اليد عن العقد بالقياس إلى ما يأتي ، فيرتفع معه موضوع وجوب الوفاء.

وقد تقدّم تفصيل الكلام في المسألة الرابعة ، فراجع.

(1) على التفصيل المتقدِّم.

(2) ومعه فلا تشمله قاعدة احترام عمل المسلم ، لأنه الذي فوّت على نفسه ذلك حيث أقدم على العمل مجاناً عند عدم الربح.

(3) فإنّ القاعدة لا تقتضي الضمان. فإنّ معنى احترام عمل المسلم إنما هو عدم جواز جبره على شي‌ء بلا مقابل ومجاناً ، فلا تشمل المقام حيث يكون العمل صادراً منه باختيار رجاءً للربح. على أنّ القاعدة لو اقتضت الضمان في حدّ نفسها فلا تقتضيه في المقام ، باعتبار أنّ العامل هو الذي فوَّت على نفسه الربح بفسخه لعقد المضاربة.

ففيه قولان (1) أقواهما العدم أيضاً ، بعد كونه هو المقدم على المعاملة الجائزة التي مقتضاها عدم استحقاق شي‌ء إلّا الربح ، ولا ينفعه بعد ذلك كون إقدامه من حيث البناء على الاستمرار.


ودعوى اقتضاء الأمر له ، حيث إنّ العمل قد صدر عن أمره واستوفى هو منفعته.

مدفوعة بأنها إنما تتمّ لو كان الآمر قد التزم على نفسه بشي‌ء غير الحصّة من الربح ، فلا تعمّ المقام ، حيث لم يلتزم الآمر بدفع شي‌ء بإزاء العمل سوى الحصّة من الربح على تقدير ظهوره.

ومن هنا فيكون العامل في فرض عدمه ومن غير هذه الجهة ، متبرعاً ومقدماً على العمل مجاناً.

(1) ظاهر كلامه (قدس سره) اختيار بعض الأصحاب للضمان حتى في فرض الانفساخ القهري ، إلّا أننا لم نعثر على قائل به ، حيث لم ينسب إلى أحد من الأصحاب.

وكيف كان ، فالحكم فيه واضح ، لعين ما تقدّم في فسخ العامل ، حيث لا موجب للضمان. وتوهم اقتضاء قاعدة الاحترام ، أو صدوره عن أمره له ، مدفوع بما تقدّم.

نعم ، في فرض الفسخ من قبل المالك ، ذهب جماعة من الأصحاب إلى الضمان من أجل التفويت ، حيث فوَّت المالك بفسخه للعقد الربح على العامل ، فيجب عليه أداء أقلّ الأمرين ، من اجرة المثل والربح المترقب من التجارات الآتية.

وفيه : أنه لا دليل على الضمان عند التفويت والمنع عن الاسترباح ، فإنه إنما يترتب على إتلاف المال الموجود بالفعل أو الاستيلاء عليه ، فلا يعمّ ما ليس بمال بالفعل ، وإنما يترقب أن يكون كذلك في المستقبل.

على أنه من التفويت بحقّ ، لبناء عقد المضاربة عليه ، لأنه عقد جائز ، فيكون من قبيل الشرط في ضمن العقد ، ومعه فلا موجب للضمان بعد إقدام العامل عليه.

[3438] الثالثة : لو كان الفسخ من العامل بعد السفر بإذن المالك وصرف جملة من رأس المال في نفقته ، فهل للمالك تضمينه مطلقاً ، أو إذا كان لا لعذر منه؟ وجهان أقواهما العدم (1)(1) لما ذكر من جواز المعاملة وجواز الفسخ في كل وقت ، فالمالك هو المقدم على ضرر نفسه.

[3439] الرابعة : لو حصل الفسخ أو الانفساخ قبل حصول الربح وبالمال عروض ، لا يجوز للعامل التصرّف فيه بدون إذن المالك (2) ببيع ونحوه ، وإن احتمل تحقّق الربح بهذا البيع ، بل وإن وجد زبون يمكن أن يزيد في الثمن فيحصل


(1) فيه إشكال بل منع. وذلك لأن إعطاء المالك للمال إلى العامل والإذن له في صرفه خارج عن العقد بينهما ، وإنما العامل يصرف ذلك المال بإذن المالك في مقدمات العقد الذي يقصد به الاسترباح. إلّا أنّ الظاهر كون إعطاء المالك للمال والإذن في التصرّف فيه ، مشروطاً بشرط متأخر وهو تحقق التجارة الخارجية.

وبعبارة اخرى : إنّ دفع المالك للمال إليه والإذن في التصرّف له لم يكن مطلقاً ، وإنما هو مقيّد بحصول التجارة بعد ذلك. ومن هنا فإذا لم يحصل الشرط ، لم يكن صرفه مأذوناً فيه ، وبذلك فيكون ضامناً لإتلافه مال غيره بغير إذنه.

ولا يبعد أن يكون هذا من المرتكزات الأوّلية في باب المضاربة وغيرها ، كإرسال الرسل والمبعوثين. فإنه هل يمكن أن يقال بعدم ضمانهم لما صرفوه في سفرهم مع عدم قيامهم بما كلفوا به من مهام ، بدعوى أنه كان بإذنه؟ كلّا ، فإنّ الإذن في ذلك مقيد بانتهاء السفر إلى العمل المعيّن ، فعدمه يكشف عن عدم الإذن لا محالة.

نعم ، ما أفاده (قدس سره) إنما يتمّ لو كان الفسخ من قبل المالك ، أو حصل الانفساخ القهري ، حيث لا موجب للقول بضمان العامل ، باعتبار أنه لم يلتزم بشي‌ء في صرفه للمال ، ولم يقصر في شي‌ء مما هو عليه بعد أن كان الصرف بإذن المالك.

(2) لكونه بأكمله ملكاً للمالك ، وقد ارتفع إذنه في التصرّف بالفسخ أو الانفساخ.


1) (*) في القوّة إشكال ، والاحتياط لا يترك.

الربح (1).

نعم ، لو كان هناك زبون بانٍ على الشراء بأزيد من قيمته ، لا يبعد جواز إجبار المالك على بيعه منه ، لأنه في قوّة وجود الربح فعلاً. ولكنه مشكل مع ذلك ، لأن المناط كون الشي‌ء في حدّ نفسه زائد القيمة (2) والمفروض عدمه.

وهل يجب عليه البيع والإنضاض إذا طلبه المالك ، أو لا؟ قولان ، أقواهما عدمه (3). ودعوى أن مقتضى قوله (عليه السلام) : «على اليد ما أخذت حتى تؤدّي» (1)وجوب ردّ المال إلى المالك كما كان ، كما ترى (4).


(1) لما تقدّم من كونه تصرفاً في مال الغير ، فلا يجوز إلّا بإذنه.

(2) وبعبارة اخرى : إنّ الملاك في اشتراك العامل للمالك إنما هي الزيادة في المال والعبرة فيها إنما هي بارتفاع القيمة السوقية ، ولا يكفي فيها وجود مشترٍ يشتري المال بأكثر من قيمته السوقية ، فإنه لا يوجب زيادة في مال المضاربة ، كما لا يخفى.

على أنه سيأتي في المسألة القادمة من هذه المسائل ، أنه لو حصل الفسخ أو الانفساخ وكان في المال عروض تزيد قيمته على رأس المال ، فليس للعامل إجبار المالك على بيع العروض وإن كان شريكاً له في ذلك ، وإنما له إجباره على القسمة خاصة ، نظراً إلى أنّ جواز التصرّف في مال الغير بغير إذنه يحتاج إلى الدليل. وهو مفقود.

فإذا كان الحال هذا في فرض وجود الربح بالفعل ، فعدم الجواز في فرض عدمه يكون بطريق أولى.

(3) لعدم الدليل عليه.

(4) إذ مع الإغماض عن سندها ، والمناقشة في صدق الأخذ على مثل المقام بدعوى انصرافه إلى ما يكون بالقهر ، فهو غير شامل لما نحن فيه ، لأنه إنما يجب على


1) (*) المستدرك 14 : 7 كتاب الوديعة باب 1 ح 12، عوالي اللآلي ج 2 : 344 ح 9.

[3440] الخامسة : إذا حصل الفسخ أو الانفساخ بعد حصول الربح ، قبل تمام العمل أو بعده ، وبالمال عروض. فإن رضيا بالقسمة كذلك ، فلا إشكال (1).

وإن طلب العامل بيعها ، فالظاهر عدم وجوب إجابته (2) وإن احتمل ربح فيه خصوصاً إذا كان هو الفاسخ.

وإن طلبه المالك ، ففي وجوب إجابته وعدمه وجوه ، ثالثها التفصيل بين صورة كون مقدار رأس المال نقداً فلا يجب ، وبين عدمه فيجب ، لأن اللازم تسليم مقدار رأس المال كما كان ، عملاً بقوله (عليه السلام) : «على اليد ...».

والأقوى عدم الوجوب مطلقاً (3) وإن كان استقرار ملكيّة العامل للربح موقوفاً على الإنضاض ولعله يحصل الخسارة بالبيع ، إذ لا منافاة (4). فنقول : لا يجب عليه الإنضاض بعد الفسخ ، لعدم الدليل عليه. لكن لو حصلت الخسارة


العامل ردّ ما أخذه بعينه ما دام هو باقياً في ملكه ، وأما إذا خرج عنه بإذن المالك فلا يجب عليه ردّه بعينه جزماً ، بل غاية ما يجب عليه هو ردّ بدله. فهو كمن غصب الدار ثمّ باعها بإذن المالك ، حيث لا يجب عليه إلّا ردّ الثمن خاصة.

(1) لاشتراكهما في المال ، فالحقّ لا يعدوهما.

(2) فإنّ المالك مسلّط على ماله ، غاية الأمر أنّ للعامل مطالبته بحصّته من الربح فيعطيه المالك من أمواله ، أو يطالبه بالقسمة فيأخذ من العروض.

(3) نظراً لانتفاء عقد المضاربة ، وعدم الدليل على الوجوب.

وقاعدة اليد مضافاً إلى قصور سندها ، لا دلالة لها على الوجوب في المقام ، فإنّ الواجب إنما هو ردّ مال الغير إليه ، سواء أكان عروضاً أم غيره.

وبعبارة اخرى : إنّ المعاملات الصادرة من العامل لما كانت بإذن المالك ، كانت موجبة لتبدّل مال المالك لدى العامل من النقد إلى العروض ، فهي التي تكون مال المالك بالفعل. ومن هنا فإلزامه بتبديله إلى النقد ثانياً ، يحتاج إلى الدليل وهو مفقود.

(4) لما عرفت من أن مقتضى عقد المضاربة وصول رأس المال إلى المالك ، على أن

بعده قبل القسمة ، أو بعدها ، يجب جبرها (1)(1) بالربح ، حتى أنه لو أخذه يسترد منه.

[3441] السادسة : لو كان في المال ديون على الناس ، فهل يجب على العامل أخذها وجبايتها بعد الفسخ أو الانفساخ ، أم لا؟

وجهان ، أقواهما العدم (2)(2) من غير فرق بين أن يكون الفسخ من العامل أو المالك.


يكون الزائد عنه مشتركاً بينه وبين العامل. ومن هنا فلو حصل تلف في المال كان محسوباً على العامل والمالك حتى بعد تمامية المضاربة ما لم يصل رأس المال إلى المالك وهذا لا يستلزم بالطبع لزوم إجابة العامل له في طلب البيع ، كما هو واضح.

(1) تقدّم فيما مضى أنّ جبر الخسارة بالربح إنما يكون قبل الفسخ أو الانفساخ. وأما بعدها فلا ، لا سيما بعد تحقق القسمة ، لانتهاء عقد المضاربة ووصول رأس المال إلى المالك ، فيكون إثباته محتاجاً إلى الدليل وهو مفقود.

وبعبارة اخرى : إنّه لا وجه لجبر الخسارة بعد الفسخ أو الانفساخ فضلاً عن القسمة بالربح السابق ، بعد وصول كلّ من الحصّتين إلى مالكها وتملّكه لها مستقلا وبعينه.

(2) بل الوجوب ، على ما هو المشهور. وذلك لابتناء عقد المضاربة من الأوّل على تسليم العامل لما أخذه من المالك إليه ، فإنه أمر مفروغ عنه في عقدها. ومن هنا فيكون من الشرط في ضمن العقد ، فيجب عليه الوفاء به ، وليس له إرجاع المالك على المدينين.

وبالجملة فتسليم العامل للمال إلى المالك أمر مفروغ عنه في عقد المضاربة ، فيجب عليه الوفاء به ، وردّ ما أخذه منه ، ثمّ إن كان ربح فهو مشترك معه فيه.


1) (*) فيه إشكال ولا سيما إذا كانت الخسارة بعد القسمة.

2) (**) فيه إشكال ، والوجوب إن لم يكن أقوى فهو أحوط.

[3442] السابعة : إذا مات المالك أو العامل ، قام وارثه مقامه (1)فيما مرّ من الأحكام (1).

[3443] الثامنة : لا يجب على العامل بعد حصول الفسخ أو الانفساخ ، أزيد من التخلية بين المالك وماله ، فلا يجب عليه الإيصال إليه.

نعم ، لو أرسله إلى بلد آخر غير بلد المالك ولو كان بإذنه ، يمكن دعوى


(1) في إطلاقه إشكال ، بل منع. إذ لا دليل على قيام الوارث مقام الميت في جميع الأُمور وبقول مطلق ، وإنما المنتقل إليه خصوص ما تركه من الأموال والحقوق القابلة للانتقال ، بحيث لا تكون متقومة بشخص خاص ، وهو مما لا خلاف فيه.

ومن هنا فلا بدّ من ملاحظة الأحكام المتقدِّمة ، لتشخيص ما تنطبق عليه هذه الضابطة ، فنقول :

أما إلزام المالك للعامل بتحصيل الديون بعد حصول الفسخ أو الانفساخ ، فالظاهر عدم كونه من الحقوق ، وإنما هو حكم مترتب على الملك ، من باب تسلط المالك على ماله ووجوب ردّ الأمانة إلى أهلها. ومن هنا فإذا مات المالك وانتقل المال إلى ورثته كان لكل منهم مطالبة العامل بردّ حصّته منه إليه ، حتى مع فرض رضى غيره ببقاء حصّته ديناً في ذمّة المديون.

ولو كان هذا حقاً لما وجب على العامل في الفرض شي‌ء ، إذ الحقّ أمر واحد بسيط ثابت لمجموع الورثة من حيث المجموع ، فلا يقبل التجزئة ، لعدم ثبوته للبعض بخصوصه.

نعم ، لو قلنا بأنّ المالك له إجبار العامل على بيع العروض بعد الفسخ بالاشتراط ، كان لهم جميعاً إجباره على ذلك ، لأن حق الشرط قابل للانتقال ، فلا مانع من الالتزام به بالنسبة إلى الوارث أيضاً.


1) (*) في إطلاقه إشكال بل منر. وإنّما المنتقل إلى الوارث هو المال أو الحق القابل للانتقال دون غيرهما.

وجوب الردّ إلى بلده (1)(1). لكنه مع ذلك مشكل ، وقوله (عليه السلام) : «على اليد ما أخذت» أيضاً لا يدلّ على أزيد من التخلية. وإذا احتاج الردّ إليه إلى الأُجرة فالأُجرة على المالك (2) كما في سائر الأموال.

نعم ، لو سافر به بدون إذن المالك إلى بلد آخر ، وحصل الفسخ فيه ، يكون حاله حال الغاصب في وجوب الرد والأُجرة (3) وإن كان ذلك منه للجهل بالحكم الشرعي ، من عدم جواز السفر بدون إذنه.


وأما حق العامل في بيع المتاع بعد الفسخ بناءً على القول به ، فهو حكم تكليفيّ محض يختصّ به ، فلا يقبل الانتقال إلى ورثته.

والحاصل أنّ ما أفاده الماتن (قدس سره) لا يمكن المساعدة عليه ، لأن المنتقل إلى الوارث ينحصر في المال والحقوق القابلة للانتقال ، وهي لجميعهم لا لكل فرد فرد. وأما الحكم فهو يختص به ، ولا ينتقل إلى الوارث.

(1) وهذا القول هو الصحيح ، والإشكال عليه في غير محلّه.

وذلك لأن الإذن في الإرسال لم يكن مطلقاً ، فإنه إنما أذن فيه للاتجار على ما يقتضيه عقد المضاربة وهذا يعني لزوم ردّه إلى المالك نقداً أو عروضاً بعد الاتجار به أوْ لا معه ، فهو مفروض في عقد المضاربة.

ومن هنا فإذا فسخ العقد ، كان مقتضى كون المال أمانة عنده ، واقتضاء عقد المضاربة للردّ ، لزوم الردّ إليه.

نعم ، لو رضي المالك ببقاء ماله في ذلك البلد ، فليس للعامل إرجاعه ، لكونه مسلطاً على ماله ، فلا يجوز التصرّف فيه بغير إذنه ، كما هو ظاهر.

(2) لعدم الموجب لإلزام العامل بشي‌ء من الأُجرة ، بعد فسخ المضاربة وكون المال أمانة في يده.

(3) على ما تقتضيه قاعدة اليد والضمان.


1) (*) الظاهر صحّة هذه الدعوى.

[3444] مسألة 47 : قد عرفت أنّ الربح وقاية لرأس المال ، من غير فرق بين أن يكون سابقاً على التلف أو الخسران أو لاحقاً ، فالخسارة تجبر بالربح اللاحق ، وبالعكس (1).

ولا يلزم أن يكون الربح حاصلاً من مجموع رأس المال ، وكذا لا يلزم أن تكون الخسارة واردة على المجموع. فلو اتّجر بجميع رأس المال فخسر ، ثمّ اتّجر ببعض الباقي فربح ، يجبر ذلك الخسران بهذا الربح. وكذا إذا اتّجر بالبعض فخسر ثمّ اتّجر بالبعض الآخر أو بجميع الباقي فربح. ولا يلزم في الربح أو الخسران أن يكون مع بقاء المضاربة حال حصولها ، فالربح مطلقاً جابر للخسارة (1)والتلف مطلقاً (2) ما دام لم يتمّ عمل المضاربة.

ثمّ إنّه يجوز للمالك أن يستردّ بعض مال المضاربة في الأثناء (3)


(1) على ما يقتضيه عقد المضاربة ، حيث قد عرفت أنّ مقتضاه كون رأس المال محفوظاً ، بمعنى إرجاعه إلى المالك والاشتراك في الربح خاصة.

(2) قد عرفت فيما تقدّم أنّ جبر الخسران بالربح إنما يختص بفرض بقاء عقد المضاربة. وأما بعد ارتفاعه ، واستقرار ملكيّة كل من المالك والعامل على ماله وحصّته فلا وجه للتدارك بالمرّة.

(3) فإنّه ماله وملكه ، والعقد جائز ، فله التصرّف فيه كيفما يشاء.

والإشكال عليه بأنّ العقد الواحد كيف يجوز فسخه في بعضه دون بعض ، والحال أنّه لم يلتزم الفقهاء به في باب الخيارات.

مدفوع بالفرق بين المقامين.

إذ الجواز قد يكون حقّياً كالخيارات ، حيث يكون العقد بطبعه الأوّلي لازماً ، لكن الشارع يجعل الخيار لهما أو لأحدهما ، ابتداءً كخيار المجلس ، أو إمضاءً لجعل البائعين كخيار الشرط.


1) (*) قد تقدّم أنّ الربح إنّما يكون جابراً إذا كانت المضاربة باقية ، ومع عدم بقائها قد استقرّت ملكيّة كل من المالك والعامل ولا وجه للجبر.

ولكن تبطل بالنسبة إليه ، وتبقى بالنسبة إلى البقية (1) وتكون رأس المال. وحينئذٍ فإذا فرضنا أنه أخذ بعد ما حصل الخسران أو التلف بالنسبة إلى رأس المال مقداراً من البقيّة ، ثمّ اتّجر العامل بالبقية أو ببعضها ، فحصل ربح ، يكون ذلك الربح جابراً للخسران أو التلف السابق بتمامه (2).

مثلاً إذا كان رأس المال مائة فتلف منها عشرة أو خسر عشرة وبقي تسعون ثمّ أخذ المالك من التسعين عشرة وبقيت ثمانون ، فرأس المال تسعون. وإذا اتّجر


وقد يكون حكمياً ، حيث يكون العقد بطبعه الأوّلي جائزاً ، كالهبة والوديعة والعارية والمضاربة إلى غيرها من العقود الجائزة.

ففي الأوّل حيث إنّ ظاهر الدليل تعلّق الخيار بالعقد على ما وقع عليه لا أبعاضه بما هي ، فليس لمن له الخيار التبعيض ، بل أما أن يفسخ في الجميع أو يلتزم به ، فإنّ الإنشاء واحد وإن كان البيع منحلا إلى بيوع متعددة ، وظاهر دليل الخيار ثبوت الحقّ له في فسخ ما أنشأ. ومن هنا فلا يجوز له التبعيض.

وبالجملة فدليل الخيار قاصر الشمول للفسخ في البعض خاصة.

وهذا بخلاف الثاني ، فإنّ العقد لما كان منحلا إلى عقود متعددة ، كان جواز الفسخ في البعض على القاعدة ، فإنّ كل عقد من هذه العقود جائز في حدّ نفسه ، وله الفسخ بأيّ مقدار شاء ، لإطلاق الدليل.

والحاصل أنّ قياس ما نحن فيه على باب الخيارات ، قياس مع الفارق. فإنّ العقد في المقام جائز في حدّ نفسه ، والمالك مسلط على ماله ، غاية الأمر أنه أذِن للغير في التصرّف فيه ، فله رفع إذنه في أي مقدار منه شاء ، كما هو الحال في الوكالة.

(1) قد عرفت وجهه مما تقدّم.

(2) لأن عقد المضاربة من الأوّل مبني على وصول رأس المال المدفوع إلى العامل بتمامه إلى المالك ومن دون ورود أي نقص عليه مع فرض ما يمكنه جبره ، سواء أكانت التجارة بجميع رأس المال أم بعضه.

بالثمانين فصار تسعين ، فهذه العشرة الحاصلة ربحاً تجبر تلك العشرة ، ولا يبقى للعامل شي‌ء.

وكذا إذا أخذ المالك بعد ما حصل الربح مقداراً (1)من المال (1) سواء كان بعنوان استرداد بعض رأس المال ، أو هو مع الربح ، أو من غير قصد إلى أحد الوجهين. ثمّ اتجر العامل بالباقي أو ببعضه ، فحصل خسران أو تلف ، يجبر بالربح السابق بتمامه ، حتى المقدار الشائع منه في الذي أخذه المالك ، ولا يختصّ الجبر بما عداه ، حتى يكون مقدار حصّة العامل منه باقياً له.

مثلاً إذا كان رأس المال مائة فربح عشرة ، ثمّ أخذ المالك عشرة ، ثمّ اتّجر العامل بالبقية فخسر عشرة أو تلف منه عشرة ، يجب جبره بالربح السابق حتى المقدار الشائع منه في العشرة المأخوذة ، فلا يبقى للعامل من الربح السابق شي‌ء.

وعلى ما ذكرنا فلا وجه لما ذكره المحقق وتبعه غيره ، من أن الربح اللّاحق لا يجبر مقدار الخسران الذي ورد على العشرة المأخوذة ، لبطلان المضاربة بالنسبة


وبعبارة اخرى : إنّ مقتضى أصل عقد المضاربة رجوع ما يدفعه المالك بعنوان رأس المال إليه من غير نقص فيه ، حتى ولو لم تكن التجارة بكل ذلك المال ، بل ومع الفسخ في بعضه وانحصار المضاربة في الباقي ، لأنه لا يعني عدم كون المضاربة الأصلية مبنيّة على رجوع رأس المال بتمامه إليه ، حتى على تقدير استرداده للبعض.

(1) وفيه ما لا يخفى.

فإنه لا وجه للجبران في المقام ، نظراً إلى أنّ ما يأخذه المالك إن كان بعنوان استرداد بعض المال ، فهو فسخ للمعاملة بالنسبة إلى ذلك المقدار ، فينحصر رأس المال بالباقي لا محالة ، وحينئذٍ يكون العامل مالكاً لحصّته من الربح في ذلك المقدار ومعه لا وجه لجبران ما يطرأ من الخسارة على رأس المال الجديد ، فإنّ الفسخ موجب لاستقرار ملكه فيه ، كما هو الحال في فسخ العقد في الجميع.


1) (*) فيه إشكال ولا تبعد تماميّة عمل المضاربة بالإضافة إلى المقدار المأخوذ ، فلا يجبر خسران الباقي بربحه.

إليها ، فمقدار الخسران الشائع فيها لا ينجبر بهذا الربح ، فرأس المال الباقي بعد خسران العشرة في المثال المذكور لا يكون تسعين ، بل أقل منه بمقدار حصّة خسارة العشرة المأخوذة ، وهو واحد وتسع ، فيكون رأس المال الباقي تسعين إلّا واحد وتسع ، وهي تسعة وثمانون إلّا تسع.

وكذا لا وجه لما ذكره بعضهم في الفرض الثاني ، أن مقدار الربح الشائع في العشرة التي أخذها المالك لا يجبر الخسران اللّاحق ، وأن حصّة العامل منه يبقى له ويجب على المالك ردّه إليه (1) فاللّازم في المثال المفروض عدم بقاء ربح للعامل بعد حصول الخسران المذكور ، بل قد عرفت سابقاً أنه لو حصل ربح واقتسماه في الأثناء وأخذ كلٌّ حصّته من ثمّ حصل خسران ، أنّه يستردّ من العامل مقدار ما أخذ ، بل ولو كان الخسران بعد الفسخ (1)(2) قبل القسمة ، بل أو بعدها إذا اقتسما العروض وقلنا بوجوب الإنضاض (2)


وإن كان بعنوان كونه من مجموع رأس المال والربح ، فالأمر كذلك ، إذ الربح الحاصل عند الفسخ في البعض ينقسم على ذلك والباقي بالنسبة ، ومعه يكون للعامل حصّة فيما أخذه المالك لا محالة ، ويعتبر ذلك ديناً في ذمّته.

وعليه فإذا خسرت المعاملة في الباقي بعد ذلك ، لم يكن وجه لإرجاع ما ملكه العامل وأقرضه للمالك إلى رأس المال وجبر الخسارة به.

والحاصل أنه لا وجه لجبران الخسران اللاحق بالربح السابق على الفسخ ، بلا فرق فيه بين كون الفسخ في الكل أو البعض.

(1) لكنك قد عرفت أنّه الصحيح ، ولا مناص من الالتزام به.

(2) إلّا أنّك قد عرفت فيما مضى أنّه لا وجه للجبران ، لا سيما إذا كانت الخسارة بعد القسمة ، حيث يستقر ملك كل منهما على ما في يده.


1) (*) تقدّم أنّه لا يتدارك الخسران بعد الفسخ بالربح السابق مطلقاً حتى قبل القسمة.

2) (**) مرّ أنّه لا إشكال في عدم وجوبه في هذا الفرض ، ثمّ إنّ ظاهر كلامه أنّ تدارك الخسران هنا منوط بوجوب الإنضاض على العامل ، وقد تقدّم منه عدم وجوبه.

على العامل (1) وأنّه من تتمات المضاربة.

[3445] مسألة 48 : إذا كانت المضاربة فاسدة ، فإمّا أن يكون مع جهلهما بالفساد ، أو مع علمهما ، أو علم أحدهما دون الآخر. فعلى كلّ التقادير الربح بتمامه للمالك ، لإذنه في التجارات (2) وإن كانت مضاربته باطلة. نعم ، لو كان الإذن مقيَّداً بالمضاربة توقّف ذلك على إجازته (3) وإلّا فالمعاملات الواقعة باطلة (4). وعلى عدم التقيد أو الإجازة يستحق العامل مع جهلهما لُاجرة عمله (5).

وهل يضمن عوض ما أنفقه في السفر على نفسه ، لتبيّن عدم استحقاقه النفقة أوْ لا لأنّ المالك سلّطه على الإنفاق مجاناً؟ وجهان ، أقواهما الأوّل (1)(6) ولا


(1) ظاهر كلامه (قدس سره) في المقام إناطة تدارك الخسران بوجوب الإنضاض على العامل ، بحيث لو لم نقل به لما وجب التدارك. وهو ينافي ما تقدّم منه (قدس سره) في الفرع الخامس من المسألة السادسة والأربعين ، من عدم كونه منوطاً به ، حيث اختار (قدس سره) عدم وجوب الإنضاض على العامل ، ومع ذلك قال بوجوب التدارك عليه.

(2) وهو يكفي في صحّتها ، حيث إنّها لا تتوقّف على صحّة عقد المضاربة ، إذ الذي يتوقف عليها إنما هو استحقاق العامل للحصّة المعيّنة من الربح.

(3) على ما تقتضيه القاعدة في العقد الفضولي.

(4) لفقدانها الإذن والإجازة معاً.

(5) لاستيفاء المالك عمل الغير الصادر عن أمره لا على نحو المجانية ، فإنه موجب لضمانه له بدفع بدله ، أعني أُجرة المثل ، على ما تقتضيه السيرة القطعية ، على تفصيل في المقام يأتي.

(6) بل الثاني. فإنّ إذن المالك له بالسفر والصرف من ماله ، لما لم يكن مقيداً بصحّة عقد المضاربة ، كان مقتضى القاعدة عدم الضمان ، إذ الضمان إنما يختص بفرض


1) (*) بل أقواهما الثاني فيما إذا أذن المالك في الإنفاق مجّاناً كما في فرض عدم التقييد.

يضمن التلف والنقص (1).


التصرّف فيه بالتعدي أو التفريط ، وهو مفقود. وفي المقام تفصيل ستعرفه.

(1) ظاهر عبارته (قدس سره) ترتب الأحكام الثلاثة استحقاق اجرة المثل وعدم ضمانه لما أنفقه في السفر على نفسه ، وعدم ضمانه للتلف والنقص على فرضي عدم كون الإذن في المعاملات مقيّداً بصحّة عقد المضاربة ، والتقييد مع إجازته للمعاملات بعد ذلك ، معاً ومن دون فرق بينهما.

إلّا أنّ الظاهر هو التفصيل بين الفرضين.

فعلى الأوّل : يستحقّ العامل اجرة المثل قطعاً ، لاستيفاء المالك عمل مسلم محترم صادر عن أمره من دون قصد التبرع والمجانية ، على ما تقتضيه السيرة القطعية الممضاة من قبل الشارع المقدس ، حيث لم يرد الردع عنها.

كما لا يضمن العامل ما أنفقه على نفسه في سفره ، حيث إنّه قد صدر عن إذنه وإجازته وإن كان عقد المضاربة فاسداً.

وعليه فلا موجب لحكمه (قدس سره) بالضمان ، فإنه لو كان العقد صحيحاً لما كان فيه ضمان ، ففاسده يكون كذلك لنفس الملاك ، أعني صدوره عن إذنه.

ومنه يظهر الحال فيما يتلف في يد العامل من الأموال ، فإنه لا موجب للحكم بالضمان بعد كون هذه الأموال أمانة في يده ، ولم يكن العامل متعدّياً أو مفرطاً.

وعلى الثاني : بحيث لولا الإجازة المتأخرة لبطلت المعاملات الصادرة من العامل فحكم هذه الصور حكم باقي العقود الفضولية ، فلا يستحقّ العامل شيئاً من الربح ولا اجرة المثل ، باعتبار أنّ المالك لم يأمره بشي‌ء ، بل ولم يستوف من عمله شيئاً ، وإنما هو استوفى الربح بعمل نفسه بإجازته للعقد.

ومن هنا فحكمه (قدس سره) باستحقاقه لُاجرة المثل حتى في هذه الصورة على ما يظهر من عبارته لا يمكن المساعدة عليه.

وكذا الحال فيما صرفه العامل في سفره ، فإنه لا موجب لحسابه على المالك بعد أن لم يكن كلّ ذلك بإذن منه.

وكذا الحال إذا كان المالك عالماً دون العامل (1) فإنه يستحق الأُجرة ، ولا يضمن التلف والنقص.

وإن كانا عالمين ، أو كان العامل عالماً دون المالك ، فلا اجرة له (1)، لإقدامه على العمل مع علمه بعدم صحّة المعاملة (2). وربّما يحتمل في صورة علمهما أنه يستحقّ حصّته من الربح من باب الجعالة (2). وفيه : أنّ المفروض عدم قصدها (3). كما أنه ربّما يحتمل استحقاقه اجرة المثل إذا اعتقدا أنه يستحقها


ومنه يظهر الحال فيما يتلف في يد العامل ، فإنه ضامن له لا محالة بعد أن لم تكن يده يد أمانة ، حيث إنّ المالك لم يأذن له في التصرّف مطلقاً ، وإنما أذن له فيه مقيّداً بصحّة عقد المضاربة ، فإذا انتفى القيد كان المقيد مثله.

(1) يظهر الحال فيه مما تقدّم. فإنّ الكلام في هذا الفرض ، هو الكلام في الفرض السابق من حيث الأدلّة والتفصيل حرفاً بحرف.

(2) لكنك قد عرفت غير مرّة ، أنّ العلم بالفساد شرعاً لا يلازم الإتيان بالعمل مجاناً وبغير عوض ، فإنّ العامل قاصد للعوض وإن كان يعلم بأنّ الشارع لم يمضه. ومقتضى السيرة العقلائية القطعية اقتضاء استيفاء عمل الغير الصادر عن أمره للضمان مطلقاً ، علم العامل بالفساد أو جهل ، فإنّ العبرة في عدم الضمان إنما هو بالتبرّع به وهو غير متحقق.

(3) ظاهر هذا التعليل أنّ عدم الاستحقاق ناشئ من عدم القصد إلى الجعالة.

وفيه : أنه لا أثر للقصد وعدمه ، وذلك لما تقدّم مراراً من عدم صحّة تمليك الإنسان ما لا يملكه بالفعل إلّا ما خرج بالدليل ، إذ ليس له بالفعل مال وملك كي


1) (*) فيه إشكال بل منر. فإنّ العلم بفساد المعاملة شرعاً لا يستلزم الإقدام على العمل مجّاناً.

2) (**) المضاربة وإن كانت نوعاً من الجعالة إلّا أنّهما تفترقان في أنّ العامل في باب المضاربة يشترك مع المالك في الربح ، وهذا بخلاف العامل في باب الجعالة فإنّه لا يشترك مع المالك في الربح وإنّما يستحق الأُجرة التي جُعلت له.

مع الفساد ، وله وجه (1) وإن كان الأقوى خلافه.

هذا كلّه إذا حصل ربح ولو قليلاً. وأما مع عدم حصوله ، فاستحقاق العامل الأُجرة ولو مع الجهل مشكل (1)(2) لإقدامه على عدم العوض لعمله مع عدم حصول الربح.


ينقله إلى غيره ويجعله هو المالك.

وعليه فحيث لا دليل على صحّته في الجعالة ، فلا بدّ في الجعل من كونه مالاً مملوكاً للجاعل في الخارج أو في الذمّة بالفعل ، ولما لم يكن الربح من هذا القبيل حيث لا وجود له حين الجعل ، فلا يصلح للجعل ، سواء تحقق القصد إلى الجعالة أم لم يتحقق.

فالبطلان غير ناشئ من جهة عدم قصده لها في عقد المضاربة ، فإنه باطل حتى مع القصد.

على أنه قد تقدّم أنّ المضاربة عين الجعالة ، وليست شيئاً في قبالها. نعم ، تمتاز هي عن سائر أفراد الجعالة بالصحّة مع مجهولية الجعل.

(1) عرفته فيما تقدّم.

(2) الظاهر أنه لا ينبغي الإشكال في عدم استحقاق العامل للأُجرة في الفرض. وذلك لأن الضمان في هذه الموارد لم يثبت بدليل لفظي ، كي يتمسك بإطلاقه في إثبات أُجرة المثل في مثل المورد أيضاً ، وإنما هو قد ثبت بالسيرة العقلائية القائمة على اقتضاء الأمر بعمل ذي أُجرة المثل في مثل المورد أيضاً ، وإنما هو قد ثبت بالسيرة العقلائية القائمة على اقتضاء الأمر بعمل ذي أُجرة لا مجاناً لثبوتها في ذمّة الآمر.

ومن هنا يكون المتبع في الحكم هو السيرة القطعية. وحيث إنّه لا ينبغي الشك في عدم ثبوت شي‌ء على الآمر غيره بعمل مجاناً ومن غير اجرة مطلقاً أو على تقدير دون تقدير ، سواء أقصد العامل التبرع أيضاً أم لم يقصده إذ لا أثر لقصده ، فلا ينبغي


1) (*) الظاهر أنّه لا إشكال في عدم استحقاقه.

وعلى هذا ففي صورة حصوله أيضاً يستحقّ أقلّ الأمرين ، من مقدار الربح وأُجرة المثل (1). لكن الأقوى خلافه ، لأن رضاه بذلك كان مقيّداً بالمضاربة (2). ومراعاة الاحتياط في هذا وبعض الصور المتقدِّمة أوْلى.

[3446] مسألة 49 : إذا ادّعى على أحد أنه أعطاه كذا مقداراً مضاربة وأنكر ، ولم يكن للمدعي بيِّنة ، فالقول قول المنكر مع اليمين (3).


الإشكال في عدم ثبوت الأُجرة للعامل في المقام. فإنّ المالك إنما جعل له الحصّة من الربح على تقدير تحققه ، ولم يجعل له شيئاً من ماله الخاص ، وهو إنما يعني أنّ المالك إنّما أمره بالعمل على تقدير عدم الربح مجاناً وبغير عوض ، ومعه فلا يكون وجه للضمان.

والحاصل أنّ الضمان إنما يثبت عند الأمر بالعمل لا مجاناً ، وأما مع كون الأمر به مقيَّداً بالمجانية ولو على تقدير على فرض تحققه فلا موجب للضمان.

(1) ظهر وجهه ما تقدّم. فإنّ الأمر إنما يقتضي الضمان بالمقدار الذي التزم به الآمر وأما الزائد عنه فلا دليل عليه. وأما مع زيادة الأُجرة عن الحصّة ، فلإقدام العامل على العمل على أن لا يستحق الزائد عن هذا المقدار.

(2) إلّا أنك قد عرفت أنّ العبرة إنما هي بما التزم به الآمر على نفسه ، لا برضا العامل وعدمه. على أننا لو التزمنا بكون رضا العامل مقيَّداً بصحّة المضاربة ، لكان لازمه القول بعدم استحقاق العامل شيئاً بالمرّة ، لأنّ كون رضا العامل مقيَّداً بها يستلزم كون رضا المالك وأمره له مقيداً بها أيضاً ، وهذا يعني فساد جميع العقود الصادرة منه لكونه فضولياً وتوقف صحّتها على الإجازة ، فإذا أجاز صحت المعاملات بها ، ومعه فلا يستحق العامل شيئاً من الربح أو اجرة المثل ، على ما تقدّم.

(3) على ما تقتضيه قواعد القضاء. فإن أقام المدّعى البيّنة فهو ، وإلّا فله إحلاف المنكر. فإن حلف فهو ، وإن نكل عن اليمين ولم يردّها على المالك أيضاً ، أُلزم بدفع المال إن كانت عيناً معيّنة ، وإلّا فبدله.

[3447] مسألة 50 : إذا تنازع المالك والعامل في مقدار رأس المال الذي أعطاه للعامل ، قدّم قول العامل بيمينه مع عدم البيّنة (1) من غير فرق بين كون المال موجوداً أو تالفاً مع ضمان العامل ، لأصالة عدم إعطائه أزيد مما يقوله وأصالة براءة ذمّته إذا كان تالفاً بالأزيد.

هذا إذا لم يرجع نزاعهما إلى النزاع في مقدار نصيب العامل من الربح. كما إذا كان نزاعهما بعد حصول الربح وعلم أن الذي بيده هو مال المضاربة ، إذ حينئذٍ النزاع في قلّة رأس المال وكثرته يرجع إلى النزاع في مقدار نصيب العامل من هذا المال الموجود. إذ على تقدير قلّة رأس المال ، يصير مقدار الربح منه أكثر ، فيكون نصيب العامل أزيد. وعلى تقدير كثرته ، بالعكس. ومقتضى الأصل كون جميع هذا المال للمالك ، إلّا بمقدار ما أقرّ به للعامل (2).

وعلى هذا أيضاً لا فرق بين كون المال باقياً أو تالفاً بضمان العامل ، إذ بعد الحكم بكونه للمالك إلّا كذا مقداراً منه ، فإذا تلف مع ضمانه لا بدّ أن يغرم المقدار الذي للمالك.

[3448] مسألة 51 : لو ادّعى المالك على العامل أنه خان ، أو فرّط في الحفظ فتلف ، أو شرط عليه أن لا يشتري الجنس الفلاني ، أو لا يبيع من زيد أو نحو ذلك. فالقول قول العامل في عدم الخيانة والتفريط ، وعدم شرط المالك


(1) لما تقدّم.

(2) ولا يرد عليه أنّ العامل ذو اليد حيث إنّ المال بأجمعه في يده بالفعل ، ومقتضى القاعدة كونه بأجمعه له إلّا ما أقرّ به للمالك.

فإنه إنما يتمّ فيما إذا لم يكن ذو اليد معترفاً بانتقاله إليه من المالك ، وأما معه فلا أثر لليد ، حيث ينقلب المدّعى منكراً والمنكر مدّعياً ، فيلزم بالإثبات ، وإلّا فالمال للمالك بمقتضى اعترافه ، ولا يستحق إلّا ما يقرّ به المالك.

نعم ، للعامل إحلاف المالك في الفرض ، على ما تقتضيه قواعد القضاء.

عليه الشرط الكذائي (1)(1) والمفروض أن مع عدم الشرط يكون مختاراً في الشراء وفي البيع من أي شخص أراد.

نعم ، لو فعل العامل ما لا يجوز له إلّا بإذن من المالك ، كما لو سافر أو باع


(1) فيه إشكال ، بل منع.

وذلك لما ذكرناه في مبحث الإطلاق والتقييد من المباحث الأُصولية ، من انّ النسبة بين الإطلاق والتقييد بحسب مقام الثبوت هو التضاد ، حيث إنّ الإهمال أمر غير معقول. فإن المنشئ إذا التفت إلى انقسام متعلق حكمه أو موضوعه ، فإما أن يكون لإحدى تلك الخصوصيات الموجبة للانقسام دخل في ثبوت ذلك الحكم المنشأ أو لا يكون ، ولا ثالث لهما لامتناع ارتفاع النقيضين. والأوّل هو المقيّد ، ويسمّى بالطبيعة بشرط شي‌ء إن كان القيد وجودياً ، والطبيعة بشرط لا إن كان عدميّاً. والثاني هو المطلق ، ويسمّى بالطبيعة لا بشرط القسمي. والإهمال غير معقول لاستحالة ارتفاع النقيضين.

وبعبارة اخرى : إنّ حال الآمر لا يخلو بحسب الواقع ، إما من لحاظ الطبيعة السارية ، أو لحاظ الطبيعة المقيَّدة ببعض الخصوصيات الوجودية أو العدمية. ومن هنا فتكون النسبة بينهما هي نسبة التضادّ ، حيث إنّ كلّاً منهما لحاظ الدخل ولحاظ عدمه أمر وجودي.

وأما بحسب مقام الإثبات ، فالنسبة بينهما إنما هي نسبة العدم والملكة. فإنّ المتكلم إن لم يكن في مقام البيان ، فالقضية مجملة مهملة ، لا مطلقة ولا مقيدة. وإن كان في مقام البيان ، فإنْ ذكر القيد فالقضية مقيّدة ، وإلّا فهي مطلقة.


1) (*) هذا الشرط وما بحكمه يرجع إلى تقييد متعلّق عقد المضاربة ، وعليه فالعامل يدّعي الإطلاق كما أنّ المالك يدّعي التقييد ، وأصالة عدم تقييد المتعلّق معارضة بأصالة عدم إطلاقه على ما بيّنّا في محلّه من أنّهما متضادّان في مقام الثبوت ، وأمّا استصحاب عدم التقييد في مقام الإثبات فلا يترتّب عليه الإطلاق في مقام الثبوت ، وأمّا أصالة الإطلاق فلا مجرى لها في أمثال المقام ونتيجة ذلك كلّه أنّ القول قول المالك لأصالة عدم إذنه فيما يدّعي العامل إذنه فيه.

.................................................................................................


ثمّ إنّ الإطلاق في هذا المقام ، يكشف عن عدم التقيد في مقام الثبوت وكون مراده هي الطبيعة السارية ، وإلّا لكان متكلماً على خلاف ما هو المتعارف لدى الناس في مقام التفاهم.

ومما ذكرنا يظهر الوجه في كون النسبة بينهما بحسب هذا المقام هو العدم والملكة فإنّ الإطلاق عبارة عن عدم تقيد ما هو قابل للتقيد.

ومن هنا فما ذكر في كلمات الأصحاب من كون المقابلة بينهما من تقابل العدم والملكة صحيح ، لكنه بالقياس إلى مقام الإثبات فقط.

وعلى ضوء هذا ، ففيما نحن فيه :

إذا اعترف المالك بكون عقد المضاربة حين وقوعه مطلقاً ، كشف ذلك عن إطلاقه في مقام الثبوت أيضاً. فإن ادّعى أنه قد منع العامل بعد ذلك عن الاتجار بنحو معيَّن بحيث يكون مقيّداً منفصلاً ورافعاً لحجية ظهور ذلك الإطلاق مع بقاء أصل الظهور على حاله ، وأنكر العامل ذلك ، فالأمر كما أفاده (قدس سره) من تقديم قول العامل. فإنّ إطلاق كلامه بمقتضى اعترافه حجّة عليه ، ما لم يثبت أنه أقام حجة أُخرى.

لكن الظاهر أنّه (قدس سره) لا ينظر إلى فرض دعوى قيام الحجّة المنفصلة ، وأنه ناظر إلى فرض دعوى الحجّة المتصلة ، بمعنى ادعاء المالك لمنع العامل عن التجارة المعيَّنة حين المضاربة ، وخيانة العامل بمخالفته لذلك ، وإنكار العامل لذلك.

وفي هذا الفرض لا يتمّ ما أفاده (قدس سره) ، حيث إنّ العامل حينئذ يدّعي الإطلاق والمالك يدّعي التقييد ، وفي مثله لا يمكن تقديم قول العامل ، لأنه مدَّع أيضاً. لأنّ أصالة عدم التقييد ، إن أُريد بها استصحاب العدم الأزلي لو قلنا به كما هو الصحيح فلا أثر له في المقام ، حيث لا يثبت الإطلاق. وإن أُريد بها أصالة الإطلاق الثابتة ببناء العقلاء ، فلا مورد لها في المقام ، فإنها إنما تجري فيما إذا أحرز الإطلاق في مقام الإثبات ، وكان الشكّ في مطابقة مقام الثبوت له ، فلا تجري في فرض الشك في أصل ثبوت الإطلاق.

والحاصل أنّه بعد الشكّ في الإطلاق والتقييد في المقام ، لا وجه لإثبات الإذن من

بالنسيئة وادّعى الإذن من المالك ، فالقول قول المالك في عدم الإذن (1).

والحاصل أنّ العامل لو ادّعى الإذن فيما لا يجوز إلّا بالإذن قدِّم فيه قول المالك المنكر. ولو ادّعى المالك المنع فيما يجوز إلّا مع المنع ، قدّم قول العامل المنكر له.

[3449] مسألة 52 : لو ادّعى العامل التلف وأنكر المالك ، قدِّم قول العامل ، لأنّه أمين (1)(2) سواء كان بأمر ظاهر أو خفي.


المالك ما لم يُثبت هو التقيد ، لما عرفت من أنّهما من المتضادَّين ، بل لا بدّ على العامل من إثبات ذلك ، وإلّا فهو له ضامن.

ثمّ إنّ هذا الكلام لا يختصّ بالمقام بل يجري في موارد كثيرة ، منها الوقف إذا شك في عمومه وخصوصه ، فإنّه لا بدّ من الاقتصار على القدر المتيقن ما لم يعلم أنّ الصادر من المنشأ هو المطلق.

(1) حيث إنّ العامل مدّعٍ والمالك منكر ، والقول قول المنكر ما لم يثبت المدّعى دعواه بالبيّنة ، أو حلف اليمين المردودة.

(2) تقدّم التعرّض لهذه المسألة في مسائل تنازع المالك والمستأجر من كتاب الإجارة. وحيث إنّها لا تخلو عن غموض ، فلا بأس بإعادة التعرض لها ثانياً ، لبيان ما هو الحقّ في المقام ويقتضيه التحقيق جلياً.

فنقول : لهذه المسألة صور أربع :

الأُولى : ما إذا كان العامل غير مأمون ، وادّعى تلف المال بغير تفريط حتى ينفي عن نفسه الضمان للمالك ، وادّعى المالك في قباله إتلافه للمال عمداً أو تفريطه في تلفه أو عدم تلفه أصلاً ، فطالبه بالعين أو ببدلها.

والمشهور في هذه الصورة بل ادّعي عليه الإجماع ، أنه ليس على العامل إلّا اليمين وعلى المالك المدّعى للضمان إقامة البيّنة على خلاف ما يدّعيه العامل.

غير أنّ الشهيد الثاني (قدس سره) نسب في المسالك إلى المشهور مطالبة العامل


1) (*) هذا إذا لم يكن متّهماً ، وإلّا فيستحلف.

.................................................................................................


بالبيّنة (1).

أقول : لا يخفى أنّ الموافق لقواعد القضاء وعمومات كون البيّنة على المدّعى واليمين على من ادُّعي عليه ، هو ما ادُّعي عليه الإجماع ، نظراً لكون المالك هو المدّعى للضمان على العامل.

إلّا أنّ المستفاد من النصوص الخاصّة ، كون المطالب بالبيّنة في محل الكلام هو العامل. وعليه فيتعين رفع اليد عن العمومات ، والحكم بإلزام العامل بالبيِّنة.

بيان ذلك : أنّ الروايات الواردة في المقام على ثلاث طوائف :

الطائفة الأُولى : ما دلّ على ضمان العامل ، وأنّه لا بدّ له في دفع الضمان عن نفسه من إثبات مدّعاه. وهي عدّة روايات :

منها : صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال في الغسال والصبّاغ : ما سرق منهم من شي‌ء ، فلم يخرج منه على أمر بيّن إنه قد سرق وكل قليل له أو كثير فإن فعل فليس عليه شي‌ء. وإن لم يقم البيّنة وزعم أنه قد ذهب الذي ادّعي عليه ، فقد ضمنه إن لم يكن له بيّنة على قوله» (2).

ومنها : صحيحة ابن مسكان عن أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : سألته عن قصّار دفعت إليه ثوباً فزعم أنه سرق من بين متاعه ، قال : «فعليه أن يقيم البيّنة أنه سرق من بين متاعه وليس عليه شي‌ء ، فإن سرق متاعه كله فليس عليه شي‌ء» (3).

ومنها : معتبرة السكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : «كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يضمّن الصبّاغ والقصّار والصائغ احتياطاً على أمتعة الناس» (4).

ومنها : صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : سئل عن رجل جمّال


1) مسالك الافهام 4 : 374 375.

2) الوسائل ، ج 19 كتاب الإجارة ، ب 29 ح 2.

3) الوسائل ، ج 19 كتاب الإجارة ، ب 29 ح 5.

4) الوسائل ، ج 19 كتاب الإجارة ، ب 29 ح 6.

.................................................................................................


استكري منه إبلاً وبعث معه بزيت إلى أرض ، فزعم أنّ بعض زقاق الزيت انخرق فأهراق ما فيه ، فقال : «إن شاء أخذ الزيت ، وقال : إنه انخرق ، ولكنه لا يصدق إلّا ببيّنة عادلة» (1).

ومنها : صحيحته عنه (عليه السلام) أيضاً ، في رجل حمل مع رجل في سفينته طعاماً فنقص ، قال : «هو ضامن» الحديث (2). ونحوها غيرها.

فإنّ هذه الروايات المعتبرة تدلّ وبوضوح على ضمان العامل في فرض دعواه التلف ، ما لم يقم بيّنة عادلة على صدق ما يقوله.

الطائفة الثانية : ما دلّ على عدم ضمان العامل عند دعواه التلف. وهي عدّة روايات :

منها : معتبرة يونس ، قال : سألت الرضا (عليه السلام) عن القصّار والصائغ أيضمنون؟ قال : «لا يصلح إلّا أن يضمنوا» (3).

وهذه الرواية معتبرة سنداً وإن كان في طريقها إسماعيل بن مرار ، فإنه ثقة على الأصحّ لوروده في إسناد تفسير علي بن إبراهيم. وقد دلّت على عدم تضمين العامل مطلقاً ، إلّا أن يشترط عليه الضمان في ضمن العقد.

ومنها : صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : سألته عن الصبّاغ والقصار ، فقال : «ليس يضمنان» (4).

الطائفة الثالثة : ما دلّ على التفصيل بين المتهم وغيره ، حيث يضمن الأوّل دون الثاني. وهي عدّة روايات أيضاً :

منها : صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : «كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يضمِّن القصّار والصائغ احتياطاً للناس ، وكان أبي يتطوّل عليه إذا كان


1) الوسائل ، ج 19 كتاب الإجارة ، ب 30 ح 1 ، 2.

2) الوسائل ، ج 19 كتاب الإجارة ، ب 30 ح 1 ، 2.

3) الوسائل ، ج 19 كتاب الإجارة ، ب 29 ح 9.

4) الوسائل ، ج 19 كتاب الإجارة ، ب 29 ح 14.

.................................................................................................


مأموناً» (1). حيث دلّت على تضمينه (عليه السلام) لمن لم يكن مأموناً.

ومنها : معتبرة أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : «كان علي (عليه السلام) يضمِّن القصّار والصائغ ، يحتاط به على أموال الناس. وكان أبو جعفر (عليه السلام) يتفضّل عليه إذا كان مأموناً» (2). وهي في الدلالة كسابقتها.

ومنها : صحيحة جعفر بن عثمان الرواسي الثقة قال : حمل أبي متاعاً إلى الشام مع جَمّال فذكر أنّ حملاً منه ضاع ، فذكرت ذلك لأبي عبد اللّه (عليه السلام) فقال : «أ تتهمه»؟ قلت : لا. قال : «فلا تضمِّنه» (3). وهي تدلّنا بمنطوقها ومفهومها على أنّ التضمين إنما يختصّ بصورة الاتهام ، ولا يثبت في غيرها.

ومنها : معتبرة أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في الجمّال يكسر الذي يحمل أو يهريقه ، قال : «إن كان مأموناً فليس عليه شي‌ء ، وإن كان غير مأمون فهو ضامن» (4). ولا إشكال في أن السؤال في هذه المعتبرة إنما هو عن حكم التلف ، وإلّا فلا فرق في ضمان المتلف بين المأمون وغيره جزماً.

ومما يؤيد هذا الطائفة رواية خالد بن الحجاج كما في الكافي ، أو الحجال كما في التهذيب ، قال : سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الملاح أحمله الطعام ثمّ أقبضه منه فينقص ، قال : «إن كان مأموناً فلا تضمّنه» (5).

فإنها وإن كانت صريحة في المدعى ، إلّا أنها قاصرة من حيث السند ، فإنّ خالد بن الحجال لا وجود له على الإطلاق ، لا في كتب الرجال ولا في كتب الحديث ، ما عدا نسخة التهذيب من هذه الرواية والمظنون قويّاً وقوع التحريف فيها ، والصحيح ما في الكافي فإنّ الكليني أضبطُ في النقل. وخالد بن الحجاج لم يُوَثَّق. ومن هنا فلا تصلح هذه الرواية إلّا لتأييد هذه الطائفة.


1) الوسائل ، ج 19 كتاب الإجارة ، ب 29 ح 4 ، 12.

2) الوسائل ، ج 19 كتاب الإجارة ، ب 29 ح 4 ، 12.

3) الوسائل ، ج 19 كتاب الإجارة ، ب 30 ح 6 ، 7.

4) الوسائل ، ج 19 كتاب الإجارة ، ب 30 ح 6 ، 7.

5) الوسائل ، ج 19 كتاب الإجارة ، ب 30 ح 3.

.................................................................................................


ثمّ إنّ الطائفتين الأُوليين وإن كانتا متعارضتين بالتباين ، حيث دلّت الاولى على الضمان في حين صرّحت الثانية بعدمه ، إلّا أنّ الطائفة الثالثة تقيِّد كلّاً منهما ، وبذلك يرتفع التعارض بينهما. وتكون النتيجة عدم ضمان العامل فيما إذا كان مأموناً من غير أن يطلب منه الإثبات بإقامة البيّنة على دعواه ، بخلاف ما إذا كان متَّهماً حيث يطالب بإثبات ما ادعاه وإلّا تعيّن الضمان عليه.

بقي الكلام في أنه هل للمالك ، في فرض كون العامل متهماً ، مطالبته بالحلف بدلاً عن مطالبته بالبيّنة؟

وبعبارة أُخرى : هل المالك في صورة اتهام العامل مخيّر بين مطالبته بإقامة البيّنة على التلف وبين مطالبته بالحلف عليه ، أم إنه ليس للمالك إلّا مطالبة العامل بالإثبات؟

الظاهر هو الأوّل ، وذلك لوجوه :

الأوّل : إنّ جواز مطالبة المالك العامل بالبيّنة حقّ له ، وله أن يرفع اليد عنه ويرضى بحلفه بدلاً عنه.

نعم ، لا يترتب على هذا الوجه إلزامه العامل بالحلف ، فإنّ للعامل الامتناع عنه وإقامة البيّنة على ما يدّعيه.

الثاني : عمومات ما دلّ على أن البيّنة على المدّعى واليمين على المدعى عليه ، فإنّها غير قاصرة عن شمول محلّ الكلام ، لأنها وإن خصّصت فيه بالنسبة إلى مطالبة المدّعى بالبيّنة ، حيث دلّت النصوص الخاصة على مطالبتها من المدَّعى عليه ، إلّا أنها لم تدلّ على عدم جواز مطالبة الحلف منه ، فتبقى العمومات على حالها وسليمة عن المخصص من هذه الناحية ، وبذلك فيثبت للمالك مطالبة العامل باليمين.

نعم ، يختص هذا الوجه بما إذا كان المالك مدّعياً لخلاف ما يدّعيه العامل جزماً وإلّا فليس له حقّ الدعوى عليه بمقتضى العمومات.

الثالث : صحيحة أبي بصير يعني المرادي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : «لا يضمن الصائغ ولا القصار ولا الحائك إلّا أن يكونوا متهمين ، فيخوف بالبيّنة

.................................................................................................


ويستحلف لعله يستخرج منه شيئاً». الحديث (1).

وجه الدلالة : أن جملة «ويستحلَف» معطوفة على جملة «فيخوَّف» فتدلّ الصحيحة أنه كما يخوَّف العامل بالبيّنة يُطلب منه اليمين.

بل لو كنا نحن وهذه الصحيحة ، لحكمنا بأنّ وظيفة العامل هو الحلف فقط ، لكننا وبلحاظ الروايات السابقة نحكم بتخيير المالك بين مطالبة البيّنة والحلف.

وأمّا ما تقدّم منّا في كتاب الإجارة من المناقشة في دلالة الصحيحة على جواز الاستحلاف ، فلم يكن في محلّه ، والظاهر هو التخيير كما عرفت.

ومما يؤيد ذلك ما رواه الشيخ بإسناده عن بكر بن حبيب ، قال : «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : أعطيت جبة إلى القصّار فذهبت بزعمه ، قال : ان اتهمته فاستحلفه وإن لم تتهمه فليس عليه شي‌ء» (2).

وما رواه أيضاً عنه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : «لا يضمن القصّار إلّا ما جنت يده ، وإن اتهمته أحلفته» (3).

الصورة الثانية : ما إذا كان العامل غير مأمون وادّعى التلف بغير تفريط ، ولم يدَّعِ المالك عليه شيئاً لعدم جزمه بكذب العامل في دعواه واحتمال صدقه.

وفيها لو كنا نحن ولم تكن الروايات الخاصة المتقدِّمة ، لحكمنا بعدم ضمان العامل حيث لا يدّعي المالك عليه الضمان.

غير أنّ الروايات الخاصة المتقدِّمة ، والدالّة على ضمان العامل إذا كان متهماً في نفسه وغير مأمون ، غير قاصرة الشمول عن هذه الصورة. وعليه فيكون حكمها حكم سابقتها في تخيّر المالك بين مطالبة العامل بالبيّنة أو اليمين ، وإلّا فالعامل ضامن للمال.

الصورة الثالثة : ما إذا كان العامل مأموناً وادّعى التلف بغير تفريط ولم يدَّع المالك عليه شيئاً.


1) الوسائل ، ج 19 كتاب الإجارة ، ب 29 ح 11.

2) الوسائل ، ج 19 كتاب الإجارة ، ب 29 ح 16.

3) الوسائل ، ج 19 كتاب الإجارة ، ب 29 ح 17.

وكذا لو ادّعى الخسارة ، أو ادّعى عدم الربح (1) أو ادّعى عدم حصول المطالبات في النسيئة ، مع فرض كونه مأذوناً في البيع بالدين.

ولا فرق في سماع قوله بين أن تكون الدعوى قبل فسخ المضاربة أو بعده (2). نعم ، لو ادّعى بعد الفسخ التلف بعده ، ففي سماع قوله لبقاء حكم أمانته ، وعدمه لخروجه بعده عن كونه أميناً ، وجهان (1)(3).


وفيها لا إشكال في عدم ضمان العامل ، وأنه لا يلزم بشي‌ء من الحلف أو إقامة البيّنة ، إذ لا مقتضي لشي‌ء منهما بعد عدم توجه دعوى إليه من قبل المالك ، بل الروايات المتقدِّمة واضحة الدلالة على عدم التضمين في هذه الصورة.

الصورة الرابعة : ما إذا كان العامل مأموناً في نفسه وادّعى التلف بغير تفريط ، إلّا أن المالك اتهمه وادّعى عليه الإتلاف أو التلف بتعدٍّ أو تفريط.

وفيها يكون المالك هو المطالَب بالبيّنة ، إلّا أنّ له إحلاف العامل ، على ما تقتضيه موازين القضاء.

وما تقدّم من الروايات الدالّة على التضمين قاصرة الشمول لمثل هذه الصورة مضافاً إلى أنّ صحيحة جعفر بن عثمان المتقدِّمة دلّت على جواز التضمين في فرض الاتهام.

(1) في خصوص الفرض ، حيث يكون التنازع في أمر زائد عن رأس المال فللمالك إقامة الدعوى إن كان جازماً بما يدعيه ، إذ بدونه ليس له حق الدعوى.

وعليه فإن أقام البيّنة فهو ، وإلّا فله إحلاف العامل. فإن حلف فهو ، وإلّا فله ردّه على المالك ، وإلّا الزم به ، على ما تقتضيه موازين القضاء.

(2) لإطلاق الأدلّة.

(3) أظهرهما الأوّل. إذ لم يظهر وجه خروج يده عن الأمانة ، فإنّ المالك هو الذي سلّمه المال وسلطه عليه ، ليكون أمانة عنده حتى يرده إليه ، ومقتضاه كونه كذلك


1) (*) أظهرهما الأوّل.

ولو أقرّ بحصول الربح ، ثمّ بعد ذلك ادّعى التلف أو الخسارة ، وقال : إني اشتبهت في حصوله ، لم يسمع منه ، لأنه رجوع عن إقراره (1)الأوّل (1). ولكن لو قال : ربحت ثمّ تلف ، أو ثمّ حصلت الخسارة ، قُبل منه (2).

[3450] مسألة 53 : إذا اختلفا في مقدار حصّة العامل ، وأنه نصف الربح مثلاً أو ثلثه ، قدِّم قول المالك (3).

[3451] مسألة 54 : إذا ادّعى المالك أني ضاربتك على كذا مقدار وأعطيتك فأنكر أصل المضاربة ، أو أنكر تسليم المال إليه ، فأقام المالك بيّنة على ذلك


حتى بعد الفسخ وقبل الردّ.

نعم ، لو طالبه المالك به وامتنع ، خرجت يده عن الأمانة واتصفت بالعدوان لا محالة ، إلّا أنه خلاف المفروض في المقام.

(1) في كون هذا رجوعاً عن الإقرار السابق إشكال ، بل منع. فإنه ليس من الإنكار بعد الإقرار ، حيث لا يتّحد مورده مع ما ورد عليه الإنكار ، وإنما هو من الدعوى على خلاف ظاهر الكلام ، فإنّ ظاهر كلّ كلام صادر من عاقل شاعر ملتفت هو صدوره عن جدّ ومن غير غلط فيه.

وبعبارة اخرى : إنّ دعوى الاشتباه في المقام إنما يصطدم مع ظهور كلامه في الجد وعدم الغلط ، ولا يصطدم مع إقراره السابق.

إلّا أن هذا لا يعني سماع دعواه في ذلك ، بل لا بدّ له من الإثبات نظراً لحجية ظهور الكلام لدى العقلاء. فإن أثبت سمعت دعواه ، وإلّا فلا.

(2) إذا لم يكن متهماً على ما تقدّم.

(3) وعلى العامل الإثبات ، على ما تقتضيه موازين الدعوى.

وقد يتوهم كون المقام من التداعي ، باعتبار أنّ المتيقن في استحقاق كلّ منهما من


1) (*) هذا ليس رجوعاً عن إقراره ، بل هو دعوى على خلاف ظاهر كلامه وهي لا تسمع ما لم تثبت شرعاً.

فادّعى العامل تلفه ، لم يُسمع منه (1)وأُخذ بإقراره المستفاد من إنكاره الأصل (1). نعم ، لو أجاب المالك بأني لست مشغول الذمّة لك بشي‌ء ، ثمّ بعد الإثبات ادّعى


المال هو ما يعترف الآخر له. فالمتيقن من حصّة المالك هو ما يعترف به العامل ، ومن حصّة العامل هو ما يعترف به المالك ، ويكون الباقي هو محل الخلاف بينهما ، فكل منهما يدعيه ، وبذلك فيكون من التداعي.

إلّا أنه في غاية الضعف. وذلك لما ذكرناه في باب القضاء ، من أنّ الروايات الواردة فيه على كثرتها لم تتعرض لتحديد المدّعى والمنكر ، حيث لم يرد في ذلك ولا نص ضعيف.

ومن هنا فلا بدّ من الرجوع إلى العرف ، ومقتضاه كون المطالب بالإثبات هو المدّعى وصاحبه المنكر.

وعلى ضوء هذا ففيما نحن فيه ، تكون الأرباح بأكملها وبمقتضى قانون تبعية النماء للعين للمالك إلّا ما أخرجه عنه باختياره ، وحيث إنّ المتيقن فيه هو ما يعترف به المالك ، فعلى العامل الإثبات في الزائد عنه. وعليه فلا مجال للتحالف.

(1) حيث إنّ إنكار المضاربة أو تسلّم المال تكذيب لدعواه التلف ، لأنه فرع تسلمه منه ، إذ لا يمكن إتلاف المعدوم.

وعليه فللمالك مطالبته بأداء نفس العين ، لخروج يده عن وصف الأمانة ، ما لم يثبت تلفه بالبيّنة ، وإلّا فينتقل الأمر إلى مطالبة البدل لا محالة ، لامتناع ردّها بنفسها.

هذا وقد يقال : إنه لا أثر للبيّنة في المقام ، نظراً لاعتراف العامل بعدم التلف ، فإنه بإنكاره تسلُّمَ المال معترف بعدمه لتوقّفه عليه ، فلا تسمع بيّنته ، لأنها لا تكون حجة في مقابل الإقرار. وعليه فيلزم العامل بردّ العين ، وإلّا فيحبس ، على ما هو مقتضى القضاء.

وفيه : أنّ تكذيبه لنفسه في دعوى التلف ليس تكذيباً على الإطلاق ، فإنّ العامل


1) (*) فللمالك أن يطالبه بنفس العين ، نعم إذا أقام العامل البيِّنة على التلف ، طالبه المالك بدفع البدل.

التلف ، قُبل منه ، لعدم المنافاة بين الإنكار من الأوّل وبين دعوى التلف (1).

[3452] مسألة 55 : إذا اختلفا في صحّة المضاربة الواقعة بينهما وبطلانها قدِّم قول مدعي الصحّة (2).

[3453] مسألة 56 : إذا ادّعى أحدهما الفسخ في الأثناء وأنكر الآخر ، قدِّم قول المنكر (3).


إنما اعترف بعدم التلف من باب القضية السالبة بانتفاء الموضوع خاصة ، وأما التلف على نحو القضية السالبة بانتفاء المحمول فلم يعترف به ولم ينكره أيضاً ، فإنّ كلامه ساكت عن هذه الناحية أعني التلف أو عدمه على تقدير ثبوت أخذه للمال.

وعليه فاللّازم على العامل أوّلاً هو أداء العين بنفسها لاستصحاب بقائها عنده ، إلّا أنه إذا أثبت تلفها بالبيّنة طولب بالبدل.

والحاصل أنه ليس معنى عدم سماع قوله ، مطالبته بالعين مطلقاً وعلى كل تقدير كما يظهر ذلك من عبارة الماتن (قدس سره). وإنما معناه أنه ليس كسائر العملاء في القول بعدم ضمانه مطلقاً على ما اختاره الماتن (قدس سره) ، أو مع عدم التهمة على ما اخترناه ، لأن يده قد خرجت عن الأمانة واتصفت بالخيانة والعدوان ، فلا يقبل قوله إلّا مع إقامة البيّنة على التلف فيطالب ببدلها.

(1) وحينئذٍ فيكون الحكم ما تقدّم في المسألة الثانية والخمسين ، من سماع قوله مطلقاً على ما اختاره الماتن (قدس سره) ، أو في خصوص فرض عدم التهمة على ما اخترناه.

(2) لأصالة الصحّة الثابتة المتشرعة بلا خلاف ، والمقتضية لحمل العقد على الصحّة وترتيب آثارها عليه ، ما لم يثبت الطرف الآخر مدّعاه.

(3) أما بالنسبة إلى الحالة الفعلية ، فنفس دعوى الفسخ يكفي في انفساخ العقد. نظير دعوى الزوج الرجوع في أثناء العدّة الرجعية ، حيث تكون بنفسها رجوعاً.

وكلّ من يقدَّم قوله في المسائل المذكورة لا بدّ له من اليمين (1).

[3454] مسألة 57 : إذا ادّعى العامل الرد وأنكره المالك ، قدِّم قول المالك (2).

[3455] مسألة 58 : لو ادّعى العامل في جنس اشتراه أنه اشتراه لنفسه وادّعى المالك أنه اشتراه للمضاربة ، قُدِّم قول العامل. وكذا لو ادّعى أنه اشتراه للمضاربة ، وادّعى المالك أنه اشتراه لنفسه. لأنه أعرف بنيّته (3) ولأنه أمين فيقبل قوله. والظاهر أن الأمر كذلك لو علم أنه أدّى الثمن من مال المضاربة (4) بأن ادّعى أنه اشتراه في الذمّة لنفسه ثمّ أدى الثمن من مال المضاربة ، ولو كان عاصياً في ذلك.

[3456] مسألة 59 : لو ادّعى المالك أنه أعطاه المال مضاربة ، وادّعى


وأما بالنسبة إلى المعاملات السابقة ، فلا يسمع قول مدعي الفسخ ما لم يثبته بالبيّنة ، وذلك لاستصحاب بقائه.

نعم ، لو ادّعى مدعي الفسخ علم الطرف الآخر به ، كان له إحلافه عليه.

(1) على ما تقتضيه قواعد القضاء ، فإنّ على المدّعى البيّنة واليمين على من أنكر.

(2) بيمينه ، لكونه منكراً.

وقد يقال بتقديم قول العامل ، نظراً لكونه أميناً.

إلّا أنه في غير محلّه جدّاً. فإنّ الدليل على قبول قوله يختص بمورد ادعائه التلف ومن هنا فيكون باقي الموارد مشمولاً لعموم : «البيّنة على المدّعى واليمين على من أنكر». وبما أن العامل هو المدّعى ، حيث يعترف بالأخذ ويدّعي الردّ ، فَيُلزم بالبيّنة لا محالة.

(3) للسيرة العقلائية القطعية ، المعبَّر عنها في الكلمات ب- «إن من ملك شيئاً ملك الإقرار به» باعتبار أنّ الأمر بيده فله أن يشتري لنفسه وله أن يشتري للمضاربة فالقول قوله ، وليس لدعوى المالك أثر ما لم يثبتها بالبيِّنة.

(4) لكونه أمراً خارجاً عن العقد الصادر عنهما ، فلا ينافي قبول قوله في مدعاه.

القابض أنه أعطاه قرضاً ، يتحالفان (1). فإن حلفا أو نكلا للقابض أكثر الأمرين من اجرة المثل (1)والحصّة من الربح (2) إلّا إذا كانت الأُجرة زائدة عن تمام الربح فليس له أخذها ، لاعترافه بعدم استحقاق أزيد من الربح.

[3457] مسألة 60 : إذا حصل تلف أو خسران ، فادعى المالك أنه أقرضه وادّعى العامل أنه ضاربه ، قدِّم قول المالك مع اليمين (3).


(1) وفيه : أنّ المقام ليس من موارد التداعي كي يثبت التحالف ، فإنه إنما يكون فيما إذا كان كلّ منهما ملزماً للآخر بشي‌ء وهو ينكره ، فلا يعمّ المقام حيث يختصّ الإلزام بطرف واحد خاصة. فإنّ المالك لا يلزم العامل بشي‌ء وإنما يطلب منه المال وربحه وإنما العامل يلزمه بأنه ملكه المال بالقرض ، فلا بدّ له من الإثبات ، وإلّا فله إحلافه وإلّا فمقتضى الأصل وهو كون المال مال المالك والربح تابعاً له كونه بجميعه له.

نعم ، يخرج منه ما يعترف به هو من الحصّة.

والحاصل أنّ المقام من قبيل سائر موارد الدعاوي ، حيث يدّعي العامل انتقال مال الغير إليه وهو ينكره ، فعلى العامل الإثبات وإلّا فله مطالبة المالك باليمين ، وأين هذا من التداعي والتحالف!

(2) وفيه : أنه لا موجب لملاحظة أُجرة المثل في المقام بالمرّة ، زادت عن الربح أم نقصت ، بعد اتفاقهما على عدم استحقاق العامل لها في هذه المعاملة ، لأنّ المالك يدّعي المضاربة وأنّ العامل إنما يستحق الحصّة من الربح خاصة ، والعامل يدّعي القرض وكون الربح بتمامه له. فملاحظة أُجرة المثل مما لا وجه له أصلاً.

(3) لأنّ التصرّف في مال الغير والتجارة به ، متوقّف على ثبوت إذنه في الإبقاء أو التجارة ، فما لم يثبت الإذن يكون الاستيلاء عليه موجباً للضمان.


1) (*) لا موقع لملاحظتها بعد اتفاق المالك والعامل على عدم استحقاقها ، كما أنّه لا موقع للتحالف بعد عدم إلزام عقد المضاربة العامل بشي‌ء ، وعليه فالعامل يدّعي ملكيّة العين وتمام الربح ، والمالك يعترف له بمقدار من الربح فيكون العامل مدّعياً والمالك منكِراً ، فيقدّم قول المالك.

[3458] مسألة 61 : لو ادّعى المالك الإبضاع ، والعامل المضاربة ، يتحالفان (1)(1). ومع الحلف أو النكول منهما يستحق العامل أقلّ الأمرين من الأُجرة والحصّة من


وبعبارة اخرى : إنّ القرض وإن كان أمراً وجودياً والأصل عدمه ، إلّا أن هذا الاستصحاب لا أثر له ، حيث لا يثبت كون العقد مضاربة. وهذا بخلاف استصحاب عدم المضاربة ، فإنه يثبت عدم إذن المالك في إبقائه عنده والتصرّف فيه ، وهو كافٍ في إثبات الضمان.

والحاصل أنه لا حاجة في إثبات الضمان إلى إثبات ما يدعيه المالك من القرض كي يقال بعدم تكفّل استصحاب عدم المضاربة لإثباته ، وإنما يكفي فيه مجرّد نفي الإذن في التصرّف ، وهو حاصل بنفي المضاربة. بخلاف إثبات عدم الضمان ، حيث يحتاج إلى إثبات المضاربة ، وهو لا يتحقق باستصحاب عدم القرض.

ومما يؤكد ذلك صحيحة إسحاق بن عمار ، قال : سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل استودع رجلاً ألف درهم فضاعت ، فقال الرجل : كانت عندي وديعة ، وقال الآخر : إنما كانت لي عليك قرضاً ، فقال : «المال لازم له ، إلّا أن يقيم البيّنة أنها كانت وديعة» (2).

فإنه إذا ثبت الحكم في الوديعة التي هي لمصلحة المالك فقط ، فثبوته في المضاربة على ما يدّعي العامل التي تكون لمصلحتهما معاً ، لعله يكون بالأولوية.

وكيف كان ، فيكفينا الأصل في المقام.

(1) لأنّ العامل يلزم المالك بالحصّة المعيّنة من المال المعين ، والمالك يلزمه بقبول ما يدعيه من الأُجرة من أي مال شاء أن يدفعه.

ثمّ إنّ هذا كله بناءً على مختار الماتن (قدس سره) من ثبوت اجرة المثل في


1) (*) لاتّفاقهما على استحقاق العامل بعمله شيئاً ، لكن المالك يلزمه بقبول اجرة المثل ، كما انّه يلزم المالك بإعطاء ما يدّعيه من الحصّة من الربح. نعم إذا قلنا بعدم ضمان المالك في فرض الإبضار. قدّم قوم المالك لأنّه منكر للمضاربة.

2) الوسائل ، ج 19 كتاب الوديعة ، ب 7 ح 1.

من الربح (1). ولو لم يحصل ربح ، فادعى المالك المضاربة لدفع الأُجرة ، وادّعى العامل الإبضاع ، استحق العامل بعد التحالف اجرة المثل لعمله (1)(2).


الإبضاع. وأما بناءً على ما هو الصحيح من عدم ثبوتها فيه ، فالمقام من موارد المدّعى والمنكر لا التداعي ، إذ المالك حينئذٍ لا يلزم العامل بشي‌ء وإنما العامل يلزمه بدفع الحصّة ، فيكون هو المدّعى والمالك منكراً.

(1) مقتضى ظهور كلامه (قدس سره) بل صريحه ، أن اجرة المثل قد تكون أقل من الحصّة التي يدّعيها العامل ، وقد تكون أكثر منها.

والحال أنه لا يتصوّر معنى للترافع والتنازع ووصول الأمر إلى التحالف ، فيما إذا كانت اجرة المثل أكثر مما يدعيه العامل من الحصّة ، بعد أن لم يكن للمالك والعامل نظر في خصوصية المال كما هو الغالب. وذلك لعدم وجود الإلزام من الطرفين حينئذٍ ، فإنّ المالك يعترف باستحقاق العامل أكثر مما يدعيه هو ، والعامل يعترف بعدم استحقاقه سوى الأقل مما يدّعيه المالك ، فكل منهما يعترف للآخر شيئاً وهو ينكره.

ومعه فلا وجه للتحالف ، إذ لا يدّعي أحدهما على الآخر شيئاً كي يقيم البيّنة عليه ، أو يطلب منه اليمين. بل يجب حينئذٍ أن يعمل كلّ منهما على حسب تكليفه واعتقاده ، فعلى المالك إيصال الزائد إلى العامل كيف حصل ، وعلى العامل أن لا يأخذه.

ولا يبعد أن يكون هذا سهواً من قلمه (قدس سره) ، فإنّ النزاع إنما يختصّ بفرض نقصان اجرة المثل عن الحصّة المدعاة من قبل العامل.

(2) وفيه : أنه كيف يمكن فرض المقام من التداعي بعد أن لم يكن المالك ملزماً للعامل بشي‌ء ، حيث إنه لا يطالبه إلّا بما بقي من رأس ماله ، وإنما العامل هو الذي يدّعي عليه استحقاق اجرة المثل. بل الظاهر أنّ المقام من المدّعى والمنكر ، حيث


1) (*) الظاهر أنّه لا مجال للتحالف في الفرض ، لأنّ العامل يدّعي أُجرة المثل على المالك بناءً على ثبوتها في الإبضاع والمالك ينكرها ، فإذا حلف لم يستحقّ العامل عليه شيئاً.

[3459] مسألة 62 : إذا علم مقدار رأس المال ، ومقدار حصّة العامل واختلفا في مقدار الربح الحاصل ، فالقول قول العامل (1). كما أنهما لو اختلفا في حصوله وعدمه كان القول قوله.

ولو علم مقدار المال الموجود فعلاً بيد العامل ، واختلفا في مقدار نصيب العامل منه ، فإن كان من جهة الاختلاف في الحصّة أنها نصف أو ثلث ، فالقول قول المالك قطعاً (2).

وإن كان من جهة الاختلاف في مقدار رأس المال ، فالقول قوله أيضاً ، لأن المفروض أنّ تمام هذا الموجود من مال المضاربة أصلاً وربحاً ، ومقتضى الأصل كونه بتمامه للمالك إلّا ما علم جعله للعامل ، وأصالة عدم دفع أزيد من مقدار كذا إلى العامل لا تثبت كون البقية ربحاً (3) مع أنها معارضة بأصالة عدم حصول الربح أزيد من مقدار كذا. فيبقى كون الربح تابعاً للأصل إلّا ما خرج.

مسائل

[3460] الأُولى : إذا كان عنده مال المضاربة فمات ، فإن علم بعينه فلا إشكال (4).


يدّعي العامل على المالك اجرة المثل ، وهو ينكره.

هذا كله بناءً على ثبوت اجرة المثل في الإبضاع. وأما بناءً على عدمه على ما عرفت أنه الصحيح ، فالأمر واضح ، فإنه ليس للعامل شي‌ء على كلا التقديرين.

(1) لأصالة عدمه. فالمالك هو المدّعى والعامل هو المنكر ، فعلى المالك الإثبات وإلّا فالعامل أمين ويقبل قوله بيمينه.

(2) لكون المال بأجمعه أصلاً ونماءً له ، فلا يخرج عنه إلّا فيما يعترف به هو ، أو يثبته العامل بالبيّنة. وقد تقدّم بيانه مفصلاً في المسألة الثالثة والخمسين.

(3) إذ لا نقول بحجية الأصل المثبت.

(4) ولا خلاف في وجوب ردّه إلى مالكه ، وليس للورثة فيه حق.

وإلّا فإن علم بوجوده في التركة الموجودة من غير تعيين ، فكذلك. ويكون المالك شريكاً مع الورثة بالنسبة (1)(1). ويقدم على الغرماء ان كان الميت مديوناً ، لوجود عين ماله في التركة.


(1) على ما هو المشهور بين الأصحاب. إلّا أنه لا يمكن المساعدة عليه ، وذلك لما سيأتي في باب الشركة من أنها إنما تكون بأحد أمرين :

الأوّل : العقد. فإنهما إذا تعاقدا عليها وحصل الامتزاج الخارجي ، كانا شريكين في أبعاض كلّ مال من تلك الأموال ، وبذلك يكون تلف بعضه محسوباً عليهما معاً. وتسمّى هذه الشركة العقدية.

الثاني : الامتزاج. فإنه لو اختلط المالان على نحو بحيث أصبحا شيئاً واحداً ، كان صاحباهما شريكين في الممتزج ، سواء أكان المالان من جنس واحد كالماءَين ، أم من جنسين كالماء والسكّر. وتسمى هذه الشركة بالشركة القهرية.

وأما إذا لم يكن لا هذا ولا ذلك ، كما فيما نحن فيه حيث لا عقد ولا امتزاج ، فإنّ كلّاً من المالين متميز عن الآخر ؛ غاية الأمر أنه لا يمكن تعيين ما للمالك منهما وما للورثة فلا موجب للقول بالاشتراك. فإنّ مجرّد الاختلاط الخارجي وعدم إمكان التشخيص لا يحقّق الشركة ، ولا يوجب انتقال مقدار من مال كلّ منهما إلى الآخر بإزاء انتقال مقدار من مال الآخر إليه ، فإنّه لا دليل عليه. بل المتعيّن هو التصالح ، وإلّا فالقرعة لأنها لكلّ أمر مشكل.

وممّا يؤيِّد ذلك ما ورد في الودعيّ الذي يكون لأحد عنده درهمان ولآخر درهم واحد ، ثمّ تلف أحد تلك الدراهم ، حيث حكم (عليه السلام) بكون درهم ونصف لصاحب الدرهمين ، ونصف درهم لصاحب الدرهم (2). فإنّ عدم التشخيص لو كان موجباً للاشتراك ، لكان المتعين هو الحكم بكون ثلثي الدرهمين لصاحب الدرهمين وثلثاً منهما لصاحب الدرهم.


1) (*) في ثبوت الشركة بعدم تميّز المال ولا سيما مع اختلاف الأجناس إشكال بل منع.

2) الوسائل ، ج 19 كتاب المضاربة ، ب 13 ح 1.

.................................................................................................


والحاصل أن الجهل في مقام التعيين لا يوجب قلب الواقع ، وإخراج مقدار من ملك كلّ منهما إلى الآخر في قبال خروج مقدار من ملك الآخر إليه.

ثمّ لو تنزّلنا وقلنا بحصول الشركة بالاختلاط ، فغايته الالتزام بها فيما إذا اتحدت الأموال جنساً ، بأن اختلطت شياه مال المضاربة بشياه مال العامل. وأما إذا اختلفت فلا موجب للقول بها في فرض الجهل ، مع تمييز الأجناس وجوداً وجنساً ، إذ لا موجب لاشتراك المالك مع الورثة في مختصّات الميت مما لا يتحد مع جنس مال المضاربة ، كداره وثيابه وكتبه ، فإنها مما يقطع باستقلال الورثة فيها.

ثمّ إنه قد يستدلّ على تحقّق الشركة في المقام بمعتبرة السكوني ، عن جعفر عن أبيه عن آبائه عن علي (عليهم السلام) : «انه كان يقول : من يموت وعنده مال المضاربة قال : إن سمّاه بعينه قبل موته فقال : هذا لفلان ، فهو له. وإن مات ولم يذكر فهو أُسوة الغرماء» (1).

بدعوى أنّ المستفاد منها كون حال المالك حال الغرماء في ذلك ، فكما أنهم يشتركون مع الوارث ، فكذلك هو يشترك معهم أيضاً.

إلّا أنه ضعيف جدّاً. فإنّ الغرماء لا يشتركون مع الوارث جزماً ، بل غاية الأمر أنّ لهم حقاً في المال ، بل قد عرفت في بعض المباحث المتقدِّمة أن لا حقّ لهم في التركة أيضاً ، لعدم الدليل عليه ، إذ غاية ما دلّ عليه الدليل هو كون الانتقال إلى الورثة بعد أداء الديون ، فليس لهم التصرّف فيه إلّا بعده. وحينئذ فمقتضى القاعدة الالتزام ببقاء التركة على ملك الميت ، وعدم انتقالها إلى الورثة إلّا في الزائد عن الدين ، لا القول باشتراك الغرماء معهم فيها.

ومما يؤيد ما ذكرناه ، من عدم ثبوت الحقّ للغرماء في التركة فضلاً عن اشتراكهم معهم فيها ، أنه يجوز للوارث الأداء من خارج التركة ، بل للأجنبي التبرع به من عنده ، من دون أن يكون لهم حق المطالبة بعين التركة.

وعلى هذا فليس معنى قوله (عليه السلام) : «فهو أُسوة الغرماء» كونه شريكاً


1) الوسائل ، ج 19 كتاب المضاربة ، ب 13 ح 1.

وإن علم بعدم وجوده في تركته ولا في يده ، ولم يعلم أنه تلف بتفريط أو بغيره ، أو ردّه على المالك ، فالظاهر عدم ضمانه ، وكون جميع تركته للورثة ، وإن كان لا يخلو عن إشكال بمقتضى بعض الوجوه الآتية (1).

وأمّا إذا علم ببقائه في يده إلى ما بعد الموت ، ولم يعلم أنه موجود في تركته الموجودة أوْ لا ، بأن كان مدفوناً في مكان غير معلوم ، أو عند شخص آخر أمانة أو نحو ذلك. أو علم بعدم وجوده في تركته ، مع العلم ببقائه في يده ، بحيث لو كان حيّاً أمكنه الإيصال إلى المالك. أو شك في بقائه في يده وعدمه أيضاً. ففي ضمانه في هذه الصور الثلاث وعدمه خلاف وإشكال على اختلاف مراتبه وكلمات العلماء في المقام وأمثاله كالرهن والوديعة ونحوهما مختلفة.


للورثة في المال ، وإنما معناه أنّ حاله كحالهم في عدم انتقال التركة إلى الورثة إلّا بعد أداء مالهم ، فكما أنها لا تنتقل إليهم إلّا بعد أداء الديون ، فكذلك هي لا تنتقل إليهم إلّا بعد أداء مال المضاربة.

ومن غرائب الكلام ما صدر عن صاحب الوسائل (قدس سره) في المقام ، حيث عنوَن باب هذه الرواية بقوله : إنّ من كان بيده مضاربة فمات ، فإن عيَّنها لواحد بعينه فهي له ، وإلّا قسّمت على الغرماء بالحصص (1).

وهو كالصريح في استفادته (قدس سره) منها كون المال معلوماً والمالك مجهولاً. فإنه على خلاف المقطوع به ، فإنّه لو كان المالك مجهولاً لوجب إخراجه في مصرف مجهول المالك ، لا إعطاؤه إلى الغرماء بالحصص.

والحاصل أنّ الرواية وإن كانت معتبرة من حيث السند ، لما تقدّم مراراً من أنّ الأظهر وثاقة كلّ من النوفلي والسكوني ، إلّا أنها أجنبية عن محلّ الكلام بالمرة.

(1) مراده (قدس سره) منه هي قاعدة اليد ، حيث يراها (قدس سره) مثبتة للضمان بقول مطلق ، إلّا في صورتي التلف القهري أو دعوى التلف مع الحلف. وسيأتي الحديث في شمول القاعدة للمقام وعدمه.


1) الوسائل 19 : 29.

والأقوى الضمان في الصورتين الأُوليين (1)(1) لعموم قوله (عليه السلام) : «على اليد ما أخذت حتى تؤدي» حيث إنّ الأظهر شموله للأمانات أيضاً. ودعوى خروجها ، لأن المفروض عدم الضمان فيها. مدفوعة بأنّ غاية ما يكون خروج


(1) بل الأقوى عدم الضمان فيهما إلّا مع ثبوت التفريط. وذلك فلأنّ رواية «على اليد» نبوية لم تثبت من طرقنا ، فلا تصلح للاعتماد عليها في إثبات الضمان ، على ما تقدّم غير مرّة.

ودعوى انجبارها بالشهرة ، ممنوعة صغرى وكبرى.

بل الدليل على الضمان إنما هي السيرة العقلائية القطعية ، وهي غير شاملة لموارد يد الأمين جزماً.

إذن فليس هناك عموم يصحّ التمسّك به لإثبات الضمان في المقام.

على أننا لو تنزّلنا وقلنا بصحّة قاعدة اليد من حيث السند ، فهي غير شاملة للمقام جزماً ، فإنّ يد الأمين خارجة عنها قطعاً ، إذ لا معنى لأن يقال بأنّ أخذه موجب للضمان ، غايته أنه يرتفع بالتلف من غير تعدٍّ أو تفريط. فإنّ الضمان غير ثابت من حين أخذه ، وإنما هو يثبت بتعديه أو تفريطه ، وحيث إنّه لم يثبت فلا مجال للقول بضمانه.

والحاصل أنه حيث لا دليل على الضمان في المقام ، فأصالة البراءة عنه محكمة.

هذا وقد يقال بالتفصيل بين الصورتين ، باختيار الضمان فيما إذا احتمل وجود مال المضاربة في ضمن التركة ، وعدمه فيما إذا علم بعدم وجوده في ضمنها.

بدعوى أنّ الضمان وإن لم يكن يثبت بقاعدة «على اليد» باعتبار أنّ يد العامل يد أمانة ، إلّا أن ذلك لا يعني جواز تصرف الورثة في التركة مع احتمال وجود مال


1) (*) بل الأقوى عدمه إلّا مع ثبوت التفريط ولو من جهة ترك الوصيّة به ، وأمّا التمسّك بعموم الحديث لإثبات الضمان فمخدوش من وجوه.

.................................................................................................


المضاربة فيها ، إذ أن يد العامل هذه لا تكشف عن ملكيّته لهذا المال ، لاحتمال كونه لغيره. ومقتضى العلم الإجمالي بكون مال الغير هذا أو غيره ، عدم جواز تصرّفهم فيه ولزوم المصالحة عليهم مع المالك وتخليص التركة من حقه قبل تصرفهم فيها.

وبعبارة اخرى : إنّ الضمان في المقام ليس من جهة يد الميت وضمانه لما أخذه ، وإنما هو من جهة أنّ يد الميت هذه لا تكشف عن ملكيّته لتلك الأموال ، للعلم بكون مال المضاربة تحت يد العامل إلى حين موته ، فللميت على المال يدان ، ومعه يشك في كون ما تحت يده ملكاً له ، فلا يجوز للورثة التصرّف فيه.

وبالجملة فالعلم الإجمالي بكون مال المضاربة في ضمن التركة أو غيرها ، يسقط اليد عن الكشف عن الملكيّة. ومعه يكون المال مردداً من حيث المالك بين الميت وصاحب مال المضاربة ، ومن هنا فلا يجوز للورثة التصرّف فيه ، حيث لم يثبت كونه ملكاً للميت وفي جملة ما ترك.

وهذا لا يجري فيما إذا علم بعدم وجود مال المضاربة في ضمن التركة ، فإنّ معه لا مجال للشك في استقلال الورثة بالتركة ، وجواز التصرّف لهم كيفما شاؤوا.

إلّا أنه لا يمكن المساعدة عليه.

وذلك فلأن العلم الإجمالي بعدم كون يد الميت على بعض ما في يده يد المالك وإن كان محرزاً بالوجدان ، إلّا أنه غير منجز ، نظراً لخروج بعض أطرافه عن محل الابتلاء. فإنه وبعد احتمال كون المضاربة في غير التركة ، بحيث تكون هي بأكملها للورثة كما هو المفروض ، فلا مانع من إجراء قاعدة اليد الكاشفة عن الملك في التركة ، حيث لا تعارضها قاعدة اليد في المال الآخر الذي هو خارج عن محل الابتلاء.

وتوهم أنّ اعتبار كون أطراف العلم الإجمالي محلا للابتلاء إنما يختص بالأُصول دون الأمارات التي منها قاعدة اليد ، فإنها لا يعتبر في حجيتها كون أطراف العلم الإجمالي بأكملها محلّاً للابتلاء. ولذا لو قامت البيّنة على كون التركة هي مال المضاربة ، وقامت اخرى على كونه في غيرها ، تعارضتا حتى مع خروج الثاني عن محلّ الابتلاء ، وتعيّن الرجوع إلى ما تقتضيه القواعد والأُصول.

.................................................................................................


مدفوع بما ذكرناه في المباحث الأُصولية ، من أنه لا فرق في اعتبار كون أطراف العلم الإجمالي محلّاً للابتلاء في تنجيزه وسقوط الأُصول بين الأمارات والأُصول فإنهما على حدّ سواء في ذلك. وإنما يعتبر ذلك في الإخبارات كالبيّنة وخبر الثقة خاصة ، حيث تثبت لوازمها بالدلالة الالتزامية. وأما غيرها فهي لا تثبت اللازم العقلي ، سواء في ذلك الأُصول وغيرها ، لقصور دليل حجيتها عن ذلك. فالالتزام بثبوت القبلة مثلاً بالظن ، لا يثبت لازمه أعني دخول الوقت لمن أراد الصلاة باعتبار أنّ الدليل إنما تكفل إثبات جواز الصلاة فقط ، وأما لازمه فلا.

وبعبارة اخرى : إنّ الإخبارات تختلف عن غيرها بأنها تتضمن إثبات لوازمها بالدلالة الالتزامية ، ومن هنا تكون معارضة للخبر الآخر من دون اعتبار أن يكون الطرف الآخر محلّاً للابتلاء ، بخلاف غيرها حيث لا يتضمن إثبات اللوازم ، ومن هنا فلا بدّ في تنجيزه من كون أطراف العلم محلا للابتلاء ، وهو مفقود في المقام.

إذن فقاعدة اليد فيما تركه الميت سالمة عن المعارض ، حيث لا علم لنا في وجود رأس المال في ضمن التركة ، ومعه فتنتقل إلى الوارث بلا ضمان ، ويجوز لهم التصرّف فيها.

والذي يتحصّل من جميع ما تقدّم ، أن الصحيح في المقام هو الحكم بعدم الضمان مطلقاً ما لم يعلم تعديه أو تفريطه ، سواء في ذلك العلم بعدمهما أو الشك فيهما. أما مع الأوّل فواضح. وأما مع الثاني فلأن الشبهة مصداقية ولا يصحّ التمسّك بالعلم فيها ، ومقتضى أصالة البراءة عدمه.

نعم ، مع إحراز التعدِّي أو التفريط يحكم بضمانه ، لكن لا من جهة قاعدة اليد ، وإنما من جهة التعدي أو التفريط ، ولو بعدم إخباره للورثة بمكان مال المضاربة وإيصائه به مع علمه بجهلهم به ، فإنه أمانة في يده ولا بدّ له من إيصاله إلى مالكه ولو بتعيين مكانه ، فإذا قصّر فيه كان مفرّطاً فيضمن لا محالة.

وبالجملة فحكمنا بعدم الضمان إنما يختصّ بما إذا لم يحرز تعديه أو تفريطه ولو من ناحية عدم إيصائه به ، بأن كان موته فجأة أو نحوها ، وإلّا فهو ضامن لا محالة.

بعض الصور منها (1) كما إذا تلفت بلا تفريط ، أو ادّعى تلفها كذلك إذا حلف (2). وأما صورة التفريط والإتلاف ودعوى الردِّ في غير الوديعة (1)(3) ودعوى التلف (2)والنكول عن الحلف (4) فهي باقية تحت العموم. ودعوى أن الضمان في صورة التفريط والتعدِّي من جهة الخروج عن كونها أمانة ، أو من جهة الدليل الخارجي ، كما ترى لا داعي إليها.

ويمكن أن يتمسك بعموم ما دلّ على وجوب ردّ الأمانة (5) بدعوى أن الردّ أعم من ردّ العين (3)وردّ البدل (6) واختصاصه بالأوّل ممنوع. ألا ترى أنه يفهم


(1) قد عرفت ما فيه مما تقدّم ، فإنّ يد الأمين غير مشمولة لها من الأوّل ، وإنما الضمان يثبت بتفريطه أو تعدّيه.

(2) تقدّم أنّ الأقوى في هذه الصورة قبول قوله بغير يمين ما لم يكن متّهماً.

(3) الظاهر عدم الفرق بين الوديعة وغيرها ، فإنه لا دليل على استثنائها إلّا الإجماع المدعى ، وهو غير ثابت.

(4) قد عرفت أنّ مقتضى النصوص قبول دعواه بغير يمين ما لم يكن متّهماً.

(5) كقوله تعالى ( إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها ) (4). وقوله تعالى ( فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللّهَ رَبَّهُ ) (5).

(6) وفيها : أنّ الرد إنّما تعلَّق بنفس العين لا ببدلها ، فإنّ الأمانة اسم للعين الخارجية التي تودع عند الغير ، ومن هنا فلا دلالة لهذه الأدلّة على ردّ البدل ، وإنما


1) (*) بل لا تسمع دعوى الردّ في الوديعة أيضاً.

2) (**) الظاهر سماع دعوى التلف مطلقاً إذا لم يكن المؤتمن متّهماً.

3) (***) هذه الدعوى فاسدة فإنّ وجوب الردّ تكليفي ، ومتعلِّقه نفس الأمانة ، مضافاً إلى أنّه قد ثبت عدم الضمان مع عدم التفريط ، فلا مجال للتمسّك بالعموم والشّبهة مصداقيّة.

4) سورة النساء 4 : 58.

5) سورة البقرة 2 : 283.

من قوله (عليه السلام) : «المغصوب مردود» (1)وجوب عوضه عند تلفه (1). هذا مضافاً إلى خبر السكوني (2)عن علي (عليه السلام) : «أنه كان يقول : من يموت وعنده مال المضاربة قال : إن سمّاه بعينه قبل موته ، فقال : هذا لفلان ، فهو له. وإن مات ولم يذكر ، فهو أُسوة الغرماء» (3).

وأما الصورة الثالثة ، فالضمان فيها لا يخلو عن قوّة (4)(3) لأن الأصل بقاء يده عليه إلى ما بعد الموت (4) واشتغال


هي تتضمن حكماً تكليفياً محضاً متعلقاً بنفس العين.

ولو تنزلنا عن ذلك ، فحال هذه الأدلّة حال قاعدة الضمان باليد ، حيث يحتاج إثباته بها إلى إحراز التعدي أو التفريط ، وإلّا فالحكم هو عدم الضمان حتى مع الشك حيث أن الشبهة مصداقية ولا يصحّ التمسك بالعام فيها.

(1) وفيه : أنه مستفاد من الخارج ، وإلّا فاللفظ لا يقتضي إلّا ردّ العين خاصّة.

(2) تقدّم أنّ الرواية وإن كانت معتبرة إلّا أنها أجنبية عن محلّ الكلام ، باعتبار أنّ موردها فرض العلم بوجود مال المضاربة في التركة ، ومحل كلامنا هو فرض العلم بعدمه أو احتمال وجوده فيها.

(3) بل الأقوى فيها عدم الضمان أيضاً ، لعدم تمامية شي‌ء مما ذكره (قدس سره) على ما ستعرف ، فتكون أصالة البراءة سالمة عن المعارض.

(4) وفيه : أنه وإن كان تاماً في حدّ نفسه إلّا أنه لا أثر لإجرائه ، حيث لا يثبت به


1) () الوسائل ، ج 25 كتاب الغصب ، ب 1 ح 3.

2) () الخبر لا دلالة له ، فإنّ مورده العلم بوجود مال المضاربة في التركة ، فلا يشمل مورد الكلام.

3) () الوسائل ، ج 19 كتاب المضاربة ، ب 13 ح 1.

4) (****) بل الأقوى فيها أيضاً عدم الضمان ، وأمّا التمسّك باستصحاب بقاء يده عليه إلى ما بعد الموت فيردّه أنّ الضمان غير مترتّب عليه ما لم يثبت التفريط ، وأمّا التمسّك باستصحاب اشتغال ذمّته بالردّ عند المطالبة فيردّه أنّه من الاستصحاب التعليقي ولا نقول به ، مضافاً إلى أنّ المتيقّن لا يحتمل بقاؤه بعد الموت لأنّه تكليفي محض ، وعلى تقدير التسليم لا يترتّب عليه وجوب أداء البدل ، وعليه فأصالة البراءة من الضمان بلا معارض.

ذمّته بالردّ عند المطالبة (1) وإذا لم يمكنه ذلك لموته يؤخذ من تركته بقيمته. ودعوى أن الأصل المذكور معارض بأصالة براءة ذمّته من العوض ، والمرجع بعد التعارض قاعدة اليد المقتضية لملكيّته. مدفوعة بأن الأصل الأوّل حاكم على الثاني (2). هذا مع أنه يمكن الخدشة في قاعدة اليد بأنها مقتضية للملكيّة إذا كانت مختصة ، وفي المقام كانت مشتركة (1)(3) ، والأصل بقاؤها على الاشتراك.


الضمان ، لما عرفت من أنه غير مترتب في باب الأمانات على اليد كي يثبت باستصحاب بقاء يده عليه ، وإنما هو ثابت من جهة التعدّي والتفريط ؛ واستصحاب بقاء يده عليه لا يثبتهما.

(1) وفيه : أنه من الاستصحاب التعليقي ، حيث إنّ وجوب الردّ مشروط بالمطالبة ولا نقول بحجيته.

على أنّ وجوب الرد في الأمانات وجوب تكليفي محض كما عرفت ، فلا يحتمل بقاؤه بعد الموت لسقوط التكاليف بالموت. ومن هنا فلا مجال لاستصحابه ، لأنّ المتيقن مرتفع قطعاً ، والمحتمل وجوب الردّ على الوارث لم يكن متيقناً سابقاً.

هذا كله مضافاً إلى ما قد عرفت ، من أنّ وجوب الردّ لا يقتضي وجوب دفع البدل عند امتناع ردّ العين نفسها.

إذن فأصالة البراءة من الضمان محكمة من غير معارض.

(2) لكنك قد عرفت أنّ الأوّل غير جارٍ في المقام ، فجريان الثاني يكون من غير معارض.

(3) الظاهر عدم كون المقام من موارد الاشتراك في اليد في شي‌ء. فإنه إنما يكون في موارد ثبوت يدين على مال واحد ، كالصندوق المشترك ما فيه بين اثنين ، فإنه حينئذٍ لا يمكن الحكم بملكية صاحبه لما فيه ، على ما دلّ عليه النص. وأما إذا كان يدان لشخص واحد ، بأن كان له يد على أمواله الخاصة ويد على أموال غيره ، فلا مجال


1) (*) الظاهر عدم كون المقام من موارد الاشتراك في اليد.

بل في بعض الصور يمكن أن يقال : أن يده يد المالك (1)من حيث كونه عاملاً له كما إذا لم يكن له شي‌ء أصلاً فأخذ رأس المال وسافر للتجارة ، ولم يكن في يده سوى مال المضاربة ، فإذا مات يكون ما في يده بمنزلة ما في يد المالك (1) وإن احتمل أن يكون قد تلف جميع ما عنده من ذلك المال ، وأنه استفاد لنفسه ما هو الموجود في يده. وفي بعض الصور يده مشتركة بينه وبين المالك ، كما إذا سافر وعنده من مال المضاربة مقدار ومن ماله أيضاً مقدار (2). نعم ، في بعض الصور لا يعد يده مشتركة أيضاً. فالتمسك بقاعدة اليد بقول مطلق مشكل.

ثمّ إنّ جميع ما ذكر إنما هو إذا لم يكن بترك التعيين عند ظهور أمارات الموت


للحكم بالاشتراك ، بل مقتضى القواعد الحكم بملكيّته لجميع ما تحت يده ، إلّا ما عرف كونه للغير بعينه.

ولعل ما نذكره من الأُمور الواضحة لدى الجميع ، وإلّا فقلّ من يخلو من وجود الأمانة أو الوديعة أو مال الغير بشتى العناوين تحت يده ، أفهل يحتمل أن يكون ذلك موجباً للاشتراك في اليد ومانعاً عن انتقال تركته عند موته!.

(1) ما أفاده (قدس سره) إنما يتمّ فيما إذا كان مال المضاربة بعينه ولو بدلاً موجوداً ومعروفاً في الخارج ، فإنه حينئذٍ تكون يد العامل هي يد المالك بعينها. وأما إذا شك في وجوده ، بحيث كان احتمال تلفه معتداً به ، فإنه لا مجال لأن يقال بأنّ يد العامل على المال الموجود تحت يده حين الموت هي بعينها يد المالك ، فإنه متى كان مالكاً لهذا المال كي تكون يد العامل عليه هي بعينها يده! بل الصحيح هو الحكم بملكيّة العامل لذلك المال بمقتضى قاعدة اليد السالمة عن المعارض.

(2) قد عرفت الحال فيه مما تقدّم ، فلا نعيد.


1) (*) هذا فيما إذا علم ببقاء مال المضاربة بعينه ، وإلّا فقاعدة اليد محكمة.

مفرطاً ، وإلّا فلا إشكال في ضمانه (1).

[3461] الثانية : ذكروا من شروط المضاربة التنجيز ، وأنه لو علقها على أمر متوقّع بطلت. وكذا لو علقها على أمر حاصل إذا لم يعلم بحصوله (2). نعم ، لو علق التصرّف على أمر صحّ وإن كان متوقّع الحصول.


(1) على ما تقدّم بيانه مفصلاً.

(2) وتفصيل الكلام في المقام : إنّ القضية الخارجية ، إما أن تكون جملة إنشائية وإما أن تكون جملة خبرية. وفي كليهما لا يعقل أن يكون الإنشاء أو الإخبار معلقاً على شي‌ء ، بل هما منجزان دائماً. وذلك لما عرفت في المباحث الأُصولية ، من أنّ الأوّل عبارة عن إبراز أمر نفساني غير قصد الحكاية ، في حين أن الثاني عبارة عن إبراز قصد الحكاية وإظهاره. وحيث إنّ من الواضح أنّ الإظهار والإبراز من الأُمور الخارجية فلا معنى لتعليقه ، فإنها إما أن تتحقق خارجاً أو لا تتحقق.

ومن هنا فلا مجال للبحث في صحّة التعليق في العقود والإيقاعات أو فساده ، فإنه بحث لا موضوع له ، حيث لا مجال للتعليق في نفس الإنشاء والإخبار ، بل التعليق إما أن يكون في المنشأ أو المخبر به ، فإنه قد يكون مطلقاً وقد يكون معلقاً على تقدير بحيث يكون الإنشاء والإخبار متعلقاً بالحصّة على ذلك التقدير.

وقد ذكر العلماء أنّ صدق الجملة الشرطية الخبرية وكذبها تابع لصدق الملازمة وعدمه ، من دون أن يكون لصدق الطرفين أو كذبهما تأثير في ذلك. فإذا صدقت الملازمة ، كانت الجملة صادقة حتى مع فرض كذب الطرفين ، كقوله تعالى ( لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللّهُ لَفَسَدَتا ) (1)فإنّ الجملة صادقة مع كذب الطرفين ، وإلّا فهي كاذبة.

ثمّ إنّ التعليق في العقود والإيقاعات قد لا يكون راجعاً إلى الإنشاء أو المنشأ ، بل يكون راجعاً إلى أمر خارج عن مدلول العقد بالكليّة. كما لو ضارب المالك عاملاً على حصّة معيّنة من الربح ، ثمّ نهاه عن تصرف على تقدير معين ، كشراء الشي‌ء


1) سورة الأنبياء 21 : 22.

.................................................................................................


المعيّن في اليوم المعيّن أو الفصل المعيّن. وفيه لا ينبغي الإشكال في صحّته ، فإنه مالك وله أن يأذن أو يمنع العامل من التصرّف في ماله مطلقاً ، كما له ذلك على تقدير دون تقدير.

ومن هذا القبيل ما ذكروه في باب الوكالة ، فإنّ للموكل أن يقيد تصرفات الوكيل بما يشاء ، حتى ولو كانت وكالته حين صدورها مطلقة.

وكذا الحال من حيث الحكم بالصحّة بلا إشكال فيما إذا كان التعليق في مدلول العقد ، لكن كان المعلق عليه أمراً يتوقف العقد بحسب طبعه عند العقلاء أو الشارع عليه ، كتعليق الطلاق على الزوجية أو البيع على المالك أو بلوغ المشتري. فإنه خارج عن محل كلامهم في التعليق من حيث النفي والإثبات جزماً ، باعتبار أنّ هذا التعليق ليس أمراً زائداً عما هو معلق عليه في الواقع ، ومن هنا فوجوده وعدمه سيّان.

وأما إذا كان التعليق على أمر أجنبي عما يكون العقد معلقاً عليه بطبعه ، كما لو كان المنشأ أمراً متأخراً ، أو فعلياً معلقاً على أمر مشكوك الوجود ، فالمشهور والمعروف هو اعتبار التنجيز من كلتا الناحيتين ، الجزم والتنجيز.

إلّا أنه لا دليل لهم على ذلك سوى الإجماع ، حيث لم ينسب الخلاف فيه إلى أحد. وقد علل اعتبار الثاني في بعض الكلمات ، بأنّ التعليق في المنشأ ليس أمراً متعارفاً.

وفيه : أنه لا أثر له بعد شمول الإطلاقات والعمومات له أيضاً ، فالعمدة في المقام هو الإجماع.

لكن الذي ينبغي أن يقال إنه مختصّ بالعقود اللازمة. وأما العقود الجائزة الإذنية كالوكالة والمضاربة ونحوهما ، فلم يثبت إجماع على اعتبار التنجيز فيها ، بل صرّح المحقق القمي (قدس سره) في موضعين من كتابه (جامع الشتات) بصحّة التعليق في الوكالة (1). وهو الصحيح ، حيث لا مانع فيها من التعليق بكلا معنييه ، بعد أن لم يكن فيها إلزام أو التزام.

والحاصل أنه لا مانع من التعليق فيما هو إذن محض ، حيث لا ظنّ بالإجماع فضلاً


1) جامع الشتات 1 : 273 و 306.

ولا دليل لهم على ذلك إلّا دعوى الإجماع على أن أثر العقد لا بدّ أن يكون حاصلاً من حين صدوره. وهو إن صح إنما يتمّ في التعليق على المتوقع ، حيث أن الأثر متأخر. وأما التعليق على ما هو حاصل فلا يستلزم التأخير ، بل في المتوقع أيضاً إذا أخذ على نحو الكشف ، بأن يكون المعلق عليه وجوده الاستقبالي لا يكون الأثر متأخراً.

نعم ، لو قام الإجماع على اعتبار العلم بتحقق الأثر حين العقد ، تمّ في صورة الجهل. لكنه غير معلوم.

ثمّ على فرض البطلان ، لا مانع من جواز التصرّف ونفوذه من جهة الإذن (1).


عن القطع به ، بل لا يبعد دعوى السيرة عليه ، إذ ما أكثر التعليق في الوكالة ، فتراه يوكل غيره عند سفره في بيع داره أو طلاق زوجته إن لم يرجع إلى سنة ، وما إلى ذلك. بخلاف التعليق في العقود اللازمة ، حيث لم يتعارف فيها التعليق ، باستثناء ما ثبت في التدبير والوصية.

وتوهم صحّة التعليق في الإجارة وتعارفه لدى الناس ، فيؤجر داره لمدّة سنة من بعد شهر ، أو بعد انتهاء إجارة المستأجر الأوّل.

واضح البطلان ، فإنه أجنبي عن محل الكلام ، إذ لا تعليق فيها بالمرّة ، فإنّ الملكيّة منجزة وفعلية ، غاية الأمر أنها متعلقة بالمنفعة المتأخرة ، فالمستأجر ومن حين العقد يملك تلك المنفعة المتأخرة. وأين هذا من التعليق في الملكيّة الموجب للبطلان! وبعبارة أُخرى : لا بدّ من التفريق بين التعليق في الملكيّة ، وبين كون الملكيّة المنجزة متعلقة بأمر متأخر. فإنّ الذي يقتضي البطلان إنما هو الأوّل ، وأما الثاني فلا موجب للحكم فيه بالبطلان ، بل لا ينبغي الإشكال في صحّته.

(1) لما عرفت من عدم الملازمة بين بطلانها وبطلان المعاملات الصادرة من العامل ، فإنّها صحيحة حتى على فرض بطلان المضاربة ، ما لم يكن إذن المالك فيها

لكن يستحق حينئذ أُجرة المثل لعمله (1) إلّا أن يكون الإذن مقيداً بالصحّة ، فلا يجوز التصرّف أيضاً.

[3462] الثالثة : قد مرّ اشتراط عدم الحجر بالفلس في المالك (2). وأما العامل فلا يشترط فيه ذلك ، لعدم منافاته لحقّ الغرماء (3). نعم ، بعد حصول الربح منع من التصرّف إلّا بإذن من الغرماء ، بناءً على تعلّق الحجر بالمال الجديد (4).

[3463] الرابعة : تبطل المضاربة بعروض الموت (5) كما مرّ ، أو الجنون ، أو الإغماء (6) ، كما في سائر العقود الجائزة.


مقيداً بصحّة المضاربة ، وإلّا فهي كسائر العقود الفضولية متوقفة على إجازته.

(1) لأنّ عمل المسلم الصادر عن أمر الغير لا على وجه المجانية ، لا يذهب هدراً وحيث لم تسلم له الحصّة المعيّنة تثبت له اجرة المثل لا محالة.

لكنك قد عرفت فيما مضى ، أنه إنما يتمّ فيما إذا لم تزد اجرة المثل عن الحصّة المعيّنة من الربح ، وإلّا فله الأقل خاصّة لإقدام العامل على إهدار الزائد.

هذا كله فيما إذا لم يكن إذن المالك مقيّداً بصحّة المضاربة ، وإلّا فلا شي‌ء له ، لعدم صدور شي‌ء من المعاملات عن أمر المالك ، وكون استيفاء المالك للربح مستنداً إلى إجازته.

(2) وهو واضح ، لكونه ممنوعاً من التصرّف في أمواله مطلقاً ، سواء بالمباشرة أو الاستنابة.

(3) نظراً لعدم كونه تصرفاً في أمواله.

(4) لكنك قد عرفت في محلّه ، أنّ الصحيح اختصاص الحجر بالمال الموجود حين الحكم ، وعدم تعلقه بما يتجدد بعد ذلك.

(5) لكونها عقداً جائزاً إذنياً ، فلا معنى لقيام الوارث مقام الميّت منهما ، لأنه إن كان المالك فإذنه قد انتفى بموته وانتقل المال إلى غيره ، وإذا كان العامل فإذن المالك كان له لا لورثته ، فلا يجوز لهم التصرّف فيه من غير إذن مالكه.

(6) بلا إشكال فيهما. فإن الحكم بصحّة المعاملات الصادرة من العامل إنما يكون

وظاهرهم عدم الفرق بين كون الجنون مطبقاً أو أدوارياً ، وكذا الإغماء بين قصر مدّته وطولها. فإن كان إجماعاً ، وإلّا فيمكن أن يقال بعدم البطلان (1) في الأدواري والإغماء القصير المدّة ، فغاية الأمر عدم نفوذ التصرّف حال حصولهما. وأما بعد الإفاقة فيجوز ، من دون حاجة إلى تجديد العقد ، سواء كانا في المالك أو العامل.

وكذا تبطل بعروض السفه لأحدهما (1)(2) أو الحجر للفلس في المالك ، أو العامل أيضاً إذا كان بعد حصول الربح (3) إلّا مع إجازة الغرماء.


فيما إذا كان المباشر أهلاً لذلك ، وكان المالك قابلاً لاستنادها إليه. وحيث لا مجال لذلك ، مع فرض الجنون أو الإغماء في أحدهما ، فلا ينبغي الإشكال في بطلانها.

(1) بل هو الصحيح ، لعدم الدليل على البطلان. فإنّ المستفاد من الأدلّة عدم صحّة العقد الصادر من المجنون ، أو المغمى عليه ، أو المنتسب إليهما ، في ذلك الحال خاصّة. وأما إذا كان المنشأ في حال الصحّة هي الوكالة الدائمة والمستمرة في جميع الأزمنة فارتفاعها في بعض الأزمنة لا يستلزم ارتفاعها فيما بعد ذلك من الأزمنة الآتية أيضاً بعد إمضاء الشارع لها والحكم بصحّتها حين صدورها.

(2) أمّا في جانب المالك ، فالأمر كما أفاده (قدس سره) ، فإنّ السفه يوجب الحجر عليه ، وهو يمنعه من التصرّف في أمواله. وأما في جانب العامل ، فقد تقدّم الكلام فيه في أوّل هذا الكتاب ، وقد عرفت أنه لا دليل على اعتبار عدمه فيه ابتداءً ، فضلاً عن عروضه له في الأثناء. نعم ، لو حصل له شي‌ء من الربح لم يكن له التصرّف فيه لكونه محجوراً عليه.

(3) لكونه كسائر أمواله يتعلق به حق الغرماء ، وكذلك الحال بالنسبة إلى الربح المتأخر ، بناءً على عموم الحجر للمال الجديد أيضاً.


1) (*) مرّ أنّه لا يعتبر في صحّتها عدم السّفه من العامل.

[3464] الخامسة : إذا ضارب المالك في مرض الموت ، صحّ وملك العامل الحصّة وإن كانت أزيد من اجرة المثل ، على الأقوى من كون منجزات المريض من الأصل. بل وكذلك على القول بأنها من الثلث ، لأنه ليس مفوِّتاً لشي‌ء على الوارث (1)(1) إذ الربح أمر معدوم ، وليس مالاً موجوداً للمالك ، وإنما حصل بسعي العامل.

[3465] السادسة : إذا تبين كون رأس المال لغير المضارب ، سواء كان غاصباً أو جاهلاً بكونه ليس له ، فإن تلف في يد العامل أو حصل خسران (2) فلمالكه الرجوع (2)


(1) وفيه : أنّ الحصّة المعيّنة التي ستوجد فيما بعد ، وإن لم تكن مملوكة للعامل وللمالك إذ لا معنى لملكيّة المعدوم ، إلّا أنها وفي ظرف وجودها تكون مملوكة للعامل نتيجة لجعل المالك ذلك له ، إذ لولاه لكان الربح بتمامه مملوكاً للمالك ، بمقتضى قانون المعاوضة المقتضي لانتقال تمام الثمن إلى مالك المثمن ، على ما تقدّم بيانه غير مرّة. ومن هنا فانتقال الحصّة من المالك إلى العامل ، يكون في ظرفه انتقالاً للمال الموجود بالفعل وإن لم يكن كذلك حين العقد.

وعليه فإذا جعلنا منجزات المريض من الثلث ، كان حال هذا النقل كحال سائر ما يصدر منه من التصرفات المنجزة ، فيمنع منه إذا زاد عن ثلث تركته لا محالة ، والذي يهوِّن الخطب أنّ منجزات المريض تخرج من الأصل لا الثلث.

(2) لا مجال لفرض الرجوع في الخسران في المقام. فإنّ العقود الصادرة من العامل لما لم تكن عن إذن المالك كانت فضولية لا محالة ، ومن ثمّ فإن لم يجزها المالك كان له الرجوع بتمام ماله على من يجدها في يده ، وإن أجازها فقد رضي بها ، ومعه فلا موجب للضمان.


1) (*) فيه نظر واضح ، والذي يسهل الخطب أنّ منجزات المريض تكون من الأصل.

2) (**) ليس للمالك الرجوع في الخسارة وحدها ، فإنّه إن أجاز المعاملة صحّت وليس له الرجوع حينئذ على أحد ، وإلّا رجع بتمام ماله.

على كلّ منهما (1). فإن رجع على المضارب ، لم يرجع على العامل (2). وإن رجع على العامل ، رجع إذا كان جاهلاً على المضارب وإن كان جاهلاً أيضاً ، لأنه مغرور من قبله (1)(3). وإن حصل ربح كان للمالك إذا أجاز المعاملات الواقعة


(1) بلا إشكال فيه ، لوقوع ماله في يد كل منهما ، ومقتضى ضمان اليد لزوم خروج كل منهما عن عهدته ، فيكون كل منهما ضامناً له على نحو تعاقب الأيدي. ولا مانع من ضمان شخصين أو أكثر لمال واحد ، بحيث يكون كل منهما مطالباً به ، والمال ثابت في ذمّته على نحو الواجب الكفائي. وكون يد العامل يد أمانة لا ينفع في سقوط الضمان عنه في المقام ، بعد أن لم يكن المال أمانة عنده من قبل المالك ، وإنما هو أمانة من قبل المضارب ولا أثر لذلك.

(2) لأنه قد دفع إليه المال على أن لا يكون له حق الرجوع عليه عند تلفه بغير تعدٍّ أو تفريط ، فالعامل غير مسؤول في قبال الدافع على التلف في غير هاتين الحالتين.

(3) في تعليل الحكم بالغرور إشكال ، بل منع. فإنه مضافاً إلى عدم ثبوت القاعدة ، يتوقف صدقه على علم المضارب وجهل العامل ، إذ بدونه يكون كلّ منهما معذوراً ، ولا يصدق الغرور عرفاً.

إلّا أنّ هذا لا يعني عدم موافقتنا للماتن (قدس سره) في الحكم ، فإنّ للعامل أن يرجع على المضارب وإن كان جاهلاً ، فيما لو رجع المالك عليه.

وذلك لما ذكرناه في مباحث تعاقب الأيدي من المكاسب ، من أنّ الضمان فيها إنما هو على نحو الواجب الكفائي ، حيث يضمن كل منهم المال التالف ويكون للمالك الرجوع على أي منهم شاء. فإذا أدّى أحدهم لعوضه ، كان وباعتبار العقلاء مالكاً لذلك التالف بقاءً ، بحيث يكون التلف بقاءً من ماله. ومن هنا فله مطالبة كل من


1) (*) لا يصدق الغرور مع جهل المضارب إلّا أنّه مع ذلك يرجع العامل عليه ، لأنّه بأدائه يملك المال الثابت في ذمّة المضارب على ما شيّدنا أركانه في محلّه.

على ماله (1) وللعامل اجرة المثل على المضارب مع جهله (2).

والظاهر عدم استحقاقه الأُجرة عليه (1)مع عدم حصول الربح ، لأنه أقدم على عدم شي‌ء له مع عدم حصوله (3). كما أنه لا يرجع عليه إذا كان عالماً (2)بأنّه ليس له ، لكونه متبرِّعاً بعمله حينئذٍ (4).


الأيادي المتأخرة عنه بملكه وماله إن وجد بعينه وبدله عند تلفه ، وليس له مطالبة الأيادي المتقدِّمة عنه لأدائهم المال إليه.

وهذا الكلام يجري بعينه في المقام. فإنّ العامل وبأدائه للعوض إلى المالك ، يصبح مالكاً للعين التالف بقاءً ، ومن هنا فله الرجوع على المضارب ومطالبته بأداء ماله إليه.

ولا يقدح في ذلك أنّ المفروض أداء المضارب للمال إلى العامل وتسليمه له ، فإنه إنما كان على نحو عدم ضمانه للتلف. فهو نظير ما ذكروه فيما إذا غصب شخص طعاماً وقدمه إلى غيره فأكله ، فرجع المالك على الآكل فضمنه ، فإنه يرجع إلى الغاصب بلا إشكال ، لأنه قد وقع في يده. وليس له الاعتذار بأنه قد سلمه إليه ، لأنه إنما أباحه له وسلّمه إليه مجاناً ، فلا يكون موجباً لسقوط الضمان.

(1) حالها في ذلك حال سائر العقود الفضولية الصادرة بغير رضا المالك.

(2) لصدوره عن أمره لا مجاناً.

(3) فيكون من مصاديق القاعدة المعروفة : «ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده».

ولا يخفى أنّ ما أفاده (قدس سره) من المقام منافٍ لما أفاده في المسألة الثامنة والأربعين ، حيث استشكل في الحكم ولم يجزم به.

وكيف كان ، فالصحيح ما أفاده (قدس سره) في المقام.

(4) تقدّم غير مرّة أنه لا ملازمة بين العلم بالفساد وعدم استحقاقه للمجعول


1) (*) هذا هو الصحيح إلّا أنّه تقدّم منه (قدس سره) في المسألة الثامنة والأربعين خلافه.

2) (**) تقدّم أنّه لا فرق بين صورتي العلم والجهل.

[3466] السابعة : يجوز اشتراط المضاربة في ضمن عقد لازم ، فيجب على المشروط عليه إيقاع عقدها مع الشارط ، ولكن لكلّ منهما فسخه بعده (1)(1).


شرعاً وبين قصد التبرع والمجانية ، فهو مقدم على العمل بعوض معيّن ، وحيث لم يسلم ذلك له يكون له اجرة المثل ، للسيرة العقلائية ، فإنّ العمل المباح فإنّ المحرّم إنما هو التصرّف في مال الغير لا إجراء العقد عليه الصادر عن أمر الغير موجب للضمان.

(1) ما أفاده (قدس سره) وإن كان مما لا بأس به في حدّ نفسه ، إلّا أن الظاهر وبحسب المنصرف العرفي من هذا الشرط ، هو الجريان عليه والاستمرار على مقتضاه ، لا إيقاع مجرّد العقد وصرف التلفظ به.

فيكون هذا الاشتراط نظير اشتراط الهبة في عقد لازم ، حيث أنّ المتفاهم العرفي منه هو الالتزام بها وإتمامها دون مجرّد إنشائها ، بحيث يكون له حقّ الرجوع بعد إجراء العقد ولو بلحظة.

وعليه فإذا فسخ المشروط عليه العقد صحّ فسخه ، إلّا انه موجب لثبوت الخيار للطرف الآخر ، نظراً لتخلف الشرط.

ثمّ إنّ هذا الاشتراط يمكن أن يتصور على نحو آخر ، هو اشتراط الفعل الخارجي أعني الاتجار على أن يكون الربح بينهما على ما يتفقان عليه ، نظير اشتراط الخياطة أو الزيارة أو نحوهما من الأفعال الخارجية في ضمن العقد.

وهو أيضاً صحيح ولا بأس به ، لأنه أمر سائغ في حدّ نفسه ، فلا مانع من أخذه شرطاً في ضمن العقد ، ويجب على المشروط عليه الوفاء به. إلّا أنه لا معنى للبحث عن جواز فسخه وعدمه ، فإنه فعل من الأفعال الخارجية ، وليس بعقد كي يبحث عن جواز فسخه وعدمه.

والظاهر أنه خارج عن موضوع كلام الماتن (قدس سره) ، حيث إنّ المفروض فيه


1) (*) الظاهر أنّ متعلّق الاشتراط عرفاً ليس مجرّد إجراء العقد ، وعليه فلا يجوز للمشروط عليه الفسخ قبل الجري على العقد خارجاً.

والظاهر أنه يجوز اشتراط عمل المضاربة على العامل ، بأن يشترط عليه (1) أن يتّجر بمقدار كذا من ماله إلى زمان كذا على أن يكون الربح بينهما ، نظير شرط كونه وكيلاً في كذا في عقد لازم. وحينئذٍ لا يجوز للمشروط عليه فسخها (2) كما في الوكالة.

[3467] الثامنة : يجوز إيقاع المضاربة (1)بعنوان الجعالة (3) كأن يقول : إذا


كون المضاربة شرطاً ، فيكون شرطية الاتجار خارجة عنه.

وكيف كان ، ففيه لا ينبغي الإشكال في وجوب الوفاء به على المشروط عليه ويكون تخلفه عنه موجباً لثبوت الخيار للشارط. كما لا ينبغي الإشكال في جواز إسقاطه من قبل الشارط ، فإنّه حق من حقوقه.

(1) على نحو شرط النتيجة.

(2) لتحقّقها بتحقق نفس العقد اللازم وفي ضمنه وكأنه جزء منها ، فلا يجوز رفع اليد عنها وفسخها.

(3) وهو إنما يتم بناءً على الالتزام بكون صحّة المضاربة على القاعدة.

وأما بناءً على ما ذكرناه ، من كون مقتضى القاعدة هو الحكم بالبطلان فيها حتى ولو كانت مستكملة لجميع الشرائط ، باعتبار أنه ليس للإنسان أن يملك غيره ما لا يملكه هو بالفعل على ما تقدّم بيانه غير مرّة ولذا قلنا في الإجارة أنه لا يجوز إجارة الأرض بحاصلها أو حاصل غيرها إذا لم يكن موجوداً بالفعل ، فلا مجال للمساعدة على ما اختاره الماتن (قدس سره) في المقام ، لأننا إنما خرجنا عن القاعدة في المضاربة والمزارعة والمساقاة والتزمنا بصحّتها للدليل الخاص ، وحيث إنه مفقود في المقام إذ لم يقم دليل على الصحّة في الجعالة الفاقدة لشرائط المضاربة ، فلا يمكن القول بصحّتها ، بل مقتضى القاعدة هو الحكم بالبطلان.


1) (*) فيه إشكال بل منر. فإنّ الذي يملكه العاقل في المضاربة غير مملوك للمضارب فعلاً ، وإنّما التزمنا بصحّته لقيام الدليل على ذلك ، ولم يقم دليل على ذلك في الجعالة إذا كانت فاقدة لشرائط المضاربة ، إذن فمقتضى القاعدة البطلان.

اتّجرت بهذا المال وحصل ربح فلك نصفه ، فيكون جعالة تفيد فائدة المضاربة. ولا يلزم أن يكون جامعاً لشروط المضاربة (1) فيجوز مع كون رأس المال من غير النقدين ، أو ديناً ، أو مجهولاً جهالة لا توجب الغرر. وكذا في المضاربة المشروطة في ضمن عقد بنحو شرط النتيجة (2) فيجوز مع كون رأس المال من غير النقدين (1).

[3468] التاسعة : يجوز للأب والجد الاتّجار بمال المولى عليه بنحو المضاربة بإيقاع عقدها ، بل مع عدمه أيضاً (3) بأن يكون بمجرّد الإذن منهما (2)(4). وكذا


والحاصل أنه لا وجه للحكم بصحّة مثل هذه الجعالة ، فإنّ الربح لا يمكن أن يكون ملكاً للعامل ، بعد أن لم يكن مملوكاً للمالك.

(1) وكأنه لخروج المقام عن عقد المضاربة ، فإنه إيقاع مجرّد يفيد فائدة المضاربة وأدلّة الشروط إنما دلّت على اعتبارها في المضاربة لا في غيرها.

لكنك قد عرفت ما فيه ، حيث إنّ القاعدة تقتضي البطلان في الجميع ، وإنما خرجنا عنها في المضاربة للنص ، وحينئذٍ فلا بدّ من مراعاة الشروط المعتبرة.

ومن هنا فيشكل الحكم بصحّتها ، مع كون رأس المال من غير النقدين ، بناءً على اعتبار ذلك في المضاربة.

(2) يظهر الحال فيه مما تقدّم. فإنّ الحال فيه هو الحال في إيقاع المضاربة بعنوان الجعالة ، فإنّ مثل هذا الشرط محكوم بالفساد ، إذ لا يصحّ تمليك ما لا يملكه بالفعل.

(3) بأن يتجر به ناوياً المضاربة وكون الربح بينهما ، وذلك لعموم ولايته ما دام إنّ الفعل في مصلحة المولى عليه.

(4) لا يخفى ما في العبارة من المسامحة ، فإنّه لا معنى لإذن الإنسان لنفسه في الفعل الصادر منه ، كما هو المفروض. ومن هنا فإمّا أن يحمل الإذن على القصد والنيّة ، بأن


1) (*) فيه إشكال بناءً على اشتراط المضاربة بكون رأس المال من النقدين.

2) (**) لعلّه (قدس سره) أراد به القصد والنيّة ، وإلّا فهو من سهو القلم.

يجوز لهما المضاربة بماله مع الغير (1) على أن يكون الربح مشتركاً بينه وبين العامل. وكذا يجوز ذلك للوصي في مال الصغير ، مع ملاحظة الغبطة والمصلحة والأمن من هلاك المال.

[3469] العاشرة : يجوز للأب والجد الإيصاء بالمضاربة بمال المولى عليه (2)


يقال إنّ مراده (قدس سره) إنما هو جواز ذلك إذا كان الولي أباً كان أو جدّاً قاصداً بتصرّفه هذا المضاربة ، وإلّا فهو من سهو القلم لا محالة.

(1) لعموم ولايتهما ، وعدم الفرق بين صدور الفعل عنهما بالمباشرة أو التسبيب ما دام أنه في مصلحة الصغير.

(2) والذي يمكن أن يستدلّ به على هذا المدعى ، مع قطع النظر عن النص الخاص ، أحد أمرين :

الأوّل : شمول دليل الولاية له ، بدعوى أنه غير مختص بتصرفاته في حياته وعمومه لما يكون متأخراً عن وفاته أيضاً.

الثاني : إطلاقات أدلّة نفوذ الوصية ، ودعوى شمولها لوصيتهما بالاتجار بمال الصبي بعد موتهما ، فإنّ مقتضاها صحّة مثل هذه الوصية ونفوذها.

والذي يظهر من الماتن (قدس سره) هنا وفي ذيل المسألة ، أن مستنده في ذلك إنما هو الأمر الثاني دون الأوّل ، إذ لا إطلاق ولا عموم يشمل تصرفاتهما بعد موتهما ، بل لهما التصرّف في مال الصغير ما داما على قيد الحياة ، وأما بعد موتهما فلا ولاية لهما عليه في شي‌ء.

ومما يشهد لذلك أعني كون مستنده (قدس سره) في ذلك هو الأمر الثاني أنه (قدس سره) لم يخصّ الحكم بالصغار ، بل عمّمه للكبار أيضاً ، مع الالتزام بثبوت الخيار لهم باعتبار أنّ المضاربة من العقود الجائزة ، والحال أنه لا ولاية لهما على الكبار جزماً.

وكيف كان ، فما أفاده (قدس سره) لا يمكن المساعدة عليه بالنسبة إلى الصغار

بإيقاع الوصي عقدها لنفسه أو لغيره ، مع تعيين الحصّة من الربح أو إيكاله إليه. وكذا يجوز لهما الإيصاء بالمضاربة في حصّة القصير من تركتهما بأحد الوجهين (1).

كما أنه يجوز ذلك لكلّ منهما بالنسبة إلى الثلث المعزول لنفسه (2) بأن يتّجر الوصي به ، أو يدفعه إلى غيره مضاربة ، ويصرف حصّة الميت في المصارف المعيّنة للثلث.


فضلاً عن الكبار ، إذ لا يوجد في أدلّة الوصية إطلاق يشمل الوصية التي لا ترجع إلى الميت وأمواله ، فإنها وبأجمعها واردة في الوصايا الراجعة إلى الميت نفسه وأمواله.

ومن هنا فلا تنفذ إلّا في الثلث مما يملك ، وأما الزائد عنه فهو وصيّة في مال الغير على ما دلّت عليه النصوص. ولذا لم يلتزم أحد بنفوذ الوصية بالحج مجاناً ، أو الوصية بالاتجار بما يصل إليه منه بالشي‌ء المعيّن ، فإنه لا يلزمه شي‌ء من ذلك إجماعاً ، وليس ذلك إلّا لكونها وصية متعلقة بمال الغير.

ومن هنا فلا مجال للالتزام بصحّة مثل هذه الوصية ونفوذها بالنسبة إلى الصغار فضلاً عن الكبار ، فإنها إذا لم تتم بالنسبة إليهم ، فعدم تماميتها في الكبار يكون بطريق أولى.

هذا كله بالنسبة إلى ما تقتضيه القواعد الأوّلية ، ومع قطع النظر عن النصوص الخاصة. وأما مع الالتفات إليها ، فلا بأس بما التزم به (قدس سره) بالنسبة إلى الصغار خاصة ، على ما سيأتي بيانه عند تعرضه (قدس سره) للروايات.

(1) الفرق بين هذه الصورة وسابقتها يكمن في أنّ متعلق الوصية في الأُولى هي أموال الصبي الموجودة حال الوصية ، في حين أن متعلقها في الثانية هو خصوص ما ينتقل إليه من الأب أو الجد بالإرث.

وكيف كان ، فالحكم في الصورتين واحد.

(2) بلا خلاف فيه. ويقتضيه ما عرفت من شمول أدلّة نفوذ الوصية له.

بل وكذا يجوز (1)الإيصاء منهما بالنسبة إلى حصّة الكبار أيضاً (1). ولا يضرّ كونه ضرراً عليهم من حيث تعطيل مالهم إلى مدّة ، لأنه منجبر (2) بكون الاختيار لهم في فسخ المضاربة وإجازتها ، كما أنّ الحال كذلك بالنسبة إلى ما بعد البلوغ في القصير فإنّ له أن يفسخ أو يجيز (3).

وكذا يجوز لهما الإيصاء بالاتّجار بمال القصير على نحو المضاربة (4) بأن يكون هو الموصى به ، لا إيقاع عقد المضاربة ، لكن إلى زمان البلوغ أو أقلّ. وأما إذا جعل المدّة أزيد ، فيحتاج إلى الإجازة بالنسبة إلى الزائد (5).

ودعوى عدم صحّة هذا النحو من الإيصاء ، لأنّ الصغير لا مال له حينه وإنما ينتقل إليه بعد الموت ، ولا دليل على صحّة الوصية العقدية في غير التمليك ، فلا


(1) فيه إشكال بل منع ، ينشأ مما تقدّم من كونه خلاف القواعد الأوّلية ، وعدم شمول الأدلّة الخاصة له ، على ما سيأتي بيانه.

(2) في التعبير بالانجبار مسامحة واضحة ، والصحيح منع دعوى الضرر ، لكون العقد جائزاً وأمره بيد الوارث ، إن شاء أبقاه وإن شاء فسخه ، فلا يكون ضرراً عليه لا أنه ثابت ، غاية الأمر أنه منجبر بالخيار ، وإلّا لكان مقتضاه هو الحكم بالبطلان لا ثبوت الخيار ، فإنّ الحكم الضرري مرفوع ، والانجبار لا يوجب الحكم بالصحّة.

(3) فإنّ ما صدر منهما إنما يصح ويلزم الصغير ما دامت الوصية نافذة والولاية ثابتة عليه. وحيث إنهما يرتفعان ببلوغه ، إذ لا وصاية حينئذٍ عليه ولا ولاية ، والعقد إذني محض ، فلا مجال لإلزامه به ، بل لا بدّ من إذنه فيه. فإن أجاز فهو ، وإلّا فلا يجوز التصرّف في ماله.

(4) لشمول التعليل المذكور في الرواية له.

(5) لانتفاء الولاية عليه بعد البلوغ ، والعقد إذني ، فيحتاج إلى إذنه لا محالة ، كما تقدّم.


1) (*) فيه إشكال بل منع.

يصحّ أن يكون إيجاب المضاربة على نحو إيجاب التمليك بعد الموت ؛ مدفوعة بالمنع (1). مع أنّه الظاهر من خبر خالد بن بكر الطويل (2) في قضية ابن أبي ليلى وموثق محمد بن مسلم (3) المذكورين في باب الوصيّة.


(1) لعموم النص له.

(2) رواه محمد بن يعقوب ، عن محمد بن أبي عمير ، عن عبد الرحمن بن الحجاج عن خالد بن بكير (بكر نسخة) الطويل ، قال : دعاني أبي حين حضرته الوفاة فقال : يا بنيّ ، اقبض مال إخوتك الصغار واعمل به ، وخذ نصف الربح وأعطهم النصف وليس عليك ضمان. فقدّمتني أُمّ ولد أبي بعد وفاة أبي إلى ابن أبي ليلى ، فقالت : إنّ هذا يأكل أموال ولدي ، قال : فاقتصصت عليه ما أمرني به أبي ، فقال لي ابن أبي ليلى : إن كان أبوك أمرك بالباطل لم أُجزه ، ثمّ أَشهدَ عليَّ ابن أبي ليلى إن أنا حرّكته فأنا له ضامن. فدخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام) فقصصت عليه قصّتي ، ثمّ قلت له : ما ترى؟ فقال : «أما قول ابن أبي ليلى فلا أستطيع ردّه ، وأما فيما بينك وبين اللّه عزّ وجلّ فليس عليك ضمان» (1).

وهو مضافاً إلى ضعف سنده بخالد بن بكير (بكر) وارد في الصغار ، فالتعدي عنهم إلى الكبار يحتاج إلى دليل ، وهو مفقود.

(3) رواه محمد بن يعقوب ، عن أحمد بن محمد ، عن علي بن الحسن ، عن الحسن ابن علي بن يوسف ، عن مثنى بن الوليد ، عن محمد بن مسلم ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنه سئل عن رجل أوصى إلى رجل بولده وبمال لهم ، وأذن له عند الوصية أن يعمل بالمال وأن يكون الربح بينه وبينهم ، فقال : «لا بأس به من أجل أنّ أباهم قد أذن له في ذلك وهو حي» (2).


1) الوسائل ، ج 19 كتاب الوصايا ، ب 92 ح 2 ، الكافي 7 : 61.

2) الوسائل ، ج 19 كتاب الوصايا ، ب 92 ح 1.

.................................................................................................


ثمّ إنّ في الفقيه علي بن الحسين الميثمي (1)بدلاً من علي بن الحسن على ما في الكافي والتهذيب (2)والوسائل وهو ابن فضال الذي يروي عنه أحمد بن محمد وهو من سهو قلمه الشريف أو غلط النساخ جزماً ، إذ لا وجود لعلي بن الحسين الميثمي لا في الروايات ولا في كتب الرجال.

نعم ، روى (قدس سره) في بعض الموارد عن علي بن الحسن الميثمي ، إلّا أنه غلط أيضاً والصحيح علي بن الحسن التيمي.

وكيف كان ، فهو غير علي بن الحسين الميثمي.

ثمّ إنّ صاحب الوسائل قد جعل المروي عنه لعلي بن الحسن هو الحسن بن علي ابن يونس ، وجعل كلمة يوسف نسخة بدل ليونس.

وهو من الغلط جزماً ، فإنّ الحسن بن علي بن يونس لا وجود له في الروايات وكتب الرجال أيضاً ، فالصحيح هو الحسن بن علي بن يوسف على ما في الكافي والفقيه والتهذيب وهو ابن بقاح الثقة.

وكيف كان ، فالرواية معتبرة من حيث السند. وأما من حيث الدلالة فهي واضحة الدلالة ، ومقتضى إطلاق كلمة (المال) فيها عدم الفرق بين ما كان يملكه الصغير حين الوصية وما يملكه بعد ذلك ، كما أن مقتضى التعليل عدم الفرق بين الوصية بالمضاربة والوصية بالاتجار. فإنه على جميع هذه التقادير تنفذ الوصية وتلزم الصبي ما دام هو كذلك ، وأما إذا بلغ فهو بالخيار بين إبقائه ورفعه.

هذا كله بالنسبة إلى الصغير. وأما بالنسبة إلى الكبير ، فحيث لم يرد نص فيه ، فلا موجب للالتزام بصحّة الوصية بالنسبة إليه.

نعم ، قد عرفت أنّ الماتن (قدس سره) إنما يستند في ذلك إلى أدلّة نفوذ الوصية لكنك قد عرفت ما في العبارة والمطلب معاً.


1) الفقيه 4 : 169 / 590.

2) الكافي 7 : 62 ، التهذيب 9 : 236 / 921.

وأمّا بالنسبة إلى الكبار من الورثة ، فلا يجوز بهذا النحو (1) لوجوب العمل بالوصيّة وهو الاتّجار فيكون ضرراً عليهم (2) من حيث تعطيل حقّهم من الإرث وإن كان لهم حصّتهم من الربح ، خصوصاً إذا جعل حصّتهم أقل من التعارف.

[3470] الحادية عشرة : إذا تلف المال في يد العامل بعد موت المالك من غير تقصير ، فالظاهر عدم ضمانه (3). وكذا إذا تلف بعد انفساخها بوجه آخر (4).

[3471] الثانية عشرة : إذا كان رأس المال مشتركاً بين اثنين ، فضاربا واحداً ثمّ فسخ أحد الشريكين ، هل تبقى بالنسبة إلى حصّة الآخر ، أو تنفسخ من الأصل؟ وجهان ، أقربهما الانفساخ (1)(5). نعم ، لو كان مال كل منهما متميزاً


(1) ما أفاده (قدس سره) في جانب الكبار من التفصيل ، بين كون متعلق الوصية هو عقد المضاربة وبين كونه الاتجار ، تامّ ومتين على تقدير شمول أدلّة الوصية للمقام فإنه حينئذٍ لا محيص عن الالتزام بهذا التفصيل ، إلّا أنك قد عرفت منه أصل المبنى فإنّ أدلّة نفوذ الوصية قاصرة الشمول لمثله.

(2) حيث لا يكون لهم حق الفسخ ، نظراً لعدم وجود عقد في البين ، فإنّ الوصية إنما تعلقت بالعمل وهو الاتجار ، فإذا قلنا بوجوبه عليهم كان ضرريّاً لا محالة.

ومن هنا يظهر الفرق بين المقام وصورة تعلق الوصية بالمضاربة. فإنّ الثانية عقد المضاربة قابلة للرفع حتى بناءً على القول بنفوذ الوصية ، بخلاف الاولى.

(3) لكون يده على المال يد أمانة ، فلا يضمن إلّا بالتعدي أو التفريط ، والمفروض عدمهما.

(4) لما تقدّم.

(5) بل أقربهما عدمه. إذ لا وجه لاعتبار هذا العقد عقداً واحداً ، فإن تعدد المالك يستلزم تعدد المضاربة لا محالة ، فيكون العامل عاملاً للأوّل في نصف المال وللآخر في


1) (*) بل أقربهما عدمه.

وكان العقد واحداً ، لا يبعد بقاء العقد بالنسبة إلى الآخر (1).

[3472] الثالثة عشرة : إذا أخذ العامل مال المضاربة وترك التجارة به إلى سنة مثلاً ، فإن تلف ضمن (2) ولا يستحق المالك عليه غير أصل المال (3) وإن كان آثماً في تعطيل مال الغير.

[3473] الرابعة عشرة : إذا اشترط العامل على المالك عدم كون الربح جابراً للخسران مطلقاً ، فكلّ ربح حصل يكون بينهما ، وإن حصل خسران بعده أو قبله. أو اشترط أن لا يكون الربح اللّاحق جابراً للخسران السابق ، أو بالعكس.


النصف الثاني كما هو واضح ، وإن اتحد الإنشاء ، فإنه لا يستلزم اتحاد المضاربة بوجه.

وهذا الكلام غير مختص بالمضاربة ، بل يجري في جميع العقود. فإنه لو وهب الشريكان مالهما المشترك بإنشاء واحد لشخص واحد ، ثمّ رجع أحدهما في ذلك ، لم يكن ذلك إلّا رجوعاً وفسخاً للهبة في حصّته دون حصّة صاحبه.

هذا على أنّ الماتن (قدس سره) قد التزم في المسألة السابعة والأربعين ، بجواز فسخ المالك للمضاربة ببعض المال واسترداده له ، من دون أن يكون ذلك مخلّاً لبقائها في الباقي. فإنّ هذا الفسخ بالنسبة إلى بعض المال إذا كان جائزاً مع اتحاد المالك فجوازه مع تعدده يكون أوضح وبطريق أولى.

والحاصل أنّ الصحيح هو عدم السراية مطلقاً ، سواء أكان المالك واحداً أم متعدداً ، كان المال متميزاً أم لم يكن كذلك.

(1) لما عرفت من تعدد المضاربة حقيقة وإن اتحدّت إنشاءً.

(2) لتعديه وتفريطه بإهماله للمال ، وإبقائه كذلك عنده من غير إذن المالك ، حيث إن الإذن مختصّ بإبقائه عنده للاتجار خاصة لا مطلقاً.

(3) باعتبار أنّ الربح لم يكن موجوداً خارجاً ، كي يكون العامل بإهماله للمال متلفاً ومن ثمّ ضامناً له ، غاية الأمر أنه بفعله حرم المالك من الربح بحيث لم يدعه يربح ، وهو لا يوجب الضمان.

فالظاهر الصحّة. وربّما يستشكل بأنه خلاف وضع المضاربة ، وهو كما ترى (1).

[3474] الخامسة عشرة : لو خالف العامل المالك فيما عيّنه جهلاً أو نسياناً أو اشتباهاً ، كما لو قال : لا تشتر الجنس الفلاني أو من الشخص الفلاني فاشتراه جهلاً ، فالشراء فضولي (1)(2) موقوف على إجازة المالك.


(1) وذلك لأنّ عنوان المضاربة متقوّم بجعل مقدار من الربح للعامل ، وهو متحقق في المقام.

نعم ، ذلك قد يلحظ بالقياس إلى مجموع المعاملات كما هو الغالب في باب المضاربة ، وقد يلحظ بالقياس إلى كل معاملة. إلّا أنه أمر خارج عن مفهوم المضاربة فإنّه أعمّ من هذا وذاك ، وعليه فلا مانع من شمول الإطلاقات له.

ودعوى منافاته لقوله (عليه السلام) : الربح بينهما ، والوضيعة على المال (2).

مدفوعة بأنّ كون الربح بينهما أعمّ من كونه من مجموع التجارات أو كلّ تجارة فإنّه أمر تابع للجعل وخارج عن مفهوم المضاربة.

(2) أرسله غير واحد من الأصحاب إرسال المسلَّمات ، وعلّله بعضهم بعدم إذن المالك ، لكن الظاهر أنه لا يخلو من إشكال. وذلك لأنّ ما أفاده (قدس سره) وإن كان مقتضى القاعدة إلّا أنه لا مجال للاستناد إليها بعد دلالة جملة كثيرة من النصوص وأكثرها صحاح ، على صحّة المعاملة عند مخالفة العامل لما عيّن له شرطاً أو قيداً على كل تقدير ، مع كون الربح بينهما على ما اتفقا عليه والخسران على العامل فقط لتعدّيه ومخالفته (3)، فإنّ هذه النصوص غير قاصرة الشمول للمقام ، وقد عمل بها الماتن (قدس سره) وغيره في صورة علم العامل بالحال.


1) (*) فيه إشكال ، لأنّه وإن كان مقتضى القاعدة ، إلّا أنّ إطلاق جملة من النصوص الواردة في بيان حكم مخالفة العامل لما عيّن له شرطاً أو قيداً يعم المخالفة غير العمديّة أيضاً ، نعم شراء من ينعتق على المالك خارج عن عمل المضاربة بلا إشكال ، إذ لا تصحّ المضاربة فيه مع إذن المالك فضلاً عن عدمه.

2) الوسائل ، ج 19 كتاب المضاربة ، ب 1.

3) الوسائل 19 : 15 كتاب المضاربة ، ب 1.

وكذا لو عمل بما ينصرف إطلاقه إلى غيره ، فإنه بمنزلة النهي عنه. ولعل منه ما ذكرنا سابقاً من شراء من ينعتق على المالك (1) مع جهله بكونه كذلك. وكذا الحال إذا كان مخطئاً في طريقة التجارة ، بأن اشترى ما لا مصلحة في شرائه عند أرباب المعاملة في ذلك الوقت ، بحيث لو عرض على التجار حكموا بخطائه.

[3475] السادسة عشرة : إذا تعدّد العامل ، كأن ضارب اثنين بمائة مثلاً بنصف الربح بينهما متساوياً أو متفاضلاً ، فاما أن يميز حصّة كل منهما من رأس المال (2) كأن يقول : على أن يكون لكل منه نصفه ،


ومن الواضح أنه لا خصوصية لفرض العلم ، إذ لا قصور في هذه النصوص عن شمول فرض الجهل أيضاً ، فإنّ المفروض فيها مخالفة العامل للمالك فيما إذا اشترط عليه أو أخذه قيداً في المعاملة ، وأما كون ذلك عن عمد أو جهل فلا تعرض لها إليه ومقتضى الإطلاق ثبوت الحكم في الصورتين.

نعم ، ورد في بعض تلك النصوص أخذ عنوان العصيان (1)وهو لا يشمل فرض الجهل ، إلّا أنه ضعيف من حيث السند فلا مجال للاعتماد عليه.

إذن فالصحيح هو الحكم بصحّة هذه المعاملات في المقام ، مع الالتزام بكون الربح بينهما والخسران على العامل.

ولعل غفلة المعلقين عن التعليقة على هذا الحكم في المقام ، ناشئة عن غفلتهم عن هذه النصوص ، واللّه العالم.

(1) في خصوص هذا الفرض الأمر كما أفاده (قدس سره) ، لخروجه عن عنوان المضاربة ، فإنها مبنيّة على الاسترباح ، وهذه المعاملة لا يمكن فيها الاسترباح ، فلا تصح مضاربة مع إذن المالك فضلاً عن عدمه ، وقد تقدّم بيانه مفصلاً.

(2) بحيث تكون المضاربة متعددة حقيقة ، بأن تكون مع كلّ منهما مضاربة مستقلّة عن المضاربة مع الآخر ، وإن اتحدتا إنشاءً.


1) الوسائل 19 : 20 كتاب المضاربة ، ب 6.

وإمّا لا يميز (1). فعلى الأوّل الظاهر عدم اشتراكهما في الربح والخسران والجبر (2) إلّا مع الشرط (1)(3) لأنه بمنزلة تعدّد العقد. وعلى الثاني يشتركان فيها وإن اقتسما بينهما فأخذ كل منهما مقداراً منه (4)


(1) بأن تكون المضاربة مضاربة واحدة معهما معاً ، بحيث يكونان بمنزلة العامل الواحد ، ويكون كلّ منهما عاملاً مضارباً في جميع المال.

(2) لعدم الموجب له ، بعد تعدد المضاربة واستقلال كل منهما عن الآخر.

(3) بل ومعه أيضاً ، إذا كان على نحو شرط النتيجة كما هو المفروض. وذلك لما عرفت غير مرّة من أن الشروط ليست مشرعة ، ومن هنا فصحتها تكون محتاجة إلى الدليل ، وإلّا فمقتضى عقد المضاربة كون الربح بين العامل والمالك خاصة.

وبعبارة اخرى : إنّ جبر ربح مضاربة شخص لخسران شخص آخر يحتاج إلى الدليل ، ولا يكفي في إثباته أدلّة الشروط ، لأنها ليست مشرعة. ومن هنا فيكون حال هذا الفرع حال اشتراط الربح للأجنبي ، بل هذا من مصاديقه حيث إنّ العامل الآخر أجنبي عن هذه المعاملة.

(4) لأنّ التقسيم خارجاً لا يجعل المضاربة الواحدة مضاربتين مستقلّتين. وهذا مما لا كلام فيه ، وإنما الكلام ينبغي أن يقع في صحّة مثل هذه المضاربة ، حيث تتحد المضاربة ويتعدد العامل.

والذي يظهر من كلمات الأصحاب أنّ صحّتها أمر مفروغ عنه ومتسالم عليه. إلّا أننا لو كنا والروايات الواردة في المضاربة للزم الحكم ببطلان هذه المعاملة ، إذ لا يوجد فيها ما يدلّ على صحّة المضاربة مع اثنين ، وإنما الوارد فيها عنوان الرجل وهو ظاهر في العامل المتحد.

نعم ، ذكر صاحب الجواهر (قدس سره) أنّ المراد بالرجل والعامل في لسان النصوص إنما هو الجنس ، ومن هنا فيصدق على الواحد والمتعدد (2).


1) (*) بل مع الشرط أيضاً على ما تقدّم.

2) الجواهر 26 : 370.

إلّا أن يشترطا عدم الاشتراك فيها (1)(1).

فلو عمل أحدهما وربح ، وعمل الآخر ولم يربح أو خسر ، يشتركان في ذلك الربح ويجبر به خسران الآخر. بل لو عمل أحدهما وربح ، ولم يشرع الآخر بعد في العمل ، فانفسخت المضاربة ، يكون الآخر شريكاً (2) وإن لم يصدر منه عمل لأنه مقتضى الاشتراك في المعاملة. ولا يعدّ هذا من شركة الأعمال كما قد يقال ، فهو نظير ما إذا آجر نفسهما لعمل بالشركة ، فهو داخل في عنوان المضاربة لا الشركة كما إن النظير داخل في عنوان الإجارة.


وهذه الدعوى وإن كانت قابلة للتصديق إمكاناً ، إلّا أنها خلاف الظاهر جدّاً فتحتاج في مقام الإثبات إلى الدليل وهو مفقود.

والذي يمكن أن يقال في هذا المقام : إنّ المضاربة ليست من المعاملات الشرعية المحضة ، بحيث يكون الشارع المقدس هو المؤسس لها ابتداءً ، وإنما هي معاملة عقلائية ثابتة ومتعارفة لدى العقلاء قبل التشريع ، وقد أمضاها الشارع المقدس وأقرّ العقلاء على فعلهم ذلك.

ومن هنا فحيث إن هذه المعاملة غير مقيّدة لدى العقلاء باتحاد العامل فإنها كما تتحقّق مع العامل الواحد تتحقق مع تعدد العملاء ، حاله في ذلك حال الأجير فإنّ المالك قد يجعل أجيراً واحداً ، وقد يجعل اجراء متعددين ، كفى دليل الإمضاء في الحكم بصحّة هذه المعاملة ، حيث لم يدلّ على اعتبار وحدة العامل.

وبعبارة اخرى : إنّ عدم ورود الردع عن تعدّد العامل في شي‌ء من أدلّة إمضاء عقد المضاربة ، بعد قيام السيرة العقلائية عليه ، يكفي في الحكم بصحّة هذه المعاملة ، وحمل عنوان الأجير في لسان الأدلّة على الجنس.

(1) الظاهر أنه لا أثر لهذا الاشتراط ، فإنّ الشرط لا يكون مشرعاً ، ولا بدّ من دليل يقتضي ذلك وهو مفقود.

(2) لاتحاد المضاربة وكونهما بمنزلة العامل الواحد.


1) في صحّة هذا الشرط إشكال بل منع.

[3476] السابعة عشرة : إذا أذن المالك للعامل في البيع والشراء نسيئة فاشترى نسيئة وباع كذلك ، فهلك المال ، فالدين في ذمّة المالك (1). وللديان إذا علم بالحال أو تبين له بعد ذلك الرجوع على كل منهما (2). فإن رجع على العامل وأخذ منه رجع هو على المالك (3).

ودعوى أنه مع العلم من الأوّل ليس له الرجوع على العامل ، لعلمه بعدم اشتغال ذمّته. مدفوعة بأن مقتضى المعاملة ذلك (4) خصوصاً في المضاربة (5) وسيما إذا علم أنه عامل يشتري للغير ، ولكن لم يعرف ذلك الغير أنه من هو ومن أي بلد.


(1) بلا إشكال فيه. فإنّ المعاملة الصادرة من العامل بإذنه معاملة له ، فيكون مطالباً بعوضها لا محالة.

(2) أما المالك ، فلما عرفت. وأما العامل ، فلكونه مسؤولاً عن المعاملة وطرفاً لها فإنه ليس كالوكيل في إجراء الصيغة خاصة حيث لا يتحمل شيئاً من مسؤولية العقد بل هو طرف له حقيقة ، لا سيما إذا كان المالك جاهلاً بما يقوم به كما هو الحال في وكالات التجار بيعاً وشراءً ، فإنّ الوكيل يقوم بتلكم المعاملات على وفق ما يراه صالحاً ، من دون إخبار الموكل بجزئيات كلّ منها قبل إيقاعها.

ومن هنا فيتحمل العامل مسؤوليته في المعاملة ، باعتبار أنّ إقدامه على البيع والشراء إقدام على الضمان وكونه مسؤولاً عنه ، على ما تقتضيه السيرة القطعية ، فإنّ المشتري يرجع على الذي باشر العقد وكان طرفاً له ومسؤولاً عنه ، من غير التفات إلى كونه وكيلاً أو مالكاً.

(3) لاستقرار الضمان عليه ، باعتبار أنّ المعاملة له وهو الطرف الحقيقي فيها.

(4) لإقدامه على الضمان وكونه مسؤولاً عنها كما عرفت ، مضافاً إلى السيرة العقلائية القطعية.

(5) حيث يكون العامل شريكاً للمالك في الربح.

ولو لم يتبين للديان أن الشراء للغير ، يتعين له الرجوع على العامل في الظاهر (1) ويرجع هو على المالك.

[3477] الثامنة عشرة : يكره المضاربة مع الذمي ، خصوصاً إذا كان هو العامل ، لقوله (عليه السلام) : «لا ينبغي للرجل المسلم ان يشارك الذمي ، ولا يبضعه بضاعة ، ولا يودعه وديعة ، ولا يصافيه المودّة» (2).

وقوله (عليه السلام) : «إنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) كره مشاركة اليهودي والنصراني والمجوسي ، إلّا أن تكون تجارة حاضرة لا يغيب عنها المسلم» (3). ويمكن أن يستفاد من هذا الخبر (4) كراهة مضاربة من لا يؤمن منه في معاملاته من الاحتراز عن الحرام.

[3478] التاسعة عشرة : الظاهر صحّة المضاربة على مائة دينار مثلاً كليّاً فلا يشترط كون مال المضاربة عيناً شخصية ، فيجوز إيقاعهما العقد على كلِّي ثمّ تعيينه في فرد. والقول بالمنع ، لأن القدر المتيقّن العين الخارجي من النقدين


(1) لظهور كونه له ، وإن كان في الواقع لغيره.

(2) رواه محمد بن يعقوب ، عن عدّة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد ، عن ابن محبوب ، عن ابن رئاب ، قال : قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) (1). والرواية معتبرة.

(3) رواه محمد بن يعقوب ، عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن النوفلي ، عن السكوني ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (2). وهي كسابقتها معتبرة من حيث السند فإن النوفلي والسكوني ثقتان على ما تقدّم غير مرّة.

(4) حيث لا يبعد دعوى كون النهي نهياً إرشادياً إلى عدم وثاقتهم ، كما يشهد له استثناء التجارة الحاضرة.

فمن هنا يمكن تعدية الحكم إلى كل من لا يكون محلّاً للوثوق ، فتكون المضاربة معه مكروهة تنزيهاً أو منهياً عنها إرشاداً.


1) الوسائل ، ج 19 كتاب الشركة ، ب 2 ح 1.

2) الوسائل ، ج 19 كتاب الشركة ، ب 2 ح 2.

ضعيف (1)(1). وأضعف منه احتمال المنع حتى في الكلي في المعين (2) إذ يكفي في الصحّة العمومات.

[3479] متمم العشرين : لو ضاربه على ألف مثلاً ، فدفع إليه نصفه فعامل به ثمّ دفع إليه النصف الآخر ، فالظاهر جبران خسارة أحدهما بربح الآخر ، لأنه مضاربة واحدة (3). وأما لو ضاربه على خمسمائة فدفعها إليه وعامل بها ، وفي أثناء التجارة زاده ودفع خمسمائة أُخرى (2)، فالظاهر عدم جبر خسارة إحداهما


(1) لا وجه لتضعيف هذا القول ، بل هو المتعين بعد عدم شمول الروايات الواردة في المضاربة له ، حيث لا يصدق عنوان إعطاء المال له عليه ، بل يقتضيه ما دلّ على عدم جواز المضاربة بالدين ما لم يقبض ، فإنه يقتضي عدم جواز المضاربة بالكلي في الذمّة ما لم يتشخص في الخارج.

إذن فالظاهر في المقام هو عدم صحّة مثل هذه المضاربة. ويكفينا في ذلك الشك نظراً لاحتياج صحّة المضاربة إلى الدليل الخاص ، وعدم كفاية العمومات في إثبات صحّتها.

(2) بلا إشكال فيه ، لصدق عنوان إعطاء المال عليه ، ومن ثمّ شمول النصوص له.

(3) وهو واضح ، إذ لا عبرة بتعدّد التسليم والقبض ، وإنما العبرة بوحدة المضاربة وتعدّدها.


1) (*) لا يبعد قوّة هذا القول لأنّ صحّة عقد المضاربة تحتاج إلى دليل خاص ولا يكفي فيها العمومات ولا دليل على جواز ذلك ، بل ما دلّ على عدم جواز المضاربة في الدَّين حتى يقبضه دليل على العدم ، نعم لا بأس بالمضاربة في الكلِّي في المعيّن لشمول أدلّتها لها.

2) (**) هذا يتصوّر على نحوين : أحدهما : أن تكون الثانية مضاربة مستقلّة في مقابل الاولى ، كما إذا فرض أنّ في المضاربة الأُولى كان الربح بينهما على النصف وفي الثانية كان على الثلث ، ففي هذه الصورة لا أثر للمزج. الثاني : أن تكون الثانية بنحو التتميم للأُولى ، فعندئذٍ كانتا مضاربة واحدة فلا فرق أيضاً بين صورة المزج وعدمه.

بربح الأُخرى (1) لأنهما في قوّة مضاربتين. نعم ، بعد المزج والتجارة بالمجموع تكونان واحدة.


(1) وفيه : انّ الخمسمائة الثانية إذا كانت متممة للمضاربة الاولى وتوسعة لها ، فحالها حال الصورة الأُولى حيث تكون المضاربة واحدة ، غاية الأمر أنها كانت عند بدئها ضيقة النطاق فاتسعت بعد ذلك ، كما يتفق ذلك كثيراً في التجارات حيث تبدأ برأس مال بسيط ، لاعتبارات قد يكون منها اختبار قدرة العامل أو قلّة المال ، ثمّ تتسع مع إحساس المالك بالربح. وحينئذٍ يكون الربح جابراً للخسران لا محالة ، بلا فرق بين مزج المالين وعدمه ، نظراً لاتحاد المضاربة وعدم تعدّدها ، حيث لم تلحظ الثانية مستقلّة عن الأُولى وفي قبالها.

وأمّا إذا كانت الخمسمائة الثانية مضاربة مستقلة ومنحازة عن المضاربة الأُولى ، كما لو اختلفت نسبة الربح فيهما بأن كان للعامل في الأُولى النصف وفي الثانية الثلث أو بالعكس ، كان الربح في الثانية غير جابر للخسران في الاولى لا محالة ، بلا فرق في ذلك بين فرض مزج المالين وعدمه ، فإنّ الامتزاج لا يوجب اتّحاد المضاربتين ، كما لو كان عاملاً لشخصين واختلط مالهما في يده ، فإنه لا يوجب اتحادهما وجبر خسران إحداهما بربح الأُخرى.

والحمد لله أوّلاً وآخراً

كتاب الشركة

اشارة

كتاب الشركة

فصل في أحكام الشركة

وهي عبارة عن كون الشي‌ء الواحد لاثنين أو أزيد ، ملكاً أو حقاً (1).

وهي إمّا واقعية قهرية (1)، كما في المال أو الحق الموروث.

وإمّا واقعية اختيارية ، من غير استناد إلى عقد ، كما إذا أحيى شخصان أرضاً مواتاً بالاشتراك ، أو حفرا بئراً ، أو اغترفا ماءً ، أو اقتلعا شجراً.


(1) لا يخفى أنّ لفظ الشركة في كلمات الفقهاء مستعمل في معناه اللغوي ، وهو ما يقابل الاختصاص ، وليس لديهم هناك اصطلاح خاص فيه.

نعم ، كلامهم (قدس سرهم) في المقام يختص بحصة خاصة منها.

فإنها قد تفرض في الأُمور التكوينية الخارجية ، كالحفر والقتل. وبهذا المعنى جاء في الكتاب العزيز ( وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ ) (2)حيث دلّت على انحصار السلطة الحقيقية والاستيلاء الخارجي به تعالى.

وقد تفرض في الأُمور الاعتبارية من ملكيّة أو حقّ ، فإنّهما قد يختصّان بواحد وقد يكونان للمتعدِّدين فيكونون شركاء فيهما.

وهذا القسم هو محل الكلام بين الفقهاء (قدس سرهم).


1) (*) لا معنى للشركة الظاهريّة ، مع العلم بعدم الاشتراك واقعاً. فالصحيح في موارد الامتزاج القهري أو الاختياري أنّ الشركة واقعيّة إذا كان الممتزجان يعدّان شيئاً واحداً عرفاً. وإلّا فلا شركة أصلاً كخلط الدراهم بمثلها.

2) سورة الفرقان 25 : 2.

وإمّا ظاهرية قهرية ، (1) كما إذا امتزج مالهما من دون اختيارهما ولو بفعل أجنبي ، بحيث لا يتميز أحدهما من الآخر ، سواء كانا من جنس واحد ، كمزج حنطة بحنطة ، أو جنسين كمزج دقيق الحنطة بدقيق الشعير ، أو دهن اللوز بدهن الجوز ، أو الخل بالدبس.


(1) وفيه : أنه لا معنى للشركة الظاهرية قهرية كانت أم اختيارية بعد العلم بعدم الاشتراك واقعاً ، فإنّ الأحكام الظاهرية إنما هي مجعولة في فرض الشك والجهل بالحكم الواقعي ، فلا معنى لثبوتها مع العلم به.

ودعوى أنّ المراد من الشركة الظاهرية ، هو ترتيب آثارها في مقام العمل وإن لم تكن هناك شركة في الواقع.

مدفوعة بأنّه لا موجب لإجراء أحكام الشركة ، بعد العلم بعدمها واقعاً واستقلال كلّ منهما في ماله.

إذن فالصحيح أن يقال : إنّ الامتزاج إذا كان على نحو يعد الممتزجان شيئاً واحداً عرفاً وأمراً ثالثاً مغايراً للموجودين السابقين ، كما في مزج السكر بالخلّ حيث يوجب ذلك انعدامهما معاً وتولد شي‌ء جديد مغاير لهما يسمّى بالسكنجبين ، ففيه تكون الشركة شركة واقعية حقيقية. فإنّ الموجود بالفعل مال واحد نشأ عن المالين فيكون ملكاً لهما معاً ، إذ لا موجب لاختصاص أحدهما به. وهذا الكلام يجري في كل مزيج يعد موجوداً واحداً لدى العرف ، فإنه يكون مشتركاً واقعاً.

ولا ينافي ذلك أنه لو اتفق تفكيكهما بوجه من الوجوه ، لكان كل منهما مختصاً بمالكه الأوّل ، إذ الشركة الواقعية في المقام مشروطة ببقاء الامتزاج وكونه موجوداً واحداً بنظر العرف ، فاذا امتازا انفسخت الشركة لا محالة.

وأما إذا كان الامتزاج بنحو يكون الموجود بالفعل عبارة عن موجودات متعددة غير قابلة للتمييز خارجاً ، كما في مزج الدراهم بمثلها ، فلا موجب للقول بالشركة أصلاً ، فإنّ كل درهم موجود مستقلّ عن الآخر ومحفوظ في الواقع.

وإمّا ظاهرية اختيارية ، كما إذا مزجا باختيارهما لا بقصد الشركة ، فإنّ مال كل منهما في الواقع ممتاز عن الآخر ، ولذا لو فرض تمييزهما اختص كل منهما بماله. وأمّا الاختلاط مع التميز ، فلا يوجب الشركة ولو ظاهراً (1) إذ مع الاشتباه مرجعه الصلح القهري (2) أو القرعة.


ولا يبعد أن يكون مزج الحنطة بالحنطة والحنطة بالشعير من هذا القبيل ، حيث تكون كل حبة من الخليط مملوكة لصاحبها ، ولا موجب للقول بالشركة ، بعد أن لم يكن العرف يراهُ موجوداً واحداً في قبال الموجودين السابقين.

نعم ، في دقيقهما لا يبعد حكم العرف بوحدة الموجود بالفعل.

والحاصل ففي فرض عدم اعتبار العرف للموجود الخارجي بالفعل موجوداً واحداً ، يبقى كلّ من المالين على ملك مالكه. وحينئذ فلا بدّ في مقام التمييز من الرجوع إلى الصلح القهري ، أو القرعة ، على ما سيأتي.

(1) كما هو واضح ، لعدم الموجب لها.

(2) والمراد به إجبار الحاكم لهما على الصلح بالتراضي ، وإلّا فالصلح لا يكون قهراً. فإن تعاندا ينتهي الأمر إلى القرعة ، حيث إنها لكل أمر مشكل ، ومع إمكان التصالح لا إشكال. وأما احتمال اشتراكهما فيه فبعيد جدّاً ولا موجب له.

وتفصيل الكلام في المقام أن يقال : إنه إذا امتزج المالان ، فإن أمكن الفرز والتمييز فلا خلاف ولا إشكال ، حيث يجب ذلك ولا تصل النوبة إلى الشركة أو الصلح أو القرعة.

وإن لم يمكن التخليص إلّا بكلفة بالغة ، كما إذا امتزج طنّ من الحنطة بطنّ من الشعير ، حيث قد تزيد اجرة الفرز عن قيمة المالين معاً. وحينئذٍ فإن تصالح المالكان فهو ، وإلّا أجبرهما الحاكم عليه ، ويكون ذلك صلحاً قهرياً. فإن امتنعا باشر الحاكم ذلك بنفسه ، حفظاً لمال المسلم عن التلف ، حيث يريد كل منهما إتلاف مال الآخر بمنعه من التصرّف فيه وأخذه لنفسه.

وأما القرعة في المقام فلا موضوع لها ، لأنها لرفع الاشتباه ، ولا اشتباه في المقام بعد

وإمّا واقعية مستندة إلى عقد غير عقد الشركة ، كما إذا ملكا شيئاً واحداً بالشراء أو الصلح أو الهبة أو نحوها.

وإما واقعية منشأة بتشريك أحدهما الآخر في ماله ، كما إذا اشترى شيئاً فطلب منه شخص أن يشركه. ويسمّى عندهم بالتشريك ، وهو صحيح لجملة من الأخبار (1).

وإمّا واقعية منشأة بتشريك كلّ منهما الآخر في ماله (2). ويسمّى هذا بالشركة العقدية ، ومعدود من العقود.


فرض امتياز كل من المالين عن الآخر ، فإنّ كل حبّة من الحنطة مملوك لمالك الحنطة وكل حبّة من الشعير مملوك لمالك الشعير.

هذا كله فيما إذا كان المالك معلوماً. وأما إذا كان هو مجهولاً ، كاشتباه الشاتين والعباءتين والكتابين وما شاكلها حيث لا يعرف مالك كل منهما بعينه ، ففيه لا مجال للشركة أيضاً ، حيث يكون المالان ممتازين في الخارج ، بل إن تصالحا بالاختيار فهو وإلّا فالقرعة لأنها لكل أمر مشكل. ولا مجال للصلح القهري ، نظراً لعدم الموجب له بعد جهالة المالكين وعدم معرفتهما.

إذن فموضوع كل من الصلح القهري والقرعة مغاير للآخر ، إلّا أنهما قد يجتمعان في فرض واحد ، كما لو امتزج أحد المالين بالآخر على نحو لا يمكن تخليصهما مع جهالة المالك ، بحيث لا يعلم من هو مالك الأوّل ومن هو مالك الثاني. وحينئذٍ فإن تصالحا فهو ، وإلّا فالقرعة أوّلاً ، ثمّ المصالحة القهرية.

(1) ففي صحيحة هشام بن سالم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : سألته عن الرجل يشارك في السلعة ، قال : «إن ربح فله ، وإن وضع فعليه» (1). وغيرها ، مضافاً إلى السيرة العقلائية.

(2) وهذا القسم هو المعروف والشائع من الشركة العقدية ، وهو محل الكلام في المقام.


1) الوسائل ، ج 19 كتاب الشركة ، ب 1 ح 1.

ثمّ إنّ الشركة قد تكون في عين ، وقد تكون في منفعة ، وقد تكون في حقّ. وبحسب الكيفية إما بنحو الإشاعة ، وإما بنحو الكلّي في المعيّن (1). وقد تكون على


(1) كما لو باع منّاً من الصبرة المعينة لزيد ، فإنّ المنّ الكلي يكون لزيد والباقي للمالك البائع ، وبذلك يكونان شريكين في الصبرة المعينة.

وقد ذكر صاحب الجواهر (قدس سره) أنه لا إشكال في صدق الشركة معه ولا إشاعة. اللّهمّ إلّا أن يراد منها عدم التعيين ، لا خصوص الثلث والربع ونحوها (1).

وقد أورد عليه في بعض الكلمات ، بأنّ الفرض خارج عن موضوع الشركة ، فإنها إنما تتحقق فيما إذا كان المال الواحد مملوكاً لشخصين أو أكثر على نحو الإشاعة بأن يكون لكل منهما حصّة في كل جزء من ذلك المال ، لا ما إذا كان مال كل منهما مستقلا عن مال الآخر وإن كانا بحسب الوجود واحداً ، كما في البيت الواحد إذا كان طابوقه لشخص وجصه لآخر وخشبه لثالث ، فإنه لا تتحقق الشركة فيه ، لاستقلال كل واحد منهم بجزء منه.

وما نحن فيه من هذا القبيل. فإنّ المالك يملك شيئاً والمشتري يملك شيئاً آخر حيث يملك الأوّل الصبرة الخارجية ، في حين يملك الثاني الكلي فقط. ومعه فلا معنى للشركة.

لكن الصحيح هو ما ذهب إليه صاحب الجواهر (قدس سره). فإنّ قياس المقام على مثال الدار من القياس مع الفارق ، إذ العبرة في تحقق الشركة إنما هي بوحدة الوجود في الخارج بنظر العرف ، وهي غير متحققة في مثال الدار ، بخلاف ما نحن فيه حيث لا يكون وجود الكلي منحازاً في الخارج عن وجود الفرد الخارجي ، بل الكلي موجود بوجود الفرد. ومن هنا فالموجود الواحد في الخارج بالفعل مضاف إلى مالكين ولكن بنحوين من الإضافة ، فإنه وبلحاظ الأفراد مملوك بتمامه للمالك ، وبلحاظ الكلي الذي هو الثاني موجود بوجود الأفراد مضاف ومملوك للمشتري.


1) الجواهر 26 : 293.

وجه يكون كل من الشريكين أو الشركاء مستقلا في التصرّف ، كما في شركة الفقراء في الزكاة (1)


والحاصل أنّ الوجود الواحد لما كان مضافاً إلى شخصين ، تحققت الشركة بينهما فيه ، وإن اختلف نحو الإضافة إليهما.

(1) ورد التعبير بذلك في بعض النصوص. ففي معتبرة أبي المغراء عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : «إنّ اللّه تبارك وتعالى أشرك بين الأغنياء والفقراء في الأموال فليس لهم أن يصرفوا إلى غير شركائهم» (1).

إلّا أنّ التعبير بالشركة في هذه الموارد مبني على نوع من المسامحة ومن باب الاستعارة ، وإلّا فلا شركة في الواقع ، على ما تقدّم بيانه في محلّه من كتاب الزكاة مفصّلاً. فإنّ الموارد المذكورة في باب مستحقّي الزكاة إنما هي من باب المصرف لا الملكية ، فالفقير مثلا مصرف للزكاة ، وإلّا فهو لا يملك شيئاً منها. ومن هنا كان التزام الأصحاب بعدم وجوب البسط والاستيعاب ، إذ لو كانت ملكاً لهم لوجب ذلك ، إيصالاً للمال إلى مالكه.

ثمّ على فرض الالتزام بالملكية ، تحفظاً على ظهور اللام في قوله تعالى ( إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ ) (2)فيها ، فلا مجال للالتزام بها في المقام أيضاً ، إذ الملكية على تقديرها إنما تكون للكلي الجامع والطبيعي الشامل للأفراد ، لا للأفراد بما هي.

ومن هنا فلا يملك الفرد بما هو وكل واحد منهم بشخصه شيئاً ، وإلّا لوجب البسط على جميع أفراد الصنف الواحد ، وهو غير واجب جزماً ، بل غير ممكن في الخارج حتى بناءً على وجوب البسط بين الأصناف.

إذن فلا معنى لأن يقال إنّ لبعض الشركاء في الزكاة التصرّف في المال المشترك


1) الوسائل ، ج 9 كتاب الزكاة ، أبواب المستحقين للزكاة ، ب 2 ح 4.

2) سورة التوبة 9 : 60.

والسّادة في الخمس (1)


مستقلا ، إذ لا شركة حقيقة وفي الواقع ، وإنما عبّر عما فرضه اللّه لهم في مال الأغنياء بها مسامحة ومن باب ضيق التعبير.

ثمّ إنّ بعضهم (قدس سرهم) قد علّق على كلام الماتن (قدس سره) في المقام ، بأن ما أفاده من كون كلّ من الفقراء مستقلا بالتصرف في الزكاة غريب ، إذ لا يجوز لفقير التصرّف في الزكاة بدون إذن الولي ، وهو المالك أو الحاكم الشرعي ، فضلاً عن أن يكون مستقلا بالتصرف.

وما ذكره (قدس سره) ناشئ من التخيل بأنّ مراد الماتن (قدس سره) مما أفاده هو شركة الفقراء للمالك في المال وجواز تصرفهم فيه مستقلا. إلّا أنه غير صحيح فإنه (قدس سره) لا يقصد بما أفاده شركة الفقراء للمالك ، وإنما يعني به شركة الفقراء بعضهم لبعض في الزكاة. وعبارته (قدس سره) واضحة في ذلك ، فإنه إنما عبّر بشركة الفقراء في الزكاة ، ولم يعبر بشركتهم في المال الزكوي المال المشتمل على الزكاة.

والحاصل أن الشركة إنما هي بين الفقراء أنفسهم لا بينهم وبين المالك ، وموردها هي الزكاة بنفسها لا المال الزكوي. ومن هنا فلا وجه للإيراد عليه ، بأنه لا يجوز لهم التصرّف إلّا بإذن المالك.

وعليه فكلام الماتن (قدس سره) سالم عن الإشكال من هذه الناحية ، وإن كان هو بحدّ ذاته مبنياً على المسامحة ، كما عرفت.

(1) التعبير بالشركة في الخمس لم يرد في شي‌ء من النصوص ، إلّا أنه وكما ذكرنا في محلّه لما كان بدلاً عن الزكاة على ما ورد في النصوص ، حيث جعله اللّه بدلاً للهاشميين عنها (1)كان الكلام فيه هو الكلام في الزكاة ، فإنهم لا يملكونه وإنما هم مصرف له خاصة ، ولذا لا يجب بسطه عليهم واستيعابهم في القسمة.

وعلى تقدير الالتزام بملكيتهم ، لظاهر اللام في قوله تعالى : ( وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ


1) وسائل الشيعة 9 : 509 أبواب قسمة الخمس باب 1.

والموقوف عليهم في الأوقاف العامّة (1) ونحوها (2).

[3480] مسألة 1 : لا تصحّ الشركة العقدية إلّا في الأموال (3) بل الأعيان.

فلا تصحّ في الديون (4) فلو كان لكلّ منهما دين على شخص ، فأوقعا العقد على كون كل منهما بينهما ، لم يصحّ.


مِنْ شَيْ‌ءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى ... ) (1)فالملكية إنما هي للجامع الكلّي دون الأفراد.

(1) الوقف قد يكون على نحو الانتفاع فقط ، كوقف المدارس والمساكن ونحوهما.

وقد يكون على نحو الصرف دون التمليك ، كوقف البستان على أن يصرف وارداته على الفقراء.

وقد يكون على نحو التمليك ، كما لو أوقف البستان على أن يكون منافعه ملكاً للفقراء.

ففي الأوّلين : لا موضوع للشركة كما هو واضح ، إذ لا ملك لأحد كي يكون شريكاً لغيره ؛ غاية الأمر أنّ له حق الانتفاع في الأوّل ، ويكون مصرفاً للوقف في الثاني.

وأمّا الثالث : فالملكية وإن كانت متحققة ، إلّا أن طرفها هو الكلّي والجهة العامة وأمّا الفرد بما هو فلا يملك شيئاً كي يكون شريكاً لصاحبه.

والحاصل أنّ ما أفاده الماتن (قدس سره) من شركة الأفراد في الزكاة والخمس والوقف مبني على المسامحة ، وإلّا فشركة الأفراد غير متحققة بالمرّة ، وإن تحققت شركة الكلّي والجهة العامة في بعض الموارد وعلى بعض التقادير.

(2) كالوصية ، والحال فيها هو الحال في الأوقاف حرفاً بحرف.

(3) وهي القدر المتيقن من الشركة العقدية الصحيحة.

(4) أما بناءً على اعتبار الامتزاج في عقد الشركة ، فالأمر واضح ، نظراً لعدم إمكانه ، إذ لا معنى لامتزاج دَين كل منهما بدَين الآخر ، فإنّ كلّاً منهما مستقلّ في


1) سورة الأنفال 8 : 41.

وكذا لا تصحّ في المنافع (1) بأن يكون لكلّ منهما دار مثلاً ، وأوقعا العقد على أن يكون منفعة كل منهما بينهما بالنصف مثلاً. ولو أرادا ذلك صالح أحدهما الآخر


الوجود ومنحاز عن الآخر.

وأما بناءً على عدم اعتباره ، كما لم يستبعده الماتن (قدس سره) نظراً لعدم الدليل عليه غير الإجماع المدعى في كلمات بعض على ما سيأتي في المسألة الرابعة إن شاء اللّه فلأن حقيقة الشركة هذه ترجع إلى تمليك كلّ من المتعاقدين حصّة مما له في ذمّة مدينة للآخر ، بإزاء تمليكه له حصّة مما له في ذمة مدينة ، فهي في الحقيقة معاوضة بلفظ الشركة.

وهي ممنوعة لنهي النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) عن بيع الدين بالدين ، فإنّ المنصرف منه هو النهي عن المعاوضة بالدين مطلقاً ومن غير اختصاص بعنوان البيع كما يشهد له ما ورد في جملة من النصوص من النهي عن قسمة الدين ، بأن يجعل تمام ما في ذمة المدين الأوّل لأحد الورثة في قبال كون تمام ما في ذمة المدين الثاني للوارث الآخر ، فإنها تؤكد منع الشارع المقدس عن تعويض الدين بالدين ومبادلته بمثله تحت أي عنوان من العناوين كان.

(1) أما بناءً على اعتبار الامتزاج ، فالأمر واضح ، لعدم إمكان تحققه فيما نحن فيه.

وأما بناءً على عدمه ، فقد تفرض الشركة في المنفعة ، بمعنى كون كل منهما شريكاً في الأُجرة الحاصلة من استيفاء منفعة عين الآخر ، وهي محكومة بالبطلان جزماً ، لأنه من تمليك المعدوم حيث لا يملك كل منهما الأُجرة بالفعل ، وقد تقدّم غير مرّة أنه يحتاج إلى الدليل ، وهو مفقود.

وقد تفرض الشركة في نفس المنفعة ، أعني قابلية الدار للسكنى التي هي موجودة بالفعل.

وفيه : إن لم يكن الزمان محدوداً ومعيناً ، بأنْ ملَّك كلٌّ منهما صاحبه نصف منفعة داره مطلقاً ومن غير تحديد بحدّ معين ، حكم ببطلانها لا محالة ، لعدم صحة تمليك المنفعة بقول مطلق مطلقاً وبكافة أنواع المملكات ، وذلك للجهالة والغرر وعدم

نصف منفعة داره بنصف منفعة دار الآخر (1) أو صالح نصف منفعة داره بدينار مثلاً وصالحه الآخر نصف منفعة داره بذلك الدينار.

وكذا لا تصحّ شركة الأعمال (2). وتسمّى شركة الأبدان أيضاً. وهي أن يوقّعا


معلومية مقدار المنفعة المملوكة ، إذ قد يتفق تلف إحدى العينين قبل الأُخرى بزمن طويل.

وأما إذا كان زمان التمليك محدوداً ومعلوماً ، فإن تمّ إجماع على البطلان فيه فهو وإلّا فلا نرى محذوراً في الحكم بصحتها ، فإنها وفي الحقيقة ترجع إلى تمليك كل منهما الحصّة من منفعة داره لصاحبه ، بإزاء تمليك صاحبه الحصّة من منفعة داره له ، وهي بمنزلة الإجارة.

ويظهر من المحقق الأردبيلي (قدس سره) الميل إلى الصحة في هذه الموارد. فإنه (قدس سره) وإن لم يذكر هذا الفرض بخصوصه ، إلّا أنه (قدس سره) ذكر أنه لم يظهر دليل على عدم الجواز إلّا الإجماع ، فإن كان فهو ، وإلّا فلا مانع منه (1).

ومن هنا يظهر أنّ ما ارتكبه الماتن (قدس سره) من الحكم بالبطلان في المقام ، مع عدم اعتباره للامتزاج ، في غير محلّه.

ولعله لهذه الجهة لم يتعرض المحقق وصاحب الجواهر (قدس سرهما) إلى اعتبار كونه من الأعيان ، فإنهما لم يعتبرا إلّا كونه من الأموال (2)ومقتضاه صحة الشركة في المنافع أيضاً ، لكونها منها جزماً.

(1) قد عرفت الحال فيه مما تقدّم.

(2) إن أرادوا بذلك عقد الشركة في الأُجرتين اللتين تحصل لهما من عملهما ، كما هو غير بعيد من ظاهر كلماتهم ، فلا ينبغي الإشكال في بطلانها. وذلك لما تقدّم غير مرّة من عدم الدليل على صحة تمليك المعدوم ، فإنه ليس للإنسان أن يملّك غيره ما لا يملكه بالفعل.


1) مجمع الفائدة والبرهان 10 : 198.

2) شرائع الإسلام 4 : 129 ، الجواهر 26 : 289.

العقد على أن يكون اجرة عمل كل منهما مشتركاً بينهما ، سواء اتفق عملهما كالخياطة مثلاً أو كان عمل أحدهما الخياطة والآخر النساجة ، وسواء كان ذلك في عمل معين أو في كل ما يعمل كل منهما. ولو أراد الاشتراك في ذلك صالح أحدهما الآخر نصف منفعته المعينة أو منافعه إلى مدّة كذا بنصف منفعة أو منافع الآخر أو صالحه نصف منفعته بعوض معيّن وصالحه الآخر أيضاً نصف منفعته بذلك العوض.

ولا تصحّ أيضاً شركة الوجوه (1). وهي أن يشترك اثنان وجيهان لا مال لهما بعقد الشركة على أن يبتاع كل منهما في ذمته إلى أجل ، ويكون ما يبتاعه بينهما فيبيعانه ويؤديان الثمن ويكون ما حصل من الربح بينهما. وإذا أرادا ذلك على الوجه الصحيح وكّل كل منهما الآخر في الشراء ، فاشترى لهما وفي ذمتهما.

وشركة المفاوضة أيضاً باطلة (2). وهي أن يشترك اثنان أو أزيد على أن يكون كل ما يحصل لأحدهما من ربح تجارة أو زراعة أو كسب آخر أو إرث أو وصيّة أو نحو ذلك مشتركاً بينهما ، وكذا كل غرامة ترد على أحدهما تكون عليهما.


وإن أرادوا بها الشركة في نفس المنفعة ، بأن يملّك كل منهما نصف خياطته مثلاً في ذلك اليوم لصاحبه في قبال تمليك صاحبه نصف خياطته في ذلك اليوم له ، فلا نعلم وجهاً لبطلانها ، فإنها من شركة المنافع ، وقد عرفت صحتها بناءً على عدم اعتبار الامتزاج.

وقد ذكر صاحب الجواهر (قدس سره) أنّ المحكي عن الأردبيلي (قدس سره) صحة شركة الأعمال ، ما لم يتم إجماع على البطلان (1).

(1) والوجه فيه واضح ، إذ لا معنى لأن يشترك الإنسان في ثمن ما يختص بغيره ومثل هذا العقد داخل في تمليك المعدوم ، وهو غير جائز.

(2) والوجه فيه أوضح من سابقه ، فإنه من تمليك ما قد يملكه في المستقبل ، وهو باطل جزماً.


1) الجواهر 26 : 299.

فانحصرت الشركة العقدية الصحيحة بالشركة في الأعيان المملوكة فعلاً (1). وتسمّى شركة العنان.

[3481] مسألة 2 : لو استأجر اثنين لعمل واحد بأُجرة معلومة ، صحّ (2)


(1) بل والمنافع ، إن لم يتم إجماع على اعتبار الامتزاج.

(2) بل الأظهر البطلان ، لجهل المستأجر بمقدار العمل الذي يملكه في ذمة كل من الأجيرين ، وجهلهما بما يخص كلا منهما من الأُجرة في ذمة المستأجر ، فإنه قادح في الصحة لا محالة. والعلم بمجموع الأُجرتين والعملين لا ينفع في الصحة ، بعد الجهالة بما لكل واحد منهما وما عليه.

ولا يقاس المقام ببيع الصفقة ، حيث يحكم فيه بالصحة للعلم بمجموع المبيع ومجموع الثمن ، ولا يقدح فيه الجهل بما يقابل كل جزء من الثمن ، فإنه من القياس مع الفارق. فإنّ البيع فعل واحد صادر من بائع واحد لمشتر واحد متعلق بمجموع شيئين بثمن واحد ، فكل من المبيع والبائع والمشتري والثمن معلوم ، غاية الأمر أن تقسيم الثمن على أجزاء المثمن مجهول ، وهو غير قادح بعد علم كل من البائع والمشتري بمقدار ما يملكه بإزاء ما يدفعه بمقتضى العقد.

وأين هذا من المقام ، حيث يكون المملوك لكل من المستأجر والأجيرين مجهولاً فإنّ المستأجر لا يعلم بمقدار ما يملكه في ذمة الأجير الأوّل وما يملكه في ذمة الأجير الثاني ، كما أنّ كلا منهما لا يعلم بما يملكه في ذمة المستأجر.

وبعبارة اخرى : إنّ الإجارة لما كانت واقعة مع أجيرين ، كانت في الحقيقة بمنزلة إجارتين. ومن هنا فلا يكفي معلومية مقدار مجموع العمل ، بل لا بدّ من العلم بمقدار ما يملكه المستأجر على كل منهما مستقلا ، وحيث إنه غير حاصل ، فلا محيص عن الحكم ببطلان مثل هذا العقد.

وبذلك يظهر الفرق بين المقام وبيع الصفقة وإن كانت الصفقة لمالكين ، كما إذا باع الوكيل ماله ومال موكله صفقة واحدة. فإنّ مجموع الصفقة والثمن معلوم للبائع

.................................................................................................


والمشتري ، وإنّ ما انتقل إلى المشتري هو تمام الصفقة ، كما إنّ ما انتقل إلى كل من مالكي الصفقة من الثمن متعين في الواقع ، بنسبة ما يملكه كل منهما إلى مجموع الصفقة. وهذا قد يكون مجهولاً للبائع والمشتري حين البيع ، إلّا أنه لا يضرّ بالصحة ، إذ لا يترتب عليه أي غرر ، ولا يعتبر في صحة البيع العلم بمقدار ما يقع من الثمن بإزاء كل جزء من المبيع.

وأما في المقام فما يملكه المستأجر على كل من الأجيرين ، وما يملكانه عليه من الأُجرة ، فلا تعيّن لهما حتى في الواقع ونفس الأمر ، وما يصدر منهما من العمل فيما بعد وإن كان متعيناً في علم اللّه ، إلّا أنه لا يكشف عن أنّ المملوك من الأوّل كان بهذا المقدار ، كما هو ظاهر. ولأجل ذلك يحكم بالبطلان لا محالة.

هذا ولكن المنصرف عرفاً من إجارة شخصين لعمل واحد بأُجرة واحدة ، هو إرادة توزيع العمل بينهما نصفين متساويين ، فيكون مرجع إجارتهما كذلك إجارة كل منهما على نصف العمل بنصف الأُجرة.

وهذه الإجارة وإن كانت صحيحة ، إلّا أنه لا يتفرع عليها ما ذكره الماتن (قدس سره) بعد الحكم بالصحة.

بل الصحيح حينئذٍ أن يقال : إنهما إن أتيا بالعمل كذلك نصفين متساويين استحق كل منهما نصف الأُجرة. وإن أتى أحدهما بنصيبه مع زيادة بحيث قام ببعض واجب الآخر أيضاً ، لم يؤثر ذلك في زيادة استحقاقه من الأُجرة على حساب صاحبه ، بل لكل منهما نصف الأُجرة أيضاً. فإنه لا يستحقّ صاحب الزيادة بإزائها شيئاً ، لا من المسمى لخروج عمله الزائد عن متعلق إجارته ، ولا اجرة المثل لعدم الأمر به من المستأجر أو الأجير الثاني ، وبذلك فيذهب عمله الزائد هدراً لا محالة.

وأما العامل الآخر الآتي بالأقل فيستحقّ تمام النصف ، لأنه ملكه بالعقد وقد هيأ نفسه للإتيان بما وجب عليه من العمل ، فسبقه الغير بالإتيان ببعضه وبذلك قد فوّت عليه موضوعه ، على ما تقدّم تحقيقه مفصلاً في كتاب الإجارة ، فراجع.

والحاصل أنّ الإجارة هذه ، إن وقعت على أن توزَّع الأُجرة بينهما بنسبة عمل كل

.................................................................................................


منهما إلى المجموع ، بطلت لمجهولية ما يملكه كلّ منهما على الآخر ، وعدم الجدوى في العلم بمقدار المجموع في أمثال المقام.

وإن وقعت على ما هو المنصرف إليه في مثل المقام ، من الاشتراك في العمل والأُجرة بالمناصفة ، صحّت واستحقّ كلّ منهما نصف الأُجرة ، وإن اختلفا في مقدار العمل.

نعم ، لو فرض أنّ الأجيرين اتفقا فيما بينهما بعقد الجعالة ، على أن يكون لمن يقوم ببعض عمل الآخر بنسبة ما أتى به إلى مجموع العمل من الأُجرة ، صحّ واستحق من أتى بعمله وزيادة نصف المسمى بعقد الإجارة ، وما قابل الزيادة بالنسبة من حصّة صاحبه بعقد الجعالة.

وحينئذٍ ، فإن علم بتساوي العملين استحق كلّ منهما النصف ، ولم يبق لعقد الجعالة موضوع.

وإن علم بزيادة عمل أحدهما بعينه على الآخر وعلم مقدار الزيادة ، استحق زيادة على النصف الذي يأخذه بعقد الإجارة من الجعل بالنسبة.

وإن شك في التساوي والزيادة ، كان المورد من موارد الشك في استحقاقه على الآخر شيئاً ، ومقتضى الأصل عدمه.

ونحوه ما إذا علم بالزيادة وشك في مقدارها ، حيث يؤخذ بالمتيقن منها وينفى الزائد عنه بالأصل.

وكذا لو شك في زيادة عمل كل منهما على الآخر وعدمها.

بل وكذا لو علم بأصل الزيادة ولكن جهل صاحبها. فإنه وإن تحقق العلم الإجمالي باستحقاق أحدهما على الآخر شيئاً بالجعل ، إلّا أنه لا أثر لهذا العلم الإجمالي لدورانه بين مكلفين لا تكليفين لمكلف واحد. وحينئذٍ فينفي كل منهما استحقاق الآخر شيئاً عليه بالأصل ، وبذلك يأخذ كل منهما نصف الأُجرة لا محالة.

ومما ذكرنا يظهر أنه لا مورد في الفرض المذكور للقرعة ولا الصلح القهري ، حيث يدور أمر المكلف بين كونه مشغول الذمة للغير ، وكون الغير مشغول الذمة له. وفي

وكانت الأُجرة مقسمة عليهما بنسبة عملهما. ولا يضر الجهل بمقدار حصّة كل منهما حين العقد ، لكفاية معلومية المجموع. ولا يكون من شركة الأعمال التي تكون باطلة ، بل من شركة الأموال ، فهو كما لو استأجر كلّاً منهما لعمل وأعطاهما شيئاً واحداً بإزاء أُجرتهما.

ولو اشتبه مقدار عمل كل منهما ، فإن احتمل التساوي حمل عليه ، لأصالة عدم زيادة عمل أحدهما على الآخر (1)(1). وإن علم زيادة أحدهما على الآخر فيحتمل القرعة في المقدار الزائد (2) ويحتمل الصلح القهري.


مثله فإن لم يدع أحدهما على الآخر شيئاً فهو ، وإلّا فإن ادّعى أحدهما الزيادة خاصّة كان المورد من قبيل المدّعى والمنكر ، وإن ادعيا معاً كان من التداعي ، وعلى كلا التقديرين لا بدّ من الرجوع إلى القواعد المذكورة في باب القضاء.

هذا وما ذكرناه من ظهور استئجار اثنين لعمل واحد في المناصفة غير مختصّ بالمقام ، بل يجري في سائر الأبواب أيضاً ، وقد تعرض له الفقهاء (قدس سرهم) في بعضها ، كأبواب الهبة والوصية والبيع ونحوها. فإنه لو أوصى بداره لاثنين كان بينهما بالتنصيف ، وليس ذلك إلّا لفهم العرف من تشريك اثنين في الهبة كون المال بينهما نصفين.

(1) لا يخفى أنه لا مجال للتمسك بهذا الأصل في المقام ، بناءً على ما أفاده الماتن (قدس سره) من الصحة واستحقاق كلّ من العاملين من الأُجرة بمقدار ما يقع بإزاء عمله بالنسبة ، فإنه حينئذ لا أثر شرعي يترتب على الزيادة وعدمها ، إذ الأثر إنما يترتب على مقدار نسبة عمل كل منهما إلى المجموع ، وهي لا تثبت بأصالة عدم الزيادة. على أنها معارضة بأصالة عدم التساوي ، حيث إنّ كلّاً منها أمر حادث.

وعليه فلا بدّ من الرجوع إلى القرعة أو الصلح القهري.

(2) قد عرفت أنه لا مجال للرجوع إلى القرعة أو الصلح القهري عند الشك في


1) (*) لا مجرى لها ، لأنّها معارضة بأصالة عدم تساويهما في العمل ، فالأحوط الرجوع إلى الصّلح.

[3482] مسألة 3 : لو اقتلعا شجرة ، أو اغترفا ماءً بآنية واحدة ، أو نصبا معاً شبكة للصيد ، أو أحييا أرضاً معاً ، فإن ملّك كل منهما نصف منفعته بنصف منفعة الآخر اشتركا فيه بالتساوي ، وإلّا فلكل منهما بنسبة عمله ولو بحسب القوّة والضعف. ولو اشتبه الحال ، فكالمسألة السابقة (1). وربّما يحتمل التساوي (1)مطلقاً (2) لصدق اتحاد فعلهما في السببية


مقدار الزيادة ، إذا كان استحقاق الآتي بالزيادة من جهة الجعالة لا بأصل الإجارة وأما إذا كان بأصل الإجارة كما ذهب إليه الماتن (قدس سره) ، فالرجوع إلى القرعة إنما يكون فيما إذا كانت أطرافها معلومة. وأما مع جهالتها ، كما لو كثرت جدّاً بأنْ دار أمر الزيادة بين جزء من ألف جزء إلى مائة جزء من ألف جزء ، فحيث لا يمكن تعيين المحتمل بالقرعة ، فلا محيص عن الرجوع إلى الصلح القهري وإن لم يمكن الاختياري منه.

(1) من الحمل على التساوي عند احتماله ، والقرعة أو الصلح القهري عند العلم بالزيادة. وقد تقدّم الكلام فيه آنفاً.

(2) ذكره صاحب الجواهر (قدس سره) ، لاستناد الفعل إليهما معاً ، ومن دون ترجيح في ذلك لأحدهما على الآخر (2).

وما أفاده (قدس سره) صحيح في الجملة لا مطلقاً ، فإنه لا بدّ من التفصيل في هذه الموارد وموارد الجعالة مما تكون الملكيّة مسببة عن العمل الخارجي ، بين كون العمل الصادر من الاثنين مركباً ذا أجزاء ، وبين كونه بسيطاً لا جزء له.

ففي الأوّل كالكتابة والخياطة والبناء ، لا محيص عن الالتزام بملكية كل منهما بنسبة عمله ، ولا وجه للتنصيف بعد فرض اختلاف مقدار عمل أحدهما عن الآخر.

وفي الثاني يتمّ ما أفاده (قدس سره) ، إذ العمل الواحد البسيط مستند إليهما معاً لا محالة على حد سواء وإن كان أحدهما أقوى من الآخر ، إذ لولا كل منهما لما تحقّق


1) (*) لا يبعد ذلك.

2) الجواهر 26 : 290.

واندراجهما في قوله : «من حاز ملك» (1)(1) وهو كما ترى.

[3483] مسألة 4 : يشترط على ما هو ظاهر كلماتهم في الشركة العقدية مضافاً إلى الإيجاب والقبول ، والبلوغ والعقل ، والاختيار ، وعدم الحجر لفلس أو سفه امتزاج المالين (2) سابقاً على العقد أو لاحقاً ، بحيث لا يتميّز أحدهما من


نهائياً. ففي مثل القلع واغتراف مقدار معين من الماء دفعة وما شاكلهما ، لا يتحقق هذا الفعل الوحداني إلّا بهما معاً ، فهو مستند إليهما وحاصل بفعلهما معاً ، ومن هنا يشتركان في ملكيّته على حد سواء وإن كان أحدهما أقوى من صاحبه. وكذا الحال في الصيد فإنّ نصب الشبكة المؤدي إلى الاستيلاء على السمكة أثر وحداني بسيط يستند إليهما على حدّ سواء ، وإن اختلفا في نسبة صنعها فإنه لا أثر له.

وعلى ما ذكرنا جرى الأصحاب في موارد الضمانات وغيرها. فذكروا أنه إذا أتلف اثنان مال ثالث ضمناه بالسوية ، بحيث يكون على كلّ منهما نصف قيمته مطلقاً ، وإن كان فعل أحدهما أقوى من صاحبه ، كما لو كانت ضربته أقوى من ضربة الآخر. وذكروا أيضاً أن القاتلين لثالث يشتركان في قصاصه أو ديته ، وإن كان القتل حاصلاً من ضربة واحدة من أحدهما وضربتين من الآخر.

وليس ذلك إلّا لكون الإتلاف والقتل فعلاً بسيطاً مستنداً إليهما على حد سواء.

فكلامهم (قدس سرهم) هذا في أبواب الضمانات والقصاص والديات يشهد بما اخترناه ، من الحكم بالتنصيف مع بساطة الفعل فيما نحن فيه من موارد سببية الفعل للتملك ، لوحدة المناط في المقامين ، وهو كون الفعل الصادر سبباً لأثر يرتبط بفاعله.

(1) هذه الجملة وإن لم ترد في النصوص ، إلّا أن أصل الحكم متسالم عليه بينهم ويدلّ عليه قولهم (عليهم السلام) : «للعين ما رأت ولليد ما أخذت».

(2) والكلام فيه ينبغي أن يقع في مقامين :


1) (*) هذه الجملة لم نعثر عليها في الروايات بل الوارد فيها قوله (عليه السلام) : «للعين ما رأت ولليد ما أخذت».

.................................................................................................


الأوّل : في مقام الثبوت ، وإمكان أخذ الامتزاج شرطاً في الشركة العقدية.

الثاني : في مقام الإثبات ، والدليل على اعتبار هذا الشرط.

أمّا المقام الأوّل : فإن كان مرادهم (قدس سرهم) من الامتزاج في كلماتهم هو الامتزاج المتقدِّم في أوّل هذا الفصل والذي يكون سبباً للشركة القهرية ، سواء أحصل عن الاختيار والقصد أم لا ، كمزج الدهن بالدهن ، فلا يعقل كونه شرطاً في الشركة العقدية. لأنه إن تقدّم على العقد ، كان هو تمام السبب في تحقّقها ، ولا يكون العقد من بعده إلّا كوضع الحجر في جنب الإنسان. وإن تأخر عنه ، كان العقد لغواً محضاً ، لتحقّق الشركة بالمزج ، سواء سبقه العقد أم لم يسبقه.

ودعوى أنّ المزج المتأخر يكون كاشفاً عن تحقّق الشركة بالعقد السابق ، فلا يكون لغواً ، على ما احتمله صاحب الجواهر (قدس سره) (1).

تكلف بلا موجب ، وحمل لكلماتهم على خلاف ظاهرها ، فإنّ ظاهر كلمات المعتبرين للمزج عدم تحقق الشركة إلّا بعده ، ومن هنا فلا موجب لحملة على الكاشفية ، بل هو شرط مقارن في نظرهم. ومعه فيرد عليه أنه تمام السبب لها ، وبذلك فلا يكون العقد السابق إلّا لغواً محضاً.

نعم ، لو كان مرادهم (قدس سرهم) من المزج غير ذلك ، بأن أرادوا به ما يوجب الشركة الظاهرية على ما التزم به الماتن (قدس سره) ، كمزج الدرهم بمثلها ، فهو أمر معقول ولا بأس به.

ولعله هو مراد الجماعة من الامتزاج ، لا سيما من لم يشترط فيه اتحاد الجنس والوصف ، بأن يقال بأنّ الامتزاج هذا وإن لم يكن موجباً للشركة الواقعية ، إلّا أنه حيث لحق العقد أو لحقه العقد أوجب الشركة بينهما حقيقة.

أمّا المقام الثاني : فالظاهر عدم انعقاد الإجماع على اعتباره ، وإن ورد ذلك في كلمات بعضٍ كالعلّامة (قدس سره) (2).


1) الجواهر 26 : 291 292.

2) مختلف الشيعة 6 : 201.

الآخر ، من النقود كانا أو من العروض. بل اشترط جماعة اتحادهما في الجنس


والذي يكشف عن صحّة ما ذكرناه عدم تعرّض أكثر القدماء من الأصحاب لهذه المسألة بالمرّة ، إذ لم يرد في كلمات كثير منهم ذكر لها.

نعم ، تعرض لها جملة منهم ، إلّا أن عباراتهم قاصرة عن إثبات الإجماع على اعتبار الامتزاج.

فقد ذكر القاضي (قدس سره) في (الجواهر) أن صحّة الشركة مع الامتزاج إجماعي ، ولا إجماع على صحتها مع عدمه (1). وعبارته (قدس سره) كما تراها قاصرة عن إثبات الإجماع على اعتبار الامتزاج في صحة الشركة العقدية ، إذ غاية ما تدل عليه هو انعقاد الإجماع على صحة الشركة مع الامتزاج ، لا بطلانها مع عدمه ، وبينهما بون بعيد.

ومثله المحكي عن الشيخ (قدس سره) (2).

واعتبر ابن زهرة (قدس سره) في الغنية الامتزاج ، إلّا أنه لم يتعرّض لدعوى الإجماع على اعتباره (3).

نعم ، تعرض ابن حمزة (قدس سره) في الوسيلة إلى هذا الشرط واعتبره ، وادّعى عليه الإجماع (4).

إلّا ان الشهيد (قدس سره) في اللمعة ، والمحقق (قدس سره) في الشرائع ، لم يتعرضا له بالمرة ، وإنما ذكرا أن المزج سبب قهري للشركة ، سواء أحصل بالاختيار أم لا به (5). وهو كما تراه أجنبي عن محل الكلام.


1) الجواهر 26 : 299.

2) الخلاف 3 : 327.

3) الغنية : 261.

4) الوسيلة : 262.

5) الشرائع 2 : 150 ، اللمعة الدمشقية 4 : 197.

والوصف. والأظهر عدم اعتباره (1) بل يكفي الامتزاج على وجه لا يتميز أحدهما من الآخر كما لو امتزج دقيق الحنطة بدقيق الشعير ونحوه ، أو امتزج نوع من الحنطة بنوع آخر ، بل لا يبعد كفاية امتزاج الحنطة بالشعير.

وذلك للعمومات العامّة ، كقوله تعالى ( أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ) . وقوله (عليه السلام) : «المؤمنون عند شروطهم» وغيرهما.

بل لولا ظهور الإجماع على اعتبار الامتزاج أمكن منعه مطلقاً ، عملاً بالعمومات. ودعوى عدم كفايتها لإثبات ذلك ، كما ترى. لكن الأحوط مع ذلك أن يبيع كل منهما حصّة مما هو له بحصة مما للآخر ، أو يهبها كل منهما للآخر أو نحو ذلك ، في غير صورة الامتزاج الذي هو المتيقن.

هذا ويكفي في الإيجاب والقبول كل ما دلّ على الشركة من قول أو فعل.

[3484] مسألة 5 : يتساوى الشريكان في الربح والخسران مع تساوي المالين. ومع زيادة فبنسبة الزيادة ربحاً أو خسراناً (2) سواء كان العمل من


هذا وقد صرح صاحب الحدائق (قدس سره) بعدم الدليل على اعتبار اتحاد الجنس والوصف والامتزاج ، واعتبره منافياً لإطلاقات الآيات الكريمة والنصوص الشريفة (1).

والذي يتحصل مما تقدّم أنه لا طريق لإحراز الإجماع التعبدي على اعتبار الامتزاج. وحينئذٍ فمقتضى القاعدة ، كما مال إليه الماتن (قدس سره) ، هو القول بعدم اعتباره في الشركة بقول مطلق.

(1) لأنه وإن ذكر في كلمات بعضهم ، إلّا أن جملة منهم كالشيخ (قدس سره) لم يعتبره صريحاً. ومن هنا فإثباته بالدليل مشكل جدّاً ، لفقدان الدليل اللفظي ، وعدم تمامية الإجماع ، بل ومخالفته للعمومات.

(2) وهو واضح ، لقاعدة تبعية النماء والربح في الملك للأصل ، نظراً لكون نسبتهما إلى المالين على حد واحد.


1) الحدائق 21 : 154.

أحدهما أو منهما ، مع التساوي فيه أو الاختلاف أو من متبرع أو من أجير. هذا مع الإطلاق. ولو شرطا في العقد زيادة لأحدهما ، فإن كان للعامل منهما ، أو لمن عمله أزيد ، فلا إشكال ولا خلاف على الظاهر عندهم في صحّته (1).

أمّا لو شرطا لغير العامل منهما ، أو لغير من عمله أزيد ، ففي صحّة الشرط والعقد ، وبطلانهما ، وفي صحة العقد وبطلان الشرط فيكون كصورة الإطلاق أقوال ، أقواها الأوّل (1)(2). وكذا لو شرطا كون الخسارة على أحدهما أزيد (3). وذلك لعموم «المؤمنون عند شروطهم».

ودعوى أنه مخالف لمقتضى العقد ، كما ترى (2). نعم ، هو مخالف لمقتضى إطلاقه (4). والقول بأن جعل الزيادة لأحدهما من غير أن يكون له عمل يكون في


(1) بل ادُّعي عليه الإجماع في بعض الكلمات صريحاً. والوجه فيه رجوعه إلى اشتراط عقد المضاربة في ضمن عقد الشركة ، وهو لا محذور فيه حتى ولو كان رأس المال من غير النقدين ، إذ إنّ اعتباره فيها إنما كان للإجماع الذي ادُّعي عليه ، وهو في المقام مفقود ، بل الإجماع قائم على عدم اعتباره في المقام ، حيث لم ينسب الخلاف في صحته إلى أحد من الأصحاب.

والحاصل أنه لا ينبغي الإشكال في صحة هذا العقد مع الشرط ، لأنه شرط سائغ ومشروع في حدّ ذاته ، واعتبار كون رأس المال من النقدين إن تمّ فهو إنما يعتبر في المضاربة المستقلة ، دون ما كان في ضمن عقد الشركة.

(2) بل الأخير ، لمخالفة الشرط لمقتضى السنة ، على ما سيأتي بيانه.

(3) الحال فيه كالحال في سابقه حرفاً بحرف.

(4) الصحيح في الجواب أن يقال : إنّ عقد الشركة أجنبي عن الربح بالمرّة. فإنّ


1) (*) بل أقواها الثالث ، وكذا الحال فيما بعده.

2) (**) لكنّه من الشرط المخالف للسنّة ، فإن تملّك شخص ربح مال غيره بلا سبب شرعي مخالف لها ، والشرط لا يكون مشرعاً لحكم غير مشروز. وبذلك يظهر بطلان اشتراط كون تمام الربح أو الخسارة من أحدهما.

.................................................................................................


مقتضاه الاشتراك في المالين بنسبتهما إلى المجموع فقط ، فلو اشترطا خلاف ذلك ، بأن يكون لأحدهما ثلثا المجموع وللآخر الثلث مع تساويهما في المالين ، حكم ببطلانها لمخالفة الشرط لمقتضى عقدها. وأما الربح فعقد الشركة أجنبي عنه تماماً ، وتساويهما فيه بالنسبة إنما ثبت بدليل خارجي ، هو ما دل على تبعية النماء لأصل المال في الملكيّة ، لا بعقد الشركة.

ومن هنا فإن كانت هناك مخالفة في الشرط فهي مخالفته للسنة ، لا لمقتضى العقد كي يقال إنه ليس مخالفاً له وإنما هو مخالف لإطلاقه.

وعلى ضوء هذا يتضح وجه عدولنا عما اختاره الماتن (قدس سره) ، من أقوائية القول الأوّل إلى أقوائية القول الأخير.

فإنّ هذا الشرط من الشرط المخالف للسنة ، حيث إن مقتضاها تبعية الربح للمال في الملك وكونه لصاحبه ، فاشتراط كونه كلّاً أو بعضاً لغيره ، يكون من الشرط المخالف لها.

وبعبارة اخرى : إنّ الربح المشترط كونه للغير ، إذا كان موجوداً بالفعل ومملوكاً له ، كما لو كان ربحاً لتجارة سابقة ، فلا مانع من أخذه في العقد ، لأنه شرط سائغ والمالك مسلط على ماله يتصرف فيه كيف يشاء.

وأما إذا لم يكن كذلك ، كما هو الحال فيما نحن فيه حيث إن ربح التجارات الآتية أمر معدوم ولا وجود له بالفعل ، فلا يصحّ أخذه شرطاً إذ لا يصح تمليك المعدوم وكان من الشرط المخالف لمقتضى السنة ، إلّا ما أخرجه الدليل ، كالمضاربة والمزارعة والمساقاة.

ولذا لم يتوقف أحد في بطلان هذا الشرط إذا أُخذ في ضمن عقد آخر ، كالبيع والإجارة ونحوهما ، بأن يشترط البائع على المشتري في عقد بيع الدار مثلاً أن تكون أرباح بستانه له ، فإنه فاسد جزماً ، إذ الشرط لا يكون مشرعاً ، وإنما أدلته تنظر إلى لزوم الوفاء به فيما يكون سائغاً ومشروعاً في نفسه.

والحاصل أن اشتراط أحد الشريكين الزيادة في الربح من دون أن يكون ذلك في

.................................................................................................


قبال عمل أو زيادة فيه ، من الشرط المخالف ومحكوم بالفساد لا محالة ، إلّا أن ذلك لا يؤثر على العقد شيئاً فإنه محكوم بالصحة ، لما عرفته في محلّه من أنّ التحقيق يقتضي عدم سراية فساد الشرط إلى العقد نفسه.

ثمّ إنه قد يفصل في المقام ، بين ما إذا كان الشرط ملكيّة أحدهما الزيادة ابتداءً وبنفس العقد ، بحيث ينتقل ذلك المقدار من الربح إليه مباشرة ، فيحكم ببطلانه لمخالفته للسنّة. وبين ما إذا كان الشرط تملك الشريك ذلك المقدار بعد تملكه هو له ، بحيث يكون انتقاله منه إليه لا من المشتري مباشرة ، فيحكم بصحته لعدم مخالفته للسنّة نظراً لعدم منافاته لقانون تبعية الربح لأصل المال في الملكيّة. فإنّ كلّاً منهما يملك من الربح بنسبة ماله إلى المجموع ، ثمّ ينتقل ما اشترط من الزيادة من المشروط عليه إلى المشروط له.

إلّا أنّ فساده يظهر مما تقدّم. فإنّه مخالف للكتاب والسنة أيضاً ، حيث إنّه يتضمن تمليك المعدوم بالفعل وهو غير جائز ، فإنه ليس للإنسان أن يملّك غيره ما لا يملكه ؛ بالفعل ، وبذلك يكون اشتراطه من اشتراط أمر غير جائز ، فيحكم بفساده لا محالة لأن أدلّته ليست بمشرعة.

والحاصل أنه لا فرق في الحكم ببطلان هذا الاشتراط بين كون الشرط هو انتقال الزيادة إلى الشريك مباشرة ، وانتقالها إليه بواسطة مالكها وبعد انتقالها إليه. فإنّ ما لا يكون مشروعاً في حدّ نفسه لا يكون كذلك بالشرط ، لأنّ الاشتراط لا يغيّر الأحكام الإلهية ، لكن ذلك لا يوجب فساد العقد أيضاً ، فإنه محكوم بالصحة.

ويقتضيه مضافاً إلى ما بيّناه في محلّه صحيحة رفاعة ، قال : سألت أبا الحسن موسى (عليه السلام) عن رجل شارك رجلاً في جارية له وقال : إن ربحنا فيها فلك نصف الربح ، وإن كانت وضيعة فليس عليك شي‌ء ، فقال : «لا أرى بهذا بأساً إذا طابت نفس صاحب الجارية» (1).

فإنّها دالّة على صحّة العقد في ظرف فساد الشرط المأخوذة فيه ، وإن لم أر من


1) الوسائل ، ج 19 كتاب الشركة ، ب 1 ح 8.

مقابلتها ليس تجارة ، بل هو أكل بالباطل ، كما ترى باطل (1).

ودعوى أن العمل بالشرط غير لازم لأنه في عقد جائز. مدفوعة.

أوّلاً : بأنه مشترك الورود ، إذ لازمه عدم وجوب الوفاء به في صورة العمل


تعرّض لها في المقام. وذلك لأنّ المشار إليه بقوله (عليه السلام) : «لا أرى بهذا بأساً» لا يمكن أن يكون هو نفس عقد الشركة ، لاستلزامه المنافاة مع قوله (عليه السلام) : «إذا طابت نفس صاحب الجارية» فإنه يكون لغواً محضاً ، لأنّ المفروض أنه هو الذي طلب من الآخر ذلك. بل المشار إليه بأداة الإشارة إنما هو نتيجة الشرط ، أعني احتساب تمام الوضيعة على نفسه وعدم تحميل صاحبه شيئاً منها.

ومن هنا تكون الرواية دالّة على فساد الشرط ، إذ لولاه لكان مجبوراً على ذلك سواء أطابت نفسه به أم لا.

وبعبارة اخرى : إنّ إناطة الحكم بطيب النفس وعدمه ، كاشف عن عدم لزوم الشرط ونفوذه عليه ، بمعنى كونه غير مجبور على الوفاء به بل الأمر بيده ، فإن طابت نفسه به فله ذلك ، وإلّا فله الامتناع عنه. وهذه عبارة أُخرى عن فساد الشرط ، وإلّا فلا وجه لاعتبار طيب النفس في الحكم.

إذن تكون الرواية دالّة على أنّ فساد الشرط وعدم نفوذه ، لا يتنافى مع كون أصل العقد صحيحاً.

(1) لأنّ التمليك برضا كل من المتعاملين ، والأكل المستند إليه لا يكون من الأكل بالباطل جزماً ، فإنّ التمليك بالرضا ينافيه.

ولذا لو كان متعلق الشرط في المقام غير الزيادة في الربح ، بأن اشترط أحدهما على الآخر عملاً أو مالاً معيَّناً ، لم يكن من الأكل بالباطل جزماً.

والحاصل أنّ الأكل المستند إلى التمليك بالرضا في ضمن عقد سائغ ، مع وجوب الوفاء به ، لا يكون من الأكل بالباطل.

ومن هنا فلو كان عموم : «المؤمنون عند شروطهم» شاملاً له ، لكان الشرط محكوماً بالصحة بلا إشكال.

أو زيادته (1).

وثانياً : بأن غاية الأمر جواز فسخ العقد فيسقط وجوب الوفاء بالشرط (2) والمفروض في صورة عدم الفسخ ، فما لم يفسخ يجب الوفاء به. وليس معنى الفسخ حل العقد من الأوّل ، بل من حينه (3) فيجب الوفاء بمقتضاه مع الشرط إلى ذلك الحين.

هذا ولو شرط تمام الربح لأحدهما بطل العقد ، لأنه خلاف مقتضاه (4). نعم ، لو شرطا كون تمام الخسارة على أحدهما ،


(1) والحال أنك قد عرفت ، أنه لم ينسب الخلاف في صحته إلى أحد من الأصحاب.

(2) على ما عرفت بيانه مفصلاً في كتاب المضاربة.

(3) ولذا ذكرنا في كتاب المضاربة ، أن الفسخ لا يؤثر بالنسبة إلى الأرباح السابقة عليه شيئاً ، بل يوزع الربح بينهما بالنسبة التي اتفقا عليها في العقد.

(4) لم يظهر لنا وجه التفصيل بين اشتراط تمام الربح لأحدهما واشتراط بعضه فإنه يجري فيه ما قيل في اشتراط البعض من أنه ليس منافياً لمقتضى العقد ، وإنما هو منافٍ لمقتضى إطلاقه خاصة ، فلا فرق بينهما من هذه الجهة.

على أنك قد عرفت أنه ليس منهما معاً. فإنّ العقد أجنبي عن الربح تماماً ، فإنه لا يقتضي إلّا اشتراكهما في المالين ، في قبال اختصاص كلّ منهما بأحدهما.

نعم ، يبقى فيه ما ذكرناه في اشتراط البعض من كونه منافياً للسنة ، حيث يقتضي المنع من تمليك المعدوم بالفعل ، فإنه لولا هذه الجهة لوجب الالتزام بصحّة الشرط والعقد معاً ، كما التزم به الماتن (قدس سره) في اشتراط البعض.

ثمّ إنه لو قلنا بفساد الشرط لمخالفته لمقتضى العقد كما أفاده الماتن (قدس سره) ، لم يكن محيص عن الالتزام بفساد العقد أيضاً ، إذ لا يجري فيه أنّ فساد الشرط لا يسري إلى العقد ، فإنّه إنما يتمّ في الشروط الخارجية عن مفاد العقد. وأما الشروط المنافية لمقتضاه ، ففسادها يستدعي فساد العقد لا محالة ، لرجوعه إلى إنشاء أمرين متناقضين ، كما لو باعه الدار على أن لا يملك ، وهو يرجع في الحقيقة إلى عدم البيع.

فالظاهر صحته (1) لعدم كونه منافياً.

[3485] مسألة 6 : إذا اشترطا في ضمن العقد كون العمل من أحدهما أو منهما ، مع استقلال كل منهما أو مع انضمامهما ، فهو المتبع ، ولا يجوز التعدي. وإن أطلقا ، لم يجز لواحد منهما التصرّف إلّا بإذن الآخر. ومع الإذن بعد العقد أو الاشتراط فيه ، فإن كان مقيداً بنوع خاص من التجارة ، لم يجز التعدي عنه ، وكذا مع تعيين كيفية خاصة (2). وإن كان مطلقاً ، فاللّازم الاقتصار على المتعارف (3) من حيث النوع والكيفية. ويكون حال المأذون حال العامل في المضاربة ، فلا يجوز البيع بالنسيئة ، بل ولا الشراء بها ، ولا يجوز السفر بالمال ، وإن تعدّى عمّا عين له


(1) بل الظاهر بطلانه. وذلك لا لكونه منافياً لمقتضى العقد ، إذ قد عرفت أنّ مفهوم الشركة أجنبي عنها وعن الربح بالمرة ، فإنه ليس إلّا تبديل عنوان الاختصاص بعنوان الاشتراك فقط ، وأما كون الربح أو الخسارة بينهما فهو أمر خارج عنه ولا علاقة له به.

بل لكونه منافياً للكتاب والسنّة ، فإنّ كون خسارة مال أحد وتلفه على غيره ، من غير ما يوجب الضمان من تلف أو إتلاف ، يحتاج إلى الدليل وهو مفقود.

ولذا لا يلتزمون بصحته في غير هذا العقد.

إذن فالظاهر في جميع هذه الموارد اشتراط الربح تماماً أو بعضاً ، والخسارة كذلك ، لأحدهما أو عليه بطلان الشرط خاصة ومن دون سراية إلى العقد نفسه وبذلك يكون حال هذه الصور حال صورة الإطلاق ، حيث يتقاسم الشريكان الربح والخسران بنسبة ماليهما إلى المجموع.

(2) لاختصاص الإذن بها وانتفائه عن غيرها.

(3) للانصراف إليه عند عدم التعيين.

أو عن المتعارف ضمن الخسارة والتلف (1)(1) ولكن يبقى الإذن بعد التعدِّي (2) أيضاً ، إذ لا ينافي الضمان بقاءه. والأحوط مع إطلاق الإذن ملاحظة المصلحة ، وإن كان لا يبعد كفاية عدم المفسدة (3).


(1) أما مع التلف فلا ينبغي الإشكال في ضمانه. فإنه وبتصرفه تصرفاً غير مأذون فيه ، يكون متعدّياً ومتلفاً لمال الغير ، فيضمنه لا محالة. إلّا أن معه لا مجال لبقاء الإذن على حاله ، لارتفاعه بارتفاع موضوعه ، أعني تلف المال.

وأما مع الخسارة فما أفاده (قدس سره) لا يمكن المساعدة عليه ، إذ لا وجه لضمانه لها بالمرّة. فإنّ العقد الصادر على خلاف ما عيّن له أو المتعارف ، لما لم يكن عقداً مأذوناً فيه ، كان عقداً فضولياً لا محالة. ومعه فيتخيّر المالك الشريك بين إجازته وقبض الثمن المسمى خاصة ، وبين ردّه والمطالبة بماله على تقدير كونه موجوداً ، وبدله على تقدير تلفه. وعلى كلا التقديرين ، فلا يضمن الشريك البائع الخسارة.

نعم ، ضمان العامل للخسارة في فرض التعدي ، حكم ثابت في المضاربة على خلاف القاعدة للنصوص الخاصة ، حيث دلّت على صحة المعاملة عند مخالفة العامل المضارب لصاحب المال فيما اشترط عليه ، مع كون الربح على تقديره بينهما والخسارة عليه خاصة.

إلّا أن التعدي عنها إلى كل مورد يتصرف فيه أحد في مال غيره بغير إذنه ، يحتاج إلى الدليل وهو مفقود.

(2) في غير التلف ، حيث عرفت أنه لا مجال لبقائه معه ، نظراً لانتفاء موضوعه.

(3) اختاره صاحب الجواهر (قدس سره) (2)ووجهه ظاهر. فإنّ مقتضى إطلاق الإذن فيه ، عدم تقييده بما يقترن بالمصلحة للمالك ، بل يكفي فيه ما يخلو عن المفسدة


1) (*) لو أجاز الشريك معاملة شريكه المتعدِّي فلا ضمان في الخسارة ، وإلّا بطلت المعاملة في حصّته ويرجع بعين ماله أو ببدله.

2) الجواهر 26 : 302.

[3486] مسألة 7 : العامل أمين ، فلا يضمن التلف ما لم يفرط أو يتعدَّ (1).

[3487] مسألة 8 : عقد الشركة من العقود الجائزة (2). فيجوز لكل من


له ، فإنه الخارج عن الإذن خاصة ، ويكون الأمر في الباقي بما في ذلك ما لا مصلحة فيه بيد العامل المأذون له بالتصرف.

وأوضح من ذلك في الجواز ما إذا كان أصل البيع مقروناً بالمصلحة ، وكان الفرد المختار من بين سائر الأفراد فاقداً لها ، بحيث لم يكن فيه مصلحة زائدة على مصلحة أصل البيع. فإنه لا ينبغي فيه الإشكال في الجواز ، فإنّ تطبيق الكلّي على الأفراد الخارجية بيد العامل المأذون جزماً ، ولا يحتاج فيه إلى وجود المصلحة قطعاً.

(1) وهو واضح. فإنّ الضمان إنما يثبت بالإتلاف أو اليد إذا كانت عدوانية ، فلا يثبت مع كونها يد أمانة وعدم استناد التلف إليه.

(2) توضيح الحال في المقام : أنّ الشركة إن لوحظت بالقياس إلى أصل المال وكونه غير مختصّ بأحدهما سواء في ذلك الشركة الاختيارية أو غير الاختيارية مع القصد أو لا معه فهي لا تنفسخ ما لم تتحقق القسمة في الخارج ، ولا تتبدل الملكيّة الاشتراكية بالملكيّة الاختصاصية إلّا بها.

ولكلّ منهما المطالبة بذلك في جميع مواردها ، بلا إشكال فيه ولا خلاف.

وتدلّ عليه السيرة القطعية العقلائية والمتشرعية المتصلة بعهد المعصوم (عليه السلام). فإنه ليس لبعض الورثة الامتناع من التقسيم ، والمطالبة ببقاء التركة على حالها بعد مطالبة غيره به ، بل لا بدّ من استجابته إليه.

ومن هنا يظهر أنه ليس معنى الجواز في المقام هو ارتفاع الشركة وزوالها بالفسخ فإنها موجودة ما لم تتحقق القسمة في الخارج ، وإنما هو بمعنى جواز مطالبة كلّ منهما بالقسمة ، وعدم جواز امتناع صاحبه منها.

وإن لوحظت بالقياس إلى الربح الحاصل من التجارة. فحيث إنّ استحقاق الربح لم يكن من جهة عقد الشركة ومقتضاها ، وإنما كان من جهة الإذن في التصرّف في ماله

الشريكين فسخه ، لا بمعنى أن يكون الفسخ موجباً للانفساخ من الأوّل أو من حينه بحيث تبطل الشركة ، إذ هي باقية ما لم تحصل القسمة ، بل بمعنى جواز رجوع كل منهما عن الإذن في التصرّف الذي بمنزلة عزل الوكيل عن الوكالة ، أو بمعنى مطالبة القسمة.

وإذا رجع أحدهما عن إذنه دون الآخر فيما لو كان كل منهما مأذوناً لم يجز التصرّف للآخر ، ويبقى الجواز بالنسبة إلى الأوّل. وإذا رجع كل منهما عن إذنه لم يجز لواحد منهما. وبمطالبة القسمة يجب القبول على الآخر. وإذا أوقعا الشركة على وجه يكون لأحدهما زيادة (1)في الربح أو نقصان في الخسارة ، يمكن الفسخ (1) بمعنى إبطال هذا القرار ، بحيث لو حصل بعده ربح أو خسران كان بنسبة المالين على ما هو مقتضى إطلاق الشركة.


على ما تقدّم بيانه ، وليس في المقام ملزم للآذن بإبقاء إذنه ، كان له رفع اليد عنه متى شاء ، كما هو الحال في سائر موارد الإذن. وليس للعامل التصرّف في المال بعد ذلك لأنه من التصرّف في مال الغير بغير إذنه.

وعليه فمعنى الجواز هنا ، عدم كون الآذن ملزماً بإبقاء إذنه ، وجواز رفعه له متى شاء ذلك.

(1) وذلك بإسقاط من له الشرطُ الشرطَ ، فإنّه من الحقوق ولصاحبه إسقاطه ، أو رفع من عليه الشرط يده عن الإذن في التصرّف ، إذ به يرتفع موضوع كون الزيادة للشارط ، نظراً لكونها تابعة لجواز التصرّف في المال وصحة المعاملة.

لكنك قد عرفت في المسألة السادسة بطلان هذا الاشتراط من أساسه ، نظراً لكونه مخالفاً للسنّة. ومن هنا فيكون الربح أو الخسران بينهما على نسبة المالين ، من غير حاجة إلى الطريقين السابقين.


1) (*) تقدّم بطلان هذا الشرط.

[3488] مسألة 9 : لو ذكر في عقد الشركة أجلاً لا يلزم ، فيجوز لكل منهما الرجوع قبل انقضائه (1) إلّا أن يكون مشروطاً في عقد لازم فيكون لازماً (2).

[3489] مسألة 10 : لو ادّعى أحدهما على الآخر الخيانة أو التفريط في الحفظ فأنكر ، عليه الحلف مع عدم البينة (3).

[3490] مسألة 11 : إذا ادّعى العامل التلف ، قُبِلَ قوله مع اليمين ، لأنه أمين (4).

[3491] مسألة 12 : تبطل الشركة بالموت (5)


(1) والوجه فيه ظاهر. فإنّ الشركة من العقود الإذنية ، ولا ملزم للشريك للبقاء على إذنه ، بل له رفع اليد عنه متى شاء ، كما هو الحال في الوكالة. وتعيين الأجل في العقد الإذني يرجع إلى تعيين الأجل للإذن ، ولا ريب في عدم لزومه ، فيجوز الرجوع قبل انقضائه.

(2) لكونه حينئذٍ من توابع العقد وشؤونه فيلزم بلزومه ، ومعه فلا أثر لرجوع المالك عن إذنه.

(3) على ما تقتضيه قواعد الدعوى. فإنّ المدّعى يلزم بالبيّنة ، وإلّا فليس على المنكر إلّا اليمين.

(4) على ما هو المشهور بين الأصحاب. لكنك قد عرفت في كتاب الإجارة عند التعرض لدعوى الأجير تلف مال الإجارة ، أن مقتضى النصوص الواردة في دعوى الأمين التلف ، هو التفصيل بين كونه متهماً وعدمه. ففي الأوّل يلزم بالبدل ما لم يقم البيّنة على العدم ، في حين يقبل قوله في الثاني مع يمينه ما لم يقم المدّعى البيّنة.

(5) بلا إشكال فيه ولا خلاف. فإنّ جواز تصرف العامل في المال مستند إلى إذن المالك ، وحيث إنّ المال قد انتقل من الآذن إلى ورثته وبذلك بطل إذنه ، فلا يجوز له التصرّف فيه إلّا بإذن شريكه الجديد الورثة.

وكذا الحال فيما لو كان العقد مع ولي شريكه. فإنّ موته يمنعه من جواز التصرّف في المال المشترك ما لم يأذن الولي الجديد في ذلك ، فإنّ إذن الأوّل إنما يختص بدور

والجنون (1) والإغماء (2) والحجر بالفلس أو السفه (3). بمعنى : أنه لا يجوز للآخر التصرّف ، وأما أصل الشركة فهي باقية (4). نعم ، يبطل أيضاً ما قرّراه (1)من زيادة أحدهما في النماء بالنسبة إلى ماله أو نقصان الخسارة كذلك (5).

وإذا تبيّن بطلان الشركة ، فالمعاملات الواقعة قبله محكومة بالصحّة ، ويكون


ولايته ، فإذا انتفت بموته وانتقلت إلى غيره بطل إذنه ، واحتاج جواز التصرّف فيه إلى إذن من له الولاية على الشريك بالفعل.

(1) فإنّ حكم المجنون حكم الحيوانات من حيث فقدانه للأهلية. وحيث إنّ جواز التصرّف متوقّف على الإذن بقاءً ، وهو منتفٍ في المقام نظراً لانعدام أهليته ، فلا محيص عن الالتزام ببطلان الشركة ، وعدم جواز تصرف الآخر في المال المشترك.

والحاصل أنه إنما يحكم على الإذن الصادر من أحد بالبقاء فيما إذا صح منه الإذن فعلاً ، وحيث إنّ المجنون ليس كذلك ، فيبطل إذنه السابق ولو كان صادراً حال عقله وأمانته.

(2) فإنّه ملحق بالمجنون ، فإنّه لا يقاس بالنائم على ما هو المتسالم عليه بينهم. فإنّ الإذن السابق لا أثر له ، واللّاحق ساقط عن الاعتبار ، لانتفاء أهلية المجيز.

(3) يظهر وجهه مما تقدّم. فإنّ جواز الإذن متوقف على صلاحية الآذن وأهليته للقيام بذلك التصرّف مباشرة ، وحيث إنّه مفقود في المقام ، فلا اعتبار بإذنه.

وبعبارة اخرى : ان العقود الجائزة متقومة بالإذن حدوثاً وبقاءً ، فتنتفي بمجرّد انتفائه. وحيث إنّ المحجور عليه ليس له التصرّف في ماله ، فليس له حق الإذن في ذلك فعلاً بقاءً أيضاً. ومعه فلا يجوز للمأذون سابقاً التصرّف فيه ، لانتفاء الإذن الفعلي ، وعدم تأثير الإذن السابق.

(4) غاية الأمر أنّها في فرض الموت تكون بينه وبين الورثة ، لانتقال المال إليهم.

(5) لاختصاصه على تقدير صحته بالإذن السابق والمفروض انتفاؤه ، إلّا أنك قد


1) (*) تقدّم أنّ هذا الشرط في نفسه باطل ولو كان عقد الشركة صحيحاً.

الربح على نسبة المالين ، لكفاية الإذن المفروض حصوله (1). نعم ، لو كان مقيّداً


عرفت أنّ هذا الشرط باطل على كل تقدير.

(1) وقد تقدّم نظيره في المضاربة ، حيث ذكرنا أنّ بطلانها لسبب من الأسباب لا ينافي صحة المعاملات الواقعة على مال المالك بعد أن كانت صادرة عن إذنه.

نعم ، لا يستحقّ العامل في الفرض الحصّة المعيَّنة له في العقد ، فإنه فرع صحته والمفروض بطلانه. إلّا أنّ ذلك لا يعني ذهاب عمله هدراً ، فإنه عمل مسلم محترم صدر عن أمر الغير لا على وجه المجانية ، فيكون ضامناً له لا محالة ، وبذلك فيستحق العامل اجرة المثل.

وهذا الكلام بعينه يجري في المقام. فإنّ صحة العقد الصادر من الشريك العامل غير متوقفة على صحة عقد الشركة بالمرّة ، وإنما هي متوقفة على تحقق الإذن من الشريك الثاني في التصرّف المفروض وجوده ، فيحكم بصحته لا محالة ، وبذلك يستحقّ العامل اجرة المثل على عمله ، نظراً لصدوره عن أمر الغير لا على وجه التبرع كما إذا اشترط الزيادة للعامل. وأما مع عدمه ، فلا يستحقّ شيئاً ، لأنه متبرع بعمله.

بقي إن نعرف في المقام أن فساد عقد الشركة ، قد يفرض من جهة فقدان العاقد لبعض الشروط المعتبرة في صحته ، كالبلوغ والعقل. وقد يفرض من جهة فقدان العقد لبعض الشروط المعتبرة فيه ، كالمزج بناءً على القول باعتباره.

والظاهر أنّ موضوع كلام الماتن (قدس سره) في المقام هو الثاني ، وإن كان ذلك لا يلتئم مع سياق عبارته ، إذ فيه يأتي ما ذكره (قدس سره) من فساد عقد الشركة مع صحة المعاملات الصادرة من العامل واستحقاقه اجرة المثل.

إلّا أنه يرد عليه أنه لا وجه لتقيد الحكم بالمعاملات الواقعة قبل تبين بطلان الشركة والعلم به ، بل ينبغي الحكم بالصحة مطلقاً ، كانت المعاملة صادرة قبل العلم بالبطلان أو بعده. فإنه لا أثر لذلك بعد أن كان المعيار فيه هو صدورها عن إذن

بالصحّة ، تكون كلّها فضوليّاً بالنسبة إلى من يكون إذنه مقيّداً (1). ولكلّ منهما اجرة مثل عمله (2) بالنسبة إلى حصّة الآخر إذا كان العمل منهما ، وإن كان من أحدهما فله اجرة مثل عمله.


المالك ، فإنه موجود في كلا الفرضين على حدّ سواء ، إذ لا منافاة بين العلم بالفساد وبقاء الإذن.

نعم ، لو كان موضوع كلامه (قدس سره) هو الأوّل ، على ما يشهد له سياق عبارته (قدس سره) حيث ذكر ذلك بعد تعرضه للبطلان بفقد شي‌ء من الشرائط المعتبرة في العاقد ، فما أفاده (قدس سره) من بطلان المعاملات الواقعة بعد العلم بالفساد و

إن كان صحيحاً ، إلّا انه يستلزم انعكاس الإشكال السابق ، حيث أنّ لازم ذلك الحكم بفساد المعاملات الصادرة منه قبل العلم بالفساد أيضاً ، إذ لا عبرة بإذن المجنون أو الصغير أو المحجور عليه ، فإنه من هؤلاء مساوق للعدم.

والحاصل أنه لا وجه لما أفاده (قدس سره) من التفصيل ، بين المعاملات الصادرة من العامل قبل العلم بفساد عقد الشركة ، والصادرة بعد العلم به ، فإنّ الحكم على كلا التقديرين واحد. فإنّ الفساد إذا كان ناشئاً من جهة فقدان العاقد لبعض الشروط المعتبرة فيه ، تعيّن الحكم ببطلان المعاملات الصادرة من العامل ، سواء في ذلك الصادرة منه قبل علمه بالفساد أم بعده. وإن كان ذلك ناشئاً من جهة فقدان العقد لبعض الشروط المعتبرة فيه ، تعيّن الحكم بصحتها مطلقاً ، صدرت منه قبل علمه بالفساد أم بعده.

(1) لفقدانه لإذن المالك. ومن هنا فإن أجاز العقد بعد ذلك فهو ، وإلّا حكم ببطلانها.

(2) الظاهر رجوع هذه الفقرة إلى فرض عدم بطلان المعاملات ، أعني عدم كون الإذن مقيداً بصحّة الشركة. فإنّ الشريك العامل حينئذ يستحق اجرة مثل عمله بالنسبة إلى حصّة صاحبه ، مضافاً إلى ما يأخذه من ربح حصّته ، كما عرفت.

.................................................................................................


وعليه فيكون قوله (قدس سره) : (نعم ، لو كان مقيداً ... يكون إذنه مقيّداً) جملة معترضة ، وإلّا فلا وجه لإثبات أُجرة المثل في فرض عدم الإذن في المعاملة وكونها فضولية محضة ، إذ لا موجب لضمان المالك حتى على تقدير إجازته لتلك المعاملات والربح فيها ، على ما عرفته مفصلاً في كتاب المضاربة.

ومما يشهد لما ذكرناه أنه (قدس سره) لم يفرض الفضولية من الطرفين ، فقد يكون أحدهما كذلك والآخر مأذوناً ، ومعه فلا وجه لاستحقاق كل منهما الأُجرة بالنسبة إلى حصّة صاحبه ، فإنه إنما ينسجم مع كون الإذن من كل منهما غير مقيد بصحّة الشركة.

على أنّ إطلاق استحقاق كل منهما اجرة مثل عمله ، يعمّ فرض إجازة المالك للعقد الفضولي وعدمها. وهو مما لا يمكن الالتزام به في فرض الردّ جزماً ، وإن التزم (قدس سره) به في فرض الإجازة في كتاب المضاربة. وقد عرفت منّا منعه ، نظراً لعدم صدور المعاملات عن أمره ، وكون ما يصل إليه من الربح حاصلاً من فعله أعني الإجازة.

والحاصل أنّ في المقام يستحقّ كلّ من العاملين على صاحبه اجرة مثل عمله في حصّته إذا كان العمل منهما معاً ، وإلّا فالعامل منهما خاصة ، لصدوره عن أمره به لا على سبيل التبرع والمجانية إذ لا يذهب عمل المسلم هدراً ، حيث لم يسلم له شرط الزيادة في الربح ، نظراً لفساده بفساد العقد.

إلّا أن هذا إنما يتمّ فيما إذا كانت الزيادة مشروطة للعامل منهما. وأما لو اشترطت لمن لا عمل له ، وقلنا بصحّة هذا الشرط في نفسه ، فلا يستحقّ العامل في فرض الفساد شيئاً زائداً عن ربح حصّته ، وذلك لإقدامه على التبرع بعمله والإتيان به مجاناً.

ثمّ إنه وفى فرض اشتراط الزيادة له ، فهو إنما يستحق اجرة المثل فيما إذا لم تزد عن الزيادة التي كانت له على تقدير الصحة ، وإلّا فلا يستحقّ الزائد عنها ، لإقدامه على عدم استحقاقه والتبرع بهذا المقدار ، فهو في الحقيقة إنما يستحق أقل الأمرين من الزيادة وأُجرة المثل.

[3492] مسألة 13 : إذا اشترى أحدهما متاعاً وادّعى أنه اشتراه لنفسه وادّعى الآخر أنه اشتراه بالشركة ، فمع عدم البيّنة القول قوله مع اليمين ، لأنه أعرف بنيته (1). كما أنه كذلك لو ادّعى أنه اشتراه بالشركة ، وقال الآخر أنه اشتراه لنفسه ، فإنه يقدم قوله أيضاً ، لأنه أعرف ، ولأنه أمين (2).


(1) بل لظهور إطلاق البيع والعقد وبطبعه الأوّلي في كونه للعاقد نفسه ، وكونه للغير تقييد يحتاج إلى مئونة زائدة. ومن هنا فعلى مدّعيه الإثبات ، وإلّا فالأصل عدمه.

(2) بل للسيرة العقلائية والمتشرعية القطعية على قبول قول الوكيل فيما هو وكيل فيه ، ودخوله تحت قاعدة : «من ملك شيئاً ملك الإقرار به» التي أُرسلت في كلماتهم إرسال المسلّمات.

نعم ، لو ادّعى الشريك كذبه في ذلك كان له إحلافه ، على ما تقتضيه قواعد الدعوى.

والحمد لله أوّلاً وآخراً

كتاب المزارعة

اشارة

كتاب المزارعة

وهي المعاملة على الأرض بالزراعة بحصّة من حاصلها. وتسمّى : مخابرة أيضاً. ولعلّها من الخبرة بمعنى النصيب ، كما يظهر من مجمع البحرين.

ولا إشكال في مشروعيتها ، بل يمكن دعوى استحبابها ، لما دلّ على استحباب الزراعة بدعوى كونها أعمّ من المباشرة والتسبيب (1).

ففي خبر الواسطي ، قال : سألت جعفر بن محمد (عليه السلام) عن الفلّاحين قال : «هم الزارعون كنوز اللّه في أرضه ، وما في الأعمال شي‌ء أحبّ إلى اللّه من الزراعة ، وما بعث اللّه نبيّاً إلّا زارعاً ، إلّا إدريس (عليه السلام) فإنه كان خيّاطاً» (1).

وفي آخر عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : «الزارعون كنوز الأنام يزرعون طيباً أخرجه اللّه عز وجل ، وهم يوم القيامة أحسن الناس مقاماً وأقربهم منزلة يدعون المباركين» (2).


(1) هذه الدعوى عهدتها على مدعيها. فإن الظاهر من كلمة «الزراعة» إنما هو الفعل الخارجي بنفسه ، بحيث يباشر المكلف الإتيان به. ومن هنا فإثبات كون الإتيان بسببه محبوباً ايضاً ، يحتاج إلى الدليل وهو مفقود.

نعم ، لا يبعد دعوى استحبابه من باب كونه مقدمة لأمر مستحب في نفسه وإعانة عليه ، فيدخل في قوله تعالى ( وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى ) (3). إلّا أنه خارج عن


1) (*) الوسائل ، ج 17 كتاب التجارة ، أبواب مقدمات التجارة ، ب 10 ح 3.

2) (**) الوسائل ، ج 19 كتاب المزارعة والمساقاة ، ب 3 ح 7.

3) سورة المائدة 5 : 2.

وفي خبر عنه (عليه السلام) قال : «سُئل النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) أي المال خير؟ قال : زرع زرعه صاحبه وأصلحه وادّى حقه يوم حصاده. قال : فأيّ المال بعد الزرع خير؟ قال : رجل في غنم له قد تبع بها مواضع القطر يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة. قال : فأيّ المال بعد الغنم خير؟ قال : البقر تغدو بخير وتروح بخير. قال : فأيّ المال بعد البقر خير؟ قال : الراسيات في الوحل ، المطعمات في المحل ، نعم المال النخل ، من باعه فإنما ثمنه بمنزلة رماد على رأس شاهق اشتدت به الريح في يوم عاصف ، إلّا أن يخلف مكانها. قيل : يا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) ، فأيّ المال بعد النخل خير؟ فسكت فقام إليه رجل فقال له : فأين الإبل؟ قال : فيها الشقاء والجفاء والعناء وبعد الدار ، تغدو مدبرة وتروح مدبرة ، لا يأتي خيرها إلّا من جانبها الأشأم ، أما أنها لا تعدم الأشقياء الفجرة» (1).

وعنه (عليه السلام) : «الكيمياء الأكبر الزراعة» (2).

وعنه (عليه السلام) : «إن اللّه جعل أرزاق أنبيائه في الزرع والضرع ، كيلا يكرهوا شيئاً من قطر السماء» (3).

وعنه (عليه السلام) ، أنه سأله رجل فقال له : جعلت فداك أسمع قوماً يقولون : إنّ المزارعة مكروهة؟ فقال : «ازرعوا واغرسوا ، فلا واللّه ما عمل الناس عملاً أحلّ ولا أطيب منه» (1).


محل الكلام ، فإنّ الكلام إنما هو في استحبابه بعنوان المعاملة والمزارعة ، لا استحبابه مطلقاً وتحت أي عنوان كان ، ولو كان ذلك هو عنوان الإعانة على أمر محبوب ومرغوب عند الشارع المقدس.

(1) هذه الرواية قد رواها المشايخ الثلاثة ، غير أنّ الصدوق (قدس سره) قد رواها


1) (*) الوسائل ، ج 11 كتاب الحج ، أبواب أحكام الدواب ، ب 48 ح 1.

2) (**) الكافي 5 : 261.

3) (***) الوسائل ، ج 19 كتاب المزارعة والمساقاة ، ب 3 ح 2.

ويستفاد من هذا الخبر ما ذكرنا (1)من أن الزراعة أعم من المباشرة والتسبيب (1).


عن ابن سيابة (2)، والكليني والشيخ (قدس سرهما) قد روياها عن سيابة (3)، وكذا في الوافي والوسائل (4).

والظاهر أنّ نسخة الصدوق (قدس سره) خطأ ، إذ لا وجود لابن سيابة بهذا العنوان في غير هذا الموضع من كلامه (قدس سره) فضلاً عن غيره.

نعم ، لسيابة ولدان عبد الرحمن وصباح والأوّل أكثر رواية من أخيه إلّا أنه لم يرد في شي‌ء من النصوص ذكرهما بعنوان ابن سيابة بقول مطلق ، وإنما هما يذكران باسمهما الخاص : عبد الرحمن بن سيابة ، وصباح بن سيابة.

إذن فالصحيح هو سيابة صاحب الكتاب وفاقاً للكليني (قدس سره) الذي هو أضبط نقلاً من الصدوق (قدس سره) ، لا سيما بعد موافقة الشيخ (قدس سره) له في موضعين من التهذيب.

وعليه فتكون الرواية ضعيفة السند ، نظراً لعدم وثاقة سيابة.

وكيف كان ، فالموجود في الكتب الثلاثة : (أسمع قوماً يقولون : إنّ الزراعة مكروهة) بدلاً عن (أسمع قوماً يقولون : إنّ المزارعة مكروهة) ولا أدري أنّ الماتن (قدس سره) من أين أتى بهذه النسخة.

ومن هنا فيكون حالها حال سائر النصوص الواردة في المقام ، من حيث الدلالة على استحباب الزراعة ، بمعنى مباشرة الإنسان للفعل بنفسه ، وقد عرفت أنها أجنبية عن محل الكلام.

(1) قد عرفت منع ذلك ، وأنّ هذه الرواية ليست رواية مستقلة بإزاء تلك النصوص السابقة ، وإنما هي مثلها.


1) (*) لا يستفاد ذلك لأنّ المذكور في الخبر : «أسمع قوماً يقولون : إنّ الزراعة مكروهة».

2) الفقيه 3 : 158 / 694.

3) الكافي 5 : 260 ، التهذيب 6 : 384 / 1139.

4) الوافي 18 : 436 ح 7 ، الوسائل ، ج 19 كتاب المزارعة والمساقاة ، ب 3 ح 1.

وأمّا ما رواه الصدوق مرفوعاً عن النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) : «أنه نهى عن المخابرة ، قال : وهي المزارعة بالنصف أو الثلث أو الربع» (1)فلا بدّ من حمله على بعض المحامل ، لعدم مقاومته لما ذكر (2)(1). وفي مجمع البحرين : وما روي من أنه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) نهى عن المخابرة ، كان ذلك حين تنازعوا فنهاهم عنها (3).

ويشترط فيها أُمور :

أحدها : الإيجاب والقبول (2). ويكفي فيهما كل لفظ دالّ (3) سواء كان حقيقة أو مجازاً مع القرينة ، ك- (زارعتك أو سلّمت إليك الأرض على أن تزرع على كذا).


(1) إلّا أنك قد عرفت عدم تمامية شي‌ء مما تقدّم في الدلالة على استحباب المزارعة بعنوانها المستقل ، ومن هنا فلا تكون معارضة لهذه الرواية.

إلّا أن هذا لا يعني التزامنا بالحكم بالكراهة ، فإنّ هذه الرواية ساقطة من حيث السند ، نظراً لكونها مرفوعة. ومعه فلا تصلح للاستدلال بها على شي‌ء.

أذن فالصحيح أنّ عقد المزارعة في نفسه وكمعاملة مستقلة ، غير متصف بشي‌ء من الاستحباب أو الكراهة ، حاله في ذلك حال سائر العقود ، كالبيع والإجارة ونحوهما. وإنما يتصف بالأحكام الخمسة ، بلحاظ ما يقترن به ويعرض عليه من الأوصاف والعناوين الخاصة ، فإنه وبهذا اللحاظ قد يكون واجباً ، وقد يكون مستحباً ، وقد يكون حراماً ، وقد يكون مكروهاً ، وقد يكون مباحاً أيضاً.

(2) بلا خلاف فيه. فإنّ عقد المزارعة لما كان موجباً لاستحقاق كل من مالك الأرض والعامل على الآخر شيئاً ، كان لا بدّ فيه من اعتبار كل منهما ذلك لصاحبه ورضاه به مع إبرازه في الخارج ، على ما تقتضيه قضية كونه من العقود.

(3) وذلك لما ذكرناه في المباحث الأُصولية وغير مورد من المباحث الفقهية ، من


1) () معاني الأخبار ج 2 باب المحافلة والمزاينة و ... / 277.

2) () الرواية ضعيفة ، وتقدّم أنّه ليس فيما ذكر دلالة على الاستحباب.

3) () مجمع البحرين 1 : 490 مادّة خبر.

.................................................................................................


أن حقيقة الإنشاء في قبال الأخبار ليست إلّا إبراز أمر نفساني ، غير قصد الحكاية عن وقوع شي‌ء في الخارج أو عدمه.

فإنّ هذا الاعتبار إذا صدر ممن له الأهلية ، كان موضوعاً لترتب الآثار عليه.

ومن هنا فيصح الإنشاء بكل ما يكون مبرزاً ومظهراً لذلك الاعتبار عرفاً ، سواء في ذلك عقد المزارعة وغيره. فيصح الإنشاء بصيغة الماضي والمضارع والأمر بالعربية وغيرها ، ولذا يصحّ إنشاء الملكيّة في الهبة بصيغة الأمر ، حيث يكتفى فيها بقول الواهب للموهوب له : (خذ هذا) ونحوه.

والحاصل أنّ العبرة إنما هي بدلالة اللفظ على الأمر الاعتباري الكامن في النفس فإنّه لو تمّت دلالته صدق العقد عليه ، وشملته أدلة إمضاء ذلك العقد من قبل الشارع.

هذا مضافاً إلى كفاية إطلاقات أدلّة صحة المزارعة في المقام ، فإنها وبمقتضى عدم تحديدها بلفظ خاص ، شاملة لكل ما يصدق عليه عنوان المزارعة ، أعني اتفاق مالك الأرض والعامل على أن يعمل الثاني في أرض الأوّل بشرط أن يكون الربح بينهما سواء أكان ذلك بالجملة الفعلية أو الماضوية أو العربية أم لم يكن.

كما ورد ذلك في المساقاة ، حيث دلّت صحيحة يعقوب بن شعيب على جواز إنشائها بصيغة الأمر. فقد روي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث قال : سألته عن رجل يعطي الرجل أرضه وفيها ماء أو نخل أو فاكهة ، ويقول : اسق هذا من الماء واعمره ولك نصف ما أخرج اللّه عز وجل منه؟ قال : «لا بأس» (1).

والذي يتحصل مما تقدّم أنه ما لم يدلّ دليل خاص على اعتبار لفظ معين في وقوع معاملة ، فمقتضى مطلقات المزارعة في خصوص المقام وقوع المعاملة بكل لفظ يكون كاشفاً عن ذلك الاعتبار النفساني ، ولو كان ذلك الكاشف جملة اسمية ، فضلاً عن كونها فعلية بصيغة المضارع أو الأمر.


1) الوسائل ، ج 19 كتاب المزارعة والمساقاة ، ب 9 ح 2.

ولا يعتبر فيهما العربية (1) ولا الماضوية (2). فيكفي بالفارسي وغيره ، والأمر كقوله : (ازرع هذه الأرض على كذا) أو المستقبل ، أو الجملة الاسمية مع قصد الإنشاء بها.

وكذا لا يعتبر تقديم الإيجاب على القبول. ويصحّ الإيجاب من كلّ من المالك والزارع (3).


(1) لعدم اختصاص عقد المزارعة بالعرب خاصة ، فهو عقد عقلائي يصدر من العرب ومن غيرهم على حد سواء. وحيث إنّ من الواضح أنّ ما يصدر من غيرهم لا يكون بالعربية ، يكون مقتضى أدلّة إمضاء عقد المزارعة من قبل الشارع من غير تقييد ، صحة العقد المنشأ بغير العربية.

(2) لإطلاق دليل الإمضاء ، بعد كون العقد بحدّ نفسه عقداً عقلائياً يقع كثيراً ويتعارف فيه الإنشاء بغير الماضوية ، فإنّ عدم التعرض إلى اعتبارها في مقام البيان دليل على عدم الاعتبار.

هذا كله مضافاً إلى إطلاقات أدلّة المزارعة ، حيث لا قصور فيها عن شمول العقد الفاقد لها.

وتوهم دلالة عمومات التجارة والوفاء بالعقود على عدم اعتبارها أيضاً.

مدفوع بما تقدّم غير مرّة من عدم شمولها للعقود التي تتضمن تمليك أمر معدوم بالفعل ، حيث تحتاج صحتها إلى دليل خاص.

(3) بهذا يمتاز عقد المزارعة عن سائر العقود.

والوجه فيه أنّ المزارعة عقد يملّك كل من طرفيه الآخر شيئاً ويلتزم به ، فالعامل يملّك ربّ الأرض العمل فيها ، وهو يملّكه الحصّة المعينة من حاصلها. ومن هنا فيصح أن يقول المالك للعامل : زارعتك ، كما يصح أن يقول العامل له ذلك ، لاتحاد نسبة كل منهما إليه ، فإنهما بالقياس إليه على حد سواء.

وليس هو كسائر العقود من البيع والإجارة وغيرهما ، حيث تختلف نسبة طرفيها

بل يكفي القبول الفعلي بعد الإيجاب القولي على الأقوى (1). وتجري فيها المعاطاة ، وإن كانت لا تلزم (1)إلّا بالشروع في العمل (2).

الثاني : البلوغ ، والعقل ، والاختيار ، وعدم الحجر لسفه أو فلس ، ومالكية التصرّف (3) في كلّ من المالك والزارع. نعم ، لا يقدح حينئذ فلس الزارع إذا لم


إليها ، وإنما هو نظير ما ذكرناه في مسألة تمييز البائع عن المشتري في المكاسب ، من فرض عقد يتضمن مبادلة الكتاب بالعباءة ، حيث يتساوى نسبة مالكيهما إلى ذلك العقد ، من دون أن يتصف أحدهما بعنوان البائع والآخر بعنوان المشتري.

(1) لصدق العقد عليه بعد إبراز الفعل لاعتباره النفساني.

(2) على ما هو المعروف والمشهور بينهم ، حيث ذكروا أنّ العقد المعاطاتي يكون جائزاً ما لم يتصرف أحدهما فيما يتعلق به ، وأن اللزوم إنّما يختص بالعقد اللفظي.

إلّا أننا قد ذكرنا في مباحث المكاسب ، أنه لا دليل على هذا الحكم سوى الشهرة بل مقتضى العمومات وما دلّ على لزوم العقود في غير المقام وأدلّة الإمضاء في المقام أعني السيرة القطعية المتصلة بعهد المعصومين (عليهم السلام) من دون ردع عنها هو اللزوم مطلقاً ، من غير فرق بين ما كان باللفظ وما كان بالمعاطاة.

إذن فالمعاملة المعاطاتية هذه محكومة بالصحة واللزوم ، حالها في ذلك حال المعاملة المنشأة باللفظ.

(3) والمراد به تمكّن كل من المالك والزارع من التصرّف ، زائداً على اعتبار البلوغ والعقل والاختيار وعدم الحجر ، بل ومالكيته للعين. فإنّ كل ذلك لا ينفع فيما إذا لم يكن متمكِّناً من التصرّف بالفعل ، كما لو كان عمل العامل في تلك الفترة مملوكاً لغيره بالإجارة أو غيرها ، أو كانت منفعة الأرض كذلك ، أو كانت مرهونة لدى الغير.

فإنّ هذه الأُمور وغيرها ، مما يسلب مالكية أحد الطرفين للتصرف ، تمنع من صحّة المزارعة.


1) (*) فيه إشكال ، واللّزوم غير بعيد.

يكن منه مال ، لأنه ليس تصرّفاً مالياً (1).

الثالث : أن يكون النماء مشتركاً بينهما ، فلو جعل الكل لأحدهما لم يصحّ مزارعة (2).


(1) والحجر عليه مختص بالتصرفات المالية في أمواله خاصة ، وإلّا فله التصرّف في مال الغير بإذنه ، بل وفيما يعود إلى نفسه فيما لا يكون تصرفاً مالياً ، كالاستدانة وإنشاء عقد الإجارة والمزارعة وغيرهما.

(2) وتدلّ عليه جملة من النصوص المعتبرة ، كصحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : «لا تقبل الأرض بحنطة مسماة ، ولكن بالنصف والثلث والربع والخمس لا بأس به» ، وقال : «لا بأس بالمزارعة بالثلث والربع والخمس» (1).

وصحيحة عبد اللّه الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : «لا بأس بالمزارعة بالثلث والربع والخمس» (2). وغيرهما.

حيث يستفاد منها تقوم المزارعة بكون الحاصل وما يخرجه اللّه من الأرض مشتركاً بينهما بالنصف والثلث ونحوهما.

ومع قطع النظر عن دلالة هذه النصوص يكفينا في إثبات الحكم في المقام ما ذكرناه غير مرّة ، من عدم شمول عمومات وإطلاقات الوفاء بالعقد للمزارعة ونحوها من المعاملات التي تتضمن تمليك المعدوم بالفعل ، فإنّ عدم الدليل دليل على الفساد في مثله.

وعليه فالحاصل ، وبحكم قانون تبعية النتاج للبذر ، يكون لمالك البذر منهما.

ومن هنا ، فإن كان البذر لمالك الأرض ، وكان الشرط كون النماء بأكمله له ، كان مقتضى فساد العقد كون النتاج له ، لكن لا للشرط لما عرفت فساده ، وإنما لقانون التبعية. ولا يستحق العامل شيئاً ، أما من النتاج فواضح ، وأما اجرة المثل فلإقدامه


1) الوسائل ، ج 19 كتاب المزارعة والمساقاة ، ب 8 ح 3.

2) الوسائل ، ج 19 كتاب المزارعة والمساقاة ، ب 8 ح 7.

الرابع : أن يكون مُشاعاً بينهما. فلو شرطا اختصاص أحدهما بنوع كالذي حصل أوّلاً والآخر بنوع آخر ، أو شرطا أن يكون ما حصل من هذه القطعة من الأرض لأحدهما ، وما حصل من القطعة الأُخرى للآخر ، لم يصحّ (1).


على التبرع بعمله على ما كان يقتضيه عقد المزارعة بينهما.

وإن كان الشرط كون النماء للعامل ، فهو وبحكم فساد العقد يكون كالعدم ، وبذلك يكون النتاج كله للمالك. إلّا أن عمل العامل في هذا الفرض لا يذهب هدراً ، لأنه لم يقدم على التبرع به والمجانية وإنما أقدم على أن يكون النتاج له ، وحيث إنه لم يسلم له فله اجرة مثل عمله ما لم تزد على تمام النتاج ، وإلّا فله الأقل منهما.

وإن كان البذر للعامل ، فإن كان الشرط كون النماء له ، أخذ تمام النماء من جهة تبعية النتاج للبذر لا الشرط لفساده. ولا يستحق المالك عليه شيئاً ، لإقدامه على إعطاء الأرض له للزرع مجاناً وبلا عوض.

وإن كان الشرط كون النماء لمالك الأرض ، كان النتاج للعامل لما عرفت من فساد الشرط بفساد العقد ، وتبعية النتاج للبذر في الملك ، إلّا أنّ للمالك اجرة مثل أرضه على العامل إذا لم تزد على تمام النتاج ، لأنه لم يقدم على المجانية.

والحاصل أنه على جميع التقادير المذكورة يكون العقد باطلاً ، لفقدانه شرط اعتبار كون النماء مشتركاً بينهما ، وعندئذٍ يكون النتاج بأكمله لمالك البذر لقانون التبعية ويستحقّ صاحبه عليه اجرة المثل في بعض الفروض ، على التفصيل المتقدِّم.

ثمّ إنّ مما ذكرناه كله يظهر الحال فيما يأتي من المسائل مما حكم فيها الماتن (قدس سره) بالبطلان.

(1) ويقتضيه كل ما تقدّم في وجه اشتراط الاشتراك في النماء ، فإنّ الظاهر من الصحيحتين المتقدمتين تقوم المزارعة بالإشاعة في النماء بالنصف أو الثلث ونحوهما.

ومع الإغماض عنها يكفي في الحكم بالفساد عدم شمول العمومات والمطلقات الأوّلية لمثل هذه المعاملات ، فإنّ عدم الدليل على الصحة يكفي في الحكم ببطلانها.

وعليه فيجري فيه ما تقدّم في الفرع السابق ، من التفصيل في استحقاق اجرة المثل على العمل أو الأرض.

الخامس : تعيين الحصة ، بمثل النصف أو الثلث أو الربع أو نحو ذلك. فلو قال : ازرع هذه الأرض على أن يكون لك أو لي شي‌ء من حاصلها ، بطل (1).

السادس : تعيين المدة بالأشهُر والسنين (2) فلو أطلق بطل.


(1) لظهور الأدلّة في معلومية الحصّة بالنصف أو الثلث ونحوهما.

على أنه يكفي في الحكم بالبطلان عند عدم التعيين ، عدم الدليل على الصحة ، نظراً لما عرفت من عدم شمول عمومات وإطلاقات الوفاء بالعقد له.

هذا مضافاً إلى قصور العقد عن قابلية الحكم بالصحة. فإنّ ما لا تعيُّن له في الواقعِ وعلمِ اللّه غيرُ قابلٍ للتمليك في نفسه ، فإنه أمر تابع للاعتبار وجعل المملك ، فإذا لم يكن معلوماً ولو في علم اللّه ، فلا معنى لتعلق الاعتبار به وتمليكه لغيره.

إذن فمثل هذا العقد باطل في حدّ نفسه ، لقصوره في مقام الثبوت ، فضلاً عن عدم الدليل عليه في مقام الإثبات.

(2) أما اعتباره فيما يقابل دورانه بين الأقل والأكثر من حيث نوع الزرع ومدّته فهو واضح ولا خلاف فيه ، إذ لا يمكن الحكم بصحّة عقد يكون متعلقه فاقداً للتعيين في الواقع ، فإنّ الالتزام بمجهول لا واقع له حتى في علم اللّه باطل بطبعه ، ولا تشمله أدلّة المزارعة ، والعمومات والمطلقات بناءً على شمولها لمثل هذا العقد في حدّ نفسه.

وأما اعتباره بمعنى تحديد سنة الزراعة بعد معلومية نوع الزرع ، في مقابل إيقاعهما العقد على الزراعة المعيّنة في الأعم من هذه السنة والسنة الآتية مثلاً ، بحيث يكون العمل معلوماً والمدّة مجهولة في الجملة لوقوع العقد على الجامع ، فهو كذلك ، فإنّ متعلق الحق والمملوك إذا كان كلياً ، كان تعيينه بيد من عليه الحق كما هو واضح. ومن هنا فقد يختلف الطرفان من حيث المدّة ، فيختار المالك السنة الأُولى مثلاً والزارع السنة الثانية. وحيث لا يمكن في مثله الحكم بالوفاء به على أحد الطرفين على الإطلاق ، فإنه كيف يمكن أن يقال بلزوم الوفاء بما عينه صاحبه مع أنّ له الامتناع عنه ، فلا محالة يحكم ببطلانه.

نعم ، لو عيّن المزروع ، أو (1) مبدأ الشروع في الزرع ، لا يبعد صحّته (2) إذا لم يستلزم غرراً. بل مع عدم تعيين ابتداء الشروع أيضاً إذا كانت الأرض ممّا لا يزرع في السنة إلّا مرّة ، لكن مع تعيين السنة (3) لعدم الغرر فيه. ولا دليل على اعتبار التعيين تعبّداً ، والقدر المسلّم من الإجماع على تعيينها غير هذه الصورة (4).


وبعبارة أُخرى نقول : يعتبر في صحة العقد أن يكون على نحو يمكن إلزام كلا طرفيه بالوفاء به والالتزام بمضمونه. وحيث إنّ هذا مفقود في المقام ، فإنّ الواجب على العامل القيام بالزراعة في إحدى تينك السنتين مع كون الخيار له في التعيين والواجب على المالك تسليم أرضه للزراعة في إحدى السنتين مع كون الخيار في التعيين له أيضاً ، فلا يجب على أحدهما إطاعة الآخر فيما عينه ، ويحكم بفساده لا محالة.

(1) كلمة «أو» غلط جزماً ، والصحيح «الواو». ويشهد له قوله (قدس سره) بعد هذا : بل مع عدم تعيين ابتداء الشروع أيضاً.

(2) إذ بانتهاء الزرع وحصول النتاج ، يقسم الحاصل بينهما على ما اتفقا عليه من النسبة ، وتلغى الفترة الزائدة قهراً. ومعه فلا يبقى للعامل حقّ في التصرّف في الأرض بعد ذلك ، لانتهاء المزارعة به.

(3) بلا إشكال فيه. فإنّ المزارعة لما كانت زراعة واحدة ، وقد أعطى المالك العامل الحقّ فيها مرّة واحدة متى شاء ، حكم بصحتها ، لعدم فوات شي‌ء على المالك.

(4) ظاهر كلامه (قدس سره) أنّ الدليل على اعتبار تعيين المدّة بالأشهر والسنين إنما هو الإجماع ودليل نفي الغرر.

ومن هنا فقد يورد عليه بعدم الدليل على المنع من الغرر مطلقاً ، إذ الثابت إنما هو النهي عن البيع الغرري خاصة. وعليه فإن تمّ إجماع محصّل فهو ، وإلّا فلا عبرة بالإجماع المنقول.

إلّا أنك قد عرفت أننا في غنى عن إثبات الإجماع أو الدليل على نفي الغرر مطلقاً

وفي صورة تعيين المدّة لا بدّ وأن تكون بمقدار يبلغ فيه الزرع (1) فلا تكفي المدّة القليلة التي تقصر عن إدراك النماء.

السابع : أن تكون الأرض قابلة للزرع ولو بالعلاج. فلو كانت سبخة لا يمكن الانتفاع بها ، أو كان يستولي عليها الماء قبل أوان إدراك الحاصل أو نحو ذلك ، أو لم يكن هناك ماء للزراعة ولم يمكن الاكتفاء بالغيث ، بطل (1).

الثامن : تعيين المزروع من الحنطة والشعير وغيرهما (3) مع اختلاف الأغراض فيه ، فمع عدمه يبطل ، إلّا أن يكون هناك انصراف يوجب التعيين ، أو كان مرادهما التعميم (4) وحينئذٍ فيتخيّر الزارع بين أنواعه.

التاسع : تعيين الأرض (5)


وإن كان الظاهر تحقّق الإجماع فإنّ نفس أدلّة المزارعة قاصرة عن شمول ما لا تعيين فيه بالمعنيين السابقين.

(1) بلا خلاف فيه. فإنّ فرضها أقل من فترة بلوغ الحاصل ، خلاف جعل المزارعة والمقصود منها ، فيكون مثل هذا الإقدام لغواً ، لكونه إقداماً على أمر لا يتحقّق في الخارج ، فإنّ النتاج لا يحصل في المدة المعيّنة ، في حين لم يلتزم المالك بإعطاء شي‌ء له إزاء ما يحصل خارج تلك الفترة.

(2) كما هو ظاهر. فإنّ مفهوم المزارعة متقوِّم بإمكان تحقّق الزرع وقابلية الأرض له ، وخروج شي‌ء منها يكون بينهما على ما اتفقا عليه من النسبة.

(3) في قبال قصد كل منهما نوعاً غير ما قصده الآخر ، إذ معه لا يتحقق مفهوم العقد ، وإلّا فلا دليل على اعتبار تعيين النوع في حدّ ذاته ، كما يشهد له قوله (قدس سره) بعد هذا : أو كان مرادهما التعميم ، فإنه لولا ما ذكرناه لكان منافياً لما ذكره (قدس سره) من اعتبار تعيين المزروع.

(4) فإنه نوع من التعيين بالمعنى الذي ذكرناه.

(5) وتفصيل الكلام في المقام أنه لا ينبغي الإشكال في صحة المزارعة ، فيما إذا

.................................................................................................


كانت الأرض معلومة معيّنة.

وكذا الحال فيما لو كانت كليّاً في معين ، فإنه لا قصور في أدلّة المزارعة عن شموله. فقد ورد في صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : «لا بأس بالمزارعة بالثلث والربع والخمس» (1)فإنّ مقتضى إطلاقها عدم الفرق بين العقد الواقع على العين الخارجية والواقع على الكلي في معين.

بل الإطلاقات شاملة للعقد الواقع على الكلي في الذمة ، إذ يصح فيه أن يقال : إنّ المالك زارع العامل على أن يكون ما يخرجه اللّه بينهما.

نعم ، لو زارعه على إحدى القطعتين المختلفتين في الصفات ، بحيث تكون المزارعة في إحداهما أيسر وأسهل من الأُخرى ، فقد يقال كما ذهب إليه الماتن (قدس سره) بالبطلان ، نظراً للزوم الغرر.

إلّا أنّ للمناقشة فيه مجالاً واسعاً. فإنه لا وجه للحكم بالبطلان فيه ، بعد البناء على صحة المزارعة في الكلي في المعين ، فإنه من مصاديقه ، فإنّ عنوان إحدى هاتين القطعتين كلّي قابل للانطباق على كل منهما.

ودعوى لزوم الغرر.

مدفوعة بأنه إنما يكون فيما إذا كان العوض أمراً معلوماً ومعيناً ، كما لو باعه أحد الثوبين المختلفين من حيث الجنس والوصف بخمسة دنانير ، حيث لا يعلم المشتري ما يملكه بإزاء ما يدفعه ثمناً ، فلا يتمّ في مثل المقام حيث يكون العوض هو النسبة المعينة من الحاصل من الأرض التي يعمل فيها ، فإنه لا غرر فيه على الإطلاق ، ولا يكون إقدام العامل عليه إقداماً غررياً ، فإنه سيأخذ الحصّة المعينة مما أخرجه اللّه تبارك وتعالى من الأرض. فحال العامل في هذه الصورة ، هو الحال في إقدامه على المزارعة والعمل في الأرض المعينة.

على إنك قد عرفت غير مرّة ، أنه لا دليل على اقتضاء الغرر لبطلان المعاملات بقول مطلق ، إذ المسلم منه هو بطلان البيع الغرري خاصة.


1) الوسائل ، ج 19 كتاب المزارعة والمساقاة ، ب 8 ح 7.

.................................................................................................


وعليه فإن تمّ إجماع في المقام على بطلان عقد المزارعة عند عدم تعيين الأرض فهو المستند ، وإلّا كما هو الظاهر فلا وجه لاعتبار هذا الشرط.

وبعبارة اخرى : إنّ القطعتين إذا كانتا متساويتين من حيث النسبة والحصة ، بحيث كان العقلاء يقدمون على زراعة كل منهما بتلك الحصّة من حاصلها ، فلا ينبغي الريب في صحة العقد ، إذ لا غرر فيه على المالك أو العامل ، فإنه إنما يكون مع تعيين العوض بحيث يكون مالاً معيناً معلوماً لا مع النسبة. ولا يضرّ في ذلك كون حاصل إحداهما أقلّ من الأُخرى ، بعد أن كانت كل منهما تعطي بنفس تلك النسبة التي تعطى بها الأُخرى.

وأما إذا اختلفتا من حيث النسبة ، بأن كانت إحداهما تزارع على أن يعطى للمالك النصف من الحاصل والأُخرى على ان يكون له الثلث ، فالأمر كذلك أيضاً فيما لو وقع العقد على كلي القطعتين بأقل الحصتين الثلث للمالك ، إذ لا غرر عليهما معاً.

فإنّ المالك إن عيّن القطعة التي تزارع على الثلث للمالك فهو ما أقدم عليه العامل وإن عيّن الأُخرى كان ذلك من جانب العامل ، حيث أخذ ما يعطى بالنصف من الحاصل للمالك بالثلث له ، فلا غرر عليه بالمرّة. وأما المالك ، فحيث إنّ الخيار في التعيين بيده ، وتطبيق الكلي على أي الفردين شاء منوط بنظره ، فلا يكون فيما يختاره خطر عليه.

نعم ، لو أقدم العامل على العقد بأكثر الحصتين للمالك احتمل الخطر عليه ، لأنه قد يختار الأرض التي تعطى بالأقل ، فيكون ضرراً عليه.

إلّا أنّ هذا لا يقتضي البطلان ، إذ لا دليل على المنع من الغرر مطلقاً ، وإنما الدليل يختص بالبيع وما يلحق به كالإجارة للإجماع. ومن هنا فمقتضى الإطلاقات هو الحكم بالصحة.

ومعه فيكون الخيار في التعيين بيد المالك لأنّ الحقّ عليه ، لأنه الذي ملّك العامل الكلي في المعيّن. وأما العامل فهو وإن كان قد ملك كلّي العمل في إحدى القطعتين ، إلّا أنه لا خيار له ، لأنه إنما ملك كلّي العمل في إحدى القطعتين اللتين يكون الخيار في

ومقدارها (1). فلو لم يعيّنها بأنها هذه القطعة أو تلك القطعة ، أو من هذه المزرعة أو تلك ، أو لم يعيّن مقدارها ، بطل مع اختلافها ، بحيث يلزم الغرر (2). نعم ، مع عدم لزومه لا يبعد الصحة ، كأن يقول : (مقدار جريب من هذه القطعة من الأرض) التي لا اختلاف بين أجزائها ، أو (أي مقدار شئت منها) (3). ولا يعتبر كونها شخصية ، فلو عيّن كلياً موصوفاً على وجه يرتفع الغرر ،


تعيينها بيد المالك ، فهو في الحقيقة قد ملك المالك عمله فيما يختار المالك من القطعتين.

ومن هنا يظهر عدم صحة قياس مسألتنا على مسألة تعيين المدة بالأشهر والسنين ، حيث حكمنا بالبطلان نظراً لعدم شمول أدلّة اللزوم لها ، حيث يملّك المالك العامل كلّي حقّ التصرّف في الأرض ، في قبال تمليك العامل له كلّي العمل في إحدى السنتين.

(1) بلا ريب فيه. فإنّ المردد بين الأقل والأكثر غير قابل للتمليك ، لعدم التعين له في الواقع ونفس الأمر ، فلو قال المالك : (زارعتك على مقدار من الأرض) من غير تحديد لم تصحّ. فإنّ المزارعة تشتمل على حقّين ، حق المالك وحق العامل ، فلا بدّ فيها من التعيين في الواقع ، بحيث يتعلق التزام كل منهما بأمر له واقع ، وإلّا فلا يقبل التمليك والتملك ، كما تقدّم غير مرّة.

(2) قد عرفت أنّ الغرر غير متحقّق ، وعلى فرضه فلا دليل على اقتضائه للبطلان. وأن الصحيح عدم اعتبار التعيين بالنسبة إلى أصل الأرض ، واعتبارها بالنسبة إلى المقدار.

(3) ما أفاده (قدس سره) من الصحة في المثال الأخير ، ينافي اعتباره (قدس سره) لتعيين مقدار الأرض والالتزام ببطلانها عند عدمه.

اللّهمّ إلّا أن يكون المراد به الإشارة الإجمالية إلى ما سيعيّن من قبله أو قبل العامل بعد ذلك ، بحيث يكون الاختيار بيده ، فإنه معه يرتفع محذور الإبهام وعدم التعيين الواقعي ، لكونه معلوماً في علم اللّه.

فالظاهر صحته (1) وحينئذٍ يتخير المالك في تعينه.

العاشر : تعيين كون البذر على أيّ منهما (2) وكذا سائر المصارف واللوازم ، إذا لم يكن هناك انصراف مغنٍ عنه ولو بسبب التعارف.


(1) لإطلاق أدلّة المزارعة ، على ما تقدّم بيانه مفصلاً.

(2) فإذا لم يعيّنا بطل العقد ، لانتفاء موضوع المزارعة بانتفاء البذر ، نظراً لعدم وجوب بذله على كل منهما.

وذهب بعض إلى كونه على العامل حينئذ ، لأنه المأمور بالعمل فتكون مقدماته عليه ، نظير ما يذكر في باب الإجارة من كون الخيط عند عدم التعيين على الخياط.

بل ربّما يستشكل في جعله ولو بالتعيين على المالك ، لولا الإجماع على صحته.

وذلك لصحيحة يعقوب بن شعيب عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : سألته عن الرجل تكون له الأرض من أرض الخراج ، فيدفعها إلى الرجل على أن يعمرها ويصلحها ويؤدّي خراجها ، وما كان من فضل فهو بينهما؟ قال : «لا بأس» إلى أن قال : وسألته عن المزارعة ، فقال : «النفقة منك ، والأرض لصاحبها ، فما أخرج اللّه من شي‌ء قسم على الشطر ، وكذلك أعطى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) خيبر حين أتوه ، فأعطاهم إيّاها على أن يعمروها ولهم النصف مما أخرجت» (1).

حيث إنّ المستفاد منها تقوّم المزارعة بكون البذر وغيره من النفقة على العامل ، في قبال كون الأرض من صاحبه.

ومن هنا فقد ذكر بعضهم أنه لو اشترط كون البذر على المالك ، خرج العقد عن حقيقة المزارعة ، ومن ثمّ حكم ببطلانه.

لكن الظاهر عدم تمامية شي‌ء من الأمرين : كون البذر عند الإطلاق على العامل وبطلان العقد عند جعله على المالك.

وذلك لأن الواجب على العامل بمقتضى عقد المزارعة هو العمل خاصّة ، وأما


1) الوسائل ، ج 19 كتاب المزارعة والمساقاة ، ب 10 ح 2.

.................................................................................................


مقدّماته فإثبات كونها عليه أيضاً يحتاج إلى الدليل ، وهو مفقود.

فالمقام نظير ما ذكرناه في تكفين الميت ، من أنّ الواجب على المسلمين القيام بالعمل خاصة ، وأما إيجاد الموضوع وتحصيل الكفن فلا دليل على وجوبه عليهم. ومن هنا فلا يجب على أحد منهم بذله ، بل إن كان للميت مال فمنه ، وإلّا فمن الزكاة ونحوها ، فإن لم يوجد دُفن عارياً ، إذا لم يحصل من يتبرع به عن طوع رغبته وإرادته.

ومن هنا فما نحن فيه أشبه شي‌ء بالبناء ، حيث لا يجب على العامل إلّا العمل بالمواد دون تحصيلها.

وصحيحة يعقوب بن شعيب وإن كانت دالّة على كون البذر من العامل وتقوّم المزارعة بذلك ، إلّا أنه لا بدّ من رفع اليد عن ظهورها هذا وحملها على بعض المحامل ككون ذلك هو المعهود في ذلك الزمان ونحوه ، وذلك لجملة من النصوص الدالّة على عدم اعتباره من حيث فرض فيها كون البذر من غير العامل.

ففي معتبرة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) ، قال : سألته عن رجل استأجر أرضاً بألف درهم ثمّ آجر بعضها بمائتي درهم ، ثمّ قال له صاحب الأرض الذي آجره : أنا أدخل معك بما استأجرت فننفق جميعاً ، فما كان من فضل بيني وبينك ، قال : «لا بأس بذلك» (1).

فإنه (عليه السلام) حكم بصحّة العقد ، مع كون المفروض فيها مشاركة المالك للعامل في الإنفاق عليها.

وفي صحيحة سماعة ، قال : سألته عن مزارعة المسلم المشرك ، فيكون من عند المسلم البذر والبقر وتكون الأرض والماء والخراج والعمل على العلج ، قال : «لا بأس به» (2). حيث فرض فيها كون البذر على غير العامل صريحاً.

وأصرح من الكل خبر إبراهيم الكرخي ، قال : قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : أُشارك العلج ، فيكون من عندي الأرض والبذر والبقر ويكون على العلج القيام


1) الوسائل ، ج 19 كتاب المزارعة والمساقاة ، ب 15 ح 2.

2) الوسائل ، ج 19 كتاب المزارعة والمساقاة ، ب 12 ح 1.

[3493] مسألة 1 : لا يشترط في المزارعة كون الأرض ملكاً للمزارع ، بل يكفي كونه مسلّطاً عليها بوجه من الوجوه ، كأن يكون مالكاً لمنفعتها بالإجارة أو الوصية أو الوقف عليه ، أو مسلّطاً عليها بالتولية كمتولّي الوقف العامل أو الخاصّ والوصي ، أو كان له حق اختصاص بها بمثل التحجير والسبق ونحو ذلك أو كان مالكاً للانتفاع بها ، كما إذا أخذها بعنوان المزارعة فزارع غيره أو شارك غيره. بل يجوز أن يستعير الأرض للمزارعة (1).

نعم ، لو لم يكن له فيها حق أصلاً لم يصحّ مزارعتها ، فلا يجوز المزارعة في الأرض الموات مع عدم تحجير أو سبق أو نحو ذلك ، فإنّ المزارع والعامل فيها سواء.

نعم ، يصحّ الشركة في زراعتها مع اشتراك البذر أو بإجارة أحدهما نفسه للآخر في مقابل البذر أو نحو ذلك. لكنه ليس حينئذٍ من المزارعة المصطلحة.


والسقي والعمل في الزرع حتى يصير حنطة أو شعيراً ، وتكون القسمة ، فيأخذ السلطان حقه ويبقى ما بقي على أنّ للعلج منه الثلث ولي الباقي ، قال : «لا بأس بذلك». قلت : فلي عليه أن يرد عليّ ممّا أخرجت الأرض البذر ويقسم ما بقي؟ قال : «إنما شاركته على أنّ البذر من عندك ، وعليه السقي والقيام» (1).

إلّا أنه ضعيف السند ، فلا يصلح إلّا شاهداً لما ذكرناه.

على أنّ المزارعة من العقود العرفية المعهودة التي يكثر تحققها في الخارج ، بحيث جرت عليها سيرة العقلاء قاطبة فضلاً عن سيرة المتشرعة المتصلة بعهد المعصوم (عليه السلام). ومن هنا فلو كان اعتبار كون البذر من العامل شرطاً فيها ، لوجب أن يكون من الواضحات ، فكيف وقد قام الإجماع على خلافه!

(1) كل ذلك لعدم الدليل على اعتبار الملك ، بل وقيام الدليل على ما ستعرف على خلافه.


1) الوسائل ، ج 19 كتاب المزارعة والمساقاة ، ب 10 ح 1.

ولعل هذا مراد الشهيد في المسالك من عدم جواز المزارعة في الأراضي الخراجية التي هي للمسلمين قاطبة ، إلّا مع الاشتراك في البذر أو بعنوان آخر. فمراده هو فيما إذا لم يكن للمزارع جهة اختصاص بها (1) وإلّا فلا إشكال في جوازها بعد الإجارة من السلطان ، كما يدلّ عليه جملة من الأخبار.

[3494] مسألة 2 : إذا أذن لشخص (1)في زرع أرضه على أن يكون الحاصل بينهما بالنصف أو الثلث أو نحوهما ، فالظاهر صحّته وإن لم يكن من المزارعة المصطلحة (2)


(1) ذكره صاحب الجواهر (قدس سره) أيضاً (2)إلّا أنه بعيد جدّاً ، إذ الشهيد (قدس سره) قد رتّب حكمه هذا على اعتبار الملكيّة صريحاً (3).

إذن فالصحيح أن يقال : إنّ ما أفاده الشهيد (قدس سره) في المسالك من سهو قلمه الشريف. إذ لا دليل على اعتبار الملكيّة في المزارعة ، بل الدليل قائم على عدمه ففي صحيحة محمد بن مسلم المتقدِّمة الحكم بصحّة المزارعة على الأرض المستأجرة. بل وفي نصوص المزارعة في الأرض الخراجية ، ما فيه الكفاية لإثبات المدعى.

والحاصل أنّ المتعين في جميع الموارد المذكورة في المتن هو الحكم بالصحة ، ولا وجه لما أفاده الشهيد (قدس سره) من الحكم بالبطلان.

(2) إلّا أنك قد عرفت غير مرّة ، عدم إمكان التمسك بالعمومات والمطلقات لإثبات الصحة لمثل هذه المعاملة ، تحت أي عنوان كانت الجعالة أو غيرها ، وإنّ صحتها تحتاج إلى دليل خاص.

والوجه فيه أن التزام مالك البذر إذا كان متعلقاً بكون الحاصل مشتركاً ومن حين حدوثه وحصوله بينه وبين صاحبه كما هو مقتضى الأدلّة في الزكاة فهو باطل ولا


1) (*) إذا كان مالك الأرض قاصداً بذلك إنشاء عقد المزارعة صحّ ولزم بقبول الزارع ولو قبولاً فعليّاً وأمّا إذا كان قاصداً مجرّد الإباحة لم يصح بعنوان المزارعة ، وبذلك يظهر الحال في الفروض الآتية.

2) الجواهر 27 : 33.

3) مسالك الافهام 5 : 12.

بل لا يبعد كونه منها أيضاً (1). وكذا لو أذن لكل من يتصدّى للزرع وإن لم


أثر له ، فإنه غير مشروع في نفسه لمخالفته للكتاب والسنّة ، فإن النتاج تابع للبذر في الملكيّة ، فلا يمكن ان يكون ولو بعضاً ملكاً للغير حين حدوثه.

فهو نظير ما لو التزم أحد في عقد بكون ما يتركه أبوه عند وفاته كلّاً أو بعضاً لغيره ، فإنّ هذا الالتزام لا يكون نافذاً ، ولا يشمله قوله تعالى ( أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ) .

وإن كان التزامه متعلقاً بتمليك ما سيملكه بعد ذلك ، بأن يلتزم بانتقال نصف الحاصل مثلاً إلى صاحبه بعد انتقاله بتمامه إليه أوّلاً ، بحيث يملك صاحبه من الآن الأمر المتأخر ، فهو وإن لم يكن مخالفاً للكتاب والسنة ، إلّا أنه القدر المتيقن من إجماعهم على بطلان التعليق في العقود. بل لم يقع مثله إلّا في الوصية ، حيث إنها ولإطلاقات أدلّتها تعمّ ما يملكه الموصي بعدها إلى حين الوفاة ، وأما في غيرها فلم يقع بتاتاً حتى في التعبير ، إذ لا يصح أن يقول : العبد الذي سأملكه غداً حر بعد وفاتي.

وهذا الكلام غير مختص بباب المزارعة ، فإنه كما لا يجوز فيها لا يجوز في غيرها من أنواع المعاملات أيضاً حتى ولو كان ذلك بعنوان الجعالة ، فلا يصحّ أن يجعل لمن يرجع عبده إليه ثلث ما سيملكه في المستقبل أو ثلث ما ستخرجه أرضه.

ومن هنا تكون صحّتها محتاجة إلى دليل خاص ، ولا يكفي فيها التمسك بالعمومات والإطلاقات ، فإنها غير شاملة له. وحيث لا دليل على الصحة إلّا في المضاربة والمزارعة والمساقاة ، فلا بدّ من الحكم بالبطلان ، لعدم المخرج له عن عموم المنع.

ولذا لم يلتزم أحد من الأصحاب فيما نعلم بصحّة مثل ذلك في غير المزارعة من العقود.

والحاصل أنّ الصحيح في المقام هو الحكم بالبطلان ، لعدم الدليل على الصحة. ومن هنا فلا يستحقّ العامل إلّا اجرة مثل عمله.

(1) بل هو في غاية البعد. فإنّ المزارعة من العقود اللازمة على ما سيأتي -

يعيِّن شخصاً.

وكذا لو قال : (كلّ من زرع أرضي هذه أو مقداراً من المزرعة الفلانية فلي نصف حاصله أو ثلثه) مثلاً ، فأقدم واحد على ذلك ، فيكون نظير الجعالة (1). فهو كما لو قال : (كل من بات في خاني أو داري فعليه في كل ليلة درهم) أو (كل من دخل حمامي فعليه في كل مرّة ورقة) (2). فإنّ الظاهر صحّته للعمومات (1)، إذ هو نوع من المعاملات العقلائية ، ولا نسلم انحصارها في المعهودات ، ولا حاجة إلى الدليل الخاص لمشروعيتها ، بل كل معاملة عقلائية صحيحة إلّا ما خرج بالدليل الخاص ، كما هو مقتضى العمومات (3).

[3495] مسألة 3 : المزارعة من العقود اللّازمة (4).


ويتضمّن التزاماً من الطرفين مع وجوب الوفاء عليهما ، بحيث لا يكون لكل منهما رفع اليد عنه. وهذا كلّه مفقود في المقام ، فإنه من موارد الإذن والإباحة بالتصرف الخارجي ، وليس من العقد الذي يجب الوفاء به في شي‌ء.

والحاصل أنّ الإذن المجرد مغاير للعقد اللازم بالضرورة ، فلا وجه لجعله منها.

(1) التنظير إنما يتمّ فيما إذا كان البذر من المالك ، إذ المالك حينئذٍ يجعل على نفسه شيئاً للغير عند قيامه بالعمل المعين. وأما إذا كان البذر من العامل فلا وجه لتنظيره بالجعالة ، حيث إنّ المالك حينئذٍ يجعل لنفسه شيئاً على الغير ، أعني الحصّة من النتاج الذي يكون تابعاً للبذر في الملكيّة ، ولا يلتزم على نفسه شيئاً للغير.

(2) وهو من القياس مع الفارق. فإنه أجنبي عن المزارعة بالمرة ، إذ المال الذي يجب دفعه على الداخل أمر معلوم معيّن ، فيدخل في عنوان الإباحة بالعوض ، وهي أجنبية عن باب المعاملات كلية.

(3) قد عرفت أنها لا تعمّ المعاملات التي تتضمّن تمليك المعدوم بالفعل.

(4) بلا خلاف فيه ، بل ادُّعي عليه الإجماع في كلمات غير واحد ، لأصالة اللزوم في العقود ، التي استدل عليها الشيخ الأعظم (قدس سره) بوجوه عديدة.


1) (*) العمومات لا تشمل الموارد التي يكون التمليك والتملّك فيها متعلِّقاً بأمر معدوم حال العقد.

.................................................................................................


منها : ما يختصّ بالبيع وتمليك الأعيان ، كقوله تعالى ( لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ ) (1). فإنّ أخْذ المال ثانياً بعد تمليكه للغير منه قهراً عليه ، تجارة من غير تراض وأكْل للمال بالباطل. وقولهم (عليهم السلام) : «البيعان بالخيار ما لم يفترقا» (2).

ومنها : ما هو عام لجميع العقود ، كاستصحاب بقاء الملكيّة ، وقوله تعالى ( أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ) (3).

وفي الأوّل مما يعمّ محل الكلام بحث طويل وعريض ، من حيث كونه استصحاباً كلياً أو شخصياً ، وأنّه من قبيل الشك في المقتضي أو الشك في الرافع.

فقد أورد عليه المحقق الخراساني والسيد اليزدي (قدس سرهما) بأنه من الأوّل (4)لكننا قد أوضحنا في محلّه أنه ليس منه ، وأنه من الشك في الرافع.

لكنك قد عرفت هناك أيضاً ، أنه لا أثر لهذا الاستصحاب ، لأنه من استصحاب الأحكام الكليّة الإلهية ، وهو غير تامّ على ما بيّناه في محلّه.

نعم ، الاستدلال الثاني تام ومتين ، ومقتضاه لزوم العقد في المقام وغيره.

وذلك لأنّ الأمر بالوفاء ليس أمراً تكليفياً محضاً ، إذ لا يحتمل كون الفسخ على تقديري ثبوته وعدمه من المحرمات الإلهية ، وإنما هو أمر إرشادي إلى عدم ثبوت حق رفع اليد عنه له ، فإنّ معنى الوفاء بالعقد إنهاؤه وإتمامه والالتزام بمقتضاه.

ومن هنا فتدلّ الآية الكريمة على لزوم العقد ، وعدم تأثير الفسخ فيه. وبما أنّ المزارعة من العقود المتعارفة المعهودة من قبل التشريع وإلى الآن ، وممضاة من قبل الشارع المقدس بالسيرة القطعية ، فتشملها الآية الكريمة لا محالة.

هذا مضافاً إلى إمكان التمسك بأدلّة إمضاء العقود ، كقوله تعالى : ( أَحَلَّ اللّهُ


1) سورة النساء 4 : 29.

2) الوسائل ، ج 18 كتاب التجارة ، أبواب الخيار ، ب 1.

3) سورة المائدة 5 : 1.

4) العروة الوثقى 2 : 486.

لا تبطل إلّا بالتقايل (1) أو الفسخ بخيار الشرط ، أو بخيار الاشتراط (2) أي تخلف


الْبَيْعَ ) (1)وما دلّ على جواز الصلح بين المسلمين.

وذلك لأنّ الإلزام والالتزام الصادر من المتعاقدين ، لا يخلو حاله من كونه مطلقاً من حيث الزمان كالبيع ، أو مقيداً بزمان معين كالنكاح المنقطع ، إذ الإهمال غير معقول في الأُمور الواقعية ، على ما تقدّم بيانه غير مرّة.

ومن هنا فإذا أنشأ المكلف الملكيّة الدائمية بالبيع ونحوه ، أو المقيدة بزمان الإجارة ونحوها ، كان معنى إمضاء الشارع لما أنشأه الحكم بتحقق الملكيّة المطلقة في الفرض الأوّل ، والمقيدة بذلك الزمان في الثاني للطرف الآخر ، ومقتضى إطلاق دليل الإمضاء عدم ارتفاعها بالفسخ ، فإنه منافٍ له ولا يصار إليه إلّا لدليل خاص.

والحاصل أنّ دليل الإمضاء يكفي في إثبات اللزوم ، لأنه إنما يكون على طبق ما أنشأه المنشئ ، وبذلك فيكون رفعه محتاجاً إلى دليل خاص مقيد للإطلاق ، وإلّا فمقتضاه عدم الارتفاع.

ولعل هذا الوجه خير الوجوه التي يمكن بها إثبات أصالة اللزوم ، فلاحظ.

(1) على ما هو الحال في جميع العقود التي يكون مدلولها من قبيل الحق للطرفين كالبيع ونحوه ، فإنّ الحق لا يعدوهما ، فلهما رفع اليد عنه برضاهما ، ويكون ذلك من قبيل البيع الثاني.

نعم ، لا مجال لذلك فيما يكون مدلوله من قبيل الحكم الشرعي كالنكاح ، فإنه لا مجال لرفعه بالتقايل من الطرفين.

(2) لا يبعد أن يكون ذكره (قدس سره) لهذين الخيارين من باب المثال ، وإلّا فموجبات الفسخ في المقام لا تنحصر فيها ، إذ يمكن تصوّرها في الغبن ونحوه.

وقد ذكرنا في بحث الخيارات ، أنّ خيار الغبن ليس خياراً مستقلا في قبال سائر الخيارات ، وإنما هو راجع في الحقيقة إلى خيار تخلف الشرط ، نظراً لما هو المرتكز في


1) سورة البقرة 2 : 275.

بعض الشروط المشترطة على أحدهما. وتبطل أيضاً بخروج الأرض عن قابلية الانتفاع (1) لفقد الماء أو استيلائه ، أو نحو ذلك. ولا تبطل بموت أحدهما (2) فيقوم وارث الميت منهما مقامه.


المعاملات من تبديل الشخص والعين مع التحفظ على المالية والقيمة السوقية ، فإنه أمر مفروغ عنه لدى العقلاء في جميع العقود التي منها النقل مع غبن بوضيعة من أحد الطرفين.

ومن هنا فإذا ثبت خلاف ذلك ، كان للآخر الخيار ، نظراً لتخلف الشرط الضمني في العقد.

وعليه فيكون الحكم بثبوت الخيار عند ظهور الغبن حكماً على القاعدة ، ولا حاجة للتمسك في إثباته بالإجماع ، أو دليل نفي الضرر.

هذا ويمكن الفسخ بخيار تعذر تسليم العوض عند موت العامل ، مع عدم قيام الوارث مقامه ، على ما سيأتي بيانه.

(1) بلا خلاف فيه. إذ لا معنى للعقد على أمر غير ممكن التحقق في الخارج والاتفاق على حصّة من زرع لا يحصل ، فإنه لا يعدو اللغو المحض.

(2) أما مع موت المالك ، فلأن الأرض وإن كانت تنتقل إلى الورثة ، إلّا أنها إنما تنتقل إليهم متعلقة لحق الغير ، ومسلوبة المنفعة في الفترة المعينة بإزاء الحصّة المعينة لهم. نظير موت المالك المؤجر بعد إنشاء عقد الإجارة ، فإنّ العين المستأجرة وإن انتقلت إلى الورثة ، إلّا أنها تنتقل مسلوبة المنفعة حيث إنها تكون للمستأجر.

وأما مع موت العامل ، فلقيام وارثه مقامه. إلّا أن هذا ليس بمعنى إلزامه بالعمل على طبق ما جعل ، فإنه لم يكن طرفاً في العقد والمعاهدة ، وإنما هو بمعنى لا بدِّيّة استئجاره أحداً من مال الميت إن كان له مال لقيامه بالعمل الثابت في ذمة الميت مقدّمة لإرثه لما ترك ، حيث إنه إنما يكون بعد إخراج الديون.

وبعبارة اخرى : إنّ الوارث لا يرث شيئاً إلّا بعد أداء ديون الميت ، لأنه إنما يرث ما

نعم ، تبطل بموت العامل مع اشتراط مباشرته للعمل (1) سواء كان قبل خروج الزرع أو بعده.

وأمّا المزارعة المعاطاتيّة ، فلا تلزم إلّا بعد التصرّف (1)(2).


تركه الميت ، وما يقابل الديون ليس منه.

ومن هنا فحيث إنّ العمل في الأرض دين ثابت في ذمة الميت ، يكون مانعاً من إرث الوارث ، فلا بدّ مقدمة للإرث من قيامه بالعمل مباشرة ، أو باستئجاره لغيره من مال الميت.

وعليه فلو لم يكن للميت مال بالمرّة ، لم يجب على الوارث التبرع به من ماله الخاص ، بل يبقى العمل ديناً في ذمة الميت.

وحينئذٍ فحيث يتعذر تسليم العمل ، يثبت للمالك خيار الفسخ ، ويسمّى هذا بخيار تعذّر تسليم العوض الذي مرّت الإشارة إليه.

(1) سواء أكان ذلك بعنوان التقيّد أو الاشتراط ، حيث ذكرنا في المباحث الأُصولية أنّ تقييد الكلي الطبيعي بشرط يوجب تخصصه لا محالة ، فيكون المطلوب هو الحصّة الخاصة المتصفة بكذا.

ومن هنا فالشرط في الكليات الوضعية منها والتكليفية يرجع إلى التقييد لا محالة فتكون المزارعة واقعة على الحصّة الخاصة من العمل ، وهي في المقام ما يصدر من العامل مباشرة.

وعليه فلو مات العامل ، كشف ذلك عن بطلانها من الأوّل ، لانكشاف تعلّقها بأمر ممتنع الوجود في الخارج.

(2) ما أفاده (قدس سره) مبني على ما اشتهر بينهم ، من جواز العقد المعاطاتي قبل التصرّف ، بل يظهر من كلمات بعضهم أنه لا يفيد الملكيّة أصلاً ، وإنما يفيد الإباحة خاصة ، وقد حملها بعض على الملكيّة المتزلزلة.


1) (*) مرّ آنفاً أنّ اللّزوم غير بعيد.

وأما الإذنية فيجوز فيها الرجوع دائماً (1). لكن إذا كان بعد الزرع ، وكان البذر من العامل ، يمكن دعوى لزوم إبقائه إلى حصول الحاصل ، لأن الإذن في الشي‌ء إذن


وكيف كان ، فقد تعرّضنا لهذا البحث في مباحثنا الفقهية التي ألقيت تعليقاً على كتاب المكاسب لشيخنا الأعظم الأنصاري (قدس سره) ، وقد عرفت أنّ جميع ما استدلّ به على لزوم العقود وما ذكرناه أخيراً من إطلاق دليل الإمضاء ، غير مختص بالعقد اللفظي وشامل للعقد المعاطاتي على حد سواء.

ومن هنا فإن تمّ إجماع على جواز المعاملة المعاطاتية فهو ، وإلّا كما هو الظاهر ويكفي فيه الشك فمقتضى القاعدة هو اللزوم.

(1) تقدّم الكلام فيها في المسألة الثانية مفصلاً ، وقد عرفت أن هذه المعاملة خارجة عن العقد فضلاً عن كونها من المزارعة المصطلحة ، فإنها لا تتجاوز الوعد المجرد. ومن هنا فيحكم بفسادها لا محالة ، لاشتمالها على تمليك المعدوم ، وهو غير جائز ما لم يدلّ عليه دليل خاص ، حيث لا تكفي العمومات والإطلاقات في الحكم بصحّة مثل هذه المعاملات.

إلّا أنّ الماتن (قدس سره) قد التزم في تلك المسألة بصحّتها وإن لم تكن من المزارعة المصطلحة ، بل لم يستبعد (قدس سره) كونها منها أيضاً.

وعلى ضوء هذا المبنى ، يقع الكلام في لزوم هذه المعاملة وجوازها.

فنقول : أما إذا كان الرجوع قبل الزرع والعمل ، فلا ينبغي الإشكال في جوازه ، إذ ليس هناك إلّا الإذن في التصرّف ، وهو غير ملزم به ، فله الرجوع عنه متى شاء.

وإن كان بعد عمل المقدمات وقبل الزرع ككري الأنهار ونحوه ، ففي جوازه وعدمه وجهان.

اختار الماتن (قدس سره) الأوّل ، حيث خصّ المنع بما إذا كان بعد الزرع.

إلّا أن الصحيح هو الثاني ، وذلك لتضرّر العامل ، حيث يذهب عمله هدراً ويفوت حقه من دون عوض ، فيشمله التعليل المذكور في معتبرة محمد بن الحسين ، قال :

في لوازمه (1). وفائدة الرجوع أخذ أُجرة الأرض منه حينئذٍ ، ويكون الحاصل كلّه للعامل (1).


كتبت إلى أبي محمد (عليه السلام) : رجل كانت له رحى على نهر قرية ، والقرية لرجل ، وأراد صاحب القرية أن يسوق إلى قريته الماء في غير هذا النهر ويعطل هذه الرحى ، أله ذلك أم لا؟ فوقّع (عليه السلام) : «يتقي اللّه ، ويعمل ذلك بالمعروف ، ولا يضرّ أخاه المؤمن» (2). حيث إنّ المستفاد منه أنه ليس للمالك رفع اليد عن إذنه للغير في التصرّف ، إذا كان ذلك موجباً لتضرره.

فالتصرف الواقع في ملك الغير بإذنه لا يذهب هدراً ، وليس للمالك منعه منه ومطالبته برفعه.

وعليه ففي المقام حيث لم يكن العمل الصادر من العامل مجانياً ومتبرعاً به ، فليس للمالك رفع اليد عن إذنه ، لاستلزامه لتفويت حق العامل وإهدار عمله.

وأوضح من ذلك ما لو كان الرجوع بعد الزرع والعمل ، فإنه ليس للمالك ذلك جزماً ، لكونه من أوضح مصاديق التعليل في الصحيحة المتقدِّمة ، فيلزم بإذنه إلى حين بلوغ الزرع.

(1) الكلام في هذا الفرع بناءً على القول بصحّة المعاملة وجواز الرجوع للمالك ينبغي أن يقع في صورتين :

الاولى : فيما يكون على المالك عند رفع يده عن الإذن ، بعد إتيان العامل بالمقدّمات خاصة.

الثانية : فيما يكون عليه عند رفع يده عن الإذن ، بعد قيام العامل بالزرع.

أمّا في الصورة الاولى ، فيجب على المالك دفع اجرة مثل عمل العامل له ، نظراً


1) (*) ومقتضاه عدم جواز الرجوع لعموم التعليل في رواية الرّحى ، وعلى تقدير جواز الرجوع فإذا رجع غرم للعامل بدل البذر وأُجرة المثل لعمله.

2) الوسائل ، ج 25 كتاب احياء الموات ، ب 15 ح 1.

[3496] مسألة 4 : إذا استعار أرضاً للمزارعة (1) ثمّ أجرى عقدها لزمت لكن للمعير الرجوع في إعارته (1)(2) فيستحق اجرة المثل لأرضه على المستعير


لصدوره عن أمره لا بقصد التبرع والمجانية.

وأما في الصورة الثانية ، فعليه مضافاً إلى أُجرة مثل العمل ، عوض البذر مثلاً أو قيمة ، حيث يكون تالفاً بسببه.

نعم ، لو كان البذر للمالك ، لم يكن عليه للعامل إلّا اجرة مثل عمله.

ومن هنا يظهر أنه لا وجه لما ذكره (قدس سره) ، من إلزام المالك للعامل بأُجرة مثل أرضه فترة بقاء الزرع بعد الرجوع. بل العامل بالخيار بين قبول ذلك ، وبين الإعراض عن زرعه ومطالبته المالك بأُجرة مثل عمله وعوض بذره ، حيث تلف نتيجة للزرع في الأرض المعيّنة.

فالمتحصل أنه بناءً على جواز الرجوع في هاتين الصورتين : فإن كان الصادر من العامل شيئاً غير الزرع ، فليس له على المالك إلّا اجرة مثل عمله. وإن كان المأتي به هو الزرع ، فله مضافاً إلى أُجرة مثل عمله ، المطالبة بعوض البذر.

هذا لكنك قد عرفت أنّ الصحيح بناءً على صحة هذه المعاملة ، هو لزومها وعدم جواز الرجوع للمالك ، وبذلك فيترتب عليه آثاره.

(1) لا ينبغي الإشكال في صحّة الإعارة هذه ، فإنّ الانتفاع بالأرض قد يكون بالمباشرة كزراعتها من قبله ، وقد يكون بالتسبيب والواسطة بالاتفاق مع الغير.

(2) الكلام في هذا الفرع من هذه المسألة هو الكلام في المسألة السابقة حرفاً بحرف ، فإنّ التعليل المذكور في صحيحة محمد بن الحسين المتقدِّمة شامل له أيضاً ، فإنّه ليس للمالك الرجوع عن الإذن وفسخ العارية فيما إذا استلزم تضرر العامل.

نعم ، بناءً على جواز الرجوع للمالك ، فلا بأس بما ذكره (قدس سره) من استحقاقه لُاجرة مثل أرضه فترة بقاء الزرع على المستعير.


1) (*) لا يبعد عدم جواز رجوعه.

كما إذا استعارها للإجارة (1) فآجرها ، بناءً على ما هو الأقوى (1)من جواز كون العوض لغير مالك المعوض.


ولا يقاس هذا بالمزارعة الإذنية. فإنّ المالك في المقام أجنبي عن الزرع بالمرة ، فإنه لم يصدر عن أمره كي يكون ضامناً له ، وإنما أتى العامل مجاناً وتبرعاً ليستفيد هو بنفسه.

فإذا رجع ، فإن تصالحا على شي‌ء فهو ، وإلّا فله المطالبة بأُجرة مثل أرضه في الفترة الباقية ، لرجوع منفعة تلك المدة إليه. ومعه فلا يجوز للعامل التصرّف فيها واستيفاؤها ، بل لا بدّ له إما من رفع يده عن زرعه ورضاه بتلفه ، أو استجابته في دفع اجرة مثل أرضه إليه.

وهذا بخلاف الفرض السابق ، حيث كان عمله بأمر من المالك لا بقصد التبرع والمجانية.

(1) وقد استشكل في صحّة هذه الإجارة بوجهين :

الأوّل : أنّ العارية متقوِّمة باستفادة المستعير من عين المال ، فإذا آجرها من غيره حكم ببطلانها ، نظراً لانتفاعه بالأُجرة حينئذٍ وهي غير معارة له ، فإنّ الأُجرة عين أُخرى أجنبية عن العين المعارة ، وليست هي منفعة لها.

الثاني : ما أشار إليه الماتن (قدس سره) من أنّ المستعير إنما يملك الانتفاع بالعين دون منفعتها ، فإنها باقية على ملك المالك المعير. ومن هنا فإذا انتقلت بالإجارة إلى ملك المستأجر ، حيث تتضمن الإجارة تمليك المنفعة ، كان لازم ذلك دخول العوض في كيس غير من خرج منه المعوض ، فإنّ المنفعة تخرج من ملك المعير ، في حين يدخل العوض في كيس المستعير ، وهو أمر غير جائز.

إلّا أن كلا هذين الإشكالين قابل للدفع.

أما الأوّل ، فيردّه أن الانتفاع بالعين المعارة لا يلزم أن يكون من المنفعة مباشرة


1) (*) مرّ أنّ الأقوى خلافه ، والمسألة غير مبتنية عليه.

.................................................................................................


بمعنى كونه من نفسها وعينها ، بل يجوز أن يكون ببدلها مع إجازة المالك ، بلا إشكال بل لعله مما لا خلاف فيه أيضاً. ولذا يجوز له دفع العين المعارة إلى غيره بإزاء انتفاعه بعين الآخر مع رضى المالك.

ومما يشهد له جواز استعارة اللحاف وما شاكله للضيوف ، فإنه مما لا ينبغي الإشكال في جوازها ، والحال أنّ المستعير لا يستفيد من العين المعارة بالمباشرة ، فإنه ليس إلّا لكون استفادة الضيف انتفاعاً للمضيف ، حيث إنه من عياله ولا بدّ له من القيام بشؤونه وواجباته ، ومنها تهيئة الغطاء له.

فإذا صحّ ذلك مجّاناً صحّ مع العوض أيضاً ، فإنه لا ينافي حقيقة الاستعارة ، فإنّ الأُجرة بدل عن منفعة الأرض ، فيصحّ أن يقال للمستعير المستفيد منها أنه مستفيد من منفعة الأرض.

وأما الثاني ، فقد ردّه الماتن (قدس سره) بأن الأقوى جواز كون العوض لغير مالك المعوض.

إلّا أنك قد عرفت منا غير مرّة ، أنّ ما أفاده (قدس سره) ممنوع كبروياً ، فإنّ مفهوم المعاوضة متقوِّم بدخول العوض في ملك مالك المعوض ، وإلّا فلا يكون عوضاً له ، بل كل منهما يعتبر هبة مجانية وبلا عوض.

ومن هنا فلا يصلح ما أفاده (قدس سره) جواباً للإشكال.

فالصحيح في مقام الجواب هو المنع الصغروي. فإنّ مسألة جواز الإعارة للإجارة غير مبنية على هذا الاعتبار ، أعني جواز كون العوض لغير مالك المعوض ، فإنها جائزة حتى بناءً على ما هو المشهور والصحيح ، من اعتبار دخول العوض في ملك من يخرج منه المعوض.

وقد ظهر وجهه مما تقدّم في جواب الإشكال الأوّل ، فإنّ العارية نوع تمليك وليست بإباحة محضة.

نعم ، ذكر الأعلام أنها تمليك للانتفاع. إلّا أنه لا يمكن المساعدة عليه ، فإنّ الانتفاع من أفعال المستعير ، فلا معنى لتمليكه من قبل الغير ، إذ لا معنى لتمليك أحد غيره فعل

[3497] مسألة 5 : إذا شرط أحدهما على الآخر شيئاً في ذمته أو في الخارج من ذهب أو فضة أو غيرهما مضافاً إلى حصّته من الحاصل صحّ (1). وليس قراره مشروطاً بسلامة الحاصل (2) بل الأقوى صحّة استثناء (1)مقدار معين من


نفسه الغير فإنه مالك لعمله وفعله واقعاً ومن دون حاجة إلى التمليك.

إذن فتعبيرهم (قدس سرهم) بأنها تمليك الانتفاع ، لا يخلو من المسامحة الواضحة. فإنها في الحقيقة من تمليك المنفعة حالها في ذلك حال الإجارة ، غاية الأمر أنها ليست مثلها من حيث تضمنها لتمليك المنفعة على الإطلاق ، فإنها العارية أنما تتضمن تمليك حصّة خاصة من المنفعة ، هي المنفعة من حيث استعدادها لانتفاع المستعير. ولذا فلا تنتقل إلى ورثته بعد موته ، كما إنه ليس له نقلها إلى غيره بغير إجازة المالك.

وعلى ضوء هذا يتضح أنّ الإجارة في المقام محكومة بالصحة فيما إذا كانت صادرة عن رضا المالك المعير ، فإنّ المنفعة لما كانت ملكاً للمستعير بحكم العارية ، كان العوض الأُجرة داخلاً في كيس من خرج منه المعوض لا محالة.

وبهذا فلا يبقى محذور يمكن أن يستند إليه في مقام المنع عن صحة هذا العقد ، فإنه مستكمل لجميع شرائط الصحة ، بما في ذلك اعتبار كون العوض داخلاً في ملك من يخرج منه المعوض.

(1) بلا كلام فيه. فإنّ الشرط لا يتضمن مخالفة للعقد ، لأنه لا يتقوّم إلّا بكون الأرض من أحدهما والعمل من الآخر على أن يكون النتاج بينهما ، ومن هنا فتشمله عمومات وجوب الوفاء بالشرط.

(2) نظراً لعدم ارتباط كل من الأمرين بالآخر ، فإنّ دليل وجوب الوفاء بالشرط أجنبي عن دليل العقد الذي اقتضى كون الناتج بينهما والتالف عليهما. ومن هنا فحيث


1) (*) في القوّة إشكال بل منر. لأنّ العمومات كما عرفت لا تشمل مثل هذه المعاملات ، والدليل الخاص غير موجود ، وكذا الحال في استثناء مقدار البذر.

الحاصل لأحدهما (1) مع العلم ببقاء مقدار آخر ليكون مشاعاً بينهما ، فلا يعتبر إشاعة جميع الحاصل بينهما على الأقوى.

كما يجوز استثناء مقدار البذر لمن كان منه (2)


كان التزام المشروط له بالعقد معلقاً على التزام صاحبه بالشرط ، وقد تحقق منه ذلك وجب عليه الوفاء به لأدلّة لزوم الوفاء بالشروط ، وإن لم يتمّ الحاصل.

(1) فيه نظر بل منع ، يظهر وجهه مما تقدّم. فإنّ العمومات والإطلاقات غير شاملة لمثل هذا العقد الذي يتضمن تمليك المعدوم بالفعل ، ومن هنا فلا بدّ في الحكم بصحتها من الدليل الخاص. وحيث إنّ المورد خارج عن مورد النصوص الواردة في المزارعة ، باعتبار أنها إنما تضمّنت الصحة فيما إذا كان الحاصل مشاعاً بينهما ، وهذا مفقود في المقام فإن أحدهما يختصّ بمقدار منه ويكون الباقي مشاعاً بينهما ، يحكم ببطلانه بمقتضى القاعدة لا محالة.

ثمّ لا بأس بما أفاده (قدس سره) بناءً على مختاره ، من شمول العمومات والإطلاقات لمثل هذه المعاملات.

(2) ظاهر تشبيهه (قدس سره) لاستثناء الأرطال المعلومة باستثناء مقدار البذر هو كون الحكم بالصحة في الثاني مفروغاً عنه.

إلّا أن الأمر ليس كذلك. فإنّ الحال في البذر هو الحال في الأرطال المعلومة من حيث القاعدة ، فينبغي الحكم فيه بالبطلان أيضاً.

نعم ، ادّعى بعضهم الصحة في المقام ، حتى مع القول بالبطلان في استثناء الأرطال المعلومة ، خروجاً عن القاعدة لأجل النصّ الخاص.

واستدلّ عليه بصحيحة يعقوب بن شعيب عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : سألته عن الرجل تكون له الأرض من أرض الخراج ، فيدفعها إلى الرجل على أن يعمرها ويصلحها ويؤدّي خراجها ، وما كان من فضل فهو بينهما ، قال : «لا بأس» (1).


1) الوسائل ، ج 19 كتاب المزارعة والمساقاة ، ب 10 ح 2.

.................................................................................................


وخبر إبراهيم الكرخي ، قال : قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : أُشارك العلج فيكون من عندي الأرض والبذور والبقر ويكون على العلج القيام والسقي (السعي) والعمل في الزرع حتى يصير حنطة أو شعيراً ، وتكون القسمة ، فيأخذ السلطان حقه ويبقى ما بقي على أن للعلج منه الثلث ولي الباقي ، قال : «لا بأس بذلك». قلت : فلي عليه أن يرد عليّ مما أخرجت الأرض البذر ويقسم ما بقي؟ قال : «إنما شاركته على أنّ البذر من عندك ، وعليه السقي والقيام» (1).

إلّا أنّ الاستدلال بهما محلّ نظر ، بل منع.

أما الصحيحة فهي أجنبية عن محلّ الكلام بالمرة ، إذ ليس فيها أية دلالة أو إشعار على إخراج البذر من الحاصل ، بل هي كسائر نصوص الباب دالّة على إشاعة الحاصل بينهما ، كما يقتضيه قوله (عليه السلام) : (وما كان من فضل فهو بينهما). فما أُفيد من دلالتها على المدّعى غير واضح.

على أننا لو سلّمنا دلالتها على إخراج البذر من الحاصل ، كان مقتضاه خروج البذر من الحاصل مطلقاً ، سواء اشترط ذلك ضمن العقد أم لم يشترط. وهو مقطوع البطلان ، حيث لا قول به بل لا وجه له ، فإنه لا يستثني منه من غير الشرط جزماً وإنما الكلام في استثنائه على تقدير الاشتراط.

وأمّا الخبر فهو مضافاً إلى ضعف سنده بإبراهيم الكرخي ، حيث لم يرد فيه مدح فضلاً عن التوثيق قاصر الدلالة أيضاً ، فإنّ ظاهر قوله (عليه السلام) : «إنما شاركته على أنّ البذر من عندك وعليه السقي والقيام» أنّ النتاج الحاصل إنما هو وليدة أمرين معاً ، البذر من جهة والعمل من جهة أُخرى. ومن هنا يكون الحاصل لهما معاً على حد سواء ، من غير اختصاص لأحدهما به كلّاً أو بعضاً.

إذن فالاستدلال بهذا الخبر على بطلان الاشتراط ، أوْلى من الاستدلال به على صحّته ، فلاحظ.


1) الوسائل ، ج 19 كتاب المزارعة والمساقاة ، ب 10 ح 1.

أو استثناء مقدار خراج السلطان (1) أو ما يصرف في تعمير الأرض (2) ثمّ القسمة. وهل يكون قراره في هذه الصورة مشروطاً بالسلامة كاستثناء الأرطال في بيع الثمار ، أوْ لا؟ وجهان (1)(3).

[3498] مسألة 6 : إذا شرط مدّة معينة يبلغ الحاصل فيها غالباً ، فمضت والزرع باقٍ لم يبلغ ، فالظاهر أنّ للمالك الأمر بإزالته بلا أرش ، أو إبقاءه ومطالبة الأُجرة إن رضي العامل بإعطائها. ولا يجب عليه الإبقاء بلا اجرة ، كما لا يجب عليه الأرش مع إرادة الإزالة ، لعدم حقّ للزارع بعد المدة ، و «الناس مسلّطون على أموالهم» (4). ولا فرق بين أن يكون


(1) على ما دلّت عليه صحيحة يعقوب بن شعيب المتقدِّمة وغيرها.

(2) فيدخل في عنوان الإعمار والإصلاح المذكورين في الصحيحة المتقدِّمة.

(3) كونها محمولة على الإشاعة ، فيحسب التالف على الشارط والمشروط عليه بالنسبة. وكونها من قبيل الكلّي في المعين ، فلا ينقص من الشرط شي‌ء.

والأوّل هو الأقوى. فإنّ نسبة المستثنى الحصّة المعينة والمستثنى منه إلى المجموع واحدة ، فلا يختص أحدهما بملك الشخص والآخر بملك الكلّي ، بل ملكهما معاً على نحو واحد ، والموجود بالفعل مضاف في الملك إليهما على حدّ سواء.

ومما يدلّنا على ذلك ، أنه لو تلف جميع الحاصل ولم يبق منه إلّا مقدار البذر أو الشرط ، لم يمكن أن يقال بكونه للمشروط له. فإنه مخالف لوضع المزارعة وقانونها حيث إنّ مقتضاها لزوم بقاء مقدار من الناتج لكل منهما بعد إخراج الشرط ، بحيث لا يبقى أحد منهما فاقداً للنصيب مع وجود الحاصل حتى مع الاشتراط. وهو انما ينسجم مع القول بكون الحصّة على نحو الإشاعة ، لا الكلي في المعين. وعليه فيتعين القول بها.

(4) إلّا أنه قد يقال : بأنّ قاعدة السلطنة محكومة لدليل «لا ضرر» فإنّ في قلع


1) (*) لا يبعد قرب الوجه الأوّل ، فلو تلف نصف الحاصل مثلاً يحسب التالف على المستثنى والمستثنى منه بالنسبة.

.................................................................................................


المالك للزرع من دون دفع الأرش إلى العامل ضرراً عليه ، حيث يوجب ذهاب عمله أو هو مع البذر على تقدير كونه منه هدراً ، فيشمله دليل لا ضرر ، وهو حاكم على جميع الأدلّة بما في ذلك قاعدة السلطنة.

ومن هنا فليس للمالك إلزام العامل بقلع الزرع. لكنه حيث لا يذهب مال المسلم هدراً ، لم يجب على المالك إبقاؤه في أرضه مجاناً ، بل له مطالبة العامل بأُجرة الأرض في الفترة الباقية.

وبهذا فيكون العامل في الحقيقة بالخيار ، بين دفع اجرة مثل الأرض في الفترة الباقية للمالك ، وبين تنازله عن زرعه وقبوله لقلعه من غير أرش.

لكنك قد عرفت منّا عند التعرض لقاعدة «لا ضرر» أن نفي الضرر في الإسلام كنفي الحرج وسائر المنفيات والمرفوعات ، وارد مورد الامتنان على الأُمّة المرحومة. ومن هنا يجب أن يكون الحكم المنفي امتنانياً على جميع المكلفين على حدّ واحد لا البعض دون البعض الآخر ، فإنه لو كان في رفع الحكم امتنان على بعض وضرر على غيره لم يثبت ، لمنافاته للامتنان والتفضل من الشارع المقدّس.

وعليه ففي المقام حيث يكون منع المالك من التصرّف في أرضه والحجر عليه في ماله ضرراً عليه ، فلا يشمله المقام دليل نفي الضرر ، لمنافاته للامتنان.

ولو قلنا بشموله لمثل ذلك ، لوجب القول به فيما لو اشتبه أحد فزرع في أرض الغير خطأً ، ثمّ تبيّن له الحال ولم يرض المالك ببقائه في أرضه. والحال أنه لا يمكن الالتزام في هذه الصورة بلزوم إبقاء المالك لزرع الغير أو بنائه ، وانتفاء سلطنته على ماله.

بل وينبغي أن يقال به في صورة العمد والغصب أيضاً ، إذ في أمر المالك بالقلع ضرر على الغاصب ، وهو مرفوع في الشريعة المقدسة.

ودعوى أنّ الغاصب بفعله مقدم على الضرر ، لعلمه بغصبه وعدم جوازه له وحديث نفي الضرر لا يشمل موارد الإقدام عليه.

مدفوعة بأنّ الإقدام على الضرر إنما يكون فيما إذا كان فعل المكلف ضرراً بنفسه وقد أقدم عليه مع الالتفات إليه ، كما لو باع ماله الذي يسوى بمائة بعشرة مع التفاته إلى ذلك. فإنه لا يمكن الحكم حينئذ ببطلان هذه المعاملة ، أو ثبوت الخيار له ، تمسكاً

.................................................................................................


بدليل نفي الضرر ، فإنّ الضرر إنما أتى من قبل نفسه بإقدامه عليه. بل شمول دليل نفي الضرر لمثله يكون على خلاف الامتنان ، فإنّ نقض الشارع لما يختاره المكلف لنفسه لا يعد امتناناً عليه ، بل هو على خلاف الامتنان ، كما لا يخفى.

وأما إذا لم يكن الفعل بنفسه ضرريّاً ، إلّا أنه كان مقدّمة لحكم شرعي ضرري كان مشمولاً لدليل نفي الضرر جزماً وبلا إشكال فيه ، حيث إنّ الضرر إنما جاء من قبل حكم الشارع لا من قبل فعل المكلف نفسه.

ولذا لا يمكن أن يقال بوجوب الغسل أو الوضوء على من يكون استعمال الماء له ضرريّاً ، إذا أجنب نفسه عمداً أو نقض وضوءه كذلك ، بدعوى أنه هو الذي أقدم عليه. فإنه لم يقدم على الغسل أو الوضوء ، وإنما أقدم على مقدمة حكم الشارع بوجوبهما ، والإقدام عليها لا يعتبر إقداماً على الضرر نفسه ، بل يبقى الضرر ناشئاً من حكم الشارع خاصة ، وإنْ تحقق موضوعه بفعل المكلف اختياراً.

والحاصل أنّ مقتضى التمسك بدليل لا ضرر ، هو القول بشموله لمورد الغصب أيضاً. فإن الغاصب لم يقدم على الضرر مباشرة ، وإنما أقدم على الزرع في أرض الغير وهو بحدّ نفسه بضرري ليس عليه ، وإنّما الضرر يحصل من حكم الشارع بالقلع ، فينبغي أن يقال بانتفائه ، والحال أنّ بطلان هذا الحكم يكاد أن يكون من الضروريات.

إذن فالصحيح أن يقال بعدم شمول دليل لا ضرر للمقام ، نظراً لمنافاته للامتنان. وحينئذٍ فمقتضى دليل السلطنة ، جواز إلزام المالك له بالقلع من غير ضمان.

وهل للمالك مباشرة إزالة الزرع بنفسه ، أم لا؟

قيل بالأوّل ، لأنه لما كان له إلزام العامل بالقلع ، كان له مباشرة ذلك بنفسه.

وفيه : أنه لا ملازمة بين الأمرين ، فله أن يطالبه بالإزالة وليس له تصديه لذلك فإنه إتلاف لمال الغير بلا موجب.

ولذا لو دخل حيوان الغير إلى داره ، كان للمالك إلزامه بإخراجه ولو بذبحه عند تعذّر إخراجه حيّاً. وليس له مباشرة ذلك بنفسه ، ولو فعل كان ضامناً له ، لأنه تصرف في مال الغير وإتلاف له من غير رضاه.

ذلك بتفريط الزارع أو من قبل اللّه (1) كتأخيره المياه أو تغيّر الهواء.

وقيل بتخييره بين القلع مع الأرش ، والبقاء مع الأُجرة. وفيه : ما عرفت (2) خصوصاً إذا كان بتفريط الزارع ، مع أنه لا وجه لإلزامه العامل بالأُجرة بلا رضاه. نعم ، لو شرط الزارع على المالك إبقاءه إلى البلوغ بلا اجرة أو معها إن مضت المدّة قبله لا يبعد صحته (3) ووجوب الإبقاء عليه.


نعم ، لو امتنع العامل من القلع ، كان له رفع أمره إلى الحاكم الشرعي لإجباره عليه ، وعند تعذره يتولّاه عدول المؤمنين ، وعند تعذرهم يصل الدور إلى نفسه ، على ما تقتضيه قواعد المرافعات ومطالبة الحقوق.

(1) إذ لا أثر لذلك في قاعدة «سلطنة الناس على أموالهم».

(2) من كونه منافياً لسلطنة المالك على ماله.

(3) خلافاً لجملة من الأصحاب ، حيث حكموا بفساد الشرط ، وآخرون بسرايته للعقد أيضاً.

واستدلّ للأوّل ، بأن إبقاء الزرع بعد المدة إذا كان معلقاً على عدم بلوغه فيها حكم ببطلانه لمكان التعليق.

في حين استدل للثاني ، بأنه لا بدّ في المزارعة من تعيين المدة ، فإذا ترددت بين الفترة المعينة وما بعدها إلى حين بلوغ الزرع ، حكم ببطلانها لجهالة المدّة.

إلّا أنّ في كليهما نظراً ، وما ذهب إليه الماتن (قدس سره) هو الصحيح. فإنّ مرجع هذا الشرط إنما هو إلى جعل مدّة المزارعة هي فترة بلوغ الحاصل وإدراك الزرع تحقق في المدة المعيّنة فهو ، وإلّا فإلى حين حصوله. ولا ريب في صحة العقد مع تعيين المدة بالبلوغ وإدراك الحاصل ، إذ لا يعتبر في عقد المزارعة تعيين المدة الزمانية. ولا تضرّ مثل هذه الجهالة ، فإنها إنما تبطل بلحاظ الغرر ، وهو منتفٍ في المقام.

ومن هنا يظهر الحال في دعوى البطلان من جهة التعليق ، فإنه لا تعليق حقيقة وفي الواقع ، مضافاً إلى أنه لا دليل على البطلان عند التعليق في التوابع والشروط.

[3499] مسألة 7 : لو ترك الزارع الزرع بعد العقد وتسليم الأرض إليه حتى انقضت المدّة ، ففي ضمانه اجرة المثل للأرض ، كما أنه يستقر عليه المسمى في الإجارة. أو عدم ضمانه أصلاً ، غاية الأمر كونه آثماً بترك تحصيل الحاصل. أو التفصيل بين ما إذا تركه اختياراً فيضمن ، أو معذوراً فلا. أو ضمانه ما يعادل الحصّة المسمّاة ، من الثلث أو النصف أو غيرهما بحسب التخمين في تلك السنة. أو ضمانه بمقدار تلك الحصّة من منفعة الأرض من نصف أو ثلث ، ومن قيمة عمل الزارع. أو الفرق بين ما إذا اطلع المالك على تركه للزرع فلم يفسخ المعاملة لتدارك استيفاء منفعة أرضه فلا يضمن ، وبين صورة عدم اطلاعه إلى ان فات وقت الزرع فيضمن ، وجوه ، وبعضها أقوال (1)(1).

فظاهر بل صريح جماعة الأوّل ، بل قال بعضهم يضمن النقص (2)الحاصل بسبب ترك الزرع إذا حصل نقص. واستظهر بعضهم الثاني. وربما يستقرب الثالث. ويمكن القول بالرابع. والأوجه الخامس. وأضعفها السادس.


(1) وقد ذكر بعضهم وجهاً سابعاً ، هو ضمان العامل للمالك قيمة العمل ، لأنه قد ملكه عليه بعقد المزارعة ، فإذا أتلفه بتركه ضمنه بقيمته.

والتحقيق أن يقال : إنّ الأصل في المقام يقتضي القول الثاني ، أعني عدم الضمان مطلقاً. فإنّ إثبات الضمان يحتاج إلى الدليل ، وإلّا فمقتضى الأصل العدم.

ومن هنا فلا بدّ من ملاحظة الوجوه المذكورة ، وما يمكن أن يقال في توجيهها.

فنقول : أما ضمان العامل لقيمة العمل كلا كما هو الوجه الأخير ، أو بعضاً على ما هو مختار المصنف (قدس سره) ، فلا وجه له بالمرّة. فإنّ عقد المزارعة على ما يستفاد من نصوصها ليس إلّا معاملة بين طرفين ، على أن يبذل أحدهما الأرض والآخر


1) (*) الظاهر هو التفصيل بين ما إذا كانت الأرض بيد الزارع وما إذا كانت بيد المالك ، وعلى الثاني فقد يطلع المالك على ترك العامل للزرع وقد لا يطلع إلى فوات وقته ، ففي الصورة الأُولى والثالثة يثبت الضمان على العامل لُاجرة المثل ، ولا ضمان في الثانية.

2) (**) ولعلّه هو الصحيح على التفصيل المزبور آنفاً.

.................................................................................................


العمل واشتراكهما في الحاصل ، ومن دون أن يكون كل منهما مالكاً على الآخر شيئاً. فليس صاحب الأرض مالكاً للعمل على المزارع ، كما لا يملك هو منفعة الأرض على صاحبها ، بل كل منهما يبذل الذي عليه من الأرض أو العمل مجاناً وبإزاء لا شي‌ء ، إلّا الشركة في النتيجة والحاصل.

وما ذكرناه فيما لو كان البذر من العامل أوضح مما لو كان من صاحب الأرض فإنه حينئذٍ إنما يعمل في بذره ويكون عمله له ، غاية الأمر أنه يجعل نصيباً من الحاصل للمالك بإزاء تصرّفه في أرضه. ومعه فما معنى أن يقال بأنّ المالك يملك على المزارع العمل ، فإنه لم يعمل إلّا لنفسه.

لكن هذا لا يعني خفاء الحكم فيما لو كان البذر من صاحب الأرض ، فإنّ الحال فيه هو الحال في فرض كون البذر من المزارع ، لأنه إنما يعمل لكي يكون النصيب المعيّن والحصّة المفروضة من الحاصل له ، لا أن تكون له منفعة الأرض ، كي يقال بأنّ المالك يملك عليه بإزاء ذلك العمل.

وأما الضمان من جهة الأرض فلا بدّ فيه من التفصيل ، بين ما لو سلّمها المالك إليه بحيث كانت تحت يد المالك ، وبين ما لو خلى السبيل بينها وبين العامل.

ففي الأوّل ، لا بدّ من الحكم بالضمان ، للقاعدة. فإنّ تصرف العامل في الأرض بالاستيلاء عليها تصرّف عدواني ، لفقده إذن المالك ورضاه ، لأنه إنما أذن له في الاستيلاء عليها مقيداً بالعمل فيها ، فإذا لم يعمل كما هو المفروض كان استيلاؤه فاقداً لرضاه ، فيحكم بالضمان لا محالة ، حاله في ذلك حال سائر موارد الغصب. من غير فرق في الحكم بين علم المالك بالحال وجهله به ، وبين كون ترك العمل لعذر وعدمه ، فإنّ الضمان بقاعدة اليد غير مشروط بجهل المالك أو عدم العذر للمستولي.

بخلاف الثاني ، حيث يختص ضمانه بفرض جهل المالك بالحال. فإنه لا مجال لإثبات الضمان في هذا الفرض بقاعدة اليد إذ المفروض بقاؤها تحت يد المالك ، وإنما لا بدّ في إثباته من التمسّك بقاعدة الإتلاف ، ومقتضاها اختصاص الضمان بفرض جهل المالك بالحال حتى فوات أوان الزراعة ، فإنه حينئذٍ يستند تلف المنفعة إلى ترك

ثمّ هذا كلّه إذا لم يكن الترك بسبب عذر عام ، وإلّا فيكشف عن بطلان المعاملة (1).

ولو انعكس المطلب ، بأن امتنع المالك من تسليم الأرض بعد العقد ، فللعامل الفسخ (2). ومع عدمه ، ففي ضمان المالك ما يعادل حصّته من منفعة الأرض ، أو ما يعادل حصّته من الحاصل بحسب التخمين ، أو التفصيل بين صورة العذر وعدمه أو عدم الضمان حتى لو قلنا به في الفرض الأوّل ، بدعوى الفرق بينهما ، وجوه (1)(3).


الزارع للزراعة فيها ، إذ لو كان عالماً بالحال لاستند الفوات إلى تركه المالك الانتفاع بأرضه ، بعد علمه بترك العامل للعمل في أرضه.

إذن فالصحيح في المقام هو التفصيل على النحو الذي ذكرناه ، من الفرق بين ما لو كانت الأرض تحت يد العامل فيضمن منفعتها مطلقاً ، وبين ما لو كانت تحت يد المالك فالتفصيل بين علمه بالحال وجهله به ، فيضمن في الأوّل دون الثاني.

ثمّ إنّ مما ذكرنا يظهر الحال في الآثار المترتبة على ترك الزرع ، كما لو فرضنا تضرّر الأرض بذلك ، فإنّ العامل يضمنه مضافاً إلى ضمان المنفعة ، على التفصيل المتقدِّم حرفاً بحرف.

(1) لما تقدّم من اعتبار إمكان الزراعة ، إذ مع عدمه لا معنى لإيقاع عقد تكون نتيجته الاشتراك في الحاصل.

وعليه فلا ضمان في المقام ، فإنّ العين أمانة في يده ، وفوات المنافع غير مستند إليه.

(2) بموجب خيار عدم التسليم ، ومعه فيفرض العقد كأن لم يكن.

(3) أقواها الأخير.

ويظهر وجهه مما تقدّم. فإنّ ضمان العامل لمنفعة الأُجرة إنما كان بملاك قاعدة اليد عند استيلائه على الأرض ، أو قاعدة الإتلاف عند جهل المالك بالحال مع عدم استيلاء العامل عليها. وحيث أنه لا شي‌ء منهما متحقّق في المقام ، إذ المالك لم يفوّت


1) (*) أقربها الأخير.

[3500] مسألة 8 : إذا غصب الأرض بعد عقد المزارعة غاصب ولم يمكن الاسترداد منه ، فإن كان ذلك قبل تسليم الأرض إلى العامل تخيّر بين الفسخ وعدمه (1) ، وإن كان بعده لم يكن له الفسخ (2).

وهل يضمن الغاصب تمام منفعة الأرض في تلك المدة للمالك فقط. أو يضمن له بمقدار حصّته من النصف أو الثلث من منفعة الأرض ، ويضمن له أيضاً قيمة حصّته من عمل العامل حيث فوّته عليه ، ويضمن للعامل أيضاً مقدار حصّته من منفعة الأرض؟ وجهان (1)(3). ويحتمل ضمانه لكلّ منهما ، ما يعادل حصّته من الحاصل بحسب التخمين.


على العامل شيئاً ، لأنه لم يكن يملك حصّة من منفعة الأرض على ما عرفت بيانه مما تقدّم ، باعتبار أنّ عقد المزارعة مبنيّ على بذل كل من الطرفين ما يجب عليه مجاناً بإزاء اشتراكهما في النتيجة خاصة ، فلا وجه للحكم بضمانه لحصته من منفعة الأرض.

وأوضح من ذلك في الفساد القول بضمانه للحصة من الحاصل تخميناً ، فإنها ليست مملوكة للعامل بالفعل كي يضمنها المالك له.

نعم ، إنه كان سيملكها على تقدير ظهورها ، وقد منع المالك من تحققها برفع موضوعها ، إلّا أنه غير موجب للضمان جزماً.

وممّا تقدّم يظهر الحال في التفصيل بين العذر وغيره ، فإنه لا موجب له بالمرّة ، بعد عدم شمول دليل الضمان للمقام.

نعم ، المالك آثم بتركه التسليم ، لامتناعه عما هو واجب عليه.

(1) لما تقدّم من ثبوت الخيار عند عدم التسليم.

(2) لتمامية العقد به.

(3) ظهر مما تقدّم في المسألة السابقة ، أن الأقوى في المقام هو القول الأوّل. فإنّ العامل لا يملك شيئاً من منفعة الأرض كي يضمن له نتيجة لفواته بالغصب بموجب


1) (*) أقربهما الأوّل.

[3501] مسألة 9 : إذا عيّن المالك نوعاً من الزرع ، من حنطة أو شعير أو غيرهما ، تعيّن ولم يجز للزارع التعدي عنه (1).

ولو تعدّى إلى غيره (1)، ذهب بعضهم إلى أنه إن كان ما زرع أضرّ مما عيّنه المالك ، كان المالك مخيَّراً بين الفسخ وأخذ اجرة المثل للأرض ، والإمضاء وأخذ الحصّة من المزروع مع أرش النقص الحاصل من الأضرّ. وإن كان أقلّ ضرراً لزم وأخذ الحصّة منه. وقال بعضهم يتعيّن أخذ أُجرة المثل للأرض مطلقاً ، لأنّ ما زرع غير ما وقع عليه العقد ، فلا يجوز أخذ الحصّة منه مطلقاً.

والأقوى (2) أنه إن علم أنّ المقصود مطلق الزرع وأنّ الغرض من التعيين


قاعدة الإتلاف ، كما أنّ المالك لا يملك شيئاً من عمل العامل كي يضمن له بالإتلاف أيضاً ، فإنّ كلا منهما متبرع بالذي عليه للاشتراك في النتيجة.

ومن هنا يظهر الحال في الوجه الأخير أيضاً. فإنه لا معنى لضمان الغاصب ما لم يكن لمملوك بالفعل ، فإنّ الضمان إنما يختص بما يعد مالاً بالفعل ، وأما ما سيكون كذلك في المستقبل فلا يثبت الضمان برفع موضوعه والمنع من تحققه ، كما هو واضح.

إذن فالصحيح هو ضمان الغاصب للمالك خاصة منفعة أرضه الفائتة بالغصب لعموم قاعدة الضمان للمنافع كالأعيان.

(1) لوجوب الوفاء بالعقد عليه ، وانتفاء الإذن في التصرّف في غيره.

(2) بل الأقوى هو ان يقال : إنه قد يفرض انكشاف الحال للمالك بعد تمامية الزرع


1) (*) الصحيح أن يقال : إنّه إذا علم به بعد بلوغ الحاصل فليس له إلّا المطالبة بأُجرة مثل المنفعة الفائتة من الأرض ، وأمّا الحاصل فهو للعامل إن كان البذر له ، وإن كان للمالك فله المطالبة ببدله أيضاً ، وعلى تقدير البذل كان الحاصل للعامل أيضاً وليست له مطالبة المالك بأُجرة العمل مطلقاً ، وإذا علم به قبل بلوغ الحاصل فله المطالبة ببدل المنفعة الفائتة وإلزام العامل بقلع الزرع أو إبقائه بالأُجرة أو مجّاناً إذا كان البذر له ، وأمّا إذا كان للمالك فله المطالبة ببدل المنفعة الفائتة وبدل البذر أيضاً ، فإن دفع بدله كان حكمه حكم ما إذا كان البذر له من أوّل الأمر ، هذا كلّه إذا كان التعيين بعنوان التقييد ، وأمّا إذا كان بعنوان الاشتراط فإن تنازل المالك عن شرطه فهو ، وإلّا فسخ العقد وجرى عليه حكم التقييد.

.................................................................................................


الذي تعدّى الزارع به وبلوغ الحاصل ، وقد يفرض انكشافه في أثناء العمل وقبل بلوغ النتاج.

ثمّ وعلى كلا التقديرين ، إما أن يكون ما عينه المالك على نحو التقييد ، وإما أن يكون على نحو الشرطية ، فإنه أمر ممكن وإن كان على خلاف المرتكزات العرفية حيث إنها قائمة على كون التعيين على نحو التقييد وإن كان ظاهره هو الاشتراط.

فإن كان على نحو التقييد ، فحيث إنّ ما وقع عليه العقد لم يتحقق في الخارج وما تحقق لم يتعلق به العقد ، كان الزارع بتصرفه هذا معتدياً ومتصرفاً في مال الغير بغير إذنه ، وبذلك يضمن ما يستوفيه من منفعة الأرض. وليس هناك ضمان آخر لهذه المنفعة غير هذا الضمان ، فإنّ المنفعة الواحدة لا يكون لها إلّا ضمان واحد ، وسيأتي مزيد توضيح له إن شاء اللّه.

هذا كلّه فيما يتعلق بضمان الأرض واستيفاء الزارع لمنفعتها.

وأمّا البذر فإن كان للمالك ، فله أن يُسقط ضمان العامل الثابت عليه بوضعه ليده عليه بغير إذنه ، وبذلك فيكون له جميع الحاصل ، على ما تقتضيه قاعدة تبعية النتاج للبذر. كما أنّ له مطالبة العامل بالبذر ، لأنه قد أتلفه عليه بالزرع ، فإذا بذله له وخرج عن عهدته ملك الحاصل قهراً تبعاً للبذر ، على ما يقتضيه بناء العقلاء ويساعد عليه الارتكاز العرفي ، فإنهم يعاملون مع المؤدي لبدل التالف معاملة المالك له بقاءً ، على ما ذكرناه مفصلاً في مسألة ضمان الأيادي المتعدِّدة من مباحث المكاسب.

هذا كلّه فيما إذا انكشف الحال للمالك بعد تمامية الزرع وبلوغ الحاصل. وأما إذا كان ذلك في أثناء المدّة ، فالأمر كما تقدّم بالقياس إلى المدة الفائتة ، فإن العامل يضمن له اجرة مثل أرضه في تلك الفترة.

وأمّا البذر فإن كان للعامل ، فللمالك إلزامه بتخلية أرضه وإخراج بذره كيفما كان وليس للعامل إلزامه ببقائه في أرضه في مقابل الأُجرة فضلاً عن المجانية.

وإن كان للمالك فالكلام فيه هو الكلام فيما لو انكشف الحال له بعد تمامية الزرع وبلوغ الحاصل حرفاً بحرف. فإنّ له أن يسقط ضمان العامل ويرضى ببقائه في ملكه

ملاحظة مصلحة الأرض وترك ما يوجب ضرراً فيها ، يمكن أن يقال أنّ الأمر كما ذكر من التخيير بين الأمرين في صورة كون المزروع أضرّ ، وتعيّن الشركة في صورة كونه أقلّ ضرراً. لكن التحقيق مع ذلك خلافه.

وإن كان التعيين لغرض متعلق بالنوع الخاص لا لأجل قلة الضرر وكثرته فإما أن يكون التعيين على وجه التقييد والعنوانية ، أو يكون على وجه تعدّد المطلوب والشرطية (1).

فعلى الأوّل ، إذا خالف ما عيّن فبالنسبة إليه يكون كما لو ترك الزرع أصلاً حتى انقضت المدّة ، فيجري فيه الوجوه الستة المتقدِّمة في تلك المسألة (2). وأمّا


فيكون الحاصل له. وله أن يطالب العامل بضمانه ، وبعده فله الخيار أيضاً ، بين رضاه ببقائه في قبال الأُجرة ، أو أمره بالقلع من غير أرش.

ثمّ إنّ هذا كله فيما إذا كان التعيين على نحو التقييد. وأما لو كان على نحو الاشتراط خلافاً للمرتكزات العرفية بالتصريح أو القرينة ، فالمالك بالخيار بين إسقاط شرطه ورضاه بالمزروع بالفعل ، فيكون الحاصل على ما قرراه في العقد. وبين فسخ العقد من جهة تخلف الشرط ، وحينئذٍ فيكون حاله حال التقييد ، حيث يفرض العقد كأن لم يكن ، وبذلك فيضمن العامل اجرة مثل الأرض ، لتصرفه فيها بغير إذن مالكها.

وحكم البذر ما تقدّم من التفصيل بين كونه للمالك أو العامل تماماً ، فراجع.

(1) تقدّم منّا غير مرّة ، أنّ ذلك وإن كان ممكناً في حدّ ذاته ، إلّا أنه على خلاف المرتكزات العرفية جدّاً. فإنّ الاشتراط في الكلي بملاحظتها تقييد لها لا محالة ، وإن كان ظاهر التعبير هو الشرطية ، فإنّ معناه كون مورد العقد خصوص الحصّة المعيّنة من الزرع دون الطبيعي أينما سرى.

نعم ، ما يؤخذ في الأعيان الخارجية كالكتابة في العبد ، يكون شرطاً لا محالة وإنْ ذكر بنحو القيدية ، إذ لا مجال لتصور الإطلاق فيها كي يتصور التقييد.

(2) وقد عرفت أن أقواها هو ضمان العامل لمنفعة الأرض ، فيما إذا كان قد استلمها من المالك بحيث أصبحت تحت سلطانه ، أو كان المالك جاهلاً بالحال.

بالنسبة إلى الزرع الموجود ، فإن كان البذر من المالك فهو له ، ويستحق العامل اجرة عمله (1) على إشكال في صورة علمه بالتعيين وتعمده الخلاف ، لإقدامه حينئذٍ على هتك حرمة عمله. وإن كان البذر للعامل كان الزرع له ، ويستحقّ المالك عليه أُجرة الأرض مضافاً (2) إلى ما استحقه من بعض الوجوه المتقدِّمة. ولا يضرّ استلزامه الضمان للمالك من قبل أرضه مرتين على ما بيّناه في محلّه ، لأنه من جهتين ، وقد ذكرنا نظير ذلك في الإجارة أيضاً.


(1) والذي أظنه واللّه العالم أنه (قدس سره) قد غفل عما أفاده في غير مورد من عدم استحقاق العامل للأُجرة عند علمه بفساد العقد.

فإنّ ما أفاده (قدس سره) في تلك الموارد وإن لم يكن تامّاً في نفسه ، لما عرفته من عدم مدخلية العلم بالفساد في ارتفاع الضمان لعدم ملازمته للتبرع وقصد المجانية ، إلّا أنه وعلى تقدير تماميته إنما يختص بما إذا كان صادراً عن أمر الغير ، كالإجارة الفاسدة ونحوها. وأما إذا لم يكن العمل واقعاً عن أمر الغير ، فلا وجه لأن يقال بأنّ للعامل اجرة مثل عمله على الغير فيما إذا كان جاهلاً بالحال ، فإنه لم يكن قد صدر عن أمره كي يكون ضامناً له.

فالصحيح هو الحكم بعدم الضمان مطلقاً ، سواء أكان العامل عالماً أم جاهلاً.

(2) وفيه : أنّ الضمان من جهة الترك لم يكن ضماناً من جهة الحاصل أو عمل العامل في الأرض ، وإنما كان ضماناً من جهة تفويته لمنفعة الأرض ، تمسّكاً بقاعدة اليد أو الإتلاف.

وحيث أنّ في المقام لا شي‌ء وراء الاستيفاء ، حيث لم يفت من المالك إلّا منفعة أرضه ، سواء استوفاها العامل بزرع بذره أم لا ، فلا وجه للضمان الثاني. فإن من يغصب الدار أو غيرها لا يضمن منفعتها إلّا بضمان واحد سواء أسكنها أم لا ، وليس عليه مضافاً إلى ذلك على تقدير سكناه فيها اجرة المثل لتلك المدة.

ومن هنا يظهر أنّ قياسه (قدس سره) للمقام على الإجارة ، فيما إذا استأجر العين لاستيفاء منفعة معينة كالدابة للركوب عليها إلى كربلاء مثلاً فترك ذلك وركبها إلى

وعلى الثاني ، يكون المالك مخيراً (1) بين أن يفسخ المعاملة لتخلّف شرطه فيأخذ أُجرة المثل للأرض (2) وحال الزرع الموجود حينئذٍ ما ذكرنا من كونه لمن له البذر ، وبين أن لا يفسخ ويأخذ حصّته من الزرع الموجود بإسقاطه حق شرطه وبين أن لا يفسخ ولكن لا يسقط حق شرطه أيضاً (3) بل يغرم العامل على بعض الوجوه الستة المتقدِّمة. ويكون حال الزرع الموجود كما مرّ من كونه لمالك البذر.

[3502] مسألة 10 : لو زارع على أرض لا ماء لها فعلاً ، لكن أمكن تحصيله بعلاج من حفر ساقية أو بئر أو نحو ذلك فإن كان الزارع عالماً بالحال صحّ ولزم (4) وإن كان جاهلاً كان له خيار الفسخ (5). وكذا لو كان الماء مستولياً


الكوفة ، حيث يضمن المنفعتين معاً ، قياس مع الفارق.

فإنّ المنفعتين في باب الإجارة لما كانتا متضادتين وجب ضمانهما معاً ، فإنه يضمن الأُجرة المسماة بإزاء ملكيته لمنفعة ركوب الدابة إلى كربلاء والتي فوّتها على نفسه بتركه لها اختياراً ، كما يضمن منفعة ركوبها إلى الكوفة لاستيفاء منفعة لم يكن يملكها.

وأين هذا من المقام ، حيث تنحصر الفائدة بالتي فوّتها العامل على المالك تارة بالاستيفاء واخرى مع عدمه؟

(1) لتعليقه التزامه بالعقد على التزام الآخر بالزرع المعين ، فمع عدمه ثبت له الخيار.

وقد تقدّم الكلام غير مرّة في حقيقة الشرط وبيانها.

(2) حيث يفرض العقد حينئذٍ كالعدم ، ومن هنا فيترتب عليه ما ذكر في فرض التقييد.

(3) هذا الاحتمال لا وجه له بالمرة ، بعد ما عرفت مراراً من أنّ الاشتراط لا يؤثر إلّا في ثبوت الخيار عند تخلفه ، فهو إما أن يفسخ ، وإما أن يبقي العقد على حاله.

(4) لتمامية أركان العقد وانتفاء المانع.

(5) لانتفاء شرط ضمني ، هو إمكان زرع الأرض بلا مئونة خارجة عن فعل

عليها وأمكن قطعه عنها. وأما لو لم يمكن التحصيل في الصورة الأُولى أو القطع في الثانية ، كان باطلاً (1) سواء كان الزارع عالماً أو جاهلاً (2). وكذا لو انقطع في الأثناء ولم يمكن تحصيله ، أو استولى عليها ولم يمكن قطعه. وربّما يقال بالصحة مع علمه بالحال (3). ولا وجه له (4) وإن أمكن الانتفاع بها بغير الزرع لاختصاص المزارعة بالانتفاع بالزرع (5).


الزرع ، فإنه أمر مفروغ عنه ، فبتخلفه يثبت للزارع الخيار إذا كان جاهلاً بالحال.

(1) لما تقدّم في الشرط السابع من اعتبار إمكان الزرع في صحة المزارعة ، إذ بدونه لا معنى للاتفاق على كون الحاصل بينهما بالنسبة المعيّنة ، فإنه لغو محض.

(2) وذلك لأنّ اعتبار إمكان الزرع شرط واقعي في صحّة العقد ، ومن هنا فلا يختلف الحال فيه بين صورتي العلم والجهل.

(3) نسب ذلك إلى المحقِّق والعلّامة (قدس سرهما) (1).

(4) لما عرفت من كون شرطية إمكان الزراعة واقعية لا تتأثر بالعلم والجهل.

نعم ، لا يبعد حمل كلامهما (قدس سرهما) على الصورة الاولى ، أعني إمكان إيصال الماء إلى الأرض أو قطعه عنها. فيلتزم فيها بالتفصيل ، بين علم العامل بالحال فتصحّ وجهله به فتبطل.

إلّا أنه يشكل أيضاً من جهة أنّ الجهل إنما يقتضي ثبوت الخيار ، فلا موجب للحكم بالبطلان ، كما عن الإرشاد (2).

والحاصل أنّ ما أفاداه (قدس سرهما) لا يمكن المساعدة عليه على كلا التقديرين عمومه لصورة إمكان تحصيل الماء وعدمها ، واختصاصه بصورة الإمكان.

(5) على ما تقتضيه حقيقة المزارعة ويتقوّم به مفهومها.


1) شرائع الإسلام 4 : 342 343 شرح عبد الزهراء الحسيني.

2) مختلف الشيعة 6 : 154.

نعم ، لو استأجر أرضاً للزراعة مع علمه بعدم الماء ، وعدم إمكان تحصيله أمكن الصحة ، لعدم اختصاص الإجارة بالانتفاع بالزرع ، إلّا أن يكون على وجه التقييد (1) فيكون باطلاً أيضاً.

[3503] مسألة 11 : لا فرق في صحة المزارعة بين أن يكون البذر من المالك ، أو العامل ، أو منهما (2).


(1) بأن استأجر أرضاً للزارعة خاصة. فإنه حينئذٍ إن أمكن الانتفاع بها في الزراعة بالعلاج ، فالتفصيل المتقدِّم من حيث علم المستأجر بالحال وجهله به. وإن لم يمكن فالحكم بالبطلان رأساً ، لانكشاف عدم تملك صاحبها للمنفعة التي ملكها بالعقد للمستأجر.

(2) بلا خلاف فيه وفيما يليه من الأركان بين الأصحاب. ويستفاد من ضمّ بعض النصوص إلى بعضها الآخر.

ففي صحيحة سماعة ، قال : سألته عن مزارعة المسلم المشرك ، فيكون من عند المسلم البذر والبقر وتكون الأرض والماء والخراج والعمل على العلج ، قال : «لا بأس به» (1).

حيث فرض فيها كون البذر والبقر خاصة على المزارع ، ومع ذلك حكم (عليه السلام) بالصحة.

وحمل هذه المعاملة على معاملة مستقلة عن المزارعة وفي قبالها ، فلا تدلّ على الجواز فيما نحن فيه ؛ حمل لا موجب له ، ولا سيما بعد أخذ عنوان المزارعة فيها صريحاً.

والحاصل أنّ المستفاد منها ، أنه لا يعتبر في المزارعة كون العمل على المزارع فيجوز أن يكون على صاحب الأرض.

وفي صحيحته الأُخرى : قال : سألته عن المزارعة ، قلت : الرجل يبذر في الأرض


1) الوسائل ، ج 19 كتاب المزارعة والمساقاة ، ب 12 ح 1.

.................................................................................................


مائة جريب أو أقل أو أكثر طعاماً أو غيره ، فيأتيه رجل فيقول : خذ مني نصف ثمن هذا البذر الذي زرعته في الأرض ، ونصف نفقتك عليَّ ، واشركني فيه. قال : «لا بأس» (1).

حيث دلّت على جواز كون نصف البذر من مالك الأرض.

وهي وإن كانت واردة في جواز ذلك بعد الزرع ، إلّا أنها تكفي لإثبات الجواز قبله أيضاً ، فإنه إذا أجاز ذلك بعد الزرع ، جاز قبله بطريق أوْلى.

ويؤيدهما رواية إبراهيم الكرخي ، قال : قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : أُشارك العلج ، فيكون من عندي الأرض والبذر والبقر ويكون على العلج القيام والسقي (والسعي) والعمل في الزرع حتى يصير حنطة أو شعيراً ، وتكون القسمة ، فيأخذ السلطان حقه ويبقى ما بقي على أنّ للعلج منه الثلث ولي الباقي ، قال : «لا بأس بذلك». قلت : فلي عليه أن يردّ عليّ مما أخرجت الأرض البذر ويقسم ما بقي؟ قال : «إنما شاركته على أنّ البذر من عندك ، وعليه السقي والقيام» (2).

وهي وإن كانت صريحة في كون البذر والبقر على صاحب الأرض ، إلّا أنها ضعيفة السند بإبراهيم الكرخي حيث لم يرد فيه مدح فضلاً عن التوثيق ، فلا مجال للاعتماد عليها.

والحاصل إنّ المستفاد من ضمّ النصوص بعضاً إلى بعض ، أنه لا يعتبر في مفهوم عقد المزارعة إلّا اشتراك الطرفين في الأركان الأربعة لهذه المعاملة في الجملة ، من غير اختصاص لأحدهما بشي‌ء معين من حيث النوع والكمية.

هذا ولكن المستفاد من صحيحة يعقوب بن شعيب عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث قال : سألته عن المزارعة ، فقال : «النفقة منك ، والأرض لصاحبها فما أخرج اللّه من شي‌ء قسم على الشطر ، وكذلك أعطى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) خيبر حين أتوه ، فأعطاهم إياها على أن يعمروها ولهم النصف مما


1) الوسائل ، ج 19 كتاب المزارعة والمساقاة ، ب 13 ح 1.

2) الوسائل ، ج 19 كتاب المزارعة والمساقاة ، ب 10 ح 1.

.................................................................................................


أخرجت» (1). اعتبار كون النفقة على العامل ، لانه (عليه السلام) إنما ذكر ذلك في جواب السؤال عن حقيقة المزارعة ، فيكون ظاهراً في الحصر.

ومن هنا فتصطدم مع الصحيحتين المتقدمتين.

إلّا أنه لا بدّ من رفع اليد عن ظهورها هذا ، وحملها على بيان المزارعة الخارجية التي صدرت من النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) لا مطلق العقد ، بأن يقال إنّ العقد الذي أوقعه النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) مع يهود خيبر كان على هذا النحو ، وإلّا فمفهوم المزارعة غير متقوّم به ، كما يشهد له قوله (عليه السلام) في ذيلها : «وكذلك أعطى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) خيبر».

وذلك لصراحة الصحيحتين المتقدمتين في عدم اعتباره ، وجواز كونها على صاحب الأرض.

هذا مضافاً إلى تسالم الأصحاب ، حيث لم ينقل الخلاف في جوازه من أحد الأصحاب مطلقاً.

أضف إلى ذلك كله إطلاقات أدلّة المزارعة فإنها شاملة للمقام ، حيث إنّ مفهومها لا يتقوّم إلّا بالاشتراك في الزرع وتحصيل النماء ، من غير تخصيص لأحدهما بشي‌ء وصاحبه بآخر. كما هو الحال في المزارعات الخارجية ، فإنها تختلف باختلاف البلاد والمناطق ، فقد يكون المتعارف في مكان كون البذر على العامل ، في حين يكون المتعارف في مكان آخر هو العكس. فيتبع في كل منطقة ما هو المتعارف فيها عند الإطلاق ، وإلّا فما اتفقا عليه.

وهذا ديدن المزارعين فعلاً وعليه سيرتهم متصلاً بزمان المعصوم (عليه السلام) فيكشف ذلك كله عن عدم تقوّم مفهوم المزارعة بكون شي‌ء بخصوصه على أحدهما بعينه.

إذن : فلا بدّ من حمل صحيحة يعقوب على المزارعة الخارجية التي وقعت بين النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) واليهود ، بأن يقال إنها كانت على الوصف المذكور في الصحيحة وإلّا فظاهرها لا يمكن الالتزام به.


1) الوسائل ، ج 19 كتاب المزارعة والمساقاة ، ب 10 ح 2.

ولا بدّ من تعيين ذلك (1) إلّا أن يكون هناك معتاد ينصرف إليه الإطلاق (2). وكذا لا فرق بين أن تكون الأرض مختصّة بالمزارع ، أو مشتركة بينه وبين العامل. وكذا لا يلزم أن يكون تمام العمل على العامل ، فيجوز كونه عليهما. وكذا الحال في سائر المصارف.

وبالجملة هنا أُمور أربعة : الأرض ، والبذر ، والعمل ، والعوامل. فيصحّ أن يكون من أحدهما أحد هذه ومن الآخر البقية ، ويجوز أن يكون من كل منهما اثنان منها ، بل يجوز أن يكون من أحدهما بعض أحدها ومن الآخر البقية ، كما يجوز الاشتراك في الكلّ. فهي على حسب ما يشترطان.

ولا يلزم على من عليه البذر دفع عينه ، فيجوز له دفع قيمته. وكذا بالنسبة إلى العوامل. كما لا يلزم مباشرة العامل بنفسه ، فيجوز له أخذ الأجير على العمل ، إلّا مع الشرط.

[3504] مسألة 12 : الأقوى جواز عقد المزارعة بين أزيد من اثنين (3) بأن تكون الأرض من واحد ، والبذر من آخر ، والعمل من ثالث ، والعوامل من رابع.


(1) على ما تقدّم بيانه في الشرط العاشر.

(2) فإنّ الإيكال إليه وعدم التعيين نوع من التعيين.

(3) الكلام في هذه المسألة يقع في مقامين :

الأوّل : في تعدّد العامل ، أو المالك ، أو هما معاً.

الثاني : في اشتراكهما مع غيرهما.

أمّا المقام الأوّل : فلا ينبغي الإشكال في صحته ، إذ لا يعتبر في العقد انحصار أطرافه بين اثنين خاصة ، فيجوز كون الشي‌ء الواحد مشتركاً بين أكثر من اثنين ، من حيث ملك العين أو المنفعة أو الانتفاع ، وهو أمر طبيعي جدّاً يقع في الخارج كثيراً. ومن هنا فيحكم بصحّة عقد المزارعة عليها ، حاله في ذلك حال سائر العقود.

وكيف كان ، فالظاهر أنه لا خلاف في صحّة الاشتراك في الأرض ، وصحّة المزارعة على الأرض المشتركة.

.................................................................................................


ومن غير البعيد دعوى كون إعطاء النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) لأرض خيبر لليهود مزارعة من هذا القبيل ، إذ من البعيد جدّاً دعوى اختصاص كل قطعة منها بشخص بعينه ، إذ الأراضي غالباً ما تكون مشتركة بين جماعة بسبب الإرث أو غيره.

بل لا يبعد دعوى كون الغالب في العامل هو التعدّد.

وأمّا المقام الثاني : فقد ذهب الماتن (قدس سره) وجماعة إلى الجواز والصحّة بدعوى صدق المزارعة عليه ، وشمول الإطلاقات له. في حين اختار صاحب المسالك (قدس سره) وجماعة البطلان ، لوجهين :

الأوّل : دعوى لابدّيّة تركّب العقد من طرفين الموجب والقابل خاصّة.

وقد أجاب عنه الماتن (قدس سره) بأنه أوّل الدعوى. والأمر كما أفاده (قدس سره) ، حيث لم يرد دليل على اعتبار ذلك ، بل العقد قد يكون بين أكثر من اثنين ، كما هو الحال في الشركة.

الثاني : ما ذكره في المسالك من أنّ العقود توقيفية ، فلا بدّ من الاقتصار في الحكم بصحّتها على ما دلّ عليه النصّ ، وحيث إنّه مفقود في المقام ، فلا محيص عن الحكم بالبطلان.

وما أفاده (قدس سره) في محلّه جدّاً ، لما عرفت من توقّف صحة هذه العقود على الدليل الخاص وعدم إمكان إثباتها بالعمومات ، وحيث لم يرد في شي‌ء من النصوص الحكم بالصحة في المزارعة المعقودة بين أكثر من طرفين الموجب والقابل فلا بدّ من الحكم بفساده للقاعدة.

نعم ، بناءً على ما اختاره الماتن (قدس سره) من شمول العمومات للمقام ، فلا بأس بالحكم بالصحّة هنا. إلّا أنك قد عرفت ما فيه. وأنّها لا تشمل العقود التي تتضمّن تمليك المعدوم بالفعل ، ولذا لم نعهد فقيهاً التزم بصحّة ذلك في غير هذه الموارد.

إذن فالصحيح في المقام هو ما ذهب إليه الشهيد (قدس سره) في (المسالك) حيث لا إطلاق للأدلّة الواردة في المقام يشمل هذا العقد ، والعمومات قاصرة في نفسها.

بل يجوز أن يكون بين أزيد من ذلك ، كأن يكون بعض البذر من واحد ، وبعضه الآخر من آخر ، وهكذا بالنسبة إلى العمل والعوامل ؛ لصدق المزارعة ، وشمول الإطلاقات ، بل تكفي العمومات (1)العامّة (1).

فلا وجه لما في (المسالك) من تقوية عدم الصحّة (2) بدعوى أنها على خلاف الأصل ، فتتوقف على التوقيف من الشارع ، ولم يثبت عنه ذلك. ودعوى أن العقد لا بدّ أن يكون بين طرفين موجب وقابل ، فلا يجوز تركبه من ثلاثة أو أزيد على وجه تكون أركاناً له. مدفوعة بالمنع ، فإنه أوّل الدعوى.

[3505] مسألة 13 : يجوز للعامل أن يشارك غيره في مزارعته (2)(3) أو


(1) ظهر لك الحال مما تقدّم.

(2) بل قد عرفت أنه هو الصحيح والمتعيّن في المقام.

(3) والمراد به إن كان نقل ماله من الحصّة إلى غيره على نحو ما سيجي‌ء منه (قدس سره) بعد هذا ، فهو في حيِّز المنع على ما ستعرف ، فإنه ليس لأحد نقل الزرع قبل ظهوره وتحقّقه. على أنه لا دليل على ملكيّة العامل لشي‌ء قبل ظهور الحاصل فإنه إنما يملك الحصّة المعيّنة له منها ، فلا شي‌ء له قبل ظهور الزرع.

نعم ، فيما لو كان البذر له ، لم يجر هذا الإشكال بخصوصه.

وإن كان المراد به هي المزارعة في حصّته ، فهو عين الشق الثاني في كلامه (قدس سره) وليس قسيماً له.

إذن فالصحيح أنه ليس في المقام إلّا قسم واحد ، هو مزارعة العامل لغيره في حصّته.


1) (*) تقدّم أنّ العمومات لا تشمل مثل هذه المعاملات ، والدليل الخاص غير موجود ، ومن هنا فالأقوى عدم جواز عقد المزارعة بين أزيد من اثنين.

2) (**) إن أُريد به نقل بعض حصّته إلى غيره فهو محل منع قبل ظهور الحاصل ، وإن أُريد به اشتراك غيره في مزارعته فهو عين قوله : أو يزارعه في حصّته.

يزارعه في حصّته (1) من غير فرق بين أن يكون البذر منه أو من المالك (2) ولا يشترط فيه إذنه. نعم ، لا يجوز تسليم الأرض إلى ذلك الغير إلّا بإذنه (1)(3) وإلّا


(1) بلا خلاف فيه ، بل كاد أن يكون إجماعاً.

وذلك لما عرفته منا من أنّ عقد المزارعة يجعل لكل من الطرفين حقاً في إلزام صاحبه بما عليه ، فللعامل إلزام المالك بتسليم الأرض ، وللمالك إلزام العامل بالعمل. ولذا صحّ أن يقوم ورثتهما مقامهما عند موتهما من دون حق الاعتراض للطرف الآخر ، فليس لورثة المالك منع العامل عن العمل عند انتقالها إليهم ، لأنها إنما انتقلت إليهم بهذا الوصف ، أعني ثبوت حق التصرّف له فيها.

ومن هنا فإذا كان هذا الحقّ قابلاً للانتقال بالإرث ، كان قابلاً للانتقال بالمعاملة أيضاً.

على أنّ أدلّة المزارعة غير قاصرة الشمول لمثلها. فإنّك قد عرفت في المسألة الاولى من هذه المسائل ، أنه لا يعتبر في صحة المزارعة مالكية المزارع للأرض ، بل يكفي كونه مالكاً للتصرف فيها. وحيث إنه متحقق في المقام ، فإنّ المزارع يملك هذا الحقّ وله الولاية على ذلك ، فله أن يزارع غيره فيجعله في مقامه ، من غير توقف على اعتبار ملكيّته للمنفعة.

(2) فإنّ للمزارع العامل حقّ التصرّف في هذا البذر مطلقاً ، بالمباشرة أو بغيرها.

ولا يختصّ ذلك بصورة الإطلاق ، بل له ذلك حتى مع اشتراط المباشرة عليه لعدم المنافاة بين اشتراط المباشرة عليه وكون المزارعة لغيره ، فينقل حصّته إلى الغير بحيث يصبح ذلك الغير هو المزارع ، لكنه يبقى هو العامل في الأرض ، والبذر مجاناً أو بعوض يتقاضاه من المشتري.

(3) تقدّم الكلام في ذلك في كتاب الإجارة ، وقد عرفت أنه لا وجه له. فإنّ يد


1) (*) الكلام فيه كما مرّ في الإجارة [في صفحة 397 فصل في أحكام عقد الإجارة التعليقة ، (1) ].

كان ضامناً ، كما هو كذلك في الإجارة أيضاً. والظاهر جواز نقل مزارعته إلى الغير (1) بحيث يكون كأنه هو الطرف للمالك ، بصلح ونحوه ، بعوض ولو من خارج أو بلا عوض. كما يجوز (1)نقل حصّته إلى الغير (2) سواء كان ذلك قبل ظهور الحاصل أو بعده. كلّ ذلك لأنّ عقد المزارعة من العقود اللازمة الموجبة لنقل منفعة الأرض نصفاً أو ثلثاً أو نحوهما إلى العامل (3) فله نقلها إلى الغير بمقتضى قاعدة السلطنة.


العامل على الأرض يد أمانة ، فلا تضمن إذا سلمها إلى أمين مثله ، إذ الاستئمان لا يقتضي بوجه مباشرة الأمين للسلطنة على المال ووضع اليد عليه ، فإنّ تسليمه إلى أمين مثله يعدّ من شؤون الأمانة ومن أنحاء المحافظة على المال.

وبعبارة اخرى : إنّ تسليم الأرض إلى العامل الثاني الأمين ، لا يعدّ تعدياً أو تفريطاً في مال الغير ، بعد فرض كون المزارعة مطلقة من حيث المباشرة والتسبيب.

وعليه فلا مجال للحكم بالضمان في فرض التلف.

(1) لما تقدّم من ملكيّة العامل لحقّ التصرّف في الأرض وولايته على ذلك فيكون له نقله إلى الغير وجعله في مقامه.

(2) فتكون نتيجته نتيجة المزارعة ، حيث يكون المزارع الثاني شريكاً للمالك في الحاصل ، بالنسبة المجعولة للعامل الأوّل.

لكن الظاهر عدم جوازه فيما إذا كان النقل قبل ظهور الحاصل ، إذ لا يجوز نقل الزرع أو الثمر قبل ظهورهما ، على ما يذكر مفصلاً في كتاب البيع.

نعم ، يجوز ذلك في موردين :

الأوّل : بيع الثمر لأكثر من سنة.

والثاني : بيعه مع الضميمة ، على تفصيل يذكر في محلّه.

(3) قد عرفت غير مرّة ، أنّ المزارعة لا تتضمن تمليك العامل منفعة الأرض ، كما


1) (*) فيه منع إذا كان النقل قبل ظهور الحاصل.

ولا فرق فيما ذكرنا بين أن يكون المالك شرط عليه مباشرة العمل بنفسه أوْ لا ، إذ لا منافاة بين صحة المذكورات وبين مباشرته للعمل ، إذ لا يلزم في صحة المزارعة مباشرة العمل ، فيصح أن يشارك أو يزارع غيره ، ويكون هو المباشر دون ذلك الغير.

[3506] مسألة 14 : إذا تبين بطلان العقد ، فإما أن يكون قبل الشروع في العمل ، أو بعده وقبل الزرع بمعنى نثر الحَبّ في الأرض أو بعده وقبل حصول الحاصل ، أو بعده.

فإن كان قبل الشروع ، فلا بحث ولا إشكال (1).

وإن كان بعده وقبل الزرع ، بمعنى الإتيان بالمقدمات من حفر النهر وكري الأرض وشراء الآلات ونحو ذلك ، فكذلك (1)(2).


لا تتضمّن تمليك المالك حصّة عمل العامل ، وإنما هي عقد لا تتضمن إلّا تبرع كلّ من الطرفين بما عليه ، في قبال الحصّة المعيّنة من الحاصل أن تحقق.

ومن هنا فما ذكره (قدس سره) لا يمكن المساعدة عليه. والصحيح في توجيه الحكم هو ما أشرنا إليه سابقاً ، من تضمّن العقد حقّا للعامل قابلاً للنقل يجعل له نوعاً من التولية والسلطنة في التصرّف وإلزام المالك بتسليم أرضه له ، فإذا قام العامل بنقل هذا الحق إلى غيره حكمنا بصحته ، لكونه تصرفاً فيما هو ملك له.

(1) إذا لم يفت من أحد شي‌ء ، ولم يرد ضرر على أحدهما بسببه.

(2) فيه إشكال ، بل منع. والأقوى ثبوت اجرة مثل عمله له على المالك ، لقاعدة احترام عمل المسلم ، فإنه وبعد صدوره عن أمر الغير يتبع أمره بأصل العمل لا بقصد التبرّع مجانية ، لا يذهب هدراً ، سواء استفاد المالك من العمل أم لا.


1) (*) يشكل ذلك ، بل لا يبعد استحقاقه اجرة مثل عمله إذا كان البذر للمالك باعتبار أنّه أتى به بأمر صاحب الأرض ، ولا فرق فيه بين حصول وصف في الأرض وعدم حصوله ، وأمّا إذا كان البذر للعامل فلا يستحقّ شيئاً على المالك مطلقاً.

نعم ، لو حصل وصف في الأرض يقابل بالعوض ، من جهة كريها أو حفر النهر لها ، أو إزالة الموانع عنها ، كان للعامل قيمة ذلك الوصف (1). وإن لم يكن كذلك


وبعبارة أُخرى : لا تأثير لاستفادة المالك وعدمها ، في ضمانه للعمل الصادر من غيره عن أمره لا بقصد المجانية ، فإنّ الأمر مع هذا القصد موجب للضمان على كلا التقديرين.

هذا كله فيما إذا كان البذر للمالك. فإنه وحيث كان عمل العامل في ماله صادراً عن إذنه لا مجاناً ، وقد تبين فساد العقد ، يثبت عليه الضمان بأُجرة المثل ، كما هو الحال في سائر العقود الفاسدة.

وأما إذا كان البذر للعامل. فحيث انّ المالك لم يلتزم له على نفسه بشي‌ء مطلقاً عدا تسليمه للأرض وتسليطه عليها ، بل العامل هو الذي قد التزم للمالك بالحصّة المعيّنة من ماله الناتج بإزاء زرعه في أرضه ، فلا وجه لضمانه لشي‌ء ، فإنّ العمل لم يصدر عن أمره بإزاء شي‌ء والالتزام بحصة من ماله.

(1) وفيه : أنّ الأوصاف على ما ذكرناه مفصّلاً في المكاسب لا تقابل بالقيمة مطلقاً ، ولا استقلالية لها في المالية ، فليست هي مالاً في قبال مالية الموصوف ، وإنّما المالية لنفس الموصوف بلحاظ وجود الوصف وعدمه.

وعليه فليس الحال في الأوصاف هو الحال في المنافع ، حيث تعتبر أموالاً في قبال مالية العين يبذل بإزائها المال مستقلا ، وإنما هي أُمور تؤثر في زيادة قيمة الموصوف ونقصانها من دون أن تقابل هي بشي‌ء منها.

ومن هنا فليس الوصف مملوكاً للعامل كي يصح رجوعه على المالك بقيمته ، فإنه وعلى ضوء ما بيّناه لم يأتِ إلّا بعمل يوجب زيادة قيمة مال المالك ، ومن دون أن يكون له شي‌ء منه.

نعم ، حيث يكون عمله صادراً عن أمره لا بقصد المجانية فلا يذهب هدراً فيستحق عليه اجرة مثله ، ساوت الزيادة الحاصلة في الأرض بسبب العمل أم زادت عليها أم نقصت.

وكان العمل لغواً ، فلا شي‌ء له (1). كما أن الآلات لمن أعطى ثمنها.

وإن كان بعد الزرع كان الزرع لصاحب البذر (2). فإنْ كان للمالك كان الزرع له ، وعليه للعامل اجرة عمله وعوامله. وإن كان للعامل كان له ، وعليه أُجرة الأرض للمالك. وإن كان منهما كان لهما على النسبة نصفاً أو ثلثاً ، ولكلّ منهما على الآخر اجرة مثل ما يخصّه من تلك النسبة. وإن كان من ثالث (3) فالزرع له وعليه للمالك أُجرة الأرض ، وللعامل اجرة عمله وعوامله.

ولا يجب على المالك إبقاء الزرع إلى بلوغ الحاصل (4) إن كان التبيّن قبله ، بل له أن يأمر بقلعه ، وله أن يبقي بالأُجرة إذا رضي صاحبه ، وإلّا فليس له إلزامه بدفع الأُجرة.

هذا كله مع الجهل بالبطلان. وأما مع العلم فليس للعالم منهما الرجوع على الآخر بعوض أرضه أو عمله ، لانه هو الهاتك لحرمة ماله أو عمله ، فكأنه متبرع به (1)(5) وإن كان الآخر أيضاً عالماً بالبطلان.


(1) وقد عرفت الإشكال فيه.

(2) على ما تقتضيه القاعدة ، فإنّ النماء تابع للبذر.

(3) بناءً على ما ذهب إليه في المسألة الثانية عشرة ، من جواز عقد المزارعة بين أكثر من اثنين.

(4) على ما تقدّم بيانه مفصلاً في المسألة السادسة ، فراجع.

(5) تقدّم مراراً أنه لا أثر للعلم بالفساد والجهل به في استحقاق اجرة المثل ، لأنه لا يلزم هتك حرمة المال أو العمل والتبرع به ، بل العامل مقدم على العمل بإزاء العوض لا مجاناً وإن علم أنّ الشارع لم يمضه ، فعلمه بذلك شي‌ء وكون إقدامه بإزاء العوض شي‌ء آخر.


1) (*) مرّ أنّ العلم بالبطلان لا يستلزم التبرّع بالعمل ، وبه يظهر الحال فيما بعده.

ولو كان العامل بعد ما تسلم الأرض تركها في يده بلا زرع ، فكذلك يضمن أُجرتها للمالك مع بطلان المعاملة ، لفوات منفعتها تحت يده (1) إلّا في صورة علم المالك بالبطلان ، لما مرّ (2).

[3507] مسألة 15 : الظاهر (1)(3) من مقتضى وضع المزارعة ملكيّة العامل لمنفعة الأرض بمقدار الحصّة المقررة له ، وملكيّة المالك للعمل على العامل بمقدار حصّته ، واشتراك البذر بينهما على النسبة ، سواء كان منهما أو من أحدهما أو من ثالث.

فإذا خرج الزرع صار مشتركاً بينهما على النسبة. لا أن يكون لصاحب البذر إلى حين ظهور الحاصل ، فيصير الحاصل مشتركاً من ذلك الحين ، كما ربّما يستفاد من بعض الكلمات. أو كونه لصاحب البذر إلى حين بلوغ الحاصل وإدراكه ، فيصير مشتركاً في ذلك الوقت ، كما يستفاد من بعض آخر. نعم ، الظاهر جواز إيقاع العقد على أحد هذين الوجهين ، مع التصريح والاشتراط به من حين العقد.

ويترتّب على هذه الوجوه ثمرات ؛


(1) على تفصيل مرّ في المسألة السابعة ، فراجع.

(2) وقد عرفت الحال فيه.

(3) قد عرفت فيما تقدّم مراراً ، أنّ عقد المزارعة لا يقتضي إلّا بذل كل من الطرفين ما عليه مجاناً في قبال الاشتراك في الناتج. فليس المالك يملك شيئاً من منفعة الأرض للعامل ، ولا العامل يملك شيئاً من عمله للمالك ، بل المالك يبذل أرضه مجّاناً كما يعمل العامل فيها كذلك ، ليشتركا في الحاصل ويكون بينهما على النسبة التي اتفقا عليها على ما يساعد عليه الفهم العرفي ويفهمه المزارعون من المزارعة.


1) (*) بل الظاهر أنّه لا يملك كل من المالك والعامل على الآخر شيئاً غير إلزامه بما التزم به من تسليمه الأرض أو العمل وغير ذلك ، ومع ذلك فالظاهر أنّهما يشتركان من حين خروج الزرع إلّا أن يشرطا خلاف ذلك.

منها : كون التبن أيضاً مشتركاً بينهما على النسبة على الأوّل دون الأخيرين (1) فإنه لصاحب البذر.

ومنها : في مسألة الزكاة (2).


نعم ، من غير البعيد دعوى مساعدة الارتكاز العرفي على اشتراك الطرفين من أوّل خروج الزرع وإن لم يدرك فإنه وعندئذٍ يرى كل منهما أنه مالك لبعضه وشريك لصاحبه فيه.

هذا ويمكن التمسك في إثبات المدّعى بإطلاقات النصوص ، فإنّ عنوان (ما أخرجته الأرض) صادق على الزرع بمجرد خروجه.

ثمّ إنّ هذا كله بالقياس إلى صورة إطلاق العقد وعدم التصريح بنحو معين. وأما معه فلا ريب في إمكان الصور الثلاث جميعاً ، نظراً لإطلاقات أدلّة المزارعة ، حيث لم يؤخذ في شي‌ء منها كون الشركة بينهما من زمان معين ، من حين نثر البذر أو خروج الزرع أو إدراكه. فيكون الأمر بيد الطرفين يتفقان عليه كيفما شاءا ، فلهما تحديد ذلك بالنثر بحيث يكون البذر مشتركاً بينهما ، كما أنّ لهما التحديد بخروج الزرع أو بلوغه حيث يصدق على الجميع عنوان المزارعة.

(1) لأنه يكون قبل ظهور الحاصل ، ولا اشتراك على الأخيرين حينئذٍ ، فيختص به مالك البذر.

(2) فإنها على الأوّلين لا تجب على كل منهما ، إذا لم يبلغ نصيب كل منهما النصاب وإن بلغ المجموع ذلك ، فإنّ الحاصل لم يدرك بأكمله على ملك أحدهما خاصة ، وإنما أدرك على ملكهما معاً ، فلم يحصل شرط الزكاة ، أعني بلوغ النصاب وإدراكه على ملك واحد.

وهذا بخلاف الالتزام بالوجه الثالث ، حيث تجب على مالك البذر إذا بلغ المجموع النصاب ، إذ الحاصل وعند الإدراك وصدق عنوان الحنطة أو الشعير أو غيرهما عليه ملك له لوحدة وقد بلغ النصاب ، فتجب عليه دون صاحبه.

وسيأتي التعرّض لهذا الفرع ثانياً في المسألة الحادية والعشرين.

ومنها : في مسألة الانفساخ أو الفسخ في الأثناء قبل ظهور الحاصل (1)(1).

ومنها : في مسألة مشاركة الزارع مع غيره (2) ومزارعته معه (3).

ومنها : في مسألة ترك الزرع إلى أن انقضت المدّة (4). إلى غير ذلك.


(1) حيث يكون العامل شريكاً فيه على الأوّلين دون الأخير ، حيث يختص به صاحب البذر ولا شي‌ء للآخر.

وسيأتي التعرض إليه في المسألة السابعة عشرة ، وستعرف عدم تمامية هذه الثمرة.

(2) فعلى الأوّل يكون للعامل إشراك غيره في حصّته ، ونقل مقدار منها إليه بصلح أو بغيره. وعلى الأخيرين فلا يجوز ، لاختصاص مالك البذر به قبل ظهور الحاصل أو بلوغه ، فلا شي‌ء للعامل عندئذ كي ينقله إلى شريكه.

إلّا أنك قد عرفت في المسألة الثالثة عشرة ، أنه لا يجوز نقل الزرع مطلقاً إلّا في موردين تقدّم ذكرهما.

(3) لم يظهر وجه الثمرة في المقام. فإنّ مزارعته مع الغير لا تتوقف على كون العامل مالكاً للأرض أو البذر كما عرفت ، فإنّ عقد المزارعة يحدث للعامل حقّا في التصرّف في الأرض بالزرع سواء أكان البذر منه أم من المالك ، على أن يكون الحاصل مشتركاً بينهما بالنسبة ، وبذلك فله نقله إلى الغير على ما تقدّم وجهه على جميع التقادير.

والحاصل أنه لا فرق في جواز نقله لحقه في مزارعة الأرض ، بين الالتزام بكون مشاركته لمالك الأرض من حيث نثر البذر ، أو ظهور الحاصل ، أو بلوغه وإدراكه. فإنه وعلى جميع هذه التقادير يجوز له ذلك.

ومن هنا فلم يظهر وجه جعل الماتن (قدس سره) لهذا الفرد من مصاديق ثمرات هذه الأقوال.

(4) فإنه على الأوّل يكون العامل شريكاً لصاحب البذر فيه ، بناءً على ما اختاره


1) (*) لا ثمرة فيها على ما سيتبيّن وجهه في كتاب المساقاة.

[3508] مسألة 16 : إذا حصل ما يوجب الانفساخ في الأثناء قبل ظهور الثمر أو بلوغه كما إذا انقطع الماء عنه ولم يمكن تحصيله ، أو استولى عليه ولم يمكن قطعه ، أو حصل مانع آخر عام فالظاهر لحوق حكم تبين البطلان من الأوّل (1) على ما مرّ ، لأنّه يكشف عن عدم قابليتها للزرع ، فالصحّة كانت ظاهرية ، فيكون الزرع الموجود لصاحب البذر (2). ويحتمل بعيداً كون الانفساخ من حينه ، فيلحقه حكم الفسخ في الأثناء على ما يأتي فيكون مشتركاً بينهما (1)على النسبة (3).

[3509] مسألة 17 : إذا كان العقد واجداً لجميع الشرائط وحصل الفسخ في الأثناء ، إمّا بالتقايل ، أو بخيار الشرط لأحدهما ، أو بخيار الاشتراط بسبب تخلّف ما شرط على أحدهما.

فعلى ما ذكرنا من مقتضى المزارعة وهو الوجه الأوّل من الوجوه المتقدِّمة -


(قدس سره) من اقتضاء عقد المزارعة تمليك كل منهما الحصّة مما عليه للآخر ، فإنّ العامل يكون شريكاً للمالك في البذر بأصل العقد ، فيبقى كذلك رغم تركه للعمل في الأرض. بخلاف الأخيرين ، حيث لا تكون الشركة إلّا بعد ظهور الحاصل أو إدراكه إذ يختص به صاحب البذر قبل ذلك.

(1) لتقوّم حقيقة عقد المزارعة بالاشتراك في الحاصل. وحيث إنه متوقف على قابلية الأرض له وإمكان حصوله ، يكون العقد عند انكشاف عدم قابليتها له من المعاقدة على أمر ممتنع التحقّق في الخارج ، فيحكم بفساده لا محالة.

(2) لقانون تبعية النماء للبذر.

(3) وستعرف في المسألة الآتية ، أنه لا وجه لاشتراكهما في الزرع ، حتى بناءً على القول بالانفساخ من حينه.


1) (*) سيأتي في المسألة الآتية أنّ الأمر ليس كذلك.

فالزرع الموجود مشترك بينهما على النسبة (1)(1) وليس لصاحب الأرض على


(1) وفيه : أنّ تأثير الفسخ وإن كان من حينه ، إلّا أنّ معناه لما كان رفع العقد وفرضه كأن لم يقع بالمرّة ، كان مقتضاه إرجاع كلّ من الطرفين ما وصله من صاحبه إليه عيناً أو بدلاً. وحيث كان المختار في مبدأ الاشتراك هو حين خروج الزرع ، كان مقتضى الفسخ رجوع هذه الحصّة التي ملّكها مالك البذر إياه إليه ، كما يقتضيه فرض العقد كأن لم يكن ، فإنّ فرضه كذلك يعني كون الزرع بأكمله لمالك البذر بقانون التبعيّة.

نعم ، بناءً على ما اختاره الماتن (قدس سره) من كون مبدأ الاشتراك هو البذر يتم ما أفاده (قدس سره) من الاشتراك في الزرع ، فإنّ مالك البذر إنما ملّك صاحبه الحصّة منه ، ولم يملّكه الزرع وإنّما هو قد حصل في ملكه.

ومن هنا فإذا انفسخ العقد لم يكن لصاحب البذر المطالبة بالزرع الموجود بتمامه فإنّ حصّة صاحبه منه لم يكن هو قد ملّكها إياه كي يستردّها بالفسخ ، وإنّما الواجب على صاحبه ردّ البذر إليه. وحيث إنه ممتنع بعينه لتلفه نتيجة للزرع ، تعين عليه ردّه بمثله إن كان مثلياً ، وقيمته إن كان قيمياً. ولا أثر للفسخ حينئذٍ في كون الزرع لأحدهما خاصّة ، فإنه وعلى هذا التقدير لهما سواء أكان هناك فسخ أم لم يكن فإنّ الاشتراك في الزرع ثابت وعلى كلا التقديرين الفسخ وعدمه ، وحينئذٍ

فيجري ما ذكره (قدس سره) تفريعاً على ذلك من أحكام.

والحاصل أنّ ما ذكره (قدس سره) إنما يتم بناءً على ما ملكه من إيجاب عقد المزارعة كون البذر مشتركاً بين الطرفين ، بمعنى ملكيّة الطرف الآخر للحصة منه


1) (*) كيف يكون كذلك والفسخ يوجب ارتفاع العقد وفرضه كأن لم يكن ، وتأثير الفسخ وإن كان من حينه إلّا أنّه يوجب رجوع كل من العوضين أو ما بحكمهما إلى من انتقل عنه ، وعليه فبناءً على ما ذكرناه من حصول الشركة من حين خروج الزرع رجع الزرع إلى مالك البذر ، فإن كان هو العامل لزم عليه للمالك اجرة مثل المنفعة الفائتة من الأرض ومع ذلك كان المالك مخيّراً بين إبقاء الزّرع مجّاناً أو بالأُجرة وإلزام العامل بقلعه ، وإن كان هو المالك استحقّ العامل عليه اجرة المثل.

العامل أُجرة أرضه (1) ولا للعامل اجرة عمله بالنسبة إلى ما مضى ، لأن المفروض صحة المعاملة وبقاؤها إلى حين الفسخ. وأما بالنسبة إلى الآتي فلهما التراضي على البقاء إلى البلوغ بلا اجرة أو معها ، ولهما التراضي على القطع قصيلاً. وليس


أيضاً ، فإنه حينئذٍ يكون الزرع مشتركاً بينهما ، سواء أحصل الفسخ أم لم يحصل.

وكان عليه (قدس سره) أن ينبه على رجوع البذر بتمامه بالفسخ إلى مالكه ، حيث إنه يوجب فرض العقد كأن لم يكن ، فيجب على آخذه إرجاعه إليه ، إلّا أنه لما لم يكن يمكن إرجاعه بعينه لتلفه ، تعين ردّه بالمثل أو القيمة ، كما هو الحال في سائر موارد الفسخ.

وبعبارة اخرى : إنّ حصّة الطرف الثاني من الزرع لا ترجع بالفسخ إلى مالك البذر ، فإنّه لم يملكه إياه وإنما أعطاه البذر خاصة ، وملك الطرف الثاني الزرع بقانون تبعية النماء للبذر. وعليه فإذا حصل الفسخ ، لم يجب على الطرف الآخر إلّا إرجاع ما أخذه من البذر ، وحيث إنه ممتنع بعينه ينتقل الأمر إلى البدل.

نعم ، بناءً على ما ذكرناه من كون مبدأ الاشتراك بينهما هو خروج الزرع ، فلا يمكن المساعدة على ما أفاده (قدس سره) ، لما عرفت من أنّ المنقول من صاحب البذر إلى صاحبه إنما هو الزرع ، وهو قابل للرجوع إليه بالفسخ.

وهذه ثمرة واضحة بين المسلكين.

(1) فيه منع واضح ، يظهر وجهه مما تقدّم. فإنه لما كان الفسخ موجباً لرجوع كل مال إلى صاحبه وكأن العقد لم يكن ، كانت منافع الأرض للمالك لا محالة. وحيث إنّ العامل قد استوفاها بزرع بذره فيها على تقدير كون البذر منه فعليه ضمانها بأُجرة المثل.

نعم ، لو كان البذر للمالك لم يكن على العامل شي‌ء من جهة الأرض ، إلّا أنه لما لم يكن أقدمَ على العمل مجاناً وإنما أقدمَ عليه ليكون بإزاء ذلك الحصّة المعيَّنة من الحاصل ، وكان عمله صادراً عن أمر المالك وقد استوفى منافعه ، فعليه المالك أن

للمزارع الإبقاء إلى البلوغ بدون رضى المالك (1) ولو بدفع أُجرة الأرض ، ولا مطالبة الأرش إذا أمره المالك بالقلع (2). وللمالك مطالبة القسمة وإبقاء حصّته في أرضه إلى حين البلوغ وأمر الزارع بقطع حصّته قصيلاً (3).

هذا وأمّا على الوجهين الآخرين ، فالزرع الموجود لصاحب البذر (4). والظاهر عدم ثبوت شي‌ء من اجرة الأرض أو العمل (5) لأن المفروض صحة المعاملة إلى هذا الحين ، وإن لم يحصل للمالك أو العامل شي‌ء من الحاصل ، فهو كما لو بقي الزرع إلى الآخر ولم يحصل حاصل من جهة آفة سماوية أو أرضية (6).


يرجع إليه العامل ما يعادل بدل عمله ، أعني أُجرة مثله في تلك المدة.

والحاصل أنّ تأثير الفسخ وإن كان من حينه ، إلّا أن مدلوله إنما هو فرض العقد كأن لم يكن ، وعليه فيرجع كل شي‌ء إلى صاحبه.

لكن هذا لا يعني ذهاب حق الطرف الثاني هدراً ، فإنّ البذر إن كان للمالك أخذ تمام الزرع وضمن للعامل اجرة مثل عمله ، لأنه قد استوفاه بأمر منه لا مجاناً. وإن كان من العامل ضمن للمالك أُجرة أرضه.

(1) وقد ظهر الوجه فيه في المسألة السادسة ، فراجع.

(2) لأنه قلع بحق.

(3) ظهر الحال فيما تقدّم.

(4) حالهما في ذلك حال الوجه الأوّل ، لعين ما مرّ. فإنّ الفسخ يوجب ارتفاع العقد وفرضه كأن لم يكن ، ومن هنا فيعود كل شي‌ء إلى محلّه الأوّل.

(5) وقد عرفت ما فيه فلا نعيد.

(6) قياس ما نحن فيه ، بصورة عدم حصول شي‌ء نتيجة لآفة سماوية أو أرضية قياس مع الفارق. فإنّ كلّاً من المتعاقدين لم يلتزم لصاحبه في العقد بشي‌ء زائداً على الاشتراك في الحاصل إن كان ، ومن هنا فليس لأحدهما مطالبة صاحبه بشي‌ء عند

ويحتمل ثبوت الأُجرة عليه إذا كان هو الفاسخ (1).

فذلكة : قد تبيّن مما ذكرنا في طيّ المسائل المذكورة أنّ ههنا صوراً :

الاولى : وقوع العقد صحيحاً جامعاً للشرائط والعمل على طبقه إلى الآخر حصل الحاصل ، أم لم يحصل ، لآفة سماوية أو أرضية (2).

الثانية : وقوعه صحيحاً مع ترك الزارع للعمل إلى أن انقضت المدّة (3) سواء زرع غير ما وقع عليه العقد أو لم يزرع أصلاً.

الثالثة : تركه العمل في الأثناء بعد أن زرع اختياراً أو لعذر خاص به (4).


انتهاء أمر الزرع وعدم تحقّق شي‌ء نتيجة لآفة سماوية أو أرضية ، على ما يستفاد ذلك من النصوص الواردة في المقام مضافاً إلى الاتفاق ، فإنّ المستفاد منها قسمة ما يخرج من الأرض بينهما خاصّة ، ومن دون أن يكون لأحدهما على الآخر شي‌ء على تقدير العدم ، وأين هذا من الفسخ بالاختيار وفرض العقد كأن لم يكن!

(1) لاستيفاء المنفعة العائدة إلى غيره ، إما بالزرع في أرضه ، أو عمل الغير له فيضمنه لا محالة.

(2) وقد ظهر حكمها مما تقدّم في صور الكتاب ، من أنّ عقد المزارعة عقد لازم يوجب اشتراك العامل وصاحب الأرض في الحاصل إن كان ، وإلّا فلا شي‌ء لأحدهما على الآخر.

(3) وقد تقدّم حكمها في المسألة السابعة والتاسعة ، فراجع.

(4) لم يظهر حكم هذه الصورة مما تقدّم منه (قدس سره) ، فإنه (رحمه اللّه) لم يتعرّض إليها فيما تقدّم.

ودعوى كون حكمها حكم ما لو ترك العامل العمل بالمرة ، مما لا وجه لها ، فإنّ الأمر ليس كذلك ، والمسألتان مختلفتان.

وكيف كان ، فالحكم في هذه الصورة هو ثبوت الخيار للمالك ، بين إجبار العامل

الرابعة : تبين البطلان من الأوّل (1).

الخامسة : حصول الانفساخ في الأثناء ، لقطع الماء أو نحوه من الأعذار العامّة (2).

السادسة : حصول الفسخ بالتقايل أو بالخيار في الأثناء (3).

وقد ظهر حكم الجميع (1)في طي المسائل المذكورة ، كما لا يخفى.


على إتمام العمل ، لما عرفت من اقتضاء عقد المزارعة جواز إلزام كلّ منهما للآخر بأداء ما عليه ، ولو بالرجوع إلى الحاكم الشرعي ، وإلّا فالعدول من المؤمنين ، وإلّا فبنفسه.

وبين فسخه للعقد. وحينئذٍ فإنْ كان البذر للعامل ، كان للمالك مطالبته بأُجرة الأرض للفترة الماضية ، ويأمره بالقلع بلا ضمان ، أو إبقائه مجاناً أو بأُجرة ، مع التراضي بالنسبة إلى الآتي.

وإن كان للمالك ، رجع بتمامه إليه. وفي مثله لا يبعد الالتزام بعدم وجوب شي‌ء عليه للعامل ، فيقال بذهاب عمله هدراً ، لأنه الذي فوّته على نفسه بترك الإكمال.

والوجه فيه أنّ الضمان في هذه الموارد إنما كان بملاك صدور العمل عن أمر الغير لا مجاناً ، وأنّ هذا الملاك غير متوفر فيما نحن فيه ، فإنّ عمل العامل هذا لم يصدر عن أمر صاحب البذر ، فإنه إنما أمره بالعمل مستمراً إلى الآخر ، وأما العمل الناقص فلم يكن مأموراً به من قبله ، فلاحظ.

وسيأتي مزيد توضيح لذلك عند التعرض لنظير هذه المسألة في المساقاة.

(1) وقد عرفت حكمها في المسألة الرابعة عشرة.

(2) وقد تقدّم حكمها في المسألة السادسة عشرة.

(3) وقد عرفت حكمها في المسألة السابعة عشرة.


1) (*) لم يظهر حكم الصورة الثالثة ممّا تقدّم ، وأنّ حكمها حكم الصورة الثانية.

[3510] مسألة 18 : إذا تبيّن بعد عقد المزارعة أن الأرض كانت مغصوبة فمالكها مخير بين الإجازة ، فتكون الحصّة له ، سواء كان بعد المدّة أو قبلها في الأثناء أو قبل الشروع في الزرع ، بشرط أن لا يكون هناك قيد أو شرط لم يكن معه محل للإجازة (1).

وبين الردّ. وحينئذٍ فإن كان قبل الشروع في الزرع فلا إشكال (2) وإن كان بعد التمام فله اجرة المثل لذلك الزرع (3) وهو لصاحب البذر (1). وكذا إذا كان في


(1) كما لو غصبت المرأة أرضاً ، وزارعت رجلاً اشترط عليها في ضمن العقد التزوج منه. أو غصب الطبيب أرضاً ، وزارع غيره واشترط عليه مباشرته لعلاج مريض. إلى غير ذلك من الشروط التي لا يبقى معها مجال لإجازة المالك ، ومن ثم لا يمكن الحكم بالصحة ، لأنها مع الإجازة إما أن تكون مع الشرط أو لا معه.

والأوّل ممتنع ، لفرض عدم قابليته للإجازة. والثاني لا مجال للمصير إليه ، لأنّ العقد إنما أُنشئ مقيّداً به ، فلا يمكن تصحيحه من دونه ، فإنّ المطلق لم ينشأ.

والحاصل أنّ هناك من الشروط ما لا يمكن الوفاء به بالقياس إلى المالك الحقيقي وحينئذٍ فلا محيص عن الحكم بالبطلان ، وعدم قابلية العقد للحوق الإجازة.

(2) فإنّه يحكم ببطلان العقد ، ولا شي‌ء لأحدهما على الآخر ، لعدم تحقّق ما يوجبه.

(3) وتفصيل الكلام في المقام :

أنّ الأرض قد يفرض كونها بيد الغاصب وتحت سلطنته ، بحيث يكون هو الآمر لغيره بزرعها. وقد يفرض كونها بيد غيره جهلاً بالحكم ، أو مع العلم بالحال ، فيكون هو المزارع لغيره دون الغاصب.

وعلى التقديرين ، فقد يكون البذر من العامل ، وقد يكون من الآمر.

أما إذا كانت الأرض بيد الغاصب وتحت سلطانه ، كان للمالك تضمين كل من


1) (*) لكنّه إذا كان للمزارع يرجع الزارع إليه بأُجرة عمله.

.................................................................................................


الآمر والعامل ، لتعاقب يديهما على ملكه ، فله الرجوع على أيهما شاء.

ثمّ لو كان البذر للعامل كان النتاج بعد الحكم بفساد العقد بتمامه له ، لقانون تبعية النماء للبذر.

وحينئذٍ فلو رجع عليه المالك بأُجرة الأرض ، لم يكن له الرجوع على الغاصب الآمر بها ، وإن كان هو ضامناً أيضاً وللمالك الرجوع عليه مباشرة. وذلك لأنّ العامل لم يقدم على أخذ الأرض من صاحبه مجاناً ومن دون الضمان ، وإنما أقدم عليه بإزاء إعطاء الحصّة المعيّنة من النماء له. وحيث إنها لم تسلم له لحكم الشارع بفساد العقد ونظراً لاستيفاء العامل المنفعة ، يُلزم بدفع اجرة المثل.

ومن هنا يظهر حكم ما لو رجع المالك على الغاصب فباشره وألزمه بدفع اجرة المثل عن أرضه ، فإنّ له الرجوع على العامل وأخذها منه ، لاستقرار الضمان عليه نظراً لاستيفائه منفعة الأرض بعد الإقدام على أخذها مع الضمان.

وإن كان البذر للغاصب ، فالأمر كذلك أيضاً. فإنّ النماء لصاحب البذر بقانون التبعية ، والمالك مخيّر في الرجوع بعوض منافع أرضه أُجرة مثلها بين الرجوع عليه أو الرجوع على العامل ، على ما يقتضيه قانون تعاقب الأيدي على المال المغصوب.

ومن هنا فإنْ رجع على الآمر لم يكن له الرجوع على العامل ، فإنّ الضمان مستقر عليه ، لأنه إنما سلّمها إليه على أن لا يكون عليه شي‌ء ، فهو قد أقدم على أخذها مجاناً وبإزاء لا شي‌ء عليه ، بل على أن يكون له النصيب المعين من النماء.

فهو العامل لم يتعهّد للمالك بشي‌ء كي يقال بضمانه لإقدامه على أخذها لا مجاناً بل الأمر بالعكس من ذلك تماماً ، فإنه إنما أقدم على أن يكون له شي‌ء من مال صاحب البذر الحصّة من النماء.

ومن هذا يظهر أنّ للعامل الرجوع على صاحب البذر ومطالبته بأُجرة عمله ، لأنه قد صدر عن أمره لا مجاناً ، حيث كانت بإزائه الحصّة من الزرع ، فإذا لم تسلم له نتيجة للفساد ، تعيّن دفع اجرة مثل العمل له.

والحاصل إنّ استقرار الضمان إنما يكون على الذي سلّم الأرض إلى صاحبه بعنوان

.................................................................................................


المجانية ، حيث ذكرنا في مبحث تعاقب الأيدي أنّ الذي يخسر نتيجة لأخذ المالك منه البدل ، يملك المال التالف ببناء العقلاء ، ولذا يكون له الرجوع على الذي بعده إلى أن يستقر على الذي استوفاه وتلف عنده ، ما لم يكن قد سلّمه إليه بعنوان المجانية ، فإنه حينئذٍ لا حقّ له في الرجوع عليه.

ثمّ إنّ مما ذكرناه يظهر حكم ما لو رجع المالك على العامل مباشرة ، فإنّ له الرجوع على الغاصب صاحب البذر بأُجرة مثل عمله مضافاً إلى ما غرمه للمالك.

هذا كله فيما إذا كانت الأرض بيد الغاصب وتحت سلطانه. وإلّا كما لو كان المزارع قد استلمها من غيره ، فليس للعامل الرجوع عليه فيما إذا كان البذر له العامل بما غرمه للمالك من اجرة الأرض ، ما لم يكن مغروراً من قبله إجماعاً ، فإنّ الأرض لم تقع تحت يده كي يلزمه ضمانها بأُجرة مثلها. وأما إذا كان مغروراً من قبله ، فقد قيل بأنّ له الحق في الرجوع عليه لقاعدة الغرور ، إلّا أنك ستعرف قريباً أنه لا أساس لهذه القاعدة يعتمد عليه.

ثمّ إن هذا كله من جهة ضمان الأرض والبذر ، وأما ضمان العمل فلم يتعرض له الماتن (قدس سره). والحق فيه أن يقال : أما إذا كان البذر للعامل ، فلا يضمن له أحد بإزاء عمله شيئاً ، لأنه إنما كان لنفسه ومجاناً ، وقد استوفى منافعه أيضاً حيث كان النتاج له. ومن هنا فلا معنى لأن يرجع به على غيره.

وإن كان البذر للآمر ، فلا يذهب عمل العامل فيه هدراً ، لأنه عمل مسلم محترم صدر عن أمر الغير بإزاء الحصّة المعيّنة من الحاصل فلم يكن مجانياً ، وقد استوفاه الآمر فلا بدّ من ضمانه.

إلّا أن مقدار الضمان يختلف باختلاف الفرض.

فقد يفرض أنه ليس للعامل إلّا العمل المجرّد ، بأن يكون المالك قد رجع عليه بأُجرة مثلها ، أو يكون قد رجع على العامل لكنه قد رجع عليه وأخذها منه.

وحينئذٍ فلا يكون له إلّا قيمة العمل المجرد فقط ، يرجع بها على الآمر الذي استوفى المنافع بأكملها بما في ذلك الحصّة المجعولة للعامل ، نظراً لفساد العقد.

الأثناء (1) ويكون بالنسبة إلى بقية المدّة الأمر بيده فإمّا يأمر بالإزالة ، وإما يرضى بأخذ الأُجرة ، بشرط رضا صاحب البذر. ثمّ المغرور من المزارع والزارع يرجع فيما خسره على غارّه (1)(2) ومع عدم الغرور فلا رجوع.


وقد يفرض أنّ للعامل العمل في الأرض المضمونة عليه ، بأن يكون المورد من الموارد التي لا يكون له حق الرجوع بأُجرة مثل الأرض التي غرمها للمالك على الآمر ، نظراً لعدم كونها تحت يده.

وحينئذٍ فله الرجوع على الآمر بقيمة العمل الواقع في أرض مضمونة عليه وتكون مسؤوليتها عليه.

وهذه القيمة تزيد على قيمة العمل المجرّد طبعاً ، وبهذه الزيادة تتدارك خسارة العامل التي خسرها للمالك ، أعني أُجرة مثل الأرض ، وإن لم يكن له الرجوع بها بعنوانها على الآمر.

والحاصل أنّ قيمة العمل في هذا الفرض ، تتدارك خسارة العامل من جهة أُجرة الأرض لا محالة ، وإن لم يكن ذلك بهذا العنوان مباشرة.

(1) الكلام في هذه الصورة هو الكلام في صورة تبين الفساد بعد التمامية. فإنّ للمالك مطالبة من له الزرع بأُجرة مثل أرضه عن الفترة السابقة. وله الخيار بالنسبة إلى الفترة الباقية ، بين أمره بالقلع وتفريغه أرضه من غير ضمان لأنه إلزام بحق حيث لم يكن الزرع بإذنه ، وبين إبقائه مع الأُجرة ، كما ليس لصاحبه إلزامه بذلك.

وأما الزرع فهو تابع في الملكيّة للبذر ، على ما تقدّم بيانه.

وكذا الحال في اجرة العمل ، فإنّ الكلام فيه هو الكلام في الفرض السابق.

نعم ، لو طالب مالكُ الأرض مالكَ البذر بالقلع وتضرر بذلك ، كان له في فرض الغرر الرجوع إلى الغار ، بناءً على تمامية قاعدة الغرور ، وإلّا بأن لم يكن غرور ، أو لم تتمّ قاعدة الغرور فلا رجوع له على أحد ، لعدم الموجب له.

(2) لقاعدة الغرور.


1) (*) لا فرق في جواز الرجوع وعدمه بين فرض الغرور وعدمه.

وإذا تبيّن كون البذر مغصوباً ، فالزرع لصاحبه (1)(1) وليس عليه أُجرة الأرض


لكنّنا قد ذكرنا في مبحث المكاسب أن هذه القاعدة وإن اشتهرت في ألسن الأصحاب وكلماتهم ، إلّا أنها مما لا أساس لها بالمرّة ، فإنّ أسباب الضمان معدودة محدودة وليس منها الغرور.

وكلمة «المغرور يرجع على من غرّ» لم ترد حتى في رواية ضعيفة فضلاً عن المعتبرة.

نعم ، قد يستند فيها إلى رواية محمد بن سنان ، عن إسماعيل بن جابر قال : سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل نظر إلى امرأة فأعجبته ، فسأل عنها فقيل : هي ابنة فلان ، فأتى أباها فقال : زوّجني ابنتك ، فزوّجه غيرها فولدت منه ، فعلم بها بعد أنها غير ابنته وأنها أمة ، قال : «ترد الوليدة على مواليها والولد للرجل ، وعلى الذي زوّجه قيمة ثمن الولد يعطيه موالي الوليدة كما غر الرجل وخدعه» (2). حيث إنّ ظاهر التعليل كون التدليس موجباً للضمان.

إلّا أن هذه الرواية ، وإن عُبِّر عنها بالصحيحة في كلمات بعضهم ، ضعيفة السند بمحمد بن سنان حيث لم يثبت توثيق الرجل.

إذن فهي ساقطة عن الاعتبار ، ولا يمكن الاعتماد عليها في شي‌ء. وحيث لا دليل غيرها على القاعدة ، فلا مجال للاستدلال بها.

(1) على ما تقتضيه قاعدة تبعية الحاصل للبذر.

إلّا أنه من غير الخفي أنه إنما يتمّ فيما إذا لم يطالب صاحب البذر الغاصب ببدل بذره التالف نتيجة للزرع ، فإنه له ذلك على ما تقتضيه قاعدة الضمان. وإلّا فالذي يغرم للمالك قيمة البذر ، يملك وبالسيرة القطعية البذر التالف قهراً ، على ما تقدّم بيانه غير مرّة. وحينئذٍ فيكون الزرع له دون صاحبه.


1) (*) هذا فيما إذا لم يؤدّ بدله.

2) الوسائل ، ج 21 كتاب النكاح ، أبواب العيوب والتدليس ، ب 7 ح 1.

ولا اجرة العمل (1). نعم ، إذا كان التبيّن في الأثناء كان لمالك الأرض الأمر بالإزالة (2).

هذا إذا لم يكن محل للإجازة كما إذا وقعت المعاملة على البذر الكلّي لا المشخص في الخارج أو نحو ذلك أو كان ولم يجز. ولو كان له محلّ وأجاز ، يكون هو الطّرف للمزارعة (1)(3) ويأخذ الحصّة التي كانت للغاصب.


(1) لعدم صدور العمل عن أمره ، كما هو واضح.

(2) على ما تقتضيه قاعدة السلطنة بعد وقوع الفعل من دون إذنه.

(3) هذا فيما إذا كان البذر مذكوراً في عقد المزارعة مستقلا بحيث يكون صاحبه طرفاً للعامل ، كما إذا كان البذر على العامل وقد زارع غيره في حصّته على أن يكون البذر على الغير. أو للمالك ، كما لو بذل أحد البذر وزارع غيره على أن يكون الأرض والعمل والعوامل من الغير ، ثمّ بانَ كون البذر المبذول من الطرف الأوّل مغصوباً ، فإنّ مالكه يكون طرفاً لصاحب الأرض في المعاملة. أو لهما معاً ، بأن يكون من أحدهما الأرض ، ومن الآخر العمل والعوامل ، ومن الثالث البذر خاصة ، بناءً على ما اختاره الماتن (قدس سره) من صحة عقد المزارعة بين أكثر من اثنين.

فإنه وعلى تقدير تبين الفساد بانكشاف غصبية البذر ، يصبح ملكه بالإجازة للمعاملة.

وأما في غير هذه الصورة ، كما لو زارع المالك غيره على أن يكون البذر من الثاني فغصب البذر من غيره وزرع ، فلا مجال لإجازة مالك البذر المعاملة ، لأنه ليس بطرف للعقد ، ويعتبر في صحة العقد الفضولي بالإجازة أن يكون المجيز طرفاً له.


1) (*) هذا إذا كان باذل البذر طرفاً للعقد مع العامل أو مالك الأرض بل مع كليهما أيضاً بناءً على القول بصحّة عقد المزارعة بين الأكثر من اثنين ، وأمّا إذا كان العقد بين المالك والعامل مع اشتراط البذر على الثاني فلا محلّ للإجازة كما هو ظاهر ، وبذلك يظهر الحال فيما إذا كانت العوامل أو نحوها مغصوبة وكان صاحب العوامل طرفاً للمعاملة.

وإذا تبيّن كون العامل عبداً غير مأذون فالأمر إلى مولاه (1). وإذا تبيّن كون العوامل أو سائر المصارف مغصوبة فالمزارعة صحيحة (2) ولصاحبها اجرة المثل أو قيمة الأعيان التالفة (3).

وفي بعض الصور (4) يحتمل جريان الفضولية وإمكان الإجازة ، كما لا يخفى.


والحاصل أنّه لا مجال للمساعدة على إطلاق كلام الماتن (قدس سره) من صحة العقد بالإجازة إذا كان البذر مشخَّصاً ، فإنه قد يكون مورداً للإجازة كما في الصور الأُوَل المتقدِّمة ، وقد لا يكون مورداً لها كما في الصورة الأخيرة.

فالصحيح هو التفصيل ، بين ما إذا كان باذل البذر طرفاً للمعاملة فيصحّ العقد بالإجازة ، وعدمه فلا يصح.

(1) إن شاء أجاز ، وإن شاء فسخ. فإن فسخ بطلت المعاملة ، وإن أجاز كانت المزارعة له. وعلى الأوّل يستحق على المستفيد اجرة مثل العمل ، لكونه قد استوفى منفعة ملك الغير.

(2) يظهر الحال فيه مما تقدّم. فإنّ الغصب في جميعها لا يضرّ بصحّة المعاملة ، فإنها إنما تتحقق بإباحة البذر والأرض ، وأما غيرهما فهو يرجع إلى المقدمات ، ولا أثر لها في الحكم بالصحة.

والحاصل انّ الغصبية في هذه الأُمور لا تضرّ بالصحة ، فإنّ الجعل إنما عين على الزرع ، وهو إنما يتحقق بالأرض والبذر ، وما عداهما يرجع إلى مقدمات التحصيل ولا أثر لها.

(3) على ما تقتضيه قاعدة الضمان.

(4) كما لو فرض وقوع العقد مع باذل هذه الأُمور بحيث يكون طرفاً فيه ، حيث تقدّم جواز كون أحد الأركان الأربعة خاصة على أحدهما والباقي على الآخر. فلمالك هذه الأُمور حينئذٍ أن يمضي المعاملة ويكون طرفاً لها ، كما هو الحال في مالك البذر بعينه.

[3511] مسألة 19 : خراج الأرض على صاحبها (1). وكذا مال الإجارة إذا كانت مستأجرة (2).


والحاصل أنه يختلف الحال في المسألة ، بين كون مالك المغصوب طرفاً مستقلا للعقد فتصحّ منه الإجازة ، وعدمه فلا تصحّ.

ثمّ إنّ الماتن (قدس سره) لم يتعرّض لُاجرة الأرض وأُجرة العمل بالنسبة إلى المتعاملين عند عدم إمضاء مالك البذر للعقد. والحق في المقام أن يقال : إنّ الغصب قد يكون منهما معاً ، بحيث يتفقان على غصب البذر من ثالث على أن ينثر في أرض أحدهما ويعمل فيه الآخر ليشتركا في الحاصل. ففيه لا شي‌ء لأحدهما على صاحبه إطلاقاً ، فإنّ كلا منهما إنما أقدم على بذل ما عليه مجاناً ومن غير عوض بإزاء اقتسامهما لمال الغير ، أعني الحاصل التابع في الملكيّة للبذر ، فلم يضمن أحدهما لصاحبه شيئاً في ضمن العقد كي يكون لصاحبه الرجوع عليه.

وإن كان الغصب من أحدهما خاصة ، فإن كان هو مالك الأرض بأن غصب البذر من غيره وسلّمه إلى العامل ليزرعه في أرضه بإزاء النصيب المفروض ، فعليه للعامل اجرة مثل عمله ، حيث إنه لم يصدر منه مجاناً وإنما وقع عن أمره بإزاء الحصّة المعيّنة وحيث إنها لم تسلم له لفساد العقد وأخذ المالك للنتاج ، ينتقل إلى أُجرة المثل لا محالة.

وليس للعامل الرجوع على مالك البذر بأُجرة مثل عمله ، ولا لمالك الأرض الرجوع عليه بأُجرة مثل أرضه ، حيث لم يكن شي‌ء من العمل عن أمره.

وإن كان هو العامل ، بأن غصب البذر وزارع مالك الأرض على الحصّة المعيّنة كان لمالك الأرض تغريمه بأُجرة مثل أرضه ، حيث إنّه لم يقدم على استيفاء منفعتها مجاناً وبلا عوض ، فتكون مضمونة عليه لا محالة.

(1) بلا خلاف فيه ، لأنه موضوع على الأرض ، وجواز التصرّف فيها وإمكانه خارجاً متوقِّف على أدائه.

وبالجملة فالمسألة إجماعيّة ، وتدلّ عليها النصوص صريحاً ، على ما سيأتي.

(2) فإنّ العامل أجنبي عنه بالمرة ، وعلى باذلها تسليم الأرض للعامل خالية عن

وكذا ما يصرف في إثبات اليد عند أخذها من السلطان (1) وما يؤخذ لتركها في يده (2). ولو شرط كونها على العامل بعضاً أو كلّاً صحّ (3) وإن كانت ربّما تزاد وربّما تنقص ، على الأقوى ، فلا يضرّ مثل هذه الجهالة ، للأخبار (4).


جميع ما يترتّب عليها ويمنع العامل من مزاولة العمل.

(1) لعين ما تقدّم.

(2) إذ لا فرق فيما ذكرناه ، من لزوم تسليمها خالية عن جميع ما يترتب عليها ، بين الحدوث والبقاء.

(3) لما عرفته في صدر الكتاب من صحة الاشتراط في عقد المزارعة ، حتى ولو كان ذلك مقداراً من الذّهب أو الفضّة.

وهذا كله مضافاً إلى دلالة النصوص ، على ما ستعرفها في التعليقة الآتية.

(4) ففي صحيحة داود بن سرحان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، في الرجل تكون له الأرض عليها خراج معلوم وربّما زاد وربّما نقص ، فيدفعها إلى الرجل على أن يكفيه خراجها ويعطيه مائتي درهم في السنة ، قال : «لا بأس» (1).

ومثلها صحيحة يعقوب بن شعيب (2).

ومورد هاتين الصحيحتين وإن كان الإجارة ، إلّا أن ثبوت الحكم فيها ، مع كونها مبنية على تعيين العوضين الأُجرة والمنفعة ، يقتضي ثبوته في المزارعة المبنيّة على الجهالة في الجملة.

وأوضح منها صحيحة يعقوب بن شعيب الأُخرى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : سألته عن الرجل تكون له الأرض من أرض الخراج ، فيدفعها إلى الرجل على أن يعمرها ويصلحها ويؤدّي خراجها ، وما كان من فضل فهو بينهما ، قال : «لا بأس» (3).


1) الوسائل ، ج 19 كتاب المزارعة والمساقاة ، ب 17 ح 1.

2) الوسائل ، ج 19 كتاب المزارعة والمساقاة ، ب 17 ح 1.

3) الوسائل ، ج 19 كتاب المزارعة والمساقاة ، ب 10 ح 2.

وأمّا سائر المؤن كشقّ الأنهار ، وحفر الآبار ، وآلات السقي ، وإصلاح النهر وتنقيته ، ونصب الأبواب مع الحاجة إليها والدولاب ، ونحو ذلك مما يتكرّر كل سنة أو لا يتكرّر فلا بدّ من تعيين كونها على المالك أو العامل (1) إلّا إذا كان


فإنّ مقتضى إطلاقها عدم الفرق بين كون الخراج الذي اشترط عليه أداءه معلوماً مضبوطاً ، وكونه ربما يزيد أو ينقص ، ولعله يكون هو المتعارف خارجاً ، على ما يستفاد من الصحيحتين الأُوليين.

هذا ومع قطع النظر عن النصوص ، يدلّنا عليه اختصاص اعتبار عدم الغرر بالبيع فقط ، إذ لا دليل على اعتباره في سواه ، لا سيما في الشروط ، إذا لم يسر الغرر منه إلى المشروط.

بل حتى ولو قلنا باعتبار عدمه فيها أيضاً ، فإنّ الجهالة في مثل هذه الأُمور التي لها ضابط خارجي معين ، لا يعدّ غرراً عرفاً. فإنّ استيجار الدار بشرط أن تكون الضريبة على المستأجر ، لا يعدّ معاملة غررية لمضبوطية مقدارها وإن لم يعلمه المتعاملان بالفعل ، فإنّ الزيادة والنقيصة في هذه الموارد مغتفرة ، ولا تبلغ عادة حدّ الغرر.

(1) خلافاً للشرائع ، حيث جعلها على العامل مع عدم الاشتراط (1)وتبعه عليه غيره (2). بدعوى أنه لما كان العمل واجباً عليه ، وجب عليه تحصيلها مقدمة لأداء الواجب عليه.

وفيه : ما عرفته في كتاب الإجارة ، من أنّ كيفية وجوب العمل ونحوه من حيث الإطلاق والاشتراط تابع للجعل والقرار ، فليس هناك وجوب مطلق ابتداءً وبحسب جعل الشارع المقدس في المقام خارجاً عن اتفاق المتعاملين ، بل الأمر بيدهما من هذه الجهة تماماً.


1) شرائع الإسلام 2 : 175.

2) المسالك 5 : 24.

هناك عادة ينصرف الإطلاق إليها (1).

وأمّا ما يأخذه المأمورون من الزارع ظلماً من غير الخراج ، فليس على المالك (2) وإن كان أخذهم ذلك من جهة الأرض.

[3512] مسألة 20 : يجوز لكلّ من المالك والزارع أن يخرص على الآخر (3) بعد إدراك الحاصل بمقدار (4) منه ، بشرط القبول والرِّضا من الآخر (5) لجملة من


فقد يجعل وجوب العمل على الزارع على نحو يقتضي قيامه بمقدماته أيضاً ، فيكون من قبيل الواجب المطلق. وقد يجعل على نحو لا يقتضي إلّا قيامه بالعمل في المواد المستحضرة من قبل المالك ، كما هو المتعارف في البناء ، حيث لا يجب على العامل إلّا العمل في المواد التي يحضرها المالك ، فيكون من قبيل الواجب المشروط.

ومن هنا فلا يمكن إعطاء ضابط كلّي لمن يكون عليه تهيئة المقدمات خارجاً عن قرار المتعاقدين واتفاقهما ، فيجب عليهما التعيين ، وإلّا بطل العقد.

(1) حيث يكون الاعتماد عليها في مقام الاتفاق والعقد نوعاً من التعيين ، فيغني عن الذكر صريحاً.

(2) إذ لا يجب عليه تدارك ما ورد على العامل من ظلم وضرر ، فإنه أجنبي عنه بالمرة.

نعم ، لو أخذ الغاصب من عين الحاصل حسب عليهما معاً ، لأنه ضرر توجه عليهما ، ومن غير اختصاص لأحدهما به دون صاحبه.

(3) بلا خلاف فيه بين الأصحاب ، إلّا من ابن إدريس حيث منع منه (1)لبعض الوجوه الآتية.

(4) لكونه من العقود.

(5) على ما سيأتي بيان الوجه فيه.


1) السرائر 2 : 450.

الأخبار (1) هنا وفي الثمار ، فلا يختصّ ذلك بالمزارعة والمساقاة (2) بل مقتضى الأخبار جوازه في كل زرع مشترك أو ثمر مشترك (3). والأقوى لزومه بعد القبول (4) وإن تبيّن بعد ذلك زيادته أو نقيصته ، لبعض تلك الأخبار ، مضافاً إلى العمومات العامّة. خلافاً لجماعة.


(1) كصحيحة يعقوب بن شعيب في حديث قال : سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجلين يكون بينهما النخل فيقول أحدهما لصاحبه : اختر ، إما ان تأخذ هذا النخل بكذا وكذا كيلاً مسمى ، وتعطيني نصف هذا الكيل إما زاد أو نقص ، وإما أن آخذ أنا بذلك ، قال : «نعم ، لا بأس به» (1).

(2) على ما يظهر ذلك من صحيحة يعقوب بن شعيب المتقدِّمة ، حيث لم يفرض فيها كون ذلك في المزارعة أو المساقاة ، أو حصل الاشتراك نتيجة لإرث أو شراء أو غيرهما.

هذا ولو تنزلنا عن دلالة النصوص ، فيكفينا في الإثبات كون الحكم على القاعدة فإنّ أمر المال المشترك بينهما لأيّ سبب كان لا يعدوهما بل هو بيدهما ، فلهما أن يقسماه بالتراضي كيف شاءا.

(3) لما تقدّم.

(4) كما هو الحال في سائر موارد القسمة ، كتقسيم الإرث بالتراضي ، فإنه يمنع من الرجوع ومطالبة الشركة ، فإنّ المال وبالتقسيم قد خرج من الاشتراك إلى الاختصاص ، ومعه فلا يجوز لهما الرجوع ، لأصالة اللّزوم في كل عقد بمقتضى وجوب الوفاء بالعقد ، ودليل صحته ، فإنّ إطلاقه على ما عرفته غير مرّة يقتضي اللّزوم وعدم جواز الفسخ لكل من المتعاقدين.


1) الوسائل ، ج 18 كتاب التجارة ، أبواب بيع الثمار ، ب 10 ح 1.

والظاهر أنه معاملة مستقلّة (1) وليست بيعاً (2) ولا صلحاً معاوضياً (3). فلا يجري فيها إشكال اتحاد العوض والمعوض (4) ولا إشكال النهي عن المحاقلة والمزابنة (5) ولا إشكال الرِّبا (6) ولو بناءً على ما هو الأقوى من عدم اختصاص حرمته بالبيع وجريانه في مطلق المعاوضات ، مع أن حاصل الزرع والشجر قبل الحصاد والجذاذ ليس من المكيل والموزون (7).

ومع الإغماض عن ذلك كلّه يكفي في صحتها الأخبار الخاصة. فهو نوع من المعاملة عقلائية ثبت بالنصوص ، واتسم بالتقبّل. وحصر المعاملات في المعهودات ممنوع (8).


(1) لأنها إنما تتضمن إخراج المال من الإشاعة والاشتراك إلى الإفراز والاختصاص.

(2) كما يشهد له الفهم العرفي.

(3) نعم ، الصلح بمعناه اللغوي صادق عليه ، فإنه أيضاً متضمن للتسالم والاتفاق إلّا أنه غير مختص به ، فإنه وبهذا المعنى صادق على جميع المعاملات.

(4) فإنه لا بيع في المقام كي يستلزم اتحاد العوض والمعوض.

وعلى تقدير تحقق البيع فلا استلزم ، إذ العوض إنما هو من حصّة أحدهما والمعوض من حصّة الآخر ، فكل منهما يتنازل لصاحبه عن حصّته المشاعة في جزء معين من المال ، بإزاء تنازل صاحبه له عن حصّته المشاعة في الجزء الآخر.

(5) فإنهما من بيع الثمر من النخيل أو السنبل من الحنطة بالحاصل من ذلك النخل والزرع ، وأين هما مما نحن فيه من إخراج المال المشترك بينهما من الاشتراك إلى الإفراز والاختصاص؟.

(6) لاختصاصه بالمعاوضات والمقام ليس منها ، كما عرفت.

(7) وحرمة الربا مختصة بهما.

(8) على ما تقدّم منا بيانه في مباحث المكاسب ، كالمبادلات المالية. فإنّ تبديل

نعم ، يمكن أن يقال : إنها في المعنى راجعة إلى الصلح الغير المعاوضي. فكأنهما يتسالمان على أن تكون حصّة أحدهما من المال المشترك كذا مقداراً والبقية للآخر ، شبه القسمة أو نوع منها. وعلى ذلك يصحّ إيقاعها بعنوان الصلح على الوجه المذكور ، مع قطع النظر عن الأخبار أيضاً ، على الأقوى من اغتفار هذا المقدار من الجهالة فيه إذا ارتفع الغرر بالخرص المفروض ، وعلى هذا لا يكون من التقبيل والتقبل.

ثمّ إنّ المعاملة المذكورة لا تحتاج إلى صيغة مخصوصة ، بل يكفي كلّ لفظ دالّ على التقبل ، بل الأقوى عدم الحاجة إلى الصيغة أصلاً ، فيكفي فيها مجرّد التراضي (1)(1) كما هو ظاهر الأخبار.

والظاهر اشتراط كون الخرص بعد بلوغ الحاصل وإدراكه (2) فلا يجوز قبل ذلك. والقدر المتيقن من الأخبار كون المقدار المخروص عليه من حاصل ذلك


العباءة بالكتاب مثلاً ، معاملة عقلائية وليست هي من البيع ، حيث لا يختص فيها نظر أحدهما إلى المالية والآخر إلى الخصوصية ، كي يعتبر الأوّل بائعاً والآخر مشترياً فإنّ نسبتها إليهما على حدّ سواء.

(1) مع وجود مبرز له في الخارج ، كي يتمّ معنى الإنشاء والعقد ، على ما بيّناه في محلّه من الأُصول.

(2) لا لكونه مورد النصوص ، إذ قد عرفت أنّ الحكم على القاعدة ولا حاجة فيه إلى النص ، وإنما لاقتضاء القاعدة ذلك ، فإنّ صحة تقسيم المعدوم تحتاج إلى الدليل لأنه إنما يتعلق بأمر موجود بالفعل ، فلا أثر للتقسيم قبل تحقق العنوان ، وصدق كونه حنطة أو شعيراً أو غيرهما بلحاظ حال التحقق.

نعم ، لو فرضنا إرادتهما تقسيم الزرع الموجود بالفعل ، بناءً على ما اخترناه من كون مبدإ الشركة بينهما هو زمان تحقّق الزرع ، فلهما ذلك ، وتكون صحة القسمة على


1) (*) إذا كان له مبرز في الخارج.

الزّرع (1) فلا يصحّ الخرص وجعل المقدار في الذمة من جنس ذلك الحاصل. نعم لو أوقع المعاملة بعنوان الصلح ، على الوجه الذي ذكرنا ، لا مانع من ذلك فيه (2) لكنه كما عرفت خارج عن هذه المعاملة.

ثمّ إنّ المشهور بينهم أنّ قرار هذه المعاملة مشروط بسلامة الحاصل ، فلو تلف بآفة سماوية أو أرضية كان عليهما. ولعله لأنّ تعيين الحصّة في المقدار المعين ليس من باب الكلي في المعين ، بل هي باقية على إشاعتها (1)(3) غاية الأمر تعيينها في


القاعدة ، إلّا أنه ليس من قسمة الحنطة والشعير على ما هو محل الكلام.

(1) لأن التقسيم على ما ذكرنا إخراج للمال عن الإشاعة والاشتراك إلى الإفراز والاختصاص ، وهو غير صادق مع كون البدل أمراً ثابتاً في الذمة ، فإنه من المبادلة لا محالة ، فيدخل في عنوان البيع أو الصلح.

(2) إذ ليس هناك ما يوجب البطلان إلّا محذور الرِّبا. ويدفعه عدم كون الحنطة والشعير قبل الجذاذ من المكيل أو الموزون ، والرِّبا مختص بهما.

نعم ، لو كانت هذه المعاملة بعد الجذاذ والحصاد لم تصح ، لاستلزامها الربا على تقدير عدم التساوي ، إلّا أن هذا الفرض خارج عن محل كلامه (قدس سره).

(3) وفيه : أنه لا مجال لتصور الإشاعة مع فرض التعيين ، فإنهما لا يجتمعان إطلاقاً ، إذ الإشاعة تعني اشتراكهما في كل جزء ، وهو ينافي التعيين الذي يعني اختصاص كل منهما بشي‌ء خاص.

إذن فليس المقام إلّا من قبيل الكلّي في المعين ، فإنّ شخص المال بأجمعه لمالك البذر ولصاحبه المقدار المعين على نحو الكلي في ضمنه.


1) (*) لا معنى للإشاعة مع تعيين المقدار ، ولكنّه مع ذلك يحسب التلف عليهما على أساس أنّ المقدار المعيّن إنّما لوحظ بالإضافة إلى مجموع الحاصل ، فكلّما نقص عن الحاصل بآفة سماوية أو أرضية نقص عن ذلك المقدار بالنسبة ، ولعلّ الماتن (قدس سره) أراد بالإشاعة هذا المعنى.

مقدار معيّن. مع احتمال أن يكون ذلك من الشرط الضمني بينهما. والظاهر أن المراد من الآفة الأرضية ما كان من غير الإنسان ، ولا يبعد (1) لحوق إتلاف متلف من الإنسان أيضاً به.

وهل يجوز خرص ثالث حصّة أحدهما أو كليهما في مقدار؟ وجهان ، أقواهما العدم (2).


إلّا أن هذا لا يعني مخالفتنا للمشهور فيما ذهبوا إليه ، فإنه هو الصحيح في المقام حتى بناءً على ما اخترناه. وذلك لأنّ الملحوظ في تعيين المقدار إنما هو نسبته إلى المجموع ، فحينما يخرص الناتج بمائة رطل ويجعل لأحد الطرفين خمسين رطلاً فإنما يعني ذلك جعل النصف له ، وهكذا في باقي المقادير. فإنه إنما يدفع له المقدار المعين بلحاظ كون المجموع كذا مقداراً وبالقياس إليه ، فالمقدار إنما يلحظ كمشير للنسبة لا غير.

ومن هنا يكون التالف محسوباً عليهما ، حيث إنه يؤثر على المقدار العائد إليه لا محالة ، نتيجة لنقصان ما تخرج منه النسبة.

ولعل مراده (قدس سره) من الإشاعة من المقام هذا المعنى ، وإلّا فالتعيين يتلاءم معها.

ثمّ إنّ مما ذكرنا يظهر أنه لا فرق في التلف بين كونه بآفة سماوية أو أرضية ، فإنّ الحكم في الجميع واحد ، لوحدة الملاك ، أعني كون الملحوظ في الحقيقة هي النسبة فإنه يوجب اشتراكهما في تحمل التالف.

(1) ظهر وجهه مما تقدّم.

(2) لم يظهر لنا وجهه بعد ما تقدّم منه (قدس سره) ومنّا ، من كون صحة هذه المعاملة على القاعدة لكونها معاملة عقلائية ، فلا تحتاج إلى الدليل الخاص ، وإن لم تكن من المعاملات المعهودة.

فإنه وبناءً على هذا ، لا وجه لتخصيص الجواز بما إذا كان الخارص أحد الشريكين ، فإنه ثابت حتى ولو كان الخارص شخصاً ثالثاً ، كما لو كان من أهل

[3513] مسألة 21 : بناءً على ما ذكرنا من الاشتراك أوّل الأمر في الزرع يجب على كلّ منهما الزكاة (1) إذا كان نصيب كل منهما بحدّ النصاب ، وعلى من بلغ نصيبه إن بلغ نصيب أحدهما. وكذا إن اشترطا الاشتراك حين ظهور الثمرة ، لأنّ تعلق الزكاة بعد صدق الاسم وبمجرد الظهور لا يصدق. وإن اشترطا الاشتراك بعد صدق الاسم وحين الحصاد والتصفية ، فهي على صاحب البذر منهما ، لأنّ المفروض أن الزرع والحاصل له إلى ذلك الوقت ، فتتعلق الزكاة في ملكه.

[3514] مسألة 22 : إذا بقي في الأرض أصل الزرع بعد انقضاء المدّة والقسمة ، فنبت بعد ذلك في العام الآتي ، فإن كان البذر لهما فهو لهما (2) وإن كان لأحدهما فله (3) إلّا مع الإعراض ، وحينئذٍ فهو لمن سبق (4). ويحتمل أن يكون لهما مع عدم الإعراض (1)مطلقاً ، لأنّ المفروض شركتهما في الزرع


الخبرة والوثوق. ومجرّد كون مورد الروايات هو الأوّل ، لا يدلّ على اختصاص الحكم به. فالظاهر هو الجواز مطلقاً.

(1) وكذا بناءً على ما اخترناه من كون الاشتراك من أوّل حصول الزرع ، لتحقّق ملاك وجوب الزكاة فيه أيضاً.

(2) على ما تقتضيه قاعدة تبعية النماء للبذر في الملكيّة ، فإنّ النماء الحاصل لما كان نماء لملكهما معاً كان كذلك أيضاً.

(3) لما تقدّم.

(4) ما أفاده (قدس سره) مبني على اقتضاء الإعراض لسقوط ملكيّة المعرض بالكسر عن المعرَض عنه وزوالها.

إلّا إنك قد عرفت غير مرّة ، أنه لا دليل على زوال الملكيّة وسقوطها بالإعراض فإنه يحتاج إلى الدليل وهو مفقود ، بل مقتضى دليل الملك بقاؤه وعدم زواله بالإعراض ، ما لم يكن تصرّف الغير فيه متوقّفاً على الملك.


1) (*) بل مع الإعراض أيضاً ، لأنّ الإعراض لا يوجب الخروج عن الملك.

المفروض شركتهما في الزرع واصلة (1)(1) وإن كان البذر لأحدهما أو لثالث ، وهو الأقوى.

وكذا إذا بقي في الأرض بعض الحبّ فنبت ، فإنه مشترك بينهما (2) مع عدم الإعراض (3). نعم ، لو كان الباقي حبّا مختصّاً بأحدهما اختص به (4).

ثمّ لا يستحقّ صاحب الأرض أُجرة لذلك الزرع النابت على الزارع ، في صورة الاشتراك أو الاختصاص به ، وإن انتفع بها ، إذ لم يكن ذلك من فعله ، ولا


(1) وهو مبني على ما أفاده (قدس سره) ، من كون مبدأ الاشتراك بين العامل والمالك هو من حين نثر البذر بحيث يكون الحب مشتركاً بينهما ، أو يكون ذلك بالاشتراط حيث تقدّم جواز تعيينه كيفما يشاء!.

وأما على غير هذين الوجهين ، كالوجهين الأخيرين اللذين ذكرهما (قدس سره) أو الوجه الذي ذكرناه من كون مبدأ الاشتراك أوّل أزمنة حصول الزرع ، فحيث إنّ عقد المزارعة لا يقتضي إلّا الاشتراك في الحاصل ، فلا وجه للاشتراك في المقام ، حيث إن البذر حينئذٍ يختص بباذله سواء أكان هو الزارع أو مالك الأرض.

والحاصل أنّ حال هذه الصورة ، أعني كون النماء نماء للأُصول الباقية مع اختصاص البذر بأحدهما ، حال صورة كون النماء نماء للحبّ المختص بأحدهما الآتية من غير فرق.

(2) لتبعية الحاصل للبذر في الملك ، فإنه لما كان مشتركاً كان النماء مشتركاً لا محالة أيضاً.

(3) بل معه أيضاً ، على ما تقدّم.

(4) لما تقدّم.


1) (*) هذا إنّما يكون بالاشتراط ، وإلّا فعقد المزارعة لا يقتضي أزيد من الاشتراك في الحاصل كما مرّ.

من معاملة واقعة بينهما (1).

[3515] مسألة 23 : لو اختلفا في المدة وأنها سنة أو سنتان مثلاً ، فالقول قول منكر الزيادة (2). وكذا لو قال أحدهما أنها ستة أشهُر ، والآخر قال إنها ثمانية أشهر. نعم ، لو ادّعى المالك مدّة قليلة لا تكفي لبلوغ الحاصل ولو نادراً ، ففي تقديم قوله إشكال (3). ولو اختلفا في الحصّة قلّة وكثرة ، فالقول قول صاحب البذر المدّعى للقلّة (4).

هذا إذا كان نزاعهما في زيادة المدّة أو الحصّة وعدمها. وأما لو اختلفا في تشخيص ما وقع عليه العقد وأنه وقع على كذا أو كذا ، فالظاهر التحالف (1)(5) وان كان خلاف إطلاق كلماتهم. فإن حلفا أو نكلا ، فالمرجع أصالة عدم الزيادة.


(1) فلا موجب للضمان ، لأنه إنما يكون فيما إذا صدر الفعل عن أمره أو مباشرته له ، فلا يثبت في مورد يكون ذلك خارجاً عن اختياره وإرادته حتى مع استيفائه للمنفعة ، فإنه رزق ساقه اللّه إليه من حيث لم يحتسب.

(2) لأنّ جواز تصرف الزارع في أرض المالك وملكه في الزائد ، أو إلزام المالك له بالعمل فيه ، يحتاج إلى الدليل والأصل عدمه.

(3) من جهة أنّ دعواه حينئذٍ ترجع إلى ادعاء فساد العقد ، لأنه يدّعي المزارعة في فترة غير قابلة لتحقق الحاصل ، فيتقدم قول صاحبه ، لأصالة صحة العقد.

(4) ظهر وجهه مما تقدّم.

(5) بل الظاهر أن القول قول من يدّعي القلة حتى في هذه الصورة. وذلك لما عرفته منّا غير مرّة ، أن نصوص القضاء والدعوى على كثرتها لم تتعرض لتحديد المدّعى والمنكر ، بل النصوص تعرّضت لذكرهما تاركة تفسيرهما للفهم العرفي.

ومن هنا فلا بدّ من الرجوع إليه في تحديدهما ، ومقتضاه اعتبار من يلزم بإثبات ما


1) (*) بل الظاهر أنّ القول قول من يدّعي القلّة.

[3516] مسألة 24 : لو اختلفا في اشتراط كون البذر أو العمل أو العوامل على أيّهما ، فالمرجع التحالف (1). ومع حلفهما أو نكولهما تنفسخ المعاملة (2).

[3517] مسألة 25 : لو اختلفا في الإعارة والمزارعة ، فادّعى الزارع أنّ المالك أعطاه الأرض عارية للزراعة ، والمالك ادّعى المزارعة ، فالمرجع التحالف أيضاً. ومع حلفهما أو نكولهما تثبت اجرة المثل للأرض. فإن كان بعد البلوغ فلا إشكال (1)(3).


يقوله مدّعياً وصاحبه الذي لا يطالب به منكراً ، من غير نظر لمصبّ الدعوى. فمن يلزم بالإثبات هو المدّعى وعليه البيّنة ، بأي صيغة كان التعبير وإظهار الدعوى.

وعليه ففي المقام حيث يكون مدّعي الزيادة ملزماً بالإثبات لدى العرف ، لأنه يدّعي على صاحبه جواز تصرّفه في المدة الزائدة في مال المالك ، أو استحقاقه للعمل على العامل فيها ، أو ملكيّته لبعض أمواله ، فهو المدّعى ويلزم بالإثبات عرفاً من دون أن يكون على صاحبه شي‌ء ، فإنه لا يلزم عرفاً بإثبات العدم.

ومن هنا يتضح أنه لا وجه لاعتبار المقام من موارد التداعي والقول بالتحالف فيه.

(1) لأنّ كلا منهما يدّعي على صاحبه شيئاً ويلزمه به وهو ينكره ، فيكون كلّ منهما ملزماً بالإثبات لدى العرف ، وهو ضابط التداعي.

(2) لعدم إمكان تحقق المزارعة بدون ذلك ، وعدم إمكان إلزام كلّ منهما به ظاهراً. وعليه فيكون العقد كأن لم يكن ، نظراً لما تقدّم في البيع من أنّ اختلاف المتعاقدين في المبيع يوجب الحكم بفساده ظاهراً.

(3) الظاهر أنه لا وجه لعدّ هذه الصورة من باب التداعي ، ثمّ القول بالتحالف فيها. وذلك لما تقدّم منّا غير مرّة من أنّ الملاك في اعتبار مورد من التداعي ، إنما هو


1) (*) الظاهر انّه لا وجه للتحالف في هذه الصورة لأنّ الزارع لا يدّعي على المالك شيئاً. وأمّا المالك فهو يدّعي الاشتراك في الحاصل فعليه الإثبات.

.................................................................................................


بإلزام كل من طرفي النزاع لصاحبه بشي‌ء وإنكاره لما يدّعيه الآخر. فإنّ هذا الملاك إذا تحقق في مورد ، كان ذلك المورد من التداعي وثبت فيه التحالف ، وإلّا فهو أجنبي عنه.

وعليه ففيما نحن فيه ، فحيث إنّ الإلزام يختص بطرف واحد خاصة وهو المالك حيث يلزم العامل وبحسب دعواه للمزارعة بدفع الحصّة من النتاج له ، دون العكس فإنّ العامل وبحسب دعواه للعارية لا يلزم المالك بشي‌ء إطلاقاً ، غاية الأمر أنه ينكر عليه ما يدعيه خاصة ، فالمورد خارج عن باب التداعي وداخل في باب المدّعى والمنكر ، فعلى المدّعى الإثبات وعلى المنكر اليمين.

ومجرّد كون كل منهما يدّعي أمراً وجودياً ، لا يجعل المقام من التداعي.

والحاصل أنّ الإلزام في المقام لما كان يختص بطرف واحد فقط ، لم يكن وجه لجعله من مصاديق التداعي ، ومن ثمّ إثبات اليمين على الطرفين فيه. فإنه من مصاديق المدّعى والمنكر ، ولا بدّ فيه من الرجوع إلى القواعد المذكورة له في باب القضاء ومقتضاها أنّ المدّعى إذا تمكن من إثبات دعواه بالبيّنة أو اليمين المردودة فهو ، وإلّا فالنتاج بأجمعه للمنكر.

وأما مسألة ثبوت اجرة مثل الأرض على العامل للمالك ، لكونه قد تصرف فيها واستوفى منفعتها ، فقد تعرض لها (قدس سره) في كتاب الإجارة في مسألة ما إذا ادّعى الساكن للدار العارية وادّعى المالك الإجارة. وقد عرفت أنه لا موجب لها بالمرّة ، لأن ضمان المنافع إنما يثبت بالعقد والالتزام ، أو بوضع اليد والتصرّف في مال الغير بغير إذنه.

ولا شي‌ء منها موجود في المقام ، أما الأوّل ، فلعدم ثبوته كما هو المفروض. وأما الثاني ، فلإحراز عدمه ، لكون تصرّفه العامل في المال بإذن المالك جزماً ، وإن تردد كونه في ضمن المزارعة أو العارية.

وقد تعرّضنا لتحقيق المسألة مفصّلاً في كتاب الإجارة ، فراجع.

بل في المقام خصوصية زائدة تقتضي ثبوت اجرة المثل حتى ولو قلنا بثبوتها في

وإن كان في الأثناء ، فالظاهر جواز الرجوع للمالك (1). وفي وجوب إبقاء الزرع إلى


الإجارة ، وهي اعتراف مالك الأرض بعدم ثبوتها. فإن هذه الخصوصية موجودة في المقام ومفقودة في باب التنازع في الإجارة ، إذ هناك يطالب المالك الساكن بالأُجرة غاية الأمر أنه يراها المقدار الذي يدّعيه ، فإذا لم يثبت ما يدعيه فللقول بثبوت اجرة المثل وجه وإن لم نكن نرتضيه. في حين إنه في المقام يعترف بعدم استحقاقه لها بالمرّة لأنه إنما يدّعي عليه الحصّة من الحاصل خاصّة. ومن هنا فلا وجه لثبوتها ، حتى مع القول بها في الإجارة.

نعم ، قد يكون ادعاؤه للحصة غير مستلزم لاعترافه بعدم استحقاقه الحصّة المعينة ، كما لو ادّعى المالك علم العامل بالحال ، بحيث يكون إنكاره ناشئاً عن الجحود وغصبه لحصته لا الخطأ والنسيان. فإنّ ادعاءه للمزارعة حينئذٍ لا يلازم اعترافه بعدم استحقاقه لها ، فإنّ له أخذها لكن لا بعنوانها وبما هي أُجرة مثل أرضه ، وإنما بعنوان التقاص واستيفاء حصّته المغصوبة.

والحاصل أنّ سبب الضمان منحصر في أمرين : العقد والتصرّف ، وكلاهما مفقود في المقام. فإنّ التصرّف إنما كان عن إذن المالك قطعاً ، والعقد لم يثبت وإن ادّعاه المالك.

إذن فالصحيح في هذه الصورة هو الحكم باختصاص الزارع بالحاصل ، ومن دون أن يكون عليه شي‌ء لمالك الأرض مطلقاً ، ما لم يثبت المالك مدعاه بالبينة أو اليمين المردودة.

(1) لأنّ المقام من التداعي ، حيث إنّ كلا منهما يلزم صاحبه بشي‌ء وهو ينكره. فالمالك بدعواه المزارعة يلزم العامل بالعمل في البذور والأرض ، كي يحصل الناتج ويكون مشتركاً بينهما. فيما يلزمه العامل بدعواه العارية بإبقاء زرعه في أرضه ، وعدم مزاحمته في هذه الجهة حتى تحقق الحاصل ، باعتبار أنه ليس للمالك الرجوع في عاريته في أثناء العمل ، لاستلزامه تضرر العامل.

وبذلك يتحقق ضابط باب التداعي ، ومن ثمّ فيثبت التحالف. فإن حلفا أو نكلا معاً ، انفسخ العقد وكان كأن لم يكن.

هذا كلّه بناءً على ما اخترناه من لزوم العارية في المقام ، على ما أوضحناه في

البلوغ عليه مع الأُجرة إذا أراد الزارع ، وعدمه وجواز أمره بالإزالة ، وجهان (1).


المسألة الرابعة. وأما بناءً على ما ذهب إليه الماتن (قدس سره) من جواز رجوع المالك في الأرض المستعارة للمزارعة ، فلا وجه لاعتبار هذه الصورة من التداعي فإنّ الادّعاء والإلزام حينئذٍ إنما يختص بطرف واحد هو المالك ، حيث يلزم العامل بالحصة من الحاصل ، وأما العامل فلا يلزمه بشي‌ء على الإطلاق. ومن هنا فيكون المقام من المدّعى والمنكر.

نعم ، بناءً على وجوب إبقاء المالك للزرع في هذه الصورة حتى البلوغ عند طلب الزارع ذلك على ما سيأتي التعرض إليه في الفرع القادم فالمقام من التداعي أيضاً حيث إنّ الإلزام لا يختصّ بالمالك ، بل العامل أيضاً يلزمه بالإبقاء بالأُجرة.

والحاصل أنّ اعتبار المقام من التداعي ثمّ إثبات التحالف فيه ، يتوقّف إمّا على القول بلزوم العارية هنا ، أو القول بلزوم إبقاء الزرع مع الأُجرة عند طلب الزارع. وإلّا فالمقام من موارد المدّعى والمنكر ، حيث يختصّ الإلزام بطرف واحد ، هو المالك فقط.

(1) من «سلطنة الناس على أموالهم» بعد عدم ثبوت دعوى العامل ، فلا يجب عليه الصبر إلى البلوغ حتى مع الأُجرة. ومن دليل «لا ضرر» حيث يستلزم قلعه الضرر على العامل ، باعتبار أنّ الزرع حينئذٍ إنما يباع بقيمة العلف خاصّة.

والصحيح هو الأوّل. والوجه فيه ما ذكرناه في غير مورد ، من أنّ دليل لا ضرر لما كان وارداً مورد الامتنان على العباد والرأفة على الأُمة ، لا يعمّ موارد استلزام رفع الحكم عن أحد تضرر غيره ، كما فيما نحن فيه. فإنّ شموله للمقام ، يستلزم تضرر المالك بقطع سلطنته على ماله ، وهو خلاف الامتنان. نظير ذلك إذا ما وقع مقدار من الحب المملوك لأحد في أرض غيره ، بفعل الريح أو الصبي أو المجنون ، أفهل يحتمل فيه أن يقال بأنّ لمالك البذر إلزام مالك الأرض بإبقاء الزرع في أرضه بالأُجرة ، باعتبار أنّ قلعه مستلزم لتضرره! فإنه مما لا نظن أن يقول به فقيه.

وإن كان النزاع قبل نثر الحبّ ، فالظاهر الانفساخ بعد حلفهما أو نكولهما (1).

[3518] مسألة 26 : لو ادّعى المالك الغصب ، والزارع ادّعى المزارعة فالقول قول المالك (2)


والحاصل أنّ العقد لما فرض في حكم العدم نتيجة للتحالف ، لم يكن وجه لإلزام مالك الأرض بإبقاء الزرع في أرضه بإزاء الأُجرة ، فإنّه منافٍ لسلطنته ، ودليل لا ضرر لا يشمل مثله.

هذا كله بالنسبة إلى أُجرة الأرض بالقياس إلى زمن ما بعد التحالف. وأما بالقياس إلى الفترة الماضية قبل التنازع فلم يتعرض لها (قدس سره) ، والظاهر أنّ حكمها حكم صورة التنازع بعد البلوغ وإدراك الحاصل ، فبناءً على ما اختاره (قدس سره) لا بدّ في المقام من القول بثبوتها أيضاً ، وبناءً على ما اخترناه فلا.

(1) يظهر حكم هذه الصورة ممّا ذكرناه في الصورة الاولى ، أعني التنازع بعد بلوغ الحاصل وإدراكه ، فإنّ الحكم هنا أوضح منه هناك. إذ لا وجه لعدِّ المقام من باب التداعي ، فإنّ العامل لا يلزم المالك بشي‌ء مطلقاً وإنّما هو يدّعي العارية ، ولما كانت دعواه هذه قبل الشروع في العمل ، فهو معترف بجواز العقد وصلاحية المالك لفسخه. وحيث إنّ المالك منكر له ، كفى ذلك في انفساخ ما يدّعيه العامل ، على تقدير ثبوته واقعاً.

ومن هنا فليس للعامل التصرّف في الأرض من حيث دعواه العارية ، حتى بناءً على صدقه واقعاً.

وعليه فتبقى دعوى المالك عليه المزارعة ، حيث يلزمه بالعمل في الأرض ، خالية عن المعارض. وبذلك فيكون من مصاديق المدّعى والمنكر ، ولا بدّ من إجراء أحكامه فإن أثبت مدعاه بالبيّنة أو اليمين المردودة فهو ، وإلّا فليس على العامل شي‌ء.

(2) لأنّ وضع اليد على مال الغير والتصرّف فيه بغير إذنه ، محرم شرعاً وموجب للضمان. ومن هنا فعلى العامل في إسقاط الضمان على نفسه من إثبات مدّعاه ، وإلّا فعليه اجرة المثل ، لتصرفه في أرض الغير الذي لم يثبت كونه عن إذن المالك ، والأصل عدمه.

مع يمينه على نفي المزارعة (1).

[3519] مسألة 27 : في الموارد التي للمالك قلع زرع الزارع ، هل يجوز له ذلك بعد تعلق الزكاة وقبل البلوغ؟ قد يقال بعدم الجواز ، إلّا أن يضمن حصتها للفقراء ، لأنه ضرر عليهم. والأقوى الجواز ، وحق الفقراء يتعلّق بذلك الموجود (2) وإن لم يكن بالغاً.

[3520] مسألة 28 : يستفاد من جملة من الأخبار (3) أنه يجوز لمن بيده الأرض الخراجية ، أن يسلمها إلى غيره ليزرع لنفسه ويؤدي خراجها عنه. ولا بأس به.


(1) على ما تقتضيه قواعد القضاء.

ثمّ إنّ تقييده (قدس سره) لسماع قوله بنفي المزارعة ، إنما هو من جهة انحلال ادّعاء المالك في الحقيقة إلى دعويين :

الاولى : دعوى عدم المزارعة ، وكون تصرف الزارع في أرضه تصرفاً بغير إذنه.

الثانية : دعوى كونه غاصباً ، وكون تصرّفه محرماً وعلى خلاف الموازين الشرعية.

فدعوى المالك للغصب إنما تسمع فيما يعود إلى الشقّ الأوّل خاصّة ، حيث إنّ التصرّف في مال الغير يتوقّف على إذنه ، وهو غير ثابت بل الأصل عدمه ، فيضمن العامل لُاجرة المثل لا محالة.

وأمّا فيما يعود إلى الشقّ الثاني ، فلا تسمع دعواه. ومن هنا فلا يعامل الزارع معاملة الغاصب ، فلا يحكم بفسقه ، كما لا يثبت عليه التعزير للغصب.

(2) بمعنى أنّ حق الفقراء إنما تعلق بالمال بما هو هو وبما عليه من الحال ، أعني المال الذي لمالك الأرض حق قلعه. ومن هنا فلا يكون حقهم مانعاً من استعمال المالك لحقه ، وهو ظاهر.

(3) ففي صحيحة يعقوب بن شعيب عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : سألته عن الرجل تكون له الأرض من أرض الخراج ، فيدفعها إلى الرجل على أن يعمرها

مسائل متفرِّقة

[3521] الأُولى : إذا قصّر العامل في تربية الزرع فقلّ الحاصل ، فالظاهر ضمانه التفاوت (1)(1) بحسب تخمين أهل الخبرة ، كما صرّح به المحقق القمي (قدس سره) في أجوبة مسائله.


ويصلحها ويؤدي خراجها ، وما كان من فضل فهو بينهما ، قال : «لا بأس» (2). ونحوها غيرها.

على أنّ الحكم على القاعدة ولا حاجة في إثباته إلى النص ، فإنّ حق الزراعة والعمارة ثابت لمن الأرض بيده فعلاً ، فله أن ينقله إلى غيره مجاناً ، أو بعوض معلوم أو الحصّة من الحاصل.

(1) وقد استشكل فيه بعضهم ، بدعوى أنه لا دليل على ضمان النقص إلّا قاعدة الإتلاف ، وهي تختصّ بالنقص الطارئ على المال الموجود بالفعل ، فلا تشمل صورة عمل العامل شيئاً يوجب قلة الحاصل ووجوده ناقصاً.

نعم ، في هذه الصورة يكون للمالك الخيار ، فإن فسخ رجع بأُجرة مثل أرضه ، وبدل بذره على تقدير كونه منه.

وفيه : أنّ ظاهر كلامه (قدس سره) وجود الزرع بالفعل وكون التقصير في تربيته خاصّة ، وهو موجب للضمان ، لأنّ الزارع بتقصيره في التربية قد أوجب نقصاً وعيباً في المال الموجود بالفعل ، وتلف الوصف كتلف العين موجب للضمان. إلّا أنّ حقّه لا ينحصر في ذلك ، فله فسخ العقد لتخلف العامل عن تربية الزرع.


1) (*) لا يبعد ذلك فيما إذا كان التقصير بعد ظهور الزرر. وأمّا إذا كان التقصير قبل ظهوره فلا وجه له ، نعم للمالك حينئذ الفسخ والمطالبة بأُجرة المثل لمنفعة الأرض وقيمة البذر إذا كان البذر للمالك.

2) الوسائل ، ج 19 كتاب المزارعة والمساقاة ، ب 10 ح 2.

[3522] الثانية : إذا ادّعى المالك على العامل عدم العمل بما اشترط في ضمان عقد المزارعة من بعض الشروط ، أو ادّعى عليه تقصيره في العمل على وجه يضرّ بالزرع ، وأنكر الزارع عدم العمل بالشرط أو التقصير فيه ، فالقول قوله لأنه مؤتمن في عمله (1). وكذا لو ادّعى عليه التقصير في حفظ الحاصل بعد ظهوره وأنكر (2).

[3523] الثالثة : لو ادّعى أحدهما على الآخر شرطاً متعلقاً بالزرع ، وأنكر أصل الاشتراط ، فالقول قول المنكر (3).


والحاصل أنّ المالك في هذه الصورة بالخيار ، بين فسخه للعقد ، وبين إبقائه على حاله وتضمين العامل للوصف الفائت.

نعم ، لو كان التقصير قبل وجود الزرع وتحققه فالإشكال وارد ، فإنه ليس بمال بالفعل ، ومعه فلا موجب للضمان.

إذن فالصحيح في المقام هو التفصيل ، بين كون التقصير بعد خروج الزرع وتحققه فيضمن ، وبين كونه قبله فلا يضمن.

(1) خلافاً للقاعدة ، حيث تقتضي كون الإثبات على العامل ، إلّا أننا قد خرجنا عنها لوجود الدليل على تقديم قول العامل ، وهو مضافاً إلى ما يستفاد من جملة من النصوص من قبول قول الأمين وعدم مطالبته بالإثبات ما لم يثبت خلافه ، السيرة العملية القطعية المتصلة بعهد المعصومين (عليهم السلام) ، حيث جرى بناء العقلاء من المتشرعة وغيرهم على قبول قول الوكيل فيما هو وكيل فيه ، فتراهم يعتمدون على قوله في إجراء العقد إذا كان وكيلاً فيه ويرتبون عليه الأثر من غير أن يلزم بالإثبات.

وإلى هذا الدليل الكلمة المعروفة في ألسنتهم «من ملك شيئاً ملك الإقرار به».

(2) لما تقدّم.

(3) لكون الشرط أمراً زائداً على ما يقتضيه عقد المزارعة ، والأصل عدمه ، كما هو الحال في سائر العقود.

[3524] الرابعة : لو ادّعى أحدهما على الآخر الغبن في المعاملة ، فعليه إثباته (1) وبعده له الفسخ (2).

[3525] الخامسة : إذا زارع المتولي للوقف الأرض الموقوفة بملاحظة مصلحة البطون إلى مدة ، لزم ولا تبطل بالموت (3). وأما إذا زارع البطن المتقدِّم من الموقوف عليهم الأرض الموقوفة ، ثمّ مات في الأثناء قبل انقضاء المدّة فالظاهر بطلانها من ذلك الحين ، لانتقال الأرض إلى البطن اللاحق (4). كما أن الأمر كذلك في إجارته لها (5).

لكن استشكل فيه المحقق القمي (قدس سره) بأنّ عقد المزارعة لازمة ، لا تنفسخ إلّا بالتقايل أو ببعض الوجوه التي ذكروها ، ولم يذكروا في تعدادها هذه الصورة ، مع أنهم ذكروا في الإجارة بطلانها إذا آجر البطن المتقدِّم ثمّ مات في أثناء المدة. ثمّ استشعر عدم الفرق بينهما بحسب القاعدة ، فالتجأ إلى أن الإجارة أيضاً لا تبطل بموت البطن السابق في أثناء المدّة ، وإن كان البطن اللّاحق يتلقى الملك من الواقف لا من السابق ، وأنّ ملكيّة السابق كانت إلى حين موته. بدعوى أنه إذا آجر مدة لا تزيد على عمره الطبيعي ومقتضى الاستصحاب بقاؤه بمقداره ، فكما أنها في الظاهر محكومة بالصحة كذلك عند الشارع وفي الواقع فبموت السابق ينتقل ما قرره من الأُجرة إلى اللاحق ، لا الأرض بمنفعتها .... إلى


(1) إذ العقد بطبيعته الأوّلية يقتضي اللزوم ، وعدم جواز رفع اليد لكل منهما عنه. ومن هنا فعلى مدعي الغبن الإثبات ، لرجوع دعواه إلى ثبوت حق رفع اليد عما التزم به ، وفرض العقد كأن لم يكن.

(2) على ما يقتضيه خيار الغبن.

(3) فإنّ عقده نافذ عليهم ، لكونه مالكاً لذلك التصرّف بحسب توليته.

(4) فيكون العقد بالنسبة إليهم فضولياً ، إن شاؤوا أجازوا وإلّا حكم ببطلانه.

(5) على ما مرّ بيانه مفصلاً في كتاب الإجارة.

آخر ما ذكره من النقض والإبرام. وفيه ما لا يخفى (1). ولا ينبغي الإشكال في البطلان بموته في المقامين.

[3526] السادسة : يجوز مزارعة الكافر ، مزارعاً كان أو زارعاً (2).


(1) فإنّ الاستصحاب حكم ظاهري صرف لا يوجب أي تبديل في الواقع ، ومن هنا فلا مجال للتمسك به بعد انكشاف الخلاف وكون العقد واقعاً على ملك الغير ومتعلقاً به ، بل لا محيص عن الحكم ببطلانه.

ولذا لا يلتزم أحد بصحّة العقد فيما لو باع المالك داره ، مستنداً إلى استصحاب بقائه على ملكه ، ثمّ تبيّن بيع وكيله له قبل ذلك. فإنه لا يحتمل أن يقال بنفوذ عقد المالك على المشتري من الوكيل ، بحيث يكون الثمن المسمى في العقد له ، لمجرد أنه استند إلى الاستصحاب ، فإنّ بطلانه من أوضح الواضحات.

وأوضح منها في البطلان قياس المقام على موت المالك في أثناء مدة الإجارة ، فإنّ الذي ينتقل من المورث إلى الوارث إنما هو تركته. ومن هنا فإذا كان المورث قد استوفى المنفعة في حياته ، حيث يكون له ذلك لأنه مالك للمنافع إلى الأبد لا المنفعة ما دام حياً كما هو الحال في ملكيّة البطن الموجود لمنفعة العين الموقوفة ، بإجارته للعين فترة تزيد على حياته ، فلم تبق تلك المنفعة على ملكه كي تنتقل إلى الورثة ، فإنّ الانتقال إليهم فرع كونها مما تركه الميت ، وهو منتفٍ مع استيفائه لها في حياته.

وكيف كان ، فما أفاده المحقق القمي (قدس سره) يعد غريباً منه رحمه اللّه.

(2) بلا إشكال فيه ، وتدلّ عليه مضافاً إلى إطلاقات الأدلّة كما هو الحال في سائر المعاملات من البيع والإجارة وغيرها ، موثقة سماعة ، قال : سألته عن مزارعة المسلم المشرك ، فيكون من عند المسلم البذر والبقر وتكون الأرض والماء والخراج والعمل على العلج ، قال : «لا بأس به» (1).

فيستفاد من فرض كون الأرض من الكافر صحة كونه مزارعاً للمسلم ، ومن فرض كون العمل عليه صحة كونه زارعاً.


1) الوسائل ، ج 19 كتاب المزارعة والمساقاة ، ب 12 ح 1.

[3527] السابعة : في جملة من الأخبار (1) النهي عن جعل ثلث للبذر وثلث للبقر وثلث لصاحب الأرض ، وإنه لا ينبغي أن يسمّي بذراً ولا بقراً ، فإنما يحرم الكلام. والظاهر كراهته (2) وعن ابن الجنيد وابن البراج حرمته (1)(3) فالأحوط الترك.

[3528] الثامنة : بعد تحقّق المزارعة على الوجه الشرعي ، يجوز لأحدهما بعد ظهور الحاصل أن يصالح الآخر عن حصّته (4) بمقدار معين من جنسه أو غيره بعد التخمين بحسب المتعارف ، بل لا بأس به قبل ظهوره أيضاً (2)(5). كما أنّ


(1) ففي صحيحة عبد اللّه بن سنان ، أنه قال في الرجل يزارع فيزرع أرض غيره فيقول : ثلث للبقر ، وثلث للبذر ، وثلث للأرض ، قال : «لا يسمّي شيئاً من الحب والبقر ، ولكن يقول : ازرع فيها كذا وكذا ، إن شئت نصفاً ، وإن شئت ثلثاً» (3).

وفي صحيحة سليمان بن خالد ، قال : سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يزرع أرض آخر فيشترط للبذر ثلثاً وللبقر ثلثاً قال : «لا ينبغي أن يسمّي بذراً ولا بقراً ، فإنما يحرم الكلام» (4). ونحوهما غيرهما.

(2) لا وجه لهذا الظهور بعد صحة إسناد الروايات ووضوح دلالتها على المنع إلّا دعوى إعراض الأصحاب عنها ، لكنك خبير بعدم تمامية هذه الدعوى ، فإنه لا يوجب وهناً في الرواية ما لم يتمّ الإجماع القطعي على الخلاف.

(3) ومال إليها صاحب الجوهر (قدس سره) (5)وهو الصحيح لما عرفت.

(4) فإنّه مالك لها بالفعل ، وله التصرّف فيها ونقلها إلى الغير كيف شاء.

(5) وفيه ما لا يخفى. فإنّ الزرع قبل ظهوره أمر معدوم لا وجود له ، فلا يصلح للمصالحة عليه ، فإنها إنما تقع على المملوك دون غيره.


1) (*) وعن غيرهما أيضاً ، وهو الأظهر.

2) (**) فيه إشكال إلّا إذا كان مع الضميمة.

3) الوسائل ، ج 19 كتاب المزارعة والمساقاة ، ب 8 ح 5.

4) الوسائل ، ج 19 كتاب المزارعة والمساقاة ، ب 8 ح 6.

5) الجواهر 27 : 35.

الظاهر جواز مصالحة أحدهما مع الآخر عن حصّته في هذه القطعة من الأرض بحصة الآخر في الأُخرى (1) بل الظاهر جواز تقسيمهما بجعل إحدى القطعتين لأحدهما والأُخرى للآخر. إذ القدر المسلّم لزوم جعل الحصّة مشاعة من أوّل الأمر وفي أصل العقد (2).

[3529] التاسعة : لا يجب في المزارعة على أرض إمكان زرعها من أوّل الأمر ، وفي السنة الاولى ، بل يجوز المزارعة على أرض بائرة لا يمكن زرعها إلّا بعد إصلاحها وتعميرها سنة أو أزيد (3).


وبعبارة اخرى : إنّ مصالحة الموجود بالمعدوم محكومة بالفساد ، نظراً لاختصاصها بما يعدّ مالاً ويكون مملوكاً بالفعل.

نعم ، في خصوص بيع الزرع قبل ظهوره ، ثبت جوازه مع الضميمة بالنص الخاص ، فيكون تخصيصاً لحكم القاعدة ، كما هو الحال في بيع الآبق مع الضميمة. فيمكن إثبات الحكم في المقام والتزام جواز المصالحة على الزرع المعدوم بالفعل مع الضميمة بالأولوية القطعية ، فإنه إذا جاز بيعه كذلك جاز الصلح عليه بطريق أوْلى.

إذن فالصحيح هو التفصيل ، بين خلو العقد عن الضميمة فيحكم ببطلانه ، واقترانه بها فيحكم بصحته.

(1) فإنه وإن كان يعتبر في عقد المزارعة كون الحاصل مشتركاً ومشاعاً بينهما ، إلّا أنه وبعد الحكم بصحّة العقد وملكيّة كل منهما مقداراً من الناتج ، لا بأس بنقل حصّته إلى غيره وتقسيم المال المشترك بينهما بالصلح أو غيره ما لم يمكن ذلك قبل ظهور الزرع.

(2) على ما تقدّم توضيحه.

(3) فإنّ ذلك يرجع في الحقيقة إلى جعل العقد بعد الفترة المستثناة للإصلاح والتعمير أو غيرهما وكأنه لا عقد قبلها ، مع تسليم الأرض للزارع من الآن لينتفع بها وحده كشرط مأخوذ في العقد ، فإنه لا بأس به ما دام سائغاً ، حيث قد عرفت جواز الاشتراط فيها.

وعلى هذا إذا كانت أرض موقوفة (1) وقفاً عاما أو خاصاً وصارت بائرة ، يجوز للمتولي أن يسلمها إلى شخص بعنوان المزارعة إلى عشر سنين أو أقل أو أزيد حسب ما تقتضيه المصلحة ، على أن يعمرها ويزرعها إلى سنتين مثلاً لنفسه ، ثمّ يكون الحاصل مشتركاً بالإشاعة بحصّة معيّنة.

[3530] العاشرة : يستحب للزارع كما في الأخبار الدعاء عند نثر الحبّ بأن يقول : «اللّهمّ قد بذرنا وأنت الزارع فاجعله حبّا متراكماً» (2).

وفي بعض الأخبار : «إذا أردت أن تزرع زرعاً ، فخذ قبضة من البذر واستقبل القبلة وقل ( أَ فَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ. أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزّارِعُونَ ) ثلاث مرّات. ثمّ تقول : بل اللّه الزارع ، ثلاث مرّات.

ثمّ قل : اللّهمّ اجعله حبّا مباركاً وارزقنا فيه السلامة ، ثمّ انثر القبضة التي في يدك في القراح» (3).


وممّا ذكرناه يظهر أنه لا وجه للإيراد عليه ، بأنّ اختصاص الزرع في الفترة المستثناة بالعامل ينافي وضع المزارعة ومبناها.

فإنّ عقد المزارعة إنما هو واقع في الحقيقة على الأرض بعد تلك المدّة ، وأما قبلها فلا مزارعة ، وكون الأرض في يد المزارع أمر خارج عن المزارعة ثبت بالاشتراط.

(1) لا وجه لتخصيص ذلك بالوقف ، كما يظهر من عبارته (قدس سره). فإنه يجوز في الملك الخاص أيضاً ، كما لو زارع المالك غيره على أن يكون الزرع بعد فترة محددة لإصلاح الأرض وتعميرها ، تكون الأرض فيها بيد الزارع بالاشتراط.

(2) ورد ذلك في رواية شعيب العقرقوفي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (1).

(3) كما ورد في رواية ابن بكير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (2).


1) الوسائل ، ج 19 كتاب المزارعة والمساقاة ، ب 5 ح 2.

2) الوسائل ، ج 19 كتاب المزارعة والمساقاة ، ب 5 ح 3.

وفي خبر آخر : «لمّا اهبط آدم (عليه السلام) إلى الأرض احتاج إلى الطعام والشراب ، فشكا ذلك إلى جبرئيل ، فقال له جبرئيل : يا آدم كُن حرّاثاً ، فقال (عليه السلام) : فعلِّمني دعاء ، قال : قُل : اللّهمّ اكفني مئونة الدّنيا وكلّ هول دون الجنّة ، وألبسني العافية حتى تهنئني المعيشة» (1).


(1) رواه مسمع عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (1).

تمّ كتاب المزارعة ، وله الحمد والمنّة ، والحمد لله ربّ العالمين.

هذا آخر ما أردنا إيراده في هذا الجزء ، وسيتلوه كتاب المساقاة إن شاء اللّه تعالى.


1) الوسائل ، ج 19 كتاب المزارعة والمساقاة ، ب 5 ح 1.

كتاب المساقاة

اشارة

كتاب المساقاة

[فصل في معنى المساقاة وشرائطها]

وهي معاملة على أُصول ثابتة بحصّة من ثمرها. ولا إشكال في مشروعيّتها في الجملة.

ويدلّ عليه ، مضافاً إلى العمومات (1) ، خبر يعقوب بن شعيب (2) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، سألته عن الرجل يعطي الرجل أرضه وفيها رمّان أو نخل أو فاكهة ، ويقول : اسق هذا من الماء واعمره ولك نصف ما أخرج ، قال (عليه السلام) : «لا بأس» (1).

وجملة من أخبار خيبر ، منها صحيح الحلبي ، قال : أخبرني أبو عبد اللّه (عليه السلام) : «أنّ أباه حدّثه ، أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) أعطى خيبراً بالنصف أرضها ونخلها ، فلمّا أدركت الثمرة بعث عبد اللّه بن رواحة ...».


[فصل في معنى المساقاة وشرائطها]

(1) قد عرفت غير مرّة أنّ العمومات والإطلاقات لا تشمل المعاملات التي تتضمّن تمليك المعدوم ، فإنه أمر غير جائز ، ولذا لا نعهد فقيهاً يلتزم بصحة ذلك في غير المضاربة والمزارعة والمساقاة (2).

ومن هنا فلا مجال للتمسك بها ، ولا بدّ في الحكم بالصحة من التمسك بالدليل الخاص.

(2) الرواية صحيحة السند ، وواضحة الدلالة (3).


1) (*) مرّ أن العمومات لا تشمل مثل هذه المعاملة.

2) الوسائل 19 : 44 كتاب المزارعة والمساقاة ب 9 ح 2.

3) الوسائل ، ج 18 كتاب التجارة ، أبواب بيع الثمار ، ب 10 ح 2.

هذا مع أنها من المعاملات العقلائية ، ولم يرد نهي عنها (1) ولا غرر فيها حتى يشملها النهي عن الغرر.

ويشترط فيها أُمور :

الأوّل : الإيجاب والقبول (2). ويكفي فيهما كل لفظ دالّ على المعنى المذكور (3) ماضياً كان أو مضارعاً أو أمراً ، بل الجملة الاسمية مع قصد الإنشاء ، بأيّ لغة كانت. ويكفي القبول الفعلي بعد الإيجاب القولي ، كما أنه يكفي المعاطاة (4).


(1) ظهر الجواب عن ذلك فيما تقدم. فإنّ كلّ معاملة لا تكون من التجارة عن تراض ، تكون منهياً عنها بمقتضى قوله تعالى ( لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ ) (1). ولمّا لم تكن هذه المعاملة منها ، لما عرفته من تضمنها لتمليك المعدوم ، كانت محكومة بالفساد لا محالة.

(2) على ما يقتضيه كونها من العقود ، فإنها متقوّمة بالإيجاب والقبول والمعاهدة من الطرفين.

(3) إذ ليس الإنشاء إلّا إبراز الاعتبار النفساني بمبرز في الخارج ، فيكفي كلّ ما قام بهذا الدور ، ما لم يرد الدليل على اعتبار لفظ معيّن بخصوصه.

(4) وهو بناءً على ما اخترناه ، من كون صحة المعاطاة على القاعدة ، واضح. وأمّا بناءً على خلاف ذلك ، فالقول بصحتها في المقام يحتاج إلى الدليل الخاص.

ومن هنا فقد استشكل فيها بعضهم ، من جهة أنها ليست كسائر المعاملات ، فإنها تختلف عنها بلحاظ غرريتها ، واحتمال عدم تحقق الحاصل فيها بالمرة أو قلّته.

وقد أُجيب عنه في بعض الكلمات بكفاية العمومات والإطلاقات للحكم بصحتها في الفرض ، فإنها شاملة لها على حدّ شمولها لسائر المعاملات.

إلّا أنه مردود بما عرفته غير مرة ، من أنّ العمومات والإطلاقات لا تشمل مثل هذه المعاملة المتضمنة لتمليك المعدوم بالمرة. وعليه فلا يمكن التمسك بها لإثبات مشروعيتها ، فضلاً عن القول بعدم اعتبار اللفظ فيها.


1) سورة النساء : 29.

الثاني : البلوغ والعقل والاختيار (1).


ومن هنا فلا بدّ من ملاحظة مقدار دلالة النصوص الخاصة الواردة في المقام على المدعى ، فنقول :

أمّا صحيحة يعقوب بن شعيب فلا إطلاق فيها ليشمل العقد المعاطاتي ، حيث إنّ المفروض فيها إنشاء العقد باللفظ ، فالتعدي عنه إلى الفعل يحتاج إلى الدليل.

نعم ، حيث إنّ اللفظ وهو قوله : (اسق هذا من الماء واعمره ...) وارد في كلام السائل دون الإمام (عليه السلام) ، فمن القريب جدّاً دعوى أنّ المنصرف العرفي من ذكره والمتفاهم منه ، كونه لمحض إنه أسهل طريقة لإبراز ما في نفسه من الاعتبار والمعاهدة مع الطرف الآخر خاصة ، من دون أن يكون فيه أي خصوصية تلزمه ، وإلّا للزم الاقتصار في مقام الإنشاء على هذا اللفظ الوارد خاصة كما هو الحال في الطّلاق بل وعدم كفاية ترجمته أيضاً ، وهو مما لا يقول به أحد.

والحاصل أنّ المتفاهم العرفي من صحيحة يعقوب بن شعيب ، كون ذكر اللّفظ المعين مبرزاً من المبرزات ، من دون أن تكون له خصوصية ملزمة.

ومن هنا تكون هذه الصحيحة مطلقة من هذه الجهة.

ولو تنزلنا عن ذلك ، وقلنا بعدم دلالة صحيحة يعقوب بن شعيب على المدعى فالروايات المعتبرة الواردة في إعطاء النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) لأرض خيبر كافية في إثباتها ، حيث لم يذكر في جملة منها لفظ مطلقاً ، وإنما المذكور فيها أنه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) أعطاهم أرض خيبر ، وهو كافٍ في إثبات المدعى.

هذا كلّه مضافاً إلى إمكان الاستدلال عليه بالأولوية القطعية ، فإنه إذا جاز إنشاء المعاملات المبنية على الضبط والدقة بالفعل ، جاز إنشاء المعاملات المبنية على التسامح به بطريق أولى.

(1) وهي شروط المتعاوضين في جميع العقود بقول مطلق ، سواء في ذلك البيع والإجارة والمزارعة والمساقاة وغيرها.

وقد عرفت أدلّتها في كتاب البيع. فإنّ الصبي لا يجوز أمره حتى يحتلم ، والمجنون بحكم البهائم ، والمكره غير ملزم بشي‌ء.

الثالث : عدم الحجر ، لسفه أو فلس (1)(1).

الرابع : كون الأُصول مملوكة عيناً ومنفعة ، أو منفعة فقط. أو كونه نافذ التصرف فيها ، لولاية أو وكالة أو تولية (2).

الخامس : كونها معيّنة عندهما ، معلومة لديهما (3).

السادس : كونها ثابتة مغروسة ، فلا تصحّ في الودي (4) أي الفسيل قبل الغرس.


(1) لما تقدم. غير أنه كان على الماتن (قدس سره) التنبيه على اختلاف نحو شرطية هذا عمّا تقدم عليه. فإنّ الشروط الأُوَل مشتركة بين المالك والعامل ، حيث تعتبر فيهما معاً. في حين إنّ هذا مختص بالمالك دون العامل ، فإنّ المفلس والسفيه إنما هما ممنوعان من التصرّف في مالهما خاصة ، دون الكسب وتحصيل المال ، إذ لا حجر عليهما من هذه الجهة.

(2) إذ لولاها كان العقد فضولياً محكوماً بالبطلان.

(3) لا لاستلزام عدمها الغرر ، حتى يقال إنّها معاملة مبنيّة عليه وعلى الجهالة وإنما لعدم الدليل على صحتها في هذه الصورة ، فإنّ عمدة الدليل على صحة المساقاة منحصرة وكما عرفت في صحيحة يعقوب بن شعيب ، وأخبار إعطاء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) لأرض خيبر. وحيث إنّ موردها جميعاً معلومية الأرض لدى الطرفين ، فلا يبقى دليل على صحتها مع عدم المعلومية ، حتى ولو لم نلتزم بنفي الغرر في جميع الموارد ، والتزمنا باختصاص دليله بالبيع كما هو الصحيح.

(4) وهو ينافي ما سيأتي منه (قدس سره) في المسألة السادسة ، من الالتزام بصحتها للعمومات ، وإن لم تكن من المساقاة المصطلحة.

وكيف كان ، فما ذكره في المقام هو الصحيح. فإنّ العمومات والإطلاقات غير شاملة لما يتضمن تمليك المعدوم بالفعل ، على ما تقدم غير مرة.


1) (*) هذا إنما يعتبر في المالك دون العامل.

السابع : تعيين المدّة بالأشهر والسنين (1) وكونها بمقدار يبلغ فيه الثمر غالباً (2). نعم ، لا يبعد جوازها في العام الواحد إلى بلوغ الثمر من غير ذكر الأشهر ، لأنه معلوم بحسب التخمين ، ويكفي ذلك في رفع الغرر (3) مع أنه الظاهر من رواية يعقوب بن شعيب المتقدِّمة (4).

الثامن : أن يكون قبل ظهور الثمر ، أو بعده وقبل البلوغ (5) بحيث كان يحتاج بعد إلى سقي أو عمل آخر.


(1) لما تقدّم ، ولأنّ ما لا تعيّن له في الواقع لا يمكن الإلزام أو الالتزام به ، فإنه غير قابل له كما هو واضح.

نعم ، لا يبعد الحكم بصحة العقد إذا أُنشئ على نحو الدوام. ولعله هو الظاهر من أخبار خيبر ، حيث لم يرد في شي‌ء منها تحديد فترة كون الأرض بيدهم ، بل وفي بعض روايات العامة أنه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) جعل لنفسه الخيار وأنه متى أراد أن يخرجهم من الأرض كان له ذلك (1)فإنه كالصريح في التأبيد وعدم التحديد بمدّة معينة.

والحاصل أنه لا يبعد شمول النصوص لمثل هذا العقد وإن كان غير معيّن عند الطرفين ، إذ يكفي فيه كونه معيناً في الواقع.

ولعلّ هذا هو المتعارف في العقود الخارجية في المزارعة والمساقاة معاً ، فإنّ أرباب الأراضي والبساتين يعطون أراضيهم وبساتينهم إلى الفلاحين ليزرعوها ويسقوها من غير تحديد للمعاملة بحدّ معين.

(2) وإلّا حكم ببطلان العقد للغويته ، نظراً للعمل بعدم تحققه في الخارج.

(3) على أنه لا دليل على استلزامه للبطلان في غير البيع.

(4) حيث لم يذكر فيها تحديد المدة بحدّ معين.

(5) على ما يقتضيه إطلاق صحيحة يعقوب بن شعيب ، فإنّ مقتضاه عدم الفرق بين ظهور الثمر وعدمه.


1) انظر صحيح مسلم 3 : 1186 ح 1551.

وأمّا إذا لم يكن كذلك ، ففي صحتها إشكال (1)(1) وإن كان محتاجاً إلى حفظ أو قطوف أو نحو ذلك.

التاسع : أن تكون الحصّة معيّنة مشاعة (2). فلا تصحّ مع عدم تعيينها إذا لم يكن هناك انصراف. كما لا تصحّ إذا لم تكن مشاعة ، بأن يجعل لأحدهما مقداراً معيناً والبقية للآخر. نعم ، لا يبعد (2)جواز أن يجعل لأحدهما أشجاراً معلومة وللآخر اخرى (3). بل وكذا لو اشترط (3)اختصاص


(1) ولعل وجه احتمال الصحة هو التمسك بالعمومات والإطلاقات ، وإلّا فالروايات الواردة في المقام لا تشمل مثله ، حيث إنّ جميعها واردة في مورد حاجة الزرع والثمر للسقي والعمارة ، فلا تشمل الحفظ والقطوف.

وسيأتي التعرض إلى المسألة ثانياً إن شاء اللّه.

(2) لعدم الدليل على صحتها من دونهما. فإنّ الدليل على ما عرفت منحصر في صحيحة يعقوب بن شعيب وأخبار خيبر ، وهي بأجمعها واردة في مورد وجود القيدين. على أنه مع عدم التعيين ، لا يكون العقد قابلاً للإلزام به من الطرفين ، فيحكم ببطلانه من هذه الجهة أيضاً.

(3) تعرّض (قدس سره) لنظير هذا الفرع في المزارعة أيضاً ، وقد صرح فيه بالبطلان لعدم الإشاعة.

ومن هنا فيردّ عليه (قدس سره) عدم وضوح الفرق بين المقامين ، مع تصريحه باعتبار الإشاعة أيضاً. فإنه إن صحّ التمسك بالعمومات والإطلاقات فهو غير مختصّ بالمقام ، وإن لم يصحّ كما هو الصحيح وجب الحكم بالفساد في المقامين.

وكيف كان ، فالصحيح هو الحكم بالبطلان في المقام وفي المزارعة معاً ، لعدم الدليل على الصحّة.


1) (*) الظاهر عدم الصحة.

2) () فيه إشكال ، وقد التزم بعدم الصحة في مثله في المزارعة.

3) (*) فيه إشكال بل منس. كما تقدم في المزارعة في المسألة الخامسة.

أحدهما بأشجار معلومة (1) والاشتراك في البقية ، أو اشترط لأحدهما مقدار معيّن مع الاشتراك في البقية ، إذا علم كون الثمر أزيد من المقدار وأنه تبقى بقية.

العاشر : تعيين ما على المالك من الأُمور ، وما على العامل من الأعمال (2) إذا لم يكن هناك انصراف.

[3531] مسألة 1 : لا إشكال في صحّة المساقاة قبل ظهور الثمر (3). كما لا خلاف في عدم صحّتها بعد البلوغ والإدراك ، بحيث لا يحتاج إلى عمل غير الحفظ والاقتطاف (4). واختلفوا في صحّتها إذا كان بعد الظهور قبل البلوغ (5) والأقوى (6) كما أشرنا إليه صحّتها ، سواء كان العمل ممّا يوجب الاستزادة أو لا ، خصوصاً


(1) التزم (قدس سره) بذلك في المزارعة أيضاً. لكنك قد عرفت هناك أنّ دليل الصحة إنّما يقتضي صحتها فيما إذا كان النتاج بأجمعه مشتركاً بينهما ، فلا يشمل صورة اختصاص أحدهما ببعضه وكان الباقي مشتركاً بينهما ، والإطلاقات والعمومات لا تنفع في تصحيحها.

والأمر في المقام كذلك أيضاً ، فإنّ النصوص بأجمعها واردة في فرض إشاعة الحاصل بأجمعه بينهما وكونه مشتركاً كذلك ، ومن هنا فلا تشمل ما نحن فيه.

(2) على ما تقدّم بيان الوجه فيه في المزارعة ، حيث لا يمكن إلزام كلّ من الطرفين بشي‌ء ، فيحكم ببطلان العقد لا محالة.

(3) فإنّها القدر المتيقّن من المساقاة الصحيحة.

(4) نسبته (قدس سره) إلى عدم الخلاف ، ينافي ما تقدّم منه في الشرط الثامن من الاستشكال في صحتها.

وكيف كان ، فالصحيح هو الحكم بالبطلان ، لقصور نصوص صحة المساقاة عن شمول مثلها ، فإنّ جميعها واردة في فرض احتياج الأُصول إلى العمل فيها.

(5) بحيث يكون الثمر محتاجاً للعمل ، ولو بلحاظ كونه موجباً لجودته.

(6) لإطلاق صحيحة يعقوب بن شعيب ، فإنّ مقتضى ترك استفصاله (عليه السلام) هو عدم الفرق بين كون احتياجه للعمل بعد ظهور الثمر أو قبله ، على ما تقدّم.

إذا كان في جملتها بعض الأشجار التي بعد لم يظهر ثمرها (1).

[3532] مسألة 2 : الأقوى جواز المساقاة (1)على الأشجار التي لا ثمر لها وإنما ينتفع بورقها (2) كالتوت والحناء ونحوهما.

[3533] مسألة 3 : لا يجوز عندهم المساقاة على أُصول غير ثابتة ، كالبطيخ والباذنجان والقطن وقصب السكر ونحوها ، وإن تعدّدت اللقطات فيها كالأوّلين. ولكن لا يبعد الجواز (2)للعمومات (3) وإن لم يكن من المساقاة المصطلحة ، بل لا يبعد الجواز في مطلق الزرع كذلك. فإنّ مقتضى العمومات الصحة بعد كونه من المعاملات العقلائية ، ولا يكون من المعاملات الغررية عندهم ، غاية الأمر أنها ليست من المساقاة المصطلحة (4).


(1) فتكون محتاجة للعمل قبل ظهور الثمر ، وبذلك فيكون المورد من مصاديق القسم الأوّل المتيقّن صحته.

(2) تمسّكاً بالعمومات والإطلاقات ، حيث إنّ مقتضاها عدم الفرق في الصحّة بين ما له ثمر ، وما لا ينتفع إلّا بورقه.

إلّا أنك قد عرفت غير مرة ، أنها لا تشمل مثل هذه المعاملات لتضمّنها لتمليك المعدوم بالفعل ، فلا بدّ من الرجوع إلى الأدلّة الخاصة ، وهي قاصرة الشمول للمقام. فإنّ صحيحة يعقوب بن شعيب واردة في الأشجار المثمرة ، فلا تشمل الأشجار التي ينتفع بورقها ، فضلاً عن الزرع المثمر أو غير المثمر. وفي أخبار خيبر أنه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) أعطاهم أرض خيبر وفيها النخيل والأشجار ، فلا تشمل غيرها.

(3) قد عرفت الحال فيه في المسألة السابقة ، فلا نعيد.

(4) ظهر الحال فيه مما تقدم.


1) (*) فيه إشكال ، والاحتياط لا يترك.

2) (**) لا يترك الاحتياط فيه وفي مطلق الزرز. وقد تقدم أنّ العمومات لا تشمل أمثال هذه المعاملات.

[3534] مسألة 4 : لا بأس بالمعاملة على أشجار لا تحتاج إلى السقي ، لاستغنائها بماء السماء أو لمصّ أُصولها من رطوبات الأرض ، وإن احتاجت إلى إعمال أُخر. ولا يضرّ عدم صدق المساقاة حينئذٍ ، فإنّ هذه اللفظة (1)لم ترد في خبر من الأخبار (1) وإنما هي اصطلاح العلماء ، وهذا التعبير منهم مبنيّ على الغالب ، ولذا قلنا بالصحة إذا كانت المعاملة بعد ظهور الثمر واستغنائها من السقي. وإن ضويق نقول بصحّتها وإن لم تكن من المساقاة المصطلحة (2).

[3535] مسألة 5 : يجوز المساقاة على فسلان مغروسة ، وإن لم تكن مثمرة


(1) وفيه : أنها وردت في صحيحة يعقوب بن شعيب التي ذكرها الماتن (قدس سره) في صدر الكتاب ، فإنه ورد فيها (ويقول : اسق هذا من الماء واعمره ...) ، فما أفاده (قدس سره) يعدّ غريباً منه.

إلّا أنّ ذلك لا ينافي القول بالجواز في المقام. فإنّ المتفاهم العرفي من هذه الكلمة مقدمة لتحصيل المطلوب ، فالمعاملة في الحقيقة إنما هي لأجل العمران وتهيئة مقدمات حصول الثمر ، وليس السقي إلّا كمقدمة من تلك المقدمات وإلّا فلا خصوصية له بذاته. ولذا لا يحكم بالبطلان فيما إذا كانت محتاجة إلى السقي قبل المعاملة ، ثمّ ارتفع الاحتياج بعدها لكثرة المطر ونحوها.

ومما يشهد لما ذكرناه الاطمئنان بعدم احتياج جميع بساتين النخيل في خيبر إلى السقي ، فإنّ النخل وبفضل عمق عروقه في الأرض يكون مستغنياً عن السقي غالباً.

والحاصل أنّ ورود لفظ «السقي» في النصوص لا يوجب الحكم بالبطلان في المقام فإنّ الصحيح هو القول بالصحة ، فإنّ اللفظ محمول على كونه من مقدّمات العمارة وحصول الثمر ، من دون أن تكون له خصوصية تحتّم وجوده.

(2) وقد تقدّم الكلام فيها غير مرة. وقد عرفت أنّه لو لم يكن الدليل الخاص على صحة المعاملة في الموارد الخاصة ، لما أمكن إثبات صحّتها بالعمومات ، ولذا لا يقول أحد من الأصحاب بصحّتها في غير هذه الموارد تمسّكاً بالعمومات. كما لو كان له


1) (*) قد ورد لفظ (السقي) في الرواية ، ولكن الظاهر أنه لا موضوعية له.

إلّا بعد سنتين (1) بشرط تعيين مدة تصير مثمرة فيها (2) ولو خمس سنين أو أزيد.

[3536] مسألة 6 : قد مرّ أنه لا تصحّ المساقاة على ودي غير مغروس ، لكن الظاهر جواز إدخاله في المعاملة على الأشجار المغروسة ، بأن يشترط (3) على العامل غرسه في البستان المشتمل على النخيل والأشجار ، ودخوله في المعاملة (1)بعد أن يصير مثمراً. بل مقتضى العمومات (4) صحّة المعاملة على الفسلان الغير المغروسة إلى مدة تصير مثمرة ، وإن لم تكن من المساقاة المصطلحة.

[3537] مسألة 7 : المساقاة لازمة (5) لا تبطل إلّا بالتقايل ، أو الفسخ بخيار


قطيعٌ من الغنم ، فأعطاه إلى غيره ليرعاه ويقوم بواجباته من العلف وغيره ، على أنّ له النصف من حاصلها من الحليب والأولاد.

(1) على ما يقتضيه إطلاق صحيحة يعقوب بن شعيب ، حيث لم يفرض فيها كون الثمر في نفس سنة العقد. بل وكذا أخبار خيبر ، حيث لا يحتمل عادة أن تكون بساتينه وبأجمعها مثمرة في سنة الإعطاء ، فإنها لا تخلو من الفسلان وهي لا تثمر إلّا بعد مرور سنتين.

(2) على ما تقدم بيانه في الشرط السابع.

(3) تقدّم غير مرة ، أنّ دليل نفوذ الشرط لا يدل على لزوم الوفاء به فيما إذا كان سائغاً في نفسه ومع غضّ النظر عن الاشتراط ، وإلّا فالشروط غير مشرّعة.

وعليه فحيث إنّ تمليك المعدوم أمر غير مشروع في نفسه ، فلا يمكن تصحيحه بالاشتراط.

(4) تقدّم الكلام فيها ، فراجع.

(5) ويقتضيه مضافاً إلى أدلّة لزوم الوفاء بالعقد ، إطلاقات دليل صحّته ، على ما تقدم منّا بيانه غير مرة.


1) (*) العمومات لا تشمل ذلك كما عرفت ، وبالشرط لا يصير مساقاة ، فلا بدّ إذن من معاملة جديدة بعد الغرر. وبذلك يظهر أنّ العمومات لا تشمل ذلك بعنوان معاملة مستقلة على الفسلان.

الشرط ، أو تخلّف بعض الشروط ، أو بعروض مانع عام موجب للبطلان ، أو نحو ذلك.

[3538] مسألة 8 : لا تبطل بموت أحد الطرفين (1). فمع موت المالك ينتقل الأمر إلى وارثه (2). ومع موت العامل يقوم مقامه وارثه ، لكن لا يجبر على العمل (3) فإن اختار العمل بنفسه أو بالاستئجار فله ، وإلّا فيستأجر الحاكم من تركته (4) من يباشره إلى بلوغ الثمر ، ثمّ يقسّم بينه وبين المالك (5).

نعم ، لو كانت المساقاة مقيّدة بمباشرة العامل تبطل بموته (6). ولو اشترط عليه (7) المباشرة لا بنحو التقييد ، فالمالك مخيّر بين الفسخ لتخلّف الشرط وإسقاط حق الشرط والرضا باستئجار من يباشر (8).


(1) على ما يقتضيه كون العقد لازماً ، فإنّ مقتضاه بقاء العقد على حاله وقيام وارث الميت منهما مقامه.

(2) فإنّ البستان إنما ينتقل إلى ورثته متعلقاً لحق الغير ، فيكون حالهم في ذلك حال المورث ، فلهم مطالبة العامل بالعمل وما تعهد به.

(3) إذ المنتقل إلى الورثة إنما هو ما للميت خاصة دون ما عليه.

(4) لأنّ العامل إنما مات مطلوباً للغير بحقّه ، فإذا لم يقم الوارث بفكّه يبقى الحقّ متعلقاً بتركته لا محالة.

(5) على ما يقتضيه قانون المساقاة. فإنّ الحاصل إنما يكون مشتركاً بين مالك البستان والعامل ، فإذا مات أحدهما قام وارثه مقامه ، وليس للأجير إلّا الأُجرة المسمّاة.

(6) لعدم إمكان الوفاء بها من قبل الوارث.

(7) بالتصريح أو نصب القرينة ، وإلّا فظاهر الاشتراط في هذه الموارد كونه على نحو التقييد.

(8) على ما يقتضيه قانون الخيار عند تخلف الشرط.

[3539] مسألة 9 : ذكروا أنّ مع إطلاق عقد المساقاة ، جملة من الأعمال على العامل ، وجملة منها على المالك. وضابط الاولى ما يتكرر كلّ سنة ، وضابط الثانية ما لا يتكرر نوعاً وإن عرض له التكرر في بعض الأحوال.

فمن الأوّل : إصلاح الأرض بالحفر فيما يحتاج إليه ، وما يتوقّف عليه من الآلات ، وتنقية الأنهار ، والسقي ومقدماته كالدلو والرشا وإصلاح طريق الماء واستقائه إذا كان السقي من بئر أو نحوه ، وإزالة الحشيش المضرّة ، وتهذيب جرائد النخل والكرم ، والتلقيح ، واللقاط ، والتشميس ، وإصلاح موضعه ، وحفظ الثمرة إلى وقت القسمة.

ومن الثاني : حفر الآبار والأنهار ، وبناء الحائط والدولاب والدالية ، ونحو ذلك مما لا يتكرر نوعاً.

واختلفوا في بعض الأُمور أنه على المالك أو العامل ، مثل البقر الذي يدير الدولاب ، والكش للتلقيح ، وبناء الثلم ، ووضع الشوك على الجدران ، وغير ذلك.

ولا دليل على شي‌ء من الضابطين (1). فالأقوى أنه إن كان هناك انصراف في كون شي‌ء على العامل أو المالك فهو المتبع (2) وإلّا فلا بدّ من ذكر ما يكون على كلّ منهما رفعاً للغرر. ومع الإطلاق وعدم الغرر يكون عليهما معاً (1)، لأنّ المال مشترك بينهما ، فيكون ما يتوقّف عليه تحصيله عليهما (3).


(1) لأنهما وإن ذكرا في كلمات الأصحاب ، إلّا أنه لم يدلّ عليهما ولا خبر ضعيف.

(2) لكونه بمنزلة التعيين.

(3) تبع (قدس سره) في ذلك صاحب الجواهر (قدس سره) (2). والمراد به أنّ العقد لما كان لازماً وجب الوفاء به على كل منهما بحيث لا بدّ لهما من الالتزام به


1) (*) فيه إشكال بل منر. وقد مرّ منه اعتبار التعيين في المزارعة.

2) الجواهر 27 : 61.

[3540] مسألة 10 : لو اشترطا كون جميع الأعمال على المالك ، فلا خلاف بينهم في البطلان ، لأنه خلاف وضع المساقاة (1).

نعم ، لو أبقى العامل شيئاً من العمل عليه واشترط كون الباقي على المالك ، فإن كان يوجب زيادة الثمرة فلا إشكال في صحته (2) وإن قيل بالمنع من جواز جعل العمل على المالك ولو بعضاً منه ، وإلّا كما في الحفظ ونحوه ففي صحّته قولان


وإنهائه ، فإذا كان متوقّفاً على شي‌ء نسبته إليهما على حدّ سواء ، وجب عليهما تحصيله تحقيقاً للوفاء بالعقد وإنهائه.

ومن هنا فلا يرد عليه ما في بعض الكلمات ، من أنّ الإلزام ليس من آثار الشركة ولذا لا يجب على الشركاء في دار فعل ما يقتضي بقاؤها من تعمير ونحوه. فإنّ هذا ليس من باب الشركة ، وإنما هو من باب لزوم العقد ووجوب الوفاء به.

نعم ، يرد عليه أنه فرع اللزوم ووجوب الوفاء بالعقد وهو أوّل الكلام ، فإنه إنما هو فيما التزما به خاصّة دون غيره ، فلا يشمل ما نحن فيه. فإنّ المالك قد فعل ما التزم به بتسليم الأرض والأشجار للعامل ليعمل فيها ، وكذا العامل فعل ما عليه بالسقي والرعاية ، وأمّا الباقي كتهيئة المقدمات ونحوها فلم يلتزم كلّ منهما بشي‌ء منها. ومن هنا فلا وجه لالتزامهما بها وإجبارهما عليها.

فالصحيح في المقام هو الحكم بالبطلان مع عدم التعيين ، لعدم إمكان إلزام كلّ منهما بها ، كما التزم به الماتن (قدس سره) في نظير المقام من المزارعة.

(1) فإنه إذا قام المالك بعمران بستانه ، كان جعله لبعض الحاصل للعامل من الوعد بالنتيجة خاصة ، فيحكم ببطلانه لكونه من تمليك المعدوم ، ولا يكون ذلك من تخلّف الوعد ، لأنه ليس من الوعد بالفعل كي يكون عدمه موجباً لتخلف الوعد.

(2) فإنه لا دليل على اعتبار كون تمام العمل على العامل ، وإنما العبرة بصدق العمران وتربية الأشجار إذ قد عرفت أنه لا خصوصية للسقي بما هو ولو بنحو الموجبة الجزئية ، فإنه إذا صدق ذلك كان العقد مشمولاً لصحيحة يعقوب بن شعيب المتقدِّمة.

أقواهما الأوّل (1)(1).

وكذا الكلام (2) إذا كان إيقاع عقد المساقاة بعد بلوغ الثمر وعدم بقاء عمل إلّا مثل الحفظ ونحوه ، وإن كان الظاهر في هذه الصورة عدم الخلاف في بطلانه ، كما مرّ.

[3541] مسألة 11 : إذا خالف العامل فترك ما اشترط عليه من بعض الأعمال فإن لم يفت وقته فللمالك إجباره على العمل (3) ، وإن لم يمكن فله الفسخ (2)(4).


ويؤكد ذلك ، الحكم بصحة العقد جزماً فيما إذا أوقعه المالك بعد قيامه بعمل بعض ما له دخل في تربية الأشجار ، مع بقاء الحاجة إليه بعد ذلك أيضاً ، فإنه مشمول لصحيحة يعقوب بن شعيب جزماً وبلا خلاف. وإذا صحّ ذلك في طول الزمان وبنحو الترتيب ، صحّ في عرض الزمان أيضاً.

(1) بل الثاني ، لما عرفته فيما سبق من عدم شمول الدليل الخاص لمثله ، والعمومات والإطلاقات قاصرة عن إثبات الصحة فيما يتضمن.

(2)

(3) لأنه حق له بموجب الشرط والعامل ملزم به.

(4) بل مع التمكن من الإجبار أيضاً ، إذ لا موجب لتقييد حقّ الفسخ بصورة تعذّر الإجبار. وذلك لما تقدم منّا غير مرّة ، من أنّ مرجع اشتراط العمل وحقيقته إنما هو إلى تعليق الشارط التزامه بالعقد على التزام المشروط عليه بالعمل المشروط ، ومعنى ذلك جعل الخيار لنفسه عند عدم تحقق العمل في الخارج. ومن هنا فله الفسخ ، سواء تمكّن من إجبار العامل على العمل أم لم يتمكّن ، ولا وجه لتقييده بعدم التمكّن منه فإنّهما في عرض واحد.


1) (*) بل أقواهما الثاني ، وكذا الحال فيما بعده.

2) (**) بل مع التمكن من الإجبار أيضاً.

وإن فات وقته فله الفسخ بخيار تخلّف الشرط (1). وهل له أن لا يفسخ ويطالبه بأُجرة العمل بالنسبة إلى حصته (2) بمعنى أن يكون مخيَّراً بين الفسخ وبين المطالبة بالأُجرة؟ وجهان ، بل قولان ، أقواهما ذلك (1)(3).

ودعوى أنّ الشرط لا يفيد تمليك العمل المشروط لمن له على وجه يكون من أمواله ، بل أقصاه التزام من عليه الشرط بالعمل وإجباره عليه ، والتسلط على الخيار بعدم الوفاء به.

مدفوعة : بالمنع من عدم إفادته التمليك. وكونه قيداً في المعاملة لا جزءاً من العوض يقابل بالمال ، لا ينافي إفادته لملكية من له الشرط إذا كان عملاً من الأعمال على من عليه.

والمسألة سيّالة في سائر العقود. فلو شرط في عقد البيع على المشتري مثلاً خياطة ثوب في وقت معين وفات الوقت ، فللبائع الفسخ أو المطالبة بأُجرة الخياطة ، وهكذا.


(1) لانتفاء موضوع الإجبار ، فينحصر حقه في الفسخ خاصة.

(2) تخصيصه (قدس سره) لمطالبته بالأُجرة بما يقابل حصّته ، ناشئ من اختصاص محل كلامه (قدس سره) بالعمل المتعلق بالمساقاة. وإلّا فلو كان العمل أجنبياً عنها ، كما لو اشترط فيها خياطة ثوبه مثلاً ، فله المطالبة بتمام القيمة ، بناءً على ثبوت أصل الحكم.

(3) بل أقواهما عدمه ، وقد ظهر وجهه مما تقدم. فإنه لا بدّ للملكيّة من سبب فإنها لا تحصل من دونه إطلاقاً ، وحيث لا سبب لها في المقام فلا يمكن الالتزام بها فإنّ الاشتراط في الأعمال كما عرفت ليس إلّا تعليق الالتزام بالالتزام ، وتخلّفه لا يوجب غير الخيار.

والحاصل أنّ الملكيّة لما لم تكن طرفاً للعقد ولم تنشأ من قبلهما بل ولم يلتزما بها لأنهما لم يجعلا إلّا العمل في البستان في قبال الحصة من النماء ، فلا وجه للالتزام بها.


1) (*) بل أقواهما عدمه هنا وفي سائر العقود.

[3542] مسألة 12 : لو شرط العامل على المالك أن يعمل غلامه معه صحّ (1). أما لو شرط أن يكون تمام العمل على غلام المالك ، فهو كما لو شرط أن يكون تمام العمل على المالك ، وقد مرّ عدم الخلاف في بطلانه ، لمنافاته لمقتضى وضع المساقاة (2).

ولو شرط العامل على المالك أن يعمل غلامه في البستان الخاص بالعامل ، فلا ينبغي الإشكال في صحته. وإن كان ربّما يقال بالبطلان ، بدعوى أنّ عمل الغلام في قبال عمل العامل ، فكأنه صار مساقياً بلا عمل منه ، ولا يخفى ما فيها (3).

ولو شرطا أن يعمل غلام المالك للعامل تمام عمل المساقاة ، بأن يكون عمله له بحيث يكون كأنه هو العامل ، ففي صحته وجهان لا يبعد الأوّل (1)(4) لأنّ الغلام حينئذٍ كأنه نائب عنه في العمل بإذن المالك وإن كان لا يخلو عن إشكال مع ذلك.


والمسألة سيّالة في جميع العقود.

(1) فإنّه فعل سائغ في نفسه ، فلا مانع من أخذه شرطاً في العقد ، وقد تقدّم الجواز في اشتراطه على المالك نفسه.

(2) فإنّ العامل حينئذٍ لم يلتزم بشي‌ء على الإطلاق ، فإنّ الأشجار من المالك والعمل من الغلام ، ومن هنا فلا يصدق عليه المساقاة.

(3) فإنّ عمل الغلام في بستانه الخاص أجنبي عن المساقاة بالنسبة إلى هذا البستان المتعلق للعقد بين المالك والعامل ، إذ الحصّة من الثمرة إنما جعلت في قبال العمل في هذا البستان دون غيره ، فالواجب في تحقق العقد والحكم بصحته كون العمل فيه بما يوجب عمارته على العامل ولو على نحو الموجبة الجزئية ، وأمّا البستان الآخر فهو أجنبي عنه بالمرة.

(4) بل هو بعيد جدّاً ، والصحيح هو القول بالبطلان ، لعدم الدليل على الصحة بعد عدم التزام العامل بشي‌ء مطلقاً.


1) (*) بل هو بعيد جدّاً.

ولازم القول بالصحة الصحة في صورة اشترط تمام العمل على المالك بعنوان النيابة عن العامل.

[3543] مسألة 13 : لا يشترط أن يكون العامل في المساقاة مباشراً للعمل بنفسه (1). فيجوز له أن يستأجر في بعض أعمالها أو في تمامها ويكون عليه الأُجرة. ويجوز أن يشترط كون اجرة بعض الأعمال على المالك ، والقول بالمنع لا وجه له (2). وكذا يجوز أن يشترط كون الأُجرة عليهما معاً في ذمّتهما (3) أو الأداء


وبعبارة اخرى : إنّ العقد لما كان متقوِّماً بصدور الالتزام من الطرفين ، فإن فرض تحقق التزام العامل بالعمل فلا بدّ من الحكم بالصحّة ، وإن قام المالك بعد ذلك بالعمل بنفسه أو بغلامه رأفة بحال العامل أو لغير ذلك من الأسباب. أمّا إذا لم يتحقق الالتزام من العامل من الأوّل ، كما هو الحال في المقام ، فإنه وبالاشتراط يسقط حقّ المالك في إلزامه به ويجعل ذلك على العامل ، فلا محيص عن الحكم بالبطلان ، لكونه خارجاً عن مدلول دليل الصحة.

(1) إذ لا يجب عليه إلّا إيجاد العمل في البستان وتحقيق الرعاية للأشجار بما يؤدي إلى ظهور الثمر أو زيادتها ، وأمّا مباشرته لذلك بنفسه فلا دليل على اعتبارها ، ما لم تكن قد أُخِذت شرطاً في ضمن العقد.

(2) الظاهر ابتناء القول بالجواز والمنع في المقام ، على القول بجواز اشتراط كون بعض الأعمال على المالك وعدمه. فعلى الأوّل يتعين القول بالجواز في المقام أيضاً وعلى الثاني فالصحيح هو المنع من جواز هذا الاشتراط.

لكنّك قد عرفت فيما تقدم أنّ الصحيح هو الأوّل ، وعليه فيتعيّن القول بجواز هذا الاشتراط في المقام.

(3) بلا إشكال فيه ، بناءً على عدم لزوم كون جميع الأعمال على العامل.

من الثمر (1)(1).

وأمّا لو شرط على المالك أن يكون اجرة تمام الأعمال عليه أو في الثمر ، ففي صحته وجهان :

أحدهما : الجواز ، لأنّ التصدي لاستعمال الاجراء نوع من العمل ، وقد تدعو الحاجة إلى من يباشر ذلك لمعرفته بالآحاد من الناس وأمانتهم وعدمها ، والمالك ليس له معرفة بذلك.


(1) وكأنه لمعلومية مقدار الأُجرة فيما إذا كانت معينة ، إلّا أنّ الصحيح هو القول بالبطلان ، حتى بناءً على القول بجواز كون الأُجرة مجهولة. وذلك لأنّ الإجارة وكما تقدّم بيانها في محله إنما تتضمن التمليك من الطرفين ، فالأجير إنما يملّك عمله للمستأجر في حين إنّ المستأجر يملّكه الأُجرة ، فهي في الحقيقة مبادلة بينهما. ومن هنا فلا بدّ في المالين من كونهما قابلين للتمليك بالفعل ، وحيث أنّ الثمرة غير موجودة بالفعل فلا يجوز تمليكها ، لامتناع تمليك المعدوم ما لم يقم عليه دليل خاص.

ولذا لم يستشكل أحد في بطلان مثل هذه الإجارة في غير المساقاة ، كما لو آجره لخياطة ثوب بإزاء مقدار معيّن من حاصل أرضه التي لم تُزرع بالفعل ، أو التي زرعت ولم تنتج.

ومن هنا يظهر الحال فيما ذكره (قدس سره) في فرض كون الأُجرة حصّة مشاعة من الثمرة ، فإنه لا حاجة لتوجيه البطلان فيه بجهالة مقدار مال الإجارة ، فإنّ هذا العقد محكوم بالبطلان وإن قلنا بصحة الإجارة مع جهالة الأُجرة ، وذلك لتضمن الإجارة التمليك الفعلي وهو لا يتعلق بالأمر المعدوم.

والحاصل أنّ الصحيح هو القول بالبطلان في كلا الفرضين : كون الأُجرة مقداراً


1) (*) إن أُريد بذلك اشتراط أداء الأُجرة الثابتة في الذمة من الثمر ، فهو وإن كان صحيحاً إلّا أنه خلاف ظاهر المقابلة في العبارة. وإن أُريد بذلك جعل الأُجرة في الثمر كما هو ظاهر العبارة ، فهو غير صحيح لأنّ الثمر معدوم حين العقد فلا يصحّ جعله اجرة ، ومن ذلك يظهر حال ما بعده.

الثاني : المنع ، لأنه خلاف وضع المساقاة. والأقوى الأوّل (1)(1).

هذا ولو شرطا كون الأُجرة حصة مشاعة من الثمر بطل ، للجهل بمقدار مال الإجارة (2) فهي باطلة.

[3544] مسألة 14 : إذا شرطا انفراد أحدهما بالثمر بطل العقد (3) وكان جميعه للمالك (4). وحينئذٍ فإن شرطا انفراد العامل به استحق اجرة المثل لعمله (5). وإن


معيّناً من الثمر وكونها حصّة مشاعة منه ، سواء صحّت الإجارة مع جهالة الأُجرة أم بطلت.

نعم ، لو رجع الاشتراط هذا إلى أداء الأُجرة الثابتة في الذّمّة من الثمر ، حكم بصحته من جهة أنّ الأُجرة أمر ثابت في الذمّة بالفعل ، فلا يكون العقد متضمّناً لتمليك المعدوم.

(1) بل الثاني ، إذ ليس قيام العامل بمطلق العمل موجباً للحكم بصحّة المساقاة وإنما العبرة فيها على ما عرفت بالعمل الذي له دخل في تربية البستان ، بمعنى ظهور ثمرة أو زيادته.

والحاصل أنّ الأدلّة الخاصّة قاصرة الشمول للمقام ، والعمومات والإطلاقات لا تشمل ما يتضمن تمليك المعدوم.

(2) بل لما عرفته من اشتمالها على تمليك المعدوم.

(3) لعدم الدليل على صحته ، بعد عدم شمول الأدلّة الخاصّة والعامّة له.

(4) لتبعية الثمر للأشجار في الملك.

(5) لأنه لم يقدم على العمل مجاناً ، وإنما أقدم عليه لقاء أخذه للحاصل. وحيث إنه لم يسلّم له ، لبطلان العقد واستيفاء المالك لمنافعه وعمله الصادر عنه بأمره ، يضمن له المالك اجرة المثل لا محالة.

والحاصل أنّ أمر الغير بالعمل لا على نحو المجانية موجب للضمان.


1) بل الثاني هو الأقوى.

شرطا انفراد المالك به لم يستحق العامل شيئاً ، لأنه حينئذٍ متبرع بعمله (1).

[3545] مسألة 15 : إذا اشتمل البستان على أنواع ، كالنخل والكرم والرمان ونحوها من أنواع الفواكه ، فالظاهر عدم اعتبار العلم بمقدار كلّ واحد (2) فيجوز المساقاة عليها بالنصف أو الثلث أو نحوهما وإن لم يعلم عدد كلّ نوع ، إلّا إذا كان الجهل بها موجباً للغرر (1)(3).


(1) وتوهّم أنه إنما عمل تخيلاً منه لزوم ذلك عليه من باب وجوب الوفاء بالعقد فهو غير قاصد للتبرع بعمله.

مدفوع بأنّ الموجب للضمان ينحصر في العقد الصحيح ، ووقوع العمل عن أمر الغير لا بقصد التبرع. وحيث إنّ كليهما مفقود في المقام : أمّا الأوّل فهو المفروض ، وأمّا الثاني فلكون أمره بالعمل على نحو المجانية ، فلا موجب للقول بالضمان.

(2) بلا إشكال فيه. وتقتضيه صحيحة يعقوب بن شعيب المتقدمة ، فإنّ مقتضى إطلاق قوله : (وفيها رمّان أو نخل أو فاكهة) عدم الفرق بين كون أشجار ذلك البستان من سنخ واحد ، وكونه مشتملاً على أصناف متعددة.

(3) وفيه مضافاً إلى ما تقدّم من عدم الدليل على اعتبار نفي الغرر في المعاملات مطلقاً ، فإنّ الدليل عليه إنما يختص بالبيع ولا مجال للتعدي عنه إلى غيره : أنّ عقد المساقاة مبنيّ على الغرر من هذه الجهة أعني مقدار الثمر ، إذ لا علم لكل من الطرفين بمقدار الثمر في تلك السنة ، وهل إنه سيكون كثيراً أو قليلاً ، فهذا الجهل معفو عنه جزماً.

وهكذا الحال بالنسبة إلى عدد الأشجار ، إذ لا يعتبر في عقد المساقاة حتى مع اتحاد سنخ الأشجار فضلاً عن اختلافه العلم بعددها ، فإنّ العقد مبنيّ على الجهالة من هذه الناحية.


1) (*) لا وجه لهذا الاستثناء ، حيث إنّ هذه المعاملة مبنيّة على عدم العلم بعدد الأشجار والفواكه وإن استلزم الغرر ، وبذلك يظهر الحال في المسائل الآتية.

[3546] مسألة 16 : يجوز أن يفرد كلّ نوع بحصّة مخالفة للحصّة من النوع الآخر ، كأن يجعل النخل بالنصف والكرم بالثلث والرمان بالربع مثلاً ، وهكذا (1). واشترط بعضهم في هذه الصورة العلم بمقدار كلّ نوع. ولكن الفرق بين هذه الصورة وصورة اتحاد الحصّة في الجميع غير واضح (2).


على أنه لا مجال لتصوّر الغرر من هذه الجهة. فإنّ عمل العامل لما كان يقابله الحصّة من الثمر ، لم يمكن تصور فوات شي‌ء منه إطلاقاً ، فإنه مضمون على كل تقدير لأنه تابع له في القلّة والكثرة. فإن كثرت الأشجار وكثر عمل العامل كثر ما يكون له من الحاصل ، وإن قلّت الأشجار وقلّ عمله قلّ حاصله أيضاً.

ومن هنا فلا وجه لاعتبار عدم الغرر هنا ، فإنه لا يتصور فيه أصلاً. وعلى تقديره فهو معفوّ عنه ، لابتناء العقد عليه.

بل عقد المساقاة على هذا البستان ، إنما هو في الحقيقة كالعقد على مجموع بساتين يختص كلّ منها بسنخ معيّن ، الذي لم يشك أحد في صحّته. فإن ما نحن فيه من قبيله غاية الأمر أنه يختلف عنه كون البساتين في الثاني معزولة مفروزة ، في حين أنّ الأشجار فيما نحن فيه مختلطة وغير مفروزة ، إلّا أنه لا يؤثر شيئاً بعد أن كان مثل هذا العقد منحلا في الحقيقة إلى عقود متعددة ومستقلّة.

(1) لما تقدّم من انحلال هذا العقد المركب إلى عقود متعددة في الحقيقة ، وحينئذٍ فلا يبقى محذور في الحكم بالصحة.

(2) يمكن التفريق بين الصورتين ، بكون حصّة العامل في فرض اتحادهما في الجميع معلومة ، فإنه وعلى كلّ تقدير يأخذ النسبة المجعولة له من الحاصل من غير زيادة أو نقصان. وهذا بخلاف ما نحن فيه ، فإنّ حصّته وبالقياس إلى المجموع تبقى مجهولة لاحتمال زيادة الصنف وقلّته.

فإنه إذا جعل له النصف من الرمان والثلث من التمر مثلاً ، فكان الحاصل من الرمان مائة رطل ومن التمر تسعين ، كان له خمسون رطلاً من الرمان وثلاثون من التمر ، وهذا يعني أنّه قد أخذ بالنتيجة ما يعادل ثماني حصص إلى تسع عشرة حصّة من مجموع حاصل البستان. وأما لو انعكس الأمر ، فكان حاصل الرمان تسعين

والأقوى الصحة (1) مع عدم الغرر (2) في الموضعين ، والبطلان معه فيهما.

[3547] مسألة 17 : لو ساقاه بالنصف مثلاً إن سقى بالناضح ، وبالثلث إن سقى بالسيح ، ففي صحته قولان ، أقواهما الصّحة (1)(3) لعدم إضرار مثل هذه


وحاصل التمر مائة رطل ، فله من الرمان خمسة وأربعون رطلاً ومن التمر ثلاثة وثلاثون وثلث ، وهذا يعني أنّ حصّته في النتيجة لم تكن إلّا سبعة وثمانية أعشار وثلث العشر من أصل تسع عشرة حصّة.

وهكذا فإنّ المشروط فيه أقلّ الجزءين ، قد يكون أكثر الجنسين فتنقص الحصّة وقد يكون أقلّهما فتزيّد. وبذلك فيحصل الغرر والجهالة ، فيحكم ببطلان العقد.

إلّا أنك خبير بأنّ هذا المقدار من الفرق لا يكفي في الحكم بالبطلان في المقام ، بعد ما عرفته من أنّ هذه المساقاة وإن كانت واحدة بحسب الإنشاء ، إلّا أنها منحلّة في الحقيقة إلى عقود متعددة ومساقاة على كلّ صنف مستقلا.

نظير ما ذكرناه في كتاب البيع من ضمّ مبيع إلى غيره ، فإنه لا عبرة بتعدّد المبيع وإنما العبرة بواقع الاعتبار والتمليك. ولذا يلتزم فيما لو باع ماله ومال غيره بصحة البيع بالنسبة إلى ماله ، وتوقّفه على الإجازة بالنسبة إلى مال الغير. في حين إنه لو كانت العبرة بالإنشاء ، لوجب القول ببطلان العقد بالنسبة إلى المالين معاً على تقدير عدم إجازة الآخر.

فما نحن فيه من هذا القبيل. فإنّ هذا العقد الواحد عبارة في الحقيقة عن عقود متعددة جمعها إنشاء واحد فقط ، وحيث إنّ الحصّة في كلّ عقد من تلك العقود معلومة ، فلا وجه للحكم بالبطلان ، واحتمال زيادة المجموع ونقصانه لا يضرّ بعد ذلك.

(1) لما تقدّم.

(2) بل ومعه أيضاً ، لما تقدّم في المسألة السابقة حرفاً بحرف.

(3) بل العدم. فإنّ المساقاة وإن لم تكن تتضمن التمليك والتملك إلّا أنها تتضمّن


1) (*) بل الأقوى البطلان ، كما في الإجارة المردّدة.

الجهالة ، لعدم إيجابها الغرر مع أنّ بناءها على تحمله. خصوصاً على القول بصحة مثله في الإجارة (1) كما إذا قال : إن خطت رومياً فبدرهمين ، وإن خطت فارسياً فبدرهم.

[3548] مسألة 18 : يجوز أن يشترط أحدهما على الآخر شيئاً من ذهب أو فضة أو غيرهما (2) مضافاً إلى الحصّة من الفائدة. والمشهور كراهة اشتراط المالك على العامل شيئاً من ذهب أو فضة ، ومستندهم في الكراهة غير واضح. كما أنه لم يتضح اختصاص الكراهة بهذه الصورة أو جريانها بالعكس أيضاً ، وكذا اختصاصها بالذهب والفضة أو جريانها في مطلق الضميمة ، والأمر سهل.

[3549] مسألة 19 : في صورة اشتراط شي‌ء من الذهب والفضة أو غيرهما على أحدهما ، إذا تلف بعض الثمرة هل ينقص منها شي‌ء أو لا؟ وجهان ، أقواهما العدم (3) فليس قرارهما مشروطاً بالسلامة.

نعم ، لو تلفت الثمرة بجميعها أو لم تخرج أصلاً ، ففي سقوط الضميمة وعدمه أقوال. ثالثها الفرق بين ما إذا كانت للمالك على العامل فتسقط ، وبين العكس


الالتزام والإلزام ، والأمر المردد لا يصلح أن يكون متعلقاً للالتزام الفعلي الذي يترتب عليه الأمر بالوفاء به.

والحاصل أنّ الأمر المردد لا يمكن فيه الإلزام والالتزام والحكم بوجوب الوفاء به.

(1) وقد تقدّم هناك أنّ الصحيح هو البطلان ، لأنّ الإجارة تمليك فلا بدّ وأن يكون متعلّقه معلوماً ، والمردّد غير معلوم.

(2) لكونه سائغاً في نفسه ، فيلزم باشتراطه في ضمن عقد لازم بمقتضى أدلّة لزومه.

(3) والحقّ في هذه المسألة هو الالتزام بتفصيل لا يرجع إلى شي‌ء مما أفاده (قدس سره).

وحاصله أنه قد يفرض الكلام في فرض عدم خروج الثمرة ، وقد يفرض في صورة تلفها بعد الحصول والتحقق.

.................................................................................................


وعلى كلا التقديرين ، فقد يفرض الكلام في جميع الثمرة بأن لم يحصل شي‌ء أصلاً أو يحصل ويتلف جميعه ، وقد يفرض في بعضه.

أمّا في فرض عدم خروج الثمرة بالمرة ، فالمتعين هو الحكم ببطلان المساقاة ، لأنها معاوضة بين الطرفين على ما يستفاد من النصوص ويأتي بيانه فإذا لم تخرج الثمرة بالمرة كشف ذلك عن بطلانها من الأوّل ، وبذلك فيكون الشرط في ضمنه شرطاً في ضمن عقد فاسد فلا يؤثر شيئاً.

ومما يؤكد ذلك أنه لو انكشف الحال قبل العمل أو في الأثناء ، لم يجب على العامل الاستمرار في السقي والإتمام على ما سيأتي منه (قدس سره) أيضاً في المسألة الحادية والعشرين فإنه لا وجه لذلك غير انكشاف بطلان المعاملة.

إلّا أنّ هذا لا ينافي القول بعدم استحقاق العامل لُاجرة المثل عندئذٍ ، إذ لا ملازمة بين بطلان العقد واستحقاق العامل لُاجرة المثل ، لأنه إنما أقدم على العمل على أساس أن لا يضمن المالك له شيئاً سوى الحصّة من الثمرة على تقدير ظهورها ، ومن هنا صحّ أن يقال أنه متبرع من جميع الجهات غير الحصّة على تقدير ظهور الثمرة.

وأمّا في فرض عدم خروج بعض الثمرة ونقصانها عن المتعارف ، وهي الصورة التي لم يتعرض لها الماتن (قدس سره).

فقد يفرض كون النقصان قليلاً جدّاً إلى حدّ لا يعتنى به عند العقلاء ، كما لو فرض عدم إثمار شجرة واحدة فقط من مجموع البستان الذي يحتوي على مائة شجرة فما فوق ، فإنه لا يبعد أن يقال إنه متعارف في كلّ بستان. وحينئذٍ فحيث إنه مما يتسامح فيه فهو في حكم العدم ، وعليه فيحكم بصحة المساقاة ووجوب الوفاء بالشرط كاملاً.

وقد يفرض كونه معتدّاً به ، كربع الأشجار أو ثلثها. وحينئذٍ فيتعين الحكم ببطلان المساقاة بالقياس إلى التي لم تثمر ، لأنها منحلّة إلى عقود متعددة بعدد الأشجار الموجودة في البستان ، فإن ثمرة كلّ شجرة منها إنما هي للمالك والعامل معاً بإزاء ما قدّمه العامل من خدمات لها.

.................................................................................................


هذا بالنسبة إلى أصل العقد. وأمّا الشرط ، فهل يحكم بوجوب الوفاء به بتمامه ، أو يقال بسقوط ما يقابل الجزء الذي حكم بفساده من العقد فيكون مشمولاً للتبعيض أيضاً ، أو يقال بسقوطه بقول مطلق؟ أوجه ، أقواها الأخير ، لأنّ الشرط إنما لوحظ بإزاء مجموع ما وقع عليه العقد لا بلحاظ كلّ جزء جزء منه ، فهو ليس إلّا التزاماً واحداً بإزاء هذه المعاملة على تقدير صحتها ، فإذا لم تصح ولو في بعضها حكم ببطلانه ، لعدم تحقق موضوع الالتزام وما كان معلقاً عليه.

ومما يؤكد ذلك عدم قابلية بعض الشروط للتبعيض والانحلال ، كشرط الصوم يوماً أو الصلاة ركعتين عن أبيه ، وما شاكلهما من الأُمور البسيطة أو المركبة الارتباطية ، فإنه هل يمكن أن يقال بتبعض الشرط فيه أيضاً! فإنّ ملاحظة مساواة هذا النحو من الشرط مع ما يكون متعلقه قابلاً للتفكيك ، بلحاظ كونهما على حدّ سواء ، مما يؤكد ما التزمنا به من سقوط الشرط بقول مطلق.

والحاصل أنّ حال الشرط في المقام هو الحال عند عدم خروج الثمر بالمرة ، فإنه يحكم بسقوطه ، لكون التزامه مقيداً بصحة العقد ، فإذا لم يصحّ ولو بعضاً لم يثبت شي‌ء من الالتزام.

هذا كله بالنسبة إلى صورة عدم خروج الثمر بكلا فرضيه.

وأمّا صورة تلف الثمرة بعد حصولها وتحققها في الخارج ، فلا وجه للحكم ببطلان العقد في كلا فرضي هذه الصورة. فإنّ الملك قد حصل ، والتلف إنما عرض على ملكهما معاً ، ومعه فلا وجه لسقوط شي‌ء من الشروط.

نعم ، لو كان الشرط مقيداً بسلامة تمام الثمر وعدم تلفه ولو بعضاً ، لم يجب الوفاء بالشرط عند تلف بعضه ، لعدم تحقق المعلق عليه.

والحاصل أنّ نفوذ الشرط في المقام تابع لكيفية الجعل من حيث الإطلاق والتقييد فإن كان الاشتراط معلقاً على سلامة الجميع سقط بتلف البعض ، وإلّا وجب الوفاء به بأجمعه لعدم الموجب لسقوطه.

فلا تسقط (1). رابعها (1)الفرق بين صورة عدم الخروج أصلاً فتسقط ، وصورة التلف فلا (2). والأقوى عدم السقوط مطلقاً (3) لكونه شرطاً في عقد لازم فيجب الوفاء به.

ودعوى أنّ عدم الخروج أو التلف كاشف عن عدم صحّة المعاملة من الأوّل لعدم ما يكون مقابلاً للعمل. أما في صورة كون الضميمة للمالك ، فواضح. وأما مع كونها للعامل ، فلأنّ الفائدة ركن في المساقاة ، فمع عدمها لا يكون شي‌ء في مقابل العمل ، والضميمة المشروطة لا تكفي في العوضية ، فتكون المعاملة باطلة من الأوّل ، ومعه لا يبقى وجوب الوفاء بالشرط.

مدفوعة مضافاً إلى عدم تماميته بالنسبة إلى صورة التلف (4) لحصول العوض


(1) أمّا الأوّل ، فلأنّ المفروض ذهاب عمل العامل سدى حيث لم يحصل بإزائه على شي‌ء ، فإذا غرّم مضافاً إلى ذلك شيئاً كان ذلك من الأكل بالباطل.

وأمّا الثاني فلأنّ الشرط عليه قد وجب بالعقد فلا وجه لسقوطه.

وفيه : ما عرفته من تبعية بقاء الشرط لكيفية جعله ، من دون فرق بين كونه على المالك أو العامل.

(2) لانكشاف بطلان العقد على الأوّل ، فلا يجب الوفاء به. بخلاف الثاني ، حيث عرض التلف على الثمرة بعد حصول الملك وتحقق موضوع الشرط.

وفيه : ما عرفته من التفصيل في الصورتين معاً.

(3) بل الأقوى ما عرفته من الوجه الخامس ، على ما تقدّم بيانه.

(4) وهو غير وارد على ما اخترناه ، نظراً لالتزامنا بعدم البطلان مع التلف


1) (*) بل هنا وجه خامر. وهو أنّ المساقاة في فرض عدم ظهور الثمر أصلاً باطلة ، لأنه لم تكن معاوضة في هذا الفرض إلّا صورتها ، ولذا لو علم من الخارج بعد عقد المساقاة أنّ الثمرة لا تخرج أصلاً لم تكن شبهة في بطلانه ، وعليه فلا أثر للشرط المزبور لأنه شرط ضمن عقد باطل. وأما في صورة التلف كلّاً أو بعضاً ، فنفوذ الشرط وعدم نفوذه تابع لكيفية جعله إطلاقاً أو تقييداً ، فإذا لم يكن دليل على التقييد ولو من جهة الانصراف وجب العمل بالشرط من دون فرق بين أن يكون الشرط على العامل أو على المالك.

بظهور الثمر وملكيتها وإن تلف بعد ذلك ، بأنّا نمنع (1) كون المساقاة معاوضة بين حصّة من الفائدة والعمل ، بل حقيقتها تسليط من المالك للعمل على الأُصول للاستنماء له وللمالك ، ويكفيه احتمال الثمر وكونها في معرض ذلك. ولذا لا يستحق العامل اجرة عمله (2) إذا لم يخرج أو خرج وتلف بآفة سماوية أو أرضية في غير صورة ضمّ الضميمة ، بدعوى الكشف عن بطلانها من الأوّل واحترام عمل المسلم. فهي نظير المضاربة ، حيث إنها أيضاً تسليط على الدرهم أو الدينار للاسترباح له وللعامل ، وكونها جائزة دون المساقاة لا يكفي في الفرق.

كما إنّ ما ذكره في الجواهر من الفرق بينهما ، بأنّ في المساقاة يقصد المعاوضة


المتأخر.

(1) وهو في غير محلّه جدّاً. فإنه منافٍ لما أفاده (قدس سره) في تعريف المساقاة حيث فسّرها بأنها (معاملة على أُصول ثابتة بحصّة من ثمرها) فإنها ظاهرة في كون الحصّة عوضاً عن العمل في الأصل.

بل ويتنافى مع ما هو المرتكز في الأذهان من كون العمل في مقابل الحصّة ، وهي في مقابل العمل ، بحيث يكون عوضاً ومعوضاً ، وإن لم يكن هناك تمليك وتملك ومبادلة مال بمال فعلاً. إلّا أنّ ذلك لا يضرّ شيئاً ، ولذا لو سئل العامل أنه هل يعمل مجّاناً لأجاب بالنفي صريحاً.

ومما يدلّنا على ذلك الأخبار الواردة في المقام ، فإنّ ظاهر قوله في صحيحة يعقوب ابن شعيب : (اسق هذا من الماء واعمره ولك نصف ما أخرج) وقوله في صحيحة الحلبي الواردة في إعطاء النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) لخيبر : (أعطى خيبراً بالنصف) هو المعاوضة ، فإنكارها بعد ذلك يكون من إنكار الأمر الواضح.

ومما يدلّنا على ذلك ، حكمهم بعدم لزوم الإتمام على العامل ، فيما إذا ظهر ذلك قبل العمل أو في الأثناء.

(2) ظهر الحال فيه مما تقدّم ، وأنّ عدم استحقاق العامل حينئذ شيئاً إنما هو لإقدامه على التبرع من غير جهة الحاصل ، بحيث أقدم على الفعل على أن لا يضمن

بخلاف المضاربة التي يراد منها الحصّة من الربح الذي قد يحصل وقد لا يحصل وأمّا المساقاة فيعتبر فيها الطمأنينة بحصول الثمرة ولا يكفي الاحتمال ، مجرّد دعوى لا بيِّنة لها.

ودعوى أنّ من المعلوم أنه لو علم من أوّل الأمر عدم خروج الثمر لا يصح المساقاة ، ولازمه البطلان إذا لم يعلم ذلك ثمّ انكشف بعد ذلك (1).

مدفوعة بأنّ الوجه في عدم الصحّة كون المعاملة سفهية (1)(2) مع العلم بعدم الخروج من الأوّل بخلاف المفروض.

فالأقوى ما ذكرنا من الصحّة (3) ولزوم الوفاء بالشرط ، وهو تسليم الضميمة وإن لم يخرج شي‌ء أو تلف بالآفة.

نعم ، لو تبيّن عدم قابلية الأُصول للثمر ، أمّا ليبسها أو لطول عمرها أو نحو


المالك له شيئاً سوى الحصّة من الحاصل على تقديره.

(1) لأنّ الحكم بالصحة حينئذٍ ، إنما كان حكماً ظاهرياً فقط ، فيرتفع بانكشاف الواقع.

(2) ليس الوجه في البطلان ما ذكره (قدس سره) ، إذ لا دليل على بطلان المعاملة السفهية ، فإن الدليل على البطلان إنما يختصّ بمعاملة السفيه ، فلا مجال لتعميمه للمعاملة السفهية الصادرة من العاقل.

بل الوجه في البطلان ، مضافاً إلى ما تقدّم من كون المساقاة من العقود المعاوضية عدم تحقق القصد الجدي إلى المعاملة ، بعد العلم بعدم تحقق ما جعل للعامل بإزاء عمله.

(3) بل الأقوى ما ذكرناه من التفصيل ، على ما عرفت بيانه.


1) (*) ليس هذا هو الوجه ، إذ لا دليل على بطلان المعاملة السفهية ، بل الوجه في البطلان مع العلم بعدم الخروج من الأوّل مضافاً إلى ما تقدم ، هو امتناع تعلق القصد الجدّي بالمعاملة.

ذلك ، كشف عن بطلان المعاملة من الأوّل (1) ومعه يمكن استحقاق العامل للأُجرة (1)إذا كان جاهلاً بالحال (2).

[3550] مسألة 20 : لو جعل المالك للعامل مع الحصّة من الفائدة ، ملك حصّة من الأُصول مشاعاً أو مفروزاً ، ففي صحته مطلقاً ، أو عدمها كذلك ، أو التفصيل بين أن يكون ذلك بنحو الشرط فيصحّ ، أو على وجه الجزئية فلا ، أقوال والأقوى الأوّل (2)(3)


(1) فإنه يعتبر في المساقاة قابلية الشجر للثمر ، إذ بدونها يكون العقد لغواً محضاً.

(2) ظهر الحال فيه مما تقدّم. فإنه لا موجب للضمان بعد أن كان العقد مبنيّاً على عدم ضمان المالك لشي‌ء بإزاء عمله ، غير الحصّة من الثمر على تقدير حصوله.

نعم ، لو كان المالك عالماً بالحال ، وقلنا بقاعدة الغرور ، صحّ الرجوع عليه. إلّا أنك قد عرفت غير مرّة عدم تمامية هذه القاعدة.

إذن فلا موجب للقول بضمان المالك للعامل اجرة المثل في الفرض.

(3) بل الأخير.

فإنه لو كان الجعل على نحو الشرطية صحّ بلا إشكال فيه ، لرجوعه في الحقيقة إلى وقوع عقد المساقاة على غير تلكم الشجرات المستثناة ، ومعه فلا وجه للقول بعدم الجواز ، بل يصحّ العقد ويلزم الجعل ، بمقتضى قولهم (عليهم السلام) : «المؤمنون عند شروطهم» (3)كما هو الحال في سائر أمواله. بل هو نظير مساقاته على بستان بشرط أن يكون بستانه الآخر بتمامه للعامل ، فإنه صحيح جزماً ، لأن اشتراط الملكيّة في


1) (*) لا وجه لذلك. نعم ، إذا كان المالك عالماً بالحال والعامل جاهلاً به ، يمكن القول بالاستحقاق لقاعدة الغرور ، ولكنها غير تامّة عندنا.

2) (**) بل الأقوى الأخير ، إذ الجعل على وجه الجزئية لا يتصور إلّا بجعل العمل للمالك والعامل معاً ، ومعه لا تصحّ المساقاة.

3) التهذيب 7 : 371 / 1503 ، الإستبصار 3 : 232 / 835 ، الوسائل 21 : 276 كتاب النكاح ب 20 ح 4.

للعمومات (1).


ضمن العقد لا يقتضي الفساد.

وهذا بخلاف ما لو كان الجعل على نحو الجزئية ، فإنه لا محيص عن القول بالفساد لمنافاته لوضع المساقاة. فإن العقد قائم على اشتراكهما في الثمر ، بعد اختصاص الأُصول بأحدهما وكون العمل ولو على نحو الموجبة الجزئية من الآخر ، فلا يصحّ فيما إذا كانت الأُصول والعمل بتمامه من أحدهما ، كما هو الحال فيما نحن فيه. فإن العامل لما كان مالكاً للمقدار المجعول له بالشرط ، كان عمله فيه من عمل المالك في ملكه ، وهو موجب للبطلان.

ولذا لا نعهد من يحكم بصحّة العقد فيما لو اشترط المالك على العامل اشتراكه في بستانه المختص به ، وليس ذلك إلّا لأنّ عمله في ذلك البستان إنما هو لنفسه ، فلا يصحّ بعد فرض كون الأصل له أيضاً.

وبعبارة اخرى : إنه لا بدّ في المساقاة من كون الأُصول من أحدهما ، والعمل ولو بعضاً من الآخر. فلو كانا معاً من واحد ، لم يصحّ العقد ولا يحصل الاشتراك في الحاصل ، ولذا لم يصح اشتراط تمام العمل على المالك.

والحاصل أنه مع تعدد مالك الأشجار ، لا يصحّ اشتراط كون ثمر الجميع مشتركاً بينهم ، فإنّ العمومات غير شاملة لمثل هذا العقد على ما عرفته غير مرّة والأدلّة الخاصة واردة في غير هذا المورد.

فالصحيح في المقام هو التفصيل ، بين ما إذا كان الجعل على نحو الشرطية المحضة بأن تجعل ملكيّة تلكم الأشجار المعيّنة للعامل من دون أن تكون داخلة في عقد المساقاة ، بحيث يكون العقد واقعاً على غيرها ، فيحكم بالصحة. وبين ما لو كان على نحو الجزئية ، بأن تكون هذه الأشجار المجعول ملكيّتها للعامل داخلة في العقد أيضاً بأن تكون الأُصول للعامل والثمار مشتركاً بينهما ، فيحكم ببطلانه.

(1) وقد عرفت ما فيها.

ودعوى أنّ ذلك على خلاف وضع المساقاة ، كما ترى (1) كدعوى أنّ مقتضاها أن يكون العمل في ملك المالك (2) إذ هو أوّل الدعوى.

والقول بأنه لا يعقل أن يشترط عليه العمل في ملك نفسه. فيه : أنه لا مانع منه إذا كان للشارط فيه غرض أو فائدة كما في المقام ، حيث إنّ تلك الأُصول وإن لم تكن للمالك الشارط ، إلّا أنّ عمل العامل فيها ينفعه في حصول حصّة من نمائها.

ودعوى أنه إذا كانت تلك الأُصول للعامل بمقتضى الشرط ، فاللازم تبعية نمائها لها. مدفوعة بمنعها ، بعد أن كان المشروط له الأصل فقط في عرض تملك حصّة من نماء الجميع.

نعم ، لو اشترط كونها له على وجه يكون نماؤها له بتمامه ، كان كذلك. لكن عليه تكون تلك الأُصول بمنزلة المستثنى من العمل ، فيكون العمل فيما عداها مما هو للمالك ، بإزاء الحصّة من نمائه مع نفس تلك الأُصول.

[3551] مسألة 21 : إذا تبين في أثناء المدة عدم خروج الثمر أصلاً ، هل يجب على العامل إتمام السقي؟ قولان ، أقواهما العدم (3).

[3552] مسألة 22 : يجوز أن يستأجر المالك أجيراً للعمل ، مع تعيينه نوعاً


(1) عرفت أنّ هذه الدعوى في محلّها ولا شي‌ء فيها.

(2) على ما تقدّم بيانها ، حيث قد عرفت أنه لا يصحّ كون الأُصول والعمل معاً من أحدهما.

(3) على ما تقدّم بيانه في المسألة التاسعة عشرة. فإنّ عقد المساقاة مبنيّ على المعاوضة بين عمل العامل والحصّة مما يخرج من الثمر ، فإذا علم بعدمه انكشف عدم العوض ، ومعه فيحكم بالبطلان.

إلّا أنّ ما أفاده الماتن (قدس سره) هنا ، لا ينسجم مع ما ذكره هناك من وجوب الوفاء به ، لعدم بناء العقد على خروج الثمر. فهو (قدس سره) بعد بنائه على وجوب الوفاء هناك ، مطالب بالدليل على عدم وجوب الإتمام هنا.

ومقداراً بحصّة من الثمرة أو بتمامها بعد الظهور وبدو الصلاح (1) بل وكذا قبل البدو (2) بل قبل الظهور أيضاً (1)إذا كان مع الضميمة الموجودة أو عامين (3).

وأما قبل الظهور عاما واحداً بلا ضميمة فالظاهر عدم جوازه ، لا لعدم معقولية تمليك ما ليس بموجود (4) لأنّا نمنع عدم المعقولية بعد اعتبار العقلاء


(1) فإنه حينئذ مال موجود بالفعل ، فيصحّ جعله عوضاً لعمل محترم.

(2) لما تقدّم ، سواء اشترط عليه البقاء حتى يدرك أم لا ، فإنه وبوضعه الحالي أمر موجود بالفعل فتصحّ المعاوضة عليه.

(3) تقدّم التعرّض لهذه المسألة في كتاب الإجارة. وقد عرفت أنّ الصحيح هو القول بالمنع ، لعدم الدليل على صحة هذه المعاملة في مقام الإثبات ، فإنّ الإجارة تبديل للمنفعة أو العمل من جهة والأُجرة من جهة أُخرى ، فلا تصحّ مع كون الأُجرة معدومة والمستأجر غير مالك لها بالفعل.

والحاصل أنّ الإجارة إنما تتضمن التمليك ، وهو لا يتعلق إلّا بالموجود في الخارج أو في الذمة لأنه بحكم الموجود الخارجي. وأمّا ما لا وجود له بالفعل ، فلا يصحّ تعلق الملكيّة به. ولذا لا يذهب أحد إلى صحة إجارة شخص على عمل ، بإزاء ما سيرثه من أبيه عند موته.

ومما ذكرناه يظهر أنه لا مجال لإثبات حكم البيع لما نحن فيه والقول بالصحّة مع الضميمة ، فإنه قياس محض ولا مجال لقبوله.

(4) فإنه أمر معقول في نفسه ، فإنّ التمليك أمر اعتباري وهو سهل المئونة ، فيصحّ تعلقه بالمعدوم ، كما يصحّ أن يكون المالك غير شاعر أو كلي ، كملكيّة المسجد لأثاثه والسادة للخمس والفقراء للزكاة ، على القول بملكيتهم لها.

بل الوقوع خير دليل على الإمكان ، حيث يصحّ بيع الثمار مع الضميمة. إلّا أنّ الإشكال وكما عرفت ليس من هذه الجهة ، وإنما هو من حيث مقام الإثبات ، إذ


1) (*) فيه إشكال ، وإسراء حكم البيع إلى الإجارة قياس.

وجوده لوجوده المستقبلي ، ولذا يصحّ مع الضميمة أو عامين ، حيث إنهم اتفقوا عليه في بيع الثمار ، وصرح به جماعة ههنا. بل لظهور اتفاقهم على عدم الجواز ، كما هو كذلك في بيع الثمار.

ووجه المنع هناك (1)خصوص الأخبار الدالّة عليه ، وظاهرها أنّ وجه المنع الغرر ، لا عدم معقولية تعلق الملكيّة بالمعدوم. ولو لا ظهور الإجماع في المقام ، لقلنا بالجواز (1) مع الاطمئنان بالخروج بعد ذلك ، كما يجوز بيع ما في الذمة مع عدم كون العين موجوداً فعلاً عند ذيها ، بل وإن لم يكن في الخارج أصلاً.

والحاصل أنّ الوجود الاعتباري يكفي في صحّة تعلق الملكيّة ، فكأنّ العين موجودة في عهدة الشجر ، كما أنها موجودة في عهدة الشخص.

[3553] مسألة 23 : كل موضع بطل فيه عقد المساقاة يكون الثمر للمالك (2) وللعامل اجرة المثل لعمله (3). إلّا إذا كان عالماً بالبطلان ومع ذلك أقدم على


لا دليل على صحة هذه المعاملة.

(1) قد عرفت أنّ وجه المنع إنما هو عدم الدليل على صحة هذه المعاملة ، ومن هنا فلا وجه للالتزام بصحتها حتى مع عدم تمامية الإجماع وانتفاء الغرر.

(2) لتبعيته للشجر في الملك.

(3) لأنه عمل محترم صدر عن أمر الغير به مجاناً ، حيث إنه إنما أتى به بإزاء الحصة من الثمر ، فإذا لم يسلّم له ذلك العوض لاستيفاء المالك للثمر بأكمله نظراً لفساد العقد فلا بدّ للمالك من تدارك عوضه بدفع اجرة مثل عمله له كي لا يذهب سدى.

نعم ، لا بدّ من تقييد إطلاق الحكم بما إذا لم تكن الأُجرة أكثر من الحصّة المجعولة له ، وإلّا فليس له إلّا الأقل ، لإقدامه على إلغاء احترام ماله بالنسبة إلى الزائد عن ذلك المقدار.


1) (*) تقدم وجه المنع في بحث الإجارة.

العمل (1)(1) أو كان الفساد لأجل اشتراط كون جميع الفائدة للمالك (2) حيث إنه بمنزلة المتبرع في هاتين الصورتين ، فلا يستحقّ اجرة المثل على الأقوى وإن كان عمله بعنوان المساقاة.


(1) قد عرفت غير مرة ، أنّ العلم بالبطلان لا يعني بالضرورة الإقدام على المجانية فالفساد إنما هو بلحاظ الحكم الشرعي لا بلحاظ بناء المتعاقدين ، فإنّ عدم إمضاء الشارع له شي‌ء ، وإقدام العامل على العمل مجاناً شي‌ء آخر.

إذن فالصحيح هو القول بالضمان ، سواء علم العامل بالبطلان أم جهل به. فإنّ المالك قد استوفى عملاً محترماً صادراً عن أمره لا بقصد التبرع ، فيكون ضامناً له لا محالة بعد أن لم يسلّم له العامل المسمى في العقد.

(2) فإنه وبذلك يدخل في كبرى : «ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده». وليس الوجه فيه إلّا أنّ عمل العامل في هذه الصورة لم يكن مضموناً على المالك باعتبار أنّ الأمر به إنما كان على نحو التبرع والمجانية.

هذا وقد ناقش فيه صاحب الجواهر (قدس سره) ، بدعوى أنّ العامل إنما قام بالفعل اعتقاداً منه للزوم العقد عليه ووجوب الوفاء به ، ومعه فلا يكون رضاه بالعمل رضى منه به مجاناً (2).

وفيه : إنّ مجرد اعتقاده بذلك لا يوجب ثبوت العوض على المالك ، فإنّ الملاك إنما هو بصدور الفعل عن أمره لا مجاناً ، وحيث إنه غير متحقق في المقام فلا موجب لثبوت الضمان عليه ، ولذا لم يلتزم أحد بالضمان فيما لو تخيل العامل الإجارة فقام بالفعل بذلك الاعتقاد.

والحاصل أنّه لا وجه لإثبات الضمان في المقام ، بعد أن كان العقد على تقدير صحّته يقتضي عدمه.


1) (*) العلم بالبطلان لا يوجب تبرّع العامل بعمله ، وقد مرّ نظيره في المضاربة والمزارعة. نعم الأمر كما ذكر فيما إذا اشترط كون تمام الفائدة للمالك.

2) الجواهر 27 : 68.

[3554] مسألة 24 : يجوز اشتراط مساقاة في عقد مساقاة ، كأن يقول : ساقيتك على هذا البستان بالنصف على أن أُساقيك على هذا الآخر بالثلث. والقول بعدم الصحة لأنه كالبيعين في بيع المنهيّ عنه (1) ضعيف ، لمنع كونه من هذا القبيل (2). فإنّ المنهيّ عنه البيع حالاً بكذا ومؤجلاً بكذا ، أو البيع على تقدير كذا بكذا ، وعلى تقدير آخر بكذا (3). والمقام نظير أن يقول : بعتك داري بكذا على أن أبيعك بستاني بكذا ، ولا مانع منه ، لأنه شرط مشروع في ضمن العقد.


وكذا الحال فيما لو كان الفساد من جهة عدم خروج الثمر على ما اخترناه ، وإن ذهب الماتن (قدس سره) إلى صحته ، فإنه مشمول لقاعدة «ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده».

والوجه فيه ما ذكرناه ، من أنّ الضمان إنما يكون لأمرين : العقد الصحيح ، والأمر بالعمل لا على نحو المجانية والتبرع ، ولا شي‌ء منهما متحقق في المقام. فإنّ المفروض فساد العقد ، والمالك لم يضمن للعامل وراء الحصّة مما أخرجه اللّه من الأرض شيئاً بحيث كان العامل متبرِّعاً بعمله من غير هذه الناحية ، فلا وجه للقول بالضمان.

(1) روى الصدوق (قدس سره) عن شعيب بن واقد ، عن الحسين بن زيد ، عن الصادق (عليه السلام) ، عن آبائه (عليهم السلام) ، في مناهي النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) ، قال : «ونهى عن بيعين في بيع» (1).

وروى الشيخ (قدس سره) ، أنه «نهى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) عن سلف وبيع ، وعن بيعين في بيع» (2).

(2) وعلى تقدير تسليم كونه من هذا القبيل ، فالتعدي عن البيع إلى المساقاة وإثبات حكمه فيها ، ليس إلّا قياساً محضاً.

(3) ويحتمل أن يكون المراد به البيع إلى أجلين مختلفين ، بأن يبيعه الكتاب مؤجّلاً


1) الفقيه 4 : 4 / 1 وأورده في الحديث 12 من الباب 12 من أبواب عقد البيع وشروطه ، الوسائل 18 : 38 كتاب التجارة ب 2 ح 5.

2) التهذيب 7 : 230 / 1005 ، الوسائل 18 : 37 كتاب التجارة ب 2 ح 4.

[3555] مسألة 25 : يجوز تعدّد العامل (1) كأن يساقي اثنين بالنصف له والنصف لهما ، مع تعيين عمل كلّ منهما بينهم أو فيما بينهما (2) وتعيين حصّة كلّ منهما (3).

وكذا يجوز تعدّد المالك واتحاد العامل ، كما إذا كان البستان مشتركاً بين اثنين فقالا لواحد : ساقيناك على هذا البستان بكذا.

وحينئذٍ فإن كانت الحصة المعيَّنة للعامل منهما سواء كالنصف أو الثلث مثلاً صحَّ ، وإن لم يعلم العامل كيفية شركتهما (4) وأنها بالنصف أو غيره. وإن لم يكن سواء كأن يكون في حصّة أحدهما بالنصف وفي حصّة الآخر بالثلث مثلاً فلا بدّ من علمه بمقدار حصّة كلّ منهما ، لرفع الغرر والجهالة في مقدار حصّته من الثمر (5).

[3556] مسألة 26 : إذا ترك العامل العمل بعد إجراء العقد ابتداءً أو في


إلى ستة أشهر بخمسة دنانير ، وإلى سنة بعشرة.

(1) بلا إشكال فيه ولا خلاف.

(2) إذ المعتبر في صحة المساقاة إنما هو تعيين حصّتهما في قبال حصّة المالك ، بحيث يكون نصيب كلّ من العامل والمالك معلوماً. وأمّا معرفة المالك بحصّة كلّ منهما فيما بينهما فهي أمر غير معتبر جزماً ، فإنه لا علاقة للمالك بكيفية قسمة العاملين للحصّة المشتركة بينهما بعد معلومية حصتهما في قبال حصّته.

(3) فيما بينهما.

(4) إذ لا دخل لكيفية شركتهما في الحصّة المجعولة له ، فإنه وعلى كلّ تقدير يأخذ الحصّة المجعولة له من الجميع ، فلا يكون جهله هذا موجباً لجهالة حصّته ، كما هو واضح.

(5) وقد استشكل فيه بعضهم ، بأنه إن تم إجماع على البطلان مع الجهل فهو ، وإلّا فالقول به مشكل ، لعدم الدليل على قدح الغرر في المقام.

وفيه : أنّ الظاهر في المقام هو البطلان ، سواء أقلنا باختصاص نفي الغرر بالبيع كما

الأثناء ، فالظاهر أنّ المالك مخيّر بين الفسخ أو الرجوع إلى الحاكم الشرعي (1) فيجبره على العمل. وإن لم يمكن استأجر من ماله من يعمل عنه ، أو بأُجرة مؤجلة


هو الصحيح ، أم قلنا بعمومه للمقام أيضاً.

وذلك لما أشار إليه الماتن (قدس سره) من استلزامه الجهل بمقدار الحصّة ، فإنه لا بدّ في المساقاة على ما يستفاد من صحيحة يعقوب بن شعيب وأخبار خيبر من معلومية حصّة كلّ من المالك والعامل من الثمر. ولذا لو ساقاه على أن يكون له في مقدار من البستان النصف وفي مقدار آخر منه الثلث من غير تعيين ، لما حكم ببطلانه جزماً.

وحيث إنّ هذا الشرط غير متوفّر في المقام ، لأنه إذا ساقى أحدهما على النصف والآخر على الربع وكان مجموع النتاج مائة وعشرين رطلاً ، اختلف مقدار حقه من المجموع باختلاف مقدار نصيب كل منهما ، فإذا كان نصيب صاحبه الأوّل من البستان الثلثين ونصيب الثاني الثلث كان له من المجموع خمسون رطلاً ، وإذا انعكس الأمر كان له أربعون رطلاً ، فلا بدّ من الحكم بالبطلان.

والحاصل أنّ مساقاة المالكين المتعددين مع اختلاف مقدار الحصّة المجعولة للعامل وجهل نصيب كل منهما في البستان ، لما كان موجباً لجهالة ما يحصل للعامل ، محكومة بالفساد.

(1) لأنه ولي الممتنع. فإنّ وظيفة الولاة وإن كانت في الأصل إجراء الأحكام الصادرة من القضاة ، إلّا أنّ استقرار نظام المعاش وحفظه يقتضي قيامه في عصر الغيبة مقام القاضي فيما هو شأنه ، حفظاً لحقّ المظلوم وإقامة للنظام والقانون ، ولكي لا يلزم من تركه الهرج في الاجتماع.

وبعبارة اخرى : إنّ نظام المعاش يقتضي وجود ولي يأخذ بحقّ المظلوم من الظالم ويقيم العدل في الاجتماع. وعليه فإن كان الوليّ الحقيقي موجوداً فالأمر إليه ، له التصدي له بالمباشرة أو بنائبه الخاص ، ولا حقّ لأحد في الاعتراض عليه. وإلّا فالأمر للحاكم الشرعي ، لأنه القدر المتيقّن في ذلك. ومع عدم إمكانه فالأمر للعدول

إلى وقت الثمر فيؤدّيها منه ، أو يستقرض عليه ويستأجر من يعمل عنه. وإن تعذّر الرجوع إلى الحاكم أو تعسّر ، فيقوم بالأُمور المذكورة عدول المؤمنين (1). بل لا يبعد جواز إجباره بنفسه (2) أو المقاصّة من ماله (1)(3) أو استئجار المالك عنه (4) ثمّ الرجوع عليه أو نحو ذلك.

وقد يقال بعدم جواز الفسخ إلّا بعد تعذّر الإجبار (5) وأنّ اللازم كون الإجبار


من المؤمنين ، حيث إنهم يقومون مقام الحاكم الشرعي حيث يتعسّر أو يتعذّر الرجوع إليه ، لكونهم القدر المتيقّن منه ، بعد المفروغية عن لابدّية أخذ حقّ المظلوم وإقامة نظام العدل في الاجتماع والمنع من الهرج والفوضى.

(1) لما تقدّم.

(2) كما يقتضيه لزوم العقد ، وكونه مالكاً لحق الإلزام.

(3) وفيه : إنها إنما تختص بالأموال ، فلا وجه لإثباتها في المقام ونحوه من موارد ثبوت الحقّ خاصّة ، حيث لا يملك المالك على العامل مالاً شخصياً أو كلياً في الذمّة وإنما يملك عليه حقّ الإلزام خاصة.

والحاصل أنه لا دليل على ثبوت المقاصة في موارد الحقوق.

(4) فيه إشكال بل منع ، إذ لا دليل على ولاية المظلوم على خصمه ، فإنّ الاستئجار تصرّف عن الغير ، ونفوذه عليه من دون رضاه يحتاج إلى الدليل ، وهو مفقود.

إذن فالصحيح هو انحصار حقه في الفرض في الفسخ ، أو إجباره بنفسه ، أو مراجعة الحاكم الشرعي ، ومع عدم إمكانه فعدول المؤمنين.

(5) تعرّضوا لهذا الشرط في باب الخيارات. وقد عرفت في محله أنه لا موجب للقول بالترتب والطولية ، فإنّ مقتضى دليل الفسخ ثبوته حتى مع التمكن من إجبار الممتنع ، إذ لا معنى لجعل الشرط إلّا تعليق الالتزام بالعقد على وجوده.


1) (*) في جوازها وجواز استئجار المالك عنه إشكال بل منع.

من الحاكم مع إمكانه (1). وهو أحوط ، وإن كان الأقوى التخيير بين الأُمور المذكورة (2).

هذا إذا لم يكن مقيَّداً بالمباشرة ، وإلّا فيكون مخيراً بين الفسخ والإجبار (3) ولا يجوز الاستئجار عنه للعمل (4). نعم ، لو كان اعتبار المباشرة بنحو الشرط (5) لا القيد ، يمكن إسقاط حقّ الشرط (6) والاستئجار عنه أيضاً.

[3557] مسألة 27 : إذا تبرّع عن العامل متبرِّع بالعمل جاز إذا لم يشترط المباشرة (7)


(1) ولا دليل عليه. فإنّ لمن له الحق المطالبة به وأخذه من الممتنع إن أمكنه ذلك كما أنّ له رفعه إلى الحاكم الشرعي والاستعانة به في استرداده ، بلا فرق في ذلك بين الحقوق والأموال الشخصية والكليّة.

(2) لما عرفته من عدم الدليل على الطولية والترتب.

(3) على ما يقتضيه تخلف العامل عنه من جهة ، وكونه ملزماً عليه من جهة أُخرى.

(4) لامتناع صدور متعلق العقد ، أعني العمل المقيّد كونه من العامل ، من غيره.

(5) بالتصريح أو إقامة القرينة ، وإلّا فقد عرفت أنّ المتفاهم العرفي من الاشتراط في هذه المقامات هو التقييد.

(6) فيكون حال العقد حينئذٍ حال القسم الأوّل ، أعني الإطلاق وعدم اشتراط شي‌ء ، وإلّا فحاله حال القسم الثاني أعني التقييد.

والحاصل أنّ أمر هذا القسم يدور بين القسمين الأوّلين الإطلاق والتقييد ، فهو إما أن يكون بالنتيجة من الأوّل أو الثاني.

(7) إذ الواجب عليه حينئذٍ إنما هو تحقيق العمل في الخارج ، وهو كما يحصل بفعله يحصل بفعل الغير نيابة عنه ، مجاناً أو بعوض.

بل لو أتى به من غير قصد التبرع عنه أيضاً كفى (1) بل ولو قصد التبرع عن المالك كان كذلك أيضاً (1)(2) وإن كان لا يخلو من إشكال ، فلا يسقط حقّه من الحاصل.

وكذا لو ارتفعت الحاجة إلى بعض الأعمال ، كما إذا حصل السقي بالأمطار ولم يحتج إلى النزح من الآبار ، خصوصاً إذا كانت العادة كذلك. وربّما يستشكل بأنه نظير الاستئجار لقلع الضرس إذا انقلع بنفسه ، فإنّ الأجير لا يستحق الأُجرة لعدم صدور العمل المستأجر عليه منه. فاللازم في المقام أيضاً عدم استحقاق ما يقابل ذلك العمل.

ويجاب بأنّ وضع المساقاة وكذا المزارعة على ذلك ، فإنّ المراد حصول الزرع والثمرة ، فمع احتياج ذلك إلى العمل فعله العامل ، وإن استغنى عنه بفعل اللّه أو بفعل الغير سقط واستحقّ حصّته. بخلاف الإجارة ، فإنّ المراد منها مقابلة العوض بالعمل منه أو عنه.


(1) فيه إشكال بل منع فيما إذا صدر جميع العمل من المتبرع ، فإنه حينئذٍ لا وجه لاستحقاقه شيئاً من الحصّة.

نعم ، لو بقي عليه بعض العمل استحق الحصّة ، إذ لا يجب عليه القيام بجميع الأعمال ، وإنما الواجب عليه قيامه بما تحتاجه الأرض.

والحاصل أنّ حال هذا الفرض ، هو حال ارتفاع الحاجة بنفسها ومن غير قيام أحد بها الآتي حيث اختار (قدس سره) فيه ما ذكرناه هنا ، فإنه لا فرق بينهما بالمرة.

(2) فيه إشكال يظهر مما تقدم.


1) (*) هذا فيما إذا كان المأتيّ به بعض عمل المساقاة. وأما إذا كان جميعه ، ففي كفايته في غير ما إذا قصد التبرع به عن العامل ، إشكال بل منع.

ولا بأس بهذا الفرق فيما هو المتعارف سقوطه أحياناً كالاستقاء بالمطر مع بقاء سائر الأعمال. وأمّا لو كان على خلافه ، كما إذا لم يكن عليه إلّا السقي واستغنى عنه بالمطر أو نحوه كلية ، فاستحقاقه للحصّة مع عدم صدور عمل منه أصلاً ، مشكل (1).

[3558] مسألة 28 : إذا فسخ المالك العقد بعد امتناع العامل عن إتمام العمل ، يكون الثمر له (2) وعليه اجرة المثل (1)(3) للعامل بمقدار ما عمل.

هذا إذا كان قبل ظهور الثمر. وإن كان بعده ، يكون للعامل حصّته (2)(4)


(1) بل ممنوع ، كما عرفت.

(2) على ما يقتضيه الفسخ ، كما ستعرف بيانه.

(3) فيه إشكال بل منع تقدم وجهه غير مرة. فإنّ سبب الضمان ينحصر في العقد الصحيح واستيفاء العمل الصادر عن أمره لا مجاناً ، وحيث إنّ كليهما منتفٍ في المقام فإنّ العقد قد ارتفع بالفسخ ، والأمر إنما كان متعلقاً بالمقدمة الموصلة ، فلا موجب للقول بالضمان.

وبعبارة اخرى : إنّ الضمان من جهة العقد منتفٍ ، لانتفاء العقد بالفسخ. والضمان من جهة الأمر غير ثابت ، بلحاظ عدم مطابقة المأتي به للمأمور به ، إذ الأمر إنما كان متعلقاً بالعمل المستمر إلى حين حصول النتاج ، وهو لم يتحقق في الخارج ، وما تحقق في الخارج من العمل الناقص لم يكن متعلقاً للأمر.

(4) الظاهر أنه لا فرق في كون الثمرة بتمامها للمالك ، بين فرض الفسخ قبل ظهور الثمر وفرضه بعده. وذلك لأنّ تأثير الفسخ وإن كان من حينه ، إلّا أنه لما كان يتعلق بالعقد من الأوّل بحيث يفرض وكأن لم يكن ، كان مقتضاه رجوع كلّ من العوضين في


1) (*) الظاهر أنه لا يستحق اجرة المثل ، لأنّ هذا العمل لم يقع عليه العقد حتى يكون بأمر المالك فإنّ الواقع عليه العقد هو العمل المنتهى إلى وصول الثمر لا مطلقاً.

2) (**) الظاهر أنّ حكم الفسخ بعده حكمه قبله.

وعليه الأُجرة للمالك (1) إلى زمان البلوغ إن رضي بالبقاء ، وإلّا فله الإجبار على القطع بقدر حصّته ، إلّا إذا لم يكن له قيمة أصلاً ، فيحتمل أن يكون للمالك كما قبل الظهور (2).

[3559] مسألة 29 : قد عرفت أنه يجوز للمالك مع ترك العامل العمل أن لا يفسخ ويستأجر عنه ويرجع عليه ، أمّا مطلقاً كما لا يبعد (1)(3) أو بعد تعذّر الرجوع إلى الحاكم. لكن يظهر من بعضهم اشتراط جواز الرجوع عليه بالإشهاد


العقود المعاوضية إلى صاحبه ، وكأن لم يكن قد انتقل عنه إلى غيره بالمرة. وحيث إنّ الحصّة من الثمر إنما جعلت في عقد المساقاة بإزاء عمل العامل وعوضاً عنه ، كان مقتضى الفسخ رجوعها إلى المالك حتى ولو كان الفسخ بعد ظهور الثمر وإدراكه.

ومما يؤكد ذلك ، أنه لو فسخ العقد بعد إدراك الثمر ، بسبب تخلف العامل عن شرط اشترط عليه أو غير ذلك ، لم يكن يعطي إليه الحصّة المقررة من الثمر جزماً ، وإلّا لكان الفسخ لغواً محضاً.

والحاصل أنه ليس معنى الفسخ بقاء العقد على حاله بالنسبة إلى تمليك الحصّة للعامل ، وإلّا لكان الفسخ لغواً واضحاً ، وإنما معناه فرض العقد كأن لم يكن ، ورفع اليد عنه من أوّل الأمر.

(1) ظهر مما تقدم وجه النظر فيه. فإنّ الحصّة وبعد الفسخ لا تبقى على ملك العامل ، كي يستحق المالك عليه اجرة مثل أرضه ، فإنها وبأكملها تعود حينئذٍ ملكاً للمالك ، وعليه للعامل الأُجرة لكون عمل العامل صادراً عن إذنه لا مجاناً. فإنه وفى هذا الفرض قد أتى بالفعل المأمور به ، وحيث إنه لم تسلّم له الحصّة المجعولة نتيجة لفسخ العقد ، يضمن له المالك اجرة مثل عمله.

(2) بل هو كذلك حتى بعد الظهور ، كما عرفت.

(3) قد مر الإشكال فيه ، وقد عرفت أنه مما لا دليل عليه.


1) (*) وقد مر الإشكال فيه.

على الاستئجار عنه ، فلو لم يشهد ليس له الرجوع عليه حتى بينه وبين اللّه. وفيه ما لا يخفى (1).

فالأقوى أنّ الإشهاد للإثبات ظاهراً ، وإلّا فلا يكون شرطاً للاستحقاق ، فمع العلم به أو ثبوته شرعاً يستحقّ الرجوع وإن لم يكن أشهد على الاستئجار.

نعم ، لو اختلفا في مقدار الأُجرة ، فالقول قول العامل في نفي الزيادة. وقد يقال (2) بتقديم قول المالك ، لأنه أمين. وفيه ما لا يخفى.

وأمّا لو اختلفا في أنه تبرع عنه أو قصد الرجوع عليه ، فالظاهر تقديم قول المالك ، لاحترام ماله وعمله ، إلّا إذا ثبت التبرّع ، وإن كان لا يخلو عن إشكال ، بل يظهر من بعضهم تقديم قول العامل.


(1) فإنه مقطوع البطلان ، حيث لا يحتمل مدخلية الإشهاد في ثبوت الولاية بناءً على القول بها ، ولو لا هذه الجهة لكان مقتضى القاعدة القول باعتباره ، فإنه يكفي في إثباته مجرد الشك والاحتمال ، إذ لا دليل لفظي على ثبوت الولاية كي يتمسك به في نفي الاعتبار.

وكيف كان ، فالأمر فيه سهل ، بعد ما عرفت من عدم الدليل على ثبوت الولاية للخصم بنفسه.

(2) التشكيك في هذا الفرع والذي يليه ، إنما يتجه بناءً على ما اخترناه من عدم ثبوت الولاية للخصم نفسه. فإنه حينئذٍ يكون مجال للبحث في تقديم قول المالك في زيادة الأُجرة وعدم التبرع ، أو العامل في النقصان والتبرع.

وأمّا بناءً على ما اختاره الماتن (قدس سره) من ثبوت الولاية له عند تعذّر الرجوع إلى الحاكم ، فلا مجال لهذا من أساسه ، إذ لا وجه للتشكيك في تقديم قول الولي ، فإنه مقدم على دعوى الخصم جزماً ، للسيرة العقلائية القطعية التي يعبر عنها في كلمات الأصحاب بقاعدة : «من ملك شيئاً ملك الإقرار به».

والحاصل أنّ حال الخصم على هذا التقدير يكون هو حال الحاكم عند وجوده ولا أظنّ أنّ أحداً يمكنه زعم تقديم قول الخصم على الحاكم ، لأصالة عدم الزيادة أو

[3560] مسألة 30 : لو تبين بالبينة أو غيرها (1)(1) أنّ الأُصول كانت مغصوبة ، فإن أجاز المغصوب منه المعاملة صحّت المساقاة (2)


أصالة عدم الضمان.

(1) مما تكون حجيته مطلقة أيضاً وغير مختصة بأحد الطرفين ، كحصول القطع أو الشياع المفيد للعلم. وإلّا فلو كانت حجيته مختصّة بأحدهما ، كإقرار المساقي حيث لا يكون حجة إلّا عليه ، فلا وجه للحكم بفساد العقد عند عدم إمضاء المالك بحسب إقرار المساقي له ، فإنّ الإقرار إنما ينفذ في حقّ المقرّ خاصّة دون العامل الجاهل بالحال.

ومن هنا فلا مبرر لانتزاع الحصّة المجعولة له ، في العقد المحكوم بالصحة ظاهراً بالقياس إليه ، منه.

نعم ، يثبت ذلك بالقياس إلى المقرّ ، لاعترافه ببطلان العقد ، لوقوعه على ملك الغير وعدم استحقاقه لها.

وعليه للمقرّ له قيمة ما أخذه العامل من الحصّة ، لاعترافه بكونه هو المتلف له بجعله للعامل في المعاملة المحكومة بالصحة ظاهراً.

نظير ما لو وهب شيئاً بالهبة اللازمة لشخص ثمّ اعترف بكونه غصباً ، فإنه لا يلزم الموهوب له ردّه ، وإنما على المقرّ أن يغرّم للمقرّ له قيمته.

ومن هذا القبيل أيضاً ما لو أقرّ بالمال لأحد ثمّ أقرّ به لثانٍ ثمّ لثالث وهكذا ، حيث يجب عليه دفع عينه إلى الأوّل ، ويغرّم لكل من الباقين قيمته ، لاعترافه بإتلاف المال العائد له.

ولعل مراد الماتن (قدس سره) من كلمة (أو غيرها) غير البينة من الحجج المطلقة وإلّا فالإشكال مستحكم.

(2) بينه وبين العامل ، لأنّ إجازته لها بمنزلة مباشرته للعقد بنفسه ، بناءً على


1) (*) هذا إذا كان حجة مطلقاً ، وأما مثل اعتراف المساقي فلا أثر له بالإضافة إلى العامل.

وإلّا بطلت (1) وكان تمام الثمر للمالك المغصوب منه (2) ويستحق العامل اجرة المثل على الغاصب (3) إذا كان جاهلاً بالحال (4) إلّا إذا كان مدّعياً عدم الغصبية وأنها


ما حقّقناه في محلّه من كون صحة العقد الفضولي عند إجازة من له الأمر على القاعدة نظراً لانتساب الأُمور الاعتبارية التي يكون قوامها بالاعتبار إلى الموكل على حد انتسابها إليه عند مباشرته لها بنفسه ، فإنه وفى التقديرين يكون حقيقياً وخالياً عن التسامح والعناية.

فانتساب هذا العقد للمالك كما يحصل بالإذن السابق منه فيه ، يحصل بإبرازه للرضا به وإمضائه للفعل الصادر من غيره. فليس حال هذا حال الأُمور الخارجية الحقيقية حيث لا يصحّ إسنادها في غير القبض إلى الموكل إلّا بالعناية والمجاز.

والحاصل أنّ إمضاء المالك للالتزام الصادر من الغاصب ، يجعل ذلك الالتزام السابق مستنداً إليه حقيقة ، وكأنه قد باشر بنفسه من الأوّل.

(1) على ما تقتضيه القاعدة ، حيث وقع العقد على أُصول الغير من غير رضاه.

(2) لقانون تبعية الثمر للأُصول.

(3) لأنّ عمله إنما صدر عن أمره لا بقصد المجانية والتبرع ، فلا يذهب سدى.

(4) إذ لو كان عالماً بالحال لكان فعله وتصرفه في الأرض والأُصول محرماً لوقوعه في ملك الغير مع علمه به. ومعه فلا يستحق عليه الأُجرة ، لأنه لا يكون حينئذٍ محترماً.

ومن هنا يظهر أنه لا مجال لقياس المقام بما ذكرناه في غير مورد ، من أنه لا فرق في الضمان بين علم العامل بالفساد وجهله به ، لأنّ العلم به لا يلازم التبرع وقصد المجانية ، فإنّ ذلك فيما إذا لم يكن العلم موجباً لتنجز حرمة الفعل في حقه كما هو الحال في المقام ، وإلّا فلا وجه لإثبات الضمان والأُجرة للفعل الحرام.

والحاصل أنّ استحقاق العامل لُاجرة مثل عمله إنما يختص بفرض جهله بالحال وغصبية الأُصول ، إذ يكون عمله عندئذٍ مباحاً محترماً ، ومعه فله المطالبة بعوضه من

كانت للمساقي ، إذ حينئذٍ ليس له الرجوع عليه ، لاعترافه بصحة المعاملة وأنّ المدّعى أخذ الثمرة منه ظلماً.

هذا إذا كانت الثمرة باقية. وأمّا لو اقتسماها وتلفت عندهما ، فالأقوى أنّ للمالك الرجوع (1)بعوضها على كلّ من الغاصب والعامل بتمامه (1) وله الرجوع على كلّ


الآمر به لا مجاناً. ولا ينافيه الحكم ببطلان العقد ، إذ لا ملازمة بينهما. فهو نظير ما لو استأجر لحمل صندوق فحمله ثمّ بان كونه خمراً ، فإنّ الحكم بفساد تلك الإجارة لا يوجب الحكم بذهاب عمله هدراً ، غاية الأمر أنه يستحق اجرة المثل بدلاً عن الأُجرة المسمّاة في العقد.

(1) الظاهر أنه لا وجه لرجوع المالك على العامل بعوض تمام الثمر مطلقاً ، فإنه لا يقاس المقام بباب تعاقب الأيدي ، حيث حكمنا بجواز رجوع المالك على كلّ منهم وقلنا أنه لا مانع من تعدد الضمانات على المال الواحد نظير الواجب الكفائي.

وذلك لعدم ثبوت يد العامل وسلطنته على إتمام الثمر كي يكون ضامناً له ، فإنّ هذا العنوان لا يصدق على مثل تصرف العامل في جميع الثمر بسقي أُصولها ونحو ذلك ، وإن كان فعله مع علمه بالحال محرماً.

وبعبارة اخرى : إنّ دليل الضمان في أمثال المقام منحصر ببناء العقلاء ، إذ قد عرفت غير مرة أنّ قاعدة «على اليد» لا يجوز الاعتماد عليها ، لعدم ثبوت كونها رواية فضلاً عن دلالتها. وحيث إنه بناء العقلاء غير ثابت فيما نحن فيه ، لتوقفه على تحقق عنوان السلطنة وكون المال تحت تصرفه ، وهو مفقود لعدم صدق ذلك بسبب ما للعامل من التصرفات ، فلا وجه لإثبات ضمان تمام المال عليه.

فشأن تصرّف العامل في غير حصّته شأن الأجير الذي يقوم بكنس الدار المغصوبة ، فإنه أفهل يحتمل القول بضمانه للدار في فرض علمه بالحال فضلاً عن الجهل


1) (*) لا وجه لرجوعه على العامل إلّا بالمقدار الذي وقع من الثمر تحت يده وسلطانه ، وهو خصوص حصته منه لا جميعه. نعم ، له الرجوع بتمام عوضها على الغاصب فقط.

منها بمقدار حصّته (1). فعلى الأخير لا إشكال (2). وإن رجع على أحدهما بتمامه رجع على الآخر بمقدار حصّته (3) إلّا إذا اعترف بصحّة العقد ، وبطلان دعوى المدعي للغصبية ، لأنه حينئذٍ معترف بأنه غرمه ظلماً.

وقيل : إنّ المالك مخير بين الرجوع على كلّ منهما بمقدار حصّته ، وبين الرجوع على الغاصب بالجميع (4) فيرجع هو على العامل بمقدار حصّته. وليس له الرجوع


به؟ كلا ، وليس ذلك إلّا لعدم صدق عنوان السلطنة وكون المال تحت تصرفه ويده بمثل هذا التصرف وإن كان حراماً.

إذن فالصحيح هو عدم جواز رجوع المالك على العامل بتمام الثمر ، في فرض علمه بالحال فضلاً عن الجهل به ، فإنه لا فرق بين الصورتين من هذه الناحية.

وقد ذكر الأصحاب نظير هذا في باب الضمان فيما إذا اشترك غير واحد في السرقة بحيث صدرت السرقة الواحدة منهم جميعاً وعلى نحو الاشتراك ، حيث حكموا بأنه ليس للمالك الرجوع على كلّ منهم إلّا فيما يقابل جريمته ، فليس له مطالبة أحدهم بتمام المتاع. ومن الواضح أنه ليس ذلك إلّا لعدم استقلال كلّ واحد منهم في السلطنة على المال وجعله تحت يده وتصرفه.

نعم ، ما أفاده الماتن (قدس سره) يتمّ بالقياس إلى الغاصب ، حيث يجوز للمالك الرجوع عليه بتمام الثمر ، لثبوت يده عليه بتبع ثبوتها على الأصل ، فيصحّ الرجوع عليه به وإن لم يكن الثمر قد تلف عنده ، فإنه لا أثر لذلك بعد ثبوت سلطنته التامة عليه ووقوعه بتمامه تحت يده.

(1) لسلطنته عليه ووقوعه تحت يده ، فيكون ضامناً له ببناء العقلاء.

(2) حيث يتحمل كلّ منهما ما غرمه للمالك ، ولا يرجع به على صاحبه ، لعدم المبرر له.

(3) لما تقدّم.

(4) وقد تقدّم وجه الحكم في كلا الشقين.

على العامل بتمامه ، إلّا إذا كان عالماً بالحال (1). ولا وجه له بعد ثبوت يده على الثمر بل العين أيضاً.

فالأقوى ما ذكرناه (2) لأنّ يد كلّ منهما يد ضمان وقرار الضمان على من تلف في يده العين. ولو كان تلف الثمرة بتمامها في يد أحدهما كان قرار الضمان عليه.

هذا ويحتمل (3) في أصل المسألة كون قرار الضمان على الغاصب مع جهل العامل ، لأنه مغرور من قبله (1). ولا ينافيه ضمانه لُاجرة عمله ، فإنه محترم


(1) عرفت فيما تقدّم ، أنه لا وجه للتفصيل بين صورتي علمه بالحال وجهله به ، فإنّ الحكم فيهما واحد.

(2) بل عرفته منا.

(3) إلّا أنه لا أساس له بالمرة حتى على تقدير تسليم قاعدة الغرور.

وذلك فلأنّ حال المقام حال سائر العقود الفاسدة من جهة الغصب ، حيث لا غرور بقول مطلق ، فإنه إنما يكون إذا كان تسلم العامل للحصّة من الثمر بعنوان المجانية ، فإنّ معه إذا غرم للمالك شي‌ء جاز له الرجوع به على الغاصب جزماً ، لما ذكرنا غير مرة من بناء العقلاء على معاملة مؤدّى بدل التالف معاملة المالك له بقاءً فله أن يرجع عليه ليطالبه بعوض ماله ، وليس للغاصب الاعتذار بكونه هو المتلف له ، لأنه إنما أقدم على إعطائه له مجاناً ومن غير ضمان. فهو نظير من يغصب الشاة ثمّ يطعمها لمالكها ، حيث لا يوجب ذلك سقوط الضمان.

وأين هذا من المقام ، حيث لم يكن تسلّمه للحصّة بعنوان المجانية ، بل الغاصب إنما جعلها له وسلمها إليه لتكون عوضاً وبدلاً عن عمله في الأصل ، فإذا حكم بضمان بدلها للمالك لم يكن مغروراً من قبل الغاصب ، لرجوعه عليه بأُجرة مثل عمله.

فهو نظير رجوع المالك على المشتري من الغاصب بعوض المبيع التالف ، إذ لا يرجع المشتري على البائع إلّا بضمان واحد هو ما دفعه إليه بعنوان المسمّى ، من دون


1) (*) أي غرور في المقام مع أنه أقدم على تملّك حصته المجعولة له بإزاء عمله لا مجاناً ، والمفروض أنه يرجع على المالك بأُجرة مثله ، فالاحتمال المزبور ضعيف جدّاً.

وبعد فساد المعاملة لا تكون الحصّة عوضاً عنه ، فيستحقّها ، وإتلافه الحصّة إذا كان بغرور من الغاصب لا يوجب ضمانه له.

[3561] مسألة 31 : لا يجوز للعامل في المساقاة أن يساقي غيره مع اشتراط المباشرة (1) أو مع النهي عنه (2).

وأمّا مع عدم الأمرين ، ففي جوازه مطلقاً كما في الإجارة والمزارعة وإن كان لا يجوز تسليم الأُصول إلى العامل (1)الثاني إلّا بإذن المالك (3) أو لا يجوز مطلقاً وإن أذن المالك ، أو لا يجوز إلّا مع إذنه ، أو لا يجوز قبل ظهور الثمرة ويجوز بعده (4) أقوال ، أقواها الأوّل (5).


أن يكون له الرجوع بما غرمه للمالك أيضاً بدعوى كونه مغروراً من قبله.

(1) لمنافاته للشرط الواجب عليه الوفاء به ، لكونه مأخوذاً في ضمن عقد لازم.

(2) لأنه يدل بالدلالة الالتزامية على اعتبار المباشرة ، فيكون بمنزلة الشرط.

(3) على إشكال فيه تقدّم في الإجارة والمزارعة ، ويأتي بيانه قريباً.

(4) الظاهر عدم كون هذا التفصيل قولاً في المسألة ، إذ الذي ينبغي أن يكون محلّاً للكلام هو خصوص فرض ما قبل ظهور الثمر. وأما بعده فلما كان العامل مالكاً للحصّة منها بالفعل على ما سيأتي منه قدس سره أيضاً فله أن يتصرف فيها وينقلها بأيّ ناقل شاء وبإزاء أي عوض اختار ، فإنّ العمومات والإطلاقات غير قاصرة الشمول لمثله.

(5) نظراً لأنّ دليل صحة المساقاة يقتضي ثبوت حق للعامل في التصرف في ذلك البستان بإزاء الحصّة المعينة من الثمر ، ومعه فنقله إلى الغير لا يحتاج إلى الدليل الخاص ، لكفاية العمومات والإطلاقات في إثبات جوازه ، فإنّ «الناس مسلطون على أموالهم» (2).


1) (*) الحكم فيه كما مرّ في المزارعة والإجارة.

2) عوالي اللّئالي 1 : 22 ح 99.

ولا دليل على القول بالمنع مطلقاً أو في الجملة بعد شمول العمومات (1) من قوله تعالى ( أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ) و ( تِجارَةً عَنْ تَراضٍ ) . وكونها على خلاف الأصل (2) فاللازم الاقتصار على القدر المعلوم (3) ممنوع بعد شمولها (4).


نعم ، لو كان الشك في صحة المساقاة من أساسها ، لكان إثباتها محتاجاً إلى الدليل الخاص ، لعدم وفاء العمومات والإطلاقات بها ، لما عرفته مراراً من عدم شمولها لما يتضمن تمليك المعدوم.

إلّا أنّ المقام ليس من هذا القبيل. فإنّ صحة العقد ثابتة وحق العامل في البستان أمر لا يقبل الإنكار ، فلم يبق إلّا نقل هذا الحقّ كلّاً أو بعضاً إلى الغير ، وإثباته لا يحتاج إلى الدليل الخاص.

والحاصل أنّ أصل ثبوت الحق للعامل يحتاج إلى الدليل الخاص ، حيث لا يمكن إثباته بالعمومات والإطلاقات. وأما بعد ثبوته ، فجواز نقله إلى الغير يكون على القاعدة ، ولا يحتاج إلى الدليل الخاص.

ثمّ إنّ مقتضى ما ذكرناه ، هو الالتزام بجواز تسليم الأُصول إلى العامل الثاني مطلقاً أيضاً ، ومن غير توقف على إذن المالك في ذلك ، على ما تقدم بيانه في باب الإجارة والمزارعة أيضاً. فإنه لما لم تكن المباشرة شرطاً في المساقاة ، وكان يجوز للعامل الأوّل أن يشرك غيره في العمل والتصرّف ، جاز له تسليم الأرض إلى غيره أيضاً ، ويكون ذلك مقتضى إطلاق العقد.

(1) في شمولها لمثل المقام ما لا يخفى.

(2) لاشتمالها لتمليك المعدوم ، وهو غير جائز.

(3) وهو ما إذا كان المالك هو طرف المعاملة مع العامل.

(4) بل لما تقدّم ، من أنّ المقام من نقل الحقّ الثابت للعامل ، لا من إثبات الحقّ له كي يحتاج إلى الدليل الخاص.

ثمّ إنّ من دليل البطلان هذا يظهر عدم تمامية التفصيل بين صورتي إذن المالك في ذلك وعدمه ، إذ لا أثر لإذن المالك في المعاملة التي لم يقم دليل على صحتها.

ودعوى أنه يعتبر فيها كون الأصل مملوكاً للمساقي ، أو كان وكيلاً عن المالك أو وليّاً عليه ، كما ترى ، إذ هو أوّل الدعوى (1).

[3562] مسألة 32 : خراج السلطان في الأراضي الخراجية على المالك (2) لأنه إنما يؤخذ على الأرض التي هي للمسلمين ، لا الغرس الذي هو للمالك ، وإن أخذ على الغرس فبملاحظة الأرض ، ومع قطع النظر عن ذلك أيضاً كذلك ، فهو على المالك مطلقاً (3) إلّا إذا اشترط كونه على العامل (4) أو عليهما بشرط العلم بمقداره.

[3563] مسألة 33 : مقتضى عقد المساقاة ملكيّة العامل للحصّة من الثمر من حين ظهوره. والظاهر عدم الخلاف فيه (5) إلّا من بعض العامة ، حيث قال بعدم ملكيّته له إلّا بالقسمة ، قياساً على عامل القراض ، حيث إنه لا يملك الربح إلّا بعد الإنضاض. وهو ممنوع عليه حتى في المقيس عليه (6).


(1) حيث يكفي في الصحة كونه ذا حق فيها ، بحيث يجوز له ذلك التصرف.

(2) لا بمعنى أنّه إن أخذ من العامل قهراً كان له الرجوع به على المالك ، فإنه مما لا دليل عليه. وإنما هو بمعنى أنه إذا أخذه من المالك لم يكن له الرجوع به ، كلّاً أو بعضاً ، على العامل.

(3) لاقتضاء عقد المساقاة له ، حيث لا يكون على العامل إلّا العمل بما فيه مستزاد الثمرة ، وأمّا الأرض والأُصول فهما بشؤونهما من واجبات المساقي.

(4) فيجب عليه الوفاء من باب لزوم الشرط ، لا اقتضاء العقد بنفسه له.

(5) وتدلّ عليه قبل كلّ شي‌ء صحيحة يعقوب بن شعيب المتقدمة في أوّل الكتاب ، حيث إنّ المذكور فيها عنوان (ما أخرج) ومن الواضح أنه صادق على الثمرة قبل الإدراك ، فإنها مما أخرجته الأرض ، فيكون للعامل منها الحصّة المعيّنة المجعولة له.

(6) لما عرفته في المضاربة ، من اشتراك العامل مع المالك في الربح وملكيّته للحصّة منه بمجرّد ظهوره ، ومن غير توقف على الإنضاض فضلاً عن القسمة.

نعم ، تكون هذه الملكيّة قبل القسمة متزلزلة ، نظراً لكون الأرباح وقاية لرأس

نعم ، لو اشترطا ذلك في ضمن العقد لا يبعد صحّته (1)(1) ، ويتفرّع على ما ذكرنا فروع.

منها : ما إذا مات العامل بعد الظهور قبل القسمة مع اشتراط مباشرته للعمل ، فإنّ المعاملة تبطل من حينه (2)والحصّة تنتقل إلى وارثه على ما ذكرنا (2).


المال ، حيث تجبر به الخسارة الطارئة.

إذن فالحكم غير ثابت في المضاربة. وعلى تقدير ثبوته فيها ، فإثباته في المقام قياس محض ، ولا نقول به.

(1) بل هي بعيدة جدّاً ، لما عرفته غير مرة من أنّ دليل الشرط ليس مشرعاً ، فإنه لا يقتضي إلّا لزوم الوفاء بما ثبت جوازه ومشروعيته في نفسه وقبل أخذه شرطاً في ضمن العقد ، فما لم يكن كذلك لا مجال لإثبات صحته بالشرط.

وحيث إنّ المقام من قبيل الثاني ، باعتبار أنّ الملكيّة بعد الإدراك أو القسمة من تمليك المعدوم وهو غير سائغ في نفسه ، فلا وجه لإثبات صحته بالشرط.

فالصحيح هو القول بالبطلان ، لقصور أدلّة الشروط عن إثبات صحته ، بعد عدم شمول أدلّة المساقاة لمثله ، نظراً لكونها على خلاف القاعدة ، فلا يمكن التعدّي عن موردها الاشتراك من حين ظهور الثمر إلى غيره.

(2) وفيه : أنه لا وجه لجعل الحصة للورثة بعد الحكم ببطلان العقد ، فالصحيح هو الحكم ببطلان العقد من أصله ، لامتناع تحقق متعلقه ، حيث لا يمكن الإتيان بالأعمال الباقية من العامل. وعليه فيكون الثمر بأجمعه للمالك ومن دون أن ينتقل منه شي‌ء إلى الميت أو ورثته ، لأنّ الحصّة إنما جعلت له بإزاء مجموع عمله وتمامه ، وحيث إنه لا يمكنه الوفاء به فلا يستحق شيئاً منها.

والحاصل أنّ ملكيّة العامل للحصّة وإن كانت من حين الظهور ، إلّا أنها مشروطة


1) (*) بل هي بعيدة.

2) (**) بل من أصله ، ويستحق العامل اجرة المثل ، وبذلك يظهر الحال في الفروع الآتية.

ومنها : ما إذا أفسخ أحدهما بخيار الشرط (1)أو الاشتراط بعد الظّهور (1) وقبل القسمة ، أو تقايلا.

ومنها : ما إذا حصل مانع عن إتمام العمل بعد الظهور (2).

ومنها : ما إذا خرجت الأُصول عن القابلية لإدراك الثمر ، ليبس أو فقد الماء أو نحو ذلك بعد الظّهور ، فإنّ الثمر في هذه الصور مشترك بين المالك والعامل وإن لم


بشرط متأخر ، هو إنهاء العامل للعمل حتى يبلغ ويدرك. ومن هنا فإذا امتنع تحقق هذا الشرط في الخارج ، كان لازمه الحكم ببطلان العقد من الأوّل ، وانتقال الثمر بأكمله إلى المالك ، ومن دون أن يكون للعامل منه شي‌ء.

نعم ، لما كان عمل العامل هذا عملاً محترماً صادراً عن أمر الغير لا بقصد المجانية ثمّ لم يسلّم له العوض المجعول له للحكم ببطلان العقد ، كان له اجرة المثل عليه ، سواء أقلنا بملكيّته للحصّة من حين الظهور أو بعد الإدراك.

إذن فلا وجه لجعل ما ذكره (قدس سره) ثمرة للنزاع. فإنّ المعاملة باطلة على التقديرين ، والثمرة بأكملها تكون للمالك من دون أن يكون شي‌ء منها لورثة العامل.

(1) فساد الثمرة في هذا الفرع أوضح منه في سابقه ، لأنه وإن كان ذلك بعد بلوغ الثمرة وإدراكها ، إلّا أن نتيجة الفسخ إنما هي فرض العقد كأن لم يكن ورجوع كلّ من العوضين إلى مالكه ، فيكون الثمر بأجمعه للمالك على كلا القولين ، وللعامل اجرة مثل عمله لما تقدّم.

(2) يظهر الحال فيه مما تقدّم في الفرع الأوّل. فإن حال العجز عن الإتمام مع اشتراط المباشرة عليه هو حال الموت مع الشرط ، فيحكم ببطلان العقد من الأوّل ويكون الثمر بتمامه للمالك ، وللعامل اجرة مثل عمله.


1) (*) مرّ أنّ الفسخ يوجب تملّك المالك للثمر واستحقاق العامل اجرة المثل ، وقد مرّ نظيره في المزارعة.

يكن بالغاً (1)(1).

ومنها : في مسألة الزكاة. فإنها تجب على العامل أيضاً إذا بلغت حصّته النصاب ، كما هو المشهور ، لتحقق سبب الوجوب ، وهو الملكيّة له حين الانعقاد أو بدو الصلاح على ما ذكرنا ، بخلافه إذا قلنا بالتوقّف على القسمة (2).

نعم ، خالف في وجوب الزكاة عليه ابن زهرة هنا وفي المزارعة ، بدعوى أنّ ما يأخذه كالأُجرة. ولا يخفى ما فيه من الضعف ، لأنّ الحصّة قد ملكت بعقد المعاوضة أو ما يشبه المعاوضة ، لا بطريق الأُجرة (3). مع أنّ مطلق الأُجرة لا تمنع من وجوب الزكاة ، بل إذا تعلق المالك بها بعد الوجوب ، وأمّا إذا كانت مملوكة قبله فتجب زكاتها كما في المقام.


(1) هذا فيما إذا صدق عليه عنوان الثمر كما هو الظاهر من كلامه (قدس سره) كالحصرم بالنسبة إلى العنب ، فإنه ثمر موجود قابل للانتفاع به والاستفادة منه ، وإن لم يكن قد بلغ الحدّ المقصود وأدرك. فإنه حينئذٍ يصحّ جعله ثمرة للقولين ، فإنه على الأوّل يكون مشتركاً بينهما ، في حين يختصّ به المالك على الثاني ، وهو واضح.

وأمّا إذا كان ذلك قبل صدق عنوان الثمر عليه ، فالظاهر اتحاد النتيجة على القولين فإنّ الموجود وبأكمله يكون للمالك ومن دون أن يكون للعامل شي‌ء ، لأن مبدأ الاشتراك إنما هو من حين ظهور الثمر ، فمع انتفائِه لا يكون للعامل شي‌ء ، وبذلك ينكشف بطلان المساقاة من الأوّل ، لابتنائها على إمكان خروج الثمر على ما مرّ فتبطل بامتناعه.

(2) حيث تكون على المالك خاصة ، لتحقق سبب الوجود بالقياس إليه فقط دون العامل ، لأنه إنما ملكه بعد الانعقاد وبدو الصلاح.

(3) فإنّ المالك لا يملك عمل العامل بالعقد كي تكون الحصّة المجعولة له اجرة له وإنما المساقاة على ما تقدّم بيانها معاملة مستقلة تجعل لكلّ من الطرفين حقّ إلزام


1) (*) هذا إذا صدق عليه الثمر ، وإلّا فالحكم بصحة المساقاة مشكل.

وكما لو جعل مال الإجارة لعمل زرعاً قبل ظهور ثمرة ، فإنه يجب على المؤجر زكاته إذا بلغ النصاب ، فهو نظير ما إذا اشترى زرعاً قبل ظهور الثمر.

هذا وربّما يقال بعدم وجوب الزكاة على العامل في المقام ، ويعلل بوجهين آخرين :

أحدهما : أنها إنما تجب بعد إخراج المؤن ، والفرض كون العمل في مقابل الحصّة فهي من المؤن. وهو كما ترى (1) وإلّا لزم احتساب اجرة عمل المالك والزارع لنفسه أيضاً ، فلا نسلّم أنها حيث كانت في قبال العمل تعدّ من المؤن.

الثاني : أنه يشترط في وجوب الزكاة التمكّن من التصرّف ، وفي المقام وإن حصلت الملكيّة للعامل بمجرد الظهور ، إلّا أنه لا يستحقّ التسلّم إلّا بعد تمام العمل. وفيه : مع فرض تسليم عدم التمكّن من التصرّف (1)أنّ اشتراطه مختصّ بما


الآخر بما تعهد به.

(1) حيث قد عرفت في مسألة استثناء المؤن في باب الزكاة ، أنه وإن كان هو المشهور والمعروف بينهم إلّا أنه لا دليل عليه بالمرة ، فإنّ الدليل على الاستثناء إنما يختص بالخمس ، فلا وجه لإثبات الحكم في الزكاة أيضاً. وعليه فمقتضى إطلاقات وجوب العشر أو نصفه في الحاصل ، وجوب الزكاة في الجميع.

على أننا لو قلنا بالاستثناء تنزلاً ، فالتعبير بالمئونة لا يعمّ العمل الذي يقوم به الإنسان في سبيل تحصيل الثمر ، فإنها ليست إلّا الأموال الخارجية التي يبذلها الإنسان في سبيل تحصيله. كما هو الحال في الخمس أيضاً ، حيث يتعلق الخمس بالفاضل عن مئونة سنة العامل مما جمعه من أُجور عمله ، من دون استثناء شي‌ء بعنوان عمله وهكذا.

وعليه فحيث إنّ العامل في المقام لم يصرف شيئاً من أمواله الخاصة في سبيل


1) (*) الصحيح عدم تسليمه ، وإلّا فقد تقدّم في محله عدم اختصاص الاشتراط بما يعتبر الحول في زكاته.

يعتبر في زكاته الحول كالنقدين والأنعام لا في الغلّات (1) ففيها وإن لم يتمكن من التصرف حال التعلق يجب إخراج زكاتها بعد التمكن على الأقوى ، كما بُيِّن في محلّه.

ولا يخفى أنّ لازم كلام هذا القائل عدم وجوب زكاة هذه الحصّة على المالك أيضاً (2) كما اعترف به. فلا يجب على العامل لما ذكر ، ولا يجب على المالك لخروجها عن ملكه.


تحصيل الزرع ، وإنما صرف العمل خاصة ، فلا وجه لاستثناء شي‌ء له بعنوان المئونة.

(1) تقدّم الكلام في هذا الفرع في كتاب الزكاة مفصلاً. وقد عرفت هناك أنّ الصحيح اعتبار التمكن من التصرف بقول مطلق ومن غير اختصاص له بالنقدين والأنعام ، فإنّ مجرد ملكيّة العين لا يوجب تعلق الزكاة بها حتى ولو لم يمكن المالك التصرّف فيها وإن كانت من الغلّات.

ومن هنا فالصحيح في الجواب أن يقال : إنّ عدم التمكن من التصرف الذي يكون مانعاً من تعلق الزكاة بالعين ، لا يعمّ العجز الناشئ من الحكم التكليفي ، فإنّ المراد به إنما هو العجز الخارجي الناشئ من خروج المال عن تحت سلطانه ، بالغصب أو السرقة أو ما شاكلهما. وأمّا العجز الناشئ من الحكم التكليفي ولو من جهة النذر ونحوه ، فلا يوجب انتفاء الزكاة عن العين ، وإلّا لما وجبت الزكاة على المالك أيضاً لعدم جواز تصرفه في المال المشترك ، بل وعدم وجوبها في مطلق المال المشترك باعتبار أنّ كلّاً من الشركاء يكون ممنوعاً من التصرف في المال المشترك من دون إذن سائر الشركاء ، وهو مقطوع البطلان ولا يمكن الالتزام به.

(2) بل وفي حصّته أيضاً ، بل وفي مطلق المال المشترك وإن لم يكن الاشتراك من جهة المساقاة ، حيث لا يجوز لأحد من الشركاء التصرف في المال المشترك قبل إذن سائر الشركاء ، كما تقدّم.

[3564] مسألة 34 : إذا اختلفا في صدور العقد وعدمه فالقول قول منكره (1) وكذا لو اختلفا في اشتراط شي‌ء على أحدهما وعدمه (2). ولو اختلفا في صحّة العقد وعدمها ، قدم قول مدعي الصحّة (3). ولو اختلفا في قدر حصّة العامل ، قدم قول المالك المنكر للزيادة (4) وكذا لو اختلفا في المدّة (5).

ولو اختلفا في قدر الحاصل ، قدم قول العامل (6) وكذا لو ادّعى المالك عليه سرقة أو إتلافاً أو خيانة (7) وكذا لو ادّعى عليه أنّ التلف كان بتفريطه إذا كان أميناً له ، كما هو الظاهر.

ولا يشترط في سماع دعوى المالك تعيين مقدار ما يدعيه عليه ، بناءً على ما


(1) فإنّ إلزام الغير بشي‌ء جواز التصرف في بستانه أو العمل في الأُصول يحتاج إلى الإثبات ، وإلّا فالأصل عدمه.

(2) لما تقدّم ، فإنه أمر زائد على العقد ، فإلزامه به يحتاج إلى الإثبات ، كما هو الحال في سائر العقود.

(3) لأصالة الصحة المستفادة من السيرة العملية القطعية.

(4) لقانون تبعية النماء للأصل في الملكيّة ، فإنّ مقتضاه كون جميع النماء للمالك ، وإنما خرجنا عنه في خصوص القدر المتيقن لثبوت الجعل بالنسبة إليه في العقد الصحيح فيبقى الباقي على ملك المالك بمقتضى القاعدة.

(5) فإنّ إلزام مدعي الأقل بالفترة الزائدة يحتاج إلى الإثبات.

(6) لم يظهر لنا ثمرة هذا النزاع ، كي يقال بتقديم قول العامل أو المالك. فإنّ مجرد النزاع في قدر الحاصل بوحدة لا أثر له ما لم يرجع إلى الدعوى الآتية ، من الاتهام بالإتلاف أو السرقة أو الخيانة ، أو التلف مع التفريط ، أو الاستيلاء عليه من غير إذن المالك ولو اشتباهاً ، وإلّا فأصل النزاع لا يجدي شيئاً بعد أن كان الاشتراك في أصل الثمار لا بدلها.

(7) للأصل.

هو الأقوى من سماع الدعوى المجهولة (1) خلافاً للعلّامة في التذكرة في المقام.

[3565] مسألة 35 : إذا ثبت الخيانة من العامل بالبيّنة أو غيرها ، هل له رفع يد العامل على الثمرة أو لا؟ قولان ، أقواهما العدم (1)(2) لأنه مسلط على ماله. وحيث إنّ المالك أيضاً مسلط على حصّته ، فله أن يستأجر أميناً يضمّه مع العامل ، والأُجرة عليه لأنّ ذلك لمصلحته. ومع عدم كفايته في حفظ حصّته ، جاز رفع يد العامل (3)


(1) لإطلاقات أدلّة القضاء بالبيّنات والايمان وأنّ على المدعي البيّنة واليمين على من أنكر ، فإنّ مقتضاها عدم اختصاص ذلك بكون الدعوى محدودة المقدار ، بل تسمع حتى ولو ادعى السرقة على الإطلاق ومن غير تحديد للكميّة المسروقة.

(2) بل أقواهما الجواز. وذلك لأنّ في عقد المساقاة خصوصية تمتاز بها عن سائر موارد الشركة ، إلا وهي تصرّف العامل في البستان والملك الخاص للمالك زائداً عن تصرّفه في الأُصول والثمر ، وهذا التصرف إنما كان العامل مأذوناً فيه ما دام كان يقوم به لحفظ الثمرة وتربيتها مجرّداً عن الخيانة والتعدِّي ، فإذا تغيّرت الحالة وثبت خيانة العامل كان للمالك رفع اليد عن إذنه في هذا التصرف ، ومعه فلا يجوز للعامل الدخول إلى البستان.

وبعبارة اخرى : إنّ العامل إنما هو مأذون في حصّة خاصّة من الدخول والتصرّف في البستان ، وهي ما يكون لصالح الثمر من الحفظ والتربية مجرّداً عن الخيانة ، فإنّ هذه الحصّة من التصرف هي التي التزم المالك بها ، فإذا تجاوز العامل تلك الحدود وقام بخيانة المالك كان له رفع يده عن إذنه ومنعه من التصرّف فيه ، ومجرّد سلطنة العامل على الثمرة لا يقتضي لزوم الإذن على المالك للعامل في التصرّف في ماله الخاص به أعني البستان.

(3) وكأنه لدليل نفي الضرر الحاكم على قاعدة السلطنة. فإنّ سلطنة العامل على


1) (*) فيه إشكال.

واستئجار من يحفظ الكلّ ، والأُجرة على المالك أيضاً (1).

[3566] مسألة 36 : قالوا المغارسة باطلة (1)(2). وهي أن يدفع أرضاً إلى غيره ليغرس فيها على أن يكون المغروس بينهما ، سواء اشترط كون حصّة من الأرض أيضاً للعامل أو لا. ووجه البطلان الأصل بعد كون ذلك على خلاف القاعدة ، بل ادعى جماعة الإجماع عليه.


ماله إذا كانت موجبة لتضرر شريكه المالك كان مقتضى حكومة لا ضرر على قاعدة السلطنة ، ثبوت الحق للشريك في منعه منه ورفع يده عن المال.

فليس للشريك أن يضرّ بشريكه وإن كان مسلّطاً على ماله ، فإنّ ذلك لا يعني جواز الإضرار بالشريك على ما يستفاد ذلك من قضيّة سمرة بن جندب مع الأنصاري ، حيث كان له عذق في بستانه فكان يدخل ويخرج من غير استئذان مما كان يسبب إزعاجاً للأنصاري وعائلته ، فشكا عند رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) فأمر الرجل بالالتزام بما لا يوجب تضرّر الأنصاري ، لكنه لما امتنع عن امتثاله أمر (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) الأنصاري بقلع الشجرة وإلقائها (2).

وهذا التوجيه تامّ ومتين. إلّا أنّ مقتضاه عدم اختصاص الحكم بصورة عدم كفاية ضمّ الأمين إلى العامل في حفظ الحصّة ، وثبوته حتى مع التمكن من الاستئجار ، لأنّ الاستئجار من أجل منع صاحبه من الخيانة حكم ضروري أيضاً ، فلا وجه لإلزام المالك به.

ومن هنا فلا يبعد الحكم بجواز رفع المالك ليد العامل عن الحصّة ، سواء تمكن من استئجار من يضمّه إلى العامل أم لم يتمكن. وحينئذ فيلزم المالك بحفظ المال المشترك حذراً من التلف.

(1) لما تقدّم.

(2) وهو الصحيح ، على ما ستعرف بيان الوجه فيه.


1) (*) وقولهم هو الصحيح.

2) الكافي 5 : 292 / 2 ، الوسائل 25 : 428 كتاب إحياء الموات ب 12 ح 3.

نعم ، حكي عن الأردبيليّ وصاحب الكفاية الإشكال فيه ، لإمكان استفادة الصحة من العمومات. وهو في محلّه (1) إن لم يتحقّق الإجماع.


(1) بل الصحيح هو القول بالفساد ، لعدم إمكان التمسك بالعمومات في المقام من جهات :

الاولى : إنّ ظاهر العمومات والإطلاقات اتحاد زمان الإنشاء والمنشأ ، بحيث يكون الأثر فعلياً ومتحققاً مقارناً للإنشاء في زمانه ، ولذا قلنا بعدم صحة بيع داره في غير الآن أو إطلاق زوجته كذلك.

وحيث إنّ هذا الشرط غير متوفّر في المقام ، إذ المغارسة على ما هو ظاهر تعريف الماتن (قدس سره) وغيره لها إنما تقتضي استقلال مالك الفسلان بملكيّتها قبل غرسها وكون شركتهما في المغروس ، وهو من إنشاء ملكيّة الأمر المتأخر حيث يكون الإنشاء فعلياً في حين إنّ المنشأ الملكيّة إنما يكون بعد الغرس ، فلا تشمله العمومات ولا يمكن الحكم بصحتها.

وبعبارة اخرى : إنّ ظاهر العمومات اعتبار اتصال المنشأ وما يحكم بانتقاله بموجب العقد ، بالإنشاء والعقد نفسه. وحيث إنّ هذا مفقود في المغارسة ، باعتبار أنها مستلزمة للتفكيك بين الإنشاء والمنشأ ، فلا تشمله العمومات.

ولا يقاس ذلك بباب الإجارة ، حيث لا خلاف في صحّة إجارة الدار أو غيرها في الشهر القادم أو السنة القادمة من الآن.

فإنه توهم فاسد ، إذ لا انفكاك بين الإنشاء والمنشأ والعقد والملكيّة فإنهما متحدان زماناً ، غاية الأمر أنّ المُملَّك بالفتح بالعقد هو المنفعة المتأخرة ، ولا ضير في ذلك بعد أن كانت المنافع بأجمعها الموجودة بالفعل واللّاحقة مملوكة للمالك.

الثانية : جهالة فترة الملكيّة ، حيث لا حدّ للعمل الذي التزم به الغارس بالنسبة إلى الأشجار ، فإنه غير موقت بوقت معيّن. ومن هنا فإن كان مبهماً فلا مجال للحكم بصحّة ما لا واقع له ، وإن كان موقّتاً ببقاء الأشجار حكم ببطلانها لمجهولية تلك الفترة.

ثمّ على البطلان يكون الغرس لصاحبه (1). فإن كان من مالك الأرض ، فعليه اجرة عمل الغارس (2) إن كان جاهلاً بالبطلان (1)(3). وإن كان للعامل ، فعليه


ودعوى أنّ الجهالة في غير البيع لا تقتضي البطلان ، لعدم الدليل عليه.

مدفوعة بأنّ ذلك إنما هو فيما لا دخل له في مالية الشي‌ء ، وإلّا فلا يصحّ العقد معها.

الثالثة : مجهولية المنفعة التي يسلّمها المالك للغارس بالتمليك أو الإذن ، فيما إذا كان عوض عمله منحصراً في انتفاعه بالأرض بحيث لم يكن قد اشترط له الحصّة من الأرض ، فإنّ هذه المنفعة مجهولة لعدم تحديدها بحدّ معيّن. ومعه فلا مجال للحكم بصحتها.

والحاصل أنّ الحكم بصحة المغارسة يحتاج إلى الدليل الخاص ، وحيث أنه مفقود فالأصل هو الفساد.

ثمّ إنّ الحكم بالصحة على تقدير تسليمه ، إنما يتمّ فيما إذا كانت الأشجار معلومة من حيث الكمّ والجنس ، وإلّا فلا مجال للحكم بها ، إذ لا موقع للحكم بصحة ما لا واقع له أصلاً.

(1) لعدم الموجب لانتقاله عنه إلى غيره ، فإنّ السبب المتصوّر إنما هو العقد والمفروض الحكم ببطلانه وعدم تأثيره شيئاً.

(2) لصدور عمله المحترم عن أمره لا بقصد المجانية. وحيث لم يسلّم له العوض المسمّى ، تثبت له اجرة المثل ، لئلا يذهب عمله المضمون هدراً.

(3) بل ومع العلم به أيضاً ، لما عرفته في غير موضع من أنّ العلم بالفساد لا يلازم تبرع العامل بالعمل ، فإنه إنما يقدم على القيام بالعمل مضموناً على المالك ، حتى مع علمه بعدم إمضاء الشارع لذلك العوض.

نعم ، حيث حكم على العقد بالبطلان ، لا يستحق العامل العوض المسمى والضمان المعيّن في العقد ، وإنما ينتقل حقّه إلى بدل عمله وأُجرة مثله.


1) (*) بل مع العلم به أيضاً فيه وفيما بعده.

أُجرة الأرض للمالك (1) مع جهله به (2). وله الإبقاء بالأُجرة (3) أو الأمر بقلع الغرس (4) أو قلعه بنفسه (5) وعليه أرش نقصانه إن نقص من جهة القلع (6).


(1) لاستيفائه لمنافعها وتصرّفه فيها مضموناً عليه.

(2) ظهر الحال فيه مما تقدّم في نظيره.

(3) أو مجّاناً مع التراضي. فإنّ الملك لهما ، فالأرض للمالك والغرس للعامل ، فالحقّ لا يعدوهما.

(4) لسلطنته على أرضه ، فله مطالبته بتخلية ملكه عن مال لا يعود إليه.

(5) فإنّ جواز تخليته لملكه عن مال الغير من حقوق المالكيّة المملوكة له ، فله مباشرتها بنفسه وليس للغارس منعه عنها ، كما هو الحال في غير الأشجار من الأموال.

ثمّ هل يكون هذا الحقّ في طول أمره للعامل بالتخلية وامتناعه عنها ، أو في عرضه بحيث يكون له مباشرتها ابتداءً وقبل مراجعة العامل؟

الظاهر هو الثاني ، فإنه مسلّط على ماله ، وليس للغارس حق في الإبقاء كي يتوهّم منافاة التخلية لسلطنته على الأشجار. فهو نظير ما يذكرونه فيما إذا دخل مال الغير في ملكه بغير إذنه ، كما لو دخل بعض القطيع إلى داره ، فإنه يجوز له إخراجه ابتداء وقبل مراجعة مالكه وأمره بذلك ، ولا يعدّ ذلك منافياً لسلطنة صاحبه عليه ، بعد أن لم يكن لصاحبه حقّ وسلطان في إبقائه في ذلك المكان.

(6) هذا إذا لم يباشر العامل القلع بنفسه ، وإلّا فلا وجه للضمان ، فإنّ العيب إنما حصل بفعله هو ، فلا يكون مضموناً على غيره وإن كان ذلك نتيجة لمطالبته إيّاه وأمره به ، فإنه حقّ له فليس لأحد منعه منه.

وكذا الحال فيما إذا امتنع العامل عن تخلية أرضه ، فرفع أمره إلى الحاكم ليجبره عليه ، فأمره الحاكم بالتخلية. فإنه أيضاً لا يستتبع الضمان ، نظراً لأنّ الحاكم وليّ الممتنع ، فيكون حال الفعل الصادر منه عن أمره ، حال مباشرة العامل للقلع بنفسه.

ويظهر من جماعة أنّ عليه تفاوت ما بين قيمته قائماً ومقلوعاً. ولا دليل عليه بعد كون المالك مستحقاً للقلع (1). ويمكن حمل كلام بعضهم على ما ذكرنا من أرش النقص الحاصل بسبب القلع إذا حصل ، بأن انكسر مثلاً بحيث لا يمكن غرسه في مكان آخر. ولكن كلمات الآخرين لا تقبل هذا الحمل ، بل هي صريحة في ضمان التفاوت بين القائم والمقلوع ، حيث قالوا : مع ملاحظة أوصافه الحالية من كونه في معرض الإبقاء مع الأُجرة أو القلع.

ومن الغريب ما عن المسالك ، من ملاحظة كون قلعه مشروطاً بالأرش لا مطلقاً ، فإنّ استحقاقه للأرش من أوصافه وحالاته ، فينبغي أن يلاحظ أيضاً في مقام التقويم. مع أنه مستلزم للدور (2) كما اعترف به.

ثمّ أنه إن قلنا بالبطلان ، يمكن تصحيح المعاملة بإدخالها تحت عنوان الإجارة أو المصالحة أو نحوهما ، مع مراعاة شرائطهما (3). كأن تكون الأُصول مشتركة بينهما ، إمّا بشرائها بالشركة ، أو بتمليك أحدهما للآخر نصفاً منها مثلاً إذا كانت من أحدهما. فيصالح صاحب الأرض مع العامل بنصف منفعة أرضه مثلاً أو بنصف عينها على أن يشتغل بغرسها وسقيه إلى زمان كذا ، أو يستأجره للغرس والسقي إلى زمان كذا بنصف منفعة الأرض مثلاً.

[3567] مسألة 37 : إذا صدر من شخصين مغارسة ولم يعلم كيفيتها وأنّها على الوجه الصحيح أو الباطل بناءً على البطلان يحمل فعلهما على


(1) وبعبارة اخرى : إنه لا وجه لملاحظة قيمة الغرس قائماً ، بعد أن لم يكن بقاء الشجرة في الأرض وكونها فيها من حقوق الغارس ، ولذا لم يجب شي‌ء فيما إذا لم تتعيب الشجرة بالقلع ، بحيث كانت قابلة للغرس في مكان آخر.

(2) لأخذه (قدس سره) الأرش والتفاوت في موضوع وجوب الأرش ، لاعتباره أرش ما بين الشجرة قائمة والشجرة مقلوعة مع الأرش.

(3) من معلومية المدة والمنفعة إلى غير ذلك ، مما هو دخيل في صحة المعاملة.

الصحّة (1)(1) إذا ماتا أو اختلفا في الصحة والفساد.


(1) تمسّكاً بأصالة الصحّة في العقود والإيقاعات.

إلّا أنك قد عرفت غير مرّة ، أنّ أصالة الصحّة هذه لم تثبت بدليل لفظي كي يتمسك بإطلاقه عند الشك ، وإنما هي قد ثبتت بالسيرة العملية القطعية المتّصلة بعهد المعصومين (عليهم السلام) من غير خلاف فيها بين الفقهاء والمتشرعة ، حيث لا يعتني أحد باحتمال فساد العقد من جهة احتمال فقده لبعض الشروط أو احتفافه ببعض الموانع.

وعلى هذا الأساس فلا بدّ من الاقتصار على القدر المتيقّن ، وهو ما إذا كان عنوان العقد معلوماً ومحرزاً في الخارج ، وكان الشك في وقوعه صحيحاً أو فاسداً. وأمّا مع الجهل بأصل العنوان وعدم إحرازه ، كما لو دار أمر العقد الواقع في الخارج بين النكاح الصحيح والوقف الباطل ، أو البيع الصحيح والمساقاة الباطلة ، فلا مجال للتمسك بأصالة الصحة لإثبات الصحيح منهما ، بحيث يقال إنّ الواقع في الخارج هو النكاح دون الوقف أو البيع دون المساقاة ، ومن ثمّ ترتيب آثار ذلك العقد عليه.

وحيث إنّ مقامنا من قبيل الثاني ، باعتبار أنّ أمر العقد يدور بين عنوانين أحدهما صحيح والآخر فاسد ، لأنه إما هي إجارة أو صلح صحيحين أو مغارسة فاسدة ، فلا مجال للتمسك بأصالة الصحّة لإثبات العنوان الصحيح من العنوانين وكونه هو الواقع في الخارج ، ليترتّب عليه آثاره. فإنه لم تثبت سيرة عملية على ذلك في الخارج ، بل المحرز بالوجدان خلافه.

والحمد لله ربّ العالمين


1) (*) لا موقع لأصالة الصحة إذا ادّعى أحدهما المغارسة والآخر معاملة صحيحة غيرها.

تذنيب :


في الكافي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : «من أراد أن يلقِّح النخل إذا كان لا يجود عملها ولا يتبعل النخل ، فليأخذ حيتاناً صغاراً يابسة فيدقّها بين الدقّين ، ثمّ يذر في كل طلعة منها قليلاً ، ويصرّ الباقي في صرّة نظيفة ثمّ يجعله في قلب النخل تنفع بإذن اللّه تعالى» (1).

وعن الصدوق في كتاب العلل بسنده عن عيسى بن جعفر العلوي عن آبائه (عليهم السلام) : «إنّ النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) قال : مرّ أخي عيسى بمدينة فإذا في ثمارها الدود ، فشكوا إليه ما بهم ، فقال (عليه السلام) : دواء هذا معكم وليس تعلمون ، أنتم قوم إذا غرستم الأشجار صببتم التراب وليس هكذا يجب ، بل ينبغي أن تصبّوا الماء في أُصول الشجر ثمّ تصبّوا التراب لكيلا يقع فيه الدود ، فاستأنفوا كما وصف فأذهب عنهم ذلك» (2).

وفي خبر عن أحدهما (عليهما السلام) ، قال : «تقول إذا غرست أو زرعت : ومَثلُ ( كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها ) » (3).

وفي خبر آخر : «إذا غرست غرساً أو نبتاً ، فاقرأ على كلّ عود أو حبّة : سبحان الباعث الوارث ، فإنه لا يكاد يخطئ إن شاء اللّه» (4).


1) الكافي 5 : 263 / 5 ، الوسائل 19 : 38 كتاب المزارعة والمساقاة ب 6 ح 1.

2) علل الشرائع 574 1 / ، الوسائل 19 : 32 كتاب المزارعة والمساقاة ب 2 ح 1.

3) الوسائل 19 : 38 كتاب المزارعة والمساقاة ب 5 ح 5.

4) الوسائل 19 : 38 كتاب المزارعة والمساقاة ب 5 ح 4.

كتاب الضّمان

اشارة

كتاب الضّمان

[فصل في معنى الضمان وشرائطه]

وهو من الضمن (1) لأنه موجب لتضمّن ذمّة الضامن للمال الذي على المضمون عنه للمضمون له ، فالنون فيه أصليّة كما يشهد له سائر تصرّفاته من الماضي والمستقبل وغيرهما. وما قيل (2) من احتمال كونه من الضمّ ، فيكون النون زائدة واضح الفساد ، إذ مع منافاته لسائر مشتقاته (3) لازمه كون الميم مشدّدة. وله إطلاقان :

إطلاق بالمعنى الأعمّ ، الشامل للحوالة والكفالة أيضاً ، فيكون بمعنى التعهد بالمال أو النفس.

وإطلاق بالمعنى الأخصّ ، وهو التعهد بالمال عيناً أو منفعة أو عملاً ، وهو المقصود من هذا الفصل.

ويشترط فيه أُمور :

أحدها : الإيجاب (4). ويكفي فيه كلّ لفظ دالّ ،


[فصل في معنى الضمان وشرائطه]

(1) بلا خلاف فيه عندنا ، على ما هو صريح عبارات الأصحاب في المقام. إلّا أنّ التعبير بكون الضمان مشتقّاً منه كالتعبير بكونه مشتقّاً من الضمان ، لا يخلو عن مسامحة واضحة ، فإنهما معاً مصدران على حد واحد ، فيقال : ضمن يضمن ضماناً وضمناً وليس أحدهما أصلاً ومبدأً للآخر.

(2) ذهب إليه أكثر العامة ، حيث التزموا بأنه عبارة عن ضمّ ذمّة إلى ذمّة.

(3) حيث تبقى النون ولا تحذف ، ولو كانت زائدة للزم حذفها ، كما هو الحال في المشتقّات مما تكون النون فيها زائدة ، كالنزوان والجريان والجولان.

(4) لعدم تحقّق مفهوم الضمان وصدقه في الخارج ، قبل التزام الضامن بذلك وتعهده

بل يكفي الفعل الدالّ (1) ولو بضميمة القرائن ، على التعهد والالتزام بما على غيره من المال.

الثاني : القبول من المضمون له (2). ويكفي فيه أيضاً كل ما دلّ على ذلك من قول أو فعل.

وعلى هذا فيكون من العقود المفتقرة إلى الإيجاب والقبول ، كذا ذكروه.

ولكن لا يبعد (3) دعوى عدم اشتراط القبول على حدّ سائر العقود اللّازمة


في نفسه مع الإبراز في الخارج.

وبعبارة اخرى : إنه بدون الإيجاب لا يصدق عنوان الضمان ، ولا يصحّ أن يضاف إلى الفاعل فيقال إنه ضمنه.

(1) لما عرفته غير مرّة ، من أنه لا يعتبر في الإنشاء والإيجاب غير إبراز الاعتبار النفساني بما يصلح أن يكون مبرزاً له ، سواء في ذلك اللفظ وغيره ، ما لم يقم الدليل الخاص على اعتبار اللفظ فيه ، كالطلاق ونحوه.

(2) ليصحّ معه صدق العقد.

(3) بل هو بعيد جدّاً ، لعدم الدليل على كفاية الرضا الباطني المجرّد عن المبرز له في الخارج في انتقال الدَّين من ذمّة شخص إلى ذمّة غيره ، فإنّ الانتقال يحتاج إلى العقد بين الضامن والمضمون له على حدّ العقد الواقع على المال الخارجي ، حتى يستند ذلك إلى المالك المضمون له ، إذ ليس الضامن ولياً عنه كي يقوم به قهراً عليه.

وحيث إنّ من الواضح عدم صدق العقد على الرضا الباطني المجرّد ، فلا تشمله عمومات الوفاء به. وعليه فلا بدّ في القول بكفايته في المقام من الدليل الخاص ، وحيث إنه مفقود ، فالمتعيّن هو القول باعتبار المبرز للرضا الباطني.

وأما دعوى دلالة صحيحة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، في رجل يموت وعليه دين فيضمن ضامن للغرماء ، فقال : «إذا رضي به الغرماء ، فقد برئت ذمّة الميت» (1)على كفاية الرضا المجرّد.


1) الوسائل ، ج 18 كتاب الضمان ، ب 2 ح 1.

بل يكفي رضا المضمون له (1)سابقاً أو لاحقاً ، كما عن الإيضاح والأردبيلي ، حيث قالا : يكفي فيه الرضا ، ولا يعتبر القبول العقدي. بل عن القواعد : وفي اشتراط قبوله احتمال (1). ويمكن استظهاره من قضية الميت المديون ، الذي امتنع النبيّ


مدفوعة بأنّ كلمة «الرضا» في هذه الصحيحة وبفضل الفهم العرفي من قوله : (فيضمنه ضامن للغرماء) مستعملة في الرضا العقديّ المبرز في الخارج ، كما يشهد له إضافته للغرماء ، لا طيب النفس المجرّد عن الإظهار.

وبعبارة اخرى : إنّ الرضا يستعمل في معنيين : مجرّد طيب النفس. وطيب النفس المبرز في الخارج ، وهو ما يعبّر عنه بالرضا العقديّ أو المعامليّ.

فإن كان متعلّق الرضا أمراً خارجياً ، كجواز الدخول في ملك الغير أو التصرّف في ماله ، فالظاهر منه وبحسب ملاحظة مناسبة الحكم والموضوع إرادة المعنى الأوّل ، بمعنى اعتبار طيب النفس وإن لم يظهره في الخارج. وإن كان متعلّقه من الأُمور العقدية الاعتبارية المتعلقة بأموال النفس وحقوقهم ، فالظاهر منه إرادة المعنى الثاني ، إذ لا بدّ له من إظهاره حتى يستند العقد إليه.

ثمّ لو فرضنا أنّ كلمة «الرضا» ليست ظاهرة فيما ذكرناه ، يكفينا كونها مجملة من هذه الناحية ، حيث لا بدّ معه من الحكم بالفساد في موارد خلوّ الرضا عن المبرز له في الخارج استناداً إلى القاعدة ، نظراً لعدم الدليل على صحة المعاملة ، فإنّ عنوان العقد غير صادق عليه ، فإنه ليس من ضمّ الالتزام بالالتزام.

(1) ظهر الحال في هذا القول مما تقدّم ، فإنّ اعتبار القبول أمر متعيّن ، ولا يكفي فيه الرضا الباطني المجرد كما عرفت ، فضلاً عن القول بعدم اعتباره بالمرة.

ويدلّ عليه ، مضافاً إلى دلالة النص السابق ، أنّ نقل مال الغير من ذمّة إلى أُخرى تصرّف في سلطانه ، فلا يجوز من دون إذنه ، كما هو الحال في تبديل عين ماله الخارجية بعين أُخرى ، أو نقلها من مكان إلى مكان آخر.


1) (*) هذا إذا أبرزه في الخارج بمبرز.

(صلّى اللّه عليه وآله وسلم) أن يصلّي عليه حتى ضمنه عليٌّ (1). وعلى هذا فلا يعتبر فيه ما يعتبر في العقود ، من الترتيب والموالاة وسائر ما يعتبر في قبولها.


(1) ذكرها الشيخ (قدس سره) في الخلاف ، تارة عن أمير المؤمنين (عليه السلام) (1)وأُخرى عن أبي قتادة (2)إلّا أنه أورد على الاستدلال بالروايتين بضعف السند.

لكن الظاهر أنه في غير محلّه. فإنّ سند هاتين الروايتين وإن كان ضعيفاً ، إلّا أنّ أصل القضية مما ثبت تحققه في الخارج ، وذلك لما رواه معاوية بن وهب في الصحيح عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) من غير ذكر فيها لأمير المؤمنين (عليه السلام) وأبي قتادة (3).

إذن فالصحيح في الجواب أن يقال : إن هذه الروايات إنما تتضمن قضية شخصية في واقعة ، فلا يمكن جعلها دليلاً على عدم اعتبار القبول في الضمان ، ولعلّ الدائن في تلك القضية كان حاضراً ورضي بذلك.

على أنّ الضمان المذكور فيها أجنبيّ عن الضمان المبحوث عنه في المقام ، فإنّ الكلام إنما هو في الضمان بمعنى نقل ما في ذمّة شخص إلى ذمة غيره على نحو تبرأ ذمّة الأوّل وهذا المعنى غير ثابت في هذه النصوص ، إذ لم يرد في شي‌ء منها براءة ذمّة الميت.

فيكشف ذلك على أنّ الضمان هنا إنما هو بمعنى التعهد بالأداء ، ليطمئن الرسول (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) بعدم بقاء ذمة الميت مشغولة ، وعدم ذهاب حق الدائن هدراً. واستعماله في هذا المعنى كثير ومتعارف ، فالصديق يضمن لصديقه القيام بما يشغل باله ويمنعه من السفر أو القيام بأمر أهمّ ، وليس ذلك إلّا بمعنى تعهده المجرّد به.


1) الخلاف 2 : 79 ، الوسائل ، ج 18 كتاب الضمان ، ب 3 ح 2.

2) الخلاف 2 : 80 ، الوسائل ، ج 18 كتاب الضمان ، ب 3 ح 3.

3) الوسائل ، ج 18 كتاب الضمان ، ب 2 ح 2.

وأمّا رضا المضمون عنه فليس معتبراً فيه (1) إذ يصحّ الضمان التبرعي ، فيكون بمنزلة وفاء دين الغير تبرعاً ، حيث لا يعتبر رضاه. وهذا واضح فيما لم يستلزم الوفاء أو الضمان عنه ضرراً عليه (1)أو حرجاً (2) من حيث كون تبرع هذا الشخص لوفاء دينه منافياً لشأنه ، كما إذا تبرّع وضيع دَيناً عن شريف غنيّ قادر على وفاء دينه فعلاً.

الثالث : كون الضامن بالغاً عاقلاً. فلا يصحّ ضمان الصبي (3)


(1) فإنّه أجنبي عن المال بالمرّة ، ولا سلطنة له عليه. ومن هنا فكما يجوز للمالك أن يبيع ماله هذا إلى غيره من غير إذنه ، يجوز له أن ينقله إلى ذمة أُخرى بغير رضاه أيضاً.

وبعبارة اخرى : إنّ ذمّة المضمون عنه ليست إلّا ظرفاً ووعاءً للمال هذا ، وإلّا فلا سلطنة له عليه مطلقاً ، وإنما أمره بيد مالكه فله نقله إلى أيّ ذمة شاء.

(2) وربّما يعلل ذلك كما في بعض الكلمات ، بنفي الضرر في الشريعة المقدّسة ، فإنه مانع عن الحكم بصحة الضمان في المقام.

وفيه ما لا يخفى. إذ لا مهانة ولا ضرر على الشريف في الحكم بسقوط ما في ذمته بوفاء الوضيع لدينه أو ضمانه له ، وإنما هما في تصدي الوضيع لذلك ومباشرته ، ومن هنا فيكون فعله من مصاديق الإضرار بالشريف وإلقائه في المهانة فيكون محرّماً تكليفاً. إلّا أنّ من الواضح أنّ الأحكام التكليفية لا تلازم الأحكام الوضعية ، فثبوت الحرمة في المقام لا يعني عدم نفوذ الضمان أو الإبراء.

والحاصل أنّ الحكم في المقام تكليفيّ محض ، باعتبار أنّ فعل الوضيع من صغريات عنوان الإضرار بالغير وهو محكوم بالحرمة. وحيث إنه غير ملازم للفساد ، فلا وجه لاستثناء هذه الصورة من الحكم بعدم اعتبار رضا المضمون عنه في نفوذ الضمان.

(3) كما هو الحال في سائر المعاملات ، فإنه لا يجوز أمره حتى يحتلم على ما جاء


1) (*) بل ولو استلزم ذلك ، فإنّ التكليف لا يرتبط بالوضع.

وإن كان مراهقاً (1) بل وإن أذن له الوليّ على إشكال (1)(2). ولا ضمان المجنون (3) إلّا إذا كان أدوارياً في دور إفاقته (4). وكذا يعتبر كون المضمون له بالغاً عاقلاً (5). وأمّا المضمون عنه فلا يعتبر فيه ذلك (6) ، فيصحّ كونه صغيراً أو مجنوناً. نعم لا ينفع إذنهما في جواز الرجوع بالعوض (7).


في النصوص (2)فلا يكون فعله موضوعاً لحكم من الأحكام الشرعية.

(1) لإطلاق الأدلّة.

(2) والأقوى الجواز. فإنه إذا صحّ ذلك للولي بالمباشرة فيما إذا اقتضت مصلحة الطفل له ، صحّ له ذلك بالتسبيب أيضاً.

وبعبارة اخرى : إنه ليس حال الصبي كالمجنون من حيث سلب عبارته ، فإنّ عبارة الصبي غير مسلوبة ، ولذا يجوز له القيام بالبيع أو النكاح أو غيرهما من العقود والإيقاعات بالوكالة عن الغير ، بل غاية ما هناك أنه لا يجوز أمره بمعنى عدم نفوذ عقده بالإضافة إليه بحيث يستقلّ به ويكون الأمر أمره ، وهذا لا ينافي نفوذه بالإضافة إلى الولي ، بحيث يكون كأنه هو الذي قام بالعقد وإن كان المباشر له هو الصبيّ.

(3) لرفع القلم عنه ، وقصور عبارته ، فلا يترتّب عليها أثر شرعي.

(4) لكونه حينئذٍ عاقلاً كسائر العقلاء ، فلا موجب للمنع عن نفوذ أمره.

(5) لما تقدّم في الضامن حرفياً.

(6) لما عرفت من كونه أجنبياً عنه ، فلا يعتبر وجوده في الخارج ، كما دلّت عليه صحيحة ابن سنان المتقدِّمة الواردة في الضمان عن الميّت ، فضلاً عن رضاه.

(7) لأنّ الأمر إنما يوجب الضمان على الآمر فيما إذا كان صادراً ممن له أهلية ذلك الفعل ، فإذا لم يكن متّصفاً بذلك لم يكن أمره موجباً للضمان.


1) (*) الظاهر الجواز إذا كانت فيه مصلحة وإن كان هذا الفرض نادراً ، وأولى بالجواز ما إذا كان المضمون له صبياً.

2) انظر المبسوط 2 : 323.

الرابع : كونه مختاراً (1) فلا يصحّ ضمان المكره (1)(2).

الخامس : عدم كونه محجوراً لسفه (3) إلّا بإذن الولي ، وكذا المضمون له (4). ولا بأس بكون الضامن مفلساً (5) فإنّ ضمانه نظير اقتراضه ، فلا يشارك المضمون له مع الغرماء. وأما المضمون له فيشترط عدم كونه مفلساً (6). ولا بأس بكون المضمون عنه (7) سفيهاً أو مفلساً ،


وبعبارة اخرى : إنه لما كان أمر الصبيّ والمجنون بمنزلة العدم ، كان الضمان عنهما ضماناً تبرّعياً حتى في فرض أمرهما به ، ومعه فلا يثبت للضامن جواز الرجوع بالمال عليهما.

(1) فإنه لا عبرة بفعل المكره ، فإنه بمنزلة العدم وكأنه لم يكن. ويدلّ عليه ، مضافاً إلى حديث الرفع ، النصوص الواردة في الموارد الخاصّة كالطلاق ونحوه.

(2) وكذلك الحال في المضمون له ، لما تقدّم في الضامن حرفاً بحرف.

(3) لكونه محجوراً عليه ، فلا يصحّ ضمانه من غير إذن الولي.

(4) لكون قبوله بانتقال ماله من ذمّة إلى أُخرى تصرّف ، وهو ممنوع منه بمقتضى أدلّة الحجر.

(5) فإنّ الحجر إنما يختص بأمواله دون ذمّته ، فلا بأس بتصرّفاته العائدة إليها غاية الأمر أنّ المضمون له لا يشترك مع الغرماء في الضرب في أمواله الموجودة بالفعل ، فإنها تختص بما عداه من الغرماء ، لتعلق حقّهم بها قبل الضمان ، فيكون حال ضمانه هذا حال القرض الجديد.

(6) لكونه ممنوعاً من التصرّف في أمواله ، بنقل أو إبراء أو غيرهما من الأسباب. وحيث إنّ دَينه هذا من جملة أمواله ، فلا يجوز له التصرّف فيه بنقله من ذمّة إلى أُخرى.

(7) لما عرفته من كونه أجنبياً عن العقد بالمرة. فإنّ المال للغير وأمره بيده ، فله أن


1) (*) وكذلك المضمون له.

لكن لا ينفع إذنه في جواز الرجوع عليه (1)(1).


يتصرّف فيه كيفما يشاء ، وذمّة المضمون عنه ليست إلّا وعاءً لهذا المال فلا سلطنة له عليه.

(1) ظاهر العبارة أنه ليس للضامن الرجوع على المضمون عنه السفية أو المفلس. وهو مما لا يمكن المساعدة عليه بإطلاقه ، فإنه إنما يتمّ بالنسبة إلى السفيه ، وأما المفلس فلا وجه للقول بعدم جواز الرجوع عليه ، بعد أن كان الضمان بأمره وطلبه.

وذلك لأنه وبضمانه هذا ، يملك ما كان للدائن الأوّل المضمون له في المال الموجود بالفعل والمحكوم عليه بالحجر ، لأنه يقابل الدين ، فينتقل إلى ملك من ملك الدين وانتقل إليه.

وبعبارة اخرى : إنّ أمر المضمون عنه بالضمان لا يعدّ تصرفاً في ماله وتعلّق به حق الغرماء ، لأنه لا يوجب إلّا المبادلة بين تمام دين المضمون عنه ونصيبه من المال الموجود ، فإنّ الدَّين ينتقل إلى ذمّة الضامن وبإزاء ذلك يكون له نصيب الدائن الأوّل من المال المحجور عليه ، لكونه عوضاً عنه.

نعم ، بالنسبة إلى المقدار الزائد عن نصيب المضمون له في المال الموجود ، لا مجال لمشاركة الضامن للغرماء في نصيبهم ، فإنه مختصّ بهم قبل الضمان ، فيكون حاله في ذلك حال الدَّين الجديد ، حيث قد عرفت أنه يثبت في الذمّة.

والحاصل : إنّ الضمير في قول الماتن (قدس سره) : (لكن لا ينفع إذنه في جواز الرجوع عليه) إذا كان راجعاً إلى السفيه والمفلس معاً ، فهو مما لا يمكن المساعدة عليه ، لعدم ثبوت ذلك بالنسبة إلى الثاني. وإن كان راجعاً إلى خصوص السفيه ، كما يحتمل إرادته واقعاً وإن كان بعيداً عن ظاهر العبارة جدّاً ، فالأمر كما أفاده (قدس سره).

نعم ، لو كان المراد من العبارة نفي جواز الرجوع على المفلس فيما إذا ضمنه بأمره في غير الدين الذي حجر عليه لأجله ، بمعنى أن يكون الضمان لدين جديد متأخر عن


1) (*) أي في أمواله الموجودة التي تكون مورداً للحجر.

السادس : أن لا يكون الضامن مملوكاً غير مأذون من قبل مولاه على المشهور لقوله تعالى ( لا يَقْدِرُ عَلى شَيْ‌ءٍ ) (1). ولكن لا يبعد صحّة ضمانه وكونه في ذمّته يتبع به بعد العتق ، كما عن التذكرة والمختلف. ونفي القدرة منصرف عمّا لا ينافي حقّ المولى (2). ودعوى أنّ المملوك لا ذمّة له ، كما ترى ، ولذا لا إشكال في ضمانه لمتلفاته.


الحجر ، فهو صحيح ولا ريب فيه ، إلّا أنه لا بدّ من تقييد إطلاقه بأمواله التي وقع الحجر عليها ، وإلّا فالمال ثابت في ذمّته ، وللضامن الرجوع عليه به في غير تلك الأموال.

وكيف كان ، ففي خصوص تقدير أمر المفلس غيره بضمان دين خارج عما اقتضى الحجر ، يصحّ القول بعدم ثبوت حق الرجوع للضامن عليه في الجملة.

(1) بدعوى أنّ إطلاقها ، وخصوصاً بملاحظة استشهاد الإمام علي (عليه السلام) بها في صحيحة زرارة على نفي قدرته على الطّلاق (1)شامل لجميع العقود والإيقاعات الصادرة منه.

(2) مراده (قدس سره) من هذه الدعوى ، أنّ تصرفات العبد تكون على نحوين : فإنها قد تكون في نفسه بما هو عبد ومتصف بالمملوكية للغير ، وقد تكون في نفسه لا بما هو كذلك بل بما هو إنسان من الناس.

فالنحو الأوّل من التصرفات محكوم بالبطلان وعدم النفوذ ، لكونه تصرفاً في سلطان المولى ، فتشمله الآية الكريمة ، فإنّها لا تختص بتصرفه في الأموال كما توهّمه بعضهم ، بل تعمّ حتى تصرفاته في نفسه بوصف كونه عبداً مملوكاً للغير.

ومن هذا القبيل الطلاق. فإنه إنما يصدر منه بعنوان كونه مملوكاً للمولى وعبداً له فلا يصحّ حتى ولو كان التصرف عائداً إلى نفسه.

وأما النحو الثاني ، فحيث إنه لا يعدّ تصرفاً في سلطان المولى ، لأنه إنما يقوم به بما هو إنسان ، فلا وجه للحكم بعدم نفوذه.


1) (*) الوسائل ، ج 21 كتاب النكاح ، أبواب مقدّمات الطّلاق ، ب 45 ح 1.

هذا وأمّا إذا أذن له مولاه ، فلا إشكال في صحّة ضمانه (1). وحينئذ فإن عيّن كونه في ذمّته نفسه ، أو في ذمّة المملوك يتبع به بعد عتقه ، أو في كسبه ، فهو المتّبع (2). وإن أطلق الإذن ، ففي كونه في ذمّة المولى ، أو في كسب المملوك ، أو في ذمّته يتبع به بعد عتقه ، أو كونه متعلقاً برقبته ، وجوه وأقوال. أوجهها الأوّل لانفهامه عرفاً (3) كما في إذنه في الاستدانة لنفقته أو لأمر آخر ، وكما في إذنه في التزويج حيث إنّ المهر والنفقة على مولاه.

ودعوى الفرق بين الضمان والاستدانة ، بأنّ الاستدانة موجبة لملكيته وحيث إنه لا قابلية له لذلك يستفاد منه كونه على مولاه ، بخلاف الضمان حيث إنه لا ملكيّة فيه.


ومن هذا القبيل الضمان. فإنّ العبد إنما يقوم به بما هو إنسان له ذمّة وأجنبي عن المولى بالمرّة ، حيث يثبت المال في ذمّته يتبع به بعد العتق ، ومعه فلا تشمله الآية الكريمة.

(1) بلا إشكال فيه ولا خلاف ، إذ العبد ليس كالمجنون قاصر العبارة ، بل حاله في ذلك حال العقلاء من الأحرار ، غاية الأمر أنّ تصرفه غير نافذ لاحتفافه بمانع عبوديته ومملوكيته للغير ، فيصحّ مع إذن المولى له في ذلك.

(2) أما الأوّل فواضح ، وأما الأخيران فلرجوع التعيين إلى تقييد إذنه له في الضمان بذلك.

(3) وليس المراد به أن الإذن بمنزلة التوكيل ، فيكون الضامن في الحقيقة هو الآمر وأما العبد فلا يقوم إلّا بدور الإنشاء ، حتى يشكل عليه بما في الجواهر ، من كونه خلفاً وخروجاً عن محل الكلام (1)إذ الكلام إنما هو في ضمان العبد بإذن المولى بتوكيل العبد فيه ، فإنّ فيه لا ينبغي الإشكال في ثبوته في الذمّة كما هو الحال في جميع موارد الوكالة ، فإنّ العوض والبدل إنما يثبت على الموكّل دون الوكيل.

وإنما المراد به كما هو ظاهر العبارة ، ضمان العبد بإذن مولاه ، بحيث يكون العبد هو


1) الجواهر 26 : 116.

مدفوعة بمنع عدم قابليته للملكية (1). وعلى فرضه أيضاً لا يكون فارقاً بعد الانفهام العرفي (2).


الضامن بالأصالة ، ومع ذلك يقال بثبوت المال في ذمّة المولى.

وكيف كان ، فالأمر كما ذكره (قدس سره). وذلك لأنّ العبد قد يضمن لشخصه بما هو شخص وإنسان مع قطع النظر عن كونه عبداً مملوكاً للغير ، وقد يضمن الغير بوصف كونه مملوكاً للغير وعبداً له.

ففي الأوّل : بناءً على صحته كما اخترناه ، لا مجال للقول بثبوته في ذمّة المولى ، بل المتعيّن هو القول بثبوته في ذمّة العبد يتبع به بعد العتق والحرية ، إذ قبله يكون هو وما في يده مملوكاً للغير ، فلا يصحّ مطالبته بشي‌ء ما دام هو كذلك.

وفي الثاني : يتعيّن القول بكونه في ذمّة المولى ، وأنه هو المطالب به وكأنه هو الضامن له ، ما لم تكن هناك قرينة على الخلاف.

إلّا أنّ ضمانه هذا إنما يكون في طول ضمان العبد نفسه لا في عرضه ، فإنّ العبد يملك ومن هنا فهو المطالب أوّلاً بما ضمنه ، لكن ضمانه هذا لما كان بوصف كونه عبداً للغير وكان المولى يملك العبد وما يملكه ، كان هو المطالب به في طول مطالبة العبد به.

نظير استدانة العبد لنفسه بإذن المولى ، فإنّه يكون في ذمّة المولى ، ويكون هو المطالب به في طول مطالبة العبد به. والحاصل أنّ العبد لما كان مديناً بوصف كونه مملوكاً للغير ، كان المولى هو المطالب بدينه ، لأنه يملكه ويملك ما في يده.

إذن فالصحيح في المقام هو القول بضمان المولى لما ضمنه عبده بإذنه بوصف كونه عبداً ومملوكاً له ، ما لم يقيد المولى إذنه بكونه في ذمّته يتبع به بعد العتق ، على ما يقتضيه الفهم العرفي.

(1) حيث قد عرفت أنّ الصحيح أنّه يملك ، وأنّ مالكية المولى لتلك الأموال إنما هي في طول ملكيّته العبد لها أوّلاً.

(2) لما عرفته من أنّ مقتضاه ضمان المولى لما ضمنه عبده بإذنه ، بوصف عبوديته له.

السابع : التنجيز (1). فلو علّق الضمان على شرط ، كأن يقول : أنا ضامن لما على فلان إن أذن لي أبي ، أو ضامن إن لم يف المديون إلى زمان كذا ، أو إن لم يف أصلاً ، بطل على المشهور (1). لكن لا دليل عليه ، بعد صدق الضمان وشمول العمومات العامة ، إلّا دعوى الإجماع في كلّي العقود على أنّ اللازم ترتّب الأثر عند إنشاء العقد من غير تأخير ، أو دعوى منافاة التعليق للإنشاء (2). وفي الثاني


(1) التنجيز في الاصطلاح يقابل أمرين على سبيل منع الخلو.

فتارة يستعمل بمعنى الفعلية في قبال التعليق وتأخر زمان المنشأ عن زمان الإنشاء ، بحيث يكون الإنشاء فعلياً في حين لا يحصل المنشأ إلّا عند تحقّق المعلّق عليه في ظرفه ، وإن كان أمراً معلوم الحصول عندئذ كالتعليق على طلوع الشمس في يوم غد ، بحيث لا يكون ضامناً بالفعل وإنما ينتقل المال من ذمّة المدين إلى ذمته عند تحقّق المعلّق عليه ، وبذلك يكون هذا العقد في الحقيقة من إنشاء الضمان المتأخر على نحو الشرط المقارن.

وأُخرى يستعمل فيما يقابل تعليق العقد الفعلي على أمر آخر ، معلوم الحصول أو مجهوله.

وقد يجتمع الأمران معاً ، فيكون المنشأ متأخراً عن الإنشاء زماناً ، كما يكون المعلّق عليه أمراً مشكوك الحصول.

وكيف كان ، فالذي لا ينبغي الإشكال فيه هو عدم البطلان في فرض تعليق العقد الفعلي على أمر معلوم الحصول والتحقق لدى الطرفين بالفعل ، لأنه في الحقيقة ليس من التعليق فإنه منجز ، وإنما الإنشاء صيغ بصورة تشبه التعليق.

وأما القسمان الآخران تعليق المنشأ على أمر متأخر ، وتعليق العقد الفعلي على أمر مجهول فسيظهر حالهما مما سيأتي.

(2) فإنه عندهم بمعنى الإيجاد ، وهو متّحد مع الوجود حقيقة وإن اختلفا اعتباراً.


1) (*) فيه إشكال ، والاحتياط لا يترك.

ما لا يخفى (1). وفي الأوّل منع تحقّقه في المقام (2).


ومن هنا فلا يمكن فرض الإيجاد بالفعل مع فرض عدم الوجود كذلك ، بأن يكون معلّقاً على أمر سيتحقق في المستقبل.

(1) فإنّ الإنشاء وعلى ما حققناه مفصلاً في المباحث الأُصولية ، ليس من الإيجاد في شي‌ء وإن ذهب إليه غير واحد من الأصحاب. وعلى تقدير تسليمه ، فليس التعليق هنا في الإيجاد ونفس الإنشاء ، وإنما هو في الأمر الاعتباري أعني المعتبر ، فإنه قد يفرض مطلقاً وقد يفرض مقيداً.

فإنّ الاعتبار والإنشاء كما يتعلقان بالأمر المطلق يتعلقان بالأمر المقيد ، فقد يُنشئ الإنسان الملكيّة المطلقة وقد يُنشئ الملكيّة المقيدة ، فهما من هذه الناحية أشبه شي‌ء بالواجب المطلق والواجب المشروط.

ولا يلزم من ذلك أي انفكاك بين الإنشاء والمنشأ والاعتبار والمعتبر ، فإنّ الملكيّة المقيّدة موجودة بالفعل بالاعتبار ، كما هو الحال في الوصية والتدبير.

بل يمكن القول بذلك في الوجود الحقيقي أيضاً ، إذ يصحّ تعلّق اللحاظ والتصوّر بالأمر الاستقبالي كقيام زيد في يوم غد ونحوه ، فإنّ قيامه كذلك موجود بالفعل بالوجود الذهني ، والحال أنّ الوجود الذهني نوع من الوجود الحقيقي.

والحاصل أنّ التعليق في المقام ليس في نفس الإنشاء والاعتبار ، وإنما هو في المنشأ والمعتبر. ولا مانع منه ، فإنّ كلّاً منهما موجود بالفعل ، وليس المفقود إلّا فعلية الملكيّة.

(2) في قبال المقام الأوّل ، أعني تعليق العقد على الأمر المتأخر وإن علم حصوله فإنه لا يبعد القول بتحققه فيه.

بل ولو لم يتمّ ذلك ، فالحكم بالصحة فيه مشكل أيضاً ، نظراً لعدم شمول العمومات له ، لما عرفته من ظهورها في اعتبار كون الوفاء من حين العقد ، وعدم انفكاك المعتبر عن حين الاعتبار.

ولا يبعد دعوى كون بناء العقلاء على ذلك أيضاً في غير الوصية والتدبير -

وربّما يقال : لا يجوز تعليق الضمان ، ولكن يجوز تعليق الوفاء على شرط مع كون الضمان مطلقاً. وفيه : إنّ تعليق الوفاء عين تعليق الضمان ، ولا يعقل التفكيك (1).

نعم ، في المثال الثاني يمكن أن يقال (1)بإمكان تحقق الضمان منجزاً مع كون


حيث لم يعهد صدور مثله منهم ، بأن يجري عقد النكاح مع المرأة الآن على أن تكون هي زوجة له من غد ، وهكذا.

وأما في المقام ، أعني التعليق على أمر فعلي مشكوك الحصول ككونه هاشمياً ونحوه ، فلم يتم إجماع على إيجابه لفساد العقد ، ولا سيما في الضمان حيث لا يتضمّن أيّ نوع من التمليك والتملك.

(1) لأنّ الوفاء إذا كان مقيَّداً بشي‌ء كان مرجعه إلى عدم الضمان عند عدم ذلك التقدير ، إذ لا معنى لعدم الوفاء إلّا عدم الضمان ، وإلّا فلا معنى لكون الضمان مطلقاً مع تعليق الوفاء على أمر غير متحقق.

نعم ، لا بأس بالتعليق على أمر معدوم التحقق بعد ذلك ، فإنه خارج عن محلّ الكلام لا يتمّ في خصوص المثال الثاني ، أعني تعليق الضمان على عدم وفاء المدين. فإنه لا بدّ من القول فيه بالبطلان حتى بناءً على القول بصحة التعليق في الضمان ، وذلك لأنّ مرجع التعليق على عدم الوفاء بقاء الدَّين في ذمّة المدين إلى حين الأداء ، وهو ينافي مذهبنا في الضمان وكونه نقل ذمّة إلى أُخرى ، وإنما ينسجم مع مذهب العامّة من كونه ضمّ ذمّة إلى أُخرى.


1) (*) لعله يريد بذلك أنّ الضمان في مورد تعليق الوفاء على عدم وفاء المديون ، ليس بمعنى النقل إلى الذمة ليرجع تعليق الوفاء عليه إلى تعليق الضمان ، بل هو بمعنى تعهّد ما في ذمّة الغير على حذو تعهّد العين الخارجية ، وعليه فالضمان فعليّ وأثره الانتقال إلى الذمة على تقدير عدم وفاء المديون ، كما أنّ أثره في ضمان العين الخارجية ذلك على تقدير تلفها. وعلى هذا فلا بأس بما أفاده (قدس سره) ، ولا يبعد أن يكون الضمان بالمعنى المزبور من المرتكزات العرفية.

الوفاء معلقاً على عدم وفاء المضمون له (1) لأنه يصدق أنه ضمن الدَّين على نحو الضمان في الأعيان المضمونة ، إذ حقيقته قضية تعليقية. إلّا أن يقال بالفرق بين الضمان العقدي والضمان اليدي.

الثامن : كون الدَّين الذي يضمنه ثابتاً في ذمّة المضمون عنه ، سواء كان مستقرّاً كالقرض والعوضين في البيع الذي لا خيار فيه ، أو متزلزلاً كأحد


(1) ولعل مراده (قدس سره) من كلامه هذا يرجع إلى إرادة معنى آخر غير المعنى المصطلح من الضمان ، أعني نقل ما في ذمّة إلى أُخرى.

وقد يكون هذا المعنى هو التعهّد بالمال وكون مسؤوليته عليه من دون انتقاله بالفعل إلى ذمّته ، كما هو الحال في موارد ضمان العارية مع الشرط ، أو كون العين المستعارة ذهباً أو فضة. فإنّ ضمانها ليس بالمعنى المصطلح جزماً ، إذ لا ينتقل شي‌ء بالعارية إلى ذمة المستعير ، فإنّ العين لا تقبل الانتقال إلى الذمة وهو غير مشغول الذمة ببدلها قبل تلفها ، فليس ضمانها إلّا بمعنى كون مسؤوليتها في عهدته ، بحيث يكون هو المتعهد بردّها ولو مثلاً أو قيمة عند تلفها ، ونتيجة ذلك إلزام المستعير بردّها عيناً أو مثلاً أو قيمة.

وبهذا المعنى يستعمل الضمان في موارد كثيرة ، كقولهم : «على اليد ما أخذت حتى تؤدّي» (1)و «أنّ الغاصب ضامن» (2). فإنه لا يراد به إلَّا التعهد وكونه هو المسئول عن المال ، وإلّا فهو غير مشغول الذمة ببدله فعلاً.

وكيف كان ، فإذا صحّ مثل هذا الضمان في الأعيان الخارجية كموارد اليد والعارية فليكن ثابتاً في الأُمور الثابتة في الذمة أيضاً ، فإنه لا يبعد دعوى كونه متعارفاً كثيراً في الخارج ، فإنّ أصحاب الجاه والشأن يضمّون المجاهيل من الناس من دون أن يقصد بذلك انتقال المال بالفعل إلى ذممهم ، وإنما يراد به تعهّدهم به عند تخلّف المضمون عنه عن أدائه.


1) الوسائل 25 : 461 كتاب اللفظة ، ب 16 ذيل الحديث 2.

2) انظر الوسائل 28 : 265 266 كتاب الحدود والتعزيرات ، ب 10 ذيل الحديث 5.

العوضين في البيع الخياري ، كما إذا ضمن الثمن الكلي للبائع أو المبيع الكلِّي للمشتري أو المبيع الشخصي (1)قبل القبض (1) وكالمهر قبل الدخول ونحو ذلك. فلو قال : أقرض فلاناً كذا وأنا ضامن ، أو بعه نسيئة وأنا ضامن ، لم يصحّ على المشهور (2) (2)بل عن التذكرة الإجماع ، قال : لو قال لغيره مهما أعطيت فلاناً


والحاصل أنّ الضمان في المقام غير مستعمل في معناه المصطلح. وعليه فلا مجال للإيراد عليه ، بأنه يتضمّن التعليق الباطل ، أو أنه من ضمّ ذمّة إلى أُخرى لا من نقل ما في ذمّة إلى ذمة أُخرى. وإنما هو مستعمل في التعهد والمسؤولية عن المال ، وهو أمر متعارف عند العقلاء ، فتشمله العمومات والإطلاقات ، فإنه عقد يجب الوفاء به.

(1) الظاهر أنّ ذكره من سهو قلمه الشريف ، فإنه لا محلّ له في مورد الكلام عن اعتبار الثبوت في الدَّين المضمون ، لأنه أجنبي عنه بالمرّة.

وكيف كان ، فإن كان المراد من ضمانه هو الضمان بالمعنى المصطلح وإن كان احتماله بعيداً جدّاً بمعنى جعل الشي‌ء في عهدته عند تلفه وانتقاله من ذمة البائع إلى ذمة الضامن ، فهو باطل جزماً ، نظراً إلى أنّ التلف قبل القبض يوجب انفساخ العقد ورجوع المال إلى ملك مالكه البائع آناً ما كي يكون خسرانه عليه ، ومعه فلا يبقى موضوع للضمان.

وإن كان المراد به تعهّد الضامن بتسليم العين عند احتمال امتناع البائع عنه لا تعهّد تداركه عند تلفه ، فيجب عليه تسليم العين عند الإمكان وإلّا فيلزم ببدلها ، فهو صحيح ولا بأس به ، حيث قد عرفت في المسألة السابقة أنّ مثل هذا الضمان من المرتكزات العرفية وواقع كثيراً في الأعيان الشخصية الخارجية والديون.

والحاصل أنّ أصل الحكم في المقام صحيح وفي محله ، إلّا أن ذكره في المقام من سهو القلم ، لأنّ الكلام في اعتبار الثبوت في الدَّين عند ضمانه.

(2) على إشكال ستعرفه.


1) (*) لا موقع لذكره في المقام ، فإنّ الكلام إنّما هو في ضمان الدَّين.

2) (**) فيه إشكال ، والاحتياط لا يترك ، ولا يبعد تفرّع هذا الشرط على سابقه.

فهو عليّ ، لم يصحّ إجماعاً. ولكن ما ذكروه من الشرط ينافي جملة من الفروع الآتية.

ويمكن أن يقال (1) بالصحّة إذا حصل المقتضي للثبوت وإن لم يثبت فعلاً ، بل مطلقاً ، لصدق الضمان وشمول العمومات العامة ، وإن لم يكن من الضمان المصطلح عندهم (2) بل يمكن مع عدم كونه منه أيضاً.

التاسع : أن لا تكون ذمّة الضامن مشغولة للمضمون عنه بمثل الدَّين الذي عليه ، على ما يظهر من كلماتهم في بيان الضمان بالمعنى الأعم ، حيث قالوا إنه بمعنى التعهد بمال أو نفس. فالثاني الكفالة. والأوّل إن كان ممن عليه للمضمون عنه مال فهو الحوالة ، وإن لم يكن فضمان بالمعنى الأخصّ.


(1) إلّا أنه لا يتمّ بناءً على مذهبنا في الضمان وأنّه نقل ذمّة إلى أُخرى ، فإنه إذا لم تكن الذمة الاولى مشغولة بشي‌ء لم يكن لنقله إلى ذمة أُخرى معنى محصل ، ومعه كيف يمكن التمسك بالإطلاقات لإثبات صحّته.

نعم ، لا يبعد تفرّع هذا الشرط أعني ثبوت الدين في الذمّة بالفعل ، على الشرط السابق أعني التنجيز. فإنه لو لم نقل باعتبار التنجيز كما احتملناه ، أمكن التمسك بالإطلاقات والحكم بصحة الضمان في المقام وبمعناه المصطلح على نحو الضمان المتأخر بأن يكون الإنشاء فعلياً والانتقال بعد الدَّين والإعطاء ، فالضامن في الحقيقة إنما ينشأ الانتقال إلى ذمّته بعد الدَّين من الآن.

والحاصل أنه إن تمّ إجماع على اعتبار التنجيز في الضمان ، فلا محيص عن الحكم بالبطلان في المقام ، وإلّا فلا بأس بالتمسك بالإطلاقات وإثبات صحّة الضمان بمعناه المصطلح. وحيث إنّ الماتن (قدس سره) ممن يعتبر التنجيز ، فلا وجه لتمسّكه بالإطلاقات في المقام.

(2) بأن يكون بمعنى التعهد بالدَّين المتأخر على حدّ التعهد بالأعيان الخارجية.

ولكن لا دليل على هذا الشرط (1). فإذا ضمن للمضمون عنه بمثل ما له عليه يكون ضماناً ، فإن كان بإذنه يتهاتران (1)بعد أداء مال الضمان (2) وإلّا فيبقى الذي للمضمون عنه عليه ، وتفرغ ذمّته مما عليه بضمان الضامن تبرّعاً. وليس من الحوالة ، لأنّ المضمون عنه على التقديرين لم يحل مديونه على الضامن حتى تكون حوالة. ومع الإغماض عن ذلك ، غاية ما يكون أنه يكون داخلاً في كلا العنوانين ، فيترتب عليه ما يختصّ بكلّ منهما مضافاً إلى ما يكون مشتركاً.


(1) فإنّ الحوالة والضمان يختلفان في الطرفين المقوِّمين لهما. حيث إنّ الأوّل يتقوّم بالمحيل والمحال ، فتبرأ ذمّة الأوّل بمجرد الحوالة على مشغول ذمّة له ، من غير دخل لرضا المحال عليه في ذلك. في حين إنّ الضمان يتقوّم برضا الضامن ، والمضمون عنه هو الأجنبي عن العقد حيث تفرغ ذمته عن الدَّين بالضمان ، سواء أرضيَ به أم لم يرض.

والحاصل أنّ مع اختلاف طرفي العقد المقوِّمين له في الموردين الضمان والحوالة لا مجال للقول باتحادهما ودخول أحد العنوانين في الآخر ، خصوصاً إذا كان الضمان تبرّعياً ولم يكن عن رضا المضمون عنه.

إذن فمجرّد اشتغال ذمّة الضامن للمضمون عنه بمثل الدَّين الذي ضمنه ، لا يعني دخول العقد في عنوان الحوالة.

(2) هذا إذا كان الدَّينان ما في ذمّته للمضمون عنه ، وما كان للمضمون له على المضمون عنه حالين معاً أو مؤجلين مع وحدة الأجل فيهما ، وإلّا فلا مجال للتهاتر لعدم تساوي الدَّينين. ومن هنا فلو كان ما عليه للمضمون عنه مؤجّلاً ، وقد ضمن ما على المضمون عنه حالاً بأمره ، كان له الرجوع عليه بما ضمنه بالفعل ، وتبقى ذمته مشغولة بالدَّين إلى الأجل المعين.


1) (*) هذا إذا كان كلاهما حالين أو كلاهما مؤجَّلين بمدة متساوية ، وإلّا فلا وجه للتهاتر.

العاشر : امتياز الدَّين والمضمون له والمضمون عنه عند الضامن ، على وجه يصحّ معه القصد إلى الضمان. ويكفي التميز الواقعي وإن لم يعلمه الضامن (1) فالمضرّ هو الإبهام والترديد. فلا يصحّ ضمان أحد الدَّينين ولو لشخص واحد على شخص واحد على وجه الترديد مع فرض تحقق الدَّينين ، ولا ضمان دين أحد الشخصين ولو لواحد ، ولا ضمان دين لأحد الشخصين ولو على واحد.

ولو قال : ضمنت الدين الذي على فلان ، ولم يعلم أنه لزيد أو لعمرو ، أو الدَّين الذي لفلان ، ولم يعلم أنه على زيد أو على عمرو ، صحّ (1)(2) لأنه متعيّن واقعاً. وكذا لو قال : ضمنت لك كل ما كان لك على الناس ، أو قال : ضمنت عنك كلّ ما كان عليك لكلّ من كان من الناس.

ومن الغريب ما عن بعضهم ، من اعتبار العلم بالمضمون عنه والمضمون له بالوصف والنسب ، أو العلم باسمهما ونسبهما. مع أنه لا دليل عليه أصلاً ، ولم يعتبر ذلك في البيع الذي هو أضيق دائرة من سائر العقود.


(1) وهو إنما يتمّ فيما إذا لم يستلزم فقدان شرط آخر.

ومنه يظهر الإشكال في بعض الصور الآتية مما حكم فيها الماتن (قدس سره) بالصحّة ، نظير الجهل بالمضمون له وأنه زيد أو عمرو ، أو ضمان ما للناس عليه. فإنه إنما يصحّ مع انحصار المضمون له في أشخاص وقبولهم للضمان ، وإن لم يميّز المضمون له بشخصه ، وإلّا فالحكم بالصحّة مشكل جدّاً ، نظراً لاعتبار رضا المضمون له بالعقد جزماً ، فإنه طرف من طرفي العقد في الضمان ، فلا يصحّ من دون رضاه.

إذن فما ذكره (قدس سره) من كفاية التعين الواقعي ، إنما يتمّ مع إحراز سائر الشروط المعتبرة في الضمان.

(2) على إشكال تقدّم بيانه.


1) (*) هذا مع قبول المضمون له ، وإلّا فلا يصح ، وبذلك يظهر حال ما بعد هذا الفرع.

[3568] مسألة 1 : لا يشترط في صحّة الضمان العلم بمقدار الدَّين ، ولا بجنسه. ويمكن أن يستدلّ عليه ، مضافاً إلى العمومات العامة (1) وقوله (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) : «الزعيم غارم» (2) بضمان علي بن الحسين (عليه السلام) لدين عبد اللّه بن الحسن ، وضمانه لدين محمّد بن أُسامة (3).

لكن الصحّة مخصوصة بما إذا كان له واقع معيّن ، وأمّا إذا لم يكن كذلك


(1) بل عمومات أدلّة الضمان ، حيث لم يعتبر في شي‌ء منها كون الدَّين معلوماً ومن هنا فمقتضاها الصحة حتى مع الجهل بالدَّين.

وهذا الدليل هو العمدة في الحكم ، وإلّا فسائر الأدلّة لا تخلو عن المناقشة ، كما ستعرفها.

(2) الرواية نبويّة لم تثبت عن طرقنا ، بل في معتبرة الحسن بن خالد تكذيب ذلك فقد ورد في روايته عن أبي الحسن (عليه السلام) أنه قال له : جعلت فداك ، قول الناس الضامن غارم ، قال : فقال : «ليس على الضامن غرم ، الغرم على من أكل المال» (1).

ومن هنا فلا مجال للاعتماد عليها والاستدلال بها.

(3) أمّا الأوّل فقد رواه الصدوق في الفقيه مرسلاً ، حيث قال (قدس سره) : روي أنه احتضر عبد اللّه بن الحسن فاجتمع إليه غرماؤه فطالبوه بدَين لهم ، فقال لهم : ما عندي ما أُعطيكم ، ولكن ارضوا بمن شئتم من أخي وبني عمي علي بن الحسين أو عبد اللّه بن جعفر. فقال الغرماء : أما عبد اللّه بن جعفر فمليّ مطول ، وأمّا علي بن الحسين فرجل لا مال له صدوق وهو أحبّهما إلينا ، فأرسل إليه فأخبره الخبر ، فقال (عليه السلام) : «أضمن لكم المال إلى غلّة» ولم يكن له غلّة ، فقال القوم : قد رضينا فضمنه فلما أتت الغلّة أتاح اللّه له المال فأدّاه (2).


1) الوسائل ، ج 18 كتاب الضمان ، ب 1 ح 1.

2) الوسائل ، ج 18 كتاب الضمان ، ب 5 ح 1.

كقولك : ضمنت شيئاً من دَينك فلا يصحّ (1). ولعله مراد من قال : إنّ الصّحة إنما هي فيما إذا كان يمكن العلم به بعد ذلك. فلا يرد عليه ما يقال : من عدم الإشكال في الصحّة مع فرض تعيّنه واقعاً. وإن لم يمكن العلم به فيأخذ بالقدر المعلوم.

هذا وخالف بعضهم فاشترط العلم به ، لنفي الغرر والضرر. وردّ بعدم العموم في الأوّل ، لاختصاصه بالبيع أو مطلق المعاوضات (2)


وأمّا الثاني فقد رواه فضيل وعبيد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : «لما حضر محمد بن أُسامة الموت دخل عليه بنو هاشم ، فقال لهم : قد عرفتم قرابتي ومنزلتي منكم ، وعليَّ دَين فأُحبّ أن تقضوه عنّي ، فقال علي بن الحسين (عليه السلام) : ثلث دَينك عليَّ ، ثمّ سكت وسكتوا. فقال علي بن الحسين (عليه السلام) : عليَّ دينك كلّه ثمّ قال علي بن الحسين (عليه السلام) : أما إنه لم يمنعني أن أضمنه أوّلاً ، إلّا كراهة أن يقولوا سبقنا» (1).

إلّا أنّ الإرسال في الرواية الأُولى ، ووقوع عبيد اللّه الدهقان المردد بين عبيد اللّه بن أحمد الدهقان المجهول وعبيد اللّه بن عبد اللّه الدهقان الذي ضعّفه النجاشي صريحاً (2)يمنعان من الاعتماد عليهما والتمسّك بهما في مقام الاستدلال.

على أنهما لا يتضمّنان إلّا بيان قضية في واقعة ، فلا إطلاق لهما كي يتمسّك به في مقام نفي الشرط المشكوك ، ولعلّه (عليه السلام) كان يعلم بمقدار الدَّين الذي عليهما.

(1) بلا خلاف فيه بين الأصحاب ، إذ يستحيل فراغ ذمّة المضمون عنه واشتغال ذمّة الضامن بالنسبة إلى ما لا تعيّن له واقعاً.

(2) حيث ألحقها الفقهاء بالبيع ، فلا يشمل الضمان ونحوه مما لا يتضمّن المعاوضة.

على أنه لا غرر في المقام بالمرّة. فإنّ الضامن سيأخذ بمقدار ما يدفعه إلى الدائن من المدين قلّ أو كثر ومن غير أن ينقص منه شي‌ء على الإطلاق ، حاله حال القرض


1) الوسائل ، ج 18 كتاب الضمان ، ب 3 ح 1.

2) رجال النجاشي : 231 ترجمة رقم 614.

وبالإقدام في الثاني (1).

ويمكن الفرق (1)بين الضمان التبرعي والإذني ، فيعتبر في الثاني دون الأوّل ، إذ ضمان علي بن الحسين (عليه السلام) كان تبرعياً (2). واختصاص نفي الغرر بالمعاوضات ممنوع ، بل يجري في مثل المقام الشبيه بالمعاوضة (3) إذا كان بالإذن مع قصد الرجوع على الآذن. وهذا التفصيل لا يخلو عن قرب.


حيث يصحّ إقراض ما في الكيس حتى مع الجهل بمقداره اتفاقاً. ومن غير أن يشمله دليل نفي الغرر ، إذ لا خطر على الدائن في المقام بعد ثبوت معادل ما يأخذه في ذمّة المدين.

والحاصل أنه لا أثر للعلم أو الجهل بالمقدار في الحكم بالبطلان وتحقّق الغرر. فإنّ الخطر إنما يتصوّر في مثل البيع مما يختلف فيه العوضان ، ويكون مبناه على المغابنة بمعنى الاسترباح ودفع الأقل بإزاء أخذ الأكثر ، حيث يحتمل فيه الخسارة. ولا يتصوّر في مثل المقام ، حيث يستوفي الضامن بمقدار ما يدفعه إلى المضمون له.

(1) فإنّ دليل «لا ضرر» إنما ينظر إلى ارتفاع الأحكام الإلزامية به ، فلا دلالة فيه على عدم جواز إلقاء النفس في الضرر ، ولذا لم يستشكل أحد في صحّة الهبة ونحوها باعتبار استلزامها للضرر.

والحاصل أنّ دليل «لا ضرر» بنفسه قاصر عن شمول الضمان قلّ أو كثر ، فإنه لا يدلّ إلّا على نفي إلزام الشارع بالحكم الضرري.

(2) قد عرفت الإشكال فيه فيما تقدّم.

(3) فيه إشكال ظهر مما تقدّم. فإنه لا عموم لدليل نفي الغرر ، على أنه لا غرر في المقام إطلاقاً ، حيث إنه سيأخذ من المضمون عنه بمقدار ما يؤدّيه للمضمون له.

والحاصل أنه لا فرق في عدم عموم الدليلين نفي الضرر ونفي الغرر للضمان بين


1) (*) لكنه بعيد.

[3569] مسألة 2 : إذا تحقّق الضمان الجامع لشرائط الصحّة انتقل الحقّ من ذمّة المضمون عنه إلى ذمّة الضامن ، وتبرأ ذمّة المضمون عنه ، بالإجماع والنصوص (1). خلافاً للجمهور ، حيث إنّ الضمان عندهم ضمّ ذمّة إلى ذمّة. وظاهر كلمات الأصحاب عدم صحّة ما ذكروه ، حتى مع التصريح به على هذا النحو. ويمكن الحكم (1)بصحّته حينئذ ، للعمومات (2).


كونه تبرعياً أو إذنياً ، فإنهما وعلى كلا التقديرين غير شاملين له.

وعليه فالقول بالجواز مطلقاً هو الأقرب.

(1) كصحيحة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، في الرجل يموت وعليه دين فيضمنه ضامن للغرماء ، فقال : «إذا رضي به الغرماء ، فقد برئت ذمّة الميت» (2).

(2) لم يظهر مراده (قدس سره) من العمومات في المقام. فإن أدلّة الضمان وبأجمعها واردة في نقل الدَّين من ذمّة إلى أُخرى ، وليس فيها ما يقتضي صحّته حتى على نحو ضمّ ذمّة إلى أُخرى كي يتمسّك به في المقام.

والعمومات العامة غير شاملة له أيضاً. فإن اشتغال ذمّة شخص الضامن بالنسبة إلى غيره مجاناً وبلا عوض ، غير داخل في عنوان التجارة ، ولا يشمله الأمر بالوفاء بالعقود ، إذ العقد ربط لالتزام الطرفين المتعاقدين ، فلا يصدق على ما يكون الالتزام فيه من طرف واحد خاصّة. ولو صحّ ذلك للزم القول بصحّته في غير موارد الدَّين كموارد الالتزام الابتدائي ، والحال أنه باطل ولم يقل بصحّته أحد على الإطلاق.

فإنّ اشتغال الذمّة ليس أمراً اختيارياً للمكلف بحيث يكون له ذلك كيفما شاء وإنما هو متوقف على أسبابه الخاصة ، من تجارة أو استيلاء أو إتلاف أو الشرط في ضمن العقد بناءً على أنه يوجب الملكيّة فلا يحصل من دونها.


1) (*) لكنه ضعيف جدّاً.

2) الوسائل ، ج 18 كتاب الضمان ، ب 2 ح 1.

[3570] مسألة 3 : إذ أبرأ المضمون له ذمّة الضامن برئت ذمّته وذمّة المضمون عنه (1). وإن أبرأ ذمّة المضمون عنه لم يؤثر شيئاً ، فلا تبرأ ذمّة الضامن ، لعدم المحلّ للإبراء بعد براءته بالضمان ، إلّا إذا استفيد منه الإبراء من الدَّين الذي كان عليه ، بحيث يفهم منه عرفاً إبراء ذمّة الضامن.

وأما في الضمان بمعنى ضمّ ذمّة إلى ذمّة ، فإن أبرأ ذمّة المضمون عنه برئت ذمّة الضامن أيضاً ، وإن أبرأ ذمّة الضامن فلا تبرأ ذمّة المضمون عنه. كذا قالوا.


والحاصل أن إثبات اشتغال الذمّة يحتاج إلى الدليل ، وهو مفقود في غير الدَّين حيث اقتضت أدلّة الضمان الصحّة فيها.

نعم ، لا بأس بتصحيح هذا الضمان بالمعنى الذي سبق منّا بيانه في الشرط السابع أعني التعهّد بالوفاء به على تقدير عدم وفاء المديون ، نظير التعهد بالأعيان الخارجية فإنه لا بأس به حيث لم يكن بمعنى اشتغال الذمّة.

(1) أمّا الأوّل فواضح. وأمّا الثاني ، فالإبراء فيه إنما هو بمعنى عدم جواز رجوع الضامن عليه ومطالبته بما انتقل إلى ذمّته نتيجة للضمان ، وذلك لأنه من مختصّات الأداء عن أمره ، فلا يثبت مع فقد أحد الشرطين.

وما ذكرناه في معنى براءة ذمّة المضمون عنه هو المتعيّن في التفسير ، وإلّا فذمّة المضمون عنه بالقياس إلى المضمون له الدائن بريئة حتى قبل الإبراء ، على ما يقتضيه مذهبنا في الضمان.

وبعبارة اخرى : لا بدّ من حمل عبارة الماتن (قدس سره) على الضمان الإذني حيث يصحّ معه التعبير ببراءة الذمّتين ، نتيجة لإبراء المضمون له لذمّة الضامن. أمّا ذمّة الضامن فللإبراء ، وأمّا ذمّة المضمون عنه فلعدم أداء الضامن شيئاً ، ومعه فلا يثبت له الضامن حقّ الرجوع عليه المضمون عنه وبهذا المعنى صحّ التعبير ببراءة ذمّته.

وإلّا بأن كان الضمان تبرعياً ، فحيث لا أثر لإبراء المضمون له لذمّة الضامن في

ويمكن أن يقال ببراءة ذمّتهما على التقديرين (1).

[3571] مسألة 4 : الضمان لازم من طرف الضامن والمضمون له (2). فلا يجوز


براءة ذمّة المضمون عنه ، فإنها بريئة وغير مشغولة لأحد بنفس الضمان ، سواء في ذلك قبل الإبراء وبعده ، فلا يصحّ التعبير ببراءة الذمّتين نتيجة لإبراء المضمون له لذمّة الضامن ، فإنه لا يؤثر إلّا في براءة ذمّة الضامن فحسب ، وأمّا ذمّة المضمون عنه فهي بريئة قبل ذلك.

(1) وهو الصحيح.

أمّا مع إبراء الضامن ، فلأنّ الإبراء لا يعني رفع اليد عن الضمّ والضمان خاصّة ، كي يقال بأنّ معه يبقى الدَّين على حاله ويكون المضمون عنه مديناً بعد الإبراء كقبلة ، فإنّ هذا المعنى غير مراد جزماً ، إذ الضمان من العقود اللازمة وهي لا تقبل الرفع حتى مع رضا الطرفين. على أنه ينافي مفهوم الإبراء ، فإنه مساوق لإسقاط الدَّين ، على ما ستعرف.

وإنما الإبراء بمعنى رفع اليد من الدَّين من أساسه ، على ما يساعد عليه ظاهر اللفظ. ومعه فلا مجال للقول ببقاء ذمّة المضمون عنه مشغولة ، فإنّ الدَّين ليس إلّا ديناً واحداً ، فلا يقبل البقاء والسقوط في آن واحد بالقياس إلى الذمّتين.

وبعبارة اخرى : إنّ إبراء إحدى الذمّتين من الدَّين الثابت فيهما على نحو الضمّ ، إنما هو بمنزلة استيفائه منها كما هو واضح ، ولذا يذكر في باب المهور انّ الزوجة إذا أبرأت ذمّة زوجها من المهر فطلّقها قبل الدخول رجع عليها بنصف المهر ، فلا وجه للتفكيك بين الذمّتين بالقياس إليه والقول بثبوته في ذمّة دون اخرى.

وأمّا مع إبراء المضمون عنه ، فلأنّ مرجعه إلى إسقاط الدَّين وإفراغ ذمّته منه ومعه فلا يبقى مجال لضمّ ذمّة أُخرى إليها فيه.

(2) فإنّ إرجاع الدَّين إلى ذمّة المضمون عنه ثانياً وفراغ ذمّة الضامن ، بعد الحكم بصحّة الضمان وانتقال الدَّين إلى ذمّة الضامن وفراغ ذمّة المضمون عنه بالمرّة ، يحتاج

للضامن فسخه حتى لو كان بإذن المضمون عنه وتبيّن إعساره (1) كذا لا يجوز للمضمون له فسخه والرجوع على المضمون عنه ، لكن بشرط ملاءة الضامن حين الضمان أو علم المضمون له بإعساره (2).

بخلاف ما لو كان معسراً حين الضمان وكان جاهلاً بإعساره ، ففي هذه الصورة يجوز (1)له الفسخ على المشهور ، بل الظاهر عدم الخلاف فيه ، ويستفاد من بعض الأخبار أيضاً (3).


إلى الدليل وهو مفقود. ومقتضى أصالة اللزوم ، المستفادة من إطلاقات أدلّة صحّة العقود والعمومات ، بقاء الحكم الأوّل على حاله.

(1) فضلاً عمّا لو كان ضماناً تبرعياً ومن غير إذن المضمون عنه.

(2) لعين ما تقدّم في سابقه.

(3) وهو موثقة الحسن بن الجهم ، قال : سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل مات وله عليَّ دَين وخلّف ولداً رجالاً ونساءً وصبياناً ، فجاء رجل منهم فقال : أنت في حلّ مما لأبي عليك من حصّتي ، وأنت في حلّ مما لإخوتي وأخواتي وأنا ضامن لرضاهم عنك ، قال : «يكون في سعة من ذلك وحلّ» قلت : فإن لم يعطهم؟ قال : كان ذلك في عنقه. قلت : فإن رجع الورثة عليَّ فقالوا : أعطنا حقّنا؟ فقال : «لهم ذلك في الحكم الظاهر ، فأمّا بينك وبين اللّه فأنت منها في حلّ إذا كان الذي حلّك يضمن لك عنهم رضاهم فيحمل لما ضمن لك». قلت : فما تقول في الصبي ، لُامّه أن تحلل؟ قال : «نعم ، إذا كان لها ما ترضيه أو تعطيه». قلت : فإن لم يكن لها؟ قال : «فلا». قلت : فقد سمعتك تقول : إنه يجوز تحليلها؟ فقال : «إنما أعني بذلك إذا كان لها» الحديث (2).

وهي وإن كانت معتبرة سنداً ، إلّا أنها أجنبية من حيث الدلالة عن المدّعى. فإنها واردة في تحليل بعض الورثة لحصّته من الدَّين بالفعل مع الالتزام بتحصيل رضا سائر


1) (*) ولكن للمناقشة فيه مجال واسر. وليس في المسألة رواية تدلّ على الخيار وجواز الفسخ.

2) الوسائل ، ج 18 كتاب الضمان ، ب 4 ح 1.

.................................................................................................


الورّاث أيضاً ، وأين ذلك من الضمان الذي هو محل الكلام؟.

وبعبارة اخرى : إنّ مورد المعتبرة هو التحليل وهو عقد قائم بين المدين وشخص آخر ، في حين إنّ مورد كلامنا هو الضمان الذي هو عقد قائم بين الدائن وشخص آخر ، فلا مجال لإثبات الحكم الثابت في أحدهما للآخر.

على أنّ هذه المعتبرة لو تمّت من حيث الدلالة في المقام ، فمن الواضح أنّ مقتضاها بطلان الضمان مع عدم الملاءة لا ثبوت الخيار ، وهو مما لا يقول به أحد.

على أنه لا بدّ من ردّ علم هذه المعتبرة إلى أهلها حتى موردها التحليل لأنها تضمّنت صحّة التحليل من الأجنبي وحصول فراغ الذمّة واقعاً به ، وهو أمر لا يمكن الالتزام به ، إذ التحليل من الأجنبي لا يعدو كونه تحليلاً فضولياً يتوقف على إجازة من له الأمر واقعاً.

إذن فلا مجال للتمسّك بالمعتبرة في المقام على كلّ تقدير ، فإنها لو تمّت دلالة وأمكن العمل بها في موردها ، فإثبات حكمها في المقام لا يعدو القياس.

هذا وقد استدلّ صاحب الجواهر (قدس سره) على المدّعى بما دلّ على اعتبار الملاءة في المحال عليه ، بدعوى أنّ الحوالة أُخت الضمان ، فيثبت فيه ما ثبت فيها (1).

وهو كما تراه قياس محض. فإنّ الحكم بالخيار عند إعسار المحال عليه حين الحوالة مع جهل المحال إنما ثبت بالنصّ الخاص ، فالتعدّي عنها إلى غيرها لمجرّد اشتراكهما في جهة لا يخرج عن حدّ القياس.

على أنّ بينهما فرقاً واضحاً. فإنّ الحوالة معاملة قائمة بين الدائن والمدين ، في حين إنّ الضمان معاملة بين الدائن وشخص ثالث ، فالحوالة معاملة معاوضية بخلاف الضمان ، فإنّ الدائن في الحوالة على مشغول الذمّة مشترٍ ما لعمرو مثلاً في ذمّة بكر بماله في ذمّة المدين.

بل وكذا لو كانت الحوالة على بري‌ء الذمّة ، فإنها معاوضة وتبديل لذلك المبلغ في


1) الجواهر 26 : 128.

والمدار كما أشرنا إليه في الإعسار واليسار على حال الضمان ، فلو كان موسراً ثمّ أُعسر لا يجوز له الفسخ (1) كما أنه لو كان معسراً ثمّ أُيسر يبقى الخيار (2). والظاهر عدم الفرق في ثبوت الخيار مع الجهل بالإعسار ، بين كون


ذمّة المحال عليه بماله في ذمّة المدين ، غاية الأمر أنّ المحال عليه لما كان بري‌ء الذمّة بالنسبة إلى المحيل كان العقد فضولياً ومتوقفاً على إجازته.

ومن هنا فحيث إنّ العشرة مثلاً في ذمّة المعسر لا تساوي من حيث المالية بنظر العقلاء العشرة في ذمّة الموسر كما هو واضح ، والمعاملات مبنيّة على التساوي في المالية بحيث يكون ذلك من الشرط الضمني ، كان تخلّفه موجباً لثبوت الخيار على القاعدة ، على ما تقدّم بيانه مفصّلاً في مبحث خيار الغبن.

وأين هذا من الضمان الذي لا يعدّ من المعاوضات بالمرّة ، لأنه ليس إلّا اشتغال ذمّة بلا عوض ومجاناً ، سواء في ذلك ما كان إذنياً أو تبرّعياً ، لأنهما لا يختلفان إلّا من حيث جواز الرجوع على المدين الأوّل وعدمه.

والحاصل أنّ التعدي من الحوالة إلى الضمان قياس مع الفارق وإن اشتركا في جهة من الجهات.

وعلى ضوء ما تقدّم يظهر أنه لا دليل يمكن الاعتماد عليه في القول بالخيار في المقام.

ومن هنا فإن تمّ إجماع على ذلك فهو ، وإلّا كما هو الصحيح إذ غاية الأمر عدم وجدان الخلاف فللمناقشة فيه مجال واسع ، ومقتضى أصالة اللزوم عدمه.

(1) لعدم شمول دليل الخيار بناء على تماميته للإعسار المتأخر ، فإنّ الإجماع غير ثابت فيه ، ومعتبرة الحسن بن الجهم ناظرة إلى حال الضمان ، والحكم في الحوالة مختصّ بالإعسار حينها أيضاً.

(2) وهو إنما يتمّ فيما إذا كان مستند الخيار في المقام هو معتبرة الحسن بن الجهم فإنه لا بأس بالتمسّك بإطلاقها بعد تسليم دلالتها لإثبات الخيار في الفرض أيضاً.

وأمّا إذا كان المستند هو الإجماع ، فالحكم بثبوت الخيار في المقام مشكل جدّاً

المضمون عنه أيضاً معسراً أوْ لا؟ (1). وهل يلحق بالإعسار تبيّن كونه مماطلاً مع يساره في ثبوت الخيار أوْ لا؟ وجهان (1)(2).


نظراً لكون القدر المتيقّن منه هو المعسر المستمر.

(1) لكونه أجنبياً عن العقد.

(2) من اختصاص أدلّة الخيار من الإجماع والنص وما ذكره صاحب الجواهر (قدس سره) بالإعسار ، فيكون التعدّي عنه محتاجاً إلى الدليل وهو مفقود ، ومقتضى أصالة اللزوم العدم.

ومن التمسّك بقاعدة نفي الضرر ، فإنّ الحكم بلزوم هذا العقد ضرري على الدائن فينفى بالقاعدة ، على ما مرّ تفصيله في خيار الغبن.

والأقوى هو الأوّل ، لما عرفته غير مرّة من اختصاص دليل «لا ضرر» بنفي الأحكام الضررية من الأحكام المجعولة في الشريعة المقدسة ، وعدم شموله للضرر الحاصل من فعل المكلّف نفسه ، كما أنه لا يتكفل جبر الضرر الحاصل كذلك.

وحيث إنّ مقامنا من هذا القبيل ، لأنّ المضمون عنه إنما وقع في الضرر نتيجة لفعل نفسه ، أعني رفع يده عن دَينه الثابت في ذمّة المدين في قبال اشتغال ذمّة الضامن به فلا يلزم الشارع المقدس تداركه بجعل الخيار له ، فإنّ دليل نفي الضرر قاصر الشمول عن مثل هذه الموارد.

على أنّ دليل نفي الضرر لو شمل المقام لكان لازمه الحكم ببطلان الضمان من رأس ، لا الحكم بصحّته مع ثبوت الخيار.

وتمام الكلام فيه موكول إلى محله.

إذن فالأظهر في المقام هو عدم الخيار حتى ولو قلنا بثبوته على تقدير ظهور إعساره فضلاً عن إنكاره ، كما هو المختار.


1) (*) أوجههما العدم.

[3572] مسألة 5 : يجوز اشتراط الخيار (1)في الضمان (1) للضامن والمضمون له ، لعموم أدلّة الشروط (2).


(1) على إشكال فيه بل منع. فإنّ الضمان لا يقاس بسائر العقود ، والفرق بينهما ظاهر.

فإنّ نتيجة العقد إذا كانت راجعة إلى طرفيه خاصة ، كان لهما رفع اليد عنه بعد ثبوته ولزومه ومن غير حاجة للخيار ، وهو المعبر عنه في الاصطلاح بالتقايل. إلّا في بعض العقود الذي ثبت فيه عدمه بالنص الخاص كالنكاح ، حيث لا يرفع إلّا بالطلاق أو أحد موجبات الفسخ. وإذا جاز لهما ذلك بالنتيجة ، جاز لهما جعل هذا الحقّ في ضمن العقد من الأوّل ، وهو المعبر عنه في الاصطلاح بشرط الخيار. وليس ذلك كلّه إلّا لكون العقد عقدهما والحقّ لا يعدوهما ، فلهما أن يتصرفا كيفما شاءا ما لم يرد منه منع من الشارع المقدس.

وهذا بخلاف ما إذا كانت نتيجة العقد ترتبط بشخص ثالث بحيث يكون الحقّ يعدوهما إليه ، فإنه لا يكون لهما ذلك ، لعدم الولاية لهما على الثالث.

وحيث إنّ مقامنا من هذا القبيل ، فإنّ عقد الضمان وإن كان قائماً بين الضامن والمضمون له ، إلّا أنّ الحقّ فيه يعدوهما إلى المضمون عنه حيث تبرأ ذمّته عن الدَّين فلا يصحّ اشتراط الخيار فيه ، إذ لا موجب لاشتغال ذمّة المضمون عنه ثانياً وبعد الفراغ لمجرّد رضا أحد الطرفين أو هما معاً به ، فإنه أمر يحتاج إلى الدليل وهو مفقود.

والحاصل أنّ باب الضمان لا يقاس بباقي المعاملات التي ترجع نتيجتها إلى المتعاملين نفسهما ، فإنّ اشتغال ذمّة المضمون عنه ثانياً يحتاج إلى الدليل وهو مفقود.

(2) وفيه : إنّ أدلّة الشروط لا تفي بإثبات صحّة جعل الخيار في المقام ، نظراً لما


1) (*) فيه إشكال بل منر. وكذا في ثبوت الخيار عند تخلّف الشرط. والوجه فيه أنّ انفساخ عقد ما إذا لم يمكن في نفسه ولو بالتقايل ، فأدلّة الشروط لا تفي بصحة جعل الخيار فيه ، وبذلك يظهر الحال في المسألة الآتية.

والظاهر جواز اشتراط شي‌ء لكلّ منهما (1) كما إذا قال الضامن : أنا ضامن بشرط أن تخيط لي ثوباً ، أو قال المضمون له : أقبل الضمان بشرط أن تعمل لي كذا. ومع التخلف يثبت للشارط خيار تخلّف الشرط (2).

[3573] مسألة 6 : إذا تبين كون الضامن مملوكاً وضمن من غير إذن مولاه أو بإذنه ، وقلنا إنه يتبع بما ضمن بعد العتق ، لا يبعد ثبوت الخيار للمضمون له (3).

[3574] مسألة 7 : يجوز ضمان الدَّين الحالّ حالاً (4)


تقدّم مراراً من أنها ليست بمشرعة ، ولا تفيد إلّا لزوم ما هو سائغ في نفسه ومع قطع النظر عن الاشتراط. وحيث إنّ جعل الخيار في المقام ليس من هذا القبيل ، باعتبار أن اشتغال ذمّة المضمون عنه ثانياً يحتاج إلى الدليل ولا يتمّ باتفاق المتعاقدين عليه ، فلا يمكن إثباته بالاشتراط والتمسّك بعموم أدلّة الشروط.

(1) لعموم أدلّة الشروط بعد أن كان الشرط سائغاً في نفسه ، بحيث كان للمشروط عليه فعله ابتداءً ومن غير اشتراط.

(2) بل الظاهر أنّ هذا الاشتراط لا يوجب إلّا الحكم التكليفي المحض مع جواز إلزامه به ، نظير الاشتراط في ضمن عقد النكاح.

وذلك لما عرفته من أنّ ثبوت حقّ الفسخ في المقام ، بمعنى اشتغال ذمّة الغير ثانياً وبعد فراغها وبراءتها ، أمر خارج عن صلاحية المتعاقدين ، ويحتاج إلى الدليل الخاص وهو مفقود ، وأدلّة الوفاء بالشرط لا تنهض لإثباته.

(3) بل هو بعيد. ويظهر وجهه ممّا تقدّم في المسألة السابقة ، إذ الالتزام باشتغال ذمّة الغير بالدَّين ثانياً بعد فراغها منه جزماً على خلاف الأصل ، ويحتاج إلى الدليل الخاص ، وهو مفقود.

(4) بلا إشكال فيه ، ويقتضيه ما دلّ على كون الضمان نقل الدَّين من ذمّة إلى أُخرى.

ومؤجلاً (1) وكذا ضمان المؤجّل حالاً ومؤجلاً ، بمثل ذلك الأجل أو أزيد أو أنقص (2). والقول بعدم صحّة الضمان إلّا مؤجَّلاً (3) وأنه يعتبر فيه الأجل كالسلم ضعيف (4) كالقول بعدم صحّة ضمان الدَّين المؤجَّل حالاً (5) أو بأنقص. ودعوى


(1) اتفاقاً ، حيث لم ينسب الخلاف فيه إلى أحد من أصحابنا ، بل وقد حكي في كلماتهم الإجماع عليه.

(2) لما ستعرفه من أنّ الضمان إنما يتعلق بنفس الدَّين ، وأمّا الحلول والتأجيل وقصر المدَّة وطولها فهي تثبت بالاشتراط.

(3) قال الشيخ (قدس سره) في النهاية : ولا يصحّ ضمان مال ولا نفس إلّا بأجل (1)كما نسب ذلك في بعض الكلمات

إلى غيره أيضاً.

(4) لعدم الدليل عليه ، بل لاقتضاء أدلّة الضمان خلافه ، على ما تقدّم.

(5) واستدلّ عليه باستلزامه زيادة الفرع على أصله.

وفيه : إنّ الضمان وإن كان فرع الدَّين ، إلّا أنّ متعلقه هو نفس الدَّين دون الأجل فإنه أمر خارج عنه ويثبت بالاشتراط في ضمنه.

وبعبارة اخرى : إنّ الضمان متعلق بعين ما اشتغلت به الذمّة ومن غير زيادة أو نقيصة ، فإنّ التقديم والتأخير أمران خارجان عنه كليّة.

على أنه لو صحّ ما ذكر ، لزم منه صحّته في عكسه أيضاً والقول بالبطلان في ضمان الدَّين الحال مؤجلاً ، نظراً لنقصان المؤجل عن الحال ، في حين إنّ مقتضى أدلّة الضمان انتقال مثل ما في ذمّة المضمون عنه إلى ذمّة الضامن ومن غير زيادة أو نقيصة. والحال أنّ هذا ممّا لا يمكن أن يلتزم به ، وليس ذلك إلّا لكون التقديم والتأخير خارجين عن حقيقته.

ثمّ إنّ ممّا ذكرنا يظهر بطلان ما ذكره فخر المحققين واستحسنه العلّامة (قدس سره) في المختلف ، من كونه ضمان ما لا يجب ، نظراً لزيادة مالية الدَّين الحال عن مالية


1) النهاية 315.

أنه من ضمان ما لم يجب ، كما ترى (1).

[3575] مسألة 8 : إذا ضمن الدَّين الحالّ مؤجلاً بإذن المضمون عنه فالأجل للضمان لا للدَّين. فلو أسقط الضامن أجله وادّى الدَّين قبل الأجل ، يجوز له الرجوع على المضمون عنه (2) لأنّ الذي عليه كان حالاً ولم يصرْ مؤجّلاً بتأجيل


الدَّين المؤجَّل ، وحيث إنّ هذه الزيادة غير واجبة على المديون ولا ثابتة في ذمّته ، كان ضمانها من ضمان ما لم يجب (1).

ووجه البطلان أنّ الضمان إنما تعلق بنفس الدَّين من غير زيادة فيه أو نقيصة والحلول والتأجيل إنما يثبتان بالاشتراط في ضمنه.

ومنه يظهر جواز اختلاف الأجلين من حيث الزيادة والنقيصة.

إذن فالصحيح هو ما ذهب إليه الماتن (قدس سره) ، وفاقاً للمشهور ، من جواز ضمان الدَّين المؤجّل حالاً.

(1) لما تقدّم من الوجه في بطلانها.

(2) لأداء دينه بإذنه ، والضمان وإن كان مؤجّلاً إلّا أنّ الأجل حقٌّ للضامن لا له إذ المفروض كون دينه حالاً وهو وإن سقط بالضمان إلّا أنّ أمره وإذنه فيه أوجب الضمان ، فيصحّ الرجوع عليه على تقدير الأداء متى ما حصل.

والحاصل أنّ الأجل إنما هو بالنسبة إلى الضمان ، لا الدَّين فإنه حال ، ولا ملازمة بينهما من هذه الجهة.

نعم ، لو كان إذنه في الضمان مقيداً بكون الأداء في وقت كذا ، حيث لا مانع من تقييده أو تعليقه ، كان أداء الضامن له قبل ذلك الوقت تبرّعاً محضاً ، فليس له الرجوع عليه بعد الأجل فضلاً عمّا قبله ، إذ المقيد عدم بانعدام قيده. إلّا أنّ هذا خارج عن محلّ الكلام.


1) مختلف الشيعة 5 : 487 مسألة 156.

الضمان. وكذا إذا مات قبل انقضاء أجله وحلّ ما عليه وأخذ من تركته ، يجوز لوارثه الرجوع على المضمون عنه. واحتمال صيرورة أصل الدَّين مؤجلاً حتى بالنسبة إلى المضمون عنه ، ضعيف (1).

[3576] مسألة 9 : إذا كان الدَّين مؤجَّلاً فضمنه الضامن كذلك ، فمات وحلّ ما عليه وأخذ من تركته ، ليس لوارثه الرجوع على المضمون عنه إلّا بعد حلول أجل أصل الدَّين ، لأنّ الحلول على الضامن بموته لا يستلزم الحلول (2) على المضمون عنه. وكذا لو أسقط أجله وأدَّى الدَّين قبل الأجل ، لا يجوز له الرجوع على المضمون عنه إلّا بعد انقضاء الأجل (3).

[3577] مسألة 10 : إذا ضمن الدَّين المؤجل حالاً بإذن المضمون عنه ، فإن فهم من إذنه رضاه بالرجوع عليه يجوز للضامن ذلك ، وإلّا فلا يجوز إلّا بعد انقضاء الأجل (4). والإذن في الضمان أعمّ من كونه حالاً.


(1) وهو مشكل جدّاً ، إذ لا وجه لجواز أمره بذلك الأداء. فإنّ المفروض أنه إنما أمر الضامن بأداء دينه المؤجل في حينه ، فما لم يكن الأداء كذلك سواء أكان ذلك بفعل الضامن نفسه أم غيره ، لم يكن للمؤدي الرجوع عليه. لأنهما في الواقع عقدان مستقلان ، فلا وجه لإثبات الأجل المأخوذ في أحدهما في الآخر.

(2) لما عرفته من اختلاف العقدين حقيقة ، وعدم الملازمة بينهما في الأجل والحلول.

(3) إذ لا وجه لجواز رجوعه عليه بعد عدم تعلّق أمره بذلك الأداء بالمرّة ، فإنه إنما أمره بأداء دينه المؤجل في حينه ، فما لم يكن الأداء كذلك لم يكن له الرجوع عليه.

وبعبارة اخرى : إنّ أصل الأداء وإن كان بأمر من المضمون عنه ، إلّا أنّ خصوصية التقديم لما لم تكن بأمره ، لم يكن للضامن الرجوع عليه قبل الأجل ، فالحلول زيادة من الضامن لم يلتزم به المضمون عنه.

(4) لكون الحلول حينئذ زيادة من الضامن نفسه ، فلا يلزم به المضمون عنه.

[3578] مسألة 11 : إذا ضمن الدَّين المؤجل بأقلّ من أجله وأدّاه ، ليس له الرجوع على المضمون عنه إلّا بعد انقضاء أجله (1). وإذا ضمنه بأزيد من أجله فأسقط الزائد وأدّاه ، جاز له الرجوع عليه ، على ما مرّ من أنّ أجل الضمان لا يوجب صيرورة أصل الدَّين مؤجَّلاً. وكذا إذا مات بعد انقضاء أجل الدَّين قبل انقضاء الزائد فأخذ من تركته ، فإنه يرجع على المضمون عنه (2).

[3579] مسألة 12 : إذا ضمن بغير إذن المضمون عنه برئت ذمّته ، ولم يكن له الرجوع عليه وإن كان أداؤه بإذنه أو أمره (3). إلّا أن يأذن له في الأداء عنه تبرّعاً منه في وفاء دينه ، كأن يقول : أدِّ ما ضمنت عني وارجع به عليّ ، على إشكال (1)(4) في هذه الصورة أيضاً ، من حيث إنّ مرجعه حينئذٍ إلى الوعد الذي


(1) لما تقدّم.

(2) لما عرفته من كون الأجل للضمان دون الدَّين ، فلا يجوز للمضمون عنه تأخير دفعه بعد أداء الضامن له عند حلول أجله ، وإن بقي من أجل الضمان ما بقي.

(3) لكونه أمراً له بما اشتغلت ذمّته الضامن به ، نظير أمر الغير بأداء الدَّين الثابت عليه المأمور في نفسه ، فإنه لا يوجب الضمان قطعاً ، لكونه أمراً بما هو واجب عليه في نفسه ، ومع قطع النظر عن الأمر.

(4) الظاهر أنه لا وجه للاستشكال في المقام. وليس مرجع الأمر هذا إلى الوعد وإنما مرجعه إلى إنابة المضمون عنه الضامن في أداء الضمان عنه تبرعاً وكأنه هو الذي باشر ذلك بنفسه ، فإنه موجب للضمان ورجوع النائب على الآمر بلا خلاف.

وبعبارة اخرى : إنّ حال الضامن في المقام هو حال الأجنبي الثالث الذي يؤمر بأداء ما على زيد من الديون نيابة عن الآمر ، فإنه لا فرق بين الضامن وغيره من هذه الناحية وهما على سواء فيها. فكما أنّ أمر الأجنبي بذلك يوجب الضمان وجواز رجوع المأمور بعد الأداء إلى الآمر ، فكذا الحال في الضامن أيضاً ، لوحدة الملاك وهو الأمر


1) (*) الظاهر أنه لا إشكال فيه ، وليس مرجعه إلى الوعد.

لا يلزم الوفاء به. وإذا ضمن بإذنه ، فله الرجوع عليه بعد الأداء (1) وإن لم يكن بإذنه ، لأنه بمجرّد الإذن في الضمان اشتغلت ذمّته من غير توقّف على شي‌ء. نعم ، لو أذن له في الضمان تبرّعاً فضمن ، ليس له الرجوع عليه ، لأن الإذن على هذا الوجه ك- (لا إذن).

[3580] مسألة 13 : ليس للضامن الرجوع على المضمون عنه في صورة الإذن إلّا بعد أداء مال الضمان (2) على المشهور ، بل الظاهر عدم الخلاف فيه. وإنما يرجع عليه بمقدار ما أدّى ، فليس له المطالبة قبله.

أمّا لأنّ ذمّة الضامن وإن اشتغلت حين الضمان بمجرده ، إلّا أنّ ذمّة المضمون عنه لا تشتغل إلّا بعد الأداء وبمقداره. وأمّا لأنها تشتغل حين الضمان لكن بشرط الأداء ، فالأداء على هذا كاشف عن الاشتغال من حينه. وأمّا لأنها وإن اشتغلت بمجرّد الضمان ، إلّا أنّ جواز المطالبة مشروط بالأداء. وظاهرهم هو الوجه الأوّل (1).

وعلى أي حال لا خلاف في أصل الحكم ، وإن كان مقتضى القاعدة جواز المطالبة واشتغال ذمّته من حين الضمان (3) في قبال اشتغال ذمّة الضامن ، سواء أدّى أم لم يؤدِّ. فالحكم المذكور على خلاف القاعدة ، ثبت بالإجماع ،


بإتلاف مال محترم بالنيابة عنه وكأنه هو المباشر له.

(1) بلا إشكال فيه ولا خلاف ، وتدلّ عليه الروايات الكثيرة الواردة في المقام.

(2) لما تقدّم.

(3) بل مقتضى القاعدة هو الأوّل ، إذ لا بدّ في اشتغال ذمّة الغير من سبب له ، من عقد أو إتلاف أو تلف في بعض الموارد ، وإلّا فالضمان من غير سبب وموجب لا يمكن تصحيحه بوجه.


1) (*) وهو الذي تقتضيه القاعدة.

وخصوص الخبر : عن رجل ضمن ضماناً ثمّ صالح عليه ، قال : «ليس له إلّا الذي صالح عليه» (1) بدعوى الاستفادة منه أن ليس للضامن إلّا ما خسر.

ويتفرّع على ما ذكروه : أنّ المضمون له لو أبرأ ذمّة الضامن عن تمام الدَّين


ومن هنا فحيث إنّ الأمر بالضمان وإقدام الضامن عليه ، لا يعني إلّا براءة ذمّة المدين من الدَّين واشتغال ذمّة الضامن به ، فلا وجه للقول باقتضائه بنفسه للضمان واشتغال ذمّة المضمون عنه تجاه الضامن ، إذ لا ملازمة بينهما بالمرّة.

ودعوى استلزام ذلك لتضرر الضامن ، فيشمله حديث «لا ضرر».

واضحة الفساد ، لما عرفت من قصور هذا الدليل عن شمول موارد الإقدام على الضرر ، كما نحن فيه.

بل الضمان إنما يثبت في موارد أداء الضامن للدَّين بالسيرة العقلائية القطعية ، فإنّ مقتضاها حتى مع الإغماض عن النصوص لزوم جبران الآمر للخسارة والنقص الواردين على مال الضامن المستندين إلى أمره ، فإنّ هذه الناحية هي العمدة في الدليل على اشتغال ذمّة المضمون عنه للضامن في المقام.

هذا مضافاً إلى كون هذا المطلب هو المستفاد من النصوص الواردة في المقام ، على ما ستعرف بيانه.

(1) وهو موثّق عمر بن يزيد ، قال : سألتُ أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل ضمن عن رجل ضماناً ثمّ صالح عليه ، قال : «ليس له إلّا الذي صالح عليه» (1).

ونحوه موثقة ابن بكير (2).

حيث إنّ المستفاد من قوله (عليه السلام) : «ليس له إلّا الذي صالح عليه» كون المصالحة وأدائه للأقل هي السبب في الضمان واشتغال ذمّة المضمون عنه له ، وهو ما يعني براءة ذمّته قبل المصالحة والأداء كما هو واضح ، وإلّا لكان الحكم إسقاطاً لما ثبت في ذمّة الغير ، وهو ما يأباه ظاهر النص.


1) الوسائل ، ج 18 كتاب الضمان ، ب 6 ح 1.

2) الوسائل ، ج 18 كتاب الضمان ، ب 6 ح 2.

ليس له الرجوع على المضمون عنه أصلاً (1). وإن أبرأه من البعض ، ليس له الرجوع بمقداره. وكذا لو صالح معه بالأقل ، كما هو مورد الخبر. وكذا لو ضمن عن الضامن ضامن تبرّعاً فأدّى ، فإنه حيث لم يخسر بشي‌ء لم يرجع على المضمون عنه وإن كان بإذنه (2). وكذا لو وفّاه عنه غيره تبرعاً.

[3582] مسألة 14 : لو حسب المضمون له على الضامن ما عليه خمساً أو زكاة أو صدقة ، فالظاهر أنّ له الرجوع على المضمون عنه (3) ولا يكون في حكم الإبراء. وكذا لو أخذه منه ثمّ ردّه عليه هبة (4). وأما لو وهبه ما في ذمّته ، فهل هو كالإبراء أوْ لا؟ وجهان (1)(5). ولو مات المضمون له فورثه الضامن ، لم يسقط


(1) حيث لم يخسر الضامن نتيجة لضمانه شيئاً ، فلا يكون له الرجوع عليه.

(2) لما عرفته من أنّ العبرة إنما هي بأدائه وخسارته ، لا بأصل الضمان.

(3) إذ المستحق يملك ما في ذمّته أوّلاً بالاحتساب ثمّ يسقط الدَّين ، بحيث يكون السقوط متفرّعاً على الملكيّة ، وبذلك فيكون التلف من ماله والخسارة عليه ، لأنه الذي أدّاه بماله الذي ملكه خمساً أو زكاة أو صدقة ، فيصحّ له الرجوع عليه.

(4) بلا إشكال فيه ، إذ الضامن قد خسر الدَّين بأدائه للمضمون له ، فيكون له الرجوع على المضمون عنه على طبق القاعدة. وملكيّته للمال ثانياً ملكيّة جديدة وفائدة أجنبية عن الخسارة السابقة ، فلا وجه لمنعها من الرجوع عليه.

(5) أقواهما الثاني ، إذ لا مانع من ملكيّة الإنسان لما في ذمّته هبة ، كما لا مانع من ملكيّته لما فيها بالإجارة أو الإرث.

والقبض المعتبر في الهبة متحقق أيضاً ، لكونه مسلّطاً على ذلك المال ، باعتبار أنه في ذمّته لا في ذمّة الغير.

ومن هنا فيعتبر هذا في الحقيقة تمليكاً له لا إبراءً لذمّته ، وعليه فيصحّ له الرجوع


1) (*) لا يبعد أن يكون ثانيهما أقرب.

جواز الرجوع به على المضمون عنه (1).

[3582] مسألة 15 : لو باعه أو صالحه المضمون له بما يساوي أقلّ من الدَّين ، أو وفّاه الضامن بما يساوي أقلّ منه ، فقد صرّح بعضهم بأنّه لا يرجع على المضمون عنه إلّا بمقدار ما يساوي. وهو مشكل بعد كون الحكم على خلاف القاعدة (1)(2) وكون القدر المسلّم غير هذه الصور وظاهر خبر الصلح الرِّضا من


على المضمون عنه ، لأن الخسارة قد وقعت في ماله ، والسقوط كان بعد تملّكه لذلك المال.

نعم ، لو بنينا على عدم صحّة الهبة في الذمّة ، وأنّ الإنسان لا يملك ما في ذمّة نفسه تعين الحكم بعدم جواز رجوعه عليه ، لانحصار القضية حينئذ في الإبراء المحض.

(1) لكونها خسارة واردة عليه بسبب الضمان ، لأن انتقال ما في ذمّته إليه بمنزلة الأداء ، فيرجع به عليه.

بل وكذا لو كانت ملكيّته له بعقد ، كما لو استأجره المضمون له على عمل بما في ذمّته من المال ، أو كان الضامن امرأة فتزوجها المضمون له جاعلاً ما في ذمّته صداقاً لها. فإنّ له الرجوع عليه جزماً ، لثبوت ملكيّة الضامن لذلك المال الثابت في ذمّته في مرحلة سابقة على سقوط الدَّين وحصول البراءة ، فإنه يملكه أوّلاً بالعقد ثمّ يسقط عنه الدَّين قهراً. وبهذا يصدق عليه أنه خسر ذلك المال ، لخسارته لمقداره في قبال عمله الذي أدّاه ، أو صداقها في النكاح.

والحاصل أنه يصحّ للضامن الرجوع على المضمون عنه ، كلما صحّت نسبة الخسران الناشئ من الضمان إليه ، بحيث يكون وارداً على ماله ومأخوذاً منه ، بلا فرق في ذلك بين الصور جمعاء.

(2) وفيه : ما عرفته في محله من كون الحكم على القاعدة ، حيث لا موجب لإثبات الضمان قبل الأداء ، فإنّ الأمر إنما يوجبه بشرط الوفاء خارجاً ، باعتبار أنّ الخسارة


1) (*) الظاهر أنه لا إشكال فيه ، والحكم على طبق القاعدة ، وخبر الصلح مطلق.

الدَّين بأقلَّ منه (1) لا ما إذا صالحه بما يساوي أقلَّ منه. وأمّا لو باعه أو صالحه أو وفّاه الضامن بما يساوي أزيد ، فلا إشكال في عدم جواز الرجوع بالزيادة (2).

[3583] مسألة 16 : إذا دفع المضمون عنه إلى الضامن مقدار ما ضمن قبل أدائه ، فإن كان ذلك بعنوان الأمانة ليحتسب بعد الأداء عما عليه ، فلا إشكال ويكون في يده أمانة ، لا يضمن لو تلف إلّا بالتعدي أو التفريط (3).

وإن كان بعنوان وفاء ما عليه ، فإن قلنا باشتغال ذمّته حين الضمان وإن لم يجب عليه دفعه إلّا بعد أداء الضامن ، أو قلنا باشتغاله حينه بشرط الأداء بعد ذلك على وجه الكشف ، فهو صحيح ويحتسب وفاءً ، لكن بشرط حصول الأداء من الضامن على التقدير الثاني.


تكون عليه حينئذ بالسيرة القطعية.

(1) وفيه : أنه لا وجه له. فإنّ النصّ مطلق ، ومقتضى قوله «صالح عليه» عدم الفرق بين كون ما صالح به من جنس الدَّين كي يستلزم الإسقاط والرضا من الدَّين بأقلّ منه ، وبين كونه من غير جنسه فيكون وفاءً له.

نعم ، النصّ مختصّ بالصلح ولا يعمّ البيع ، إلّا أنه لا ينبغي الشكّ في عدم الخصوصية له ، وكون العبرة بما يخسره الضامن للمضمون له نتيجة للضمان.

إذن فالصحيح ما ذهب إليه المشهور ، من كون رجوع الضامن على المضمون عنه في المقام بمقدار ما يسوى ، لا مقدار الدَّين.

(2) لأن أمر المضمون عنه بالضمان ، لا يوجب إلّا ضمانه عند أداء المأمور له بمقدار ما أمر به. وأمّا الزائد عنه فلما لم يكن عن أمره ، كان الضامن متبرعاً به ، ومعه فلا يصحّ له الرجوع عليه.

(3) على ما تقتضيه قواعد الأمانة.

وإن قلنا أنه لا تشتغل ذمّته إلّا بالأداء وحينه ، كما هو ظاهر المشهور (1) فيشكل صحّته وفاءً ، لأنّ المفروض عدم اشتغال ذمّته بعد ، فيكون في يده كالمقبوض بالعقد الفاسد (2). وبعد الأداء ليس له الاحتساب إلّا بإذن جديد ، أو العلم ببقاء الرضا به (3).


(1) وتقتضيه القواعد ، على ما عرفت.

(2) كما هو الحال فيما لو دفع إلى غيره مالاً بتوهم كونه مديناً له ، فإنه لا يعدّ وفاءً لعدم مصادفته لاشتغال الذمّة ، بل يبقى المال على ملك مالكه الأوّل الدافع ويكون في يد الثاني من قبيل المقبوض بالعقد الفاسد ، فيكون تصرّفه فيه موجباً للضمان ، نظراً لكونه تصرّفاً في مال الغير بغير حقّ ، كما هو الحال في سائر موارد المقبوض بالعقد الفاسد.

(3) ظاهر تقييده (قدس سره) للحكم بالعلم ببقاء الرضا به ، عدم كفاية الاستصحاب في مورد الشكّ. وهو الصحيح ، إذ لا مجرى للاستصحاب في المقام ، لتبدّل الموضوع. فإنّ ما كان متيقّناً في السابق ، الإذن في احتسابه في ذلك الوقت ، لا أثر له بالفعل لفوات ظرفه. وما له أثر بالفعل ، الإذن في الاحتساب بعد الأداء ، لم يكن ثابتاً في زمان كي يستصحب إلى حالة الشكّ.

فهو نظير إذن زيد لعمرو في سكنى دار لم يكن يملكه حين الإجازة ثمّ ملكه ، فإنه لا مجال للقول بكفايته لسكناه بالفعل لاستصحاب بقائه. فإنّ ما كان ثابتاً في السابق لا أثر له بالمرّة لكونه في غير محله ، وما ينفع بالفعل لم يكن ثابتاً في زمان كي يستصحب بقاؤه.

وبعبارة اخرى : إنّ الأعراض والأفعال تختلف عن الجوهر في تعددها وتغايرها بحسب الأزمنة. فالقيام في هذا اليوم والقيام في اليوم السابق فردان من القيام مختلفان بخلاف وجود زيد في هذا اليوم ووجوده في اليوم السابق ، فإنهما ليسا بوجودين مختلفين ، وإنما هما وجود واحد لشخص واحد.

ومن هنا فلا مجال لإجراء الاستصحاب في الأوّل ، وإثبات الفعل الثابت في الزمان

[3584] مسألة 17 : لو قال الضامن للمضمون عنه : ادفع عني إلى المضمون له ما عليّ من مال الضمان ، فدفع برئت ذمّتهما معاً. أمّا الضامن فلأنه قد أدّى دَينه ، وأمّا المضمون عنه فلأنّ المفروض أنّ الضامن لم يخسر. كذا قد يقال.

والأوجه أن يقال : إنّ الضامن حيث أمر المضمون عنه بأداء دينه ، فقد اشتغلت ذمّته بالأداء (1). والمفروض أنّ ذمّة المضمون عنه أيضاً مشغولة له ، حيث إنه أذن له في الضمان. فالأداء المفروض موجب لاشتغال ذمّة الضامن من حيث كونه بأمره ، ولاشتغال ذمّة المضمون عنه حيث إنّ الضمان بإذنه ، وقد وفّى الضامن (2). فيتهاتران ، أو يتقاصّان (1)(3). وإشكال صاحب الجواهر في اشتغال


السابق يقيناً في الزمان المشكوك. بخلاف الثاني ، حيث لا مانع من التمسّك بالاستصحاب ، لإثباته في الزمان المشكوك.

وحيث إنّ الاحتساب من الأفعال ، يكون متعدداً بحسب الزمان لا محالة فالاحتساب في هذا الزمان غير الاحتساب في الزمان السابق ومغاير له ، فلا يمكن إحرازه في الزمان المشكوك بالاستصحاب.

(1) لأنّ الأمر بالدفع لا على وجه المجانية موجب للضمان بالسيرة العقلائية القطعية ، على ما عرفته غير مرّة مفصّلاً.

(2) بدفع المضمون له للدين بأمره ، فإنه يجعل الأداء مستنداً إليه وكأنه هو الذي باشره بنفسه.

(3) التعبير بالتقاص من سهو القلم أو غلط النساخ جزماً. إذ لا موضوع له في المقام بالمرّة ، لاختصاصه بمورد ظلم من عليه الحقّ ، وهو غير متصوّر في المقام لحصول التهاتر القهري بين الدينين وفراغ الذمّتين معاً بالنتيجة.

وحمله عليه ، بأن يقال أنّ المراد به هو التهاتر القهري وقد جي‌ء به تأكيداً ، إنما يتمّ فيما إذا كان العطف بالواو كما هو الحال في عبارة المسالك (2)فلا يمكن القول به فيما نحن


1) (*) لا موقع للمقاصّة في المقام ، وبراءة الذمتين إنما هي من جهة التهاتر.

2) مسالك الافهام 4 : 224.

ذمّة الضامن بالقول المزبور (1) في غير محلّه (2).


فيه ، حيث كان العطف ب- «أو».

وكيف كان ، فما أفاده (قدس سره) إنما يتمّ في فرض تماثل الدينين من جميع الجهات ، بأن يكونا معاً حالين أو مؤجَّلين إلى أجل متحد. فلو فرض اختلافهما من بعض النواحي ، بأن كان أحدهما حالاً والآخر مؤجلاً ، أو كانا مؤجلين واختلف أجلهما ، لم يكن للتهاتر موضوع أصلاً. كما هو الحال في غير الضمان أيضاً ، فإنّ المتلف لمال مدينة بالدين المؤجل يخسر بدل التالف حالاً ، وينتظر بدينه إلى أجله ، كما هو أوضح من أن يخفى.

وعليه ففيما نحن فيه ، إنما يصحّ القول بالتهاتر في صورة تماثل الدينين خاصّة. فلو اختلفا ولو من حيث الحلول والتأجيل أو مقدار الأجل ، بأن كان الدَّين مؤجلاً فضمنه الضامن كذلك ثمّ أسقط الأجل وأمر المضمون عنه بالأداء حالاً ، فلا مجال للتهاتر ، بل يرجع المضمون عنه على الضامن بما أدّاه بأمره ، في حين ينتظر الضامن في الرجوع عليه حلول الأجل ، كما هو الحال فيما لو باشر الضامن الأداء بنفسه ، على ما تقدّم في المسألة العاشرة.

(1) قال في الجواهر ردّاً على التزام المسالك بالتهاتر القهري ، ما هذا لفظه :

وفيه : إنّ أداء دين الضامن المأذون بمال المضمون عنه بإذن الضامن ، لا يقتضي اشتغال ذمّة الضامن بمثله ، إذ ليس هو قد صار بذلك قرضاً عليه مع عدم قصده وعدم توقف وفاء الدَّين على كونه مملوكاً للمديون ، كما أنه لا يستحقّ رجوعاً على المضمون عنه ، لعدم حصول الأداء منه ، فلا تقاصّ حينئذ ، لعدم ثبوت المالين في ذمّة كلّ منهما ، فتأمّل (1).

(2) لعدم توقّف ذلك على عنوان القرض كي يرد عليه أنه غير مقصود ، فإنّ الأمر


1) الجواهر 26 : 131.

[3585] مسألة 18 : إذا دفع المضمون عنه إلى المضمون له من غير إذن الضامن برئا معاً (1) كما لو دفعه أجنبي عنه.

[3586] مسألة 19 : إذا ضمن تبرّعاً ، فضمن عنه ضامن بإذنه وأدّى ، ليس له الرجوع على المضمون عنه (2) بل على الضامن (3). بل وكذا لو ضمن بالإذن فضمن عنه ضامن بإذنه (4) فإنه بالأداء يرجع على الضامن ، ويرجع هو على المضمون عنه الأوّل (5).

[3587] مسألة 20 : يجوز أن يضمن الدَّين بأقلّ منه برضا المضمون له (6). وكذا يجوز أن يضمنه بأكثر منه (1)(7).


بالإتلاف لا على نحو المجانية موجب لضمان الآمر بالسيرة العقلائية القطعية ، فيثبت اشتغال ذمّة كلّ منهما تجاه الآخر ، فيحصل التهاتر قهراً.

(1) أما الضامن ، فلأداء الدَّين من قبل غيره. وأمّا المضمون عنه فبراءة ذمّته إنما هي بمعنى عدم رجوع الضامن عليه بالمال ، وإلّا فذمّته بريئة بنفس الضمان ، على ما عرفته في أوّل الكتاب.

(2) الأوّل ، حيث لم يكن ضمانه عن أمره وإذنه.

(3) لكونه ضمانه بإذنه ، فيرجع عليه بعد الأداء ، لاقتضاء الأمر لذلك.

(4) حيث لم يكن ضمان هذا الضامن الثاني بإذنه ، وإن كان ضمان الضامن الأوّل بإذنه ، فلا يكون له حقّ الرجوع عليه.

(5) على ما تقتضيه قاعدة الضمان بالإذن ، فإنّ كلا منهما يرجع على خصوص الذي أمره بذلك.

(6) بلا إشكال فيه. ومرجعه إلى إسقاط المضمون له للزائد ، وكأنه قد رضي ببراءة ذمّة المدين عن ذلك المال ، في قبال اشتغال ذمّة الضامن بالأقل.

(7) للمناقشة في صحّته مجال واسع ، بل الظاهر عدم صحّته. فإنّ الضمان على


1) (*) فيه إشكال بل منع.

وفي الصورة الاولى لا يرجع على المضمون عنه مع إذنه في الضمان إلّا بذلك الأقلّ (1). كما أنّ في الثانية لا يرجع عليه إلّا بمقدار الدَّين (2) إلّا إذا أذن المضمون عنه في الضمان بالزيادة (3).


ما تقدّم في أوّل الكتاب ليس إلّا نقل الدَّين من ذمّة إلى ذمّة أُخرى ، وهو لا يقتضي إلّا اشتغال ذمّة الضامن بما اشتغلت به ذمّة المضمون عنه ، فيبقى الاشتغال بالزائد بلا موجب يقتضيه ، فلا يصحّ بعنوان الضمان.

ودعوى رجوعه إلى اشتراط الزيادة للمضمون عنه ، بأن يكون قبوله للضمان مشروطاً بتحمّله للزيادة.

مدفوعة بأنّ ثبوتها إن كان على نحو شرط النتيجة ، ففيه : إنه بلا موجب ، حيث إنّ اشتراط الاشتغال بلا سبب من بيع أو نحوه ، لا يوجب الاشتغال بما اشترط.

وإن كان على نحو شرط الفعل ، بأن يلزمه دفع مقدار زائد على الدَّين في مقام الأداء ، ففيه : إنه إن صحّ فلا يوجب اشتغال ذمّته بأكثر من الدَّين ، فإنّ اشتراط الفعل لا يوجب إلّا الحكم التكليفي ولزوم الوفاء به ، ومن الواضح أنه أجنبي عن اشتغال ذمّته بالمشروط بالفعل.

على أنه غير صحيح في نفسه ، باعتبار أنّ مرجعه إلى اشتراط الزيادة في الدَّين وهو ربا محرم. إذ لا فرق في اشتراط الزيادة بين كونه بإزاء بقاء الدَّين في ذمّة المدين وبين كونه بإزاء نقله إلى ذمّة أُخرى ، فإنّ الكل ربا محرم.

إذن فالصحيح عدم صحّة هذا الضمان بقول مطلق ، سواء أكانت الزيادة مأخوذة على نحو الاشتراط ، أم على نحو اقتضاء الضمان بنفسه لها.

(1) إذ الزائد عنه قد سقط بإسقاط المضمون له ، ولم يخسره الضامن ، فلا وجه لرجوعه به عليه.

(2) لخروجه عن مورد إذنه.

(3) لاقتضاء الأمر ذلك بالسيرة العقلائية القطعية ، على ما تقدّم بيانه غير مرّة.

[3588] مسألة 21 : يجوز الضمان بغير جنس الدَّين (1)(1). كما يجوز الوفاء بغير الجنس (2). وليس له أن يرجع على المضمون عنه إلّا بالجنس الذي عليه (3) إلّا برضاه.

[3589] مسألة 22 : يجوز الضمان بشرط الرهانة (2)فيرهن بعد الضمان (4).


(1) على إشكال تقدّم في الضمان بالزيادة ، إذ لا موجب لاشتغال ذمّة الضامن بغير ما اشتغلت ذمّة المضمون عنه.

والحاصل أنه لا فرق في الزيادة الممنوعة في الضمان ، بين كونها في مقدار المال أو خصوصية من خصوصياته. فإنّ إثبات كلّ منهما في ذمّة الضامن ، من إثبات أمر زائد عما اشتغلت به ذمّة المضمون عنه. ومن هنا فلا تشمله أدلّة الضمان ولا يكون بعنوانه وحيث لا طريق غيره لإثباته ، فلا محيص عن الالتزام ببطلانه.

(2) بلا إشكال فيه ، على ما تقتضيه الأدلّة والقواعد.

(3) والظاهر أنّ الوفاء من غير جنس الدَّين إن كان بأمر المضمون عنه ، كان للضامن الرجوع عليه بما أدّاه ، لاقتضاء الأمر لذلك بالسيرة العقلائية ، كما عرفت.

وإن لم يكن بأمره ، فليس له الرجوع عليه بغير جنس الدَّين. فإنّ الخصوصية هذه الجنس إنما كانت عن تبرّع الضامن محضاً ، ولم تكن متعلقة لأمر المضمون عنه في وقت ، فإنه لم يأمر إلّا بأداء أصل الدَّين.

نعم ، لو كان ثمن ما أدّاه من الجنس بدلاً عن الدَّين أقلّ منه ، لم يكن له الرجوع إلّا بمقدار ما صالحه عليه وأدّاه ، وليس له أخذ التفاوت ، فإنه لم يخسره كي يكون له الرجوع به عليه.

(4) ظاهر كلامه (قدس سره) فرض صحّة ذلك أمراً مفروغاً عنه ، لكنه لا يخلو عن إشكال بل منع.


1) (*) فيه إشكال بل منع.

2) (**) هذا إنما يتمّ فيما إذا كان الشرط بنحو شرط النتيجة ، وأما إذا كان الشرط بنحو شرط الفعل فلا يصحّ ، لأنّ مرجعه إلى جعل الخيار فيه وقد تقدّم أنّ الخيار لا يدخل في عقد الضمان.

بل الظاهر جواز اشتراط كون الملك الفلاني رهناً بنحو شرط النتيجة في ضمن عقد الضّمان (1).


فإنّ مرجعه إن كان إلى تعليق الضمان بالشرط المتأخر الرهان فهو باطل جزماً ، إذ التعليق مبطل لجميع العقود إلّا ما خرج بالدليل ، كالوصية والتدبير.

وإن كان مرجعه إلى تعليق التزامه بالضمان على ذلك الفعل بحيث يكون التزامه به منوطاً ومشروطاً بتحقق الفعل خارجاً ، والذي يرجع إلى جعل الخيار لنفسه على تقدير التخلّف ، كما هو الغالب والمتعارف في موارد أخذ الأفعال شرطاً في العقود ، فهو باطل أيضاً ، لما تقدّم في المسألة الخامسة من هذا الكتاب من عدم قابلية عقد الضمان لجعل الخيار فيه ، نظراً إلى تجاوز الحقّ فيه لطرفيه.

فإنّ الأمر لا يتعلق بالضامن والمضمون له خاصّة كي يقررا ما شاءا ، وإنما هو متعلق بالمضمون عنه أيضاً حيث يستلزم الضمان براءة ذمّته ، فإنّ اشتغالها ثانياً لمجرد رضا أحد الطرفين أو هما معاً به ، أمر يحتاج إلى الدليل وهو مفقود.

نعم ، لو رجع هذا الاشتراط إلى مجرد الحكم التكليفي المحض ووجوب الوفاء على المشروط عليه وجواز إلزامه به كما هو الحال في الاشتراط في ضمن عقد النِّكاح بحيث يكون رضا المشروط له بالعقد معلقاً على التزام المشروط عليه بالشرط ولكن من غير ثبوت خيار له على تقدير التخلّف ، فلا بأس به.

ولا يرد عليه أنه من تعليق أصل العقد ، فإنه لا يقتضي البطلان ، ما دام أنّ التعليق إنّما هو على أمر حاصل بالفعل الالتزام.

إلّا أنه خلاف المتعارف والشائع في العقود جدّاً ، فلا يمكن حمل الاشتراط عليه إلّا بالإحراز ، ولو من جهة نصب القرينة عليه أو التصريح به.

(1) بلا إشكال في صحّته. لما عرفته مراراً من أنه كل ما كان للمكلف إنشاؤه مستقلا وإيجاده بالفعل من غير اعتبار سبب خاصّ فيه ، كان له إنشاؤه بالشرط في ضمن عقد آخر ، إذ لا يعتبر في الإنشاء إلّا الاعتبار النفساني المقرون بالمبرز خارجاً كيفما كان ، ومن غير تقييد بكونه إنشاءً مستقلا أو شرطاً في ضمن عقد من العقود.

[3590] مسألة 23 : إذا كان على الدَّين الذي على المضمون عنه رهن ، فهل ينفكّ بالضمان أوْ لا؟ يظهر من المسالك والجواهر انفكاكه (1)(1) لأنه بمنزلة الوفاء. لكنه لا يخلو عن إشكال. هذا مع الإطلاق ، وأمّا مع اشتراط البقاء


وهو متحقق في المقام. فإنه لا يعتبر في عقد الرهن إنشاؤه بالصيغة واللّفظ فضلاً عن اعتبار صيغة خاصّة فيه ، بل يكفي في تحققه مجرد اعتباره في النفس مع إبرازه بمبرز ما ، ولو كان هو الشرط في ضمن العقد.

نعم ، هذا لا يجري في العقود التي يعتبر في إنشائها لفظ مخصوص ، كالنكاح والطلاق ونحوهما ، فلا يصحّ إنشاؤها باشتراطها في ضمن عقد آخر على نحو شرط النتيجة.

ثمّ إنّ كلام الماتن (قدس سره) وإن كان مختصّاً باشتراط المضمون له الرهانة على الضامن ، بحيث لم يكن يقبل بضمانه إلّا بها ، كما يظهر ذلك من قوله (قدس سره) : فيرهن بعد الضمان ، إلّا أنّ الظاهر عدم اختصاص الحكم به ، وجريان الكلام بعينه في اشتراط الضامن الرهانة على المضمون عنه ، بحيث لا يقبل بضمان دينه إلّا بعدها فيجري فيه ما تقدّم في الفرض الأوّل من التفصيل بين شرط الفعل وشرط النتيجة.

(1) وهو الصحيح ، لتعدد الدَّين في المقام. فإنّ ما في ذمّة الضامن من الدَّين ، ليس هو ما كان في ذمّة المضمون عنه قبل الضمان ، بل هما فردان متغايران ، غاية الأمر أنّ أحدهما يقوم مقام الآخر ، بمعنى سقوط دين المضمون عنه وانعدامه بإزاء حدوث الدَّين الجديد في ذمّة الضامن.

والتعبير بانتقال الدَّين من ذمّة المضمون عنه إلى ذمّة الضامن تعبير مسامحي جزماً ، فإنّ الموجود في ذمّته بالفعل ليس هو الدَّين الأوّل والذي كان ثابتاً في ذمّة المضمون عنه بحيث يكون قد انتقل من مكان إلى آخر ، وإنما هو فرد جديد وجد بعد انعدام الأوّل وسقوطه.


1) (*) وهو الصحيح.

أو عدمه فهو المتبع (1).

[3591] مسألة 24 : يجوز اشتراط الضمان في مال معين على وجه التقييد (1)(2)


وحيث إنّ الرهن إنما كان بإزاء الأوّل والمفروض ارتفاعه وسقوطه ، فلا محيص عن القول بانفكاكه وارتفاعه أيضاً ، لانتفاء موضوعه.

ولعلّ إلى هذا يشير صاحب الجواهر (قدس سره) بقوله : لأن الضمان أداء (2)فإنه أداء بلحاظ انتفاء الدَّين الأوّل وارتفاعه ، فلاحظ.

(1) لعموم أدلّة الوفاء بالشرط.

(2) لم يظهر معنى متحصّل للتقييد في المقام.

لأنه إن رجع إلى نفس الضمان واشتغال الذمّة بهذا المال بخصوصه ودون غيره بحيث يجعل الضامن اشتغال ذمّته مشروطاً ومنوطاً بهذا المال ، ففيه : إنه لا معنى لتقييد ما في الذمّة بالأمر الخارجي ، فإنهما أمران متغايران لا يصلح كلّ منهما مقيّداً للآخر.

وإن رجع إلى تعليق الضمان بالأداء من هذا المال المعيّن ، أو بجعل المضمون له قبوله للضمان معلّقاً على ذلك ، فهو وإن كان ممكناً في حدّ ذاته ومعقولاً في نفسه ، إلّا أنه باطل جزماً لرجوعه إلى تعليق الضمان ، وهو مبطل إجماعاً.

وبعبارة اخرى : إنّ تقييد شي‌ء بشي‌ء ، إنما يصحّ فيما كان من قبيل تقييد الكليات بالأفراد أو الحالات ، فلا يصحّ في الأُمور الأجنبية المتباينة ، فإنه لا معنى للتقييد فيها إلّا التعليق في الإيجاب أو القبول ، وهو مبطل في حدّ نفسه.

وإن رجع إلى تقييد ما ينتقل إلى ذمّته المضمون بحيث يجعله مقيَّداً بذلك الشي‌ء ، فهو كسابقه ، فإنّ ما في الذمّة أجنبي عن الأداء الذي هو فعل خارجي ، فلا يمكن تقييده به.


1) (*) لا يظهر معنى متحصل للتقييد في المقام ، فينحصر الأمر في الاشتراط ولا يترتب عليه إلّا وجوب الوفاء بالشرط ، لما مر من الإشكال في ثبوت الخيار بتخلفه.

2) الجواهر 26 : 132.

أو على نحو الشرائط في العقود من كونه من باب الالتزام في الالتزام (1). وحينئذٍ يجب على الضامن الوفاء من ذلك المال (2) بمعنى صرفه فيه.

وعلى الأوّل ، إذا تلف ذلك المال يبطل الضمان (3) ويرجع المضمون له على المضمون عنه. كما أنه إذا نقص يبقى الناقص في عهدته.

وعلى الثاني ، لا يبطل بل يوجب الخيار (4) لمن له الشرط ، من الضامن أو


والحاصل أنّ التقييد لما كان في قبال الإطلاق ، باعتبار أنه عبارة عن جعل المطلوب حصّة خاصّة منه ، فلا يصحّ إلّا في مورد يصحّ فيه الإطلاق. وحيث إنّ إطلاق ما في الذمّة بالقياس إلى الفعل الخارجي غير متصوّر ، لكونه أجنبياً عنه ، فلا يمكن تقييده به.

(1) بأن يكون التزامه بالأداء من المال المعيّن ، في ضمن التزامه بالضمان المطلق.

(2) لعموم أدلّة وجوب الوفاء بالشرط.

(3) بل قد عرفت بطلانه حتى مع بقاء المال ، لعدم رجوع التقييد في مثل المقام إلى معنى محصّل.

(4) إلّا أنه على خلاف المرتكزات العرفية في مثل هذه الموارد. فإنها إنما تساعد على رجوع الشرط هذا إلى التزام الطرف المقابل به ، وجواز إلزامه على تقدير تخلّفه عنه كما هو الحال في الشرط في عقد النكاح من غير أن يرجع إلى جعل الخيار في شي‌ء.

على أنّ جعل الخيار غير متصوّر في الضمان ، لما عرفته من عدم قابليته له ، نظراً لتجاوز الحقّ فيه لطرفيه.

إذن فالصحيح أنّ تلف المال المعيّن على تقدير الاشتراط ، كما لا يوجب بطلان العقد ، لا يوجب ثبوت الخيار لمن الشرط له. وإنما غاية ما هناك وجوب الوفاء عليه بالشرط ، وأداء الضمان من ذاك المال المعيّن ما دام موجوداً ، فإذا تلف أدّاه من غيره لتعذّر الأداء من المعيّن.

المضمون له أو هما. ومع النقصان يجب على الضامن الإتمام (1) مع عدم الفسخ.

وأمّا جعل الضمان في مال معين من غير اشتغال ذمّة الضامن ، بأن يكون الدَّين في عهدة ذلك المال ، فلا يصحّ (2).

[3592] مسألة 25 : إذا أذن المولى لمملوكه في الضمان في كسبه ، فإن قلنا إنّ الضامن هو المولى ، للانفهام العرفي (3) أو لقرائن خارجية ، يكون من اشتراط الضمان في مال معين ، وهو الكسب الذي للمولى. وحينئذٍ فإذا مات العبد ، تبقى ذمّة المولى مشغولة إن كان على نحو الشرط في ضمن العقود (4) ويبطل إن كان على وجه التقييد (1)(5).


(1) لأنه ضامن لجميع الدَّين على نحو الإطلاق ، غاية الأمر أنه كان متعهداً بأدائه من المال المعيّن ، فإذا تلف بعضه رجع فيه بخصوصه إلى غيره ، لتعذّر أداء ذلك المقدار من المال المعيّن.

(2) لاستلزامه انتفاء حقّ المضمون له بالمرّة ، وفراغ ذمّتي الضامن والمضمون عنه معاً قبل أداء الدَّين. وهو غير معقول ، لأننا إذا فرضنا فراغ ذمّة المضمون عنه بأصل الضمان ، وذمّة الضامن لعدم اشتغالها بشي‌ء ، نظراً لكون الضمان في نفس العين وهي ما لم تؤدّ باقية على ملك مالكها ، لزم منه انتفاء دين المضمون عنه ، لخلو الذمّتين والعين الخارجية عنه ، وهو أمر لا محصل له ولا يمكن فرضه في الخارج.

والحاصل أنه لا بدّ في الضمان من فرض اشتغال ذمّة أحد بالدَّين قبله وبعده ، فلا يصحّ فرضه فيما كان لازمه براءة الذمّتين معاً.

(3) نظير أمره له بالاستدانة ، حيث يفهم العرف منه كونه هو المستدين وكأنه هو المباشر له.

(4) لثبوته في ذمّته من بادئ الأمر ، وتعذّر الشرط لا يوجب السقوط ، فيجب عليه أداؤه من سائر أمواله ، كما هو واضح.

(5) تقدّم الكلام فيه في المسألة السابقة. وقد عرفت أنّ التقييد في مثل هذه الموارد


1) (*) مرّ آنفاً أنه لا محصّل له في المقام.

وإن انعتق يبقى وجوب الكسب عليه (1)(1).

وإن قلنا أنّ الضامن هو المملوك ، وأنّ مرجعه إلى رفع الحجر عنه بالنسبة إلى الضمان ، فإذا مات لا يجب على المولى شي‌ء (2) وتبقى ذمّة المملوك مشغولة يمكن تفريغه بالزكاة ونحوها. وإن انعتق يبقى الوجوب عليه (3).

[3593] مسألة 26 : إذا ضمن اثنان أو أزيد عن واحد (4) فإما أن يكون على التعاقب ، أو دفعة.


لا يرجع إلى معنى محصّل ، إلّا التعليق المبطل للعقد في حدّ نفسه ، ومن هنا فلا بدّ من حمله على الاشتراط لا محالة.

(1) عملاً بمقتضى الشرط ، كذا قيل. إلّا أنه مشكل جدّاً ، والظاهر أنّ حال العتق حال الموت ، فكما ينقطع سلطان المولى عن العبد ومنافعه بالموت ، فكذلك ينقطع بالعتق ، فما يكسبه العبد بعد ذلك إنما هو له وملكه ولا سلطان لمولاه عليه. ومن هنا فلا وجه لإلزامه بأداء دين مولاه السابق من ممتلكاته الخاصّة.

بل الظاهر كون المولى هو المطالب بالدَّين فلا بدّ له من أدائه من ماله ، وجواز أدائه من كسب العبد إنما كان ثابتاً له باعتبار ملكيّته له ولمنافعه ، فإذا انتفى ذلك بالعتق والتحرر فلا مجال للحكم ببقائه أيضاً ، فإنه لا يكون إلّا من أداء الدَّين بمال الغير.

(2) لكون المولى أجنبياً عنه فلا يلزم به ، كما هو الحال في سائر ديون العبد وضماناته غير العقدية.

(3) فيجب عليه الاكتساب والخروج عن عهدة المال ، عملاً بالشرط وتفريغاً لذمّته.

(4) الظاهر كون مفروض الكلام في ضمان الاثنين أو الأزيد لواحد على نحو الاستقلال ، لا ضمان المجموع كما لا يبعد دعوى كونه هو المتعارف في الخارج ، وإلّا فلا


1) (*) بل تبقى ذمة المولى مشغولة كما في الموت.

فعلى الأوّل ، الضامن من رضي المضمون له بضمانه (1). ولو أطلق الرضا بهما كان الضامن هو السابق. ويحتمل قوياً (2) كونه كما إذا ضمنا دفعة (1)خصوصاً بناءً على اعتبار القبول من المضمون له ، فإن الأثر حاصل بالقبول نقلاً لا كشفاً.

وعلى الثاني ، إن رضي بأحدهما دون الآخر فهو الضامن (3). وإن رضي بهما معاً ، ففي بطلانه كما عن المختلف وجامع المقاصد واختاره صاحب الجواهر ، أو التقسيط بينهما بالنصف أو بينهم بالثلث إن كانوا ثلاثة وهكذا ، أو ضمان كلّ


ينبغي الإشكال في صحّته ، لرجوعه إلى ضمان بعض الدَّين من قبل كلّ منهما ، وهو صحيح جزماً. فيتعين تقسيط المال عليهم بالنسبة ، وعدم جواز رجوع المضمون له على أحدهم بتمامه.

(1) لاعتبار رضاه في تحقق الضمان جزماً ، وإن لم نقل باعتبار قبوله.

(2) بل هو المتعيّن. فإنّ الضمان إنما يتمّ برضاه أو قبوله ، فقبله لا ضمان وعند تحققه يكون نسبته إليهما على حدّ سواء ، فيجري فيه ما يجي‌ء في ضمانهما دفعة.

والحاصل أنّ حال هذه الإجازة حال إجازة المالك للعقدين الفضوليّين الواقعين على ماله على التعاقب ، حيث يحكم ببطلانهما معاً ومن غير أن يكون لسبق إيجاب أحدهما على الآخر أثر ، فإنّ الأثر إنما هو لسبق العقد على غيره لا سبق إيجابه على إيجاب غيره ، من غير فرق في ذلك بين القول بالنقل كما هو الصحيح في المقام ، أو الكشف كما هو الصحيح في باب الإجازة بناءً على ما اخترناه من الكشف الحكمي فإنّ الحكم إنما يكون من الآن.

نعم ، بناءً على القول بالكشف الحقيقي وجعل القبول معرفاً محضاً ، يمكن القول بصحّة السابق خاصّة ، إلّا أنه احتمال غير وارد على ما عرفته في محلّه.

(3) لتمامية الضمان بالنسبة إليه دون صاحبه.


1) (*) هذا هو المتعيّن.

منهما فللمضمون له مطالبة من شاء كما في تعاقب الأيدي ، وجوه (1)أقواها الأخير (1).


(1) بل الأوّل.

إذ الثاني لا وجه له بالمرّة. فإنّ الضمان إنما تعلق بتمام المال ، فلا وجه للحكم بصحّة كلّ منهما في مقدار والبطلان في مقدار آخر ، فإنه ليس إلّا التفكيك في مدلول كلّ عقد بلا مبرر.

وأمّا الأخير ، فهو وإن كان معقولاً في حدّ نفسه وممكناً بحسب مقام الثبوت ، فإنه وكما يمكن تصوّره في الأحكام التكليفية الواجب الكفائي يمكن تصوّره في الأحكام الوضعية أيضاً ، إلّا أنّ الكلام في الدليل عليه في مقام الإثبات ، فإنه لا دليل عليه بالمرّة.

وقياسه على ضمان الأعيان والمنافع باطل. فإنّ متعلق الضمان في باب تعاقب الأيدي لما كان هو العين ، كانت مسؤوليتها وبفضل عموم «على اليد» على من يأخذها وتصل إليه ، فهي في عهدة كلّ من يأخذها ويكون مسؤولاً عنها ، على ما ذكرناه في معنى ضمان الأعيان. ومن هنا فإن أمكن ردّها وجب ، وإلّا تعيّن ردّ بدلها مثلاً أو قيمة.

ونسبة هذا المعنى إلى جميع الأيادي سواء ، فإنه وبمقتضى عموم «على اليد» ثابت على الأخير على حدّ ثبوته على الأوّل ، فإذا أدّى أحدهم بدلها ملك العين التالفة بالسيرة العقلائية.

ومن هنا يكون له الرجوع على من تأخّر عنه دون من تقدّم عليه ، لأنها انتقلت منه إليه ، فلا معنى لرجوعه عليه ببدلها أيضاً.

وأين هذا من ضمان ما في الذمّة ، حيث لا دليل على انتقال المال الواحد إلى ذمّتين


1) (*) هذا إذا لم يكن ضمان المتعدد من ضمان المجمور. وإلّا فلا ينبغي الشك في لزوم التقسيط ، وأما إذا كان بنحو ضمان المتعدد استقلالاً فهو باطل على الأظهر.

.................................................................................................


معاً ، بحيث يكون ماله الواحد ثابتاً في كلّ من الذمّتين أو الذمم على نحو الاستقلال بأن يكون له الرجوع إليهما معاً ، ومطالبة كلّ واحد منهما بتمام ماله في عرض مطالبته للآخر.

وبعبارة أُخرى : لا دليل على تضاعف دين المضمون له وثبوته في كلّ من الذمّتين بل إنّ ثبوته في كلّ منهما ملازم لبراءة ذمّة الآخر.

وأمّا ثبوته في ذمّتهما على نحو البدل ، نظير الواجب الكفائي ، فلم يدلّ على صحّته دليل ، فإنّ الضمان على البدل كالوجوب على البدل ، إنما يتصوّر على نحوين لا ثالث لهما ، على ما ذكرناه مفصلاً في مبحث الواجب الكفائي من المباحث الأُصولية.

الأوّل : أن يكون المخاطب والمكلف به هو الجامع. فإنّ الواجب لما كان من الأُمور الاعتبارية ، صحّ توجيهه إلى الجامع كما يصحّ تعلقه به ، كما هو الحال في موارد الواجبات التخييرية.

الثاني : أن يكون الخطاب متوجهاً إلى كلّ واحد منهما على نحو الواجب المشروط بحيث يكون كلّ واحد منهما مخاطباً به على تقدير عدم إتيان الغير به ، فيرجع الوجوب الكفائي إلى الوجوب المشروط.

وهذان المعنيان كما يمكن تصوّرهما في الأحكام التكليفية ، يمكن تصوّرهما في الأحكام الوضعية أيضاً. فيكون المخاطب بالضمان هو الجامع ، أو كلّ منهما على تقدير عدم أداء الآخر.

إلّا أنّ الكلام في إثباته بالدليل ، والظاهر عدم إمكان إثبات شي‌ء منهما.

أمّا الأوّل ، فواضح. فإنّ الضمان إنما صدر من كلّ منهما بشخصه ، فلا وجه لإثباته للجامع. فالذي صدر منه الضمان الفرد لم نقل بضمانه على الفرض ، والذي نقول بضمانه لم يصدر منه ضمان ، فلا وجه للالتزام به.

وأمّا الثاني ، فالأمر فيه كسابقه. فإنّ المنشأ من قبل كلّ من الضامنين ، إنما هو الضمان المطلق دون المقيد بعدم أداء غيره ، فحمله عليه إمضاء لما لم ينشِئْهُ. نظير ما ذكرناه في كتاب الإجارة ، فيما إذا آجر من يجب الحجّ عليه نفسه للحجّ نيابة عن

وعليه إذا أبرأ المضمون له واحداً منهما برئ دون الآخر (1) إلّا إذا علم إرادته إبراء أصل الدَّين ، لا خصوص ذمّة ذلك الواحد.

[3594] مسألة 27 : إذا كان له على رجلين مال ، فضمن كلّ منهما ما على الآخر بإذنه ، فإن رضي المضمون له بهما صحّ (2). وحينئذٍ فإن كان الدَّينان متماثلين جنساً وقدراً ، تحوّل ما على كلّ منهما إلى ذمّة الآخر. ويظهر الثمر في الإعسار


غيره ، حيث حكمنا فيه ببطلان الإجارة ، باعتبار أنه وإن أمكن تصوّر ذلك صحيحاً على نحو الترتب إلّا أنه خلاف ما أنشأه المنشئ ، فيكون من مصاديق ما أُنشئ لم يُمضَ شرعاً وما يمكن إمضاؤه لم يُنشأ.

على أننا لو فرضنا التصريح بالثاني ، أعني الضمان على تقدير عدم أداء الآخر ، لم ينفع ذلك لاستلزامه التعليق المبطل للعقود.

إذن فلا دليل على صحّة الضمان البدلي بجميع تقاديره. فإنّ غاية أدلّة الضمان إثبات صحّة انتقال الدَّين من ذمّة المضمون عنه إلى ذمّة الضامن ، وأمّا انتقاله من ذمّته إلى ذمّة ما ومن غير تعيين فلم يدلّ على صحّته دليل.

والحاصل أنّ القول بانتقال الدَّين الواحد إلى الذمّتين معاً وجمعاً غير ممكن ، وإليهما على البدل وإن كان ممكناً إلّا أنه لا دليل عليه.

ومن هنا فيتعيّن القول الأوّل والحكم بالبطلان فيهما معاً ، كما ذهب إليه غير واحد من الأصحاب.

(1) وهو يناقض ما تقدم منه (قدس سره) في المسألة الثالثة ، من الحكم ببراءة الذمّتين على تقدير القول بأن الضمان ضمّ ذمّة إلى ذمّة.

وكيف كان ، فبراءة الذمّتين معاً بإبراء إحداهما هو الصحيح ، لما عرفته في تلك المسألة من رجوع الإبراء إلى إسقاط الدَّين ورفع اليد عنه أساساً ، لا خصوص الضمّ فقط ، فراجع.

(2) لتمامية الضمان في كلّ من الجانبين.

واليسار (1) وفي كون أحدهما عليه رهن دون الآخر ، بناءً على افتكاك الرهن بالضمان. وإن كانا مختلفين قدراً أو جنساً ، أو تعجيلاً وتأجيلاً ، أو في مقدار الأجل ، فالثمر ظاهر.

وإن رضي المضمون له بأحدهما دون الآخر ، كان الجميع عليه (2). وحينئذٍ فإن أدَّى الجميع رجع على الآخر بما أدّى ، حيث إنّ المفروض كونه مأذوناً منه. وإن أدَّى البعض ، فإن قصد كونه مما عليه أصلاً ، أو مما عليه ضماناً ، فهو المتبع (3) ويقبل قوله إن ادّعى ذلك (4). وإن أطلق ولم يقصد أحدهما ، فالظاهر التقسيط (1). ويحتمل القرعة. ويحتمل كونه مخيَّراً في التعيين بعد ذلك. والأظهر الأوّل (5).


(1) بناءً على ما ذهب إليه المشهور واختاره هو (قدس سره) ، من ثبوت الخيار للمضمون له عند ظهور إعسار الضامن حين الضمان. فإنه وعلى هذا التقدير ، لو ظهر إعسار أحد الضامنين ، كان للمضمون له فسخ ضمانه خاصّة ، وبذلك يثبت المال بتمامه في ذمّة صاحبه. إلّا أنك قد عرفت في محله عدم تمامية هذا القول.

(2) أمّا دين نفسه ، فلعدم صحّة ضمانه من قبل صاحبه ، نظراً لعدم قبول المضمون له به. وأمّا دين صاحبه ، فلصحّة ضمانه له.

(3) فإنّ المال ماله والولاية فيه له ، فله أن يعيّن أيّ الدينين شاء.

(4) للسيرة العقلائية القطعية على قبول قول من له الولاية على شي‌ء فيه والمعروفة اختصاراً في كلماتهم بقاعدة : «من ملك شيئاً ملك الإقرار به».

نعم ، لو كذّبه المضمون عنه ، انتهى الأمر إلى الترافع لا محالة.

(5) بل هناك احتمال رابع هو أظهر الكلّ. وحاصله احتسابه عما في ذمّته بالأصالة


1) (*) بل الظاهر أنّه يقع وفاءً لما في ذمّته أصلاً ، فلا يجوز له الرجوع على المضمون عنه ما لم يقصد وفاء ما وجب عليه من قبله. والوجه في ذلك أنّ الرجوع عليه من آثار أداء ما ثبت في ذمّته من قبله ، فما لم يقصد بخصوصه لا يترتب أثره ، وبذلك يظهر حال نظائر المسألة.

.................................................................................................


خاصّة ، وعدم رجوعه بشي‌ء منه على المضمون عنه.

والوجه فيه إنّ اشتغال الذمّة بواجبين متماثلين ، سواء في ذلك الواجبات التكليفية والوضعية ، يكون على أنحاء :

فقد يفرض عدم وجود الخصوصية لهما معاً ، بأن يكون المطلوب من المكلف هو فردان من الطبيعي ، من غير تقييد بهذا أو ذاك ، أو تمايز بينهما. نظير من فاته يومان من رمضان ، أو صلاتان متماثلتان من يومين ، أو كان عليه دينان لشخص واحد بأن يكون قد استقرض منه مرتين. حيث لا مائز بين الواجبين في هذه الموارد بحسب الواقع وعلم اللّه ، بل الواجب عليه هو فردان من طبيعي ذلك الواجب ، من غير تحديد بأحدهما دون الآخر.

وقد يفرض وجود الخصوصية لأحدهما دون الآخر ، كما لو كان عليه صيام يومين ، يوم عمّا فاته في السنة السابقة ، ويوم عمّا فاته من السنة التي هو فيها. حيث إنّ الأوّل لا خصوصية له ، في حين إنّ من خصوصية الثاني وجوب الفدية عند عدم الإتيان به إلى رمضان القادم. وكذا الحال في دينين بإزاء أحدهما رهانة ، حيث يكون من خصوصية ما بإزائه رهانة افتكاك الرهانة بأدائه ، في حين لا خصوصية في أداء صاحبه.

وقد يفرض وجود الخصوصية لهما معاً ، بأن يكون المطلوب منه هو الفردين الممتازين أحدهما عن الآخر ، كما لو كان عليه صيام يومين ، يوم عن الكفارة والآخر قضاء ، أو كان كلّ منهما نيابة عن شخص معين.

وعليه فإذا أتى المكلّف بأحد الواجبين الثابتين في ذمّته ، من غير تعيين له وقصد إليه بحسب الواقع.

فإن كان من قبيل الأوّل ، سقط الواحد لا بعينه وبقي الآخر لا بعينه ، إذ لا خصوصية تميز أحدهما عن صاحبه ، والجامع قابل للانطباق على كلّ منهما ، فيسقط أحدهما لا محالة ويبقى الآخر. فلو كان قد صام يوماً من اليومين أو أدّى أحد الدَّينين ، سقط يوماً وبقيت ذمّته مشغولة بيوم آخر ، وكذا الدَّين.

.................................................................................................


وإن كان من قبيل الثاني ، تعيّن الاحتساب عما لا خصوصية فيه وبقاء الذمّة مشغولة بذي الخصوصية ، نظراً إلى أنّ الاحتساب من الأوّل لا يحتاج إلّا إلى قصد أصل الطبيعي وهو حاصل ، بخلاف الثاني حيث يحتاج الاحتساب عنه إلى قصد الخصوصية وهو مفقود.

وبعبارة اخرى : إنّ الاحتساب عن ذي الخصوصية لا يكون إلّا مع قصده بعينه فإنه من الأُمور القصدية ، وما لم يقصد لم يسقط أمره ولم يتحقق امتثاله. بخلاف صاحبه ، حيث لا يتوقف احتسابه عنه على قصد زائد عن قصد أصل الطبيعي.

فالجامع ينطبق على ما لا خصوصية فيه من الواجبين قهراً ، لكفاية القصد إلى أصل الطبيعي فيه. ولا ينطبق على ما فيه الخصوصية ، لعدم قصدها.

وإن كان من قبيل الثالث ، اختلف الحال فيه بالنظر إلى ما يقبل التقسيط وما لا يقبله.

ففي الأوّل يتعين التقسيط ، كما لو ضمن لشخص دينين له على رجلين فأدّى مقداراً منه ، فإنه يحسب منهما لا محالة وإن لم يكن قد قصد إحدى الخصوصيتين حين الأداء ، فإنّ دفعه عما في ذمّته من قصد المجموع قهراً ، لأنه لم يدفعه تبرّعاً ومجّاناً. فليس هذا في الحقيقة من عدم قصد الخصوصية ، بل هو من قصد الخصوصيتين معاً فيحسب عليهما لا محالة.

وفي الثاني يتعين الحكم بالبطلان ، لعدم إمكان الاحتساب عليهما بالنسبة ، وبطلان الترجيح بلا مرجح. كما لو كان عليه صوم يومين عن شخصين ، فصام يوماً واحداً من غير تعيين للمنوب عنه ، فإنه لا محيص عن الحكم ببطلانه ، لعدم قابليته للتقسيط بينهما.

إذا عرفت ذلك كلّه ، فحيث إنّ ما نحن فيه أداء الضامن المديون لبعض المجموع من غير تعيين من قبيل القسم الثاني أعني وجود الخصوصية في أحدهما خاصّة باعتبار أنّ ثبوت الرجوع على المضمون عنه من خصوصيات الأداء عنه ، تعيّن الحكم فيه بالاحتساب عن نفسه وجعله بتمامه وفاءً عن دينه ، لعدم احتياجه إلّا إلى أصل قصد الطبيعي. بخلاف الأداء عن الغير ، حيث يتوقف على قصد الخصوصية.

وكذا الحال في نظائر المسألة (1). كما إذا كان عليه دَين وعليه رهن ودَين آخر لا رهن عليه فأدّى مقدار أحدهما ، أو كان أحدهما من باب القرض والآخر ثمن المبيع ، وهكذا. فإنّ الظاهر في الجميع التقسيط.

وكذا الحال إذا أبرأ المضمون له مقدار أحد الدَّينين ، مع عدم قصد كونه من مال الضمان أو من الدَّين الأصلي. ويقبل قوله إذا ادّعى التعيين في القصد (2) لأنه لا يعلم إلّا من قبله.

[3595] مسألة 28 : لا يشترط علم الضامن حين الضمان بثبوت الدَّين على المضمون عنه (3). كما لا يشترط العلم بمقداره (4) فلو ادعى رجل على آخر دَيناً فقال : عليّ ما عليه ، صحّ. وحينئذٍ فإن ثبت بالبيّنة يجب عليه أداؤه ، سواء كانت


والحاصل أنّ الجامع منطبق على دينه الأصلي انطباقاً قهرياً ، فيكون ما أدّاه وفاءً عنه ، وتبقى ذمّته مشغولة بالدَّين الضماني ، لأنّ انطباقه عليه يحتاج إلى القصد ، وهو مفقود.

ومن هنا يظهر أنه لا وجه في المقام للقول بالتقسيط أو القرعة أو الرجوع في التعيين إليه ، لانتفاء موضوعها بعد تعين الاحتساب عليه قهراً.

(1) ظهر الحال فيها مما تقدّم ، فإنّ ما ذكرناه من القاعدة سيالة فيها أجمع.

(2) بالسيرة العقلائية القطعية ، على ما تقدّم.

(3) على ما هو المعروف والمشهور بين الأصحاب. وقد نسب الخلاف فيه إلى بعض ، بدعوى استلزامه الغرر المنفي.

إلّا أنك قد عرفت في المسألة الاولى من هذا الكتاب ، الإشكال منّا في عموم دليل القاعدة لغير البيع وفي صدق الغرر في المقام ، فراجع.

هذا مضافاً إلى رجوع الشكّ في المقدار إلى الشكّ في أصل الوجود بالنسبة إلى الزائد ، فإذا صحّ الضمان في الأوّل صحّ في الثاني أيضاً ، ولا وجه للتفكيك بينهما.

(4) لعمومات أدلّة الضمان ، على ما تقدّم بيانه في المسألة الاولى من الكتاب.

سابقة أو لاحقة (1). وكذا إن ثبت بالإقرار السابق على الضمان ، أو باليمين المردودة (2) كذلك (3).

وأمّا إذا أقرّ المضمون عنه بعد الضمان ، أو ثبت باليمين المردودة ، فلا يكون حجّة على الضامن إذا أنكره (4) ويلزم عنه بأدائه في الظاهر (5).

ولو اختلف الضامن والمضمون له في ثبوت الدَّين أو في مقداره ، فأقرّ الضامن أو ردّ اليمين على المضمون له فحلف ، ليس له الرجوع على المضمون عنه إذا كان


(1) لعدم اختصاص حجية البيّنة بما يكون قبل الضمان.

(2) من المضمون عنه المنكر ، على المضمون له المدّعى.

(3) أي قبل الضمان.

(4) أمّا الأوّل ، فلاختصاص حجّيته بالمقر دون غيره ، فما يكون عليه يلزم بإقراره ، وأمّا ما يكون له أو على غيره فلا أثر لإقراره. وما نحن فيه من هذا القبيل حيث إنّ إقراره إنما هو في حقّ الغير ، فلا وجه للقول بنفوذه.

وأمّا الثاني ، فلاختصاص أثره وحجّيته بمن ردّ اليمين على الحالف ، فهو الملزم بمقتضى اليمين دون غيره.

(5) أي يلزم المضمون عنه أداء المال إلى المضمون له عن الضامن ظاهراً.

وقد أورد عليه في بعض الكلمات بما حاصله نفي المقتضي لهذا اللزوم ، باعتبار أنّ إقراره هذا كالعدم ، للقطع بفراغ ذمّته وعدم اشتغالها بشي‌ء ، لأنه إن كان كاذباً في إقراره فالأمر واضح فإنه بري‌ء الذمّة قبل الضمان وبعده ، وإن كان صادقاً فقد برئت ذمّته بانتقال ما فيها إلى ذمّة الضامن بحكم الضمان. ومن هنا فمطالبة المضمون له بالمال وأخذه منه ، ليس إلّا من أخذ ما يعلم بعدم استحقاقه له.

وفيه : إنه يمكن تقريب ما أفاده الماتن (قدس سره) بأحد وجهين :

الأوّل : إنّ إقراره لما كان حجة في ثبوت الدَّين عليه أوّلاً لزمه أداؤه ، نظراً إلى ان الضمان وإن اقتضى نقله إلى ذمّة الضامن ، إلّا أنه لما لم يكن إثبات الدَّين في حال سابق

منكراً (1) وإن كان أصل الضمان بإذنه. ولا بدّ في البيّنة المثبتة للدَّين أن تشهد بثبوته حين الضمان. فلو شهدت بالدَّين اللّاحق أو أطلقت ولم يعلم سبقه على


على الضمان بدليل معتبر ، ومن ثمّ لم يكن الضامن ملزماً بأدائه ، كان لازم سقوطه من المضمون عنه أيضاً ذهاب مال المسلم هدراً ، وهو أمر لا يمكن المصير إليه فإنّ ماله كدمه لا يذهب هدراً.

ومن هنا فلا بدّ للمضمون عنه المعترف بثبوت الدَّين عليه أوّلاً الخروج عن عهدته ، وحيث لم يكن بدفعه عن نفسه مباشرة لاعتراف المضمون له ببراءة ذمّته فلا بدّ له من دفعه وفاءً عن الضامن ، حيث به يصل المال إلى صاحبه.

الثاني : الالتزام بفساد الضمان ، فيبقى الدَّين على حاله ثابتاً في ذمّة المدين الأوّل ومن هنا فيجب عليه الأداء وفاءً.

وذلك لا لأجل توقف صحّة الضمان على العلم بالدَّين فإنه أمر غير صحيح ، بل لإناطة صحّة الضمان بثبوت الدَّين شرعاً كإناطتها بثبوته الواقعي وهو غير قادح لكونه تعليقاً على ما يتقوّم به فإنه ليس إلّا أخذه في العهدة ، وهو إنما يكون فيما إذا ثبت وجوده شرعاً ، فما لم يثبت ذلك لم يكن المعلّق عليه الضمان حاصلاً فيحكم بفساده.

وهذا الاحتمال وإن كان هو الأوجه ، إلّا أنّ من غير الخفي كون الأوّل هو الأوفق بعبارته (قدس سره).

(1) لعدم نفوذ إقرار الضامن أو يمينه المردودة على خصمه في المضمون عنه.

ثمّ إنّ اختلاف الضامن والمضمون له في أصل ثبوت الدَّين وإنكار المضمون عنه لذلك بعد ثبوته بإقرار الضامن أو اليمين المردودة ، مع فرض كون الضمان بأمر المضمون عنه ، إنما يتصور في موارد الإذن في الضمان على نحو كلّي ، بأن يقول المضمون عنه للضامن : (اضمن عني ديوني). فإنه حينئذ يمكن فرض إنكار المضمون عنه لدين معين مع كون أصل الضمان عن إذنه ، وإلّا فلو كان الإذن شخصياً بأن أذن له في ضمان الدَّين المعين لم يكن لهذا البحث مجال ، إذ لا يمكن الجمع بين الاعتراف بأصل الدَّين

الضمان أو لحوقه لم يجب على الضامن أداؤه (1).

[3596] مسألة 29 : لو قال الضامن : عليّ ما تشهد به البيّنة ، وجب عليه أداء ما شهدت بثبوته حين التكلم بهذا الكلام ، لأنها طريق إلى الواقع وكاشف عن كون الدَّين ثابتاً حينه.

فما في (الشرائع) من الحكم بعدم الصحّة لا وجه له ، ولا للتعليل الذي ذكره بقوله : لأنه لا يعلم ثبوته في الذمّة (2). إلّا أن يكون مراده في صورة إطلاق البيّنة المحتمل للثبوت بعد الضمان (3).

وأمّا ما في الجواهر ، من أنّ مراده بيان عدم صحّة ضمان ما يثبت بالبينة من حيث كونه كذلك (4) لأنه من ضمان ما لم يجب ، حيث لم يجعل العنوان ضمان ما في ذمّته لتكون البيّنة طريقاً (5) بل جعل العنوان ما يثبت بها ، والفرض وقوعه قبل


الناشئ من إذنه في ضمانه شخصياً مع إنكاره لأصله.

والحاصل أن إذنه المضمون عنه في ضمان الدَّين المعيّن الشخصي اعتراف منه به وبثبوته عليه ، ومعه فلا مجال لإنكاره له بعد ذلك.

(1) إذ لا بدّ في جواز الرجوع عليه وإلزامه بما ضمنه ، من ثبوت الدَّين في ذمّة المضمون عنه شرعاً حال الضمان ، لينتقل به منها إلى ذمّة الضامن.

(2) حيث قد عرفت في المسألة السابقة ، عدم اعتبار علم الضامن بثبوت الدَّين حين الضمان ، فلا بأس في الضمان على تقدير الثبوت. ولا يقدح التعليق فيه ، لكونه تعليقاً على الموضوع والعنصر المقوِّم للمفهوم.

(3) بمعنى إنشاء الضمان المتأخر من الآن ، فإنه باطل جزماً. إلّا أنه احتمال بعيد جدّاً عن ظاهر عبارته (قدس سره) وخارج عن محل الكلام.

(4) بمعنى تعلّق الضمان بالدَّين المقيد بقيام البيّنة عليه ، فإنه من ضمان ما لم يجب باعتبار أنه غير موجود حين الضمان ، وإنما يحدث عند قيام البيّنة عليه.

(5) أي لم يجعل المضمون هو الدَّين الواقعي على إطلاقه مع جعل البينة كاشفة له

ثبوته بها. فهو كما ترى لا وجه له (1).

[3597] مسألة 30 : يجوز الدَّور في الضمان (2) بأن يضمن عن الضامن


كي يقال إنه كان ثابتاً وموجوداً حين الضمان. وإنما جعل المضمون هو الدَّين المقيّد بقيام البينة عليه ، وهو لا يعقل وجوده قبل قيام البينة عليه.

(1) أمّا أوّلاً : فلعدم انطباق ما ذكره (قدس سره) على ما علل به المحقق (قدس سره) الفساد في الشرائع ، فإنه (قدس سره) إنما علله بعدم العلم باشتغال ذمّة المضمون عنه بالدَّين (1). في حين إنّ مقتضى كلام صاحب الجواهر (قدس سره) كون اشتغال ذمّة المضمون عنه بالدَّين حين الضمان معلوم العدم ، لأنه مقيّد بقيام البيِّنة وهو غير موجود حين الضمان.

وبعبارة اخرى : إنّ تعليل صاحب الجواهر (قدس سره) البطلان بكونه من ضمان ما لم يجب (2)، أجنبي عن عبارة المحقق (قدس سره) ، فلا مجال لحملها عليه.

وثانياً : إنّ تعليل البطلان بكونه من ضمان ما لم يجب ، غير صحيح في نفسه ، ومع قطع النظر عن انطباقه على عبارة المحقق (قدس سره) وعدمه. وذلك لعدم قابلية الدَّين الثابت في الذمّة للتقييد بقيام البينة عليه وعدمه ، فإنّ الدَّين الثابت في الذمّة فرد واحد للدَّين قد تقوم عليه البيّنة وقد لا تقوم ، وليس أحدهما مغايراً للآخر ، كي يقال بأن ما قامت عليه البيّنة لم يكن موجوداً حين الضمان ، وما كان موجوداً حينه لم يتعلّق به الضمان.

وبعبارة اخرى : إنّ قيام البيّنة على الدَّين لا يجعل الفرد الواحد فردين مختلفين ومتغايرين ، بل هو فرد واحد يشتمل على الوصف تارة ويفقده اخرى.

فيكون هذا الضمان من ضمان الدَّين على تقدير ثبوته ، فيحكم بصحّته ، لكونه من التعليق على أمر مقوم له ، ولا وجه لأن يقال بأنه غير موجود حين الضمان.

(2) إذ لا فرق في صحّة الضمان بحسب أدلّته بين دين وآخر ، سواء أكان ذلك من


1) الشرائع 2 : 125.

2) الجواهر 26 : 133.

ضامن آخر ، ويضمن عنه المضمون عنه الأصيل. وما عن (المبسوط) من عدم صحّته لاستلزامه صيرورة الفرع أصلاً وبالعكس (1) ولعدم الفائدة لرجوع الدَّين كما كان.

مدفوع بأنّ الأوّل غير صالح للمانعية (2) بل الثاني أيضاً كذلك (3). مع أنّ الفائدة تظهر في الإعسار واليسار (4) وفي الحلول والتأجيل ، والإذن وعدمه. وكذا


جهة الشراء أو القرض أو الإتلاف أو الضمان أو غيرها من الأسباب ، فإنّ أدلّة الضمان شاملة للكلّ على حدّ سواء.

(1) فإنّ المدين الأوّل الأصل ينقلب فرعاً في الضمان الثاني ، حيث يتلقى الدَّين من الضامن الأوّل. في حين إنّ الفرع في الأوّل الضامن يصبح أصلاً ، لانتقال الدَّين منه إلى الضامن الجديد المضمون عنه الأوّل.

(2) فإنه كلام صوري لا محصّل له. فإنّ انقلاب الفرع أصلاً وبالعكس لا يتصوّر في معاملة واحدة ، فإنهما من المتضادّين ، وهما لا يجتمعان في شخص واحد في آن واحد وبالقياس إلى معاملة واحدة. وتصوّرهما في معاملتين وإن كان أمراً ممكناً ، بأن يكون الأصل في المعاملة الأُولى فرعاً في الثانية ، إلّا أنه لا محذور فيه بالمرّة. فيجوز لمن باع داره من زيد ثمّ باعه زيد من عمرو أن يشتريه منه إجماعاً ، والحال أنه موجب لاتصافه بالبائع والمشتري بلحاظ معاملتين.

(3) فإنه كيف يمكن نفي الفائدة في الثاني ، مع استلزامه لاشتغال ذمّة المضمون عنه الأوّل بالدَّين بعد أن كانت بريئة منه! فإنّ ما يملكه المضمون له ينتقل إلى ذمّته ويكون هو الملزم به.

فهو نظير ما لو اشترى داره ثانياً ، أو وهبه الموهوب له العين الموهوبة ، وهل يصحّ أن يقال ببطلانهما لعدم الفائدة فيهما؟!

(4) بناءً على ما اختاره الماتن (قدس سره) وفاقاً للمشهور ، من ثبوت الخيار للمضمون له عند ظهور إعسار الضامن حين العقد.

وأما بناءً على ما اخترناه من عدم ثبوت الخيار ، فلا مجال لهذه الثمرة.

يجوز التسلسل بلا إشكال (1).

[3598] مسألة 31 : إذا كان المديون فقيراً يجوز أن يضمن عنه بالوفاء ، من طرف الخُمس أو الزّكاة أو المظالم أو نحوها من الوجوه التي تنطبق عليه (2) إذا كانت ذمّته مشغولة بها فعلاً ، بل وإن لم تشتغل فعلاً ، على إشكال (1).


(1) لما تقدّم في الدور بعينه. فإنّ مقتضى أدلّة الضمان صحّة ضمان كلّ دين ، مع قطع النظر عن منشَإِه وسببه.

(2) وفيه ما لا يخفى. لأنه (قدس سره) إن أراد به كون الضمان على ما في ذمّته من الحقوق الشرعية ، بأن يكون الشخص بري‌ء الذمّة ويكون المال هو المدين والمتعهد به ، فقد عرفت فساده في كتاب الزكاة ، عند ما جوّز الماتن (قدس سره) الاقتراض للزكاة للصرف في الأُمور الخيرية اللازمة ، فتكون هي المدينة ويؤدّي دَينها بعد ذلك مما يحصل منها.

حيث ذكرنا أنه مما لا يمكن تصوّره وتعقله ، فإنّ الدَّين والمدين أمران متغايران لا يمكن اتحادهما. فمعنى الاستدانة لها كونها هي المدينة والمكلّفة بالأداء ، بحيث يجب عليها الوفاء مما تملكه ، ومن الواضح أنّ هذا لا ينسجم مع كون الأداء من نفسها.

وبعبارة اخرى : إنّ الحكم باشتغال الحقوق الشرعية بالدَّين ، لا يتلاءم مع الحكم بكون الأداء منها. فإنّ مقتضى الأوّل كون الأداء من غيرها ، في حين إنّ مقتضى الثاني كونها غير مدينة هي بنفسها ، إذ لا يعقل اتحاد الدَّين والمدين.

وعلى هذا الأساس كان التزامنا في تلك المسألة بلابدّيّة استدانة الحاكم لنفسه لكن لا بما هو هو وإنما بما هو حاكم وولي ، وصرفه في الأُمور اللّازمة ، ومن ثمّ تأدية دينه هذا من الزكاة.

ومن هنا فلا يكون هو بما هو هو مشغول الذمّة بشي‌ء ، ولذا لا يخرج شي‌ء من ذلك من تركته ، بل يكون المقام والمنصب هو المتعهد بالدَّين.


1) (*) لا يبعد عدم الجواز فيه ، بل وفي سابقه.

[3599] مسألة 32 : إذا كان الدَّين الذي على المديون زكاة أو خمساً ، جاز أن يضمن عنه ضامن للحاكم الشرعي (1)


على أننا لو تعقّلنا الاستدانة للزكاة وقلنا بكونها أمراً ممكناً ، فلا دليل على ثبوت الولاية لغير الحاكم في ذلك. وعليه فلا مجال لما ذكره (قدس سره) من جوازه لمن عليه الحقّ ، فإنّ غاية دليله ثبوت الولاية له في إخراجها وأدائها خاصّة ، وأمّا جعلها هي المدينة بحيث يكون الضمان في عهدتها ، فلا دليل على ثبوت الولاية له فيه.

وتفصيل الكلام قد تقدّم في محله من مباحث الزكاة ، فراجع.

وإن أراد به كون المكلف هو المتعهد بالدَّين ، بحيث يجعل نفسه هو مشغول الذمّة به ، لكن على أن يؤديه من الزكاة.

ففيه : إنه لا يجوز له بالمرّة ، فإنها إنما تصرف في أداء دين الغارم الفقير ، فلا موجب لأداء دينه منها مع كونه غنياً موسراً ، وإن كان المضمون عنه فقيراً ، فإنّ الدَّين بالفعل دينه لا دين المضمون عنه.

وبالجملة فما أفاده (قدس سره) من جواز الضمان عن الفقير بالوفاء من الحقوق الشرعية ، مما لا أساس له ولا يمكن المساعدة عليه.

(1) إذ لا يعتبر في المضمون له كونه مالكاً للمال ، بل يكفي فيه كون أمره بيده بحيث يكون نقله منوطاً برضاه ، سواء أكان مالكاً أو وكيلاً أو ولياً. وحيث إنّ الحاكم الشرعي وليّ على الحقوق الشرعية ، كفى قبوله في صحّة الضمان ونقل الدَّين من ذمّة إلى أُخرى.

إلّا أنّ هذا الذي أفاده (قدس سره) لا يتمّ على إطلاقه إلّا في بعض الموارد. فإنه إذا لم يكن الحقّ الثابت في ذمّة المدين أمراً عباديا متوقّفاً على قصد القربة كما هو الحال في الكفارات والمظالم تمّ ما ذكره (قدس سره) على إطلاقه ، حيث يصحّ ضمان الغير له برضا الحاكم الشرعي مطلقاً.

وأمّا إذا كان الحقّ أمراً عباديا متوقّفاً على قصد القربة كالزكاة والخمس فلا

بل ولآحاد الفقراء ، على إشكال (1)(1).

[3600] مسألة 33 : إذا ضمن في مرض موته ، فإن كان بإذن المضمون عنه


يتمّ ما ذكره (قدس سره) على إطلاقه ، بل لا بدّ من التفصيل فيه بين الضمان التبرعي والإذني ، والحكم بالبطلان في الأوّل والصحّة في الثاني.

وذلك لما ذكرناه في مبحثي الخمس والزكاة ، من أنّ أداء دين الغير وإن لم يكن يتوقّف على رضا المدين ، فيصحّ أداء الغير ويكون مسقطاً له ، لعدم الدليل على اعتبار كون المؤدّي هو المدين. إلّا أنّ هذا الكلام لا يتمّ في الخمس والزكاة وما يشبههما من الحقوق الشرعية ، باعتبار كونهما من الأُمور العبادية ، فلا بدّ في أدائهما من استناد الفعل إلى من وجب عليه الحقّ مع قصده للقربة ، ومن هنا فلا يصحّ التبرع بهما من الغير.

نعم ، تعتبر فيهما المباشرة. فيجوز الإعطاء مع التسبيب والتوكيل ، فيأمر به قاصداً فيه القربة ، كي يحصل المقومان معاً ، الاستناد إليه مع قصد القربة.

وعليه ففيما نحن فيه حيث يكون الدَّين أمراً عباديا ، لا يصحّ الضمان التبرعي ، ولا يكون دفعه الضامن للمال مسقطاً للواجب في ذمّة المديون ، إذ لا يكفي فيه مجرّد الأداء الخارجي ، بل المعتبر هو الأداء المقرون بالاستناد إليه مع قصد القربة ، وهو أمر غير متحقق.

نعم ، لو أمر بالضمان قاصداً القربة به ، صحّ وبرئت ذمّته بأداء الضامن ، لاستناد الفعل إليه.

والحاصل أنّ الصحيح هو التفصيل في المقام ، بين الديون الشرعية غير العبادية فيصحّ ضمانها بإذن الحاكم الشرعي مطلقاً ، والديون الشرعية العبادية حيث يصحّ الإذني منه دون التبرعي.

(1) واضح ، حيث لم يظهر لجوازه وجه أصلاً. فإنّ آحاد الفقراء أجانب عن المال


1) (*) لا وجه لجوازه.

فلا إشكال في خروجه من الأصل ، لأنه ليس من التبرعات ، بل هو نظير القرض والبيع بثمن المثل نسيئة (1). وإن لم يكن بإذنه ، فالأقوى خروجه من الأصل كسائر المنجزات (2). نعم ، على القول بالثلث يخرج منه.

[3601] مسألة 34 : إذا كان ما على المديون يعتبر فيه مباشرته لا يصحّ ضمانه (3). كما إذا كان عليه خياطة ثوب مباشرة ، وكما إذا اشترط أداء الدَّين من مال معين للمديون (4).


بالمرّة ، وليس لهم وكالة أو ولاية عليه فضلاً عن أن يكونوا مالكين له ، ولذا لا تجب إجابتهم عند طلبهم له. ومعه فكيف يمكن الحكم بصحّة الضمان وانتقال المال من ذمّة المدين إلى ذمّة غيره! بلا فرق في ذلك بين الديون العبادية وغيرها.

(1) وغيرهما من التصرفات المنجزة غير المبنيّة على التسامح والنقيصة ، حيث تخرج من الأصل جزماً ، لكونه مالكاً له وله التصرّف فيه كيف شاء.

(2) على ما حققناه مفصَّلاً في محله.

(3) فإنه يعتبر في الضمان قابلية انتقال الدَّين الثابت في ذمّة المديون إلى ذمّة أُخرى ، إذ بدونها لا يتحقق مفهوم الضمان بالمعنى المبحوث عنه في المقام. وحيث إنّ العمل المقيد بالمباشرة غير قابل للانتقال إلى ذمّة أُخرى وصدوره من غير من اشترطت المباشرة عليه ، باعتبار أنّ العمل القائم بشخص الأجير مغاير للعمل الصادر من غيره ، فلا يصحّ ضمانه.

وبعبارة اخرى : إنّ الذي يقبل الانتقال من ذمّة المدين إلى ذمّة أُخرى وهو طبيعي العمل ، غير ثابت في ذمّة المدين كي ينقل إلى ذمّة غيره بالضمان. وما هو ثابت في ذمّة المدين وهو العمل المقيد بالمباشرة ، غير قابل للانتقال إلى ذمّة الغير وصدوره منه.

(4) فإنه غير قابل للانتقال إلى ذمّة الغير ، إذ لا يعقل اشتغال ذمّة شخص بالأداء من مال غيره ، فإنّ اشتغال ذمّة المكلف إنما يقتضي كون الأداء من ماله ، فاعتبار الأداء من غيره منافٍ لاشتغال ذمّته به.

وكذا لا يجوز ضمان الكلي في المعين (1) كما إذا باع صاعاً من صبرة معينة ، فإنه لا يجوز الضمان عنه والأداء من غيرها مع بقاء تلك الصبرة موجودة.

[3602] مسألة 35 : يجوز ضمان النفقة الماضية للزوجة ، لأنها دَين على الزوج (2). وكذا نفقة اليوم الحاضر لها إذا كانت ممكنة في صبيحته ، لوجوبها عليه


نعم ، لو رجع قبول المضمون له للضمان إلى إسقاط شرطه ، بحيث وافق على انتقال أصل الدَّين إلى ذمّة الضامن مجرداً عن الشرط ، فلا بأس بالالتزام بصحّته.

والحاصل أنّ ضمان الدَّين المقيد بكون أدائه من مال معين للمديون ، إنما لا يصحّ فيما إذا أصرّ المضمون له صاحب الشرط على بقاء شرطه وعدم رفع اليد عنه فإنه حينئذٍ يحكم ببطلانه ، لعدم قابليته للانتقال إلى ذمّة الغير. وأمّا إذا وافق على إسقاط شرطه وانتقال الدَّين مجرّداً عنه ، فلا مانع من الالتزام بصحّته ، وإن كان أصل الدَّين مقيداً بالأداء من مال معين.

(1) فإنّ المبيع عين خارجية وإن كانت كليّة من حيث جواز تطبيق البائع له على أي جزء من الصبرة شاء فلا يقبل الانتقال إلى عين اخرى فضلاً عن الذمّة.

وبعبارة اخرى : إنّ المبيع لما كان موجوداً خارجياً وإن لم يكن شخصياً حيث إنه كلّي لكنه مقيد بالموجود في ضمن الصبرة المعينة لم يصحّ ضمانه ، لعدم ثبوت شي‌ء في الذمّة كي يقبل النقل إلى غيرها.

(2) تنقسم النفقات إلى قسمين : نفقة الزوجة ونفقة الأقارب.

والمعروف والمشهور في الاولى ، بل لا يبعد دعوى الإجماع عليه كونها على نحو التمليك. بخلاف الثانية ، حيث إنّ وجوبها حكم تكليفي محض ، لا يترتّب على مخالفته غير العصيان والإثم.

ويدلّ على الحكم في الأُولى ، مضافاً إلى ما سيظهر من بعض النصوص ، قوله ( وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ) (1). فإنّ الرزق عبارة عما يرتزق به


1) سورة البقرة 2 : 233.

.................................................................................................


واسم للعين الخارجية مما يؤكل أو يشرب ، والكسوة اسم لما يلبس ، فيكون معنى الآية الكريمة : أنّ على الرجل الطعام والشراب واللباس بالمعروف.

وقد ذكرنا في مبحث النفقات من كتاب النكاح أنّ متعلق (عليك) أو (عليه) أو غيرهما مما يدلّ على الإلزام ، إذا كان عيناً خارجياً كان معناه التمليك ، فيقال : عليه الدينار أو الدرهم وما شاكل ذلك. وهذا بخلاف ما لو كان متعلقه الفعل كالصلاة والصيام ، فإنّ ظاهره الإلزام به ووجوبه عليه تكليفاً محضاً لا غير.

وحيث إنّ الآية الكريمة من قبيل الأوّل ، باعتبار أنها أثبتت نفس الأعيان الخارجية على الرجل ، كان ظاهرها ثبوت تلك الأعيان في ذمّته ، وهو ما يعني ملكيّة الزوجة لها عليه.

وتقدير الفعل في الآية الكريمة ، بدعوى كون المراد : عليه إعطاء الرزق والكسوة خلاف الظاهر ولا شاهد يعضده.

واحتمال كون الرزق والكسوة مصدرين ، كما جاء في بعض الكلمات ، بعيد غايته. فإنّ الأوّل من الأفعال المتعدّية ومصدره الرزق بفتح الراء وأوضح منه فساداً الثاني ، فإنه اسم للعين وليس بمصدر جزماً ، فإنّ مصدره الكسو.

إذن فما ذهب إليه المشهور بل لا يبعد دعوى عدم الخلاف فيه ، من ملكيّة الزوجة لنفقتها ، هو الصحيح.

هذا كلّه في الزوجة. وأمّا الأقارب فلا دليل على ملكيتهم لنفقتهم بالمرّة ، حيث لم يرد في شي‌ء من نصوصها ما يستفاد منه ذلك ، بل الأمر بالعكس من ذلك ، حيث إنّ ظاهر نصوصها كون الإنفاق عليهم حكماً تكليفياً محضاً.

وعليه فلو عصى المكلّف ولم ينفق عليهم ، لم يكن عليه غير الإثم. وأمّا اشتغال ذمّته بها لهم ، حتى لو مات أُخرجت من تركته كسائر الديون الذي عليه ، فلا.

نعم ، ليس هذا الحكم التكليفي كسائر الأحكام التكليفية بالمعنى الأخص ، وهو ما يصطلح عليه في كلماتهم بالحكم ، وإنما هو من الحقوق حيث يقبل الإسقاط ، كما هو الحال في سائر موارد الحقوق.

حينئذٍ (1) وإن لم تكن مستقرّة ، لاحتمال نشوزها في أثناء النهار ، بناءً على سقوطها بذلك. وأمّا النفقة المستقبلة فلا يجوز ضمانها عندهم ، لأنه من ضمان ما لم يجب (2). ولكن لا يبعد صحّته (1)(3) لكفاية وجود المقتضي وهو الزوجية.


ومن هنا فلو امتنع من يجب عليه الإنفاق منه ، جاز لواجب النفقة رفع أمره إلى الحاكم وله إجباره عليه ، فإن امتنع جاز له الأخذ من ماله والإنفاق على من تجب نفقته على الممتنع ، لكونه وليّ الممتنع.

إذا عرفت ذلك كلّه ، ظهر الوجه في صحّة ضمان النفقة الماضية للزوجة ، فإنها دين حقيقة ثابت في ذمّة الزوج بالفعل ، فلا مانع من نقله بالضمان إلى ذمّة غيره.

كما ظهر الوجه في عدم جواز ضمان النفقة الماضية للأقارب ، إذ الإنفاق عليهم ليس إلّا حكماً تكليفياً محضاً ، فلا يترتب على عصيانه ثبوته دَيناً في ذمّته.

(1) بناءً على ما هو المعروف والمشهور بينهم من ملكيّة الزوجة لنفقتها في أوّل النهار ، فإنه حينئذ يصحّ ضمانها ، لثبوتها في ذمّته بالفعل.

وكذا بناءً على القول بملكيتها لنفقة كلّ وقت في حينه ، بحيث تملك نفقة الصبح صباحاً ونفقة الظهر عنده والعشاء ليلاً ، فإنه يصحّ ضمانها في حينها ، لثبوتها في ذمّة الرجل عند ذلك.

(2) وحيث لا تملك الزوجة شيئاً بالفعل في ذمّة زوجها ، فهو غير مدين إليها بالفعل ، كي يصحّ الضمان ونقل ذلك الدَّين إلى ذمّة غيره.

(3) بل هو بعيد جدّاً ، بل لم يظهر وجه لاحتمال الصحّة في المقام بالمرّة. فإنّ الضمان كما عرفته نقل الدَّين من ذمّة إلى أُخرى ، فما لم يكن الدَّين ثابتاً بالفعل فلا موضوع لنقله.

وبعبارة اخرى : إنّ الضامن إن أنشأ اشتغال ذمّته بالدَّين فعلاً ، فهو غير صحيح لعدم ثبوته في ذمّة المضمون عنه كي ينقل إلى ذمّته. وإن أنشأ اشتغالها به عند اشتغال


1) (*) مر الكلام فيه.

وأمّا نفقة الأقارب فلا يجوز ضمانها بالنسبة إلى ما مضى ، لعدم كونها دَيناً على من كانت عليه (1). إلّا إذا أذن للقريب أن يستقرض وينفق على نفسه (2) أو أذن له الحاكم في ذلك (3) إذ حينئذٍ يكون دَيْناً عليه. وأمّا بالنسبة إلى ما سيأتي فمن ضمان ما لم يجب. مضافاً إلى أنّ وجوب الإنفاق حكم تكليفيّ ولا تكون النفقة في ذمّته. ولكن مع ذلك لا يخلو عن إشكال (1)(4).

[3603] مسألة 36 : الأقوى جواز ضمان مال الكتابة ، سواء كانت مشروطة أو مطلقة ، لأنه دَين في ذمّة العبد (5) وإن لم يكن مستقراً ، لإمكان تعجيز نفسه.


ذمّة الزوج به ، فهو من التعليق الباطل.

وكيف كان ، فمجرد وجود المقتضي للدَّين لا يصحّ ضمانه ، ما لم يكن هو ثابتاً بالفعل في الذمّة.

وهذا قد تقدّم الكلام فيه في الشرط الثامن من شروط الضمان ، عند احتماله (قدس سره) للصحّة في موارد وجود المقتضي خاصّة ، فراجع.

(1) على ما تقدّم بيانه في أوّل المسألة.

(2) حيث يثبت الدَّين عليه بالاستقراض عن أمره ، فيصحّ ضمانه من هذه الجهة لا من باب كون نفقة الأقارب قابلة للضمان.

(3) لكونه وليّ الممتنع كما عرفت ، فيثبت الدَّين عليه ويصحّ ضمانه بهذا الملاك ، وإلّا فأصل وجوب الإنفاق لا يخرج عن كونه وجوباً تكليفياً محضاً.

(4) إلّا أنه ضعيف وموهون جدّاً ، فإنّ وجوب الإنفاق عليهم ليس وجوباً تمليكياً ، على أنه على تقدير تسليمه من ضمان ما لم يجب.

(5) فيصحّ نقله إلى ذمّة غيره بالضمان ، وبذلك ينعتق العبد ، لأنه أداء نظير إبراء المولى له.


1) (*) لا ينبغي الإشكال في بطلان الضمان.

والقول بعدم الجواز مطلقاً (1) أو في خصوص المشروطة (2) معلّلاً بأنه ليس بلازم ولا يؤول إلى اللّزوم ، ضعيف كتعليله (3). وربّما يعلَّل بأنّ لازم ضمانه لزومه ، مع أنه بالنسبة إلى المضمون عنه غير لازم ، فيكون في الفرع لازماً مع أنه في الأصل غير لازم. وهو أيضاً كما ترى (4).


(1) على ما نسبه المحقِّق (قدس سره) في الشرائع إلى الشيخ (قدس سره) في المبسوط (1).

(2) على ما نسبه الشهيد (قدس سره) في المسالك إليه (2).

(3) أمّا التعليل ففيه : منعه صغرى وكبرى. فإنّ المكاتبة بقسميها لازمة من الطرفين ، فيجب على العبد الكسب ولا يجوز له تعجيز نفسه.

نعم ، لو عجز انتقاماً أو عصى فعجّز نفسه رجع رقّاً كما كان ، إلّا أنه أجنبي عن القول بجوازه له ابتداءً ، كما هو واضح.

على أنه لا دليل على اعتبار اللزوم في الدَّين الثابت بالفعل ، بل يصحّ ضمان الدَّين الجائز قطعاً ، كما هو الحال في موارد ضمان البيع الخياري كبيع الحيوان وبيع الخيار.

وأمّا التعليل الثاني ، فغاية ما يقال في تقريبه : أنّ الضمان وإن كان يصحّ في العقد الجائز ، إلّا أنه إنما يختصّ بما يؤول إلى اللزوم ، نظير بيع الخيار ونحوه مما يرتجى لزومه في زمان ، فلا يصحّ فيما لا يرتجى لزومه أصلاً ، كالمكاتبة المشروطة بناءً على جوازها فإنها لا تؤول إلى اللزوم أبداً ، فإنها ما لم يؤدّ الدَّين جائزة وعند أدائه ينعتق العبد وينتفي الموضوع من أساسه.

إلّا أنه لا يرجع إلى محصّل ولا دليل عليه بالمرّة ، بل مقتضى عمومات الضمان بعد ثبوت أصل الدَّين صحّته.

(4) إذ قد عرفت أنّ الصحيح لزوم الأصل أيضاً ، وعلى تقدير تسليم جوازه فلا دليل على اعتبار عدم زيادة الفرع على الأصل ، بل الثابت خلافه ، فإنه يصحّ ضمان


1) شرائع الإسلام 2 : 126.

2) مسالك الافهام 4 : 190.

[3604] مسألة 37 : اختلفوا في جواز ضمان مال الجعالة قبل الإتيان بالعمل وكذا مال السبق والرِّماية ، فقيل بعدم الجواز ، لعدم ثبوته في الذمّة قبل العمل.

والأقوى وفاقاً لجماعة الجواز (1)(1) لا لدعوى ثبوته في الذمّة من الأوّل وسقوطه إذا لم يعمل ، ولا لثبوته من الأوّل بشرط مجي‌ء العمل في المستقبل ، إذ الظاهر أنّ الثبوت إنما هو بالعمل ، بل لقوله تعالى ( وَلِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ ) (2)(2)


الموسر لدين المعسر ويجوز مطالبته به جزماً ، وإن لم يكن يجوز مطالبة المضمون عنه به لإعساره.

والحاصل أنّ كلّ حكم تابع لموضوعه سعة وضيقاً ، وليس عدم زيادة الفرع على أصله قاعدة ثابتة يجوز التعويل عليها في تخصيص عمومات الأحكام وإطلاقاتها.

بل ذكر في الجواهر أنّ الصحّة هنا أولى منها في العقود الجائزة كبيع الخيار ونحوه حيث لا مجال فيما نحن فيه لإعمال الخيار بعد الضمان ، نظير انعتاق العبد به مباشرة ، وإعمال الخيار فرع عبوديته. بخلاف الحال في العقود الجائزة ، حيث يجوز له اعمال خياره حتى بعد الضمان ، فيرتفع العقد ويبطل الضمان.

(1) بل الأقوى هو التفصيل بين الجعالة من جهة والسبق والرماية من جهة أُخرى ، على ما سيأتي تفصيله.

(2) وفيه : إنّ الآية الكريمة أجنبية عن محل الكلام. إذ الكلام إنما هو في الضمان بالمعنى المصطلح ، أعني نقل المال الثابت في ذمّة شخص إلى ذمّة غيره ، والمستلزم لتغاير الضامن والمضمون عنه الجاعل في الفرض. في حين إن ظاهر الآية الكريمة اتحاد الضامن والجاعل ، ومن هنا فلا بدّ من حمل الضمان فيها على تأكيد الجعل والتزامه به ، فتكون خارجة عن المعنى المبحوث عنه ، كما هو واضح.

ثمّ لو تنزلنا وسلمنا دلالتها على المدّعى في الضمان ، فالتعدي عن موردها إلى غيره


1) (*) فيه إشكال ، والاحتياط لا يترك.

2) (**) سورة يوسف 12 : 72.

ولكفاية المقتضي للثبوت في صحّة الضمان (1) ومنع اعتبار الثبوت الفعلي كما أشرنا إليه سابقاً.

[3605] مسألة 38 : اختلفوا في جواز ضمان الأعيان المضمونة كالغصب والمقبوض بالعقد الفاسد ونحوهما على قولين ، ذهب إلى كلّ منهما جماعة.


مما يكون مشابهاً له ، لا يخرج عن حدّ القياس الباطل.

(1) تقدّم الكلام فيه غير مرّة ، وقد عرفت أنه مما لا يمكن المساعدة عليه. فإنه وبعد الاعتراف بعدم اشتغال ذمّة الجاعل والعاقد بشي‌ء بالفعل ، كيف يمكن الالتزام بصحّة الضمان بالمعنى المصطلح ، أعني نقل الدَّين من ذمّة إلى غيرها ، فإنه ليس إلّا من السالبة بانتفاء الموضوع.

ودعوى عدم الدليل على بطلان ضمان ما لم يجب ، حيث لم يرد فيه نص ، ولم يثبت عليه الإجماع ، على ما سيأتي منه (قدس سره) في المسألة الآتية.

واضحة الاندفاع ، فإنّ بطلانه الضمان من القضايا التي قياساتها معها ، ولا حاجة في إثباته إلى النص أو التمسك بالإجماع. فإنه وبعد تسليم أنّ الضمان نقل للدَّين من ذمّة إلى أُخرى ، والاعتراف بعدم ثبوت شي‌ء في ذمّة الجاعل والعاقد بالفعل ، فلا موضوع له بالمرّة كي يكون إثبات بطلانه محتاجاً إلى النص أو الإجماع.

نعم ، بناءً على عدم اشتراط التنجيز في الضمان ، لا بأس بالالتزام بصحّة ضمانها على وجه التعليق ، إلّا أنه واضح الفساد كما لا يخفى.

وكيف كان ، فالصحيح هو التفصيل بين ضمان مال الجعالة وضمان مال السبق والرماية ، والالتزام في الأوّل بالصحّة وفي الثاني بالبطلان.

وذلك لرجوع ضمان مال الجعالة قبل العمل إلى أمر الضامن للعامل بالعمل المحترم لا مجاناً ، بل مع الأُجرة المسماة الجعل لكن على تقدير عدم وصول حقّه إليه من الجاعل المضمون عنه.

وهذا ليس من الضمان المصطلح ، كي يرد عليه بأنه من ضمان ما لم يجب ، نظراً لفراغ ذمّة المضمون عنه بالفعل. وإنما هو من التعهد بالجعل في طول تعهد الجاعل به

والأقوى الجواز (1)(1) سواء كان المراد ضمانها بمعنى التزام ردّها عيناً ومثلها أو


فإنّ أمره به يوجب الضمان ، إلّا أنّ التزامه به إنما هو عند عدم وصول حقّ المجعول له بعد العمل إليه ، ولا بأس بالالتزام بصحّته ، لبناء العقلاء وشمول عمومات الأمر بالوفاء بالعقود له.

إلّا أنّ هذا إنما يختص بضمان مال الجعالة بالمعنى الذي ذكرناه ، حيث إنه من العقود المتعارفة التي عليها بناء العقلاء. ولا يتمّ في مال السبق والرماية ، فإنهما وبحدّ ذاتهما من أظهر مصاديق القمار ، أكل المال بالباطل كما هو ظاهر ، وإنما صحّا بالدليل الخاص لبعض الاعتبارات الملزمة.

ومن هنا يجب الاقتصار في الحكم على مقدار دلالة الدليل عليه خاصّة ، والحكم فيما زاد عنه بالبطلان.

وحيث إن دليل صحّتهما إنما تضمن صحّتهما بالقياس إلى طرفي العقد ، صحّ أكل أحدهما لمال الآخر وإن كان بحسب القاعدة الأوّلية هو البطلان ، ويبقى الأجنبي الضامن الذي لا يعود العقد بالنفع عليه على كلّ تقدير ولا يرتبط به في شي‌ء على القاعدة المقتضية للبطلان.

والحاصل أنّ ثبوت الضمان بالأمر فرع صحّة العمل المأمور به وإباحته. وحيث لا دليل عليها بالقياس إليه ، وإن كان صحيحاً بالقياس إلى طرفي العقد ، يتعين الرجوع إلى قاعدته الأوّلية المقتضية للبطلان ، من حيث كون العمل قماراً ، وأكل المال بإزائه أكلاً للمال بالباطل.

(1) بل الأقوى هو التفصيل ، فإنّ المنشأ من قبل الضامن


1) (*) الظاهر فيه التفصيل. فإنّ المنشأ إذا كان هو التعهّد الفعلي للعين المضمونة ليترتب عليه وجوب ردّها مع بقائها ودفع البدل عند تلفها ، فلا بأس به للعمومات ، ولا سيما أنه متعارف في الخارج. وإذا كان اشتغال الذمّة بالبدل فعلاً على تقدير تلفها واشتغال ذمّة الضامن الأوّل به متأخراً فهو واضح الفساد ، بل صحّته غير معقولة. وإذا كان اشتغال الذمّة بعد اشتغال ذمّة الضامن الأوّل به على نحو الواجب المشروط ، فصحته مبتنية على عدم اعتبار التنجير. وبذلك يظهر الحال في ضمان الأعيان غير المضمونة.

.................................................................................................


تارة يكون هو الضمان المصطلح ، أعني التزامه لصاحب المال باشتغال ذمّته من الآن بالبدل ، فيما إذا تلفت العين بعد ذلك واشتغلت ذمّة المضمون عنه الغاصب أو القابض بالعقد الفاسد به.

وأُخرى يكون اشتغال ذمّته به على نحو الواجب المشروط ، أعني إنشاء الضمان المتأخر والمعلّق على التلف من الآن.

وثالثة يكون بمعنى كون المال في عهدته ، وكونه هو المسئول عن ردّه ما دام موجوداً ، وردّ بدله مثلاً أو قيمة عند تلفه. كما هو الحال في الغاصب نفسه ، فإنّ ضمانه ليس بمعنى وجوب ردّ بدله عليه بالفعل ، إذ العين ما دامت موجودة لا وجه لاشتغال ذمّته بالبدل ، بل هو بمعنى كونه مسؤولاً عن العين وكون العين في عهدته ، بحيث يجب عليه ردّها ما دامت موجودة وردّ بدلها عند تلفها.

والأوّل : باطل جزماً ، لكونه من ضمان ما لم يجب. وقد عرفت في المسألة السابقة أنّ بطلانه لا يحتاج إلى دليل خاصّ من نص أو إجماع ، فإنه من القضايا التي قياساتها معها. إذ لو لم تكن ذمّة المضمون عنه مشغولة بشي‌ء بالفعل ، كما هو مفروض الكلام فأيّ شي‌ء هو ينتقل بالضمان من ذمّته إلى ذمّة غيره؟

والثاني : وإن كان ممكناً في نفسه ، إلّا أنه محكوم بالبطلان قطعاً ، للإجماع على اشتراط التنجيز في الضمان وعدم صحّة التعليق فيه.

والثالث : وإن كان خارجاً عن الضمان بالمعنى المصطلح المبحوث عنه في المقام ، إذ لم تشتغل ذمّة أحد بالمال كي ينتقل إلى ذمّة غيره ، إلّا أنه لا مانع من الالتزام بصحّته لعمومات الأمر بالوفاء بالعقود ، بل وجريان السيرة العقلائية عليه خارجاً.

وعليه فيحكم على هذا النحو من الضمان بالصحّة واللزوم ، ومقتضاه ثبوت حقّ المطالبة للمضمون له من الضامن بالعين ما دامت موجودة وبالبدل إذا تلفت.

ثمّ إنّ هذا الضمان ليس من الضمان على مذهب العامة ، فإنه ليس من ضمّ ذمّة إلى ذمّة أُخرى ، إذ لا اشتغال للذمّة الاولى فضلاً عن الثانية كي تضمّ إليها. وإنما هو من

قيمتها على فرض التلف أو كان المراد ضمانها بمعنى التزام مثلها أو قيمتها إذا تلفت ، وذلك لعموم قوله (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) : «الزعيم غارم» (1)(1)


ضمّ ضمان إلى ضمان آخر وإن اختلف سببهما ، فضمان الغاصب والقابض بالعقد الفاسد فعليّ ، في حين إنّ ضمان الضامن عقديّ. وهو ضمّ ضمان إلى ضمان لا محذور فيه بالمرّة ، بل هو ثابت بالإجماع في غير مورد من الفقه ، كالأيادي المتعاقبة على المغصوب أو المقبوض بالعقد الفاسد.

والذي يتحصل مما ذكرناه أنّ الحقّ في المقام هو التفصيل ، بين إرادة الضمان بالمعنى المبحوث عنه ، وبين إرادة التعهد وتحمل المسئولية. فإنّ الأوّل باطل ، لدورانه بين ضمان ما لم يجب الباطل على القاعدة ، والتعليق الموجب للبطلان في حدّ نفسه. والثاني محكوم بالصحّة ، للعمومات والسيرة.

(1) وفيه : إنّ الرواية نبوية لم تثبت من طرقنا ، بل في معتبرة الحسين بن خالد قال : قلت لأبي الحسن (عليه السلام) : جعلت فداك ، قول الناس : الضامن غارم ، قال : فقال : «ليس على الضامن غرم ، الغرم على من أكل المال» (2)تكذيبه.

على أنّ مدلول النبوية بحسب تفسير المعتبرة لها أجنبي عن محل الكلام ، فإنّ ظاهرها أنّ الناس كانوا يتخيلون استقرار الخسارة في الضمان على الضامن نفسه فأنكر ذلك الإمام (عليه السلام) وحكم باستقرارها على المضمون عنه ، وأين هذا عن محلّ الكلام؟

على أننا لو تنزّلنا عن جميع ذلك ، فلا دلالة للنبوية على موارد صحّة الضمان أو عدمها ، فإنها لو صحّت إنما تدلّ على استقرار الغرم على الضامن عند صحّة الضمان وتحقّقه ، ولا تتكفل بيان صحّة الضمان في الأعيان الخارجية المضمونة.


1) (*) مستدرك الوسائل 13 : 435 كتاب الضمان ب 1 ح 1، فقه الرضا (عليه السلام) ص 34.

2) الوسائل ، ج 18 كتاب الضمان ، ب 1 ح 1.

والعمومات العامّة (1) مثل قوله تعالى ( أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ) .

ودعوى أنه على التقدير الأوّل يكون من ضمان العين بمعنى الالتزام بردّها مع أنّ الضمان نقل الحقّ من ذمّة إلى أُخرى. وأيضاً لا إشكال في أنّ الغاصب أيضاً مكلّف بالردّ ، فيكون من ضمّ ذمّة إلى أُخرى ، وليس من مذهبنا. وعلى الثاني يكون من ضمان ما لم يجب ، كما أنّه على الأوّل أيضاً كذلك بالنسبة إلى ردّ المثل أو القيمة عند التلف.

مدفوعة بأنه لا مانع منه بعد شمول العمومات ، غاية الأمر أنه ليس من الضمان المصطلح. وكونه من ضمان ما لم يجب ، لا يضرّ بعد ثبوت المقتضي (2) ولا دليل على عدم صحة ضمان ما لم يجب من نصّ أو إجماع (3) وإن اشتهر بين الألسن. بل في جملة من الموارد حكموا بصحّته ، وفي جملة منها اختلفوا فيه ، فلا إجماع.

وأمّا ضمان الأعيان غير المضمونة كمالِ المضاربة والرهن والوديعة قبل تحقّق


وعلى هذا فهي نظير قولنا : مشتري الحيوان بالخيار إلى ثلاثة أيام ، حيث لا يدلّ إلّا على ثبوت الخيار عند صحّة البيع ، وأمّا تعيين موارد الصحّة وإنه هل يحكم بصحّة البيع عند الشكّ فيه لجهة من الجهات ، فهو أجنبي عنه بالمرّة.

(1) يظهر الحال فيها مما ذكرناه من التفصيل. فإنّ التمسّك بها لإثبات صحّة الضمان إنما يصحّ بناءً على إرادة المعنى الذي ذكرناه من الضمان ، وإلّا فهو بالمعنى الأوّل غير معقول وبالثاني باطل جزماً ، ومعه فلا مجال للتمسّك بالعمومات.

(2) تقدّم الكلام فيه غير مرّة. وقد عرفت أنّ ثبوت المقتضي لا يصحِّح الضمان بعد أن كان عبارة عن نقل الدَّين من ذمّة إلى أُخرى ، فإنه ما لم يكن الدَّين ثابتاً لا يعقل نقله إلى ذمّة أُخرى.

(3) ظهر الحال فيه في المسألة السابقة. فإنّ بطلانه من الوضوح إلى حدّ لا يحتاج إلى الدليل ، فإنه أمر غير معقول في نفسه ، إذ النقل من ذمّة إلى غيرها متوقّف على الثبوت في الأُولى ، وإلّا فلا مجال لتصوّر الضمان كي يحكم بصحّته.

سبب ضمانها من تعدٍّ أو تفريط فلا خلاف بينهم في عدم صحّته. والأقوى بمقتضى العمومات صحّته أيضاً (1).

[3606] مسألة 39 : يجوز عندهم بلا خلاف بينهم ضمان درك الثمن للمشتري إذا ظهر كون المبيع مستحقّاً للغير ، أو ظهر بطلان البيع لفقد شرط من شروط صحّته إذا كان ذلك بعد قبض الثمن كما قيّد به الأكثر ، أو مطلقاً كما أطلق آخر ، وهو الأقوى (2). قيل : وهذا مستثنى (1)


(1) بل الأقوى هو التفصيل المتقدم في الأعيان المضمونة ، فيقال بالصحّة فيما إذا كان المراد من ضمانها تحمّل مسؤوليتها والتعهد بها.

والحاصل أنه لا فرق في الحكم بالصحّة أو الفساد بين يد الضامن وغيرها. فإن كان هو بمعنى اشتغال ذمّة الضامن بالبدل بالفعلي أو عند تلف العين ، حكمنا ببطلانه في الموردين ، لعدم صحّة ضمان ما لم يجب والضمان التعليقي. وإن كان بمعنى تحمّل المسئولية خاصّة ، قلنا بصحّته ، لبناء العقلاء ، وشمول أدلّة لزوم الوفاء بالعقد له.

وعليه فيكون الضامن مسؤولاً عن ردّ العين إن أمكن ، والبدل مثلاً أو قيمة عند تلفها.

(2) لما عرفته في المسألة السابقة من كون صحّة هذا الضمان بالمعنى الذي ذكرناه على القاعدة ، وعدم توقّفه على وجود ضامن سابق للمال.

بل لا يبعد دعوى كون الحكم بصحّة الضمان قبل القبض أولى منه بعده. فإنّ ضمانه قبل القبض يستلزم وبالطبع أمره للمضمون له البائع أو المشتري بالإقباض ، إذ أنّ ضمانه لعهدة الثمن أو المثمن ليس إلّا أمر مالكه بدفعه إلى صاحبه ، مع التزامه وتعهده الضامن بتدارك ما بإزائه عند ظهور كونه مستحقاً للغير.

وهذا بخلاف الضمان بعد القبض ، فإنه لما لم يكن الإقباض عن أمره ، يكون الحكم بصحّة تعهده أخفى منه في الأوّل.


1) (*) الاستثناء لم يثبت ، بل الحال فيه هو الحال في ضمان بقية الأعيان الخارجية ، وبذلك يظهر حال بقية المسألة.

من عدم ضمان الأعيان (1).

هذا وأمّا لو كان البيع صحيحاً ، وحصل الفسخ بالخيار أو التقايل أو تلف المبيع قبل القبض ، فعلى المشهور لم يلزم الضامن فيرجع على البائع ، لعدم ثبوت الحق وقت الضمان (2) فيكون من ضمان ما لم يجب. بل لو صرّح بالضمان إذا حصل


(1) وفيه : أنّ الضمان إن كان بالمعنى المصطلح ، فهو غير قابل للحكم بصحّته مطلقاً ، لدورانه بين ضمان ما لم يجب الذي عرفت عدم معقوليته ، والضمان المعلّق الذي عرفت بطلانه بالإجماع ، بلا فرق فيه بين المقام وغيره.

وإن كان بالمعنى الذي ذكرناه ، فصحّته ، على القاعدة مطلقاً أيضاً ، ولا وجه لجعل هذا الفرد مستثنى مما سبق.

والحاصل أنه لا وجه للاستثناء في المقام على التقديرين. فإنه إن صحّ ضمان الأعيان الخارجية بحمله على المعنى الذي ذكرناه ، فالصحّة هنا على القاعدة أيضاً ، وإلّا فالضمان في المقام أيضاً محكوم بالبطلان ، إذ لا يختلف فيما لا يعقل أو المجمع على بطلانه بين المقام وغيره.

(2) إذ الثمن قد انتقل من ملك المشتري إلى ملك البائع جزماً ، كما انتقل المثمن من ملك البائع إلى ملك المشتري قطعاً ، فانقطعت علاقة كلّ منهما عما كان يملكه قبل العقد وأصبح ملكاً لصاحبه ظاهراً وواقعاً ، غاية الأمر أنه يمكن أن يعود إلى ملكه ثانياً بالفسخ في حينه. ومعه فلا معنى لضمانه ، لأنه بمعنى اشتغال ذمّته به بالفعل غير معقول ، وبمعنى اشتغال ذمّته به في ظرف الفسخ من التعليق الباطل ، بلا فرق فيه بين إقباضه للثمن وعدمه.

نعم ، لو كان البيع وإقباض الثمن والمثمن عن أمر الضامن ، ملتزماً بتدارك ما يترتّب عليه من الضرر والمفسدة عند تحقق الفسخ ورجوع كلّ من المالين إلى مالكه الأوّل ، لم يبعد الحكم بصحّته في المقام. فإنه لما كان الإقباض عن أمره ، كانت الإضرار المتوجّهة إلى البائع أو المشتري المضمون له متوجهة إلى الآمر الضامن فإنه داخل فيما جرت عليه السيرة العقلائية ومشمول لعمومات الوفاء بالعقود.

الفسخ ، لم يصحّ بمقتضى التعليل المذكور.

نعم ، في الفسخ بالعيب السابق أو اللّاحق اختلفوا في أنه هل يدخل في العهدة ويصحّ الضمان أوْ لا؟ فالمشهور على العدم (1). وعن بعضهم دخوله ، ولازمه الصحّة مع التصريح (2) بالأولى. والأقوى في الجميع الدخول مع الإطلاق والصحّة مع التصريح ودعوى أنه من ضمان ما لم يجب ، مدفوعة بكفاية وجود السبب (3).

هذا بالنسبة إلى ضمان عهدة الثمن إذا حصل الفسخ. وأمّا بالنسبة إلى مطالبة الأرش ، فقال بعض من منع من ذلك بجوازها ، لأنّ الاستحقاق له ثابت عند العقد (4) فلا يكون من ضمان ما لم يجب. وقد عرفت أنّ الأقوى صحّة الأوّل


(1) لدورانه بين التعليق وضمان ما لم يجب الباطلين.

اللّهمّ إلّا أن يراد به الضمان بالمعنى الذي ذكرناه ، فيحكم بصحّته لما تقدّم.

(2) قد ظهر الحال فيه مما سبق.

(3) لكنك قد عرفت ضعفه وعدم معقوليته مما ذكرناه في المسائل السابقة.

(4) وفيه : أنه لا ينبغي الشك في بطلان هذا الضمان ، حتى بناءً على القول بصحّته في الأعيان الخارجية ، كما هو المختار.

والوجه فيه ما عرفته في ضمن المسائل السابقة ، من أنّ الضمان إنما يصحّ في موردين لا ثالث لهما.

الأوّل : ضمان الدَّين الثابت في الذمّة بالفعل ، فإنه القدر المتيقّن من صحّة الضمان وهو الضمان بالمعنى المصطلح الذي عليه تسالم الأصحاب.

الثاني : ضمان الأعيان الشخصية بالمعنى الذي ذكرناه.

الفرق بينهما يكمن في كون الأوّل متضمناً لاشتغال ذمّة الضامن بالدَّين بالفعل ، في حين إنّ الثاني لا يعني إلّا كون العين في عهدته ومسؤوليتها عليه.

وكيف كان ، فحيث لا دليل على صحّة الضمان في غير هذين الموردين ، أعني ما

.................................................................................................


كان ديناً ثابتاً بالفعل أو عيناً خارجياً ، فلا وجه للحكم بالصحّة في ضمان الأرش فإنه خارج عنهما معاً.

وذلك لما ذكرناه في مباحث خيار العيب مفصّلاً وتطرّقنا إليه في كتاب الإجارة أيضاً ، من أنّ ثبوت الأرش في موارد العيب ليس حكماً على القاعدة ويقتضيه نفس العقد ، فإنّ وصف الصحّة لا يقابل بالمال بتاتاً ، فليس المبيع مركباً من أصل المثمن ووصف الصحّة ، كي يقال باقتضاء القاعدة لبقاء ما قابلة على ملك المشتري ، نظراً لتخلّف هذا الجزء وبطلان العقد بالنسبة إليه ، بل الثمن واقع بتمامه بإزاء أصل المبيع فقط ، وإنما هو وصف الصحّة يوجب زيادة مقداره لا غير. ولذا لا يحكم عند تخلّفه ببطلان العقد بالنسبة إليه.

والحال أنّ المبيع لو كان مركّباً منه ومن ذات السلعة ، للزم القول ببطلان العقد بالنسبة إليه ، ووجوب إرجاع البائع لما قابلة من الثمن بعينه إلى المشتري ، سواء طالب بذلك أم لم يطالب ، وهو باطل جزماً ولا يقول به أحد من الأصحاب. فإنه يجوز دفع الأرش من غير الثمن حتى مع وجود عينه ، كما لا يجب على ورثة البائع لو مات قبل ظهور العيب إخراج الأرش من تركته.

بل الأرش إنما ثبت بالنصوص الخاصّة على خلاف القاعدة في البيع خاصّة.

وعليه فإن أمكن بعد الفسخ ردّ العين بنفسها سالمة فهو. وإن لم يمكن لمانع عقلي أو شرعي انتقل الأمر إلى مطالبته بالأرش ، فإن طالبه به لزم البائع دفعه من أي مال شاء حتى مع وجود عين الثمن ، وإن لم يطالبه فلا شي‌ء عليه ، وليس بمشغول الذمّة له بشي‌ء.

وعليه ففي المقام ، حيث لا يكون متعلّق الضمان ديناً فعلياً ثابتاً في ذمّة البائع عند الضمان ولا عيناً خارجياً ، فلا محيص عن رجوع ضمانه إلى ضمان ما لم يجب الغير المعقول لامتناع انتقال المعدوم إلى ذمّة الغير ، أو الضمان على نحو الواجب المشروط الباطل إجماعاً لاعتبار التنجيز فيه.

والحاصل أنّ المتعين في المقام هو الحكم بالبطلان ، وإن قلنا بصحّة ضمان الأعيان الخارجية بالتقريب المتقدِّم فإنّ الأرش خارج عنه ، وعن الدَّين الثابت بالفعل في

أيضاً ، وأنّ تحقّق السبب حال العقد كافٍ (1). مع إمكان دعوى أنّ الأرش أيضاً لا يثبت إلّا بعد اختياره ومطالبته (2) فالصحّة فيه (1)أيضاً (3) من جهة كفاية تحقّق السبب. ومما ذكرنا ظهر حال ضمان درك المبيع للبائع (4).

[3607] مسألة 40 : إذا ضمن عهدة الثمن فظهر بعض المبيع مستحقّاً فالأقوى اختصاص ضمان الضامن بذلك البعض (5). وفي البعض الآخر يتخيّر المشتري بين الإمضاء والفسخ ، لتبعيض الصفقة ، فيرجع على البائع بما قابلة. وعن الشيخ جواز الرجوع على الضامن بالجميع ، ولا وجه له (6).


ذمّة المضمون عنه.

(1) لكنّك قد عرفت عدم معقوليته وامتناعه.

(2) بل هو المتعين ، على ما عرفت توضيحه فيما تقدّم.

(3) وقد عرفت إشكاله ، وأنّ الأقوى بل المتعين هو الحكم بالبطلان.

(4) فإنّ حاله حال ضمان درك الثمن للمشتري حرفاً بحرف ، فيبطل ضمانه بالمعنى المصطلح ، ويصحّ على القاعدة بالمعنى الذي ذكرناه.

(5) إذ إنّ ضمان الكلّ ينحلّ إلى ضمان كلّ جزء جزء ، وحيث قد ظهر استحقاق البعض خاصّة تمّ الضمان فيه دون الباقي.

(6) إذ المفروض ضمانه لخصوص درك الثمن ، لا الثمن بجميع عوارضه وطوارئه. ومن هنا فيختصّ الضمان بالنصف الذي ظهر مستحقاً للغير ، لشمول ضمان درك الثمن له. ولا يعمّ النصف الآخر ، الذي رجع إلى البائع بفسخ المشتري للعقد بخيار تبعّض الصفقة ، فإنه خارج عن ضمان درك درك الثمن.

نعم ، لو كان الضامن ضامناً للثمن بجميع عوارضه وطوارئه ، بحيث كان ضمانه عاما للفسخ بالخيار في المقام أيضاً ، صحّ القول بجواز الرجوع عليه بالجميع ، إلّا أنه


1) (*) لا وجه للصحة لفرض أنّ الذمّة غير مشغولة بالأرش إلّا بعد المطالبة ، وعليه فلا يصحّ ضمانه لأنه من ضمان ما لم يجب.

[3608] مسألة 41 : الأقوى (1) وفاقاً للشهيدين (1)صحّة ضمان


خارج عن محل الكلام ، أعني ضمان درك الثمن خاصّة.

(1) بل الأقوى ما ذهب إليه المشهور.

والوجه فيه ما عرفته في المسائل السابقة ، من عدم معقوليته إذا أُنشئ على نحو الفعلية ، بأن أنشأ الضامن اشتغال ذمّته بالفعل بما ستشتغل به ذمة البائع بعد ذلك ، فإنّ المعدوم غير قابل للانتقال إلى ذمّة الغير وثبوته فيها ، وبطلانه من القضايا التي قياساتها معها.

نعم ، لو أُنشئ على نحو الواجب المشروط والضمان المتأخر ، فهو وإن كان معقولاً في حدّ ذاته إلّا أنه باطل بلا خلاف ، للتعليق المجمع على بطلانه.

ثمّ بناءً على ما اخترناه من بطلان الضمان على البائع ، فهل يصحّ ضمانه لا من قبل البائع ، بأن يتعهد الآمر تحمّل الخسارة بنفسه ومن غير رجوع على البائع بها؟

الأقوى فيه البطلان ، حيث لم يثبت بناء من العقلاء على الضمان الأمري فيما يرجع إلى المأمور به وحده ، فإنّ الغرس والبناء وما شاكلهما من المضمون له فيما يعتقده أرضه ، عمل متمحض له ولا يرتبط بغيره في شي‌ء.

ومن هنا فإنّ الأمر به أمر بما يرجع إليه ويخصه ، نظير أمره بالتجارة لنفسه مع التعهد بتحمّل الخسارة عنه ، ولم يثبت فيه بناء من العقلاء على الضمان.

والحاصل أنّ الضمان عن البائع محكوم بالفساد ، لدورانه بين أمر معقول ، وأمر قام الإجماع على بطلانه. والضمان عن نفسه من جهة أمره بفعل ربّما يترتب عليه الضرر غير ثابت.

ثمّ إنّ الكلام في هذه المسألة إنما يتمّ في فرض كون البائع غارّاً للمشتري ، والقول بثبوت قاعدة الغرور. وأمّا لو لم يكن البائع غارّاً له بأن كان معتقداً لملكيّته للأرض أو قلنا بعدم ثبوت قاعدة الغرور على نحو الكليّة كما هو المختار ، فلا ضمان على البائع


1) (*) فيه إشكال ، والاحتياط لا يترك.

ما يحدثه المشتري من بناء أو غرس في الأرض المشتراة إذا ظهر كونها مستحقّة للغير وقلع البناء والغرس ، فيضمن الأرش ، وهو تفاوت ما بين المقلوع والثابت عن البائع. خلافاً للمشهور ، لأنه من ضمان ما لم يجب. وقد عرفت كفاية السبب.

هذا ولو ضمنه البائع ، قيل لا يصحّ أيضاً كالأجنبي ، وثبوته بحكم الشرع لا يقتضي صحّة عقد الضمان المشروط بتحقّق الحقّ حال الضمان.

وقيل بالصحّة (1) لأنه لازم بنفس العقد فلا مانع من ضمانه ، لما مرّ من كفاية تحقق السبب. فيكون حينئذٍ للضمان سببان : نفس العقد ، والضمان بعقده.

وتظهر الثمرة فيما إذا أسقط المشتري عنه حقّ الضمان الثابت بالعقد ، فإنه يبقى الضمان العقديّ ، كما إذا كان لشخص خياران بسببين فأسقط أحدهما. وقد يورد عليه بأنه لا معنى لضمان شخص عن نفسه ، والمقام من هذا القبيل. ويمكن أن يقال (1): لا مانع منه مع تعدّد الجهة (2). هذا كلّه إذا كان بعنوان عقد الضمان ، وأمّا


بلا خلاف ولا إشكال فيه. فإنّ المشتري يتحمّل حينئذ الخسارة بنفسه ، لكونه هو الذي أوقع نفسه في الضرر ، بالتصرف في الأرض معتقداً ملكيّته لها.

(1) إلّا أنه لا يمكن توجيهه بوجه. فإنّ الضمان لما كان نقل ما في ذمّة إلى غيرها كان ذلك متوقّفاً على تعدد الذمم لا محالة ، وحيث إنه مفقود في المقام ، فتصوّره غير معقول ، فإنه من أين ينتقل الدَّين وإلى أين؟! نعم ، تعدد أسباب الضمان الواحد أمر معقول في حدّ ذاته ، إلّا أنه غير ممكن في خصوص المقام ، لعدم معقولية ضمان المدين لنفسه عن نفسه ، كما هو الحال في سائر موارد الدَّين.

(2) إلّا أنك قد عرفت عدم معقوليته ، فإنّ تعدد الجهة لا يوجب تغاير الذمّتين ونقل الدَّين من إحداهما إلى الأُخرى.


1) (*) لكنه بعيد ، بل لا وجه له أصلاً.

إذا اشترط فلا بأس به ، ويكون مؤكّداً لما هو (1)لازم العقد (1).

[3609] مسألة 42 : لو قال عند خوف غرق السفينة : القِ متاعك في البحر وعليّ ضمانه ، صحّ بلا خلاف بينهم ، بل الظاهر الإجماع عليه (2) وهو الدليل عندهم. وأمّا إذا لم يكن لخوف الغرق ، بل لمصلحة أُخرى من خفّة السفينة أو نحوها ، فلا يصحّ عندهم. ومقتضى العمومات صحّته (2)أيضاً (3).


(1) وفيه : إنّ الشرط إن كان على نحو شرط النتيجة ، بمعنى اشتغال ذمّة الضامن بالفعل بما تشتغل به ذمّة البائع في وقته ، فهو باطل لعدم معقوليته ، على ما عرفت.

وإن كان على نحو شرط الفعل ، بمعنى اشتراط المشتري على البائع أداء مقدار الخسارة ، فهو وإن كان صحيحاً إلّا أنه غير مؤكّد لما هو لازم العقد ، فإنّ الثابت بالشرط هو التكليف المحض ، في حين إنّ الثابت بنفس العقد هو الوضع واشتغال الذمّة.

والحاصل : إنّ الأمر في المقام يدور بين عدم الصحّة وعدم التأكيد ، فإمّا لا صحّة وإمّا لا تأكيد ، فالجمع بينهما مما لا يمكن المساعدة عليه.

(2) بل الظاهر اتفاق المسلمين عليه ، حيث لم يظهر الخلاف فيه إلّا من أبي ثور خاصّة.

(3) بل الظاهر أنه لا حاجة للتمسّك بالعمومات كي يورد عليه بالمناقشة في صدق العقد على هذا الضمان ، باعتبار أنه ليس فيه إلّا أمر من الآمر وعمل من المأمور وهما لا يشكّلان العقد ، كما هو الحال في جميع موارد الأمر بشي‌ء وامتثال المأمور له.

فإنّ السيرة العقلائية القطعية مستقرّة على الضمان في موارد الأمر بإعطاء أو إتلاف الأموال المحترمة لغرض عقلائي يخرجه عن كونه فعل حرام ، إذا لم يكن لكلامه ظهور


1) (*) هذا الشرط إن كان بعنوان شرط النتيجة فهو غير صحيح ، وإن كان بعنوان شرط الفعل فهو وإن كان صحيحاً إلّا أنه لا يكون مؤكداً.

2) (**) بل السيرة القطعية العقلائية قائمة على الصحة.

تتمّة [في صور التنازع]

قد علم من تضاعيف المسائل المتقدّمة الاتفاقية أو الخلافية : أنّ ما ذكروه في أوّل الفصل من تعريف الضمان ، وأنه نقل الحقّ الثابت من ذمّة إلى أُخرى ، وأنه لا يصحّ في غير الدَّين ، ولا في غير الثابت حين الضمان ، لا وجه له ، وأنه أعمّ من ذلك حسب ما فصل (1) (1).


في المجانية أو يقصد المالك به التبرع ، كما هو الحال في الأمر بالأعمال المحترمة حرفاً بحرف ، إذ لا فرق فيه بين الأمر بالعمل وإعطاء مال أو إتلافه ، فإنّ كلا من ذلك موجب للضمان عند امتثال الأمر من قبل المأمور ببناء العقلاء والسيرة القطعية ، ما لم يكن هناك ظهور لكلام الآمر لقرينة أو انصراف أو غيرهما في المجانية ، أو يقصد العامل أو المالك التبرّع به.

وما ذكرناه لا يختصّ بمورد السفينة ، بل يجري حرفياً في جميع موارد الأمر بالإتلاف لغرض عقلائي ، فإنه موجب للضمان جزماً مع قطع النظر عن متعلّقه.

ومن هنا يظهر عدم اختصاص الحكم بالضمان بصورة تصريح الآمر بضمانه له ، فإنه ثابت في فرض اقتصاره على الأمر بإلقاء المتاع أيضاً ، إذ الأمر على النحو الذي ذكرناه كافٍ بوحدة لإثبات الضمان.

[في صور التنازع]

(1) حيث قد عرفت التفصيل بين الضمان المصطلح وغيره ، واعتبار ما ذكره


1) (*) قد مرّ التفصيل.

[3610] مسألة 1 : لو اختلف المضمون له والمضمون عنه في أصل الضمان (1) فادعى أنه ضمنه ضامن وأنكره المضمون له ، فالقول قوله (2). وكذا لو ادّعى أنه ضمن تمام ديونه وأنكره المضمون له ، لأصالة بقاء ما كان عليه (3).

ولو اختلفا في إعسار الضامن حين العقد ويساره (4) فادّعى المضمون له إعساره ، فالقول قول المضمون عنه (1)(5).


(قدس سره) في الأوّل دون الثاني ، فإنه يصحّ في الأعيان الخارجية ، وموارد عدم ثبوت الحقّ حين الضمان مما قامت السيرة العقلائية عليه ، كدرك الثمن أو المثمن.

(1) لا يخفى ما في التعبير ب : اختلاف المضمون له والمضمون عنه في أصل الضمان من المسامحة إذ مع إنكار الأوّل من أساسه كيف يصحّ التعبير عنه بالمضمون له. وحقّ العبارة أن يقال : لو اختلف الدائن والمدين في أصل الضمان.

(2) بلا إشكال فيه ولا خلاف. فإنه لا بدّ للمدين من إثبات براءة ذمّته من الدَّين وإلّا فهو ملزم بالخروج عن عهدته.

(3) خرجنا عنها بالنسبة إلى ما يعترف به المضمون له القدر المتيقن لفراغ ذمّته منه جزماً ، ولا بدّ له بالنسبة إلى الزائد ما يدّعيه هو من إثبات البراءة ، وإلّا فهو ملزم بالخروج من عهدته ، كما عرفت.

(4) بناءً على ما ذهب إليه المشهور ، من ثبوت الخيار للمضمون له عند ظهور إعساره حين العقد. وأمّا بناءً على ما اخترناه من عدم الدليل على الخيار حينئذ ، فلا أثر لهذا الاختلاف بالمرّة ، فإنّ المضمون عنه بري‌ء الذمّة من الدَّين السابق على التقديرين اليسار والإعسار والضامن هو الملزم به.

(5) الكلام في هذا الفرع : تارة يفرض مع سبق يسار الضامن ، وأُخرى مع سبق إعساره ، وثالثة مع تضادّ الأمرين ، بأن يعلم بيساره في بعض شهر الضمان وإعساره في بعضه الآخر ، مع الجهل بالمتقدّم والمتأخر.


1) (*) هذا فيما إذا لم يثبت إعساره سابقاً.

.................................................................................................


أمّا الصورة الأُولى : فالأمر كما أفاده (قدس سره) من تقديم قول المضمون عنه كما هو واضح. فإنّ دعوى المضمون له للإعسار مقدّمة لإثبات الخيار محتاجة إلى الدليل ، وإلّا فمقتضى الاستصحاب هو إثبات اليسار حين الضمان.

أمّا الصورة الثانية : فالظاهر تقديم قول المضمون له ، وإلزام المضمون عنه بإثبات اليسار ، فإنّ استصحاب العسر إلى زمان الضمان ، يثبت موضوع الخيار للمضمون له.

والحاصل أنّ الأصل في هذه الصورة يقتضي الجواز ، فيكون الإثبات على مدعي اللزوم لا محالة.

ومن هنا فلا يمكن المساعدة على إطلاق كلام الماتن (قدس سره) من تقديم قول المضمون عنه ، الشامل لهذه الصورة أيضاً.

ولعلّ هذه خارجة عن محط نظره وغير مرادة له (قدس سره).

وأمّا الصورة الثالثة : فلا مجال فيها للتمسّك باستصحاب العسر واليسر معاً ، سواء لما ذكره صاحب الكفاية (قدس سره) من عدم وجود المقتضي لعدم اتصال زمان اليقين بزمان الشك (1)أو لما اخترناه من وجود المانع. فإنّ النتيجة في المقام واحدة وإن اختلف المبنيان في غيره ، على ما حققناه مفصّلاً في المباحث الأُصولية.

وعليه فهل يقدّم قول المضمون له ، أو المضمون عنه ، أو يكون المقام من التداعي؟

ظاهر إطلاق كلامه (قدس سره) هو الثاني ، وعلى المضمون له الإثبات.

وقد أورد عليه في بعض الكلمات ، بأنه لا موجب لجعل المضمون له مدعياً وإلزامه بالإثبات ، والمضمون عنه منكراً وقبول قوله ، بعد أن كان قول كلّ منهما مخالفاً للأصل.

لكنّ الظاهر أنّ ما ذكره الماتن (قدس سره) هو الصحيح.

والوجه فيه ما ذكرناه في مباحث القضاء ، من أنّ الروايات الواردة في أبواب القضاء وحلّ الخصومات لم تتعرض على كثرتها لتحديد المدّعى والمنكر على


1) كفاية الأُصول.

.................................................................................................


الإطلاق. وهل المدّعى من خالف قوله الأصل أو الظاهر ، والمنكر من وافق قوله للأصل أو الظاهر ، أم لا؟ وإنما ذلك مذكور في كلمات الأصحاب (قدس اللّه أسرارهم) خاصّة. وهو إن كان صحيحاً بحسب الغالب ، إلّا أنه لا دليل على ثبوته على نحو الكبرى الكلّية.

ومن هنا فلا محيص عن الرجوع إلى العرف لتحديد المفهومين ، ومن الواضح أنّ مقتضاه كون من يطالب غيره بشي‌ء ويلزمه به ويكون مطالباً لدى العقلاء بالإثبات مدعياً ، وخصمه الذي لا يطالب بشي‌ء منكراً.

نعم ، يستثني من ذلك ما إذا اعترف الخصم بأصل الحقّ وادّعى وفاءه ، كما إذا اعترف بالاستقراض مدعياً أداءه وفراغ ذمّته. فإنه حينئذ وإن كان الدائن هو المطالب غيره بالمال والملزم له به ، إلّا أنه يعتبر منكراً وعلى خصمه إثبات الأداء وذلك لاعترافه بأصل الدَّين ، فإنه يوجب انقلاب المدّعى لولا الاعتراف منكراً والمنكر لولاه مدعياً.

والحاصل أنه لا أثر لموافقة الأصل أو الظاهر أو مخالفته لهما في تحديد المدّعى والمنكر ، إذ لا دليل على شي‌ء مما ذكره الأصحاب في كلماتهم في المقام ، وإنما العبرة بما ذكرناه من الرجوع إلى العرف وتحديد المدّعى والمنكر على ضوء الفهم العرفي.

وعليه ففي المقام وإن كان قول كلّ منهما مخالفاً للأصل الموضوعي ، إلّا أنّ ذلك لا يمنع من كون المضمون له هو المدعي ، باعتبار أنه الذي يطالب خصمه المضمون عنه بالمال نتيجة للفسخ بالخيار ، بعد اعترافه ببراءة ذمّته وفراغها منه بالضمان ويكون هو الملزم بالإثبات لدى العقلاء.

وبعبارة اخرى : إنّ اشتغال ذمّة المضمون عنه ثانياً نتيجة للفسخ من قبل المضمون له بالمال ورجوع الدَّين إليها من ذمّة الضامن ، لما كان محتاجاً لدى العقلاء إلى الإثبات ، كان المضمون له هو المدعي لا محالة ، فإن أمكنه الإثبات فهو ، وإلّا فالقول قول المضمون عنه.

إذن فالصحيح أنّ المقام من موارد المدعي والمنكر ، لاختصاص المطالبة والإلزام بأحد الطرفين دون الآخر ، وليس من موارد التداعي كما توهّمه بعضهم.

وكذا لو اختلفا في اشتراط الخيار للمضمون له وعدمه (1) فإنّ القول قول المضمون عنه (2). وكذا لو اختلفا في صحّة الضمان وعدمها (3).

[3611] مسألة 2 : لو اختلف الضامن والمضمون له في أصل الضمان ، أو في ثبوت الدَّين وعدمه ، أو في مقداره ، أو في مقدار ما ضمن ، أو في اشتراط تعجيله ، أو تنقيص أجله إذا كان مؤجَّلاً ، أو في اشتراط شي‌ء عليه زائداً على أصل الدَّين ، فالقول قول الضامن (4).

ولو اختلفا في اشتراط تأجيله مع كونه حالاً ، أو زيادة أجله مع كونه مؤجّلاً أو وفاء أو إبراء المضمون له عن جميعه أو بعضه ، أو تقييده بكونه من مال


والذي يتحصّل من جميع ما تقدّم ، أنّ ما أفاده الماتن (قدس سره) من تقديم قول المضمون عنه عند اختلافه مع المضمون له في يسار الضامن حين الضمان وإعساره بناءً على القول بثبوت الخيار له عند ظهور إعساره ، إنما يتمّ في الصورتين الاولى والثالثة خاصّة. وأمّا في الصورة الثانية ، فالظاهر تقديم قول المضمون له ، لثبوت موضوع الخيار بالاستصحاب.

(1) بناءً على صحّة هذا الاشتراط كما اختاره الماتن (قدس سره) وجماعة ، وإلّا كما اخترناه فالشرط باطل من أساسه ، ولا أثر لهذا النزاع.

(2) لكونه منكراً ، باعتبار أنّ خصمه المضمون له هو الذي يطالبه بشي‌ء ويلزمه الإثبات عند العقلاء.

(3) لأصالة الصحّة بعد إحراز أصل وقوع العقد.

(4) كما هو واضح ، فإنّ المضمون له مدّعٍ فعليه الإثبات. وإلّا فمقتضى أصالة عدم الضمان أو الدَّين ، أو الزائد عما يعترف به الضامن من الدَّين أو الضمان ، أو تعجيله أو تنقيص الأجل ، أو الأمر الزائد عن أصل الدَّين ، تقديم قول الضامن المنكر.

نعم ، للمضمون له تحليفه على ذلك ، على ما تقتضيه قواعد القضاء.

معيّن (1) والمفروض تلفه ، أو اشتراط خيار الفسخ للضامن (2) أو اشتراط شي‌ء على المضمون له ، أو اشتراط كون الضمان بما يساوي الأقلّ من الدَّين ، قدِّم قول المضمون له (3).

[3612] مسألة 3 : لو اختلف الضامن والمضمون عنه في الإذن وعدمه ، أو في وفاء الضامن حتى يجوز له الرجوع وعدمه ، أو في مقدار الدَّين الذي ضمن وأنكر المضمون عنه الزيادة ، أو في اشتراط شي‌ء على المضمون عنه (4) أو اشتراط الخيار للضامن (5) قُدِّم قول المضمون عنه (6).


(1) بناءً على مختاره (قدس سره) من بطلان الضمان حينئذ وانتقال الدَّين إلى ذمّة الضامن.

لكنك قد عرفت في المسألة الرابعة والعشرين ، أنه لا معنى متحصل للتقييد في المقام بالمرّة ، وأنّ مرجعه إلى الاشتراط لا محالة.

(2) بناءً على ما اختاره (قدس سره) من صحّة اشتراط الخيار في الضمان ، لكنك قد عرفت منا الإشكال فيه.

(3) كلّ ذلك لكون الضامن مدعياً في قوله فعليه الإثبات ، وإلّا فمقتضى أصالة عدم كلّ ذلك لزوم الخروج عن عهدة الدَّين الثابت في ذمّته بأصل الضمان.

(4) عند أمره بالضمان وقبوله له. فإنّ الشرط سائغ في نفسه ، والضمان فعل محترم فيصحّ للضامن عند أمر المضمون عنه بالضمان وقبوله له ، اشتراط شي‌ء مباح عليه بإزائه.

ومنه يظهر فساد ما قيل من أنّ المضمون عنه ليس طرفاً في عقد الضمان ، كي يصحّ الاشتراط عليه فيه. فإنّ الاشتراط إنما هو عند أمره له بالضمان وقبوله لذلك ، وليس في عقد الضمان كما توهم.

(5) بناءً على صحّة هذا الاشتراط ، كما اختاره الماتن (قدس سره).

(6) لكونه منكراً لما يدّعيه الضامن ، فإنّ اشتغال ذمّته بالدَّين ثانياً بعد فراغها منه

ولو اختلفا في أصل الضمان ، أو في مقدار الدَّين الذي ضمنه وأنكر الضامن الزيادة ، فالقول قول الضامن (1).

[3613] مسألة 4 : إذا أنكر الضامن الضمان فاستوفى الحقّ منه بالبيِّنة ، ليس له الرجوع على المضمون عنه المنكر للإذن أو الدَّين (1)(2) لاعترافه بكونه أخذ منه ظلماً.

نعم ، لو كان مدّعياً مع ذلك للإذن في الأداء بلا ضمان ، ولم يكن منكراً لأصل الدَّين ، وفرض كون المضمون عنه أيضاً معترفاً بالدَّين والإذن في الضمان (3) جاز له الرجوع عليه ، إذ لا منافاة بين إنكار الضمان وادعاء الإذن في الأداء


قطعاً يحتاج إلى الإثبات ، وإلّا فمقتضى أصالة عدمه تقديم قوله في كلّ ذلك.

(1) فإنّ اشتغال ذمّته بأصل الدَّين أو الزيادة عما يعترف به يحتاج إلى الدليل والأصل يقتضي عدمه.

(2) مقتضى تقييده (قدس سره) للحكم بعدم رجوع الضامن على المضمون عنه بفرض إنكاره للإذن أو الدَّين ، اختصاصه به وعدم ثبوته عند اعتراف المضمون عنه بالإذن أو الدَّين.

غير أنّ من الظاهر عدم الفرق بين الفرضين. فإنّ مجرد ثبوت الدَّين أو الإذن في الضمان لا يكفي في جواز رجوع الضامن عليه ، إذ يعتبر فيه مضافاً إلى الإذن تحقق الضمان والأداء بعد ذلك خارجاً ، فما لم يتحقق أحد هذه الأُمور لا يكون للضامن الرجوع على المضمون عنه.

ومن هنا فحيث إنّ الضامن في المقام منكر لأصل الضمان وتحققه في الخارج أو الدَّين ، فكيف يجوز له الرجوع على المضمون عنه ، مع القطع بإذنه له فيه فضلاً عن اعترافه به.

(3) ظهر الحال فيه مما تقدّم. فإنه لا فرق بين فرضي الإنكار والاعتراف من حيث


1) (*) الظاهر أنه لا فرق بين صورتي الإنكار وعدمه.

فاستحقاقه الرجوع معلوم (1)(1) غاية الأمر أنه يقول إنّ ذلك للإذن في الأداء ، والمضمون عنه يقول إنه للإذن في الضمان. فهو كما (2) لو ادّعى على شخص أنه يطلب منه عشر قرانات قرضاً ، والمدّعي ينكر القرض ويقول : إنه يطلبه من باب ثمن المبيع ، فأصل الطلب معلوم. ولو لم يعترف المضمون عنه بالضمان أو


عدم جواز الرجوع عليه ، فإنه ليس من آثار الإذن المجرد ، وإنما هو من آثاره منضمّاً إلى تحقق الضمان والأداء في الخارج ، وحيث إنّ المأخوذ منه منكر لتحقق الضمان ، فلا وجه لرجوعه به عليه.

(1) قد عرفت مما تقدّم أنّ الأمر في المقام ليس كذلك. فإنّ أصل الاستحقاق ليس معلوماً على كلّ تقدير ، فإنّ المضمون عنه إنما يكون مشغول الذمّة للمأخوذ منه فيما لو كان قد أذن له في الأداء ، فإنه حينئذٍ يجوز له الرجوع عليه لخسارته للمال ، وإن كان ذلك بسبب مقدمة كاذبة أعني ادعاء الضمان عليه ، فإنّ ذلك لا يضرّ شيئاً بعد ما كان أصل وجوب الأداء ثابتاً عليه.

وأمّا لو كان قد اذن له في الضمان ، فاشتغال ذمّته له غير ثابت بل الثابت عدمه لأنّ جواز الرجوع وكما عرفت ليس من آثار أصل الضمان ، وإنما هو من آثار تحققه في الخارج وانتقال الدَّين من ذمّة المضمون عنه إلى ذمّته ومن ثمّ أدائه خارجاً. وحيث إنّ المفروض عدمه بحسب اعتراف الضامن نفسه ، فلا وجه لرجوعه عليه بدعوى أنّ أصل الاستحقاق واشتغال ذمّة المضمون عنه معلوم.

(2) قياس ما نحن فيه على المثال من القياس مع الفارق. فإنّ أصل الاستحقاق واشتغال الذمّة فيه معلوم وإن كان سببه مجهولاً ، وأين هذا مما نحن فيه حيث عرفت عدم ثبوت أصل الاستحقاق.


1) (*) فيه إشكال. فإن الإذن في الضمان لا يقتضي الرجوع على الآذن إلّا مع تحقق الضمان والوفاء به خارجاً ، والمفروض في المقام أنّ الضامن ينكر الضمان ويعترف بأنّ ما أُخذ منه إنما أُخذ ظلماً ومعه كيف يكون استحقاقه الرجوع معلوماً. نعم ، لا بأس بالرجوع على المضمون عنه مقاصّة لما أُخذ منه قهراً بإذن الحاكم الشرعي.

الإذن فيه ، وثبت عليه ذلك بالبيّنة ، فكذلك (1)يجوز له الرجوع عليه مقاصّة عما أُخِذَ منه (1).

وهل يجوز للشاهدين على الإذن في الضمان حينئذ أن يشهدا بالإذن من غير بيان كونه الإذن في الضمان ، أو كونه الإذن في الأداء؟ الظاهر ذلك (2)(2) وإن كان


(1) في العبارة تشويش ظاهر ، ولعلّ فيها سقطاً ، فإنها لا ترجع إلى محصل ، إذ لا أثر لثبوت الإذن في الضمان شرعاً بالمرّة ، فإنه إنما يترتب على تحققه هو في الخارج وتحقق الأداء بعده ، على ما تقدّم.

نعم ، لو كان من أخذ منه المال معترفاً بثبوت الدَّين في ذمّة المضمون عنه ، كان له الرجوع عليه بإذن الحاكم الشرعي والأخذ منه مقاصة.

وذلك لأن الآخذ لما أخذ المال من الضامن قهراً عليه وظلماً ، كان ذلك المال ثابتاً في ذمّته للمأخوذ منه فهو مدين له به. ولمّا كانت ذمّة المضمون عنه مشغولة للأخذ بعد ، نظراً لعدم انتقال ما بذمّته إلى ذمّة غيره ، كان للمأخوذ منه الأخذ منه تقاصاً وأخذ ما يملكه الآخذ بدلاً عما أخذه منه ظلماً. ولكن لمّا كان مال الآخذ في ذمّة المضمون عنه كلياً ، احتاج التقاص منه إلى إذن الحاكم الشرعي.

بلا فرق في ذلك بين اعتراف المأخوذ منه بالضمان وعدمه ، أو اعتراف المضمون عنه بالإذن وعدمه ، فإنه من هاتين الجهتين سيان.

(2) بل الظاهر عدمه. وذلك لما عرفته من اختلاف أثر الأذنين شرعاً بل اختلافهما من حيث أصل وجود الأثر وعدمه ، إذ لا أثر للإذن في الضمان ما لم يتحقق هو ومن بعده الأداء في الخارج ، بخلاف الآذن في الأداء ، حيث يكفي في جواز رجوع المأذون عليه مجرد تحقق الأداء خارجاً.


1) (*) في العبارة تشويش ، فإن جواز الرجوع على المضمون عنه مقاصّة بإذن من الحاكم الشرعي لا يرتبط بثبوت الضمان أو الإذن فيه بالبيّنة ، بل المناط فيه اعترافه بالدَّين وبعدم الضمان.

2) (**) بل الظاهر عدمه ، ويظهر وجهه مما مرّ.

لا يخلو عن إشكال. وكذا في نظائره (1).

كما إذا ادعى شخص على آخر أنه يطلب قرضاً وبينته تشهد بأنه يطلبه من باب ثمن المبيع لا القرض ، فيجوز لهما أن يشهدا بأصل الطلب من غير بيان أنه للقرض أو لثمن البيع ، على إشكال (1).

[3614] مسألة 5 : إذا ادّعى الضامن الوفاء وأنكر المضمون له وحلف ليس له الرجوع على المضمون عنه إذا لم يصدقه في ذلك (2). وإن صدّقه جاز له الرجوع إذا كان بإذنه (3) وتقبل شهادته له بالأداء (4) إذا لم يكن هناك مانع من


والحاصل أنّ خصوصية الإذن في مجرد الأداء أو الإذن في الضمان لما كانت دخيلة في ترتّب الأثر ، أعني جواز رجوع المأذون له على الآذن بعد الأداء ، لم يكن للشاهدين إطلاق الشهادة بالإذن والسكوت عنها.

(1) مما لا تكون للخصوصية دخل في ترتب الأثر عليه ، كما هو الحال في المثال المذكور في المتن. فإنّ الدَّين ثابت على كلّ حال ، وذمّة المدين مشغولة بالمال المعين للدائن من غير أثر لخصوصية القرض أو الشراء ، فإنه لا أثر لهما كما أنه لا أثر لسائر الخصوصيات من الزمان والمكان.

ولكن أين هذا من محلّ الكلام ونظائره مما يختلف الأثر فيه باختلاف الخصوصيات ، فإن تنظير أحدهما بالآخر ليس إلّا من القياس مع الفارق.

(2) لما عرفته من توقف رجوعه عليه على تحقق الوفاء خارجاً. وحيث إنه غير متحقق ، بل المتحقق بحسب القواعد الشرعية عدمه ، فلا موجب لجواز رجوعه عليه.

(3) أخذاً له باعترافه وإقراره ، فإنه بتصديقه له في الأداء يعترف بتحقق موجب الرجوع عليه ، وإن لم يثبت الأداء بالنسبة إلى المضمون له ، إذ لا منافاة بين الأمرين.

(4) على ما تقتضيه قواعد الشهادة.


1) (*) الظاهر أنه لا إشكال فيه.

تهمة (1) أو غيرهما ممّا يمنع من قبول الشهادة.

[3615] مسألة 6 : لو أذن المديون لغيره في وفاء دينه بلا ضمان فوفى ، جاز له الرجوع عليه (2). ولو ادّعى الوفاء وأنكر الآذن قبل قول المأذون ، لأنه أمين


(1) ذكر هذا الاستثناء في جملة من النصوص المعتبرة وغيرها وقد ذكره غير واحد من الأصحاب أيضاً ، كالمحقق (قدس سره) في الشرائع (1)وغيره.

إلّا أنّ الكلام في المراد منه ، إذ الذي يعتبر في باب الشهادة جزماً أن لا يكون الشاهد طرفاً في الدعوى ، بحيث تكون شهادته راجعة إلى نفسه بجلب نفع أو دفع ضرر. كما لو ادّعى الوصي المفوض في صرف الثلث على غيره ديناً للميت ، فإنه لا تقبل شهادته عليه ، لاستلزامها دخول ثلث المبلغ المدّعى تحت تصرفه. أو شهد المضمون عنه للضامن بالأداء بعد ظهور إعسار الضامن من حين الضمان ، بناءً على مذهب المشهور من ثبوت الخيار حينئذ للمضمون له ، فإنّ شهادته هذه لما كانت تدفع عن نفسه ضرر إبطال العقد ورجوع الدَّين ثانياً إلى ذمّته لم تكن مسموعة.

ومن هنا فإن أُريد بالتهمة ما يقابل الوثوق بدينه وأمانته ، فاشتراط عدمها ليس إلّا تعبيراً آخر عن شرطية العدالة في الشاهد ، وليس هو أمراً زائداً عليها وفي قبالها.

وإن أُريد من اشتراط عدمها اعتبار أن لا تكون الشهادة لدوافع القرابة أو الصداقة أو نحوهما ، فهو غير معتبر جزماً ، حيث تصحّ شهادة الأقرباء بعضهم لبعض وإن كان هناك احتمال كون الصلة دخيلة فيها ، فإنه لا أثر له بعد فرض توفر سائر الشروط.

إذن فالمتعيّن حمل هذه الكلمة في لسان النصوص على المعنى الأوّل. ومن هنا فلا وجه لجعل عدمها في قبال سائر الشروط المعتبرة في الشاهد والتي منها العدالة.

(2) لما ذكرناه في غير موضع ، من قيام السيرة العقلائية القطعية الممضاة شرعاً على ثبوت الضمان بالأمر بإتلاف مال محترم على نحو مباح أو القيام بعمل محترم.


1) شرائع الإسلام 2 : 128.

من قبله (1). ولو قيّد الأداء بالإشهاد وادعى الإشهاد وغيبة الشاهدين قبل قوله أيضاً (2). ولو علم عدم إشهاده ليس له الرجوع (3). نعم ، لو علم أنه وفّاه ولكن لم يشهد يحتمل جواز الرجوع عليه (1)(4) لأنّ الغرض من الإشهاد العلم بحصول الوفاء والمفروض تحققه.


نعم ، لا بدّ من تقييد ذلك بعدم ظهور الأمر في الاستدعاء المجاني ، كما هو الحال في طلب الفقير ممن عليه الحقّ الشرعي من الخمس أو الزكاة أداء دينه ، أو طلب مرجع الحقوق منه ذلك ، بل الأمر كذلك بالنسبة إلى طلب الولد من أبيه ذلك ، فإنه ظاهر في الأداء المجاني لكون الأب متكفلاً بشؤون ابنه ، بل وكذا الحال في طلب سائر أفراد العائلة منه ذلك.

كما ينبغي تقييده بعدم قصد المأمور التبرع في عمله ، إذ معه لا يجوز له الرجوع عليه حتى وإن لم يكن لكلام الآمر ظهور في المجانية ، باعتبار أنه هو الذي قد أتلف ماله بداعٍ من نفسه ومن غير قصد امتثال الأمر.

(1) فهو في ذلك بمنزلة الوكيل ، ومرجع العمل فعلاً وتركاً إليه ، فيسمع قوله ما لم يثبت خلافه ، على ما تقتضيه السيرة القطعية.

(2) لما تقدّم ، إذ لا فرق في تصديقه بين كون المأمور به هو الأداء المطلق أو المقيّد بالإشهاد أو غيره ، فإنّ قوله حجّة فيما يرجع أمره إليه ما لم يثبت خلافه.

(3) لعدم تحقق ما يتوقف عليه جواز الرجوع.

(4) إلّا أنه بعيد غايته ، بل هو ممنوع. فإنّ الإشهاد لما كان قيداً للمأمور به كما هو المفروض لم يكن الأداء المطلق بمأمور به لا محالة ومن غير تأثير لما هو الداعي له على هذا التقييد ، ومعه فكيف يجوز له الرجوع عليه.

(تمّ كتاب الضّمان)


1) (*) لكنه بعيد في فرض التقييد كما هو المفروض.

كتاب الحوالة

كتاب الحوالة

وهي عندهم تحويل المال من ذمّة إلى ذمّة. والأولى أن يقال : إنها إحالة المديون دائنه إلى غيره ، أو إحالة المديون دينه من ذمّته إلى ذمّة غيره. وعلى هذا فلا ينتقض طرده بالضمان ، فإنه وإن كان تحويلاً من الضامن للدَّين من ذمّة المضمون عنه إلى ذمّته ، إلّا أنه ليس فيه الإحالة المذكورة (1) خصوصاً إذا لم يكن بسؤال من المضمون عنه.

ويشترط فيها مضافاً إلى البلوغ (1)والعقل والاختيار (2)


(1) فإنّ الفرق بينهما واضح. فإنّ المعاملة هنا إنما هي بين الدائن والمدين ، حيث إنّ الثاني ينقل ما في ذمّته إلى ذمّة غيره. بخلاف الضمان ، حيث تكون المعاملة بين الدائن والأجنبي ، ويستلزم نقل ما في ذمّة الغير إلى ذمّته.

(2) وهذه هي الشروط العامة المعتبرة في جميع العقود ، وقد تقدّم بيان أدلّتها في مورده. غير أنّ من غير الخفي أن هذه الشروط إنما تعتبر فيمن يكون طرفاً للعقد خاصّة ، ولا تعتبر في الأجنبي عنه.

ومن هنا فحيث إنّ الحوالة عقد قائم بين المحيل والمحتال الدائن والمدين فقط وأما المحال عليه في فرض اشتغال ذمّته أجنبي عنها بالمرّة ، فلا وجه لاعتبار هذه الشرائط فيه. فإنه لا مانع من الحوالة على الصغير والمجنون ومن لم يرض بها ، إذ لمن يملك المال في ذممهم أن يملكه لغيره وينقله إليه كيفما يشاء ببيع أو صلح أو حوالة أو غيرها ، ومن دون أن يكون لمن عليه الحقّ أيّ اعتراض في ذلك ، فإنه لا يعتبر رضاه به جزماً ، باعتبار كونه أجنبياً عن المعاملة.


1) (*) الظاهر عدم اعتبار شي‌ء من ذلك في المحال عليه إلّا إذا كانت الحوالة على البري‌ء ، فإنه يعتبر فيه الأُمور المذكورة غير الفلس.

وعدم السّفه (1)


وعلى تقدير احتمال اعتباره وإن كان بعيداً جدّاً ، فهو أمر خارجي لا محالة ، وليس من الرضا المعاملي في شي‌ء كي يعتبر في صاحبه الشروط المذكورة.

نعم ، لو كانت الحوالة على البري‌ء ، وجب توفر الشروط المذكورة غير الفلس في المحال عليه أيضاً ، نظراً لكونها غير ملزمة بالنسبة إليه ، إذ المفروض أنّ المحيل لا يستحق عليه شيئاً. ومن هنا فلا بدّ في صحّتها من رضاه وقبوله ، لانتقال الدَّين من ذمّة المحيل إلى ذمّته.

وحيث إنه لا عبرة برضا فاقد هذه الشروط ، فإن رضا الصغير كالعدم وعمدهُ كالخطإ ، ولا أثر لقبول المجنون والمكره ، وليس للسفيه إشغال ذمّته بشي‌ء من دون إذن وليه ، اعتبر في صحّتها توفر الشروط لا محالة.

نعم ، لا يعتبر فيه عدم الحجر للفلس ، باعتبار اختصاص دليل الحجر عليه بالتصرف في أمواله الخارجية خاصّة ، وعدم شموله لإشغال ذمّته بشي‌ء ، فإنّ الدليل قاصر الشمول لمثله ، ولذا يصحّ إجارته لنفسه بل واستقراضه أيضاً. فليس هو كالسفيه ، حيث يكون ممنوعاً من التصرف في ذمّته وإشغالها فضلاً عن أمواله الخارجية.

نعم ، لا يشارك الدائن الجديد الغرماء السابقين في أمواله ، فإنها وبحكم حجر الحاكم عليها تختصّ بالغرماء حين الحجر دون غيرهم ، بلا فرق في ذلك بين كون سبب الدَّين اختيارياً كالاستقراض ، أو قهرياً كالإتلاف.

والحاصل أنّ إطلاق الحكم باعتبار هذه الشروط في المحال عليه مما لا يمكن المساعدة عليه ، فإنّه إن كان مشغول الذمّة للمحيل لم يعتبر فيه أيّ شرط على الإطلاق ، وإن كان بري‌ء الذمّة بالنسبة إليه اعتبر فيه البلوغ والعقل والاختيار وعدم الحجر عليه للسفه خاصّة.

(1) أما بالنسبة إلى المحال عليه فقد عرفت الحال فيه.

وأما بالنسبة إلى المحيل نفسه ، فالظاهر أنه كاعتبار عدم الحجر عليه لفلس لا وجه

في الثلاثة (1)من المحيل (1) والمحتال (2)


له ، فيما إذا كانت الحوالة على بري‌ء الذمّة.

أما عدم اعتبار عدم السفه فيه ، فلأن السفيه إنما هو ممنوع من التصرّف في أمواله وإشغال ذمّته بشي‌ء ، ومن الواضح خروج المعاملة الموجبة لإسقاط ما ثبت في ذمّته وإشغال ذمّة الغير به عنهما معاً ، فلا يشمله دليل المنع.

وأمّا عدم اعتبار عدم الفلس فيه ، فلاختصاص الحجر عليه بالتصرّف في ماله خاصّة ، وحيث إنّ المفروض براءة ذمّة المحال عليه بالنسبة إليه وعدم ملكه لشي‌ء في ذمّته ، فلا تكون الحوالة عليه تصرّفاً في ماله ، فإنها ليست إلّا إشغالاً لذمّة الغير بما ثبت في ذمّته هو.

نعم ، لازم ذلك جواز الرجوع عليه بعد الأداء ، إلّا أنّ ذلك لا يضرّ شيئاً بعد ما عرفته من عدم مشاركته للغرماء في الأموال الموجودة ، حاله في ذلك حال الدَّين الجديد.

والحاصل أنّ اعتبار هذه الشرائط بأكملها في المحيل إنما يتمّ في الحوالة على مشغول الذمّة ، إذ ليس للصغير ولا المجنون ولا المكره ولا المحجور عليه لسفه أو فلس التصرف في أمواله الموجودة بالفعل ، ومنها دينه الثابت في ذمّة المحال عليه.

وأمّا لو كانت الحوالة على البري‌ء ، فلا يعتبر فيه سوى البلوغ والعقل والاختيار إذ لا أثر لعقد الصغير والمجنون والمكره ، دون عدم الحجر عليه لسفه أو فلس.

(1) على تفصيل عرفته.

(2) بلا إشكال فيه ، إذ الحوالة نقل لدينه وماله الثابت في ذمّة المحيل ، وهو تصرّف فيه جزماً فتتوقف صحّته على رضاه ، ويعتبر فيه توفر الشروط بأجمعها ، إذ لا أثر لرضا الصغير والمجنون والمكره وغير الرشيد والمفلس بالنسبة إلى ماله الموجود بالفعل.


1) (*) الظاهر أنّ حكم الحجر بالسفه حكمه بالفلس.

والمحال عليه (1) وعدم الحجر بالسفه (1)(2) في المحتال (3) والمحال عليه (4) بل والمحيل ، إلّا إذا كانت الحوالة على البري‌ء فإنه لا بأس به (5) فإنه نظير الاقتراض منه أُمور - :

أحدها : الإيجاب والقبول ، على ما هو المشهور بينهم ، حيث عدّوها من العقود اللّازمة. فالإيجاب من المحيل ، والقبول من المحتال. وأمّا المحال عليه فليس من أركان العقد وإن اعتبرنا رضاه مطلقاً أو إذا كان بريئاً ، فإنّ مجرد اشتراط الرضا منه لا يدلّ على كونه طرفاً وركناً للمعاملة. ويحتمل أن يقال : يعتبر قبوله أيضاً (2)(6) فيكون العقد مركّباً من الإيجاب والقبولين.

وعلى ما ذكروه يشترط فيها ما يشترط في العقود اللّازمة ، من الموالاة بين الإيجاب والقبول ونحوها ، فلا تصحّ مع غيبة المحتال أو المحال عليه أو كليهما


(1) على إشكال قد عرفت تفصيله.

(2) ذكر السفه من سهو القلم أو غلط النساخ جزماً ، والصحيح : الفلس ، كما هو أوضح من أن يخفى.

(3) لما تقدّم.

(4) على إشكال بل منع ، كما عرفته. فإنه لا يعتبر فيه عدم الحجر للفلس مطلقاً سواء أكان مشغول الذمّة للمحيل أم لم يكن.

(5) لما عرفته من اختصاص الحجر عليه بالتصرف في ماله ، والحوالة على البري‌ء خارجة عنه.

(6) إلّا أنه بعيد جدّاً ، فإنه لا دليل عليه ، بل لا وجه له بالمرّة ، فإنه خارج عن المعاقدة بالكليّة ، فإنّ العقد إنما هو بين المحيل والمحتال خاصّة ، ولا دور للمحال عليه فيه أصلاً.


1) (*) هذه الكلمة من سهو القلم أو غلط النسّاخ ، وصحيحها : بالفلس.

2) (**) لكنه بعيد جدّاً.

بأن أوقع الحوالة بالكتابة (1).


فإنه إذا كان مشغول الذمّة للمحيل بالجنس الذي أحال غيره عليه فالأمر واضح فإنّ أمر المال بيد مالكه المحيل وله نقله كيفما يشاء وبأيّ سبب يختاره ، من بيع أو صلح أو هبة أو غيرها ، من دون أن يكون لمن اشتغلت ذمّته به حقّ في الاعتراض عليه. ومن هنا فلا يعتبر رضاه فضلاً عن قبوله.

وأمّا إذا كان بري‌ء الذمّة بالنسبة إليه ، أو كانت الحوالة بغير جنس الدَّين ، فيعتبر رضاه لا محالة ، إذ ليس للمحيل سلطنة على إشغال ذمّة المحال عليه بأصل المال أو الجنس الخاص بعد فرض فراغها منه.

إلّا أنّ اعتبار رضاه هذا ليس على حدّ جعله طرفاً للمعاقدة والإيجاب والقبول بل غايته اعتباره في صحّة العقد ، بمعنى عدم صحّته بدونه ، كما هو الحال في العقد الفضولي ، ومن الواضح أنه لا يستلزم كونه طرفاً للعقد واحتياج الإيجاب الواحد إلى قبولين.

ومنه يظهر ما في كلام صاحب الجواهر (قدس سره) ، من عدم وجدان القائل بتركب العقد من إيجاب وقبولين ، وإن كان هو مقتضى ما تسمعه من دليلهم (1).

إذ لم يظهر له وجه ، فإنّ الدليل إنما اقتضى توقف اشتغال ذمّة المحال عليه بأصل المال أو الجنس المخصوص على رضاه وعدم صحّته من دونه ، وأمّا كونه طرفاً للعقد فلم يدل عليه دليل على الإطلاق.

والحاصل أنه لا دليل على اعتبار القبول من المحال عليه وجعله طرفاً للعقد ، إذ غاية دلالته اعتبار رضاه ، وهو لا يقتضي كونه طرفاً فيه.

ومن هنا فلا يعتبر في رضاه ما يشترط في الإيجاب والقبول من الموالاة ونحوها.

(1) على إشكال ستعرفه.


1) الجواهر 26 : 162.

ولكن الذي يقوى عندي كونها من الإيقاع (1)(1) غاية الأمر اعتبار الرضا من المحتال أو منه ومن المحال عليه ، ومجرّد هذا لا يصيره عقداً ، وذلك لأنها نوع من وفاء الدَّين ، وإن كانت توجب انتقال الدَّين من ذمّته إلى ذمّة المحال عليه فهذا النقل والانتقال نوع من الوفاء. وهو لا يكون عقداً وإن احتاج إلى الرضا من الآخر ، كما في الوفاء بغير الجنس ، فإنه يعتبر فيه رضا الدّائن ومع ذلك إيقاع. ومن ذلك يظهر أنّ الضمان أيضاً من الإيقاع ، فإنه نوع من الوفاء. وعلى هذا فلا يعتبر فيهما شي‌ء ممّا يعتبر في العقود اللّازمة ، ويتحقّقان بالكتابة ونحوها (2).


(1) وفيه ما لا يخفى من فساد مبناه. فإنّ النقل من ذمّة إلى أُخرى ليس وفاءً للدَّين على الإطلاق ، وإنّما هو تبديل لمكان الدَّين وظرفه لا أكثر ، إذ المحيل ينقل ما في ذمّته للمحتال إلى ذمّة المحال عليه.

ومنه يظهر الحال فيما ذكره (قدس سره) من عدّ الوفاء بغير الجنس من الإيقاع فإنه فاسد قطعاً ، لرجوعه إلى تبديل المال الثابت في ذمّته بالمال الجديد ، والمعاوضة بين المالين ، وهو من العقود جزماً.

كما يظهر الحال في عدّه (قدس سره) للضمان والوكالة من الإيقاع أيضاً.

إذن فالصحيح في المقام هو ما ذهب إليه المشهور ، من كون الحوالة عقداً بين المحيل والمحتال ، لكونها تبديلاً لما في ذمّته للمحتال بماله في ذمّة المحال عليه.

(2) إلّا أنّ تحققهما بها ونحوها لازم أعم لكونهما إيقاعاً ، فإنهما يصحّان بها حتى مع كونهما عقداً ، وذلك لتحقق إبراز الاعتبار النفساني بها.

بل يمكن الالتزام بصحّتهما بها مع عدم الموالاة أيضاً ، إذ لا دليل على اعتبارها ولا سيّما فيما هو متعارف خارجاً من الحوالة بالرسائل. فإنه لو كان التزام المحيل باقياً إلى


1) (*) بل الأقوى خلافه كما أنّ الأمر كذلك في الضمان والوكالة. نعم ، لا يبعد جواز الاكتفاء في جميعها بالكتابة وعدم اعتباره الموالاة بين الإيجاب والقبول.

بل يمكن دعوى أنّ الوكالة أيضاً كذلك (1) كما أنّ الجعالة كذلك وإن كان يعتبر فيها الرضا من الطرف الآخر. ألا ترى أنه فرق (1)(2) بين أن يقول : أنت مأذون في بيع داري ، أو قال : أنت وكيل ، مع أنّ الأوّل من الإيقاع قطعاً.


حين وصول الرسالة إلى المحتال وقبوله الحوالة ، تحقق العقد وانضمام التزام إلى التزام لدى العرف والعقلاء وحكم بصحّته لا محالة.

إذن فلا يمكن جعل تحققهما بالكتابة ونحوها من آثار كونهما من الإيقاعات ، لما عرفته من كون ذلك لازماً أعم لكونهما من الإيقاعات وكونهما من العقود.

(1) إلّا أنها بعيدة غاية البعد. فإنّ الوكالة إعطاء سلطنة للغير وإقامته مقام نفسه ولا بدّ فيها من القبول ، ومن هنا فهي من العقود قطعاً.

(2) بل الفرق بينهما ظاهر. فإنّ الإذن ترخيص محض ممن بيده الأمر في متعلقه من الأُمور التكوينية كالأكل ، أو الاعتبارية كالبيع. بخلاف الوكالة ، فإنها سلطنة اعتبارية يمنحها الموكّل إلى غيره ولا بدّ من قبوله ، كما ولا بدّ من تعلقها بالأُمور الاعتبارية ، إذ لا معنى للتوكيل في الأُمور التكوينية ، كالأكل والركوب وما شاكلهما.

نعم ، يستثني من ذلك القبض حيث يصحّ فيه التوكيل ، فيكون قبض الوكيل قبضاً للموكل. وقد تعرّضنا إليه في بعض المباحث السابقة أيضاً.

ثمّ إنّ الوكالة تفترق عن الإذن في جملة أُمور :

منها : ارتفاع الوكالة بفسخ الوكيل ، فإنها عقد جائز ويصحّ للوكيل فسخه ، فإذا فعل ذلك أصبح أجنبياً عن متعلّقها ، ويكون تصرفه فيه تصرفاً فضولياً لا يترتب عليه أثر بالنسبة إلى الموكل. بخلاف الإذن ، حيث إنه غير قابل للرفع من قبل المأذون ، لعدم توقفه على قبوله. ومن هنا فلو أذن له في شي‌ء ورفض المأذون ذلك ثمّ بدا له القيام به كان له ذلك ، لكونه مأذوناً فيه بَعدُ ، لبقاء الإذن وعدم ارتفاعه بالرفض.


1) (*) الفرق ظاهر. فإنّ الإذن في بيع الدار مثلاً ليس ترخيصاً محضاً ، وأمّا الوكالة فهي إعطاء سلطنة على التصرف وله آثار خاصة لا تترتب على مجرد الترخيص.

الثاني : التنجيز ، فلا تصحّ مع التعليق على شرط أو وصف ، كما هو ظاهر المشهور. ولكن الأقوى عدم اعتباره (1) كما مال إليه بعض متأخري المتأخرين.


ثمّ إنّ الماتن (قدس سره) وإن لم يلتزم بهذا الفرق بين الوكالة والإذن عند تعرضه إليه في كتاب الوكالة من ملحقات العروة ، حيث اختار (قدس سره) عدم بطلان الوكالة بعزل الوكيل نفسه معللاً ذلك بأنها من الإيقاعات لا العقود ، إلّا أنه يكفينا في الإشكال عليه عدم انسجام ذلك مع التزامه (قدس سره) باعتبار رضا الوكيل ، إذ إنّ لازم كونها إيقاعاً والحكم بعدم انعزال الوكيل بعزل نفسه ، الالتزام بعدم اعتبار رضاه في صحّة الوكالة. فالجمع بين الحكمين في غير محله ، ولا يمكن المساعدة عليه.

ومنها : إن الوكالة قد تكون لازمة بالعرض ، بحيث لا يكون للموكل رفع اليد عن توكيله ، كما إذا أُخذت شرطاً في ضمن عقد لازم ، حيث تكون لازمة بتبع العقد باعتبار أنه إنما يكون لازماً بجميع شؤونه وتوابعه ومنها الوكالة. بخلاف الإذن ، حيث لا يمكن فرضه لازماً وغير قابل للرفع حتى ولو أُخذ في ضمن عقد لازم ، فإنه أمر تكويني يرتفع برفعه من قبل الآذن وجداناً ، غاية الأمر ثبوت الخيار للمأذون في العقد الذي أُخذ شرطاً في ضمنه ، نظراً لتخلف الشرط.

ومنها : نفوذ تصرّف الوكيل حتى مع ظهور عزله عن الوكالة حين صدوره منه ما لم يبلغه الخبر ، على ما دلّ عليه النصّ الصحيح (1). بخلاف تصرّف المأذون بغير سلطنة اعتبارية بالوكالة ، حيث لا يكون تصرفه نافذاً فيما لو ثبت رجوع الآذن عن إذنه حين التصرّف.

إلى غير ذلك من الفروق.

إذن فالقول بعدم الفرق بينهما مجازفة لا يمكن المساعدة عليها بوجه.

(1) تقدّم الكلام منا في اعتبار التنجيز غير مرّة في مباحث المكاسب وغيرها ، وقد عرفت فقدان الدليل اللفظي على اعتباره ، وإنه إنما ثبت بالإجماع عليه خاصّة.


1) الكافي 5 : 104 ح 2 حسنة زرارة عن الباقرين (عليهما السلام) : «إذا أبرأه فليس له أن يرجع ...».

الثالث : الرضا من المحيل والمحتال بلا إشكال (1). وما عن بعضهم من عدم اعتبار رضا المحيل فيما لو تبرع المحال عليه بالوفاء ، بأن قال للمحتال : (أحلت بالدَّين الذي لك على فلان على نفسي) وحينئذٍ فيشترط رضا المحتال والمحال عليه دون المحيل ، لا وجه له ، إذ المفروض لا يكون من الحوالة بل هو من الضمان (2).

وكذا من المحال عليه إذا كان بريئاً ، أو كانت الحوالة بغير جنس ما عليه (3). وأمّا إذا كانت بمثل ما عليه ففيه خلاف (1)(4).


ومن هنا فلا بدّ في الحكم باعتباره من تتبع موارد ثبوته ، ففي كلّ مورد تمّ الإجماع على اعتباره فهو ، وإلّا فلا موجب للالتزام باعتباره حتى ولو كان ذلك مشهوراً ، إذ لا حجّية للشهرة. ولذا التزمنا بصحّة الوكالة المعلّقة ، مستشهدين على عدم تحقّق الإجماع على اعتبار التنجيز فيها بتصريح المحقق القمي (قدس سره) في جامع شتاته به (2).

وحيث إنّ الحوالة أيضاً كذلك إذا لم يتمّ الإجماع على اعتباره فيها ، كما يشهد له عدم تعرّض جملة ممن ذكروه شرطاً في باقي العقود له إلى اعتباره فيها ، فلا موجب لاعتباره. ويكفينا في ذلك الشكّ في تحقق الإجماع.

(1) نظراً لكون الحوالة عقداً يقتضي انتقال الدَّين الثابت للمحتال في ذمّة المحيل إلى ذمّة المحال عليه ، فيتوقف على رضا طرفيه لا محالة.

(2) فإنّ الحوالة وكما عرفتها عقد بين الدّائن والمدين ، في حين إنّ هذا عقد بين الدّائن والأجنبي ، فيكون ضماناً وإن عبّر عنه بالحوالة.

(3) إذ لا سلطنة للمحيل على إشغال ذمّة المحال عليه ، بأصل المال أو الجنس الخاص ، بعد أن كانت بريئة منه.

(4) نسب إلى المشهور القول باعتباره ، بل عن الأردبيلي (قدس سره) دعوى عدم الخلاف فيه بل احتمل بعضهم كونه طرفاً للعقد ، كما تقدّم.


1) (*) الأقوى عدم الاعتبار ، والتفصيل لا محصّل له ، والتوكيل خارج عن محلّ البحث.

2) جامع الشتات 1 : 207 حجري.

ولا يبعد التفصيل (1) بين أن يحول عليه بما لَهُ عليه ، بأن يقول : (أعطه من الحقّ الذي لي عليك) فلا يعتبر رضاه ، فإنه بمنزلة الوكيل في وفاء دينه (2) وإن كان


لكنّه لو تمّ ما نُسب إلى المشهور لا وجه له. فإنّ المال ملك للمحيل وله نقله إلى من شاء وبأيّ سبب يختاره ، من بيع أو صلح أو هبة أو حوالة أو غيرها ، ومن غير أن يكون لمن عليه الحقّ الاعتراض عليه ، فإنه أجنبي عن المال وعليه أداؤه إلى مالكه.

نعم ، قد يعلل ذلك باختلاف الناس في الاقتضاء من حيث السهولة والصعوبة. وحيث إنه مما يؤثر مباشرة على المحال عليه ، فلا بدّ من اعتبار رضاه بنقل المال من ملك المحيل إلى ملك المحتال.

إلّا أنه واضح الاندفاع ، إذ لا يعتبر في صحّة النقل تساوي الطرفين في الاقتضاء. ولذا لم يذهب إليه أحد في بيع الدَّين على الإطلاق ، فإنه يصحّ سواء أرضي المدين أم لم يرض به ، سواء أكان المشتري سهلاً في الاقتضاء أم صعباً.

على أنه لو تمّ ما ذكر لكان لازمه تخصيص الحكم باعتبار رضا المحال عليه ، بما لو كان المحتال شديد المطالبة وصعباً في الاقتضاء ، كما هو واضح.

(1) بل هو بعيد جدّاً ، بل لم يظهر له وجه محصّل.

فإنه لو أحاله عليه مقيداً بكونها غير ما يطلبه ، كما لو صرح بكونها أجنبية عما له في ذمّته ، فلا إشكال في بقاء ذمّة المحال عليه مشغولة بما كان للمحيل عليه أوّلاً ، فإنه من الحوالة على البري‌ء جزماً وخارج عن محل الكلام ، إذ المفروض الحوالة على المدين بوصف كونه مديناً ، وهذه حوالة على المدين مقيداً بعدم هذا الوصف.

وأما لو أحاله عليه بمثل ما عليه من الحقّ ، لكن من غير تقييد بكونها من الحقّ الذي له عليه أو عدمه ، فلا ينبغي الإشكال أيضاً في انطباقه على الفرد الذي له عليه قهراً وانتقال ملكيّة المال إلى المحتال ، وبذلك فيكون حالها حال الحوالة المقيدة بكونها من الحقّ الذي عليه.

(2) التعليل بكون المحال عليه بمنزلة الوكيل يعدّ غريباً منه (قدس سره) ولعله من

بنحو اشتغال ذمّته للمحتال وبراءة ذمّة المحيل بمجرد الحوالة ، بخلاف ما إذا وكله (1) فإنّ ذمّة المحيل مشغولة إلى حين الأداء. وبين أن يحوله عليه من غير نظر إلى الحقّ الذي له عليه على نحو الحوالة على البري‌ء ، فيعتبر رضاه ، لأنّ شغل ذمّته بغير رضاه على خلاف القاعدة (2).

وقد يعلّل باختلاف الناس في الاقتضاء فلا بدّ من رضاه. ولا يخفى ضعفه كيف وإلّا لزم عدم جواز بيع دينه على غيره مع أنه لا إشكال فيه (3).

الرابع : أن يكون المال المحال به ثابتاً في ذمّة المحيل ، سواء كان مستقراً أو متزلزلاً (4). فلا تصحّ في غير الثابت ، سواء وجد سببه كمال الجعالة قبل العمل


سهو قلمه الشريف ، إذ المحال عليه بعد تمامية الحوالة إنما يفي الدَّين عن نفسه ، لاشتغال ذمّته به للمحتال بعد براءة ذمّة المحيل بالحوالة. وهو لا ينسجم مع كونه وكيلاً فيه فإنّ الوكيل إنما يؤدّي عن غيره ، في حين إنّ المحال عليه إنما يفي عن نفسه ، كما هو واضح.

على أنه لو كان وكيلاً للزم اعتبار رضاه مطلقاً حتى بناءً على مختاره (قدس سره) من كون الوكالة من الإيقاعات ، وهذا يتنافى مع تصريحه (قدس سره) بعدم اعتبار رضاه في هذه الصورة.

(1) إذا كان المراد من هذه الصورة الأُولى التوكيل في الأداء ، فلا ينبغي الإشكال في عدم فراغ ذمّة المحال عليه من الدَّين ، إلّا أنه خارج عن محل الكلام ، فإنّ الحوالة باب والوكالة باب آخر ، ولا يجوز الخلط بينهما.

(2) لكنّك قد عرفت الإشكال فيه ، وأنّ الانطباق حينئذ قهري.

(3) مضافاً إلى ما ذكرناه من لزوم تخصيص الاعتبار بفرض صعوبة المحتال في الاقتضاء.

(4) لتوقف صدق الحوالة ونقل الدَّين من ذمّة إلى أُخرى عليه ، إذ المعدوم لا يقبل الانتقال إلى وعاء آخر.

ومال السبق والرماية قبل حصول السبق ، أو لم يوجد سببه أيضاً كالحوالة بما يستقرضه.

هذا هو المشهور ، ولكن لا يبعد (1)كفاية حصول السبب كما ذكرنا في الضمان (1).


(1) وقد تقدّم الإشكال عليه هناك مفصلاً ، حيث قد عرفت أنّ بطلان ضمان ما لم يجب من القضايا التي قياساتها معها. إذ الضمان الفعلي ، بمعنى اشتغال ذمّة الضامن قبل اشتغال ذمّة المضمون عنه ، أمر غير معقول ، فإن المعدوم لا يعقل انتقاله إلى ذمّة الغير وانقلابه موجوداً ، فما لا ثبوت له في ذمّة المضمون عنه لا يمكن نقله إلى ذمّة الضامن ليثبت فيها بالفعل.

والضمان على نحو الواجب المشروط ، بمعنى إنشاء انتقال المال من ذمّته إلى ذمّة الضامن في ظرفه وبعد ثبوته ، وإن كان أمراً معقولاً في حدّ ذاته إلّا أنه باطل ، لعدم تعارفه بين العقلاء. مضافاً إلى عدم شمول أدلّة الصحّة له ، نظراً لظهورها في ترتب الأثر على العقد بالفعل ومن حين الإنشاء ، فلا تشمل العقود المقتضية لترتب الأثر عليها بعد مرور فترة من وقوعها ، إلّا ما خرج بالدليل كالوصية.

وهذا الذي تقدّم في الضمان يجري بعينه وحرفياً في الحوالة أيضاً. فإنّ الحوالة الفعلية ، بمعنى انتقال الدَّين بالفعل من ذمّة المحيل إلى ذمّة المحال عليه ، أمر غير معقول لاستحالة انتقال المعدوم. والحوالة على نحو الواجب المشروط وإن كان أمراً معقولاً إلّا أنها محكومة بالبطلان ، لعدم شمول أدلّة الصحّة لها.

إذن فما ذكره (قدس سره) من كفاية حصول السبب للدَّين في صحّة الحوالة قبل ثبوته في الذمّة ، بعيد غايته ولا يمكن المساعدة عليه بوجه.

والصحيح ما ذهب إليه المشهور من اعتبار ثبوته بالفعل في صحّتها ، من غير فرق بين كونه مستقرّاً أو متزلزلاً.


1) (*) فيه إشكال بل منر. وكذا فيما بعده.

بل لا يبعد الصحّة (1) فيما إذا قال : (أقرضني كذا وخذ عوضه من زيد) فرضي ورضي زيد أيضاً ، لصدق الحوالة ، وشمول العمومات ، فتفرغ ذمّة المحيل وتشتغل ذمّة المحال بعد العمل وبعد الإقراض.

الخامس : أن يكون المال المحال به معلوماً جنساً وقدراً للمحيل والمحتال ، فلا تصحّ الحوالة بالمجهول على المشهور ، للغرر.

ويمكن أن يقال بصحّته إذا كان آئلاً إلى العلم (2) كما إذا كان ثابتاً في دفتره ، على حدّ ما مرّ في الضمان من صحّته مع الجهل بالدَّين. بل لا يبعد الجواز مع عدم أوّله إلى العلم بعد إمكان الأخذ بالقدر المتيقّن (3). بل وكذا لو قال : (كل ما شهدت به البينة وثبت خذه من فلان) (4).

نعم ، لو كان مبهماً كما إذا قال : (أحد الدَّينين اللّذَين لك عليَّ خذه من فلان) بطل (5). وكذا لو قال : (خذ شيئاً من دَينك من فلان). هذا ولو أحال الدّينين على


(1) بل هي بعيدة غاية البعد ، لما عرفته في سابقه. فإنه من أظهر مصاديق ضمان ما لم يجب ، المحكوم بعدم المعقولية على تقدير ، والبطلان على تقدير آخر.

(2) إذ لا دليل على اعتبار نفي الغرر مطلقاً وفي جميع الموارد ، فإنّ الثابت اعتباره في خصوص البيع ، وقد ألحق به الأصحاب الإجارة وما شاكلها من العقود.

على أنه لا غرر في المقام. فإنّ الحوالة ليست إلّا تبديلاً لمكان الدَّين ونقله من ذمّة المحيل على واقعة إلى ذمّة المحال عليه ، وهو لا يستلزم خطراً على أحد طرفي العقد فإنّ المحتال سيأخذ ما كان له بحسب الواقع على المحيل ، وينقص ذلك من دين المحيل على المحال عليه.

(3) لما تقدّم.

(4) لما تقدّم أيضاً.

(5) إذ المردد والمبهم مما لا واقع له حتى في علم اللّه تبارك وتعالى ، وما هو كذلك لا يقبل النقل من ذمّته إلى ذمّة غيره ، إذ الثابت في الذمّة أمر معيّن غير مردّد.

نحو الواجب التخييري أمكن الحكم بصحّته (1) لعدم الإبهام (1)فيه حينئذٍ.

السادس : تساوي المالين أي المحال به والمحال عليه جنساً ونوعاً ووصفاً على ما ذكره جماعة ، خلافاً لآخرين.

وهذا العنوان وإن كان عامّاً إلّا أنّ مرادهم بقرينة التعليل بقولهم : تفصّياً من التسلّط على المحال عليه بما لم تشتغل ذمّته به ، إذ لا يجب عليه أن يدفع إلّا مثل ما عليه فيما كانت الحوالة على مشغول الذمّة بغير ما هو مشغول الذمّة به ، كأن يحيل من له عليه دراهم على من له عليه دنانير ، بأن يدفع بدل الدنانير دراهم.


(1) فيما إذا تساوى الدينان كماً وكيفاً. كما لو كان المحيل مديناً لزيد بعشرة دنانير عن ثمن مبيع اشتراه منه ، وبعشرة اخرى عن دين استقرضه منه ، فأحاله على عمرو بعشرة دنانير خاصّة ، فإنها محكومة بالصحّة جزماً ، حيث لا خصوصية في الدَّين من حيث سببه وأنه بسبب القرض أو الشراء ، فتكون الحوالة متعلقة بالجامع قهراً.

وبعبارة اخرى : إنّ الحوالة في هذا الفرض متعلقة بالمعين دون المردد ، فإنها إحالة للمحتال على المحال عليه بنصف ماله عليه المحيل.

وأمّا إذا اختلف الدَّينان ، فالفرض عين فرض الدَّين مبهماً ومجهولاً وليس هو شيئاً آخر في قباله ، فإنه مبهم ومردد ولا واقع له حتى في علم اللّه عزّ وجلّ ، ومعه فلا وجه للحكم بصحّتها.

والحاصل أنّ استثناء الحوالة على نحو الواجب التخييري مع الحكم ببطلان الحوالة بالدَّين المبهم ، في غير محله ولا يمكن المساعدة عليه. فإنها مع تساوي الدَّينين خارجة تخصصاً لكونها حوالة بالمعين وإن جهل سببه ، ومع عدم التساوي عين الحوالة بالمجهول بحسب الواقع.


1) (*) هذا إنما يتمّ فيما إذا تساوى الدَّينان كمّاً وكيفاً ، وإلّا فهو عين الفرض الذي حكم فيه بالبطلان.

فلا يشمل ما إذا أحال من له عليه الدراهم على البري‌ء بأن يدفع الدنانير (1) أو على مشغول الذمّة بالدنانير بأن يدفع الدراهم (2). ولعلّه لأنه وفاء بغير الجنس برضا الدّائن. فمحلّ الخلاف ما إذا أحال على من عليه جنس بغير ذلك الجنس.

والوجه في عدم الصحّة ما أُشير إليه من أنه لا يجب عليه أن يدفع إلّا مثل ما عليه ، وأيضاً الحكم على خلاف القاعدة. ولا إطلاق في خصوص الباب ، ولا سيرة كاشفة ، والعمومات منصرفة إلى العقود المتعارفة.

ووجه الصحّة أنّ غاية ما يكون أنه مثل الوفاء بغير الجنس ، ولا بأس به (1)وهذا هو الأقوى (3).

ثمّ لا يخفى أنّ الإشكال إنما هو فيما إذا قال : (أعط مما لي عليك من الدنانير دراهم) بأن أحال عليه بالدراهم من الدنانير التي عليه. وأمّا إذا أحال عليه


(1) فإنها محكومة بالصحّة قطعاً بعد رضا كلّ من المحتال والمحال عليه بها ، فإنها ترجع إلى مبادلة بين الدّائن المحتال والمدين المحيل أوّلاً بتبديل ما في ذمّته للمحال بالجنس الجديد ، ثمّ إحالته به على المحال عليه البري‌ء ، فيحكم بصحّتها لعدم شمول دليل المنع لها ، إذ لا منافاة فيها لسلطنة المحتال أو المحال عليه بالمرّة ، كما هو واضح.

(2) فترجع إلى المعاوضة بين المحيل والمحال عليه ، بتبديل ما للأوّل على الثاني بالجنس الجديد الذي للمحتال على المحيل أوّلاً ، ثمّ إحالة المحتال بذلك عليه ، فتكون الحوالة بالجنس الذي له عليه لا محالة.

(3) فيما إذا رضي المحال عليه بها ، إذ أنها ترجع حينئذ إلى معاملة معاوضية بين المحيل والمحال عليه ، بتبديل ماله عليه بالجنس الجديد ثمّ إحالة المحتال عليه. وهي محكومة بالصحّة جزماً ، إلّا أنها ليست من الوفاء بغير الجنس كما ذكره (قدس سره). فإنّه وبعد ثبوت الجنس الجديد بالمعاملة الجديدة في ذمّة المحال عليه بدلاً عن الذي


1) (*) غاية الأمر أنه يعتبر حينئذ رضا المحال عليه.

بالدراهم من غير نظر إلى ما عليه من الدنانير ، فلا ينبغي الإشكال فيه ، إذ هو نظير إحالة من له الدراهم على البري‌ء بأن يدفع الدنانير. وحينئذٍ فتفرغ ذمّة المحيل من الدراهم ، وتشتغل ذمّة المحال عليه بها ، وتبقى ذمّة المحال عليه مشغولة بالدنانير ، وتشتغل ذمّة المحيل له بالدراهم ، فيتحاسبان بعد ذلك.

ولعلّ الخلاف أيضاً مختصّ بالصورة الاولى ، لا ما يشمل هذه الصورة أيضاً (1). وعلى هذا فيختصّ الخلاف بصورة واحدة ، وهي ما إذا كانت الحوالة على مشغول الذمّة بأن يدفع من طرف ما عليه من الحقّ بغير جنسه ، كأن يدفع من الدنانير التي عليه دراهم.

[3616] مسألة 1 : لا فرق في المال المحال به بين أن يكون عيناً في الذمّة ، أو منفعة ، أو عملاً لا يعتبر فيه المباشرة (2) ولو مثل الصلاة والصوم والحج والزيارة والقراءة (3)


كان ثابتاً عليه ، تكون الحوالة به حوالة بالجنس لا محالة.

وأمّا لو لم يرض المحال عليه بها ، فلا مقتضى للحكم بصحّتها ، إذ لا موجب لالتزام المدين بغير ما هو مشغول الذمّة به.

إذن فالصحيح هو التفصيل ، بين رضا المحال عليه بها فتصحّ ، وعدمه فيحكم ببطلانها.

(1) فإنها معاملة مستقلة عن الدَّين الثابت في ذمّة المحال عليه ، فتكون من قبيل الحوالة على البري‌ء تصحّ مع رضا المحال عليه بها.

(2) للقواعد العامّة المقتضية للصحّة ، مضافاً إلى إطلاق جملة من نصوص الباب حيث لم يرد في شي‌ء منها تقييد المحال به بكونه عيناً في الذمّة. فإنّ الأجير لما كان مديناً بالعمل أو المنفعة للمستأجر ، كان له نقله إلى ذمّة الغير بالحوالة وجعل ذمّة الغير هي مشغولة به.

(3) فإنّ جميع ذلك وإن لم يكن مذكوراً في النصوص ، إلّا أنه يكفينا في الحكم

سواء أكانت على البري‌ء أو على مشغول الذمّة بمثلها (1). وأيضاً لا فرق بين أن يكون مثلياً كالطعام ، أو قيمياً كالعبد والثوب (2). والقول بعدم الصحّة في القيمي للجهالة ، ضعيف ، والجهالة مرتفعة بالوصف الرافع لها (3).

[3617] مسألة 2 : إذا تحققت الحوالة برئت ذمّة المحيل (4) وإن لم يبرئه المحتال (5).


بصحّتها كونها على القاعدة فتشملها العمومات.

(1) غاية الأمر اعتبار رضا المحال عليه في الأوّل ، كما عرفت.

(2) لما تقدّم من العمومات ، واقتضاء بعض الأدلّة الخاصّة له.

(3) إذ لا ملازمة بين الجهالة في القيميات وبين الإبهام الموجب للبطلان ، فإنه يمكن رفع الإبهام بتعيين المحال به القيمي بالأوصاف. ولو لا ذلك لما أمكن تصحيح بيعه أيضاً ، فإنّ ما لا تعيّن له في الواقع لا يقبل جعله عوضاً أو معوضاً ونقله إلى الغير ، وإنّما صحّ ذلك لارتفاع الإبهام بذكر المواصفات المميزة له عن غيره.

ومن هنا فإذا صحّ بيعه واشتغلت ذمّة البائع به ، صحّ نقله إلى ذمّة الغير بالحوالة لنفس الملاك ، فيكون المحال عليه كأنه هو البائع في اشتغال ذمّته به للمحتال.

نعم ، لو كانت الجهالة موجبة للإبهام المطلق ، بحيث لا يكون للمحال به تعيين حتى في الواقع وعلم اللّه تبارك وتعالى ، تعيّن الحكم ببطلانها لا محالة ، لعدم شمول أدلّة الإمضاء له ، وعدم معقولية الحكم باشتغال الذمّة بما لا تعيّن له في الواقع.

(4) لأنّ مقتضاها نقل الدَّين عن ذمّة المحيل إلى ذمّة المحال عليه ، كما عرفت في معنى الحوالة ، وهو يعني فراغ ذمّة المحيل منه واشتغال ذمّة المحال عليه به. ومعه فإثبات اشتغال الذمّة للمحيل ثانياً بعد فراغها من الدَّين يحتاج إلى الدليل ، لعدم السلطنة للمحتال عليه ، وهو مفقود.

(5) إذ لا حاجة إليه بعد تحقق البراءة من دونه ، فاعتباره لا يرجع إلّا إلى تحصيل الحاصل.

والقول بالتوقّف على إبرائه ، ضعيف (1). والخبر (2) الدالّ على تقييد عدم الرجوع على المحيل بالإبراء من المحتال ، المراد منه القبول ، لا اعتبارها بعده أيضاً. وتشتغل ذمّة المحال عليه للمحتال فينتقل الدَّين إلى ذمّته ، وتبرأ ذمّة المحال عليه للمحيل إن كانت الحوالة بالمثل بقدر المال المحال به ، وتشتغل ذمّة المحيل للمحال عليه إن كانت على بري‌ء أو كانت بغير المثل ، ويتحاسبان بعد ذلك.


(1) لما تقدّم.

(2) وهي معتبرة زرارة عن أحدهما (عليهما السلام) في الرجل يحيل الرجل بمال كان له على رجل آخر فيقول له الذي احتال : برئت مما لي عليك ، فقال : «إذا أبرأه فليس له أن يرجع عليه ، وإن لم يبرئه فله أن يرجع على الذي أحاله» (1).

وهي معتبرة سنداً وواضحة دلالة ، إلّا أنها معارضة بما دلّ على عدم الاعتبار.

ففي صحيحة أبي أيوب أنه سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يحيل الرجل بالمال ، أيرجع عليه؟ قال : «لا يرجع عليه أبداً إلّا أن يكون قد أفلس قبل ذلك» (2).

ونحوها صحيحة منصور بن حازم (3).

وفي رواية عقبة بن جعفر عن أبي الحسن (عليه السلام) ، قال : سألته عن الرجل يحيل الرجل بالمال على الصيرفي ثمّ يتغير حال الصيرفي ، أيرجع على صاحبه إذا احتال ورضي؟ قال : «لا» (4).

والعمدة في المعارضة هي الصحيحتان الأُوليان وإلّا فالرواية الأخيرة لا تعدو كونها مؤيدة لضعف سندها حيث دلّتا على انحصار حق الرجوع على المحيل بفرض الإفلاس كما يظهر ذلك من قوله (عليه السلام) : «أبداً» فتتعارضان مع معتبرة زرارة


1) الوسائل ، ج 18 كتاب الضمان ، ب 11 ح 2.

2) الوسائل ، ج 18 كتاب الضمان ، ب 11 ح 1.

3) الوسائل ، ج 18 كتاب الضمان ، ب 11 ح 3.

4) الوسائل ، ج 18 كتاب الضمان ، ب 11 ح 4.

.................................................................................................


الدالّة صريحاً على جواز الرجوع قبل الإبراء. وعندئذٍ يكون التقدّم معهما ، لرجحانهما عليهما بموافقتهما للكتاب العزيز ، حيث إنّ مقتضى عمومات الوفاء بالعقود الحكم باللّزوم وعدم جواز رجوع المحتال على المحيل ثانياً.

على أننا لو غضضنا عن صحيحتي أبي أيوب ومنصور بن حازم ، لم يكن مجال للعمل بمعتبرة زرارة في حدّ نفسها والقول باعتبار الإبراء في تحقق براءة ذمّة المحيل فإنّ هذه المعتبرة متضمنة لما لا يمكن الالتزام به ، ولا بدّ من ردّ علمها إلى أهله.

وذلك فلأن الحوالة : إمّا أن تكون في نفسها وقبل الإبراء من المحتال صحيحة وموجبة لنقل ما في ذمّة المحيل إلى ذمّة المحال عليه ، وإمّا أن تكون فاسدة غير مؤثرة في النقل والانتقال.

فعلى الأوّل ، فاعتبار الإبراء من تحصيل الحاصل ، لتحقق البراءة بحسب الفرض قبله ، فإنّ الدَّين إذا انتقل عن ذمّة المحيل برئت ذمّته لا محالة وإلّا لما كان الدَّين منتقلاً.

وعلى الثاني ، فالإبراء وإن كان موجباً لبراءة ذمّة المحيل حينئذ كما هو واضح لعدم تحققها قبله ، إلّا أن معه لا وجه لرجوع المحتال على المحال عليه ، نظراً لعدم انتقال المال إلى ذمّته وعدم اشتغالها به له.

فالجمع بين الحكمين جواز رجوع المحتال عليه بموجب الحوالة واعتبار إبرائه في براءة ذمّة المحيل جمع بين المتنافيين ولا يمكن المساعدة عليه.

وبعبارة اخرى : إنّ الإبراء الذي هو بمعنى إسقاط المحتال للدَّين الثابت في ذمّة المحيل إمّا أن يكون بعوض وبإزاء اشتغال ذمّة المحال عليه به ، وإما أن يكون مجاناً.

فعلى الأوّل ، فهو عين القبول وليس شيئاً في قباله ، فإنّ قبول المحتال للحوالة إنما يعني موافقته على ما أنشأه المحيل من براءة ذمّته واشتغال ذمّة المحال عليه. ومما يساعد على إرادة هذا المعنى من الإبراء ، أنه لم تذكر في الرواية قبولاً للمحتال بغير هذا العنوان الإبراء.

وعلى الثاني ، فإن كانت الحوالة هذه محكومة بالصحّة وانتقال ما في ذمّة المحيل إلى ذمّة المحال عليه ، فلا موضوع للإبراء المجاني ، لعدم اشتغال ذمّة المحيل حينئذٍ بشي‌ء.

[3618] مسألة 3 : لا يجب على المحتال قبول الحوالة وإن كانت على مليّ (1).

[3619] مسألة 4 : الحوالة لازمة (2) فلا يجوز فسخها بالنسبة إلى كلّ من الثلاثة. نعم ، لو كانت على معسر مع جهل المحتال بإعساره ، يجوز له الفسخ والرجوع على المحيل (3). والمراد من الإعسار أن لا يكون له ما يوفي دينه زائداً


وإن لم تكن كذلك فالإبراء وإن كان صحيحاً وفي محله ، إلّا أنه لا وجه لرجوع المحتال على المحال عليه لأخذ المال منه ، إذ المفروض عدم انتقال المال إلى ذمّته وعدم اشتغالها بشي‌ء له.

ومن هنا فإمّا أن يقال بسقوط المعتبرة ، أو تحمل على بعض المحامل وإن كان بعيداً.

ثمّ إنّ العبرة في رجوع المحتال على المحيل إنما هو بإفلاس المحال عليه حين الحوالة وهذا وإن لم يذكر في صحيحتي أبي أيوب ومنصور بن حازم بل إنّ ظاهرهما قد يوهم كون العبرة بإفلاس المحيل نفسه ، إلّا أنه لا محيص عن الحمل عليه لقيام القرينة على كون المراد ما ذكرناه وفهمه الأصحاب ، إذ لا دخل لإفلاس المحيل حين الحوالة في جواز الرجوع عليه بل الأمر على العكس تماماً ، فإنّ القول بعدم جواز الرجوع عليه حينئذٍ أولى منه فيه إذا كان غنياً.

(1) بلا خلاف فيه. والوجه فيه واضح ، إذ الحوالة معاملة معاوضية تقتضي تبديل مال المحتال الثابت في ذمّة المحيل بمال غيره في ذمّة المحال عليه ، فإنّ المحتال إنما يرفع اليد عن ماله الأوّل بإزاء اشتغال ذمّة المحال عليه بمثله.

ومن هنا فلا يلزم بقبولها ، فإنه غير مجبور على إجراء المعاملة على ماله كما هو الحال في سائر المعاوضات.

(2) على ما تقتضيه أصالة اللزوم وعمومات صحّة العقد ذاته ، مضافاً إلى بعض النصوص المتقدّمة ، حيث حكم (عليه السلام) بعدم جواز رجوع المحتال على المحيل بعد تمامية الحوالة.

(3) على ما دلّت عليه صحيحتا أبي أيوب ومنصور بن حازم المتقدمتان ، حيث

على مستثنيات الدَّين ، وهو المراد من الفقر في كلام بعضهم ، ولا يعتبر فيه كونه محجوراً (1). والمناط الإعسار واليسار حال الحوالة وتماميّتها (2). ولا يعتبر الفور في جواز الفسخ (3). ومع إمكان الاقتراض والبناء عليه يسقط الخيار


قيّد (عليه السلام) الحكم بعدم جواز رجوع المحتال على المحيل ثانياً بعدم ظهور الإفلاس قبل ذلك.

(1) لإطلاقات الأدلّة ، حيث إنّ مقتضاها كون العبرة في الحكم بنفس الإفلاس مع قطع النظر عن الحجر عليه لذلك وعدمه.

(2) لإطلاقات وعمومات أدلّة اللّزوم ، بل وتقييده (عليه السلام) للإفلاس في المعتبرتين السابقتين بقبل الحوالة ، فإننا وإن لم نرتض ثبوت المفهوم للوصف إلّا أننا ذكرنا في محلِّه أنّ أخذ الوصف في الحكم يدلّ على عدم ثبوته للطبيعي ، وإلّا لكان ذكره لغواً محضاً.

وتؤيده رواية عقبة بن جعفر المتقدمة الصريحة في عدم جواز الرجوع في فرض تغير الحال بعد الحوالة.

إلّا أنها ضعيفة السند بعقبة بن جعفر ، لكونه مجهول الحال ، ولم ترد له في مجموع الكتب الأربعة ولا رواية واحدة غير هذه.

(3) خلافاً لما ذهب إليه بعض ، بدعوى الاقتصار على القدر المتيقن في رفع اليد عن إطلاقات وعمومات لزوم الوفاء بالعقود من الكتاب والسنة.

فإنّ هذا لو تمّ ولنا فيه كلام طويل ذكرناه في مباحث الخيارات فهو إنما يتمّ فيما لو لم يكن لدليل الخيار إطلاق ، وإلّا تقدّم إطلاق دليل الخيار على عمومات اللّزوم وإطلاقاته قطعاً.

وحيث إنّ المقام من قبيل الثاني ، فإنّ دليل الخيار فيه ، أعني قوله (عليه السلام) : «إلّا أن يكون قد أفلس قبل ذلك» مطلق وغير مقيد بزمان معين ، فلا وجه للرجوع إلى أدلّة اللزوم والقول بفورية الخيار.

للانصراف ، على إشكال (1)(1). وكذا مع وجود المتبرِّع.

[3620] مسألة 5 : الأقوى جواز الحوالة على البري‌ء (2) ولا يكون داخلاً في الضمان (3).


(1) قوي جدّاً. ووجهه ظاهر ، فإنّ الانصراف إنما يوجب رفع اليد عن الحكم في غير المنصرف إليه ، فيما إذا كان الكلام مجملاً أوْ له ظهور عرفي في المنصرف إليه ، وإلّا بأن كان الكلام مطلقاً وغير ظاهر في المنصرف إليه فالتمسّك بالانصراف لا يعدو الاستحسان العقلي المحض.

وحيث إنّ الإطلاق في المقام ثابت ، فإنّ مقتضى قوله (عليه السلام) : إلّا إذا كان قد أفلس قبل ذلك ، كون إفلاس المحال عليه حين الحوالة موجباً لتخير المحتال سواء تمكّن بعد ذلك أم لا ، فالتمسّك بالانصراف للحكم بعد ثبوت الخيار عند التمكّن من الأداء بوجه بعد الإفلاس حين العقد ، من التمسّك بالاستحسان لا الانصراف.

(2) وتقتضيه مضافاً إلى كونها من المعاملات المتعارفة بين العقلاء خارجاً ولا سيما بين الأقرباء ، حيث يحيل الابن دائنه على أبيه أو أخيه ، ولم يرد ردع عنها من الشارع المقدّس إطلاقات وعمومات أدلّة الصحّة ، فإنها عقد من العقود يقتضي تبديل ما في ذمّة المحيل بما في ذمّة المحال عليه.

بل ويمكن دعوى شمول النصوص الواردة في الباب لها أيضاً ، حيث لم يرد في جملة منها ذكر كون المحال عليه مديناً للمحيل.

نعم ، يعتبر في صحّتها رضا المحال عليه جزماً ، لعدم سلطنة المحيل على إشغال ذمّته ، كما تقدّم.

(3) وإن توهمه المحقق (قدس سره) في الشرائع (2). وذلك لافتراقهما في طرفي العقد


1) (*) أظهره عدم السقوط.

2) الشرائع 2 : 129.

[3621] مسألة 6 : يجوز اشتراط خيار الفسخ لكلّ من الثلاثة (1).

[3622] مسألة 7 : يجوز الدور في الحوالة (2). وكذا يجوز الترامي (3) بتعدّد المحال عليه واتحاد المحتال (4) أو بتعدّد المحتال واتحاد المحال عليه (5).


فإنّ الضمان عقد بين الدّائن والأجنبي المضمون له والمضمون عنه في حين أنّ الحوالة عقد بين الدّائن والمدين المحيل والمحتال وليس المحال عليه طرفاً فيه وإن اعتبر رضاه في بعض الصّور.

وتظهر الثمرة في جملة من الموارد ، منها ما لو كان المحيل فاقداً لأهلية العقد كما لو كان صغيراً أو مجنوناً ، فإنها تبطل على مختارنا حيث تعتبر في المحيل أهليته للعقد ، في حين تصحّ على مختار المحقق (قدس سره) حيث لا تعتبر في المضمون عنه أهليته له.

(1) بلا خلاف فيه. فإنّ عقد الحوالة وإن كان لازماً على ما تقتضيه أصالة اللزوم في العقود إلّا ما خرج بالدليل ، إلّا أنّ اللزوم فيه حقّي لا حكمي كما هو الحال في النكاح ، حيث ثبت عدم ارتفاعه إلّا بالطلاق أو الموت أو الفسخ بأحد موجباته الخاصّة.

ومن هنا فلما كان للمتعاقدين رفع اليد عنها بعد ثبوتها كان لهما اشتراط ذلك في ضمن العقد ، وإذا جاز ذلك جاز جعله لغيرهما أيضاً ، فإنّ الحقّ لا يعدوهما ولهما التصرف على ضوء ما يتفقان عليه.

(2) لإطلاقات أدلّتها ، فإنها غير قاصرة الشمول لحوالة المحال عليه المال ثانياً على المحيل ، ولا خصوصية فيها للحوالة الأُولى أو غيرها.

(3) بلا إشكال فيه ، لما تقدّم.

(4) بأن يحيل المحال عليه الأوّل المحتال على غيره ، ويحيله ذلك الغير على غيره أيضاً وهكذا ، حيث يبقى المحتال هو المحتال الأوّل ، ويكون التعدد في المحال عليه خاصّة.

(5) بأن يحيل المحتال غيره على المحال عليه ، ويحيل ذلك الغير المحتال الثاني غيره عليه وهكذا ، فيكون التعدّد في المحتال دون المحال عليه.

[3623] مسألة 8 : لو تبرّع أجنبي عن المحال عليه برئت ذمّته (1). وكذا لو ضمن عنه ضامن (2) برضا المحتال (3). وكذا لو تبرّع المحيل عنه (4).

[3624] مسألة 9 : لو أحال عليه فقبل وأدّى ثمّ طالب المحيل بما أدّاه ، فادعى أنه كان له عليه مال وأنكر المحال عليه ، فالقول قوله مع عدم البيِّنة (5) فيحلف على براءته ويطالب عوض ما أدّاه ، لأصالة البراءة (6) من شغل ذمّته للمحيل.

ودعوى أنّ الأصل أيضاً عدم اشتغال ذمّة المحيل بهذا الأداء.

مدفوعة بأنّ الشكّ في حصول اشتغال ذمّته وعدمه ، مسبب عن الشكّ في اشتغال ذمّة المحال عليه وعدمه (7)


(1) لما ثبت بالضرورة القطعية من جواز أداء دين الغير من غير توقف على رضاه.

(2) لعموم أدلّة الضمان له.

(3) لما تقدّم في كتاب الضمان من اعتبار رضا المضمون له.

(4) لما تقدّم من جواز أداء دين الغير ، فإنه لا خصوصية لكون المؤدّي هو المحيل أو غيره.

(5) على ما تقتضيه قواعد القضاء.

(6) بل لاستصحاب عدم شغل ذمّته ، فإنه أصل موضوعي حاكم على أصالة البراءة قطعاً. فإنّ المحال عليه لم يكن في زمان مشغول الذمّة للمحيل جزماً ، فإذا شككنا في اشتغال ذمّته له بعد ذلك ، كان مقتضى الاستصحاب الحكم بعدم اشتغالها ، وبه يتحقق موضوع الضمان ، أعني أداءه لما لم يكن بثابت في ذمّته بأمر من المحيل.

(7) إذ لو كان المحال عليه مشغول الذمّة للمحيل لكانت ذمّة المحيل بريئة قطعاً لحصول التهاتر بين ما في الذمّتين قهراً. وهذا بخلاف ما لو كانت ذمّته بريئة له ، فإنّ أداء الحوالة من قبل المحال عليه موجب لاشتغال ذمّة المحيل بمثله له.

وبعد جريان أصالة براءة ذمّته (1)(1) يرتفع الشكّ.

هذا على المختار من صحّة الحوالة على البري‌ء. وأمّا على القول بعدم صحّتها فيقدم قول المحيل ، لأنّ مرجع الخلاف إلى صحّة الحوالة وعدمها ، ومع اعتراف المحال عليه بالحوالة يقدّم قول مدّعي الصحّة وهو المحيل.

ودعوى أنّ تقديم قول مدعي الصحّة إنما هو إذا كان النزاع بين المتعاقدين وهما في الحوالة المحيل والمحتال ، وأمّا المحال عليه فليس طرفاً وإن اعتبر رضاه في صحّتها.

مدفوعة أوّلاً : بمنع عدم كونه طرفاً ، فإنّ الحوالة مركّبة من إيجاب وقبولين (2)(1).

وثانياً : يكفي اعتبار رضاه في الصحّة (2) في جعل اعترافه بتحقّق المعاملة حجّة عليه بالحمل على الصحّة.

نعم ، لو لم يعترف بالحوالة ، بل ادّعى أنه أذن له في أداء دَينه ، يقدّم قوله لأصالة البراءة من شغل ذمّته (3) فبإذنه في أداء دينه له مطالبة عوضه ، ولم


(1) بل الاستصحاب عدم شغل ذمّته ، فيثبت موضوع الضمان ، أعني أداءه لما لم يكن بثابت في ذمّته بأمر من المحيل.

(1) وفيه : إنه منافٍ لما ذكره (قدس سره) في الشرط الأوّل صريحاً من كون الحوالة إيقاعاً لا عقداً.

(2) وهو منافٍ أيضاً لما تقدّم في الشرط الثالث من عدم اعتبار رضا المحال عليه في صحّة الحوالة ، باعتبار كونه أجنبياً عن المال بالمرّة ، وإنما أمره بيد مالكه المحيل فله نقله كيفما شاء بالحوالة أو البيع أو غيرهما من الأسباب.

(3) أقول : لا يخفى أنه بناءً على جريان أصالة الصحّة في أمثال المقام ، فكما أنه


1) (*) الصحيح التمسك في المقام باستصحاب عدم اشتغال ذمّته ، فإنه يحرز الموضوع دون أصالة البراءة.

2) (**) مرّ أنّها ليست كذلك.

يتحقّق هنا حوالة بالنسبة إليه حتى تحمل على الصحّة ، وإن تحقّق بالنسبة إلى المحيل والمحتال لاعترافهما بها.


لا فرق بين كون دعوى الفساد من أحد المتعاقدين أو الأجنبي ، فإنه يحمل العقد على الصحيح ويترتب عليه أثره حتى مع عدم وجود الدعوى خارجاً بالمرّة كما لو شكّ الأجنبي في صحّته رأساً ، لا فرق بين اعتراف المحال عليه بالحوالة وعدمه ، إذ العبرة في جريانها إنما هي بثبوت العقد لا اعتراف الخصم به.

وعليه فلو ثبتت الحوالة في مورد النزاع بالوجدان أو البينة الشرعية ، جرت أصالة الصحّة بناءً على تسليم جريانها في أمثال المقام ، سواء اعترف المحال عليه بالحوالة أم لم يعترف.

إلّا أنّ الذي يهوّن الخطب أنّ أصالة الصحّة غير جارية في أمثال المقام أصلاً. وذلك لما ذكرناه في مبحث أصالة الصحّة من المباحث الأُصولية ، أنها لما لم تكن ثابتة بدليل لفظي وإنما الدليل عليها هي السيرة العقلائية القطعية المتصلة بزمان المعصوم (عليه السلام) من غير ردع ، حيث جرت عادتهم على الحكم بصحّة العقد المشكوك صحّته نظير قاعدة الفراغ الجارية في عمل الشخص نفسه ، فإنهما متحدتان من حيث المدلول تماماً وإنما الفارق بينهما اختصاص الاولى بعمل الغير والثانية بعمل الشخص نفسه ، كان اللازم الاقتصار فيها على القدر المتيقن ، وهو خصوص فرض الشكّ في صحّة العمل المستكمل لجميع الأركان والمقومات ، من جهة الشكّ في توفّر بعض الشروط أو مزاحمة بعض الموانع الشرعية.

فإنّ هذا الفرض هو المورد المتيقن من بناء العقلاء على الصحّة فيه ، وإلّا فلو كان الشكّ في صحّة العمل ناشئاً من الشكّ في تحقق أركان العقد ومقوّماته ، فلم يثبت من العقلاء بناء على التمسّك بهذا الأصل فيه ، كما لو باع زيد دار عمرو بادعاء الوكالة عنه ، فإنه لا يمكن الحكم بصحّته تمسّكاً بالأصل ، للشكّ في سلطنته على البيع ، بل لا بدّ له من إثبات الوكالة والسلطنة على هذا التصرّف في الحكم بالصحّة. نعم ، لو كانت الدار تحت يده بحيث كان ذا يد بالنسبة إليها ، حكمنا بصحّة بيعه باعتبار حجّية قول ذي اليد.

.................................................................................................


وكذا الحال لو ادعى أحد المتعاقدين كون الثمن مما لا مالية له شرعاً كالخمر ، فإنه لا يمكن إثبات صحّة العقد وإلزام مدعي البطلان بما يقوله الآخر لأصالة الصحّة لأنها لا تجري في موارد الشكّ في تحقق أركان العقد وما يتوقف عليه عنوانه.

وحيث إنّ مقامنا من هذا القبيل ، باعتبار أنّ الشكّ في صحّة الحوالة إنما هو من جهة الشكّ في سلطنة المحيل لإحالة الدَّين على غيره ، فلا يمكن التمسّك بأصالة الصحّة والحكم ببراءة ذمّة المحيل واشتغال ذمّة المحال عليه له.

والحاصل أنّ اشتغال ذمّة الغير المحال عليه لما كان من قوام الحوالة ، بناءً على عدم صحّة الحوالة على البري‌ء ، فلا يمكن التمسّك في مورد الشكّ فيه بأصالة الصحّة لإثبات صحّة العقد واشتغال ذمّة الغير بالمال.

ثمّ إنّ هذا كلّه لا يعني المخالفة في أصل الحكم ، فإنّ ما ذكره الماتن (قدس سره) من أخذ المحال عليه باعترافه صحيح ولا غبار عليه ، إلّا أنّ ذلك لا لما أفاده من التمسّك بأصالة الصحّة ، فإنك قد عرفت عدم جريانها في أمثال المقام ، بل لحجّية الظهورات اللفظية في مداليلها الالتزامية ، فإنّ الاعتراف بالحوالة لما كان مدلولاً لفظياً كان حجّة في لازمه ، أعني اشتغال ذمّته بالمال للمحيل.

وتوضيحه : أنا قد ذكرنا في مبحث الأُصول المثبتة من الاستصحاب ، أنّ المشهور بين الأصحاب وإن كان هو التفصيل في حجّية اللوازم بين الأمارات والأُصول بالالتزام في الأُولى بالحجيّة دون الثانية ، إلّا أنه مما لا يمكن المساعدة عليه وإثباته بدليل ، إذ إنّ حال الأمارات حال الأُصول في اقتصار حدود التعبّد الشرعي بالنسبة إلى ثبوت نفس الموضوع دون لوازمه. ولذا لا يصحّ الاعتماد في دخول الوقت على تجاوز الشمس عن الجهة التي يظنّ كونها القبلة عند الجهل بها ، والحال أن الظنّ حجّة شرعية بالنسبة إليه بالقياس إلى تحديد نفس القبلة جزماً.

وبعبارة اخرى : إنّ الأمارة كالأصل لا يترتب عليها إلّا إثبات الموضوع الذي قامت عليه وجرت فيه ، وبذلك تثبت الصغرى لكبرى الحكم الثابت لذلك العنوان. فلو شككنا في خمرية مائع وقامت الأمارة على خمريته أو تمسّكنا لإثباتها باستصحاب الحالة السابقة ، تثبت بذلك الصغرى لكبرى : «وكلّ خمر حرام» خاصّة

.................................................................................................


ومن غير تعرّض لشي‌ء من اللوازم على كلا التقديرين.

نعم ، يستثني من ذلك ما لو كانت الأمارة من قبيل الإخبار سواء في ذلك اللفظ وغيره كالبيّنة وقول ذي اليد ، بل مطلق الثقة على القول بحجّيته ، فإنه يلتزم فيها بثبوت اللوازم وحجّيتها بلا إشكال فيه.

وذلك لما ذكرناه في محلِّه من عدم اختصاص دليل حجّية البيّنة أو قول ذي اليد أو مطلق الثقة بالدلالات المطابقية ، فإنه كما يشمل المداليل المطابقية يشمل المداليل الالتزامية أيضاً. فإذا أخبرت البيّنة عن جهة القبلة مثلاً ، كان ذلك بعينه إخباراً عن دخول الوقت عند تجاوز الشمس عن تلك الجهة ، إذ الإخبار عن الملزوم إخبار عن اللازم قهراً ولا محالة.

ومن هنا فلو اعترف المحال عليه بالحوالة كان ذلك اعترافاً منه باشتغال ذمّته للمحيل لا محالة ، إذ الظاهر الاعتراف بالحوالة الواقعية لا الصورية المحضة كما هو الحال في سائر موارد الاعتراف والمفروض أنها لا تصحّ إلّا عن مشغول الذمّة للمحيل.

لكن إثبات المدّعى بهذا الطريق إنما يتم في الجملة لا مطلقاً ، فإنه إنما يصحّ فيما إذا كان المخبر ملتفتاً إلى الملازمة ، فإنه حينئذ يصحّ أن يقال إنّ إخباره عن الملزوم إخبار عن اللازم بعينه.

وأمّا إذا لم يكن المخبر ملتفتاً إلى الملازمة أو كان معتقداً لعدمها ، لم يصح دعوى كون إخباره عن الملزوم إخباراً عن اللازم ، فإن الإخبار من الأُمور القصدية فلا يتحقّق مع الغفلة وعدم الالتفات إليه.

ومما يدلّ على ما ذكرناه مضافاً إلى وضوحه في نفسه اتفاقهم على عدم الحكم على منكر ضروري من ضروريات الدين بالكفر إذا لم يكن المنكر عالماً بكونه من الضروريات وأنّ إنكاره يستلزم تكذيب النبيّ (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) ، فضلاً عما لو كان معتقداً لعدمه.

إذن فتقديم قول المحيل في المقام وإلزام المحال عليه باعترافه ، إنما يتمّ فيما إذا كان

[3625] مسألة 10 : قد يستفاد من عنوان المسألة السابقة حيث قالوا : (لو أحال عليه فقبل وادّى) فجعلوا محلّ الخلاف ما إذا كان النزاع بعد الأداء ، أنّ حال الحوالة حال الضمان في عدم جواز مطالبة العوض إلّا بعد الأداء ، فقبله وإنْ حصل الوفاء بالنسبة إلى المحيل والمحتال ، لكن ذمّة المحيل لا تشتغل للمحال عليه البري‌ء إلّا بعد الأداء.

والأقوى حصول الشغل بالنسبة إلى المحيل (1)بمجرّد قبول المحال عليه (1) إذ


المحال عليه ملتفتاً إلى الملازمة بين الحوالة واشتغال ذمّته بالمال ، وإلّا فلا وجه لجعل اعترافه بها اعترافاً باشتغال ذمّته.

وكيف كان ، فالصحيح في وجه حجية المثبتات في باب الألفاظ خاصّة ، هو التمسّك بحجّية الظهورات في الدلالات الالتزامية على حدّ حجّيتها في الدلالات المطابقية للسيرة العقلائية القطعية. فلو أخبرت البينة عن شرب زيد من الماء المعين مع عدم التفاتها إلى كفره أو اعتقادها إسلامه ، كفى ذلك الإخبار في حكمنا بنجاسة ذلك الماء لعلمنا بكفره ، إذ البينة حجّة في المدلول الالتزامي على حدّ حجّيتها في المدلول المطابقي.

وعلى هذا الأساس فيدخل المقام تحت حجّية الظهورات اللفظية الثابتة ببناء العقلاء في المداليل المطابقية والالتزامية لا حجّية الأخبار.

وتفصيل الكلام في مبحث الأصل المثبت من المباحث الأُصولية ، فراجع.

(1) بل الأقوى ما ذهب إليه المشهور من توقف الشغل على الأداء.

وتفصيل الكلام في المقام : إنّ الحوالة قد تكون على مشغول الذمّة بمثل ما أُحيل عليه ، وقد تكون على البري‌ء.

ففي الأوّل : لا إشكال ولا خلاف في اشتغال ذمّة المحال عليه للمحال ، وانتقال


1) (*) بل الأقوى أنّ ذمة المحيل لا تشتغل للمحال عليه إلّا بعد الأداء ، إذ به يتحقق استيفاؤه لماله بأمره ، وعليه يترتب أنّ حال الحوالة حال الضمان في بقية الجهات المذكورة في المتن.

كما يحصل به الوفاء بالنسبة إلى دَين المحيل بمجرّده ، فكذا في حصوله بالنسبة إلى


الدّين من ذمّة المحيل إلى ذمّة المحال عليه بمجرّد الحوالة ، كما لا إشكال في براءة ذمّة المحال عليه للمحيل بمجردها ، فلا يكون له الرجوع بالمال عليه ، لانتقال ما كان له في ذمّته إلى ملكيّه المحال.

وبعبارة اخرى : إنّ الدَّين لما كان ديناً واحداً غير متعدد ، لم يمكن فرض المحال عليه مديناً للمحيل والمحال معاً ، بل هو مدين لأحدهما خاصّة على النحو الذي ذكرناه ، أعني للمحيل قبل الحوالة ، وللمحال بعدها.

وفي الثاني : فإن رفض المحال عليه الحوالة أو قبلها ولكن قلنا بفساد الحوالة على البري‌ء ، فلا ينبغي الإشكال في عدم اشتغال ذمّة المحال عليه للمحال وعدم اشتغال ذمّة المحيل له المحال عليه.

وإن قلنا بصحتها على البري‌ء كما هو الصحيح وقبل المحال عليه الحوالة ، فلا إشكال في اشتغال ذمّة المحال عليه للمحال بمجرد قبوله للحوالة ، فيجوز له الرجوع عليه ومطالبته بها.

وإنما الكلام في اشتغال ذمّة المحيل حينئذٍ للمحال عليه ، وجواز رجوعه عليه بمجرد الحوالة وقبل الأداء.

فالمشهور العدم ، إلّا أنّ الماتن (قدس سره) قد اختار جواز الرجوع عليه ، بدعوى أنّ اشتغال ذمّة المحال عليه للمحال لا يكون مجاناً ، بل لا بدّ وأن يقابله اشتغال ذمّة المحيل له.

لكنّ الصحيح ما ذهب إليه المشهور. فإنّ اشتغال الذمّة يحتاج إلى الدليل ، ومجرد لزوم المجانية في اشتغال ذمّة المحال عليه للمحال ، لا يصلح دليلاً لإثبات اشتغال ذمّة المحيل للمحال عليه ، بعد أن لم يكن يترتب عليه أيّ ضرر أو نقص مالي بالنسبة إليه المحال عليه قبل الأداء في الخارج ، إذ الضرر إنما يترتب على أدائه للمال ، حيث يستلزم ذلك نقصاً في ماله مستنداً إلى أمر المحيل ، فيصحّ له الرجوع عليه لكونه من

دَين المحال عليه للمحيل إذا كان مديوناً له ، وحصول شغل ذمّة المحيل له إذا كان بريئاً (1).

ومقتضى القاعدة في الضمان أيضاً تحقق شغل المضمون عنه للضامن بمجرّد ضمانه (2) إلّا أنّ الإجماع وخبر الصلح دلّا على التوقّف على الأداء فيه ، وفي المقام لا إجماع ولا خبر ، بل لم يتعرَّضوا لهذه المسألة.

وعلى هذا فله الرجوع على المحيل ولو قبل الأداء (3) بل وكذا لو أبرأه المحتال


موجبات الضمان بالسيرة العقلائية القطعية ، على ما تقدّم بيانه غير مرّة.

والحاصل أنه ما لم يؤدّ المحال عليه الحوالة خارجاً ، لا يصحّ له الرجوع على المحيل ومطالبته بها ، نظراً لعدم تحقق الخسران والنقص المالي له ، وعدم الدليل على اقتضاء مجرّد الأمر الضمان ، فإنّ السيرة إنما ثبتت في خصوص ما لو أدّى المأمور ما أُمر به وتحمّل الخسران نتيجة الأمر.

وبعبارة اخرى : إنّ اشتغال الذمّة يحتاج إلى الدليل من نصّ أو سيرة أو معاوضة تقتضي ذلك ، وحيث إنه لا شي‌ء منها موجود بالقياس إلى المحيل ، فلا وجه للحكم باشتغال ذمّته.

إذن فالصحيح انحصار الضمان في فرض أداء المحال عليه للحوالة ، وعليه فيكون حال الحوالة حال الضمان في عدم جواز رجوع المأمور على الآمر إلّا بعد الأداء بمقتضى القاعدة ، وإن كان النصّ الوارد مختصاً بالضمان.

(1) بمعنى أنّ شغل ذمّة المحال عليه للمحال لا يمكن أن يكون مجاناً بل يقابله شغل ذمّة المحيل للمحال عليه ، كما أنّ حصول الوفاء بالنسبة إلى دين المحيل للمحال يقابله حصول الوفاء بالنسبة إلى دَين المحال عليه للمحيل.

(2) وقد عرفت في محلِّه عدم الدليل عليه ، لانحصاره في السيرة العقلائية ، وهي لا تقتضي إلّا الاشتغال بعد الأداء.

(3) ظهر الحال فيه وفيما يتلوه من الفروع مما تقدّم ، فإنّ الحال فيها هو الحال في الضمان حرفاً بحرف.

أو وفّاه بالأقلّ ، أو صالحه بالأقلّ ، فله عوض ما أحاله عليه بتمامه مطلقاً إذا كان بريئاً.

[3626] مسألة 11 : إذا أحال السيد بدَينه على مكاتبه بمال الكتابة المشروطة أو المطلقة صحّ (1) سواء كان قبل حلول النجم أو بعده ، لثبوته في ذمّته. والقول بعدم صحّته قبل الحلول لجواز تعجيز نفسه ، ضعيف ، إذ غاية ما يكون كونه متزلزلاً (2) فيكون كالحوالة على المشتري بالثمن في زمن الخيار. واحتمال عدم اشتغال ذمّة العبد ، لعدم ثبوت ذمّة اختيارية له فيكون وجوب الأداء تكليفياً ، كما ترى (3).


(1) على القاعدة. فإنّ أمر الدَّين بيد الدّائن والمدين ، فلهما أن يبدلاه برضاهما بالمال الثابت في ذمّة العبد أو غيره مما تعود ملكيّته إلى المدين.

(2) وهو غير قادح ، إذ لا يعتبر في صحّة الحوالة كون اشتغال ذمّة المحال عليه للمحيل على نحو اللزوم ، بل يكفي ثبوت أصل الاشتغال وإن كان جائزاً.

هذا مضافاً إلى عدم الدليل على جواز تعجيز العبد نفسه عن أداء مال الكتابة ، بل الثابت عدمه. فإنّ الكتابة من العقود اللازمة ، وكما لا يجوز للمولى رفع اليد عنها لا يجوز للعبد تعجيز نفسه ، بل يجب عليه السعي لتحصيل المال وأداء ما وجب عليه نتيجة العقد.

(3) إذ لا مانع من اشتغال ذمّة العبد على حدّ اشتغال ذمّة الأحرار ، كما هو الحال في إتلافاته وضماناته ، غاية الأمر أنه في غير الكتابة يتبع به بعد العتق ، لعدم جواز مزاحمة حقّ المولى. وحيث إنّ هذا المانع مفقود في الكتابة ، فلا محذور في اشتغال ذمّته للمولى بمجرد عقد الكتابة وللمحتال بالحوالة الصادرة من المولى ، فيحكم بانتقال الدَّين الثابت في ذمّة المولى إلى ذمّة العبد.

على أنه لو صحّت هذه الدعوى لكان لازمها الحكم ببطلان الحوالة على العبد مطلقاً ، ومن غير تفصيل بين حلول النجم وعدمه ، إذ لا أثر للحلول في قابلية ذمّة العبد للاشتغال وعدمه ، والحال أنّ القائل بهذا التفصيل وهو الشيخ (قدس سره)

ثمّ إنّ العبد بقبول الحوالة يتحرّر (1)(1) لحصول وفاء مال الكتابة بالحوالة (2) ولو لم يحصل الأداء منه (3) فإذا أعتقه المولى قبل الأداء بطل عتقه (4).

وما عن (المسالك) من عدم حصول الانعتاق قبل الأداء ، لأنّ الحوالة ليست في حكم الأداء ، بل في حكم التوكيل. وعلى هذا إذا أعتقه المولى صحّ وبطلت الكتابة ، ولم يسقط عن المكاتب مال الحوالة ، لأنه صار لازماً للمحتال ، ولا يضمن السيد ما يغرمه من مال الحوالة.

فيه نظر من وجوه (5).


على ما نُسب إليه (2)لم يلتزم بذلك في فرض الحلول.

(1) لا وجه لتقييد الحكم بقبول العبد للحوالة ، فإنّ قبوله وعدمه في ذلك سيان ، إذ المفروض كون الحوالة على مشغول الذمّة للمحيل ، وقد عرفت عدم اعتبار قبول المحال عليه عند ذلك ، لأنه ليس إلّا وعاءً وظرفاً لمال المحيل ، فلا يملك حقّ منع تصرّف المالك في ماله.

وكان الأولى إبدال كلمة (القبول) بكلمة (التحقّق) فيقال : ثمّ إنّ العبد بتحقّق الحوالة يتحرر.

(2) نظراً لاستلزامها لفراغ ذمّة المحال عليه العبد من دين المولى ، في قبال اشتغال ذمّته بمثله للمحال.

(3) فإنّ براءة ذمّة العبد إنما تحققت بمجرد الحوالة واشتغال ذمّته للمحيل.

(4) لانعتاقه قبله بتحقق الحوالة وبراءة ذمّة العبد من الدَّين بالنسبة للمولى.

(5) الأوّل : إنه لو كانت الحوالة توكيلاً ، لما كان وجه للالتزام ببراءة ذمّة المحيل من دين المحتال وانتقاله إلى ذمّة المحال عليه ، فإنّ الوكالة لا تقتضي إلّا قيام الوكيل مقام


1) (*) الظاهر أنه لا يتوقف على قبوله لها ، إذ المفروض أنه مديون للمولى ، فبتحقّق الحوالة تبرأ ذمّته وتشتغل للمحتال.

2) انظر المبسوط 2 : 313.

وكأنّ دعواه أنّ الحوالة ليست في حكم الأداء (1)إنما هي بالنظر إلى ما مرّ (1) من دعوى توقّف شغل ذمّة المحيل للمحال عليه على الأداء كما في الضمان فهي وإن كان كالأداء بالنسبة إلى المحيل والمحتال ، فبمجردها يحصل الوفاء وتبرأ ذمّة المحيل ، لكن بالنسبة إلى المحال عليه والمحيل ليس كذلك. وفيه منع التوقّف المذكور كما عرفت ، فلا فرق بين المقامين في كون الحوالة كالأداء ، فيتحقّق بها الوفاء.


الموكل في الأداء خاصّة مع بقاء الموكل هو مشغول الذمّة بالدَّين ، والحال أنه (رحمه اللّه) قد سلّم براءة ذمّة المولى المحيل بالتزامه باشتغال ذمّة العبد المحال عليه.

الثاني : إنه لا وجه للحكم باشتغال ذمّة العبد بالمال بعد الحكم بصحّة العتق وبطلان الكتابة مع التزام كون الحوالة توكيلاً ، إذ التوكيل إنما تعلق بالأداء من مال الكتابة ، والمفروض انتفاء موضوعه نظراً لبطلانها ، ومعه فلا مبرر لبقاء اشتغال الذمّة.

الثالث : لو سلّمنا اشتغال ذمّة العبد للمحتال من ماله الخاص ، نظراً لانتفاء موضوع مال الكتابة ، كان لازم ذلك الحكم بضمان السيد لما يغرمه وجواز رجوع العبد عليه بما أدّاه للمحتال ، وذلك للسيرة العقلائية القطعية على ضمان الآمر لما يغرّمه المأمور بسبب أمره ، فإنّ سبب خسران العبد للمال لما كان هو أمر المولى وحوالته عليه كان موجباً لرجوعه عليه به.

(1) وفيه : إنّ كلّاً من المسألتين أجنبية عن الأُخرى ولا ارتباط بينهما. فإنّ النزاع السابق إنما كان في الحوالة على البري‌ء دون مشغول الذمّة ، وإلّا فقد عرفت عدم الخلاف في انتقال الدَّين من ذمّة المحيل إلى ذمّة المحال عليه بمجرّد الحوالة ، وعدم جواز


1) (*) هذه الدعوى وإن كانت باطلة في نفسها لأنها تستلزم عدم براءة ذمة المحيل عن دين المحتال بمجرد الحوالة ، وهو خلاف المفروض إلّا أنها غير مبتنية على الدعوى الثانية ، فإنّ مورد الثانية هي الحوالة على البري‌ء لا على المديون.

[3627] مسألة 12 : لو باع السيِّد مكاتبه سلعة فأحاله بثمنها صحّ (1) لأنّ حاله حال الأحرار ، من غير فرق بين سيده وغيره. وما عن الشيخ من المنع ضعيف (2).


رجوع الأخير على الأوّل إذا كان مشغول الذمّة له بمثل ما أُحيل عليه. في حين إنّ محلّ نزاعنا في هذه المسألة مع الشهيد (قدس سره) إنما هو في الحوالة على مشغول الذمّة ، حيث إنّ العبد مشغول الذمّة لمولاه بسبب الكتابة. فلا وجه لجعل إحداهما مبنيّة على الأُخرى.

(1) بلا إشكال فيه ، لتمامية أركان البيع والحوالة. فإنّ العبد مرخّص ومأذون في الاكتساب لتحصيل مال الكتابة ، سواء في ذلك مولاه وغيره ، فإذا اشترى من المولى شيئاً أصبح مشغول الذمّة له بثمنه ، ومعه يصحّ للمولى إحالة دائنه عليه لاستيفاء دَينه منه.

(2) لوضوح فساد ما استدل له على مدّعاه ، من أنّ المكاتبة لما كانت من العقود الجائزة ، فإذا باع المولى من عبده شيئاً وقلنا بصحّته وبثبوت الثمن في ذمّته ، كان لازمه القول باشتغال ذمّة العبد لسيده بعد فسخ المكاتبة ، وهو محال لأنّ العبد وما في يده لمولاه.

ووجه الفساد ما عرفته من عدم المحذور في الالتزام باشتغال ذمّة العبد ، سواء في ذلك للمولى وغيره ، كما هو الحال فيما لو أتلف العبد مال مولاه ، فإنه موجب لضمانه واشتغال ذمّته به ، غاية الأمر أنه يتبع به بعد العتق.

على أنك قد عرفت في المسألة السابقة أنه لا أساس لكون المكاتبة من العقود الجائزة ، فإنها عقد لازم ولا يجوز للعبد تعجيز نفسه.

ولو تنزّلنا عن ذلك كله ، فغاية ما يلزم منه الحكم بانفساخ البيع عند انفساخ المكاتبة ، لاستلزام بقائه اشتغال ذمّة العبد لمولاه وهو غير ممكن على الفرض ، لا الحكم ببطلانه رأساً من الأوّل ، فإنه لا مبرر له بعد ما كان العبد مرخصاً في معاملاته.

على أنّ كلامنا في المقام إنما هو في صحّة الحوالة وعدمها ، وهو يعني فرض صحّة

[3628] مسألة 13 : لو كان للمكاتب دَين على أجنبي فأحال سيِّده عليه من مال الكتابة صحّ (1) فيجب عليه تسليمه للسيِّد (2) ويكون موجباً لانعتاقه ، سواء أدّى المحال عليه المال للسيِّد أم لا (3).

[3629] مسألة 14 : لو اختلفا في أنّ الواقع منهما كانت حوالة أو وكالة ، فمع عدم البيّنة يقدّم قول منكر الحوالة ، سواء كان هو المحيل أو المحتال ، وسواء كان ذلك قبل القبض من المحال عليه أو بعده ، وذلك لأصالة بقاء اشتغال ذمّة المحيل للمحتال وبقاء اشتغال ذمّة المحال عليه للمحيل ، وأصالة عدم ملكيّة المال المحال به للمحتال (4).

ودعوى أنه إذا كان بعد القبض يكون مقتضى اليد ملكيّة المحتال ، فيكون المحيل المنكر للحوالة مدعياً ، فيكون القول قول المحتال في هذه الصورة.

مدفوعة بأنّ مثل هذه اليد لا يكون أمارة على ملكيّة ذيها (5). فهو نظير ما إذا


البيع أمراً مفروغاً عنه ، وإلّا فالكلام في صحّة البيع وعدمها إنما يكون في كتاب البيع لا كتاب الحوالة.

(1) على القاعدة ، لما عرفت من أنّ أمر الدَّين بيد مالكه فله نقل ملكيّته إلى المحتال برضاه ، لأنّ الحقّ لا يعدوهما.

(2) لكونه المالك الجديد.

(3) لحصول الوفاء وفراغ ذمّة المحيل بالنسبة إلى المحتال بمجرد الحوالة.

(4) وجمع الكلّ أصالة عدم تغير الواقع عما كان عليه. فإنّ مقتضى استصحاب بقاء ما كان على ما كان ، الحكم ببقاء اشتغال ذمّة المحيل للمحتال وذمّة المحال عليه للمحيل ، وعدم ملكيّة المال المحال به للمحتال. ولازم ذلك كله عدم الحوالة ، لاقتضائها براءة الذمّتين وملكيّة المحتال للمال المحال به على عكس الوكالة.

(5) لقصور أدلّة حجّية اليد وإثباتها للملكيّة عن شمول موارد اعتراف ذي اليد بسبق الملك لغيره مدّعياً الانتقال إليه ، فإنه لم يثبت كون مثل هذه اليد أمارة على

دفع شخص ماله إلى شخص وادّعى أنه دفعه أمانة ، وقال الآخر : دفعتني هبة أو قرضاً ، فإنه لا يقدّم قول ذي اليد.

هذا كلّه إذا لم يعلم اللّفظ الصادر منهما. وأمّا إذا علم وكان ظاهراً في الحوالة أو في الوكالة فهو المتبع.

ولو علم أنه قال : (أحلتك على فلان) وقال : (قبلت) ثمّ اختلفا في أنه حوالة أو وكالة ، فربّما يقال إنه يقدم قول مدعي الحوالة ، لأن الظاهر من لفظ (أحلت) هو الحوالة المصطلحة ، واستعماله في الوكالة مجاز ، فيحمل على الحوالة.

وفيه : منع الظهور المذكور (1)(1). نعم ، لفظ الحوالة ظاهر في الحوالة المصطلحة ، وأمّا ما يشتقّ منها كلفظ : (أحلت) فظهوره فيها ممنوع. كما أنّ لفظ


ملكيّة ذيها ، بل الثابت عدمها. ومن هنا فيلزم ذا اليد الإثبات ، باعتبار كونه مدعياً.

(1) وفيه ما لا يخفى. فإنّ النقل مأخوذ في مفهوم الحوالة بجميع اشتقاقاته ، لأنها وكما عرفت في أوّل الكتاب مأخوذة من الإحالة والتحويل ، وهما في اللغة بمعنى النقل من مكان إلى مكان أو حال إلى حال أو زمان إلى زمان ، كما هو الحال في تحويل السنة. فالنقل دخيل في المبدأ وجميع اشتقاقاته ومأخوذ في مفهومها ، ومعه فلا يصحّ حمل بعض المشتقات على الوكالة التي هي خالية عن النقل بالمرّة.

وما عن الشهيد الثاني (قدس سره) من دعوى تضمّن الوكالة لنقل حقّ مطالبة الدَّين الثابت للدّائن إلى الوكيل (2).

واضح الفساد ، إذ الوكالة لا تقتضي انتقال حقّ الموكل في المطالبة إلى الوكيل بحيث يمنع هو من المطالبة بدينه ، فإنّ غاية ما في الأمر إعطاء الموكل حقّا للوكيل في مقابل حقّه نفسه ، بحيث يكون لكل منهما المطالبة بالدَّين.

والحاصل أنّ حقّ المطالبة لا ينتقل من الموكل إلى الوكيل ، فإنه باقٍ له كما كان


1) (*) في المنع إشكال.

2) مسالك الأفهام 4 : 228.

الوصيّة ظاهر في الوصيّة المصطلحة ، وأما لفظ : (أوصيت) أو (أُوصيك بكذا) فليس كذلك (1). فتقديم قول مدعي الحوالة في الصورة المفروضة محل منع.

[3630] مسألة 15 : إذا أحال من له عليه دَين على المشتري بالثمن ، أو أحال المشتري البائع بالثمن على أجنبي بري‌ء أو مديون للمشتري ، ثمّ بان بطلان البيع ، بطلت الحوالة في الصورتين ، لظهور عدم اشتغال ذمّة المشتري للبائع واللّازم اشتغال ذمّة المحيل للمحتال (2).

هذا في الصورة الثانية. وفي الصورة الأُولى وإن كان المشتري محالاً عليه ويجوز الحوالة على البري‌ء ، إلّا أنّ المفروض إرادة الحوالة عليه من حيث ثبوت الثمن في ذمّته ، فهي في الحقيقة حوالة على ما في ذمّته لا عليه (3).

ولا فرق بين أن يكون انكشاف البطلان قبل القبض أو بعده. فإذا كان بعد


ومعه يكون استعمال لفظ (أحلتك) فيها استعمالاً مجازياً قطعاً ، فلا يصحّ حمله عليها.

(1) لجواز استعماله في العهد والأمر ، كما في قوله تعالى ( وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا ) (1).

(2) إذ بدونه لا يكون هناك دين كي ينقل بموجب الحوالة من ذمّة المحيل إلى ذمّة المحال عليه.

(3) وفيه ما لا يخفى. فإنّ المحال عليه إنما هو الشخص نفسه لا الدَّين الثابت في ذمّته ، إذ لا معنى لجعل الدَّين محالاً عليه وملزماً بأداء دين المحتال.

نعم ، الداعي والباعث إلى الحوالة على الشخص المعيّن اعتقاده كونه مديناً ومشغول الذمّة له ، ومن الواضح أن تخلّف هذا الاعتقاد لا يوجب ظهور انتفاء المحال عليه بوجه ، فإنه كان ولا يزال موجوداً ، غاية الأمر أنّ المقام يدخل في كبرى تخلّف الداعي والخطأ في التطبيق ، وقد عرفت أنه لا يقتضي البطلان.


1) سورة مريم 19 : 31.

القبض يكون المقبوض باقياً على ملك المشتري (1)(1) فله الرجوع به. ومع تلفه يرجع على المحتال في الصورة الأُولى ، وعلى البائع في الثانية.

[3631] مسألة 16 : إذا وقعت الحوالة بأحد الوجهين ، ثمّ انفسخ البيع بالإقالة أو بأحد الخيارات ، فالحوالة صحيحة ، لوقوعها في حال اشتغال ذمّة المشتري بالثمن ، فيكون كما لو تصرّف أحد المتبايعين في ما انتقل إليه ثمّ حصل


إذن فالصحيح في وجه البطلان أن يقال : إنّ هذه الحوالة بعد ظهور عدم اشتغال ذمّة المحال عليه للمحيل تكون من الحوالة على البري‌ء قهراً ، فتتوقّف صحّتها على قبول المحال عليه ورضاه لا محالة ، إذ لا سلطنة للمحيل في إشغال ذمّة المحال عليه البري‌ء للمحتال من غير رضاه.

ومن هنا فحيث إنّ المفروض في المقام عدم رضاه ، فلا محيص عن الحكم ببطلانها ، فإنّ أداءه للمال المحال به إنما كان لأجل اعتقاد كونه مديناً للمحيل وملزماً بالأداء شرعاً ، ولم يكن من جهة قبوله للحوالة بحدّ ذاتها.

وبعبارة اخرى : إنّ قبوله متفرّع على اعتقاده اشتغال ذمّته فلا ينفع شيئاً ، باعتبار أنّ المطلوب في الحوالة على البري‌ء القبول الذي يتفرع عليه اشتغال الذمّة.

والحاصل أنّ المشتري لما لم يكن يقبل الحوالة بعنوانها ويرضى باشتغال ذمّته وهو بري‌ء ، تعيّن الحكم بفسادها.

(1) وهو إنما يتمّ فيما إذا لم تكن الحوالة على البري‌ء ، وإلّا فالمقبوض باقٍ على ملكه يرجع له على البائع إن كانت العين موجودة ، وإلّا تخيّر في الرجوع على كلّ من البائع والمشتري.

أمّا الأوّل : فلأخذه ماله على نحو التبرع والمجانية ، فإنه موجب للضمان بالسيرة العقلائية القطعية.


1) (*) هذا في غير ما إذا أحال المشتري البائع على البري‌ء. وأما فيه فالمقبوض باقٍ على ملك البري‌ء فله الرجوع به ، ومع تلفه جاز له الرجوع على المحيل وعلى المحتال ، فإنْ رجع على المحيل جاز له الرجوع على المحتال.

الفسخ ، فإنّ التصرف لا يبطل بفسخ البيع (1).

ولا فرق بين أن يكون الفسخ قبل قبض مال الحوالة أو بعده (2) فهي تبقى بحالها ويرجع البائع على المشتري (1)(3) بالثمن.

وما عن الشيخ وبعض آخر من الفرق بين الصورتين ، والحكم بالبطلان في الصورة الثانية وهي ما إذا أحال المشتري البائع بالثمن على أجنبي لأنها تتبع البيع في هذه الصورة ، حيث إنها بين المتبايعين بخلاف الصورة الأُولى ، ضعيف (4)


وأمّا الثاني : فلكون الأداء بأمر منه ، وقد عرفت ضمان الآمر للخسارات المالية الواردة على المأمور بسبب أمره.

ثمّ إن رجع البري‌ء على البائع وأخذ منه بدل ماله مثلاً أو قيمة ، فليس له الرجوع على المشتري بما غرمه. وإن رجع على المشتري به ، كان له الرجوع على البائع بما غرمه لاستقرار الضمان عليه ، نظراً لتلف المال عنده فلا يكون له مجاناً.

وتفصيل الكلام في مبحث تعاقب الأيدي من المكاسب ، فراجع.

(1) إذ الفسخ لا يقتضي رفع الآثار والبطلان من الأوّل ، وإنما يقتضي عدم ترتب الآثار من حينه.

والحاصل أنّ الفسخ لا يؤثر في صحّة العقود السابقة عليه ، فإنها تبقى كما كانت لصدورها من أهلها ووقوعها في محلها ، ومن هنا فينحصر حقّ مالك العين المنقولة ثمناً كانت أم مثمناً في الرجوع إلى البدل.

(2) لحصول النقل والانتقال في الدَّين بمجرد تحقق الحوالة.

(3) وهو من سهو القلم ، والصحيح : ويرجع المشتري على البائع.

(4) فإنّ الحوالة معاملة مستقلّة عن المعاملة الأُولى البيع تماماً وإن اتّحد الطرفان فيهما ، إذ العبرة إنما هي بتعدد المعاملة واتحادها ، لا تعدد الطرفين في المعاملتين واتّحادهما.


1) (*) هذا من سهو القلم ، والصحيح : ويرجع المشتري على البائع.

والتبعيّة في الفسخ وعدمه ممنوعة (1). نعم ، هي تبع للبيع حيث إنها واقعة على الثمن ، وبهذا المعنى لا فرق بين الصورتين.

وربّما يقال ببطلانها إن قلنا أنّها استيفاء ، وتبقى إن قلنا أنّها اعتياض.

والأقوى البقاء وإن قلنا أنها استيفاء ، لأنها معاملة مستقلّة لازمة لا تنفسخ بانفساخ البيع ، وليس حالها حال الوفاء بغير معاملة لازمة ، كما إذا اشترى شيئاً بدراهم مكسرة فدفع إلى البائع الصحاح أو دفع بدلها شيئاً آخر وفاءً ، حيث إنه إذا انفسخ البيع يرجع إليه ما دفع من الصحاح أو الشي‌ء الآخر لا الدراهم المكسرة ، فإنّ الوفاء بهذا النحو ليس معاملة لازمة (1)(2) بل يتبع البيع في


والحاصل أنه لا موجب لبطلان المعاملة الثانية وانفساخها بانفساخ البيع ، فإنها معاملة مستقلّة عنه ، ولا علاقة لها به من حيث الفسخ.

نعم ، هي تابعة له من حيث أصل الوجود باعتبار أنها واقعة على الثمن ، فإذا تحقّق صحّت الحوالة ولزمت ، سواء فسخ بعد ذلك أم لم يفسخ ، فإنهما سيان بالنسبة إليها.

(1) فإنّ حالها في ذلك حال سائر التصرفات الصادرة من أحد المتبايعين ، حيث قد عرفت عدم تأثير الفسخ على شي‌ء منها على الإطلاق.

(2) فيه إشكال بل منع. فإنّ الظاهر لزوم الوفاء مطلقاً وعدم تبعيته للبيع في الانفساخ ، فإنّ سلب ملكيّة الدّائن عما قبضه عوضاً عن حقّه برضا المدين ووفاء منه ، يحتاج إلى الدليل وهو مفقود.

وبعبارة اخرى : إنّ أداء المدين لدينه بغير ما ثبت في ذمّته وصفاً أو جنساً وقبض الدَّائن له برضاه واختياره موجب لملكيّته الدّائن له ، ومن هنا فيكون تصرّف المدين فيه بعد ذلك تصرفاً في مال الغير بغير رضاه وأكلاً للمال لا عن تراض. ولذا لم يلتزم أحد من الأصحاب قط بجواز رجوع المعطي فيما أعطاه قبل الفسخ ليبدله بمثله جنساً ووصفاً فضلاً عن غير المماثل له ، فإنه ليس إلّا لاحتياج سلب الملكيّة بعد


1) (*) الظاهر أنّها معاملة لازمة ، فلا تتبع البيع في الانفساخ.

الانفساخ ، بخلاف ما نحن فيه ، حيث إنّ الحوالة عقد لازم وإن كان نوعاً من الاستيفاء.

[3632] مسألة 17 : إذا كان له عند وكيله أو أمينه مال معيّن خارجي فأحال دائنه عليه ليدفع إليه بما عنده ، فقبل المحتال والمحال عليه (1) وجب عليه الدفع إليه (2) وإن لم يكن من الحوالة المصطلحة (3). وإذا لم يدفع له الرجوع على


ثبوتها إلى الدليل وهو مفقود.

والحاصل أنّ الوفاء معاملة لازمة مطلقاً ، سواء في ذلك ما كان بنحو الحوالة أو غيرها.

(1) أمّا المحتال فلا ينبغي الشكّ في اعتبار قوله ، إذ لا يلزمه القبول بالرجوع على غير المدين ، فإنّ له رفض ذلك ومطالبة ماله من شخصه.

وأمّا المحال عليه فلا وجه لاعتبار قبوله ، فإنّ المال لغيره وليس هو إلّا أميناً عليه أو وكيلاً فيه ، فعليه امتثال طلب المالك أداءه إلى غيره على حدّ طلبه تسليمه إلى نفسه.

والحاصل أنّ المحال عليه ليس مخيراً في الأداء وعدمه كي يعتبر قبوله ، بل يلزمه امتثال الأمر وتسليم المال إلى مالكه أو من يقوم مقامه.

ولعلّ الماتن (قدس سره) إنما أخذ هذا القيد مقدّمة لما سيأتي منه من ضمان المحال عليه ، معلِّلاً ذلك بالغرور ، لعدم تحقق الغرور بغير القبول جزماً.

(2) فإنّ المال مال المحيل وأمره بيده وليس المحال عليه إلّا وعاء وظرفاً له ، فيجب عليه تسليمه إلى المحتال كما كان يجب عليه تسليمه إلى نفس المحيل لو كان يطلبه منه فإنّ إعطاءه له بمنزلة إعطائه إليه ، وليس له التخلّف عن طلبه حتى بحجّة تسليمه إلى المحيل نفسه. بل لو فعل ذلك لكان ضامناً للمال ، وخرج عن عنوان الأمين إلى عنوان المتعدّي والغاصب.

(3) لعدم انتقال الدَّين من ذمّة المحيل إلى ذمّة المحال عليه ، فإنّ المحيل يبقى بنفسه مشغول الذمّة للمحتال إلى حين وصول حقّه منه مباشرة أو من وكيله أو أمينه.

المحيل لبقاء شغل ذمّته. ولو لم يتمكّن من الاستيفاء منه ضمن الوكيل المحال عليه (1)(1) إذا كانت الخسارة الواردة عليه مستندةً إليه ، للغرور.


(1) وفيه ما لا يخفى ، لمنع الغرور صغرى وكبرى.

أمّا الأوّل : فلعدم صدقه فيما إذا كان المحال عليه بانياً على الأداء والدفع ثمّ بدا له ما يمنعه عنه ، فإنّه لا يصدق عليه التغرير قطعاً.

وكذا لو كان المحال عليه عالماً بالتزام المحيل بدفع المال وإفراغ ذمّته ، فإنّ امتناعه حينئذ لا يوجب صدق الغرور بعد اعتقاده وصول الحقّ إلى صاحبه.

وأمّا الثاني : فلمّا عرفته غير مرّة من عدم إيجاب مجرّد الغرور للضمان. ولذا لم يلتزم أحد قطّ بضمان من رغّب غيره في سلعة ، بدعوى زيادة قيمتها في المستقبل أو زيادة الرغبة عليها ، فظهر العكس وخسر المشتري.

وبالجملة فمجرّد الغرور ليس من أسباب الضمان ، على أنّ صدقه في بعض الموارد محل منع.

وبهذا ينتهي كتاب الحوالة ، وبالفراغ منه يتمّ الفراغ من كتاب العروة الوثقى بتمامه وذلك على حسب منهج سيِّدنا الأُستاذ الوالد دام ظلّه في الدرس.

وإنِّي إذ أحمدُ اللّه تبارك وتعالى على ما وفّقني لحضوره من محاضرات سيِّدنا دام ظلّه وتحريرها ، لأسأله أن يطيل في عمره الشريف مناراً وملاذاً للمسلمين.

وكان الفراغ منه في يوم الثلاثاء العاشر من ربيع الأوّل سنة ألف وأربعمائة وخمسة من الهجرة النبوية الشريفة ، وذلك بمدرسة دار العلم العامرة حتى ظهور الحجّة البالغة إن شاء اللّه جنب الروضة العلوية المقدّسة على مشرفها آلاف التحيّة والثناء.

(تمّ كتاب الحوالة)

وأنا الأقلّ : محمّد تقي الخوئي


1) (*) فيه إشكال بل منع.

فهرس الموضوعات

فهرس الموضوعات

الموضوع / الصفحة

كتاب المضاربة

معاني المضاربة... 3

دفع المال إلى الغير للتجارة... 4

شروط المضاربة :... 6

الأوّل : أن يكون رأس المال عيناً... 7

الثاني : أن يكون من الذهب أو الفضّة المسكوكين... 11

الثالث : أن يكون معلوماً قدراً ووصفاً... 13

الرابع : أن يكون معيّناً... 14

الخامس : أن يكون الربح مشاعاً بينهما... 15

السادس : تعيين حصّة كل منهما... 16

السابع : أن يكون الربح بين المالك والعامل... 16

الثامن : أن يكون رأس المال بيد العامل... 17

التاسع : أن يكون الاسترباح بالتجارة... 17

العاشر : أن لا يكون المال بمقدار يعجز العامل عنه... 18

المضاربة على ماله الموجود في يد غيره... 24

المضاربة جائزة من الطرفين يجوز لكل منهما فسخها... 25

حكم المراد من العقد... 33

اشتراط المالك على العامل في الخسارة وضمان رأس المال... 35

اشتراط المالك على العامل في السفر والبيع والشراء... 37

لا يجوز للعامل خلط رأس المال مع مال آخر... 43

حرّيّة تصرف العامل مع إطلاق العقد... 43

حكم عدم الإذن في البيع نسيئة مع إطلاق العقد... 44

حكم قيمة المثل عند إطلاق العقد... 45

عدم اعتبار البيع بالنقد في صورة الإطلاق... 45

عدم جواز شراء المعيب... 46

الشراء بعين المال في صورة الإطلاق... 46

حكم شراء في الذّمة :... 46

أحدها : أن يشتري بقصد المالك وفي ذمّته... 47

الثاني : أن يقصد كون الثمن في ذمّته... 47

الثالث : أن يقصد ذمّة نفسه... 48

الرابع : كذلك ، مع قصد دفع الثمن من مال المضاربة... 48

الخامس : قصد الشراء في ذمّته من غير التفات إلى نفسه وغيره... 50

على العامل تحمّل أعباء العمل التجاري بعد تحقق عقد المضاربة... 50

نفقه سفر العامل من رأس المال مناطة بإذن المالك... 51

المراد بالنفقة... 52

اقتصار النفقة على القدر اللائق... 52

المراد من السفر العرفي لا الشرعي... 52

استحقاق النفقة مختص بالسفر المأذون فيه... 53

لو تعدّد أرباب المال توزّع النفقة... 54

لا يشترط في استحقاق النفقة ظهور ربح... 55

حكم ما لو فرض أثناء السفر... 55

لو حصل الفسخ في السفر فنفقة الرجوع على العامل... 56

حكم تداخل العقد بين المضاربة والقرض والبضاعة... 57

لو اختلف العامل والمالك في نوع المعاملة... 60

اعتبار قول المالك للعامل... 63

عدم اعتبار تفاوت التخيير في تعيين ربح النصف... 64

جواز اتحاد المالك وتعدّد العامل... 64

جواز تعدّد المالك واتحاد العامل... 64

إذا كان المال مشتركاً بين اثنين... 65

بطلان المضاربة بموت كلّ من العامل والمالك... 67

لا يجوز للعامل أن يوكل وكيلاً في عمله إلّا بإذن المالك... 69

إذا أذن في مضاربة الغير :... 69

الأوّل : أن يكون يجعل العامل الثاني عاملاً للمالك... 69

الثاني : أن يجعله شريكاً معه في العمل والحصّة... 71

الثالث : أن يجعله عاملاً لنفسه... 71

إذا ضارب العامل غيره من دون إذن المالك... 71

اشتراط أحدهما على الآخر ضمن عقد المضاربة مالاً أو عملاً... 73

رأي الشيخ الطوسي في المسألة والجواب عليه... 73

ملكيّة العامل لحصّته من الربح بمجرّد ظهوره... 76

أقوال والد الفخر الأربعة في المسألة... 77

اعتبار الربح وقاية لرأس المال... 79

إذا ظهر الربح ونضّ تمامه أو بعضه... 81

بيع العامل حصّته من الربح بعد ظهوره... 83

الخسارة الواردة على مال المضاربة تجبر بالربح... 84

العامل أمين فلا يضمن إلّا بالخيانة... 86

لا يجوز للمالك أن يشتري من العامل شيئاً من مال المضاربة... 87

جواز شراء العامل شيئاً من مال المضاربة... 88

للعامل الأخذ بالشفعة من المالك في مال المضاربة... 88

عدم جواز وطء العامل الجارية التي اشتراها بمال المضاربة... 90

وطء العامل الجارية بإذن المالك... 91

حكم زوج المالكة في المضاربة المشترى من قبل العامل... 95

شراء العامل من ينعتق على المالك... 97

شراء العامل أباه أو غيره ممن ينعتق عليه... 102

أحكام الفسخ في عقود المضاربة :... 106

الأُولى : كون الفسخ قبل الشروع في العمل... 107

الثانية : إذا كان الفسخ قبل الشروع في العمل... 108

الثالثة : كون الفسخ من العامل بعد السفر بإذن المالك... 110

الرابعة : حصول الفسخ قبل حصول الربح وبالمال عروض... 110

الخامسة : حصول الفسخ بعد حصول الربح وبالمال عروض... 112

السادسة : لو كان في المال ديون على الناس... 113

السابعة : قيام الوارث مقام المالك أو العامل في موتهما... 114

الثامنة : على العامل بعد الفسخ فقط التخلية بين المالك وماله... 114

أحكام كون الربح وقاية لرأس المال... 116

حكم كون المضاربة فاسدة... 120

حكم من ادعى على أحد مال مضاربة بدون بيّنة... 124

تنازع المالك والعامل حول مقدار رأس المال المعطى للعامل... 125

ادعاء المالك على العامل التخلف في العقد... 125

التنازع في التلف... 128

التنازع في مقدار حصّة العامل... 135

التنازع في أصل المضاربة أو تسليم المال... 136

التنازع في صحّة المضاربة وبطلانها... 137

ادعاء أحدهما الفسخ في الأثناء وإنكار الآخر... 137

ادعاء العامل الرد وإنكار المالك... 138

اختلاف العامل والمالك في الشراء للمضاربة وغيره... 138

التنازع في أن المالك ضارب العامل أو أقرضه... 139

النزاع في أن المالك أقرضه والعامل ضاربه... 139

ادعاء المالك الإبضاع والعامل المضاربة... 140

الاختلاف في مقدار الربح... 142

مسائل... 142 - 178

الأُولى : موت العامل وعنده مال المضاربة... 142

الثانية : اعتبار التنجيز في المضاربة... 153

الثالثة : لا يشترط عدم الحجر في العامل... 156

الرابعة : العروض المبطّلة للمضاربة... 156

الخامسة : مضاربة المالك في مرض الموت... 158

السادسة : كون رأس المال لغير المضارب... 158

السابعة : اشتراط المضاربة في ضمن عقد لازم... 160

الثامنة : إيقاع المضاربة بعنوان الجعالة... 162

التاسعة : اتجار الأب والجد بمال المولى عليه... 163

العاشرة : إيصاء الأب والجد بالمضاربة بمال المولى عليه... 164

الحادية عشرة : تلف المال في يد العامل بعد موت المالك... 169

الثانية عشرة : إذا فسخ أحد الشريكين العقد... 169

الثالثة عشرة : إذا أخذ العامل مال المضاربة وترك التجارة مدّة... 170

الرابعة عشرة : اشتراط عدم جبر الربح بالخسران... 170

الخامسة عشرة : مخالفة العامل المالك... 171

السادسة عشرة : إذا تعدد العامل في المضاربة... 172

السابعة عشرة : إذا أذن المالك في المعاملة نسيئة فهلك المال... 175

الثامنة عشرة : كراهة المضاربة مع الذمّي... 176

التاسعة عشرة : المضاربة بالمال الكلّي... 177

العشرين : حكم تبعيض تسليم المال للعامل... 177

فصل في أحكام الشركة... 182 - 215

أقسام الشركة... 181

اختصاص الشركة بالأعيان... 188

لو استأجر اثنين لعمل واحد... 192

حكم الاشتراك في حيازة شيء... 196

اشتراط الامتزاج في الشركة العقديّة... 197

يتساوى الشريكان في الربح والخسارة عنه تساوي المالين... 200

حكم اشتراط الربح أو الخسارة لأحدهما... 206

العامل أمين ما لم يفرط... 208

عقد الشركة من العقود الجائزة... 208

تعيين الأجل في عقد الشركة... 210

ادعاء أحدهما على الآخر الخيانة... 210

ادعاء العامل التلف... 210

بطلان الشركة بالموت... 210

النزاع في أنه اشترى لنفسه أو بالشركة... 215

كتاب المزارعة

مشروعيتها واستحبابها... 219

شرائط عقد المزارعة... 222

أحدهما : الإيجاب والقبول... 222

الثاني : البلوغ والعقل والاختيار وعدم الحجر ومالكيّة التصرّف... 225

الثالث : أن يكون النماء مشتركاً بينهما... 226

الرابع : أن يكون مشاعاً بينهما... 227

الخامس : تعيين المدّة... 228

السابع : كون الأرض قابلة للزرع... 230

الثامن : تعيين الأرض... 230

العاشر : تعيين البذر على أي منهما... 234

عدم اشتراط كون الأرض ملكاً للزارع... 236

حكم الأذن في زرع أرضه... 237

المزارعة عن العقود اللازمة... 239

حكم المزارعة المعاطاتيّة... 243

حكم المزارعة الإذنيّة... 244

إذا استعار أرضاً للمزارعة... 246

إذا شرط أحدهما على الآخر شيئاً... 249

إذا شرط مدّة معيّنة والزرع لم يبلغ... 252

لو ترك الزارع الزرع حتى انقض المدّة... 256

إذا غصب الأرض غاصب... 259

إذا عين المالك نوعاً من الزرع... 260

لو زارع على أرض لا ماء لها... 264

لا فرق في المزارعة بين كون البذر من أيّهما... 266

المزارعة بين أزيد من اثنين... 269

مزارعة العامل غيره... 271

إذا تبيّن بطلان العقد... 274

تحديد زمان الاشتراك في الحاصل... 277

إذا حصل موجب الانفساخ في الأثناء... 280

إذا حصل الفسخ في الأثناء... 280

إذا تبيّن بعد عقد المزارعة مغصوبية الأرض... 286

خراج الأرض على صاحبها... 293

من عليله المؤن... 295

جواز الخرص بمقدار من الحاصل... 296

وجوب الزّكاة على من بلغ نصيبه النصاب... 302

إذا بقي أصل الزرع فنبت... 302

لو اختلفا في المدّة... 304

لو اختلفا في كون البذر ونحوه على أيّهما... 305

لو اختلفا في الإعارة والمزارعة... 305

لو ادعى المالك الغصب والزارع المزارعة... 309

حكم قلع زرع الزارع بعد تعلق الزّكاة وقبل البلوغ... 310

يجوز لمن بيده الأرض الخراجية أن يسلمها إلى غيره... 310

إذا قصر العامل في تربية الزرع فقلّ الحاصل... 311

إذا ادعى على العامل التقصير في العمل... 312

ادعاء أحدهما شرطاً وإنكار الآخر أصل الاشتراط... 312

لو ادعى أحدهما الغبن في المعاملة... 313

مزارعة الأرض الموقوفة... 313

جواز مزارعة الكافر... 314

النهي عن جعل ثلث للبذر وثلث للبقر وثلث لصاحب الأرض... 315

جواز المصالحة عن الحصّة بمقدار معيّن... 315

جواز المزارعة على الأرض البائرة... 316

استحباب الدعاء عنه نثر الحب... 317

كتاب المساقاة

فصل في معنى المساقاة وشرائطها... 321 - 385

شرائط المساقاة :

الأوّل : الإيجاب والقبول... 322

الثاني : البلوغ والعقل والاختيار... 323

الثالث : عدم الحجر... 324

الرابع : كون الأُصول مملوكة عيناً أو منفعة... 324

الخامس : كونها معيّنة عندهما... 324

السادس : كونها ثابتة مغروسة... 324

السابع : تعيين المدّة... 325

الثامن : أن يكون قبل ظهور الثمر... 325

التاسع : أن تكون الحصّة معيّنة مشاعة... 326

صحّة المساقاة قبل ظهور الثمر... 327

المساقاة على أشجار لا ثمر لها... 328

حكم المساقاة على أُصول غير ثابتة... 328

حكم المعاملة على أشجار لا تحتاج إلى السقي... 329

المساقاة على فلان مغروسة... 329

المساقاة على ودي غير مغروسة... 330

المساقاة لازمة... 330

حكم المساقاة إذا مات أحد الطرفين... 331

تعيين ما على كل منهما من الأعمال... 332

لو اشتراط كون جميع الأعمال على المالك... 333

ترك العامل ما اشترط عليه من الأعمال... 334

لو شرط العامل أن يعمل غلام المالك معه... 336

لا يشترط مباشرة العامل للعمل... 337

بطلان العقد إذا اشترطا انفراد أحدهما بالثمر... 339

عدم اعتبار العلم بمقدار كل من أنواع الأشجار... 340

جواز إفراد كل نوع بحصّته... 341

حكم ما لو مساقاة بحصّة... 342

اشتراط أحدهما على الآخر شيء غير الحصّة... 343

إذا اشترطا شيئا ثمّ تلف بعض الثمرة... 343

لو جعل المالك للعامل حصّة من الأُصول... 349

إذا تبيّن خلال المدّة عدم خروج الثمر أصلاً... 351

حكم الاستيجار بحصّة من الثمرة... 351

حكم ما إذا بطل عقد المساقاة... 353

اشتراط مساقاة في عقد مساقاة... 355

جواز تعدّد العامل أو المالك... 356

حكم ترك العامل العمل... 356

إذا تبرّع عن العامل متبرع بالعمل... 359

إذا فسخ المالك العقد بعد امتناع العامل عن الإنماء... 361

عدم اعتبار الاشهاد على الاستيجار عن العامل... 362

لو تبيّن أن الأُصول مغصوبة... 364

حكم مساقاة العامل غيره... 369

خراج الأرض على المالك... 371

ملكيّة العامل الحصّة تبدأ من حين الظهور... 371

حكم الزّكاة بالنسبة إلى العامل... 375

صور التنازع بين المساقين... 377

إذا ثبت خيانة العامل... 378

بطلان المغارسة... 379

الجهل بكيفية وصحّة المغارسة... 383

تذنيب... 385

كتاب الضّمان

فصل في معنى الضّمان وشرائطه... 389 - 477

شرائط الضّمان... 389

أحدها : الإيجاب... 389

الثاني : القبول من المضمون له... 390

الثالث : كون الضامن بالغاً عاقلاً... 393

الرابع : كونه مختاراً... 395

الخامس : عدم كونه محجوراً... 395

السادس : أن لا يكون الضامن مملوكاً... 397

السابع : التنجيز... 400

الثامن : ثبوت الدين في ذمّة المضمون عنه... 403

التاسع : أن لا تكون ذمّة الضامن مشغولة للمضمون عنه... 405

العاشر : امتياز الدَّين والمضمون له والمضمون عنه عنه الضامن... 407

عدم اعتبار العلم بمقدار الدَّين ولا جنسه... 408

بالضمان ينتقل الحق إلى ذمّة الضامن... 411

إذا أبرأ المضمون له ذمّة الضامن... 412

الضمان لازم من طرف الضامن والمضمون له... 413

حكم اشتراط الخيار في الضمان... 418

هل يثبت الخيار إذا تبيّن كون الضامن مملوكاً... 419

جواز ضمان الدَّين الحال... 419

إذا ضمن الدَّين الحال مؤجّلاً... 421

حكم ما إذا حلّ المؤجّل بالموت... 422

إذا ضمن الدَّين المؤجّل حالاً بإذن المضمون عنه... 422

إذا ضمن الدَّين المؤجّل بأقل من أجله وأداه... 423

إذا ضمن بغير إذن المضمون عنه... 423

ليس للضامن من الرجوع إلّا بعد الأداء... 424

للضامن الرجوع وإن احتسب عليه المضمون له... 426

لو باعه المضمون له بما يساوي أقلّ من الدَّين... 427

إذا دفع المضمون عنه إلى الضامن مقدار ما ضمن... 428

إذا دفع المضمون عنه بأمر الضامن... 430

إذا دفع المضمون عنه بغير إذن الضامن... 432

إذا ضمن تبرعاً فضمن عنه ضامن... 432

يجوز أن يضمن الدَّين بأقلّ منه أو أكثر... 432

يجوز الضمان بغير جنس الدَّين... 434

يجوز الضمان بغير جنس الرهانة... 434

إذا كان على الدَّين رهن فهل ينفك بالضمان... 436

اشتراط الضمان في مال معيّن... 437

إذا أذن المولى مملوكه في الضمان في كسبه... 439

إذا ضمن اثنان أو أزيد عن واحد... 440

إذا ضمن كل من المدنيين لواحد دين الآخر... 444

عدم اعتبار علم الضامن بثبوت الدَّين... 448

لو قال الضامن عليّ ما تشهد به البيّنة... 451

جواز الدَّور في الضمان... 452

حكم الضمان عن الفقير... 454

كون الدين زكاة أو خمساً... 455

إذا ضمن في مرض موته... 456

إذا كان يعتبر فيما علي المديون المباشرة... 457

حكم ضمان نفقة الزّوجة والأقارب... 458

ضمان مال الكتابة... 461

حكم ضمان مال الجعالة والسبق والرماية... 463

حكم ضمان الأعيان المضمونة... 464

حكم ضمان درك الثمن للمشتري... 469

حكم ضمان أرش المعيب... 471

إذا ضمن عهدة الثمن فظهر بعض المبيع مستحقّاً... 473

ضمان ما يحدّثه المشتري في الأرض... 474

لو قال ألقِ متاعك في البحر وعليّ ضمانه... 476

تتمّة : في صور التنازع... 477 - 488

لو اختلف المضمون له والمضمون عنه في أصل الضمان... 478

لو اختلفا في أصل الضمان... 481

لو اختلفا في الإذن وعدمه... 482

إذا أنكر الضامن الضمان... 483

إذا ادعى الضامن الوفاء وأنكر المضمون له... 486

لو أذن له المدين في وفاء دينه فوفى... 487

كتاب الحوالة

تعريف الحوالة... 491

الشرائط المعتبرة في الحوالة... 491

أحدها : الإيجاب والقبول... 494

الفرق بين الإذن والوكالة... 497

الثاني : التنجيز... 498

الثالث : الرضا من المحيل والمحتال... 499

الرابع : أن يكون المال المحال به ثابتاً في ذمّة المحيل... 501

الخامس : أن يكون المال المحال به معلوماً لهما... 503

السادس : تساوي المالين جنساً ونوعاً ووصفاً... 504

حكم الحوالة بالمنفعة والعمل... 506

براءة ذمّة المحيل بتحقق الحوالة... 507

لا يجب على المحتال قبول الحوالة... 510

يجوز فسخ الحوالة إذا كانت على معسر... 510

حكم الحوالة على البريء... 512

اشتراط خيار الفسخ لكل من الثلاثة... 513

جواز الدور والترامي في الحوالة... 513

لو تبرّع أجنبي أو المحيل عن المحال عليه برأت ذمّته... 514

لو ادعى المحيل على المحال عليه مالاً وأنكره المحال عليه... 514

هل يتوقف شغل ذمّة المحيل للبريء على الأداء... 519

صحّة حوالة السيِّ على مكاتبه بمال الكتابة... 522

لو باع السيِّد مكاتبه سلعة فأحال عليه... 525

لو أحال المكاتب سيِّده على مدينه... 526

لو اختلفا في أن الواقع منهما حوالة أو وكالة... 526

إذا أحال البائع دائنه على المشتري ثمّ تبيّن بطلان البيع... 528

إذا وقعت الحوالة بأحد الوجهين... 529

إذا أحال على وكيله بمال شخصي في يده... 532

فهرس الموضوعات... 535

الصورة

551-31

الصورة

552-31

الصورة

553-31

الصورة

554-31

الصورة

555-31

الصورة

556-31

الصورة

557-31

الصورة

558-31