موسوعة الإمام الخوئی جلد 28

ghaemiyeh.com

هوية الكتاب

سرشناسه : خوئی، سید‌ابوالقاسم، 1278 - 1371.

عنوان و نام پديدآور : المستند في شرح‌العروة‌الوثقی/ [محمدکاظم یزدی]؛ تقریرا الابحاث ابوالقاسم الموسوی‌الخوئی؛ تالیف مرتضی البروجردی.

مشخصات نشر : قم: موسسه احیاء آثارالامام‌الخوئی (قدس)، 14ق.= 20م.= 13.

مشخصات ظاهری : ج.

فروست : موسوعه‌الامام‌الخوئی.

شابک : ج.11، چاپ دوم: 964-6812-44-9 ؛ ج. 11، چاپ سوم: 964-6812-43-0 ؛ ج. 12، چاپ سوم: 964-6812-44-9 ؛ ج. 13، چاپ سوم: 964-6812-46-X ؛ ج. 14: 964-6812-50-3 ؛ ج. 15: 964-6812-53-8 ؛ ج. 16، چاپ سوم 964-6337-00-4 : ؛ ج. 17، چاپ سوم: 964-6337-04-7 ؛ ج. 18، چاپ سوم: 964-6337-03-9 ؛ ج. 19، چاپ سوم 964-6337-02-0 :

وضعیت فهرست نویسی : برون سپاری

يادداشت : عربی.

يادداشت : کتاب حاضر قبلا تحت عنوان "مستندالعروه‌الوثقی" به چاپ رسیده است.

يادداشت : فهرست‌نویسی بر اساس جلد یازدهم: 1421ق. = 2000م. = 1379.

يادداشت : ج.11( چاپ دوم: 1426ق.= 2005م.= 1384).

يادداشت : ج. 11 -18 (چاپ سوم : 1428ق. =2007م. = 1386).

يادداشت : ج.14 (چاپ سوم:1421ق.= 1379).

يادداشت : ج.30 (چاپ؟: 1422 ق. = 1380).

يادداشت : ج.30 (چاپ سوم: 1428ق. = 2007م. = 1386).

يادداشت : عنوان عطف: شرح عروه‌الوثقی.

یادداشت : کتابنامه.

مندرجات : ج.11 الصلاه.-ج.30. الاجاره.

عنوان عطف : شرح عروه‌الوثقی.

عنوان دیگر : العروه‌الوثقی. شرح.

عنوان دیگر : شرح‌العروه‌الوثقی.

موضوع : یزدی، سیدمحمدکاظم بن عبدالعظیم، 1247؟ - 1338؟ ق . عروه‌الوثقی -- نقد و تفسیر

موضوع : فقه جعفری -- قرن 14

شناسه افزوده : یزدی، سیدمحمدکاظم‌بن عبدالعظیم، -1253 1338؟ق.

شناسه افزوده : بروجردی، مرتضی، 1377-1308.

شناسه افزوده : موسسه احیاء آثار الامام الخوئی (ره)

رده بندی کنگره : BP183/5/ی4ع4021377 1300 ی الف

رده بندی دیویی : 297/342

شماره کتابشناسی ملی : م‌79-21167

المحرّر الرّقمي: محمّد علي ملك محمّد

اطلاعات رکورد کتابشناسی : ركورد كامل

المؤلف: السيّد محمّد رضا الموسوي الخلخالي

الناشر: مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي قدّس سرّه

الطبعة: 0

الموضوع : الفقه

تاريخ النشر : 0 ه.ق

ISBN (ردمك): 964-6048-15-X

المكتبة الإسلامية

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ

وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَی سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ

وَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَی أَعْدَائِهِم أَجْمَعِينَ

مِنَ الآنِ إِلَی قِيَامِ يَومِ الدِّينْ

اشارة

الْمُعْتَمَدُ فِي شَرْحِ الْمَنَاسِكِ

الْمُعْتَمَدُ فِي شَرْحِ الْمَنَاسِكِ

تقرير الإبحاث

الأستاذ الأعظم سماحة آية اللّه العظمی السيد أبوالقاسم الموسوي الخوئي قدس سره

«1317 - 1413 ه»

الحج

تأليف: آية اللّه الشهيد السيّد محمّد رضا الموسوي الخلخالي قدس سره

طبعة منقحة

مؤسسة الخوئي الإسلامية

جميع الحقوق محفوظة ومسجّلة لمؤسسة الخوئي الإسلامية

الجزء الثامن والعشرون

الناشر: مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي قدس سره

(مؤسسة الخوئي الإسلامية)

هاتف: 2932264 251 98+ - 1530367 912 98+

تاريخ الطبع: 1430 ه ، 2009 م

المطبعة: نينوي

الطبعة: الرابعة

عدد النسخ: 1000 دورة

X - 15 - 6084 - 964 : ISBN

Email:info@alkhoei.net

www.alkhoei.com

www.alkhoei.net

المقدمة

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمّد وآله الطيبين الطاهرين.

لا يخفى أن كتاب الحج من «العروة الوثقى» لم يكمله السيِّد الطباطبائي (قدس سره) في نطاق تأليفه لهذا السفر الفقهي الجليل فلم يذكر جميع واجباته وأركانه بل بقي يفقد جوانب عديدة لها أهميتها من هذا البحث.

ولتعميم الفائدة وإكمال هذا النقص شرع سيدنا الأستاذ (دام ظله) في بحث الحج من تروك الإحرام على الترتيب الذي رتب فيه مناسكه.

وحيث إن مثل هذه الكتب تعتبر كتباً مصدرية روعي فيها بحث كل مسألة من جميع جوانبها بنحو من التوسعة والتفصيل لذلك يصعب على الكثير ممن يهمهم الوقوف على مسائل البحث أن يستوعبوا مثل هذه التفصيلات ... لذلك رغب سيدنا الأستاذ (دام ظله) شرح مناسكه بكاملها.

لذا قمت بهذا الواجب وقد حالفني التوفيق - والحمد لله - أن أشرح مناسك الحج بكاملها شرحاً روعي فيه أمران:

الأول : أن الشرح كان على ضوء آرائه التي استفدتها من درسه (دام ظله) لكتاب الحج أصلاً وتكملة.

الثاني : الاقتصار على بيان مدرك كل مسألة لنحقق رغبة سيدنا الأستاذ (حفظه اللّه) من إخراج هذا الشرح بنحو من الاختصار غير المخل.

و من اللّه سبحانه نسأل القبول والتوفيق لكلّ ما فيه رضاه.

النجف الأشرف

رضا الموسوي الخلخالي

وجوب الحجّ

يجب الحجّ على كلّ مكلّف جامع للشرائط الآتية ووجوبه ثابت بالكتاب والسنّة القطعيّة.

والحجّ ركن من أركان الدِّين ووجوبه من الضروريّات (1)


(1) لا ينبغي الرّيب والإشكال في أنّ الحجّ من أوضح الواجبات الإلهيّة ، ومن أعظم الشعائر الإسلاميّة ، وهو ركن من أركان الدِّين ، ووجوبه من الضروريّات عند المسلمين ، بل هو المعروف لدى بعض الأُمم السابقة ، أقرّه الإسلام ولكن جعل له أحكاماً خاصّة تختلف عمّا سبق ، وهو من أفضل الطاعات والقربات إلى اللّه تعالى وأهمّ العبادات ، وقد صرّح الكتاب العزيز بوجوبه فقال عزّ من قائل :

( ... وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ ) (1).

كما وأنّ الأخبار المتواترة صرّحت بذلك (2)وفي روايات كثيرة مذكورة في كتب الفريقين أنّ الإسلام بني على خمس وعدّ منها الحجّ.

ففي صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : «بُني الإسلام على خمسة


1) آل عمران 3 : 97.

2) الوسائل 11 : 7 / أبواب وجوب الحجّ ب 1 ، 3 ، 6.

وتركه مع الاعتراف بثبوته معصية كبيرة (1) كما أنّ إنكار أصل الفريضة إذا لم يكن مستنداً إلى شبهة كفر (2)


أشياء : على الصّلاة والزّكاة والحجّ والصّوم والولاية» (1).

وفي صحيح البخاري قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) : «بُني الإسلام على خمس : شهادة أنّ لا إله إلّا اللّه ، وأنّ محمّداً رسول اللّه ، وإقام الصّلاة وإيتاء الزّكاة والحجّ وصوم رمضان» (2)ونحوه في صحيح مسلم.

(1) بل من أعظم الكبائر لأنّه من أهمّ الواجبات الإسلاميّة ، وكما قدّمنا من الدعائم الخمس الّتي بني عليها الإسلام ، فحكم تارك الحجّ عمداً حكم تارك الصّلاة والزّكاة في الإثم واستحقاق العقاب. ويستفاد ذلك أيضاً من بعض النصوص الواردة في عدّ الكبائر (3). كما وقد صرّحت بعض الأخبار الواردة في تسويف الحجّ «أنّه من مات ولم يحجّ حجّة الإسلام فليمت يهوديّاً أو نصرانيّاً» (4).

(2) لأنّه يستلزم حينئذ إنكار النّبيّ (صلّى اللّه عليه وآله) وتكذيبه ، وأمّا إذا كان إنكاره مستنداً إلى شبهة بحيث لا يوجب إنكار النّبيّ (صلّى اللّه عليه وآله) فلا يوجب الكفر ، لما ذكرنا في كتاب الطّهارة أنّ إنكار الضروري بنفسه ما لم يرجع إنكاره إلى إنكار النّبيّ (صلّى اللّه عليه وآله) لا يوجب الكفر ، وقد قلنا هناك إنّ الإسلام متقوم بأُمور ثلاثة بها يمتاز المسلم عن الكافر ، وهي الشهادة بالوحدانيّة والشهادة بالرسالة والاعتقاد بالمعاد ، وليس إنكار الضروري منها (5).

وقد يستدل على كفر منكر الحجّ بوجهين :


1) الوسائل 1 : 13 / أبواب مقدّمة العبادات ب 1 ح 2.

2) صحيح البخاري 1 : 8 / كتاب الإيمان ، صحيح مسلم 1 : 72 / كتاب الإيمان ب 5 ح 19.

3) الوسائل 15 : 318 / أبواب جهاد النفس ب 46 ح 2.

4) الوسائل 11 : 29 / أبواب وجوب الحجّ ب 7 ح 1.

5) راجع شرح العروة 3 : 53.

قال اللّه تعالى في كتابه المجيد ( ... وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ ) .


الوجه الأوّل : التمسّك بذيل آية الحجّ في قوله تعالى ( ... وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ ) (1)فإنّ التعبير عن الترك بالكفر كاشف من أنّ منكره كافر.

والجواب عنه أوّلاً : أنّ الآية الشريفة غير دالّة على أنّ منشأ الكفر هو إنكار الحجّ بل الظاهر من الآية الكريمة أن من كفر بسبب من أسبابه فيكون كفره منشأً لترك الحجّ طبعاً ، ونظير ذلك قوله تعالى ( ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ. قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ. وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ. وَكُنّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ. وَكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ ) (2)فإنّ الآيات لا تدلّ على أنّ تارك الصّلاة أو مانع الزّكاة كافر ، بل تدلّ على أنّ الكفر الحاصل بتكذيب يوم القيامة يكون منشأ لترك الصّلاة وترك الزّكاة.

وثانياً : أنّ الكفر في الآية فسّر بالترك في صحيح معاوية بن عمار «وعن قول اللّه عزّ وجلّ ( وَمَنْ كَفَرَ ) يعني من ترك» (3).

وثالثاً : لا يبعد أن يكون المراد بالكفر في المقام الكفر المقابل للشكر لا الكفر المقابل للإيمان ، فيكون المعنى حينئذ من كفر بالنعمة ولم يشكر ما رزقه اللّه من نعمة الهداية ولم يعمل بوظيفته ولم يأت بالحج فإنّ اللّه غني عن العالمين.

الوجه الثّاني : صحيح علي بن جعفر على طريق الشيخ عن أخيه موسى (عليه السلام) قال : «إنّ اللّه عزّ وجلّ فرض الحجّ على أهل الجدة في كلّ عام وذلك قوله عزّ وجلّ ( ... وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ ) قال : قلت : فمن لم يحجّ منّا فقد كفر؟ قال : لا ، ولكن من قال


1) آل عمران 3 : 97.

2) المدثر 74 : 42 46.

3) الوسائل 11 : 31 / أبواب وجوب الحجّ ب 7 ح 2.

وروى الشيخ الكليني بطريق معتبر عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : «من مات ولم يحجّ حجّة الإسلام ولم يمنعه من ذلك حاجة تجحف به أو مرض لا يطيق معه الحجّ أو سلطان يمنعه فليمت يهوديّاً أو نصرانيّاً» وهناك روايات كثيرة تدل على وجوب الحجّ والاهتمام به لم نتعرّض لها طلباً للاختصار ، وفي ما ذكرناه من الآية الكريمة والرّواية كفاية للمراد.

واعلم أنّ الحجّ الواجب على المكلّف في أصل الشرع إنّما هو لمرّة واحدة ويسمّى ذلك بحجّة الإسلام (1).


ليس هذا هكذا فقد كفر» (1)بدعوى : أنّ قوله : «ليس هذا هكذا» راجع إلى إنكار الحجّ.

وفيه : أنّ الظاهر رجوع ذلك إلى إنكار القرآن ، يعني من قال : إنّ هذه الآية ليست من القرآن وإنّ القرآن ليس هكذا فقد كفر ، فإنّه (عليه السلام) استشهد أوّلاً بالآية ثمّ بعد ذلك سأل السائل فمن لم يحجّ فقد كفر فقال (عليه السلام) : لا ، ولكن من قال : إنّ هذا ليس من القرآن فقد كفر لرجوع ذلك إلى تكذيب النّبيّ (صلّى اللّه عليه وآله).

(1) بلا خلاف بين المسلمين ، بل الحكم بذلك يكاد أن يكون من الضروريّات. مضافاً إلى ذلك قيام السيرة القطعيّة على أنّه لو كان واجباً على أهل الثروة أكثر من مرّة واحدة لظهر وبان ولم يكن خفياً على المسلمين. وتدل على ذلك أيضاً النصوص فيها الصحيح وغيره ، منها معتبرة البرقي في حديث «وكلّفهم حجّة واحدة وهم يطيقون أكثر من ذلك» (2).

وبإزائها ما يدلّ على وجوب الحجّ في كلّ عام على أهل الجدة والثروة وقد أفتى على طبقها الصدوق (3)، منها : صحيح علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) قال : «إنّ اللّه عزّ وجلّ فرض الحجّ على أهل الجدة في كلّ عام ، وذلك قوله عزّ وجلّ :


1) الوسائل 11 : 16 / أبواب وجوب الحجّ ب 2 ح 1 ، التهذيب 5 : 16 / 48.

2) الوسائل 11 : 19 / أبواب وجوب الحجّ ب 3 ح 1 ، المحاسن : 296 / 465.

3) علل الشرائع 2 : 405.

.................................................................................................


( ... وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ ) (1). ومن ثمّ وقع الكلام في التوفيق بين الطائفتين المتعارضتين.

ويمكن الجمع بينهما بوجوه :

الأوّل : حمل الطائفة الثّانية على الاستحباب كما عن الشيخ (2)(قدس سره).

وفيه : أنّه ينافيه قوله : «فرض الحجّ على أهل الجدة في كلّ عام» خصوصاً مع استشهاده (عليه السلام) بالآية الكريمة.

الوجه الثّاني : حملها على الوجوب البدلي ، بمعنى وجوب الحجّ عليه في العام الأوّل فإن تركه يجب عليه في العام الثّاني وهكذا.

وفيه : أنّ الوجوب البدلي بهذا المعنى ممّا يقتضيه طبع كلّ واجب ولا يحتاج إلى أن يبيّنه الإمام (عليه السلام) فإنّ الواجب يجب الإتيان به متى أمكن ، فإن عصى ولم يأت به في الآن الأوّل يجب امتثاله في الآن الثّاني وهكذا ، والعصيان في الزمان الأوّل لا يوجب سقوط الوجوب ولزوم الإتيان به في الزمان الثّاني.

الوجه الثّالث : ما ذكره صاحب الوسائل من حمل الوجوب على الوجوب الكفائي بمعنى أنّه يجب الحجّ على كلّ أحد في كلّ عام على نحو الوجوب الكفائي (3).

والجواب عنه : أنّه لا يجتمع ذلك مع ظهور الروايات في الوجوب العيني ، مضافاً إلى أنّ الالتزام بالوجوب الكفائي يتوقف على تعطيل الكعبة ، وأمّا إذا فرض عدم تعطيلها ولا أقل من أداء أهل مكّة الحجّ فلا موجب للوجوب الكفائي على سائر المكلّفين.

فالصحيح أن يقال في وجه الجمع : إنّ هذه الطائفة من الروايات ناظرة إلى ما كان يصنعه أهل الجاهليّة ، فإنّهم كانوا لا يحجّون في بعض السنين القمريّة ، وكانوا يعدّون الأشهر بالحساب الشمسي ويؤخِّرون الأشهر عمّا رتّبها اللّه تعالى ، وإلى ذلك يشير


1) الوسائل 11 : 16 / أبواب وجوب الحجّ ب 2 ح 1.

2) الإستبصار 2 : 149.

3) الوسائل 11 : 18 / أبواب وجوب الحجّ ب 2.

مسألة 1 : وجوب الحجّ بعد تحقّق شرائطه فوري فتجب المبادرة إليه في سنة الاستطاعة (1)


قوله تعالى ( إِنَّمَا النَّسِي‌ءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ ) ... (1)فربّما يمرّ عام قمري ولا يحجّون فيه فأنزل اللّه تعالى آية الحجّ ردّاً عليهم بأنّ الحجّ يجب الإتيان به في كلّ عام قمري ولا يجوز خلوّه من الحجّ ، وأنّه لا بدّ من الإتيان به في كلّ شهر ذي الحجّة ، فالمنظور في الآية والرّوايات أنّ كلّ سنة قمريّة لها حج يجب الإتيان به ، لا أنّه يجب الحجّ على كلّ أحد في كلّ عام.

(1) ويدل عليه أمران :

الأوّل : حكم العقل بذلك ، فإنّ الواجب بعد ما تحققت شرائطه وكان المكلّف واجداً لشرائط التكليف فلا بدّ للمكلّف من تفريغ ذمّته بالإتيان بما أُمر به ليأمن العقوبة من مغبّة العصيان ، ولا عذر له في التأخير مع احتمال الفوت. نعم ، لو اطمأنّ بالبقاء وبالتمكّن من إتيان الواجب ولو في آخر الوقت لا تجب المبادرة حينئذ ، ولذا جاز تأخير بعض الواجبات المؤقتة كالصلاة عن أوّل وقتها ، لأجل حصول الاطمئنان والوثوق ببقائه والتمكّن من الإتيان بالمأمور به ولو في آخر الوقت ، لكون الوقت قصيراً لا يحتمل التلف والفوت في هذه المدّة غالباً ، وهذا الاطمئنان والوثوق غير حاصل في الحجّ لأنّ الفصل طويل والطوارئ والموانع كثيرة.

وبالجملة الميزان في جواز التأخير ووجوب المبادرة حصول الاطمئنان بالبقاء وعدمه ، وعليه فربّما نلتزم بالفوريّة حتّى في الصلاة فيما إذا لم يطمئن المكلّف بالبقاء إلى آخر الوقت.

الثّاني : الأخبار الدالّة على المنع عن التسويف وعدم المبادرة.

منها : معتبرة أبي بصير قال : «سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول : من مات


1) التّوبة 9 : 37.

وإن تركه فيها عصياناً ، أو لعذر وجب في السنة الثّانية وهكذا (1) ، ولا يبعد أن يكون التأخير من دون عذر من الكبائر (2).


وهو صحيح موسر لم يحجّ فهو ممّن قال اللّه عزّ وجلّ ( ... وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى ) قال : قلت : سبحان اللّه أعمى؟ قال : نعم ، إنّ اللّه عزّ وجلّ أعماه عن طريق الحق» (1). ولو كان التأخير جائزاً لم يكن مستحقاً للعقاب.

ومنها : صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «قال اللّه تعالى ( ... وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ) ... قال : هذه لمن كان عنده مال وصحّة ، وإن كان سوقة للتجارة فلا يسعه وإن مات على ذلك فقد ترك شريعة من شرائع الإسلام إذا هو يجد ما يحجّ به» (2)ونحوهما غيرهما.

(1) لعدم سقوط وجوب الواجب بالعصيان ، أو بالترك عن عذر مع بقاء الموضوع ، والعقل الحاكم بوجوب المبادرة في السنة الأُولى يحكم به في السنين الآتية أيضاً.

(2) كما صرّح به جماعة منهم المحقق في الشرائع ، فإنّه ذكر فيها أنّ التأخير مع الشرائط كبيرة موبقة (3)، بل ادّعى غير واحد الإجماع على ذلك ، ولكن استفادته من النصوص مشكلة ، فإنّ المستفاد منها أن ترك الحجّ كلية كبيرة مهلكة ، وأمّا تأخير الحجّ وترك المبادرة إليه وإن كان حراماً لأنّه ترك ما وجب عليه من الفوريّة إلّا أنّه لم يثبت كونه كبيرة.

نعم ، لا يبعد دعوى صدق الاستخفاف والتهاون بأمر الحجّ على تأخيره وعدم المبادرة إليه ، فإنّ الاستخفاف به نظير الاستخفاف بالصلاة كما في قوله تعالى : ( فَوَيْلٌ


1) الوسائل 11 : 27 / أبواب وجوب الحجّ ب 6 ح 7.

2) الوسائل 11 : 25 / أبواب وجوب الحجّ ب 6 ح 1.

3) الشرائع 1 : 250.

مسألة 2 : إذا حصلت الاستطاعة وتوقّف الإتيان بالحج على مقدّمات وتهيئة الوسائل وجبت المبادرة إلى تحصيلها (1) ولو تعددت الرفقة ، فإن وثق بالإدراك مع التأخير جاز له ذلك ، وإلّا وجب الخروج من دون تأخير (2).


لِلْمُصَلِّينَ. الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ ) (1)بناءً على أنّ المراد بالسهو الاستخفاف بها والتأخير عن أوقاتها ، والحجّ مثل الصلاة لأنّه من دعائم الإسلام وممّا بُني عليه فتأمّل. والعمدة دعوى الإجماع.

(1) لوضوح وجوب تحصيل مقدّمات الواجب لأجل إدراك الواجب في وقته بحكم العقل.

(2) لو تعدّدت الرفقة واختلف زمان الخروج ، فهل يجب الخروج مع الاولى مطلقاً ، أو يجوز التأخير إلى الأُخرى بمجرّد احتمال الإدراك أو لا يجوز إلّا مع الوثوق بالإدراك؟ أقوال ثلاثة.

فعن الشهيد الثّاني وجوب الخروج مع الاولى مطلقاً ، وإن وثق بأنّه يدرك الحجّ مع الثّانية (2)، وعن السيِّد في المدارك جواز التأخير إلى الأُخرى بمجرّد احتمال الإدراك معها وإن لم يثق به (3)، وعن الشهيد الأوّل عدم جواز التأخير إلّا مع الوثوق (4)، وهذا هو الصحيح ، فإنّ القولين الأوّلين لا دليل عليهما ، إذ الميزان هو الوثوق بالوصول وإدراك الحجّ ولا موجب للخروج مع الأُولى إذا كان واثقاً بالوصول مع الثّانية ، كما أنّه لا وجه للتأخير إلى الثّانية مع عدم الوثوق بالوصول معها.


1) الماعون 107 : 5.

2) الروضة 2 : 161.

3) المدارك 7 : 18.

4) الدروس 1 : 314.

مسألة 3 : إذا أمكنه الخروج مع الرفقة الاولى ولم يخرج معهم لوثوقه بالإدراك مع التأخير ولكن اتّفق أنّه لم يتمكّن من المسير ، أو أنّه لم يدرك الحجّ بسبب التأخير ، استقرّ عليه الحجّ وإن كان معذوراً في تأخيره (1).


(1) لأنّ موضوع استقرار وجوب الحجّ عليه هو مجرّد التمكّن من السير مع القافلة الأُولى ، وإن جاز له التأخير مع الرفقة الثّانية. ولكن الظاهر أنّه لا موجب للاستقرار مع جواز التأخير كما ذكر سيِّدنا الأُستاذ (دام ظله) في تعليقته على العروة (1)، إذ لا عبرة بمجرّد التمكّن من الخروج والسير مع القافلة الأُولى ، وإلّا فلازمه أنّه لو سافر مع القافلة الأُولى وكان متمكّناً من التأخير مع الثّانية واتّفق عدم الإدراك مع الأُولى لأسباب طارئة بينما أدرك الثّانية ، أنّ الحجّ يستقر عليه في هذا الفرض ، ولا أظن أن أحداً يلتزم بذلك ، والسبب فيه أنّه قد عمل على طبق وظيفته الشرعيّة ولم يهمل في الامتثال ، وإنّما قدّم أو أخّر بمسوغ شرعي ، والعبرة في استقرار الحجّ بالإهمال والتفويت العمدي كما صرّح بذلك المحقّق حيث أخذ عنوان الإهمال موضوعاً للاستقرار (2)والمفروض عدم صدق الإهمال على من عمل بوظيفته الشرعيّة وقدّم أو أخّر السير بعذر شرعي.

وما استدلّ به للاستقرار من أخبار التسويف (3)والأخبار الدالّة على خروج الحجّ من أصل المال (4)لا يعمّ المقام ، وهو من قد عمل بوظيفته الشرعيّة وكان التسويف والتأخير مستنداً إلى عذر شرعي ، فالحكم المذكور في المتن مبني على الاحتياط.


1) العروة الوثقى 2 : 221 / 2981.

2) الشرائع 1 : 256.

3) الوسائل 11 : 25 / أبواب وجوب الحجّ ب 6.

4) الوسائل 11 : 66 / أبواب وجوب الحجّ ب 25.

شرائط وجوب حجّة الإسلام

الشرط الأوّل : البلوغ

فلا يجب على غير البالغ وإن كان مراهقاً (1). ولو حجّ الصبي لم يجز عن حجّة الإسلام (2). وإن كان حجّه صحيحاً على الأظهر (3).


شرائط وجوب حجّة الإسلام

(1) لا إشكال ولا خلاف في اعتبار البلوغ في جميع التكاليف الإلهيّة ، وتدل عليه مضافاً إلى حديث جري القلم (1)جملة من الرّوايات الدالّة على أنّ حج الصبي لا يجزي عن حجّة الإسلام ، منها : معتبرة إسحاق بن عمار قال : «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن ابن عشر سنين يحجّ؟ قال : عليه حجّة الإسلام إذا احتلم ، وكذلك الجارية عليها الحجّ إذا طمثت» (2)فإنّ المستفاد منها أنّ حجّة الإسلام باقية عليه إلى أن يبلغ وإن حجّ قبل ذلك.

(2) كما صرّح بذلك في المعتبرة السابقة.

(3) تدل على صحّة حجّه نفس الرّوايات الّتي وقع السؤال فيها عن إجزاء حجّ الصبي عن حجّة الإسلام ، إذ لو كان حجّه باطلاً لا معنى للسؤال عن إجزاء الحجّ الباطل عن حجّة الإسلام.

هذا مضافاً إلى ما دلّ على مشروعيّة مطلق عباداته ، لما ذكرنا أنّ الأمر بأن يؤمر الصبي بالصّلاة والصّيام يدل على مشروعيّة ذلك في حقّهم ، لما ثبت في محلّه (3)أنّ


1) الوسائل 1 : 45 / أبواب مقدّمة العبادات ب 4 ح 12.

2) الوسائل 11 : 45 / أبواب وجوب الحجّ ب 12 ح 1.

3) محاضرات في أُصول الفقه 4 : 76.

مسألة 4 : إذا خرج الصبي إلى الحجّ فبلغ قبل أن يحرم من الميقات وكان مستطيعاً ، فلا إشكال في أنّ حجّة حجّة الإسلام (1). وإذا أحرم فبلغ بعد إحرامه لم يجز له إتمام حجّه ندباً ، ولا عدوله إلى حجّة الإسلام ، بل يجب عليه الرّجوع إلى أحد المواقيت والإحرام منه لحجّة الإسلام فإن لم يتمكّن من الرّجوع إليه ففي محل إحرامه تفصيل يأتي إن شاء اللّه تعالى في حكم من تجاوز الميقات جهلاً أو نسياناً ولم يتمكّن من الرّجوع إليه في المسألة 169 (2).

مسألة 5 : إذا حجّ ندباً معتقداً بأنّه غير بالغ فبان بعد أداء الحجّ أنّه كان بالغاً أجزأه عن حجّة الإسلام (3).


الأمر بالأمر بشي‌ء أمر بذلك الشي‌ء.

(1) هذا ممّا لا ريب فيه ويشمله إطلاق أدلّة وجوب الحجّ من الآية والرّوايات والإتيان بالمقدّمات حال الصغر غير ضائر في احتساب حجّه عن حجّة الإسلام.

(2) لو بلغ الصبي بعد الإحرام وقبل الشروع في بقيّة الأعمال فهل يتم حجّه ندباً أو ينقلب حجّه إلى حجّة الإسلام ، أو يبدأ في إحرام جديد ، فيجب عليه الرّجوع إلى أحد المواقيت والإحرام منه لحجّة الإسلام؟ وجوه :

أمّا الوجه الأوّل وهو إتمامه ندباً ، فلا وجه له إلّا ما يتوهّم من أنّ المفروض أنّه محرم وليس للمحرم أن يحرم ثانياً ، فلا بدّ له من إتمام ما نواه بالإحرام الأوّل.

وفيه ما لا يخفى ، فإنّ البلوغ اللّاحق يكشف عن فساد الإحرام السابق ، لأنّه لو بلغ بعد الإحرام يشمله عموم أدلّة وجوب الحجّ ، فيكون الوجوب في ظرفه كاشفاً عن بطلان ما تقدّم منه من الإحرام.

وأمّا الوجه الثّاني وهو الانقلاب إلى حجّة الإسلام ، فلا دليل عليه فيتعيّن الوجه الثّالث وهو لزوم الرّجوع إلى أحد المواقيت والإحرام منه من جديد ، لما قلناه من بطلان إحرامه الأوّل فيشمله عموم ما دلّ على وجوب الحجّ والإحرام من الميقات.

(3) ما ذكره (دام ظله الشريف) إنّما يتم فيما إذا قصد الصبي الأمر الواقعي الفعلي

مسألة 6 : يستحب للصبي المميِّز أن يحجّ (1) ، ولا يشترط في صحّته إذن الولي (2).


المتوجه إليه ، ولكن من باب الاشتباه والخطأ في التطبيق كما هو الغالب تخيّل أنّه الندبي ، توضيح ذلك : أنّ الواجب على المكلّف قد يكون أمرين لا يمتاز أحدهما عن الآخر إلّا بالقصد كصلاتي الظهر والعصر أو الأداء والقضاء أو النافلة والفريضة ، فإن امتثال كلّ واحد منهما في فرض ثبوت كليهما عليه لا يتحقق إلّا بقصد عنوانه الخاص ، فلو أتى بأربع ركعات وكان عليه الظهر والعصر ، ولم يقصد عنوان الظهر ولا العصر لا يقع ما أتى به لا عن الظهر ولا عن العصر.

وقد يكون الواجب عليه أمراً واحداً ، ولكن في مقام الامتثال تخيّل أنّ عليه الظهر فبان خلافه وأنّه العصر ، فإن كان قصد العنوان بنحو التقييد بطل عمله ، لأنّ الواقع لم يقصد وما كان مقصوداً لا واقع له ، وإن كان من باب الاشتباه في التطبيق فلا بأس بالحكم بالصحّة ، لأنّه في الحقيقة قصد الأمر الفعلي المتوجه إليه وقصد ماله واقع ، غاية الأمر تخيّل أنّ الواقع هو الّذي قصده وذلك غير ضائر في تحقق الامتثال ، ومقامنا من هذا القبيل.

(1) يكفينا في الحكم بذلك مضافاً إلى شمول عمومات استحباب الحجّ للصبي نفس الرّوايات (1)الدالّة على عدم إجزاء حجّه عن حجّة الإسلام ، إذ لا بدّ من فرض صحّته حتّى يقال بالإجزاء أو عدمه ، وإلّا لو كان باطلاً فلا مجال لإجزائه عن حجّة الإسلام ، ولا موقع للسؤال عن ذلك. وبالجملة لا ينبغي الريب في استحباب الحجّ للصبي المميز ، وقد ادّعي عليه الإجماع أيضاً.

(2) وقع الكلام في اعتبار إذن الولي في صحّة حجّ الصبي ، المشهور اعتبار إذنه فلو حجّ الصبي بدون إذن وليه بطل حجّه واستدلّ لهم بوجهين :

أحدهما : أنّ الحجّ عبادة توقيفيّة يجب أن تتلقى من الشارع ، ومخالف للأصل


1) الوسائل 11 : 44 / أبواب وجوب الحجّ ب 12.

مسألة 7 : يستحب للولي أن يحرم بالصبي غير المميز (1) ، ذكراً كان أم أُنثى (2)


فيجب الاقتصار فيه على المتيقن وهو مورد إذن الولي.

والجواب عنه : أنّ إطلاق الأدلّة والعمومات كافية في صحّته ورجحانه.

ثانيهما : أنّ الحجّ يتوقف في بعض الأحوال على صرف المال كما في الهدي والكفّارات ، ومعلوم أنّ جواز التصرّف في المال يحتاج إلى إذن الولي.

وفيه أوّلاً : أنّه يمكن أن يقال بعدم ثبوت الكفّارة في حقّه نظراً إلى أن عمد الصبي وخطأه واحد.

وثانياً : لو سلمنا ثبوت الكفّارة فيمكنه الاستئذان من الولي في إعطاء الكفّارة وشراء الهدي ، فإن أذن فهو وإلّا كان عاجزاً عن أداء الكفّارة ويأتي بها بعد البلوغ وكذلك الهدي إن أذن فهو وإلّا صار عاجزاً عن الهدي ومجرّد ذلك لا يوجب سقوط الحجّ عنه. فالصحيح ما ذهب إليه جماعة أُخرى من صحّة حجّه وعدم اعتبار إذن الولي في صحّته.

(1) لجملة من الأخبار ، منها : صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «انظروا من كان معكم من الصبيان فقدموه إلى الجحفة أو إلى بطن مر ويصنع بهم ما يصنع بالمحرم يطاف بهم ويرمى عنهم ، ومن لا يجد الهدي منهم فليصم عنه وليه» (1)وغيرها من الرّوايات الدالّة على استحباب إحجاج الأطفال ، ومقتضى إطلاقها عدم الفرق بين كونهم مميزين أو غير مميزين ، بل مورد بعضها غير المميز غاية الأمر تختلف كيفيّة حجّ المميز عن غيره ، والظاهر أنّه لم يستشكل أحد من الفقهاء في ذلك.

(2) لا يخفى أنّ الأصحاب لم يفرّقوا في استحباب إحجاج الأطفال بين الصبي والصبية ولكن صاحب المستند (قدس سره) استشكل في الصبية ، لاختصاص النصوص بالصبيان


1) الوسائل 11 : 287 / أبواب أقسام الحجّ ب 17 ح 3.

وذلك بأن يلبسه ثوبي الإحرام ويأمره بالتلبية ويلقنه إيّاها إن كان قابلاً للتلقين وإلّا لبى عنه ، ويجنّبه عمّا يجب على المحرم الاجتناب عنه (1) ويجوز أن يؤخّر تجريده عن الثياب إلى فخ (2) إذا كان سائراً من ذلك الطريق ، ويأمره بالإتيان بكلّ ما يتمكّن منه من أفعال الحجّ وينوب عنه فيما لا يتمكّن ويطوف به ويسعى


وإلحاق الصبية بهم يحتاج إلى دليل (1).

ويردّه : أنّ المذكور في الرّوايات وإن كان الصبيان ، ولكن يظهر منها حسب المتفاهم العرفي أنّ المراد بالصبي أو الصبيان ما يقابل البالغين لا الذكور خاصّة ، كما هو الظاهر من صحيحة عبد الرّحمن بن الحجاج عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث قال : «قلت له : إنّ معنا صبياً مولوداً كيف نصنع به؟ فقال : مر امّه تلقى حميدة فتسألها كيف تصنع بصبيانها ، فأتتها فسألتها كيف تصنع ، فقالت : إذا كان يوم التروية فأحرموا عنه ، وجرّدوه وغسلوه كما يجرّد المحرم وقفوا به المواقف ... الحديث» (2)فإنّ المستفاد من السؤال والإرجاع إلى أُمّ حميدة ليس هو خصوص حجّ الذكور من الأطفال دون الإناث ، بل المنظور في الأسئلة والأجوبة في هذه الرّواية وغيرها من الرّوايات هو الصغير مقابل الكبير ، وأنّه لو كان مميّزاً تصدّى الأعمال بنفسه ، وإن كان غير مميّز أناب عنه وليّه ، ولا نظر لها إلى الذّكورة والأُنوثة ، وبما ذكرنا يظهر حال بقيّة الرّوايات. والظّاهر أنّ أحداً من الفقهاء لم يستشكل ولم يتوقّف في تعميم الحكم للصبية ، فما ذكره صاحب المستند غير تام.

(1) ورد ذلك كلّه في نصوص الباب كصحيحة زرارة وصحيحة عبد الرّحمن بن الحجاج (3)وغيرهما.

(2) لما رواه الشيخ بإسناد صحيح عن أيّوب بن الحر ، قال : «سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) من أين تجرّد الصبيان؟ قال : كان أبي يجرّدهم من فخ» ونحوه صحيح


1) مستند الشيعة 11 : 19.

2) الوسائل 11 : 286 / أبواب أقسام الحجّ ب 17 ح 1.

3) الوسائل 11 : 286 / أبواب أقسام الحجّ ب 17 ح 5 ، 1.

بين الصفا والمروة ، ويقف به في عرفات والمشعر ، ويأمره بالرمي إن قدر عليه وإلّا رمى عنه ، وكذلك صلاة الطّواف ، ويحلق رأسه وكذلك بقيّة الأعمال.

مسألة 8 : نفقة حجّ الصبي في ما يزيد على نفقة الحضر على الولي لا على الصبي ، نعم إذا كان حفظ الصبي متوقفاً على السفر به ، أو كان السفر مصلحة له جاز الإنفاق عليه من ماله (1).

مسألة 9 : ثمن هدي الصبي على الولي (2).


علي بن جعفر (1)وأمّا بقيّة الآداب والأعمال المسطورة في المتن فهي مذكورة في النصوص الواردة في المقام (2).

(1) لا ريب في أنّ نفقة الصبي ممّا تتوقّف عليه حياته ومصالحه تكون من مال الصبي ، سواء كان في السفر أو الحضر ، وأمّا النفقة الزائدة على الحضر الّتي تصرف في السفر فلا مجوّز لتصرّف الولي في المال الزائد ، إلّا إذا كان في السفر بالطفل مصلحة عائدة إليه فلا بأس بأخذ الزائد من ماله.

(2) لا إشكال في أنّ التصرّف في مال الطفل في نفسه غير جائز إلّا إذا عاد إلى مصلحة ينتفع بها الطفل ، ولا ريب أنّ صرف مال الصبي في الهدي ليس من مصالحه إذ بإمكان الولي أن يأخذه معه ولا يحجّ به ، والمستفاد من الرّوايات إنّما هو مجرّد استحباب إحجاج الصبي ، وأمّا صرف ماله في الحجّ فيحتاج إلى دليل ، ولذا ذكرنا في المسألة السابقة أنّ نفقة الحجّ فيما يزيد على الحضر على الولي إلّا إذا كان السفر مصلحة للصبي ، فما يصرف في الحجّ وشؤونه لا وجه لأخذه من مال الطفل.

ويدلُّ على ذلك أيضاً صحيح زرارة «إذا حجّ الرّجل بابنه وهو صغير إلى أن قال يذبح عن الصغار ويصوم الكبار» (3)ومورد الرّواية وإن كان إحجاج الأب ابنه


1) الوسائل 11 : 336 / أبواب المواقيت ب 18 ح 1 ، التهذيب 5 : 409 / 1422.

2) الوسائل 11 : 286 / أبواب أقسام الحجّ ب 17.

3) الوسائل 11 : 288 / أبواب أقسام الحجّ ب 17 ح 5.

وكذلك كفارة صيده (1) وأمّا الكفّارات الّتي تجب عند الإتيان بموجبها عمداً فالظاهر أنّها لا تجب بفعل الصبي لا على الولي ولا في مال الصبي (2).


ولكن بقرينة قوله : «لبّوا عنه» يظهر أنّ الطفل كان في جماعة حجّوا به ، فالهدي على من حجّ به أباً كان أم غيره ، كما يدل على ذلك أيضاً موثقة إسحاق بن عمار «عن غلمان دخلوا مكّة بعمرة وخرجوا معنا إلى عرفات بغير إحرام ، قال قل لهم : يغتسلون ثمّ يحرمون ، واذبحوا عنهم كما تذبحون عن أنفسكم» (1)والمأمور بالذبح إنّما هو الّذي حجّ بالصبي.

(1) كما هو المشهور ، وعن ابن إدريس عدم وجوب الكفّارة أصلاً لا على الولي ولا في مال الصبي (2)، وعن العلّامة في التذكرة أنّها تجب في مال الصبي (3)، وما ذهب إليه المشهور هو الصحيح ، لصحيح زرارة «وإن قتل صيداً فعلى أبيه» وقد عرفت فيما سبق أنّ الأب لا خصوصيّة له ، وإنّما وجب عليه لكونه من مصاديق الولي ، فلا وجه لما عن العلّامة بعد تصريح الرّواية ، كما لا وجه لما عن ابن إدريس فإنّ ذلك اجتهاد في مقابل النص.

(2) أمّا عدم وجوبها على الولي فواضح ، لعدم الموجب له والنص المتقدّم إنّما دلّ على أنّ كفارة الصيد على أبيه ، فلا يقاس غير الصيد به ، كما لا تجب على الصبي أيضاً لأنّ وجوب الكفّارة ليس من قبيل باب الضمان والإتلاف ، بل هو حكم تكليفي ثابت في مورده ومرفوع عن الطفل ، لحديث رفع القلم وعدم جريه عليه.

وقد يستدل لذلك بأن عمد الصبي وخطأه واحد كما في صحيحة محمّد بن مسلم وأن عمد الصبيان خطأ يحمل على العاقلة كما في معتبرة إسحاق بن عمّار (4).


1) الوسائل 11 : 287 / أبواب أقسام الحجّ ب 17 ح 2.

2) السرائر 1 : 637.

3) التذكرة 7 : 32.

4) الوسائل 29 : 400 / أبواب العاقلة ب 11 ح 2 ، 3.

الشرط الثّاني : العقل

فلا يجب الحج على المجنون وإن كان أدواريّاً (1) نعم ، إذا أفاق المجنون في أشهر الحجّ وكان مستطيعاً ومتمكّناً من الإتيان بأعمال الحجّ وجب عليه ، وإن كان مجنوناً في بقيّة الأوقات (2).

الشرط الثّالث : الحرّيّة

فلا يجب الحجّ على المملوك وإن كان مستطيعاً ومأذوناً من قبل المولى (3)


والجواب عنه : أنّ هذه الجملة بقرينة قوله : «يحمل على العاقلة» ناظرة إلى باب الديات والجنايات الّتي لعمدها حكم ولخطئها حكم آخر ، فإذا قتل الصبي عمداً يترتب على فعله حكم قتل الخطأ الصادر من البالغين ولا يقتص منه ، وأمّا المورد الّذي ليس له إلّا حكم واحد في حال العمد فغير مشمول لهذه الجملة ، ولذا لم يستشكل أحد في بطلان صلاة الصبي إذا تكلّم عمداً أو بطلان صومه إذا أفطر عمداً.

(1) لا ريب ولا خلاف بين العلماء كافة في اعتبار العقل في جميع التكاليف الإلهيّة وأنّ الأحكام الشرعيّة غير متوجّهة إلى المجنون فإنّه كالبهائم من هذه الجهة.

ويدلُّ على ذلك مضافاً إلى ما تقدّم ، ما ورد من أنّ أوّل ما خلق اللّه العقل استنطقه ، ثمّ قال له : أقبل فأقبل ، ثمّ قال له : أدبر فأدبر ، ثمّ قال : وعزّتي وجلالي إلى أن يقول وإيّاك أُعاقب ، وإيّاك أُثيب (1)فإنّه صريح في أنّ الثواب والعقاب يدوران مدار وجود العقل وعدمه.

(2) لوجود المقتضي وعدم المانع ، ومجرّد حصول الجنون في بقيّة الأوقات السابقة أو اللّاحقة لا يمنع عن توجه التكليف إليه حال إفاقته.

(3) قد تسالم الأصحاب على اعتبار الحرّيّة في وجوب الحجّ ، فلا يجب على


1) الوسائل 1 : 39 / أبواب مقدّمات العبادات ب 3 ح 1.

ولو حجّ بإذن مولاه صحّ ولكن لا يجزئه عن حجّة الإسلام ، فتجب عليه الإعادة إذا كان واجداً للشرائط بعد العتق (1).

مسألة 10 : إذا أتى المملوك المأذون من قبل مولاه في الحجّ بما يوجب الكفّارة فكفّارته على مولاه في غير الصيد ، وعلى نفسه فيه (2).


المملوك وإن أذن له مولاه وكان مستطيعاً ، وقد تضافرت النصوص في ذلك ، منها : صحيح الفضل بن يونس «فليس على المملوك حج ولا عمرة حتّى يعتق» (1)نعم ، إنّ هناك رواية واحدة معارضة للروايات المتقدّمة وقد أُطلق فيها حجّة الإسلام على حجّ العبد ، وهي رواية أبان (2)«أيّما عبد حج به مواليه فقد قضى حجّة الإسلام» (3)ولكن لشذوذها ومخالفتها للروايات المشهورة لا بدّ من طرحها أو حملها على إدراك ثواب حجّة الإسلام كما في الجواهر (4)أو حملها على حجّة الإسلام من العبد حال عبوديّته ، فلا ينافي ذلك ثبوت حجّة الإسلام المطلوبة من الأحرار عليه إذا أُعتق.

ويؤكّد ما ذكرناه إطلاق حجّة الإسلام على حجّه مع إيجابها عليه إذا أعتق في رواية أُخرى لأبان «والعبد إذا حجّ به فقد قضى حجّة الإسلام حتّى يعتق» (5).

(1) أمّا الصحّة للنصوص الكثيرة ، منها : صحيحة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «إنّ المملوك إن حجّ وهو مملوك أجزأه إذا مات قبل أن يعتق وإن أُعتق فعليه الحجّ» (6)وأمّا الإعادة فلارتفاع المانع والمفروض وجود المقتضي وللنصوص الكثيرة المتقدّمة.

(2) لأنّ ذلك مقتضى الجمع بين صحيحة عبد الرّحمن بن أبي نجران قال : «سألت


1) الوسائل 11 : 47 / أبواب وجوب الحجّ ب 15 ح 1.

2) عن حكم بن حكيم الصّيرفي ....

3) الوسائل 11 : 50 / أبواب وجوب الحجّ ب 16 ح 7.

4) الجواهر 17 : 242.

5) الوسائل 11 : 49 / أبواب وجوب الحجّ ب 16 ح 2.

6) الوسائل 11 : 49 / أبواب وجوب الحجّ ب 16 ح 1.

.................................................................................................


أبا الحسن (عليه السلام) عن عبد أصاب صيداً وهو محرم هل على مولاه شي‌ء من الفداء؟ فقال : لا شي‌ء على مولاه» (1)المصرحة بأن ما أصاب العبد من صيد فليس على مولاه شي‌ء ، وبين صحيحة حريز المرويّة في التهذيب عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «كلّما أصاب العبد وهو محرم في إحرامه فهو على السيِّد إذا أذن له في الإحرام» (2)الدالّة على أنّ كلّ ما أصاب العبد صيداً كان أو غيره فهو على السيِّد فإن النسبة بينهما العموم والخصوص المطلق ، فتخصص الصحيحة الثّانية العامّة بالصحيحة الأُولى فتكون النتيجة هي التفصيل المذكور في المتن.

نعم ، ذكر في الإستبصار رواية حريز بعين السند المذكور في التهذيب لكن على نحو يختلف عمّا رواه في التهذيب ، فإنّ المذكور في الإستبصار «المملوك كلّما أصاب الصيد وهو محرم في إحرامه فهو على السيِّد إذا أذن له في الإحرام» (3)فتكون منافية لصحيحة عبد الرّحمن بن أبي نجران ، لأن مقتضى صحيحة عبد الرّحمن ثبوت الكفّارة على العبد نفسه لا على مولاه إذا أصاب الصيد ، ومقتضى صحيحة حريز المرويّة في الإستبصار ثبوت كفارة الصيد على مولاه ، ولكن الظاهر أنّه لا موضوع للتعارض لأنّ رواية الإستبصار غلط ، لأنّ الشيخ روى هذه الرّواية بعين السند في التهذيب وذكر «كلّما أصاب العبد» ولا نحتمل أن يروي حريز بسند واحد مرّتين مختلفتين مرّة يروي لحماد «كلّما أصاب العبد» ومرّة اخرى يروي لحماد أيضاً «المملوك كلّما أصاب الصيد» فيدور الأمر بين صحّة ما في التهذيب وبين صحّة ما في الإستبصار والصحيح ما في التهذيب ، لأنّ الإستبصار ليس كتاباً مستقلا وإنّما يذكر فيه الرّوايات المتعارضة المذكورة في التهذيب ، وكلّ ما في الإستبصار موجود في التهذيب ولا عكس فالإستبصار جزء ومتمم لكتاب التهذيب فهو الأصل والمرجع ، فما في التهذيب هو المتعيّن. مضافاً إلى شهادة الكليني والصدوق (4)بصحّة ما في التهذيب لأنّهما رويا مثل


1) الوسائل 13 : 105 / أبواب كفّارات الصيد ب 56 ح 3.

2) الوسائل 13 : 104 / أبواب كفارات الصيد ب 56 ح 1 ، التهذيب 5 : 382 / 1334.

3) الإستبصار 2 : 216 / 741.

4) الكافي 4 : 304 / 7 ، الفقيه 2 : 264 / 1284.

مسألة 11 : إذا حجّ المملوك بإذن مولاه وانعتق قبل إدراك المشعر أجزأه عن حجّة الإسلام (1) بل الظاهر كفاية إدراكه الوقوف بعرفات معتقاً وإن لم يدرك المشعر (2) ويعتبر في الاجزاء الاستطاعة حين الانعتاق ، فإن لم يكن مستطيعاً لم يجزئ حجّه عن حجّة الإسلام (3)


ما جاء في التهذيب ، فلم يبق في البين إلّا رواية حريز المذكورة في التهذيب ورواية ابن أبي نجران ، وقد عرفت ما يقتضيه الجمع بينهما.

(1) بلا خلاف بين الأصحاب للنصوص الدالّة على ذلك ، منها : صحيحة معاوية ابن عمار «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : مملوك أُعتق يوم عرفة ، قال : إذا أدرك أحد الموقفين فقد أدرك الحجّ» (1)فتكون هذه الطائفة من الأخبار الدالّة على الاكتفاء بإدراك أحد الموقفين معتقاً تخصيصاً للأخبار المتقدّمة الّتي صرّحت بأنّه لا حج ولا عمرة على العبد حتّى يعتق ، فيعلم من ذلك أنّ الحرّيّة غير معتبرة من البداية إلى النهاية بل يكتفى بالحرّيّة قبل أحد الموقفين أيضاً.

(2) لإطلاق قوله (عليه السلام) : في صحيحة معاوية بن عمار المتقدّمة «إذا أدرك أحد الموقفين فقد أدرك الحجّ».

ولكن لا يخفى أنّه لا بدّ من ضم وقوف المشعر الاضطراري إليه ، لما سيأتي إن شاء اللّه تعالى أن درك الوقوف الاختياري لعرفة فقط غير مجزئ ، ومن المعلوم أنّ العبد المعتق حاله حال بقيّة الأحرار ولا يزيد حكمه عن حكمهم ، وليس للعبد المعتق حكم جديد يختلف عن غيره ، والرّوايات الدالّة على الاكتفاء بإدراك أحد الموقفين معتقاً إنّما تتكفّل بإلغاء اعتبار الحرّيّة بهذا المقدار ، وأنّه لا يلزم درك الموقفين حرّا ، ولا تتكفّل إثبات الصحّة حتّى لو اقتصر على الوقوف بعرفة.

(3) لأنّ ذلك مقتضى الأدلّة الأوّليّة الدالّة على اعتبار الاستطاعة ، وأمّا الرّوايات الدالّة على الإجزاء إذا أدرك أحد الموقفين معتقاً فغير ناظرة إلى إلغاء جميع الشروط


1) الوسائل 11 : 52 / أبواب وجوب الحجّ ب 17 ح 2.

ولا فرق في الحكم بالإجزاء بين أقسام الحجّ من الإفراد والقِران والتمتّع ، إذا كان المأتي به مطابقاً لوظيفته الواجبة (1).

مسألة 12 : إذا انعتق العبد قبل المشعر في حجّ التمتّع فهديه عليه ، وإن لم يتمكّن فعليه أن يصوم بدل الهدي على ما يأتي (2) وإن لم ينعتق فمولاه بالخيار فإن شاء ذبح عنه وإن شاء أمره بالصوم (3)


بل مقتضى إطلاق نصوص المقام أنّ حجّه إلى زمان العتق يحكم عليه بالصحّة ، وأمّا بعد العتق فلا بدّ من الرّجوع إلى الأدلّة العامّة الدالّة على اعتبار الاستطاعة ، فإلغاء شرطيّة الاستطاعة بالمرّة كما صرّح به السيِّد في العروة الوثقى (1)لا وجه له ، كما أنّ القول باعتبار الاستطاعة من أوّل الأمر لا دليل عليه ، فإنّ الرّوايات تدل على أنّ العبوديّة السابقة غير ضائرة ولو كانت مع عدم الاستطاعة.

(1) لإطلاق النصوص ولا موجب لتقييدها ببعض أقسام الحجّ.

(2) إذ لا موجب لأن يكون على مولاه بعد ما صار معتقاً وحرّاً ، فحاله حال سائر الأحرار ، فتجري أحكام حجّة الإسلام على حجّه ، وحينئذ فيجب عليه الهدي ، وإن عجز فعليه الصّوم.

تنبيه : لقد قيّد جمع من الفقهاء في كلماتهم وجوب الهدي على العبد بما إذا انعتق قبل المشعر ، مع أنّ ذلك غير دخيل في كون الهدي على العبد أو على مولاه ، بل الانعتاق قبل المشعر أو بعده دخيل في إجزاء حجّه عن حجّة الإسلام وعدمه ، وأمّا كون الهدي عليه أو على مولاه فمن آثار الحرّيّة والعبوديّة ، فإنّه متى ما صار حرّا فهديه عليه ولو صار حرّا يوم العيد ، ولا مقتضي لكونه على المولى بعد ما كان حرّا عند الذبح.

(3) للإجماع وللنصوص ، منها : صحيحة جميل «عن رجل أمر مملوكه أن يتمتع


1) العروة الوثقى 2 : 226 / 2990.

الشرط الرّابع : الاستطاعة

ويعتبر فيها أُمور :

الأوّل : السعة في الوقت (1) ومعنى ذلك وجود القدر الكافي من الوقت للذهاب إلى مكّة والقيام بالأعمال الواجبة هناك ، وعليه فلا يجب الحجّ إذا كان حصول المال في وقت لا يسع للذهاب والقيام بالأعمال الواجبة فيها ، أو أنّه يسع ذلك ولكن بمشقّة شديدة لا تتحمّل عادة (2) وفي مثل ذلك يجب عليه التحفّظ على المال إلى السنة القادمة فإن بقيت الاستطاعة إليها وجب الحجّ فيها وإلّا لم يجب (3).


قال : فمره فليصم ، وإن شئت فاذبح عنه» (1).

ومنها : صحيحة سعد بن أبي خلف «إن شئت فاذبح عنه وإن شئت فمره فليصم» (2).

ويعارضهما صحيح محمّد بن مسلم قال : «سألته عن المتمتع المملوك ، فقال : عليه مثل ما على الحر ، إمّا أُضحية وإمّا صوم» (3)حيث يظهر منه أنّ التخيير بين الهدي والصوم على العبد نفسه ، وقد حمله الشيخ على المساواة في الكميّة لئلا يظن أنّ عليه نصف ما على الحر كالظهار ونحوه ، فالمنظور في الرّواية أنّ الأُضحيّة الثابتة في حجّ المملوك أو الصوم كالأُضحيّة الثابتة في حجّ الحر أو الصوم الثابت فيه ، وغير ناظرة إلى أنّ الهدي على المملوك أو على مولاه (4).

(1) وإلّا لم يكن متمكّناً من أداء الحجّ فلا يعقل التكليف به حينئذ.

(2) لنفي الحرج في الشريعة المقدّسة.

(3) إذا كان عنده مال بمقدار يكفيه للحج ، ولكن لا يتمكّن من السير لضيق


1) الوسائل 14 : 83 / أبواب الذبح ب 2 ح 1.

2) الوسائل 14 : 83 / أبواب الذبح ب 2 ح 2.

3) الوسائل 14 : 85 / أبواب الذبح ب 2 ح 5.

4) الإستبصار 2 : 262.

الثّاني : الأمن والسّلامة وذلك بأن لا يكون خطراً على النفس أو المال أو العرض ذهاباً وإياباً وعند القيام بالأعمال (1) ،


الوقت فلا يجوز له أن يتصرّف في المال بما يخرجه عن الاستطاعة ، بل يجب عليه التحفّظ على المال إلى السنة القادمة ، وذلك لتقبيح العقل تفويت الواجب عليه وتعجيز نفسه عن أدائه بعد تنجزه ووجوبه عليه بشرائطه وحدوده وإن كان الواجب متأخّراً ، فإنّ الميزان في عدم جواز تعجيز نفسه من إتيان الواجب هو تنجّز الوجوب وفعليته ، سواء كان الواجب فعليّاً أو استقباليّاً.

نعم ، وقع الكلام في مبدأ هذا الوجوب ، فقد ذكر بعضهم أنّ مبدأه خروج الرفقة فلا يجوز تعجيز نفسه عند خروج الرفقة ، وذكر السيِّد الطباطبائي (قدس سره) في العروة أنّ مبدأه هو التمكّن من المسير ولا عبرة بخروج الرفقة (1)، وعن بعضهم أنّ مبدأه أشهر الحجّ ، فلا يجوز تفويت الاستطاعة فيها كما عن المحقق النائيني (قدس سره) (2).

ولكن الظاهر أنّه لا دليل على شي‌ء من ذلك ، فإنّ مقتضى الآية المباركة والنصوص المفسّرة للاستطاعة تنجز الوجوب عليه بمجرّد حصول الزاد والرّاحلة وتخلية السرب وصحّة البدن ، من دون فرق بين حصول ذلك في أشهر الحجّ أم لا ، أو خروج الرفقة والتمكّن من المسير أم لا ، بل مقتضاها أنّه متى حصلت الاستطاعة تنجز الوجوب عليه في أيّ وقت كان ، وعليه فلو حصلت له الاستطاعة في هذه السنة لا يجوز له تفويتها فيما لو علم بتمكّنه من الحجّ في السنين اللّاحقة ، ويجب عليه إبقاء المال إلى السنة المقبلة.

(1) أمّا اعتبار الأمن وعدم الخطر في الطريق على نفسه أو بدنه أو عرضه أو ماله


1) العروة الوثقى 2 : 239 / 3020.

2) دليل الناسك : 36.

كما أنّ الحجّ لا يجب مباشرة على مستطيع لا يتمكّن من قطع المسافة لهرم أو مرض أو لعذر آخر ، ولكن تجب عليه الاستنابة على ما سيجي‌ء تفصيله.


المعبّر عنه بالاستطاعة السربيّة ، فتدل عليه نفس الآية الشريفة ( ... مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ) ... (1)فإنّ الاستطاعة السبيليّة الواردة في الآية لا تصدق إلّا على ما إذا كان الطريق مأموناً ومخلى سربه ، لا يخاف على نفسه أو عرضه أو ماله.

مضافاً إلى دلالة النصوص المعتبرة على ذلك ، منها : صحيحة هشام بن الحكم ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في قوله عزّ وجلّ ( وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ) ما يعني بذلك؟ قال : من كان صحيحاً في بدنه مخلى سربه له زاد وراحلة» (2).

ومنها : معتبرة محمّد بن يحيى الخثعمي قال : «سأل حفص الكناسي أبا عبد اللّه (عليه السلام) وأنا عنده عن قول اللّه عزّ وجلّ ( ... وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ) ... ما يعني بذلك؟ قال : من كان صحيحاً في بدنه مخلى سربه له زاد وراحلة فهو ممّن يستطيع الحجّ ، الحديث» (3). بل مجرّد الخوف على نفسه أو عرضه أو ماله يكفي في سقوط الحجّ ، لأنّ الخوف بنفسه موضوع مستقل لجواز الترك وقد جرت سيرة العقلاء على الاجتناب عن محتمل الضّرر.

وأمّا اعتبار الاستطاعة البدنيّة فتدل عليه أيضاً الرّوايات المفسّرة للآية الكريمة كصحيحة هشام ومعتبرة الخثعمي المتقدّمتين ، وأمّا وجوب الاستنابة فيما إذا لم يتمكّن من المباشرة فسيأتي تفصيله في المسألة 63.


1) آل عمران 3 : 97.

2) الوسائل 11 : 35 / أبواب وجوب الحجّ ب 8 ح 7.

3) الوسائل 11 : 34 / أبواب وجوب الحجّ ب 8 ح 4.

مسألة 13 : إذا كان للحج طريقان أحدهما مأمون والآخر غير مأمون ، لم يسقط وجوب الحجّ بل وجب الذهاب من الطريق المأمون وإن كان أبعد (1).

مسألة 14 : إذا كان له في بلده مال معتد به ، وكان ذهابه إلى الحجّ مستلزماً لتلفه لم يجب عليه الحجّ (2). وكذلك إذا كان هناك ما يمنعه عن الذهاب شرعاً ، كما إذا استلزم حجّه ترك واجب أهم من الحجّ كإنقاذ غريق أو حريق أو توقف حجّه على ارتكاب محرم ، كان الاجتناب عنه أهم من الحجّ (3).


(1) لعدم اختصاص الوجوب بأقرب الطرق بل العبرة بالاستطاعة والقدرة على الحجّ.

(2) لحديث نفي الضرر الحاكم على جميع الأحكام الأوّليّة.

وربما يقال بعدم جريان قاعدة لا ضرر في المقام ، لأنّ دليل وجوب الحجّ مخصّص لدليل نفي الضرر ، نظير التكليف بالجهاد والزّكاة ووجوب الإنفاق على الرحم من الأحكام الضرريّة المبتنية على الضرر ، فلا مجال لإجراء قاعدة نفي الضرر في أمثال هذه الموارد.

والجواب عنه : أنّ الحجّ وإن كان حكماً ضرريّاً في نفسه ويستوجب صرف المال ولكن القاعدة تجري بالنسبة إلى الزائد عمّا يقتضيه طبع الحجّ.

(3) جميع ذلك من موارد التزاحم فتلاحظ الأهميّة ، فإنّ دليل وجوب الحجّ ودليل الواجب أو الحرام مطلقان ولا يمكن الجمع بينهما في مقام الامتثال فيقع التزاحم بينهما فاللازم تقديم الأهم وترجيحه على غيره والتخيير في المتساويين ، كما أنّ الأمر كذلك في سائر التكاليف الإلهيّة المتزاحمة. هذا بناءً على المختار من أنّ الاستطاعة المعتبرة ليست إلّا العقليّة ، غاية الأمر أنّها استطاعة خاصّة مفسّرة بأُمور معيّنة في الرّوايات ولم يؤخذ في موضوع الحجّ عدم المانع الشرعي ، وأمّا بناءً على مسلك المشهور من اعتبار القدرة الشرعيّة والتمكّن الشرعي في وجوب الحجّ ، بحيث أُخذ في موضوع الحجّ عدم المانع الشرعي ، فيمكن القول بعدم وجوب الحجّ إذا استلزم مانعاً شرعيّاً

مسألة 15 : إذا حجّ مع استلزام حجّه ترك واجب أهم أو ارتكاب محرم كذلك ، فهو وإن كان عاصياً من جهة ترك الواجب أو فعل الحرام إلّا أنّ الظاهر أنّه يجزئ عن حجّة الإسلام إذا كان واجداً لسائر الشرائط (1) ولا فرق في ذلك بين من كان الحجّ مستقرّاً عليه ومن كان أوّل سنة استطاعته.

مسألة 16 : إذا كان في الطريق عدوّ لا يمكن دفعه إلّا ببذل مال معتد به ، لم يجب بذله ويسقط وجوب الحجّ (2)


من ترك واجب أو ارتكاب محرم وإن لم يكن أهم ، لعدم تحقّق الاستطاعة الشرعيّة حينئذ ، ولكن قد حققنا في محلِّه أنّه لا وجه ولا أساس لما ذكره المشهور أصلاً (1).

(1) لجريان الترتب حتّى في باب الحجّ ، وعليه فلا فرق بين الحجّ الفعلي والمستقر فإنّه بناءً على وجود الأمر بالحج ولو بالترتب فلا مانع من الإجزاء في القسمين.

(2) اختلف الفقهاء في هذه المسألة إلى أقوال ثلاثة :

الأوّل : عدم وجوب بذل المال وسقوط وجوب الحجّ كما عن الشيخ (2)وجماعة.

الثّاني : وجوب بذل المال كما عن المحقق (3)والمدارك (4).

الثّالث : التفصيل بين المضر بحاله والمجحف به وعدمه ، فيجب في الثّاني دون الأوّل.

والصحيح أن يقال : إن كان بذل المال حرجيّا عليه وهو المعبّر عنه بالمضر بحاله والمجحف به يرتفع وجوبه لنفي الحرج ، وإن لم يكن حرجياً ومشقّة عليه فلا بدّ من التفصيل بين ما إذا كان الضرر والنقص الحاصل في ماله معتدّاً به وإن لم يكن مضرّاً بحاله ومجحفاً به فلا يجب بذله لحديث نفي الضرر ، وقد عرفت قريباً أنّ قاعدة نفي الضرر تجري في الحجّ ونحوه من الأحكام الضرريّة إذا كان الضرر اللّازم أكثر ممّا


1) راجع شرح العروة 26 : 56.

2) المبسوط 1 : 301.

3) الشرائع 1 : 255.

4) المدارك 7 : 62.

مسألة 17 : لو انحصر الطريق بالبحر لم يسقط وجوب الحجّ (1) إلّا مع خوف الغرق أو المرض (2) ولو حجّ مع الخوف صحّ حجّه على الأظهر (3).

الثّالث : الزاد والرّاحلة ومعنى الزاد هو وجود ما يتقوّت به في الطريق من المأكول والمشروب وسائر ما يحتاج إليه في سفره ، أو وجود مقدار من المال النقود وغيرها يصرفه في سبيل ذلك ذهاباً وإياباً (4) ،


يقتضيه طبع الواجب ، وبين ما إذا كان الضرر يسيراً فلا يسقط وجوب الحجّ لصدق تخلية السرب على ذلك ، وعلى سبيل المثال فربّما لا يعد البذل في بعض الفروض من الضرر عرفاً كبذل عشرة دنانير بالنسبة إلى ألف دينار الّذي يصرفه في الحجّ وشؤونه ونظير ذلك بذل المال لأخذ جواز السفر ونحوه.

(1) لأنّ العبرة بالوصول إلى بيت اللّه الحرام لأداء فريضة الحجّ والقدرة على السفر برّاً كان أو بحراً أو جوّاً ، ولا موجب لاختصاص الوجوب بأحدها.

(2) لا يختص ذلك بالسفر بحراً ، بل لو خاف على نفسه من الهلاك والمرض إذا سافر بطريق البر يسقط وجوب الحجّ أيضاً للحرج ، فإنّ الملاك في سقوط وجوب الحجّ بلوغ الخوف إلى حد يكون السفر حرجيّا عليه ، وإن كان منشأ الخوف أمراً غير عقلائي ، من غير نظر إلى نوعيّة السفر.

(3) لأنّ ذلك في المقدّمة وهي المشي إلى الميقات ، ولا يضر ذلك في صدق الاستطاعة.

(4) وتدل على اعتبارهما مضافاً إلى عدم تحقق الاستطاعة عرفاً بدونهما غالباً عدّة من النصوص المعتبرة المفسّرة للاستطاعة المذكورة في الآية الشريفة ، منها : معتبرة محمّد بن يحيى الخثعمي ، قال : «سأل حفص الكناسي أبا عبد اللّه (عليه السلام) وأنا عنده عن قول اللّه عزّ وجلّ ( ... وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ) ... ما يعني بذلك؟ قال : من كان صحيحاً في بدنه مخلى سربه له زاد وراحلة فهو ممّن يستطيع الحجّ ، أو قال : ممّن كان له مال ، فقال له حفص الكناسي : فإذا كان صحيحاً في بدنه مخلى في سربه له زاد وراحلة فلم يحجّ فهو ممّن يستطيع الحجّ؟ قال :

ومعنى الرّاحلة هو وجود وسيلة يتمكّن بها من قطع المسافة ذهاباً وإياباً (1) ويلزم في الزاد والرّاحلة أن يكونا ممّا يليق بحال المكلّف (2).


نعم» (1)ونحوها صحيحة هشام (2)ومعتبرة السكوني (3).

فالمتحصل من الرّوايات أنّ المعتبر في الحجّ ليس مجرّد القدرة العقليّة ، بل يشترط فيه قدرة خاصّة ، ومنها أن يكون له زاد وراحلة.

(1) وإنّما يعتبر نفقة الإياب لمن يريد العود إلى وطنه ، وإلّا فلا يعتبر التمكّن من مصارف الإياب كما سيأتي في مسألة 22.

(2) وإلّا لكان حرجياً وهو منفي في الشريعة. نعم ، ربّما يظهر من بعض الرّوايات عدم العبرة بالراحلة ولزوم تحمّل المشقّة بالمشي أو بالرّكوب على حمار أجدع أبتر.

منها : صحيح ابن مسلم في حديث قال : «قلت لأبي جعفر (عليه السلام) فإن عرض عليه الحجّ فاستحيى؟ قال : هو ممّن يستطيع الحجّ ، ولِمَ يستحيي؟ ولو على حمار أجدع أبتر؟ قال : فإن كان يستطيع أن يمشي بعضاً ويركب بعضاً فليفعل» (4)ومثله صحيح الحلبي (5).

والجواب عن ذلك : مضافاً إلى أنّه لم يقل أحد بمضمونهما حتّى القائل بعدم اعتبار الرّاحلة ، أنّ هذه الرّوايات وردت في مورد البذل وعرض الحجّ ، وأنّه لو بذل له الحجّ واستقرّ عليه وصار مستطيعاً بذلك فليس له الامتناع والحياء بعد عرض الحجّ ، وإذا امتنع من القبول واستحيا يستقر عليه الحجّ ويجب عليه إتيانه ولو كان فيه مشقّة وحرج فالحكم المذكور فيهما أجنبي عن مورد كلامنا ، وهو حصول الاستطاعة الماليّة للمكلّف.


1) الوسائل 11 : 34 / أبواب وجوب الحجّ ب 8 ح 4.

2) الوسائل 11 : 35 / أبواب وجوب الحجّ ب 8 ح 7.

3) الوسائل 11 : 34 / أبواب وجوب الحجّ ب 8 ح 5.

4) الوسائل 11 : 39 / أبواب وجوب الحجّ ب 10 ح 1.

5) الوسائل 11 : 40 / أبواب وجوب الحجّ ب 10 ح 5.

.................................................................................................


ومنها : صحيح معاوية بن عمّار قال : «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل عليه دين أعليه أن يحجّ؟ قال : نعم ، إنّ حجّة الإسلام واجبة على من أطاق المشي من المسلمين ، ولقد كان (أكثر) من حجّ مع النّبيّ (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) مشاة ولقد مرّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) بكراع الغميم فشكوا إليه الجهد والعناء فقال : شدّوا أزركم واستبطنوا ، ففعلوا ذلك فذهب عنهم» (1)فإنّه قد حكم فيه بوجوب الحجّ على من أطاق المشي ، والمراد من «أطاق» إعمال غاية الجهد والمشقّة ومنه قوله تعالى ( ... وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ ) ... (2).

ويجاب عن ذلك أوّلاً بأنّه لم يعمل أحد من الفقهاء بمضمونه.

وثانياً : أنّ المراد بمن أطاق المشي ، القدرة على المشي في قبال المريض والمسجى الّذي لا يتمكّن من المشي أصلاً حتّى في داره وبلده ، فمن تمكّن من المشي وأطاقه بمعنى أنّه لم يكن مريضاً ولم يكن مسجى ، يجب عليه الحجّ بالطرق المتعارفة لا مشياً على الأقدام.

ولو سلمنا ظهور هذه الرّوايات في عدم اعتبار الرّاحلة ، فلا ريب أنّ ظهور تلك الرّوايات الدالّة على الاعتبار أقوى من ظهور هذه ، فترفع اليد عن ظهور هذه لأظهريّة تلك الرّوايات.

ويؤكّد ما قلناه : أنّ الحجّ لو كان واجباً على كلّ من تمكّن من المشي وإن لم يكن له راحلة لكان وجوبه حينئذ من الواضحات الّتي لا يمكن خفاؤها لكثرة الابتلاء بذلك.

وأمّا استشهاد الإمام (عليه السلام) بأصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) فلم يعلم أنّ حجّهم كان حجّة الإسلام ويحتمل كونه حجّا ندبيّاً وإن فرض أوّل سنتهم لاستحباب الحجّ للمتسكع ، فلا ريب في اعتبار الزاد والرّاحلة حتّى لمن يتمكّن من المشي.


1) الوسائل 11 : 43 / أبواب وجوب الحجّ ب 11 ح 1.

2) البقرة 2 : 184.

مسألة 18 : لا يختص اشتراط وجود الرّاحلة بصورة الحاجة إليها ، بل يشترط مطلقاً ولو مع عدم الحاجة إليها كما إذا كان قادراً على المشي من دون مشقّة ولم يكن منافياً لشرفه (1).

مسألة 19 : العبرة في الزاد والرّاحلة بوجودهما فعلاً ، فلا يجب على من كان قادراً على تحصيلهما بالاكتساب ونحوه (2) ولا فرق في اشتراط وجود الرّاحلة بين القريب والبعيد (3).


(1) قد عرفت أنّ الاستطاعة المعتبرة في الحجّ فسّرت في الرّوايات بأُمور خاصّة منها الزاد والرّاحلة ، ولكن وقع الخلاف في اشتراط الزاد والرّاحلة ، وأنّهما شرط على الإطلاق أو أنّهما شرط عند الحاجة إليهما ، فلو كان قادراً على المشي من دون مشقّة لا يعتبر وجود الرّاحلة ، فعن المشهور أنّهما شرط مطلقاً حتّى في حق من كان متمكّناً من المشي ، فلو حجّ ماشياً من دون وجود الرّاحلة لا يجزي حجّه عن حجّة الإسلام ويظهر من صاحب الوسائل اعتبارهما عند الحاجة ، لأخذ الحاجة في عنوان أخبار المقام (1).

وقد عرفت بما لا مزيد عليه أنّ المستفاد من الأخبار اعتبار الزاد والرّاحلة مطلقاً حتّى في حق القادر على المشي.

(2) لعدم وجوب تحصيل الشرط.

(3) لإطلاق ما دلّ على اعتبار وجود الرّاحلة حتّى بالنسبة إلى أهل مكّة المكرّمة لقطع المسافة بينها وبين عرفات الّتي تبلغ أربعة فراسخ تقريباً.

وعن المحقق (2)وغيره عدم اعتبار وجود الرّاحلة للمكّي ، وأجابوا عن إطلاق الرّوايات الدالّة على اشتراط الرّاحلة بأنّها وردت في تفسير الآية الشريفة الّتي


1) الوسائل 11 : 33 / أبواب وجوب الحجّ ب 8.

2) الشرائع 1 : 252.

مسألة 20 : الاستطاعة المعتبرة في وجوب الحجّ إنّما هي الاستطاعة من مكانه لا من بلده (1) فإذا ذهب المكلّف إلى المدينة مثلاً للتجارة أو لغيرها وكان له هناك ما يمكن أن يحجّ به من الزاد والرّاحلة أو ثمنهما وجب عليه الحجّ ، وإن لم يكن مستطيعاً من بلده.

مسألة 21 : إذا كان للمكلّف ملك ولم يوجد من يشتريه بثمن المثل ، وتوقف الحجّ على بيعه بأقل منه بمقدار معتد به لم يجب البيع (2) ،


موضوعها السفر إلى البيت والقصد إليه ، فلا تشمل من كان في مكّة ويريد السفر إلى عرفات ، ومن المعلوم أنّ أهل مكّة يحجّون حجّ الإفراد أو القِران ، فيسافرون إلى عرفات لا إلى البيت.

والجواب عنه : أنّه لا ريب في أنّ البيت الشريف مقصود في جميع الأقسام الثلاثة للحج ، غاية الأمر قد يقصده قبل إتيان بقيّة المناسك كحج التمتّع ، وقد يقصده بعد أداء المناسك كحج القِران أو الإفراد الّذي يكون وظيفة لأهل مكّة ، فلا فرق في اشتراط الرّاحلة بين السفر إلى بيت اللّه الحرام أوّلاً وبين السفر إلى عرفات أوّلاً ، لأنّ البيت مقصود لا محالة في جميع أنواع الحجّ.

(1) لإطلاق أدلّة اشتراط الاستطاعة ، ولا خصوصيّة لحصولها في بلد دون بلد آخر. وبعبارة اخرى : متى كان واجداً للشرائط تنطبق عليه الأدلّة ، ولا دليل على لزوم حصول الاستطاعة من بلده.

(2) قد عرفت حكم هذه المسألة من مطاوي الأبحاث السابقة ، فقد ذكرنا (1)أنّ قاعدة لا ضرر لا مانع من جريانها في الحجّ ونحوه من الأحكام الضرريّة إذا كان الضرر اللّازم أكثر ممّا يقتضيه طبع الحجّ ، كما إذا كان الضرر والنقص الحاصل مجحفاً به فحينئذ لا يجب البيع بالقيمة النازلة المجحفة به.


1) في ص 25.

وأمّا إذا ارتفعت الأسعار فكانت اجرة المركوب مثلاً في سنة الاستطاعة أكثر منها في السنة الآتية لم يجز التأخير (1).

مسألة 22 : إنّما يعتبر وجود نفقة الإياب في وجوب الحجّ فيما إذا أراد المكلّف العود إلى وطنه ، وأمّا إذا لم يرد العود وأراد السكنى في بلد آخر غير وطنه فلا بدّ من وجود النفقة إلى ذلك البلد ولا يعتبر وجود مقدار العود إلى وطنه. نعم إذا كان البلد الّذي يريد السكنى فيه أبعد من وطنه لم يعتبر وجود النفقة إلى ذلك المكان ، بل يكفي في الوجوب وجود مقدار العود إلى وطنه (2).


(1) إذا كان الارتفاع متعارفاً كما في هذه الأزمنة فلا موجب للسقوط وتأخير الحجّ. نعم ، إذا كان الغلاء غير متعارف وكان مجحفاً به فلا يجب الحجّ في هذه السنة لجريان قاعدة لا ضرر بالنسبة إلى الضرر غير المتعارف الّذي لا يقتضيه طبع الحجّ.

(2) لا إشكال ولا ريب في اعتبار نفقة الإياب في وجوب الحجّ لمن يريد العود إلى وطنه ، بحيث كان البقاء في مكّة المكرّمة أمراً حرجياً عليه ، ومجرّد تمكّنه من نفقة الذهاب من دون تمكّنه من نفقة العود لا يحقق الاستطاعة لنفي الحرج. نعم ، إذا لم يكن بقاؤه في مكّة المكرّمة حرجياً عليه ويتمكّن من العيش هناك لعدم علاقة له بوطنه كما إذا كان وحيداً لا أهل له فلا يعتبر تمكّنه من نفقة العود إلى وطنه وتكفي نفقة الذهاب ، إذ لا موجب لاعتبار ذلك فتشمله أدلّة وجوب الحجّ.

وأمّا إذا لم يرد العود إلى وطنه وأراد السكنى في بلد آخر غير وطنه ، ففصّل في المتن بين ما إذا كان ذلك البلد الّذي يريد السكنى فيه أبعد من وطنه ، كمن ذهب من العراق إلى مكّة ويريد الذهاب من مكّة إلى خراسان ، فلا يعتبر وجود النفقة إلى ذلك المكان كخراسان ، بل يكفي في الوجوب وجود مقدار العود إلى وطنه ، وبين ما إذا لم يكن البلد الّذي يريد السكنى فيه أبعد كالشام فيعتبر وجود النفقة إلى ذلك البلد الذي يريد البقاء فيه ، ولا يعتبر وجود نفقة العود إلى وطنه.

ولا يخفى أنّ العبرة بكثرة النفقة وقلّتها لا بقرب المسافة وبعدها ، ولعل أخذ البعد

الرّابع : الرّجوع إلى الكفاية ، وهو التمكّن بالفعل أو بالقوّة من إعاشة نفسه وعائلته بعد الرّجوع ، وبعبارة واضحة : يلزم أن يكون المكلّف على حالة لا يخشى معها على نفسه وعائلته من العوز والفقر بسبب صرف ما عنده من المال في سبيل الحجّ ، وعليه فلا يجب على من يملك مقداراً من المال يفي بمصارف الحجّ وكان ذلك وسيلة لإعاشته وإعاشة عائلته ، مع العلم بأنّه لا يتمكّن من الإعاشة عن طريق آخر يناسب شأنه (1).


والقرب من جهة الغلبة ، فإنّ الأكثر مسافة يستدعي أكثر اجرة وقيمة ، كما أنّ الأقل مسافة يستدعي أقل نفقة وأُجرة غالباً ، وربّما يعكس الأمر فقد يكون أقرب مسافة يحتاج إلى الأكثر اجرة وقيمة ، والأكثر مسافة يستدعي أقل نفقة كالعود إلى العراق بطريق البر ، والعود إلى الشام من طريق الجو الّذي هو أقل مسافة ولكنّه أكثر اجرة فالعبرة في الحقيقة بالأقل والأكثر نفقة ، فالأحسن أن يفصّل بنحو آخر ذكره سيِّدنا الأُستاذ (ذمّ ظله) في الشرح على العروة (1).

وحاصله : أنّه قد يفرض عدم تمكّنه من العود إلى بلده ولكن لا بدّ له من أن يذهب إلى بلد آخر ، فحينئذ يعتبر وجود نفقة الذهاب إلى ذلك البلد وإن كان أبعد لأنّ الرّجوع إلى وطنه كالعراق غير ممكن له ، وبقاؤه في مكّة حرجي عليه ، والمفروض لزوم الذهاب إلى بلد آخر ، فيعتبر وجود نفقة الذهاب إلى ذلك البلد.

وقد يفرض أنّه يريد الذهاب إلى بلد آخر لرغبته الشخصيّة ، فلا عبرة في نفقة الذهاب إلى ذلك البلد بالقرب والبعد ، بل العبرة حينئذ بكثرة القيمة وقلّتها ، فإن كان الذهاب إلى ذلك البلد الّذي يريد البقاء فيه اختياراً يستدعي الصرف أكثر من العود إلى وطنه وإن كان أقل مسافة ، فالعبرة بمقدار نفقة العود إلى وطنه ، وإن كان الذهاب إليه يحتاج إلى الأقل أُجرة فالعبرة بذلك وإن كان أبعد مسافة كالمثال المتقدّم.

(1) وعمدة ما يدل على اعتبار ذلك إنّما هي قاعدة نفي العسر والحرج ، وأمّا الأخبار الّتي استدلّ بها على ذلك فكلّها ضعيفة إلّا خبر أبي الربيع الشامي ، قال :


1) شرح العروة 26 : 75.

فبذلك يظهر أنّه لا يجب بيع ما يحتاج إليه في ضروريّات معاشه من أمواله ، فلا يجب بيع دار سكناه اللّائقة بحاله وثياب تجمّله وأثاث بيته ، ولا آلات الصنائع الّتي يحتاج إليها في معاشه ونحو ذلك ، مثل الكتب بالنسبة إلى أهل العلم ممّا لا بدّ منه في سبيل تحصيله.


«سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) عن قول اللّه عزّ وجلّ ( ... وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ) ... فقال : ما يقول النّاس؟ قال فقلت له : الزاد والرّاحلة ، قال فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : قد سئل أبو جعفر (عليه السلام) عن هذا فقال : هلك الناس إذن ، لئن كان من كان له زاد وراحلة قدر ما يقوت عياله ويستغني به عن الناس ينطلق إليهم فيسلبهم إيّاه لقد هلكوا إذن ، فقيل له : فما السبيل؟ قال فقال : السعة في المال إذا كان يحجّ ببعض ويبقى بعضاً لقوت عياله أليس قد فرض اللّه الزّكاة فلم يجعلها إلّا على من يملك مائتي درهم» (1)والخبر وإن كان موثقاً لأن أبا الربيع الشامي من رجال تفسير علي بن إبراهيم القمي وهم ثقات إلّا أنّه على ما رواه الشيخ في التهذيب ليس فيه ما يدل على المدّعى إلّا جملة «السعة في المال إذا كان يحجّ ببعض ويبقى بعضاً لقوت عياله» (2)وهذه تدل على شرط آخر وهو اعتبار وجود ما يمون به عياله حتّى يرجع في الاستطاعة وذلك أجنبي عن اعتبار الرّجوع إلى الكفاية ، ولذا قال الشهيد الثّاني : إنّ الرّواية لا تدل على مطلوبهم ، وإنّما تدل على اعتبار المئونة ذاهباً وعائداً ومئونة عياله كذلك (3).

نعم ، المفيد رواه في المقنعة عن أبي الربيع الشامي وزاد فيه بعد قوله : «ويستغني به عن النّاس يجب عليه أن يحجّ بذلك ثمّ يرجع فيسأل الناس بكفه لقد هلك إذن ، فقيل له : فما السبيل؟ قال : السعة في المال» (4)ثمّ ذكر تمام الحديث ، وفيما رواه المفيد


1) الوسائل 11 : 37 / أبواب وجوب الحجّ ب 9 ح 1.

2) التهذيب 5 : 2 / 1.

3) الروضة البهيّة 2 : 168.

4) المقنعة : 385.

وعلى الجملة : كلّ ما يحتاج إليه الإنسان في حياته وكان صرفه في سبيل الحجّ موجباً للعسر والحرج لم يجب بيعه ، نعم ، لو زادت الأموال المذكورة عن مقدار الحاجة وجب بيع الزائد في نفقة الحجّ ، بل من كان عنده دار قيمتها ألف دينار مثلاً ويمكنه بيعها وشراء دار أُخرى بأقل منها من دون عسر وحرج لزمه ذلك إذا كان الزائد وافياً بمصارف الحجّ ذهاباً وإياباً وبنفقة عياله (1).

مسألة 23 : إذا كان عنده مال لا يجب بيعه في سبيل الحجّ لحاجته إليه ، ثمّ استغنى عنه وجب عليه بيعه لأداء فريضة الحجّ ، مثلاً إذا كان للمرأة حلي تحتاج إليه ولا بدّ لها منه ثمّ استغنت عنه لكبرها أو لأمر آخر وجب عليها بيعه لأداء فريضة الحجّ (2).


دلالة على المدّعى ولكن طريق المفيد إلى أبي الربيع الشامي مجهول.

والحاصل : الرّواية الموثقة خالية عمّا يكون شاهداً على المدّعى ، وما يكون شاهداً عليه غير موثق ، فالعمدة كما ذكرنا أدلّة نفي الحرج.

ومن ذلك يظهر اعتبار أمر آخر في الاستطاعة وهو وجود ما يمون به عياله حتّى يرجع ، بل لو لم يكن له ذلك لا يتحقق عنوان الاستطاعة فإنّ قوله (عليه السلام) : «يجب الحجّ إذا كان عنده ما يحجّ به» (1)لا يصدق إلّا إذا كان مالكاً لقوت عياله ممّن يجب عليه نفقته شرعاً. فإنّه حق مالي يجب عليه أداؤه وليس له تفويته. ثمّ لا يخفى إن مفاد خبر أبي الربيع الشامي لا يزيد عمّا يقتضيه أدلّة نفي الحرج.

(1) والوجه في ذلك كلّه أدلّة نفي العسر والحرج الّتي أشار إليها في المتن ، ولذا يجب بيع الزائد عن مقدار الحاجة وصرفه في الحجّ ، وكذا يجب الانتقال إلى دار أُخرى أرخص من داره ، لعدم وقوعه في العسر والحرج على الفرض.

(2) فإنّ المرأة إذا كانت محتاجة إلى لبس الحلي كما إذا كانت شابة ومن شأنها أن تلبس الحلي فحينئذ لا يجب عليها بيعه وتبديله وصرفه في الحجّ ، لأن صرفه في الحجّ


1) ورد مضمونه في الوسائل 11 : 33 / أبواب وجوب الحجّ ب 8 ح 1 ، 3.

مسألة 24 : إذا كانت له دار مملوكة وكانت هناك دار اخرى يمكنه السكنى فيها من دون حرج عليه كما إذا كانت موقوفة تنطبق عليه ، وجب عليه بيع الدار المملوكة إذا كانت وافية بمصارف الحجّ ولو بضميمة ما عنده من المال ، ويجري ذلك في الكتب العلميّة وغيرها ممّا يحتاج إليه في حياته (1).

مسألة 25 : إذا كان عنده مقدار من المال يفي بمصارف الحجّ ، وكان بحاجة إلى الزواج أو شراء دار لسكناه أو غير ذلك ممّا يحتاج إليه ، فإن كان صرف ذلك المال في الحجّ موجباً لوقوعه في الحرج لم يجب عليه الحجّ ، وإلّا وجب عليه (2).

مسألة 26 : إذا كان ما يملكه ديناً على ذمّة شخص وكان الدّين حالاً وجبت عليه المطالبة ، فإن كان المدين مماطلاً وجب إجباره على الأداء ، وإن توقّف تحصيله على الرّجوع إلى المحاكم العرفية لزم ذلك ، كما تجب المطالبة فيما إذا كان الدّين مؤجّلاً ولكن المدين يؤدّيه لو طالبه ، وأمّا إذا كان المدين معسراً أو مماطلاً ولا يمكن إجباره ، أو كان الإجبار مستلزماً للحرج ، أو كان الدّين مؤجّلاً والمدين لا يسمح بأداء ذلك قبل الأجل ، ففي جميع ذلك إن أمكنه بيع الدّين بما يفي بمصارف الحجّ ولو بضميمة ما عنده من المال ولم يكن في ذلك ضرر ولا حرج وجب البيع وإلّا لم يجب (3).


أمر حرجي عليها ، بخلاف ما لو استغنت عنه لكبرها مثلاً ، وجب عليها بيعه وصرفه في الحجّ لعدم استلزام ذلك الحرج.

(1) لصدق الاستطاعة حينئذ إذا لم تكن السكنى في الدار الموقوفة حرجياً عليه ولم تكن منافية لشأنه ، فإذن لا حاجة له إلى الدار المملوكة لسدّ حاجته بالوقف ونحوه ، وكذا الحال بالنسبة إلى الكتب العلميّة ونحوها من الأثاث.

(2) لأنّ الميزان في سقوط الحجّ وعدمه أن يكون الإلزام بالحج حرجياً عليه فيرتفع وجوبه ، حتّى ولو قلنا بعدم حرمة إيقاع النفس في الحرج والمشقّة ، وذلك لحكومة دليل الحرج على الأحكام الأوّليّة.

(3) هذه المسألة تنحل إلى أربع صور :

.................................................................................................


الاولى : ما إذا كان الدّين حالاً وكان المديون باذلا ، فاللّازم مطالبته لصدق الاستطاعة بذلك وكونه واجداً لما يحجّ به ، إذ لا فرق في ملكه للزاد والرّاحلة بين ما يملكهما عيناً أو قيمة وبدلاً.

الثّانية : أن يكون الدّين حالاً والمدين مماطلاً غير باذل ، فإن أمكن إجباره ولو بالرّجوع إلى المحاكم العرفيّة وجب لصدق الاستطاعة بذلك ، ومجرّد الاستعانة بالغير لا يوجب خروج ذلك عن الاستطاعة فيما لو لم يكن في الاستعانة حرج عليه ، فإنّ ذلك نظير ما إذا توقّف الحصول على ماله على علاج ، كما إذا كان له مال مدفون في الأرض أو كان في صندوق وتوقف التصرّف فيه على حفر الأرض أو فتح الصندوق ولو بأن يستأجر أحداً لذلك ، فإنّ القدرة التكوينيّة إذا كانت متوقّفة على مقدّمات يجب عقلاً تحصيل تلك المقدّمات ولا يوجب ذلك سقوط الواجب. وأمّا المنع عن الرّجوع إلى حاكم الجور للنهي عن الركون إليه والاستعانة به ، فقد ذكرنا في محلِّه (1)أنّ الأقوى جواز الرّجوع إليه إذا توقف استيفاء الحق وإنقاذه عليه.

الثّالثة : ما إذا كان الدّين مؤجلاً ولكن المدين يبذله قبل الأجل لو طالبه الدائن فالظاهر أيضاً وجوب المطالبة لصدق الاستطاعة ، ومجرّد توقف التصرّف على المطالبة لا يوجب عدم صدق الاستطاعة ، فإنّ ذلك كالمال الموجود في الصندوق الّذي يحتاج فتحه إلى العلاج.

الرّابعة : ما إذا كان المدين معسراً أو مماطلاً ولا يمكن إجباره ، أو كان الإجبار مستلزماً للحرج ، أو كان الدّين مؤجّلاً والمدين لا يدفعه قبل الأجل ، ففي جميع ذلك لو تمكّن من بيعه نقداً بأقل منه كما هو المتعارف يجب عليه بيعه ، لصدق الاستطاعة بذلك وأنّه واجد لما يحجّ به ، وقد عرفت أنّه لا يعتبر في صدق الاستطاعة وجود ما يحجّ به عيناً ، بل تصدق الاستطاعة على من يملك ما يحجّ به ولو بدلاً أو قيمة.


1) شرح العروة 1 : 307.

مسألة 27 : كلّ ذي حرفة كالحدّاد والبنّاء والنّجار وغيرهم ممّن يفي كسبهم بنفقتهم ونفقة عوائلهم يجب عليهم الحجّ ، إذا حصل لهم مقدار من المال بإرث أو غيره ، وكان وافياً بالزاد والرّاحلة ونفقة العيال مدّة الذهاب والإياب (1).

مسألة 28 : من كان يرتزق من الوجوه الشرعيّة كالخمس والزّكاة وغيرهما وكانت نفقاته بحسب العادة مضمونة من دون مشقّة ، لا يبعد وجوب الحجّ عليه فيما إذا ملك مقداراً من المال يفي بذهابه وإيابه ونفقة عائلته ، وكذلك من قام أحد بالإنفاق عليه طيلة حياته ، وكذلك كلّ من لا يتفاوت حاله قبل الحجّ وبعده من جهة المعيشة إن صرف ما عنده في سبيل الحجّ (2).

مسألة 29 : لا يعتبر في الاستطاعة الملكيّة اللازمة بل تكفي الملكيّة المتزلزلة أيضاً (3) فلو صالحه شخص ما يفي بمصارف الحجّ وجعل لنفسه الخيار إلى مدّة معيّنة وجب عليه الحجّ ، وكذلك الحال في موارد الهبة الجائزة.


(1) لحصول الاستطاعة والتمكّن من السفر إلى الحجّ ، ولا يعتبر في الرّجوع إلى الكفاية وجود ما تعيش به نفسه وعائلته بالفعل ، بل يكفي التمكّن من ذلك ولو لأجل صنعته وحرفته ، فإنّ المعتبر فيه أن لا يحتاج إلى التكفّف وأن لا يقع في الشدّة والحرج بعد الرّجوع.

(2) لوجود ما يحجّ به من مئونة الذهاب والإياب ونفقة العيال ، وعدم وقوعه في الحرج بعد الرّجوع.

(3) خلافاً لصاحب العروة (قدس سره) معلّلاً بأن الملكيّة المتزلزلة في معرض الزوال ولا تثبت بها الاستطاعة (1)، ولكن الظاهر هو الاكتفاء بها ، لصدق كونه واجداً للزاد والرّاحلة وأن عنده ما يحجّ به ، وأدلّة وجوب الحجّ على من كان واجداً لهما لم تقيّد بعدم كون المال في معرض الزوال ، فمتى ما كان المكلّف واجداً للزاد


1) العروة الوثقى 2 : 241 / 3024.

مسألة 30 : لا يجب على المستطيع أن يحجّ من ماله فلو حجّ متسكعاً أو من مال شخص آخر أجزأه (1) نعم إذا كان ثوب طوافه أو ثمن هديه مغصوباً لم يجزئه ذلك (2).

مسألة 31 : لا يجب على المكلّف تحصيل الاستطاعة بالاكتساب أو غيره (3)


والرّاحلة وجب عليه الحجّ حتّى مع علمه بفسخ المشتري فيما بعد ، فإن أقصاه أنّه يفي دينه للمشتري بلا حرج على الفرض ، ولو شكّ في الرّجوع يستصحب عدمه. وبذلك يظهر الحال في موارد الهبة الجائزة.

(1) لأنّ الواجب عليه إنّما هو الحجّ ، ولا يعتبر فيه أن يكون صرف المال من كيسه الخاص أو صرفه حسب شؤونه ، وإنّما ذلك مقدّمة ووسيلة للوصول إلى الحجّ. والحاصل لو توقّف إتيان الحجّ على الصرف من ماله الخاص وجب ، وإلّا فلا دليل على وجوب الصرف من ماله.

(2) قد عرفت أنّ صرف المال من كيسه الخاص غير واجب ، وإنّما الواجب عليه الحجّ وصرف المال وسيلة للوصول إليه ، بل لو غصب مالاً وحجّ به صحّ حجّه وأجزأه ، وإنّما يكون ضامناً للمال المغصوب.

نعم ، يعتبر إباحة ثوب الطّواف لأنّ الستر معتبر في الطّواف ولا يصح عارياً ، فإذا كان الساتر محرماً لا يصح طوافه لأنّ الفرد الحرام لا يكون مصداقاً للواجب ، فحاله حال الصلاة في اعتباره بالثوب الساتر ، وأمّا ثمن الهدي فإن كان من عين المال المغصوب فلا ريب في عدم دخول الهدي في ملكه ، فلو ذبحه فهو في الحقيقة تارك للهدي متعمداً فيفسد حجّه وطوافه لما سيجي‌ء إن شاء اللّه تعالى (1)أن من ترك الهدي عالماً عامداً فطاف بطل طوافه ولزمه التدارك بعد تدارك الذبح. وأمّا إذا اشتراه بالذمّة كما هو الغالب في المعاملات وادّى الثمن من المغصوب وفاءً للمعاملة ، ففي مثله تصحّ المعاملة ويكون الهدي داخلاً في ملكه غاية الأمر يضمن المال لصاحبه.

(3) لأنّ ذلك من تحصيل الشرط ولا يجب على المكلّف تحصيله ، فإنّ الاستطاعة


1) في المسألة 382.

فلو وهبه أحد مالاً يستطيع به لو قبله لم يلزمه القبول ، وكذلك لو طلب منه أن يؤجر نفسه للخدمة بما يصير به مستطيعاً ، ولو كانت الخدمة لائقة بشأنه.


أُخذت مفروضة الوجود ، ولذا لو وهبه أحد مالاً يستطيع به لو قبله أو طلب منه إجارة نفسه للخدمة بما يصير به مستطيعاً لم يجب عليه القبول.

وقد يقال كما عن النراقي (قدس سره) بالوجوب لوجهين :

الأوّل : صدق الاستطاعة العرفيّة على ذلك.

الثّاني : أنّ الإنسان يملك منافع نفسه كما يملك منافع ما يملكه من الأعيان كالعقار والدواب فيكون واجداً للمال ومستطيعاً قبل الإجارة ومن المعلوم أنّه لا يعتبر في الاستطاعة وجود الأثمان والنقود أو وجود عين مال مخصوص ، بل المعتبر وجود ما يمكن صرفه في سبيل الحجّ (1).

والجواب عن الأوّل : أنّ الاستطاعة المعتبرة في وجوب الحجّ ليست الاستطاعة العرفيّة ولا العقليّة ، وإنّما هي استطاعة خاصّة مفسّرة في الرّوايات بملكيّة الزاد والرّاحلة وتخلية السرب ، وهي تحصل بأحد أمرين إمّا واجديته لما يحجّ به أو بالبذل ، وكلاهما غير حاصل في المقام.

وعن الثّاني بأنّ الإنسان وإن كان يملك منافع نفسه لكن لا بالملكيّة الاعتباريّة نظير ملكيّته للعقار والدواب ، ولا يصدق عليه أنّه ذو مال باعتبار قدرته على منافع نفسه وقدرته على أعماله ، ولذا تسالم الفقهاء على أنّه لو حبس أحد حرّا لا يضمن منافعه باعتبار تفويته هذه المنافع.

والّذي يدل على ما ذكرناه أنّ الإنسان لو كان مالكاً لمنافع نفسه بالملكيّة الاعتباريّة لكان واجداً لما يحجّ به ، فلا حاجة إلى طلب الاستئجار منه ، بل يجب عليه أوّلاً تعريض نفسه للإيجار ، كما إذا كان مالكاً للدار والدواب ، ولا أظن أنّ أحداً يلتزم بذلك.


1) مستند الشيعة 11 : 51.

نعم لو آجر نفسه للخدمة في طريق الحجّ واستطاع بذلك وجب عليه الحجّ (1).

مسألة 32 : إذا آجر نفسه للنيابة عن الغير في الحجّ واستطاع بمال الإجارة قدّم الحجّ النيابي إذا كان مقيّداً بالسنة الحالية ، فإن بقيت الاستطاعة إلى السنة القادمة وجب عليه الحجّ وإلّا فلا (2) وإن لم يكن الحجّ النيابي مقيّداً بالسنة الفعليّة قدّم الحجّ عن نفسه.

مسألة 33 : إذا اقترض مقداراً من المال يفي بمصارف الحجّ وكان قادراً على وفائه بعد ذلك وجب عليه الحجّ (3).


(1) قد يؤجر المكلّف نفسه للخدمة في طريق الحجّ كالطبخ وغيره بما يصير مستطيعاً ، بحيث يكون متعلق الإجارة نفس العمل المذكور ويكون السير في الطريق مقدّمة لتسليم العمل المملوك إلى مالكه ، ففي مثله يجب عليه الحجّ ويجزئ حجّه عن حجّة الإسلام ، ولا ينافيه وجوب قطع الطريق للغير ، لأنّ الواجب عليه في حج نفسه أفعال الحجّ وأعماله ، وقطع الطريق ليس منها وإنّما هي مقدّمة توصلية ، فما وجب عليه لم يقع عليه الإجارة ، وما استؤجر عليه غير ما وجب عليه.

(2) لوجوب تسليم العمل المملوك إلى مالكه ، كما لو آجر نفسه لسائر الأعمال كالخياطة والبناء ، فإنّ وجوب تسليم العمل المملوك ينافي ويزاحم وجوب الحجّ على نفسه على الفرض.

نعم ، إذا لم يكن الحجّ النيابي مقيّداً بالعام الحاضر بل كانت الإجارة مطلقة ، قدم الحجّ عن نفسه لعدم المزاحمة ، لكن فيما إذا لم يكن الإتيان به مزاحماً لإتيان الحجّ النيابي في السنين الآتية ، وأمّا إذا كان مزاحماً قدم الحجّ النيابي ، كما لو علم بأنّه لو حجّ عن نفسه في هذا العام لا يتمكّن من الحجّ النيابي في العام القابل ، فالحج النيابي كالديون في المزاحمة وعدمها.

(3) لا ريب في أنّه لا يجب عليه الاقتراض للحج وإن كان متمكّناً من أدائه بسهولة ، لأنّ ذلك من تحصيل الاستطاعة وهو غير واجب قطعاً. نعم ، لو استدان

مسألة 34 : إذا كان عنده ما يفي بنفقات الحجّ وكان عليه دين ولم يكن صرف ذلك في الحجّ منافياً لأداء ذلك الدّين وجب عليه الحجّ (1) وإلّا فلا ، ولا فرق في الدّين بين أن يكون حالاً أو مؤجّلاً ، وبين أن يكون سابقاً على حصول ذلك المال أو بعد حصوله.

مسألة 35 : إذا كان عليه خمس أو زكاة وكان عنده مقدار من المال ولكن لا يفي بمصارف الحجّ لو أدّاهما وجب عليه أداؤهما ولم يجب عليه الحجّ ، ولا فرق في ذلك بين أن يكون الخمس والزّكاة في عين المال أو يكونا في ذمّته (2).


مقداراً من المال بحيث صار واجداً للزاد والرّاحلة وكان قادراً على وفائه بلا مشقّة وجب عليه الحجّ لفعليّة الحكم بفعليّة موضوعه.

(1) فإنّ الدّين بنفسه لم يكن منافياً ومزاحماً للحج إلّا إذا كان إتيان الحجّ مزاحماً لأدائه بحيث لو صرف المال في الحجّ لم يتمكّن من وفاء الدّين فحينئذ يقدم الدّين لأهميّته جزماً فإنّ الخروج من عهدة النّاس أهم من حقّ اللّه تعالى ، بل لو كان محتمل الأهميّة يقدّم أيضاً لأنّ محتمل الأهميّة من جملة المرجحات في باب التزاحم.

ويدلُّ على ذلك مضافاً إلى ما ذكرنا ، صحيح معاوية بن عمار قال : «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل عليه دين أعليه أن يحجّ؟ قال : نعم ، إنّ حجّة الإسلام واجبة على من أطاق المشي من المسلمين» (1)فإنّ المستفاد منه أنّ الدّين بنفسه لا يمنع عن الحجّ ، فما ذهب إليه المحقق (2)وجماعة من أنّ الدّين مطلقاً مانع عن الحجّ لا وجه له.

ولا فرق فيما ذكرنا بين كون الدّين حالاً أو مؤجّلاً وبين كونه سابقاً على حصول ذلك المال أم لا ، لأنّ الميزان بالمزاحمة وعدمها.

(2) إذا كان عليه خمس أو زكاة وكان عنده مقدار من المال لا يكفي إلّا للحج أو


1) الوسائل 11 : 43 / أبواب وجوب الحجّ ب 11 ح 1.

2) الشرائع 1 : 253.

مسألة 36 : إذا وجب عليه الحجّ وكان عليه خمس أو زكاة أو غيرهما من الحقوق الواجبة لزمه أداؤها ولم يجز له تأخيره لأجل السفر إلى الحجّ (1). ولو كان ثياب طوافه وثمن هديه من المال الّذي قد تعلّق به الحق لم يصحّ حجّه (2).


لأداء ما عليه من الخمس أو الزّكاة ، فهل يقدّم الحجّ على أداء الحق الشرعي أم لا؟ وهنا صورتان :

الاولى : ما إذا كان الحق متعلّقاً بذمّته ، وحكمه حكم الدّين الشخصي وقد عرفت أنّ الدّين المطالب به يقدّم على الحجّ ، ولا فرق بين كونه مديناً لشخص معيّن أو لجهة من الجهات ، فيتزاحم التكليفان ويجب عليه صرف المال في أداء الدّين ، لأهميّته من حق اللّه تعالى فتزول الاستطاعة.

الثّانية : أن يكون الحق الّذي هو الزكاة أو الخمس متعلّقاً بعين ماله فلا ريب أيضاً في تقديمهما على الحجّ ، لا لأنّ التعلّق بالعين مانع عن التصرّف فيها على خلاف مقتضى الحال كالتصرّف في العين المغصوبة فإنّه لا يجوز التصرّف فيها ، فإنّ الجواب عن هذا واضح لأنّ حرمة التصرّف في المال لا تكون مانعة ، ولذا لو عزل الزكاة وجاز له تأخير أدائها لم يجز له التصرّف في المال بالحج ، فيتبيّن أنّ عدم وجوب الحجّ غير مستند إلى الحكم التكليفي كحرمة التصرّف في المال أو وجوب الأداء ، بل الوجه في التقديم أنّه مع وجود الحق في ذمّته غير مستطيع وغير واجد لما يحجّ به فإنّ ثبوت الحق في ذمّته يوجب فقدان موضوع الحجّ وهو الاستطاعة.

(1) لعدم الفرق بين الدّين لشخص أو لجهة كالفقراء والسادة ، وقد عرفت فيما سبق أنّ أداء الدّين لأهميّته يقدّم على الحجّ.

(2) لأنّه كالمغصوب والمعتبر إباحة ثوب الطّواف ، كما أنّه يعتبر حلية ثمن الهدي وإلّا فلا يدخل في ملكه فيكون تاركاً للهدي ، وقد تقدّم الكلام في ذلك في المسألة الثلاثين.

مسألة 37 : إذا كان عنده مقدار من المال ولكنّه لا يعلم بوفائه بنفقات الحجّ لم يجب عليه الحجّ ولا يجب عليه الفحص (1) وإن كان الفحص أحوط.


(1) لأنّ الشبهة موضوعيّة فتجري فيها أصالة البراءة العقليّة والنقليّة ، ولا دليل على وجوب الفحص فيها.

وربّما يستدل لوجوب الفحص في المقام بأُمور :

منها : ما عن المحقق النائيني (قدس سره) من أنّ هذا المقدار من الفحص لا يعد من الفحص عرفاً ، فإنّ الفحص بمقدار يعرف أنّه مستطيع أم لا كالمراجعة إلى دفتر حساباته لا يعد ذلك لدى العرف فحصاً ، فإنّه نظير النظر إلى الأُفق لتبين الفجر ونحو ذلك (1).

والجواب عنه : أنّ الفحص لم يؤخذ في لسان أيّ دليل حتّى يقال بأنّ هذا المقدار من الفحص ليس فحصاً عرفاً أو هو فحص عرفاً ، وأدلّة البراءة موضوعها الجاهل والشاك ، ومقتضى إطلاقها جريان البراءة ما دام المكلّف جاهلاً بالموضوع ولا دليل على اعتبار الفحص ، وإنّما يعتبر الفحص في الشبهات الحكمية لدليل مذكور في محلِّه (2)غير جار في الشبهات الموضوعيّة ، كما يعتبر الفحص في الشبهات المقرونة بالعلم الإجمالي والموضوعات المهمّة كالدماء والفروج ، وفي غير ذلك يتمسّك بإطلاق أدلّة الأُصول. نعم ، في بعض الموارد قد لا يصدق عنوان الجاهل كالمورد الّذي يحتاج إلى الفحص اليسير جدّاً ، بل قد لا يعد من الفحص كالنظر إلى الأُفق بفتح عينه ليرى الفجر ، ففي مثله لا يجري الاستصحاب.

ومنها : بأنّه لولا الفحص لزمت المخالفة القطعيّة الكثيرة.

وفيه أوّلاً بالنقض بموارد كثيرة للأُصول الشرعيّة ، كالشك في الطّهارة والنّجاسة ونحوهما ممّا يعلم فيها بالمخالفة غالباً لو تفحّص عنها.


1) فوائد الأُصول 4 : 302.

2) مصباح الأُصول 2 : 489.

مسألة 38 : إذا كان له مال غائب يفي بنفقات الحجّ منفرداً أو منضمّاً إلى المال الموجود عنده ، فإن لم يكن متمكّناً من التصرّف في ذلك المال ولو بتوكيل من يبيعه هناك لم يجب عليه الحجّ (1)


وثانياً بالحل ، فإنّ المكلّف بالنسبة إلى نفسه لا يعلم بوقوعه في المخالفة ، ولو علم لكان من العلم الإجمالي في التدريجيّات ويجب الفحص حينئذ ولكنّه خارج عن محل الكلام ، وأمّا بالنسبة إلى سائر الناس فإنّه قد يعلم بوقوعهم في الخلاف ولكن لا أثر لذلك بالنسبة إلى نفسه.

ومنها : خبر زيد الصائغ الوارد في الدراهم الممتزجة من الفضّة والمس والرصاص الآمر بتخليصها وتصفيتها حتّى يحترق الخبيث ويبقى الخالص قال : «قلت : وإن كنت لا أعلم ما فيها من الفضّة الخالصة إلّا أنّي أعلم أنّ فيها ما يجب فيه الزّكاة؟ قال : فاسبكها حتّى تخلص الفضّة ويحترق الخبيث ثمّ تزكي ما خلص من الفضّة لسنة واحدة» (1)فإنّ الأمر بالتخليص ليس إلّا لاعتبار الفحص وإلّا فلا موجب له.

والجواب عن ذلك أوّلاً : أنّ الخبر ضعيف السند بزيد الصائغ وثانياً : أنّه ضعيف الدلالة ، بأنّه لو كانت الدراهم ممتزجة من ثلاثة أشياء فيتمكّن المكلّف من إعطاء الزّكاة بنسبة المال الموجود في الدراهم ولا حاجة إلى إعمال هذه العمليّة من سبك الدراهم وتخليصها. والظاهر أنّ الرواية في مقام بيان تعليم كيفيّة التخليص وليست في مقام بيان وجوب الفحص.

فتحصل : أنّه لا دليل على وجوب الفحص في هذه الموارد ، وللمكلّف أن يعمل بالأُصول الشرعيّة الجارية فيها.

(1) لعدم صدق الاستطاعة ، لأنّ العبرة في تحقق الوجوب بالتمكّن من التصرّف ومجرّد الملكيّة لا يحقق موضوع الاستطاعة.


1) الوسائل 9 : 255 / أبواب المستحقين للزكاة ب 21 ح 2.

وإلّا وجب (1).

مسألة 39 : إذا كان عنده ما يفي بمصارف الحجّ وجب عليه الحجّ ولم يجز له التصرّف فيه بما يخرجه عن الاستطاعة ولا يمكنه التدارك ، ولا فرق في ذلك بين تصرّفه بعد التمكّن من المسير وتصرّفه فيه قبله ، بل الظاهر عدم جواز التصرّف فيه قبل أشهر الحجّ أيضاً (2).


(1) لصدق الاستطاعة ، إذ لا يعتبر فيها حضور المال وكونه تحت يده فعلاً ، بل الميزان هو التمكّن من التصرّف والمفروض حصوله.

(2) لا ريب في أنّ مقتضى حكم العقل حرمة تفويت الملاك وعدم جواز تعجيز المكلّف نفسه عن أداء الواجب بعد فعليته وتحقق شرائطه وحدوده وإن كان الواجب متأخّراً ، لأنّ الميزان في تقبيح العقل للتعجيز هو تنجيز الواجب وفعليته وإن كان زمان الواجب استقباليّاً.

والظاهر أنّه لا خلاف بين الفقهاء في عدم جواز إتلاف الاستطاعة بعد تحققها وإنّما اختلفوا في مبدأ زمان عدم الجواز ، فالمعروف بينهم أنّ مبدأه خروج الرفقة فيجوز الإتلاف قبل خروج القافلة الاولى وإن كان متمكّناً من المسير. وعن بعضهم كالسيِّد في العروة أنّ مبدأه هو التمكّن من المسير ولا عبرة بخروج الرفقة ، فيجوز له قبل أن يتمكّن من المسير أن يتصرّف في المال بما يخرجه عن الاستطاعة ، وأمّا بعد التمكّن منه فلا يجوز وإن كان قبل خروج الرفقة (1).

وعن المحقق النائيني أنّ العبرة بأشهر الحجّ ، فإذا هلّ هلال شوال لم يجز له إتلاف ما استطاع به.

والظّاهر أنّه لا دليل على شي‌ء ممّا ذكروه ، والصحيح عدم جواز إتلاف الاستطاعة من أوّل زمان حصولها ، ولو قبل التمكّن من المسير أو قبل خروج الرفقة أو قبل أشهر الحجّ ، وذلك لأنّ مقتضى الآية الكريمة والرّوايات المفسّرة للاستطاعة


1) العروة الوثقى 2 : 239 / 3020.

نعم ، إذا تصرّف فيه ببيع أو هبة أو عتق أو غير ذلك حكم بصحّة التصرّف وإن كان آثماً بتفويته الاستطاعة (1).


تنجّز الوجوب عليه بمجرّد حصول الاستطاعة من الزاد والرّاحلة وتخلية السرب وصحّة البدن ، من دون فرق بين حصولها في أشهر الحجّ أو قبلها أو قبل خروج الرفقة أو قبل التمكّن من المسير أو بعده ، فمتى حصلت الاستطاعة يتنجز الواجب عليه ، وأشهر الحجّ إنّما هو ظرف للواجب لا للوجوب ، فالوجوب المستفاد من الأدلّة غير محدّد بوقت خاص ، ولذا لو استطاع قبل أشهر الحجّ وفرضنا أنّه لا يتمكّن من الوصول إلى الحجّ لو سافر في شهر شوال لبعد المسافة كما في الأزمنة السابقة بالنسبة إلى البلاد البعيدة يجب عليه السفر في زمان يمكنه الوصول إلى الحجّ ولو في شهر رجب أو قبله ، فلا عبرة بأشهر الحجّ ولا بغير ذلك ممّا ذكروه.

(1) لما ذكرنا في الأُصول أنّ النهي في المعاملات لا يقتضي الفساد (1)، وحاصل ما ذكرنا هناك : أنّ المعاملات كالبيع مثلاً مركبة من أُمور ثلاثة لا رابع لها ، وهي الاعتبار الشرعي أو العقلائي ، والمبرز بالكسر والمبزر بالفتح أي اعتبار نفس البائع.

أمّا الاعتبار الشرعي أو العقلائي فلا يعقل تعلّق النهي به ، لأنّه خارج عن تحت اختيار البائع أو المشتري ، إذ ليس ذلك بفعله وإنّما هو فعل الشارع ، فما يصح تعلّق النهي به إمّا المبرز بالكسر أو المبرز بالفتح ومجرّد النهي عن أحدهما أو كليهما لا يقتضي الفساد ، بل أقصاه دلالته على المبغوضية ، ولا ينافي ذلك ترتب أثر البيع عليه ، فإنّه من قبيل غسل الثوب بالماء المغصوب ، فإنّه وإن كان محرّماً ولكن يطهر الثوب به جزماً.

نعم ، لو تعلّق النهي بنفس عنوان البيع إرشاداً إلى الفساد كالنهي عن بيع ما ليس عنده أو النهي عن بيع الغرر ، فيدل على الفساد لا لأجل الحرمة والمبغوضيّة بل للإرشاد إلى الفساد ، ولذا قد تكون المعاملة جائزة ومع ذلك يحكم عليها بالفساد.


1) محاضرات في أُصول الفقه 5 : 36.

مسألة 40 : الظاهر أنّه لا يعتبر في الزاد والرّاحلة ملكيتهما ، فلو كان عنده مال يجوز له التصرّف فيه وجب عليه الحجّ إذا كان وافياً بنفقات الحجّ مع وجدان سائر الشروط (1).


(1) لصدق الاستطاعة بالتمكّن من التصرّف في المال ، وإباحته له وإن لم يكن المال ملكاً له.

وربما يورد عليه بأنّ مقتضى إطلاق بعض الأخبار المفسّرة للاستطاعة كقوله (عليه السلام) : «له زاد وراحلة» (1)ملكية الزاد والرّاحلة ، لظهور اللّام في الملك فلا يكفي مجرّد الإباحة ، وأمّا وجوب الحجّ بالبذل فقد ثبت بالدليل ، فالمستفاد من الأخبار وجوب الحجّ بملكيّة الزاد والرّاحلة أو ببذلهما ، وأمّا قوله (عليه السلام) : «إذا قدر الرّجل على ما يحجّ به» ونحوه كما في صحيح الحلبي (2)وغيره ممّا ظاهره الأعم من الملك والإباحة فمقتضى القاعدة تقييده بالملك لحمل المطلق على المقيّد.

ففيه : مضافاً إلى إمكان منع ظهور اللّام في الملك دائماً بل كثيراً ما يستعمل في مطلق الاختصاص كقولنا : الجل للفرس ، أنّه لا مجال لحمل المطلق على المقيّد في أمثال المقام ، فإنّ المطلق إنّما يحمل على المقيّد إذا وردا في متعلّقات الأحكام كالمثال المعروف أعتق رقبة ، وأعتق رقبة مؤمنة ، لا في موضوعاتها كنجاسة الخمر والمسكر ، فإنّ المطلق إنّما يحمل على المقيّد لحصول التنافي بينهما بعد إحراز وحدة المطلوب كمورد المثال المعروف ، وأمّا إذا لم يكن بينهما تناف فلا موجب للحمل ، كما في المقام فإنّ حصول الاستطاعة بملكيّة الزاد والرّاحلة لا يناف حصولها بالإباحة وجواز التصرّف في المال بأيّ نحو حصلت.

وأمّا قياس الإباحة المالكيّة بالإباحة الشرعيّة كالأنفال والمعادن والمباحات


1) الوسائل 11 : 35 / أبواب وجوب الحجّ ب 8 ح 7.

2) الوسائل 11 : 26 / أبواب وجوب الحجّ ب 6 ح 3.

مسألة 41 : كما يعتبر في وجوب الحجّ وجود الزاد والرّاحلة حدوثاً كذلك يعتبر بقاءً إلى تمام الأعمال (1). بل إلى العود إلى وطنه (2) فإن تلف المال في بلده أو في أثناء الطريق لم يجب عليه الحجّ وكشف ذلك عن عدم الاستطاعة من أوّل الأمر.


الأصليّة في عدم حصول الاستطاعة بذلك كما في المستمسك (1)، فيرد عليه بوضوح الفرق بينهما ، لصدق الاستطاعة بالإباحة المالكية عرفاً وعدم صدقها بمجرّد إباحة الأسماك في البحر له ، نعم لو صاد السمك وحاز المباحات واستولى عليها تحقق عنوان الاستطاعة ، وأمّا مجرّد الجواز الشرعي للحيازة فلا يحقق الاستيلاء لتحصل الاستطاعة.

(1) مقتضى الأدلّة الدالّة على اعتبار الاستطاعة في وجوب الحجّ اعتبار بقائها إلى تمام الأعمال ، بمعنى أنّه يلزم الإتيان بأعمال الحجّ عن استطاعة ، لأنّ الحجّ عبارة عن مجموع الأعمال المعهودة فلا بدّ من اقترانها بالاستطاعة ، وإلّا كما لو تلف المال في أثناء الطريق أو في أثناء الأعمال يكشف عن عدم الاستطاعة من أوّل الأمر ، فلا يجزي عن حجّة الإسلام كما لو حجّ من الأوّل عن غير استطاعة.

(2) بمعنى أنّه لو فقد مصارف العود إلى وطنه في أثناء الطريق أو في أثناء الأعمال كشف ذلك عن عدم الاستطاعة من الأوّل ، فإنّ الحجّ إنّما يجب على من كان واجداً للزاد والرّاحلة إلى تمام الأعمال ، فلو فقدهما في أثناء الطريق أو في أثناء الأعمال يكشف عن عدم كونه مستطيعاً وعدم كونه واجداً لهما من أوّل الأمر.

نعم ، لو حجّ وانتهى من الأعمال ثمّ فقد مصارف العود إلى وطنه فذلك لا يضر بصحّة حجّه وأجزأه عن حجّة الإسلام ، لأنّه إنّما اعتبرنا مئونة الإياب لأجل الحرج في البقاء في مكّة ، ولا يجري نفي الحرج بعد الانتهاء من الأعمال ، لاستلزامه خلاف الامتنان إذ لا امتنان في الحكم بالفساد بعد إتيان العمل.


1) المستمسك 10 : 117.

ومثل ذلك ما إذا حدث عليه دين قهري ، كما إذا أتلف مال غيره خطأ ولم يمكنه أداء بدله إذا صرف ما عنده في سبيل الحجّ (1) نعم ، الإتلاف العمدي لا يسقط وجوب الحجّ (2) بل يبقى الحجّ في ذمّته مستقرّاً فيجب عليه أداؤه ولو متسكعاً هذا كلّه في تلف الزاد والرّاحلة ، وأمّا تلف ما به الكفاية من ماله في بلده فهو لا يكشف عن عدم الاستطاعة من أوّل الأمر بل يجتزي حينئذ بحجّه ولا يجب عليه الحجّ بعد ذلك (3).


(1) قد سبق (1)أن ذكرنا أنّ الدّين في نفسه لا يمنع عن وجوب الحجّ ، وإنّما يمنع عنه إذا كان حالاً ومطالباً به ، وهذا من دون فرق بين كون سبب الدّين الاستقراض ونحوه أو إتلاف مال الغير خطأ.

(2) فإنّ الإتلاف العمدي كإتلاف نفس الزاد والرّاحلة اختياراً بعد حصولهما ووجودهما ، فإنّ ذلك لا يمنع عن استقرار الحجّ في ذمّته لفعليّته عليه بعد استكمال شرائطه ، فيجب عليه التحفّظ على الاستطاعة فلو أزالها اختياراً يستقر عليه الحجّ وصار ديناً عليه ووجب الإتيان به بأيّ وجه تمكّن.

(3) يعني إذا تلف بعد تمام الأعمال ما به الكفاية من ماله في وطنه يجتزئ بحجّه ولا أثر لتلف ما به الكفاية ، وذلك لأنّا إنّما اعتبرنا الرّجوع إلى الكفاية لنفي الحرج وهو امتناني فلا يجري بعد الإتيان بالأعمال ، لأن لازمه الحكم بالفساد وعدم الاجتزاء بما أتى به ولا امتنان في ذلك فلا مانع من الحكم بالصحّة ، نظير من اغتسل أو توضأ ثمّ علم بأنّ وضوءه أو غسله كان حرجيّا ، فإنّه لا يحكم بالفساد لأنّه على خلاف الامتنان ، ونفي الحرج إنّما يجري في موارد الامتنان.


1) في المسألة 34.

مسألة 42 : إذا كان عنده ما يفي بمصارف الحجّ لكنّه معتقد بعدمه ، أو كان غافلاً عنه ، أو كان غافلاً عن وجوب الحجّ عليه غفلة عذر لم يجب عليه الحجّ وأمّا إذا كان شاكّاً فيه أو كان غافلاً عن وجوب الحجّ عليه غفلة ناشئة عن التقصير ثمّ علم أو تذكر بعد أن تلف المال فلم يتمكّن من الحجّ ، فالظاهر استقرار وجوب الحجّ عليه إذا كان واجداً لسائر الشرائط حين وجوده (1).


(1) قد يجهل المكلّف عن كونه مستطيعاً جهلاً مركباً كالقاطع والمعتقد بالخلاف وقد يغفل عن وجود المال بمقدار مصارف الحجّ ، وقد يغفل عن وجوب الحجّ عليه غفلة عذر لا يلتفت إلى وجوبه عليه لعدم معرفته بالأحكام الإسلاميّة وقلّة المسلمين في البلد الّذي يسكنه وهو جديد عهد بالإسلام مثلاً ، وقد يكون جاهلاً جهلاً بسيطاً يحتمل الخلاف كالشاك ، وقد يكون غافلاً عن وجوب الحجّ غفلة ناشئة عن التقصير ، ثمّ إنّه بعد تلف المال يتذكّر ويعلم بوجوب الحجّ عليه ، فهل يستقر عليه الحجّ أم لا؟.

ذهب السيِّد في العروة إلى استقرار وجوب الحجّ عليه في جميع الصور ، لأنّ الجهل والغفلة لا يمنعان عن الاستطاعة الواقعيّة ، غاية الأمر أنّه معذور في ترك ما وجب عليه ، وعدم التمكّن من جهة الغفلة والجهل لا ينافي الوجوب الواقعي ، والعلم شرط في التنجيز لا في ثبوت أصل التكليف (1).

وذهب المحقق القمي في جامع الشتات إلى عدم الوجوب في جميع الصور ، لأنّه لجهله لم يكن مورداً للتكليف ، وبعد التفاته وتذكره لم يكن له مال ليحج به فلا يستقر عليه الوجوب (2).

والصحيح هو التفصيل كما في المتن بين الجهل البسيط والمركب ، فإن كان الجهل جهلاً بسيطاً وكان شاكّاً فالظاهر استقرار وجوب الحجّ عليه ، لما حقق في محلِّه (3)من


1) العروة الوثقى 2 : 240 / 3022.

2) جامع الشتات 1 : 281 / 416.

3) مصباح الأُصول 2 : 265.

مسألة 43 : كما تتحقّق الاستطاعة بوجدان الزاد والرّاحلة تتحقّق بالبذل (1).


أن رفع الحكم في مورده حكم ظاهري لا ينافي وجوب الحجّ واستقراره عليه واقعاً إذ العلم بالاستطاعة لم يؤخذ في موضوع وجوب الحجّ ، ولا مانع من توجّه التكليف إليه لتمكّنه من الإتيان به ولو على سبيل الاحتياط.

وبعبارة أُخرى : في مورد الجهل البسيط الّذي كان يتردد ويشك في أنّه مستطيع أم لا ، إذا كان اعتماده على أصل شرعي يعذره عن ترك الواقع ما دام جاهلاً به ، إذا انكشف الخلاف وبان أنّه مستطيع تنجز عليه التكليف الواقعي كسائر موارد انكشاف الخلاف في الأحكام الظاهريّة. بخلاف ما لو كان جاهلاً بالجهل المركب وكان معتقداً للخلاف ، فإنّ التكليف الواقعي غير متوجّه إليه لعدم تمكّنه من الامتثال حتّى على نحو الاحتياط ، فإن من كان قاطعاً بالعدم لا يمكن توجّه التكليف إليه لعدم القدرة على الامتثال.

وما يقال من أنّ الأحكام مشتركة بين العالم والجاهل فإنّما هو في مورد الجهل البسيط الّذي يتمكّن من الامتثال في مورده لا الجهل المركّب والقطع بالخلاف الّذي لا يتمكّن من الامتثال أصلاً ، ففي هذه الصورة الحق مع المحقق القمي من عدم الوجوب لأنّه لجهله لم يكن مورداً للتكليف وبعد علمه لم يكن له مال ليحجّ به.

وكذلك الحال في موارد الغفلة فإنّها إن كانت الغفلة مستندة إلى تقصير منه كترك التعلّم عمداً فالظاهر استقرار وجوب الحجّ عليه ، فإنّ الغفلة لا تمنع عن الاستطاعة الواقعيّة ولا تنافي الوجوب الواقعي.

وأمّا إذا لم تكن ناشئة عن تقصير منه فالرفع في حقّه رفع واقعي والحكم غير ثابت في حقّه واقعاً فلا يستقر عليه الحجّ ، لعدم ثبوت التكليف في حقّه في فرض الغفلة ، وفي فرض الالتفات وإن أمكن تكليفه ولكن المفروض أنّه لا مال له بالفعل فلا موجب لوجوب الحجّ عليه.

(1) إجماعاً ونصوصاً ، منها : صحيحة العلاء عن محمّد بن مسلم ، على ما رواه

ولا يفرق في ذلك بين أن يكون الباذل واحداً أو متعدداً (1)


الصدوق في كتاب التوحيد ، قال : «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن قول اللّه عزّ وجلّ ( ... وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ) ... قال : يكون له ما يحجّ به ، قلت : فمن عرض عليه الحجّ فاستحيى ، قال : هو ممّن يستطيع» (1).

ومنها : صحيحة معاوية بن عمار في حديث قال : «فإن كان دعاه قوم أن يحجّوه فاستحيى فلم يفعل ، فإنّه لا يسعه إلّا أن يخرج ولو على حمار أجدع أبتر» (2).

وربما يناقش في الاستدلال بالنصوص ، لدلالتها على وجوب الحجّ ولو مع العسر والحرج وهذا ممّا لا يمكن الالتزام به.

والجواب عن ذلك أنّ الظاهر منها خصوصاً من صحيحة معاوية بن عمار وجوب الحجّ عليه مع المشقّة والتسكع في مورد استقرار الحجّ بالبذل ورفضه بعد البذل ، فالأمر بتحمّل المشقّة والحجّ متسكعاً في هذه النصوص بعد فرض استطاعته بالبذل ، فإنّ المستفاد من النصوص أنّ مورد الأسئلة رفض الحجّ بعد البذل ، فحينئذ يستقر الحجّ في ذمّته ولا بدّ من الخروج عن عهدته ولو متسكعاً حتّى على حمار أجدع أبتر ، فيعلم من ذلك أنّ البذل كالملك يحقق الاستطاعة فلا تختص الاستطاعة بالملك.

بل يمكن استفادة كفاية الاستطاعة البذليّة من نفس الآية الشريفة ، لدلالتها على وجوب الحجّ بمطلق الاستطاعة وهي تتحقق بالبذل وعرض الحجّ أيضاً. نعم الرّوايات الخاصّة فسّرت الاستطاعة بقدرة خاصّة وهي التمكّن من الزاد والرّاحلة وتخلية السرب وصحّة البدن ، وهذه الأُمور كما تحصل بالملك تحصل بالبذل أيضاً.

(1) لإطلاق النصوص.


1) الوسائل 11 : 33 / أبواب وجوب الحجّ ب 8 ح 2 ، التوحيد : 349 / 10.

2) الوسائل 11 : 40 / أبواب وجوب الحجّ ب 10 ح 3.

وإذا عرض عليه الحجّ والتزم بزاده وراحلته ونفقة عياله وجب عليه الحجّ ، وكذلك لو أُعطي مالاً ليصرفه في الحجّ وكان وافياً بمصارف ذهابه وإيابه وعياله (1). ولا فرق في ذلك بين الإباحة والتمليك (2). ولا بين بذل العين وثمنها (3).

مسألة 44 : لو اوصي له بمال ليحج به وجب الحج عليه بعد موت الموصي إذا كان المال وافياً بمصارف الحجّ ونفقة عياله ، وكذلك لو وقف شخص لمن يحجّ أو نذر أو أوصى بذلك وبذل له المتولي أو الناذر أو الوصي وجب عليه الحجّ (4).

مسألة 45 : لا يجب الرّجوع إلى الكفاية في الاستطاعة البذليّة (5).


(1) لصدق البذل وعرض الحجّ بذلك أيضاً ، وأمّا نفقة العيال فالنصوص خالية عنها فلا بدّ من الرّجوع إلى ما تقتضيه القاعدة ، فإن كان له عيال تجب عليه نفقتهم وكان سفر الحجّ مانعاً عن الإنفاق عليهم فيدخل المقام في باب التزاحم ويقدم الأهم ولا يبعد أن يكون الإنفاق على العيال أهم لكونه من حقوق الناس ، فلا يجب الحجّ لو لم يبذل نفقة عياله إلّا إذا كان عنده ما يكفيهم إلى أن يعود ، وكذا لا يجب الحجّ إذا كان عدم الإنفاق حرجيّا عليه. نعم ، لو لم يتمكّن من الإنفاق عليهم حتّى مع عدم السفر بحيث كان الإنفاق عليهم متعذِّراً عليه حج أو لم يحجّ ، حينئذ يقدِّم الحجّ لعدم المزاحمة.

(2) لإطلاق الرّوايات وصدق العرض بكل من الإباحة والتمليك ، ولا وجه للقول بالاختصاص بصورة التمليك ، بل صورة الإباحة أظهر دخولاً في إطلاق الرّوايات لأنّ قوله : «دعاه قوم أن يحجوه» أو قوله : «فإن عرض عليه الحجّ» ظاهر في الإباحة ، فإنّ الغالب التزام الباذل بمصارف الحجّ لا بذل عين المال على نحو التمليك.

(3) إذ لا فرق في صدق عرض الحجّ بين بذل العين وثمنها.

(4) لصدق عرض الحجّ على جميع ذلك كلّه.

(5) لا يخفى أنّ عمدة ما استدلّ به على اعتبار الرّجوع إلى الكفاية في الاستطاعة أمران :

.................................................................................................


أحدهما : خبر أبي الربيع الشامي قال : «سُئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) عن قول اللّه عزّ وجلّ ( ... وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ) ... إلى أن قال : هلك النّاس إذن لئن كان من كان له زاد وراحلة قدر ما يقوت عياله ويستغني به عن الناس يجب عليه أن يحجّ بذلك ، ثمّ يرجع فيسأل الناس بكفّه لقد هلك اذن الحديث» (1).

ثانيهما : دليل نفي العسر والحرج ، فإنّ السفر إلى الحجّ إذا استلزم تعطيل معاشه وإعاشة عياله لو عاد إلى بلده ، لا يجب لوقوعه في الحرج.

وكلا الأمرين لا يجري في الاستطاعة البذليّة ، أمّا الخبر فمورده الاستطاعة الماليّة لأمره (عليه السلام) بصرف بعض ماله في الحجّ وإبقاء بعضه لقوت عياله ، ولا إطلاق له يشمل الاستطاعة البذليّة. هذا مضافاً إلى ما ذكرنا سابقاً (2)أنّ هذه الزيادة مرويّة على طريق المفيد وطريقه إلى أبي الربيع مجهول.

وأمّا دليل نفي الحرج فكذلك لا يأتي في الاستطاعة البذليّة ، لأنّ المفروض أنّ المبذول له لا يصرف شيئاً من المال في الحجّ وإنّما مصارفه على الباذل ، ويكون حاله بعد الحجّ كحاله قبل الحجّ فلا يقع في الحرج بسبب سفره إلى الحجّ ، بخلاف الاستطاعة الماليّة فإنّه لو صرف جميع ما عنده من المال في الحجّ بحيث لو رجع إلى بلاده ولا مال له لكفاية نفسه وعياله يكون سفره إلى الحجّ مستلزماً لوقوعه في الحرج فيرتفع وجوبه.

نعم ، لو وقع في الحرج من جهات أُخر ولو على سبيل الندرة يسقط الوجوب بالبذل أيضاً ، كما لو فرضنا أنّ الشخص كسبه منحصر في خصوص أشهر الحجّ ، ولو سافر إلى الحجّ في هذه الأشهر لا يتمكّن من الكسب أصلاً ويتعطّل أمر معاشه في طول السنة.


1) الوسائل 11 : 37 / أبواب وجوب الحج ب 9 ذيل ح 1.

2) في ص 35.

نعم ، لو كان له مال لا يفي بمصارف الحجّ وبذل له ما يتمم ذلك وجب عليه القبول (1) ولكن يعتبر حينئذ الرّجوع إلى الكفاية (2).

مسألة 46 : إذا اعطي مالاً هبة على أن يحجّ وجب عليه القبول (3). وأمّا لو خيّره الواهب بين الحجّ وعدمه ، أو أنّه وهبه مالاً من دون ذكر الحجّ لا تعييناً ولا تخييراً لم يجب عليه القبول (4).

مسألة 47 : لا يمنع الدّين من الاستطاعة البذليّة (5) نعم ، إذا كان الدّين حالاً وكان الدائن مطالباً والمدين متمكِّناً من أدائه إن لم يحجّ لم يجب عليه الحجّ (6).


(1) لصدق العرض بذلك ، ولا يختص عنوان عرض الحجّ ببذل تمام النفقة ، فإنّ الميزان بتحقّق الاستطاعة ولو بالتلفيق بين ما عنده من المال وما بذل له.

(2) إذا كانت الاستطاعة ملفقة من المال والبذل يعتبر فيها الرّجوع إلى الكفاية لجريان الدليلين المتقدِّمين المذكورين في أوّل المسألة في مثل ذلك كما لا يخفى.

(3) لصدق عرض الحجّ على ذلك ، ولا يختص العرض بالإباحة والبذل.

(4) أمّا في الهبة المطلقة فالأمر واضح لأنّ القبول من تحصيل الاستطاعة وهو غير واجب ، وأمّا القبول في الهبة المخيّرة بين الحجّ وغيره فربّما يقال بوجوبه ، لصدق الاستطاعة وعرض الحجّ بذلك ، لأنّ عرض شي‌ء آخر منضمّاً إلى عرض الحجّ لا يضر بصدق عرض الحجّ.

وفيه : أنّ التخيير بين الحجّ وغيره يرجع إلى أن بذله مشروط بعدم صرف المال المبذول في أمر آخر ، أو مشروط بإبقاء المال عنده ، ولا يجب على المبذول له تحصيل الشرط.

(5) الدّين إنّما يمنع من الحجّ فيما إذا دار الأمر بين صرف المال في أداء الدّين أو في السفر إلى الحجّ ، وأمّا لو فرض أنّه يسافر مجاناً ولم يصرف مالاً فلا مزاحمة في البين فيجب عليه الحجّ.

(6) وكذا لو كان الدّين مؤجّلاً ولكن يعلم المدين أنّه لو حجّ لا يتمكّن من أداء

مسألة 48 : إذا بذل مال لجماعة ليحج أحدهم ، فإن سبق أحدهم بقبض المال المبذول سقط التكليف عن الآخرين ، ولو ترك الجميع مع تمكّن كلّ واحد منهم من القبض استقرّ الحجّ على جميعهم (1).


دينه أصلاً ، ففي مثله يقدم أداء الدّين لأنّ العبرة بالمزاحمة وأداء الدّين أهم ، نعم لو علم بالتمكّن من الأداء بعد الرّجوع فلا يكون الدّين مانعاً.

(1) ربما يناقش في الوجوب كما في المستمسك تبعاً لصاحب الجواهر (1)، بأنّ الاستطاعة نوعان : ملكية وبذلية ، وكلتاهما في المقام غير حاصلة ، لانتفاء الملك على الفرض ، وأمّا البذليّة فلعدم شمول نصوص البذل له ، لأنّ البذل وعرض الحجّ إنّما يتحقق بالنسبة إلى الشخص الخاص وأمّا العرض للجامع فلا معنى له فلا يشمله النصوص.

والجواب : أنّ البذل للجامع بما هو جامع وإن كان لا معنى له ، لعدم إمكان تصرّف الجامع في المال ، ولكن البذل في المقام في الحقيقة يرجع إلى البذل إلى كلّ شخص منهم ، غاية الأمر مشروطاً بعدم أخذ الآخر ، فمعنى البذل إليهم تخييراً أن من أخذ المال منكم يجب عليه الحجّ ولا يجب على الآخر ، وأمّا إذا لم يأخذه واحد منهم فالشرط حاصل في كلّ منهم فيستقر عليهم الحجّ ، نظير : ما إذا وجد المتيممون ماءً يكفي لواحد منهم فإن تيمم الجميع يبطل.

نعم ، يفترق مسألة التيمم عن المقام في الجملة ، وهو أنّه في باب التيمم يجب السبق إلى أخذ الماء على من كان متمكناً من الغلبة ومنع الآخر ودفعه ، ولا يجب التسابق في المقام لأنّ المال بذل على نحو الواجب المشروط ، وإيجاد الشرط غير واجب.


1) المستمسك 11 : 146 ، الجواهر 17 : 269.

مسألة 49 : لا يجب بالبذل إلّا الحجّ الّذي هو وظيفة المبذول له على تقدير استطاعته ، فلو كانت وظيفته حجّ التمتّع فبذل له حجّ القِران أو الإفراد لم يجب عليه القبول وبالعكس (1). وكذلك الحال لو بذل لمن حجّ حجّة الإسلام (2). وأمّا من استقرّت عليه حجّة الإسلام وصار معسراً فبذل له وجب عليه ذلك (3). وكذلك من وجب عليه الحجّ لنذر أو شبهه ولم يتمكّن منه (4).


(1) فإنّ البذل لا يغيّر وظيفته من قسم خاص إلى قسم آخر من الحجّ ، وإنّما البذل يحقق له الاستطاعة. وبعبارة اخرى : المستفاد من النصوص أنّ الاستطاعة المعتبرة في الحجّ غير منحصرة بالماليّة بل تتحقّق بالبذل أيضاً ، فلا فرق بين المستطيع المالي والبذلي في الوظائف المقرّرة له.

(2) فإنّه لا يجب عليه القبول ، لأنّ المفروض أنّه قد أدّى الواجب ولا يجب عليه الإتيان ثانياً.

(3) لحصول القدرة على الامتثال بهذا البذل ، فإنّ الواجب عليه إتيان الحجّ متى قدر عليه وتمكّن منه ولو بالقدرة العقليّة ، فإنّ حال الحجّ حينئذ حال سائر الواجبات الإلهيّة من اعتبار القدرة العقليّة فيها ، فوجوب القبول في هذا المورد ليس لأجل أخبار البذل ، لأنّ تلك الأخبار في مقام توسعة الاستطاعة الخاصّة المعتبرة في حجّ الإسلام ، وأمّا وجوب الحجّ على من استقرّت عليه حجّة الإسلام فلم يعتبر فيه الاستطاعة الخاصّة المفسّرة في الرّوايات ، بل حاله حال سائر التكاليف في الاكتفاء بالقدرة العقليّة في وجوب الإتيان بها ، والمفروض حصول القدرة في الصورة المذكورة ، ولذا لو وهب له مال على نحو الإطلاق يجب عليه القبول ، لأنّه يحصل له التمكّن من الامتثال والقدرة على الإتيان فيجب عليه تفريغ ذمّته بحكم العقل.

(4) لمّا عرفت من أنّ القدرة الخاصّة المعتبرة في الحجّ المفسّرة في الرّوايات بالزاد والرّاحلة وغيرهما إنّما تعتبر في حجّة الإسلام خاصّة ، وأمّا سائر أقسام الحجّ الواجبة فلا يعتبر فيها إلّا القدرة العقليّة المعتبرة في سائر الواجبات الإلهيّة ، فمتى حصلت له

مسألة 50 : لو بذل له مال ليحج به فتلف المال أثناء الطريق سقط الوجوب (1) نعم ، لو كان متمكّناً من الاستمرار في السفر من ماله وجب عليه الحجّ وأجزأه عن حجّة الإسلام (2) إلّا أنّ الوجوب حينئذ مشروط بالرّجوع إلى الكفاية (3).

مسألة 51 : لا يعتبر في وجوب الحجّ البذل نقداً ، فلو وكّله على أن يقترض عنه ويحجّ به واقترض وجب عليه (4).

مسألة 52 : الظاهر أنّ ثمن الهدي على الباذل (5) فلو لم يبذله وبذل بقيّة المصارف لم يجب الحجّ على المبذول له ، إلّا إذا كان متمكّناً من شرائه من ماله (6)


القدرة على الامتثال ولو بالبذل أو الهبة يجب عليه القبول لتفريغ ذمّته بحكم العقل كما قلنا.

(1) لاعتبار الاستطاعة في وجوب الحجّ حدوثاً وبقاءً ، فإذا فقدت الاستطاعة في الأثناء ينكشف عدم ثبوت الوجوب.

(2) لأنّ الميزان في وجوب الحجّ بحصول الاستطاعة ولو بالتلفيق بين ما عنده وبالبذل.

(3) لما عرفت في المسألة الخامسة والأربعين اعتبار الرّجوع إلى الكفاية في الاستطاعة الملفقة لجريان دليل اعتباره فيها.

(4) لحصول الشرط وهو الاستطاعة بالاقتراض وإن لم يجب تحصيله ، نظير توقف الاستطاعة على الكسب ، فإنّه لا يجب عليه الاكتساب لتحصيل الشرط ولكن إذا اكتسب وحصلت الاستطاعة وجب الحجّ لحصول الشرط.

(5) لأنّ الهدي من أعمال الحجّ ، وعرض الحجّ وبذله يتحقق ببذل تمام أعماله وواجباته وإلّا فلم يعرض عليه الحجّ ، بل عرض بعض الحجّ فلا تشمله النصوص.

(6) إذا كان المبذول له متمكّناً من شراء الهدي ولم يبذل له الباذل وجب على المبذول له شراؤه ويجب عليه الحجّ حينئذ ، لكفاية الاستطاعة المركبة من الاستطاعة

نعم ، إذا كان صرف ثمن الهدي فيه موجباً لوقوعه في الحرج لم يجب عليه القبول. وأمّا الكفّارات فالظاهر أنّها واجبة على المبذول له دون الباذل (1).

مسألة 53 : الحجّ البذلي يجزئ عن حجّة الإسلام ولا يجب عليه الحجّ ثانياً إذا استطاع بعد ذلك (2).


المالية والبذلية ، إلّا إذا كان صرف ثمن الهدي فيه موجباً لوقوعه في الحرج فلم يجب عليه القبول لنفي الحرج.

(1) لأنّ الباذل لم يلتزم بشي‌ء من ذلك ، وإنّما صدر موجبها من المبذول له باختياره ، فلا موجب لكونها على الباذل فإنّ الباذل تعهّد بصرف نفقات الحجّ وليست الكفّارات من أعمال الحجّ ، وهذا من دون فرق بين الكفّارات العمديّة والخطئيّة ، فلا وجه لتوقف السيِّد في العروة في الكفّارات غير العمديّة (1).

(2) المعروف بين الفقهاء إجزاء الحجّ البذلي عن حجّة الإسلام فلو أيسر بعد ذلك لا يجب عليه الحجّ ثانياً ، بل لم يعرف الخلاف في ذلك إلّا من الشيخ في كتاب الاستبصار واستدلّ فيه بصحيح الفضل لقوله (عليه السلام) : «وإن أيسر فليحج» (2). وأمّا إطلاق حجّة الإسلام على ما حجّ به بالبذل فباعتبار ما ندب إليه من الحجّة في حال إعساره ، فإنّ ذلك يعبّر عنها بأنّها حجّة الإسلام من حيث كانت أوّل الحجّة وليس في الخبر أنّه إذا أيسر لم يلزمه الحجّ ، بل فيه تصريح أنّه إذا أيسر فليحج ، ثمّ قال (قدس سره) وأمّا صحيح معاوية بن عمار الدال على الصحّة وأنّها حجّة تامّة (3)فلا ينافي صحيح الفضل الدال على إعادة الحجّ إذا أيسر ، لأنّ خبر معاوية دلّ على أنّ حجّته تامّة وصحيحة يستحق بفعلها الثواب ، ولا ينافي ذلك وجوب الحجّ مرّة ثانية إذا أيسر (4).


1) العروة الوثقى 2 : 245 / 3041.

2) الوسائل 11 : 41 / أبواب وجوب الحجّ ب 10 ح 6.

3) الوسائل 11 : 40 / أبواب وجوب الحجّ ب 10 ح 2.

4) الإستبصار 2 : 143.

مسألة 54 : يجوز للباذل الرّجوع عن بذله قبل الدخول في الإحرام أو بعده (1).


وفي التهذيب عكس الأمر ، ووافق المشهور فإنّه ذكر أوّلاً صحيح معاوية بن عمار الدال على الإجزاء «قال : قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) رجل لم يكن له مال فحجّ به رجل من إخوانه أيجزئه ذلك عنه عن حجّة الإسلام أم هي ناقصة؟ قال : بلى ، هي حجّة تامّة» ثمّ ذكر صحيح الفضل وحمله على الاستحباب (1).

ولا ريب أن ما ذكره في التهذيب هو الصحيح كما عليه المشهور ، لأنّ صحيح معاوية لم يكن مقتصراً بالحكم بالصحّة حتّى لا ينافي الوجوب مرّة ثانية ، بل هو صريح في الإجزاء عن حجّة الإسلام ، فلا محيص من حمل صحيح الفضل على الاستحباب إذ لا يمكن الالتزام بالوجوب مرّة ثانية ، لأنّ حجّ الإسلام في العمر مرّة واحدة كما صرّح بذلك في صحيح هشام «وكلفهم حجّة واحدة وهم يطيقون أكثر من ذلك» (2)، فإذا قضى المكلّف حجّة الإسلام فليس بعد ذلك إلّا الندب.

(1) أمّا الرّجوع قبل الدخول في الإحرام فلا ينبغي الرّيب في جوازه في نفسه مع قطع النظر عن أسباب أُخر لقاعدة سلطنة الناس على أموالهم ، ولا موجب لعدم جواز الرّجوع ، ومجرّد الوعد والقول بالبذل لا يوجب عدم جواز الرّجوع عن بذله وأمّا جوازه بعد تلبس المبذول له بالإحرام ففيه كلام.

فربما يقال بعدم جوازه لوجوب إتمام العمل على المبذول له ، فإذا وجب عليه الإتمام فليس للباذل الرّجوع لاسلتزامه تفويت الواجب عليه وعدم قدرته من الإتمام ، نظير من أذن لغيره الصلاة في ملكه فإنّه بعد الشروع في الصلاة ليس للمالك الرّجوع عن إذنه لأنّه يستلزم قطع الصلاة وهو محرم شرعاً.

والجواب عنه أوّلاً : بأنّه يتوقّف على الالتزام بوجوب الإتمام على المبذول له


1) التهذيب 5 : 7.

2) الوسائل 11 : 19 / أبواب وجوب الحجّ ب 3 ح 1.

لكن إذا رجع بعد الدخول في الإحرام وجب على المبذول له إتمام الحجّ إذا كان مستطيعاً فعلاً (1) وعلى الباذل ضمان ما صرفه للإتمام (2).


وهو ممنوع لأنّ الاستطاعة شرط في وجوب الحجّ حدوثاً وبقاءً ، فإذا ارتفعت الاستطاعة بعد الإحرام كما إذا فقد ماله أو رجع الباذل عن إذنه وامتنع من الإنفاق انكشف أنّه غير مستطيع من أوّل الأمر فلا يجب عليه الحجّ ، وإذا لم يكن واجباً عليه لا يجب عليه الإتمام ، والمفروض أنّه لم يأت به ندباً حتّى يتمّه ، وإنّما دخل في الإحرام بعنوان أنّه مستطيع وبعنوان حجّة الإسلام ، ثمّ انكشف أنّه لم يكن ثابتاً عليه ، وأمّا إتمام العمل لا بعنوان حجّ الإسلام فأمر يحتاج إلى دليل وهو مفقود ، فله رفع اليد عن إحرامه والرّجوع إلى بلاده.

وثانياً : لو فرضنا وجوب الإتمام على المبذول له فإنّما هو وجوب مخاطب به نفس المبذول له ، وذلك لا يرتبط بالباذل ولا يوجب استمرار البذل على الباذل وصرف المال من كيسه على ذلك الرّجل بعد أن رجع عن إذنه ، فالصحيح جواز الرّجوع للباذل عن بذله قبل الإحرام وبعده.

وأمّا تنظير المقام بباب الإذن في الصّلاة ، ففيه : أنّ الكلام في المقيس عليه ، لأنّ عدم جواز رجوع المالك عن إذنه في الصّلاة يتوقّف على وجوب إتمامها وحرمة قطعها على الإطلاق وهو أوّل الكلام ، إذ لا دليل على حرمة قطع الصلاة سوى الإجماع والقدر المتيقّن منه غير هذا المورد ، فحينئذ إذا رجع المالك عن إذنه كان بقاء الرّجل ومكثه في الدار غصباً ومعه تبطل الصلاة.

(1) لحصول الاستطاعة الملفّقة من البذلية والملكية ، وقد عرفت الاكتفاء بذلك في ثبوت الوجوب.

(2) لأنّ الإذن في الإحرام إذن في الإتمام ، فإنّ الإذن في الشي‌ء إذن في لوازمه لقيام السيرة العقلائيّة على أنّ كلّ عمل يقع بأمر الغير وإذنه يقع مضموناً عليه ، ولكن ثبوت الضمان عليه لا ينافي جواز رجوع الباذل عن بذله ، فإنّ ضمان العمل شي‌ء وعدم

وإذا رجع الباذل في أثناء الطريق وجبت عليه نفقة العود (1).


جواز رجوع الباذل شي‌ء آخر.

وبما ذكرنا يظهر أنّه لا مجال للتمسّك بقاعدة الغرور لعدم جواز رجوع الباذل عن بذله ، لأنّ أقصى ما تدل عليه قاعدة الغرور إنّما هو ضمان الغار لمصاريف العمل الّذي وقع بأمره ، فيجوز للمغرور الرّجوع إلى الغار فيما يصرفه في سبيل العمل الواقع حسب أمره وإذنه ، ولا يثبت بها عدم جواز رجوع الباذل عن بذله ، فيمكن له الرّجوع إلى شخص ماله ولكن يضمن ما يصرفه المبذول له ، فلا منافاة بين ثبوت الضمان على الباذل وجواز رجوعه عن بذله. هذا مضافاً إلى أنّ قاعدة الغرور لم تثبت على الإطلاق ، وإنّما وردت في موارد خاصّة ، ولا دليل عليها سوى النّبوي المرسل في الكتب الفقهيّة.

نعم ، وردت في باب تدليس المرأة رواية فيها لفظ الغرور «وعلى الّذي زوّجه قيمة ثمن الولد يعطيه موالي الوليدة كما غرّ الرّجل وخدعه» (1)والرّواية ضعيفة بمحمّد بن سنان.

على أنّ الغرور في المقام غير صادق ، لأنّه يتوقّف على علم الغار وجهل المغرور وكون الغار قاصداً لإيقاع المغرور في خلاف الواقع ، وأمّا ما نحن فيه فالباذل لم يكن عالماً بالرّجوع عن البذل من باب الاتّفاق ، لعدم وفاء ماله بالبذل أو لأغراض وجهات أُخر.

فظهر أنّ مقتضى القواعد جواز الرّجوع إلى ماله ، ولكن يضمن ما يصرفه المبذول له في سبيل إتمام العمل للسيرة العقلائيّة.

(1) لأنّ السفر وقع بإذنه وأمره ، والإذن في الشي‌ء إذن في لوازمه حسب السيرة العقلائيّة كما قلناه.


1) الوسائل 21 : 220 / أبواب العيوب من كتاب النّكاح ب 7 ح 1.

مسألة 55 : إذا اعطي من الزّكاة من سهم سبيل اللّه على أن يصرفها في الحجّ وكان فيه مصلحة عامّة وجب عليه ذلك (1) وإن اعطي من سهم السادة أو من الزّكاة من سهم الفقراء واشترط عليه أن يصرفه في سبيل الحجّ لم يصحّ الشرط فلا يجب عليه الحجّ (2) ،


(1) لصدق عرض الحجّ على ذلك ، وقد ذكرنا في محلِّه أنّ المراد بسبيل اللّه كلّ أمر قربي فيه مصلحة عامّة راجعة إلى المسلمين ، كبناء القناطر والمساجد والمدارس ونحوها من الجهات العامّة ، لا كلّ طاعة ولو كانت شخصيّة لقصور الأدلّة عن ذلك وإلّا لجاز إعطاء الزّكاة لغني من باب إدخال السرور في قلب المؤمن ، أو إعطاء الزّكاة له على أن يزوّج ابنه ونحو ذلك فيشكل الحكم بالوجوب ، فلا بدّ في المقام من مراعاة المصلحة العامّة للمسلمين ، وإلّا فلا يجوز له الإعطاء من باب سبيل اللّه ليحج به.

(2) بيان ذلك يتوقف على توضيح معنى الشرط ولو إجمالاً وحاصله : أنّ الشرط بحسب مفهومه ليس مجرّد الالتزام ، وإنّما هو نحو ربط بينه وبين الشرط ، والرّبط بينهما يتصوّر على وجوه :

الأوّل : تعليق المنشأ بأمر متوقع الحصول كتعليق البيع على مجي‌ء مسافرة أو نزول المطر ونحو ذلك ، ففي الحقيقة على تقدير يبيع وعلى تقدير لا يبيع ، وهذا هو التعليق المجمع على بطلانه.

الثّاني : تعليق المنشأ على الالتزام بشي‌ء لا على نفس ذلك الشي‌ء ، كما إذا باع شيئاً واشترط على المشتري التزامه بخياطة ثوبه ، فإنّ البيع معلق على التزام المشتري بالخياطة لا على نفس الخياطة ، وهذا التعليق لا بأس به عند الفقهاء لأنّه تعليق على أمر حاصل ، لفرض التزام المشتري بذلك ، نظير تعليق البيع على أن يكون هذا اليوم يوم الجمعة مع العلم بكونه يوم الجمعة ، وأثر هذا الاشتراط وجوب الوفاء على المشتري فقط عملاً بقوله : «المؤمنون عند شروطهم» (1).


1) الوسائل 21 : 276 / أبواب المهور ب 20 ح 4.

.................................................................................................


الثّالث : تعليق التزام البائع بيعه على فعل صادر من المشتري كالخياطة لا تعليق البيع ، ومرجع هذا التعليق إلى جعل الخيار لنفسه على تقدير عدم الخياطة.

وشي‌ء ممّا ذكر من الأقسام غير جار في المقام ، لأنّ تعليق المنشأ على شي‌ء إنّما يتصوّر في الأُمور الاعتباريّة كالملكية ونحوها ، وأمّا الأُمور الخارجيّة التكوينيّة كالضرب والأكل ومنها الإعطاء الخارجي فغير قابلة للتعليق ، بل إمّا أن تقع وإمّا لا تقع ، فلا معنى لأن يأكل شيئاً على أن يكون ملك نفسه مثلاً ، أو يضربه بشرط أن يكون زيداً ، ومن هذا القبيل إعطاء الخمس له فإنّه كالأكل فإنّه إمّا يتحقق في الخارج أم لا ، فلا معنى لأن يقال إن لم يحجّ به فالإعطاء غير واقع ، والمفروض صدور الإعطاء منه في الخارج. وأمّا الملكية الشرعيّة وإن كانت قابلة للتعليق لأنّها من الأُمور الاعتباريّة ، ولكنّها ليست بيد المكلّف وإنّما هي بيد الشارع المقدّس وقد ملّكها للفقراء والسادة ، وليس للمالك أزيد من الإعطاء وتفريغ ذمّته وقد وقع منه.

وأمّا تعليق الالتزام بالإعطاء على الحجّ ، بمعنى أنّه يلتزم المالك بأن يعطيه الخمس أو الزكاة معلقاً على الحجّ به ، فقد عرفت أنّ مرجع ذلك إلى جعل المالك لنفسه حق الخيار والرّجوع إلى المال ، إذا لم يصدر المعلّق عليه من الطرف المقابل ، إلّا أنّه لا يمكن الالتزام بذلك في المقام ، لأنّ المالك ليس له الرّجوع فيما كان لله تعالى كما في النص (1)فإنّ ما أعطاه زكاة أو خمساً وانطبق عليه ذلك ، فليس للمالك الرّجوع عن عطائه فإنّ ما كان لله لا يعود. فليس في البين إلّا التزام الفقير الآخذ للمال بصرفه في الحجّ ، ولا أثر لالتزامه فإنّه يرجع إلى الوعد الابتدائي الّذي لا يجب العمل فيه.

ولو تنزّلنا عن جميع ذلك ، وقلنا بإمكان التعليق في المقام ، ولكن ليس لمن عليه الزكاة أو الخمس هذا الاشتراط وهذه السلطنة ، لعدم الولاية له على مثل ذلك ، وإنّما اللّازم عليه الأداء والإعطاء إلى أهله وإبراء ذمّته من الدّين ، نعم له حق التطبيق في الدفع والأداء إلى مستحقه ، وله أن يختار خصوص الفقير الفلاني أو السيِّد الفلاني وليس له أزيد من ذلك ، ولو جاز له أزيد من ذلك لجاز له أن يشترط أُموراً أُخر على


1) الوسائل 19 : 231 / أبواب الهبات ب 3 ح 1 ، 2 وب 6 ح 3.

مسألة 56 : إذا بذل له مال فحجّ به ثمّ انكشف أنّه كان مغصوباً لم يجزئه عن حجّة الإسلام (1). وللمالك أن يرجع إلى الباذل أو إلى المبذول له ، لكنّه إذا رجع إلى المبذول له رجع هو إلى الباذل إن كان جاهلاً بالحال وإلّا فليس له الرّجوع (2).


الفقير فيعطي زكاته له ويشترط عليه بأن يبني داره ، أو يخيط ثوبه أو يصلّي عن أبيه أو امّه كذا مقدار وهكذا ، وهذا معلوم البطلان ولم يلتزم به أحد من الفقهاء.

(1) لعدم صدق البذل على بذل مال غيره فالاستطاعة البذليّة غير متحققة.

وربما يقال بالإجزاء لجواز تصرّف المبذول له في المال لفرض جهله بالغصب.

وفيه : أنّ الجواز جواز ظاهري وهو لا يحقق عنوان الاستطاعة ، إذ بعد ما تبيّن أنّ المال كان مغصوباً وأنّ البذل غير ممضى شرعاً في الواقع فلم يتحقق البذل حقيقة وإنّما كان ذلك من تخيّل البذل وهو غير موجب للاستطاعة.

(2) أمّا جواز رجوعه إلى الباذل فواضح ، لأنّه أتلف مال الغير واستولى عليه عدواناً ، فمقتضى قاعدة على اليد المؤكّدة بالسيرة العقلائيّة هو الضمان من دون فرق بين كون الباذل عالماً بالغصب أو جاهلاً به ، لعدم استناد الضمان إلى قاعدة الغرور حتّى يفرّق بين صورتي العلم والجهل ، بل استناداً إلى بناء العقلاء وسيرتهم القاضية بالضمان حتّى في صورة الجهل.

وأمّا جواز الرّجوع إلى المبذول له فكذلك ، لأنّه أتلف المال بنفسه وتصرّف فيه تصرّفاً عدوانيّاً من دون فرق بين كونه عالماً بالغصب أو جاهلاً به ، وهذا من صغريات مسألة تعاقب الأيدي على المال المغصوب.

ولكن لو رجع المالك إلى الباذل بالبدل وأعطاه الباذل لم يكن للباذل الرّجوع إلى المبذول له ، لأنّ الباذل بعد ما أعطى البدل للمالك صار المال المغصوب ملكاً له بقاءً وخرج عن ملك مالكه الأوّل ببناء العقلاء لئلّا يلزم الجمع بين البدل والمبدل ، فإذا صار المبدل ملكاً للباذل والمفروض أنّ الباذل أسقط ضمان ماله لأنّه سلّط المبذول له على ماله مجاناً ، ومعه ليس له الرّجوع إلى المبذول له.

مسألة 57 : إذا حجّ لنفسه أو عن غيره تبرّعاً أو بإجارة ، لم يكفه عن حجّة الإسلام فيجب عليه الحجّ إذا استطاع بعد ذلك (1).


وأمّا إذا رجع المالك إلى المبذول له ، فله أن يرجع إلى الباذل ، لأنّ المال بعد ما غرمه المبذول له للمالك صار ملكاً للمبذول له بقاءً على ما عرفت فهو مالك جديد للمال ، والمفروض أنّ الباذل فوّت المال على المالك الجديد وهو المبذول له.

فالباذل ضامن إمّا للمالك الأوّل وهو المغصوب منه ، وإمّا للمالك الثّاني وهو المبذول له. إلّا أنّه إنّما يكون له الرّجوع إلى الباذل فيما إذا كان المبذول له جاهلاً بالغصب ، وإلّا لو كان عالماً به فلا وجه لرجوعه إلى الباذل ، لأنّ المبذول له بعد علمه بالحال يكون بنفسه غاصباً ومتلفاً للمال ، ولم يكن في البين غرور من ناحية الباذل ليرجع إليه ، كما لو قدم صاحب الدار الطعام المغصوب إلى الضيف وكان الضيف عالماً بالغصب ، فإنّه لا مجال لرجوع الضيف إلى صاحب الدار إذا رجع المالك إلى الضيف لأنّ الضيف بنفسه يكون متلفاً لمال الغير من دون تغرير من صاحب الدار ، كما تقتضيه بناء العقلاء وسيرتهم.

(1) إذا حجّ لنفسه تطوّعاً أو واجباً وفاءً لنذر أو لشرط في ضمن عقد لازم ونحو ذلك مع عدم كونه مستطيعاً لا يكفيه عن حجّة الإسلام ، لاشتراط وجوب حجّة الإسلام بالاستطاعة والمفروض فقدانها ، فلا مقتضي للقول بالإجزاء فيجب عليه الحجّ إذا استطاع بعد ذلك ، لإطلاق ما دلّ على وجوب الحجّ إذا حصلت الاستطاعة ولا دليل على سقوطه بالحج الصادر عن غير استطاعة. ومنه يظهر عدم إجزاء ما حجّ عن غيره تبرّعاً أو بإجارة إذا لم يكن مستطيعاً.

نعم ، وردت في خصوص الحجّ عن الغير روايات يدل على الإجزاء وعمدتها صحيحتان لمعاوية بن عمار ، الاولى : «عن رجل حجّ عن غيره يجزئه عن حجّة الإسلام؟ قال : نعم» (1)، الثّانية : «حجّ الصّرورة يجزئ عنه وعمّن حجّ عنه» (2).


1) الوسائل 11 : 56 / أبواب وجوب الحجّ ب 21 ح 4 ، 2.

2) الوسائل 11 : 56 / أبواب وجوب الحجّ ب 21 ح 4 ، 2.

مسألة 58 : إذا اعتقد أنّه غير مستطيع فحجّ ندباً قاصداً امتثال الأمر الفعلي ثمّ بان أنّه كان مستطيعاً ، أجزأه ذلك ولا يجب عليه الحجّ ثانياً (1).

مسألة 59 : لا يشترط إذن الزوج للزوجة في الحجّ إذا كانت مستطيعة ، كما لا يجوز للزوج منع زوجته عن الحجّ الواجب عليها (2)


وربما يقال بأنّ خبر آدم بن علي يدل على عدم الإجزاء لقوله (عليه السلام) «من حجّ عن إنسان ولم يكن له مال يحجّ به أجزأت عنه حتّى يرزقه اللّه ما يحجّ به ويجب عليه الحجّ» (1)، ومقتضى الجمع بينه وبين الصحيحتين هو الحمل على الاستحباب لأنّهما صريحتان في الإجزاء والخبر ظاهر في الوجوب.

والجواب : أنّ الخبر ضعيف السند بمحمّد بن سهل وبآدم بن علي فلا يصلح للمعارضة.

والصحيح أن يقال : إنّ مضمون الصحيحتين لم يقل به أحد من الفقهاء ، وقد تسالموا على عدم الإجزاء ، وبذلك يسقطان عن الحجيّة فلا بدّ من ردّ علمهما إلى أهلهما.

(1) لعدم الإخلال بالمكلّف به ، فإن حجّ الإسلام ليس إلّا صدور هذه الأعمال والمناسك من البالغ الحر المستطيع الواجد لجميع الشرائط ، والمفروض حصول ذلك وإن كان لا يعلم به حين الإتيان بالأعمال. ومجرّد نيّة الندب واعتقاد جواز الترك ما لم يخل بالأجزاء والأفعال غير ضائر ، لعدم دخل ذلك في الواجب ، نظير ما لو صام شهر رمضان ندباً قربة إلى اللّه تعالى وهو لا يعلم بوجوب الصوم فيه ، فإنّ صيامه صحيح بلا إشكال.

(2) من دون فرق بين ما لو كان الحجّ مستقراً عليها وكانت مستطيعة قبل ذلك وبين ما لو استطاعت لعامها الفعلي وأرادت الحجّ ، إذ لا طاعة لمخلوق في معصية


1) الوسائل 11 : 55 / أبواب وجوب الحجّ ب 21 ح 1.

نعم ، يجوز له منعها من الخروج في أوّل الوقت مع سعة الوقت (1).


الخالق ، والنصوص في ذلك كثيرة ، منها : صحيح محمّد بن مسلم «عن امرأة لم تحج ولها زوج ، وأبى أن يأذن لها في الحجّ فغاب زوجها ، فهل لها أن تحج؟ قال : لا طاعة له عليها في حجّة الإسلام» (1). كما لا يجوز له منعها لعدم السلطنة له عليها في ذلك وعدم حق له عليها حينئذ.

نعم ، قد يقال في الحجّ غير المستقر وهو الّذي تكون استطاعته في هذا العام ، أنّ حق الزوج مانع عن تحقق الاستطاعة.

ولكن لا يخفى ما فيه : لما ذكرنا غير مرّة أنّ الاستطاعة المعتبرة في الحجّ ليست إلّا استطاعة خاصّة مفسّرة في الرّوايات ، وهي حاصلة على الفرض ، إذ لم يؤخذ فيها عدم مزاحمة الحجّ لحق الغير ، ولو فرضنا وقوع التزاحم يقدم الحجّ لأهميّته ، لأنّه ممّا بني عليه الإسلام ، والنصوص الدالّة على أنّه لا طاعة له عليها في الحجّ يشمل هذا القسم أيضاً ، ولا موجب لحملها على الحجّ المستقر.

(1) لأنّ جواز خروجها من البيت يتوقّف على إذن الزوج ، ويحرم عليها الخروج بدون إذنه ، لإطلاق جملة من النصوص الدالّة على اعتبار إذن الزوج وإن لم يكن منافياً لحقّ الاستمتاع بها ، كصحيحة محمّد بن مسلم «ولا تخرج من بيتها إلّا بإذنه» (2)وفي صحيح علي بن جعفر «سألته عن المرأة إلها أن تخرج بغير إذن زوجها؟ قال : لا» (3).

وهذه النصوص تشمل ما لو كان الخروج من البيت غير متعيّن عليها في وقت خاص وكان الواجب موسعاً ، والرّوايات الّتي دلّت على سقوط إذن الزوج إنّما هي


1) الوسائل 11 : 155 / أبواب وجوب الحجّ ب 59 ح 1.

2) الوسائل 20 : 157 / أبواب مقدّمة النّكاح ب 79 ح 1.

3) الوسائل 20 : 158 / أبواب مقدّمة النكاح ب 79 ح 5.

والمطلّقة الرجعيّة كالزوجة ما دامت في العدّة (1)


بالنسبة إلى أصل الواجب لا بالنسبة إلى الأفراد والخصوصيّات الّتي يجوز تركها فلا مانع من شمول ما دلّ على اعتبار إذن الزوج من البيت للمقام ، وعليه يجوز له منعها من الخروج مع أوّل الرفقة.

(1) المستفاد من الأدلّة أنّ المطلقة الرجعيّة زوجة حقيقة لا حكماً ، والبينونة تتحقق بانقضاء العدّة ، وإنّما إنشاء الطلاق حاصل بالفعل ويؤثر في الفراق بعد انقضاء العدّة ، فيثبت لها ما يثبت للزوجة ، فتحتاج إلى الإذن من زوجها إذا أرادت الخروج من البيت ، هذا حسب ما تقتضيه القاعدة.

وأمّا بحسب الرّوايات فهي على طوائف أربع :

الأُولى : الدالّة على أنّ المطلقة الرجعيّة لا تحج ، كما في صحيحة معاوية بن عمار في حديث قال : «لا تحج المطلقة في عدّتها» (1). ومقتضى إطلاقها عدم الفرق بين حجّ الإسلام وغيره وبين ما لو أذن لها الزوج أم لا.

الثّانية : الدالّة على أنّها تحج كما في صحيح ابن مسلم «المطلّقة تحج في عدّتها» (2)وهو مطلق يشمل حجّ الإسلام وغيره ومع الإذن وعدمه.

الثّالثة : ما دلّ على أنّه إن كانت صرورة حجت في عدّتها ، وإن كانت حجّت فلا تحج حتّى تقضي عدّتها ، كما في خبر منصور بن حازم (3)، وهذا الخبر وإن كان ضعيفاً بالإرسال ، ولكن مضمونه يستفاد من أدلّة أُخرى دالّة على أنّ حجّ الإسلام لا يعتبر فيه الإذن ، وأمّا غيره فيعتبر فيه الإذن.


1) الوسائل 11 : 158 / أبواب وجوب الحجّ ب 60 ح 3.

2) الوسائل 11 : 158 / أبواب وجوب الحج ب 60 ح 1.

3) الوسائل 11 : 158 / أبواب وجوب الحجّ ب 60 ح 2.

مسألة 60 : لا يشترط في وجوب الحجّ على المرأة وجود المحرم لها إذا كانت مأمونة على نفسها (1) ومع عدم الأمن لزمها استصحاب محرم لها ولو بأُجرة إذا تمكّنت من ذلك ، وإلّا لم يجب الحجّ عليها.

مسألة 61 : إذا نذر أن يزور الحسين (عليه السلام) في كلّ يوم عرفة مثلاً واستطاع بعد ذلك وجب عليه الحجّ وانحلّ نذره ، وكذلك كلّ نذر يزاحم الحجّ (2).


الرّابعة : تدل على أنّ المطلّقة الرجعيّة تحج في عدّتها بإذن الزّوج كما في صحيحة معاوية بن عمار «المطلّقة تحج في عدّتها إن طابت نفس زوجها» (1)، ومقتضى الجمع بين هذه الطوائف حمل إطلاق ما دلّ على أنّها لا تحجّ إلّا مع الإذن على غير حجّ الإسلام ، وحمل ما دلّ على أنّها تحجّ مطلقاً على حجّة الإسلام ، فالنتيجة أنّ المطلّقة الرجعيّة لا تستأذن في حجّة الإسلام وتستأذن في غيرها.

(1) لإطلاق أدلّة وجوب الحجّ عليها ، مضافاً إلى النصوص الخاصّة منها : صحيح سليمان بن خالد «في المرأة تريد الحجّ ليس معها محرم هل يصلح لها الحجّ؟ فقال : نعم إذا كانت مأمونة» (2)وليعلم أنّ استصحاب المحرم لا خصوصيّة له ، وإنّما الميزان استصحاب من تثق به سواء كان محرماً أم غيره ، فذكر المحرم بخصوصه كما في المتن فيه مسامحة.

(2) اختلف الفقهاء في هذه المسألة ، فقد نسب إلى المشهور ومنهم صاحب الجواهر (3)والسيِّد في العروة (4)تقديم النذر على الحجّ لانتفاء الاستطاعة حينئذ ، لأنّ المانع الشرعي كالعقلي فإن وجوب الوفاء بالنذر يزيل الاستطاعة فلا يكون مستطيعاً للحج أبداً.


1) الوسائل 22 : 219 / أبواب العدد ب 22 ح 2.

2) الوسائل 11 : 153 / أبواب وجوب الحجّ ب 58 ح 2.

3) الجواهر 17 : 347.

4) العروة الوثقى 2 : 242 / 3029.

.................................................................................................


وبعبارة أُخرى : ذكروا أنّ وجوب الوفاء بالنذر مقيّد بالقدرة العقليّة كبقيّة الواجبات ، ووجوب الحجّ مشروط بالقدرة الشرعيّة ، فإذا كان بقاؤه في كربلاء يوم عرفة مثلاً واجباً لزيارة الحسين (عليه السلام) فقد صار عاجزاً عن الإتيان بالحج والقيام به ، فإنّ العجز الشرعي كالعجز العقلي فيكون معذوراً في ترك الحجّ.

وذهب جماعة من المحققين كالشيخ النائيني ومنهم السيِّد الأُستاذ (دام ظله) إلى تقديم الحجّ وانحلال نذره ، وهذا هو الصحيح. توضيح ذلك :

إنّ المشهور إنّما التزموا بتقديم النذر على الحجّ لالتزامهم بأخذ القدرة الشرعيّة في موضوع الحجّ ، ولازم ذلك أن كلّ واجب يزاحم الحجّ يزيل موضوع الحجّ وهو الاستطاعة ، ولا يكون المكلّف حينئذ قادراً على الحجّ ويصبح عاجزاً عن الإتيان به. وبعبارة أوضح : أُخذ في موضوع الحجّ أن لا يزاحمه واجب آخر ، فإذا وجب على المكلّف شي‌ء في أوان الحجّ وزاحمه بحيث لا يتمكّن من الجمع بينهما يسقط وجوب الحجّ لعدم القدرة عليه شرعاً.

ولكن الظاهر أنّه لا دليل على ما ذكروه أصلاً ، وقد ذكرنا في بعض المباحث السابقة (1)أنّ الحجّ ليس مشروطاً بالقدرة الشرعيّة المصطلحة وإنّما الحجّ كسائر الواجبات الإلهيّة مشروط بالقدرة العقليّة.

نعم ، فسّرت القدرة المأخوذة في الحجّ في الرّوايات بقدرة خاصّة ، وهي واجديته للزاد والرّاحلة وصحّة البدن وتخلية السرب ولا يؤول ذلك إلى أخذ القدرة الشرعيّة بحيث يزاحمه أيّ واجب من الواجبات الشرعيّة ، فوجوب الحجّ حاله حال سائر التكاليف الإلهيّة في كونه مشروطاً بالقدرة العقليّة ، فعند مزاحمته لواجب آخر يلاحظ الأهم منهما كبقيّة الواجبات المتزاحمة ، هذا كلّه بحسب الكبرى.

إلّا أنّه في خصوص المقام وهو ما لو نذر زيارة الحسين (عليه السلام) في كلّ عرفة وغير ذلك من النظائر لا يصل الأمر إلى التزاحم ، والوجه فيه أنّ وجوب الوفاء


1) في ص 25.

.................................................................................................


بالنذر ليس واجباً ابتدائيّاً مجعولاً من قبل الشريعة المقدّسة على المكلّفين نظير وجوب الصلاة والصيام وأمثالهما ، وإنّما هو واجب إمضائي ، بمعنى أنّه إلزام من اللّه تعالى بما التزم المكلّف على نفسه بالقيام بشي‌ء لله تعالى ، نظير باب العقود فإنّ البائع يلتزم على نفسه تمليك ماله للمشتري والشارع المقدّس يمضي التزامه ويلزمه بالوفاء بالتزامه ، فالعمل الّذي يلتزم به الناذر لله تعالى لا بدّ أن يكون قابلاً للإضافة إليه سبحانه ومرتبطاً به نحو ارتباط ، ومن هنا اعتبروا الرّجحان في متعلّق النذر ، وإلّا لو كان خالياً عن الرّجحان لم يكن قابلاً للإضافة إليه تعالى ، كنذر المباحات الأصليّة الّتي لا رجحان فيها ولا ترتبط به جلّ اسمه ، ولذا عبّر بعضهم عن ذلك بأن لا يكون النذر محلّلاً للحرام وبالعكس ، مع أنّ هذا لم يرد في النذر وإنّما ورد في الشرط. والحاصل : لا بدّ أن يكون العمل المنذور الملتزم به على نفسه راجحاً في نفسه وقابلاً للإضافة إليه تعالى ، وإلّا فلا ينعقد النذر.

والنتيجة : أنّ كلّ عمل استلزم ترك واجب أو فعل محرم ، لا يمكن استناده وإضافته إلى اللّه تعالى ، فلا تشمله أدلّة وجوب الوفاء بالنذر ، لقصور دليل الإمضاء لمثل هذه الموارد فينحل النذر فيها ، فلا يصل الأمر إلى التزاحم فضلاً عن أن يرفع النذر موضوع الاستطاعة.

فظهر ممّا ذكرنا أنّ وجوب الحجّ مطلق غير مشروط بشي‌ء سوى الاستطاعة المفسّرة في النصوص بأُمور خاصّة ، وأمّا القدرة الشرعيّة المصطلحة فغير مأخوذة فيه ، بخلاف النذر فإنّه مشروط بأن لا يكون محلّلاً للحرام ومحرماً للحلال ومستلزماً لترك واجب أو إتيان محرم ، وعليه فلا يقع التزاحم بين النذر والحجّ أصلاً.

ويؤكّد ما ذكرناه : أنّه لو صحّ النذر وتقدّم على الحجّ لأمكن الاحتيال لسقوط الحجّ وتفويته بنذر أيّ أمر راجح يستلزم ترك الحجّ ، ولو بنذر إتيان ركعتين من الصلاة في مسجد بلده يوم عرفة أو قراءة سورة معيّنة في المسجد الفلاني في يوم عرفة ونحو ذلك ، وهذا مقطوع البطلان فإنّ الحجّ ممّا بني عليه الإسلام فكيف يمكن الالتزام بسقوطه بأمثال هذه الأُمور.

مسألة 62 : يجب على المستطيع الحجّ بنفسه إذا كان متمكّناً من ذلك ، ولا يجزئ عنه حج غيره تبرّعاً أو بإجارة (1).

مسألة 63 : إذا استقرّ عليه الحجّ ولم يتمكّن من الحجّ بنفسه ، لمرض أو حصر أو هرم أو كان ذلك حرجاً عليه ، ولم يرج تمكّنه من الحجّ بعد ذلك من دون حرج وجبت عليه الاستنابة ، وكذلك من كان موسراً ولم يتمكّن من المباشرة أو كانت حرجيّة عليه (2).


(1) لظهور الأدلّة في المباشرة ، ومع التمكّن من ذلك لا يجزئ عنه حج غيره ، سواء حجّ عنه تبرّعاً أو بإجارة ، وهذا واضح جدّاً.

(2) تشتمل هذه المسألة على موردين لوجوب الاستنابة :

المورد الأوّل : من استقرّ عليه الحجّ وسوّف وأهمل حتّى مرض أو كبر وضعف من أداء الحجّ بنفسه ، أو كان أداؤه حرجاً عليه بحيث لا يتمكّن من مباشرة الحجّ بنفسه فهل تجب الاستنابة أم لا؟

المعروف بين الفقهاء وجوب الاستنابة ، بل في الجواهر أنّ الاستنابة حينئذ واجبة قولاً واحداً حكاه عن الروضة والمسالك (1)فترديد بعضهم في الوجوب أو الجزم بعدمه كما عن آخر لا وجه له. ويدلُّ عليه جملة من الأخبار الصحيحة :

منها : صحيح عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «إنّ أمير المؤمنين (صلوات اللّه عليه) أمر شيخاً كبيراً لم يحجّ قط ولم يطق الحجّ لكبره ، أن يجهّز رجلاً يحجّ عنه» (2).

ومنها : صحيح معاوية بن عمّار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «إنّ عليّاً (عليه السلام) رأى شيخاً لم يحجّ قط ولم يطق الحجّ من كبره ، فأمره أن يجهّز رجلاً فيحج


1) الجواهر 17 : 282 ، الروضة 2 : 167 ، المسالك 2 : 138.

2) الوسائل 11 : 65 / أبواب وجوب الحجّ ب 24 ح 6.

.................................................................................................


عنه» (1).

ومنها : صحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث قال : «وإن كان موسراً وحال بينه وبين الحجّ مرض أو حصر أو أمر يعذره اللّه فيه ، فإنّ عليه أن يحجّ عنه من ماله صرورة لا مال له» (2).

وربما يناقش في دلالة الأخبار على الوجوب لوجهين :

الأوّل : أنّه لا بدّ من رفع اليد عن ظهور الأخبار في الوجوب وحملها على الاستحباب ، لاشتمالها على أُمور لم يلتزم بها الفقهاء ككون النائب رجلاً صرورة فإنّه لا إشكال في جواز نيابة المرأة عن الرّجل ، وكذلك لم يلتزموا بنيابة الصرورة فيكون ذلك قرينة على حمل الأخبار على الاستحباب.

وفيه أوّلاً : أنّه لو سلمنا عدم التزام المشهور بمضامين الرّوايات فاللّازم إلغاء القيد خاصّة والالتزام بأصل وجوب الاستنابة ، ولا مانع من التفكيك بين القيد والمقيّد.

وثانياً : لا نرى مانعاً من الالتزام بالقيد وكون النائب عن الحي رجلاً صرورة ، وأمّا ما اشتهر من جواز كون النائب امرأة وغير صرورة فإنّما هو في النيابة عن الميّت. وكيف كان لا إشكال في أنّ الأحوط وجوباً لو لم يكن أقوى استنابة الرّجل الصرورة إذا كان المنوب عنه رجلاً حيّاً ، عملاً بظاهر هذه الأخبار.

الثّاني : أنّه يستفاد من بعض الرّوايات الحاكية لحكم أمير المؤمنين (عليه السلام) استحباب النيابة في مفروض كلامنا لتعليقها على مشيئة الرّجل واختياره ، إذ لا معنى لتعليق الحكم الوجوبي على اختيار المكلّف ومشيئته ، والظاهر أنّ الرّوايات المتقدّمة وهذه الرّواية حكاية لواقعة واحدة فلا مجال للقول بالوجوب ، ففي خبر عبد اللّه بن ميمون أنّ عليّاً (عليه السلام) قال لرجل كبير لم يحجّ قط «إن شئت أن تجهّز رجلاً ثمّ ابعثه يحجّ عنك» (3)، وفي خبر سلمة أبي حفص «إنّ رجلاً أتى عليّاً (عليه السلام) إلى


1) الوسائل 11 : 63 / أبواب وجوب الحجّ ب 24 ح 1.

2) الوسائل 11 : 63 / أبواب وجوب الحجّ ب 24 ح 2.

3) الوسائل 11 : 65 / أبواب وجوب الحجّ ب 24 ح 8.

.................................................................................................


أن قال له : إن شئت فجهّز رجلاً ثمّ ابعثه يحجّ عنك» (1).

والجواب عن ذلك أمّا أوّلاً فبضعف الرّوايتين سنداً ، أمّا الأُولى فبسهل بن زياد وبجعفر بن محمّد الأشعري وهو ممّن لم يوثق ، ولم يثبت كونه جعفر بن محمّد بن عبد اللّه الّذي هو من رجال كامل الزيارات. وأمّا الثّانية : فبسلمة أبي حفص.

وأمّا ثانياً : فإنّ المعلّق على المشيئة تفريغ الذمّة وخلاص المكلّف ممّا وجب عليه يعني إذا أردت خلاص نفسك من هذا الواجب والتكليف فافعل كذا ، وليس المعلّق الحكم بوجوب الاستنابة حتّى يقال بأنّه لا معنى لتعليقه.

المورد الثّاني : أنّ من كان موسراً ومستطيعاً من حيث المال في هذه السنة ، ولكن لا يتمكّن من المباشرة لعروض مانع من الموانع كمرض أو حصر أو نحوهما ، فالمشهور أيضاً وجوب الاستنابة. وعن جماعة كابني إدريس وسعيد والعلّامة في بعض كتبه (2)عدمه.

والصحيح ما نسب إلى المشهور ، فإنّ مورد بعض الرّوايات وإن كان من استقرّ عليه الحجّ كالروايتين الواردتين في الشيخ الكبير الّذي لم يحجّ قط ، ولكن صحيح الحلبي مطلق يشمل حتّى من استطاع في هذا العام ولم يتمكّن من المباشرة ، فإنّ قوله : «وإن كان موسراً وحال بينه وبين الحجّ مرض» يعم من استطاع في هذه السنة ، لصدق كونه موسراً أو حال بينه وبين الحجّ مرض أو نحوه.

فتحصل : أنّ المستفاد من الرّوايات المتقدّمة أنّ الاستنابة واجبة على من تعذّر من مباشرة الحجّ وكان مستطيعاً ، سواء كان مستطيعاً سابقاً واستقرّ عليه الحجّ ، أو استطاع في هذا العام ولم يتمكّن من المباشرة.

ثمّ إنّ المشهور بين الفقهاء اختصاص وجوب الاستنابة بصورة اليأس من زوال العذر كما في المتن ، ولا يخفى أنّ الأخبار الواردة في المقام لم يذكر فيها اليأس من زوال


1) الوسائل 11 : 64 / أبواب وجوب الحجّ ب 24 ح 3.

2) السرائر 1 : 516 ، الجامع للشرائع : 173 ، المختلف 4 : 39.

ووجوب الاستنابة كوجوب الحجّ فوري (1).


العذر أو رجاء الزوال ، بل موردها عدم التمكّن من الحجّ والحيلولة بينه وبين الحجّ لمرض ونحوه ، وعدم الطاقة للحج باعتبار كونه شيخاً كبيراً ، ويستفاد من ذلك كلّه أنّ الموضوع لوجوب الاستنابة عدم القدرة على الحجّ وعدم الاستطاعة على الحجّ واقعاً ، فلا بدّ من إحراز هذا الموضوع ليترتب عليه الحكم بوجوب الاستنابة.

والظاهر أنّ اليأس عن زوال العذر طريق عقلائي لثبوت العجز عن الإتيان بالحج ومعذّر في مقام العمل ، وبه يحصل الاطمئنان بعدم القدرة على المباشرة ، فإن أحرز المكلّف الموضوع باليأس عن زوال العذر تجب عليه الاستنابة ، ولكن الحكم الثابت حينئذ حكم ظاهري نظير الحكم الثابت في الأعذار المسوّغة للتيمم ، ويترتب على هذا أنّه لو ارتفع المانع في السنين اللّاحقة لا يسقط وجوب الحجّ عنه لعدم إجزاء الحكم الظاهري عن الواقعي ، والحكم الواقعي باق على حاله ويجب على المكلّف امتثاله كما هو الحال في جميع موارد الطرق الّتي ينكشف الخلاف فيها ، وأمّا صحيح ابن مسلم «لو أنّ رجلاً أراد الحجّ فعرض له مرض أو خالطه سقم فلم يستطيع الخروج ، فليجهّز رجلاً من ماله ثمّ ليبعثه مكانه» (1)فهو وإن كان مطلقاً من حيث حصول اليأس وعدمه ، ولكن مورده الحجّ التطوّعي بقرينة قوله «أراد الحجّ» فلا يشمل الحجّ الواجب على المكلّف الّذي غير منوط بإرادة المكلّف.

(1) لأنّ المستفاد من الأدلّة الأوّليّة وجوب الحجّ على المكلّف مباشرة ، ولكن بعد عروض المانع تنقلب وظيفته من المباشرة إلى الاستنابة ، فالّذي يسقط في البين مباشرة المكلّف ينفسه وأمّا سائر الأحكام فلا موجب لسقوطها ، فاللّازم ترتيب جميع أحكام الحجّ من حرمة التسويف والإهمال في الحجّ ووجوب المبادرة على الحجّ الصادر من النائب.


1) الوسائل 11 : 64 / أبواب وجوب الحجّ ب 24 ح 5.

مسألة 64 : إذا حجّ النائب عمّن لم يتمكّن من المباشرة فمات المنوب عنه مع بقاء العذر أجزأه حجّ النائب وإن كان الحجّ مستقرّاً عليه (1). وأمّا إذا اتّفق ارتفاع العذر قبل الموت فالأحوط أن يحجّ هو بنفسه عند التمكّن (2) وإذا كان قد ارتفع العذر بعد أن أحرم النائب وجب على المنوب عنه الحجّ مباشرة ولا يجب على النائب إتمام عمله (3).


(1) هذا ممّا لا ينبغي الشك فيه ، فإنّ الميت قد عمل بوظيفته وهي الاستنابة والمفروض أنّ المنوب عنه مات ولم يرتفع العذر ، فيكون العمل مجزئاً فلا موجب للقضاء عنه.

(2) لما عرفت أنّ الحكم بوجوب الاستنابة عند اليأس من زوال العذر حكم ظاهري ولا نقول بإجزائه عن الحكم الواقعي ، فإنّ موضوع وجوب الاستنابة كما تقدّم قريباً عدم قدرة المكلّف واقعاً على المباشرة ، فإذا أُحرز هذا بالطرق العقلائيّة وأتى النائب بالأعمال ثمّ انكشف الخلاف كان الإجزاء محتاجاً إلى الدليل ، لبقاء الحكم الواقعي على حاله فلا بدّ من امتثاله ولا موجب لسقوطه.

(3) إن قلنا بعدم الإجزاء بعد ارتفاع العذر وبعد تمام الأعمال فالقول بعدم الإجزاء في المقام أولى ، ولو قلنا بالإجزاء هناك لا نقول به هنا ، لانفساخ الإجارة وانكشاف عدم مشروعيّة الاستنابة واقعاً ، كما ذكرنا أنّ موضوع وجوب الاستنابة والإجارة هو عدم التمكّن من الحجّ مباشرة ، والمفروض حصول التمكّن بالفعل ، وإنّما احتمل التمكّن وتخيّل بقاء العذر ، وما لم يحرز الموضوع لا تصحّ الإجارة فتنفسخ قهراً.

وبعبارة أوضح : يحكم بفساد الإجارة لوقوعها على عمل غير مشروع ، لتعلّقها على عمل الحي الّذي يتمكّن من الحجّ مباشرة ولا تجوز الإجارة على ذلك ، ويتبعه فساد العمل من النائب فتجب المباشرة على المنوب عنه بنفسه ولا يجب على النائب إتمام عمله.

مسألة 65 : إذا لم يتمكّن المعذور من الاستنابة سقط الوجوب ، ولكن يجب القضاء عنه بعد موته إن كان الحجّ مستقرّاً عليه ، وإلّا لم يجب (1) ، ولو أمكنه الاستنابة ولم يستنب حتّى مات وجب القضاء عنه (2).

مسألة 66 : إذا وجبت الاستنابة ولم يستنب ولكن تبرّع متبرّع عنه لم يجزئه ذلك ووجبت عليه الاستنابة (3).


(1) لو تعذّرت الاستنابة على المكلّف أيضاً ، إمّا لعدم وجود النائب أو وجوده ولكن لا يرضى بالنيابة إلّا بأخذ مال يبلغ حدّ الإجحاف أو يتضرّر به المنوب عنه تضرراً أزيد من المتعارف ، ففي مثله يسقط وجوب الاستنابة لعدم القدرة أو لنفي الضرر والحرج ، فلو مات والحال هذه يجب القضاء عنه إذا كان الحجّ مستقرّاً عليه وأهمل في الإتيان ، إذ لا موجب لسقوطه بعد الاستقرار وإهماله في الإتيان ، ومجرّد عدم التمكّن من أدائه في زمان حياته لا يوجب سقوط القضاء عنه ، فهو في الحقيقة قد مات وعليه حجّة الإسلام.

وأمّا إذا لم يكن الحجّ مستقرّاً عليه كما إذا مات في عام الاستطاعة فالظاهر عدم وجوب القضاء ، لسقوط التكليف عنه مباشرة على الفرض وعدم وجوب الاستنابة عليه في زمان حياته لعدم القدرة عليها ، فلا يجب عليه الحجّ لا مباشرة ولا نيابة فلا موضوع لوجوب القضاء عنه.

(2) لو ترك الاستنابة مع التمكّن منها فلا ريب في أنّه عصى بناءً على وجوب الاستنابة ، ولو مات يجب القضاء عنه لاستقرار الحجّ عليه بالتمكّن من الاستنابة.

(3) لأنّ العمل ما لم يصدر منه مباشرة أو لم يكن بأمره وتسبيبه لا يستند إليه ، فلا موجب لسقوطه عنه بمجرّد إتيان العمل في الخارج تبرّعاً من الغير. مضافاً إلى أنّ المستفاد من الرّوايات (1)لزوم الإرسال والإحجاج والتجهيز إليه ، وذلك غير صادق على فعل الغير تبرّعاً ولا أقل من الشك في السقوط والأصل عدمه. وبعبارة اخرى :


1) المتقدِّمة في ص 74.

مسألة 67 : يكفي في الاستنابة الاستنابة من الميقات ولا تجب الاستنابة من البلد (1).

مسألة 68 : من استقرّ عليه الحجّ إذا مات بعد الإحرام في الحرم أجزأه عن حجّة الإسلام (2).


مقتضى إطلاق الأدلّة كقوله : «فليجهز رجلاً» ونحو ذلك وجوب الاستنابة عليه سواء تبرّع عنه آخر أولاً.

(1) لأنّ المذكور في النصوص هو لزوم تجهيز رجل وبعثه إلى الحجّ ولم يؤخذ فيها الابتداء من مكان خاص ، ومقتضى إطلاقها عدم الفرق بالنظر إلى الأماكن حيث يصدق إنّه جهّز رجلاً ليحج عنه.

نعم ، ورد في صحيحة محمّد بن مسلم «ليبعثه مكانه» (1)فربما يستفاد من ذلك الاختصاص ببلد المنوب عنه ، ولكن قد عرفت أنّ هذه الصحيحة أجنبيّة عن المقام لاختصاصها بالحج التطوّعي. مضافاً إلى أنّ البعث لا يختص ببلده بل يصدق البعث والإرسال من أيّ بلد شاء ، فلو كان من أهالي النجف الأشرف وأرسل شخصاً من المدينة المنوّرة للحج يصدق إنّه بعث رجلاً للحج عنه مكانه.

(2) بلا خلاف بين العلماء ، بل ادّعي عليه الإجماع لجملة من النصوص ، منها : صحيح ضريس عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : «في رجل خرج حاجّاً حجّة الإسلام فمات في الطريق ، فقال : إن مات في الحرم فقد أجزأت عنه حجّة الإسلام وإن مات دون الحرم فليقض عنه وليّه حجّة الإسلام» (2).

وبإزائها صحيح زرارة «إذا أُحصر الرّجل بعث بهديه إلى أن قال قلت : فإن مات وهو محرم قبل أن ينتهي إلى مكّة ، قال : يحجّ عنه إن كان حجّة الإسلام ويعتمر إنّما هو شي‌ء عليه» (3)فإنّ مدلوله المطابقي عدم الإجزاء لو مات المحرم قبل الدخول إلى مكّة ، ومفهومه الإجزاء لو دخل مكّة محرماً فلا عبرة بالدخول في الحرم وعدمه.


1) الوسائل 11 : 64 / أبواب وجوب الحجّ ب 24 ح 5.

2) الوسائل 11 : 68 / أبواب وجوب الحجّ ب 26 ح 1.

3) الوسائل 11 : 69 / أبواب وجوب الحجّ ب 26 ح 3.

سواء في ذلك حج التمتّع والقِران والإفراد (1). وإذا كان موته في أثناء عمرة التمتّع أجزأ عن حجّه أيضاً ولا يجب القضاء عنه (2) وإن مات قبل ذلك وجب القضاء حتّى إذا كان موته بعد الإحرام وقبل دخول الحرم ، أو بعد الدخول في الحرم بدون إحرام (3).


والجواب عن ذلك : أنّه لا بدّ من رفع اليد عن دلالة صحيح زرارة ، لأن دلالته على الإجزاء في صورة الدخول إلى مكّة بالظهور ، لأنّ الدلالة على ذلك بالمفهوم ، وأمّا الأخبار المتقدّمة الدالّة على الإجزاء بالدخول في الحرم بالصراحة فيرفع اليد عن ظهور صحيح زرارة بصراحة تلك الأخبار. مضافاً إلى إمكان إرادة الحرم من مكّة باعتبار شمولها لتوابعها وضواحيها ، مع العلم بأنّ الفصل بين الحرم ومكّة قليل جدّاً.

(1) لأنّ الميزان بكون الحجّ حجّة الإسلام ، فلا فرق بين أقسام الحجّ لإطلاق الأدلّة.

(2) لأنّ حجّ التمتّع عمل واحد مركّب من العمرة والحجّ فيكون مشمولاً للروايات.

(3) لأنّ الظاهر من الرّوايات أنّ الموجب للسقوط والإجزاء كونه محرماً ودخل الحرم ، ولا دليل على الاكتفاء بأحدهما ، والنص إنّما دلّ على الإجزاء فيما لو مات بعد الإحرام والحرم.

خلافاً لما عن الشيخ (1)وابن إدريس (2)فقالا بالإجزاء بالإحرام وإن لم يدخل الحرم ، ولا دليل لهما سوى إشعار بعض الأخبار ، كقوله في صحيح بريد العجلي «وإن كان مات وهو صرورة قبل أن يحرم جعل جمله وزاده ونفقته وما معه في حجّة الإسلام» (3)فإن مفهومه الإجزاء إذا مات بعد الإحرام.


1) لاحظ النهاية : 284 ، المبسوط 1 : 306 ، الخلاف 2 : 390.

2) السرائر 1 : 649.

3) الوسائل 11 : 68 / أبواب وجوب الحجّ ب 26 ح 2.

والظاهر اختصاص الحكم بحجّة الإسلام فلا يجري في الحجّ الواجب بالنذر أو الإفساد (1). بل لا يجري في العمرة المفردة أيضاً (2) فلا يحكم بالإجزاء في شي‌ء من ذلك.


وفيه أوّلاً : أنّ إطلاقه معارض بمفهوم صدره الّذي يدل على عدم الإجزاء إذا كان الموت قبل الدخول في الحرم.

وثانياً : أنّ مفهومه الدال على الإجزاء إذا مات بعد الإحرام يعارضه منطوق صحيح زرارة المتقدِّم (1)الدال على الإجزاء في صورة الدخول إلى مكّة ، فيرفع اليد عن المفهوم بمنطوق خبر زرارة.

وثالثاً : أنّ أقصى ما يدل عليه صحيح بريد أنّه لو مات قبل الإحرام وفي أثناء الطريق يصرف ما معه من الأموال في حجّة الإسلام ويقضى عنه ، وأمّا لو مات بعد الإحرام فلا يجعل زاده وجمله ونفقته في حجّة الإسلام ، وأمّا أن عمله يجزئ أم لا فالرواية ساكتة عنه ولم ينعقد لها إطلاق من هذه الجهة.

(1) لأنّ مورد الأخبار الدالّة على الإجزاء إنّما هو حجّة الإسلام ولا إطلاق لها يشمل غيرها ، فإنّ الحجّ النذري أو الإفسادي ليس بحج الإسلام ، بناءً على أنّ حج الإسلام في مورد الحجّ الإفسادي هو الحجّ الأوّل ، والثّاني إنّما يجب من باب العقوبة كما في النص (2).

(2) حتّى في العمرة المفردة الّتي يجب الإتيان بها في حجّ القِران أو الإفراد ، لأنّ الإجزاء على خلاف القاعدة ويحتاج إلى دليل ، وموضوع الدليل إنّما هو الحجّ ولا يشمل العمرة المفردة ، فلو مات في أثناء حجّ القِران أو الإفراد يجزئ عن حجّه كما عرفت ولا يجزئ عن عمرته ، لأنّ الحجّ والعمرة في هذين الموردين عملان مستقلّان وإجزاء أحدهما عن الآخر ممّا لا دليل عليه.


1) في ص 80.

2) الوسائل 13 : 112 / أبواب كفارات الاستمتاع ب 3 ح 9.

ومن مات بعد الإحرام مع عدم استقرار الحجّ عليه ، فإن كان موته بعد دخوله الحرم فلا إشكال في إجزائه عن حجّة الإسلام ، وأمّا إذا كان قبل ذلك فالظاهر وجوب القضاء عنه (1).


(1) اختلف الفقهاء ، في هذه المسألة إلى قولين :

أحدهما : إجراء التفصيل المذكور في مورد الاستقرار إلى مسألتنا هذه ، وهي ما لو مات مع عدم استقرار الحجّ عليه.

ثانيهما : اختصاص التفصيل المتقدّم بمن استقرّ عليه الحجّ ، بدعوى أنّه لا وجه لوجوب القضاء عمّن لم يستقر عليه الحجّ ، لأنّ موته يكشف عن عدم الاستطاعة الزمانيّة ، ولذا لا يجب إذا مات في البلد قبل الذهاب.

والصحيح هو الأوّل ، لإطلاق الأخبار في التفصيل المذكور ، حيث يستفاد من ذلك أن من لم يستقر عليه الحجّ إذا مات في عام الاستطاعة بعد الإحرام ودخول الحرم أجزأه عن حجّة الإسلام ولا يجب القضاء عنه ، وإذا مات قبل ذلك يقضى عنه.

ولا نرى مانعاً من الالتزام بوجوب القضاء عنه إن لم يستقر عليه الحجّ ، إلّا ما يقال من أنّ موته يكشف عن عدم الاستطاعة الزمانيّة ، نظير ما لو مات في بلده في عام الاستطاعة فلا موضوع لوجوب القضاء عنه.

ويرد عليه : أنّ الموت في عام الاستطاعة ولو في الطريق أو بعروض مانع آخر عن الإتيان بالحج وإن كان يكشف عن عدم ثبوت الاستطاعة واقعاً ، ولكن لا منافاة في وجوب القضاء عمّن مات في الطريق بعد التلبس بالإحرام وقبل الدخول في الحرم وإن لم يستقر عليه الحجّ ، فإنّ الأحكام الشرعيّة أحكام تعبديّة تابعة لما تقتضيه الأدلّة ، والمفروض أنّ إطلاق الأخبار لا قصور في شموله لمن لم يستقر عليه الحجّ ولعل ذكر الصرورة في صحيح بريد العجلي شاهد على ما ذكرنا ، لأن أكثر من يخرج إلى الحجّ لا سيما في الأزمنة السابقة هو ممّن حصلت له الاستطاعة في نفس السنة ، ولم يكن قد استقرّ عليه الحجّ في السنين السابقة ، فلا وجه لاختصاص الأخبار بمن استقرّ

مسألة 69 : إذا أسلم الكافر المستطيع وجب عليه الحجّ ، وأمّا لو زالت استطاعته ثمّ أسلم لم يجب عليه (1).


عليه الحجّ ، ولا إجماع على الخلاف ، فلا مانع من الأخذ بإطلاق الرّوايات ومقتضاه عدم الفرق بين من استقرّ عليه الحجّ وبين من لم يستقر عليه.

(1) إذا أسلم الكافر مع بقاء استطاعته وجب عليه الحجّ لفعلية موضوعه كما لو استطاع بعد إسلامه ، وأمّا لو زالت استطاعته ثمّ أسلم فهل يجب عليه الحجّ متسكعاً باعتبار استطاعته السابقة أم لا يجب؟

المشهور هو الثّاني ، لا لحديث الجب المعروف (1)فإنّه ضعيف سنداً ، بل لقيام السيرة القطعيّة من زمن النّبيّ (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) وزمن الأئمّة (عليهم السلام) على أن من يسلم لم يكلف بقضاء ما فاته من العبادات.

وربّما يشكل الحكم بعدم وجوب القضاء في خصوص الحجّ ويقال بأنّ الحجّ من الواجبات غير المؤقتة فلا يتصوّر فيه قضاء ولا تخلف عن وقته ، فمتى أسلم يجب عليه الحجّ لبقاء وقته ، فلا يجري فيه حديث الجب عمّا قبله ولا السيرة ، نظير ما لو أسلم الكافر أثناء الوقت فإنّه تجب عليه الصلاة.

وفيه : أنّ الحجّ وإن لم يكن من الواجبات المؤقتة ولا يتصوّر فيه القضاء عمّا فات على نحو الواجبات المؤقتة ، ولكن لا ريب في أنّ موضوعه الاستطاعة ويرتفع الحكم بارتفاع موضوعه ، كما أنّ فعليته بفعلية موضوعه ، فمقتضى القاعدة ارتفاع الحكم بوجوب الحجّ بزوال الاستطاعة لارتفاعه بارتفاع موضوعه ، حتّى في مورد المسلم الّذي أهمل حتّى زالت استطاعته ، وإنّما التزمنا بوجوب الحجّ بعد زوال الاستطاعة لأخبار خاصّة ، وهذه الأخبار لا تشمل المقام لعدم شمول التسويف والإهمال له فحال الحجّ حال بقيّة العبادات من الصّلاة والصّوم.


1) مسند أحمد 4 : 199.

مسألة 70 : المرتد يجب عليه الحجّ (1) لكن لا يصح منه حال ارتداده (2) فإن تاب صحّ منه (3) وإن كان مرتداً فطريّاً على الأقوى (4).


(1) المرتد مطلقاً فطريّاً كان أو مليّاً يجب عليه الحجّ ، سواء كانت استطاعته حال إسلامه السابق أو حال ارتداده ، ويعاقب على تركه.

أمّا إذا كان مستطيعاً حال إسلامه فترك الحجّ وارتدّ فالأمر واضح.

وأمّا إذا استطاع حال ارتداده فكذلك يجب عليه الحجّ ، بناءً على تكليف الكفّار بالفروع كما هو المشهور ، وأمّا بناءً على عدم تكليف الكفّار بالفروع كما هو المختار فيختص ذلك بالكافر الأصلي ، وأمّا المرتد الّذي له سابقة الإسلام فمقتضى إطلاق الأدلّة الأوّليّة تكليفه بالفروع ولا دليل على خروجه منها ، كما ورد ذلك في الكافر الأصلي.

(2) لتوقف صحّة العبادة على الإسلام والإيمان.

(3) إذا تاب المرتد وجب عليه الحجّ وصحّ منه ، سواء بقيت الاستطاعة أو زالت قبل توبته ، أمّا إذا كان مستطيعاً حال إسلامه وتوبته فلا كلام ، وأمّا إذا زالت الاستطاعة قبل توبته فكذلك يجب عليه ، فلا تجري فيه قاعدة جب الإسلام أو السيرة لاختصاصهما بالكافر الأصلي إذا أسلم ، ولا سيرة بالإضافة إلى المرتد إذا تاب وأسلم ، كما لا تجري قاعدة الجب لاختصاصها بالكافر الأصلي بحكم التبادر. مضافاً إلى ما عرفت من ضعف سند حديث الجب.

(4) ربّما يقال بأنّ المعروف عدم قبول توبته فلا يصح منه الحجّ وغيره من العبادات ، ولكن ذكرنا في محلِّه أنّ المرتد الفطري إذا تاب وأسلم تجري عليه أحكام الإسلام وحاله كحال سائر المسلمين ، ومجرد التلبس بالكفر في زمان لا يخرجه عن قابليّة تكليفه بأحكام الإسلام (1).


1) راجع شرح العروة 4 : 199.

مسألة 71 : إذا حجّ المخالف ثمّ استبصر لا تجب عليه إعادة الحجّ (1).


والمراد من عدم قبول توبته إنّما هو بالنسبة إلى أُمور ثلاثة ، قتله وتقسيم أمواله ومفارقة زوجته ، فهو مؤمن وربّما تقبل توبته ولكن لا تنفع توبته في خصوص هذه الأحكام الثلاثة.

(1) كما هو المشهور عند أصحابنا ، وحكي عن ابن الجنيد (1)وابن البراج (2)وجوب الإعادة. والصحيح ما ذهب إليه المشهور والرّوايات بذلك متظافرة ، ومدلولها صحّة الصلاة والصّيام والحجّ إلّا الزكاة لأنّه وضعها في غير مواضعها.

منها : صحيحة بريد العجلي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث قال : «كل عمل عمله وهو في حال نصبه وضلالته ثمّ منّ اللّه عليه وعرّفه الولاية فإنّه يؤجر عليه إلّا الزّكاة ، لأنّه يضعها في غير مواضعها ، لأنّها لأهل الولاية ، وأمّا الصلاة والحجّ والصيام فليس عليه قضاء» (3)كما أنّ صدرها أيضاً يصرّح بالإجزاء وعدم لزوم الإعادة ، نعم تدل على استحباب الإعادة.

ولكن بإزائها أخبار تدل على وجوب الإعادة إذا استبصر وعمدتها روايتان.

الاولى : خبر علي بن مهزيار قال «كتب إبراهيم بن محمّد بن عمران الهمداني إلى أبي جعفر (عليه السلام) إنّي حججت وأنا مخالف وكنت صرورة فدخلت متمتعاً بالعمرة إلى الحجّ ، قال : فكتب إليه أعد حجّك» (4).

الثّانية : خبر أبي بصير في حديث قال : «وكذلك الناصب إذا عرف فعليه الحجّ وإن كان قد حج» (5).


1) نقله عنه في المختلف 4 : 46.

2) المهذّب 1 : 268.

3) الوسائل 9 : 216 / أبواب المستحقين للزكاة ب 3 ح 1.

4) الوسائل 11 : 62 / أبواب وجوب الحجّ ب 23 ح 6 ، 5.

5) الوسائل 11 : 62 / أبواب وجوب الحجّ ب 23 ح 6 ، 5.

إذا كان ما أتى به صحيحاً في مذهبه ، وإن لم يكن صحيحاً في مذهبنا (1).


والجواب : أنّ الخبرين ضعيفا السند ، الأوّل بسهل بن زياد والثّاني بعلي بن أبي حمزة البطائني. مضافاً إلى إمكان حملهما على الاستحباب بقرينة بقيّة النصوص المعتبرة المصرّحة بالاستحباب ، منها صحيحة عمر بن اذينة «عن رجل حجّ ولا يدري ولا يعرف هذا الأمر ثمّ منّ اللّه عليه بمعرفته والدينونة به ، أعليه حجّة الإسلام؟ قال : قد قضى فريضة اللّه ، والحجّ أحب إليّ» (1).

(1) قد عرفت أنّه لا ينبغي الإشكال في أنّ المخالف إذا استبصر لا تجب عليه إعادة عباداته من الحجّ والصّلاة والصّيام للنصوص الكثيرة ، وإنّما وقع الكلام في أنّ موضوع الحكم بالإجزاء هل هو العمل الصحيح عنده وعندنا ، أو الصحيح في مذهبه والفاسد في مذهبنا ، أو الفاسد عند الجميع ، أو الصحيح في مذهبنا والفاسد عنده.

فمحتملات المسألة أربعة :

الأوّل : أن يكون العمل الّذي أتى به المخالف مطابقاً لمذهبه ومذهبنا جميعاً ، ففي مثله يحكم بالإجزاء بدعوى أنّ الأخبار ناظرة إلى تصحيح عمله من جهة فقدان الولاية ، وأمّا بالنسبة إلى سائر الشرائط فلا بدّ أن يكون واجداً لها ، فإذا كان العمل فاسداً من غير جهة الولاية فلا تشمله النصوص.

ويرد على ذلك أنّه يستلزم حمل النصوص الكثيرة على الفرد النادر جدّاً أو على ما لا يتّفق في الخارج أصلاً ، إذ من المستبعد جدّاً أن يأتي المخالف بعمل صحيح يطابق مذهبه ومذهبنا معاً ، ولا أقل من اختلاف وضوئه لوضوئنا.

الثّاني : أن يكون مورد النصوص العمل الصحيح عنده والفاسد عندنا ، وهذا هو القدر المتيقن من الرّوايات الدالّة على الإجزاء.

الثّالث : أن يكون العمل الصادر من المخالف فاسداً عند الجميع ، كما لو طاف ستّة


1) الوسائل 11 : 61 / أبواب وجوب الحجّ ب 23 ح 2.

مسألة 72 : إذا وجب الحجّ وأهمل المكلّف في أدائه حتّى زالت الاستطاعة وجب الإتيان به بأيّ وجه تمكّن ولو متسكِّعاً (1).


أشواط أو لم يقف في المشعر أصلاً ونحو ذلك ، فربّما يقال بشمول الأخبار لذلك ، لأنّ الحكم بالإجزاء منة من اللّه تعالى ، ومقتضى الامتنان تصحيح عمله وإلغاء وجوب القضاء بعد الإستبصار.

ويشكل بأنّ الظاهر من الرّوايات كون العمل الصادر منه صحيحاً ، وإنّما كان الشخص فاقداً للولاية ، فالسؤال ناظر إلى الإعادة من جهة فساد العقيدة ، وإلّا فالمخالف لا يرى فساد عمله لولا الإستبصار ، فلو كان عمله فاسداً عنده فهو لم يصل ولم يحجّ على مذهبه ، مع أنّ المفروض أنّه يسأل عن حجّه وعن صلاته.

الرّابع : أن يكون العمل صحيحاً عندنا وفاسداً في مذهبه ، فإن لم يتمش منه القربة فلا ريب في بطلان عمله لأجل فقدان قصد القربة ، وقد عرفت أنّ النصوص لا تشمل العمل الفاسد في نفسه مع قطع النظر عن فساد العقيدة وإن تمشى منه قصد القربة ، فلا يبعد شمول النصوص لذلك والحكم بالأجزاء ، إذ لا يلزم في الحكم بالإجزاء أن يكون العمل فاسداً عندنا ، بل لا نحتمل اختصاص الحكم بالإجزاء بالفاسد الواقعي.

(1) لا يخفى أنّ مقتضى القاعدة الأوّليّة زوال الوجوب بزوال الاستطاعة ولو بالإهمال والتسويف ، لزوال الحكم بزوال موضوعه نظير المسافر والحاضر بالنسبة إلى وجوب القصر والتمام. نعم ، يكون آثماً في ترك الحجّ بالإهمال والتسويف ، فإن تاب بعد عصيانه ربّما يتوب اللّه عليه كما هو الحال في سائر المعاصي.

وإنّما نلتزم بالوجوب بعد زوال الاستطاعة بأيّ وجه تمكن ولو متسكعاً ، لأدلّة خاصّة تدل على إيجاب الإتيان بالحج ولو متسكعاً على من استقرّ عليه الحجّ وأهمل وسوّف حتّى زالت استطاعته ، وتلك الأدلّة هي النصوص الدالّة على أن من استطاع ولم يحجّ ومات ، مات يهوديّاً أو نصرانيّاً ، كما في صحيحة ذريح المحاربي عن أبي عبد اللّه

ما لم يبلغ حدّ العسر والحرج (1). وإذا مات وجب القضاء من تركته (2).


(عليه السلام) قال : «من مات ولم يحجّ حجّة الإسلام لم يمنعه من ذلك حاجة تجحف به أو مرض لا يطيق فيه الحجّ أو سلطان يمنعه ، فليمت يهوديّاً أو نصرانيّاً» ونحوها غيرها (1)فإنّ المستفاد من هذه الرّوايات أنّه يجب على المكلّف القيام بالحج الّذي سوّف وأهمل في امتثاله لئلّا يموت يهوديّاً أو نصرانيّاً.

وبعبارة أُخرى : المستفاد من هذه الرّوايات أن من استطاع للحج واستقرّ عليه ثمّ تركه مات يهوديّاً أو نصرانيّاً ، ويصدق ذلك حتّى على من استقرّ عليه الحجّ وزالت استطاعته ، فيجب عليه الإتيان بالحج حتّى يموت مسلماً ولا يموت يهوديّاً أو نصرانيّاً.

هذا كلّه مضافاً إلى تسالم الأصحاب وعدم الخلاف بل الإجماع بقسميه كما في الجواهر (2).

(1) قد عرفت أنّ وجوب الإتيان بالحج ولو متسكعاً على من استقرّ عليه الحجّ إنّما استفيد من الرّوايات الخاصّة ، فهو في الحقيقة وجوب جديد وتكليف جديد فحاله حال بقيّة التكاليف الشرعيّة الّتي ترتفع إذا لزم منها الحرج ، فالتكليف بالحج عليه ساقط بالفعل إذا استلزم الحرج وإن كان عاصياً في ترك الحجّ في أيّام استطاعته فالالتزام بوجوب الإتيان بالحج حتّى إذا كان حرجيّا لا موجب له ، بل مقتضى أدلّة نفي الحرج عدم الوجوب إذا كان الإتيان به حرجيّا.

(2) من أصل تركته كسائر الديون لا من الثلث ، لجملة من النصوص منها : موثقة سماعة قال : «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرّجل يموت ولم يحجّ حجّة الإسلام ولم يوص بها وهو موسر ، فقال : يحجّ عنه من صلب ماله ، لا يجوز غير ذلك» (3).


1) الوسائل 11 : 30 / أبواب وجوب الحجّ ب 7 ح 1 وغيره.

2) الجواهر 17 : 313.

3) الوسائل 13 : 72 / أبواب وجوب الحجّ ب 28 ح 4.

ويصحّ التبرّع عنه بعد موته من دون اجرة (1).

الوصيّة بالحج

مسألة 73 : تجب الوصيّة على من كانت عليه حجّة الإسلام وقرب منه الموت (2)


(1) لأنّ العبرة بتفريغ ذمّة الميّت وإتيان الحجّ عنه ولو بالتبرّع ولا نحتمل خصوصيّة للاستئجار ، ولا إشكال في جواز التبرّع عن الميّت وبراءة ذمّته بذلك كما في النصوص (1).

(2) لأنّ العقل يحكم بوجوب الخروج عن عهدة التكاليف إذا كانت منجّزة ، فإنّ التكليف اليقيني المنجّز يقتضي الامتثال اليقيني ، فلا بدّ له من الإتيان به إمّا مباشرة إذا تمكّن وإلّا فتسبيباً ، بل لو شكّ في الموت وعدمه يجب عليه المبادرة وليس له التأخير في الأداء للزوم الخروج عن عهدة التكليف. واستصحاب بقاء الحياة لا أثر له في المقام لعدم ترتب الأثر الشرعي عليه ، ولذا ذكرنا في الواجبات الموسّعة فيما لو شكّ في الحياة وعدمها أنّه تجب عليه المبادرة إليها ولا يجوز له التأخير تمسّكاً باستصحاب البقاء إلى آخر الوقت ، إلّا إذا اطمأن بالبقاء إلى آخر الوقت كما هو الغالب.

وقد ذكرنا في بحث أحكام الأموات من شرح العروة (2)أنّه يجب عند ظهور أمارات الموت ، بل عند عدم الاطمئنان بالبقاء أداء حقوق النّاس الواجبة مع الإمكان والوصيّة بها مع عدمه ، كما أنّه يجب عليه الإيصاء بالواجبات الّتي لا تقبل النيابة حال الحياة كالصّلاة والصّيام والحجّ إذا كان قبل أشهر الحج إذا كان له مال ، بل مطلقاً إذا احتمل وجود متبرع. وأمّا إذا كان الواجب قابلاً للنيابة حال حياته كالحج فيما إذا عجز عن إتيانه وكان في أشهر الحجّ فتجب عليه الاستنابة إذا كان عالماً باستمرار عذره إلى الموت.


1) الوسائل 11 : 77 / أبواب وجوب الحجّ ب 31.

2) في المسألة [841].

فإن مات تقضى من أصل تركته وإن لم يوص بذلك (1)


(1) أمّا أصل وجوب قضائها فتدل عليه نصوص كثيرة منها صحيحة محمّد بن مسلم قال : «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل مات ولم يحجّ حجّة الإسلام ولم يوص بها ، أيقضى عنه؟ قال : نعم» (1).

وأمّا إخراجها من أصل التركة وإن لم يوص بها ، فيدل عليه أيضاً عدّة من النصوص المعتبرة ، منها موثق سماعة بن مهران قال : «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرّجل يموت ولم يحجّ حجّة الإسلام ولم يوص بها وهو موسر ، فقال : يحجّ عنه من صلب ماله ، لا يجوز غير ذلك» (2)ونحوه غيره.

وربّما يتوهّم بأنّه يعارض هذه الأخبار الكثيرة ما في ذيل صحيح معاوية بن عمار لقوله «ومن مات ولم يحجّ حجّة الإسلام ولم يترك إلّا قدر نفقة الحمولة وله ورثة فهم أحق بما ترك ، فإن شاؤوا أكلوا وإن شاؤوا حجّوا عنه» (3)فإنّ تلك الأخبار تدل على وجوب إخراج الحجّ من أصل المال ، وهذا يدل على رجوع المال إلى الورثة وجعل الخيار لهم في أداء الحجّ فكيف يجمع بين الطائفتين؟.

والجواب أنّه لا تعارض في البين أصلاً ، لأنّ مورد الطائفة الثّانية ولو بقرينة صدر الصحيحة من لم يكن له مال يفي بمصارف الحجّ ، وإنّما ترك ما يفي بمقدار نفقة الحمولة ، فحينئذ يسقط قضاء الحجّ عنه لعدم وفاء المال له ، فطبعاً يرجع المال إلى الورثة فإن شاؤوا أكلوا وإن شاؤوا حجّوا عنه ، وكلامنا في من ترك مالاً يفي للحج ولم يوص به. كما أنّ صدر الصحيحة يدل على وجوب الحجّ عنه من صلب ماله إذا أوصى له ، وظاهره أنّه له مال يفي للحج عنه لقوله «في رجل توفي وأوصى أن يحجّ عنه ، قال : إن كان صرورة فمن جميع المال ، إنّه بمنزلة الدّين الواجب».


1) الوسائل 11 : 72 / أبواب وجوب الحجّ ب 28 ح 5.

2) الوسائل 11 : 72 / أبواب وجوب الحجّ ب 28 ح 4

3) الوسائل 11 : 67 / أبواب وجوب الحجّ ب 25 ح 4.

وكذلك إن أوصى بها ولم يقيّدها بالثلث (1) وإن قيّدها بالثلث ، فإن وفى الثلث بها وجب إخراجها منه (2) وتقدّم على سائر الوصايا (3).


مضافاً إلى أنّه لا ينبغي الرّيب في تقدّم تلك الأخبار لكثرتها وشهرتها بل للقطع بصدور بعضها ، فلا بدّ من طرح هذه الصحيحة أو تأويلها.

(1) فإنّها تخرج من صلب المال ، لأنّها بمنزلة الدّين وقد دلّت على ذلك عدّة من الأخبار ، منها صحيح معاوية بن عمار «عن رجل مات فأوصى أن يحجّ عنه قال : إن كان صرورة فمن جميع المال» (1).

(2) لوجوب تنفيذ الوصيّة.

(3) لو عيّن مصرف ثلثه وأوصى بصرفه في الحجّ وفي أُمور أُخرى ، فإن وفى الثلث بالجميع فلا كلام ، وإن لم يف فهل يوزّع المال بينها بالسوية ، أو يخرج الحجّ أوّلاً فإن بقي شي‌ء صرفه في البقيّة؟.

الظاهر هو الثّاني ، وتدل عليه جملة من الرّوايات المعتبرة.

منها : صحيحة معاوية بن عمّار «إنّ امرأة من أهلي ماتت وأوصت إليّ بثلث مالها وأمرت أن يعتق عنها ويحجّ عنها ويتصدّق ، فنظرت فيه فلم يبلغ ، فقال : ابدأ بالحج فإنّه فريضة من فرائض اللّه عزّ وجلّ ، واجعل ما بقي طائفة في العتق ، وطائفة في الصدقة» (2).

ومنها : صحيحة أُخرى له «في امرأة أوصت بمال في عتق وحج وصدقة فلم يبلغ قال : ابدأ بالحج فإنّه مفروض ، فإن بقي شي‌ء فاجعل في الصدقة طائفة وفي العتق طائفة» (3)ونحوهما غيرهما.


1) الوسائل 11 : 66 / أبواب وجوب الحجّ ب 25 ح 1.

2) الوسائل 19 : 397 / أبواب الوصايا ب 65 ح 1.

3) الوسائل 19 : 397 / أبواب الوصايا ب 65 ح 2 ، 11 : 76 / أبواب وجوب الحجّ ب 30 ح 1.

وإن لم يف الثلث بها لزم تتميمه من الأصل (1).

مسألة 74 : من مات وعليه حجّة الإسلام وكان له عند شخص وديعة واحتمل أنّ الورثة لا يؤدّونها إن ردّ المال إليهم وجب عليه أن يحجّ بها عنه (2). فإذا زاد المال من اجرة الحجّ ردّ الزائد إلى الورثة (3). ولا فرق بين أن يحجّ الودعي بنفسه أو يستأجر شخصاً آخر (4). ويلحق بالوديعة كل مال للميت عند شخص بعارية أو إجارة أو غصب أو دين أو غير ذلك (5).


(1) لرجوع ذلك في الحقيقة إلى أنّه لم يوص بالحج ، وقد عرفت وجوب إخراج الحجّ من الأصل وإن لم يوص.

(2) ويدلُّ على ذلك صحيح بريد العجلي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «سألته عن رجل استودعني مالاً وهلك وليس لولده شي‌ء ، ولم يحجّ حجّة الإسلام قال : حجّ عنه وما فضل فأعطهم» (1)والظاهر أنّ المسألة غير خلافية في الجملة.

إنّما الكلام في أنّ الأصحاب قيّدوا جواز إخراج الحجّ بعلم المستودع أو ظنّه أنّ الورثة لا يؤدّون وإلّا وجب استئذانهم ، ولكن الظاهر أنّه لا موجب لهذا التقييد ، لأنّ الصحيحة مطلقة تشمل حتّى صورة احتمال تأدية الوارث الحجّ. نعم ، لو علم بأنّ الوارث يؤدّي الحجّ فالرواية منصرفة عن هذه الصورة.

(3) لوجوب ردّ المال وإيصاله إلى أصحابه ، وتدل عليه أيضاً نفس الصحيحة المتقدّمة الآمرة بالرد.

(4) لأنّ المستفاد من النص حسب الفهم العرفي هو أنّ الغرض تفريغ ذمّة الميِّت سواء كان بمباشرته أو بتسبيب منه.

(5) إذ لا خصوصيّة للوديعة ، لأنّ العرف يفهم من جواز صرف المستودَع مال الوديعة في الحجّ ، أنّ المقصود وجود مال عند شخص يعلم بأنّ صاحبه لم يحجّ ، سواء كان المال الموجود عنده على نحو الوديعة أو غيرها.


1) الوسائل 11 : 183 / أبواب النيابة في الحجّ ب 13 ح 1.

مسألة 75 : مَن مات وعليه حجّة الإسلام وكان عليه دين وخمس وزكاة وقصرت التركة ، فإن كان المال المتعلق به الخمس أو الزكاة موجوداً بعينه لزم تقديمهما (1). وإن كانا في الذمّة يتقدّم الحجّ عليهما (2) كما يتقدّم على الدّين (3).


(1) لتعلّقهما بالعين ، فالتركة بتمامها ليست للميّت بل هو شريك مع أرباب الزّكاة أو الخمس على نحو الإشاعة أو الشركة في الماليّة كما هو الصحيح عندنا ، والحجّ يخرج من ماله لا من المال المشترك بينه وبين غيره ، وهذا واضح جدّاً.

(2) كما إذا تلفت العين وانتقل الحق الشرعي إلى الذمّة ، ويدلُّ على تقديم الحجّ عليهما صحيح معاوية بن عمّار المتقدِّمة «قال قلت له : رجل يموت وعليه خمسمائة درهم من الزّكاة ، وعليه حجّة الإسلام وترك ثلاثمائة درهم فأوصى بحجّة الإسلام وأن يقضى عنه دين الزّكاة ، قال : يحجّ عنه من أقرب ما يكون ، ويخرج البقيّة في الزّكاة» (1)، ونحوه صحيحه الآخر ، ولكن فيه «وعليه من الزّكاة سبعمائة درهم» (2).

ومورد الصحيحتين وإن كان هو الزّكاة ، ولكن يتعدّى إلى الخمس ، إذ لو فرضنا تقدّم الحجّ على الزكاة مع أنّها أهم من الخمس ، فتقدّمه على الخمس بطريق أولى أو لا أقل فلمساواته لها ، لأنّ الخمس بدل الزّكاة وهو من هذه الجهة محكوم بحكم الزّكاة.

(3) ويدلُّ عليه صحيح بريد العجلي «عن رجل خرج حاجّاً ومعه جمل له ونفقة وزاد فمات في الطريق ، قال : إن كان صرورة ثمّ مات في الحرم فقد أجزأ عنه حجّة الإسلام ، وإن كان مات وهو صرورة قبل أن يحرم جعل جمله وزاده ونفقته وما معه في حجّة الإسلام ، فإن فضل من ذلك شي‌ء فهو للورثة إن لم يكن عليه دين» (3)وهو صريح في تقديم الحجّ على الدّين الشخصي.


1) الوسائل 9 : 255 / أبواب المستحقين للزكاة ب 21 ح 2.

2) الوسائل 19 : 359 / أبواب الوصايا ب 42 ح 1.

3) الوسائل 11 : 68 / أبواب وجوب الحجّ ب 26 ح 2.

مسألة 76 : من مات وعليه حجّة الإسلام لم يجز لورثته التصرّف في تركته قبل استئجار الحجّ ، سواء كان مصرف الحجّ مستغرقاً للتركة أم لم يكن مستغرقاً على الأحوط (1).


(1) أمّا في فرض الاستغراق فلعدم انتقال التركة إلى الورثة ، فإنّ المستفاد من الكتاب العزيز ( ... مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ ... ) (1)تأخّر مرتبة الإرث عن الوصيّة والدّين ، وكذا المستفاد من السنة كصحيح محمّد بن قيس «إنّ الدّين قبل الوصيّة ثمّ الوصيّة على أثر الدّين ، ثمّ الميراث بعد الوصيّة» (2)وكموثقة السكوني «أوّل شي‌ء يبدأ به من المال الكفن ثمّ الدّين ثمّ الوصيّة ثمّ الميراث» (3).

فإن كان على الميّت دين ينتقل المال من الميّت إلى الغرماء لا من الورثة ، فالمال باق على ملك الميّت ، ولا محذور في ملكيّة الميّت ، فالغرماء يتلقون المال من الميّت لا من الورثة ، ويكون الوارث أجنبيّا عن المال ولا يجوز له التصرّف فيه ، والمفروض أنّ الحجّ بمنزلة الدّين فإذا كان على الميّت حج فلا يجوز للورثة التصرّف في ذلك المال حتّى يوجد من يحجّ عنه.

هذا كلّه بناءً على الرأي الصحيح من عدم انتقال المال إلى الورثة إذا كان الدّين مستغرقاً ، وأمّا بناءً على الرأي الآخر من انتقال التركة إلى الورثة ، فكذلك لا يجوز لهم التصرّف فيها لأنّها متعلّقة لحق الغير.

وأمّا إذا لم يكن الدّين أو مصرف الحجّ مستغرقاً للتركة فالظاهر جواز التصرّف في غير مقدار الدّين ، وذلك فإنّ مقدار الدّين وإن لم ينتقل إلى الورثة من الأوّل بل هو باق على ملك الميّت إلّا أنّ الزائد ملك للوارث على نحو الكلّي في المعيّن ، وله تطبيق الكلّي على أيّ فرد شاء من الأفراد الخارجيّة إلى أن يبقى مصرف الحجّ ، نظير بيع صاع من صبرة فإنّ القاعدة تقتضي جواز التصرّف في الصبرة إلى أن يبقى مقدار صاع


1) النِّساء 4 : 11.

2) الوسائل 19 : 329 / أبواب الوصايا ب 28 ح 2 ، 1.

3) الوسائل 19 : 329 / أبواب الوصايا ب 28 ح 2 ، 1.

نعم ، إذا كانت التركة واسعة جدّاً والتزم الوارث بأدائه جاز له التصرّف في التركة كما هو الحال في الدّين (1).


للمشتري.

هذا مضافاً إلى السيرة القطعيّة القائمة على جواز تصرّف الوارث في مال مورثه وإن كان مديوناً ، وحمل السيرة على ما إذا كان الميّت غير مدين أصلاً بعيد جدّاً ، لأنّ الغالب هو اشتغال ذمّة كثير من الأموات حتّى الأغنياء منهم بالدّين ، ولا أقل مهور زوجاتهم ، فالحكم بعدم جواز التصرّف للورثة في صورة عدم الاستغراق مبني على الاحتياط كما في المتن ، خصوصاً بالنظر إلى ذهاب جماعة من أصحابنا على ما نسب إليهم إلى عدم جواز التصرّف حتّى في فرض عدم الاستغراق ، ولم يفرقوا بين المستغرق وغيره ، استناداً في ذلك إلى أنّ حق الغرماء متعلّق بذلك المال وهو غير متشخص ، فإن كلّ جزء من أجزاء المال إذا لوحظ كان متعلّقاً لحق الغريم ، ومعه يشكل تصرّف الوارث لأنّ تصرفه في مال مشترك بينه وبين غيره.

والجواب : ما عرفت من أنّ المال بمقدار الدّين ينتقل من الميّت إلى الغرماء رأساً والزائد ينتقل إلى الورثة ، وانّ ملكيّتهم له على نحو الكلّي في المعيّن فيجوز لهم التصرّف فيه.

(1) قد عرفت جواز التصرّف إذا لم يكن الدّين مستغرقاً ولا فرق بين الواسعة جدّاً وغيرها ، وإنّما حكم بعدم جواز التصرّف في غير المستغرق احتياطاً وخروجاً عن شبهة الخلاف ، وأمّا إذا كان المال واسعاً جدّاً فلا شبهة في الجواز ، هذا كلّه ما تقتضيه القاعدة.

وأمّا بحسب النصوص فقد دلّ بعض النصوص على التفصيل بين الاستغراق وعدمه ، من دون فرق بين سعة التركة وعدمها ، وهو موثق عبد الرّحمن بن الحجاج «عن رجل يموت ويترك عيالاً وعليه دين أينفق عليهم من ماله؟ قال : إن كان يستيقن أنّ الّذي ترك يحيط بجميع دينه فلا ينفق ، وإن لم يكن يستيقن فلينفق عليهم

مسألة 77 : من مات وعليه حجّة الإسلام ولم تكن تركته وافية بمصارفها وجب صرفها في الدّين أو الخمس أو الزكاة إن كان عليه شي‌ء من ذلك ، وإلّا فهي للورثة (1). ولا يجب عليهم تتميمها من مالهم لاستئجار الحجّ (2).

مسألة 78 : من مات وعليه حجّة الإسلام لا يجب الاستئجار عنه من البلد بل يكفي الاستئجار عنه من الميقات ، بل من أقرب المواقيت إلى مكّة إن أمكن وإلّا فمن الأقرب فالأقرب (3).


من وسط المال» (1).

(1) لسقوط وجوب الحجّ عنه حينئذ لعدم إمكان الحجّ به على الفرض ، وكذلك إن وفى المال ببعض الأعمال ، لأنّ الحجّ واجب ارتباطي يرتبط بعضه ببعض فلا يفيد وفاء المال ببعض الأعمال ، فيعامل مع المال على ما تقتضيه القاعدة من صرفه في الدّين ومنه الزّكاة والخمس إن كان مديوناً ، وإلّا فالمال للورثة لتأخّر الإرث عن الدّين.

(2) لعدم الدليل على ذلك والأصل العدم.

(3) لا خلاف بين الأصحاب في أن من استقرّ عليه الحجّ ومات قبل أن يحجّ يقضى عنه من صلب ماله ، وإنّما اختلفوا في المكان الّذي يجب الاستئجار منه على أقوال ثلاثة ، ذكرها المحقق في الشرائع (2):

الأوّل : ما ذهب إليه الأكثر بل المشهور أنّه يقضى عنه من أقرب الأماكن والمواقيت إلى مكّة إن أمكن الاستئجار منه ، وإلّا فمن غيره مراعياً الأقرب فالأقرب.

الثّاني : ما نسب إلى الشيخ من أنّه يستأجر من بلد الميّت (3).

الثّالث : ما اختاره جماعة من التفصيل بين سعة المال فمن بلد الميّت ، وإلّا فمن


1) الوسائل 19 : 332 / أبواب الوصايا ب 29 ح 2.

2) الشرائع 1 : 257.

3) لاحظ النهاية : 283 ، المبسوط 1 : 301 ، الخلاف 2 : 255 المسألة 18.

.................................................................................................


الأقرب إلى بلده.

وهنا تفصيل آخر : وهو وجوب الاستئجار من البلد في صورة سعة المال وإلّا فمن الميقات ، من دون نظر إلى الأقرب فالأقرب إلى بلده ، ويترتب على هذا التفصيل أنّه لو عجز من البلد ينتقل الاستئجار إلى الميقات رأساً ، وإن وسع المال للاستئجار من البلاد القريبة لبلد الميّت.

والصحيح هو القول المشهور ، والوجه فيه : أنّه لم يرد في المقام نص يعيّن مكان الاستئجار ، وإنّما النص ورد في باب الوصيّة بالحج وفي الحجّ عن الحي ، وكلاهما أجنبي عن محل كلامنا ، فلا بدّ في المقام من الرّجوع إلى ما تقتضيه القاعدة ،

وهي تقتضي الحجّ الميقاتي دون البلدي.

وذلك لأنّ الواجب على الميّت إنّما هو الحجّ ، وهو اسم لإعمال ومناسك مخصوصة تبدأ من الإحرام وتنتهي إلى الحلق أو التقصير أو تنتهي إلى طواف النِّساء في حجّ التمتّع مثلاً ، وأمّا المقدّمات وطي المسافات فهي خارجة عن حقيقة الحجّ فلا موجب للاستئجار عن ذلك من صلب المال ، لأنّ الّذي وجب إخراجه من صلب المال إنّما هو الحجّ لا المقدّمات الّتي لا ترتبط بالحج ، فالواجب حينئذ الاستئجار من الميقات بل من الأقل أُجرة ، فإنّ المواقيت مختلفة من حيث قلّة الأُجرة وكثرتها حسب القرب والبعد ، إذ لا موجب لاختيار الأكثر اجرة مع إمكان اختيار الأقل أُجرة وسقوط الواجب بذلك.

ولكن الأحوط الاستئجار من البلد مع سعة المال خروجاً عن شبهة الخلاف ، إلّا أنّ الزائد عن اجرة الحجّ الميقاتي يحسب من حصّة الكبار لا الصغار كما هو واضح لأنّ المال في غير مصرف الحجّ ينتقل إليهم ولا مجوّز لجواز التصرّف في أموالهم.

وقد يستدل للقول الثّالث بأنّه لو كان حيّاً وجب عليه صرف المال من البلد للسير منه إلى الميقات ، فلمّا مات سقط الحجّ عن بدنه وبقي وجوب صرف المال فلا بدّ من قضائه.

وفيه : أنّ صرف المال من البلد ليس بواجب نفسي شرعي وإنّما هو واجب عقلي

والأحوط الأولى الاستئجار من البلد إذا وسع المال ، لكن الزائد عن اجرة الميقات لا يحسب على الصغار من الورثة (1).

مسألة 79 : من مات وعليه حجّة الإسلام تجب المبادرة إلى الاستئجار عنه في سنة موته (2) فلو لم يمكن الاستئجار في تلك السنة من الميقات لزم الاستئجار من البلد ، ويخرج بدل الإيجار من الأصل ، ولا يجوز التأخير إلى السنة القادمة ولو مع العلم بإمكان الاستئجار فيها من الميقات (3).


مقدّمي ، ولذا لو سار المستطيع في بلده إلى أحد المواقيت لا بنية الحجّ ثمّ أراده فأحرم صحّ وأجزأ عن حجّة الإسلام.

وبما ذكرنا يتّضح ضعف بقيّة الأقوال.

(1) قد عرفت وجه ذلك.

(2) والوجه في ذلك : أنّ المال بمقدار مصرف الحجّ باق على ملك الميّت ولم ينتقل إلى الورثة ، فهو أمانة عندهم ولا يجوز لهم التصرّف فيه إلّا فيما يعود إلى الميّت وهو الحجّ ، وكذا لا يجوز إبقاء المال عندهم إلى السنة الأُخرى ، لأنّ ذلك أيضاً تصرّف غير جائز ويحتاج إلى دليل وهو مفقود ، فالتخلّص من ذلك يقتضي المبادرة إلى الاستئجار وعدم التأخير إلى السنة اللّاحقة.

(3) لما عرفت أنّ مصرف الحجّ باق على ملك الميّت فيجب صرفه في الحجّ ولو استلزم زيادة الأُجرة ، وليس للورثة أن يؤخروا الحجّ في هذا الفرض توفيراً على الورثة حتّى مع العلم بإمكان الاستئجار من الميقات في السنة اللّاحقة ، فحينئذ يجب الاستئجار من البلد ويخرج بدل الإيجار من الأصل ، وهذا كلّه من آثار لزوم المبادرة والفوريّة.

وربّما يقال بأنّ ذلك ضرر على الورثة فيرتفع بالحديث ، والجواب عنه واضح لأنّ المال لم ينتقل إليهم فكيف يتوجّه الضرر إليهم ، نعم يستلزم ذلك تفويت منفعة لهم ولا بأس به ، إذ لا دليل على عدم جواز تفويت المنفعة عن الغير.

مسألة 80 : من مات وعليه حجّة الإسلام إذا لم يوجد من يستأجر عنه إلّا بأكثر من اجرة المثل يجب الاستئجار عنه ويخرج من الأصل ، ولا يجوز التأخير إلى السنة القادمة توفيراً على الورثة وإن كان فيهم الصغار (1).

مسألة 81 : من مات وأقرّ بعض ورثته بأنّ عليه حجّة الإسلام وأنكره الآخرون ، فالظاهر أنّه يجب على المقر الاستئجار للحج ولو بدفع تمام مصرف الحجّ من حصّته ، غاية الأمر أنّ له إقامة الدعوى على المنكرين ومطالبتهم بحصّته من بقيّة التركة (2). ويجري هذا الحكم في الإقرار بالدين أيضاً (3).


(1) لأنّ مصرف الحجّ لم ينتقل إلى الورثة فلا موجب لملاحظة الصغار ، بل لا بدّ من صرفه في الحجّ فوراً كما عرفت في المسألة السابقة.

(2) لأنّ ثبوت مصارف الحجّ في التركة كالدّين على نحو الكلّي في المعيّن ، فيجب على الوارث المعترف إخراج جميع مصارف الحجّ من حصّته بمقتضى إقراره ، ولو كانت مصارف الحجّ بمقدار ما ورثه لحصّته ، إذ لا إرث قبل أداء الدّين.

نعم ، له مطالبة بقيّة الوراث ما ورثه بحصّته من بقيّة التركة ، لأنّ المال مشترك بينهما فيأخذ الباقي منهم مقاصة إن كانوا جاحدين ، وإلّا فيقيم الدعوى عليهم.

(3) قد ظهر وجه ذلك ممّا ذكرناه في كيفيّة إخراج مصارف الحجّ ، وحاصله : أنّ المستفاد من الكتاب والسنّة تأخّر مرتبة الإرث عن الدّين والوصيّة ، ويستفاد منهما أيضاً أنّ ثبوت الدّين في التركة على نحو الكلّي في المعيّن لا على نحو الإشاعة ، ولذا لو تلف بعض المال بعد موت المورث لزم إخراج الدّين كاملاً من بقيّة المال ولا ينقص من الدّين شي‌ء ، وهذا شاهد قطعي على أنّ الدّين بالنسبة إلى التركة كالكلّي في المعيّن لا على نحو الإشاعة ، إذ لو كان على نحو الإشاعة لزم توزيع التالف على الدّين وبقيّة المال ولم يقل به أحد.

فإذا كانت نسبة الدّين إلى التركة نسبة الكلِّي في المعين ، فإذا اعترف بعض الورثة بالدّين وأنكره الآخر أو لم يعترف به أخذ المنكر نصف التركة ، وكذلك المقر يأخذ النصف الآخر ولكن يجب عليه أن يعطي تمام الدّين حسب اعترافه ويكون الباقي له

نعم ، إذا لم يف تمام حصّته بمصرف الحجّ لم يجب عليه الاستئجار بتتميمه من ماله الشخصي (1).

مسألة 82 : من مات وعليه حجّة الإسلام وتبرّع متبرّع عنه بالحج لم يجب على الورثة الاستئجار عنه ، بل يرجع بدل الاستئجار إلى الورثة (2).


ويكون شريكاً مع المنكر في النصف الّذي أخذه المنكر ، فإن كان المنكر جاحداً يجوز للمعترف أن يأخذ بقيّة حصّته منه مقاصة ، وإن كان جاهلاً يقيم عليه الدعوى عند الحاكم ، هذا ما تقتضيه القاعدة.

مضافاً إلى ما دلّ عليه موثقة إسحاق بن عمّار «في رجل مات فأقرّ بعض ورثته لرجل بدين ، قال : يلزم ذلك في حصّته» (1)وظاهرها ثبوت الدّين بتمامه في حصّة المقر.

وربّما يتوهّم معارضته بخبر أبي البختري قال : «قضى علي (عليه السلام) في رجل مات وترك ورثة فأقرّ أحد الورثة بدين على أبيه ، أنّه يلزم ذلك في حصّته بقدر ما ورث ولا يكون ذلك في ماله كلّه إلى أن قال وكذلك إن أقرّ بعض الورثة بأخ أو أُخت إنّما يلزمه في حصّته» (2)بدعوى أنّ المستفاد منه توزيع الدّين.

ولكن الرّواية ضعيفة سنداً بأبي البختري الّذي قيل في حقّه إنّه من أكذب البريّة. ودلالة ، لاحتمال أن يكون المراد من العبارة عدم التتميم من ماله الشخصي ، وأنّه يلزم على المعترف دفع الدّين من حصّته ولا يلزم عليه دفعه من سائر أمواله الشخصيّة الّتي لم يرثها من المورث.

(1) إذ لا موجب ولا دليل على تتميم مال الإجارة من ماله الشخصي فيسقط وجوب الاستئجار حينئذ.

(2) لفراغ ذمّة الميّت بالتبرّع عنه فلا مجال للاستئجار عنه ، ويدلُّ على صحّة


1) الوسائل 19 : 324 / أبواب الوصايا ب 26 ح 3.

2) الوسائل 19 : 325 / أبواب الوصايا ب 26 ح 5.

نعم ، إذا أوصى الميّت بإخراج حجّة الإسلام من ثلثه لم يرجع بدله إلى الورثة ، بل يصرف في وجوه الخير أو يتصدّق به عنه (1).


التبرّع عنه صحيح معاوية بن عمار «عن رجل مات ولم يكن له مال ولم يحجّ حجّة الإسلام فأحج (فحج) عنه بعض إخوانه هل يجزئ ذلك عنه أو هل هي ناقصة؟ قال : بل هي حجّة تامّة» (1).

وأمّا رجوع بدل الاستئجار إلى الورثة فلارتفاع المانع وهو الحجّ.

(1) لأنّ الوصيّة كما عرفت مانعة من انتقال المال إلى الورثة ، فيكون المال باقياً على ملك الميّت فلا بدّ من صرفه في شؤونه وجهاته ، فإن أمكن صرف المال الموصى به في الجهة المعيّنة من قبله فهو ، وإلّا فيصرف في جهات أُخر من وجوه البر الأقرب فالأقرب إلى غرضه ، لأنّ غرض الميّت من الوصيّة إيصال الثواب إلى نفسه ، فإن عيّن مصرفاً خاصّاً لذلك وأمكن الصرف فيه فهو المتعيّن ، وإلّا فينتقل الأمر إلى كيفيّة أُخرى من إيصال الثواب إليه.

وبعبارة اخرى : الوصيّة بالحج أو بغيره من أعمال الخير تنحل في الحقيقة إلى أمرين ، وتكون الوصيّة من باب تعدد المطلوب حسب القرينة العامّة والمتفاهم العرفي ، فإنّ الغرض الأوّل للميّت من الوصيّة بصرف المال في الحجّ أو في غيره من وجوه البر هو إيصال الثواب إلى نفسه ، والغرض الثّاني هو صرف المال في جهة خاص وإيصال الثواب إليه على نحو ما عيّنه ، فإن تعذّر الثّاني يتعيّن الأوّل ، فيصرف المال في وجوه الخير من التصدّق وغيره مع ملاحظة الأقرب فالأقرب.

ثمّ إنّ في المقام رواية تدل على صرف المال الموصى به إذا لم يمكن صرفه في الحجّ في التصدّق عنه ، وهي رواية علي بن مزيد (فرقد) (2)ولكنّها ضعيفة سنداً


1) الوسائل 11 : 77 / أبواب وجوب الحجّ ب 31 ح 1.

2) الوسائل 19 : 349 / أبواب الوصايا ب 37 ح 2.

مسألة 83 : من مات وعليه حجّة الإسلام وأوصى بالاستئجار من البلد وجب ذلك (1). ولكن الزائد على اجرة الميقات يخرج من الثلث (2). ولو أوصى بالحج ولم يعيّن شيئاً اكتفى بالاستئجار من الميقات (3) إلّا إذا كانت هناك قرينة على إرادة الاستئجار من البلد ، كما إذا عيّن مقداراً يناسب الحجّ البلدي (4).

مسألة 84 : إذا أوصى بالحج البلدي ولكن الوصي أو الوارث استأجر من الميقات بطلت الإجارة ، إن كانت الإجارة من مال الميّت (5) ولكن ذمّة الميت تفرغ من الحجّ بعمل الأجير (6).


ولا حاجة إليها بعد ما كانت القاعدة تقتضي جواز صرف المال في مطلق وجوه الخير من التصدّق وغيره بعد تعذّر صرفه في الجهة المعيّنة.

(1) لوجوب تنفيذ الوصيّة.

(2) لأنّ الّذي يجب إخراجه من الأصل إنّما هو بدل الحجّ الواجب عليه وهو الحجّ الميقاتي ، وأمّا الزائد على ذلك فغير واجب عليه ، فيدخل في باب تنفيذ الوصيّة بمقدار الثلث ، فإن كان بمقداره نفذت الوصيّة ، وإن كان أكثر فلا ، لأنّ الزائد على الثلث قد انتقل إلى الورثة.

(3) لما عرفت من أنّ الواجب الاستئجار عن الميّت من الميقات.

(4) فإنّ المتّبع حينئذ هو القرينة أخذاً بظهور الكلام.

(5) لأنّ التصرّف في مال الميّت حينئذ تصرّف غير مشروع ، ولكن الوصي أو الوارث يضمن اجرة المثل للأجير.

(6) لأنّه فرد للواجب وهو حج صحيح ولا توجب المخالفة فساده ، وبطلان الإجارة لا ينافي صحّة العمل الصادر من الأجير.

مسألة 85 : إذا أوصى بالحج البلدي من غير بلده ، كما إذا أوصى أن يستأجر من النجف مثلاً ، وجب العمل بها ويخرج الزائد عن اجرة الميقاتيّة من الثلث (1).

مسألة 86 : إذا أوصى بالاستئجار عنه لحجّة الإسلام وعيّن الأُجرة لزم العمل بها ، وتخرج من الأصل إن لم تزد على اجرة المثل ، وإلّا كان الزائد من الثلث (2).

مسألة 87 : إذا أوصى بالحج بمال معيّن وعلم الوصي أنّ المال الموصى به فيه الخمس أو الزكاة وجب عليه إخراجه أوّلاً وصرف الباقي في سبيل الحجّ (3)


(1) إنّما يتمّ ذلك بناءً على عدم وجوب الحجّ من البلد كما هو المختار فحينئذ يتعيّن العمل بالوصيّة لوجوب تنفيذها. وأمّا بناءً على القول الآخر من وجوب الاستئجار عن الميّت من البلد فلا أثر لهذه الوصيّة ، لأنّها على خلاف السنة المقررة من قبل الشرع ، بل لا بدّ من الحجّ عنه من البلد الّذي مات فيه أو بلد الاستيطان على الخلاف.

(2) إذا فرضنا أنّ الميّت عيّن الأُجرة لزم العمل بذلك لوجوب العمل على طبق الوصيّة ، وتخرج من الأصل فيما إذا لم تزد على اجرة المثل ، وإلّا كان الزائد من الثلث إذ لا موجب لخروجه من أصل المال ، لأن الثابت في أصل المال إنّما هو مصرف الحجّ على النحو المتعارف ، والزائد عليه يحسب من الثلث ، لأنّ الميّت له الحق في التصرّف بتركته بمقدار الثلث.

(3) لأنّ المال الموصى به قد تعلّق به حقّ الغير فيجب على الوصي إيصاله إلى أهله ، وإخراج الحجّ من الباقي إذا كان وافياً به ، وإن لم يف الباقي بمصارف الحجّ لزم تتميمه من أصل التركة إذا كان الموصى به حجّة الإسلام ، لكونها تخرج من أصل المال ، وإن لم يكن الموصى به حجّة الإسلام ولم يكن المال وافياً به لا يجب عليه تتميمه من الأصل ، لأن الخارج منه إنّما هو خصوص حجّة الإسلام لا جميع أقسام الحجّ.

فإن لم يف الباقي بمصارفه لزم تتميمه من أصل التركة إن كان الموصى به حجّة الإسلام ، وإلّا صرف الباقي في وجوه البر (1).

مسألة 88 : إذا وجب الاستئجار للحج عن الميّت بوصيّة أو بغير وصيّة وأهمل من يجب عليه الاستئجار فتلف المال ضمنه ، ويجب عليه الاستئجار من ماله (2).

مسألة 89 : إذا علم استقرار الحجّ على الميّت وشكّ في أدائه وجب القضاء عنه ، ويخرج من أصل المال (3).


(1) لما عرفت من انحلال الوصيّة في الحقيقة إلى أمرين وغرضين فإذا تعذّر أحدهما يتعيّن الآخر ، إذ لا موجب لسقوطه.

(2) لأنّ المال كان عنده أمانة شرعيّة ، فإذا أهمل وفرّط فيما تحت يده ولم يصرفه في مصرفه صارت يده حينئذ يد خيانة وعادية فيحكم عليه بالضمان ، ويجب عليه الاستئجار عملاً بالوصيّة.

(3) إذا علم استقرار الحجّ عليه ولم يعلم أنّه أتى به أم لا ، فالظاهر وجوب القضاء عنه ، لأنّ موضوعه وجوب الحجّ عليه وعدم الإتيان به ، أمّا الوجوب فلأنه محرز وجداناً على الفرض ، وأمّا عدم الأداء فلأصالة عدم الإتيان به ، ولا عبرة بظاهر حال المسلم خصوصاً إذا كان غير صالح وغير ملتزم بأداء الواجبات ، فإنّه لا يوجب إلّا الظن بالأداء وهو لا يغني من الحق شيئاً.

وربما يقال بأنّ الحجّ بمنزلة الدّين الواجب كما في النص (1)وقد ثبت في محلِّه (2)أنّ الدّين لا يثبت على الميّت باستصحاب عدم الإتيان به إلّا بضمّ اليمين إليه.

والجواب : أنّ ما دلّ على لزوم اعتبار ضمّ اليمين في إثبات الدّين على الميّت إنّما هو


1) الوسائل 11 : 67 / أبواب وجوب الحجّ ب 25 ح 5.

2) مباني تكملة المنهاج 1 : 18.

مسألة 90 : لا تبرأ ذمّة الميّت بمجرّد الاستئجار ، فلو علم أنّ الأجير لم يحجّ لعذر أو بدونه وجب الاستئجار ثانياً ، ويخرج من الأصل (1). وإن أمكن استرداد الأُجرة من الأجير تعيّن ذلك ، إذا كانت الأُجرة من مال الميّت (2).

مسألة 91 : إذا تعدّد الاجراء فالأحوط استئجار أقلّهم أُجره ، إذا كانت الإجارة بمال الميّت (3). وإن كان الأظهر جواز استئجار المناسب لحال الميّت من حيث الفضل والشرف ، فيجوز استئجاره بالأزيد (4).


مكاتبة الصفار المعتبرة «وكتب : أو تقبل شهادة الوصي على الميّت مع شاهد آخر عدل؟ فوقّع : نعم ، من بعد يمين» (1)فإنّ المستفاد من هذه العبارة عدم ثبوت الدّين على الميّت بشهادة العدلين وقيام البيّنة فقط ، وإنّما يثبت بعد ضمّ اليمين إلى البيّنة فحجية البيّنة ورد عليها التخصيص ، وأمّا الاستصحاب فلا يستفاد من الرّواية إلغاء حجّيته في باب الدّين ، ولا نظر للرواية إلى الاستصحاب أصلاً ، فلا تخصيص لأدلّة الاستصحاب.

(1) لا ريب في أنّ الّذي يوجب فراغ ذمّة الميّت إنّما هو أداء العمل ، ومجرّد الاستئجار لا يكفي في براءة ذمّة الميّت ولا ذمّة الوارث أو الوصي عن الحجّ عنه ، لأنّ الواجب عليهما تفريغ ذمّة الميّت والحجّ عنه ، ومجرّد الاستئجار بلا أداء العمل لا يحقق التفريغ ، فلو علم أنّ الأجير لم يؤدّ لعذر أو غيره وجب الاستئجار ثانياً ويخرج من الأصل ، وقد عرفت أنّ الحجّ كالدين في إخراجه من أصل المال.

(2) وإلّا لكان تضييعاً لمال الميّت.

(3) إذ لا موجب لاستئجار الأكثر أُجرة بعد إمكان استئجار الأقل أُجرة ، فيكون التصرّف في الزائد تصرّفاً غير مشروع.

(4) لأنّ الرّوايات الآمرة بالحج منصرفة إلى المتعارف ممّا يناسب مقام الميّت وشأنه ووجاهته.


1) الوسائل 27 : 371 / أبواب الشهادات ب 28 ح 1.

مسألة 92 : العبرة في وجوب الاستئجار من البلد أو الميقات بتقليد الوارث أو اجتهاده لا بتقليد الميّت أو اجتهاده ، فلو كان الميّت يعتقد وجوب الحجّ البلدي والوارث يعتقد جواز الاستئجار من الميقات لم يلزم على الوارث الاستئجار من البلد (1).

مسألة 93 : إذا كانت على الميّت حجّة الإسلام ولم تكن له تركة لم يجب الاستئجار عنه على الوارث (2). نعم ، يستحب ذلك على الولي (3).


(1) إذا اختلف تقليد الميّت والوارث أو اجتهادهما في اعتبار البلديّة أو الميقاتيّة فالمدار على تقليد الوارث أو اجتهاده لا الميّت ، فإنّ الوارث إذا رأى وجوب الحجّ البلدي فالمال بمقداره حسب رأيه باق على ملك الميّت ولم ينتقل إليه ، فلا يجوز له التصرّف فيه إلّا في الحجّ عنه من البلد ، ولا عبرة بعدم اعتقاد الميّت الوجوب من البلد ، فحال الحجّ البلدي حال ثبوت الدّين على الميّت ، فإنّ الوارث إذا اعتقد أنّ مورّثه مدين يجب عليه أداؤه ولا يجوز له التصرّف في ذلك المال لعدم انتقاله إليه وإن اعتقد الميّت عدمه أو غفل عنه ، ولو انعكس الأمر بأن اعتقد الوارث كفاية الحجّ الميقاتي فالمتبع أيضاً نظر الوارث ، لأنّ المال الزائد عن الميقاتي قد انتقل إليه حسب اعتقاده فالمال ماله ويجوز له التصرّف فيه ، ولا أثر لاعتقاد الميّت.

(2) لأنّ النصوص الآمرة بالإحجاج عنه من صلب ماله ، أو من جميع المال ونحو ذلك واضحة الدلالة على أنّ الحجّ يخرج من تركته ، فإن لم تكن له تركة فلا موضوع للحكم المذكور.

(3) لا ريب في استحباب التطوّع بالصّلاة والصّوم والحجّ وجميع العبادات عن الميّت ، والأخبار في ذلك متكاثرة جدّاً (1)وقد ورد في الحجّ : أنّ رجلاً مات ولم يكن له مال ولم يحجّ حجّة الإسلام فحجّ عنه بعض إخوانه وأنّه يجزئ ذلك عنه (2)ولكن


1) الوسائل 8 : 276 / أبواب قضاء الصلوات ب 12.

2) الوسائل 11 : 77 / أبواب وجوب الحجّ ب 31 ح 1.

مسألة 94 : إذا أوصى بالحج ، فإن علم أنّ الموصى به هو حجّة الإسلام أُخرج من أصل التركة ، إلّا فيما إذا عيّن إخراجه من الثلث (1). وأمّا إذا علم أنّ الموصى به غير حجّة الإسلام ، أو شكّ في ذلك فهو يخرج من الثلث (2).


لا اختصاص بالولي بل يستحب ذلك من كلّ أحد.

نعم ، ورد في رواية معتبرة أنّ الولد يبر والديه حيّين وميّتين ، يصلِّي عنهما ويتصدّق عنهما ويحجّ عنهما ويصوم عنهما (1)ونحوها صحيحة معاوية بن عمار (2)وبمضمونها وردت روايات كثيرة ، فلا ينبغي الرّيب في استحباب ذلك على الولي أيضاً ، لشمول النصوص له ، ولأنه إحسان منه إلى الميّت ، وأمّا استحباب ذلك على الولي بعنوانه فلا دليل عليه.

وأمّا ما ورد في صحيح ضريس من قضاء الولي حجّة الإسلام (3)فمورده ما إذا كان للميّت مال وكان مستطيعاً وخرج حاجّاً حجّة الإسلام فمات في الطريق ، فلا يشمل من مات مفلساً لا مال له ولم يحجّ حجّة الإسلام.

(1) تقدّم حكم هذه المسألة في المسألة الثّالثة والسبعين.

(2) إذا كان الموصى به غير حجّة الإسلام فلا دليل على إخراجه من أصل التركة وما وجب إخراجه من الأصل إنّما هو خصوص حجّة الإسلام لأنّها بمنزلة الدّين وأمّا بقيّة أقسام الحجّ من الحجّ النذري أو الإفسادي وغيرهما فلم يدل دليل على خروجها من الأصل ، وقد ذكرنا سابقاً (4)أنّه لا دليل على خروج كل واجب مالي من الأصل ، وأنّ الّذي ثبت خروجه من الأصل إنّما هو الدّين ، والحجّ لأنّه بمنزلته كما صرّح به في الرّوايات (5).


1) الوسائل 8 : 276 / أبواب قضاء الصلوات ب 12 ح 1.

2) الوسائل 2 : 445 / أبواب الاحتضار ب 28 ح 6.

3) الوسائل 11 : 68 / أبواب وجوب الحجّ ب 26 ح 1.

4) في المسألة [1815].

5) الوسائل 11 : 67 / أبواب وجوب الحجّ ب 25.

مسألة 95 : إذا أوصى بالحج وعيّن شخصاً معيّناً لزم العمل بالوصيّة (1) فإن لم يقبل إلّا بأزيد من اجرة المثل أُخرج الزائد من الثلث ، فإن لم يمكن ذلك أيضاً استؤجر غيره بأُجرة المثل.

مسألة 96 : إذا أوصى بالحجّ وعيّن اجرة لا يرغب فيها أحد ، فإن كان الموصى به حجّة الإسلام لزم تتميمها من أصل التركة (2) وإن كان الموصى به غيرها بطلت الوصيّة (3) وتصرف الأُجرة في وجوه البر (4).


ومنه يعلم أنّه لو شكّ في أنّ الموصى به حجّة الإسلام أو غيرها فلا يخرج من الأصل ، إذ لم يحرز موضوع وجوب الخروج من الأصل ، والأصل عدم تعلّق الوصيّة بحجّ الإسلام.

(1) وتعيّن استئجاره بأُجرة المثل ، لأنّ الّذي يجب إخراجه من أصل المال إنّما هو بدل الحجّ المتعارف وهو اجرة المثل ، وأمّا الزائد فلا موجب لخروجه من الأصل ، بل يخرج الزائد من الثلث إن وفى به ، وإلّا تبطل الوصيّة باستئجار هذا الشخص المعيّن واستؤجر غيره بأُجرة المثل.

(2) لما عرفت من خروجها من أصل المال ، أوصى بها أو لم يوص.

(3) لتعذّر العمل بالوصيّة بالنسبة إلى استئجار الحجّ ، ولا يلزم تتميم الأُجرة من الأصل ، لما عرفت من أنّ الخارج من الأصل إنّما هو حجّة الإسلام ، وأمّا غيرها من أقسام الحجّ فلا يخرج من الأصل.

(4) بمقدار الثلث ، لما تقدّم من أنّ الوصيّة في الحقيقة تنحل إلى أمرين حسب المتفاهم العرفي : إيصال الثواب إليه بنحو خاص ومطلق عمل الخير ، فإذا تعذّر الأوّل لا موجب لسقوط الثّاني ، فإنّ المال بمقدار الثلث باق على ملك الميّت فلا بدّ من صرفه إلى جهات الميّت وشؤونه ، ولا مقتضي لرجوع المال إلى الورثة.

مسألة 97 : إذا باع داره بمبلغ مثلاً ، واشترط على المشتري أن يصرفه في الحجّ عنه بعد موته كان الثمن من التركة ، فإن كان الحجّ حجّة الإسلام لزم الشرط (1) ووجب صرفه في اجرة الحجّ إن لم يزد على اجرة المثل ، وإلّا فالزائد يخرج من الثلث (2) وإن كان الحجّ غير حجّة الإسلام لزم الشرط أيضاً ، ويخرج تمامه من الثلث ، وإن لم يف الثلث لم يلزم الشرط في المقدار الزائد (3).

مسألة 98 : إذا صالحه داره مثلاً على أن يحجّ عنه بعد موته ، صحّ ولزم وخرجت الدار عن ملك المصالح الشارط ولا تحسب من التركة وإن كان الحجّ ندبيّاً ولا يشملها حكم الوصيّة ، وكذلك الحال إذا ملّكه داره بشرط أن يبيعها ويصرف ثمنها في الحجّ عنه بعد موته ، فجميع ذلك صحيح لازم وإن كان العمل المشروط عليه ندبيّاً ، ولا يكون للوارث حينئذ حق في الدار (4).


(1) لأنّه شرط جائز في نفسه فلا مانع من لزومه.

(2) لما عرفت من أنّ الّذي يجب إخراجه من أصل المال إنّما هو اجرة المثل ، وأمّا الزائد عنها فيخرج من الثلث ، إذ لا مقتضي لإخراج الزائد من أصل المال.

(3) لعين ما تقدّم ، وقد عرفت أنّ غير حجّة الإسلام من أقسام الحجّ يخرج من الثلث ، والمال الزائد عن مقدار الثلث ينتقل إلى الورثة فلا موجب للزوم الشرط بالنسبة إلى أموالهم.

(4) لأنّ المفروض خروج الدار من ملك الشارط بالصلح أو التمليك في حال حياته إلى المشروط عليه ، فليست الدار ممّا تركه الميّت فلا موضوع للانتقال إلى الوارث وليس له أيّ حق في الدار ، وإنّما الشرط يوجب الوفاء به على المشروط عليه وإن كان العمل المشروط ندبيّاً ، وليس للوارث معارضته بل هو أجنبي عن ذلك ، فلا يجري على الدار المصالح به حكم الوصيّة ، وجميع ما ذكرناه واضح لا خفاء فيه.

ولكن عن المحقق القمي (قدس سره) إجراء حكم الوصيّة في نظير المقام بدعوى أنّ المصالح الشارط ملك الحجّ على المشروط عليه وهو عمل ذات اجرة ويعد ممّا

ولو تخلّف المشروط عليه عن العمل بالشرط لم ينتقل الخيار إلى الوارث وليس له إسقاط هذا الخيار الّذي هو حق الميّت ، وإنّما يثبت الخيار للحاكم الشرعي وبعد فسخه يصرف المال فيما شرط على المفسوخ عليه ، فإن زاد شي‌ء صرف في وجوه الخير (1).


تركه الشارط الميّت ويعامل معه معاملة الأموال المتروكة من احتساب مقدار اجرة المثل لهذا العمل من الأصل والزائد عنها من الثلث (1).

والجواب عنه : أنّ الحجّ المشروط ليس مالاً وملكاً للميّت لينتقل إلى الوارث ، فإنّ الاشتراط لا يوجب كون الشرط ملكاً للشارط ، وإنّما يوجب لزوم العمل بالشرط على المشروط عليه بمقتضى وجوب الوفاء بالشرط ، فليس الحجّ المشروط به ممّا تركه الميّت حتّى يتنازع في خروجه من الثلث أو من الأصل.

(1) لو لم يعمل المشروط وترك الحجّ فلا ريب في ثبوت الخيار لتخلّف الشرط ولكن وقع الكلام في أنّه هل يثبت الخيار للوارث أو أنّه أجنبي عنه؟ وجهان :

ذهب السيِّد في العروة إلى الأوّل ، وذكر أنّ حق الشرط ينتقل إلى الوارث فلو لم يعمل المشروط عليه بما شرط عليه يجوز للوارث فسخ المعاملة (2).

والصحيح هو الثّاني ، وذلك فإنّ العمل المشروط كالحج في المقام كما لا ينتقل إلى الوارث على ما عرفت ، لعدم كونه مالاً وملكاً للميّت كذلك حق الخيار لا ينتقل إلى الوارث ، لأنّ حق الخيار وإن كان في نفسه قابلاً للإرث والنقل والانتقال كسائر الحقوق القابلة للانتقال ، ولكن ذلك فيما إذا رجع نفعه إلى الوارث ، فيكون الخيار حينئذ داخلاً فيما تركه الميّت فينتقل إلى الوارث ، فله إسقاطه كما أنّ له إثباته وإمضاءه وأمّا الحق الّذي لا ينتفع به الوارث أصلاً فلا يصدق على الخيار المترتب على تخلفه أنّه ممّا تركه الميّت ، إذ الانتفاع به مختص بالميّت فيكون الخيار مختصّاً به أيضاً ويكون


1) جامع الشتات 3 : 132.

2) العروة الوثقى 2 : 314 / 3178.

مسألة 99 : لو مات الوصي ولم يعلم أنّه استأجر للحج قبل موته وجب الاستئجار من التركة ، فيما إذا كان الموصى به حجّة الإسلام ، ومن الثلث إذا كان غيرها (1).


الوارث أجنبيّا عنه بالمرّة ، ولذا ليس له إسقاط هذا الخيار ، وحيث إنّ الميّت بنفسه لا يتمكّن من إعمال الخيار فللحاكم الشرعي فسخ المعاملة إن امتنع المشروط عليه من الإتيان بالشرط ، ويصرف الحاكم المال في الحجّ باستئجار شخص آخر ، فإن زاد المال يصرف الزائد في وجوه البر ولا ينتقل إلى الورثة ، لما عرفت أنّ الوصيّة تنحل إلى أمرين : الأمر الخيري الخاص ، والأمر الخيري المطلق.

(1) لأصالة عدم وقوع الاستئجار منه ، وما لم يحرز الاستئجار لا موجب لسقوط الحجّ الموصى به ، فيجب الاستئجار عنه من الأصل إن كان الحجّ الموصى به حجّة الإسلام ومن الثلث إذا كان غيرها ، وهذا من دون فرق بين مضي مدّة يمكن الاستئجار فيها ، وبين عدم مضي مدّة يمكن الاستئجار فيها ، ومن دون فرق بين كون الواجب فوريّاً أو موسعاً ، وسواء كان مال الإجارة موجوداً عند الوصي أم لا.

خلافاً لما ذهب إليه السيِّد في العروة من الحكم بالاستئجار في فرض ما إذا مضت مدّة يمكن الاستئجار فيها ، وكان الواجب فوريّاً ولم يكن مال الإجارة موجوداً لحمل فعل الوصي وأمره على الصحّة (1).

ويضعف بأنّه لا مجال لإجراء أصالة الصحّة في أمثال المقام ، لأنّ أصالة الصحّة إنّما تجري فيما إذا شكّ في صحّة العمل وفساده بعد الفراغ عن أصل وقوعه في الخارج وأمّا إذا كان أصل العمل مشكوكاً فيه فلا نحكم بوقوعه بأصالة الصحّة ، لأنّ أصالة الصحّة لا تتكفل ثبوت أصل العمل وإنّما تتكفل صحّة العمل الواقع من المسلم ، وذلك لأنّ أصالة الصحّة ثبتت بالسيرة الشرعيّة ، وهي جارية فيما إذا كان العمل صادراً من


1) العروة الوثقى 2 : 316 / 3181.

وإذا كان المال قد قبضه الوصي وكان موجوداً أُخذ ، وإن احتمل أنّ الوصي قد استأجر من مال نفسه وتملك ذلك بدلاً عمّا أعطاه (1). وإن لم يكن المال موجوداً فلا ضمان على الوصي لاحتمال تلفه عنده بلا تفريط (2).

مسألة 100 : إذا تلف المال في يد الوصي بلا تفريط لم يضمنه (3) ووجب الاستئجار من بقيّة التركة إذا كان الموصى به حجّة الإسلام ، ومن بقيّة الثلث إن كان غيرها (4) فإن كانت البقيّة موزعة على الورثة استرجع منهم بدل الإيجار بالنسبة (5). وكذلك الحال إن استؤجر أحد للحج ومات قبل الإتيان بالعمل ولم يكن له تركة ، أو لم يمكن الأخذ من تركته (6).


أحد وشكّ في صحّته وفساده ، وأنّه هل وقع على الوجه الصحيح أم وقع على وجه غير صحيح ، وأمّا إذا لم يعلم بوقوع الفعل وتحققه في الخارج وشكّ في أصل وقوعه فأصالة الصحّة لا تثبت وقوعه ، بل المرجع حينئذ أصالة عدم وقوع الفعل في الخارج.

(1) إذ لا عبرة بهذا الاحتمال ما لم يحرز تحقق الاستئجار من الوصي ، فمقتضى القاعدة أخذ المال منه بعينه أو ببدله لبقائه على ملك الميّت.

(2) لأنّ يده ليست بيد عادية فلا موجب للضمان.

(3) لأنّه أمين ولا ضمان عليه.

(4) إذ لا موجب لسقوطه فلا بدّ من إخراجه من الأصل إذا كان الموصى به حجّ الإسلام ، ومن الثلث إذا كان غيره.

(5) لانكشاف بطلان القسمة من الأوّل ، لأنّ القسمة إنّما تصح بعد أداء الدّين وقد ذكرنا غير مرّة أنّ ثبوت الدّين في التركة كالكلّي في المعيّن والوفاء به متقدّم على الإرث.

(6) فإن مجرّد الاستئجار ما لم يأت الأجير بالعمل لا يوجب سقوطه عمّن اشتغلت

مسألة 101 : إذا تلف المال في يد الوصي قبل الاستئجار ، ولم يعلم أنّ التلف كان عن تفريط ، لم يجز تغريم الوصي (1).

مسألة 102 : إذا أوصى بمقدار من المال لغير حجّة الإسلام واحتمل أنّه زائد على ثلثه لم يجز صرف جميعه (2).


ذمّته به ، فحينئذ لا بدّ من استئجار شخص آخر وإخراج مال الإجارة من الأصل أو من الثلث.

(1) لأنّ التلف الّذي يوجب الضمان ما إذا كان مستنداً إلى تفريطه وتفويته ، فلو شكّ في استناد التلف إلى تفويته فالأصل عدمه. وإن شئت فقل : نشك في الضمان وعدمه والأصل هو البراءة.

(2) للشك في صحّة الوصيّة وبطلانها بالنسبة إلى هذا المقدار من المال ، لأنّه لو كان المال بمقدار الثلث فتصح الوصيّة ، ولو كان زائداً عليه تبطل ، فمع الشك في نفوذ الوصيّة وصحّتها لا مجال لجواز التصرّف في جميع المال.

وربّما يتوهّم نفوذ الوصيّة ، لترددها بين كونها صحيحة أو باطلة وأصالة الصحّة تقتضي صحّتها.

والجواب ما تقدّم غير مرّة بأنّ أصالة الصحّة ليس مستندها دليلاً لفظيّاً ، وإنّما مستندها السيرة وموردها ما إذا شكّ في صحّة العمل وفساده من أجل الاختلال ببعض شروطه وأجزائه بعد الفراغ عن ثبوت الولاية للعاقد ، وأمّا إذا شكّ في أصل ثبوت الولاية له فلا يمكن إثبات الصحّة بالأصل ، ولذا لو تصدّى أحد لبيع دار شخص آخر وشكّ في ولايته عليه لا نحكم بصحّة البيع ، وإنّما نحكم بصحّة البيع فيما إذا علمنا ولايته له ونشك في صحّة المعاملة وفسادها لأجل وجدانها لما يعتبر فيه من الشرائط والأجزاء.

فصل في النّيابة

مسألة 103 : يعتبر في النائب أُمور :

الأوّل : البلوغ ، فلا يجزئ حجّ الصبي من غيره في حجّة الإسلام وغيرها من الحجّ الواجب ، وإن كان الصبي مميزاً (1).


(1) يقع الكلام تارة في الصبي غير المميز وأُخرى في المميز.

أمّا نيابة غير المميز فلا إشكال في عدم صحّتها وعدم إجزائها ، لعدم تحقق القصد منه في أفعاله وأعماله ، ومن الواضح لزوم القصد في الأعمال.

وأمّا الصبي المميز فالمشهور عدم صحّة نيابته ، وعمدة ما استدلّ به على ذلك أمران :

الأوّل : أنّ عبادات الصبي تمرينيّة لا شرعيّة ، ففي الحقيقة ليست عباداته عبادة لتقع عبادة عن الغير.

وفيه : أنّه قد ذكرنا في بحث الصلاة أنّ المستفاد من الرّوايات مشروعيّة عبادات الصبي ولا فرق بينها وبين عبادة البالغين إلّا من ناحية الوجوب والاستحباب.

الثّاني : عدم الوثوق بصحّة عمله لرفع القلم عنه فلا رادع له حتّى يأتي بالعمل الصحيح ليقع عن الغير.

وفيه : أنّ الدليل أخص من المدّعى ، فإنّ بين الوثوق والبلوغ عموماً من وجه ، إذ يمكن الوثوق بعمله كما إذا كان الصبي مراقباً في عباداته من قبل الولي أو غيره فلا فرق بينه وبين البالغين من هذه الجهة.

ولكن مقتضى التحقيق عدم صحّة نيابته بمعنى عدم سقوط العمل الواجب عن ذمّة المكلّف المنوب عنه بإتيان العمل من الصبي ، لأنّ سقوط الواجب عن ذمّة المنوب عنه بفعل الصبي غير ثابت ويحتاج إلى الدليل ، بل مقتضى القاعدة اشتغال ذمّة المنوب عنه

نعم ، لا يبعد صحّة نيابته في الحجّ المندوب بإذن الولي (1).


بالواجب وعدم سقوطه بفعل الصبي.

ولا ملازمة بين شرعيّة عبادات الصبي وصحّتها وسقوط الواجب عن المنوب عنه ، نظير ما ذكرنا في صلاة الصبي على الميّت فإنّها لا توجب سقوط الصلاة على الميّت عن المكلّفين وإن كانت صلاة الصبي صحيحة ، فلا بدّ من النظر إلى أدلّة النيابة وهل تشمل نيابة الصبي أم لا؟

أمّا أدلّة النيابة عن الحي ، فالوارد فيها كلمة «الرّجل» وهو غير شامل للصبي ولأجل الجمود على كلمة الرّجل استشكلنا في نيابة المرأة عن الحي.

ودعوى أنّ كلمة «الرّجل» من باب المثال ولا خصوصيّة له ، عهدتها على مدعيها. فإذن لا دليل على نيابة الصبي عن الحي.

وأمّا النيابة عن الأموات ، فقد ذكر في صحيحة حكم بن حكيم نيابة المرأة عن المرأة والرّجل عن المرأة وبالعكس (1)، ولم يذكر نيابة الرّجل عن الرّجل لوضوحها فيظهر من هذه الرواية عدم صحّة نيابة الصبي ، لأنّه (عليه السلام) في مقام بيان موارد النيابة واستقصائها ، ولم يذكر نيابة الصبي ، فيعلم أنّ نيابته غير مجزئة وإلّا لذكرها.

فتحصل : أنّ النيابة على خلاف القاعدة ، لأنّ سقوط الواجب عن ذمّة المكلّف بفعل الغير خلاف الأصل ، فلا بدّ من الاقتصار على مقدار ما دلّ الدليل عليه ، ولا دليل على الاكتفاء بفعل الصبي عن فعل المنوب عنه.

(1) لأنّ أدلّة المستحبّات في نفسها شاملة للصبي ، ومشروعيّتها له لا تحتاج إلى دليل بالخصوص ، ومن ذلك باب النيابات فإنّها مستحبّة في نفسها وتشمل الصبيان كبقيّة المستحبّات ، ولا نحتاج إلى دليل خاص ، مضافاً إلى أنّه قد ورد النص في


1) الوسائل 11 : 177 / أبواب النيابة في الحجّ ب 8 ح 6.

الثّاني : العقل ، فلا تجزئ استنابة المجنون (1) سواء في ذلك ما إذا كان جنونه مطبقاً أم كان أدواريّاً ، إذا كان العمل في دور جنونه ، وأمّا السّفيه فلا بأس باستنابته (2).


خصوص نيابة الحجّ وغيره من العبادات عن الميّت ما يشمل بإطلاقه نيابة الصبي عن الميّت كصحيحة معاوية بن عمار «ما يلحق الرّجل بعد موته؟ فقال : والولد الطيب يدعو لوالديه بعد موتهما ، ويحجّ ويتصدّق ويعتق عنهما ويصلّي ويصوم عنهما» (1)فإنّها مطلقة تشمل عموم الولد كبيراً وصغيراً ، ولا نحتمل اختصاص صحّة نيابته بالوالدين.

وكذا ورد النص في النيابة عن الحي ما يشمل بإطلاقه الصبي كما في معتبرة يحيى الأزرق «من حجّ عن إنسان اشتركا» (2)فإنّ إطلاق قوله «من حجّ» يشمل الصبي والظاهر من التعبير «عن إنسان» هو الحي. وأمّا السند فلا بأس به ، لأنّ يحيى الأزرق وإن كان مشتركاً بين الثقة وغيره ، ولكن الظاهر انصرافه إلى يحيى بن عبد الرّحمن الثقة ، لأنّه من مشاهير الرواة وممّن له كتاب.

وأمّا الاشتراط بإذن الولي ، فإن كانت النيابة بالإجارة كما هو الغالب فلتوقف صحّة معاملاته على إذن الولي ، وإن كانت بالتبرّع فلأجل أنّ استيفاء منافع الصبي بدون إذن الولي غير جائز كما هو واضح.

(1) لانتفاء القصد منه ، فلا يقع عمله عبادة والأمر في ذلك واضح.

(2) لإطلاق الأدلّة وتحقق القصد منه ، ومجرد الحجر على أمواله لا يمنع من نيابته لعدم المنافاة بين الأمرين.


1) الوسائل 2 : 445 / أبواب الاحتضار ب 28 ح 6.

2) الوسائل 11 : 165 / أبواب النيابة في الحجّ ب 1 ح 7.

الثّالث : الإيمان ، فلا عبرة بنيابة غير المؤمن وإن أتى بالعمل على طبق مذهبنا (1).

الرّابع : أن لا يكون النائب مشغول الذمّة بحج واجب عليه في عام النيابة إذا تنجز الوجوب عليه (2).


(1) إذا كان عمل المخالف فاقداً لما يعتبر فيه من الأجزاء والشرائط عندنا كما هو الغالب فلا ريب في عدم صحّة نيابته وعدم الاجتزاء بعمله ، لأنّ النيابة إنّما تصح فيما إذا كان العمل في نفسه صحيحاً وواجداً لما يعتبر فيه واقعاً ، وأمّا إذا كان العمل باطلاً لفقد جزء أو شرط أو وجود مانع فلا تصح نيابته ، لأنّ مورد النيابة هو العمل الصحيح.

وهكذا الحال فيما لو فرضنا أنّه أتى بالعمل صحيحاً على طبق مذهبنا وتمشى منه قصد القربة فلا تصح نيابته أيضاً ، للأخبار الكثيرة الدالّة على اعتبار الإيمان في صحّة الأعمال وقبولها وعدم صحّتها بدون الولاية (1).

ودعوى : أنّ ذلك في العمل لنفسه دون عمل غيره ، ممنوعة بأنّ النائب يتقرّب بالأمر المتوجّه إلى نفسه ، والعمل الصحيح الصادر منه المتقرّب به يوجب فراغ ذمّة المنوب عنه ، فإذا فرضنا أنّ العمل الصادر منه غير مقبول ولم يكن قربيّاً حقيقة ، فلا يوجب سقوط الواجب عن المنوب عنه.

(2) لا يخفى أنّ هذا الشرط كما صرّح به في ذيل المسألة شرط في صحّة الإجارة لا في صحّة حجّ النائب.

فيقع الكلام في موردين :

أحدهما : في حكم الحجّ النيابي الصادر من النائب الّذي اشتغلت ذمّته بحج آخر في عام النيابة ، والظاهر هو الحكم بصحّة الحجّ ، لأنّ المورد من صغريات باب


1) الوسائل 1 : 118 / أبواب مقدّمة العبادات ب 29.

ولا بأس باستنابته فيما إذا كان جاهلاً بالوجوب أو غافلاً عنه (1). وهذا الشرط شرط في صحّة الإجارة لا في صحّة حجّ النائب ، فلو حجّ والحال هذه برئت ذمّة المنوب عنه (2) ولكنّه لا يستحق الأُجرة المسماة بل يستحق اجرة المثل (3).


التزاحم للتضاد بين الحجّتين ، وحيث إنّ المكلّف لا يتمكّن من الجمع بينهما في سنة واحدة فلا يؤمر بهما معاً في عرض واحد ، ولكن يمكن أن يؤمر بهما على نحو الترتب فيؤمر أوّلاً بالحج عن نفسه ، وعلى تقدير العصيان والترك يؤمر ثانياً بالحج عن الغير ، فيحكم بصحّة الحجّ الصادر منه على وجه النيابة بالأمر الترتبي ، وتبرأ ذمّة المنوب عنه.

ثانيهما : في بيان حكم الإجارة ، والظاهر بطلانها ، لأنّ متعلق الإجارة إن كان الحجّ مطلقاً فالحكم بصحّتها يؤدّي إلى الأمر بالضدّين ، لأنّ وجوب الحجّ عن نفسه مطلق ومتحقق بالفعل ، فإذا كان الأمر الإجاري مطلقاً أيضاً فيستلزم ذلك الأمر بالضدّين.

وإن كان متعلق الإجارة مقيّداً ومعلقاً على تقدير ترك الحجّ فيبطل عقد الإجارة أيضاً للتعليق المجمع على بطلانه ، وأمّا إمضاؤه معلّقاً على ترك الحجّ عن نفسه فهو وإن كان ممكناً في نفسه إلّا أنّه لم ينشأ ، فما أنشأه غير قابل للإمضاء ، وما هو قابل له لم ينشأ ، فلا يستحق الأجير الأُجرة المسمّاة ، وإنّما يستحق اجرة المثل ، لأنّ المقام من صغريات كلّ شي‌ء يضمن بصحيحه يضمن بفاسده.

(1) لأنّ الأمر الواقعي لا يكون منجزاً في فرض الجهل والغفلة ، والأمر بالضدّين عرضا إنّما يستحيل فيما إذا كان الأمران منجزين ، وأمّا إذا كان أحدهما غير منجز فلا مانع من الأمر بالضدّ الآخر.

(2) لصحّة الحجّ الصادر من النائب بالأمر الترتبي كما عرفت.

(3) لبطلان الإجارة فيدخل المقام في كبرى كلّ ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده ، فالقاعدة تقتضي ضمان اجرة المثل.

مسألة 104 : يعتبر في فراغ ذمّة المنوب عنه إحراز عمل النائب والإتيان به صحيحاً ، فلا بدّ من معرفته بأعمال الحجّ وأحكامه ، وإن كان ذلك بإرشاد غيره عند كلّ عمل (1). كما لا بدّ من الوثوق به وإن لم يكن عادلاً (2) ،


(1) لأنّ ذمّة المنوب عنه لا تبرأ بمجرّد الاستئجار ، وإنّما تبرأ فيما إذا أتى النائب بالعمل ، فلا بدّ من إحراز صدور العمل الصحيح من النائب ولو بأصالة الصحّة فاللّازم معرفته بأعمال الحجّ وأحكامه ، وإلّا لو كان جاهلاً بها فلا يمكن إحراز صدور العمل الصحيح منه.

نعم ، لا يعتبر معرفته بالأحكام قبل العمل ، بل تكفي معرفته بها أثناء العمل بإرشاد غيره عند كلّ عمل ، كما أنّه في الأصيل كذلك ، فإنّ العبرة في الصحّة بإتيان العمل واجداً لجميع ما يعتبر فيه ، ولو بالتعرّف عليه في الأثناء بوسيلة مرشد ، أو لمراجعته للكتب المؤلفة لبيان أحكام الحجّ (المناسك) سواء كان العمل لنفسه أو لغيره ، هذا من ناحية عمل النائب نفسه.

وأمّا من ناحية الاستئجار على العمل ، فالظاهر بطلان الإجارة للجهل بالعمل المستأجر عليه فتكون الإجارة غرريّة.

نعم ، لا حاجة لمعرفة الأجزاء والشرائط على وجه التفصيل ، بل يكفي مقدار ما يرتفع به الغرر ولو إجمالاً.

(2) لا إشكال في أنّ هذا الشرط إنّما يعتبر في جواز الاستنابة والاستئجار لا في صحّة عمله ، لأنّ النائب إذا أتى بالعمل الصحيح يكتفى به وتبرأ ذمّة المنوب عنه ولو كان النائب فاسقاً.

وبتعبير آخر : لا يعتبر الوثوق بالرّجل نفسه عند استئجاره واستنابته ، وإنّما يعتبر الوثوق بصدور العمل منه ، ولو شكّ في صحّة عمله وفساده يحكم بالصحّة لأصالة الصحّة ، ولا يلزم إحرازها بأمارة أُخرى.

ومن هنا يعلم أنّه لا موجب لاعتبار العدالة في النائب ، لأنّ الميزان في براءة ذمّة

مسألة 105 : لا بأس بنيابة المملوك عن الحر إذا كان بإذن مولاه (1).

مسألة 106 : لا بأس بالنيابة عن الصبي (2) كما لا بأس بالنيابة عن المجنون ، بل يجب الاستئجار عنه إذا استقرّ عليه الحجّ في حال إفاقته ومات مجنوناً (3).

مسألة 107 : لا تشترط المماثلة بين النائب والمنوب عنه ، فتصح نيابة الرّجل عن المرأة وبالعكس (4).


المنوب عنه وصحّة استئجاره واستنابته ، الوثوق بصدور العمل الصحيح من النائب وتكفي في إحراز الصحّة أصالة الصحّة بعد إحراز عمل الأجير.

(1) لا دليل على اعتبار الحرّيّة في النائب ، فيجوز للعبد أن ينوب عن غيره حرّا كان أو عبداً ، لأنّه مؤمن عارف بالحق فلا محذور في نيابته وتشمله إطلاقات الأدلّة.

نعم ، بما أنّ تصرّفاته مملوكة لمولاه فلا بدّ من إذنه لصحّة النيابة.

(2) لعدم قصور أدلّة النيابة ، فإنّ إطلاقها يشمل النيابة عنه ولا ينافي ذلك عدم شمول التكليف له.

(3) أمّا إذا استقرّ عليه الحجّ حال إفاقته ثمّ مات فيجب الاستئجار عنه ، لأنّه دين عليه والجنون غير مسقط لدينه ، وإنّما تسقط مباشرته بنفسه بالأداء.

وأمّا النيابة عنه في غير فرض الاستقرار فلا تخلو من إشكال ، لأنّه كالبهائم من هذه الجهة ولا معنى للاستنابة عنه ، ولذا قيّدنا الصبي بكونه مميّزاً وإلّا فحاله كالحيوانات. نعم ، لا بأس بالاستنابة عن المجنون رجاءً.

(4) لا خلاف في الجملة بين الفقهاء في أنّه لا تشترط المماثلة بين النائب والمنوب عنه في الذكورة والأُنوثة ، فتصح نيابة الرّجل عن المرأة وبالعكس ، وإنّما اختلفوا في نيابة الصرورة في بعض الموارد ، وسيأتي حكمها في المسألة الآتية.

ويدلُّ على عدم اعتبار المماثلة بين النائب والمنوب عنه الأخبار :

منها : صحيح حكم بن حكيم «يحجّ الرّجل عن المرأة والمرأة عن الرّجل والمرأة

مسألة 108 : لا بأس باستنابة الصرورة عن الصرورة وغير الصرورة ، سواء كان النائب أو المنوب عنه رجلاً أو امرأة (1).


عن المرأة» (1).

ومنها : صحيح معاوية بن عمار «الرّجل يحجّ عن المرأة ، والمرأة تحج عن الرّجل؟ قال : لا بأس» (2).

وبإزائهما ما دلّ على أنّ المرأة لا تنوب عن الرّجل الصرورة ، وهو موثق عبيد بن زرارة قال : «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : الرّجل الصرورة يوصي أن يحجّ عنه هل تجزئ عنه امرأة؟ قال : كيف تجزي امرأة وشهادته شهادتان ، قال : إنّما ينبغي أن تحج المرأة عن المرأة والرّجل عن الرّجل ، وقال : لا بأس أن يحجّ الرّجل عن المرأة» (3)فإن صدر الرّواية ظاهر في عدم جواز نيابة المرأة عن الرّجل الصرورة ولكن مقتضى ذيلها جواز الاختلاف مطلقاً واستحباب المماثلة. وأمّا السند فطريق الشيخ إلى علي بن الحسن بن فضال وإن كان ضعيفاً بعلي بن محمّد بن الزُّبير ولكن قد ذكرنا في محلِّه أنّ طريق الشيخ متحد مع طريق النجاشي وطريقه إليه صحيح والتفصيل يطلب في محلِّه (4).

(1) لإطلاق أدلّة النيابة ولإطلاق بعض الرّوايات المتقدّمة قريباً الدالّة على إلغاء المماثلة بين النائب والمنوب عنه في الذكورة والأُنوثة ، فإنّها كافية لإلغاء اعتبار المماثلة من جهة الصرورة وغيرها.

وهنا قولان آخران :

أحدهما : ما حكي عن الشيخ في النهاية والمبسوط والتهذيب (5)من عدم جواز


1) الوسائل 11 : 177 / أبواب النيابة في الحجّ ب 8 ح 6.

2) الوسائل 11 : 176 / أبواب النيابة في الحجّ ب 8 ح 2.

3) الوسائل 11 : 179 / أبواب النيابة في الحجّ ب 29 ح 2.

4) راجع شرح العروة 7 : 70.

5) النهاية : 280 ، المبسوط 1 : 326 ، التهذيب 5 : 413.

.................................................................................................


حجّ المرأة الصرورة عن غيرها ، لا عن الرّجال ولا عن النِّساء.

ثانيهما : ما اختاره الشيخ في الاستبصار من أنّ المرأة الصرورة لا تنوب عن الرّجال فقط (1).

واستدلّ للقول الأوّل بخبر علي بن أحمد بن أشيم عن سليمان بن جعفر قال : «سألت الرضا (عليه السلام) عن امرأة صرورة حجّت عن امرأة صرورة ، قال : لا ينبغي» (2)بناءً على أنّ المراد بقوله : «لا ينبغي» هو المنع كما هو الشائع في الكتاب والسنّة من هذا التعبير ، فإذا كانت نيابتها عن المرأة الصرورة غير جائزة فعدم جواز نيابتها عن الرّجل الصرورة أولى.

ولكن الخبر ضعيف بابن أشيم ، مضافاً إلى أنّ الخبر خصّ المنع بما إذا كان المنوب عنه صرورة أيضاً ، وأمّا إذا لم يكن صرورة فلا دليل على المنع ، فما استدلّ به الشيخ أخصّ من مدّعاه.

واستدلّ للقول الثّاني بعدّة من الرّوايات كلّها ضعيفة.

منها : خبر مصادف «أ تحج المرأة عن الرّجل؟ فقال : نعم ، إذا كانت فقيهة مسلمة وكانت قد حجّت ، ربّ امرأة خير من رجل» (3)قال الشيخ بعد ذكر هذا الحديث فشرط في جواز حجّتها مجموع الشرطين : الفقه بمناسك الحجّ ، وأن تكون قد حجّت فيجب اعتبارهما معاً.

ولكن الخبر ضعيف بمصادف وباللؤلؤي.

ومنها : خبر آخر لمصادف «في المرأة تحج عن الرّجل الصرورة؟ فقال : إن كانت قد حجّت وكانت مسلمة فقيهة ، فربّ امرأة أفقه من رجل» (4)فإنّه بالمفهوم يدل على المنع عن نيابتها إذا كانت صرورة. وهو ضعيف بسهل بن زياد وبمصادف.


1) الإستبصار 2 : 322.

2) الوسائل 11 : 179 / أبواب نيابة الحجّ ب 9 ح 3.

3) الوسائل 11 : 177 / أبواب نيابة الحجّ ب 8 ح 7.

4) الوسائل 11 : 177 / أبواب نيابة الحجّ ب 9 ح 3.

نعم ، يكره استنابة الصرورة على إشكال [في المناسك الطبعة الثانية عشرة : نعم المشهور أنه يكره استنابة الصرورة ولا سيما ...]، ولا سيما إذا كان النائب امرأة والمنوب عنه رجلاً (1).


ومنها : خبر زيد الشحام «يحجّ الرّجل الصرورة عن الرّجل الصرورة ولا تحج المرأة الصرورة عن الرّجل الصرورة» (1)وهو ضعيف بمفضل الواقع في السند.

فتحصل : أنّه لا دليل على عدم جواز نيابة المرأة الصرورة عن الرّجل الصرورة أو المرأة الصرورة ، فالمرجع إطلاق أدلّة النيابة ومقتضاه جواز نيابة المرأة مطلقاً عن الرّجال والنِّساء.

(1) أمّا خصوصيّة نيابة المرأة الصرورة عن الرّجل فلذكرها بالخصوص في الرّوايات المتقدّمة الّتي استدلّ بها الشيخ ، وقد عرفت ضعفها.

وأمّا كراهة نيابة مطلق الصرورة ولو كان رجلاً عن رجل فلم يستبعدها السيِّد في العروة (2)واستظهرها صاحب الجواهر (3)من بعض النصوص وقد استدلّ بروايتين :

الاولى : مكاتبة بكر بن صالح المعتبرة ، قال : «كتبت إلى أبي جعفر (عليه السلام) أنّ ابني معي وقد أمرته أن يحجّ عن أُمّي أيجزئ عنها حجّة الإسلام؟ فكتب : لا وكان ابنه صرورة ، وكانت أُمّه صرورة» (4)والرواية معتبرة سنداً ، وبكر بن صالح وإن لم يوثق في كتب الرّجال ولكنّه من رجال تفسير علي بن إبراهيم القمي وهم ثقات.

ولكن دلالتها على الكراهة مخدوشة ، لأنّ الرّواية ناظرة إلى الإجزاء وعدمه بعد الفراغ عن وقوع الفعل في الخارج ، ولا نظر لها إلى كراهة النيابة وعدمها الّتي هي موضوع البحث.


1) الوسائل 11 : 178 / أبواب نيابة الحجّ ب 9 ح 1.

2) العروة الوثقى 2 : 295 / 3147.

3) الجواهر 17 : 365.

4) الوسائل 11 : 174 / أبواب النيابة في الحجّ ب 6 ح 4.

.................................................................................................


وأمّا ما يظهر من الرّواية من الحكم بعدم الإجزاء عن المنوب عنه فمحمول على كون المنوب عنه حيّاً ولم يكن الحجّ الصادر من النائب بتسبيب من المنوب عنه والحجّ عن الحي إنّما يجزئ عنه إذا كان الحجّ بأمر وتسبيب منه ، لظهور قوله في روايات النيابة عن الحي «فليجهّز رجلاً» أو «ليبعث» (1)في التسبيب ، ولا يكتفى بالتبرّع عنه.

الرّواية الثّانية : مكاتبة إبراهيم بن عقبة المعتبرة قال : «كتبت إليه أسأله عن رجل صرورة لم يحجّ قط ، حجّ عن صرورة لم يحجّ قط أيجزئ كلّ واحد منهما تلك الحجّة عن حجّة الإسلام أو لا؟ بيّن لي ذلك يا سيِّدي إن شاء اللّه ، فكتب (عليه السلام) : لا يجزئ ذلك» (2). والسند معتبر ، فإنّ إبراهيم وإن لم يوثق في كتب الرّجال ولكنّه من رجال كامل الزيارات.

والجواب عن ذلك : ما تقدّم من أنّ الرّواية ليست ناظرة إلى حكم الاستنابة جوازاً أو منعاً ، وإنّما هي ناظرة إلى الإجزاء وعدمه بعد فرض وقوع العمل خارجاً وقد حكم في الرّواية بعدم الإجزاء عن النائب والمنوب عنه.

أمّا عدم الإجزاء عن المنوب عنه ، فلأنه لم يكن الحجّ بتسبيبه ، وقد تقدّم أنّ ظاهر الرّوايات الدالّة على الإجزاء في الحجّ عن الحي إنّما هو في فرض صدور الحجّ بأمر من الحي لظهور قوله : «فليجهز» في التسبيب ، ولم يفرض في الرّواية كون الحجّ الصادر بتسبيب من المنوب عنه ، وقول السائل «حج عن صرورة لم يحجّ» ظاهر في أنّ المنوب عنه حي وإلّا لقال حج عن ميّت. ولو فرض إطلاقها وشمولها للحي والميّت فتحمل على صورة الحي ، فتكون النتيجة الإجزاء عن الميّت بالتبرّع كما في الحجّ المندوب ، وعدم الإجزاء في الحجّ الواجب عن الحي.


1) الوسائل 11 : 63 / أبواب وجوب الحجّ ب 24.

2) الوسائل 11 : 173 / أبواب نيابة الحجّ ب 6 ح 3.

ويستثنى من ذلك ما إذا كان المنوب عنه رجلاً حيّاً ، ولم يتمكّن من حجّة الإسلام ، فإنّ الأحوط فيه لزوماً استنابة الرّجل الصرورة (1).


وأمّا عدم الإجزاء عن النائب فواضح ، لعدم المقتضي لأنّ النائب لم يقصد الحجّ عن نفسه فلا معنى للإجزاء عن نفسه.

(1) للأمر بذلك في جملة من الرّوايات المعتبرة ، منها : صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «إنّ عليّاً (عليه السلام) رأى شيخاً لم يحجّ قط ولم يطق الحجّ من كبره ، فأمره أن يجهّز رجلاً فيحج عنه» (1)فإنّها تدل على أن يكون النائب رجلاً.

ومنها : صحيحة الحلبي قال : «وإن كان موسراً وحال بينه وبين الحجّ مرض أو حصر أو أمر يعذره اللّه فيه ، فإنّ عليه أن يحجّ عنه من ماله صرورة لا مال له» (2)فإنّها دالّة على أن يكون النائب صرورة. وظاهر النص هو الوجوب ولا موجب لرفع اليد عنه.

ودعوى أنّ ذكر الرّجل من باب المثال لا شاهد لها. بل يمكن القول بوجوب استنابة الرّجل الصرورة حتّى إذا كان المنوب عنه ميّتاً ، لصحيحة معاوية بن عمار «في رجل صرورة مات ولم يحجّ حجّة الإسلام وله مال ، قال : يحجّ عنه صرورة لا مال له» (3).

ولكن بإزائها صحيحة أبي أيّوب «امرأة من أهلنا مات أخوها فأوصى بحجّة وقد حجّت المرأة ، فقالت : إن كان يصلح حججت أنا عن أخي وكنت أنا أحق بها من غيري؟ فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : لا بأس بأن تحج عن أخيها وإن كان لها مال فلتحج من مالها فإنّه أعظم لأجرها» (4). ومقتضى الجمع العرفي بينهما هو الالتزام


1) الوسائل 11 : 63 / أبواب وجوب الحجّ ب 24 ح 1.

2) الوسائل 11 : 63 / أبواب وجوب الحجّ ب 24 ح 2.

3) الكافي 4 : 306 / 3 وروى مضمونه في الوسائل 11 : 71 / أبواب وجوب الحجّ ب 28 ح 1.

4) الوسائل 11 : 176 / أبواب النيابة في الحجّ ب 8 ح 1.

مسألة 109 : يشترط في المنوب عنه الإسلام فلا تصح النيابة عن الكافر ، فلو مات الكافر مستطيعاً وكان الوارث مسلماً لم يجب عليه استئجار الحجّ عنه (1).


باستحباب نيابة الصرورة عن الميّت.

وممّا يدل على جواز نيابة غير الصرورة عن الميّت ، صحيح حكم بن حكيم «إنسان هلك ولم يحجّ ولم يوص بالحج فأحج عنه بعض أهله رجلاً أو امرأة إلى أن قال فقال : إن كان الحاج غير صرورة أجزأ عنهما جميعاً وأجزأ الّذي أحجه» (1)وهو صريح في الإجزاء مع كون النائب غير صرورة ، ومعنى الإجزاء عنهما ترتب الثواب على عمل النائب وتفريغ ذمّة المنوب عنه.

فتحصل من جميع ما ذكرنا : أنّ كراهة استنابة الصرورة لا دليل عليها ، وما استدلّ به ضعيف سنداً أو دلالة كما عرفت ، بل أمر استنابة الصرورة يدور بين الاستحباب والوجوب.

(1) يقع البحث في موضعين :

أحدهما : في النيابة عن المشرك.

ثانيهما : في النيابة عن أهل الكتاب.

أمّا الأوّل : فلا ريب في عدم صحّة النيابة عن المشرك ومن هو أسوأ منه كالملحد مطلقاً سواء في الواجبات والمندوبات ، وذلك لعدم قابليتهما للتقرّب إلى اللّه تعالى لعدم الاعتراف بالوحدانيّة أو عدم الاعتراف به تعالى أصلاً ، وقد قال اللّه تعالى ( ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى ) ... (2)فهم غير قابلين للغفران وأنّهم كالأنعام بل هم أضل ، فكما لا تجوز النيابة عن الحيوانات لا يجوز عنهم.


1) الوسائل 11 : 176 / أبواب نيابة الحجّ ب 8 ح 3.

2) التّوبة 9 : 113.

والناصب كالكافر (1)


وأمّا الثّاني : كاليهود والنّصارى ، والمجوس بناءً على أنّهم من أهل الكتاب ، فيقع البحث في مقامين.

أحدهما : في لزوم النيابة عنه في الحجّ الواجب إذا كان الوارث مسلماً.

ثانيهما : في النيابة عنه في الحجّ المندوب سواء كان حيّاً أو ميّتاً.

أمّا الأوّل : فإن قلنا بعدم تكليف الكافر بالفروع كما هو المختار فالأمر واضح لعدم وجوب الحجّ عليه فلا موضوع للاستنابة عنه ، فلا موجب لإخراج الحجّ من تركته.

وإن قلنا بأنّهم مكلّفون بالفروع كما هو المشهور فأدلّة النيابة منصرفة عن الكافر ، لأنّ الظاهر من روايات النيابة ومن الأسئلة الّتي وردت فيها ، وقوع السؤال عمّن يتوقع منه الحجّ ولم يحجّ كالمسلم ، فإنّ الظاهر من قوله : «رجل مات ولم يحجّ ولم يوص» ونحو ذلك هو الّذي يتوقّع منه الحجّ ، فلا يشمل الكافر الّذي لا يتوقع منه الحجّ.

هذا مضافاً إلى جريان السيرة على عدم الاستئجار للكافر.

وأمّا الثّاني : وهو النيابة عنه في المندوبات سواء كان حيّاً أو ميّتاً فيشكل الحكم بعدم جواز النيابة عنهم ، لأنّ الكتابي قابل للتقرّب إلى اللّه تعالى وقابل للإحسان إليه بالحج وبغيره من العبادات ، كما لا مانع بالإحسان إليهم من أنواع الخيرات ممّا ينتفع به الكافر ولو بالتخفيف في عقابه.

(1) بل هذا أخبث وأشد بعداً من اللّه تعالى ، وقد ورد المنع عن النيابة عنه في النص وهو صحيح وهب بن عبد ربّه قال : «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) أيحجّ الرّجل عن الناصب؟ فقال : لا ، قلت : فإن كان أبي ، قال : إن كان أباك فنعم» (1).

ولا يعارضه موثقة إسحاق بن عمار «قلت وإن كان ناصباً ينفعه ذلك؟ قال : نعم


1) الوسائل 11 : 192 / أبواب نيابة الحجّ ب 20 ح 1.

إلّا أنّه يجوز لولده المؤمن أن ينوب عنه في الحجّ (1).

مسألة 110 : لا بأس بالنيابة عن الحي في الحجّ المندوب تبرّعاً كان أو بإجارة (2) وكذلك في الحجّ الواجب إذا كان معذوراً عن الإتيان بالعمل مباشرة على ما تقدّم ولا تجوز النيابة عن الحي في غير ذلك في المناسك الطبعة الثانية عشرة زيادة قوله : وأمّا النيابة عن الميت فهي جائزة مطلقاً ، سواء كانت بإجارة أو تبرّع وسواء كان الحج واجباً أو مندوباً.

مسألة 111 : يعتبر في صحّة النيابة تعيين المنوب عنه بوجه من وجوه التعيين (4)


يخفف عنه» (1)لإطلاقها فتحمل على كون الناصب أباً للنائب.

(1) لما عرفته في هذه الصحيحة : من قوله «إن كان أباك فنعم».

(2) هذا ممّا لا ريب فيه ولا إشكال ، وقد دلّت على ذلك روايات كثيرة وقد عقد في الوسائل الباب 25 من أبواب النيابة لاستحباب التطوّع بالحج والعمرة عن المؤمنين أحياءً وأمواتاً (2)، وعليه السيرة وعمل الأصحاب. وقال الشهيد في الدروس : وقد أُحصي في عام واحد خمسمائة وخمسون رجلاً يحجّون عن علي بن يقطين صاحب الكاظم (عليه السلام) وأقلّهم بسبعمائة دينار وأكثرهم عشرة آلاف دينار (3).

(3) لا ريب في أنّ مقتضى القاعدة عدم سقوط الواجب عن ذمّة المكلّف بفعل شخص آخر ، ولذا لا تجوز النيابة عن الحي في الواجبات أصلاً ، ولكن ورد النص في خصوص الحجّ الواجب أنّه يجب على المستطيع العاجز عن المباشرة لهرم أو مرض أن يرسل شخصاً ليحج عنه على ما تقدّم تفصيله في المسألة 63.

(4) ولو بالإجمال ، لقابليّة وقوع الفعل عن متعدِّد لا يتشخّص لأحدهم إلّا بتعيينه.


1) الوسائل 11 : 197 / أبواب نيابة الحجّ ب 25 ح 5.

2) الوسائل 11 : 196.

3) الدروس 1 : 319.

ولا يشترط ذكر اسمه (1) كما يعتبر فيها قصد النيابة (2).

مسألة 112 : كما تصحّ النيابة بالتبرّع وبالإجارة تصحّ بالجعالة وبالشرط في ضمن العقد ونحو ذلك (3).

مسألة 113 : من كان معذوراً في ترك بعض الأعمال ، أو في عدم الإتيان به على الوجه الكامل لا يجوز استئجاره ، بل لو تبرّع المعذور وناب عن غيره يشكل الاكتفاء بعمله (4).


(1) يدل عليه صحيح البزنطي أنّه قال : «سأل رجل أبا الحسن الأوّل (عليه السلام) عن الرّجل يحجّ عن الرّجل يسمّيه باسمه؟ قال : إن اللّه لا يخفى عليه خافية» (1).

نعم ، في صحيحة محمّد بن مسلم أنّه يسمّيه قال «قلت له : ما يجب على الّذي يحجّ عن الرّجل؟ قال : يسمّيه في المواطن والمواقف» (2)إلّا أنّ الجمع العرفي بينهما يقتضي حمل ما دلّ على التسمية على الاستحباب.

(2) فإنّ العمل الصادر عن شخص لا يقع عن غيره إلّا إذا قصد النائب بعمله النيابة عن الغير ، فإنّ النيابة عنوان قصدي لا يتحقق إلّا بالقصد ، فإنّ النائب وإن كان يمتثل الأمر المتوجّه إلى نفسه بسبب النيابة ولا يقصد امتثال الأمر المتوجّه إلى المنوب عنه ، ولكن متعلّق أمر النائب العمل للغير فلا بدّ وأن يقصد بعمله نيابته عن الغير.

(3) لإطلاق أدلّة الجعالة ونفوذ الشرط.

(4) قد ذكرنا في بحث قضاء الصلاة (3)، أنّ من كان مكلّفاً بإتيان واجب من الواجبات يجب عليه أن يأتي به تام الأجزاء والشرائط ، ولا ينتقل الأمر إلى البدل الفاقد لبعض الأجزاء والشرائط إلّا بعد العذر عن إتيان الواجد ، ومقام الاستنابة


1) الوسائل 11 : 188 / أبواب نيابة الحجّ ب 16 ح 5.

2) الوسائل 11 : 187 / أبواب نيابة الحجّ ب 16 ح 1.

3) في المسألة [1824].

نعم ، إذا كان معذوراً في ارتكاب ما يحرم على المحرم كمن اضطرّ إلى التظليل فلا بأس باستئجاره واستنابته (1). ولا بأس لمن دخل مكّة بعمرة مفردة أن ينوب عن غيره لحج التمتّع ، مع العلم أنّه لا يستطيع الإحرام إلّا من أدنى الحل (2) كما لا بأس بنيابة النِّساء أو غيرهنّ ممّن تجوز لهم الإفاضة من المزدلفة قبل طلوع الفجر والرّمي ليلاً للحج عن الرّجل أو المرأة.


كذلك ، فإنّ الواجب على الوصي مثلاً استنابة طبيعي النائب ولا يختص بشخص خاص ، فإذا فرضنا أنّه يتمكّن من استنابة القادر على إتيان الواجب بأجزائه وشرائطه لا وجه للاكتفاء بنيابة العاجز عن أدائه كاملاً ، لعدم الدليل على ذلك في فرض التمكّن من استنابة القادر ، إلّا إذا فرض أن يصير جميع من يقبل النيابة عاجزاً وهذا فرض نادر جدّاً.

وبما ذكرنا ظهر أنّ التبرّع بالناقص لا يوجب فراغ ذمّة المنوب عنه ، لأنّ الواجب عليه هو العمل الكامل ومع التمكّن من الإتيان به ولو بالتسبيب والاستئجار لا دليل على الاكتفاء بما يأتي به المتبرّع ناقصاً.

(1) لعدم نقص في أجزاء المأمور به وشرائطه ، وإنّما ارتكب أمراً خارجاً عن أعمال الحجّ وأجزائه وشرائطه كان محرماً على المحرم في حال الاختيار ، والمفروض أنّ النائب معذور في ارتكابه ، فلا يكون الحجّ الصادر منه عملاً ناقصاً وبدلاً اضطراريّاً حتّى يقال بأنّه لا يجوز استئجاره مع التمكّن من استئجار من يتمكّن من إتيان المأمور به التام الكامل ، بل يمكن أن يقال بجواز استئجار من يأتي بالتروك عمداً ، لأنّها خارجة وأجنبيّة عن أعمال الحجّ ، ولا يوجب ارتكابها نقصاً في أجزاء الحجّ.

(2) لأنّ جواز الإحرام له من أدنى الحل حينئذ حكم ترخيصي في نفسه ثابت له وليس بدلاً اضطراريّاً حتّى لا تجوز نيابته ، وكذلك بالنسبة إلى النِّساء وغيرهنّ ممّن تجوز لهم الإفاضة من المزدلفة ليلاً والرّمي في اللّيل ، فإنّ ذلك جائز لهم في نفسه وقد

مسألة 114 : إذا مات النائب قبل أن يحرم لم تبرأ ذمّة المنوب عنه ، فتجب الاستنابة عنه ثانية فيما تجب الاستنابة فيه (1). وإن مات بعد الإحرام أجزأ عنه وإن كان موته قبل دخول الحرم على الأظهر (2).


رخص رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) لهم ذلك كما في النصوص (1)، فليس الحكم الثابت لهم حكماً عذريّاً حتّى يقال بعدم جواز استنابتهم مع التمكّن من غيرهم.

(1) لما تقدّم من كون الأصل عدم فراغ ذمّة المنوب عنه بمجرّد الاستئجار وعدم صدور العمل المستأجر عليه من النائب ، وإن مات في الطريق وقبل أن يشرع في الأعمال ، وذلك لأنّ موضوع الإجزاء حسب ما يستفاد من النص ، هو الشروع في الأعمال ولو بالدخول في الإحرام ، وأمّا إذا سافر ومات في الطريق قبل أن يحرم فلا يصدق عليه أنّه شرع في الأعمال ، فإنّ الخروج من البيت والسفر ونحو ذلك ممّا يتوقف عليه الحجّ من مقدّمات الحجّ للوصول إلى إعماله ، وليس من أعمال نفس الحجّ وأفعاله ، فما دلّ على الإجزاء بالشروع في بعض الأعمال لا يشمل ما إذا خرج من البيت قاصداً للحج ومات قبل أن يحرم ، خصوصاً إذا مات النائب في بيته ومنزله قبل أن يشرع في السفر.

(2) لصدق عنوان أنّه مات في الطريق بعد الشروع في الأعمال وقبل الانتهاء من مناسكه ، كما في موثق إسحاق بن عمار قال : «سألته عن الرّجل يموت فيوصي بحجّة فيعطى رجل دراهم يحجّ بها عنه فيموت قبل أن يحجّ ، ثمّ أعطى الدراهم غيره ، فقال : إن مات في الطريق أو بمكّة قبل أن يقضي مناسكه فإنّه يجزئ عن الأوّل» (2)فإنّ الظاهر منه هو الحكم بالإجزاء إذا تحقق الموت قبل أن ينتهي من مناسكه وبعد الشروع فيها ولو بالدخول في الإحرام.


1) الوسائل 14 : 28 / أبواب الوقوف بالمشعر ب 17.

2) الوسائل 11 : 185 / أبواب نيابة الحجّ ب 15 ح 1.

.................................................................................................


ولا يعارضه موثق عمار الساباطي «في رجل حج عن آخر ومات في الطريق ، قال : وقد وقع أجره على اللّه ، ولكن يوصي ، فإنّ قدر على رجل يركب في رحله ويأكل زاده فعل» (1)لأنّه مطلق من حيث الإحرام وعدمه ، فالنسبة بينه وبين موثق إسحاق نسبة العموم والخصوص المطلق ، ومقتضى الجمع العرفي بينهما هو الإجزاء بعد الإحرام وعدمه قبل الإحرام.

فالنتيجة : أنّ النائب إذا مات بعد الإحرام وإن لم يدخل الحرم تبرأ ذمّة المنوب عنه وأجزأ عنه.

وأمّا إذا مات بعد الإحرام وبعد الحرم فلا ينبغي الرّيب في الإجزاء ، لا لكون الحكم كذلك في الحاج عن نفسه لعدم التلازم بين حكم النائب والمنوب عنه ، بل لأنّ الإجزاء في هذه الصورة هو القدر المتيقن من موثق إسحاق بن عمار المتقدّم.

فتحصل ممّا تقدّم أنّ صور المسألة أربع :

الأُولى : إذا مات النائب في بيته ومنزله قبل أن يشرع في السفر ، فلا ريب في عدم الإجزاء ، لما عرفت أنّ مجرّد الاستنابة لا يوجب براءة ذمّة المنوب عنه ، خلافاً لصاحب الحدائق مستشهداً بعدّة من الرّوايات الضعيفة سنداً ودلالة (2).

الثّانية : إذا مات بعد الإحرام ودخول الحرم فلا إشكال في الإجزاء ، لأنّه القدر المتيقن من موثقة إسحاق بن عمار.

الثّالثة : ما إذا مات النائب بعد الإحرام وقبل الدخول في الحرم ، فالأقوى هو الإجزاء لموثق إسحاق بن عمار.

الرّابعة : ما إذا مات بعد الشروع في السفر وفي الطريق ولكن مات قبل الإحرام فالظاهر عدم الإجزاء للأصل وعدم شمول النص لهذه الصورة.


1) الوسائل 11 : 186 / أبواب نيابة الحجّ ب 15 ح 5.

2) لاحظ الحدائق 14 : 257.

ولا فرق في ذلك بين حجّة الإسلام وغيرها ، ولا بين أن تكون النيابة بأُجرة أو تبرّع (1).

مسألة 115 : إذا مات الأجير بعد الإحرام استحق تمام الأُجرة ، إذا كان أجيراً على تفريغ ذمّة الميّت ، وأمّا إذا كان أجيراً على الإتيان بالأعمال استحقّ الأُجرة بنسبة ما أتى به (2). وإن مات قبل الإحرام لم يستحق شيئاً (3). نعم ، إذا كانت المقدّمات داخلة في الإجارة استحقّ من الأُجرة بقدر ما أتى به منها (4).


(1) لإطلاق الأدلّة في الجميع.

(2) قد عرفت أنّ الأجير إذا مات بعد الإحرام أو بعد الإحرام وبعد الدخول في الحرم تبرأ ذمّة المنوب عنه ، ولكن وقع الكلام في أنّه هل يستحق الأجير تمام الأُجرة أم فيه تفصيل؟.

والظاهر هو التفصيل ، وهو أنّه إذا كان أجيراً على تفريغ ذمّة الميّت يستحق تمام الأُجرة لفراغ ذمّة الميّت بالعمل الصادر من النائب. والتفريغ وإن لم يكن مقدوراً للأجير ولكنّه مقدور له بالواسطة ، كالإجارة على التطهير فإنّه مقدور له بالواسطة وإن لم يكن بنفسه غير مقدور له ، ولا يعتبر في صحّة الإجارة تعلّقها بما هو مقدور بنفسه ، بل تصح ولو تعلّقت بالمقدور بالواسطة.

وأمّا إذا كان أجيراً على نفس الأعمال والأفعال المخصوصة فيستحق الأُجرة بالنسبة إلى ما أتى به من الأعمال.

(3) كما لو مات في البصرة مثلاً وهو في طريقه إلى الحجّ فإنّه لا يستحق من الأُجرة شيئاً على كل تقدير ، لأنّه لو كان أجيراً على تفريغ الذمّة فهو غير حاصل لأنّ المفروض أنّه مات قبل الإحرام ولا دليل على الإجزاء في هذه الصورة ، ولو كان أجيراً على الإتيان بالأعمال المخصوصة فالمفروض أنّه لم يأت بشي‌ء منها فلا موجب لاستحقاق الأُجرة.

(4) أمّا لو كان أجيراً على الأعمال وإتيان المقدّمات معاً كما هو المتعارف في الحجّ

مسألة 116 : إذا استأجر للحج البلدي ولم يعيّن الطريق كان الأجير مخيراً في ذلك (1) وإذا عيّن طريقاً لم يجز العدول منه إلى غيره (2) فإن عدل وأتى بالأعمال فإن كان اعتبار الطريق في الإجارة على نحو الشرطيّة دون الجزئيّة استحقّ الأجير تمام الأُجرة (3) وكان للمستأجر خيار الفسخ ، فإن فسخ يرجع إلى أُجرة المثل. وإن كان اعتباره على نحو الجزئيّة كان للمستأجر الفسخ أيضاً (4)


البلدي فتوزع الأُجرة عليهما بالنسبة.

وربما يقال بأنّه وإن لم يستحق اجرة المسمّى ولكنّه يستحق اجرة المثل لما أتى به من المقدّمات كالسفر إلى المدينة المنوّرة مقدّمة للحج لاحترام عمل المسلم نظير استحقاق اجرة المثل في الإجارة الفاسدة.

والجواب : أنّه لا يقاس المقام بباب الإجارة الفاسدة ، لأن إتيان العمل المستأجر عليه في الإجارة الفاسدة مستند إلى أمر المستأجر وذلك موجب للضمان ، فإنّ العمل الصادر من الأجير يوجب ضمان المسمّى لو كانت الإجارة صحيحة ويوجب ضمان المثل إذا كانت الإجارة فاسدة ، لأنّ العمل وقع بأمر المستأجر وذلك موجب للضمان عند العقلاء ، وهذا بخلاف المقام فإنّ إتيان المقدّمات لم يكن بأمر من المستأجر وإنّما يأتي الأجير بها اختياراً لغرض وصوله إلى ما استؤجر عليه ، نظير ما لو استأجر للصلاة فتوضأ أو اغتسل الأجير ثمّ عجز عن أداء الصلاة أو مات ، فإنّه لا يستحق اجرة المثل لوضوئه أو غسله.

(1) إذ لا موجب للتعيين.

(2) بمقتضى عقد الإجارة.

(3) لإتيانه بمتعلّق الإجارة ، والشرط لا يوجب تقسيط الثمن بالنسبة إليه ، وإنّما يوجب الخيار عند التخلّف للمستأجر ، فإن فسخ يرجع الأجير إلى أُجرة المثل ، وأمّا اجرة المسمّى فلا يستحقها الأجير لانفساخ الإجارة ، وأمّا اجرة المثل فيستحقها على المستأجر لأنّ العمل صدر بأمره.

(4) لأنّ المفروض أنّ الأجير لم يسلّم العمل الّذي صار ملكاً للمستأجر فيثبت له

فإن لم يفسخ استحقّ من الأُجرة المسماة بمقدار عمله ويسقط بمقدار مخالفته.

مسألة 117 : إذا آجر نفسه للحج عن شخص مباشرة في سنة معيّنة لم تصح إجارته عن شخص آخر في تلك السنة مباشرة أيضاً (1) وتصحّ الإجارتان مع اختلاف السنتين ، أو مع عدم تقيّد إحدى الإجارتين أو كلتيهما بالمباشرة.

مسألة 118 : إذا آجر نفسه للحج في سنة معيّنة لم يجز له التأخير ولا التقديم (2)


الخيار ، فإن أعمل المستأجر خياره وفسخ فله استرجاع الأُجرة المسمّاة من الأجير لأنّ اجرة المسمّاة إنّما يستحقها الأجير إذا كان عقد الإجارة باقياً ، وأمّا إذا انهدم وانفسخ فلا موجب للاستحقاق ، كما أنّه لا موجب لاستحقاق الأجير الأُجرة على الطريق الآخر الّذي عدل إليه الأجير ، لأنّه لم يقع عليه عقد الإجارة ولم يصدر بأمر من المستأجر.

وإن لم يفسخ استحقّ من الأُجرة المسمّاة بمقدار عمله ويسقط بمقدار مخالفته لتقسيط الأُجرة على ذلك ، لأنّ المفروض أخذ الطريق على نحو الجزئيّة.

(1) لأنّه بعد أن وجب عليه العمل بالإجارة الاولى لا يتمكّن من تسليم متعلّق الإجارة الثّانية فتبطل الإجارة الثّانية ، إذ المعتبر في صحّة الإجارة أن يكون متعلّقها مقدور التسليم ولذا لا تصح إجارة العبد الآبق ونحو ذلك.

وبعبارة اخرى : لا ريب أنّ المستأجر الأوّل ملك العمل على الأجير في السنة الأُولى بمقتضى اشتراط المباشرة ، فهو غير قادر على تسليم العمل للمستأجر الآخر فإجارته الثّانية باطلة لأنّها تقع على أمر لا يقدر على تسليمه.

هذا إذا كانت الإجارتان واقعتين في سنة واحدة وكان كلّ منهما مقيّداً بالمباشرة وأمّا إذا كان أحدهما مطلقاً من حيث المباشرة أو كان كلتاهما غير مقيّدة بها صحّت الإجارتان لحصول القدرة على التسليم.

(2) للزوم العمل على طبق عقد الإجارة.

ولكنّه لو قدّم أو أخّر برئت ذمّة المنوب عنه (1) ولا يستحق الأُجرة إذا كان التقديم أو التأخير بغير رضي المستأجر (2).

مسألة 119 : إذا صُدّ الأجير ، أو أُحصر فلم يتمكّن من الإتيان بالأعمال كان حكمه حكم الحاج عن نفسه (3) ويأتي بيان ذلك إن شاء اللّه تعالى ، وانفسخت الإجارة إذا كانت مقيّدة بتلك السنة (4) ويبقى الحجّ في ذمّته إذا لم تكن مقيّدة بها (5).

مسألة 120 : إذا أتى النائب بما يوجب الكفّارة فهي من ماله سواء كانت النيابة بإجارة أو بتبرّع (6).

مسألة 121 : إذا استأجره للحج بأُجرة معيّنة فقصرت الأُجرة عن مصارفه لم يجب على المستأجر تتميمها ، كما أنّها إذا زادت عنها لم يكن له استرداد الزائد (7).


(1) لأنّ المفروض أنّ العمل المستأجر عليه واجد لجميع الأجزاء والشرائط وقد أتى به عن المنوب عنه فلا مانع من الاجتزاء به ، والتقديم أو التأخير لا أثر له بالنسبة إلى وقوع العمل صحيحاً أو فاسداً ، وإنّما يؤثر في استحقاق الأُجرة وعدمه.

(2) لعدم الإتيان بمورد الإجارة فلا مقتضي للاستحقاق.

(3) لإطلاق روايات الصد والإحصار ، فإنّ مقتضاه عدم الفرق بين كون الحجّ عن نفسه أو عن غيره.

(4) لعدم القدرة على التسليم.

(5) لعدم انفساخ الإجارة فتكون ذمّته مشغولة بالحج ويأتي به في السنة اللّاحقة.

(6) لأنّ النائب هو المباشر فالتكليف متوجّه إليه بنفسه ولا مقتضي لضمان المنوب عنه.

(7) لأنّه بعد ما رضي الأجير بأُجرة معيّنة وتمّ عقد الإيجار على ذلك فلا مقتضي لوجوب التتميم على المستأجر ، كما أنّها إذا زادت عنها لم يكن للمستأجر استرداد الزائد ، لأنّ الأجير ملك الأُجرة بعقد الإجارة فلا موجب لردّ الزائد.

مسألة 122 : إذا استأجره للحج الواجب أو المندوب فأفسد الأجير حجّة بالجماع قبل المشعر وجب عليه إتمامه (1) وأجزأ المنوب عنه (2) وعليه الحجّ من قابل وكفّارة بدنة. والظاهر أنّه يستحق الأُجرة ، وإن لم يحجّ من قابل لعذر أو غير عذر (3)


(1) لعدم الفرق بين الأجير والحاج عن نفسه بالنسبة إلى هذا الحكم ، فإنّ الظاهر من الأدلّة أنّ ذلك من أحكام الحجّ من دون دخل لكون الحجّ عن نفسه أو عن غيره.

(2) لأن ما أتى به الأجير أوّلاً هو الواجب الأصلي ، والحجّ الّذي يأتي به من قابل كفارة وعقوبة على نفس الأجير. وتدل على ذلك صحيحتان لإسحاق بن عمار :

الاولى : قال «سألته عن الرّجل يموت فيوصي بحجّة ، فيعطي رجل دراهم يحجّ بها عنه فيموت قبل أن يحجّ ، ثمّ أعطى الدراهم غيره ، فقال : إن مات في الطريق أو بمكّة قبل أن يقضي مناسكه فإنّه يجزئ عن الأوّل ، قلت : فإن ابتلى بشي‌ء يفسد عليه حجّه حتّى يصير عليه الحجّ من قابل أيجزئ عن الأوّل؟ قال : نعم ، قلت : لأنّ الأجير ضامن للحج؟ قال : نعم» (1).

الثّانية : «في الرّجل يحجّ عن آخر فاجترح في حجّه شيئاً يلزمه فيه الحجّ من قابل أو كفارة؟ قال : هي للأوّل تامّة ، وعلى هذا ما اجترح» (2).

(3) لأنّ المفروض أنّه أتى بالواجب الأصلي الّذي استؤجر عليه وسلم الأجير العمل بكماله وتمامه إلى المستأجر فلا وجه لعدم استحقاق الأُجرة ، وعدم الإتيان بالحج الثّاني في السنة القادمة لا يؤثر في فراغ ذمّة المنوب عنه وفي إتيان العمل المستأجر عليه ، لأنّ إتيان الحجّ من قابل من الوظائف المقررة لنفس الأجير وذمّته مشغولة به ، وهو أجنبي عن العمل المستأجر عليه.


1) الوسائل 11 : 185 / أبواب نيابة الحجّ ب 15 ح 1 ، 2.

2) الوسائل 11 : 185 / أبواب نيابة الحجّ ب 15 ح 1 ، 2.

وتجري الأحكام المذكورة في المتبرّع أيضاً غير أنّه لا يستحق الأُجرة (1).

مسألة 123 : الأجير وإن كان يملك الأُجرة بالعقد ولكن لا يجب تسليمها إليه إلّا بعد العمل إذا لم يشترط التعجيل (2). ولكن الظاهر جواز مطالبة الأجير للحج الأُجرة قبل العمل ، وذلك من جهة القرينة على اشتراط ذلك ، فإنّ الغالب أنّ الأجير لا يتمكّن من الذهاب إلى الحجّ أو الإتيان بالأعمال قبل أخذ الأُجرة.

مسألة 124 : إذا آجر نفسه للحج فليس له أن يستأجر غيره إلّا مع إذن المستأجر (3).


(1) لما عرفت من أنّ هذه الأحكام أحكام الحجّ من دون دخل لكون الحجّ عن نفسه أو عن غيره بإجارة أو بتبرّع ، وإذا كان متبرّعاً بالحج فلا يستحق الأُجرة لا على الحجّ الأوّل ولا على الثّاني ، أمّا على الأوّل فلعدم المقتضي ، وأمّا على الثّاني فلأنه عقوبة وكفارة على نفس المباشر للعمل.

(2) لأنّ الأجير ما لم يسلّم العمل إلى المستأجر ليس له أن يطالب بأُجرة عمله لبناء المعاملات والمعاوضات على التسليم والتسلم ، إلّا إذا كان هناك قرينة على لزوم إعطاء الأُجرة قبل العمل ، كما إذا اشترط التعجيل أو كان في البين انصراف إلى التعجيل ، ومن جملة موارد قيام القرينة على لزوم إعطاء الأُجرة قبل العمل ما ذكره (دام ظله) بقوله : ولكن الظاهر إلخ.

(3) لا ريب في أنّ مقتضى إطلاق عقد الإجارة هو مباشرة الأجير ، فلا يجوز للأجير أن يستأجر غيره إلّا مع الإذن صريحاً أو ظاهراً ، لأنّ رضي المستأجر قد تعلّق بالمباشرة ولم يعلم تعلّقه بالتسبيب واستئجار الغير ، فالتبديل يحتاج إلى رضى جديد من المستأجر.

نعم ، ربّما يستدل لجواز التسبيب بما رواه الشيخ عن عثمان بن عيسى قال «قلت لأبي الحسن الرضا (عليه السلام) : ما تقول في الرّجل يعطي الحجّة فيدفعها إلى

مسألة 125 : إذا استأجر شخصاً لحج التمتّع مع سعة الوقت ، واتّفق أنّ الوقت قد ضاق فعدل الأجير عن عمرة التمتّع إلى حجّ الإفراد وأتى بعمرة مفردة بعده برئت ذمّة المنوب عنه ، لكن الأجير لا يستحق الأُجرة إذا كانت الإجارة على نفس الأعمال. نعم ، إذا كانت الإجارة على تفريغ ذمّة الميّت استحقها (1).


غيره؟ قال : لا بأس» (1)ولكن السيِّد في العروة حملها على صورة العلم بالرّضا من المستأجر (2)إلّا أنّه لا قرينة على هذا الحمل.

والصحيح أن يقال : إنّ الرّواية ضعيفة سنداً ودلالة.

أمّا ضعف السند ، فبالأحول أو جعفر الأحول المذكورين في موضعين من التهذيب (3)ولم يعلم أنّ المراد به أبو جعفر الأحول المعروف الثقة. والوسائل وإن رواها عن أبي جعفر الأحول ، ولكن لا يمكن الاعتماد على نسخة الوسائل ، لمخالفتها للتهذيب الّذي هو مصدر الرّواية. وبأبي سعيد الواقع في السند ، فإنّ المراد به سهل بن زياد فإنّه مكنى بهذه الكنية أيضاً ، وقد ذكرنا تفصيل ذلك في كتابنا معتمد العروة (4).

وأمّا ضعف الدلالة ، فلأنها لم ترد في مورد الإجارة ، وإنّما ذكر فيها إعطاء الحجّة وهو أعم من الاستئجار ، فلعله أعطى له الحجّة على نحو المساعدة لا على نحو الاستئجار والاستنابة ، فحينئذ يجوز له إعطاء الحجّة إلى غيره ، فتكون الرّواية أجنبية عن المقام.

(1) لا يجوز لمن عليه حجّ التمتّع استئجار من ضاق وقته عن أداء حجّ التمتّع ، لعدم قدرة الأجير على تسليم العمل المستأجر عليه فتقع الإجارة باطلة.

وأمّا لو استأجر شخصاً يتمكّن من حجّ التمتّع لسعة الوقت ، ولكن اتّفق أنّ الوقت


1) الوسائل 11 : 184 / أبواب النيابة في الحجّ ب 14 ح 1.

2) العروة الوثقى 2 : 306 / 3164.

3) التهذيب 5 : 417 / 1449 ، 462 / 1609.

4) راجع شرح العروة 27 : 72.

مسألة 126 : لا بأس بنيابة شخص عن جماعة في الحجّ المندوب (1).


قد ضاق وصار عاجزاً عن إتيان حجّ التمتّع ، فهل يتعيّن عليه العدول إلى حج الإفراد أو لا؟ وعلى فرض العدول هل تفرغ ذمّة المنوب عنه أولاً؟ وعلى فرض القول بفراغ ذمّته هل يستحق الأجير الأُجرة المسمّاة أم لا؟ فيقع البحث في موارد ثلاثة.

أمّا الأوّل : ففيه وجهان ، من إطلاق أخبار العدول (1)وعدم اختصاصها بالحج عن نفسه ، ومن انصرافها إلى الحاج عن نفسه.

والظاهر هو إطلاق الأخبار ، لعدم قصور بعض أخبار العدول للمقام ، فدعوى الانصراف في مجموع الرّوايات إلى الحاج عن نفسه ممنوعة.

وأمّا الثّاني : وهو فراغ ذمّة الميّت بما أتى به الأجير فلا ينبغي الرّيب فيه ، لأنّه بعد الالتزام بإطلاق الأخبار وشموله للحج النيابي فما يأتي به النائب بدل عمّا في ذمّة المنوب عنه بحكم الشارع ، فلا وجه لعدم الإجزاء.

وأمّا الثّالث : وهو استحقاق الأجير الأُجرة المسمّاة ، فيجري فيه التفصيل المتقدِّم من أنّه لو كان أجيراً على تفريغ ذمّة الميّت استحقّ الأُجرة المسمّاة لتسليم العمل المستأجر عليه ، وإن كان أجيراً على الأعمال فلا يستحق الأُجرة المسمّاة ، لعدم تسليم تمام العمل المستأجر عليه ، فلا بدّ من تقسيط الأُجرة بالنسبة إلى الأعمال.

(1) للنصوص الكثيرة ، منها : صحيح محمّد بن إسماعيل قال : «سألت أبا الحسن (عليه السلام) كم أُشرك في حجّتي ، قال : كم شئت» (2).

وربما يتوهّم أنّ مورد الأخبار هو الحجّ الصادر عن نفسه لقوله : «وكم أُشرك في حجّتي» أو قوله : «ويشرك في حجّته» وأمّا إذا كان الحجّ الصادر منه حجّا عن الغير نيابة فلا تدل الأخبار على جواز اشراك الغير في هذا الحجّ.

وهذا التوهّم وإن كان في نفسه غير بعيد ، إلّا أنّ التأمّل في الأخبار يقتضي جواز


1) الوسائل 11 : 296 / أبواب أقسام الحجّ ب 21.

2) الوسائل 11 : 202 / أبواب نيابة الحجّ ب 28 ح 1.

وأمّا الحجّ الواجب فلا يجوز فيه نيابة الواحد عن اثنين وما زاد (1). إلّا إذا كان وجوبه عليهما أو عليهم على نحو الشركة ، كما إذا نذر شخصان أن يشترك كلّ منهما مع الآخر في الاستئجار في الحجّ فحينئذ يجوز لهما أن يستأجرا شخصاً واحداً للنيابة عنهما (2).

مسألة 127 : لا بأس بنيابة جماعة في عام واحد عن شخص واحد ميّت أو حي ، تبرّعاً أو بالإجارة فيما إذا كان الحجّ مندوباً (3). وكذلك في الحجّ الواجب فيما إذا كان متعدِّداً ، كما إذا كان على الميّت أو الحي حجّان واجبان بنذر مثلاً أو كان


التشريك مطلقاً ولو كان الحجّ عن الغير ، لأنّه بعد الالتزام بمشروعيّة النيابة في نفسها وجواز التشريك ورجحانه لا تحتمل الاختصاص بالحج عن نفسه.

مضافاً إلى أنّ المراد بقوله : «حجّتي» أو «حجّته» هو الحجّ الصادر منه ولو كان عن الغير.

(1) في عام واحد ، لأنّ الحجّ واجب على جميع المكلّفين مستقلا فيلزم أن يكون حجّ النائب مثله على نحو الاستقلال ، فالعمل الواحد لا يقع إلّا عن واحد ، ووقوعه عن اثنين وما زاد يحتاج إلى الدليل وهو مفقود.

وبعبارة اخرى : أنّ النيابة في نفسها على خلاف القاعدة ، لعدم سقوط الواجب عن المكلّف إلّا بقيام المكلّف بنفسه بالواجب ، وأقصى ما تدل عليه أدلّة النيابة وقوع العمل الواحد عن الواحد ، وأمّا وقوعه عن اثنين فلا تقتضيه أدلّة النيابة.

(2) لأنّ الوجوب إذا كان ثابتاً عليهما على نحو التشريك لا الاستقلال كما هو المفروض ، فلا مانع من نيابة الواحد عن اثنين وما زاد.

(3) لإطلاق أدلّة النيابة ، ولخصوص بعض الرّوايات (1)الدالّة على أنّ الرضا (عليه السلام) استأجر ثلاثة أشخاص للحج عن نفسه.


1) الوسائل 11 : 208 / أبواب نيابة الحجّ ب 34 ح 1.

أحدهما حجّة الإسلام وكان الآخر واجباً بالنذر ، فيجوز حينئذ استئجار شخصين أحدهما لواجب والآخر لآخر ، وكذلك يجوز استئجار شخصين عن واحد أحدهما للحج الواجب والآخر للمندوب (1) بل لا يبعد استئجار شخصين لواجب واحد كحجّة الإسلام من باب الاحتياط ، لاحتمال نقصان حج أحدهما (2).

مسألة 128 : الطّواف مستحب في نفسه فتجوز النيابة فيه عن الميّت (3).


(1) لإطلاق أدلّة النيابة الشاملة لجميع هذه الصور ، ومقتضاه جواز التعدّد في عام واحد ولو كان أحدهما أسبق زماناً من الآخر ، لعدم الدليل على لزوم الترتيب.

(2) إذ لا مانع من تعدد النائب ، ومقتضى إطلاق أدلّة النيابة جوازه ، كما هو الحال في بقيّة العبادات كالصّلاة والصّيام ، فيستنيب شخصين لأداء الصلاة رجاءً واحتياطاً لاحتمال بطلان أحدهما ، فكل من العملين مشروع يحتمل كونه مأموراً به تجوز الاستنابة فيه.

(3) أي أنّ الطّواف مستحب نفسي مستقلا من دون أن يكون في ضمن الحجّ أو العمرة ، كالصلاة ونحوها من المستحبّات والعبادات المستقلّة ، فتجوز النيابة في نفس الطّواف مستقلا وإن لم يكن جزءاً للحج أو العمرة.

والّذي يدل على استحبابه النفسي نصوص كثيرة وقد عقد في الوسائل أبواباً تتضمّن ذلك (1).

كما أنّ مقتضى إطلاق جملة منها وخصوص بعضها الآخر جواز النيابة فيه عن الميّت والحي كالنصوص الواردة في الطّواف عن المعصومين (عليهم السلام) أحياءً وأمواتاً (2).


1) الوسائل 13 : 302 / أبواب الطّواف ب 4 ، 9.

2) الوسائل 11 : 200 / أبواب نيابة الحجّ ب 26.

وكذا عن الحي إذا كان غائباً عن مكّة ، أو حاضراً فيها ولم يتمكّن من الطّواف مباشرة (1).

مسألة 129 : لا بأس للنائب بعد فراغه من أعمال الحجّ النيابي أن يأتي بالعمرة المفردة عن نفسه أو عن غيره كما لا بأس أن يطوف عن نفسه أو عن غيره (2).


(1) لا فرق في استحباب النيابة في الطّواف بين كون المنوب عنه غائباً عن مكّة أو حاضراً معذوراً من المباشرة.

أمّا استحبابه عن الغائب فيدل عليه صحيح معاوية بن عمار قال «قلت له : فأطوف من الرجل والمرأة وهما بالكوفة؟ فقال : نعم» (1).

وأمّا استحبابه عن الحاضر المعذور من الطّواف بنفسه فيدل عليه عدّة من النصوص الواردة في المبطون والمريض والمغمى عليه (2).

وأمّا الحاضر غير المعذور فلا استحباب للنيابة عنه ، كما دلّ عليه صحيح إسماعيل ابن عبد الخالق قال «كنت إلى جنب أبي عبد اللّه (عليه السلام) وعنده ابنه عبد اللّه أو ابنه الّذي يليه ، فقال له رجل : أصلحك اللّه يطوف الرّجل عن الرّجل وهو مقيم بمكّة ليس به علّة؟ فقال : لا ، لو كان ذلك يجوز لأمرت ابني فلاناً فطاف عنِّي سمّى الأصغر وهما يسمعان» (3).

(2) لأنّ المفروض استحباب ذلك كلّه في نفسه ، ولا مانع من الإتيان به.

مضافاً إلى ورود النص على جواز طواف النائب عن نفسه وعن غيره بعد الفراغ من الحجّ الّذي استنيب فيه (4).


1) الوسائل 11 : 190 / أبواب نيابة الحجّ ب 18 ح 1.

2) الوسائل 13 : 393 / أبواب الطّواف ب 49.

3) الوسائل 13 : 397 / أبواب الطّواف ب 51 ح 1.

4) الوسائل 11 : 193 / أبواب نيابة الحجّ ب 21 ح 1.

الحجّ المندوب

مسألة 130 : يستحب لمن يمكنه الحجّ أن يحجّ وإن لم يكن مستطيعاً (1) أو أنّه أتى بحجّة الإسلام (2)


وأمّا الفصل بين العمرتين في المقام فغير لازم ، لأنّ الفصل على ما سيأتي قريباً إن شاء اللّه تعالى إنّما يعتبر بين عمرتين مفردتين عن نفسه ، وأمّا في غير ذلك ، فلا يعتبر الفصل بينهما.

(1) هذا ممّا لا ينبغي الإشكال فيه ، ويكفي في استحباب الحجّ حينئذ نفس الرّوايات الدالّة على فضيلة الحجّ ، والاستطاعة الشرعيّة المعهودة إنّما تعتبر في حجّة الإسلام ، وأمّا غيرها فلا دليل على اعتبار الاستطاعة فيه ، فالمتبع إطلاق النصوص الكثيرة المشتملة على ترتب الثواب العظيم على الحجّ وفضيلته (1).

مضافاً إلى روايات خاصّة يمكن استفادة استحباب الحجّ لمن لم يكن مستطيعاً كالروايات الدالّة على أن من كان مديناً يحجّ ، أو أنّه إذا كان مديوناً يتداين أيضاً ويحجّ (2)، فإنّ المتفاهم من ذلك أنّ عدم التمكّن الشرعي من الحجّ لأجل الدّين لا يمنع من الإتيان بالحج.

(2) يدل عليه بالخصوص صحيحة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال «قال لي إبراهيم بن ميمون : كنت جالساً عند أبي حنيفة فجاء رجل فسأله فقال : ما ترى في رجل قد حجّ حجّة الإسلام ، الحجّ أفضل أم يعتق رقبة؟ قال : بل يعتق رقبة ، فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام) الحجّة أفضل من عتق رقبة ورقبة ورقبة حتّى عدّ عشراً» الحديث (3).


1) الوسائل 11 : 93 / أبواب وجوب الحجّ ب 38.

2) الوسائل 11 : 140 / أبواب وجوب الحجّ ب 50.

3) الوسائل 11 : 119 / أبواب وجوب الحجّ ب 43 ح 1.

ويستحب تكراره في كلّ سنة لمن يتمكّن من ذلك (1).

مسألة 131 : يستحب نيّة العود على الحجّ حين الخروج من مكّة (2).

مسألة 132 : يستحب إحجاج مَن لا استطاعة له (3)


هذا مضافاً إلى الإطلاقات المرغّبة في الحجّ.

(1) هذا أيضاً من جملة الواضحات ، وتدل عليه روايات كثيرة ذكر صاحب الوسائل كثيراً منها في الباب الخامس والأربعين والسادس والأربعين من أبواب وجوب الحجّ (1)فراجع.

ويدل عليه أيضاً تكرّر الحجّ من النّبيّ (صلّى اللّه عليه وآله) والأئمّة (عليهم السلام).

(2) يدل عليه عموم ما دلّ على استحباب نيّة الخير والعزم عليه (2)ويؤيّده خبر عبد اللّه بن سنان قال «سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول : من رجع من مكّة وهو ينوي الحجّ من قابل زيد في عمره» (3).

وكذا يكره نيّة عدم العود ، ويدلُّ على ذلك موثقة الحسين الأحمسي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «من خرج من مكّة وهو لا يريد العود إليها فقد اقترب أجله ودنا عذابه» (4).

والحسين الأحمسي وإن لم يوثق في الرّجال ولكنّه من رواة كامل الزيارات (5).

(3) لا ريب في أنّ التسبيب إلى الخير لا سيما مثل الحجّ الّذي فيه فضل عظيم أمر مرغوب فيه شرعاً ، ويؤكّد ذلك بصحيحة شهاب عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «في


1) الوسائل 11 : 123 ، 133.

2) الوسائل 1 : 49 / أبواب مقدّمة العبادات ب 6.

3) الوسائل 11 : 150 / أبواب وجوب الحجّ ب 57 ح 1.

4) الوسائل 11 : 151 / أبواب وجوب الحجّ ب 57 ح 2.

5) لاحظ معجم رجال الحديث 6 : الرقم 3242 ، 3500.

كما يستحب الاستقراض للحج إذا كان واثقاً بالوفاء بعد ذلك (1) ويستحب كثرة الإنفاق في الحجّ (2).

مسألة 133 : يستحب إعطاء الزكاة لمن لا يستطيع الحجّ ليحج بها (3).


رجل أعتق عشيّة عرفة عبداً له ، قال : يجزئ عن العبد حجّة الإسلام ، ويكتب للسيِّد أجران : ثواب العتق وثواب الحجّ» (1).

ويؤيّده خبر شهاب «أُمّ ولد أحجها مولاها أيجزئ عنها؟ قال : لا ، قلت : إله أجر في حجّها؟ قال : نعم» (2). كما يؤيّد بخبر الديلمي ، ومرسلة الفقيه «من حجّ بثلاثة من المؤمنين فقد اشترى نفسه من اللّه عزّ وجلّ بالثمن» (3).

(1) وقد عقد في الوسائل باباً مستقلا لذلك وذكر فيه روايات كثيرة تدلّ على ذلك (4).

(2) يدل عليه صحيحة ابن أبي يعفور عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «أنّه قال : قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) : ما من نفقة أحب إلى اللّه عزّ وجلّ من نفقة قصد ، ويبغض الإسراف إلّا في الحجّ والعمرة ، فرحم اللّه مؤمناً اكتسب طيباً وأنفق من قصد ، أو قدّم فضلاً» (5).

(3) لصحيحة علي بن يقطين «أنّه قال لأبي الحسن الأوّل (عليه السلام) يكون عندي المال من الزّكاة فأُحج به موالي وأقاربي؟ قال : نعم ، لا بأس» (6)وفي صحيحة علي بن جعفر «سألته عن الصرورة أيحجه الرّجل من الزكاة؟ قال : نعم» (7)فإذا جاز


1) الوسائل 11 : 52 / أبواب وجوب الحجّ ب 17 ح 1.

2) الوسائل 11 : 51 / أبواب وجوب الحجّ ب 16 ح 8.

3) الوسائل 11 : 108 / أبواب وجوب الحجّ ب 39 ح 1 ، وكذا ب 45 ح 16 ، الفقيه 2 : 139 / 606.

4) الوسائل 11 : 140 / أبواب وجوب الحجّ ب 50.

5) الوسائل 11 : 149 / أبواب وجوب الحجّ ب 55 ح 1.

6) الوسائل 9 : 290 / أبواب المستحقين للزكاة ب 42 ح 1.

7) الوسائل 9 : 291 / أبواب المستحقين للزكاة ب 42 ح 4.

مسألة 134 : يشترط في حجّ المرأة إذن الزوج إذا كان الحجّ مندوباً (1) وكذلك المعتدة بالعدّة الرجعيّة (2) ولا يعتبر ذلك في البائنة وفي عدّة الوفاة (3).

أقسام العمرة

مسألة 135 : العمرة كالحج ، فقد تكون واجبة وقد تكون مندوبة ، وقد تكون مفردة وقد تكون متمتعاً بها (4).


كان مستحبّاً لأنّه عبادة.

(1) لأنّ الخروج من بيتها بدون إذن الزوج محرم وعليها الاستئذان ، ويدلُّ على ذلك صحيح علي بن جعفر «عن المرأة إلها أن تخرج بغير إذن زوجها؟ قال : لا» (1). وفي صحيح محمّد بن مسلم «ولا تخرج من بيتها إلّا بإذنه» (2).

نعم ، إذا كان الحجّ واجباً لا يعتبر إذنه ، لدلالة جملة من النصوص المعتبرة (3). كما تقدّمت (4).

(2) لأنّها محكومة بالزوجيّة ، بل هي زوجة حقيقة والبينونة إنّما تحصل بعد انقضاء العدّة.

(3) لحصول البينونة فلا موجب لاعتبار الإذن.

(4) تنقسم العمرة (5)كالحج إلى واجب أصلي وعرضي كالواجب بنذر وشبهه وإلى مندوب ، وتنقسم أيضاً إلى المفردة كالعمرة المستقلّة الّتي تسمّى أحياناً بالمبتولة


1) الوسائل 20 : 159 / أبواب مقدّمات النّكاح ب 79 ح 5.

2) الوسائل 20 : 158 / أبواب مقدّمات النّكاح ب 79 ح 1.

3) الوسائل 11 : 155 / أبواب وجوب الحجّ ب 59.

4) في ص 69.

5) العمرة لغة هي الزيارة اعتمر المكان قصده وزاره أخذاً من العمارة ، لأنّ الزائر يعمر المكان بزيارته ، وشرعاً اسم لمناسك مخصوصة. المصباح المنير : 429.

مسألة 136 : تجب العمرة كالحج على كلّ مستطيع واجد للشرائط ، ووجوبها كوجوب الحجّ فوري فمن استطاع لها ولو لم يستطع للحج وجبت عليه. نعم الظاهر عدم وجوبها على من كانت وظيفته حجّ التمتّع ولم يكن مستطيعاً ولكنّه استطاع لها (1) ،


لقطعها وعدم ربطها بالحج ، وإلى عمرة يتمتع بها وهي العمرة المرتبطة بالحج المسمّى بحج التمتّع.

(1) لا خلاف بين الفقهاء في وجوب العمرة على كلّ مكلّف بشرائط وجوب الحجّ وجوباً مستقلا كالحج في العمر مرّة واحدة ، وقد ادّعى صاحب الجواهر الإجماع بقسميه على ذلك (1).

ويدلُّ على وجوبها من الكتاب قوله تعالى ( وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ ) (2)وكذا قوله سبحانه ( ... وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ ) ... (3). بناءً على أنّ المراد بحجّ البيت زيارة البيت والقصد إليه وذلك يشمل العمرة أيضاً لأنّ فيها زيارة البيت والقصد إليه والطّواف حوله ، خصوصاً مع ملاحظة الصحيحة المفسّرة للآية الشريفة الّتي تدلّ على أنّ المراد بالحج ليس هو خصوص الحجّ بل المراد به الحجّ والعمرة معاً ، ففي صحيحة عمر بن أُذينة قال : «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن قول اللّه عزّ وجلّ ( ... وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ) ... يعني به الحجّ دون العمرة؟ قال : لا ، ولكنّه يعني الحجّ والعمرة جميعاً ، لأنّهما مفروضان» (4).

وأمّا من السنة فهي كثيرة وفي بعضها أنّها بمنزلة الحجّ كما في صحيحة زرارة عن


1) الجواهر 20 : 441.

2) البقرة 2 : 96.

3) آل عمران 3 : 97.

4) الوسائل 14 : 297 / أبواب العمرة ب 1 ح 7.

وعليه فلا تجب على الأجير للحج بعد فراغه من عمل النيابة وإن كان مستطيعاً من الإتيان بالعمرة المفردة ، لكن الإتيان بها أحوط (1)


أبي جعفر (عليه السلام) في حديث قال : «العمرة واجبة على الخلق بمنزلة الحجّ» (1)ومثلها صحيحة معاوية بن عمار (2).

كما لا ريب في أنّ وجوبها فوري على من استطاع إليها ، لأنّها بمنزلة الحجّ فتكون محكومة بحكم الحجّ.

ولا يخفى أنّ مقتضى الآية الكريمة والنصوص أنّ كُلا من الحجّ والعمرة واجب مستقل لا يرتبط أحدهما بالآخر ، فيمكن الإتيان بأحدهما في عام وبالآخر في عام آخر ، فإذا استطاع لها ولم يستطع للحج وجبت عليه. نعم ، في خصوص عمرة التمتّع قد ثبت ارتباطها بالحج.

(1) وقع الكلام بين الأعلام في أنّه هل تجب العمرة المفردة مستقلا على من كانت وظيفته حج التمتّع إذا استطاع للعمرة المفردة ولم يكن مستطيعاً للحج ، فلو استطاع للعمرة في شهر رجب مثلاً وفرضنا أنّه لم يستطع للحج فهل يجب عليه الإتيان بالعمرة أم لا؟.

المشهور عدم الوجوب بل أرسله بعضهم إرسال المسلمات ، وعليه فلا تجب العمرة المفردة على النائب في سنة النيابة بعد فراغه من عمل النيابة وإن كان مستطعياً للعمرة حينئذ من مكّة.

وما ذهب إليه المشهور هو الصحيح لوجوه ثلاثة :

الوجه الأوّل : أنّ أدلّة وجوب العمرة لا إطلاق لها يشمل المقام ، لأنّ تلك الأدلّة في مقام بيان أصل تشريع العمرة ، وأنّ طبيعي العمرة واجب على جميع المكلّفين كوجوب الحجّ.


1) الوسائل 14 : 295 / أبواب العمرة ب 1 ح 2.

2) الوسائل 14 : 297 / أبواب العمرة ب 1 ح 8.

.................................................................................................


ولكن الأخبار مجملة من حيث بيان الخصوصيّات وأفراد العمرة ، إلّا أنّا قد عرفنا من الخارج أنّ عمرة التمتّع واجبة على من بعد عن مكّة بمقدار معيّن ، والمفردة واجبة على القريب من مكّة الّذي وظيفته حج الإفراد أو القِران ، فلا إطلاق للأدلّة على وجوب العمرة المفردة بخصوصها وبعنوانها على جميع المكلّفين حتّى يتمسّك به ، ومع الشك في الوجوب فالمرجع أصالة البراءة.

الوجه الثّاني : أنّه لو فرضنا إطلاق أدلّة وجوب العمرة وشموله للبعيد والقريب وأغمضنا عمّا ذكرنا ، إلّا أنّه لا بدّ من رفع اليد عن الإطلاق للأخبار الدالّة على أنّ العمرة مرتبطة بالحج إلى يوم القيامة ، ولازم ذلك عدم وجوب العمرة مستقلا على المكلّفين ، وإنّما تجب منضمة ومرتبطة بالحج ، وهذه ليست إلّا عمرة التمتّع.

نعم ، قد خرج عن ذلك القريب من مكّة الّذي وظيفته حج الإفراد والقِران ، فإنّ الواجب عليه العمرة المفردة الّتي لا ترتبط بالحج ، ففي كلّ مورد ثبت وجوب العمرة مستقلا فهو وإلّا فلا تجب إلّا المرتبطة بالحج وهي عمرة التمتّع.

ومن الأخبار الدالّة على ما ذكرنا صحيح الحلبي قال «دخلت العمرة في الحجّ إلى يوم القيامة» ونحوه صحيح آخر له (1).

نعم ، العمرة المستحبّة غير مرتبطة ويستحب الإتيان بها مستقلا من البعيد والقريب في أيّ وقت شاء كما في النصوص (2).

الوجه الثّالث : استمرار السيرة القطعيّة على عدم إيجاب الإتيان بالعمرة المفردة على البعيد ، بل لم يتعارف إتيانها من المسلمين حتّى من النائب الّذي يتمكّن من ذلك في سنة النيابة ، وأنّه لو كان ذلك واجباً لكان من الواضحات لكثرة الابتلاء بذلك مع أنّه لم يعرف القول بالوجوب بها.


1) الوسائل 11 : 240 / أبواب أقسام الحجّ ب 3 ح 2 ، 14 : 307 / أبواب العمرة ب 5 ح 7.

2) الوسائل 14 : 298 / أبواب العمرة ب 2 ، 3.

وأمّا من أتى بحج التمتّع فلا يجب عليه الإتيان بالعمرة المفردة جزماً (1).

مسألة 137 : يستحب الإتيان بالعمرة المفردة مكرراً ، والأولى الإتيان بها في كل شهر (2). والأظهر جواز الإتيان بعمرة في شهر وإن كان في آخره وبعمرة أُخرى في شهر آخر وإن كان في أوّله ، ولا يجوز الإتيان بعمرتين في شهر واحد. فيما إذا كانت العمرتان عن نفس المعتمر أو عن شخص آخر وإن كان لا بأس بالإتيان بالثانية رجاء (3).


(1) بلا خلاف ولا إشكال للنصوص الكثيرة ، وقد عقد في الوسائل باباً لذلك ، ففي صحيحة معاوية بن عمار «فمن تمتع بالعمرة إلى الحجّ أيجزئ عنه ذلك؟ قال : نعم» (1).

(2) لا ريب في استحباب التطوّع بالعمرة المفردة وتكرارها كالحج للنصوص (2)كما لا كلام في استحباب الإتيان بها في كلّ شهر للروايات الدالّة على أنّ لكلّ شهر عمرة (3).

(3) قد اختلف الفقهاء في مقدار الفصل بين العمرتين على أقوال :

أحدها : اعتبار الفصل بينهما بشهر واحد ، وهو المشهور.

ثانيها : ما ذهب إليه جماعة من اعتبار الفصل بينهما بعشرة أيّام.

ثالثها : ما نسب إلى العماني من اعتبار الفصل بينهما بسنة واحدة (4).

رابعها : عدم اعتبار الفصل بينهما فيجوز إتيانها في كلّ يوم ، اختاره صاحب الجواهر والسيِّد في العروة (5).


1) الوسائل 14 : 305 / أبواب العمرة ب 5 ح 2.

2) الوسائل 14 : 298 / أبواب العمرة ب 2.

3) الوسائل 14 : 307 / أبواب العمرة ب 6.

4) المختلف 4 : 368.

5) الجواهر 20 : 466 ، العروة الوثقى 2 : 322 / 3203.

ولا يعتبر هذا فيما إذا كانت إحدى العمرتين عن نفسه والأُخرى عن غيره ، أو كانت كلتاهما عن شخصين غيره ، كما لا يعتبر هذا بين العمرة المفردة وعمرة التمتّع فمن اعتمر عمرة مفردة جاز له الإتيان بعمرة التمتّع بعدها ولو كانت في نفس الشهر


ووجه الاختلاف اختلاف الأخبار.

فمنها : ما يستدل به للقول الثّاني وهو اعتبار الفصل بعشرة أيّام كرواية الكليني والشيخ عن علي بن أبي حمزة عن أبي الحسن (عليه السلام) في حديث قال (عليه السلام) «ولكلّ شهر عمرة ، فقلت : يكون أقل فقال : في كلّ عشرة أيّام عمرة» (1).

والرّواية ضعيفة بعلي بن أبي حمزة البطائني ، فلا يمكن المصير إلى هذا القول.

ومنها : ما استدلّ به للقول الثّالث وهو الفصل بسنة واحدة كصحيحة حريز «لا تكون عمرتان في سنة» (2)وفي صحيحة الحلبي «العمرة في كل سنة مرّة» (3).

وهذا القول ممّا لا يمكن الالتزام به للسيرة القطعيّة على إتيان العمرة مكررة في كل سنة بل على إتيانها في كل شهر ، فلا بدّ من طرح هذه الرّوايات ، أو حملها على عمرة التمتّع كما حملها الشيخ.

ومنها : ما يستدل به للقول الأوّل ، وهو اعتبار الفصل بشهر واحد ، وهي روايات كثيرة (4)، وقد حمل بعضهم الرّوايات المختلفة على اختلاف مراتب الفضل ، ولذا اختار السيِّد في العروة عدم اعتبار الفصل بين العمرتين.

والصحيح من الأقوال هو اعتبار الفصل بينهما بشهر واحد للنصوص الدالّة على ذلك ، منها صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «كان علي


1) الوسائل 14 : 308 / أبواب العمرة ب 6 ح 3. الكافي 4 : 534 / 1. التهذيب 5 : 434 / 1508.

2) الوسائل 14 : 308 / أبواب العمرة ب 6 ح 7.

3) الوسائل 14 : 308 / أبواب العمرة ب 6 ح 6

4) الوسائل 14 : 309 / أبواب العمرة ب 6.

وكذلك الحال في الإتيان بالعمرة المفردة بعد الفراغ من أعمال الحجّ (1). ولا يجوز الإتيان بالعمرة المفردة بين عمرة التمتّع والحجّ (2).

مسألة 138 : كما تجب العمرة المفردة بالاستطاعة كذلك تجب بالنذر أو الحلف ، أو العهد أو غير ذلك (3).


(عليه السلام) يقول : لكل شهر عمرة» (1)فإنّ المستفاد من هذه النصوص اختصاص كل شهر بعمرة ، فلا تقع عمرتان مفردتان في شهر واحد عن شخص واحد.

ثمّ إنّ المراد بالشهر هو ما بين الهلالين لا مضي مقدار ثلاثين يوماً ، ومن ثمّ يجوز الإتيان بعمرة في آخر الشهر وبعمرة أُخرى في أوّل الشهر اللّاحق ، فيكون الفصل بينهما بيوم واحد.

ويدل على أنّ المراد بالشهر ما ذكرناه موثقة إسحاق «السنة اثني عشر شهراً يعتمر لكل شهر عمرة» (2)فإنّ المستفاد من ذلك أنّ كل شهر هلالي قابل لوقوع العمرة فيه لا اعتبار الفصل بينهما بثلاثين يوماً.

(1) لأنّ الرّوايات الدالّة على أن لكل شهر عمرة ناظرة إلى عدم تكرارها من نفسه أو عن عدم وقوع العمرتين عن شخص واحد ، لأنّ الحكم بعدم جواز الإتيان بها متكرراً في شهر انحلالي ، نظراً إلى أنّ كل شخص مكلّف بعمرة واحدة في شهر واحد ، ونتيجة ذلك جواز الإتيان بعمرة أُخرى عن شخص آخر ، وكذا يجوز الإتيان بعمرتين عن شخصين أو أكثر ، كما لا مانع من عدم الفصل بين العمرة المفردة وعمرة التمتّع ، فإنّ الرّوايات المانعة عن إتيان العمرتين في شهر واحد منصرفة إلى العمرة المفردة ، فإنّ الظاهر من قوله : «لكل شهر عمرة» هو العمرة المفردة ولا يشمل عمرة التمتّع ، لأنّ عمرة التمتّع لا تشرع إلّا في أشهر الحجّ وفي السنة مرّة واحدة.

(2) سيأتي تفصيل ذلك في المسألة 358 إن شاء اللّه تعالى.

(3) كالشرط في ضمن العقد أو الإجارة ، وقد تجب العمرة ثانياً بإفساد العمرة


1) الوسائل 14 : 308 / أبواب العمرة ب 6 ح 4.

2) الوسائل 14 : 309 / أبواب العمرة ب 6 ح 8.

مسألة 139 : تشترك العمرة المفردة مع عمرة التمتّع في أعمالها وسيأتي بيان ذلك ، وتفترق عنها في أُمور :

(1) أنّ العمرة المفردة يجب لها طواف النِّساء ولا يجب ذلك لعمرة التمتّع (1).


الاولى ، ويدل عليه صحيح بريد العجلي قال : «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل اعتمر عمرة مفردة فغشي أهله قبل أن يفرغ من طوافه وسعيه ، قال : عليه بدنة لفساد عمرته ، وعليه أن يقيم إلى الشهر الآخر فيخرج إلى بعض المواقيت فيحرم بعمرة» (1)وفيه كلام سيأتي في محلِّه إن شاء اللّه تعالى.

(1) لا خلاف بين الأصحاب في وجوب طواف النِّساء في العمرة المفردة المسمّاة بالمبتولة أيضاً (2)بل ادّعي عليه الإجماع ، وتدل عليه عدّة من النصوص.

منها : معتبرة محمّد بن عيسى على ما في الكافي قال : «كتب أبو القاسم مخلد بن الرازي إلى الرّجل يسأله عن العمرة المبتولة هل على صاحبها طواف النِّساء والعمرة الّتي يتمتع بها إلى الحجّ؟ فكتب : أمّا العمرة المبتولة فعلى صاحبها طواف النِّساء ، وأمّا الّتي يتمتع بها إلى الحجّ فليس على صاحبها طواف النِّساء» (3).

ومنها : صحيحة إبراهيم بن أبي البلاد «أنّه قال لإبراهيم بن عبد الحميد يسأل له أبا الحسن موسى (عليه السلام) عن العمرة المفردة على صاحبها طواف النِّساء؟ فجاء الجواب أن نعم ، هو واجب لا بدّ منه ، فدخل عليه إسماعيل بن حميد فسأله عنها فقال : نعم ، هو واجب ، فدخل بشير بن إسماعيل بن عمار الصيرفي فسأله عنها فقال : نعم ، هو واجب» (4). ويؤيّد بخبر إسماعيل بن رباح قال : «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن مفرد العمرة عليه طواف النِّساء ، قال : نعم» (5).


1) الوسائل 13 : 128 / أبواب كفارات الاستمتاع ب 12 ح 1.

2) إنّما سميت بالمبتولة لقطعها عن الحجّ وعدم ارتباطها به.

3) الوسائل 13 : 442 / أبواب الطّواف ب 82 ح 1 ، الكافي 4 : 538 / 9.

4) الوسائل 13 : 444 / أبواب الطّواف ب 82 ح 5.

5) الوسائل 13 : 445 / أبواب الطّواف ب 82 ح 8.

.................................................................................................


خلافاً للمحكي عن الجعفي (1)من عدم وجوبه استناداً إلى بعض الرّوايات الّتي لا تخلو من ضعف السند أو الدلالة.

فمنها : صحيح صفوان قال : «سأله أبو حارث عن رجل تمتع بالعمرة إلى الحجّ فطاف وسعى وقصّر ، هل عليه طواف النِّساء؟ قال : لا ، إنّما طواف النِّساء بعد الرّجوع من منى» (2).

والجواب : أنّ الظاهر كون الرّواية في مقام بيان إثبات طواف النِّساء في الحجّ في قبال عدم وجوبه في عمرة التمتّع ، فالحصر إضافي بالنسبة إلى عمرة التمتّع خاصّة.

ومنها : عن يونس رواه قال «ليس طواف النِّساء إلّا على الحاج» (3).

والجواب أوّلاً : ما تقدّم من إمكان كون الحصر إضافيّاً بالنسبة إلى عمرة التمتّع.

وثانياً : أنّ دلالته بالإطلاق ، ويمكن تخصيصه بما دلّ على وجوب طواف النِّساء في العمرة المفردة.

وثالثاً : أنّ الرّواية ضعيفة السند ، وقد قال الشيخ : إنّ هذه الرّواية موقوفة غير مسندة إلى أحد من الأئمّة (عليهم السلام) (4).

ومنها : خبر أبي خالد مولى علي بن يقطين قال : «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن مفرد العمرة عليه طواف النِّساء؟ قال : ليس عليه طواف النِّساء» (5)وهو ضعيف بأبي خالد ، فإذن لا ينبغي الرّيب في وجوب طواف النِّساء في العمرة المفردة.

وأمّا عدم وجوبه في عمرة التمتّع فتدل عليه عدّة من النصوص من جملتها صحيحة محمّد بن عيسى المتقدّمة (6)، مضافاً إلى أنّه لم يقل أحد من العلماء بوجوبه فيها وسنذكر تفصيل ذلك في المسألة 357 إن شاء اللّه تعالى.


1) نقله عنه في الدروس 1 : 329.

2) الوسائل 13 : 444 / أبواب الطّواف ب 82 ح 6.

3) الوسائل 13 : 446 / أبواب الطّواف ب 82 ح 10.

4) التهذيب 5 : 255.

5) الوسائل 13 : 445 / أبواب الطّواف ب 82 ح 9.

6) في ص 155.

(2) إنّ عمرة التمتّع لا تقع إلّا في أشهر الحجّ وهي شوال وذو القعدة وذو الحجّة (1)


(1) يقع الكلام في موضعين :

أحدهما : لا خلاف ولا ريب بين الأصحاب في وجوب وقوع عمرة التمتّع وحجه في أشهر الحجّ وقام الإجماع بقسميه عليه كما في الجواهر (1)، فلو أتى بعمرة التمتّع أو بعضها في غير أشهر الحجّ لم يجز له أن يتمتع بها ، ولا يحسب حجّه ولا عمرته تمتعاً وتدل على ذلك نصوص (2)كثيرة ففي بعضها «ليس تكون متعة إلّا في أشهر الحجّ» (3).

ثانيهما : وقع الخلاف بين الفقهاء في المراد بأشهر الحجّ ، فعن بعضهم أنّها شوال وذو القعدة وتمام ذي الحجّة.

وعن آخر أنّها الشهران الأوّلان مع العشر الأوّل من ذي الحجّة.

وعن ثالث أنّها الشهران الأوّلان مع ثمانية أيّام من ذي الحجّة.

وعن رابع أنّها الشهران الأوّلان مع تسعة أيّام من ذي الحجّة وليلة يوم النحر إلى طلوع الفجر.

وعن خامس إلى طلوع الشمس من يوم النحر.

والأصح من الأقوال هو القول الأوّل ، وتدل عليه الرّوايات المعتبرة.

منها : صحيحة معاوية بن عمار ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «إنّ اللّه تعالى يقول ( الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ ) ... (4)وهي شوال وذو القعدة وذو الحجّة» (5)وغير ذلك من الرّوايات


1) الجواهر 18 : 12.

2) الوسائل 11 : 284 / أبواب أقسام الحجّ ب 15 ، 14 : 310 / أبواب العمرة ب 7.

3) الوسائل 14 : 312 / أبواب العمرة ب 7 ح 5.

4) البقرة 2 : 197.

5) الوسائل 11 : 271 / أبواب أقسام الحجّ ب 11 ح 1.

وتصحّ العمرة المفردة في جميع الشهور (1) وأفضلها شهر رجب وبعده شهر رمضان (2).

(3) ينحصر الخروج عن الإحرام في عمرة التمتّع بالتقصير فقط ، ولكن الخروج عن الإحرام في العمرة المفردة قد يكون بالتقصير وقد يكون بالحلق (3).


المصرّحة بأنّ أشهر الحجّ هي الثّلاثة.

ويمكن أن يقال : إنّ الخلاف لفظي ، وأنّه لا اختلاف في الحقيقة وأنّ صاحب كل قول يريد شيئاً لا ينافي القول الآخر ، فلا يبعد أن يكون مرادهم من هذه التحديدات هو آخر الأوقات الّتي يمكن بها إدراك الحجّ ، فمن حدده إلى نهاية ذي الحجّة أراد جواز إيقاع بعض أعمال الحجّ وواجباته إلى آخر ذي الحجّة ، ومن حدده إلى عشرة ذي الحجّة أراد إدراك المكلّف الموقف الاختياري من الوقوفين وهكذا ، فإذن لا خلاف حقيقة من حيث المبدأ والمنتهى.

(1) للنصوص المصرّحة بأنّ لكل شهر عمرة (1).

(2) كما في الرّوايات (2).

(3) أمّا تعيين التقصير عليه في إحلال عمرة التمتّع فيأتي بيانه في المسألة 350.

وأمّا التخيير بين الحلق والتقصير في العمرة المفردة فيدل عليه صحيح معاوية بن عمار «المعتمر عمرة مفردة إذا فرغ من طواف الفريضة وصلاة الرّكعتين خلف المقام والسعي بين الصفا والمروة حلق أو قصّر» (3).


1) الوسائل 14 : 307 / أبواب العمرة ب 6.

2) الوسائل 14 : 300 / أبواب العمرة ب 3 ، 4.

3) الوسائل 13 : 511 / أبواب التقصير ب 5 ح 1.

(4) يجب أن تقع عمرة التمتّع والحجّ في سنة واحدة على ما يأتي ، وليس كذلك في العمرة المفردة فمن وجب عليه حجّ الإفراد والعمرة المفردة جاز له أن يأتي بالحج في سنة والعمرة في سنة أُخرى (1).


(1) يقع البحث في مقامين :

الأوّل : في وجوب إيقاع عمرة التمتّع وحجّه في سنة واحدة.

الثّاني : في جواز تفريق العمرة المفردة عن حجّ الإفراد.

أمّا الأوّل : فالظاهر أنّه لا خلاف بين الفقهاء في لزوم إيقاعهما في سنة واحدة وعدم جواز التفكيك بينهما ، ويدلُّ عليه وجوه.

أحدها : الأخبار الدالّة على أنّ عمرة التمتّع مرتبطة بالحج وأنّها دخلت في الحجّ (1)وفي بعض الصحاح أنّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) شبك أصابعه بعضها إلى بعض وقال : دخلت العمرة في الحجّ إلى يوم القيامة (2)ومعنى الارتباط أنّ مشروعيّة العمرة مرتبطة بمشروعيّة الحجّ ، فإذا أتى بالعمرة لا يجوز له تأخير الحجّ لفوريته وإلّا فقد أفسد عمرته ، ولو قلنا بصحّة عمرته في فرض تأخير الحجّ لكان ذلك منافياً للارتباط المذكور في النصوص.

وبتعبير آخر : ليس للمكلّف أن يأتي بعمرة التمتّع في هذه السنة وبالحج في السنة الآتية فإنّه بذلك يفقد الارتباط بينهما ، فلو فرضنا أنّه أتى بعمرة التمتّع في أشهر الحجّ فإنّها مشروعة له وجاز له حينئذ أن يأتي بعدها بالحج ، فلو لم يأت بالحج فقد أفسد عمله وعمرته.

وأمّا إذا أتى بعمرة التمتّع بعد أيّام الحجّ لم تكن عمرته مشروعة له ، لعدم مشروعيّة الحجّ له حينئذ ، فإذا لم يكن الحجّ مشروعاً لا تكون العمرة مشروعة له أيضاً ، إذ


1) الوسائل 11 : 204 / أبواب أقسام الحجّ ب 3 ح 2 ، 14 : 306 / أبواب العمرة ب 5 ح 7 وكذا ب 7 ح 3.

2) الوسائل 11 : 253 / أبواب أقسام الحجّ ب 4 ح 24.

.................................................................................................


المفروض أنّهما مرتبطان ، فمشروعيّة كلّ منهما مرتبطة بالآخر.

ثانيها : النصوص الدالّة على أنّ المعتمر بعمرة التمتّع محتبس في مكّة حتّى يحجّ وليس له الخروج من مكّة إلّا محرماً للحج (1)فإنّ عدم جواز الخروج له إلّا محرماً للحج يدل بوضوح على عدم جواز الافتراق بين العمرة والحجّ وعلى لزوم الإتيان بهما في سنة واحدة.

ثالثها : خلو الرّوايات البيانيّة لكيفيّة حجّ التمتّع عن الافتراق بين العمرة والحجّ (2)، ولو كان جائزاً لأُشير إليه ولو في رواية واحدة ، وذلك يكشف عن عدم جواز التفكيك بينهما.

رابعها : أنّ النصوص الدالّة على وجوب الحجّ على أهل الجِدة والثروة في كل عام مرّة واحدة (3)يستفاد منها أن حجّ التمتّع من وظائف السنة الواحدة ، ولو كان الافتراق بين العمرة والحجّ جائزاً وجاز الإتيان بهما في سنتين لكان ذلك منافياً لهذه الرّويات.

وبعبارة اخرى : يظهر من هذه النصوص أنّ كل سنة لها حج واحد ولا بدّ من وقوع الحجّ في سنة واحدة ، ومن المعلوم أنّ حج التمتّع مركب من العمرة والحجّ ، فالأخبار تدل على لزوم إيقاع الحجّ والعمرة في سنة واحدة ، وأنّ الوظيفة في كلّ سنة هي الإتيان بالحج والعمرة معاً ، نظير الصلوات المفروضة فإنّها من وظائف كل يوم وصلاة الجمعة فإنّها من وظائف كل أسبوع ، والعمرة المفردة فإنّها من وظائف كل شهر.

نعم ، لا إشكال في حمل هذه النصوص على الاستحباب بقرينة ما نعلمه أنّ الحجّ لا يجب في العمر إلّا مرّة واحدة ولكن ذلك غير دخيل في الاستفادة المذكورة.

خامسها : ما دلّ من الأخبار على أن من لم يأت بالعمرة إلى زوال يوم التروية ، أو


1) الوسائل 11 : 301 / أبواب أقسام الحجّ ب 22.

2) الوسائل 11 : 212 / أبواب أقسام الحجّ ب 2.

3) الوسائل 11 : 16 / أبواب وجوب الحجّ ب 2.

(5) إن من جامع في العمرة المفردة عالماً عامداً قبل الفراغ من السعي فسدت عمرته بلا إشكال ووجبت عليه الإعادة ، بأن يبقى في مكّة إلى الشهر القادم فيعيدها فيه (1) وأمّا من جامع في عمرة التمتّع ففي فساد عمرته إشكال ، والأظهر عدم الفساد كما يأتي.

مسألة 140 : يجوز الإحرام للعمرة المفردة من نفس المواقيت الّتي يحرم منها لعمرة التمتّع ويأتي بيانها (2)


إلى ليلة عرفة ، أو إلى زوال يوم عرفة ، أو إلى زمان لم يدرك الحجّ ، فقد فاتته المتعة (1)، فإنّ ذلك يدل على عدم مشروعيّة العمرة حينئذ ، ولو كانت مشروعة وكان الافتراق بين العمرة والحجّ جائزاً لما صحّ قوله «فاتته المتعة» فيكشف ذلك عن لزوم الإتيان بهما في سنة واحدة.

المقام الثّاني : في جواز التفريق بين العمرة المفردة وحجّ الإفراد أو القِران.

ويدلُّ على ذلك النصوص الكثيرة الدالّة على عدم ارتباط أحدهما بالآخر وعدم دخول العمرة المفردة في الحجّ وأنّ كلّا منهما عبادة مستقلّة في نفسه (2)، فيجوز الإتيان بأحدهما في سنة وبالآخر في سنة أُخرى ، وقد يجب أحدهما دون الآخر كما إذا تمكّن من أحدهما ولم يتمكّن من الآخر على ما سيأتي تفصيله عن قريب إن شاء اللّه تعالى.

وممّا يدل على عدم الارتباط بينهما ، أنّ حج الإفراد أو القِران لو كان مندوباً أو منذوراً وحده لم تلزمه العمرة ، وليس كذلك حجّ التمتّع فإنّه لا يشرع بدون العمرة.

(1) سنذكر ذلك في المسألة 223. كما نذكر حكم الجماع في عمرة التمتّع في المسألة 220.

(2) لأنّ هذه المواقيت لا تختص ببعض أقسام الحجّ أو العمرة بل مقتضى إطلاق أدلّتها تساوي الحجّ والعمرة بأقسامهما من الميقات.


1) الوسائل 11 : 296 / أبواب أقسام الحجّ ب 21.

2) الوسائل 14 : 296 / أبواب العمرة ب 1 ، 5 ، 11 : 212 / أبواب أقسام الحجّ ب 2.

وإذا كان المكلّف في مكّة وأراد الإتيان بالعمرة المفردة جاز له أن يخرج من الحرم ويحرم ولا يجب عليه الرّجوع إلى المواقيت والإحرام منها ، والأولى أن يكون إحرامه من الحديبية أو الجعرانة أو التنعيم.


ففي صحيحة معاوية بن عمار «من تمام الحجّ والعمرة أن تحرم من المواقيت الّتي وقّتها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) لا تجاوزها إلّا وأنت محرم» (1)وفي صحيحة الحلبي «الإحرام من مواقيت خمسة وقّتها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) لا ينبغي لحاج ولا معتمر أن يحرم قبلها ولا بعدها» (2).

نعم ، إذا كان في مكّة وأراد الإتيان بالعمرة المفردة لا يجب عليه الرّجوع إلى المواقيت المعيّنة ، بل يجوز له أن يخرج من الحرم ويحرم من أدنى الحل ، كما سيأتي الكلام في ذلك (3)، في الميقات العاشر وهو أدنى الحل.

وأمّا أولويّة الإحرام من هذه المواضع الثلاثة فلذكرها بالخصوص في النصوص كصحيحة جميل قال «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن المرأة الحائض إذا قدّمت مكّة يوم التروية ، قال : تمضي كما هي إلى عرفات فتجعلها حجّة ثمّ تقيم حتّى تطهر فتخرج إلى التنعيم فتحرم فتجعلها عمرة» (4).

ويمكن النقاش في ذلك بأنّها واردة في العمرة المفردة المسبوقة بالحج ، وكلامنا في مطلق العمرة المفردة. إلّا أن يقال بأنّه لا نحتمل الاختصاص فتأمّل.

وفي صحيحة عمر بن يزيد «من أراد أن يخرج من مكّة ليعتمر أحرم من الجعرانة أو الحديبية أو ما أشبهها» (5).

مضافاً إلى أنّه يمكن القول باستحباب الإحرام من الجعرانة تأسياً بالنبيّ (صلّى اللّه


1) الوسائل 11 : 308 / أبواب المواقيت ب 1 ح 2.

2) الوسائل 11 : 308 / أبواب المواقيت ب 1 ح 3.

3) في ص 233.

4) الوسائل 11 : 296 / أبواب أقسام الحجّ ب 21 ح 2.

5) الوسائل 11 : 341 / أبواب المواقيت ب 22 ح 1.

مسألة 141 : تجب العمرة المفردة لمن أراد أن يدخل مكّة فإنّه لا يجوز الدخول فيها إلّا محرماً (1).


عليه وآله وسلم) فإنّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) اعتمر عمرة من الجعرانة بعد ما رجع من الطائف من غزوة حنين (1).

(1) قد تقدّم (2)أنّ العمرة المفردة كما تجب بالاستطاعة كذلك تجب بالنذر ونحوه وتجب أيضاً لدخول مكّة بمعنى حرمته بدونها ، فإنّه لا يجوز دخولها بلا إحرام فالوجوب شرطي لا تكليفي أيّ لا يجوز الدخول إلى مكّة إلّا محرماً ، فإذا وجب الدخول بسبب من الأسباب يجب الإحرام أيضاً وجوباً مقدمياً ، وأمّا إذا لم يكن الدخول واجباً فلا يجب الإحرام ، فاتصاف الإحرام بالوجوب نظير اتصاف الوضوء بالوجوب لصلاة النافلة.

وكيف كان ، كلّ من دخل مكّة وجب أن يكون محرماً بلا خلاف بين الأصحاب بل ادّعي عليه الإجماع ، وتدل عليه عدّة من النصوص.

منها : صحيح محمّد بن مسلم قال : «سألت أبا جعفر (عليه السلام) هل يدخل الرّجل مكّة بغير إحرام؟ قال : لا ، إلّا مريضاً أو من به بطن» (3)ونحوه صحيحة أُخرى له (4). ولكن فيها الحرم بدل مكّة.

ومنها : صحيح عاصم «يدخل الحرم أحد إلّا محرماً؟ قال : لا ، إلّا مريض أو مبطون» (5).


1) الوسائل 14 : 299 / أبواب العمرة ب 2 ح 2.

2) في ص 154 المسألة 138.

3) الوسائل 12 : 403 / أبواب الإحرام ب 50 ح 4.

4) الوسائل 12 : 402 / أبواب الإحرام ب 50 ح 2.

5) الوسائل 12 : 402 / أبواب الإحرام ب 50 ح 1.

ويستثنى مِن ذلك مَن يتكرّر منه الدخول والخروج كالحطّاب والحشّاش ونحوهما (1).


ثمّ إنّ ظاهر بعض الرّوايات المعتبرة عدم جواز دخول الحرم إلّا محرماً فضلاً عن دخول مكّة كما صرّح بذلك صاحب الوسائل في الباب الخمسين من الإحرام ، ولكن لا ريب في عدم وجوب الإحرام على من لم يرد النسك بل أراد حاجة في خارج مكّة ولم يرد الدخول إليها ، ولا نحتمل وجوب الإحرام بنفسه على من دخل الحرم ولم يرد دخول مكّة ولا النسك فيها ، بل المستفاد من الرّوايات أن من يريد الدخول إلى مكّة يجب عليه أن يحرم للحج أو العمرة ، فيمكن حمل تلك الرّوايات على داخل الحرم لإرادة دخول مكّة.

مضافاً إلى أنّ المستفاد من بعض النصوص أنّ مكّة بخصوصها لها مزية وقدسية وحرمة لا يجوز الدخول إليها إلّا ملبياً للحج أو العمرة ، كما في صحيحة معاوية بن عمار «قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) يوم فتح مكّة : إنّ اللّه حرّم مكّة يوم خلق السماوات والأرض ، وهي حرام إلى أن تقوم الساعة لم تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي ، ولم تحل لي إلّا ساعة من نهار» (1)بناءً على أنّ المراد من تحريمها عدم جواز الدخول إليها إلّا بإحرام.

(1) ممّن يجتلب حوائج الناس إلى البلد ، ويدلُّ عليه صحيحة رفاعة قال «قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : إنّ الحطّابة والمجتلبة (المختلية) أتوا النّبيّ (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) فسألوه فأذن لهم أن يدخلوا حلالاً» (2)ولا فرق فيما يحتاج إليه أهل مكّة بين الأرزاق والأطعمة وغيرها مثل الجص والحديد وغير ذلك من حوائج الناس ، فإنّ عنوان المجتلبة المذكور في النص عنوان عام يشمل كلّ من يجتلب حوائج الناس من كلّ شي‌ء.


1) الوسائل 12 : 404 / أبواب الإحرام ب 50 ح 7.

2) الوسائل 12 : 407 / أبواب الإحرام ب 51 ح 2.

وكذلك من خرج من مكّة بعد إتمامه أعمال الحجّ أو بعد العمرة المفردة ، فإنّه يجوز له العود إليها من دون إحرام قبل مضي الشهر الّذي أدّى نسكه فيه (1). ويأتي حكم الخارج من مكّة بعد عمرة التمتّع وقبل الحجّ (2).


وعن ظاهر المشهور التعدي إلى كلّ من يتكرّر منه الدخول إلى مكّة وإن كان لأغراض شخصيّة ، كمن يتكرّر منه الدخول لعيادة المريض أو كانت له ضيعة في مكّة ويأتي إليها متكرراً ، وحملوا ما في النص على المثال.

ولكن مقتضى الجمود على ظاهر النص اختصاص الجواز بمن يتكرّر منه الدخول لأجل حوائج الناس ونقل ما يحتاجون إلى البلد.

ثمّ إنّ الميزان في الحكم بجواز الدخول حلالاً صدق عنوان الحطّاب أو المجتلبة ولا يعتبر تكرّر دخوله ، فلو أتى مثل هذا الشخص بحوائج البلد ولو في كل شهرين يشمله النص الدال على جواز الدخول محلا لصدق عنوان المجتلبة عليه على الفرض.

(1) لأنّه يكون ممّن دخلها بعد الإحرام قبل مضي شهر من إحرامه الأوّل ، فإنّه موجب للإحرام ثانياً حينئذ ، لأنّ لكلّ شهر عمرة ، فإنّ التعليل بقوله «لأنّ لكلّ شهر عمرة» في موثقة إسحاق بن عمار يدل على أنّ الّذي يوجب سقوط الإحرام عند الدخول إلى مكّة في شهر الاعتمار هو إتيان مطلق العمرة ، سواء أتى بعمرة التمتّع أو بالعمرة المفردة. أمّا الموثقة فهي قوله : «

سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن المتمتع يجي‌ء فيقضي متعة ثمّ تبدو له الحاجة فيخرج إلى المدينة أو إلى ذات عرق أو إلى بعض المعادن ، قال : يرجع إلى مكّة بعمرة إن كان في غير الشهر الّذي تمتع فيه ، لأنّ لكلّ شهر عمرة» الحديث (1).

(2) يأتي حكمه في المسألة 151 إن شاء اللّه تعالى.


1) الوسائل 11 : 303 / أبواب أقسام الحجّ ب 22 ح 8.

مسألة 142 : من أتى بعمرة مفردة في أشهر الحجّ وبقي اتفاقاً في مكّة إلى أوان الحجّ جاز له أن يجعلها عمرة التمتّع فيأتي بالحج (1) ولا فرق في ذلك بين الحجّ الواجب والمندوب.


(1) بل عن المشهور استحباب ذلك إذا بقي في مكّة إلى هلال ذي الحجّة. وعن القاضي وجوب ذلك إذا بقي إلى يوم التروية (1)استناداً إلى بعض الرّوايات المعتبرة كصحيحة عمر بن يزيد «من اعتمر عمرة مفردة فله أن يخرج إلى أهله متى شاء إلّا أن يدركه خروج الناس يوم التروية» (2).

ولكن الظاهر أنّه لا يمكن القول بالوجوب لتحقق الإجماع على خلافه كما قيل. على أنّ بعض النصوص المعتبرة صريح في جواز الخروج يوم التروية ، كصحيحة إبراهيم بن عمر اليماني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «أنّه سُئل عن رجل خرج في أشهر الحجّ معتمراً ثمّ خرج إلى بلاده قال : لا بأس ، وإن حجّ من عامه ذلك وأفرد الحجّ فليس عليه دم ، وأنّ الحسين بن علي (عليهما السلام) خرج يوم التروية إلى العراق وكان معتمراً» (3)فإنّ استشهاده بفعل الحسين (عليه السلام) يدل على جواز الخروج سواء كان الحسين (عليه السلام) مضطرّاً كما في كتب التواريخ والمقاتل أم لا.

ويدلُّ على الجواز أيضاً : معتبرة معاوية بن عمار قال «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) من أين افترق المتمتع والمعتمر؟ فقال : إنّ المتمتع مرتبط بالحج ، والمعتمر إذا فرغ منها ذهب حيث شاء ، وقد اعتمر الحسين (عليه السلام) في ذي الحجّة ثمّ راح يوم التروية إلى العراق والناس يروحون إلى منى ، ولا بأس بالعمرة في ذي الحجّة لمن لا يريد الحجّ» (4)ولا يخفى أنّ قوله «ولا بأس بالعمرة» إلى آخره يدل بوضوح على


1) المهذّب 1 : 272.

2) الوسائل 14 : 313 / أبواب العمرة ب 7 ح 9.

3) الوسائل 14 : 310 / أبواب العمرة ب 7 ح 2.

4) الوسائل 14 : 311 / أبواب العمرة ب 7 ح 3.

أقسام الحجّ

مسألة 143 : أقسام الحجّ ثلاثة : تمتع وإفراد وقران (1).


جواز الخروج.

ومن ثمّ حمل المشهور الروايات الواردة في المقام على الاستحباب ومراتب الفضل بالنسبة إلى البقاء إلى هلال ذي الحجّة أو إلى يوم التروية ، وذكروا أن من أتى بعمرة مفردة في أشهر الحجّ يستحب له البقاء إلى الحجّ ، وإذا بقي إلى هلال ذي الحجّة يتأكّد له الإتيان بالحج بنفس العمرة الّتي أتى بها ، وإذا بقي إلى يوم التروية يكون الإتيان بالحج آكد.

ثمّ إنّه لا فرق فيما ذكرنا بين الحجّ الواجب والندب ، لأنّ الرّوايات مطلقة تشمل من وجب عليه الحجّ أيضاً.

(1) بلا خلاف أجده فيه بين علماء الإسلام ، بل إجماعهم بقسميه عليه كما في الجواهر (1)مضافاً إلى النصوص المتواترة أو القطعيّة ، بل قيل إنّه من الضروريات.

أمّا النصوص فمن جملتها صحيحة معاوية بن عمار قال : «سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول : الحجّ ثلاثة أصناف : حج مفرد وقران وتمتع بالعمرة إلى الحجّ (2)وبها أمر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) والفضل فيها ولا نأمر الناس إلّا بها» (3).


1) الجواهر 18 : 2.

2) وجه التسمية : أمّا التمتّع فهو لغة : التلذذ والانتفاع ، وإنّما سمي هذا النوع بهذا الاسم لما يتخلّل بين عمرته وحجّه من التحلّل المقتضي لجواز الانتفاع والالتذاذ بما كان محرماً عليه حال الإحرام. وأمّا الإفراد : فلانفصاله عن العمرة وعدم ارتباطه بها. وأمّا القِران : فلاقتران الإحرام بسياق الهدي.

3) الوسائل 11 : 211 / أبواب أقسام الحجّ ب 1.

والأوّل فرض من كان البعد بين أهله والمسجد الحرام أكثر من ستّة عشر فرسخاً (1)


(1) يقع الكلام في موردين :

أحدهما : في بيان الحدّ الموجب للتمتع.

ثانيهما : في أنّ الحد المذكور هل يلاحظ بين أهله ومكّة أو بين أهله والمسجد الحرام علماً بأنّ هناك مسافة معتداً بها بين أوّل مكّة والمسجد الحرام ، خصوصاً وأنّ البلدان تأخذ بالتوسع بمرور الزمن.

أمّا الأوّل : فقد اختلف الأصحاب في حدّ البعد المقتضي لتعيين التمتّع على البعيد على قولين :

أحدهما وهو المشهور : أنّه عبارة عن ثمانية وأربعين ميلاً من كل ناحية أي ستّة عشر فرسخاً من كل جانب.

ثانيهما : أنّه عبارة عن اثني عشر ميلاً من كل جانب.

والمعتمد هو القول الأوّل ، ويدلُّ عليه صحيح زرارة ، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال «قلت لأبي جعفر (عليه السلام) : قول اللّه عزّ وجلّ في كتابه ( ... ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ) ... قال : يعني أهل مكّة ليس عليهم متعة ، كل من كان أهله دون ثمانية وأربعين ميلاً ، ذات عرق وعسفان كما يدور حول مكّة فهو ممّن دخل في هذه الآية ، وكلّ من كان أهله وراء ذلك فعليهم المتعة» (1).

ويؤيّد بخبر آخر عن زرارة قال «سألته عن قول اللّه ( ... ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ) ... قال : ذلك أهل مكّة ليس لهم متعة ولا عليهم عمرة قال قلت : فما حد ذلك؟ قال : ثمانية وأربعين ميلاً من جميع نواحي مكّة دون عسفان ودون ذات عرق» (2)ولكن الخبر ضعيف لجهالة طريق الشيخ إلى علي بن السندي الّذي أسند الشيخ الخبر إليه ، وبعلي بن السندي فإنّه لم يوثق ، ولا عبرة بتوثيق نصر


1) الوسائل 11 : 295 / أبواب أقسام الحجّ ب 6 ح 3.

2) الوسائل 11 : 260 / أبواب أقسام الحجّ ب 6 ح 7 ، التهذيب 5 : 492 / 1766.

.................................................................................................


ابن الصباح له لأن نصر بنفسه لم يوثق. فالعمدة هي الصحيحة الأُولى.

وقد استدلّ للقول الثّاني ، وهو كون الحد الموجب للتمتع اثني عشر ميلاً من كل جانب بوجوه :

الأوّل : إطلاق ما دلّ على وجوب التمتّع على كل مكلّف ، كما جاء في صحيحة الحلبي «فليس لأحد إلّا أن يتمتع» (1)فإنّ القدر المتيقن الخارج من المطلقات من كان دون الحد المذكور ، فمن كان فوق الحد تشمله الإطلاقات.

والجواب : أنّ المطلقات ناظرة إلى حكم البعيد في قبال العامّة القائلين بجواز الإفراد أو القِران لكلّ أحد حتّى البعيد ، ولا نظر لها إلى وجوب المتعة على كل أحد.

مضافاً إلى أنّه يمكن تقييدها بما دلّ على التحديد بثمانية وأربعين ميلاً كصحيحة زرارة المتقدّمة ، فلا مجال للعمل بالمطلقات.

الثّاني : أنّ المستفاد من الآية الشريفة أنّ موضوع التمتّع غير الحاضر وموضوع الإفراد والقِران هو الحاضر ، وهو يقابل المسافر ، فالتمتع وظيفة من صدق عليه المسافر ، والإفراد وظيفة الحاضر ، فلا بدّ من ملاحظة حدّ السفر الموجب للقصر ، ومن المعلوم أنّ حدّ السفر أربعة فراسخ من كل جانب وهي اثنا عشر ميلاً.

وفيه : أنّ الحضور المذكور في الآية الشريفة لا يراد به الحضور المقابل للسفر ، بل المراد به بالنسبة إلى الحضور في مكّة والغياب عنها.

وبعبارة اخرى : المستفاد من الآية الشريفة وجوب التمتّع على من لم يكن ساكناً في مكّة ، ووجوب الإفراد والقِران على من كان ساكناً وكان أهله حاضري المسجد الحرام ، إلّا أنّ النصوص حددت البعد بثمانية وأربعين ميلاً وجعلت العبرة بذلك في وجوب التمتّع خاصّة ، وإذا كان البعد أقل ممّا ذكر فوظيفته الإفراد أو القِران.

الثّالث : أنّ عنوان الحضور المأخوذ في الآية الشريفة المعلّق عليه غير التمتّع


1) الوسائل 11 : 223 / أبواب أقسام الحجّ ب 3 ح 2.

.................................................................................................


عنوان عرفي ، وهو لا يصدق على من كان بعيداً عن مكّة باثني عشر ميلاً ، بل يصدق عليه أنّه ممّن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام فيجب عليه التمتّع.

والجواب عنه : أنّ العرف وإن كان لا يرى صدق الحاضر على من بعد من مكّة باثني عشر ميلاً ، ولكن لا يرى أيضاً صدق الحاضر على من كان مسكنه دون اثني عشر ميلاً ، ولذا قلنا لو كنّا نحن والآية الشريفة لالتزمنا بوجوب التمتّع على كلّ من لم يكن من سكنة مكّة ، سواء كان قريباً منها أو بعيداً ، وإنّما قلنا باختصاص التمتّع لمن كان بعيداً عن مكّة بمقدار ثمانية وأربعين ميلاً لصحيحة زرارة المتقدّمة (1).

والرّابع : أنّ الآية الشريفة دلّت على وجوب التمتّع على من لم يكن من سكنة مكّة المكرّمة لقوله تعالى ( ... ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ) ... (2)و «ذلك» إشارة إلى التمتّع ، ولكن الحق بسكنة مكّة جماعة أُخرى ممّن ليسوا من سكنتها بالإجماع القطعي إلحاقاً حكمياً كأهالي مر وأهالي سرف كما في صحيحة الفضلاء عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال «ليس لأهل مكّة ولا لأهل مر ولا لأهل سرف متعة» (3)فإنّ المستفاد من الآية المباركة وجوب المتعة على جميع المكلّفين عدا أهالي مكّة وأهالي مر وسرف ، ومقتضى القاعدة هو الاقتصار على القدر المتيقن في الخروج من وجوب المتعة ، ولازم ذلك عدم وجوب التمتّع على أهالي مكّة وأهالي مر وسرف خاصّة ، وأمّا غيرهم فالواجب عليهم التمتّع وإن بعدوا عن مكّة باثني عشر ميلاً.

ويرد عليه : أنّه لا يتم ما ذكر بالنظر إلى صحيحة زرارة المتقدّمة (4)الّتي حدّدت البعد بثمانية وأربعين ميلاً ، ولا مجوّز لرفع اليد عنها بعد صحّة سندها وظهور دلالتها. وحملها على الجوانب الأربعة من تقسيط ثمانية وأربعين ميلاً على الجوانب الأربعة كما


1) في ص 168.

2) البقرة 2 : 196.

3) الوسائل 11 : 258 / أبواب أقسام الحجّ ب 6 ح 1.

4) في ص 168.

.................................................................................................


عن ابن إدريس (1)بعيد جدّاً.

ثمّ إنّ هنا رواية معتبرة دلّت على أنّه لا متعة على من كان بعيداً عن مكّة بثمانية عشر ميلاً ، وهي صحيحة حريز عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «في قول اللّه عزّ وجلّ ( ... ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ) ... قال : من كان منزله ثمانية عشر ميلاً من بين يديها ، وثمانية عشر ميلاً من خلفها ، وثمانية عشر ميلاً عن يمينها وثمانية عشر ميلاً عن يسارها ، فلا متعة له مثل مر وأشباهه» (2)ويظهر منها وجوب المتعة على من بعد من مكّة بأزيد من ثمانية عشر ميلاً ، فتكون منافية لصحيحة زرارة المتقدِّمة (3)الدالّة على وجوب المتعة على من بعد عن مكّة بثمانية وأربعين ميلاً.

وصاحب الوسائل دفع التنافي بينهما حيث قال : هذا أي صحيح حريز غير صريح في حكم ما زاد عن ثمانية عشر ميلاً فهو موافق لغيره فيها وفيما دونها ، فيبقى تصريح حديث زرارة وغيره بالتفصيل سالماً عن المعارض (4). ولكن الظاهر أنّ الصحيحة في مقام التحديد ، ويظهر منها قصر الحكم بخصوص هذا الحد فتكون منافية لخبر زرارة.

والصحيح أن يقال : إنّ خبر حريز مضافاً إلى معارضته بصحيحة زرارة المشهورة لا قائل ولا عامل بمضمونه أبداً فلا بدّ من طرحه ورد علمه إلى أهله.

وقد ورد في خبرين آخرين أنّ العبرة في الحضور بما دون الميقات لا بما دون ثمانية وأربعين ميلاً.

أحدهما : خبر الحلبي «في ( حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ) ، قال : ما دون المواقيت إلى مكّة فهو حاضري المسجد الحرام وليس لهم متعة» (5).


1) السرائر 1 : 519.

2) الوسائل 11 : 261 / أبواب أقسام الحجّ ب 6 ح 10.

3) في ص 168.

4) الوسائل 11 : 262.

5) الوسائل 11 : 260 / أبواب أقسام الحجّ ب 6 ح 4.

والآخران فرض من كان أهله حاضري المسجد الحرام ، بأن يكون البعد بين أهله والمسجد الحرام أقل من ستّة عشر فرسخاً (1).


ثانيهما : صحيح حماد «في ( حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ) قال : ما دون الأوقات إلى مكّة» (1).

ولكن حال هذين الخبرين حال خبر حريز من الطرح والسقوط ، لعدم العامل بهما ومخالفتهما للمتسالم عليه بين الأصحاب.

وأمّا المورد الثّاني : وهو أنّ الحد المذكور هل يلاحظ بين أهله ومكّة ، أو بين أهله والمسجد الحرام ، وجهان والصحيح هو الثّاني ، بيان ذلك : أنّ الظاهر من صحيحة زرارة المتقدِّمة (2)المفسّرة للآية الشريفة المشتملة على ذكر المسجد الحرام كون العبرة في التحديد بالمسجد الحرام وأنّه هو المبدأ والمنتهى لا بلدة مكّة ، وكم فرق بينهما فإنّ بلدة مكّة واسعة جدّاً فتختلف المسافة قلّة وكثرة بلحاظ نفس المسجد أو بلدة مكّة كما أشرنا إليه في أوّل المسألة.

ولو شكّ في ذلك واحتمل أنّ التحديد باعتبار نفس البلدة باعتبار وجود المسجد الحرام فيها فتكون الرّواية مجملة ، لعدم ظهورها في كون التحديد بلحاظ المسجد أو البلد ، فاللّازم الاقتصار على المتيقن في الخروج عن العمومات المقتضية للتمتع على جميع المكلّفين ، وذلك يقتضي كون العبرة بنفس المسجد الحرام.

(1) يدل على ذلك نفس الآية الشريفة ( ... ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ) ... لعود الضمير إلى التمتّع المذكور في صدر الآية ، فإذا لم يكن التمتّع وظيفة للقريب فطبعاً تكون وظيفته الإفراد أو القِران.

ويدلُّ عليه أيضاً النصوص المستفيضة النافية للمتعة عن أهل مكّة وعمّن بعد عن مكّة دون ثمانية وأربعين ميلاً كصحيحة زرارة المتقدّمة (3)المفسّرة للآية الشريفة


1) الوسائل 11 : 260 / أبواب أقسام الحجّ ب 6 ح 5.

2) في ص 168.

3) في ص 168.

مسألة 144 : لا بأس للبعيد أن يحجّ حجّ الإفراد أو القِران ندباً ، كما لا بأس للحاضر أن يحجّ حجّ التمتّع ندباً ولا يجوز ذلك في الفريضة فلا يجزئ حجّ التمتّع عمّن وظيفته الإفراد أو القِران ، وكذلك العكس (1).


وصحيحة الفضلاء الدالّة على أنّه ليس لأهل مكّة ولا لأهل مر ولا لأهل سرف متعة؟ وغير ذلك من الرّوايات الدالّة على تعين التمتّع على النائي ، وتعين الإفراد والقِران على الحاضر والقريب (1).

(1) قد عرفت أنّ مقتضى الكتاب العزيز والرّوايات الكثيرة تعين حجّ التمتّع على من كان بعيداً عن مكّة بمقدار خاص ، وتعين الإفراد أو القِران على من كان حاضراً أي غير بعيد عنها ، ولكن ذلك إنّما هو بالنسبة إلى حجّة الإسلام وما هو الفرض للمكلّف فلا يجزئ للبعيد إلّا التمتّع ، ولا للحاضر إلّا الإفراد أو القِران.

وأمّا بالنسبة إلى الحجّ الندبي فيجوز لكلّ من البعيد والحاضر كل من الأنواع الثلاثة بلا إشكال ، كمن حجّ ندباً قبل استطاعته لحجّ الإسلام أو لحصول حجّ الإسلام منه.

وتدل على ذلك روايات كثيرة قد عقد في الوسائل باباً خاصّاً مستقلا لذلك (2)فراجع.

نعم ، لا ريب في أنّ التمتّع أفضل مطلقاً كما ورد ذلك في عدّة من النصوص المعتبرة (3).

هذا كلّه مضافاً إلى أنّ نفس إطلاق ما دلّ على فضائل الحجّ وترتب الثواب عليه يقتضي جواز الإتيان بكل من الأقسام الثّلاثة وإنّما يتعيّن على المكلّف نوع خاص في الحجّ الّذي يكون فرضاً له.


1) الوسائل 11 : 258 / أبواب أقسام الحجّ ب 6.

2) لاحظ الوسائل 11 : 246 / أبواب أقسام الحجّ ب 6.

3) الوسائل 11 : 246 / أبواب أقسام الحجّ ب 4.

نعم ، قد تنقلب وظيفة المتمتع إلى الإفراد كما يأتي (1).

مسألة 145 : إذا أقام البعيد في مكّة فإن كانت إقامته بعد استطاعته ووجوب الحجّ عليه وجب عليه حجّ التمتّع ، وأمّا إذا كانت استطاعته بعد إقامته في مكّة وجب عليه حجّ الإفراد أو القِران بعد الدخول في السنة الثّالثة وأمّا إذا استطاع قبل ذلك وجب عليه حج التمتّع (2)


(1) في المسألة 155 إن شاء اللّه فانتظر.

(2) البعيد قد يسكن مكّة المكرّمة بقصد المجاورة وقد يسكنها بقصد التوطّن وعلى كل تقدير قد يكون مستطيعاً في بلده قبل أن يسكن مكّة وقد يستطيع في مكّة فهذه صور أربع :

الاولى : أن يقيم البعيد في مكّة بقصد المجاورة وكانت استطاعته حاصلة في بلده قبل أن يسكن مكّة ووجب عليه الحجّ في بلده ، ففي هذه الصورة يجب عليه التمتّع ولا ينقلب فرضه من التمتّع إلى الإفراد. ونحوها ما لو استطاع في مكّة مدّة مجاورته ولكن استطاع قبل مضي سنتين من مجاورته ، فإنّ هذا الفرض ملحق بمن استطاع في بلده قبل مجاورته.

ويدلُّ على ما ذكرنا : أنّ بعض الآيات الشريفة تدل على تشريع الحكم بالحج على جميع المكلّفين من دون النظر إلى تعيين نوع منه على صنف من أصناف المكلّفين كقوله تعالى ( ... وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ ) ... (1)ولكن الآية الأُخرى كقوله سبحانه ( ... ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ) ... (2)والرّوايات المفسّرة المبيّنة للآية المحدّدة بالثمانية والأربعين ميلاً دلّت على أنّ الحجّ يختلف باختلاف الأماكن والأصناف ، وأنّ البعيد بحد خاص حكمه التمتّع ، والقريب والحاضر فرضه الإفراد ، فالمستفاد من الآية والرّوايات أنّ المكلّف على قسمين :


1) آل عمران 3 : 97.

2) البقرة 2 : 196.

.................................................................................................


قسم فرضه التمتّع وقسم فرضه الإفراد ، وما دلّ من الرّوايات على انقلاب الفرض من التمتّع إلى الإفراد كصحيحة زرارة «من أقام بمكّة سنتين فهو من أهل مكّة لا متعة له» (1)وكصحيحة عمر بن يزيد «المجاور بمكّة يتمتع بالعمرة إلى الحجّ إلى سنتين ، فإذا جاوز سنتين كان قاطناً وليس له أن يتمتع» (2)ناظر إلى توسعة موضوع الجعل ، وأن من أقام في مكّة مقدار سنتين كان قاطناً وكان من أهل مكّة تنزيلاً وحكمه حكم أهل مكّة ، ولا نظر لهذه الرّوايات إلى من استطاع في بلده أو استطاع في مكّة قبل السنتين ، فمن كانت وظيفته التمتّع ولكن ترك الحجّ حتّى جاور مكّة فلا يكون مشمولاً لهذين الخبرين الصحيحين.

وبعبارة اخرى : الخبران منصرفان عمّن كان مستطيعاً سابقاً ، سواء كان مستطيعاً في بلده وترك الحجّ أو استطاع في مكّة قبل السنتين ، وإنّما الخبران في مقام بيان أنّ الحجّ الواجب على من سكن مكّة وتعيين بعض الأنواع عليه ، ولا نظر لهما إلى من وجب عليه الحجّ سابقاً وكانت وظيفته التمتّع في السابق ، فهو باق على حكمه السابق.

ولو أغمضنا عمّا ذكرنا واحتملنا شمول الخبرين لهذا الفرض أيضاً فيصبح الخبران مجملين ، فيدور الأمر بين تخصيص الأقل والأكثر ، فلا بدّ من الاقتصار على الأقل وهو خصوص حصول الاستطاعة بعد السنتين أخذاً بالمتيقن ، فتكون النتيجة أن من لم يكن مستطيعاً في بلده واستطاع في مكّة بعد مجاورته سنتين ينقلب فرضه إلى الإفراد فإنّ التنزيل ثابت بهذا المقدار ، وأمّا غيره وهو من استطاع في بلده وكان مكلّفاً بحج التمتّع ولم يأت به أو حصلت الاستطاعة في مكّة قبل السنتين فمحكوم بالحكم الأوّل ولم يثبت في حقّه التنزيل.

هذا كلّه مضافاً إلى دعوى قيام الإجماع على أنّ تكليف مثل هذا الشخص لا يتبدل من التمتّع إلى الإفراد.

الصورة الثّانية : أن يجاور البعيد في مكّة ويستطيع بعد إقامته فيها بعد الدخول في


1) الوسائل 11 : 265 / أبواب أقسام الحجّ ب 9 ح 1.

2) الوسائل 11 : 266 / أبواب أقسام الحجّ ب 9 ح 2.

.................................................................................................


السنة الثّالثة ، فالمشهور أنّه يتبدل فرضه من التمتّع إلى الإفراد وهو الصحيح.

بيان ذلك : أنّه لو كنّا نحن والآية الشريفة والرّوايات العامّة ولم تكن روايات خاصّة في المقام لكان الواجب عليه حج التمتّع ، لأنّ موضوع التمتّع من لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام ومن لم يكن من أهل مكّة ، وذلك صادق على البعيد المجاور.

ولكن مقتضى الأخبار الخاصّة الآتية إجراء حكم أهل مكّة عليه ، وأنّه مكّي تنزيلاً ، فيجب عليه الإفراد ، وهذا ممّا لا خلاف فيه في الجملة.

وإنّما وقع الخلاف في الحد الّذي يوجب انقلاب فرضه من التمتّع إلى الإفراد فالمشهور بين الأصحاب أنّه يتحقق بالإقامة في مكّة مدّة سنتين والدخول في الثّالثة.

ونسب إلى الشيخ وابن إدريس أنّ الحد الموجب للانقلاب إكمال ثلاث سنين والدخول في الرّابعة (1).

ونسب إلى الشهيد في الدورس أنّه يتحقق بإكمال سنة واحدة والدخول في الثّانية (2)، واختاره صاحب الجواهر (3).

وسبب الاختلاف النصوص. ولكن ما نسب إلى الشيخ بالتحديد إلى ثلاث سنين والدخول في الرّابعة فلا شاهد عليه من الأخبار إلّا الأصل المقطوع بالرّوايات ، فهذا القول ساقط فيبقى القولان الآخران.

أحدهما : ما نسب إلى المشهور من التحديد بسنتين والدخول في الثّالثة ، ويدلُّ عليه صحيح زرارة ، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال «من أقام بمكّة سنتين فهو من أهل مكّة لا متعة له» وصحيح عمر بن يزيد قال «قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : المجاور بمكّة يتمتع بالعمرة إلى الحجّ إلى سنتين ، فإذا جاوز سنتين كان قاطناً ، وليس له أن يتمتع» (4).


1) المبسوط 1 : 308 ، السرائر 1 : 522.

2) الدروس 1 : 331.

3) الجواهر 18 : 89.

4) الوسائل 11 : 265 / أبواب أقسام الحجّ ب 9 ح 1 ، 2.

.................................................................................................


ثانيهما : ما نسب إلى الشهيد وقوّاه صاحب الجواهر من الاكتفاء بإكمال سنة واحدة والدخول في الثّانية اعتماداً إلى جملة من الأخبار.

منها : صحيحة الحلبي قال «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) لأهل مكّة أن يتمتعوا؟ قال : لا ... قلت : فالقاطنين بها ، قال : إذا أقاموا سنة أو سنتين صنعوا كما يصنع أهل مكّة» (1)وهي صحيحة السند وواضحة الدلالة.

ومنها : صحيحة عبد اللّه بن سنان «المجاور بمكّة سنة يعمل عمل أهل مكّة ، يعني يفرد الحجّ مع أهل مكّة ، وما كان دون السنة فله أن يتمتع» (2)وهي أيضاً واضحة الدلالة والسند معتبر ، فإنّ إسماعيل بن مرار الواقع في السند وإن لم يوثق في كتب الرّجال ولكنّه من رجال تفسير علي بن إبراهيم القمي وهم ثقات ، وفي بعض نسخ التفسير إسماعيل بن ضرار وهو محرف جزماً كما هو الموجود في الطبعة القديمة وتفسير البرهان ، وهنا روايات آخر تدل على ذلك أيضاً ولكنّها ضعيفة السند والعمدة ما ذكرناه.

وقد أجاب السيِّد في العروة (3)عن هذه الرّوايات بإعراض المشهور عنها ، فيتعيّن العمل بالصحيحتين المتقدّمتين صحيحة زرارة وعمر بن يزيد ، ولكن قد ذكرنا غير مرّة أنّ إعراض المشهور لا يوجب سقوط الرّواية المعتبرة سنداً عن الحجيّة. على أنّ الشهيد وصاحب الجواهر قد عملا بها.

وقد جمع صاحب الجواهر بين الطائفتين بحمل الصحيحتين على الدخول في السنة الثّانية فتلتئم مع الطائفة الثّانية الدالّة على اعتبار مضي سنة واحدة والدخول في الثّانية.

ويرد عليه : أنّ هذا المعنى وإن احتمل في خبر زرارة المتقدِّم وأمكن حمل قوله : «من أقام بمكّة سنتين» على الدخول في الثّانية بعد إكمال السنة الأُولى وإن كان ذلك


1) الوسائل 11 : 266 / أبواب أقسام الحجّ ب 9 ح 2.

2) الوسائل 11 : 269 / أبواب أقسام الحجّ ب 9 ح 8.

3) العروة الوثقى 2 : 325 / 3206.

هذا إذا كانت إقامته بقصد المجاورة. وأمّا إذا كانت بقصد التوطن فوظيفته حجّ الإفراد أو القِران من أوّل الأمر إذا كانت استطاعته بعد ذلك ، وأمّا إذا كانت قبل قصد التوطن في مكّة فوظيفته حجّ التمتّع (1).


بعيداً ، إلّا أنّه لا يحتمل ذلك في خبر عمر بن يزيد ، للتصريح فيه بالتجاوز عن سنتين.

فالصحيح في الجواب أن يقال : إنّ التعارض بين الطائفتين متحقق ، فالمرجع بعد التعارض والتساقط عموم ما دلّ على أنّ البعيد فرضه التمتّع وإن جاور مكّة ، والقدر المتيقن من التخصيص حسب الخبرين المتقدّمين من سكن مكّة مدّة سنتين ودخل في الثّالثة ، وأمّا غير ذلك فلم يثبت تخصيص في حقّه ، فالواجب عليه ما يقتضيه العموم وهو وجوب التمتّع عليه إلّا بعد مضي سنتين ، وقد عرفت أنّه هو القول المشهور.

ثمّ إنّ هنا أخباراً تدل على أنّ العبرة في انقلاب الفرض بالمجاورة خمسة أشهر أو ستّة أشهر (1).

والجواب عنها : أنّه لا عامل بها أصلاً. على أنّها معارضة بالصحيحين المتقدّمين صحيحة زرارة وصحيحة عمر بن يزيد. مضافاً إلى أنّ ما دلّ على خمسة أشهر ضعيف بالإرسال.

(1) الصورة الثّالثة : وهي ما إذا أقام البعيد في مكّة بقصد التوطّن وكانت استطاعته بعد ذلك فوظيفته حجّ الإفراد أو القِران من أوّل الأمر أي بلا حاجة إلى مضي سنتين وذلك لأنّه يصدق عليه أنّه من أهالي مكّة بعد مرور شهر ونحوه ، ممّا يصدق معه عرفاً أنّ البلد وطنه ، فما دلّ على أنّه لا متعة لأهل مكّة يشمل المقيم بقصد التوطن ، لعدم احتمال اختصاص هذه الأدلّة بسكنة مكّة الأصليين.

وأمّا الصحيحتان المتقدّمتان الدالّتان على انقلاب الفرض إلى الإفراد أو القِران فيما إذا تجاوزت مدّة الإقامة سنتين فلا تشملان المتوطن لاختصاصهما بالمجاور.


1) الوسائل 11 : 265 / أبواب أقسام الحجّ ب 8 ح 3 ، 4 ، 5.

وكذلك الحال في من قصد التوطن في غير مكّة من الأماكن الّتي يكون البعد بينها وبين المسجد الحرام أقل من ستّة عشر فرسخاً (1).

مسألة 146 : إذا أقام في مكّة وكانت استطاعته في بلده أو استطاع في مكّة قبل انقلاب فرضه إلى حج الإفراد أو القِران فالأظهر جواز إحرامه من أدنى الحل ، وإن كان الأحوط أن يخرج إلى أحد المواقيت والإحرام منها لعمرة التمتّع بل الأحوط أن يخرج إلى ميقات أهل بلده (2).


الرّابعة : ما إذا قصد التوطن في مكّة ولكنّه كان مستطيعاً للحج في بلده قبل قصد التوطن فوظيفته حجّ التمتّع ، لأنّه كان مكلّفاً بالتمتع قبل ذلك ولا موجب لانقلاب فرضه من التمتّع إلى الإفراد ، فإنّ مقتضى الإطلاقات من الآية والرّوايات كما عرفت وجوب حجّ التمتّع على جميع المكلّفين ، خرج من ذلك أهالي مكّة ونحوهم ، والقدر المتيقن في الخروج عن المطلقات من استطاع بعد توطنه ، وأمّا في غير ذلك فهو باق تحت المطلقات الدالّة على التمتّع.

(1) لعدم الفرق بين مكّة وبين البلاد الّتي تكون محكومة بحكم مكّة.

(2) قد عرفت في المسألة السابقة أنّ المقيم في مكّة قد يجب عليه حجّ التمتّع ، كما إذا كانت استطاعته في بلده قبل مجاورته في مكّة أو استطاع في مكّة قبل انقلاب فرضه إلى الإفراد ، كما إذا استطاع قبل السنتين ففي هاتين الصورتين يجب عليه التمتّع ويجب عليه الخروج لإحرام عمرة التمتّع بلا خلاف.

ولكن الخلاف وقع في تعيين ميقاته الّذي يجب الإحرام منه ، والأقوال في ذلك ثلاثة.

الأوّل : أنّ ميقاته ميقات أهل بلده ومهل أرضه ، فيجب عليه الخروج إلى ذلك الميقات ويحرم منه ، ذهب إليه جماعة كالمحقق في غير الشرائع (1)والعلّامة (2)


1) المختصر النافع : 80.

2) إرشاد الأذهان : 309 ، التحرير 93 السطر 34 ، المنتهي 2 : 664 السطر 24.

.................................................................................................


وغيرهما.

الثّاني : أنّه أحد المواقيت المخصوصة المعروفة على سبيل التخيير بينها فيجوز للعراقي أن يحرم من ميقات الشامي وبالعكس ولا يلزمه أن يحرم من ميقات أهله وإليه ذهب جماعة آخرون كالمحقق في الشرائع (1)وكالشهيدين (2).

الثّالث : ما نقل عن الحلبي (3)وتبعه بعض متأخِّري المتأخِّرين كالمحقق الأردبيلي (4)واستحسنه السبزواري في الكفاية (5)واحتمله قويّاً صاحب المدارك (6)وهو أنّ ميقاته أدنى الحل ، وأنّ حاله حال المعتمر مفردة وهو في مكّة فلا حاجة إلى الخروج إلى المواقيت المخصوصة.

أقول : يقع البحث تارة : فيما تقتضيه القاعدة وأُخرى : فيما تقتضيه النصوص الخاصّة.

أمّا القاعدة المستفادة من الرّوايات العامّة فمقتضاها لزوم الإحرام من المواقيت المعروفة الّتي وقّتها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) لكل قطر من الأقطار فلأهل الشام الجحفة ولأهل اليمن يلملم ولأهل المدينة مسجد الشجرة وهكذا فالواجب عليهم الإحرام من هذه المواقيت كل بحسب ميقاته.

نعم ، هناك روايات تدل على أن كلّ من مرّ بميقات أحرم منه وإن لم يكن من أهل ذلك ، ولا يلزم أن يحرم من ميقات بلده خاصّة (7).

إلّا أنّه وقع الكلام في أنّ هذه الرّوايات هل تشمل المجاور في مكّة ويريد الحجّ منها ، أم تختص بمن يريد الحجّ من خارج مكّة.


1) الشرائع 1 : 271.

2) الدروس 1 : 342 ، الروضة 2 : 211.

3) الكافي لأبي الصلاح : 202.

4) مجمع الفائدة 6 : 41.

5) كفاية الأحكام : 56 السطر 12.

6) المدارك 7 : 207.

7) الوسائل 11 : 331 / أبواب المواقيت ب 15.

.................................................................................................


ودعوى انصراف هذه الأخبار عمّن يريد الحجّ من مكّة واختصاصها بمن يريد الحجّ من خارج مكّة ، لصدق المرور على الميقات على من كان خارجاً من مكّة وأراد الحجّ ، وأمّا من كان مجاوراً في مكّة فلا يصدق عليه المرور على الميقات فلا بدّ له أن يحرم من ميقات بلده.

فاسدة ، إذ لا موجب لدعوى الانصراف ، وذلك لصدق المرور على الميقات على من يقصد الحجّ من مكّة أيضاً ، بأن يخرج المقيم في مكّة إلى أحد المواقيت فيحرم منه فإنّه يصدق عليه حينئذ أنّه مرّ على الميقات واجتازه. فالظاهر شمول هذه الرّوايات لمن جاور مكّة أيضاً.

وبالجملة لو كنّا نحن وهذه الرّوايات ولم تكن رواية خاصّة واردة في حكم المقيم لالتزمنا بجواز الإحرام من أيّ ميقات شاء على سبيل التخيير ، هذا كلّه بالنظر إلى ما تقتضيه القاعدة المستفادة من الرّوايات العامّة.

وأمّا بالنظر إلى الروايات الخاصّة الواردة في المقام ، فالمستفاد من بعضها كموثقة سماعة «عن المجاور إله أن يتمتع بالعمرة إلى الحجّ؟ قال : نعم ، يخرج إلى مهل أرضه فيلبي إن شاء» (1)لزوم الخروج إلى ميقات بلده ومهل أرضه ، ولو تمّت هذه الطائفة لكانت مخصّصة لما دلّ على كفاية الإحرام من أيّ ميقات شاء ، باعتبار إطلاق تلك الأدلّة من حيث حجّ المقيم وحجّ الخارج ، واختصاص هذه الموثقة بالمجاور.

ولكن دلالة الموثقة على وجوب الخروج إلى ميقات بلده مخدوشة ، لتعليق الوجوب على مشيئته وذلك ظاهر في عدم الوجوب ، وإلّا فلا معنى لتعليق الحكم الوجوبي بمشيئته.

وعلى فرض دلالتها على الوجوب فمعارضة بروايات أُخر تدل على عدم تعيين ميقات خاص كموثقة أُخرى لسماعة «فإن هو أحبّ أن يتمتع في أشهر الحجّ بالعمرة إلى الحجّ فليخرج منها حتّى يجاوز ذات عرق ، أو يجاوز عسفان فيدخل متمتعاً


1) الوسائل 11 : 264 / أبواب أقسام الحجّ ب 8 ح 1.

.................................................................................................


بالعمرة إلى الحجّ ، فإنّ هو أحب أن يفرد الحجّ فليخرج إلى الجعرانة فيلبي منها» (1)والمستفاد منها جواز الإحرام من الخارج من أيّ ميقات شاء ، إذ لا تحتمل خصوصيّة لذات عرق أو عسفان. فيظهر بذلك ضعف مستند القول الأوّل.

ثمّ إنّ الجهل بموضع ذات عرق أو عسفان وأنّه قبل الميقات أو بعده غير ضائر في استفادة التخيير منها ، لأنّ المتفاهم منها عدم تعيين ميقات خاص له وجواز الإحرام من أيّ ميقات شاء.

وبما ذكرنا ظهر صحّة القول الثّاني وهو جواز الإحرام من المواقيت على سبيل التخيير.

وأمّا الإحرام من أدنى الحل فتدل عليه جملة من النصوص.

منها : صحيح الحلبي قال : «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) لأهل مكّة أن يتمتعوا؟ قال : لا ، قلت : فالقاطنين بها ، قال : إذا أقاموا سنة أو سنتين صنعوا كما يصنع أهل مكّة ، فإذا أقاموا شهراً فإنّ لهم أن يتمتعوا ، قلت : من أين؟ قال : يخرجون من الحرم ، قلت : من أين يهلون بالحج؟ فقال : من مكّة نحواً ممّن يقول الناس» (2).

ومنها : موثقة سماعة الواردة في المجاور بمكّة في حديث «من دخلها بعمرة في غير أشهر الحجّ ثمّ أراد أن يحرم فليخرج إلى الجعرانة فيحرم منها» (3)فإنّها واضحة الدلالة في الخروج إلى أدنى الحل والإحرام منه ، وهذه الطائفة من الرّوايات مستند القول الثّالث ، وهو الإحرام من أدنى الحل.

فيقع الكلام في الجمع بين هذه الطائفة والرّوايات السابقة الّتي استفدنا منها التخيير.


1) الوسائل 11 : 270 / أبواب أقسام الحجّ ب 10 ح 2.

2) الوسائل 11 : 266 / أبواب أقسام الحجّ ب 9 ح 2.

3) الوسائل 11 : 264 / أبواب أقسام الحجّ ب 8 ح 2.

حجّ التمتّع

مسألة 147 : يتألّف هذا الحجّ من عبادتين تسمّى أُولاهما بالعمرة والثّانية بالحج (1) ،


فنقول : إن التزمنا بأنّ إعراض المشهور عن الرّواية موجب لسقوطها عن الحجيّة فهذه الطائفة ساقطة ، لأنّ المشهور لم يلتزموا بمضمونها ، وإن لم نقل بذلك كما هو الصحيح عندنا مضافاً إلى أنّه قد عمل بها جماعة من المتأخرين فمقتضى الجمع بين جميع الرّوايات هو جواز الإحرام من جميع المواقيت ومن أدنى الحل على سبيل التخيير.

بيان ذلك : أنّ موثق سماعة الدال على الخروج إلى ميقات بلده ظاهر في الوجوب ولكنّه يحمل على الاستحباب بقرينة صحيحة الحلبي الدالّة على جواز الإحرام من أدنى الحل ، وكذلك الحال بالنسبة إلى موثق سماعة الدالّ على جواز الإحرام من الجعرانة.

فالنتيجة : هي جواز الإحرام من جميع هذه الموارد ولو من أدنى الحل ، ولكن الأفضل أن يخرج إلى أحد المواقيت ، وأفضل منه الخروج إلى ميقات أهل بلده.

(1) هذا ممّا لا إشكال ولا ريب فيه أصلاً ، ويستفاد ذلك من قوله تعالى ( فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ ) (1).

ومن جملة من النصوص الكثيرة المذكورة في أبواب متفرّقة :

منها : الرّوايات المبيّنة لكيفيّة حجّ التمتّع (2).


1) البقرة 2 : 196.

2) الوسائل 11 : 212 / أبواب أقسام الحجّ ب 2.

وقد يطلق حجّ التمتّع على الجزء الثّاني منهما ، ويجب الإتيان بالعمرة فيه قبل الحجّ (1).

مسألة 148 : تجب في عمرة التمتّع خمسة أُمور :

الأمر الأوّل : الإحرام من أحد المواقيت وستعرف تفصيلها.

الأمر الثّاني : الطّواف حول البيت.

الأمر الثّالث : صلاة الطّواف.

الأمر الرّابع : السعي بين الصفا والمروة.

الأمر الخامس : التقصير ، وهو أخذ شي‌ء من الشعر أو الأظفار ، فإذا أتى


ومنها : الرّوايات الدالّة على وجوب حجّ التمتّع على البعيد (1).

ومنها : الرّوايات الدالّة على ارتباط العمرة بالحج ، وأنّ العمرة دخلت في الحجّ إلى يوم القيامة وغير ذلك من الرّوايات (2).

(1) يستفاد ذلك من الرّوايات الواردة في كيفيّة حجّ التمتّع وغيرها الّتي أشرنا إليها وهي كثيرة جدّاً.

منها : صحيحة زرارة قال : «قلت لأبي جعفر (عليه السلام) كيف أتمتع؟ فقال : تأتي الوقت فتلبي بالحج ، فإذا أتى مكّة طاف وسعى وأُحل من كل شي‌ء وهو محتبس ليس له أن يخرج من مكّة حتّى يحجّ» (3).

ومنها : صحيحة أُخرى له «كيف أتمتع؟ قال : تأتي الوقت فتلبي بالحج ، فإذا دخلت مكّة طفت بالبيت وصلّيت ركعتين خلف المقام وسعيت بين الصفا والمروة


1) الوسائل 11 : 239 / أبواب أقسام الحجّ ب 3.

2) الوسائل 11 : 240 / أبواب أقسام الحجّ ب 3 ح 2 ، 14 : 306 / أبواب العمرة ب 5 ح 7 وب 7 ح 3 ، 11 : 253 / أبواب أقسام الحجّ ب 4 ح 2 ، 11 : 301 / أبواب أقسام الحجّ ب 22.

3) الوسائل 11 : 302 / أبواب أقسام الحجّ ب 22 ح 5.

المكلّف بهذه الأعمال الخمسة خرج من إحرامه وحلّت له الأُمور الّتي كانت قد حرمت عليه بسبب الإحرام (1).

مسألة 149 : يجب على المكلّف أن يتهيّأ لأداء وظائف الحجّ فيما إذا قرب منه اليوم التاسع من ذي الحجّة الحرام (2).

وواجبات الحجّ ثلاثة عشر وهي كما يلي.

(1) الإحرام من مكّة على تفصيل يأتي.

(2) الوقوف في عرفات بعد مضي ساعة من ظهر اليوم التاسع أو من نفس الظهر من ذي الحجّة الحرام إلى المغرب ، وتقع عرفات على بعد أربعة فراسخ من مكّة.

(3) الوقوف في المزدلفة يوم العيد الأضحى من الفجر إلى طلوع الشمس وتقع المزدلفة بين عرفات ومكّة.

(4) رمي جمرة العقبة في منى يوم العيد. ومنى على بُعد فرسخ واحد من مكّة تقريباً.

(5) النحر أو الذبح في منى يوم العيد.

(6) الحلق أو أخذ شي‌ء من الشعر أو الظفر في منى ، وبذلك يحل له ما حرم عليه من جهة الإحرام ما عدا النِّساء والطيب ، بل الصيد على الأحوط.

(7) طواف الزيارة بعد الرّجوع إلى مكّة.


وقصّرت وأحللت من كلّ شي‌ء ، وليس لك أن تخرج من مكّة حتّى تحج» (1)على أنّ ذلك أمر متسالم عليه عند الأصحاب.

(1) سيأتي شرح هذه الأُمور في مواضعها إن شاء اللّه تعالى.

(2) وجوباً عقليّاً مقدّميّاً.


1) الوسائل 12 : 352 / أبواب الإحرام ب 22 ح 3.

(8) صلاة الطّواف.

(9) السعي بين الصفا والمروة ، وبذلك يحل الطيب أيضاً.

(10) طواف النِّساء.

(11) صلاة طواف النِّساء ، وبذلك تحل النِّساء أيضاً.

(12) المبيت في منى ليلة الحادي عشر وليلة الثّاني عشر ، بل ليلة الثّالث عشر في بعض الصور كما سيأتي.

(13) رمي الجمار الثلاث في اليوم الحادي عشر والثّاني عشر ، بل في اليوم الثّالث عشر أيضاً فيما إذا بات المكلّف هناك على الأحوط (1).

مسألة 150 : يشترط في حجّ التمتّع أُمور :

(1) النيّة ، بأن يقصد الإتيان بحجّ التمتّع بعنوانه ، فلو نوى غيره أو تردد في نيّته لم يصحّ حجّه (2).

(2) أن يكون مجموع العمرة والحجّ في أشهر الحجّ ، فلو أتى بجزء من العمرة قبل دخول شوال لم تصح العمرة (3).


(1) سنذكر تفصيل ذلك كلّه في موارده إن شاء اللّه تعالى.

(2) لأن أنواع الحجّ حقائق مختلفة لا تتعيّن إلّا بالنيّة والقصد إلى نوع خاص ، كما أنّه يعتبر فيه قصد القربة أيضاً ، لأنّه عبادي لا يحصل الامتثال إلّا بذلك.

هذا مضافاً إلى دلالة النص على اعتبار النيّة كصحيحة البزنطي «عن رجل متمتع كيف يصنع؟ قال : ينوي العمرة ويحرم بالحج» (1)وفي صحيحة أُخرى له «كيف أصنع إذا أردت أن أتمتع؟ فقال : لبّ بالحج وانو المتعة» (2).

(3) للنصوص منها : صحيحة عمر بن يزيد «ليس تكون متعة إلّا في أشهر الحجّ» (3).


1) الوسائل 12 : 351 / أبواب الإحرام ب 22 ح 1.

2) الوسائل 12 : 351 / أبواب الإحرام ب 22 ح 4.

3) الوسائل 11 : 284 / أبواب أقسام الحجّ ب 15 ح 1.

(3) أن يكون الحجّ والعمرة في سنة واحدة ، فلو أتى بالعمرة وأخّر الحجّ إلى السنة القادمة لم يصحّ التمتّع (1). ولا فرق في ذلك بين أن يقيم في مكّة إلى السنة القادمة وأن يرجع إلى أهله ثمّ يعود إليها ، كما لا فرق بين أن يحل من إحرامه بالتقصير وأن يبقى محرماً إلى السنة القادمة (2).

(4) أن يكون إحرام حجّه من نفس مكّة مع الاختيار (3). وأفضل مواضعه المقام أو الحجر (4).


(1) تقدّم البحث عن ذلك في مسألة 139 في بيان المائز بين العمرة المفردة وعمرة التمتّع.

(2) لإطلاق الأدلّة القاضية بالإتيان بهما في سنة واحدة ، ولا يظهر منها الفرق المذكور.

(3) للإجماع والأخبار.

منها : صحيح الحلبي «قلت : من أين يهلون بالحج؟ فقال : من مكّة نحواً ممّن يقول الناس» (1).

ومنها : صحيح عمرو بن حريث الصيرفي قال : «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : وهو بمكّة من أين أهل بالحج؟ فقال : إن

شئت من رحلك وإن شئت من المسجد وإن شئت من الطريق» (2). وحيث إنّ السؤال والجواب كانا في مكّة فيعلم أنّ المراد بالرحل رحله الملقى في مكّة ، كما أنّ المراد من الطريق أزقة مكّة وشوارعها وطرقها وسيأتي إن شاء اللّه أنّ الأحوط لزوماً الإحرام من بلدة مكّة القديمة.

(4) كما في صحيحة معاوية بن عمار قال : «إذا كان يوم التروية إن شاء اللّه فاغتسل ثمّ البس ثوبيك وادخل المسجد حافياً ، وعليك السكينة والوقار ثمّ صلّ ركعتين عند مقام إبراهيم (عليه السلام) أو في الحجر فأحرم بالحج» (3).


1) الوسائل 11 : 266 / أبواب أقسام الحجّ ب 9 ح 3.

2) الوسائل 11 : 339 / أبواب المواقيت ب 21 ح 2.

3) الوسائل 11 : 339 / أبواب المواقيت ب 21 ح 1.

.................................................................................................


ثمّ إنّ هنا رواية معتبرة ربما يستفاد منها جواز الإحرام بالحج من خارج مكّة وهي صحيحة إسحاق بن عمار قال «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن المتمتع يجي‌ء فيقضي متعته ثمّ تبدو له الحاجة فيخرج إلى المدينة وإلى ذات عرق أو إلى بعض المعادن ، قال : يرجع إلى مكّة بعمرة إن كان في غير الشهر الّذي تمتع فيه ، لأنّ لكل شهر عمرة وهو مرتهن بالحج ، قلت : فإنّه دخل في الشهر الّذي خرج فيه ، قال : كان أبي مجاوراً هاهنا فحرج يتلقى (ملتقياً) بعض هؤلاء ، فلمّا رجع فبلغ ذات عرق أحرم من ذات عرق بالحج ودخل وهو محرم بالحج» (1). ومحل الاستشهاد قوله «أحرم من ذات عرق بالحج».

والجواب عن ذلك : أنّ الرّواية مضطربة المتن لا يمكن الاعتماد عليها لعدم ارتباط الجواب بالسؤال ، لأنّ السائل سأل أوّلاً عن المتمتع إذا خرج من مكّة إلى المدينة أو إلى ذات عرق ، فأجاب (عليه السلام) بأنّه يرجع إلى مكّة بعمرة إذا دخل في غير الشهر الّذي تمتع فيه ، فالسؤال والجواب ناظران إلى الفصل بين العمرتين ، وأنّ المعتبر لزوم العمرة ثانياً إذا كان الفصل بشهر ، ثمّ سأل السائل ثانياً بأنّه دخل في نفس الشهر الّذي خرج فيه ، فهل تلزمه العمرة مرّة ثانية؟ فأجاب (عليه السلام) كان أبي مجاوراً هاهنا فخرج متلقياً وأحرم من ذات عرق بالحج ، فإنّ هذا الجواب لا يرتبط بالسؤال ، لأنّ السؤال كان عن العمرة ثانياً والجواب بأنّ أباه (عليه السلام) دخل من ذات عرق محرماً بالحج لا يناسب السؤال.

وممّا يوجب اضطراب المتن وتشويشه ، أنّ أباه (عليه السلام) إذا كان متمتعاً بالحج فكيف خرج قبل الحجّ ، وحمله على الاضطرار والحاجة لا شاهد عليه.

ثمّ إنّ الصادق (عليه السلام) متى كان مجاوراً في مكّة وهل جاور مدّة سنتين أو أقل أو أكثر.

مضافاً إلى ذلك كلّه أنّ الرّواية مخالفة للمتسالم عليه بين الأصحاب ، فلا بدّ من ردّ


1) الوسائل 11 : 303 / أبواب أقسام الحجّ ب 22 ح 8.

وإذا لم يمكنه الإحرام من نفس مكّة أحرم من أيّ موضع تمكّن منه (1).

(5) أن يؤدّي مجموع عمرته وحجّه شخص واحد عن شخص واحد ، فلو استؤجر اثنان لحج التمتّع عن ميّت أو حي أحدهما لعمرته والآخر لحجّة لم يصحّ ذلك ، وكذلك لو حجّ شخص وجعل عمرته عن واحد وحجّه عن آخر لم يصح (2).


علمها إلى أهلها.

(1) هذا الحكم بخصوصه لم يرد فيه نص خاص ، ولكن يمكن الاستدلال له مضافاً إلى التسالم بين الأصحاب ، بالرّوايات الدالّة على أن من ترك الإحرام من الميقات نسياناً أو جهلاً يلزمه العود إلى الميقات والإحرام منه ، فإن تعذّر فإلى أدنى الحل فإن تعذّر فمن مكانه (1)وموردها وإن كان إحرام العمرة إلّا أنّه يتعدّى إلى إحرام الحجّ باعتبار التعليل بخوف فوت الحجّ ، فإنّ المتفاهم من ذلك أنّ الإحرام من الميقات مشروط بالتمكّن من درك الموقف وعدم فوت الحجّ منه ، وأمّا إذا خاف الفوت أحرم من مكانه.

كما أنّه يمكن استفادة الحكم المذكور من صحيحتي علي بن جعفر الواردتين في من أتى الموقف ولم يحرم ناسياً أو جاهلاً ، ففي الصحيحة الأُولى «سألته عن رجل نسي الإحرام بالحج فذكر وهو بعرفات فما حاله؟ قال : يقول : اللّهمّ على كتابك وسنّة نبيّك ، فقد تمّ إحرامه» (2)وفي الصحيحة الثّانية «سألته عن رجل كان متمتعاً خرج إلى عرفات وجهل أن يحرم يوم التروية بالحج حتّى رجع إلى بلده قال : إذا قضى المناسك كلّها فقد تمّ حجّه» (3)ويظهر منهما أنّ شرطيّة الإحرام من مكّة للحج إنّما هي في حال التمكّن ، وموردهما وإن كان خصوص الناسي والجاهل ولكن المتفاهم منهما مطلق العذر.

(2) يقع البحث في موردين :


1) الوسائل 11 : 328 / أبواب المواقيت ب 14.

2) الوسائل 11 : 338 / أبواب المواقيت ب 20 ح 3.

3) الوسائل 11 : 338 / أبواب المواقيت ب 20 ح 2.

.................................................................................................


أحدهما : استئجار شخصين لحج التمتّع أحدهما لإتيان عمرة التمتّع والآخر لإتيان حجّ التمتّع.

ثانيهما : أن يحجّ شخص واحد ولكن يجعل عمرة التمتّع لواحد وحج التمتّع عن آخر.

أمّا الأوّل : وهو انقسام العمل الواحد بين شخصين ، بأن يقوم أحدهما ببعض الأعمال ويقوم الآخر بالبعض الباقي ، فلا ريب في عدم صحّته ، لأنّ كلّ واحد من العمرة والحجّ المتمتع بهما مشروع لمن أتى بالآخر ومن لم يأت بأحدهما لا يشرع له الآخر ، فإنّ الإحرام لحج التمتّع من مكّة إنّما يشرع لمن أتى قبله بالعمرة ، كما أنّ عمرة التمتّع مشروعة لمن يحرم للحج من مكّة ، كلّ ذلك يدعو إلى عدم التفكيك بينهما.

وإن شئت فقل : إنّ حجّ التمتّع عمل واحد ذو جزئين أحدهما العمرة والآخر الحجّ ولا يصح تقسيم العمل الواحد بين شخصين ، نظير تقسيم صلاة واحدة بين شخصين.

وأمّا الثّاني : وهو ما لو حجّ شخص واحد وجعل عمرته عن شخص وحجّه عن آخر ، فقد استظهر السيِّد صاحب العروة جوازه (1)كما يظهر ذلك من صاحب الوسائل حيث قال (قدس سره) : باب جواز نيّة الإنسان عمرة التمتّع عن نفسه وحجّ التمتّع عن أبيه (2)واستندا إلى صحيح محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : «سألته عن رجل يحجّ عن أبيه أيتمتع؟ قال : نعم ، المتعة له والحجّ عن أبيه» (3).

ولكن الظاهر عدم جواز ذلك أيضاً ، لأنّ المستفاد من النصوص (4)انّ حجّ التمتّع عمل واحد وإن كان مركباً من العمرة والحجّ ، ولكن دخلت العمرة في الحجّ فكلّ واحد منهما جزء لواجب واحد وليس لكلّ واحد منهما أمر مستقل ، وليس كلّ واحد منهما عمل واجب مستقل حتّى يصح جعل أحدهما عن شخص وجعل الجزء الآخر


1) العروة الوثقى 2 : 333 / 3208.

2) الوسائل 11 : 201 / أبواب النيابة في الحجّ ب 27.

3) الوسائل 11 : 201 / أبواب النيابة في الحجّ ب 27 ح 1.

4) المتقدّمة في ص 183.

.................................................................................................


عن شخص آخر ، ومن الواضح أنّ العمل الواحد غير قابل للتقسيم والتبعيض نظير عدم جواز التبعيض في صلاة واحدة بأن يجعل الركعة الأُولى عن زيد والركعة الثّانية عن عمرو ، فتقع عمرة التمتّع عمّن يقع عنه الحجّ وكذلك العكس ، ولا يمكن التفريق بينهما.

وأمّا صحيح محمّد بن مسلم المتقدّم الّذي استظهر منه الجواز ، ففيه : أنّ الاستدلال به مبني على أن يكون المراد من قوله : «أ يتمتع» ومن قوله : «المتعة له» معناه الاصطلاحي الشرعي وهو عمرة التمتّع؟ ولكن الظاهر أنّ المراد بذلك معناه اللّغوي العرفي وهو الالتذاذ ، توضيحه :

أنّ الرّاوي كأنه زعم أنّ حجّ التمتّع لا يقع عن الميّت ، لأنّه غير قابل للتمتع والالتذاذ بالنِّساء والطيب في الفصل بين العمرة والحجّ ، ولذا سأل الإمام (عليه السلام) عن أنّ النائب الّذي يحجّ عن أبيه هل يحجّ عنه حجّ التمتّع ، مع أنّ المنوب عنه ميّت كما هو ظاهر السؤال والميّت غير قابل للالتذاذ والتمتّع ، فأجاب (عليه السلام) بجواز ذلك وأنّ الحجّ يقع عن الميّت والالتذاذ والمتعة للنائب ، ولا يلزم تحقق الالتذاذ لمن يقع عنه الحجّ.

ومع قطع النظر عمّا ذكرنا فلا أقل من إجمال الرّواية ولا تكون ظاهرة فيما استظهره السيِّد في العروة فلا يمكن الاستدلال بها على جواز التفريق.

ثمّ إنّ الّذي استظهرناه من صحيح محمّد بن مسلم يظهر من الصدوق أيضاً لقوله : في عنوان الباب : باب المتمتع عن أبيه (1).

وصرّح بهذا المعنى أيضاً المجلسي الأوّل في كتاب روضة المتقين فقد قال (رحمه اللّه) عند شرحه لصحيح محمّد بن مسلم - : مع أنّه لا فائدة للأب في التمتّع ، لأنّه لا يمكن له التمتّع بالنِّساء والطيب والثياب الّذي هو فائدة حجّ التمتّع ، فقال الإمام (عليه السلام) نعم ، المتعة له والتمتّع بالأشياء المذكورة له والحجّ عن أبيه (2).


1) الفقيه 2 : 273.

2) روضة المتقين 5 : 65.

مسألة 151 : إذا فرغ المكلّف من أعمال عمرة التمتّع وجب عليه الإتيان بأعمال الحجّ ولا يجوز له الخروج من مكّة لغير الحجّ ، إلّا أن يكون خروجه لحاجة ولم يخف فوات أعمال الحجّ ، فيجب والحالة هذه أن يحرم للحج من مكّة ويخرج لحاجته ، ثمّ يلزمه أن يرجع إلى مكّة بذلك الإحرام ويذهب منها إلى عرفات ، وإذا لم يتمكّن من الرّجوع إلى مكّة ذهب إلى عرفات من مكانه (1).


نعم ، قد استدلّ على جواز التفريق وجعل العمرة عن شخص والحجّ عن شخص آخر ، بخبر الحارث بن المغيرة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «في رجل تمتع عن امّه وأهلّ بحجه عن أبيه ، قال : إن ذبح فهو خير له وإن لم يذبح فليس عليه شي‌ء ، لأنّه إنّما تمتع عن امّه وأهلّ بحجه عن أبيه» (1)وهو صريح في جواز التفريق.

والخبر معتبر وليس في السند من يغمز فيه إلّا صالح بن عقبة لعدم توثيقه في كتب الرِّجال ، ولكن الرّجل ثقة عندنا لأنّه من رجال كامل الزيارات وتفسير علي بن إبراهيم ، فلا ريب في جواز الأخذ به.

وحيث إنّ الخبر مخالف لما تقتضيه القاعدة فلا بدّ من الاقتصار على مورده وعدم التعدِّي عنه ، وهو الاقتصار على جواز التفريق في خصوص حجّ التمتّع عن أبيه وأُمّه بأن يجعل عمرة التمتّع عن امّه والحجّ عن أبيه ، ولا نلتزم بجواز التفريق مطلقاً ولو عن غير امّه وأبيه.

(1) الأشهر بل المشهور بين العلماء عدم جواز الخروج من مكّة للمتمتع بعد الإحلال من عمرة التمتّع قبل أن يأتي بالحج ، إلّا إذا كان خروجه لضرورة أو لحاجة فيجب عليه أن يحرم للحج فيخرج محرماً به ويلزمه الرّجوع إلى مكّة ثمّ يتوجّه إلى عرفات ، فإن رجع إلى مكّة في الشهر الّذي خرج فيه فيذهب إلى الحجّ من دون إحرام جديد ، وإن رجع في غير شهره يحرم من جديد لعمرته.


1) الوسائل 14 : 80 / أبواب الذبح ب 1 ح 5. وفي بعض النسخ «بحجة» بدل بحجه.

.................................................................................................


ونقل عن ابن إدريس (قدس سره) أنّه لا يحرم ذلك بل يكره (1)، بل ذكر السيِّد في العروة أنّه لا كراهة فيما إذا علم بعدم فوت الحجّ منه (2).

ويدلُّ على ما ذهب إليه المشهور أخبار كثيرة.

منها : صحيحة حماد بن عيسى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «من دخل مكّة متمتعاً في أشهر الحجّ لم يكن له أن يخرج حتّى يقضي الحجّ ، فإن عرضت له حاجة إلى عسفان أو إلى الطائف أو إلى ذات عرق خرج محرماً ودخل ملبياً بالحج فلا يزال على إحرامه ، فإن رجع إلى مكّة رجع محرماً ولم يقرب البيت حتّى يخرج مع الناس إلى منى على إحرامه» (3).

ومنها : صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال «قلت له : كيف أتمتع؟ قال : تأتي الوقت فتلبي إلى أن قال وليس لك أن تخرج من مكّة حتّى تحج» (4).

ومنها : صحيحة أُخرى له نحوها (5)وغير ذلك من الرّوايات ، وهي صحيحة السند وواضحة الدلالة على الحكم المذكور.

ولكن السيِّد صاحب العروة اختار جواز الخروج محلا تبعاً لابن إدريس والعلّامة في المنتهي (6)واستدلّ على ذلك بوجوه بها رفع اليد عن ظهور الرّوايات في المنع.

الأوّل : أنّ التعبير بقوله «لا أُحب» في صحيح الحلبي «وما أُحب أن يخرج منها إلّا محرماً» (7)ظاهر في الجواز مع الكراهة ، وبذلك رفع اليد عن ظهور بقيّة الرّوايات في الحرمة.


1) السرائر 1 : 581 وفيه (ولا ينبغي للمتمتع بالعمرة إلى الحجّ أن يخرج من مكّة ...).

2) العروة الوثقى 2 : 334.

3) الوسائل 11 : 303 / أبواب أقسام الحجّ ب 22 ح 6.

4) الوسائل 11 : 301 / أبواب أقسام الحجّ ب 22 ح 1.

5) الوسائل 11 : 302 / أبواب أقسام الحجّ ب 22 ح 5.

6) المنتهي 2 : 711 السطر 24.

7) الوسائل 11 : 303 / أبواب أقسام الحجّ ب 22 ح 7.

.................................................................................................


ويردّ : بأنّ كلمة «لا أُحب» غير ظاهرة في الجواز مع الكراهة ، بل المراد بها مطلق المبغوضيّة وذلك يجتمع مع الحرمة ، وقد استعملت كلمة «لا أُحب» في الموارد المبغوضة في القرآن المجيد كقوله تعالى ( ... وَاللّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ ) (1)( لا يُحِبُّ اللّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ ) ... (2)وغير ذلك من الآيات.

الثّاني : مرسلة الصدوق «إذا أراد المتمتع الخروج من مكّة إلى بعض المواضع فليس له ذلك ، لأنّه مرتبط بالحج حتّى يقضيه ، إلّا أن يعلم أنّه لا يفوته الحجّ» (3)فإنّ المتفاهم من ذلك أن المنع عن الخروج لاحتمال فوت الحجّ ، فلو علم بعدم الفوت فلا موجب لحرمة الخروج.

وفيه : أنّ الرّواية مرسلة لا يمكن الاعتماد عليها.

ومنها : خبر أبان «فيخرج محرماً ولا يجاوز إلّا على قدر ما لا تفوته عرفة» (4)فإنّه يدل على أنّ جواز الخروج وعدمه يدوران مدار فوت الحجّ وعدمه ، ولذا استفاد (قدس سره) من النصوص عدم الكراهة مع علمه بعدم فوت الحجّ منه ، لأنّ الظاهر من جميع الأخبار المانعة أنّ المنع للتحفظ عن عدم إدراك الحجّ وفوته ، لكون الخروج في معرض ذلك.

والجواب عن ذلك : أنّ خبر أبان مورده الخروج محرماً للحاجة فهو أجنبي عن جواز الخروج محلا لا لغير الحاجة الّذي هو محل الكلام.

مضافاً إلى ضعف السند بالإرسال من وجهين ، لأنّ معلى بن محمّد يرويه عمّن ذكره وأبان بن عثمان عمّن أخبره.

والحاصل : لا يمكن رفع اليد عن تلك الرّوايات المعتبرة المصرّحة بعدم جواز الخروج على الإطلاق بهذه الوجوه الضعيفة.


1) البقرة 2 : 205.

2) النِّساء 4 : 148.

3) الوسائل 11 : 304 / أبواب أقسام الحجّ ب 22 ح 10 ، الفقيه 2 : 238 / 1139.

4) الوسائل 11 : 304 / أبواب أقسام الحجّ ب 22 ح 9.

وكذلك لا يجوز لمن أتى بعمرة التمتّع أن يترك الحجّ اختياراً ولو كان الحجّ استحبابيّاً (1). نعم ، إذا لم يتمكّن من الحجّ فالأحوط أن يجعلها عمرة مفردة ويأتي بطواف النِّساء (2).


فالصحيح ما ذهب إليه المشهور من عدم جواز الخروج من مكّة بعد عمرة التمتّع إلّا أن يكون خروجه لحاجة ، فيجب أن يحرم من مكّة للحج فيخرج ثمّ يلزمه أن يرجع إلى مكّة بذلك الإحرام ويذهب منها إلى عرفات ، وإذا لم يتمكّن من الرّجوع إلى مكّة ذهب إلى عرفات من مكانه كما في النصوص.

(1) لإطلاق الرّوايات المتقدّمة الدالّة على أنّه لا يجوز للمتمتع الخروج من مكة بعد الإتيان بعمرة التمتّع ، وأنّه مرتهن ومحتبس بالحج. ونص على ذلك الشيخ (1)وجملة من الأصحاب.

(2) لا ريب في أنّ مقتضى القاعدة سقوط الحجّ عنه ، لفرض عدم التمكّن منه ، وأمّا ما دلّ من النصوص الكثيرة على تبدل حجّه إلى عمرة مفردة (2)فلا تشمل المقام لأنّ مورد جميعها من أحرم للحج ولم يدرك الموقف وفاته الحجّ ، وأمّا من لم يحرم للحج وعجز عن إتيانه فغير مشمول لهذه النصوص ، ولكن مع ذلك الأحوط أن يجعل عمرته عمرة مفردة ويأتي بطواف النِّساء ، وعليه الحجّ من قابل إن بقيت استطاعته أو كان الحجّ مستقرّاً عليه ، لاحتمال إطلاق أدلّة من فاته الموقفان وشموله للمقام.


1) المبسوط 1 : 363.

2) الوسائل 14 : 36 / أبواب الوقوف بالمشعر ب 22 ح 2 ، وكذا في ب 23 ح 1 ، 3 ، 4 ، 5 وكذا ب 27 ح 1 ، 4 ، 6.

مسألة 152 : كما لا يجوز للمتمتع الخروج من مكّة بعد تمام عمرته كذلك لا يجوز له الخروج منها في أثناء العمرة ، فلو علم المكلّف قبل دخول مكّة باحتياجه إلى الخروج منها كما هو شأن الحملدارية فله أن يحرم أوّلاً بالعمرة المفردة لدخول مكّة فيقضي أعمالها ثمّ يخرج لقضاء حوائجه ، ويحرم ثانياً لعمرة التمتّع ، ولا يعتبر في صحّته مضي شهر من عمرته الاولى كما مرّ (1).


(1) لا يخفى أنّ أكثر النصوص الناهية عن الخروج من مكّة موردها بعد الانتهاء من أعمال عمرة التمتّع ، وأمّا من كان مشغولاً بالعمرة فلا يكون مشمولاً لهذه النصوص.

ولكن الظاهر عدم الفرق في الحرمة بين الخروج بعد الفراغ من أعمال عمرته وبين الخروج في أثنائها ، لإطلاق جملة أُخرى من النصوص المانعة كصحيحة الحلبي وصحيحة حماد ، فإنّ موضوع المنع فيهما هو الدخول إلى مكّة ولم يفرض فيهما الفراغ من العمرة.

ففي صحيح الحلبي «عن الرّجل يتمتع بالعمرة إلى الحجّ يريد الخروج إلى الطائف قال : يهل بالحج من مكّة وما أُحب أن يخرج منها إلّا محرماً» (1).

وفي صحيح حماد «من دخل مكّة متمتعاً في أشهر الحجّ لم يكن له أن يخرج حتّى يقضي الحجّ ، فإن عرضت له حاجة إلى عسفان إلى أن قال - : خرج محرماً ودخل ملبياً بالحج» (2).

بل يمكن أن يقال : إنّ موضوع المنع فيهما هو الخروج أثناء العمرة ، نظراً إلى قوله : «دخل مكّة متمتعاً» أو قوله : «الرّجل يتمتع بالعمرة إلى الحجّ» فإنّ هذا التعبير ظاهر في الاشتغال بأعمال عمرة التمتّع وعدم الفراغ منها ، خصوصاً قوله «يتمتع» فإنّه فعل استقبالي يدلّ على الاشتغال بالعمل في الحال ، بخلاف الفعل الماضي فإنّه يدل على


1) الوسائل 11 : 303 / أبواب أقسام الحجّ ب 22 ح 7.

2) الوسائل 11 : 303 / أبواب أقسام الحجّ ب 22 ح 6.

مسألة 153 : المحرّم من الخروج عن مكّة بعد الفراغ من أعمال العمرة أو أثنائها إنّما هو الخروج عنها إلى محل آخر ، ولا بأس بالخروج إلى أطرافها وتوابعها ، وعليه فلا بأس للحاج أن يكون منزله خارج البلد ، فيرجع إلى منزله أثناء العمرة أو بعد الفراغ منها (1).


الفراغ من الفعل كما هو كذلك في سائر موارد الاستعمالات ، فإذا قيل رجل يصلِّي وهو كذا يراد به الاشتغال بالصلاة.

وبالجملة : لا فرق في عدم جواز الخروج بين الخروج بعد الإحلال من عمرة التمتّع أو قبل الإحلال منها في أثناء العمرة ، ولذا لو علم الحاج قبل دخوله مكّة باحتياجه إلى الخروج منها كما هو شأن الحملدارية فطريق تخلصه من حرمة الخروج ما ذكره في المتن ، وقد عرفت في مسألة 137 عدم اعتبار الفصل بين العمرة المفردة وعمرة التمتّع.

(1) اختلف الأصحاب في القدر الممنوع عنه من الخروج من مكّة بعد العمرة وقبل الحجّ.

ذهب السيِّد في العروة إلى اختصاص المنع بالخروج إلى المواضع البعيدة فلا بأس بالخروج إلى فرسخ أو فرسخين (1).

ونسب إلى جماعة تحديد مقدار المنع بما زاد عن الحرم ، وأمّا الخروج إلى ما دون الحرم فلا بأس به.

والمحقق النائيني ذكر في حاشيته على العروة وفي مناسكه (2)أنّ العبرة بالمسافة الشرعيّة فالخروج بمقدارها ممنوع وأمّا دون ذلك فلا بأس به ، وادّعى أنّ التحديد بمقدار الحرم غير صحيح ، لأنّ مقدار الحرم مختلف من جهات مكّة فلا يصح التقدير به.

والظاهر أنّ شيئاً ممّا ذكر غير تام ، لأنّ موضوع المنع في الرّوايات المانعة عن


1) العروة الوثقى 2 : 336 / 3209.

2) دليل الناسك : 121.

مسألة 154 : إذا خرج من مكّة بعد الفراغ من أعمال العمرة من دون إحرام وتجاوز الميقات ففيه صورتان :

الاولى : أن يكون رجوعه قبل مضي شهر عمرته ففي هذه الصورة يلزمه الرّجوع إلى مكّة بدون إحرام ، فيحرم منها للحج ويخرج إلى عرفات.

الثّانية : أن يكون رجوعه بعد مضي شهر عمرته ففي هذه الصورة تلزمه إعادة العمرة (1).


الخروج هو الخروج من مكّة ، فما صدق عليه مكّة لا يجوز الخروج منه ، سواء خرج من الحرم أم لا وسواء بلغ حدّ المسافة أم لا.

نعم ، لا يبعد جواز الخروج إلى ضواحي مكّة وتوابعها ، لعدم صدق الخروج من مكّة بهذا المقدار.

على أنّ التحديد بالمسافة الّذي ذكره المحقق النائيني أيضاً يختلف فلا يصح التقدير بها ، وذلك لأنّ المسافر إذا كان عازماً على العود يكفي الذهاب بمقدار أربعة فراسخ في الحكم بالقصر ، لأنّ مجموع سيره ذهاباً وإياباً يبلغ حدّ المسافة الشرعيّة ، وأمّا إذا لم يكن عازماً على العود فلا يكفي السير أربعة فراسخ ، فاختلف الحكم حسب اختلاف الخارجين.

(1) ما حكم به في هاتين الصورتين ممّا دلّت عليه صحيحة حماد صريحاً قال (عليه السلام) «من دخل مكّة متمتعاً في أشهر الحجّ لم يكن له أن يخرج حتّى يقضي الحجّ إلى أن قال - : قلت : فإن جهل فخرج إلى المدينة أو إلى نحوها بغير إحرام ثمّ رجع في إبان الحجّ في أشهر الحجّ يريد الحجّ فيدخلها محرماً أو بغير إحرام؟ قال : إن رجع في شهره دخل بغير إحرام ، وإن دخل في غير الشهر دخل محرماً» (1).

ويدلُّ عليه أيضاً معتبرة إسحاق بن عمار قال : «سألت أبا الحسن (عليه السلام)


1) الوسائل 11 : 303 / أبواب أقسام الحجّ ب 22 ح 7.

.................................................................................................


عن المتمتع يجي‌ء فيقضي متعته ثمّ تبدو له الحاجة فيخرج إلى المدينة وإلى ذات عرق أو إلى بعض المعادن قال : يرجع إلى مكّة بعمرة إن كان في غير الشهر الّذي تمتع فيه لأنّ لكلّ شهر عمرة وهو مرتهن بالحج ، قلت : فإن دخل في الشهر الّذي خرج فيه قال : كان أبي مجاوراً هاهنا فخرج يتلقى بعض هؤلاء فلمّا رجع فبلغ ذات عرق أحرم من ذات عرق بالحج وهو محرم بالحج» (1)فإنّ المستفاد منها أنّ العمرتين لا تصحّان في شهر واحد ، فإن كان رجوعه في نفس الشهر الّذي وقعت فيه العمرة الاولى فلا حاجة إلى الثانية ، وإن كان رجوعه في شهر آخر فلا بدّ من عمرة ثانية ، ولا يضر بما استفدناه قوله (عليه السلام) : «كان أبي مجاوراً هاهنا» حيث يظهر منه عدم ارتباطه بالسؤال.

وأمّا دعوى السيِّد صاحب العروة ظهور المعتبرة في الاستحباب بقرينة قوله : «لأنّ لكلّ شهر عمرة» لأنّ العمرة الّتي هي وظيفة كل شهر ليست واجبة بل هي مستحبّة.

فيردّه أوّلاً : كما تقدّم أنّ المعتبرة غير ناظرة إلى الاستحباب أصلاً ، وإنّما هي ناظرة إلى اعتبار الفصل بين العمرتين ، وأنّه لو دخل في [غير] الشهر الّذي تمتع فيه دخل بعمرة أُخرى ، بخلاف ما لو دخل في نفس الشهر.

وثانياً : أنّ العمرة المعادة في مفروض الرّواية هي عمرة التمتّع على ما يظهر من قوله : «لأنّ لكلّ شهر عمرة وهو مرتهن بالحج» فإنّ الارتهان بالحج يكشف عن كون العمرة عمرة التمتّع وإلّا فالمفردة لا توجب الارتهان بالحج.

ويؤيّد الحكم المذكور مرسل أبان بن عثمان «في الرّجل يخرج في الحاجة من الحرم ، قال : إن رجع في الشهر الّذي خرج فيه دخل بغير إحرام ، فإن دخل في غيره دخل بإحرام» (2).


1) الوسائل 11 : 303 / أبواب أقسام الحجّ ب 22 ح 8.

2) الوسائل 12 : 407 / أبواب الإحرام ب 51 ح 4.

مسألة 155 : من كانت وظيفته حجّ التمتّع لم يجز له العدول إلى غيره من إفراد أو قران (1). ويستثنى من ذلك من دخل في عمرة التمتّع ثمّ ضاق وقته فلم يتمكّن من إتمامها وإدراك الحجّ ، فإنّه ينقل نيّته إلى حجّ الإفراد ويأتي بالعمرة المفردة بعد الحجّ (2). وحدّ الضيق المسوّغ لذلك خوف فوات الرّكن من الوقوف الاختياري في عرفات (3).


(1) لأنّ العدول من واجب إلى واجب آخر على خلاف القاعدة ويحتاج إلى دليل خاص.

مضافاً إلى أن من كانت وظيفته التمتّع لا يشرع في حقّه الإفراد أو القِران ، لا من الأوّل ولا في الأثناء.

(2) بلا إشكال ولا خلاف ، والنصوص في ذلك متضافرة (1).

منها صحيح الحلبي قال : «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل أهلّ بالحج والعمرة جميعاً ثمّ قدم مكّة والنّاس بعرفات فخشي إن هو طاف وسعى بين الصفا والمروة أن يفوته الموقف ، قال : يدع العمرة فإذا أتمّ حجّه صنع كما صنعت عائشة ولا هدي عليه» (2).

(3) وقع الكلام في حدّ الضيق المسوّغ للعدول ، واختلفوا فيه على أقوال :

الأوّل : خوف فوات الرّكن من الوقوف الاختياري لعرفات وهو المسمّى منه. وهذا القول هو الصحيح ، ويتّضح ذلك بعرض الرّوايات الواردة في المقام كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى.

الثّاني : خوف فوت الاختياري من وقوف عرفة ، وهو من الزوال إلى الغروب.

الثّالث : فوت الاختياري والاضطراري من عرفة.


1) الوسائل 11 : 296 / أبواب أقسام الحجّ ب 21.

2) الوسائل 11 : 297 / أبواب أقسام الحجّ ب 21 ح 6.

.................................................................................................


الرّابع : أنّه إذا زالت الشمس من يوم التروية وخاف فوت الوقوف فله العدول وإن لم يخف الفوت فهو مخير بين العدول والإتمام ، حكاه صاحب الجواهر عن بعض متأخري المتأخرين (1).

الخامس : زوال يوم التروية ، فإن تمكّن من إتمام عمرته قبل زوال يوم التروية فهو ، وإلّا بطلت متعته ويجعلها حجّة مفردة ، حكي ذلك عن والد الصدوق (2)والمفيد (3).

السّادس : غروب الشمس من يوم التروية اختاره الصدوق في المقنع (4)والحلبي (5).

السّابع : ظهر يوم عرفة عن الشيخ في النهاية (6).

ومنشأ الاختلاف اختلاف الأخبار الواردة في المقام وهي على طوائف ، فينبغي أن نتكلّم أوّلاً فيما تقتضيه القاعدة ، وثانياً فيما تقتضيه النصوص ، فإن لم يمكن العمل بها لتعارضها واختلافها فالمرجع حينئذ هو القاعدة.

أمّا الأوّل : فلا إشكال في أنّ القاعدة تقتضي عدم جواز العدول عمّا هو وظيفته إلى غيرها ، فمن وجب عليه حجّ التمتّع لا ينتقل فرضه إلى غيره من القسمين الآخرين الإفراد والقِران إلّا بدليل خاص. فلو فرضنا أنّه لم يتمكّن من إتيان حجّ التمتّع ابتداءً أو إتماماً يكشف ذلك عن عدم وجوب حجّ التمتّع عليه من أوّل الأمر ، والانقلاب إلى غيره يحتاج إلى دليل خاص.

وأمّا الثّاني : فاعلم أنّ الرّوايات الّتي دلّت على حدّ الضيق المسوّغ للعدول على أقسام.


1) الجواهر 18 : 35.

2) حكى عنه في المختلف 4 : 231.

3) حكى عنه في السرائر 1 : 582 ، والموجود في المقنعة : 431 خلافه كما نبّه عليه في المختلف.

4) المقنع : 265.

5) الكافي للحلبي : 194.

6) النهاية 247.

.................................................................................................


الأوّل : ما دلّ على أنّ العبرة بخوف فوت الوقوفين كمعتبرة يعقوب بن شعيب الميثمي قال : «سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول : لا بأس للمتمتع أن يحرم من ليلة التروية متى ما تيسر له ما لم يخف فوت الموقفين» (1). والرّواية كما ذكرنا معتبرة فإنّ إسماعيل بن مرار الواقع في السند ثقة ، لأنّه من رجال تفسير علي بن إبراهيم وقد وثق في مقدّمة التفسير جميع رواته (2).

ولكن الرّواية أجنبيّة عن المقام ، لأنّها واردة في إنشاء إحرام الحجّ وفي مقام بيان أنّ إحرام الحجّ غير موقت بوقت خاص وأنّه يجوز الإحرام له في أيّ زمان شاء ما لم يخف فوت الموقفين ، وكلامنا في من أحرم لعمرة التمتّع وضاق وقته عن إتمامها.

الثّاني : ما دلّ على الاكتفاء بدرك الموقف في الجملة ، ويستفاد ذلك من نصوص عديدة.

منها : خبر محمّد بن مسرور قال «كتبت إلى أبي الحسن الثّالث (عليه السلام) ما تقول في رجل متمتع بالعمرة إلى الحجّ وافى غداة عرفة وخرج الناس من منى إلى عرفات ، أعمرته قائمة أو ذهبت منه ، إلى أيّ وقت عمرته قائمة إذا كان متمتعاً بالعمرة إلى الحجّ فلم يواف يوم التروية ولا ليلة التروية ، فكيف يصنع؟ فوقّع (عليه السلام) ساعة يدخل مكّة إن شاء اللّه يطوف ويصلّى ركعتين ويسعى ويقصّر ، ويحرم بحجّته ويمضي إلى الموقف ويفيض مع الإمام» (3).

والمستفاد منه جواز الاكتفاء بدرك موقف عرفة ولو آناً ما فإنّ أمره (عليه السلام) بالمضي إلى موقف عرفة ليدرك الإمام هناك ليفيض معه إلى المشعر مستلزم لدرك موقف عرفة بمقدار المسمّى ، فالرواية واضحة الدلالة على الاجتزاء بالوقوف الركني من موقف عرفة ، ولكن الإشكال في السند ، فإنّ المذكور في السند محمّد بن مسرور كما في الوسائل ، ومحمّد بن سرو أو محمّد بن سرد كما في التهذيب (4)وعلى كل تقدير لم


1) الوسائل 11 : 292 / أبواب أقسام الحجّ ب 20 ح 5.

2) تفسير القمي 1 : 4.

3) الوسائل 11 : 295 / أبواب أقسام الحجّ ب 20 ح 16.

4) التهذيب 5 : 171.

.................................................................................................


يثبت فيه توثيق.

وذكر صاحب المنتقى أنّ الرّاوي ليس محمّد بن سرد أو سرو ، بل هو محمّد بن جزك وهو ثقة (1).

ولكن ما ذكره مجرد ظن لا يمكن الاعتماد عليه ، وعبد اللّه بن جعفر وإن كان يروي عن محمّد بن جزك ولكنّه لا يكون قرينة على أنّ الواقع في السند محمّد بن جزك لاحتمال أنّ عبد اللّه بن جعفر يروي عمن اسمه محمّد بن سرو أو سرد.

ومن جملة هذه الرّوايات صحيحة الحلبي قال : «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل أهلّ بالحج والعمرة جميعاً ثمّ قدم مكّة والنّاس بعرفات فخشي إن هو طاف وسعى بين الصفا والمروة أن يفوته الموقف قال : يدع العمرة فإذا أتمّ حجّه صنع كما صنعت عائشة ولا هدي عليه» (2)ومقتضى إطلاقها أنّ العبرة في إتمام عمرة التمتّع بدرك الموقف في الجملة ، فمن يفوت منه الموقف بتمامه يعدل إلى الإفراد ، أمّا من يتمكّن من درك الموقف ولو بمقدار المسمّى فليس له العدول إلى الإفراد ، بل يستمر في عمرته.

وقد يقال : إنّ المتفاهم من الصحيحة دوران العدول وعدمه مدار إمكان درك الموقف وعدمه ، والوقوف الواجب إنّما هو بين الظهر إلى الغروب ، فلا فرق في فوت الموقف بين كون الفائت واجباً ركنيّاً أو غيره.

والجواب : أنّ المفروض في الرّواية أنّ الرّجل دخل مكّة عند ما كان الناس بعرفات ، فلا يمكن له درك الموقف بتمامه من الظهر إلى الغروب ، بل يفوت عنه بعض الموقف قطعاً عدل أم لم يعدل ، لأنّ السير من مكّة إلى عرفات ابتداءً من الظهر يستغرق زمناً كثيراً يفوت به بعض الموقف عنه ، فلا معنى لسؤاله من الإمام (عليه السلام) أنّه يخشى فوت الموقف ، فلا بدّ أن يكون سؤاله ناظراً إلى فوت الوقوف الرّكني ، فتكون العبرة بخشية فوت الوقت الرّكني.


1) منتقى الجمان 3 : 340.

2) الوسائل 11 : 297 / أبواب أقسام الحجّ ب 21 ح 6.

.................................................................................................


ومنها : صحيحة جميل عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال «المتمتع له المتعة إلى زوال الشمس من يوم عرفة ، وله الحجّ إلى زوال الشمس من يوم النحر» (1).

فإنّها تدل على جواز إتمام عمرة التمتّع إلى زوال الشمس من يوم عرفة ، ولا ريب أنّ السير من مكّة إلى عرفات ابتداءً من الزوال خصوصاً في الأزمنة السابقة يحتاج إلى زمان لا يقل عن أربع ساعات ، لأنّ المسافة بين مكّة وعرفات أربعة فراسخ تقريباً ، ولذا تقصّر الصلاة في عرفات ، فلا يدرك المتمتع الموقف بتمامه وإنّما يدرك الرّكن منه وهو المسمّى ، فالرواية تدل على استمراره في عمرته ما لم يفت منه الموقف الرّكني ، فيجوز الاكتفاء بالموقف الاختياري الرّكني ، فمدلول هذه الرّواية تطابق القاعدة المقتضية لصحّة الحجّ إذا أدرك الموقف الرّكني ، ولذا حكي عن السيِّد في المدارك أنّ الرّواية نص في المطلوب (2).

القسم الثّالث : الروايات الدالّة على التحديد بإدراك الناس بمنى ، والمراد به ليلة عرفة لاستحباب المبيت في منى ليلة عرفة وفي صبيحتها يذهب إلى عرفات.

فمنها : صحيحة شعيب العقرقوفي قال : «خرجت أنا وحديد فانتهينا إلى بستان يوم التروية فتقدمت على حمار فقدمت مكّة فطفت وسعيت وأحللت من تمتعي ثمّ أحرمت بالحج ، وقدم حديد من اللّيل فكتبت إلى أبي الحسن (عليه السلام) أستفتيه في أمره ، فكتب إليّ مره يطوف ويسعى ويحل من متعته ويحرم بالحج ويلحق الناس بمنى ولا يبيتنّ بمكّة» (3).

ومنها : صحيحة ابن مسلم قال : «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : إلى متى يكون للحاج عمرة؟ قال : إلى السحر من ليلة عرفة» (4).

فإنّ تحديد إتيان العمرة بالسحر من ليلة عرفة يقتضي الالتحاق بالناس بمنى في ليلة عرفة.


1) الوسائل 11 : 295 / أبواب أقسام الحجّ ب 20 ح 15.

2) المدارك 7 : 177.

3) الوسائل 11 : 292 / أبواب أقسام الحجّ ب 20 ح 4.

4) الوسائل 11 : 292 / أبواب أقسام الحجّ ب 20 ح 9.

.................................................................................................


ومنها : صحيحة أبي بصير قال : «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : المرأة تجي‌ء متمتعة فتطمث قبل أن تطوف بالبيت فيكون طهرها ليلة عرفة فقال : إن كانت تعلم أنّها تطهر وتطوف بالبيت وتحل من إحرامها وتلحق الناس بمنى فلتفعل» (1). ورواها أيضاً في أبواب الطّواف عن محمّد بن أبي حمزة عن بعض أصحابه عن أبي بصير وفيها «فيكون طهرها يوم عرفة» (2). والجواب عن هذه الرّوايات أوّلاً : أنّه لا قائل بمضمونها.

وثانياً : أنّه يمكن حملها على التقيّة.

وثالثاً : أنّ التحديد بإدراك الناس بمنى أي ليلة عرفة باعتبار أنّه إذا لم يلتحق الحاج الناس بمنى فربما يفوته موقف عرفة ، لبعد المسافة بين مكّة وعرفات لا سيما إذا كان الحاج من الضعفاء أو كانت امرأة ، وأمّا إذا ذهب الحاج إلى منى ليلة عرفة يمكنه الوصول إلى عرفة بسهولة.

ورابعاً : أنّ هذه الأخبار معارضة بصحيحتي جميل والحلبي (3)اللّتين دلّتا على أنّ العبرة بخوف فوت الرّكن من الوقوف ، والترجيح معهما لموافقتهما للكتاب والسنّة باعتبار أن من كانت وظيفته حجّ التمتّع لا يجوز له العدول إلى الإفراد والقِران إلّا بالمقدار المتيقن وهو ما لم يدرك موقف عرفة أصلاً.

القسم الرّابع : ما دلّ على التحديد بيوم التروية كصحيحة علي بن يقطين «وحد المتعة إلى يوم التروية» (4)وفي بعض الرّوايات حدّد بزوال الشمس من يوم التروية كصحيحة محمّد بن إسماعيل بن بزيع (5)وفي بعضها جعل العبرة بغروب الشمس من يوم التروية كما في صحيحة عيص بن القاسم (6).


1) الوسائل 11 : 292 / أبواب أقسام الحجّ ب 20 ح 3.

2) الوسائل 13 : 449 / أبواب الطّواف ب 84 ح 4.

3) المتقدمتين في ص 203 ، 204.

4) الوسائل 11 : 299 / أبواب أقسام الحجّ ب 21 ح 11.

5) الوسائل 11 : 299 / أبواب أقسام الحجّ ب 21 ح 14.

6) الوسائل 11 : 294 / أبواب أقسام الحجّ ب 20 ح 10.

.................................................................................................


والجواب عن هذه الرّوايات أوّلاً بأنّها معارضة بالروايات المتقدّمة الدالّة على جواز إتيان عمرة التمتّع إلى إدراك الناس بمنى ، أي ليلة عرفة الّتي يستحب المبيت فيها في منى ، بل في بعضها أنّ الإمام (عليه السلام) أتى بأعمال عمرة التمتّع ليلة عرفة (1).

وثانياً : معارضة لصحيحتي الحلبي وجميل الدالّتين على أنّ العبرة بدرك الوقوف الرّكني لعرفة وهو المسمّى منه.

ثمّ إنّ بعضهم ذهب إلى التخيير بين التمتّع والإفراد إذا فات زوال يوم التروية أو تمامه ، وزعم أنّ ذلك مقتضى الجمع بين النصوص.

والجواب عنه : إن كان مراده من التخيير التخيير في المسألة الأُصوليّة نظراً إلى تعارض الأخبار ، فيرد عليه : أنّ التخيير في تعارض الأخبار غير ثابت كما بيّن في علم الأُصول. على أنّ التخيير في المسألة الأُصوليّة وظيفة المجتهد لا العامي ، فإنّ المجتهد يتخيّر في الحجيّة ويفتي على طبق ما اختاره وليس ذلك وظيفة العامي.

وإن كان مراده من التخيير التخيير في الحكم الفرعي ، بمعنى أنّ الجمع العرفي بين الرّوايات يقتضي ذلك نظير التخيير بين القصر والإتمام.

ففيه : أنّه لا يمكن تطبيق ذلك على ما نحن فيه ، لأنّ التخيير إنّما يحكم به فيما إذا كان إطلاق كلّ من الدليلين ظاهراً في الوجوب التعييني ، فنرفع اليد عن ظهور كلّ منهما في التعيين بقرينة الأمر بالآخر ونتيجة ذلك هي التخيير ، ولا يمكن ذلك في المقام ، لأنّ الأخبار في المقام متعارضة نفياً وإثباتاً ، ومعه لا يصح الحمل على التخيير ، فإنّ بعض الرّوايات ينفي المتعة إلى يوم عرفة أو إلى ليلة عرفة ، وبعضها ينفي التمتّع إلى الموقف الرّكني من عرفة على ما عرفت ومعه لا مجال للحمل على التخيير.

فتلخص : أنّ حدّ الضيق المسوّغ للعدول من التمتّع إلى الإفراد أو القِران إنّما هو خوف فوات الرّكن من الوقوف الاختياري لعرفة وهو المسمّى منه ، استناداً إلى صحيحة الحلبي وصحيحة جميل المتقدّمتين (2)وغيرهما.


1) الوسائل 11 : 291 / أبواب أقسام الحجّ ب 20 ح 2.

2) في ص 203 ، 204.

مسألة 156 : إذا علم من وظيفته التمتّع ضيق الوقت عن إتمام العمرة ، وإدراك الحجّ قبل أن يدخل في العمرة لم يجز له العدول من الأوّل ، بل وجب عليه تأخير الحجّ إلى السنة القادمة (1).

مسألة 157 : إذا أحرم لعمرة التمتّع في سعة الوقت وأخّر الطّواف والسعي متعمّداً إلى زمان لا يمكن الإتيان فيه بهما وإدراك الحجّ بطلت عمرته ، ولا يجوز له العدول إلى الإفراد على الأظهر لكن الأحوط أن يعدل إليه ويتمّها بقصد الأعم من حجّ الإفراد والعمرة المفردة (2).


ومن جميع ما ذكرنا يظهر حال بقيّة الرّوايات كما يظهر ضعف بقيّة الأقوال.

(1) لعدم الدليل على جواز العدول في هذه الصورة ، وما دلّ عليه إنّما ورد في من دخل في عمرة التمتّع ثمّ ضاق وقته عن إتمامها.

فمن لم يتمكّن من حجّ التمتّع ومن أداء وظيفته من أوّل الأمر لا يجب عليه الحجّ ، بل يجب عليه تأخيره حتّى يتمكّن من أداء ما هو وظيفته.

(2) صور المسألة أربع :

الأُولى : جواز العدول إلى الإفراد ، لإطلاق الرّوايات الدالّة على جواز العدول لشمولها للعامد وغيره ، وإنّما يكون العامد آثماً في التأخير كما في نظائر المقام من التأخير العمدي ووصول الأمر إلى البدل الاضطراري كما إذا أخّر الصلاة عمداً حتّى ضاق الوقت عن الغسل أو الوضوء ، فإنّه يجب عليه التيمم حينئذ وتصح صلاته بلا إشكال وإن كان عاصياً في التأخير.

والجواب في ذلك : أنّ مورد الأخبار من كان عاجزاً في نفسه ، ولا إطلاق لها يشمل من كان متمكّناً ولكنّه بالاختيار جعل نفسه عاجزاً ، وحيث إنّ العدول على خلاف القاعدة فاللّازم هو الاقتصار على مورد الأخبار. ونتيجته عدم جواز العدول في التعجيز الاختياري.

.................................................................................................


وأمّا قياس المقام بباب الصلاة كما في المستمسك (1)ففي غير محلِّه ، لأنّ الصلاة لا تسقط بحال إجماعاً قطعيّاً ، ويستفاد ذلك ممّا ورد في المستحاضة من قوله (عليه السلام) : «لا تدع الصلاة على حال» (2)إذ لا نحتمل الاختصاص بالمستحاضة أو بالنِّساء ، فالصلاة لا بدّ من إتيانها بأي نحو كان ولو بتعجيز نفسه اختياراً عن القيام بأدائها كاملة.

الثّانية : أنّه يأتي بعمرة التمتّع كاملة ويكتفي بالوقوف الاضطراري لعرفة ، أو يأتي بالوقوف الاختياري للمشعر أو الوقوف الاضطراري له ، لأنّ المفروض عدم شمول أخبار العدول للمقام ، فيتم عمرة التمتّع ويأتي بأحد المواقف الثلاثة ، لإطلاق ما دلّ على أن من أدرك المشعر فقد تمّ حجّه.

وفيه : أنّ ما دلّ على الاكتفاء بالوقوف الاضطراري أو الاجتزاء بالوقوف في المشعر وإن لم يدرك عرفة أصلاً مختص بما إذا كان الاضطرار حاصلاً بطبعه وبنفسه ولا يشمل ما إذا جعل نفسه عاجزاً اختياراً ، فالقاعدة تقتضي فساد الحجّ.

الثّالثة : أن يجعل عمرته مفردة كمن أحرم للحج ولم يدرك المشعر أصلاً ، فإنّ عمرته تبطل ولا يبطل إحرامه ، وهذا أيضاً لا دليل عليه.

الرّابعة : الحكم ببطلان عمرته وإحرامه ، فإنّ الإحرام الصحيح هو الإحرام الّذي يتعقبه الطّواف في عمله هذا ، فإذا لم يتعقبه الطّواف ولو اختياراً انكشف بطلان إحرامه من الأوّل.

ولكن مع ذلك الأحوط العدول بقصد الأعم من إتمامها حج إفراد أو عمرة مفردة ولا يكتفي بذلك إذا كان الحجّ واجباً عليه.


1) المستمسك 11 : 234.

2) الوسائل 2 : 373 / أبواب الاستحاضة ب 1 ح 5.

حجّ الإفراد

مرّ عليك أنّ حج التمتّع يتألّف من جزأين هما : عمرة التمتّع والحجّ ، والجزء الأوّل متصل بالثاني والعمرة تتقدم على الحجّ.

أمّا حجّ الإفراد فهو عمل مستقل في نفسه واجب كما علمت على من يكون الفاصل بين منزله وبين المسجد الحرام أقل من ستّة عشر فرسخاً ، وفيما إذا تمكّن مثل هذا المكلّف من العمرة المفردة وجبت عليه بنحو الاستقلال أيضاً.

وعليه فإذا تمكّن من أحدهما دون الآخر وجب عليه ما يتمكّن منه خاصّة ، وإذا تمكّن من أحدهما في زمان ومن الآخر في زمان آخر وجب عليه القيام بما تقتضيه وظيفته في كل وقت ، وإذا تمكّن منهما في وقت واحد وجب عليه حينئذ الإتيان بهما ، والمشهور بين الفقهاء في هذه الصورة وجوب تقديم الحجّ على العمرة المفردة وهو الأحوط (1).


(1) قد ذكرنا في البحث عن العمرة أنّها واجبة على نحو الاستقلال على كلّ من استطاع لها خاصّة ولو لم يستطع للحج (1)، ولكن الظاهر عدم وجوبها منفردة على من كانت وظيفته حجّ التمتّع ، ولم يكن مستطيعاً له وإن استطاع لها.

وقد عرفت أنّ العمرة والحجّ مرتبطان لا ينفك أحدهما عن الآخر ، ولا يشرع أحدهما إلّا لمن شرع له الآخر إجماعاً ونصّاً ، بخلاف حجّ الإفراد فإنّه يجوز الإتيان بأحد النسكين دون الآخر في التطوّع ، وكذلك في الواجب إذا استطاع لأحدهما دون الآخر ، أو نذر أحدهما أو استؤجر لأحدهما دون الآخر ، فلا يرتبط أحدهما بالآخر. ولو استطاع لهما في سنة واحدة وجب الإتيان بهما.


1) في ص 149 المسألة 136.

مسألة 158 : يشترك حجّ الإفراد مع حجّ التمتّع في جميع أعماله ، ويفترق عنه في أُمور :

أوّلاً : يعتبر اتّصال العمرة بالحج في حجّ التمتّع ووقوعهما في سنة واحدة كما مرّ ولا يعتبر ذلك في حجّ الإفراد (1).

ثانياً : يجب النحر أو الذبح في حجّ التمتّع كما مرّ ولا يعتبر شي‌ء من ذلك في حجّ الإفراد (2).


وقد وقع الخلاف في تقديم أيّ منهما على الآخر ، والمعروف بين الفقهاء لزوم تقديم حجّ الإفراد على العمرة ، وبذلك يمتاز عن حجّ التمتّع بلزوم تقديم العمرة على حجّه وقد ادعي على ذلك الإجماع. وأمّا النصوص فلا يستفاد منها لزوم تأخّر العمرة عن حجّ الإفراد ، ولذا لا ريب أن الأحوط خروجاً عن مخالفة الفقهاء تقديم الحجّ على العمرة المفردة.

(1) تقدّم تفصيل ذلك في المسألة 139 ففي حجّ الإفراد لا يشترط ذلك إلّا من قبل المكلّف ، كما إذا استطاع لهما في سنة واحدة ، أو نذر الإتيان بهما في سنة واحدة ، أو استؤجر عليهما في سنة واحدة.

وثبوت الفوريّة في الإتيان بالعمرة لا يقتضي التوقيت ولا فساد الحجّ بتأخير العمرة عنه ، وإنّما يأثم بتأخير العمرة إذا كان مستطيعاً لها.

(2) أمّا وجوب الهدي على المتمتع فأمر مسلّم نطق به الكتاب العزيز ودلّت عليه النصوص على ما سيأتي إن شاء اللّه تعالى.

وأمّا عدم وجوبه على المفرد للحج فللتصريح به في بعض الرّوايات المعتبرة كصحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «المفرد للحج عليه طواف بالبيت وركعتان عند مقام إبراهيم وسعى بين الصفا والمروة ، وطواف الزيارة وهو طواف النِّساء وليس عليه هدي ولا أُضحية» (1).


1) الوسائل 11 : 221 / أبواب أقسام الحجّ ب 2 ح 13.

ثالثاً : لا يجوز تقديم الطّواف والسعي على الوقوفين في حجّ التمتّع مع الاختيار ، ويجوز ذلك في حجّ الإفراد (1).

رابعاً : أنّ إحرام حجّ التمتّع يكون بمكّة وأمّا الإحرام في حجّ الإفراد فهو من أحد المواقيت الآتية (2).

خامساً : يجب تقديم عمرة التمتّع على حجّه ، ولا يعتبر ذلك في حجّ الإفراد (3).


(1) أمّا عدم جواز تقديمهما على الوقوفين في حجّ التمتّع فيأتي في المسألة 412 إن شاء اللّه تعالى.

وأمّا جواز تقديمهما في حجّ الإفراد فهو قول الأكثر ، وتدل عليه الأخبار الكثيرة المعتبرة ، منها : صحيحة حماد بن عثمان قال : «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن مفرد الحجّ أيعجّل طوافه أو يؤخره؟ قال : هو واللّه سواء عجّله أو أخّره» (1).

(2) محل الإحرام لحجّ التمتّع بطن مكّة على ما سيأتي في بحث المواقيت في المسألة 163 وفي المسألة 361.

وأمّا المفرد للحج فمحل إحرامه أحد المواقيت الآتية ، لأن من أتى على ميقات لزمه الإحرام منه ، ولا يجوز لمن يريد النسك المرور من الميقات بدون الإحرام منه ، نعم لو كان منزله دون الميقات فمنزله ميقاته ، ولا يجب عليه أن يذهب إلى الميقات ، كما أنّه لو كان من أهل مكّة أحرم منها كالمتمتع.

(3) أمّا لزوم تقديم العمرة على الحجّ في التمتّع فقد تقدّم وجهه في المسألة 147.

وأمّا في حجّ الإفراد فقد عرفت أنّ المشهور بين الفقهاء تقديم الحجّ على العمرة المفردة ، وإن كان لا دليل عليه ولكنّه أحوط.


1) الوسائل 11 : 282 / أبواب أقسام الحجّ ب 14 ح 1.

سادساً : لا يجوز بعد إحرام حجّ التمتّع الطّواف المندوب على الأحوط الوجوبي ويجوز ذلك في حجّ الإفراد (1).

مسألة 159 : إذا أحرم لحج الإفراد ندباً جاز له أن يعدل إلى عمرة التمتّع ، إلّا فيما إذا لبى بعد السعي فليس له العدول حينئذ إلى التمتّع (2).


(1) أمّا حكم الطّواف المندوب بعد إحرام حجّ التمتّع فنذكره في المسألة 364.

وأمّا جواز الطّواف المندوب للمفرد إذا دخل مكّة قبل الإتيان بأعمال الحجّ فالظاهر أنّه لا خلاف فيه ، ويدلُّ عليه من الأخبار ما دلّ على رجحان الطّواف في كلّ زمان (1)ولا منع في البين ، فمقتضى الأصل هو الجواز ولا معارض له ، والمنع إنّما يختص بإحرام حجّ التمتّع. واستدلّ على ذلك في الحدائق (2)بحسنة معاوية بن عمار قال : «سألته عن المفرد للحج هل يطوف بالبيت بعد طواف الفريضة؟ قال : نعم ، ما شاء» (3)فتأمّل.

(2) لا خلاف بين العلماء في أنّه يجوز لمفرد الحجّ الّذي تجوز له المتعة إذا دخل مكّة أن يعدل إلى التمتّع اختياراً ، وقد ادّعي عليه الإجماع ، وتدل عليه عدّة من النصوص ادّعى صاحب الجواهر (4)تظافرها أو تواترها.

منها : صحيحة معاوية بن عمار ، قال : «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل لبى بالحج مفرداً ، ثمّ دخل مكّة وطاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة ، قال : فليحل وليجعلها متعة ، إلّا أن يكون ساق الهدي فلا يستطيع أن يحل حتّى يبلغ الهدي محلِّه» (5).


1) الوسائل 13 : 302 / أبواب الطّواف ب 2.

2) الحدائق 14 : 376.

3) الوسائل 11 : 286 / أبواب أقسام الحجّ ب 16 ح 2.

4) الجواهر 18 : 71.

5) الوسائل 12 : 352 / أبواب الإحرام ب 22 ح 5.

.................................................................................................


واستدلّ صاحب الجواهر (1)بأخبار حجّة الوداع الّتي أمر النّبيّ (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) فيها من لم يسق هدياً من أصحابه بذلك حتّى قال (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) : «أنّه لو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق هدياً» (2).

وربما يشكل على هذا الاستدلال بأنّ الظاهر منها أنّ هذا العدول على سبيل الوجوب ، حيث إنّه نزل جبرئيل (عليه السلام) بوجوب التمتّع على أهل الآفاق وكلامنا في من تجوز له المتعة والإفراد.

والجواب : أنّ أمره (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) جميع أصحابه بذلك مع القطع بأنّ منهم من أدّى حجّة الإسلام الّذي يجوز له الأنواع الثلاثة من الحجّ ، أوضح شي‌ء في الدلالة على المطلوب ، ولا ينافيه شموله لمن وجب عليه الحجّ كأكثر الأصحاب الّذين كانوا معه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم).

وعلى كلّ حال لا إشكال ولا خلاف في أصل جواز العدول ، فما عن أبي علي من اشتراط العدول بالجهل بوجوب العمرة (3)لا شاهد له أصلاً.

نعم ، يشترط العدول بعدم وقوع التلبية بعد طوافه وسعيه لموثق إسحاق بن عمار قال «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : رجل يفرد الحجّ فيطوف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة ، ثمّ يبدو له أن يجعلها عمرة ، قال : إن كان لبى بعد ما سعى قبل أن يقصّر فلا متعة له» (4).

والرّواية معتبرة واضحة الدلالة وعمل بها بعضهم ، فلا موجب لرفع اليد عنها أو حملها على غير ظاهرها.


1) الجواهر 18 : 71.

2) الوسائل 11 : 213 / أبواب أقسام الحجّ ب 2 ح 4 ، 14 والظاهر أنّ ما في الكتاب منقول بالمعنى.

3) نقله عنه في الدروس 1 : 333.

4) الوسائل 11 : 290 / أبواب أقسام الحجّ ب 19 ح 1.

مسألة 160 : إذا أحرم لحج الإفراد ودخل مكّة جاز له أن يطوف بالبيت ندباً ، ولكن يجب عليه التلبية بعد الفراغ من صلاة الطّواف على الأحوط (1).

حجّ القِران

مسألة 161 : يتّحد هذا العمل مع حجّ الإفراد في جميع الجهات غير أنّ المكلّف يصحب معه الهدي وقت الإحرام ، وبذلك يجب الهدي عليه (2).


(1) قد عرفت أنّ من جملة ما امتاز به حجّ الإفراد عن حجّ التمتّع عدم جواز إتيان الطّواف المندوب بعد إحرام حجّ التمتّع وجوازه بعد الإحرام لحج الإفراد ، ولكن يجب عليه التلبية بعد الفراغ من صلاة الطّواف المندوب ، وتدل عليه حسنة معاوية بن عمار المتقدّمة قال : «سألته عن المفرد للحج هل يطوف بالبيت بعد طواف الفريضة؟ قال : نعم ما شاء ويجدد التلبية بعد الرّكعتين ، والقارن بتلك المنزلة ، يعقدان ما أحلّا من الطّواف بالتلبية» (1).

ولا يخفى أنّها تدل على وجوب التلبية في بعض صور المسألة ، وهو ما لو طاف الطّواف المندوب بعد طواف الفريضة ، وكلامنا في جواز إتيان الطّواف المندوب بعد إحرام حجّ الإفراد وإن لم يطف طواف الفريضة ، ولذا قال صاحب الجواهر لا بأس بالاستدلال بهذه الرّواية وإن كان خاصّاً ببعض صور المدّعى (2).

على أنّه حكي الإجماع على العدم ، فالاحتياط المذكور في المتن في محلِّه.

(2) أفعال القِران وشروطه كالإفراد ، غير أنّه يتميّز عنه بسياق الهدي عند إحرامه ، وتدل على ذلك أخبار كثيرة.

منها : صحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : «القارن لا يكون إلّا


1) الوسائل 11 : 256 / أبواب أقسام الحجّ ب 16 ح 2.

2) الجواهر 18 : 58.

والإحرام في هذا القسم من الحجّ كما يكون بالتلبية يكون بالإشعار أو بالتقليد (1)


بسياق الهدي» (1).

ومنها : صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «إنّما نسك الّذي يقرن بين الصفا والمروة مثل نسك المفرد ليس بأفضل منه إلّا بسياق الهدي» (2).

قال في الوافي بعد نقل هذا الخبر : «يقرن بين الصفا والمروة» هكذا وجدناه في النسخ الّتي رأيناها ، ويشبه أن يكون وهماً من الرّاوي ، إذ لا معنى للقران بين الصفا والمروة ، ولعل الصواب يقرن بين الحجّ والعمرة كما قاله في آخر الحديث ، «أيّما رجل قرن بين الحجّ والعمرة فلا يصلح إلّا أن يسوق الهدي» (3).

ومنها : صحيحة الفضيل بن يسار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «القارن الّذي يسوق الهدي عليه طوافان» الحديث (4).

(1) يتخيّر القارن في عقد إحرامه بالتلبية والإشعار والتقليد وفاقاً للمحكي عن الأكثر ، للنصوص :

منها : صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «يوجب الإحرام ثلاثة أشياء : التلبية والإشعار والتقليد ، فإذا فعل شيئاً من هذه الثلاثة فقد أحرم» (5).

ومنها : صحيح عمر بن يزيد «من أشعر بدنته فقد أحرم وإن لم يتكلم بقليل ولا كثير» (6).

ومنها : صحيحة معاوية بن عمار قال : «تقلّدها نعلاً خلقا قد صلّيت فيها والإشعار والتقليد بمنزلة التلبية» (7).


1) الوسائل 11 : 221 / أبواب أقسام الحجّ ب 2 ح 12.

2) الوسائل 11 : 221 / أبواب أقسام الحجّ ب 2 ح 6.

3) الوافي 8 : 458.

4) الوسائل 11 : 213 / أبواب أقسام الحجّ ب 2 ح 3.

5) الوسائل 11 : 279 / أبواب أقسام الحجّ ب 12 ح 20.

6) الوسائل 11 : 279 / أبواب أقسام الحجّ ب 12 ح 21.

7) الوسائل 11 : 277 / أبواب أقسام الحجّ ب 12 ح 11.

وإذا أحرم لحج القِران لم يجز له العدول إلى حجّ التمتّع (1).


خلافاً للمحكي عن السيِّد (1)وابن إدريس (2)فلم يعقدا الإحرام إلّا بالتلبية للإجماع عليها دون غيرها ، وللاحتياط. ويردّهما الرّوايات المذكورة.

وخلافاً للشيخ (3)وابني البراج (4)وحمزة (5)فاشترطوا العقد بهما بالعجز عن التلبية جمعاً بين النصوص. ويردّهم إطلاق الرّوايات المتقدّمة.

(1) للإجماع بقسميه كما في الجواهر (6)وللنصوص الّتي ادّعى تواترها :

منها : صحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث قال : «أيّما رجل قرن بين الحجّ والعمرة فلا يصلح إلّا أن يسوق الهدي قد أشعره وقلّده ، قال : وإن كان لم يسق الهدي فليجعلها متعة» (7).

وفي صحيحة معاوية بن عمار «عن رجل لبى بالحج مفرداً فقدم مكّة وطاف بالبيت وصلّى ركعتين عند مقام إبراهيم (عليه السلام) وسعى بين الصفا والمروة ، قال : فليحل وليجعلها متعة إلّا أن يكون ساق الهدي» (8).


1) الإنتصار : 253.

2) السرائر 1 : 532.

3) المبسوط 1 : 308.

4) لاحظ المهذّب 1 : 215 ، 216.

5) الوسيلة : 158.

6) الجواهر 18 : 74.

7) الوسائل 11 : 254 / أبواب أقسام الحجّ ب 5 ح 2.

8) الوسائل 11 : 255 / أبواب أقسام الحجّ ب 5 ح 4.

مواقيت الإحرام

هناك أماكن خصّصتها الشريعة الإسلاميّة المطهّرة للإحرام منها ، ويجب أن يكون الإحرام من تلك الأماكن ويسمّى كلّ منها ميقاتاً وهي عشرة (1) :


(1) المواقيت جمع ميقات ، وعن الجوهري الميقات : الوقت المضروب للفعل والموضع ، يقال : هذا ميقات أهل الشام للموضع الّذي يحرمون منه (1)ونحوه عبارة القاموس (2). وظاهر هذا الكلام أنّ إطلاقه على الوقت والموضع على نحو الحقيقة ولكن يظهر من المصباح أنّ إطلاق الميقات على الموضع على نحو المجاز ، قال : الوقت مقدار من الزمان والجمع أوقات ، والميقات : الوقت والجمع مواقيت ، وقد أستعير الوقت للمكان ، ومنه مواقيت الحجّ لمواضع الإحرام (3).

وكيف كان لا ريب أنّ المراد به في المقام المواضع الخاصّة للإحرام الّتي وقّتها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) لأهل الآفاق حين لم يكن للإسلام رسم ولا اسم ، لا بمصر ولا الشام ولا العراق ، فكان ذلك من أعلام نبوّته (صلّى اللّه عليه وآله وسلم).

وأمّا وجوب الإحرام من هذه المواضع الخاصة ، فيدل عليه صحيح معاوية بن عمار «من تمام الحجّ والعمرة أن تحرم من المواقيت الّتي وقّتها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) لا تجاوزها إلّا وأنت محرم» الحديث (4).

وصحيح الحلبي «الإحرام من مواقيت خمسة وقّتها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) لا ينبغي لحاج ولا لمعتمر أن يحرم قبلها ولا بعدها» (5).


1) الصحاح 1 : 269.

2) القاموس 1 : 160.

3) المصباح المنير : 667.

4) الوسائل 11 : 307 / أبواب المواقيت ب 1 ح 2.

5) الوسائل 11 : 308 / أبواب المواقيت ب 1 ح 3.

الأوّل : مسجد الشجرة ، ويقع قريباً من المدينة المنوّرة وهو ميقات أهل المدينة ، وكل من أراد الحجّ عن طريق المدينة (1)


(1) اعلم أنّ مكان عقد الإحرام الّذي يدعى بالميقات يختلف باختلاف الطريق الّتي يسير المكلّف فيها ويمضي إلى مكّة ، فالّذي طريقه من المدينة المنوّرة وإن لم يكن من أهل المدينة ميقاته ذو الحليفة ويسمّى بمسجد الشجرة أيضاً ، والروايات في ذلك كثيرة.

منها : صحيحة أبي أيّوب الخزاز عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث «فقال : إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) وقّت لأهل المدينة ذا الحليفة» (1).

ومنها : صحيحة معاوية بن عمار «ووقّت لأهل المدينة ذا الحليفة» (2).

إنّما الكلام في أنّ الميقات هل هو المكان المسمّى بذي الحليفة الّذي فيه مسجد الشجرة أو أنّ الميقات نفس المسجد؟ والأخبار في ذلك مختلفة ، ففي بعضها أنّ الميقات الشجرة (3)، وفي بعضها أنّه ذو الحليفة وهو مسجد الشجرة (4)، وفي بعضها أنّه ذو الحليفة (5)ولم يرد في شي‌ء من الرّوايات الأمر بالإحرام من مسجد الشجرة أو أنّه الميقات ، بل الوارد فيها كما ذكرنا أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) وقّت لأهل المدينة ذا الحليفة وهي الشجرة (6)، كما أنّه ورد فيها أنّ ذا الحليفة هو مسجد الشجرة ، ولا يبعد أن يكون المتفاهم من الرّوايات الواردة في المقام أنّ مسجد الشجرة اسم للمكان الّذي فيه المسجد ، وليس اسماً لنفس المسجد ، نظير تسمية بعض البلاد بمسجد سليمان ، فمجموع المضاف والمضاف إليه اسم لهذه المنطقة من الأرض ، فهذه


1) الوسائل 11 : 307 / أبواب المواقيت ب 1 ح 1.

2) الوسائل 11 : 307 / أبواب المواقيت ب 1 ح 2.

3) الوسائل 11 : 310 / أبواب المواقيت ب 1 ح 9.

4) الوسائل 11 : 308 / أبواب المواقيت ب 1 ح 3.

5) الوسائل 11 : 307 / أبواب المواقيت ب 1 ح 1 ، 6.

6) الوسائل 11 : 309 / أبواب المواقيت ب 1 ح 7.

ويجوز الإحرام من خارج المسجد محاذياً له من اليسار أو اليمين ، والأحوط الإحرام من نفس المسجد مع الإمكان.


البقعة لها اسمان أحدهما : ذو الحليفة ، وثانيهما : مسجد الشجرة ، وعليه فيجوز الإحرام من أيّ موضع من مواضع هذه البقعة الّتي فيها مسجد الشجرة ، ولا يلزم الإحرام من نفس المسجد.

نعم ، ورد في رواية أنّ النّبيّ (صلّى اللّه عليه وآله) أحرم من مسجد الشجرة (1)ولكنها لا تدل على أنّه (صلّى اللّه عليه وآله) عيّنه ميقاتاً ، وإنّما تحكي فعل النّبيّ (صلّى اللّه عليه وآله) وإحرامه منه ، ولا إشكال في جواز ذلك. مضافاً إلى ضعف السند فالمطلقات الدالّة على أنّ الميقات ذو الحليفة بحالها وسالمة من التقييد.

نعم ، لا ريب في أنّ الأحوط الإحرام من نفس المسجد ، لأنّه القدر المتيقن من الميقات.

وأمّا كونه ميقاتاً لمن يمرّ عليه وإن لم يكن من أهل المدينة ، فتدل عليه جملة من الرّوايات :

منها : صحيحة صفوان عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال : «كتبت إليه أنّ بعض مواليك بالبصرة يحرمون ببطن العقيق ، وليس بذلك الموضع ماء ولا منزل وعليهم في ذلك مئونة شديدة ويعجّلهم أصحابهم وجمالهم ومن وراء بطن العقيق بخمسة عشر ميلاً منزل فيه ماء وهو منزلهم الّذي ينزلون فيه فترى أن يحرموا من موضع الماء لرفقة بهم وخفته عليهم؟ فكتب إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) وقّت المواقيت لأهلها ومن أتى عليها من غير أهلها» (2).


1) الوسائل 11 : 311 / أبواب المواقيت ب 1 ح 13.

2) الوسائل 11 : 331 / أبواب المواقيت ب 15 ح 1.

مسألة 162 : لا يجوز تأخير الإحرام من مسجد الشجرة إلى الجحفة إلّا لضرورة من مرض أو ضعف أو غيرهما من الموانع (1).


(1) المعروف بين الفقهاء عدم جواز تأخير الإحرام من مسجد الشجرة إلى الجحفة للمختار ، ونسب إلى بعض القدماء جواز التأخير اختياراً.

والصحيح ما عليه المشهور ، للروايات العامّة الدالّة على توقيت المواقيت وأنّه لا يجوز لحاج ولا لمعتمر أن يعدل عن تلك المواقيت إلى غيرها ، ففي صحيحة معاوية ابن عمار «لا تجاوزها إلّا وأنت محرم» (1).

وللروايات الخاصّة الّتي يستفاد منها جواز التأخير في خصوص صورتي المرض والضعف ونحوهما من الموانع ، كمعتبرة أبي بكر الحضرمي ، قال «قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : إنّي خرجت بأهلي ماشياً فلم أهل حتّى أتيت الجحفة ، وقد كنت شاكياً إلى أن قال - : وقد رخص رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) لمن كان مريضاً أو ضعيفاً أن يحرم من الجحفة» (2)وأبو بكر الحضرمي على ما يظهر من ترجمته ثقة جليل (3)، مضافاً إلى أنّه من رجال تفسير علي بن إبراهيم القمي وكامل الزيارات.

واستدلّ القائل بجواز تأخير الإحرام اختياراً إلى الجحفة ببعض المطلقات القابلة للتقييد بصورتي المرض والعجز ، كصحيحة علي بن جعفر «وأهل المدينة من ذي الحليفة والجحفة» (4)وهي نص في التخيير وجواز الإحرام من الموضعين ، ولكنها لا تزيد على الإطلاق ، فيقيّد بما دلّ على اختصاص الجواز للمريض والمعذور. ونحوها صحيحة معاوية بن عمار (5).

وأمّا صحيح الحلبي «من أين يحرم الرّجل إذا جاوز الشجرة؟ فقال : من الجحفة


1) الوسائل 11 : 307 / أبواب المواقيت ب 1 ح 2.

2) الوسائل 11 : 317 / أبواب المواقيت ب 6 ح 5.

3) راجع معجم الرّجال 11 : 317.

4) الوسائل 11 : 309 / أبواب المواقيت ب 1 ح 5.

5) الوسائل 11 : 316 / أبواب المواقيت ب 6 ح 1.

.................................................................................................


ولا يجاوز الجحفة إلّا محرماً» (1)فإنّما يدل على حكم من تجاوز الشجرة ويسأل الإمام (عليه السلام) في فرض عدم الإحرام من الشجرة ، ولا يدل على جواز تأخير الإحرام اختياراً وعمداً.

فالمتحصل من الرّوايات : أنّ التأخير اختياراً غير جائز وإنّما يجوز في فرض المرض والضعف.

وهل يعم جواز التأخير سائر الأعذار العرفيّة كشدّة البرد والحرّ أم يختص بالمرض والضعف كما في النصوص؟ فعن جماعة التعميم ومنهم السيِّد في العروة (2). وعن آخرين اختصاص الجواز بالمريض والضعيف.

ويمكن أن يقال بالتفصيل بين العذر البالغ حدّ الضرر والحرج وبين غير ذلك فيجوز في الأوّل دون الثّاني ، لحكومة أدلّة الضرر والحرج على التكاليف الإلزاميّة الأوّليّة ، ولكن المرفوع في الفرض الأوّل وجوب الإحرام من مسجد الشجرة ، وأمّا جواز الإحرام من الجحفة فيحتاج إلى دليل آخر ، وذلك لأنّ دليل نفي الضرر والحرج بما أنّه امتناني شأنه رفع الحكم الثابت إذا كان ضرريّاً أو حرجيّا لا وضع الحكم بجواز الإحرام من الجحفة ، فلا بدّ من التماس دليل آخر يثبت لنا جواز ذلك ، فالمرجع حينئذ إطلاق ما دلّ على التخيير بين الإحرام من مسجد الشجرة والجحفة كصحيح علي بن جعفر المتقدّم (3)، وبما أنّه غير متمكّن من الإحرام من مسجد الشجرة على الفرض يثبت القول الآخر وهو الإحرام من الجحفة.

وبعبارة أوضح : قد عرفت أنّ صحيح علي بن جعفر الدال على التخيير وجواز الإحرام من الجحفة قد رفعنا اليد عن إطلاقه بالنسبة إلى المتمكّن وحملناه على المريض والضعيف ، وأمّا من لم يكن مكلّفاً بالإحرام من ذي الحليفة فيتعيّن عليه الفرد الآخر من الواجب التخييري ، لسقوط وجوب الإحرام من مسجد الشجرة عنه على الفرض.


1) الوسائل 11 : 316 / أبواب المواقيت ب 6 ح 3.

2) العروة الوثقى 2 : 343 / 3213.

3) في ص 220.

الثّاني : وادي العقيق ، وهو ميقات أهل العراق ونجد (1) وكلّ من مرّ عليه من غيرهم ، وهذا الميقات له أجزاء ثلاثة : المسلخ وهو اسم لأوّله. والغمرة وهو اسم لوسطه. وذات عرق وهو اسم لآخره. والأحوط الأولى أن يحرم المكلّف قبل أن يصل ذات عرق فيما إذا لم تمنعه عن ذلك تقيّة أو مرض.


ولو لم يبلغ العذر حدّ الضرر والحرج الشديد كموارد الحاجة الشخصيّة أو الحرج العرفي كالبرد والحر ونحو ذلك ، فلا يمكن الحكم بجواز التأخير إلى الجحفة لعدم الدليل واختصاصه بالمريض والضعيف كما في معتبرة الحضرمي المتقدّمة (1)، وحملها على مجرّد المثال لا شاهد عليه ، بل مقتضى صحيح إبراهيم بن عبد الحميد (2)عدم جواز الإحرام من غير مسجد الشجرة في كثرة البرد ونحوها من الأعذار العرفيّة.

وبالجملة : التعدّي من هذين الموردين إلى سائر موارد العذر مشكل جدّاً ، بل اللّازم الاقتصار عليهما.

فالنتيجة عدم جواز تأخير الإحرام إلى الجحفة ما لم يبلغ حدّ الحرج أو الضرر.

(1) لا إشكال ولا خلاف في ذلك ، وقد دلّت على ذلك أخبار كثيرة.

منها : صحيحة أبي أيّوب الخزاز «ووقّت لأهل نجد العقيق» (3).

ومنها : صحيحة معاوية بن عمار «فإنّه وقّت لأهل العراق ولم يكن يومئذ عراق بطن العقيق من قبل أهل العراق» (4).

ومنها : صحيح الحلبي «ووقّت لأهل النجد العقيق» (5).

ومنها : صحيح علي بن جعفر «وقّت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) لأهل العراق من العقيق» (6).


1) في ص 220.

2) الوسائل 11 : 318 / أبواب المواقيت ب 8 ح 1.

3) الوسائل 11 : 307 / أبواب المواقيت ب 1 ح 1.

4) الوسائل 11 : 307 / أبواب المواقيت ب 1 ح 2.

5) الوسائل 11 : 308 / أبواب المواقيت ب 1 ح 3.

6) الوسائل 11 : 310 / أبواب المواقيت ب 1 ح 9.

.................................................................................................


ولكن في صحيح عمر بن يزيد أنّ قرن المنازل ميقات لأهل نجد (1)فيخالف هذا الخبر الأخبار المتقدّمة.

وأجاب صاحب الحدائق عن ذلك أوّلاً : بالحمل على التقيّة ، لما رووا أنّه لمّا فتح المصران أتوا عمر فقالوا : يا أمير المؤمنين إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) حد لأهل نجد قرن المنازل ، وإنّا إذا أردنا قرن المنازل شقّ علينا ، قال : فانظروا حذوها ، فحدّ لهم ذات عرق» ولذا ذكر جملة منهم أنّ ميقات العراق إنّما ثبت قياساً لا نصّاً عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم).

وثانياً : يمكن أن يكون لأهل نجد طريقان : أحدهما يمر بالعقيق والآخر يمر بقرن المنازل (2).

وبالجملة : لا ريب ولا كلام في أنّ وادي العقيق ميقات أهل العراق ونجد وكلّ من يمرّ عليه.

وإنّما الكلام في حد وادي العقيق من حيث المبدأ والمنتهى ، والأخبار في ذلك مختلفة فيقع الكلام في موضعين :

أحدهما : في المبدأ ، ففي بعض الأخبار أنّ أوّل العقيق ومبدأه هو المسلخ كمعتبرة أبي بصير الّتي ذكر فيها المبدأ والمنتهى معاً قال «سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول : حدّ العقيق أوّله المسلخ وآخره ذات عرق» (3).

وقد يتوهّم أنّ الخبر ضعيف السند لوقوع عمار بن مروان وحسن بن محمّد في السند فإنّ الأوّل مردد بين عمار بن مروان اليشكري الموثق وبين عمار بن مروان الكلبي غير الموثق ، والثّاني مجهول الحال ، ولذا عبّر غير واحد عنه بالخبر المشعر بالضعف.

والجواب : أنّ عمار بن مروان وإن كان مشتركاً بين اليشكري والكلبي ، ولكن


1) الوسائل 11 : 309 / أبواب المواقيت ب 1 ح 6.

2) الحدائق 14 : 439.

3) الوسائل 11 : 313 / أبواب المواقيت ب 2 ح 7.

.................................................................................................


المراد به هو اليشكري الثقة ، لأنّه المعروف ولديه كتاب ، وهذا الاسم عند الإطلاق ينصرف إليه ، وأمّا الكلبي فغير معروف في الرواة وليس له كتاب حتّى أنّ الشيخ لم يذكره.

وأمّا الحسن بن محمّد فالظاهر أنّه الحسن بن محمّد بن سماعة الموثق بقرينة روايته عن محمّد بن زياد وهو ابن أبي عمير ، لكثرة رواياته عنه.

وفي بعض الأخبار أنّ أوّل العقيق قبل المسلخ ، كمعتبرة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «أوّل العقيق بريد البعث وهو دون المسلخ بستّة أميال ممّا يلي العراق» (1)وكذا يستفاد من صحيح عمر بن يزيد «وقّت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) لأهل المشرق العقيق نحواً من بريدين ما بين بريد البعث إلى غمرة» (2)وبريد البعث دون المسلخ أي قبله ، كما فسّره بذلك في رواية معاوية بن عمار المتقدّمة فيتحقق التنافي بين الأخبار.

ويجاب عن ذلك بأنّ هذه الرّوايات تدل على إطلاق اسم العقيق على قبل المسلخ وذلك أعم من جواز الإحرام منه ، إذ لا ملازمة بين إطلاق اسم العقيق على مكان خاص وجواز الإحرام منه ، لإمكان اختصاص جواز الإحرام بموضع خاص من وادي العقيق.

وتؤكّد ما ذكرنا صحيحة معاوية بن عمار «فإنّه وقّت لأهل العراق ولم يكن يومئذ عراق ، بطن العقيق من قبل أهل العراق» (3)فيعلم أنّ تمام وادي العقيق ليس بميقات وإنّما الميقات بطنه ، فتكون هذه الصحيحة مقيّدة لإطلاق ما دلّ على أنّ وادي العقيق ميقات. وقد يؤيّد ما ذكرنا نفس التسمية بالمسلخ باعتبار تجرّد الحاج وتسلخه من الثياب في هذا المكان.


1) الوسائل 11 : 312 / أبواب المواقيت ب 2 ح 2.

2) الوسائل 11 : 309 / أبواب المواقيت ب 1 ح 6.

3) الوسائل 11 : 307 / أبواب المواقيت ب 1 ح 2.

.................................................................................................


هذا كلّه مضافاً إلى أنّه لم يقل أحد من الأصحاب بتوسعة الميقات بهذا المقدار فلا تعارض ولا تنافي في البين ، فإنّ الأخبار الدالّة على التوسعة إنّما تدل على توسعة الوادي لا توسعة الميقات ، وإلّا فالميقات أضيق من ذلك ، وأوّله المسلخ وإن سمي قبله بالعقيق أيضاً.

ثانيهما : من حيث المنتهي ، ففي جملة من الأخبار أنّ منتهى العقيق غمرة :

منها : صحيحة عمر بن يزيد قال : «وقّت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) لأهل المشرق العقيق نحواً من بريد ، ما بين بريد البعث إلى غمرة» (1).

وفي التهذيب «نحواً من بريدين» (2)وهو الصحيح.

ويستفاد منها ومن غيرها من الرّوايات أنّ مسافة العقيق بريدان ، وأنّه ما بين بريد البعث إلى غمرة ، فيتحد مضمونها مع ما تضمنته صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «آخر العقيق بريد أوطاس ، وقال بريد البعث دون غمرة ببريدين» (3)ويظهر منها أنّ بريد أوطاس اسم آخر لغمرة.

ومنها : صحيحة أُخرى لمعاوية بن عمار قال : «أوّل العقيق بريد البعث وهو دون المسلخ بستّة أميال ممّا يلي العراق ، وبينه وبين غمرة أربعة وعشرون ميلاً بريدان» (4).

ويعارضها ما دلّ على أنّ آخر العقيق ذات عرق كصحيحة أبي بصير المتقدّمة (5)المصرحة بذلك.

وتدلّ على ذلك أيضاً معتبرة إسحاق بن عمار الدالّة على أنّ الصادق (عليه السلام) أحرم من ذات عرق بالحج (6).


1) الوسائل 11 : 309 / أبواب المواقيت ب 1 ح 6.

2) التهذيب 5 : 56 / 170.

3) الوسائل 11 : 312 / أبواب المواقيت ب 2 ح 1.

4) الوسائل 11 : 312 / أبواب المواقيت ب 2 ح 2.

5) في ص 223.

6) الوسائل 11 : 303 / أبواب أقسام الحجّ ب 22 ح 8.

مسألة 163 : يجوز الإحرام في حال التقيّة قبل ذات عرق سرّاً من غير نزع الثياب إلى ذات عرق (1)


والجواب عن ذلك : أنّ الرّوايات الأُول المحدّدة بغمرة ظاهرة في عدم جواز تأخير الإحرام عن غمرة. وهذه الروايات صريحة في جواز التأخير إلى ذات عرق ، فنرفع اليد عن ظهور تلك الرّوايات في عدم الجواز بصراحة هذه الرّوايات في جواز التأخير إلى ذات عرق ، فالنتيجة حمل تلك الرّوايات على أفضلية الإحرام في غمرة وجواز الإحرام من ذات عرق مع المرجوحيّة.

وأفضل من ذلك الإحرام من المسلخ أي أوّل العقيق ، وقد عقد صاحب الوسائل باباً مستقلا لذلك (1).

فظهر من جميع ما ذكرنا أنّه يجوز الإحرام من المسلخ ومن الغمرة ومن ذات عرق ، والأفضل من المسلخ ثمّ من الغمرة ثمّ من ذات عرق ، بل الأحوط الأولى الإحرام قبل أن يصل ذات عرق لاحتمال خروج ذات عرق من العقيق ، هذا فيما إذا لم تمنعه عن ذلك تقيّة أو مرض وإلّا فلا إشكال في جواز التأخير إلى ذات عرق (2)

وغمرة بالغين المعجمة والرّاء المهملة الساكنة : منهل من مناهل مكّة ، وهو فصل ما بين نجد وتهامة ، وإنّما سمّيت بها ، لزحمة الناس بها ، وذات عرق : جبل صغير أو قليل من الماء وقيل : إنّها كانت قرية فخربت. [لسان العرب 5 : 33. تهذيب اللّغة 8 : 129].

بريد البعث قال في الوافي في شرحه على الحديث : البعث بالموحدة ثمّ المهملة ثمّ المثلثة أوّل العقيق وهو بمعنى الجيش ، كأنه بعث الجيش من هناك ولم نجده في اللّغة اسماً لموضع. الوافي 12 : 483.

.

(1) لأنّ لبس ثوبي الإحرام غير دخيل في حقيقة الإحرام ، وإنّما هو واجب مستقل آخر ، فيمكن تحقق الإحرام منه وإن لم يلبس ثوبي الإحرام.


1) الوسائل 11 : 314 / أبواب أقسام الحجّ ب 3.

2) المسلح إمّا بالسّين والحاء المهملتين واحد المسالح : وهي المواضع العالية ، أو بالخاء المعجمة من السلخ وهو النزع ، لأنّه تنزع فيه الثياب للإحرام. [لسان العرب 2 : 487، 3 : 25].

فإذا وصل ذات عرق نزع ثيابه ولبس ثوبي الإحرام هناك (1).

الثّالث : الجحفة ، وهي ميقات أهل الشام ومصر والمغرب وكلّ من يمر عليها من غيرهم إذا لم يحرم من الميقات السابق عليها.

الرّابع : يلملم ، وهو ميقات أهل اليمن ، وكلّ من يمرّ من ذلك الطريق ، ويلملم اسم لجبل.

الخامس : قرن المنازل وهو ميقات أهل الطائف وكلّ من يمر من ذلك الطريق ولا يختص بالمسجد فأيّ مكان يصدق عليه أنّه من قرن المنازل جاز له الإحرام منه ، فإن لم يتمكّن من إحراز ذلك فله أن يتخلّص بالإحرام قبلاً بالنذر كما هو جائز اختيارا (2).


(1) لعدم موجب للتقيّة حينئذ ، ويؤيّد ما ذكرنا رواية الإحتجاج (1)وهي ضعيفة سنداً.

(2) ممّا لا ينبغي الرّيب أنّ هذه المواضع المذكورة قد وقّتها النّبيّ (صلّى اللّه عليه وآله) وتدل على ذلك نصوص كثيرة :

منها : صحيح الحلبي قال : «قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) الإحرام من مواقيت خمسة وقّتها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) لا ينبغي لحاج ولا لمعتمر أن يحرم قبلها ولا بعدها ، وقّت لأهل المدينة ذا الحليفة ، وهو مسجد الشجرة يصلِّي فيه ويفرض الحجّ ، ووقّت لأهل الشام الجحفة ، ووقّت لأهل النجد العقيق ، ووقّت لأهل الطائف قرن المنازل ، ووقّت لأهل اليمن يلملم ، ولا ينبغي لأحد أن يرغب عن مواقيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) (2).

وفي صحيح عمر بن يزيد «ولأهل نجد قرن المنازل» (3)وفي صحيح ابن رئاب


1) الوسائل 11 : 313 / أبواب المواقيت ب 2 ح 10. الإحتجاج 2 : 571.

2) الوسائل 11 : 308 / أبواب المواقيت ب 1 ح 3.

3) الوسائل 11 : 309 / أبواب المواقيت ب 1 ح 6.

السّادس : مكّة القديمة في زمان الرسول (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) والتي حدّها من عقبة المدنيين إلى ذي طوى ، وهي ميقات حجّ التمتّع (1).


«ووقّت لأهل اليمن قرن المنازل» (1)فيخالفان بقيّة الرّوايات الدالّة على أنّ لأهل نجد العقيق ولأهل اليمن يلملم ، ويحتمل حملهما على التقيّة لوجود ذلك في روايات بقيّة المذاهب (2)كما يحتمل أن يكون لأهل نجد أو لأهل اليمن طريقان يمر أحدهما بأحد الموضعين والآخر بالموضع الآخر ، فلا تنافي في البين.

ثمّ إنّه لا بدّ من معرفة هذه الأماكن بحجّة شرعيّة وإن لم يتمكّن من ذلك ، فله أن يتخلّص بالإحرام قبلاً بالنذر كما هو جائز اختياراً كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى.

وليعلم أنّ مقتضى النصوص جواز الإحرام من المواضع الّتي تسمّى بهذه الأسماء ولا يجب الإحرام من المساجد الموجودة فيها ، بل كل مكان صدق عليه الجحفة أو قرن المنازل أو يلملم يصح الإحرام منه.

(1) لا خلاف بين الأصحاب في أنّ مكّة ميقات حجّ التمتّع وقد ادّعي عليه الإجماع وتدل عليه جملة من الرّوايات وهي مطبقة على كفاية الإحرام من بلدة مكّة المكرّمة من أيّ موضع شاء ، نعم يستحب له الإحرام من المسجد الحرام في مقام إبراهيم (عليه السلام) أو حجر إسماعيل كما في النصوص (3).

منها (4): صحيح أبي أحمد عمرو بن حريث الصيرفي قال : «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : من أين أُهلّ بالحج؟ فقال : إن شئت من رحلك وإن شئت من الكعبة وإن شئت من الطريق» (5).


1) الوسائل 11 : 309 / أبواب المواقيت ب 1 ح 7.

2) سنن البيهقي 5 : 26 29.

3) الوسائل 11 : 339 / أبواب المواقيت ب 21.

4) أي من جملة الرّوايات الدالّة على كفاية الإحرام من مكّة.

5) الوسائل 11 : 339 / أبواب المواقيت ب 21 ح 2.

السّابع : المنزل الّذي يسكنه المكلّف ، وهو ميقات من كان منزله دون الميقات إلى مكّة ، فإنّه يجوز له الإحرام من منزله ولا يلزم عليه الرّجوع إلى المواقيت (1).


وفي رواية الشيخ قال : «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) وهو بمكّة من أين أُهلّ بالحج؟ ثمّ قال : ومن المسجد بدل قوله من الكعبة» (1)، وما في رواية الشيخ أصح لأنّ الإحرام من الكعبة نادر جدّاً بل لا يتّفق.

ولكن الأحوط وجوباً أن يحرم من مكّة القديمة ولا يكتفي بالإحرام من المحلّات المستحدثة المتّصلة بمكّة المكرّمة ، وذلك لما يستفاد من صحيحة معاوية بن عمار الواردة في قطع التلبية أنّ العبرة فيما يترتب على مكّة من الأحكام بمكّة القديمة ، ولا عبرة بما أحدث الناس بمكّة وبما ألحقوا بها ، ففي الصحيحة قال : «قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : إذا دخلت مكّة وأنت متمتع فنظرت إلى بيوت مكّة فاقطع التلبية وحد بيوت مكّة الّتي كانت قبل اليوم عقبة المدنيين ، فإنّ الناس قد أحدثوا بمكّة ما لم يكن ، فاقطع التلبية» (2).

(1) قد صرّح أكثر الأصحاب بأنّ من كان منزله أقرب إلى مكّة من المواقيت فميقاته منزله ومسكنه ولا يجب عليه الرّجوع إلى المواقيت المعروفة ، وعن المنتهي أنّه قول أهل العلم كافة إلّا مجاهد (3). وتدل على ذلك الأخبار المتكاثرة :

منها : صحيحة معاوية بن عمار الّتي ذكرت فيها جملة من المواقيت وجاء فيها «من كان منزله خلف هذه المواقيت ممّا يلي مكّة فوقته منزله» (4).

ومنها : صحيحة أخرى لمعاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «من


1) الوسائل 11 : 339 / أبواب المواقيت ب 21 ذيل الحديث 2. التهذيب 5 : 477 / 1684.

2) الوسائل 12 : 388 / أبواب الإحرام ب 43 ح 1.

3) المنتهي 2 : 667 ، السطر 12.

4) الوسائل 11 : 307 / أبواب المواقيت ب 1 ح 2.

الثّامن : الجعرانة ، وهي ميقات أهل مكّة لحج القِران والإفراد ، وفي حكمهم من جاور مكّة بعد السنتين فإنّه بمنزلة أهلها ، وأمّا قبل ذلك فحكمه كما تقدّم في المسألة 146 (1).


كان منزله دون الوقت إلى مكّة فليحرم من منزله» (1).

(1) اعلم أنّ المشهور بين الأصحاب أنّ مكّة ميقات لأهلها لحج القِران أو الإفراد ، فيكون إحرامهم بالحج من منازلهم ، وفي حكمهم من جاور مكّة بعد السنتين فإنّه بمنزلة أهلها وقد تقدّم وجه إلحاقه بهم في المسألة 145.

ومستندهم في أصل الحكم نفس الأخبار المتقدّمة الدالّة على أن من كان منزله دون الميقات أحرم من منزله ، أو أنّ ميقاته دويرة أهله ، بدعوى أنّ عنوان «من كان منزله دون الميقات» يشمل أهل مكّة ولا يختص بمن كان منزله وسطاً بين الميقات ومكّة.

ولكن الظاهر أنّ الأخبار المذكورة غير شاملة لهم كما صرّح بذلك صاحب الحدائق (2)لأنّ عنوان «دون الميقات» لا يشمل أهالي مكّة بل يختص ذلك بمن كان منزله واقعاً بين مكّة والميقات ، وقد صرّح في الجواهر (3)بعدم اندراج أهالي مكّة في العنوان المذكور في النصوص. فإذن لا دليل على أنّ مكّة المكرّمة ميقات لحج أهل مكّة. فلا بدّ من التماس دليل آخر لتعيين ميقاتهم.

وقد ورد في حديثين صحيحين أنّ ميقاتهم لحجّهم الجعرانة :

الأوّل : صحيح أبي الفضل وهو سالم الحنّاط قال : «كنت مجاوراً بمكّة فسألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) من أين أُحرم بالحج؟ فقال : من حيث أحرم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) من الجعرانة أتاه في ذلك المكان فتوح : فتح الطائف وفتح


1) الوسائل 11 : 333 / أبواب المواقيت ب 17 ح 1.

2) الحدائق 14 : 449.

3) الجواهر 18 : 114.

التّاسع : محاذاة مسجد الشجرة ، فإن من أقام بالمدينة شهراً أو نحوه وهو يريد الحجّ ، ثمّ بدا له أن يخرج في غير طريق المدينة ، فإذا سار ستّة أميال كان محاذياً للمسجد ، ويحرم من محل المحاذاة ، وفي التعدّي عن محاذاة مسجد الشجرة إلى محاذاة غيره من المواقيت ، بل عن خصوص المورد المذكور إشكال ، بل الظاهر عدم التعدّي إذا كان الفصل كثيراً (1).


حنين والفتح» (1).

وربما يورد على الاستدلال به بأنّ مورده المجاور بمكّة ، وكلامنا في المتوطن ومن كان من أهلها ، والمجاور غير صادق على أهالي مكّة.

والجواب : أنّ المجاورة عنوان يشمل المتوطن والمقيم مدّة كثيرة وإن لم يقصد التوطن ، ولا يختص بالإقامة الموقتة ، وقد استعمل في الذِّكر الحكيم في غير الموقت كقوله تعالى ( وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ ) ... (2).

نعم ، لا يصدق المجاور على من ولد في بلد واستمرّ في سكونته وإقامته فيه.

ولكن الظاهر أنّ حكمه لا يختلف عن المجاور بقصد الاستيطان.

الثّاني : صحيح عبد الرّحمن بن الحجاج قال «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : إنّي أُريد الجوار بمكّة فكيف أصنع؟ فقال : إذا رأيت الهلال هلال ذي الحجّة فاخرج إلى الجعرانة فأحرم منها بالحج» ثمّ ساق الخبر (3)والخبر طويل ، بل يظهر من الرّوايتين أنّ حكم أهالي مكّة كذلك وإنّما المجاور يلحق بهم.

(1) المشهور بين الأصحاب أنّ من سلك طريقاً لا يمرّ بشي‌ء من المواقيت يحرم من محاذاة أحد المواقيت المتقدّمة الخمسة ، واستدلّوا بصحيح ابن سنان بكلا طريقيه.

الأوّل : ما رواه الكليني والشيخ في الصحيح عن عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه


1) الوسائل 11 : 268 / أبواب أقسام الحجّ ب 9 ح 6.

2) الرّعد 13 : 4.

3) الوسائل 11 : 267 / أبواب أقسام الحجّ ب 9 ح 5.

.................................................................................................


(عليه السلام) قال : «من أقام بالمدينة شهراً وهو يريد الحجّ ثمّ بدا له أن يخرج في غير طريق أهل المدينة الّذي يأخذونه فليكن إحرامه من مسيرة ستّة أميال ، فيكون حذاء الشجرة من البيداء» (1).

الثّاني : ما رواه الصدوق في الصحيح عن عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «من أقام بالمدينة وهو يريد الحجّ شهراً أو نحوه ثمّ بدا له أن يخرج في غير طريق المدينة فإذا كان حذاء الشجرة والبيداء مسيرة ستّة أميال فليحرم منها» (2).

ولا يعارضهما معتبرة إبراهيم بن عبد الحميد المتقدّمة عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) قال : «سألته عن قوم قدموا المدينة فخافوا كثرة البرد وكثرة الأيّام يعني الإحرام من الشجرة ، وأرادوا أن يأخذوا منها إلى ذات عرق فيحرموا منها ، فقال : لا ، وهو مغضب ، من دخل المدينة فليس له أن يحرم إلّا من المدينة» (3)لأنّ مفاد خبر إبراهيم هو المنع عن العدول من الشجرة إلى ميقات آخر بعد ما دخل المدينة ، ولا يدل على المنع من الإحرام حذاء أحد المواقيت رأساً.

ومورد الصحيحتين وإن كان حذاء مسجد الشجرة ولكن ذكروا أنّ ذلك من باب المثال ، ولذا تعدّوا من مسجد الشجرة إلى سائر المواقيت والتزموا بعدم الفصل.

ولكن الظاهر هو الاقتصار على مورد الصحيحين ، وذلك لأنّه لا ريب في أنّ الحكم المذكور فيهما على خلاف القاعدة ، وقد اشتملت الصحيحتان على قيود متعدّدة مذكورة في كلام الإمام (عليه السلام) فاللّازم الاقتصار على موردهما ، ولا نتمكّن من إلغاء هذه القيود المأخوذة في كلام الإمام (عليه السلام) والّتي أُخذت على نحو القضيّة الحقيقيّة الشرطيّة وحملهما على مجرّد المثال كما ذكروه بعيد جدّاً.


1) الكافي 4 : 321 / 9 ، التهذيب 5 : 57 / 178 (رواها إلى قوله : ستّة أميال) ، الوسائل 11 : 317 / أبواب المواقيت ب 7 ح 1.

2) الفقيه 2 : 200 / 913 ، الوسائل 11 : 318 / أبواب المواقيت ب 7 ح 3.

3) الوسائل 11 : 318 / أبواب المواقيت ب 8 ح 1.

العاشر : أدنى الحل ، وهو ميقات العمرة المفردة بعد حجّ القِران أو الإفراد ، بل لكلّ عمرة مفردة لمن كان بمكّة وأراد الإتيان بها ، والأفضل أن يكون من الحديبية أو الجعرانة ، أو التنعيم (1).


نعم ، لو كانت القيود مذكورة في كلام السائل أمكن دعوى فهم المثاليّة من الرّواية.

بل يمكن أن يقال بأنّ حذاء مسجد الشجرة له خصوصيّة وهي : أنّ السنّة في الإحرام منه أن يفرض الحجّ في المسجد ويؤخّر التلبية إلى البيداء ، وهذه الخصوصيّة غير ثابتة لسائر المواقيت ، فلا يبعد أن يكون الاكتفاء بالمحاذاة إنّما هو لخصوصيّة لمسجد الشجرة ، فلا يمكن التعدّي إلى غيره ، بل ولا إلى غير الخصوصيّات المذكورة في النص حتّى في مورد مسجد الشجرة ، بل اللّازم الاقتصار على مسجد الشجرة وعلى الخصوصيّات المذكورة في النص.

نعم ، لا يلزم الاقتصار بستّة أميال ، ويمكن التعدّي إلى سبعة أميال أو ثمانية ونحو ذلك ممّا يمكن للشخص رؤية المحاذي له ، وأمّا إذا كانت المسافة بعيدة كعشرين فرسخاً أو أكثر فلا عبرة بالمحاذاة.

(1) يدلّ على كونه ميقاتاً للعمرة المفردة بعد حجّ الإفراد أو القِران صحيح جميل قال «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن المرأة الحائض إذا قدمت مكّة يوم التروية قال : تمضي كما هي إلى عرفات فتجعلها حجّة ثمّ تقيم حتّى تطهر ، فتخرج إلى التنعيم فتحرم فتجعلها عمرة ، قال ابن أبي عمير : كما صنعت عائشة» (1).

والتنعيم من مصاديق أدنى الحل ، وذكره بالخصوص لكونه أقرب الأماكن من حدود الحرم.

ويدلُّ على كونه ميقاتاً لكلّ عمرة مفردة لمن كان بمكّة وأراد الإتيان بها إطلاق صحيح عمر بن يزيد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «من أراد أن يخرج من مكّة


1) الوسائل 11 : 296 / أبواب أقسام الحجّ ب 21 ح 2.

أحكام المواقيت

اشارة

مسألة 164 : لا يجوز الإحرام قبل الميقات ولا يكفي المرور عليه محرماً ، بل لا بدّ من الإحرام من نفس الميقات (1).


ليعتمر أحرم من الجعرانة أو الحديبية أو ما أشبهها» (1)فإنّه يشمل جميع أماكن حدود الحرم لقوله : «أو ما أشبهها» وأمّا أفضليّة هذه الأماكن الثلاثة فلورودها في النص وللتأسي بفعل النّبيّ (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) حيث أحرم (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) من هذه المواضع كما في الأخبار (2).

هذا حكم العمرة المفردة الّتي يؤتى بها بعد حجّ الإفراد أو القِران والعمرة لمن كان بمكّة وأراد الاعتمار.

وأمّا الّذي يريد الاعتمار من البعيد ، فلا ريب أنّ ميقات عمرته سائر المواقيت المعروفة الّتي يمر عليها ، لما في الصحيح «من تمام الحجّ والعمرة ، أن تحرم من المواقيت الّتي وقّتها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) لا تجاوزها إلّا وأنت محرم» (3)وفي حديث آخر «ولا ينبغي لحاج ولا لمعتمر أن يحرم قبلها ولا بعدها» (4).

(1) تدل عليه عدّة من الرّوايات :

منها : صحيح الحلبي ، قال : «قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : الإحرام من مواقيت خمسة وقّتها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) لا ينبغي لحاج ولا لمعتمر أن يحرم قبلها ولا بعدها» (5).


1) الوسائل 11 : 341 / أبواب المواقيت ب 22 ح 1.

2) الوسائل 11 : 341 / أبواب المواقيت ب 22 ح 2.

3) الوسائل 11 : 307 / أبواب المواقيت ب 1 ح 2.

4) الوسائل 11 : 308 / أبواب المواقيت ب 1 ح 3.

5) الوسائل 11 : 308 / أبواب المواقيت ب 1 ح 3.

ويستثني من ذلك موردان :

أحدهما : أن ينذر الإحرام قبل الميقات ، فإنّه يصحّ ولا يلزمه التجديد في الميقات ، ولا المرور عليه ، بل يجوز له الذهاب إلى مكّة من طريق لا يمرّ بشي‌ء من المواقيت (1).


ومنها : صحيحة ابن اذينة «ومن أحرم دون الوقت فلا إحرام له» (1).

ومنها : معتبرة ميسر قال : «دخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام) وأنا متغيّر اللّون ، فقال لي : من أين أحرمت؟ قلت : من موضع كذا وكذا ، فقال : ربّ طالب خير تزل قدمه ، ثمّ قال : يسرّك إن صلّيت الظهر أربعاً في السفر؟ قلت : لا ، قال : فهو واللّه ذاك» (2)وغير ذلك من الرّوايات.

(1) المشهور بين الفقهاء انعقاد نذر الإحرام قبل الميقات فيجب عليه الإحرام من ذلك الموضع المنذور ، ومنع ذلك ابن إدريس في السرائر حيث قال : والأظهر الّذي تقتضيه الأدلّة وأُصول المذهب أنّ الإحرام لا ينعقد إلّا من المواقيت ، سواء كان منذوراً أو غيره ، ولا يصح النذر بذلك ، لأنّه خلاف المشروع. ولو انعقد بالنذر كان ضرب المواقيت لغواً ، ونسب القول بالمنع إلى السيِّد المرتضى وابن أبي عقيل والشيخ في الخلاف (3).

ولكن العلّامة خطّأه في نقله ذلك عنهم (4)، والصحيح ما ذهب إليه المشهور للنصوص التالية.

منها : صحيح الحلبي ، قال : «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل جعل لله عليه شكراً أن يحرم من الكوفة ، فقال : فليحرم من الكوفة وليف لله بما قال» (5).


1) الوسائل 11 : 320 / أبواب المواقيت ب 9 ح 3.

2) الوسائل 11 : 324 / أبواب المواقيت ب 11 ح 5.

3) السرائر 1 : 527.

4) المختلف 4 : 68.

5) الوسائل 11 : 326 / أبواب المواقيت ب 13 ح 1. ولصاحب المنتقى هنا كلام في صحّة الخبر المذكور تعرضنا له ولجوابه في شرح العروة 27 : 1. فليرجع إليه من أحبّ الوقوف عليه.

.................................................................................................


ومنها : خبر أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «سمعته يقول : لو أنّ عبداً أنعم اللّه عليه نعمة أو ابتلاه ببليّة فعافاه من تلك البليّة فجعل على نفسه أن يحرم بخراسان كان عليه أن يتم» (1).

وهنا إشكال معروف ، هو أنّ المعتبر في متعلق النذر أن يكون راجحاً في نفسه والمفروض أنّ الإحرام قبل الميقات غير مشروع وغير جائز فكيف ينعقد بالنذر ولذا ذكروا أنّ الرّوايات لا تنطبق على القاعدة المعروفة وهي اعتبار الرّجحان في متعلّق النذر.

والجواب عنه : أنّ اللّازم رجحان متعلّق النذر حين العمل وفي ظرفه ولو كان الرّجحان ناشئاً من قبل النذر ، ويستكشف ذلك من الأخبار الدالّة على صحّة النذر في مورد الإحرام قبل الميقات ، فلا يرد أنّ لازم ذلك صحّة نذر كل مكروه أو محرم لعدم الدليل على صحّة النذر في موردهما ، بل إطلاق دليل المكروه أو الحرام يكفي في عدم الرّجحان ولو بتعلّق النذر به.

ونظير المقام مسألة الصّوم في السفر المرجوح أو المحرم من حيث هو مع صحّته بالنذر ، وذلك لدلالة النص على صحّة النذر في هذه المسألة ، ولا داعي للالتزام بالرّجحان الذاتي الثابت للعمل مع قطع النظر عن تعلّق النذر به ، وذلك لأنّ القدر المتيقن ثبوت الرّجحان في الفعل بمقدار يصح إضافته إلى اللّه تعالى ، فيكفي في ذلك كون الفعل راجحاً في ظرفه ولو بسبب الأخبار.

على أنّ لزوم الرّجحان في متعلّق النذر حكم شرعي تعبّدي قابل للتخصيص وليس بحكم عقلي غير قابل للتخصيص ، فيقال إنّه يعتبر الرّجحان في متعلّق النذر إلّا في مورد نذر الإحرام قبل الميقات ، أو نذر الصّوم في السفر ، فيكتفى في موردهما بالرّجحان الناشئ من قبل النذر بسبب الأخبار الدالّة على الصحّة.


1) الوسائل 11 : 327 / أبواب المواقيت ب 13 ح 3.

ولا فرق في ذلك بين الحجّ الواجب والمندوب والعمرة المفردة (1).


والحاصل : ما دامت الرّوايات تدل على صحّة النذر ونفوذه كما هو المفروض وجب الوفاء به ، ولا موجب لتطبيق الحكم الشرعي على القاعدة من دون تخصيص.

وربما يشكل على الاكتفاء بالرّجحان الناشئ من قبل النذر باستلزام ذلك الدور لأنّ صحّة النذر متوقفة على مشروعيّة المنذور ورجحانه ، فلو كانت مشروعيّته متوقّفة على صحّة النذر لدار ، ولا يمكن العمل بالأخبار إذا استلزم أمراً غير معقول.

والجواب : أنّ صحّة النذر متوقفة على مشروعيّة المنذور ورجحانه ولكن مشروعيّة المنذور غير متوقّفة على صحّة النذر ، بل تتوقف على نفس النذر وعلى التزام المكلّف شيئاً على نفسه لله تعالى ، فإنّ هذا الالتزام بنفسه في مورد تجويز الأخبار يوجب رجحان العمل ، فاختلف الموقوف والموقوف عليه.

وأمّا قول ابن إدريس : ولو انعقد بالنذر كان ضرب المواقيت لغواً (1)، فقد أجاب عنه في المنتهي بأنّ الفائدة غير منحصرة في ذلك بل هاهنا فوائد أُخرى :

منها : منع تجاوزها من غير إحرام. ومنها : وجوب الإحرام منها لأهلها لغير الناذر (2).

ثمّ إنّه بعد الفراغ عن صحّة نذر الإحرام وانعقاده قبل الميقات فلا يجب عليه تجديد الإحرام في الميقات إن مرّ عليه ، كما يجوز له أن يسلك طريقاً لا يفضي إلى أحد المواقيت ، لأنّ الممنوع هو المرور بالميقات بلا إحرام وأمّا إذا كان محرماً بإحرام صحيح فلا موجب للإحرام ثانياً ، كما لا يجب عليه أن يذهب إلى الميقات ، لأنّ الذهاب إلى الميقات إنّما يجب لكي يحرم منه فإن كان محرماً فلا موجب للذهاب.

(1) لإطلاق الرّوايات الدالّة على انعقاد نذر الإحرام قيل الميقات.


1) السرائر 1 : 527.

2) المنتهي 2 : 669 السطر 20.

نعم ، إذا كان إحرامه للحج فلا بدّ من أن يكون إحرامه في أشهر الحجّ كما تقدّم (1).

الثّاني : إذا قصد العمرة المفردة في رجب وخشي عدم إدراكها إذا أخّر الإحرام إلى الميقات ، جاز له الإحرام قبل الميقات ، وتحسب له عمرة رجب وإن أتى ببقيّة الأعمال في شعبان (2) ولا فرق في ذلك بين العمرة الواجبة والمندوبة.


(1) وإلّا فلا يصح الإحرام ، لا من جهة وقوعه قبل الميقات ، بل من جهة وقوعه في غير أشهر الحجّ ، والمعتبر في إحرام الحجّ وقوعه في أشهر الحجّ ، والنصوص الدالّة على انعقاد نذر الإحرام ناظرة إلى التقديم بحسب المكان ولا نظر لها إلى التقديم الزماني.

ثمّ إنّ الظاهر اعتبار تعيين المكان ، بأن ينذر الإحرام قبل الميقات المعيّن كمسجد الشجرة أو الجحفة ، فلا يصح نذر الإحرام قبل الميقات مطلقاً ، ليكون مخيّراً بين الأمكنة ، وذلك لأنّه القدر المتيقن من الأخبار المجوزة ، لأنّها جوّزت نذر الإحرام قبل الميقات فيما إذا عيّن مكاناً خاصّاً كالكوفة وخراسان ونحوهما ، ولا إطلاق في الأخبار يشمل نذر الإحرام قبل الميقات بلا تعيين ، وحيث إنّ الحكم على خلاف القاعدة فلا بدّ من الاقتصار على مورد الأخبار.

(2) لمعتبرة إسحاق بن عمار قال : «سألت أبا إبراهيم (عليه السلام) عن الرّجل يجي‌ء معتمراً ينوي عمرة رجب فيدخل عليه الهلال هلال شعبان قبل أن يبلغ العقيق ، فيحرم قبل الوقت ويجعلها لرجب أم يؤخّر الإحرام إلى العقيق ويجعلها لشعبان؟ قال : يحرم قبل الوقت لرجب ، فإنّ لرجب فضلاً وهو الّذي نوى» (1)ومقتضى إطلاقها عدم الفرق بين العمرة الواجبة والمندوبة.

والظاهر عدم اختصاص الحكم بعمرة رجب ، بل يتعدّى إلى عمرة كل شهر حيث إنّ لكلّ شهر عمرة ، والمفروض أنّه لو أخّر الإحرام إلى الميقات لا يدرك عمرة هذا الشهر.


1) الوسائل 11 : 326 / أبواب المواقيت ب 12 ح 2.

مسألة 165 : يجب على المكلّف اليقين بوصوله إلى الميقات والإحرام منه ، أو يكون ذلك عن اطمئنان أو حجّة شرعيّة ، ولا يجوز له الإحرام عند الشك في الوصول إلى الميقات (1).

مسألة 166 : لو نذر الإحرام قبل الميقات وخالف وأحرم من الميقات لم يبطل إحرامه ، ووجبت عليه كفّارة مخالفة النذر إذا كان متعمّداً (2).


ويدل على التعميم صحيحة معاوية بن عمار قال : «سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول : ليس ينبغي أن يحرم دون الوقت الّتي وقّته رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) إلّا أن يخاف فوت الشهر في العمرة» (1).

(1) لأصالة العدم ، فيجب عليه إحراز الوصول إلى الميقات.

(2) ربما يقال بأنّه لا يصح إحرامه لأنّ النذر يقتضي ملك اللّه سبحانه للمنذور والإحرام من الميقات عمداً مفوت للواجب المملوك لله ، فيكون حراماً ومبغوضاً فيبطل ولا يقع عبادة.

والجواب : أنّ النذر إنّما يوجب خصوصيّة زائدة في المأمور به ، كما إذا نذر أن يصلّي جماعة أو يصلّي في مسجد خاص ، فإنّه يجب عليه الإتيان بتلك الخصوصيّة وفاءً للنذر ، ولكن هذا الوجوب إنّما نشأ من التزام المكلّف على نفسه بسبب النذر فهو تكليف آخر يغاير الوجوب الثابت لذات العمل ، والمأمور به إنّما هو الطبيعي الجامع بين الأفراد ، والنذر لا يوجب تقييداً ولا تغييراً في المأمور به الأوّل ، فلو أتى بالمنذور كان آتياً بالمأمور به ، وكذا لو أتى بغير المنذور وصلّى فرادى مثلاً كان آتياً بالمأمور به وإن كان تاركاً للنذر وآثماً بذلك ، وعليه فلو خالف النذر وأحرم من الميقات فقد أتى بالمأمور به وإن كان عاصياً بترك النذر ، نظير ما لو صلّى فرادى أو صلّى في غير المسجد المنذور.

وأمّا التفويت فلا يترتب عليه شي‌ء ، لأنّ أحد الضدّين لا يكون علّة لعدم ضدّ


1) الوسائل 11 : 325 / أبواب المواقيت ب 12 ح 1.

مسألة 167 : كما لا يجوز تقديم الإحرام على الميقات لا يجوز تأخيره عنه ، فلا يجوز لمن أراد الحجّ أو العمرة أو دخول مكّة أن يتجاوز الميقات اختياراً إلّا محرماً حتّى إذا كان أمامه ميقات آخر ، فلو تجاوزه وجب العود إليه مع الإمكان (1).


الآخر ولا العكس ، وإنّما هما أمران متلازمان في الخارج ، فإذا وجد أحدهما في الخارج لا يوجد الآخر طبعاً. والإحرام من الميقات ومن المكان المنذور ليس بينهما أيّ علّيّة ومعلوليّة ، وإتيان أحدهما لا يكون مفوتاً للآخر ، بل تفويت الآخر عند وجود أحدهما ملازم ومقارن له.

بل يمكن أن يقال باستحالة الحكم بالفساد ، وذلك لأنّ حرمة الإحرام من الميقات متوقفة على كونه صحيحاً ، لأنّه لو لم يكن صحيحاً لا يكون مفوتاً ، وما فرض صحّته كيف يكون فاسداً وحراماً؟.

(1) لا إشكال في أنّه لا يجوز تأخير الإحرام اختياراً عن الميقات إجماعاً بقسميه كما في الجواهر (1)، والنصوص الكثيرة المتقدّمة المصرّحة بذلك :

منها : صحيحة الحلبي «لا ينبغي لحاج ولا لمعتمر أن يحرم قبلها ولا بعدها» (2)وفي صحيحة علي بن جعفر «فليس لأحد أن يعدو من هذه المواقيت إلى غيرها» (3)وغير ذلك من الرّوايات (4)، ومقتضى إطلاقها عدم الفرق بين أن يكون أمامه ميقات آخر أم لا.

ويؤكّد ذلك : أنّ مقتضى هذه النصوص عدم التجاوز لأهل المدينة عن مسجد الشجرة ، مع أنّ أمامهم ميقات آخر وهو الجحفة.

ثمّ إنّه لو لم يحرم من الميقات وجب العود إليه مع الإمكان ، لأنّ روايات التوقيت ظاهرة في الوجوب التعييني وبيان وظيفته ، فيجب عليه الرّجوع لأداء الوظيفة


1) الجواهر 18 : 135.

2) الوسائل 11 : 308 / أبواب المواقيت ب 1 ح 3.

3) الوسائل 11 : 310 / أبواب المواقيت ب 1 ح 9.

4) الوسائل 11 : 332 / أبواب المواقيت ب 16.

نعم ، إذا لم يكن المسافر قاصداً لما ذكر ، لكن لمّا وصل حدود الحرم أراد أن يأتي بعمرة مفردة جاز له الإحرام من أدنى الحل (1).

مسألة 168 : إذا ترك المكلّف الإحرام من الميقات عن علم وعمد حتّى تجاوزه ففي المسألة صور :

الاولى : أن يتمكّن من الرّجوع إلى الميقات ، ففي هذه الصورة يجب عليه الرّجوع والإحرام منه ، سواء أكان رجوعه من داخل الحرم أم كان من خارجه فإن أتى بذلك صحّ عمله من دون إشكال (2).


وتفريغ ذمّته. هذا مضافاً إلى دلالة الأخبار على ذلك :

منها : معتبرة إبراهيم بن عبد الحميد الدالّة على أن من دخل المدينة فليس له أن يحرم إلّا من المدينة (1)أي ميقات المدينة ، وهو مسجد الشجرة.

ومنها : صحيح الحلبي «عن رجل ترك الإحرام حتّى دحل الحرم ، فقال : يرجع إلى ميقات أهل بلاده الّذين يحرمون منه ، فيحرم» (2).

(1) ولا يجب عليه الرّجوع إلى الميقات ، فإن أدنى الحل ميقات لكل عمرة مفردة لغير النائي الخارج من مكّة ، فإنّا قد ذكرنا أنّ الشخص البعيد إذا سافر وخرج من بلده لا للحج ولا للعمرة بل لغرض من الأغراض ووصل إلى حدود الحرم فبدا له أن يعتمر يجوز له ذلك ولا يجب عليه الرّجوع إلى الميقات ، بل يحرم من أدنى الحل كما صنع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) حيث أحرم (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) من الجعرانة عند رجوعه من غزوة حنين (3).

(2) لما عرفت أنّ مقتضى توقيت المواقيت أنّ الإحرام من الميقات وظيفة كل مكلّف مريد للنسك ، ولا يجوز له التجاوز عنه إلّا محرماً ، والمفروض أنّه متمكّن من


1) الوسائل 11 : 318 / أبواب المواقيت ب 8 ح 1.

2) الوسائل 11 : 330 / أبواب المواقيت ب 14 ح 7.

3) الوسائل 11 : 341 / أبواب المواقيت ب 22 ح 2.

الثّانية : أن يكون المكلّف في الحرم ، ولم يمكنه الرّجوع إلى الميقات ، لكن أمكنه الرّجوع إلى خارج الحرم ، ففي هذه الصورة يجب عليه الرّجوع إلى خارج الحرم والإحرام من هناك.

الثّالثة : أن يكون في الحرم ولم يمكنه الرّجوع إلى الميقات أو إلى خارج الحرم ولو من جهة خوفه فوات الحجّ ، وفي هذه الصورة يلزمه الإحرام من مكانه.

الرّابعة : أن يكون خارج الحرم ولم يمكنه الرّجوع إلى الميقات ، وفي هذه الصورة يلزمه الإحرام من مكانه أيضاً (1). وقد حكم جمع من الفقهاء بفساد العمرة في الصور الثلاث الأخيرة (2).


الإحرام من الميقات فيجب عليه الرّجوع لذلك ويصح عمله ولا شي‌ء عليه ، إلّا أنّه ارتكب أمراً محرماً بتركه الإحرام من الميقات ، وهذا واضح.

(1) يدل على هذه الأحكام المذكورة للصور الثلاث صحيح الحلبي قال : «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل ترك الإحرام حتّى دخل الحرم فقال : يرجع إلى ميقات أهل بلاده الّذي يحرمون منه فيحرم ، فإن خشي أن يفوته الحجّ فليحرم من مكانه ، فإن استطاع أن يخرج من الحرم فليخرج» (1)فإنّ المستفاد منه وجوب الإحرام من الميقات ومن تجاوز عنه بلا إحرام يجب عليه الرّجوع إليه والإحرام من هناك ، فإن تعذّر عليه الرّجوع إلى الميقات وكان في الحرم يجب عليه الرّجوع إلى خارج الحرم والإحرام من هناك ، وإن لم يمكنه الرّجوع إلى خارج الحرم أحرم من مكانه. وإذا كان في خارج الحرم ولم يمكنه الرّجوع إلى الميقات يجب عليه الإحرام من مكانه ولو كان أمامه ميقات آخر ، لإطلاق النص.

(2) بل نسب إلى الأكثر المشهور ، بل ربّما يفهم من غير واحد منّا عدم الخلاف فيه كما في الجواهر (2)خلافاً للمحكي عن جماعة من المتأخّرين. بل قيل إنّه يحتمله


1) الوسائل 11 : 330 / أبواب المواقيت ب 14 ح 7.

2) الجواهر 18 : 132.

ولكن الصحّة فيها لا تخلو من وجه (1) وإن ارتكب المكلّف محرماً بترك الإحرام من الميقات (2)


إطلاق المبسوط (1)والمصباح ومختصره (2). واختاره كاشف اللِّثام (3)وصاحب المستند (4).

واستدلّ للمشهور بأنّ الحكم بالفساد مؤاخذة له بسوء فعله واختياره ، ولإطلاق ما دلّ على اعتبار التوقيت في صحّة الإحرام ، ولأنه ترك الوظيفة اختياراً فيفسد حجّه لفوات الكل بانتفاء جزئه ، نظير ترك التكبيرة للصلاة ، فيجب عليه الإتيان بالحج في السنة القادمة إذا كان مستطيعاً وإلّا فلا.

(1) لما عرفت من استناد القول بالصحّة إلى صحيح الحلبي المتقدّم ، فإنّه بإطلاقه يشمل العامد وغيره ، وليس فيه ما يظهر اختصاصه بالجاهل بل قوله : «عن رجل ترك الإحرام» ظاهر في الترك العمدي.

ولكن صاحب الجواهر رجّح روايات التوقيت العامّة على صحيح الحلبي وقدّمها عليه ، وادّعى أنّ ذلك أولى من وجوه ، ومقتضى الرّوايات العامّة هو الفساد لفقدان الشرط.

ولا يخفى ما فيه : لأنّ نسبة صحيح الحلبي إلى روايات الميقات نسبة الخاص إلى العام ، لأنّ مورد صحيح الحلبي خشية فوت الحجّ وتلك الرّوايات مطلقة من هذه الجهة ولا ريب في تقدّم الخاص على العام.

(2) لأن من كان مريداً للنسك لا يجوز له المرور من الميقات إلّا محرماً.


1) المبسوط 1 : 312.

2) مصباح المتهجد : 617 لم نعثر على مختصر المصباح ولكن حكاه النراقي في المستند 11 : 199.

3) كشف اللّثام 5 : 237.

4) المستند 11 : 199.

لكن الأحوط مع ذلك إعادة الحجّ عند التمكّن منها (1). وأمّا إذا لم يأت المكلّف بوظيفته في هذه الصور الثلاث وأتى بالعمرة فلا شك في فساد حجّه (2).

مسألة 169 : إذا ترك الإحرام عن نسيان أو إغماء أو ما شاكل ذلك ، أو تركه عن جهل بالحكم أو جهل بالميقات فللمسألة كسابقتها صور أربع :

الصورة الاولى : أن يتمكّن من الرّجوع إلى الميقات فيجب عليه الرّجوع والإحرام من هناك (3).


(1) خروجاً عن شبهة مخالفة المشهور.

(2) كما هو واضح ، لعدم إتيانه بالعمرة على الوجه المأمور به فيفسد حجّه.

(3) تدل عليه الأخبار العامّة الدالّة على توقيت المواقيت ، فإن مقتضاها لزوم الإحرام منها ما تمكّن من ذلك.

مضافاً إلى الروايات الخاصّة الواردة بعضها في الجاهل وبعضها في الناسي وبعضها مطلق ففي صحيحة الحلبي «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل نسي أن يحرم حتّى دخل الحرم ، قال : قال أبي : يخرج إلى ميقات أهل أرضه ، فإن خشي أن يفوته الحجّ أحرم من مكانه» (1).

وفي صحيح معاوية بن عمار «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن امرأة كانت مع قوم فطمثت فأرسلت إليهم فسألتهم فقالوا : ما ندري أعليك إحرام أم لا ، وأنت حائض فتركوها حتّى دخلت الحرم فقال (عليه السلام) : إن كان عليها مهلة فترجع إلى الوقت فلتحرم منه ، فإن لم يكن عليها وقت (مهلة) فلترجع إلى ما قدرت عليه بعد ما تخرج من الحرم بقدر ما لا يفوتها» (2).

وفي صحيح آخر للحلبي «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل ترك الإحرام


1) الوسائل 11 : 328 / أبواب المواقيت ب 14 ح 1.

2) الوسائل 11 : 329 / أبواب المواقيت ب 14 ح 4.

الصورة الثّانية : أن يكون في الحرم ، ولم يمكنه الرّجوع إلى الميقات لكن أمكنه الرّجوع إلى خارج الحرم وعليه حينئذ الرّجوع إلى الخارج والإحرام منه. والأولى في هذه الصورة الابتعاد عن الحرم بالمقدار الممكن ثمّ الإحرام من هناك (1).

الصورة الثّالثة : أن يكون في الحرم ولم يمكنه الرّجوع إلى الخارج ، وعليه في هذه الصورة أن يحرم من مكانه وإن كان قد دخل مكّة (2).


حتّى دخل الحرم ، فقال : يرجع إلى ميقات أهل بلاده الّذي يحرمون منه فيحرم ، فإن خشي أن يفوته الحجّ فليحرم من مكانه ...» (1).

فإنّ المستفاد من هذه الرّوايات أن من ترك الإحرام من المواقيت نسياناً أو جهلاً يجب عليه الرّجوع إلى الميقات والإحرام منه إذا تمكّن من ذلك.

(1) تدل عليه النصوص المتقدّمة ، فإنّ مقتضاها وجوب الخروج إلى خارج الحرم والإحرام من الخارج ، سواء أحرم من أوّل رأس الحد أو ابتعد عنه قليلاً أو كثيراً فإنّ الميزان بالإحرام خارج الحرم في أيّ مكان شاء ، ولا يجب الابتعاد بالمقدار الممكن ، لإطلاق الرّوايات المتقدّمة الدالّة على مجرّد الخروج من الحرم والإحرام منه وتقييد تلك الرّوايات بمن لا يتمكّن من الابتعاد تقييد بالفرد النادر ، فإن كلّ من يتمكّن من الخروج من الحرم يتمكّن من الابتعاد منه بمقدار مائة ذراع أو أقل أو أكثر.

نعم ، ورد الابتعاد بالمقدار الممكن في خصوص الطامث في صحيحة معاوية بن عمار المتقدّمة (2)، والتعدِّي عن موردها إلى غيرها من ذوي الأعذار كالناسي والجاهل قياس لا نلتزم به.

(2) لإطلاق صحيح الحلبي الثّاني ، لأنّ موضوع الحكم المذكور فيه من ترك الإحرام حتّى دخل الحرم ، وإطلاقه يشمل الجاهل والناسي ، كما أنّ إطلاقه يشمل


1) الوسائل 11 : 330 / أبواب المواقيت ب 14 ح 7.

2) في الصفحة السابقة.

الصورة الرّابعة : أن يكون خارج الحرم ولم يمكنه الرّجوع إلى الميقات ، وعليه في هذه الصورة أن يحرم من محلِّه (1). وفي جميع هذه الصور الأربع يحكم بصحّة عمل المكلّف إذا قام بما ذكرناه من الوظائف.


حتّى من دخل مكّة ولم يمكنه الرّجوع ، فإنّه يحرم من مكانه.

(1) هذه الصورة على نحوين :

أحدهما : ما إذا فرض أنّ أمامه ميقات آخر ، كما إذا تجاوز بلا إحرام عن مسجد الشجرة جهلاً أو نسياناً ثمّ تذكر وعلم ، ولكن لا يتمكّن من الرّجوع إلى مسجد الشجرة وكان أمامه الجحفة ، ففي مثله يجب عليه الإحرام من الجحفة ، لأنّ الرّجوع إلى الميقات الأوّل غير واجب عليه ، لفرض عدم قدرته على الرّجوع إليه ، فيجب الإحرام من الميقات الإمامي ، لعموم ما دلّ على لزوم الإحرام من الميقات وعدم التجاوز عنه بلا إحرام.

ثانيهما : ما إذا لم يكن أمامه ميقات آخر ولا يتمكّن من الرّجوع إلى الميقات الّذي تجاوزه بلا إحرام أو سلك طريقاً لا يمر بميقات أصلاً فذكر غير واحد أنّه يحرم من مكانه ومحلِّه.

ولا ريب أنّ هذا مبني على وجوب الابتعاد بالمقدار الممكن عن محل الذكر ورفع العذر ، كما ورد ذلك بالنسبة إلى الحائض في صحيحة معاوية بن عمار المتقدّمة (1).

وأمّا بناءً على عدم وجوب الابتعاد بالمقدار الممكن على الإطلاق وإنّما ثبت ذلك في خصوص الحائض فلا يجب الإحرام من مكانه ومحلِّه ، بل هو مخير في الإحرام من أيّ موضع شاء قبل الوصول إلى الحرم ، لأنّ الميزان بوقوع الإحرام في خارج الحرم سواء وقع الإحرام في مكان الذكر أو بعده قبل الوصول إلى الحرم ، فالحكم المذكور في المتن مبني على الاحتياط فإنّه حسن بلا إشكال.


1) في ص 244.

وفي حكم تارك الإحرام من أحرم قبل الميقات أو بعده ولو كان عن جهل أو نسيان (1).

مسألة 170 : إذا تركت الحائض الإحرام من الميقات لجهلها بالحكم إلى أن دخلت الحرم فعليها كغيرها الرّجوع إلى الخارج والإحرام منه إذا لم تتمكّن من الرّجوع إلى الميقات ، بل الأحوط لها في هذه الصورة أن تبتعد عن الحرم بالمقدار الممكن ثمّ تحرم على أن لا يكون ذلك مستلزماً لفوات الحجّ ، وفيما إذا لم يمكنها إنجاز ذلك فهي وغيرها على حد سواء (2).

مسألة 171 : إذا فسدت العمرة وجبت إعادتها مع التمكّن ، ومع عدم الإعادة ولو من جهة ضيق الوقت يفسد حجّه وعليه الإعادة في سنة أُخرى (3).

مسألة 172 : قال جمع من الفقهاء بصحّة العمرة فيما إذا أتى المكلّف بها من دون إحرام لجهل ونسيان ، ولكن هذا القول لا يخلو من إشكال والأحوط في هذه الصورة الإعادة على النحو الّذي ذكرناه فيما إذا تمكّن منها وهذا الاحتياط لا يترك البتة (4).


(1) لأنّ الإحرام قبل الميقات أو بعده في حكم العدم ، لا يترتب عليه أيّ أثر من الآثار.

(2) يدل على ذلك كلّه صحيح معاوية بن عمار المتقدّمة (1)الواردة في الطامث وقد عرفت أنّ لزوم الابتعاد بالمقدار الممكن خاص بها دون غيرها من ذوي الأعذار.

(3) لأنّ حجّ التمتّع مركب من العمرة والحجّ ، فإذا فسد أحد الجزأين يفسد الكل طبعاً ، ولا دليل على الاجتزاء بالناقص ولا على تبديل حجّه من التمتّع إلى الإفراد.

(4) لو نسي الإحرام ولم يذكر حتّى أتى بجميع أعمال العمرة وواجباتها فالمشهور


1) في ص 244.

مسألة 173 : قد تقدّم أنّ النائي يجب عليه الإحرام لعمرته من أحد المواقيت الخمسة الأُولى ، فإن كان طريقه منها فلا إشكال ، وإن كان طريقه لا يمرّ بها كما هو الحال في زماننا هذا ، حيث إنّ الحجاج يردون جدة ابتداءً وهي ليست من المواقيت فلا يجزئ الإحرام منها حتّى إذا كانت محاذية لأحد المواقيت على ما عرفت فضلاً عن أنّ محاذاتها غير ثابتة ، بل المطمأن به عدمها ، فاللّازم على الحاج حينئذ أن يمضي إلى أحد المواقيت مع الإمكان أو ينذر الإحرام من بلده أو


شهرة عظيمة كما في الجواهر (1)صحّتها ، وكذا لو تركه جهلاً بوجوبه حتّى أتى بجميع أعمال العمرة ، خلافاً لابن إدريس فقال بلزوم الإعادة إذا كانت العمرة واجبة ، لانتفاء المشروط بانتفاء شرطه ولا دليل على الإجزاء بالفاقد (2).

وقد استدلّ المشهور بمرسل جميل الوارد في الناسي والجاهل عن بعض أصحابنا عن أحدهما (عليهما السلام) «في رجل نسي أن يحرم أو جهل وقد شهد المناسك كلّها وطاف وسعى ، قال : تجزئه نيّته إذا كان قد نوى ذلك فقد تمّ حجّه وإن لم يهل» (3). ومورده وإن كان الحجّ ولكن قد أُطلق الحجّ على عمرة التمتّع في غير واحد من الرّوايات.

على أنّ نسيان الإحرام المذكور في صدر الرّواية مطلق من حيث العمرة والحجّ.

والجواب : أنّ الخبر ضعيف بالإرسال ، وما يقال من انجبار الضعف بالشهرة فلا نلتزم به.

وأمّا صحيحا علي بن جعفر الدالان على صحّة الحجّ إذا نسي الإحرام أو جهله (4)فلا ينبغي الاستدلال بهما للمقام ، لورودهما وصراحتهما في خصوص إحرام الحجّ ولذا نلتزم بمضمونهما في إحرام الحجّ.


1) الجواهر 18 : 133.

2) السرائر 1 : 529.

3) الوسائل 11 : 338 / أبواب المواقيت ب 20 ح 1.

4) الوسائل 11 : 338 / أبواب المواقيت ب 20 ح 2 ، 3.

من الطريق قبل الوصول إلى جدة بمقدار معتد به ولو في الطائرة فيحرم من محل نذره ، ويمكن لمن ورد جدة بغير إحرام أن يمضي إلى رابغ الّذي هو في طريق المدينة المنوّرة ويحرم منه بنذر ، باعتبار أنّه قبل الجحفة الّتي هي أحد المواقيت ، وإذا لم يمكن المضي إلى أحد المواقيت ، ولم يحرم قبل ذلك بنذر لزمه الإحرام من جدة بالنذر ، ثمّ يجدد إحرامه خارج الحرم قبل دخوله فيه (1).


وبالجملة : لا دليل على الصحّة في مورد العمرة.

(1) بعد ما علم أنّ جده ليست من المواقيت ولا محاذية لها فلا يجوز الإحرام منها بل حتّى ولو فرضنا أنّها محاذية لأحد المواقيت ، لما عرفت من أنّ الاكتفاء بالإحرام من المحاذي لا دليل عليه إلّا بالنسبة إلى مسجد الشجرة في مورد خاص.

فيجوز لمثل هذا الشخص نذر الإحرام قبل الوصول إلى جدة بمقدار معتد به حتّى يحرز بذلك نذر الإحرام قبل الميقات فإنّ المواقيت قبلها ويصح إحرامه للنص الدال على جواز تقديم الإحرام على الميقات بالنذر (1)، ولا ضير في الاستظلال بعده بسقف الطائرة ونحوها باعتبار الاضطرار إليه ، فقبل الرّكوب في الطائرة يجوز له نذر الإحرام للنص وبعد النذر يضطرّ إلى ركوب الطائرة على الفرض فلا يكون حراماً ، وسنذكر قريباً إن شاء اللّه أنّ العزم على إتيان المحرمات لا يضر بالإحرام لخروج العزم على الترك عن حقيقة الإحرام ، وقد صرّح السيِّد في العروة بأنّ لبس الثوبين غير دخيل في حقيقة الإحرام ، وإنّما هو واجب تعبّدي (2)، ولذا يصح إحرامه إذا أحرم في المخيط نعم تجب عليه كفارة التظليل.

وإذا ورد جدة بلا إحرام ولم يتمكّن من المضي إلى أحد المواقيت كما يتّفق في زماننا هذا كثيراً فيجوز له أن يمضي إلى رابغ الّذي هو قبل الجحفة ويحرم منه ، وإن


1) الوسائل 11 : 326 / أبواب المواقيت ب 13.

2) العروة الوثقى 2 : 365 / 3254.

مسألة 174 : تقدّم أنّ المتمتع يجب عليه أن يحرم لحجّة من مكّة ، فلو أحرم من غيرها عالماً عامداً لم يصح إحرامه وإن دخل مكّة محرماً ، بل وجب عليه الاستئناف من مكّة مع الإمكان وإلّا بطل حجّه (1).

مسألة 175 : إذا نسي المتمتع الإحرام للحج بمكّة وجب عليه العود مع الإمكان وإلّا أحرم في مكانه ولو كان في عرفات وصحّ حجّه وكذلك الجاهل بالحكم (2).


لم يمكنه المضي إلى أحد المواقيت ولم يحرم قبل ذلك لزمه الإحرام من جدة بالنذر ثمّ يجدد إحرامه خارج الحرم قبل دخوله فيه ، فإن فعل ذلك يجزئ على جميع التقادير لأنّ ميقات هذا الشخص إن كان أدنى الحل فقد أحرم منه على الفرض ويكون إحرامه من جدة بالنذر من نذر الإحرام قبل الميقات ، وإن كانت جدة من بعد ميقاته فحيث إنّ المفروض عدم تمكّنه من الرّجوع إليه فيحرم من مكانه وهو جدة نظير من تجاوز عن الميقات فلم يحرم منه لجهل أو نسيان أو إغماء ونحوها من الأعذار ولم يمكنه الرّجوع إلى الميقات ، فإنّ عليه أن يحرم من مكانه.

(1) لفوات المشروط بفوات شرطه ، ففي الحقيقة يكون ممّن ترك الوقوف اختياراً فإنّ مجرد وجوده في الموقف بلا إحرام غير صحيح لا يترتب عليه أيّ أثر أصلاً.

(2) إذا تمكّن من العود من دون أن يفوت عنه الموقف فلا ريب في وجوب العود فإنّ العبرة في وجوب العود وعدمه بخشية فوت الموقف كما دلّ عليه صحيح الحلبي «قال أبي : يخرج إلى ميقات أهل أرضه ، فإن خشي أن يفوته الحجّ أحرم من مكانه» (1).

وإن لم يتمكّن من العود بأن خشي فوت الموقف أحرم من مكانه ولو في عرفات ويدلُّ عليه صحيح علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) قال : «سألته عن رجل نسي الإحرام بالحج فذكر وهو بعرفات ما حاله؟ قال يقول : اللّهمّ على كتابك وسنّة نبيّك فقد تمّ إحرامه ، فإن جهل أن يحرم يوم التروية بالحج حتّى


1) الوسائل 11 : 328 / أبواب المواقيت ب 14 ح 1.

مسألة 176 : لو نسي إحرام الحجّ ولم يذكر حتّى أتى بجميع أعماله صحّ حجّه ، وكذلك الجاهل (1).

كيفيّة الإحرام

وواجبات الإحرام ثلاثة أُمور :

الأمر الأوّل : النيّة ، ومعنى النيّة أن يقصد الإتيان بما يجب عليه في الحجّ أو العمرة متقرّباً به إلى اللّه تعالى ، وفيما إذا لم يعلم المكلّف به تفصيلاً وجب عليه قصد الإتيان به إجمالاً ، واللّازم عليه حينئذٍ الأخذ بما يجب عليه شيئاً فشيئاً من الرسائل العمليّة أو ممّن يثق به من المعلّمين (2)


رجع إلى بلده إن كان قضى مناسكه كلّها فقد تمّ حجّه» (1).

(1) يدل عليه صحيح علي بن جعفر عن أخيه (عليه السلام) قال : «سألته عن رجل كان متمتعاً خرج إلى عرفات وجهل أن يحرم يوم التروية بالحج حتّى رجع إلى بلده ، قال : إذا قضى المناسك كلّها فقد تمّ حجّه» (2)، فإنّه شامل للناسي والجاهل بناءً على شمول الجهل للأعم منه ومن النسيان ، فإنّ النسيان من أفراد الجهل أيضاً والمستفاد من الأدلّة أنّ العبرة بالعذر سواء كان مستنداً إلى الجهل أو النسيان ، وإلّا فلا خصوصيّة لذكر النسيان أو الجهل.

هذا مضافاً إلى دلالة صحيح علي بن جعفر المتقدّم على الصحّة في مورد الجهل.

(2) فإنّ القصد بما يجب عليه من الأعمال والأفعال يتوقف على معرفته لذلك تفصيلاً أو إجمالاً ، فيجوز له تعلّم الأعمال والواجبات شيئاً فشيئاً من الرسائل العمليّة أو ممّن يثق به من العلماء والمرشدين ، ولا يجب عليه أن يكون عالماً بجميع الأعمال من الأوّل.


1) الوسائل 11 : 330 / أبواب المواقيت ب 14 ح 8.

2) الوسائل 11 : 338 / أبواب المواقيت ب 20 ح 2.

فلو أحرم من غير قصد بطل إحرامه (1).

ويعتبر في النيّة أُمور :

الأوّل : القربة كغير الإحرام من العبادات (2).

الثّاني : أن تكون مقارنة للشروع فيه (3).

الثّالث : تعيين أنّ الإحرام للعمرة أو للحج ، وأنّ الحجّ تمتع أو قران أو إفراد ، وأنّه لنفسه أو لغيره ، وأنّه حجّة الإسلام ، أو الحجّ النذري أو الواجب بالإفساد أو الندبي ، فلو نوى الإحرام من غير تعيين بطل إحرامه (4).


(1) لأنّ العمل الصادر من دون قصد كالعمل الصادر غفلة أو سهواً غير اختياري له ، فلا بدّ له من القصد إليه ليكون صدوره منه اختياريّاً.

(2) لأنّ الإحرام من العبادات ، ولا يتّصف العمل بالعبادة إلّا بالقربة والخلوص ونفي التشريك ، وأن يكون الداعي والمحرّك إلى العمل هو الأمر الإلهي كما في سائر الأُمور العباديّة.

(3) فإنّ العمل إذا كان عباديّاً يجب أن يكون العمل من أوّله إلى آخره مقارناً للنيّة ، فلا بدّ من أن يكون الإحرام بتمام أجزائه صادراً عن النيّة والقصد والقربة ، فلو صدر بعض الأجزاء بلا نيّة لا يترتب الأثر على العمل إذ لم يأت بالعمل المأمور به.

هذا لو بنينا على أنّ الإحرام عبارة عن التلبية فالأمر واضح ، فلو سبق لسانه بأوّل جزء من التلبية من دون قصد وأتى ببقيّة الأجزاء مع النيّة لا يجزي ذلك عمّا وجب عليه من التلبية.

نعم ، لو التزمنا بأنّ الإحرام عبارة عن الالتزام النفساني بالتروك وعقد القلب عليه ، فهو أمر بسيط نفساني إمّا موجود أو معدوم ، ولا يتصوّر فيه أوّل أو آخر ، فلا يتصوّر فيه حصول القصد في الأثناء.

(4) لأنّ الحجّ له أقسام كثيرة مختلفة ، فإذا لم يقصد أمراً معيّناً وقسماً خاصّاً في مقام الامتثال لا يقع ما أتى به عن شي‌ء منها ، فإنّ امتثال كل أمر يتوقف على قصده

مسألة 177 : لا يعتبر في صحّة النيّة التلفظ ولا الإخطار بالبال ، بل يكفي الداعي كما في غير الإحرام من العبادات (1).


معيّناً ، ولا يتعيّن إلّا بالقصد حين الإتيان بالعمل ، فلو فرضنا أنّه أحرم وقصد أن يعيّنه بعد ذلك بحيث كان العمل حين الإتيان به غير معين ، لا يكفي هذا في مقام الامتثال.

نعم ، يكفي التعيين الإجمالي ، بأن يقصد المتعيّن واقعاً وإن كان لا يدري به فعلاً ، كما لو فرضنا أنّه عيّنه سابقاً وكتبه في دفتره الخاص ولكن نسي ما كتبه وعيّنه ، فيقصد الإحرام على النحو الّذي كتبه ، فإنّ هذا يكون مجزياً في مقام الامتثال ، لأنّ الفرد متعيّن واقعاً ، والمفروض أنّه يقصد الفرد المعيّن الواقعي ولا يضر جهله به بالفعل نظير تعيين البسملة إلى سورة خاصّة ، كما إذا قرأ البسملة وقصد بها السورة الّتي بعد هذه الصفحة وهو لا يعلم السورة بالفعل.

(1) فإنّ النيّة عبارة عن القصد ، وهو يتحقق وإن لم يتلفظ به ، والميزان في صحّة العمل القربي استناد الفعل إلى اللّه تعالى بحيث يكون أمره سبحانه محرّكاً وداعياً إليه ولا يلزم أزيد من ذلك كما هو الحال في جميع العبادات.

نعم ، يستفاد من جملة من الأخبار استحباب التلفّظ بالنيّة في خصوص باب الحجّ ، للأمر به في النصوص :

منها : صحيح حماد «اللّهمّ إنّي أُريد أن أتمتع بالعمرة إلى الحجّ على كتابك وسنّة نبيّك ، وإن شئت أضمرت الّذي تريد» (1).

ومنها : صحيحة معاوية بن عمار في حديث «اللّهمّ إنّي أُريد التمتّع بالعمرة إلى الحجّ على كتابك وسنّة نبيّك (صلّى اللّه عليه وآله وسلم)» (2).


1) الوسائل 12 : 342 / أبواب الإحرام ب 17 ح 1.

2) الوسائل 12 : 340 / أبواب الإحرام ب 16 ح 1.

مسألة 178 : لا يعتبر في صحّة الإحرام العزم على ترك محرماته حدوثاً وبقاءً إلّا الجماع والاستمناء ، فلو عزم من أوّل الإحرام في الحجّ على أن يجامع زوجته أو يستمني قبل الوقوف بالمزدلفة أو تردد في ذلك ، بطل إحرامه على وجه ، وأمّا لو عزم على الترك من أوّل الأمر ولم يستمر عزمه ، بأن نوى بعد تحقق الإحرام الإتيان بشي‌ء منهما لم يبطل إحرامه (1).


ومنها : صحيح ابن سنان «إذا أردت الإحرام والتمتّع فقل : اللّهمّ إنّي أُريد ما أمرت به من التمتّع بالعمرة إلى الحجّ» (1).

وفي بعض الرّوايات ما يظهر منه استحباب الإضمار وعدم التلفّظ ففي صحيح منصور بن حازم «أمرنا أبو عبد اللّه (عليه السلام) أن نلبّي ولا نسمِّي شيئاً ، وقال : أصحاب الإضمار أحب إليّ» (2)وحملوا هذه الرّوايات على التقيّة جمعاً بين الأخبار كما عن المنتهي (3)والمدارك (4).

ويمكن أن يقال : إنّ ما دلّ على استحباب الإضمار يراد به عدم الإظهار بالعمرة أو الحجّ ، لا استحباب إضمار النيّة وعدم التلفظ بها ، فإنّه بذلك يجمع بين التلفظ بالنيّة والتقيّة.

(1) لأنّ الإحرام ليس هو الالتزام وتوطين النفس على ترك المحرمات ، بل الإحرام عبارة عن التلبية الموجبة للإحرام والدخول في الحرمة أو عمّا يترتب على التلبية ، فالإحرام اسم للسبب أو للمسبب ، فهو نظير الأفعال التوليديّة المترتبة على عناوين خاصّة كالطهارة المترتبة على الوضوء أو الغسل ، ولذا قد يؤمر بالغسل وقد يؤمر بالطهارة كقوله تعالى ( وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا ) وقوله تعالى ( ... وَلا جُنُباً إِلّا عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا ) ... وهكذا المقام ، فإنّه قد أُمر في الرّوايات تارة


1) الوسائل 12 : 341 / أبواب الإحرام ب 16 ح 2.

2) الوسائل 12 : 344 / أبواب الإحرام ب 17 ح 5.

3) المنتهي 2 : 676 ، السطر 24.

4) لاحظ المدارك 7 : 300.

الأمر الثّاني : التلبية ، وصورتها أن يقول : لبّيك اللّهمّ لبّيك ، لبّيك لا شريك لك لبّيك ، والأحوط الأولى إضافة هذه الجملة : إنّ الحمد والنعمة لك والملك ، لا شريك لك لبّيك. ويجوز إضافة لك إلى الملك بأن يقول : والملك لك لا شريك لك لبّيك (1).


بالإحرام ، واخرى بالتلبية ، فهما في الحقيقة شي‌ء واحد.

فالعزم على ترك المحرمات خارج عن حقيقة الإحرام ، وإنّما هي أحكام مترتبة على الإحرام ، لا أنّها نفس الإحرام ، فلا يضرّ الإتيان بها في الخارج في عقد الإحرام فضلاً عن العزم عليها ، فإنّ الإتيان بها خارجاً إذا لم يكن منافياً لعقد الإحرام فالعزم عليها بطريق أولى.

نعم ، لو كان بعض التروك والمحرمات موجباً لبطلان الإحرام كالجماع والاستمناء فالعزم عليهما من الأوّل يوجب بطلان إحرامه ، لا لأجل أنّ الإحرام هو العزم على ترك المحرمات ، بل لمنافاة ذلك لقصد الإحرام الصحيح ، فإنّ المنوي إذا كان منافياً للحج فالعزم عليه يلازم عدم القصد إلى الحجّ حقيقة.

والحاصل : بقيّة المحرمات محرمات تكليفيّة محضة ، وأمّا الجماع والاستمناء فيجتمع فيهما الحكمان التكليفي وهو الحرمة والوضعي وهو الفساد.

نعم ، لو كان عازماً على تركهما من أوّل الأمر ولكنّه لم يستمر على عزمه ونوى الإتيان بشي‌ء منهما بعد تحقق الإحرام منه لم يبطل إحرامه ، لأنّ الإحرام قد تحقق وانعقد صحيحاً ، ولا دليل على بطلانه بمجرّد العزم عليهما بعد وقوع الإحرام صحيحاً.

(1) يدل على وجوب التلبيات الأربع المذكورة في المتن صحيح معاوية بن عمار في حديث قال : «التلبية أن تقول : لبّيك اللّهمّ لبّيك ، لبّيك لا شريك لك لبّيك ، إنّ الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك لبّيك ثمّ قال (عليه السلام) واعلم أنّه لا بدّ من التلبيات الأربع الّتي كن في أوّل الكلام ، وهي الفريضة وهي التوحيد» الحديث (1).


1) الوسائل 12 : 382 / أبواب الإحرام ب 40 ح 2.

مسألة 179 : على المكلّف أن يتعلّم ألفاظ التلبية ويحسن أداءها بصورة صحيحة كتكبيرة الإحرام في الصلاة ، ولو كان ذلك من جهة تلقينه هذه الكلمات من قبل شخص آخر ، فإذا لم يتعلّم تلك الألفاظ ولم يتيسر له التلقين يجب عليه التلفظ بها بالمقدار الميسور ، والأحوط في هذه الصورة الجمع بين الإتيان بالمقدار الّذي يتمكّن منه والإتيان بترجمتها ، والاستنابة لذلك (1).


فإنّها صريحة في أنّ الواجب هو التلبيات الأربع الّتي ذكرها في أوّل الحديث ، وأمّا البقيّة فهي مستحبّة ، ولا دليل على وجوب الزيادة على ذلك ولا على غير هذه الكيفيّة.

بل يمكن أن يقال : بأنّ المستفاد من النصوص لزوم الإتيان بالتلبيات الأربع المذكورة في صحيح معاوية بن عمار بأيّ كيفيّة أتى بها ، ولو بالفصل بينها بدعاء أو ذكر أو كلام آدمي ما لم يضر ذلك في صدق عنوان التلبية.

(1) لا شك في أنّ اللّازم على المكلّف الإتيان بالتلبيات على الوجه الصحيح بمراعاة أداء الكلمات على طبق القواعد العربيّة وأداء الحروف من مخارجها ، فلا يجزئ الملحون مع التمكّن من الصحيح ولو بتلقين شخص إيّاه ، وذلك لأنّ المأمور به هو التلبية الصحيحة المذكورة في صحيحة معاوية بن عمار المتقدّمة ، حيث إنّ الإمام (عليه السلام) قرأ هذه الكلمات على الوجه الصحيح ، فهذا هو الّذي تعلّق به الأمر ولا دليل على الاجتزاء بالملحون ، ولا خلاف في ذلك.

وإنّما وقع الخلاف فيما إذا لم يتمكّن من أداء الصحيح ولو بالطرق العادّية فماذا يجب عليه؟ فهل يكتفي بالملحون أو يستنيب أو يأتي بترجمتها؟

ربما يقال : بأنّ مقتضى الجمع بين قاعدة الميسور وخبر زرارة «إنّ رجلاً قدم حاجّاً لا يحسن أن يلبي فاستفتي له أبو عبد اللّه (عليه السلام) ، فأمر له أن يلبّى عنه» (1)هو الإتيان بالملحون والاستنابة ، لأنّ مقتضى قاعدة الميسور هو الاجتزاء بالملحون ومقتضى الخبر لزوم الاستنابة.


1) الوسائل 12 : 381 / أبواب الإحرام ب 39 ح 2.

مسألة 180 : الأخرس يشير إلى التلبية بإصبعه مع تحريك لسانه ، والأولى أن يجمع بينها وبين الاستنابة (1).

مسألة 181 : الصبي غير المميز يلبى عنه (2).


والجواب عنه : أنّ خبر زرارة لو تمّ سنداً فالمتعيّن الاستنابة ولا حاجة إلى القاعدة ، وإن كان ضعيفاً فلا ملزم للاستنابة ، ولكن الرّواية ضعيفة سنداً بياسين الضرير فإنّه لم يوثق ، وأمّا قاعدة الميسور فقد ذكرنا غير مرّة أنّها غير تامّة في نفسها فلا يصلح أن تكون سنداً لحكم شرعي.

والظاهر هو الاجتزاء بالملحون فيما إذا لم يتمكّن من الصحيح ، لمعتبرة مسعدة بن صدقة ، قال : «سمعت جعفر بن محمّد (عليه السلام) يقول : إنّك قد ترى من المحرم من العجم لا يراد منه ما يراد من العالم الفصيح ، وكذلك الأخرس في القراءة في الصلاة والتشهّد وما أشبه ذلك ، فهذا بمنزلة العجم ، والمحرم لا يراد منه ما يراد من العاقل المتكلم الفصيح» الحديث (1)فإنّها واضحة الدلالة على جواز الاكتفاء بالملحون لكل من لا يتمكّن من القراءة الصحيحة ، سواء في الصلاة أو في التلبية ، فلا حاجة إلى الترجمة والاستنابة ، فمفادها مفاد قاعدة الميسور ، ولذا صرّح سيِّدنا الأُستاذ (دام ظله) في تعليقته على العروة بأنّ الأظهر جواز الاكتفاء بالملحون (2).

نعم ، لا ريب أنّ الأحوط ضمّ الاستنابة إليه وأحوط منه ضمّ الترجمة إليه أيضاً.

(1) يدل عليه موثق السكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «تلبية الأخرس وتشهّده وقراءته القرآن في الصلاة تحريك لسانه وإشارته بإصبعه» (3).

(2) يدل عليه صحيح زرارة عن أحدهما (عليهما السلام) قال : «إذا حجّ الرّجل بابنه وهو صغير فإنّه يأمره أن يلبي ويفرض الحجّ ، فإن لم يحسن أن يلبي لبّوا عنه


1) الوسائل 6 : 136 / أبواب القراءة في الصلاة ب 59 ح 2.

2) العروة الوثقى 2 : 361 / 3243 (تعليقة 2).

3) الوسائل 6 : 136 / أبواب قراءة الصلاة ب 59 ح 1 ، 12 : 381 / أبواب الإحرام ب 39 ح 1.

مسألة 182 : لا ينعقد إحرام حجّ التمتّع وإحرام عمرته وإحرام حجّ الإفراد وإحرام العمرة المفردة إلّا بالتلبية ، وأمّا حجّ القِران فكما يتحقق إحرامه بالتلبية يتحقق بالإشعار أو التقليد (1).


ويطاف به ويصلّى عنه» الحديث (1).

(1) لا إشكال في أنّ التلبية ثابتة في جميع أقسام العمرة والحجّ حتّى حجّ القِران وبها يتحقق الإحرام ، وهي الّتي توجب الدخول في حرمة اللّه تعالى ، وما لم يلب يجوز له ارتكاب المنهيات المعهودة.

ففي صحيح الحلبي قال : «سألته لِمَ جعلت التلبية؟ فقال : إنّ اللّه عزّ وجلّ أوحى إلى إبراهيم أن ( أَذِّنْ فِي النّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالاً وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ) (2)فنادى فأُجيب من كل وجه يلبّون» (3)ويظهر منه أنّ التلبية استجابة لله تعالى ولا تختص بقسم خاص من أقسام الحجّ.

وفي صحيحة معاوية بن وهب «تحرمون كما أنتم في محاملكم تقول : لبّيك ...» إلى آخر الحديث (4).

وفي صحيحة معاوية بن عمار «واعلم أنّه لا بدّ من التلبيات الأربع الّتي كن في أوّل الكلام ، وهي الفريضة وهي التوحيد وبها لبّى المرسلون» (5).

وفي صحيحة عبد الرّحمن «في الرّجل يقع على أهله بعد ما يعقد الإحرام ولم يلب قال : ليس عليه شي‌ء» (6)والمراد بقول السائل : بعد ما يعقد الإحرام ، أي بعد ما عزم على الإحرام.


1) الوسائل 11 : 288 / أبواب أقسام الحجّ ب 17 ح 5.

2) الحجّ 22 : 27.

3) الوسائل 12 : 374 / أبواب الإحرام ب 36 ح 1.

4) الوسائل 12 : 382 / أبواب الإحرام ب 40 ح 1.

5) الوسائل 12 : 382 / أبواب الإحرام ب 40 ح 2.

6) الوسائل 12 : 333 / أبواب الإحرام ب 14 ح 2.

والإشعار مختص بالبدن ، والتقليد مشترك بين البدن وغيرها من أنواع الهدي والأولى الجمع بين الإشعار والتقليد في البدن ، والأحوط التلبية على القارن وإن كان عقد إحرامه بالإشعار أو التقليد (1).


ويظهر من هذه الرّوايات أنّ التلبية ثابتة في الحجّ وأنّ الإحرام لا ينعقد إلّا بها هذا كلّه بالنسبة إلى مطلق الحجّ.

وأمّا في خصوص حجّ القِران ، فالمعروف بينهم أنّه لا يتعيّن عليه التلبية ، بل الحاج مخير بين عقد الإحرام بالتلبية أو بالإشعار أو التقليد وتدل عليه النصوص :

منها : صحيحة معاوية بن عمار قال : «يوجب الإحرام ثلاثة أشياء : التلبية والإشعار والتقليد ، فإذا فعل شيئاً من هذه الثلاثة فقد أحرم» (1).

وفي صحيحة أُخرى له «والإشعار والتقليد بمنزلة التلبية» (2).

فما عن السيِّد (3)وابن إدريس (4)من عدم انعقاد الإحرام حتّى في حجّ القِران إلّا بالتلبية ضعيف مردود بهذه الرّوايات.

كما أنّ ما نسب إلى الشيخ من أنّ انعقاد الإحرام بالإشعار متوقف على العجز من التلبية (5)ضعيف بإطلاق الرّوايات المتقدّمة.

(1) أمّا اختصاص البدن بالإشعار وعدم ثبوته في غيره فقد يظهر من صحيح عمر بن يزيد «من أشعر بدنته فقد أحرم» (6)إذ لو كان الإشعار ثابتاً في غير البدنة لكان ذكر البدنة بخصوصها لغواً ، لأنّ الظاهر من القيد عدم سريان الحكم إلى


1) الوسائل 11 : 279 / أبواب أقسام الحجّ ب 12 ح 20.

2) الوسائل 11 : 277 / أبواب أقسام الحجّ ب 12 ح 11.

3) الإنتصار : 253.

4) السرائر 1 : 532.

5) المبسوط 1 : 307.

6) الوسائل 11 : 279 / أبواب أقسام الحجّ ب 12 ح 21.

ثمّ إنّ الإشعار هو شقّ السنام الأيمن بأن يقوم المحرم من الجانب الأيسر من الهدي ويشق سنامه من الجانب الأيمن ويلطّخ صفحته بدمه. والتقليد هو أن يعلّق في رقبة الهدي نعلاً خَلِقاً قد صلّى فيها (1).


الطبيعي ، وإلّا لكان ذكر القيد لغواً ، بل يكفينا في اختصاص الإشعار بالبدن عدم الدليل على ثبوته في غيره.

وأمّا اشتراك التقليد بين جميع أقسام الهدي فيدل عليه جملة من الرّوايات (1).

ثمّ إنّه في البدن مخيّر بين الإشعار والتقليد كما يدل عليه إطلاق صحيحة معاوية بن عمار المتقدّمة وغيرها.

ولكن الأولى هو الجمع بين الإشعار والتقليد في البدن ، لصحيح معاوية بن عمار «البدن تشعر في الجانب الأيمن ويقوم الرّجل في الجانب الأيسر ، ثمّ يقلّدها بنعل خلق قد صلّى فيها» (2).

وأولى من ذلك هو الجمع بين التلبية والإشعار والتقليد وعدم الاكتفاء بالإشعار أو التقليد ، خروجاً عن مخالفة السيِّد المرتضى والحلي.

(1) لا ريب في أنّ المعتبر في كيفيّة الإشعار أن يشق سنامه من الجانب الأيمن ولا يتحقق بسائر أعضائه.

نعم ، يستثني من ذلك صورة واحدة ، وهي ما لو كانت معه بدن كثيرة فيجوز للرجل أن يدخل بين اثنين منهما فيشعر هذه من الجانب الأيمن ويشعر هذه من الجانب الأيسر ، كما يدل عليه صحيح حريز «إذا كانت بدن كثيرة فأردت أن تشعرها دخل الرّجل بين كل بدنتين فيشعرها هذه من الشق الأيمن ويشعر هذه من الشق الأيسر» (3).


1) الوسائل 11 : 277 / أبواب أقسام الحجّ ب 12 ح 9 وغيره.

2) الوسائل 11 : 276 / أبواب أقسام الحجّ ب 12 ح 4.

3) الوسائل 11 : 279 / أبواب أقسام الحجّ ب 12 ح 19.

مسألة 183 : لا يشترط الطهارة عن الحدث الأصغر والأكبر في صحّة الإحرام ، فيصحّ الإحرام من المحدث بالأصغر أو الأكبر كالمجنب والحائض والنّفساء وغيرهم (1).


وأمّا بقيّة الخصوصيّات كوقوف الرّجل من الجانب الأيسر وتلطّخ صفحته بدمه فلم يرد فيها نص بالخصوص ، وإنّما هي مذكورة في كلمات الفقهاء ، ولا ريب أنّه أحوط وتفرغ ذمّته بذلك قطعاً.

وربما يقال بأنّ صحيح معاوية بن عمار تدل على لزوم قيام الرّجل في الجانب الأيسر من البدنة لقوله (عليه السلام) : «البدن تشعر في الجانب الأيمن ، ويقوم الرّجل في الجانب الأيسر ، ثمّ يقلّدها بنعل خَلِق قد صلّى فيها» (1).

ولكن في دلالة الرّواية على ذلك نظر ، لاحتمال رجوع قوله : «ويقوم الرّجل في الجانب الأيسر» لقوله : «ثمّ يقلِّدها بنعل خَلِق» فيكون دالّاً على تقليد الحيوان فيما إذا كان الرّجل قائماً في الجانب الأيسر فيكون ذلك مستحبّاً ، لأنّ أصل التقليد في مورد الإشعار مستحب فضلاً عن خصوصيّاته.

وأمّا التقليد بالنحو المذكور في المتن فيدل عليه صحيح معاوية بن عمار «يقلّدها بنعل قد صلّى فيها» (2)ويتحقق التقليد أيضاً بأن يجلله بشي‌ء كالخيط والسير ، ويدلُّ عليه معتبرة الحلبي «عن تجليل الهدي وتقليدها ، فقال : لا تبالي أيّ ذلك فعلت» (3)وصحيحة زرارة «كان الناس يقلّدون الغنم والبقر وإنّما تركه الناس حديثاً ويقلّدون بخيط وسير» (4).

(1) بلا خلاف ، لعدم الدليل على الاشتراط وإطلاق الأدلّة ينفيه.


1) الوسائل 11 : 276 / أبواب أقسام الحجّ ب 12 ح 4.

2) الوسائل 11 : 278 / أبواب أقسام الحجّ ب 12 ح 17.

3) الوسائل 11 : 276 / أبواب أقسام الحجّ ب 12 ح 5.

4) الوسائل 11 : 277 / أبواب أقسام الحجّ ب 12 ح 9.

مسألة 184 : التلبية بمنزلة تكبيرة الإحرام في الصلاة ، فلا يتحقق الإحرام إلّا بها أو بالإشعار أو التقليد لخصوص القارن ، فلو نوى الإحرام ولبس الثوبين وفعل شيئاً من المحرمات قبل تحقق الإحرام لم يأثم وليس عليه كفارة (1).

مسألة 185 : الأفضل لمن حجّ عن طريق المدينة تأخير التلبية إلى البيداء ولمن حجّ عن طريق آخر تأخيرها إلى أن يمشي قليلاً ، ولمن حجّ من مكّة تأخيرها إلى الرّقطاء ولكن الأحوط التعجيل بها مطلقاً ويؤخّر الجهر بها إلى المواضع المذكورة ، والبيداء بين مكّة والمدينة على ميل من ذي الحليفة نحو مكّة والرّقطاء موضع يسمّى مدعى دون الردم (2).


مضافاً إلى النصوص الواردة في إحرام الحائض والنّفساء (1).

(1) للنصوص الدالّة على أنّه ما لم يلبّ ليس عليه شي‌ء ، ويجوز له ارتكاب المحرمات حتّى الجماع (2)، فإنّ المستفاد من هذه النصوص أنّ التلبية توجب عليه الدخول في الحرمة الإلهيّة ، وتحرم عليه المحرمات ، والإشعار والتقليد بمنزلة التلبية كما في النص (3).

(2) يدل على أفضليّة تأخير التلبية في الموارد الثلاثة المذكورة في المتن نصوص كثيرة.

منها : صحيحة معاوية بن وهب قال : «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن التهيّؤ للإحرام ، فقال : مسجد الشجرة ، فقد صلّى فيه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) وقد ترى أُناساً يحرمون فلا تفعل حتّى تنتهي إلى البيداء حيث الميل ، فتحرمون كما أنتم في محاملكم تقول : لبّيك اللّهمّ لبّيك» الحديث (4).


1) الوسائل 12 : 399 / أبواب الإحرام ب 48 ، 12 : 401 / أبواب الإحرام ب 49.

2) الوسائل 12 : 333 / أبواب الإحرام ب 14.

3) الوسائل 11 : 277 / أبواب أقسام الحجّ ب 12 ح 11 ، 11 : 279 / أبواب أقسام الحجّ ب 12 ح 20.

4) الوسائل 12 : 370 / أبواب الإحرام ب 34 ح 3.

.................................................................................................


وفي صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «صل المكتوبة ثمّ أحرم بالحج أو بالمتعة واخرج بغير تلبية حتّى تصعد إلى أوّل البيداء إلى أوّل ميل عن يسارك ، فإذا استوت بك الأرض راكباً كنت أو ماشياً فلبّ» (1).

وفي صحيحة هشام بن الحكم ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «إن أحرمت من غمرة ومن بريد البعث صلّيت وقلت كما يقول المحرم في دبر صلاتك ، وإن شئت لبّيت من موضعك ، والفضل أن تمشي قليلاً ثمّ تلبي» (2).

وفي صحيح الفضلاء عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث قال : «وإن أهللت من المسجد الحرام للحج ، فإن شئت لبّيت خلف المقام ، وأفضل ذلك أن تمضي حتّى تأتي الرّقطاء ، وتلبي قبل أن تصير إلى الأبطح» (3).

إلّا أنّه يتوجّه هنا إشكال في خصوص تأخير التلبية إلى البيداء لمن حجّ عن طريق المدينة وهو أنّه بعد البناء على أنّ الإحرام يتحقق بالتلبية وهي الّتي توجب الدخول في حرمة لا تهتك ، أو أنّها متمّمة للإحرام ، فكيف يجوز تأخيرها عن مسجد الشجرة ، لرجوع ذلك في الحقيقة إلى جواز تأخير الإحرام عن مسجد الشجرة.

فيقع البحث في موردين :

أحدهما : فيما ذهب إليه صاحب الحدائق (قدس سره) من وجوب تأخير التلبية إلى البيداء ، استناداً إلى ظواهر النصوص الكثيرة الآمرة بالتأخير ، وقال (قدس سره) لا موجب لرفع اليد عن ظهور الرّوايات ، وذكر أنّ هذا الحكم مختص بمسجد الشجرة ، وأمّا في غيره فحكمه التخيير بين إتيان التلبية من نفس الميقات أو التأخير بها عن الميقات بمقدار يسير (4).

ويردّه : أنّ العلماء (قدس سرهم) أجمعوا وتسالموا على جواز الإحرام والتلبية من


1) الوسائل 12 : 370 / أبواب الإحرام ب 34 ح 6.

2) الوسائل 12 : 372 / أبواب الإحرام ب 35 ح 1.

3) الوسائل 12 : 396 / أبواب الإحرام ب 46 ح 1.

4) الحدائق 15 : 46.

.................................................................................................


نفس مسجد الشجرة ، ولم يلتزموا بوجوب تأخيرها إلى البيداء ، للسيرة القطعيّة الجارية بين المسلمين ، على أنّهم يحرمون من مسجد الشجرة ولا يشك أحد في الاكتفاء بذلك ، وللروايات العامّة الدالّة على توقيت المواقيت والنهي عن التجاوز عنها بغير إحرام ، وللروايات الخاصّة الدالّة على جواز الإتيان بالتلبية من نفس المسجد.

منها : صحيحة عبد اللّه بن سنان أنّه سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) «هل يجوز للمتمتع بالعمرة إلى الحجّ أن يظهر التلبية في مسجد الشجرة؟ فقال : نعم ، إنّما لبّى النّبيّ (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) في البيداء ، لأنّ الناس لم يعرفوا التلبية فأحبّ أن يعلّمهم كيف التلبية» (1)وهي صريحة في جواز الإتيان بالتلبية من نفس مسجد الشجرة والنّبيّ (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) إنّما آخرها إلى البيداء لتعليم الناس كيفيّة التلبية. فظهر أنّه لا يمكن الالتزام بوجوب التأخير إلى البيداء.

الثّاني : أنّه بعد الفراغ والتسالم على جواز الإتيان بالتلبية من مسجد الشجرة فهل يجوز تأخيرها إلى البيداء أم لا؟

ذهب جماعة إلى جواز التأخير ، بل ذكروا أنّ الأفضل لمن حجّ عن طريق المدينة تأخير التلبية إلى البيداء ، واستندوا إلى جملة من النصوص المعتبرة الآمرة بالتأخير إلى البيداء ، منها : صحيحة معاوية بن وهب المتقدّمة (2)، ومن ثمّ أشكل عليهم بأنّ هذه الرّوايات تنافي الرّوايات العامّة الناهية عن التجاوز عن الميقات بلا إحرام والدالّة على توقيت المواقيت ، فكيف يمكن القول بجواز التأخير فضلاً عن أفضليّته ، ولذا حمل بعضهم روايات التأخير على تأخير التلبيات المستحبّة ، وأمّا الواجبة فلا يجوز تأخيرها كما حمل بعض آخر كالسيِّد في العروة هذه الرّوايات على أفضليّة الجهر بها إلى البيداء لا تأخير نفس التلبيات (3)، وكلاهما ضعيف :

أمّا الأوّل ، فلأن بعض الرّوايات صريحة في تأخير التلبية الواجبة ، بل قد ورد


1) الوسائل 12 : 372 / أبواب الإحرام ب 35 ح 2.

2) في ص 262.

3) العروة الوثقى 2 : 364 / 3249.

مسألة 186 : الأحوط [في المناسك الطبعة الثانية عشرة : يجب لمن اعتمر ...] لمن اعتمر عمرة التمتّع قطع التلبية عند مشاهدة موضع بيوت مكّة القديمة ، وحدّه لمن جاء عن طريق المدينة عقبة المدنيين [قوله : وحدّه لمن جاء ... عقبة المدنيين ، ليست في المناسك الطبعة الثانية عشرة] ، ولمن اعتمر عمرة مفردة قطعها عند دخول الحرم إذا جاء من خارج الحرم ، وعند مشاهدة الكعبة إن كان قد خرج من مكّة لإحرامها ولمن حجّ بأيّ نوع من أنواع الحجّ قطعها عند الزوال من يوم عرفة (1).


النهي في بعضها عن التلبية في المسجد كما في صحيحة معاوية بن وهب المتقدّمة.

وأمّا الثّاني ، فلعدم ذكر تأخير الجهر بها إلى البيداء في شي‌ء من النصوص ، بل في بعض الأخبار صرّح بالجهر بها من المسجد (1)ولا ريب أنّ الظاهر من الرّوايات تأخير التلبية الواجبة الموجبة للإحرام إلى البيداء لا المستحبّة ولا الجهر بها ، فإذن يقع التعارض والتنافي بينها وبين أدلّة المواقيت ، فلا بدّ من دفع التنافي بين الطائفتين من الأخبار.

والصحيح أن يقال : إنّ التنافي يرتفع بالتخصيص ، فنقول :

إنّ أدلّة المواقيت الناهية عن التجاوز عن الميقات بلا إحرام مطلقة من حيث تحقق الإحرام بعده بزمان يسير ومن حيث عدم تحقق الإحرام منه أصلاً ، فتخصّص بالروايات الدالّة على جواز التأخير إلى البيداء ، فتكون النتيجة حرمة التجاوز عن الميقات بلا إحرام لمن لا يريد الإحرام أصلاً ، وجواز التأخير عن الميقات لمن يريد الإحرام بعد قليل ، وحيث إنّ الإحرام من نفس المسجد جائز قطعاً ، فتحمل الأخبار الآمرة بالتأخير على الفضل ، ولكن الأحوط أن يلبّي من نفس المسجد.

(1) يقع الكلام في مسائل أربع :

الاولى : أنّ من اعتمر عمرة التمتّع لا بدّ له من قطع التلبية عند مشاهدة بيوت مكّة


1) الوسائل 12 : 369 / أبواب الإحرام ب 34 ح 1.

.................................................................................................


القديمة ، فلا عبرة بالبيوت المستحدثة في زمان الأئمّة (عليهم السلام) فضلاً عن المستحدثة في زماننا ، ويدلُّ على ذلك جملة من الأخبار.

منها : صحيح معاوية بن عمار قال : «قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) إذا دخلت مكّة وأنت متمتع فنظرت إلى بيوت مكّة فاقطع التلبية ، وحدّ بيوت مكّة الّتي كانت قبل اليوم عقبة المدنيين ، فإنّ الناس قد أحدثوا بمكّة ما لم يكن ، فاقطع التلبية» (1).

ومنها : صحيح ابن أبي نصر عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) «أنّه سئل عن المتمتع متى يقطع التلبية؟ قال : إذا نظر إلى عراش مكّة عقبة ذي طوى ، قلت : بيوت مكّة؟ قال : نعم» (2).

والتحديد بعقبة ذي طوى في هذه لا ينافي التحديد بعقبة المدنيين في صحيحة معاوية بن عمار ، إذ من المحتمل أنّ عقبة ذي طوى اسم آخر لعقبة المدنيين ، أو أنّها مكان آخر عن طريق آخر ، فيكون الحد لمن جاء عن طريق المدينة عقبة المدنيين ومن جاء عن طريق آخر عقبة ذي طوى.

وفي صحيح زرارة «سألته أين يمسك المتمتع عن التلبية؟ فقال : إذا دخل البيوت بيوت مكّة لا بيوت الأبطح» (3).

وقد يتوهّم أنّ المستفاد منه قطع التلبية بدخول البيوت ، بينما الرّوايات المتقدّمة جعلت العبرة بمشاهدة البيوت.

ويمكن الجواب بأنّ الدخول في البيوت المستحدثة الّتي حدثت في زمان الأئمّة (عليهم السلام) يستلزم مشاهدة البيوت القديمة الّتي يكون النظر إليها سبباً لقطع التلبية.

وفي خبر زيد الشحام جعل العبرة بدخول الحرم (4)ولكنّه ضعيف السند بأبي جميلة.


1) الوسائل 12 : 388 / أبواب الإحرام ب 43 ح 1.

2) الوسائل 12 : 389 / أبواب الإحرام ب 43 ح 4.

3) الوسائل 12 : 390 / أبواب الإحرام ب 43 ح 7.

4) الوسائل 12 : 391 / أبواب الإحرام ب 43 ح 9.

.................................................................................................


نعم ، صحيح معاوية بن عمار «وإن كنت معتمراً فاقطع التلبية إذا دخلت الحرم» (1)مطلق يشمل عمرة التمتّع أيضاً ، فيقيّد بالأخبار المتقدّمة الدالّة على القطع في المتعة بمشاهدة بيوت مكّة ، وهكذا الحال بالنسبة إلى إطلاق موثق زرارة (2).

المسألة الثّانية : أن من اعتمر عمرة مفردة إذا جاء من خارج الحرم يقطع التلبية عند دخول الحرم ، ويدل عليه جملة من الأخبار :

منها : صحيح معاوية بن عمار المتقدّمة «وإن كنت معتمراً فاقطع التلبية إذا دخلت الحرم» ونحوه غيره.

وإطلاق هذه الرّوايات يشمل العمرة المفردة وعمرة التمتّع ، ولكن قد عرفت أنّ عمرة التمتّع خارجة عن هذا الإطلاق بالروايات السابقة ، فيبقى تحت الإطلاق المذكور العمرة المفردة.

نعم ، هنا روايات تدل على قطع التلبية بمشاهدة بيوت مكّة كما هو الحال في عمرة التمتّع.

منها : رواية يونس «عن الرّجل يعتمر عمرة مفردة من أين يقطع التلبية؟ قال : إذا رأيت بيوت مكّة ذي طوى فاقطع التلبية» (3)وهي ضعيفة بمحسن بن أحمد فإنّه لم يوثق.

ومنها : صحيحة الفضيل بن يسار قال : «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) قلت : دخلت بعمرة فأين أقطع التلبية؟ قال : حيال العقبة عقبة المدنيين ، فقلت : أين عقبة المدنيين؟ قال : بحيال القصارين» (4)ولكن دلالتها بالإطلاق ، فتختص بعمرة التمتّع بقرينة الرّوايات المتقدّمة الدالّة على القطع بدخول الحرم في العمرة المفردة.


1) الوسائل 11 : 393 / أبواب الإحرام ب 45 ح 1.

2) الوسائل 11 : 394 / أبواب الإحرام ب 45 ح 5.

3) الوسائل 12 : 394 / أبواب الإحرام ب 45 ح 3.

4) الوسائل 12 : 395 / أبواب الإحرام ب 45 ح 11.

.................................................................................................


ومنها : صحيح البزنطي قال : «سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن الرّجل يعتمر عمرة المحرم من أين يقطع التلبية؟ قال : كان أبو الحسن (عليه السلام) من قوله يقطع التلبية إذا نظر إلى بيوت مكّة» (1)وهي صريحة في العمرة المفردة ، لأنّ العمرة الّتي تقع في شهر المحرم إنّما هي مفردة.

والجواب عن هذه الصحيحة أنّ موردها وإن كان العمرة المفردة ، ولكنّها مطلقة من حيث بدء العمرة والإحرام لها من أدنى الحل أو من قبل الحرم ، ومسألتنا في الاعتمار من خارج الحرم فتحمل صحيحة البزنطي على الإحرام من أوّل الحرم فلا منافاة.

ولكن صحيح عمر بن يزيد الوارد في من اعتمر من أوّل الحرم ، جعل العبرة في القطع بالنظر إلى الكعبة (2)فيكون منافياً لخبر البزنطي ، إلّا أنّه يمكن في دفع التنافي بالتلازم بين الأمرين ، لأنّ النظر إلى بيوت مكّة يستلزم النظر إلى الكعبة المشرّفة لعلو البيت وارتفاعه ونحو ذلك.

الثّالثة : أن من اعتمر عمرة مفردة من أدنى الحل سواء كان في مكّة وخرج منها للاعتمار ، أو كان خارج مكّة دون الميقات وأراد الاعتمار من أدنى الحل ، يقطع التلبية عند مشاهدة الكعبة ، ويدلُّ عليه صحيح عمر بن يزيد وصحيحة معاوية بن عمار (3).

المسألة الرّابعة : الحاج بأيّ نوع من أنواعه يقطع التلبية عند الزوال من يوم عرفة بلا خلاف ، وتدل عليه عدّة من الرّوايات المعتبرة (4).

ثمّ إنّ الظاهر من النصوص أنّ القطع على نحو العزيمة ، للأمر به في الروايات ولا أقل من ارتفاع الأمر السابق وعدم الأمر بالتلبية ، والعبادة توقيفيّة ومشروعيّتها محتاجة إلى الأمر ، بل يظهر من بعض الأخبار أنّ إتيان التلبية في غير موردها


1) الوسائل 12 : 396 / أبواب الإحرام ب 45 ح 12.

2) الوسائل 12 : 395 / أبواب الإحرام ب 45 ح 8.

3) الوسائل 12 : 394 / أبواب الإحرام ب 45 ح 4.

4) الوسائل 12 : 391 / أبواب الإحرام ب 44.

مسألة 187 : إذا شكّ بعد لبس الثوبين وقبل التجاوز من الميقات في أنّه قد أتى بالتلبية أم لا بنى على عدم الإتيان (1) وإذا شكّ بعد الإتيان بالتلبية أنّه أتى بها صحيحة أم لا بنى على الصحّة (2).

الأمر الثّالث : لبس الثوبين بعد التجرّد عمّا يجب على المحرم اجتنابه ، يتّزر بأحدهما ويرتدي بالآخر (3).


مبغوض عند اللّه تعالى.

ففي صحيحة أبان قال : «كنت مع أبي جعفر (عليه السلام) في ناحية من المسجد وقوم يلبّون حول الكعبة ، فقال : أترى هؤلاء الّذين يلبّون؟ واللّه لأصواتهم أبغض إلى اللّه من أصوات الحمير» (1).

(1) لعدم التجاوز عن المحل ، ومقتضى الأصل عدم الإتيان بها.

(2) لقاعدة الفراغ.

(3) لا ريب ولا خلاف بين المسلمين في وجوب لبس الثوبين المسمّى أحدهما بالإزار والآخر بالرّداء ، بعد التجرّد عمّا يجب على المحرم اجتنابه كلبس المخيط ، ويستفاد وجوب ذلك من جملة من الأخبار الشريفة المذكورة في أبواب متفرقة.

فمنها : الأخبار الآمرة بلبس الثوبين ولو على نحو الجملة الخبريّة ، لما ذكرنا في محلِّه من دلالتها على الوجوب ، ولا يضر اقترانها بما يجوز تركه ، لأنّ كل مورد قامت قرينة خارجيّة على عدم الوجوب نرفع اليد عنه ويبقى الباقي على الوجوب ، كما ورد الأمر بأشياء مثل اغتسل للجنابة والجمعة ، ولكن ورد الدليل على استحباب غسل الجمعة فنلتزم بالاستحباب في خصوص غسل الجمعة.

فمن جملة هذه الرّوايات صحيحة معاوية بن وهب قال : «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن التهيّؤ للإحرام ، فقال : أطل بالمدينة فإنّه طهور وتجهّز بكلّ ما تريد ، وإن


1) الوسائل 12 : 389 / أبواب الإحرام ب 43 ح 3.

.................................................................................................


شئت استمتعت بقميصك حتّى تأتي الشجرة فتفيض عليك من الماء وتلبس ثوبيك إن شاء اللّه» (1)وفي صحيحة هشام بن سالم «والبسوا ثيابكم الّتي تحرمون فيها» (2). وفي صحيحة معاوية بن عمار «واغتسل والبس ثوبيك» (3)وغير ذلك من الرّوايات.

ويؤكّد ذلك ما ورد في تجريد الصبيان من فخ (4)، فإنّ تجريدهم من ثيابهم يكشف عن اعتبار لبس ثوبي الإحرام ، وإلّا فلا موجب لتجريدهم.

ويؤيّد ذلك ما ورد في الإحرام من المسلخ من وادي العقيق ، وأنّه عند التقيّة والخوف يؤخّر لبس ثوبي الإحرام إلى ذات عرق (5)فيعلم من ذلك أنّ لبس ثوبي الإحرام واجب ، إلى غير ذلك من الأخبار والشواهد القطعيّة ، والظاهر أنّ المسألة ممّا لا إشكال فيها.

وأمّا كيفيّة لبسهما ، فالظاهر أن يلبسهما على الطريق المألوف ، بأن يتّزر بأحدهما ويرتدي بالآخر ، وتدل عليه الأخبار الآمرة بإلقاء الثوب أو العمامة على عاتقه إذا لم يكن له رداء ، ويلبس السراويل إذا لم يكن له إزار ، ويستكشف من ذلك وجوب لبس الإزار والرّداء ، وإن لم يتمكّن منهما ينتقل الأمر إلى البدل.

فمنها : صحيحة عبد اللّه بن سنان «أمر الناس بنتف الإبط وحلق العانة والغسل والتجرّد في إزار ورداء أو إزار وعمامة ، يضعها على عاتقه لمن لم يكن له رداء» (6).

وفي صحيحة معاوية بن عمار قال : «لا تلبس ثوباً له أزرار وأنت محرم ، إلّا أن تنكسه ، ولا ثوباً تدرعه ولا سراويل إلّا أن لا يكون لك إزار» (7).


1) الوسائل 12 : 325 / أبواب الإحرام ب 7 ح 3.

2) الوسائل 12 : 326 / أبواب الإحرام ب 8 ح 1.

3) الوسائل 12 : 323 / أبواب الإحرام ب 6 ح 4.

4) الوسائل 12 : 398 / أبواب الإحرام ب 48 ح 1.

5) الوسائل 11 : 313 / أبواب المواقيت ب 2 ح 10.

6) الوسائل 11 : 223 / أبواب أقسام الحجّ ب 2 ح 15.

7) الوسائل 12 : 473 / أبواب تروك الإحرام ب 35 ح 1.

ويستثنى من ذلك الصبيان فيجوز تأخير تجريدهم إلى فخ كما تقدّم (1).

مسألة 188 : لبس الثوبين للمحرم واجب تعبّدي وليس شرطاً في تحقق الإحرام على الأظهر (2).


وفي صحيحة عمر بن يزيد «وإن لم يكن له رداء طرح قميصه على عنقه أو قباءه بعد أن ينكسه» (1).

(1) في المسألة السّابعة ، وذكرنا هناك بأنّ الولي يحرم بالصبي بأن يأمره بالتلبية أو يلقّنه إيّاها أو يلبّي عنه من الميقات ، ويجوز له أن يؤخّر تجريده عن الثياب إلى فخ فإذا وصل إلى فخ لبس الثوبين ، ويدل على ذلك صحيحة أيّوب «من أين يجرّد الصبيان؟ فقال : كان أبي يجرِّدهم من فخ» (2).

(2) وقع الكلام في أنّ لبس الثوبين للمحرم واجب تعبّدي مستقل بحيث لو تركه انعقد إحرامه وإن عصى بترك اللّبس ، أو أنّه واجب شرطي في تحقق الإحرام بحيث لا ينعقد الإحرام إلّا به.

والاشتراط المذكور يتصوّر على نحوين :

الأوّل : أن يكون لبس الثوبين متمماً للإحرام ، فلو لبّى وهو عار اللّباس أو كان لابساً للمخيط ولم يلبس الثوبين فلم يتحقق منه الإحرام الكامل ، ولكن ما أتى به من التلبية قبل لبس الثوبين صحيح ولا حاجة إلى إعادة التلبية.

فإن أراد القائل بالشرطيّة هذا المعنى فيردّه : أنّه لا دليل عليه ، مضافاً إلى أنّه ينفيه قوله (عليه السلام) : «يوجب الإحرام ثلاثة أشياء : التلبية ، والإشعار ، والتقليد» (3).

الثّاني : أن يكون لبس الثوبين شرطاً لصحّة الإحرام والتلبية بحيث لو لبّى وهو غير لابس للثوبين عليه إعادتها.


1) الوسائل 12 : 486 / أبواب تروك الإحرام ب 44 ح 2.

2) الوسائل 12 : 398 / أبواب الإحرام ب 47 ح 1.

3) الوسائل 11 : 279 / أبواب أقسام الحجّ ب 12 ح 20.

.................................................................................................


ويردّه : أنّه لا دليل عليه أيضاً ، وينافيه صحيح معاوية بن عمار «في رجل أحرم وعليه قميصه ، فقال : ينزعه ولا يشقّه ، وإن كان لبسه بعد ما أحرم شقّه وأخرجه ممّا يلي رجليه» (1)فإنّه يدل على صحّة إحرامه وعدم لزوم الإعادة ولو كان لبس الثوبين شرطاً في صحّة الإحرام ، لأمره بالإحرام ثانياً وإعادة التلبية.

والحاصل أنّه لا ريب أنّ المستفاد من الرّوايات وجوب لبس الثوبين وجوباً مستقلا تعبّدياً.

نعم ، قد يتوهّم أنّ صحيحة معاوية بن عمار تدل على بطلان التلبية بدون لبس الثوبين ، فقد روي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه قال : «إن لبست ثوباً في إحرامك لا يصلح لك لبسه ، فلبّ وأعد غسلك ، وإن لبست قميصاً فشقّه وأخرجه من تحت قدميك» (2)فإنّ الأمر بالإعادة ظاهر في بطلان الإحرام الأوّل.

والجواب : أنّ الصحيحة غير ناظرة إلى شرطيّة اللبس في تحقق الإحرام ، وإنّما هي ناظرة إلى لبس ما لا يجوز لبسه عند الإحرام سواء كان لابساً لثوبي الإحرام أم لا بل المفروض فيها تحقق الإحرام منه لقوله : «إن لبست ثوباً في إحرامك» وأمره (عليه السلام) بشقّ القميص وإخراجه من تحت قدميه ، ولا ريب أنّ شقّ القميص وإخراجه من تحت قدميه يلزمان بعد الإحرام ، إذ لا موجب لذلك قبل تحقق الإحرام منه.

وحال هذه الصحيحة حال بقيّة الرّوايات الآمرة بشقّ القميص وإخراجه من الرّجلين ، وأنّ القميص يمتاز عن القباء ، فإنّ إخراج القباء ونحوها لا يحتاج إلى أن يكون ذلك من تحت قدميه ، لعدم ستر الرأس بإخراج القباء ، بخلاف القميص فإنّ إخراجه من رأسه يلزم ستر رأسه غالباً ، ولذا علّمه الإمام (عليه السلام) بأن يشقّه ويخرجه من تحت قدميه.

والحاصل : كلّ من لبس شيئاً لا يصح لبسه للمحرم يستحب له إعادة التلبية والغسل فليس في الرّواية ما يدل على بطلان التلبية إذا وقعت في القميص ونحوه.


1) الوسائل 12 : 488 / أبواب تروك الإحرام ب 45 ح 2.

2) الوسائل 12 : 489 / أبواب تروك الإحرام ب 45 ح 5.

والأحوط أن يكون لبسهما على الطريق المألوف (1).

مسألة 189 : يعتبر في الإزار أن يكون ساتراً من السرّة إلى الرّكبة ، كما يعتبر في الرّداء أن يكون ساتراً للمنكبين (2). والأحوط كون اللّبس قبل النيّة والتلبية فلو قدّمهما عليه أعادهما بعده (3).

مسألة 190 : لو أحرم في قميص جاهلاً أو ناسياً نزعه وصحّ إحرامه ، بل الأظهر صحّة إحرامه حتّى فيما إذا أحرم فيه عالماً عامداً ، وأمّا إذا لبسه بعد الإحرام فلا إشكال في صحّة إحرامه ، ولكن يلزم عليه شقّه وإخراجه من تحت (4).


(1) قد عرفت أنّ المستفاد من الرّوايات أن يجعل أحد الثوبين إزاراً والآخر رداءً ولا يعتبر في لبسهما كيفيّة مخصوصة بل العبرة بالصدق العرفي ، ولكن الأحوط أن يلبسهما على الطريق المألوف المتعارف فإنّه القدر المتيقن من منصرف الرّوايات.

(2) أمّا حدّ الثوبين من حيث الكبر والصغر والطول والقصر فالعبرة بالصدق العرفي ، ويكفي فيهما المسمّى وصدق الاتزار والارتداء ، إلّا أنّ المتعارف في الإزار ستر السرة إلى الركبة ، كما أنّ المعتبر في الرّداء ستر المنكبين وشي‌ء من الظهر أيضاً ، وإلّا فمجرّد ستر المنكبين من دون أن يستر الظهر أصلاً فلا يجزئ ، لعدم صدق الرّداء عليه كما إذا ألقى منديلاً قليل العرض على منكبيه.

(3) لاحتمال اشتراط اللّبس في الإحرام ، فالاحتياط في محلِّه وإن كان استحبابيّاً لما عرفت من أنّ اللبس واجب تعبّدي مستقل.

(4) لعدم دخل لبس الثوبين في حقيقة الإحرام ، وعدم منافاة لبس المخيط ونحوه للإحرام ، لأنّ التروك أحكام تكليفيّة مترتبة على الإحرام وغير دخيلة في حقيقتها وتحققها كما عرفت (1).


1) في ص 254.

مسألة 191 : لا بأس بالزيادة على الثوبين في ابتداء الإحرام وبعده للتحفظ من البرد أو الحر أو لغير ذلك (1).

مسألة 192 : يعتبر في الثوبين نفس الشروط المعتبرة في لباس المصلّي ، فيلزم أن لا يكونا من الحرير الخالص ولا من أجزاء ما لا يؤكل لحمه ولا من المذهّب ويلزم طهارتهما كذلك ، نعم لا بأس بتنجسهما بنجاسة معفو عنها في الصلاة (2).

مسألة 193 : يلزم في الإزار أن يكون ساتراً للبشرة غير حاك عنها ، والأحوط اعتبار ذلك في الرّداء أيضاً (3).


وأمّا لو لبسه بعد الإحرام فيصح إحرامه بلا إشكال ، ولكن يشقّه ويخرجه من رجليه لئلّا يستر رأسه كما في صحاح معاوية بن عمار (1)المتقدّمة (2).

(1) لصحيح الحلبي قال «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن المحرم يتردى بالثوبين؟ قال : نعم ، والثّلاثة إن شاء يتقي بها البرد والحر» (3).

(2) يدل على ذلك كلّه صحيح حريز عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «كل ثوب تصلّي فيه فلا بأس أن تحرم فيه» (4)مضافاً إلى المنع عن الإحرام في الثوب النجس كما في صحيحتين لمعاوية بن عمار (5)وغيرهما من الأدلّة الخاصّة المانعة عن الإحرام في الحرير الخالص (6).

(3) أمّا الإزار فالأمر واضح ، لأنّه لو كان حاكياً لا تجوز الصلاة فيه فلا يجوز الإحرام فيه لصحيح حريز المتقدّم ، وأمّا الرّداء بوصف كونه رداءً فتجوز الصلاة في الحاكي منه ، فالمنع عنه مبني على الاحتياط.


1) الوسائل 12 : 488 / أبواب تروك الإحرام ب 45 ح 1 ، 2 ، 5.

2) في ص 272.

3) الوسائل 12 : 362 / أبواب الإحرام ب 30 ح 1.

4) الوسائل 12 : 359 / أبواب الإحرام ب 27 ح 1.

5) الوسائل 12 : 476 / أبواب تروك الإحرام ب 37 ح 1 ، 2.

6) الوسائل 12 : 361 / أبواب الإحرام ب 29.

مسألة 194 : الأحوط في الثوبين أن يكونا من المنسوج ولا يكونا من قبيل الجلد والملبد (1).

مسألة 195 : يختص وجوب لبس الإزار والرّداء بالرّجال دون النِّساء ، فيجوز لهنّ أن يحرمن في ألبستهنّ العادية على أن تكون واجدة للشرائط المتقدّمة (2).

مسألة 196 : إنّ حرمة لبس الحرير وإن كانت تختص بالرّجال ولا يحرم لبسه على النِّساء إلّا أنّه لا يجوز للمرأة أن يكون ثوباها من الحرير ، والأحوط أن لا تلبس شيئاً من الحرير الخالص في جميع أحوال الإحرام (3).


(1) لاحتمال عدم صدق الثوب على الجلد عرفاً كعدم صدقة على الملبد.

(2) الّذي لا ينبغي الرّيب فيه أنّ المرأة لا يجوز لها الإحرام عارية وإن أمنت من النظر ، بل الواجب عليها الإحرام في الثياب ، لما يستفاد من الرّوايات المتفرّقة وجوب أصل اللبس عليها وعدم جواز إحرامها عارية كالرّوايات الواردة في لبس المرأة الحرير الممزوج أو الخالص والمخيط (1)والرّوايات الواردة في إحرام الحائض (2).

وأمّا وجوب لبس خصوص ثوبي الإحرام الإزار والرّداء فلم يثبت في حقّها لأنّ مستند وجوب اللبس أحد أمرين :

إمّا قاعدة الاشتراك وإمّا النصوص الواردة في باب إحرام الحائض ، وشي‌ء منهما لا يدل على الوجوب ، أمّا القاعدة فلا تجري في أمثال المقام الّذي نحتمل اختصاص الحكم بالرّجال.

وأمّا النصوص الواردة في باب إحرام الحائض فمقتضاها وجوب لبس أصل الثياب عليها وعدم جواز إحرامها عارية ، لا وجوب لبس ثوبي الإحرام المعهودين.

(3) لجملة من النصوص المتظافرة ، منها : صحيحة العيص قال : «قال أبو عبد اللّه


1) الوسائل 12 : 366 / أبواب الإحرام ب 33.

2) الوسائل 12 : 399 / أبواب الإحرام ب 48.

مسألة 197 : إذا تنجّس أحد الثوبين أو كلاهما بعد التلبّس بالإحرام ، فالأحوط المبادرة إلى التبديل أو التطهير (1).

مسألة 198 : لا تجب الاستدامة في لباس الإحرام ، فلا بأس بإلقائه عن متنه لضرورة أو غير ضرورة ، كما لا بأس بتبديله على أن يكون البدل واجداً للشرائط (2).


(عليه السلام) : المرأة المحرمة تلبس ما شاءت من الثياب غير الحرير والقفازين» (1)وبها نخرج عن إطلاق صحيح حريز المتقدِّم (2)، بل الأحوط لهنّ اجتنابه مطلقاً ولو في غير ثوبي الإحرام ، لإطلاق النصوص المانعة.

نعم ، لا بأس لهن بلبسه في الحر أو البرد لموثق سماعة «لا ينبغي للمرأة أن تلبس الحرير المحض وهي محرمة ، فأمّا في الحر والبرد فلا بأس» (3)وإن كان الأحوط الترك لإطلاق النصوص.

(1) قد عرفت اعتبار الطهارة في ثوبي الإحرام لصحيح حريز المتقدّم ولبعض النصوص الخاصّة كخبري معاوية بن عمار (4)، لكن الظاهر منها اعتبار طهارتهما حدوثاً أي لا يجوز عقد الإحرام في الثوب النجس لا استدامة ، فلو تنجّس بعد الإحرام فلا يلزم تبديلهما أو تطهيرهما ، إلّا أن يقال بعدم الفرق بين الحدوث والاستدامة.

(2) لأنّ وجوب لبس الثوبين يعتبر حدوثاً لا استمراراً فيجوز له نزعهما بعد عقد الإحرام ، لكن لا يلبس المخيط وإلّا فالتجرّد منهما في نفسه لا مانع منه ، كما إذا تجرّد في الظلمة ونحو ذلك ممّا يأمن من النظر.


1) الوسائل 12 : 368 / أبواب الإحرام ب 33 ح 9.

2) في ص 274.

3) الوسائل 4 : 380 / أبواب لباس المصلّي ب 16 ح 4.

4) تقدّم مصدرهما في ص 274 الرقم 5.

تروك الإحرام

اشارة

قلنا فيما سبق إنّ الإحرام يتحقق بالتلبية أو الإشعار أو التقليد ، ولا ينعقد الإحرام بدونها وإن حصلت منه نيّة الإحرام ،

فإذا أحرم المكلّف حرمت عليه أُمور وهي خمسة وعشرون كما يلي :

(1) الصّيد البرّي (2) مجامعة النِّساء (3) تقبيل النِّساء (4) لمس المرأة (5) النظر إلى المرأة (6) الاستمناء (7) عقد النِّكاح (8) استعمال الطيب (9) لبس المخيط للرِّجال (10) التكحّل (11) النظر في المرآة (12) لبس الخفّ والجورب للرِّجال (13) الكذب والسب (14) المجادلة (15) قتل القمل ونحوه من الحشرات الّتي تكون على جسد الإنسان (16) التزيين (17) الادهان (18) إزالة الشعر من البدن (19) ستر الرأس للرِّجال ، وهكذا الارتماس في الماء حتّى على النِّساء (20) ستر الوجه للنِّساء (21) التظليل للرِّجال (22) إخراج الدم من البدن (23) التقليم (24) قلع السن (25) حمل السلاح.

1 - الصّيد البرّي

اشارة

مسألة 199 : لا يجوز للمحرم سواء كان في الحل أو الحرم صيد الحيوان البرّي أو قتله ، سواء كان محلل الأكل أم لم يكن ، كما لا يجوز له قتل الحيوان البرّي وإن تأهّل بعد صيده ، ولا يجوز صيد الحرم مطلقاً وإن كان الصائد محلّاً (1).


(1) بعد تحقق الإحرام من الحاج يحرم عليه صيد الحيوان البرّي وإن لم يقتله وكذا يحرم عليه قتله وذبحه وإن كان الصائد غيره.

وقد ذكر تحريم أصل الصّيد وقتله في الكتاب العزيز ، قال اللّه تعالى ( وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً ) (1)وقال تعالى : ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا


1) المائدة 5 : 96.

مسألة 200 : كما يحرم على المحرم صيد الحيوان البرّي تحرم عليه الإعانة على صيده‌و لو بالإشارة ، ولا فرق في حرمة الإعانة بين أن يكون الصائد محرماً أو محلّاً (1).

مسألة 201 : لا يجوز للمحرم إمساك الصّيد البرّي والاحتفاظ به وإن كان اصطياده له قبل إحرامه ، ولا يجوز له أكل لحم الصّيد وإن كان الصائد محلّاً (2).


الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ) (1)والرّوايات كثيرة اشتملت على الحكمين.

فمن جملة الرّوايات الدالّة على الحكم الأوّل ، صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «لا تستحلن شيئاً من الصّيد وأنت حرام ، ولا أنت حلال في الحرم» (2)فإنّها تدل على حرمة الصّيد في حال الإحرام وإن كانت في الحل الّذي هو مورد كلامنا ، وكذا تدل على حرمة الصّيد في الحرم وإن كان محلّاً ، وهذا حكم آخر نتعرّض إليه في محلِّه (3)وهو أيضاً أمر متسالم عليه ، فإنّ الحاج قد يكون محرماً خارج الحرم وقد يكون محلّاً وهو في الحرم ، وقد يجتمعان.

وأمّا حرمة القتل فتدل عليها جملة من النصوص ، منها : معتبرة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث قال : «ثمّ اتق قتل الدواب كلّها إلّا الأفعى والعقرب» (4).

(1) هذه المسألة يظهر وجهها ممّا سيأتي.

(2) تدل على ذلك كلّه عدّة من النصوص المعتبرة :

منها : صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «لا تستحلنّ شيئاً من


1) المائدة 5 : 95.

2) الوسائل 12 : 415 / أبواب تروك الإحرام ب 1 ح 1.

3) أشار إليه في ص 514 بعد المسألة 280 وقال : تعرّضنا في أوّل تروك الإحرام للنصوص الدالّة على حرمة صيد الحرم على المحل والمحرم.

4) الوسائل 12 : 545 / أبواب تروك الإحرام ب 81 ح 2.

ويحرم الصّيد الّذي ذبحه المحرم على المحل أيضاً ، وكذلك ما ذبحه المحل في الحرم (1).


الصّيد وأنت حرام ، ولا أنت حلال في الحرم ، ولا تدلنّ عليه محلّاً ولا محرماً فيصطاده ، ولا تشر إليه فيستحل من أجلك فإنّ فيه فداء لمن تعمّده» (1).

وفي صحيحة معاوية بن عمار «لا تأكل من الصّيد وأنت حرام وإن كان أصابه محل» (2).

وهذه الأحكام ممّا لا ريب فيه ولا إشكال ، كما لا خلاف في شي‌ء من ذلك بيننا.

(1) قد وقع الخلاف فيما لو ذبح المحرم الصّيد ، فهل يحرم أكله حرمة مطلقة حتّى على المحل فيكون كالميتة ، أو تختص الحرمة بالمحرم ويجوز للمحل أكله؟

المشهور شهرة عظيمة بل لعلّه من المتسالم عليه عندهم هو الأوّل ، وأنّ الذابح إذا كان محرماً حرم على المحل والمحرم فيكون من جملة شرائط التذكية كون الذابح محلّاً وإلّا كان ميتة يحرم على كل أحد أكله.

ونسب إلى جماعة من القدماء كالصدوق (3)والمفيد (4)والسيِّد المرتضى (5)وابن الجنيد (6)اختصاص الحرمة بالمحرم وجواز أكل المحل ما ذبحه المحرم ، غاية الأمر على المحرم فداؤه ، واختار هذا القول أو مال إليه من المتأخّرين السيِّد في المدارك (7).

واستدلّ على التحريم المطلق بعدّة من الرّوايات :


1) الوسائل 12 : 415 / أبواب تروك الإحرام ب 1 ح 1.

2) الوسائل 12 : 419 / أبواب تروك الإحرام ب 2 ح 3.

3) الفقيه 2 : 235.

4) المقنعة : 438.

5) جمل العلم والعمل 3 : 72.

6) حكاه عنه في المختلف 4 : 153.

7) المدارك 7 : 308.

.................................................................................................


منها : مرسلة ابن أبي عمير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «قلت له : المحرم يصيب الصّيد فيفديه أيطعمه أو يطرحه؟ قال : إذن يكون عليه فداء آخر ، قلت : فما يصنع به؟ قال : يدفنه» (1)فإن أمره بالدفن كاشف عن حرمته المطلقة وعدم الاستفادة منه بشي‌ء كالميتة.

وفيه : أنّها في مقام وجوب الفداء الآخر على المحرم لو أطعمه للمحل ، ولا تدل على الحرمة المطلقة ، وأمّا أمره بالدفن لأجل الفرار عن الفداء. مضافاً إلى ضعفها سنداً بالإرسال.

ودعوى أنّ مراسيل ابن أبي عمير حجّة ، مدفوعة بما ذكرنا غير مرّة بأنّ مراسيله كسائر المراسيل ، إذ لم يثبت عدم روايته إلّا عن الثقة ، وقد عثرنا على جملة من الموارد روايته عن الضعفاء ، وقد ذكرنا تفصيل ذلك في معجم الرّجال (2).

ومنها : خبر وهب «إذا ذبح المحرم الصّيد لم يأكله الحلال والحرام وهو كالميتة» (3)ودلالته على الحرمة المطلقة واضحة ولكنّه ضعيف سنداً جدّاً ، لأنّ وهب بن وهب غير موثق وقيل في حقّه إنّه من أكذب البرية.

ومنها : معتبرة إسحاق عن جعفر (عليه السلام) «أنّ علياً (عليه السلام) كان يقول : «إذا ذبح المحرم الصّيد في غير الحرم فهو ميتة لا يأكله محل ولا محرم» (4)وهي صريحة في الحرمة المطلقة ، إلّا أنّ السيِّد في المدارك ناقش في التحريم المطلق للطعن في سند الخبرين (5)، أمّا خبر وهب فواضح ، وأمّا خبر إسحاق بن عمار فلأنه اعتبر كون الرّاوي عدلاً إماميّاً صحيح العقيدة ، وإسحاق فاسد العقيدة لكونه فطحي المذهب ولذا ذكر صاحب الجواهر أنّ الخبرين منجبران بالشهرة أو بالإجماعات المحكية (6).


1) الوسائل 12 : 432 / أبواب تروك الإحرام ب 10 ح 3.

2) معجم الرّجال 1 : 61.

3) الوسائل 12 : 432 / أبواب تروك الإحرام ب 10 ح 4.

4) الوسائل 12 : 432 / أبواب تروك الإحرام ب 10 ح 5.

5) المدارك 7 : 306.

6) الجواهر 18 : 289.

.................................................................................................


إلّا أنّ خبر إسحاق معتبر لكفاية كون الرّاوي ثقة وإن كان فاسد العقيدة فلا حاجة إلى دعوى الانجبار. نعم ، على مسلك المدارك يكون الخبر ضعيفاً ، ولكن لا عبرة بمسلكه ، بل الصحيح عندنا كفاية كون الرّاوي ثقة ، ولو كان الرّاوي فاسد العقيدة ، فعليه لو كنّا نحن وهذه الرّوايات لالتزمنا بالحرمة المطلقة.

ولكن هنا روايات تدل على جواز الأكل للمحل :

منها : صحيحة الحلبي قال : «المحرم إذا قتل الصّيد فعليه جزاؤه ويتصدّق بالصيد على مسكين» (1)فإنّ التصدّق به على مسكين وإعطاءه وإطعامه يدل على جواز أكل المحل له ، وإلّا لو كان ميتة فلا معنى للتصدّق به على المسكين ، واحتمال كون الباء في «بالصيد» للسببيّة أي يتصدّق لفعله وذبحه له على مسكين بعيد جدّاً ، ولعلّها أظهر الرّوايات الدالّة على جواز الأكل للمحل.

ومنها : صحيحة منصور بن حازم قال «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) رجل أصاب صيداً وهو محرم آكل منه وأنا حلال؟ قال : أنا كنت فاعلاً ، قلت له : فرجل أصاب مالاً حراماً؟ فقال : ليس هذا مثل هذا يرحمك اللّه ، إنّ ذلك عليه» (2).

ولا يبعد أن يكون المراد بقوله «أصاب صيداً» أنّه قتله وذبحه بعد ما صاده لا أنّه مات بنفس الرّمي والصّيد.

ومنها : صحيحة حريز «عن محرم أصاب صيداً أيأكل منه المحل؟ فقال : ليس على المحل شي‌ء إنّما الفداء على المحرم» (3)

والظاهر من الإصابة أنّه وصل إليه المحرم وقتله.

ومنها : صحيحة معاوية بن عمار قال : «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل أصاب صيداً وهو محرم أيأكل منه الحلال؟ فقال : لا بأس ، إنّما الفداء على المحرم» (4).


1) الوسائل 12 : 432 / أبواب تروك الإحرام ب 10 ح 6.

2) الوسائل 12 : 421 / أبواب تروك الإحرام ب 3 ح 3.

3) الوسائل 12 : 421 / أبواب تروك الإحرام ب 3 ح 4.

4) الوسائل 12 : 421 / أبواب تروك الإحرام ب 3 ح 5.

.................................................................................................


فتعارض هذه الطائفة الطائفة الاولى فلا يؤخذ بإحداهما ، ويرجع إلى عمومات الحل فيكون التحريم مختصّاً بالمحرم ويجوز الأكل للمحل.

ويدلُّ على جواز أكل الصّيد الّذي ذبحه المحرم للمحل مضافاً إلى ما ذكرنا ، النصوص الدالّة على تقديم الصّيد على الميتة للمحرم المضطر إلى الأكل ، معلّلاً في بعضها بأنّه إنّما يأكل ماله (1)، ومن الواضح أنّ الميتة ليست بمال ، ولو كان الأمر كما ذكره المشهور لكانت ذبيحة المحرم المصطادة ميتة أيضاً ، فلا ترجيح في البين ، بل لا بدّ من تقديم الميتة على الصّيد ، ضرورة عدم الحرمة الصّيديّة في الميتة ، بل حرمة الصّيد آكد لأنّه صيد وميتة ، فتقديم الصّيد على الميتة للمحرم المضطر يكشف عن أنّ الصّيد الّذي ذبحه المحرم ليس محكوماً بالميتة فيجوز للمحل أكله.

نعم ، ورد في بعض الرّوايات تقديم الميتة على الصّيد (2)ولكنّها محمولة على التقيّة لأنّ ذلك مذهب العامّة (3).

والّذي ينبغي أن يقال : إنّه إن قلنا بعدم حجية الخبر الموثّق ، واختصاص الحجيّة بالصحاح ، فالأمر كما ذكره سيِّد المدارك ، لسقوط خبر إسحاق بن عمار عن الحجية عنده فتبقى روايات الجواز بلا معارض ، وأمّا إذا قلنا بحجية الموثق كما هو الصحيح فلا معارضة في البين ، والوجه في ذلك :

أنّ المعارضة بين موثق إسحاق والرّوايات المجوزة تكون بالإطلاق والتقييد ، والمقيّد مقدم على المطلق ، فاللّازم حينئذ تعين العمل بموثق إسحاق ، لأنّ روايات الجواز تدل بإطلاقها على حلية صيد المحرم للمحل سواء كان الذابح هو المحرم أو غيره أو مات بنفس الصّيد والرّمي ، وليس فيها ظهور في خصوص استناد الموت إلى ذبح المحرم ، بل رواية القتل (4)أيضاً مطلقة من حيث استناد القتل إلى ذبح المحرم ، أو


1) الوسائل 13 : 84 / أبواب كفارات الصّيد ب 43.

2) الوسائل 13 : 87 / أبواب كفارات الصّيد ب 43 ح 11 ، 12.

3) المغني 3 : 296. والبحر الرائق 3 : 36.

4) الوسائل 12 : 432 / أبواب تروك الإحرام ب 10 ح 6 ، والمتقدّمة في ص 281.

.................................................................................................


إلى نفس الرّمي والصّيد ، كما لعلّه الغالب وليس فيها أيّ ظهور في خصوص ذبح المحرم إلّا بالإطلاق ، وكذلك روايات تقديم الصّيد على الميتة ليس فيها ما يدلّ على أنّ الموت مستند إلى ذبحه أو إلى موته بالصيد ، والتعليل فيها بأنّه إنّما يأكل ماله ظاهر في أنّ الصائد هو المحرم. وأمّا موثقة إسحاق فصريحة في أنّ المحرم إذا ذبح الصّيد فهو ميتة لا يأكله محل ولا محرم ، فتقيد جميع المطلقات المتقدّمة.

فالنتيجة : أنّ الصّيد إذا ذبحه المحرم كان ميتة حراماً على المحل والمحرم ، وأمّا إذا كان موته مستنداً إلى غير ذبح المحرم بل بنفس الرّمي أو ذبحه غيره فلا يحرم على المحل وإنّما يحرم على المحرم خاصّة.

وبالجملة مورد الخلاف في المذبوح فقط لا في مطلق الصّيد ، وأمّا بالنسبة إلى شرائط التذكية فلم يذكروا من جملة شرائط التذكية كون الذابح محلّاً ، ولذا لو ذبح المحرم الحيوان الأهلي لا إشكال فيه لا له ولا لغيره ، فإنّ الحرام هو الصّيد للمحرم ، لا أنّه يعتبر في التذكية كون الذابح محلّاً.

فالصحيح : ما ذهب إليه المشهور من أنّ المحرم إذا ذبح الصّيد يحرم على المحل أيضاً ، وأمّا لو ذبحه المحل أو مات بنفس الرّمي والصّيد فلا إشكال فيه للمحل.

وممّا ذكرنا تعرف السهو أو غلط الناسخ في مناسك شيخنا الأُستاذ النائيني لقوله «ولو صاده أو ذبحه كان ميتة يحرم على كل أحد أكله» (1)لما عرفت من أنّ الكلام فيما لو ذبح المحرم الصّيد ، وأمّا نفس الصّيد إذا لم يذبحه المحرم فلا يحرم على المحل ، والرّوايات الدالّة على حليته للمحل متضافرة.

ثمّ ذكر شيخنا الأُستاذ (قدس سره) ولا تجوز الصلاة في جلده على الأحوط لأنّه يصير ميتة.

وهذه المسألة تعرّضنا إليها مفصّلاً في بحث لباس المصلّي (2)، وذكرنا هناك أنّ


1) دليل الناسك (المتن) : 142.

2) في المسألة [1288].

والجراد ملحق بالحيوان البرّي فيحرم صيده وإمساكه وأكله (1).

مسألة 202 : الحكم المذكور إنّما يختص بالحيوان البرّي وأمّا صيد البحر كالسمك فلا بأس به (2) والمراد بصيد البحر ما يعيش فيه فقط ، وأمّا ما يعيش في البر والبحر كليهما فملحق بالبري ، ولا بأس بصيد ما يشك في كونه برِّيّاً على الأظهر.


حرمة الأكل هل هي مختصّة بالمحرمات الأوّليّة الأصليّة كالسباع أو تعم المحرمات العرضيّة كالموطوءة أو الجلل؟ واخترنا في محلِّه أنّ الحكم عام ولا يختص بالحيوانات المحرمة الأصليّة ، لأنّ العنوان الممنوع كون الشي‌ء محرم الأكل وهذا صادق على الأصلي والعرضي.

(1) الجراد في حكم الصّيد البرّي ، لأنّه يعيش في البر وإن كان أصله من الماء والعبرة بالحالة الفعليّة لا الأصليّة فتشمله عمومات الكتاب والنصوص ، مضافاً إلى الرّوايات الخاصّة.

منها : صحيحة محمّد بن مسلم «مرّ علي (صلوات اللّه عليه) على قوم يأكلون جراداً ، فقال : سبحان اللّه وأنتم محرمون ، فقالوا : إنّما هو من صيد البحر ، فقال لهم : ارمسوه في الماء إذن» (1)أي لو كان بحرياً لعاش فيه.

ثمّ لا يخفى أنّ مورد كلام الفقهاء والنصوص هو الجراد المنتشر في البر ، ولا يشمل ما يعيش في البحر وإن سمي بالجراد مثل روبيان.

(2) إجماعاً ، والأصل فيه قوله تعالى ( أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ مَتاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيّارَةِ ) ... (2)مضافاً إلى أنّ الآية المانعة عن الصّيد وبعض الرّوايات مختصّة بصيد البر (3)وجملة منها وإن كانت مطلقة كقوله (عليه السلام) في صحيح الحلبي :


1) الوسائل 12 : 428 / أبواب تروك الإحرام ب 7 ح 1.

2) المائدة 5 : 96.

3) الوسائل 12 : 416 / أبواب تروك الإحرام ب 1 ح 5.

.................................................................................................


«لا تستحلّن شيئاً من الصّيد» (1)حيث لم يقيّد الصّيد فيه بالبر أو بالبحر لو سلمنا أنّ الألف واللّام لم تكن للعهد إلى صيد البر الممنوع المعلوم بالآية والرّوايات إلّا أنّها مقيّدة بالحيوان البرّي ، والقيود وإن لم يكن لها مفهوم ، ولكن ذكرنا أنّ التقييد لو وقع في كلام أحد يدل على خصوصيّة الحكم به ، وإلّا لكان لغواً ، فيستفاد من القيد أنّ الحكم غير ثابت للمطلق ، وإنّما هو ثابت لحصّة خاصّة ، فالمطلق غير مراد من الرّوايات.

ويدلُّ على جواز صيد البحر أيضاً ، صحيح محمّد بن مسلم قال : «مرّ علي (صلوات اللّه عليه) على قوم يأكلون جراداً ، فقال : سبحان اللّه وأنتم محرمون ، فقالوا : إنّما هو من صيد البحر ، فقال لهم : ارمسوه في الماء إذن» (2)فإنّ المستفاد منه أنّ جواز صيد البحر كان أمراً متسالماً عند المسلمين ، والإمام (عليه السلام) إنّما ناقش في الصغرى.

واستدلّ برواية حريز عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «لا بأس بأن يصيد المحرم السمك ، ويأكل مالحه وطريه ويتزوّد قال اللّه ( أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ مَتاعاً لَكُمْ ) ...» (3)وموردها وإن كان خصوص السمك ولكن استشهاده (عليه السلام) بالآية الكريمة يدل على اختصاص الحرمة بالحيوان البرّي ، وجواز الحيوان البحري مطلقاً ، فالدلالة تامّة.

إلّا أنّ الكلام في سندها ، فإنّ الكليني والصدوق نقلاها مرسلة إلّا أنّ الكليني رواها عن حريز عمّن أخبره عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (4)والصدوق رواها مرسلة عن الصادق (عليه السلام) (5)، ولكن الشيخ رواها مسندة عن حريز عن أبي عبد اللّه (6)


1) الوسائل 12 : 415 / أبواب تروك الإحرام ب 1 ح 1.

2) الوسائل 12 : 428 / أبواب تروك الإحرام ب 7 ح 1.

3) الوسائل 12 : 426 / أبواب تروك الإحرام ب 6 ح 3.

4) الكافي 4 : 393 / 1.

5) الفقيه 2 : 236 / 1126.

6) التهذيب 5 : 365 / 1270.

.................................................................................................


(عليه السلام) فتكون الرّواية على طريق الشيخ صحيحة ، ولكن لا يمكن الاعتماد على طريقه فإن سماع حريز من الإمام (عليه السلام) مباشرة وبالواسطة وإن كان أمراً ممكناً في نفسه ، إلّا أنّه من المستبعد جدّاً أن ينقل حريز لحماد تارة مرسلة وأُخرى مسندة إلى الإمام (عليه السلام) فلا يعلم أنّ الرّواية مسندة.

على أنّ الصدوق والكليني كلاهما أضبط من الشيخ في النقل ، فلا وثوق بنقله خصوصاً فيما إذا اتّفق الكليني والصدوق على خلافه.

ويمكن الاستدلال بصحيح معاوية بن عمار الدال على تمييز البحري عن البرّي بالفراخ والبيض في البر وفي البحر (1)فإنّه يستفاد منه اختصاص الحرمة بالحيوان البرّي.

وبالجملة : لا إشكال ولا خلاف في هذا الحكم.

ثمّ إنّ بعض الأجناس من الحيوانات له صنفان ، صنف يفرخ ويعيش في الماء والصنف الآخر من ذلك الجنس يعيش ويفرخ في البر ، فيكون حاله حال الجراد وكل صنف يتبع حكمه ، كما يقال إنّ الضفدعة كذلك.

بقي هنا أمران :

أحدهما : أنّ بعض الحيوانات يعيش في الماء ويعيش في البر أيضاً كبعض الطيور الّذي هو ذو حياتين كالبط فهل يلحق بالبري أو بالبحري؟

يظهر من رواية معتبرة أنّه ملحق بالبري ، وأنّ الّذي يجوز صيده ما اختصّ بالبحر ، وأمّا المشترك بين البر والبحر فيلحق بالبري ، وهي معتبرة معاوية بن عمار قال «قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : الجراد من البحر ، وقال : كل شي‌ء أصله في البحر ويكون في البر والبحر فلا ينبغي للمحرم قتله ، فإن قتله فعليه الجزاء كما قال اللّه عزّ وجلّ» (2).

ثانيهما : لو اشتبه حيوان بين البرّي والبحري يحكم عليه بالحلية لأصالة البراءة


1) الوسائل 12 : 425 / أبواب تروك الإحرام ب 6 ح 1.

2) الوسائل 12 : 426 / أبواب تروك الإحرام ب 6 ح 2.

.................................................................................................


وقيل : بالحرمة كما في الجواهر (1)واحتاط شيخنا النائيني (2).

أمّا الجواهر : فقد استند في الحكم بالحرمة إلى إطلاق ما دلّ على حرمة الصّيد ، فقد ذكر (قدس سره) أنّ المستفاد من غير الآية وبعض الرّوايات حرمة مطلق الصّيد والخارج منه خصوص صيد البحر ، فما لم يعلم كونه بحرياً أو برياً يحكم عليه بالحرمة للإطلاق.

ولا يخفى أنّ ما ذكره مبني على جواز التمسّك بالعام في الشبهة المصداقيّة وهو خلاف التحقيق ، وإنّما يتمسّك بالإطلاق أو العام فيما إذا شكّ في أصل وجود القيد وعدمه ، وأمّا إذا ورد القيد وشكّ في فرد أنّه من أفراد الخاص أو من أفراد العام الباقية تحت العام فلا يتمسّك بالعام ، لتسرية حكمه إلى الفرد المشكوك ، لعدم إحراز كونه من أفراد العام ، فيحتاج إلى أصل آخر يحرز به كونه فرداً باقياً تحت العام وتفصيل ذلك موكول إلى محلِّه.

بل يمكن أن يقال : إنّه لا إطلاق في البين ، بل الحكم من الأوّل مقيّد بالحيوان البرّي ، فليس في البين إلّا نوعان : نوع حكم عليه بالحرمة كصيد الحيوان البرِّي ونوع حكم عليه بالحلية كصيد الحيوان البحري ، فيكون الدليل منوّعاً لا مخصّصاً فليس هنا إطلاق وتقييد حتّى يتمسّك بالإطلاق ويقتصر في الخروج منه بالمتيقّن.

ويؤيّد ذلك : صدر الآية الكريمة ، لأنّ مقتضاه حلية البحري للمكلّفين حلالاً كانوا أو محرمين ومقتضى قوله تعالى ( وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً ) (3)حرمة صيد الحيوان البرّي للمكلّفين ما داموا محرمين ، فإنّ المراد من «عليكم» نفس ما أُريد من الصدر ، فحينئذ لو شكّ في حيوان أنّه بري أو بحري فهو من الشكّ في الشبهة الموضوعيّة الّتي تجري فيها أصالة البراءة قطعاً حتّى عند الأخباري ، فيكون المقام نظير ما لو شكّ في مائع أنّه خمر أو خل.


1) الجواهر 18 : 295.

2) دليل الناسك (المتن) : 144.

3) المائدة 5 : 96.

.................................................................................................


وأمّا إذا قلنا بالإطلاق وخروج صيد البحري منه ، فيبقى صيد غير البحري تحت الإطلاق ، فإن قلنا بأصالة العدم الأزلي وكان الخاص أمراً وجوديّاً متّصلاً كان أو منفصلاً ، فالخارج صفة وجوديّة وهي كونه صيد البحري ، والباقي تحت عنوان العام معنون بعنوان عدمي أي عدم سلبي بمعنى كلّ ما ليس بصيد البحر ، فموضوع الحكم بالحرمة غير صيد البحر ، وموضوع الجواز صيد البحر ، وبالأصل العدم الأزلي نحرز الموضوع ونثبت أنّه غير صيد البحر.

هذا كلّه بناءً على ما هو التحقيق من صحّة جريان الأصل في الأعدام الأزليّة تبعاً للمحقق صاحب الكفاية (1).

أمّا لو قيل بعدم الصحّة كما عن شيخنا النائيني (2)(قدس سره) فالحكم بالحرمة مبني على ما أسس من القاعدة ، والّتي هي أنّ الحكم الإلزامي لو خرج منه حكم ترخيصي معلق على أمر وجودي فلا بدّ من إحرازه حسب الفهم العرفي ، فالإحراز بالفهم العرفي دخيل في الحكم بالجواز ، ولا يترتب الحكم بالجواز ما لم يحرز الموضوع فإذا قال المولى لعبده : لا تدخل عليَّ أحداً إلّا أصدقائي لا يجوز له إدخال أحد على مولاه إلّا إذا أُحرز كونه صديقاً له ، وإلّا فلا يجوز ، ورتّب على ذلك فروعاً كثيرة في أبواب الفقه.

منها : ما لو شكّ في ماء كونه كرّاً أم لا ، فحكم بالنجاسة.

ومنها : لو شكّ في كون اليد يد ضمان أم لا ، فحكم بالضمان.

ومنها : ما لو شكّ في ماء أنّه غسالة الاستنجاء ، أو غسالة سائر النجاسات ، فقد حكم بالنجاسة أيضا.

وقد ذكرنا في محلِّه (3)أنّه لا أساس لهذه القاعدة ، وإنّما يحرز الموضوع بأصالة العدم الأزلي.


1) كفاية الأُصول : 223.

2) أجود التقريرات 1 : 464.

3) في المحاضرات في أُصول الفقه 5 : 209 وما بعدها.

وكذلك لا بأس بذبح الحيوانات الأهليّة ، كالدجاج والغنم والبقر والإبل والدجاج الحبشي (1) وإن توحشت ، كما لا بأس بذبح ما يشك في كونه أهليّاً.


ولعلّ احتياطه في المقام من جهة أنّ الخارج عن عموم المنع هو صيد البحر ، أو أنّ الحكم من الأوّل مقيّد بصيد البرّي.

وكيف كان لو كان البرّي قيداً كما هو الظاهر فلا إشكال في الجواز للبراءة الجارية في الشبهة الموضوعيّة ، وإن قلنا بالإطلاق وأنّ الخارج منه صيد البحر فلا بدّ من الحكم بالحرمة لأصالة العدم الأزلي.

(1) لعدم المقتضي ، لأنّ الأدلّة المحرمة مختصّة بالحيوان البرّي وهو العاصي الممتنع بالأصالة كالسباع والأرنب والثعلب ونحو ذلك.

وأمّا الأهلي حتّى الدجاج الحبشي فغير داخل في موضوع المنع ، مضافاً إلى النصوص الكثيرة الواردة في الطيور (1)وعلل في بعضها «أنّ ما كان من الطير لا يصف فلك أن تخرجه من الحرم ، وما صف منها فليس له أن يخرجه» (2).

وكذلك وردت روايات معتبرة في جواز نحر الإبل وذبح الشاة والدجاج ونحو ذلك (3).

يبقى الكلام في تمييز الطير البرّي عن الطير البحري بعد الفراغ عن حرمة صيد الأوّل وحلية الثّاني وقد ذكر ذلك في صحيحة معاوية بن عمار على ما نقلها صاحب الوسائل بقوله (عليه السلام) : «كلّ طير يكون في الآجام يبيض في البر ، ويفرخ في البر فهو من صيد البر ، وما كان من الطير يكون في البحر ، ويفرخ في البحر فهو من صيد البحر» (4)وهكذا صنع المحقق في الشرائع حيث جعل ذلك هو المائز بين


1) الوسائل 13 : 80 / أبواب كفارات الصّيد ب 40 ، 41.

2) الوسائل 13 : 82 / أبواب كفارات الصّيد ب 41 ح 2.

3) الوسائل 12 : 548 / أبواب تروك الإحرام ب 82.

4) الوسائل 12 : 425 / أبواب تروك الإحرام ب 6 ح 1.

.................................................................................................


الطيرين (1).

وفي صحيحة أُخرى لمعاوية بن عمار (2)حيث ميّز بينهما بما كان أصله في البحر فهو بحري ، وما كان مشتركاً بين البر والبحر فهو ملحق بالبري ، فالبحري ما كان مختصّاً بالبحر ، وحيث إنّ الرّواية الاولى في الطير والثّانية في مطلق الحيوان ، فلا معارضة بينهما ، بل هما من قبيل الإطلاق والتقييد ، فالنتيجة أنّ المائز في الطيور بالتفريخ والبيض في البر أو البحر ، وفي غيرها بالعيش في خصوص البحر ، أو في البر والبحر معاً.

ولكن الرّواية الأُولى لمعاوية بن عمار ليس كما نقلها صاحب الوسائل ، والتمييز بالفرخ والبيض في البحر أو البر غير موجود في كتاب التهذيب الّذي هو مصدر الرّواية (3)، فالزيادة إمّا اشتباه من صاحب الوسائل أو من النساخ.

نعم ، هي مذكورة في رواية حريز المرسلة (4)، فإذن لم يثبت التمييز بالفرخ والبيض في البر أو البحر ، فالعبرة في جميع الحيوانات بالعيش في خصوص البحر أو بالاشتراك بين البحر والبر كما في صحيحة أُخرى لمعاوية بن عمار ، ويؤيّد ما ذكرنا بأنّه لم يثبت أنّ الطير بأقسامه يفرخ ويبيض في الماء كما في الجواهر (5)فالتمييز منحصر بالعيش في خصوص البحر وبالاشتراك بينه وبين البر ، والحلية تختص بالحيوان الّذي يعيش في البحر خاصّة ، وأمّا المشترك بينهما فهو ملحق بالبري المعلوم حرمته.

هذا كلّه في حكم الشبهة الموضوعيّة للحيوان البرّي والبحري.

بقي الكلام في حكم الشبهة المفهوميّة لهما ، كما لو شكّ في معنى الحيوان البرّي والبحري ، ولم يظهر لنا أنّ البرّي ما يبيض ويفرخ في البرّ والبحري ما يبيض ويفرخ


1) الشرائع 1 : 325.

2) الوسائل 12 : 426 / أبواب تروك الإحرام ب 6 ح 2.

3) التهذيب 5 : 364 / 1269.

4) الوسائل 12 : 426 / أبواب تروك الإحرام ب 6 ح 3.

5) الجواهر 18 : 297.

.................................................................................................


في الماء ، أو أنّ معنى البرّي والبحري ما يعيش في البرّ أو في الماء.

ربّما يقال بجريان أصالة البراءة في ذلك كما في الشبهة الموضوعيّة.

وفيه : أنّ الشبهة إذا كانت مفهوميّة ففي الحقيقة يرجع الشك إلى صدق عنوان البري أو البحري على الحيوان المشكوك ، للشك في سعة المفهوم وضيقه ، فحينئذ لو قلنا بأنّ الصّيد من الأوّل مقيّد بالبري ، وأنّ الدليل الخاص من قبيل التنويع لا من باب الإطلاق والتقييد فلا مانع من الرّجوع إلى البراءة ، للشكّ في الحليّة والحرمة من جهة الشك في المفهوم والشك في صدق العنوان المحرم على هذا الحيوان حتّى على القول باختصاص البراءة الشرعيّة بالشبهة الموضوعيّة ، إذ يكفينا في المقام البراءة العقليّة.

وأمّا إذا قلنا بإطلاق دليل الصّيد وخروج البحري بالمخصص المنفصل فحيث إنّه مجمل مردد بين الأقل والأكثر فلا يسري إجماله إلى الإطلاق ، وحينئذ لا مانع من التمسّك بالإطلاق ، وعليه فلا مجال للرجوع إلى البراءة مع وجود الإطلاق ، فليس الأمر كما ذكره القائل من الرّجوع إلى البراءة على الإطلاق ، بل لا بدّ من التفصيل كما عرفت.

هذا ما كان راجعاً إلى صيد البر ، وأمّا الحيوانات الأهليّة فقد تقدّم قريباً أنّه لا إشكال في جواز ذبحها للمحرم ، لعدم المقتضي ولوجود النصوص الخاصّة.

مضافاً إلى الكليّة المستفادة من النصوص من أنّ كلّ ما جاز للمحل ذبحه في الحرم جاز ذبحه للمحرم في الحل والحرم ، كما في صحيحة حريز عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «المحرم يذبح ما حلّ للحلال في الحرم أن يذبحه ، وهو في الحل والحرم جميعاً» (1)ونحوه صحيحة أُخرى له أيضاً (2).

وأمّا الشبهة الموضوعيّة : وهي ما لو شكّ في طير أو حيوان بري أنّه من الأهلي الّذي يجوز قتله ، أو من الوحشي الّذي يحرم قتله فهل يحكم بالحلية أم لا؟.


1) الوسائل 12 : 549 / أبواب تروك الإحرام ب 82 ح 2.

2) الوسائل 12 : 549 / أبواب تروك الإحرام ب 82 ح 3.

.................................................................................................


الظاهر هو الجواز ، لأنّ الممنوع هو صيد الوحشي الممتنع بالأصالة ، فلو شكّ في حيوان أنّه من القسم المحرم أو من القسم الحلال الّذي يجوز ذبحه يحكم بالجواز لأصالة البراءة.

وربّما يقال : إنّ مقتضى معتبرة معاوية بن عمار حرمة قتل كل حيوان إلّا بعض الحيوانات الخاصّة كالأفعى والعقرب (1)ونحوهما ، وحيث لم يعلم أنّ هذا الحيوان من المستثنيات الّتي يجوز قتلها ، فبالأصل العدمي نحرز أنّه ليس من جملة العناوين الخارجة من العام ، فيحكم عليه بالحرمة للعموم.

وفيه : أنّه لا مجال للتمسّك بالعموم المذكور في النص ، لا لضعف سنده لصحّة سند بعض طرقه ، بل لأجل الكلية المستفادة من المعتبرة المتقدّمة ، من أن كلّ ما جاز ذبحه للمحل في الحرم جاز ذبحه للمحرم في الحل والحرم ، وهذا الحيوان المشكوك المردد بين الأهلي والوحشي يجوز ذبحه للمحل في الحرم للبراءة ، فيجوز ذبحه للمحرم في الحل والحرم للكليّة المذكورة ، فالخارج من العام الدال على المنع أمران :

أحدهما : الحيوانات الخاصّة المذكورة فيما تقدّم.

وثانيهما : مورد انطباق الكلية المذكورة المستفادة من النص.

بقي في المقام فروع :

الفرع الأوّل : هل تختص حرمة الصّيد بالحيوان المحلّل الأكل كالظبي ، أو تعم محرم الأكل ومحلله.

ذكر النراقي (قدس سره) في مستنده (2)أقوالاً ثلاثة :

أحدها : اختصاص الحرمة بالمحلل أكله وعدم تحريم صيد محرم الأكل مطلقاً ، وهو المحكي عن مفاتيح الفيض الكاشاني (3)بل حكي عنه نسبة هذا القول إلى الأكثر.


1) الوسائل 12 : 549 / أبواب تروك الإحرام ب 81 ح 2.

2) مستند الشيعة 11 : 348.

3) مفاتيح الشرائع 1 : 319.

.................................................................................................


ثانيها : عدم الفرق في التحريم بين محلل الأكل ومحرمه.

ثالثها : التفصيل في الحيوان المحرم بين ما ثبتت الكفّارة فيه كالأصناف الثمانية وهي الأسد والثعلب والأرنب والضب واليربوع والقنفذ والزنبور. والعظاية (1)فيحرم صيدها ، وبين ما لم تثبت فيه الكفّارة فيحل صيده ، فمحلل الأكل يحرم صيده ، وأمّا محرم الأكل يجوز صيده إلّا الثمانية المذكورة.

أقول : مقتضى إطلاق بعض الأدلّة حرمة الصّيد مطلقاً ، واستدلّ للاختصاص بالمحلل الأكل بوجهين :

أحدهما : قوله تعالى ( وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً ) (2)بدعوى اختصاصه بالمحلل الأكل ، لتقييده بقوله تعالى ( ما دُمْتُمْ حُرُماً ) فإنّه كالصريح في التحريم في خصوص حال الإحرام ، مع أنّ محرم الأكل لو كان ممّا يحرم صيده أيضاً لم يكن وجه لتقييده بحال الإحرام ، لأن ما لا يؤكل لحمه يحرم أكله مطلقاً في حال الإحرام وعدمه.

وفيه : ما لا يخفى ، لأنّ الصّيد المذكور في الآية أُريد به معناه المصدري وهو اصطياد الحيوان والاستيلاء عليه لا المصيد ، والقرينة على ذلك صدر الآية الشريفة ( أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ مَتاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيّارَةِ ) فإنّ المراد من الصّيد في الصدر معناه المصدري أي الاصطياد ، لقوله تعالى ( وَطَعامُهُ مَتاعاً لَكُمْ ) إذ لو كان المراد من صيد البحر الحيوان المصيد لم يكن مجال لذكر قوله تعالى ( وَطَعامُهُ مَتاعاً لَكُمْ ) وما حرم في الجملة الثّانية نفس ما حلّل في الجملة الأُولى ، فمعنى الآية واللّه العالم أنّ الاصطياد من البحر حلال مطلقاً والاصطياد من البر حرام في خصوص حال الإحرام وأمّا في غيره فلا حرمة للاصطياد.

مضافاً إلى ذلك أنّه لو فرضنا أنّه لم تكن قرينة على أنّ المراد بالصيد هو


1) العظاية : بتقديم العين المهملة والظاء المعجمة دويبة صغيرة ملساء من فصيل الضب. راجع المنجد مادّة عظي.

2) المائدة 5 : 96.

.................................................................................................


الاصطياد ، بل فرضنا أنّ المراد به هو الحيوان المصطاد ، غاية الأمر لا تدل الآية على ما يزيد على حرمة صيد محلّل الأكل ، ولا تدل على حلية صيد محرم الأكل ، فالآية ساكتة عن حكم اصطياد محرم الأكل ، فيكفينا حينئذ في حرمة اصطياد محرم الأكل إطلاق الرّوايات ، بل العموم المستفاد من كلمة «كل» في صحيح معاوية بن عمار «اتّق قتل الدواب كلّها» (1)أو من النكرة في سياق النهي في صحيح الحلبي «لا تستحلّن شيئاً من الصّيد» (2).

ثانيهما : قوله تعالى ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ ) إلى قوله تعالى ( وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللّهُ مِنْهُ ) ... (3)فإنّ المستفاد منه أنّ حرمة القتل تختص بما كان فيه جزاء وكفارة وأمّا ما لا جزاء فيه فلا يحرم قتله ، والمحرم أكله غير المنصوص عليه لا جزاء ولا كفارة فيه ، فما لا كفارة فيه لا يحرم قتله وما لا يحرم قتله لا يحرم صيده.

وفيه : منع الملازمة بين حرمة القتل وثبوت الكفّارة ، والآية صريحة في حرمة الإعادة والانتقام منه ، ولا كفارة على من أعاد وأصاب صيداً آخر كما في النصوص (4).

بل غاية ما يستفاد من الآية حرمة قتل محلل الأكل لقوله تعالى ( ... مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ ) ... ولكن لا تدل الآية على حرمة القتل مطلقاً حتّى محرم الأكل ، بل الآية ساكتة عن ذلك ، وإنّما يستفاد حرمة قتل ما لا يؤكل لحمه من إطلاق بعض الرّوايات أو عمومها كقوله (عليه السلام) «اتّق قتل الدواب كلّها إلّا الأفعى ...» خصوصاً مع الاستثناء الدال على العموم نظير قوله تعالى ( ... وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ ) ... (5)


1) الوسائل 12 : 545 / أبواب تروك الإحرام ب 81 ح 2.

2) الوسائل 12 : 415 / أبواب تروك الإحرام ب 1 ح 1.

3) المائدة 5 : 95.

4) الوسائل 13 : 93 / أبواب كفارات الصّيد ب 48.

5) البقرة 2 : 228.

.................................................................................................


فإنّه لو كنّا نحن وهذه الآية لقلنا بعدم وجوب العدّة على البائن كالطلاق الخلعي والطلاق الثالث لأنّ قوله تعالى ( ... وَبُعُولَتُهُنَّ ) ... خاص بالرجعي ولا يشمل الخلعي ولا الطلاق الثّالث ، إلّا أنّ الآية لا تدل على لزوم العدّة لا أنّها تدل على العدم ، فلا ينافي وجوب العدّة عليها بالروايات ، فهكذا المقام فإنّ الآية لا تدل على حرمة قتل غير ما لا يؤكل لحمه ، لا أنّها تدل على الجواز ، فلا منافاة بين الآية والرّوايات.

الفرع الثّاني : قد عرفت جواز قتل الأهلي للمحرم حتّى في الحرم ، فهل العبرة بالحالة الأصليّة ، أو بالحالة العارضة ، فينقلب الحكم بانقلاب حالته؟

المعروف بقاء حكم الأصل فلا يتبدّل حكم الأهلي بالتوحش وهكذا العكس.

والصحيح ما ذهب إليه المشهور ، أمّا البرّي المتوحّش كالظبي إذا تأهّل لا يخرج عن حكمه فلا يجوز قتله ، لصدق عنوان الصّيد عليه فلا يجوز للمحرم قتله ، وهكذا لو انعكس وتوحّش الأهلي لا يتغيّر حكمه ، لعدم صدق عنوان الصّيد على الممتنع بالعرض ، ولا أقل من كونه مشتبهاً فيه ومقتضى الأصل هو الجواز ، لأن التحريم خاص بالصيد ولم يعلم صدقه على ذلك ، ولو فرضنا صدق الصّيد عليه إلّا أنّ النصوص المعتبرة دلّت على جواز ذبح الإبل والبقر (1)، وإطلاقها يقتضي الجواز وإن توحّش الحيوان الأهلي ، لتقدّم إطلاق الخاص على إطلاق العام.

الفرع الثّالث : الصّيد الوحشي إذا تأهّل ثمّ تولّد فالمتولّد لم يكن صيداً قطعاً ، بل إنّما هو وليد الصّيد فهل يحكم عليه بالصيد أم لا؟.

لم أجد من تعرّض لذلك ، ولم يذكروا أنّ المتولّد من الوحشي المتأهّل بالعرض من أوّل تولده أهلي أم لا؟ والظاهر هو الجواز ، لعدم صدق عنوان الصّيد عليه ، وإنّما هو نتيجة الصّيد ووليده.


1) الوسائل 12 : 548 / أبواب تروك الإحرام ب 82.

.................................................................................................


وربما يقال : إنّ العمومات كقوله : «اتّق قتل الدواب كلّها إلّا الأفعى» (1)تدل على حرمة قتل كلّ ما يدب من الحيوانات ، وإنّما وردت الرخصة في موارد خاصّة بعنوان الأنعام والدجاج ، لا بعنوان الأهلي ، فالعمومات على حالها.

وفيه : أنّ هذا العموم قد خصّص بمخصص آخر ، وهو كلّ ما جاز للمحل ذبحه في الحرم يجوز ذبحه للمحرم في الحرم

وغير الحرم كما في النص (2)وهذا العنوان يصدق على غير الإبل والغنم والبقر والدجاج.

والأهلي في بلادنا وفي منطقة صدور الرّوايات إنّما هو هذه الحيوانات المذكورة ولو كان مورد الخاص مختصّاً بهذه الحيوانات لا يبقى مجال لذكر هذه الكلية في النصوص فلا بدّ من تعميم حكم الخاص لغير هذه الحيوانات المذكورة ، ولا ريب في جواز ذبح هذا الحيوان المتولّد من الوحشي المتأهّل بالعرض للمحل في الحرم ، لأنّ الّذي يحرم عليه إنّما هو الصّيد ، والحيوان الّذي دخل من الحل إلى الحرم ، لقوله تعالى ( ... وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً ) ... (3)لعدم اختصاصه بالإنسان كما في النص (4)، وكلا العنوانين غير صادق على المقام ، لأنّ المتولّد في الحرم لا يصدق عليه الصّيد ، ولا ممّا دخل من الحل إلى الحرم ، والمفروض أنّه محلّل الأكل فيجوز له ذبحه ، فإذا جاز له جاز للمحرم أيضاً ، للكلية المتقدّمة فيكون العموم مخصّصاً بأمر آخر غير عنوان الإبل والبقر والغنم ، وإلّا لو كان المخصّص منحصراً بهذه الحيوانات المذكورة فتصبح هذه الكبرى المستفادة من النصوص لغواً.

الفرع الرّابع : هل يجوز له ذبح الحمير والبغال والخيول إذا دعت الحاجة إلى ذبحه والانتفاع بجلده وإن لم يؤكل لحمه ، كما ورد في حديث أنّ النّبيّ (صلّى اللّه عليه وآله) مرّ بشاة ميتة فقال (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) : «ما كان على أهلها إذا لم ينتفعوا


1) الوسائل 12 : 545 / أبواب تروك الإحرام ب 81 ح 2.

2) الوسائل 12 : 549 / أبواب تروك الإحرام ب 82 ح 2 ، 3.

3) آل عمران 3 : 97.

4) الوسائل 12 : 557 / أبواب تروك الإحرام ب 88 ح 2 ، 3.

.................................................................................................


بلحمها أن ينتفعوا بإهابها؟» (1).

وبعبارة اخرى ، جواز ذبح الأهلي هل يختص بما يطلب أكله أو يعم ما يطلب ظهره؟

مقتضى إطلاق كلمات بعضهم من حلية الأهلي شموله للحمير وأخويه ، ولكن كلام المحقق (2)حيث استثنى خصوص النعم والدجاج ربّما يوهم الاختصاص بها.

ويمكن القول بأنّ المحقق ليس في مقام ذكر ما يختص بالنعم ، فإنّ المحرّم هو صيد البر أي الحيوان الممتنع ، وما عدا الحيوان الممتنع يشمل مطلق الأهلي ، فذكر النعم والدجاج من باب المثال.

وكيف كان الظاهر هو الجواز وإن كان صحيح معاوية مطلقاً يشمل جميع الحيوانات ، والمخصّص إنّما هو الأنعام والدجاج ، فنحتاج في الخروج عن العموم الوارد في صحيح معاوية بن عمار بالنسبة إلى الخيول وأخويها إلى دليل بالخصوص.

ولكن قد عرفت قريباً أنّ المخصص لا ينحصر بالأنعام ، بل ورد مخصص آخر وهو الكلية المستفادة من النصوص ، وأنّ كلّ ما جاز قتله للمحل في الحرم يجوز ذبحه للمحرم ، ولا ريب في جواز قتل ذلك للمحل في الحرم ، لأنّ الّذي يحرم عليه الحيوان الّذي دخل من الخارج إلى الحرم والتجأ إليه فإنّه آمن لقوله تعالى ( ... وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً ) ... (3)وكذلك الصّيد ، وشي‌ء منهما غير صادق على الخيول والبغال والحمير على الفرض ، فلا مانع للمحل في الحرم من ذبح ذلك ، فإذا جاز له جاز للمحرم.

نعم ، هنا رواية واحدة تدل على اختصاص الجواز بالأنعام والدجاج (4)فلا يجوز غيرها للمحرم أيضاً ، والمرجع حينئذ إطلاق المعتبرة الناهية عن كل حيوان ، ولكن الرواية ضعيفة سنداً بسهل.


1) الوسائل 3 : 502 / أبواب النجاسات ب 61 ح 2.

2) الشرائع 1 : 325.

3) آل عمران 3 : 97.

4) الوسائل 12 : 549 / أبواب تروك الإحرام ب 82 ح 5.

.................................................................................................


وبالجملة : وقع الكلام بين الفقهاء فيما يجوز للمحرم ذبحه ، فبعضهم خصّ الحكم بالجواز بالدجاج والنعم كالمحقق في الشرائع (1)، فغير ذلك داخل تحت عموم المنع. وبعضهم عبّر بالأهلي فيشمل مثل الحمير والبغال والخيول ، وذكرنا أنّه بناءً على عدم الاختصاص بالدجاج والنعم يجوز قتل مطلق الأهلي وإن لم يطلب لحمه كالحمير.

وكذلك يجوز قتل المتولّد من الوحشي الأصلي المتأهّل بالعرض ، فما يجوز ذبحه لا ينحصر بالنعم والدجاج.

وأمّا رواية سهل الحاصرة بذلك فضعيفة السند.

نعم ، روى الصدوق بسند صحيح عن ابن مسكان عن أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «لا يذبح في الحرم إلّا الإبل والبقر والغنم والدجاج» (2).

وروى عنه في الوافي كذلك (3)، ومقتضاه الاختصاص بالمذكورات ، ولكن الوسائل روى عن الشيخ بنفس السند أنّه قال : «تذبح في الحرم الإبل والبقر والدجاج» (4)ثمّ قال : ورواه الصدوق بإسناده عن ابن مسكان مثله ، فيعلم أنّ نسخة الفقيه الّتي كانت عند صاحب الوسائل مطابقة لرواية الشيخ ، فلا يمكن الاعتماد على نسخ الفقيه الموجودة بين أيدينا.

ولو أغمضنا عن ذلك والتزمنا باشتباه صاحب الوسائل والتزمنا بصحّة نسخ الفقيه المطبوعة المتداولة فتكون رواية الصدوق مخالفة لرواية الشيخ فهما متنافيان ولا يحتمل صحّتهما معاً ، ولا وجه لتقدّم رواية الصدوق على رواية الشيخ وإن كان الصدوق أضبط ، لأن كلّا منهما واجد لشرائط الحجية فيتعارضان.

ومع قطع النظر عن ذلك أيضاً ، وفرضنا أنّ الرّواية منحصرة برواية الصدوق أيضاً لا يمكن الأخذ بها ، لمنافاتها للكلية المذكورة المستفادة من النصوص ، وهي


1) الشرائع 1 : 325.

2) الفقيه 2 : 172 / 755.

3) الوافي 12 : 124 / 11653.

4) الوسائل 12 : 548 / أبواب تروك الإحرام ب 82 ح 1.

.................................................................................................


جواز الذبح للمحرم كلّما يجوز ذبحه للمحل في الحرم ، فإنّ الكلية المذكورة صريحة في شمولها لغير النعم فيبطل الحصر الوارد في رواية الصدوق ، فإذا بطل الحصر نرجع في الحكم بالجواز إلى عموم ما دلّ على جواز ذبح كلّما يجوز ذبحه للمحل في الحرم غير الصّيد وغير المستجير ، للمحرم.

فتحصل : أنّه يجوز ذبح هذه الحيوانات للمحرم للانتفاع بجلدها بل بلحمها عندنا.

الفرع الخامس : قد ذكرنا سابقاً (1)أنّ ما يذبحه المحرم يحرم على المحل والمحرم وكذا ما يذبح في الحرم يحرم على المحل والمحرم فيكون المذبوح ميتة ، وقد ذكرنا أيضاً أنّه لا عبرة بكلام سيِّد المدارك من الأكل للمحل ، لأنّ موثقة إسحاق المتقدّمة (2)صريحة في حرمة مذبوح المحل والمحرم ، فنقيّد إطلاق ما دلّ على حلية صيد المحرم للمحل ، فمن حيث حرمة الأكل لا كلام.

وإنّما الكلام في ترتيب سائر آثار الميتة كالنجاسة وعدم جواز الصلاة في جلده وسائر أجزائه ، وقد احتاط شيخنا النائيني في الصلاة في جلده ، ولم يعرف وجه الاختصاص بالجلد ، والأولى أن يقال : ويحرم الصلاة في أجزائه ، لأنّ المفروض كونه ميتة.

وكيف كان : يقع الكلام تارة فيما يذبحه المحرم أو المحل في الحرم ، وأُخرى فيما يذبحه المحرم خارج الحرم.

أمّا الأوّل : فالصحيح أنّه محكوم بالميتة من حيث عدم الصلاة فيه ، سواء قلنا بأنّ التنزيل بلحاظ كونه ميتة أو بلحاظ حرمة الأكل ، لعدم جواز الصلاة في أجزاء ما لا يؤكل لحمه ، وإن كان عدم الأكل بالعرض كالجلل والموطوءة ، وأمّا من حيث النجاسة فتتوقف على عموم التنزيل ، فإن قلنا بأنّه ميتة على الإطلاق فهو ، وإلّا فإن


1) في ص 283.

2) في ص 280.

.................................................................................................


قلنا بأنّ التنزيل بلحاظ أظهر الآثار وأبرزها فالتنزيل يشمل الأثر الظاهر البارز كما في نظائره كقوله (عليه السلام) في العصير : «خمر لا تشربه» (1)والحكم البارز هناك حرمة الشرب ، ولذا لم نقل بنجاسة العصير ، وهكذا المقام ، فإنّ الأثر البارز هو حرمة الأكل وعدم جواز الصلاة فيه لا النجاسة.

وبالجملة : مذبوح الحرم يعد من محرم الأكل ، لأنّه لو ذبحه المحرم أو المحل يحكم بحرمته على كل تقدير ، فلا يجوز أكله ولا الصلاة فيه.

وأمّا الثّاني : فهو ما يذبحه المحرم في الحل ، فلا يعد الحيوان المذبوح من الحيوان المحرم الأكل في نفسه ، وإنّما يحرم أكله من جهة حرمة ذبحه من المحرم نظير حرمة الحيوان من جهة فقد بعض شرائط التذكية ، كما إذا كان الذابح كافراً أو ذبح بغير الحديد أو إلى غير القبلة ، فالحيوان في نفسه ليس محرم الأكل فإنّه قابل لوقوع التذكية عليه إذا ذبحه المحل نظير ما إذا ذبحه المسلم بالحديد ، فعدم الصلاة فيه والحكم بنجاسته مبنيان على عموم التنزيل ، فيفرق الحال بين ما ذبحه المحرم في الحل وبين ما ذبح في الحرم فإنّ الثّاني محرم الأكل على كل تقدير ويعد من الحيوانات المحرمة الأكل ولو بالعرض ، بخلاف الأوّل فإنّه يحرم أكله لأجل فقد بعض شرائط التذكية ، وهو كون الذابح محلّاً.

وهذا كلّه من باب مسايرة القوم فيما ذهبوا إليه ، ولكن جميع ما ذكر ممّا لا أساس له ، فإنّ ذلك يتوقف على كون إطلاق الميتة من باب التنزيل ، والظاهر أنّه لا موجب للالتزام بذلك ، لأنّ إطلاق الميتة عليه كما في النص (2)حكم شرعي تعبّدي ، ولا قرينة على تنزيله وتشبيهه بالميتة.

نعم ، قامت القرينة على تنزيل العصير منزلة الخمر ، لأنّ العصير ليس مصداقاً للخمر جزماً ، فإنّ الخمر ما خامر به العقل ونحو ذلك من المعاني الّتي لا تنطبق على


1) لم ترد هذه الجملة في العصير وإنّما ورد نحوها في الفقاع ، راجع الوسائل 25 : 361 / أبواب الأشربة المحرمة ب 27 ح 8.

2) وهو معتبرة إسحاق المتقدّمة في ص 280.

مسألة 203 : فراخ هذه الأقسام الثّلاثة من الحيوانات البرّية والبحرية والأهلية وبيضها ، تابعة للأُصول في حكمها (1).


العصير فجعله خمراً ليس إلّا من باب التنزيل ، وأمّا في المقام فلا موجب للالتزام بذلك ولا قرينة عليه ، ولا مانع من حكم الشارع عليه بالميتة ، وليس في شي‌ء من الرّوايات أنّه كالميتة بل ورد أنّه ميتة ، وأيّ مانع من الالتزام بكونه ميتة حسب حكم الشارع كالمذبوح إلى غير القبلة أو بغير الحديد ، ولذا ذكرنا في محلِّه (1)أنّ المراد من الميتة أعم ممّا مات حتف أنفه ، أو ذبح على غير الوجه الشرعي فيثبت جميع آثار الميتة.

ومن الغريب ما استدلّ به بعضهم على عدم جريان آثار الميتة عليه بل يحكم عليه بالطهارة ، وهو صحيح ابن مهزيار قال : «سألت الرّجل (عليه السلام) عن المحرم يشرب الماء من قربة أو سقاء اتّخذ من جلود الصّيد هل يجوز ذلك أم لا؟ ، فقال : يشرب من جلودها» (2)فإنّ جواز الشرب يكشف عن الطّهارة.

ولا يخفى ما فيه : فإنّ كلامنا في مذبوح المحرم ، ومورد الرّواية هو الصّيد ، وربّما يصيد المحرم في الحل ولا يموت فيذبحه المحل ، فمورد الرّواية أجنبيّة عن المقام.

(1) لا ريب في حلية بيض السمك ، وكذا بيض الطير الأهلي فإن حليتهما تستلزم حلية بيضهما ، وأمّا الحيوان البرّي الّذي يحرم صيده فهل يحرم بيضه وفرخه تبعاً للأصل أم لا؟.

المعروف بل المتسالم عندهم هو الحرمة كالأصل أكلاً وإتلافاً مباشرة ودلالة وإعانة.

ولكن وقع الكلام في دليله ، والظاهر أنّه لا دليل عليه إلّا بالأولويّة حيث ثبتت الكفّارة في كسر البيض وقتل الفرخ ، بل ورد ثبوت الكفّارة على الواسطة الّذي


1) في شرح العروة 2 : 447 المسألة [169].

2) الوسائل 12 : 430 / أبواب تروك الإحرام ب 9 ح 1.

مسألة 204 : لا يجوز للمحرم قتل السباع إلّا فيما إذا خيف منها على النفس وكذلك إذا آذت حمام الحرم. ولا كفّارة في قتل السباع حتّى الأسد على الأظهر بلا فرق بين ما جاز قتلها وما لم يجز (1).


يشتري البيض للمحرم (1)، فإنّ ذلك يكشف عن عظمة الأمر وشدّة الحرمة ولا سيما ذكر الفراخ والبيض في عداد نفس الحيوان ، فإن جعلهما في عداد الحيوان يكشف عن ثبوت الحرمة لهما أيضاً (2).

ولو فرضنا قصور الكفّارة عن ثبوت الحرمة بالأولويّة المذكورة ، إلّا أنّ كثرة الابتلاء بكسر البيض وقتل الفراخ بواسطة وطء البعير ونحوه أو وطء نفس المحرم للحجاج في الأسفار السابقة الّتي كانت الدواب مع التسالم على الحرمة ، توجب القطع بأخذ الحكم من المعصومين (عليهم السلام) ولو كان جائزاً لظهر وبان.

(1) لا خلاف في حرمة قتل السباع إلّا إذا خيف منها ، وهل هنا كفارة أم لا؟ الظاهر أنّه لا كفارة في قتل السباع ماشية كانت أو طائرة إلّا الأسد ، بل ادّعي الإجماع على عدم الكفّارة في مطلق محرم الأكل وإن لم يكن من السباع.

فيقع الكلام في مقامين : أحدهما : في الحكم التكليفي. ثانيهما : في الحكم الوضعي.

أمّا الأوّل : فالّذي يدل على حرمة قتل السباع صحيح معاوية بن عمار الّتي تقدمت غير مرّة «اتّق قتل الدواب كلّها إلّا الأفعى ...» (3).

هذا إذا لم يخف منها على نفسه وإلّا فيجوز قتلها ، واستدلّ لذلك بخبر حريز قال : «كلّ ما يخاف المحرم على نفسه من السباع والحيات وغيرها فليقتله ، وإن لم يردك فلا ترده» (4). فإنّه صريح في جواز القتل فيما إذا يخاف المحرم على نفسه ، وعلى عدم الجواز


1) الوسائل 13 : 56 / أبواب كفارات الصّيد ب 24 ح 5.

2) الوسائل 13 : 25 / أبواب كفارات الصّيد ب 10.

3) الوسائل 12 : 545 / أبواب تروك الإحرام ب 81 ح 2.

4) الوسائل 12 : 544 / أبواب تروك الإحرام ب 81 ح 1.

.................................................................................................


فيما إذا لم يخف منها على نفسه ولم ترده السباع والحيات ، إنّما الكلام في سنده والظاهر أنّه مرسل ، لأنّ الكليني يرويه عن حريز عمّن أخبره (1)، والشيخ يرويه عن حريز عن الصادق (2)(عليه السلام) وقد ذكرنا غير مرّة أنّه من البعيد جدّاً أنّ حريزاً يروي لحماد تارة مسنداً إلى الإمام وأُخرى مرسلاً ، فالرواية مترددة بين كونها مرسلة أو مسندة ، ولا ريب أنّ الكليني أضبط من الشيخ ، فالتعبير عنه بالصحيح كما في الجواهر (3)والحدائق (4)في غير محلِّه.

فالصحيح أن يستدل بصحيح عبد الرّحمن العرزمي ، عن أبي عبد اللّه عن أبيه عن علي (عليهم السلام) قال : «يقتل المحرم كلّما خشيه على نفسه» (5).

وأمّا الثّاني : وهو الحكم الوضعي وأنّه هل تثبت الكفّارة في قتل السباع أم لا؟ ادّعي الإجماع على أنّه لا كفارة في قتل السباع سواء قيل بجواز القتل أم لا ، كما إذا قتل النمر الّذي لم يخف منه ولم يرده ، لعدم الدليل على الكفّارة ، وأمّا قوله تعالى ( ... وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ ) ... (6)فخاص بالحيوانات الّتي لها مماثل كالنعامة ، ومثلها البدنة والظبي ، ومثلها المعز والشاة وبقر الوحش ، ومثلها البقرة الأهليّة وسيأتي بيان ذلك في محلِّه.

هذا كلّه في غير الأسد ، وأمّا الأسد ففيه خلاف ، فذهب بعضهم إلى ثبوت الكفّارة فيه واستدلّ بما رواه الكليني عن داود بن أبي يزيد العطّار ، عن أبي سعيد المكاري قال : «قلت : لأبي عبد اللّه (عليه السلام) رجل قتل أسداً في الحرم قال : عليه كبش يذبحه» (7).


1) الكافي 4 : 363 / 1.

2) التهذيب 5 : 365 / 1272.

3) الجواهر 20 : 179.

4) الحدائق 15 : 154.

5) الوسائل 12 : 546 / أبواب تروك الإحرام ب 81 ح 7.

6) المائدة 5 : 95.

7) الوسائل 13 : 79 / أبواب كفارات الصّيد ب 39 ح 1 ، الكافي 4 : 237 / 26.

مسألة 205 : يجوز للمحرم أن يقتل الأفعى والأسود الغدر وكلّ حيّة سوء والعقرب والفارة ، ولا كفارة في قتل شي‌ء من ذلك (1).


ولا يخفى أنّ الاستدلال به متوقف على ثبوت الملازمة بين ثبوت الكفّارة للقتل في الحرم وبين القتل حال الإحرام ، وموضوع الرّواية هو القتل في الحرم ، ومورد كلامنا القتل حال الإحرام وإن لم يكن في الحرم ، فالرواية أجنبيّة عن محل الكلام.

هذا ، مضافاً إلى ضعف السند بالعطار والمكاري كما صرّح به المحقق في الشرائع (1)والمشهور أيضاً لم يلتزموا بثبوت الكفّارة حتّى يدّعى الانجبار ، فحال الأسد حال سائر السباع في عدم ثبوت الكفّارة في قتله سواء جاز قتله أم لا.

وكذلك يجوز قتل سباع الطير المؤذي لحمام الحرم ولا كفارة في قتله ، لصحيح معاوية بن عمار «أنّه اتي أبو عبد اللّه (عليه السلام) فقيل له : إنّ سبعاً من سباع الطير على الكعبة ليس يمر به شي‌ء من حمام الحرم إلّا ضربه فقال : فانصبوا له واقتلوه فإنّه قد ألحد» (2).

(1) لا كلام في جواز قتل هذه الحيوانات ، إنّما الكلام في أنّ الحكم بالجواز هل يختص بما إذا أرادته وخاف منها أم لا؟

المعروف بينهم جواز القتل مطلقاً ، ويدل عليه صحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث قال : «ثمّ اتّق قتل الدواب كلّها إلّا الأفعى والعقرب والفارة ، فأمّا الفأرة فإنّها توهي السقاء ، وتضرم على أهل البيت ، وأمّا العقرب فإنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) مدّ يده إلى الحجر فلسعته ، فقال : لعنك اللّه لا برّاً تدعينه ولا فاجراً ، والحيّة إن أرادتك فاقتلها ، وإن لم تردك فلا تردها ، والأسود الغدر فاقتله على كل حال ، وارم الغراب والحدأة رمياً على ظهر بعيرك» (3).


1) الشرائع 1 : 326.

2) الوسائل 13 : 83 / أبواب كفارات الصّيد ب 42 ح 1.

3) الوسائل 12 : 545 / أبواب تروك الإحرام ب 81 ح 2.

.................................................................................................


ولو كان جواز القتل مختصّاً بما أراده لم يكن وجه لذكر المذكورات بالخصوص بل كان حالها حال جميع السباع ، مضافاً إلى أنّ الفأرة لا تريد الشخص بل تهرب من الإنسان ، ولعل العقرب كذلك.

على أنّ اختصاص الحيّة بما إذا أرادت يدل على أنّ المذكورات غير مختصّة بصورة الإرادة وأنّ الحكم مطلق.

وأمّا قوله : «والأسود الغدر فاقتله على كل حال» فلا يوهم اختصاص القتل المطلق به ، بل هذا استثناء من الحيّة الّتي لا تقتل على كل حال ، وأنّ هذا القسم من الحيّة يقتل مطلقاً ، فإطلاق الصدر على حاله.

ويدل عليه أيضاً إطلاق صحيح الحلبي قال «يقتل في الحرم والإحرام الأفعى والأسود الغدر وكل حيّة سوء ، والعقرب والفارة هي الفويسقة» (1).

وأمّا صحيح حسين بن أبي العلاء عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «قال لي : يقتل المحرم الأسود الغدر والأفعى والعقرب والفارة ، فإنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) سمّاها الفاسقة والفويسقة ، ويقذف الغراب ، وقال : اقتل كل واحد منهنّ يريدك» (2)فربّما يوهم الاختصاص بصورة الإرادة ، ولكن قد عرفت أنّ الرّواية مشتملة على ما لا يريد كالفأرة فلا تتحقق الإرادة في موردها ، بل الظاهر أنّ قوله (عليه السلام) : «اقتل كل واحد منهنّ يريدك» حكم آخر وجوبي يختص بصورة الإرادة فإنّه يجب القتل حينئذ دفعاً للخطر والضرر العظيم ، فلا يوجب تقييد الحكم بالجواز في الصدر بذلك.

عود على بدء : سبق لنا أن ذكرنا الرّوايات المجوّزة لذبح المحرم الحيوانات الأهليّة (3)، فقد روى الشيخ عن أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «يذبح


1) الوسائل 12 : 546 / أبواب تروك الإحرام ب 81 ح 6.

2) الوسائل 12 : 546 / أبواب تروك الإحرام ب 81 ح 5.

3) راجع ص 298.

مسألة 206 : لا بأس للمحرم أن يرمي الغراب والحدأة ولا كفارة لو أصابهما الرّمي وقتلهما (1).


في الحرم الإبل والبقر والغنم والدجاج» (1).

وفي النسخة القديمة المطبوعة بالطبع الحجري : «في الحل» بدل قوله «في الحرم» والفرق بينهما واضح ، ولا ريب أنّ النسخة المطبوعة بالحجري فيها تحريف وغلط لإطباق بعض النسخ الخطية والطبعة الجديدة على قوله : «في الحرم» كما في الوسائل (2)، وكذلك نقلها في الوافي (3)، وفي الوسائل أسقط كلمة «والغنم» مع أنّها مذكورة في التهذيب ، وذلك إمّا اشتباه من الوسائل أو من غلط النساخ.

وكيف كان : الجملة المذكورة في التهذيب جملة إيجابيّة إلّا أنّ الصدوق روى في الفقيه بنفس السند بالجملة السلبية وأنّه قال (عليه السلام) : «لا يذبح في الحرم إلّا الإبل والبقر والغنم والدجاج» (4)وقد ذكرنا آنفاً (5)أنّه لا يمكن الاعتماد على رواية الصدوق ، فإنّه مضافاً إلى ما تقدّم يرد عليه : أنّ دلالة رواية الصدوق على عدم جواز غير الأنعام وغير الدجاج بالإطلاق ، ويرفع اليد عنه بالكلية المذكورة الصريحة الدالّة على جواز ذبح المحرم كلّما جاز للمحل ذبحه ، ولا ريب في جواز ذبح هذه الحيوانات للمحل في الحرم فيجوز ذبحه للمحرم أيضاً ، فإنّ المحرّم على أهل الحرم إنّما هو صيد الحرم ومن دخل الحرم مستجيراً به ، وشي‌ء منهما غير صادق على الحيوانات الأهليّة.

(1) لا كلام في جواز قتل الغراب والحدأة للنصوص المتعدّدة.

وإنّما يقع الكلام في أُمور :


1) التهذيب 5 : 367.

2) الوسائل 12 : 548 / أبواب تروك الإحرام ب 82 ح 1.

3) الوافي 12 : 125 / 11675.

4) الفقيه 2 : 172.

5) في ص 298.

.................................................................................................


الأوّل : هل يختص جواز القتل بما إذا كان المحرم على ظهر بعيره ، كما جاء ذلك في الرّواية المتقدّمة ، فلا يجوز إذا كان راجلاً أو راكباً غير البعير ، أو يعم جميع الحالات؟.

الثّاني : أنّ جواز القتل هل يختص بالغراب الأبقع أو يشمل غيره؟.

الثّالث : هل يختص الحكم المذكور بالرّمي أو يعم مطلق القتل وإن لم يكن بسبب الرّمي؟.

أمّا الأوّل : فلا يخفى أنّ الرّوايات على قسمين :

أحدهما : مطلق الرجم والقتل وإن لم يكن على ظهر البعير كصحيح الحلبي «ويرجم الغراب والحدأة رجماً» (1).

ثانيهما : خصّ الجواز بما إذا كان على ظهر بعيره كما في صحيحة معاوية بن عمار «وارم الغراب والحدأة رمياً على ظهر بعيرك» (2).

ولكن الظاهر أنّه لا موجب للتقييد ، فإنّه محمول على الغالب ، والقيد وإن كان له مفهوم عندنا في الجملة لكن فيما إذا لم يحمل على الغالب.

وممّا يدل على أنّ القيد إنّما ذكر لأجل الغلبة وأنّه غير دخيل في الحكم المذكور قوله : «على ظهر بعيرك» إذ لا نحتمل دخل ملكيّة البعير في الحكم بعدم الجواز.

هذا كلّه مضافاً إلى القطع بعدم الفرق بين الراجل والراكب ، وبعدم الفرق بين المراكب.

وأمّا الثّاني : فالظاهر أن ذكر الأبقع في بعض النصوص كمعتبرة حنان بن سدير «والغراب الأبقع ترميه» (3)لا دلالة فيها على الاختصاص ، إذ لعلّ التقييد به فيها لأجل كثرة الابتلاء بخصوص هذا الحيوان وأنّه حيوان خبيث ، ويشهد لذلك قوله :


1) الوسائل 12 : 546 / أبواب تروك الإحرام ب 81 ح 6.

2) الوسائل 12 : 545 / أبواب تروك الإحرام ب 81 ح 2.

3) الوسائل 12 : 547 / أبواب تروك الإحرام ب 81 ح 11.

.................................................................................................


«فإن أصبته فأبعده اللّه» فإنّ ذلك يكشف عن خصوصيّة في الأبقع وخيانته.

وأمّا الثّالث : هل يجوز قتله بأيّ سبب من أسباب القتل ولو بغير الرّمي كالسيف والعصا ونحو ذلك؟.

ذكر بعضهم الاختصاص بالرّمي والرّجم ، ومنهم من جوّز القتل بأيّ سبب كان كشيخنا النائيني (قدس سره) (1).

والظاهر هو الاختصاص ، لأنّ التفصيل في الرّوايات بينه وبين بقيّة المذكورات فيها قاطع للشركة ، فإنّه بالنسبة إلى بقيّة الحيوانات أُطلق القتل فيها ، وأمّا في خصوص الغراب قيّد القتل بالرّمي ، فيعلم أنّ للغراب حكم خاص.

هذا مضافاً إلى عدم جواز قتل الدواب على الإطلاق ، وقد خرجنا منه في قتل الغراب بسبب الرّمي أو الرّجم ، وأمّا بقيّة أقسام القتل فيشملها عموم المنع.

انتهى الجزء الثّالث بحوله تعالى

ويليه الجزء الرّابع وأوّله كفارات الصّيد


1) لاحظ دليل الناسك (المتن) : 180.

كفّارات الصّيد

اشارة

مسألة 207 : في قتل النعامة بدنة ، وفي قتل بقرة الوحش بقرة ، وفي قتل حمار الوحش بدنة أو بقرة وفي قتل الظبي والأرنب شاة ، وكذلك في الثعلب على الأحوط (1).


(1) لا كلام ولا خلاف بين أصحابنا في وجوب البدنة على من قتل النعامة ، وكذا في قتل بقرة الوحش تجب البقرة الأهلية ، وفي قتل الظبي شاة ، وقد صرحت النصوص المعتبرة بذلك (1).

وأمّا الحمار الوحشي ففي بعض الروايات المعتبرة البقرة (2)، وفي بعض آخر معتبر أيضاً بدنة (3)ومقتضى الجمع بين الروايتين بعد القطع بعدم وجوب كليهما هو التخيير ورفع اليد عن ظهور الوجوب في التعيين ، وهذا الكلام مبني على أساس أُصولي ذكرنا في محلِّه (4)، وهو أنّه لو دار الأمر بين الوجوب التعييني والتخييري يحمل الواجب على التعييني ، لأنّ التخيير يحتاج إلى دليل خاص ومئونة زائدة كحمل الواو على أو ونحو ذلك ، ولكن بعد القطع بعدم وجوب كليهما يدور الأمر بين رفع اليد عن وجوب أحدهما بالمرة أو رفع اليد عن إطلاق كل منهما ، ولا ريب في أنّه يتعين رفع اليد عن الإطلاق ، فالنتيجة وجوب كل منهما على التخيير.

وأمّا الأرنب ، ففي روايات معتبرة «إن في قتله شاة» (5).

وأمّا الثعلب ، فالمشهور بل ادعي عليه الإجماع أن في قتله شاة كالأرنب ، فان تمّ


1) الوسائل 13 : 5 / أبواب كفارات الصيد ب 1.

2) الوسائل 13 : 5 / أبواب كفارات الصيد ب 1 ح 1.

3) الوسائل 13 : 6 / أبواب كفارات الصيد ب 1 ح 2.

4) مصباح الأُصول 2 : 448 وما بعدها.

5) الوسائل 13 : 17 / أبواب كفارات الصيد ب 4.

مسألة 208 : من أصاب شيئاً من الصيد فان كان فداؤه بدنة ولم يجدها فعليه إطعام ستّين مسكيناً لكل مسكين مد ، فان لم يقدر صام ثمانية عشر يوماً ، وإن كان فداؤه بقرة ولم يجدها فليطعم ثلاثين مسكيناً ، فان لم يقدر صام تسعة أيّام وإن كان فداؤه شاة ولم يجدها فليطعم عشرة مساكين ، فان لم يقدر صام ثلاثة أيّام (1).


الإجماع فهو وإلّا فإثباته بدليل غير ممكن ومقتضى الأصل عدم الوجوب ، بل يستشعر من بعض الروايات عدم الوجوب ، لأنّ السائل يسأل عن قتل المحرم الأرنب والثعلب فيجيب (عليه السلام) عن الأرنب ويسكت عن الثعلب (1)فاقتصاره (عليه السلام) في الجواب على الأرنب مشعر بعدم وجوب شي‌ء في الثعلب.

نعم ، ورد في رواية واحدة ثبوت الدم على من قتل ثعلباً كالأرنب (2)ولكن الرواية ضعيفة سنداً بطريقيها ، أحدهما بسهل وعلي بن أبي حمزة البطائني ، والآخر بالبطائني فإنّه كذاب بل اختلق عدّة روايات في الأموال ونسبها إلى الإمام الكاظم (عليه السلام) إلّا أنّ الظاهر تسالم الأصحاب على ثبوت الشاة في قتله ، فالحكم مبني على الاحتياط.

(1) البحث في هذه المسألة لبيان أبدال الكفّارة المتقدِّمة إذا عجز عنها ، سواء كانت بدنة أو بقرة أو شاة.

والبدل على قسمين : إمّا الإطعام أو الصوم.

أمّا الأوّل : فيقع الكلام في جهات :

الاولى : إذا كان الواجب بدنة كما إذا قتل النعامة وعجز عنها فما هو الواجب عليه؟

ورد في جملة من الروايات أنّه يجب عليه صرف قيمة البدنة على إطعام ستّين


1) الوسائل 13 : 17 / أبواب كفارات الصيد ب 4 ح 1.

2) الوسائل 13 : 17 / أبواب كفارات الصيد ب 4 ح 4.

.................................................................................................


مسكيناً ، فان كانت قيمة البدنة أكثر من إطعام ستّين مسكيناً لا تجب عليه الزيادة على إطعام ستّين مسكيناً ويكون الباقي له ، وإن كانت قيمة البدنة أقل من إطعام ستّين مسكيناً لم يكن عليه إلّا قيمة البدنة ولا يجب عليه إطعام الستّين (1)وفي جملة منها اقتصر على إطعام ستّين مسكيناً ابتداءً من دون ذكر قيمة البدنة (2)وعلى طبق هذه الروايات أفتى جملة من الفقهاء كابن بابويه (3)وابن أبي عقيل (4)والمفيد (5)والسيِّد (6)والسلّار (7)، وهذا هو الصحيح.

بيان ذلك : أن روايات التقويم دلّت على تقييد الإطعام على ستّين مسكيناً بما إذا كانت قيمة البدنة وافية لذلك ، وإلّا فيقتصر على ما تمكن ، ولكن صحيح علي بن جعفر (8)يدل على الإطعام على ستّين مسكيناً على الإطلاق ابتداءً من دون نظر إلى القيمة ، والمتعين هو الأخذ بإطلاق هذه الصحيحة ونحوها ، ولا موجب لتقييدها بالروايات السابقة.

والوجه في ذلك : أن مثل هذا الفرض ، وهو أن نعتبر قيمة البعير أقل من تكاليف الإطعام بستّين مسكيناً مع فرض كفاية مد واحد لكل مسكين ، بعيد جدّاً ، نعم قد يحتمل وإن كان من الفرض البعيد عدم وفاء قيمة البعير في زمان صدور الروايات فالمتعيّن هو العمل بالروايات المطلقة ولا موجب للتقييد لعدم موضوع له.

الثانية : هل يعتبر في البدنة أن تكون أُنثى ، أم يجزي الأعم منها ومن الذكر؟ قولان :


1) الوسائل 13 : 11 / أبواب كفارات الصيد ب 2 ح 9 ، 2.

2) الوسائل 13 : 12 / أبواب كفارات الصيد ب 2 ح 3 و 6 و 12.

3) المختلف 4 : 115.

4) المختلف 4 : 115.

5) المقنعة : 435.

6) جمل العلم والعمل : 71.

7) المراسم : 119.

8) الوسائل 13 : 10 / أبواب كفارات الصيد ب 2 ح 6.

.................................................................................................


في مجمع البحرين أنّها تقع على الجمل والناقة والبقرة عند جمهور أهل اللّغة وبعض الفقهاء ، وعن بعض الأفاضل أن إطلاقها على البقرة مناف لما ذكره أئمة اللّغة من أنّها من الإبل خاصّة (1). انتهى.

واستشهد الحدائق على التعميم للذكر والأُنثى برواية أبي الصباح الكناني ، لاشتمالها على كلمة جزور في قوله (عليه السلام) «وفي النعامة جزور» (2)والجزور أعم من الذكر والأُنثى (3).

ثمّ إن في التهذيب المطبوع بالطبعة الجديدة رواها عن أبي الفضيل عن أبي الصباح (4)، وهو سهو جزماً لعدم وجود رجل يكنى بأبي الفضيل يروي عن أبي الصباح ، بل الراوي عنه كما في النسخ الصحيحة ابن الفضيل وهو محمّد بن الفضيل وهو مشترك بين الثقة وهو محمّد بن القاسم بن فضيل وبين غيره وهو محمّد بن الفضيل ، وقد حاول الأردبيلي في جامع الرواة الاتحاد بين محمّد بن الفضيل ومحمّد بن القاسم الفضيل ، فانّ الشخص قد ينسب إلى جدّه كثيراً واستشهد بأُمور أطال فيها (5)، ولكن لا يوجب إلّا الظن بالاتحاد لا الجزم ، فالرواية ساقطة سنداً.

إذن إن ثبت ما عن المجمع من أنّ البدنة تشمل الذكر والأُنثى فالحكم ثابت للجامع ، وإلّا فالمقام من موارد الشك وينتهي الأمر إلى الأصل العملي ، ويختلف باختلاف المباني والمسالك بالنسبة إلى جريان الأصل في الشك بين الأقل والأكثر الارتباطيين وأنّه هل يجري أصل البراءة مطلقاً أو يجري الاشتغال مطلقاً أو يفصّل بين الأجزاء والشرائط.

فان قلنا بالاشتغال مطلقاً ، أو بالاشتغال في الشك في الشرط كما في المقام فلا بدّ


1) مجمع البحرين 6 : 212.

2) الوسائل 13 : 6 / أبواب كفارات الصيد ب 1 ح 3.

3) الحدائق 15 : 176.

4) التهذيب 5 : 341 / 1180.

5) جامع الرواة 2 : 183.

.................................................................................................


من الاقتصار على الناقة ، وإن قلنا بالبراءة مطلقاً فيجزئ الأعم ، فإن التكليف بالجامع وبالطبيعة المهملة معلوم ولكن لا يعلم أن الواجب مطلق أو مقيّد بالأُنثى وحيث إنّ الإطلاق واسع فلا معنى لجريان البراءة فيه فتجري في التقييد إذ فيه الكلفة والضيق.

الثالثة : قد عرفت أنّه إذا عجز عن البدنة يتعين عليه إطعام ستّين مسكيناً للنصوص ، وعمدتها صحيح علي بن جعفر (1)ومعاوية بن عمار (2)وبإزائهما خبر داود الرقي قال : «إذا لم يجد بدنة فسبع شياه فان لم يقدر صام ثمانية عشر يوماً» (3)ولكن لم ينسب القول بمضمونه إلى أحد من فقهائنا في مقام كفّارة الصيد.

نعم ، ذهب إليه بعضهم في مقام آخر غير الصيد ممّا يجب عليه البدنة ، فالرواية شاذة مخالفة للروايات المستفيضة فلا يمكن الحمل على التخيير ، لأنّ المفروض في كل من صحيح علي بن جعفر وخبر داود الرقي صيام ثمانية عشر يوماً إذا عجز عن إطعام ستّين مسكيناً أو عجز عن سبع شياه ، ولو كان وجوب سبع شياه عدلاً لإطعام ستّين مسكيناً كان اللّازم انتقال الأمر إلى أحدهما عند العجز عن الآخر لا الانتقال إلى الصيام رأساً ، فالروايتان صريحتان في الواجب التعييني ولا مجال لحملهما على التخييري ، فهما متنافيتان والترجيح للروايات المتقدِّمة كصحيح علي بن جعفر ، لشهرتها رواية وعملاً وشذوذ رواية داود الرقي.

على أنّ الروايات السابقة موافقة للكتاب ، ورواية داود الرقي مخالفة له ، إذ لم يذكر سبع شياه في الآية الكريمة (4)والمذكور فيها وجوب الحيوان المشابه المماثل لما قتل من النعم أو إطعام ستّين مسكيناً أو صيام ثمانية عشر يوماً (5)على التخيير ، غاية الأمر


1) الوسائل 13 : 10 / أبواب كفارات الصيد ب 2 ح 6.

2) الوسائل 13 : 13 / أبواب كفارات الصيد ب 2 ح 13.

3) الوسائل 13 : 9 / أبواب كفارات الصيد ب 2 ح 4.

4) المائدة 5 : 95.

5) المذكور في القرآن هو الإطعام والصوم دون الستين وثمانية عشر.

.................................................................................................


الآية لا تدل على الترتيب ولكن الروايات المفسرة للآية الشريفة دلّت على الترتيب فهذه الكفّارة مرتّبة لا مخيّرة ببركة النصوص ، هذا كلّه مضافاً إلى ضعف رواية داود الرقي سنداً ، لأنّه لم تثبت وثاقته ، وقد ضعّفه النجاشي (1)، فلا عبرة بتوثيق غيره له.

الرابعة : وقع الكلام في جنس الطعام وكمه ، أمّا من حيث الجنس ، ففي الشرائع عبّر بالبر (2)ومقتضاه عدم إجزاء غيره ، إلّا أنّ العلّامة صرح باجزاء كل طعام (3)كما في الآية الكريمة والروايات ، ولا يعرف انصراف الطعام إلى خصوص البر أو التبادر إليه.

نعم ، ورد كلمة البر في الفقه المنسوب إلى الرضا (عليه السلام) (4)وفي خبر الزهري (5)الضعيف جدّاً ، فلا عبرة بهما.

وأمّا الكم ومقدار الصدقة ، فقد ذهب جماعة إلى لزوم التصدق بمدّين كما هو أحد الأقوال في كفّارة الإفطار العمدي. وذهب آخرون إلى الاكتفاء بمدّ واحد ، ومنشأ الاختلاف اختلاف الأخبار ، ففي صحيح معاوية بن عمار صرح بالمد (6)، وفي صحيح أبي عبيدة صرح بنصف الصاع (7)وهو مقدار مدين إلّا أن ما دل على المدّين ظاهر في الوجوب ، وما دلّ على المدّ صريح في الاكتفاء به ، ويرفع اليد عن ظهور ذلك بصراحة الآخر وبحمل ما دلّ على المدّين على الاستحباب.

ولو وصل الأمر إلى الأصل العملي فالواجب أيضاً مدّ واحد ، لأنّه واجب قطعاً ونشك في الزائد ، والأصل عدمه.


1) رجال النجاشي : 156.

2) الشرائع 1 : 326.

3) لم نعثر عليه في كتبه بل هو صرح بالبر ، وأمّا في التذكرة ففي موضعٍ لم يتعرّض لخصوصية 7 : 462 وفي موضع آخر عبّر بالبر 7 : 401.

4) فقه الرضا : 201.

5) الوسائل 10 : 367 / أبواب بقيّة الصوم الواجب ب 1 ح 1.

6) الوسائل 13 : 13 / أبواب كفارات الصيد ب 2 ح 13.

7) الوسائل 13 : 8 / أبواب كفارات الصيد ب 2 ح 1.

.................................................................................................


عود على بدء :

قد عرفت أن مقتضى إطلاق جملة من الروايات وكلمات الفقهاء (قدس سرهم) وجوب الإطعام على ستّين مسكيناً ، سواء وفت قيمة البدنة لذلك أم لا ، ومقتضى إطلاق جملة أُخرى وجوب صرف قيمة البدنة في الإطعام على ستّين مسكيناً إذا وفت القيمة وإلّا فيكتفى بالأقل ، وحيث إن قيمة البدنة تفي بالإطعام على الستّين قطعاً ودائماً ، لذا لم يتعرضوا للأقل واكتفوا بذكر الإطعام على ستّين مسكيناً ، ولكن بعض الروايات صريحة في الاعتبار بالقيمة والاجتزاء بالأقل من الستّين إذا كانت قيمة البدنة أقل من إطعام ستّين مسكيناً ، وعدم وجوب الزائد ، وهي رواية جميل (1)على ما رواه الصدوق عنه.

والرواية صحيحة عندنا ، فان طريق الصدوق إلى جميل بن دراج وجميل بن صالح وإن كان لم يذكر في المشيخة إلّا أنّه يظهر صحّة طريقه إليهما من طريق الشيخ إلى جميل بن دراج وإلى جميل بن صالح ومحمّد بن الحسن بن الوليد (2).

فعليه لو فرضنا قيمة البدنة أقل من إطعام ستّين مسكيناً فلا بدّ من رفع اليد عن إطلاق روايات الإطعام على ستّين مسكيناً.

تكملة لما تقدّم من أحكام الصيد : وقع الكلام في مسألتين :

الاولى : في أنّ المحرم إذا صاد صيداً فهل يملكه أم لا؟.

الثانية : أنّ الإحرام هل يوجب خروج ما ملكه المحرم بالصيد قبل الإحرام فيما إذا كان صاده وصحبه في سفره؟ وأمّا إذا صاده في بلده وتركه عند أهله فهو خارج عن محل البحث ، ولا ريب في بقائه على ملكه قطعاً.

نسب إلى المشهور بل ادعي عليه الإجماع أنّه لا يملك ، بل يخرج عن ملكه بمجرّد


1) الوسائل 13 : 11 / أبواب كفارات الصيد ب 2 ح 9. الفقيه 2 : 232 / 1110.

2) الفهرست : 44.

.................................................................................................


الإحرام ، وأنّه غير قابل للملك حدوثاً وبقاءً ، فالحكم المترتب على الصيد ليس مجرّد حكم تكليفي ، بل يترتب عليه حكم وضعي أيضاً.

وتظهر الثمرة كما في الجواهر (1)فيما إذا أخذ شخص آخر هذا الصيد ، فعلى القول بعدم الملكية لا ضمان عليه ، وعلى القول بالملكية يضمن.

واستدلّ على عدم الملكية بقوله تعالى ( وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً ) (2)بتقريب أنّ المراد بالصيد هو المصيد ، أي الحيوان الّذي يصاد ، وحرمة الذات تستدعي حرمة جميع ما يترتب عليه من الأكل والملكية.

وفيه أوّلاً : أنّك قد عرفت قريباً أنّ المراد بالصيد معناه المصدري وهو الاصطياد بقرينة قوله تعالى ( وَطَعامُهُ مَتاعاً لَكُمْ ) (3)لأنّ الصيد المذكور في جملة التحريم نفس الصيد المذكور في جملة التحليل ، فلو كان المراد بالصيد المصيد فلا فائدة لذكر قوله تعالى ( وَطَعامُهُ مَتاعاً لَكُمْ ) للزوم التكرار بلا وجه ، فقوله تعالى ( وَطَعامُهُ مَتاعاً لَكُمْ ) حكم آخر مترتب على المصيد البحري ، والتحليل حكم آخر مترتب على نفس الصيد بالمعنى المصدري ، فكذلك صيد البر حكم ثابت على نفس الاصطياد.

وثانياً : لو سلمنا أنّ المراد بالصيد هو المصيد ولكن ظاهر التحريم تحريم الآثار الظاهرة ، والأثر الظاهر من تحريم الصيد تحريم أكله ، كما في تحريم الأُمهات فإنّ الأثر الظاهر نكاحها ونحو ذلك ، فان تحريم كل ذات باعتبار الأثر الظاهر منه.

وثالثاً : ما ذكرناه في البحث عن أنّ النهي في المعاملات لا يدل على الفساد من أنّه لا ملازمة بين الحرمة والخروج عن الملك أو عدم الدخول في الملك ، فلنفرض أنّ المصيد بجميع خصوصياته محرم ولكن لا مانع من ملكيته كملكية الشي‌ء وقت النداء.


1) الجواهر 20 : 275.

2) المائدة 5 : 96.

3) المائدة 5 : 96.

.................................................................................................


وأمّا ما دلّ على الإرسال وحرمة الإمساك كما في النصوص (1)فلا يدل على زوال الملكية ، فإنّه يجوز البقاء على ملكه وإن وجب عليه إرساله وتخليته ، وحرم عليه إمساكه.

واستدلّ للمشهور أيضاً بخبر أبي سعيد المكاري عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «لا يحرم أحد ومعه شي‌ء من الصيد حتّى يخرجه عن ملكه ، فإن أدخله الحرم وجب عليه أن يخلّيه» (2).

وفيه : أنّ الخبر ضعيف سنداً بأبي سعيد المكاري فإنّه لم يوثق ، ودلالة لعدم دلالة الخبر على الخروج عن الملك بمجرد الإحرام الّذي هو محل الكلام ، وإنّما أمر بالإخراج عن الملك قبل الإحرام ليكون حال الإحرام ومن أوّل زمانه غير مسلط على الصيد ، وهذا من جهة حرمة الإمساك ووجوب الإرسال ، فإنّه من أوّل زمان الإحرام يحرم عليه الإمساك ، ولا يمكن التحرز عن هذا الحرام إلّا بإخراجه عن ملكه قبل الإحرام فموضوع حرمة الإمساك هو الإحرام ، وقد ذكرنا في المباحث الأُصولية أن تقدّم الموضوع على الحكم تقدّم رتبي ولكن بحسب الزمان فهما في زمان واحد ، ولذا يجب إرسال الصيد قبل الإحرام حتّى يكون أوّل زمان الإحرام غير ممسك للصيد ، فلا يكون الإحرام بنفسه أحد أسباب خروج الصيد عن الملك.

بل الخبر على الملكية أدل ، لأنّه لو فرضنا خروج الصيد عن الملك بمجرد الإحرام فلا حاجة إلى إخراجه عن الملك قبل إحرامه ، فالخبر يدل على الملكية ولكن يجب عليه الإرسال ، هذا كلّه بالنسبة إلى صيد المحرم.

وأمّا الصيد في الحرم ، فالمعروف بينهم أنّه لا يدخل في ملك المحل ولا المحرم واستدلّ على ذلك بالنصوص المانعة عن مسّ الطير أو الظبي إذا دخل الحرم


1) الوسائل 13 : 75 / أبواب كفارات الصيد ب 36.

2) الوسائل 13 : 74 / أبواب كفارات الصيد ب 34 ح 3 رواه إلى قوله : عن ملكه ، وروى ذيله في التهذيب 5 : 362 / 1257.

.................................................................................................


كصحيحة معاوية بن عمار «عن طير أهلي أقبل فدخل الحرم ، فقال : لا يمس لأنّ اللّه عزّ وجلّ يقول ( وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً ) (1)ونحوها صحيحة محمّد بن مسلم الواردة في الظبي (2).

ويرد ذلك بأنّ المس كناية عن إمساكه وأخذه وحبسه ونحو ذلك من أنحاء الاستيلاء عليه ، وأمّا مجرد الملكية فليس من أفعاله حتّى يمنع عنه.

تنبيه :

قد ذكرنا سابقاً أنّه لا كفّارة في قتل الثعلب لعدم الدليل عليه ، إلّا أن صاحب الوسائل روى عن الاحتجاج قصّة الإمام الجواد (عليه السلام) (3)مع يحيى بن أكثم واحتجاجه (عليه السلام) عليه في مجلس المأمون في مسألة قتل المحرم الصيد ، ولم يذكر في رواية الاحتجاج الثعلب ولا الأرنب ، ثمّ ذكر : ورواه في تحف العقول مرسلاً والمذكور فيه قتل الثعلب والأرنب ، ثمّ ذكر صاحب الوسائل : ورواه علي بن إبراهيم في تفسيره عن محمّد بن الحسن عن محمّد بن عون النصيبي عن أبي جعفر (عليه السلام) نحوه.

ولكن بعد ما راجعنا التفسير لم نجد فيه ذكر الثعلب بل اقتصر على الأرنب (4)فلا بدّ إمّا من اشتمال نسخة التفسير الموجودة عند صاحب الوسائل على ذكر الثعلب أو أن يكون المراد من قوله نحوه أي مثله في معظم الأشياء لا في جميع الخصوصيات المذكورة في الرواية ، على أنّه لو فرضنا ذكر الثعلب في رواية التفسير فالرواية ضعيفة بمحمّد بن الحسن (الحسين) بن سعيد الصائغ الّذي ضعفه النجاشي جدّاً (5)، فلا ينفع توثيق علي بن إبراهيم له ، هذا تمام الكلام في البدل الأوّل وهو الإطعام.


1) الوسائل 13 : 75 / أبواب كفارات الصيد ب 36 ح 1.

2) الوسائل 13 : 75 / أبواب كفارات الصيد ب 36 ح 2.

3) الوسائل 13 : 14 / أبواب كفارات الصيد ب 3 ح 1 و 2 ، الاحتجاج 2 : 472.

4) تفسير القمي 1 : 183.

5) رجال النجاشي : 337.

.................................................................................................


وأمّا البدل الثاني وهو الصوم فتنقيح البحث فيه يتم برسم أُمور :

الأوّل : لو عجز عن إطعام الستّين فهل يجب عليه صيام شهرين أو ثمانية عشر يوماً؟

الروايات في المقام مختلفة ، ففي بعض الصحاح ورد صيام شهرين كصحيحة أبي عبيدة لقوله : «صام لكل نصف صاع يوماً» (1)بناءً على إعطاء كل مسكين مدين ، وفي صحيحة ابن مسلم «فليصم بقدر ما بلغ لكل طعام مسكين يوماً» (2)والمفروض إطعام الستّين. وفي صحيح ابن جعفر صيام ثمانية عشر يوماً (3)، وكذلك في صحيح معاوية بن عمار (4)وصحيحة أبي بصير على طريق الصدوق (5).

المشهور بينهم أنّ الاختلاف في الروايات من جهة اختلاف مراتب التمكّن ، بمعنى أنّ الواجب أوّلاً صيام شهرين إن تمكن ، ولو عجز عن صوم الستّين صام ثمانية عشر يوماً ، كما في الشرائع (6)وغيره.

ولم يظهر الوجه في ذلك ، وتقييد الأوّل بالمتمكن والثاني بالعاجز تقييد تبرعي.

وذكر في الجواهر أنّ التقييد المزبور هو المتعين ، لأن حمل الشهرين على الفضل مجاز ، والتقييد أولى (7).

وفيه : ما ذكرناه في محلِّه من أنّ الوجوب والاستحباب خارجان عن المدلول اللفظي ، وإنّما يفهم الوجوب والاستحباب من الخارج من اقتران التكليف بالترخيص وعدمه (8).


1) الوسائل 13 : 8 / أبواب كفارات الصيد ب 2 ح 1.

2) الوسائل 13 : 11 / أبواب كفارات الصيد ب 2 ح 10.

3) الوسائل 13 : 10 / أبواب كفارات الصيد ب 2 ح 6.

4) الوسائل 13 : 13 / أبواب كفارات الصيد ب 2 ح 13.

5) الوسائل 13 : 12 / أبواب كفارات الصيد ب 2 ح 3 ، الفقيه 2 : 233 / 1112.

6) الشرائع 1 : 327.

7) الجواهر 20 : 202.

8) محاضرات في أُصول الفقه 2 : 131.

.................................................................................................


وما ذكره المحقق القمي وغيره من تقديم التقييد على المجاز فيما لو دار الأمر بينهما (1)، وكذا في غير هذا المورد ممّا يدور الأمر بين شيئين فما لا أساس له أصلاً ، بل المتبع هو الظهور.

ولو وصل الأمر إلى رفع اليد عن الظهور لا وجه للتقييد بالتمكن والعجز ، فليكن التقييد بأمر آخر كصغر النعامة وكبرها وبقتل الصيد في النهار أو في اللّيل ، لأنّ القتل في اللّيل أعظم.

فالصحيح ما ذهب إليه جماعة أُخرى من وجوب صيام ثمانية عشر يوماً ، لأن ما دلّ على صيام ثمانية عشر يوماً نص في الاجتزاء بذلك فيحمل ما دلّ على الأكثر على الفضل ، لأنّه ظاهر في وجوب ذلك ويرفع اليد عن ظهوره بصراحة الآخر كما هو الحال في جميع الموارد الدائرة بين الأقل والأكثر.

ولو فرضنا التعارض بين الطائفتين ، فالترجيح مع الطائفة الدالّة على الاجتزاء بثمانية عشر يوماً لموافقتها للكتاب ، بيان ذلك : أنّ المستفاد من الكتاب العزيز أنّ الواجب أوّلاً البدنة أو إطعام الستّين مسكيناً على ما شرحه وبينه في النصوص ، أو عدل ذلك صياماً أي عديل الإطعام وقرينه ، وقد علمنا أن عديل إطعام عشرة مساكين صيام ثلاثة أيّام كما في كفّارة اليمين المذكورة في الآية السابقة (2)فإذا كان عديل العشرة صيام ثلاثة أيّام فعديل الستّين ثمانية عشر يوماً ، وقد صرح بذلك في صحيحة معاوية بن عمار «فان لم يجد ما يشتري بدنة فأراد أن يتصدق فعليه أن يطعم ستّين مسكيناً كل مسكين مداً ، فان لم يقدر على ذلك صام مكان ذلك ثمانية عشر يوماً ، مكان كل عشرة مساكين ثلاثة أيّام ، ومن كان عليه شي‌ء من الصيد فداؤه بقرة فان لم يجد فليطعم ثلاثين مسكيناً ، فان لم يجد فليصم تسعة أيّام ، ومن كان عليه شاة فلم يجد فليطعم عشرة مساكين فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيّام» (3)فإنّه يظهر منها


1) القوانين 1 : 35 السطر 10.

2) المائدة 5 : 89.

3) الوسائل 13 : 13 / أبواب كفارات الصيد ب 2 ح 13.

.................................................................................................


بوضوح أن صيام ثلاثة أيّام يقوم مقام عشرة مساكين ، فعدل عشرة مساكين صيام ثلاثة أيّام فتكون عدل ستّين مسكين ثمانية عشرة يوماً.

لا يقال : إن عدل إطعام الستّين هو صيام شهرين كما في كفّارة الظهار.

فإنّه يقال : لا تقاس كفّارة الظهار بالمقام ، لأنّ الواجب أوّلاً في كفّارة الظهار صيام شهرين فمن لم يستطع فإطعام ستّين مسكيناً ، بخلاف المقام فإنّ الواجب أوّلاً الإطعام ثمّ الصيام.

الثاني : هل يجب التتابع في الصوم أم لا؟.

المشهور عدم وجوب التتابع لعدم الدليل ، والمنقول عن المفيد (1)والمرتضى (2)وسلّار (3)وجوب التتابع.

والصحيح ما ذهب إليه المشهور ، لعدم الدليل على التتابع بل يظهر من بعض الروايات المعتبرة عدم وجوب التتابع واختصاصه ببعض أقسام الصوم كصحيحة سليمان بن جعفر الجعفري عن أبي الحسن (عليه السلام) في حديث قال : «إنّما الصيام الّذي لا يفرق كفّارة الظهار وكفّارة الدم وكفّارة اليمين» (4)ولو ثبت التتابع في بعض الموارد غير الموارد الثلاثة يرفع اليد عن الحصر بالنسبة إليه خاصّة.

الثالث : اختلف الأصحاب في أن هذه الكفّارة مخيرة أو مرتبة ، ذهب الأكثر ومنهم المحقق في الشرائع إلى أنّها مرتبة (5)كما في الروايات ، وذهب العلّامة إلى أنّها مخيّرة (6)، ونقله عن الشيخ وابن إدريس ، وقواه صاحب الحدائق (7)، فيحمل الترتيب


1) المقنعة : 435.

2) جمل العلم والعمل : 71.

3) المراسم : 119.

4) الوسائل 10 : 383 / أبواب بقية الصوم الواجب ب 10 ح 2.

5) الشرائع 1 : 327.

6) المنتهي 2 : 820 س 35.

7) الحدائق 15 : 191.

.................................................................................................


على الأفضلية.

واستدلّوا أوّلاً بقوله تعالى ( أَوْ كَفّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ ، أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً ) (1)ويؤيده ما ورد في رواية حريز إن كل ما ورد في القرآن حرف أو يدل على التخيير ، قال (عليه السلام) «وكل شي‌ء في القرآن أو فصاحبه بالخيار يختار ما شاء» (2).

والظاهر أن ما ذهب إليه المشهور هو الصحيح.

وأمّا الآية الشريفة فدلالتها على التخيير بالإطلاق ويقيّد بالروايات الدالّة على الترتيب ، فلا منافاة بين الآية والروايات ، فإنّه لو فرضنا انضمام النصوص إلى الآية فيكون ذلك قرينة متّصلة على إرادة الترتيب ولا نرى منافاة بينهما ، ومع الانفصال تكون القرينة منفصلة فيرفع اليد عن الإطلاق ، غاية الأمر في الأوّل تكون القرينة رافعة للظهور وفي الثاني تكون القرينة رافعة للحجية.

وأمّا صحيح حريز فدلالته بالعموم ويخصص بمدلول هذه الروايات الدالّة على الترتيب.

بقي شي‌ء لا بدّ من التنبيه عليه : وهو أنّ المشهور بين الفقهاء كفاية مطلق البدنة لمطلق النعامة ، ولم يلاحظوا الصغر والكبر والذكورة والأُنوثة في المماثلة المأمور بها في الكتاب العزيز ، وكذلك بين بقرة الوحش والبقر والشاة والظبي ، وذكر بعضهم أن ملاحظة الذكورة والأُنوثة أحوط ، ولكن العلّامة اعتبر المماثلة بين الصيد وفدائه بالنسبة إلى الكبر والصغر والذكورة والأُنوثة (3)وفي الجواهر ولم نقف له على دليل سوى دعوى كونه المراد من المماثلة في الآية وهو كالاجتهاد في مقابلة النص لإطلاق الروايات المتقدِّمة (4).


1) المائدة 5 : 95.

2) الوسائل 13 : 165 / أبواب بقية كفارات الإحرام ب 14 ح 1.

3) التذكرة 7 : 425.

4) الجواهر 20 : 193.

.................................................................................................


والّذي يمكن أن يقال : إنّ المذكور في الآية الشريفة المماثلة ، لقوله تعالى ( فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ ) (1)وحينئذ فان كانت المماثلة تتحقق بمجرّد صدق البدنة على الجزاء مثلاً كما ذهب إليه المشهور فلا حاجة إلى حكم العدلين في مثلية الجزاء ، فان ذلك أمر واضح لكل أحد ، ولذا ذكروا أنّ القراءة «ذو عدل» مكان «ذوا عدل» والمراد بقوله تعالى ( ذَوا عَدْلٍ ) النبيّ والإمام (عليهما السلام) ورسم الألف في «ذوا عدل» من أخطاء الكتّاب ، ودلّت على ذلك عدّة من الروايات بعضها معتبرة (2)فالمراد بقوله تعالى ( يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ ) أن يحكم النبيّ (صلّى اللّه عليه وآله) والإمام (عليه السلام) بوجوب البدنة مثلاً للنعامة ، فإذا حكم به النبيّ أو الإمام فحسبك ولا يعتبر أزيد من ذلك ، فلا حاجة إلى حكم العدلين في مثلية الجزاء بلحاظ الصغر والكبر والأُنثى والذكر.

ولا يخفى ما فيه من الوهن والضعف :

أمّا أوّلاً : فلأن ما ذكروه مستلزم للتحريف وهو باطل جزماً ، ولا يمكن الالتزام به أبداً ، قال اللّه تعالى ( إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنّا لَهُ لَحافِظُونَ ) (3)وقال تعالى ( لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ ) (4)وقد بينا تفصيل ذلك في كتابنا البيان (5).

وثانياً : أنّ التعبير عن النبيّ والإمام (عليهما السلام) ب- «ذو عدل منكم» لا يناسب كلام اللّه تعالى ولا مقام النبيّ والإمام (عليه السلام) فان «منكم» ظاهر في أنّ العدلين من الأشخاص العاديين ، وهذا ممّا لا يمكن الالتزام به ولا يناسب هذا التعبير شأن النبيّ والإمام (عليه السلام).


1) المائدة 5 : 95.

2) تفسير البرهان 1 : 503.

3) الحجر 15 : 9.

4) فصّلت 41 : 42.

5) البيان : 207.

.................................................................................................


وثالثاً : لو سلمنا خطأ الكتّاب والغلط في الكتابة في رسم الألف في «ذوا عدل» فلما ذا حصل الغلط في القراءة فإن الغلط في الكتابة لا يستلزم الغلط في القراءة ، وقد كثر الغلط في الكتابة في القرآن العزيز حتّى أنّ النيشابوري في مقدمة تفسيره عدّ الأغلاط إلى خمسمائة (1)، ولكن القرّاء اهتمّوا بالقراءة الصحيحة ولم يقرءوا على نحو الكتابة بل قرؤوا بالقراءة الصحيحة وعلى النحو الّذي نزل به الكتاب ، ومن جملة الأغلاط في الكتابة ( يا وَيْلَتَنا ما لِهذَا الْكِتابِ ) (2)بانفصال اللام عن كلمة هذا ، مع أنّ اللام لام وصل تكتب متصلة بما دخلت عليه ، ونحو ذلك ( وَقالُوا ما لِهذَا الرَّسُولِ ) (3)وهكذا قوله تعالى ( وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْ‌ءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً ) (4)بتقديم الألف على الياء وغير ذلك من خطإ الكتابة ، ولكن القرّاء على كثرتهم واهتمامهم بشأن القرآن قرؤوا على ما نزل ولم يتبعوا الكتابة ، وقد قتل من القرّاء سبعون رجلاً في بئر معونة ، وأربعمائة نفر منهم في حرب اليمامة ولم يسمع من أحد منهم القراءة بإسقاط الألف ، فما ذكره العلّامة قريب لإطلاق الآية واعتبار المثلية في الجزاء ولا ينافيه إطلاق الروايات ، لأنّها ناظرة إلى مجرد المماثلة في الجنس لا إلى جميع الجهات.

فلا بدّ من رد علم تلك الروايات المشتملة على التحريف وخطأ الكتاب إلى أهلها.

ويرد أيضاً على ما ذكروه : أن كلمة الحكم لم يعهد استعمالها في بيان الحكم الشرعي ، بل المعهود استعمال كلمة (بيّن) أو (ذكر) أو (يقول) ونحو ذلك من التعابير ، وانّما الحكم يستعمل في تشخيص الصغرى كقولنا حكم الحاكم بأنّ الدار الفلاني لزيد ، وكذا يستعمل في بيان مورد الاختلاف ويستعمل في مقام القضاء وباب الخصومات قال تعالى ( وَقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْ‌ءٍ ) إلى أن قال تعالى - ( فَاللّهُ


1) تفسير غرائب القرآن 1 : 35.

2) الكهف 18 : 49.

3) الفرقان 25 : 7.

4) الكهف 18 : 23.

.................................................................................................


يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ) (1).

وقال تعالى ( إِذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قالُوا لا تَخَفْ خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنا ) (2)( فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها ) (3)وغير ذلك من الموارد.

وبالجملة : استعمال كلمة الحكم في قوله تعالى ( يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ ) في مجرّد بيان الحكم الشرعي الكلي الصادر من النبيّ أو الإمام (عليهما السلام) بعيد جدّاً ، بل المراد به حكم العدلين الخبيرين بالمماثلة بين الصيد وفدائه من حيث الكبر والصغر والذكورة والأُنوثة ، فان ذلك أمر قد يخفى على كثير من الناس ولذا نحتاج إلى حكم العدلين.

ثمّ إن ما ذكرناه في العجز عن البدنة وانتقال الجزاء إلى الإطعام ثمّ إلى الصيام يجري في كل مورد كان الجزاء البقرة والشاة ، لصحيح معاوية بن عمار «ومن كان عليه شي‌ء من الصيد فداؤه بقرة ، فان لم يجد فليطعم ثلاثين مسكيناً ...» (4)وأمّا صحيح علي بن جعفر وصحيح أبي بصير (5)فخاص بموردهما وهو من قتل البقرة ، ولا يشملان من كان عليه بقرة سواء قتل البقرة أم غيرها.

وبعبارة اخرى : مورد كلامنا بيان حكم من كان عليه من الجزاء بقرة أو شاة ، سواء كان المقتول والمجني عليه بقرة أو غيرهما ، وهذا الحكم الكلي العام يستفاد من صحيح معاوية بن عمار ، وأمّا صحيح علي بن جعفر وأبي بصير يختصان بمن قتل البقرة ولا يعمان من وجب عليه الفداء بالبقرة وإن قتل غير البقرة ، فلا يصح الاستدلال بهما للمقام.


1) البقرة 2 : 113.

2) ص 38 : 22.

3) النِّساء 4 : 35.

4) الوسائل 13 : 13 / أبواب كفارات الصيد ب 2 ح 13.

5) الوسائل 13 : 10 / أبواب كفارات الصيد ب 2 ح 6 ، 10.

.................................................................................................


نعم ، يعارض صحيح معاوية بن عمار بصحيح أبي عبيدة (1)من جهة أُخرى ، وهي أنّ الصحيحة الثانية ظاهرة في تقويم الجزاء وصرف قيمتها في إطعام المساكين ، ومقتضى إطلاقها صرف القيمة على المساكين وإن زاد عددهم على الستّين ، أو على الثلاثين.

ولكن قد عرفت أنّها محمولة على الأفضلية فيما إذا زادت القيمة على إطعام الستّين أو الثلاثين ، لأن صحيحة معاوية بن عمار نص في عدم وجوب الأزيد فيرفع اليد عن ظهور صحيحة أبي عبيدة.

مضافاً إلى أن صحيحة معاوية بن عمار في مقام التحديد بحد خاص ، بخلاف صحيحة أبي عبيدة الّتي ليست في مقام التحديد ، فلا بدّ من حملها على الأفضلية ونحو ذلك.

وأمّا الاجتزاء بالأقل فيما إذا لم تف القيمة لإطعام الستّين أو الثلاثين فقد عرفت أن هذا ممّا لا يمكن تحققه عادة ، فإن قيمة البدنة أو البقرة تفي لإطعام الستّين قطعاً.

وبالجملة : يتعيّن العمل بصحيحة معاوية بن عمار ولا يمكن الالتزام بالاجتزاء بالأقل ولا الحكم بوجوب الأكثر ، لأن ذلك خلاف التحديد الوارد في الصحيحة.

ولا يخفى أن ما ذكرناه في جزاء النعامة من التخيير بين أفراد الجزاء والتتابع في الصوم يجري في جزاء البقرة والظبي لوحدة الملاك.

يبقى شي‌ء : وهو أن صحيح معاوية بن عمار الّذي دلّ على الجزاء بالبدنة وبالبقرة وبالشاة وببدلها إذا عجز عنها ، إنّما هو فيما إذا كان الجزاء متعيناً بالبدنة أو بالبقرة أو بالشاة ، وأمّا إذا كان الجزاء مخيراً بين البدنة والبقرة فلم يتعرض إليه النص ، فهل البدل بعد العجز عنهما إطعام الستّين أو إطعام الثلاثين؟ وبعبارة اخرى : هل يلاحظ في البدلية البدنة أو البقرة؟

لا ريب أنّ الفداء لو كان مخيراً بين البدنة والبقرة كما في حمار الوحش للجمع بين


1) الوسائل 13 : 8 / أبواب كفارات الصيد ب 2 ح 1.

كفارة قتل الحمامة

اشارة

مسألة 209 : إذا قتل المحرم حمامة ونحوها في خارج الحرم فعليه شاة ، وفي فرخها حَمَل أو جدي ، وفي كسر بيضها درهم على الأحوط (1).


النصين (1)بعد القطع بعدم وجوب كليهما فالواجب عليه بعد العجز عنهما لا ينقص عن الثلاثين ، ولا يزيد على الستّين فالجزاء إمّا خصوص الستّين أو الثلاثين ، فالمورد من دوران الأمر بين الأقل والأكثر ، ويكون الواجب هو الأقل ، وينفى الزائد بالأصل.

هذا مضافاً إلى النص ، وهو صحيح أبي بصير الدال على أن جزاء قتل الحمار الوحشي بعد العجز عن البقرة إطعام الثلاثين (2).

نعم ، هو مطلق من حيث العجز عن البدنة وعدمه ، ولكنّه يقيد بما إذا عجز عن البدنة أيضاً ، لأنّ البدنة أحد عدلي الواجب التخييري ، ومقتضى القاعدة أنّ الأمر لا ينتقل إلى البدل إلّا إذا عجز عن كلا العدلين للواجب.

(1) لا خلاف في أنّ الواجب على المحرم شاة إذا قتل الحمامة في خارج الحرم ، وتدل عليه روايات عديدة :

منها : صحيحة حريز عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «المحرم إذا أصاب حمامة ففيها شاة» (3).

ومنها : صحيحة ابن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه قال : «في محرم ذبح طيراً أن عليه دم شاة يهريقه» (4).

ومقتضى إطلاقهما عدم الفرق بين الطير الأهلي وغيره ، بل في بعض الروايات وقع


1) الوسائل 13 : 5 / أبواب كفارات الصيد ب 1.

2) الوسائل 13 : 12 / أبواب كفارات الصيد ب 2 ح 12.

3) الوسائل 13 : 22 / أبواب كفارات الصيد ب 9 ح 1.

4) الوسائل 13 : 23 / أبواب كفارات الصيد ب 9 ح 6.

.................................................................................................


التصريح بالأهلي كما في صحيحة ابن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «سمعته يقول في حمام مكّة الطير الأهلي من غير حمام الحرم ، من ذبح طيراً منه وهو غير محرم فعليه أن يتصدق بصدقة أفضل من ثمنه ، فان كان محرماً فشاة عن كل طير» (1)فإذا لم يجز للمحل في الحرم لا يجوز للمحرم في الحل ، فان ما جاز للمحل في الحرم يجوز للمحرم سواء كان في الحل أو الحرم ، وأمّا ما لا يجوز للمحل في الحرم لا يجوز للمحرم ولو كان في الحل.

وبالجملة : لا فرق بين كون الحمام أهلياً مملوكاً أو غير مملوك كحمام الحرم.

وفي قتل فراخها حَمَل أو جدي (2)كما في صحيحة حريز المتقدِّمة (3)«وإن قتل فراخها ففيه حمل» وفي صحيحة ابن سنان «فان كان فرخاً فجدي أو حمل صغير من الضأن» (4).

وفي صحيح الحلبي قال «حرك الغلام مكتلاً فكسر بيضتين في الحرم فسألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) فقال : جديين أو حملين» (5)ومورده كسر البيض ولكن الكسر أعم ممّا فيه الفرخ أم لا ، فيحمل على ما فيه الفرخ ، فيستفاد منه التخيير بين الحمل والجدي ، وأمّا إذا لم يكن فيه الفرخ بل كسر البيض المجرّد ففيه درهم.

وبالجملة : المستفاد من النصوص أنّ الفرخ سواء كان خارجاً من البيضة أو داخلاً في البيض فيه الجدي أو الحمل ، ولا ريب في صدق الفرخ على الخارج من البيضة وعلى الداخل في البيض إذا كان له استقرار وحياة.


1) الوسائل 13 : 23 / أبواب كفارات الصيد ب 9 ح 5.

2) الحمل بفتحتين ولد الضأن في السنة الأُولى ، أو الخروف إذا بلغ ستّة أشهر [مجمع البحرين 5 : 357] والجدي من أولاد المعز ما بلغ ستة أشهر [مجمع البحرين 1 : 81].

3) في الصفحة السابقة.

4) المتقدِّمة في الصفحة السابقة.

5) الوسائل 13 : 59 / أبواب كفارات الصيد ب 26 ح 1 ، 2 ، مسائل علي بن جعفر : 151 / 198 ، التهذيب 5 : 358 / 1244.

.................................................................................................


نعم ، هنا شي‌ء وهو أنّ المذكور في كتاب علي بن جعفر وفيما رواه الشيخ عن موسى بن القاسم عن علي بن جعفر وجوب الشاة في قتل الفراخ الموجود في البيض (1)فلا بدّ من الالتزام بأحد أمرين : إمّا التخيير بين الشاة وبين الحمل والجدي وإمّا حمل الشاة على الحمل بدعوى إرادة الجنس من الشاة ، للقطع بعدم زيادة الفرخ الموجود في البيض على الفرخ الخارج عن البيض.

وأمّا كسر البيض ففيه درهم لصحيح حريز المتقدِّم «وإن وطئ البيض فعليه درهم» ولكن في رواية الشيخ عن ابن جعفر «تصدق بقيمته ورقاً يشتري به علفاً يطرحه لحمام الحرم» (2)والموجود في كتاب علي بن جعفر «يتصدّق بثمنه درهماً أو شبهه ، أو يشتري به علفاً لحمام الحرم» (3)إلّا أنّه لا منافاة بينهما ، لأنّ الشيخ روى أحد عدلي الواجب والجمع يقتضي التخيير بين مضمون رواية الشيخ ومضمون كتاب علي بن جعفر.

وفي صحيحة سليمان بن خالد «ولكل فرخ حملاً وإن لم يكن تحرك فدرهم ، وللبيض نصف درهم» (4)ومقتضى الجمع بينها وبين ما تقدّم من الروايات أنّ البيض الّذي فيه نصف درهم هو البيض المجرد الّذي ليس فيه فرخ أصلاً ، ولم يتعرض الفقهاء لذلك ، ولذا ذكرنا في المناسك أنّ الحكم بوجوب الدرهم على الأحوط.

ثمّ إن هنا رواية تدل على كفاية نصف درهم للبيض إذا كسره المحرم ، وهي ما رواه الشيخ في التهذيب عن موسى عن يونس بن يعقوب عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «وإن كان أغلق عليها بعد ما أحرم إلى أن قال وللبيض نصف درهم» (5)


1) الوسائل 13 : 59 / أبواب كفارات الصيد ب 26 ح 1 ، 2 ، مسائل علي بن جعفر : 151 / 198 ، التهذيب 5 : 358 / 1244.

2) الوسائل 13 : 59 / أبواب كفارات الصيد ب 26 ح 1 ، التهذيب 5 : 358 / 1244.

3) الوسائل العنوان المتقدِّم أعلاه.

4) الوسائل 13 : 25 / أبواب كفارات الصيد ب 9 ح 11.

5) الوسائل 13 : 42 / أبواب كفارات الصيد ب 16 ح 3 ، التهذيب 5 : 350 / 1216.

وإذا قتلها المحل في الحرم فعليه درهم ، وفي فرخها نصف درهم ، وفي بيضها ربعه. وإذا قتلها المحرم في الحرم فعليه الجمع بين الكفارتين ، وكذلك في قتل الفرخ وكسر البيض ، وحكم البيض إذا تحرك فيه الفرخ حكم الفرخ (1).


والدلالة واضحة ولكن الكلام في السند ، فان موسى الّذي توسط بين موسى بن القاسم ويونس بن يعقوب لم يعلم من هو ، فان موسى بن القاسم يروي عن يونس ابن يعقوب كثيراً بلا واسطة ، وإن كان ربما يروي عنه مع الواسطة ولكن موسى الّذي توسط بينهما رجل مجهول ، وليس في هذه الطبقة رجل يسمّى بموسى يروي عن يونس بن يعقوب ، ويروي عنه موسى بن القاسم ، ولذا احتمل بعضهم أنّه محسن بدل موسى ، كما جاء في بعض الروايات (1)فلم يبق في البين إلّا احتمال كونه موسى بن محمّد العجلي لأنّه من طبقة يونس بن يعقوب ، ولكنّه بعيد أيضاً ، لأن موسى العجلي وإن كان يروي عن يونس ، ولكن لا يروي عنه موسى بن القاسم إلّا أن من المطمأن به أنّه محسن كما ضبطه في الوافي (2)، وبقرينة سائر الروايات ، لأن موسى بن القاسم يروي عن محسن كثيراً.

وكيف كان فإثبات موسى إمّا سهو من قلمه الشريف ، أو أنّه تحريف في الكتابة ، فصحّة السند غير ثابتة ، والعمدة ما تقدّم كما عرفت.

(1) إذا قتل المحل في الحل الحمامة فلا إشكال أصلاً ، وأمّا إذا قتلها في الحرم فعليه الفداء ، وتدل على ذلك عدّة من الروايات ، منها : رواية موسى بن القاسم المتقدِّمة (3)الدالّة على التفصيل بين قتلها قبل الإحرام في الحرم وبعد الإحرام ، ولكن قد عرفت أنّها ضعيفة السند فلا بأس باعتبارها مؤيدة.

أمّا الروايات المعتبرة في قتل الحمامة فكثيرة دلّت على أنّ الفداء قيمتها وهي


1) الوسائل 13 : 38 / أبواب كفارات الصيد ب 14 ح 4.

2) الوافي 12 : 114.

3) في ص 329.

.................................................................................................


درهم ، منها : صحيحة صفوان وغيرها من النصوص الّتي بينت المراد من القيمة وعينتها بدرهم (1).

وأمّا فداء الفراخ فنصف درهم على المشهور ، ويدلُّ عليه صحيح عبد الرّحمن بن الحجاج «في فرخين مسرولين ذبحهما بمكّة وهو محل ، فقال : تصدق بثمنهما ، فقلت : فكم ثمنهما فقال : درهم خير من ثمنهما» (2)فإذا ثبت الدرهم في فرخين ففي كل فرخ نصفه.

وأمّا بيضها فلم نجد فيه رواية صريحة تدل على أنّ الفداء ربع درهم ، ويكفينا صحيح حفص بن البختري عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «في الحمام درهم وفي الفرخ نصف درهم وفي البيضة ربع درهم» (3)وبمضمونه رواية عبد الرّحمن بن الحجاج (4)ولا بدّ من حملهما على المحل ، لما عرفت من أنّ المحرم عليه شاة إذا قتل الحمامة وفي الفرخ عليه حمل أو جدي ، فموردهما المحل جزماً وإن لم يصرح بالمحل فيهما.

ولو كان محرماً وقتل شيئاً من ذلك في الحرم اجتمع عليه الفداءان وفاقاً للمشهور ، لأنّه هتك حرمة الحرم والإحرام وخالف الأمرين ، فقاعدة تعدد المسبب بتعدد السبب تقتضي الجمع بين الكفارتين.

مضافاً إلى ما في الروايات المصرحة بالجمع بين الفداءين (5)وهكذا الحال في قتل الفرخ لعين ما تقدّم ، نعم ما دلّ عليه من النص (6)ضعيف بالبطائني.

وممّا ذكرنا تعرف الحال في كسر البيض ، مضافاً إلى ما ورد في بعض الروايات المعتبرة من الجمع بين الجزاءين للمحرم إذا أكل من بيض حمام الحرم من جهة أكله وأخذه قال (عليه السلام) «عليه لكل بيضة دم ، وعليه ثمنها سدس أو ربع درهم»


1) الوسائل 13 : 25 / أبواب كفارات الصيد ب 10.

2) الوسائل 13 : 27 / أبواب كفارات الصيد ب 10 ح 7.

3) الوسائل 13 : 26 / أبواب كفارات الصيد ب 10 ح 5.

4) الوسائل 13 : 26 / أبواب كفارات الصيد ب 10 ح 1.

5) الوسائل 13 : 28 / أبواب كفارات الصيد ب 11.

6) الوسائل 13 : 30 / أبواب كفارات الصيد ب 11 ح 5.

مسألة 210 : في قتل القطاة والحجل والدراج ونظيرها حَمَل قد فطم من اللبن وأكل من الشجر ، وفي العصفور والقبرة والصعوة مد من الطعام على المشهور ، والأحوط فيها حمل فطيم (1).


والوهم من صالح أي صالح بن عقبة الّذي روى هذه الرواية (1)فيستفاد من هذه الرواية المعتبرة تكرر الكفّارة بتكرر السبب.

(1) لا خلاف بين الأصحاب في ثبوت الحمل في قتل كل واحد من القطاة والحجل والدراج ، وفي خصوص القطاة دلّ عليه صحيح سليمان بن خالد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «وجدنا في كتاب علي (عليه السلام) في القطاة إذا أصابها المحرم حمل قد فطم من اللبن وأكل من الشجر» (2).

واستدلّ صاحب الجواهر (3)على ثبوت الحكم في جميع المذكورات بصحيح سليمان ابن خالد بعد عدم القول بالفصل بين القطاة وبين البقية ، وأيده بخبر المفضل بن صالح (4)ولكنّه ضعيف جدّاً بمفضل بن صالح ابن أبي جميلة (5).

واستدلّ أيضاً بخبر آخر لسليمان بن خالد عن أبي جعفر (عليه السلام) قال «في كتاب أمير المؤمنين علي (عليه السلام) من أصاب قطاة أو حجلة أو دراجة أو نظيرهنّ فعليه دم» (6).

وهذه الرواية تدل بالصراحة على عدم اختصاص الفداء بالقطاة ولا بأس بالاستدلال بها.


1) الوسائل 13 : 26 / أبواب كفارات الصيد ب 10 ح 4.

2) الوسائل 13 : 18 / أبواب كفارات الصيد ب 5 ح 1.

3) الجواهر 20 : 242.

4) الوسائل 13 : 19 / أبواب كفارات الصيد ب 5 ح 3.

5) والصحيح أبو جميلة لا ابن أبي جميلة.

6) الوسائل 13 : 18 / أبواب كفارات الصيد ب 5 ح 2.

وفي قتل جرادة واحدة تمرة وفي أكثر من واحدة كف من الطعام ، وفي الكثير شاة (1).


هذا مع قطع النظر عن التسالم ، ورجال الرواية كلهم ثقات ولكن وقع الكلام في محمّد بن عبد الحميد فإنّه لم يوثق في الرجال والتوثيق الوارد عن النجاشي (1)راجع إلى أبيه عبد الحميد لا إلى محمّد نفسه ولكنّه ثقة ، لأنّه من رجال كامل الزيارات.

وفي كل واحد من العصفور والقبّرة والصعوة مدّ من الطعام على المشهور ، لعدّة روايات عن صفوان (2)كلّها ضعيفة بالإرسال ، ولكن في الجواهر أنّها منجبرة بالشهرة ، بل ذكر اعتبار نفسها فلا حاجة إلى الانجبار ، لأن مراسيل صفوان وابن أبي عمير والبزنطي وأمثالهم معتبرة كالمسانيد ، لأنّهم من أصحاب الإجماع وأنّهم لا يروون إلّا عن الثقات (3).

وقد ذكرنا غير مرّة أنّ الانجبار لم يثبت ولا أثر لعمل المشهور ، وأمّا حجية مراسيلهم فغير ثابتة عندنا ، فإنّهم يروون عن الضعفاء أيضاً ، حتّى أنّ الشيخ لم يعمل بروايات ابن أبي عمير وصرح بأنّها مرسلة.

وقد نسب إلى الصدوقين وجوب الفداء بشاة (4)، وهو الأحوط بعد إرادة الحمل من الدم ، فان كلمة «ونظيرهن» الواردة في صحيح سليمان بن خالد المتقدِّم يشمل الأصغر حجماً قطعاً كالعصفور والقبرة ، ولا نحتمل زيادة العصفور على الدراج ونحوه فلا بدّ من الالتزام بأن عليه حمل فطيم ، فالمراد بأن عليه دم هو الحمل.

(1) في قتل الجرادة ثلاثة أقوال : قول بأنّ الجزاء تمرة واحدة. وقول بأنّه كف من طعام كما عن المحقق (5)وغيره. وذهب ثالث إلى التخيير بينهما.


1) رجال النجاشي : 339.

2) الوسائل 13 : 20 / أبواب كفارات الصيد ب 7 ح 1 ، 2.

3) الجواهر 20 : 244.

4) المختلف 4 : 126 ، المقنع : 250.

5) الشرائع 1 : 332.

.................................................................................................


أمّا الروايات الواردة في المقام فهي على طوائف :

منها : ما دلّ على أنّ الجزاء تمرة واحدة ، كصحيح معاوية بن عمار في حديث قال «قلت : ما تقول في رجل قتل جرادة وهو محرم؟ قال : تمرة خير من جرادة» (1)وفي صحيح زرارة «في محرم قتل جرادة قال : يطعم تمرة ، وتمرة خير من جرادة» (2)وكذا في مرسل حريز (3).

ومنها : ما دلّ على أنّه كف من طعام كما في رواية الكليني عن محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : «سألته عن محرم قتل جرادة ، قال : كف من طعام» (4)ولكنّها ضعيفة سنداً لوجود سهل بن زياد فيه ، فتوصيفها بالصحّة كما في الحدائق (5)سهو.

ومنها : أن عليه الدم كما في رواية عروة الحناط «في رجل أصاب جرادة فأكلها ، قال : عليه دم» (6)وهي مخدوشة سنداً بعروة الحناط وبصالح بن عقبة على مسلك المشهور لتضعيفهم له تبعاً للغضائري ، ولكنّه عندنا ثقة إذ لا عبرة بالكتاب المنسوب إلى الغضائري فيكفينا في الحكم بوثاقته أنّه من رجال كامل الزيارات وتفسير القمي. ودلالة لأن موردها القتل والأكل جميعاً ، فما ذهب إليه المحقق (7)لا مستند له. ومع الإغماض عن السند كان القول بالتخيير جمعاً بين هذه الرواية وصحيحة زرارة هو المتعين ، لا تعيين الكف من الطعام.

فتحصل : أن في قتل جرادة واحدة تمرة واحدة كما في صحيح زرارة ومعاوية بن


1) الوسائل 13 : 76 / أبواب كفارات الصيد ب 37 ح 1.

2) الوسائل 13 : 77 / أبواب كفارات الصيد ب 37 ح 1.

3) الوسائل 13 : 78 / أبواب كفارات الصيد ب 37 ح 7.

4) الكافي 4 : 393 / 3 ، الوسائل 13 : 78 / أبواب كفارات الصيد ب 37 ح 6.

5) الحدائق 15 : 245.

6) الوسائل 13 : 77 / أبواب كفارات الصيد ب 37 ح 5.

7) تقدّم في الصفحة السابقة.

.................................................................................................


عمار المتقدمين.

وأمّا لو قتل الأكثر من واحدة فعليه كف واحد من الطعام ، لما رواه الشيخ بسند صحيح في التهذيب عن محمّد بن مسلم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «سألته عن محرم قتل جراداً كثيراً ، قال : كف من طعام ، وإن كان أكثر فعليه شاة» (1)ورواها في الاستبصار قال : «سألته عن محرم قتل جراداً ، قال : كف من طعام وإن كان أكثر فعليه دم شاة» (2).

فرواية التهذيب مشتملة على كلمة «كثير» في الجملة الأُولى وكلمة «أكثر» في الجملة الثانية ، وأمّا الاستبصار فاقتصر على كلمة «أكثر» في الجملة الثانية.

وأمّا صاحب الوسائل فقد ذكر الرواية أوّلاً كما في التهذيب ثمّ ذكر وبهذا الاسناد مثله إلّا أنّه قال : قتل جراداً كثيراً (3)، فيعلم من ذلك أن كلمة «كثيراً» لم تكن موجودة في الأوّل ، إذ لو كانت ثابتة في الإسناد الأوّل لما كان هناك سبب لذكر الاسناد مرّة أُخرى إذ لا اختلاف على هذا ، فمن ذكره الاسناد الثاني يعلم أن كلمة «كثيراً» لم تكن موجودة في الأوّل فهو سهو من الناسخ أو من الطبع.

فالغرض من ذكر السندين أن صاحب الوسائل يريد أن يبين أنّ الرواية رويت على نحوين رواها الشيخ تارة مع كلمة «كثيراً» وأُخرى بدونها.

وفي المختلف رواها على نحو ما في الاستبصار بالاقتصار على ذكر الكلمة في الجملة الثانية ، ولكن اختلف بإبدال كلمة «أكثر» إلى «كثيراً» وقال : «وإن كان كثيراً فعليه دم شاة» (4).

والصحيح ما في الاستبصار وكلمة «كثيراً» في الجملة الأُولى كما في التهذيب غلط


1) التهذيب 5 : 364 / 1267.

2) الاستبصار 2 : 208 / 708.

3) الوسائل 13 : 77 / أبواب كفارات الصيد ب 37 ح 3.

4) المختلف 4 : 128.

.................................................................................................


كما جزم به في الحدائق ، وذكر أن قوله : «جراداً كثيراً» في الخبر وقع سهواً من قلم الشيخ ، وإنّما السؤال عن جرادة واحدة وكم له (رضوان اللّه تعالى عليه) مثل ذلك في الأسانيد والمتون ، وإلّا فلو كانت كلمة «كثيراً» ثابتة فالخبر المذكور لا يخلو من تناف ، انتهى (1).

وبالجملة فالصحيح ما في الاستبصار لا ما في التهذيب ، والوجه في ذلك : أنّ الكثرة والقلّة والأكثر قد تكون ملحوظة بالنسبة إلى الموجود الخارجي المحدّد كالدراهم فيقال : هذه الدراهم بالإضافة إلى دراهم أُخر أكثر وذاك كثير بالإضافة إلى هذا وهذا قليل بالنسبة إلى ذاك وهكذا ، فالأكثر بإزائه الكثير فهو أزيد عدداً وأفراداً من الكثير ، وأمّا الكثير إذا أُطلق ولم يكن في قبال الأكثر فبإزائه القليل النادر فيكون الكثير أوسع شمولاً من قولنا الأكثر ، فإذا قيل هذا كثير وذاك أكثر ينطبق عنوان الأكثر على كل واحد من الأعداد الكثيرة ، لأنّها أزيد ممّا قبله فلا ينضبط ، فإذا قلنا إن قتل جراداً كثيراً ففيه طعام وإن قتل أكثر ففيه شاة ، قد ينطبق عنوان الأكثر على الأزيد من عشرين مثلاً وعلى الأزيد من ثلاثين وعلى الأزيد من عشرة وهكذا ، ولذا ذكر في الحدائق أن معنى الخبر على نسخة التهذيب لا يخلو من تناف ، فلنفرض أنّه قتل ثلاثين ففيه طعام وإذا قتل أكثر من ثلاثين ففيه شاة ، وكذا لو قتل عشرين ففيه طعام لصدق الكثير على عشرين ، وإذا قتل أكثر من عشرين ولو بواحدة ففيه شاة فالشاة قد ثبتت في قتل الأزيد من عشرين وثبتت في قتل الأزيد من ثلاثين ، وهذا ممّا لا معنى له.

وقد يكون الملحوظ هو الجنس أي جنس الجرادة فلا معنى للأكثر ، إذ لا شي‌ء من الأعداد فرض هنا ليقال إن هذا أكثر منه ، فما في التهذيب غلط ، بل الصحيح ما في الاستبصار ، ومعنى الخبر المذكور في الاستبصار أنّه لو قتل جراداً ففيه طعام ، وهذا مطلق من حيث إنّه قتل واحدة أو أكثر من الواحدة ، ويقيد بما دلّ على أن في قتل


1) الحدائق 15 : 246.

مسألة 211 : في قتل اليربوع والقنفذ والضب وما أشبهها جدي. وفي قتل العظاية كف من الطعام (1).

مسألة 212 : في قتل الزنبور متعمداً إطعام شي‌ء من الطعام ، وإذا كان القتل دفعاً لايذائه فلا شي‌ء عليه (2).


جرادة واحدة تمرة واحدة فيبقى الأكثر من واحدة تحت إطلاق ما دلّ على كف من طعام ، وأمّا إذا قتل كثيراً وأزيد من الاثنين أو الثلاثة فعليه شاة ، فالطعام ثابت لغير الواحدة لإطلاق الصدر ، والتمرة الواحدة للجرادة الواحدة لتقييد الصدر برواية أُخرى دلّت على أنّ التمرة الواحدة للجرادة الواحدة ، وأمّا إذا قتل جراداً كثيراً ففيه شاة فالأكثر يحمل على الكثير ، ولذا ذكرنا أن ما في المختلف من إسقاط كلمة «أكثر» بالمرّة وضبط كلمة «كثيراً» هو الأولى والأصح ، فمن جميع ما ذكرنا ظهر صحّة ما في المتن.

(1) ثبوت الجدي في قتل كل من اليربوع والقنفذ والضب هو المشهور بين الأصحاب ، ويدلُّ عليه صحيح مسمع عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «في اليربوع والقنفذ والضب إذا أصابه المحرم فعليه جدي والجدي خير منه ، وإنّما جعل هذا لكي ينكل عن فعل غيره من الصيد» (1)والتعليل بقوله : «وإنّما جعل هذا لكي ينكل عن فعل غيره من الصيد» كصيد النعامة والظبي ، يكشف عن أنّ الحكم لا يختص بالمذكورات بل يعم أشباهها من الحيوانات.

وفي قتل العظاية كف من الطعام ، يدل عليه صحيح معاوية بن عمار قال : «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : محرم قتل عظاية ، قال : كف من طعام» (2).

(2) يدل عليه صحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «سألته عن محرم قتل زنبوراً ، قال : إن كان خطأ فليس عليه شي‌ء ، قلت : لا بل متعمداً


1) الوسائل 13 : 19 / أبواب كفارات الصيد ب 6 ح 1.

2) الوسائل 13 : 20 / أبواب كفارات الصيد ب 7 ح 3.

مسألة 213 : يجب على المحرم أن ينحرف عن الجادة إذا كان فيها الجراد ، فان لم يتمكّن فلا بأس بقتلها (1).

مسألة 214 : لو اشترك جماعة محرمون في قتل صيد فعلى كل واحد منهم كفّارة مستقلّة (2).

مسألة 215 : كفّارة أكل الصيد ككفارة الصيد نفسه ، فلو صاده المحرم وأكله فعليه كفّارتان (3).


قال : يطعم شيئاً من طعام ، قلت إنّه أرادني قال : إن أرادك فاقتله» (1)فليس الزنبور نحو النعامة وسائر أنواع الصيد الّتي تثبت الكفّارة حتّى في حال الخطأ ، بل في الزنبور تثبت الكفّارة في خصوص العمد لا الخطأ.

(1) كما في صحيح حريز عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «على المحرم أن يتنكب الجراد إذا كان على طريقه ، فان لم يجد بداً فقتل فلا بأس (فلا شي‌ء عليه)» (2).

(2) للنصوص (3)وسيأتي التفصيل (4).

(3) أمّا الأكل من الصيد فلا ينبغي الإشكال في حرمته كما عرفت فيما تقدّم من المسائل من تحريم الصيد للنصوص المعتبرة الخاصّة (5).

مضافاً إلى أنّه يستفاد الحكم بحرمته من نفس الآية الشريفة لقوله تعالى ( وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً ) (6)فإنّ المراد به بقرينة ما سبق من حلية صيد البحر وأكله وأن طعامه متاعاً حرمة ما كان حلالاً ، وأن ما كان ثابتاً في صيد


1) الوسائل 13 : 21 / أبواب كفارات الصيد ب 8 ح 1.

2) الوسائل 13 : 78 / أبواب كفارات الصيد ب 38 ح 1.

3) الوسائل 13 : 44 / أبواب كفارات الصيد ب 18.

4) في ص 345.

5) الوسائل 12 : 418 / أبواب تروك الإحرام ب 2.

6) المائدة 5 : 96.

.................................................................................................


البحر من جواز نفس الاصطياد وحلية أكله غير ثابت في صيد البر ، فنفس ما حل في صدر الآية بالإضافة إلى صيد البحر حرم في الذيل بالنسبة إلى صيد البر.

وأيضاً يستفاد من النصوص الدالّة على جواز الأكل من الصيد عند الاضطرار ، ودوران الأمر بين الأكل من الصيد والأكل من الميتة ، إذ لو كان الأكل جائزاً لم يكن وجه لتجويز الأكل في خصوص حال الاضطرار ، وإن كانت الروايات (1)مختلفة من حيث تقديم الميتة على الصيد أو العكس ، وقد رجحنا سابقاً (2)ما دلّ على تقديم الأكل على الصيد.

وكذا لا إشكال في ثبوت الكفّارة على الأكل ، فلو فرضنا أنّ الصائد محل أو محرم وأكله المحرم فالفداء على الآكل.

فيقع البحث في أُمور :

الأوّل : فيما إذا أكل الصائد المحرم صيده فهل تتعدد الكفّارة أو تتداخل؟.

مقتضى القاعدة تعدّد الكفّارة ، واحدة للقتل وأُخرى للأكل ، لتعدد المسبب بتعدد السبب ، ولا موجب للتداخل والاكتفاء بكفارة واحدة إلّا إذا قام دليل خاص على التداخل.

إلّا أنّ المحقق الأردبيلي وتلميذه سيِّد المدارك (3)ذهبا إلى وحدة الكفّارة وتداخلها إن لم يكن إجماع على الخلاف ، واستدلّا بصحيحة أبان قال : «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن قوم حجاج محرمين أصابوا فراخ نعام فذبحوها وأكلوها ، فقال : عليهم مكان كل فرخ أصابوه وأكلوه بدنة يشتركون فيهنّ ، فيشترون على عدد الفراخ وعدد الرجال» (4)والرواية بهذا النص واضحة الدلالة على الاكتفاء بالبدنة لمن ذبحها وأكلها. ويقع الكلام في الرواية من حيث السند والدلالة.


1) الوسائل 13 : 84 / أبواب كفارات الصيد ب 43.

2) في ص 282.

3) مجمع الفائدة والبرهان 6 : 394 ، المدارك 8 : 356.

4) الوسائل 13 : 45 / أبواب كفارات الصيد ب 18 ح 4.

.................................................................................................


أمّا السند فالظاهر أنّه ممّا لا بأس به ورجاله ثقات ، واللؤلؤي الواقع في السند هو الحسن بن الحسين اللؤلؤي بقرينة رواية موسى بن القاسم عنه كثيراً وروايته عن الحسن بن محبوب ، فقد وثقه النجاشي (1)، ولكنّه معارض بتضعيف ابن الوليد له ، وتبعه تلميذه الصدوق وأبو العباس بن نوح (2)، فالرواية بهذا الاسناد ضعيفة ، والعبرة بطريق الصدوق (3)إلى علي بن رئاب الّذي روى عن أبان ، فإن طريقه إليه صحيح وليس فيه اللؤلؤي فالرواية تكون صحيحة.

إلّا أنّ الدلالة مخدوشة ، إذ لو كانت الرواية مثل ما ذكره الشيخ في التهذيب (4)ونقل عنه في الوسائل فالاستدلال بها له وجه ، وإن كان مخدوشاً أيضاً على ما سنبين إن شاء اللّه تعالى قريباً ، ولكن الصدوق في الفقيه ذكرها بدون كلمة «فذبحوها» بل على النحو الآتي «في قوم حجاج محرمين أصابوا أفراخ نعام فأكلوا جميعاً ، قال : عليهم مكان كل فرخ» إلى آخر الحديث ، فيسقط الاستدلال بها لوحدة الكفّارة إذا تعددت أسبابها ، لعدم ذكر الموجب الآخر وهو الذبح في الرواية ، فالفداء بالبدنة كفّارة للأكل فقط ، لا للذبح وللأكل جميعاً ، فلا دليل على الاكتفاء بكفارة واحدة.

الثاني : كفّارة أكل الصيد ككفارة نفس الحيوان المصيد ، فالمحرم إذا أكل من النعامة كفارته بدنة ، أو أنّ الكفّارة قيمة الحيوان المصيد؟ وربما زادت القيمة على الفداء أو ساوت أو نقصت ، قولان :

نسب الأوّل إلى الشيخ (5)وإلى جمع من الأصحاب ، والثاني : قول الشيخ في الخلاف (6)والمحقق (7)والعلّامة (8)في بعض كتبه.


1) رجال النجاشي : 40 / 83.

2) رجال النجاشي : 348.

3) الفقيه 2 : 236 / 1123.

4) التهذيب 5 : 353 / 11.

5) المبسوط 1 : 342.

6) الخلاف 2 : 405.

7) الشرائع 1 : 333.

8) القواعد 1 : 462.

.................................................................................................


واستدلّ للقول الثاني بروايات ثلاث :

الأُولى : صحيحة منصور بن حازم قال : «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) اهدي لنا طير مذبوح بمكّة فأكله أهلنا ، فقال : لا يرى به أهل مكّة بأساً ، قلت : فأيّ شي‌ء تقول أنت؟ قال : عليهم ثمنه» (1).

ولكنّها أجنبية عن المسألة رأساً ، لأنّها واردة في أهل مكّة ، والظاهر أنّهم مُحلّين وكلامنا في المحرم ، ولو كانت مطلقة من هذه الجهة تحمل على المحِلّ بقرينة سائر الروايات.

الثانية : صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «إذا اجتمع قوم على صيد وهم محرمون في صيده أو أكلوا منه فعلى كل واحد منهم قيمته» (2).

الثالثة : صحيحة أُخرى لمعاوية بن عمار في حديث قال : «وأيّ قوم اجتمعوا على صيد فأكلوا منه فان على كل إنسان منهم قيمته ، فان اجتمعوا في صيد فعليهم مثل ذلك» (3).

ولا يتم الاستدلال بهما ، لأنّهما دلّتا على أن كفّارة القتل وكفّارة الأكل هي القيمة وهذا ممّا لا يمكن الالتزام به ، إذ لا إشكال في أن كفّارة القتل ليست هي القيمة قطعاً بل هي أُمور معيّنة مذكورة في النصوص كالبدنة فإنّها كفّارة لقتل النعامة والشاة كفّارة لقتل الظبي والبقرة لقتل بقر الوحش ، واحتمال أنّ الاشتراك في قتل الصيد يوجب كون الكفّارة هي القيمة ، ينافي الروايات الكثيرة الدالّة على أنّ الاشتراك في حكم الاستقلال ، وأنّه يجب على كل واحد من المشتركين ما يجب عليه عند الاستقلال.

مضافاً إلى أنّ التسالم بين الأصحاب على ثبوت الكفّارات الخاصّة على كل واحد منهم في مورد الاشتراك كما هي الثابت في مورد الاستقلال.

وبالجملة : لا يمكن الالتزام بمضمون الصحيحتين ، فلا بدّ من حملهما على أنّ المراد


1) الوسائل 13 : 25 / أبواب كفارات الصيد ب 10 ح 2.

2) الوسائل 13 : 44 / أبواب كفارات الصيد ب 18 ح 1.

3) الوسائل 13 : 44 / أبواب كفارات الصيد ب 18 ح 3.

.................................................................................................


بالقيمة هو الفداء المعيّن للصيد لا الثمن كما صنعه في الجواهر (1)أو بحملهما على الموارد الّتي تكون القيمة فداؤه كما في بعض موارد الصيد غير المنصوص عليها ، فان كثيراً من الحيوانات تصاد ولا نص فيها ، وكفارتها قيمتها كالإبل والوعل واليحمور (2)فإنّها تصاد ولا نص فيها بالنسبة إلى نوع الكفّارة فيرجع إلى القيمة ، فيكون الصحيحان خارجين عن محل الكلام ، لأنّ الكلام في الحيوان الّذي له فداء مخصوص وأكل منه المحرم ، وأمّا الّذي ليس له فداء مخصوص فعلى الآكل قيمته ، ولعل هذا الحمل أقرب ممّا حمله في الجواهر.

ومن الغريب ما عن الحدائق من احتمال حمل الفداء على القيمة (3)عكس ما حمله في الجواهر.

وترده الروايات الكثيرة الدالّة على لزوم الفداء لا القيمة في مورد الاجتماع.

ويدل على كلام المشهور وأن فداء الأكل كفداء الصيد نفسه صحيح علي بن جعفر «عن قوم اشتروا ظبياً فأكلوا منه جميعاً وهم حرم ما عليهم؟ قال : على كل من أكل منهم فداء صيد ، كل إنسان منهم على حدته فداء صيد كاملاً» (4).

ويدل عليه أيضاً النصوص الكثيرة الواردة في باب الاضطرار إلى أكل الميتة وأكل الصيد ، فإنّهم (عليهم السلام) حكموا بأكل الصيد ولكن يفدي ، فإنّ الظاهر من قوله «يفدي» أن كفّارة الأكل هي كفّارة الصيد (5).

الثالث : في بيان عدّة من الروايات الّتي دلّت على أن كفّارة الأكل من الحيوان المصيد هي الشاة ، سواء كان الحيوان المأكول ممّا فيه شاة أم لا ، فإذا كان الصائد قد أكل منه أيضاً يجب عليه كفارتان كفّارة الأخذ والصيد وكفّارة الأكل وهي شاة ،


1) الجواهر 20 : 258.

2) أصناف من التيس الجبلي أي المعز.

3) الحدائق 15 : 278.

4) الوسائل 13 : 44 / أبواب كفارات الصيد ب 18 ح 2.

5) الوسائل 13 : 84 / أبواب كفارات الصيد ب 43.

.................................................................................................


فليس عليه قيمة الحيوان ولا مثل الصيد.

منها : موثقة الحارث بن المغيرة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «سئل عن رجل أكل من بيض حمام الحرم وهو محرم؟ قال : عليه لكل بيضة دم وعليه ثمنها سدس أو ربع درهم ، الوهم من صالح الواقع في السند ثمّ قال : إنّ الدماء لزمته لأكله وهو محرم ، وإنّ الجزاء لزمه لأخذه بيض حمام الحرم» (1).

والرواية على مسلك المشهور ضعيفة سنداً ، لأن صالح بن عقبة الواقع في السند لم يوثق في كتب الرجال ، ولكنّه موثق عندنا لوروده في أسانيد كامل الزيارات وتفسير القمي ، ولذا لا مانع من العمل بالرواية في خصوص موردها وهو أكل المحرم بيض حمام الحرم ، ونلتزم بوجوب الشاة وقيمة البيض عليه ولا نتعدى عن موردها.

ومنها : صحيحة زرارة قال : «سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول : من نتف إبطه وقلّم ظفره إلى أن قال أو أكل طعاماً لا ينبغي له أكله وهو محرم ... ومن فعله متعمداً فعليه دم شاة» (2).

وهذه الرواية واضحة الدلالة على أن من أكل شيئاً من المحرمات والصيد عليه شاة من دون خصوصية بحمام الحرم. ورواه الكليني أيضاً نحوه (3).

ومنها : معتبرة أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «سألته عن قوم محرمين اشتروا صيداً فاشتركوا فيه ، فقالت رفيقة لهم : اجعلوا لي فيه بدرهم ، فجعلوا لها ، فقال : على كل إنسان منهم شاة» (4)بعد حملها على الأكل ، لأن مجرد الشراء لا كفّارة فيه. ورواه الكليني بسند ضعيف نحوه إلّا أنّه قال : «على كل إنسان منهم فداء» (5).


1) الوسائل 13 : 26 / أبواب كفارات الصيد ب 10 ح 4.

2) الوسائل 13 : 157 / أبواب بقية كفارات الإحرام ب 8 ح 8.

3) الوسائل 13 : 159 / أبواب بقية كفارات الإحرام ب 10 ح 1 ، الكافي 4 : 361 / 8.

4) الوسائل 13 : 45 / أبواب كفارات الصيد ب 18 ح 5.

5) الكافي 4 : 392 / 4.

.................................................................................................


ومنها : معتبرة يوسف الطاطري قال «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : صيد أكله قوم محرمون ، قال : عليهم شاة وليس على الّذي ذبحه إلّا شاة» كذا في نسخة الوسائل (1)وفي الفقيه والتهذيب قال : «عليهم شاة» (2)بتكرر لفظ الشاة ، وكذا في الوافي (3)، وأمّا يوسف الطاطري وإن لم يوثق في الرجال بل عدّه المفيد من المجهولين (4)، ولكن الشيخ ذكر في العدّة أنّ الأصحاب عملوا بأخبار الطاطريين فيما إذا لم يكن له معارض من طرق أصحابنا ، وذكر أنّ الوجه في ذلك إنّما هو الوثاقة والتحرز عن الكذب وإن لم يكن الراوي صحيح الاعتقاد (5).

هذه هي الروايات الّتي دلّت على أن كفّارة الأكل هي الشاة مطلقاً ، ولكن جمعاً بينها وبين صحيح علي بن جعفر المتقدِّم الدال على أن كفّارة الأكل هو الفداء ، تحمل هذه الروايات على أنّ المأكول ممّا فيه شاة كالحمام والظبي ونحوهما مما تعارف أكله ويدلُّ على ما ذكرناه أيضاً صحيحة أبان المتقدِّم المفروض فيه أكل الفراخ للنعامة وأنّ الواجب فيه بدنة ، فهي معاضدة لصحيح ابن جعفر.

فتحصل : أن مقتضى الجمع بين الروايات ثبوت الشاة للأكل إذا كان المأكول ممّا فيه الشاة كالظبي والحمام ، وما فيه البدنة ففيه بدنة وما فيه القيمة ففيه القيمة ، نعم خصوص أكل بيض حمام الحرم يوجب الشاة وإن لم يكن في البيض شاة في نفسه للنص المتقدِّم (6).

الأمر الرابع : ويتضمّن حكم الاشتراك في الأكل والاشتراك في الصيد والرمي فقد تسالم الأصحاب على أن حكم الاشتراك في الأكل والاشتراك في الصيد حكم


1) الوسائل 13 : 47 / أبواب كفارات الصيد ب 18 ح 8.

2) الفقيه 2 : 235 / 1122 ، التهذيب 5 : 352 / 1225.

3) الوافي 13 : 736.

4) الاختصاص : 196.

5) عدّة الأُصول 1 : 56.

6) في ص 331.

.................................................................................................


الانفراد ، فيجب على كل واحد منهم أو منهما ما وجب عليه عند الانفراد والاستقلال.

أمّا بالنسبة إلى الأكل فالأمر واضح ولا حاجة إلى دليل خاص ، بل يكفي في ثبوت الكفّارة على كل واحد من المشتركين نفس ما دلّ على الكفّارة في الأكل ، وذلك لصدور الأكل من كل واحد منهم مستقلا وإن اجتمعوا عليه ، وهو غير قابل لاستناده إلى المتعدد ، غاية الأمر يضم بعض أفراد الأكل الصادر من شخص إلى الأكل الصادر من شخص آخر ، وليس من الأفعال الّتي يمكن استناده إلى شخصين وصدوره منهما ، فكل من الشخصين أو الأشخاص موضوع مستقلا لما دلّ على ثبوت الكفّارة للأكل.

هذا مضافاً إلى الأدلّة الخاصّة ، منها : صحيح ابن رئاب المتقدِّم (1)الدال على ثبوت الكفّارة لكل من أكل كالمنفرد ، وفي صحيح ابن جعفر قال : «على كل من أكل منهم فداء صيد ، كل إنسان منهم على حدته فداء صيد كاملاً» (2)وكذا في صحيحة معاوية ابن عمار وموثقته (3).

نعم ، القتل فعل يمكن صدوره من المتعدد ، فلو لم يكن دليل على ثبوت الكفّارة على كل واحد من المشتركين مستقلا لأشكل ثبوت الكفّارة على كل واحد منهم على نحو الاستقلال ، لعدم صدور القتل الواحد منهم على حدة ، بل القتل صدر من المجموع واستند إليهم على نحو الاشتراك لا الاستقلال ، ولذا سألوا عن الأئمة (عليهم السلام) عن ثبوت الكفّارة عليهم والسؤال في محلِّه ، حيث إنّهم اشتركوا في الفعل الواحد ، فطبعاً تكون الكفّارة الثابتة فيه موزعة عليهم ، لعدم تعدد القتل الصادر منهم ، وإنّما القتل استند إليهم جميعاً ، فلا موجب في نفسه لتعدد الكفّارة ، إلّا أنّ الدليل الخاص دلّ على تعدد الكفّارة وثبوتها على كل واحد منهم مستقلا كصحيح معاوية بن عمار «إذا اجتمع قوم على صيد وهم محرمون في صيده أو أكلوا منه فعلى كل واحد منهم قيمته» (4)


1) في ص 339 وهي صحيحة أبان.

2) الوسائل 13 : 44 / أبواب كفارات الصيد ب 18 ح 2.

3) الوسائل 13 : 44 / أبواب كفارات الصيد ب 19 ح 1 ، 3.

4) الوسائل 13 : 44 / أبواب كفارات الصيد ب 18 ح 1.

مسألة 216 : من كان معه صيد ودخل الحرم يجب عليه إرساله ، فان لم يرسله حتّى مات لزمه الفداء ، بل الحكم كذلك بعد إحرامه وإن لم يدخل الحرم على الأحوط (1).


ونحوه موثقة معاوية بن عمار المتقدِّمة (1)، ونحوهما ما ورد فيما إذا أوقد جماعة محرمون ناراً بقصد الصيد فوقع فيها طائر فمات ، لزم كل واحد منهم فداءً بدم شاة كما في صحيحة أبي ولاد الحناط (2).

وفي صحيح زرارة : «في محرمين أصابا صيداً ، فقال : على كل واحد منهما الفداء» (3).

(1) يقع الكلام في موردين :

أحدهما : ما إذا كان معه صيد ودخل الحرم.

ثانيهما : ما إذا أخذ الصيد معه بعد الإحرام وإن لم يدخل الحرم.

أمّا الأوّل : فقد تسالموا على أنّ الحيوان الّذي يدخل الحرم كالظبي والطير يكون آمناً لا يجوز لأحد أخذه وإمساكه ، لقوله تعالى ( وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً ) (4)لشموله للحيوانات أيضاً حسب الروايات المفسرة له ، وعدم قصر ذلك على الإنسان.

وأمّا إذا أدخل الصيد في الحرم يجب على من أدخله إطلاقه وإرساله ، لأنّ الحرم مأمن له ، فإن أرسله فمات فليس على الّذي أدخله أو صاده شي‌ء ، وإن مات عنده قبل الإرسال ولو لآفة سماوية يكون ضامناً ، ويدلُّ عليه بعد التسالم معتبرة بكير بن أعين قال : «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل أصاب ظبياً فأدخله الحرم فمات الظبي في الحرم ، فقال : إن كان حين أدخله خلى سبيله فلا شي‌ء عليه ، وإن كان


1) في الصفحة السابقة.

2) الوسائل 13 : 480 / أبواب كفارات الصيد ب 19 ح 1.

3) الوسائل 13 : 48 / أبواب كفارات الصيد ب 18 ح 7.

4) آل عمران 3 : 97.

.................................................................................................


أمسكه حتّى مات فعليه الفداء» (1).

ويؤيده ما رواه الكليني في الضعيف بسهل بن زياد في من أصاب طيراً (2)، ولا ريب أنّ الحكم لا يختص بالظبي إذ لا نحتمل كون الحرم مأمناً لخصوص الظبي ، فلا فرق بين الظبي والطير ونحوهما.

وأمّا السند فلا ريب في اعتباره ، فان بكير بن أعين وإن لم يرد فيه توثيق بالصراحة في كتب الرجال ، ولكنّه مدح مدحاً بليغاً فوق حد الوثاقة في روايات معتبرة فلا حاجة إلى التوثيق ، فقد روي في حقّه أنّه لما بلغ الصادق (عليه السلام) موت بكير بن أعين قال : أما واللّه ، لقد أنزله اللّه بين رسوله وأمير المؤمنين (صلوات اللّه عليهما) (3)فلا مجال للتشكيك في السند.

ثمّ إن هذا الحكم لا يختص بالمحرم ، بل لو أدخل المحل الصيد في الحرم ولو كان طيراً أهلياً يجب عليه إرساله وإطلاقه ، لأنّ الحرم مأمن ، والرواية لم ترد في خصوص المحرم ، بل موردها أعم من المحل والمحرم ، لأن موردها السؤال عن رجل وهو مطلق.

واستدلّ صاحب الجواهر بذيل خبر أبي سعيد المكاري (4)أيضاً «فإن أدخله الحرم وجب عليه أن يخليه ، فان لم يفعل حتّى يدخل الحرم ومات لزمه الفداء» (5).

وفيه : أنّه ضعيف سنداً. على أن في هذا الذيل كلام لم يعلم أنّه من الرواية ، بل الظاهر أنّه من كلام الشيخ ، فانّ الشيخ يضيف إلى عبارة المقنعة عبارات من نفسه ثمّ يشرحها بالروايات كما اقتصر في الوسائل إلى قوله : «حتّى يخرجه عن ملكه» ولم يذكر الذيل ، وكذا في الوافي (6)مع أنّه ملتزم بذكر الرواية بتمامها وملتزم بعدم التقطيع


1) الوسائل 13 : 75 / أبواب كفارات الصيد ب 36 ح 3.

2) الوسائل 13 : 76 / أبواب كفارات الصيد ب 36 ، الكافي 4 : 234 / 11.

3) الفقيه 4 (المشيخة) : 33.

4) الجواهر 20 : 331.

5) الوسائل 13 : 74 / أبواب كفارات الصيد ب 34 ح 3.

6) الوافي 13 : 720.

.................................................................................................


راجع التهذيب (1)، وفي الحدائق ذكر قطعة من الذيل بعد قوله : «حتّى يخرجه من ملكه» «فإن أدخله الحرم وجب عليه أن يخليه» ولم يذكر فان لم يفعل حتّى إلى آخره (2)والمدارك ذكر الذيل بعنوان الرواية (3).

المورد الثاني : وهو ما إذا كان محرماً ولم يدخل الحرم ، فلا ريب في وجوب إرسال الصيد عليه وحرمة الإمساك عليه ، لما تقدّم (4)من حرمة الإمساك ووجوب الإرسال على المحرم وإن لم يدخل الحرم للنصوص.

إنّما الكلام فيما إذا لم يرسله ومات عنده حتف أنفه فهل يجب عليه الفداء أيضاً أم لا؟

المعروف والمشهور وجوب الفداء ، وعدم الفرق بين ما إذا كان في الحرم أو في خارجه في حال الإحرام ، فكان ذلك من آثار الإحرام ، بل ادعي عليه الإجماع ، ولذا احتاط شيخنا الأُستاذ في مناسكه في لزوم الفداء بل قواه (5).

والظاهر أنّه (قدس سره) اعتمد على الإجماع المدعى في المقام ، وإلّا فلا نص في هذا المورد يستفاد منه الإطلاق والتعميم.

واستدلّ صاحب الجواهر مضافاً إلى الإجماع باليد فإنّه بعد ما وجب عليه الإرسال وبعد الحكم بخروج الصيد عن ملكه ، يكون وضع اليد على الصيد حراماً ، فتكون يده يداً عدوانيا كاليد الغاصبة ، فإذا تلف قبل الإرسال ولو بحتف أنفه يكون ضامناً (6).

وفيه أوّلاً : أنّه قد عرفت في محلِّه أنّه لا دليل على خروج الصيد عن ملكه ، بل يستفاد من بعض الروايات أنّه ماله وباق على ملكه ، كالروايات الواردة في الاضطرار


1) التهذيب 5 : 362 / 1257.

2) الحدائق 15 : 171.

3) لاحظ المدارك 8 : 384.

4) في شرح العروة 28 : 278.

5) دليل الناسك : 194.

6) الجواهر 5 : 274.

مسألة 217 : لا فرق في وجوب الكفّارة في قتل الصيد وأكله بين العمد والسهو والجهل (1).


إلى أكل الميتة أو أكل الصيد ، حيث أمروا (عليهم السلام) بتقديم الأكل من الصيد معللين بأنّه ماله.

وثانياً : أنّه لو سلّمنا خروج الصيد عن ملك المحرم وحرمة وضع يده عليه ، إلّا أنّ الضمان في اليد العادية إنّما يتحقق فيما إذا كان المأخوذ ملكاً لأحد ، وفي المقام ليس الصيد ملكاً لأحد وإنّما هو من المباحات الأصلية ، غاية الأمر لا يجوز للمحرم التصرف فيه ويجب عليه إرساله وإخراجه عن الملك ، ويحرم عليه إمساكه.

وبعبارة اخرى : الضمان إنّما يثبت في الأموال المغصوبة ، لا في كل مورد تكون اليد يداً عداونيا غير مشروعة ، فليس في البين إلّا الإجماع وهو غير حاصل ، لعدم تعرض كثير من الأصحاب لهذه المسألة ، وإنّما هو حكاية إجماع من العلّامة في المنتهي (1).

بل عبارة المقنعة المتقدِّمة يظهر منها عدم الفداء قبل الدخول في الحرم ، واختصاص لزوم الفداء بما إذا دخل الحرم لقوله : «فإن أدخله الحرم وجب عليه أن يخليه ، فان لم يفعل حتّى يدخل الحرم ومات لزمه الفداء» فالحكم مبني على الاحتياط.

(1) لا يخفى أن ثبوت الكفّارة حتّى في صورة الجهل والنسيان مختص بالصيد ، وإلّا فبقية التروك والمحرّمات لا توجب الكفّارة في صورة الجهل والخطأ والنسيان ، للأدلّة العامّة والخاصّة (2).

وأمّا الصيد فيترتب عليه الفداء حتّى في صورة الخطأ فحاله حال القتل الخطأي في ترتب الكفّارة والفداء والنصوص في ذلك مستفيضة.


1) المنتهي 2 : 830 السطر 17.

2) منها الروايات الواردة في الجماع المرويّة في الوسائل 13 : 108 / أبواب كفّارات الاستمتاع ب 2.

مسألة 218 : تتكرر الكفّارة بتكرر الصيد جهلاً أو نسياناً أو خطأ ، وكذلك في العمد إذا كان الصيد من المحل في الحرم ، أو من المحرم مع تعدد الإحرام ، وأمّا إذا تكرّر الصيد عمداً من المحرم في إحرام واحد لم تتعدّد الكفّارة (1).


ففي صحيحة معاوية بن عمار «لا تأكل من الصيد وأنت حرام وإن كان أصابه محل وليس عليك فداء ما أتيته بجهالة إلّا الصيد ، فان عليك فيه الفداء بجهل كان أو بعمد» (1).

وفي معتبرة أُخرى : «عن المحرم يصيب الصيد بجهالة ، قال : عليه كفّارة ، قلت : فإن أصابه خطأ؟ قال : وأيّ شي‌ء الخطأ عندك؟ قلت : ترمي هذه النخلة فتصيب نخلة أُخرى ، فقال : نعم ، هذا الخطأ وعليه الكفّارة (2).

وفي صحيحة أُخرى لمعاوية بن عمار «واعلم أنّه ليس عليك فداء شي‌ء أتيته وأنت محرم جاهلاً به إذا كنت محرماً في حجك أو عمرتك ، إلّا الصيد فان عليك الفداء بجهالة كان أو عمد» (3)وغير ذلك من النصوص ، فالمتعمد عليه الإثم والكفّارة والخاطئ عليه الكفّارة دون الإثم ، فليس هما على حد سواء.

(1) لو تكرّر الصيد عمداً ذهب الأكثر إلى وجوب الكفّارة بالصيد الأوّل فقط وعدم تكرّرها ، وذهب قليل من الأصحاب إلى تكرر الكفّارة بتكرّر الصيد ، والصحيح هو الأوّل بيان ذلك : أنّ الروايات الواردة في المقام على طوائف :

الأُولى : ما دلّ على ثبوت الكفّارة على الإطلاق كصحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «في المحرم يصيب الصيد ، قال : عليه الكفّارة في كل ما أصاب» (4)و «ما» في قوله «كل ما أصاب» مصدرية أي : كلّ ما تحقق الإصابة ففيه الكفّارة. وبعبارة اخرى : تدل الصحيحة على ثبوت الكفّارة في كل إصابة.

واحتمل بعضهم أن «ما» موصولة ، أي كل فرد من أفراد الصيد الّذي لا كلام في


1) الوسائل 13 : 69 / أبواب كفارات الصيد ب 31 ح 1.

2) الوسائل 13 : 69 / أبواب كفارات الصيد ب 31 ح 2.

3) الوسائل 13 : 70 / أبواب كفارات الصيد ب 31 ح 4.

4) الوسائل 13 : 92 / أبواب كفارات الصيد ب 47 ح 1.

.................................................................................................


ثبوت الكفّارة فيه ، فلا دلالة له على ثبوت الكفّارة في الوجود الثاني وفي تكرر الإصابة ، ولكنّه ضعيف جدّاً وخلاف للظاهر.

وفي صحيحة أُخرى له «محرم أصاب صيداً ، قال : عليه الكفّارة ، قلت : فان هو عاد؟ قال : عليه كلّ ما عاد كفّارة» (1).

والمستفاد من هذه الطائفة وجوب الكفّارة مطلقاً ، سواء كانت الإصابة خطأ أو عمداً ، وسواء كانت متعددة أم لا.

الطائفة الثانية : ما دلّ على عدم تكرر الكفّارة في الإصابة الثانية مطلقاً ، سواء كان الصيد الأوّل وقع عمداً أم خطأ كصحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «المحرم إذا قتل الصيد فعليه جزاؤه ويتصدّق بالصيد على مسكين ، فان عاد فقتل صيداً آخر لم يكن عليه جزاؤه وينتقم اللّه منه ، والنقمة في الآخرة» (2)والمراد من المسكين الّذي يتصدق عليه هو المحل ، وأمّا المحرم فلا يجوز له أكله.

وفي صحيح ابن سنان عن حفص الأعور عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «إذا أصاب المحرم الصيد فقولوا له : هل أصبت صيداً قبل هذا وأنت محرم؟ فان قال : نعم فقولوا له : إن اللّه منتقم منك فاحذر النقمة ، فإن قال : لا ، فاحكموا عليه جزاء ذلك الصيد» (3).

وفي صحيحة أُخرى للحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : «في محرم أصاب صيداً قال : عليه الكفّارة ، قلت : فإن أصاب آخر؟ قال : إذا أصاب آخر فليس عليه كفّارة وهو ممّن قال اللّه عزّ وجلّ ( وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللّهُ مِنْهُ ) » (4).

الطائفة الثالثة : مراسيل ابن أبي عمير الدالّة على الفرق بين العمد والخطأ ، فتكون وجه جمع بين الطائفتين ، وشاهدة جمع بينهما ، ففي إحدى مراسيله قال : «إذا


1) الوسائل 13 : 93 / أبواب كفارات الصيد ب 47 ح 3.

2) الوسائل 13 : 93 / أبواب كفارات الصيد ب 48 ح 1.

3) الوسائل 13 : 94 / أبواب كفارات الصيد ب 48 ح 3.

4) الوسائل 13 : 94 / أبواب كفارات الصيد ب 48 ح 4.

.................................................................................................


أصاب المحرم الصيد خطأ فعليه أبداً في كل ما أصاب الكفّارة» (1).

وفي مرسلة أخرى له : «إذا أصاب المحرم الصيد خطأً فعليه كفّارة ، فإن أصابه ثانية خطأً فعليه الكفّارة أبداً إذا كان خطأً ، فإن أصابه متعمِّداً كان عليه الكفّارة ، فإن أصابه ثانية متعمِّداً فهو ممّن ينتقم اللّه منه ، والنقمة في الآخرة ، ولم يكن عليه الكفّارة» (2).

ولا يخفى إن قلنا بحجية مراسيل ابن أبي عمير فالأمر سهل ، لأنّ المراسيل تكون وجه جمع بين أخبار المسألة بها ، ويرتفع التعارض ويثبت قول المشهور ، ولكن حيث لا نرى حجية مراسيل ابن أبي عمير فالتعارض باق على حاله ، فالعبرة بالطائفتين المتقدمتين فلا بدّ من علاج آخر لرفع التعارض بينهما فنقول :

إن رواية معاوية بن عمار الدالّة على تعدد الكفّارة وتكررها بتكرر الصيد مطلقة من حيث العمد والخطأ ، وما دلّ على عدم التعدد كصحيحتي الحلبي خاص بالعمد ، لأن مورده الانتقام والانتقام لا يكون إلّا في العمد ، وأمّا في مورد الخطأ والنسيان فلا موجب للانتقام ، فمورد الصحيحتين الدالّتين على عدم تعدد الكفّارة إنّما هو خصوص الصيد العمدي.

هذا بالنسبة إلى الصيد الثاني الصادر منه ، وأمّا بالنسبة إلى الوجود الأوّل والصيد الصادر منه أوّلاً فالرواية مطلقة من حيث العمد والخطأ لقوله (عليه السلام) : «في محرم أصاب صيداً».

وبعبارة اخرى : صدر صحيحتي الحلبي مطلق من حيث العمد والخطأ ، فالاصابة الاولى بمقتضى إطلاق الصدر توجب الكفّارة ، سواء كانت عن عمد أو خطأ ، وأمّا الإصابة الثانية تحمل على خصوص العمد بقرينة الانتقام منه ، فانّ الانتقام لا يحسن إلّا إذا كان الفعل صادراً عن عمد كما تقدّم.

وبتقريب آخر : مقتضى إطلاق صدر صحيحتي الحلبي عدم تكرر الكفّارة حتّى إذا كانت الإصابة الاولى خطيئة والإصابة الثانية عمدية وأنّه لا تجب إلّا كفّارة واحدة


1) الوسائل 13 : 93 / أبواب كفارات الصيد ب 47 ح 2.

2) الوسائل 13 : 94 / أبواب كفارات الصيد ب 48 ح 2.

.................................................................................................


حتّى في هذه الصورة وهي ما لو سبقها صيد ، مع أنّ المشهور لم يلتزموا بذلك ، لأنّهم استثنوا من ثبوت الكفّارة لكل إصابة ما إذا كان الأوّل والثاني كلاهما عمدياً ، وأمّا إذا كان الأوّل خطأ ، والثاني عمدياً فلا يقولون بعدم التكرر ، وإطلاق الصحيحتين يقتضي عدم التكرّر حتّى في هذه الصورة.

ومع ذلك لا بدّ لنا من حملهما على العمد في الإصابة الاولى والثانية ، لأن هذه الروايات تفسير للآية الشريفة وهي قوله تعالى ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً ) إلى قوله تعالى ( وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللّهُ مِنْهُ ) (1)وناظرة إليها ، والظاهر من الآية الكريمة أنّها في مقام بيان حكم العامد ، فالروايات صدراً وذيلاً تبيّن حكم العمد ، فهي منطبقة على مذهب المشهور.

ويمكن أن يقال : إن كلمة «عاد» المذكورة في الصحيح تدل على أن كلّا من الفعلين عمدي ، لأنّ العود والإعادة إيجاد للوجود الثاني على سنخ الوجود الأوّل وإلّا لم يصدق العود ، فلا بدّ من أن يكون الفعل الأوّل عمدياً أيضاً حتّى يصدق على الفعل الثاني أنّه إعادة للأوّل.

ولو أغمضنا عن ذلك فنقول : إن مقتضى إطلاق صحيحتي الحلبي عدم ثبوت الكفّارة للوجود الثاني حتّى إذا كان الأوّل خطأ ، ومقتضى إطلاق صحيح معاوية بن عمار الّتي ذكرناها في الطائفة الأُولى ثبوت الكفّارة حتّى في الفعل الثاني ، ولكن صحيحتي الحلبي ناظرتان إلى الآية المباركة ، فالعمد مفروض في الفعل الأوّل والثاني ، وتخرج هذه الصورة من إطلاق صحيح معاوية بن عمار ، فتنقلب النسبة من العام والخاص إلى العموم من وجه ، وذلك لأن كلّا من الفعلين إذا كان عمدياً خرج من صحيح معاوية بن عمار ، وإذا كان كل منهما خطأ يخرج من صحيح الحلبي ، فيبقى ما إذا كان الأوّل خطأ والثاني عمداً وهو مورد الاجتماع ، لأن مقتضى رواية معاوية بن عمار ثبوت الكفّارة ومقتضى صحيح الحلبي عدم الكفّارة فيسقطان معاً ، والمرجع حينئذ عموم ما دلّ على ثبوت الكفّارة مطلقاً كما تقتضيه القاعدة من تعدد المسبب


1) المائدة 5 : 95.

.................................................................................................


بتعدّد السبب ، وإلّا فأصالة البراءة عن الزائد ، لأنّ المقام من دوران الأمر بين الأقل والأكثر.

ومع قطع النظر عن ذلك أيضاً يمكن أن يقال : إن ذكر العمد في صدر الآية توطئة لقوله تعالى ( وَمَنْ عادَ ) وإلّا لكان ذكر العمد لغواً ، ولم يظهر وجه للتقييد بالعمد بعد ثبوت الكفّارة لكل صيد على إطلاقه ، فالآية تدل على نفي الكفّارة في الثاني فيما إذا كان الأوّل عمدياً أيضاً ، ولا ينافي ذلك ثبوت الكفّارة للوجود الثاني أيضاً إذا كان الأوّل خطأ والثاني عمدياً ، فإذن تكون النتيجة صحّة ما ذهب إليه المشهور.

والمتحصل ممّا ذكرنا : أنّ الصيد كل ما تكرر تكررت الكفّارة ، سواء كان عن عمد أو خطأ ، لمقتضى القاعدة ، لتعدد المسبب بتعدد السبب ، ولصحيحتي معاوية بن عمار ، وخرجنا من ذلك في خصوص ما إذا كان الصيد الأوّل والثاني كلاهما عمدياً للآية والروايات ، وأنّ الجزاء في الثاني في الآخرة فلا تثبت إلّا كفّارة واحدة في صورة إصابة كلا الصيدين عن عمد ، وأمّا في مورد عدم القصد إلى المصيد كالجهل بأنّ المرمي حيوان ، كما إذا رأى شبحاً وزعم أنّه حجر أو نخلة فرماه ثمّ تبين أنّه حيوان ، أو الخطأ بأن قصد رمي هذه النخلة فأصاب نخلة أُخرى عليها طير فأصابه ، أو كان قاصداً للصيد وكان ناسياً لإحرامه فلا يجري عليه حكم العمد ، لأنّه لم يكن قاصداً للصيد بوصف أنّه محرم ، مع أنّ الظاهر من الآية كون القصد إلى الصيد بوصف كونه محرماً هو موضوع للحكم بعدم تعدد الكفّارة ، فالعمد المأخوذ العمد بوصف كونه محرماً ، كل ذلك ممّا لا إشكال فيه.

نبقى نحن وما ذكره صاحب الجواهر من إلحاق الجاهل بالحكم بالخاطئ في لزوم تعدد الكفّارة ، وعدم إجراء حكم العامد عليه (1).

ولا يخفى ما فيه من الضعف ، لصدق العامد على الجاهل بالحكم ، فانّ العمد إنّما يتحقق بالقصد إلى عنوان الفعل ، والجهل والعلم غير دخيلين في تحقق عنوان القصد


1) الجواهر 20 : 322.

.................................................................................................


إلى الفعل ، كمن قطع المسافة وسافر ولكن كان جاهلاً بأنّ الحكم الشرعي هو القصر فلا ريب أن حكمه هو القصر. وهكذا لو كان صائماً وكان ملتفتاً إلى ذلك ، ولكن شرب الماء جاهلاً بأنّه مفطر شرعاً ، يصدق عليه أنّه أفطر.

وبالجملة : العمد ليس إلّا اختيار الفعل بعنوانه والقصد إليه ، وهذا يتحقق في صورة الجهل بالحكم أيضاً ، فإلحاق الجاهل بالحكم بالخاطئ ممّا لا نعرف له وجهاً. ودعوى انصراف الآية إلى غير الجاهل غير مسموعة.

نعم ، إذا كان الجهل عن قصور اجتهاداً أو تقليداً كما إذا أدى نظره إلى حلية صيد محرم الأكل ، أو قلّد من يقول بذلك ، يتم ما ذكره الجواهر ، لأنّ الظاهر من الآية المباركة وقوع الفعل الثاني حراماً ومبغوضاً ، لقوله تعالى ( وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللّهُ مِنْهُ ) فإذا كان الصيد الثاني حلالاً على الفرض حسب اجتهاده أو تقليده فلا موضوع للانتقام.

فالصحيح هو التفصيل بين الجاهل القاصر المعذور وغيره ، والجاهل المقصّر حكمه حكم العامد.

ثمّ إن ما ذكرنا كلّه إنّما هو بالنسبة إلى المحرم ، وأمّا إذا كان محلا وصاد في الحرم وتكرر منه الصيد عمداً فهل تثبت الكفّارة لكل صيد أو لا تتكرر؟

الظاهر هو الأوّل ، لأنّ السقوط خلاف القاعدة وخلاف ما يقتضيه إطلاق معتبرتي معاوية بن عمار المتقدِّمتين (1)، وإنّما خرجنا عن ذلك بالنسبة إلى المحرم ، وأمّا صيد المحل عمداً في الحرم فلا دليل على خروجه من القاعدة وإطلاق المعتبرتين ، فالواجب عليه تكرر الكفّارة بتكرر الصيد.

ثمّ إنّه لا خلاف في تكرر الكفّارة منه إذا وقع منه الصيد في عامين ولا يدخل بذلك تحت الآية ، لأن ما أتى به في كل عام عمل مستقل يختلف عن الآخر ، فكل حج وإحرام له حكمه الخاص ، ولا يصدق التكرر بحصوله في عامين مختلفين ، فتجب


1) في ص 350.

.................................................................................................


الكفّارة في الصيد الأوّل والثاني وإن كان كل منهما عمدياً ، وكذا تتكرر الكفّارة مع تعدد الإحرام.

وخالف بعضهم فيما إذا كان الزمان قريباً ، كما إذا أحرم للعمرة المفردة في آخر شهر رجب وأحرم إحراماً آخر في شعبان ، لأن لكل شهر عمرة ، فالتزم بسقوط الكفّارة عن الثاني ، فإنّ الصيد وإن وقع في إحرامين ولكن لقربهما زماناً يصدق عنوان التكرر العمدي.

وذهب بعضهم إلى أنّ الإحرامين إذا كان بينهما ارتباط كإحرام عمرة التمتّع وإحرام حج التمتّع يصدق عنوان التكرار ، لأنّهما عمل واحد ويصدق أنّه تكرر الصيد منه في عمل واحد وإن كان في إحرامين ، فتشمله الآية النافية للكفارة للصيد الثاني.

وفيه : أنّ الظاهر من الآية أنّ العود عود في الشخص لا في الجنس ، ومعنى قوله ( وَمَنْ عادَ ) عود الصيد في شخص هذا الإحرام لا نوع الإحرام كما يقال : الصائم إذا أكل أو شرب فعليه كذا وإذا عاد فلا شي‌ء عليه إلّا الجماع ، فالمعنى أنّه إذا أكل في هذا الصوم مرّة ثانية لا يترتب عليه الكفّارة وإن كان أكله في كل مرّة حراماً ، إلّا أنّ الكفّارة تجب عليه بالأكل الأوّل ، فالعود إنّما يتحقق بعود الصيد في شخص هذا الإحرام ولا يتحقق العود بالإحرام الثاني بعد التحلل من الإحرام الأوّل ، ولو أنكرنا الظهور فيما ذكرناه لا ظهور له في الجنس أيضاً ، فتكون الآية مجملة فتدخل المسألة في الكبرى الكلية إذا كان المخصص مجملاً ودائراً بين الأقل والأكثر يرجع إلى عموم العام وهو صحيح معاوية بن عمار الدال على ثبوت الكفّارة لكل صيد ، ويقتصر في الخروج منه بالمتيقن وهو تكرر الصيد الواقع في الإحرام الواحد.

تنبيهان :

التنبيه الأوّل : قد عرفت سابقاً أنّ المحرّم على المحرم إنّما هو صيد الحيوان الوحشي ، وأمّا الأهلي كالبقر والغنم والإبل والدجاج حتّى الدجاج الحبشي فلا بأس بذبحها ، وذكرنا أنّ الطير الّذي لا يجوز صيده وذبحه هو ما يصفّ والدجاج لا يصفّ

.................................................................................................


كما في النصوص (1)وذكرنا أيضاً أنّ الوحشي لو صار أهلياً لا ينقلب حكمه وكذا العكس والمتبع هو الحكم الأوّل.

وأمّا إذا توالد الوحشي في مكّة الّذي صار أهلياً فيجوز ذبح المولود للمحل في الحرم ، لأنّ المحرّم عليه أمران : الأوّل الصيد وهذا غير صادق على المولود. الثاني : الحيوان الّذي دخل الحرم ولجأ إليه ، وهذا غير منطبق على المولود من الوحشي ، لأنّ المفروض انّه ولد في مكّة ، فلا مانع للمحل ذبحه ، وكل ما جاز ذبحه للمحل في الحرم يجوز ذبحه للمحرم ، لكن هذا كلّه في غير الطير الأهلي كالظبي والدجاج ونحوهما ، وأمّا الطير الأهلي فاللّازم استثناؤه ممّا ذكرنا ، للنصوص الدالّة على ثبوت الكفّارة لنفس الطير الأهلي ولفرخه (2).

التنبيه الثاني : قد تقدّم سابقاً أن حرمة الصيد لا تختص بالحيوان المحلل الأكل ، بل تشمل الحيوانات المحرم الأكل لعموم قوله : «ثمّ اتق قتل الدواب كلّها» (3).

واستدلّ القائلون بالاختصاص بأنّه لا كفّارة في قتل المحرّم الأكل إلّا فيما ورد النص الخاص فيه كالأرنب واليربوع والقنفذ ، وعدم الكفّارة يكشف عن عدم الحرمة.

ولكن يرد عليه بأنّه لا ملازمة بين عدم الكفّارة وعدم الحرمة ، بل يمكن الحكم بالحرمة ومع ذلك لا كفّارة فيه كالصيد العمدي الثاني فإنّه محرم قطعاً ولا كفّارة فيه ، فالصحيح عدم الفرق بين المحرم الأكل والمحلل الأكل.

بقي شي‌ء : وهو أن غير المأكول هل في صيده الكفّارة أو لا؟ والفقهاء لم يتعرضوا للكفارة في غير المأكول ، وإنّما اقتصروا على موارد خاصّة.

والّذي ينبغي أن يقال : إنّ الحيوان المحرّم قد لا يكون له قيمة عند العقلاء


1) الوسائل 13 : 80 / أبواب كفارات الصيد ب 40.

2) الوسائل 13 : 22 / أبواب كفارات الصيد ب 9.

3) الوسائل 12 : 81 / أبواب تروك الإحرام ب 81 ح 2.

2 - مجامعة النساء

مسألة 219 : يحرم على المحرم الجماع أثناء عمرة التمتّع وأثناء العمرة المفردة وأثناء الحجّ ، وبعده قبل الإتيان بصلاة طواف النِّساء (1).


كالخنفساء ، بل كثير من السباع كالهرة والذئب ، فمقتضى القاعدة عدم ثبوت الكفّارة فيه ، لعدم القيمة له ولم يرد نص خاص في تعيين الكفّارة.

وأمّا إذا كان المحرّم ممّا له قيمة كالصقر والباز ، ولعل القردة من هذا القبيل لحصول الخدمة منه ، فالظاهر ثبوت الكفّارة فيه وهي قيمته فان قوله (عليه السلام) : «وفيما سوى ذلك قيمته» (1)يشمل المحرم الأكل ، فكل حيوان غير منصوص عليه بكفارة خاصّة مشمول لهذا العنوان أي «وفيما سوى ذلك قيمته».

ويؤيد ما ذكرنا ثبوت الكفّارة في النصوص في الحيوانات المحرمة كالقنفذ واليربوع والضب والزنبور.

(1) هذا الحكم مقطوع به عند الأصحاب والأصل فيه قوله تعالى ( الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ ) (2)من دون فرق بين العمرة المفردة وعمرة التمتّع والحجّ ، وقد فسّر الرفث في روايات صحيحة بالجماع (3).

ولكن الاستدلال بالآية لا يتم في العمرة المفردة ، لأن أشهر الحجّ وهي الأشهر الثلاثة ، شوال وذو القعدة وذو الحجة ، تختص بالحج وبعمرة التمتّع ، وأمّا المفردة فيصح الإتيان بها في طول السنة ولا تختص بأشهر الحجّ.


1) الوسائل 13 : 5 / أبواب كفارات الصيد ب 1 ح 2.

2) البقرة 2 : 197.

3) الوسائل 12 : 463 / أبواب تروك الإحرام ب 32 ح 1 وغيره.

.................................................................................................


وقد يستدل لعدم الاختصاص بأن هذا الحكم من أحكام الإحرام ، للنصوص الدالّة على حرمة الجماع على المحرم ، فيستفاد منها أنّ الإحرام له خصوصية ، سواء كان بالعمرة المفردة أو بالحج أو بعمرة التمتّع.

وكيف كان لا ينبغي الريب في أصل الحكم على إطلاقه ولا خلاف فيه أبداً.

ويمكن أن يستدل لذلك بعدة من الروايات الآتية الواردة في جماع المحرم وثبوت الكفّارة فيه حيث يبعد حليته مع ثبوت الكفّارة فيه ، وكذلك لا ريب ولا خلاف في فساد العمرة المفردة بالجماع ، ويجب عليه الإتمام لقوله تعالى ( وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ ) (1)، فعدم شمول قوله تعالى ( فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ ) للعمرة المفردة غير ضائر ، لأن حرمة الإفساد بالجماع تثبت بدليل آخر.

وأمّا حرمة الجماع بعد أعمال الحجّ وقبل طواف النِّساء فمما قطع به الأصحاب أيضاً ، فإن طواف النِّساء وإن لم يكن جزءاً للحج وإنّما هو عمل مستقل وواجب آخر يؤتى به بعد الحجّ ، والحجّ إنّما يتم بالطواف والسعي ، ولكن النصوص الكثيرة جدّاً دلّت على الحرمة قبل طواف النِّساء :

منها : ما دلّ على أن تشريع طواف النِّساء منة على الناس ليتمكنوا من الجماع (2)ومنه يظهر أنّه قبل الطّواف لا يمكنه الجماع.

ومنها : النصوص الآمرة بالرجوع لتدارك طواف النِّساء لمن نسي طواف النِّساء (3).

ومنها : الأخبار الدالّة على ثبوت الكفّارة لمن عليه طواف النِّساء (4)وغير ذلك من الروايات (5).


1) البقرة 2 : 196.

2) الوسائل 13 : 299 / أبواب الطواف ب 2 ح 3.

3) الوسائل 13 : 405 / أبواب الطّواف ب 58.

4) الوسائل 13 : 123 / أبواب كفارات الاستمتاع ب 10.

5) الوسائل 14 : 232 / أبواب الحلق والتقصير ب 13.

مسألة 220 : إذا جامع المتمتع أثناء عمرته قبلاً أو دبراً عالماً عامداً ، فان كان بعد الفراغ من السعي لم تفسد عمرته ، ووجبت عليه الكفّارة ، وهي على الأحوط جزور ، ومع العجز عنه بقرة ، ومع العجز عنها شاة (1) وإن كان قبل الفراغ من السعي فكفارته كما تقدّم ، ولا تفسد عمرته أيضاً على الأظهر ، والأحوط إعادتها قبل الحجّ مع الإمكان وإلّا أعاد حجّه في العام القابل.


وبالجملة : حرمة الجماع لا تختص بمن كان في أثناء الحجّ.

(1) إذا جامع أثناء عمرة المتعة عالماً بالحكم عامداً ، فقد يقع بعد الفراغ من السعي وقبل التقصير ، وقد يقع قبل الفراغ من السعي :

أمّا الأوّل : فلا ريب في عدم فساد عمرته بل لا قائل بالفساد ، وإنّما تجب الكفّارة على النحو الآتي ، وكلا الحكمين أي عدم الفساد وثبوت الكفّارة ممّا لا إشكال فيه عندهم.

أمّا عدم الفساد فيدل عليه صحيح معاوية بن عمار «عن متمتع وقع على امرأته قبل أن يقصر ، قال ينحر جزوراً وقد خشيت أن يكون قد ثلم حجّه» (1)فان خشية الفساد غير الفساد ، ولعلّ المراد من خشية الفساد عدم قبول حجّه.

وأمّا ثبوت الكفّارة ففي بعض الروايات ينحر جزوراً كالصحيحة المتقدِّمة ، وفي بعضها بقرة وفي ثالثة شاة ، والمشهور حملوا الروايات على الترتيب بين الموسر ومتوسط الحال والفقير ، ولم يظهر لنا وجهه سوى الاستيناس ممّا ورد في من نظر إلى غير أهله فأمنى (2)وفي من واقع أهله قبل طواف النِّساء (3)ولا مجال للتعدِّي منهما إلى المقام.


1) الوسائل 13 : 130 / أبواب كفارات الاستمتاع ب 13 ح 2.

2) الوسائل 13 : 133 / أبواب كفارات الاستمتاع ب 16 ح 2.

3) الوسائل 13 : 123 / أبواب كفارات الاستمتاع ب 10 ح 1.

.................................................................................................


ولم يرد هذا التفصيل في شي‌ء من الروايات بالنسبة إلى عمرة المتعة ، بل الوارد فيها الجزور والشاة على الإطلاق ، ففي معتبرة معاوية بن عمار قال : «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن متمتع وقع على امرأته قبل أن يقصر ، قال : ينحر جزوراً وقد خشيت أن يكون قد ثلم حجّه» (1).

وفي معتبرة اخرى عن ابن مسكان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «قلت : متمتع وقع على امرأته قبل أن يقصر؟ فقال : عليه دم شاة» (2)وفي معتبرة اخرى : «إن عليه جزور أو بقرة» (3).

ومقتضى القاعدة من حيث الجمع بين الأخبار هو التخيير ، ولكن الأحوط ما ذكرناه في المتن تحفظاً على عدم مخالفة المشهور ، وسند الخبرين معتبر ، لأنّ المراد من علي الواقع في السند هو علي بن الحسن الطاطري بقرينة روايته عن محمّد بن أبي حمزة ودرست ، إذ لا يروي عنهما من يسمى بعلي سوى علي بن الحسن الطاطري.

وبالجملة فالترتيب الّذي ذكره المشهور لم يثبت ، فالصحيح هو التخيير.

وأمّا الثاني : فالمشهور والمعروف بين الأصحاب وجوب الكفّارة عليه كما تقدّم ، وفساد عمرته أيضاً وإعادة حجه في العام القابل.

ويظهر من الجواهر التأمل في الفساد كما يظهر منه عدم تحقق الإجماع في المقام (4).

أمّا وجوب الكفّارة فلا ينبغي الإشكال فيه ، فإنّه لو وجبت بعد الفراغ من السعي فقبله أولى. على أن جملة من الروايات تدل على ثبوت الكفّارة بالإطلاق ، كصحيحة معاوية بن عمار المتقدِّمة (5)، فإنّ الموضوع فيها الجماع قبل التقصير وهذا العنوان يشمل ما قبل السعي أيضاً ، فيكون المراد بقبل التقصير قبل الخروج من الإحرام وإلّا فلا خصوصية لقبل التقصير ، فالمدار بالخروج من الإحرام وعدمه ، نظير سؤال السائل عن التكلّم قبل السلام فإنّه يعم جميع حالات الصلاة ، ولا خصوصية لبعد التشهد


1) الوسائل 13 : 130 / أبواب كفارات الاستمتاع ب 13 ح 2.

2) الوسائل 13 : 130 / أبواب كفارات الاستمتاع ب 13 ح 3.

3) الوسائل 13 : 130 / أبواب كفارات الاستمتاع ب 13 ح 5.

4) الجواهر 20 : 383 ، 380.

5) في الصفحة السابقة.

.................................................................................................


وقبل السلام ، فالغرض وقوع هذا الفعل قبل الفراغ من العمل.

إنّما الكلام في فساد عمرة التمتّع بالجماع كفساد الحجّ به ، نسب إلى المشهور الفساد ولكن لا نص في خصوص عمرة المتعة ، وقد استدلّ في الجواهر بوجوه ناقش في جميعها.

الأوّل : أنّ العمرة المفردة تفسد بالجماع قبل السعي قطعاً ، ويجب عليه البقاء في مكّة إلى الشهر الآتي حتّى يعتمر من جديد (1)فإذا كان الفساد ثابتاً في المفردة يثبت في المتمتع بها أيضاً ، لأن حكم العمرة المتمتع بها حكم العمرة المفردة ، لكونهما طبيعة واحدة وتشترك العمرة المفردة مع عمرة التمتّع في إعمالها ، وإنّما تفترق عنها في أُمور يسيرة ، منها وجوب طواف النِّساء للمفردة ولا يجب ذلك لعمرة التمتّع ، ومنها أن عمرة التمتّع بعدها الحجّ بخلاف المفردة فإنّها عمل مستقل لا يرتبط بالحج.

وفيه : ما لا يخفى ، لأن ذلك قياس ظاهر ولا مجال لإجراء حكم كل منهما إلى الآخر بعد ما كان لكل منهما أحكام مخصوصة.

الثاني : أنّ الجماع بعد الفراغ من السعي وقبل التقصير ممّا يخشى منه الفساد ، كما في صحيحة معاوية بن عمار المتقدِّمة (2)فإذا كان الجماع بعد السعي موجباً لخشية الفساد كان الفساد ثابتاً بالجماع قبل السعي بالأولوية.

وفيه : أنّ المذكور في الصحيحة خشية الفساد لا نفس الفساد كما تقدّم ، ولو قلنا بالأولوية لكان خشية الفساد قبل السعي أولى لا نفس الفساد.

الثالث : إطلاق الروايات الدالّة على الفساد في الحجّ ، ومن الواضح أن عمرة التمتّع جزء من الحجّ ، لأنّ الحجّ اسم للمجموع من عمرة المتعة والحجّ كما يطلق عليهما حج الإسلام.

وأجاب عنه في الجواهر بعدم انسباق ذلك من هذه الروايات ، بل المنصرف منها نفس الحجّ الّذي يقابل العمرة ، فإنّ الروايات ظاهرة بل صريحة في إرادة الحجّ لا العمرة وحتى على فرض أنّها جزء من الحجّ ، فليس في شي‌ء من النصوص ما يشمل عمرة المتعة.


1) الوسائل 13 : 128 / أبواب كفارات الاستمتاع ب 12.

2) في ص 360.

.................................................................................................


وقد يتخيّل أن بعض الروايات الدالّة على الفساد مطلقة ولا اختصاص لها بالحج كصحيحة زرارة قال : «سألته عن محرم غشي امرأته وهي محرمة ، قال : جاهلين أو عالمين؟ قلت أجنبي عن الوجهين جميعاً ، قال : إن كانا جاهلين إلى آخر الحديث» (1)فادعى أنّه لا ظهور لها في خصوص الحجّ ، بل الموضوع فيها المحرم وهو يشمل المتمتع بالعمرة أيضاً.

والجواب : إن كان المراد بالأمر بالحج من قابل فساد الحجّ الّذي وقع فيه الجماع فساداً حقيقياً كفساد العمرة المفردة ، أو فساد الصلاة بالتكلّم ونحوه من المبطلات وأن ما أتى به لا يحسب من الحجّ وإن وجب عليه إتمامه تعبداً ، ويجب عليه الحجّ من قابل ، فعدم صحّة الاستدلال بالرواية بالنسبة إلى عمرة المتعة واضح جدّاً ، لأن فساد عمرة المتعة لا يوجب الحجّ عليه من قابل ، فان تدارك العمرة أمر سهل يسير غالباً فيخرج إلى خارج الحرم كالتنعيم ونحوه ويحرم ويأتي بالأعمال وهي الطّواف وصلاته والسعي ، ولو فرضنا فرضاً نادراً أنّه لا يتمكّن من العمرة لضيق الوقت ونحوه ، ينقلب حجه إلى الافراد ، ويأتي بالعمرة بعد ذلك ، فذكر الحجّ من قابل قرينة على وقوع الجماع في الحجّ وأنّ الإحرام إحرام الحجّ.

وإن قلنا بأنّ الحجّ الأوّل حجة والثاني عقوبة عليه ، والحكم بالفساد تنزيلي باعتبار لزوم الإتيان بحج آخر في السنة الآتية عقوبة وإلّا ففرضه ما وقع فيه الجماع فهذا يمكن فرضه في عمرة المتعة بأن يجب عليه الحجّ من قابل عقوبة عليه ، ولكن مع ذلك لا يمكن أن يقال بشمول الروايات لعمرة المتعة ، لأنّ المذكور في الروايات أنّه فرّق بينهما من المكان الّذي أحدثا فيه وعليهما بدنة وعليهما الحجّ من قابل ، فإذا بلغا المكان الّذي أحدثا فيه فرّق بينهما حتّى يقضيا نسكهما ، ويرجعا إلى المكان الّذي أصابا فيه ما أصابا (2).

وفي بعضها «يفرق بينهما ولا يجتمعان في خباء حتّى يبلغ الهدي محلِّه» (3).


1) الوسائل 13 : 112 / أبواب كفارات الاستمتاع ب 3 ح 9.

2) الوسائل 13 : 112 / أبواب كفارات الاستمتاع ب 3 ح 9 ، 5.

3) الوسائل 13 : 112 / أبواب كفارات الاستمتاع ب 3 ح 9 ، 5.

.................................................................................................


وهذه قرينة قطعية على وقوع الجماع في الحجّ لا العمرة المتمتّع بها ، إذ لا يتصوّر في عمرة المتعة الرجوع إلى المكان الّذي أحدثا فيه هذا الحدث غالباً ، بخلاف الحاج فإنّه إذا حدث هذا الحدث في مكّة مثلاً فاللازم التفريق بينهما حتّى يرجعا من مناسكهما إلى هذا المكان الّذي أحدثا فيه ، سواء في نفس هذا الحجّ أو الحجّة المعادة ، فإنّ الغالب في الحجاج الرجوع إلى مكّة وهذا المعنى لا يتحقق بالنسبة إلى المتمتع الّذي يحرم من أحد المواقيت ، فإنّه إذا جامع بعد الإحرام في طريقه إلى مكّة لا يتقيّد بالرجوع إلى نفس هذا المكان الّذي أصاب ، بل يمكن أن يرجع من مكان آخر كما لعلّه الغالب.

على أن لزوم الافتراق حتّى يبلغ الهدي محلِّه كما في بعض الروايات شاهد قوي على أنّ المراد بالإحرام الّذي وقع فيه الجماع هو الحجّ.

ولو سلمنا الإطلاق لهذه الروايات وشمولها لعمرة المتعة أيضاً فيعارض بإطلاق صحيحة معاوية بن عمار الدالّة على عدم الفساد بالجماع قبل التقصير ، بناءً على ما عرفت من أن إطلاق «قبل التقصير» يشمل قبل السعي أيضاً ، لأنّ المراد بقبل التقصير عدم الخروج من الإحرام ، ولذا أثبتنا الكفّارة في الجماع قبل السعي بإطلاق هذه الصحيحة ، فيقدم صحيح معاوية بن عمار لأنّه أخص.

ولو فرضنا تكافؤهما وتعارضهما فلا دليل على وجوب الحجّ من قابل في صورة وقوع الجماع قبل السعي فإن ذلك يحتاج إلى دليل.

فالأظهر عدم فساد عمرته أيضاً ، والأحوط إعادتها في هذه السنة قبل الحجّ مع الإمكان ويحجّ بعدها ، ومع عدم إمكان إعادتها يتمّها ويعيد حجّه في العام القابل.

ثمّ إنّه لا فرق في الجماع بين الوطي قبلاً أو دبراً ، لأنّ المذكور في النصوص الجماع والمواقعة والغشيان ونحو ذلك من التعابير الّتي تكون كناية عن مطلق الوطي فإنّ الجماع لم يوضع للوطي قبلاً ، وإنّما هو موضوع للجمع بين الشخصين ، ولكن المراد به المعنى الكنائي كالمس واللمس اللذين يراد بهما المعنى الكنائي وهو الوطي ، وإن كان الغالب هو للوطي قبلاً فلا خصوصية للقبل ، فلا موجب للاختصاص به بدعوى الانصراف لأجل غلبة الوجود.

مسألة 221 : إذا جامع المحرم للحج امرأته قبلاً أو دبراً عالماً عامداً قبل الوقوف بالمزدلفة وجبت عليه الكفّارة والإتمام وإعادة الحجّ من قابل ، سواء كان الحجّ فرضاً أو نفلاً ، وكذلك المرأة إذا كانت محرمة وعالمة بالحال ومطاوعة له على الجماع (1).


(1) إذا جامع المحرم امرأته في الحجّ عالماً بالتحريم وعامداً ، فقد يقع الجماع قبل الوقوف بالمزدلفة ، وقد يقع بعد المزدلفة.

أمّا الجماع قبل الوقوف فقد ذكرت له أحكام عديدة :

منها : ثبوت الكفّارة عليه كالبدنة في صورة التمكن واليسار بلا إشكال ولا خلاف ، ولعدّة من الروايات.

ومنها : إتمام الحجّ الّذي بيده ، ويدلُّ عليه جملة من الروايات كقوله في صحيح معاوية بن عمار «ويفرّق بينهما حتّى يقضيا المناسك» (1)بل يظهر من صحيح زرارة الدال على أنّ الاولى حجّته والثاني عقوبة (2)أنّ الاولى لم تفسد وهي حجته ، فلا يجوز له رفع اليد عن الحجّ ويجب عليه إتمامه فكأنه لم يفسد ، وإنّما وجب عليه الحجّ من قابل عقوبة عليه ، فلا موجب لعدم الإتمام.

ومنها : التفريق بينهما وهو المصرّح به في كثير من النصوص.

ومنها : وجوب الحجّ عليه من قابل ، لجملة من الروايات.

كل ذلك من دون فرق بين كون الحجّ فرضاً أو نفلاً ، لأنّ الموضوع في النصوص المحرم سواء كان إحرامه لحج واجب أو ندب ، فمناقشة بعضهم في النفل ممّا لا وجه له.

إنّما الكلام في الكفّارة إذا لم يتمكّن من البدنة ، لعدم وجودها أو لعدم وفاء المال لها ، المعروف بينهم أنّها البقرة والشاة ، ووقع الكلام في أنّه هل هما في عرض واحد أو


1) الوسائل 13 : 110 / أبواب كفارات الاستمتاع ب 3 ح 2.

2) الوسائل 13 : 112 / أبواب كفارات الاستمتاع ب 3 ح 9.

.................................................................................................


أنّهما طوليان؟ ذكر الشهيد في اللمعة أنّ الواجب البدنة وإذا عجز عن البدنة تخير بينها وبين بقرة أو شاة ، ولا يخفى ما في العبارة من المسامحة كما أورد عليه الشهيد الثاني في الشرح (1)، إذ لا وجه للتخيير بين البدنة وغيرها بعد فرض العجز عن البدنة ، ولذا ذكر أنّ الأولى مع العجز عن البدنة تجب بقرة أو شاة كما في الشرائع (2). وحكي عن الدروس وجوب البدنة مع الإمكان فإن عجز فبقرة فإن عجز فشاة (3)والنصوص خالية عن هذا التفصيل وليس فيها ما يدل على التخيير المذكور بين البقرة والشاة ، ولا على الترتيب بين الثلاثة كما اعترف بذلك في الجواهر (4).

وربما يقال باستفادة الترتيب بين الثلاثة ممّا ورد في عمرة المتعة ، لذهاب المشهور إلى الترتيب في العمرة المتمتع بها ، فإذا كان الترتيب ثابتاً في العمرة ففي الحجّ أولى.

وفيه ما لا يخفى ، نعم ورد هذا التفصيل في خبر خالد بيّاع القلانس قال : «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل أتى أهله وعليه طواف النِّساء ، قال : عليه بدنة ، ثمّ جاءه آخر فقال : عليك بقرة ، ثمّ جاءه آخر فقال عليك شاة ، فقلت : بعد ما قاموا أصلحك اللّه كيف قلت عليه بدنة؟ فقال : أنت موسر وعليك بدنة ، وعلى الوسط بقرة ، وعلى الفقير شاة» (5).

ولكنّه ضعيف سنداً بالنضر بن شعيب الواقع في طريق الصدوق إلى خالد القلانسي (6)، ولو كان صحيح السند لا وجه للتخيير ، ولو قيل بالتخيير لكان تخييراً بين البقرة والشاة ، إذ لا معنى للتخيير بين الثلاثة بعد العجز عن البدنة.

والصحيح أن يقال : إنّه لا دليل على كون البقرة بدلاً عن البدنة ، وفي صحيح علي


1) الروضة البهية 2 : 355.

2) الشرائع 1 : 340.

3) الدروس 1 : 372 وفيه «فان عجز فسبع شياه».

4) الجواهر 20 : 373.

5) الوسائل 13 : 123 / أبواب كفارات الاستمتاع ب 10 ح 1.

6) الفقيه 4 (المشيخة) : 35.

.................................................................................................


ابن جعفر جعل البدل شاة «فمن رفث فعليه بدنة ينحرها فإن لم يجد فشاة» (1)، فان قيل بالجزم باجزاء البقرة عن الشاة لأنّ البقرة لا تقل فائدة عن الشاة بل هي أنفع من الشاة ، ففي كل مورد وجبت فيه الشاة تجزي البقرة لكونها أنفع ، فهي أحوط وإن لم يعلم بذلك كما هو كذلك ، لأنّ الأحكام تعبدية ، فلا يمكن القول بإجزاء البقرة وكونها أحوط ، بل مقتضى النص أنّ الواجب أوّلاً البدنة وإن لم يتمكّن من ذلك فالشاة ، فالبقرة لا تجب لا تعيينا ولا تخييراً ، ثمّ إنّ الأصحاب لم يتعرضوا لذكر بدل البدنة قبل الوقوف بالمشعر كما صرح بذلك صاحب الحدائق (2)مع أن ثبوت الكفّارة قبل الوقوف بالمشعر وبعده على حد سواء ، وإنّما يقترقان في وجوب الحجّ من قابل ، فان كان الجماع قبل الموقف يجب عليه الحجّ من قابل ، وإذا كان بعد الوقوف بالمشعر فعليه الكفّارة فقط ولا يجب عليه الحجّ في السنة القادمة ، وإنّما خصّوا ذكر وجوب الكفّارة بما بعد الوقوف بالمشعر ، لوضوح الحكم في قبل الوقوف بالمشعر ، إذ لا نحتمل أن قبل المشعر أخف بل هو أشد قطعاً ، فإذا ثبتت الكفّارة بالجماع بعد المشعر فتثبت بالجماع قبل المشعر قطعاً.

ثمّ إن صريح صحيح زرارة كون الحجّ الثاني عقوبة عليه والحجّ الأوّل الّذي وقع فيه الجماع حجته ، وهكذا يدل على ذلك موثقة إسحاق بن عمار الدالّة على إجزاء حج النائب عن الميت إذا أفسده النائب ، وعلى النائب الإعادة من ماله (3).

فالتعبير بفساد الحجّ كما في صحيح سليمان بن خالد لا بدّ من حمله على الفساد التنزيلي ورفع اليد عن ظهوره في الفساد الحقيقي ، وإنّما عبّر بالفساد لوجوب حج آخر عليه في السنة القادمة كما جاء في صحيح سليمان بن خالد «والرفث فساد الحجّ» (4)، كما يرفع اليد عن ظهور الإعادة في الإرشاد إلى الفساد فيما إذا كانت قرينة


1) الوسائل 13 : 115 / أبواب كفارات الاستمتاع ب 3 ح 16.

2) الحدائق 15 : 380.

3) الوسائل 11 : 185 / أبواب نيابة الحجّ ب 15 ح 2.

4) الوسائل 13 : 112 / أبواب كفارات الاستمتاع ب 3 ح 8.

.................................................................................................


على الخلاف.

وتظهر الثمرة في كون الأوّل حجته أو الثاني ، بخروج الثاني من صلب المال أو ثلثه.

ثمّ إنّ المرأة تشترك مع الرجل في جميع الأحكام المذكورة إذا كانت مطاوعة لصحيح زرارة المتقدِّمة (1)، ويكفينا إطلاق قوله : «الرفث جماع النِّساء» كما في صحيح ابن جعفر (2)هذا بالنسبة إلى الكفّارة.

وأمّا الفساد ، فلإطلاق قوله في صحيح سليمان بن خالد المتقدِّم : «الرفث فساد الحجّ» هذا كلّه إذا كانت المرأة مطاوعة.

وأمّا إذا كانت مكرهة ، فلا شي‌ء عليها كما في النص (3)لا الكفّارة ولا الحجّ من قابل ، وإنّما على الزوج كفارتان ، ولا يجب عليه الحجّ عنها لعدم الدليل ، ولا خلاف في شي‌ء من ذلك.

ولو أكرهت الزوجة زوجها فهل تتحمل عنه ، أو أن عليه بدنة أولا هذا ولا ذاك؟ وجوه.

الروايات كلّها واردة في إكراه الزوج ولم ترد في إكراه الزوجة ، ولكن الجواهر لم يفرّق بين الزوجة والزوج لنفس هذه الروايات (4)وذكر (قدس سره) أن ذكر الرجل للغلبة. وما ذكره (قدس سره) من تعميم الحكم للرجل والمرأة وإن كان صحيحاً ، لكن لا لأجل هذه الروايات لعدم شمولها للمرأة ، ومجرد الغلبة لا يوجب تعميم الحكم ، بل التعميم لأجل حديث الرفع المعتبر عن المكره ، فلا شي‌ء على الزوج إذا كان مكرهاً.

وهل تتحمّل الزوجة البدنة عنه كما كان الزوج يتحمل عنها أم لا؟ الظاهر هو الثاني لعدم الدليل والأصل عدمه ، ومجرد الإكراه لا يوجب تحمل المكره بالكسر -


1) في ص 365.

2) الوسائل 13 : 115 / أبواب كفارات الاستمتاع ب 3 ح 16.

3) الوسائل 13 : 115 / أبواب كفارات الاستمتاع ب 4.

4) الجواهر 20 : 362.

ولو كانت المرأة مكرهة على الجماع لم يفسد حجها ، وتجب على الزوج المكره كفارتان ولا شي‌ء على المرأة ، وكفّارة الجماع بدنة مع اليسر ، ومع العجز عنها شاة ، ويجب التفريق بين الرجل والمرأة في حجتهما ، وفي المعادة إذا لم يكن معهما ثالث إلى أن يرجعا إلى نفس المحل الّذي وقع فيه الجماع ، وإذا كان الجماع بعد تجاوزه من منى إلى عرفات لزم استمرار الفصل بينهما من ذلك المحل إلى وقت النحر بمنى ، والأحوط استمرار الفصل إلى الفراغ من تمام أعمال الحجّ (1).


نظير إكراه الزوج زوجته الصائمة على الجماع ، فإنّه يتحمل عنها الكفّارة ولا دليل على التحمل فيما إذا أكرهت الزوجة زوجها الصائم ، ومن هنا يظهر أنّ المكره بالكسر إذا كان أجنبياً لا يجب عليه شي‌ء وإن كان آثماً.

وبالجملة تحمل الكفّارة حكم تعبدي خاص بمورده وهو إكراه الزوج زوجته ، فلا مجال للتعدِّي إلى سائر الموارد وإن كان الإكراه متحققاً.

(1) قد عرفت أن من جملة الأحكام المترتبة على الجماع الواقع قبل الوقوف بالمزدلفة ، وجوب التفريق بينهما من المكان الّذي وقع فيه الجماع ، والروايات في ذلك متضافرة (1)وإن كان مورد بعضها الحجّ الأوّل وبعضها خاص بالحج الثاني وبعض الروايات تعرّض لكليهما كصحيح زرارة.

وكيف كان ، لا ينبغي الإشكال في وجوب التفريق في الحجّتين وإن نسب إلى بعضهم الخلاف في الحجّة الأُولى وخص التفريق بالحجة الثانية للنصوص المتضافرة وإن كانت مختلفة من حيث التعرض لأحدهما أو لكليهما.

إنّما الكلام في نهاية التفريق ، ففي بعض الروايات جعل ذلك في الحجّ الأوّل الوصول إلى مكّة ، وفي الحجّ الثاني إلى الإحلال (2)، ويحتمل أن يكون المراد بالإحلال يوم


1) الوسائل 13 : 110 / أبواب كفارات الاستمتاع ب 3.

2) الوسائل 13 : 116 / أبواب كفارات الاستمتاع ب 4 ح 2.

.................................................................................................


النحر لحلية أكثر التروك له في يوم النحر ، ويحتمل أن يكون المراد به الفراغ المطلق من المناسك ، لأنّه بذلك يحل له كل شي‌ء حتّى الطيب ، ولكن هذه الرواية ضعيفة بعلي ابن أبي حمزة. وفي روايتين معتبرتين جعل الغاية بلوغ الهدي محلِّه ، وهما صحيحتا معاوية بن عمار (1).

وفي جملة منها جعل الغاية قضاء المناسك والبلوغ إلى المكان الّذي أصابا فيه ما أصابا (2)ولذا وقع الخلاف بينهم في غاية الافتراق ، فعن الرياض (3)والحدائق (4)حمل الاختلاف المذكور على اختلاف مراتب الفضل والاستحباب ، فأعلاها الرجوع إلى موضع الخطيئة ثمّ قضاء المناسك ثمّ بلوغ الهدي محلِّه ، فالواجب عليهما التفريق إلى بلوغ الهدي محلِّه ، واستحبابه إلى قضاء المناسك ، وأفضل منه لزوم التفريق إلى موضع الخطيئة الّذي هو أبعد.

وأورد عليه صاحب الجواهر بأنّ القاعدة تقتضي حمل المطلق على المقيّد ، فلا بدّ من الأخذ بالعليا بعد تقييد المفهوم في بعضها بالمنطوق في آخر ، فتكون النتيجة أنّ الغاية هي العليا وهي محل الخطيئة (5).

وبعبارة اخرى : مقتضى إطلاق مفهوم ما دلّ على أنّه يفترقان إلى بلوغ الهدي محلِّه ، أنّه إذا بلغ الهدي ينتهي الافتراق ويجتمعان ، سواء كان ذلك موضع الخطيئة أم لا ، فيقيد بما إذا كان محلا للخطيئة وإلّا فلا ينتهي التفريق ، فالعبرة بالعليا وهي محل الخطيئة.

أقول : ما ذكره صاحب الحدائق والرياض بعيد ، لأن ظاهر الأوامر المذكورة في الروايات هو الوجوب ، فرفع اليد عنه وحمله على الاستحباب بلا موجب ، كما أن ما


1) الوسائل 13 : 111 / أبواب كفارات الاستمتاع ب 3 ح 5 ، 12.

2) الوسائل 13 : 112 / أبواب كفارات الاستمتاع ب 3 ح 9 ، 15.

3) رياض المسائل 7 : 373.

4) الحدائق 15 : 371.

5) الجواهر 20 : 359.

.................................................................................................


ذكره الجواهر أبعد ، لأنّ الظاهر من الروايات أن كل واحد من الأُمور المذكورة عنوان مستقل ، فحمل أحدها على الآخر بلا وجه ، بل يقتضي إلغاء العنوان الآخر بالمرّة ، فإن مقتضى حمل بلوغ الهدي إلى محل الخطيئة ، عدم الاعتداد ببلوغ الهدي أصلاً وأنّ العبرة بمحل الخطيئة.

والصحيح أن يقال : إنّ الروايات المعتبرة الواردة في المقام على طوائف ثلاث :

منها : ما جعل الغاية قضاء المناسك والرجوع إلى المكان الّذي وقع فيه الجماع كصحيحة زرارة وغيرها (1)وهذه الطائفة مطلقة تشمل المكان الّذي هو قبل أرض منى وبعده ، يعني الحاج لما يتوجه من مكّة إلى عرفات يذهب إليها من طريق منى لاستحبابه شرعاً ، فقد يقع منه الجماع قبل الوصول إلى منى وقد يقع منه بعد مني أو يقع منه الجماع بعد الميقات إذا كان الحجّ إفراداً أحرم له من الميقات.

وأمّا الطائفة الثانية : فمقتضى إطلاق صحيحتي معاوية بن عمار (2)جعل بلوغ الهدي محلِّه غاية الافتراق ، سواء كان الجماع واقعاً قبل الوصول إلى منى أو بعده فالطائفتان متعارضتان بالإطلاق ، لأن كلّا منهما يدل على أن نهاية الافتراق بما ذكر فيه سواء تحقق الآخر أم لا.

وهنا طائفة ثالثة : تدل على أنّ الجماع إذا كان واقعاً قبل الوصول إلى منى فغاية الافتراق يوم النفر وهو اليوم الثاني عشر كما في صحيحة الحلبي «ويفرّق بينهما حتّى ينفر الناس ويرجعا إلى المكان الّذي أصابا فيه ما أصابا» (3)فانّ الظاهر من هذا الكلام أن مكان الجماع كان قبل الوصول إلى منى ، فهذه الصحيحة تخصص ما دلّ بالإطلاق على أنّ الغاية بلوغ الهدي محلِّه ، فيكون مورد الافتراق إلى بلوغ الهدي محلِّه في غير صورة وقوع الجماع قبل الوصول إلى منى ، وإذن فانّ الجماع إذا وقع قبل الوصول إلى منى فلا بدّ من الافتراق بينهما إلى يوم النفر والرجوع إلى مكان الحادث ،


1) الوسائل 13 : 112 / أبواب كفارات الاستمتاع ب 3 ح 9 و 15.

2) الوسائل 13 : 111 / أبواب كفارات الاستمتاع ب 3 ح 5 ، 12.

3) الوسائل 13 : 114 / أبواب كفارات الاستمتاع ب 3 ح 14.

مسألة 222 : إذا جامع المحرم امرأته عالماً عامداً بعد الوقوف بالمزدلفة ، فإن كان ذلك قبل طواف النِّساء وجبت عليه الكفّارة على النحو المتقدِّم ، ولكن لا تجب عليه الإعادة ، وكذلك إذا كان جماعه قبل الشوط الخامس من طواف النِّساء ، وأمّا إذا كان بعده فلا كفّارة عليه أيضاً (1).


وإن كان واقعاً بعد الوصول إلى منى فغاية الافتراق بلوغ الهدي محلِّه أي يوم النحر ، فتكون نسبة الطائفة الثانية بعد تخصيصها بالطائفة الثالثة بالنسبة إلى الطائفة الأُولى عموماً وخصوصاً مطلقاً وترجع نسبة التعارض إلى نسبة العام والخاص بناءً على انقلاب النسبة وأن أحد المطلقين المتعارضين إذا خصص بمخصص يلاحظ بعد التخصيص مع المطلق الآخر فتنقلب النسبة من التباين إلى العام والخاص ، فيكون الحاصل من ذلك أنّ الجماع إذا وقع قبل الوصول إلى منى كما إذا جامع في مكّة أو في طريقه ما بين مكّة ومنى فغاية الافتراق يوم النفر والرجوع إلى نفس المحل الّذي وقع فيه الجماع ، فانّ الحاج إنّما يرجع يوم النفر إلى مكّة والمكان الّذي وقع فيه الجماع قبل منى ، وأمّا إذا كان الجماع واقعاً بعد تجاوزه من منى إلى عرفات فغاية الافتراق بلوغ الهدي محلِّه ، أي وقت النحر بمنى.

ثمّ إنّ الجماع قد يقع قبل الوصول إلى مكّة وبعد الإحرام ، كما إذا فرضنا أنّ الحجّ كان حج إفراد ، فطبعاً يرجع الحاج إلى مكان الحادث بعد تمامية جميع المناسك حتّى طواف الحجّ وسعيه ، وأمّا إذا كان الجماع واقعاً في حج التمتّع بعد الخروج من مكّة فيقضي المناسك من الوقوفين ويرجع إلى ذلك المكان وينتهي الافتراق ، ولا حاجة إلى إتيان بقيّة المناسك من الطّواف والسّعي في حصول الافتراق ، فانّ المنع يرتفع بالوصول إلى ذلك المكان ، فانّ الظاهر من قضاء المناسك والرجوع إلى مكان الحادث قضاء المناسك الّتي يأتي بها قبل الوصول إلى ذلك المكان ، ولكن الأحوط استمرار الفصل إلى الفراغ من تمام أعمال الحجّ كالطواف والسعي.

(1) ما سبق في مسألتنا المتقدِّمة كان لأحكام الجماع قبل الوقوف بالمزدلفة ، وهذه

.................................................................................................


المسألة البحث فيها عن الجماع بعد الوقوف بالمزدلفة ، وتتضمن لبيان حكم الكفّارة على هذا الفعل أوّلاً وفساد الحجّ وعدمه ثانياً.

أمّا وجوب الكفّارة عليه فيدل عليه جملة من النصوص ، منها : إطلاق صحيح ابن جعفر «فمن رفث فعليه بدنة ينحرها ، فان لم يجد فشاة» (1)فإنّه مطلق من حيث وقوع الرفث قبل المزدلفة وبعدها.

ومنها : صحيحة أُخرى لابن جعفر تدل على وجوب البدنة قبل طواف النِّساء «عن رجل واقع امرأته قبل طواف النِّساء متعمداً ما عليه؟ قال : يطوف وعليه بدنة» (2)ونحوها جملة من الروايات الدالّة على ثبوت الكفّارة قبل طواف النِّساء ، وأنّه إنّما تنقطع الكفّارة بعد طواف النِّساء (3).

ومنها : صحيحة معاوية بن عمار «عن رجل محرم وقع على أهله فيما دون الفرج إلى أن قال وإن كانت المرأة تابعته على الجماع فعليها مثل ما عليه» (4)أي البدنة فإن إطلاقها يشمل الجماع الواقع بعد المزدلفة.

ومنها : صحيحة أُخرى لمعاوية بن عمار «عن متمتع وقع على أهله ولم يزر ، قال : فينحر جزوراً» (5)فانّ المراد بالمتمتع هو حج التمتّع ، والمراد بعدم زيارته عدم طوافه للزيارة وهو طواف الحجّ كما عبّر عنه في النصوص.

وإذن فلا فرق في ثبوت الكفّارة بين وقوع الجماع قبل المزدلفة أو بعدها ، والكفّارة بدنة فان لم يجد فشاة كما في صحيح ابن جعفر.

وأمّا الفساد فالظاهر عدمه ، ويكفينا أوّلاً الأصل ، مضافاً إلى عدم الخلاف ، سواء كان الفساد بالمعنى الحقيقي أو المجازي ، أي إتيان العمل في السنة القادمة كما ورد في


1) الوسائل 13 : 115 / أبواب كفارات الاستمتاع ب 3 ح 16.

2) الوسائل 13 : 125 / أبواب كفارات الاستمتاع ب 10 ح 7.

3) الوسائل 13 : 123 / أبواب كفارات الاستمتاع ب 10.

4) الوسائل 13 : 119 / أبواب كفارات الاستمتاع ب 7 ح 1.

5) الوسائل 13 : 121 / أبواب كفارات الاستمتاع ب 9 ح 1.

.................................................................................................


الجماع قبل الوقوف في المزدلفة ولا دليل على شي‌ء منهما في المقام :

ويدلُّ على عدم الفساد مضافاً إلى ما تقدّم أمران :

أحدهما : مفهوم صحيحة معاوية بن عمار «إذا وقع الرجل بامرأته دون مزدلفة أو قبل أن يأتي مزدلفة فعليه الحجّ من قابل» (1)فان مقتضى مفهوم الشرط إن لم يجامع قبل المزدلفة لم يكن عليه حج من قابل ، ومقتضى إطلاقه وإن جامع بعدها ، وحجية إطلاق المفهوم كحجية المنطوق.

ثانيهما : صحيحة أُخرى لمعاوية بن عمار «عن متمتع وقع على أهله ولم يزر قال ينحر جزوراً ، وقد خشيت أن يكون قد ثلم حجه إن كان عالماً» (2)فإنّها تدل على عدم الفساد بالجماع قبل طواف الزيارة أي طواف الحجّ ، والمعنى أنّ الحاج المتمتع جامع قبل أن يطوف طواف الحجّ وبعد الإتيان بمناسك الوقوفين ، فذكر (عليه السلام) أن عليه البدنة ولكن العمل صحيح ، وإنّما خشي الفساد ، وخشية الفساد غير نفس الفساد.

وقد ورد مثل هذا التعبير في عمرة التمتّع بالجماع بعد السعي وقبل التقصير ، فالحكم في الجميع واحد ، وخشية الفساد والثلم تدل على الصحّة في نفسه.

ثمّ إن ما ذكرناه من صحيحة معاوية بن عمار الواردة في باب الحجّ رواية مستقلّة غير ما روي عنه في عمرة المتعة ، بل هما روايتان مستقلّتان ذكر إحداهما في مسألة الحجّ والأُخرى في عمرة المتعة ، وليس أحدهما ذيلاً للآخر أو صدراً له ، وإن كان التعبير الواقع في أحدهما قريباً إلى الآخر.

وبالجملة هما روايتان وردت إحداهما في الحجّ وهي الصحيحة المتقدِّمة قبيل ذلك ، وثانيتهما وردت في عمرة المتعة (3)فما توهمه المعلّق على الوسائل من وحدة الروايتين سهو واشتباه ، فالصحيح ما صنعه صاحب الوسائل من ذكرهما في بابين


1) الوسائل 13 : 110 / أبواب كفارات الاستمتاع ب 3 ح 1.

2) الوسائل 13 : 121 / أبواب كفارات الاستمتاع ب 9 ح 1.

3) الوسائل 13 : 130 / أبواب كفارات الاستمتاع ب 13 ح 4.

مسألة 223 : مَن جامع امرأته عالِماً عامِداً في العمرة المفردة وجبت عليه الكفّارة على النحو المتقدِّم ، ولا تفسد عمرته إذا كان الجماع بعد السعي ، وأمّا إذا كان قبله بطلت عمرته أيضاً ، ووجب عليه أن يقيم بمكّة إلى شهر آخر ثمّ يخرج إلى أحد المواقيت ويحرم منه للعمرة المعادة ، والأحوط إتمام العمرة الفاسدة أيضاً (1).


مستقلّين كما أنّ الكافي ذكرهما في بابين (1)مستقلّين.

وكذلك تثبت الكفّارة بعد الإتيان بجميع أعمال الحجّ وقبل طواف النِّساء ، فان طواف النِّساء لم يكن من أعمال الحجّ وأجزائه ، بل هو عمل مستقل في نفسه وله آثار خاصّة وأحكام مخصوصة ، ولذا لو تركه عمداً لا يفسد حجة ، إلّا أنّ الكفّارة تثبت بالجماع قبله ، ويدلُّ عليه روايات كثيرة (2)منها صحيحة ابن جعفر المتقدِّمة (3).

ولو جامع أثناء الطّواف مقتضى القاعدة ثبوت الكفّارة ، لعدم الإتيان بطواف النِّساء ، فانّ الطّواف اسم لمجموع الطّواف ، ولكن معتبرة حمران بن أعين فصلت بين ما لو جامع بعد خمسة أشواط فلا شي‌ء عليه لا الكفّارة ولا الإعادة ، بل يكملها بشوطين آخرين ، وبين ما لو جامع بعد ثلاثة أشواط فعليه بدنة (4).

هذا تمام الكلام في الجماع الواقع في الحجّ والواقع في عمرة المتعة.

(1) قد يقع الجماع في العمرة المفردة قبل السعي وقد يقع بعده :

أمّا الأوّل : فلا خلاف في ثبوت الكفّارة وفساد العمرة ولزوم الإعادة ، وقد دلّت على ذلك عدّة من الروايات. والكفّارة بدنة ، ويجب عليه أن يقيم بمكّة إلى الشهر القادم حتّى يعتمر فيه ، لا خلاف في شي‌ء من ذلك والنصوص متضافرة (5).


1) الكافي 4 : 440 / 5 ، 4 : 378 / 3.

2) الوسائل 13 : 123 / أبواب كفارات الاستمتاع ب 10.

3) في ص 373.

4) الوسائل 13 : 126 / أبواب كفارات الاستمتاع ب 11 ح 1.

5) الوسائل 13 : 128 / أبواب كفارات الاستمتاع ب 12.

.................................................................................................


ولكن صاحب الوسائل صرّح في عنوان الباب الثاني عشر من كفارات الاستمتاع باستحباب البقاء إلى الشهر القابل ، وكذا المحقق ذكر أنّ الأفضل هو البقاء إلى الشهر القادم (1)، ولم نعرف وجهاً لما ذكراه فانّ الظاهر من الروايات وجوب البقاء إلى الشهر القادم ، فكأنّ العمرة الفاسدة حكمها حكم الصحيحة من لزوم الفصل بين العمرتين بشهر واحد ، لأن لكل شهر عمرة ، فحمل كلمة «عليه» على الاستحباب أو الأفضلية بلا وجه أصلاً.

وبالجملة : لا ينبغي الإشكال في لزوم الإتيان بعمرة أُخرى في الشهر القادم ، ولا يجوز تقديمها عليه ولا تأخيرها عنه عملاً بالروايات.

وهل يجب عليه إتمام العمرة الفاسدة ، أو يرفع اليد عنها؟ لعل الشهرة على عدم وجوب الإتمام ، وذهب بعضهم إلى الوجوب ومال إليه في الجواهر واستدلّ على ذلك بوجوه (2).

الأوّل : الاستصحاب ، بتقريب أن قبل الإفساد كان الإتمام واجباً ويشك في ارتفاعه بعد الإفساد فيستصحب. وفيه : أنّ الإتمام قبل الإفساد إنّما وجب باعتبار صحّة العمرة وشمول الآية لها ، وأمّا بعد الإفساد تكون العمرة فاسدة فاختلف الموضوع وتعدد ، فلا يمكن استصحاب حكم موضوع لموضوع آخر. على أنّه لا نسلّم جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية كما حققناه مفصلاً في المباحث الأُصولية (3).

الثاني : أنّ الرجل صار محرماً بالإحرام ولا يحل إلّا بالإتيان بمحلل ، فقبل الإتيان بالمحلل فهو باق على إحرامه.

والجواب : أن بقاءه على الإحرام من آثار صحّة الإحرام ، ومع فرض فساد إحرامه وعمرته ينكشف أنّ الإحرام من الأوّل كان فاسداً ، فلا مجال للإتمام لينحل به ، بل ينحل بنفس الجماع.


1) الشرائع 1 : 341.

2) الجواهر 20 : 384.

3) مصباح الأُصول 3 : 36.

.................................................................................................


الثالث : أن فساد العمرة كفساد الحجّ وإفساد الحجّ لا ينافي وجوب الإتمام فكذا إفساد العمرة ، فما أتى به أوّلاً هو الفرض والثاني عقوبة كما في الحجّ ، فإطلاق اسم الفساد على ضرب من التجوز والتنزيل لا الفساد الحقيقي بالمعنى المصطلح ، بل لعل الأمر بالانتظار إلى الشهر القادم للعمرة قرينة على مراعاة تلك العمرة والحكم بصحّتها حقيقة ، لأنّ الانتظار إلى الشهر القادم من آثار العمرة الصحيحة ، ومن أتى بعمرة صحيحة ليس له أن يأتي بعمرة أُخرى إلّا بعد شهر.

وفيه : أنّه لا دليل ولا قرينة على حمل الفساد على الفساد التنزيلي ، نعم في باب الحجّ قامت القرينة على ذلك وهي صحيحة زرارة المصرحة بأنّ الأُولى حجته والثانية عقوبة عليه (1)، فالفساد في المقام فساد حقيقي كما هو الظاهر من الروايات فلا دليل على وجوب الإتمام ، ومع ذلك يعتبر الفصل بين العمرة الصحيحة والعمرة الفاسدة بالعرض عملاً بالروايات كالعمرتين الصحيحتين.

وأمّا الثاني : وهو الجماع بعد السعي ، فيقع الكلام تارة في الكفّارة وأُخرى في فساد العمرة.

أمّا الكفّارة ، فلا إشكال في ثبوتها ولا فرق بين قبل السعي وبعده ، كما هو الحال في عمرة المتعة قبل التقصير ، بل بالتقصير تسقط الكفّارة ، وأمّا التقصير في العمرة المفردة فلا أثر له لثبوت طواف النِّساء فيها ولا تحل له النِّساء قبل طواف النِّساء وإن قصّر.

وبالجملة : قد تسالموا على ثبوت الكفّارة ولكن لم يذكروا له دليلاً ، والّذي يمكن أن يستدل له ولم أر من تعرض إليه صحيح علي بن جعفر الدال على وجوب البدنة قبل طواف النِّساء على الرجل إذا واقع امرأته قبل طواف النِّساء (2)، ونحوه جميع الروايات الدالّة على ثبوت الكفّارة عليه قبل طواف النِّساء فإنّه لم يرد في هذه الروايات طواف النِّساء للحج ، بل موردها مطلق يشمل كل من عليه طواف النِّساء


1) الوسائل 13 : 112 / أبواب كفارات الاستمتاع ب 3 ح 9.

2) الوسائل 13 : 125 / أبواب كفارات الاستمتاع ب 10 ح 7.

.................................................................................................


سواء في العمرة المفردة أو في الحجّ ، بل يلتزم بوجوب الكفّارة إذا طاف ثلاثة أشواط ثمّ جامع وبعدمها إذا جامع بعد خمسة أشواط كما في معتبرة حمران بن أعين (1)فإنّ المأخوذ في هذا الحكم مَن كان عليه طواف النِّساء ، وهو مطلق باعتبار الحجّ والعمرة المفردة.

وهل تفسد عمرته بالجماع بعد السعي كما كانت تفسد بالجماع قبل السعي أم لا؟ المعروف عدمه.

واستشكل في المدارك (2)والحدائق (3)في الحكم بالصحّة ، بدعوى أنّه لا دليل على الصحّة في خصوص المقام ، وما دلّ على الصحّة إنّما هو في عمرة المتعة إذا جامع بعد السعي ولم يقصّر ولا يشمل العمرة المفردة.

وفيه : أن ما ذكراه من اختصاص الروايات الدالّة على الصحّة بعمرة التمتّع صحيح ، ولكن لا نحتاج في الحكم بالصحّة إلى نص خاص ، بل الفساد يحتاج إلى النص ، لأنّ الحكم بالصحّة مقتضى الأصل ، أي أصالة عدم أخذ ما يحتمل دخله في الصحّة في الواجبات كما هو الحال في سائر الواجبات الّتي يحتمل مانعية شي‌ء لها ، فالاطلاقات كافية.

وبالجملة : أدلّة الصحّة وإن كانت مختصّة بعمرة التمتّع ، ولكن الحكم بالصحّة في العمرة المفردة يكفي فيه عدم الدليل ، فلا نحتاج إلى دليل خاص.

ويمكن أن يكون التقييد بقبل السعي في الروايات وإن كان في كلام السائل فيه إشعار بعدم الفساد بعد السعي ، وإلّا فلا يبقى وجه للتقييد ولا موجب له ، فكأن عدم الفساد بعد السعي كان أمراً مغروساً في أذهانهم ، ولذا كانوا يسألون عن الجماع قبل السعي والطّواف.


1) الوسائل 13 : 126 / أبواب كفارات الاستمتاع ب 11 ح 1.

2) المدارك 8 : 424.

3) الحدائق 16 : 344.

مسألة 224 : من أحل من إحرامه إذا جامع زوجته المحرمة وجبت الكفّارة على زوجته ، وعلى الرجل أن يغرمها والكفّارة بدنة (1).


(1) إذا أحلّت المرأة وكان الرجل محرماً فجامعها يجب عليه الكفّارة ، سواء كانت مكرهة أو مطاوعة ، لإطلاق ما دلّ على ثبوت الكفّارة على المحرم إذا جامع ، وليس على المرأة شي‌ء لعدم الموجب.

وإذا أحل الرجل وواقع المحرمة وجبت الكفّارة على زوجته ، وعلى الرجل أن يغرمها كما في صحيحة أبي بصير قال : «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) رجل أحل من إحرامه ولم تحل امرأته فوقع عليها ، قال : عليها بدنة يغرمها زوجها» (1). وصاحب الوسائل (قدس سره) أخذ عنوان الإكراه في الباب ، وليس في الرواية ما يدل على ذلك ، فلا مناص إلّا من الأخذ بإطلاق الصحيحة من حيث كون الزوجة مكرهة أو مطاوعة ، ولا مانع من التعبّد بهذه الرواية في خصوص هذا المورد ، ونلتزم بوجوب الكفّارة على الزوجة وغرامة الرجل ، نظير ما إذا واقع المولى المحل أمته المحرمة ، فالزوجة المكرهة عليها البدنة ، غاية الأمر غرامتها على الزوج.

وهل يتعدى إلى كل محل ومحرمة ولو كان محلا من أصله ، أو يختص بمن أحل من إحرامه؟ الظاهر هو الاختصاص ، لأنّ الحكم على خلاف القاعدة فيقتصر على مورد النص ، ولذا لو كانت المرأة محرمة ولم يكن الزوج أحرم بل كان محلا من الأوّل فطاوعت المرأة ، فلا دليل على الغرامة ، بل القاعدة تقتضي ثبوت الكفّارة عليها ، نعم إذا كانت مكرهة ليس عليها شي‌ء لعموم الإكراه.

وثبوت الكفّارة على الزوج المكره يحتاج إلى دليل خاص ، ومجرد الإكراه لا يوجب كون الكفّارة عليه ، وإنّما له موارد خاصّة ثبت بأدلّة خاصّة ، منها ما إذا أكره الزوج الصائم زوجته الصائمة.


1) الوسائل 13 : 117 / أبواب كفارات الاستمتاع ب 5 ح 1.

مسألة 225 : إذا جامع المحرم امرأته جهلاً أو نسياناً صحّت عمرته وحجّه ، ولا تجب عليه الكفّارة ، وهذا الحكم يجري في بقية المحرمات الآتية الّتي توجب الكفّارة ، بمعنى أن ارتكاب أيّ عمل على المحرم لا يوجب الكفّارة ، إذا كان صدوره منه ناشئاً عن جهل أو نسيان (1).


والحاصل الحكم في المقام مختص بالمورد المذكور ، وهو ما إذا كان الزوج محرماً أوّلاً ثمّ أحل وجامع زوجته المحرمة ، سواء كانت مطاوعة أم مكرهة ، وأمّا إذا كان الرجل غير محرم أصلاً فالحكم على القاعدة كما عرفت.

(1) جميع ما ذكرناه من الأحكام المترتبة على الجماع من الكفّارة وفساد الحجّ والعمرة وإتيان الحجّ أو العمرة في السنة القادمة أو الشهر القادم يختص بصورة العلم والعمد ، وأمّا إذا كان جاهلاً بالتحريم أو كان ناسياً عن إحرامه أو صدر منه خطأ صحّت عمرته وحجّه ولا يجب عليه شي‌ء ، للروايات الكثيرة الواردة في باب الإحرام ، منها صحيحة زرارة المتقدِّمة (1)ولصحيح عبد الصمد الوارد في من كان محرماً وعليه قميصه وكان جاهلاً ، فحكم (عليه السلام) بصحة حجّه وأنّه ليس عليه شي‌ء ثمّ قال (عليه السلام) : أيّ رجل ركب أمراً بجهالة فلا شي‌ء (2).

وربما يقال بعدم شمول هذه الروايات الجماع قبل السعي في العمرة المفردة ، نظير قواطع الصلاة فإنّها توجب بطلان الصلاة ولو صدرت خطأ أو جهلاً ، وحديث الرفع إنّما يرفع الآثار المترتبة على الفعل المنافي من الكفّارة ونحوها ، ولا يوجب صحّة العمل المأتي به الفاقد للشرط أو الواجد لمانع من الموانع ، ولذا لو ترك جزءاً من أجزاء الواجب ، أو أتى بقاطع من القواطع ولو جهلاً لا يحكم بصحّة عمله وصلاته بحديث الرفع ، ووجوب الإعادة والقضاء من آثار عدم الإتيان بالمأمور به لا من آثار


1) في ص 363 ، الوسائل 13 : 112 / أبواب كفارات الاستمتاع ب 3 ح 9.

2) الوسائل 12 : 488 / أبواب تروك الإحرام ب 45 ح 3.

ويستثنى من ذلك موارد :

1 ما إذا نسي الطّواف في الحجّ وواقع أهله ، أو نسي شيئاً من السعي في عمرة التمتّع وجامع أهله ، أو قلم أظفاره بزعم انّه محل فأحل لاعتقاده الفراغ من السعي ، وما إذا أتى أهله بعد السعي وقبل التقصير جاهلاً بالحكم.

2 من أمر يده على رأسه أو لحيته عبثاً فسقطت شعرة أو شعرتان.

3 ما إذا دهن عن جهل ، ويأتي جميع ذلك في محالها.


الإتيان بالمنافي ، ولذا لم يستشكل أحد في أنّه لو اضطر أحد إلى التكلم في صلاته تبطل ، وإن كان لا يحرم عليه التكلم لحديث الرفع ، فصحّة العمل لا تثبت بالحديث.

والجواب : أن ما ذكر وإن كان وجيهاً في نفسه من حيث الكبرى ، ولكن لا مانع من إثبات الصحّة في المقام بخصوصه ، والوجه في ذلك : أنّ المستفاد من الروايات كون وجوب البدنة لفساد العمرة ، وإذا فرضنا ارتفاع الوجوب بحديث الرفع فالفساد يرتفع أيضاً ، لارتفاع اللّازم بارتفاع الملزوم. وبعبارة اخرى : الفساد المرتفع ليس هو الفساد المطلق ، بل المرتفع الفساد الّذي يوجب الكفّارة.

وبالجملة : محرمات الإحرام سواء كانت جماعاً أو غيره إنّما يترتب عليها شي‌ء في صورة العلم والعمد ، وأمّا في صورة الجهل بالحكم أو النسيان أو الخطأ فلا شي‌ء على المحرم للروايات العامة والخاصّة.

نعم ، يستثني من ذلك موارد سيأتي جميع ذلك في محالها إن شاء اللّه تعالى.

3 - تقبيل النساء

مسألة 226 : لا يجوز للمحرم تقبيل زوجته عن شهوة ، فلو قبّلها وخرج منه المني فعليه كفّارة بدنة أو جزور ، وكذلك إذا لم يخرج منه المني على الأحوط ، وأمّا إذا لم يكن التقبيل عن شهوة فكفارته شاة (1).


(1) يستفاد حرمة تقبيل الزوجة عن شهوة من الروايات الواردة في كيفية الإحرام كقوله (عليه السلام) في صحيحة معاوية بن عمار في حديث «أحرم لك شعري ولحمي ودمي وعظامي ومخي وعصبي من النِّساء والثياب والطيب» (1)فانّ المستفاد من هذه الكلمات حرمة مطلق الاستمتاع بجميع أعضائه وعدم اختصاصها بالعضو الخاص ، فجميع ما يستمتع به حرام لا خصوص الجماع المختص ببعض الأعضاء ، بل الإحرام يجري بالنسبة إلى جميع الأعضاء.

وكذا يستفاد التحريم من روايات الإحلال وأنّ المحرم إذا حلق يحل له كل شي‌ء إلّا النِّساء والطيب ، وما ورد أنّه تحرم عليه النِّساء ما لم يطف طواف النِّساء (2)فان المستفاد من هذه النصوص أنّ الممنوع مطلق الاستمتاع بالنِّساء حتّى التقبيل ، وإنّما يحل له كل ذلك بعد الحلق وطواف النِّساء.

ويؤيّد ذلك ما ورد في النظر إلى المرأة عن شهوة على ما سيأتي ، فيعلم أن جميع أنواع الاستمتاع محرمة ، فانّ النظر أقل أفراد الاستمتاع ، فإذا حرم حرم غيره بالأولوية القطعية. ويؤكد ذلك أيضاً منع الرجل إنزال امرأته من المحمل وضمها بشهوة كما في صحيح سعيد الأعرج (3).

وبالجملة : لا خلاف في كون المحرم ممنوعاً من جميع أنواع الاستمتاعات بالنِّساء ،


1) الوسائل 12 : 304 / أبواب الإحرام ب 16 ح 1.

2) الوسائل 14 : 232 و 236 / أبواب الحلق والتقصير ب 13 ، 14.

3) الوسائل 12 : 436 / أبواب تروك الإحرام ب 13 ح 2.

.................................................................................................


هذا من حيث الحكم التكليفي.

وأمّا من حيث الحكم الوضعي ووجوب الكفّارة ففي بعض الروايات أنّها بدنة كصحيحة الحلبي «قلت : فان قبّل ، قال : هذا أشد ينحر بدنة» (1)وفي بعض آخر «ومن قبّل امرأته على شهوة فأمنى فعليه جزور». كصحيحة مسمع (2)ومن ثمّ أطلق بعضهم ولم يقيده بالامناء كالمحقق في الشرائع (3)، وبعض قيّد وجوب البدنة بالامناء حملاً للمطلق على المقيد ، واحتطنا احتياطاً وجوبياً في المتن في وجوب البدنة وإن لم يخرج منه المني ، وهو في محلِّه إن لم يكن أقوى ، والوجه في ذلك : أن حمل المطلق وهو رواية الحلبي على المقيّد وهو خبر مسمع وإن كان ممّا يقتضيه القاعدة ومقتضاه وجوب الجزور فيما إذا أمنى بعد التقبيل ، والبدنة والجزور شي‌ء واحد ، وإنّما سمي الجزور بدنة لسمنه وكبر جثته ، ولكن التقييد في المقام بعيد جدّاً لأمرين :

أحدهما : أن ترتب الامناء على مجرد التقبيل عن شهوة نادر جدّاً فحمل الرواية على هذه الصورة حمل على الفرد النادر.

ثانيهما : لو قيّدنا التقبيل في صحيح الحلبي بالامناء ينافي صدر الرواية ، لأن مقتضى الصدر ثبوت الكفّارة على المس بشهوة ، فقال : فيه دم شاة ثمّ سأله عن القبلة فقال : هذا أشد ينحر بدنة ومقتضاه أنّ التقبيل في نفسه أشد ، ولو حملناه على صورة الامناء فلازمه أشديته لأجل الامناء ، لا لأشدية نفس القبلة ، مع أنّ الظاهر أنّ التقبيل بنفسه أشد ، فلو كان في التقبيل وحده بدون الامناء شاة لكان حكمه متحداً مع الصدر ، مع أنّ الظاهر أنّ حكمه يختلف عن الصدر لكونه أشد في نفسه عن المس ، فالحكم بالبدنة أو جزور إن لم يكن أقوى فلا ريب في كونه أحوط.

وأمّا التقبيل بلا شهوة فعليه دم شاة كما ورد في صحيح مسمع.


1) الوسائل 13 : 138 / أبواب كفارات الاستمتاع ب 18 ح 1.

2) الوسائل 13 : 138 / أبواب كفارات الاستمتاع ب 18 ح 3.

3) الشرائع 1 : 341.

مسألة 227 : إذا قبّل الرجل بعد طواف النِّساء امرأته المحرمة فالأحوط أن يكفّر بدم شاة (1).


(1) يدل على ذلك روايتان :

الاولى : ما رواه الشيخ عن زرارة في حديث «أنّه سأل أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل قبّل امرأته وقد طاف طواف النِّساء ولم تطف هي ، قال : عليه دم يهريقه من عنده» (1).

الثانية : ما رواه الكليني في الصحيح عن معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (2)ومضمونها لا يختلف عن الاولى ، ولكن الأُولى ضعيفة بعلي بن السندي الواقع في السند ، وأمّا الثانية فهي صحيحة سنداً ولا مانع من العمل بها والإفتاء بمضمونها ، فيكون المقام نظير الرجل المحل إذا جامع زوجته المحرمة من ثبوت الكفّارة عليها ، ولكن على الرجل أن يغرمها ، وكذا المولى المحل إذا جامع أمته المحرمة إلّا أنّه مع ذلك احتطنا في المتن ولم نفت بمضمونها ، وذلك لشذوذ الرواية وإعراض الأصحاب بأجمعهم عنها ، ونحن وإن لم نر الاعراض مسقطاً للحجية ولكن ذلك في إعراض المشهور لا في الاعراض المطبق وإعراض الجميع بحيث لم يفت أحد من الأصحاب بمضمونها أصلاً فإن ذلك يوجب سقوط الرواية عن الحجية.

على أنّه لا موجب للكفارة في المقام أصلاً ، ولا يقاس بجماع المحل زوجته المحرمة ، وذلك لأنّ الجماع محرم عليهما فإذا أحل الزوج فالحرمة باقية بالنسبة إلى المرأة المحرمة ، وهذا بخلاف التقبيل فإنّ الحرمة ثابتة على الرجل المحرم فقط ، وأمّا تقبيل المرأة المحرمة زوجها فليس فيه شي‌ء ، لاختصاص النصوص المانعة بتقبيل الرجل المحرم زوجته ، والكفّارة تترتب على تقبيل الرجل المحرم ولا تثبت في تقبيل المرأة المحرمة زوجها ، فإذا خرج الرجل من الإحرام وأحل من كل شي‌ء فلا مانع له من


1) الوسائل 13 : 140 / أبواب كفارات الاستمتاع ب 18 ح 7.

2) الكافي 4 : 378 / 3 ، الوسائل 13 : 139 / أبواب كفارات الاستمتاع ب 18 ح 2.

4 - مسّ النِّساء

مسألة 228 : لا يجوز للمحرم أن يمس زوجته عن شهوة ، فإن فعل ذلك لزمته كفّارة ، فإذا لم يكن المس عن شهوة فلا شي‌ء عليه (1).


التقبيل ، فلا بدّ من رد علم هذه الرواية إلى أهلها ، وقد عرفت أنّه لم يفت أحد فيما نعلم بمضمونها.

(1) يدل على حرمة مسّ الزوج زوجته عن شهوة ما تقدّم من الروايات الدالّة على حرمة مطلق الاستمتاع بالنِّساء وطياً وتقبيلاً ، ولمساً ونظراً بشهوة (1)ويستفاد ذلك أيضاً من عدّة روايات :

منها : صحيحة الحلبي «المحرم يضع يده على امرأته ، قال : لا بأس قلت : فينزلها من المحمل ويضمها إليه ، قال : لا بأس ، قلت : فإنّه أراد أن ينزلها من المحمل ، فلما ضمّها إليه أدركته الشهوة ، قال : ليس عليه شي‌ء إلّا أن يكون طلب ذلك» (2).

ومنها : صحيح سعيد الأعرج «أنّه سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل ينزل المرأة من المحمل فيضمها إليه وهو محرم ، فقال : لا بأس إلّا أن يتعمد ، وهو أحق أن ينزلها من غيره» (3)والضم ونحوه من مصاديق المس.

وأمّا إذا كان المس عن غير شهوة فلا يحرم ولا كفّارة عليه ، فالعبرة بالمس عن شهوة ، فإن كان عن شهوة فلا يجوز وعليه الكفّارة وإن لم يكن عن شهوة فيجوز وليس عليه الكفّارة ، ويدلُّ على كلا الحكمين صحيح مسمع أبي سيار قال : «قال لي أبو عبد اللّه (عليه السلام) : يا أبا سيار إن حال المحرم ضيقة إلى أن قال - : ومن مسّ


1) تقدّمت في ص 382.

2) الوسائل 13 : 137 / أبواب كفارات الاستمتاع ب 17 ح 5.

3) الوسائل 12 : 436 / أبواب تروك الإحرام ب 13 ح 2.

.................................................................................................


امرأته بيده وهو محرم على شهوة فعليه دم شاة ، ... ومن مسّ امرأته أو لازمها عن غير شهوة فلا شي‌ء عليه» (1)ومقتضى إطلاقه عدم الفرق في الفرضين بين الامناء وعدمه ، فان قوله : «ومن مسّ امرأته إلخ» يشمل ما لو تعقب ذلك الامناء أم لا.

وأمّا ما في بعض الروايات من تقييد المس بالامناء كما في صحيح معاوية بن عمار «وإن حملها أو مسّها بشهوة فأمنى أو أمذى فعليه دم» (2)فإنّه بالمفهوم يدل على عدم ثبوت الكفّارة في صورة عدم الامناء ، فيقيد إطلاق صحيح مسمع المتقدِّم.

ففيه : ما عرفت في باب التقبيل ، من أن تقييد المس بصورة الانزال يستلزم الحمل على الفرد النادر ، فان قل ما يتفق الانزال بعد التقبيل أو مجرد المس عن شهوة فلا بدّ من رفع اليد من التقييد.

ويؤيّد ما ذكرنا ذكر الإمذاء في صحيح معاوية بن عمار ، مع أنّه لا يترتب عليه أي أثر شرعي ، فقوله (عليه السلام) : «فأمنى أو أمذى» في حكم ما إذا قال أمنى أو لم يمن ، فيكون مطابقاً لمدلول صحيح مسمع.

بل قد صرّح بالإطلاق وعدم الفرق بين الامناء وعدمه في صحيح محمّد بن مسلم قال : «إن كان حملها أو مسّها بشي‌ء من الشهوة فأمنى أو لم يمن ، أمذى أو لم يمذ فعليه دم يهريقه» (3)فقد جعل فيه موضوع الحكم مجرد المس عن شهوة ، فالعبرة بالمس عن شهوة سواء أمنى أو لم يمن ، فلا كلام في دلالة الرواية على هذا الحكم.

وأمّا من حيث السند فقد رويت بطرق ثلاثة :

الأوّل : ما رواه الشيخ عن موسى بن القاسم عن علي بن أبي حمزة عن حماد عن حريز عن محمّد بن مسلم (4)، وهذا الاسناد ضعيف جدّاً ، لوجود علي بن أبي حمزة البطائني فيه ، وهو الكذّاب المشهور.


1) الوسائل 13 : 136 / أبواب كفارات الاستمتاع ب 17 ح 3.

2) الوسائل 13 : 136 / أبواب كفارات الاستمتاع ب 17 ح 1.

3) الوسائل 13 : 136 / أبواب كفارات الاستمتاع ب 17 ح 6.

4) التهذيب 5 : 326 / 1118.

5 - النظر إلى المرأة وملاعبتها

مسألة 229 : إذا لاعب المحرم امرأته حتّى يمني لزمته كفّارة بدنة (1) ،


الثاني : ما رواه الصدوق عن محمّد بن مسلم (1)وهو أيضاً ضعيف ، لوجود علي بن أحمد بن عبد اللّه بن أحمد بن أبي عبد اللّه عن أبيه في الطريق ، وهما لم يوثقا.

الثالث : ما رواه الشيخ عن موسى بن القاسم عن عبد الرّحمن عن علاء عن محمّد ابن مسلم (2)، وهذا الطريق صحيح ورجاله ثقات ، وأمّا عبد الرّحمن فهو مردّد بين عبد الرّحمن بن سيابة وعبد الرّحمن بن أبي نجران ، والظاهر أنّه عبد الرّحمن بن أبي نجران لرواية موسى بن القاسم عنه ورواية عبد الرّحمن عن علاء ، وأمّا عبد الرّحمن بن سيابة وإن يروي عنه موسى بن القاسم ، ولكن هو لا يروي عن علاء.

فتحصل : أنّ العبرة بالمس عن شهوة أمنى أو لم يمن.

وأمّا إذا كان المس من غير شهوة فلا شي‌ء عليه وإن أمنى ، ويدلُّ على ذلك صحيح معاوية بن عمار المتقدِّم «وإن حملها من غير شهوة فأمنى أو أمذى وهو محرم فلا شي‌ء عليه» (3)وصحيح محمّد بن مسلم المتقدِّم «فان حملها أو مسّها لغير شهوة فأمنى أو أمذى فليس عليه شي‌ء» (4).

(1) من لاعب امرأته وأمنى يجب عليه مثل ما على المجامع من الكفّارة ، لصحيح ابن الحجاج قال : «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل يعبث بأهله وهو محرم حتّى يمني من غير جماع ، أو يفعل ذلك في شهر رمضان ماذا عليهما؟ قال : عليهما جميعاً الكفّارة مثل ما على الّذي يجامع» (5)وقد تقدّم أن كفّارة الجماع بدنة مع اليسر


1) الفقيه 2 : 214 / 972.

2) التهذيب 5 : 326 / 1120.

3) الوسائل 13 : 135 / أبواب كفارات الاستمتاع ب 17 ح 1.

4) الوسائل 13 : 137 / أبواب كفارات الاستمتاع ب 17 ح 6.

5) الوسائل 13 : 131 / أبواب كفارات الاستمتاع ب 14 ح 1.

وإذا نظر إلى امرأة أجنبية عن شهوة أو غير شهوة فأمنى وجبت عليه الكفّارة وهي بدنة أو جزور على الموسر ، وبقرة على المتوسط ، وشاة على الفقير ، وأمّا إذا نظر إليها ولو عن شهوة ولم يمن ، فهو وإن كان مرتكباً لمحرم إلّا أنّه لا كفّارة عليه (1).


ومع العجز عنها شاة كما في صحيح ابن جعفر (1)ولكن لم نتعرض لهذا التفصيل في المتن ، لأن غرضنا كان إثبات كفّارة بدنة عليه في الجملة ولم نذكر فرض العجز عنها ، كما أنّ الفقهاء أيضاً صنعوا كذلك ، ومنهم المحقق في الشرائع فإنّه (قدس سره) ذكر : وكذا أي يجب عليه الجزور لو أمنى عن ملاعبة (2)، ولم يتعرض لفرض العجز عن البدنة.

(1) النظر قد يكون إلى الأجنبية وقد يكون إلى الزوجة ، والنظر إلى الأجنبية قد يترتب عليه الامناء وقد لا يترتب عليه ، وقد يكون النظر إلى كل منهما عن شهوة أو عن غير شهوة.

أمّا النظر إلى الأجنبية فالعبرة بالنظر الّذي يكون سبباً للإمناء ، فإذن لا فرق بين ما إذا كان عن شهوة أو غير شهوة ، والكفّارة مخيرة بين جزور وبقرة ، فان لم يجد فشاة كما هو الظاهر من صحيح زرارة «عن رجل محرم نظر إلى غير أهله فأنزل ، قال : عليه جزور أو بقرة ، فان لم يجد فشاة» (3)ولكن في معتبرة أبي بصير ورد فيها الترتيب ، قال : «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : رجل محرم نظر إلى ساق امرأة فأمنى ، فقال : إن كان موسراً فعليه بدنة ، وإن كان وسطاً فعليه بقرة ، وإن كان فقيراً فعليه شاة ، ثمّ قال : أمّا إنّي لم أجعل عليه هذا لأنّه أمنى ، إنّما جعلته عليه لأنّه نظر إلى ما لا يحلّ له» (4)فتكون مقيّدة بصحيحة زرارة المتقدِّمة ، ونرفع اليد عن ظهور صحيحة


1) الوسائل 13 : 115 / أبواب كفارات الاستمتاع ب 3 ح 16.

2) الشرائع 1 : 341.

3) الوسائل 13 : 133 / أبواب كفارات الاستمتاع ب 16 ح 1 و 2.

4) الوسائل 13 : 133 / أبواب كفارات الاستمتاع ب 16 ح 1 و 2.

.................................................................................................


زرارة في التخيير بصراحة هذه في الترتيب.

وأيضاً ورد في حسنة معاوية بن عمار «في محرم نظر إلى غير أهله فأنزل ، قال : عليه دم لأنّه نظر إلى غير ما يحل له» (1)فإن إطلاق الأمر بالدم يقيد بما في معتبرة أبي بصير ، فالنتيجة هي الترتيب كما في المتن استناداً إلى رواية أبي بصير ، وأمّا تشخيص كون المحرم موسراً أو وسط الحال أو كونه فقيراً فهو موكول إلى العرف.

ثمّ إنّ المذكور في الرواية المتقدِّمة إنّما جعل الكفّارة عليه للنظر المحرّم لا للإمناء والظاهر أن مرادهم (عليهم السلام) أنّ الحكم بالكفّارة لم يجعل لمجرد الامناء بل للإمناء المترتب على النظر المحرم ، فموضوع الحكم بوجوب الكفّارة النظر المنتهى إلى الامناء ، لا الامناء فقط ولو كان خالياً عن النظر المحرم ولا النظر المحرم وحده.

وبالجملة : ليس معنى الرواية أن مجرد ارتكاب الحرام يوجب الكفّارة ، بل معناها : أنّ النظر المحرم المترتب عليه الامناء يوجب الكفّارة ، ويدلُّ على ما ذكرنا صحيحة معاوية بن عمار «في محرم نظر إلى غير أهله فأنزل ، قال : عليه دم ، لأنّه نظر إلى غير ما يحل له ، وإن لم يكن أنزل فليتق اللّه ولا يعد ، وليس عليه شي‌ء» (2)فإنّها تدل صريحاً على أنّ النظر المحرم المجرّد عن الامناء لا يوجب عليه شيئاً أي كفّارة وإن ارتكب أمراً محرماً لقوله (عليه السلام) «فليتق اللّه ولا يعد».

ثمّ إنّه ربّما يقال بأن هذه الرواية لم تكن عن الامام (عليه السلام) بل ولا هي مضمرة ، وإنّما هي رواية عن نفس معاوية بن عمار فلا تصلح للحجية.

وفيه ما لا يخفى : فانّ المطمأن به أن هذه الرواية من تتمات رواية معاوية بن عمار الأُخرى الّتي ذكر فيها حكم النظر إلى الزوجة ، فإنّهما بسند واحد وهو من التعليق على السند الأوّل ، والتقطيع إنّما صدر من الكليني وذكرهما في باب واحد (3)، وقد


1) الوسائل 13 : 135 / أبواب كفارات الاستمتاع ب 16 ح 5.

2) الوسائل 13 : 135 / أبواب كفارات الاستمتاع ب 16 ح 5.

3) الكافي 4 : 375 / 1 ، 377 / 8 ، الوسائل 13 : 135 / أبواب كفارات الاستمتاع ب 17 ح 1.

مسألة 230 : إذا نظر المحرم إلى زوجته عن شهوة فأمنى وجبت عليه الكفّارة وهي بدنة أو جزور ، وأمّا إذا نظر إليها بشهوة ولم يمن ، أو نظر إليها بغير شهوة فأمنى فلا كفّارة عليه (1).


التزم الكليني في خطبة الكتاب أن لا يروي في الأحكام والسنن إلّا عن الصادقين (عليهم السلام) فكيف يروي عن معاوية بن عمار رأيه وقوله مع التزامه في الكتاب أن لا يروي إلّا عن الأئمة (عليهم السلام).

(1) النظر إلى الزوجة إذا لم يكن عن شهوة ولم يكن موجباً لخروج المني فلا إشكال فيه أصلاً ، وقد دلّت عليه النصوص الدالّة على جواز ضمّها وإنزالها من المحمل ونحو ذلك (1)، وكذا يدل عليه صحيح الحلبي (2).

وأمّا إذا كان عن شهوة فأمنى فلا ريب في الحرمة وثبوت الكفّارة عليه ، ويدلُّ على الحرمة ما دلّ من النصوص على حرمة جميع الاستمتاعات بالنِّساء كقوله (عليه السلام) : «أحرم لك شعري وبشري ولحمي ودمي من النِّساء والثياب ... (3)إلى آخر الدُّعاء» فانّ المستفاد من هذه العبارة حرمة مطلق الاستمتاع بالزوجة. ويدلُّ عليها أيضاً ملازمة ثبوت الكفّارة للحرام في خصوص المقام ، فإنّه وإن لم نقل بالملازمة بين الأمرين في غير هذا المقام ولكن لا بدّ من الالتزام بها في خصوص المقام ، وذلك لأنّ الكفّارة في المقام ثابتة وهي جزور كما في صحيحة مسمع (4)وبدنة كما في صحيحة معاوية بن عمار (5)وهما شي‌ء واحد على ما عرفت ، والمستفاد من صحيحة أبي بصير المتقدِّمة (6)أنّ الحكم بالكفّارة إنّما جعل لأجل ارتكاب الحرام وهو النظر إلى ما لا


1) الوسائل 13 : 136 / أبواب كفارات الاستمتاع ب 17 ح 3 ، 5.

2) الوسائل 12 : 436 / أبواب تروك الإحرام ب 13 ح 1.

3) الوسائل 12 : 409 / أبواب الإحرام ب 52 ح 2.

4) الوسائل 13 : 136 / أبواب كفارات الاستمتاع ب 17 ح 3.

5) الوسائل 13 : 135 / أبواب كفارات الاستمتاع ب 17 ح 1.

6) في ص 388.

.................................................................................................


يحل له ، فيستكشف من ذلك أنّ النظر عن شهوة مع الامناء محرم شرعاً.

وأمّا إذا نظر إليها بشهوة ولم يمن فمحرّم شرعاً أيضاً ، لما دلّ على حرمة مطلق الاستمتاع بالنِّساء ، ولكن لا كفّارة عليه لمفهوم قوله : في صحيحة أبي سيار «ومن نظر إلى امرأته نظر شهوة فأمنى ، عليه جزور» (1)ومفهومه من نظر إليها بشهوة ولم يمن فليس عليه جزور ، وكذلك يدل على ذلك مفهوم ذيل صحيح معاوية بن عمار «في المحرم ينظر إلى امرأته أو ينزلها بشهوة حتّى ينزل ، قال : عليه بدنة» (2)فانّ المفهوم من ذلك إن لم ينزل ليس عليه شي‌ء.

وأمّا عدم ثبوت الكفّارة في مورد النظر عن غير شهوة فيدل عليه صدر صحيح معاوية بن عمار «عن محرم نظر إلى امرأته فأمنى أو أمذى وهو محرم ، قال : لا شي‌ء عليه ولكن ليغتسل ويستغفر ربّه» وقد حمله الشيخ على صورة عدم الشهوة (3)وهو الصحيح وإلّا لكان منافياً للذيل «في المحرم ينظر إلى امرأته أو ينزلها بشهوة حتّى ينزل ، قال : عليه بدنة» فمدلول صدر الصحيحة أن من نظر إلى امرأته بلا شهوة ليس عليه شي‌ء وإن سبقه المني بلا اختيار ، ومدلول الذيل أن من نظر إليها بشهوة عليه بدنة ، فالذيل قرينة قطعية على أنّ المراد بالصدر النظر إلى الزوجة بلا شهوة ، ويستفاد عدم ثبوت الكفّارة للنظر بلا شهوة من مفهوم قوله : «ومن نظر إلى امرأته نظر شهوة فأمنى فعليه جزور» كما في صحيحة أبي سيار.

فتحصل : أنّ النظر إذا كان عن شهوة واستعقب المني فمحرم شرعاً وعليه الكفّارة ، وإن كان النظر عن شهوة بلا أمناء فمحرم شرعاً ولا كفّارة عليه ، وإن لم يكن عن شهوة وأمنى بلا اختيار فجائز ولا كفّارة عليه أيضاً.

وربّما يقال بأن قوله : «ويستغفر ربّه» كما في صحيح معاوية بن عمار يدل على


1) الوسائل 13 : 136 / أبواب كفارات الاستمتاع ب 17 ح 3.

2) الوسائل 13 : 135 / أبواب كفارات الاستمتاع ب 17 ح 1.

3) التهذيب 5 : 325.

.................................................................................................


حرمة النظر وإن لم يكن عن شهوة ، لأنّ الاستغفار ظاهر في ارتكاب المعصية وإلّا فلا مورد للاستغفار.

وفيه : ما يظهر من استعمال الاستغفار في القرآن والروايات والأدعية المأثورة عن الأئمة (عليهم السلام) عدم اعتبار ارتكاب الذنب في الاستغفار ، بل يصح الاستغفار في كل مورد فيه حزازة ومرجوحية وإن لم تبلغ مرتبة الذنب والمعصية ولو بالإضافة إلى صدور ذلك من الأنبياء والأئمة ، فإنّهم ربّما يرون الاشتغال بالمباحات والأُمور الدنيوية منقصة ويعدونه خطيئة ، وقد ورد الاستغفار في كثير من الآيات الكريمة في موارد لا يمكن فيها ارتكاب المعصية ، كقوله تعالى مخاطباً لنبيّه (صلّى اللّه عليه وآله» ( فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ ) (1)وقوله تعالى ( وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ راكِعاً وَأَنابَ ) (2)وقول نوح ( رَبِّ اغْفِرْ لِي ) (3)وكذلك قول سليمان ( قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً ) (4).

وبالجملة : المستفاد من الاستغفار الوارد في الكتاب العزيز والروايات الشريفة والأدعية المأثورة عدم لزوم ارتكاب الذنب في مورد الاستغفار ، بل قد يتعلق بالذنب وقد يتعلق بغيره ممّا فيه حزازة ومرجوحية بل قد ورد الأمر بالاستغفار في مورد النسيان الّذي لا يكون ذنباً كصحيح زرارة المروي في باب 4 من أبواب بقية كفارات الإحرام ح 1 (5).

ثمّ إن صاحب الوسائل ذكر في عنوان الباب السابع عشر من كفارات الاستمتاع ثبوت الكفّارة في النظر بشهوة إلى زوجته فأمنى أو لم يمن (6)، وقد عرفت أنّه لا دليل


1) النصر 110 : 3.

2) ص 38 : 24.

3) نوح 71 : 38.

4) ص 38 : 35.

5) الوسائل 13 : 150 / أبواب بقية الكفّارات ب 4 ح 1.

6) الوسائل 13 : 135 / أبواب بقية كفارات الإحرام ب 17.

.................................................................................................


على ثبوت الكفّارة في صورة النظر بشهوة ولا أمناء ، وإنّما تترتب الكفّارة على المس بشهوة أمنى أو لم يمن ، فإلحاق النظر بالمس ممّا لا وجه له أصلاً.

فتلخص : أن مقتضى صحيح معاوية بن عمار وصحيح أبي سيار ثبوت الكفّارة وهي بدنة أو جزور على من نظر إلى زوجته بشهوة فأمنى ، وبإزائهما موثق إسحاق ابن عمار الدال على أنّه ليس عليه شي‌ء «في محرم نظر إلى امرأته بشهوة فأمنى ، قال : ليس عليه شي‌ء» (1)وقد حمله الشيخ على السهو ونسيان الإحرام دون العمد (2)ولكنّه بعيد ، لأنّ الظاهر أنّ السؤال عن المحرم بما هو محرم وملتفت إلى إحرامه لا ذات المحرم وشخصه.

وذكر في الجواهر أنّ الموثق لا يقاوم ما دلّ على ثبوت الكفّارة من وجوه (3)، ولم نعرف الوجوه الّتي كانت في نظره الشريف.

والصحيح أن يقال : إنّ الموثقة مهجورة ومتروكة عند جميع الأصحاب ، وقد تسالموا على عدم العمل بها ، ولا ريب أن ذلك يسقط الرواية عن الحجية وإن لم نلتزم ذلك في إعراض المشهور.

والّذي أطمئن به شخصياً صدور هذه الموثقة تقية ، ولم أر من تنبه لذلك ، والوجه في ذلك أنّه يظهر من ابن قدامة في المغني عند تعرّضه لهذه المسألة شهرة القول بعدم الكفّارة عند فقهاء العامة ، حيث ينسب القول بثبوت الكفّارة إلى ابن عباس فقط ونسب القول بالعدم إلى الأحناف والشافعية (4)، ولم يتعرض لآراء بقيّة الفقهاء فيكشف ذلك شهرة القول بالعدم عند العامة ، فالرواية صادرة تقية ، ولا أقل من أن هذا القول يشبه فتاواهم فتسقط الرواية عن الحجية.


1) الوسائل 13 : 138 / أبواب كفارات الاستمتاع ب 17 ح 7.

2) التهذيب 5 : 327.

3) الجواهر 20 : 388.

4) المغني 3 : 329 330.

مسألة 231 : يجوز استمتاع المحرم من زوجته في غير ما ذكر على الأظهر ، إلّا أنّ الأحوط ترك الاستمتاع منها مطلقاً (1).

6 - الاستمناء

مسألة 232 : إذا عبث المحرم بذكره فأمنى فحكمه حكم الجماع ، وعليه فلو وقع ذلك في إحرام الحجّ قبل الوقوف بالمزدلفة وجبت الكفّارة ، ولزم إتمامه وإعادته في العام القادم ، كما أنّه لو فعل ذلك في عمرته المفردة قبل الفراغ من السعي بطلت عمرته ولزمه الإتمام والإعادة على ما تقدّم ، وكفّارة الاستمناء كفّارة الجماع ، ولو استمنى بغير ذلك كالنظر والخيال وما شاكل ذلك فأمنى لزمته الكفّارة ، ولا تجب إعادة حجه ولا تفسد عمرته على الأظهر ، وإن كان الاولى رعاية الاحتياط (2).


(1) إنّ المذكور في الروايات المانعة عن الاستمتاع بالزوجة النظر بشهوة والملاعبة والمسّ والتقبيل ، وفي بعضها وجبت الكفّارة ولو كان عن غير أمناء ، وفي بعضها الكفّارة إذا كان مع الامناء كالنظر فالمحرّم شرعاً هذه الاستمتاعات ، وأمّا غير ذلك من الاستمتاعات كالاستلذاذ بصوتها أو من مجالستها والتكلم معها فالظاهر عدم الحرمة ، فإنّه وإن قلنا بحرمة الاستمتاع من النِّساء على الإطلاق إلّا أنّه منصرف إلى المذكور في الروايات ، والاستمتاع بالصوت ونحوه خارج عن تلك الأدلّة.

ويؤكد ما ذكرنا : أن بقية الاستمتاعات كانت أمراً متعارفاً عند الناس ، ومع ذلك لم يسألوا عنها الإمام (عليه السلام) ومن الواضح أن حرمة الاستمتاع بالصوت لم تكن أمراً واضحاً بحيث لا يحتاج إلى السؤال ولم يكن أوضح من التقبيل والنظر.

وبالجملة : عدم السؤال عن حكم بقية الاستمتاعات المتعارفة يكشف عن جوازها وإلّا لوقع السؤال عنها كما سألوا عن المذكورات في النصوص.

(2) لا ريب في أنّ الاستمناء يوجب الكفّارة حتّى لو قلنا بأنّ الاستمناء جائز في

.................................................................................................


نفسه ، وكفّارة الاستمناء كفّارة الجماع.

يدل عليه صحيح عبد الرّحمن المتقدِّم (1)«عن الرجل يعبث بأهله وهو محرم حتّى يمني من غير جماع ، أو يفعل ذلك في شهر رمضان ماذا عليهما؟ قال : عليهما جميعاً الكفّارة مثل ما على الّذي يجامع» (2).

فانّ المستفاد منه أنّ الإمناء الاختياري موجب للكفارة ، وأن كفارته مثل ما على المجامع في باب الحجّ والصوم ، لا لخصوصية الملاعبة ، وإنّما ذكر خصوص الملاعبة من باب المثال وأنّها من أسباب خروج المني ، فإنّ الظاهر أنّ السؤال والجواب ناظران إلى جهة الامناء لا إلى نفس الملاعبة ، كما هو الحال في الصحيحة الواردة في كتاب الصوم «عن الرجل يعبث بأهله في شهر رمضان حتّى يمني ، قال : عليه من الكفّارة مثل ما على الّذي يجامع» (3). فانّ المستفاد منه أنّ الاستمناء مفطر وموجب للكفارة ولا خصوصية للعبث بأهله ، ولذا ذهب الفقهاء إلى أنّ الاستمناء في نفسه مفطر وممّا يوجب الكفّارة.

وبالجملة : المستفاد من الصحيحين أنّ الإمناء مما يترتب عليه الحكم بالكفّارة في باب الصوم والحجّ ولا خصوصية للملاعبة الموجبة للإمناء ، ونظير ذلك ما ذكرناه (4)في ميراث المتوارثين إذا ماتا ولم يعلم السابق واللّاحق ، فانّ النصوص وإن وردت في الغرقى والمهدوم عليه (5)ولكن الحكم بالتوارث بينهما لا يختص بالغرقى والمهدوم عليه ، بل يجري في كل مورد لم يعلم السابق واللّاحق منهما ولو ماتا بسبب غير الغرق والهدم كالقتل في معركة القتال واصطدام السيارة وسقوط الطائرة ونحو ذلك ، لعموم التعليل الوارد في النصوص وأنّ الميزان عدم العلم بسبق موت أحدهما على الآخر


1) في ص 387.

2) الوسائل 13 : 131 / أبواب كفارات الاستمتاع ب 14 ح 1.

3) الوسائل 10 : 39 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 4 ح 1.

4) في منهاج الصالحين 2 : 381.

5) الوسائل 26 : 307 / أبواب ميراث الغرقى والمهدوم عليهم ، ب 1.

7 - عقد النِّكاح

مسألة 233 : يحرم على المحرم التزويج لنفسه أو لغيره ، سواء أكان ذلك الغير محرماً أم كان محلّا ، وسواء كان التزويج تزويج دوام أم كان تزويج انقطاع ويفسد العقد في جميع هذه الصور (1).


فانّ الظاهر أنّ السؤال ناظر إلى هذه الجهة ولا خصوصية للغرق والهدم.

فالمتفاهم من النص أنّ الميزان في الحكم بالكفّارة هو طلب الإمناء بأيّ نحو ومن أيّ سبب كان ولو بالنظر والتفكر والخيال وما شاكل ذلك ، نعم لو طلب الامناء بالعبث بيده عليه كفّارة المجامع والحجّ من قابل كما في النص (1).

(1) لا خلاف بين الأصحاب في حرمة تزويج المحرم لنفسه أو لغيره محلا كان الغير أو محرماً ، كما لا خلاف في فساده ، ويدلُّ عليه النصوص ، أظهرها صحيح ابن سنان «ليس للمحرم أن يتزوج ولا يزوج ، وإن تزوج أو زوج محلا فتزويجه باطل» (2)من دون فرق بين التزويج الدائم أو المنقطع ، لصدق التزويج على كليهما ، كما لا فرق في الحكم بالبطلان بين العلم والجهل ، كما إذا جهل بطلان العقد حال الإحرام أو نسي إحرامه ، لإطلاق النص.

ثمّ إنّ الصحيحة المتقدِّمة الّتي ذكرناها إنّما هي على طبق ما نقله في الوسائل من العطف بالواو في قوله : «وإن تزوج ...» فحينئذ يحتمل أن يكون تأكيداً لما قبله فتكون الرواية صدراً وذيلاً دالّة على الحكم الوضعي أي الفساد ، فلا دلالة في الصحيحة على تحريم التزويج ، إلّا أن نسخة الوسائل غلط جزماً ، فإنّ الجملة الثانية معطوفة على الجملة الأُولى بالفاء قال : «فان تزوج» كما في التهذيب في الطبعة القديمة والجديدة (3)


1) الوسائل 13 : 132 / أبواب كفارات الاستمتاع ب 15 ح 1.

2) الوسائل 12 : 436 / أبواب تروك الإحرام ب 14 ح 1.

3) التهذيب 5 : 328 / 1128.

.................................................................................................


وفي الفقيه (1)وفي الاستبصار (2)فتكون دلالة الصحيحة على التحريم أظهر من العطف بالواو ، لأنّ العطف بالواو وإن يحتمل فيه التأكيد ، وأمّا العطف بالفاء كما في الكتب الثلاثة فلا يمكن فيه التأكيد ، لأنّ الظاهر من الفاء هو التفريع ولا معنى للتفريع على نفسه ، فإذا أُريد من الجملة الأُولى أي قوله : «ليس للمحرم» البطلان فلا معنى لقوله ثانياً «وإن زوج فتزويجه باطل». بل الصحيح أنّ المراد بقوله : «ليس للمحرم» هو التحريم ثمّ فرّع عليه «فان تزوج فباطل» نظير تفريع بطلان النكاح بالمحرمات على حرمة النكاح بهنّ.

وإذا وكّل أحداً في التزويج فزوّجه الوكيل حال الإحرام بطل ، لأن فعل الوكيل فعل الموكّل نفسه ، نعم لو زوّجه بعد الخروج من الإحرام فلا إشكال فيه ، لأنّ الممنوع التزويج حال الإحرام لا التوكيل في حال الإحرام ، ولو انعكس الأمر بأن وكّله في حال الحلال وزوّجه في حال الإحرام بطل ، لأن فعل الوكيل فعل نفس الموكّل فكأنّ الموكّل بنفسه تزوج في حال الإحرام.

ولو عقد له فضولي وأجاز الزوج حال الإحرام بطل ، لأنّ التزويج يستند إليه بالإجازة حال الإحرام ، ولو أجاز بعد الإحرام فلا مانع من صحّة التزويج ، أمّا على النقل فالأمر واضح ، لأنّ الزوجية تحصل بعد الإحرام ، ومجرد الإنشاء الصادر من الفضولي حال إحرام المعقود له غير ضائر ، لعدم شمول أدلّة المنع له ، لعدم صدق التزويج عليه ، بل إنشاء للتزويج ، وكذا على الكشف المختار ، لأنّ التقدم للمتعلق وإلّا فنفس الزوجية حاصلة حال الإجازة وبعد الإحرام فإنّه من الآن يتزوج وإن كانت الزوجية تحصل من السابق ، ولو انعكس الأمر بأن عقد له الفضولي حال إحلال المعقود له ولكنّه أجازه بعد الدخول في الإحرام يفسد على كل تقدير ، أمّا على النقل فواضح ، وأمّا على الكشف فكذلك ، لأنّ الحكم بالتزويج وحصول الزوجية من زمان الإجازة الواقعة في حال الإحرام وإن كان المتعلق سابقاً.


1) الفقيه 2 : 230 / 1096.

2) الاستبصار 2 : 193 / 647.

مسألة 234 : لو عقد المحرم أو عقد المحل للمحرم امرأة ودخل الزوج بها وكان العاقد والزوج عالمين بتحريم العقد في هذا الحال فعلى كل منهما كفّارة بدنة ، وكذلك على المرأة إن كانت عالمة بالحال (1).

مسألة 235 : المشهور حرمة حضور المحرم مجلس العقد والشهادة عليه ، وهو الأحوط ، وذهب بعضهم إلى حرمة أداء الشهادة على العقد السابق أيضاً ، ولكن دليله غير ظاهر (2).


وأمّا حصول الحرمة الأبدية فقد تعرضنا له مفصّلاً في كتاب النكاح في فصل المحرّمات الأبدية (1).

(1) ولو كانت محلة ، ويدل على جميع ما ذكر في المتن معتبرة سماعة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «لا ينبغي للرجل الحلال أن يزوّج محرماً وهو يعلم أنّه لا يحل له ، قلت : فان فعل فدخل بها المحرم ، فقال : إن كانا عالمين فان على كل واحد منهما بدنة ، وعلى المرأة إن كانت محرمة بدنة ، وإن لم تكن محرمة فلا شي‌ء عليها ، إلّا أن تكون هي قد علمت أنّ الّذي تزوّجها محرم ، فان كانت علمت ثمّ تزوّجت فعليها بدنة» (2)وموردها وإن كان عقد المحل للمحرم ، ولكن لا نحتمل اختصاص الحكم بالمحل ، بل ذكره من باب ذكر أخفى الأفراد ، فمعنى الرواية أن تزويج المحرم محرّم شرعاً حتّى إذا كان العاقد محلا.

(2) الشهادة قد يراد بها الشهادة في مقام التحمل الّتي دلّ عليه قوله تعالى ( وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا ) (3)وقد يراد بها الشهادة في مقام الأداء كما أُشير إليها في قول اللّه عزّ وجلّ ( وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ ) (4)ثمّ إنّ العرف السائد في ذلك


1) شرح العروة الوثقى 32 : 244.

2) الوسائل 12 : 438 / أبواب تروك الإحرام ب 14 ح 10.

3) البقرة 2 : 282.

4) البقرة 2 : 283.

مسألة 236 : الأحوط أن لا يتعرّض المحرم لِخطبة النِّساء ، نعم لا بأس بالرجوع إلى المطلّقة الرجعية ، وبشراء الإماء ، وإن كان شراؤها بقصد الاستمتاع ، والأحوط أن لا يقصد بشرائه الاستمتاع حال الإحرام ، والأظهر جواز تحليل أمته وكذا قبوله التحليل (1).


الوقت كان على إقامة الشهادة عند التزويج ، بل العامّة يرون اعتبارها ، وقد ورد في مرسلتين المنع عن حضور المحرم مجلس العقد وعدم تحمله له ، ففي إحدى المرسلتين قال «المحرم لا ينكح ولا ينكح ولا يشهد» (1)وفي مرسلة أُخرى «في المحرم يشهد على نكاح محلين ، قال : لا يشهد» (2).

وبما أنّهما مرسلتان لا يمكن الاستناد إليهما وإن ادعي الاتفاق على هذا الحكم ، ولذا كان المنع عن حضور المحرم مجلس العقد وتحمله له مبنياً على الاحتياط.

وأمّا أداء الشهادة في حال الإحرام على العقد السابق فلم يرد دليل على المنع ، بل قد يجب لاحقاق الحق ودفع الظلم ، وأداء الشهادة غير داخل في المرسلتين المتقدمتين ، فتحمّل الشهادة أي الحضور في مجلس العقد ممنوع احتياطاً للمرسلتين وأمّا أداء الشهادة فلا تشمله المرسلتان.

(1) حرمة الخِطبة لا دليل عليها إلّا المرسل المتقدِّم على نسخة الكافي فإنّه زاد : «ولا يخطب» (3)وأمّا الرجوع إلى المطلقة الرجعية فلا بأس به ، لعدم صدق التزويج عليه ، وإنّما هو رجوع إلى الزوجية السابقة سواء كان الرجوع لرجوع الزوجة إلى ما بذلت في الطلاق الخلعي أو كان الرجوع ثابتاً في نفسه ، بل ذكرنا مراراً أنّ المطلّقة الرجعية زوجة حقيقة ولم تحصل البينونة إلّا بعد انقضاء العدّة ، وإنّما إنشاء الطلاق يؤثر في البينونة بعد انقضاء العدّة.

وأمّا شراء الإماء ولو بقصد الاستمتاع فلا دليل على المنع ، مضافاً إلى الروايات


1) الوسائل 12 : 438 / أبواب تروك الإحرام ب 14 ح 7.

2) الوسائل 12 : 438 / أبواب تروك الإحرام ب 14 ح 5.

3) الكافي 4 : 372 / 1.

8 - استعمال الطِّيب

اشارة

مسألة 237 : يحرم على المحرم استعمال الزعفران والعود والمسك والورس والعنبر بالشم والدلك والأكل ، وكذلك لبس ما يكون عليه أثر منها ، والأحوط الاجتناب عن كل طيب (1).


الدالّة على الجواز (1)والأحوط أن لا يقصد بشرائه الاستمتاع حال الإحرام ، بل يشتريها بقصد الخدمة أو التجارة ونحو ذلك.

وكذا لا دليل على حرمة تحليل أمته ولا قبوله التحليل ، لعدم صدق التزويج على كل ذلك.

(1) لا إشكال ولا خلاف بين المسلمين في حرمة استعمال الطيب في الجملة ، والنصوص متظافرة بل متواترة ، إنّما الكلام في أمرين :

الأوّل : في جنس الطيب ، وأنّ المنع هل يختص ببعض أفراد الطيب أو يعم كل ما صدق عليه الطيب وهو كل جسم عدّ للانتفاع برائحته الطيّبة سواء بشمِّه أو الأكل أو وضعه على الثوب والجسد ونحو ذلك؟

لا ريب أن مقتضى إطلاق جملة من الروايات هو المنع عن استعمال مطلق ما صدق عليه الطيب ، فيشمل المنع حتّى العطور الدارجة في هذه الأزمنة.

وبإزائها ما خصّ المنع بأُمور أربعة أو خمسة ، كصحيح معاوية بن عمار ، فإنّه قد صرّح في ذيله بأنّ الممنوع إنّما هو أربعة أشياء ، وأمّا بقية أفراد الطيب فغير محرّم وإنّما هو مكروه ، قال (عليه السلام) «وإنّما يحرم عليك من الطيب أربعة أشياء : المسك والعنبر والورس (2)والزعفران ، غير أنّه يكره للمحرم الأدهان الطيّبة إلّا المضطر ...» (3).

وفي معتبرة عبد الغفار قال «سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول : الطيب : المسك


1) الوسائل 12 : 441 / أبواب تروك الإحرام ب 16.

2) الورس نبات كالسمسم ليس إلّا باليمن يشبه سحيق الزعفران. القاموس المحيط 2 : 257.

3) الوسائل 12 : 444 / أبواب تروك الإحرام ب 18 ح 8.

.................................................................................................


والعنبر والزعفران والورس» (1).

ورواها أيضاً في الوسائل في آداب الحمام ، ولكن ذكر «العود» بدل «الورس» (2)فيكون الورس مذكوراً في صحيح معاوية بن عمار فقط ، والنتيجة أيضاً المنع عن خمسة أشياء.

وفي معتبرة ابن أبي يعفور عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال «الطيب : المسك والعنبر والزعفران والعود» (3).

فتكون هذه الروايات الثلاث المعتبرة مقيّدة للروايات المطلقة ، خصوصاً صحيح معاوية بن عمار الّذي صرّح بالكراهة لبقية أفراد الطيب وعدم الحرمة ، فلا بدّ من رفع اليد عن العمومات واختصاص الحكم بالتحريم بالمذكورات في الروايات الخاصّة وتجويز بقيّة أفراد الطيب ، سواء كان من الطيب المستعمل في تلك الأيّام أو في هذه الأزمنة المسمّى بالعطر كماء الورد وعطر الورد وعطر الرازقي والياس ونحو ذلك.

بقي الكلام في اختلاف الروايات الخاصّة من حيث اشتمال بعضها على الورس دون العود ، واشتمال بعضها الآخر على العود دون الورس وتكون بينها معارضة ، لأن مقتضى صحيحة معاوية بن عمار وصحيحة عبد الغفار اختصاص المنع بالمذكورات فيهما وجواز العود ، ومقتضى صحيحة ابن أبي يعفور جواز استعمال الورس واختصاص المنع بالثلاثة والعود ، ولكن التعارض بالظهور والصراحة ونرفع اليد عن ظهور بعضها بصراحة الآخر ، لظهور صحيحتي معاوية بن عمار وعبد الغفار في جواز استعمال العود لأنّه بالإطلاق ، وصحيح ابن أبي يعفور صريح في المنع عن العود ، كما أنّ الصحيحتين صريحتان في المنع عن الورس وصحيحة ابن أبي يعفور ظاهرة في جواز الورس ، فيرفع اليد عن ظهور البعض في الجواز بصراحة الآخر في المنع والنتيجة هي حرمة الخمسة. نعم ، لا ريب أنّ الأحوط هو الاجتناب عن كل طيب.


1) الوسائل 12 : 446 / أبواب تروك الإحرام ب 18 ح 16.

2) الوسائل 2 : 152 / أبواب آداب الحمام ب 97 ح 2.

3) الوسائل 12 : 446 / أبواب تروك الإحرام ب 18 ح 15.

مسألة 238 : لا بأس بأكل الفواكه الطيّبة الرائحة كالتفاح والسفرجل ، ولكن يمسك عن شمها حين الأكل على الأحوط (1).


إيقاظ

إيقاظ (1)

لا يخفى أنّ الروايات الخاصّة ليست في مقام حصر الطيب بالأُمور المذكورة فيها ، وليس في مقام تفسير الطيب بالأربعة أو الخمسة ، لأن الطيب لغة وخارجاً غير منحصر بهذه الأُمور ، بل له أفراد شائعة كثيرة غير المذكورات. على أنّه ليس من شأن الأئمة (عليهم السلام) مجرد بيان الأفراد الخارجية وتفسير المفاهيم العرفية ، بل الظاهر منهم (عليهم السلام) أنّهم في مقام بيان الحكم الشرعي ، وأنّ المنع منحصر بهذه الأُمور ، وعليه فمقتضى الإطلاق هو المنع عن جميع الاستعمالات أكلاً وشمّاً ووضعاً على الثوب والبدن ، ولو بقرينة سائر الروايات.

مضافاً إلى أن حذف المتعلق في الروايات الخاصّة يفيد العموم ، فلا يختص التحريم بالشم أو بالدلك ، بل يعم جميع أنواع الاستعمالات المعدة المقصودة لهذه الأُمور حتّى الأكل ، وقد صرّح في بعض الروايات بالمنع من أكل شي‌ء فيه زعفران (2).

(1) يقع الكلام تارة في جواز أكل الفواكه الطيّبة الرائحة ، وأُخرى في جواز شمها.

أمّا الأوّل : فلا ينبغي الريب في جواز أكل ما فيه رائحة طيّبة من الفواكه والنباتات والخضروات ، ففي بعض الروايات المعتبرة صرّح فيه بجواز أكل الاترج والتفاح والنبق وما طاب ريحه ، وعلل في بعضها بانّ الاترج طعام ليس هو من الطيب (3)فيعلم أنّ الممنوع ما كان عمدة فائدته والانتفاع به رائحته ، كالأجسام المعدة لذلك مثل العطور لا مثل الأُترج والسفرجل والتفاح والنعناع والريحان والشاي


1) هذا هو الأمر الثاني الذي وَعَدنا بالبحث عنه في أن الاستعمال المحرّم هل يختص ببعض أنواع الاستعمال أم يعمّ جميعها.

2) الوسائل 12 : 442 / أبواب تروك الإحرام ب 18 ح 3.

3) الوسائل 12 : 455 / أبواب تروك الإحرام ب 26 ح 2.

.................................................................................................


الّذي فيه رائحة ونكهة طيّبة ، وما أشبه ذلك ممّا يطلب منه الأكل.

فحرمة الأكل تختص بجنس الطيب كأكل ما فيه الزعفران ونحو ذلك.

وأمّا الثاني : فمقتضى صحيحة محمّد بن مسلم وصحيحة معاوية بن عمار عدم جواز الشم ولزوم الإمساك على الأنف ، قال في الأوّل : «المحرم يمسك على أنفه من الريح الطيّبة» (1)وقال في الثاني : «وأمسك على أنفك من الرائحة الطيّبة» (2)فان قلنا بأن أصل استعمال الطيب وشمه منحصر بالخمسة فلا ريب في جواز شمّ المأكولات ذات الرائحة الطيّبة ، إذ لا نحتمل أن شم المأكولات المعدة للأكل الّتي يطلب منها الأكل لا الاستشمام أشد حكماً من سائر أفراد الطيب والعطور غير الخمسة.

وبعبارة اخرى : بناءً على حصر المنع بخمسة أشياء من أفراد الطيب وجواز استعمال بقية أفراد الطيب لا نحتمل أن شمّ السفرجل أو التفاح أشد من شمّ عطر الرازقي ، فإذا جاز شمّ تلك العطور الّتي يطلب منها الشم يجوز شمّ السفرجل الّذي يطلب منه الأكل.

وإن لم نقل بالانحصار ، فمقتضى الصحيحين المتقدمين عدم جواز شم رائحة الفاكهة الطيّبة حين الأكل ، ولكن بإزائهما ما دلّ على جواز أكل الأُترج الّذي له رائحة طيّبة كموثق عمار (3)وقد علّل فيه بأنّ الأُترج طعام ليس هو من الطيب ، ولا ريب أنّ الأكل يلازم الاستشمام لقرب الأنف بالفم ، فالحكم بالمنع عن الشم يختص بالطيب الممنوع ولا يشمل شمّ الأثمار الطيّبة ، وأمّا ما ورد عن ابن أبي عمير من جواز أكل الأثمار الطيّبة كالأُترج والتفاح والنبق ولكن يمسك على أنفه حين الأكل (4)فهو ممّا أفتى به ولا حجية له ، ومثله رواه عن الصادق (عليه السلام) ولكنّها ضعيفة بالإرسال.

هذا مضافاً إلى أنّ المستفاد من صحيحة معاوية بن عمار المتقدِّمة (5)الحاصرة


1) الوسائل 12 : 452 / أبواب تروك الإحرام ب 24 ح 1.

2) الوسائل 12 : 452 / أبواب تروك الإحرام ب 24 ح 2.

3) الوسائل 12 : 455 / أبواب تروك الإحرام ب 26 ح 2.

4) الوسائل 12 : 455 / أبواب تروك الإحرام ب 26 ح 1 ، 3.

5) في ص 400.

.................................................................................................


للمنع بأربعة أشياء ، جواز استشمام غير الطيب الّذي يطلب منه الرائحة الطيبة كالفواكه والأثمار الطيبة المعدّة للأكل ، وذلك لأنّ المذكور في صدر الصحيحة تحريم الطيب ومسّه ثمّ ذكر في ذيل الصحيحة أنّ المحرّم إنّما هو أربعة أشياء ، فهي واضحة الدلالة على أن بقية الأجسام الطيّبة يجوز أكلها وشمّها ، وأن حرمة الشم وغيره من الاستعمالات تختص بالأربعة ، فالمنع أكلا وشمّاً مختص بالأربعة ، وأمّا غيرها ممّا له رائحة طيّبة فلا منع عنه لا أكلا ولا شمّاً.

ويؤكّد ما ذكرنا ما ورد من جواز شم النباتات البرية ممّا له رائحة طيّبة كالنصوص الدالّة على جواز شمّ الإذخر والقيصوم والشيح والخزامي وأشباهه (1)فيظهر منها أنّ الممنوع شمّ الطيب الّذي يطلب منه الرائحة الطيبة لا شمّ النباتات الطيّبة ونحوها ممّا لا يطلب منه مجرد الرائحة الطيّبة كالفواكه والأثمار الطيّبة ، فما ذكرناه في المتن من لزوم الإمساك عن شمّها حين الأكل مبني على الاحتياط.

ثمّ إن صاحب الحدائق (قدس سره) ذكر أنّه لا بدّ من إضافة الريحان إلى الأفراد المذكورة الممنوعة فيكون الممنوع ستّة أشياء (2)، وذلك لدلالة صحيحة عبد اللّه بن سنان وخبر حريز على تحريم الريحان ، ففي صحيح عبد اللّه بن سنان «لا تمس الريحان وأنت محرم» ونحوه صحيح آخر له (3)وفي خبر حريز «لا يمس المحرم شيئاً من الطيب ولا الريحان ولا يتلذّذ به» (4).

وإنّما عبّرنا عنه بالخبر لعدم ثبوت كونه صحيحاً ، فانّ الشيخ وإن رواه بطريق صحيح عن حريز عن الصادق (عليه السلام) (5)ولكن الكليني رواه عن حريز عمّن أخبره عن الصادق (عليه السلام) (6)وذكرنا سابقاً أنّه يبعد رواية حريز تارة مرسلاً


1) الوسائل 12 : 453 / أبواب تروك الإحرام ب 25 ح 1 وغيره.

2) الحدائق 15 : 419.

3) الوسائل 12 : 445 / أبواب تروك الإحرام ب 18 ح 10 ، 11 ، 3.

4) الوسائل 12 : 445 / أبواب تروك الإحرام ب 18 ح 10 ، 11 ، 3.

5) التهذيب 5 : 297 / 1007.

6) الكافي 4 : 353 / 2.

مسألة 239 : لا يجب على المحرم أن يمسك على أنفه من الرائحة الطيبة حال سعيه بين الصفا والمروة ، إذا كان هناك من يبيع العطور ، ولكن الأحوط لزوماً أن يمسك على أنفه من الرائحة الطيبة في غير هذا الحال ، ولا بأس بشم خلوق الكعبة وهو نوع خاص من العطر (1)


وأُخرى مسنداً ، فالرواية مرددة بين كونها مرسلة ومسندة فلا يمكن الاعتماد عليها والاستدلال بها ، فالتعبير عنه بالصحيح في غير محلِّه ، وكون الكليني أضبط لا دخل له في المقام ، فإنّ الرواية في نفسها مرددة بين كونها مرسلة ومسندة سواء كان الكليني أضبط أم لا.

ويرد عليه أوّلاً : أنّه لا نحتمل أنّ الريحان أشد من سائر أفراد الطيب والعطور.

وثانياً : أن قوله (عليه السلام) : «وأشباهه» في صحيحة معاوية بن عمار الدالّة على جواز شمّ الإذخر والقيصوم والخزامي والشيح يشمل الريحان ، لأنّه من جملة النباتات الّتي لها رائحة طيّبة ، فمدلول هذه الصحيحة جواز شمّ الريحان ، فمقتضى الجمع بينها وبين صحيح عبد اللّه بن سنان هو الحمل على الكراهة.

وثالثاً : أنّ الاستدلال بصحيح ابن سنان للمنع عن الريحان ، مبني على أن يكون الريحان اسماً لنبات خاص مقابل النعناع وبقية الخضروات كما هو الشائع ، ولكن الريحان لغة اسم لكل نبات له رائحة طيّبة (1)ويجمع على رياحين ، وحاله حال الورد ، فالمراد به كل نبت ذي رائحة طيّبة ، فيحمل المنع عنه على الكراهة جمعاً بينه وبين ما دلّ على جواز شمّ الشيح والقيصوم والإذخر ونحوهما من النباتات الطيّبة.

(1) يستثني من حرمة شمّ الطيب أمران :

أحدهما : شمّ الرائحة الطيّبة حال سعيه بين الصفا والمروة ، فإنّه في سالف الزمان كان سوق العطّارين بين الصفا والمروة ، فلا يجب عليه أن يمسك على أنفه حال سعيه


1) القاموس المحيط 1 : 224.

مسألة 240 : إذا استعمل المحرم متعمداً شيئاً من الروائح الطيّبة فعليه كفّارة شاة على المشهور ، وفي ثبوت الكفّارة في غير الأكل إشكال ، وإن كان الأحوط التكفير (1).


بين الصفا والمروة ، كما لا يجب عليه الإسراع في المشي والسعي ، ويدلُّ على الجواز صحيح هشام بن الحكم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «سمعته يقول : لا بأس بالريح الطيّبة فيما بين الصفا والمروة من ريح العطارين ، ولا يمسك على أنفه» (1).

ثانيهما : خلوق الكعبة ، وهو نوع خاص من العطر مصنوع من الزعفران يطلى به الكعبة ، ويدلُّ على ذلك الروايات المعتبرة منها : صحيحة عبد اللّه بن سنان قال : «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن خلوق الكعبة يصيب ثوب المحرم ، قال : لا بأس ولا يغسله فإنّه طهور» (2).

(1) المعروف والمشهور عند الأصحاب أنّ استعمال الطيب أكلاً وشمّاً ودلكاً يوجب كفّارة شاة ، ولكن دليله غير ظاهر ، وإنّما الدليل خاص بالأكل ، وأمّا في غيره من موارد الاستعمالات فلا دليل على ثبوت الكفّارة فيه ، ففي صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : «من أكل زعفراناً متعمداً أو طعاماً فيه طيب فعليه دم» (3).

وفي صحيحة أُخرى له : «أو أكل طعاماً لا ينبغي له أكله وهو محرم ففعل ذلك ناسياً أو جاهلاً فليس عليه شي‌ء ، ومن فعله متعمداً فعليه دم شاة» (4)فإن أكل ما لا ينبغي له أكله يشمل أكل الطيب الممنوع له ، ودعوى اختصاصه بأكل الصيد لا وجه لها.

وقد يشكل في ثبوت الكفّارة بشاة حتّى في مورد الأكل لمعارضة ما دلّ على الشاة


1) الوسائل 12 : 448 / أبواب تروك الإحرام ب 20 ح 1.

2) الوسائل 12 : 449 / أبواب تروك الإحرام ب 21 ح 1.

3) الوسائل 13 : 150 / أبواب بقية كفارات الإحرام ب 4 ح 1.

4) الوسائل 13 : 157 / أبواب بقية كفارات الإحرام ب 8 ح 1.

.................................................................................................


بما دلّ على أن من أكل خبيصاً فيه زعفران يتصدق بدرهم ، ففي معتبرة الحسن بن هارون عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «قلت له : أكلت خبيصاً فيه زعفران حتّى شبعت وأنا محرم ، قال : إذا فرغت من مناسكك وأردت الخروج من مكّة فاشتر بدرهم تمراً ثمّ تصدق به يكون كفّارة لما أكلت ، ولما دخل عليك في إحرامك مما لا تعلم» (1)والرواية معتبرة على بعض طرقها.

والجواب : أن ذيل الخبر شاهد على أنّه إنّما أكل الخبيص ناسياً لقوله : «يكون كفّارة لما أكلت ، ولما دخل عليك في إحرامك مما لا تعلم» ويتصدق بشي‌ء لأنّه فعل ما لا يعلم وأدخل في إحرامه ما لا يعلم بكونه ممنوعاً له ، ولا بأس بالحمل على الاستحباب في صورة الجهل أو النسيان.

وبالجملة : لا دليل على ثبوت الكفّارة في غير الأكل سوى دعوى الإجماع ولم يثبت.

وربما يستدل لثبوت الكفّارة في غير الأكل أيضاً بروايتين :

الأُولى : صحيحة معاوية بن عمار «في محرم كانت به قرحة فداواها بدهن بنفسج ، قال : إن كان فعله بجهالة فعليه طعام مسكين ، وإن كان تعمد فعليه دم شاة يهريقه» (2).

وفيه : أنّ الرواية أجنبية عن المقام ، لأنّ البنفسج ليس من الطيب وإنّما السؤال عن التدهين وهو محرم آخر سيأتي البحث عنه (3).

الثانية : رواية علي بن جعفر المروية في قرب الاسناد عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) قال : «لكل شي‌ء جرحت من حجك فعليه (فعليك) فيه دم يهريقه (تهريقه) حيث شئت» (4)فإنّها تدل على أن جميع المخالفات وارتكاب تروك الإحرام


1) الوسائل 13 : 149 / أبواب بقية كفارات الإحرام ب 3 ح 1.

2) الوسائل 13 : 151 / أبواب بقية كفارات الإحرام ب 4 ح 5.

3) في ص 456.

4) الوسائل 13 : 158 / أبواب بقية كفارات الإحرام ب 8 ح 5.

.................................................................................................


يوجب الشاة ، وعموم ذلك يشمل استعمال الطيب أكلاً وشمّاً ودلكاً وإطلاءً.

والجواب أوّلاً : أنّ الرواية ضعيفة سنداً ، لما ذكرنا غير مرّة أن عبد اللّه بن الحسن وإن كان شريفاً نسباً ولكنّه لم يوثق في كتب الرجال.

وثانياً : أنّ الاستدلال بها مبني على أن تكون النسخة «جرحت» يعني ارتكاب ما لا ينبغي فعله في الحجّ من إتيان المحرمات ، ولكن النسخة مختلفة ففي بعضها «خرجت» والمعنى إذا خرجت من حجّك وأكملت الأعمال ، وكان عليه دم يجوز لك أن تذبحه وتهريقه في أيّ مكان شئت ، ولا يجب عليك أن تذبحه في مكّة أو منى ، وسيأتي إن شاء اللّه تعالى (1)أن كفّارة الصيد تذبح في مكّة أو منى ، وأمّا بقية الكفّارات فيذبحها أين شاء ، فالرواية ناظرة إلى مكان ذبح الكفّارة ، بل الرواية ناظرة إلى هذا المعنى حتّى على نسخة «جرحت» بالجيم ، فيكون المعنى أنّه جرحت بشي‌ء فيه دم تهريقه في أيّ مكان شئت ، وقوله : «فيه دم» تتمة للجملة الاولى ، وهي قوله : «لكل شي‌ء جرحت».

والحاصل : لا دليل على ثبوت الكفّارة في غير الأكل ، وإنّما الكفّارة بالشاة ثابتة في مورد الأكل خاصّة.

بقي الكلام فيما ربما يتوهّم من معارضة ما دلّ على وجوب الشاة في مورد الأكل بما دلّ على كفاية التصدق بشي‌ء كما في جملة من الروايات.

والجواب : أن روايات التصدق لم ترد في خصوص الأكل بل وردت في مطلق الاستعمال ، فما دلّ على وجوب الكفّارة بشاة يخصص روايات التصدق ، فالنتيجة لزوم الشاة في الأكل والتصدق بشي‌ء في غير الأكل.

هذا مضافاً إلى أن روايات التصدق غير تامّة سنداً ودلالة على سبيل منع الخلو.

منها : صحيحة معاوية بن عمار المتقدِّمة (2)الحاصرة بالأربعة فإنّ الظاهر من


1) في ص 524 ، 527 المسألة 283 ، 284.

2) في ص 400.

.................................................................................................


قوله : «فمن ابتلي بشي‌ء من ذلك فليعد غسله ، وليتصدّق بقدر ما صنع» أنّه إنّما ارتكب ذلك نسياناً لا متعمداً ، لأنّ المتحصل من قوله : «ومن ابتلي» هو النسيان ، إذن المتعمد لا يطلق عليه أنّه ابتلي بشي‌ء ، فيحمل الأمر بالتصدق على الاستحباب فانّ الجاهل أو الناسي ليس عليهما شي‌ء ، على أن قوله : «فليعد غسله» مشعر بالاستحباب فان نفس غسل الإحرام مستحب في نفسه ، وكذا إعادته بعد ارتكاب المحرمات.

مضافاً إلى أنّ الترخيص اختياراً لبقية العطور غير الأربعة يلازم عدم وجوب الكفّارة عرفاً.

وبما ذكرنا يظهر الجواب عن خبر حريز الوارد في الريحان ، لظهور قوله : «فمن ابتلي بذلك فليتصدق بقدر ما صنع بقدر شبعه» (1)في صورة الجهل أو النسيان ، فانّ الابتلاء بشي‌ء إنّما يصح إطلاقه في موارد الجهل والنسيان كما ذكرنا ، فيحمل الأمر بالتصدّق على الاستحباب ، لما دلّ بالأدلّة العامة والخاصّة على عدم ثبوت شي‌ء في مورد الجهل ، مضافاً إلى ما عرفت من ضعف السند.

ومنها : معتبرة الحسن بن زياد العطّار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «قلت له : الأشنان فيه الطيب اغسل به يدي وأنا محرم؟ فقال : إذا أردتم الإحرام فانظروا مزاودكم فاعزلوا الّذي لا تحتاجون إليه ، وقال تصدق بشي‌ء كفّارة للأشنان الّذي غسلت به يديك» (2)والرواية معتبرة على مسلكنا ورجالها ثقات ، حتّى معلى بن محمّد فإنّه من رجال كامل الزيارات ، والظاهر أنّها واردة في مورد الجهل أو النسيان ، فانّ الجهل أو النسيان وإن لم يصرح به في الرواية لا في السؤال ولا في الجواب ولكن يدل عليه قوله : «فانظروا مزاودكم فاعزلوا الّذي لا تحتاجون إليه» فإنّه ظاهر في مورد الابتلاء بذلك نسياناً ، وإلّا لو كان مع العمد لا فرق بين العزل وعدمه ، فأمره بالعزل لئلّا ينسى ويشتبه عليه الأمر ويستعمل الطيب نسياناً.

ومنها : ما رواه الصدوق عن الحسن بن زياد قال : «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) :


1) الوسائل 12 : 445 / أبواب تروك الإحرام ب 18 ح 11.

2) الوسائل 13 : 152 / أبواب بقية كفارات الإحرام ب 4 ح 8.

مسألة 241 : يحرم على المحرم أن يمسك على أنفه من الروائح الكريهة ، نعم لا بأس بالإسراع في المشي للتخلص من ذلك (1).


وضأني الغلام ولم أعلم بدستشان فيه طيب ، فغسلت يدي وأنا محرم ، فقال : تصدق بشي‌ء لذلك» (1)ولكن يمكن اتحادها مع الرواية الأُولى لأنّ الحسن بن زياد العطّار هو الراوي في كليهما ، وموردها الجهل وعدم العلم فيحمل التصدق على الاستحباب.

وقيل : إن كلمة «دستشان» مصحف الأشنان ، كما قيل إنّه معرب «دست شو» وكلاهما بعيد ، بل الظاهر أنّ الكلمة الفارسية بمعناها الأصلي ، أي الأيدي ، والمعنى ولم أعلم بأيديهم فيها طيب ، وفد تستعمل الكلمات الفارسية في الروايات كقوله : في روايات المكاسب «بده ودوازده» و «بده يازده» (2).

وأمّا السند ، ففي بعض النسخ الحسين بن زياد وهو ممّن لم يوثق ، وإن كان الحسن ابن زياد ، فإن أُريد به الحسن بن زياد الصيقل فطريق الصدوق إليه صحيح عندنا ، لوجود علي بن الحسين السعدآبادي فيه وهو غير مصرح بالتوثيق ولكنّه من رجال كامل الزيارات ، إلّا أنّ الصيقل نفسه لم يوثق ، وإن أُريد به الحسن بن زياد العطّار المعروف فطريق الصدوق إليه مجهول لم يذكره في المشيخة ، وما ذكره جامع الرواة أن طريقه إليه كطريقه إلى الحسن بن زياد الصيقل (3)سهو من قلمه ، فانّ المذكور في المشيخة الحسن بن زياد الصيقل (4)لا العطّار.

(1) كما يجب عليه الإمساك من مطلق الروائح الطيّبة ، أو عن أُمور معينة ، يحرم عليه الإمساك على أنفه من الروائح الكريهة للنص (5)نعم ، لا بأس بالإسراع في المشي للتخلّص ، لأنّ الممنوع إمساك الأنف لا الإسراع في المشي.


1) الوسائل 13 : 151 / أبواب بقية كفارات الإحرام ب 4 ح 4. الفقيه 2 : 223 / 1047.

2) الوسائل 18 : 63 / أبواب أحكام العقود ب 14 ح 3 ، 5.

3) لاحظ جامع الرواة 2 : 533.

4) الفقيه 4 (المشيخة) : 24.

5) الوسائل 12 : 452 / أبواب تروك الإحرام ب 24.

9 - لبس المخيط للرِّجال

اشارة

مسألة 242 : يحرم على المحرم أن يلبس القميص والقباء والسروال والثوب المزرور مع شد أزراره ، والدرع وهو كل ثوب يمكن أن تدخل فيه اليدان ، والأحوط الاجتناب عن كل ثوب مخيط بل الأحوط الاجتناب عن كل ثوب يكون مشابهاً للمخيط كالملبد الّذي تستعمله الرعاة ، ويستثنى من ذلك الهميان وهو ما يوضع فيه النقود للاحتفاظ بها ويشد على الظهر أو البطن ، فان لبسه جائز وإن كان من المخيط ، وكذلك لا بأس بالتحزم بالحزام المخيط الّذي يستعمله المبتلى بالفتق لمنع نزول الأمعاء في الأنثيين ، ويجوز للمحرم أن يغطي بدنه ما عدا الرأس باللحاف ونحوه من المخيط حالة الاضطجاع للنوم وغيره (1).


(1) المعروف بين الأصحاب قديماً وحديثاً حرمة لبس المخيط للرجال. بل عن التذكرة والمنتهى إجماع العلماء كافّة عليه (1)، بل ظاهر المشهور عدم الفرق بين كون الخياطة قليلة أو كثيرة. وصرّح بعضهم كالشهيد في الدروس بأنّه لا دليل على حرمة لبس المخيط بعنوان أنّه مخيط ، قال : لم أقف إلى الآن على رواية بتحريم عين المخيط ، إنّما نهي عن أثواب خاصّة كالقميص والقباء والسراويل (2).

والّذي يمكن أن يستدل به لحرمة المخيط بعنوانه أحد أمرين :

أحدهما : دعوى الإجماع ، ولكن الجزم به مشكل ، إذ لا يمكن دعوى الإجماع التعبّدي الكاشف لرأي المعصوم ، وعلى فرض ثبوته يؤخذ بالقدر المتيقن منه وهو الثياب العادية المخيطة كالقباء والسروال والقميص.

ثانيهما : أنّ الثياب الخمسة المذكورة في الروايات إنّما ذكرت من باب المثال ، لأنّ المتعارف خصوصاً في تلك الأزمنة لبس هذه الأُمور ، فالممنوع في الحقيقة هو مطلق


1) التذكرة 7 : 295 ، المنتهي 2 : 781 السطر 31.

2) الدروس 1 : 485.

.................................................................................................


المخيط ولا خصوصية للمذكورات في النصوص.

والجواب : أن هذا بعيد جدّاً ، لأنّ الظاهر من الروايات انحصار التحريم بهذه الثياب : القميص والقباء والسروال والثوب المزرور والدرع ، بل صرح في بعض الروايات المعتبرة أن المحرم يلبس كل ثوب إلّا ثوباً يتدرعه (1).

والصحيح أن يقال : إنّ الروايات الدالّة على حرمة لبس الثياب على قسمين :

الأوّل : ما دلّ على حرمة لبس مطلق الثياب كالروايات الواردة في كيفية الإحرام الدالّة على الإحرام من النِّساء والثياب والطيب (2)والروايات الدالّة على تجريد الصبيان من فخ إذا أحرم بهم وليهم ، والآمرة بالتجرد في إزار ورداء (3).

وكذا يستفاد حرمة لبس مطلق الثياب مما دلّ على تعدد الكفّارة إذا لبس المحرم ضروباً من الثياب «عن المحرم إذا احتاج إلى ضروب من الثياب يلبسها ، قال : عليه لكل صنف منها فداء» (4)فيعلم من ذلك أن مطلق الثوب ممنوع ولكل صنف منه فداء ولو كنّا نحن وهذه الروايات لقلنا بحرمة لبس مطلق الثياب ويتم ما ذكره المشهور.

ولكن بإزاء هذا ، القسم الثاني : وهو ما دلّ على حرمة لبس ثياب خاصّة كالقميص وأنّه لا بدّ من نزعه ، وأنّه إذا لبسه بعد ما أحرم أخرجه ممّا يلي رجليه ، وإن لبسه قبل أن يلبِّي أخرجه من رأسه (5)، والقباء وأنّه إذا اضطر إليه يلبسه مقلوباً (6)والسروال (7)، والثوب المزرور وإذا اضطرّ إلى لبسه يلبسه منكوساً (8)، والمدرعة أو


1) الوسائل 12 : 475 / أبواب تروك الإحرام ب 36 ح 5.

2) الوسائل 12 : 340 / أبواب الإحرام ب 16 ح 1.

3) الوسائل 11 : 336 / أبواب المواقيت ب 18 ح 1.

4) الوسائل 13 : 159 / أبواب بقية كفارات الإحرام ب 9 ح 1.

5) الوسائل 12 : 488 / أبواب تروك الإحرام ب 49 ح 2 ، 3.

6) الوسائل 12 : 486 / أبواب تروك الإحرام ب 44.

7) الوسائل 12 : 499 / أبواب تروك الإحرام ب 50.

8) الوسائل 12 : 473 / أبواب تروك الإحرام ب 35.

.................................................................................................


الدرع وهو كل ثوب يمكن أن تدخل فيه اليدان (1)ومنه قول أمير المؤمنين (عليه السلام) «لقد رقعت مدرعتي هذه حتّى استحييت من راقعها» (2)والمدرع والمدرعة واحد ، هو ثوب يلبس فوق القميص وفوق الثياب وله كُمّ قد يدخل اللّابس يده فيه ، ولا يبعد صدقه على العباء المتعارف والقابوط والسترة.

وكذا لا يبعد صدق القباء على الجبة ، بل هي نوع من القباء ، بل يمكن صدق المدرعة عليها ، وكذا يلحق بالسروال التبان بالضم ، وهو سراويل صغير يستر من السرة إلى الركبة ، والكلمة فارسية معربة تنبان.

وبالجملة : المستفاد من هذه الروايات حصر المنع بهذه الثياب وبهذه العناوين الخاصّة ، خصوصاً قوله (عليه السلام) في صحيح زرارة «يلبس كل ثوب إلّا ثوباً يتدرّعه» (3)فلا بأس بلبس الثوب الّذي لم يصدق عليه هذه العناوين الخاصّة ولو كان مخيطاً ، كما إذا لبس ثوباً خاصّاً تحت ثيابه لأجل جذب العرق ولم يكن مزروراً ولم يكن له كم وإلّا لصدق عليه القميص ، فالممنوع لبس هذه العناوين الخاصّة مخيطة كانت أم لا ، فإذا لم يصدق أحد هذه العناوين على الثوب لا بأس بلبسه وإن كان مخيطاً ، خصوصاً إذا كانت الخياطة قليلة ، فالحكم بحرمة لبس المخيط على إطلاقه مبني على الاحتياط.

وأمّا غير المخيط فان صدق عليه أحد هذه العناوين فلا يجوز لبسه أيضاً كالملبّد ، أو كالمنسوج الّذي لا خياطة فيه ، وأمّا إذا لم يصدق عليه أحد العناوين المذكورة فلا مانع من لبسه ، لعدم صدق القميص أو القباء عليه ، ولعدم كونه مخيطاً على الفرض. فالمدار في التحريم بصدق أحد هذه العناوين وإن لم يكن مخيطاً.

ثمّ إنّ المراد بالثوب المزرور هل هو المزرور الفعلي الّذي شدّ أزراره أو ما كان له


1) الوسائل 12 : 473 ، 474 / أبواب تروك الإحرام ب 35 ، 36.

2) نهج البلاغة : 229 ، الخطبة 160.

3) الوسائل 12 : 475 / أبواب تروك الإحرام ب 36 ح 5.

.................................................................................................


أزرار وإن لم يشده؟

يظهر ممّا دلّ على جواز لبس الطيلسان أنّ المدار بشدّ الأزرار فان لم يشده لا مانع من لبسه ، ففي صحيح الحلبي «عن المحرم يلبس الطيلسان المزرور ، فقال : نعم ، وفي كتاب علي (عليه السلام) لا تلبس طيلساناً حتّى ينزع أزراره ، فحدثني أبي أنّه إنّما كره ذلك مخافة أن يزره الجاهل ، فأمّا الفقيه فلا بأس أن يلبسه» (1)والطيلسان ثوب من صوف أو سداه منه ، ملبّد أو منسوج ، وهو خال عن الخياطة والتفصيل يلبسه العلماء والمشايخ ، وهو تعريب تالشان.

والظاهر من النص جواز لبس الطيلسان اختياراً إذا لم يزره ، فلا وجه لما عن بعضهم من جواز لبسه حال الضرورة كما صرّح بالجواز حال الضرورة صاحب الوسائل في عقد الباب ، وحكى عنه التصريح بذلك صاحب الحدائق (2)، ولكن في الطبعة الحديثة كلمة الضرورة غير مذكورة (3)، والظاهر أنّه غلط مطبعي أو سهو من الناسخ.

وقد يستدل بروايات جواز لبس الطيلسان على جواز لبس الثوب إذا كانت خياطته قليلة ، لاشتمال الطيلسان على الخياطة.

وفيه : أنّ المراد بالثوب المخيط ما خيط بعض الثوب بالبعض الآخر منه في قبال الملبّد والمنسوج ، وأمّا مجرّد التصاق الزر بالثوب ولو بالخيط فلا يوجب صدق عنوان المخيط عليه ، بل جواز لبس هذا النوع من الثوب المشتمل على هذا المقدار من الخياطة ممّا تقتضيه القاعدة ، لعدم المقتضي للمنع لعدم صدق المخيط عليه فلا نحتاج في الحكم بالجواز إلى دعوى وجود المانع عن الحكم بالحرمة وهو جواز لبس الطيلسان.

والحاصل : لو قلنا بأنّ الممنوع هو لبس المخيط ، فلا ريب في جواز لبس الثوب


1) الوسائل 12 : 475 / أبواب تروك الإحرام ب 36 ح 3.

2) الحدائق 15 : 436.

3) الوسائل 12 : 474 / أبواب تروك الإحرام ب 36.

.................................................................................................


الّذي خيط أزراره ، لعدم صدق المخيط عليه ، ولا حاجة في الحكم بجواز لبسه إلى روايات الطيلسان.

يبقى الكلام في شدّ العمامة والهميان على الظهر ، أمّا شدّ الهميان فيدل على جوازه عدّة من الروايات ، منها : معتبرة يونس قال : «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) المحرم يشد الهميان في وسطه؟ فقال : نعم ، وما خيره بعد نفقته» (1)ونحوها غيرها والحكم متسالم عليه عند الفقهاء حتّى إذا قلنا بأنّ الممنوع هو لبس المخيط ، وأمّا إذا قلنا بعدم تمامية الإجماع على المنع من المخيط وانحصار المنع بالثياب الخاصّة ، فالجواز طبق القاعدة والرواية مؤكّدة ، وأمّا شد ما يسمى بالفتق بند فكذلك جائز ، لعدم المقتضي للمنع وعدم شمول الإجماع المدعى على منع لبس المخيط له ، فانّ المتيقن منه هو لبس الألبسة المتعارفة ، ولشمول التعليل الوارد في الهميان له بالأولوية ، لأنّه إذا جاز لبس الهميان للتحفّظ على النفقة حتّى يتمكن من أداء الحجّ فلبس الفتق بند أولى بالجواز ، لأنّه بدونه لا يتمكّن من أداء الحجّ.

وأمّا شدّ العمامة على وسطه وبطنه فقد منع عنه في بعض النصوص كما في صحيحة أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «في المحرم يشد على بطنه العمامة ، قال : لا ، ثمّ قال : كان أبي يشد على بطنه المنطقة الّتي فيها نفقته يستوثق منها ، فإنّها من تمام حجّه» (2)وجوّزه في بعض آخر كما في صحيح عمران الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «المحرم يشد على بطنه العمامة وإن شاء يعصبها على موضع الإزار ولا يرفعها إلى صدره» (3)والجمع العرفي يقتضي الحكم بالكراهة.


1) الوسائل 2 : 492 / أبواب تروك الإحرام ب 47 ح 4 ، وفي صحيح يعقوب «عن المحرم يصر الدراهم في ثوبه ، قال : نعم ، ويلبس المنطقة والهميان» وفي الوسائل [9 : 128 / أبواب تروك الإحرام ب 48 ح 1] «يصير الدراهم» وهو غلط والصحيح ما ذكرناه كما في الكافي 4 : 344 / 3.

2) الوسائل 12 : 491 / أبواب تروك الإحرام ب 47 ح 2.

3) الوسائل 12 : 533 / أبواب تروك الإحرام ب 72 ح 1.

عقد الإزار

مسألة 243 : الأحوط أن لا يعقد الإزار في عنقه بل لا يعقده مطلقاً ، ولو بعضه ببعض ، ولا يغرزه بإبرة ونحوها ، والأحوط أن لا يعقد الرداء أيضاً ، ولا بأس بغرزه بالإبرة وأمثالها (1).


وذكر صاحب الحدائق أنّه يمكن حمل البطن في صحيحة أبي بصير على الصدر جمعاً بين الخبرين ، فان ظاهر هذه الصحيحة تحريم الشد على الصدر لقوله : «ولا يرفعها إلى صدره» (1)ويظهر ذلك من صاحب الوسائل أيضاً لقوله (قدس سره) : باب أنّه يجوز للمحرم أن يشد العمامة على بطنه على كراهة ولا يرفعها إلى صدره (2).

ولكن الظاهر أنّه لا فرق بين الشد على البطن والصدر ، وقوله (عليه السلام) : «ولا يرفعها إلى صدره» ليس جملة مستقلة بل تتمة للجملة الاولى والمعنى : إن شاء يعصبها على موضع الإزار وإن شاء أن لا يرفعها إلى صدره.

ثمّ إنّ الممنوع إنّما هو لبس مطلق المخيط ، أو لبس الثياب الخاصّة ، وأمّا افتراش المخيط والتغطئة به والتلحف به ونحو ذلك فلا بأس بذلك ، لعدم صدق اللباس وعدم صدق لبس الثياب الخاصّة على ذلك بشرط أن لا يغطّي به رأسه.

(1) يقع الكلام تارة في عقد الإزار وأُخرى في عقد الرداء ، أمّا عقد الإزار في عنقه فقد ورد النهي عنه في روايتين :

الأُولى : صحيحة سعيد الأعرج «أنّه سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن المحرم يعقد إزاره في عنقه؟ قال : لا» (3).

الثانية : صحيح علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) قال :


1) الحدائق 15 : 441.

2) الوسائل 12 : 533 / أبواب تروك الإحرام ب 72.

3) الوسائل 12 : 502 / أبواب تروك الإحرام ب 53 ح 1.

.................................................................................................


«المحرم لا يصلح له أن يعقد إزاره على رقبته ، ولكن يثنيه على عنقه ولا يعقده» (1).

وقد ذكرنا غير مرّة أن طريق صاحب الوسائل إلى كتاب علي بن جعفر صحيح لأن طريقه يصل إلى طريق الشيخ وطريق الشيخ إلى الكتاب صحيح (2). وأمّا دلالته على المنع فواضحة ، لأن نفي الصلاح ظاهر في كونه غير قابل وغير صالح للامتثال به ، وكذا رواية سعيد الأعرج ظاهرة في المنع عن عقد الإزار ، لأن سعيد الأعرج لا يسأل عن وجوب عقد الإزار حتّى يكون النفي راجعاً إلى نفي الوجوب ، إذ لا نحتمل أن مثل سعيد الأعرج يسأل عن وجوب العقد ، بل سؤاله عن الجواز فيكون النفي وارداً على الجواز ، فلا ريب أن مقتضى الصحيحتين عدم الجواز ، ولكن المشهور بين الأصحاب هو الجواز ، وقد صرّح العلّامة وغيره بجواز عقده (3)، ولذا يكون الحكم بالمنع عن عقد الإزار مبنياً على الاحتياط الوجوبي ، هذا بالنسبة إلى عقد الإزار في العنق كما هو المتعارف فيما إذا كان الإزار كبيراً واسعاً.

وأمّا عقد الرداء في العنق وإن لم يكن أمراً متعارفاً في نفسه فعن العلّامة والشهيد عدم الجواز (4)والتزما بالجواز في الإزار ، ولعل الوجه في المنع توهم ذكر الرداء بدل الإزار في النص ، ولكنّه ضعيف جدّاً ، لأنّ المذكور في الصحيح هو الإزار وهو المتعارف عقده في العنق ، ويمكن بعيداً إرادة الرداء من الإزار كما هو المراد من إزار الميت ولا يراد منه المئزر ، ولكن الإزار في مقامنا مقابل الرداء والمراد به المئزر المعبر عنه بالفارسي ب- «لنگ».

وبالجملة : ما ذكره العلّامة وغيره من جواز عقد الإزار لا يساعده النص ، كما أن ما ذكروه من عدم جواز عقد الرداء لا دليل عليه.

وأمّا غرز المئزر ، فقد ورد النهي عنه في الاحتجاج (5)، والمشهور لم يلتزموا بالمنع ،


1) الوسائل 12 : 502 / أبواب تروك الإحرام ب 53 ح 5.

2) الفهرست : 87.

3) المنتهي 2 : 783 السطر 8 ، التذكرة 7 : 301.

4) التذكرة 7 : 300 ، الدروس 1 : 344.

5) الوسائل 12 : 502 / أبواب تروك الإحرام ب 53 ح 3 ، الاحتجاج 2 : 574.

.................................................................................................


والنص ضعيف السند ، فالحكم بالمنع احتياطي.

وأمّا غرز الرداء ، فان لم يكن بنحو الزرّ كالإبرة ونحوها فلا مانع منه ، لعدم الدليل على المنع ولم يقل أحد بالتحريم.

فالمتحصل : أن عقد الإزار في العنق ممنوع ، ولا أقل من كونه احتياطاً وجوبياً.

وأمّا عقده في غير العنق كغرزة بإبرة ونحوها فممنوع على الاحتياط الأولى.

وأمّا الرداء فعقده في العنق ممنوع احتياطاً ، وأمّا عقده في غير العنق وغرزه فلا إشكال فيه أبداً ، كما لا بأس بجعل المخيط غطاءً أو فراشاً ، لعدم صدق اللباس على ذلك.

تنبيه : لا يخفى أنّ الحكم بحرمة لبس المخيط مطلقاً ، أو حرمة لبس الثياب الخاصّة لا يفرق فيه بين اللبس أوّل الإحرام ، أو في أثناء إحرامه ، لأن هذا العمل مبغوض يجب عليه أن لا يفعله ، فلو نسي ولبس المخيط في الأثناء يجب عليه نزعه.

ويدلُّ عليه مضافاً إلى نفس الإطلاقات المانعة عن اللبس ، عدّة من الروايات الواردة في خصوص لبس القميص ، أو لبس ما لا ينبغي له لبسه ، وبعضها يشتمل على التفصيل بين ما إذا لبسه قبل الإحرام فينزعه من رأسه ولا يشقه ، وبين ما إذا لبسه بعد ما أحرم فيشقه وأخرجه ممّا يلي رجليه كصحاح معاوية بن عمار وصحيحة عبد الصمد (1).

ومقتضى إطلاق هذه الروايات عدم الفرق بين صورة الجهل وعدمه ، يعني سواء كان جاهلاً بالحكم أم لا ، فيجب عليه النزع.

وبعض الروايات وإن وردت في مورد الجهل كصحيح عبد الصمد ولكن الحكم غير مقيّد بالجهل.

نعم ، يظهر من خبر خالد بن محمّد الأصم (2)اختصاص الحكم بالجهل لقوله بعد ما حكم بالنزع من رأسه «إنّما جهل».

ولكن الخبر ضعيف سنداً ، لأن خالد بن الأصم مجهول ولا رواية له في الكتب


1) الوسائل 2 : 488 / أبواب تروك الإحرام ب 45 ح 1 ، 2 ، 3 ، 5.

2) الوسائل 12 : 489 / أبواب تروك الإحرام ب 45 ح 4.

مسألة 244 : يجوز للنِّساء لبس المخيط مطلقاً عدا القفازين وهو لباس يلبس لليدين (1).

مسألة 245 : إذا لبس المحرم متعمّداً شيئاً ممّا حرم لبسه عليه فكفارته شاة والأحوط لزوم الكفّارة عليه ولو كان لبسه للاضطرار (2)


الأربعة سوى هذه الرواية.

(1) لا ينبغي الإشكال في اختصاص حرمة لبس المخيط أو الثياب الخاصّة بالرجال وأمّا المرأة فيجوز لها لبس الثياب المخيطة.

وتدل على ذلك عدّة من الروايات ، منها : الروايات المانعة عن لبس القفازين لها وأنّها تلبس الثياب كلّها إلّا القفازين (1)وفي بعض الروايات عطف الحرير على القفازين وهذا بحث آخر إذ قد وقع الخلاف في جواز لبس الحرير لها وعدمه ، إلّا أنّ الروايات والأصحاب أطبقوا على جواز لبس أنواع الثياب عدا القفازين.

القفاز كرمان ، شي‌ء يعمل لليدين يحشى بقطن تلبسهما المرأة للبرد (2)وقيل إن لهما أزرار تزر على الساعدين وقد تلبسهما للزينة (3)وفي بعض الروايات صرّح بجواز لبس القميص لها (4)كما صرّح في بعض آخر بجواز لبس السروال لها (5).

(2) لو لبس المحرم المخيط أو الثياب الخاصّة الممنوعة كان عليه كفّارة دم شاة وتدل عليه الروايات ، وفي بعضها إذا لبس المحرم القميص ، وفي البعض الآخر إذا لبس ثوباً لا ينبغي له لبسه (6)والحكم متسالم عليه عند الفقهاء.

إنّما الكلام فيما إذا لبسه اضطراراً كالبرد والمرض ، أو تقية كما إذا ترك الإحرام من


1) الوسائل 12 : 366 / أبواب الإحرام ب 33.

2) مجمع البحرين 4 : 31.

3) لاحظ المصباح المنير : 511.

4) الوسائل 12 : 366 / أبواب الإحرام ب 33.

5) الوسائل 12 : 499 / أبواب تروك الإحرام ب 50 ح 2.

6) الوسائل 13 : 157 / أبواب بقية كفارات الإحرام ب 8 ح 1 ، 2 ، 3.

.................................................................................................


وادي العقيق تقية من العامّة ، فهل عليه الكفّارة أم لا؟.

قد عرفت أنّ الجاهل والناسي ليس عليهما شي‌ء للروايات العامّة والخاصّة ، وأمّا المضطر فالمعروف والمشهور إلحاقه بالعالم ، بل ادعي عليه الإجماع ، فإن تمّ الإجماع فلا كلام ، ولكن الجزم به مشكل ولا يطمأن بكون الإجماع المدعى إجماعاً تعبّدياً يكشف عن قول المعصوم (عليه السلام) بل يظهر من المجمعين أنّهم استندوا إلى الروايات كصحيح ابن مسلم قال : «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن المحرم إذا احتاج إلى ضروب من الثياب يلبسها ، قال : عليه لكل صنف منها فداء» (1)وقد حملوا الحاجة على الاضطرار ، والفداء كما يظهر من روايات أُخر دم شاة.

وفيه : أنّ الحاجة أعم من الاضطرار ، لصدقها على الحاجة العرفية أي الغاية العقلائية وإن لم تبلغ مرتبة الاضطرار ، فالرواية مطلقة من حيث الاضطرار وعدمه وكذا صحيحة زرارة مطلقة من حيث الضرورة وعدمها لقوله : «ومن فعله متعمداً فعليه دم» (2).

وأمّا في خصوص مورد الاضطرار فقد دلّ حديث الرفع الوارد فيه الاضطرار على رفع الأثر لو اضطرّ إلى ذلك الشي‌ء ، فمقتضى الصناعة عدم ثبوت الكفّارة في مورد الاضطرار إلى لبس المخيط كالجهل والنسيان ، ولكن حيث إنّ المشهور ذهبوا إلى الوجوب في مورد الاضطرار فيكون الحكم به مبنياً على الاحتياط.

ثمّ إن صاحب الجواهر استدلّ لهم بقوله تعالى ( فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ) (3)والمراد بقوله تعالى ( نُسُكٍ ) دم شاة كما في النص (4)فدلّت الآية على وجوب الدم لمن كان مريضاً وهو من مصاديق الاضطرار (5).


1) الوسائل 13 : 159 / أبواب بقية كفارات الإحرام ب 9 ح 1.

2) الوسائل 13 : 158 / أبواب بقية كفارات الإحرام ب 8 ح 4.

3) البقرة 2 : 196.

4) الوسائل 13 : 165 / أبواب بقية كفارات الإحرام ب 14.

5) الجواهر 20 : 404.

10 - الاكتحال

مسألة 246 : الاكتحال على صور : (1)

1 أن يكون بكحل أسود مع قصد الزينة ، وهذا حرام على المحرم قطعاً وتلزمه كفّارة شاة على الأحوط الأولى.

2 أن يكون بكحل أسود مع عدم قصد الزينة.

3 أن يكون بكحل غير أسود مع قصد الزينة ،


وفيه ما لا يخفى ، فإنّ الآية أجنبية عن المقام بالمرة ، لورودها مورد الإحصار وجواز الحلق في مكانه والإحلال إذا لم يقدر على الصبر وإلّا فيصبر إلى ما بعد الذبح ، أورد ذلك صاحب الجواهر.

(1) المشهور هو حرمة الاكتحال بالسواد أو بما فيه طيب. وعن الشيخ في الخلاف أنّه مكروه (1).

والروايات الواردة في المقام على طوائف :

الأُولى : ما دلّ على عدم جواز الاكتحال مطلقاً إلّا لضرورة ، منها : معتبرة عبد اللّه ابن يحيى الكاهلي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «سأله رجل ضرير وأنا حاضر فقال : أكتحل إذا أحرمت؟ قال : لا ، ولم تكتحل؟ قال : إنّي ضرير البصر وإذا أنا اكتحلت نفعني ، وإن لم أكتحل ضرني ، قال : فاكتحل» (2).

الثانية : ما دلّ على الجواز مطلقاً إلّا لمانع آخر كوجود الطيب أو الزعفران فيه كمعتبرة هارون بن حمزة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «لا يكحل المحرم عينيه بكحل فيه زعفران ، وليكحل بكحل فارسي» (3)والطائفتان متعارضتان بالنفي والإثبات.


1) الخلاف 2 : 313.

2) الوسائل 12 : 470 / أبواب تروك الإحرام ب 33 ح 10.

3) الوسائل 12 : 469 / أبواب تروك الإحرام ب 33 ح 6.

والأحوط الاجتناب في هاتين الصورتين ، كما أنّ الأحوط الأولى التكفير فيهما.

4 - الاكتحال بكحل غير أسود ، ولا يقصد به الزينة ، ولا بأس به ولا كفّارة عليه بلا إشكال.


وبإزائهما طائفة ثالثة وهي روايات معتبرة دلّت على جواز الكحل في بعض الأقسام وعدم جوازه في القسم الآخر ، فتكون مقيّدة لإطلاق الطائفتين المتقدمتين ، فمنها : ما دلّ على عدم الجواز إذا كان الكحل أسود ، وهو مدرك المشهور كصحيحة معاوية بن عمار قال : «لا يكتحل الرجل والمرأة المحرمان بالكحل الأسود إلّا من علّة» (1).

ومنها : ما دلّ على عدم الجواز إذا كان للزينة ، كصحيحة أُخرى لمعاوية بن عمار «لا بأس بأن تكتحل وأنت محرم بما لم يكن فيه طيب يوجد ريحه ، فأمّا للزينة فلا» (2)وهما أيضاً متعارضتان ، لأنّ المستفاد من الاولى عدم الجواز بالكحل الأسود والجواز إذا كان غير أسود وإن كان للزينة ، والمستفاد من الثانية عدم جواز الاكتحال للزينة وإن كان غير أسود والجواز بالأسود إذا لم يكن للزينة ، فالتعارض يقع بين عقد الإيجاب من أحدهما وبين عقد السلب من الآخر ، وإلّا فلا منافاة بينهما بالنسبة إلى عقد الإيجاب من كل منهما ، فإنّ الأُولى تقول بحرمة السواد والثانية تقول بحرمة الزينة ولا منافاة بين الأمرين وحرمة كل منهما ، وإنّما التنافي بين عقد الإيجاب من أحدهما للعقد السلبي من الآخر ، فان مقتضى الرواية الأُولى حرمة الاكتحال بالسواد مطلقاً سواء كان للزينة أم لا ، ومقتضى العقد السلبي للثانية جواز الاكتحال لغير الزينة وإن كان أسود ، كما أن مقتضى العقد الإيجابي للثانية حرمة الكحل للزينة ومقتضى العقد السلبي للأوّل جواز غير الأسود وإن كان للزينة.

وقد ذكرنا في الأُصول في بحث المفاهيم (3)أنّه إذا كان قضيتان شرطيتان دلّتا على


1) الوسائل 12 : 468 / أبواب تروك الإحرام ب 33 ح 2.

2) الوسائل 12 : 470 / أبواب تروك الإحرام ب 33 ح 8.

3) في محاضرات في أُصول الفقه 5 : 97 الثالث : إذا تعدّد الشرط واتّحد الجزاء.

.................................................................................................


ثبوت شي‌ء على تقدير وعدم الثبوت على تقدير آخر فقهراً تقع المعارضة بين المنطوق من أحدهما ومفهوم الآخر كما في مثل إذا خفي الأذان فقصّر وإذ خفي الجدران فقصّر فإذا خفي الجدران ولم يخف الأذان يقع التعارض بين منطوق الجملة الثانية وبين مفهوم الجملة الأُولى ، فإن مقتضى إطلاق منطوق الجملة الثانية وجوب القصر سواء خفي الأذان أم لا ، ومقتضى إطلاق مفهوم الجملة الاولى عدم القصر سواء خفي الجدران أم لا.

وربما يقال بوجوب القصر عند خفائهما معاً ، ولكن لا موجب لذلك ، لأنّ المعارضة ليست بين المنطوقين ليرفع اليد عن إطلاق كل منهما ، بل المعارضة بين منطوق أحدهما ومفهوم الآخر ، فالصحيح أن يرفع اليد عن إطلاق كل منهما بتقييده بالآخر.

والنتيجة : أنّ القصر يثبت بخفاء أحدهما ، وهذه الكبرى تنطبق على المقام أيضاً فنقيد إطلاق مفهوم كل واحد من الروايتين ونرفع اليد عن إطلاق كل واحد منهما والمتحصل حرمة الاكتحال بالسواد أو للزينة.

ولكن هنا رواية معتبرة دلّت على أنّ العبرة باجتماع الأمرين معاً السواد والزينة وتكون أخص من جميع الروايات فتخصص الأسود بالزينة كما هو الغالب ، وكذلك تخصّص الزينة بالأسود وهي صحيحة زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «تكتحل المرأة بالكحل كلّه إلّا الكحل الأسود للزينة» ورواها الصدوق مرسلاً (1)فان كان الاكتحال بالسواد لم تكن زينة كما إذا اكتحل بالليل عند النوم فلا إشكال وكذا لو كان للزينة ولكن بغير الأسود ، إلّا أنّ الاحتياط في محلِّه خصوصاً في الأسود.

فتحصل : أنّ الجمع بين الأخبار يقتضي حمل ما دلّ على النهي عن الاكتحال بالسواد على ما كان للزينة.

وأمّا لو اكتحل بغير الأسود ولا للزينة فلا إشكال في الجواز ، بل لم ينسب القول بالحرمة إلى أحد من الأصحاب فيه.

ومن الغريب ما عن شيخنا الأُستاذ في مناسكه حكمه بحرمة الاكتحال مطلقاً (2).


1) الوسائل 12 : 468 / أبواب تروك الإحرام ب 33 ح 3. المقنع : 233.

2) دليل الناسك (المتن) : 153.

11 - النظر في المرآة

مسألة 247 : يحرم على المحرم النظر في المرآة للزينة ، وكفارته شاة على الأحوط الأولى.

وأمّا إذا كان النظر فيها لغرض غير الزينة كنظر السائق فيها لرؤية ما خلفه من السيارات فلا بأس به ، ويستحب لمن نظر فيها للزينة تجديد التلبية ، أمّا لبس النظارة فلا بأس به للرجل أو المرأة إذا لم يكن للزينة ، والأولى الاجتناب عنه ، وهذا الحكم لا يجري في سائر الأجسام الشفافة ، فلا بأس بالنظر إلى الماء الصافي أو الأجسام الصقيلة الأُخرى (1).


هذا كلّه بالنسبة إلى الحكم التكليفي من التحريم والجواز ، وأمّا بالنسبة إلى وجوب الكفّارة فلم يذكر في الروايات لزوم الكفّارة لهذا العمل ، بل صرّح بعضهم بعدم الوجوب والأمر كما ذكروه.

ولكن استدلّ بعضهم لوجوب الكفّارة برواية علي بن جعفر المتقدِّمة (1)الدالّة على أن ارتكاب كل خلاف يوجب الكفّارة بناءً على نسخة «جرحت» وقد عرفت الكلام فيه سنداً ودلالة ، فيكون الحكم بالكفّارة مبنياً على الاحتياط الاستحبابي في جميع الموارد المتقدِّمة للاكتحال.

(1) لا ينبغي الريب في حرمة النظر إلى المرآة في الجملة لدلالة النصوص المعتبرة على ذلك ، منها : صحيح معاوية بن عمار «لا ينظر المحرم في المرآة لزينة» (2).

إنّما الكلام في أنّ الممنوع خصوص النظر للزينة أو الأعم ، ذهب شيخنا الأُستاذ


1) في ص 407 وراجع الوسائل 13 : 158 / أبواب بقية كفارات الإحرام ب 8 ح 5.

2) الوسائل 12 : 473 / أبواب تروك الإحرام ب 34 ح 4.

.................................................................................................


(قدس سره) في مناسكه إلى التعميم (1)، وخصّ بعضهم بالزينة كما حكي عن الذخيرة (2)ويظهر ذلك من صاحب الوسائل لقوله في عنوان الباب «تحريم النظر في المرآة للزينة» (3)ومنشأ الاختلاف اختلاف الروايات الواردة في المقام وهي على طائفتين :

الأُولى : ما قيد فيه النظر بالزينة كالصحيحة المتقدِّمة ، وإلّا فلا إشكال فيه ، كالنظر إلى المرآة شمالاً أو يميناً بحيث لا يرى نفسه فيها وإنّما يريد النظر إلى شي‌ء آخر ، وكنظر السائق فيها لرؤية ما خلفه من السيارات ونحو ذلك ممّا لا يكون النظر فيها للزينة.

الثانية : ما دلّ على المنع من مطلق النظر ولكن علل فيه بالزينة كقوله في صحيحة حماد «لا تنظر في المرآة وأنت محرم فإنّه من الزينة» (4)فان قوله «لا تنظر في المرآة» مطلق من حيث الزينة وعدمها ولا ينافيه التعليل بالزينة.

وربما يقال بأنّهما مثبتان لا تعارض بينهما والحكم انحلالي يثبت للمطلق وللمقيد فلا تقييد في المقام ، ولا منافاة بين ثبوت الحكم للمطلق وثبوته للمقيد ، فيثبت الحكم للمطلق والمقيد معاً ، فلا موجب للتقييد.

وفيه أوّلاً : أنّه لا إطلاق في المقام ليقال بثبوت الحكم للأعم ، بل الظاهر من الصحيحة المعللة بالزينة أنّ النظر للزينة ممنوع ، وإذا لم تكن الزينة دخيلة في الحكم بالتحريم لم يصح التعليل ، وإلّا لو قيل بالإطلاق وعدم دخل الزينة في الحكم ، فمعناه أن مجرّد النظر إلى الزينة حرام وهذا ليس بحرام قطعاً ، إذ لا نحتمل أنّ النظر إلى الزينة كالنظر إلى الحلي ونحوه حرام شرعاً ، فالمراد من قوله : «فإنّه من الزينة» أنّه تزين ، فلا إطلاق له ليعم مطلق النظر المجرد عن الزينة.

وثانياً : لو سلمنا الإطلاق وأنّ القيد لا مفهوم له ، ولكن لا بدّ من عدم اللغوية


1) دليل الناسك (المتن) : 153.

2) الذخيرة : 593 السطر 1.

3) الوسائل 12 : 472 / أبواب تروك الإحرام ب 34.

4) الوسائل 12 : 472 / أبواب تروك الإحرام ب 34 ح 1.

.................................................................................................


لذكر القيد ، فلو كان الحكم ثابتاً للمطلق ولم يكن القيد دخيلاً في الحكم كان التقييد بالزينة في الرايات لغواً محضاً ، فلا بدّ من الالتزام بأنّ التقييد يدل على عدم ثبوت الحكم للمطلق فراراً عن لزوم اللغوية.

وهل يختص الحكم بالمرآة أو يعم كل جسم شفاف يرى الإنسان نفسه فيه؟ لا دليل على التعميم لكل جسم غير معدّ للنظر إليه للزينة ، فما يستعمله الإنسان للنظر فيه أحياناً للزينة يجوز النظر لأصالة الجواز.

ثمّ إنّه في بعض الروايات أمر بالتلبية بعد النظر فكأنّ النظر يوجب نقصاً في إحرامه وتلبيته ، وظاهر الرواية (1)هو الوجوب ، إلّا أنّهم تسالموا على الخلاف فلا يمكن الالتزام بالوجوب ، خصوصاً أن ذلك من المسائل الّتي يكثر الابتلاء بها ، ولو كان تجديد التلبية واجباً لظهر وبان ولا يمكن خفاؤه ، وذلك يكشف عن عدم الوجوب فالحكم استحبابي.

وهل تثبت الكفّارة في النظر في المرآة أم لا؟ مرّ الكلام فيه في الاكتحال (2)، وأنّه لا دليل على ثبوت الكفّارة إلّا بناءً على نسخة «جرحت» في رواية علي بن جعفر وقد عرفت ضعفها سنداً ودلالة.

أمّا لبس النظارة فلا يلحق بالنظر إلى المرآة ، فإنّه يرى الأشياء من قريب أو بعيد بواسطة النظارة ، لا أنّه يرى الأشياء فيها ، نعم إذا لبسها للتزين فهذا بحث آخر سيأتي الكلام فيه (3)منعاً وجوازاً إن شاء اللّه تعالى.


1) الوسائل 12 : 473 / أبواب تروك الإحرام ب 34 ح 4.

2) في ص 424.

3) في ص 451.

12 - الخف والجورب

مسألة 248 : يحرم على الرجل المحرم لبس الخف والجورب ، وكفّارة ذلك شاة على الأحوط ، ولا بأس بلبسهما للنِّساء ، والأحوط الاجتناب عن لبس كل ما يستر تمام ظهر القدم ، وإذا لم يتيسر للمحرم نعل أو شبهه ودعت الضرورة إلى لبس الخف فالأحوط الأولى خرقه من المقدم ، ولا بأس بستر تمام ظهر القدم من دون لبس (1).


(1) صرّح الأصحاب بحرمة لبس الخف والجورب للمحرم إلّا لضرورة. ويدلُّ عليه النصوص المعتبرة (1)فبالنسبة إلى الحكم التكليفي لا كلام فيه. وأمّا ثبوت الكفّارة فلا دليل عليه ، والحكم به مبني على الاحتياط الوجوبي ، لا لرواية علي بن جعفر المتقدِّمة (2)بناءً على نسخة (جرحت) لضعفها سنداً ودلالة ، بل لأجل ما دلّ على أن من لبس ثوباً لا ينبغي له لبسه وهو محرم وفعله متعمداً فعليه دم شاة كما في صحيحتي زرارة (3)وإنّما لم نجزم بثبوت الكفّارة وقلنا بالاحتياط فذلك للشك في صدق اسم الثوب على الجورب ، وإن أُطلق الثوب في رواية معتبرة على القفازين كقوله (عليه السلام) : «المرأة المحرمة تلبس ما شاءت من الثياب غير الحرير والقفازين» (4)وحال الجورب حال القفازين فإنّهما من لباس اليدين والجورب من لباس الرجلين ، على أنّه قد أفتى جماعة بوجوب الكفّارة ، هذا بالنسبة إلى الرجال.

وأمّا النِّساء فيجوز لها لبسهما لعدم المقتضي للتحريم بالنسبة إليها ، لاختصاص النصوص المانعة بالرجل ، وقاعدة الاشتراك لا تجري في المقام بعد العلم باختلافهما في


1) الوسائل 12 : 500 / أبواب تروك الإحرام ب 51.

2) في ص 407.

3) الوسائل 13 : 157 / أبواب بقية كفارات الإحرام ب 8 ح 1 ، 4.

4) الوسائل 12 : 368 / أبواب الإحرام ب 33 ح 9.

.................................................................................................


كثير من أحكام الحجّ خصوصاً في اللباس.

مضافاً إلى أنّ الصحيحة الدالّة على أنّ المرأة تلبس من الثياب ما شاءت إلّا القفازين (1)تدل على جواز لبس الجورب والخف لها ، وإلّا لو كان ممنوعاً لزم استثناؤه بالنسبة إليها كما استثني القفازان.

ثمّ إنّ الممنوع هل يختص بالجورب والخف أو يعم كل ثوب ساتر للقدم ، كما إذا كان إزاره طويلاً يقع على قدميه ويسترهما؟ قيل بعدم الجواز وبالتعميم ، بدعوى أنّ الملاك في المنع ستر القدم وإلّا فلا خصوصية للجورب والخف.

وفيه ما لا يخفى ، إذ لم يعلم أنّ الملاك ستر القدم ولعل الملاك شي‌ء آخر ، والأحكام تعبدية.

وأمّا تغطية ظهر القدم بغير اللبس كتغطئته باللحاف ونحوه عند النوم مثلاً ، فلا ينبغي الشك في جوازه لعدم صدق اللبس على ذلك قطعاً.

ولو لبس الخف أو الجورب للضرورة هل يجب عليه شق ظهره أم لا؟

قيل بالوجوب ، ولكن لا دليل عليه ، وما دلّ على وجوب الشق روايتان ضعيفتان. الاولى : ما رواه علي بن أبي حمزة البطائني عن أبي بصير (2)، والبطائني هو الكذّاب المعروف. الثانية : ما رواه الصدوق بسنده إلى محمّد بن مسلم (3)، وطريق الصدوق إليه ضعيف كما في المشيخة (4).


1) الوسائل 12 : 497 / أبواب تروك الإحرام ب 49 ح 3.

2) الوسائل 12 : 501 / أبواب تروك الإحرام ب 51 ح 3 ، 5. الفقيه 2 : 218 / 997.

3) الوسائل 12 : 501 / أبواب تروك الإحرام ب 51 ح 3 ، 5. الفقيه 2 : 218 / 997.

4) الفقيه 4 (المشيخة) : 6.

13 - الكذب والسّب

مسألة 249 : الكذب والسّب محرّمان في جميع الأحوال ، لكن حرمتهما مؤكّدة حال الإحرام ، والمراد من الفسوق في قوله تعالى ( فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ ) هو الكذب والسّب ، أمّا التفاخر ، وهو إظهار الفخر من حيث الحسب أو النسب ، فهو على قسمين :

الأوّل : أن يكون ذلك لإثبات فضيلة لنفسه مع استلزام الحط من شأن الآخرين وهذا محرّم في نفسه.

الثاني : أن يكون ذلك لإثبات فضيلة لنفسه من دون أن يستلزم إهانة الغير وحطّاً من كرامته ، وهذا لا بأس به ، ولا يحرم لا على المحرم ولا على غيره (1).


(1) أجمع العلماء كافّة على تحريم الكذب والسب في الحجّ وغيره ، والأصل فيه بالنسبة إلى الحجّ قوله تعالى ( فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ ) (1)وقد فسّر الفسوق في صحيح معاوية بن عمار بالكذب والسباب (2)وهذا ممّا لا كلام فيه.

وإنّما الكلام في المراد بالفسوق وتفسيره ، فعن الشيخ (3)والصدوقين (4)أنّه الكذب خاصّة ، بل نسب هذا القول إلى المشهور واختاره في الحدائق (5). وعن القاضي أنّه الكذب على اللّه تعالى وعلى رسوله (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) وعلى الأئمة (6)(عليهم السلام) ولكن لا موجب لهذا التخصيص بعد إطلاق الأدلّة. وعن ابن الجنيد أنّه الكذب والسباب (7)كما في صحيح معاوية بن عمار.


1) البقرة 2 : 31.

2) الوسائل 12 : 463 / أبواب تروك الإحرام ب 32 ح 1.

3) المبسوط 1 : 320.

4) المقنع : 224 ، المختلف 4 : 109.

5) الحدائق 15 : 456.

6) المهذب 1 : 221.

7) حكاه في المختلف 4 : 109.

.................................................................................................


وعن الشيخ في التبيان أنّ المراد به جميع المعاصي الّتي نهي المحرم عنها (1). وهذا اجتهاد منه في مقابلة النصوص المفسرة للفسوق ، فانّ الاجتناب عن المعاصي بل عن كل رذيلة وإن كان ممدوحاً في نفسه خصوصاً في حال الإحرام ولكن لا وجه لحمل الفسوق على ذلك ، بعد تفسيره في النصوص المعتبرة بالكذب والسباب أو المفاخرة.

وفي صحيح علي بن جعفر فسّر الفسوق بالكذب والمفاخرة (2)فان قلنا بأنّ المفاخرة لا تنفك عن السباب ، فانّ المفاخرة إنّما تتم بذكر فضائل لنفسه وسلبها عن المخاطب ، أو يسلب رذائل عن نفسه ويثبتها لخصمه ، وهذا هو معنى السباب كما عن العلّامة في المختلف (3)، فلا معارضة بين صحيحة معاوية بن عمار المتقدِّمة وصحيحة علي بن جعفر ، لإرجاع المفاخرة إلى السباب المذكور في صحيحة معاوية بن عمار ، وإن لم يكن عنوان المفاخرة داخلاً في عنوان السب كما إذا افتخر على المخاطب بذكر فضائل لنفسه أو دفع رذيلة عنها من دون أن يمس كرامة المخاطب ومن دون تعريض لنفي فضيلة عنه أو إثبات رذيلة عليه ، فيقع التعارض بين صحيحة معاوية بن عمار وصحيحة علي بن جعفر ، لأن صحيح معاوية بن عمار فسّر الفسوق بالكذب والسباب وصحيح علي بن جعفر فسّره بالكذب والمفاخرة.

وذكر صاحب الحدائق أنّ الصحيحين تعارضا فيما عدا الكذب فيتساقطان ويؤخذ بالمتفق عليه منهما وهو الكذب خاصّة ، فيطرح المختلف فيه من كل من الجانبين وهو السب والمفاخرة (4)ويؤيّده تفسير الفسوق بالكذب خاصّة في روايات ضعيفة كمرسلة العياشي في تفسيره (5)ورواية الصدوق عن المفضل بن صالح عن زيد الشحام (6)، فإنّها ضعيفة بالمفضل بن صالح ، والفقه الرضوي (7).


1) التبيان 2 : 164.

2) الوسائل 12 : 465 / أبواب تروك الإحرام ب 32 ح 4.

3) المختلف 4 : 110.

4) الحدائق 15 : 459.

5) لاحظ الوسائل 12 : 467 / أبواب تروك الإحرام ب 32 ح 9.

6) لاحظ الوسائل 12 : 467 / أبواب تروك الإحرام ب 32 ح 8.

7) فقه الرضا : 217.

.................................................................................................


وكذا السيِّد في المدارك اختار أنّ المراد بالفسوق هو الكذب فقط (1)، بدعوى أنّ الجمع بين صحيح معاوية بن عمار وصحيح علي بن جعفر يقتضي المصير إلى أنّ الفسوق هو الكذب خاصّة ، لاقتضاء صحيح معاوية بن عمار نفي المفاخرة وصحيح علي بن جعفر نفي السباب ، فيؤخذ بالمتفق عليه منهما وهو الكذب ويتساقطان بالنسبة إلى السب والمفاخرة.

وهذا من مثله عجيب ، وذلك فلأنّ التعارض إنّما هو بين منطوق أحدهما ومفهوم الآخر ، لأن منطوق صحيح معاوية بن عمار يدل على تفسير الفسوق بالكذب والسباب وبالمفهوم المستفاد من الحصر يدل على عدم المنع من المفاخرة ، وكذا صحيح علي بن جعفر بالمنطوق يدل على حرمة الكذب والمفاخرة وبمفهوم الحصر يدل على عدم كون السب من تروك الإحرام ، فمفهوم كل منهما يدل على جواز السباب والمفاخرة ، وحيث إن دلالة المفهوم بالظهور ودلالة المنطوق بالصراحة فيرفع اليد عن ظهور كل منهما بصراحة المنطوق في كل منهما ، فالنتيجة حرمة الجميع وأنّ السب والكذب والمفاخرة من الفسوق. بل لو فرضنا أنّ الروايات الضعيفة المفسرة للفسوق بالكذب خاصّة كانت معتبرة ، كانت القاعدة تقتضي ما ذكرناه.

ثمّ إنّ المفاخرة إن أُخذ في عنوانها نفي الفضيلة عن المخاطب وإثبات منقصة ورذيلة عليه ، فلا ريب في الحرمة ودخولها في صحيح علي بن جعفر ، وإن لم تستلزم ذلك ولا تمس كرامة أحد وإنّما يثبت المحرم فضيلة لنفسه أو ينفي رذيلة عنها من دون تعريض لمؤمن آخر ومن دون أن يمس كرامة أحد من المؤمنين ، فان لم يصدق عنوان المفاخرة على ذلك فهو ، وإن صدق عليه فلا بدّ من إخراجه عن المفاخرة الممنوعة في صحيح علي بن جعفر ، لعدم احتمال حرمة هذا النحو من المفاخرة ، ويكون إطلاق المفاخرة المذكورة في الصحيح غير شامل لهذا النوع من المفاخرة ، لأن رواية علي بن جعفر في مقام تفسير الفسوق والخروج عن الجادة المستقيمة ، وهذا النوع من المفاخرة ليس من الفسوق ، فلا ينطبق عليه عنوان الفسوق والخروج عن الحدود الشرعية.


1) المدارك 7 : 341.

.................................................................................................


وبعبارة اخرى : مجرّد الافتخار ما لم يستوجب منقصة على أحد من المؤمنين لا محذور فيه شرعاً ، فلا يصدق عليه عنوان الفسوق.

وأمّا بالنسبة إلى الكفّارة ، فالمعروف عدمها سوى الاستغفار ، بل ذكر صاحب الجواهر (قدس سره) أنّه لم يجد من ذكر للفسوق كفّارة ، بل قيل ظاهر الأصحاب لا كفّارة فيه سوى الاستغفار (1).

ولكن صاحب الوسائل ذهب إلى وجوب الكفّارة لقوله : باب أنّه يجب على المحرم في تعمد السباب والفسوق بقرة (2).

وذهب صاحب الحدائق إلى وجوب الكفّارة أيضاً عند اجتماع السباب والكذب ولا تجب عند انفراد كل منهما عن الآخر (3).

وما ذكره المشهور هو الصحيح ، لصحيح الحلبي ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث قال : «قلت : أرأيت من ابتلي بالفسوق ما عليه؟ قال : لم يجعل اللّه له حدّا يستغفر اللّه ويلبي» (4).

ورواه الصدوق أيضاً بطريقه إلى محمّد بن مسلم والحلبي جميعاً (5)، وطريق الصدوق إلى محمّد بن مسلم وإن كان ضعيفاً ولكن طريقه إلى الحلبي صحيح.

ثمّ إن صاحب الوسائل بعد ما روى الرواية الاولى في الباب الثاني من أبواب بقيّة كفارات الإحرام عن الكليني ، قال : ورواه الصدوق وابن إدريس كما مرّ ، وذكر المعلّق أيضاً ورواه الصدوق وابن إدريس كما مرّ ، إلّا أنّ الّذي مرّ في الباب الثاني والثلاثين من تروك الإحرام (6)ما رواه الصدوق عن الحلبي ، ولكن لم يذكر منه كفّارة الفسوق.

نعم ، كفّارة الفسوق مذكورة في صحيحة الحلبي كما في الفقيه.


1) الجواهر 20 : 425.

2) الوسائل 13 : 148 / أبواب بقية كفارات الإحرام ب 2.

3) الحدائق 15 : 460.

4) الوسائل 13 : 149 / أبواب بقية كفارات الإحرام ب 2 ح 2.

5) الفقيه 2 : 212 / 968.

6) الوسائل 12 : 464 / أبواب تروك الإحرام ب 32 ح 2.

.................................................................................................


وبالجملة : هاتان الصحيحتان دلّتا على عدم الكفّارة للفسوق ، وصاحب الوسائل حملهما على الجاهل ، لما ثبت من عدم وجوب الكفّارة على غير المتعمد واختار وجوب الكفّارة على العامد ، لصحيح سليمان بن خالد قال : «سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول : في حديث وفي السباب والفسوق بقرة» (1).

ولا يخفى أن هذا الحمل بعيد وليس من الجمع العرفي بين الروايتين المتنافيتين ، لأن الظاهر من قول السائل : من ابتلي بالفسوق ما عليه؟ والظاهر من جواب الإمام (عليه السلام) : «لم يجعل اللّه له حدّا يستغفر اللّه» أنّه لم يجعل في الشريعة المقدّسة لذلك حدّا وشيئاً أصلاً ، لا أنّه جعل له شيئاً ورفعه عند الجهل خاصّة.

وبعبارة اخرى : ما ذكره صاحب الوسائل يبتني على أن تكون الكفّارة مجعولة عند الفسوق ولكن الشارع رفعها عند الجهل ، والظاهر من الصحيحة أنّ الكفّارة غير مجعولة للفسوق أصلاً ، وأنّها غير ثابتة في الشريعة المقدّسة برأسها.

وأمّا ما صنعه في الحدائق من أنّ الكفّارة ثابتة على الجمع بين السباب والكذب (2)ففيه : أنّ الظاهر من الرواية ثبوت الكفّارة لكل من السباب والفسوق ، والمقام من باب ذكر العام بعد الخاص ، وهذا النحو من الاستعمال شائع في القرآن وغيره ، فمن ذكر الخاص بعد العام قوله تعالى ( فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمّانٌ ) (3)ومن ذكر العام بعد الخاص قوله عزّ وجلّ ( أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ ) (4)وقوله تعالى ( يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ ) (5).

وبالجملة : الفسوق عام ذكر بعد الخاص والظاهر من الرواية ثبوت الكفّارة لكل من السباب والفسوق.


1) الوسائل 13 : 148 / أبواب بقية كفارات الإحرام ب 2 ح 1.

2) الحدائق 15 : 460.

3) الرّحمن 55 : 68.

4) البقرة 2 : 266.

5) النّحل 16 : 11.

14 - الجدال

مسألة 250 : لا يجوز للمحرم الجدال وهو قول لا واللّه وبلى واللّه ، والأحوط ترك الحلف حتّى بغير هذه الألفاظ (1).


فالصحيح حمل صحيحة سليمان بن خالد على الاستحباب ، لصراحة صحيح الحلبي في عدم الوجوب ، كما تحمل لذلك صحيحة علي بن جعفر المروية عن قرب الاسناد أيضاً الدالّة على التصدق بشي‌ء على الاستحباب ، فقد روى علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) «وكفّارة الفسوق شي‌ء يتصدق به إذا فعله وهو محرم» وفي نسخة اخرى «وكفّارة الفسوق يتصدّق به إذا فعله وهو محرم» (1).

(1) لا ريب في حرمة الجدال على المحرم للآية الشريفة (2)والنصوص المعتبرة (3)، إنّما الكلام في معناه ، وعن العامّة حمل الجدال على معناه اللغوي وهو مطلق المخاصمة والنزاع (4)، ولكن الروايات الواردة عن أئمة الهدى (عليهم السلام) فسرته بقوله : «لا واللّه ، وبلى واللّه» (5)، فيقع الكلام في جهات :

الاولى : هل المحرّم قول الرجل لا واللّه ، وبلى واللّه على الإطلاق وفي كل مورد ، أو يحرم في خصوص مورد المخاصمة؟ وبتعبير آخر : الممنوع المخاصمة الّتي فيها يمين خاص وهو قول الرجل لا واللّه ، وبلى واللّه ، أو أنّ الممنوع مطلق هذا القول ولو في غير مورد المخاصمة؟

يظهر من بعضهم اختصاص الحرمة بمورد المخاصمة ، والظاهر أنّه لا وجه له ، لأنّ الروايات فسّرت الجدال بنفس هذا القول لا المخاصمة المشتملة على هذا القول ، فهذا


1) الوسائل 13 : 111 / أبواب كفارات الاستمتاع ب 3 ح 4 ، 16. قرب الاسناد : 234 / 915.

2) البقرة 2 : 31.

3) الوسائل 12 : 463 / أبواب تروك الإحرام ب 32.

4) المغني 3 : 270 ، الفقه على المذاهب الأربعة 1 : 644.

5) الوسائل 12 : 463 / أبواب تروك الإحرام ب 32.

.................................................................................................


القول ممنوع ولو في غير مورد المخاصمة ، وقد وقع التصريح في صحيح معاوية بن عمار بأنّ الجدال قول الرجل لا واللّه وبلى واللّه ، وأمّا قول الرجل لا لعمري وبلى لعمري فلا بأس به (1)فمقتضى الإطلاق عدم اختصاص الجدال بالمخاصمة ، فلو سأله أحد هل فعلت كذا؟ فقال : لا واللّه ، يكون داخلاً في الجدال ، وكذا لو قال له : أنت كذا ، فقال : بلى واللّه ، فدعوى اختصاص الحكم بمورد المخاصمة بلا موجب ، فلا مانع من الالتزام بأنّ الجدال حقيقة شرعية للمعنى المعهود المذكور في الروايات ، أو أنّه استعمال شرعي فيه. فلا ضير فيما ذكرناه كون معناه اللغوي في الأصل مطلق النزاع والتخاصم (2).

وممّا يؤكد ما قلناه ما ورد في صحيح معاوية بن عمار «واعلم أنّ الرجل إذا حلف بثلاثة أيمان ولاء في مقام واحد وهو محرم فقد جادل فعليه دم يهريقه ويتصدق به ، وإذا حلف يميناً واحدة كاذبة فقد جادل وعليه دم يهريقه ويتصدّق به» (3)وكذا ما ورد في موثقة أبي بصير «إذا حلف الرجل ثلاثة أيمان وهو صادق وهو محرم فعليه دم يهريقه وإذا حلف يميناً واحدة كاذباً فقد جادل فعليه دم يهريقه» (4)فانّ المستفاد منهما أن موضوع الحكم نفس الحلف لا الحلف الواقع في المخاصمة ، وكذا يستفاد ذلك من معتبرة أُخرى لأبي بصير قال : «سألته عن المحرم يريد أن يعمل العمل فيقول له صاحبه : واللّه لا تعمله ، فيقول : واللّه لأعملنّه ، فيحالفه مراراً ، يلزمه ما يلزم الجدال؟ قال : لا ، إنّما أراد بهذا إكرام أخيه ، إنّما كان ذلك ما كان لله عزّ وجلّ فيه معصية» (5)لأنّه لو كان موضوع الحكم هو المخاصمة لكان الأنسب واللّائق الجواب بأنّه لا محذور في هذا الحلف أصلاً ، لعدم الموضوع للجدال ، ولعدم وقوع هذا الحلف في مورد


1) الوسائل 12 : 465 / أبواب تروك الإحرام ب 32 ح 3 ، 5 وأورده أيضاً في الوسائل 13 : 146 / أبواب بقية كفارات الإحرام ب 22 ح 3.

2) المنجد : 82 مادّة جدل.

3) تقدّم مصدره أعلاه.

4) الوسائل 13 : 147 / أبواب بقية كفارات الإحرام ب 1 ح 7.

5) الوسائل 12 : 466 / أبواب تروك الإحرام ب 23 ح 7.

.................................................................................................


المخاصمة ، لا التعليل بأنّه لا معصية فيه ، لأنّه لم يأت بالجملة المعهودة.

وبالجملة : لا ريب في أنّ المستفاد من الأدلّة أن موضوع المنع هو مجرد الحلف بالجملة المعهودة وإن لم يقع في مورد المخاصمة.

الجهة الثانية : هل يختص الحكم بهاتين الجملتين لا واللّه ، وبلى واللّه ، أو يعم جميع أفراد اليمين كقولنا : لا وربّي ، لا والخالق ونحوهما ، بل ومن دون اشتمال على حرف (لا) و (بلى) كما إذا قال : واللّه ، وباللّه؟

ظاهر المشهور هو الاختصاص ، وصرّح المحقق في النافع (1)والشهيد في الدروس (2)بالتعميم ، وأن موضوع الحكم مطلق الحلف باللّه تعالى.

والصحيح ما ذهب إليه المشهور ، لأنّ الظاهر من صحيح معاوية بن عمار أنّ الحكم مترتب على نفس هذا القول خاصّة ، لا المعنى ولا ما يسمّى يميناً باللّه تعالى ليدل على حرمة مطلق الحلف باللّه عزّ وجلّ.

والحاصل : الجدال الممنوع شرعاً في الحجّ هو الحلف باللّه بالصيغة المخصوصة المذكورة في صحاح لمعاوية بن عمار (3).

ثمّ إنّه قد استدلّ للقول بالتعميم بعدّة من الروايات :

منها : صحيحة معاوية بن عمار في حديث «والجدال قول الرجل لا واللّه وبلى واللّه واعلم أنّ الرجل إذا حلف بثلاثة أيمان ولاء في مقام واحد وهو محرم فقد جادل فعليه دم يهريقه ويتصدق به ، وإذا حلف يميناً واحدة كاذبة فقد جادل وعليه دم» (4).

ومنها : موثقة أبي بصير «إذا حلف الرجل ثلاثة أيمان وهو صادق وهو محرم فعليه دم يهريقه ، وإذا حلف يميناً واحدة كاذباً فعليه دم يهريقه» (5)فانّ المستفاد منهما أنّ الموضوع للحكم مطلق الحلف.


1) المختصر النافع : 108.

2) الدروس 1 : 386.

3) الوسائل 12 : 463 / أبواب تروك الإحرام ب 32 ح 1 ، 3 ، 5.

4) الوسائل 13 : 146 / أبواب بقية كفارات الإحرام ب 1 ح 3.

5) الوسائل 13 : 146 / أبواب بقية كفارات الإحرام ب 1 ح 7.

.................................................................................................


والجواب : أمّا عن صحيح معاوية بن عمار ، أن هذه الجملة «واعلم أنّ الرجل إذا حلف ...» وإن ذكرها مستقلا ولكن ذكر في الصدر «والجدال قول الرجل لا واللّه ، وبلى واللّه» فيعلم أنّ الحكم المذكور بعد ذلك مترتب على هذا القول وليس مترتباً على مطلق الحلف.

وبتقريب آخر : ليست الرواية في مقام بيان الجدال وتفسيره ، بل في مقام بيان التفصيل بين اليمين الصادقة والكاذبة ، وأن أيّاً منهما يوجب الكفّارة ، وبذلك يظهر الجواب عن رواية أبي بصير فإنّها في مقام بيان التفصيل بين الحلف الكاذب والصادق وثبوت الكفّارة في الحلف الكاذب وإن كان واحداً ، وثبوتها في الحلف الصادق إذا كان ثلاثة أيمان ، وليست في مقام بيان أن مطلق الحلف يوجب الكفّارة ، فلا إطلاق لها من هذه الجهة.

على أنّه لو سلمنا الإطلاق وشموله لكل حلف ، يقع التعارض بين هذه المطلقات وبين صحيحة معاوية بن عمار الحاصرة بالقول المخصوص «إنّما الجدال قول الرجل : لا واللّه ، وبلى واللّه» (1)فإنّها بمفهوم الحصر تدل على عدم حرمة غير هذا القول الخاص ، والتعارض بالعموم من وجه ، لأن صحيحة معاوية بن عمار الحاصرة تدل على أن غير قوله : «لا واللّه ، وبلى واللّه» لا أثر له ، سواء كان حلفاً باللّه بغير هذا القول أو كان حلفاً بغير اللّه كقوله : لعمرك ، وتلك الروايات المطلقة تدل على أنّ الممنوع هو الحلف باللّه سواء كان بقوله : لا واللّه ، وبلى واللّه أو بغير هذا القول ، فيقع التعارض في الحلف باللّه بغير هذا القول الخاص ، وبعد التعارض يرجع إلى أصل البراءة.

الجهة الثالثة : هل الحكم مختص بالجملة الخبرية ، أو يعم الجملة الإنشائية؟

لم أر من تعرض لذلك ، والّذي يظهر من الروايات الواردة في المقام عدم شمول الحكم للحلف في الجملة الإنشائية ، إذ يظهر من صحيحة معاوية بن عمار ونحوها الواردة في التفصيل بين الحلف الصادق والكاذب ، أنّ الحلف الممنوع يجري في مورد


1) الوسائل 12 : 465 / أبواب تروك الإحرام ب 32 ح 3.

.................................................................................................


يقبل الصدق والكذب وليس ذلك إلّا في الجملة الخبرية ، وأمّا الإنشائية فغير قابلة للصدق والكذب ، لما ذكرنا في محلِّه (1)أنّ الإنشاء إبراز أمر اعتباري نفساني ولم يكن فيه حكاية عن الخارج ليتصف بالصدق والكذب ، فبقرينة التفصيل بين الصادق والكاذب يعلم أنّ الحكم يختص بالحلف في مورد الجملة الخبرية.

وعلى ذلك تحمل معتبرة أبي بصير قال : «سألته عن المحرم يريد أن يعمل فيقول له صاحبه : واللّه لا تعمله ، فيقول : واللّه لأعملنّه فيحالفه مراراً ، يلزمه ما يلزم الجدال؟ قال : لا إنّما أراد بهذا إكرام أخيه ، إنّما كان ذلك ما كان لله عزّ وجلّ فيه معصية» (2)فانّ المستفاد منها أنّ الحلف المحرّم هو الحلف الاخباري وأمّا الحلف التكريمي الّذي هو مجرد وعد لمؤمن فلا معصية فيه.

فالحكم يختص بما إذا أخبر عن شي‌ء نفياً أو إثباتاً فحلف عليه بالقول المخصوص ، وأمّا الوعد على شي‌ء والإنشاء به على عمل أو ترك شي‌ء فغير داخل في موضوع الحكم ، لأنّه غير قابل للصدق والكذب.

ومنه يظهر أنّه لا بأس بالحلف في التعارفات الدارجة بين الناس لعدم كونه إخباراً عن شي‌ء ، فاستثناء ذلك من الحلف المحرم من الاستثناء المنقطع لعدم دخوله في الحلف الممنوع ، لأن موضوع المنع هو الحلف في مورد الجملة الخبرية المحتملة للصدق والكذب ، وأمّا ما لا يحتمل للصدق والكذب فغير داخل في موضوع الحكم أصلاً.

الجهة الرابعة : هل الجدال يتحقق بمجموع هذين اللفظين ، أعني : لا واللّه ، وبلى واللّه ، أو يتحقق بكل منهما مستقلا؟

الظاهر هو الثاني ، لأن إحدى الجملتين تستعمل في الإثبات ، والأُخرى تستعمل في النفي ، ولا يمكن استعمالهما في مقام واحد ، بل الشائع المتعارف استعمال بلى واللّه في مقام الإثبات ، ولا واللّه في مقام النفي ، ولا يستعملان في مورد واحد ، فالجدال يتحقق بكل واحد منهما منفرداً عن الآخر.


1) في محاضرات في أُصول الفقه 1 : 87.

2) الوسائل 12 : 466 / أبواب تروك الإحرام ب 32 ح 7.

.................................................................................................


ويؤكّد ذلك الروايات المفصلة بين الحلف الصادق والكاذب ، فانّ المستفاد منها أنّ الموضوع للحكم هو الحلف ولو بصيغة خاصّة ، ولا ريب في صدق الحلف على كل من اللفظين وإن لم ينضم إلى الآخر.

الجهة الخامسة : هل الحكم يختص بذكر كلمة (لا) و (بلى) أو يعم الحكم لما يؤدي هذين المعنيين ، بأن يقول في مقام النفي : ما فعلت واللّه ، وفي مقام الإثبات : قد فعلت كذا واللّه؟ وهل يقتصر على ذلك بالنسبة إلى التعبير بالقسم باللّغة العربية ، أو يعمه فيما لو ترجم إلى غير العربية؟

اختار في الجواهر التعميم وأنّه لا خصوصية لذكر كلمة (لا) و (بلى) بل المعتبر أداء هذين المعنيين نظير قوله (عليه السلام) «إنّما الطلاق أنت طالق» (1)فانّ الطلاق يقع بقولنا : طالق ولا يعتبر لفظ (أنتِ) قطعاً ، بل يقع بقوله : زوجتي أو هي أو فلانة ونحو ذلك طالق وبالجملة لفظ (بلى) و (لا) لبيان المقسوم عليه ، ولا يعتبر خصوص اللفظين في مؤدّاة ، بل يتحقق الجدال بقول : واللّه وإن ادي المقسوم عليه بغير لفظ (لا) و (بلى) بل يكفي الفارسية ونحوها فيه (2).

وفيه : أنّ الظاهر من النص اعتبار قول لا واللّه وبلى واللّه ، بأن يكون النفي والإثبات يؤديان بكلمة (لا) و (بلى) بلفظ الجلالة بالعربية ، لقوله (عليه السلام) في صحيح معاوية بن عمار «إنّما الجدال قول الرجل : لا واللّه ، وبلى واللّه» فإذا أدى القسم أو المقسوم عليه بلفظ آخر غيرهما لا يشمله النص ، وكذا إن كان بغير اللفظ العربي ، وأمّا ما ذكره (قدس سره) من وقوع الطلاق ولو لم يذكر لفظ (أنت) فالأمر كما ذكر (قدس سره) لعدم اعتبار لفظ (أنت) قطعاً ونتعدى إلى غير ذلك من الألفاظ كزوجتي أو هي أو فلانة أو امرأتي طالق ، وذلك للنصوص الدالّة على ذلك خصوصاً ما ورد في جواز طلاق الغائب زوجته وأنّه لا يعتبر حضورها في مجلس الطلاق (3)ومن


1) الوسائل 22 : 54 / أبواب مقدمات الطلاق ب 25.

2) الجواهر 18 : 313.

3) الوسائل 22 : 54 / أبواب مقدمات الطلاق ب 25.

مسألة 251 : يستثني من حرمة الجدال أمران :

الأوّل : أن يكون ذلك لضرورة تقتضيه من إحقاق حق أو إبطال باطل (1).

الثاني : أن لا يقصد بذلك الحلف ، بل يقصد به أمراً آخر كإظهار المحبة والتعظيم كقول القائل : لا واللّه لا تفعل ذلك (2).


المعلوم أن طلاق الغائب لا يقع بقوله : (أنتِ) فمن هذه الروايات نستكشف عدم اعتبار ذكر كلمة (أنتِ).

وبالجملة : مقتضى الجمود على النص والأخذ بظاهر الدليل اعتبار ذكر كلمة (لا) و (بلى) وعدم تحقق الجدال بغيرهما من الألفاظ وإن كان مؤدّياً لهما.

وأمّا صحيحة أبي بصير الّتي يظهر منها تحقق الجدال بمطلق الحلف باللّه إلّا إذا كان تكريماً لأخيه (1)فغير ناظرة إلى جواز الحلف بأيّ شي‌ء ولو بغير القول المخصوص وإنّما هي ناظرة إلى أن هذا النحو من الحلف حيث إنّه تكريم لأخيه المؤمن لا يترتب عليه شي‌ء.

وبعبارة اخرى : ليست الرواية في مقام بيان وقوع الحلف بأيّ صيغة وبأيّ قول ، فلا إطلاق لها من هذه الجهة ، وإنّما هي في مقام بيان أنّ الحلف التكريمي لا بأس به.

(1) لا لخصوص حديث نفي الضرر ، بل يدلّنا على جواز ذلك أيضاً صحيحة أبي بصير المتقدِّمة (2)فإنّ المستفاد منها ما كان فيه معصية لله عزّ وجلّ محرم ، وما كان فيه إحقاق حق أو إبطال باطل لا معصية فيه.

(2) قد عرفت أنّ الجدال يتحقق بالقسم في موارد الجملة الخبرية وأمّا ما كان من قبيل الإنشاء كالتعظيم والتكريم لأخيه فلا بأس به ، كما يدل عليه صحيح أبي بصير أيضا.


1) الوسائل 12 : 466 / أبواب تروك الإحرام ب 32 ح 7.

2) المتقدِّم مصدره أعلاه.

مسألة 252 : لا كفّارة على المجادل فيما إذا كان صادقاً في قوله ولكنّه يستغفر ربّه ، هذا فيما إذا لم يتجاوز حلفه المرّة الثانية ، وإلّا كان عليه كفّارة شاة. وأمّا إذا كان الجدال عن كذب فعليه كفّارة شاة للمرة الاولى ، وشاة اخرى للمرة الثانية وبقرة للمرة الثالثة (1).


(1) المشهور بين الأصحاب عدم الكفّارة في الحلف الصادق في المرة الأُولى والثانية ، وثبوتها في المرة الثالثة وهي شاة ، وأمّا في الحلف الكاذب مرّة شاة ومرتين بقرة وثلاثاً بدنة ، ولكن في استفادة ذلك كلّه على هذا الترتيب من النصوص إشكال ، وإنّما هذا الترتيب مذكور في الفقه الرضوي (1)الّذي أفتى على طبقه ابن بابويه (2)وقد ذكرنا غير مرة أنّ الفقه الرضوي ضعيف جدّاً ، بل لم يعلم أنّه رواية حتّى يقال بالجبر بعمل المشهور ، بل من المحتمل أنّه تأليف أحد العلماء ، وعلى فرض اعتباره يعارض بما دلّ على خلافه.

فالصحيح أن يقال : إنّ الحلف الصادق لا كفّارة فيه في المرة الأُولى والثانية ، لعدم الدليل أوّلاً ، ولمفهوم الصحاح الدالّة على ثبوت الكفّارة في المرة الثالثة ثانياً ، فانّ المستفاد من قوله : «إذا حلف الرجل ثلاثة أيمان وهو صادق وهو محرم فعليه دم» (3)عدم ثبوت الدم إذا حلف دون الثلاثة. ويدلُّ على عدم ثبوت الكفّارة في الأقل من الثلاثة أيضاً ما ورد في بعض الروايات من أنّه لا كفّارة على الجدال الصادق مطلقاً (4)خرجنا عنه في الحلف الصادق المتكرر ثلاثاً ، وأمّا وجوب الشاة في المرّة الثالثة فيدل عليه عدّة من الصحاح (5).

وأمّا الحلف الكاذب ، ففي المرة الأُولى شاة وفي الثالثة بقرة كما جاء ذلك في روايات معتبرة.


1) فقه الرضا : 217.

2) نقله عنه الصدوق في الفقيه 2 : 212.

3) الوسائل 13 : 147 / أبواب بقية كفارات الإحرام ب 1 ح 7.

4) الوسائل 13 : 147 / أبواب بقية كفارات الإحرام ب 1 ح 8 ، 6 ، 7.

5) الوسائل 13 : 147 / أبواب بقية كفارات الإحرام ب 1 ح 8 ، 6 ، 7.

.................................................................................................


أمّا ثبوت الشاة في المرة الأُولى فلصحيح معاوية بن عمار وصحيح أبي بصير «وإذا حلف يميناً واحدة كاذبة فقد جادل وعليه دم يهريقه» (1).

وأمّا ثبوت البقرة في المرة الثالثة فلصحيح محمّد بن مسلم «من زاد على مرتين فقد وقع عليه الدم ، فقيل له : الّذي يجادل وهو صادق؟ قال : عليه شاة والكاذب عليه بقرة» (2)يعني إذا جادل صادقاً زائداً على مرتين فعليه شاة ، وإذا جادل زائداً على مرّتين فعليه بقرة ، ولصحيح الحلبي «إذا جادل فوق مرتين فعلى المصيب دم يهريقه ، وعلى المخطئ بقرة» (3)فانّ المستفاد منه أنّ الحلف الصادق إذا زاد على مرتين فعليه دم ، والكاذب المعبر عنه بالخطإ إذا زاد على مرتين فعليه بقرة ، هذا حال الكذب الأوّل والثالث.

وأمّا الكذب الثاني ، فلم يذكر في الروايات صريحاً ولكن نلتزم فيه بوجوب الشاة أيضاً ، لصحيحة سليمان بن خالد «في الجدال شاة» (4)فان مدلوله وجوب الشاة في الجدال سواء كان صادقاً أو كاذباً في المرّة الأُولى أو الثانية ، ولكن نخرج عنه في الحلف الصادق في المرة الأُولى والثانية ، وكذلك نخرج عنه في المرة الثالثة لليمين الكاذبة ، لأن فيها بقرة فتبقى المرة الأُولى والثانية لليمين الكاذبة باقية تحت إطلاق الصحيح.

فالنتيجة أنّ الحلف الكاذب في المرة الأُولى يوجب شاة وفي المرة الثانية شاتين وفي المرة الثالثة بقرة.

بقي شي‌ء : وهو أنّه روى العياشي في تفسيره عن إبراهيم بن عبد الحميد عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) قال : «من جادل في الحجّ فعليه إطعام ستّة مساكين لكل مسكين نصف صاع إن كان صادقاً أو كاذباً ، فان عاد مرتين فعلى الصادق شاة ، وعلى الكاذب بقرة» (5)وهذه الرواية تكون معارضة لجميع الروايات المتقدِّمة ، ولكنّها ضعيفة للإرسال فتسقط.

وورد في خبر أبي بصير وجوب الجزور في مطلق الجدال كذباً متعمداً (6)ولكن


1) الوسائل 13 : 146 / أبواب بقية كفارات الإحرام ح 3 ، 7 ، 6 ، 2 ، 1.

2) الوسائل 13 : 146 / أبواب بقية كفارات الإحرام ح 3 ، 7 ، 6 ، 2 ، 1.

3) الوسائل 13 : 146 / أبواب بقية كفارات الإحرام ح 3 ، 7 ، 6 ، 2 ، 1.

4) الوسائل 13 : 146 / أبواب بقية كفارات الإحرام ح 3 ، 7 ، 6 ، 2 ، 1.

5) الوسائل 13 : 148 / أبواب بقية كفارات الإحرام ب 1 ح 10.

6) الوسائل 13 : 147 / أبواب بقية كفارات الإحرام ب 1 ح 9 ، تفسير العياشي 1 : 95.

.................................................................................................


الخبر ضعيف ، لضعف إسناد الشيخ إلى العباس بن معروف ، لأن فيه أبا المفضل عن ابن بطة وهما ضعيفان عن أحمد بن أبي عبد اللّه (1)فالتعبير عنه بالصحيح كما في دليل الناسك (2)في غير محلِّه.

ومن جميع ما ذكرناه يظهر أنّه لا وجه لما ذكره شيخنا الأُستاذ من الاحتياط في المقام ، حيث إنّه (قدس سره) احتاط أوّلاً في وجوب البقرة في المرة الثانية في الكاذب ثمّ احتاط ثانياً في وجوب البدنة في الكاذب مطلقاً (3)فإنّه لو تمّ الفقه الرضوي سنداً لا بدّ من الفتوى بوجوب البقرة في المرة الثانية ، وإن لم يتم كما لا يتم فمقتضى إطلاق صحيح سليمان بن خالد وجوب دم شاة ، وإجزاء البقرة عن الشاة يحتاج إلى الدليل ، ومجرد فتوى المشهور والفقه الرضوي لا يوجب رفع اليد عن الشاة ، فما احتاط من وجوب البقرة في المرة الثانية خلاف الاحتياط.

نعم ، الأحوط هو الجمع بين البقرة والشاة ، وأمّا الاحتياط الثاني وهو وجوب البدنة حتّى في المرّة الأُولى والثانية أيضاً على خلاف الاحتياط ، إذ لو تمّ الفقه الرضوي وجب التكفير بالبدنة في المرة الثالثة ، ولا مورد للاحتياط بالبدنة في المورد الأوّل والثاني ، وإن لم يتم تجب الشاة في الحلف الكاذب على الإطلاق ، وإجزاء البدنة يحتاج إلى الدليل ، والظاهر أنّه (قدس سره) استند إلى إطلاق خبر العباس بن معروف ، واحتاط في البدنة في المرة الأُولى والثانية ، وقد عرفت أنّ الخبر ضعيف ، فالمتعين في المرة الأُولى شاة ، وفي المرة الثانية شاتان ، وبقرة للمرة الثالثة ، ولا دليل على إجزاء البدنة عن الشاة أو الجزور.

فرع : هل يعتبر التتابع وإتيان الحلف ولاء في الثلاث في مقام واحد وموضوع واحد كما في بعض الروايات المعتبرة (4)فلو حلف صادقاً متكرراً من دون ولاء لا


1) راجع الفهرست : 118 / 518.

2) دليل الناسك : 220.

3) دليل الناسك (المتن) : 219.

4) الوسائل 13 : 146 / أبواب بقية كفارات الإحرام ب 1 ح 3 5.

.................................................................................................


يترتب عليه كفّارة ، أو لا يعتبر كما في بعض الروايات المطلقة؟ (1).

المشهور عدم اعتبار التتابع بل التزموا بترتب الكفّارة على الثلاث ، متتابعة كانت أم لا ، في موضوع واحد ومقام واحد أم لا.

ولكن مال بعضهم إلى التقييد ولزوم التتابع حاكياً له عن العماني (2).

وصاحب الجواهر (قدس سره) اعترف بأنّ القاعدة تقتضي حمل المطلق على المقيد ، ولكن بقرينة خارجية التزم بعدم التقييد ، وهي ذهاب المشهور إلى العدم (3).

والتحقيق أن يقال : إنّه لا موجب للتقييد في نفسه حتّى مع قطع النظر عن المشهور ، والوجه ما ذكرناه في بحث المفاهيم (4)وحاصله :

أنّ الشرط قد يكون متعدداً فتدل القضية بالمفهوم على نفي الحكم عند نفي أحدهما ، كما إذا قال : إذا جاء زيد من السفر وكان مجيئه في يوم الجمعة افعل كذا ، فلو فرضنا أنّه جاء في يوم السبت ينتفي الحكم بنفي الشرط ، كما إذا كان الشرط واحداً ، وقد يكون الشرط غير متعدِّد بل كان أحدهما مقيّداً بالآخر ، كما إذا قال : إذا جاء زيد في يوم الجمعة بحيث كان المجي‌ء مقيّداً بيوم الجمعة ويكون الشرط هو المجي‌ء في يوم الجمعة ، فمفهومه عدم المجي‌ء في يوم الجمعة ، وأمّا إذا جاء في غير يوم الجمعة فلا تدل القضية على النفي ، بل القضية ساكتة عن ذلك لعدم كونه مفهوماً للقضية ، ولذا أشكل جماعة في مفهوم آية النبإ وقالوا إن مفهوم الآية عدم مجي‌ء الفاسق بالنبإ ، لا مجي‌ء غير الفاسق بالنبإ ، وروايات المقام من هذا القبيل ، فان مفهوم قوله : إذا حلف ولاءً فعليه كذا ، أنّه إذا لم يحلف ولاءً ليس عليه كذا ، لا ما إذا حلف غير ولاء.

وأمّا التقييد ، فمفهومه عدم ثبوت الحكم للمطلق وإلّا لكان التقييد لغواً ، ولكن إنّما نلتزم بهذا المفهوم فيما لم يكن لذكر القيد فائدة ونكتة اخرى وإلّا فلا مفهوم له ، ولعل


1) الوسائل 13 : 146 / أبواب بقية كفارات الإحرام ب 1 ح 2 ، 6 ، 7.

2) حكاه عنه في المدارك 8 : 446.

3) الجواهر 20 : 423.

4) محاضرات في أُصول الفقه 5 : 97 الثالث : إذا تعدّد الشرط واتّحد الجزاء.

.................................................................................................


وجه التقييد بالولاء في المقام هو أنّ المرتكز في أذهان الناس خصوصاً العوام منهم أنّ المرة الثانية تأكيد للمرة الاولى ولا يرون ذلك تأسيساً ، ويحكمون على ذلك بيمين واحدة ، والروايات نبّهتهم بأنّ المعتبر تعدد الحلف وإن كان ولاءً ، فعلى الحلف المتعدد ثلاثاً وإن كان ولاءً يترتب الكفّارة ، فالتقييد حينئذ لا يوجب تقييد المطلق ، لأن للقيد وجهاً ظاهراً.

تكميل : ذكر صاحب الجواهر (قدس سره) (1)أنّه بناءً على التفصيل والترتيب المشهور في ثبوت الكفّارة في الحلف الكاذب والصادق ، يظهر منهم من غير خلاف يعرف أنّه إنّما تجب البقرة في المرة الثانية والبدنة في المرة الثالثة إذا لم يكن كفّر عن المرة الاولى في الحلف الكاذب ، وأمّا إذا كفّر عن المرة الأُولى بشاة فلا تجب في الثانية إلّا شاة أُخرى ، وكذلك البدنة في المرة الثالثة ، فإنّه إذا كفّر عن الثانية ببقرة فلا تجب في المرة الثالثة إلّا شاة ، وإنّما تجب البدنة في المرة الثالثة فيما إذا لم يكفّر عن الثانية بالبقرة ، والضابط اعتبار العدد السابق ابتداء أو بعد التكفير ، فإنّه بعد التكفير يشرع في حساب جديد ، فانّ التكفير يوجب رفع الأوّل وزواله ، ويدخل بعد التكفير في حساب جديد ، فإذا كفر أوّلاً بشاة لا تجب في الثانية بقرة بل تجب شاة أيضاً ، لأنّ الكذب الثاني بعد التكفير للأوّل يعتبر من الكذب الأوّل ، وكذلك إذا كفّر للثاني بقرة تجب في الثالث الشاة ، وإنّما تجب عليه البدنة في الثالث إذا لم يكفّر عن الثاني ببقرة.

وكذلك الحال في الحلف الصادق ، فإنّه إذا كفر بعد الثالث بشاة تجب عليه شاة أُخرى بعد ثلاث أُخر ، وأمّا إذا لم يكفر عن الثلاث الأوّل فلا تجب عليه إلّا شاة واحدة حتّى بعد الثلاث الأخيرة.

وبعبارة اخرى : لو حلف يميناً كاذبة وكفر لها بشاة ثمّ حلف ثانياً كاذباً لا تجب عليه إلّا شاة ، وإذا كفّر له بشاة وحلف ثالثاً كاذباً أيضاً لا تجب عليه إلّا شاة وهكذا ، وإنّما تجب البقرة في الثاني إذا لم يكفر عن الأوّل ، وكذلك تجب البدنة في الثالث إذا لم


1) الجواهر 20 : 424.

.................................................................................................


يكفر عن الثاني ، والسر ما عرفت من أنّ التكفير يوجب زوال الأوّل ويدخل في حساب جديد بعد التكفير.

وكذلك في الحلف الصادق لو زاد على الثلاث ولم يكفر فشاة واحدة عن الجميع وإنّما تتكرر الكفّارة إذا تخلل التكفير بين كل ثلاث.

إلّا أن صاحب الجواهر (قدس سره) لم يرتض هذا الكلام ، وقال : إنّه إن لم يكن إجماع على ذلك أمكن أن يقال في اليمين الكاذبة : إن كل جدال له حكم مستقل فالجدال الأوّل له شاة والجدال الثاني له بقرة والثالث له بدنة ، سواء كفّر عن السابق أم لا ، فالكفارة الثابتة في المرتبة المتأخرة لا تتوقف على التكفير عن المرتبة السابقة ، فلو كفّر سابقاً في المرة الأُولى بشاة تجب البقرة خاصّة للجدال الثاني ، ولو كفّر عن الثاني ببقرة تجب البدنة في الثالثة ، وكذا لو لم يكفّر عن الجدال الأوّل تجب الشاة والبقرة في الثاني ، وإن لم يكفر عن الثاني وعن الأوّل تجب الشاة والبقرة والبدنة في الثالث ، فكل يمين يكون موضوعاً لوجوب الكفّارة سواء كفر عن السابق أم لا.

وبعبارة اخرى : كل جدال له حكم مستقل لا يسقط بالتكفير السابق.

وكذلك الحال في الصادق لكل ثلاث ثلاث له حكم مستقل ، فتجب الشاة إذا حلف ثلاث مرّات ، وتجب الكفّارة بشاة أيضاً إذا حلف ثلاث مرّات اخرى ، سواء كفّر من الثلاث الأوّل أم لا ، وإن لم تبلغ ثلاث اخرى فلا تجب إلّا الشاة الاولى.

والظاهر أنّه لا يمكن المساعدة على كل من القولين ، بيان ذلك : أنّ المستفاد من الروايات كصحيحة سليمان بن خالد (1)ثبوت الشاة لكل جدال ، ومقتضى إطلاقها عدم الفرق بين الصادق والكاذب وعدم الفرق بين المرات ، خرجنا عنه في الحلف الصادق بالنسبة إلى المرة الأُولى والثانية ، وأمّا إذا زاد على مرتين وجادل فوق اثنتين فتجب الشاة في الثالثة ، ومقتضى الإطلاق وجوب الشاة في المرة الرابعة والخامسة وهكذا ، ولا دليل على احتساب كل ثلاث ثلاث ، بل العبرة بفوق اثنتين وما زاد على


1) المتقدِّمة في ص 442.

15 - قتل هوام الجسد

مسألة 253 : لا يجوز للمحرم قتل القمّل ولا إلقاؤه من جسده ، ولا بأس بنقله من مكان إلى مكان آخر ، وإذا قتله فالأحوط التكفير عنه بكف من الطعام للفقير ، أمّا البق والبرغوث وأمثالهما فالأحوط عدم قتلهما إذا لم يكن هناك ضرر يتوجه منهما على المحرم ، وأمّا دفعهما فالأظهر جوازه وإن كان الترك أحوط (1).


مرّتين. وكذلك مقتضى الإطلاق عدم الفرق بين التكفير سابقاً أم لا ، لأن كل جدال موضوع للحكم ولا يتوقف على التكفير السابق وعدمه ، وأمّا الحلف الكاذب ، فالأوّل فيه شاة والثاني فيه شاة أُخرى على المختار عندنا ، ومقتضى الإطلاق عدم الفرق بين التكفير السابق وعدمه ، فتجب الشاة في الثاني سواء كفر عن الأوّل أم لا ، وتجب البقرة في الثالث على المختار عندنا سواء كفر عن الأوّل وعن الثاني أم لا ، وبالنسبة إلى الزائد عن اثنين لا يختص الحكم بالثلاث بل موضوع الحكم ما زاد على الاثنين فتثبت البقرة في الثالث وكذلك في الرابع والخامس وهكذا ولا دليل على احتساب كل ثلاث ، لما عرفت من أن مقتضى إطلاق الدليل وجوب الشاة لكل جدال والمستثنى ما دلّ على عدم الكفّارة في الجدال الأوّل والثاني في الحلف الصادق ، كما أنّ الجدال الأوّل والثاني في الكاذب في كل منهما شاة ، والجدال الثالث والرابع والخامس وهكذا فيه بقرة ، لإطلاق ما دلّ على ثبوت البقرة لما زاد على مرتين ، هذا ما يقتضيه العمل بالروايات ولا إجماع في المقام على الخلاف.

(1) يقع الكلام تارة في القمّل ، وأُخرى في البق والبرغوث وأمثالهما.

أمّا القمّل فلا خلاف في حرمة قتله ، ويدلُّ عليه عدّة من النصوص منها : صحيح زرارة قال : «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) هل يحك المحرم رأسه ويغتسل بالماء؟ قال : يحك رأسه ، ما لم يتعمد قتل دابة» (1)والقدر المتيقن من الدابة الّتي يمكن قتلها


1) الوسائل 12 : 534 / أبواب تروك الإحرام ب 73 ح 4.

.................................................................................................


عند حكّ الرأس والاغتسال هو القمّل.

ومنها : صحيح معاوية بن عمار «اتق قتل الدواب كلّها» (1).

ومنها : معتبرة أبي الجارود قال : «سأل رجل أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل قتل قملة وهو محرم ، قال : بئس ما صنع ، قلت : فما فداؤها قال : لا فداء لها» (2)فانّ الظاهر من قوله : «بئس ما صنع» هو الحرمة ، وإلّا لو كان جائزاً ولو مع الكراهة لا يعبّر عنه بقوله : «بئس ما صنع» والسند صحيح إلى أبي الجارود ، وأمّا أبو الجارود فهو وإن كان زيدياً فاسد العقيدة ولكن الظاهر أنّه موثق ، لوقوعه في إسناد كامل الزيارات ، ولشهادة الشيخ المفيد في الرسالة العددية بأنّه من الاعلام الرؤساء المأخوذ عنهم الحلال والحرام والفتيا والأحكام ، الّذين لا يطعن عليهم ، ولا طريق إلى ذم واحد منهم (3).

ومنها : النصوص المعتبرة الناهية عن إلقاء القمّلة (4)فإنّ الإلقاء إذا كان ممنوعاً لكونه في معرض التلف ، فقتله أولى بالمنع ، ولذا يجوز نقله من مكان إلى مكان آخر لا يكون معرضاً للتلف. وأمّا رواية مرة مولى خالد «عن المحرم يلقي القمّلة ، فقال : ألقوها أبعدها اللّه غير محمودة ولا مفقودة» (5)فضعيفة بمرّة مولى خالد ، فإنّه مجهول.

وهنا روايتان معتبرتان عن معاوية بن عمار ذكر فيهما أنّه «لا ينبغي أن يتعمد قتلها» (6)ربما يتوهم منهما جواز قتلها مع المرجوحية للتعبير بقوله : «لا ينبغي» ولكن قد ذكرنا غير مرة أنّ الظاهر من لا ينبغي هو الحرمة ، لأن معنى هذه الجملة لغة عدم


1) الوسائل 12 : 444 / أبواب تروك الإحرام ب 18 ح 9.

2) الوسائل 13 : 170 / أبواب بقية كفارات الإحرام ب 15 ح 8.

3) الرسالة العددية : 25 ، 30. وانظر ترجمته في معجم الرجال 8 : 332.

4) الوسائل 12 : 539 / أبواب تروك الإحرام ب 78.

5) الوسائل 12 : 540 / أبواب تروك الإحرام ب 79 ح 6.

6) الوسائل 12 : 539 / أبواب تروك الإحرام ب 78 ح 2 ، والوسائل 13 : 169 / أبواب بقية كفارات الإحرام ب 15 ح 6.

.................................................................................................


الإمكان وأنّه أمر لا يتيسر وقد شاع استعمالها في الكتاب العزيز والسنة في عدم الإمكان كقوله تعالى ( لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ ) (1)( وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً ) (2)وعدم الإمكان في عالم التشريع مساوق للحرمة ، ولو فرضنا عدم دلالة ذلك على الحرمة فلا يدلّ على الجواز ، فلا موجب لرفع اليد عمّا دلّ على الحرمة.

وأمّا البق والبرغوث وأمثالهما ، فذهب جمع إلى جواز قتلهما. وذهب آخرون إلى التحريم ، ولعلّ وجهه أن غير خبر أبي الجارود مطلق يشمل القمّل وغيره كصحيح زرارة «ما لم يتعمّد قتل دابة» (3)وصحيح معاوية بن عمار «اتق قتل الدواب كلّها» (4)فمقتضى هاتين الصحيحتين حرمة قتل البق والبرغوث ، ولكن هنا روايات تدل على جواز قتلهما كمرسل زرارة «لا بأس بقتل البرغوث والقمّلة والبقة في الحرم» (5)ولا يمكن الاعتماد عليه لضعفه بالإرسال ، مضافاً إلى أن موضوع الجواز فيه غير موضوع المنع ، لأن موضوع الجواز هو الحرم وكلامنا في المحرم ، ولذا ذكر في الخبر القمّل مع أن قتل القمّل للمحرم غير جائز.

وفي رواية أُخرى عن زرارة «عن المحرم يقتل البقة والبرغوث إذا رآه؟ قال : نعم» كما في الوسائل (6)وفي الكافي «إذا أراده» (7)وهو الصحيح ، ونظيره ما ورد في قتل الحية وبعض السباع ، فيكون الجواز مختصّاً بما إذا أراده البرغوث والبق فلا يدل على الجواز مطلقاً ، مضافاً إلى ضعف السند بسهل بن زياد.


1) يس 36 : 40.

2) مريم 19 : 92.

3) الوسائل 12 : 534 / أبواب تروك الإحرام ب 73 ح 4.

4) الوسائل 12 : 444 / أبواب تروك الإحرام ب 18 ح 9.

5) الوسائل 12 : 542 / أبواب تروك الإحرام ب 79 ح 2.

6) الوسائل 12 : 542 / أبواب تروك الإحرام ب 79 ح 3.

7) الكافي 4 : 364 / 6.

.................................................................................................


ومنها : رواية جميل «عن المحرم يقتل البقة والبراغيث إذا آذاه ، قال : نعم» (1)وهي أيضاً تدل على الجواز في فرض الإيذاء ، مضافاً إلى ضعف السند ، لأن ابن إدريس رواها في آخر السرائر (2)عن نوادر أحمد بن محمّد بن أبي نصر البزنطي وطريقه إلى نوادر البزنطي مجهول ، فالتعبير عنها بالصحيحة كما في دليل الناسك (3)في غير محلِّه ، بل لو قلنا بصحّة طريق الشيخ إلى نوادر البزنطي لا يمكن الحكم بصحّة هذه الرواية ، إذ لم يعلم اتحاد طريق ابن إدريس مع طريق الشيخ ، ولعل ابن إدريس رواها بطريق آخر وهو مجهول عندنا ، بل طريق الشيخ إلى النوادر ضعيف ، لأن فيه شيخه أحمد بن محمّد بن موسى الأهوازي ، وهو ممن لم يوثق ، وإن قال في حقّه صاحب الوسائل في تذكرة المتبحرين فاضل جليل (4)، ولكن لا نعتمد على توثيقات المتأخرين ، فالأحوط وجوباً أو الظاهر عدم جواز قتل البق والبرغوث وأمثالهما من الحيوانات المتكونة في البدن أو اللباس.

وأمّا إلقاء البق أو البرغوث ، فيدل على جوازه صحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال «قال : المحرم يلقي عنه الدواب كلّها إلّا القمّلة فإنّها من جسده» (5).

مضافاً إلى أنّه لا دليل على حرمة الإلقاء ، وما دلّ على حرمة الإلقاء خاص بالقمل ، ولكن نسب إلى جماعة عدم جواز الإلقاء ، فالقول بحرمة الإلقاء حتّى في البق والبرغوث هو الأحوط.

وهل يجب التكفير عنه أم لا؟ في صحيحة معاوية بن عمار ومعتبرة أبي الجارود أنّه لا شي‌ء عليه ولا فداء لها (6)، ولكن ورد في عدّة روايات معتبرة التكفير عن إلقاء


1) الوسائل 12 : 540 / أبواب تروك الإحرام ب 78 ح 7.

2) السرائر 3 : 559.

3) دليل الناسك : 161.

4) تذكرة المتبحرين (أمل الآمل) 2 : 27 / 71.

5) الوسائل 12 : 540 / أبواب تروك الإحرام ب 78 ح 5.

6) الوسائل 13 : 169 / أبواب بقية كفارات الإحرام ب 15 ح 6 ، 7.

16 - التزيّن

مسألة 254 : يحرم على المُحرم التختّم بقصد الزينة ولا بأس بذلك بقصد الاستحباب ، بل يحرم عليه التزين مطلقاً ، وكفارته شاة على الأحوط الأولى (1).


القمّلة بكف من طعام (1)ومن المعلوم ثبوت الكفّارة في القتل أيضاً ، إذ لا نحتمل أن يكون الإلقاء أشد من القتل ، فمقتضى الجمع بين الروايات ثبوت الكفّارة عليه بكف من الطعام ، ويحمل النفي في صحيح معاوية وأبي الجارود على نفي الكفّارة المصطلحة المعمولة المتعارفة من دم شاة ونحو ذلك ، وبالجملة لا منافاة بين نفي الكفّارة بالمعنى المرتكز المصطلح من شاة ونحوها وبين ثبوت الكفّارة بإطعام الطعام وإعطاء كف من الطعام.

(1) يقع الكلام تارة في التزين بالخاتم ، وأُخرى في مطلق التزين.

أمّا التزين بالخاتم فقد اختلف فيه النصوص على طوائف :

منها : ما دلّ على جواز لبس المحرم الخاتم مطلقاً ، كخبر نجيح عن أبي الحسن (عليه السلام) قال : «لا بأس بلبس الخاتم للمحرم» (2)ولكنّه ضعيف فان نجيحاً لم يوثق.

ومنها : ما دلّ على أن موسى بن جعفر والرضا (عليهما السلام) رؤيا وعليهما الخاتم (3).

ومنها : ما دلّ على جواز لبس المرأة المحرمة الخاتم من ذهب (4)فلبس الخاتم في الجملة ممّا لا إشكال في جوازه.

وإنّما الكلام فيما دلّ على المنع ، والعمدة رواية مسمع عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «وسألته أيلبس المحرم الخاتم؟ قال : لا يلبسه للزينة» (5)وقد عمل بها المشهور بل


1) الوسائل 13 : 168 / أبواب بقيّة كفارات الإحرام ب 15 ح 3 ، 4.

2) الوسائل 12 : 490 / أبواب تروك الإحرام ب 46 ح 1 ، 3 ، 6 ، 5 ، 4.

3) الوسائل 12 : 490 / أبواب تروك الإحرام ب 46 ح 1 ، 3 ، 6 ، 5 ، 4.

4) الوسائل 12 : 490 / أبواب تروك الإحرام ب 46 ح 1 ، 3 ، 6 ، 5 ، 4.

5) الوسائل 12 : 490 / أبواب تروك الإحرام ب 46 ح 1 ، 3 ، 6 ، 5 ، 4.

.................................................................................................


قيل : لا خلاف في ذلك ، وإن نسب إلى ابن سعيد الجواز (1)، وفي سندها صالح بن السندي وهو ممن لم يوثق ، فان قيل بالانجبار بعمل المشهور كما هو المعروف فهو ، وإلّا فلا يمكن التعويل عليه إلّا على المختار من وثاقة صالح بن السندي لوقوعه في أسناد كامل الزيارات.

فالنتيجة جواز لبس الخاتم لغير الزينة كلبسه للسنة أو لغرض من الأغراض ، كالتحفظ عليه من الضياع فيما إذا كان ثميناً أو لإحصاء الطّواف به ونحو ذلك ، والمحرّم إنّما هو خصوص لبسه للزينة ، وفعل الإمام (عليه السلام) يحمل على اللبس لغير الزينة كالسنة ، هذا كلّه لو قلنا باعتبار رواية مسمع ، لأجل الانجبار أو لوقوع صالح ابن السندي في أسناد كامل الزيارات ، وإن لم نقل بالاعتبار فلا دليل على حرمة لبس الخاتم ، وحينئذ يدخل التختم في مطلق التزيّن بالخاتم وغيره ، ويدور الحكم بحرمة التختّم مدار صدق عنوان التزيّن عليه وعدمه ، من دون فرق بين الرجل والمرأة.

فالكلام في حرمة مطلق التزين وعدمها ، والظاهر هو التحريم كما عليه المشهور والدليل عليه النصوص المانعة عن الاكتحال بالسواد (2)والمانعة عن النظر إلى المرآة (3)حيث علل فيها بأنّ السواد أو النظر زينة فيعلم من هذه الروايات أنّ الزينة ممنوعة بالأصل ، وإنّما حرم الاكتحال بالسواد لأنّه صغرى من صغريات الزينة ، وورد في بعض الروايات أنّه (عليه السلام) كره الاكتحال بالسواد من أجل أنّه زينة ، فيحرم كلّ ما يتحقق به الزينة. والكراهة بمعنى البغض فيستفاد منه أن مطلق التزين مبغوض ومحرم والكحل بالسواد من مصاديقه ، ونحو هذه النصوص بل أظهر منها روايات النظر في المرآة ، ففي صحيحة حماد وحريز «لا تنظر في المرآة وأنت محرم فإنّه من الزينة» وكذا قوله : «لا تنظر في المرآة وأنت محرم ، لأنّه من الزينة» (4).


1) الجامع للشرائع : 185.

2) الوسائل 12 : 468 / أبواب تروك الإحرام ب 33.

3) الوسائل 12 : 472 / أبواب تروك الإحرام ب 34.

4) الوسائل 12 : 472 / أبواب تروك الإحرام ب 34 ح 1 ، 3.

مسألة 255 : يحرم على المحرم استعمال الحناء فيما إذا عد زينة خارجاً ، وإن لم يقصد به التزين ، نعم ، لا بأس به إذا لم يكن زينة ، كما إذا كان لعلاج ونحوه (1).

مسألة 256 : يحرم على المرأة المحرمة لبس الحلي للزينة ، ويستثني من ذلك ما كانت تعتاد لبسه قبل إحرامها ولكنّه لا تظهره لزوجها ، ولا لغيره من الرجال (2).


وأمّا الكفّارة فالظاهر عدمها لعدم الدليل ، والحكم بوجوب الكفّارة يحتاج إلى دليل ولا دليل ، ومقتضى الأصل البراءة. نعم ، الأحوط الأولى التكفير بشاة بناءً على نسخة (جرحت) في رواية علي بن جعفر وقد تقدّم تفصيل ذلك (1).

(1) استعمال الحناء إذا كان مصداقاً للزينة وإن لم يكن المستعمل قاصداً للتزين يحكم بحرمته ، لدخوله في عنوان التزين ، فانّ القصد إلى الحناء قصد للتزين إجمالاً ، كما إذا استعملت المرأة الشابة الحناء على طريق خاص أو استعملت الحناء في أناملها ونحو ذلك مما يكون مصداقاً للزينة خارجاً ، ولا يعتبر في صدق عنوان الزينة قصد التزين به.

نعم ، إذا استعمل الحناء لغرض آخر من علاج ونحوه مما لا يصدق عليه عنوان التزين فلا بأس به ، وقد ورد الترخيص به في بعض النصوص المعتبرة كصحيحة عبد اللّه بن سنان قال : «سألته عن الحناء ، فقال : إنّ المحرم ليمسه ويداوي به بعيره وما هو بطيب ، وما به بأس» (2).

(2) قد عرفت أن حرمة التزين تشمل المرأة أيضاً لإطلاق الأدلّة ، ومن مصاديق التزين لبس المرأة الحلي ، وقد وردت في لبس الحلي للمرأة عدّة روايات : منها ما دلّ على التحريم مطلقاً كصحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث قال : «المحرمة لا تلبس الحلي» (3).


1) في ص 407 408.

2) الوسائل 12 : 451 / أبواب تروك الإحرام ب 23 ح 1.

3) الوسائل 12 : 496 / أبواب تروك الإحرام ب 49 ح 2.

.................................................................................................


وبإزائه صحيح ابن مسلم «المحرمة تلبس الحلي كلّه إلّا حلياً مشهوراً للزينة» (1)أي ما كان ظاهراً وبارزاً ، فالمحرّم الحلي الظاهر البارز الّذي تحصل به الزينة ، وأمّا المستور كما إذا لبسته تحت ثيابها فلا بأس به ، لعدم صدق عنوان الزينة عليه ، وفي صحيح الكاهلي جواز لبس الحلي على الإطلاق إلّا القرط المشهور والقلادة المشهورة أي الظاهرة البارزة «تلبس المرأة المحرمة الحلي كلّه إلّا القرط المشهور والقلادة المشهورة» (2)فيقع التعارض بين صحيح ابن مسلم والكاهلي ، لأن مقتضى عقد الاستثناء في رواية ابن مسلم عدم جواز لبس المشهور على الإطلاق قرطاً كان أو قلادة أو غيرهما من أنواع الحلي ، فكل حلي ظاهر بارز محرم لبسه ، ومقتضى عقد المستثنى منه في رواية الكاهلي جواز لبسها الحلي كلّه إلّا القرط والقلادة ، فيقع التعارض في غير القرط وغير القلادة كالسوار والخلخال البارزين ، فان مقتضى رواية الكاهلي جواز لبسهما ومقتضى رواية ابن مسلم عدم جواز لبسهما ، والمرجع بعد التعارض صحيح الحلبي الدال على حرمة لبس الحلي.

فالنتيجة أن غير القرط وغير القلادة إذا كان من الزينة وكان بارزاً يحرم لبسه.

مضافاً إلى إطلاق ما دلّ على حرمة مطلق التزين كاخبار الاكتحال (3)والنظر إلى المرآة (4)، بل يمكن الاستدلال على عدم اختصاص المنع بالقرط والقلادة بصحيح ابن الحجاج (5)فانّ المستفاد منه أن حرمة لبس أنواع الحلي كان أمراً مفروغاً عنه ، وكان ابن الحجاج يعلم ذلك أيضاً وإنّما سأل عن خصوصية أُخرى ، وهي أنّ المرأة كانت معتادة للبس الحلي ولم تلبسه بعد الإحرام ، بل كانت لابسة للحلي قبل الإحرام فهل يجب عليها نزعها أم لا.

وبعبارة اخرى : نظر ابن الحجاج إلى أن حرمة لبس الحلي خاصّة بما تلبسه بعد


1) الوسائل 12 : 497 / أبواب تروك الإحرام ب 49 ح 4.

2) الوسائل 12 : 497 / أبواب تروك الإحرام ب 49 ح 6.

3) الوسائل 12 : 468 / أبواب تروك الإحرام ب 33.

4) الوسائل 12 : 472 / أبواب تروك الإحرام ب 34.

5) الوسائل 12 : 496 / أبواب تروك الإحرام ب 49 ح 1.

.................................................................................................


الإحرام أو يعم الحكم حتّى ما إذا كانت لابسة قبل الإحرام فيجب عليها النزع ، فالسؤال عن هذه الجهة ، وأمّا من حيث حرمة مطلق أنواع الحلي فلا يسأل عن ذلك.

وكيف كان ، الظاهر هو التعميم وعدم الاختصاص بالقرط والقلادة ، ولم ينقل الاختصاص من أحد من الأصحاب.

ويستثنى من ذلك ما كانت تعتاد لبسه قبل الإحرام ، ولا يجب عليها النزع ، لصحيح ابن الحجاج المتقدِّم قال : «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن المرأة يكون عليها الحلي والخلخال والمسكة والقرطان من الذهب والورق تحرم فيه وهو عليها وقد كانت تلبسه في بيتها قبل حجها ، أتنزعه إذا أحرمت أو تتركه على حاله؟ قال : تحرم فيه وتلبسه من غير أن تظهره للرجال في مركبها ومسيرها» (1).

ولكن بما أنّ المسئول عنه من الحلي الظاهر البارز ، أمر (عليه السلام) بأن لا تظهره للرجال ، ويشمل المنع الزوج والمحارم.

ولكن ربما يدعى انصراف الرجال إلى الأجانب فيجوز لها إظهار الزينة للمحارم أو لخصوص الزوج ، إذ لا مانع في نفسه من إظهار الزينة للزوج والمحارم.

والظاهر أنّه لا موجب لدعوى الانصراف بل الرجال يشمل المحارم والزوج كما فهمه الفقهاء ، والوجه في ذلك : أنّ الإمام (عليه السلام) منع من إظهار الزينة في مركبها ومسيرها ، والغالب أنّ الزوج أو أحد المحارم يركّب المرأة ويحضر عند مركبها ومسيرها ، والأجنبي لا يركّب المرأة الأجنبية غالباً.

ويؤيّد ذلك ما ورد في رواية النضر بن سويد من منع التزين لزوجها (2)ولكنّها ضعيفة سنداً بسهل بن زياد فلا بأس بجعلها مؤيّدة لما ذكرنا.

فالنتيجة : أنّه يجوز للمرأة إبقاء حليها على جسدها الّتي كانت تلبسها قبل إحرامها ، ولا يجب عليها النزع ، ولكن لا تظهرها للرجال حتّى لزوجها فضلاً عن


1) الوسائل 12 : 496 / أبواب تروك الإحرام ب 49 ح 1.

2) الوسائل 12 : 497 / أبواب تروك الإحرام ب 49 ح 3.

17 - الادهان

مسألة 257 : لا يجوز للمحرم الادهان ، ولو كان بما ليست فيه رائحة طيّبة ويستثنى من ذلك ما كان لضرورة أو علاج (1)


المحارم وعن الأجانب.

(1) المشهور حرمة الادهان للمحرم ، وعن المفيد (1)وابن أبي عقيل (2)وأبي الصلاح (3)وسلّار (4)الجواز مع الكراهة ، للأصل ولبعض الروايات الّتي نتعرض إليها أثناء الكلام ، والصحيح ما ذهب إليه المشهور ، لعدّة من الروايات المعتبرة الدالّة على المنع :

منها : صحيح الحلبي الّذي جوّز الادهان حين [إرادة] الإحرام وحرّمه بعد الإحرام «وادهن بما شئت من الدهن حين تريد أن تحرم ، فإذا أحرمت فقد حرم عليك الدهن حتّى تحل» (5)فلا مجال للأصل بعد النص.

أمّا الروايات الدالّة على الجواز فهي على طائفتين :

الأُولى : ما دلّ على جواز الادهان قبل الغسل وبعده ومعه ، ففي معتبرة ابن أبي يعفور «ما تقول في دهنة بعد الغسل للإحرام؟ فقال : قبل وبعد ومع ليس به بأس الحديث» (6).

ولكن هذه الروايات غير ناظرة إلى المحرم ، وإنّما تدل على جواز الادهان قبل الغسل وبعده ومعه ، فموردها أجنبي عن المقام.


1) المقنعة : 432.

2) حكاه في المختلف 4 : 99.

3) الكافي في الفقه : 203.

4) المراسم : 106.

5) الوسائل 12 : 458 / أبواب تروك الإحرام ب 29 ح 1.

6) الوسائل 12 : 461 / أبواب تروك الإحرام ب 30 ح 6.

.................................................................................................


الثانية : ما دلّ على جواز الادهان للعلاج والتداوي كصحيحة هشام بن سالم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «إذا خرج بالمحرم الخراج أو الدمل فليبطّه وليداوه بسمن أو زيت» كما في نسخة التهذيب (1)وفي الكافي «فليربطه وليتداو بزيت أو سمن» (2)وفي صحيحة ابن مسلم «عن محرم تشققت يداه ، قال فقال : يدهنها بزيت أو سمن أو إهالة» (3)إهالة : الشحم المذاب.

ولا يخفى أنّ الاستدلال بهذه الروايات ضعيف جدّاً ، لأن موردها العلاج والتداوي والضرورة ولا مانع من الالتزام بذلك ، وكلامنا في مطلق الاستعمال ولو في غير حال العلاج ، فلا مجال لرفع اليد عن الروايات المصرّحة بالمنع كصحيحة الحلبي المتقدِّمة وصحيح معاوية بن عمار وغيرهما من المعتبرات.

إيقاظ : ذهب المحقق في الشرائع في باب المحظور الثاني من كفارات الإحرام إلى وجوب الشاة جزماً على من تطيب ، ثمّ ذكر بعد المحظور السابع أن من استعمل دهناً طيباً في إحرامه ولو في حال الضرورة كان عليه شاة على قول (4)، فيظهر منه التردد في المورد الثاني.

أقول : لا ريب في حرمة استعمال الدهن الطيب لما دلّ من النصوص على حرمة الادهان ، وأمّا الكفّارة فغير ثابتة عنده ، فيعلم منه (قدس سره) أنّ الادهان بالدهن الطيب ليس من استعمال الطيب المتعارف المسمى في عرفنا بالعطور ، فانّ الطيب اسم لجسم خاص تكون فائدته الاشتمام والتطيب به ، وليس مجرد وجود رائحة طيبة في جسم موجباً لدخوله في عنوان الطيب والعطور ، وإلّا لكان أكثر الأجسام الّتي لها رائحة طيبة داخلة في العطور كالسفرجل والتفاح والأُترنج ، ونحو ذلك ، وهذا باطل قطعاً.


1) التهذيب 5 : 304 / 1036 ، الوسائل 12 : 462 / أبواب تروك الإحرام ب 31 ح 1.

2) الكافي 4 : 359 / 6.

3) الوسائل 12 : 462 / أبواب تروك الإحرام ب 31 ح 2.

4) الشرائع 1 : 341 ، 343.

.................................................................................................


فإذن يقع الكلام في تقييد الدهن بكونه طيباً في كلام المحقق فنقول :

إنّ الدهن على قسمين : قسم لا يعد للأكل بل يتنفر منه الطبع ، وإنّما يستعمل للإسراج به أو العلاج والتدليك به ونحو ذلك ، كدهن الخِرْوَع والدهون المتخذة من النفط ، وقسم يعد للأكل وله رائحة طيبة لطيفة كدهن الحر ودهن الزيت ، ونحو ذلك من الدهون المعدة للأكل الّتي يقبلها الطبع ، ولكن مع ذلك لا يدخل بذلك في عنوان الطيب والعطور ، فالمراد بالدهن الطيب هو الّذي يستعمل في الأكل ، ويشهد لما ذكرنا قوله (عليه السلام) : في صحيح معاوية بن عمار «إنّه يكره للمحرم الأدهان الطيبة إلّا المضطر إلى الزيت أو شبهه يتداوى به» (1)فانّ الظاهر أنّ الاستثناء متصل ، فيكون الزيت من الدهن الطيب ، فإطلاق الطيب على الزيت وشبهه باعتبار استعداده للأكل ، مع أنّه لم يكن من العطور.

وإن كان المراد من كلامه الدهن الصادق عليه عنوان الطيب ، يعني استعمال الدهن الطيب ، أي الدهن الّذي فيه رائحة طيبة ، فيسأل ما الوجه في تقييد الدهن بذلك ، مع أن خبر معاوية بن عمار ذكر فيه دهن البنفسج (2)، وليس من الطيب قطعاً ، بل المعروف عند عامّة الناس أنّ الدهن المستعمل في العلاج كلّ ما فسد وصار عتيقاً كان للعلاج أفيد ، فدهن البنفسج إذا كان جديداً قد تكون فيه رائحة طيبة ، وأمّا إذا صار عتيقاً وفسد يستعمل في التداوي فلا موجب لهذا التقييد ، فان لم نلتزم برواية معاوية ابن عمار المقطوعة فالكفارة غير ثابتة على الإطلاق ، ولو عملنا برواية معاوية بن عمار فمقتضى الاحتياط الالتزام بالكفّارة على الإطلاق ، سواء كان للدهن رائحة طيبة أم لا.

فرع : هل يجوز الادهان قبل الإحرام بحيث يبقى أثره بعد الإحرام ، أو أنّ المحرّم كون البدن مدهناً حال الإحرام ، ولو بالادهان قبله؟.

وبعبارة اخرى : الممنوع المعنى المصدري والإحداث بعد الإحرام ، أو أنّ الممنوع


1) الوسائل 12 : 444 / أبواب تروك الإحرام ب 18 ح 8.

2) الوسائل 13 : 151 / أبواب بقية كفارات الإحرام ب 4 ح 5.

مسألة 258 : كفّارة الادهان شاة إذا كان عن علم وعمد ، وإذا كان عن جهل فإطعام فقير على الأحوط في كليهما (1).


الاسم المصدري ، وكون البدن مدهناً وإن كان الادهان قبل الإحرام؟ تقدّم (1)في البحث عن الطيب أنّ الممنوع هو كون البدن أو لباسه متطيباً ، فلا يجوز استعمال الطيب قبل الإحرام إذا يبقى أثره بعد الإحرام ، ولذا تجب إزالته عن البدن أو الثوب إذا كان فيه الطيب ، فهل الادهان كذلك لا سيما إذا كان الفصل قليلاً ، أم أنّ الممنوع مجرد إحداث الادهان بعد الإحرام؟

مقتضى إطلاق ما دلّ على جواز الادهان بعد الغسل هو الجواز حتّى فيما إذا يبقى أثره بعد الإحرام ، بل خصوص صحيح الحلبي يدل على الجواز بوضوح لقوله (عليه السلام) : «وادهن بما شئت من الدهن حين تريد أن تحرم» (2)فانّ التدهين حين إرادة الإحرام يلازم بقاء أثره بعد الإحرام غالباً ، ولا يزول أثر الدهن في هذا القدر من الزمان خصوصاً إذا كان الدهن غليظاً ، هذا ولكن في صحيح ابن مسلم «وكان يكره الدهن الخاثر الّذي يبقى» (3)الخاثر : الثخين الغليظ الّذي استعمله قبل الغسل وبعده ، إلّا أنّه لا بدّ من حمل هذه الكراهة على الكراهة المصطلحة المقابلة للحرمة ، لدلالة صحيح الحلبي المتقدِّم على جواز ذلك صريحاً ، وقد عرفت أنّه لا ينفك أثر الدهن بالتدهين بعد الغسل وحين الإحرام ، بل يبقى الأثر طبعاً بعد الإحرام. وبالجملة : الممنوع هو الاحداث لا الإبقاء.

(1) هل في الادهان كفّارة؟

عن جماعة أنّها دم شاة ، ومقتضى الأصل العدم ، ولا نص عن المعصوم (عليه السلام) في ذلك. وما عن معاوية بن عمار من ثبوت الكفّارة فلم يعلم أنّه رواية عن


1) لاحظ فإنّه لم يتقدّم سابقاً.

2) الوسائل 12 : 458 / أبواب تروك الإحرام ب 29 ح 1.

3) الوسائل 12 : 460 / أبواب تروك الإحرام ب 30 ح 3.

.................................................................................................


الإمام (عليه السلام) (1).

وقد عرفت غير مرّة أن مقتضى خبر علي بن جعفر «لكل شي‌ء خرجت (جرحت) من حجك فعليك دم تهريقه» ثبوت الكفّارة لكل مورد من موارد التروك ، كما قد عرفت ضعف الخبر سنداً ودلالة (2).

وقد يستدل كما في الجواهر لوجوب الكفّارة بخبر محمّد بن عمر بن يزيد الوارد (3)في تفسير قوله تعالى ( فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ) (4)والنسك دم شاة ، المستفاد منه ثبوت الكفّارة المخيرة بين هذه الأُمور الثلاثة لكل من عرض له أذى أو وجع فتعاطى وصدر منه ما لا ينبغي للمحرم إذا كان صحيحاً ، وهذا عام يشمل جميع الموارد ، فيدل الخبر على أن كل ما لا يجوز ارتكابه اختياراً إذا اضطرّ إليه جاز له ارتكابه لكن مع الكفّارة (5).

وفيه أوّلاً : أنّ الخبر ضعيف سنداً بمحمّد بن عمر بن يزيد فإنّه لم يوثق.

وثانياً بالجزم ببطلان مدلول هذه الرواية ، إذ لم ينسب إلى أحد من الفقهاء ثبوت الكفّارة في موارد الخلاف بهذا النحو من الكفّارة المخيرة ، إلّا في مورد حلق الرأس في المورد المذكور في الآية.

وأمّا الآية الشريفة فأجنبية عن المقام بالمرّة فإنّها واردة في المحصور لقوله تعالى ( فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ، وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ) فإنّ الآية المباركة في مقام بيان أن من أحصر لا يحلق رأسه حتّى يبلغ الهدي محلِّه ، فان كان مضطرّاً إلى حلق رأسه ولا يتمكّن من الصبر إلى بلوغ الهدي محلِّه لأذى في رأسه


1) الوسائل 13 : 151 / أبواب بقية الكفّارات ب 4 ح 5.

2) في ص 407 408.

3) الوسائل 13 : 166 / أبواب بقية كفارات الإحرام ب 14 ح 2.

4) البقرة 2 : 196.

5) الجواهر 20 : 430.

.................................................................................................


أو لمرض آخر فليحلق رأسه قبل بلوغ الهدي محلِّه ، ولكن يكفّر بأحد الأُمور الثلاثة وهذه الكفّارة الخاصّة المخيرة لم تثبت في غير هذا المورد ، وتعميمه لكل مورد لا ينبغي صدوره من المحرم ، ضعيف جدّاً.

وأمّا ما رواه الشيخ في الصحيح عن معاوية بن عمار «في محرم كانت به قرحة فداواها بدهن بنفسج ، قال : إن كان فعله بجهالة فعليه طعام مسكين ، وإن كان تعمد فعليه دم شاة يهريقه» (1)والدلالة واضحة على ثبوت الكفّارة بالتفصيل المذكور.

ولكن الّذي يهوّن الخطب أن مدلول الرواية لم يكن منقولاً عن الإمام (عليه السلام) بل الظاهر أن ذلك فتوى لمعاوية بن عمار ولم ينسبه إلى الإمام (عليه السلام) فتكون الرواية مقطوعة لا مضمرة. ودعوى الجزم بأن معاوية بن عمار لا يفتي إلّا بما سمعه عن الإمام (عليه السلام) ولا يخبر إلّا عنه ، عهدتها على مدعيها ، لاحتمال اجتهاده أو أنّه سمع ممن ينقل عن الإمام (عليه السلام) ولم تثبت وثاقته عندنا ، وعمل المشهور لو قلنا بجبره للخبر الضعيف لا يفيد في المقام ، إذ لم يعلم أنّه رواية حتّى يجبرها عمل المشهور.

تنبيه : أن جملة من الأصحاب قد التزموا بالكفّارة بدم شاة في العامد ، استناداً إلى رواية معاوية بن عمار «وإن كان تعمد فعليه دم شاة يهريقه» (2)ولم يلتزموا بالكفّارة بطعام مسكين في صورة الجهل ، إعراضاً عن جملة «وإن كان فعله بجهالة فعليه طعام مسكين» لاشتمالها على وجوب الكفّارة على الجاهل مع اتفاق الأصحاب والأخبار على أنّ الجاهل لا كفّارة عليه إلّا في الصيد خاصّة كما تقدّم ، فإنّ الرواية مشتملة على أمرين : الشاة على العامد ، وطعام مسكين على الجاهل ، ولم يقل أحد بالثاني.

ولا يخفى أن موضوع الرواية وموردها هو المعذور ومن يستعمل الدهن للعلاج والتداوي ، فإذن لا فرق بين العلم والجهل ، فانّ الادهان حينئذ جائز جزماً ، سواء قلنا بالكفّارة أم لا ، فليس في البين حكم تشريعي تحريمي حتّى يقال بأنّ المحرم قد


1) الوسائل 13 : 151 / أبواب بقية كفارات الإحرام ب 4 ح 5 ، التهذيب 5 : 304 / 1038.

2) المتقدِّم مصدرها أعلاه.

18 - إزالة الشعر عن البدن

مسألة 259 : لا يجوز للمحرم أن يزيل الشعر عن بدنه أو بدن غيره المحرم أو المحل (1).


يكون عالماً به وقد يكون جاهلاً به ، وعلى العالم كذا وعلى الجاهل بالحكم كذا ، ولكن الظاهر عدم إرادة العالم مقابل الجاهل من قوله : «وإن كان تعمد» وليس المراد بالجملتين العلم والجهل بالحكم ، بل المراد من المتعمد القصد إلى الفعل وكونه ملتفتاً إليه ، والمراد بالجهل ليس الجهل بالحكم ، بل المراد غير القاصد كالناسي والغافل عن إحرامه ، فإن مقابل الجاهل بالحكم العامد لا المتعمد ، فالتعبير بالمتعمد قرينة على أنّ المراد بالجاهل غير القاصد إلى الفعل في قبال القاصد ، فالتقسيم المذكور في الرواية صحيح وليس وجوب الكفّارة على الجاهل بالمعنى الّذي ذكرناه مخالفاً للأخبار والأصحاب ، فلا بأس في الاحتياط الّذي ذكرناه في المتن ، ولم يكن مخالفاً لاتفاق الأصحاب ، ولكن قد عرفت حال الرواية وأنّها مقطوعة غير مستندة إلى المعصوم (عليه السلام).

(1) لا خلاف بين الفقهاء في عدم جواز إزالة الشعر من رأسه ولحيته وسائر بدنه بجميع أنواعها من النتف والحلق والقص قليلاً كان الشعر أو كثيراً ، ويدلُّ عليه بالنسبة إلى حلق الرأس قوله تعالى ( وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ ) (1). ويستفاد ذلك أيضاً من الروايات.

وأمّا الحلق لغير الرأس فيدل عليه عدّة من الروايات :

منها : صحيحة الحلبي قال «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن المحرم يحتجم؟ قال : لا ، إلّا أن لا يجد بداً فليحتجم ، ولا يحلق مكان المحاجم» (2).


1) البقرة 2 : 196.

2) الوسائل 12 : 512 / أبواب تروك الإحرام ب 62 ح 10.

ويستثنى من ذلك حالات أربع : (1) أن يتكاثر القمل على جسد المحرم ويتأذى بذلك. (2) أن تدعو ضرورة إلى إزالته كما إذا أوجبت كثرة الشعر صداعاً أو نحو ذلك. (3) أن يكون الشعر نابتاً في أجفان العين ويتألم المحرم بذلك.


ومنها : صحيح حريز عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : لا بأس أن يحتجم المحرم ما لم يحلق أو يقطع الشعر» (1).

وأمّا قطع الشعر وإزالته بأيّ نحو كان ، فيدل على حرمته صحيح حريز المتقدِّم ، فانّ القطع تشمل النتف والجز والقص وأمثال ذلك ، وكذا يدل عليه موثق معاوية بن عمار «عن المحرم كيف يحك رأسه؟ قال : بأظافيره ما لم يدم أو يقطع الشعر» (2).

ويدلُّ عليه أيضاً معتبرة الهيثم قال : «سأل رجل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن المحرم يريد إسباغ الوضوء فتسقط من لحيته الشعرة أو شعرتان ، فقال : ليس بشي‌ء ، ( ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ) » (3).

فانّ المستفاد منها حرمة قطع الشعر وإزالته في نفسه مع قطع النظر عن الحرج ، وإلّا لو كان جائزاً في نفسه لما احتاج في الحكم بالجواز إلى الاستدلال بنفي الحرج ، وإنّما جوّزه لأنّ الالتزام بعدم سقوط الشعر مع إسباغ الوضوء حرجي غالباً ، خصوصاً إذا كان الشعر ضعيفاً ، كما إذا كان الشخص شيخاً كبيراً.

ويؤكّده أو يؤيّده النصوص الدالّة على ثبوت الكفّارة لإسقاط الشعر ، بناءً على ثبوت الملازمة العرفية بين ثبوت الكفّارة والحرمة ، فانّ الملازمة بينهما وإن لم تكن دائمية ، إذ قد يفرض الجواز مع الكفّارة ، ولكن لا يبعد دعوى الملازمة غالباً بين الأمرين.


1) الوسائل 12 : 512 / أبواب تروك الإحرام ب 62 ح 5.

2) الوسائل 12 : 533 / أبواب تروك الإحرام ب 73 ح 1.

3) الوسائل 13 : 172 / أبواب بقية كفارات الإحرام ب 16 ح 6.

(4) أن ينفصل الشعر من الجسد من غير قصد حين الوضوء أو الاغتسال (1).


(1) ثلاثة من الموارد المستثناة من أفراد الضرر ، ومورد واحد غير ضرري.

أمّا ما كان غير ضروري فهو كسقوط الشعر عند إسباغ الوضوء ، فان انفصال الشعر من الجسد من لوازم إسباغ الوضوء غالباً ، ولا بأس به إذا لم يكن متعمداً ، ولا يختص الحكم بالوضوء ، بل يعم الحكم للغسل أيضاً للحرج المنفي في الشريعة المقدّسة ، فإنّ الالتزام بعدم سقوط الشعر عند الوضوء أو الاغتسال أو غسل عضو من أعضائه حرجي نوعاً ، وقد عرفت مدلول معتبرة الهيثم فإنّها تدل على جواز إزالة الشعر عند إسباغ الوضوء مستدلّاً بالحرج المنفي.

وأمّا موارد الضرر فعلى ثلاثة أقسام ، لأنّه تارة يتضرر من وجود الشعر ونباته في مكان خاص كنبات الشعر في الأجفان ، فإنّ المحرم يتألم بذلك ، فلا ريب في جواز إزالته للضرر ، ويستفاد من بعض الروايات أيضاً. وأُخرى يتوقف العلاج والتداوي على إزالة الشعر ، وإلّا فوجود الشعر في نفسه غير ضرري ، وإنّما تدعو الضرورة والعلاج إلى إزالته ، كما إذا أوجبت كثرة الشعر صداعاً أو يحتاج إلى تبريد الرأس ونحو ذلك ، فهذا أيضاً جائز للضرر.

وثالثة : ما إذا توقف دفع الضرر على إزالة الشعر ، وإلّا فوجود الشعر في نفسه غير ضرري ولا يتوقف علاج المرض والتداوي على إزالته ، ولكن يتوقف دفع الضرر على إزالته ، كما إذا تكاثر القمّل على رأسه ولحيته ، فيزيل الشعر دفعاً للقمّل الّذي يتأذى منه ، ففي جميع هذه الموارد تجوز إزالة الشعر وحلقه ، للآية الشريفة ولقاعدة نفي الضرر.

وأمّا رواية حريز الحاكية لمرور رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) على كعب ابن عجرة الأنصاري والقمل يتناثر من رأسه وهو محرم فقال : أتؤذيك هوامك؟ فقال : نعم ، قال : فأنزلت هذه الآية ( فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ) فأمره رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم)

.................................................................................................


بحلق رأسه ، الحديث (1)فمرسلة على طريق الكليني (2)، وطريق الشيخ (3)وإن كان بإسناد صحيح ولكن لا يمكن الاعتماد عليه ، إذ يبعد جدّاً أن حريزاً يروي لحماد تارة مسنداً عن الإمام وأُخرى مرسلاً ، فتكون الرواية مرددة بين الإرسال والإسناد فتسقط الرواية عن الحجية ، وهذا الكلام يجري حتّى مع قطع النظر عن كون الكليني أضبط ، ولا يختص ما ذكرنا بهذه الرواية بل يجري في جملة من الروايات المروية عن حريز ، فإنّ الكليني رواها مرسلاً والشيخ مسنداً ، وكيف كان يكفينا في الحكم بالجواز نفس الآية المباركة وحديث نفي الضرر.

فالمتحصل : أنّه لا تجوز إزالة الشعر عن البدن بأيّ نحو من أنحائها إلّا في موارد الضرر والحرج كإسباغ الوضوء ونحوه.

ثمّ إنّه لا فرق في حرمة إزالة الشعر بين شعره وشعر غيره محلا كان الغير أو محرماً ، أمّا بالنسبة إلى المحل فيدل عليه صحيح معاوية بن عمار «لا يأخذ المحرم من شعر الحلال» (4)وأمّا إذا كان الغير محرماً فيستفاد الحكم بالحرمة بالنسبة إليه بالأولوية القطعية ، إذ لا نحتمل كون الحكم في المحرم أخف من المحل.

ويمكن أن يستدل له بوجه آخر ، وهو أنّ الحكم إذا كان عاما شاملاً لأفراد قد يفهم منه عرفاً عدم جواز التسبيب إليه أيضاً ، وعدم اختصاصه بالمباشرة ، نظير ما إذا قال المولى لعبيده وخدمه لا تدخلوا عليّ في هذا اليوم ، فانّ المتفاهم من ذلك عدم جواز إدخالهم للغير أيضاً ، وأن هذا الفعل مبغوض من كل أحد ، ولا يختص بالمباشرة ودخول العبيد أنفسهم ، بل يفهم من هذا الخطاب مبغوضية هذا الفعل من كل أحد.


1) الوسائل 13 : 165 / أبواب بقية كفارات الإحرام ب 14 ح 1.

2) الكافي 4 : 358 / 2.

3) التهذيب 5 : 333 / 1147.

4) الوسائل 12 : 515 / أبواب تروك الإحرام ب 63 ح 1.

مسألة 260 : إذا حلق المحرم رأسه من دون ضرورة فكفارته شاة ، وإذا حلقه لضرورة فكفارته شاة أو صوم ثلاثة أيّام ، أو إطعام ستّة مساكين لكل واحد مدّان من الطعام (1)


(1) في ثبوت الكفّارة تفصيل ، فيقع الكلام في موارد :

الأوّل : في حلق الرأس.

المشهور ثبوت الكفّارة المخيّرة بين الأُمور الثلاثة المذكورة في الآية من الصيام والصدقة والنسك أي الشاة (1)وذكر ذلك في صحيح زرارة أيضاً حيث تعرض لبيان المراد من الكفّارة وفسّرها بالصيام ثلاثة أيّام والتصدق على ستّة مساكين أو ذبح شاة (2)والآية المباركة وإن وردت في مورد العذر ولكن ثبوت الحكم بالكفّارة على المختار بطريق أولى ، فالمحرم إذا حلق رأسه معذوراً أو مختاراً تجب عليه الكفّارة المخيرة المذكورة في الآية ، وأمّا وجوب الشاة أو الدم فيدل عليه صحيحتان لزرارة فقد ذكر في إحداهما الشاة وفي الأُخرى الدم (3)وإطلاق الدم يقيد بالشاة إن لم يكن الدم في نفسه ظاهراً في الشاة ، ولكن قالوا إنّ الشاة غير متعينة وإنّما الشاة من جملة الأفراد المخيرة المذكورة في الآية والرواية السابقة.

فالمتحصل : أنّهم ذهبوا في حلق الرأس مطلقاً إلى التخيير بين الأُمور الثلاثة ، فإن تمّ إجماع على ما ذكروه فلا كلام ، وإن لم يتم فلا وجه لفتوى المشهور أصلاً ، أمّا الآية فموردها المريض أو المعذور ، وأمّا صحيحة زرارة المفسرة للآية فموردها أيضاً من كان أذى في أرسه ، وأمّا الصحيحان المشتملان على أن عليه الدم أو الشاة فموردهما الحلق على الإطلاق مضطراً كان أو مختاراً ، ومقتضى الجمع بين الروايات أن غير المضطر يتعيّن عليه الشاة ، والمضطر مخيّر بين الأُمور الثلاثة المذكورة في الآية


1) البقرة 2 : 196.

2) الوسائل 13 : 167 / أبواب بقية كفارات الإحرام ب 14 ح 3.

3) الوسائل 13 : 160 / أبواب بقية كفارات الإحرام ب 1 ح 1 ، 6.

وإذا نتف المحرم شعره النابت تحت إبطه فكفارته شاة ، وكذا إذا انتف أحد إبطيه على الأحوط ، وإذا نتف شيئاً من شعر لحيته وغيرها فعليه ان يطعم مسكيناً بكف من الطعام ، ولا كفّارة في حلق المحرم رأس غيره محرماً كان أم محلّا (1).


الشريفة ، فاجزاء الصوم أو الطعام في المختار عن الشاة يحتاج إلى دليل ولا دليل.

وبعبارة اخرى : لو لم تكن الآية لقلنا بوجوب الشاة على الإطلاق مضطراً كان المحرم أو مختاراً في الحلق ، ولكن لأجل الآية الكريمة نقول بالتخيير في المضطر خاصّة.

فتحصل : أن مقتضى الجمع بين الروايات هو التفصيل بين ما إذا كان المحرم مضطراً إلى حلق رأسه فيتخير بين الأُمور الثلاثة ، أي الصيام ثلاثة أيّام وإطعام ستّة مساكين والشاة. نعم ، في خبر محمّد بن عمر بن يزيد «والصدقة على عشرة مساكين يشبعهم من الطعام» (1)ولكنّه ضعيف سنداً بمحمّد بن عمر بن يزيد ، وبين ما إذا كان مختاراً فيتعين عليه الشاة.

(1) المعروف بينهم أن من نتف أحد إبطيه أطعم ثلاثة مساكين ، ولو نتفهما لزمه شاة.

والّذي يمكن أن يستدل لهم : أنّه ورد في رواية عبد اللّه بن جبلة «في محرم نتف إبطه ، قال : يطعم ثلاثة مساكين» وورد في صحيح حريز أنّه «إذا نتف الرجل إبطيه بعد الإحرام فعليه دم» (2). ويحمل الدم على الشاة بقرينة سائر الروايات ، فقالوا مقتضى خبر حريز وجوب الشاة لنتف الإبطين معاً ، ووجوب إطعام ثلاثة مساكين لخبر عبد اللّه بن جبلة ، وأمّا الصحيحتان لزرارة اللّتان ذكر فيهما الشاة أو الدم لنتف الإبط فمحمولتان على نتف الإبطين معاً للغلبة الخارجية ، فإنّ الغالب في من نتف إبطه أو حلقه ينتف الإبطين معاً.

إن قلت : مفهوم صحيح حريز هو عدم وجوب الشاة لمن لم ينتف الإبطين ، وهذا


1) الوسائل 13 : 166 / أبواب بقية الكفّارات ب 14 ح 2.

2) الوسائل 13 : 161 / أبواب بقية كفارات الإحرام ب 11 ح 2 ، 1.

.................................................................................................


مطلق له فردان عدم نتف الإبطين معاً ونتف إبط واحد ، فيقيّد إطلاق المفهوم بالصحيحتين لزرارة الدالّتين على وجوب الشاة في نتف الإبط ، فالنتيجة عدم وجوب الشاة على من لم ينتف الإبطين أصلاً ، ووجوب الشاة على من نتف الإبط الواحد.

قلت : تقييد إطلاق المفهوم بمنطوق دليل آخر وإن كان صحيحاً في نفسه ، ولكن التقييد في خصوص المقام غير ممكن ، لأنّه يوجب إلغاء نتف الإبطين عن إيجابه للشاة وعدم خصوصية لهما.

وبعبارة اخرى : لو قلنا بوجوب الشاة في نتف إبط واحد فلا موضوع ولا خصوصية لنتف الإبطين. مع أنّ الظاهر أن نتف الإبطين له خصوصية ، فلا بدّ من حمل الإبط المذكور في صحيحتي زرارة على الجنس بقرينة صحيحة حريز ، فلا منافاة في البين.

فتحصل : أن نتف الإبطين معاً يوجب الشاة ونتف إبط واحد يوجب الإطعام على ثلاثة مساكين.

وتفصيل الكلام : أنّ المشهور في نتف الإبطين شاة وفي نتف إبط واحد التصدق على ثلاثة مساكين ، واستندوا في ذلك إلى صحيحة حريز الدالّة على وجوب الشاة في نتف الإبطين ، وقالوا إن مقتضى مفهومها عدم وجوب الشاة في نتف إبط واحد ، فما ورد من وجوب الشاة في نتف إبط واحد كما في صحيحتي زرارة محمول على الجنس ويمكن صدقه على الإبطين ، فلا منافاة في البين.

وما ذكروه غير تام ، لأنّه لو سلمنا دلالة صحيحة حريز على نفي وجوب الشاة لنتف إبط واحد بالمفهوم ، فإنّما ينفي الوجوب التعييني ، وأمّا الوجوب التخييري الجامع بين الشاة وغيرها فلا ينفيه المفهوم ، وبما أن صحيح زرارة يدل على وجوب الشاة في نتف إبط واحد ، وخبر عبد اللّه بن جبلة يدل على الإطعام على ثلاثة مساكين ، فكل منهما نص في الوجوب وظاهر في التعييني ، فلا بدّ من رفع اليد عن ظهور كل منهما في التعيين ، والالتزام بوجوبهما ، فالنتيجة ثبوت الوجوب التخييري كما

.................................................................................................


هو الحال في غير المقام ، فإنّه إذا دلّ دليل على وجوب شي‌ء ودلّ دليل آخر على وجوب أمر آخر وعلمنا من الخارج بعدم وجوبهما معاً ، يحمل الوجوب في كل منهما على التخييري ، فمقتضى الصناعة والجمع بين خبر عبد اللّه بن جبلة وخبر زرارة هو وجوب الشاة في نتف إبط واحد وجوباً تخييرياً بينه وبين الإطعام.

هذا كلّه بناءً على ذكر الإبطين بالتثنية في صحيح حريز كما عن الشيخ (1)، ولكن الصدوق رواه بعين السند عن حريز ، إلّا أنّه قال : «إبطه» بالإفراد (2)، فلا يعلم أن حريزاً روى لحماد بالتثنية أو بالأفراد ، فلا يمكن التمسُّك بمفهومه لنفي الشاة بنتف الإبط الواحد ، نعم لا إشكال في ثبوت الشاة لنتف الإبطين معاً ، سواء كان خبر حريز بلفظ التثنية أو الإفراد ، فنفي الشاة عن نتف إبط واحد غير ثابت ، فتبقى صحيحتا زرارة من غير تقييد ومقتضاهما وجوب الشاة لنتف إبط واحد ، لعدم ثبوت ذكر الإبطين بالتثنية في صحيح حريز ، ولعل نسخة الصدوق أصح ، فإنّ المعروف أنّه أضبط من الشيخ ، كما أنّ الشيخ روى في التهذيب عن الصادق (عليه السلام) وفي الاستبصار عن الباقر (3)(عليه السلام) وهو سهو منه (قدس سره) والصحيح أنّه مروي عن الصادق (عليه السلام) كما في الفقيه ، وعليه فلا موجب لرفع اليد عن إطلاق صحيحتي زرارة ، ومجرّد الغلبة الخارجية لنتف الإبطين إذا نتف الإبط لا يوجب الحمل على الإبطين ، فمقتضى خبري زرارة وجوب الشاة حتّى في نتف إبط واحد ، ولكن يقابلهما خبر عبد اللّه بن جبلة الدال على الإطعام في نتف إبط واحد ، فلو قلنا بانجبار خبر عبد اللّه بن جبلة بعمل المشهور ، أو اكتفينا في الوثاقة بوقوع الراوي في تفسير علي بن إبراهيم أو في إسناد كامل الزيارات فالخبر معتبر ، وإلّا فالرواية ساقطة فلا بدّ من الالتزام بوجوب الشاة لنتف الإبط الواحد ، ولكن قد التزمنا بصحّة خبر عبد اللّه ابن جبلة لوقوعه في إسناد كامل الزيارات ، فيكون معارضاً لخبري


1) التهذيب 5 : 340 / 1177.

2) الفقيه 2 : 228 / 1079.

3) الاستبصار 2 : 199 / 675.

.................................................................................................


زرارة الدالّين على الشاة في نتف إبط واحد حسب إطلاقهما ، وحيث لا يحتمل وجوب الشاة ووجوب الإطعام معاً فمقتضى القاعدة كما عرفت هو الجمع بينهما بالحمل على الوجوب التخييري بين الشاة والإطعام ، وبما أنّ الأمر دائر بين التعيين والتخيير فمقتضى الاحتياط هو التعيين بوجوب الشاة ، فالاكتفاء عنها بالإطعام مما لا وجه له وخلاف للاحتياط.

وقد يقال : إن صحيحتي زرارة واردتان في المتعمد ، وأمّا معتبرة عبد اللّه بن جبلة لم يؤخذ فيها المتعمد ، وقانون الإطلاق والتقييد يقتضي حمل خبر عبد اللّه بن جبلة على غير العامد ، فالنتيجة تعين الشاة على من نتف إبطاً واحداً متعمداً ، والإطعام على الجاهل والناسي.

وفيه : أنّ المتعمد وإن لم يذكر في خبر عبد اللّه بن جبلة ، ولكن حمله على غير المتعمد مناف للإطلاقات الكثيرة الدالّة على أنّه لا شي‌ء على الجاهل والناسي ، فيقيد خبر عبد اللّه بن جبلة بغير الجاهل والناسي إذ لا شي‌ء عليهما جزماً ، هذا أوّلاً.

وثانياً : أنّ المتعمد صرّح به في صحيحتي زرارة وكذا الجاهل والناسي ، فكيف يمكن حمل خبر عبد اللّه بن جبلة على الجاهل والناسي مع وقوع التصريح في الصحيحتين بان لا شي‌ء على الجاهل والناسي ، فيكون خبر عبد اللّه بن جبلة معارضاً للصحيحين على كل حال.

فالصحيح ما ذكرناه من أنّ القاعدة تقتضي التخيير ، ولكن الشاة في نتف إبط واحد أحوط ، لأنّ الأمر دائر بين التعيين والتخيير والتعيين أحوط ، ولذا ذكرنا في المتن وجوب الشاة في نتف الإبطين على الجزم ووجوبها في نتف إبط واحد على الأحوط ، فتدبّر في المقام.

بقي الكلام في جهات :

الاولى : ثبوت الكفّارة بالشاة يتوقف على صدق عنوان حلق الرأس ونتف الإبط ، فلو حلق بعض رأسه أو نتف شيئاً من شعر إبطه لا تجب الكفّارة بالشاة ، لعدم صدق عنوان حلق الرأس أو نتف الإبط.

.................................................................................................


الثانية : المذكور في الروايات حلق الرأس ونتف الإبط ، فلو عكس الأمر فهل تشمله الروايات الدالّة على الكفّارة؟ الظاهر أنّه لا خصوصية لذلك ، فإنّ العبرة بإزالة الشعر بأيّ وجه كانت حلقاً كانت أو نتفاً ، وإنّما ذكر الحلق للرأس والنتف للإبط للتعارف الخارجي ، فإنّ الغالب في إزالة شعر الرأس بالحلق.

الثالثة : لو نتف أو حلق الشعر من غير هذين الموضعين كما إذا أخذ الشعر من لحيته أو من سائر أعضائه مما ينبت فيه الشعر ، يجب عليه التصدق على المسكين ، وكذا لو أمرّ يده على رأسه أو لحيته فسقط منه الشعرة أو الشعرتان وكان متعمداً في الإمرار والمس ، وإن لم يكن متعمداً لإسقاط الشعر ، فالواجب عليه في جميع هذه الموارد هو التصدق على المسكين ، ويدلُّ على ذلك عدّة من الروايات ، ففي بعضها أنّه يطعم مسكيناً كما في صحيح الحلبي قال : «إن نتف المحرم من شعر لحيته وغيرها شيئاً فعليه أن يطعم مسكيناً في يده» (1). وفي بعضها «كفّاً من طعام أو كفّين» (2)ومن المعلوم أنّ التخيير بين الزائد والناقص يقتضي حمل الزائد على الأفضلية ، وفي بعضها «يطعم شيئاً» (3)وفي بعضها «فليتصدق بكف من طعام أو كف من سويق» (4)ولا يخفى أنّ السويق قسم من أنواع الطعام فذكره من باب ذكر الخاص بعد العام ، وفي خبر الصدوق «بكف من كعك أو سويق» (5)ولو صحّ خبر الصدوق فذكر الكعك من باب ذكر الخاص بعد العام : لكون الكعك نوعاً من الطعام ، وفي بعض الروايات يشتري بدرهم تمراً ويتصدق به ، فإن تمرة خير من شعرة (6). والتمر داخل في عنوان الطعام ومن مصاديقه ، بل لو لم يكن خبر يدل على جواز التصدق به لكان جائزاً أيضاً لأنّه من أنواع الطعام ، وفي مرسلة الصدوق «مدّ من طعام أو كفّين» (7).

وكيف كان ، من مسّ لحيته أو عضواً آخر من سائر بدنه وسقط منه الشعرة


1) الوسائل 13 : 173 / أبواب بقية كفارات الإحرام ب 16 ح 9.

2) الوسائل 13 : 170 / أبواب بقية كفارات الإحرام ب 16 ح 1.

3) الوسائل 13 : 171 / أبواب بقية كفارات الإحرام ب 16 ح 2 ، 5 ، 4 ، 3. الفقيه 2 : 229 / 1089 و 1088.

4) الوسائل 13 : 171 / أبواب بقية كفارات الإحرام ب 16 ح 2 ، 5 ، 4 ، 3. الفقيه 2 : 229 / 1089 و 1088.

5) الوسائل 13 : 171 / أبواب بقية كفارات الإحرام ب 16 ح 2 ، 5 ، 4 ، 3. الفقيه 2 : 229 / 1089 و 1088.

6) الوسائل 13 : 171 / أبواب بقية كفارات الإحرام ب 16 ح 2 ، 5 ، 4 ، 3. الفقيه 2 : 229 / 1089 و 1088.

7) الوسائل 13 : 171 / أبواب بقية كفارات الإحرام ب 16 ح 2 ، 5 ، 4 ، 3. الفقيه 2 : 229 / 1089 و 1088.

.................................................................................................


والشعرتان عليه الإطعام على مسكين ، وإن لم يكن متعمداً في إسقاط الشعر وإزالته.

وبإزاء هذه الروايات روايتان :

الاولى : ما رواه الشيخ بسنده عن جعفر بن بشير والمفضل بن عمر على نسخة الوسائل والتهذيب قال «دخل الساجبي (الساجي) على أبي عبد اللّه (عليه السلام) فقال : ما تقول في محرم مسّ لحيته فسقط منها شعرتان؟ فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : لو مسست لحيتي فسقط منها عشر شعرات ما كان عليّ شي‌ء» (1)والرواية بناءً على نسخة الوسائل والتهذيب الجديد صحيحة حتّى على القول بضعف المفضل فإنّ الراوي عن الصادق (عليه السلام) شخصان : أحدهما جعفر بن بشير وهو ثقة بالاتفاق ، ولا يضر ضعف الراوي الآخر ، ولكن في الوافي روى عن جعفر بن بشير عن المفضل بن عمر (2)، فتكون الرواية ضعيفة لضعف المفضل عند المشهور ، والظاهر أن ما في الوافي هو الصحيح كما في الاستبصار الجديد ج 2 ص 198 (3)لأن جعفر ابن بشير من أصحاب الرضا (عليه السلام) ومات في سنة 208 ، ولم يكن له رواية عن الصادق (عليه السلام) إلّا رواية واحدة ، ولو كان من أصحاب الصادق (عليه السلام) لم تكن روايته منحصرة بالواحدة ، بل من المطمأن به أن تلك الرواية الواحدة فيها إرسال للفصل الكثير بينه وبين الصادق (عليه السلام) بستّين سنة ، فانّ الصادق (عليه السلام) توفي في سنة 148 ، وجعفر بن بشير في سنة 208.

ويؤيّد ما في الوافي أنّه لو كان الراوي عن الإمام (عليه السلام) جعفر والمفضل معاً لذكر في الرواية «قالا دخل الساجبي» لا «قال» بالإفراد ، ولكن الرواية عندنا موثقة على كل حال ، لأنّ المفضل ثقة على المختار ، بل من الأجلاء ، وإليه ينسب الكتاب المعروف بتوحيد المفضل الّذي عبّر عنه النجاشي بكتاب فكّر (4)، وقلنا بأن كلام


1) الوسائل 13 : 172 / أبواب بقية كفارات الإحرام ب 16 ح 7. التهذيب 5 : 339 / 1173.

2) الوافي 12 : 646 / 12833.

3) الإستبصار 2 : 198 / 671.

4) رجال النجاشي : 416 [1112].

مسألة 261 : لا بأس بحك المحرم رأسه ما لم يسقط الشعر عن رأسه وما لم يدمه ، وكذلك البدن ،


النجاشي غير ظاهر في تضعيفه من حيث النقل والإخبار ، وحملنا ما ورد في ذمّه على ما ورد في ذم زرارة ومحمّد بن مسلم وبريد بن معاوية وأمثالهم ، والتفصيل في معجم الرجال (1)فتكون الرواية معتبرة ، ولكن الدلالة مخدوشة ، لإمكان حملها على نفي الكفّارات المتعارفة من الدم والشاة. بل يمكن أن يقال : إنّ الرواية بالعموم تدل على أنّه ليس في سقوط الشعر شي‌ء ، ومقتضى الجمع بينها وبين تلك الروايات المتضافرة أنّه ليس عليه شي‌ء من الكفّارات إلّا التصدق بكف من الطعام ونحو ذلك ، فلا منافاة في البين.

الرواية الثانية : عن المفضل بن صالح عن ليث المرادي قال «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل يتناول لحيته وهو محرم يعبث بها فينتف منها الطاقات يبقين في يده ، خطأ أو عمداً ، فقال : لا يضرّه» (2).

والجواب : أنّ الرواية ضعيفة بمفضل بن صالح وهو أبو جميلة الأسدي النخاس ، وقد ضعّفه النجاشي صريحاً في ترجمة جابر بن يزيد (3)على أن قوله : «لا يضره» غير صريح في عدم ثبوت الكفّارة.

وبالجملة : لا ينبغي الريب في ثبوت التصدق بإسقاط الشعر بأيّ وجه كان.

نعم ، يستثني من ذلك خصوص المتوضئ الّذي يسقط منه الشعر حال إسباغ الوضوء ، فقد ورد في حقّه أنّه ليس عليه شي‌ء للحرج المنفي في الشريعة.

ثمّ إنّ الكفّارة الثابتة إنّما تلزم في حلق رأس نفسه أو نتف إبطه مباشرة كان أو


1) معجم الرجال 19 : 317.

2) الوسائل 13 : 172 / أبواب بقية كفّارات الإحرام ب 16 ح 8.

3) رجال النجاشي : 128 [332].

وإذا أمرّ المحرم يده على رأسه أو لحيته عبثاً فسقطت شعرة أو شعرتان فليتصدق بكف من طعام ، وأمّا إذا كان في الوضوء ونحوه فلا شي‌ء عليه (1).

19 - ستر الرأس للرّجل

اشارة

مسألة 262 : لا يجوز للرّجل المحرم ستر رأسه ، ولو جزء منه بأيّ ساتر كان حتّى مثل الطين ، بل وبحمل شي‌ء على الرأس على الأحوط ، نعم لا بأس بستره بحبل القربة ، وكذلك تعصيبه بمنديل ونحوه من جهة الصداع (2).


تسبيباً كما هو الغالب في حلق الرأس.

وأمّا إذا حلق رأس غيره أو نتف شعر غيره فلا يترتب عليه الكفّارة وإن كان حراماً ، إذ لا دليل على الكفّارة بالنسبة إلى حلق رأس غيره أو أخذ الشعر منه ، ولا يمكن الحكم بوجوب الكفّارة بلا دليل.

(1) قد عرفت الأحكام المذكورة في هذه المسألة من مطاوي ما ذكرناه في المسألة السابقة ، وذكرنا الأخبار الواردة في المقام في تلك المسألة.

(2) لا خلاف بين العلماء في حرمة تغطية الرجل رأسه وستره ، كما لا خلاف في عدم الفرق في حرمة التغطية بين جميع أفرادها وأنواعها كالثوب والطين والدواء وحمل ما يستر جميع رأسه ونحو ذلك للنصوص المستفيضة :

منها : ما دلّ على أن إحرام المحرمة في وجهها والرجل في رأسه ، كصحيحة عبد اللّه ابن ميمون (1)وفي معتبرة حريز «عن محرم غطى رأسه ناسياً ، قال : يلقي القناع عن رأسه ويلبِّي ولا شي‌ء عليه» (2)، فانّ المستفاد منه أنّ تغطية الرأس مبغوضة شرعاً إذا تذكّر ، وفي صحيحة زرارة «الرجل المحرم يريد أن ينام يغطِّي وجهه من الذّباب؟ قال : نعم ، ولا يخمر رأسه» (3).


1) الوسائل 12 : 505 / أبواب تروك الإحرام ب 55 ح 2 ، 3 ، 5.

2) الوسائل 12 : 505 / أبواب تروك الإحرام ب 55 ح 2 ، 3 ، 5.

3) الوسائل 12 : 505 / أبواب تروك الإحرام ب 55 ح 2 ، 3 ، 5.

.................................................................................................


بل يستفاد من بعض النصوص عدم جواز ستر بعض الرأس ، وعدم اختصاص الحرمة بتغطية تمام الرأس كما في صحيح عبد اللّه بن سنان قال : «سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول لأبي وشكى إليه حر الشمس وهو محرم وهو يتأذى به ، فقال : ترى أن أستتر بطرف ثوبي؟ قال : لا بأس بذلك ما لم يصبك رأسك» (1)فإن أصابه طرف من الثوب تصدق بتغطية بعض الرأس.

ثمّ إنّ المراد بالرأس في المقام منبت الشعر مقابل وجه المرأة ، فإنّ الوجه وإن كان من الرأس في بعض الإطلاقات والاستعمالات ولكن المراد به هنا منبت الشعر بقرينة مقابلته لوجه المرأة في النصوص.

ولا فرق في تغطية تمام الرأس أو بعضه بين جميع أفرادها من الثوب والطين ونحوهما مما يغطي الرأس ، كما لا يجوز للمرأة ستر وجهها بأيّ نحو كان ، فلا خصوصية لنوع الساتر ، والسؤال في بعض الأخبار وإن كان عن الستر بالثوب ، ولكن العبرة بإطلاق الجواب والمنع عن مطلق الستر فلا خصوصية للثوب.

وهل يعم الحكم ما يحمل على رأسه شيئاً كالطبق والحنطة أو الفراش أو الكتاب ونحو ذلك أم لا؟

المعروف بينهم هو التعميم ، بل لا خلاف بينهم في عدم جواز التغطية بنحو ذلك.

ولكن للمناقشة فيه مجال ، فان حمل الشي‌ء على رأسه إذا كان ساتراً لجميع رأسه وتمامه كحمل الحشيش ونحوه فلا كلام في المنع ، لشمول الإطلاقات المانعة لذلك ، فإنّ الرأس يغطى ولو بحمل شي‌ء على رأسه ، وقد عرفت أنّه لا خصوصية لنوع من أنواع الساتر ، وأمّا إذا كان الحمل موجباً لتغطية بعض الرأس كحمل الطبق والكتاب ونحوهما فلا دليل على المنع ، فانّ الحكم بالمنع وإن كان مشهوراً ولكن لا يبلغ حدّ الإجماع القطعي ، وما دلّ على المنع من إصابة بعض الرأس إنّما يدل فيما إذا كان الستر ولو ببعض الرأس مقصوداً ، وأمّا إذا لم يكن قاصداً لستر الرأس بل كان قاصداً لأمر آخر وذاك يستلزم الستر لم يكن مشمولاً للنص الدال على منع ستر البعض ، نظير


1) الوسائل 12 : 525 / أبواب تروك الإحرام ب 67 ح 4.

.................................................................................................


النائم المتوسد فان بعض رأسه يستر بالوسادة أو بوضع رأسه على الأرض ولكنّه لا يمنع عن ذلك ، لأنّه لا يريد ستر رأسه وإنّما يريد النوم ، فقهراً يستر بعض رأسه بالوسادة أو بالفراش أو بالأرض ، وكما إذا أراد حك رأسه بالحائط أو بخشبة أو حديدة عريضة ، فإنّه وإن يستر بذلك ولكن لا يصدق عليه عنوان تغطية الرأس الممنوع في الروايات لعدم كونها مقصودة ، فالّذي يستفاد من النص أن يكون الستر مقصوداً في نفسه ، وأمّا المطلقات فالمستفاد منها عدم جواز ستر تمام الرأس كما هو الحال في حلق الرأس ونتف الإبط.

والحاصل : لو كنّا نحن والمطلقات فلا دليل على منع ستر بعض الرأس ، لعدم شمول المطلقات لستر بعض الرأس ، وإنّما منعنا عن ستر بعض الرأس لخصوص صحيح عبد اللّه بن سنان المانع عن ستر بعض الرأس ، والمستفاد منه أن يكون الستر بنفسه مقصوداً ولا يشمل ستر البعض الّذي لم يكن مقصوداً ، ومع ذلك لا ينبغي ترك الاحتياط لذهاب المشهور إلى المنع عن ستر البعض مطلقا.

ويستثنى من حرمة ستر الرأس موردان :

أحدهما : ستر الرأس من جهة الصداع ، لصحيح معاوية بن وهب عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «لا بأس بأن يعصّب المحرم رأسه من الصداع» (1).

الثاني : ستر الرأس بحبل القربة كما هو المتعارف حتّى في الأزمنة المتأخرة ، واستدلّوا بما رواه الصدوق عن محمّد بن مسلم عن الصادق (عليه السلام) «عن المحرم يضع عصام القربة على رأسه إذا استسقى؟ فقال : نعم» (2)ومن الغريب ما في الجواهر (3)والحدائق (4)من توصيف الخبر بالصحيح ، خصوصاً من الحدائق مع تدقيقه في أسناد الروايات ، ولعلهما وصفا الخبر بالصحّة لجلالة محمّد بن مسلم ورواية


1) الوسائل 12 : 507 / أبواب تروك الإحرام ب 56 ح 1.

2) الوسائل 12 : 508 / أبواب تروك الإحرام ب 57 ح 1 ، الفقيه 2 : 221 / 1024.

3) الجواهر 18 : 383.

4) الحدائق 15 : 496.

وكذلك لا يجوز ستر الأُذنين (1).


الصدوق عنه ، وغفلا عن أن طريق الصدوق إلى محمّد بن مسلم ضعيف لوجود علي ابن أحمد بن عبد اللّه البرقي عن أبيه أحمد بن عبد اللّه بن أحمد بن أبي عبد اللّه البرقي (1)، وهما مما لم يوثقا.

والّذي ينبغي أن يقال في جواز ستر الرأس بحبل القربة : إن ستر بعض الرأس إذا لم يكن مقصوداً بنفسه لا مانع منه كما عرفت ، وصحيح ابن سنان الّذي منع عن ستر بعض الرأس لا يشمل ذلك ، لاختصاصه بما إذا كان الستر مقصوداً بنفسه ، والإطلاقات غير شاملة لذلك أيضاً ، فالمقتضي للمنع قاصر.

ومع قطع النظر عن ذلك نجزم بجواز ذلك للسيرة القطعية على ذلك ، فان حمل القربة وشدّ حبلها بالرأس أمر متعارف شائع حتّى في زماننا فضلاً عن الأزمنة السابقة ، ولو كان ذلك أمراً محرّماً مع كثرة الابتلاء به لشاع وظهر وبان ، ولم يرد في رواية ولا سمعنا من أحد عدم جواز ذلك ، وذلك كلّه يوجب الاطمئنان بالجواز ، فلا نحتاج في الحكم بالجواز إلى خبر محمّد بن مسلم حتّى يقال إنّه ضعيف.

(1) إن قلنا بأنّ المراد بالرأس فوق الوجه وفي قبال الوجه ، فالاذنان داخلان فيه ، وإن قلنا بأنّ المراد به منابت الشعر ، فالاذنان خارجان منه ولكن مع ذلك لا يجوز سترهما كالرأس ، لصحيح صفوان عن عبد الرّحمن (بن الحجاج) قال : «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن المحرم يجد البرد في أُذنيه يغطيهما؟ قال : لا» (2)وعبد الرّحمن هذا مردد بين أشخاص أربعة : عبد الرّحمن بن أبي عبد اللّه ، عبد الرّحمن بن الحجاج ، عبد الرّحمن بن أعين ، عبد الرّحمن الحذاء. أمّا عبد الرّحمن بن أبي عبد اللّه فهو ثقة ، ورواية صفوان عنه قليلة. وأمّا عبد الرّحمن بن أعين فهو قليل الحديث في نفسه سواء كان الراوي عنه صفوان أم غيره ، وقد روى عنه صفوان في موردين. وأمّا


1) الفقيه 4 (المشيخة) : 6.

2) الوسائل 12 : 505 / أبواب تروك الإحرام ب 55 ح 1.

مسألة 263 : يجوز ستر الرأس بشي‌ء من البدن كاليد ، والأولى تركه (1).


عبد الرّحمن الحذاء فقد روى عنه صفوان في مورد واحد. وأمّا عبد الرّحمن بن الحجاج فقد روى عنه صفوان ما يزيد على مائة حديث ، وهو الشهير المعروف وأُستاذ صفوان كما صرّح بذلك الشيخ في رجاله (1)، فالمتعين أن عبد الرّحمن هو ابن الحجاج وهو ثقة ثقة.

(1) الظاهر جواز الستر باليد أو الذراع ، لأن دليل حرمة ستر الرأس قاصر الدلالة على ذلك ، لما عرفت أن مورد الأخبار المانعة هو الثوب ، وتعدينا إلى غيره من أنواع التغطية والستر حتّى الستر بالطين والدواء ، وقلنا إنّ المنظور هو الستر ولا نظر إلى خصوصية الثوب ، ولكن التعدي إنّما هو بالنسبة إلى الأجزاء الخارجية ، وأمّا الستر بسائر أعضاء بدنه وبما هو متصل به فلا تشمله الروايات ، ولو سلمنا شمول ذلك فلا ريب في جوازه عند مسح الرأس في وضوئه ، وكذا ما دلّ على جواز حكّ المحرم رأسه (2)فإنّه يوجب ستر بعض رأسه عند الحك هذا كلّه مضافاً إلى النص المجوّز صريحاً ، وهو صحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «لا بأس أن يضع المحرم ذراعه على وجهه من حر الشمس ، ولا بأس أن يستر بعض جسده ببعض» (3).

وبالجملة : المستفاد من مجموع ما ذكرنا أنّ الممنوع هو الستر بأمر خارجي مطلقاً ، وأمّا الستر بالعضو المتصل ببدنه كيده أو ذراعه فلا مانع منه.

وهل يجوز ستر رأسه عند النوم أم لا؟ وبعبارة اخرى : الحكم بحرمة ستر الرأس هل يختص بحال اليقظة أو يعم عند النوم؟ الظاهر أنّه لا خلاف بينهم في التعميم كما صرّح بذلك في الجواهر.


1) رجال الطوسي : 236 / 3215.

2) الوسائل 12 : 533 / أبواب تروك الإحرام ب 73.

3) الوسائل 12 : 524 / أبواب تروك الإحرام ب 67 ح 3.

.................................................................................................


ولكن خبر زرارة جوّز التغطية عند إرادة النوم «في المحرم ، قال : له أن يغطي رأسه ووجهه إذا أراد أن ينام» (1)وذكر في الجواهر أنّه يطرح أو يحمل على حال التضرر بالتكشف أو على التظليل ، مضافاً إلى عدم حجية الخبر في نفسه وضعفه سنداً (2).

ولكن الخبر صحيح ، فان رواتها ثقات ورواها أيضاً غير الثقات ، ولا يضر في صحّة الخبر ضمّ الضعيف إلى الثقة إذا كانت الرواة متعددة ، فإنّ الشيخ رواه عن سعد ابن عبد اللّه وهو ثقة ، وعن موسى بن الحسن وهو ثقة أيضاً ، وفي نسخةٍ موسى بن الحسين وهو مجهول ، ولكن لا يضر ذلك ، لأن سعد يرويه عن موسى والحسن بن علي وهو ابن فضال الثقة ، وهو يرويه عن أحمد بن هلال ومحمّد بن أبي عمير ، ولا يضر ضعف أحمد بن هلال بناءً على ضعفه ، وأمّا بناءً على وثاقته كما هو المختار عندنا فلا كلام ، وكذا لا يضر ضعف أُمية بن علي القيسي ، لأنّ الحسن بن علي بن فضال يروي عن أحمد بن هلال ومحمّد بن أبي عمير وأُمية بن علي القيسي جميعاً ، فيكفي وثاقة ابن أبي عمير ، وهم يروون عن علي بن عطية وهو ثقة ، وهو يروي عن زرارة فالخبر ثبت عن زرارة برواية الثقات عنه وإن انضموا إلى غير الثقة ، فالخبر لا يُرمى بالضعف.

فالصحيح في الجواب أن يقال : إنّه معارض بصحيحتين لزرارة «إنّه لا يخمر رأسه عند النوم إذا أراد أن ينام» (3)وبعد المعارضة والتساقط يرجع إلى المطلقات المانعة عن ستر الرأس ، والتقييد بحال اليقظة مبتلى بالمعارض.


1) الوسائل 12 : 507 / أبواب تروك الإحرام ب 56 ح 2.

2) الجواهر 18 : 389.

3) الوسائل 12 : 506 / أبواب تروك الإحرام ب 55 ح 5 ، والوسائل 12 : 510 / أبواب تروك الإحرام ب 59 ح 1.

حرمة الارتماس للمحرم

مسألة 264 : لا يجوز للمُحرم الارتماس في الماء ، وكذلك في غير الماء على الأحوط والظاهر أنّه لا فرق في ذلك بين الرجل والمرأة (1).


(1) لا خلاف ولا إشكال في عدم جواز الارتماس في الماء ويدلُّ عليه جملة من الأخبار المعتبرة (1).

إنّما وقع الكلام في أنّه موضوع مستقل ومحرّم عليحدة ، أو أنّه من مصاديق التغطية ، قال المحقق في الشرائع بعد أن ذكر تغطية الرأس : وفي معناه الارتماس (2)ومقتضى كلامه هذا عدم اختصاص الارتماس بالماء لأنّه (قدس سره) جعل الارتماس من فروع التغطية ومصاديقها ، فلا فرق بين الماء وغيره ، ولكن قال في باب الكفّارات : تجب الكفّارة إذا ارتمس في الماء (3)، فيظهر منه أنّ الارتماس في غير الماء ليس له هذا الحكم. وصرّح صاحب الجواهر وغيره أن تحريم الارتماس من جهة التغطية وكونه من ستر الرأس ، فلا فرق بين الماء وغيره ، ولا يختص بتمام الرأس بل لا يجوز الارتماس ببعض الرأس ، لعدم جواز ستر بعض الرأس (4)، ومقتضى كلامهم اختصاص التحريم بالرجال وجواز الارتماس للمرأة ، لاختصاص حرمة التغطية بالرجل. وبالجملة يجري في الارتماس جميع ما يترتب على التغطية ، لأنّه من مصاديقها وعدم كونه موضوعاً مستقلا.

ولكن الظاهر أنّه موضوع مستقل ، فانّ الارتماس في الماء والستر به لا يصدق عليه التغطية ، ولو كان الارتماس تغطية لما جاز صبّ الماء وإفاضته على رأسه ، لا


1) الوسائل 12 : 508 / أبواب تروك الإحرام ب 58.

2) الشرائع 1 : 284.

3) الشرائع 1 : 343.

4) الجواهر 18 : 386 387.

مسألة 265 : إذا ستر المحرم رأسه فكفارته شاة على الأحوط ، والظاهر عدم وجوب الكفّارة في موارد جواز الستر والاضطرار (1).


سيما إذا كان الماء كثيراً ، وعنوان تخمير الرأس وتغطيته لا يصدق على الارتماس ، والّذي يكشف عن ذلك جعل الصائم كالمحرم في حرمة الارتماس في النصوص (1)ولا يحتمل حرمة الستر على الصائم ، فيعلم أنّ الارتماس غير الستر وله خصوصية ولم يكن مصداقاً للتغطية ، فهو حكم مستقل وموضوعه الماء ، والروايات منعت من الارتماس في الماء ، وأمّا الارتماس في غير الماء فلا دليل على تحريمه ، كما أن موضوع المنع رمس تمام الرأس في الماء ، وأمّا رمس بعض الرأس فلا دليل على حرمته.

ومما ذكرنا ظهر أنّه لا يختص الحكم بالرجل ، بل يعم الرجل والمرأة ، لأن موضوع الحكم أمر مستقل وليس من مصاديق التغطية ليختص الحكم بالرجل ، كما أنّ الأمر كذلك بالنسبة إلى الصائم والصائمة ، ولا يجوز لها الارتماس ، وكذلك الارتماس في باب الإحرام ، فهذا من أحكام الإحرام ، كما أنّه من أحكام الصوم ولا فرق بين الرجل والمرأة ، والاحتياط حسن على كل حال ، فلا يرمس في غير الماء حتّى ببعض رأسه.

(1) المعروف بين الأصحاب وجوب الكفّارة بشاة إذا غطى المحرم رأسه ، بل ادعي عليه الإجماع. وعن المدارك وغيره أنّه مقطوع به في كلام الأصحاب (2). وذكر صاحب الحدائق أنّهم ذكروا الحكم ولم ينقلوا عليه دليلاً ، وكأنّ مستندهم إنّما هو الإجماع (3).

أقول : إن تمّ الإجماع فهو ، وإلّا فالحكم به مشكل.

والظاهر عدم تمامية الإجماع ، لأن جملة من الأصحاب لم يتعرضوا لذلك ، وعدم


1) الوسائل 10 : 35 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 3 ، والوسائل 12 : 508 / أبواب تروك الإحرام ب 58.

2) المدارك 8 : 444.

3) الحدائق 15 : 492.

.................................................................................................


تعرّضهم يكشف عن عدم الوجوب ، وإلّا لو كانت الكفّارة واجبة في المقام لذكروه كما ذكروا في غير المقام كالصيد والجماع والتظليل ونحوها من الموارد. وممن صرّح بعدم الكفّارة بالشاة صاحب الوسائل فإنّه صرّح بأن كفارته طعام مسكين ، فقد ذكر في عنوان الباب الخامس من أبواب بقية كفارات الإحرام : باب أنّ المحرم إذا غطّى رأسه عمداً لزمه طرح الغطاء ، وطعام مسكين (1).

واستدلّ صاحب الجواهر بعد الإجماع بروايات (2).

الأُولى : صحيحة زرارة الدالّة على أن من لبس ثوباً لا ينبغي له لبسه ، عليه دم شاة (3).

ولا يخفى أنّ الاستدلال بها للمقام ينبغي أن يعدّ من الغرائب ، فإن اللبس شي‌ء والتغطية وستر الرأس شي‌ء آخر ، فإنّه قد يتحقق اللبس بلا تغطية للرأس كما إذا لبس القميص ونحوه ، وقد يتحقق ستر الرأس وتغطيته بدون اللبس كما إذا طيّن رأسه أو حمل على رأسه ، وقد يتحقق الأمران كما إذا لبس قلنسوة ونحوها ، وكلامنا في الستر والتغطية وإن لم يتحقق عنوان اللبس.

الثانية : رواية علي بن جعفر المتقدِّمة (4)«لكل شي‌ء خرجت (جرحت) من حجك فعليك فيه دم تهريقه» (5)وقد ذكرنا غير مرة أنّها ضعيفة سنداً ودلالة.

الثالثة : مرسلة الخلاف ، قال : إذا حمل على رأسه مكتلاً أو غيره لزمه الفداء ، ثمّ قال : دليلنا عموم ما روي في مَن غطّى رأسه أن عليه الفدية (6)، بعد دعوى انجبار المرسل بالإجماع المدعى.


1) الوسائل 13 : 153.

2) الجواهر 20 : 418.

3) الوسائل 13 : 157 / أبواب بقية كفارات الإحرام ب 8 ح 1.

4) في ص 407.

5) الوسائل 13 : 158 / أبواب بقية كفارات الإحرام ب 8 ح 5.

6) الخلاف 2 : 299.

.................................................................................................


وفيه مضافاً إلى عدم تمامية الانجبار عندنا ، لا نحتمل استناد المشهور إلى هذا المرسل ، لعدم ذكره في شي‌ء من الكتب الفقهية الاستدلالية ، حتّى أنّ الشيخ بنفسه لم يذكره في كتابيه التهذيب والاستبصار فكيف نحرز استناد المشهور إلى هذا المرسل ومع ذلك كلّه فالاحتياط في محلِّه ، لأجل عدم مخالفة المعروف بين الفقهاء.

هل تثبت الكفّارة في حالتي الاختيار والاضطرار كالصداع والوقاية عن حر الشمس ونحو ذلك نظير كفّارة التظليل الثابتة في الحالتين ، أم تختص بحالة الاختيار وترتفع الكفّارة عند الاضطرار؟

صرّح في الجواهر بعدم الفرق ، وحكى عن بعضهم أن على المختار لكل يوم شاة وعلى المضطر لكل المدّة شاة ، وأورد عليهم بعدم الفرق بينهما (1).

وفيه : أنّ الكفّارة لو كانت ثابتة فمدركها الإجماع ، وهو دليل لبي لا إطلاق له والقدر المتيقن منه حال الاختيار.

بقي الكلام فيما ذكره صاحب الوسائل في الباب الخامس من أبواب بقية كفارات الإحرام ، فإنّه ذكر في عنوان الباب : إنّ المحرم إذا غطى رأسه عمداً لزمه طرح الغطاء وطعام مسكين ، ثمّ ذكر صحيحة الحلبي عن التهذيب «المحرم إذا غطى رأسه فليطعم مسكيناً في يده» (2).

ولا ينبغي الشك في أن صاحب الوسائل اشتبه في النقل ولا وجود لهذه الرواية في التهذيب ، بل صاحب الوسائل بنفسه روى هذه الرواية بعينها وبنفس السند في الباب الخامس والخمسين من تروك الإحرام ذكر «إذا غطى وجهه» (3)بدل قوله «رأسه» ولا يحتمل اختلاف نسخ التهذيب ، كما احتمله صاحب الحدائق حيث نقل عن الوافي بلفظ «وجهه» ثمّ ذكر : ولعل نسخ التهذيب كانت مختلفة (4)، والظاهر أن صاحب


1) الجواهر 20 : 419.

2) الوسائل 13 : 153 / أبواب بقية كفارات الإحرام ب 5 ح 1.

3) الوسائل 12 : 505 / أبواب تروك الإحرام ب 55 ح 4.

4) الحدائق 15 : 493.

20 - ستر الوجه للنِّساء

اشارة

مسألة 266 : لا يجوز للمرأة المحرمة أن تستر وجهها بالبرقع أو النقاب أو ما شابه ذلك. والأحوط أن لا تستر وجهها بأي ساتر كان ، كما أنّ الأحوط أن لا تستر بعض وجهها أيضاً. نعم ، يجوز لها أن تغطي وجهها حال النوم ، ولا بأس بستر بعض وجهها مقدمة لستر الرأس في الصلاة ، والأحوط رفعه عند الفراغ منها (1).


الحدائق بنفسه لم يراجع التهذيب.

وكيف كان ، لا ريب أنّ الاختلاف نشأ من صاحب الوسائل لا من التهذيب ، فانّ الشيخ قال في شرح قوله : فأمّا تغطية الوجه فيجوز ذلك مع الاختيار غير أنّه يلزمه الكفّارة ، فاستدل على جواز تغطية الوجه أوّلاً برواية زرارة ، ثمّ استدلّ لوجوب الكفّارة لتغطية الوجه وإن كانت جائزة برواية الحلبي المتقدِّمة «المحرم إذا غطى وجهه فليطعم مسكيناً في يده» ولو كانت رواية الحلبي مشتملة على كلمة «رأسه» لكانت أجنبية عن موضوع كلام الشيخ ، فإنّه (قدس سره) بصدد الاستدلال للحكم بلزوم الكفّارة لتغطية الوجه ، فلا يحتمل وجود كلمة «رأسه» في الرواية ، فراجع التهذيب (1).

(1) لا يجوز للمحرمة ستر وجهها وتغطيته بلا خلاف في الجملة ، وتدل عليه عدّة من الروايات :

منها : ما في معتبرة عبد اللّه بن ميمون «المحرمة لا تتنقب ، لأن إحرام المرأة في وجهها ، وإحرام الرجل في رأسه» (2).

وإنّما يقع الكلام في جهات :


1) التهذيب 5 : 308.

2) الوسائل 12 : 493 / أبواب تروك الإحرام ب 48 ح 1 وغيره.

.................................................................................................


الاولى : هل يختص الحكم بالقناع والبرقع أو يعم كل ساتر؟ والمراد بالنقاب شدّ الثوب على فمها وأنفها وما سفل عنهما كاللثام للرجال كما تصنعه نساء المغرب.

المذكور في جملة من الروايات التنقب وأنّه كره النقاب ، وفي بعض الروايات ورد البرقع ، وفي رواية يحيى بن أبي العلاء ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «أنّه كره للمحرمة البرقع والقفازين» (1)والرواية ضعيفة بيحيى بن أبي العلاء فإنّه ممن لم يوثق ، وهو غير يحيى بن العلاء الثقة ، وقد توهم بعضهم اتحادهما ، ولكن الظاهر أنّهما شخصان : أحدهما موثق والآخر غير موثق ، وهو ابن أبي العلاء.

وكيف ما كان ، المستفاد من النصوص المعتبرة عدم جواز ستر وجهها بأي ثوب كان ولا يختص بثوب خاص كالبرقع والقناع ونحوهما ، الثانية : هل يقتصر في حرمة الستر المذكورة على الثوب كالبرقع والنقاب ، أو يعم الحكم الستر بالطين ونحوه ممّا لا يكون ثوباً؟ الأحوط هو التعدي والتعميم لإطلاق قوله : «إحرام المرأة في وجهها» فان ذلك نظير قوله : «إحرام الرجل في رأسه» وذكرنا (2)في باب ستر الرأس عدم جواز الستر بأيّ ساتر كان ولو بالطين والحناء ، فكذلك وجه المرأة بقرينة السياق.

ويؤكّده صحيحة البزنطي عن أبي الحسن (عليه السلام) قال : «مرّ أبو جعفر (عليه السلام) بامرأة محرمة قد استترت بمروحة ، فأماط المروحة بنفسه عن وجهها» (3)مع أنّ المروحة ليست من نوع الثياب ، فيعلم أنّ الممنوع مطلق الستر بأيّ نحو كان وبأيّ ساتر كان ، وكذلك يستفاد من التعليل الوارد في صحيحة الحلبي الحاكية لمرور أبي جعفر (عليه السلام) بامرأة متنقبة وهي محرمة ، وقال لها : «إنّك إن تنقبت لم يتغير لونك» (4)فالعبرة في المنع بأن يكون الوجه مستوراً ، وعليها كشفها وعدم سترها له عن الشمس.


1) الوسائل 12 : 495 / أبواب تروك الإحرام ب 48 ح 9 وغيره.

2) في ص 474.

3) الوسائل 12 : 494 / أبواب تروك الإحرام ب 48 ح 4.

4) الوسائل 12 : 494 / أبواب تروك الإحرام ب 48 ح 3.

.................................................................................................


الثالثة : هل يعم المنع بعض الوجه أم يختص بتمام الوجه؟ أمّا طرف الأنف الأسفل أي مارن الأنف إلى الذقن فستره ممنوع جزماً ، لأن هذا من النقاب المنهي في الروايات. وأمّا ستر غير ذلك فلا يمكن إثبات منعه بدليل ، ولا يقاس بستر بعض الرأس للرجل ، لما عرفت أن منعه علم من دليل خاص ، وإلّا فالاطلاقات قاصرة عن شمول بعض الرأس ولا دليل خاص في المقام ، ولكن الاحتياط في محلِّه ، لاحتمال أن إحرام الوجه بالنسبة إلى تمام الوجه.

وربما يستفاد من بعض الروايات جواز ذلك كما في صحيحة الحلبي الحاكية لمرور أبي جعفر (عليه السلام) بالمرأة المتنقبة وأمرها برفع النقاب ، فسأله سائل إلى أين ترخيه؟ قال : تغطي عينها (1).

ولعلّ المستفاد من ذلك جواز ستر الطرف الأعلى للوجه وسيأتي (2)الكلام حول هذه الرواية إن شاء اللّه تعالى.

فحاصل ما تقدّم : أنّ المستفاد من بعض التعليلات الواردة في النصوص وفعل الباقر (عليه السلام) من إماطة المروحة عن وجه المرأة ، أن حرمة التغطية لا تختص بالثوب فهي حرام على الإطلاق كما في ستر رأس الرجل ، وأمّا ستر بعض الوجه وإن كان القول بحرمته مطابقاً للاحتياط ولكن لا يمكن إثباته بدليل ، وإنّما قلنا بحرمة ستر بعض الرأس للرجل بدليل آخر كنهيه عن إصابة الساتر برأسه ، وأمّا المطلقات المانعة فلا تكفي في المنع عن ذلك ، ولم يرد دليل بالخصوص في ستر بعض الوجه ، فلا مانع لها من ستر بعض وجهها لعدم كونه منافياً لكشف الوجه المعتبر في المرأة.

الرابعة : يجوز ستر وجهها عند النوم لصحيح زرارة «والمرأة المحرمة لا بأس بأن تغطي وجهها كلّه عند النوم» (3)ولا موجب لرفع اليد عنه كما عن جماعة منهم شيخنا الأُستاذ في مناسكه (4).


1) الوسائل 12 : 494 / أبواب تروك الإحرام ب 48 ح 3.

2) في ص 488.

3) الوسائل 12 : 510 / أبواب تروك الإحرام ب 59 ح 1.

4) دليل الناسك (المتن) : 167.

فرع


لو قلنا بعدم جواز ستر بعض وجهها ولزوم كشف تمام الوجه عليها فماذا تصنع حال الصلاة ، لأنّ الواجب عليها ستر بعض الوجه حال الصلاة مقدمة علمية لستر سائر جسدها ، كما أنّ الواجب عليها حال الإحرام كشف بعض جسدها مقدمة علمية لوجوب كشف الوجه وحرمة التغطية ، ولا يمكن الجمع بين الأمرين حال الصلاة والإحرام فيتحقق التزاحم.

فمنهم من ذهب إلى التخيير إن لم ترجح الصلاة بكونها أهم وأسبق كما في الجواهر (1)ومنهم من ذهب إلى تقدّم الصلاة لكونها أهم.

والظاهر أنّه لا مجال لشي‌ء من ذلك ، فإنّه إن لم نقل بحرمة تغطية بعض الوجه فالأمر واضح ، وإن قلنا بالحرمة فلا مورد للتخيير ولا للتقديم ، أمّا أهمية الصلاة فلا إشكال فيها ، لأنّها عمود الدِّين ، ولكن لا مزاحمة بين نفس الصلاة والإحرام ، بل المزاحمة بين العمل بوظيفة الإحرام والستر في الصلاة.

وبتعبير آخر : لا مزاحمة بين ستر بعض الوجه وبين أصل الصلاة حتّى يقال بأنّ الصلاة ترجح لأهميتها ، بل المزاحمة بين حرمة التغطية حال الإحرام ووجوب الستر في الصلاة ، ولا أرجحية في المقام ، فلا مجال لترجيح أحدهما على الآخر.

وأمّا التقديم لمجرّد الأسبقية فلا دليل عليه ، بل العبرة في التقديم بالأهمية سواء سبق أو تأخر.

وأمّا التخيير فيردّه : أن ابتلاء النِّساء بالصلاة كان أمراً ضرورياً ، وصلاتهن حال الإحرام كصلاتهنّ في بيوتهن قبل الإحرام ، ولا فرق في صلاتهنّ بين إتيان الصلاة حال الإحرام أم قبل الإحرام ، ولو كان هناك فرق لظهر وبان ، فتجب عليهنّ الصلاة حال الإحرام على نحو صلاتهنّ في غير هذا الحال.


1) الجواهر 18 : 391.

.................................................................................................


فلا إشكال في جواز ستر بعض الوجه مقدمة لستر جسدها.

بقي الكلام في الروايات الآمرة بإسدال الستر على وجهها ، وهي مختلفة جدّاً.

ففي بعضها خص جواز إسدال الثوب إلى طرف الأنف قدر ما تبصر ، ومنها ما دلّ على جواز الإسدال إلى فمها ، وبعضها إلى الذقن ، وفي آخر إلى النحر ، وفي بعضها إلى النحر إذا كانت راكبة ، والروايات معتبرة بأجمعها ومعمول بها لدى الأصحاب في الجملة (1).

فمنهم من عمل بها حتّى في حال الاختيار ، وإنّما منع عن التغطية بغير الثوب كالمروحة والخشب ونحو ذلك ، وأمّا الثوب فجوز التغطية والإسدال به مطلقاً وإن وصل إلى الذقن.

ولكن الظاهر أن ما دلّ على أن حدّ الإسدال إلى طرف الأنف وهو الجانب الأعلى من الأنف صريح في عدم جواز الإسدال إلى الزائد من ذلك كالفم والذقن ، بل إلى المارن ، فيكون ما دلّ على جواز الإسدال إلى الفم أو الذقن والنحر معارضاً لرواية الحد المذكور ، ولذا لو كان ذلك في كلام واحد لكان من المتنافيين ، فهذه الروايات تسقط بالمعارضة ، فالمرجع حينئذ ما دلّ على أن إحرام المرأة في وجهها ، فالواجب عليها بمقتضى إطلاق هذه الروايات كشف وجهها وعدم ستر الزائد من طرف الأنف الأعلى بأيّ ساتر كان.

نعم ، في رواية معاوية بن عمار جوز الستر من أعلى الوجه إلى النحر ، لكن مقيّداً بما إذا كانت راكبة (2)ولا بأس بالعمل بها ، إذ لا تعارض بين هذه المعتبرة وروايات الحد ، وللعلم بعدم الفرق بين حال الركوب وغيره ، وإنّما جوّز الستر في حال الركوب لأنّها في معرض نظر الأجنبي ، فتقيد روايات الحد بحال الاختيار وبأنّه بأنّها إذا كانت مأمونة من النظر.


1) الوسائل 12 : 493 / أبواب تروك الإحرام ب 48 ح 2 ، 3 ، 6 ، 7 ، 8.

2) الوسائل 12 : 495 / أبواب تروك الإحرام ب 48 ح 8.

.................................................................................................


فالنتيجة : أنّه في حال الاختيار يجوز لها أن تسدل ثوبها إلى طرف الأنف حتّى تتمكن من أن تبصر وترى الطريق كما في النص ، والمراد من طرف الأنف هو الطرف الأعلى للأنف ، أي بين الحاجبين ، هذا إذا كانت مأمونة من نظر الأجنبي ، وأمّا إذا كانت في معرض النظر فيجوز لها الإسدال إلى الفم أو النحر.

إيقاظ

ذكر جماعة أنّ الإسدال والتغطية عنوانان وأمران مستقلّان ، لكل واحد منهما حكم مستقل ، أحدهما جائز وهو الإسدال والآخر غير جائز وهو التغطية ، وقد يتحقق أحدهما دون الآخر ، فانّ التغطية إنّما تتحقق بستر الوجه بشي‌ء يمس بالوجه ، والإسدال إنّما هو إسدال الثوب من أعلى الوجه إلى أسفله وإن لم تتحقق المماسة ، فإذا أسدلت الثوب لا بدّ من إبعاده عن وجهها لئلّا تتحقق التغطية والمماسة.

وبالجملة : ذكر هؤلاء الجماعة أنّ الروايات دلّت على جواز الإسدال وهو غير التغطية الّتي تحرم عليها ، ولا منافاة بين جواز الإسدال وحرمة التغطية ، إذ قد يتحقق أحدهما دون الآخر ، فلا تنافي بين الروايات.

وفيه أوّلاً : أن إبعاد الثوب عن الوجه وإن كان أمراً ممكناً في نفسه ولكن يحتاج إلى مئونة وعناية ، والروايات تكفلت جواز الإسدال مطلقاً ، ولم يبين في شي‌ء من الروايات إبعاد الثوب عن وجهها ، بل لم يشر في شي‌ء من الروايات إلى ذلك ، ولو كان واجباً لوجب البيان والتنبيه إلى ذلك ، خصوصاً ، أنّ الثوب إذا اسدل يمس الوجه غالباً بل دائماً.

وثانياً : أن إبعاد الثوب عن الوجه لا ينافي عنوان التغطية ، بل التغطية تتحقق ولو بابعاد الثوب عن الوجه ، وستره غير دخيلة في عنوان التغطية ، فإن عنوان التغطية يتحقق ولو بعدم اتصال الشي‌ء إلى جسمه ، كحصول تغطية الرأس بالطربوش المسمّى في عرفنا بالكشيدة ، أو غطى رأسه بالقدر ، فان أطراف ذلك يتصل بالرأس ولكن لا يتصل ولا يماس داخله بالرأس ، بل هو مبتعد عنه كما هو ظاهر ، ومع ذلك يصدق

مسألة 267 : للمرأة المحرمة أن تتحجب من الأجنبي بأن تنزل ما على رأسها من الخمار أو نحوه إلى ما يحاذي أنفها أو ذقنها ، والأحوط أن تجعل القسم النازل بعيداً عن الوجه بواسطة اليد أو غيرها (1).

مسألة 268 : كفّارة ستر الوجه شاة على الأحوط (2).


عنوان التغطية على ذلك ، فلا بدّ بحسب الروايات من استثناء الإسدال من حرمة التغطية ، لا أن عنوان التغطية مرتفع من أصله وأنّه لا يصدق على الإسدال. وقد عرفت أنّ الروايات لمعارضتها بالنسبة إلى الزائد من طرف الأنف ساقطة ، والمرجع هو إطلاق ما دلّ على أن إحرام المرأة في وجهها ، والمعتبر صدق كونها مكشوفة وعدم تحقق عنوان التغطية ، فلا يضر ستر بعض الوجه الّذي لا ينافي عنوان كشف الوجه ، كما لا إشكال في إسدال الثوب إلى طرف الأنف الأعلى قدر ما تبصر.

(1) قد عرفت حكم هذه المسألة مما ذكرناه في المسألة السابقة.

(2) نسب الشهيد إلى الشيخ أن كفّارة تغطية المحرمة وجهها شاة (1)، وعن الحلبي لكل يوم شاة إذا كانت اختيارية وإلّا فشاة لجميع المدّة (2)، ولا نص في المقام ولا شهرة ، فإذن يدخل المقام فيما لا نص فيه ، والأحوط وجوبها لخبر علي بن جعفر المتقدِّم (3)مكرّراً بناءً على نسخة «جرحت».


1) الدروس 1 : 379 ، المبسوط 1 : 320.

2) الكافي في الفقه : 204.

3) في ص 407.

21 - التظليل للرِّجال

اشارة

مسألة 269 : لا يجوز للرّجل المحرم التظليل حال سيره بمظلة أو غيرها ، ولو كان بسقف المحمل أو السيارة أو الطائرة ونحوها ، ولا بأس بالسير في ظل جبل أو جدار أو شجر ونحو ذلك من الأجسام الثابتة ، كما لا بأس بالسير تحت السحابة المانعة عن شروق الشمس. ولا فرق في حرمة التظليل بين الراكب والراجل على الأحوط ، والأحوط بل الأظهر حرمة التظليل بما لا يكون فوق رأس المحرم ، بأن يكون ما يتظلّل به على أحد جوانبه (1).


(1) المعروف بين الأصحاب حرمة التظليل على الرجال بأن يستظل من الشمس حال الركوب ، بل ادعي عليه الإجماع وعدم الخلاف ، ونقل عن ابن الجنيد أنّه قال : يستحب للمحرم أن لا يظلل على نفسه (1)فإن أراد بالاستحباب مجرّد المحبوبية فغير صريح في الخلاف ، وإن أراد معناه الاصطلاحي فهو مخالف ، ولكن لا يعبأ بخلافه بعد استفاضة الروايات في المنع ، ففي بعضها النهي عن الركوب في القُبة ، وفي بعضها النهي عن الركوب في الكنيسة ، وفي آخر الأمر بالاضحاء ، وفي بعض آخر النهي عن التستّر عن الشمس ، وفي بعضها النهي عن التظليل (2).

وبالجملة : لا ينبغي الريب في أصل الحكم ، إلّا أنّ السبزواري استشكل في أصل الحكم قال : والمسألة عندي محل إشكال (3)لروايات توهم منها الاستحباب وعدم الوجوب.

منها : صحيحة الحلبي (4)، لقوله : فيها «ما يعجبني» وقال : وظاهر ذلك الأفضلية


1) نقل عنه في المختلف 4 : 108.

2) الوسائل 12 : 515 / أبواب تروك الإحرام ب 64 ح 1 ، 4 ، 11 ، 9 ، 3.

3) الذخيرة : 598 السطر 18.

4) الوسائل 12 : 516 / أبواب تروك الإحرام ب 64 ح 2 ، 5.

.................................................................................................


ولا يدل على التحريم.

وفيه : ما لا يخفى ، فان هذه الكلمة لا تدل على الجواز ، بل كثيراً ما تستعمل في الحرمة.

ومنها : صحيحة علي بن جعفر قال «سألت أخي (عليه السلام) أُظلل وأنا محرم؟ فقال : نعم ، وعليك الكفّارة» (1).

والجواب : أن تجويزه (عليه السلام) له الاستظلال قضية شخصية في واقعة ، ولعل تجويزه له من أجل كونه مريضاً أو كان يتأذى من حر الشمس بحيث كان حرجياً ونحو ذلك من الأعذار ، فلا يمكن الاستدلال بها لإثبات حكم كلّي.

ومنها : صحيحة جميل ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «لا بأس بالظلال للنِّساء ، وقد رخص فيه الرجال» (2).

ويرد عليه : أن كلمة «قد» دليل على التقليل لا الجواز دائماً ، ولا ريب أنّه قد يتفق جواز التظليل للرجال لعذر من الأعذار ، وإلّا لو كان في مقام بيان أصل الجواز الدائمي لم يكن وجه للتفكيك في كلامه بالتعبير عن الجواز للنِّساء بقوله : «لا بأس» وعن الرجال بالترخيص مع كلمة «قد» بل كان له أن يقول لا بأس للرجال والنِّساء ، فالمعنى أنّ التظليل في نفسه للنِّساء جائز وقد يتفق جوازه للرجال لمرض ونحوه من الأعذار ، بل نفس كلمة الترخيص تستعمل غالباً في موارد المنع ذاتاً والجواز عرضاً.

ومع الإغماض عن ذلك وتسليم ظهور هذه الروايات في الجواز ، فلا يمكن حمل الروايات المانعة على الكراهة لصراحتها في الحرمة ، فلا بدّ من حمل هذه الروايات المجوّزة على التقية ، لأنّ العامة ذهبوا إلى الجواز كأبي حنيفة وأبي يوسف وأتباعهما ، بل وغيرهم من العامة كما يظهر من نفس الروايات الواردة في المقام من احتجاجه (عليه السلام) على أبي يوسف ومحمّد بن الحسن ، فراجع.


1) الوسائل 13 : 154 / أبواب بقية كفارات الإحرام ب 6 ح 2.

2) الوسائل 12 : 518 / أبواب تروك الإحرام ب 64 ح 10.

.................................................................................................


يقع البحث في موارد :

الأوّل : بعد الفراغ عن اختصاص حرمة التظليل بحال السير ، وجوازه في المنزل والخباء كما في النصوص الّتي اشتملت على اعتراض المخالفين بالفرق ، وجواب الإمام (عليه السلام) بأنّ الفرق بين الأمرين من أجل التعبد والنص لا للقياس (1)وقع الكلام في إلحاق السفينة بحال السير أو المنزل ، باعتبار أنّ السفينة راحلته ومنزله في حال السير ، وكذلك القطار الحديدي في الأسفار البعيدة.

قوى شيخنا الأُستاذ لحوقها بالمنزل (2)ولكن لم يظهر له وجه ، لأن مقتضى إطلاق النصوص هو المنع عن التستّر عن الشمس وحرمة التظليل للمحرم ، وقد استثني من ذلك خصوص حال النزول في الخباء والوصول إلى المنزل ، وأمّا السفينة فلا دليل على استثنائها ، فمقتضى الإطلاق هو المنع إلّا إذا اقتضت الضرورة التظليل.

وبالجملة : دليل الجواز خاص بحال النزول والوصول إلى المنزل ، ولا يتناول مثل السفينة ونحوها ، فالمتبع إطلاق دليل المنع.

الثاني : هل الحكم بحرمة التظليل يختص بالراكب أو يعم الراكب والراجل ، الظاهر هو التعميم ، لأن موضوع الحكم في الروايات هو المحرم وهو يشمل الراكب والراجل.

نعم ، في بعض الروايات أُخذ فيه الراكب ولكنّه من باب ذكر المورد ولا يظهر منه الاختصاص به ، كروايات القبة والكنيسة ، فلا وجه لدعوى الاختصاص بالراكب بعد إطلاق النصوص ، بل يمكن أن يقال : إنّ المشاة كانوا كثيرين جدّاً خصوصاً من الحجازيين حين صدور الروايات ولو كان الحكم مختصّاً بحال الركوب لم يكن وجه لذكر الحكم على الإطلاق ، بل كان اللّازم التصريح باختصاص الحكم بالراكب ، وليس في شي‌ء من الروايات تصريح أو إشارة إلى اختصاص الحكم بالراكب ، فالتقييد به


1) الوسائل 12 : 520 / أبواب تروك الإحرام ب 66.

2) دليل الناسك (المتن) : 170.

.................................................................................................


بعيد جدّاً.

نعم ، دلّ النص على جواز الاستظلال بظل المحمل للراجل (1)وربما يستدل به على جواز الاستظلال له مطلقاً بدعوى حمل المحمل على المثال ، ولذا عطف الشهيد الثاني قوله : «ونحوه» على ظل المحمل (2)، وهذه الدعوى وإن لم تكن بعيدة في نفسها كل البعد ولكنه مع ذلك خلاف الظاهر من الأدلّة ، فإنّ الظاهر منها هو المنع عن التظليل مطلقاً ، راكباً كان أو راجلاً بظل المحمل وغيره ، وإنّما جوّز النص الخاص التظليل له بظل المحمل حال المشي ، وهذا مما نلتزم به للتعبد بالنص ولا يدل على جواز الاستظلال مطلقاً ولو بظل غير المحمل ، والأحكام تعبّدية وملاكاتها مجهولة عندنا ، فيجب الاقتصار على مورد النص. ودعوى أنّ المتبادر من الأخبار الاستتار حال الركوب غير مسموعة بعد إطلاق الأدلّة ، فمقتضى إطلاق النصوص عدم جواز الاستظلال للراجل مطلقاً بمظلة ونحوها ، إلّا الاستظلال بظل المحمل حال السير.

وأمّا رواية الاحتجاج الدالّة على جواز الاستظلال للماشي مطلقاً ولو بظل غير المحمل فضعيفة للإرسال (3).

الثالث : ذهب جماعة إلى اختصاص حرمة التظليل بما يكون على رأسه ، كالقبة وسقف السيارة ورفع المظلة فوق رأسه ونحو ذلك مما يكون فوق رأسه ، وأمّا الاستتار عن الشمس بأحد الجانبين على وجه لا يكون الساتر فوق رأسه فلا بأس به ، بل ادعى بعضهم جواز ذلك بلا خلاف. ونسبه آخر إلى جميع أهل العلم ، بل ذكر بعضهم أنّ التظليل لا يتحقق إلّا بما يكون فوق رأسه كالمحمل ونحوه. وممن صرّح بالجواز شيخنا الأُستاذ (4)، واستدلّوا بوجوه ضعيفة غير قابلة للذكر ولا يقاوم إطلاق الأدلّة الناهية عن التستر عن الشمس والآمرة بالاضحاء ، فانّ المتفاهم منها هو المنع


1) الوسائل 12 : 524 / أبواب تروك الإحرام ب 67 ح 1 وب 66 ح 6.

2) الروضة البهية 2 : 244.

3) الوسائل 12 : 523 / أبواب تروك الإحرام ب 66 ح 6.

4) دليل الناسك (المتن) : 169.

.................................................................................................


عن أن يصنع المحرم شيئاً يمنع من وصول الشمس إليه ، سواء بجعل شي‌ء فوق رأسه أو بجعله على أحد جوانبه ليستظل به.

ولعلّ أحسن ما استدلّوا به على اختصاص حرمة التظليل بما هو فوق الرأس ، صحيح ابن سنان قال : «سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول لأبي وشكى إليه حرّ الشمس وهو محرم وهو يتأذى به ، فقال : ترى أن أستر بطرف ثوبي؟ قال : لا بأس بذلك ما لم يصبك رأسك» (1).

ولكنّه واضح الدفع ، لأنّ السائل كان يتأذّى من حرّ الشمس ، فجوّز له الاستظلال للضرورة ونهاه عن التغطية وستر رأسه فإن ذلك محرم آخر غير الاستظلال ، فمورد الرواية هو الاضطرار لا الاختيار ، فمعنى الرواية أنّه يجوز لك الاستظلال للضرورة ولكن لا تستر رأسك ولا تغطيه ، فلا تدل الرواية على جواز الاستظلال اختياراً بأحد الجانبين الّذي هو محل الكلام.

الرابعة : هل يختص الحكم بحرمة التظليل بما إذا كان الساتر سائراً كظل سقف السيارة أو القبّة والمحمل ونحو ذلك أو يعم الاستظلال بالظل الثابت المستقر كظل الأشجار والجدران والجبال ونحو ذلك.

ذكر بعضهم الجواز في الظل الثابت واختصاص المنع بالظل السائر كالعلّامة في المنتهي (2)والفخر (3)وأيدهما في الجواهر ج 18 ص 403 ، وهو الصحيح ، وذلك لأنّه لو كان هذا أمراً محرماً لكان أمراً ظاهراً وواضحاً جدّاً ، لكثرة ابتلاء الحاج حال سيرهم بالمرور تحت الظلال الثابتة ولا أقل من ظلال جدران بيوت القرى وأبنيتها الّتي يمرّون بها ، بل نفس الأمر برفع الستار والحجاب ونحوه ظاهر في أنّ الممنوع إحداث الستر وإيجاد المانع عن الاضحاء وشروق الشمس عليه ، وأمّا الظل الثابت المستقر فلا يشمله النهي ، نظير المشي تحت السحاب فإنّه لا يتوهّم المنع عنه ، ولا


1) الوسائل 12 : 525 / أبواب تروك الإحرام ب 67 ح 4.

2) المنتهي 2 : 792 السطر 5.

3) إيضاح الفوائد 1 : 296.

نعم ، يجوز للمحرم أن يتستّر من الشمس بيديه ، ولا بأس بالاستظلال بظل المحمل حال المسير (1) ،


يتوهّم لزوم المشي في المنطقة الّتي لا سحاب فيها.

وملخص الكلام : أنّ الظاهر من الروايات هو جعل المحرم الساتر لنفسه ، بأن يصنع شيئاً أو يعمل عملاً يتستر به ولا تشمل الساتر الثابت كظل السحاب أو ظل الحيطان والجبال والأشجار ونحوها ، بل قد يتفق إطباق السحاب في فصل الشتاء مثلاً ، ولا تحتمل لزوم الكفّارة عليه من باب الضرورة.

وبالجملة : لا ينبغي الريب في انصراف الأدلّة الناهية عن الظل الثابت وعدم تناول الأدلّة له.

والّذي يؤكّد ذلك : أنّ الحجّ على ثلاثة أقسام : تمتع وإفراد وقران ، والقسمان الأخيران وظيفة القريب ومن كان في مكّة وضواحيها وأطرافها ، فربما تكون بلدة مكّة المعظمة في طريقه إلى عرفات ، ولا ريب أن بلدة مكّة مشتملة على ظل الجدران وحيطان البيوت والعمارات ، فلو كان الاستظلال بالظل الثابت ممنوعاً ومحرماً لوجب التنبيه عليه في الروايات ، وللزم المنع عن الذهاب إلى عرفات من طريق مكّة والدخول في مكّة ، بل وجب السفر والذهاب من البر وخارج مكّة حتّى لا يبتلي بالاستظلال ولم نر في شي‌ء من الروايات المنع عن ذلك والتنبيه عليه.

(1) إنّ التظليل الممنوع ما إذا تحقق بالجسم الخارجي كالمظلة وسقف الطيارة والسيارة ونحو ذلك ، وأمّا التظليل بنفس أعضائه كيده فلا بأس به ، لمعتبرة المعلى بن خنيس (1)وصحيحة معاوية بن عمار (2)، ويؤيّدهما رواية محمّد بن الفضيل أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) ربما يستر وجهه بيده (3)وبإزائهما صحيحة الأعرج المانعة عن الاستتار باليد «عن المحرم يستتر من الشمس بعود وبيده ، قال : لا ، إلّا من


1) الوسائل 12 : 524 / أبواب تروك الإحرام ب 67 ح 2.

2) الوسائل 12 : 524 / أبواب تروك الإحرام ب 67 ح 3.

3) الوسائل 12 : 520 / أبواب تروك الإحرام ب 66 ح 1.

وكذلك لا بأس بالإحرام في القسم المسقوف من مسجد الشجرة (1).

مسألة 270 : المراد من الاستظلال التستر من الشمس أو البرد أو الحر أو المطر ونحو ذلك ، فإذا لم يكن شي‌ء من ذلك بحيث كان وجود المظلة كعدمها فلا بأس بها (2).


علّة» (1)والجمع العرفي يقتضي حملها على الكراهة ، لصراحة الأُوليين في الجواز كما صنعه في الوسائل والحدائق (2).

(1) أمّا باعتبار أنّه منزل له وقد عرفت اختصاص الحكم بحال السير فلا يشمل الاستظلال في المنزل وفي الخباء ، أو أنّه ظل ثابت لا يتناوله أدلّة حرمة التظليل.

بل يمكن أن يقال إنّ المستفاد من أدلّة النهي هو إحداث الظل بعد صدور الإحرام منه ، وأمّا عقد إحرامه في الظل وبقائه على حالة الاستظلال فغير مشمول للأدلّة.

مضافاً إلى السيرة ، فإنّ الحجاج كانوا يحرموا في القسم المسقوف ولم يعهد ردعهم عن ذلك.

(2) التظليل المنهي عنه لا يختص بالاستظلال عن الشمس ، بل الممنوع مطلق التستّر ولو عن غير الشمس كالبرد والحر والمطر والريح ونحو ذلك ، فانّ التظليل مأخوذ من التستر ولو من غير الشمس ، فإنّ الكلمة مأخوذة من الظلة وهي شي‌ء يستتر به من الحر والبرد كما في اللّغة (3)فالاستظلال أُخذ في مفهومه الاستتار من شي‌ء سواء كان شمساً أو غيرها ، ومنه الشمس مستظلة أي هي في السحاب مستترة ، وعلى ذلك فلا فرق بين النهار واللّيل.

ويؤكِّد ما ذكرنا إطلاق المنع عن الركوب في القبّة والكنيسة فإنّه يقتضي عدم


1) الوسائل 12 : 525 / أبواب تروك الإحرام ب 67 ح 5.

2) الحدائق 15 : 492.

3) الظلة : الغاشية والبرطلّة أي المظلة الضيقة ، وشي‌ء كالصفة يستتر به من الحر والبرد ، المظلة بالكسر والفتح - : الكبير من الأخبية. أقرب الموارد 2 : 731.

مسألة 271 : لا بأس بالتظليل تحت السقوف للمحرم بعد وصوله إلى مكّة وإن كان بعد لم يتخذ بيتاً ، كما لا بأس به حال الذهاب والإياب في المكان الّذي ينزل فيه المحرم ، وكذلك فيما إذا نزل في الطريق للجلوس أو لملاقاة الأصدقاء أو لغير ذلك ، والأظهر جواز الاستظلال في هذه الموارد بمظلة ونحوها أيضاً وإن كان الأحوط الاجتناب عنه (1).


الفرق بين اللّيل والنهار خصوصاً مع تعارف حركة السير والقوافل في الليالي ، لا سيما في البلاد الحارّة كأراضي الحجاز ونحوها ، فالميزان في حرمة التظليل هو التستر والتحفّظ عن الشمس والبرد والحر والريح وأمثال ذلك ممّا يتأذّى منه الإنسان حال سيره ، ولذا لو فرضنا فرضاً نادراً جدّاً بأن كان رفع المظلة فوق رأسه لا يؤثر شيئاً أبداً ولا يمنع عنه شيئاً أصلاً وكان وجوده كعدمه فلا بأس به ، لعدم صدق الاستظلال والاستتار على ذلك ، لأنّ الممنوع كما عرفت ليس مجرد وجود المظلة على رأسه ، بل الممنوع هو الاستتار والتحفظ عن الشمس والريح العاصف والمطر.

والحاصل : مجرد جعل المظلة على رأسه من دون ترتيب أيّ أثر عليه لا مانع منه ، بل لا بدّ من تحقق عنوان التستر والتحفظ عن الشمس أو المطر أو البرد أو الريح.

ومن نظر في الروايات يجد بوضوح صحّة ما ذكرناه ، فلا مجال للمناقشة أصلاً ، فإنّ الروايات واللّغة (1)مطبقة على أنّ المراد بالتظليل التستر عن الشمس وغيرها ولا يختص بالشمس ، بل صرّح في الروايات بالمنع عن التظليل عن البرد والمطر (2)باب 6 من أبواب بقية الكفّارات وباب 64 من أبواب تروك الإحرام وأمّا إطلاق النهي عن الركوب في القبة والكنيسة فلحصول التستر بهما دائماً ولا أقل من الهواء.

(1) ما تقدّم كلّه في الاستظلال حال السير إلى مكّة ، وأمّا إذا وصل إلى مكّة فلا


1) تقدّم ذكر مصدره في الصفحة السابقة.

2) الوسائل 13 : 154 / أبواب بقية كفارات الإحرام ب 6 ، والوسائل 12 : 519 / أبواب تروك الإحرام ب 64 ح 13 ، 14.

.................................................................................................


يحرم عليه الاستتار ويجوز له الاستظلال ، فلا مانع من سيره ومشيه وجلوسه تحت ظل الجدران والحيطان وسقوف الأسواق ونحو ذلك ، وإن كان بعد لم يتخذ بيتاً لسكناه ، وذلك لأنّه لو قلنا باختصاص التحريم بالظل السائر وعدم شموله للظل الثابت المستقر كما هو المختار فالأمر واضح ، وإن لم نقل بذلك وقلنا بتعميم المنع للظل السائر والثابت كما عن جماعة فلا إشكال فيه أيضاً ، لأنّ المستفاد من روايات المقام هو المنع عن الاستظلال حال سيره إلى مكّة ، ولا تشمل حال نزوله إلى منزله ومقصده ووصوله إلى مكّة المكرمة ، وهذا الحكم كان أمراً متسالماً عليه عند الشيعة ومما اختصوا به ، بل كان ذلك من شعارهم من الصدر الأوّل إلى زماننا هذا ، ولذا كثر سؤال المخالفين عن الأئمة (عليهم السلام) بأنّه ما الفرق بين حال السير والنزول في المنزل والخباء ، وأجابوا (عليهم السلام) بأنّ الدّين لا يقاس ، والأحكام حسب النصوص الواردة عن الرسول (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) وهذه الروايات المشتملة على احتجاج الأئمة (عليهم السلام) وإن كانت ضعيفة سنداً ولكن صحيح البزنطي يكفينا ، فإن أبا حنيفة سأل عن الصادق (عليه السلام) : «أيش فرق ما بين ظلال المحرم والخباء؟ فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : إن السنّة لا تقاس» (1).

وهذه الصحيحة وإن لم يقع فيها التصريح بالفرق بين حال السير والنزول في المنزل ، إلّا أنّه بقرينة تلك الروايات وبقرينة الخلاف بين السنّة والشيعة في الفرق بين الأمرين يظهر أن سؤال أبي حنيفة ناظر إلى هذه المسألة أي المنع عن التظليل حال السير وجوازه في الوصول إلى المنزل ، وأبو حنيفة يسأل نفس السؤال الواقع في تلك الروايات ، وإلّا فلا نحتمل خصوصية للخباء مقابل المظلة مثلا.

وبالجملة : لا ريب في اختصاص المنع بحال السير ، فمن وصل مكّة لا يصدق عليه عنوان السير إلى مكّة ، بل يصدق عليه أنّه دخل منزله ، فإنّ الداخل فيها للحج لا يجوز له الخروج بل هو محتبس ومرتهن للحج كما هو الصحيح عندنا. هذا كلّه مضافاً إلى السيرة القطعية.


1) الوسائل 12 : 523 / أبواب تروك الإحرام ب 66 ح 5.

مسألة 272 : لا بأس بالتظليل للنِّساء والأطفال ، وكذلك للرجال عند الضرورة والخوف من الحر أو البرد (1).


بل الظاهر عدم الفرق بين الاستظلال بالمظلة ونحوها ، وبين الاستظلال بالظل الثابت كظل العمارات والسقوف وإن كان الأحوط الاقتصار بالظل الثابت فإنّه إمّا جائز بالأصل كما هو المختار وإمّا جائز لأجل النزول في المنزل ، بخلاف الظل السائر فإنّه إنّما يجوز لأجل المنزل ، ولعل السيرة قائمة على الظل الثابت دون السائر ، إلّا أنّ النص الدال على جواز الاستظلال في المنزل مطلق يشمل الظل الثابت والسائر المتحرك معاً.

(1) أمّا اختصاص الحكم بالرجال وعدم شموله للنِّساء فلعدة من الروايات المعتبرة (1). مضافاً إلى التسالم بين الأصحاب وعدم الخلاف.

وأمّا الصبيان فقد ورد في رواية معتبرة جواز التظليل لهم وهي صحيحة حريز (2)مضافاً إلى أنّه متسالم عليه ، ولكن لا حاجة إلى دليل الجواز بالخصوص ، بل لو لم يكن نص في المقام لكان الجواز لهم على القاعدة ، والوجه في ذلك : أن ما أُمر به الصبيان نفس ما أمر به المكلفون ، ولا فرق في نفس الطبيعي المأمور به بالنسبة إلى المكلفين وغيرهم شرطاً وجزءاً ومانعاً إلّا بالوجوب والندب ، فنفس المأمور به المشتمل على جميع الشرائط والأجزاء واجبة على المكلفين ومندوبة للأطفال ، وأمّا غير ذلك من الأحكام التكليفية المستقلّة المحضة الّتي ليست شرطاً ولا جزءاً ولا مانعاً فمرفوعة عن الأطفال لحديث رفع القلم (3)، وتروك الإحرام غير الجماع غير دخيلة في صحّة الحجّ شرطاً أو جزءاً أو مانعاً ، ولا يضر ارتكابها بالحج أصلاً سوى ارتكاب المحرم محرّماً شرعياً ، فإذا كان المحرم غير مكلف فلا حرمة عليه ، لأن دليل رفع القلم كاف في رفع هذه الأحكام عنه ، وكما لا يجب عليه هذه الأحكام لا يجب


1) الوسائل 12 : 515 / أبواب تروك الإحرام ب 64 ح 1 ، 2 ، 4 ، وب 65 ح 1.

2) الوسائل 12 : 515 / أبواب تروك الإحرام ب 64 ح 1 ، 2 ، 4 ، وب 65 ح 2.

3) الوسائل 1 : 42 / أبواب مقدّمة العبادات ب 4.

مسألة 273 : كفّارة التظليل شاة ، ولا فرق في ذلك بين حالتي الاختيار والاضطرار ، وإذا تكرر التظليل فالأحوط التكفير عن كل يوم وإن كان الأظهر كفاية كفّارة واحدة في كل إحرام (1).


على الولي ردعه ومنعه من ذلك.

وكذلك يجوز التظليل للرجال عند الضرورة ولو لشدّة الحر أو البرد كما في النصوص المتظافرة (1).

(1) وهنا أُمور :

الأوّل : لا فرق في ثبوت الكفّارة بين حالتي الاختيار والاضطرار ، فانّ الاضطرار يرفع المنع وأمّا الكفّارة فغير مرتفعة ، فإنّ الكفّارة وإن وردت في النصوص في موارد خاصّة ولكن يظهر منها ملازمة الكفّارة للتظليل وأنّ التظليل في جميع الموارد لا يفارق الكفّارة ، ويظهر ذلك بوضوح من صحيح علي بن جعفر «أُظلل وأنا محرم؟ فقال : نعم ، وعليك الكفّارة» (2)فان قوله : «أُظلل» كما أنّه مطلق من حيث الاختيار والاضطرار كذلك مطلق من حيث أسباب الاضطرار ، فيعلم منه أنّ التظليل مطلقاً من أيّ سبب كان يلازم الكفّارة ، نعم لو صدر التظليل منه عن غير اختيار له بحيث لا يستند التظليل إليه ، كما إذا حمله شخص إلى الظل فلا تجب الكفّارة عليه ، لعدم استناد الفعل إليه حينئذ ، وأمّا لو صدر الفعل منه اختياراً ولو للضرورة ولو كانت مثل التقية تجب الكفّارة.

بل يظهر من بعض الروايات المعتبرة أن ملازمة الكفّارة للتظليل كانت أمراً متسالماً عليه وأمراً مفروغاً عنه ، ولذا يسأل عن الإمام (عليه السلام) أنّه يظلل اختياراً ويكفّر زعماً منه أنّ الكفّارة ترفع الحرمة ، فمنعه (عليه السلام) عن ذلك إلّا إذا كان مريضاً ، ففي معتبرة عبد اللّه بن المغيرة قال : «قلت لأبي الحسن الأوّل (عليه


1) الوسائل 12 : 515 / أبواب تروك الإحرام ب 64.

2) الوسائل 13 : 154 / أبواب بقية كفارات الإحرام ب 6 ح 2.

.................................................................................................


السلام) : أُظلل وأنا محرم؟ قال : لا ، قلت : أفأُظلل وأُكفر؟ قال : لا ، قلت : فان مرضت؟ قال : ظلل وكفر» (1).

الثاني : المشهور أن كفّارة التظليل شاة كما في جملة من الروايات ، وفي بعض الروايات أنّها دم يهريقه ، وفي بعضها الآخر أنّه يتصدق بمد لكل يوم ، وفي بعض الروايات حكم بالكفّارة ولم يذكر جنسها (2)أمّا ما اشتمل على التصدق بالمد فضعيف سنداً بعلي بن أبي حمزة البطائني ، وأمّا ما دلّ على مطلق الكفّارة فيحمل على الشاة ، وكذا ما دلّ على مطلق الدم ، فالمتعين بعد حمل المطلقات على المقيّد هو الشاة وعدم إجزاء غيرها.

نعم ، في صحيحة علي بن جعفر أن علي بن جعفر نحر بدنة لكفّارة الظل (3)، ومن ثمّ حمل جملة من الأصحاب البدنة هنا على الاستحباب ، ولكن الظاهر أنّه لا وجه له ، بل مقتضى الروايات تعيين الشاة وعدم إجزاء غيرها ولو كان إبلاً ، وأمّا فعل علي ابن جعفر فغير حجّة ولعله اجتهاد منه غير متبع عندنا.

الثالث : هل تتكرر الكفّارة بتكرر التظليل أم لا؟ ولا يخفى أن محل الكلام تكرر الكفّارة بتكرر التظليل في إحرام واحد ، وأمّا إذا كان في إحرامين كإحرام العمرة وإحرام الحجّ فلا كلام في تكرر الكفّارة ولا وجه للتداخل بعد تعدد السبب ، نظير تعدد كفّارة الصوم لافطار يومين من شهر رمضان ، فالكلام في تكرر التظليل في إحرام واحد ، كما إذا ظلل في إحرام الحجّ متعدداً من سبب واحد أو من أسباب متعددة.

مقتضى القاعدة الأولية عدم التداخل ولزوم التعدد ، ولكن هذا مما لا يمكن الالتزام به أبداً ، للتسالم على عدم تعدد الكفّارة بذلك ، بل يستفاد وحدة الكفّارة ولو تكرر


1) الوسائل 12 : 516 / أبواب تروك الإحرام ب 64 ح 3.

2) الوسائل 13 : 154 / أبواب بقية كفارات الإحرام ب 6 ح 1 ، 3 ، 4 ، 5 ، 8.

3) المصدر المتقدِّم ح 2.

.................................................................................................


التظليل من روايات جواز التظليل للشيخ والمريض ، فانّ الشيخ لا ريب أن عذره مستمر وكذلك المريض الّذي سئل عنه في الروايات ، ولا ريب أن تظليلهم كان يتعدد ويتكرر في يوم واحد ومع ذلك لم يحكموا (عليهم السلام) عليهم بتعدد الكفّارة. مع أنّهم (عليهم السلام) في مقام بيان وظيفتهم ، وإنّما أطلقوا لهم الكفّارة ، ولو كانت تتعدّد بتكرّر التظليل للزم البيان والتنبيه عليه ، ولا فرق قطعاً بين الشيخ والمريض وغيرهما ممّن يتظلّل متكرّراً.

على أنّه يكفينا معتبرة ابن راشد قال : «قلت له (عليه السلام) : جعلت فداك إنّه يشتد علي كشف الظلال في الإحرام ، لأنّي محرور يشتد عليّ حر الشمس ، فقال : ظلل وارق دماً ، فقلت له : دماً أو دمين؟ قال : للعمرة؟ قلت : إنّا نحرم بالعمرة وندخل مكّة ونحرم بالحج ، قال : فارق دمين» (1)فإنّها صريحة بتعدد الكفّارة بتعدد الإحرامين ، إحداها لإحرام العمرة والأُخرى لإحرام الحجّ ، ويستفاد منها وحدة الكفّارة مع تكرّر التظليل إذا كان في إحرام واحد.

ولا وجه لمناقشة السند لوقوع محمّد بن عيسى بن عبيد اليقطيني فيه فإنّه ثقة جليل كما وثقه النجاشي (2)وغيره ، ولا يعارض ذلك تضعيف الشيخ (3)إيّاه ، فإن تضعيفه مبني على استثناء ابن الوليد والصدوق رواياته عن خصوص يونس بطريق منقطع أو ما ينفرد بروايته عنه في كتاب نوادر الحكمة ، فتخيل الشيخ أن استثناءهما لرواياته عن يونس ناشئ من تضعيفهما له ، مع أنّه لم يظهر لا من ابن الوليد ولا من الصدوق تضعيف محمّد بن عيسى نفسه ولم يناقشا فيه. والّذي يكشف عن ذلك أنّ الصدوق تبع شيخه في الاستثناء المزبور فلم يرو في الفقيه ولا رواية واحدة عن محمّد ابن عيسى عن يونس ، ولكن قد روى عنه عن غير يونس في نفس كتاب الفقيه في المشيخة في نيف وثلاثين مورداً ، ولو كان محمّد بن عيسى بنفسه ضعيفاً لما روى عنه


1) الوسائل 13 : 156 / أبواب بقية الكفّارات ب 7 ح 1.

2) رجال النجاشي : 333.

3) الفهرست : 140 [896].

22 - إخراج الدم من البدن

لا يجوز للمحرم إخراج الدم من جسده وإن كان ذلك بحك بل بسواك على الأحوط ، ولا بأس به مع الضرورة أو دفع الأذى ، وكفارته شاة على الأحوط الأولى (1).


لأنّ الصدوق يصرح ويقول كلّ ما لم يصححه شيخه ابن الوليد لم يصححه هو ويترك العمل به (1)، فيكشف ذلك عن أن استثناء ابن الوليد خصوص رواياته عن يونس غير مبتن على ضعف الرجل نفسه ، وتفصيل ذلك موكول إلى كتابنا معجم الرجال (2).

(1) يقع البحث تارة في الاحتجام واخرى في مطلق الإدماء.

أمّا الأوّل : فقد ورد المنع عنه في عدّة روايات معتبرة كصحيحي الحلبي وزرارة ومفهوم صحيح ذريح (3)وبإزائها ما دلّ على الجواز كصحيحة حريز «لا بأس أن يحتجم المحرم ما لم يحلق أو يقطع الشعر» (4)المؤيدة برواية يونس «عن المحرم يحتجم؟ قال : لا أُحبه» (5)بدعوى أن قوله : «لا أُحبه» ظاهر في الجواز مع الكراهة. وقد ذكرنا غير مرّة أن لا أُحب لا تدل على الجواز ، بل غايته عدم دلالته على الحرمة ، مضافاً إلى ضعف السند.

وورد في روايات متعددة أنّ الحسن والحسين (عليهما السلام) بل إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) احتجموا وهم محرمون والروايات ضعيفة سنداً ، على أنّها مشتملة على نقل فعل منهم (عليهم السلام) ولا إطلاق لذلك ، ولعلهم احتجموا للضرورة ، بل لا بدّ من حمل ذلك على الضرورة ، لأنّ الحجامة إن لم تكن محرمة فلا


1) الفقيه 2 : 55 ذيل ح 241.

2) معجم رجال الحديث 18 : 119.

3) الوسائل 12 : 512 / أبواب تروك الإحرام ب 62 ح 1 ، 2 ، 8.

4) الوسائل 12 : 513 / أبواب تروك الإحرام ب 62 ح 5.

5) الوسائل 12 : 513 / أبواب تروك الإحرام ب 62 ح 4.

.................................................................................................


إشكال في كراهتها فكيف تصدر منهم (عليهم السلام) فالعمدة إنّما هي صحيحة حريز المتقدِّمة ، والجمع العرفي يقتضي حملها على الضرورة ، لأن صحيح حريز مطلق من حيث الضرورة وعدمها ، والروايات المانعة المتقدِّمة جوّزت الاحتجام في مورد الضرورة ، ومقتضى الجمع هو الجواز في مورد الضرورة وعدمه في غير الضرورة.

وأمّا الإدماء : فقد تقدّم (1)في باب إزالة الشعر جواز حكّ الجسد ما لم يدم وفي خبر عمر بن يزيد «ويحكّ الجسد ما لم يدمه» (2)ولكنّه ضعيف بمحمّد بن عمر بن يزيد فإنّه لم يوثق ، فلا بأس بجعله مؤيّداً ، وفي صحيح الحلبي «عن المحرم يستاك ، قال : نعم ، ولا يدمي» (3)وقيل بإزاء هذه الروايات روايتان تدلّان على الجواز.

الأُولى : صحيحة علي بن جعفر «عن المحرم هل يصلح له أن يستاك؟ قال : لا بأس ولا ينبغي أن يدمي فمه» (4)بدعوى ظهور «لا ينبغي» في الكراهة ، وقد ذكرنا غير مرّة أن لا ينبغي ظاهر في الحرمة ، لأنّه بمعنى لا يتيسّر وغايته عدم دلالته على الحرمة لا دلالته على الجواز مع الكراهة كما هو المدعى.

الثانية : صحيحة معاوية بن عمار «في المحرم يستاك؟ قال : نعم ، قلت : فإن أدمى يستاك؟ قال : نعم ، هو من السنّة» (5)ومقتضى حمل المطلق على المقيّد جواز الإدماء في خصوص مورد الاستياك ، لأنّه من السنّة لا جوازه على الإطلاق.

ثمّ إنّ الكليني قال بعد رواية معاوية بن عمار : وروى أيضاً «لا يستدمي» (6)فيكون المعنى أنّه لو علم بخروج الدم وكان يطلب خروج الدم فلا يستاك ، وأمّا إن كان خروج الدم من باب الاتفاق فلا بأس ، فهذا تفصيل لا تخصيص. ولكن لو قرئ «وروى» بصيغة المجهول فهو خبر مرسل وإن قرئ بصيغة المعلوم أي إن معاوية بن عمار روى أيضاً ، فالجواز يختص بفرض عدم خروج الدم. هذا كلّه في الاستياك


1) في ص 473.

2) الوسائل 12 : 534 / أبواب تروك الإحرام ب 73 ح 2.

3) الوسائل 12 : 534 / أبواب تروك الإحرام ب 73 ح 3.

4) الوسائل 12 : 534 / أبواب تروك الإحرام ب 73 ح 5.

5) الوسائل 12 : 561 / أبواب تروك الإحرام ب 92 ح 1.

6) الكافي 4 : 366 / 6.

23 - التقليم

لا يجوز للمُحرم تقليم ظفره ولو بعضه ، إلّا أن يتضرر المحرم ببقائه ، كما إذا انفصل بعض أظفاره وتألم من بقاء الباقي فيجوز له حينئذ قطعه ويكفّر عن كل ظفر بقبضة من الطعام (1).


وأمّا في غير مورد الاستياك مما يدمي فلا يجوز قطعاً.

وأمّا الكفّارة فلم تذكر في شي‌ء من الروايات كفّارة للادماء ، وقد ذكرنا أن تروك الإحرام مختلفة ، قسم منها فيه الكفّارة وقسم آخر لا كفّارة فيه ، ولكن الأحوط الأولى الكفّارة ، لما تقدّم غير مرة بناءً على نسخة «جرحت» في خبر علي بن جعفر (1).

(1) لا خلاف بين الفقهاء في تحريم الأخذ من الأظفار ، من دون فرق بين البعض والجميع ، ومستنده أخبار عديدة :

منها : صحيح معاوية بن عمار «عن الرجل المحرم تطول أظفاره ، قال : لا يقص شيئاً منها إن استطاع ، فان كانت تؤذيه فليقصها ، وليطعم مكان كل ظفر قبضة من طعام» (2)والمراد بالقص مطلق الإزالة والأخذ ، ولا خصوصية للقص المأخوذ بالمقص أي المقراض كما توهم ، وذلك بقرينة جملة من الروايات الّتي ورد فيها التقليم الّذي يراد به مطلق القطع والأخذ من الظفر ، كما في صحيحة زرارة «من نتف إبطه أو قلّم ظفره» (3)وفي صحيحة أُخرى له «من قلّم أظافيره» (4)وأصرح من ذلك كلّه موثقة إسحاق «عن رجل نسي أن يقلّم أظفاره عند إحرامه ، قال : يدعها» (5)أي يتركها ولا يأخذ شيئاً منها ، وهذا التعبير يشمل جميع أفراد الأخذ وأنواعه من القص والقطع ونحوهما.


1) المتقدِّم في ص 407.

2) الوسائل 12 : 538 / أبواب تروك الإحرام ب 77 ح 1.

3) الوسائل 13 : 160 / أبواب بقية كفارات الإحرام ب 10 ح 6.

4) الوسائل 13 : 160 / أبواب بقية كفارات الإحرام ب 10 ح 5.

5) الوسائل 12 : 538 / أبواب تروك الإحرام ب 77 ح 2.

مسألة 274 : كفّارة تقليم كل ظفر مد من الطعام وكفّارة تقليم أظافير اليد جميعها في مجلس واحد شاة ، وكذلك الرِّجل ، وإذا كان تقليم أظافير اليد وأظافير الرِّجل في مجلس واحد فالكفّارة أيضاً شاة (1).


ومقتضى إطلاق الروايات عدم الفرق بين الواحد والجميع ، نعم لو أذاه وتألم من بقائه لا بأس بقطعه كما في المعتبرة المتقدِّمة ، ولكن يكفّر عن كل ظفر بقبضة من طعام.

وهل يكتفى بمطلق الأذية العرفية أو لا بدّ من أن يبلغ حدّ الضرورة؟ وجهان.

الظاهر هو الأوّل ، وذلك لأنّ المراد بالاستطاعة المذكورة في صحيح معاوية بن عمار هي العادية العرفية لا القدرة الحقيقية العقلية ، وإلّا ففي صورة الاضطرار والضرورة القدرة العقلية حاصلة أيضاً ، فالعبرة بالعسر والحرج العرفيين ، والمدار بالأذية العرفية وإن لم تبلغ حدّ الضرورة.

(1) المشهور بين الأصحاب أن في تقليم كل ظفر مداً من طعام كما في صحيحة أبي بصير (1)وبإزائها مطلقات من حيث الواحد والجميع أن عليه دماً أو شاة كما في صحيحتي زرارة المتقدمتين (2)، وورد في صحيحة معاوية بن عمار المتقدِّمة (3)«قبضة من طعام» ولكنّها لا تكون معارضة لما دلّ على أن فيه مداً من الطعام ، لأن موردها الأذية والضرورة ، ولا مانع من الالتزام بمضمونها في موردها ، فتكون النتيجة أن تقليم كل ظفر إذا كان مما يؤذيه ففديته كف من الطعام وقبضة منه ، وإذا كان لا يؤذيه بقاؤه فقطعه ، فمد من طعام كما في صحيحة أبي بصير.

ثمّ إن هنا إشكالاً وهو أنّ الشيخ روى رواية أبي بصير وذكر فيها «قيمة مد من طعام» (4)ورواها الصدوق «عليه مد من طعام» (5)ولا شك أنّ الإمام (عليه السلام)


1) الوسائل 13 : 162 / أبواب بقية كفارات الإحرام ب 12 ح 1.

2) في الصفحة السابقة.

3) في الصفحة السابقة.

4) التهذيب 5 : 332 / 1141.

5) الفقيه 2 : 227 / 1075.

.................................................................................................


لم يذكر لأبي بصير تارة قيمة مد وأُخرى يذكر له مد من طعام ، فالرواية واحدة جزماً فأبو بصير إمّا روى «قيمة مد من طعام» أو روى «مد من طعام» فأحدهما اشتباه ، ولا ريب أنّ الترجيح مع الفقيه بوجهين :

الأوّل : أنّ الصدوق أضبط من الشيخ كما يظهر ذلك بوضوح لمن يراجع كتاب التهذيب والاستبصار قال في الحدائق : لا يخفى على من راجع التهذيب وتدبّر أخباره ما وقع للشيخ (قدس سره) من التحريف والتصحيف في الأخبار سنداً ومتناً وقلّ ما يخلو حديث من أحاديثه من علة في سند أو متن (1)وما ذكره لا يخلو من إغراق ومبالغة ، إلّا أنّ القدر المسلم أنّ الشيخ أكثر اشتباهاً من الصدوق.

ويؤيّد ما ذكرنا أنّ الشيخ استدلّ لما ذكره المفيد في المقنعة برواية أبي بصير ، والمذكور في المقنعة «مد من الطعام» (2)فذكر القيمة في رواية أبي بصير لا بدّ أن يكون اشتباهاً ، وإلّا لا يصلح خبر أبي بصير دليلاً لما ذكره المفيد في المقنعة ، فالمعتمد إنّما هو رواية الفقيه.

الثاني : أن قيمة مد من طعام لا يمكن أن تكون كفّارة ، لاستحالة التخيير بين الأقل والأكثر ، فانّ الطعام اسم للحنطة والشعير والتمر والأرز ونحوها ، وقيمة هذه الأُمور مختلفة فكيف يمكن جعل قيمة هذه الأُمور ملاكاً للواجب ، فالأقل مما يصدق عليه قيمة الطعام يكون مصداقاً للواجب.

ثمّ إنّه يظهر من الجواهر (3)أن نسخة الفقيه أيضاً مختلفة ولكن الاختلاف إنّما هو بين الفقيه والتهذيب.


1) الحدائق 3 : 156.

2) المقنعة : 434.

3) الجواهر 20 : 399.

وإذا كان تقليم أظافير اليد في مجلس وتقليم أظافير الرجل في مجلس آخر فالكفّارة شاتان (1).


(1) ويدلُّ على هذا التفصيل صحيحتا أبي بصير قال في الأُولى : «فإن قلّم أصابع يديه كلّها فعليه دم شاة ، فإن قلّم أظافير يديه ورجليه جميعاً ، فقال : إن كان فعل ذلك في مجلس واحد فعليه دم ، وإن كان فعله متفرقاً في مجلسين فعليه دمان» (1)وقال في الثانية «إذا قلّم المحرم أظفار يديه ورجليه في مكان واحد فعليه دم واحد ، وإن كانتا متفرقتين فعليه دمان» (2)وبإزائهما رواية حريز عمن أخبره عن أبي جعفر (عليه السلام) «في محرم قلم ظفراً ، قال : يتصدق بكف من طعام قلت : ظفرين ، قال : كفين ، قلت : ثلاثة ، قال : ثلاثة أكف قلت : أربعة ، قال : أربعة أكف ، قلت : خمسة ، قال : عليه دم يهريقه» (3)ولكنّها غير صالحة للمعارضة لا في وجوب الشاة في الخمسة ولا في وجوب الكف من الطعام أو الكفين لإرسالها. على أنّها موافقة في وجوب الشاة في الخمسة لمذهب أبي حنيفة وأتباعه (4)، هذا كلّه في العالم العامد.

وأمّا الناسي : ففي النصوص أنّه ليس عليه شي‌ء.

منها : حديث رفع النسيان فانّ المستفاد منه عدم ترتب أيّ أثر على النسيان.

ومنها : ما دلّ على أنّ الناسي أو الجاهل في باب الحجّ ليس عليه فداء شي‌ء أتاه إلّا الصيد (5)ومنها : صحيحتا زرارة الواردتان في خصوص المقام (6).

وبإزائها ما رواه الشيخ بسند صحيح عن حريز عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «في


1) الوسائل 13 : 62 / أبواب بقية كفارات الإحرام ب 12 ح 1.

2) الوسائل 13 : 164 / أبواب بقية كفارات الإحرام ب 12 ح 6.

3) الوسائل 13 : 164 / أبواب بقية كفارات الإحرام ب 12 ح 5.

4) بدائع الصنائع 2 : 194.

5) الوسائل 13 : 68 / أبواب كفارات الصيد ب 31.

6) الوسائل 13 : 160 / أبواب بقية كفارات الإحرام ب 10 ح 5 ، 6.

مسألة 275 : إذا قلّم المحرم أظافيره فأدمى اعتماداً على فتوى من جوّزه وجبت الكفّارة على المفتي على الأحوط (1).


المحرم ينسى فيقلم ظفراً من أظافيره ، قال : يتصدق بكف من الطعام قلت : فاثنتين ، قال : كفين ، قلت : فثلاثة ، قال : ثلاثة أكف ، كل ظفر كف حتّى يصير خمسة ، فإذا قلّم خمسة فعليه دم واحد خمسة كان أو عشرة أو ما كان» (1)وبه تثبت الشاة على العامد أيضاً ، إذ لا نحتمل كون الناسي أشد عقوبة من العامد. ولكن لا يمكن الاعتماد على ما رواه الشيخ ، فانّ الظاهر أن ما رواه الشيخ يتحد مع مرسلة الكليني عن حريز عمن أخبره (2)، وليس في المرسلة ذكر للنسيان ، والوجه في اتحاد رواية الشيخ مع مرسلة الكليني ما ذكرناه غير مرة أن من المستبعد جدّاً أن حريزاً يروي لحماد مسنداً إلى الإمام (عليه السلام) تارة ويروي مرسلاً لحماد ، وحماد يروي مسنداً لعبد الرّحمن ومرسلاً لإبراهيم بن هاشم ، فالخبر يدور بين كونه مرسلاً كما في الكافي وبين كونه مسنداً كما في كتاب الشيخ ، ولا ريب أنّ الكليني أضبط بل لو لم يكن أضبط لتساوى الاحتمالان فلا يمكن الحكم بكون الرواية مسندة.

ومع الغض عما ذكرنا ، فلا ريب أنّ الروايات المتقدِّمة خصوصاً روايتي زرارة وروايات الصيد صريحة في عدم شي‌ء على الناسي ، فلا بدّ من حمل رواية الشيخ على الاستحباب.

(1) على المشهور ، واستدلّ على ذلك بروايتين إحداهما ضعيفة السند والثانية ضعيفة الدلالة ، أمّا الأُولى : فعن إسحاق الصيرفي قال قلت لأبي إبراهيم (عليه السلام) : «إنّ رجلاً أحرم فقلّم أظفاره وكانت له إصبع عليلة فترك ظفرها لم يقصه ، فأفتاه رجل بعد ما أحرم فقصّه فأدماه ، فقال : على الّذي أفتى شاة» (3)فإنّها ضعيفة بمحمّد


1) الوسائل 13 : 163 / أبواب بقية كفارات الإحرام ب 12 ح 3. التهذيب 5 : 332 / 1143.

2) الكافي 4 : 360 / 4.

3) الوسائل 13 : 164 / أبواب بقية كفارات الإحرام ب 13 ح 1.

24 - قلع الضرس

مسألة 276 : ذهب جمع من الفقهاء إلى حرمة قلع الضرس على المحرم وإن لم يخرج به الدم وأوجبوا له كفّارة شاة ، ولكن في دليله تأملاً بل لا يبعد جوازه (1).

25 - حمل السلاح

اشارة

مسألة 277 : لا يجوز للمحرم حمل السلاح كالسيف والرمح وغيرهما مما يصدق عليه السلاح عرفاً. وذهب بعض الفقهاء إلى عموم الحكم لآلات التحفظ كالدرع والمغفر ، وهذا القول أحوط (2).


البزاز أو الخزاز ، فإنّهما لم يوثقا ، وأمّا زكريا المؤمن فهو من رجال كامل الزيارات.

أمّا الرواية الثانية : فموثقة إسحاق بن عمار قال : «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل نسي أن يقلم أظفاره عند إحرامه ، قال : يدعها ، قلت فان رجلاً من أصحابنا أفتاه بأن يقلم أظفاره ويعيد إحرامه ففعل ، قال : عليه دم يهريقه» (1)وظاهر الضمير في قوله : «عليه دم» رجوعه إلى الرجل المحرم لا المفتي ، على أنّه لم يذكر فيها الإدماء ، فالحكم المذكور مبني على الاحتياط خروجاً من مخالفة المشهور.

(1) لأن ما استدلّ به للحرمة ضعيف ، وهو المرسل «عن رجل من أهل خراسان أن مسألة وقعت في الموسم لم يكن عند مواليه فيها شي‌ء ، محرم قلع ضرسه ، فكتب (عليه السلام) : يهريق دماً» (2)بل لو فرضنا صحّة الرواية لا يمكن القول بتحريم قلع الضرس في نفسه ، لأن قلع الضرس يلازم الإدماء غالباً أو دائماً ، فتكون حرمته من باب الإدماء ، وحمل الرواية على ما ليس فيه دم حمل على الفرد النادر جدّاً.

(2) المشهور بين الفقهاء حرمة لبس السلاح للمحرم لغير ضرورة ، وذهب المحقق


1) الوسائل 13 : 165 / أبواب بقية كفارات الإحرام ب 13 ح 2.

2) الوسائل 13 : 175 / أبواب بقية كفارات الإحرام ب 19 ح 1.

.................................................................................................


في الشرائع إلى الكراهة (1)، وتبعه غيره كالعلّامة (2)والمدارك (3)، والصحيح ما عليه المشهور للنصوص :

منها : صحيح الحلبي قال «إنّ المحرم إذا خاف العدو يلبس السلاح فلا كفّارة عليه» (4).

ومنها : صحيح ابن سنان «أ يحمل السلاح المحرم؟ فقال : إذا خاف المحرم عدوا أو سرقاً فليلبس السلاح» (5)لتعليق الحكم بالجواز فيهما على ما إذا خاف من العدو ، فبالمفهوم يدل على التحريم في غير هذه الصورة.

وحملهما على الكراهة يتوقف على أحد أمرين : أحدهما إنكار حجية المفهوم. وفيه : ما ذكر في محلِّه من عدم الفرق في حجية الظواهر بين المفهوم والمنطوق. ثانيهما : إنكار المفهوم لهما ، لأنّ الخوف المذكور فيهما محقق للبس السلاح ، فالقضية سيقت لبيان الموضوع فلا مفهوم لها كما حقق في محلِّه. وفيه : أن لبس السلاح ليس دائماً لغرض الخوف ، بل ربما يلبسه الإنسان للتشخص والإظهار ونحو ذلك من الأغراض. ولا وجه لمناقشة السند بزعم وقوع العبيدي في السند ، فانّ المراد بأبي جعفر الّذي روى عن أبيه هو أحمد بن محمّد بن عيسى الأشعري ، فان كلّا من الأب والابن ثقة ، وأحمد أبو جعفر قد يروي عن محمّد بن أبي عمير بلا واسطة كما في رواية الحلبي ، وقد يروي عن أبيه محمّد بن عيسى الأشعري عن عبد اللّه بن المغيرة كما في رواية ابن سنان.

وهنا فروع مترتبة على التحريم :

الأوّل : هل الحكم بالحرمة يختص باللبس أو يعم مطلق الحمل كالأخذ بيده أو وضعه في كمه أو في جيبه ونحو ذلك؟ الظاهر هو التعميم ، لأنّ السؤال في صحيح ابن


1) الشرائع 1 : 285.

2) المنتهي 2 : 811 السطر 31.

3) المدارك 7 : 373.

4) الوسائل 12 : 504 / أبواب تروك الإحرام ب 54 ح 1.

5) الوسائل 12 : 504 / أبواب تروك الإحرام ب 54 ح 2.

مسألة 278 : لا بأس بوجود السلاح عند المحرم إذا لم يكن حاملاً له ، ومع ذلك فالترك أحوط (1).

مسألة 279 : تختص حرمة حمل السلاح بحال الاختيار ولا بأس به عند الاضطرار (2).


سنان عن الحمل ، ومقتضى ظاهر السؤال والجواب للزوم مطابقتهما أنّ الممنوع هو الحمل ، وإلّا لكان سؤاله بلا جواب ، وإنّما أجاب باللبس ، مع أنّ السؤال عن الحمل لغلبة اللبس في الخارج ، فالمستفاد من الرواية أنّ الحمل محرم وكذا اللبس ، لصدق الحمل عليه.

الثاني : هل يختص الحكم بالسلاح نفسه أو يعم الحكم لآلات التحفظ والوقاية في الحرب كالدرع والمغفر ونحوهما؟ ذهب بعضهم إلى التعميم ، ولكن لا دليل عليه ، لأنّ الممنوع هو السلاح وهو غير صادق على هذه الآلات وإنّما يلبسها للوقاية والتحفظ.

(1) هذا هو الفرع الثالث ، قد احتمل بعضهم حرمة وجود السلاح عنده وإن لم يكن حاملاً له ، كما إذا ألقاه على دابته أو جعله في متاعه وأثاثه ، ولكن لا دليل على ذلك ، لأنّ الصحيحين ذكر فيهما الحمل واللبس ، وذلك غير صادق على مجرد كون السلاح معه ، وقد يحتمل حرمة ذلك لحرمة مجرّد إظهار السلاح بمكّة أو الحرم وأن لا يكون بارزاً ، إلّا أن يستره ويدخله في جوالق كما في النص (1)إلّا أنّه على تقدير حرمة ذلك فهو من أحكام الدخول في مكّة أو الحرم ، ولا يرتبط بالإحرام.

(2) مستنده الصحيحان المتقدمان (2).


1) الوسائل 13 : 256 / أبواب مقدّمات الطّواف ب 25 ح 1.

2) في الصفحة السابقة.

مسألة 280 : كفّارة حمل السلاح شاة على الأحوط (1) إلى هنا انتهت الأُمور الّتي تحرم على المحرم.

الصيد في الحرم وقلع شجره أو نبته

وهناك ما تعم حرمته المحرم والمحل وهو أمران :

أحدهما : الصيد في الحرم فإنّه يحرم على المحل والمحرم كما تقدّم (2).

ثانيهما : قلع كل شي‌ء نبت أو قطعه من شجر وغيره ، ولا بأس بما يقطع عند المشي على النحو المتعارف ، كما لا بأس بأن تترك الدواب في الحرم لتأكل من حشيشه (3).


(1) مقتضى مفهوم صحيح الحلبي المتقدِّم ثبوت الكفّارة عليه إذا لبس السلاح من غير ضرورة وخوف من العدو ، ولكن لم يذكر نوع الكفّارة ولعلها كف من الطعام أو الاستغفار.

نعم ، في صحيح زرارة من لبس ثوباً لا ينبغي لبسه فعليه شاة (1)إلّا أنّ الموضوع فيه لبس الثوب الّذي لا يصدق على السلاح لا مطلق اللبس ، فان كان المراد من الثوب مطلق ما يلبسه الإنسان وإن كان من غير ما يصدق عليه الثوب فهو وإلّا فيشكل الأمر ، فالنتيجة عدم ثبوت الكفّارة عليه إلّا بأقل ما يصدق عليه الكفّارة كالاستغفار ، بل بناءً على المشهور لم يثبت أصل الكفّارة عليه ولو بغير شاة ، لعدم وجود العامل بالرواية وهي مهجورة ومتروكة.

(2) قد تعرضنا في أوّل تروك الإحرام للنصوص الدالّة على حرمة صيد الحرم على المحل والمحرم فراجع (2).

(3) هنا أُمور :


1) الوسائل 13 : 157 / أبواب بقية كفارات الإحرام ب 8 ح 1.

2) ص 278.

.................................................................................................


الأوّل : لا خلاف بين أصحابنا في حرمة قلع شجر الحرم ونبته على المحرم وغيره وتدل عليه جملة من الأخبار :

منها : صحيح حريز «قال : كل شي‌ء ينبت في الحرم فهو حرام على الناس أجمعين» (1)والمذكور فيه وإن كان كل فعل يتعلق بالشجر وإن كان بغير القطع إلّا أنّ المراد به بقرينة بقية الروايات هو قلع الشجر وقطعه كما في صحيح زرارة وغيره ، فعن زرارة قال : «سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول : حرّم اللّه حرمه بريداً في بريد أن يختلى خلاه ويعضد شجره» (2)اختلى الخلى اختلاءً : جزّه وقلعه ، عضد الشجرة وغيرها قطعها بالمعضد. ويؤيّد برواية أُخرى ضعيفة دالّة على أنّ المحرّم نزع الشجرة (3).

وبالجملة : لا ينبغي الريب في أنّ المستفاد من الروايات حرمة القطع والقلع ، وأمّا بقية التصرفات كإلقاء الثوب عليه أو شد شي‌ء به ونحو ذلك فغير محرمة خصوصاً التصرفات الحاصلة بعد القطع.

الثاني : أنّ الحكم بالتحريم يختص بما إذا كان القطع أو القلع مقصوداً له بنفسه وأمّا إذا قطع في الطريق بوطي الإنسان أو دابته فالأدلّة منصرفة عنه ، فانّ المقصود حينئذ هو المشي في الطريق لا قطع النبات ولا يضر قطعه من باب الاتفاق ، مضافاً إلى ذلك أنّ النبات أو الشجر كثيراً ما يوجد في الطرق خصوصاً في الأزمنة السابقة قبل تبليط الشوارع والطرق ، ويتفق كثيراً وطئ الإنسان أو دابته له ، ومع ذلك لم يرد منع وردع عن ذلك في الروايات أصلاً ، ولو كان ممنوعاً لظهر وبان ، فيعلم من ذلك أنّ الحكم بالحرمة يختص بالقطع إذا كان مقصوداً.

الثالث : أنّ الممنوع ما صدق عليه عنوان النزع ، وأمّا تعلف الحيوان من النبات والحشيش بطبعه فلا يمنع عنه ولا يجب على المحرم منع الحيوان من ذلك ، لعدم صدق عنوان القلع أو النزع والقطع على ذلك ، وقد ورد في الإبل خاصّة دليل بالخصوص


1) الوسائل 12 : 552 / أبواب تروك الإحرام ب 86 ح 1.

2) الوسائل 12 : 555 / أبواب تروك الإحرام ب 87 ح 4.

3) الوسائل 12 : 555 / أبواب تروك الإحرام ب 87 ح 9.

ويستثنى من حرمة القلع أو القطع موارد

(1) الإذخر وهو نبت معروف (1).

(2) النخل وشجر الفاكهة (2).


وهو صحيح حريز «قال : تخلي عن البعير في الحرم يأكل ما شاء» (1).

(1) تدل عليه جملة من الروايات :

منها : صحيحة زرارة ، قال : «سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول : حرّم اللّه حرمه بريداً في بريد أن يختلى خلاه أو يعضد شجره إلّا الإذخر» (2).

ومنها : صحيحة حريز في حديث «فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) إلّا الإذخر» (3).

(2) كما في صحيح سليمان بن خالد في حديث «قال : لا ينزع من شجر مكّة شي‌ء إلّا النخل وشجر الفاكهة» (4). ويؤيد برواية سهل «قال لا ينزع من شجر مكّة إلّا النخل وشجر الفاكهة» (5).

مضافاً إلى التسالم وقطع الأصحاب. ثمّ إنّه لا يعتنى لتضعيف الرواية بوجود الطاطري في السند بدعوى أنّه من وجوه الواقفية وأنّه لا يعتمد على رواياته ، وذلك لأنّه ثقة عندنا ، ولا بأس بالعمل بالموثق ، على أنّ الصدوق رواه بسند صحيح عن سليمان بن خالد وليس فيه الطاطري (6)، واستدلّ صاحب المدارك بهذه الرواية على طريق الصدوق (7).


1) الوسائل 12 : 558 / أبواب تروك الإحرام ب 89 ح 1.

2) الوسائل 12 : 555 / أبواب تروك الإحرام ب 87 ح 4.

3) الوسائل 12 : 557 / أبواب تروك الإحرام ب 88 ح 1.

4) الوسائل 12 : 554 / أبواب تروك الإحرام ب 87 ح 1.

5) الوسائل 12 : 554 / أبواب تروك الإحرام ب 87 ح 9.

6) الفقيه 2 : 166 / 720.

7) المدارك 7 : 370.

(3) الأعشاب الّتي تجعل علوفة للإبل (1).


(1) يجوز للمحرم قلع النبات لعلوفة الإبل ويدلُّ عليه معتبرة محمّد بن حمران قال «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن النبت الّذي في أرض الحرم أينزع؟ فقال : أمّا شي‌ء تأكله الإبل فليس به بأس أن تنزعه» (1).

وربما يتوهّم معارضتها برواية ابن سنان قال : «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) المحرم ينحر بعيره أو يذبح شاته؟ قال : نعم ، قلت : له أن يحتشّ لدابته وبعيره؟ قال : نعم ، ويقطع ما شاء من الشجر حتّى يدخل الحرم ، فإذا دخل الحرم فلا» (2)فتسقطان بالمعارضة فالمرجع عموم المنع عن قلع نبات الحرم.

وفيه : أنّ الجمع العرفي بينهما موجود ولا مجال للمعارضة.

بيان ذلك : أنّ الوجوب والحرمة ليسا من مداليل اللفظ ، وإنّما يستفاد كل منهما من عدم اقتران الأمر بالترخيص في الترك وعدم اقتران النهي بالترخيص في الفعل ، فحينئذ يحكم العقل بالوجوب أو الحرمة ، وأمّا إذا كان الأمر مقروناً بالترخيص في الترك أو كان النهي مقروناً بالترخيص في الفعل فلا يحكم العقل بالإلزام ، والنهي الوارد في خبر ابن سنان مقرون بالترخيص في الفعل الوارد في معتبرة محمّد بن حمران فلا يستفاد من النهي الوارد في خبر ابن سنان الحرمة ، لاقترانه بالترخيص صريحاً في المعتبرة.

هذا مضافاً إلى أن رواية ابن سنان ضعيفة سنداً فلا تصلح للمعارضة ، وذلك لوجود عبد اللّه بن القاسم في السند وهو بقرينة الراوي عنه وبقرينة روايته عن ابن سنان هو عبد اللّه بن القاسم الحضرمي الّذي قال النجاشي في حقّه : إنّه كذّاب (3)، ولا أقل أنّه مجهول.


1) الوسائل 12 : 559 / أبواب تروك الإحرام ب 89 ح 2.

2) الوسائل 12 : 552 / أبواب تروك الإحرام ب 85 ح 1.

3) رجال النجاشي : 226 [594].

(4) الأشجار أو الأعشاب الّتي تنمو في دار نفس الشخص أو في ملكه ، أو يكون الشخص هو الّذي غرس ذلك الشجر أو زرع العشب ، وأمّا الشجرة الّتي كانت موجودة في الدار قبل تملكها فحكمها حكم سائر الأشجار (1).


(1) يدل على الاستثناء صحيحة حريز عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال : كل شي‌ء ينبت في الحرم فهو حرام على الناس أجمعين إلّا ما أنبته أنت وغرسته» (1)والرواية صحيحة صريحة في الاستثناء.

ولا يخفى أنّ الوسائل لم يذكر حرف «إلّا» وهي مذكورة في التهذيب وكل من روى عن التهذيب بذكر «إلّا» فنسخة الوسائل غير صحيحة.

وكذا يستثني ما ينبت في ملك الإنسان بأن سبق ملك الدار أو الأرض على غرس الشجرة أو زرع العشب فحينئذ يجوز قلعها وإلّا فلا ، فالشجرة إذا كانت موجودة في الدار قبل تملكها فلا يجوز قلعها.

ويدلُّ على ذلك عدّة من النصوص (2)وفي الروايات ورد المنزل والدار والمضرب ، والمقصود أنّ الشجرة إذا كانت موجودة قبل تملك ما فيه الشجرة فلا يجوز قلعها ، وأمّا إذا غرست بعد تملك الدار أو المضرب فحينئذ يجوز قلعها ولا خصوصية للدار والمضرب فذكر المنزل أو الدار خرج مخرج التمثيل ، ويدلُّ على ذلك صريحاً موثقة إسحاق بن يزيد «عن الرجل يدخل مكّة فيقطع من شجرها ، قال : اقطع ما كان داخلاً عليك ، ولا تقطع ما لم يدخل منزلك عليك» (3).

والرواية موثقة فان طريق الصدوق إلى إسحاق بن يزيد صحيح (4)وإن كان فيه علي بن الحسين السعدآبادي فإنّه ثقة على الأصح ، لأنّه من رجال كامل الزيارات


1) الوسائل 12 : 553 / أبواب تروك الإحرام ب 86 ح 4 ، التهذيب 5 : 380 / 1325.

2) الوسائل 12 : 554 / أبواب تروك الإحرام ب 87.

3) الوسائل 12 : 555 / أبواب تروك الإحرام ب 87 ح 6.

4) الفقيه 4 (المشيخة) : 95.

مسألة 281 : الشجرة الّتي يكون أصلها في الحرم وفرعها خارجه أو بالعكس حكمها حكم الشجرة الّتي يكون جميعها في الحرم (1).

مسألة 282 : كفّارة قلع الشجرة قيمة تلك الشجرة وفي القطع منها قيمة المقطوع ، ولا كفّارة في قلع الأعشاب وقطعها (2).


وسائر الروايات غير قاصرة عما ذكرنا خصوصاً بقرينة هذه الموثقة.

(1) فإنّ أحدهما تابع لما في الحرم لشرافة الحرم وقداسته.

ويدل على ذلك النصوص ، منها صحيح معاوية بن عمار قال : «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) من شجرة أصلها في الحرم وفرعها في الحل ، فقال : حرم فرعها لمكان أصلها ، قال قلت : فإن أصلها في الحل وفرعها في الحرم ، فقال : حرم أصلها لمكان فرعها» (1).

(2) المشهور أن في قلع الشجرة الكبيرة بقرة وفي الصغيرة شاة وفي أغصانها وأبعاضها قيمته ، ولا دليل على ما ذكروه بهذا التفصيل أصلاً ، فلا بدّ من النظر إلى الروايات الواردة في المقام وكيفية العلاج بينها.

فمن جملة الروايات : رواية منصور بن حازم «أنّه سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الأراك يكون في الحرم فأقطعه ، قال : عليك فداؤه» (2)وقد حملوا الأراك على الشجرة الصغيرة والفداء على الشاة ، ولا يخفى أنّه لا قرينة على ما حملوه ، مضافاً إلى ضعف السند لوقوع محمّد بن علي ماجيلويه في طريق الصدوق إلى منصور بن حازم (3)وماجيلويه لم يوثق ، وذكرنا غير مرّة أن مجرّد الشيخوخة لا يوجب الوثاقة ، فمن حكم بالصحّة إنّما تبع العلّامة في الخلاصة (4)ولا عبرة بتصحيحه كما ذكرنا ذلك مفصّلاً


1) الوسائل 12 : 559 / أبواب تروك الإحرام ب 90 ح 1 وغيره.

2) الوسائل 13 : 174 / أبواب بقية كفارات الإحرام ب 18 ح 1.

3) الفقيه 4 (المشيخة) : 22.

4) منتهى المقال 6 : 132 ، الخلاصة : 278.

.................................................................................................


في بعض مقدّمات معجم الرجال (1)، فهذه الرواية ساقطة.

ومنها : مرسلة موسى بن القاسم قال : «روى أصحابنا عن أحدهما (عليه السلام) أنّه قال : إذا كان في دار الرجل شجرة من شجر الحرم لم تنزع ، فإن أراد نزعها كفّر بذبح بقرة يتصدق بلحمها على المساكين» (2).

وهذه الرواية مخدوشة سنداً ودلالة.

أمّا السند فلأنها مرسلة وذكر صاحب الجواهر (3)أن إرسالها بالعبارة المزبورة غير ضائر في صحّتها نظير عده من أصحابنا ، أو روى غير واحد من أصحابنا ونحو ذلك مما يستبعد جدّاً أن يكون جميع الرواة ضعاف.

وفيه : أنّ المراد بأحدهما كما هو الشائع في كثير من الروايات هو الباقر أو الصادق (عليهما السلام) وموسى بن القاسم من أصحاب الجواد والرضا (عليهما السلام) وله روايات عنهما ، وله رواية من بعض أصحاب الصادق (عليه السلام) كعبد اللّه بن بكير ، ومن كان من أصحاب الجواد والرضا (عليهما السلام) كيف يمكن له الرواية من أصحاب الباقر (عليه السلام) ولا نحتمل أنّه يروي مباشرة ومشافهة من أصحاب الباقر (عليه السلام) خصوصاً عن جماعة منهم لبعد الزمان ، فمن المطمأن به أنّه روى وسمع ممن روى له رواية الأصحاب عن أحدهما (عليهما السلام). ويؤيّد ما ذكرناه أنّه لو كان ما رواه رواية عنهم لقال موسى بن القاسم عن أصحابنا عن أحدهما (عليهما السلام) فالتعبير ب- «قال روى أصحابنا» ظاهر في الإرسال.

وأمّا ضعف الدلالة : فأوّلاً : أنّها تدل على ذبح البقرة لمطلق الشجرة صغيرة كانت أو كبيرة ، وهذا مما لم يفت به أحد ، فظاهر الرواية معرض عنه.

وثانياً : أنّها تدل على وجوب الكفّارة قبل القطع ، يعني إذا أراد قلع الشجرة كفّر


1) معجم الرجال 1 : 42.

2) الوسائل 13 : 174 / أبواب بقية كفارات الإحرام ب 18 ح 3.

3) الجواهر 2 : 426.

.................................................................................................


أوّلاً بذبح بقرة ثمّ يقلعها نظير كفّارة الظهار ، فالقلع يكون جائزاً بعد التكفير ، وهذا غير جائز قطعاً ، والكلام في كفّارة القطع لا الكفّارة الّتي تجوز القطع.

هذا كلّه بناءً على نسخة الوسائل الموجودة بأيدينا ، وأمّا بناءً على ما في التهذيب (1)وبناءً على جميع من روى عنه كالوافي (2)والحدائق (3)والجواهر (4)فلا يرد هذا الاشكال لقوله : «فإن أراد نزعها نزعها وكفّر بذبح بقرة» فإنّ التكفير يكون بعد النزع.

نعم ، يرد إشكال آخر ، وهو أنّ الرواية تدل على جواز القلع في نفسه ولكن مع التكفير ، فلا يكون القلع محرماً ، وهذا مقطوع البطلان.

منها : صحيحة سليمان بن خالد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «سألته عن الرجل يقطع من الأراك الّذي بمكّة ، قال : عليه ثمنه يتصدق به ، ولا ينزع من شجر مكّة شيئاً إلّا النخل وشجر الفواكه» (5)وهذه الرواية نقلت بطريقين :

أحدهما : طريق الشيخ إلى سليمان بن خالد (6)وفيه الطاطري الواقفي فتكون ضعيفة عند جماعة كالمدارك (7)وأمثاله.

ثانيهما : طريق الصدوق إلى سليمان (8)، وليس فيه الطاطري فتكون معتبرة عند الكل ، ودلالتها واضحة في التصدّق بثمن الشجرة.

وربما يتوهّم أنّها واردة في خصوص الأراك فالحكم بلزوم الكفّارة مختص به.


1) التهذيب 5 : 381 / 1331.

2) الوافي 12 : 98 / 11576.

3) الحدائق 15 : 532.

4) الجواهر 20 : 426.

5) الوسائل 13 : 174 / أبواب بقية كفارات الإحرام ب 18 ح 2.

6) التهذيب 5 : 379 / 1324.

7) الفقيه 4 (المشيخة) : 29.

8) المدارك 8 : 447.

.................................................................................................


وفيه : أن ذيل الرواية وهو قوله «ولا ينزع من شجر مكّة» قرينة على أن لا خصوصية للأراك ، وإنّما ذكر من باب المثال ، فالحكم شامل لجميع أنواع الشجرة ، فالصحيح ثبوت الكفّارة بالتصدق بثمن الشجرة كبيرة كانت أو صغيرة ، ثمن الأبعاض والأغصان ، أو ثمن الكل ، هذا بناءً على أنّ المذكور في صحيحة سليمان بن خالد القطع كما في الوسائل فيثبت الحكم في مورد القلع بالأولوية القطعية ، إذ لا نحتمل أن قطع بعض الشجرة وأغصانها أشد حكماً من قلع الشجرة من أصلها وأساسها.

وأمّا إذا كان المذكور فيها والصادر من الإمام (عليه السلام) القلع كما في التهذيب (1)والحدائق (2)والمدارك (3)فلا دليل على الكفّارة في قطع بعض الأغصان ولا أولوية في المقام ، فليس في البين إلّا رواية منصور بن حازم وقد ذكرنا قريباً أنّها ضعيفة ، لضعف طريق الصدوق إلى منصور بن حازم بمحمّد بن علي ماجيلويه (4)فإنّه لم يوثق ولكن الرواية مع ذلك صحيحة ، فإنّ الصدوق (عليه الرحمة) قد يكون له طريقان إلى كتب الأصحاب والرواة ، فربما يذكر أحد طريقيه في مشيخة الفقيه ، ويكون ضعيفاً ولم يذكر الطريق الآخر إلى الكتاب في المشيخة وإنّما يذكر الشيخ ذلك الطريق في الفهرست أو في مشيخة التهذيب ، وقد تكون الطريق صحيحاً ، وطريق الصدوق المذكور في مشيخة الفقيه إلى منصور بن حازم ضعيف بماجيلويه كما ذكرنا ، ولكن الشيخ يذكر طريقه إلى كتاب منصور بن حازم بواسطة الصدوق ولم يكن فيه ماجيلويه ، ويقول الشيخ في الفهرست : منصور بن حازم له كتاب أخبرنا به جماعة عن أبي جعفر بن بابويه عن ابن الوليد عن الصفار عن محمّد بن الحسين بن أبي الخطاب وإبراهيم بن هاشم عن ابن أبي عمير وصفوان عنه (5)، فرواية منصور بن حازم صحيحة وفيها


1) التهذيب 5 : 379 / 1324.

2) الحدائق 15 : 532.

3) المدارك 8 : 447.

4) الفقيه 4 (المشيخة) : 22.

5) الفهرست : 164.

.................................................................................................


القطع ويثبت الحكم في القلع بالأولى.

والواجب عليه هو الفداء ، والظاهر من الفداء هو البدل كما هو الشائع في استعمالات الروايات والآيات الكريمة كقوله تعالى ( وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ ) (1)وقوله تعالى ( يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ ) (2)فظاهر الفداء هو البدل بمعنى إعطاء المثل في المثليات والقيمة في القيميات ، فالمراد من الفداء في الرواية ثمن الشجر أو أبعاضه ، ويؤيّد برواية سليمان بن خالد المتقدِّمة (3)بناءً على نسخة الوسائل الّتي ذكر فيها القطع.

ومن العجيب ما صدر من صاحب المدارك حيث استدلّ برواية سليمان بن خالد على حرمة قلع الشجرة على طريق الصدوق وعبّر عنها بالحسنة (4)، ولكن في باب الكفّارة اختار صريحاً عدمها بدعوى أن رواية سليمان بن خالد ضعيفة لوجود الطاطري في الطريق (5)، ففي باب أخذ بطريق وفي باب أخذ بطريق آخر.

وأمّا الكفّارة بذبح البقرة والشاة فلا دليل عليها ، بل لا مورد للاحتياط كما صدر من شيخنا الأُستاذ في مناسكه (6)، إذ لا دليل معتبر على الكفّارة بذلك ، ولم يتحقق إجماع في البين حتّى يوجب الاحتياط ، فالمتعين في الكفّارة قيمة الشجرة الّتي اقتلعها ، هذا كلّه في الشجرة ، وأمّا الأعشاب فلا كفّارة في قلعها أصلاً وإن كان محرماً ، لعدم الدليل والأصل البراءة.


1) البقرة 2 : 85.

2) المعارج 70 : 11.

3) في ص 521.

4) المدارك 7 : 370.

5) المدارك 8 : 447.

6) دليل الناسك (المتن) : 220.

أين تُذبح الكفّارة؟ وما مصرفها

مسألة 283 : إذا وجبت على المحرم كفّارة لأجل الصيد في العمرة فمحل ذبحها مكّة المكرمة ، وإذا كان الصيد في إحرام الحجّ فمحل ذبح الكفّارة منى (1).


(1) المعروف والمشهور أن من أصاب صيداً وهو محرم يجب عليه ذبح الكفّارة بمنى إن كان الصيد في إحرام الحجّ ، وإن كان الصيد في إحرام العمرة فموضع الذبح مكّة المكرمة فلا يجوز التأخير عنهما.

وهل يجوز التقديم عليهما بأن يذبح في موضع الصيد؟ المعروف أيضاً عدم الجواز وعن المحقق الأردبيلي (قدس سره) الجواز (1).

والصحيح ما هب إليه المشهور لجملة من الروايات.

منها : صحيح عبد اللّه بن سنان «من وجب عليه فداء صيد أصابه وهو محرم ، فان كان حاجّاً نحر هديه الّذي يجب عليه بمنى وإن كان معتمراً نحره بمكّة قبالة الكعبة» (2).

ومنها : صحيحة زرارة «في المحرم إذا أصاب صيداً فوجب عليه الفداء فعليه أن ينحره إن كان في الحجّ بمنى حيث ينحر الناس ، فان كان في عمرة نحره بمكّة» (3). وغير ذلك من الروايات.

مضافاً إلى الآية المباركة ( لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ ) (4)فلو فرضنا وجود رواية مخالفة تطرح للمخالفة مع الكتاب الّذي هو أوّل المرجحات في باب تعارض الأخبار. وفي عدّة من روايات المقام استشهد بهذه الآية ، فالتأخير عن


1) مجمع الفائدة والبرهان 6 : 428.

2) الوسائل 13 : 95 / أبواب كفارات الصيد ب 49 ح 1.

3) الوسائل 13 : 95 / أبواب كفارات الصيد ب 49 ح 2.

4) المائدة 5 : 98.

.................................................................................................


مكّة ومنى غير جائز إجماعاً ونصوصاً ، فلا بدّ من طرح ما دلّ بإطلاقه على التأخير لمخالفته للكتاب والسنّة.

وأمّا التقديم فعن الأردبيلي (قدس سره) الجواز ، لظاهر بعض النصوص ، وإن كان الأفضل التأخير إلى مكّة ومنى في كفّارة الصيد ، وأمّا في غير كفّارة الصيد فلا يبعد الأفضلية في مكان الإصابة للمسارعة إلى الخيرات ولئلّا يمنع عنه مانع كالموت وغيره.

وقد استدلّ له بعدّة روايات :

منها : مقطوعة معاوية بن عمار «قال : يفدي المحرم فداء الصيد من حيث أصابه» (1).

وهذه الرواية مخدوشة سنداً ، لأنّها مقطوعة ولا يعلم أن معاوية بن عمار يروي عن الإمام أو ينقل فتوى نفسه. ودلالة لأنّ الفداء ليس ملازماً للذبح ، والمراد بالفداء هنا البدل ، فالمعنى أنّه يجب عليه البدل في ذلك المكان وأنّه يشتري البدل في موضع الإصابة وذلك بقرينة معتبرة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) أنّه قال : «في المحرم إذا أصاب صيداً فوجب عليه الفداء فعليه أن ينحره إن كان في الحجّ بمنى حيث ينحر الناس ، وإن كانت عمرة ينحره بمكّة ، وإن شاء تركه إلى أن يقدم مكّة ويشتريه فإنّه يجزي عنه» (2)فان قوله : «وإن شاء تركه» ظاهر الدلالة على أنّه يشتري الفداء في مكان الإصابة ، وأنّه يجوز له تأخير الشراء إلى مكّة ، فقوله «وإن شاء تركه» أي لا يشتري ويشتري بمكّة ، فلا دلالة في الرواية على الذبح في موضع إصابة الصيد كذا حمله الشيخ في التهذيب (3).

ومنها : صحيحة أبي عبيدة ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «إذا أصاب


1) الوسائل 13 : 98 / أبواب كفارات الصيد ب 51 ح 1.

2) الوسائل 13 : 98 / أبواب كفارات الصيد ب 51 ح 2.

3) التهذيب 5 : 373 / 1300.

.................................................................................................


المحرم الصيد ولم يجد ما يكفّر من موضعه الّذي أصاب فيه الصيد قوّم جزاؤه من النعم دراهم» الحديث (1)فانّ المتفاهم منها أن مكان الذبح موضع الإصابة ، فان لم يجد الفداء في ذلك المكان قوّم جزاؤه.

وفيه ، أنّ الصحيحة لم تتعرض لموضع الذبح أصلاً ، وإنّما المستفاد منها أنّه إذا وجد البدنة في موضع الإصابة فالواجب عليه ذبح البدنة ، وأمّا أنّه يذبحها في مكان الصيد أو في غيره فالصحيحة ساكتة عن ذلك ، وأمّا إذا لم يجد البدنة في مكان الصيد قوّم بالدراهم ، فمكان الصيد مبدأ عدم وجدان البدنة وأنّه ينتقل الحكم من البدنة إلى التقويم بالدراهم في ذلك الموضع فيما إذا لم يجد البدنة من مكان الصيد إلى الآخر ، وليس في الرواية أيّ إشعار على أن موضع الذبح مكان الصيد فضلاً عن الدلالة ، وفي الجواهر نقل الصحيحة ، ولكن فيها تصحيف في متنها قال «إذا أصاب المحرم الصيد ولم يكفّر في موضعه الّذي» الحديث (2).

ومنها : مرسلة المفيد «المحرم يفدي فداء الصيد من حيث صاده» (3).

وفيه : ما تقدّم قريباً من أنّ الفداء ليس بمعنى الذبح ، بل بمعنى البدل ، فالمعنى أنّه في مكان الصيد يجب عليه البدل فيأخذه معه من مكان الصيد إلى مكّة فإن ذلك أفضل ، خصوصاً إذا كان المذكور في المرسلة «يهدي» مكان يفدي كما هو المحكي عن المقنعة (4)، فإن ذلك أوضح فيما ذكرناه ، فالرواية ساقطة سنداً ودلالة.

ومنها : صحيحة محمّد بن مسلم قال : «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل اهدي إليه حمام أهلي جي‌ء به وهو في الحرم محل ، قال : إن أصاب منه شيئاً فليتصدق مكانه بنحو من ثمنه» (5)بدعوى أنّ المراد بقوله «مكانه» مكان الإصابة.


1) الوسائل 13 : 8 / أبواب كفارات الصيد ب 2 ح 1.

2) الجواهر 20 : 345.

3) الوسائل 13 : 16 / أبواب كفارات الصيد ب 3 ح 4.

4) المقنعة : 452.

5) الوسائل 13 : 28 / أبواب كفارات الصيد ب 10 ح 10.

مسألة 284 : إذا وجبت الكفّارة على المحرم بسبب غير الصيد فالأظهر جواز تأخيرها إلى عودته من الحجّ فيذبحها إن شاء والأفضل إنجاز ذلك في حجّه (1).


والجواب : أن هذه الرواية أجنبية عن محل الكلام بالمرة.

أمّا أوّلاً : فلان الحكم المذكور فيها من أحكام الحرم ، وكلامنا في المحرم بما هو محرم وإن لم يدخل الحرم.

وثانياً : أنّها واردة في الثمن ومقامنا في موضع الذبح.

وثالثاً : أن ضمير «مكانه» يرجع إلى المأكول أي : يعطي بدل ما أكله وعوضاً عنه بنحو من ثمنه. وبعبارة اخرى : فليتصدق مكانه معناه : أنّه يتصدق عوض الصيد ومكان الصيد بالثمن.

فظهر أنّ الصحيح ما عليه المشهور والمعروف وهو عدم جواز تقديم فداء الصيد على مكّة أو منى ، كما لا يجوز التأخير عنهما قطعاً ، هذا تمام الكلام في فداء الصيد.

(1) المشهور والمعروف بين الأصحاب أن كل ما يلزم المحرم من فداء سواء كان لأجل الصيد أو بسبب غير الصيد يذبحه بمكّة إن كان معتمراً وبمنى إن كان حاجّاً ، بل قال في المدارك : هذا مذهب الأصحاب لا أعلم فيه مخالفاً ، ولكنّه قال : إن هذا الحكم يختص بفداء الصيد ، وأمّا غيره فيجوز ذبح الكفّارة حيث شاء (1).

أمّا الصيد فقد عرفت أنّه لا إشكال ولا خلاف أصلاً في ثبوت هذا الحكم بالنسبة إليه ، إنّما الكلام في كفّارة غير الصيد فيقع البحث تارة : في الحجّ ، وأُخرى : في العمرة المفردة ، وثالثة : في عمرة التمتّع.

أمّا الأوّل : فاعلم أنّه لم نجد رواية في مورد الحجّ تعيّن موضع ذبح الكفّارة ، بل ورد في موثقة إسحاق بن عمار جواز الذبح إذا رجع إلى أهله قال : «قلت له : الرجل


1) المدارك 8 : 405.

.................................................................................................


يخرج من حجّه وعليه شي‌ء يلزمه فيه دم يجزئه أن يذبح إذا رجع إلى أهله؟ فقال : نعم» (1).

وهذه الموثقة وإن كانت مطلقة من حيث كفّارة الصيد وغيرها ولكن كفّارة الصيد تخرج منها للنصوص الخاصّة الّتي تقدمت.

نعم ، في خصوص التظليل ورد الذبح بمنى كما في صحيحتي ابن يزيع قال «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الظل للمحرم من أذى مطر أو شمس ، فقال : أرى أن يفديه بشاة ويذبحها بمنى» (2). وفي صحيحته الأُخرى ، «وسأله رجل عن الظلال للمحرم من أذى مطر أو شمس وأنا أسمع ، فأمره أن يفدي شاة ويذبحها بمنى» (3).

ولا يعارضهما ما دلّ على أن علي بن جعفر نحر بدنة في مكّة لكفّارة الظل (4)لعدم حجية فعله.

فلو كنّا نحن وهاتان الصحيحتان لالتزمنا بوجوب الذبح بمنى للتظليل ، وإطلاقهما يشمل إحرام العمرة وإحرام الحجّ ، لأن موضوع الحكم فيهما المحرم ، إلّا أنّه بالنسبة إلى خصوص الحجّ يعارضهما ما دلّ على أن من وجب عليه الدم من أيّ سبب كان سواء كان من التظليل أو من غيره يذبحه حيث شاء ، كموثقة إسحاق بن عمار المتقدِّمة (5)والنسبة بينها وبين الصحيحتين عموم من وجه ، لأن مقتضى موثقة إسحاق جواز الذبح في أيّ مكان شاء في إحرام الحجّ ، سواء كان سبب الدم التظليل أم غيره ، ومقتضى الصحيحتين لزوم الذبح بمنى للتظليل سواء كان في إحرام العمرة أو إحرام الحجّ ، فيقع التعارض في مورد الاجتماع وهو التظليل في إحرام الحجّ ، فان مقتضى إطلاق الموثقة جواز الذبح في أيّ مكان شاء ، ومقتضى إطلاق الصحيحين


1) الوسائل 13 : 97 / أبواب كفارات الصيد ب 50 ح 1.

2) الوسائل 13 : 154 / أبواب بقية كفارات الإحرام ب 6 ح 3.

3) الوسائل 13 : 155 / أبواب بقية كفارات الإحرام ب 6 ح 6.

4) الوسائل 13 : 154 / أبواب بقية كفّارات الإحرام ب 6 ح 2.

5) في الصفحة السابقة.

.................................................................................................


لزوم الذبح بمنى ويتساقط الإطلاقان ، والمرجع أصالة البراءة من وجوب الذبح بمنى ، لدوران الأمر بين التعيين والتخيير والأصل عدم التعيين ، هذا بالنسبة إلى حكم التظليل ، وأمّا بالنسبة إلى مطلق ما يوجب الدم فالظاهر أيضاً جواز تأخير الذبح إلى أيّ مكان شاء ، ويدلُّ عليه موثق إسحاق المتقدِّم لقول السائل : «أ يجزئه أن يذبح إذا رجع إلى أهله؟ فأجاب (عليه السلام) بقوله : نعم».

ويؤيّده خبر علي بن جعفر «لكل شي‌ء خرجت (جرحت) من حجك فعليك دم تهريقه حيث شئت» (1).

وأمّا الثاني : وهو العمرة المفردة ففي صحيحة منصور بن حازم حكم بالتخيير بين مكّة ومنى وإن كان التعجيل بالذبح في مكّة أفضل قال : «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن كفّارة العمرة المفردة أين تكون؟ فقال : بمكّة إلّا أن يشاء صاحبها أن يؤخرها إلى منى ، ويجعلها بمكّة أحب إليّ وأفضل» (2)فالتخيير حسب هذه الصحيحة ثابت في مورد العمرة المفردة في غير كفّارة الصيد ، لما عرفت في المسألة السابقة أن كفّارة الصيد للعمرة المفردة تذبح بمكّة.

وأمّا الثالث : وهو عمرة التمتّع ، ففي صحيحة معاوية بن عمار حكم بالتخيير أيضاً قال : «سألته عن كفّارة المعتمر أين تكون؟ قال : بمكّة إلّا أن يؤخرها إلى الحجّ فتكون بمنى ، وتعجيلها أفضل وأحب إليّ» (3). وهي واضحة الدلالة على أن موردها عمرة التمتّع بقرينة قوله «يؤخرها إلى الحجّ فتكون بمنى» فإنّ المفردة لا حج فيها ، فيظهر من هذه الصحيحة وصحيحة منصور أنّ الحكم بالتخيير ثابت لطبيعي العمرة ، فحال عمرة التمتّع حال العمرة المفردة في الحكم بالتخيير ، ولكن المشهور لم يعملوا بالصحيحتين ولم يلتزموا بالتخيير ، بل حكموا بلزوم الذبح في مكّة نظير كفّارة الصيد ، إلّا أنّه لا موجب لسقوطهما عن الحجية بعد صحّة السند ووضوح الدلالة.


1) الوسائل 13 : 158 / أبواب بقية كفارات الإحرام ب 8 ح 5.

2) الوسائل 13 : 96 / أبواب كفارات الصيد ب 49 ح 4.

3) الوسائل 14 : 89 / أبواب الذبح ب 4 ح 4.

.................................................................................................


يبقى الكلام في النسبة بين صحيحتي منصور ومعاوية بن عمار وبين موثقة إسحاق المتقدِّمة (1)، والظاهر تقدّم الموثقة على الصحيحين ، والنتيجة جواز الذبح في أيّ مكان شاء وإن أتى بموجب الكفّارة في العمرتين ، بيان ذلك :

إن موثق إسحاق وإن ذكر فيه الحجّ ولكن الظاهر أنّ السائل لا نظر له إلى خصوص الحجّ في مقابل العمرة ، بل نظره إلى ما يرتكبه المحرم من المحرمات في مناسكه ، سواء كان في العمرة أو الحجّ فانّ الظاهر من قوله : «يخرج من حجه» الخروج من أعماله ومناسكه وقد ارتكب محرماً ، فكلام السائل في الحقيقة مطلق من حيث الحجّ والعمرة ، كما أنّه مطلق من حيث سبب الدم ، فعلى ذلك لا بدّ من تقديم الموثق على الصحيحين.

وبعبارة اخرى : السائل يسأل عن الاجزاء والاكتفاء بالذبح في أيّ مكان شاء بمعنى أنّ التخيير بين مكّة ومنى المستفاد من الصحيحين هل يكتفى ويجتزأ به بالذبح في أيّ مكان شاء ، فيكون الموثق ناظراً إلى الصحيحين وحاكماً عليهما ، وكذلك الحال بالنسبة إلى العمرة المفردة لأن المتفاهم ثبوت الحكم لطبيعي العمرة ولا خصوصية لعمرة التمتّع.

ومما يؤكّد ما ذكرناه ذيل موثقة إسحاق على ما في الكافي قال إسحاق : «وقلت لأبي إبراهيم (عليه السلام) : الرجل يخرج من حجته ما يجب عليه الدم ولا يهريقه حتّى يرجع إلى أهله؟ فقال : يهريقه في أهله» (2)فإن قوله : «ولا يهريقه» يوجب الاطمئنان بأن إسحاق كان يعلم بلزوم إهراق الدم في مكّة أو منى ولكن لم يفعل ، ثمّ يسأل عن الاجتزاء والاكتفاء بالإهراق في أهله.

وبعبارة اخرى : كان يعلم بالوجوب ولكن يسأل عن أنّه واجب تعييني أو تخييري هذا مضافاً إلى أنّ المشهور أعرضوا عن الصحيحتين فما ذكره السيِّد في المدارك من


1) في ص 527.

2) الوسائل 14 : 91 / أبواب الذبح ب 5 ح 1 ، الكافي 4 : 488 / 4.

.................................................................................................


جواز الذبح حيث شاء لعدم مساعدة الأدلّة على تعيين موضع خاص للذبح (1)هو الصحيح ، ويؤيّده مرسلة أحمد بن محمّد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «من وجب عليه هدي في إحرامه فله أن ينحره حيث شاء إلّا فداء الصيد» (2)ولكنّه ضعيف بالإرسال وبسهل بن زياد ، ولذا جعلناه مؤيّداً.

هذا كلّه بالنسبة إلى موثقة إسحاق بناءً على نسخة التهذيب (3)، وأمّا بناءً على نسخة الكافي فقد ذكر في الوافي أنّ الثابت في الرواية «يجرح» بالجيم قبل المهملتين بمعنى يكسب (4)وقد صحّفه بعض النسّاخ ، فعلى ما ذكره الوافي تكون الموثقة خاصّة بالحج ، إذ السؤال يكون عمن ارتكب ما يوجب الدم في حجّته ، ولا يستفاد من ذلك ما استفدناه من قوله : «يخرج من حجّته» من الخروج من مناسكه وأعماله الشامل للعمرة أيضاً ، فلا دليل على جواز تأخير الذبح إلى أهله في العمرة إلّا بأحد دعويين :

أحدهما : إطلاق الحجّ على العمرة ، فإنّ الحجّ له إطلاقان ، فإنّه قد يطلق ويراد به خصوص الحجّ المقابل للعمرة ، وقد يطلق ويراد به مجموع الحجّ والعمرة ، وسؤال السائل متمحض في التأخير والاكتفاء به ولا نظر له إلى خصوص الحجّ أو العمرة ، بل نظره إلى أن من كان عليه الدم ولم يفعله فهل يجتزئ بأن يفعله في أهله وفي أيّ مكان شاء أم لا.

ثانيهما : أن جواز التأخير إذا ثبت في الحجّ يثبت في العمرة بطريق أولى ، لأهمية الحجّ من العمرة ، وكلا الدعويين غير بعيد.

وأمّا ما ذكره الوافي من أنّ الثابت «يجرح» بالجيم والحاء المهملة فهو اجتهاد منه ولا شاهد عليه ، فان نسخ الكافي حتّى النسخة الّتي كانت موجودة عند صاحب


1) المدارك 8 : 405.

2) الوسائل 13 : 96 / أبواب كفارات الصيد ب 49 ح 3.

3) التهذيب 5 : 481 / 1712.

4) الوافي 13 : 773 / 13134.

.................................................................................................


الوافي هي بالخاء المعجمة ثمّ الجيم ، بمعنى الخروج ، بل لم يستعمل الجرح في مطلق الكسب ، وإنّما يراد به كسب خاص وهو الكسب الّذي فيه منقصة مجازاً ، باعتبار أنّ الجرح النفساني كالجرح الجسماني ، ومن المجاز جرحه بلسانه اي سبه ، ومنه قوله تعالى ( اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ ) (1)أي كسبوا ما يوجب منقصتهم ، وإتيان موجبات الكفّارة ليس كلّها مما يوجب المنقصة كالتظليل اضطراراً والصيد خطأ.

وكيف كان ، لم يثبت أنّ النسخة الصحيحة «يجرح» ولو كان «يجرح» ثابتاً لكان المناسب أن يقول «في حجّه» لا «من حجته» فان حرف «من» يناسب الخروج لا الجرح ، كما أنّ الروايات الواردة في باب من يحجّ عن غيره وردت كلمة الجرح مع «في» ففي موثقة إسحاق «في الرجل يحجّ عن آخر فاجترح في حجّه» (2)فنسخة الشيخ لا معارض لها ونعتمد عليها.

ولو تنزلنا عن ذلك كلّه يكفينا في بطلان مذهب المشهور نفس الروايات الواردة في كفّارة الصيد الدالّة على التفصيل بين الذبح في مكّة أو منى ، فان دلالتها على وجوب ذبح الفداء المترتب على الصيد في مكّة أو منى بالقضية الشرطية ، كقوله في صحيح زرارة «في المحرم إذا أصاب صيداً فوجب عليه الفداء فعليه أن ينحره إن كان في الحجّ بمنى» الحديث. وفي صحيح ابن سنان «من وجب عليه فداء صيد أصابه وهو محرم ، فان كان حاجّاً نحر هديه الّذي يجب عليه بمنى» الحديث (3)وبالمفهوم يدل على أنّ الفداء غير المترتب على الصيد لا يثبت له هذا الحكم فلا يجب ذبح فداء غير الصيد في مكّة أو منى.

بقي هنا شي‌ء : وهو أنّ الصحيحة الواردة في العمرة المفردة وهي صحيحة منصور ابن حازم المتقدِّمة (4)لا تخلو من اضطراب في المتن ، لأنّ العمرة المفردة ليس فيها


1) الجاثية 45 : 21.

2) الوسائل 11 : 185 / أبواب النيابة ب 15 ح 2.

3) الوسائل 13 : 95 / أبواب كفارات الصيد ب 49 ح 2 ، 1.

4) في ص 529.

ومصرفها الفقراء (1) ولا بأس بالأكل منها قليلاً مع الضمان ودفع قيمته (2).


الذهاب إلى منى ، ولكن قوله في الصحيحة «إلّا أن يشاء صاحبها أن يؤخرها إلى منى» والتعبير عن جواز الذبح في منى بالتأخير إليه دليل على ارتباط العمرة المفردة بمنى ، وإلّا لو كان في مقام بيان جواز الذبح في منى لقال : لو ذبحه في منى لا بأس به ونحو ذلك ، ولا وجه للتعبير عن ذلك بالتأخير.

نعم ، لا بأس به في عمرة التمتّع لانتهائها إلى منى.

هذا تمام الكلام في موضع ذبح الكفّارة.

(1) ويدلُّ عليه جملة من الروايات :

منها : ما ورد في الأمر بالتصدق على الإطلاق كما في عدّة من نصوص الكفّارة الواردة في موارد خاصّة (1).

ومنها : ما دلّ على التصدق في مطلق ما يوجب الدم كموثقة إسحاق المتقدِّمة (2).

ومنها : ما دلّ على أنّه يتصدق على المساكين (3)، بل نفس كلمة التصدق ظاهرة في الإعطاء للفقراء والمساكين.

وفي روايات أن كل هدي إذا كان من نقصان الحجّ فلا يؤكل منه ويتصدق به ، وكل هدي كان من تمام الحجّ يؤكل منه (4).

(2) هل يجوز لمن عليه الكفّارة أن يأكل منها أم لا؟

الروايات في المقام مختلفة ففي كثير منها لا يأكل من الهدي إن كان من نقصان


1) الوسائل 13 : 24 / أبواب كفارات الصيد ب 9 ح 10 ، 13 : 146 / أبواب بقية كفارات الإحرام ب 1 ح 3 ، وغير ذلك.

2) في ص 527 ومورد الاستدلال ذيلها وهو غير مذكور فيما تقدّم فراجع المصدر.

3) الوسائل 13 : 174 / أبواب بقية كفارات الإحرام ب 18 ح 3.

4) الوسائل 14 : 160 / أبواب الذبح ب 40 ح 4 ، 5.

.................................................................................................


الحجّ ، وكل هدي كان من تمام الحجّ يجوز له أكله.

وفي بعضها يأكل منه إن لم يكن مضموناً ، وما كان مضموناً فلا يأكل منه والمضمون ما كان في يمين يعني نذراً أو جزاءً (1).

وفي بعضها يؤكل من الهدي كلّه مضموناً كان أو غير مضمون (2).

وفي ذيل موثقة إسحاق بن عمار المتقدِّمة (3)«ويأكل منه الشي‌ء» وهو دال على جواز الأكل منه بالمقدار اليسير.

ولا يبعد أن يكون ذلك وجه الجمع بين الروايات بحمل الناهية من الأكل على المقدار الكثير ، وحمل المجوزة على القليل.

ثمّ إنّ هنا رواية معتبرة تدل على جواز الأكل ، لكن عليه قيمة ما أكل وهي معتبرة السكوني «إذا أكل الرجل من الهدي تطوعاً فلا شي‌ء عليه ، وإن كان واجباً فعليه قيمة ما أكل» (4).

فتحصل من الروايات : أنّ الذبيحة للمساكين ، ولكن الشخص الّذي وجب عليه الكفّارة له أن يأكل منها بمقدار يسير ويعطي بدله ، وأمّا حمل الشيخ جواز الأكل على حال الضرورة (5)فبعيد جدّاً.


1) الوسائل 14 : 156 / أبواب الذبح ب 40 ح 16.

2) الوسائل 14 : 161 / أبواب الذبح ب 40 ح 6.

3) في ص 530.

4) الوسائل 14 : 161 / أبواب الذبح ب 40 ح 5.

5) التهذيب 5 : 225 / 760.

فهرس الموضوعات

فهرس الموضوعات

الموضوع / الصفحة

الحج

وجوب الحج... 1 - 10

كفر منكر الحج... 2

وجوب الحج بأصل الشرع مرة واحدة... 4

فورية وجوب الحج... 6

وجوب الخروج مع الرفقة الأولى... 8

شروط حجة الاسلام... 10 - 90

الأول : البلوغ... 10

صحة حج الصبي وإن لم يجزئ عن حجة الاسلام إذا بلغ... 10

بلوغ الصبي قبل الشروع في الأعمال... 11

حج الصبي ندبا باعتقاد عدم البلوغ... 11

عدم اشتراط إذن الولي في استحباب حج الصبي... 12

استحباب احجاج الولي بالصبي... 13

نفقة حج الصبي عليه أو على الولي؟... 15

الثاني : العقل... 17

الثالث : الحرية... 17

صحة حج المملوك وإن لم يجزئ عن حجة الاسلام إذا أُعتق... 18

كفارة المملوك عليه أو على سيده؟... 18

انعتاق العبد قبل أحد الموقفين... 20

الرابع : الاستطاعة... 22

اعتبار سعة الوقت للأعمال... 22

حكم تفويت الاستطاعة... 22

اعتبار الأمن والسلامة في الطريق... 23

إذا استلزم حجة تلف مال في بلده أو ترك واجب... 25

توقف الحج على بذل مال للعدو... 26

اعتبار الزاد والراحلة في الاستطاعة... 27

معنى الزاد والراحلة... 28

توجيه ما دل على عدم اعتبار الراحلة... 28

التكسب لتحصيل الاستطاعة... 30

اعتبار الاستطاعة من مكانه لا بلده... 31

توقف الحج على بيع ملكه بأقل مما يسوى... 31

اعتبار وجود نفقة الإياب في وجوب الحج... 32

اعتبار الرجوع إلى الكفاية... 33

بيع الدار والحلي وغيرهما للصرف في مؤونة الحج... 35

وجوب الحج على من يملك مالا في ذمة الغير... 36

وجوب الحج على من يرتزق من الوجوه الشرعية... 38

كفاية الملكية المتزلزلة في الاستطاعة... 38

اعتبار إباحة ثوب الطواف وثمن الهدي... 39

تحصيل الاستطاعة... 39

عدم وجوب قبول الهبة... 40

حصول الاستطاعة بالنيابة... 41

الاستدانة للحج... 41

وجوب الحج على المديون... 42

الكلام في تقدم الحج على أداء الحقوق الشرعية... 42

الكلام في وجوب الفحص عند الشك في الاستطاعة... 44

الكلام في استطاعة من يملك مالا غائبا... 45

مبدأ الزمان الذي يحرم تفويت الاستطاعة منه... 46

كفاية إباحة التصرف في حصول الاستطاعة... 48

اعتبار الاستطاعة بقاء... 49

صور الجهل أو الغفلة بالاستطاعة... 51

تحقق الاستطاعة بالبذل... 52

وجوب الحج على من أوصي له بمال يحج به... 54

عدم اعتبار الرجوع إلى الكفاية في الاستطاعة البذلية... 54

عدم منع الدين من الاستطاعة البذلية... 56

حكم بذل المال لجماعة ليحج أحدهم... 57

لزوم مراعاة وظيفة المبذول له في الحج البذلي... 58

الكلام في من يتحمل ثمن الهدي والكفارات... 59

إجزاء الحج البذلي عن حجة الاسلام وعدم وجوبه ثانيا إذا أيسر... 60

جواز رجوع الباذل عن بذله... 61

إعطاء الزكاة على أن تصرف في الحج... 64

حكم انكشاف غصبية المال المبذول للحج... 66

عدم كفاية الحج النيابي أو التبرعي أو التطوعي عن حجة الاسلام... 67

احتساب حجة الاسلام لو حج معتقدا عدم استطاعته... 68

عدم اشتراط إذن الزوج في وجوب الزوجة... 68

التفصيل في اشتراط حج المطلقة رجعية بإذن زوجها... 70

عدم اشتراط وجود المحرم في حج المرأة... 71

الكلام في تقدم نذر زيارة الحسين (عليه السلام) يوم عرفة على الحج... 71

استنابة الحي العاجز... 74

حكم تعذر الاستنابة... 79

حكم التبرع بالحج عن الحي العاجز عن المباشرة... 79

كفاية الاستنابة من الميقات... 80

حكم الموت في أثناء الحج... 80

عدم وجوب الحج على الكافر إذا أسلم مع زوال استطاعته... 84

وجوب الحج على المرتد وإن لم يصح منه... 85

إذا حج المخالف ثم استبصر... 86

وجوب الحج ولو متسكعا على من استقر عليه الحج... 88

فصل الوصية بالحج... 90 - 115

وجوب الوصية بالحج إذا قرب منه الموت... 90

خروج الحج من أصل التركة وإن لم يوص به... 91

حكم الوصية بخروج الحج من الثالث مع عدم وفائه... 92

إذا مات من عليه الحج وله مال عند الودعي... 93

تقدم الحج على الخمس والزكاة أو الدين... 94

تصرف الورثة في التركة قبل الاستئجار للحج... 95

حكم قصور التركة عن الحج... 97

الكلام في وجوب الاستئجار من البلد أو الميقات... 97

لزوم المبادرة إلى الاستئجار في سنة الموت... 99

حكم إقرار بعض الورثة بالحج على مورثهم... 100

التبرع بالحج عن الميت... 101

حكم المال الموصى به للحج مع تبرع الغير بالحج عن الميت... 102

حكم الوصية بالاستئجار للحج من البلد... 103

حكم الوصية بالحج من بلد غير بلد الميت... 104

الشك في أداء الميت الحج... 105

عدم براءة ذمة الميت بمجرد الاستئجار... 106

لزوم استئجار الأقل أُجرة من الاجراء... 106

حكم اختلاف الميت مع الوارث تقليدا أو اجتهادا... 107

استحباب التطوع بالحج عن الميت للولي وغيره... 107

الشك في أن الموصى به حجة الاسلام... 108

إذا أوصى بالحج وعين شخصا له... 109

إذا أوصى بالحج وعين أُجرة لا يرغب فيها أحد... 109

إذا باع داره واشترط على المشتري أن يصرفه في الحج... 110

الشك في استئجار الوصي قبل موته للحج عن الموصي... 112

تلف المال الموصى به للحج في يد الوصي... 113

فصل في النيابة... 115 - 145

اعتبار البلوغ في النائب... 115

صحة نيابة الصبي في الحج المندوب... 116

اعتبار العقل في النائب... 117

صحة نيابة السفيه... 117

اعتبار الإيمان في النائب... 118

اعتبار عدم اشتغال ذمة النائب بحج آخر... 118

صحة نيابة المملوك عن الحر... 121

الاستنابة عن الصبي والمجنون... 121

المماثلة بين النائب والمنوب عنه... 121

نيابة الصرورة... 122

نيابة عن الكافر والناصب... 127

النيابة عن الحي... 129

اشتراط تعيين المنوب عنه... 129

صحة النيابة بالجعالة وبالشرط... 130

استنابة المعذور... 130

صور موت النائب قبل إتمام النسك... 132

حكم عدول النائب عن الطريق الذي عين له... 135

إجارة الشخص نفسه للحج عن اثنين في عام واحد... 136

حكم صد الأجير أو إحصاره... 137

حكم ارتكاب النائب ما يوجب الكفارة... 137

إذا زادت الأجرة أو نقصت... 137

إفساد الأجير حجة بالجماع... 138

زمان ملكية الأجير الأجرة وزمان تسليمها إليه... 139

حكم استئجار الأجير غيره للحج... 139

حكم استئجار من ضاق وقته عن إتيان حج التمتع... 140

نيابة شخص عن جماعة... 141

نيابة جماعة عن شخص واحد... 142

استحباب الطواف نفسا... 143

اعتمار النائب بعد فراغه من الحج الذي استنيب فيه... 144

فصل في الحج المندوب... 145 - 148

استحباب الحج على غير المستطيع وعلى من حج... 145

استحباب نية العود حين الخروج من مكة... 146

استحباب إحجاج من لا استطاعة له... 146

استحباب الاستقراض للحج... 147

استحباب كثرة الانفاق في الحج... 147

استحباب إعطاء الزكاة لمن يحج... 147

اشتراط إذن الزوج إذا كان حج الزوجة مندوبا... 148

فصل أقسام العمرة... 148 - 167

وجوب العمرة بشرائط وجوب الحج... 149

عدم وجوب العمرة على مستطيعها إذا لم يستطع لحج التمتع... 150

الأقوال في مقدار الفصل بين العمرتين... 152

عدم اعتبار الفصل بين عمرة التمتع والمفردة... 154

وجوب العمرة المفردة بنذر وشبهه... 154

الفرق بين عمرة التمتع وبين العمرة المفردة... 155

وجوب طواف النساء في العمرة المفردة دون المتمتع بها... 155

اشتراط عمرة التمتع بوقوعها في أشهر الحج... 157

الخلاف في المراد بأشهر الحج... 157

تعين التقصير في الإحلال من عمرة التمتع... 158

وجوب إيقاع عمرة التمتع وحجه في سنته واحدة... 159

الكلام في جواز التفريق بين العمرة المفردة وحج الإفراد والقران... 161

وجوب العمرة لمن أراد دخول مكة... 163

استثناء الحطاب والحشاش ونحوهما... 164

استثناء من عاد إلى مكة قبل مضي شهر... 165

جواز التمتع بالعمرة المفردة... 166

فصل أقسام الحج... 167 - 217

انقسام الحج إلى تمتع وقران وإفراد... 167

حد البعد الذي يوجب التمتع... 168

حكم تمتع القريب والقران والإفراد للبعيد... 173

حكم المقيم بمكة من حيث وجوب حج التمتع أو غيره... 174

ميقات المقيم بمكة... 179

حج التمتع... 183

كيفية عمرة التمتع وحجه... 183

لزوم الإحرام لحج التمتع من مكة... 187

حكم الخروج من مكة بعد عمرة التمتع... 192

حكم ترك الحج بعد عمرة التمتع مع عدم كونه واجبا... 195

حكم الخروج من مكة أثناء عمرة التمتع... 196

الاختلاف في حد الخروج من مكة... 197

حكم الخروج من مكة بعد عمرة التمتع من دون إحرام... 198

العدول من التمتع إلى الإفراد... 200

حد الضيق المسوغ للعدول من التمتع إلى الإفراد... 200

إذا علم من وظيفته التمتع ضيق الوقت عن إتمام العمرة... 207

إذا أحرم لعمرة التمتع وأخر الطواف والسعي عمدا حتى ضاق الوقت... 207

حج الإفراد... 209

الخلاف في وجوب تقديم العمرة على حج الإفراد... 209

الفوارق بين حج الإفراد وحج التمتع... 210

عدم اعتبار اتصال العمرة بحج الإفراد... 210

عدم وجوب الهدي في حج الإفراد... 210

جواز تقديم الطواف والسعي على الموقوفين... 211

محل إحرام المفرد للحج... 211

حكم الطواف المندوب بعد إحرام حج التمتع أو الإفراد... 212

عدول المفرد إلى التمتع... 212

حج القران... 214

وجوب الهدي في حج القران... 214

تخير القارن بين التلبية والاشعار والتقليد... 215

عدول المحرم لحج القران إلى التمتع... 216

فصل مواقيت الإحرام... 217 - 234

معنى الميقات لغة واصطلاحا... 217

الأول : مسجد الشجرة... 218

اختصاص أهل المدينة ومن يمر عليها بالإحرام من مسجد الشجرة... 218

الكلام في تحديد مسجد الشجرة... 219

تأخير الإحرام عن مسجد الشجرة إلى الجحفة... 220

الثاني : وادي العقيق... 222

اختصاص وادي العقيق بأهل العراق ونجد... 222

حد وادي العقيق... 223

الإحرام قبل ذات العرق وتأخير نزع الثياب إليه تقية... 226

الثالث : الجحفة... 227

اختصاص الجحفة بأهل الشام ومصر والمغرب... 227

الرابع : يلملم... 227

اختصاص يلملم بأهل اليمن وكل من يمر من ذلك الطريق... 227

الخامس : قرن المنازل... 227

اختصاص قرن المنازل بأهل الطائف... 227

السادس : مكة... 228

اختصاص مكة بميقات حج التمتع... 228

السابع : المنزل... 229

اختصاص الإحرام من المنزل لمن كان منزله دون الميقات... 229

الثامن : الجعرانة... 230

اختصاص الجعرانة بأهل مكة... 230

التاسع : محاذاة مسجد الشجرة... 231

الكلام في جواز الإحرام من محاذي المواقيت... 231

العاشر : أدنى الحل... 233

اختصاص أدنى الحل بميقات العمرة المفردة... 233

فصل في أحكام المواقيت... 234 - 251

حكم الإحرام قبل الميقات... 234

نذر الإحرام قبل الميقات... 235

اعتبار تعيين المكان الذي نذر الإحرام منه... 238

تقديم الإحرام على الميقات خوفا من انقضاء رجب... 238

الإحرام مع الشك في الوصول إلى الميقات... 239

حكم من خالف نذر الإحرام قبل الميقات... 239

حكم من أخر الإحرام عن الميقات عمدا... 240

صور ترك الإحرام عن نسيان أو إغماء... 244

حكم ترك الحائض الإحرام من الميقات... 247

الخلاف في صحة العمرة المأتي بها بلا إحرام... 247

حكم من لا يمر على أحد المواقيت... 248

الإحرام لحج التمتع من غير مكة... 250

إذا نسي الإحرام للحج وذكر بعد الفراغ من الأعمال... 251

فصل في كيفية الإحرام... 251 - 277

واجبات الإحرام... 251

الأول : النية... 251

لزوم قصد ما يجب عليه من الأفعال... 251

اعتبار القربة والمقارنة والتعيين... 252

عدم اعتبار اللفظ في النية وان استحب... 253

عدم اشتراط النية بالعزم على ترك المحرمات... 254

الثاني : التلبية... 255

لزوم تعلم ألفاظ التلبية... 256

حكم من لا يتمكن من أداء التلبية... 256

كيفية تلبية الأخرس... 257

تلبية الصبي غير المميز... 257

تخير القارن بين التلبية والاشعار والتقليد... 259

اختصاص الإشعار بالبدن واشتراك التقليد بينها وبين غيرها... 259

كيفية الإشعار والتقليد... 260

عدم اشتراط الطهارة في الإحرام... 261

تأخير التلبية إلى البيداء لمن حج عن طريق المدينة... 262

موضع قطع التلبية للمعتمر والحاج... 265

حكم الشك في التلبية... 269

الثالث : لبس الثوبين... 269

الروايات الدالة على وجوب لبس الثوبين... 269

الكلام في شرطية لبس الثوبين لصحة الإحرام... 271

حد الثوبين من حيث الطول والقصر... 273

حكم من أحرم في قميصه... 273

لبس أكثر من ثوبين لبرد أو حر... 274

اشتراط الثوبين بشروط لباس المصلي... 274

اشتراط كون الثوبين من المنسوج... 275

اختصاص لبس الثوبين بالرجال... 275

لبس المرأة الحرير حال الإحرام... 275

حكم تنجس أحد الثوبين... 276

نزع لباس الإحرام أو تبديله... 276

فصل تروك الإحرام... 277 - 514

1 - الصيد البري... 277

ما دل على حرمة صيد المحرم في الحل والحرم أو قتله... 277

ما دل على حرمة إمساك المحرم الصيد أو أكل لحمه... 278

الخلاف في جواز أكل المحل ما ذبحه المحرم... 279

حكم الصلاة في جلد الحيوان الذي ذبحه المحرم... 283

لحوق الجراد بالحيوان البري... 284

حكم صيد حيوان البحر... 284

حكم حيوان مشتبه بين البري والبحري... 287

جواز ذبح الحيوانات الأهلية... 289

الكلام في تمييز الطير البري عن البحري... 289

حكم الشك في حيوان أنه أهلي أو وحشي... 291

الكلام في اختصاص حرمة الصيد بالمحلل الأكل... 292

حكم صيد الحيوان الأهلي المتوحش وبالعكس... 295

حكم قتل ولد الصيد الوحشي المتأهل... 295

الكلام في جواز ذبح الحمير والبغال والخيول... 296

الكلام في ترتيب آثار الميتة على ما ذبحه المحرم أو المحل في الحرم... 299

لحوق الفرخ والبيض بالأصل في الحرمة والحل... 301

حكم قتل السباع... 302

حكم قتل الأفعى والحية والعقرب وغيرها... 304

حكم قتل الغراب والحدأة... 306

كفارات الصيد... 309

كفارة قتل النعامة والبقرة والحمار والأرنب والثعلب... 309

بدلية الاطعام عن البدنة للعاجز عنها... 310

الكلام في ملكية المحرم ما صاده حال الإحرام... 315

الكلام في خروج الصيد عن الملك بمجرد الإحرام... 315

تنبيه حول احتجاج الإمام الجواد (عليه السلام) مع يحيى بن أكثم... 318

بدلية الصوم عن الاطعام... 319

الكلام في اعتبار المماثلة بين الصيد وفدائه... 322

حكم ما إذا كان الجزاء مخيرا بين البدنة والبقرة وعجز عنهما... 326

كفارة قتل الحمامة وفرخها وبيضها... 327

كفارة قتل القطاة والحجل والدراج... 332

كفارة قتل العصفور والقبرة والصعوة... 333

كفارة قتل الجرادة... 333

كفارة قتل اليربوع والقنفذ والضب والعظاية... 337

كفارة قتل الزنبور... 337

كفارة أكل الصيد... 338

اشتراك جماعة في الصيد والرمي... 344

حكم من كان معه صيد ودخل الحرم... 346

حكم من أخذ الصيد معه بعد الإحرام... 346

عدم الفرق في وجوب الكفارة بالصيد بين العامد والساهي والجاهل... 349

الكلام في تكرر الكفارة بتكرر الصيد... 350

الكلام في ثبوت الكفارة بصيد غير المأكول... 357

2 - مجامعة النساء... 358

تعميم حرمة الجماع للعمرة المفردة... 358

حكم الجماع في عمرة التمتع من حيث الكفارة والإفساد... 360

حكم الجماع في الحج من حيث الكفارة والافساد وغيرهما من الأحكام... 365

حكم الجماع في العمرة المفردة... 375

حكم جماع المحل زوجته المحرمة... 379

حكم الجماع عن غير عمد... 380

3 - تقبيل النساء... 382

كفارة التقبيل... 382

4 - مس النساء... 385

كفارة مس النساء... 385

5 - النظر إلى المرأة وملاعبتها... 387

كفارة الملاعبة... 388

6 - الاستمناء... 394

كفارة الاستمناء... 394

7 - عقد النكاح... 396

تزويج المحرم لنفسه أو لغيره... 396

توكيل المحرم غيره في تزويجه... 397

إجازة المحرم عقد الفضولي له... 397

كفارة عقد المحرم لمحرم آخر مع دخوله... 398

حضور المحرم مجلس العقد والشهادة عليه... 398

خطبة المحرم والرجوع إلى المطلقة الرجعية... 399

8 - استعمال الطيب... 400

حكم أكل الفواكه الطيبة الرائحة وشمها... 402

استثناء شم الطيب حال السعي بين الصفا والمروة... 405

استثناء شم خلوق الكعبة... 406

كفارة استعمال الطيب... 406

إمساك المحرم على أنفه من الروائح الكريهة... 410

9 - لبس المخيط للرجال... 411

الكلام في شد العمامة والهميان على الظهر... 415

عقد الإزار والرداء... 416

لبس النساء المخيط... 419

كفارة لبس المخيط... 419

10 - الاكتحال... 421

11 - النظر في المرآة... 424

كفارة النظر في المرآة... 426

12 - لبس الخف والجورب... 427

13 - الكذب والسب... 429

معنى الفسوق... 429

حرمة المفاخرة... 431

كفارة الفسوق... 432

14 - الجدال... 434

استثناء موردين من حرمة الجدال... 440

كفارة الجدال... 441

15 - قتل هوام الجسد... 447

كفارة قتل القمل... 450

16 - التزين... 451

استعمال المحرم الحناء... 453

لبس المحرمة الحلي... 453

17 - الادهان... 456

كفارة الادهان... 457

الادهان قبل الإحرام بحيث يبقى أثره بعده... 458

18 - إزالة الشعر عن البدن... 462

الموارد المستثناة من حرمة إزالة الشعر... 465

كفارة إزالة الشعر... 466

حك البدن... 473

19 - ستر الرأس للرجل... 474

ما يستثنى من حرمة ستر الرأس... 476

حكم ستر الأُذنين... 477

ستر الرأس بشيء من البدن... 478

ستر الرأس عند النوم... 478

ارتماس المحرم في الماء... 480

كفارة ستر الرأس... 481

20 - ستر الوجه للنساء... 484

حكم ستر بعض الوجه... 486

حكم ستر الوجه في النوم... 486

ستر بعض الوجه في الصلاة... 487

ملاحظة الروايات الآمرة باسدال الستر على الوجه... 488

التفرقة بين الاسدال والتغطية... 489

كفارة ستر الوجه... 490

21 - التظليل للرجال... 491

نقد روايات عدم حرمة التظليل... 491

الكلام في إلحاق السفينة بحال السير والمنزل... 493

تعميم الحكم للراجل... 493

حكم التظليل الجانبي... 494

تعميم الحكم للظل الثابت... 495

التظليل باليد أو غيرها من الأعضاء... 496

الإحرام في القسم المسقوف من مسجد الشجرة... 497

الاستظلال في مكة... 498

تظليل النساء والأطفال... 500

حكم التظليل عند الضرورة... 501

كفارة التظليل... 501

22 - إخراج الدم من البدن... 504

حرمة الاحتجاج... 504

حرمة الاستياك... 505

كفارة الادماء... 505

23 - التقليم... 506

كفارة التقليم... 507

وجوب الكفارة على مفتي جواز التقليم... 510

24 - قلع الضرس... 511

25 - حمل السلاح... 511

عمومية الحكم لمطلق الحمل... 513

عمومية الحكم لمطلق آلات الحفظ... 513

الاضطرار إلى حمل السلاح... 513

كفارة حمل السلاح... 514

الصيد في الحرم وقلع شجره أو نبته... 514

حرمة صيد الحرم على المحل والمحرم... 514

قطع شجر الحرم... 514

مستثنيات حرمة قلع الشجر... 516

كفارة قطع الشجر أو قلعه... 519

موضع ذبح الكفارة ومصرفها... 524 - 534

موضع ذبح كفارة الصيد في إحرام الحج... 524

موضع ذبح كفارة الصيد في إحرام العمرة... 524

الكلام في جواز الذبح في موضع الصيد... 525

محل ذبح كفارة غير الصيد في الحج... 527

محل ذبح كفارة غير الصيد في عمرة التمتع والمفردة... 529

مصرف الكفارة... 533

فهرس الموضوعات... 537

الصورة

555-28

الصورة

556-28

الصورة

557-28