ghaemiyeh.com
سرشناسه : خوئی، سیدابوالقاسم، 1278 - 1371.
عنوان و نام پديدآور : المستند في شرحالعروةالوثقی/ [محمدکاظم یزدی]؛ تقریرا الابحاث ابوالقاسم الموسویالخوئی؛ تالیف مرتضی البروجردی.
مشخصات نشر : قم: موسسه احیاء آثارالامامالخوئی (قدس)، 14ق.= 20م.= 13.
مشخصات ظاهری : ج.
فروست : موسوعهالامامالخوئی.
شابک : ج.11، چاپ دوم: 964-6812-44-9 ؛ ج. 11، چاپ سوم: 964-6812-43-0 ؛ ج. 12، چاپ سوم: 964-6812-44-9 ؛ ج. 13، چاپ سوم: 964-6812-46-X ؛ ج. 14: 964-6812-50-3 ؛ ج. 15: 964-6812-53-8 ؛ ج. 16، چاپ سوم 964-6337-00-4 : ؛ ج. 17، چاپ سوم: 964-6337-04-7 ؛ ج. 18، چاپ سوم: 964-6337-03-9 ؛ ج. 19، چاپ سوم 964-6337-02-0 :
وضعیت فهرست نویسی : برون سپاری
يادداشت : عربی.
يادداشت : کتاب حاضر قبلا تحت عنوان "مستندالعروهالوثقی" به چاپ رسیده است.
يادداشت : فهرستنویسی بر اساس جلد یازدهم: 1421ق. = 2000م. = 1379.
يادداشت : ج.11( چاپ دوم: 1426ق.= 2005م.= 1384).
يادداشت : ج. 11 -18 (چاپ سوم : 1428ق. =2007م. = 1386).
يادداشت : ج.14 (چاپ سوم:1421ق.= 1379).
يادداشت : ج.30 (چاپ؟: 1422 ق. = 1380).
يادداشت : ج.30 (چاپ سوم: 1428ق. = 2007م. = 1386).
يادداشت : عنوان عطف: شرح عروهالوثقی.
یادداشت : کتابنامه.
مندرجات : ج.11 الصلاه.-ج.30. الاجاره.
عنوان عطف : شرح عروهالوثقی.
عنوان دیگر : العروهالوثقی. شرح.
عنوان دیگر : شرحالعروهالوثقی.
موضوع : یزدی، سیدمحمدکاظم بن عبدالعظیم، 1247؟ - 1338؟ ق . عروهالوثقی -- نقد و تفسیر
موضوع : فقه جعفری -- قرن 14
شناسه افزوده : یزدی، سیدمحمدکاظمبن عبدالعظیم، -1253 1338؟ق.
شناسه افزوده : بروجردی، مرتضی، 1377-1308.
شناسه افزوده : موسسه احیاء آثار الامام الخوئی (ره)
رده بندی کنگره : BP183/5/ی4ع4021377 1300 ی الف
رده بندی دیویی : 297/342
شماره کتابشناسی ملی : م79-21167
المحرّر الرّقمي: محمّد علي ملك محمّد
اطلاعات رکورد کتابشناسی : ركورد كامل
المؤلف: الشيخ مرتضى البروجردي
الناشر: مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي قدّس سرّه
الطبعة: 3
الموضوع : الفقه
تاريخ النشر : 1421 ه.ق
ISBN (ردمك): 469-6337-07-1
المكتبة الإسلامية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَی سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ
وَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَی أَعْدَائِهِم أَجْمَعِينَ
مِنَ الآنِ إِلَی قِيَامِ يَومِ الدِّينْ
الْمُسْتَنَدُ فِي شَرْحِ العُرْوَةِ الوُثْقَی
تقرير الإبحاث
الأستاذ الأعظم سماحة آية اللّه العظمی السيد أبوالقاسم الموسوي الخوئي قدس سره
«1317 - 1413 ه»
الخمس
تأليف: آية اللّه الشهيد الشيخ مرتضی البروجردي قدس سره
طبعة منقحة
مؤسسة الخوئي الإسلامية
جميع الحقوق محفوظة ومسجّلة لمؤسسة الخوئي الإسلامية
الجزء الخامس والعشرون
الناشر: مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي قدس سره
(مؤسسة الخوئي الإسلامية)
هاتف: 2932264 251 98+ - 1530367 912 98+
تاريخ الطبع: 1430 ه ، 2009 م
المطبعة: نينوي
الطبعة: الرابعة
عدد النسخ: 1000 دورة
1 - 07 - 6337 - 964 : ISBN
Email:info@alkhoei.net
www.alkhoei.com
www.alkhoei.net
الصورة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، وصلى اللّه على سيدنا ونبينا محمد وآله الطاهرين.
وبعد، فهذه حصيلة ما استفدته من أبحاث سيدنا ومولانا أستاذ الفقهاء والمجتهدين زعيم الحوزة العلمية سماحة آية اللّه العظمى السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي (مد ظله العالي) التي ألقاها شرحاً على كتاب العروة الوثق للسيد الطباطبائي اليزدي (طاب ثراه).
وكان من المقرر الاسترسال في طبع ما تبقى من كتابي الصلاة والصوم غير أن جمعاً من إخواني الأفاضل طلبوا مني تقديم كتاب الخمس، حرصاً منهم على استطلاع أنظاره المقدّسة.
وقد حوت هذه المجموعة - زيادة على ما أفاده (دام ظله) في مجلس الدرس - ما استفدته منه بعد المذاكرة معه خارج ،الدرس، وقد لاحظها بتمامها كما لاحظ الشيء الكثير من بقية الأجزاء وأمر بطبعها ونشرها.
أسأل اللّه العلي القدير أن يمن علي بحسن القبول، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
كتاب الخُمس
وهو من الفرائض (1) ، وقد جعلها اللّه تعالى لمحمّد (صلّى اللّه عليه وآله) وذرِّيّته عوضاً عن الزكاة إكراماً لهم ، ومن منع منه درهماً أو أقلّ كان مندرجاً في الظالمين لهم والغاصبين لحقّهم ، بل من كان مستحلا لذلك كان من الكافرين.
ففي الخبر عن أبي بصير قال : قلت لأبي جعفر (عليه السلام) : ما أيسر ما يدخل به العبد النار؟ «قال : من أكل من مال اليتيم درهماً ، ونحن اليتيم» (1).
(1) لا إشكال كما لا خلاف في وجوب الخمس في الشريعة الإسلامية ، وقد نطق به الكتاب العزيز والسنّة المتواترة ، بل قامت عليه الضرورة القطعيّة على حدٍّ يندرج منكره في سلك الكافرين ، وقد أصفقت عليه علماء المسلمين قاطبةً من الخاصّة والعامّة وإن وقع الخلاف في بعض الخصوصيّات من حيث المورد والمصرف.
1) الوسائل 9 : 483 / أبواب ما يجب فيه الخمس ب 1 ح 1.
وعن الصادق (عليه السلام) : «إنّ اللّه لا إله إلّا هو لمّا حرّم علينا الصدقة أنزل لنا الخمس ، فالصدقة علينا حرام ، والخمس لنا فريضة ، والكرامة لنا حلال» (1).
وعن أبي جعفر (عليه السلام) : «لا يحلّ لأحد أن يشتري من الخمس شيئاً حتّى يصل إلينا حقّنا» (2).
وعن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : «لا يُعذَر عبدٌ اشترى من الخمس شيئاً أن يقول : يا ربّ اشتريته بمالي ، حتّى يأذن له أهل الخمس» (3).
وهو سبعة أشياء :
الأوّل : الغنائم المأخوذة من الكفّار من أهل الحرب (1) قهراً بالمقاتلة معهم
ومن ثمّ ادّعى الخليفة الثاني نسخ وجوب الصرف في سهم ذوي القربى ، لما كان يرتئيه من لزوم الصرف فيما هو أهمّ وأولى من المصالح العامّة ، كحفظ ثغور المسلمين وتحصيل السلاح والكراع ونحوها.
وكيفما كان ، فأصل الحكم ولو في الجملة ممّا لا كلام فيه ولا ريب.
قال اللّه تعالى ( وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ) الآية (1).
وفي غير واحد من النصوص : أنّ اللّه تعالى قد جعل هذه الفريضة لمحمّد (صلّى اللّه عليه وآله) وذرِّيّته عوضاً عن الزكاة إكراماً لهم وإجلالاً عن أوساخ ما في أيدي الناس كما أشار إليها في المتن.
(1) بلا خلاف فيه ولا إشكال كما نطق به الكتاب والسنّة.
1) الأنفال 8 : 41.
بشرط أن يكون بإذن الإمام عليه السّلام ، من غير فرق بين ما حواه العسكر وما لم يحوه والمنقول وغيره (1) كالأراضي (1)والأشجار ونحوها.
ومحلّ الكلام فعلاً الغنائم المأخوذة منهم بالمقاتلة لا بغيرها من سرقة أو غيلة أو نحوهما ، وأن يكون ذلك بإذن الإمام (عليه السلام) ، فلا بدّ من مراعاة القيدين معاً ، إذ الفاقد للأوّل ملك لآخذه ، وللثاني ملك للإمام (عليه السلام) ، وسنتعرّض لهما عند تعرّض الماتن لهما مستقلا إن شاء اللّه تعالى.
(1) لإطلاق الأدلّة بعد صدق الغنيمة على الجميع ، سواء أكان ممّا حواه العسكر أم لا ، وسواء أكان من المنقول أم من غير المنقول.
ولا خلاف في الأوّل بل عليه الإجماع. وأمّا الثاني فهو المشهور بين الأصحاب ، وقد صرّح بالتعميم جماعة منهم ، وأطلق الآخرون.
ولكن صاحب الحدائق (قدس سره) ناقش في هذا التعميم ، نظراً إلى عدم الدليل عليه سوى ظاهر إطلاق الآية المباركة ، وإلّا فالنصوص قاصرة عن إفادة التعميم ، بل ظاهرها الاختصاص بالأموال المنقولة كما تشهد به صحيحة ربعي (2)وغيرها الدالّة على أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه وآله) إذا أتاه المغنم أخذ صفوه وقسّم الباقي خمسة أخماس ويأخذ خمسه ثمّ يقسّم أربعة أخماس بين المقاتلين ، ونحوها ممّا دلّ على قسمة الخمس أخماساً أو أسداساً وإعطاء كلّ ذي حقّ حقّه ، فإنّ ظاهرها أنّ مورد الخمس هو المال الذي يؤتى به إلى النبيّ (صلّى اللّه عليه وآله) ويقسّم المختصّ بطبيعة الحال بما ينقل ويحوّل من غنيمة أو غيرها ، وكيف يجري هذا في الأراضي والضياع والعقار ونحوها؟!
.................................................................................................
على أنّ تلك الأراضي المفتوحة عنوةً المعبّر عنها بالأراضي الخراجيّة ملكٌ لعامّة المسلمين قاطبةً من وجد منهم ومن سيوجد إلى يوم القيامة كما نطقت به النصوص المتظافرة ، فلا تشملها أدلّة التخميس (1).
وأورد عليه في الجواهر بأنّ غاية ما يتحصّل من صحيحة ربعي ونحوها قصورها عن إفادة الإطلاق لا الدلالة على الاختصاص ، فيكفينا حينئذٍ ما اعترف به من إطلاق الآية المباركة ، وأمّا نصوص الأراضي الخراجيّة فهي قابلة للتخصيص بأدلّة التخميس كما لا يخفى (2).
أقول : الظاهر أنّ ما ذكره صاحب الحدائق في المقام هو الصحيح ، فإنّ صحيحة ربعي ونحوها وإن لم تدلّ على نفي الخمس عن غير المنقول كما أُفيد ، إلّا أنّ الإنصاف أنّها لا تخلو عن الإشعار وأنّ المال المحكوم بالتخميس هو الذي يؤتى به إلى النبيّ (صلّى اللّه عليه وآله) ويقسّمه بين المقاتلين بعد أخذ صفوه منه ، وهذا الإشعار وإن لم يكن ممّا يركن إليه بحسب الصناعة ، إلّا أنّه يؤثر في النفس بمثابةٍ يخفّف عن قوّة ظهور الآية المباركة في الإطلاق المدّعى لها كما لا يخفى.
ويتقوّى هذا الإشعار بعد ملاحظة الأخبار الواردة في الأراضي الخراجيّة من أنّها ملك لعامّة المسلمين.
وما أفاده في الجواهر من أنّها لا تأبى التقييد بما هنا من كون ذلك بعد الخمس. غير قابل للتصديق. ضرورة أنّ نصوص الخراج أخصّ من آية الغنيمة ، فإنّ النسبة بين الدليلين عمومٌ وخصوصٌ مطلق ، ولا شكّ أنّ إطلاق الخاصّ مقدّم على عموم العامّ ، فتلك النصوص لأجل كونها أخصّ تخصّص
.................................................................................................
الآية لا أنّها تخصّص تلك النصوص كما لا يخفى.
بل يمكن أن يقال بعدم إطلاق للآية المباركة بالإضافة إلى غير المنقول ، فإنّ الغنيمة هي الفائدة العائدة للغانم بما هو غانم ، وعليه فتختصّ بما يقسّم بين المقاتلين وهي الغنائم المنقولة.
وأمّا الأراضي المحكوم عليها بأنّها ملك لعامّة المسلمين فلا تعدّ غنيمة للغانم والمقاتل بما هو كذلك وإن استفاد منها بما أنّه فرد من آحاد المسلمين فلا تختصّ به ، ولا مدخل لوصفه العنواني في الانتفاع بها لتتّصف بكونها غنيمة له كما لا يخفى. فالإطلاق إذن ساقط من أصله ، ومعه لا دليل على وجوب الخمس في غير المنقول.
هذا ، ومع الغضّ عن ذلك وتسليم كون النسبة بين الدليلين عموماً من وجه ، بدعوى أنّ الآية تعمّ المنقول وغيره وتختصّ بالخمس ، كما أنّ نصوص الخراج تختصّ بغير المنقول وتعمّ مقدار الخمس وغيره أي تشمل جميع المال فغايته أنّه يتعارض الدليلان حينئذٍ في مورد الاجتماع أعني : الخمس من غير المنقول فإنّ مقتضى إطلاق الآية وجوبه ، ومقتضى تلك النصوص عدمه ، فيتساقطان لعدم الترجيح ، إذ عموم الكتاب إنّما يتقدّم على عموم السنّة لدى المعارضة فيما إذا لم تكن قطعيّة كعموم الخبر الواحد ، أمّا السنّة القطعيّة كما في المقام فهي تعادل قطعيّة الكتاب ، فإذن يرجع بعد تساقط الدليلين إلى أصالة البراءة عن الخمس ، فتكون النتيجة أيضاً هي ما ذكرناه من الاختصاص.
فإن قلت : لو تساقط الدليلان فبما ذا يحكم بعدئذٍ بأنّ مقدار الخمس ملكٌ للمسلمين وقد سقط دليله بالمعارضة؟! قلت : إنّ الخمس ينتقل إلى مستحقّه من المالك ، فإذا كان دليله معارَضاً وساقطاً بها فالمال يبقى على ملك مالكه.
.................................................................................................
والعمدة ما عرفت من إنكار الإطلاق في الآية المباركة من أصله ، لما أشرنا إليه من أنّ الغنيمة في الآية المباركة وغيرها من سائر موارد إطلاقاتها في الأخبار هي الفائدة العائدة للغانم والربح الذي يستفيده بشخصه ويدخله في ملكه ، وقد حكم بأنّ خمس ما ملكه كذلك يكون للإمام كما حكم بأنّ مقدار الزكاة في العين الزكويّة ملكٌ لمصرف الزكاة بعد بلوغ النصاب أو حَوَلان الحول فيما يعتبر فيه الحول ، وأنّ مقدار النصاب في الذهب مثلاً بتمامه ملكٌ لمالكه قبل الحَوَلان ، وبمجرّد أنّ حال الحول يخرج مقدار الزكاة عن ملكه ويدخل في ملك الفقير ، وكذا في الغلّات بعد صدق الاسم. ويراعى مثل ذلك في الخمس أيضاً ، فيخرج ممّا يغتنمه الغانم ويربحه الرابح خمسه عن ملكه ، وهذا غير صادق بالإضافة إلى الأراضي الخراجيّة بعد أن لم تكن ملكاً للمقاتلين وغنيمةً لهم بما هم كذلك ، بل لعامّة المسلمين إلى يوم القيامة.
نعم ، هي غنيمة بمعنى آخر ، أي يستفيد منها المقاتل بما أنّه مسلم ، لكن الغنيمة بهذا المعنى لا خمس فيها ، لوجهين :
أمّا أوّلاً : فلاختصاص أدلّة الخمس بالغنائم الشخصيّة وما يكون ملكاً لشخص الغانم ، لا ما هو ملك للعنوان الكلِّي كما في الأراضي الخراجيّة ، حيث إنّها لم تكن ملكاً لأيّ فرد من آحاد المسلمين وإنّما ينتفع منها المسلم بإزاء دفع الخراج من غير أن يملك رقبتها ، بل المالك هو العنوان الكلّي العام ، نظير الأوقاف العامّة التي هي ملك لعناوين معيّنة.
ومن ثمّ لم يلتزم أحد بوجوب تخميسها ، وليس ذلك إلّا لانتفاء الملك الشخصي والغنيمة الشخصيّة التي هي الموضوع لوجوب الخمس.
والمشهور إنّما ذهبوا إلى التخميس في الأراضي الخراجيّة زعماً منهم أنّها غنيمة للمقاتلين ، لا باعتبار كونها غنيمة لعامّة المسلمين كما لا يخفى.
بعد إخراج المؤن التي أُنفقت على الغنيمة (1) بعد تحصيلها بحفظ وحمل ورعي ونحوها منها.
وأمّا ثانياً : فلأجل أنّ قولهم : لا خمس إلّا بعد المئونة ، يكشف عن اختصاصه بمالٍ تُصرَفُ المئونة في سبيل تحصيله. وهو كما ترى خاصّ بالملك الشخصي ، إذ لا معنى لإخراج المئونة فيما يكون المالك هو العنوان الكلّي العام ، لعدم كونه ممّن يصرف المئونة في سبيل تحصيل الغنيمة كما هو ظاهر.
فتحصّل : أنّ ما ذكره المشهور من التعميم لغير المنقول من الغنائم كالأراضي وأنّها تخمّس أوّلاً ثمّ تكون ملكاً لعامّة المسلمين لا يمكن المساعدة عليه ، لقصور النصوص عن إفادة التعميم حسبما عرفت.
والاستشهاد له برواية أبي بصير عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال : كلّ شيء قوتل عليه على شهادة أن لا إله إلّا اللّه وأنّ محمّداً رسول اللّه فإنّ لنا خمسه» إلخ (1)، بدعوى أنّ لفظة «كلّ» من أدوات العموم فتعمّ المنقول وغير المنقول.
في غير محلّه ، إذ مع تسليم تماميّة الدلالة فالسند قاصر من أجل اشتماله على علي بن أبي حمزة الذي هو البطائني الكذّاب ، فلا يمكن الاعتماد عليها.
فما ذكره صاحب الحدائق (قدس سره) من الاختصاص بالمنقول وعدم ثبوت الخمس في غير المنقول هو الصحيح الحقيق بالقبول.
(1) كما هو مقتضى القاعدة من لزوم إخراج المصارف المتعلِّقة بالعين المشتركة من حفظ وحمل ورعي ونحوها من الأموال المصروفة في سبيلها من نفس
1) الوسائل 9 : 487 / أبواب ما يجب فيه الخمس ب 2 ح 5.
وبعد إخراج ما جعله الإمام (عليه السلام) من الغنيمة على فعل مصلحة من المصالح (1) ،
العين ، إذ التخصيص بالبعض تحميلٌ لا دليل عليه ، وربّما تكون المئونة أكثر من نفس الغنيمة.
وقد صرّح بالإخراج المزبور جماعة ، وإن أنكره آخرون استناداً إلى إطلاق الآية المباركة ، الذي هو في حيّز المنع بعد وضوح عدم النظر فيها إلى هذه الجهة لينعقد الإطلاق.
هذا ، ويمكن الاستدلال لهذا الحكم أيضاً بما دلّ على أنّ الخمس بعد المئونة ، فإنّها وإن اختصّت بالمؤن السابقة ولا تعمّ ما بعد التحصيل ، إلّا أنّ مئونة الحفظ والحمل والرعي ونحوها ممّا يصرف في سبيل الغنيمة إلى أن تصل إلى يد الإمام (عليه السلام) كما هو محلّ الكلام تعدّ من المؤن السابقة على تحصيل الغنيمة بنحوٍ تكون قابلة للاستفادة والانتفاع ، فإنّ ذات الغنيمة وإن تحقّقت بمجرّد الاستيلاء عليها في دار الحرب ، إلّا أنّ الانتفاع منها والدخول في الملك الشخصي الذي به تكون غنيمة بالحمل الشائع منوطٌ بالوصول إلى الإمام (عليه السلام) وتقسيمه لها بين المقاتلين ، فصحّ القول بهذه العناية بأنّ مصاريف الحفظ ونحوه تعدّ من المؤن السابقة على تحصيل الغنيمة ، فلاحظ.
(1) بتمليكه لشخص أو صرفه في جهة من الجهات العامّة حسبما يراه من المصلحة ، فإنّ له الولاية المطلقة على ذلك ، إذ هو وليّ الأمر وأولى بالمؤمنين من أنفسهم ، فيخرج بذلك عن الغنيمة التي هي موضوع قسمة الخمس ، وتكون هديّة لمن منحها. فإن قلنا بوجوب التخميس في مطلق الفائدة الشامل للهديّة وجب خمسها لهذه الجهة لا لأجل الغنيمة ، وإلّا فلا شيء عليه.
وبعد استثناء صَفايا الغنيمة (1) كالجارية الوَرَقَة والمركب الفارِه والسيف القاطع والدرع ، فإنّها للإمام (عليه السلام) ، وكذا قطائع الملوك ، فإنّها أيضاً له (عليه السلام).
(1) الظاهر أنّ الحكم متسالم عليه ، وكذا فيما سيذكره من قطائع الملوك المعبّر عنها فعلاً بخالصة الملوك ، وقد ادّعي عليه الإجماع ، وتشهد به جملة من النصوص :
منها : موثّقة أبي بصير على ما هو الحقّ من وثاقة أحمد بن هلال عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : سألته عن صفو المال «قال : الإمام يأخذ الجارية الرُّوقة والمركب الفارِه والسيف القاطع والدرع قبل أن تقسّم الغنيمة ، فهذا صفو المال» (1).
وصحيحة ربعي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال : كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) إذا أتاه المغنم أخذ صفوه وكان ذلك له» (2).
ومنها : صحيحة داود بن فرقد : «قطائع الملوك كلّها للإمام ، وليس للناس فيها شيء» (3).
ومنها : موثّقة سماعة : «كلّ أرض خربة أو شيء يكون للملوك فهو خالص للإمام (عليه السلام)» (4)، وغيرها.
وأمّا إذا كان الغزو بغير إذن الإمام (عليه السلام) فإن كان في زمان الحضور وإمكان الاستئذان منه فالغنيمة للإمام (عليه السلام) (1) ،
(1) الظاهر أنّ الحكم متسالم عليه بين الأصحاب ، بل ادّعي عليه الإجماع في غير واحد من الكلمات.
وإنّما الكلام في مستنده ، وقد استُدِلّ له بوجوه :
أحدها : الإجماع. ولا يبعد تحقّقه بعد ما عرفت من تسالم الأصحاب عليه ، لولا أنّه معلوم المدرك أو محتملة.
الثاني : مرسلة العبّاس الورّاق ، عن رجلٍ سمّاه : عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال : إذا غزا قوم بغير إذن الإمام فغنموا كانت الغنيمة كلّها للإمام ، وإذا غزوا بأمر الإمام فغنموا كان للإمام الخمس» (1).
وهي ضعيفة السند بالإرسال ، مضافاً إلى جهالة الحسن بن أحمد بن يسار أو بشّار ، فإن بنينا على انجبار ضعف السند بعمل المشهور اعتُبرت الرواية حينئذٍ وصحّ الاستناد إليها ، وإلّا فلا.
وقد تقدّم غير مرّة في مطاوي هذا الشرح أنّ الأظهر : الثاني ، لمنع الانجبار صغرىً ، لجواز استناد المشهور إلى ما عرفت من تسالم الأصحاب لا إلى هذه الرواية. وكبرى ، إذ لا ينجبر ضعف السند بالشهرة ، كما لا ينجبر بها ضعف الدلالة ، فإنّ العبرة في الحجّيّة بأحد أمرين : إمّا بالوثوق الشخصي بصدور الرواية ، أو بكون الراوي موثّقاً ، ولا ثالث ، ومجرّد الاشتهار لا وزن له في سوق الاعتبار ، وتمام الكلام في محلّه.
1) الوسائل 9 : 529 / أبواب الأنفال ب 1 ح 16.
.................................................................................................
الثالث وهو العمدة - : صحيحة معاوية بن وهب ، قال : قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : السريّة يبعثها الإمام فيصيبون غنائم ، كيف يقسّم؟ «قال : إن قاتلوا عليها مع أميرٍ أمّره الإمام عليهم أخرج منها الخمس لله وللرسول وقسّم بينهم أربعة أخماس ، وإن لم يكونوا قاتلوا عليها المشركين كان كلّ ما غنموا للإمام يجعله حيث أحبّ» (1).
وما في الوسائل من ذكر «ثلاثة أخماس» غلط ، والصحيح ما أثبتناه كما أشار إليه المعلّق.
وقد تضمّنت التفصيل بين كون القتال مع الأمير أي بإذن الإمام وعدمه.
ولكن قد يناقش في دلالتها بظهورها في التفصيل بين القتال وعدمه لا بين الإذن وعدمه ، كيف؟! وهو مفروض في مورد السؤال ، وأنّ السريّة كانت ببعثٍ من الإمام (عليه السلام) ، فلا بدّ وأن يكون التفصيل في مورد السؤال ، ونتيجته أنّ تلك السريّة المأذونة إن غنموا مع القتال تخمّس الغنيمة ، وإلّا فكلّها للإمام ، فهي تدلّ على تفصيلٍ آخر أجنبي عمّا نحن بصدده.
ويندفع : بأنّ مبنى الاستدلال هو مفهوم الشرطيّة الأُولى بعد ملاحظة أنّ النكتة في تقييد القتال في الجملة الشرطيّة بكونه مع أميرٍ أمّره الإمام بعد وضوح أنّه لا قتال إلّا مع الأمير وإلّا كانت فوضى هو التأكّد بشأن هذا القيد الذي مرجعه إلى الإذن ودخله في الحكم ، وإلّا كان ذكره مستدركاً للاستغناء عنه بعد فرضه في السؤال.
وعليه ، فيكون مرجع الجملة الشرطيّة إلى أنّ الأمر إن كان كما ذكرت أيُّها السائل من كون القتال بأمرٍ من الإمام وبعثه للسريّة فالمال يخمّس حينئذٍ ، فالشرط مركّب من قيدين : تحقّق القتال ، وكونه بإذن الإمام ، ومفهومه انتفاء
1) الوسائل 9 : 524 / أبواب الأنفال ب 1 ح 3.
.................................................................................................
المركّب المتحقّق بانتفاء أحد القيدين من انتفاء القتال أو عدم كونه بالإذن.
وعلى هذا فيكون المراد من الشرط في الشرطيّة الثانية عدم القتال الخاصّ المذكور في الشرطيّة الاولى أعني : ما كان عن الإذن وانتفاؤه يكون تارةً بانتفاء القتال رأساً ، وأُخرى بعدم صدوره عن الإذن كما عرفت ، وقد دلّت بمقتضى الإطلاق على كون الغنيمة حينئذٍ بتمامها للإمام ، فقد دلّت الصحيحة على التفصيل بين الإذن وعدمه أيضاً بهذا التقريب.
هذا ، ولكن سيّدنا الأُستاذ (دام ظلّه) اقتصر في إثبات المطلوب على مفهوم الشرطية الأُولى ، وذكر أنّ الثانية بيانٌ لبعض أفراد المفهوم ولا مدخل لها في الاستدلال.
وأوضَحَ المقامَ بأنّ وجهة السؤال ترتكز على الاستفهام عن كيفيّة التقسيم بعد فرض كون السريّة مبعوثة عن الإمام ، فتقييد القتال في الجواب بما يرجع إلى الإذن لا بدّ وأن يكون لنكتةٍ حذراً عن اللّغوية ، وليس إلّا التأكد عن وجود هذا القيد وأنّ القتال المقيّد بالإذن محكومٌ بالتقسيم بهذا النحو بإخراج الخمس أوّلاً ثمّ تقسيم الأربعة أخماس الباقية بين المقاتلين ، ومفهومه أنّه لو لم يكن قتال أو لم يكن القتال مع الإذن فلا إخراج ولا تقسيم ، وبطبيعة الحال يكون المال حينئذٍ بكامله وخالصه للإمام (عليه السلام) ، فتأمّل.
وكيفما كان ، فإطالة البحث حول هذه المسألة قليلة الجدوى ، فإنّها راجعة إلى زمان الحضور ، والإمام (عليه السلام) أعرف بوظيفته.
ثمّ إنّه ربّما تعارَض صحيحة معاوية بن وهب بصحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : في الرجل من أصحابنا يكون في لوائهم ويكون معهم فيصيب غنيمة «قال : يؤدِّي خمساً ويطيب له» (1).
1) الوسائل 9 : 488 / أبواب ما يجب فيه الخمس ب 2 ح 8.
وإن كان في زمن الغيبة فالأحوط إخراج خمسها من حيث الغنيمة (1) ،
حيث يظهر منها عدم اعتبار الإذن في التخميس ، وقد حملها في الجواهر على أنّ ذلك تحليلٌ منه (عليه السلام) بعد الخمس وإن كانت الغنيمة كلّها له بمقتضى عدم الاستئذان (1).
ولكنّه كما ترى ، لظهورها في أنّ ذلك حكم شرعي لا تحليل شخصي كما لا يخفى ، فتكون المعارضة على حالها.
والصحيح أنّ النظر في الصحيح غير معطوف إلى حيثيّة الإذن ، ولعلّها كانت مفروغاً عنه ، لما ثبت من إمضائهم (عليهم السلام) ما كان يصدر من السلاطين وحكّام الجور في عصرهم من الغزو والجهاد مع الكفّار وإذنهم العام في ذلك.
وإنّما ترتكز وجهة السؤال على أساس أنّ المقاتل يكون في لوائهم أي لواء بني العبّاس ومن البيّن أنّ حكّام الجور لم تكن تخضع للخمس ولا تعتقد بهذه الفريضة ، فيسأل عن حكم الغنيمة التي يصيبها المقاتل ويستلمها ممّن لا يرى وجوب الخمس وأنّه ما هو موقفه تجاه هذه الفريضة.
وهم (عليهم السلام) وإن أباحوها وحلّلوها لشيعتهم ليطيب منكحهم ومسكنهم كما نطق به غير واحد من الأخبار ، إلّا أنّه (عليه السلام) في خصوص المقام وبنحو القضيّة الخارجيّة لم يسمح إلّا بأربعة أخماس الغنيمة ، لعلّةٍ هو (عليه السلام) أدرى بها.
وكيفما كان ، فلا دلالة لها بوجهٍ على عدم اعتبار الإذن لكي تتحقّق المعارضة بينها وبين ما سبق ، فلاحظ.
(1) لإطلاق الغنيمة في الآية المباركة ، الشامل لزماني الحضور والغيبة ،
1) الجواهر 16 : 11 12.
خصوصاً إذا كان للدعاء إلى الإسلام (1) ، فما يأخذه السلاطين في هذه الأزمنة
وليس بإزائه إلّا ما دلّ على اشتراط إذن الإمام ، غير الصالح للتقييد.
إذ هو إمّا الإجماع وهو دليل لبّي يقتصر على المقدار المتيقّن منه وهو فرض الحضور والتمكّن من الاستيذان.
أو مرسل الورّاق المتقدِّم وهو بعد تسليم الإطلاق والشمول لصورتي الغيبة والحضور غير قابل للاستناد ، لأجل الضعف غير المنجبر عندنا بالعمل كما تقدّم.
أو صحيحة معاوية بن وهب المتقدّمة ، وهي العمدة ، حيث تضمّنت كما عرفت تقييد القتال بالإذن ، إلّا أنّ هذا القيد لم يكن له مفهوم بالمعنى المصطلح ، وإنّما عوّلنا عليه حذراً عن اللّغوية ، ويكفي في الخروج عنها نكتة التأكّد ممّا افترضه السائل وأنّ لهذا القيد مدخلاً في الحكم بالتخميس كما مرّ. وأمّا أنّ هذا الدخل هل هو على سبيل الإطلاق أو في خصوص حال الحضور والتمكّن من الاستئذان؟ فلا دلالة فيها على ذلك بوجه لو لم تكن ظاهرة في الثاني ، كما هو مقتضى فرض بعث السريّة من قِبَل الإمام وتصدّيه (عليه السلام) لتأمير الأمير.
إذن فلا تدلّ الصحيحة على اشتراط الإذن حتى في زمن الغيبة ليتقيّد بها إطلاق الآية المباركة بالإضافة إلى هذا الزمان.
فتحصّل : أنّ إطلاقات الغنيمة في الكتاب والسنّة القاضية بلزوم التخميس في كلّ غنيمة سواء أكان القتال في زمن الحضور أم الغيبة هي المحكّم بعد سلامتها عمّا يصلح للتقييد ، من غير فرق بين ما إذا كان للدعاء إلى الإسلام أم لغيره بمقتضى الإطلاق.
(1) وجه التخصيص : التنصيص عليه في رواية أبي بصير المتقدّمة : «كلّ
من الكفّار بالمقاتلة معهم من المنقول وغيره (1)يجب فيه الخمس على الأحوط وإن كان قصدهم زيادة الملك لا الدُّعاء إلى الإسلام.
ومن الغنائم التي يجب فيها الخمس : الفِداء (1) الذي يؤخذ من أهل الحرب ، بل الجزية المبذولة لتلك السريّة بخلاف سائر أفراد الجزية.
ومنها أيضاً : ما صولحوا عليه ، وكذا ما يؤخذ منهم عند الدفاع معهم (2) إذا هجموا على المسلمين في أمكنتهم ولو في زمن الغيبة ، فيجب إخراج الخمس من جميع ذلك قليلاً كان أو كثيراً من غير ملاحظة خروج مئونة السنة على ما يأتي في أرباح المكاسب وسائر الفوائد.
شيء قوتل عليه على شهادة أن لا إله إلّا اللّه» إلخ (2)، أي على الدعوة إلى الإسلام ، إلّا أنّها من أجل ضعف السند بعلي بن أبي حمزة البطائني كما مرّ لا تصلح إلّا للتأييد ، وأنّ الحكم في هذا الفرض آكد من غير أن يتقيّد بها إطلاقات الغنيمة في الكتاب والسنّة حسبما عرفت.
(1) فإنّ الفداء المأخوذ بدلاً عن الأسير وكذا الجزية المبذولة في تلك السريّة عن الرؤوس وكذا ما صولحوا عليه كلّها تعدّ من غنائم أهل الحرب ، الشاملة لما يؤخذ منهم بالغلبة أم بدونها ، فتكون مشمولة لإطلاق الآية المباركة بعد صدق الغنيمة عليها.
(2) لما عرفت أيضاً من إطلاق الآية المباركة ، الشامل للغنائم المأخوذة منهم دفاعاً كالمأخوذة هجوماً وجهاداً بعد صدق الغنيمة على الكلّ بمناط واحد ،
[2877] مسألة 1 : إذا غار المسلمون على الكفّار فأخذوا أموالهم فالأحوط بل الأقوى إخراج خمسها (1) ، من حيث كونها غنيمة ولو في زمن الغيبة ، فلا يلاحظ فيها مئونة السنة. وكذا إذا أخذوا بالسرقة والغِيلة (1). نعم ، لو أخذوا منهم بالربا أو بالدعوى الباطلة فالأقوى إلحاقه بالفوائد المكتسبة ، فيعتبر فيه الزيادة عن مئونة السنة ، وإن كان الأحوط إخراج خمسه مطلقاً.
وعدم الدليل على التقييد بالثاني من غير فرق بين الدفاع في زمن الغيبة أو الحضور.
ولا يعتبر هنا الإذن من الإمام وإن اعتبرناه في الجهاد ، لقصور الدليل ، فإنّه إمّا الإجماع ولا إطلاق له يشمل الدفاع ، أو مرسل الورّاق وموردها الغزو ، أو صحيحة ابن وهب وموردها السريّة ، وشيء منهما لا يشمل الدفاع كما هو ظاهر.
(1) إذ لا فرق بمقتضى إطلاق الآية وغيرها بين الغنائم المأخوذة منهم في قتالٍ مبنيٍّ على الدعاء إلى الإسلام وتوسعة أراضي المسلمين ، أو على مجرّد أخذ الأموال والاستيلاء عليها كما تقدّم.
وأمّا المأخوذ منهم بالسرقة أو الغيلة والخدعة في موردٍ يجوز ذلك فلا إشكال في أنّه غنيمة يجب تخميسها.
وإنّما الكلام في أنّ ذلك هل يعدّ من الغنيمة بالمعنى الأخصّ أي من غنائم دار الحرب أو منها بالمعنى الأعمّ الشامل لمطلق الفائدة؟
وتظهر الثمرة بين الغنيمتين في ملاحظة المئونة وعدمها ، فعلى الأوّل يجب
1) (*) الظاهر أنّه بحكم الأرباح.
.................................................................................................
التخميس بمجرّد حصولها. وأمّا على الثاني فيجوز التأخير إلى نهاية السنة ، فإن زادت على مئونتها يخمّس الزائد ، وإلّا فلا شيء عليه ، فتخرج مئونة السنة على الثاني دون الأوّل.
اختار الماتن الأوّل ، ولكن الظاهر الثاني ، فإنّ المستفاد من الآية المباركة وكذا النصوص على كثرتها صحيحها وسقيمها التي لا يبعد بلوغ المجموع حدّ التواتر اختصاص الحكم بالاغتنام الناتج من القتال ، والمتحصّل من الغلبة بالمقاتلة ، لا مطلق السيطرة على المال كيفما اتّفق ليشمل مثل السرقة والخديعة.
ويعضده ما في مكاتبة علي بن مهزيار من التمثيل لمطلق الفائدة أي الغنيمة بالمعنى الأعمّ بالمال المأخوذ من عدوٍّ يصطلم (1).
فإنّ من الظاهر عدم إرادة العدوّ الشخصي ، بداهة أنّ العداوة الشخصية لا تسوّغ أخذ المال ، بل المبدئي العقائدي الذي من أبرز أفراده الكافر الحربي يؤخذ المال منه غلبةً أو سرقةً الذي هو محلّ الكلام.
وبعبارة اخرى : مقتضى إطلاقات الأدلّة المتضمّنة أنّ الخمس بعد المئونة : أنّ كلّ فائدة يستفيدها الغانم لا يجب خمسها إلّا بعد إخراج مئونة السنة إلّا ما ثبت خلافه بدليل خاصّ ، وقد ثبت ذلك في جملة من الموارد مثل غنائم دار الحرب الحاصلة من القتال والمعدن والكنز ونحوها ، ولم يثبت في المأخوذ من الكافر سرقةً أو غيلةً ، فالمتّبع حينئذٍ هو الإطلاق المتقدّم. إذن فهذا المأخوذ فائدة كسائر الفوائد العائدة بالتكسّب لا يجب تخميسها إلّا بعد إخراج مئونة السنة.
وأوضح حالاً المأخوذ منهم بالمعاملة الربويّة ، فإنّا لو بنينا على جواز الربا
1) الوسائل 9 : 501 / أبواب ما يجب فيه الخمس ب 8 ح 5.
.................................................................................................
معهم كما هو المشهور كانت هذه المعاملة كغيرها من سائر المعاملات التي تعدّ فوائدها من أرباح المكاسب والغنائم بالمعنى الأعمّ كما هو ظاهر.
وإن قلنا بالحرمة كما هو الأظهر عملاً بإطلاق قوله تعالى ( وَحَرَّمَ الرِّبا ) (1)السليم عمّا يصلح للتقييد نظراً إلى أنّ الرواية المقيّدة المتضمّنة لجواز الربا مع الكافر ضعيفة السند ، ومن ثمّ استغرب السبزواري أنّه كيف يرفع اليد عن إطلاق الآية برواية ضعيفة فهذه المعاملة غير سائغة معهم من أصلها فلا يجوز ارتكابها.
نعم ، بعد الارتكاب وأخذ المال يجوز التصرّف فيه ولا يجب الردّ ، عملاً بقاعدة الإلزام ، حيث إنّهم يسوّغون هذه المعاملة فيؤخذون بما التزموا به على أنفسهم. وعليه ، فيعدّ ذلك فائدة عائدة بالتكسّب كما في سائر المعاملات ، فتكون لا محالة من الغنائم بالمعنى الأعمّ.
بل يمكن أن يقال : إنّه لا حاجة إلى التمسّك بقاعدة الإلزام بعد جواز استملاك مال الكافر حتّى سرقةً أو غيلةً.
نعم ، يتّجه في الكافر الذمّي الذي هو خارج فعلاً عن محلّ الكلام. اللّهمّ إلّا أن يستند إليها ليكون له معذّر في نظر العقلاء دون الشرع.
وأمّا المأخوذ بالدعوى الباطلة فهو في حكم المأخوذ بالسرقة أو الغيلة ، ولا وجه للتفكيك بينهما أبداً ، لوحدة المناط ، وهو اندراج الكلّ في الفائدة والمغنم من غير اشتماله على القتال ، وقد عرفت أنّها من الغنائم بالمعنى الأعم ، فيعتبر في وجوب تخميسها إخراج مئونة السنة حسبما عرفت.
1) البقرة 2 : 275.
[2878] مسألة 2 : يجوز أخذ مال الناصب أينما وُجِد (1) ، لكن الأحوط إخراج خمسه مطلقاً (2).
(1) فلا احترام لماله كالكافر الحربي ، بل هو أشدّ منه ، وقد ورد : أنّ اللّه تعالى لم يخلق خلقاً أنجس من الكلب ، وأنّ الناصب لنا أهل البيت أنجس منه (1).
ويدلّ على الحكم صريحاً صحيح الحفص بن البختري عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال : خذ مال الناصب حيثما وجدته وادفع إلينا الخمس» (2)، ونحوه صحيح معلى بن خنيس على الأظهر (3).
المؤيّدين بالمرسل عن إسحاق بن عمّار ، قال : قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : «مال الناصب وكلّ شيء يملكه حلال إلّا امرأته ، فإنّ نكاح أهل الشرك جائز ، وذلك أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) قال : لا تسبّوا أهل الشرك ، فإنّ لكلّ قوم نكاحاً ، ولو لا أنّا نخاف عليكم أن يقتل رجل منكم برجل منهم ورجل منكم خير من ألف رجل منهم لأمرناكم بالقتل لهم ، ولكن ذلك إلى الإمام» (4).
(2) لا إشكال في وجوب تخميسه في الجملة كما نطقت به الصحيحتان المتقدّمتان آنفاً.
وإنّما الكلام في أنّ ذلك هل يجب ابتداءً كما في غنائم دار الحرب ، أو بعد إخراج مئونة السنة؟
.................................................................................................
ذكر الماتن (قدس سره) أنّ الأوّل أحوط ، والظاهر أنّه الأقوى ، عملاً بإطلاق الصحيحتين ، فإنّ ما دلّ على أنّ الخمس بعد المئونة ناظرٌ إلى الفوائد العائدة بالاكتساب من الصناعات والتجارات ، أمّا ما عدا ذلك كغنائم دار الحرب والمعدن ، والمال المختلط بالحلال والحرام ونحوها ، ومنها المأخوذ من الناصب فالمتّبع إطلاق دليل وجوب الخمس ، الثابت في مواردها ، المقتضي لوجوب التخميس ابتداءً ، من غير انتظار الزيادة على مئونة السنة ، لعدم اندراجها تحت تلك الأدلّة كما لا يخفى.
بل يكفينا مجرّد الشكّ في ذلك والتردّد في أنّ ما دلّ على أنّ الخمس بعد المئونة هل يختصّ بالخمس بعنوان الفائدة وأرباح المكاسب؟ أو أنّه يعمّ مثل المقام ، نظراً إلى أنّ الحكم الوضعي أعني : تعلّق الخمس بالمال وكون جزء من خمسة أجزائه ملكاً للإمام (عليه السلام) ثابتٌ منذ التسلّط عليه على أيّ حال من غير شبهة وإشكال؟ غاية الأمر قيام الدليل على جواز التأخير والتصرّف في تمام المال إلى نهاية السنة تسهيلاً وإرفاقاً منهم (عليهم السلام) ، وأنّه لا خمس إلّا في الفاضل على مئونة السنة ، حيث قد ثبت هذا الترخيص في طائفة من تلك الأموال التي تعلّق بها الخمس ، فإذا شكّ في سعة هذا الدليل وضيقه وأنّه هل يشمل المال المأخوذ من الناصب أو لا ، كان المرجع أصالة عدم جواز التصرّف في ملك الغير أعني : الخمس المتعلِّق بالإمام (عليه السلام) إذ التصرّف يحتاج إلى الدليل بعد فرض كونه ملكاً للغير كما عرفت ، ومقتضى الأصل عدمه ، ونتيجته وجوب التخميس ابتداءً من غير إخراج مئونة السنة ، فيكون الحكم التكليفي أيضاً ثابتاً كالوضعي.
وكذا الأحوط إخراج الخمس ممّا حواه العسكر من مال البغاة إذا كانوا من النُّصّاب (1) ودخلوا في عنوانهم ، وإلّا فيشكل حلّيّة مالهم.
(1) لا ينبغي الإشكال في حلّيّة مال البغاة والخوارج وجواز التصرّف فيه بإتلافٍ ونحوه قبل نشوب القتال أو أثنائه قبل أن ( تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها ) ، فإنّ الإذن في القتال إذنٌ في مثل هذه التصرّفات التي يتوقّف القتال عليها من قتل فرس المقاتل الباغي أو فتق درعه أو كسر سيفه ونحو ذلك.
ومنه تعرف عدم الضمان بعد أن كان الإتلاف بإذن من ولي الأمر ومن هو أولى بالتصرّف.
وقد أمر مولانا أمير المؤمنين عليه أفضل الصلاة والسلام بعقر جمل عائشة فعُقِرَ من غير أن يخرج عن ضمانه (1).
وأمّا بعد انتهاء القتال ووضع ( الْحَرْبُ أَوْزارَها ) فلا إشكال في الجواز أيضاً إذا كان البغاة من النصّاب ، لما تقدّم من حلّيّة مال الناصب وعدم احترامه وإن لم يقاتل فضلاً عمّا لو قاتل.
وأمّا إذا لم يكن من النواصب وإنّما خرج وقاتل طلباً للرئاسة وحرصاً على حطام الدُّنيا من غير أن يحمل بغض أهل البيت (عليهم السلام) وينصب العداوة لهم ، فقد وقع الخلاف حينئذٍ بين الأصحاب في جواز التصرّف في ماله :
فذهب جماعة إلى الجواز وأنّه يقسّم بين المقاتلين كما في الكافر الحربي ، بل ادّعى الشيخ في الخلاف إجماع الفرقة وأخبارهم عليه (2).
.................................................................................................
ولكن الإجماع المدّعى منه معارض بما عن السيِّد المرتضى وابن إدريس والعلّامة من دعوى الإجماع على خلافه كما في الجواهر ج 12 ص 339 ، فلا يعتمد عليه بوجه. ولم يتّضح مراده (قدس سره) من الأخبار وغايته أنّها مرسلة.
هذا ، وقد ذهب المحقّق في جهاد الشرائع إلى جواز التصرّف والقسمة بين المقاتلين (1)، استناداً إلى قيام سيرة علي (عليه السلام) على ذلك ، كما حكي ذلك عن جمع أيضاً منهم العماني (2).
ولكن سيرته غير ثابتة كما صرّح به في الجواهر ، بل عن الشيخ في المبسوط والشهيد في الدروس أنّ سيرته (عليه السلام) في أهل البصرة كانت على خلاف ذلك وأنّه (عليه السلام) أمر بردّ أموالهم فأُخذت حتى القدور (3).
فدعوى السيرة معارضة بمثلها كالإجماع فلا يمكن الاعتماد على شيء منهما ، بل لا يمكن الاعتماد حتى لو ثبتت السيرة على كلّ من الطرفين ، إذ لو ثبتت سيرته (عليه السلام) على التقسيم فبما أنّها قضيّة خارجيّة فمن الجائز أن يكون ذلك من أجل أنّ المقاتلين كانوا بأجمعهم من النواصب ، وقد عرفت حلّيّة مال الناصب وإن لم يقاتل فضلاً عن المقاتل. فلا دلالة في ذلك على جواز القسمة في غير الناصبي الذي هو محلّ الكلام.
ولو ثبتت سيرته (عليه السلام) على الردّ فهو أعمّ من حرمة التقسيم ، لجواز ابتنائه على المنّ.
[2879] مسألة 3 : يشترط في المغتنم أن لا يكون غصباً من مسلم أو ذمّي أو معاهد (1) أو نحوهم ممّن هو محترم المال ، وإلّا فيجب ردّه إلى مالكه. نعم ، لو كان مغصوباً من غيرهم من أهل الحرب لا بأس بأخذه وإعطاء خمسه وإن لم يكن الحرب فعلاً مع المغصوب منهم. وكذا إذا كان عند المقاتلين مال غيرهم من أهل الحرب بعنوان الأمانة من وديعة أو إجارة أو عارية أو نحوها.
وعلى الجملة : فالسيرة على أيّ من الطرفين ثبتت لا يمكن الاستدلال بها فضلاً عن عدم ثبوتها كالإجماع ، ولم يرد في المقام نصّ كما عرفت. إذن فلا بدّ من العمل على مقتضى القواعد العامّة ، وهي تقتضي عدم الجواز ، عملاً بإطلاقات احترام مال المسلم ما لم يثبت خلافه.
(1) لا فرق في الغنيمة المأخوذة من دار الحرب بين ما إذا كانت ملكاً للمحاربين أنفسهم أو ملكاً لمحارب آخر وإن لم يكن من أهل الحرب فعلاً ، سواء أغصبوه منه أم كان عندهم بعنوان الأمانة من وديعة ونحوها ، لصدق الغنيمة على الكلّ ، فيشمله إطلاق الآية المباركة بعد تساوي الجميع في عدم احترام المال. وهذا ظاهر ، كما أنّه متسالم عليه بين الأصحاب.
وأمّا لو كان مغصوباً ممّن هو محترم المال كالمسلم والذمّي ونحوهما فالمشهور وجوب الردّ إلى مالكه ، بل لم ينسب الخلاف إلّا إلى الشيخ في النهاية والقاضي في بعض كتبه ، فعزي إليهما أنّ الغنيمة حينئذٍ للمقاتلين وأنّ الإمام يغرَّم القيمة لأربابها من بيت المال (1).
1) انظر النهاية : 198.
.................................................................................................
ويدلّ على المشهور مضافاً إلى عمومات أدلّة احترام المال المقتضية لوجوب الردّ صحيح هشام بن سالم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : سأله رجل عن الترك يغزون على المسلمين فيأخذون أولادهم فيسرقون منهم ، أيردّ عليهم؟ «قال : نعم ، والمسلم أخو المسلم ، والمسلم أحقّ بماله أينما وجده» (1).
ودلالتها ظاهرة بل صريحة في المطلوب ، كما أنّها صحيحة السند.
هذا ، ويستدلّ لمقالة الشيخ برواية أُخرى لهشام ، عن بعض أصحاب أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : في السبي يأخذ العدو من المسلمين في القتال من أولاد المسلمين أو من مماليكهم فيحوزونه ، ثمّ إنّ المسلمين بعد قاتلوهم فظفروا بهم وسبوهم وأخذوا منهم ما أخذوا إلى أن قال : «وأمّا المماليك فإنّهم يقامون في سهام المسلمين فيباعون وتعطى مواليهم قيمة أثمانهم من بيت مال المسلمين» (2).
ولكنّها ضعيفة السند بالإرسال أوّلاً ، ولم يعمل بها المشهور ليدّعى الانجبار على القول به. وأخصّ من المدّعى ثانياً ، فإنّها متعرّضة لخصوص المماليك أعني : الإماء والعبيد دون سائر الأموال المغتنمة ، فيحتاج إلى دعوى القطع بعدم الفرق أو عدم القول بالفصل. ومعارَضة بصحيحته ثالثاً حسبما عرفت.
نعم ، يمكن الاستدلال له بصحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : سألته عن رجل لقيه العدو وأصاب منه مالاً أو متاعاً ، ثمّ إنّ المسلمين أصابوا ذلك ، كيف يصنع بمتاع الرجل؟ «فقال : إذا كانوا أصابوه قبل أن يحوزوا متاع الرجل رُدّ عليه ، وإن كانوا أصابوه بعد ما حازوه فهو فيء المسلمين فهو
.................................................................................................
أحقّ بالشفعة» (1).
بناءً على تفسير الحيازة بالمقاتلة ليكون المعنى : أنّ إصابة المال لو كانت بعد القتال فهو فيء للمسلمين ، وإن كانت قبله رُدّ إلى صاحبه.
ولكن هذا التفسير غير ظاهر ، بل بعيد كما لا يخفى. ومن ثمّ فسّر الحيازة في الجواهر بالمقاسمة (2)بعد إرجاع الضمير في قوله : «إذا كانوا أصابوه» إلى الرجل ، أي إذا أصابوا صاحب المال قبل التقسيم رُدّ إليه ، وإن أصابوه بعد القسمة فهو فيء للمسلمين.
ولكنّه أيضاً خلاف الظاهر.
ولا يبعد أن يكون الأقرب من هذين الاحتمالين تفسير الحيازة بالاستيلاء على المال واغتنامه مع عود الضمير إلى الرجل ليكون المعنى : إنّه إن عرف صاحب المال قبل أن يغتنم فهو له وإلّا فللمسلمين ، كما ربّما يقرّب هذا المعنى ما هو المشهور بل المتسالم عليه بينهم من أنّ مجهول المالك لو عرف صاحبه بعد الصرف فيما قرّره الشرع من صدقة ونحوها لم يستحقّ شيئاً. ومن ثمّ فرّقوا بينه وبين اللقطة بأنّه لو تصدّق بها ضمن على تقدير العثور على صاحبها ، بخلاف التصدّق بمجهول المالك فإنّه لا ضمان فيه بتاتاً ، فيكون الاغتنام في المقام بعد كون المال المبحوث عنه من قبيل مجهول المالك بمثابة التصدّق في سائر الموارد ، حيث إنّه بإذنٍ من صاحب الشرع ، فلا ضمان بعده وإن عثر على مالكه.
وكيفما كان ، فهذا الاحتمال وإن كان أقرب كما عرفت ، إلّا أنّه بعدُ غير واضح ، فلا تخلو الصحيحة عن كونها مضطربة الدلالة ، فلا تصلح للاستدلال بعد تكافؤ
.................................................................................................
الاحتمالات.
على أنّا لو سلّمنا التفسير الأوّل بل لو فرضنا صراحتها فيه فلا ينطبق مفادها على مقالة الشيخ من غرامة الإمام قيمته من بيت المال ، لعدم التعرّض فيها لهذه الغرامة بوجه ، بل المذكور فيها أنّه أحقّ بالشفعة ، أي أنّ للمالك استرجاع المال من المقاتلين بالثمن كما في الشفيع ، كما صرّح بذلك في مرسلة جميل عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : في رجل كان له عبد فادخل دار الشرك ثمّ أُخذ سبياً إلى دار الإسلام «قال : إن وقع عليه قبل القسمة فهو له ، وإن جرى عليه القسم فهو أحقّ بالثمن» (1).
هذا كلّه فيما لو عرف المالك قبل القسمة.
وأمّا لو لم يعرف إلّا ما بعد التقسيم فعن الشيخ في النهاية : أنّها للمقاتلة أيضاً نحو ما سبق (2)، ولكن ذكر في الجواهر : أنِّي لم أجد له موافقاً منّا (3)، وإن حكي ذلك عن بعض العامّة كأبي حنيفة والثوري والأوزاعي ونحوهم (4)، كما لم يظهر له مستند أيضاً عدا صحيحة الحلبي المتقدّمة بناءً على تفسير الحيازة بالقسمة كما احتمله في الجواهر ، المعتضدة بمرسلة جميل. لكن عرفت أنّ شيئاً منهما لا ينطبق على مقالة الشيخ ، بل مفادهما جواز استرداد المالك بعد دفع الثمن لا غرامة الإمام قيمتها من بيت المال.
فالأقوى ما عليه المشهور من استرداد المالك ماله حيثما وجده ، من غير فرق بين ما قبل القسمة وما بعدها ، عملاً بإطلاقات احترام المال حسبما عرفت.
[2880] مسألة 4 : لا يعتبر في وجوب الخمس في الغنائم بلوغ النصاب عشرين ديناراً ، فيجب إخراج خمسه قليلاً كان أو كثيراً على الأصحّ (1).
وتؤيّد المشهور رواية طربال عن أبي جعفر (عليه السلام) ، قال : سُئل عن رجل كان له جارية فأغار عليه المشركون فأخذوها منه ، ثمّ إنّ المسلمين بعد غزوهم فأخذوها فيما غنموا منهم «فقال : إن كانت في الغنائم وأقام البيّنة أنّ المشركين أغاروا عليهم فأخذوها منه رُدّت عليه ، وإن كانت قد اشتُرِيت وخرجت من المغنم فأصابها رُدّت عليه برمّتها ، وأُعطي الذي اشتراها الثمن من المغنم من جميعه» قيل له : فإن لم يصبها حتى تفرّق الناس وقسّموا جميع الغنائم فأصابها بعد؟ «قال : يأخذها من الذي هي في يده إذا أقام البيّنة ، ويرجع الذي هي في يده إذا أقام البيّنة على أمير الجيش بالثمن» (1).
فإنّها توافق المشهور من حيث أخذ المالك ماله مجّاناً حيث وجده وإن تضمّنت رجوع المأخوذ منه بالثمن إلى أمير الجيش أو إلى المغنم.
(1) كما هو المعروف والمشهور ، خلافاً للمفيد في الغريّة (2)، حيث اعتبر النصاب ، ولكن لم يعرف له موافق كما صرّح به في الجواهر (3)، كما أنّه لم يعلم له أيّ مستند حتى رواية ضعيفة. فالمتّبع إذن إطلاقات الأدلّة من الكتاب والسنّة القاضية بلزوم التخميس في مطلق الغنيمة من غير تحديدٍ بحدّ.
[2881] مسألة 5 : السَّلَب من الغنيمة فيجب إخراج خُمسه على السالب (1)(1).
(1) قد وقع الخلاف في حكم السَّلَب وأنّه هل يختصّ بالمقاتل السالب ، أو أنّه غنيمة كسائر الغنائم يشترك فيها جميع المقاتلين بعد إخراج خمسه؟
والمعروف بين العامّة هو الأوّل ، لما رووه عن النبيّ (صلّى اللّه عليه وآله) من أنّ من قتل قتيلاً فله سَلَبه وسلاحه (2)، ولكن الرواية لم تثبت من طرقنا ، ومن ثمّ كان المعروف بيننا هو الثاني فيجب تخميسه كسائر الغنائم ، عملاً بالإطلاقات.
نعم ، لو ثبتت الرواية أو فرضنا أنّه من الجعائل بحيث جعله الإمام (عليه السلام) للسالب وخصّه به لمصلحة حيث إنّه وليّ الأمر ويجوز له ذلك كما تقدّم (3)، لم يجب تخميسه حينئذٍ ، لاستثنائه بالجعل عن الغنائم كما سبق ، فينصرف دليل الخمس عن مثله.
وبعبارة اخرى : ظاهر أدلّة الخمس أنّه إنّما يجب في غنيمة تقسّم أربعة أخماسها الباقية بين المقاتلين لا ما إذا كانت مختصّة بمقاتل خاصّ ، بل ظاهر ما دلّ على الاختصاص به أنّه له بتمامه وكماله ، ولأجله تنصرف عنه أدلّة التخميس من حيث الغنيمة.
نعم ، لا إشكال في وجوب خمسه من حيث الفائدة ، أي الغنيمة بالمعنى
.................................................................................................
الأعمّ ، وهو أمر آخر.
ثمّ إنّه قد ورد في صحيحة ابن سنان : أنّه «ليس الخمس إلّا في الغنائم خاصّة» (1).
وهذا بظاهره غير قابل للتصديق ، بل مقطوع العدم ، ولا يمكن الأخذ به ، لمنافاته مع ما ثبت من الخارج بالنصوص القطعيّة من ثبوت الخمس في غير الغنائم أيضاً كالمعادن والغوص والكنز ونحوها ممّا ستعرف إن شاء اللّه. فلا بدّ من العلاج :
إمّا بإرادة مطلق الفائدة من الغنيمة الشامل لجميع تلك الموارد.
أو يراد خصوص الخمس الواجب فرضاً الثابت في ظاهر القرآن ، بناءً على أنّ المراد بالغنيمة في الآية المباركة هي غنائم دار الحرب بقرينة الآيات السابقة واللّاحقة الواردة في القتال مع الكفّار ، فلا ينافي وجوب غيرها بحسب السنّة القطعيّة ، فالخمس في الغنيمة فريضة إلهيّة ثبتت بحسب الجعل الأولي وفيما عداها سنّة نبويّة. وإن كان المبنى سقيماً عندنا كما سيتّضح لك في محلّه إن شاء اللّه تعالى.
1) الوسائل 9 : 485 / أبواب ما يجب فيه الخمس ب 2 ح 1.
2) في رسالة شيخنا الوالد (طاب ثراه) التي كتبها في الخمس ما لفظه : والأظهر في الجمع أن يقال : إنّ الحصر المذكور قابل للتخصيص فيخصَّص بما دلّ على ثبوته في غيره ، ألا ترى ما ورد في باب الصوم من أنّه لا يضرّ الصائم ما صنع إذا اجتنب أربع خصال : الطعام والشراب والنِّساء والارتماس في الماء ، مع عدم انحصار المفطر بالأربعة المذكورة.
3) التهذيب 4 : 124 / 359.
الثاني : المعادن (1) من الذهب والفضّة والرصاص والصُّفر والحديد والياقوت والزَّبَرْجَد والفيروزَج والعقيق والزئبَق والكِبريت والنفط والقير والسَّبخ والزاج والزَّرنيخ والكُحل والملح بل والجصّ والنورة وطين الغَسل وحجر الرَّحى والمَغْرَة وهي الطين الأحمر على الأحوط ، وإن كان الأقوى عدم الخمس فيها من حيث المعدنيّة ، بل هي داخلة في أرباح المكاسب فيعتبر فيها الزيادة عن مئونة السنة.
والمدار على صدق كونه معدناً عرفاً ،
وعلى أيّ حال ، فلا بدّ من الحمل على أحد المحامل بعد امتناع الأخذ بالظاهر حسبما عرفت.
(1) بلا خلافٍ فيه ولا إشكال ، بل إجماعاً كما عن غير واحد ، وتشهد له جملة وافرة من النصوص بين معتبر وغيره دلّت على تعلّق الخمس بالمعدن من حيث هو وبعنوانه ، لا بعنوان الفائدة لتلاحظ الزيادة على المئونة.
وقد اختلفت كلمات الفقهاء في تفسير المعدن كما تضارب فيه تعريف اللغويّين ، وقد اشتملت النصوص على ذكر جملة منها كالذهب والفضّة ونحوهما.
ولا ينبغي الإشكال في أنّ ما يتكوّن في جوف الأرض ويستخرج منها ويعظم الانتفاع بها كالفلزات من الذهب والفضّة والنحاس والرصاص ونحوها من النفط والكبريت من مصاديق هذا العنوان عرفاً. والظاهر عدم اختصاصه بما كان مستوراً ومتكوّناً في جوف الأرض ، بل يشمل الظاهر المتكوّن فوقها كالملح ، كما صرّح به في صحيح ابن مسلم ، قال : سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الملاحة «فقال : وما الملاحة؟» فقلت : أرض سبخة مالحة يجتمع فيها الماء فيصير ملحاً «فقال : هذا المعدن فيه الخمس» فقلت : والكبريت والنفط يخرج
.................................................................................................
من الأرض؟ قال : «فقال : هذا وأشباهه فيه الخمس» (1).
فهذا مصداق شرعي للمعدن بمقتضى هذه الصحيحة ، سواء أصدق عليه المعدن عرفاً أم لا. كما أنّ ما صدق عليه الاسم عرفاً يلحقه حكمه وإن لم يكن مذكوراً في النصوص كالقير ، إلّا أن يكون مشمولاً لقوله : «وأشباهه» الوارد في ذيل هذه الصحيحة.
كما أنّ الظاهر عدم اعتبار خروجه عن صدق مسمّى الأرض ، فلا فرق فيما يستخرج بين كونه من غير جنس الأرض كالذهب والفضّة ونحوهما حيث إنّها ماهيّة أُخرى مباينة لها بحيث لو فرضنا أنّ قطعة من الكرة الأرضيّة كانت ذهباً لا يصدق عليها عنوان الأرض بتاتاً ، أو كانت من جنس الأرض ومسمّاها كالعقيق والفيروزج والياقوت والزبرجد ونحوها من الأحجار الكريمة التي لا فرق بينها وبين غيرها من الحصى وسائر الأحجار في اتّخاذ أُصولها من التراب ، غايته أنّه تغيّرت صورتها بسبب الأمطار وإشراق الشمس وعلل اخرى فأصبحت ملوّنة شفّافة واتّصفت بكونها ثمينة كريمة تبذل الأموال الطائلة بإزائها لعلّةٍ لم نعرفها لحدّ الآن ، إذ ربّ حجر يكون أبدع وأجمل وأشدّ صفاءً ولا يعدّ كريماً.
وكيفما كان ، فهذه أيضاً معادن وإن كانت من جنس الأرض ولم تكن مغايرة لها وقد حكي أنّ في بلاد الهند وادياً من عقيق مع ضرورة صدق اسم الأرض عليها.
ومن ثمّ ذكرنا في محلّه جواز السجود عليها ، لصدق اسم الأرض على هذه الأحجار وإن صدق اسم المعدن عليها أيضاً ، إذ المعتبر في المسجد أن يكون أرضاً لا أن لا يكون معدناً.
1) الوسائل 9 : 492 / أبواب ما يجب فيه الخمس ب 3 ح 4.
وإذا شكّ في الصدق (1) لم يلحقه حكمها فلا يجب خمسه من هذه الحيثيّة ، بل يدخل في أرباح المكاسب ويجب خمسه إذا زادت عن مئونة السنة من غير اعتبار بلوغ النصاب فيه.
وكيفما كان ، فالعبرة بالصدق العرفي أو التعبّد الشرعي ، وقد ورد في صحيح زرارة : أنّ «كلّ ما كان ركازاً ففيه الخمس» (1)، الشامل لكلّ ما كان له ثبات وقرار ومرتكزاً في مكان حتى مثل الملح ونحوه كما تقدّم.
فإن تحقّق ذلك وأُحرز الصدق فلا كلام.
(1) إنّما الكلام في موارد الشكّ كالجصّ والنورة وطين الرأس والطين الأحمر ونحوها.
والمتعيّن حينئذٍ الرجوع إلى الأُصول العمليّة ، ومقتضاها أصالة عدم وجوب التخميس فعلاً بعد الأخذ بعموم ما دلّ على أنّ «كلّ ما أفاد الناس من قليل أو كثير ففيه الخمس بعد المئونة» (2)أي مئونة السنة فإنّ ما يشكّ في صدق اسم المعدن عليه مشمول لهذا العامّ ، لصدق الفائدة عليه بلا كلام ، وقد خرج عن هذا العامّ بالمخصّص المنفصل عناوين خاصّة كالمعدن ونحوها ، حيث يجب تخميسها ابتداءً من غير ملاحظة المئونة ، والمفروض الشكّ في سعة مفهوم المخصّص بحيث يشمل هذا الفرد المشكوك فيه وضيقه ، وقد تقرّر في محلّه الاقتصار في المخصّص المنفصل المجمل الدائر بين الأقلّ والأكثر على المقدار المتيقّن والرجوع فيما عداه إلى عموم العامّ الذي مقتضاه في المقام عدم وجوب التخميس إلّا بعد إخراج المئونة حسبما عرفت.
ولا فرق في وجوب إخراج خمس المعدن بين أن يكون في أرض مباحة أو مملوكة (1) ، وبين أن يكون تحت الأرض أو على ظهرها ، ولا بين أن يكون المخرج مسلماً أو كافراً (2) ذمّيّاً بل ولو حربيّا ، ولا بين أن يكون بالغاً أو صبيّاً وعاقلاً أو مجنوناً (3) ، فيجب (1)على وليّهما إخراج الخمس ، ويجوز للحاكم الشرعي إجبار الكافر (2)على دفع الخمس ممّا أخرجه وإن كان لو أسلم سقط عنه مع عدم بقاء عينه.
(1) لإطلاق الأدلّة الشامل لهما. وأمّا المغصوب فسيأتي الكلام عليه عند تعرّض الماتن (3)، كما أنّ مقتضى الإطلاق عدم الفرق أيضاً بين أن يكون تحت الأرض أم على ظهرها كالملح كما تقدّم.
(2) بناءً على تكليف الكافر بالفروع كالأُصول كما هو المشهور ، وأمّا بناءً على عدمه كما لعلّه الأظهر حسبما تقدّم في كتاب الزكاة فلا.
(3) على المشهور من عدم سقوط الخمس عن الصغير والمجنون فيتصدّى وليّهما للإخراج ، ولكن تقدّم في كتاب الزكاة أنّ الأظهر سقوطه عنهما ، فإنّ الخمس كالزكاة وإن كانا من قبيل الوضع وأنّ مقداراً معيّناً من المال ملك للغير ، إلّا أنّ إطلاق حديث رفع القلم يشمل التكليف والوضع ولا موجب للتخصيص بالأوّل ، بل مفاده أنّ الصبي والمجنون ممّن رفع عنه قلم التشريع ولم يكتب عليهما في دفتر القانون شيء.
ويشترط في وجوب الخمس في المعدن بلوغ ما أخرجه عشرين ديناراً (1)
وعلى الجملة : لا يزيد المقام على ما تقدّم في كتاب الزكاة بشيء ، لعدم ورود نصّ خاصّ فيه ، فيجري في الكافر والصغير والمجنون كلّما أسلفناه هناك ، فلاحظ.
(1) كما اختاره الشيخ في النهاية وابن حمزة في الوسيلة (1)، وهو المشهور بين المتأخّرين ، بل نسب إلى عامّتهم تارةً وقاطبتهم اخرى. وأمّا القدماء فالمشهور بينهم عكس ذلك ، إذ لم ينسب اعتبار النصاب منهم إلّا إلى الشيخ في النهاية وابن حمزة في الوسيلة كما سمعت ، بل أنّ الشيخ بنفسه يدّعي في كتاب الخلاف الإجماع على عدم اعتبار النصاب (2)، وعن أبي الصلاح الحلبي أنّ نصابه دينار واحد (3).
وكيفما كان ، فالمتّبع هو الدليل ، ولا شكّ أنّ مقتضى الإطلاقات في غير واحد من الروايات هو عدم الاعتبار ، إلّا أنّ صحيح البزنطي قد تضمّن التقييد به ، قال : سألت أبا الحسن (عليه السلام) عمّا أخرج المعدن من قليل أو كثير ، هل فيه شيء؟ «قال : ليس فيه شيء حتى يبلغ ما يكون في مثله الزكاة عشرين ديناراً» (4)، وبه يقيّد إطلاق النصوص كما هو مقتضى صناعة الإطلاق والتقييد.
ولكن قد يناقش في الصحيح من وجوه :
.................................................................................................
أحدها : أنّه موهون بإعراض قدماء الأصحاب فيسقط عن درجة الاعتبار.
والجواب عنه واضح ، فإنّه بعد تسليم كبرى الوهن بالإعراض فالصغرى ممنوعة ، فإنّ جمهور المتأخّرين قد عملوا به كما أنّ الشيخ وابن حمزة من القدماء عملوا أيضاً. نعم ، جماعة منهم بين أربعة أشخاص أو خمسة لم يعملوا ، ولا ريب في عدم تحقّق الإعراض بهذا المقدار كما لا يخفى.
ثانيها : أنّه لا تعرّض في الصحيح إلى الخمس بوجه لا سؤالاً ولا جواباً ، بل الظاهر من سياقه أنّه ناظر إلى السؤال عن زكاة الذهب والفضّة بعد الإخراج من معدنهما ، وبما أنّهما غير مسكوكين حينئذٍ ولا زكاة إلّا في المسكوك فجوابه (عليه السلام) بالوجوب بعد بلوغ النصاب محمولٌ على التقيّة ، لموافقته لمذهب الشافعي (1).
وفيه أوّلاً : أنّ المعدن المذكور في السؤال مطلق يشمل عامّة المعادن ، فتخصيصه بالذهب والفضّة بلا موجب ، بل عارٍ عن كل شاهد.
وثانياً : أنّ حمل كلمة «شيء» الواردة في السؤال على خصوص الزكاة أيضاً بلا موجب ، بل هو يشمل كلّ ما افترضه اللّه في هذا المال الشامل للخمس ، فقوله (عليه السلام) في الجواب : «ليس فيه شيء» أي ليس فيه شيء من حقّ اللّه إلّا أن يبلغ النصاب لا الزكاة بخصوصها ، إذ لا قرينة عليها كما عرفت.
وثالثاً : أنّ الظاهر من قوله (عليه السلام) : «ما يكون في مثله الزكاة» أنّ موضوع البحث ومورد السؤال والجواب شيء آخر غير زكاة الذهب والفضّة ، ولذا جعله مماثلاً لها ، وإلّا لكانت هذه الجملة ملغية وأصبحت مستدركة ، وكان الأحرى أن يقول : حتى يبلغ عشرين ديناراً ، الذي هو أخصر وأسلس ، وليس ذلك الشيء إلّا الخمس كما لا يخفى.
1) الأُم 2 : 40 ، المجموع 6 : 2.
.................................................................................................
ويؤكِّده أنّه لو أُريد به الزكاة فلا وجه لتخصيص النصاب بعشرين ديناراً ، إذ هو نصاب الذهب ، وأمّا الفضّة فمائتا درهم ، فكان اللّازم التعرّض له أيضاً وعطفه عليه ، وهما وإن كانا غالب المطابقة سيّما في الأزمنة السابقة التي كان فيها كلّ عشرة دراهم تسوى بدينار كما قيل ، إلّا أنّهما بالآخرة عنوانان بينهما عموم من وجه ، وقد يفترقان فلا وجه لتخصيص أحدهما بالذكر دون الآخر.
وهذا بخلاف ما لو أُريد الخمس ، ضرورة أنّ التحديد ببلوغ ما في مثله الزكاة إحالة على أمر مجمل ، لاختلاف الماليّة باختلاف مراتب النصب في الأعيان الزكويّة ، ومن ثمّ احتاج إلى التعيين وأنّه عشرون ديناراً نصاب الذهب ليرتفع به الإجمال المزبور.
ويؤيِّده أنّ البزنطي بنفسه سأل الرضا (عليه السلام) في صحيحته الأُخرى عن الكنز فأجابه (عليه السلام) بمثل الجواب المتقدِّم ، أعني التحديد بما يجب في مثله الزكاة مصرّحاً بأنّ فيه الخمس ، قال : سألته عمّا يجب فيه الخمس من الكنز؟ «فقال : ما يجب الزكاة في مثله ففيه الخمس» (1)، فيكشف ذلك عن أنّ السؤال في هذه الصحيحة أيضاً ناظر إلى الخمس ، ولعلّ مسبوقيّة ذهنه بحكم الكنز دعته إلى السؤال عن نظيره في المعادن.
ويؤيِّده أيضاً التصريح بالخمس في روايته الثالثة عن محمّد بن علي ابن أبي عبد اللّه عن أبي الحسن (عليه السلام) ، قال : سألته عمّا يخرج من البحر من اللؤلؤ والياقوت والزبرجد وعن معادن الذهب والفضّة ، هل فيها زكاة؟ «فقال : إذا بلغ قيمته ديناراً ففيه الخمس» (2).
.................................................................................................
والمتحصِّل من جميع ما قدّمناه : أنّه لا مجال للخدش في هذه الصحيحة لا بالإعراض ولا بالحمل على التقيّة ، وهي ظاهرة في إرادة الخمس ، فلا مناص إذن من رفع اليد عن المطلقات وتقييدها بها ، وتكون النتيجة اعتبار النصاب في المعادن عشرين ديناراً.
نعم ، قد يعارضها روايته الأُخرى المتضمّنة لتحديد النصاب بدينار واحد المتقدِّمة آنفاً التي استند إليها الحلبي كما تقدّم (1).
وفيه أوّلاً : أنّها رواية شاذّة وقد تفرّد بالعمل بها الحلبي ولم يوافقه غيره ، فلا تنهض للمقاومة مع تلك الرواية المشهورة بين الأصحاب.
وثانياً : أنّها ضعيفة السند بمحمّد بن علي بن أبي عبد اللّه ، فإنّه مجهول ، بل لم يرد عنه في مجموع الفقه إلّا روايتان : أحدهما هذه التي يروي عنه البزنطي ، والأُخرى ما يروي عنه علي بن أسباط.
نعم ، بناءً على المسلك المعروف من أنّ أصحاب الإجماع ومنهم البزنطي لا يرسلون ولا يروون إلّا عن الثقة فالرجل محكوم بالوثاقة ، إذ الرواية عنه حينئذٍ توثيقٌ له ، ولكن المبنى بمراحل عن الواقع كما أشرنا إليه في مطاوي هذا الشرح مراراً. إذن فالرواية ضعيفة ولا تصلح لمعارضة ما سبق.
بل يمكن أن يقال : إنّ الدلالة أيضاً قاصرة وأنّ الجواب ناظر إلى الغوص فقط دون المعدن كما أشار إليه في الوسائل ، كما يكشف عنه تذكير الضمير في قوله : «قيمته» الراجع إلى ما يخرج من البحر دون المعادن ، وإلّا كان مقتضى القواعد تأنيثه كما لا يخفى ، فكأنه (عليه السلام) أعرض عن بيان حكم المعادن لوجود من يُتّقى منه بحيث لو بيّن الواقع وأنّ فيها النصاب عشرين ديناراً لكان
1) في ص 37.
.................................................................................................
على خلاف التقيّة ، ولو بيّن خلافه لكان كذباً ، ومن ثمّ أعرض واقتصر على حكم الأوّل.
وكيفما كان ، فهذه الرواية غير صالحة للاستناد إليها بوجه ، فتبقى صحيحة البزنطي سليمة عن المعارضة.
ثالثها : أنّ إرادة الخمس من الصحيح يستلزم ارتكاب التقييد ببلوغ العشرين في صحيحة ابن مسلم المصرّحة بوجوب الخمس في الملح المتّخذ من الأرض السبخة المالحة (1).
وهو كما ترى ، إذ قلّما يتّفق في مثله بلوغ النصاب المزبور ، فيلزم منه حمل المطلق على الفرد النادر ، ولا سيّما إذا اعتبرنا في الإخراج أن يكون دفعة واحدة ، فإنّ فرض كون الخارج بمقدار عشرين ديناراً نادرٌ جدّاً ، فلا مناص من إنكار النصاب في المعادن ، وحمل الصحيح على إرادة الزكاة تقيّةً كما سبق.
وفيه أوّلاً : منع الندرة ، سيّما في الأمكنة التي يعزّ وجود الملح فيها وخصوصاً فيمن اتّخذ الملاحة مكسباً ومتجراً له يستعين للاستخراج بعمّال خاصّة ، بل لعلّ الغالب في ذلك بلوغ ما يتّخذ من معدنه حدّ النصاب ، سواء اتّخذ من صفحة الجبل وهو الملح الحجري أم من سطح الأرض ، ولعلّ البلوغ في الأوّل أسرع. وكيفما كان ، فالندرة غير مسلّمة ، ولا أقلّ أنّها غير مطّردة حسبما عرفت.
وثانياً : سلّمنا ذلك ، ولكن المحذور إنّما يتوجّه لو كان الحكم في الصحيحة متعلّقاً بالملح بما هو ملح ، وليس كذلك ، بل عُلِّق عليه بما أنّه معدن ، حيث قال (عليه السلام) : «هذا المعدن فيه الخمس» ، فموضوع الحكم هو المعدن ، والملح
1) الوسائل 9 : 492 / أبواب ما يجب فيه الخمس ب 3 ح 4.
بعد استثناء مئونة الإخراج (1)(1) والتصفية ونحوهما ، فلا يجب إذا كان المخرَج أقلّ منه ، وإن كان الأحوط إخراجه إذا بلغ ديناراً بل مطلقاً.
فرد من أفراد الموضوع لا أنّه بنفسه الموضوع ، ولا شكّ أنّ العبرة في الندرة وعدمها ملاحظتها بالإضافة إلى نفس الموضوع والطبيعي الذي تعلّق به الحكم ، فإذا لم يلزم من تقييده الحمل على الفرد النادر يرتكب التقييد وإن تضمّن الندرة بالإضافة إلى بعض أفراده ، ومن المعلوم أنّ تقييد المعدن بما هو معدن ببلوغ النصاب لا ندرة فيه بوجه ، لكثرة أفراد البالغ من هذه الطبيعة وإن قلّ وندر البالغ في خصوص فرد منه وهو الملح ، فغاية ما هناك استلزام التقييد للندرة في بعض أفراد الطبيعة ، ولا ضير فيه بوجه حسبما عرفت.
(1) يقع الكلام في مقامين :
الأوّل : هل يجب التخميس في مجموع ما أخرجه المعدن ، أو في خصوص ما يبقى بعد استثناء المؤن المصروفة في سبيل الإخراج والتصفية ونحوهما ، فلو كان الخارج ثلاثين ديناراً والمؤن المصروفة عشرة فهل يخمّس الثلاثون أو العشرون؟
الظاهر هو الثاني ، بل لا ينبغي الإشكال فيه ، لمطابقته للقاعدة ، حتى وإن لم ترد في البين أيّة رواية خاصّة ، ضرورة أنّ موضوع الخمس في جميع موارده وشتّى أقسامه إنّما هو الغنيمة والفائدة وما يعود للغانم ويستفيده ، دون ما لم يكن مغنماً وربحاً ، سواء أُريد به المعنى الأخصّ أم الأعمّ كما أُشير إليه في صحيحة ابن سنان من قوله (عليه السلام) : إنّه لا خمس إلّا في الغنائم خاصّة ،
1) (*) الظاهر كفاية بلوغ قيمة المخرَج عشرين ديناراً قبل استثناء المئونة ، وإن كان ما يجب فيه الخمس إنّما هو بعد استثنائها.
.................................................................................................
على بعض محاملها كما تقدّم في ص 32.
ولا شكّ في عدم استحقاق إطلاق الفائدة وعدم صدق الغنيمة إلّا بعد استثناء المئونة المصروفة في سبيل تحصيلها ، فمن اشترى صوفاً بعشرين وبذل اجرة العامل خمسة لينسجه سجّاداً ثمّ باعه بمائة لا يقال : إنّه ربح مائة ، بل لم يربح إلّا خمساً وسبعين.
وعليه ، ففي المثال المتقدِّم لم يستفد من المعدن إلّا عشرين ديناراً ، ولا تعدّ تلك العشرة المصروفة فائدة وغنيمة بوجه ، ولأجله لم يجب الخمس إلّا في العشرين لا الأكثر ، والظاهر أنّ الحكم متسالم عليه ولم يستشكل فيه أحد ، ولا ينبغي أن يستشكل فيه كما عرفت. هذا أوّلاً.
وثانياً : ما ورد في جملة من النصوص من أنّ الخمس بعد المئونة ، حيث إنّ الظاهر منها مئونة تحصيل الخمس وما يصرف في سبيل الاسترباح لا مئونة السنة كما لا يخفى.
هذا ، مضافاً إلى صحيحة زرارة التي هي كالصريحة في ذلك ، قال (عليه السلام) فيه : «ما عالجته بمالك ففيه ما أخرج اللّه سبحانه من حجارته مصفّى الخمس» (1).
فإنّه صريح في اختصاص الخمس بالمصفّى وما يبقى بعد إخراج مصرف العلاج المبذول من ماله ، كما نبّه عليه المحقّق الهمداني وصاحب الحدائق (2).
المقام الثاني : في أنّ النصاب الذي هو شرط في وجوب الخمس هل يلاحظ ابتداءً أي في جميع ما أخرجه المعدن أو بعد استثناء المؤن ، فلا يجب الخمس إلّا إذا كان الباقي بعد الاستثناء بالغاً حدّ النصاب ولا عبرة بالبلوغ
.................................................................................................
قبله ، فلو كان الخارج من المعدن خمساً وعشرين والمئونة عشرة لم يجب ، لكون الباقي وهي الخمسة عشرة دون النصاب وإن كان مجموع الخارج فوقه؟
فيه خلاف بين الأعلام ، والمشهور هو الثاني ، بل عن بعض نفي الخلاف فيه.
وعن جماعة منهم صاحب المدارك (1)اختيار الأوّل ، وهو الصحيح ، أخذاً بإطلاق البلوغ في صحيح البزنطي.
واستدلّ في الجواهر (2)للمشهور بعد اختياره بأصالة البراءة عن وجوب الخمس ، فإنّ المتيقّن منه ما كان بالغاً حدّ النصاب بعد الاستثناء ، وأمّا قبله فمشكوك يدفع بالأصل.
وفيه : أنّ ثبوت الخمس مقطوع به على كلّ تقدير ولو من باب مطلق الفائدة وأرباح المكاسب كما لا يخفى ، فلا معنى للرجوع إلى الأصل.
إلّا أن يريد (قدس سره) وهو كذلك قطعاً أنّ تعلّق الخمس بعنوان المعدن ليترتّب عليه وجوب الإخراج فعلاً ومن غير ملاحظة مئونة السنة مشكوك ، فيكون مجرى الأصل فوريّة الوجوب وفعليّته لا أصله.
وهذا له وجه لولا الإطلاق في صحيح البزنطي المقتضي لوجوب الإخراج فعلاً بعد بلوغ المجموع حدّ النصاب ، سواء أكان كذلك بعد استثناء المؤن أيضاً أم لا ، إذ من المعلوم عدم وصول النوبة إلى التمسّك بالأصل العملي بعد وجود الإطلاق اللفظي.
فتحصّل : أنّ الأقوى عدم استثناء المؤن هنا وإن استثنيناها في المقام الأوّل ،
ولا يعتبر في الإخراج أن يكون دفعةً (1)(1) ، فلو أخرج دفعات وكان المجموع نصاباً وجب إخراج خمس المجموع ،
فمتى بلغ المجموع حدّ النصاب وجب الخمس فيما بقي بعد الاستثناء بلغ ما بلغ وإن كان الباقي ديناراً واحداً أو أقلّ ، عملاً بإطلاق البلوغ في صحيح البزنطي حسبما عرفت.
ثمّ لا يخفى أنّ المدار في النصاب على ما يتبادر من النصّ إنّما هو قيمة عشرين ديناراً وقت الإخراج ، لا القيمة القديمة في صدر الإسلام المعادلة لمائتي درهم كما قيل ، فإنّ ظاهر الدليل أنّ لهذا العنوان أعني : عشرين ديناراً خصوصيّة وموضوعيّة في تشخيص النصاب ، فلا جرم يدور مدار القيمة الفعليّة التي تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة ، فالعبرة بملاحظة الدينار الذهبي المساوي للمثقال الشرعي الذي هو ثلاثة أرباع المثقال الصيرفي ، أي المعادل لثمانية عشر حمّصة ، فالماليّة الفعليّة لهذا المقدار هو المدار في تقدير النصاب ، سواء أطابق المائتي درهم أم خالفها.
فمتى بلغت ماليّة المخرج هذا الحدّ وجب الخمس بعنوان المعدن ، وإلّا لم يجب بهذا العنوان وإن وجب بعنوان مطلق الفائدة مشروطاً بعدم الصرف في مئونة السنة ، وإلّا فلا شيء عليه ، كما هو الشأن في عامّة أرباح المكاسب على ما سيأتي في محلّه إن شاء اللّه.
(1) لا ريب في وجوب الخمس إذا بلغ المخرَج النصاب بإخراجٍ واحد ، سواء أكانت الوحدة حقيقيّة أم حكميّة ، أي المشتمل على دفعات لا تضرّ بصدق الوحدة العرفيّة ، كما في إخراج النفط بالدلاء ، فإنّ المجموع يعدّ عرفاً إخراجاً
1) (*) لا يبعد اعتبار الوحدة العرفيّة.
.................................................................................................
واحداً وإن كان متعدّداً بحسب الدقّة ، وهذا ظاهر ، فإنّه القدر المتيقّن من النصّ المتضمّن لاعتبار النصاب.
وإنّما الكلام فيما لو تعدّد الإخراج حتى عرفاً ، لما بينهما من فاصل زماني بمقدار معتدّ به ، كما لو أخرج في هذا اليوم كمِّيّة دون النصاب ، ثمّ أخرج في اليوم الآتي أو في الأُسبوع أو الشهر الآتي كمِّيّة اخرى يبلغ المجموع منهما حدّ النصاب ، فهل ينضمّ اللّاحق إلى السابق ليشكل النصاب ويجب الخمس ، أو يلاحظ كلّ إخراج بحياله فلا يجب في شيء منهما؟
فيه خلاف بين الأعلام :
وقد ذهب جمع وفيهم بعض المحقّقين إلى الانضمام ، أخذاً بإطلاق البلوغ الوارد في الصحيح.
ولكن الأقوى تبعاً لجمعٍ آخرين عدم الانضمام ، نظراً إلى أنّ المنسبق من النصّ بحسب الفهم العرفي في أمثال المقام كون الحكم انحلاليّاً ومجعولاً على سبيل القضيّة الحقيقيّة ، فيلاحظ كلّ إخراج بانفراده واستقلاله بعد انعزاله عن الإخراج الآخر كما هو المفروض ، فهو بنفسه موضوع مستقلّ بالإضافة إلى ملاحظة النصاب في مقابل الفرد الآخر من الإخراج ، نظير ما لو علّق حكم على الشراء مثلاً فقيل : إنّه متى اشتريت منّاً من الحنطة فتصدّق بكذا ، فاشترى نصف من ثمّ اشترى ثانياً نصف من آخر ، فإنّ شيئاً من الشراءين غير مشمول للدليل ، لعدم صدق المنّ وإن صدق على المجموع ، وليس ذلك إلّا لأجل لزوم ملاحظة كلّ فرد بحياله واستقلاله ، نظراً إلى الانحلال والتعدّد وعدم الانضمام كما عرفت.
والذي يكشف عن ذلك بوضوح أنّه لو أخرج ما دون النصاب بانياً على الاكتفاء به فصرفه وأتلفه من غير تخميسه لعدم وجوبه حينئذٍ على الفرض ، ثمّ
وإن أخرج أقلّ من النصاب فأعرض (1) ثمّ عاد وبلغ المجموع نصاباً فكذلك على الأحوط. وإذا اشترك جماعة في الإخراج (2) ولم يبلغ حصّة كلّ واحدة منهم النصاب ولكن بلغ المجموع نصاباً فالظاهر وجوب خمسه.
بدا له فأخرج الباقي ، فإنّ هذا الإخراج الثانوي لا يحدث وجوباً بالإضافة إلى السابق التالف بلا إشكال ، لظهور النصّ في عروض الوجوب مقارناً للإخراج ، لا في آونة اخرى بعد ذلك كما لا يخفى ، فإذا تمّ ذلك في صورة التلف تمّ في صورة وجوده أيضاً ، لوحدة المناط ، وهو ظهور النصّ في المقارنة.
(1) يظهر حكم ذلك ممّا قدّمناه آنفاً.
ولا خصوصيّة للإعراض ، فإنّ العود بعد ما أعرض إن كان متّصلاً بسابقه بحيث عدّ عرفاً متمّماً ومكمّلاً له والمجموع عمل واحد ، نظير المسافر الذي يعرض أثناء السير عن السفر ثمّ يعود ويستمرّ بلا فصل معتدّ به بناءً على عدم قدحه أو المصلّي أو الخطيب الذي يعرضه الإعراض عن الإتمام ثمّ يعود إلى ما كان عليه مسترسلاً ، حكم حينئذٍ بالانضمام ولوحظ النصاب في المجموع.
وإن كان منفصلاً عنه بمثابةٍ يعدّ في نظر العرف عملاً مستقلا وإخراجاً ثانياً مغايراً للأوّل لم يحكم حينئذٍ بالانضمام.
وعلى الجملة : لا أثر للإعراض ، والمدار على الصدق العرفي في تشخيص الوحدة والتعدّد ، ونتيجته التفصيل حسبما عرفت.
(2) فهل يلاحظ النصاب في المجموع ، أو في حصّة كلّ واحد منهم؟
نسب الثاني إلى المشهور. ولكنّه غير واضح ، فإنّ مقتضى إطلاق صحيح البزنطي أنّ العبرة بالإخراج لا بالمخرج وأنّ المدار ببلوغ ما أخرجه المعدن حدّ النصاب سواء أكان المخرج واحداً أم متعدّداً.
وكذا لا يعتبر اتّحاد جنس المخرج (1) ، فلو اشتمل المعدن على جنسين أو أزيد وبلغ قيمة المجموع نصاباً وجب إخراجه.
نعم ، لو كان هناك معادن متعدّدة اعتبر في الخارج من كلّ منها بلوغ النصاب (2) دون المجموع ، وإن كان الأحوط كفاية بلوغ المجموع ، خصوصاً مع اتّحاد جنس المخرج منها ، لا سيّما مع تقاربها ، بل لا يخلو عن قوّة (1)مع الاتّحاد والتقارب. وكذا لا يعتبر استمرار التكوّن ودوامه ، فلو كان معدن فيه مقدار ما يبلغ النصاب فأخرجه ثمّ انقطع جرى عليه الحكم بعد صدق كونه معدناً.
وقياسه بباب الزكاة مع الفارق ، لاختلاف لسان الدليل ، فإنّ موضوع الحكم هناك النتاج الحاصل في ملك المالك فيلاحظ النصاب في ملكه الشخصي ، وأمّا في المقام فالاعتبار بنفس الإخراج كما عرفت ، من غير نظر إلى المخرج ، سواء أكان ما أخرج ملكاً لشخص واحد أم لأشخاص عديدين ، على ما هو مقتضى إطلاق النصّ.
(1) أخذاً بإطلاق صحيح البزنطي الشامل لما إذا كان الخارج من جنس واحد أو جنسين كالذهب والفضّة والحديد والنحاس ونحو ذلك ، فإنّ عنوان ما أخرج المعدن المذكور فيه صادقٌ على التقديرين فيشملهما معاً كما هو ظاهر من غير خلاف وإشكال.
(2) سواء أكان الخارج من جنسين أم من جنس واحد ، لأنّ ذلك هو مقتضى الانحلال وظهور القضية في كونها حقيقيّة كما سبق بعد فرض تعدّد
1) (*) في القوّة إشكال ، نعم هو الأحوط.
[2882] مسألة 6 : لو أخرج خمس تراب المعدن قبل التصفية (1) فإن علم بتساوي الأجزاء في الاشتمال على الجوهر أو بالزيادة فيما أخرجه خمساً أجزأ ، وإلّا فلا ، لاحتمال زيادة الجوهر فيما يبقى عنده.
المعدن ، فلا بدّ وأن يلاحظ كلّ معدن بحياله من غير فرق بين صورتي التقارب والتباعد.
نعم ، استثنى الماتن صورة واحدة ، وهي صورة الاتّحاد والتقارب ، فذكر أنّ كفاية بلوغ المجموع هنا لا يخلو عن قوّة.
ولكنّه لا يتمّ على إطلاقه ، وإنّما يتمّ فيما إذا أوجب ذلك صدق وحدة المعدن عرفاً ولو باعتبار وحدة المادّة والانبعاث عن منبعٍ مشترك قد تعدّدت طرق استخراجه كما في آبار النفط المتقاربة جدّاً.
وأمّا بدون البلوغ هذا الحدّ بحيث كانت المعادن متعدّدة بحسب الصدق العرفي فكلّا ، لما عرفت من ظهور الحكم في الانحلال وكون القضيّة حقيقيّة المقتضية للحاظ كلّ معدن بحياله وانفراده ، ولا أثر للاتّحاد والتقارب في نفي ذلك أبداً كما لعلّه ظاهر لا يخفى.
(1) فصّل (قدس سره) بين العلم بتساوي أجزاء التراب بحيث يقطع باشتمال خمس التراب على خمس الجوهر الموجود في المجموع أو الزيادة فيجزئ حينئذٍ ، وبين صورة الشكّ واحتمال النقص فلا ، عملاً بقاعدة الاشتغال ، للزوم إحراز الخروج عن عهدة التكليف المعلوم.
وقد ذكر مثل ذلك صاحب المدارك (1)، إلّا أنّه أشكل عليه في الجواهر
1) المدارك 5 : 368.
.................................................................................................
بظهور ذيل صحيحة زرارة المتقدّمة أعني قوله (عليه السلام) : «ما عالجته بمالك ففيه ما أخرج اللّه سبحانه منه من حجارته مصفّى الخمس» (1)في تعلّق الخمس بعد التصفية وبعد ظهور الجوهر ، فقبل التصفية لا وجوب ، فكيف يجزي الإخراج قبل مجيء وقت الخطاب والإيجاب ، قال (قدس سره) : بل قد يدّعى ظهور غيره في ذلك أيضاً (2).
ولكن ما ذكره (قدس سره) لا يمكن المساعدة عليه بوجه ، فإنّ لازم ذلك أنّه لو أخرج المعدن عن ملكه قبل التصفية بناقلٍ مع بيعٍ أو هبة ونحوهما لم يجب الخمس حينئذٍ لا على البائع لأجل إخراجه عن ملكه قبل تعلّق الخمس به ، لفرض عدم الوجوب قبل التصفية ولا على المشتري ، بناءً على اختصاص الوجوب بالمستفيد من المعدن ومن يملكه عن طريق الإخراج لا بسائر الأسباب ، فيكون هذا نحو تخلّص وفرار عن أداء الخمس ، ولا يظنّ أن يلتزم به الفقيه.
وأمّا صحيحة زرارة فلا دلالة لها على ما استظهره (قدس سره) بوجه ، فإنّها مسوقة لتعيين مورد الخمس ومركزه وأنّه خالص الجوهر ومصفّاه ، أي بعد استثناء المؤن المصروفة في سبيل العلاج والاستخراج ، كما استظهرناه فيما سبق ، ولا نظر فيها بتاتاً لتعيين وقت الوجوب وظرف الخطاب وأنّه زمان التصفية أو حال الإخراج.
وبعبارة اخرى : التصفية المذكورة فيها قيد للواجب لا شرط للوجوب.
وأمّا سائر الروايات فلم تتحقّق دلالتها على ما ذكره ، بل الظاهر من غير واحد منها أنّ ظرف التعلّق هو حال الإخراج كما لا يخفى على من لاحظها.
[2883] مسألة 7 : إذا وجد مقداراً من المعدن مخرَجاً مطروحاً في الصحراء (1) فإن علم أنّه خرج من مثل السّيل أو الريح أو نحوهما أو علم أنّ المخرِج له حيوان أو إنسان لم يخرج خمسه وجب عليه إخراج خمسه على الأحوط إذا بلغ النصاب ، بل الأحوط ذلك وإن شكّ في أنّ الإنسان المخرِج له أخرج خمسه أم لا.
والذي يكشف عمّا استظهرناه من صحيح زرارة من أنّ المراد بالمصفّى : وضع مئونة العلاج تبعاً للمحقّق الهمداني وصاحب الحدائق (1)لا التصفية من الخلط من حجارة ونحوها ، كما قد يتوهّم من أجل ذكر لفظ الحجارة أنّ المعدن إنّما يختلط بها في مثل الذهب ونحوه لا في مثل العقيق ونحوه من الأحجار الكريمة ، فإنّه بنفس حجر فلا يحتاج إلى التصفية وإن احتاج إلى التجلية.
(1) لا يخفى أنّ هاهنا جهتين من البحث لا ترتبط إحداهما بالأُخرى :
فتارةً : يبحث عن أنّ المعدن هل يختصّ بما أُخرج من باطن الأرض ، أو يعمّ الإخراج من الظاهر كالملح؟ فيبحث عن متعلِّق الإخراج بعد التحفّظ على أصل الإخراج ، وقد تقدّم البحث حول هذه الجهة سابقاً (2).
وأُخرى : يبحث عن المال الخارج إمّا من الباطن أو الظاهر ، والمطروح على وجه الأرض إمّا لزلزلة أو سيل أو هبوب ريح أو إخراج حيوان ونحو ذلك من أسباب الإخراج ، وأنّ الاستيلاء على مثل هذا المعدن المخرَج الملقى على سطح الأرض هل يستوجب التخميس أو لا؟
.................................................................................................
فإحدى الجهتين أجنبيّة عن الأُخرى ولا وجه للخلط بينهما.
وكيفما كان ، فالكلام هنا يقع في مقامين :
أحدهما : ما إذا كان المتصدِّي لإخراج المطروح عن معدنه شيء غير الإنسان من سيل أو ريح أو زلزلة أو حيوان ونحو ذلك. والمشهور وجوب إخراج الخمس على واجده ، ولكن المحقّق الأردبيلي ناقش في ذلك فتردّد أو جزم بالعدم (1).
ومنشأ الخلاف التردّد في أنّ الخمس الثابت بعنوان المعدن هل يختصّ بمن تملّكه عن طريق الاستخراج عن مقرّه الأصلي ، أو يعمّ مطلق التملّك كيفما اتّفق ولو بحيازته بعد ما خرج عن مركزه ومستقرّه؟
وقد يقرب الثاني بأنّ المعدن وإن كان في اللغة اسماً لمنبت الجوهر كما مرّ ، إلّا أنّ المراد به في الروايات الشيء المأخوذ من المعدن ولو بسبب غير اختياري ، أعني : ذات المخرج من غير مدخليّة لخصوصيّة الإخراج.
ولكنّه غير ظاهر ، فإنّه في الروايات أيضاً كالعُرف واللّغة بمعنى منبت الجوهر ، إلّا أنّ في إسناد الخمس إليه تجوّزاً ، فيراد به ما يخرج منه تسميةً للحال باسم المحلّ بعد وضوح عدم تخميس نفس المنبت ، فخصوصيّة الإخراج وإفصال الحال عن محلّه ملحوظة في هذا الإطلاق لا محالة.
ومن هنا ترى عدم صدق اسم المعدن على مثل الذهب بعد ما أُخرج وصرف في مصرفه ، فلا يقال : إنّ هذا معدن ، وإنّما هو شيء مأخوذ من المعدن.
ويكشف عن ذلك التعبير بالركاز في صحيحة زرارة ، قال (عليه السلام) فيها : «كلّ ما كان ركازاً ففيه الخمس» (2).
.................................................................................................
فإنّ المراد به ما كان مركوزاً ، أي ثابتاً ونابتاً في الأرض ، فلا يشمل المطروح المنفصل عنه.
والوصف وإن لم يكن له مفهوم بالمعنى المصطلح ، إلّا أنّه يدلّ لا محالة على عدم تعلّق الحكم بالطبيعي الجامع ، وإلّا لأصبح التقييد لغواً محضاً.
ومن ثمّ كان الظاهر من القيد أن يكون احترازيّاً ، فهو مشعر بالعلّيّة وإن لم تكن منحصرة ، كما أوضحناه في الأُصول (1).
إذن فما ذكره المحقّق الأردبيلي من المناقشة في ذلك نظراً إلى أنّ المتبادر من الأدلّة اختصاص الخمس بما استخرج من معدنه لا ما استولي عليه ولو بغير الإخراج هو الصحيح الحقيق بالقبول حسبما عرفت.
المقام الثاني : ما إذا كان المباشر للإخراج هو الإنسان ، ويتصوّر هذا على وجوه :
أحدها : أن لا يكون ناوياً لاستخراج المعدن وحيازته ، بل حفر الأرض لغاية أُخرى من شقّ النهر أو الظفر على عين ماء أو تحصيل بئر ونحو ذلك ، فاتّفق مصادفة المعدن فأخذه وطرحه في الصحراء دون أن يستملكه ، ولأجله لم يجب عليه الخمس ، إذ هو فرع الإخراج والتملّك ، المنفيّ حسب الفرض ، ومن ثمّ كان حكم هذه الصورة حكم ما تقدّم في المقام الأوّل من ابتناء تعلّق الخمس بالواجد على اعتبار الإخراج وعدمه ، وقد عرفت أنّ الأظهر الأوّل ، فلا خمس عليه من حيث المعدن وإن وجب من باب مطلق الفائدة بشروطه ، لكن هذه الصورة غير مرادة للماتن قطعاً ، لقوله : أو إنسان لم يخرج خمسة. إذ هو فرع تعلّق الخمس به ، والمفروض هنا عدمه كما عرفت ، فهو سالبة بانتفاء الموضوع.
الثاني : ما لو أخرجه بقصد الحيازة فتملّكه ثمّ طرحه وأعرض عنه من غير
1) محاضرات في أُصول الفقه 5 : 129 135.
.................................................................................................
أن يخمّسه إمّا قطعاً أو احتمالاً ، وحكمه جواز حيازته واستملاكه وإن لم نقل بخروجه عن ملك المالك الأوّل بالإعراض ، من غير أن يجب الخمس على الواجد بعنوان المعدن ، سواء قلنا باعتبار الإخراج في تعلّق هذا الوجوب كما هو الأظهر على ما مرّ (1)أم لم نقل كما عليه المشهور ، ضرورة اختصاص الخمس بهذا العنوان بأوّل ملك طارئ على المعدن ، فهو وظيفة المالك الأوّل الذي يقع المعدن في يده ويتلقّاه من منبته. وأمّا المالك الثاني ومن بعده الذي يتلقّاه من المالك الأوّل لا من نفس المعدن فلا يجب الخمس عليه بعنوان المعدن بالضرورة ، لقصور الأدلّة عن الشمول له جزماً.
نعم ، إنّما يحقّ له استملاك أربعة أخماس المطروح ، وأمّا خمسه فبما أنّ المالك الأوّل لم يؤدّه بعد فرض تعلّقه به إمّا قطعاً أو احتمالاً ملحقاً به بمقتضى الاستصحاب فيبتني استملاكه على شمول أخبار التحليل للمقام وأمثاله ممّن يتلقّى الملك ممّن لم يخمّسه ، وسيجيء البحث عنه في محلّه إن شاء اللّه (2).
وبعبارة اخرى : حكم المقام حكم من يشتري ملكاً يعلم بأنّ البائع لم يؤدّ خمسه ، فإن قلنا بشمول أخبار الإباحة والتحليل لمثله لم يجب الخمس على المشتري ، وإلّا وجب ، ولا يزيد المقام على ذلك بشيء أبداً.
الثالث : ما لو قصد تملّكه بالإخراج فطرحه في الصحراء من غير إعراض ، بل ذهب ليرجع فلم يرجع لمانع حال دونه ، وهذا يلحقه حكم اللقطة إن اتّصف بالضياع ، وإلّا فهو من قبيل مجهول المالك. وعلى التقديرين فلا يجوز استملاكه كما لا يجب تخميسه ، بل يجري عليه حكم أحد البابين على النهج المقرّر في محلّه.
[2884] مسألة 8 : لو كان المعدن في أرض مملوكة (1) فهو لمالكها (1)، وإذا أخرجه غيره لم يملكه ، بل يكون المخرَج لصاحب الأرض ، وعليه الخمس من دون استثناء المئونة ، لأنّه لم يصرف عليه مئونة.
الرابع : ما لو لم يحرز شيء من ذلك فلم يعلم أنّه أخرجه بقصد التملّك أم لا؟ وعلى الأوّل فهل خمّسه أو لا؟ وهل طرحه معرضاً أو غير معرض؟ والظاهر أنّ هذا هو مراد الماتن ، حيث إنّه الفرد الشائع الذائع ، وإلّا فالوجوه السابقة فروض نادرة ، إذ كيف وأنّى لنا استعلام ضميره وإحراز نيّته من قصد الإخراج وعدمه ، أو نيّة الإعراض وعدمها؟! والأظهر جريان حكم ما تقدّم في المقام الأوّل عليه ، فإنّه مباح أصلي لم يعلم سبق يد حيازة عليه ، والأصل عدمه ، فيجوز استملاكه ما لم يثبت خلافه.
وأمّا التخميس من حيث المعدن فيبتني على ما أسلفناك من اعتبار الإخراج وعدمه ، وقد عرفت أنّه الأظهر ، وعليه فلا خمس بعنوان المعدن وإن وجب بعنوان مطلق الفائدة فيما يفضل عن مئونة السنة.
نعم ، الأحوط استحباباً تخميسه بعنوان المعدن مع الشكّ في تخميس الإنسان المخرج فضلاً عن العلم بالعدم حسبما ذكره في المتن كما لا يخفى وجهه ، ولا ريب أنّ الاحتياط حسن على كلّ حال.
(1) المخرج للمعدن قد يستخرجه من ملكه الشخصي.
وأُخرى : من ملك الغير المختصّ به.
وثالثةً : ممّا هو ملك لعامّة المسلمين ، كالأراضي المفتوحة عنوةً العامرة حال الفتح.
1) (*) هذا إذا عدّ المعدن من التوابع عرفاً ، وإلّا فلا يكون لمالك الأرض.
.................................................................................................
ورابعةً : ممّا هو ملك للإمام (عليه السلام) ، كما في الأراضي الموات حال الفتح ، حيث إنّ موتان الأرض لله ولرسوله.
أمّا القسم الأوّل : فلا شكّ أنّه ملك للمخرج ، وهو القدر المتيقّن ممّا دلّ على تخميس المعدن الذي تكلّمنا حوله لحدّ الآن.
وأمّا القسم الثاني : فالمعروف بينهم أنّه ملك لصاحب الأرض وعليه خمسه ، من غير استثناء المئونة التي صرفها المخرج ، لعدم الموجب لضمانها بعد أن لم يكن الإخراج بإذنه كما هو المفروض.
هكذا ذكره المشهور ومنهم الماتن بحيث أرسلوه إرسال المسلّمات ، ولكنّه على إطلاقه مشكل بل ممنوع ، فإنّ الأراضي وإن كانت قابلة للتملّك إمّا بسبب اختياري كالبيع والهبة أم غير اختياري كالإرث ، إلّا أنّ الملكيّة المتعلّقة بها على اختلاف مواردها تنتهي بالآخرة إلى سبب واحد هو الأصيل في عروض الملكيّة عليها وخروجها عن الإباحة الأصليّة وهو قصد الحيازة الصادر من أوّل يدٍ وقعت عليها والإحياء الحاصل من محييها بمقتضى ما ثبت من أنّ من أحيا أرضاً فهي له. وهذا السبب هو الأصيل وعلى ضوئه يتفرّع سائر التملّكات العارضة عليها يداً بعد يد.
إلّا أنّ من الواضح أنّ هذا السبب لا يستتبع الملكيّة ولا يؤثّر في الخروج عن الإباحة الأصليّة إلّا في إطار مدلوله ومفاده ، أي بمقدار ما يتعلّق به الإحياء والحيازة ، أعني : ظواهر تلك الأراضي ، فإنّها المتّصفة بالإحياء والمتعلِّقة للاستيلاء دون بواطنها وما في أجوافها من المعادن والركائز ، سيّما إذا لم تعدّ من أجزاء الأرض كالذهب والفضّة والنفط والقير ونحوها ، فهي إذن باقية على ما هي عليه ولم تدخل في ملك المحيي من أجل هذا السبب.
نعم ، لا ينبغي التأمّل في قيام السيرة العقلائيّة بل وكذا الشرعيّة وإن انتهت
.................................................................................................
إليها على دخولها في ملك صاحب الأرض بتبع ملكه للأرض ، فتلحق الطبقة السافلة بالعالية والباطنة بمحتوياتها بالظاهرة في الملكيّة بقانون التبعيّة وإن لم يتمّ هذا الإلحاق من ناحية الإحياء حسبما عرفت ، ومن ثمّ لو باع ملكه فاستخرج المشتري منه معدناً ملكه وليس للبائع مطالبته بذلك ، لأنّه باعه الأرض بتوابعها.
ولكن السيرة لا إطلاق لها ، والمتيقّن من موردها ما يعدّ عرفاً من توابع الأرض وملحقاتها كالسرداب والبئر وما يكون عمقه بهذه المقادير التي لا تتجاوز عن حدود الصدق العرفي ، فما يوجد أن يتكوّن ويستخرج من خلال ذاك فهو ملك لصاحب الأرض بالتبعيّة كما ذكر.
وأمّا الخارج عن نطاق هذا الصدق غير المعدود من التوابع كآبار النفط العميقة جدّاً وربّما تبلغ الفرسخ أو الفرسخين ، أو الآبار العميقة المستحدثة أخيراً لاستخراج المياه من عروق الأرض البالغة في العمق والبعد نحو ما ذكر أو أكثر فلا سيره في مثله ولا تبعيّة ، ومعه لا دليل على إلحاق نفس الأرض السافلة بالعالية في الملكيّة فضلاً عن محتوياتها من المعادن ونحوها.
نعم ، في خصوص المسجد الحرام ورد أنّ الكعبة من تخوم الأرض إلى عنان السماء (1). ولكن الرواية ضعيفة السند ، ومن ثمّ ذكرنا في محلّه لزوم استقبال عين الكعبة لجميع الأقطار لا ما يسامتها من شيء من الجانبين.
وعلى الجملة : لم يقم بناء من العقلاء على إلحاق الفضاء المتصاعد أو المتنازل جدّاً غير المعدودين من توابع الأرض عرفاً بنفس الأرض في الملكيّة بحيث يحتاج العبور عن أجوائها بواسطة الطائرات إلى الاستئذان من أربابها وملّاكها ، وقد عرفت قصور دليل الإحياء عن الشمول لها ، فهي إذن تبقى على
1) لاحظ الوسائل 4 : 339 / أبواب القبلة ب 18 ح 3.
[2885] مسألة 9 : إذا كان المعدن في معمور الأرض المفتوحة عَنوة (1) التي هي للمسلمين فأخرجه أحدٌ من المسلمين مَلَكه وعليه الخمس ،
ما كانت عليه من الإباحة الأصليّة. ونتيجة ذلك : جواز حيازتها واستملاكها لكلّ من وضع اليد عليها وأنّها ملكه وعليه خمسها وإن كان المستخرج شخصاً آخر غير صاحب الأرض ، غايته أنّه يكون آثماً وعاصياً في الاستطراق والاستخراج من هذا المكان لو لم يكن بإذن من صاحبه ومالكه ، لعدم جواز التصرّف في ملك الغير بغير إذنه ، بل يكون ضامناً لو استلزم نقصاً في الأرض أو ضرراً على المالك ، إلّا أنّ العصيان والضمان شيء ، واستملاك الكامن في بطن الأرض الخارج عن حدود ملكيّة صاحبها الذي هو محلّ الكلام شيء آخر ، ولا تنافي بين الأمرين كما هو ظاهر.
(1) وأمّا القسم الثالث : فالكلام فيه بالإضافة إلى ما هو خارج عن حدود التبعيّة بحسب الصدق العرفي قد ظهر ممّا مرّ ، فلا نعيد.
وأمّا بالنسبة إلى ما يعدّ من التوابع عرفاً كما لو كان المعدن في عمق أربعة أمتار أو خمسة ، أو كانت الأرض سبخة فكان المعدن أعني الملح فوق الأرض وعلى وجهها فأدلّة الملكيّة للمسلمين قاصرة عن الشمول للباطن ، وإلّا لبيّن ولو في رواية واحدة أنّ ما يستخرج من العامرة ملك للمسلمين. والعمدة السيرة العقلائيّة على الإلحاق بالتبعيّة القائمة في القسم السابق ، وهي غير جارية هنا ، لاختصاصها بالأملاك الشخصيّة دون ما يكون ملكاً لعامّة المسلمين ، أو ما يكون ملكاً للإمام كما في القسم الرابع ، فإنّ السيرة العقلائيّة أو الشرعيّة غير ثابتة في شيء من هذين الموردين.
بل قد يدّعى وليس ببعيد قيام السيرة على الخلاف وأنّ بناء الشرع
.................................................................................................
والعرف قد استقرّ على جواز استملاكها وحيازتها.
وكيفما كان ، فلم يثبت ما يخرجها عمّا كانت عليه من الإباحة الأصليّة بعد عدم شمول دليل الإحياء ولا بناء العقلاء لمثل ذلك حسبما عرفت.
فالمعادن الكامنة في أجوافها ملكٌ لمخرجها لا لعامّة المسلمين ولا للإمام (عليه السلام) ، وإلّا لأُشير إليه ولو في رواية واحدة.
بل يمكن أن يقال : إنّ مدّعي القطع بذلك غير مجازف ، إذ لو كانت تلك المعادن الواقعة في ملك الغير لصاحب الأرض والواقعة في الأراضي المفتوحة العامرة ملكاً للمسلمين وفي الأراضي الميتة ملكاً للإمام (عليه السلام) فلازم ذلك حمل نصوص الخمس في المعدن على كثرتها على خصوص من يخرج المعدن من ملكه الشخصي الذي هو أقلّ القليل ، فيلزم حمل تلك المطلقات على الفرد النادر جدّاً ، فإنّ من الضروري أنّ أكثر المتصدّين لاستخراج المعادن إنّما يستخرجونها من الصحاري والبراري والفلوات والمناطق الجبليّة ونحوها التي هي إمّا ملك للمسلمين أو للإمام (عليه السلام) لا من بيوتهم الشخصيّة أو أملاكهم الاختصاصيّة كما هو ظاهر جدّاً.
ويؤكِّده عموم ما ورد من أنّ «من سبق إلى ما لم يسبق إليه أحد فهو أحقّ به» (1)، فإنّها وإن كانت نبويّة إلّا أنّ مضمونها مطابق لما عرفت من السيرة العقلائيّة.
وكذا ما ورد من أنّ «من استولى على شيء فهو له» (2)، فإنّ الرواية المشتملة على نفس هذا التعبير وإن كانت واردة في غير ما نحن فيه ، إلّا أنّ
.................................................................................................
مضمونها يستفاد من معتبرة السكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : «أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) قال في رجل أبصر طيراً فتبعه حتى وقع على شجرة فجاء رجل فأخذه ، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام) : للعين ما رأت ولليد ما أخذت» وقد رواها في الوسائل في كتاب الصيد عن الكليني والشيخ (1)، وفي كتاب اللقطة عن الصدوق (2)، ففرّق بين الموضعين في النسبة مع أنّها رواية واحدة رواها المشايخ الثلاثة ، ولعلّ هذا غفلة منه (قدس سره).
وكيفما كان ، فالرواية معتبرة عندنا ، لأنّ النوفلي الواقع في السند من رجال كامل الزيارات ، كما أنّها واضحة الدلالة ، على أنّ اليد أي الاستيلاء على ما لم يكن ملكاً لأحد موجب للملكيّة.
وعلى الجملة : فحكم المعادن في هذه الأراضي حكم الأشجار والأنهار والماء والكلاء الباقية على الإباحة الأصليّة التي يشترك فيها الكلّ وخلقها اللّه تعالى للجميع ، قال تعالى ( هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ) (3)، وأنّ من أحياها واستولى عليها فهي له وعليه خمسها بعد ما عرفت من عدم ثبوت السيرة على التبعيّة في مثل هذه الأراضي التي لم تكن ملكاً شخصيّاً لأحدٍ وإنّما هي ملك للعنوان ، أيّ عامّة المسلمين إلى يوم القيامة من غير أن تباع أو توهب أو تورث ، فهي سنخ خاصّ من الملكيّة ، ومثله غير مشمول لقانون التبعيّة الثابتة ببناء العقلاء حسبما عرفت.
وإن أخرجه غير المسلم ففي تملّكه إشكال (1)(1) ، وأمّا إذا كان في الأرض الموات حال الفتح فالظاهر أنّ الكافر أيضاً يملكه وعليه الخمس.
(1) المشهور عدم الفرق بين المسلم والذمّي في جواز حيازة المعادن واستخراجها من الأراضي العامرة حال الفتح التي هي ملك للمسلمين ، أو الأرض الموات التي هي ملك للإمام (عليه السلام) وأنّه يملكها بعد أن يخمّسها.
ولكن المحكي عن الشيخ منع الذمّي عن العمل في المعدن واستخراجه وإن ملك لو خالف واستخرج وكان عليه الخمس (2).
واعترض عليه في المدارك بعدم الدليل على منع الذمّي عن ذلك (3)بعد العموم في أدلّة الحيازة وشمولها له وللمسلم بمناط واحد ، بل قد أورد عليه بالتنافي بين الصدر والذيل ، لأنّ موضوع كلامه إن كان المعدن في الأرض المملوكة صحّ المنع ولا وجه للملك ، وإن كان في الأرض المباحة صحّ الملك ولا وجه للمنع.
أقول : ينبغي التكلم في مقامين :
أحدهما : في أنّ الذمّي هل يمنع عن استخراج المعدن في تلك الأراضي أو لا؟
الثاني : في أنّه لو خالف فهل يملك ما استخرجه أو لا؟
أمّا المقام الأوّل : فالظاهر المنع ، لأنّها إمّا ملك للإمام (عليه السلام) أو
.................................................................................................
للمسلمين ، وعلى التقديرين فلا يحقّ له التصرّف من غير مراجعة الإمام والاستئذان منه بما هو ، أو بما هو ولي المسلمين.
وقد فصّل في المتن بين العامرة والموات ، فجوّز الاستخراج في الثاني وإن كان التفصيل بحسب سياق العبارة ناظراً إلى الملكيّة نظراً إلى عموم : من أحيا أرضاً فهي له ، الشامل للمسلم والكافر ، فإنّ مورده الموات حال الفتح لا العامرة التي هي ملك للمسلمين كما هو ظاهر.
ولكنّه كما ترى ، فإنّ العموم ناظر إلى الإحياء ، وكلامنا في الإخراج الذي هو أعمّ من الإحياء بالضرورة ، فلا يدلّ العموم على أنّ إخراج المعدن من حيث هو إخراجٌ موجب للملكيّة وإن لم يتضمّن الإحياء.
نعم ، لو أحيا الأرض فملكها ثمّ استخرج المعدن كان له بمقتضى التبعيّة ، وهذا مطلب آخر أجنبي عمّا نحن بصدده من جواز استخراج المعدن بما هو كذلك.
فالأقوى ما عرفت من منعه عن التصدِّي للإخراج ، لتوقّفه على الإذن من الإمام غير الثابت في حقّ الكافر.
وأمّا المقام الثاني : فالظاهر هو أنّه يملك ما استخرجه وإن خالف وعصى أو لم يمنع ، للسيرة القطعيّة القائمة على عدم الفرق في ملكيّة المعادن لمخرجها بين المسلم والكافر ، كعموم صحيحة السكوني المتقدّمة المتضمّنة أنّ «للعين ما رأت ولليد ما أخذت» الدالّة على مملّكيّة الاستيلاء على المباح كما مرّ ، فإنّها تشمل الكافر كالمسلم.
وعلى الجملة : فالسيرة على تملّكه قائمة ، والصحيحة عامّة ، والتبعيّة ليست بتامّة إلّا في خصوص الأملاك الشخصيّة دون ما هو ملك لعموم المسلمين أو للإمام (عليه السلام) كما تقدّم.
.................................................................................................
فإذن ما ذكره الشيخ من التفصيل بين جواز التصرّف وبين الملكيّة وأنّه يمنع ولو خالف يملك هو الصحيح حسبما اتّضح وجهه.
لكن ما ذكرناه كلّه لحدّ الآن مبني على ما هو المشهور من كون المعادن باقية على ما هي عليه من الإباحة الأصليّة وعدم كونها من الأنفال التي هي ملك للإمام (عليه السلام) ، بل هي لواجدها والناس فيها شرع سواء.
إلّا أنّ المحكي عن الكليني والمفيد والشيخ والديلمي والقاضي والقمّي في تفسيره وبعض متأخّري المتأخّرين أنّها من الأنفال مطلقاً من غير فرق بين ما كان منها في أرضه أو غيرها ، وبين الظاهرة والباطنة (1).
استناداً إلى جملة من الأخبار ، التي منها :
ما رواه العيّاشي في تفسيره عن أبي بصير : قلت : وما الأنفال؟ «قال : منها المعادن والآجام» إلخ (2).
وعن داود بن فرقد : قلت : وما الأنفال؟ «قال : بطون الأودية ورؤوس الجبال والآجام والمعادن» إلخ (3).
ولكن هذا التفسير لأجل ضعف سنده غير قابل للتعويل ، وكأنّ المستنسخ (سامحه اللّه) روماً للاختصار حذف الإسناد فكساها ثوب الإرسال وأسقطها بذلك عن درجة الاعتبار ، وليته لم يستنسخ.
وكيفما كان ، فروايات هذا التفسير بالإضافة إلينا في حكم المرسل فلا يعتمد عليها.
.................................................................................................
والعمدة موثّقة إسحاق بن عمّار المرويّة عن تفسير علي بن إبراهيم ، قال : سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الأنفال «فقال : هي القرى التي قد خربت وانجلى أهلها فهي لله وللرسول ، وما كان للملوك فهو للإمام ، وما كان من الأرض بخربة لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب ، وكلّ أرض لا ربّ لها ، والمعادن منها ، ومن مات وليس له مولى فماله من الأنفال» (1).
فلو تمّت دلالة هذه الموثّقة وثبت أنّ المعادن من الأنفال التي هي ملك للإمام (عليه السلام) لم يصحّ تملّكها من الكافر ، بل ولا من المسلم المخالف ، لاختصاص الترخيص في التصرّف والاستملاك بالشيعة ومن هو من أهل الولاية ، قال (عليه السلام) : «الناس كلّهم يعيشون في فضل مظلمتنا ، إلّا أنّا أحللنا شيعتنا من ذلك» (2)، ونحوها غيرها.
نعم ، ادّعى المحقّق الهمداني قيام السيرة القطعيّة على ذلك بالإضافة إلى المخالف ، فإن تمّ وعهدته عليه وإلّا فهو ملحق بالكافر في عدم الإذن ، والإشكال يعمّهما (3).
ولكن الظاهر أنّ الموثّقة قاصرة الدلالة ، لابتنائها على عود الضمير في قوله : «والمعادن منها» إلى الأنفال ، وهو غير ظاهر ، ولعلّ الأقرب عوده إلى الأرض التي هي الأقرب ، بل يقوى هذا الاحتمال بناءً على أن تكون النسخة : «فيها» بدل : «منها» كما ذكره الهمداني (قدس سره) (4).
بل قد يتعيّن ذلك على كلتا النسختين ، نظراً إلى ذكر الأنفال في آخر الخبر ،
[2886] مسألة 10 : يجوز استئجار الغير لإخراج المعدن فيملكه المستأجر (1) ، وإن قصد الأجير تملّكه لم يملكه.
فلو كان المراد من مرجع الضمير هو الأنفال لكان الأحرى ذكره صريحاً هنا والإتيان بالضمير في آخر الخبر عكس ما هو الموجود فيها ، بأن يقول هكذا : والمعادن من الأنفال ومن مات وليس له مولى فما له منها.
وعليه ، فتدلّ الموثّقة على أنّ صنفاً خاصّاً من المعادن يكون من الأنفال وهي التي تكون من الأرض أو في أرض لا ربّ لها.
والمراد من الربّ هو المربّي والمحيي ومن يقوم بشؤون الأرض وصلاحها ، ومنه الربيب الذي يقوم زوج امّه بتربيته وتكفّل شؤونه ، وبقرينة المقابلة مع الأرض الخربة التي لها مالك وهو الإمام (عليه السلام) يراد من الأرض التي لا ربّ لها : الأرض التي ليس لها من يصلحها ويحييها وإن كان لها مالك قد أعرض أو أهمل ، فكأنّ الشارع لم يرض بمجرّد تملّك الأرض وحيازتها بل يحث على أعمارها وإحيائها ، بل في بعض النصوص أنّها وقف لمن يحييها ، وإن كانت ضعيفة السند.
والمتحصّل ممّا ذكرناه : أنّ غاية ما تدلّ عليه الموثّقة أنّ قسماً خاصّاً من المعادن وهي التي تكون في أرض لم يقم شخص بتربيتها وإصلاحها ، كان لها مالك أم لا تعد من الأنفال ، فلا تتمّ مقالة الكليني ومن تبعه من أنّ المعادن بأجمعها من الأنفال ، كما لم تتمّ مقالة المشهور أيضاً من النفي المطلق ، بل الأقرب اختيار الوسط بين الأمرين حسبما عرفت.
(1) إذ هو نتيجة العمل الذي هو ملك له بعقد الإيجار ، فكأنه هو المتصدِّي للاستخراج والأجير بمثابة الآلة له ، ولذا صحّ إسناد الإخراج إليه حقيقةً ، فهو
[2887] مسألة 11 : إذا كان المخرج عبداً كان ما أخرجه لمولاه وعليه الخمس.
[2888] مسألة 12 : إذا عمل فيما أخرجه قبل إخراج خمسه عملاً يوجب زيادة قيمته (1) كما إذا ضربه دراهم أو دنانير أو جعله حُليّا أو كان مثل الياقوت والعقيق فحكّه فصّاً مثلاً اعتُبِر في إخراج خمس مادّته (1)، فيقوّم حينئذٍ سبيكة أو غير
المالك وعليه الخمس.
ومنه تعرف الحال في المسألة الآتية أعني : ما لو كان المخرج عبداً لوحدة المناط ، فإنّه مملوك بشخصه كما أنّ الأجير مملوك بعمله ، وعلى التقديرين فالنتيجة العائدة من الشخص أو العمل المملوكين مملوك لمالكهما بالتبعيّة كما هو ظاهر.
(1) كما لو كانت قيمة الذهب المستخرج ديناراً وبعد صياغته وتغيير هيئته يقوم بدينارين ، فهل اللّازم دفع خمس الدينار الذي هو قيمة المادّة ، أو الدينارين اللّذين هما قيمة المعدن الفعلي بمادّته وهيئته؟
اختار (قدس سره) الأوّل تبعاً للجواهر (2)وغيره ، فيقوّم المعدن سبيكة أو غير محكوك ثمّ يخمّس ، وربّما يعلّل بأنّ مستحقّ الخمس إنّما يملك خمس المادّة فقط ، وأمّا الصفة والهيئة فهي بتمامها ملك لعاملها فلا وجه لملاحظتها في التقويم ليلزم دفع خمسها.
.................................................................................................
ويندفع بما أوضحناه مستقصًى في بحث المكاسب من أنّ الهيئة من حيث هي لا ماليّة لها ، ولا يقسّط الثمن عليها أبداً ، ولا شأن لها عدا أنّها توجب ازدياد ماليّة المادّة المتلبّسة بها ، لأوفريّة رغبة العقلاء إليها بالإضافة إلى المجرّدة عنها ، ولأجلها يبذل المال بإزائها أكثر ممّا يبذل بإزاء العاري عن تلك الصفة ، من غير أن يكون لنفس تلك الهيئة حظّ من الماليّة.
ومن ثمّ لم يلتزم ولا ينبغي أن يلتزم أحد بجواز بيع المادّة دون الهيئة ، أو العكس ، أو يقال بشركة شخصين في العين على أن تكون المادّة لأحدهما والهيئة للشريك الآخر ، فيفرض الفرش المنسوج بالشكل الخاصّ مادّته لزيد وهيئته لعمرو ، أو تكون نقوش الكتاب وخطوطه لزيد ، وأوراقه لعمرو ، وهكذا غير الهيئة من سائر العوارض ، كالألوان أو الكيفيّات من البرودة والحرارة ونحوهما ، فإنّ المائع البارد وإن كان في الصيف أغلى من الماء إلّا أنّ نفس المادّة أثمن ، لا أنّ مقداراً من الثمن يدفع بإزاء صفة البرودة.
وعلى الجملة : فلا ينبغي التأمّل في عدم مقابلة الهيئة بشيء من المال ، وإلّا لاستحقّ الغاصب قيمة ما أحدثه في العين من الهيئة وهو مقطوع الفساد ، بل يجب عليه ردّ المادّة بهيئتها الفعليّة وإن أوجبت زيادة الماليّة.
وعليه ، فالتعليل بأنّ الصفة بتمامها لعاملها في غير محلّه ، فإنّها ليست لأحدٍ لا للعامل ولا لغيره ، لعدم ماليّتها بوجه حسبما عرفت ، فضلاً عن أن تكون ملكاً لأحد.
بل الوجه فيما ذكره (قدس سره) من دفع خمس المادّة فقط من دون ملاحظة الهيئة عدمُ المقتضي لملاحظتها ، إلّا إذا بنينا على تعلّق الخمس بنفس العين من حيث هي بحيث تكون العين الخارجيّة بخصوصيّاتها الشخصيّة مشتركة بين المالك ومستحقّ الخمس على سبيل الإشاعة ، فيلزم حينئذٍ ملاحظة الصفات
محكوك مثلاً ويخرج خمسه ، وكذا لو اتّجر به فربح قبل أن يخرج خمسه ناوياً الإخراج من مال آخر (1)ثمّ أدّاه من مال آخر (1) ، وأمّا إذا اتّجر به من غير نيّة الإخراج من غيره فالظاهر أنّ الربح مشترك بينه وبين أرباب الخمس.
والهيئات كالمواد لدى التقويم وتخريج الخمس.
وأمّا بناءً على أنّ الخمس كالزكاة حقٌّ متعلّق بماليّة العين ، وأمّا الشخصيّة فهي للمالك من غير أن يشاركه فيها أحد ، فلا جرم تقوّم مالية العين في زمان تعلّق الخمس وحدوثه ويملك المستحقّ الخمس من هذه الماليّة ، ومن البيّن أنّ هذه الماليّة أي ماليّة العين في زمان التعلّق التي هي متعلّق الخمس لم تزدد ولم تتغيّر بإحداث الهيئة من جعل السبيكة مسكوكاً أو غير المحكوك محكوكاً.
نعم ، لو فرضنا الزيادة في تلك الماليّة من أجل ترقّي القيمة السوقيّة وجب ملاحظتها ، إذ اللّازم الخروج عن عهدة الخمس من تلك الماليّة المتوقّف فعلاً على ملاحظة القيمة الفعليّة بعد أن لم يؤدّ الخمس في وقته كما هو المفروض. وأمّا الزيادة الناشئة من قبل عمل المالك وإحداثه الصفة فلا مقتضي لملاحظتها في مقام التقويم بوجهٍ حسبما عرفت.
وحيث ستعرف في محلّه إن شاء اللّه تعالى أنّ المبنى الأوّل هو الأصحّ فالأقوى لزوم إخراج خمس المجموع.
(1) فصّل (قدس سره) بين نيّة الإخراج من مال آخر المتعقّبة بالأداء ، وبين عدم النيّة فيكون الربح كلّه له على الأوّل ، ومشتركاً بينه وبين أرباب الخمس على الثاني.
1) (*) لا أثر للنيّة في المقام ، والحكم فيه هو الحكم فيما اتّجر به بغير نيّة الإخراج.
[2889] مسألة 13 : إذا شكّ في بلوغ النصاب وعدمه فالأحوط الاختبار (1)(1).
ولكنّه غير ظاهر ، إذ لا أثر للنيّة بمجرّدها في ذلك ولا للأداء الخارجي ، لعدم الدليل على شيء من ذلك بوجه ، بل لا دليل على نقل الخمس من العين إلى الذمّة بمجرّد النيّة بعد أن لم تكن ولاية للمالك على ذلك.
والصحيح في المقام أن يقال إذا بنينا على صحّة الشراء ممّن لم يخمّس العين استناداً إلى نصوص التحليل وشمولها للمقام كما هو الأظهر على ما سيجيء في محلّه إن شاء اللّه فلا إشكال في صحّة البيع حينئذٍ ، غايته أنّ الخمس ينتقل من المثمن إلى الثمن ، ولأجله يشترك الربح بتمامه بين المالك وأرباب الخمس.
وإن بنينا على عدم الصحّة ، لقصور تلك النصوص عن الشمول للمقام ، فلا محالة يكون البيع بالإضافة إلى خمس المبيع فضوليّاً ، لعدم صدوره لا بإذنٍ من المالك ولا وليّه ، وحينئذٍ فلو أدّى المالك الخمس من مالٍ آخر فبطبيعة الحال يملك وقتئذٍ ذاك الخمس المبيع فضوليّاً ، وبذلك يندرج المقام في كبرى : من باع ثمّ ملك ، كما تقدّم نظير ذلك في بيع العين الزكويّة ثمّ أداء الزكاة من مالٍ آخر.
فإن قلنا بصحّته كما هو الأصحّ كان الربح بتمامه للمالك ، وإلّا توقّفت الصحّة على إجازة الحاكم الشرعي الذي هو وليّ الخمس ، فإن أجاز صحّ وكان الربح مشتركاً ، وإلّا بطل البيع في مقدار الخمس فيستردّ حينئذٍ ماليّة هذا المقدار التي هي متعلّق الخمس ، ويراعي في هذا الاسترداد الغبطة والمصلحة ، وربّما تقتضي المصلحة استرداد نفس العين ، لكونها في معرض ارتقاء القيمة السوقيّة.
(1) لوجوهٍ مذكورة في محلّها بالإضافة إلى المقام وأمثاله ممّا يكون عدم
1) (*) لا بأس بتركه.
.................................................................................................
الاختبار والرجوع إلى الأصل مظنّة الوقوع في مخالفة الواقع ، كالشكّ في الاستطاعة ، وفي البلوغ حدّ النصاب في زكاة المال وفي الخمس وأمثالها.
منها : اهتمام الشارع بإدراك الواقع في هذه الموارد بمثابةٍ لا يرضى بالوقوع في خلاف الواقع حتى في صورة الشكّ والجهل.
ومنها : العلم الإجمالي بالوقوع في مخالفة الواقع كثيراً أو ولو في الجملة ، المانع عن الرجوع إلى الأصل.
ومنها : غير ذلك ممّا هو مذكور في محلّه.
ولكن العلم الإجمالي بأنّ جملة من الشاكّين يقعون في مخالفة الواقع لا أثر له بالإضافة إلى نفس الشاكّ ، ولا يمنع عن رجوعه إلى الأصل كما هو الحال في غير هذا المقام من سائر الموارد التي يرجع فيها إلى الأصل من أصالة الطهارة والحلّ ونحوها ، فإنّا نعلم إجمالاً بالضرورة بأنّ جملة من المتمسّكين بالأصل يقعون في خلاف الواقع جزماً.
نعم ، لو علم الشاكّ بنفسه إجمالاً بمخالفة الأصل الذي يجريه فعلاً أو بعداً لدى الشكّ في بلوغ المعدن النصاب منع ذلك عن الرجوع إلى الأصل ، إذ لا فرق في تنجيزه بين الدفعي والتدريجي ، وأمّا لو علم غيره أو علم هو بمخالفة أصله أو أصل غيره للواقع فلا أثر له في المنع عن الرجوع إلى الأصل كما هو ظاهر جدّاً.
وأمّا الاهتمام المزبور فلو ثبت وتحقّق فما أحسنه وجهاً للمنع ، ولكن كيف وأنّى لنا إحراز ذلك؟! وعهدته على مدّعيه. إذن فلا مانع من الرجوع إلى أصالة عدم بلوغ النصاب إمّا بالعدم النعتي كما في استخراج الملح تدريجاً حيث يقطع بأنّ الإخراج في الوجبة السابقة لم يبلغ النصاب والآن كما كان أو الأزلي كما في استخراج الذهب مثلاً لو شكّ في الوجبة الاولى بلوغ النصاب ، فإنّ
الثالث : الكنز (1) ،
المرجع حينئذٍ أصالة عدم البلوغ أزلاً ، وبنحو السالبة بانتفاء الموضوع ، فلاحظ.
(1) بلا خلاف ولا إشكال ، بل إجماعاً كما عن غير واحد ، وتشهد له جملة من الأخبار ، التي منها :
صحيحة الحلبي : أنّه سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الكنز ، كم فيه؟ «فقال : الخمس» (1).
وصحيح ابن أبي عمير ، عن غير واحد ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال : الخمس على خمسة أشياء : على الكنوز ، والمعادن» إلخ (2).
فإنّ أحمد بن زياد بن جعفر الهمداني هو شيخ الصدوق وقد وثّقه صريحاً فقال : ثقة فاضل ديّن وإن لم يتعرّض له في كتب الرجال (3).
وما في الوسائل من ضبط : عن جعفر (4)، غلط ، إمّا في هذه النسخة أو من صاحب الوسائل لو كان جميع نسخ الوسائل كذلك ، والصواب : ابن جعفر ، كما أثبتناه (5)، فإنّ جعفر جدّ أحمد ، لا أنّه راوٍ آخر.
وبالجملة : لا ينبغي التأمّل في صحّة الرواية.
وما رواه الصدوق بإسناده عن عمّار بن مروان ، قال : سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول : «فيما يخرج من المعادن ، والبحر ، والغنيمة ، والحلال المختلط
.................................................................................................
بالحرام إذا لم يعرف صاحبه ، والكنوز ، الخمس» (1).
وهذه واضحة الدلالة.
وأمّا السند فعمّار بن مروان مشترك بين اليشكري الثقة الذي هو معروف وله كتاب والراوي عنه محمّد بن سنان غالباً والحسن بن محبوب أحياناً ، وبين الكلبي الذي هو مجهول ، كما أنّه غير معروف ويروي عنه الحسن بن محبوب بواسطة أبي أيّوب ، وما في جامع الرواة من ضبط : كليني (2)، بدل : كلبي ، خطأ ، والصواب ما ذكرناه.
وقد حاول الأردبيلي إرجاع الثاني إلى الأوّل ، ولا وجه له بعد الامتياز من حيث الراوي والكتاب والشهرة ، فهما شخصان والرجل مردّد بين الثقة وغيره.
إلّا أنّه لا ينبغي التأمّل في أنّ المراد هو الأوّل ، لانصراف اللفظ عند الإطلاق إلى ما هو الأشهر الأعرف الذي له أصل أو كتاب ، دون الشاذّ غير المعروف ، ولا سيّما وأنّ الراوي عنه هو الحسن بن محبوب بلا واسطة ، مع أنّه لا يوري عن الكلبي إلّا بواسطة أبي أيّوب كما سمعت.
وعليه ، فالأظهر أنّ الرواية صحيحة السند وإن ناقشنا فيها في المعجم (3)، فلاحظ.
وصحيح زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) ، قال : سألته عن المعادن ، ما فيها؟ «فقال : كلّ ما كان ركازاً ففيه الخمس» (4).
فإنّ السؤال وإن كان عن المعادن ، إلّا أنّ الحكم في الجواب معلّق على عنوان
وهو المال المذخور (1)
عامّ وهو الركاز ، الشامل للمعادن وغيرها من الكنز ونحوه ، فإنّه بمعنى الشيء الثابت المرتكز فيعمّ الكلّ ، بل قد يقال باختصاص الركاز على بعض تفاسيره بالكنز.
وكيفما كان ، فوجوب الخمس في الكنوز مسلّم نصّاً وفتوى ولا سترة عليه.
وإنّما الكلام يقع في جهات : نتعرّض إليها حسب تعرّض الماتن (قدس سره) :
(1) الجهة الأُولى : هل يعتبر القصد في صدق الكنز بأن يكون المال الذي عثر عليه ممّا كنزه إنسان بقصد الادّخار ليوم فاقته ، أو يتناول المفهوم كلّ مال مستتر في الأرض ولو لا عن قصد أو بقصدٍ غير الادّخار من حفظه مؤقّتاً ونحو ذلك؟
المشهور هو الثاني ، ولكن الشهيد الثاني في المسالك والروضة اختار الأوّل (1)، فخصّ الكنز بما إذا كان الادّخار مقصوداً للمالك ، وإلّا فهو في حكم اللّقطة ، بل ربّما ينسب هذا القول إلى كلّ من فسّر الكنز بالمال المذخور تحت الأرض ، بدعوى أنّ القصد والإرادة مشروب في مفهوم الادّخار بحكم التبادر والانسباق.
وكيفما كان ، فما عليه المشهور هو الصحيح ، إذ التقييد بالقصد لم نتحقّقه في مفهوم الكنز لا عرفاً ولا لغةً ، بل لا يكاد يتأمّل العرف في إطلاق الكنز على المال الذي عثر عليه في جوف الأرض وإن لم يحرز قصد المالك ، لعدم القرينة على ذلك من كونه في وعاء ونحوه ، بل حتى مع إحراز عدم القصد ، وأنّ استتار المال كان بسبب الضياع ونحوه كما يكشف عنه بوضوح الكنز المستخرج من
1) المسالك 1 : 460 ، الروضة 2 : 68.
في الأرض أو الجبل أو الجدار أو الشجر ، والمدار الصدق العرفي (1) ،
المدن التي أنزل اللّه تعالى عليها العذاب وجعل عاليها سافلها وسافلها عاليها ، فإنّ الادّخار غير مقصود حينئذٍ بالضرورة مع إطلاق اسم الكنز عليه قطعاً.
ولو تنازلنا وشككنا في تناول المفهوم لغير المقصود ، أو أحرزنا العدم ، فإنّما نسلّمه في لفظ الكنز ، وأمّا الركاز المجعول بعنوانه موضوعاً للحكم في صحيحة زرارة المتقدِّمة فلا ينبغي التأمّل في شموله لغير المقصود ، ضرورة أنّ من أبرز مصاديقه المعدن ولا قصد في مورده كما هو واضح.
(1) الجهة الثانية : هل يختصّ الكنز بالمال المذخور تحت الأرض ، أو يشمل المستور فوقها من جبل أو شجر أو جدار ونحوها؟
ظاهر التقييد بالأرض في كلمات جملة من الفقهاء واللغويّين هو الأوّل ، بل قد صرّح كاشف الغطاء كما في الجواهر بعدم الخمس في المدفون في غير الأرض (1).
ولكنّه غير واضح ، لشمول المفهوم عرفاً ولغةً لكلّ ما كان مستوراً عن الأنظار ، على نحوٍ لا يمكن الوصول إليه عادةً ، سواء أكان مدفوناً في الأرض أم الجبل أم بطن الشجر دون ورقه أم في بناء من جدران أو حيطان ونحوها ممّا يكون مخفيّاً ويتعذّر العثور عليه غالباً ويكون محفوظاً دائماً لا تناله الأيدي بحسب الجري العادي.
نعم ، المخفي في مكان معيّن للحفظ المؤقّت ، كالصندوق ، أو وراء الكتب ، أو السرداب ، أو تحت خشب ، أو حطب ، أو خلال أوراق الشجر ، ونحو ذلك ممّا يكون معرّضاً للعثور عليه ولو بعد حين ، لا يصدق عليه الكنز ولا الركاز
1) حكاه في الجواهر 16 : 25 ، وهو في كشف الغطاء : 360.
سواء كان من الذهب أو الفضّة المسكوكين أو غير المسكوكين (1)أو غيرهما من الجواهر (1) ،
بحسب الصدق العرفي ، فلا تشمله الأدلّة ، بل هي في حكم اللقطة.
وأمّا ما عدا ذلك فيتناوله اللفظ وتشمله الإطلاقات ، ولا خصوصيّة للمكان كما مال إليه في الجواهر (2)، بل لا ينبغي التأمّل في ذلك ، والعبرة بالصدق العرفي حسبما عرفت.
(1) الجهة الثالثة : في الجنس المخرج.
لا ينبغي التأمّل في صدق الكنز على كلّ مال مذخور في الأرض ، سواء أكان من الذهب والفضّة أم غيرهما من الجواهر والأحجار الكريمة ونحوها من النفائس الثمينة ، بل هو الظاهر من كلّ من فسّره بالمال المذخور ، لصدق المال على جميع تلك الأجناس بمناطٍ واحد.
فما يظهر من بعض من التخصيص بالأولَين ، بل ربّما ينسب إلى ظاهر الأكثر ، لا يمكن المساعدة عليه بوجه ، بل المستفاد من كلمات غير واحد من الفقهاء واللغويّين المطابق للمرتكز العرفي هو الأوّل حسبما عرفت.
نعم ، الظاهر اختصاص الخمس بعنوان الكنز بصنفٍ خاصّ منه ، أعني : الذهب والفضّة المسكوكين المعبّر عنهما بالنقدين ، فلا خمس في غيرهما بهذا العنوان وإن ثبت بعنوان مطلق الفائدة ، وذلك من أجل النصّ الخاصّ ، وهي صحيحة البزنطي الظاهرة في الاختصاص ، وبها ترفع اليد عن الإطلاق الوارد
.................................................................................................
في سائر الأدلّة ، التي منها صحيحة زرارة المتضمّنة للركاز ، عملاً بصناعة الإطلاق والتقييد.
روى الصدوق في الصحيح عن البزنطي عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) ، قال : سألته عمّا يجب فيه الخمس من الكنز؟ «فقال : ما يجب الزكاة في مثله ففيه الخمس» (1).
فإنّ السؤال بقوله : عمّا ، إلخ ، ظاهرٌ في السؤال عن الجنس والماهيّة ، لا عن المقدار والكمِّيّة. وعليه ، فالمماثلة ظاهرة في التماثل من حيث الجنس الذي هو المسئول عنه لا في شيء آخر ، فإنّه خلاف المنسبق أو المنصرف من إطلاق المماثلة كما لا يخفى ، وبما أنّ الجنس المستخرج من الكنز الذي يكون في الجنس المتسانخ والمماثل له الزكاة منحصرٌ في النقدين فطبعاً يختصّ الخمس أيضاً بهما.
هذا ، ولكن صاحب الرياض أسند إلى الأصحاب أنّهم فهموا منها المماثلة في المقدار والماليّة ، نظير صحيحته الأُخرى الواردة في المعدن ، قال : سألت أبا الحسن (عليه السلام) عمّا أخرج المعدن من قليل أو كثير ، هل فيه شيء؟ «قال : ليس فيه شيء حتى يبلغ ما يكون في مثله الزكاة عشرين ديناراً» (2)، فإنّ الجواب فيهما واحد ، وهو اعتبار النصاب المقدّر بعشرين ديناراً في تلك الصحيحة ، وأمّا في هذه فحيث لم يقدّر فتحمل على أنّه إن كان ذهباً فعشرون ديناراً ، وإن كان فضّة فمائتا درهم ، وإن كان غيرهما فأقلّ النصب الزكويّة (3).
ولكنّه كما ترى ، فإنّ الصحيحة الأُولى ظاهرة في السؤال عن الجنس كما عرفت ، فلا وجه للحمل على الكمّ. وأمّا الثانية فهي بالعكس من ذلك ، لمكان
وسواء كان في بلاد الكفّار الحربيّين أو غيرهم أو في بلاد الإسلام (1) ، في الأرض الموات أو الأرض الخَرِبة التي لم يكن لها مالك أو في أرض مملوكة له بالإحياء أو بالابتياع مع العلم بعدم كونه ملكاً للبائعين ، وسواء كان عليه أثر الإسلام أم لا ، ففي جميع هذه يكون ملكاً لواجده وعليه الخمس.
التعبير بقوله : من قليل أو كثير ، وقوله : «حتّى يبلغ» فإنّ ذلك يجعلها كالصريح في تعلّق السؤال بالكمّ والمقدار ، فبين السؤالين بونٌ بعيد ، ولا وجه لقياس أحدهما بالآخر كما هو ظاهر جدّاً.
أضف إلى ذلك أنّ هذه الصحيحة الواردة في المعدن لو حملت على الجنس ليراد به الذهب والفضّة اللذين يكون في مثلهما الزكاة يلزم منه الحمل على الفرد النادر جدّاً ، ضرورة أنّ التصدِّي لاستخراج غيرهما من سائر المعادن كالملح والأحجار الكريمة ونحوها يمكن من شخص واحد. وأمّا استخراج الذهب والفضّة من معدنهما فهو صعب مستعصب لا يمكن عادةً أن يقوم به إلّا جماعة كثيرون مجهّزون بآلات الاستخراج ، وفي الأغلب يكون المتصدِّي لها أعضاء الدول والحكومات دون آحاد الناس العاديّين.
فهي إذن محمولة على الكمّ والمقدار وناظرة إلى النصاب حسبما عرفت ، بخلاف الأُولى ، فإنّها ظاهرة في السؤال عن جنس المستخرج وماهيّته لا مقداره وكمّيّته ، فإنّ حمل المماثلة على التقدير في الماليّة بعيدٌ عن سياقها غايته كما عرفت.
فتحصّل : أنّ الأظهر اختصاص الخمس من الكنوز بما كان الخارج من النقدين اللذين فيهما الزكاة دون غيرهما من الذهب والفضّة غير المسكوكين فضلاً عن غير الذهب والفضّة.
(1) الجهة الرابعة : في المكان الذي يوجد فيه الكنز.
.................................................................................................
لا إشكال كما لا خلاف في أنّ الكنز إذا وجد في دار الحرب أو في دار الإسلام ولم يكن عليه أثر الإسلام بأن لم تكن السكّة إسلاميّة مثلاً فهو ملك لواجده وعليه خمسه ، وقد ادّعى عليه الإجماع في كلمات غير واحد.
وإنّما الكلام فيما إذا وجد في دار الإسلام وكان عليه أثر الإسلام ، كما لو كانت سكّة عبّاسيّة أو أمويّة ونحوهما ، فهل يجري عليه حكم الكنز من التملّك والتخميس ، أو حكم اللقطة ليحتاج إلى التعريف؟
ومحلّ الكلام ما إذا وجد في الأماكن العامّة كالمباحات الأصليّة أو ما هو ملك للإمام كالأنفال ، أو للمسلمين كالأراضي المفتوحة عَنوةً وقد تقدّم سابقاً أنّ ملكيّة المسلمين لها لا تستلزم ملكيّة ما في أجوافها من الكنوز والمعادن (1)ونحو ذلك من الآجام وبطون الأودية وغيرها ممّا لم يكن ملكاً شخصيّاً لأحد.
فقد ذهب جماعة منهم المحقّق في الشرائع وغيره والعلّامة (2)إلى أنّه داخل في عنوان اللقطة.
وذهب جماعة آخرون ومنهم صاحب المدارك (3)إلى أنّه داخل في عنوان الكنز ويجري عليه حكمه.
واستدلّ القائلون بأنّه من اللقطة :
تارةً : بأصالة عدم جواز تملّكه من غير تعريف ، حيث إنّ الملكيّة أمر حادث يحتاج ثبوته إلى الدليل ومقتضى الأصل عدمه.
وأُخرى : بأنّ كونه في دار الإسلام أمارة كونه لمحترم المال من مسلم أو
.................................................................................................
ذمّي ، حيث إنّ مَن في هذه الدار محكومٌ بحقن الدم والمال ، فما لم يثبت أنّه فيء للمسلمين لا يجوز تملّكه ، بل يجب الفحص عن مالكه.
وثالثةً : بموثّقة محمّد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال : قضى علي (عليه السلام) في رجل وجد ورقاً في خربة : أن يعرّفها ، فإن وجد من يعرفها ، وإلّا تمتّع بها» (1).
حيث دلّت على عدم جواز استملاك الورق قبل تعريفها. وقد حملوها على الكنز باعتبار أنّ الورق الموجود في الخربة إذا لم يكن كنزاً مذخوراً تحت الأرض لا معرّف له ليعرف ، إذ لا علامة له حينئذٍ ، فإنّه سكّة من درهم أو دينار كغيره من المسكوكات فكيف يمكن تعريفه؟! ومع التنزّل فلا أقلّ من الإطلاق ، أي سواء كان الورق على وجه الخربة أم كنزاً مذخوراً تحت الأرض. وعلى أيّ حال فلا يجوز استملاك ما وجد في دار الإسلام وعليه أثر الإسلام من غير تعريف.
هذا ، وقد أورد غير واحد على الأصل المزبور بأنّ مقتضاه جواز التملّك لا عدمه ، إذ المحترم إنّما هو مال المسلم ، ومن في حكمه كالذمّي وغيره لا احترام له ، فمع الشكّ في أنّه لمسلم أو لغيره كان مقتضى الأصل عدم وضع المسلم يده على هذا المال ، فيجوز استملاكه بعد إحراز عدم احترامه بمقتضى هذا الأصل. ومجرّد كونه في بلاد الإسلام لا يكون أمارة على أنّه لمسلم. نعم ، غايته الظنّ ، وهو لا يغني عن الحقّ ، فلا يمنع عن إجراء الأصل المذكور.
وأُورد على هذا الإيراد أيضاً بأنّ مقتضى الأصل عدم جواز التصرّف في مال أيّ أحد ما لم يثبت جوازه ، فإنّ أخذ المال ظلم وتعدٍّ وهو قبيح ، إلّا ما ثبت بدليلٍ مثل مال الكافر الحربي وليس ذلك منوطاً بالإسلام ، بل الكفر مانع
1) الوسائل 25 : 448 / كتاب اللقطة ب 5 ح 5.
.................................................................................................
لا أنّ الإسلام شرط ، فإذا شككنا في مالٍ أنّه لمسلم أو لحربي كان مقتضى الأصل عدم جواز التصرّف فيه ، لا أنّ مقتضى الأصل جوازه إلّا إذا ثبت أنّه لمسلم ، بل الأمر بالعكس ، فلا يجوز التصرّف إلّا إذا ثبت أنّه لحربي أو بوجه آخر كحقّ المارّة ونحو ذلك.
والحاصل : أنّ أصالة الاحترام من غير إناطةٍ بالإسلام هي المعوّل عليها في كافّة الأموال بالسيرة العقلائيّة وحكومة العقل القاضي بقبح الظلم كما عرفت ، إلّا إذا ثبت إلغاؤه والإذن في التصرّف فيه بدليل خاصّ ، كما ثبت في الكافر الحربي بإذنٍ من مالك المملوك الموجب لخروج ذلك عن عنوان الظلم. وقد ورد هذا المضمون في التوقيع الشريف وأنّه لا يجوز التصرّف في مال أحدٍ إلّا بإذنه ، وإن كان سنده ضعيفاً ، إلّا أنّه مؤيِّد للمطلوب. وهذا الإيراد وجيهٌ جدّاً.
ومن هنا لا ينبغي الشكّ من أحد حتى من صاحب المدارك في أنّا إذا وجدنا شخصاً مجهول الحال في بادية وشككنا في أنّه مسلم أو كافر حربي لا يجوز لنا أخذ ماله بأصالة عدم إسلامه ، أو لو رأيناه قد وضع ماله في مكانٍ معيّن أو ادّخره فيه فإنّه لا يسوغ لنا استملاكه بإجراء الأصل المزبور بالضرورة.
وعلى الجملة : فجواز التصرّف في الأموال يتوقّف على إحراز الجواز إمّا بإذنٍ من المالك أو من مالك المملوك ، فأصالة عدم وضع المسلم يده على هذا المال لا أساس لها بتاتاً ولا يترتّب عليها أيّ أثر حسبما عرفت ، بل لا بدّ من الفحص والتعريف ، ولا يجري حكم الكنز.
وأمّا الموثّقة فقد أُجيب عنها بعدم وضوح ورودها في الكنز ، بل الظاهر أنّها واردة في اللقطة غير الصادقة على الكنز بالضرورة ، إذ اللقطة هي المال الضائع ، فلا ينطبق على الكنز الذي هو المال المدّخر في مكانٍ معيّن وإن ذُكِر في كلام العلّامة وغيره أنّه لقطة.
.................................................................................................
وهذا الجواب أيضاً يمكن منعه بما عرفت من أنّ الورق الموجود في الخربة بمناسبة الحكم والموضوع لا بدّ وأن يراد بها الكنز ، لعدم إمكان التعريف لو لم يكن كنزاً ، لتوقّفه على علامة ، ولم يفرض وجودها في الرواية ، بل أنّ المنسبق إلى الذهن من مثل قولنا : وجدت في خربة ورقاً ، هو الكنز ، ولا أقلّ من الشمول له بالإطلاق ، فحملها على اللقطة بعيدٌ كما لا يخفى.
فهذه الموثّقة تدلّنا أيضاً على أنّ هذا المال حكمه حكم اللقطة ولا بدّ من الفحص ، ولا يجري عليه حكم الكنز.
هذا ، ومع ذلك كلّه فالظاهر أنّ ما ذكره صاحب المدارك ولعلّه المشهور بين المتأخّرين من وجوب الخمس وإجراء حكم الكنز عليه لا اللقطة ولا مجهول المالك هو الصحيح.
والوجه فيه أمّا مع قطع النظر عن النصّ وهي الموثّقة ، فهو أنّه إن كانت قرينة على أنّه لمحترم المال من مسلم أو ذمّي أو احتملنا ذلك فمقتضى الأصل عدم جواز التصرّف فيه كما ذكروه.
وأمّا إذا علمنا أنّه ادّخره إنسان منذ عهد قديم وفي الأزمنة السابقة البالغة مئات السنين كما هو الغالب في الكنوز حيث لا يحتمل عادةً حياة مدّخرها بل قد مات جزماً مسلماً كان أم كافراً وقد خرج الكنز عن ملكه قطعاً :
فحينئذٍ إن علمنا بأنّ له وارثاً محترم المال من مسلم أو ذمّي قد انتقل الملك إليه نسلاً بعد نسل إلى زماننا هذا وإن لم يعرف المالك الفعلي بشخصه ، كان مقتضى القاعدة حينئذٍ لزوم الفحص عنه ، فإنّه وإن لم يدخل في عنوان اللقطة إلّا أنّه من مجهول المالك فلا يمكن تملّكه وإخراج خمسه.
وأمّا إذا لم يحرز ذلك كما هو الغالب حيث لم يعلم ثبوت الوارث بالفعل ، إمّا لعدم ثبوته من أصله ، أو كان وقد انقرض ، فمقتضى القاعدة حينئذٍ الانتقال إلى الإمام ، لأصالة عدم وجود وارث محترم ، فيدخل في موضوع من مات ولم
.................................................................................................
يكن له وارث ، المحكوم بالدخول في ملك الإمام.
فالكنز في المقام حيث أصبح بلا مالك بمقتضى أصالة عدم الوارث فهو بتبع الأرض المدفون فيها فيءٌ للإمام وقد أباحه (عليه السلام) للمسلمين ، كما هو الشأن في كلّ أرض لا ربّ لها فيملكه الواجد وعليه خمسه.
ونظير ذلك ما نجده من أجزاء العمارات السابقة والأبنية العتيقة الخربة البائد أهلها من خشبٍ أو طابوق أو آجر ونحو ذلك ، كما نشاهدها الآن في الكوفة وغيرها ممّا كان ملكاً لبني العبّاس أو بني أُميّة أو لكافرٍ محترم المال ، فإنّ مقتضى الأصل جواز استملاكها والتصرّف فيها ، لكونها من المباحات المنتقلة إلى الإمام (عليه السلام) التي أباحها لشيعته.
فإذا كان الكنز من هذا القبيل جاز تملّكه ووجب خمسه حسبما عرفت.
وأمّا بالنظر إلى النصّ فالموثّقة وإن كانت ظاهرة فيما ذكروه بقرينة الفحص والتعريف ، إلّا أنّه لا بدّ من حملها على خربة لها مالك موجود بالفعل لم يعرض عنها ، فيجب الفحص والتعريف ، لكونه من مجهول المالك ، دون الخربة التي أعرض عنها مالكها ، فإنّ المال حينئذٍ لواجده بلا تعريف وعليه خمسه.
والقرينة على هذا الحمل صحيحة محمّد بن مسلم المشتملة على عين السؤال المذكور في الموثّقة ، قال : سألته عن الدار يوجد فيها الورق «فقال : إن كانت معمورة فيها أهلها فهي لهم ، وإن كانت خربة قد جلا عنها أهلها فالذي وجد المال أحقّ به» (1).
فهذه الصحيحة تقيّد الموثّقة وتدلّ على اختصاص التعريف بغير فرض الجلاء ، وأمّا مع الجلاء والإعراض فالورق لواجده من غير تعريف ، فلا يدخل في اللقطة ولا في مجهول المالك ، بل يدخل في الكنز فيملك ويخمّس ، كما لعلّه
1) الوسائل 25 : 447 / كتاب اللقطة ب 5 ح 1.
.................................................................................................
المشهور بين المتأخّرين.
وملخّص الكلام : أنّ مقتضى الأصل وإن كان هو عدم جواز التصرّف في ملك الغير من غير إذن من المالك أو من الشارع ، إلّا أنّ محلّ الكلام هو الكنز الذي لم يعرف له مالك موجود بالفعل لموت المدخر وعدم العلم بوجود الوارث ، فيكون المرجع حينئذٍ أصالة عدم الوارث ، المحقّق لكونه من الأنفال وملكاً للإمام بتبع الأرض وقد أباحه (عليه السلام) لشيعته ، فيكون ملكاً لواجده وعليه خمسه ، فلا يجري عليه حكم اللقطة أو مجهول المالك.
هذا ، مضافاً إلى صحيحة محمّد بن مسلم الصريحة في ذلك حسبما عرفت ، ولو لا ما ذكرناه من الأصل والصحيحة لأمكن المناقشة في القسم السابق أيضاً ، إذ لم يكن حينئذٍ فرقٌ بين هذا القسم أعني : ما وجد في دار الإسلام وعليه أثر الإسلام وبين القسم السابق أي ما لم يكن عليه أثر الإسلام فلم يجز استملاكه أيضاً ولزم إجراء حكم اللقطة عليه ، ضرورة أنّ مجرّد عدم الاشتمال على أثر الإسلام لا يكشف عن عدم كونه ملكاً للمسلم ، لجواز استملاك المسلم سكّة غير إسلاميّة ، فإنّ بين الأمرين عموماً من وجه ، فكما أنّ السكّة الإسلاميّة يمكن أن تكون لغير المسلم فكذا المسلم يمكن أن يملك سكّة غير إسلاميّة ، فلم تصحّ التفرقة بين القسمين ، مع أنّهم ادّعوا الإجماع على جواز الاستملاك في القسم السابق حسبما عرفت.
هذا ، ويمكن أن يستدلّ للمطلوب بالإطلاق في بعض نصوص الخمس في الكنز ، فإنّ الموضوع في بعضها وإن كان هو الكنز المملوك لواجده من غير نظر إلى حصول الملك وعدمه ، فلم تكن إلّا في مقام بيان وجوب الخمس بعد الفراغ عن كون الكنز مملوكاً على الوجه المقرّر شرعاً ، كصحيح الحلبي : أنّه سأل
.................................................................................................
أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الكنز ، كم فيه؟ «فقال : الخمس» (1).
إلّا أنّ بعضها الآخر كما يدلّ على وجوب الخمس يدلّ على ملكيّته لواجده ، كصحيحة عمّار بن مروان وهو اليشكري الثقة قال : سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول : «فيما يخرج من المعادن ، والبحر ، والغنيمة ، والحلال المختلط بالحرام إذا لم يعرف صاحبه ، والكنوز ، الخمس» (2).
فإنّ المستفاد من مثل ذلك بحسب الفهم العرفي أنّ واجد الكنز يملك الأربعة أخماس الباقية بعد إخراج الخمس كواجد المعدن والغوص والغنيمة ونحوها ، ومقتضى الإطلاق عدم الفرق في حصول الملك بين ما كان عليه أثر الإسلام وما لم يكن ، من غير توقّف على التعريف.
ونحوها صحيحة ابن أبي عمير ، عن غير واحد ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال : الخمس على خمسة أشياء : على الكنوز ، والمعادن» إلخ (3)، بالتقريب المتقدّم.
وهذه الرواية معتبرة ، فإنّ أحمد بن زياد بن جعفر الهمداني وإن لم يوثّق في كتب الرجال إلّا أنّه شيخ الصدوق وقد وثّقه صريحاً. وما في الوسائل من ضبط : عن جعفر ، بدل : بن جعفر ، غلط ، والصحيح ما أثبتناه (4).
والمتحصّل من جميع ما قدّمناه : أنّ الأقوى أنّ الكنز مطلقاً ملكٌ لواجده ، سواء أكان عليه أثر الإسلام وكان في بلد الإسلام أم لا ، كما لعلّه المشهور بين المتأخّرين حسبما مرّ.
ولو كان في أرض مبتاعة مع احتمال كونه لأحد البائعين عرّفه (1)المالك قبله ، فإن لم يعرّفه فالمالك قبله (1) وهكذا فإن لم يعرّفوه فهو للواجد وعليه الخمس.
(1) وفي حكم البيع ما لو انتقل بناقل آخر من هبة أو إرث ونحو ذلك ، فقد ذكر المشهور أنّه يرجع إلى من انتقل عنه ، فإن عرفه فهو ، وإلّا رجع إلى المالك قبله وهكذا ، فإن يئس يعامَل معاملة مجهول المالك فيتصدّق على الفقراء ، ولا يدخل في عنوان الكنز فإنّ له مالكاً محترماً وإن كان مجهولاً. ولأجله يجب التصدّق.
واستدلّوا عليه بقاعدة اليد بتقريب أنّ اليد التي كانت على هذا المال أمارة الملك ومن ثمّ وجب الرجوع على ذي اليد ، فإن عرّفه ، وإلّا سقطت يده عن الحجّيّة باعترافه أنّ المال ليس له ، وتحيي عندئذٍ اليد السابقة ، إذ هي إنّما سقطت عن الأماريّة لمكان اليد التي بعدها ، فإذا سقطت اللّاحقة سلمت السابقة.
وهذا الوجه كما ترى ، بل لعلّه واضح الفساد ، ضرورة أنّ اليد أمارة الملكيّة من غير توقّف على التعريف والسؤال ، فلو كانت اليد حجّة في المقام فاللّازم الدفع إلى ذي اليد من غير إناطة على التعريف ، اللّهمّ إلّا أن يعترف هو بالخلاف وينفيه عن نفسه ، وإلّا فما دام لم ينفه كان له من غير حاجة إلى الفحص والتحقيق ، ولذا لو كان ميّتاً يدفع إلى وارثه ، أو مجنوناً يدفع إلى وليّه من غير سؤال واستعلام ، فلا يمكن التمسّك بقاعدة اليد لإثبات التعريف.
1) (*) محلّ الكلام هو الكنز الذي لا يعرف له مالك بالفعل ، وفي مثله لا موجب لتعريفه بالنسبة إلى أحد البائعين ، فإنّ المفروض انقطاع يدهم عن الأرض المبتاعة فحالهم حال غيرهم في ذلك ، فالظاهر أنّه للواجد بلا حاجة إلى التعريف.
.................................................................................................
ومن هنا ذكر جماعة أنّه يعطى لمن انتقل عنه من غير سؤال وتعريف ، استناداً إلى قاعدة اليد ، وأنّه تشير إليها صحيحة ابن مسلم المتقدّمة : عن الدار يوجد فيها الورق «فقال : إن كانت معمولة فيها أهلها فهي لهم» إلخ (1)، ومثلها صحيحته الأُخرى (2).
لكن مورد الصحيحتين اليد الفعليّة وأجنبي عن اليد الزائلة بالانتقال عنها ببيعٍ ونحوه التي هي محلّ الكلام ، فلا موقع للاستدلال بهما.
وأمّا قاعدة اليد فهي أيضاً لا مجال للاستدلال بها في المقام ، ضرورة أنّ المتّصف بالحجّيّة وما هو أمارة الملكيّة إنّما هو اليد الفعليّة ، فتكون اليد القائمة على الأرض يداً على ما فيها من الكنز بالتبع ، وأمّا اليد السابقة الزائلة فعلاً بالتمليك إلى شخصٍ آخر فلا أماريّة لها بوجه ، بل لعلّ العادة قاضية بالقطع بجهالة ذي اليد عمّا في الأرض من الكنز ، وإلّا فكيف يمكّن المشتري منه ولم يستخرجه لنفسه؟! وملخّص الكلام : أنّه لا يمكن المساعدة على ما ذكروه من الدفع إلى المالك قبله فإن عرّفه وإلّا فالمالك قبله وهكذا استناداً إلى قاعدة اليد :
أمّا أوّلاً : فلأنّ القاعدة لو تمّت فهي حجّة مطلقاً بلا توقّف على الدعوى من ذي اليد ، بل هي حجّة حتى مع الشكّ وجهل ذي اليد بالملكيّة ، ولأجله يدفع إلى وارثه لو كان ميّتاً ، فما هي الحاجة أذن إلى التعريف للمالك السابق وصدور الدعوى منه؟! بل لا بدّ وأن يدفع إليه ابتداءً.
وثانياً : أنّ حجّيّة اليد سواء أكان المستند فيها السيرة العقلائيّة ، وهي
.................................................................................................
العمدة ، أم بعض النصوص مثل ما دلّ على جواز الشهادة استناداً إلى اليد خاصّة باليد الفعليّة فهي الكاشفة عن الملكيّة ، وأمّا الزائلة فهي ساقطة عن درجة الاعتبار ولا أماريّة لها بوجه ، لخروجها عن مورد السيرة والأخبار بالضرورة ، وقد يكشف عنه ذيل صحيحتي ابن مسلم المتقدّمتين ، قال (عليه السلام) فيهما : «وإن كانت خربة قد جلا عنها أهلها فالذي وجد المال أحقّ به» إلخ ، حيث دلّت على سقوط اليد عن الملكيّة بالجلاء والإعراض ، ولأجله كان الواجد أحقّ به ، فإذا سقطت بالإعراض فسقوطها بالانتقال ببائعٍ ونحوه الذي هو محلّ الكلام بطريقٍ أولى كما لا يخفى.
وعليه ، فمقتضى القاعدة عدم الفرق بين المالك السابق وغيره ، بل حكم الكنز في الأرض المبتاعة حكمه في أرض الموات في أنّه إن احتمل أنّ له مالكاً محترماً موجوداً بالفعل كان من مجهول المالك ووجب التعريف ، فيراجع المالك السابق كما يراجع غيره ، فإن ظهر وإلّا تصدّق عنه ، وأمّا لو لم يحتمل وجود المالك الفعلي ولا سيّما إذا كانت قرينة على ذلك مثل ما إذا كان الكنز عتيقاً ونحو ذلك كما هو الغالب في الكنوز على ما مرّ جاز استملاكه ، فهو لواجده وعليه خمسه ، بمقتضى إطلاق النصوص الدالّة على جواز تملّك الكنز وأداء خمسه. هذا ما تقتضيه القاعدة.
وأمّا بالنظر إلى الروايات الواردة في المقام فقد استدلّ شيخنا الأنصاري (قدس سره) (1)للزوم مراجعة البائع بروايتين :
إحداهما : ما رواه الكليني بسنده عن عبد اللّه بن جعفر الحميري ، قال : كتبت إلى الرجل (عليه السلام) أسأله عن رجل اشترى جزوراً أو بقرة للأضاحي ،
1) كتاب الخمس : 50 51 ، 57 59.
.................................................................................................
فلمّا ذبحها وجد في جوفها صرّة فيها دراهم أو دنانير أو جوهرة ، لمن يكون ذلك؟ فوقّع (عليه السلام) : «عرّفها البائع ، فإن لم يكن يعرفها فالشيء لك ، رزقك اللّه إيّاه» (1)، وروى الصدوق أيضاً عنه مثله (2).
ثانيتهما : موثّقة إسحاق بن عمّار ، قال : سألت أبا إبراهيم (عليه السلام) عن رجل نزل في بعض بيوت مكّة فوجد فيه نحواً من سبعين درهماً مدفونة ، فلم تزل معه ولم يذكرها حتى قدم الكوفة ، كيف يصنع؟ «قال : يسأل عنها أهل المنزل لعلّهم يعرفونها» قلت : فإن لم يعرفوها؟ «قال : يتصدّق بها» (3).
وهناك رواية ثالثة تقدّمت ، وهي موثّقة محمّد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال : قضى علي (عليه السلام) في رجل وجد ورقاً في خربة : أن يعرّفها ، فإن وجد من يعرفها ، وإلّا تمتّع بها» (4).
هذا ، والظاهر عدم صحّة الاستدلال بشيء من الروايات الثلاث للمقام :
أمّا الأخيرة : فقد تقدّم (5)لزوم حملها على الأرض الخربة التي لم ينجل عنها أهلها بقرينة صحيحة ابن مسلم (6)، فيكون الورق حينئذٍ من مجهول المالك ، والحكم بلزوم التعريف عندئذٍ مطابق للقاعدة ، سواء أكان الورق تحت الأرض أم فوقها وإن كان الظاهر هو الأوّل ، إذ التعريف إنّما يكون في هذه الصورة ، وإلّا فيبعد جدّاً أن يكون الورق ذا علامة يمكن التعريف بسببها.
.................................................................................................
وكيفما كان ، فهذا مالٌ مجهول مالكه محكومٌ بلزوم التعريف لصاحب الخربة أو لغيره ممّن يحتمل كونه له ، إذ لم يقيّد التعريف في هذه الموثّقة بالأوّل ، ومن الجائز أنّ أجنبيّا دخل الخربة ودفنه فيها.
نعم ، ما تضمّنته الموثقة من الاستملاك بعد التعريف مخالفٌ للمطلقات الواردة في مجهول المالك ، فإنّ الذي يملك بعد التعريف سنة إنّما هو اللقطة مع الضمان ، وأمّا مجهول المالك فلم يرد فيه التملّك ، فالحكم الوارد في المقام على خلاف القاعدة طبعاً ولا بأس بالالتزام به في مورده بمقتضى هذه الموثّقة ، كما ورد نظيره فيما يلقيه البحر إلى الخارج لدى غرق السفينة من أنّه لواجده مع أنّه من مجهول المالك بالضرورة المحكوم بلزوم التعريف ، ولكنّه الغي هنا وحكم بالاستملاك ، ولعلّه باعتبار كونه بعد الغرق في حكم التالف ، فمن الجائز أن يكون المقام من ذاك القبيل.
وعلى أيّ حال ، فلا دلالة في هذه الموثّقة على لزوم التعريف بالنسبة إلى البائع ثمّ البائع قبله ، وهكذا ، بل يعرّف لكلّ أحد من باب كونه مجهول المالك. ومن المعلوم أنّ الموثّقة بصدد بيان الحكم الشرعي لا نقل قضيّة تأريخيّة فحسب.
وأمّا الروايتان فكلتاهما أجنبيّتان أيضاً عن محلّ الكلام كالموثّقة :
أمّا الرواية الأُولى : فواضحة ، ضرورة أنّ ما يوجد في جوف الحيوان من الصرّة المشتملة على الدرهم والدينار شيءٌ حادث في بطنه قد ابتلعه قريباً قبل يوم أو يومين ، فهو طبعاً فرد من أفراد مجهول المالك لا بدّ فيه من التعريف ، وبما أنّ البائع أقرب المحتملات فيراجع ، وبالتعبّد الشرعي يسقط التعريف من غير البائع ، كما أنّه بإذن الإمام (عليه السلام) الذي هو الوليّ العام يتملّكه الواجد ، وبذلك يخصَّص ما دلّ على وجوب التصدّق بمجهول المالك ، فإنّه حكمٌ وارد في موضوع خاصّ ، نظير ما ورد فيما يلقيه البحر إلى الخارج من استملاكه
.................................................................................................
وإن كان من مصاديق مجهول المالك.
وبالجملة : مورد الرواية من المصاديق البارزة للمال المجهول مالكه ، المحكوم بمقتضى القاعدة بالتعريف ثمّ التصدّق ، غير أنّ الإمام (عليه السلام) اقتصر في التعريف على البائع تعبّداً وبعده أذن في التصرّف ولايةً ، وأين هذا من الكنز الذي هو محلّ الكلام؟! فلا يمكن التعدِّي إليه بوجه.
وأمّا الرواية الثانية : فلظهورها في أنّ لتلك الدراهم مالكاً محترماً بالفعل مجهولاً ، نظراً إلى اقتضاء طبيعة الحال كون ذاك البيت من المنازل المعدّة للإيجار ولنزول الحجّاج والزوّار ، نظير بيوت الخدمة في الأعتاب المقدّسة ، فلأجله يظنّ أنّ تلك الدراهم تتعلّق بحاجّ نزل قبل ذلك ، وبما أنّ صاحب المسكن أدرى به وأعرف فطبعاً يرجع إليه مقدّمةً للاستعلام عن ذاك المالك المجهول ، فإن عرفه وإلّا فيتصدّق به عن مالكه شأن كلّ مال مجهول مالكه. وأين هذا من الكنز الذي هو محلّ الكلام؟! سيّما وأنّ الدراهم إنّما حدثت في زمن المعصومين (عليهم السلام) ولم تكن موجودة في العهود البائدة ليصدق على دفينتها اسم الكنز بالمعنى الذي هو محلّ الكلام كما لا يخفى.
فتحصّل : أنّه لم يدلّ أيّ دليل على لزوم الرجوع إلى البائع الأخير فضلاً عن البائع قبله في الكنز المستخرج من الأرض المشتراة بالمعنى الذي هو محلّ البحث ، أي الذي لم يُعلم له مالك بالفعل ، بل يُعلم بمقتضى القرائن أنّه للسابقين المعدومين فعلاً.
نعم ، هو أحوط ، رعايةً لما هو المشهور بين الفقهاء ، بل ادّعى بعضهم الإجماع عليه من لزوم الرجوع إليه ، فإن لم يعرفه فالمالك قبله حسبما عرفت.
وإن ادّعاه المالك السابق فالسابق أعطاه بلا بيّنة (1)(1) ، وإن تنازع المُلّاك فيه يجري عليه حكم التداعي ، ولو ادّعاه المالك السابق إرثاً وكان له شركاء نفوه دفعت إليه حصّته (2)وملك الواجد الباقي وأعطى خمسه.
(1) تحصل ممّا تقدّم أنّ ما يوجد تحت الأرض ويكون من المال المذخور على ثلاثة أقسام :
إذ تارةً : يكون من الكنوز القديمة التي تعدّ عرفاً من المال الذي لا مالك له ، وهو المندرج في عنوان الكنز المصطلح المحكوم بأنّه ملكٌ لواجده بعد التخميس بلا حاجة إلى التعريف ، وهذا ظاهر.
وأُخرى : يعلم عادةً أنّ له مالكاً موجوداً بالفعل وهو معلوم ، كما لو وجد في دار معمورة فيها أهلها فإنّه يعطى له بلا حاجة إلى التعريف أو الإثبات ببيّنة ونحوها ، بمقتضى صحيحة ابن مسلم المتقدّمة (3).
وثالثةً : يعلم أنّ له مالكاً بالفعل ولكنّه مجهول ، فإنّه يجري عليه حكم مجهول المالك من لزوم الفحص ثمّ التصدّق بعد اليأس.
1) (*) لا أثر للدعوى من دون بيّنة بعد انقطاع يد المدّعى عن الأرض ، ولو كان لليد أثر لما كان للتعريف وجه ، بل يلزم إعطاؤه لذي اليد وإن لم يكن مدّعياً ما لم يكن معترفاً بعدمه ، وبذلك يظهر حال التنازع.
2) (**) تقدّم أنّه لا أثر للدعوى المجرّدة ، نعم يتمّ ذلك فيما إذا ثبتت بالبيّنة ، لكنّه لا يتمّ حينئذٍ ما ذكره من تملّك الواجد للباقي وإعطاء خمسه ، بل اللّازم حينئذٍ التصدّق بما بقي ، فإنّ مقتضى حجّيّة البيّنة أنّه للمورث ، فإذا لم يجز إعطاؤه للوارث من جهة إقراره فلا مناص من التصدّق به.
3) في ص 86.
.................................................................................................
وحينئذٍ فقد يظفر بعد الفحص بمدّعٍ واحد ، وأُخرى بأكثر بحيث يتشكّل منه التنازع والتداعي.
ففي الأوّل : يطالب بالبيّنة لدى عدم نهوض قرينة قطعيّة أو ما في حكمها أنّه له ، ولا يعطى له بمجرّد الدعوى ، إذ المال أمانة شرعيّة في يد الواجد لا بدّ له من التريّث والتثبّت لكي يوصله إلى صاحبه ، فإن أقام البيّنة ، وإلّا تصدّق به عن صاحبه.
هذا ، ولو فرضنا أنّه أقام بيّنة كانت نتيجتها اشتراك المال بينه وبين غيره كما لو شهدت البيّنة أنّ المال المدفون كان ملكاً لوالده الميّت وهو الآن إرث مشترك بينه وبين إخوته ، فحينئذٍ إن لم ينفه الشركاء سواء أكانوا شاكّين أم مذعنين قُسِّم المال بينهم ، عملاً بقيام البيّنة الشرعيّة الناطقة بذلك حسب الفرض التي لا يقدح فيها جهل الآخرين بعد نهوض الحجّة الشرعيّة كما هو ظاهر.
وأمّا لو نفوه وأنكروه سقطت البيّنة عن الحجّيّة في هذا المقدار ، لتقدّم الإقرار عليها ، فتُعطى لذلك المدّعى حصّته ويُتصدّق بالباقي ، لكونه من مجهول المالك.
ولا نعرف وجهاً لما ذكره في المتن من أنّه يتملّكه الواجد بعد تخميسه ، لوضوح عدم اندراجه تحت عنوان الكنز ليجري عليه حكمه بعد فرض أنّ له مالكاً محترماً بالفعل ، فالتخميس فضلاً عن التملّك لا دليل عليه في المقام ، بل لا مناص من التصدّق وإجراء حكم المال المجهول مالكه عليه حسبما عرفت.
وأمّا احتمال جريان حكم اللقطة عليه كما عن الجواهر (1)فهو أيضاً غير
1) الجواهر 16 : 34.
.................................................................................................
ظاهر ، إذ اللقطة إنّما هي المال الضائع ، وليس هذا من الضائع في شيء ، بل من مجهول المالك.
وأمّا في الثاني أعني : صورة التداعي - : فإن أقام أحدهما البيّنة دون الآخر اعطي لذي البيّنة ، ولو أقاما معاً كُلِّفا بالحلف ، فإن حلفا أو نكلا قُسِّم بينهما نصفين ، وإن حلف أحدهما دون الآخر كان المال له ، وذلك للنصّ الخاصّ الدالّ عليه وإن كان مقتضى القاعدة هو التساقط بعد تعارض البيّنتين.
وهو موثّق غياث بن إبراهيم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : «أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) اختصم إليه رجلان في دابّة ، وكلاهما أقاما البيّنة أنّه أنتجها ، فقضى بها للذي في يده ، وقال : لو لم تكن في يده جعلتها بينهما نصفين» (1).
ومقتضى الإطلاق وإن كان هو عدم الفرق بين صورتي الحلف والنكول ، إلّا أنّه يقيَّد بموثّقة إسحاق بن عمّار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : «أنّ رجلين اختصما إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) في دابّة في أيديهما ، وأقام كلّ واحد منهما البيّنة أنّها نتجت عنده ، فأحلفهما علي (عليه السلام) فحلف أحدهما وأبى الآخر أن يحلف ، فقضى بها للحالف ، فقيل له : فلو لم تكن في يد واحد منهما وأقاما البيّنة؟ فقال : أحلفهما ، فأيّهما حلف ونكل الآخر جعلتها للحالف ، فإن حلفا جميعاً جعلتها بينهما نصفين» إلخ (2).
حيث دلّت على أنّه مع حلف أحدهما ونكول الآخر يعطى للحالف كما أنّه يقسّم بينهما مع حلفهما.
ويشترط في وجوب الخمس فيه النصاب ، وهو عشرون ديناراً (1).
نعم ، لا تعرّض فيها لصورة نكولهما معاً ، لكنها تستفاد من إطلاق الموثّقة الاولى ، لدلالتها على أنّ المال إذا لم يكن في يد واحد منهما وقد أقاما البيّنة فإنّه يقسّم نصفين من غير فرق بين ما إذا حلفا أم نكلا أم اختلفا ، خرج الأخير بمقتضى موثّقة إسحاق وبقي الباقي.
وعلى الجملة : فبمقتضى هاتين الموثّقتين يلتزم بالتفصيل المزبور وإن كان مقتضى القاعدة هو التساقط حسبما عرفت.
(1) تقدّم في صدر هذا المبحث أنّ المستفاد ممّا ورد في صحيح البزنطي من قوله (عليه السلام) : «ما يجب الزكاة في مثله ففيه الخمس» اختصاص الخمس المجعول في الكنز بالذهب والفضّة المسكوكين ، لأنّ ذلك هو مقتضى المماثلة بعد كون الزكاة مختصّة بهما (1). ولا يراد المماثلة في المالية خاصّة ، وإن أُريد ذلك ممّا ورد في المعدن لقيام القرينة عليه ثمّة ، سيّما وأنّ المعدن لا يكون من الذهب والفضّة المسكوكين ، ومن ثمّ عيّن فيها المقدار وأنّه عشرون ديناراً كما في صحيحته الأُخرى ، بخلاف الكنوز التي يكون الغالب فيها ذلك ، فالمماثلة تستدعي اختصاص الخمس في الكنوز بالنقدين ، كما أنّها تستدعي اعتبار النصاب أيضاً قضاءً ، لإطلاق المماثلة الظاهرة في أنّها من جميع الجهات ، أي في الجنس والمقدار ، فيعتبر في تخميسه كتزكيته بلوغه عشرين ديناراً إن كان من الذهب المسكوك ، ومائتي درهم إن كان من الفضّة المسكوكة.
نعم ، مقتضى الاحتياط تعميم الخمس لمطلق الكنوز مع مراعاة النصاب المزبور المستفاد من المماثلة المذكورة ، فيعتبر في تخميس سائر أقسام الكنوز
1) في ص 76.
[2890] مسألة 14 : لو وجد الكنز في أرض مستأجرة أو مستعارة (1)(1) وجب تعريفهما وتعريف المالك أيضاً ، فإن نفياه كلاهما كان له وعليه الخمس ، وإن ادّعاه أحدهما اعطي بلا بيّنة ، وإن ادّعاه كلّ منهما ففي تقديم قول المالك وجه ، لقوّة يده. والأوجه الاختلاف بحسب المقامات في قوّة إحدى اليدين.
أيضاً بلوغ ماليّتها مقدار عشرين ديناراً أو مائتي درهم ، فلاحظ.
(1) قد تحصّل ممّا أسلفناك أنّ كلّ ما كان كنزاً بالمعنى المصطلح عليه أي الذي يظهر من القرائن أنّه مدفون منذ عهد قديم ولم يعلم له مالك ولا وارث بالفعل ولم تقم عليه يد فعليّة بحيث يعدّ خارجاً من المال الذي لا صاحب له جرى عليه حكمه من التخميس ثمّ التملّك ، من غير فرق في موارده بين أنواع الأراضي من كونها من المفتوحة عنوةً ، أو الأنفال ، أو الأراضي العامّة ، أو الملك الخربة التي أعرض عنها صاحبها ، أو المشتراة منه بحيث انقطعت علاقته منها ، فلا يرجع إلى المالك السابق ، وما يظهر من بعض النصوص من المراجعة موردها المال المجهول مالكه وأجنبي عن محلّ الكلام حسبما عرفت مستقصًى.
ويترتّب عليه ما ذكره (قدس سره) في هذه المسألة المنعقدة لحكم من وجد الكنز في أرض مستعارة أو مستأجرة ، فقد أفاد أنّه يعرّفه لكلٍّ من المالك ومن له المنفعة ملكاً أو إباحةً ، باعتبار أنّ كلّاً منهما له اليد على الكنز ولو بتوسيط يده على الأرض ، فلو ادّعاه أحدهما فهو له ، وإلّا فلواجده وعليه الخمس ، ولو ادّعاه كلّ منهما لم يستبعد تقديم قول المالك ، لقوّة يده.
ثمّ ذكر أنّ الأوجه مراعاة أقوى اليدين التي تختلف حسب اختلاف المقامات ،
1) (*) الظاهر أنّه لا يكفي الاستيلاء على الأرض في صدق تحقّق اليد على ما في جوفها من الكنز الذي هو محلّ الكلام ، وعليه فيجري فيه جميع ما ذكرناه آنفاً.
.................................................................................................
فقد تكون يد المالك كما لو كانت مدّة الإجارة أو الإعارة قليلة جدّاً ، وقد تكون يد المستأجر أو المستعير كما لو اشترى الأرض ولم يسكنها وجرت عادته على الإجارة أو الإعارة سنين متمادية ، فإنّ هذه اليد تكون حينئذٍ أقوى من يد المالك.
أقول : ممّا ذكرناه آنفاً يتّضح لك حكم هذا الفرع ، فإنّ الكنز الموجود في مثل هذه الأرض التي تكون رقبتها لأحد ومنفعتها لآخر قد يكون محفوفاً بقرائن وآثار تشهد بكونه من الكنوز القديمة التي هي محلّ الكلام بين الأعلام ومحطّ نظر الفقهاء ، ففي مثله لا موجب للرجوع لا إلى المالك ولا إلى المستأجر أو المستعير ، لعدم جريان يد أيّ منهما عليه ، بعد أن كان من المحتمل بل المظنون بل المطمأنّ به أنّه لا اطّلاع لواحد منهما على ما في جوف الأرض ولم يدريا به بوجه ، فلا يكون مثله مشمولاً لليد.
وبعبارة اخرى : مجرّد وجود شيء في ملك الإنسان لا يحقّق عنوان اليد التي هي بمعنى السيطرة والاستيلاء ، فلا يصدق عرفاً على أيّ من المالك أو المستأجر أنّه مستولٍ على ما هو تحت الأرض من غير أيّ اطّلاع ومعرفة له بذلك ، فقاعدة اليد لا مجال لجريانها في أمثال هذه الموارد بتاتاً ، ولو كانت جارية لوجب الإعطاء بلا توقّف على التعريف ، إذ لا حاجة إلى الادّعاء من ذي اليد بعد أن كانت اليد أمارة الملكيّة.
وقد لا يكون كذلك ، وإنّما الموجود فيها من قبيل الورق المذكور في صحيحة ابن مسلم المتقدّمة ، الذي هو بمعنى الدرهم المضروب والنقد الرائج في مقام المعاملة ، المعلوم عدم دخوله في عنوان الكنز بالمعنى المصطلح المبحوث عنه ، وقد تضمّنت الصحيحة أنّه يراجع حينئذٍ صاحب الأرض إن كانت عامرة بمناط أنّ العبرة باليد الفعليّة الكاشفة عن الملكيّة ، ولا ريب أنّ الاعتبار حينئذٍ بمن يسكنها فعلاً ، المنطبق على المستأجر أو المستعير ، فإنّه المستولي على هذه
[2891] مسألة 15 : لو علم الواجد أنّه لمسلم موجود هو أو وارثه في عصره مجهول (1) ففي إجراء حكم الكنز أو حكم مجهول المالك عليه وجهان (1)، ولو علم أنّه كان ملكاً لمسلم قديم فالظاهر جريان حكم الكنز عليه.
الأرض وما فيها ، ويده هي اليد الفعليّة عليها دون المالك الأجنبي عن ذلك ، سواء أكان الورق على وجه الأرض أم في غرفة أم مدّخراً تحتها لغايةٍ ما كالصيانة من السارق ونحوها.
وعلى الجملة : بعد فرض خروج ذلك عن عنوان الكنز الذي يجب فيه الخمس فمقتضى قاعدة اليد كونه ملكاً لمن هو مستولٍ عليه وتحت يده وتصرّفه عرفاً ، فلو فرضنا أنّه نفاه وأنكره لم يكد يجدي في تملّك الواجد ، بل يلزمه التعريف والفحص عن مالكه المجهول شأن كلّ مال مجهول مالكه ، فإن عثر عليه ، وإلّا تصدق عنه ، وليس له أن يستملكه بعد أن يخمّسه وإن أجازه في المتن ، إذ التملّك يحتاج إلى الدليل ، ولا دليل عليه.
ودعوى أنّه مطابق لمقتضى القاعدة ، نظراً إلى أصالة عدم جريان يد أيّ مسلم عليه.
مدفوعة بما تقدّم من عدم أساس لهذا الأصل ، بل أنّ مقتضى الأصل عدم جواز التصرّف في أيّ مال كان إلّا بإذنٍ من مالكه أو الوليّ العام ، ومع عدم ثبوته لم يكن بدّ من أن يعامل معه معاملة مجهول المالك.
(1) أمّا إذا كان معلوماً بنفسه أو وارثه فلا إشكال في لزوم الدفع إليه ، لعدم جواز التصرّف في مال امرئ مسلم إلّا بإذنه.
1) (*) والأوجه إجراء حكم مجهول المالك عليه.
[2892] مسألة 16 : الكنوز المتعدّدة لكلّ واحد حكم نفسه في بلوغ النصاب وعدمه (1) ، فلو لم يكن آحادها بحدّ النصاب وبلغت بالضمّ لم يجب فيها الخمس. نعم ، المال الواحد المدفون في مكان واحد في ظروف متعدّدة يضمّ بعضه إلى بعض ، فإنّه يعدّ كنزاً واحداً وإن تعدّد جنسها.
وأمّا إذا كان مجهولاً فالظاهر لزوم إجراء حكم مجهول المالك عليه وإن تردّد فيه الماتن وذكر أنّ فيه وجهين ، إذ لا ينبغي الشكّ في انصراف أدلّة الكنز عن مثل ذلك ممّا علم أنّ له مالكاً محترم المال مجهولاً ، فلا يسوغ تملّكه ، كما لا يجب تخميسه ، بل لا محيص من التعريف ثمّ التصدّق.
نعم ، ما ذكره (قدس سره) أخيراً من إجراء حكم الكنز فيما لو علم أنّه كان ملكاً لمسلم قديم ولم يعلم له وارث بالفعل غير بعيد ، ففيما إذا كان الخازن مسلماً محترم المال وهو الآن مجهول الحال حكم عليه بالانتقال إلى الإمام ، بمقتضى أصالة عدم الوارث ، فيدخل عندئذٍ في الفيء كما في بعض النصوص المعتبرة ، ويجري عليه حكم الكنز.
(1) لظهور قوله (عليه السلام) في صحيحة البزنطي المتقدّمة : «ما يجب الزكاة في مثله ففيه الخمس» في الانحلال ولحاظ كلّ كنز بحياله في مراعاة النصاب ، فلا دليل على الضمّ بعد فرض تعدّد الكنوز وتغايرها خارجاً.
ودعوى تعلّق الحكم بالجنس وطبيعي الكنز بعيدة عن الأذهان العرفيّة كما تقدّم مثل ذلك في المعادن ، فلا خمس ما لم يبلغ كلّ كنز حدّ النصاب وإن بلغ المجموع ذلك.
نعم ، مع فرض وحدة الكنز عرفاً يتّجه الضمّ وإن تعدّدت الظروف ، فلو عثر في مكان واحد على ظروف أربعة في كلّ منها خمسة دنانير أو خمسون درهماً
[2893] مسألة 17 : في الكنز الواحد لا يعتبر الإخراج دفعةً بمقدار النصاب (1) ، فلو كان مجموع الدفعات بقدر النصاب وجب الخمس وإن لم يكن كلّ واحدة منها بقدره.
[2894] مسألة 18 : إذا اشترى دابّة ووجد في جوفها شيئاً (2) فحاله
وجب الخمس ، وعلى القول بعدم الاختصاص بالنقدين لو كانت الأموال المتفرّقة في الظروف المتعدّدة بالغة مجموعها حدّ النصاب وجب الخمس أيضاً ، إذ الكلّ كنز واحد عرفاً وإن اختلف الجنس ، والاعتبار في ملاحظة النصاب بوحدة الكنز لا بوحدة الظرف ، فمع صدق الوحدة تضمّ وبدونها لا تضمّ حسبما عرفت.
(1) لا يخفى عدم خلوّ العبارة عن المسامحة الظاهرة ، بداهة أنّ تعلّق الخمس بالكنز لا يناط بالإخراج ليبحث عن أنّ المخرَج هل يعتبر بلوغه حدّ النصاب في دفعة واحدة ، أو أنّه يكفي الدفعات كما كان هو الحال في المعدن على ما سبق ، بل المناط هنا بالاستيلاء والتملّك ووجدان الكنز ، سواء استخرجه أم أبقاه في مكانه بعد حيازته لكونه آمن وأحفظ ، أو لغاية أُخرى ، ما لم يكن معرضاً عنه قبل الاستملاك.
وبالجملة : لا يقاس الكنز بالمعدن ، فإنّ الموضوع في الثاني الإخراج ، أمّا الأوّل فلا يعتبر الإخراج فيه أصلاً لا دفعةً واحدة ولا دفعات ، وإنّما الموضوع فيه الاستيلاء والحيازة بحيث يصدق معه وجدان الكنز ، فمتى صدق وقد بلغ ما تملّكه حدّ النصاب وجب فيه الخمس ، سواء أخرجه أم لا ، بدفعة أم دفعات.
(2) يقع الكلام تارةً في وجوب الخمس ، وأُخرى في وجوب التعريف.
أمّا الخمس : فهو المعروف بين الأصحاب كما ذكره المحقّق في الشرائع (1)
1) الشرائع 1 : 206.
حال الكنز الذي يجده في الأرض المشتراة في تعريف البائع وفي إخراج الخمس إن لم يعرفه (1)، ولا يعتبر فيه بلوغ النصاب ،
وغيره ، إلحاقاً له بالكنز.
ولكنّه غير ظاهر ، لعدم وروده في شيء من النصوص المعتبرة أو غيرها ، وعدم نهوض أيّ دليل عليه ، فإن تمّ إجماع ولا يتمّ قطعاً فهو ، وإلّا فلا يجب فيه الخمس لا بعنوان الكنز ولا بعنوان الملحق به (2)، أي في وجوب التخميس فعلاً ، وإنّما يدخل ذلك تحت عنوان مطلق الفائدة وما يستفيده الرجل يوماً فيوماً. فإن قلنا بوجوب الخمس فيه شريطة الزيادة على مئونة السنة وعدم الصرف أثنائها كما هو الظاهر وجب ، وإن أنكرنا ذلك وخصّصناه بأرباح المكاسب والتجارات كما قيل فلا ، وسيجيء البحث حوله قريباً إن شاء اللّه تعالى (3).
وأمّا التعريف : فهو واجب بالنسبة إلى البائع ، بمقتضى صحيحة عبد اللّه بن جعفر الحميري المتقدّمة ، قال (عليه السلام) فيها : «عرِّفها البائع ، فإن لم يكن
1) (*) الظاهر عدم وجوب الخمس فيه بعنوانه ، نعم هو داخل في الأرباح فيجري عليه حكمها.
2) في رسالة شيخنا الوالد (قدس سره) ما لفظه : هذا خارج عن عنوان الكنز ولم يقم دليل على التنزيل ، ودعوى الإجماع كما ترى كالتمسّك بعموم ما كان ركازاً ففيه الخمس ، لمنعه ، خصوصاً بعد ما قدّمناه من اختصاص الركاز بالخلقة الأصليّة ، فالإلحاق به عجيب ، وأعجب منه الجمع بينه وبين نفي اعتبار النصاب ، لأنّه لو لم يكن كنزاً فلا خمس ، ولو كان كنزاً فيعتبر البلوغ حدّ النصاب.
3) في ص 194 214.
.................................................................................................
يعرفها فالشيء لك ، رزقك اللّه تعالى إيّاه» (1).
وظاهرها اختصاص التعريف بصورة احتمال كون الصرّة له على ما تقتضيه العادة دون ما لم يحتمل وإن ادّعاها لو عُرِّفت له بدعوى باطلة ، فلا يجب التعريف مع القطع بالعدم.
كما أنّ ظاهرها اختصاص التعريف بالبائع فقط ، فلا يجب بالإضافة إلى شخصٍ آخر كالبائع للبائع أو السابق عليه ونحو ذلك وإن احتمل كونها له.
كما أنّ مقتضاها أيضاً ارتكاب التخصيص في أدلّة مجهول المالك الناطقة بالتصدّق بعد التعريف ، فلا صدقة في خصوص المورد ، بل يتملّكه الواجد حتى مع العلم بكونه لمالكٍ مجهول محترم المال ، كما هو الغالب في مورد الصحيحة ، ضرورة أنّ الدابّة لا تعيش سنين متمادية حتى يحتمل أنّ الصرّة التي في جوفها لأشخاصٍ سابقين انقرضوا هم وورّاثهم بحيث انتقلت إلى الإمام (عليه السلام) حتى يستملكها الواجد بالحيازة ، وإنّما هي لمالكٍ موجود بالفعل محترم عادةً ، بمقتضى كون الدابّة في بلاد المسلمين ، فمقتضى القاعدة لزوم التعريف ثمّ التصدّق شأن كلّ مال محترم مجهول مالكه ، إلّا أنّه في خصوص المقام يستملكه الواجد بمقتضى هذه الصحيحة تخصيصاً في تلك الأدلّة.
ولا يبعد أن يكون هذا التخصيص بمنزلة التخصّص بأن يكون هذا المورد خارجاً عن موضوع مجهول المالك ولو بمعونة النصّ الموجب لانصراف دليل المجهول عن مثله ، نظراً إلى أنّ الصرّة بعد ما أكلتها الدابّة تعدّ عرفاً بمثابة التالف ، سيّما مع قضاء العادة بعدم استقرار الدابّة في بلدة واحدة ، بل تنتقل منها إلى أُخرى للكراء ونحوها ، فحال الصرّة المأكولة حال السفينة المغروقة المستخرج ما فيها بالغوص في صدق التالف عرفاً ، بحيث إنّ ما يجده الواجد فهو رزقٌ
1) الوسائل 25 : 452 / كتاب اللقطة ب 9 ح 1.
وكذا لو وجد في جوف السمكة المشتراة (1)(1) مع احتمال كونه لبائعها ، وكذا الحكم في غير الدابّة والسمكة من سائر الحيوانات.
رزقه اللّه ، لا أنّه مال لمالك مجهول ، ولأجله عومل معه معاملة التلف.
وعلى الجملة : دعوى كون الموردين من باب واحد بحيث يكون هذا هو السرّ في الحكم المزبور أعني : التملّك بدلاً عن التصدّق غير بعيدة بعد ملاحظة النصّ الوارد في المقام ، وإلّا فمع الغضّ عنه جرى عليه حكم مجهول المالك بلا كلام.
ومن جميع ما ذكرنا يظهر أنّ التعريف للبائع الذي دلّت عليه الصحيحة يختصّ بصورة احتمال كون الصرّة له ، أمّا مع القطع بالعدم وإن علم أنّها لمالك آخر مجهول فهي للواجد من غير حاجة إلى التعريف.
ومن هذا القبيل ما لو صاد حيوان البرّ كالغزال ثمّ باعه الصيّاد ، فوجد المشتري في بطنه صرّة ، فإنّه لا يجب التعريف حينئذٍ للبائع ، لعدم احتمال كونها له ، بل يتملّكها وعليه خمسها بعنوان مطلق الفائدة لا بعنوان الكنز أو الملحق به حسبما عرفت.
نعم ، يجري هنا ما سنذكره في السمكة ، فلاحظ.
(1) فإنّ المعروف والمشهور أنّه ملكٌ للواجد من دون تعريف وعليه خمسه على ما صرّح به المحقّق (2)وغيره.
.................................................................................................
أمّا إخراج الخمس فقد عرفت عدم نهوض أيّ دليل عليه ، فإن تمّ الإجماع المدّعى ولا يتمّ وإلّا فالظاهر عدم الوجوب.
وأمّا التعريف فالمشهور سقوطه هنا ، ونُسِب إلى العلّامة الوجوب (1).
والكلام يقع تارةً : فيما إذا وجد في جوف السمكة درّة أو لؤلؤة أو مرجاناً ونحو ذلك ممّا يتكوّن في البحر بحيث لا يحتمل أن يكون قبل ذلك ملكاً لمالك.
وأُخرى : ما إذا كان ملكاً لأحد قد سقط في البحر وابتلعته السمكة كخاتم أو سوار أو درهم أو دينار ونحو ذلك ممّا لا يحتمل تكوّنه في البحر.
أمّا الموضوع الأوّل : فوجوب التعريف مبني على أن يكون ما في الجوف ملكاً للصائد باعتبار الحيازة التبعيّة ، وأنّه حينما صاد السمكة وحازها فقد ملكها وملك ما في جوفها بتبع الاستيلاء عليها. أمّا في مقام البيع فقد باع السمكة خاصّة ويبقى ما في بطنها على ملكه ، إلّا أن يكون ناوياً لبيع السمكة بما في جوفها لكي ينتقل المجموع عندئذٍ إلى المشتري ، فلا بدّ إذن من مراجعته والتعرّف لديه.
ويندفع أوّلاً : بمنع صدق الحيازة بالإضافة إلى ما في الجوف ولو بالتبع ، لتقوّمها بالقصد والالتفات وصدق الاستيلاء ، ليعتبره العرف مالكاً باعتبار أنّه سبق إلى ما لم يسبق إليه غيره ، المنفي في المقام ، بعد فرض الجهل المطلق والغفلة عمّا في الجوف بالكلّيّة ، وكيف يراه العرف مستولياً وذا يد على ما لم يطّلع بتحقّقه ولم يعلم بأصل وجوده؟! وثانياً : على فرض تسليم الملكيّة بزعم كفاية الحيازة التبعيّة وإن كانت
1) حكاه في مصباح الفقيه 14 : 79 ، وانظر إرشاد الأذهان 1 : 292 ، فأنّه لا يقول بذلك.
.................................................................................................
مغفولاً عنها ، فظاهر التصدِّي للبيع أنّه ينقل السمكة إلى المشتري على الوجه الذي استملكها ، فيبيع ما صاده على النحو الذي حازه ، فيلغي تمام سلطنته المتعلِّقة به ويعطيها إلى المشتري بإزاء ما يفعله الآخر ، قضاءً للتبادل بين المالين المتقوّم به البيع ، فالمشتري يملك السمكة كما كان الصائد مالكاً لها ، فكما أنّه كان مالكاً لما في جوفها بتبع الحيازة فكذلك المشتري بتبع البيع بمناطٍ واحد.
هذا ، ولكن الإنصاف أنّ ما في الجوف لكونه مغفولاً عنه لا يصلح لتعلّق البيع المتقوّم بالقصد به ، مضافاً إلى جهالته ، فالعمدة إنّما هو الإشكال الأوّل.
وكيفما كان ، فحال الجوهرة الموجودة في بطن السمكة حال سمكة أُخرى موجودة في بطنها ، التي لا ينبغي الشكّ في عدم الرجوع بها إلى البائع وأنّها ملك للمشتري ورزقٌ رزقه اللّه تعالى ، إمّا لاعتبار القصد في الحيازة وحصول الملكيّة ولا قصد من الصائد بالإضافة إلى ما في جوفها ، أو لأنّه ألغى سلطنته ونقل ملكيّة السمكة على ما كانت عليه إلى المشتري ، وعلى التقديرين لا مقتضي للرجوع إلى البائع في كلا الموردين بمناط واحد.
ولو لا ذلك لزم التسليم والإعطاء إلى البائع ابتداءً ومن غير حاجة إلى التعريف كما أشار إليه في الجواهر (1)، لأنّه ملكه ولم ينتقل إلى المشتري حسب الفرض فيدفع إليه وإن لم يكن مدّعياً ، مع أنّ الظاهر أنّه لم يقل به أحد فيما نعلم ، بل يتملّكه الواجد من غير حاجة إلى التعريف ، لا بالإضافة إلى غير البائع كما دلّت عليه صحيحة الحميري المتقدّمة بالأولويّة ، ولا بالإضافة إلى البائع ، لعدم الدليل عليه هنا حسبما عرفت من أنّ صيد السمك لا يستوجب ملكيّة الصائد لما في الجوف ، وعلى تقدير التسليم فالملكيّة تبعيّة في الحيازة والبيع معاً على تأمّل فيه كما عرفت فلا موجب للرجوع والتعريف بتاتاً.
1) الجواهر 16 : 37 38.
.................................................................................................
وأمّا الموضوع الثاني : فالظاهر عدم وجوب الرجوع فيه أيضاً لا إلى البائع ولا إلى غيره :
أمّا الثاني فظاهر ، إذ لو لم يجب التعريف في الدابّة بمقتضى الصحيحة المتقدّمة ، ففي السمكة التي بلعت ما القي في البحر المعدود لدى العرف من المال التالف بالأولويّة القطعيّة كما عرفت.
وأمّا الأوّل فكذلك ، ضرورة عدم خصوصيّة للبائع تستوجب الرجوع إليه ، فإنّ حاله بالنسبة إلى ما في جوف السمكة وحال غيره على حدٍّ سواء ، لعدم احتمال كونه له عادةً إلّا باحتمال موهوم جدّاً بنسبة الواحد في ضمن الألوف بل الملايين الملغى عند العقلاء قطعاً ، فالملاك الذي من أجله يحكم بعدم وجوب التعريف لغير البائع موجودٌ بعينه في البائع أيضاً ، فلا مقتضي للرجوع إليه.
نعم ، لو لم تكن السمكة مصطادة من البحر ونحوه وإنّما ربّاها مالكها في داره أو بستانه بإلقاء البذر على ما هو المتعارف في بعض البلاد ، لم يبعد إلحاقها حينئذٍ بالدابّة في وجوب التعريف إلى البائع ، باعتبار أنّه كان ذا يد بالنسبة إلى هذا المال ، إذ لا فرق بينهما من هذه الجهة ، ولا تحتمل خصوصيّة للدابّة.
لكن هذا الفرض قليل جدّاً ، والأكثر إنّما هو الفرض الأوّل.
ومن جميع ما ذكرناه يظهر الحال في غير الدابّة والسمكة من سائر الحيوانات كالطيور ونحوها ، فإنّه يجري فيها التفصيل المتقدّم من أنّه إن كان ممّا ربّاه في بيته مثلاً بحيث يكون ذا يد على ما في بطنه فحاله حال الدابّة في لزوم مراجعة البائع ، بمقتضى إطلاق صحيحة الحميري المتقدّمة على رواية الصدوق ، حيث يظهر منها بوضوح أنّ العبرة بمطلق المذبوح دابّة كان أو غيرها ، للأضاحي أو لغيرها ، من غير خصوصيّة للدابّة. وإن كان ممّا يملكه بمثل الصيد كالخضيريّات فلا حاجة إلى التعريف. وهكذا الحال في مثل الدجاج والغزال
[2895] مسألة 19 : إنّما يعتبر النصاب في الكنز بعد إخراج مئونة الإخراج (1)(1).
[2896] مسألة 20 : إذا اشترك جماعة في كنز فالظاهر كفاية بلوغ المجموع نصاباً وإن لم تكن حصّة كلّ واحد بقدره (2).
ونحو ذلك ، فإنّ العبرة في وجوب الرجوع إلى البائع احتمال كونه له احتمالاً عقلائيّاً حسبما عرفت.
(1) فكلّ ما صرفه في سبيل تحصيل الكنز واستخراج الدفينة يطرح ، فإن بلغ بعدئذٍ حدّ النصاب ، وإلّا فلا خمس فيه.
هذا ولكنّك عرفت في مبحث المعدن أنّ هذا لا دليل عليه ، إذ لم ينهض ما يقتضي تقييد النصاب بما بعد إخراج المؤن ، بل ظاهر الدليل وجوب الخمس في المعدن أو الكنز متى كان بالغاً حدّ النصاب وإن كان قد صرف مقداراً من المال في سبيل الاستخراج.
نعم ، وجوب الخمس إنّما يكون في الباقي بعد إخراج المئونة ، فلو فرضنا أنّ ما وجده من الكنز كان بمقدار عشرين ديناراً وقد صرف خمسة دنانير في سبيل الاستخراج فالخمس إنّما يجب في الخمسة عشر ديناراً الباقية لا في مجموع العشرين ، وهذا أمر آخر ، فالذي يكون بعد المئونة إنّما هو الخمس لا لحاظ النصاب.
(2) عملاً بإطلاق الدليل الظاهر في اعتبار النصاب في نفس الكنز لا في الحصّة الواصلة إلى الواجد ، فمتى بلغ وجب الخمس ، سواءً أكان الواجد واحداً أم أكثر ، فيحب الخمس حينئذٍ في حصّة كلّ واحد.
1) (*) الحكم فيه كما تقدّم في المعدن.
الرابع : الغوص ، وهو إخراج الجواهر من البحر مثل اللؤلؤ والمرجان وغيرهما معدنيّاً كان أو نباتيّاً (1) ،
(1) كاليسر المصنوع منه السِّبَح الذي هو نبات ينبت في البحر والمرجان الذي هو مثل الشجر ينبت فيه ، فالحكم يشمل كلّ نفيسة تتكوّن في البحر ويستخرج منه بالغوص من غير فرق بين أنواعها.
وهذا الحكم في الجملة موضع وفاق وإن ناقش فيه صاحب المدارك ، زعماً منه اختصاص الرواية الصحيحة بالعنبر واللؤلؤ (1)، الواردين في صحيحة الحلبي ، قال : سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن العنبر وغوص اللؤلؤ «فقال : عليه الخمس» إلخ (2)، فيحتاج تعميم الحكم لغيرهما إلى دعوى عدم القول بالفصل ، لعدم ورود نصّ معتبر عنده (قدس سره) في غيرهما.
وكأنّه (قدس سره) لم يعتن ببقيّة الروايات الواردة في المقام ، جرياً على مسلكه من اختصاص الاعتماد بالصحيح الأعلائي.
وليس الأمر كما ذكره (قدس سره) بل قد وردت رواية صحيحة بعنوان ما يخرج من البحر ، وهي ما رواه الصدوق بإسناده عن عمّار بن مروان ، قال : سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول : «فيما يخرج من المعادن ، والبحر ، والغنيمة ، والحلال المختلط بالحرام إذا لم يعرف صاحبه ، والكنوز ، الخمس» (3).
فإنّها وإن عبّر عنها بالخبر في عدّة من الكتب المشعر بالضعف ، لكن الظاهر أنّها صحيحة السند ، لما عرفت فيما مرّ من أنّ عمّار بن مروان وإن كان مشتركاً
.................................................................................................
بين اليشكري الموثّق جزماً وبين الكلبي الذي ذكره الصدوق في المشيخة في بعض طرقه ولم يوثّق ، إلّا أنّ الأوّل الذي يروي عن الصادق (عليه السلام) معروفٌ مشهور وله كتاب ، بخلاف الثاني ، ولا شكّ أنّ اللفظ ينصرف لدى الإطلاق إلى من هو الأعرف الأشهر. فلا ينبغي التأمّل في صحّة الرواية.
كما وردت صحيحة أُخرى بعنوان الغوص لابن أبي عمير ، عن غير واحد ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال : الخمس على خمسة أشياء : على الكنوز ، والمعادن ، والغوص ، والغنيمة» ونسي ابن أبي عمير الخامس (1).
فإنّا قد أشرنا غير مرّة إلى أنّ مثل هذه الرواية لا تعتبر مرسلة ، إذ التعبير ب : غير واحد ، كاشفٌ بحسب الظهور العرفي عن أنّ المروي عنه جماعة معروفون مشهورون قد بلغ الأمر من الوضوح حدّا يستغنى عن ذكر آحادهم ، كما في بعض روايات يونس عن غير واحد ، فلا يعدّ ذلك طعناً في السند. فهذه أيضاً صحيحة قد رواها الصدوق عن أحمد بن زياد بن جعفر الهمداني ، فما في الوسائل من قوله : عن جعفر ، غلط ، كما مرّ سابقاً (2).
وهناك روايات اخرى لا يخلو إسنادها عن الخدش ، وهي مؤيّدة للمطلوب ، والعمدة هاتان الصحيحتان.
ولأجل أنّ المأخوذ في إحداهما عنوان الغوص ، وفي الأُخرى ما يخرج من البحر ، وبين العنوانين عموم من وجه ، لافتراق الأوّل بالغوص في غير البحار كالشطوط والأنهار الكبار ، وافتراق الثاني بالأخذ من البحر بغير الغوص كما لو أخذه بآلة أو من وجه الماء.
.................................................................................................
فمن ثمّ وقع الإشكال في تشخيص موضوع ما يجب فيه الخمس ، وأنّ الاعتبار هل هو بصدق كلا العنوانين معاً ، فيكون الموضوع ما يخرج من البحر بالغوص كما اختاره المحقّق وجماعة منهم المحقّق الهمداني (قدس سره) (1)، نظراً إلى صلاحيّة كلّ منهما لتقييد الآخر ، فيجمع بينهما عملاً بصناعة الإطلاق والتقييد؟
أو بصدق كلّ واحد منهما فيكون كلّ منهما موضوعاً مستقلا للحكم ، نظراً إلى عدم الموجب للتقييد بعد كونهما مثبتين ، وعدم التنافي في البين ليتصدّى للعلاج أو لإرجاع أحدهما إلى الآخر؟
أو بصدق عنوان الغوص وإرجاع الآخر إليه بدعوى أنّ التعبير بما يخرج من البحر جارٍ مجرى الغالب باعتبار غلبة كون الغوص في البحر؟
أو بصدق عنوان الإخراج من البحر وإرجاع الغوص إليه عكس ما مرّ ، استناداً إلى أنّ التعبير بالغوص غالبي ، إذ التصدِّي لإخراج الجواهر من البحر لا يكون غالباً إلّا بالغوص؟
وجوه بل أقوال :
أظهرها : ثانيها ، أخذاً بإطلاق كلّ من الصحيحين المزبورين اللذين مفاد أحدهما : وجوب الخمس في كلّ ما أُخرج بالغوص ، سواء أكان من البحر أم من غيره ، ومفاد الآخر : وجوبه في كلّ ما أُخرج من البحر ، سواء أكان بالغوص أم بغيره ، بعد عدم التنافي بين الإطلاقين وإن كان بينهما عموم من وجه ، لتوافقهما حكماً.
فلا موجب إذن لرفع اليد عنهما ، إذ الموجب إمّا التنافي ، ولا تنافي بعد التوافق في المدلول.
1) الشرائع 1 : 207 ، مصباح الفقيه 14 : 83.
.................................................................................................
أو دعوى انصراف المطلق إلى الفرد الغالب واختصاصه به ، نظراً إلى أنّ الغالب في الغوص أن يكون في البحر ، كما أنّ الغالب في الإخراج من البحر أن يكون بالغوص.
وتندفع بعدم المحذور في شمول المطلق للفرد النادر ، وإنّما الممنوع اختصاصه به لا شموله له. على أنّ الندرة غير مسلّمة ، فإنّ الغوص في الأنهار العظيمة لاستخراج ما أودعه اللّه فيها من الجواهر الكريمة أمرٌ شائع متعارف كإخراجها من البحر بالآلة.
هذا ، ومع ذلك فقد ذكر المحقّق الهمداني (قدس سره) وجهاً للتنافي ، حاصله : أنّ المتراءى من ظواهر النصوص والفتاوى انحصار ما يجب فيه الخمس في الخمسة ، فلو كان كلّ من العنوانين المزبورين موضوعاً مستقلا للحكم لأصبح الموجب ستّة ، وهو منافٍ للحصر المذكور. فلا محيص إذن عن إرجاع أحدهما إلى الآخر إمّا بارتكاب التقييد أو بوجهٍ آخر ، وإن كان الأشبه بالقواعد هو الأوّل ، فيكون الموضوع ما أُخرج من البحر بالغوص.
ثمّ ذكر (قدس سره) أنّه مع التنازل والغضّ وانتهاء النوبة إلى مرحلة الشكّ فالمرجع أصالة البراءة عن الوجوب في غير مجمع العنوانين المتيقّن فيه التكليف (1).
ويندفع : بأنّ صحيحة ابن أبي عمير التي عدّت الغوص من الخمس وإن كانت ظاهرة في الحصر كما ذكر ، إلّا أنّه لا مناص من رفع اليد عن هذا الظهور ، نظراً إلى أنّ وجوب الخمس فيما يخرج من البحر بغير الغوص مقطوعٌ به في الجملة ، إمّا بعنوان ما يخرج من البحر ، أو كان بحياله عنواناً مستقلا ، وإلّا فبعنوان الفوائد والأرباح ، وتظهر الثمرة بينهما بالنسبة إلى استثناء مئونة السنة كما لا يخفى. ومن المعلوم أنّ شيئاً من العنوانين لم يكن من الخمسة ، فالحصر
1) مصباح الفقيه 14 : 86.
.................................................................................................
غير حاصر لا محالة.
وربّما يحتمل كما في الوسائل (1)دخول الفوائد في عنوان الغنيمة المعدودة من الخمسة.
ولكنّه كما ترى لا شاهد عليه بوجه ، بل أنّ بعض الروايات شاهدة على إرادة خصوص غنائم دار الحرب ، كيف؟! ولو أُريد منها مطلق الفائدة لدخل فيها ما جعل قسيماً لها كالمعادن والكنوز والغوص ، فإنّها كلّها فوائد.
وأمّا ما ذكره (قدس سره) أخيراً من جريان أصالة البراءة ، ففيه : أنّه لا مجال لها بعد ما عرفت من القطع بتعلّق الخمس بما أُخرج من البحر بالآلات ، وكذا ما أُخرج بالغوص من غير البحر ، إمّا بعنوان نفسه أو بعنوان الفائدة ، ولأجله يعلم بأنّ خمس المال قد انتقل إلى أربابه بمجرّد تملّكه ، فيتوقّف جواز التصرّف على إحراز الإذن ، ولم يحرز ما لم يخمّس ، فمقتضى الأصل عدم جواز التصرّف فيه ووجوب إخراج خمسه بمجرّد حيازته.
وبعبارة أُخرى : أصل التعلّق معلوم ، وإنّما الشكّ في كيفيّة التعلّق وأنّه هل كان على نحو يجب التصدِّي لأدائه فعلاً ، أو أنّه يجوز التأخير إلى نهاية السنة ، نظراً لاستثناء المئونة؟ فالثبوت معلوم ، والشكّ إنّما هو في السقوط إذا صرف في المئونة ، ومقتضى الأصل عدم السقوط ، والنتيجة لزوم المعاملة معه معاملة سائر ما يخرج من البحر بالغوص.
والمتحصّل ممّا ذكرناه : أنّ وجوب الخمس في كلّ من العنوانين هو الأوجه ، كما أنّه الموافق للأصل ولمراعاة الاحتياط.
1) الوسائل 9 : 489 / أبواب ما يجب فيه الخمس ب 2 ح 12.
لا مثل السمك ونحوه من الحيوانات (1) ، فيجب فيه الخمس بشرط أن يبلغ
(1) فإنّه لا ينبغي الاستشكال في عدم وجوب الخمس فيها بعنوان ما يخرج من البحر ، ولا بعنوان الغوص ، لظهور موردهما في إخراج ما يتكوّن في البحر من المعدنيّات والنباتات ، ولا يكادان يشملان مثل صيد الأسماك ونحوها من الحيوانات وإن صدق عليه الإخراج صدقاً لغويّاً ، لانصراف اللفظ عنه قطعاً ، سيّما مع ملاحظة اقترانه في النصّ مع إخراج المعادن التي هي إخراج ما يتكوّن في باطن الأرض كانصراف الغوص إلى ما يتعارف إخراجه من الماء بالغوص ، وليس السمك كذلك وإنّما يصاد من غير غوص.
وعلى الجملة : عنوان الغوص أو الإخراج من الماء يغاير عنوان صيد السمك عرفاً كما لا يخفى.
هذا ، مضافاً إلى جريان السيرة القطعيّة على عدم إخراج الخمس من الأسماك ، بحيث لو كان واجباً لشاع وذاع وأصبح من الواضحات.
بقي شيء ، وهو أنّ عنوان الإخراج من البحر هل يصدق على الأخذ من سطح الماء ، أو لا؟
الظاهر عدم الصدق ، فإنّ البحر اسمٌ للماء لا للقضاء كما في مثل الدار ونحوها ، ومن الضروري أنّ الخروج فرع الدخول ، فإخراج الشيء من البحر لا يكاد يصدق إلّا إذا كان داخلاً فيه فاخرج وصار خارجه ، وهذا غير متحقّق في الأخذ من وجه الماء وظاهره.
وأولى منه بعدم الصدق أخذ ما ألقاه البحر بنفسه إلى الساحل خارج الماء ، ففي هذه الموارد لا يجب الخمس بعنوان ما أُخرج من البحر وإن وجب بعنوان الفائدة.
قيمته ديناراً (1)(1) فصاعداً ،
(1) على المشهور من اعتبار النصاب ومن تحديده بما بلغت قيمته ديناراً واحداً شرعيّاً.
وعن الشيخ المفيد (قدس سره) تحديده بما بلغت قيمته عشرين ديناراً (2). ولم يعلم له مستند ولا قائل غيره.
أمّا المشهور فمستندهم ما رواه الكليني والشيخ بسندهما الصحيح ، عن البزنطي ، عن محمّد بن علي بن أبي عبد اللّه ، عن أبي الحسن (عليه السلام) ، قال : سألته عمّا يخرج من البحر من اللؤلؤ والياقوت والزبرجد وعن معادن الذهب والفضّة ، هل فيها زكاة؟ «فقال : إذا بلغ قيمته ديناراً ففيه الخمس» ، ورواها الصدوق مرسلاً (3).
ولكن محمّد بن علي المزبور مجهولٌ لم يرد فيه توثيق ولا مدح قد روى عنه البزنطي وعلي بن أسباط ، ولم يكن مشهوراً بين الرواة ، وليس في البين ما يوهم وثاقته عدا رواية البزنطي عنه ، بناءً على ما قيل من أنّه لا يروي إلّا عن الثقة ، كما نقل ذلك عن عدّة الشيخ (قدس سره) (4).
لكن المبنى سقيم كما مرّ مراراً. فلا اعتماد على الرواية لهذه العلّة.
فلا خمس فيما ينقص عن ذلك ، ولا فرق بين اتّحاد النوع وعدمه (1) فلو بلغ قيمة المجموع ديناراً وجب الخمس ، ولا بين الدفعة والدفعات فيضمّ بعضها إلى بعض (2) ، كما أنّ المدار على ما أُخرج مطلقاً وإن اشترك فيه جماعة لا يبلغ نصيب كلّ منهم النصاب (3).
وحينئذ فإن تمّ الإجماع المدّعى على اعتبار النصاب المزبور فهو ، وإلّا فالمتّبع إطلاق ما دلّ على وجوب الخمس في الغوص وفيما أُخرج من البحر ، الشامل لما إذا كانت القيمة أقلّ من الدينار.
(1) فإنّ العبرة كما تقدّم في المعدن والكنز ببلوغ ما أُخرج بالغوص الواحد حدّ النصاب بناءً على اعتباره ، سواء أكان ما أُخرج شيئاً واحداً أم أشياء مختلفة ، فإذا بلغ قيمة المجموع ديناراً وجب الخمس وإن تعدّدت الحقيقة ، كما لو استخرج في غوص واحد لؤلؤة ومرجاناً.
(2) تشكل المساعدة على ذلك ، لمنافاته مع ظهور الدليل في الانحلال وأنّ كلّ فرد من أفراد الغوص أو الإخراج موضوعٌ مستقلّ للحكم بحياله في مقابل الآخر كما تقدّم في المعدن والكنز. إذن لا موجب لضمّ ما أُخرج في غوص إلى ما أُخرج في غوص آخر ، كما لا يضمّ ما أُخرج من معدن إلى ما أُخرج من معدن آخر كما مرّ.
نعم ، لا يبعد ما ذكره (قدس سره) فيما إذا توالت الغوصات بحيث عُدّ المجموع غوصة واحدة ، وأمّا مع الفصل الطويل كما لو غاص مرّة في اليوم الأوّل وأُخرى في اليوم الثاني فملاحظة الضم عندئذٍ في غاية الإشكال ، لعدم انسجامه مع استظهار الانحلال حسبما عرفت.
(3) عملاً بإطلاق الدليل الظاهر في أنّ الاعتبار بما أُخرج في غوص واحد
ويعتبر بلوغ النصاب بعد إخراج المؤن كما مرّ في المعدن (1) ، والمخرَج بالآلات من دون غوص في حكمه على الأحوط (2) ، وأمّا لو غاص وشدّه بآلة فأخرجه فلا إشكال في وجوبه فيه. نعم ، لو خرج بنفسه على الساحل أو على وجه الماء فأخذه من غير غوص لم يجب فيه من هذه الجهة ، بل يدخل في أرباح المكاسب ، فيعتبر فيه مئونة السنة ولا يعتبر فيه النصاب.
وإن كان الغائص اثنين ، فإذا اشترك اثنان أو أكثر فغاصا معاً وأخرجا شيئاً واحداً في غوص واحد وجب فيه الخمس إن بلغ قيمة المجموع ديناراً وإن لم يبلغ قيمة حصّة كلّ منهما كما تقدّم ذلك في الكنز ، بخلاف ما إذا لم يكن هناك اشتراك فغاصا وأخرج كلّ منهما شيئاً لنفسه ، إذ لا يحتمل الضمّ حينئذٍ كما هو واضح.
(1) ولكنّك عرفت ثَمّة أنّه لا دليل عليه ، وإنّما دلّ الدليل على أنّ ما يجب إخراجه هو خمس الباقي بعد استثناء المئونة.
(2) تقدّم أنّ المستظهر من نصوص الباب أنّ لعنوان الإخراج من البحر موضوعيّة في تعلّق الخمس استقلالاً كعنوان الغوص ، وهو متحقّق فيما أُخرج من البحر بالآلات من دون غوص كما لا يخفى.
كما أنّ الأمر كذلك فيما لو غاص في البحر وشدّ ما أخذه منه بحبل مثلاً ثمّ خرج من البحر وجرّ الحبل بما معه فأخرجه ، إذ هو إخراج من البحر بلا إشكال.
والظاهر انطباق عنوان الغوص عليه أيضاً ، إذ يصدق عرفاً أنّه قد أخرج شيئاً بالغوص ، لعدم مدخل للمباشرة وعدم توسّط الآلة في هذا الصدق ، بل تكفي الحيازة تحت الماء ، فيجب فيه الخمس وإن خصصناه بعنوان الغوص ومنعنا عن ثبوته بعنوان الإخراج من البحر.
[2897] مسألة 21 : المتناول من الغوّاص لا يجري عليه حكم الغوص إذا لم يكن غائصاً ، وأمّا إذا تناول منه وهو غائص أيضاً فيجب عليه إذا لم ينو الغوّاص الحيازة ، وإلّا فهو له ووجب عليه الخمس (1).
[2898] مسألة 22 : إذا غاص من غير قصد للحيازة فصادف شيئاً ففي وجوب الخمس عليه وجهان ، والأحوط إخراجه (2).
كما تقدّم أيضاً أنّه إذا خرج الشيء بنفسه إلى الساحل فأخذه أو كان على سطح الماء فجذبه من غير غوص لم يصدق عليه عنوان الإخراج من البحر الظاهر في الإخراج من مائه لا من فضائه ، كما لم يكن من الغوص ، وهو ظاهر. فعليه لا خمس فيه من هذه الجهة وإن ثبت بعنوان الغنيمة والفائدة.
(1) قد اتّضح ممّا مرّ أنّ الضابط في تعلّق الخمس صدق التملّك بالغوص ، فمن غاص وحاز الشيء وتملّكه وجب عليه الخمس.
وعليه ، فالمتناول إذا لم يكن غائصاً لا شيء عليه ، بل وإن غاص وتناوله من الغوّاص إذا كان الغوّاص قد نوى الحيازة وقصد التملّك فإنّ الخمس حينئذٍ إنّما يجب على الغوّاص دون من تناوله منه.
نعم ، إذا لم يكن هو ناوياً للحيازة ونواها الغائص المتناول تملّكه ووجب عليه خمسه ، لأنّه هو المتملّك بالغوص ، ولا شيء على الغائص الأوّل.
(2) لصدق التملّك بالغوص ، الذي هو المناط في تعلّق الخمس بعد أن استملك ما صادفه لدى أخذه وإن لم يكن ناوياً للحيازة في ابتداء الغوص وإنّما غاص لغاية أُخرى من التنزّه أو العثور على ما ضاع منه في البحر ، لعدم مدخل لذلك في وجوب الخمس بمقتضى إطلاق الأدلّة.
[2899] مسألة 23 : إذا أخرج بالغوص حيواناً وكان في بطنه شيء من الجواهر ، فإن كان معتاداً وجب فيه الخمس (1) ، وإن كان من باب الاتّفاق بأن يكون بلع شيئاً اتّفاقاً فالظاهر عدم وجوبه وإن كان أحوط.
[2900] مسألة 24 : الأنهار العظيمة كدجلة والنيل والفرات حكمها حكم البحر بالنسبة إلى ما يخرج منها بالغوص إذا فرض تكوّن الجوهر فيها كالبحر (2).
(1) كالصدف الذي يتكوّن في بطنه اللؤلؤ على ما قيل ، بخلاف السمكة التي ابتلعت الجوهرة من باب الاتّفاق.
والوجه في هذا التفصيل : أنّه إذا كان وجود الجوهرة في بطن الحيوان أمراً معتاداً متعارفاً فالغوص لأجل العثور على تلك الجوهرة بأخذ الحيوان لمّا كان أمراً متعارفاً شملته إطلاقات أدلّة الغوص. وهذا بخلاف الأمر الاتّفاقي فإنّه حيث لم يكن وجودها في جوف الحيوان وإخراجه لداعي الوصول إليها جارياً مجرى العادة ، فلا جرم لم يكن هذا من الغوص المتعارف ، والإطلاق منصرف عن مثله بطبيعة الحال ، فيكون حاله حال العثور اتّفاقاً على جوهرة في جوف سمكة صادها أو اشتراها في عدم الاندراج تحت إطلاقات أدلّة الغوص كما هو واضح.
(2) قد اتّضح حكم هذا الفرع ممّا سبق ، حيث عرفت أنّ إطلاق الغوص الشامل للغوص في غير البحار من الأنهار العظيمة التي تتكوّن فيها الجواهر ويتعارف الغوص فيها للعثور عليها لا موجب لتقييده بالبحر ما عدا أحد أمرين : إمّا غلبة الغوص في البحر ، أو النصّ الدالّ على وجوب الخمس فيما يخرج من البحر. وقد عرفت أنّ شيئاً منهما لا يصلح للتقييد ، فلاحظ.
[2901] مسألة 25 : إذا غرق شيء في البحر وأعرض مالكه عنه فأخرجه الغوّاص ملكه ولا يلحقه حكم الغوص على الأقوى (1) وإن كان من مثل اللؤلؤ والمرجان ، لكن الأحوط إجراء حكمه عليه.
(1) أمّا الملكيّة فقد دلّت عليها روايتان : إحداهما عن السكوني ، والأُخرى عن الشعيري ، وكلاهما لقب لشخص واحد مسمّى بإسماعيل بن أبي زياد.
فالأُولى : ما رواه الكليني بإسناده عنه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث عن أمير المؤمنين (عليه السلام) «قال : وإذا غرقت السفينة وما فيها ، فأصابه الناس ، فما قذف به البحر على ساحله فهو لأهله وهم أحقّ به ، وما غاص عليه الناس وتركه صاحبه فهو لهم» (1).
والأُخرى : ما رواه الشيخ بإسناده عنه ، قال : سُئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) عن سفينة انكسرت في البحر فاخرج بعضها بالغوص ، وأخرج البحر بعض ما غرق فيها «فقال : أمّا ما أخرجه البحر فهو لأهله ، اللّه أخرجه ، وأمّا ما أُخرج بالغوص فهو لهم وهم أحقّ به» (2).
والعمدة هي الأُولى لعدم وثاقة أُميّة بن عمرو الواقع في سند الثانية وقد قُيّد الحكم فيها بما إذا تركه صاحبه ، أي أعرض عنه.
ومقتضى الإطلاق عدم الفرق بين ما إذا كان الإعراض كراهةً له ، أو قهراً عليه لعدم تمكّنه من الوصول إليه وإن لم يكن كارهاً ، كما أنّ مقتضاه عدم الفرق أيضاً بين ما إذا عرف صاحبه أو لم يعرف ، ففي جميع ذلك يجوز للغائص إخراج المال وتملّكه.
[2902] مسألة 26 : إذا فرض معدن مثل العقيق أو الياقوت أو نحوهما تحت الماء بحيث لا يخرج منه إلّا بالغوص فلا إشكال في تعلّق الخمس به ، لكنّه هل يعتبر فيه نصاب المعدن أو الغوص؟ وجهان ، والأظهر : الثاني (1).
وأمّا عدم إلحاقه بالغوص في وجوب الخمس فلما تقدّم من أنّ الظاهر من دليل الغوص اختصاصه بما تعارف إخراجه بالغوص ممّا يتكوّن في البحر ، لا ما وقع فيه من الخارج ، وكذا الحال في عنوان ما يخرج من البحر ، لانصرافه إلى ما يخرج منه ممّا يتكوّن فيه. نعم ، هو من الفوائد فيلحقه حكمها.
(1) هل المعدن المتكوّن تحت الماء المتوقّف إخراجه على الغوص يندرج في عنوان الغوص وحده ، أو المعدن وحده ، أو في كلا العنوانين؟
وتظهر الثمرة فيما إذا بلغ قيمته ديناراً فصاعداً ولم يبلغ العشرين بناءً على اعتبار النصاب في الغوص ، أو مطلقاً ولو لم يبلغ الدينار بناءً على عدم اعتباره فيه ، أمّا إذا كان بالغاً عشرين ديناراً فلا ريب في تعلّق الخمس به على أيّ تقدير.
وربّما يرجح الأوّل ، نظراً إلى أنّ الظاهر من المعدن المذكور في قبال الغوص في صحيحة ابن أبي عمير (1)هو ما لا يتوقّف إخراجه على الغوص ، فيختصّ بما يتكوّن في البرّ ، في قبال الغوص الذي هو إخراج ما يتكوّن في البحر وإن كان من المعدنيّات كالعقيق والياقوت.
وتؤيِّده رواية محمّد بن علي بن أبي عبد اللّه المتقدّمة (2)، حيث إنّها اعتبرت
[2903] مسألة 27 : العنبر إذا أُخرج بالغوص جرى عليه حكمه (1) ، وإن أُخذ على وجه الماء أو الساحل ففي لحوق حكمه له وجهان ، والأحوط اللحوق ، وأحوط منه إخراج خمسه وإن لم يبلغ النصاب أيضاً.
في وجوب الخمس فيما يخرج من البحر من اللؤلؤ وكذا الياقوت والزبرجد اللّذين هما من سنخ المعادن بلوغ قيمته ديناراً ، الذي هو نصاب الغوص.
وهذا هو الصحيح ، ومع الغضّ وتسليم فقد الترجيح والبناء على صدق كلا العنوانين على مثل ذلك فلا ينبغي التأمّل في أنّ دليل المعدن بالنسبة إلى ما بلغ ديناراً ولم يبلغ العشرين يكون من قبيل اللّابدية مقتضي لا من قبيل مقتضي العدم.
وأمّا دليل الغوص فهو بالنسبة إليه من قبيل المقتضي لثبوت الخمس ، ومن الضروري أنّ ما لا اقتضاء فيه لا يزاحم ما فيه الاقتضاء ولا ينافيه ، فالأوّل ينفي الحكم بعنوان المعدنيّة لا بكلّ عنوان ، والثاني يثبته بعنوان الغوص ، ولا منافاة بين الأمرين. ومعه ، فلا ينبغي الإشكال في وجوب الخمس في مثل ذلك بعنوان الغوص.
(1) أمّا وجوب الخمس فيه في الجملة فالظاهر أنّه لا إشكال فيه ولا خلاف ، كما نطقت به صحيحة الحلبي ، قال : سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن العنبر وغوص اللؤلؤ «فقال : عليه الخمس» (1).
وإنّما الكلام والإشكال في أنّه هل هو عنوان مستقلّ في قبال الغوص والمعدن فيجب فيه الخمس مطلقاً وإن أُخذ من وجه الماء أو من الساحل ، أو أنّه من الغوص فيلحقه حكمه ، أو من المعدن فيجري عليه حكمه؟ فيه وجوه بل أقوال :
1) الوسائل 9 : 498 / أبواب ما يجب فيه الخمس ب 7 ح 1.
.................................................................................................
نُسب الأوّل إلى جماعة منهم صاحب المدارك (قدس سره) (1)، وكأنّ وجهه : أنّ ظاهر الصحيحة المزبورة وجوب الخمس فيه مطلقاً ، لا سيّما بقرينة عطف اللؤلؤ مضافاً إليه الغوص عليه ، المشعر بأنّ العنبر سواء أُخذ بالغوص أم بغيره يجب فيه الخمس.
وفيه ما لا يخفى ، فإنّ الإطلاق المزبور لا ينافي تقييده بدليل اعتبار النصاب في الغوص لو تمّ ومقتضاه اختصاص وجوب تخميس العنبر المأخوذ غوصاً بما إذا بلغ النصاب.
وعن كاشف الغطاء : اختيار الثاني ، استناداً إلى أنّه ممّا يخرج من البحر بالغوص (2).
وفيه : أنّه لم يثبت اختصاصه بذلك بعد ما قيل من أنّه قد يؤخذ من وجه الماء أو من الساحل ، ومعلومٌ أنّ إلحاق حكم الغوص به وإن لم يؤخذ بالغوص ممّا لا وجه له.
وعن المفيد (قدس سره) : اختيار الثالث وأنّه من المعادن (3).
وقد ذُكر في توجيه كونه منها أمران لا يمكن التعويل على شيء منهما :
أحدهما : ما قيل من أنّه نبع عين في البحر نظير عين الزاج والكبريت ، وقد مرّ أنّ المعدن إذا ظهر على وجه الأرض بسيل أو زلزلة أو نحوهما فأُخذ لحقه حكمه.
ويدفعه : أنّ هذا أحد محتملاته ، وهناك محتملات بل أقوال أُخر في تفسير العنبر ، منها : أنّه رجيع دوابّ بحريّة ، ومنها : أنّه نبات في البحر ، ومنها : أنّه
.................................................................................................
سمكة بحريّة ، وغير ذلك. فلا وثوق والحالة هذه بكونه من المعادن ليلحقه حكمها.
بل أنّ مقتضى أصالة العدم الأزلي عدم كونه معدناً كما لا يخفى.
ثانيهما : ما ذكره المحقّق الهمداني (قدس سره) من أنّ العنبر حيث إنّ له مكاناً مخصوصاً يتكوّن فيه ولا يوجد في غيره وهو البحر ، فإذن يصدق على ذلك المكان أنّه معدنه وأنّه أُخذ من معدنه توسّعاً (1).
ولكنّه كما ترى خلاف ما يفهم عرفاً من إطلاق المعدن. ومن الواضح جدّاً أنّ مجرّد كون البحر محلّاً لتكوّنه لا يستوجب صدق اسم المعدن عليه ، وإلّا لكان السمك أيضاً من المعادن ، لأنّ البحر مكان خاصّ له ، وهو معلوم البطلان.
هذا ، ولو سلّم كونه أي العنبر منها فإلحاقه بها حكماً مطلقاً لا يكاد يتمّ ، لما عرفت من أنّ المعدن إذا أُخرج بالغوص لحقه حكمه ، فيجب تخميسه إذا بلغ ديناراً على القول به في الغوص لما تقدّم سابقاً من أنّ كونه غوصاً مقتضٍ للوجوب ، وكونه معدناً غير مقتضٍ له ، لا أنّه مقتضٍ لعدمه ، ومن الواضح أنّ اللّابدية مقتضي لا يزاحم المقتضي.
ونُسب إلى الأكثر ومنهم المحقّق (قدس سره) في الشرائع (2)التفصيل بين ما إذا أُخرج بالغوص فيلحق به ، وما إذا أُخذ من وجه الماء أو الساحل فيلحق بالمعادن.
وفيه : ما عرفت من أنّه لم يثبت كونه من المعادن ، فإلحاقه بها إذا أُخذ من وجه الماء أو الساحل غير ظاهر الوجه.
الخامس : المال الحلال المخلوط بالحرام (1) على وجهٍ لا يتميّز مع الجهل بصاحبه وبمقداره ، فيحلّ بإخراج خمسه ، ومصرفه مصرف سائر أقسام الخمس على الأقوى.
ومن جميع ما ذكرنا يظهر لك أنّ الأقوى البناء على إلحاقه بالغوص إذا أُخذ به ، سواء عُدّ من المعادن فيكون من غوص المعدن الذي عرفت الوجه في إلحاقه حكماً بالغوص ، أم لم يُعدّ منها. فعلى كلّ من التقديرين إن اعتُبر في الغوص نصابٌ اعتُبر هنا أيضاً ، وإلّا وجب فيه الخمس مطلقاً ولو كان أقلّ من دينار.
كما أنّ الأقوى البناء على عدم إلحاقه لا بالغوص ولا بالمعدن إذا أُخذ من ظاهر الماء أو الساحل ، لعدم اندراجه في عنوان الغوص حينئذٍ ، وهو ظاهر. ولا في عنوان المعدن ، لعدم ثبوت كونه منه ، ومقتضى إطلاق الصحيحة من غير مقيّد وجوب الخمس حينئذٍ مطلقاً.
وعليه ، فلا محيص من الالتزام بأنّه عنوان مستقلّ في قبال الغوص والمعدن وغيرهما.
وما ذكره المحقّق الهمداني (قدس سره) من أنّ مقتضى تسالم الأصحاب ظاهراً على انحصار ما يجب فيه الخمس في السبعة عدم كون العنبر قسماً مستقلا ثامناً ، فيتعيّن إلحاقه بأحد السبعة (1).
يندفع بأنّه لم يثبت إجماع تعبّدي على الانحصار المزبور ، فلا مانع من جعل المقام عنواناً ثامناً إذا ساعده الدليل حسبما عرفت.
(1) على المشهور في وجوب الخمس فيه وفي أنّ مصرفه مصرف سائر أقسام الخمس.
1) مصباح الفقيه 14 : 90.
.................................................................................................
واختار بعضهم أنّ مصرفه الفقراء فيتصدّق به عليهم.
وذهب بعضهم إلى التخيير بين الأمرين ، أي بين الخمس المصطلح وبين الصدقة.
والمتّبع ما يستفاد من الروايات ، وقد وردت عدّة أخبار :
منها : معتبرة عمّار بن مروان ، قال : سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول : «فيما يخرج من المعادن ، والبحر ، والغنيمة ، والحلال المختلط بالحرام إذا لم يعرف صاحبه ، والكنوز ، الخمس» (1).
ومنها : ما رواه الصدوق في الخصال بسنده عن ابن أبي عمير ، عن غير واحد ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال : الخمس على خمسة أشياء : على الكنوز ، والمعادن ، والغوص ، والغنيمة» ونسي ابن أبي عمير الخامس (2).
ولكن الصدوق فسّر ما نسيه ابن أبي عمير ، حيث ذيّل الرواية بقوله كما في المستند (3)نقلاً عن بعض مشايخه عنه - : قال مصنّف هذا الكتاب : الذي نسيه مالٌ يرثه الرجل وهو يعلم أنّ فيه من الحلال والحرام ، ولا يعرف أصحابه فيؤدّيه إليهم ، ولا يعرف الحرام بجنسه فيخرج منه الخمس (4).
ولا يبعد تعويله في هذا التفسير على الرواية السابقة مع تقييدها بقيود من الجهل بالمقدار وبصاحب المال الذي لا محيص عن ارتكابه كما لا يخفى.
نعم ، الموجود في الخصال كما أشار إليه معلّق الوسائل الظنّ بذلك ، ولكنّه
.................................................................................................
لا يعبأ به فإنّه لا يغني عن الحقّ شيئاً.
وكيفما كان ، فقد ناقش في المستند في ثبوت الخمس في المقام بمعناه المصطلح مدّعياً : أنّ روايات الباب غير ناهضة بإثباته ، كما ناقش في رواية ابن مروان التي رواها عن الخصال بسنده إلى ابن أبي عمير باختلاف النسخ وأنّه لم يجدها بشيء من الطريقين في الخصال ، ومن ثمّ اختار الدفع بعنوان الصدقة (1).
ولكن الظاهر أنّه (قدس سره) لم يعط الفحص حقّه أو أنّ النسخة التي عنده كانت مغلوطة ، وإلّا فلا شبهة في وجودها في الخصال على اختلاف نسخها ، وقد رواها عنه في الوسائل بسنده المتّصل ، وكذا في الحدائق (2)، فلا ينبغي الاستشكال فيه. واحتمال الدسّ والزيادة في النسخ الموجودة التي روى عنها في الوسائل والحدائق موهونٌ جدّاً.
كما لا ينبغي التأمّل في أنّ الفهم العرفي قرينة على أنّ المراد بالمال المختلط بالحرام ما لا يعرف مقدار الخلط فقُدِّر بالخمس تعبّداً ، وأمّا إذا علم أنّه أقلّ أو أكثر وأنّ ديناراً واحداً من عشرة آلاف مثلاً حرامٌ أو حلال فهو خارج عن مدلول الرواية جزماً ، فتختصّ بالمجهول مالاً وصاحباً.
وهناك روايات اخرى استدلّ بها على المطلوب :
منها : رواية الحسن بن زياد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال : إنّ رجلاً أتى أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال : يا أمير المؤمنين ، إنِّي أصبت مالاً لا أعرف حلاله من حرامه ، فقال له : أخرج الخمس من ذلك المال ، فإنّ اللّه عزّ وجلّ قد رضي من ذلك المال بالخمس ، واجتنب ما كان صاحبه يُعلم» (3).
.................................................................................................
والظاهر أنّ مورد هذه الرواية المال المختلط بالحرام قبل الانتقال إليه بإرثٍ أو هبة ونحوهما من أسباب النقل ، فكان مخلوطاً عند المنتقل عنه ، لا أنّه اختلط بعد ذلك ، فموردها المال المنتقل من الغير لا مطلقاً.
على أنّ السند ضعيف بالحكم بن بهلول ، فإنّه مجهول.
ومنها : معتبرة عمّار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : أنّه سُئل عن عمل السلطان ، يخرج فيه الرجل؟ «قال : لا ، إلّا أن لا يقدر على شيء يأكل ولا يشرب ولا يقدر على حيلة ، فإن فعل فصار في يده شيء فليبعث بخمسه إلى أهل البيت» (1).
ولكنّ الظاهر أنّ هذه الرواية خارجة عن محلّ الكلام ، إذ لم يفرض فيها الاختلاط بالحرام بوجه ، لجواز أن يكون المال الواصل إليه من السلطان كلّه حلالاً وإن كان العمل له في نفسه حراماً.
وعليه ، فلا يبعد أن يكون المراد من الخمس هنا الخمس بعنوان الغنيمة والفائدة ، وأنّه إذا عمل له عملاً فاستفاد فهو من مصاديق مطلق الفائدة ، يسوّغ التصرّف فيها بعد دفع خمسها وإن لم يكن العمل في نفسه مشروعاً كما عرفت.
ومنها : ما رواه الصدوق مرسلاً ، قال : جاء رجل إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال : يا أمير المؤمنين ، أصبت مالاً أغمضت فيه ، أفلي توبة؟ «قال : ائتني خمسه» فأتاه بخمسه «فقال : هو لك ، إنّ الرجل إذا تاب تاب ماله معه» (2).
ولكنّها مرسلة لا يعوّل عليها.
.................................................................................................
ومنها : ما رواه الكليني بسنده عن السكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال : أتى رجل أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال : إنِّي كسبت مالاً أغمضت في مطالبه حلالاً وحراماً ، وقد أردت التوبة ولا أدري الحلال منه والحرام وقد اختلط عليّ ، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام) : تصدّق بخمس مالك ، فإنّ اللّه قد رضي من الأشياء بالخمس ، وسائر المال لك حلال» (1).
وهي معتبرة سنداً دلّت على لزوم إخراج الخمس ، ولكن المذكور فيها عنوان الصدقة على خلاف المذكور في المعتبرة الاولى ، أعني : رواية عمار بن مروان.
ومن ثمّ وقع الإشكال في أنّ مصرف هذا الخمس هل هو للفقراء كما هو ظاهر لفظ التصدّق على ما يشير إليه قوله تعالى ( إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ ) إلخ (2)، أو أنّ مصرفه مصرف سائر أقسام الخمس من المعادن والغنائم وغيرها كما هو مقتضى المعتبرة الأُولى الظاهرة في اتّحاد المصرف في الجميع ، ومنهم من حكم بالتخيير بين المصرفين كما ستعرف؟
والظاهر أنّ ما ذهب إليه المشهور من اتّحاد هذا المصرف مع سائر أقسام الخمس هو الصحيح.
ووجهه : أنّ معتبرة عمّار بن مروان واضحة الدلالة على ذلك ، لقوّة ظهورها بحسب الفهم العرفي ، بل كادت تكون صريحة في أنّ المال المخلوط يصرف خمسه فيما يصرف فيه خمس الغنائم ونحوها ، المشار إليه بقوله تعالى ( فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ ) إلخ (3). فقوّة هذا الظهور ممّا لا ينبغي الإشكال فيها.
.................................................................................................
وأمّا رواية السكوني فلو سلّمنا أنّ لفظ الصدقة ظاهر في الإنفاق على الفقراء ، ولم نقل بأنّه موضوع للمعنى الجامع ، وهو كلّ عمل أو مال يتقرّب به إلى اللّه تعالى الشامل للخمس المصطلح ، بل قد ذكر شيخنا الأنصاري على ما حكاه عنه المحقّق الهمداني (قدس سره) أنّ لفظ الصدقة قد أُطلق على الخمس في كثير من الأخبار على ما قيل (1)، وإن لم تحضرنا من ذلك ولا رواية واحدة.
وكيفما كان ، فلو سلّمنا الظهور المزبور فلا ينبغي الشّك في لزوم رفع اليد عنه تجاه الرواية الأُولى ، لأقوائيّة ظهورها بحيث كادت تلحقه بالصراحة كما عرفت.
وبالجملة : الأمر دائر بين رفع اليد عن أحد الظهورين ، ولا ينبغي الريب في أنّ الأوّل أقوى ، فتحمل الصدقة على المعنى اللغوي العام الشامل لمصرف الخمس أيضاً.
والذي يؤكِّده ذيل هذه الرواية ، حيث قال (عليه السلام) : «فإنّ اللّه قد رضي من الأشياء بالخمس» ، فإنّا لم نعهد مورداً أوجب اللّه فيه الخمس ما عدا هذه الموارد المعهودة من الغنائم والكنوز والمعادن ونحوها ، فكأنه (عليه السلام) أراد تطبيق كبرى الخمس على هذا المورد أيضاً ، فيكون المراد من الخمس هنا ذاك الخمس المقرّر المجعول في الشريعة المقدّسة الذي رضي اللّه به في موارده الخاصّة ، فهذا الذيل قرينة واضحة على استظهار إرادة الخمس المصطلح ، ولا أقلّ من صلوحه للقرينيّة بحيث ينثلم معه ظهور لفظ الصدقة ، ولأجله تصبح الرواية الأُولى بلا معارض ، فيكون الخمس هنا كالخمس في بقيّة الأقسام كما عليه المشهور ، وإن كان كلام جماعة من القدماء خالياً عن ذلك ، ولأجله احتمل بعض المتأخّرين أنّهم لم يلتزموا بذلك ، ومنهم صاحب المدارك ، حيث
1) مصباح الفقيه 14 : 154 ، وهو في كتاب الخمس : 258.
.................................................................................................
إنّه قوّى عدم الخمس والتزم بالصدقة (1)، عملاً بما دلّ على التصدّق بمجهول المالك في عدّة من الأخبار ، ولكن الرواية الأُولى السليمة عمّا يصلح للمعارضة صريحة فيما ذكرناه حسبما عرفت ، فلا محيص عن الالتزام به وصرف الرواية الثانية أعني : رواية السكوني عن ظاهرها.
هذا ، وقد ذهب المحقّق الهمداني (قدس سره) إلى التخيير بين الأمرين ، عملاً بكلتا الروايتين ، فله الصرف خمساً ، كما له الدفع صدقة ، وذكر (قدس سره) أنّ هذا هو الأوجه في مقام الجمع إن لم يكن إجماع على خلافه.
وملخّص ما ذكره (قدس سره) : أنّ تعلّق الخمس بالمختلط ليس معناه أنّ خمس المال ملك فعلي للسادة بحيث أنّ الخلط بمجرّد حصوله أوجب انتقال هذا الكسر من المال إليهم ابتداءً ويشتركون فيه مع المالك بنحوٍ من الشركة ، كما هو الحال في سائر أقسام الخمس من الغنائم والمعادن والكنوز ونحوها ، فليس تعلّق الخمس في المختلط كتعلّقه في سائر الأقسام ، بل الخمس هنا مطهّر ويكون الباقي له بعد التخميس.
وعليه ، فله التصدِّي للتطهير بنحوٍ آخر بأن يسلّم المال بأجمعه للفقير قاصداً به التصدّق بجميع ما للغير في هذا المال واقعاً ، فينوي الصدقة في حصّة المالك الواقعي ردّاً للمظالم ، وبما أنّ الحصّتين مجهولتان حسب الفرض فيقتسمان بعد ذلك بالتراضي أو القرعة أو نحو ذلك ، وبهذه الكيفيّة يحصل التطهير وتبرأ الذمّة أيضاً.
وعلى هذا فليس الخمس واجباً تعيينيّاً وكلمة العيني في كلامه (قدس سره) سهو من قلمه الشريف كما لا يخفى بل التخلّص من الضمان يتحقّق بكلّ من الأمرين حسبما عرفت. فهو إذن مخيّر بينه وبين الصدقة.
1) المدارك 5 : 388.
.................................................................................................
وأمّا رواية السكوني فهي أيضاً غير ظاهرة في الوجوب التعييني ، إذ هي في مقام دفع توهّم الحظر من أجل تخيّل عدم جواز التصرّف في مال الغير حتى بنحو التصدّق عن صاحبه ، فغاية ما هناك أنّها ظاهرة في الجواز وأنّه يجوز الاكتفاء بالتصدق بمقدار الخمس من غير أن يتعيّن في ذلك ، بل يجوز التخلّص بالتصدّق بنحوٍ آخر حسبما عرفت آنفاً. فبالنتيجة هو مخيّر بين الأمرين.
هذا ملخّص كلامه (قدس سره) (1).
ولكنّه لا يمكن المساعدة عليه بوجه :
أمّا ما ادّعاه في رواية السكوني من ورود الأمر فيها موقع توهّم الحظر فليس الأمر كذلك بحيث يمنع عن ظهور الأمر في الوجوب ، فإنّ التصدّق بمال الغير وإن كان حراماً لكن ليس كلّ محرّم يمنع عن ظهور الأمر المتعلّق به في الوجوب ، فإنّ السؤال هنا عن الوظيفة الفعليّة في مقام تفريغ الذمّة بعد ما كان يعلم السائل بعدم جواز التصرّف ، فبيّن الإمام (عليه السلام) كيفيّة التفريغ وأنّه يتحقّق بالتخميس الظاهر بحسب الفهم العرفي في انحصار الوظيفة وتعيّنها في ذلك ، فالحمل على الجواز من أجل الورود موقع الحظر خلاف المتفاهم العرفي في أمثال المقام جدّاً كما لا يخفى.
وأمّا ما ذكره (قدس سره) في الرواية الاولى أعني : معتبرة عمّار بن مروان من جواز التصدِّي للتفريغ والتطهير بغير التخميس أعني : التصدّق فلا يمكن تصديقه بوجه ، ضرورة أنّ التصدّق بمال الغير والاجتزاء به في مقام التفريغ يحتاج إلى الدليل ، ولو لا قيام الدليل على أنّ مجهول المالك إذا لم يمكن إيصاله إلى صاحبه يتصدّق به عنه لم يكن أيّ وجه للصدقة ، إذ كيف يكون التصدّق ممّن لا وكالة عنه ولا ولاية عليه مفرّغاً؟!
1) مصباح الفقيه 14 : 158 161.
.................................................................................................
وإنّما التزمنا بذلك من أجل الروايات الخاصّة ، وهي وإن وردت في موارد مخصوصة وأموال متميّزة كالمال الخارجي أو الديون ونحو ذلك ، إلّا أنّه لا بدّ من إلغاء الخصوصيّة بحسب الفهم العرفي ، والالتزام بأنّ التصدّق لدى العجز عن معرفة المالك نحو إيصالٍ للمال إليه ، فهو مجزي في مقام التفريغ وإن لم يكن المال متميّزاً.
وكيفما كان ، فالالتزام بالتصدّق والاكتفاء به في مقام التفريغ إنّما كان من أجل تلك الروايات. وعليه ، فإذا فرضنا ورود رواية معتبرة دلّت في مورد خاصّ كالمقام على وجوب التخميس فبطبيعة الحال تكون هذه الرواية مخصّصة لتلك الأخبار ومقيّدة لإطلاقها بمقتضى صناعة الإطلاق والتقييد ، وقد عرفت أنّ معتبرة عمّار دلّتنا على ذلك صريحاً ، وبعد ورودها كيف يسعنا الأخذ بإطلاق نصوص الصدقة لولا رواية السكوني؟! وبالجملة : مع قطع النظر عن رواية السكوني فرواية عمّار مخصّصة لروايات الصدقة ، فلا محالة يتعيّن التخميس ، ومعه لا مجال للتصدّق.
وأمّا ما ذكره (قدس سره) من أنّ كيفيّة التعلّق تختلف في المختلط عن غيره ، فقد ظهر فساده.
ضرورة ظهور الرواية في أنّه في فرض الخلط والشكّ فولي الأمر وهو اللّه تعالى قد قسّم المال هكذا : بأن يكون خمسه للإمام ، والباقي للمالك ، كتقسيمه كذلك في سائر موارد الخمس ، فالالتزام بالتفكيك خلاف الظاهر جزماً. فما ذكره (قدس سره) بعيد جدّاً ، بل لا بدّ من وجوب التخميس ورفع اليد عن رواية السكوني حسبما عرفت فيما مرّ.
والذي يهوّن الخطب من أوّل ما ذكرناه إلى هنا أنّ رواية السكوني إنّما تصلح للمعارضة مع رواية عمّار لو كان متنها كما أثبتناه ، المطابق لما في الكافي
.................................................................................................
كما ذكره في الوسائل ، وكأنّ المشهور اقتصروا على هذه النسخة فذكروا ما ذكروا في كيفيّة الجمع.
ولكن صاحب الوسائل ذكر بعد ذلك قوله : ورواه الشيخ بإسناده عن محمّد ابن يعقوب. ورواه الصدوق بإسناده عن السكوني. ورواه البرقي في المحاسن عن النوفلي. ورواه المفيد في المقنعة مرسلاً نحوه (1).
فيظهر من ذلك أنّها رواية واحدة لفظاً ومعنًى قد رويت بعدّة طرق ، وأنّ هؤلاء الباقين نقلوها كما في الكافي. وليس كذلك ، فإنّ الصدوق قد رواها بسندٍ معتبر بنحوٍ آخر ، قال : فقال علي (عليه السلام) : «أخرج خمس مالك ، فإنّ اللّه عزّ وجلّ قد رضي من الإنسان بالخمس ، وسائر المال كلّه لك حلال» (2)، فذكر : «أخرج» بدل : «تصدّق» ، كما ذكر : «الإنسان» بدل : «الأشياء» فيتّحد مضمونها حينئذٍ مع رواية عمّار بلا تفاوت أبداً ، فتخرج حينئذٍ عن المعارضة إلى المعاضدة.
وبما أنّها رواية واحدة كما عرفت والنسخة مختلفة فلم يعلم أنّ السكوني هل رواها كما في الكافي أو كما في الفقيه؟ وحيث لا ترجيح فتسقط عن درجة الاعتبار ، وتبقى رواية عمّار بلا معارض.
بل يمكن القول بترجيح الثاني ، نظراً إلى أنّ الصدوق يرويها عن كتاب السكوني ، فإن لم يكن في هذا ترجيح فليس في رواية الكافي ترجيح قطعاً ، فلم ينهض في البين ما يصلح للمعارضة مع رواية عمّار.
ومن الغريب أنّ الفقهاء كأنّهم لم ينظروا إلى الفقيه واقتصروا على رواية
وأمّا إن علم المقدار ولم يعلم المالك تصدّق به عنه (1) ،
الكافي ، فتكلّموا في كيفيّة الجمع على اختلاف الأنظار مع أنّها ساقطة حسبما عرفت.
فتحصّل : أنّ الأقوى وجوب الخمس في المقام وعدم اختلاف مصرفه مع سائر الأقسام كما عليه المشهور.
(1) سواءً أكان أقلّ من الخمس أم أكثر ، كما لو علم أنّ عشر المال أو ثلثه حرام.
وقد استظهر شيخنا الأنصاري أنّ وجوب التصدّق بكلّ ما يعلم من قليل أو كثير مورد اتّفاق الأصحاب من غير خلاف (1).
ولكن صاحب الحدائق نسب إلى بعضهم وجوب الخمس هنا أيضاً والتصدّق بالزائد إن كان المعلوم أكثر من الخمس (2).
وهو (قدس سره) اختار الخمس من غير صدقة ، سواء أكان الحرام أقلّ من الخمس أم أكثر ، بدعوى أنّ روايات التخميس مثل معتبرة عمّار بن مروان تشمل ما إذا كان المعلوم أقلّ أو أكثر من الخمس ، وادّعى أنّ جميع ما ورد في باب التصدّق بمجهول المالك خاصّ بالمال المتميّز ، وأمّا المخلوط فلم يرد التصدّق به ولا في رواية واحدة ، فتشمله أخبار التخميس.
على أنّ قياس المخلوط بالمتميّز قياسٌ مع الفارق ، فإنّ المال المتميّز المعلوم مالكه معيّن غير أنّه مجهول لا يمكن الإيصال إليه فيتصدّق به عنه فإنّه نحو
.................................................................................................
إيصالٍ إليه ، وأمّا المخلوط فليس مالكه متميّزاً ، بل المال مشترك بينهما ، ومن المعلوم أنّ تقسيم المشترك وإفراز حصّة الغير يحتاج إلى إذنٍ من المالك أو وليّه. فالتقسيم على نحوٍ تتشخّص حصّة الغير فيما أُفرز ثمّ التصدّق به من غير إذن ولا ولاية على التقسيم يحتاج إلى دليل ، ولم يقم عليه أيّ دليل في المقام كما لا يخفى ، فيرجع إذن إلى أخبار التخميس.
فالذي يتحصّل من كلامه (قدس سره) أنّ الأقوال في المسألة ثلاثة :
التصدّق مطلقاً كما نسبه شيخنا الأنصاري (قدس سره) إلى الأصحاب. ولا شبهة أنّ هذا هو المشهور كما في عبارة المحقّق الثاني (قدس سره) (1).
والتخميس ثمّ التصدّق بالباقي إن كان المعلوم أكثر.
والتخميس مطلقاً ، أي سواء أكان المعلوم أقلّ أم أكثر ، كما اختاره صاحب الحدائق بنفسه.
أمّا التخميس والتصدّق بالزائد فلا يمكن الالتزام به بوجه ولا نعرف القائل به وإن حكاه في الحدائق عن بعضهم ، لأنّه إن قلنا بشمول أدلّة التخميس للمقام فهي واضحة الدلالة على حلّيّة الباقي كما صرّح به في رواية السكوني ، وهو الظاهر من رواية عمار كما لا يخفى. فلا حاجة إذن إلى التصدّق. وإن لم تشمل فلا موجب للتخميس أبداً ، فهذا القول ساقط جزماً.
فيدور الأمر بين القولين الآخرين ، أعني : التصدّق مطلقاً ، أو التخميس مطلقاً.
ولا يخفى أنّ ما ذكره في الحدائق من اختصاص نصوص التصدّق بمجهول المالك بالمال المعيّن المتميِّز وعدم شمولها للمختلط لم يكن له أيّ أثر في المقام ،
1) جامع المقاصد 5 : 15 16.
.................................................................................................
فلا يفرق الحال بين كونها مختصّة أم مطلقة ، وإن كان ما ذكره من الاختصاص صحيحاً في أكثر هذه الأخبار ، فإنّ أغلبها وردت في الدين أو الأمانة التي تبقى عنده ويذهب المالك ولا يرجع أو كان أجيراً قد مضى ولا يعرفه (1)، أو وجد متاع شخص عنده قد ذهب إلى بلده ولا يعرفه كما هو مورد صحيحة يونس ابن عبد الرحمن المتضمّنة للأمر ببيعه والتصدّق بثمنه (2).
نعم ، هناك رواية واحدة لا يبعد شمولها للمتميّز وغيره ، وهي رواية علي بن أبي حمزة الواردة فيمن أصاب مالاً كثيراً من بني أُميّة قد أغمض في مطالبه والآمرة بالخروج عن جميع ما كسب في ديوانهم بالردّ إلى من عرف والتصدّق عمّن لم يعرف (3).
فإنّ من البعيد جدّاً أن يكون هذا الشخص عارفاً بأشخاص الأموال التي تكون لغيره ، بل بطبيعة الحال يكون أكثرها نقوداً مختلطة في أمواله ولو بين من يعرف مالكه ومن لا يعرف ، فأعطى الإمام (عليه السلام) له الولاية بإعطاء من يعلم بمقدار ما يعلم والتصدّق عمّن لا يعرفه.
ولكنّها ضعيفة السند جدّاً ، لأنّ في سندها إبراهيم بن إسحاق النهاوندي ، وهو ضعيف ، فلا يعتمد عليها.
فالعبرة بغيرها ، وعمدتها صحيحة يونس ، وهي خاصّة بالمتميّز كما عرفت.
إلّا أنّ هذا الاختصاص أو التعميم لا أثر له في محلّ الكلام كما أسلفناك ، لأنّا إذا بنينا على شمول أدلّة التخميس لهذه الصورة أعني : صورة العلم بالمقدار فلا يفرق في ذلك بين كون تلك النصوص مطلقة أم لا ، أمّا على الثاني فواضح ،
.................................................................................................
وكذا على الأوّل ، إذ غايته أنّها تقيد بهذه الأدلّة من روايتي عمّار والسكوني ونحوهما ، فيلتزم بالتصدّق في مجهول المالك مطلقاً ، إلّا في خصوص المقام ، فإنّه يخمّس ويصرف الخمس في الصدقة أو في غيرها على الخلاف المتقدّم.
وإذا بنينا على عدم الشمول فلا دليل على التخميس حتى لو فرضنا اختصاص تلك النصوص بالمتميّز ، ضرورة أنّ مجرّد عدم شمولها للمخلوط لا يقتضي التخميس فيه بوجه ، فالعبرة في وجوب التخميس بشمول أدلّته للمقام وعدمه ، لا بالإطلاق أو الاختصاص في أدلّة الصدقة كما لعلّه ظاهر جدّاً.
وقد عرفت أنّ الأقوى عدم الشمول وأنّ تلك الأدلّة في حدّ أنفسها قاصرة ، إذ لا يكاد يحتمل وجوب التخميس على من يعلم بوجود دينارين محرّمين في ضمن عشرة آلاف من دنانيره المحلّلة ، كما لا يكاد يحتمل الاكتفاء بالتخميس لمن يعلم بوجود دينار أو دينارين محلّلين قد اختلطا في ضمن عشرة آلاف من الدنانير المغتصبة بحيث يحلّ له الباقي بعد أداء خمس المجموع ، ولا سيّما إذا كان متعمّداً في الخلط للتوصّل إلى هذه الغاية ، فإنّ هذا لعلّه مقطوع البطلان بضرورة الفقه ، ولم يكن مدلولاً للرواية بوجه.
بل الظاهر منها أنّ مقدار الحلال والحرام مشكوك من أوّل الأمر ، فلا يدري الحلال من الحرام الظاهر في الجهل المطلق حتى من حيث المقدار. إذن فمعلوم المقدار غير مشمول لأخبار التخميس بوجه.
فلا بدّ من النظر حينئذٍ إلى أخبار التصدّق ، فإن قلنا بأنّها عامّة للمتميّز وغيره ، نظراً إلى أنّ خصوصيّة التمييز لم تكن بنظر العرف دخيلة في الحكم بل هي مورد للسؤال ، وجب التصدّق به حينئذٍ عن صاحبه ، فيستفاد من تلك الأدلّة من صحيحة يونس وغيرها ولا سيّما ما ثبت في الدين أنّ الإمام (عليه السلام) أعطى الولاية لمن بيده المال متميّزاً أم غير متميّز ، بأن يوصل ذلك إلى
.................................................................................................
صاحبه ولو بقيمته ، كما دلّ عليه قوله (عليه السلام) في صحيحة يونس «بعه وتصدّق بثمنه على أهل الولاية» (1)، وفي رواية داود بن أبي يزيد : «فاقسمه في إخوانك» (2).
فإنّه كيف يقسّم مال الغير لولا أنّ هذا إجازة من ولي الأمر في إيصال المال إلى صاحبه ولو بالتصدّق ببدله وهو الثمن؟! على أنّا لو قطعنا النظر عن ذلك وقلنا باختصاص تلك النصوص بالمتميّز فيمكن تعيين المخلوط وتقسيمه بمراجعة الحاكم الشرعي من الإمام أو نائبه ولا أقلّ من عدول المؤمنين ، إذ لا يمنع عن التصرّف بمجرّد الاختلاط بالضرورة ، فلو علم بوجود ثلاثمائة حراماً أو حلالاً في ضمن الألف فلا مناص له من الإفراز والتعيين ولو بولاية عدول المؤمنين. على أنّه مع الغضّ عن كلّ ذلك فما هي وظيفته تجاه هذه الأموال المختلطة؟
فإنّا إذا فرضنا أنّ أخبار التصدّق خاصّة بالمتميّز ، وأخبار التخميس لم تشمل المقام ، فماذا نصنع بهذا المال؟ فإنّ الأمر دائر بين أن يبقى حتى يتلف ، وبين أن يتملّك أو أن يتصدّق به ، ولا ريب أنّ المتعيّن هو الأخير بعد أن لم يكن سبيل إلى الإتلاف ولا التملّك. فلو فرضنا أنّ أخبار التصدّق قاصرة لم يكن أيضاً أيّ مناص من الالتزام به ، للقطع بعدم جواز غيره ، فإنّه نحو إيصالٍ إلى المالك.
فما ذكره المشهور من التصدّق هو الأوجه حسبما عرفت.
والأحوط أن يكون بإذن المجتهد الجامع للشرائط (1) ،
(1) فإنّه القدر المتيقّن من جواز التصرّف في ملك الغير بعد أن كان مقتضى الأصل عدم جواز التصرّف فيه بغير إذنه.
وأمّا نصوص التصدّق فليست هي بصدد البيان من هذه الناحية لينعقد لها الإطلاق المستلزم لإعطاء الولاية لذي اليد ، بل هي مسوقة لبيان كيفيّة التصرّف فقط ، وأنّه يجب التصدّق به على الوجه المقرّر شرعاً ، أو يقال بأنّ الأمر بالتصدّق بنفسه إذنٌ من الإمام (عليه السلام) ، فهذه الروايات ليست لبيان الحكم الشرعي فحسب ، بل بضميمة الإذن.
على أنّه يظهر من بعض الروايات اعتبار الإذن ، وهي رواية داود بن أبي يزيد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : قال رجل : إنِّي قد أصبت مالاً ، وإنِّي قد خفت فيه على نفسي ، ولو أصبت صاحبه دفعته إليه وتخلّصت منه ، قال : فقال له أبو عبد اللّه (عليه السلام) : «واللّه ، أن لو أصبته كنت تدفعه إليه؟» قال : إي واللّه «قال : فأنا واللّه ما له صاحب غيري» قال : فاستحلفه أن يدفعه إلى من يأمره ، قال : فحلف ، «فقال : فاذهب فاقسمه في إخوانك ، ولك الأمن ممّا خفت منه» قال : فقسّمته بين إخواني (1).
والظاهر أنّها معتبرة من حيث السند ، فإنّ موسى بن عمر الواقع في الطريق مردّد بين موسى بن عمر بن بزيع ، وموسى بن عمر بن يزيد ، والأوّل وثّقه النجاشي (2)وغيره صريحاً ، والثاني مذكور في اسناد كامل الزيارات (3)بقرينة
.................................................................................................
رواية سعد عنه في الكامل ، فإنّه الراوي عن ابن يزيد ، فيعلم من ذلك أنّ المراد بموسى بن عمر في الكامل هو ابن يزيد ، فالرجل موثّق على أيّ تقدير ، ولا ينبغي التشكيك في صحّة السند.
كما أنّها ظاهرة الدلالة على لزوم مراجعة الحاكم الشرعي ، فإنّ الظاهر من قوله (عليه السلام) : «واللّه ما له صاحب غيري» أنّه يريد من الصاحب من يرجع إليه هذا المال وتكون له الولاية على التصرّف ، لا أنّه (عليه السلام) كان مالكاً شخصيّاً لذاك المال ، ولذا لم يسأله (عليه السلام) عن نوعية المال ولم يستفسر عن خصوصيّته وأنّه أيّ شيء كان.
على أنّه لو كان له (عليه السلام) لأخذه ولم يأمر بالتقسيم ، مضافاً إلى عدم استقامته مع قوله (عليه السلام) : «ولك الأمن ممّا خفت منه» ، إذ لو كان (عليه السلام) هو المالك حقيقةً فقد وصل المال إلى صاحبه فأيّ خوف بعد هذا؟! فتأمين الإمام (عليه السلام) إيّاه باعتبار أنّه ولي الأمر وصاحبه الشرعي دون الحقيقي ، ولأجله يتحمّل تبعة عدم الإيصال إلى الأهل.
وعلى الجملة : فالظاهر من هذه الرواية أن أمره (عليه السلام) بالتقسيم كان باعتبار الولاية على مجهول المالك ، لا باعتبار كونه مالاً له حقيقةً ، ولا سيما بقرينة عدم الاستفسار عن نوعيّة المال.
وعليه ، فاعتبار الإذن من الحاكم الشرعي لو لم يكن أقوى فلا أقلّ من أنّه أحوط ، لعدم ثبوت الولاية للمالك كي يسوغ له التصدّق من دون مراجعته بعد ما كان مقتضى الأصل عدم جواز التصرّف في مال الغير إلّا بإذن الولي ، وقد عرفت أنّه لم يوجد في الأخبار ما يكون له إطلاق من هذه الجهة.
ولو انعكس بأن علم المالك وجهل المقدار تراضياً بالصلح ونحوه (1) ، وإن لم يرض المالك بالصلح ففي جواز الاكتفاء بالأقلّ أو وجوب إعطاء الأكثر وجهان ، الأحوط الثاني ، والأقوى الأوّل إذا كان المال في يده.
(1) إذا كان المالك معلوماً والمقدار مجهولاً دائراً بين الأقلّ والأكثر وقد اختلط المالان أحدهما بالآخر ، فهل يجوز الاقتصار على الأقلّ ، أو لا بدّ من دفع الأكثر ، أو أنّه يجب إعطاء الخمس وإن احتمل الزيادة أو النقيصة عنه كما نُسب ذلك إلى العلّامة (1)؟
أمّا الأخير : فلم يظهر وجهه ، لأنّ دليل التخميس من روايتي عمّار والسكوني ونحوهما إنّما ورد في المالك المجهول ، فالتعدِّي منه إلى المعلوم بحيث يلزم بالخمس وإن كان الحرام أقلّ أو تفرغ ذمّته بدفعه وإن كان أكثر عارٍ عن كلّ دليل كما لا يخفى.
فيدور الأمر حينئذٍ بين الوجهين الأولين.
ومحلّ الكلام ما إذا لم يقع بينهما تصالح وتراضٍ على مقدارٍ معيّن ليرجع إلى الإبراء إن كان أكثر ، والإهداء إن كان أقلّ ، وإلّا فلا إشكال فيه.
فنقول تارةً : يفرض أنّ المال تحت يده واستيلائه ، وأُخرى : أنّه خارج عن يده إمّا تحت يد ثالث أو لم يكن تحت يد أصلاً.
فعلى الأوّل : لا ينبغي الإشكال في سقوط اليد بالإضافة إلى كلّ واحد من الأفراد بالمعارضة ، لكونه طرفاً للعلم الإجمالي ، فلا يمكن التمسّك في شيء منها بقاعدة اليد ، للتصرّف الخارجي من لبسٍ أو أكلٍ ونحوهما ، أو الاعتباري من
1) حكاه في الجواهر 16 : 75 ، وهو في التذكرة 5 : 422.
.................................................................................................
بيعٍ أو هبة ونحو ذلك.
وهل تجري قاعدة اليد في الفرد المشكوك فيه من غير تمييز؟
فيه كلامٌ بين الأعلام قد تكلّمنا حوله في بعض المباحث الأُصوليّة (1).
ففيما لو علم إجمالاً بنجاسة أحد الثوبين واحتمل نجاسة الثوب الآخر أيضاً لوقوع قطرة بول في أحدهما واحتمال الوقوع في الآخر أيضاً ، فالواحد منهما لا بعينه معلوم النجاسة بالإجمال ، القابل للانطباق على كلّ واحد منهما ، لكونه طرفاً للعلم الإجمالي ، فلا يجوز ترتيب آثار الطهارة على شيء منهما ، لسقوط الأصل من الطرفين بالمعارضة.
وهل تجري أصالة الطهارة في الفرد الآخر غير المعلوم لدينا باعتبار أنّ أحدهما لا بعينه نجس قطعاً ، وأمّا الآخر فهو غير معلوم النجاسة فلا مانع من كونه مجرى للأصل؟
الظاهر هو الجريان ، إذ المعارضة تختصّ بالأشخاص ، فلا يجري الأصل في خصوص كلّ واحد بعينه ، للتعارض. وأمّا الواحد لا بعينه ونعني به : الجامع الكلّي المعرّى عن كلّ خصوصيّة ، لا الفرد المردّد ، أو العنوان المبهم الذي لا وجود له ولا ذات كما لا يخفى فلا مانع من إجراء الأصل فيه بعد تماميّة أركانه.
ويترتّب على ذلك جواز تكرار الصلاة في الثوبين المزبورين ، إذ معه يقطع بوقوع الصلاة في ثوب محكوم بالطهارة بمقتضى الأصل.
وهذا بخلاف ما لو منعنا عن جريان الأصل فيه أي في الواحد لا بعينه لعدم إحراز طهارة ذاك الثوب حينئذٍ شرعاً لا واقعاً ولا ظاهراً بعد جواز
1) مصباح الأُصول 3 : 340 341.
.................................................................................................
نجاستهما معاً كما هو المفروض ، فلا تجوز الصلاة في شيء منهما.
وعلى الجملة : لا نرى أيّ مانع من التعبّد بطهارة واحد منهما لا بعينه بمقتضى الأصل كما نعلم إجمالاً بنجاسة الواحد منهما لا بعينه.
ومن المعلوم أنّ الطهارة والنجاسة ونحوهما من الأحكام الوضعيّة والتكليفيّة أُمورٌ اعتباريّة ، ولا مانع من قيام الأمر الاعتباري بالجامع بين الأمرين ، بل يمكن ذلك حتى في بعض الصفات الحقيقيّة كالعلم فضلاً عن الأُمور الاعتباريّة ، وليس هذا من قبيل العرض بلا معروض ، فإنّ العلم يقوم بالعالم وعرض له لا للمعلوم ، فلا مانع من تعلّقه بالجامع من دون أن يكون له تعيّن حتى في علم اللّه وفي صقع الواقع. فيعلم بنجاسة أحد الإناءين وفي علم اللّه كلاهما نجس ، فلم يكن هناك تعيّن للمعلوم الإجمالي حتى في علم اللّه. فإذا ثبت ذلك في الصفات الحقيقيّة ففي الاعتباريّة بطريقٍ أولى.
ومن هذا القبيل : بيع الكلّي ، فإنّ المملوك هو الكلّي من دون لحاظ أيّ شخص من هذه الصبرة ، فالملكيّة قائمة به لا بالشخص حتى في علم اللّه سبحانه.
وعليه ، فلا مانع من أن يكون أحد الثوبين في المثال المزبور محكوماً بالطهارة بمقتضى الأصل وإن كان لا بعينه.
نعم ، لا بدّ وأن يكون لهذا التعبّد أثر عملي وإلّا كان لغواً محضاً ، وأثره في هذا المثال صحّة الصلاة لو صلّى في كلّ منهما متعاقباً ، فإنّه قد صلّى حينئذٍ في الثوب الطاهر بحكم الشارع ، فلو انكشفت نجاستهما معاً يحكم بصحّة الصلاة ، لأنّه قد صلّى في ثوب محكوم بالطهارة في ظاهر الشرع كما لا يخفى.
وهذه مسألة كبرويّة نقّحناها في الأُصول تنطبق على المقام وأشباهه ، ففي المقام بما أنّا نعلم إجمالاً بحرمة بعض ما في يده من الأموال فقاعدة اليد في كلّ منها ساقطة بالمعارضة ، فلا يجوز التصرّف في شيء منها ، لا الخارجي ولا
.................................................................................................
الاعتباري من بيع ونحوه.
وأمّا بالنسبة إلى الكلّي أعني : الزائد على المقدار المعلوم ممّا كان دائراً بين الأقلّ والأكثر كما لو كان مجموع ما عنده عشرة دنانير ويعلم أنّ بعضاً منها حرام وهو مردّد بين الاثنين والخمسة ، فقاعدة اليد بالنسبة إلى كلّ شخصٍ شخص ساقطة ، لمكان العلم الإجمالي كما عرفت. وأمّا بالنسبة إلى الجامع الزائد على الاثنين أعني : الثمانية الباقية فيشكّ أنّه هل فيها حرام أو لا؟ ومقتضى قاعدة اليد ملكيّته لها ، فتكون الثمانية من هذه الأموال له والاثنان لغيره من غير تمييز.
وتظهر الثمرة في القسمة ، فإنّهما إن تراضيا وتصالحا في مقام التقسيم فلا كلام كما تقدّم ، وإلّا فإن قلنا بأنّ الخلط في المقام موجب للشركة كما هو صريح كلام المحقّق الهمداني (قدس سره) في القسم الثالث (1)أعني : ما إذا كان القدر والمالك معلومين فيقسّم حينئذٍ على نسبة كلّ من المالين ، ففي المثال المزبور يقسّم عشرة أسهم : ثمانية لمن بيده المال ، وثنتان للشخص الآخر ، فإنّ طريقة التقسيم في العين المشتركة هي هذه ، فإن رضي بها الآخر ، وإلّا اجير عليها على ما هو الميزان من أنّ لكلّ من الشريكين المطالبة بالقسمة.
ولكن الاشتراك لم نعرف له وجهاً ظاهراً في المقام ، إذ الشركة إنّما تتحقّق بأحد أمرين :
إمّا بعقد الشركة ، كما لو كان لأحدهما مائة درهم وللآخر خمسون ، فتعاقدا على الاشتراك الموجب لأن يكون كلّ درهم ثلثه لأحدهما وثلثاه للآخر والربح على طبق ما اتّفقا عليه.
1) مصباح الفقيه 14 : 175.
.................................................................................................
وإمّا بالاختلاط خارجاً ولو بغير اختيارهما إمّا بفعل ثالث أو لأمر غير اختياري ، ولكنّه يختصّ بما إذا عُدّ المالان عرفاً شيئاً واحداً قد زادت كمّيّته ، كاختلاط سمنه بسمن الآخر أو امتزاج مائه بماء الآخر ونحو ذلك ممّا لا يقبل التقسيم ، لعدم امتياز الأجزاء بعضها عن البعض ، بحيث إنّ كلّ جزء من أجزائه حتى ما لا يتجزّأ يكون في نظر العرف مشتركاً بينهما.
وأمّا إذا كانت الأموال والأجزاء ممتازة ومنحازة بعضها عن البعض الآخر خارجاً كما في المقام فلا دليل حينئذٍ على أنّ مجرّد الخلط وعدم الميز والتشخيص يستوجب الشركة ، فإذا كانت الأموال عشرة دنانير وكان ديناران لغيره والباقي له ولو بقاعدة اليد فبأيّ موجب يحكم بالشركة بحيث إنّ كلّ دينار أربعة أخماس منه له ، وخمس لغيره لا دليل على ذلك أصلاً.
ولا سيّما إذا فرض هذا في القيميّات ، كما لو كانت عشر من الشياه : اثنتان منها مغصوبتان والباقي له إمّا جزماً أو بقاعدة اليد ، فإنّه لا معنى للاشتراك هنا قطعاً ، بل هو من اختلاط المالين وعدم التمييز في البين.
وحينئذٍ فإن تراضيا فلا كلام ، وإلّا فلا مناص في مقام التعيين من الرجوع إلى القرعة التي هي لكلّ أمر مشكل ، فإنّ كلّ
واحد من هذه الدنانير أو الشياه مردّد بين أن يكون له أو للآخر ، فتجعل عشر رقع يكتب في ثنتين اسم زيد وفي ثمانية اسم من بيده المال ، فمن ظهر باسمه يكون المال له ، فإنّها لكلّ أمر مشكل وسهم اللّه لا يخطئ.
وملخّص الكلام في هذا القسم : أنّ التخميس لا وجه له وإن نسب إلى العلّامة.
وحينئذٍ فإذا كان الحرام دائراً بين الأقلّ والأكثر فهل يقتصر على الأقلّ؟ أو
.................................................................................................
يجب تفريغ الذمّة بأداء الأكثر؟ ذهب إلى كلٍّ فريقٌ.
وقد عرفت ابتناء المسألة على كبرى أُصوليّة ، وهي جواز الرجوع إلى الأصل في الواحد لا بعينه من أطراف العلم الإجمالي غير ما هو المعلوم بالإجمال ، وقد عرفت أنّه الصحيح وأنّه يرجع في تشخيصه إلى القرعة حسبما عرفت بما لا مزيد عليه بعد الاقتصار فيه على الأقلّ.
وهكذا الحال فيما إذا كان المالان من قبيل المتباينين دون الأقلّ والأكثر ، كما لو كان شاة وحمار قد علم أنّ أحدهما له والآخر لغيره ، فإنّ المرجع في التشخيص هو القرعة أيضاً ، لعين المناط المتقدّم.
هذا كلّه فيما إذا كان المال تحت يده.
ومنه يظهر حكم ما لو لم يكن تحت اليد ، فإنّ المقدار المتيقّن أنّه له أو لغيره يؤخذ به ، والمقدار المردّد بينهما حيث لا سبيل لتشخيص مالكه فيرجع في تعيينه إلى القرعة التي هي لكلّ أمر مشكل.
ولكن قد يحتمل التنصيف والتوزيع في المقام كما احتمله الماتن عند التعرّض لنظير ذلك في بعض المسائل الآتية ، بدعوى أنّ أدلّة القرعة لا يمكن العمل بها ما لم يصافق عليها المشهور ، للزوم تأسيس فقه جديد من الأخذ بإطلاقها كما لا يخفى ، ففي كلّ مورد وردت فيه بالخصوص كالشاة الموطوءة المشتبهة في قطيعة من الغنم أو عمل بها المشهور يؤخذ بها ، وإلّا فلا.
وبما أنّ المقام فاقد لكلا الأمرين فلا مناص من التنصيف بمقتضى قاعدة العدل والإنصاف التي جرت عليها السيرة العقلائيّة في كلّ مال مردّد بين شخصين من غير أيّ مرجّح في البين ، فإنّ فيه إيصالاً للمال إلى مالكه ولو في الجملة ، فيعطى النصف لغير المالك مقدّمةً للعلم بوصول النصف الآخر إلى
.................................................................................................
المالك ، فيكون حال المقدّمة العلميّة حال المقدّمة الوجوديّة فيما لو توقّف الإيصال على صرف مقدار من المال كاجرة العمل ، فإنّه لا ينبغي الإشكال في جوازه مقدّمةً للإيصال ، فكذا فيما كان مقدّمةً للعلم بالإيصال.
نعم ، هذا في غير الغصب وأمثاله ، وإلّا فلا بدّ وأن يكون الصرف من كيس الغاصب.
وكيفما كان ، فقد ادّعي أنّ قانون الإنصاف يقتضي التنصيف ولا مجال للقرعة.
وربّما يؤيِّد ذلك بما ورد في الدرهم التالف عند الودعي المردّد بين كونه لصاحب الدرهم أو الدرهمين من التنصيف بينهما (1).
وبما ورد فيما لو تداعيا شخصان مالاً وأقام كلّ منهما البيّنة على أنّه له من أنّهما يحلفان فإن حلفا أو نكلا قسّم بينهما نصفين (2).
فتؤيَّد القاعدة بهذه الروايات.
ولكن للنظر فيها مجال واسع :
أمّا أوّلاً : فلأنا لو التزمنا بالقاعدة فإنّما تتّجه في موارد لم يكن المكلّف ضامناً كما في الودعي ونحوه من موارد الأمانات الشرعيّة ، فليفرض جواز التنصيف حينئذٍ مقدّمةً للعلم بإيصال النصف الآخر إلى صاحبه.
وأمّا في مثل المقام ممّا اختلط فيه الحلال بالحرام على وجهٍ يتحقّق الضمان بالإضافة إلى جميع المال بحيث يجب عليه الخروج عن عهدته بتمامه وكماله كما هو المفروض ، فما هو المسوّغ لإتلاف أحد النصفين؟ وما هو رافع الضمان
.................................................................................................
بالإضافة إليه بعد كون الذمّة مشغولة به بالعلم التفصيلي؟ فإنّ الضمان يحتاج إلى مخرج إمّا وجداني أو تعبّدي ، ولم يتحقّق شيء منهما بالإضافة إلى ذلك النصف كما هو ظاهر.
وأمّا ثانياً : فلأنّ القاعدة في نفسها غير تامّة ، إذ لم يثبت بناءٌ ولا سيرة من العقلاء على ذلك حتى تكون ممضاة لدى الشارع ، اللّهمّ إلّا إذا تصالحا وتراضيا على التقسيم على وجه التنصيف فإنّه أمر آخر ، وإلّا فجريان السيرة على ذلك بالتعبّد من العقلاء أو الشارع استناداً إلى ما يسمّى بقاعدة العدل والإنصاف لا أساس له وإن كان التعبير حسناً مستحسناً ، إذ لم يقم أيّ دليل على جواز إيصال مقدار من المال إلى غير مالكه مقدّمةً للعلم بوصول المقدار الآخر إلى المالك. نعم ، في المقدّمة الوجوديّة ثبت ذلك حسبةً ، وأمّا العلميّة فكلّا. فقياس إحدى المقدّمتين بالأُخرى قياسٌ مع الفارق الظاهر كما لا يخفى.
وأمّا الروايات : فهي واردة في موارد خاصّة من التداعي أو الودعي ونحوهما ، فالتعدِّي عن ذلك ودعوى أنّ كلّ مورد تردّد المال بين شخصين يقسّم نصفين مشكلٌ جدّاً.
وأمّا ما ذكر من أنّ أدلّة القرعة لا يمكن العمل بإطلاقها ، للزوم تأسيس فقه جديد ، فيتوقّف الأخذ بها على عمل المشهور. فهو أيضاً لا أساس له ، لاختصاص تلك الأدلّة بموردٍ لم يظهر حكمه لا الواقعي ولا الظاهري المعبّر عنه في الأخبار بالمشكل ، أيّ أشكل الأمر على المكلّف فلا يدري ماذا يصنع ، فيختصّ بالمجهول المطلق ، وإلّا فمع تبيّن الوظيفة الظاهريّة فضلاً عن الواقعيّة لم يكن ثمّة أيّ شبهة أو إشكال حتى يرجع إلى القرعة.
فلا سبيل للرجوع إليها في موارد الأُصول الشرعيّة أو العقليّة فضلاً عن الأمارات ، كما لا مجال في موارد العلم الإجمالي بعد حكومة العقل بلزوم الاحتياط
وإن علم المالك والمقدار وجب دفعه إليه (1).
[2904] مسألة 28 : لا فرق في وجوب إخراج الخمس وحلّيّة المال بعده بين أن يكون الاختلاط بالإشاعة أو بغيرها (2) ، كما إذا اشتبه الحرام بين أفراد من جنسه أو من غير جنسه.
من أجل تعارض الأُصول ، فتختصّ القرعة بموردٍ لا يجري فيه حتى الأصل ولم يكن الحكم معلوماً بوجه ، كما في أمثال المقام ممّا تردّد المال فيه بين شخصين حيث لا يمكن تعيين ذلك بأيّ أصلٍ من الأُصول.
فإذا لم تتمّ قاعدة العدل والإنصاف كما عرفت لم يكن أيّ مناص من العمل بالقرعة من غير توقّف على عمل المشهور ، ولا يلزم منه تأسيس فقه جديد أبداً ، ولا ريب أنّ بعض رواياتها صحيحة سنداً ودلالةً ، فلا مانع من العمل بها.
(1) بلا خلاف فيه ولا إشكال بعد وضوح عدم شمول أدلّة التخميس للمقام من أجل اختصاصها بصورة جهل المالك.
(2) لإطلاق النصوص الشامل لجميع أنحاء الاختلاط ، سواء أكانت بنحو الإشاعة الموجبة للشركة في كلّ جزءٍ جزء ، كما لو اشترى بعين أموال بعضها محلّل وبعضها محرّم ، فإنّه يوجب كون المثمن مشاعاً بينهما ، ونحو ذلك من فروض الإشاعة.
أم كان مجرّد اختلاط بين الأعيان الخارجيّة مع بقاء كلّ عين على ملك مالكها الواقعي وإن لم يكن متميّزاً ، كاختلاط الدراهم بالدنانير ونحوهما من سائر الأجناس المختلفة المختلط بعضها ببعض ، كالكتاب والصندوق والفراش ونحوها ، وهو يعلم أنّ بعضها له وبعضها لغيره بحيث اكتسب أُموراً أغمض عن
[2905] مسألة 29 : لا فرق في كفاية إخراج الخمس في حلّيّة البقيّة في صورة الجهل بالمقدار أو المالك بين أن يعلم إجمالاً زيادة مقدار الحرام أو نقيصته عن الخمس (1) ، وبين صورة عدم العلم ولو إجمالاً ، ففي صورة العلم الإجمالي بزيادته عن الخمس أيضاً يكفي إخراج الخمس فإنّه مطهّر للمال تعبّداً (1)، وإن كان الأحوط مع إخراج الخمس المصالحة مع الحاكم الشرعي أيضاً بما يرتفع به يقين الشغل وإجراء حكم مجهول المالك عليه ، وكذا في صورة العلم الإجمالي بكونه أنقص من الخمس ، وأحوط من ذلك المصالحة معه بعد إخراج الخمس بما يحصل معه اليقين بعدم الزيادة.
مطالبها كما في النصّ (2)، ولا يبعد أنّ هذا هو الغالب من موارد الاختلاط خارجاً.
وكيفما كان ، فلا ينبغي الشكّ في شمول إطلاق الروايات لجميع ذلك.
(1) كما لو علم أنّ ثلثي المال أو ثلاثة أرباعه حرام ، أو علم أنّ الحرام لا يتجاوز العشر ، فحكم (قدس سره) حينئذٍ بكفاية التخميس حتى مع العلم بالزيادة ، وذكر (قدس سره) أنّه مطهّر تعبّداً ، ولكن عرفت الإشكال في ذلك فيما سبق وأنّ النصوص وعمدتها روايتا عمّار والسكوني منصرفة عن ذلك جزماً ، بل ذكر في الجواهر أنّ تطهير مال الغير وتحليله من غير رضاه مخالف للضرورة (3). وكيف يمكن الالتزام بأنّ مَن يملك واحداً في المائة أو اثنين يستملك
[2906] مسألة 30 : إذا علم قدر المال ولم يعلم صاحبه بعينه لكن علم في عدد محصور (1) ففي وجوب التخلّص من الجميع ولو بإرضائهم بأيّ وجه كان ، أو وجوب إجراء حكم مجهول المالك عليه ، أو استخراج المالك بالقرعة ، أو توزيع ذلك المقدار عليهم بالسويّة ، وجوه ، أقواها الأخير (1). وكذا إذا لم يعلم قدر المال وعلم صاحبه في عدد محصور فإنّه بعد الأخذ بالأقلّ كما هو الأقوى أو الأكثر كما هو الأحوط يجري فيه الوجوه المذكورة.
الكلّ بعد إخراج الخمس؟! فلا مناص من الرجوع حينئذٍ إلى أخبار الصدقة ، وقد تقدّم أنّ التخميس والتصدّق بالزائد أيضاً لا وجه له ، فلاحظ (2).
(1) احتمل (قدس سره) في مفروض المسألة احتمالات أربعة :
وجوب التخلّص وإرضاء من يحتمل ملكيّته بأيّ وجه كان ولو بدفع المال من كيسه لكلّ منهم ، تحصيلاً للفراغ عن عهدة الضمان المعلوم بالإجمال.
والتصدّق من قبل المالك كما في مجهول المالك ، لدخوله فيه.
والتوزيع بينهم بالسويّة ، استناداً إلى قاعدة العدل والإنصاف ، وقياساً للمقدّمة العلميّة على الوجوديّة كما تقدّم.
والقرعة ، أخذاً بإطلاق أدلّتها.
ويلحق بذلك ما لو كان المال مردّداً بين الأقلّ والأكثر ، فإنّه بناءً على ما اخترناه من جواز الاكتفاء بالأقلّ ، وكذا بناءً على لزوم دفع الأكثر الذي هو
.................................................................................................
أحوط ، تجري فيه الوجوه المذكورة.
واختار هو (قدس سره) التوزيع ، لما عرفت. ولكنّه ينافي ما تقدّم منه في بحث ختام الزكاة من أنّه لو علم باشتغال ذمّته بمالٍ مردّد بين الخمس والزكاة يجب الاحتياط بالخروج عن العهدة على وجه اليقين (1).
وكيفما كان ، فما ذكره في المقام لا يمكن المساعدة عليه بوجه :
أوّلاً : لعدم تماميّة القاعدة المزبورة في نفسها ، إذ لم تثبت السيرة العقلائيّة ولا الشرعيّة ، والقياس المذكور مع الفارق ، والروايات خاصّة بمواردها فلا يمكن التعدِّي ، كما سبق كلّ ذلك مستقصًى (2).
وثانياً : على تقدير التسليم فإنّما تتمّ فيما لا ضمان فيه كالدرهم المردّد بين شخصين في مثال الودعي ونحوه ، دون مثل المقام ممّا استقرّ فيه الضمان على تمام المال ، فإنّ ضمان أحد النصفين باقٍ على حاله ، لعدم الموجب لسقوطه بعد عدم الوصول إلى مالكه وإن كان ذلك مقدّمةً لإحراز وصول النصف الآخر إلى المالك.
بل يجب إيصال تمام المال إلى مالكه في فرض استقرار الضمان حتى لو احتاج إلى مقدّمة خارجيّة كاجرة الحمل فضلاً عن المقدّمة العلميّة كما لا يخفى. فهذا الاحتمال ضعيف.
ويتلوه في الضعف احتمال التصدّق بعنوان مجهول المالك ، لاختصاص رواياته بالمجهول المطلق الذي لا يمكن إيصال المال إليه بوجه ، أو يعرفه ولا يمكن الإيصال ، كما ورد فيمن وجد بضاعة شخص في متاعه في طريق مكّة بعد الانفصال
.................................................................................................
وعدم إمكان الإيصال من الأمر بالتصدّق عنه (1)، فلا تنطبق على مثل المقام ممّا يمكن فيه الإيصال بعد فرض كون الشبهة محصورة ولو بالاحتياط. ومعه كيف يسوغ التصرّف في مال الغير وبأيّ ولاية يتصدّق به عنه؟! وأمّا احتمال القرعة فإن شملت رواياتها للمقام فلا بأس به ، ولكنّها لا تشمل ، لاختصاص موضوعها بالأمر المشكل ، أي ما لم يتّضح فيه التكليف الواقعي ولا الظاهري غير المنطبق على المقام ، لأنّه بعد العلم بالضمان وتردّد المالك بين محصور فبمقتضى العلم الإجمالي يجب الخروج عن العهدة بإرضاء المالك المعلوم في البين.
وبعبارة اخرى : العلم الإجمالي بوجود المالك بين أفرادٍ محصورة يقتضي الاحتياط بالإرضاء ، ومع إمكانه كيف يكون من الأمر المشكل ليرجع فيه إلى القرعة؟! وأمّا ما قيل من أنّ الاحتياط المزبور بإرضاء الجميع يستلزم الضرر على من بيده المال ، فلا يجب بمقتضى دليل نفي الضرر ، ومعه يكون من الأمر المشكل فتنتهي النوبة إلى القرعة.
فيندفع بما ذكرناه في الأُصول من أنّ حديث نفي الضرر إنّما يتكفّل بنفي الضرر الناشئ من قبل الحكم بنفسه ، فكلّ حكم كان تشريعه في مورد ضرراً على المكلّف فهو منفي في الشريعة المقدسة بالدليل الحاكم ، وأمّا إذا لم يكن الحكم بنفسه ضرريّاً وإنّما الضرر نشأ من إحراز الامتثال كما في المقام فمثله غير مشمول للحديث بوجه (2).
وبعبارة اخرى : الواجب على المكلّف الضامن هو إعطاء المال الحرام
[2907] مسألة 31 : إذا كان حقّ الغير في ذمّته (1) لا في عين ماله فلا محلّ للخمس ، وحينئذٍ فإن علم جنسه ومقداره ولم يعلم
وتسليمه إلى مالكه ، وهذا الحكم في نفسه لا ضرر فيه بوجه ، وإنّما يترتّب الضرر على إحراز الوصول إليه ، الناشئ من حكم العقل بوجوب الاحتياط من أجل تنجيز العلم الإجمالي وأجنبي عن الحكم الشرعي ، فمصدر الضرر هو الاحتياط لا جعل الحكم وتشريعه ليرتفع بالحديث.
ونظير ذلك ما لو كانت عنده أواني عديدة وفيها الدهن والعسل والزيت ونحوها من الأموال الثمينة ، وقد علم بنجاسة إحدى تلك الأواني إجمالاً ، فإنّه لا ريب في أنّ الاجتناب عن الجميع موجب للضرر ، ولكن هذا الضرر إنّما نشأ عن الاحتياط اللازم من أجل حكم العقل بتنجّز العلم الإجمالي ، وأمّا الاجتناب عن نفس النجس الواقعي الموجود في البين فلا ضرر فيه ، بل الموجب له ضمّ سائر الأفراد ، فما هو الحكم الشرعي لا ضرر فيه ، وما فيه الضرر لم يكن حكماً شرعيّاً. وعليه ، فقاعدة الضرر لا مجال لها في المقام أبداً.
ومن جميع ما ذكرناه تعرف أنّ الصحيح إنّما هو الوجه الأوّل ، أعني : لزوم إرضاء من يحتمل ملكيّته بأيّ وجه كان ولو بإعطاء كلّ واحد المقدار المعلوم.
نعم ، لو بنينا على شمول قاعدة الضرر للمقام تعيّن الرجوع حينئذٍ إلى القرعة ، حيث إنّ حالها حال البيّنة ونحوها من الطرق الشرعيّة المعيّنة للواقع ، ولكن قد عرفت ما فيه.
وكيفما كان ، فلا نعرف وجهاً لما ذكر من التوزيع أو التصدّق ، بل يدور الأمر بين الاحتياط وهو الصحيح إن أمكن ، وإلّا فالقرعة حسبما عرفت.
(1) قد عرفت حكم ما لو كان حقّ الغير في عين المال.
صاحبه أصلاً أو علم في عدد غير محصور تصدّق به عنه بإذن الحاكم أو يدفعه إليه ، وإن كان في عددٍ محصور ففيه الوجوه المذكورة ، والأقوى هنا أيضاً الأخير (1)، وإن علم جنسه ولم يعلم مقداره بأن تردّد بين الأقلّ والأكثر أخذ بالأقلّ المتيقّن ودفعه إلى مالكه إن كان معلوماً بعينه ، وإن كان في عدد محصور فحكمه كما ذكر ، وإن كان معلوماً في غير المحصور أو لم يكن علم إجمالي أيضاً تصدّق به عن المالك بإذن الحاكم أو يدفعه إليه ، وإن لم يعلم جنسه وكان قيميّاً فحكمه كصورة العلم بالجنس ، إذ يرجع إلى القيمة ويتردّد فيها بين الأقلّ والأكثر ، وإن كان مثليّا ففي وجوب الاحتياط وعدمه وجهان (2).
وأمّا إذا كان في الذمّة فقد ذكر (قدس سره) أنّه لا محلّ للخمس ، نظراً إلى أنّ الموضوع للخمس في هذا القسم منه إنّما هو المال المخلوط ، ولا شبهة في أنّ الاختلاط من أوصاف الأعيان الخارجيّة ، وأمّا الذمّة فهي لا تشتغل إلّا بنفس الحرام فقط ، ولا موقع فيها لاختلاط الحلال بالحرام بوجه ليتعلّق بها التخميس.
ولكن ما ذكره (قدس سره) يختصّ بما إذا كان الحرام ثابتاً في الذمّة ابتداءً.
وأمّا إذا كان ذلك بعد الاختلاط بأن أتلف المخلوط فهل يجري عليه حكم الثبوت في الذمّة ابتداء ، أو لا ، فيه وجهان :
اختار شيخنا الأنصاري (قدس سره) الثاني ، وأنّه لا فرق في وجوب التخميس بين العين الخارجيّة وبين ما انتقل إلى الذمّة بعد الاختلاط (3).
.................................................................................................
وناقش فيه المحقّق الهمداني (قدس سره) فاختار الأوّل وأنكر الخمس في المقام (1).
وهذان الوجهان مبنيّان على أنّ الخمس في هذا القسم هل هو كسائر الأقسام والكلّ من سنخ واحد في أنّها ملك فعلي لأرباب الخمس فالمال مشترك بين المالك والسادة بنسبة معيّنة أعني : الخمس أو أنّه في هذا القسم من سنخ آخر؟ ومناط تشريعه تفريغ الذمّة وتطهير المال متى تصدّى للتخميس خارجاً بتعبّدٍ من صاحب الشريعة ، وإلّا فالحرام الواقعي ملك لمالكه ولا شركة إلّا بنسبة ذاك الحرام ، زاد على الخمس أم نقص ، فلم يكن الخمس ملكاً للسادة بمجرّد الخلط كما كان كذلك في الغنيمة والكنز والمعدن ونحوها ، بل يملكونه متى تصدّى للتطهير والأداء خارجاً.
فعلى الثاني لا وجه للتخميس ، لأنّه لم يستقرّ في الذمّة قبل التصدِّي للأداء خارجاً إلّا نفس الحرام الواقعي قلّ أم كثر ، ولم تكن الذمّة مشغولة إلّا به ، والمفروض عدم الأداء ، فلا يجب عليه إلّا الخروج عن واقع ما اشتغلت به الذمّة.
وهذا بخلاف الأوّل الذي استظهرناه واستظهره الشيخ الأنصاري (قدس سره) من اتّحاد السنخ في الجميع وأنّ الشارع جعل الخمس لأرباب الخمس في المال المخلوط بالولاية الشرعيّة ، إذ عليه يكون حال هذا المال حال ما لو أتلف الكنز أو المعدن ونحوهما ممّا تعلّق به الخمس في الانتقال إلى الذمّة واشتغالها به وكونه ضامناً له كما كان يجب في العين الخارجيّة.
فما ذكره الماتن من الاختصاص بالعين وعدم الجريان في الدين وجيه ، ولكنّه في خصوص ما إذا كان ثابتاً في الذمّة ابتداءً ، لا ما لو كان مختلطاً فأُتلف فإنّه يجب فيه الخمس حينئذٍ أيضاً حسبما عرفت.
1) مصباح الفقيه 14 : 180 181.
.................................................................................................
وكيفما كان ، ففيما إذا كان حقّ الغير ديناً ثابتاً في الذمّة فقد يعلم جنسه ومقداره ، وأُخرى يعلم الجنس دون المقدار ، وثالثةً لم يعلم الجنس أيضاً.
أمّا في الصورة الأُولى : فإن علم صاحبه تفصيلاً فلا إشكال ، وإلّا فإمّا أن يعلم به إجمالاً في شبهة محصورة كالمردّد بين عدد معيّن أو غير محصورة ، أو لم يعلم به أصلاً لا تفصيلاً ولا إجمالاً.
ولا يخفى وضوح الفرق بين الأخيرين ، ولذا عبّر بتعبيرين ، فإنّ أطراف المعلوم بالإجمال قد يكون محصوراً بحيث يمكن فيه الاحتياط وهذا ظاهر ، وأُخرى غير محصور لا يمكن فيه ذلك كما لو علم بكونه مديناً لرجل من أهل البلد الكذائي أو العشيرة الفلانيّة الواسعة الأطراف والكثيرة الأفراد كألف أو ألفين مثلاً وثالثةً يعلم باشتغال ذمّته لأحدٍ بأخذ المال منه سرقةً أو غيلةً مثلاً ولا يعرفه بوجه ، فلا يدري أنّه من أيّ بلد أو من أيّة عشيرة ، فلا يعرف اسمه ولا عنوانه ولا أيّاً من خصوصيّاته ، بحيث لم يكن لأطراف الشبهة عدد ، ومن الجائز تردّده بين الآلاف أو الملايين ولا يمكن التعيين حتى في عدد غير محصور ، ومن ثمّ عبّر (قدس سره) عنه بما لم يعلم صاحبه أصلاً.
وكيفما كان ، ففيما إذا كان العدد محصوراً يجري ما تقدّم من الوجوه الأربعة أعني : التصدّق ، أو التوزيع ، أو القرعة ، أو الإرضاء ولا يزيد المقام على ما مرّ بشيء ، غايته أنّ الموضوع هناك كان عيناً خارجيّة ، وهنا دين في الذمّة فتجري فيه تلك الوجوه بمناط واحد.
وأمّا إذا كان مردّداً في عدد غير محصور أو لم يكن معلوماً أصلاً فمن الواضح عدم تأتّي شيء من الوجوه المذكورة ما عدا التصدّق ، لعدم إمكان الاحتياط بإرضاء الكلّ ، كما لا معنى للتوزيع أو القرعة فينتهي الأمر إلى الصدقة.
ويدلّ عليها مضافاً إلى عدم الخلاف وأنّ المالك إذا لم ينتفع من ماله
.................................................................................................
فلينتفع من ثوابه روايتان :
الأُولى : صحيحة يونس الواردة فيمن أصاب متاع صاحبه في طريق مكّة ولا يعرفه والآمرة ببيعه والتصدّق بثمنه (1)، فإنّه يستفاد منها بحسب الفهم العرفي أنّ المناط في التصدّق عدم التمكّن من الإيصال ، سواءً أكان عيناً خارجيّة أم ديناً في الذمّة ، فإنّ موردها وإن كان هو الأوّل إلّا أنّ هذه الخصوصيّة كسائر الخصوصيّات المذكورة في الرواية من كونه في طريق مكّة ونحو ذلك ملغاة في نظر العرف كما لا يخفى.
على أنّه يمكن إرجاع ما في الذمّة إلى ما في الخارج بالتسليم إلى وليّ الغائب أعني : الحاكم الشرعي الذي هو وليّ من لا وليّ له أو إلى عدول المؤمنين ، إذ لا ريب في جواز تفريغ الذمّة بالإعطاء إليه ، ثمّ بعد أن تعيّن وتشخّص يتصدّق به بصريح هذه الصحيحة ، فيستدلّ بها على جواز التصدّق بأحد هذين النحوين.
الثانية : صحيحة معاوية بن وهب عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : في رجل كان له على رجل حقّ ففقده ولا يدري أين يطلبه ، ولا يدري أحيّ هو أم ميّت ، ولا يعرف له وارثاً ولا نسباً ولا ولداً ، «قال : اطلب» قال : فإنّ ذلك قد طال؟ فأتصدّق به؟ «قال : اطلبه» (2).
حيث يستأنس منها أنّ الوظيفة بعد اليأس إنّما هي الصدقة التي ذكرها السائل. وإنّما أمر (عليه السلام) ثانياً بالفحص والطلب مقدّمةً لحصول اليأس.
وأمّا الصورة الثانية أعني : ما إذا كان الجنس معلوماً والمقدار مجهولاً بأن تردّد بين الأقلّ والأكثر من غير فرق بين المثلي والقيمي - : فلا محالة يقتصر
.................................................................................................
على المقدار المتيقّن ، عملاً بأصالة البراءة عن ضمان الزائد ، فيجري فيه حينئذٍ ما ذكرناه في الصورة السابقة.
وأمّا الصورة الثالثة أعني : ما إذا كان الجنس أيضاً مجهولاً فقد يكون قيميّاً وأُخرى مثليّا ، ويلحق به المردّد بينهما. أمّا القيمي كما لو علم أنّه غصب حيواناً مردّداً بين الشاة والبقرة ، فبما أنّ الضمان في القيميات تنتقل من العين التالفة إلى القيمة بمقتضى صحيحة أبي ولّاد (1)وغيرها فالذمّة غير مشغولة بعد التلف إلّا بنفس القيمة ، وحينئذٍ فإن تساوت القيمتان فلا إشكال ، وإلّا فبما أنّها دائرة لا محالة بين الأقلّ والأكثر فليقتصر على المقدار المتيقّن بعد دفع اشتغال الذمّة بالقيمة الزائدة بأصالة البراءة أو بأصالة العدم.
وبعدئذٍ يجري فيه ما تقدّم في الصورة الاولى من الشقوق التي عرفتها ، فلاحظ.
إنّما الكلام في المثلي الذي يكون الضمان فيه بنفس المثل حتى بعد التلف لا بقيمته كما لو تردّد المغصوب مثلاً بين الحنطة والشعير أو بين الدرهم والدينار.
ويلحق به المردّد بين المثلي والقيمي كما لو تردّد المغصوب بين الحنطة والشاة.
فإنّه لا يمكن الالتزام هنا بالانحلال بعد أن كانت الذمّة مشغولة بنفس المال ، وكون القيمة في أحدهما أقلّ لا يستوجب ذلك كما هو ظاهر ، فالأمر دائر بين المتباينين لا محالة.
وعليه ، فما هي الوظيفة حينئذٍ؟
ربّما يقال بل قيل بالتوزيع ، عملاً بقاعدة العدل والإنصاف ، فيعطى في المثال نصف مَنّ من الحنطة ونصف مَنّ من الشعير أو نصف مَنّ من الحنطة ونصف قيمة الشاة.
1) الوسائل 25 : 390 / كتاب الغصب ب 7 ح 1.
[2908] مسألة 32 : الأمر في إخراج هذا الخمس إلى المالك كما في سائر أقسام الخمس ، فيجوز له الإخراج والتعيين من غير توقّف على إذن الحاكم (1) ، كما يجوز دفعه من مال آخر (1)وإن كان الحقّ في العين.
ولكنّه لا وجه له أصلاً ، إذ معه يعلم تفصيلاً بعدم فراغ ذمّته عن ضمان النصف الآخر ، اللّهمّ إلّا أن يحصل التراضي بذلك ، وهو أمر آخر ، وإلّا فبدونه لا بدّ من الخروج عن عهدة تمام المال غير المتحقّق بالتوزيع المزبور. على أنّ القاعدة لا أساس لها كما أسلفناك.
إذن لا مناص من أداء أحدهما الواقعي المردّد بينهما ودفعه إلى مالكه بتمامه وكماله ، وهو يتحقّق بتمكينه منهما معاً ، فيسلّمه كلا العينين ، وبذلك يخرج عن عهدة الضمان المعلوم في البين ، للقطع بإيصال تمام المال إلى صاحبه ، غايته أنّ ذاك المال الواصل مردّد بين المالين ، فيعيّن عندئذٍ بالقرعة التي هي لكلّ أمر مشكل ، وحيث انتهى الأمر إلى القرعة فله التصدِّي لها من أوّل الأمر.
وبعبارة اخرى : اللّازم بمقتضى العلم الإجمالي إيصال المال الواقعي المردّد بينهما إلى صاحبه وهو ممكن ولو بأن يسلّمه كليهما فيجب ، ولكن من الضروري عدم اقتضاء هذا العلم الإجمالي رفع يد المالك عن ملكه المشتبه بالآخر وإعطاءه له مجّاناً ، بل غايته تمكين صاحب المال من المالين وتسليم كلا العينين كما عرفت ، فأحدهما له والآخر للآخر ، وبما أنّهما مردّدان فيعيّنان بالقرعة.
فالنتيجة : أنّه إن حصل التراضي فهو ، وإلّا فالقرعة.
(1) لما عرفت من اتّحاد السنخ في الجميع وأنّ تعلّق الخمس في هذا القسم
1) (*) على تفصيل يأتي في المسألة 75 [2951].
[2909] مسألة 33 : لو تبيّن المالك بعد إخراج الخمس فالأقوى ضمانه (1)(1) ، كما هو كذلك في التصدّق عن المالك في مجهول المالك ، فعليه غرامته له حتى في النصف الذي دفعه إلى الحاكم بعنوان أنّه للإمام (عليه السلام).
كتعلّقه في سائر الأقسام ، وعليه ، فلا يحتاج الإخراج إلى إذن الحاكم ، لعين الدليل الذي سيأتي إن شاء اللّه تعالى.
كما أنّه يجوز له الأداء من مال آخر كما هو الحال في سائر موارد الخمس.
وسيتعرّض الماتن لهذه المسألة في المسألة الخامسة والسبعين من هذا الفصل ، وستعرف إن شاء اللّه تعالى أنّ عين ذاك الدليل يجري في المقام أيضاً بمناط واحد ، فإنّ ظاهر قوله تعالى ( فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ ) وإن كان تعلّق الخمس بنفس العين إلّا أنّه يجوز الدفع من الخارج بدليل خارجي. وسيتّضح لك الحال إن شاء اللّه تعالى.
(1) لقاعدة الإتلاف المتحقّق بالإخراج هنا وبالتصدّق في مجهول المالك ، فإنّها تقتضي الضمان ، ومجرّد إذن الشارع بهما لا يستوجب السقوط ، غايته أنّ الإذن مقدّمةٌ للحكم التكليفي ، وأنّ جواز التصرّف موقوفٌ على أداء الخمس ، وأمّا أنّه لا يضمن فلا يستفاد من شيء من الروايات ، فيبقى الضمان على طبق القاعدة كما عرفت.
ولكنّه كما ترى لا يمكن الالتزام به لا في المقام أعني : الخمس ولا في باب الصدقة.
أمّا الخمس : فلظهور الأدلّة في عدم الضمان بعد الأداء ، للتصريح في رواية
1) (*) والأظهر عدمه فيه وفي التصدّق بمجهول المالك.
.................................................................................................
السكوني (1)وغيرها بحلّيّة بقيّة المال بعد التخميس وأنّ الباقي له ، وقد عرفت ظهور الدليل في اتّحاد كيفيّة التعلّق وأنّ سنخ الخمس في الجميع بنسقٍ واحد ، فقد حكم الشارع بمقتضى ولايته بدفع خمس المال للسادة وأنّ الأربعة أخماس الباقية ملكٌ للمالك ، فقد حصل إتلاف هذا المقدار بهذا النحو بأمر من الولي ، وإلّا فمن المعلوم أنّه لم يصل إلى مالكه الواقعي فإنّه مجهول على الفرض ، وبعد حصول الإتلاف بإذن الولي وأمره وحكمه بحلّيّة الباقي فأيّ ضمان بعد ذلك؟! نعم ، كان مال الغير موجوداً ومخلوطاً في هذا المال سابقاً ، أمّا فعلاً وبعد أن حكم الشارع بأنّ الخمس للإمام وللسادة والباقي له فلا موجب لأيّ ضمان أبداً.
وأمّا التصدّق بمجهول المالك فكذلك ، إذ لم يرد في شيء من روايات الصدقة الحكم بالضمان ولا موجب له ، فإنّها وإن كانت إتلافاً إلّا أنّ هذا الإتلاف لا يستوجب الضمان بعد أن استند إلى إذن الولي الشرعي بالتصدّق من قبل مالكه.
وبالجملة : لا نرى أيّ موجب للضمان بعد أن أمر اللّه تعالى بالإتلاف.
نعم ، في باب اللقطة ورد الأمر بالضمان وأنّه لو تصدّق بها بعد الفحص ثمّ ظهر المالك فإن رضي بالصدقة فهو ، وإن طالبه ضمن ، إلّا أنّ هذا الضمان ليس من الضمان المتعارف المتحقّق بملاك الإتلاف الحاصل حين التصدّق ، كيف؟! وإلّا لكان ضامناً حتى قبل أن يوجد صاحبه ، كما هو الحال في سائر موارد الإتلافات لمجهول المالك الموجبة للضمان قبل معرفة المالك وبعده ، ولكان اللّازم الإخراج من التركة ريثما يوجد صاحبه ، فلا بدّ من الإيصاء بذلك. وهو كما ترى.
بل أنّ هذا الضمان إنّما يتحقّق بمجرّد مطالبة المالك بتعبّدٍ من الشارع ، فلا ضمان قبل المطالبة ولا أثر للإتلاف الحاصل بالتصدّق بعد أن كان مستنداً إلى
1) المتقدمة في ص 127.
.................................................................................................
إذن الولي كما عرفت ، وإنّما هناك ضمان معلّق على طلبه غير مرتبط بالإتلاف السابق وأنّه لو ظهر ورضي بالصدقة فهو ، وإن طالب فيضمن المتصدّق بنفس المطالبة.
وبالجملة : فالضمان الثابت في اللقطة ضمانٌ باختيار المالك وطلبه ، ويجب الخروج عن العهدة بعد المطالبة لا قبلها ، وقد ثبت ذلك بدليل خاصّ في مورد مخصوص ، وليس ذلك من الضمان بالإتلاف بوجه.
فتحصّل : أنّ الأظهر أنّه ليس هنا ضمان حتى لو وجد المالك وطالب بعد أن كان إخراج الخمس بإذن الولي الشرعي حسبما عرفت.
ثمّ إنّ سيّدنا الأُستاذ (دام ظلّه) أعاد البحث حول عدم الضمان في الخمس بنطاق أوسع ، فقال (دام بقاه) : إنّه قد يفرض تبيّن المالك قبل أداء الخمس وإخراجه ، وأُخرى بعده.
أمّا في الفرض الأوّل : فلا ينبغي الإشكال في الضمان وانقلاب الوظيفة عن إخراج الخمس إلى الخروج عن عهدة الضمان ، فإنّ الخمس وإن ثبت بمجرّد الاختلاط على حدّ ثبوته في سائر الأقسام كما عرفت من أنّ الوجوب في الجميع من سنخ واحد ، إلّا أنّ التشريع لمّا كان بمناط التطهير فينصرف الدليل عن صورة ظهور المالك وتبيّنه.
وبعبارة اخرى : ظاهر الروايات أن يكون الوصف العنواني أعني : عدم معرفة الحلال عن الحرام مع الجهل بمالكه باقياً إلى أوان الإخراج ، فلو ظهر المالك واتّضح الضمان قبل التصدِّي لذلك فالنصّ منصرف عن مثله.
وبعبارة ثالثة : المفروض في رواية السكوني إنّ السائل في مقام التوبة ويريد معالجة المشكلة الناشئة من خلط الحلال بالحرام وعدم معرفة المالك ، فالحكم بالتخميس علاجٌ لهذه المشكلة ، فإذا فرض رفع الإشكال وتبيّن الحال بظهور
.................................................................................................
المالك فلا موضوع بعدئذٍ لهذا العلاج بعد وضوح لزوم الخروج عن عهدة ضمان المالك. وعليه ، فوجوب التخميس الثابت من لدن تحقّق الخلط مراعى بعدم ظهور المالك ، وإلّا فينكشف عدم الوجوب من الأوّل ولزوم الخروج عن عهدة الضمان الواقعي قلّ أم كثر حسبما عرفت.
وأمّا في الفرض الثاني : فالظاهر عدم الضمان ، لأنّ الموجب له إمّا اليد ، أو الإتلاف المتحقّق بالإخراج وأداء الخمس ، وشيء منهما لا يتمّ.
أمّا اليد : فلأنها لو أوجبت الضمان المطلق حتى بعد الأداء لم يفرق في ذلك بين صورتي تبيّن المالك وعدمه ، لوحدة المناط الموجب للضمان وهو اليد ، وعدم تأثير للتبيّن في ذلك بوجه ، فيلزم الإيصاء به والإخراج عن التركة ، لكونه ديناً ثابتاً في الذمّة ، فلا يظنّ الالتزام به من فقيه ، كيف؟! وهو خلاف ظاهر رواية عمّار (1)وصريح رواية السكوني (2)الناطقة بحلّيّة بقية المال بعد التخميس ، فإنّ الحكم بالحلّيّة في تمام الباقي لا يجتمع مع الضمان أبداً.
ولو أُريد به الضمان المعلّق على المطالبة لا الضمان المطلق فهو وإن كان منوطاً بالتبيّن ، إلّا أنّ الضمان بهذا المعنى يحتاج إلى الدليل ، ولا دليل عليه في المقام بوجه ، وإنّما ثبت ذلك في خصوص اللقطة بالدليل الخاصّ حسبما عرفت ، ولا مقتضي للتعدِّي عن مورده.
فالصحيح أنّ اليد وإن كانت موجبة للضمان إلّا أنّه ارتفع بحكم الشارع بالتخميس والتصدِّي له خارجاً بأمر من ولي الأمر ، الثابتة له الولاية التشريعيّة والتكوينيّة ، فلا أثر بعد ذلك لصورتي تبيّن المالك وعدمه كما بيّناه.
[2910] مسألة 34 : لو علم بعد إخراج الخمس أنّ الحرام أزيد من الخمس أو أقلّ لا يستردّ الزائد على مقدار الحرام في الصورة الثانية (1).
وأمّا الضمان بقاعدة الإتلاف ففيه أوّلاً : منع الصغرى ، لجواز كون المدفوع خمساً من قسم المال الحلال ، فلم يحرز إتلاف مال الغير بالإخراج.
وثانياً : لو سلّم العلم بكونه من الحرام أو من المخلوط فيجري فيه ما ذكرناه في ضمان اليد بعينه ، فلاحظ.
ومن جميع ما ذكرناه يظهر الحال في مجهول المالك وأنّه لا ضمان في التصدّق به وإن ظهر المالك بعد ذلك ، لا بقاعدة اليد ، ولا بقاعدة الإتلاف ، بعد أن كان التصدّق المزبور الذي هو مصداق للإتلاف بإذن من الوليّ الحقيقي والحاكم الشرعي الذي له الولاية المطلقة بمقتضى قوله (عليه السلام) : «واللّه ما له صاحب غيري» (1).
نعم ، في خصوص اللقطة قد ثبت الضمان على تقدير المطالبة بالدليل الخاصّ ، لا بقاعدة الإتلاف حسبما عرفت.
وقد تحصّل من جميع ما مرّ : أنّ ما ذكره في المتن من الحكم بالضمان بعد تبيّن المالك غريب ، وأغرب منه تخصيصه الضمان بالخمس ، فإنّه لا وجه له أبداً ، إذ على تقدير القول بالضمان فإنّما يضمن ما كانت ذمّته مشغولة للمالك ، الذي قد ينطبق على ما دفعه خمساً كلّاً أو بعضاً ، وقد لا ينطبق ، وأمّا ضمانه لنفس الخمس الذي أخرجه فلم يعرف له وجه بتاتاً.
(1) لإطلاقات الأدلّة الشاملة لصورة انكشاف الزيادة بعد وضوح عدم
1) الوسائل 25 : 450 / كتاب اللقطة ب 7 ح 1.
وهل يجب عليه التصدّق بما زاد على الخمس في الصورة الأُولى ، أو لا؟ وجهان (1) ، أحوطهما الأوّل (1)، وأقواهما الثاني.
وقوع هذا الزائد عبثاً ، بل بإزاء جواز التصرّف في الباقي ، حيث إنّ مقتضى العلم الإجمالي بوجود الحرام الاجتناب عن الكلّ حذراً من الوقوع في الحرام الواقعي ، وبعد دفع الخمس المشتمل على تلك الزيادة يترتّب عليه جواز الاقتحام في سائر المال بعد أن كان ممنوعاً منه ، فلم تذهب تلك الزيادة مجّاناً وبلا عوض ، على أنّها قد دفعت بأمر من الشارع الحاكم بوجوب تخميس المخلوط ، فقد وقع الخمس المدفوع في ظرفه في محلّه ، وبما أنّه عبادة فلا جرم قصد به التقرّب ، ومثله لا يردّ ولا يسترجع ، لما ثبت من قولهم (عليهم السلام) : «إنّ ما كان لله لا يرجع» (2).
نعم ، مَن دفع خمساً بتخيّل وجوبه يسترجعه مع بقاء العين لدى انكشاف الخلاف ، وأمّا في المقام فالوجوب ثابت بأمر واقعي لا خيالي ، فلا يقاس أحدهما بالآخر كما هو ظاهر.
(1) بل في المسألة وجوه :
أحدها : وجوب التصدّق في الجميع ، فيسترجع الخمس ثمّ يتصدّق بتمام الحرام لأهل الصدقة.
ولكنّه كما ترى مخالف لظاهر الدليل القاضي بوجوب التخميس ، فكان المدفوع خمساً لا صدقة لترجع.
[2911] مسألة 35 : لو كان الحرام المجهول مالكه معيّناً فخلطه بالحلال ليحلّله بالتخميس خوفاً من احتمال زيادته على الخمس فهل يجزئه إخراج الخمس ، أو يبقى على حكم مجهول المالك؟ وجهان (1) ، والأقوى الثاني ، لأنّه
على أنّه لا دليل على حرمة التصدّق على بني هاشم فيما عدا الزكاة الواجبة بقسميها ، فلا مقتضي للاسترجاع بوجه كما لا يخفى.
فهذا الوجه ضعيف.
ويتلوه في الضعف الوجه الثاني الذي اختاره في المتن من الاجتزاء بالسابق وعدم معالجة الزائد.
فإنّ هذا أيضاً بعيدٌ عن سياق الروايات ولا سيّما رواية السكوني (1)التي هي العمدة كما مرّ ، إذ الموضوع فيها من لا يدري الحلال من الحرام ، فالاجتزاء بالتخميس خاصّ بصورة الجهل بالمقدار ومراعى بعدم انكشاف الخلاف ، وأمّا من تبيّن له الحال وعلم بالمقدار ووجود الحرام بعد التخميس أيضاً فالنصّ منصرف عن مثله جزماً ، لارتفاع الموضوع حينئذٍ وانقلابه بموضوع آخر.
وعليه ، فالأظهر هو الوجه الثالث من أنّ الباقي بعد التخميس المعلوم وجود الحرام فيه موضوعٌ جديد للمال المخلوط فيه الحلال بالحرام ، فيجري عليه حكمه من أنّه إن علم مقداره ومالكه دفعه إليه ، وإن علم مقداره ولم يعلم مالكه تصدّق به بعنوان مجهول المالك ، وإن لم يعلم مقداره ولا مالكه تعلّق به خمس آخر ، فإن دفع الخمس وانكشف وجود الحرام في الباقي بعد التخميسين أيضاً تشكّل موضوع آخر للمخلوط ، وهكذا.
(1) فقد يقال بالاجتزاء ، نظراً إلى عدم قصور النصوص عن الشمول لمثل
1) المتقدّمة في ص 127.
كمعلوم المالك ، حيث إنّ مالكه الفقراء (1)قبل التخليط.
الفرض ، فإنّ الغالب في موارد الاختلاط كونه بعد التمييز وتشخيص مقدار الحرام في ظرفه ، إمّا مع معرفة المالك أو بدونها ، كالمال الربوي أو المشترى من السارق ونحو ذلك من الأموال التي يكتسبها الرجل ويغمض في مطالبها حلالاً وحراماً ، فإطلاق الروايات يقتضي جواز التخميس في المقام أيضاً.
ولكنّه (قدس سره) اختار عدم الإجزاء وأنّه يبقى على حكم مجهول المالك ، وعلّله بأنّ تعيّن الحرام وتميّزه قبل التخليط يجعله كمعلوم المالك ، نظراً إلى أنّ مالكه الفقراء ويجب التصدّق به عليهم ، فهو كالمال المعلوم مالكه الأصلي في عدم المشموليّة لنصوص المقام وانصرافها عنه.
وهذا التعليل بظاهره عليل ، ضرورة أنّ الفقير لا يملك المال المجهول مالكه إلّا بالقبض ، فقبله باقٍ على ملك مالكه الواقعي الذي هو مجهول حسب الفرض ، فقوله (قدس سره) : إنّ مالكه الفقراء. غير وجيه بظاهره ، فلا وجه لإجراء حكم معلوم المالك عليه ليلتزم بالتصدّق وعدم التخميس.
اللّهمّ إلّا أن يقال وهو الصحيح - : بأنّ مراده (قدس سره) بالمالك من يجب الصرف عليه والإعطاء إليه لا المالك الحقيقي ، نظير قوله (عليه السلام) : «واللّه ما له صاحب غيري» ، ومن ثمّ شبّهه (قدس سره) بمعلوم المالك ، حيث قال (قدس سره) : لأنّه كمعلوم المالك. ولم يجعله منه حقيقة ، فهو يشابهه في معلوميّة المصرف. ومن الواضح أنّ نصوص التخميس منصرفة عن مثل هذا
1) (*) في التعبير مسامحة ظاهرة ، ولعلّه يريد بذلك أنّ مورد التخميس ما إذا كان المالك بعد التوبة غير عارف بكيفية تفريغ ذمّته من جهة الجهل بوظيفته من جهة الاختلاط ، وأمّا المال المعلوم مصرفه بعد التوبة وهو الفقراء فلا يكون مورداً للتخميس.
[2912] مسألة 36 : لو كان الحلال الذي في المختلط ممّا تعلّق به الخمس وجب عليه بعد التخميس (1)للتحليل خمس آخر للمال الحلال الذي فيه (1).
الخليط المعلوم حكمه الشرعي.
وبعبارة اخرى : أنّ رواية السكوني التي هي من عمدة روايات الباب ناظرة إلى من يريد التوبة ويروم التخلّص عن مشكلة اختلاط الحرام بالحلال ، فلا يدري ما هي وظيفته تجاه الحرام الموجود في البين. وهذا كما ترى لا يعمّ الحرام المشخّص قبل الاختلاط المعلوم مصرفه وإن كان مجهولاً مالكه ، وهو التصدّق على الفقراء ، سيّما إذا كان الاختلاط عمديّاً ولغاية سيِّئة ، وهي الفرار من احتمال الزيادة على الخمس كما هو المفروض في المقام ، فإنّ النصّ منصرف عن مثل هذا الفرض جزماً. وعليه ، فيبقى على حكم مجهول المالك كما اختاره في المتن.
(1) قد يفرض أنّ الحلال الذي في المختلط ممّا لم يتعلّق به الخمس في نفسه ، كما لو كان إرثاً أو مالاً مخمّساً ونحو ذلك ، وهذا هو الذي تكلّمنا فيه لحدّ الآن ، وقد عرفت وجوب تخميسه لمكان الاختلاط.
وأُخرى : يفرض كونه مورداً للخمس بنفسه ولو مع الغضّ عن الخلط ، كما لو كان غنيمة أو كنزاً أو معدناً أو من أرباح المكاسب وقد حال عليها الحول ، فهل يكفي التخميس حينئذٍ مرّة واحدة ، أو أنّه يحتاج إلى تخميس آخر للعنوان الآخر؟
1) (*) الظاهر كفاية استثناء خمس المال الحلال أوّلاً ثمّ تخميس الباقي ، ويظهر الفرق بين هذا وما في المتن بالتأمّل.
.................................................................................................
قد يقال بالأوّل ، نظراً إلى إطلاق قوله (عليه السلام) في معتبرة السكوني : «وسائر المال لك حلال» (1).
ولكنّه واضح الضعف ، ضرورة قصر النظر فيها على الحلّيّة من ناحية الاختلاط بالحرام لا حتى من الجهات الأُخرى ، كما لعلّه أظهر من أن يخفى. إذن فإطلاق دليل التخميس بعنوان الغنائم أو الكنوز أو الأرباح ونحوها محكّمٌ لا مناص من الأخذ به.
فلا ينبغي التأمّل في لزوم التخميس مرّتين ، عملاً بإطلاق الدليلين ، فيخمّس مرّةً بعنوان الاختلاط ، ومرّةً اخرى بعنوان الأرباح مثلاً.
وإنّما الكلام في المتقدّم منهما والمتأخّر ، فقد ذكر الماتن (قدس سره) أنّه يخمّس تمام المال أوّلاً للتحليل من أجل الاختلاط بالحرام ، ثمّ بعدئذٍ يخمّس مرّة أُخرى للمال الحلال الذي فيه بعنوان الأرباح مثلاً.
ولكنّه غير ظاهر ، ضرورة أنّ الخمس بعنوان الاختلاط حسب ما يستفاد من الأدلّة خاصّ بالمال المخلوط فيه الحلال بالحرام ، فموضوعه المال المؤلف من هذين الصنفين ، فبعضه له وبعضه حرام لا يعرف صاحبه ، وأمّا المشتمل على صنف ثالث بحيث لا يكون له ولا يكون من المال الحرام الذي لا يعرف صاحبه فهو غير مشمول لتلك الأدلّة.
ومقامنا من هذا القبيل ، إذ بعد كون حصّته من هذا المجموع متعلّقاً للخمس كما هو المفروض ، فهو يعلم أنّ مقداراً من هذا المال المختلط أعني : الخمس من حصّته لا له ولا من المال الحرام ، بل هو ملك للسادة والإمام. وعليه ، فلا بدّ من إخراجه واستثنائه أوّلاً ليتمحّض المال في كونه حلالاً مخلوطاً بالحرام ، ثمّ يخمّس بعدئذٍ للتحليل وبعنوان الاختلاط.
1) المتقدّمة في ص 127.
.................................................................................................
فالنتيجة : أنّ التخميس بعنوان الأرباح مثلاً مقدّم على التخميس من ناحية الاختلاط ، عكس ما ذكره في المتن.
ولا شكّ أنّ بين الكيفيّتين فرقاً واضحاً يستتبع ثمرة عمليّة.
فمثلاً : إذا فرضنا أنّ مجموع المال خمسة وسبعون ديناراً كما ذكرناه في المنهاج (1)فعلى طريقة الماتن : يخرج أوّلاً خمس المجموع للتحليل فيبقى ستّون ، ثمّ يخرج خمس الأرباح فيبقى له ثمانية وأربعون ديناراً.
وأمّا على طريقتنا : فيخرج خمس المتيقّن (2)كونه من المال الحلال أوّلاً ، فلنفرض أنّه خمسون فيخرج خمسه للأرباح وهي عشرة فتبقى خمسة وستّون ، ثم يخرج خمس هذا المجموع بعنوان الاختلاط وهو ثلاثة عشر فتبقى له من مجموع المال اثنان وخمسون ديناراً. فتختلف عن الطريقة الأُولى بأربعة دنانير.
ولو فرضنا أنّ المتيقّن من الحلال أقلّ فالفرق أكثر ، فلو كان المتيقّن خمسة وعشرين ديناراً مثلاً فيخرج خُمسه خمسة دنانير ، ثمّ يخرج من السبعين الباقي أربعة عشر ديناراً خُمس التحليل فيبقى له من المجموع ستّة وخمسون ديناراً. فتختلف حينئذ عن الطريقة الأُولى بمقدار ثمانية دنانير ، وهكذا. وقد عرفت أنّ هذه الطريقة هي المتعيّن بحسب الأدلّة ، لا ما ذكره الماتن وغيره ، فلاحظ.
1) منهاج الصالحين (العبادات) : 331 / 1210.
2) يمكن أن يقال : إنّ قاعدة اليد تقتضي البناء على الأكثر ، وقد أجاب (دام ظلّه) عن ذلك بما لفظه : قاعدة اليد على تقدير جريانها في المقام فإنّما يترتّب عليها الحكم بكون المقدار المشكوك فيه ملكاً لذي اليد ، ولا يترتّب عليها الحكم بكونه من الأرباح ليتعلّق به الخمس ، على أنّها لا تجري في موارد الاختلاط الموجب لإخراج الخمس ، وإلّا لم تكن حاجة إليه كما لعلّه ظاهر.
[2913] مسألة 37 : لو كان الحرام المختلط في الحلال من الخمس أو الزكاة أو الوقف الخاصّ أو العامّ فهو كمعلوم المالك على الأقوى (1) ، فلا يجزئه إخراج الخمس حينئذٍ.
[2914] مسألة 38 : إذا تصرّف في المال المختلط قبل إخراج الخمس بالإتلاف لم يسقط (2) وإن صار الحرام في ذمّته فلا يجري عليه حكم ردّ المظالم على الأقوى ، وحينئذٍ فإن عرف قدر المال المختلط اشتغلت ذمّته بمقدار
(1) إذ لا فرق في المالك المعلوم الذي يجب إيصال المال إليه بين المالك الشخصي أو الكلّي كما في هذه الموارد ، فلا بدّ في إصلاح المال حينئذٍ من مراجعة الحاكم الشرعي الذي له الولاية على الكلّي والتراضي معه بما يتّفقان عليه. ولا يجزئ إخراج الخمس ، لانصراف نصوص الاختلاط عن مثل الفرض ، إذ الموضوع فيها الخلط بمالٍ لا يعرف صاحبه الشخصي أو الكلّي ، لا ما يعرف صاحبه كذلك كما لا يخفى.
وعن كاشف الغطاء : التفصيل بين الأوقاف فيكون كمعلوم المالك ، وبين الاختلاط بالأخماس أو الزكوات فكالمجهول المحكوم عليه بالتخميس (1).
وهو كما ترى غير ظاهر الوجه. فما ذكره في المتن من عدم إجزاء التخميس مطلقاً هو الصحيح حسبما عرفت.
(2) تبتني المسألة على أنّ تعلّق الخمس بالمال المخلوط هل هو كتعلّقه بسائر الأقسام والكلّ من سنخ واحد ، فمقدار الخمس ملك فعلي للسادة بمجرّد الخلط بالولاية الشرعيّة؟
1) كشف الغطاء : 361.
خمسه ، وإن لم يعرفه ففي وجوب دفع ما يتيقّن معه بالبراءة ، أو جواز الاقتصار على ما يرتفع به يقين الشغل ، وجهان ، الأحوط الأوّل ، والأقوى الثاني (1).
أو أنّه من سنخ آخر شُرّع لتطهير المخلوط مع بقاء الحرام على ملك مالكه الواقعي ، فله تخليص العين الخارجيّة عن الحرام بالتخميس من غير أن يكون الخمس ملكاً فعليّاً للسادة.
فعلى الأوّل وقد عرفت فيما مرّ أنّه الأظهر - : ينتقل الخمس إلى الذمّة ، ولا موجب لسقوطه بالإتلاف ، لعدم دورانه مدار بقاء العين.
وهذا بخلاف الثاني ، ضرورة أنّ تطهير المخلوط من أوصاف العين الخارجيّة ومع تلفها ينتقل الحرام بخالصه إلى الذمّة ، فلا خلط بعدئذٍ ليحتاج إلى التطهير ، بل الذمّة مشغولة حينئذٍ بنفس الحرام الواقعي فلا بدّ من الخروج عن عهدة الضمان المتعلّق بمال الغير ، فلا جرم يجري عليه حكم ردّ المظالم لا الخمس.
وحيث أسلفناك تقوية القول الأوّل لدى ردّ مقالة الهمداني الذي اختار الثاني (1)فما قوّاه في المتن هو الأقوى.
(1) أمّا كون الأوّل أحوط فظاهر ، لاحتمال اشتغال الذمّة بالأكثر ، والاحتياط حسن على كلّ حال. وأمّا كون الثاني أقوى فلأصالة البراءة عن اشتغال الذمّة بالزائد على المقدار المتيقّن.
1) في ص 155.
[2915] مسألة 39 : إذا تصرّف في المختلط قبل إخراج خمسه ضمنه (1)كما إذا باعه مثلاً (1) فيجوز لولي الخمس الرجوع عليه ، كما يجوز له الرجوع على من انتقل إليه ، ويجوز للحاكم أن يمضي معاملته فيأخذ مقدار الخمس من العوض إذا باعه بالمساوي قيمةً أو بالزيادة ، وأمّا إذا باعه بأقلّ من قيمته فإمضاؤه خلاف المصلحة. نعم ، لو اقتضت المصلحة ذلك فلا بأس.
(1) لمّا لم يكن المتصرّف مالكاً لمقدار الخمس فلا جرم يضمن هذا المقدار ويكون التصرّف فيه بمثل البيع ونحوه فضوليّاً تنوط صحّته بإجازة وليّ الأمر أعني : الحاكم الشرعي فإن اختار الردّ جاز له الرجوع على كلّ من البائع والمشتري بعد كونه أي المشتري ضامناً أيضاً بمقتضى اليد على ما هو المقرّر في حكم تعاقب الأيدي ، وإن كان للمشتري الرجوع إلى البائع لو كان جاهلاً بالحال فيكون قرار الضمان عليه.
وإن اختار الإمضاء أخذ مقدار الخمس من العوض فيما لو باعه بالمساوي قيمةً أو بالزيادة. وأمّا لو باع بالأقلّ ، كما لو باع ما يسوى ديناراً بدرهم ، فبما أنّ الإمضاء على خلاف المصلحة فليس له ذلك إلّا إذا اقتضته المصلحة من ناحية أُخرى ، فيجوز حينئذٍ.
هذا ، وقد تقدّم نظير الفرع في كتاب الزكاة فيما لو باع العين الزكويّة قبل إخراج الزكاة وقلنا : إنّ مقتضى القاعدة الأوّلية هو ذلك حسبما عرفت (2).
ولكن في خصوص المقام يلتزم بصحّة البيع فيما إذا كان المشتري مؤمناً ،
السادس : الأرض التي اشتراها الذمِّي من المسلم (1) ،
أخذاً بنصوص التحليل المتضمّنة لإمضاء المعاملات الواقعة على العين ممّن لم يخمّسها فينتقل الخمس من العين إلى عوضها ، حيث إنّهم (عليهم السلام) أباحوا لشيعتهم ذلك حفظاً للمناكح والمساكن والمتاجر عن الحرام ، فإنّ الإباحة للمتاجر تستدعي صحّة تلك المعاملات كما لا يخفى.
وعليه ، فالأقوى صحّة البيع ونحوه في المقام من غير حاجة إلى إجازة الحاكم الشرعي ، فينتقل الخمس من العين إلى العوض لو كان التصرّف بمثل البيع ممّا له البدل ، وإلى الذمّة لو لم يكن كذلك كما في الهبة غير المعوّضة ، وتمام الكلام في محلّه إن شاء اللّه تعالى.
(1) على المشهور من زمن الشيخ ومن تأخّر عنه ، بل عن الغنية دعوى الإجماع عليه (1).
نعم ، نُسِب إلى كثير من القدماء إنكار هذا الخمس ، نظراً إلى خلوّ كلماتهم عن التعرّض إليه لدى تعداد الأقسام.
وكيفما كان ، فالمتّبع هو الدليل ، والأصل في هذا الحكم صحيحة أبي عبيدة الحذّاء ، قال : سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول : «أيّما ذمّي اشترى من مسلم أرضاً فإنّ عليه الخمس» (2).
المؤيّدة بمرسلة المفيد عن الصادق (عليه السلام) «قال : الذمّي إذا اشترى من المسلم الأرض فعليه فيها الخمس» (3).
.................................................................................................
ونوقش في الرواية باستضعاف السند.
ولكنّه كما ترى ، لعدم اشتماله على من يغمز فيه أبداً ، بل في المدارك : أنّها في أعلى مراتب الصحّة (1). وهو كذلك ، ولأجله استغرب تبعاً للمنتقى (2)النقاش في السند. غير أنّه (قدس سره) ناقش تبعاً له في الدلالة ، نظراً إلى خلوّها عن ذكر متعلّق الخمس ومصرفه ، فلا يدري أنّ المراد خمس نفس الأرض أو حاصلها ، ومن الجائز إرادة الثاني كما نسب إلى بعض العامّة وهو مالك (3)من أنّ الذمّي إذا اشترى أرضاً من مسلم وكانت عشريّة ضوعف عليه العشر وأُخذ منه الخمس. فتكون الرواية على هذا جارية مجرى التقيّة.
وربّما يعضدها خلوّ بقيّة النصوص عن التعرّض لهذا الخمس.
ولكنّه يندفع أوّلاً : بعدم المقتضي للحمل على التقيّة بعد سلامتها عن المعارض ، فلا موجب لرفع اليد عن أصالة الجدّ ، إذ ليس بإزائها ما يدلّ على نفي الوجوب ليجمع بالحمل على التقيّة.
وثانياً : أنّ الرواية مرويّة عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) ، واشتهار مالك بالفتوى إنّما كان في عهد الصادق (عليه السلام) لا الباقر (عليه السلام) لكي يقتضي الاتّقاء منه ، بل لعلّه لم تكن له فتوى في زمنه ، فإنّ مالك تولّد سنة 96 ، أي بعد إمامة الباقر بسنتين ، وتوفّي سنة 179 وكان عمره 83 سنة ، وكانت إمامة الباقر سنة 95 ووفاته سنة 114 ، فكان عمر مالك عند وفاة الباقر (عليه السلام) 20 سنة ولم يكن عندئذٍ صاحب فتوى ، فضلاً عن اشتهارها. ثمّ إنّ هذه الرواية لم تصدر سنة وفاة الباقر ، فلعلّها صدرت ولم يكن مالك بالغاً ،
.................................................................................................
فضلاً عن كونه صاحب فتوى.
وثالثاً : أنّ الأرض المذكورة فيها مطلق تعمّ الزراعيّة وغيرها ، كما أنّ الزراعيّة تعمّ الزكويّة وغيرها ، فلا موجب للتخصيص بالعشريّة لتحمل على التقيّة.
فالإنصاف ظهور الصحيحة في تعلّق الخمس بنفس الأرض لا بحاصلها ، وتعضدها المرسلة التي هي كالصريح في ذلك كما لا يخفى وإن كانت لمكان الضعف لا تصلح إلّا للتأييد.
فالأقوى ثبوت هذا الخمس وفاقاً للمشهور ، وأخذاً بالرواية القويّة سنداً ودلالةً وجهةً ، السليمة عن المعارض حسبما عرفت.
وأمّا خلوّ بقيّة النصوص عن التعرّض لهذا الخمس ككلمات القدماء فلعلّ وجهه : أنّ بقيّة الأقسام عامّة لجميع البشر بناءً على تكليف الكفّار بالفروع كالأُصول ، أو لخصوص المسلمين بناءً على عدم تكليفهم بها ، كما لعلّه الأظهر. وأمّا هذا القسم فهو مخصوص بالذمّي ولا مساس له بالمسلمين ، بل ولا بغير الذمّي من الكفّار ، فهو حكم في مورد مخصوص ، ومثله لا يستحقّ التعرّض في قبال سائر الأقسام وذكره في عدادها كما لا يخفى.
ثم إنّ رواية الحذّاء قد رويت بطرق ثلاث كما في الوسائل : فرواها الشيخ بإسناده عنه ، وكذا الصدوق بإسناده عنه ، وكذلك المحقّق في المعتبر عن الحسن ابن محبوب (1).
لكن الطريقين الأخيرين ضعيفان ، لجهالة طريق الصدوق إلى الحذّاء في المشيخة كجهالة طريق المحقّق إلى ابن محبوب.
1) التهذيب 4 : 139 / 393 ، الفقيه 2 : 22 / 81 ، المعتبر 2 : 624.
سواء كانت أرض مَزرع أو مسكن أو دكّان أو خان أو غيرها (1) ، فيجب فيها الخمس.
وأمّا الطريق الأوّل فهو في غاية الصحّة كما عرفت ، فإنّ أحمد بن محمّد الواقع في السند وإن تردّد بين ابن خالد وابن عيسى لكنّه موثّق على كلّ حال.
على أنّ الظاهر أنّه الثاني ، لأنّ الشيخ روى هذه الرواية بعينها في موضعين من التهذيب : أحدهما في كتاب الخمس (1)بعنوان : أحمد بن محمّد ، وثانيهما في باب الزيادات منه (2)بعنوان : أبي جعفر ، الذي هو كنية أحمد بن محمّد بن عيسى ، كما صرّح به في كثير من الروايات ، فتخرج الرواية بذلك عن الترديد وإن كانت صحيحة على التقديرين كما عرفت. على أنّها لو لم تكن صحيحة فلا أقلّ من أنّها موثّقة ، والمحقّق في محلّه حجّيّة الموثّق كالصحيح. وقد عرفت قوّة الدلالة وعدم الموجب للحمل على التقيّة ، فلا مناص من الأخذ بها.
(1) لإطلاق النصّ والفتوى بعد صدق الأرض على الجميع بمناطٍ واحد.
ولكن المحكي عن جماعة كالفاضلين والمحقّق الثاني (3)وغيرهم التخصيص بأرض الزراعة ، فلا تعمّ المشتملة على البناء والأشجار كالدور والبساتين والخانات ونحوها ، نظراً إلى أنّ الأرض في هذه الموارد ملحوظة تبعاً ، فلا نظر إليها في مقام الشراء بالذات ، بل بتبع البنيان والأشجار ، ولأجله ينصرف النصّ عن شراء مثل هذه الأراضي ، ويكون المتبادر هي الأرض الخالية الملحوظة بحيالها في مقام الشراء ، التي هي في مقابل الدار والدكّان والخان نحوها ، إذ لا
.................................................................................................
يقال حينئذٍ : إنّه اشترى أرضاً ، بل يقال : اشترى داراً أو دكّاناً أو حمّاماً.
ولعلّ هذا هو مراد من خصّها بالزراعيّة ، أي الأرض الخالية غير المشغولة بالبناء أو الأشجار. وكأنّه لذلك تأمّل في شمول الحكم لها في الجواهر وإن جعل التعميم أولى (1).
ولكنّه يندفع بمنع التبعيّة ، فإنّ الدار مثلاً اسم لمجموع الأرض والبنيان ، وكذا الخان والدكّان ، كما أنّ البستان اسم لمجموع الأرض والأشجار ، فكلّ منهما مقصود بالذات وملحوظ بحياله في مقام الشراء من غير تبعيّة ، وإنّما تتّجه دعواها في مثل البسامير والأسلاك والمصابيح ونحوها ممّا لم يكن منظوراً ، بل ولا ملتفتاً إليه لدى التصدّي لشراء الدار فكانت تابعة وخارجة عن المبيع. وأمّا الأرض فهي جزء مقوّم للمبيع ، ولذا يقسّط عليها الثمن وتتبعّض الصفقة فيما لو انكشف أنّها لغير البائع ، ويثبت الخيار للمشتري فيصحّ البيع بالنسبة إلى البنيان مع خيار التبعّض ويكون بالإضافة إلى رقبة الأرض فضوليّاً منوطاً بإجازة مالكها ، كما أنّه قد تباع الأرض دون البنيان أو بالعكس ، وقد يكون أحدهما ملكاً لشخص والآخر ملكاً لشخص آخر ، فيشتري المجموع منهما أو أحدهما من واحد منهما.
وبالجملة : ليس المقام من موارد التبعيّة ، إذ لم يكن المبيع البناء أو الأشجار لتكون الأرض تابعة ، بل كلّ منهما مستقلّ في البيع ، غايته أنّهما بيعا معاً ولهما اسم بسيط كالدار ، كما لو باع فرساً مع فرس أو كتاباً مع كتاب ، فهو من باب الضميمة لا التبعيّة ، ولذا يصحّ أن يقال عرفاً : إنّه اشترى أرض هذه الدار وبناءها من غير أيّة عناية. وأوضح حالاً ما لو اشترى أرض الدار فقط ، أو أرض البستان فقط ، فإنّ دعوى انصراف النصّ عن شراء مثل هذه الأرض
1) الجواهر 16 : 66.
ومصرفه مصرف غيره من الأقسام على الأصحّ (1).
وفي وجوبه في المنتقلة إليه من المسلم بغير الشراء من المعاوضات إشكال (2) ، فالأحوط اشتراط مقدار الخمس عليه في عقد المعاوضة ، وإن كان القول بوجوبه في مطلق المعاوضات لا يخلو عن قوّة.
كما ترى ، لضرورة صدق شراء الأرض حينئذٍ من غير أيّة مسامحة أو عناية فيشملها النصّ.
وكيفما كان ، فالأقوى عموم الحكم لمطلق الأراضي كائنة ما كانت كما في المتن ، أخذاً بإطلاق النصّ السالم عمّا يصلح للتقييد.
(1) فإنّه المتبادر من لفظ الخمس الوارد في النصّ بعد البناء على ظهوره في إرادة الخمس من رقبة الأرض نفسها لا فيما يملك من حاصلها لكي يراد به مصرف الزكاة ، وإن تردّد فيه صاحب المدارك من أجل الخلوّ عن ذكر المتعلّق والمصرف (1)، ولكن عرفت أنّه في غير محلّه ، لقوّة الاستظهار المزبور. وعليه ، فيراد بالخمس الخمس المعهود الذي ينصرف إليه اللفظ عند الإطلاق ، أعني : ما يصرف للسادة والإمام (عليه السلام) ، كما في خمس الغنائم ونحوها.
(2) هل يختصّ الحكم بالشراء ، أو يعمّ مطلق المعاوضة كالصلح ، أو يعمّ مطلق الانتقال وإن لم يكن معاوضة كالهبة؟ وجوه ، أقواها الأخير.
فإنّ مقتضى الجمود على ظاهر النصّ وإن كان هو الأوّل اقتصاراً في الحكم المخالف لمقتضى القاعدة على مقدار قيام الدليل ، إلّا أنّ مناسبة الحكم والموضوع تقتضي إلغاء خصوصيّة الشراء بحسب الفهم العرفي ، وأنّ الاعتبار بمطلق الانتقال
1) المدارك 5 : 386.
وإنّما يتعلّق الخمس برقبة الأرض دون البناء والأشجار والنخيل إذا كانت فيه (1).
من المسلم إلى الذمّي كيفما اتّفق ، وأنّ التعبير بالشراء من أجل أنّه الفرد الغالب من أسباب النقل لندرة غيره كما لا يخفى ، فلا خصوصيّة له بوجه. ولا يكاد يفهم العرف فرقاً بين أن يكون النقل بلفظ «بعت» و «اشتريت» أو «صالحت» أو «وهبت» أو الشرط في ضمن العقد ونحو ذلك ، فهو نظير منع المسلم عن بيع شيء من الذمّي كما ورد من عدم جواز بيع العبد المسلم من الكافر ، فإنّ العرف لا يكاد يرتاب في أنّ الممنوع هو مطلق الانتقال وتمكينه من العين وإن لم يكن بصورة البيع.
وبعبارة اخرى : قد يكون الحكم متعلّقاً بنفس العقد ، ففي مثله لا يمكن التعدّي إلى عقد آخر كما في قوله : نهى النبي عن بيع الغرر ، أو : البيّعان بالخيار ، فلا يلحق الصلح مثلاً بالبيع حينئذٍ.
وأُخرى : تشهد مناسبة الحكم والموضوع بعدم تعلّق الحكم بنفس العقد ، بل الاعتبار بالخصوصيّة الكائنة في المنتقل عنه والمنتقل إليه كما في المقام ، وأنّ خصوصيّة إسلام البائع وكفر المشتري هي الباعثة على تشريع الخمس من غير خصوصيّة للبيع نفسه. ففي مثله لا يتأمّل العرف في التعدّي إلى مطلق النواقل.
ولعلّ السرّ في تشريعه هو التقليل من الانتقال المذكور خارجاً ، كيلا يتسلّط الكفّار على أراضي المسلمين ولا تقوى كلمة الكفر وتكون العزّة لله ولرسوله وللمؤمنين ، ففرض عليه الخمس لكي تقلّ رغبته في الشراء ، لتضرّره في ذلك غالباً ، فإنّه بحسب النتيجة قد اشترى أربعة أخماس الأرض بتمام قيمتها.
(1) لخروجها عن مفهوم الأرض التي هي المتعلّق للخمس لا ما يكون فيها ،
ويتخيّر الذمّي بين دفع الخمس من عينها أو قيمتها (1)(1) ، ومع عدم دفع قيمتها يتخيّر وليّ الخمس بين أخذه وبين إجارته (2)(2).
فلا مقتضي لعموم الحكم لها.
(1) لجواز دفع القيمة ممّن عليه الحقّ خمساً أو زكاةً كما تقدّم في كتاب الزكاة (3)، ويأتي التعرّض له في هذا الكتاب أيضاً إن شاء اللّه تعالى (4).
(2) كما نصّ عليه غير واحد من الأصحاب من أنّ من آل إليه أمر الخمس يتخيّر بين أخذ رقبة الأرض وبين ارتفاعها من إجارة وحصّة مزارعة ونحوهما ، نظراً إلى عدم الملزم له بأخذ العين ، فيشترك مع بقائها في النماء تبعاً للاشتراك في العين ، ونتيجته جواز الإيجار واستلام المنافع كجواز استلام نفس العين.
ولكنّه لا يخلو عن الإشكال إلّا بالإضافة إلى النصف من الخمس الذي هو حقّ للإمام (عليه السلام) ، حيث إنّ التصرّف فيه منوط برضاه (عليه السلام) ، فمتى أحرز نائبه وهو الحاكم الشرعي رضاه بالإيجار لمصلحةٍ يراها ساغ له ذلك.
وأمّا النصف الآخر الذي هو ملك للسادة فبما أنّ المالك هو الكلّي فالمقدار الثابت من ولاية الحاكم الشرعي ولايته على القبض عنهم والصرف عليهم ، وأمّا الولاية على التصرّف فيه بإيجارٍ ونحوه فيحتاج إلى دليلٍ آخر يثبت له
وليس له قلع الغرس والبناء ، بل عليه إبقاؤهما بالأُجرة (1).
وإن أراد الذمّي دفع القيمة وكانت مشغولة بالزرع أو الغرس أو البناء تقوّم مشغولة بها (2) مع الأُجرة فيؤخذ منه خمسها.
هذه الولاية زائداً على ولايته على القبض والصرف ، وليس لنا ذلك. إذن فتصدّيه للإيجار مشكل.
نعم ، يجوز له أخذ أُجرة المثل للمدّة المنصرمة قبل أداء الخمس ، إذ لم تذهب تلك المنافع هدراً على أربابها وهم السادة ، سواء استوفاها الذمّي أم لا ، لثبوت ضمان اليد على التقديرين ، والمفروض ولايته على الأخذ عنهم كما عرفت ، فيفصل بين تصرّفه وتصدّيه للإيجار بأُجرة المسمّى وبين أخذه أُجرة المثل حسبما أشار إليه سيّدنا الأُستاذ (دام ظلّه) في تعليقته الأنيقة.
(1) إذ ليس له الحقّ إلّا في نفس الأرض فقط.
وأمّا الغرس أو البناء فهما ملك للذمّي بوصفهما العنواني ، ضرورة أنّه لم يشتر حطباً ولا آجراً ، بل غرساً وبناءً ، فلا بدّ من المحافظة عليهما ، ولأجله لا يسوغ القلع.
نعم ، بما أنّه لا يملك الإبقاء في مقدار الخمس من الأرض مجّاناً لكونه ملكاً لأربابه فلا جرم تجب عليه الأُجرة ، فليس لوليّ الخمس القلع ، كما أنّه تجب الأُجرة على الذمّي ، رعايةً لكلا الحقّين ، وعملاً بكلتا الوظيفتين.
(2) لأنّه اشترى الأرض بهذه الصفة وتلقّاها عن مالكها على هذه الحالة ، ولا يجب عليه إلّا خمس ما اشترى وتلقّى ، فلا بدّ وأن تقوّم مشغولة ، وبما أنّ الاشتغال لم يكن مجّاناً كما عرفت بل له اجرة فلا بدّ وأن تقوّم كذلك أي مشغولة باشتغال يستوجب الأُجرة ويؤخذ خمسها.
ولا نصاب في هذا القسم من الخمس (1).
ولا يعتبر فيه نيّة القربة حين الأخذ حتى من الحاكم ، بل ولا حين الدفع إلى السادة (2).
(1) من غير شائبة الإشكال ، لإطلاق النصّ ، بل لا ينبغي التعرّض له ، لعدم توهّمه من أحد ، فإنّه كالتنبيه على تعميم هذا الخمس لسائر الأوصاف والخصوصيّات المعلوم عدم دخلها في الحكم.
(2) لعدم الدليل على عباديّة هذا النوع من الخمس لكي يحتاج إلى القربة غير الممكن صدورها من الكافر حتى يبحث عمّن ينويها عنه من الحاكم أو غيره ، لافتراقه عن بقيّة الأنواع في عدم كونه من قبيل الغنائم ، وإنّما هي كضريبة ماليّة متعلّقة بما يشتريه من المسلم نظير الضرائب الحكوميّة.
على أنّ عباديّة الخمس في سائر الأنواع أيضاً لم تثبت بدليل لفظي لكي يتمسّك بإطلاقه ، وإنّما استندنا فيها مضافاً إلى الإجماع والارتكاز والسيرة القطعيّة بما تقدّم في كتاب الزكاة من حديث المباني المتضمّن أنّ مباني الإسلام خمسة وعدّ منها الزكاة (1)ومعلوم أنّ الخمس بدل الزكاة حيث إنّ مبنى الإسلام لا يكون مجرّد الإمساك أو دفع شيء من الأموال ونحو ذلك ، بل لا بدّ وأن يكون أمراً عباديّاً كالصلاة ، وهذا البيان كما ترى يخصّ المسلمين ولا يعمّ الخمس المأخوذ من الكافر الذمّي.
وعليه ، فلا تعتبر القربة لا منه ولا من الحاكم ، لا حين الأخذ ولا حين الدفع إلى السادة كما أفاده في المتن.
1) شرح العروة 23 : 3 ، وهو في الوسائل 1 : 13 / أبواب مقدّمات العبادات ب 1 ح 1 و 2.
[2916] مسألة 40 : لو كانت الأرض من المفتوحة عَنوة (1) وبيعت تبعاً للآثار ثبت فيها الحكم ، لأنّها للمسلمين ، فإذا اشتراها الذمّي وجب عليه الخمس وإن قلنا بعدم دخول (1)الأرض في المبيع وأنّ المبيع هو الآثار ويثبت في الأرض حقّ الاختصاص للمشتري. وأمّا إذا قلنا بدخولها فيه فواضح ، كما أنّه كذلك إذا باعها منه أهل الخمس بعد أخذ خمسها فإنّهم مالكون لرقبتها ويجوز لهم بيعها.
(1) توضيح المقام : أنّه لا إشكال في وجوب الخمس على الذمّي فيما لو اشترى الأرض المفتوحة عَنوةً من أهل الخمس من سهمهم الذي وصل إليهم كالسادة ، بناءً على وجوب تخميس هذه الأراضي كما عليه المشهور على ما تقدّم في صدر الكتاب (2)، إذ البائع يبيع حينئذٍ حصّته الشخصيّة من الأرض التي هي ملك طلق له ، فإنّ السادة مالكون لرقبتها على هذا المبنى ، وقد أشار الماتن إلى ذلك في آخر هذه المسألة بقوله : كما أنّه كذلك ... إلخ.
وأمّا لو أنكرنا المبنى كما هو الأظهر على ما مرّ أو كان المبيع من الأربعة أخماس الباقية ، فلا إشكال أيضاً في وجوب الخمس عليه فيما لو كان البائع هو الإمام أو الحاكم الشرعي ، لبعض المصالح العامّة المقتضية لذلك ، فإنّ المبيع وإن لم يكن حينئذٍ ملكاً للبائع إلّا أنّه يملك أمر البيع ويحقّ له النقل حسب الفرض وهي ملك لعامّة المسلمين ، فيصدق أنّ الذمّي اشترى أرض المسلمين فيشمله إطلاق الدليل ، إذ لم يعتبر فيه أن تكون ملكاً شخصيّاً للمسلم.
.................................................................................................
وأمّا لو كان البائع من آحاد المسلمين فلا ينبغي الإشكال في وجوب الخمس أيضاً فيما لو كانت الأرض خربة وقد أحياها المسلم ، بناءً على ما هو الأظهر من صيرورتها بالإحياء ملكاً طلقاً شخصيّاً له ، عملاً بعموم قوله (عليه السلام) : «مَن أحيا أرضاً فهي له» (1)، وأنّه يشمل حتى الأرض المفتوحة عَنوةً.
كما لا ينبغي الإشكال في وجوبه أيضاً فيما لو أحياها بإحداث الآثار وقلنا بمقالة المشهور من صيرورتها ملكاً متزلزلاً ، أي مؤقّتاً محدوداً يزول بزوال تلك الآثار ، إذ هي فعلاً ملك طلق له بشخصه ، ولا فرق في وجوب الخمس على الذمّي بين ما كانت الأرض المشتراة من المسلم ملكاً دائميّاً له أم مؤقّتاً ، بمقتضى الإطلاق.
وإنّما الإشكال فيما لو بنينا على خروج الأرض عن ملك المتصرّف بتاتاً ، وكونها باقية على ملك عامّة المسلمين ، وليس لمن أحياها ما عدا مجرّد الانتفاع المسمّى بحقّ الاختصاص ، المترتّب عليه عدم جواز مزاحمته ما دام شاغلاً للمحلّ ، نظير الحقّ الثابت في الأوقاف من أنّ من سبق إلى ما لم يسبق إليه غيره فهو أحقّ به ، فكأنّ المبيع مجرّد الآثار من البنيان أو الأشجار دون رقبة الأرض ، كما نصّ عليه في المتن ، فقد ذكر الماتن وجوب الخمس على المشتري الذمّي على هذا القول أيضاً.
ولكنّه مشكل جدّاً ، بل ممنوع ، ضرورة انصراف الشراء المجعول موضوعاً لتخميس الذمّي إلى انتقال الأرض إليه وصيرورتها ملكاً له لا مجرّد الانتفاع وحقّ الاختصاص ، وبما أنّه لا ملك ولا شراء فلا يكاد يشمله النصّ بوجه ، فلاحظ.
1) الوسائل 25 : 412 / كتاب إحياء الموات ب 1 ح 5.
[2917] مسألة 41 : لا فرق في ثبوت الخمس في الأرض المشتراة بين أن تبقى على ملكيّة الذمّي بعد شرائه ، أو انتقلت منه بعد الشراء إلى مسلم آخر (1) ، كما لو باعها منه بعد الشراء أو مات وانتقلت إلى وارثه المسلم أو ردّها إلى البائع بإقالةٍ أو غيرها ، فلا يسقط الخمس بذلك ،
(1) لا يخفى أنّ موضوع البحث في هذه المسألة هو أنّ مجرّد حدوث الملك بالشراء كافٍ في تعلّق الخمس بالذمّي ، أم أنّه مشروط بالبقاء فيسقط بالخروج عن ملكه بقاءً بالنقل إلى مسلم آخر ببيعٍ أو إرثٍ ونحو ذلك؟
وقد اختار الأوّل ، وهو الحقّ من غير إشكال فيه ، عملاً بإطلاق النصّ ، فلا يسقط الخمس بانتقال الأرض منه إلى مسلم آخر ، بل هو ضامن له كما يضمنه المنتقل إليه أيضاً ، بمقتضى قانون توارد الأيدي ، وللحاكم الشرعي مراجعة أيّ منهما شاء ، لبطلان البيع بالإضافة إلى مقدار الخمس.
نعم ، في خصوص ما لو كان المشتري من أهل الحقّ أي مسلماً شيعيّاً يصحّ البيع أو الهبة ونحوهما من النواقل ، لصدور الإجازة من أهلها ، بمقتضى نصوص التحليل على ما سيجيء التعرّض إليها في محلّه إن شاء اللّه تعالى (1)، فينتقل الخمس الواجب على الذمّي من العين إلى الثمن في مثل البيع ، أو إلى الذمّة في مثل الهبة ، ولا شيء على الشيعي بوجه. وهذا بحث آخر أجنبي عن محلّ الكلام ، ولا تنافي له بوجه مع ما نحن بصدده من كفاية مجرّد الحدوث في تعلّق الخمس بالذمّي وعدم إناطته بالبقاء حسبما عرفت.
وبالجملة : هناك مسألتان لا تهافت بل ولا علاقة لإحداهما بالأُخرى :
1) في ص 346 348.
بل الظاهر ثبوته أيضاً لو كان للبائع خيار ففسخ بخياره (1).
فتارةً : يبحث عن أنّ الخمس هل يسقط عن الذمّي بخروج الأرض عن ملكه ، وهل يتخلّص عنه بالنقل إلى مسلم آخر؟ والجواب منفي ، عملاً بإطلاق النصّ المجعول فيه مجرّد الشراء موضوعاً للتخميس ، سواء أبقى في ملكه أم خرج.
وأُخرى : يبحث عن أنّ المنتقل إليه لو كان شيعيّاً فهل هو مكلّف بالخمس أيضاً كنفس الذمّي كما هو كذلك قطعاً فيما لو كان مسلماً غير شيعي؟ والجواب أيضاً منفي ، أخذاً بنصوص التحليل الشامل للتجارات ، وأنّ الشيعي لو تلقّى المال ممّن لا يعتقد الخمس أو يعتقد ولا يخمّس ولو عصياناً لا خمس عليه ، وهذا لا ينافي عدم السقوط عن نفس الذمّي ، فينتقل الخمس الواجب عليه إلى البدل أو إلى الذمّة حسبما عرفت.
ومن جميع ما ذكرناه يظهر الحال في الإقالة وأنّه لا فرق في عدم سقوط الخمس بالخروج عن الملك بين أن يكون الخروج بعقدٍ جديد أو بحلّ العقد الأوّل والتقايل مع البائع ، أخذاً بإطلاق النصّ كما عرفت.
نعم ، في خصوص ما إذا كان البائع شيعيّاً تصحّ الإقالة في تمام العين ولا شيء عليه وينتقل الخمس إلى ذمّة الذمّي.
(1) أخذاً بإطلاق النصّ الشامل للشراء اللّازم والمتزلزل.
نعم ، قد يتأمّل في ذلك كما في الجواهر (1)نظراً إلى انصراف النصّ إلى الأوّل.
1) الجواهر 16 : 67.
[2918] مسألة 42 : إذا اشترى الذمِّي الأرض من المسلم وشرط عليه عدم الخمس لم يصحّ ، وكذا لو اشترط كون الخمس على البائع (1). نعم ، لو شرط على البائع المسلم أن يعطي مقداره عنه فالظاهر جوازه.
ولكنّه بدوي لا يُعبأ به ، فإنّ الذي ينصرف عنه الإطلاق هو الفرد الخفي الذي لا يشمله اللفظ بحسب الفهم العرفي بحيث يكون الشمول له بعيداً عن أذهان أهل المحاورة لدى إطلاق اللفظ كالإنسان بالإضافة إلى عنوان ما لا يؤكل لحمه ، فإنّ العرف يرى أنّ الإنسان آكل ولا يعدّون لحمه من سنخ المأكول فينصرف عنه الحيوان عرفاً وإن شمله لغةً.
وأمّا الشراء المتزلزل غير المستقرّ فهو شائع ذائع كاللّازم المستقرّ ، فيشمله الإطلاق ، ولا وجه للانصراف عنه بتاتاً.
(1) لكون الشرط في الموردين مخالفاً للسنّة ، ولا أثر للشرط المحلّل للحرام أو المحرّم للحلال.
نعم ، هو نافذ في القسم الأخير أعني : اشتراط أداء البائع عن الذمّي لعدم المانع فيه بعد عموم أدلّة الشروط ، فإنّه شرط عمل كشرط أن يؤدّي دينه ، ولكن لا يسقط عن الذمّي بمجرّد هذا الاشتراط إلّا إذا وفى البائع بشرطه ، لكون التكليف متوجّهاً إلى الذمّي بنفسه ، فلو لم يف يثبت للمشتري خيار تخلّف الشرط ، فلو فسخ يدخل حينئذٍ في المسألة السابقة من عدم السقوط بالخروج عن الملك بالفسخ أو بغيره.
[2919] مسألة 43 : إذا اشتراها من مسلم ثمّ باعها منه أو من مسلم آخر ثمّ اشتراها ثانياً وجب عليه خمسان (1) : خمس الأصل للشراء أوّلاً ، وخمس أربعة أخماس للشراء ثانياً (1).
[2920] مسألة 44 : إذا اشترى الأرض من المسلم ثمّ أسلم بعد الشراء لم يسقط عنه الخمس (2).
(1) فالخمس الأوّل للشراء الأوّل وهو متعلّق بتمام العين ، وبما أنّ الذمّي لا يملك عندئذٍ إلّا أربعة أخماسها والخمس الآخر ملك للسادة ، فالمبيع ثانياً ليس إلّا هذا المقدار أعني : الأربعة أخماس والزائد عليها فضولي لا يحقّ له بيعه. وعليه ، فما يشتريه ثانياً أيضاً لا يكون إلّا هذا المقدار ، ولأجله كان متعلّق الخمس الثاني أربعة أخماس الأرض لا تمامها.
هكذا ذكره الماتن تبعاً لجماعة منهم صاحب الجواهر (2).
وهو وجيه فيما لو باعها الذمّي من مسلم غير شيعي.
وأمّا لو باعها من الشيعي فالأظهر حينئذٍ وجوب خمس الجميع ثانياً كالأوّل ، وذلك لما عرفت من شمول نصوص التحليل للمقام ، فيملك الشيعي تمام العين لدى شرائه إيّاها من الذمّي ، ويكون البيع صحيحاً في الجميع ، وينتقل الخمس الواجب على الذمّي إلى القيمة. وعليه ، فيكون شراء الذمّي ثانياً متعلّقاً بتمام العين ، ولأجله يجب تخميس الجميع كما أشرنا إليه في التعليق.
(2) لعدم الخروج بذلك عن موضوع دليل التخميس ، الظاهر في كونه كافراً
نعم ، لو كانت المعاملة ممّا يتوقّف الملك فيه على القبض فأسلم بعد العقد وقبل القبض سقط عنه ، لعدم تماميّة ملكه في حال الكفر (1).
حال شراء الأرض من المسلم ، فيشمله الإطلاق.
نعم ، قد يتوهّم السقوط ، استناداً إلى حديث الجبّ ، ولأجله لم يكد يطالب الكافر بالأخماس والزكوات بعد ما أسلم.
ولكنّه كما ترى ، فإنّ الحديث لم يثبت من طرقنا ، فلا يعوّل عليه كما مرّت الإشارة إليه في كتاب الزكاة (1).
نعم ، قامت السيرة القطعيّة على عدم مطالبة الذمّي بعد ما أسلم بالحقوق الماليّة كالأخماس والزكوات وغيرها من قضاء الصلوات ونحوها ممّا هو ثابت لعامّة المسلمين ، إمّا لأجل عدم تكليفه بها حال الكفر كما لعلّه الأظهر ، أو لأنّه وإن كان مكلّفاً بالفروع كالأُصول كما عليه المشهور إلّا أنّ عدم المطالبة هو مقتضى اتّصافه بكونه في ذمّة الإسلام ، إذ معنى ذلك أنّه يعطي الجزية سنويّاً بشروط ، وبإزائها يكون حرّا في دينه وباقياً على مذهبه من غير أن يطالب بشيء. وكيفما كان ، فهو غير مطالب بشيء من تلك الأحكام بلا كلام.
وأمّا الحكم الثابت له حال الكفر وبوصف كونه ذمّيّاً بحيث كان يطالب به حال كفره وقبل أن يسلم وهو خمس الأرض التي اشتراها من المسلم ، فلا مقتضي لسقوطه بالإسلام اللّاحق أبداً ، كما لا دليل عليه ، ولم تقم سيرة على السقوط عنه بوجه كما لا يخفى.
(1) إذ لم يصدر منه آن ذاك إلّا مجرّد الإنشاء غير المحقّق للشراء بعد كونه فاقداً للشرط ، فلم يتحقّق معه موضوع التخميس.
1) شرح العروة 23 : 128 129.
[2921] مسألة 45 : لو تملّك ذمّي من مثله بعقد مشروط بالقبض فأسلم الناقل قبل القبض (1) ففي ثبوت الخمس وجهان ، أقواهما الثبوت.
وهذا نظير ما لو اشتري له من المسلم فضوليّاً فأسلم ثمّ أجاز الشراء ، حيث لم يصدر حال الكفر عدا العقد الإنشائي الذي لا أثر له ما لم يقترن بالإجازة ، فما وقع حال الكفر لم يتّصف بعنوان الشراء ، وما اتّصف به لم يقع حال الكفر.
وهذا من غير فرق بين كون الإجازة ناقلة أم كاشفة ، إذ الشراء بنفسه فعلي على التقديرين ، غايته أنّ متعلّقه فعلي أيضاً على الأوّل ومن السابق على الثاني ، ولا ريب أنّ الاعتبار بنفس الشراء ، فإنّه المأخوذ موضوعاً للتخميس على تقدير دون تقدير لا بمتعلّقه ، فلاحظ.
(1) لا خصوصيّة لكون الناقل ذمّيّاً ، بل مناط البحث يعمّ مطلق الكافر ولو كان حربيّا أو معاهداً ، فالتخصيص به كأنه مبني على المثال.
وكيفما كان ، فلا ينبغي التأمّل في ثبوت الخمس ، لعدم كون الاعتبار بذات العقد ومجرّد إنشائه لكي يراعى حال حدوثه ، بل العبرة حسبما يستفاد من النصّ بالعقد المؤثّر في الملكيّة الفعليّة التامّة ، المتضمّن للنقل والانتقال الذي لا تحقّق له إلّا بعد إسلام الناقل ، فلا يتملّك الذمّي إلّا في هذه الحالة ، إذ لا أثر للإنشاء السابق العاري عنه ، فيشمله النصّ ، لصدق التملّك من المسلم.
ثمّ إنّ فرض المسألة بناءً على أنّ موضوع الخمس مطلق الانتقال واضح ، كما لو وهب الأرض ذمّي لذمّي آخر فأسلم الواهب قبل قبض المتّهب ، فكان إنشاء الهبة حال الكفر وتأثيره في الملك لمكان الاشتراط بالقبض حال الإسلام ، ولا شكّ في أنّ القبض شرط في النقل وليس بكاشف ، فهو جزء من
[2922] مسألة 46 : الظاهر عدم سقوطه إذا شرط البائع على الذمّي أن يبيعها بعد الشراء من مسلم (1).
المؤثّر. وهذا نظير صدور الإيجاب حال كفر الواهب والقبول حال إسلامه.
وأمّا بناءً على أنّ موضوع الخمس خصوص الشراء جموداً على ظاهر النصّ لا مطلق النقل ، فلا إشكال في فرض المسألة فيما إذا بيعت الأرض سلفاً.
ويمكن فرضها فيما لو كانت الأرض ثمناً في بيع سلم واقع بين ذمّيّين فأسلم صاحب الأرض قبل القبض ، بناءً على ما هو المعروف من أنّه لا يعتبر في بيع السلف أن يكون الثمن من النقود ، كما لو باع أحد الذمّيّين مقداراً من الحنطة من صاحبه سلفاً وجعل الثمن الأرض الشخصيّة ، وقبل إقباضها أسلم المشتري ، فقد تملّك الذمّي الأرض من المسلم في شراء مشروط بالقبض ، لكن ثمناً لا مثمّناً وعوضاً لا معوّضاً ، ولا ينبغي الشكّ في عدم الفرق بين شراء الأرض والشراء بها في هذا الحكم ، إذ لا نحتمل الفرق في انتقال الأرض من المسلم إلى الذمّي بين كونه بصورة البيع أو الشراء جزماً.
(1) قد عرفت أنّ موضوع الخمس مجرّد تملّك الذمّي حدوثاً ، سواء أبقى في ملكه أم خرج ، فالخروج لا يوجب السقوط بدون الشرط ، فلا أثر لاشتراطه في إسقاطه بعد إطلاق الدليل. ودعوى انصرافه عن ذلك لا نعرف لها وجهاً.
ثمّ إنّه لم يستشكل أحد في صحّة هذا الشرط عملاً بعموم أدلّته ، فإنّه شرط لأمر سائغ من غير أن يكون محلّلاً ولا محرّماً. ونتيجته الخيار لو تخلّف المشروط عليه.
نعم ، في خصوص ما لو اشترط البائع على المشتري أن يبيعه منه ثانياً كلامٌ مشهور مذكور في محلّه ، فقد منعه جماعة ، وعلّلوه بوجوهٍ منها : المنافاة مع قصد
[2923] مسألة 47 : إذا اشترى المسلم من الذمّي أرضاً ثمّ فسخ بإقالةٍ أو بخيار ففي ثبوت الخمس وجه ، لكن الأوجه خلافه ، حيث إنّ الفسخ ليس معاوضة (1).
[2924] مسألة 48 : من بحكم المسلم بحكم المسلم (2).
[2925] مسألة 49 : إذا بيع خمس الأرض التي اشتراها الذمّي عليه وجب عليه خمس ذلك الخمس الذي اشتراه وهكذا (3).
البيع ، ونحو ذلك من الوجوه المزيّفة. والعمدة في المقام الروايات الخاصّة المانعة عن ذلك. وكيفما كان ، فمحلّ الإشكال فرض آخر غير ما افترضه الماتن في هذه المسألة ، فلاحظ.
(1) وإنّما هو حلّ للمعاوضة وإزالة للسبب الحادث ، وبعد ما ارتفع الحاجب يعود كلّ مال إلى ملك صاحبه الأوّل بنفس السبب السابق. وعليه ، فلم يتلقّ الذمّي الأرض من المسلم ليجب الخمس ، وإنّما تملّكها بالسبب السابق على البيع المفسوخ من إحياء أو إرث ونحوهما ، فلا يصدق أنّه انتقلت إليه الأرض من المسلم ليشمله النصّ بعد ما عرفت من عدم كون الفسخ من المملّكات ، وإنّما كان هناك حاجز ومانع فارتفع.
(2) أي في المقام ، فكلّ مَن كان محكوماً بالإسلام كأطفال المسلمين ومجانينهم فهو بحكم المسلم فيما نحن فيه من وجوب الخمس على الذمّي لو اشترى الأرض منه ، كما في غير المقام من سائر الأحكام بلا كلام. والحكم مورد للإجماع والتسالم.
(3) يريد (قدس سره) بذلك شراء الخمس بعد دفعه من نفس العين الشخصيّة التي تعلّق بها الخمس أوّلاً ، فيشتري خمس الأرض بعد إقباضه
السابع : ما يفضل عن مئونة سنته (1) ومئونة عياله من أرباح التجارات ومن سائر التكسّبات من الصناعات والزراعات والإجارات حتى الخياطة
وتسليمه إلى أربابه ، ولا شكّ حينئذٍ في وجوب التخميس ثانياً وثالثاً وهكذا ، لكونه في كلّ مرّة موضوعاً جديداً لشراء الذمّي الأرض من المسلم فيعمّه النصّ ويشمله الحكم إلى أن لا يبقى منه شيء يقبل التخميس.
وأمّا لو أراد الشراء قبل الدفع لكي تخلص له الأرض بأجمعها :
فبناءً على أنّ متعلّق الخمس ماليّة الأرض كما في الزكاة لا شخصيّتها فأربابه لا يملكون إلّا خمس هذه الأرض بما أنّه مال لا بما أنّه أرض ، ومن الواضح أنّ شراء هذه الماليّة لا يستوجب التخميس ، لعدم كونه مصداقاً لشراء الأرض ، بل لشراء ماليّتها ، ولا خمس إلّا في شراء الأرض نفسها لا ماليّتها كما هو ظاهر.
فلو كانت الأرض تسوى مائة دينار فله شراء خمس هذه الماليّة الذي قد تسوى عشرين وأُخرى أقلّ حسب اختلاف الأحوال ، إذ قد لا ينتفع من خمس الأرض مستقلا ما ينتفع به في ضمن المجموع ، فلو اشترى ذلك لم يكن عليه خمس آخر ، فإنّه مثل ما لو أدّى الخمس من القيمة ابتداءً في أنّه يملك بذلك تمام الأرض من دون أن يجب عليه الخمس ثانياً ، لعدم كونه شراءً جديداً للأرض حسبما عرفت.
وأمّا بناءً على القول بالإشاعة كما اخترناه فلا يفرق الحال بين الصورتين كما لا يخفى.
(1) ينبغي التكلّم في مقامين :
أحدهما : في أصل التشريع وأنّه هل يجب الخمس في هذا القسم كما وجب في سائر الأقسام ، أو لا؟
والكتابة والنجارة والصيد وحيازة المباحات وأُجرة العبادات الاستيجاريّة من الحجّ والصوم والصلاة والزيارات وتعليم الأطفال وغير ذلك من الأعمال التي لها اجرة.
ثانيهما : في أنّه بعد الفراغ عن الوجوب فهل ثبت سقوطه والعفو عنه بنصوص التحليل إمّا مطلقاً أو في الجملة ، أو لا؟
ولنؤخّر البحث عن المقام الثاني ، حيث سيتعرّض له الماتن في المسألة الأخيرة من كتاب الخمس ونتابعه في البحث ، فهو موكول إلى محلّه إن شاء اللّه تعالى.
والكلام الآن متمحّض في المقام الأوّل ، والبحث عنه يقع في جهات :
الجهة الأُولى : الظاهر تسالم الأصحاب واتّفاقهم قديماً وحديثاً على الوجوب ، إذ لم ينسب الخلاف إلّا إلى ابن الجنيد وابن أبي عقيل (1)، ولكن مخالفتهما على تقدير صدق النسبة من أجل عدم صراحة العبارة المنقولة عنهما في ذلك لا تقدح في تحقّق الإجماع ، ولا سيّما الأوّل منهما المطابقة فتاواه لفتاوى أبي حنيفة غالباً كما لا يخفى.
بل في الجواهر : أنّ هذا هو الذي استقرّ عليه المذهب والعمل في زماننا هذا ، بل وغيره من الأزمنة السابقة (2).
وكيفما كان ، فيدلّنا على الحكم بعد الإجماع والسيرة العمليّة القطعيّة المتّصلة بزمن المعصومين (عليهم السلام) :
أوّلاً : الكتاب العزيز ، قال تعالى : ( وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ
.................................................................................................
وَلِلرَّسُولِ ) (1)، فإنّ الغنيمة بهذه الهيئة وإن أمكن أن يقال بل قيل باختصاصها بغنائم دار الحرب أمّا لغةً أو اصطلاحاً وإن كان لم يظهر له أيّ وجه إلّا أنّ كلمة «غَنِمَ» بالصيغة الواردة في الآية المباركة ترادف «رَبِحَ» و «استفادَ» وما شاكل ذلك ، فتعمّ مطلق الفائدة ، ولم يتوهّم أحد اختصاصها بدار الحرب.
ولعلّ في التعبير بالشيء الذي فيه من السعة والشمول ما ترى إيعازاً إلى هذا التعميم ، وأنّ الخمس ثابت في مطلق ما صدق عليه الشيء من الربح وإن كان يسيراً جدّاً كالدرهم غير المناسب لغنائم دار الحرب كما لا يخفى.
ويعضده إطلاق الخطاب في بعض الآيات السابقة ، وهي قوله تعالى ( وَاعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ ) إلخ (2)، وقوله تعالى ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً ) (3)، فإنّه عامّ لجميع المؤمنين لا لخصوص المقاتلين.
ولا ينافيه ذكر القتال في الآيات السابقة عليها واللاحقة لها ، لما هو المعلوم من عدم كون المورد مخصّصاً للحكم الوارد عليه.
ومن ثمّ اعترف القرطبي في تفسيره وكذا غيره بشمول لفظ الآية لعموم الفوائد والأرباح ، غير أنّه خصّها بغنائم دار الحرب من أجل الإجماع الذي ادّعى قيامه على ذلك (4).
.................................................................................................
فإذا كانت هيئة «غَنِمَ» عامّة فلا جرم كانت هيئة «غنيمة» أيضاً كذلك ، إذ لا دلالة في هيئة «فعيلة» على الاختصاص.
وكيفما كان ، فلا ينبغي التأمّل في إطلاق الآية المباركة في حدّ ذاتها وشمولها لعامّة الأرباح والغنائم.
وتشهد لذلك أخبار كثيرة دلّت على أنّها الإفادة يوماً فيوماً ، تكون بضميمة نصوص التحليل حيث إنّه متفرّع على أصل التشريع فتدلّ عليه أيضاً بالغة حدّ التواتر الإجمالي كما لا يخفى.
فالحكم ممّا لا ينبغي الإشكال فيه.
نعم ، هاهنا إشكال معروف قد تداول على الألسن ولا سيّما في الآونة الأخيرة ، وحاصله :
أنّ الآية لو كانت مطلقة وكان هذا النوع من الخمس ثابتاً في الشريعة المقدّسة فلما ذا لم يعهد أخذه من صاحب الشرع؟! حيث لم ينقل لا في كتب الحديث ولا التأريخ أنّ النبيّ الأعظم (صلّى اللّه عليه وآله) أو أحداً من المتصدّين بعده حتى وصيّه المعظّم في زمن خلافته الظاهريّة تصدّى لأخذ الأخماس من الأرباح والتجارات كما كانوا يبعثون العمّال لجباية الزكوات ، بل قد جعل سهم خاصّ للعاملين عليها ، فإنّه لو كان ذلك متداولاً كالزكاة لنقل إلينا بطبيعة الحال.
وإن تعجب فعجب أنّه لم يوجد لهذا القسم من الخمس عين ولا أثر في صدر الإسلام إلى عهد الصادقَين (عليهما السلام) ، حيث إنّ الروايات القليلة الواردة في المقام كلّها برزت وصدرت منذ هذا العصر ، أمّا قبله فلم يكن منه اسم ولا رسم بتاتاً حسبما عرفت.
والجواب : إمّا بناءً على ما سلكناه من تدريجيّة الأحكام وجواز تأخير
.................................................................................................
التبليغ عن عصر التشريع بإيداع بيانه من النبيّ إلى الإمام ليظهره في ظرفه المناسب له حسب المصالح الوقتيّة الباعثة على ذلك ، بل قد يظهر من بعض النصوص أنّ جملة من الأحكام لم تنشر لحدّ الآن وأنّها مودعة عند وليّ العصر (عجّل اللّه تعالى فرجه) وهو المأمور بتبليغها متى ما ظهر وملأ الأرض قسطاً وعدلاً. فالأمر على هذا المبنى الحاسم لمادّة الإشكال ظاهر لا سترة عليه.
وإمّا مع الغض عن ذلك فبإبداء الفرق بين الزكاة والخمس ، نظراً إلى أنّ الأوّل ملك للفقراء وحقّ يصرف في مصالح المسلمين ، وهو (صلّى اللّه عليه وآله) مأمور بالأخذ ، قال تعالى ( خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً ) إلخ (1)، فمقدّمة للأخذ الواجب عليه لا محيص له (صلّى اللّه عليه وآله) من بعث العمّال لجباية الزكوات.
وأمّا الخمس فهو حقّ له (صلّى اللّه عليه وآله) ولأقربائه ، فيشبه الملك الشخصي ، حيث لا تعود فائدته لعامّة المسلمين ، ومن ثمّ لم يؤمر في مورده إلّا بمجرّد التبليغ كما في سائر الأحكام من الصلاة والصيام دون الأخذ ، فلم يكن ثَمّة باعث على جبايته ، بل قد لا يناسب ذلك شأنه وجلالته كما لا يخفى. فلا مجال لقياس الخمس على الزكاة ، فإنّه مع الفارق الواضح حسبما عرفت.
وبالجملة : فعلى تقدير تسليم عدم بعث العمّال لأخذ الأخماس فهذا لا يكشف عن عدم الوجوب بوجه ، كيف؟! ووجوب الخمس في الركاز ممّا أصفقت عليه العامّة ورووا فيه روايات كثيرة (2)، ومع ذلك لم ينقل ولا في مورد واحد أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه وآله) أو من بعده بعث أحداً لجبايته ، فعدم البعث والحثّ للأخذ لازمٌ أعمّ لعدم الوجوب فلا يكشف عنه أبداً.
على أنّ العامّة قد رووا هذا الخمس عن النبيّ (صلّى اللّه عليه وآله) ، فقد
.................................................................................................
ورد في صحيح البخاري والترمذي : أنّ رجلاً من بني عبد قيس جاء إلى النبيّ (صلّى اللّه عليه وآله) فلمّا أراد الانصراف أمره (صلّى اللّه عليه وآله) بالصلاة والصيام والزكاة وإعطاء الخمس ممّا غنم (1). فإنّ من الواضح عدم إرادة الخمس من غنائم دار الحرب ، لعدم فرض قتال أو غزو ، بل المراد خمس الأرباح والمتاجر كما لا يخفى.
والإنصاف أنّه لم يتّضح لدينا بعد ، ماذا كانت الحالة عليه في عصره (صلّى اللّه عليه وآله) ، بالإضافة إلى أخذ هذا النوع من الخمس وعدمه ، كيف؟! والعهد بعيد والفصل طويل ، وقد تخلّل بيننا عصر الأُمويّين الذين بدّلوا الحكومة الإسلاميّة حكومةً جاهليّة ، ومحقوا أحكام الدين حتى أنّ كثيراً من الناس لم يعرفوا وجوب الزكاة الثابت بنصّ القرآن كما يحكيه لنا التأريخ والحديث.
بل في صحيح أبي داود وسنن النسائي : أنّ أكثر أهل الشام لم يكونوا يعرفون أعداد الفرائض.
وعن ابن سعد في الطبقات : أنّ كثيراً من الناس لم يعرفوا مناسك حجّهم.
وروى ابن حزم عن ابن عباس : أنّه خطب في البصرة وذكر زكاة الفطرة وصدقة الصيام فلم يعرفوها حتى أمر من معه أن يعلّم الناس.
فإذا كان الحال هذه بالإضافة إلى مثل هذه الأحكام التي هي من ضروريّات الإسلام ومتعلّقة بجميع الأنام فما ظنّك بمثل الخمس الذي هو حقّ خاصّ له ولقرابته ولم يكن من الحقوق العامّة كما في الزكاة ، بل لخصوص بني هاشم زادهم اللّه عزّاً وشرفاً ، فلا غرابة إذن في جهلنا بما كان عليه أمر الخمس في عصره (صلّى اللّه عليه وآله) أخذاً وصرفاً.
إلّا أنّ هذا كلّه لا يكشف عن عدم الوجوب ، وعدم الوصول لا يلازم عدم
1) صحيح البخاري 2 : 131 ، سنن الترمذي 5 : 8 / 2611.
.................................................................................................
التشريع بعد أن نطق به الكتاب العزيز والسنّة المتواترة ولو إجمالاً حسبما عرفت وستعرف.
وممّا يؤكّد ذلك أنّه لا خلاف بيننا وبين العامّة في عدم جواز دفع الزكاة لبني هاشم وأنّ الصدقة عليهم حرام ، حتى أنّه لا يجوز استعمالهم عليها والدفع من سهم العاملين ، وقد رووا في ذلك روايات متواترة ، كما وردت من طرقنا أيضاً حسبما تقدّم في كتاب الزكاة (1)، وفي بعضها : أنّ اللّه تعالى قد عوّض عنها الخمس إكراماً لهم وتنزيهاً عن أوساخ ما في أيدي الناس (2).
وفي صحيح مسلم وغيره : أنّ الفضل بن العبّاس وشخصاً آخر من بني هاشم كانا محتاجين إلى الزواج ولم يكن لديهما مهر فاشتكيا ذلك إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) وطلباً منه أن يستعملهما على الزكاة ليحصلا على المهر من سهم العاملين فلم يرتض (صلّى اللّه عليه وآله) بذلك ، بل أمر شخصين أن يزوّجا ابنتيهما منهما ، وجعل مهرهما من الخمس بدلاً عن الزكاة (3). والروايات بذلك متظافرة بل متواترة من الطرفين كما عرفت.
ومن الواضح الضروري أنّ الحرب ليست قائمة بين المسلمين والكفّار مدى الدهر ليتحقّق بذلك موضوع الخمس من غنائم دار الحرب فتدفع إليهم :
إمّا لاستيلاء الكفّار كما في هذه الأعصار وما تقدّمها بكثير ، ولعلّ ما سيلحقها أيضاً بأكثر ، حيث أصبح المسلمون مستعمرين وإلى اللّه المشتكى.
أو لاستيلاء الإسلام كما في عهد الإمام المنتظر (عجّل اللّه تعالى فرجه) وجعلنا من أنصاره وأعوانه.
.................................................................................................
وعليه ، فلو كان الخمس مقصوراً على غنائم دار الحرب ولم يكن متعلّقاً بما له دوام واستمرار من الأرباح والتجارات فكيف يعيش الفقراء من بني هاشم في عصر الهدنة الذي هو عصر طويل الأمد بعيد الأجل كما عرفت ، والمفروض تسالم الفريقين على منعهم عن الزكاة أيضاً كما مرّ؟! إذن فما هو الخمس المجعول عوضاً عنها في هذه الظروف؟! فلا مناص من الالتزام بتعلّقه كالزكاة بما له دوام واستمرار وثبات وقرار في جميع الأعصار ، لتستقيم العوضيّة وتتمّ البدليّة الأبديّة ، ولا يكون الهاشمي أقلّ نصيباً من غيره ، وليس ما هو كذلك إلّا عامّة الأرباح والمكاسب حسبما عرفت.
فتحصّل : أنّ الاستشكال في وجوب الخمس في هذا القسم ساقط لا يُعبأ به بتاتاً.
ويدلّنا على الحكم ثانياً جملة وافرة من النصوص التي عرفت أنّها بضميمة نصوص التحليل بالغة حدّ التواتر الإجمالي ، وإليك بعضها :
فمنها : موثّقة سماعة ، قال : سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الخمس «فقال : في كلّ ما أفاد الناس من قليل أو كثيرٍ» (1).
ومنها : صحيحة علي بن مهزيار ، قال : كتب إليه إبراهيم بن محمّد الهمداني : أقرأني علي كتاب أبيك فيما أوجبه على أصحاب الضياع إلى أن قال - : فكتب وقرأه علي بن مهزيار : «عليه الخمس بعد مئونته ومئونة عياله وبعد خراج السلطان» (2).
ومنها : صحيحته الأُخرى ، ولنذكرها بطولها لما فيها من المزايا ، قال : كتب إليه أبو جعفر (عليه السلام) وقرأت أنا كتابه إليه في طريق مكة «قال : إنّ
.................................................................................................
الذي أوجبت في سنتي هذه ، وهذه سنة عشرين ومائتين ، فقط لمعنى من المعاني ، أكره تفسير المعنى كلّه خوفاً من الانتشار ، وسافسِّر لك بعضه إن شاء اللّه : إنّ مواليّ أسأل اللّه صلاحهم أو بعضهم قصّروا فيما يجب عليهم ، فعلمت ذلك فأحببت أن أُطهِّرهم وأُزكِّيهم بما فعلت من أمر الخمس في عامي هذا ، قال اللّه تعالى ( خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) (1).
إلى أن قال : «ولم أُوجب عليهم ذلك في كلّ عام ، ولا أُوجب عليهم إلّا الزكاة التي فرضها اللّه عليهم ، وإنّما أوجبت عليهم الخمس في سنتي هذه في الذهب والفضّة التي قد حال عليهما الحول ، ولم أُوجب ذلك عليهم في متاع ولا آنية ولا دواب ولا خدم ولا ربح ربحه في تجارة ولا ضيعة إلّا في ضيعة سأُفسِّر لك أمرها ، تخفيفاً منِّي عن مواليّ ، ومنّاً منِّي عليهم لما يغتال السلطان من أموالهم ولما ينوبهم في ذاتهم ، فأمّا الغنائم والفوائد فهي واجبة عليهم في كلّ عام ، قال اللّه تعالى ( وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ ) (2)إلخ».
إلى أن قال : «فالغنائم والفوائد يرحمك اللّه فهي الغنيمة يغنمها المرء والفائدة يفيدها ، والجائزة من الإنسان للإنسان التي لها خطر ، والميراث الذي لا يحتسب من غير أب ولا ابن ، ومثل عدوّ يصطلم فيؤخذ ماله ، ومثل مال يؤخذ ولا يعرف له صاحب ، وما صار إلى مواليّ من أموال الخرميّة (3)الفسقة ، فقد علمت أنّ أموالاً عظاماً صارت إلى قوم من مواليّ ، فمن كان عنده شيء من ذلك فليوصله إلى وكيلي ، ومن كان نائياً بعيد الشقّة فليتعمّد لإيصاله ولو بعد
.................................................................................................
حين ، فإنّ نيّة المؤمن خيرٌ من عمله ، فأمّا الذي أوجب من الضياع والغلّات في كلّ عام فهو نصف السدس ممّن كانت ضيعته تقوم بمئونته ، ومن كانت ضيعته لا تقوم بمئونته فليس عليه نصف سدس ولا غير ذلك» (1).
ولنأخذ في شرح بعض فقرأت هذا الحديث الشريف المروي عن أبي جعفر الجواد (عليه السلام) ودفع ما أُورد عليه من الإشكالات.
قوله (عليه السلام) : «في سنتي هذه» إلخ ، وهي سنة وفاته (عليه السلام) ، ولعلّ إلى ذلك أشار (عليه السلام) بقوله : «لمعنى من المعاني» وكره تفسيره كلّه ، فأراد (عليه السلام) تطهير مواليه في السنة الأخيرة من عمره الشريف ، اقتداءً بالنبيّ الأكرم المأمور بالأخذ والتطهير في قوله تعالى ( خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ ) إلخ.
وقوله (عليه السلام) : «ولم أُوجب عليهم ذلك في كلّ عام» إلخ ، أي من أعوام حياته ، علماً منه (عليه السلام) بعدم بقائه.
قوله (عليه السلام) : «وإنّما أوجبت عليهم الخمس في سنتي هذه» إلخ ، يعني : أنّ الكيفيّة التي اختارها (عليه السلام) للتطهير تختصّ بهذه السنة ، وهي إيجاب الخمس في خصوص الذهب والفضّة التي قد حال عليهما الحول ، وإسقاطه عمّا عداهما من المتاع والآنية والدواب والخدم والربح والضيعة إلّا في ضيعة خاصّة أشار (عليه السلام) إليها بقوله : «سأُفسِّر لك أمرها» يعني (عليه السلام) بذلك ما سيذكره (عليه السلام) في آخر الحديث من التفصيل بين من كانت ضيعته تقوم بمئونته ففيها نصف السدس ، وإلّا فلا شيء عليه.
فإلى هنا أسقط (عليه السلام) الخمس عمّا سوى ذلك في هذه السنة بالخصوص ، ولم يبيّن (عليه السلام) وجهه وكره تفسيره ، وقد عرفت احتمال أن يكون الوجه موته (عليه السلام) في تلك السنة ، فأراد (عليه السلام) تطهيرهم
1) الوسائل 9 : 501 / أبواب ما يجب فيه الخمس ب 8 ح 5.
.................................................................................................
إلّا في خصوص الذهب والفضّة.
هذا ، وصاحب المدارك تعرّض لهذه الرواية وذكر أنّ فيها إشكالاً من جهات تمنعنا عن الأخذ بها وأنّه لا بدّ من طرحها بالرغم من صحّة السند (1).
منها : هذه الجملة : حيث أوجب (عليه السلام) الخمس في الذهب والفضّة مع أنّه لا يجب فيهما إلّا الزكاة بالإجماع.
ولكنّ الظاهر أنّ هذه الشبهة في غير محلّها.
أمّا لو أُريد من الذهب والفضّة ما كان بنفسه مورداً للخمس كما لو وقع ربحاً في تجارة كما هو غير بعيد فالأمر ظاهر ، إذ عليه يكون هذا استثناء عمّا ذكره (عليه السلام) من السقوط في الأرباح ، فأسقط (عليه السلام) الخمس عن كلّ ربح ما عداهما ، فيجب فيهما بعد حلول الحول لا بعنوانهما الأولي ، بل بما أنّهما ربح في تجارة ، ولا ضير في ذلك أبداً كما هو ظاهر.
وأمّا مع التنازل عن ذلك ودعوى ظهورها في إيجاب الخمس فيهما بعنوانهما الذاتي حتى لو لم يتعلّق بهما خمس الأرباح كما لو كان إرثاً وحال عليه الحول ، فلا ضير فيه أيضاً ، لما عرفت من أنّه (عليه السلام) لم يكن بصدد بيان الحكم الشرعي مطلقاً ، بل أوجب (عليه السلام) الخمس في خصوص سنته هذه فقط.
وقد تقدّم أنّ وليّ الأمر له الولاية على ذلك ، فله إسقاط الخمس عن التجارة وجعله في الذهب والفضّة ولو مؤقّتاً ، لمصلحةٍ يراها مقتضية لتبديل البعض بالبعض ، سيّما في مثل الذهب والفضّة بعد حلول الحول الكاشف عن عدم الحاجة.
فهذه الجملة لا توجب سقوط الرواية عن الحجّيّة بوجه كما لا يخفى.
1) المدارك 5 : 383.
.................................................................................................
ومنها : قوله (عليه السلام) : «فالغنائم والفوائد رحمك اللّه» إلخ ، حيث أورد في المدارك بما لفظه : ومع ذلك فمقتضاها اندراج الجائزة الخطيرة والميراث ممّن لا يحتسب والمال الذي لا يعرف صاحبه وما يحلّ تناوله من مال العدوّ في اسم الغنائم ، فيكون مصرف الخمس فيها مصرف خمس الغنائم.
وفيه أيضاً ما لا يخفى ، ضرورة أنّ الجائزة من أظهر أنواع الفوائد ، هب أنّ لفظ الغنيمة لا يشملها ولكن الفائدة شاملة للهديّة قطعاً ، وكيف لا يكون العثور على مال مجّاناً من دار أو عقار ونحوهما فائدة؟! ولا أدري بأيّ وجه استشكل ذلك؟! بل هي غنيمة أيضاً ، ومع الغضّ ففائدة بلا إشكال. وكذلك الحال في الميراث الذي لا يحتسب ، والمال المأخوذ من عدوّ يصطلم ، فإنّ كون ذلك كلّه فائدة أمر قطعي لا ينكر.
نعم ، قوله (عليه السلام) : «ومثل مال يؤخذ ولا يعرف له صاحب» لا يخلو عن الإشكال ، نظراً إلى أنّ هذا من مجهول المالك ، والمشهور والمعروف لزوم التصدّق به ، وليس للآخذ تملّكه ليدخل في الفائدة كما في اللقطة ، وإن نُسب ذلك إلى بعضهم استناداً إلى هذه الصحيحة ، ولكن المشهور خلافه كما عرفت ، فكيف عدّ فيها من الفوائد والغنائم؟! ولكن الظاهر أنّ الصحيحة غير ناظرة إلى المال المجهول مالكه ، للفرق الواضح بين قولنا : مالٌ لا يعرف صاحبه ، وبين قولنا : مالٌ لا يعرف له صاحب ، إذ الصاحب في الأوّل مفروض الوجود ، غايته أنّه غير معروف فيكون من مجهول المالك ، بخلاف الثاني وهو الوارد في الصحيحة حيث لم يفرض له صاحب ومالك ، ولعلّه لا صاحب له أبداً وأنّه من المباحات الأصليّة التي هي ملك لمن استولى عليها. وهذا كما ترى أجنبي عن باب مجهول المالك وداخل في الفوائد والغنائم بلا إشكال كما تضمّنته الصحيحة.
.................................................................................................
ثمّ إنّ عبارة الصحيحة هكذا : «مال يؤخذ» كما هو كذلك في التهذيب والاستبصار (1)، فما في مصباح الفقيه من ضبط : «يوجد» (2)بدل : «يؤخذ» غلط من النسّاخ.
ومنها : قوله (عليه السلام) في آخر الصحيح : «فأمّا الذي أُوجب من الضياع» إلخ ، فقد أورد عليه في المدارك بما نصّه : وأمّا مصرف السهم المذكور في آخر الرواية وهو نصف السدس في الضياع والغلّات فغير مذكور صريحاً ، مع أنّا لا نعلم بوجوب ذلك على الخصوص قائلاً.
أقول : أمّا ما ذكره (قدس سره) من عدم ذكر المصرف فعجيب ، بداهة أنّ الصحيحة من بدايتها إلى نهايتها تنادي بأعلى صوتها بأنّه (عليه السلام) في مقام تخفيف الخمس إمّا بالإلغاء محضاً كما في المتاع والآنية والخدم والربح ونحوها ، أو بالإلغاء بعضاً كما في الضيعة ، حيث أشار (عليه السلام) في صدرها بقوله : «إلّا في ضيعة سأُفسِّر لك أمرها» فما ذكره هنا تفسيرٌ لما وعد ، ومعناه : أنّه (عليه السلام) خفّف الخمس واكتفى عنه بنصف السدس ، فكيف لا يكون مصرفه معلوماً؟! فإنّه هو مصرف الخمس بعينه.
وأمّا ما ذكره (قدس سره) أخيراً من أنّه لم يعرف له قائل ، فحقّ ، ولكنّه (عليه السلام) لم يكن بصدد بيان الحكم الشرعي ليقال : إنّه لا قائل به ، بل في مقام التخفيف عن حقّه الشخصي والاكتفاء عن الخمس بنصف السدس كما عرفت ، فيختصّ بزمانه ، ولا ينافيه قوله (عليه السلام) : «في كل عام» ، إذ الظاهر أنّ المراد : كلّ عام من أعوام حياته وما دامت الإمامة لم تنتقل إلى إمام آخر كما مرّ.
.................................................................................................
ويدلّ على ذلك صريحاً صحيحته السابقة (1)المتضمّنة لمكاتبة إبراهيم بن محمّد الهمداني إلى الهادي (عليه السلام) وسؤاله عن كتاب أبيه الجواد (عليه السلام) فيما أوجبه على أصحاب الضياع من نصف السدس ، واختلاف الأصحاب في ذلك ، وجوابه (عليه السلام) بوجوب الخمس بعد المئونة ، الكاشف عن اختصاص نصف السدس بزمان أبيه (عليه السلام) ، وأنّ حكم الضيعة هو الخمس ، غير أنّه (عليه السلام) اكتفى عنه بهذا المقدار.
ومنها : قوله (عليه السلام) : «فأمّا الغنائم والفوائد» إلخ ، حيث أشكل عليه المحقّق الهمداني (قدس سره) (2)بأنّه يظهر منه أنّ الأرباح غير داخلة في الغنائم ، ولأجله أسقط الخمس في الأوّل وأثبته في الثاني ، فيظهر التغاير من المقابلة واختلافهما من حيث المصرف ، وأنّ خمس الأرباح يختصّ بالإمام (عليه السلام) ، ولأجله تصرّف (عليه السلام) فيه رفعاً وتخفيفاً.
وهذا الإشكال أيضاً لا يرجع إلى محصّل ، لأنّ المذكور فيها لو كان هو الغنائم فقط لأمكن الاستظهار المزبور ، ولكن اقترانها بالفوائد قرينة قطعيّة على أنّ المراد بها معنى عام يشمل مطلق الأرباح وغيرها ، غايته الالتزام بخروج صنف خاصّ من الفوائد ، وهي المذكورة قبل ذلك ممّا أُسقط عنه الخمس أعني : أرباح التجارات ونحوها ونتيجته ارتكاب التخصيص الذي ليس بعزيز ، فيثبت الخمس في غير ما ذكر من الفوائد.
وبعبارة اخرى : ما يحتمل فيه الاختصاص هو لفظ الغنائم ، فيدّعى كما قيل باختصاصه بغنائم دار الحرب ، وأمّا الفوائد فهي مطلقة قطعاً ولا مجال فيها للتوهّم المزبور بتاتاً ، فاقتران الأوّل بالثاني قرينة قاطعة على اتّحاد المعنى
.................................................................................................
وأنّ المراد مطلق الفوائد ، فلا تدلّ على عدم دخول الأرباح ، غايته التخصيص بها وأنّه (عليه السلام) أوجب الخمس في هذه السنة فيما عدا الأرباح من الفوائد.
والمتحصّل من جميع ما قدّمناه : أنّ هذه الرواية صحيحة السند ، ظاهرة الدلالة على وجوب الخمس في الفوائد والغنائم وإن أسقط (عليه السلام) حقّه الشخصي في بعض السنين ، فيصحّ الاستدلال بها ولا يرد عليها شيء من الإشكالات حسبما عرفت.
كما اتّضح أنّه لا ينبغي الشكّ في وجوب الخمس في الفوائد مطلقاً وعدم الاختصاص بغنائم دار الحرب ، للإجماع والكتاب والسنّة المتواترة إجمالاً حسبما أسلفناك.
الجهة الثانية : لا ريب أنّ هذا الوجوب مشروط باستثناء ما يصرفه في سبيل تحصيل الربح ، فمئونة الصرف مستثناة عن الوجوب بلا خلاف ولا إشكال كما هو ظاهر من غير حاجة إلى تجشّم الاستدلال وإقامة البرهان ، ضرورة عدم صدق الفائدة إلّا فيما زاد على هذا المقدار ، فلو فرضنا أنّ تاجراً أو زارعاً أو صانعاً أو صاحب معمل صرف خمسين ديناراً وحصّل على مائة لا يقال : إنّه ربح واستفاد مائة ، بل لم يربح إلّا خمسين ديناراً لا غير كما هو ظاهر جدّاً ، فلا خمس إلّا في هذه الخمسين التي هي مصداق للفائدة والعائدة.
مضافاً إلى ما دلّت عليه صحيحة البزنطي ، قال : كتبت إلى أبي جعفر (عليه السلام) : الخمس ، أخرجه قبل المئونة أو بعد المئونة؟ فكتب : «بعد المئونة» (1).
وقد تقدّمت هذه الصحيحة في بحث المعادن وقلنا : إنّ الظاهر منها مئونة الصرف لا مئونة السنة.
1) الوسائل 9 : 508 / أبواب ما يجب فيه الخمس ب 12 ح 1.
.................................................................................................
وتؤيِّده رواية محمّد بن الحسن الأشعري وهو ابن أبي خالد المعروف بشنبولة ، ولم يوثّق قال : كتب بعض أصحابنا إلى أبي جعفر الثاني (عليه السلام) : أخبرني عن الخمس ، أعلى جميع ما يستفيد الرجل من قليل وكثير من جميع الضروب وعلى الصناع ، وكيف ذلك؟ فكتب بخطّه : «الخمس بعد المئونة» (1)، هكذا في الوسائل تبعاً للتهذيب ، ولكن في الاستبصار : «الضياع» بدل : «الصناع» وهو الصحيح. وكيفما كان ، فلا إشكال في استثناء مئونة الصرف.
الجهة الثالثة : لا إشكال أيضاً في أنّه يستثني ما صرفه في مئونة سنته لنفسه وعائلته ، فإنّ الخمس وإن كان متعلّقاً بكلّ ما يستفيده الرجل من قليل أو كثير ولكن وجوب الدفع مشروط بعدم الصرف في المئونة كما نطقت به بعض الأخبار :
منها : صحيحة علي بن مهزيار ، قال : قال لي أبو علي بن راشد : قلت له : أمرتني بالقيام بأمرك وأخذ حقّك فأعلمت مواليك بذلك ، فقال لي بعضهم : وأيّ شيء حقّه؟ فلم أدر ما أُجيبه «فقال : يجب عليهم الخمس» فقلت : ففي أيّ شيء؟ «فقال : في أمتعتهم وصنايعهم (ضياعهم)» قلت : والتاجر عليه والصانع بيده؟ «فقال : إذا أمكنهم بعد مؤونتهم» (2).
فإنّ الضمير في «مؤونتهم» ضمير جمع للعقلاء ، فيراد مئونة الأشخاص ، أي الرجل وعائلته ، لا مئونة الصرف للربح كما لا يخفى.
ومنها : صحيحته الأُخرى قال فيها : فكتب وقرأه علي بن مهزيار : «عليه الخمس بعد مئونته ومئونة عياله» إلخ (3)، فإنّها صريحة في المطلوب.
.................................................................................................
ثمّ إنّه لا إشكال في أنّ المراد بالمئونة في هذه الروايات هي مئونة السنة ، بل عليه إجماع الأصحاب كما نصّ عليه غير واحد ، وإن كان لم يصرّح بلفظ «السنة» في شيء من تلك النصوص كما اعترف به صاحب الحدائق (1)وغيره.
نعم ، في صحيحة علي بن مهزيار الطويلة على بعض نسخ الوسائل طبع عين الدولة هكذا : «ومن كانت ضيعته لا تقوم سنة» إلخ.
ولكن النسخة مغلوطة جزماً والصحيح كما في الأصل هكذا : «لا تقوم بمئونته» إلخ ، فالنصوص بأجمعها خالية عن تقييد المئونة بالسنة ، وإنّما هو مذكور في كلمات الأصحاب وهو الصحيح.
والوجه فيه : انصراف اللفظ إليها عرفاً لدى الإطلاق بعد عدم الدليل على إرادة مئونة اليوم أو الأُسبوع أو الشهر ، نظراً إلى قيام التعارف الخارجي ولا سيّما في الأزمنة السابقة وخاصّة في القرى على تهيئة مئونة سنتهم في كلّ فصل من الفصول المناسبة لما يحتاجون إليه من الحنطة والأرز والتمر ونحو ذلك ممّا تمسّ به الحاجة ، فكانوا يدّخرونه للصرف إلى العام الحاضر. نعم ، سكنة المدن الكبرى في غنى عن ذلك ، لوفور النعم في أسواقها طوال العام.
وكيفما كان ، فمئونة الشخص لدى العرف تقدّر بالسنين لا بالأيّام أو الشهور أو الفصول ، لعدم انضباطها ، ولأجله كان المتبادر من قولنا : فلان يفي كسبه أو ضيعته بمئونته أو لا يفي ، أو : أنّه مالك للمئونة أو غير مالك ، هو مئونة السنة. وهذا هو السرّ فيما فهمه الأصحاب من مثل هذه الأخبار من التقييد بالسنة بعد
1) الحدائق 12 : 353.
بل الأحوط ثبوته في مطلق الفائدة (1) وإن لم تحصل بالاكتساب كالهبة والهديّة والجائزة
خلوّها عنه حسبما عرفت.
(1) الجهة الرابعة : لا إشكال في تعلّق الخمس بكلّ فائدة فاضلة على المئونة ، حاصلة بالتكسّب من أرباح التجارات والصناعات والزراعات والإجارات ونحو ذلك من الفوائد المقصودة المذكورة في المتن ، حيث إنّها القدر المتيقّن من أخبار هذا الباب.
وإنّما الكلام فيما يحصل بغير الاكتساب وأنّ الحكم هل يعمّ مطلق الفوائد ، أو لا؟ وهي أُمور :
منها : الهبة والهديّة ، فقد اختلفت فيها الأنظار وكلمات علمائنا الأبرار بمثابةٍ نُسب كلٌّ من القول بالوجوب وعدمه إلى المشهور :
فعن الحلّي في السرائر : نسبة الوجوب إلى أبي الصلاح الحلبي في كتاب الكافي ، ثمّ أنكر عليه وقال : ولم يذكره أحد من أصحابنا إلّا المشار إليه ، ولو كان صحيحاً لنقل أمثاله متواتراً ، والأصل براءة الذمّة (1).
فيظهر منه أنّ عدم الوجوب ممّا تسالم عليه الأصحاب ما عداه.
وبعكس ذلك ما يظهر من المحقّق والشهيد من نسبة الوجوب إلى الأصحاب (2)، حيث أسند الخلاف في الدروس إلى ابن إدريس خاصّة ، وفي المعتبر إلى بعض أصحابنا ، ويريد به ابن إدريس ، فكأنّ الوجوب متسالم عليه ولا مخالف غيره.
.................................................................................................
وعن الشهيد الثاني والشيخ الأنصاري : إدخال الهبة في عنوان التكسّب ، نظراً إلى أنّها معاملة تحتاج إلى القبول ، وهو نوع من التكسّب فتشملها كلمات الفقهاء من وجوب الخمس فيما يحصل بالاكتساب (1).
ولا بأس بما ذكراه.
وكيفما كان ، فلا يهمّنا تحقيق الخلاف وتعيين القول المشهور ، وأنّ أيّ النسبتين صحيحة بعد وضوح عدم انعقاد إجماع في المسألة ، والعمدة ما يستفاد من الأدلّة.
والذي يدلّ على الوجوب أوّلاً : الكتاب العزيز ، بناءً على ما تقدّم من تفسير الغنيمة بما هو أعمّ من غنيمة دار الحرب ، وهو ما يستفيده الرجل إمّا مطلقاً ، أو بقيدٍ بغير مشقّة كما قيل ، وإن كان التقييد ينافيه مورد الآية ، لما في الحرب من مشقّة. وعلى أيّ حال ، فتعمّ الهبة بلا إشكال ، فإنّها فائدة ، سواء أصدق في موردها التكسّب أم لا ، لعدم تقييد الآية بذلك ، فهي بنفسها كافية في إثبات الوجوب في الهبة كغيرها.
وثانياً : عدّة من الأخبار وإن كان الكثير منها ضعيف السند ، والمعتبر منها الذي يمكن أن يستدلّ به ثلاثة :
فمنها : صحيحة علي بن مهزيار الطويلة ، قال (عليه السلام) فيها : «والجائزة من الإنسان للإنسان التي لها خطر» إلخ (2)، حيث عدّ فيها من أنواع الفائدة : الهديّة والجائزة.
والتقييد بالخطير لا يدلّ على المفهوم بالمعنى المصطلح ، بل غايته الدلالة على
.................................................................................................
عدم تعلّق الحكم بالطبيعي الجامع ، وإلّا لأصبح القيد لغواً.
ولعلّ وجه التقييد عدم البقاء إلى نهاية السنة لو لم يكن لها خطر ، بل تصرف في المئونة غالباً ، ولا خمس إلّا في فاضل المئونة ، فلا دلالة فيها على عدم الوجوب إذا لم يكن لها خطر وكانت طفيفة.
نعم ، لا تدلّ فيها على الوجوب ، لا أنّها تدلّ على عدم الوجوب.
وعليه ، فيمكن إثبات الوجوب في غير الخطير ، إمّا بعدم القول بالفصل ، ومع الغضّ فبالإطلاق في بقيّة الأخبار.
ومنها : موثّقة سماعة ، قال : سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الخمس «فقال : في كلّ ما أفاد الناس من قليل أو كثير» (1).
دلّت بعمومها الوضعي على تعلّق الحكم بمطلق الفائدة الشاملة للهديّة وغيرها.
ومنها : ما رواه ابن إدريس في آخر السرائر نقلاً من كتاب محمّد بن علي بن محبوب ، عن أحمد بن هلال ، عن ابن أبي عمير ، عن أبان بن عثمان ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : كتبت إليه في الرجل يهدي إليه مولاه والمنقطع إليه هديّة تبلغ ألفي درهم أو أقلّ أو أكثر ، هل عليه فيها الخمس؟ فكتب (عليه السلام) : «الخمس في ذلك» إلخ (2).
أمّا الدلالة فظاهرة ، كما أنّ السند صحيح ، فإنّ ابن إدريس وإن ذكر في آخر السرائر فيما سمّاه بالنوادر طرقه إلى أرباب الكتب ولم تثبت لدينا صحّة شيء
والمال الموصى به (1) ونحوها ، بل لا يخلو عن قوّة.
منها فلا يعتمد عليها لا سيّما وأنّ في بعضها كطريقه إلى أبان بن عثمان شيء لا يمكن تصديقه ، ولكن خصوص طريقه إلى محمّد بن علي بن محبوب صحيح ، لأنّه إنّما يرويه عمّا رآه من خطّ الشيخ ، وطريق الشيخ إلى ابن محبوب صحيح. وقد روى هذه الرواية من طريق ابن محبوب.
وأمّا أحمد بن هلال فهو وإن كان فاسقاً ينسب إلى الغلو مرّةً وإلى النصب اخرى ، بل عن شيخنا الأنصاري (قدس سره) : أنّ مثله لم يكن يتديّن بدين ، لما بين النسبتين من بعد المشرقين (1).
ولكن الظاهر أنّه ثقة في نقله وإن كان فاسداً في عقيدته ، حيث توقّف على أبي جعفر ولم يقبل نيابته عن الإمام ، لأنّه كان يرى نفسه أحقّ بالنيابة ، إذ لا ينافي ذلك ما نصّ عليه النجاشي من كونه صالح الرواية (2)كما لا يخفى.
وهناك طائفة أُخرى من الروايات دلّت على الوجوب أعرضنا عن ذكرها لما في أسانيدها من الضعف ، وفيما ذكرناه غنى وكفاية.
فتحصّل : أنّ الأظهر وجوب الخمس في الهديّة ، سواء أكان هو المشهور أم كان المشهور خلافه.
(1) ومنها : المال الموصى به ، والظاهر وجوب الخمس فيه أيضاً ، فإنّ الوصيّة إن كانت عهديّة بأن عهد إلى وصيّه أن يعطي زيداً بعد وفاته كذا فالحال فيها كما في الهبة ، إذ المال حينئذٍ يعطي له كهديّة يتسلّمها ، فيجري فيه ما مرّ فيها.
نعم ، لا خمس في الميراث (1) إلّا في الذي ملكه من حيث لا يحتسب ، فلا يترك الاحتياط فيه ،
وإن كانت تمليكيّة كأن قال : ثلث مالي لزيد بعد وفاتي فبناءً على المشهور من اعتبار القبول من الموصى له كان حاله حال الهبة أيضاً ، فإنّها جائزة من الميّت يهديها بعد وفاته ، فيجري فيها ما مرّ ، إذ لا يعتبر في الجائزة أن تكون من الحيّ.
وأمّا بناءً على أنّ الوصيّة التمليكيّة إنشاءٌ محض ولا يحتاج إلى القبول كما هو الأظهر غايته أنّه ثبت بالإجماع أنّ له حقّ الردّ ، ومن ثمّ لو مات الموصى له قبل أن يصله الخبر انتقل المال إلى ورثته كما دلّت عليه الروايات.
فعلى هذا المبنى لا يستلزم القول بالوجوب في الهبة القول به هنا ، لإمكان الفرق بإدخال الهبة في التكسّب من أجل الحاجة إلى القبول كما مرّ ، بخلاف المقام المتضمّن للتملّك القهري بعد عدم الحاجة إليه كما هو المفروض.
ولكنّ الظاهر أنّه مع ذلك يجب فيه الخمس ، لدخوله في عنوان الفائدة ، فتشمله الآية والروايات الدالّة على وجوب الخمس في مطلق الغنائم والفوائد حسبما عرفت.
(1) ومنها : الميراث ، والأقوال في المسألة ثلاثة :
عدم وجوب الخمس مطلقاً ، ولعلّه المشهور.
والوجوب مطلقاً ، وقد نسبه ابن إدريس إلى الحلبي مستغرباً قائلاً : إنّه لو كان ثابتاً لنقل بالتواتر كما تقدّم (1).
1) في ص 211.
.................................................................................................
وقول بالتفصيل بين المحتسب وغيره ، واختصاص الوجوب بالثاني.
أمّا الوجوب المطلق فمع أنّه لا مقتضي له لانصراف كلمة الغنيمة والفائدة عن مثل الإرث كما لا يخفى يردّه ما أشار إليه ابن إدريس (1)من أنّ مسألة الميراث عامّة البلوى ومحلّ لابتلاء المسلمين في كلّ زمان ومكان ، بل يتّفق في كلّ يوم. فلو كان الخمس ثابتاً فيه لظهر وبان وكان من الواضحات ، مع أنّه لم يتعرّض له أحد من الفقهاء غير أبي الصلاح ، فهو إذن غير محتمل في نفسه.
وأمّا التفصيل المزبور فلا بأس به ، وقد دلّت عليه صريحاً صحيحة علي بن مهزيار الطويلة ، ولا موجب لرفع اليد عنها بعد صحّة السند وصراحة الدلالة.
وما ذكر آنفاً من أنّه لو كان ثابتاً لنقل بالتواتر ، لا يجري في هذا القسم من الإرث ، لندرته وشذوذه وخروجه عن محلّ ابتلاء العموم ، فعدم التعرّض له في كلمات المتقدّمين من الفقهاء لا يدلّ على عدم التزامهم بالوجوب بوجه ، فلا موجب لطرح الرواية إلّا أن يدّعى الإجماع على خلافها ، ولم يثبت قطعاً.
ودعوى وهنها بإعراض المشهور عنها في هذه الفقرة.
يدفعها : منع الصغرى أوّلاً ، غايته أنّهم لم يتعرّضوا لا أنّهم أعرضوا.
ومنع الكبرى ثانياً ، لعدم سقوط الصحيح بالإعراض عن الحجّيّة ، إلّا أن نقطع بخلافه عن المعصوم (عليه السلام) ، ولا قطع بالضرورة.
فالقول بثبوت الخمس في غير المحتسب من الإرث غير بعيد ، ولا يخلو عن قوّة.
1) السرائر 1 : 490 ، وهو في (الكافي في الفقه) : 170.
كما إذا كان له رحم بعيد في بلد آخر (1) لم يكن عالماً به فمات (1)وكان هو الوارث له ، وكذا لا يترك الاحتياط في حاصل الوقف الخاصّ (2)(2) ،
(1) الظاهر أنّه لا يعتبر في صدق هذا العنوان أي الإرث الذي لا يحتسب عدم الكون في بلد الوارث ، ولا عدم العلم بوجوده ، بل يمكن فرضه حتى مع اجتماعهما في بلد واحد ومع العلم بالوجود ، كما لو فرض أخَوان أحدهما أصغر وله أولاد كثيرون بحيث لا يحتمل عادةً موته بجميع أولاده ليرثه الأكبر ولا سيّما إذا كان شيخاً عمره ثمانون سنة مثلاً والأصغر كهلاً عمره خمسون ، فصادف أن وقعت زلزلة أو صاعقة أو حرب فأهلكت الأصغر بجميع أولاده ، إمّا مع تأخّر موته عن أولاده أو مع اشتباه الحال ، وقد بقي الأكبر ، فكان طبعاً هو الوارث. فإنّ مثل هذا الإرث لم يكن بالحسبان.
وبالجملة : العبرة بعدم كون الإرث محتملاً عادةً. وما في المتن مثالٌ ظاهر لهذه الكبرى من غير انحصار فيه ، ولعلّ الماتن لا يريده أيضاً كما لا يخفى.
(2) لكونه ملكاً للموقوف عليه بلا حاجة إلى القبول ، إذ الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها ، فيكون كالوصيّة التمليكيّة بناءً على عدم احتياجها إلى القبول ، بل لا مقتضي للاحتياج إليه هنا وإن قلنا به في الوصيّة كما لا يخفى ، فيجري فيه ما مرّ فيها من وجوب الخمس ، لكونه فائدة عائدة إلى الموقوف عليه كالموصى له ، فيدخل في الغنائم بناءً على تفسيرها بذلك كما مرّ ، كما يشمله
بل وكذا في النذور (1) ، والأحوط استحباباً ثبوته في عوض الخلع والمهر ومطلق الميراث حتى المحتسب منه ونحو ذلك (2).
قوله (عليه السلام) : «الخمس فيما أفاد الناس من قليل أو كثير».
وأمّا حاصل الوقف العام : فبما أنّ الموقوف عليه حينئذٍ هو الكلّي كعنوان العلماء دون الأشخاص ، ولا خمس إلّا على ما يملكه المكلّف بشخصه ، فتعلّق الخمس منوط بقبض الموقوف عليه ليدخل في ملكه ، فمتى قبضه وملكه استقرّ عليه الخمس إذا زاد على المئونة ، إذ يكون حاله حينئذٍ حال الهبة في أنّه تكسّب بقبوله وقبضه.
ومع قطع النظر عنه فهو داخل في عنوان الفائدة.
(1) الحال فيها كما في الهبة ، فإنّ الملكيّة غير الاختياريّة لا تفرض في النذر كما لا يخفى ، بل تحتاج إلى القبول فتشبه الهديّة ، غايته أنّها هديّة واجبة من أجل النذر فيجري فيها ما مرّ في الهديّة من أنّها فائدة يجب تخميسها.
(2) حذراً عن شبهة القول بالوجوب المحكيّ عن بعضهم ، وإن كان الأقوى ما في المتن من عدم الوجوب.
والوجه فيه ما ذكره بعضهم من أنّ موضوع الحكم في وجوب الخمس هو الفائدة وما يغنمه الإنسان ويحصّله ، وهذا لا ينطبق على عوض الخلع ولا المهر.
أمّا في المهر : فلأجل أنّه إنّما يقع بإزاء الزوجيّة ، حيث إنّ الزوجة تجعل نفسها تحت تصرّف الزوج وسلطانه وطوع رغبته وإرادته ، فتمنحه اختيار نفسها وزمام أمرها في مقابل ما تأخذه من المهر ، فهو شبه معاوضة وإن لم يكن المهر ركناً في العقد ، نظير ما لو بدّل مالاً بمالٍ كالكتاب بالفرس ، إذ قد أعطت
.................................................................................................
شيئاً بإزاء شيء ، ولا يصدق على مثل ذلك الفائدة ، بل هو كما عرفت من قبيل تبديل مالٍ بمال.
ولا يقاس ذلك بباب الإجارات ، ضرورة أنّ متعلّق الإجارة من عمل أو منفعة ليس له بقاء وقرار ولا يمكن التحفّظ عليه ، فلو لم ينتفع منه هو أو غيره يتلف ويذهب سدى ، فإنّ الخيّاط لو لم يخط في الساعة الكذائيّة ثوب زيد ولا ثوب نفسه فعمله في هذه المدّة تالف لا محالة ، كما أنّ الدار لو بقيت خالية فمنفعتها تالفة ، فليس للعامل أن يبقي نفس العمل لنفسه ، إذ ليس له بقاء في اعتبار العقلاء ، بل هو تالف طبعاً سواء أعمل أم لا. وعليه ، فلو آجر نفسه أو داره من زيد وأخذ الأُجرة فيصحّ أن يقال : إنّه استفاد وربح ، إذ لو لم يفعل يتلف ويذهب سدى كما عرفت.
وهذا بخلاف الزوجيّة ، إذ للزوجة أن تبقي السلطنة لنفسها وتكون هي المالكة لأمرها دون غيرها ، وهذه السلطنة لها ثبات وبقاء ، كما أنّ لها بدلاً عند العقلاء والشرع وهو المهر ، فما تأخذه من الزوج يكون بدلاً عمّا تمنحه من السلطنة ، فيكون من قبيل تبديل مال بمال ، ولا ينطبق على مثله عنوان الغنيمة والفائدة.
على أنّ الخمس في باب الإجارة منصوص بالخصوص كما في صحيحة ابن مهزيار المتضمّنة لوجوب الخمس على الصانع وغيرها ممّا تضمنت الخمس في إجارة الضيعة.
وأمّا المهر فمضافاً إلى أنّه لا دليل على الخمس فيه بالخصوص ، قد قامت السيرة القطعيّة على خلافه ، إذ المسألة ممّا تعمّ بها البلوى في جميع الأعصار والأمصار ، فلو كان الوجوب ثابتاً لكان واضحاً ولم يقع فيه أيّ إشكال ، مع أنّه لم يصرّح بوجوب الخمس فيه ولا فقيه واحد.
.................................................................................................
فتحصّل : أنّ الفرق بين المهر والإجارة واضح ولا مجال لقياس أحدهما بالآخر ، فما ذكره من عدم الوجوب هو الأظهر.
وممّا ذكرناه يظهر الحال في عوض الخلع ، فإنّه أيضاً بإزاء رفع الزوج يده عن سلطانه ، عكس المهر ، فالزوجة تأخذ المهر بإزاء إعطاء السلطنة ، وهنا يأخذ الزوج العوض بإزاء إزالة السلطنة ، فهما من وادٍ واحد ، فلا يجب الخمس لا في نفس المهر ولا في عوض الخلع.
ثمّ إنّ صاحب الوسائل عنون الباب الحادي عشر من أبواب ما يجب فيه الخمس بقوله : باب إنّه لا يجب الخمس فيما يأخذ الأجير من اجرة الحجّ ، إلخ (1). فكأنّ اجرة الحجّ مستثناة من بقيّة الإجارات.
وهذا أيضاً ممّا لم يقل به أحد من الفقهاء ، وقد تمسّك (قدس سره) في ذلك بما رواه الكليني بسنده الصحيح في أحد طريقيه عن علي بن مهزيار ، عن الرضا (عليه السلام) ، قال : كتبت إليه : يا سيِّدي ، رجل دُفع إليه مالٌ يحجّ به ، هل عليه في ذلك المال حين يصير إليه الخمس ، أو على ما فضل في يده بعد الحجّ؟ فكتب (عليه السلام) : «ليس عليه الخمس» (2).
وأنت خبير بما فيها من قصور الدلالة وإن صحّ السند :
أمّا أوّلاً : فلأجل أنّه لم يفرض فيها أنّ المال المدفوع إليه كان بعنوان الأُجرة ، ومن الجائز أن يكون قد بذل للصرف في الحجّ كما هو متعارف ومذكور في الروايات أيضاً من غير تمليك ولا عقد إجارة ، بل مجرّد البذل وإجازة الصرف في الحجّ. ومن الواضح عدم وجوب الخمس في مثل ذلك ، إذ لا خمس إلّا فيما يملكه الإنسان ويستفيده ، والبذل المزبور ليس منه حسب الفرض.
.................................................................................................
وأمّا ثانياً : فلقرب دعوى أنّ السؤال ناظر إلى جهة الوجوب الفعلي ، إذ لم يسأل أنّه هل في المال خمس أو لا حتى يكون ظاهراً في الحكم الوضعي ليلتزم بالاستثناء ، بل يقول : هل عليه خمس؟ ولا ريب أنّ كلمة «على» إذا دخلت على الضمير الراجع إلى الشخص ظاهرةٌ حينئذٍ في التكليف وغير ناظرة إلى الوضع. وعليه ، فلو سلّمنا أنّ الدفع كان بعنوان الإيجار فالسؤال ناظر إلى وقت الإخراج وأنّه هل يجب الخمس فعلاً أو بعد العودة من الحجّ؟ فجوابه (عليه السلام) : بأنّه ليس عليه الخمس ، أي ليس عليه ذلك فعلاً ، لا أنّ هذا المال لم يتعلّق به الخمس.
وعلى كلّ حال ، فلا ينبغي الإشكال في أنّه لا فرق فيما ينتفع الإنسان بين اجرة الحجّ وغيرها ، واحتمال التخصيص باطل جزماً.
قد عرفت فيما مرّ وجوب الخمس في أرباح عامّة التجارات والتكسّبات التي منها الإجارات.
وهل يختصّ ذلك بإجارة الأعمال أو المنافع لسنة واحدة ، أو يعمّ الأُجرة المستلمة عن السنين العديدة؟ فلو آجر نفسه للخياطة أو البناية سنتين ، أو آجر داره للسكنى عشر سنين مثلاً وتسلّم فعلاً تمام الأُجرة ، فهل يجب عليه في انتهاء السنة تخميس تمام ما أخذه بعد استثناء المئونة لكونها بأجمعها من أرباح هذه السنة؟ أو لا يجب إلّا تخميس ما يتعلّق بهذه السنة فقط إن كان باقياً ولم يصرف في مئونة السنة كما هو المفروض ، وأمّا الزائد عليه فهو من أرباح السنين الآتية ، فيراعي اجرة كلّ سنة في سنتها؟
وهكذا الحال فيما لو فرضنا أنّه آجر نفسه لعمل في السنة الآتية كفريضة الحجّ أو أنّه آجر داره للسكنى في السنة الآتية وقد تسلّم الأُجرة فعلاً ، فهل
.................................................................................................
يجب تخميسها إذا بقيت ولم تصرف في المئونة؟
أمّا بالإضافة إلى إجارة الأعمال فلا ينبغي الإشكال في عدم احتساب الزائد على السنة الواحدة ، لعدم صدق الفائدة على الأكثر من ذلك ، فإنّه وإن ملك أُجرة السنة الآتية وقد تسلّمها حسب الفرض إلّا أنّه بإزاء ذلك مدينٌ فعلاً بنفس العمل في السنة الآتية ، ولا بدّ من استثناء الدين في تعلّق الخمس ، فإنّه من المؤن فلا يصدق أنّه استفاد بلا عوض ليتعلّق به الخمس.
فالمقام نظير ما لو استدان مبلغاً وبقي عنده إلى نهاية السنة ، فإنّه لا خمس فيه وإن كان ملكاً له ، لكونه مديناً بمقداره للغير ، ولا فرق في استثناء الدين بين المتعلّق بالأموال أو الأعمال ، لاشتغال الذمّة الموجب للاحتساب من المئونة في الموردين بمناط واحد كما هو ظاهر ، فلا يصدق في شيء منهما عنوان الفائدة.
وأمّا بالنسبة إلى إجارة المنافع فصريح بعض الأعاظم (1)(قدس سرهم) هو الاحتساب ، وكأنّه لأجل عدم كون المنفعة ديناً فلا تقاس بالعمل ، فكانت الأُجرة منفعة خالصة ومصداقاً للفائدة فوجب تخميسها بعد دخولها في عنوان الإجارات.
ولكنّه غير ظاهر ، لاستيجاب هذا النوع من الإيجار نقصاً في ماليّة العين بطبيعة الحال ، ضرورة أنّ الدار المسلوبة المنفعة عشر سنين مثلاً أو أقلّ تسوى بأقلّ منها لو لم تكن مسلوبة ، فكانت تقوّم بألف والآن بثمانمائة مثلاً ولا شكّ أنّ هذا النقص لا بدّ من احتسابه ومراعاته عند ملاحظة الفائدة. فلا يستثني من الأُجرة التي تسلّمها خصوص مئونة هذه السنة ، بل يراعي النقص المزبور أيضاً.
1) هو السيِّد الحكيم (قدس سره) في منهاجه في مسألة 45 من كتاب الخمس.
[2926] مسألة 50 : إذا علم أنّ مورثه لم يؤدّ خمس ما تركه وجب إخراجه (1)(1) ، سواء كانت العين التي تعلّق بها الخمس موجودة فيها أم كان الموجود عوضها ، بل لو علم (2)باشتغال ذمّته بالخمس وجب إخراجه من تركته مثل سائر الديون.
فلو فرضنا أنّ الدار تسوى ألف دينار ، وقد آجرها عشر سنين بأربعمائة دينار ، وتسلّم الأُجرة بتمامها ، وصرف منها في مئونته مائة دينار ، فكان الباقي له عند انتهاء السنة ثلاثمائة دينار ، لم يجب الخمس في تمامه ، بل ينبغي تخريج مقدارٍ يجير به النقص الوارد على الدار الناشئ من كونها مسلوبة المنفعة تسع سنين. فلو فرضنا أنّ قيمتها في هذه الحالة ثمانمائة دينار فنقصت عن قيمتها السابقة مائتان ، يستثني ذلك عن الثلاثمائة ، ولم يجب الخمس إلّا في مائة دينار فقط ، إذ لم يستفد أكثر من ذلك ، ولا خمس إلّا في الغنيمة والفائدة دون غيرها.
(1) قد يكون الخمس ديناً في ذمّة الميّت ، وأُخرى عيناً في تركته إمّا مع بقائها أو مع تبدّلها بعين اخرى كما هو المتعارف خارجاً ، حيث يربح أوّل السنة مقداراً ثمّ يشتري به شيئاً آخر ثمّ يبيعه ويشتري به آخر وهكذا ، فيكون الثاني بدلاً عمّا تعلّق به الخمس أوّلاً.
أمّا في الدين : فلا ينبغي الشكّ في وجوب الإخراج من التركة ، إذ لا إرث إلّا بعد الدين ، بمقتضى قوله تعالى ( مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ ) (3).
وأمّا في العين : فإن كان الميّت ملتزماً بالخمس ولكن لم يحن أوانه فمات
[2927] مسألة 51 : لا خمس فيما ملك (1)بالخمس أو الزكاة أو الصدقة المندوبة (1) وإن زاد عن مئونة السنة. نعم ، لو نمت في ملكه ففي نمائها يجب كسائر النماءات.
أثناء السنة أو أنّه تساهل وتسامح قليلاً في أدائه فصادف حتفه ، فلا ينبغي الإشكال أيضاً في وجوب الإخراج ، إذ لم يدلّ دليل على السقوط بالموت ، فإنّ المال كان مشتركاً بين المالك وأرباب الخمس ، ولا دليل على رفع الاشتراك وانقلابه إلى الاختصاص بالورثة.
وأمّا إذا لم يكن ملتزماً بالخمس ، أو لم يكن معتقداً ، فهل تشمل أدلّة التحليل مثل ذلك ، أو لا؟
فيه كلام سيأتي البحث حوله إن شاء اللّه تعالى في المسألة الأخيرة من كتاب الخمس (2)عند تعرّض الماتن لما إذا انتقل المال ممّن لا يعتقد بالخمس ، ونتكلّم في نصوص التحليل من جهة الشمول للإرث وعدمه.
(1) كما عن جماعة من الأصحاب ، وعلّله بعضهم بأنّ المستحقّ من السادة أو الفقراء يدفع إليه ما هو ملك له ويطلبه ، ومعه يشكل صدق الفائدة ، لانصرافها عنه.
ولكن هذا الوجه لعلّه واضح الاندفاع :
إذ فيه أوّلاً : أنّه لا يجري في الصدقة المندوبة.
وثانياً : أنّه لا يجري في الزكاة ، بناءً على ما مرّ من أنّ الفقير مصرف للزكاة
.................................................................................................
لا أنّه مالك لها. وعلى تقدير التسليم فالمالك هو طبيعي الفقير ، وأمّا الشخص فإنّما يملكه بالقبض ، فيحصل على ملك وفائدة بعد أن كان بشخصه فاقداً لها ، كما هو الحال في الخمس ، حيث إنّه ملك لكلّي السادة.
وثالثاً : منع الكبرى ، إذ لا منافاة بين مطالبة الملك وبين صدق الفائدة ، فإنّ الأجير أيضاً يطلب ملكه وهو الأُجرة ، كما أنّ من باع بأكثر من الثمن يطلب ما يملكه مع صدق الفائدة فيهما بالضرورة.
نعم ، لو كان موضوع الخمس عنوان التكسّب لم يجب في المقام ، لانتفاء الموضوع. أمّا إذا كان الموضوع مطلق الفائدة كما مرّ غير مرّة فهي صادقة على الكلّ ، والملكيّة لو لم تكن معاضدة لم تكن معاندة. فالأظهر وجوب الخمس حتى في الخمس والزكاة فضلاً عن الصدقة المندوبة.
نعم ، إنّ هاهنا إشكالاً معروفاً تعرّضوا له في بحث حجّيّة الخبر الواحد ، وهو أنّ دليل الحجّيّة لا يشمل الأخبار مع الواسطة ، نظراً إلى لزوم تحقّق الخبر وفرض وجوده قبل تعلّق الحكم عليه بالحجّيّة ، ضرورة سبق الموضوع على الحكم ، مع أنّ خبر الواسطة كالمفيد إنّما يتحقّق لدينا بعد الحكم بحجّيّة خبر العادل لكي نتعبّد بصدق من يخبرنا عنه بلا واسطة كالشيخ ، فخبر المفيد يتوقّف ثبوته على حجّيّة الخبر ، مع أنّ الحجّيّة متوقّفة على فرض وجوده كما عرفت.
فعلى ضوء هذا الإشكال يستشكل في المقام أيضاً بأنّ ملكيّة السادة للخمس إنّما كانت بأدلّة الخمس ، فهذه الفائدة مترتّبة على تشريع الخمس فلا تكون موضوعاً للخمس.
والجواب عنه في الموردين بكلمة واحدة ، وهي أنّ القضيّة انحلاليّة ، وكلّ فرد من الحكم يولّد موضوعاً يتعلّق به حكم آخر ، نظير قيام البيّنة على قيام البيّنة ، حيث تثبت بالبيّنة الاولى بيّنة اخرى تثبت لها الحجّيّة ، فالحكم الثابت
.................................................................................................
للفرد الأوّل يشكّل الحكم الثابت للفرد الآخر وإن أُنشئ الكلّ بإنشاء واحد وعلى سبيل القضيّة الحقيقيّة. فلا مانع إذن من تعلّق الخمس بكلّ ما هو مصداق للفائدة وإن كان تكوّنها معلولاً لتشريع الخمس وإيجابه بعد أن كان الوجوب انحلاليّاً لا حكماً وحدانيّاً. وهكذا الحال في الزكاة.
وأمّا الصدقة فالأمر فيها أوضح ، إذ هي عين الهبة ، ولا فرق إلّا من ناحية اعتبار قصد القربة غير المؤثّر في صدق ما هو موضوع الخمس ، أعني : الفائدة بالضرورة.
نعم ، هناك رواية وردت في خصوص الخمس استدلّ بها صاحب الوسائل على عدم وجوبه فيما يصل من صاحب الخمس ، وهي رواية ابن عبد ربّه ، قال : سرّح الرضا (عليه السلام) بصلة إلى أبي ، فكتب إليه أبي : هل عليّ فيما سرّحت إليّ خمس؟ فكتب إليه : «لا خمس عليك فيما سرّح به صاحب الخمس» (1).
فربّما يتوهّم دلالتها على أنّ ما أُخذ خمساً فلا خمس فيه.
ولكنّه كما ترى ، فإنّ الرواية لو تمّت خاصّة بموردها أعني : ما إذا كان المعطي هو الإمام (عليه السلام) الذي هو صاحب الخمس دون غيره ، إذ الصاحب هو من له الولاية على الخمس ، وهو خصوص الإمام كما يفصح عنه (عليه السلام) : «واللّه ما له صاحب غيري» ، فغايته أنّ هديّة الإمام المسرّح بها منه أو من قبل نائبه على القول بملكيّة سهم الإمام (عليه السلام) لا خمس فيها ولا ربط لها بما نحن فيه من عدم الخمس فيما ملك بالخمس.
وإن شئت قلت : إنّ الرواية تنفي الخمس عن المال المملوك هديّةً لا المملوك خمساً الذي هو محلّ الكلام ، فلا تدلّ بوجه على أنّ السيِّد إذا أخذ المال ممّن
1) الوسائل 9 : 508 / أبواب ما يجب فيه الخمس ب 11 ح 2.
[2928] مسألة 52 : إذا اشترى شيئاً ثمّ علم أنّ البائع لم يؤدّ خمسة كان البيع بالنسبة إلى مقدار الخمس فضوليّاً (1)(1) ، فإن أمضاه الحاكم رجع عليه بالثمن ويرجع هو على البائع إذا أدّاه ، وإن لم يمض فله أن يأخذ مقدار الخمس من المبيع ، وكذا إذا انتقل إليه بغير البيع من المعاوضات ، وإن انتقل إليه بلا عوض يبقى مقدار خمسه على ملك أهله.
[2929] مسألة 53 : إذا كان عنده من الأعيان التي لم يتعلّق بها الخمس
وجب عليه الخمس لم يجب عليه الخمس.
وتوهم أنّ المراد بالصاحب هو السيِّد واضح الضعف ، فإنّه مصرفه وليس بصاحبه.
على أنّ الرواية ضعيفة السند بسهل بن زياد ، فلا يعوّل عليها.
(1) لأنّه باع ما لا يملك ، فللحاكم الشرعي الذي هو وليّ الأمر الإمضاء إن رأى فيه مصلحة ، وإلّا فيبطل ، وله الرجوع حينئذٍ إلى أيٍّ منهما شاء من جهة تعاقب الأيدي كما في سائر المعاملات الفضوليّة ، وقد تقدّم كلّ ذلك مستقصًى في باب الزكاة وقلنا : إنّ البائع إذا أدّى بعد ذلك يحكم بالصحّة من غير حاجة إلى الإجازة ، لدخوله في كبرى من باع ثمّ ملك ، وذكرنا رواية دلّت عليه وردت في الركاز (2).
ولكن هذا كلّه مبني على عدم شمول نصوص التحليل للمقام أعني :
أو تعلّق بها لكنّه أداه فنمت وزادت زيادةً متّصلةً أو منفصلةً وجب الخمس في ذلك النماء (1) ، وأمّا لو ارتفعت قيمتها السوقيّة من غير زيادة عينيّة لم يجب خمس تلك الزيادة ، لعدم صدق التكسّب ولا صدق حصول الفائدة. نعم ، لو باعها لم يبعد وجوب خمس (1)تلك الزيادة من الثمن. هذا إذا لم تكن تلك العين من مال التجارة ورأس مالها ، كما إذا كان المقصود من شرائها أو إبقائها في ملكه الانتفاع بنمائها أو نتاجها أو أُجرتها أو نحو ذلك من منافعها. وأمّا إذا كان المقصود الاتّجار بها فالظاهر وجوب خمس ارتفاع قيمتها بعد تمام السنة إذا أمكن بيعها وأخذ قيمتها.
الخمس بدعوى اختصاصها بالمال الواصل ممّن لا يعتقد الخمس. وعليه ، فيجري في الخمس ما أسلفناه في الزكاة بمناط واحد.
وأمّا لو عمّمنا تلك النصوص للمال الواصل من كلّ من لم يؤدّ خمسه ولو عصياناً بحيث تشمل فسّاق الشيعة كما لا يبعد على ما سيجيء إن شاء اللّه تعالى (2)فالمعاملة حينئذٍ إذا كان المشتري مؤمناً ممضاة وصحيحة ولم تكن فضوليّة ، غايته أنّ الخمس ينتقل إلى البدل إن كان لها بدل كالبيع ، وإلّا فإلى الذمّة كما في مثل الهبة.
(1) تعرّض (قدس سره) في هذه المسألة لحكم الزيادة العينيّة من النماء المنفصل أو المتّصل ، أو الحكميّة كارتقاء القيمة السوقيّة بالإضافة إلى المال
.................................................................................................
الذي لم يتعلّق به الخمس من أصله كالإرث أو الذي قد أدّى خمسه ، فهل يجب الخمس في تلك الزيادة أو لا؟
أمّا في النماء المنفصل كنتاج الحيوان ويلحق به ثمر البستان فلا ينبغي الشكّ فيه ، والظاهر أنّه لم يستشكل فيه أحد ، فإنّه موجود مستقلّ منعزل عمّا لا خمس فيه ، ومصداق بارز للفائدة ، فلا مناص من تخميسه.
نعم ، بناءً على اختصاص الخمس بالكسب لم يجب ، إذ لا كسب في مورد النماء المزبور ، فإنّه قد ورث مقداراً من الحيوان فأولدت ، أو البساتين فأثمرت ، لكن تقدّم بطلان المبنى وأنّ عنوان التكسّب لا مدخل له ، بل العبرة بصدق الفائدة التي لا ينبغي الشكّ في تحقّقها في المقام.
وعلى الجملة : ففي النماء المنفصل وما يلحق به ممّا هو في معرض الانفصال كالثمار لا ينبغي الإشكال في وجوب الخمس.
وهكذا الحال في النماء المتّصل ممّا كانت للزيادة ماليّة عرفاً كالسمن ونمو الشجر ونحو ذلك ، فإنّ الزائد والمزيد عليه وإن كانا في الخارج موجوداً وحدانيّاً لا تعدّد فيه إلّا أنّه لا ينبغي التأمّل في صدق الحصول على فائدة كان فاقداً لها ، حيث كانت عنده قبل هذا سخال وزن الواحدة منها عشر كيلوات مثلاً فنمت وأصبحت أغناماً وزن الواحدة منها خمسون كيلو غراماً مثلاً أو أزيد ، أو كان عنده فسيل وهو الآن شجر كبير.
نعم ، هذه الزيادة لم تتحصّل بالاكتساب وإنّما هي فائدة منحها اللّه تعالى ، فبناءً على تعلّق الخمس بعامّة الفوائد وإن لم تستند إلى الكسب كما مرّ وجب الخمس في المقام أيضاً.
وعلى الجملة : فمنشأ الخلاف في وجوب الخمس في النماء المتّصل صدق عنوان الفائدة وعدمه ، وإلّا فلم يرد فيه نصّ خاصّ نفياً أو إثباتاً ، وقد عرفت
.................................................................................................
تحقّقه ، فلا ينبغي التأمّل في وجوب تخميس الزيادة العينيّة متّصلة كانت أم منفصلة.
إنّما الكلام في الزيادة الحكميّة الناشئة عن ارتفاع القيمة السوقيّة التي تتّفق في جميع الأجناس ولا سيّما الأراضي مع بقاء العين على حالها كمّاً وكيفاً ، فهل يجب الخمس في هذه الزيادة ، أو لا يجب ، أو أنّ فيه تفصيلاً؟
فنقول : لا كلام في وجوب خمس هذه الزيادة فيما لو حصلت في عين كانت متعلّقة للخمس ولم يؤدّ خمسها ، ضرورة أنّ خمس تمام العين ملك للسادة ، وكما ترقّت قيمة أربعة أخماسها ترقّت قيمة خمسها ، فيجب الخروج عن عهدة خمس العين بقيمتها الفعليّة. وهذا واضح ، بل هو خارج عن محلّ الكلام.
وإنّما الكلام فيما إذا لم تكن العين متعلّقة للخمس من الأوّل كما في الإرث ، أو كانت ولكن أدّى خمسها فأصبح المال بتمامه ملكاً طلقاً له ، وقد زادت القيمة عندئذٍ.
وهذا قد يفرض في المال الذي ملكه من غير معاوضة كالمنتقل إليه بالإرث أو الإحياء مع حاجته إلى ما أحيا لأجل الصرف في السكنى مثلاً أو الاستيلاء على مال مباح لا ربّ له من البرّ أو البحر أو هبة مصروفة في المئونة ، كما لو بذل له أحد داراً للسكنى ، أو قلنا : إنّ الهبة لا خمس فيها ، ونحو ذلك ممّا تملّكه بلا عوض ومن غير أن يقع بإزائه مال ، بل انتقل بما له من الخصوصيّة.
وأُخرى : يفرض فيما تملّكه بسبب المعاوضة من شراء ونحوه ، بحيث يكون المقصود التحفّظ على الماليّة والتبدّل في الخصوصيّة كما هو الشأن في عامّة المعاوضات.
أمّا في الأوّل : فلا ينبغي التأمّل في أنّ زيادة القيمة لا تعدّ فائدة حتى ولو
.................................................................................................
باع العين بأغلى الثمن ، إذ لا يصدق عرفاً أنّه استفاد شيئاً ، بل غايته أنّه بدّل عيناً مكان عين اخرى لا أنّه ربح وغنم ، إذ لم يشتر شيئاً حتى يربح أو يخسر ، والأمر مع عدم البيع أوضح ، لبقاء العين عنده كما كانت بلا زيادة شيء ، والارتفاع أمر اعتباري ينتزع من كثرة الباذل ، فكان مالكاً للبستان مثلاً والآن كما كان يملكه على ما هو عليه ، زادت قيمته أم نقصت.
وعلى الجملة : فسواء باع أم لم يبع لم يربح ، فلم تتحقّق فائدة حتى يجب خمسها.
ويلحق به ما هو شبه المعاوضة كالمهر الذي هو بإزاء الزوجيّة ، فلو أمهرها داراً أو عقاراً أو بستاناً فترقّت قيمتها لم يجب خمسها ، سواء باعها أم لا ، لعين ما عرفت.
ولا يبعد أنّ عبارة الماتن أعني قوله : نعم ، لو باعها لم يبعد ، إلخ منصرفة عن هذا الفرض وناظرة إلى الفرض الآتي ، أعني : ما كان الانتقال بسبب المعاوضة من شراءٍ ونحوه ، بقرينة قوله (قدس سره) بعد ذلك : كما إذا كان المقصود من شرائها ، إلخ.
وكيفما كان ، فلا ينبغي التأمّل في عدم وجوب الخمس في الزيادة في هذه الصورة ، لعدم صدق الفائدة ، من غير فرق بين صورتي البيع وعدمه حسبما عرفت.
وأمّا في الفرض الثاني أعني : ما لو استند التملّك إلى المعاوضة من شراء ونحوه فقد يكون المقصود منها الاتّجار بالتحفّظ على الماليّة وازديادها من غير نظر إلى خصوصيّة المال كما هو الحال في أغلب التجار.
وأُخرى : يكون الغرض منها الانتفاع من نفس العين كسكنى الدار أو ركوب السيّارة ، أو من أُجرتها كما لو أعدهما للإيجار ، أو من نمائها أو نتاجها كما لو
.................................................................................................
اشترى غنماً أو بقراً لينتفع من أصوافها أو ألبانها أو ما يتولّد منها ولو ببيعٍ ونحوه مع التحفّظ على أصل العين كما هو المفروض.
أمّا في القسم الثاني : فلا ينبغي التأمّل في أنّه ما لم يبع العين لا يصدق الربح ، فلا يستوجب ترقّي القيمة صدق عنوان الفائدة لتخمس. نعم ، يتحقّق الصدق بعد البيع ، إذ كان قد اشترى البقرة بخمسين مثلاً وباعها بمائة ، فتكون الخمسون الزائدة ربحاً وفائدةً عرفاً ، فيصحّ أن يقال : إنّه ربح في هذه المعاملة كذا مقداراً.
فيفصّل في هذا القسم بين البيع وعدمه ، فلا يجب الخمس في الثاني ، لانتفاء الفائدة ، ويجب في الأوّل ، لحصول الزيادة على ما اشترى ، وهو معنى الربح عرفاً ، فإنّه إنّما يقاس بالإضافة إلى رأس المال ، فكان مائة فصار ألفاً مثلاً فقد ربح تسعمائة.
ثمّ إنّ هذا واضح فيما إذا كان الثمن من جنس ما اشترى كالمثال ، وأمّا إذا باعه بجنس آخر كالعروض كما لو اشترى شياه بالدنانير ثمّ باعها بالبعير فهل يجب الخمس حينئذٍ؟
استشكل فيه بعضهم ، للتشكيك في صدق الفائدة. ولكنّه في غير محلّه.
ولا فرق في صدق الزيادة المحقّقة لعنوان الفائدة بين كون الثمن من النقود أو العروض ، إذ الاعتبار في نظر العقلاء لدى ملاحظة المعاملة ومقايسة الربح وعدمه بماليّة ما يدخل في الكيس عوضاً عمّا خرج ، ولا نظر بوجه إلى الخصوصيّة الشخصيّة. ومن ثمّ تراهم لا يرتابون في صدق الفائدة مع الزيادة المزبورة.
وإن باعه بنقد آخر غير النقد الذي اشترى به أوّلاً ، كما لو اشترى الشاة بدينار فباعها بليرة ذهبيّة أو ريال سعودي أو إيراني ، فيصحّ أن يقال : إنّه ربح كذا ديناراً ، نظراً إلى أنّه تلاحظ قيمة الدينار لا شخصه. فلا فرق إذن في
[2930] مسألة 54 : إذا اشترى عيناً للتكسّب بها فزادت قيمتها السوقيّة ولم يبعها غفلةً أو طلباً للزيادة ثمّ رجعت قيمتها إلى رأس مالها أو أقلّ قبل تمام السنة (1) لم يضمن خمس تلك الزيادة ، لعدم تحقّقها في الخارج. نعم ، لو لم يبعها عمداً
صدق الفائدة بين كون الثمن الثاني من جنس الثمن الأوّل أو من غيره. وعلى الثاني لا فرق بين النقود والعروض ، لكون الملحوظ هي الماليّة التي هي الميزان عند العقلاء حسبما عرفت.
وأمّا في القسم الأوّل ، أعني ما إذا كان المقصود من المعاوضة التجارة والازدياد في الماليّة من غير نظر إلى الخصوصيّات الفرديّة ، كما هو شأن عامّة التجار ، حيث إنّ كلّ من أعدّ نفسه للاتّجار كالبقّال الذي يبيع الأرز والحبوبات ونحوها لا همّ له بعد المحافظة على أصل المال سوى الزيادة على الماليّة والعثور على الغنيمة والفائدة من غير نظر إلى الخصوصيّات والأشخاص ، فحينئذٍ لو اشترى السلعة أوّل السنة رخيصاً فازدادت القيمة آخر السنة فالظاهر وجوب الخمس في الزيادة ، لصدق الربح والفائدة من غير أن يتوقّف الصدق المزبور عرفاً على تحقّق البيع خارجاً ، فإنّ الاستفادة في نظر العقلاء منوطة بزيادة القيمة المقتضية لإمكان التبديل بمال أكثر ، ولا تعتبر فعليّة التبديل.
وبهذا الاعتبار يقال : إنّ فلاناً أكثر ثروة من فلان ، أي أنّ الأموال التي يملكها يمكن بيعها بأكثر ممّا يباع به مال الآخر. فالعبرة بأوفريّة القيمة لا بفعليّة التبديل خارجاً. وعليه ، فيجب الخمس في زيادة القيمة ، سواء أباع بالزيادة أم لم يبع ، كما أفاده في المتن.
(1) فصّل (قدس سره) بين ما إذا كان التنزّل قبل تمام السنة ، وبين ما إذا
.................................................................................................
كان بعدها ، وحكم بالضمان في خصوص الثاني ، وعلّل عدمه في الأوّل بعدم تحقّق الزيادة في الخارج.
أقول : الظاهر أنّه (قدس سره) لا يريد الزيادة الماليّة ، كيف؟! وهي لا تتوقّف على البيع الخارجي كما صرّح (قدس سره) به في المسألة السابقة ، ولأجله التزم هناك بوجوب خمس الارتفاع بمجرّد التمكّن من البيع وإن لم يتحقّق خارجاً.
ولا يبعد أنّه (قدس سره) يريد به الزيادة على مئونة السنة ، حيث إنّ الخمس وإن تعلّق أوّل ظهور الربح إلّا أنّ استقرار الوجوب إنّما هو بعد انتهاء السنة وفيما يزيد على المؤن المصروفة فيها أو التالفة قهراً خلالها كما في المقام ، فلا خمس إلّا فيما يبقى له خالصاً زائداً عمّا تلف وما صرف ، ولا شكّ أنّ الزيادة بهذا المعنى غير متحقّقة في المقام ، لفرض تنزّل القيمة أثناء السنة بعد ارتفاعها ، فقد تلفت تلك الزيادة خلال السنة وقبل أن يستقرّ الوجوب ، ومن الواضح عدم كونه موجباً للضمان بعد أن رخّص له الشارع في التأخير فضلاً عن استناده إلى الغفلة أو كونه بنيّة صالحة ولغاية عقلائيّة وهي طلب الزيادة فاتّفق العكس ، فلم يكن مثل هذا الإبقاء والتأخير تعدّياً ولا تفريطاً في حقّ السادة ليستتبع الضمان.
وبذلك افترق هذا الفرض عن الفرض الثاني أعني : ما كان التنزّل في القيمة بعد انقضاء السنة واستقرار وجوب الخمس إذ هنا قد تحقّقت الزيادة على المئونة خارجاً بحيث يصحّ أن يقال : إنّ هذه زيادة لم تتلف ولم تصرف في مئونة السنة فيجب خمسها ، فلو أخّر عمداً ضمن لو تنزّلت وإن كان من قصده زيادة الربح ، إذ ليس للمالك الولاية على ذلك حتى إذا كان بصالح أرباب الخمس في اعتقاده.
وعلى الجملة : يفترق الفرض الأوّل عن الثاني في عدم صدق الزيادة على
بعد تمام السنة واستقرار وجوب الخمس ضمنه (1)(1).
المئونة في الأوّل ، فلا خمس كما لا ضمان لو تنزّلت ، لأنّ التأخير كان بترخيص شرعي وإجازة من وليّ الأمر ، وهذا بخلاف الثاني ، إذ بعد فعليّة الوجوب من أجل صدق الزيادة على المئونة خارجاً كان التأخير غير المستند إلى الترخيص الشرعي ولو كان لغرض عقلائي تعدّياً وتفريطاً ، فيضمن لا محالة بعد كونه عامداً وغير معذور شرعاً في عدم البيع كما افترضه في المتن.
(1) لا يخفى أنّ ظاهر العبارة تعلّق الضمان بالخمس من تلك الزيادة التالفة بالتنزّل ، فيكون الضمان بمقدار الخمس ممّا تلف ، فلو فرضنا أنّ قيمة العين كانت خمسين ديناراً فزادت وصارت في آخر السنة مائة دينار ثمّ رجعت بعد تمام السنة إلى الخمسين ، ضَمِنَ عشرة دنانير التي هي خمس الخمسين التالفة بعد زيادتها.
بل قد يفرض استيعاب الخمس لجميع المال ، كما لو كانت قيمة العين عشرين ديناراً فزادت ترقّياً فاحشاً حتى بلغت مائة وعشرين ديناراً ثمّ تنزّلت إلى ما كانت عليه من العشرين ، فيجب حينئذٍ دفع تمام العشرين الذي هو خمس المائة الزائدة. بل قد يحتاج إلى الإتمام من مالٍ آخر ، كما لو بلغت القيمة في المثال المزبور إلى تمام المائتين فكانت القيمة الزائدة على أصل المال مائة وثمانين ديناراً ثمّ تنزّلت إلى ما كانت عليه من العشرين ، فإنّ اللازم حينئذٍ دفع ستّة وثلاثين ديناراً خمس القيمة الزائدة ، فيزيد الخمس على أصل المال بستّة عشر ديناراً.
1) (*) في التعبير بالضمان مسامحة ، والصحيح أن يقال : إنّه لم يسقط الخمس عن الباقي بالنسبة.
.................................................................................................
وعلى الجملة : فظاهر ما في المتن من التعبير بالضمان هو ما ذكرناه ، مع أنّه لا دليل عليه بوجه ، ضرورة أنّ نقصان الماليّة لا يستوجب الضمان بتاتاً ، لانحصار موجب الضمان بتلف المال ، إمّا ذاتاً أو وصفاً ، كما لو جعله معيباً ، حيث يضمن حينئذٍ صفة الصحّة ، وأمّا تلف الماليّة التي هي أمر اعتباري لا تكاد تقع تحت اليد فليس هو من موجبات الضمان ، إلّا إذا أتلف تمام الماليّة بحيث كانت العين معه في حكم التالف وإن كانت موجودة ، كما لو غصب نقداً رائج المعاملة كالدينار فسقط عن الاعتبار وأصبح قرطاساً لا يسوى فلساً واحداً ، فإنّه نظير المال الملقى في البحر في السقوط عن الماليّة وإن كانت العين موجودة. وأمّا دون البلوغ هذا الحدّ بحيث كانت الماليّة باقية وإن نقصت عمّا كانت عليه فطرأ التلف على مقدار من الماليّة لا على نفس المال ، فلم يدلّ أيّ دليل على ضمانها.
ومن ثمّ لو غصب مالاً فأبقاه عنده حتى نزلت قيمته السوقيّة ثم ردّه إلى المالك خرج عن عهدة الضمان وإن كان آثماً ، إذ أنّ ضمان اليد مغيّا بالأداء بمقتضى ما ورد من قوله أنّ : «على اليد ما أخذت حتى تؤدِّي» (1)، وقد أدّى العين بنفسها حسب الفرض ، ولا دليل على ضمان الماليّة التالفة التي هي أمر اعتباري لا تقع تحت اليد كما عرفت.
وعليه ، فالتعبير بالضمان كما جاء في المتن كأنه في غير محلّه ، بل كان الأولى أن يعبّر بعدم سقوط الخمس بدلاً عن التعبير بالضمان ، إذ لا موجب لسقوط الخمس بعد استقراره بالتنزّل ، بل هو بعدُ باقٍ في العين ، فتخمّس نفس هذه العين بنفس تلك النسبة التي كانت عليها.
ففي المثال السابق حينما ترقّت العين من العشرين إلى المائة والعشرين وتعلّق الخمس بالمائة الزائدة ، فبما أنّ المالك يملك رأس المال بضميمة أربعة أخماس
1) المستدرك 14 : 7 / كتاب الوديعة ب 1 ح 12.
.................................................................................................
الزيادة فمرجع ذلك إلى تعلّق حقّ السادة بسدس ماليّة العين الفعليّة ، لأنّ نسبة العشرين الذي هو خمس الزيادة إلى المائة والعشرين التي هي القيمة الفعليّة هي السدس ، فإذا تنزّلت القيمة ورجعت إلى ما كانت عليه من العشرين تستحقّ السادة حينئذٍ من العين نفس النسبة التي كانوا يستحقّونها أوّلاً أعني : السدس فتقسّم العشرون ستّة أجزاء : جزء للسادة ، والباقي للمالك ، لا أنّه يضمن ذلك الخمس لكي يؤدِّي تمام العشرين.
وهكذا الحال في بقيّة الموارد ، فلو كان رأس المال ثمانين ديناراً فربح آخر السنة عشرين فكان الخمس أربعة التي نسبتها إلى المائة نسبة الواحد إلى الخمسة والعشرين ، فلو رجعت القيمة إلى الأوّل أعني : الثمانين قسّمت على خمسة وعشرين ، وكان جزء منها خمساً والباقي للمالك ، وهكذا.
ولكن هذا المعنى لا يساعده ظاهر العبارة ، بل ظاهرها ضمان نفس الخمس من الزيادة التالفة ، وقد عرفت أنّه لا وجه له ، لعدم استيجاب نقص الماليّة للضمان في أيّ مورد كان ، حتى في موارد الغصب الذي هو من أشدّ أنواع الضمان ، بحيث ورد كما قيل أنّ الغاصب يؤخذ بأشقّ الأحوال ، فمع بقاء العين يجب الأداء من ماليّة العين على النسبة التي كانت عليها سابقاً حسبما عرفت.
والتحقيق : ابتناء المسألة على كيفيّة تعلّق الخمس بالأعيان :
فبناءً على أنّ الخمس متعلّق بالعين كما هو ظاهر أدلّة وجوبه ، وقد صرّح به الماتن (قدس سره) في المسألة 75 فلا أثر لتنزّل القيمة بعد تعلّق الوجوب وتأخير الأداء في الضمان ، فإنّ متعلّق الحقّ هو نفس العين الخارجيّة وهي موجودة من دون نقصان ، وإنّما النقيصة في أمر اعتباري وهو القيمة ، ولا موجب للضمان بالإضافة إليه.
ولا فرق في ذلك بين القول بأنّ التعلّق من باب الإشاعة كما هو الصحيح ، أو
.................................................................................................
من باب الكلّي في المعيّن على ما اختاره ، فإنّ متعلّق الحقّ على كلا التقديرين هو الخمس من العين الموجودة ، وإنّما يفترقان في جواز التصرّف في غير مقدار الخمس قبل أدائه وعدم جوازه ، وهذا أمر آخر خارج عن محلّ الكلام.
نعم ، إذا قلنا أنّ الخمس متعلّق بالماليّة وأنّها من قبيل الكلّي في المعيّن ، وجب الخروج عن عهدة ذاك المقدار المعيّن من الكلّي ، ولا أثر لتنزّل القيمة أو ارتفاعها في ذلك أبداً ، نظير ما لو كان الميّت مديناً بمبلغ معيّن كمائة دينار فإنّه يجب إخراج هذا المقدار من عين التركة ثمّ التقسيم بين الورثة ، سواء أترقّت القيمة السوقيّة للتركة لدى إرادة التقسيم أم تنزّلت ، لكونه مديناً بعين هذا المقدار ، ولا إرث إلّا بعد الدين.
ونظيره أيضاً ما لو أوصى الميّت بمقدار معيّن من ثلثه كعشرة دنانير ولو بوصيّة عهديّة ، فإنّه يجب إخراج هذا المقدار المعيّن من تركته التي كانت تسوى عند موته مائة دينار مثلاً سواء أترقّت بعد ذلك فصارت مائتين أم تنزّلت فصارت خمسين ، فلا فرق في ذلك بين صعود القيمة ونزولها ، لتعلّق الحقّ بمقدار معيّن من المال تعلّقه بالعين نحو تعلّق الكلّي في المعيّن ، فلا يستوجب تغييرها تبديلاً في هذا التقدير الخاصّ.
ففي المقام أيضاً بناءً على هذا المبنى حينما ارتفعت القيمة من العشرين إلى المائة والعشرين في المثال المتقدّم واستقرّ عليه خمس الزيادة وهو العشرون لزمه الخروج عن عهدة هذا المقدار المعيّن واشتغلت ذمّته للسادة بهذه الكمّيّة الخاصّة ، ولا تأثير لتنزّل القيمة في تغيير الذمّة عمّا اشتغلت به وإن عادت إلى ما كانت عليه من العشرين على ما هو الشأن في عامّة موارد الكلّي في المعيّن.
فما ذكره في المتن من ضمان خمس الزيادة مبني على هذا القول ، لكنّه (قدس سره) لا يلتزم به.
.................................................................................................
وأمّا بناءً على ما هو الحقّ من أنّه من قبيل الشركة والإشاعة في العين كما هو ظاهر قوله تعالى ( فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ ) ، إلخ ، أو القول بأنّه من قبيل الكلّي في المعيّن في نفس العين ، فلا ضمان حينئذٍ ، بل اللّازم إخراج الخمس من ماليّة هذه العين على النسبة التي كانت عليها حسبما بيّناه.
ونظير المقام : إرث الزوجة ممّا ثبت في الأراضي من بناء وأشجار ونحوها ، حيث إنّها ترث من ماليّتها وقيمتها لا من عينها ، فهي ما لم تدفع إليها القيمة تشارك الورثة في مالية تلك الأعيان بمقدار الثمن. ولأجله كان ما تسلّمته من القيمة تتلقّاه في الحقيقة عن نفس الميّت وبعنوان الإرث منه ، لا أنّه عطيّة يبذلها إليها الوارث. وعليه ، فيختلف مقدار تلك الماليّة باختلاف القيمة السوقيّة صعوداً ونزولاً ، فلو تنزّلت القيمة عمّا كانت عليه عند الموت يردّ النقص عليها أيضاً ، لأنّها إنّما تستحقّ بمقدار الثمن ولا يضمنها الوارث بوجه.
ونظير ذلك أيضاً : الوصيّة بالثلث ، فإنّ تنزّل القيمة يستلزم ورود النقص على الثلث كالأصل من غير أن يضمنها الوارث كما هو ظاهر.
وملخّص الكلام : أنّ نقصان الماليّة لا ضمان فيه كما أسلفناك ، وأمّا خمس الزيادة التالفة بالتنزّل فضمانه مبني على أنّ تعلّق الخمس من قبيل الكلّي في المعيّن في الماليّة ، وأمّا على المختار من أنّه من قبيل الشركة في العين أو القول بأنّه من قبيل الكلّي في المعيّن في نفس العين فلا ضمان ، بل يجب التخميس بنفس النسبة التي كانت عليها قبل التنزّل حسبما عرفت.
[2931] مسألة 55 : إذا عمّر بستاناً وغرس فيه أشجاراً ونخيلاً للانتفاع بثمرها وتمرها لم يجب الخمس في نموّ تلك الأشجار (1)والنخيل (1) ، وأمّا إن كان من قصده الاكتساب بأصل البستان فالظاهر وجوب الخمس في زيادة قيمته وفي نموّ أشجاره ونخيله.
(1) فصّل (قدس سره) بين ما إذا كان من قصده الاتّجار والاكتساب بأصل البستان ، وبين ما إذا كان الانتفاع بثمره.
ففي الأوّل : يجب الخمس في مطلق الزيادة من النماء المتّصل أو المنفصل أو زيادة القيمة ، لصدق الربح في الجميع كما تقدّم. وقد عرفت أنّ المناط في صدقه بالإضافة إلى ما هو معدّ للتكسّب هو الازدياد في الماليّة غير المنوط بفعليّة البيع خارجاً ، وهو متحقّق في المقام.
وأمّا في الثاني : فقد نفى (قدس سره) الخمس في مطلق الزيادة. ولكنّك خبير بأنّ إطلاق كلامه (قدس سره) ينافي ما تقدّم منه سابقاً من وجوب الخمس في الزيادة المتّصلة والمنفصلة (2)، فلا بدّ من حمل كلامه (قدس سره) على بستان أعدّه للانتفاع به شخصاً لنفسه وعائلته بحيث كان من المئونة ، نظير البقرة التي اشتراها لينتفع بلبنها ، فإنّ هذا هو الذي لا خمس فيه مطلقاً ، لا في الزيادة الفعليّة من المتّصلة والمنفصلة ، ولا في الزيادة الحكميّة ، نظراً إلى استثناء المئونة.
[2932] مسألة 56 : إذا كان له أنواع من الاكتساب والاستفادة (1) ، كأن يكون له رأس مال يتّجر به وخان يؤاجره وأرض يزرعها وعمل يد مثل الكتابة أو الخياطة أو النجارة أو نحو ذلك ، يلاحظ في آخر السنة (1)ما استفاده من المجموع من حيث المجموع ، فيجب عليه خمس ما حصل منها بعد خروج مئونته.
وأمّا ما أعدّه للاتّجار بالمنافع الذي هو حدّ متوسط بين ما أعدّ للاتّجار بأصله ، وما أعدّ لصرف منافعه في المئونة ، فعمّر البستان ليتّجر بثماره ، أو اشترى السيارة ليكتسب باجرتها. ونحو ذلك ممّا يتّجر بمنفعته لا بأصله ، فقد تقدّم سابقاً أنّ هذا يجب الخمس في زيادته المتّصلة والمنفصلة وإن لم يجب في زيادة القيمة (2). فلعلّ الماتن لا يريد هذه الصورة ، لمنافاتها مع ما سبق ، فليحمل كلامه كما عرفت على الصورة السابقة ، أعني : ما أعدّه للانتفاع الشخصي المحسوب من المئونة ، فلاحظ.
(1) قد عرفت امتياز خمس الأرباح عن بقيّة أقسام الخمس في استثناء مئونة السنة ، لكي يتحقّق الفاضل عن المئونة.
وحينئذٍ فهل الأرباح المتدرّجة خلال السنة المتحصّلة من الأنواع المختلفة ينضمّ بعضها إلى بعض ويلاحظ المجموع ربحاً واحداً وتستثنى عنه المؤن المصروفة في مجموع السنة ، فتلاحظ السنة لمجموع الأرباح كما تلاحظ للمؤن من أوّل الشروع في الكسب ، أو أوّل ظهور الربح على الخلاف في مبدأ السنة؟
.................................................................................................
أو أنّ كلّ ربح يلاحظ بحياله وله سنة تخصّه ، فإن صرف في مئونة السنة المتعلّقة به فلا شيء فيه ، وإلّا وجب خمس الزائد من غير ملاحظة الاتّحاد والانضمام ، كما كان ذلك هو الشأن في الكنوز والمعادن المتعدّدة على ما تقدّم من مراعاة كلّ منها بحياله وانفراده؟
فيه كلام بين الأعلام :
ذهب جماعة ومنهم الماتن إلى الأوّل.
وذهب الشهيد الثاني في الروضة والمسالك وكذا غيره إلى الثاني (1).
وتظهر الثمرة بين القولين تارةً : في المؤن المصروفة بين الربحين ، فلو ربح أوّل محرّم عشرة دنانير وأوّل رجب ثلاثين وصرف ما بينهما في مئونته عشرين :
فعلى القول الأوّل : تستثني هذه المئونة في آخر السنة عن مجموع الربحين أي الأربعين فلا خمس إلّا في العشرين الزائدة.
وأمّا على الثاني : فلا وجه لاستثنائها إلّا عن الربح الأوّل دون الثاني ، ضرورة عدم استثناء المئونة إلّا بعد ظهور الربح لا قبله ، فلو بقي الربح الثاني إلى انتهاء سنته وجب إخراج خمسه ، فيخمّس الثلاثين بتمامها من غير استثناء المئونة السابقة عليها.
وأُخرى : في تخميس الربح المتأخِّر وعدمه ، فلو فرضنا أنّه ربح في شهر محرّم عشرة وصرفها في مئونته ، وكذا في شهر صفر إلى الشهر الأخير ، كلّما يربح في شهر يصرفه في مئونته ، فصادف أن ربح في ذي الحجّة مائة دينار وصرف منها عشرة فبقي لديه في نهاية السنة تسعون ديناراً :
فإنّه على القول الأوّل : يجب خمس هذه التسعين ، لزيادته على مجموع
1) المسالك 1 : 467 468 ، الروضة البهية 2 : 78.
.................................................................................................
الأرباح الملحوظة في هذه السنة.
بخلافه على القول الثاني ، إذ عليه مبدأ سنة هذا الربح هو ذو الحجّة وتنتهي في ذي الحجّة القابل ، وله صرفه خلال هذه المدّة في مئونته ، ولا يجب إخراج خمسه إلّا في شهر ذي الحجّة من السنة القادمة.
فثمرة القولين تظهر في هذين الموردين ، وربّما تظهر في موارد أُخر كما لا يخفى على من تدبّروا معن النظر.
هذا ، وربّما يستدلّ للقول الأوّل بما في صحيحة ابن مهزيار من قوله (عليه السلام) : «فأمّا الغنائم والفوائد فهي واجبة عليهم في كلّ عام» إلخ (1).
حيث يستظهر منها أنّ العبرة بملاحظة ربح السنة بما هي سنة ، فيلاحظ في كلّ عام مجموع الأرباح وتعدّ بمنزلة ربح واحد كما أنّ المئونة أيضاً تلاحظ كذلك.
ولكنّك خبير بعدم كون الصحيحة ناظرة إلى الضمّ ولا إلى عدمه ، وإنّما هي بصدد التفرقة بين الغنائم وغيرها ، حيث إنّه (عليه السلام) أسقط الخمس في سنته تلك عن جملة من الموارد واكتفى في بعضها بنصف السدس. وأمّا في الغنائم والفوائد فلم يسقط خمسها بل أوجبه بكامله في كلّ عام. وأمّا كيفيّة الوجوب من ملاحظة الأرباح منضمّةً أو مستقلّةً فهي ليست في مقام البيان من هذه الناحية بتاتاً ، فلا دلالة لها على ذلك أبداً.
وعليه ، فالأظهر هو القول الأخير الذي اختاره الشهيد الثاني ، نظراً إلى أنّ المستفاد من الآية المباركة بناءً على شمول الغنيمة لكلّ فائدة وكذا الروايات الدالّة على أنّ الخمس في كل ما أفاد الناس من قليل أو كثير : أنّ الحكم انحلالي ،
1) الوسائل 9 : 501 / أبواب ما يجب فيه الخمس ب 8 ح 5.
.................................................................................................
فكلّ فرد من أفراد الربح والفائدة موضوع مستقلّ لوجوب التخميس كما كان هو الحال في المعادن والكنوز.
فلو كنّا نحن وهذه الأدلّة ولم يكن دليل آخر على استثناء المئونة لالتزمنا بوجوب الخمس فوراً وبمجرّد ظهور الربح ، ولكن دليل الاستثناء أوجب ارتكاب التقييد في الوجوب التكليفي إرفاقاً وإن كان الحقّ ثابتاً من الأوّل ، فلا يجب البدار إلى الإخراج ، بل له التربّص والتأخير ريثما يصرف في مئونة السنة ، فيتقيّد الوجوب بعدم الصرف فيها.
وأمّا ارتكاب تقييد آخر أعني : ضمّ الأرباح بعضها إلى بعض بحيث يستثني حتى المؤن الحاصلة قبل الربح المتجدِّد أي المؤنة المتخلّلة بين الربحين فهذا لم يقم عليه دليل.
وبعبارة أُخرى : الذي ثبت إنّما هو استثناء المئونة من الربح المتقدّم لا من الربح المتأخّر ولو كان الربحان في سنة واحدة ، لوضوح عدم عدّ السابق من مئونة الربح اللّاحق لكي يستثني منه ، لفرض عدم صرفه فيها ، فما هو الموجب للاستثناء؟! وكذلك الحال فيما لو حصل الربح قبل انتهاء السنة كاليوم الأخير من ذي الحجّة مثلاً فإنّ الالتزام بوجوب تخميسه عند هلال محرّم مع أنّه لم يمض عليه إلّا يوم واحد بلا موجب بعد تقييد الوجوب بما دلّ على أنّه بعد المئونة ، فإنّ هذا الربح مشمول لدليل الاستثناء ، ومقتضاه جواز صرفه في شهر محرّم وما بعده من الشهور إلى انتهاء سنة هذا الربح في حوائجه ومئونته من زواج ونحوه ، فلو صرف يصحّ أن يقال : إنّه صرفه في مئونته أثناء السنة ، ومعه كيف يجب عليه الآن إخراج خمسه؟!
والحاصل : أنّ الضمّ يحتاج إلى الدليل ، ولا دليل.
.................................................................................................
فالظاهر أنّ ما ذكره الشهيد الثاني من أنّ كلّ ربح موضوعٌ مستقلّ وله سنة تخصّه وتستثنى مئونة السنة عن كلّ ربح بالإضافة إلى سنته هو الصحيح.
نعم ، قد يكون هناك تداخل في المؤن الواقعة فيما بين الأرباح ، حيث يبقى مقدار من ربح محرّم ويصرف في مئونة صفر ، ويبقى منه ويصرف في ربيع ، وهكذا ، فيتداخلان في المدّة المشتركة ، ولا ضير فيه كما لا يخفى.
وما يقال من أنّ لحاظ المئونة بالإضافة إلى كلّ ربح يوجب الاختلال والهرج والمرج.
فلا نعقل له معنىً محصّلاً حتى في التدريجيّات مثل العامل أو الصانع الذي يربح في كلّ يوم ديناراً مثلاً فإنّه إن لم يبق كما هو الغالب حيث يصرف ربح كلّ يوم في مئونة اليوم الثاني فلا كلام ، وإن بقي يخمّس الفاضل على المئونة.
نعم ، لا بأس بجعل السنة ، لسهولة الأمر وانضباط الحساب ، كما هو المتعارف عند التجار ، حيث يتّخذون لأنفسهم سنة جعليّة يخرجون الخمس بعد انتهائها واستثناء المؤن المصروفة فيها وإن كانت الأرباح المتخلّلة فيها تدريجيّة الحصول بطبيعة الحال. فإنّ هذا لا ضير فيه ، إذ الخمس قد تعلّق منذ أوّل حصول الربح ، غايته أنّه لا يجب الإخراج فعلاً ، بل يجوز إرفاقاً التأخير إلى نهاية السنة والصرف في المئونة ، فبالإضافة إلى الربح المتأخّر يجوز إخراج خمسه وإن لم تنته سنته ، فإنّ ذلك كما عرفت إرفاق محض ولا يلزم منه الهرج والمرج بوجه. كما يجوز أن يخرج الخمس من كلّ ربح فعلاً من غير اتّخاذ السنة ، فلاحظ.
[2933] مسألة 57 : يشترط (1)في وجوب خمس الربح أو الفائدة استقراره (1) ، فلو اشترى شيئاً فيه ربح وكان للبائع الخيار لا يجب خمسة إلّا بعد لزوم البيع ومضيّ زمن خيار البائع.
(1) فإنّ الربح في الشراء المتزلزل الذي هو في معرض الزوال والانحلال بفسخ البائع لا يعدّ ربحاً في نظر العرف ، ولا يطلق عليه الفائدة بالحمل الشائع إلّا بعد الاتّصاف باللزوم ، فقبله لا موضوع للربح ليخمس. فلو اشترى في البيع الخياري ما يسوى ألفاً بخمسمائة مع جعل الخيار للبائع ستّة أشهر مثلاً كما هو المتعارف في البيع الخياري ، لم يصدق عرفاً أنّه ربح كذا إلّا بعد انقضاء تلك المدّة.
هذا ، وقد يقال بكفاية الاستقرار الواقعي بنحو الشرط المتأخّر ، فلو وقع البيع المزبور في أواخر السنة وكان الاتّصاف باللزوم في السنة اللّاحقة ، كشف ذلك عن تحقّق الربح في السنة السابقة وكان من أرباحها لا من أرباح السنة اللّاحقة.
أقول : الذي ينبغي أن يقال هو التفصيل في المقام ، ولا يستقيم الإطلاق لا في كلام الماتن ولا في كلام هذا القائل.
وتوضيحه : أنّه لا ينبغي التأمّل في أنّ العين المشتراة بالبيع الخياري تقلّ قيمتها عن المشتراة بالبيع اللّازم الباتّ ، ضرورة أنّ التزلزل يعدّ لدى العرف نوع نقص في العين نظير العيب ، أو كون العين مسلوبة المنفعة سنةً مثلاً أو أكثر ، فكما لا يبذل بإزائهما ما يبذل بإزاء العين الصحيحة أو غير المسلوبة فكذا
1) (*) لا يشترط ذلك ، بل العبرة بصدق الربح ، وهو يختلف باختلاف الموارد.
.................................................................................................
لا يبذل في البيع الخياري ما يبذل في البيع اللازم المستقرّ. وهذا واضح لا سترة عليه ، للزوم رعاية جميع الخصوصيّات المكتنفة بالبيع ، فإنّ الدار التي تسوى في البيع اللّازم عشرة آلاف لا تشتري في البيع الخياري أكثر من ثمانية آلاف مثلاً وهكذا.
وحينئذٍ فالثمن المقرّر في البيع الخياري المفروض في المقام إن كان معادلاً لقيمة العين بوصف كون بيعه خياريّاً كثمانية آلاف في المثال المزبور فلم يتحقّق ثَمّة أيّ ربح في السنة السابقة ، أي في سنة البيع ليجب خمسه ، ولا يكاد يكشف اللزوم المتأخّر عن الربح في هذه السنة بوجه ، لعدم استفادة أيّ شيء بعد أن اشترى ما يسوى بقيمته المتعارفة.
نعم ، سنة اللزوم التي هي سنة زوال النقص المستلزم بطبيعة الحال لارتقاء القيمة هي سنة الربح ، فيجب الخمس وقتئذٍ ، لتحقّق موضوعه وهو الربح ، ويكون من أرباح هذه السنة دون السنة السابقة إن كانت العين قد أعدّها للتجارة ، وإلّا فلا يجب الخمس إلّا إذا باعها خارجاً ، كما هو الشأن في عامّة موارد ارتفاع القيمة السوقيّة حسبما عرفت سابقاً ، حيث إنّ المقام من مصاديق هذه الكبرى.
وإن كان أقلّ من ذلك ، كما لو اشتراها في المثال المزبور بخمسة آلاف ، فقد تحقّق الربح عند الشراء ، سواء ألزم البيع بعد ذلك أم لا ، لجواز بيعه من شخص آخر بثمانية آلاف ، فقد ربح فعلاً ثلاثة آلاف فيجب خمسه ويكون من أرباح هذه السنة لا السنة الآتية.
فينبغي التفصيل في المسألة بين هاتين الصورتين وإن كان الظاهر من عبارة المتن أنّ محلّ كلامه إنّما هي الصورة الأُولى على ما هو المتعارف في البيع الخياري من الشراء بالقيمة العاديّة.
[2934] مسألة 58 : لو اشترى ما فيه ربح ببيع الخيار فصار البيع لازماً فاستقاله البائع فأقاله لم يسقط الخمس (1) ، إلّا إذا كان من شأنه أن يقيله كما في غالب موارد بيع شرط الخيار إذا ردّ مثل الثمن.
[2935] مسألة 59 : الأحوط إخراج خمس رأس المال (2) إذا كان من أرباح مكاسبه ، فإذا لم يكن له مال من أوّل الأمر فاكتسب أو استفاد مقداراً وأراد أن يجعله رأس المال للتجارة ويتّجر به يجب إخراج خمسه على الأحوط (1)ثمّ الاتّجار به.
(1) لاستقرار الخمس بعد لزوم البيع وتحقّق الربح ، سواء أكان لازماً من الأوّل أم صار لازماً بانقضاء زمن الخيار ، ومعه لا يسوغ له إتلاف الخمس بالإقالة ، لعدم ولايته عليه ، ولأجله لم يسقط بها إلّا إذا عُدّت الإقالة من شأنه عرفاً ، كما هو الغالب في البيع الخياري ، سيّما إذا جاء البائع بالثمن بعد ساعة من مضيّ زمن الخيار لمانعٍ عرضه في الطريق أوجب التأخير ، فإنّ عدم الإجابة في مثل ذلك يعدّ مهانة ومخالفاً للإنصاف في أنظار العرف ، فيكون حالها حال الهبة وغيرها ممّا يبذله المالك أثناء السنة من المصارف اللّائقة بشأنه ، حيث لا يعدّ ذلك إسرافاً ولا تبذيراً ، فإنّها تعدّ من المؤن المستثناة من الأرباح.
نعم ، لا يسقط بالإقالة في غير هذه الصورة ، لما عرفت من عدم جواز إتلاف الخمس بعد استقراره.
(2) المحتملات في المسألة ثلاثة :
وجوب الإخراج مطلقاً ، وهذا هو الذي احتاط فيه الماتن (قدس سره).
1) (*) لا يبعد عدم الوجوب في مقدار مئونة سنته إذا اتّخذه رأس المال وكان بحاجة إليه في إعاشته.
.................................................................................................
وعدم الوجوب مطلقاً وأنّ ما يحتاج إليه الإنسان في رأس ماله أيّ مقدار كان يدخل في عنوان المؤن ، ولا خمس إلّا بعد المئونة كاستثناء سائر المؤن من الدار والفراش ونحوها.
والتفصيل وهو الصحيح بين رأس مالٍ يعادل مئونة سنته ، وبين الزائد عليه ، فلا خمس في خصوص الأوّل.
والوجه فيه : استثناء المئونة ممّا فيه الخمس. ولا ينبغي التأمّل في أنّ المستثنى إنّما هو مئونة السنة لا مئونة عمره وما دام حيّاً. وعليه ، فإذا اكتسب أو استفاد مقداراً يفي بمئونة سنته ، كما لو كان مصرفه في كلّ يوم ديناراً فحصل على ثلاثمائة وستّين ديناراً وكان بحاجة إلى رأس المال في إعاشته وإعاشة عائلته ، جاز أن يتّخذه رأس مال من غير تخميس ، نظراً إلى أنّ صرف المبلغ المذكور في المئونة يمكن على أحد وجهين : إمّا بأن يضعه في صندوق ويسحب منه كلّ يوم ديناراً ، أو بأن يشتري به سيّارة مثلاً ويعيش باجرتها كلّ يوم ديناراً ، إذ الصرف في المئونة لم ينحصر في صرف نفس العين وإتلاف المال بذاته ، بل المحتاج إليه هو الجامع بين صرف العين وصرف المنافع ، لتحقّق الإعاشة بكلّ من الأمرين ، فهو مخيّر بينهما ، ولا موجب لتعيّن الأوّل بوجه.
إذن لا بدّ من التفصيل بين ما إذا كان محتاجاً إلى رأس المال ولم يكن له رأس مال آخر بحيث توقّفت إعاشته اليوميّة على صرف هذا المال عيناً أو منفعةً فلا خمس فيه ، وبين غيره ففيه الخمس ، ضرورة عدم كون مطلق رأس المال بلغ ما بلغ كعشرة آلاف مثلاً من مئونة هذه السنة ، وقد عرفت أنّ المستثنى هو مئونة السنة لا غيرها.
[2936] مسألة 60 : مبدأ السنة التي يكون الخمس بعد خروج مئونتها حال الشروع في الاكتساب (1)(1) فيمن شغله التكسّب ، وأمّا من لم يكن مكتسباً وحصل له فائدة اتّفاقاً فمن حين حصول الفائدة.
(1) فصّل (قدس سره) في تعيين مبدأ السنة تبعاً لجمع من الأصحاب بين الربح الحاصل بالاكتساب من تجارة أو زراعة أو صناعة ونحوها ، وبين الفائدة الحاصلة اتّفاقاً كالجائزة والميراث الذي لا يحتسب ونحوهما ممّا يحصل من غير تكسب.
فذكروا أنّ مبدأ السنة التي يكون الخمس بعد استثناء مئونتها في الأوّل هو حال الشروع في الكسب وإن تأخّر عنه الربح بكثير ، وفي الثاني هو زمان ظهور الربح.
وذلك لا من أجل الاختلاف في مفهوم عام الربح ، بل المفهوم فيهما واحد ، والاختلاف إنّما نشأ من ناحية المصداق والتطبيق الخارجي ، حيث إنّ انطباقه على الكاسب من أوّل الشروع في الكسب ، وعلى غيره من أوّل ظهور الربح.
وذهب جماعة ومنهم الشهيد (2)إلى أنّ الاعتبار بظهور الربح مطلقاً وفي جميع الموارد ، فلا تستثني المؤن المصروفة قبل ذلك من غير فرق بين الكاسب وغيره. وهذا هو الصحيح.
والوجه فيه : أنّ المشتقّ وما في حكمه من الجوامد ظاهرٌ في الفعليّة ولا يستعمل فيما انقضى إلّا بالعناية ، والوارد في النصوص لو كان عنوان عام الربح أو سنة الربح لأمكن أن يقال بأنّ إطلاقه على الكاسب يفترق عن غيره كما
[2937] مسألة 61 : المراد بالمئونة مضافاً إلى ما يصرف في تحصيل الربح (1) - : ما يحتاج إليه لنفسه وعياله في معاشه بحسب شأنه اللائق بحاله
ذكر ، ولكن لم يرد حتى لفظ السنة فضلاً عن عام الربح ، وإنّما الوارد فيها استثناء المئونة ، فقد ذكر في صحيحة ابن مهزيار : «بعد مئونته ومئونة عياله» (1)، وفي بعض النصوص غير المعتبرة : ما يفضل عن مؤونتهم ، والمئونة بحسب ما يفهم عرفاً المطابق للمعنى اللغوي : كل ما يحتاج إليه الإنسان في جلب المنفعة أو دفع الضرر. وقد عرفت أنّ هذا ظاهر في المئونة الفعليّة دون ما كان مئونة سابقاً.
إذن فالمستثنى عن الربح إنّما هو المؤن الفعليّة لا ما صرفه سابقاً وقبل أن يربح ، إذ لا يطلق عليها فعلاً أنّها مئونة له وإنّما هي كانت مئونة سابقاً ، فلا مقتضي لإخراجها عن الأرباح ، كما لا وجه لإخراج المماثل من ذلك عن الربح واحتسابه عوضاً عمّا صرفه سابقاً ، لعدم الدليل عليه.
وعلى الجملة : فما صرفه سابقاً لم يكن مئونة فعليّة ، ولا دليل على إخراج المماثل ، فإن ثبت هذا ولا ينبغي الشكّ في ثبوته فهو ، وإلّا فيكفينا مجرد الشك في ذلك للزوم الاقتصار في المخصص المنفصل الدائر بين الأقلّ والأكثر على المقدار المتيقّن وهو المؤن المصروفة بعد ظهور الربح. وأمّا إخراج المؤن السابقة عن الربح المتأخّر فهو مشكوك فيرجع إلى إطلاق ما دلّ على وجوب الخمس في كلّ ما أفاد من قليل أو كثير.
(1) أمّا بالنسبة إلى مئونة التجارة وما يصرف في سبيل تحصيل الربح فقد دلّت على استثنائه عدّة من الأخبار المتضمّنة : أنّ الخمس بعد المئونة ، بل لو لم
1) الوسائل 9 : 500 / أبواب ما يجب فيه الخمس ب 8 ح 4.
في العادة من المأكل والملبس والمسكن ، وما يحتاج إليه لصدقاته وزياراته وهداياه وجوائزه وأضيافه ، والحقوق اللازمة له بنذر أو كفّارة أو أداء دين أو أرش جناية أو غرامة ما أتلفه عمداً أو خطأً ، وكذا ما يحتاج إليه من دابّة أو جارية أو عبد أو أسباب أو ظرف أو فرش أو كتب ، بل وما يحتاج إليه لتزويج أولاده أو ختانهم ، ونحو ذلك مثل ما يحتاج إليه في المرض وفي موت أولاده أو عياله ، إلى غير ذلك ممّا يحتاج إليه في معاشه ، ولو زاد على ما يليق بحاله ممّا يعدّ سفهاً وسرفاً بالنسبة إليه لا يحسب منها.
تكن لدينا أيّة رواية كان ذلك هو مقتضى القاعدة ، ضرورة عدم صدق موضوع الخمس أعني : الغنيمة والفائدة إلّا بعد إخراجها بأجمعها من اجرة الدلّال والدكّان والحمّال وما شاكل ذلك ، فإنّ من اشترى بضاعة باثني عشر ديناراً وباعها بخمسة عشر وأعطى للدلّال ديناراً واحداً لا يقال : إنّه ربح ثلاثة دنانير ، بل دينارين فقط ، وهكذا ، وهذا ظاهر.
ولا فرق في ذلك بين طول المدّة بحيث بلغت السنة والسنتين وقصرها ، فمن خرج من بلده لتجارة كاستيراد بضاعة ونحوها فطالت المدّة المصروفة في سبيل تحصيلها من مراجعة الدوائر الحكوميّة ونحو ذلك سنة أو أكثر ، فجميع المؤن المصروفة في هذا الطريق تستثني عن الربح.
وبالجملة : فالعبرة بالصرف في سبيل تحصيل المال بلا فرق بين السنة وغيرها. وهذا لا كلام فيه ولا شبهة تعتريه.
وأمّا بالنسبة إلى ما يصرفه في معاش نفسه وعائلته فما ذكره (قدس سره) من التفصيل بين ما كان بحسب شأنه وما يليق بحاله في العادة وبين غيره هو الصحيح ، فإنّ كلمة المئونة الواردة في الأدلّة التي هي كما عرفت بمعنى : ما
.................................................................................................
يحتاج إليه الإنسان إمّا لجلب المنفعة أو لدفع الضرر منصرفة كسائر الألفاظ الواردة في الكتاب والسنّة إلى المتعارف ، بحيث يصدق عرفاً أنّه محتاج إليه بحسب شؤونه اللّائقة به لنفسه ولمن ينتمي إليه ، ولأجله يختلف تشخيصه باختلاف الشؤون والاعتبارات ، فربّ مصرف يكون مناسباً لشأن أحد دون غيره بحيث يعدّ إسرافاً في حقّه ، فيستثنى بالإضافة إلى الأوّل دون الآخر.
هذا كلّه في الأُمور الدنيويّة.
وأمّا بالإضافة إلى العبادات والأُمور القربيّة من صدقة أو زيارة أو بناء مسجد أو حجّ مندوب أو عمرة ونحو ذلك من سائر الخيرات والمبرات ، فظاهر عبارة المتن وصريح غيره جريان التفصيل المزبور فيه أيضاً ، فيلاحظ مناسبة الشأن ، فمن كان من شأنه هذه الأُمور تستثني وتعدّ من المؤن ، وإلّا فلا.
ولكن الظاهر عدم صحّة التفصيل هنا ، فإنّ شأن كلّ مسلم التصدِّي للمستحبّات الشرعيّة والقيام بالأفعال القربيّة ، امتثالاً لأمره تعالى وابتغاءً لمرضاته وطلباً لجنّته ، وكلّ أحد يحتاج إلى ثوابه ويفتقر إلى رضوانه ، فهو يناسب الجميع ، ولا معنى للتفكيك بجعله مناسباً لشأن مسلم دون آخر ، فلو صرف أحد جميع وارداته بعد إعاشة نفسه وعائلته في سبيل اللّه ذخراً لآخرته ولينتفع به بعد موته كان ذلك من الصرف في المئونة ، لاحتياج الكلّ إلى الجنّة ، ولا يعدّ ذلك من الإسراف أو التبذير بوجه بعد أمر الشارع المقدّس بذلك ، وكيف يعدّ الصرف في الصدقة أو العمرة ولو في كلّ شهر أو زيارة الحسين (عليه السلام) كلّ ليلة جمعة أو في زياراته المخصوصة من التفريط والخروج عن الشأن بعد حثّ الشريعة المقدّسة المسلمين عليها حثّا بليغاً؟! فالإنصاف أنّ كلّ ما يصرف في هذا السبيل فهو من المؤن قلّ أم كثر. والتفصيل المزبور خاصّ بالأُمور الدنيويّة حسبما عرفت.
[2938] مسألة 62 : في كون رأس المال للتجارة مع الحاجة إليه من المئونة إشكال (1) ، فالأحوط كما مرّ إخراج خمسه أوّلاً ، وكذا في الآلات المحتاج إليها (1)في كسبه مثل آلات النجارة للنّجّار وآلات النساجة للنسّاج وآلات الزراعة للزارع وهكذا ، فالأحوط إخراج خمسها أيضاً أوّلاً.
[2939] مسألة 63 : لا فرق في المئونة بين ما يصرف عينه فتتلف مثل المأكول والمشروب ونحوهما ، وبين ما ينتفع به مع بقاء عينه (2) مثل الظروف والفرش ونحوها ، فإذا احتاج إليها في سنة الربح يجوز شراؤها من ربحها وإن بقيت للسنين الآتية أيضاً.
(1) مرّ أنّه لا إشكال فيه. ومنه يظهر الحال في الآلات المحتاج إليها في كسبه ، لوحدة المناط ، فلا يجب الإخراج في شيء من ذلك إلّا إذا كانت أكثر من مئونة السنة.
(2) قد تكون المئونة ممّا لا بقاء له كالمأكول ، وهذا لا كلام في استثنائه.
وقد تكون ممّا له بقاء كالظروف والفرش ونحوها ، فهل يجب الخمس بعد مضيّ السنة ، أو بعد الاستغناء كما سيتعرّض له الماتن بعد ذلك ، مثل : الحلي التي تستغني عنها المرأة بعد أيّام شبابها؟
الظاهر أنّه لا ينبغي التأمّل في عدم الوجوب ، إذ بعد أن صدق عليه عنوان المئونة في هذه السنة المقتضي للاستثناء فبقاؤها وكونها مئونة في السنين الآتية أيضاً لا يمنع عن ذلك.
1) (*) الظاهر أنّ حكمها حكم رأس المال وقد تقدّم.
.................................................................................................
وبعبارة اخرى : قد يفرض الاحتياج ولكنّه لا يختصّ بهذه السنة بل في السنة اللاحقة أيضاً يصرف في الحاجة ، وأُخرى يستغنى عنه بعد ذلك كما في حليّ النِّساء.
ومقتضى البَعديّة في قوله (عليه السلام) : «الخمس بعد المئونة» أنّ تشريع الخمس إنّما هو بعد استثناء المئونة ، نظير بَعديّة الإرث بالإضافة إلى الوصيّة والدين في قوله تعالى ( مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ ) (1)، فكما لا إرث إلّا بعد إخراج الأمرين فكذلك لا خمس إلّا بعد إخراج المئونة.
ومن الظاهر أنّ بقاءها بعد انقضاء السنة أو عدم البقاء لا مدخل له في هذا الاستثناء بعد فرض صدق المئونة ، فإنّ المتعارف خارجاً تملّك جملة من الأُمور المحتاج إليها في الإعاشة حتى دار السكنى ، إذ الاقتصار على الإيجار يعدّ عرفاً نوعاً من الاضطرار ، فضلاً عن مثل الألبسة والظروف والفروش ونحوها ممّا لا شكّ في تعارف ملكيّتها لا مجرّد الانتفاع بها بإجارة أو عارية ونحوها ، ومن المعلوم جريان العادة على بقاء هذه الأُمور غالباً وعدم استهلاكها في سنة واحدة. وهذا كما عرفت لا يمنع عن الاستثناء.
على أنّ موضوع الخمس وهو الفائدة والغنيمة بالمعنى الأعمّ ظاهر في الحدوث ، بل لا بقاء لها وإنّما الباقي المال. وأمّا الإفادة فهي أمر حادث تقع في كلّ ربح مرّة واحدة من غير تكرّر. فإذا بقيت العين بعد السنة وخرجت عن الحاجة والمؤنيّة كالحليّ للنسوان أو بعض الكتب لأهل العلم فليست هناك إفادة جديدة ولم تحدث فائدة ثانية ليتعلّق بها الخمس ، فحينما حدثت الإفادة لم يجب الخمس على الفرض ، لأنّها كانت آن ذاك من المئونة ولا خمس إلّا بعد
1) النِّساء 4 : 11.
[2940] مسألة 64 : يجوز إخراج المئونة من الربح وإن كان عنده مال لا خمس فيه (1) بأن لم يتعلّق به أو تعلّق وأخرجه فلا يجب إخراجها من ذلك
المئونة ، وبعد زوال الحاجة والخروج عن المؤنيّة لم تتحقّق فائدة ثانية ليتعلّق بها الخمس.
ومن هنا ذكرنا في محلّه عدم وجوب الخمس على الصبي الذي ربح باتّجار وليّه ، لا حال صباه ولا بعد البلوغ. أمّا الأوّل فلحديث رفع القلم عنه تكليفاً ووضعاً. وأمّا الثاني فلعدم حصول فائدة جديدة. فحين حدوث الفائدة لا وجوب لعدم البلوغ ، وبعده لم تتحقّق فائدة أُخرى ليتعلّق بها الخمس. ومن المعلوم أنّ تلك الفائدة لا بقاء لها وإنّما الباقي المال لا الاستفادة التي هي الموضوع للحكم.
وهذا هو الميزان الكلّي ، وضابطه : أنّه في كلّ مورد لم يتعلّق الخمس من الأوّل لجهة من الجهات إمّا لكون الربح من المئونة ، أو لعدم استجماع شرائط التكليف ، أو لمانع آخر لم يتعلّق ثانياً ، لأنّ موضوع الحكم هي الفائدة ولم تتحقّق فائدة جديدة.
(1) لا شكّ في جواز إخراج المئونة من الربح إذا لم يكن له مال آخر من رأس مال أو ملك شخصي ، كما قد يتّفق في عامل المضاربة وغيره.
كما لا شكّ أيضاً في جواز الإخراج فيما لو كان له مال آخر ولكن لم تجر العادة على صرفه في المئونة كدار السكنى أو أثاث البيت أو رأس المال ونحو ذلك.
بتمامها ولا التوزيع ، وإن كان الأحوط التوزيع ، وأحوط منه إخراجها بتمامها من المال الذي لا خمس فيه.
وإنّما الكلام فيما لو كان له مال زائد ادّخره لغرض آخر ، فهل يجوز حينئذٍ صرف الربح في المئونة ، أو لا؟
الذي يظهر من كلماتهم أنّ الأقوال في المسألة ثلاثة :
جواز الصرف مطلقاً.
وعدمه مطلقاً ، كما نسب إلى الأردبيلي (1).
والتوزيع بالنسبة ، فتخرج المئونة عن جميع ما يملك من الربح والمال الآخر بنسبتهما من النصف أو الثلث ونحوهما. فلو كانت المئونة خمسين والربح مائة والمال الآخر أيضاً مائة يخرج نصف المئونة من الربح والنصف الآخر من المال الآخر ، وهكذا حسب اختلاف النسب.
وعلّلوا الأخير بأنّه مقتضى قاعدة العدل والإنصاف كما علّل ما عن الأردبيلي على ما نسب إليه بأنّ ما دلّ على جواز صرف الربح في المئونة ضعيف السند ، والعمدة الإجماع ودليل نفي الضرر ، والقدر المتيقّن صورة الاحتياج ، أمّا مع عدم الحاجة لوجود مال آخر فلا إجماع ، ومقتضى إطلاق أدلّة الخمس إخراجه من غير استثناء ، ومع قطع النظر عن المناقشة في السند فالدليل منصرف إلى صورة الاحتياج.
أقول : لم يظهر وجه صحيح لما أُفيد :
1) مجمع الفائدة والبرهان 4 : 318.
ولو كان عنده عبد أو جارية أو دار أو نحو ذلك ممّا لو لم يكن عنده كان من المئونة لا يجوز احتساب قيمتها من المئونة (1) وأخذ مقدارها ، بل يكون حاله حال من لم يحتج إليها أصلاً.
أمّا المناقشة في السند : فغير واضحة ، لأنّ ما دلّ على أنّ الخمس بعد مئونته ومئونة عياله كصحيحة ابن مهزيار وغيرها معتبرة لم نر أيّ خلل في سندها لنحتاج إلى دعوى الانجبار بعمل الأصحاب.
وأمّا دعوى الانصراف إلى صورة الحاجة : فهي أيضاً غير ظاهرة ، لأنّ العبرة بالحاجة إلى الصرف ، وهي متحقّقة على الفرض ، لأنّها هي معنى المئونة.
وأمّا الحاجة إلى الصرف من خصوص الربح : فلم يدلّ عليه أيّ دليل ، بل مقتضى الإطلاقات عدمه ، إذ مقتضاها أنّه لدى الحاجة إلى الصرف يجوز الصرف من الربح واستثناء المئونة منه ، سواء أكان عنده مال آخر أم لا.
وأمّا حديث التوزيع : فهو أيضاً لا وجه له ، إذ لا أساس لقاعدة العدل والإنصاف في شيء من هذه الموارد. وحينئذٍ فإن تمّ الإطلاق وهو تامّ حسبما عرفت جاز الإخراج من الربح ، وإلّا لأجل المناقشة في السند أو الدلالة لزم الإخراج من مال آخر ووجب الخمس في تمام الربح ، فالعمدة ثبوت الإطلاق اللفظي وعدمه.
فتحصّل : أنّ الأظهر صحّة القول الأوّل ، فلا يجب التوزيع ولا الإخراج من مال آخر وإن كان أحوط.
(1) لانتفاء موضوع المئونة والاستغناء عنها بعد تملّك تلك الأعيان ، فلا مقتضي للإخراج عن الربح.
وأمّا إخراج المقدار واحتساب القيمة فلا دليل عليه بتاتاً ، فإنّ المستثنى في
[2941] مسألة 65 : المناط في المئونة ما يصرف فعلاً لا مقدارها ، فلو قتّر على نفسه لم يحسب له (1) ، كما أنّه لو تبرّع بها متبرّع لا يستثني له مقدارها على الأحوط ، بل لا يخلو عن قوّة.
[2942] مسألة 66 : إذا استقرض من ابتداء سنته لمئونته أو صرف بعض رأس المال فيها قبل حصول الربح يجوز له وضع مقداره (1)من الربح (2).
الأدلّة إنّما هي المئونة الفعليّة لا التقديريّة وبنحو القضيّة الشرطيّة لكي تحتسب القيمة ، والمفروض انتفاء الفعليّة ، فلا موضوع للاستثناء.
ولو فرضنا الإجمال في تلك الأدلّة كان المرجع إطلاقات الخمس ، للزوم الاقتصار في المخصّص المنفصل المجمل الدائر بين الأقل والأكثر على المقدار المتيقّن وهي المئونة الفعليّة ، شأن كلّ عنوان أُخذ في موضوع الحكم ، فيرجع في التقديريّة إلى إطلاقات الخمس في كلّ فائدة كما عرفت.
(1) فيجب الخمس فيما قتّر ، لزيادته على المئونة وإن كان لم يجب لو صرفه فيها ، لكون العبرة كما عرفت آنفاً بالصرف الفعلي لا التقديري ، فلا يستثني المقدار إن لم يصرف إمّا للتقتير أو لتبرّع شخص آخر ، بل المستثنى خصوص ما صرفه خارجاً في المئونة. فهذه المسألة من متفرّعات المسألة السابقة ونتائجها. فلو كانت مئونته مائة دينار فصرف خمسين وجب الخمس في الخمسين الباقية.
(2) هذا وجيه ، بناءً على ما اختاره من أنّ مبدأ السنة من حين الشروع في الاكتساب ، فتُستثنى المئونة حينئذٍ من الربح المتأخّر ، ولكن عرفت عدم
1) (*) فيه إشكال ، بل منر. نعم يستثني مقداره إذا كان بعد حصول الربح.
[2943] مسألة 67 : لو زاد ما اشتراه وادّخره للمئونة من مثل الحنطة والشعير والفحم ونحوها ممّا يصرف عينه فيها يجب إخراج خمسه عند تمام الحول (1) ، وأمّا ما كان مبناه على بقاء عينه والانتفاع به مثل الفرش والأواني والألبسة والعبد والفرس والكتب ونحوها فالأقوى عدم الخمس فيها. نعم ، لو فرض الاستغناء عنها فالأحوط (1)إخراج الخمس منها ، وكذا في حليّ النسوان إذا جاز وقت لبسهنّ لها.
الدليل عليه ، بل ظاهر الأدلّة أنّ مبدأها ظهور الربح مطلقاً فيجوز صرفه في المئونة. وأمّا إخراج مقدار المئونة المصروفة سابقاً ووضعه من الربح المتأخّر فلا دليل عليه بوجه.
نعم ، قد يتحمّل في بعض الموارد مصارف في سبيل تحصيل الربح ، كالسفر إلى بلاد بعيدة ، كما لو اشترى بضاعة من بغداد بمائة دينار مثلاً وذهب إلى لندن فباعها بخمسمائة ، فإنّ ذلك يتكلّف بطبيعة الحال مصارف مأكله ومسكنه وأُجور الطائرة ونحو ذلك. فإنّ هذا كلّه يخرج عن الربح المتأخّر قطعاً ، بل لا ربح حقيقةً إلّا فيما عداه.
ولكن هذا خارج عن محلّ الكلام كما مرّ ، فإنّ الكلام في مئونة الشخص وعائلته ، لا في مئونة الربح والتجارة ، فإنّه لا كلام في استثنائها ، بل لا يصدق الربح إلّا بعد إخراجها كما عرفت.
(1) فإنّ الزائد على ما استهلكه خلال السنة غير معدود من المئونة ، فلا وجه لاستثنائه ، فتشمله إطلاقات الخمس في كلّ فائدة.
1) (*) لا بأس بتركه ، نعم لو باعها وربح فيه تعلّق الخمس بالربح ، وكذا الحال في حليّ النسوان.
.................................................................................................
وأمّا ما كان مبناه على الانتفاع به مع بقاء عينه إذا كان بحيث لا يستهلك في سنة واحدة بل يبقى سنين وقد يبقى طول العمر كبعض أنواع الفرش والألبسة والدور والأواني المعدنيّة ونحو ذلك من الأمتعة الباقية أكثر من سنة واحدة بطبيعة الحال ، فقد حكم في المتن بعدم الخمس فيها إلّا إذا فرض الاستغناء عنها فاحتاط بوجوب الخمس حينئذ. وكذا الحال في حليّ النِّساء إذا جاز وقت لبسهنّ لها للخروج حينئذٍ عن عنوان المئونة ، والمرجع بعد ذلك إطلاقات الخمس السليمة عن التقييد.
ولكن الظاهر عدم وجوب الخمس من غير فرق بين صورتي الاستغناء وعدمه.
بيان ذلك : إنّا قد ذكرنا في محلّه في الأُصول (1): أنّه إذا كان هناك عامّ أو مطلق وقد ورد عليه مخصّص زماني : فإن كان الزمان ملحوظاً فيه بنحو المفرديّة بحيث كان له عموم أو إطلاق أزماني وأفرادي فلوحظ كلّ زمان فرداً مستقلا للعامّ في قبال الزمان الآخر كان المرجع فيما عدا المقدار المتيقّن من التخصيص هو عموم العامّ حتى إذا كان استصحاب المخصّص جارياً في نفسه مع أنّه لا يجري ، لتعدّد الموضوع لتقدّم الأصل اللفظي أعني : أصالة العموم أو الإطلاق على الاستصحاب الذي هو أصل عملي.
وإن كان ملحوظاً ظرفاً لا قيداً فكان الثابت على كلّ فرد من العامّ حكماً واحداً مستمرّاً لا أحكاماً عديدة انحلاليّة ، فلا مجال حينئذٍ للتمسّك بالعامّ حتى إذا لم يكن الاستصحاب جارياً في نفسه ، إذ لم يلزم من استدامة الخروج تخصيص آخر زائداً على ما ثبت أوّلاً ، ولا دليل على دخول الفرد بعد خروجه عن العامّ ، بل مقتضى الأصل البراءة عنه.
1) مصباح الأُصول 3 : 217 وما بعدها.
.................................................................................................
ولكن هذا كلّه مخصوص بما إذا كان التخصيص أزمانيّاً بأن تكفّل دليل المخصّص للإخراج في زمان خاصّ.
وأمّا إذا كان أفراديّاً بأن أخرج فرداً عرضيّاً من أفراد العامّ ، كخروج زيد عن عموم وجوب إكرام العلماء ، فلا يجري فيه حينئذٍ ذاك الكلام ، فإنّه خارج عن موضوع ذلك البحث ، فإذا خرج زيد ولو في زمان واحد يؤخذ بإطلاق دليل المخصّص المقدّم على عموم العامّ ، لعدم كون زيد فردين للعامّ كما لا يخفى. فسواء أكان الزمان مفرداً أم لا لا مجال للتمسّك فيه بأصالة العموم ، بل المرجع أصالة البراءة عن تعلّق الحكم به ثانياً.
وعليه ، فنقول : المستفاد من قوله (عليه السلام) : «الخمس بعد المئونة» الذي هو بمثابة المخصّص لعموم ما دلّ على وجوب الخمس في كلّ غنيمة وفائدة من الكتاب والسنّة أنّ هذا الفرد من الربح وهو ما يحتاج إليه خلال السنة المعبّر عنه بالمئونة خارجٌ عن عموم الدليل ، والظاهر منه أنّ الخروج لم يكن بلحاظ الزمان ، بل هو متعلّق بنفس هذا الفرد من الربح بالذات كما عرفت ، فهو من قبيل التخصيص الأفرادي لا الأزماني.
كما أنّه لم يكن مقيّداً بعدم كونه مئونة في السنة الآتية ولا بعدم الاستغناء عنه في السنين القادمة فيشمل كلّ ذلك بمقتضى الإطلاق. فهذا الفرد بعد خروجه لم يكن مشمولاً لإطلاقات الخمس فيحتاج شمولها له ثانياً إلى الدليل ومقتضى الأصل البراءة ، فلا موجب للاحتياط إلّا استحباباً.
ومع التنازل عن هذا البيان وتسليم كون الخروج بلحاظ الزمان فلا ينبغي التأمّل في عدم مفرديّة الزمان في عموم الخمس المتعلّق بالأرباح ليلزم الانحلال ، بل هو ظرف محض ، فلكلّ فرد من الربح حكم وحداني مستمرّ من الخمس تكليفاً ووضعاً ، فإذا سقط الحكم عن فرد في زمان بدليل التخصيص احتاج
[2944] مسألة 68 : إذا مات المكتسب في أثناء الحول بعد حصوله الربح سقط اعتبار المئونة في باقيه ، فلا يوضع من الربح مقدارها على فرض الحياة (1).
[2945] مسألة 69 : إذا لم يحصل له ربح في تلك السنة وحصل في السنة اللاحقة لا يخرج مئونتها من ربح السنة اللاحقة (2).
عوده إلى دليل آخر ، بعد وضوح أنّ أصالة العموم لا تقتضيه ، لعدم استلزام التخصيص الزائد.
وبالجملة : فعلى التقديرين أي سواء أكان التخصيص فرديّاً كما هو الظاهر أم زمانيّاً لم يجب الخمس بعد الاستغناء ، إذ الموجب له كونه غنيمة ، والمفروض أنّ هذا الفرد حال كونه غنيمة لم يجب خمسه ، لكونه من المئونة ، فعروض الوجوب ثانياً وخروج الخمس عن الملك يحتاج إلى الدليل ، ولا دليل.
بل المرجع حينئذٍ إطلاق دليل المخصّص أو استصحابه لا عموم العامّ ، وتكفينا أصالة البراءة عن وجوب الخمس ثانياً ، بعد وضوح عدم كون المئونة في السنة اللّاحقة أو بعد الاستغناء مصداقاً جديداً للربح ليشمله عموم وجوب الخمس في كلّ فائدة.
(1) لما تقدّم من أنّ الاعتبار في الاستثناء بالمئونة الفعليّة لا التقديريّة ، فلا يوضع عن الربح إلّا المقدار الذي صرفه خارجاً ، ويرجع فيما عداه إلى عموم وجوب الخمس ، إذ لا مئونة بعد الموت ، فإنّها سالبة بانتفاء الموضوع.
(2) لعدم المقتضي للإخراج بعد اختصاص دليله بمئونة سنة الربح لا غير.
نعم ، لو كان ذلك في سنة واحدة ، كما لو استدان للمئونة أوّل السنة ثمّ حصل الربح ، أمكن القول بالإخراج كما سبق اختياره من الماتن في المسألة السادسة
[2946] مسألة 70 : مصارف الحجّ من مئونة عام الاستطاعة (1) ، فإذا استطاع في أثناء حول حصول الربح وتمكّن من المسير بأن صادف سير الرفقة في ذلك العامّ احتسب مخارجه من ربحه ، وأمّا إذا لم يتمكّن حتى انقضى العام وجب عليه خمس ذلك الربح ، فإن بقيت الاستطاعة إلى السنة الآتية وجب وإلّا فلا ، ولو تمكّن وعصى حتى انقضى الحول فكذلك على الأحوط (1)، ولو حصلت الاستطاعة من أرباح سنين متعدّدة وجب الخمس فيما سبق على عام الاستطاعة ، وأمّا المقدار المتمّم لها في تلك السنة فلا يجب خمسه إذا تمكّن من المسير ، وإذا لم يتمكّن فكما سبق يجب إخراج خمسه (2).
والستّين ، بناءً منه على أنّ مبدأ السنة هو أوّل الشروع في الاتّجار وإن لم يكن وجيهاً على ما قوّيناه من أنّ مبدأها ظهور الربح.
وأمّا افتراض ذلك في سنتين بأن تخرج مئونة سنة لا ربح فيها عن ربح السنة الأُخرى فلا وجه له بتاتاً ، لاختصاص الدليل بمئونة سنة الربح فقط حسبما عرفت.
(1) تنحلّ المسألة إلى صور ثلاث :
أُولاها : ما إذا استطاع أثناء حول الربح وتمكّن من المسير وتلبّس بالسير.
والظاهر أنّه لا خلاف كما لا إشكال في احتساب مخارجه من الربح ، ضرورة كونها من أوضح أنحاء المئونة فلا يجب الخمس فيها قطعاً.
ثانيتها : ما إذا استطاع أثناءه ولكنّه لم يتمكّن من المسير حتى انقضى العام.
.................................................................................................
ولا ينبغي التأمّل في وجوب خمس ذلك الربح حينئذٍ ، لوضوح أنّ عدم التمكّن يكشف عن عدم الوجوب ، ومعه لم تكن مئونة لكي تستثني ، وحينئذٍ فإن بقيت الاستطاعة إلى السنة الآتية وجب ، وإلّا فلا كما هو ظاهر.
ثالثتها : ما لو تمكّن ولكنّه عصى حتى انقضى الحول.
وقد احتاط الماتن (قدس سره) وجوباً بإخراج الخمس حينئذٍ أيضاً.
والظاهر أنّ نظره الشريف في الاحتياط المزبور مع بنائه على عدم الاحتساب في فرض التقتير ووضوح كون ترك الحجّ في محلّ البحث من هذا القبيل إلى اختصاص المقام بجهة بها يمتاز عن سائر موارد التقتير ، وهي تعلّق الوجوب بالصرف في المئونة ، للإلزام الشرعي بالذهاب إلى الحجّ ، فيحتمل أنّ يكون هذا الإيجاب والإلزام محقّقاً ، لصدق المئونة المانعة عن وجوب الخمس ، نظير ما ذكروه في باب الزكاة من أنّه لو وجب الصرف في مورد لم تجب الزكاة ، لعدم التمكّن من التصرّف.
وهذا الاحتمال وإن لم يكن بعيداً عند الماتن (قدس سره) ولأجله احتاط ولم يجزم في المسألة ، إلّا أنّه ضعيف عندنا ، لعدم صدق المئونة عرفاً إلّا لدى الصرف الخارجي ، ولا يكفي فيه مجرّد الإلزام الشرعي ، ومن ثمّ كان وجوب الخمس هو الأظهر لا مجرّد أنّه أحوط.
ونظير هذا الاحتياط منه (قدس سره) سيجيء في المسألة الآتية ، حيث يذكر (قدس سره) أنّه إذا لم يؤدّ الدين حتى انقضى العام فالأحوط إخراج الخمس ، فإنّ مستنده هو ما ذكرناه بعين المناط ، حيث إنّ أداء الدين واجب كوجوب الحجّ ، فيحتمل أن يكون نفس التكليف محقّقاً لعنوان المئونة وإن لم يتحقّق الأداء خارجاً ، فلا موجب لقياس المقام بسائر موارد التقتير ، حيث لا تكليف فيها بالصرف في المئونة.
هذا كلّه فيما إذا حصلت الاستطاعة في عام الربح.
[2947] مسألة 71 : أداء الدين من المئونة إذا كان في عام حصول الربح (1) أو كان سابقاً ولكن لم يتمكّن من أدائه (1)إلى عام حصول الربح ، وإذا لم يؤدّ دينه حتى انقضى العام ، فالأحوط إخراج (2)الخمس أوّلاً وأداء الدين ممّا بقي.
وأمّا لو حصلت من أرباح سنين عديدة فلا ينبغي التأمّل في وجوب الخمس فيما سبق على عام الاستطاعة ، لعدم المقتضي للاستثناء ، وأمّا المقدار المتمّم لها الحاصل في السنة الأخيرة فحكمه حكم الاستطاعة بتمامها في عام الربح ، فتجري فيها الوجوه الثلاثة المتقدّمة من التمكّن من المسير وعدمه والعصيان ، فلاحظ.
(1) تفصيل الكلام في المقام : أنّ الدين على أقسام :
فتارةً : يفرض بعد حصول الربح في عامه ، وأُخرى قبله في نفس العام ، وثالثةً في العام السابق على عام الربح.
كما أنّه قد يكون لأجل المئونة ، وأُخرى لغيرها ، إمّا مع بقاء عين ما استدان له ، أو مع تلفها كما في الغرامات ونحوها.
والسيِّد الماتن وإن لم يذكر إلّا بعض هذه الأقسام لكنّا نذكر جميعها استيعاباً للبحث.
فنقول : يقع الكلام في مقامات ثلاثة :
.................................................................................................
المقام الأوّل : في الدين المتأخّر عن حصول الربح في عامه.
وتفصيله : أنّه إذا ربح أوّلاً ثمّ استدان فقد يستدين لمئونته ، وأُخرى لأمر خارجي غير المئونة.
فإن كان الأوّل فلا ينبغي الشكّ في جواز أدائه من الربح من غير تخميس ، والظاهر أنّه لم يستشكل فيه أحد ، إذ كما يجوز أن يشتري ذلك بنفس الربح ، فكذلك يجوز أن يشتريه بالذمّة ويؤدِّي الدين من الربح ، ففي الحقيقة هذا صرف للربح في المئونة ديناً لا عيناً ، ولا فرق بينهما قطعاً.
كما لا فرق في ذلك بين ما إذا كانت المئونة المشتراة ديناً تالفة أم أنّها كانت باقية كالفرش والدار والفرس ونحو ذلك ، فإنّه على التقديرين إذا أدّى الدين من الربح يعدّ ذلك من صرف الربح في المئونة حسبما عرفت.
بل الظاهر أنّ الأمر كذلك وإن لم يؤدّ الدين إلى أن مضت السنة ، فيجوز الأداء منه بعد ذلك من غير تخميس ، لعدم صدق الربح عند العقلاء بعد أن كان واقعاً في قبال الدين ، فإنّ العبرة عندهم في إطلاق الربح أو الخسران بملاحظة مجموع السنة ، فإن زاد في آخرها على رأس المال شيء لم يصرف في المئونة فهو الربح ، وإلّا فلا.
وعليه ، فهم لا يعتبرون الربح الذي بإزائه دين استدانة للمئونة سواء أكانت مئونة تحصيل الربح أم مئونة السنة ربحاً حقيقةً وإن كان كذلك صورةً ، بحيث لو سئل بعد انقضاء السنة هل ربحت في سنتك هذه؟ لكان الجواب منفيّاً ، إذ لا يرى شيئاً يزيد على رأس ماله بعد اضطراره إلى الصرف في أداء الدين.
ولو فرض صدق الربح بنحوٍ من العناية فلا ينبغي الإشكال في عدم صدق عنوان الفاضل على المئونة الذي هو الموضوع لوجوب الخمس ، فلا يدخل في قوله (عليه السلام) : «فأمّا الغنائم والفوائد فهي واجبة عليهم في كلّ عام» إلخ.
.................................................................................................
وبالجملة : العادة قاضية وسيرة العقلاء جارية على صرف المؤن المحتاج إليها من الأرباح إمّا من عين الربح ، أو من مماثله من دين أو مال مخمّس أو ما لا خمس فيه ، بحيث يتحفّظ على رأس المال ويصرف من الأرباح عيناً أو مثلاً. وعليه ، فلا ربح ، ولو سلّمنا فلا فاضل.
ففي هذه الصورة لا حاجة إلى الأداء الخارجي ، بل مجرّد اشتغال الذمّة بالدين كافٍ في الاستثناء.
وإن كان الثاني : أعني الدين لغير المئونة ، كما لو اشترى فرساً ديناً لأن يؤاجره مثلاً فتارةً يكون موجوداً ، وأُخرى تالفاً.
أمّا الموجود فيجوز فيه أداء الدين من الربح ، إذ يجوز له الآن أن يشتري الفرس بالربح فكيف بأداء الدين الآتي من قبل شراء الفرس؟! به ، لكنّه حينئذٍ يكون الفرس بنفسه ربحاً ، إذ للمالك تبديل الأرباح خلال السنة ولو عدّة مرّات ، كما هو دأب التجار في معاملاتهم ، فهو في المقام يجد آخر السنة أنّه ربح الفرس ، فيجب تخميسه بماله من القيمة ، سواء أكان مساوياً لما اشترى به أم أقلّ أم أكثر ، ففي جميع هذه الأحوال العبرة بنفس هذا المال لا الربح الذي أدّى به دينه.
ولو لم يؤدّ دينه إلى أن انقضت السنة يقوّم الفرس أيضاً آخر السنة ويلاحظ الدين الذي عليه من الفرس ، فبمقدار الدين لا ربح وإنّما الربح في الزائد عليه لو كان فيجب تخميسه حينئذٍ.
فمثلاً : لو اشترى الفرس بخمسين وكانت قيمته آخر السنة مائة فمعناه : أنّه ربح خمسين فيخمّسه ، أمّا الخمسون الآخر فمدين بإزائه بهذا المقدار. نعم ، لو كانت القيمة بمقدار ما اشترى فضلاً عن الأقلّ لم يكن عليه شيء.
وأمّا لو كان الفرس مثلاً تالفاً فإن أدّى دينه خلال السنة فلا إشكال ،
.................................................................................................
فإنّ الخروج عن عهدة أداء الدين الثابت عليه تكليفاً ووضعاً يعدّ من المئونة ، بل لعلّ تفريغ الذمّة عنه بالربح السابق على التكليف من أوضح أنحائها ، فلو أدّاه فقد صدر من أهله في محلّه.
وأمّا لو لم يؤدّ حتى مضت السنة فهل يستثني كما كان يستثني الدين للمئونة؟ فيه كلام وإشكال.
والاستثناء مشكل جدّاً ، نظراً إلى أنّ تلف هذا المال الخارجي الأجنبي عن التجارة لا ينافي صدق الربح في التجارة الذي هو الموضوع لوجوب الخمس ، فقد ربح في تجارته وفضل عن مئونته وإن كان في عين الحال قد وردت عليه خسارة خارجية أجنبيّة عن تلك التجارة.
فاستثناء هذا الدين كما ثبت في المئونة بدعوى أنّه لم يربح أو على تقدير الصدق لا يصدق الفاضل على المئونة ، غير وجيه في المقام ، لما عرفت من عدم ارتباط الخسارة الخارجيّة بصدق الربح في هذه التجارة ، فإنّها نظير الضمان أو الدية الثابت في حقّه الناشئ من إتلاف مال أحدٍ أو كسر رأسه ونحو ذلك في أنّه لو أفرغ ذمّته وصرف الربح فيما اشتغلت به الذمّة فهو ، ويعدّ حينئذٍ من المئونة ، لاحتياج الإنسان إلى تفريغ ذمّته كاحتياجه إلى المأكل والملبس ونحو ذلك. أمّا لو لم يفعل وبقي عنده الربح حتى مضت السنة بحيث صدق أنّه ربح وفضل عن المئونة لأنّه لم يصرفه في المئونة وجب عليه الخمس ، لأنّ حاله حينئذٍ حال التقتير كما لا يخفى.
هذا كلّه فيما إذا كان الدين بعد الربح من هذه السنة.
المقام الثاني : فيما إذا كان الدين من السنين السابقة.
ولا ينبغي الشكّ في عدم استثنائه من أرباح هذه السنة ، لأنّ المستثنى منها خصوص ما يعدّ من مؤن هذه السنة ، ولا ريب أنّ ديون السنين السابقة حتى
.................................................................................................
ما كانت لأجل مئونتها فضلاً عمّا كانت لغير المئونة لا تكون من مئونة هذه السنة. فالاستثناء لا يثبت جزماً.
وهل يجوز أداء ذاك الدين من هذه الأرباح ، أو لا يجوز إلّا بعد التخميس؟
حكم في المتن بالجواز شريطة إن لم يكن متمكّناً من الأداء إلى عام حصول الربح.
ولم يظهر لنا وجه لهذا التقييد ، إذ لا مدخل للتمكّن وعدمه في هذا الحكم ، بل العبرة بصدق كون الأداء المزبور مئونة لهذه السنة ، فإن ثبت بحيث صدق على صرف الربح فيه أنّه صرفه في المئونة جاز استثناؤه ، وإلّا فلا.
ولا يناط ذلك بعدم التمكّن السابق بوجه كما هو الحال في بقيّة المؤن ، فلو تزوّج أو اشترى داراً من أرباحه ولو مع التمكّن من الصرف من مالٍ آخر صدق عليه بالضرورة أنّه قد صرف الربح في المئونة ، فالتمكّن المزبور أو عدمه سيّان في هذا الحكم وأجنبيّان عن صدق الصرف في المئونة جزماً ، فلا فرق إذن بين الصورتين أبداً.
والظاهر تحقّق الصدق المذكور ، فإنّ منشأ هذا الدين وإن كان قد تحقّق سابقاً إلّا أنّه بنفسه مئونة فعليّة ، لاشتغال الذمّة به ولزوم الخروج عن عهدته ، سيّما مع مطالبة الدائن ، بل هو حينئذٍ من أظهر مصاديق المئونة ، غايته أنّ سببه أمر سابق من استدانة أو إتلاف مال أحد أو ضرب أو قتل بحيث اشتغلت الذمّة بالبدل أو الدية ، فالسبق إنّما هو في السبب لا في المسبّب ، بل المسبّب أعني : كونه مئونة متحقّق بالفعل.
فهو نظير من كان مريضاً سابقاً ولم يكن متمكّناً من علاج نفسه إلّا في هذه السنة ، أو كان متمكّناً وأخّر عامداً ، فإنّه على التقديرين إذا صرف من أرباح هذه السنة في معالجة نفسه فقد صرفه في مئونته وإن كان سببها المرض
.................................................................................................
السابق ، فليست العبرة بسبق السبب ، بل الاعتبار بفعليّة المئونة وهي صادقة حسبما عرفت.
فتحصّل : أنّ الأظهر أنّ أداء الدين السابق سواء أكان متمكّناً منه سابقاً أم لا يعدّ أيضاً من المئونة وإن لم يكن الدين بنفسه معدوداً منها ، فلا يستثني من أرباح هذه السنة من غير أداء.
فيفرّق بين الدين المتأخّر وبين الدين السابق ، فيحسب الأوّل من مئونة هذه السنة وإن لم يؤدّ خارجاً كما مرّ ، أمّا الثاني فلا يحسب منها إلّا مع التصدّي للأداء خارجاً ، سواء أكان مصروفاً في مئونة السنة السابقة أم لا.
هذا فيما إذا لم يكن بدل الدين موجوداً.
وأمّا مع وجوده ، كما لو اشترى بالدين السابق داراً أو بستاناً ، فإن كان ذلك لأمر خارجي غير المئونة فلا ينبغي الشكّ في عدم جواز الأداء بلا تخميس ، إذ بعد أن كان الدين مقابلاً بالمال فلو أدّاه من الربح غير المخمّس يبقى هذا المال خالصاً له بلا دين فيكون زيادة على المئونة فلا بدّ من تخميسه ، فليس له أن يؤدّي دينه بلا تخميس لا بالنسبة إلى الربح ولا الثمن ، بل لا بدّ وأن يحاسب آخر السنة.
وأمّا إن كان للمئونة لاحتياجه إلى الدار مثلاً فعلاً فله أن يؤدّي دينه من أرباح هذه السنة ، لأنّه من صرف الربح في المئونة فهو كما لو اشترى فعلاً من هذه الأرباح داراً لسكناه ، فلا يجب الخمس في مثله لا في الربح ولا في بدل الدين بعد فرض كونه مئونة له بالفعل.
ومن هذا القبيل أداء مهر الزوجة ، فله أن يؤدّي كلّ سنة مقداراً من مهرها بلا تخميس ، لأنّه من صرف الربح في المئونة حسبما عرفت.
المقام الثالث : في الدين في هذه السنة ولكن قبل ظهور الربح.
وكذا الكلام في النذور والكفّارات (1).
[2948] مسألة 72 : متى حصل الربح وكان زائداً على مئونة السنة تعلّق به الخمس (2) وإن جاز له التأخير في الأداء إلى آخر السنة ، فليس تمام
وحكمه يظهر ممّا مرّ ، فإنّه إن قلنا : إنّ مبدأ السنة حال الشروع في الكسب كما هو خبرة المتن فحاله حال الدين بعد الربح ، وإن قلنا : إنّ مبدأه ظهور الربح كما هو الصحيح فحاله حال الدين في السنة السابقة. فهذا إمّا أن يلحق بالقسم الأوّل أو بالقسم الثاني فلاحظ.
(1) يعني : فيجري فيه الاحتياط المتقدّم في أداء الدين السابق بإخراج الخمس أوّلاً ثمّ الأداء ممّا بقي.
وقد أشرنا إلى وجه هذا الاحتياط في المسألة السابقة ، وأنّه احتمال أن يكون التكليف المتعلّق بالحجّ أو بأداء الدين أو بالوفاء بالنذر أو الكفّارة بنفسه محقّقاً لصدق المئونة ، وأنّه بذلك يمتاز المقام عن سائر موارد التقتير.
لكن عرفت ضعفه وأنّه ما لم يتحقّق الأداء أو الوفاء خارجاً لا تكاد تصدق المئونة عرفاً بمجرّد التكليف والإلزام الشرعي ، وأنّ العبرة بنفس الصرف لا بمقداره ، فلا ينبغي التوقّف عن الفتوى ، بل الأظهر الأقوى هو وجوب إخراج الخمس.
(2) ينبغي التكلّم في مقامين :
أحدهما : في زمان تعلّق الخمس وأنّه حين ظهور الربح ، أم بعد انتهاء السنة.
ثانيهما : في أنّه بناءً على الأوّل فهل يجوز له التأخير إلى نهاية السنة أو لا؟
أمّا المقام الأوّل : فالمعروف والمشهور أنّ التعلّق المستتبع لحصول الاشتراك بين المالك ومستحقّ الخمس إنّما هو من أوّل ظهور الربح.
الحول شرطاً في وجوبه (1)، وإنّما هو إرفاق بالمالك ، لاحتمال تجدّد مئونة اخرى زائداً على ما ظنّه ، فلو أسرف أو أتلف ماله في أثناء الحول لم يسقط الخمس ، وكذا لو وهبه أو اشترى بغبن حيلة في أثنائه.
ونسب الخلاف إلى الحلّي في السرائر وأنّه ذهب إلى أنّ التعلّق في آخر السنة (2).
وهذا على تقدير صدق النسبة لا نعرف له وجهاً صحيحاً ، فإنّ الآية المباركة ولو بضميمة الروايات الكاشفة عن إرادة الغنيمة بالمعنى الأعمّ ظاهرة في تعلّق الخمس من لدن تحقّق الغنيمة.
كما أنّ الروايات وعمدتها موثّقة سماعة : «ما أفاد الناس من قليل أو كثير ففيه الخمس» (3)أيضاً ظاهرة في ثبوت الحكم حين صدق الفائدة الذي هو أوّل ظهور الربح.
وليس بإزاء ذلك إلّا قولهم (عليهم السلام) في عدّة من الأخبار : «إنّ الخمس بعد المئونة».
1) (*) إذا جاز له التأخير إلى آخر السنة فكيف لا يكون الوجوب مشروطاً بذلك؟! والتحقيق أنّ الخمس يتعلّق بالمال من أوّل ظهور الربح مشروطاً بعدم صرفه في المئونة إلى آخر السنة ، وبما أنّه يجوز صرفه فيها فلا يجب الأداء قبل تمام الحول ، وبذلك يظهر أنّه لا يجب الأداء فعلاً وإن علم أنّه لا يصرفه في مئونته ، فإنّ عدم الصرف خارجاً لا ينافي جوازه ، والواجب المشروط لا ينقلب إلى المطلق بوجود شرطه.
2) السرائر 1 : 489 490.
3) الوسائل 9 : 503 / أبواب ما يجب فيه ب 8 ح 6 ، بتفاوت يسير.
.................................................................................................
ولكن من الظاهر أنّ المراد بالبَعديّة ليست هي البَعديّة الزمانيّة لتدلّ على أنّ حدوث الخمس متأخّر عن إخراج المئونة ، بل المراد البَعديّة الرتبيّة ، نظير قوله تعالى ( مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ ) (1)، يعني : أنّ مرتبة الخمس متأخّرة عن المئونة ، كما أنّ مرتبة الإرث متأخّرة عن الوصيّة والدين ، ومرجع ذلك إلى أنّ إخراج الأمرين مقدّم على الصرف في الإرث ، كما أنّه في المقام يلاحظ الخمس فيما يفضل على المئونة من الربح من غير نظر إلى الزمان بتاتاً.
فمقتضى الجمع بين هذه الروايات الدالّة على أنّ الخمس بعد المئونة وما دلّ على تعلّقه من لدن ظهور الربح : أنّ الحكم ثابت من الأوّل لكن مشروطاً بعدم الصرف في المئونة بنحو الشرط المتأخّر ، فإنّ البعديّة الرتبيّة لا تنافي الثبوت من الأوّل كما في الإرث ، غايته أنّه من قبيل الواجب المشروط بالشرط المتأخّر ، فكلّما صرفه في المئونة لم يتعلّق به الخمس من الأوّل ، وكلّ ما بقي وفضل كما عبّر به في رواية ابن شجاع (2)وجب خمسه. وهذا هو الظاهر من الجمع بين الأخبار.
وممّا يرشدك إلى إرادة البَعديّة الرتبيّة أنّ لازم إرادة الزمانيّة جواز إتلاف الربح أثناء السنة أو الصرف في غير المئونة من هبةٍ لا تليق بشأنه ونحوها ، لعدم لزوم حفظ القدرة قبل تعلّق التكليف ، ومرجع هذا إلى سقوط الخمس عنه ، ولعلّ الحلّي أيضاً لا يلتزم بذلك.
هذا ، ولكنّ الإنصاف أنّ ما ذكرناه إنّما يتّجه بالإضافة إلى مئونة الاسترباح وما يصرف في سبيل تحصيل الربح ، فإنّ ما ورد من أنّ الخمس بعد المئونة ناظر إلى ذلك.
.................................................................................................
وأمّا بالنسبة إلى مئونة السنة التي هي محلّ الكلام فتعلّق الخمس باقٍ على إطلاقه ، وإنّما المتقيّد بعدم الصرف فيها هو الحكم التكليفي أعني : وجوب الخمس لا تعلّقه ، على ما تشهد به نصوص الباب ، حيث إنّ المعلّق على ما بعد المئونة في صحيحة ابن مهزيار (1)إنّما هو وجوب الخمس ، كما أنّ المعلّق عليه في صحيحته الأُخرى (2)هو قوله (عليه السلام) : «عليه الخمس» ، الظاهر في الوجوب.
إذن فيكون المشروط بعدم الصرف فيها على سبيل الشرط المتأخّر إنّما هو الوجوب لا أصل التعلّق ، فإنّه باقٍ على إطلاقه.
وكيفما كان ، فما ذكره المشهور من ثبوت الحكم من الأوّل مشروطاً بعدم الصرف في المئونة هو الصحيح ، بل لا ينبغي التردّد فيه.
وأمّا المقام الثاني : فقد صرّح جماعة بل ادّعي الإجماع عليه في غير واحد من الكلمات بجواز التأخير إلى نهاية السنة ، إرفاقاً واحتياطاً من جهة المئونة.
لكن قد يستشكل فيه بأنّه لولا قيام الإجماع بل إرسالهم له إرسال المسلّمات لَما أمكن تتميمه بالدليل ، إذ كيف يسوغ التأخير في أداء حتى الغير الثابت بمجرّد ظهور الربح كما هو المفروض مع إطلاق ما دلّ على عدم حلّ مال المسلم بغير إذنه؟! واحتمال وجود المئونة منفي بالأصل.
مع أنّه قد يعلم بعدمها سيّما إذا كان الربح كثيراً جدّاً بحيث يقطع عادةً بعدم صرف الجميع ، فغايته استثناء المقدار المتيقّن صرفه في المئونة دون المشكوك ، فضلاً عمّا يقطع بالعدم ، بل لا معنى للاحتياط حينئذٍ كما لا يخفى.
ويندفع بإمكان الاستدلال عليه مع الغضّ عن الإجماع بوجوه :
.................................................................................................
أحدها : السيرة القطعيّة العمليّة القائمة من المتشرّعة على ذلك ، فإنّهم لا يكادون يرتابون في جواز التأخير إلى نهاية السنة ، ولا يبادرون إلى الإخراج بمجرّد ظهور الربح بالضرورة ، ولو كان ذلك واجباً لكان من الواضحات التي لا تعتريها شائبة الإشكال.
ثانيها : قوله (عليه السلام) في صحيحة ابن مهزيار : «فأمّا الغنائم والفوائد فهي واجبة عليهم في كلّ عام» إلخ (1).
دلّت على أنّ الإخراج إنّما يجب في كلّ عام مرّة لا في كلّ يوم ، ولدي ظهور كلّ فرد فرد من الأرباح. ونتيجته : جواز التأخير إلى نهاية السنة.
ثالثها : صحيحة ابن أبي نصر ، قال : كتبت إلى أبي جعفر (عليه السلام) : الخمس ، أخرجه قبل المئونة أو بعد المئونة؟ فكتب : «بعد المئونة» (2).
فإنّ السؤال عن الإخراج الذي هو نقل خارجي لا عن التعلّق ، والمراد بالمئونة كما مرّ ليس هو مقدارها ، بل نفس الصرف الخارجي ، فقد دلّت على أنّ الإخراج إنّما هو بعد الصرف في المئونة في آخر السنة وإن كان التعلّق من الأوّل.
لكن ذكرنا سابقاً أنّ هذه الصحيحة يمكن أن تكون ناظرة إلى مئونة الربح لا مئونة السنة ، فهي حينئذٍ أجنبيّة عن محلّ الكلام.
رابعها وهو العمدة في المقام - : أنّ المئونة على قسمين :
أحدهما : المصارف الضروريّة التي لا بدّ منها من المأكل والمسكن والملبس ونحوها ممّا يحتاج إليه الإنسان في إعاشته ، فإنّها غالباً محدودة بحدٍّ معيّن ربّما يعلم الإنسان بمقداره وربّما يشكّ ويكون لها قدر متيقّن.
.................................................................................................
ثانيهما : المصارف غير الضروريّة ممّا يكون باختيار الإنسان له أن يفعل وأن لا يفعل ، كالهبة اللّائقة بشأنه والحجّ المندوب والزيارات وما يصرف في سبيل الخيرات والمبرّات ، فإنّ هذه أيضاً تعدّ من المؤن. ومن ثمّ جاز الصرف فيها من غير تخميس كما تقدّم ، وليست محدودة بحدّ ، كما أنّ الجواز لم يكن منوطاً بالصرف الخارجي ، فهو ثابت حتى في حقّ من يقطع من نفسه بعدم الصرف في هذه السنة في شيء من ذلك.
وقد تقدّم في المقام الأوّل أنّ الخمس وإن تعلّق من لدن ظهور الربح لكنّه مشروط وضعاً أو تكليفاً بعدم الصرف في المئونة بقسميها بنحو الشرط المتأخّر على ما استفدناه من قوله (عليه السلام) : «الخمس بعد المئونة» حسبما تقدّم (1).
وقد ذكرنا في الأُصول : أنّ الواجب المشروط لا ينقلب إلى الواجب المطلق بحصول شرطه فضلاً من العلم به ، فالحجّ مثلاً مشروط بالاستطاعة دائماً حتى بعد حصولها وتحقّقها خارجاً ، فإنّ موضوع الحكم لا ينقلب عمّا هو عليه بوجه ، ولأجل ذلك كان الواجب المهمّ المشروط بعصيان الأهمّ مشروطاً مطلقاً حتى مع فعليّة العصيان ، كما فصّلنا البحث حول ذلك في مبحث الترتّب مشبعاً (2).
وعليه ، فلو فرضنا القطع بعدم الصرف في المئونة إلى نهاية السنة بحيث تيقّنّا بحصول الشرط مع ذلك لم يجب الأداء فعلاً وإن كان متعلّقاً للخمس فيجوز التأخير ، وذلك لجواز الصرف في المئونة من غير إناطة بفعليّة الصرف كما عرفت ، فإذا جاز الصرف المزبور جاز الإبقاء إلى نهاية السنة بطبيعة الحال ، ومن الضروري أنّ جواز الصرف أو الإبقاء لا يجتمع مع وجوب الأداء فعلاً.
[2949] مسألة 73 : لو تلف بعض أمواله ممّا ليس من مال التجارة أو سرق أو نحو ذلك لم يجبر بالربح وإن كان في عامه ، إذ ليس محسوباً من المئونة (1).
وبالجملة : القطع بعدم فعليّة الصرف خارجاً لا ينافي جوازه شرعاً ، لعدم استلزام الجواز تحقّق الصرف بالضرورة ، فهو مرخّص في إعدام موضوع الخمس وإسقاطه بالصرف في المئونة إلى نهاية السنة ، ومن الواضح أنّ هذا ملازم لجواز الإبقاء ، فكيف يجتمع ذلك مع وجوب الإخراج فوراً ومن لدن ظهور الربح؟! للتهافت الواضح بين الإلزام بالإخراج في هذا الحال وبين الحكم بجواز الصرف في المئونة إلى نهاية السنة كما هو ظاهر جدّاً.
وهذا الوجه هو العمدة في الحكم بجواز التأخير مضافاً إلى ما عرفت من الروايات.
فتحصّل : أنّ الحقّ والحكم الوضعي وإن كان ثابتاً حين ظهور الربح لكن الحكم التكليفي أعني : وجوب الإخراج لم يكن إلّا في آخر السنة وعند حلول الحول وإن جاز له الإخراج في الأثناء أيضاً ، وأنّه لو فعل ذلك كشف عن تعلّق الوجوب به من الأوّل ، لتحقّق شرطه المتأخّر حسبما عرفت.
(1) تارةً : يفرض أنّ التالف ممّا يحتاج إليه في إعاشته ، كما لو انهدمت داره فاحتاجت إلى التعمير ، وهذا خارج عن محلّ الكلام ، لأنّه من صرف الربح في المئونة.
وأُخرى : يفرض أنّ التالف مئونة ولكنّه لم يصرف الربح في تلك المئونة ، أو كان مالاً خارجيّاً غير المئونة ، كما لو كانت له مواشي فتلفت ، فهل يجبر هذا التلف أو الخسارة الواردة من ربح التجارة بحيث لا يكون فيه خمس ، أو لا؟
[2950] مسألة 74 : لو كان له رأس مال وفرّقه في أنواع من التجارة فتلف رأس المال أو بعضه من نوع منها فالأحوط عدم جبره بربح تجارة أُخرى (1) ، بل وكذا الأحوط عدم جبر خسران نوع بربح اخرى ، لكن الجبر لا يخلو عن قوّة خصوصاً في الخسارة.
اختار (قدس سره) عدم الجبر ، وهو الصحيح ، والوجه فيه ظاهر ، فإنّ موضوع الخمس مؤلّف من أمرين : الربح ، وعدم الصرف في المئونة.
وكلا الأمرين متحقّق ، لصدق الربح والاستفادة وجداناً بحيث يصحّ أن يقال : إنّه استفاد في تجارته كذا مقداراً ولم يصرفه في المئونة حسب الفرض ، غاية الأمر أنّه قد وردت عليه خسارة خارجيّة لكنّها لا تستوجب سلب صدق الاستفادة في تجارته هذه بالضرورة ، لعدم ارتباط بينهما ، وأحدهما أجنبي عن الآخر. إذن فالجبر يحتاج إلى الدليل ، ولا دليل ، ومعه لا مناص من التخميس.
هذا ، ولا يفرق الحال في ذلك بين القول باختصاص الخمس بأرباح المكاسب ، أو التعميم لمطلق الفائدة من وصيّة أو لقطة أو هبة أو وقف ونحو ذلك ممّا هو خارج عن الكسب ، ضرورة أنّ كلامنا في الجبر لا فيما يجب فيه الخمس ، فمتعلّق الوجوب أيّاً ما كان من العنوان الخاصّ أو العامّ لا تنجبر به الخسارة الخارجيّة ، إذ لا علاقة بينهما ولا ارتباط حسبما عرفت ، وتلك الخسارة كما لا توجب زوال الربح لا توجب زوال الفائدة أيضاً بمناطٍ واحد ، فلا وجه لابتناء الجبر وعدمه على تلك المسألة كما لا يخفى ، فلاحظ وتدبّر.
(1) الظاهر أنّه لا خلاف ولا إشكال في جبر التلف أو الخسران بالربح فيما إذا كانا في وقتين أو في فردين من نوع واحد من التجارة ، كالبزّاز الذي يربح في شهر ويخسر في آخر أو يربح في قسم كالماهوت ويخسر في قسم آخر
نعم ، لو كان له تجارة وزراعة مثلاً فخسر في تجارته أو تلف رأس ماله فيها فعدم الجبر لا يخلو عن قوّة (1)، خصوصاً في صورة التلف ، وكذا العكس.
وأمّا التجارة الواحدة فلو تلف بعض رأس المال فيها وربح الباقي فالأقوى الجبر ، وكذا في الخسران والربح في عام واحد في وقتين ، سواء تقدّم الربح أو الخسران (2)، فإنّه يجبر الخسران بالربح.
كالفاستون ، أو يربح بائع العبي في العباءة الشتويّة ويخسر في الصيفيّة ، وهكذا ، ضرورة أنّ العرف والعادة قد جرت على احتساب الربح والخسارة في مثل ذلك في المجموع لا في واحد واحد ، فيلاحظ المجموع في آخر السنة ويحاسب كمعاملة واحدة قد خسر فيها أو ربح. وهذا لا ينبغي الإشكال فيه كما عرفت ، وقد تعرّض له الماتن في آخر المسألة.
ولكن الذي ينبغي التنبيه عليه هو أنّ خسارة السنة السابقة لا تنجبر بالربح في السنة اللاحقة ولو من جنس واحد كما نصّ عليه الأصحاب ، كالبزّاز الذي يخسر في سنة ويربح في أُخرى ، لأنّ كلّاً منهما موضوع مستقلّ وله حكم خاصّ.
فعلى هذا لا تنجبر الخسارة السابقة بالربح اللّاحق ولو في سنة واحدة ، بناءً على ما هو الصحيح من أنّ مبدأ السنة إنّما هو ظهور الربح لا الشروع في الكسب ، فالخسارة قبل الظهور أيضاً لا تتدارك بالربح اللّاحق ، لأنّ العبرة بصرف الربح في المئونة ولم يصرف فيها ، وواضح إنّ الخسارة السابقة
.................................................................................................
لا توجب عدم صدق الربح في المتأخّر ، فلا تنجبر به حتى في تجارة واحدة ، كما كان كذلك في خسارة السنة السابقة ، ونحوهما ما يصرف في المئونة قبل ظهور الربح.
وبالجملة : يختصّ الجبر بالربح السابق والخسارة اللاحقة ، إذ حينئذٍ لا يصدق أنّه استفاد ، فإنّ الربح المتعقّب بالخسران في حكم العدم ، فما تسالمت عليه كلماتهم من تدارك الخسارة بالربح في التجارة الواحدة فضلاً عن المتعدّدة لا بدّ من تقييده بالخسارة المتأخّرة ، وأمّا المتقدّمة فحالها حال الخسارة في السنة السابقة في عدم انجبارها بالربح اللّاحق.
وملخّص الكلام في المقام : أنّه لا خلاف بين الأعلام في انجبار الخسارة اللّاحقة بالربح السابق في سنة واحدة لأنّ الربح وإن صدق حدوثاً إلّا أنّه لا ربح بقاءً بعد تبدّله بالخسران ، ففي الحقيقة لم يربح وإنّما هو صورة الربح.
وأمّا عكس ذلك ، كما لو خسر في الشهر الأوّل وربح في الشهر الثاني ، فقد حكم الماتن بالجبر فيه أيضاً ، وهو وجيه على مسلكه من جعل مبدأ السنة أوّل الشروع في الكسب.
ولكنّك عرفت فيما سبق عدم الدليل عليه ، إذ لم نجد في الروايات ما يشهد له ، بل الموضوع فيها الغنيمة والإفادة والاستفادة ونحو ذلك ممّا يكشف عن أنّ المبدأ هو ظهور الربح مشروطاً بعدم الصرف في المئونة.
وأمّا ما تقدّم على الربح من صرف شيء في المئونة أو الخسارة فلم يدلّ أيّ دليل على انجباره بالربح المتأخّر.
نعم ، لا ريب في الانجبار بالإضافة إلى مئونة التجارة ، أي ما يصرف في سبيل تحصيل الربح ، فيستثنى ما يبذل لأجل استخراج الكنز أو المعدن أو الاتّجار من ضريبة أو اجرة حمّال أو مكان أو كتابة أو برقيّة ونحو ذلك ممّا
.................................................................................................
يتوقّف عليه الاستنتاج والاسترباح ، لأنّ الخمس بعد المئونة ، بل لا ربح إلّا فيما عداها.
بل لا يتقيّد ذلك بالسنة أيضاً وإن كان التقييد يظهر من بعض الكلمات ، فلو اشتغل باستخراج المعدن أو نسج السجّاد سنين وبذل خلالها أموالاً فإنّ ذلك كلّه يستثني من الربح بلا خلاف ولا إشكال ، إذ التقييد بالسنة إنّما ثبت في مئونة الشخص وعائلته لا في مئونة الربح كما لا يخفى.
هذا كلّه في تجارة واحدة.
وأمّا لو فرّق رأس المال في نوعين أو أنواع من التجارة كتجارة القماش وتجارة الطعام فربح في أحدهما وخسر في الآخر ، فهل يلتزم بالجبر حينئذٍ على الشرط المتقدّم من تقدّم الربح على الخسارة ، وإلّا ففي صورة العكس الكلام هو الكلام ، فإنّا إذا لم نلتزم بالجبر في نوع واحد ففي نوعين بطريق أولى؟
ربّما يستشكل في ذلك بأنّ كلّاً منهما موضوع مستقلّ فلا موجب للجبر ، بل نُسب إلى الجواهر أنّه قوّى ذلك (1)، ولكن السيِّد الماتن احتاط فيه ، وأخيراً قوّى الجبر وهو الصحيح.
فإنّ همّ التاجر وغايته الوحيدة إنّما هو الاسترباح وتوفير المال ولا نظر له إلى خصوصيّات الأفراد التي فرّق فيها رأس ماله ، بل العبرة بملاحظة المجموع وإن تشعّبت فروعه وتشتّتت.
بل أنّ هذا هو الغالب في الكسبة العاديّين من أرباب الحوانيت ، حيث يشتمل محلّ تجارتهم على أنواع مختلفة وبضائع متفرّقة من ماش وعدس وأرز ولبن وصابون ونحوها ممّا قد يتجاوز عشرات المواد ، فإنّ ذلك كلّه كسب
1) الجواهر 16 : 61.
.................................................................................................
واحد عرفاً وإن تشكّل من أجناس عديدة قد تفرّق فيها رأس المال في سبيل تحصيل الربح ، فلو ربح في البعض وخسر في البعض الآخر فمعناه : أنّه لم يربح ، لبقاء رأس ماله على حاله من أجل الخسارة الواردة عليه ، فهو في آخر السنة يحاسب المجموع فيتحصّل الانجبار بطبيعة الحال.
ولو تنازلنا وفرضنا الشكّ في صدق الاستفادة في هذه السنة من أجل الشكّ في الجبر كان مقتضى الأصل البراءة عن وجوب الخمس ، للشكّ في تحقّق موضوعه وهو الربح الباقي إلى نهاية السنة ، فمجرّد الشكّ كافٍ في جريان نتيجة الجبر ، مع أنّا لا نكاد نشكّ أبداً ، بل الظاهر بحسب الصدق العرفي عدم الفرق بين النوع الواحد والنوعين في تحقّق الجبر بمناط واحد حسبما عرفت.
إنّما الكلام فيما لو كان الشغل مختلفاً ، كما لو كان تاجراً وزارعاً فربح في أحدهما وخسر في الآخر ، فهل يحكم بالجبر حينئذٍ؟
أفتى (قدس سره) بالعدم ، نظراً إلى تعدّد العنوان.
ولكن للمناقشة فيه مجال ، إذ العنوان وإن تعدّد إلّا أنّ شيئاً منها لم يكن ملحوظاً بالذات ، بل الكلّ مقدّمة للاسترباح ولتحصيل المال ، والاختلاف إنّما هو في سبل تحصيله ، فهو في آخر السنة يلاحظ مجموع العائد من كسبه المنشعب إلى قسمين أو أقسام ، فإذا ربح في البعض وخسر في الآخر يجري الكلام المتقدّم حينئذٍ من أنّه لم يربح بمقدار خسارته ، ولا أقلّ من الشكّ في صدق الاستفادة وشمول الأدلّة له ، ومقتضى الأصل البراءة عن الوجوب ، ولكن الاحتياط في محلّه.
والمتحصّل من جميع ما مرّ : أنّ الأظهر هو الجبر ، سواء أتعدّد العنوان أم اتّحد ، وسواء أتعدّدت الأنواع في العنوان الواحد أم اتّحدت ، مع فرض تقدّم الربح على الخسارة ، دون العكس ، حيث إنّ الربح المتعقّب بالخسارة كأنه لا ربح.
[2951] مسألة 75 : الخمس بجميع أقسامه متعلّق بالعين (1) ،
ولمزيد التوضيح في وجهه نقول : إنّه يدلّ عليه مضافاً إلى الإجماع والسيرة القطعيّة أنّك قد عرفت أنّ الخمس وإن كان متعلّقاً بالمال من الأوّل كتاباً وسنّة لكن وجوبه مشروط بعدم الصرف في المئونة بنحو الشرط المتأخّر ، وعلى هذا بنينا جواز الإبقاء احتياطاً للمئونة ، بل لم نستبعد الجواز حتى مع القطع بالعدم كما تقدّم. فيكشف الصرف عن عدم الوجوب من الأوّل ، لفقد شرطه ، فله الإبقاء إلى نهاية السنة ، فإنّ صرفه فلا خمس ، وإلّا خمّسه. ومن ثمّ أوعزنا إلى أنّ الوجوب يثبت آخر السنة وإن كان الحقّ متعلّقاً من الأوّل ، فلا يجب الإخراج أثناء السنة وإن جاز له ذلك. هذا هو المستفاد من مجموع الأخبار.
ولازم ذلك بحسب الفهم العرفي أنّ موضوع الوجوب هو الربح الباقي ، ولا يكفي فيه مجرّد الحدوث. وعليه ، فمع عروض الخسران لا ربح بقاءً ، إذ لا يصدق عرفاً أنّه ربح في تجارته في هذه السنة ، بل كان له ربح وقد زال وكان مرخّصاً في التأخير لأجل المئونة حسبما عرفت ، فلا موضوع للخمس ، وكأنّه لم يربح ولم يتّجر. ومع التنزّل فلا أقلّ من الشكّ ، إذ لا ندري أنّ موضوع الحكم هل هو الربح الحادث أو الباقي؟ فيرجع إلى أصالة البراءة عن الوجوب.
(1) كما في الزكاة من غير خلاف فيه ، وتقتضيه ظواهر الأدلّة من الكتاب والسنّة ، حيث تضمّنت إسناد الخمس إلى نفس العين بتعابير مختلفة من قوله : «خمسة» أو : «فيه الخمس» أو : «الخمس عليه» أو : «فيه» ونحو ذلك ممّا يظهر منه التعلّق بنفس الموضوعات والأعيان الخارجية دون الذمّة.
ويتخيّر المالك بين دفع خمس العين أو دفع قيمته من مال آخر نقداً أو جنساً (1)(1).
(1) فلا يجب الإخراج من نفس المال ، بل يجوز من مالٍ آخر. ولعلّ هذا هو المتسالم عليه بين الأصحاب وإن لم يذكروا ذلك إلّا في باب الزكاة ، وكأنّه لبنائهم على الاشتراك في هذه الأحكام. إنّما الكلام في دليله.
أمّا جواز التصرّف أثناء السنة في ماله والتبديل بمال آخر فلا إشكال فيه ، لعدم كون المالك محجوزاً ومحجوراً عليه قبل تمام السنة بمجرّد ظهور الربح ، بعد وضوح كون الخمس مشروطاً بعدم الصرف في المئونة ، وهذا خارج عن محلّ الكلام.
بل الكلام فيما بعد حلول الحول واستقرار الخمس وأنّه هل يجوز الإخراج عندئذٍ عن مال آخر أو لا؟
لم يرد في المقام أيّ دليل يدلّ على الجواز حتى من النقود فضلاً عن العروض.
نعم ، يمكن الاستدلال بما تمسّك به الفقهاء لذلك في باب الزكاة بدعوى شموله للمقام أيضاً ، وهي صحيحة البرقي ، قال : كتبت إلى أبي جعفر الثاني (عليه السلام) : هل يجوز أن أُخرج عمّا يجب في الحرث من الحنطة والشعير وما يجب على الذهب دراهم قيمة ما يسوى ، أم لا يجوز إلّا أن يخرج عن كلّ شيء ما فيه؟ فأجاب (عليه السلام) : «أيّما تيسّر يخرج» (2).
.................................................................................................
فإنّ ما يجب في الحرث بعد التقييد بالحنطة والشعير وإن كان ظاهراً في الزكاة ، لكن ما يجب في الذهب مطلق يشمل الخمس أيضاً ، كما لو كان هبة أو اجرة أو ثمناً ، سيّما في تلك الأزمنة التي كان الذهب شائعاً والمعاملة عليه رائجة.
فهذه الصحيحة وإن تمسّك بها الأصحاب في باب الزكاة وذكرها صاحب الوسائل في ذاك الباب ، إلّا أنّه يمكن التمسّك بإطلاقها وأنّ العبرة بمطلق ما وجب في الذهب ، سواء أكان زكاة أم خمساً ، وقد حكم (عليه السلام) بكفاية الإخراج بكلّ ما تيسّر وإن كان من خارج العين.
ومع التنازل والغضّ عمّا ذكر فلا ينبغي التأمّل في أنّ نظر السائل لم يكن مقصوراً على خصوص الزكاة ، فإنّ هذا لو كان مذكوراً في كلام الإمام (عليه السلام) لأمكن دعوى الاختصاص وأنّ للزكاة خصوصيّة لا نعرفها ، ولكنّه مذكور في كلام السائل ، ولعلّ من المقطوع به عدم الفرق في نظره بين الخمس والزكاة كما لا يخفى.
فالاستدلال بهذه الصحيحة للمقام وجيه وفي محلّه.
إلّا أنّ الاشكال في التعدّي إلى أموال أُخر غير النقدين ، فإنّ مثل الدرهم ممّا ينتفع به الفقير في حوائجه بل هو أنفع ، حيث يصرفه فيما يشاء كما عبّر به في النصّ. وأمّا غيره وإن كان بقيمته كدفع كتاب الجواهر لفقير يسكن البادية مثلاً فلا يستفيد منه بوجه.
وبالجملة : فدفع القيمة بما كان من قبيل العروض مشكل جدّاً ، فإن تمّ إجماع ولا يتمّ وإلّا فالتعدّي في غاية الإشكال.
نعم ، لا ريب في التعدّي إلى سائر النقود وعدم الاختصاص بالدرهم وإن تضمّنه النصّ ، للقطع بعدم الخصوصيّة كما تقدّم في زكاة الفطرة.
ولا يجوز له التصرّف في العين قبل أداء الخمس (1) وإن ضمنه في ذمّته ، ولو أتلفه بعد استقراره ضمنه (2) ، ولو اتّجر به قبل إخراج الخمس (3) كانت المعاملة
(1) أي التصرّف في تمام العين بعد استقرار الخمس ومضيّ الحول ، إمّا تصرّفاً خارجيّاً كلبس العباءة مثلاً أو اعتباريّاً كبيعها. وأمّا التصرّف في البعض فسيتعرّض له في المسألة الآتية إن شاء اللّه تعالى. فمحلّ كلامه التصرّف في مجموع العين قبل أداء الخمس.
والوجه في عدم الجواز كون العين مشتركاً فيها بينه وبين أرباب الخمس ولو كان بنحو الشركة في الماليّة ، فلا يجوز التصرّف من دون إذن من الشريك أو من وليّه كالحاكم الشرعي ، ولا دليل على جواز النقل إلى الذمّة بأن يضمن ويبني على الأداء من مال آخر ، إذ لم ينهض دليل على ولايته على ذلك بوجه.
نعم ، لو أدّى خارجاً ملك العين أجمع ، وأمّا مجرّد البناء على الأداء فلا أثر له.
(2) مراده (قدس سره) من الإتلاف مطلق الصرف ولو في المئونة ، لا خصوص الإتلاف إسرافاً ، كيف؟! والضمان متحقّق حينئذٍ حتى قبل الاستقرار ، أي في أثناء السنة ، لما عرفت من أنّ الخمس متعلّق من الأوّل ، غايته بشرط عدم الصرف في المئونة ، فلو أتلفه سرفاً وفي غير المئونة ضمن من غير فرق بين أثناء الحول وما بعده. فمراده من الصرف أعمّ ، ولذا عبّر بالاستقرار ، فلو أُتلف يضمن ، لأنّه أتلف ما ليس له كما هو ظاهر.
(3) تعرّض (قدس سره) لحكم الاتّجار بالمال بعد استقرار الخمس وقبل إخراجه. وأمّا قبل الاستقرار فقد مرّ أنّه لا إشكال في جوازه (1)، لأنّ الوجوب إنّما يستقرّ في آخر السنة ، فقبله مخوّل له التصرّف في المئونة وغيرها والاتّجار
1) في ص 246 248.
فضوليّة (1)بالنسبة إلى مقدار الخمس ، فإن أمضاه الحاكم الشرعي أخذ العوض ، وإلّا رجع بالعين بمقدار الخمس إن كانت موجودة وبقيمته إن كانت تالفة ، ويتخيّر في أخذ القيمة بين الرجوع على المالك أو على الطرف المقابل الذي أخذها وأتلفها.
هذا إذا كانت المعاملة بعين الربح.
وأمّا إذا كانت في الذمّة ودفعها عوضاً فهي صحيحة ولكن لم تبرأ ذمّته بمقدار الخمس ويرجع الحاكم به (2)إن كانت العين موجودة وبقيمته إن كانت تالفة ، مخيّراً حينئذٍ بين الرجوع على المالك أو الآخذ أيضاً.
به على النحو المتقدّم ، أي التخميس آخر السنة لو لم يصرف في المئونة.
فالكلام فعلاً في الاتّجار بعد الاستقرار ووجوب الأداء.
وحينئذٍ فقد يفرض الاتّجار بثمن أو مثمّن في الذمّة وفي مقام الوفاء يؤدّي من العين الذي استقرّ فيها الخمس عصياناً أو نسياناً ، ففي مثله لا ينبغي الشكّ في صحّة المعاملة ، غايته أنّ في موارد عدم شمول أدلّة التحليل يبقى الخمس في العين ولم يتحقّق الأداء بمقداره فيسترجعه الحاكم الشرعي مع بقائه ، وأمّا مع تلفه فيضمنه كلٌّ ممّن انتقل عنه ومن انتقل إليه على ما هو الشأن في تعاقب الأيدي ، فللحاكم مراجعة كلّ منهما ، غايته أنّه لو رجع إلى الثاني رجع هو إلى الأوّل ، ولا عكس.
وأُخرى : يفرض الاتّجار بعين الربح ، وحينئذٍ فإن قلنا بصحّة المعاملة الصادرة
[2952] مسألة 76 : يجوز له (1)أن يتصرّف في بعض الربح ما دام مقدار الخمس منه باقياً في يده مع قصد إخراجه من البقيّة ، إذ شركة أرباب الخمس مع المالك إنّما هي على وجه الكلّي في المعيّن (1) ،
ممّن لم يؤدّ الخمس إذا باع لشيعي ملتزم بالخمس عملاً بنصوص التحليل كما هو الصحيح فلا إشكال بالنسبة إلى من انتقل إليه ولم يكن عليه أيّ شيء ، لأنّ وليّ الأمر قد أمضى هذه المعاملة ، وأمّا من انتقل عنه فبما أنّه أتلف الخمس فيكون ضامناً له ويرجع الحاكم الشرعي إليه خاصّة.
وأمّا لو أنكرنا شمول نصوص التحليل للمقام وألحقناه بالزكاة كما هو المعروف ، أو كان البيع لغير الشيعي ، فيجري فيه ما ذكرناه هناك من فساد المعاملة في حصّة الخمس ، لأنّه باع مالاً يملك خمسه ، فلا جرم يتوقّف على إجازة الحاكم الشرعي ، فإن أجاز رجع إلى خمس الثمن ، وإلّا فمع بقاء العين يسترجعها بنفسها ، ومع التلف يرجع إلى كلّ منهما كما في تعاقب الأيدي ، ومع رجوعه إلى الثاني يرجع هو إلى الأوّل ، ولا عكس كما عرفت.
(1) لا يخفى أنّ القول بجواز التصرّف في بعض الربح مبني على أحد أمرين :
الأوّل : ما اختاره في كيفيّة التعلّق من كونه من قبيل الكلّي في المعيّن ، إذ عليه لا شركة في نفس الأشخاص ، بل هي باقية على ملك المالك ، فله التصرّف في بعض الأطراف ما دام يبقى للكلّي مقدار يقبل الانطباق عليه.
ولكن المبنى غير تام ، لعدم الدليل عليه ، بل الدليل على خلافه في المقام ، كما ستعرف.
1) (*) فيه إشكال بل منر. وكونه من قبيل الكلّي في المعيّن ممنوع ولا يبعد أن يكون من باب الإشاعة ولا موجب لقياسه بالزكاة بعد ظهور أدلّته في الإشاعة.
.................................................................................................
الثاني : أنّه من قبيل الشركة في الماليّة ، كما في الزكاة على ما تقدّم تقريره في محلّه (1)، وأنّ الشركة في المالية تفارق الإشاعة في أنّها لا تستوجب المنع عن التصرّف في البعض ، إذ الماليّة كلّي قابل للانطباق على أبعاض العين ، فله التصرّف فيما شاء منها.
ويندفع أوّلاً : بأنّه لا موقع لقياس الخمس على الزكاة ، بعد ظهور الأدلّة الواردة فيه في الإشاعة ، حسبما تعرفه في التعليق الآتي.
وثانياً : بأنّ الشركة في الماليّة أيضاً مانعة عن التصرّف ، لعدم كون الماليّة المزبورة كلّيّة ، وإنّما هي سارية في جميع أجزاء العين ، فكلّ جزء من الأجزاء مشترك بين المالك والمستحقّ ، لكن لا بشخصيّته بل بماليّته ، نظير شركة الزوجة مع الورثة في ماليّة البناء وإن لم ترث من نفس الأعيان.
ومن ثمّ لم يكن للوارث التصرّف قبل أداء حقّ الزوجة ، لسريان الماليّة المشتركة في تمام الأجزاء بالأسر كما عرفت.
وبالجملة : فالشركة في الماليّة لا تستوجب جواز التصرّف ، بل هي أيضاً مانعة ، كما في إرث الزوجة.
نعم ، نلتزم بجواز ذلك في باب الزكاة ، استناداً إلى ما ورد فيها من نصوص العزل وجواز الإفراز وأنّ للمالك الولاية على تعيين الزكاة في بعض العين ، وإذا صحّ تعيين تمام الزكاة صحّ تعيين بعضها أيضاً جزماً ، كما لو أراد عزل نصف الزكاة أو ربعها مثلاً لعدم انحصار العزل في عزل مجموع ما عليه من الزكاة بالضرورة.
وبما أنّ لازم العزل تعيين حصّة المالك في الباقي فنصوص العزل تدلّنا
1) شرح العروة 23 : 172 173.
كما أنّ الأمر في الزكاة أيضاً كذلك وقد مرّ في بابها (1).
بالملازمة العرفيّة على ولاية المالك على تعيين حصّته الشخصيّة من العين بتمامها وإفرازها عن العين المشتركة ، وبالطريق الأولى له تعيين بعض الحصّة.
فبهذا البيان يمكن الالتزام بجواز تصرّف المالك في بعض العين ، لأنّ تصرّفه في البعض مرجعه إلى تعيين حصّته كلّاً أو بعضاً وأنّ هذا له والزكاة في الباقي ، فنستفيد من دليل جواز العزل جواز تعيين المالك مقداراً من المال لنفسه بحيث لا يشترك الفقير معه فيه. فإذن جواز التصرّف في المال الزكوي في بعض النصاب مستفاد من هذا الدليل ، وأمّا في باب الخمس فلم يرد مثل هذا الدليل ، إذ لم يدلّ أيّ دليل على جواز العزل فيه بحيث لو تلف المعزول لم يضمن ، ومعلوم أنّ أحكام الزكاة لا تجري بأجمعها في الخمس.
وعليه ، فمقتضى القاعدة عدم جواز التصرّف في باب الخمس ، لأنّ التصرّف في المال المشترك بدون إذن الشريك يحتاج إلى الدليل ، ولا دليل حسبما عرفت.
(1) تقدّم في كتاب الزكاة أنّ النصوص الواردة في العين الزكويّة على طوائف (1):
فمنها : ما هو ظاهر في أنّ التعلّق بنحو الفرد المردّد مثل قوله (عليه السلام) : «في كلّ أربعين شاة شاة» ، حيث إنّ ظاهرها أنّ فرداً مردّداً بين الأربعين متعلّق للزكاة وهو المعبّر عنه بالكلّي في المعيّن.
ومنها : ما هو ظاهر في الإشاعة مثل قوله (عليه السلام) : «فيما سقته السماء العشر» ، فإنّ التعبير بالكسر المشاع ظاهر في الشركة الحقيقيّة.
ومنها : ما هو صريح في الشركة في الماليّة مثل قوله (عليه السلام) : «في كلّ
1) شرح العروة 23 : 384 390.
.................................................................................................
خمس من الإبل شاة» ، ضرورة عدم كون الشاة من أفراد الإبل ، فلا معنى للكلّي في المعيّن ولا الإشاعة ، فطبعاً يكون كالصريح في إرادة الشركة في الماليّة. ونحوه ما ورد في نصاب البقر من أنّه «في كلّ ثلاثين تبيعة ، وفي كلّ أربعين مسنّة» ، إذ قد لا يكون شيء من الثلاثين مشتملاً على التبيعة ولا الأربعين على المسنّة.
نعم ، لو كان المراد ثبوت الشاة في الذمّة ودفعها من خارج العين الزكويّة أمكن حينئذٍ أن يكون التعلّق بوجهٍ آخر ، لكنّه خلاف ما تنادي به الأخبار من التعلّق بنفس الأعيان ، وحيث إنّ الشاة لا تكون في الإبل فلا جرم كان المعنى : أنّها ثابتة في ماليّتها.
ويعضده ما ورد في بعض الأخبار من أنّ اللّه أشرك الفقراء في أموال الأغنياء (1)، فإنّه حيث لا شركة حقيقيّة في نفس العين حسبما عرفت فلا مناص من إرادة الشركة في الماليّة.
هذا ، وبما أنّ من المقطوع به أنّ كيفيّة التعلّق في جميع الأجناس الزكويّة على نمط واحد وسنخ فأرد ، لعدم احتمال الاختلاف باختلاف الأجناس كما يفصح عنه التعبير عن الكلّ بعنوان واحد وهو الصدقة في قوله تعالى ( إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ ) إلخ (2)، وكذا ما ورد عنه (صلّى اللّه عليه وآله) من فرض الزكاة في تسعة أشياء (3)، الظاهر في أنّ الجميع على نسق واحد.
فلا مناص حينئذٍ من رفع اليد عن ظاهر بعض النصوص بصراحة الآخر ، فيحمل على إرادة الشركة في الماليّة في الجميع ، لما عرفت من صراحة البعض فيه بحيث لا يقبل التأويل ، أمّا غيره فلا يعدو عن الظهور القابل لرفع اليد عنه
.................................................................................................
والحمل على ما عرفت ، جمعاً بين الأخبار.
ومن ثمّ التزمنا هناك بأنّ التعلّق إنّما هو على سبيل الشركة في الماليّة كما تقدّم.
وأمّا في باب الخمس فالأدلّة بين ما هو ظاهر في الإشاعة والشركة الحقيقيّة وبين ما لا ينافي ذلك ، فمثل قوله تعالى ( فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ ) (1)ظاهرٌ في أنّ المتعلّق هو خمس المغنم نفسه على نحوٍ يكون الخمس المشاع للمستحقّ ، والأربعة أخماس الباقية للمالك ، نظير قولك : بعت أو وهبت خمس الدار ، الذي هو ظاهر في الكسر المشاع بلا إشكال.
وهكذا قوله (عليه السلام) في موثّقة سماعة : «ما أفاد الناس من قليل أو كثير ففيه الخمس» ، فإنّ الكسر المشاع جزء من المركّب المشتمل عليه. وبهذه العناية صحّت الظرفيّة ، إذ الكلّ مشتمل على الجزء ، نظير قولك : الرأس في الجسد أو اليد في البدن.
وأمّا ما ورد من أنّ الخمس على خمسة أشياء أو من خمسة أشياء (2)فمفاده أنّ الخمس ثابت على هذه الأُمور ، أو يخرج من هذه الأُمور ، وأمّا أنّ كيفيّة التعلّق بتلك الأُمور بأيّ نحو فلا دلالة لهذه الأخبار عليها بوجه ، بل هي ساكتة عن هذه الناحية. فغايته أنّها لا تدلّ على الإشاعة لا أنّها تدلّ على خلافها.
إذن فلا مانع من الأخذ بما عرفت ممّا كان ظاهراً في الإشاعة ، لسلامته عن المعارض. وبذلك يمتاز المقام عن باب الزكاة.
ودعوى أنّ الخمس قد شُرِّع لبني هاشم بدلاً عن الزكاة أو عوضاً عنها كما
[2953] مسألة 77 : إذا حصل الربح في ابتداء السنة أو في أثنائها فلا مانع من التصرّف فيه بالاتّجار (1) وإن حصل منه ربح لا يكون ما يقابل خمس الربح الأوّل منه لأرباب الخمس ، بخلاف ما إذا اتّجر به بعد تمام الحول فإنّه إن حصل ربح كان ما يقابل الخمس من الربح لأربابه مضافاً إلى أصل الخمس فيخرجهما أوّلاً ثمّ يخرج خمس بقيّته إن زادت على مئونة السنة.
نطقت به النصوص ، ومقتضى عموم البدليّة المساواة في جميع الأحكام التي منها كيفيّة التعلّق ، فتكون هنا أيضاً على سبيل الشركة في الماليّة كما في الزكاة.
مدفوعة بأنّ البدليّة ناظرة إلى نفس الحقّ ، إجلالاً لهم عن أوساخ ما في أيدي الناس كما في النصّ ولا نظر فيها إلى الأحكام المترتّبة عليه بوجه. هذا أوّلاً.
وثانياً : لو سلّمنا تعلّق النظر إلى الأحكام فإنّما يسلم في المقدار الذي لم يثبت خلافه ، فإنّ موارد الاختلاف بينهما في الآثار والأحكام غير عزيزة كما لا يخفى. فليكن المقام من هذا القبيل بعد مساعدة الدليل حسبما عرفت.
وعليه ، فالقول بأنّ كيفيّة التعلّق في باب الخمس إنّما هي على سبيل الإشاعة والشركة الحقيقيّة غير بعيد بالنظر إلى الأخبار ، على خلاف باب الزكاة.
(1) تقدّم أنّ الخمس وإن كان متعلّقاً من الأوّل إلّا أنّ وجوبه مشروط بعدم الصرف في المئونة ، فيجوز التأخير في الإخراج إلى نهاية السنة ، كما يجوز التصرّف خلالها في الربح كيفما شاء بالتبديل إلى عين اخرى والاتّجار به ، لعدم كونه محجوراً عن التصرّف بالضرورة.
إنّما الكلام فيما لو تاجر وربح ثانياً وثالثاً وهكذا قبل انتهاء السنة بحيث حصل من الربح ربح آخر ، فهل المقدار المقابل لخمس الربح الأوّل من الربح
.................................................................................................
الثاني يختصّ بأرباب الخمس ، أو أنّ الربح كلّه للمالك ولا يجب عليه إلّا تخميس المجموع؟
مال في الجواهر إلى الأوّل (1)، وجعله في نجاة العباد أحوط إن لم يكن أقوى ، نظراً لتبعيّة النماء للأصل.
ولتوضيح موضوع المسألة نذكر المثال الذي ذكره في الجواهر ، وهو أنّه لو ربح أوّلاً ستمائة وكانت مئونته إلى نهاية السنة مائة فأخرجها واتّجر بالباقي وهو خمسمائة فربح بها خمسمائة اخرى بحيث كان كلّ جزء من الربح الثاني ربحاً لما يعادله من الربح الأوّل ، فتمام الخمس حينئذ مائتان وثمانون : مائة من الربح الأوّل ، ومائة اخرى من الربح الثاني ، من أجل كونها نماءً وربحاً لخمس الربح الأوّل كما عرفت ، حيث إنّ رأس المال في التجارة الثانية مشترك بينه وبين أرباب الخمس ، فلا جرم كان ما بإزاء سهمهم من الربح لهم كنفس الأصل ، فهو كما لو اتّجر بمال مشترك بينه وبين زيد في كون الربح مشتركاً بينهما. وعليه ، فيكون الباقي من الربح الثاني أربعمائة ، وخمسه ثمانون ، فيكون المجموع مائتين وثمانين.
وأمّا على القول الآخر فالخمس تمام المائتين خمس الألف الذي هو مجموع الربحين.
ولكن الذي ذكره (قدس سره) لا يمكن المساعدة عليه بوجه كما نصّ عليه شيخنا الأنصاري (قدس سره) (2)ومن تبعه ، لكونه على خلاف السيرة القطعيّة أوّلاً ، فإنّ عمل المتشرّعة قد استقرّ على ملاحظة مجموع الأرباح آخر السّنة بالضرورة.
.................................................................................................
وعلى خلاف ظواهر النصوص ثانياً ، مثل قوله (عليه السلام) في صحيحة ابن مهزيار : «الخمس بعد مئونته ومئونة عائلته» (1)، فإنّ المئونة كما مرّ هي نفس ما يصرف خارجاً لا مقدارها ، فدلّت على أنّ الخمس إنّما يجب في الربح بعد استثناء ما صرفه في مئونة سنته من مجموع الأرباح لا من بعضها ليجب دفع تمام البعض الآخر خمساً باعتبار كونه ربح الربح.
وأوضح من ذلك صحيحته الأُخرى ، قال (عليه السلام) فيها : «إذا أمكنهم بعد مؤونتهم» (2)، فإنّ قوله : «أمكنهم» أي تبقّى لهم بعد مؤونتهم ، فيلاحظ في مقام التخريج الباقي ممّا صرفه خارجاً في مئونة السنة ، فيتّحد مفادها مع رواية ابن شجاع النيسابوري (3)وإن ضعف سندها المصرّحة بأنّ الخمس ممّا يفضل من مئونته ، فالعبرة بفاضل المئونة ، أي ما يبقى بعد تمام الأرباح في نهاية السنة.
وبالجملة : فلا ينبغي التأمّل في أنّ الأرباح المتتالية خلال السنة تلاحظ بأجمعها عند انتهاء السنة ربحاً واحداً ، ولا وجه لملاحظة كلّ ربح بانفراده.
نعم ، يتّجه ذلك في الاتّجار بالربح غير المخمّس بعد انتهاء الحول ، لاستقرار الخمس حينئذٍ في العين ، فتكون كما لو اتّجر بالمال المشترك ، حيث لا مناص من توزيع الربح وقتئذٍ بنسبة الاشتراك في العين كما هو ظاهر.
[2954] مسألة 78 : ليس للمالك ان ينقل الخمس إلى ذمّته (1)ثمّ التصرّف فيه كما أشرنا إليه (1). نعم ، يجوز له ذلك بالمصالحة مع الحاكم ، وحينئذٍ فيجوز له التصرّف فيه ولا حصّة له من الربح إذا اتّجر به ، ولو فرض تجدّد مؤن له في أثناء الحول على وجهٍ لا يقوم بها الربح انكشف فساد الصلح.
(1) لما تقدّم من عدم الولاية له على ذلك إلّا بالمصالحة مع الحاكم إذا رأى فيه مصلحة.
ولكنّه (قدس سره) استدرك ذلك بأنّه لو تجدّدت مؤن أثناء الحول كشف عن فساد الصلح ، لعدم اشتماله حينئذٍ على المعوّض ، لأنّه هو الخمس الواقعي الثابت في هذا المال ، والمفروض انتفاؤه وعدم اشتغال الذمّة به.
أقول : لم يتّضح المراد من هذا الكلام ، ونظنّ أنّه سهو من قلمه الشريف ، لأنّ محلّ البحث إن كان هو التصرّف أثناء الحول فقد مرّ أنّه لا مانع منه من غير حاجة إلى النقل إلى الذمّة ، إذ لا خمس إلّا بعد المئونة وله التأخير إلى نهاية السنة والتصرّف كيفما شاء من غير توقّف على المصالحة مع الحاكم الشرعي ، وقد صرّح (قدس سره) في المسألة السابقة بالجواز في هذا الفرض.
وإن كان بعد تمام الحول واستقرار الخمس فالمنع عن التصرّف وإن كان في محلّه حينئذٍ لتحقّق الشركة فلا يجوز إلّا مع المصالحة المزبورة في فرض وجود
1) (*) موضوع الكلام إن كان قبل الحول فلا مانع من التصرّف بلا حاجة إلى النقل إلى الذمّة ، ولا وجه حينئذ لصحّة المصالحة مع الحاكم ، وقد مرّ منه (قدس سره) جواز التصرّف في هذا الفرض لا عدمه ، وإن كان بعد الحول فلا بأس بالمصالحة في بعض الفروض ، لكنّه لا يلائم قوله : ولو فرض تجدّد مؤن ، إلخ.
[2955] مسألة 79 : يجوز له تعجيل إخراج خمس الربح إذا حصل في أثناء السنة ، ولا يجب التأخير إلى آخرها ، فإنّ التأخير من باب الإرفاق كما مرّ ، وحينئذٍ فلو أخرجه بعد تقدير المئونة بما يظنّه فبان بعد ذلك عدم كفاية الربح لتجدّد مؤن لم يكن يظنّها (1) كشف ذلك عن عدم صحّته خمساً (1)، فله
المصلحة كما عرفت ، إلّا أنّه لا معنى حينئذٍ لما ذكره (قدس سره) من فرض تجدّد مؤن أثناء الحول ، إذ المفروض انقضاء الحول وانتهاؤه ، فأيّ معنى بعد ذلك للتجدّد في الأثناء؟! وأمّا حمل العبارة على الكشف ومقام الإثبات بأن يتّضح له بعد الحول وجود مؤن أثناء الحول لم يكن يعلم بها فهو خلاف ظاهرها جدّاً ، فإنّها صريحة في تجدّد المئونة لا الكشف عن مئونة سابقة على المصالحة كما لا يخفى.
(1) كما لو انهدمت داره فاحتاجت إلى التعمير ، أو مرض فاحتاج إلى العلاج ،
1) (*) لا مقتضي للكشف المزبور بعد ما فرض أنّ الخمس يتعلّق بالربح من الأوّل ، غاية الأمر أنّه لا يجب أداؤه أثناء السنة ويجوز له التأخير ، ولكنّه إذا لم يؤخِّره وأدّاه إلى مستحقّه باختياره فقد ملكه المستحق ، ولا يجوز حينئذ استرداده حتى مع بقاء العين فضلاً عن تلفها ، وعلى تقدير التنزّل والقول بأن تعلق الخمس يتوقف على عدم الصرف في المئونة فلا بدّ من التفصيل بين ما إذا صرف شيئاً من ماله أثناء سنته في المئونة المتجدِّدة وما إذا لم يصرفه ، فيصح ما ذكره (قدس سره) في الأوّل دون الثاني فإنّ العبرة في عدم وجوب الخمس إنّما هو بصرف الربح في المئونة لا بوجود المئونة من دون صرف ، والمفروض في المقام أنّه لم يصرف في المئونة فكيف يكشف عن عدم تعلّق الخمس به؟! نعم ، يتمّ ما ذكره (قدس سره) فيما إذا تخيّل أنّ عليه ربحاً فأخرج خمسه وأدّاه ثمّ انكشف أنّه لم يكن ربح ففي مثل ذلك له الاسترداد مع بقاء العين لا مع تلفها إلّا إذا كان المعطى له عالماً بالحال.
الرجوع به على المستحقّ مع بقاء عينه لا مع تلفها في يده ، إلّا إذا كان عالماً بالحال فإنّ الظاهر ضمانه حينئذٍ.
أو اضطرّ إلى الزواج ، ونحو ذلك من المؤن التي لم تكن بالحسبان ، فهل له الرجوع حينئذٍ إلى المستحقّ؟
فصّل (قدس سره) بين بقاء العين فيرجع ، نظراً إلى كشف التجدّد المزبور عن عدم التعلّق من الأوّل ، إذ لا خمس إلّا بعد المئونة. وبين تلفها مع جهل الآخذ فلا يرجع إليه ، لكونه مغروراً بعد التسليط المطلق الصادر من المالك. نعم ، يضمن مع علمه بالحال ، إذ قد أخذه بغير استحقاق كما هو ظاهر.
هذا ، ولكن صاحب الجواهر والشيخ الأنصاري قوّيا عدم الرجوع مطلقاً ، فلا تسوغ المطالبة حتى مع بقاء العين فضلاً عن التلف (1).
وكأنهما بنيا ذلك على أنّ المستحقّ يملك الخمس بمجرّد ظهور الربح ، والتأخير إرفاق في حقّ المالك ، رعايةً للصرف في المئونة المحتملة ، فإذا أسقط حقّه وعجّل في الدفع فقد دفع المال إلى مالكه المستحقّ فكيف يسترجعه بعد ذلك؟! أو على أنّ ظنّ المئونة وتخمينها قد أُخذ موضوعاً لوجوب الخمس لا طريقاً كما عبّر به شيخنا الأنصاري (قدس سره) ، ولعلّه يرجع إلى المعنى الأوّل ، ومحصّله : أنّ الخمس ملك للمستحقّ من الأوّل ، وقد أجاز وليّ الأمر صرف ملك الغير في المئونة إرفاقاً ، فلو لم يصرفه وأعطاه للمالك وقبضه فبأيّ موجب يؤخذ منه بعدئذٍ حتى مع البقاء فضلاً عن التلف؟!
1) الجواهر 16 : 80 ، والشيخ الأنصاري في كتاب الزكاة : 384 ، وفي كتاب الخمس : 224.
.................................................................................................
أقول : ما ذكراه (قدس سرهما) هو الأصحّ ، بناءً على ما عرفت (1)من تعلّق الخمس من الأوّل على سبيل الإطلاق وإن جاز التأخير من باب الإرفاق ، إذ معه لا مقتضي لما ذكره (قدس سره) من الكشف عن عدم الصحّة خمساً ، فإنّ الإخراج المزبور صاد من أهله في محلّه ، غاية الأمر أنّ البدار إليه لم يكن واجباً عليه ، بل كان مرخّصاً في التصرّف فيه من باب التصرّف في ملك الغير بإجازة الولي ولكنّه إذا بادر وأدّاه إلى أرباب الخمس باختياره فقد أوصل الحقّ إلى مستحقّه.
وعليه ، فلا يسوغ له الاسترداد حتى مع بقاء العين ، فضلاً عن تلفها.
نعم ، لو تنازلنا عن ذلك وبنينا على أنّ التعلّق وإن كان من الأوّل ولكنّه مشروط بعدم الصرف في المئونة بنحو الشرط المتأخّر بحيث يكشف الصرف اللّاحق عن عدم التعلّق من الأوّل ويكون من صرف ملكه في مئونته لا من صرف الخمس بإجازة الولي ، فلا محيص حينئذٍ من التفصيل.
وملخّصه : أنّ المئونة المتجدّدة بعد إخراج الخمس خلال السنة قد لا يصرف في سبيلها أيّ شيء ، إمّا لعدم المال أو لأمرٍ آخر ، كما لو احتاج إلى الزواج أو العلاج ولكنّه لم يتصدّ لذلك إلى نهاية السنة ، والصحيح حينئذٍ ما ذكره الشيخ وصاحب الجواهر من عدم جواز الاسترجاع حتى مع بقاء العين.
ووجهه ظاهر ، ضرورة أنّ وجوب الخمس كان مشروطاً بعدم الصرف في المئونة لا بعدم الحاجة ، والمفروض تحقّق الشرط ، لفرض عدم الصرف الخارجي الذي هو المعدم للموضوع ليس إلّا ، ولأجله ذكرنا أنّه لو قتّر على نفسه فلم يصرف وجب عليه الخمس.
1) كما تقدّم في مسألة 72.
[2956] مسألة 80 : إذا اشترى بالربح قبل إخراج الخمس جاريةً لا يجوز له وطؤها (1) ، كما أنّه لو اشترى به ثوباً لا تجوز الصلاة فيه ، ولو اشترى به ماءً للغسل أو الوضوء لم يصحّ ، وهكذا.
وبالجملة : عدم الصرف يكشف عن فعليّة الوجوب وقد أدّى الخمس إلى أربابه فليس له استرداده بوجه.
وأُخرى يصرف إمّا من رأس المال أو من مال آخر ولو كان ديناً.
والظاهر أنّ هذا يكشف عن عدم تعلّق الخمس من الأوّل ، إذ هو بعد المئونة ، ومن المعلوم أنّ المئونة المستثناة ليست خصوص المصروف من شخص الربح ، لعدم تحقّقه إلّا نادراً ، والغالب المتعارف في التجار وغيرهم هو الصرف من مال آخر معادل له بدلاً عنه ممّا خمّسه أو ورثه ونحو ذلك.
وعليه ، فلو صرف بمقدار الخمس أو أكثر كشف عن عدم ربح فاضل على المئونة ، فلا موضوع للخمس ، فله استرداد العين مع بقائها ، كما أنّ الآخذ يضمن مع علمه بالحال دون الجهل كما هو ظاهر.
(1) هذا وجيه في الشراء الشخصي بأن اشترى بعين ما فيه الخمس ، وأمّا الشراء بما في الذمّة والأداء ممّا لم يخمّس فلا ينبغي الإشكال في صحّة المعاملة وجواز التصرّف في تمام ما اشترى ، لكونه ملكاً طلقاً له وإن كان مشغول الذمّة وضامناً للخمس.
فمحلّ الكلام وقوع المعاملة عوضاً أو معوّضاً على العين الشخصيّة لا على الكلّي والأداء من هذه العين. ولا ينبغي التأمّل حينئذٍ في عدم جواز التصرّف كما ذكره في المتن ، سواء أقلنا بشمول أدلّة التحليل للمقام وإمضاء المعاملة من قبل وليّ الأمر (عليه السلام) ، أم لا.
نعم ، لو بقي منه بمقدار الخمس في يده وكان قاصداً لإخراجه منه جاز وصحّ (1) كما مرّ نظيره (1).
أمّا على الأوّل : فلأنّ المعاملة وإن صحّت إلّا أنّ الخمس ينتقل حينئذٍ إلى العوض ، فتكون الجارية المشتراة بما فيه الخمس بنفسها متعلّقة للخمس فتتحقّق الشركة فيها كالأصل ، ومن المعلوم عدم جواز التصرّف في المال المشترك بدون إجازة الشريك.
وأمّا على الثاني : فلبطلان المعاملة بعد عدم الولاية على تبديل الخمس بغيره ، فيبقى ما يعادل حصّة الخمس على ملك مالكه المانع عن جواز التصرّف فيه ما لم يؤدّ الخمس.
(1) بناءً منه كما تقدّم على أنّ التعلّق على سبيل الكلّي في المعيّن ، إذ عليه تكون الشركة في الكلّي ، أمّا الأشخاص فهي ملك له فيجوز له التصرّف إلى أن يبقى بمقدار الخمس ، لثبوت الولاية للمالك على العين كما في سائر موارد الكلّي في المعيّن ، فلو باع صاعاً من الصبرة جاز له التصرّف في عين ماله إلى أن يبقى مقدار الصاع ، ولا يتوقّف ذلك على البناء والقصد ، بل يجوز التصرّف من غير قصد الإخراج من الباقي كما هو الحال في سائر الموارد. فالتقييد بقصد الإخراج كما في المتن في غير محلّه.
1) (*) وقد تقدّم الإشكال فيه [في المسألة 2952 التعليقة 2].
[2957] مسألة 81 : قد مرّ أنّ مصارف الحجّ الواجب إذا استطاع في عام الربح وتمكّن من المسير من مئونة تلك السنة ، وكذا مصارف الحجّ المندوب والزيارات ، والظاهر أنّ المدار (1)على وقت إنشاء السفر ، فإن كان إنشاؤه في عام الربح فمصارفه من مئونته (1) ذهاباً وإياباً وإن تمّ الحول في أثناء السفر ، فلا يجب إخراج خمس ما صرفه في العام الآخر إلّا في الإياب أو مع المقصد وبعض الذهاب.
(1) ما أفاده (قدس سره) لا يستقيم على إطلاقه ، فإنّ مصروفات الحجّ على أقسام :
منها : ما يعدّ من مئونة هذه السنة وإن كان من شأنه البقاء إلى السنة الآتية ، كشراء المركوب من دابّة أو سيّارة ونحوهما للسفر إلى الحجّ ، فحالها حال شراء الدار أو الفراش أو الألبسة أو التزويج ونحو ذلك ممّا يحتاج إليه فعلاً وإن بقي بعد الحول أيضاً حيث يستثني عن أرباح هذه السنة تحت عنوان المئونة بلا كلام ولا إشكال.
ومنها : ما لا بدّ من صرفه من الآن ولا يمكن الحجّ بدونه وإن وقع مقدار منه بإزاء الإياب ، كالأموال التي تأخذها الحكومات أو الشركات بالعناوين المختلفة ، التي منها أُجور الطائرة ذهاباً وإياباً بحيث لا مناص من الإعطاء ولا يمكن الاسترجاع ، فإنّ هذه المصارف تعدّ أيضاً من مئونة سنة الربح بطبيعة الحال وإن تمّ الحول أثناء السفر كما هو ظاهر.
ومنها : المصارف التدريجيّة التي تدفع شيئاً فشيئاً ، كالمأكولات والمشروبات
1) (*) المدار على الصرف في عام الربح على الأظهر.
[2958] مسألة 82 : لو جعل الغوص أو المعدن مكسباً له كفاه إخراج خمسهما أوّلاً ، ولا يجب عليه خمس آخر من باب ربح المكسب بعد إخراج مئونة سنته (1).
وأُجور المساكن في المقصد أو الإياب ، كما لو احتاج في رجوعه إلى التوقّف في الكويت أو البصرة يوماً أو أيّاماً فدفع أموالاً لمسكنه ومصرفه وقد تمّ الحول في الأثناء ، فإنّ احتساب هذه المصارف من مئونة السنة الماضية مع أنّها من مصارف هذه السنة يحتاج إلى الدليل ، ولم يقم عليه أيّ دليل.
(1) خلافاً لجماعة ، حيث ذهبوا إلى تعدّد الخمس ، نظراً إلى تعدّد العنوان. غايته أنّ الخمس بعنوان الكسب مشروط بعدم الصرف في المئونة ، وأمّا بعنوان المعدن مثلاً فلا يستثني منه إلّا مئونة الإخراج والتحصيل.
ولكن ما ذكروه لا يمكن المساعدة عليه بوجه :
أمّا أوّلاً : فلأنّ عنوان الكسب لم يذكر في شيء من الأخبار وإن تداول التعبير بأرباح المكاسب في كلمات جماعة من الفقهاء ، بل الوارد في الأدلّة عنوان الفائدة ما أفاد الناس من قليل أو كثير ففيه الخمس أو الغنيمة ، بناءً على شمول الآية للمقام. فالموضوع مطلق الفائدة ، والغوص أو المعدن من أحد مصاديقها ، بحيث لو لم يرد فيهما دليل بالخصوص لقلنا فيهما أيضاً بوجوب الخمس من أجل كونهما من أحد مصاديق الفائدة كما عرفت ، غايته أنّ الأدلّة الخاصّة دلّتنا على أنّ الوجوب فيهما فوري كما هو مقتضى الإطلاق أيضاً في مثل قوله (عليه السلام) : «ما أفاد الناس من قليل أو كثير ففيه الخمس» (1)وإن خرجنا عنه بالأدلّة الخارجيّة وقيّدنا الوجوب بعدم الصرف في مئونة
1) الوسائل 9 : 503 / أبواب ما يجب فيه الخمس ب 8 ح 6.
.................................................................................................
السنة بنحو الشرط المتأخّر.
وبالجملة : لا يجب الخمس في هذه الموارد بأجمعها إلّا بعنوان واحد وإن اختلفت في الأحكام من حيث استثناء المئونة وعدمها ، فلا تكرّر في العنوان ليحتاج إلى التعدّد.
وثانياً : لا يمكن الالتزام بوجوب خُمسَين حتى لو سلّمنا تعدّد العنوانين عنوان الكسب وعنوان الغوص مثلاً فإنّ النسبة بينهما وإن كانت عموماً من وجه لجواز عدم الاكتساب بالغوص كجواز كون الكسب من غير الغوص ، إلّا أنّ الالتزام بالخُمسَين إنّما يتّجه لو بنينا على مقالة ابن إدريس من تعلّق خمس الربح آخر السنة (1)، فيلتزم حينئذٍ بوجوب خمس عند ما غاص وبوجوب خمس آخر في نهاية السنة.
لكن المبنى ساقط ، والصحيح كما مرّ تعلّق الخمس من لدن ظهور الربح ، غايته أنّ وجوبه مشروط بنحو الشرط المتأخّر بعدم الصرف في مئونة السنة. وعليه ، فمرجع الالتزام بالتعدّد أنّه حينما غاص وجب عليه خمسان : أحدهما بعنوان الغوص وهو مطلق ، والآخر بعنوان الكسب وهو مشروط بعدم الصرف في المئونة.
وهذا كما ترى منافٍ لظاهر النصوص الواردة في الغوص والمعدن ونحوهما ، حيث إنّ ظاهرها أنّ ما يستخرج بالغوص يملكه المستخرج بتمامه بعد التخميس بحيث تكون الأربعة أخماس الباقية بتمامها له ، بل قد صرّح بذلك في بعض هذه النصوص ، فلو كان عليه خمس آخر فمعناه أنّ ثلاثة أخماس العين له لا أربعة أخماسها ، وهو خلاف ظواهر الأدلّة كما عرفت.
على أنّ لازم هذا البيان أنّ من يقول بتعلّق الخمس بمطلق الفائدة كما هو
1) السرائر 1 : 489 490.
.................................................................................................
الحقّ يلزمه الإذعان بالخُمسَين حتى إذا لم يكن الغوص مثلاً مكسباً له ، كما لو غاص ومن باب الاتّفاق أخرج اللؤلؤة ، وهذا مقطوع البطلان كما لا يخفى. فإذا لم يكن متعدّداً في غير موارد الكسب لا يكون كذلك في موارد الكسب أيضاً ، لما عرفت من أنّ الكسب لا خصوصيّة له ، بل هو لأجل صدق الفائدة.
والحاصل : أنّا لو قلنا بالتعدّد في الكسب لا بدّ من القول به في غير الكسب أيضاً ، وهو مقطوع البطلان. إذن فليس في البين إلّا خمس واحد.
وملخّص الكلام في المقام : أنّا لو قلنا بأنّ الخمس في أرباح المكاسب لم يكن لخصوصيّة فيها ، وإنّما هو من باب مطلق الفائدة ، فلا فرق إذن فيمن يستخرج المعدن مثلاً بين أن يتّخذه مكسباً ومتجراً له وبين عدمه ، فكما لا خمس في فرض عدم الكسب إلّا مرّة واحدة بلا خلاف ولا إشكال ، فكذا في فرض الكسب بمناط واحد.
وأمّا لو قلنا بخصوصيّة في الكسب ، فبين العنوانين وإن كان عموم من وجه ولكن من الظاهر أنّ الغالب الشائع فيمن يستخرج المعدن أو الغوص اتّخاذه مكسباً له.
وعليه ، فالقدر المتيقّن من نصوص تخمس المعدن مثلاً وأنّ الباقي له هو المتعارف من استخراج المعدن ، أعني : ما يكون مكسباً له كما عرفت ، فلو كان ثمّة خمس آخر لَما كان تمام الباقي له ، وإنّما له ثلاثة أخماس ، لتعلّق خُمسَين من الأوّل : أحدهما مطلق ، والآخر مشروط ، مع أنّ ظاهر تلك الأخبار أنّه ليس عليه إلّا خمس واحد ، وتمام الأربعة أخماس الباقية كلّها للمالك.
فما ذكره في المتن من وحدة الخمس هو الصحيح المطابق لظواهر النصوص حسبما عرفت.
[2959] مسألة 83 : المرأة التي تكتسب في بيت زوجها ويتحمّل زوجها مئونتها يجب عليها خمس ما حصل لها من غير اعتبار إخراج المئونة ، إذ هي على زوجها (1) ، إلّا أن لا يتحمّل.
[2960] مسألة 84 : الظاهر عدم اشتراط التكليف (1)والحرِّيّة في الكنز والغوص والمعدن والحلال المختلط بالحرام والأرض التي يشتريها الذمِّي من المسلم ، فيتعلّق بها الخمس ، ويجب على الولي والسيِّد إخراجه (2) ، وفي تعلّقه بأرباح مكاسب الطفل إشكال ، والأحوط إخراجه بعد بلوغه.
(1) فمع قيامه بها لا موضوع للمئونة لكي تستثني ، وقد تقدّم غير مرّة أنّ العبرة بالمئونة الفعليّة وما يصرف خارجاً لا مقدارها ، ولذا يجب الخمس في موارد التقتير.
نعم ، لو امتنع زوجها عن البذل وصرفت ربحها في المئونة لم يجب الخمس بمقتضى استثناء المئونة.
وبالجملة : لا خصوصيّة للزوجة ، بل كلّ مكلّف متى حصل له الربح فإن صرفه في المئونة فلا خمس ، وإلّا ففيه الخمس.
(2) ذكر جماعة من الفقهاء في خصوص الثلاثة أعني : الكنز والغوص والمعدن عدم الفرق بين المكلّف وغيره والحرّ والعبد ، وممّن صرّح بذلك المحقّق في الشرائع ، فإنّ صدر كلامه (قدس سره) وإن كان في الكنز ولكنّه ذكر بعد ذلك قوله : وكذلك المعدن والغوص (2). فهو كغيره من المصرّحين بالخمس في
.................................................................................................
هذه الثلاثة ولم يكن مقتصراً على الكنز.
وربّما يستشعر أو يستظهر من اقتصارهم على هذه الثلاثة اعتبار التكليف والحرّيّة فيما عداها ، كالأرض المشتراة من الذمّي أو المال المختلط بالحرام أو أرباح المكاسب ، ولكن الشيخ (قدس سره) استظهر أنّ الحكم عام لجميع الأقسام (1)، ولعلّه كذلك ، ولا سيّما بملاحظة بعض الروايات الدالّة على ثبوت الخمس في جميع هذه الموارد بعنوان الغنيمة.
وكيفما كان ، فالظاهر أنّ المشهور هو ثبوت الخمس مطلقاً ، إمّا في هذه الثلاثة فقط أو في الجميع.
ولكنّه غير ظاهر ، لما أسلفناه في بعض المباحث السابقة من أنّ المستفاد ممّا دلّ على رفع القلم عن الصبي والمجنون استثناؤهما عن دفتر التشريع وعدم وضع القلم عليهما بتاتاً كالبهائم ، فلا ذكر لهما في القانون ، ولم يجر عليهما شيء (2).
ومقتضى ذلك عدم الفرق بين قلم التكليف والوضع ، فترتفع عنهما الأحكام برمّتها بمناط واحد ، وهو الحكومة على الأدلّة الأوّلية.
اللّهمّ إلّا إذا كان هذا الرفع منافياً للامتنان بالإضافة إلى الآخرين كما في موارد الضمانات ، أو ورد فيه نصّ خاصّ كموارد التعزيرات الموكول تحديدها إلى نظر الحاكم.
أمّا فيما عدا ذلك فلم نعرف أيّ وجه لاختصاص رفع القلم بالتكليف بعد إطلاق الدليل ، بل يعمّ الوضع أيضاً.
وعليه ، فلا خمس في مال الصبي أو المجنون كما لا زكاة ، فإنّ النصّ الخاصّ وإن لم يرد في المقام كما ورد في باب الزكاة إلّا أنّه يكفينا حديث رفع القلم بعد
.................................................................................................
ما عرفت من شموله للوضع كالتكليف ، فلو كان هناك عموم أو إطلاق يشمل مال الصبي لم يكن بدّ من الخروج عنه بمقتضى هذا الحديث.
وهذا هو الصحيح كما قوّاه في المدارك (1)وإن كان المشهور هو الوجوب.
ولا فرق فيما ذكر بين الثلاثة المتقدّمة وبين غيرها كأرباح المكاسب ، لوحدة المناط.
نعم ، يجب الخمس بالنسبة إلى المال المختلط بالحرام ، لأنّ مقداراً من المال حينئذٍ لم يكن للصبي ، والتخميس طريق إلى التطهير ، فليس هذا حكماً ثابتاً عليه ليرتفع بالحديث ، بل ثابت له وبصالحه ، فلا يجوز للولي التصرّف في ماله قبل التخميس الذي هو في مثل المقام منّة على العباد وتخليص للحلال عن الحرام ، وليس من الإيقاع في المشقّة ليرتفع عن الصبي.
وأمّا المملوك فلا ينبغي الشكّ في شمول إطلاقات الخمس لما يستفيده ويقع في يده بعد صدق الغنيمة ، سواءً أقلنا بأنّه ملك له أم لسيِّده.
وما ورد في الروايات من أنّ المملوك ليس في ماله شيء ، فكلّها ناظرة إلى الزكاة ، كما تقدّم في محلّه (2).
[2961] مسألة 1 : يقسّم الخمس ستّة أسهم على الأصحّ (1) : سهم لله سبحانه ، وسهم للنبيّ (صلّى اللّه عليه وآله) ،
(1) كما هو المعروف والمشهور ، وتدلّ عليه طائفة من الروايات قد ادّعي أنّها متواترة إجمالاً بحيث يقطع أو يطمأنّ بصدور بعضها عن المعصوم (عليه السلام) وإن كانت بأجمعها غير نقيّة السند.
فإن تمّت هذه الدعوى فهي ، وإلّا فتكفينا الآية المباركة المصرّحة بالأسهم الستّة ، وهذا بناءً على تفسير الغنيمة بمطلق الفائدة واضح ، وكذا بناءً على الاختصاص بغنائم دار الحرب ، فإنّ الدليل المتكفّل لثبوت الخمس في سائر الموارد من الغوص والكنز والمعدن ونحوها مع عدم التعرّض لبيان المصرف يظهر منه بوضوح أنّ المراد به هو الخمس المعهود المقرّر في الشريعة المقدّسة المشار إليه وإلى مصرفه في الآية المباركة كما هو ظاهر جدّاً.
ومع ذلك قد نسب الخلاف إلى ابن الجنيد ، فذهب إلى أنّ السهام خمسة بحذف سهم اللّه تعالى (1)، وربّما يظهر الميل إليه من صاحب المدارك (2)، استناداً
.................................................................................................
بعد ما يرتئيه من ضعف النصوص المتقدّمة إلى صحيح ربعي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال : كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) إذا أتاه المغنم أخذ صفوه وكان ذلك له ، ثمّ يقسّم ما بقي خمسة أخماس ويأخذ خمسه ، ثمّ يقسّم أربعة أخماس بين الناس الذين قاتلوا عليه ، ثمّ قسّم الخمس الذي أخذه خمسة أخماس ، يأخذ خمس اللّه عزّ وجلّ لنفسه ، ثمّ يقسّم الأربعة أخماس بين ذوي القربى واليتامى والمساكين وأبناء السبيل ، يعطي كلّ واحد منهم حقّا ، وكذلك الإمام أخذ كما أخذ الرسول (صلّى اللّه عليه وآله)» (1).
ولكن لا يمكن الاستدلال بها لما نُسب إلى ابن الجنيد ، ولا التوقّف من أجلها كما نُسب إلى المدارك :
أمّا أوّلاً : فلأنها لو دلّت على الحذف فإنّما تدلّ على حذف سهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) وإسقاطه لا إسقاط سهم اللّه تعالى كما هو المدّعى ، ولم يقل بذلك أحد حتى ابن الجنيد.
وثانياً : لا دلالة لها على ذلك أيضاً ، بل أقصاها أنّ ذلك عمل قد صدر من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) ، وله أن يفعل في حصّته ما يشاء ، وقد أعرض عنها وبذلها لسائر الأصناف ، لا أنّه لم تكن له حصّة.
وأمّا قوله في ذيل الرواية : «وكذلك الإمام» إلخ ، فيراد به التشبيه في الأخذ كما صرّح به لا التشبيه في كيفيّة التقسيم ، وعلى تقدير الدلالة على ذلك أيضاً فالكلام هو الكلام ، ومع الإغماض فمدلول الرواية لم يعمل به أحد حتى ابن الجنيد ، فهي معارضة للقرآن تضرب عرض الجدار.
1) الوسائل 9 : 510 / أبواب قسمة الخمس ب 1 ح 3.
وسهم للإمام (عليه السلام) (1) ،
(1) على المعروف والمشهور بل ادّعي الإجماع عليه من تفسير ذي القربى بالإمام (عليه السلام) ومن بحكمه كالصدّيقة الطاهرة روحي فداها وصلوات اللّه عليها ، وأنّ هؤلاء المعصومين هم المعنيّون من ذوي القربى الذين أُمِرنا بمودّتهم لا كلّ قريب.
ونُسب الخلاف إلى ابن الجنيد أيضاً بدعوى أنّ المراد مطلق القرابة (1)، وإليه ذهب فقهاء العامّة.
وفيه : أنّ الروايات الدالّة على أنّ المراد به الإمام (عليه السلام) كثيرة جدّاً وإن كانت ضعيفة السند بأجمعها ، فهي نصوص مستفيضة متظافرة ، مضافاً إلى التسالم والإجماع وفيه الكفاية ، فخلاف ابن الجنيد لا يُعبأ به.
بل يمكن الاستفادة من نفس الآية المباركة ، نظراً إلى أنّ المراد من اليتيم والمسكين وابن السبيل : خصوص السادة وأقرباؤه (صلّى اللّه عليه وآله) من بني هاشم ، دون غيرهم بالضرورة ، فإنّ لهم الزكاة. وعليه ، فلو أُريد من ذوي القربى مطلق القرابة كانت الأسهم حينئذٍ خمسة لا ستّة ، فلا مناص من إرادة الإمام خاصّة ليمتاز أحد السهمين عن الآخر.
فإن قيل : لعلّ المراد من ذي القربى الأغنياء من بني هاشم.
قلنا : إنّ الضرورة على خلافه وإن التزم به العامّة ، فإنّ الروايات الكثيرة قد نطقت بأنّ الزكاة أوساخ ما في أيدي الناس وقد جعل الخمس بدلاً عنها لبني هاشم ، فيعتبر فيه الفقر قطعاً كما في الزكاة ، ولا يعطى للغنيّ شيء.
1) حكاه في الجواهر 16 : 87.
وهذه الثلاثة الآن لصاحب الزمان أرواحنا له الفداء وعجّل اللّه تعالى فرجه (1) ، وثلاثة للأيتام والمساكين وأبناء السبيل.
ويشترط في الثلاثة الأخيرة : الإيمان (2) ،
وبالجملة : المراد من ذي القربى غير اليتيم والمسكين وابن السبيل من السادة بمقتضى المقابلة ، وليس هو الغني منهم قطعاً ، فينحصر في الإمام بطبيعة الحال ، إذ لو كان أحد غير الفقير مورداً للخمس فليس هو إلّا الإمام.
وأيّده المحقّق بأنّ المذكور في الآية المباركة : ذي القربى بصيغة المفرد لا «ذوي القربى» ، فهو شخص واحد معيّن وليس هو إلّا الإمام ، وإلّا فقرابته كثيرون (1).
ولا بأس به تأييداً ، أمّا الاستدلال فكلّا ، لجواز أن يراد به الجنس كما في ابن السبيل.
(1) فإنّ ما كان لله فلرسوله ، وما كان للرسول فللإمام ، فبحسب النتيجة يكون الكلّ للإمام ، ثلث منها لنفسه أصالةً ، وثلثان يرجعان إليه ، كما صرّح بذلك في صحيح البزنطي عن الرِّضا (عليه السلام) في تفسير الآية الشريفة ، فقيل له : فما كان لله ، فلمن هو؟ «فقال : لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) ، وما كان لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) فهو للإمام» إلخ (2).
(2) فلا يعطى الخمس لغير المؤمن وإن كان هاشميّاً فضلاً عن الكافر ، ويمكن استفادة ذلك من أمرين وإن لم يرد في المقام نصّ بالخصوص :
.................................................................................................
أحدهما : التعليل الوارد في بعض نصوص منع الزكاة لغير المؤمن ، كرواية يونس بن يعقوب ، قال : قلت لأبي الحسن الرِّضا (عليه السلام) : اعطي هؤلاء الذين يزعمون أنّ أباك حيّ من الزكاة شيئاً؟ «قال : لا تعطهم ، فإنّهم كفّار مشركون زنادقة» (1)، فإنّ التعليل يشمل الزكاة والخمس معاً بمناط واحد كما لا يخفى.
ولكن الرواية ضعيفة السند جدّاً ، فلا يصلح هذا الوجه إلّا للتأييد.
ثانيهما وهو العمدة - : ما تضمّنته جملة من النصوص من بدليّة الخمس عن الزكاة المعتبر فيها الإيمان إجماعاً وأنّه يعطى للمخالف الحجر كما في النصّ (2)، فكذا فيما هو بدل عنها ، فإنّ معنى البدليّة أنّ من كان مستحقّاً للزكاة لو لم يكن هاشميّاً فهو مستحقّ للخمس لو كان هاشميّاً عوضاً عنها ، إجلالاً عن الأوساخ ، فيعتبر فيه تحقّق شرائط الزكاة تحقيقاً للبدليّة.
والمسألة لا إشكال فيها (3)
بتقريب عدم احتمال خروج السادة عن حكمة هذا التشريع ليكونوا أسوأ حالاً وأقلّ نصيباً من غيرهم ، وحيث إنّهم ممنوعون عن الزكاة بضرورة الفقه فلا جرم يستكشف بطريق الإنّ أنّ الخمس المجعول لهم قد شُرّع عوضاً وبدلاً عن الزكاة إجلالاً عن أوساخ ما في أيدي الناس.
.1) الوسائل 9 : 228 / أبواب المستحقّين للزكاة ب 7 ح 4.
2) الوسائل 9 : 223 / أبواب المستحقّين للزكاة ب 5 ح 7.
3) لا يخفى أنّ النصوص المتضمّنة صريحاً للبدليّة غير نقيّة السند ، وقد راجعناه (دام ظلّه) في ذلك فأجاب بأنّه : يمكن استفادة المطلوب ممّا دلّ على أنّ اللّه تعالى فرض للفقراء في أموال الأغنياء ما يكتفون ولو علم أنّ الذي فرض لهم لا يكفيهم لزادهم [الوسائل 9 : 9 / أبواب ما تجب فيه الزكاة ب 1].
وفي الأيتام : الفقر (1) ، وفي أبناء السبيل : الحاجة في بلد التسليم (2) وإن كان غنيّاً في بلده ، ولا فرق بين أن يكون سفره في طاعة أو معصية (1)(3).
(1) كما هو المعروف المشهور بين الفقهاء ، وينبغي أن يكون كذلك ، إذ العلّة في تشريع الخمس سدّ حاجة بني هاشم كالزكاة لغير بني هاشم ، فلا خمس للغني وإن كان هاشميّاً كما لا زكاة له ، ويؤيِّده بعض النصوص الضعيفة.
(2) فلا يضرّ غناه في بلده كما تقدّم في الزكاة (2)، لإطلاق الدليل ، فإنّ العبرة بالحاجة الفعليّة ، غايته أنّه يعتبر أن لا يكون متمكّناً من القرض ، لعدم صدق الحاجة حينئذٍ.
وأمّا أنّه تعتبر الحاجة الفعليّة فلا يعطى لكلّ ابن سبيل وإن نُسب الجواز إلى بعضهم ، فقد تقدّم وجهه في كتاب الزكاة (3)وقلنا : إنّ كلمة «ابن السبيل» بنفسها ظاهرة في ذلك ، فإنّه بمعنى المحتاج في سفره الذي ليس له مأوى يعالج به الوصول إلى وطنه. فهذا مأخوذ في مفهوم ابن السبيل ومحقّق لموضوعه من غير حاجة إلى التقييد من الخارج.
(3) هذا مشكل جدّاً كما تقدّم في الزكاة (4)، وقد عرفت أنّ الخمس بدل عن الزكاة فيجري عليه حكمها ، بل قد تقدّم الإشكال في جواز الإعطاء لأيّ غاية محرّمة ولو في غير السفر إذا كان ذلك إعانة على الحرام (5).
ولا يعتبر في المستحقّين العدالة (1) وإن كان الأولى ملاحظة المرجّحات ، والأولى أن لا يعطى لمرتكبي الكبائر خصوصاً مع التجاهر ، بل يقوى عدم الجواز إذا كان في الدفع إعانة على الإثم ، ولا سيّما إذا كان في المنع الردع عنه ، ومستضعف كلّ فرقة ملحق بها (2).
أمّا إذا قلنا بحرمة الإعانة فظاهر ، ضرورة أنّ الحرام لا يكون مصداقاً للواجب ، وكذا لو قلنا بعدم الحرمة ، نظراً إلى اختصاص الحرام بالتعاون دون الإعانة كما هو الصحيح ، وذلك لكونه مبغوضاً للمولى جزماً ، فلا يرضى الشارع بأن يقع مثله مصداقاً للخمس الواجب العبادي كما لا يخفى. وقد تقدّم مثله في الزكاة (1)وكلاهما من وادٍ واحد ، فلا يجوز دفع الخمس لمن يصرفه في الحرام بحيث يعدّ إعانة على الإثم حسبما عرفت.
(1) هذا ممّا ينبغي الجزم به ، إذ لا دليل على الاعتبار بوجه كما تقدّم في الزكاة (2).
نعم ، ورد هناك عدم جواز الدفع لشارب الخمر وقلنا ثمّة : إنّه يمكن التعدّي إلى ما هو أهمّ كتارك الصلاة ، فيمكن التعدّي حينئذٍ إلى الخمس بمقتضى البدليّة ، وأنّ موردهما واحد لا يفترق عن الآخر إلّا من حيث الهاشميّة وعدمها ، ولا أقلّ من الاحتياط في ذلك.
(2) كما في سائر الأحكام من الزواج والإرث والزكاة ونحوها ، فإنّه يلحق بتلك الفرقة ، للصدق العرفي كما لا يخفى.
[2962] مسألة 2 : لا يجب البسط على الأصناف (1) ، بل يجوز دفع تمامه إلى أحدهم ، وكذا لا يجب استيعاب أفراد كلّ صنف ، بل يجوز الاقتصار على واحد ، ولو أراد البسط لا يجب التساوي بين الأصناف أو الأفراد.
(1) هذه المسألة ممّا وقع الخلاف فيها بين الأصحاب ، فذهب جماعة ولعلّه المشهور إلى عدم وجوب البسط على الأصناف ، وذهب جماعة آخرون إلى الوجوب فيجب التوزيع على كلّ من الأصناف الثلاثة : اليتيم ، والمسكين ، وابن السبيل.
وأمّا اعتبار البسط على الأفراد من كلّ صنف فلم يذهب إليه أحد ، ولعلّه أمر متعذّر خارجاً ، أو أنّ المال لا يفي بذلك غالباً كما لو كان الخمس قليلاً جدّاً ، أو من الميقات كشاة واحدة.
وكيفما كان ، فما نسب إلى المشهور من عدم الوجوب على الأصناف فضلاً عن الأفراد هو الصحيح.
والوجه فيه : أنّ الآية المباركة وإن تضمّنت تقسيم الخمس على ستّة أقسام إلّا أنّ وجوب البسط على الأصناف الثلاثة من النصف الآخر اليتيم والمسكين وابن السبيل يتوقّف على ظهورها في ملكيّة كلّ صنف من هذه الأصناف ، بحيث يكون الطبيعي من كلّ صنف مالكاً لسدس المجموع حتى يجب التوزيع من باب وجوب إيصال المال إلى مالكه.
أمّا لو كان المالك هو الطبيعي الجامع بين هذه الأصناف وكانت هي مصارف لذلك الطبيعي بحيث يكون الصرف في كلّ منها إيصالاً لذاك الجامع ، فلا وجه لوجوب البسط عندئذٍ.
والظاهر من الآية المباركة هو الثاني ، لقرينتين تمنعان عن الأخذ بالأوّل :
.................................................................................................
إحداهما : أنّ من تلك الأصناف ابن السبيل ، ولا ينبغي الشكّ في قلّة وجوده بالنسبة إلى الصنفين الآخرين ، بل قد لا يوجد أحياناً ، فهو نادر التحقّق.
ولازم القول بالملكيّة تخصيص سدس المغنم من كلّ مكلّف لوضوح كون الحكم انحلاليّاً لهذا الفرد الشاذّ النادر الذي ربّما لا يوجد له مصداق بتاتاً ، فيدّخر له إلى أن يوجد ، وهو كما ترى. بخلاف ما لو كان مصرفاً وكان المالك هو الطبيعي الجامع كما لا يخفى.
ثانيتهما وهي أوضح وأقوى أنّ الآية المباركة دالّة على الاستغراق لجميع أفراد اليتامى والمساكين ، بمقتضى الجمع المحلّى باللام المفيد للعموم.
وعليه ، فكيف يمكن الالتزام باستغراق البسط لآحاد الأفراد من تلك الأصناف بحيث لو قسّم على بعض دون بعض يضمن للآخرين؟! فإنّ هذا مقطوع العدم ، ومخالف للسيرة القطعيّة القائمة على الاقتصار على يتامى البلد ومساكينهم ، بل قد وقع الكلام في جواز النقل وعدمه مع الضمان أو بدونه كما سيجيء إن شاء اللّه تعالى (1).
وأمّا جواز الصرف في خصوص البلد فممّا لا إشكال فيه ، وقد جرت عليه السيرة. ومن البديهي أنّ كلمة اليتامى مثلاً لا يراد بها يتامى البلد فقط.
فهذه قرينة قطعيّة على عدم إرادة الملك وأنّ الموارد الثلاثة مصارف محضة ، ومن الواضح أنّ جعل الخمس لهم إنّما هو بمناط القرابة من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) عوضاً عن الزكاة المحرّمة عليهم ، ومرجع ذلك إلى أنّ النصف من الخمس ملك لجامع بني هاشم والقرابة المحتاجين من اليتامى والمساكين وأبناء السبيل ، فالمالك إنّما هو هذا الجامع الكلّي القابل للانطباق على كلّ فرد فرد.
وعليه ، فأفراد هذه الأصناف كنفسها مصارف للخمس ، لأنّ الكلّي قابل
1) في ص 338.
.................................................................................................
للانطباق على كلّ فرد فيجوز الدفع إليه ، كما كان هو الحال في مصارف الزكاة الثمانية وإنّ كان الأمر فيها أوضح ، فيتم التحفّظ على الاستغراق بعد عدم ظهور شيء من الأدلّة في كون الجعل بعنوان الملكيّة بالرغم من ظهور اللّام فيها ، فترفع اليد عنه ويحمل على المصرفيّة ، ومقتضاه عدم وجوب البسط على الأصناف فضلاً عن الأفراد ، لقصور الجعل من الأوّل وعدم الدليل على الاستيعاب.
إذن فلا يجب التوزيع بتثليث نصف الخمس وإعطاء كلّ ثلث لكلّ صنف منهم ، بل يجوز دفع جميع النصف إلى صنف واحد.
وعلى الجملة : بعد ما عرفت من السيرة القائمة على عدم البسط ، ومن وضوح ندرة ابن السبيل في كلّ بلد ، بل انتفاء وجوده أحياناً كما أنّ اليتيم أقلّ وجوداً من المسكين بالضرورة. إذن فالتسوية بين العناوين الثلاثة بالتقسيم على سبيل التثليث لعلّها مقطوعة العدم ، لعدم احتمال التعادل بين حصصهم بعد الاختلاف المزبور.
على أنّ اللازم من وجوب البسط بعد ملاحظة الندرة المذكورة تعطيل سهم ابن السبيل أو الادّخار له ، وكلاهما كما ترى.
وهذا يصلح أن يكون قرينة على أنّ التسهيم إلى الثلاثة في الآية المباركة والروايات إنّما هو لبيان المصرف وليس تمليكاً لثلث النصف لكلّ صنف منهم.
وبعبارة اخرى : بعد الفراغ عن عدم إرادة التمليك بالنسبة إلى أفراد كلّ صنف على نحو الاشتراك ، وإنّما المراد مصرفيّة كلّ
منهم حسبما عرفت ، فيدور الأمر حينئذٍ بين إرادة تمليك جنس اليتيم وجنس المسكين وكذا ابن السبيل ليقتضي البسط على الأصناف ولزوم التقسيم بينهم أثلاثاً ، وبين إرادة تمليك جنس الثلاثة الجامع بينهم وهو المحتاج من بني هاشم ليقتضي عدم البسط.
[2963] مسألة 3 : مستحقّ الخمس من انتسب إلى هاشم بالأُبوّة ، فإن انتسب إليه بالأُمّ لم يحلّ له الخمس (1) وتحلّ له الزكاة.
وإذ لا قرينة على الأوّل فالمقتضي أعني : دلالة النصّ على التوزيع والبسط قاصرة ، بل القرينة على خلافه قائمة ، وهي ما عرفت من ندرة وجود ابن السبيل المستلزمة لتعطيل هذا السهم.
وعليه ، فيكفي دفع نصف الخمس إلى صنف واحد من السادة ، لانتفاء الدليل على لزوم البسط والتثليث.
أضف إلى ذلك كلّه أنّ الخطاب في الآية الشريفة لمّا كان متوجّهاً إلى آحاد المكلّفين كلّ بالنسبة إلى ما غنمه فالحكم طبعاً ممّا يبتلى به كثيراً.
وعليه ، فلو وجب البسط لظهر وبان وشاع وذاع ، بل أصبح من الواضحات ، فكيف ذهب المشهور إلى عدم الوجوب حسبما عرفت؟! هذا كلّه بالنسبة إلى المالك المكلّف بإخراج الخمس.
وأمّا بالنسبة إلى وليّ الأمر الذي تجتمع عنده الأخماس كالنبيّ (صلّى اللّه عليه وآله) والإمام (عليه السلام) أو نائبه الخاصّ أو العامّ ، فلعلّ الأمر أوضح ، إذ لم يقم أيّ دليل على وجوب البسط بالإضافة إليه ، بل الدليل على خلافه ، وهو صحيحة البزنطي (1)الناطقة بأنّ أمر ذلك إلى النبيّ والإمام وأنّه إنّما يعطي حسبما يرى ، فله الاختيار في البسط وعدمه طبق ما تقتضيه المصلحة.
(1) المعروف والمشهور بين الأصحاب عدا ما نُسب إلى السيِّد المرتضى (قدس سره) أنّ العبرة في الانتساب إلى هاشم المعتبر في استحقاق الخمس
1) الوسائل 9 : 519 / أبواب قسمة الخمس ب 2 ح 1.
.................................................................................................
إنّما هو الانتساب إليه من قبل الأب.
ونُسب إلى السيِّد استحقاق المنتسب إليه من قبل الأُمّ أيضاً (1)، واختاره في الحدائق (2)، بل أصرّ عليه ، وذكر أنّ منشأ هذا الخلاف هو أنّ ولد البنت ولد حقيقة أو لا ، فالمرتضى ومن تبعه على الأوّل ، والمشهور على الثاني.
هذا ، ولا يخفى أنّ ما نسب إلى السيِّد (قدس سره) من عموم الاستحقاق للمنتسب إلى هاشم من طرف الامّ غير ثابت.
فإنّ الكلام في مقامين :
أحدهما : في صدق الولديّة على ولد البنت وعدمه ، ولا ينبغي الإشكال في الصدق لغةً وعرفاً ، نظراً إلى أنّ جدّه لأُمّه أولده ، إذ قد وقع في سلسلة أجزاء علّة ولادته ، فولادته مستندة إليه بطبيعة الحال ، وهذا يكفي في صدق كونه ولداً له حقيقةً. ولأجله كان أولاد فاطمة الزهراء (صلوات اللّه وسلامه عليها) أولاداً لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) حقيقةً ، وجعل عيسى (عليه السلام) من ذرِّيّة إبراهيم (عليه السلام) من قبل امّه (عليها السلام) ، وجرت أحكام الأولاد في المناكح والمواريث وغيرهما على أولاد البنات أيضاً. وعن الصادق (عليه السلام) أنّه قال : «أولدني أبو بكر مرّتين» (3)باعتبار أنّ امّه : أُمّ فروة ، وهي منتسبة إلى أبي بكر من وجهين.
ثانيهما : فيمن يستحقّ الخمس من المنتسبين إلى هاشم وأنّه هل هو كلّ من يصدق عليه أنّه من أولاد هاشم أو لا؟
ويظهر من الروايات الواردة في أبواب تحريم الزكاة على بني هاشم وتعويض
.................................................................................................
الخمس لهم عن الزكاة وجواز زكاة بعضهم على بعض وجواز أخذهم الزكاة مع الضرورة وغيرها : أنّ العنوان المأخوذ في موضوع هذه الأحكام إنّما هو الهاشمي وبنو هاشم.
قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : «لا تحلّ الصدقة لولد العبّاس ولا لنظرائهم من بني هاشم» (1).
وقال (عليه السلام) : «لو كان العدل ما احتاج هاشمي ولا مطّلبي إلى صدقة» (2)، ونحوهما غيرهما ممّا هو كثير جدّاً.
ومن الواضح أنّ هذه العناوين تعدّ من العناوين التي يعبّر بها عن الطوائف والقبائل كالتميمي وبني تميم ونحو ذلك ، ولا ينبغي الريب في أنّ العبرة في صدقها عرفاً إنّما هو بالانتساب من طرف الأب خاصّة ، فلا يقال : تميمي ، لمن امّه منهم دون الأب ، ولا : عربي ، لمن أُمّه عربيّة وأبوه غير عربي ، وهكذا.
وعليه ، فلا يقال : هذا هاشمي ، أو : من بني هاشم ، لمن ليس أبوه من أولاده وإن كانت امّه كذلك ، وإلّا لصدق على الهاشميّين من أولاد الصادق (عليه السلام) أنّهم تيميّون باعتبار أنّ جدّتهم أُمّ فروة من تيم.
على أنّه لولا الاختصاص المزبور لقلّ وجود غير الهاشمي بين الناس ، إذ قلّما يوجد شخص لا تكون إحدى جدّاته هاشميّة ، فلو تزوّجت هاشميّة بغير هاشمي كان نسله كلّه من بني هاشم وجاز له أخذ الخمس. وهذا شيء لا يمكن الالتزام به بوجه.
والمتحصّل ممّا ذكرناه : أنّ عنوان الولد وإن صدق على المنتسب إلى هاشم
ولا فرق بين أن يكون علويّاً أو عقيليّاً أو عبّاسيّاً (1). وينبغي تقديم الأتمّ علقةً بالنبيّ (صلّى اللّه عليه وآله) على غيره أو توفيره كالفاطميّين.
من قبل الأُمّ إلّا أنّ عنوان الهاشمي لا يكاد يصدق عليه ، والعبرة في المقام بالثاني لا الأوّل ، والظاهر أنّ ما نسب إلى المرتضى (قدس سره) ناظر إلى الأوّل لا الثاني.
ويؤيِّد ما ذكرناه من اختصاص الاستحقاق ما في مرسلة حمّاد : «ومن كانت امّه من بني هاشم وأبوه من سائر قريش فإنّ الصدقات تحلّ له ، وليس له من الخمس شيء». (1)
(1) للنصوص الكثيرة الدالّة على أنّ المستحقّ هو مطلق الهاشمي من غير تقييد بالعلوي ، فيعمّ العبّاسي والعقيلي إن وجدت لهم ذرِّيّة في هذا الزمان ، بل قد صرّح في صحيحة ابن سنان (2)بعدم حلِّيّة الصدقة لولد العبّاس ولا لنظرائهم من بني هاشم ، بضميمة ما هو المسلّم نصّاً وفتوى من بدليّة الخمس عن الزكاة ، وأنّ من حرمت عليه الزكاة حلّ له الخمس.
وأمّا ما يظهر من بعض النصوص من حصر المستحقّ بآل محمّد وأهل بيته (عليهم السلام) فعلى تقدير تماميّتها سنداً فهي محمولة على نوع من التغليب ، باعتبار أنّهم هم السبب في تشريع الخمس ، فإنّه تكريم لهم أو على غير ذلك من المحامل ، لوضوح دلالة ما عرفت على استحقاق غيرهم أيضاً. هذا مضافاً إلى ضعف إسنادها.
فمنها : ما رواه الشيخ بإسناده عن الصفّار ، عن أحمد بن محمّد ، عن بعض
.................................................................................................
أصحابنا ، رفع الحديث «قال : الخمس على خمسة أشياء إلى أن قال : والنصف لليتامى والمساكين وأبناء السبيل من آل محمّد (عليهم السلام) الذين لا تحلّ لهم الصدقة ولا الزكاة ، عوّضهم اللّه مكان ذلك بالخمس» (1).
فإنّها ضعيفة بالإرسال والرفع معاً.
ومنها : ما رواه الكليني في الروضة عن عليّ بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن حماد ابن عيسى ، عن إبراهيم بن عثمان وهو أبو أيّوب الخزّاز الثقة الجليل عن سليم بن قيس الهلالي قال : خطب أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى أن قال : «ولم يجعل لنا في سهم الصدقة نصيباً ، أكرم اللّه رسوله وأكرمنا أهل البيت أن يطعمنا من أوساخ الناس» (2).
وهي بظاهرها وإن أوهمت اختصاص حرمة الصدقة بأهل البيت (عليهم السلام) ولكنّه لم يبلغ حدّ الدلالة ، إذ لا منافاة بين تحريم الصدقة عليهم تكريماً منه تعالى لهم (عليهم السلام) وبين تحريمها على غيرهم من سائر بني هاشم أيضاً ، لاقتضاء تكريمهم (عليهم السلام) عموم التحريم لأقربائهم.
هذا ، مضافاً إلى ما في سندها من الخدش ، فإنّ جميع من ذكر فيه وإن كانوا ثقات حتى سليم بن قيس حيث عدّه البرقي من أولياء أمير المؤمنين (عليه السلام) (3)إلّا أنّ إبراهيم بن عثمان لم يدرك سليماً ، فإنّه وإن بقي إلى زمان الباقر (عليه السلام) إلّا أنّ إبراهيم كان من أصحاب الصادق ولم يدرك الباقر (عليه السلام). وهو وإن كان كثير الرواية عن الثقات ، وقد روى عن سليم أيضاً ، غير أنّه روى عنه بواسطة إبراهيم بن عمر اليماني ، وهو يروي عن سليم
[2964] مسألة 4 : لا يصدّق من ادّعى النسب إلّا بالبيّنة أو الشياع المفيد للعلم (1) ، ويكفي الشياع والاشتهار في بلده. نعم ، يمكن الاحتيال (1)في
تارةً بلا واسطة ، وأُخرى بواسطة أبان بن أبي عيّاش ، ولم نعثر على رواية له أي لأبي أيّوب عن سليم بلا واسطة غير هذه الرواية ، ولأجله يغلب على الظنّ أنّ بينهما واسطة مجهولة. ومعه تسقط الرواية عن درجة الاعتبار.
(1) فإنّ هذه الدعوى كغيرها من الدعاوي تحتاج إلى ثبوت شرعي بالبيّنة أو الشياع المفيد للعلم أو الاطمئنان بصدق دعواه وإن كان ناشئاً من اشتهار ذلك في بلده.
وعن كاشف الغطاء : تصديق مدّعي النسب بمجرّد دعواه كما في مدّعي الفقر (2).
وفيه ما لا يخفى ، فإنّه قياس مع الفارق ، إذ دعوى الفقر معتضدة باستصحاب عدم الغنى الذي هو أمر حادث مسبوق بالعدم ، وهذا بخلاف النسب ، فإنّ مقتضى الأصل الأزلي عدم الانتساب إلى هاشم ، فدعوى الانتساب مخالفة للأصل ، ولا يعارض بأصالة عدم الانتساب إلى غير هاشم ، لعدم الأثر لها ، فإنّ موضوع الزكاة هو من لم ينتسب إلى هاشم لا المنتسب إلى غير هاشم.
وعليه ، فيحتاج الانتساب إلى ثبوت شرعي كما عرفت. وهذا وإن لم يرد فيه نصّ يعيّن الوظيفة إلّا أنّ السيرة العقلائيّة قائمة على الأخذ بما هو المشهور بين أهل البلد ، وإذ لم يردع عنها الشارع فلا بأس بالتعويل عليها ، سيّما إذا أوجبت الاطمئنان الشخصي ، ويؤيِّده ما رواه الصدوق (قدس سره) من أنّه يؤخذ بظاهر الحال في خمسة أُمور : الولايات ، والمناكح ، والذبائح ، والشهادات ،
الدفع إلى مجهول الحال بعد معرفة عدالته بالتوكيل على الإيصال إلى مستحقّه (1) على وجهٍ يندرج فيه الأخذ لنفسه أيضاً ، ولكن الأولى بل الأحوط عدم الاحتيال المذكور.
والأنساب (1).
(1) هذا الاحتيال ذكره في الجواهر وقال : إنّه يكفي في براءة الذمّة وإن علم أنّه قبضه الوكيل لنفسه ، وعلّله بأنّ المدار في ثبوت الموضوع على علم الوكيل دون الموكّل ما لم يعلم الخلاف. ثمّ قال : لكنّ الإنصاف أنّه لا يخلو عن تأمّل أيضاً (2).
ومحصّل التعليل : أنّه لمّا صحّ التوكيل في إيصال الخمس ونحوه من الحقوق الماليّة إلى مستحقّيه ولم تعتبر المباشرة في ذلك ، فإذا وكّل غيره فيه فالعبرة في الوصول إلى المستحقّ إنّما هو بعلم الوكيل وتشخيصه لا الموكّل ، فإذا علم بالاستحقاق كفى إيصاله إليه في براءة ذمّة الموكّل وإن لم يعلم هو بالاستحقاق ما دام لم يعلم عدم الاستحقاق ، لأنّه مقتضى أصالة الصحّة الجارية في عمل الوكيل أو النائب عن غيره في عبادة أو معاملة. أمّا إذا علم الخلاف وبطلان فعل الوكيل فلا وجه للاكتفاء به كما لا يخفى.
هذا ، والإنصاف أنّ تأمّله (قدس سره) في صحّة هذا الاحتيال في محلّه.
والوجه فيه : أنّ الأصل المزبور لمّا كان مستنداً إلى السيرة القائمة على البناء على الصحّة ، والقدر المتيقّن منها ما إذا لم يعلم الموكّل الكيفيّة التي وقع الفعل عليها خارجاً ، كما إذا أوكله على عقد ولم يعلم الموكّل صحّة ما أجراه من العقد
[2965] مسألة 5 : في جواز دفع الخمس إلى من يجب عليه نفقته إشكال (1) خصوصاً في الزوجة ، فالأحوط عدم دفع خمسه إليهم بمعنى الإنفاق عليهم محتسباً ممّا عليه من الخمس ، أمّا دفعه إليهم لغير النفقة الواجبة ممّا يحتاجون إليه ممّا لا يكون واجباً عليه كنفقة من يعولون ونحو ذلك فلا بأس به ، كما لا بأس بدفع خمس غيره إليهم ولو للإنفاق مع فقره حتى الزوجة إذا لم يقدر على إنفاقها.
وأنّه هل أجراه مثلاً بصيغة عربيّة أو لا؟ ففيما إذا علم الكيفيّة وأنّه أجراه بصيغة فارسيّة لكنّه شكّ في صحّته بشبهة حكميّة فلأجل أنّ شمول دليل أصالة الصحّة لذلك حينئذٍ غير معلوم كان إجراء الأصل وقتئذٍ في غاية الإشكال.
ويلحقه في الإشكال موارد الشكّ في صحّة الكيفيّة المعلومة بشبهة موضوعيّة كما في المقام ، حيث يعلم الموكّل أنّ الوكيل أخذه لنفسه باعتقاده الاستحقاق لكنّه يشكّ أي الموكّل في استحقاقه ، فإنّ البناء على الصحّة حينئذٍ مشكل جدّاً ، لعدم إحراز قيام السيرة في مثل ذلك عليه.
ومن الواضح أنّ علم الوكيل طريقي محض وليس بموضوعي ، فلا أثر له في تصحيح العمل بالنسبة إلى الموكّل المكلّف بإيصال الحقّ إلى أهله ، فكما أنّه إذا صدر عنه مباشرةً لم يكن مجزئاً ، للشكّ في الاستحقاق المستتبع للشكّ في الفراغ ، فكذلك إذا صدر عن وكيله وإن كان الوكيل يرى الاستحقاق.
(1) نظراً إلى عموم التعليل الوارد في صحيحة عبد الرّحمن بن الحجّاج للمنع عن إعطاء الزكاة لواجبي النفقة من أنّهم عياله لازمون له (1)، الذي
1) الوسائل 9 : 240 / أبواب المستحقّين للزكاة ب 13 ح 1.
[2966] مسألة 6 : لا يجوز دفع الزائد عن مئونة السنة لمستحقٍّ واحد ولو دفعةً على الأحوط (1)(1).
مرجعه إلى أنّ الدفع لهم كالدفع إلى نفسه والصرف في شؤون شخصه ، وكأنّ الإعطاء لهم إخراج من كيس ووضع في كيس آخر. وهذا التعليل كما ترى جارٍ في الخمس أيضاً.
أضف إلى ذلك ما دلّت عليه الأخبار من بدليّة الخمس عن الزكاة ، الظاهرة في اشتراكهما في الأحكام ما عدا اختصاص أحدهما بالهاشمي والآخر بغيره. ومقتضاها أنّ من لا يستحقّ الزكاة من غير بني هاشم كواجبي النفقة لا يستحقّ الخمس إذا كان من بني هاشم.
نعم ، الدفع إليهم لغير النفقة الواجبة على الدافع كنفقة من يعولون مثل زوجة الابن لا بأس به مع فرض الحاجة ، كما مرّ في الزكاة (2).
(1) أمّا عدم الجواز في الدفعات فواضح ، إذ بعد أن أعطاه في الدفعة الأُولى ما يكفيه لمئونة سنته فقد زال فقره وأصبح غنيّاً ، فالإعطاء ثانياً إعطاءٌ إلى الغني لا إلى الفقير.
وأمّا في الدفعة الواحدة فلأنه إذا أعطى ما يزيد على مئونته السنويّة فهو بتملّكه مقدار المئونة صار غنيّاً ، فليس له وقتئذٍ تملّك ما يزيد عليه ، لزوال فقره بتملّك ذلك المقدار ، فإعطاء الزائد إعطاءٌ إلى الغني ولو كان غناه قد حصل مقارناً للإعطاء المزبور ، إذ العبرة في الغنى والفقر بملاحظة حال الإعطاء لا قبله ولا بعده ، فلو كان يكتفي بمائة فأعطاه تمام المائتين كان دفع المائة الثانية منضمّة
[2967] مسألة 7 : النصف من الخمس الذي للإمام (عليه السلام) أمره في زمان الغيبة راجع إلى نائبه وهو المجتهد الجامع للشرائط (1) ، فلا بدّ من الإيصال إليه أو الدفع إلى المستحقّين بإذنه ،
منضمّة إلى الأُولى دفعاً إلى الغني ولو كان الاتِّصاف بالغنى مقارناً لهذا الدفع ، إذ الاعتبار بهذه الحالة لا قبلها حسبما عرفت. والظاهر أنّ المسألة متسالم عليها.
وممّا ذكرنا تعرف أنّه لو فرضنا أنّ إطلاقات الأدلّة تقتضي الجواز كما قيل لم يكن بدّ من رفع اليد عنها وتقييدها بما عرفت.
(1) الأقوال في تعيين الوظيفة بالإضافة إلى سهم الإمام (عليه السلام) كثيرة وأكثرها واضحة الضعف ، بل غير قابلة للتعرّض ، كالقول بوجوب دفنه إلى أن يظهر الحجّة (عجّل اللّه تعالى فرجه) ويستخرجه ، أو القول بوجوب عزله وإيداعه والإيصاء به عند ظهور أمارات الموت ، أو القول بإلقائه في البحر ، ونحو ذلك ممّا يستلزم ضياع المال وإتلافه والتفريط فيه ، ولا سيّما بالنسبة إلى الأوراق النقديّة ممّا ليست بذهب ولا فضّة ، إذ كيف يمكن إيداعها والاحتفاظ عليها ولربّما تبلغ من الكثرة الملايين؟! إلّا أن تودع في المصارف الحكوميّة التي هي تحت سيطرة الأيادي الجائرة ، فتكون وقتئذٍ إلى الضياع أقرب وبالوبال أنسب.
وليس من بين تلك الوجوه والأقوال بعد البناء على عدم السقوط والإباحة ، فإنّ ذلك أمر آخر سيأتي التعرّض له في خاتمة بحوث الخمس إن شاء اللّه تعالى ما يستأهل البحث إلّا وجهين :
أحدهما : ما قوّاه في الجواهر من إجراء حكم مجهول المالك عليه (1)، نظراً
1) الجواهر 16 : 177.
.................................................................................................
إلى أنّ المناط في جواز التصدّق بالمال عن مالكه ليس هو الجهل بالمالك ، بل عدم إمكان إيصاله إليه ، سواء أعلم به أم جهل ، كما هو مورد بعض نصوصه ، مثل : ما ورد في الرفيق في طريق مكّة من التصدّق عنه لمجرّد الجهل بمكانه وإن كان عارفاً شخصه بطبيعة الحال ، فيكون التصدّق عنه حينئذٍ نوعاً من الإيصال إليه ، فإنّه وإن لم يصل إليه عين المال إلّا أنّه وصل إليه ثواب التصدّق به. وسهم الإمام (عليه السلام) من هذا القبيل ، حيث إنّه (عليه السلام) وإن كان معلوماً عنواناً ويعرف باسمه ونسبه لكنّه مجهول بشخصه ، فلا يعرفه المكلّف وإن رآه فضلاً عمّا إذا لم يره ، فلا يمكنه إيصال المال إليه.
ثانيهما : أن يصرف في موارد يحرز فيها رضا الإمام (عليه السلام) قطعاً أو اطمئناناً بحيث كان الصرف في تلك الجهة مرضيّاً عنده ، كالمصالح العامّة ، وما فيه تشييد قوائم الدين ودعائم الشرع المبين وبثّ الأحكام ونشر راية الإسلام التي من أبرز مصاديقها في العصر الحاضر إدارة شؤون الحوزات العلميّة ومئونة طلبة العلوم الدينيّة.
وهذا هو الصحيح ، فإنّ الوجه الأوّل وإن كان وجيهاً في الجملة وأنّ ما لا يمكن فيه الإيصال يتصدّق به فإنّه نوع من الإيصال ، إلّا أنّه لا إطلاق لدليله يشمل صورة وجود مصرف يحرز رضا المالك بالصرف فيه ، فإنّ حديث الرفيق في طريق مكّة قضيّة في واقعة ومنصرف عن هذه الصورة بالضرورة.
فلو فرضنا أنّا أحرزنا أنّ المالك المجهول كان عازماً على صرف هذا المال في مصرف معيّن من عمارة المسجد أو بنائه المدرسة أو إقامة التعزية فإنّه لا يسعنا وقتئذٍ الصرف في التصدّق ، إذ بعد أن كان له مصرف معيّن والمالك يرضى به فالتصدّق بدون إذن منه ولا من وليّه فإنّ وليّه الإمام (عليه السلام)
.................................................................................................
ولم يأذن بعد ما عرفت من عدم إطلاق في دليل الصدقة يشمل المقام تصرّفٌ في ملك الغير بغير إذنه ، فالمتعيّن إذن ما عرفت.
يبقى الكلام في أنّ المالك هل هو مستقلّ في هذا التصرّف ، أو أنّه يتوقّف على مراجعة الحاكم الشرعي والاستئذان منه؟
يتبع هذا ما عليه المالك من الوجدان ولا يصل الأمر إلى البرهان ، فإنّه إن كان قد وجد من نفسه فيما بينه وبين ربّه أنّه قد أحرز رضا الإمام (عليه السلام) بالمصرف الكذائي بحيث كان قاطعاً أو مطمئنّاً به فلا إشكال ولا حاجة معه إلى المراجعة ، إذ لا مقتضي لها بعد نيل الهدف والوصول إلى المقصد.
وأمّا إذا لم يجد من نفسه هذا الإحراز ، بل انقدح في ذهنه احتمال أن يكون هذا الصرف منوطاً بإذن نائب الإمام في عصر الغيبة كما كان منوطاً بإذن نفسه في عصر الحضور ، ولم يتمكّن من دفع هذا الاحتمال الذي يستطرق لدى كلّ أحد بطبيعة الحال ، بل هو جزمي غير قابل للإنكار ، ولا أقلّ من أجل رعاية المصالح العامّة والتحفّظ على منصب الزعامة الدينيّة. كان اللّازم عندئذٍ مراجعة الحاكم الشرعي ، لعدم جواز التصرّف في مال الغير وهو الإمام (عليه السلام) ما لم يحرز رضاه المنوط بالاستئذان من الحاكم حسب الفرض.
ومنه تعرف أنّه لا حاجة إلى إثبات الولاية العامّة للحاكم الشرعي في كافّة الشؤون ، وأنّ جميع ما كان راجعاً إلى الإمام حال حضوره راجع إلى نائبه العام حال غيبته ، بل مجرّد الشكّ في جواز التصرّف بدون إذنه كافٍ في استقلال العقل بلزوم الاستئذان منه ، للزوم الاقتصار في الخروج عن حرمة التصرّف في ملك الغير على المقدار المتيقّن من إذنه ورضاه وهو مورد الاستئذان ، إذ بدونه يشكّ في الجواز ومقتضى الأصل عدمه. ومن ثمّ كانت الاستجازة مطابقة لمقتضى القاعدة حسبما عرفت.
والأحوط له الاقتصار على السادة (1)ما دام لم يكفهم النصف الآخر (1).
(1) قد عرفت أنّ مصرف سهم الإمام (عليه السلام) هي الجهات الدينيّة والأُمور الخيريّة من المصالح العامّة ، كإعانة الفقراء المتديّنين ، وما فيه إقامة دعائم الدين ، ورفع كلمة الحقّ وتدعيم الشرع الحنيف بكلّ وسيلة يضمن له البقاء والرقي. مؤيِّداً بما ورد في بعض النصوص من تتميم حقّ السادة بل مورد الزكاة من سهم الإمام (عليه السلام) لدى الإعواز ، الكاشف عن القطع برضاه (عليه السلام) في الصرف في سدّ حاجيات المؤمنين.
وهل يتقدّم السادة على غيرهم من المحتاجين لدى الدوران؟
يتبع ذلك ما تقدّم من إحراز الرضا الذي يختلف حسب اختلاف الموارد ، فربّما يقطع برضاه (عليه السلام) في الصرف في غير السيِّد وتقديمه عليه لأهمّيّته ، كما لو كان في خدمة الدين وترويج الشرع المبين وله آثار كثيرة وخدمات عديدة ، ولم تكن للسيِّد الفقير أيّة خدمة.
نعم ، فيما إذا كانا في مرتبة واحدة فلأجل أنّه من المحتمل عندئذٍ تقديم السيِّد رعايةً للقرابة وعنايةً بما فيه من الشرافة لزم ترجيحه عملاً بما يقتضيه الأصل من الاقتصار على المتيقّن من مورد الرِّضا.
وعلى الجملة : الميزان الكلّي في الصرف إحراز الرِّضا ، فمع الدوران بينهما إن كانت هناك جهة مرجّحة بحيث يقطع أو يطمئنّ بجواز الصرف فهو ، وإلّا فلا بدّ من الاقتصار على المقدار المتيقّن ، لعدم جواز التصرّف في مال الغير من دون إحراز رضاه.
1) (*) في إطلاقه إشكال بل منر. فينبغي مراعاة الأهمّ فالأهمّ.
وأمّا النصف الآخر الذي للأصناف الثلاثة فيجوز للمالك دفعه إليهم بنفسه (1) ، لكن الأحوط فيه أيضاً الدفع إلى المجتهد أو بإذنه ، لأنّه أعرف بمواقعة والمرجّحات التي ينبغي ملاحظتها.
(1) وقع الخلاف في مصرف هذا السهم أيضاً على نحو ما تقدّم في حقّ الإمام (عليه السلام) من السقوط لأخبار التحليل التي سيأتي البحث حولها في خاتمة الخمس أو الدفن ، أو الإيداع ، أو الإيصاء ، ونحو ذلك من الوجوه الساقطة العارية عن كلّ دليل كما تقدّم ، سيّما وأنّ هذا السهم ملك للسادة ، إمّا لكل واحد من الأصناف الثلاثة ، أو للجامع الكلّي ، فهم المصرف لهذا السهم ، ومعه لا مقتضي هنا للإبقاء بوجه.
ومن الواضح أنّ مقتضى إطلاق الكتاب والسنّة عدم الفرق في وجوب دفع هذا الحقّ إليهم بين عصري الحضور والغيبة ، ولا سيّما بملاحظة ما ورد في غير واحد من النصوص من تعويض هذا الحقّ بدلاً عن الزكاة المحرّمة عليهم الذي يعمّ مناطه كلتا الحالتين ، وإلّا فمن أين تسدّ حاجات السادة في زمن الغيبة والزكاة محرّمة عليهم؟! وهل للمالك مباشرة التقسيم بنفسه من دون مراجعة الحاكم الشرعي؟
الظاهر ذلك ، لما ورد في الزكاة من ثبوت ولاية التعيين للمالك ، معلّلاً بأنّه أعظم الشريكين ، فإنّ هذا جارٍ في الخمس أيضاً بعد ملاحظة أنّ أربعة أخماس المال للمالك.
ومع التنازل فهذا مال مشترك مع السادة لا حاجة في مثله إلى مراجعة الشريك ومطالبته بالقسمة ، بناءً على أنّ الشركة من قبيل الشركة في الماليّة أو الكلّي في المعيّن.
[2968] مسألة 8 : لا إشكال في جواز نقل الخمس من بلده إلى غيره (1) إذا لم يوجد المستحقّ فيه ، بل قد يجب كما إذا لم يمكن حفظه مع ذلك أو لم
نعم ، بناءً على الإشاعة والشركة الحقيقيّة يطالب الشريك بالقسمة إن كان شخصاً خاصّاً ، وأمّا إذا كان عنواناً كلّيّاً كما في المقام فإنّه يراجع وليّه وهو الحاكم الشرعي إن أمكن ، وإلّا فعدول المؤمنين ، وأخيراً لا يبقى المالك معطّلاً عن التصرّف في ماله ، بل له المطالبة بالقسمة من نفس الشريك أو من وليّه حسبما عرفت.
وأمّا الإعطاء والدفع إلى الفقير فلا يحتاج إلى الاستجازة من الحاكم الشرعي ، إذ ليس حال هذا السهم حال سهم الإمام (عليه السلام) ، فإنّ هذا ملك لجامع السادة ، والحاجة إلى الاستجازة تتوقّف على الدليل ، ولا دليل عليها بوجه.
بل لا يبعد أن يكون الأمر كذلك حتى في حال الحضور ، فإنّه يجوز الإعطاء إلى الإمام (عليه السلام) بما أنّه وليّ الأمر ، وأمّا وجوبه فكلّا.
وبالجملة : فإن تمّ ما ذكرناه من أنّ القسمة بيد المالك فهو ، وإلّا فيراجع الحاكم الشرعي في القسمة لا في الإعطاء ، فلاحظ.
(1) ينبغي التكلّم أوّلاً في بيان موضوع المسألة ، فإنّ نقل الخمس موقوف على جواز العزل وولاية المالك على الإفراز ، مع أنّه لم يرد أيّ دليل عليه في باب الخمس وإن نطقت به الروايات في باب الزكاة كما تقدّم (1)، إلّا أن يراد نقل ما فيه الخمس ، أي تمام المال قبل تخميسه أو بعضه ، فيكون نقلاً لما فيه الخمس بناءً على الشركة والإشاعة الحقيقيّة ، فلو تلف يضمن التالف ، أمّا على الكلّي في المعيّن فتمام التلف على المالك ما دام يبقى من العين مقدار ينطبق عليه الكلّي.
1) شرح العروة 23 : 401.
يكن وجود المستحقّ فيه متوقّعاً بعد ذلك ، ولا ضمان حينئذٍ عليه (1)لو تلف ، والأقوى جواز النقل مع وجود المستحقّ أيضاً لكن مع الضمان لو تلف ، ولا فرق بين البلد القريب والبعيد وإن كان الأولى القريب إلّا مع المرجّح للبعيد.
هذا ، ويمكن فرض نقل الخمس بخصوصه وإن لم تكن له ولاية على العزل بأن يراجع الحاكم الشرعي في التقسيم المعبّر عنه في العرف الحاضر بإزالة الشيوع ، فيخلّص ماله عن الشركة ويعيّن حصّة الخمس بإجازة الحاكم الذي هو وليّ على أربابه ، على ما عرفت قريباً من أنّ للشريك المطالبة بإفراز حصّته من الشريك الآخر إن أمكن وإلّا فمن وليّه ، فيراجع الحاكم في التقسيم لا في الإعطاء ، وبعد ما قسّم وأفرز وانعزل الخمس عن غيره فيتكلّم حينئذٍ في جواز نقله إلى بلد آخر وعدمه.
والكلام يقع تارةً : مع عدم وجود المستحقّ ، وأُخرى : مع وجوده ، وعلى التقديرين فيتكلّم مرّة في الحكم التكليفي وأنّه هل يجوز النقل أو لا؟ وأُخرى في الحكم الوضعي وأنّه هل يضمن لو تلف أو لا؟
أمّا مع عدم المستحقّ : فلا ينبغي التأمّل في جواز النقل تكليفاً ، لعدم المانع منه بعد وجود المقتضي من إطلاقات الإيصال إلى أرباب الخمس ، بل قد يجب كما إذا لم يمكن المحافظة عليه في بلده فيكون معرّضاً للتلف ، أو كان في بلد لم يتوقّع وجود المستحقّ فيه بعد ذلك ، كالبلدان المترقّية في العصر الحاضر مثل الولايات المتّحدة ونحوها ممّا لم يتوقّع وجود السادة المستحقّين فيه بوجه.
1) (*) هذا إذا نقل المالك تمام المال المتعلّق به الخمس أو نقل مقدار الخمس ولكن كان بإذن الحاكم الشرعي أو كان بعنوان الوكالة عن المستحقّ وإلّا فالأظهر أنّ التالف يحسب على المالك والخمس بالنسبة.
.................................................................................................
كما لا ينبغي التأمّل في عدم الضمان حينئذٍ لو تلف ، لأنّ النقل في هذه الحالة إحسان إلى السادة ، و ( ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ ) .
مضافاً إلى التعليل الوارد في بعض نصوص نفي ضمان الزكاة لو تلفت بالنقل ، وهو قوله (عليه السلام) في صحيحة ابن مسلم : «وإن لم يجد لها من يدفعها إليه فبعث بها إلى أهلها فليس عليه ضمان ، لأنّها قد خرجت من يده ، وكذلك الوصي» إلخ (1).
فإنّ التعليل بالخروج عن اليد يعمّ المقام ولا سيّما مع عطف «الوصي» الكاشف عن عدم خصوصيّة للزكاة.
على أنّه لم يكن أي مقتضٍ للضمان بعد أن لم تكن اليد يد عدوان ولم يحصل منه تفريط كما هو المفروض.
هذا كلّه مع عدم المستحقّ في البلد.
وأمّا مع وجوده فيقع الكلام أيضاً في الحكم التكليفي أوّلاً ، والوضعي ثانياً.
أمّا التكليفي : فالظاهر جوازه ، إذ لا موجب للمنع عدا ما قد يتوهّم من منافاة النقل لفوريّة الإيصال الواجبة عليه.
ولكنّه ممنوع كبرى وصغرىً.
أمّا الكبرى : فلعدم الدليل على وجوب الفوريّة ، غايته عدم جواز التهاون والمسامحة كما في سائر الواجبات الإلهيّة ، وذاك أمر آخر.
وعدم رضا مستحقّي البلد بالنقل لا يقدح بعد أن كان المالك طبيعيّ السيِّد المستحقّ لا خصوص هؤلاء ، على أنّه معارض بعدم رضا مستحقّي غير هذا البلد بعدم النقل.
1) الوسائل 9 : 285 / أبواب المستحقّين للزكاة ب 39 ح 1.
.................................................................................................
والحلّ ما عرفت من أنّ المالك هو الطبيعي ، وللمكلّف اختيار التطبيق على أيّ فرد شاء ما لم يبلغ حدّ التهاون ، أمّا الفوريّة فغير واجبة بعد عدم نهوض أيّ دليل عليها.
وعلى الجملة : حكم المقام حكم سائر الواجبات غير الموقّتة في أنّه لا يجوز فيها التواني والتهاون بالنظر العرفي ، فإذا كان له في التأخير بالنقل غرضٌ عقلائي ومرجّح شرعي أو عرفي كما إذا قصد إيصاله إلى ذي رحم قريب إليه في بلد آخر من دون تساهل في البين فلا دليل على المنع عنه ، وإلّا لَما جاز النقل من محلّة إلى أُخرى في بلد واحد ، لا سيّما في البلدان الكبار التي قد يكون الفصل بين محلّتين منها أكثر من الفصل بين بلدين ، كما في مثل بغداد والكاظمية ، فإنّ الفصل بينهما وهما بلدان لعلّه أقلّ من الفصل بين محلّتين من محلّات بغداد نفسها ، ولم يلتزم أحد بعدم جواز النقل في مثل ذلك ظاهراً.
هذا ، وأمّا الصغرى : فلأجل أنّ الإيصال إلى المستحقّ الموجود في البلد ربّما يحتاج إلى زمان أكثر ممّا يحتاج إليه نقله وإيصاله إلى المستحقّ خارج البلد ، كما ربّما يتّفق في هذه الأعصار ، نظراً إلى زحام الطرق داخل المدينة ، فيتوقّف الإيصال إليه إلى انتظار زمان أكثر من زمان النقل إلى بلد آخر.
وبالجملة : فدعوى عدم جواز النقل استناداً إلى ما ذكر ممنوعة صغرىً وكبرى حسبما عرفت.
وأمّا الحكم الوضعي أعني الضمان في هذه الصورة على تقدير التلف - : فالظاهر ثبوته ، لظهور صحيحة محمّد بن مسلم المشار إليها آنفاً بقرينة عطف «الوصي» وأنّه إذا وجد ربّ المال المأمور بدفعه إليه فأخّر ضمن وإلّا فلا في أنّ الحكم جارٍ في كلّ حقّ مالي يجب إيصاله إلى أهله ، وأنّه إذا وجد أهله
[2969] مسألة 9 : لو أذن الفقيه في النقل لم يكن عليه ضمان (1)ولو مع وجود المستحقّ (1) ، وكذا لو وكّله في قبضه عنه بالولاية العامّة ثمّ أذن في نقله.
فأخّر في إيصاله إليه كانت يده يد ضمان وإلّا فلا ، فيشمل الخمس أيضاً ، وتدلّ على ضمانه إذا وجد المستحقّ في البلد فأخّر في دفعه إليه حتى تلف.
نعم ، مقتضى بعض النصوص الواردة في الزكاة وهي صحيحتا أبي بصير وعبيد بن زرارة المتقدّمتان هناك (2)عدم ضمان الزكاة بعد عزلها إذا وجد مستحقها ولم يدفعها إليه لانتظار مستحق أفضل فتلفت في الأثناء لكنّها مختصّة بالزكاة المعزولة فلا تجري في غيرها.
(1) أمّا عدم الضمان في صورة توكيل الحاكم الشرعي المالك في قبض الخمس من قبله ثمّ إذنه في نقله فلا ينبغي الاستشكال فيه بعد كون قبض الولي بمنزلة قبض المستحقّ نفسه ، فتوكيله المالك في قبضه من قبله كتوكيل المستحقّ نفسه ، فإذا قبض الوكيل فقد حصل الإيصال الواجب ، وتلف المال بعد ذلك بالنقل لا يوجب ضمان الناقل إذا كان مأذوناً من قبل المالك أو وليّه في النقل ، لأنّ يده يد أمانة ، ولا ضمان الولي الآذن بعد ثبوت ولايته على المال ومشروعيّة تصرّفه.
وأمّا في صورة إذن الحاكم في النقل من دون توكيل في القبض فالظاهر فيه أيضاً عدم الضمان ، لأنّه بإذن الولي في التصرّف في المال بالنقل مثلاً تخرج يد المأذون عن كونها يد ضمان وإن لم يحصل بعدُ الإيصال الواجب ، كما هو الحال في المال الشخصي في يد غير مالكه إذا نقله بإذن المالك فتلف من غير تعدٍّ ولا تفريط.
[2970] مسألة 10 : مئونة النقل على الناقل في صورة الجواز ، ومن الخمس في صورة الوجوب (1).
[2971] مسألة 11 : ليس من النقل لو كان له مال في بلد آخر فدفعه فيه للمستحقّ عوضاً عن الذي عليه في بلده (2) ، وكذا لو كان له دين في ذمّة
(1) أمّا كونها على الناقل في صورة الجواز فلأجل أنّه لا مقتضي لإيراد النقص على الخمس باحتساب مئونة النقل عليه بعد فرض عدم توقّف الإيصال الواجب على النقل ، لفرض وجود المستحقّ في البلد أو توقّع وجوده في المستقبل ، مع إمكان التحفّظ على المال ، فجواز التنقيص من الخمس والحالة هذه يحتاج إلى الدليل ولا دليل ، فتكون المئونة على تقدير النقل على عهدة المالك نفسه بطبيعة الحال.
وأمّا عدم كونها على نفسه في صورة الوجوب فلعدم الدليل على تضرّر المالك بذلك ، ومن المعلوم أنّ وجوب الإيصال لا يقتضي إلّا وجوب النقل لا وجوب تحمّل الضرر ، كما في المال الشخصي إذا كان في يده لغيره وديعة فمات المالك ووجب عليه إيصاله إلى وارثه وهو في بلد آخر.
وإذ لم يكن موجب لجعل المئونة عليه ، والمفروض وجوب إيصال المال إلى أهله وهو لا يتمّ بدون النقل ، فطبعاً تكون الخسارة على المال نفسه لا على الناقل.
(2) لو تمّ الدليل على حرمة نقل الخمس مع وجود المستحقّ في البلد إمّا لدعوى الإجماع عليها ، أو لمنافاته للفوريّة ، أو لأولويّة مستحقّي البلد كما ورد في الزكاة من أنّه (صلّى اللّه عليه وآله) كان يقسّم صدقة أهل البوادي فيهم وصدقة أهل الحضر فيهم (1)، أو لغير ذلك ، فموضوع الحكم المذكور في كلماتهم
1) الوسائل 9 : 284 / أبواب المستحقّين للزكاة ب 38 ح 2.
شخص في بلد آخر فاحتسبه خمساً (1)، وكذا لو نقل قدر الخمس من ماله إلى بلد آخر فدفعه عوضاً عنه.
[2972] مسألة 12 : لو كان الذي فيه الخمس في غير بلده فالأولى دفعه هناك (1) ، ويجوز نقله إلى بلده مع الضمان.
سواء أقيل بالحرمة أم بالاحتياط الوجوبي أو الاستحبابي هو عنوان نقل الخمس ، فالمتّبع صدق هذا العنوان ، فأينما صدق لحقه حكمه وإلّا فلا وإن كانت النتيجة هي نتيجة النقل بعينها.
ومن الواضح أنّه لا يصدق هذا العنوان إذا دفع بدل الخمس من مال آخر له في بلد آخر ، أو في بلده بعد نقله إلى آخر ، أو كان على نحو التحويل على شخص في بلد آخر بأن يدفع خمسه ولو قرضاً.
كما لا يصدق باحتساب ماله من الدين في ذمّة مستحقّ هو في بلد آخر خمساً ، بناءً على صحّة الاحتساب وإجزائه خمساً وقد تقدّم (2)عدم الدليل عليه هنا بعد مخالفته للقواعد ، إلّا إذا أجازه الحاكم وإنّما ثبت في الزكاة بدليل خاصّ أو فرض الاستئذان فيه من الحاكم.
وبالجملة : فليس شيء من ذلك نقلاً للخمس وإن أدّى نتيجته.
(1) يعني : أنّ المقصود من النقل المبحوث عنه هو النقل من بلد المال المتعلّق به الخمس لا من بلد المالك ، فإذا كان المالك في بلد وماله الذي تعلّق به
[2973] مسألة 13 : إن كان المجتهد الجامع للشرائط في غير بلده جاز نقل حصّة الإمام (عليه السلام) إليه (1) ، بل الأقوى جواز ذلك ولو كان المجتهد الجامع للشرائط موجوداً في بلده أيضاً ، بل الأولى النقل إذا كان مَن في بلد آخر أفضل أو كان هناك مرجّح آخر.
[2974] مسألة 14 : قد مرّ أنّه يجوز للمالك أن يدفع الخمس من مال آخر له نقداً أو عروضاً (1)(2) ولكن يجب أن يكون بقيمته الواقعيّة ، فلو حسب العروض بأزيد من قيمتها لم تبرأ ذمّته وإن قبل المستحقّ ورضي به.
الخمس في بلد آخر فعلى القول بعدم جواز النقل لا يجوز نقله من بلده أي بلد المال إلى غيره ولو كان هو بلد المالك ، ويضمن لو تلف في الطريق.
(1) محصّله : انّ ما مرّ من التفاصيل حول مسألة النقل لا يجري بالنسبة إلى حصّة الإمام (عليه السلام) ، لما تقدّم من أنّ أمرها راجع إلى الحاكم الشرعي (2)، فلا يجوز أيّ تصرّف فيه إلّا بإجازته ، فإن أجاز نقله جاز وإلّا فلا ، كما هو الحال في إجازة الولي بالنسبة إلى الأموال الشخصيّة.
(2) مرّ الإشكال في دفع بدل الخمس عروضاً كالزكاة ، إلّا إذا كان بإجازة من الحاكم الشرعي ، فإن قلنا بالجواز أو كان بإجازة الحاكم فلا يجوز أن يحسب العروض بأزيد من قيمته الواقعيّة بأن يحسب ما يسوى خمسة مثلاً بإزاء عشرة ويعطيه عمّا عليه من العشرة خمساً ، لأنّه تفويت على المستحقّين ، ولا أثر لرضى المستحقّ وقبوله.
[2975] مسألة 15 : لا تبرأ ذمّته من الخمس إلّا بقبض المستحقّ أو الحاكم ، سواء كان في ذمّته أم في العين الموجودة ، وفي تشخيصه بالعزل إشكال (1).
نعم ، لو باع العروض المفروض من المستحقّ بعشرة في ذمّته ببيعٍ صحيح وقد أقدم المشتري على الغبن المزبور لاحتياجه واضطراره جاز احتساب ماله في ذمّته من العشرة خمساً بإجازة من الحاكم أو مطلقاً على إشكال فيه أشرنا إليه آنفاً (1)، وسيأتي التعرّض له أيضاً إن شاء اللّه تعالى (2).
(1) لا ينبغي الإشكال في أنّ المالك بما أنّه الشريك الأعظم وبمقتضى السيرة القطعيّة الجارية له الولاية على التقسيم وإخراج الخمس من أيّ جزء من أجزاء ماله شاء وتعيينه فيه ، وليس للحاكم ولا للمستحقّ إلزامه بالإعطاء من مال خاصّ كما مرّت الإشارة إليه (3).
أمّا ولايته على العزل وتعيين الخمس في المعزول بحيث لو تلف ولو بدون تعدٍّ أو تفريط لم يكن ضامناً ويكون بمثابة التلف في يد المستحقّ ، فلم يدلّ عليه في المقام أيّ دليل وإن ثبت ذلك في الزكاة كما تقدّم (4)، فلا أثر هنا للإفراز خارجاً ويكون وجوده كعدمه ، فإذا تلف ما أفرزه قبل وصوله إلى المستحقّ أو الحاكم ولو بدون تعدٍّ أو تفريط لم يسقط الخمس. وعليه ، فلا تبرأ ذمّته إلّا بقبض المستحقّ أو الحاكم ، سواء أكان عين ما تعلّق به الخمس موجوداً بعدُ أم
[2976] مسألة 16 : إذا كان في ذمّة المستحقّ دين جاز له احتسابه خمساً (1)، وكذا في حصّة الإمام (عليه السلام) إذا أذن المجتهد (1).
تلف على وجه الضمان فانتقل الخمس إلى ذمّته.
نعم ، مع بقاء العين إذا أخرج خمسها لإيصاله إلى أهله فتلف في الأثناء من غير تفريط فمقتضى الإشاعة وقوع التلف على الشريكين بالنسبة ، بخلاف ما إذا كان الحقّ كلّيّاً في المعيّن ، لوجود الكلّي في الباقي ، كما أنّ الأمر كذلك إذا تلف مقدار من العين قبل الإخراج المزبور.
وبالجملة : فلا دليل على نفوذ العزل وتعيّن المعزول خمساً إلّا إذا وقع بإذن الحاكم الشرعي صريحاً أو ضمناً ، كما إذا قال له : أرسل إلينا خمسك ، أو : ابعثه إلى الجهة الكذائيّة ، فإنّه يتضمّن الإذن في إفراز الخمس من ماله وإرساله ، ويتعيّن المفرَز حينئذٍ خمساً بحيث لو تلف في الطريق لم يضمنه.
ولعلّ الأمر قد اشتبه على صاحب المستند ، حيث ادّعى قيام الإجماع على ثبوت الولاية للمالك على الإفراز (2)، فإنّ المسألة غير معنونة في كلماتهم كي يستظهر منها الإجماع ، وإنّما المتسالم عليه الولاية في مقام الإعطاء وتفريغ الذمّة على الإعطاء من أيّ مال شاء حسبما عرفت.
وبالجملة : فالمتّبع هو الدليل ، ولم يرد نصّ على جواز العزل والإفراز في المقام ، وما ورد يختصّ بباب الزكاة. إذن فالأقوى عدم الجواز.
(1) مقتضى ما تقدّم من ظهور أدلّة الباب في تعلّق الخمس بعين المال : عدم
[2977] مسألة 17 : إذا أراد المالك أن يدفع العوض نقداً أو عروضاً (1)لا يعتبر فيه رضا المستحقّ أو المجتهد بالنسبة إلى حصّة الإمام (عليه السلام) (1) وإن كانت العين التي فيها الخمس موجودة ، لكن الأولى اعتبار رضاه خصوصاً في حصّة الإمام (عليه السلام).
الاجتزاء بالأداء من مال آخر وعدم الولاية للمالك عليه إلّا ما أثبته الدليل ، وقد ثبت به ولايته على التبديل بمال آخر عيناً ، نقداً كان أم عروضاً ، أو بالنقد خاصّة من درهم أو دينار أو ما يقوم مقامهما من النقود ، على الخلاف المتقدّم.
أمّا ولايته على احتساب الدين خمساً بجعل ماله في ذمّة المستحقّ خمساً بدلاً من الخمس المتعلّق بالعين ، فهو يحتاج إلى دليل ، ولم يرد عليه دليل في المقام كما ورد في الزكاة.
ولا يفرق فيما ذكرناه بين القول بكون الخمس ملكاً لبني هاشم أو كونهم مصرفاً له ، ولا بين كون الملك على نحو الإشاعة أو الكلّي في المعيّن أو غيرهما ، فإنّ تعلّق الخمس بالعين حسبما هو المستفاد من الأخبار أمرٌ مطّرد في جميع هذه التقادير ، ولا مجال لرفع اليد عنه بتبديله بمال آخر إلّا بمقدار دلالة الدليل ، ولا دليل على تبديله بالدين وإن ورد في الزكاة.
نعم ، يجوز ذلك إذا أجاز الحاكم الشرعي ولو من باب الحسبة كما لا يخفى.
ولا فرق فيما ذكرناه بين حقّ السادة وحقّ الإمام (عليه السلام) ، لوحدة المناط فيهما كما هو ظاهر.
(1) إذ بعد ما عرفت من ثبوت ولاية المالك على تعيين الخمس كالزكاة وأنّ
1) (*) مرّ الإشكال في دفعه من العروض.
[2978] مسألة 18 : لا يجوز للمستحقّ أن يأخذ من باب الخمس ويردّه على المالك ، إلّا في بعض الأحوال ، كما إذا كان عليه مبلغ كثير ولم يقدر على أدائه بأن صار معسراً وأراد تفريغ الذمّة فحينئذٍ لا مانع منه إذا رضي المستحقّ بذلك (1).
له الإخراج من أيّ جزء من أجزاء المال شاء ، كما أنّ له التبديل والإخراج من مال آخر ، فليس إذن للفقير معارضته ولا للفقيه مطالبته بغيره ، فلا عبرة برضى غيره بعد نفوذ تصرّفه.
نعم ، في ولاية المالك على الدفع من غير النقدين وما بحكمهما كلامٌ قد تقدّم (1).
(1) تقدّم التعرّض لذلك في مبحث الزكاة بما يجري في الخمس أيضاً بمناط واحد ، حيث ذكرنا أنّه لا يجوز للمستحقّ الأخذ من المالك ثمّ الردّ عليه تبرّعاً ، لأنّه تفويتٌ للحقّ منافٍ لحكمة تشريعه ، إلّا إذا فرضت هناك مصلحة مقتضية لذلك بحيث لم يصدق معها التفويت والتضييع ، كما إذا كان من عليه الحقّ فقيراً متديّناً تائباً وذمّته مشغولة بما هو عاجز عن أدائه فإنّه لا بأس حينئذٍ بالأخذ والردّ مقدّمةً لتفريغ ذمّته ، لأنّه أمر حسن مرغوب فيه شرعاً.
وبعبارة اخرى : تشريع الخمس والزكاة إنّما هو لسدّ حوائج السادة والفقراء ، فلا يسوغ ارتكاب ما يتضمّن إضاعة هذا الحقّ ، أمّا ما لا إضاعة فيه فلا إشكال فيه حسبما عرفت.
1) شرح العروة 23 : 189 192.
[2979] مسألة 19 : إذا انتقل إلى الشخص مال فيه الخمس ممّن لا يعتقد وجوبه (1)(1) كالكافر ونحوه لم يجب عليه إخراجه ، فإنّهم (عليهم السلام) أباحوا لشيعتهم ذلك ، سواء كان من ربح تجارة أو غيرها ، وسواء كان من المناكح والمساكن والمتاجر أو غيرها.
تمّ كتاب الخمس.
(1) المعروف والمشهور تقييد الحكم بما إذا انتقل المال ممّن لا يعتقد الخمس ، مع أنّ هذا القيد غير مذكور في شيء من روايات الباب.
وكيفما كان ، فالأخبار في المسألة مختلفة ومتعارضة ، كما أنّ الأقوال متشتّتة ومتضاربة (2)، وبما أنّ المتّبع هو الدليل فلا بدّ من عرض الأخبار والنظر فيما هو المتحصّل منها ، مقتصرين على النصوص المعتبرة ، معرضين عمّا لا عبرة به ، فنقول ومنه الاستعانة :
يظهر من جملة من الأخبار إباحة الخمس للشيعة إباحةً مطلقةً بلا قيد ولا شرط ، وأنّهم في حلّ منه لا يجب عليهم أداؤه بتاتاً ، فكأنّ التشريع بالإضافة إليهم لم يتجاوز مرحلة الاقتضاء ولم يبلغ مقام الفعليّة ، لاقترانه بتحليلهم وإباحتهم (صلوات اللّه عليهم).
وبإزائها ما دلّ على عدم الإباحة مطلقاً.
وهناك ما تضمّن التحليل بالنسبة إلى من انتقل إليه الخمس ، فيثبت حينئذٍ
.................................................................................................
في ذمّة من انتقل عنه ، وليس على من انتقل إليه شيء ، بخلاف الزكاة حيث لم تسقط عمّن انتقلت إليه كما تقدّم (1).
فهذه طوائف ثلاث من الأخبار :
أمّا الطائفة الأُولى : فالعمدة منها صحيحة الفضلاء عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال : قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) : هلك الناس في بطونهم وفروجهم ، لأنّهم لم يؤدّوا إلينا حقّنا ، ألا وأنّ شيعتنا من ذلك وآباءهم في حلّ» (2)هكذا في التهذيب ، ورواها في الفقيه بلفظ : «وأبناءهم» بدل : «وآباءهم» ولعلّه الأصحّ كما لا يخفى.
ونحوها صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) أنّه قال : «إنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) حلّلهم من الخمس يعني : الشيعة ليطيب مولدهم» (3).
ومعتبرة الحارث بن المغيرة النصري ، قال : دخلت على أبي جعفر (عليه السلام) فجلست عنده فإذا نجيّة قد استأذن عليه فأذن له فدخل فجثا على ركبتيه ثمّ قال : جعلت فداك ، إنِّي أُريد أن أسألك عن مسألة ، واللّه ، ما أُريد بها إلّا فكاك رقبتي من النار ، فكأنه رقّ له فاستوى جالساً إلى أن قال : «اللّهمّ إنّا قد أحللنا ذلك لشيعتنا» إلخ (4).
وقد عبّر عنها في الحدائق بالموثّقة (5). ولم يظهر وجهه بعد جهالة جعفر بن
.................................................................................................
محمّد بن حكيم الواقع في سلسلة السند. نعم ، هو مذكور في إسناد كامل الزيارات ، فهي موثّقة على مسلكنا لا على مسلكه (قدس سره).
وأمّا روايته الأُخرى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : قلت له : إنّ لنا أموالاً من غلّات وتجارات ونحو ذلك ، وقد علمت أنّ لك فيها حقّا «قال : فلم أحللنا إذن لشيعتنا إلّا لتطيب ولادتهم ، وكلّ من والى آبائي فهو في حلّ ممّا في أيديهم من حقّنا ، فليبلغ الشاهد الغائب» (1).
فهي ضعيفة السند بأبي عمارة فإنّه مجهول ، وإن عبّر عنها في الحدائق بالصحيحة (2).
وهذه الروايات مضافاً إلى معارضتها بما ستعرف من الطائفتين غير قابلة للتصديق في نفسها ولا يمكن التعويل عليها :
أوّلاً : من أجل منافاتها لتشريع الخمس الذي هو لسدّ حاجات السادة والفقراء من آل محمّد (صلّى اللّه عليه وآله) ، إذ لو لم يجب دفع الخمس على الشيعة والمفروض امتناع أهل السنّة وإنكارهم لهذا الحقّ فمن أين يعيش فقراء السادة؟! والمفروض حرمة الزكاة عليهم ، فلا يمكن الأخذ بإطلاق هذه النصوص جزماً.
وثانياً : أنّها معارضة بالروايات الكثيرة الآمرة بدفع الخمس في الموارد المتفرّقة والأجناس المتعدّدة كقوله (عليه السلام) : «خذ من أموال الناصب ما شئت وادفع إلينا خمسه» (3)أو : «من أخذ ركازاً فعليه الخمس» (4)وما ورد في
.................................................................................................
أرباح التجارات من صحيحة علي بن مهزيار الطويلة (1)وغيرها.
فلو كان مباحاً للشيعة وساقطاً عنهم فلما ذا يجب عليهم الخمس؟! وما معنى الأمر بالدفع في هذه النصوص المتكاثرة؟! وهل ترى أنّ ذلك لمجرّد بيان الحكم الاقتضائي غير البالغ مرحلة الفعليّة بقرينة نصوص التحليل؟! هذا مضافاً إلى معارضتها ب :
الطائفة الثانية الظاهرة في نفي التحليل مطلقاً ، مثل ما رواه علي بن إبراهيم عن أبيه ، قال : كنت عند أبي جعفر الثاني (عليه السلام) إذ دخل عليه صالح بن محمّد بن سهل وكان يتولّى له الوقف بقم ، فقال : يا سيِّدي ، اجعلني من عشرة آلاف درهم في حلّ ، فإنِّي قد أنفقتها ، فقال له : «أنت في حلّ» فلمّا خرج صالح فقال أبو جعفر (عليه السلام) : «أحدهم يثب على أموال (حقّ) آل محمّد وأيتامهم ومساكينهم وأبناء سبيلهم فيأخذه ثمّ يجيء فيقول : اجعلني في حلّ ، أتراه ظنّ أنِّي أقول : لا أفعل ، واللّه ليسألنّهم اللّه يوم القيامة عن ذلك سؤالاً حثيثاً» (2).
فإنّ الظاهر بمقتضى القرائن الموجودة فيها أنّ المراد من الأموال هو الخمس كما لا يخفى.
ومعتبرة أبي بصير عن أبي جعفر (عليه السلام) ، قال : سمعته يقول : «من اشترى شيئاً من الخمس لم يعذره اللّه ، اشترى ما لا يحلّ له» (3).
والظاهر أنّها معتبرة ، فإنّ المراد بالحسين الواقع في السند هو ابن سعيد
.................................................................................................
الذي يروي عنه أحمد بن محمّد ، كما أنّ المراد بالقاسم هو ابن محمّد الجوهري ، فتصبح الرواية معتبرة ، وقد فات صاحب الوسائل هنا روايتها بسند آخر قد تعرّض له في باب بيع السرقة ، حيث يرويها هناك عن الحسين بن سعيد عن أبان ، ومعه لا إشكال في السند بوجه.
نعم ، الرواية السابقة المتضمّنة لقصّة صالح أقوى دلالةً ، لاختصاص موردها بالشيعة ، وأمّا هذه فمطلقة تعمّ الشيعة وغيرهم ، فمن الجائز أن يراد الثاني خاصّة كما لا يخفى.
هذا ، وقد اختار صاحب الحدائق في مقام الجمع بين هاتين الطائفتين المتعارضتين : أنّ الساقط إنّما هو حصّة الإمام (عليه السلام) أعني : نصف الخمس وأمّا النصف الآخر أعني : حقّ السادة فلا بدّ من دفعه إليهم (1).
وهذا كما ترى مجرّد اقتراح من غير أن يعرف له أيّ وجه ، بل أنّ مقتضى التعليل بطيب الولادة الوارد في بعض نصوص التحليل تعلّق الحلّيّة بتمام الخمس ، لعدم تحقّق الطيب بدون ذلك كما لا يخفى.
نعم ، قد خصّ التحليل في بعض النصوص بحصّته (عليه السلام) ، كما في صحيح ابن مهزيار : «من أعوزه شيء من حقّي فهو في حلّ» (2).
ولكنّه خاصّ بالمحتاجين والمعوزين لا مطلق الشيعة الذي هو محلّ الكلام ، فهو إجازة لصنف خاصّ في صرف سهم الإمام ، وأجنبي عمّا نحن فيه من التحليل العام لمطلق الشيعة.
نعم ، تضمّنت رواية أبي حمزة تحليل ثلاثة أسهم ، أي نصف الخمس لمطلق
.................................................................................................
الشيعة (1)، لكنّها لا تدلّ على الحصر وأنّ التحليل يختصّ بذلك لينافي ما دلّ على التحليل في تمام الخمس ، فمفادها ليس إلّا تحليل هذه الأسهم ، لا عدم تعلّق التحليل ببقيّة السهام ، فالدلالة قاصرة.
مضافاً إلى أنّ السند ضعيف أيضاً بعليّ بن العبّاس الذي ضعّفه النجاشي صريحاً (2)، فلا يمكن التعويل عليها.
والأقوى في مقام الجمع حمل نصوص التحليل على ما انتقل إلى الشيعة ممّن لا يعتقد الخمس ، أو لا يخمّس وإن اعتقد كما ستعرف ، وأمّا ما وجب على المكلّف نفسه فلا موجب لسقوطه ولم يتعلّق به التحليل ، فتكون نصوص التحليل ناظرة إلى الأوّل ، ونصوص العدم إلى الثاني.
وتدلّنا على هذا التفصيل :
طائفة ثالثة من الأخبار تعدّ وجهاً للجمع بين الطائفتين المتقدّمتين وشاهداً عليه ، والعمدة منها روايتان :
إحداهما : ما رواه الشيخ والصدوق بإسنادهما عن يونس بن يعقوب ، قال : كنت عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) فدخل عليه رجل من القماطين فقال : جعلت فداك ، تقع في أيدينا الأموال والأرباح وتجارات نعلم أنّ حقّك فيها ثابت ، وأنّا عن ذلك مقصّرون ، فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : «ما أنصفناكم إن كلّفناكم ذلك اليوم» (3).
.................................................................................................
وهي وإن كانت ضعيفة السند بطريق الشيخ من أجل محمّد بن سنان ولكنّها معتبرة بطريق الصدوق ، لخلوّه عنه ، وإن اشتمل على الحكم بن مسكين فإنّه ثقة على الأظهر.
وقد دلّت على التحليل بالإضافة إلى الأموال التي تقع في الأيدي ، أي تنتقل من الغير بشراءٍ ونحوه وأنّه لا يجب على الآخذ ومن انتقل إليه إعطاء الخمس ، وأنّهم (عليهم السلام) حلّلوا ذلك لشيعتهم.
ثانيتهما : ما رواه الشيخ بإسناده عن أبي سلمة سالم بن مكرم وهو أبو خديجة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : قال رجل وأنّا حاضر : حلّل لي الفروج ، ففزع أبو عبد اللّه (عليه السلام) ، فقال له رجل : ليس يسألك أن يعترض الطريق ، إنّما يسألك خادماً يشتريها ، أو امرأة يتزوّجها ، أو ميراثاً يصيبه ، أو تجارة أو شيئاً أعطيه «فقال : هذا لشيعتنا حلال ، الشاهد منهم والغائب ، والميّت منهم والحيّ ، وما يولد منهم إلى يوم القيامة فهو لهم حلال ، أما واللّه ولا يحلّ إلّا لمن أحللنا له» إلخ (1).
وهي صريحة في المدّعى ، أعني : التحليل في المال المنتقل إليه بشراء ونحوه.
كما أنّها صحيحة السند على الأظهر ، فإنّ سالم بن مكرم المكنّى بأبي خديجة تارةً ، وبأبي سلمة اخرى ، كنّاه بها الصادق (عليه السلام) على ما رواه الكشّي (2)ثقة جدّاً على ما نصّ عليه النجاشي بقوله : ثقة ثقة (3)، أي ليست فيه أيّة شبهة.
.................................................................................................
ولكن الشيخ الطوسي (قدس سره) ضعّفه بعد أن عنونه بقوله : سالم بن مكرم يكنّى أبا خديجة ومكرم يكنّى أبا سلمة ، فجعل أبا سلمة كنية لأبيه لا لنفسه ، بل صرّح في الفهرست في آخر الترجمة بقوله : عن سالم بن أبي سلمة وهو أبو خديجة (1).
ولكن هذا سهو منه جزماً ، فإنّ سالم بن مكرم هو سالم أبو سلمة على ما صرّح به النجاشي والبرقي وابن قولويه في غير مورد (2)، وقد سمعت عن الكشّي عن العيّاشي عن ابن فضّال أنّ الصادق (عليه السلام) كنّاه بأبي سلمة بعد أن كان يكنّى بأبي خديجة ، فهو سالم أبو سلمة لا ابن أبي سلمة.
والذي هو محكوم بالضعف هو سالم بن أبي سلمة الكندي السجستاني الذي وصفه النجاشي بقوله : حديثه ليس بالنقي وإن كنّا لا نعرف منه إلّا خيراً ، له كتاب (3).
وهذا شخص آخر غير ابن مكرم ، ولم يتعرّض له الشيخ لا في الفهرست مع أنّ له كتاباً ، ولا في رجاله ، فيعلم من ذلك أنّ الشيخ تخيّل أنّهما شخص واحد وأنّ سالم بن مكرم هو سالم بن أبي سلمة ، وليس كذلك قطعاً حسبما عرفت.
والمتحصّل من جميع ما ذكرناه لحدّ الآن : أنّ المستفاد من نصوص الباب بعد ضمّ البعض إلى البعض والجمع بينها إنّما هو التفصيل بين الخمس الواجب على المكلّف بنفسه ابتداءً فلا تحليل ، وبين ما انتقل إليه من الغير فلا خمس عليه وإنّما هو في عاتق من انتقل عنه ، فيتعلّق ببدله إن كان له بدل ، وإلّا ففي ذمّته كما في الهبة. ومرجعه إلى إجازة ذاك النقل من قبل وليّ الأمر.
.................................................................................................
وإنّما الكلام في أنّ ذلك هل يختصّ بما إذا كانت المنتقل عنه ممّن لا يعتقد الخمس بتاتاً كالمخالف والكافر ، أو يعمّ مطلق من لم يخمّس ولو عصياناً مع كونه معتقداً كفسّاق الشيعة؟
المذكور في كلمات الأصحاب (رضوان اللّه عليهم) هو الأوّل ، حيث قيّدوا الحكم بما انتقل ممّن لا يعتقد.
ولكنّا لا نعرف وجهاً لهذا التقييد بعد أن كانت الروايتان المتقدّمتان صحيحتا يونس بن يعقوب وسالم بن مكرم مطلقتين من هذه الجهة ، وهما العمدة في المسألة كما عرفت ، فإنّ المذكور فيهما وقوع الأموال في الأيدي ، أو الشراء ، أو إصابة الإرث ونحوه ، ويجمعها انتقال ما فيه الخمس من الغير ، سواء أكان ذلك الغير الممتنع عن دفع الخمس معتقداً فاسقاً ، أم مخالفاً منكراً.
ودعوى أنّ جميع الشيعة كانوا يخمّسون أموالهم في زمانهم (عليهم السلام).
غير مسموعة ، إذ هي غير بيّنة ولا مبيّنة ، بل الظاهر أنّ الأزمنة متشابهة والقرون متقاربة ، ويتضمّن كلّ عصر مع هداية السبيل شاكراً وكفوراً ، فيؤدّي الخمس طائفة ولا يؤدّيه طائفة أُخرى ، كما هو المشاهد في العصر الحاضر.
وعليه ، فإطلاق الروايتين هو المحكّم بعد سلامته عمّا يصلح للتقييد ، ويقيّد بذلك ما دلّ على وجوب إيصال الخمس إلى مستحقّه حسبما عرفت.
هذا كلّه فيما إذا كان المال المنتقل من الغير بنفسه متعلّقاً للخمس ، وقد عرفت أنّه حلال لمن انتقل إليه بمقتضى نصوص التحليل ، والتكليف بالأداء باقٍ على عهدة من انتقل عنه.
وأمّا إذا انتقل مال لم يكن بنفسه متعلّقاً للخمس ، بل الخمس ثابت في ذمّة
.................................................................................................
من انتقل عنه لا في عين ماله ، فالظاهر خروجه عن نصوص التحليل.
وهذا كما لو وجب الخمس على المكلّف فأتلفه ولو بمثل الهبة فانتقل الخمس إلى ذمّته ثمّ مات وانتقلت أمواله إلى وارثه الشيعي ، فإنّ مثل هذا النقل المستند إلى الإرث غير مشمول لدليل التحليل ، إذ لا يصدق عليه أنّ فيه حقّهم.
وقد ذكرنا في محلّه أنّ حقّ الديّان غير متعلّق بالأعيان ، بل تنتقل التركة إلى الورثة ، لكن فيما زاد على مقدار الدين ، لتأخّر مرتبة الإرث عنه على ما نطقت به الآية المباركة ( مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ ) (1).
أمّا مقدار الدين فهو باقٍ على ملك الميّت يصرف في تفريغ ذمّته عنه ، ولم ينتقل إلى الوارث لكي يتوهّم اندراجه في نصوص التحليل.
وعلى الجملة : حال الخمس من هذه الجهة حال الزكاة وغيرها من سائر الديون المحكومة بلزوم إخراجها عن التركة أوّلاً ثمّ التقسيم بين الورثة ، فمقدار الخمس لم ينتقل إلى الوارث بتاتاً ، بل هو دين باقٍ على ملك الميّت ، ومورد روايات التحليل هو المال الخارجي الذي فيه حقّهم. وأمّا المال الذي ليس فيه الخمس وإنّما هو معدّ لتفريغ الذمّة عن الخمس أو غيره من سائر الديون فهو غير مشمول لتلك النصوص بوجه حسبما عرفت ، واللّه سبحانه أعلم.
1) النِّساء 4 : 11.
جرت عادة الفقهاء على التعرّض للأنفال بعد الفراغ عن كتاب الخمس ، لما بينهما من المناسبة ، باعتبار أنّ الخمس نصفه للإمام ، أمّا الأنفال فتمامها له ، قال سبحانه ( يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ ) (1)، وقد دلّت النصوص المتظافرة على أنّ ما كان لله والرسول فهو للإمام من بعده.
وقد أحببنا التعرّض لها استجابةً لطلب ثلّة من فضلاء البحث.
فنقول ومنه الاستعانة : ذكر الفقهاء موارد لذلك ، وقد اختلفت كلماتهم في تعدادها :
فمنها : كلّ أرض يغنمها المسلمون من الكفّار بغير قتال (2)
وإن كانت الآية الثانية غير مرتبطة بسابقتها ، ولا ينافيه عدم العطف ، كما أنّ ذكر العاطف لا ينافي التوكيد ، بل كانت من آيات الخمس وكانت متّحدة المفاد مع آية سورة الأنفال. فيشكل حينئذٍ بأنّ صريح الآية : أنّ ما أفاء اللّه من أهل القرى بتمامه لله ولرسوله ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل.
ومحصّل الشبهة : أنّ الآية الأُولى ساكتة عن بيان المصرف وتعيين من له المال ، والثانية إن كانت مبيّنة لإجمال الاولى فينافيه ما هو المسلّم من أنّ المأخوذ بلا خيل ولا ركاب من الأنفال ، وإن كانت مساوقة لآية (وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ) الواقعة في سورة الأنفال (8 : 41) ، فلا يوافق ما هو المسلّم أيضاً من أنّ المأخوذ بالقتال يخمّس وخمسه يقسّم بين الطوائف المذكورة ، وظاهر الآية عدم إعطاء شيء لغير الإمام. وإن كانت متعرّضة لعنوان ثالث وكبرى اخرى غير الفيء والغنيمة فما هي تلك الكبرى التي لم يعنونها الفقهاء في كتب الاستدلال؟! هذا ما خطر بالبال في تقريب الإشكال. انتهى.
أقول : قد أُشير إلى الإشكال في جملة من الكلمات ، وتفصّي عنه بوجوه لا تخلو عن الخدش كما لا يخفى على من لاحظها ، التي منها ما عن المحقّق الأردبيلي (قدس سره) في كشف آياته (زبدة البيان : 214) ، قال ما لفظه : المشهور بين الفقهاء أنّ الفيء له (صلّى اللّه عليه وآله) وبعده للقائم مقامه يفعل به ما يشاء ، كما هو ظاهر الآية الأُولى ، والثانية تدلّ على أنّه يقسّم كالخمس ، فأمّا أن يجعل هذا غير مطلق الفيء فيئاً خاصّاً كان حكمه هكذا ، أو منسوخاً ، أو يكون تفضّلاً منه ، وكلام المفسّرين أيضاً هنا لا يخلو عن شيء. انتهى.
ويظهر من الشيخ في التبيان (9 : 564) أنّ الآيتين تنظران إلى مال واحد هو الفيء ، يشير الصدر إلى من بيده أمر هذا المال ، والذيل إلى من يستحقّ الصرف فيه ، وأنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه وآله) ومن يقوم مقامه يضعه في المذكورين في هذه الآية. وهو أيضاً كما ترى.
هذا ، وقد أجاب سيِّدنا الأُستاذ (دام ظلّه) عن الإشكال : بأنّ موضوع الآية الاولى هو ما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب ، وهو راجع إلى النبيّ الأكرم (صلّى اللّه عليه وآله) ، والآية المباركة ظاهرة في ذلك ، ومع التنزّل عن ظهور الآية ودعوى سكوتها عن بيان المصرف فالروايات صريحة الدلالة على ذلك ، ولا خلاف في المسألة.
وأمّا الآية الثانية فموضوعها : ما أفاء اللّه على رسوله من أهل القرى ، والمراد به ما يؤخذ منهم بالقتال وبعد الغبة عليهم ودخول قراهم ، بقرينة المقابلة مع الآية الأُولى ، ولم يذكر فيها أنّ ما يرجع إلى النبيّ الأكرم (صلّى اللّه عليه وآله) أيّ مقدار ممّا غنمه المسلمون ، إلّا أنّ آية الغنيمة قد كشفت القناع عنه وبيّنت أنّ ما يغنمه المسلمون فخمسه يرجع إليه (صلّى اللّه عليه وآله) ، كما وبيّن أيضاً مصرفه في كلتا الآيتين.
ولا يقدح تخصيصه (صلّى اللّه عليه وآله) بالذكر مع أنّه أحد الستّة ، لكونه المحور والأصيل في هذا التسهيم كما لا يخفى.
هذا ، وأنّ صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) صريحة في أنّ الآية الثانية ناظرة إلى الغنيمة ، كما أنّ الاولى ناظرة إلى الأنفال.
قال (عليه السلام) : «الفيء والأنفال ما كان من أرض لم يكن فيها هراقة الدماء ، وقوم صولحوا وأعطوا بأيديهم ، وما كان من أرض خربة أو بطون أودية فهو كلّه من الفيء ، فهذا لله ولرسوله ، فما كان لله فهو لرسوله يضعه حيث يشاء ، وهو للإمام بعد الرسول وأمّا قوله (وَما أَفاءَ اللّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ). قال : ألا ترى هو هذا؟ وأمّا قوله (ما أَفاءَ اللّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى) فهذا بمنزلة المغنم» إلخ ، (الوسائل 9 : 527 / أبواب الأنفال ب 1 ح 12. والآيتان من الحشر 59 : 6 و 7).
ولا ينافيه التعبير بالمنزلة المشعر بالمغايرة ، لجواز كون التغاير من أجل اختلاف المورد بعد الاشتراك في الحكم نظراً إلى أنّ الغالب في الغنائم الاستيلاء عليها في دار الحرب ، وميدان القتال ، لا من أهل القرى ، فاشير إلى تنزيل إحدى الغنيمتين منزلة الأُخرى.
، إمّا بصلح أو1) الأنفال 8 : 1.
2) في رسالة شيخنا الوالد (قدس سره) التي كتبها في الخمس ما لفظه : قد تسالم الأصحاب على أنّ ما يؤخذ من غير أن يوجف عليه بخيل ولا ركاب فهو من الفيء والأنفال ، وهو لله ولرسوله ، وبعده القرابة ، والمال المأخوذ من بني النضير حسب حكاية الكتاب في سورة الحشر (59 : 6) وهو قوله تعالى ( وَما أَفاءَ اللّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ ) إلخ لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب فهو لله ورسوله ولا يشاركه شركاؤه في الخمس ، مع أنّ الآية المتّصلة بهذه الآية من دون ذكر عاطف مشعر بالمغايرة مصرّحة بعين ما صرّحت به في آية الغنيمة (الحشر 59 : 7) ، قال تعالى ( ما أَفاءَ اللّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ) ، وفي جملة من الكلمات التصريح بأنّ الآية الثانية بيانٌ للأُولى ولذلك لم تعطف عليها ، ومنهم الفيض في تفسيره (5 : 155) والفاضل المقداد في كنز العرفان (256) ونُقل عن الكشّاف (4 : 82).
بجلاء أهلها ، وقد دلّت عليه جملة من الأخبار :
منها : معتبرة زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : قلت له : ما يقول اللّه ( يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ ) ؟ «وهي كلّ أرض جلا أهلها من غير أن يحمل عليها بخيل ولا رجال ولا ركاب فهي نفل لله وللرسول (صلّى اللّه عليه وآله)» (1).
وموثّقة سماعة ، قال : سألته عن الأنفال «فقال : كلّ أرض خربة أو شيء يكون للملوك فهو خالص للإمام وليس للناس فيها سهم. قال : ومنها البحرين لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب» (2).
وصحيحة محمّد بن مسلم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، أنّه سمعه يقول : «إنّ الأنفال ما كان من أرض لم يكن فيها هراقة دم ، أو قوم صولحوا وأعطوا بأيديهم ، وما كان من أرض خربة أو بطون أودية فهذا كلّه من الفيء ، والأنفال لله وللرسول ، فما كان لله فهو للرسول يضعه حيث يحبّ» (3).
إنّما الكلام في أنّ ذلك هل يختصّ بالأراضي ، أو يعمّ كلّ ما يغنمه المسلمون من الكفّار ولو كان غير الأراضي كالفرش والأواني ونحوها من المنقولات؟
فهل تعدّ هذه أيضاً من الأنفال ، أو أنّها من الغنائم ويجب خمسها؟
لعلّ المشهور بين الفقهاء هو الاختصاص ، حيث قُيِّد الموضوع في كلماتهم بالأراضي.
ولكن التعميم غير بعيد ، لإمكان استفادته من بعض الأخبار :
منها : صحيح حفص بن البختري عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال : الأنفال ما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب ، أو قوم صالحوا ، أو قوم أعطوا بأيديهم ، وكلّ أرض خربة وبطون الأودية فهو لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) ، وهو للإمام من بعده يضعه حيث يشاء» (1)، فإنّ الموصول مطلق يعمّ الأرض وغيرها.
وصحيحة معاوية بن وهب ، قال : قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : السريّة يبعثها الإمام فيصيبون غنائم ، كيف تقسّم؟ «قال : إن قاتلوا عليها مع أمير أمّره الإمام عليهم أخرج منها الخمس لله وللرسول وقسّم بينهم أربعة أخماس ، وإن لم يكونوا قاتلوا عليها المشركين كان كلّ ما غنموا للإمام يجعله حيث أحبّ» (2).
دلّت بصيغة العموم على شمول الحكم لكلّ غنيمة لم يقاتل عليها.
يبقى ظهور النصوص المتقدّمة في الاختصاص ، حيث إنّها وردت في مقام البيان وشرح مفهوم الأنفال. وظاهر التفسير أنّ للأرض خصوصيّة في هذا العنوان ، فله نوع مفهوم يدلّ على نفي الحكم عن غيره ، إذ ما ورد في مقام التحديد يدلّ على المفهوم بطبيعة الحال ، كالروايات الواردة في تحديد مفهوم الكرّ ، ولأجله يقيّد الإطلاق في هاتين الروايتين.
ولكن لا بدّ من رفع اليد عن هذا الظهور :
أمّا أوّلاً : فلأنّ تلك الروايات لم تكن في مقام بيان الأنفال بتمام أقسامها ، كيف؟! وهي غير منحصرة في الأراضي بالضرورة ، فإنّ منها قطائع الملوك وميراث من لا وارث له والمعادن ونحوها ، ولم يتعرّض فيها إليها ، فيعلم أنّها بصدد بيان مصداق الأنفال ولو من باب المثال ، لا تحديد مفهومه ليدلّ على الانحصار كما لا يخفى.
وثانياً : أنّ الظهور المزبور وإن كان قابلاً لأن يتقيّد به الإطلاق في صحيحة حفص ، إلّا أنّه غير قابل لأن يخصّص به العموم في صحيحة معاوية بن وهب أعني : قوله (عليه السلام) : «كان كلّ ما غنموا» إلخ حيث إنّ دلالتها على الشمول والاستيعاب بالعموم اللفظي والدلالة الوضعيّة التي هي أظهر من الإطلاق وأقوى من الظهور المزبور المستند إلى المفهوم ، فإنّه كالصريح في عدم الفرق بين الأرض وغيرها ، وأنّ المدار على الاغتنام بمفهومه العام الشامل لكلا الموردين بمناط واحد.
على أنّ في صدر هذه الرواية دلالة أُخرى على الشمول لغير الأراضي أعني : قوله : فيصيبون غنائم ، كيف تقسّم؟ فإنّ السؤال عن تقسيم ما يصيبونه من الغنائم ظاهر في المنقول ، بل لعلّه القدر المتيقّن منه بحيث لا يمكن التخصيص بالأراضي قطعاً.
وعليه ، فلا مناص من الأخذ بعموم هذه الصحيحة ورفع اليد عن ظهور تلك الروايات في الحصر بصراحة هذه بمقتضى الدلالة الوضعيّة في العموم وعدم الحصر.
فتحصّل : أنّ ما ذكره جماعة من عدم الاختصاص بالأراضي وشمول الحكم لكلّ ما يؤخذ من الكفّار بغير قتال المطابق لإطلاق الآية المباركة ( ما أَفاءَ اللّهُ
عَلى رَسُولِهِ ) إلخ ، هو الأظهر.
ثمّ لا يخفى أنّ مقتضى المحافظة على العنوان المأخوذ في هذا القسم من الأنفال بحيث يعدّ قسماً برأسه وبحياله واستقلاله في مقابل القسم الآتي : تعميم الحكم لمطلق الأرض التي يستولي عليها المسلمون بغير قتال ، سواء أكانت من الموات أم المحياة ، كما يقتضيه أيضاً إطلاق كلماتهم ، إذ لو كانت مختصّة بالموات لم يكن وجه حينئذٍ للتقييد بعدم القتال المأخوذ في هذا العنوان ، ضرورة أنّ الأراضي الميّتة التي يستولي عليها المسلمون تعدّ من الأنفال حتى إذا كان ذلك مع القتال ، إذ الشرط في الأراضي التي تكون ملكاً للمسلمين المأخوذة من الكفّار بالقتال المعبّر عنها بالأراضي الخراجيّة تارةً وبالمفتوحة عَنوةً اخرى أن تكون عامرة حال الفتح ، وإلّا فهي من الأنفال ، سواء أكان الاستيلاء مع القتال أم بدونه. فالموضوع في هذا القسم أعمّ من كون الأراضي خربة مواتاً أم عامرة محياة حسبما عرفت.
نعم ، في صحيحة حفص المتقدّمة قيّدت الأرض بالخربة ، وظاهرها الاختصاص ، لكن لا بدّ من رفع اليد عنه تحكمياً لعموم : كلّ غنيمة ، الوارد في صحيحة ابن وهب المتقدّمة ، والمؤيّد بما ورد في جملة من الأخبار ، منها صحيحة الكابلي : من أنّ الأرض كلّها للإمام وأنّ اللّه يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتّقين ، «قال (عليه السلام) : ونحن المتّقون» (1).
ومنها أي من الأنفال - : كلّ أرض ميتة لا ربّ لها ، سواء لم يكن لها ربّ أصلاً كالبراري والمفاوز ، أو أنّه تركها أو باد عنها بحيث عرضها الخراب بانجلاء الأهل أو هلاكهم ، فيعمّ الحكم مطلق الموات ذاتاً كان أم عرضاً ، وتدلّ عليه جملة من الأخبار :
1) الوسائل 25 : 414 / أبواب إحياء الموات ب 3 ح 2.
منها : صحيحة حفص بن البختري المتقدّمة ، قال (عليه السلام) فيها : «وكلّ أرض خربة» إلخ (1).
ومنها : موثّقة سماعة ، قال : سألته عن الأنفال «فقال : كلّ أرض خربة» إلخ (2).
وصحيحة محمّد بن مسلم ، قال (عليه السلام) فيها : «وما كان من أرض خربة» (3).
وإطلاقها وإن شمل ما إذا كان لها مالك معلوم بالفعل إلّا أنّه لا بدّ من رفع اليد عنه وتقييده بما إذا انجلى أهلها وأعرضوا عنها ، بمقتضى موثّقة إسحاق بن عمّار ، قال : سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الأنفال «فقال : هي القرى التي قد خربت وانجلى أهلها» إلخ (4).
فيعلم من ذلك أنّ مجرّد الخراب لا يستوجب الخروج عن ملك المالك والدخول في ملك الإمام (عليه السلام) ليعدّ من الأنفال ، بل هو مشروط بالإعراض والإنجلاء.
وبالجملة : فالأرض الخربة التي لم يسبق إليها ملك أحد أو سبق ولكن انجلى وأعرض أو باد أهلها كلّ ذلك ملك للإمام (عليه السلام).
وإنّما الكلام في أنّ ذلك هل يختصّ بما إذا كان المالك معلوماً بأن كان شخصاً معيّناً كزيد ، أو عنواناً كالوقف على الزوّار مثلاً أو يعمّ ما إذا كان سنخ الملك من قبيل ما يملكه المسلمون في الأراضي الخراجيّة؟ فلو خربت بعد أن
كانت عامرة وانجلى عنها أهلها فهل تعدّ حينئذٍ من الأنفال وتنتقل إلى الإمام ، أو أنّ حكمها حكم الملك الشخصي الذي له مالك معيّن بالفعل في أنّه بمجرّد الخراب لا يخرج عن ملكه ولا ينقل إلى الإمام كما عرفت ، فلا فرق في عدم انتقال ما له مالك فعلي إلى الإمام بين ما كان المالك شخصاً معيّناً أو جهة كالوقف أو عامّة المسلمين كالمقام ، فإنّ هذا أيضاً له مالك معلوم.
فمثل أرض العراق المعبّر عنها بأرض السواد التي كانت عامرة حال الفتح وكانت ملكاً لعامّة المسلمين ، وكذا البحرين وإن كان يظهر من بعض الأخبار أنّها كالمدينة لو عرضها الخراب فهل تنتقل إلى الإمام ، أو تبقى على ما كانت عليه من كونها ملكاً لعموم المسلمين؟
ظاهر المحقّق وصاحب الجواهر هو الثاني (1)، ولكنّه لا يخلو عن الإشكال ، بل لا يبعد خروجها عن ملك المسلمين بالخراب ، فيعتبر في ملكيّتهم كونها عامرة حدوثاً وبقاءً ، نظراً إلى أنّه ليس لدينا إطلاق يقتضي كونها ملكاً للمسلمين حتى بعد الخراب ، فلا يبقى إلّا استصحاب عدم الخروج بالخراب عن ملكهم.
ولكنّه على تقدير جريانه في الشبهات الحكميّة لا يعارض الدليل ، أعني : عموم ما دلّ على أنّ كلّ أرض خربة للإمام ، على ما نطقت به صحيحة ابن البختري المتقدّمة.
وعلى تقدير تسليم الإطلاق في أدلّة ملكيّة المسلمين للمفتوحة عَنوةً بحيث يشمل ما بعد الخراب فغايته معارضة العموم المزبور مع هذا الإطلاق بالعموم من وجه ، ولا شكّ أنّ العموم اللفظي مقدّم على الإطلاق.
ويترتّب على هذا البحث أثر مهمّ جدّاً ، فإنّ تلك الخربة لو كانت من الأنفال فبما أنّهم (عليهم السلام) حلّلوها وملّكوها لكلّ من أحياها بمقتضى
1) لاحظ الشرائع 1 : 210 211 ، لاحظ الجواهر 16 : 117 118.
قوله (عليه السلام) : «من أحيا أرضاً فهي له» فلو أحيا تلك الخربة أحدٌ كانت ملكاً شخصيّاً له بمقتضى الإذن العامّ الصادر منهم لعامّة الأنام.
وأمّا لو لم تكن من الأنفال فهي باقية على ما كانت عليه من ملكيّة عامّة المسلمين ، ولا تكون بالإحياء ملكاً شخصيّاً لأحد.
وعليه ، فلو فرضنا أنّ الأرض المعيّنة كانت من الخراجيّة وهي تحت يد شخص يدّعي الملكيّة ، واحتملنا أنّها خربت وقد عمرها هو أو من انتقلت عنه إليه ولو في الأزمنة السالفة ، فإنّه على المختار يحكم بأنّها له بمقتضى قاعدة اليد ، لاحتمال مالكيّته واقعاً بإحيائه الأرض بعد خرابها وصيرورتها من الأنفال التي تملّك بالإحياء.
وملخّص الكلام : أنّ عموم قوله (عليه السلام) في موثّق إسحاق بن عمّار «وكلّ أرض لا ربّ لها» أو : «ما كان من الأرض بخربة» (1)غير قاصر الشمول للمقام ، فإنّ الربّ بمعنى المالك ، والمتصدّي لعمارة الأرض المعبّر عنه عرفاً بصاحب الأرض ، وهو صادق على الأرض الخربة وإن كانت خراجيّة ، فهي فعلاً ملك للإمام وإن كانت سابقاً ملكاً للمسلمين.
وهذا القول هو الأصحّ وإن كان على خلاف المشهور بين المتأخّرين كصاحب الجواهر (2)وغيره ، حيث ذكروا أنّ هذه الأراضي حكمها حكم ما كان له مالك معيّن ، فكما لا تخرج عن ملكه بالخراب كذلك المفتوحة عَنوةً ، إلّا في قسم خاصّ لم نتكلّم فيه وهي الملكيّة التي منشؤها الإحياء ، فإنّ فيها كلاماً طويلاً عريضاً من حيث رجوعها بعد الخراب إلى الإمام (عليه السلام) وعدمه ، مذكور في كتاب إحياء الموات وخارج عن محلّ كلامنا ، وقد تعرّضنا له في أوائل
شرائط العوضين من كتاب المكاسب.
بقي هنا شيء ، وهو أنّ المذكور في كلماتهم في هذا العنوان الأرض الخربة أصالةً أو عرضاً أو الميتة. والظاهر أنّه لا اختصاص للخراب ، بل المحياة والعامرة أيضاً كذلك ، فلو كانت الأرض محياة من أصلها كبعض الجزر المشتملة على الأشجار والثمار شملها عموم قوله (عليه السلام) «وكلّ أرض لا ربّ لها» إذ الأرض مطلق يشمل الموات والعامرة بمناط واحد ، فإذا لم يكن لها ربّ أي من يربّيها ويصلحها فهي للإمام (عليه السلام) وإن كانت محياة بالأصل بقدرة اللّه تعالى.
مضافاً إلى ما في صحيح الكابلي المتقدّم (1): من أنّ الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتّقين ، المنطبق عليهم (عليهم السلام) ، فإنّها تعمّ المحياة كالموات ، ولا خصوصيّة للثاني ، إذ العبرة بكونها لا ربّ لها.
نعم ، في مرسلة حمّاد : «وكل أرض ميتة لا ربّ لها» إلخ (2)قيّدت الأرض بالميتة.
لكنّها مضافاً إلى الإرسال قاصرة الدلالة ، إذ القيد لا مفهوم له ، ولعلّه منزّل على الغالب ، فلا يعارض العموم في قوله (عليه السلام) في موثّق إسحاق : «وكلّ أرض لا ربّ لها».
ومنها : سيف البحار ، أي ساحلها. ذكره المحقّق في الشرائع (3)وغيره ، ولم يرد فيه أيّ نصّ ، ولكنّه لا يحتاج إلى الدليل ، لأنّها إمّا من الأراضي المحياة بالأصالة كساحل نيل مصر ، أو موات كسواحل البحار المرّة ، وعلى التقديرين
فهي مندرجة في عموم قوله (عليه السلام) : «وكل أرض لا ربّ لها».
ومنها : رؤوس الجبال والآجام وبطون الأودية.
أمّا الأولان فلم يردا في رواية معتبرة فيندرجان في الأراضي الموات ، أو فقل في الأراضي التي لا ربّ لها ، ولا خصوصيّة لهما.
نعم ، وردا في روايات ضعاف ، وهي على القول بالانجبار بالعمل تصبح معتبرة.
وأمّا بطون الأودية فقد وردت في روايتين معتبرتين ، وهما صحيحتا حفص ابن البختري (1)ومحمّد بن مسلم (2).
وقد وقع الكلام في أنّها هل هي بعنوانها من الأنفال كما هو مقتضى المقابلة مع الأرض الخربة في هاتين الصحيحتين ، أو أنّها قسم منها ، والعطف من قبيل عطف الخاصّ على العامّ كما في قوله تعالى ( فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمّانٌ ) (3)على ما ذكره بعضهم؟
وتظهر الثمرة فيما إذا كانت بطون الأودية عامرة حال الفتح :
فعلى الأوّل : كانت من الأنفال ، نظراً إلى أنّ إطلاق البطون يشمل الموات والمحياة ، ويكون ذلك بمنزلة الاستثناء ممّا دلّ على ملكيّة المسلمين للأراضي الخراجيّة.
وعلى الثاني : تختصّ البطون بالخربة ولا تعمّ العامرة ، فتبقى على ملكيّة المسلمين على ما هو الشأن في سائر الأراضي الخراجيّة المفتوحة عَنوةً.
والأوّل غير بعيد ، جموداً على ظاهر المقابلة حسبما عرفت.
وهل يختصّ الحكم بما كان بطناً للوادي بحسب طبعه ، أو يعمّ ما إذا انقلب إليه بعد ما كان ملكاً شخصيّاً لأحد بمثل زلزلة أو سيل ونحوهما؟ وهكذا الحال في رؤوس الجبال والآجام.
واحتمل التعميم جماعة ، وناقش فيه ابن إدريس وتبعه في المدارك (1)، نظراً إلى انصراف النصّ عن مثل ذلك.
ومحلّ الكلام فعلاً ما لو كانت الملكيّة مستندة إلى شراءٍ ونحوه.
وأمّا المستندة إلى الإحياء ففيه كلام لا يخصّ بطون الأودية ، وهو أنّه لو ملك شخص بالإحياء ثمّ خربت فهل ترجع إلى الإمام (عليه السلام) ، أو تبقى في ملك المحيي؟
فيه بحث مذكور في كتاب الإحياء ، ولعلّ الأظهر هو الرجوع إلى الإمام (عليه السلام). وكيفما كان ، فهو خارج عن محلّ الكلام ، والبحث فعلاً متمحّض فيما لو ملك بغير الإحياء.
والظاهر أنّه لا يرجع إلى الإمام ، وإن احتمل بعضهم أنّ عنوان بطن الوادي عنوان مستقلّ فيشمل بمقتضى إطلاقه ما لو كان منقلباً عن الملك الشخصي بزلزلة ونحوها ، ولكنّه لا يتمّ.
والوجه فيه : أنّ مورد هاتين الروايتين هي الأموال التي تنتقل من الكفّار إلى المسلمين ، كما يشهد به صدرهما من فرض المصالحة وعدم القتال وأنّه لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب ، فذكر البطون في هذا السياق يكشف عن كون النظر مقصوراً على ما يتسلّمه المسلمون من الكفّار ، فلا تشمل الأرض التي
1) السرائر 1 : 497 ، المدارك 5 : 416.
هي ملك شخصي لمسلم ثمّ صارت بطن الوادي بزلزلة ونحوها ، فليست هي في مقام بيان أنّ كل شيء صدق عليه بطن الوادي فهو من الأنفال ليعمّ المقام ، فالمقتضي قاصر ، لعدم انعقاد الإطلاق من أصله. وإن أبيت فلا ينبغي الشكّ في أنّه منصرف عن مثل المقام قطعاً ، فتدبّر جيّداً.
ومنها : صفايا الملوك. ولا إشكال كما لا خلاف في كونها من الأنفال كما تقدّم الكلام عنه في أوّل بحث الغنائم (1)، وقد دلّت عليه جملة من الأخبار ، كصحيحة داود بن فرقد ، قال : قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : «قطائع الملوك كلّها للإمام ، وليس للناس فيها شيء» (2)، ونحوها موثّقة سماعة وغيرها.
ومنها : المعادن. والأقوال فيها ثلاثة :
أحدها : أنّها من الأنفال مطلقاً ، سواءً أكانت في الملك الشخصي أم في الملك العامّ كالمفتوحة عَنوةً ، غايته أنّهم (عليهم السلام) أباحوها لكلّ من أخرجها فيملكها بعد أداء خمسها وإن لم يكن شيعيّاً.
ثانيها : أنّها ليست من الأنفال مطلقاً ، استناداً إلى أدلّة الخمس ، فيملك المستخرج بعد أداء الخمس أربعة أخماس منها بحكم الشارع وتحليل من اللّه تعالى لا بصدور الإذن من الإمام (عليه السلام).
ثالثها : التفصيل بين المعدن المستخرج من أرضٍ هي من الأنفال ، وبين المستخرج من غيرها ، فالأوّل من الأنفال بتبع الأرض ، دون الثاني.
وهذا التفصيل غير بعيد وإن لم يكن لهذا البحث أثر عملي ، لوجوب التخميس بعد الاستخراج على كلّ حال ، والبحث علمي محض وأنّ تملّك
الأربعة أخماس هل هو بتحليل من اللّه تعالى ابتداءً ، أو بإذن من الإمام (عليه السلام)؟
وتدل على التفصيل صحيحة إسحاق بن عمّار ، قال : سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الأنفال «فقال : هي القرى التي قد خربت إلى قوله : وكلّ أرض لا ربّ لها ، والمعادن منها» أو : «فيها» على اختلاف النسخ (1)، فإنّ الضمير في «منها» أو «فيها» يرجع إلى الأرض ، فعدّ من الأنفال : المعادن من هذه الأراضي التي تكون هي بنفسها أيضاً من الأنفال لا مطلق المعادن ، فلاحظ.
ومنها : ميراث من لا وارث له. وهذا أيضاً ممّا لا إشكال فيه ، وقد دلّت عليه الروايات المعتبرة المذكورة في كتاب الإرث ، ولم يذكر صاحب الوسائل منها ههنا إلّا رواية واحدة ، وهي موثّقة أبان بن تغلب عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : في الرجل يموت ولا وارث له ولا مولى «قال : هو من أهل هذه الآية ( يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ ) » (2).
هذا كلّه في موضوع الأنفال.
وأمّا حكمها :
أمّا الأراضي : فلا شكّ أنّهم (عليهم السلام) حلّلوها لكلّ من أحياها ، قال (صلّى اللّه عليه وآله) : «ثمّ هي منِّي لكم أيُّها المسلمون» (3)، وقد ورد أنّ «من أحيا أرضاً فهي له» (4)، فالناس كلّهم مرخّصون في التصرّف فيها أو فيما يتكوّن فيها أو عليها من المعادن والأشجار والأحجار ونحوها. وقد دلّت عليه السيرة
القطعيّة المستمرّة من المسلمين ، فإنّهم لا يزالون يتصرّفون ويتمتّعون منها من غير نكير بالضرورة ، وإن كان في بعض الأخبار أنّها كذلك إلى زمان ظهور الحجّة (عجّل اللّه تعالى فرجه) لا مطلقاً ، وهذا أمر آخر خارج عن محلّ الكلام ، وهو من وظائف الإمام (عليه السلام).
وأمّا إرث من لا وارث له أو صفايا الملوك أو ما أُخذ من الكفّار بغير قتال غير الأراضي من المنقولات كالمواشي ونحوها : فلم يدلّ أيّ دليل على إباحتها وجواز التصرّف فيها ، فإنّ أدلّة التحليل كلّها ضعاف ما عدا روايتين مختصّتين بما انتقل من الغير كما تقدّم (1). فالتصرّف في هذه الأُمور بدعوى أنّها من الأنفال وقد أباحوها للشيعة وكذا غيرها من سائر أموال الإمام (عليه السلام) غير جائز ، إذ لم يثبت ذلك بحيث يتناول المقام قطعاً حسبما عرفت.
هذا تمام الكلام في كتاب الخمس وما يتعلّق به من الأنفال.
ويقع البحث بعد ذلك في كتاب الحجّ إن شاء اللّه تعالى.
والحمد لله أوّلاً وآخراً وظاهراً وباطناً وصلّى اللّه على سيِّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطاهرين.
حرّره بيمناه الداثرة مُعتكِفاً بجوار العتبة المقدّسة العلويّة على مشرّفها آلاف الثّناء والتحيّة مستجيراً بذمّته حيّاً وميّتاً عبده الأثيم مرتضى خلف العلّامة الفقيه سماحة آية اللّه العظيم الحاج الشيخ علي محمّد البروجردي (طاب ثراه).
وكان الفراغ في يوم الأحد 16 ربيع الثاني سنة 1398.
1) في ص 351 355.
فهرس الموضوعات
الخمس
الموضوع/ الصفحة
وجوب الخُمس... 3
فصل فيما يجب فيه الخُمس... 5 - 309
الأوّل : الغنائم... 5
مناقشة في تعميم الخمس للمنقول وغيره من الغنائم... 6
صحّة اختصاص الخمس بالمنقول وعدم ثبوته في غير المنقول... 10
الخمس في الغنيمة بعد إخراج المؤن التي أنفقت عليها... 10
الولاية المطلقة للإمام (عليه السلام) فيما يجعله من الغنيمة على فعل مصلحة من المصالح 11
استثناء صفايا الغنيمة فإنّها للإمام (عليه السلام)... 12
حكم الغنيمة إذا كان الغزو بغير إذن الإمام (عليه السلام)... 13
حكم الغنيمة إن كان الغزو في زمن الغيبة... 16
الفداء والجزية وما صالحوا عليه من الغنائم التي يجب فيها الخمس... 18
إخراج خمس الأموال المأخوذة من الكفّار بغزو المسلمين عليهم... 19
هل يجب الخمس في المأخوذ من الكفّار بالسرقة أو الغيلة والخدعة؟... 19
حكم المأخوذ من الكفّار بالربا والدعوى الباطلة... 21
جواز أخذ مال الناصب أينما وُجِد وتخميسه ابتداءً... 22
حكم مال البغاة والخوارج قبل نشوب القتال وبعده... 24
اشتراط عدم غصبية المُغتَنَم... 26
عدم اعتبار النصاب في الغنائم عند تخميسها... 30
حكم السَّلَب من الغنيمة... 31
الثاني : المعادن... 33
تحديد المعادن... 33
كلام في موارد الشكّ في صدق المعدن... 35
عدم الفرق في وجوب إخراج خمس المعدن في أرض مباحة كان أو مملوكة ، تحتها أو على ظهرها ، مسلم كان المخرج كافراً ذمّيّاً ، بالغاً أو صبيّاً وعاقلاً أو مجنوناً... 36
اعتبار النصاب وتحديده في المعدن عند تخميسه... 37
هل يجب التخميس في مجموع ما أخرجه من المعدن أو في خصوص ما يبقى بعد استثناء مؤونة الإخراج والتصفية ونحوها؟ 42
لو كان الإخراج على دفعات وبلغ المجموع نصاباً... 45
لو أخرج أقلّ من النصاب فأعرض ثمّ عاد وبلغ المجموع نصاباً... 47
عدم اعتبار اتّحاد جنس المخرج في بلوغ النصاب... 48
لو كان هناك معادن متعدّدة... 48
لو أخرج خمس تراب المعدن قبل التصفية... 49
إذا وجد مقداراً من المعدن مخرَجاً مطروحاً في الصحراء... 51
لو كان المعدن في أرض مملوكة... 55
حكم المعادن في الأراضي المفتوحة عَنوة التي هي للمسلمين... 58
لو أخرج غير المسلم المعدن من الأراضي المفتوحة عنوة... 61
هل المعادن من الأنفال... 63
جواز استئجار الغير لإخراج المعدن... 65
لو كان المخرج المعدن عبداً... 66
لو عمل فيما أخرجه قبل إخراج خمسه عملاً يوجب زيادة قيمته... 66
حكم ما لو اتّجر بالمعدن فربح قبل أن يخرج خمسه... 68
إذا شكّ في بلوغ النصاب وعدمه... 69
الثالث : الكنز... 71
هل يعتبر القصد في صدق الكنز بأن يكون المال الذي عثر عليه ممّا كنزه إنسان بقصد الادّخار؟ 73
هل يختص الكنز بالمال المذخور تحت الأرض أو يشمل المستور فوقها؟... 74
اختصاص الكنز بالنقدين وغيرهما... 75
المكان الذي يوجد فيه الكنز... 77
لو وجد الكنز في دار الإسلام وعليه أثر الإسلام... 78
حكم الكنز في أرض مبتاعة... 85
استدلال الشيخ الأنصاري للزوم مراجعة البائع بروايتين... 87
لو وجد الكنز في أرض وادّعاه المالك السابق... 91
اشتراط النصاب في وجوب الخمس في الكنز... 94
لو وجد الكنز في أرض مستأجرة أو مستعارة... 95
حكم ما لو علم الواجد للكنز أنّه لمسلم موجود هو أو وارثه في عصره مجهول... 97
الكنوز المتعدّدة لكلّ واحد حكم نفسه في بلوغ النصاب وعدمه... 98
هل يعتبر بلوغ الكنز حدّ النصاب في دفعة واحدة؟... 99
لو اشترى دابّة ووجد في جوفها شيئاً... 99
حكم ما لو وجد شيئاً في جوف السمكة المشتراة ، وكذا في الحيوانات... 102
اعتبار النصاب في الكنز بعد إخراج مؤونة الإخراج... 106
لو اشترك جماعة في كنز... 106
الرابع : الغوص... 107
وجوب الخمس في الجواهر المخرجة من البحر بالغوص معدنيّاً كان أو نباتيّاً... 107
عدم وجوب الخمس في السمك ونحوه من الحيوانات وإن صدق عليه الإخراج صدقاً لغويّاً 112
اعتبار النصاب في الغوص وتحديده... 113
اعتبار بلوغ النصاب بعد إخراج المؤن... 115
يجري عليه حكم الغوص على المتناول من الغوّاص؟... 116
لو غاص من غير قصد للحيازة فصادف شيئاً... 116
حكم ما لو أخرج بالغوص حيواناً وكان في بطنه شيء... 117
حكم الأنهار العظيمة بالنسبة إلى ما يخرج منها بالغوص... 117
إذا غرق شيء في البحر وأعرض مالكه عنه فأخرجه الغوّاص... 118
هل المعدن المتكوّن تحت الماء المتوقّف إخراجه على الغوص يندرج في عنوان الغوص وحده ، أو المعدن وحده ، أو في كلا العنوانين؟... 119
حكم العنبر إذا أُخرج بالغوص... 120
الخامس : المال الحلال المخلوط بالحرام... 123
الاستدلال بروايات على وجوب الخمس في المال المختلط بالحرام... 125
مصرف خمس المال المختلط هل هو للفقراء؟... 127
ما ذكره المحقّق الهمداني (قدس سره) بخصوص مصرف خمس المال المختلط... 129
لو علم المقدار ولم يعلم المالك... 133
اعتبار إذن المجتهد الجامع للشرائط في التصدّق بخمس المال المختلط لو علم المالك وجهل المقدار 140
عدم الفرق في وجوب إخراج الخمس وحلَّيّة المال بعده بين كون الاختلاط بالإشاعة أو بغيرها 148
عدم الفرق في كفاية إخراج الخمس في حلَّيّة البقيّة في صورة الجهل بالمقدار أو المالك 149
لو علم قدر المال ولم يعلم صاحبه بعينه لكن علم في عدد محصور... 150
إذا كان حقّ الغير في الذمّة لا في عين المال... 153
صور ثلاث في ثبوت حقّ الغير في الذمّة... 156
هل يجوز للمالك إخراج خمس المال المختلط وتعيينه من غير إذن الحاكم ، أو دفعه من مال آخر؟ 159
لو تبيّن المالك بعد إخراج الخمس... 160
لو علم بعد إخراج الخمس أنّ الحرام أزيد من الخمس أو أقلّ... 164
هل يجزئه إخراج الخمس لو خلط الحرام المجهول مالكه بالحلال ليحلّله بالتخميس؟ 166
لو كان الحلال المخلوط بالحرام ممّا تعلَّق به الخمس... 168
لو كان الحرام المختلط في الحلال من الخمس أو الزكاة أو الوقف الخاصّ أو العامّ 171
حكم التصرّف في المال المختلط قبل إخراج الخمس بالإتلاف... 171
إذا تصرّف في المختلط قبل إخراج خمسه بالبيع ونحوه... 173
السادس : الأرض التي اشتراها الذمِّي من المسلم... 174
هل يختص وجوب الخمس بأرض الزراعة أم يعمّ المشتملة على البناء والأشجار؟ 177
مصرفه هذا القسم كمصرف غيره من الأقسام... 179
هل يختصّ الحكم بالشراء ، أو يعمّ مطلق المعاوضة ، أو مطلق الانتقال؟... 179
تعلَّق الخمس برقبة الأرض دون البناء والأشجار والنخيل... 180
اختيار الذمّي بين دفع الخمس من عينها أو قيمتها... 181
لو أراد الذمّي دفع القيمة وكانت مشغولة بالزرع أو الغرس أو البناء... 182
عدم النصاب في هذا الخمس... 183
عدم اعتبار نيّة القربة فيه حين الأخذ من الحاكم وحين الدفع إلى السادة... 183
لو كانت الأرض من المفتوحة عَنوة وبيعت تبعاً للآثار... 184
عدم الفرق في ثبوت الخمس في الأرض المشتراة بين أن بقائها على ملكيّة الذمّي أو انتقالها منه 186
لو اشترى الذمِّي الأرض من المسلم وشرط عليه عدم الخمس... 188
حكم ما لو اشترى الذمِّي الأرض من مسلم ثمّ باعها منه أو من مسلم آخر ثمّ اشتراها 189
لو اشترى الذّمي الأرض من المسلم ثمّ أسلم بعد الشراء... 189
لو أسلم الذّمي بعد العقد وقبل القبض... 190
لو تملَّك ذمّي من مثله بعقد مشروط بالقبض فأسلم الناقل قبل القبض... 191
عدم سقوطه الخمس إذا شرط البائع على الذمّي أن يبيعها بعد الشراء من مسلم 192
إذا اشترى المسلم من الذمّي أرضاً ثمّ فسخ بإقالةٍ أو بخيار... 193
كل من كان محكوما بالإسلام فهو بحكم المسلم... 193
إذا بيع خمس الأرض التي اشتراها الذمّي عليه... 193
السابع : ما يفضل عن مؤونة سنته... 194
روايات العامّة بخصوص هذا القسم... 199
جملة من النصوص الدالّة على خمس فاضل المؤونة... 201
استثناء مؤونة الصرف... 208
هل يستثنى ما صرفه في مؤونة سنته لنفسه وعائلته؟... 209
وجوب الخمس في مطلق الفائدة... 211
هل يجب الخمس في الهبة والهديّة؟... 211
وجوب الخمس في المال الموصى به... 214
عدم وجوب الخمس في الميراث... 215
هل يجب الخمس في حاصل الوقف الخاصّ؟... 217
هل يجب الخمس في حاصل الوقف العام؟... 218
استحباب ثبوت الخمس في عوض الخلع والمهر ومطلق الميراث... 218
هل يختصّ وجوب الخمس بإجازة الأعمال أو المنافع لسنة واحدة ، أو يعمّ الأُجرة المستلمة عن السنين العديدة 221
لو علم أنّ مورثه لم يؤدّ خمس ما تركه... 223
عدم وجوب الخمس فيما ملك بالخمس أو الزكاة أو الصدقة المندوبة... 224
إذا اشترى شيئاً وعلم أنّ البائع لم يؤدّ خمسه... 227
حكم الزيادة العينيّة من النماء المنفصل أو المتّصل... 228
حكم الزيادة الحكميّة الناشئة عن ارتفاع القيمة السوقيّة... 230
حكم الزيادة السوقيّة ثمّ نقصانها قبل تمام السنة... 233
حكم الزيادة السوقيّة ثمّ نقصانها بعد تمام السنة... 235
لو عمّر بستاناً وغرس فيه أشجاراً ونخيلاً للانتفاع بثمرها وتمرها... 240
إذا كان له أنواع من الاكتساب والاستفادة... 241
اشتراط استقرار الربح أو الفائدة في وجوب الخمس... 246
لو اشترى ما فيه ربحٌ ببيع الخيار فصار البيع لازماً فاستقاله البائع فأقاله... 248
هل يجب الخمس في رأس المال إذا كان من أرباح مكاسبه؟... 248
مبدأ السنة التي يكون الخمس بعد خروج مؤونتها... 250
المؤن المستثناة عن الربح... 251
هل رأس المال للتجارة مع الحاجة إليه من المؤونة؟... 254
عدم الفرق في المؤونة المستثناة بين أقسامها... 254
جواز إخراج المؤونة من الربح وإن كان عنده مال لا خمس فيه... 256
المناط في المؤونة ما يصرف فعلاً لا مقدارها... 259
لو استقرض من ابتداء سنته لمؤونته أو صرف بعض رأس المال فيها قبل حصول الربح 259
لو زاد ما اشتراه وادّخره للمؤونة... 260
لو مات المكتسب في أثناء الحول بعد حصوله على الربح... 263
إذا لم يحصل له ربح في تلك السنة وحصل في السنة اللاحقة... 263
مصارف الحجّ من مؤونة عام الاستطاعة... 264
أداء الدين من المؤونة إذا كان في عام حصول الربح... 266
لو كان الدين بعد حصول الربح... 267
لو كان الدين من السنين السابقة... 269
لو كان الدين في هذه السنة قبل ظهور الربح... 271
وقت تعلّق الخمس بالربح... 272
هل يجوز تأخير الخمس إلى نهاية السنة؟... 275
هل يجبر بالربح لو تلف بعض أمواله ممّا ليس من مال التجارة؟... 278
لو كان له رأس مال وفرّقه في أنواعٍ من التجارة فتلف رأس المال أو بعضه من نوعٍ منها 279
لو تلف بعض رأس المال في التجارة الواحدة... 280
الخمس بجميع أقسامه متعلَّق بالعين... 284
عدم وجوب إخراج الخمس من نفس المال... 285
عدم جواز التصرّف في العين قبل أداء الخمس... 287
حكم الاتجار بالمال بعد استقرار الخمس وقبل إخراجه... 288
هل يجوز التصرّف في بعض الربح ما دام الخمس منه باقياً في اليد مع قصد إخراجه من البقيّة؟ 289
لو حصل من الربح الأوّل ربحاً ثانياً وثالثاً قبل انتهاء السنة... 294
عدم الولاية للمالك على نقل الخمس إلى ذمّته ثمّ التصرّف فيه... 297
حكم ما لو تجدّدت مؤن بعد إخراج الخمس... 298
لو اشترى بالربح قبل إخراج الخمس جاريةً... 301
المدار في مصارف الحجّ على وقت إنشاء السفر... 303
لو جعل الغوص أو المعدن مكسباً له... 304
وجوب إخراج خمس ما تكتسبه المرأة في بيت زوجها وهو يتحمّل مؤونتها... 307
عدم اشتراط التكليف والحرّية في الكنز والغوص والمعدن والحلال المختلط بالحرام ونحوها 307
فصل في قسمة الخمس ومستحقّة... 310 - 354
أقسام الخمس... 310
اشتراط الإيمان في مصرف الخمس... 313
اشتراط الفقر في الأيتام والحاجة في أبناء السبيل في بلد التسليم... 315
هل يعتبر في المستحقّين العدالة؟... 316
عدم وجوب البسط على الأصناف... 317
مستحقّ الخمس من انتسب إلى هاشم بالأُبوّة... 320
مستحقّ هو مطلق الهاشمي من غير تقييد بالعلوي... 323
لو ادّعى النسب إلى هاشم... 325
حكم دفع الخمس إلى من يجب عليه نفقته... 327
عدم جواز دفع الزائد عن مؤونة السنة لمستحقٍّ واحد... 328
رجوع أمر مصرف سهم الإمام (عليه السلام) في زمان الغيبة إلى نائبه... 329
هل يجوز للمالك دفع سهم السادة إليهم بنفسه؟... 333
جواز نقل الخمس من بلدٍ إلى آخر... 334
لو أذن الفقيه في النقل لم يكن عليه ضمان ولو مع وجود المستحقّ... 338
مؤونة النقل على الناقل في صورة الجواز ومن الخمس في صورة الوجوب... 339
هل من النقل لو كان له مال في بلد آخر فدفعه فيه للمستحقّ عوضاً عن الذي عليه في بلده؟ 339
لو كان الذي فيه الخمس في غير بلده... 340
لو كان المجتهد الجامع للشرائط في غير بلده... 341
إشكال في دفع بدل الخمس عروضاً كالزكاة... 341
ولاية المالك على العزل وتعيين الخمس في المعزول... 342
هل يجوز احتساب الدين خمساً إذا كان في ذمّة المستحقّ؟... 343
لو أراد المالك أن يدفع العوض نقداً أو عروضاً... 344
هل يجوز للمستحقّ أن يأخذ من باب الخمس ويردّه على المالك؟... 345
حكم ما لو انتقل إلى الشخص مالٌ فيه الخمس ممّن لا يعتقد وجوبه... 346
نصوص في تحليل الخمس للشيعة تحليلاً مطلقاً... 347
نصوص في نفي التحليل مطلقاً... 349
نصوص تعدّ وجهاً للجمع بين الطائفتين المتقدّمتين... 351
لو انتقل ما لم يكن بنفسه متعلقاً للخمس ، بل الخمس ثابت في ذمّة من انتقل عنه لا في عين ماله 354
الأنفال
دلالة النصوص المتظافرة على أنّ ما كان لله والرسول فهو للإمام من بعده... 356
موارد الأنفال : منها : ما يغنمه المسلمون من الكفّار بغير قتال... 356
منها : كل أرض ميّتة لا ربّ لها... 362
منها : ساحل البحار... 366
منها : رؤوس الجبال والآجام وبطون الأودية... 367
منها : صفايا الملوك... 369
منها : المعادن... 369
منها : ميراث من لا وارث له... 370
حكم الأنفال... 370
الخاتمة... 371
فهرس الموضوعات... 373 - 386
الصورة
الصورة
الصورة