ghaemiyeh.com
سرشناسه : خوئی، سیدابوالقاسم، 1278 - 1371.
عنوان و نام پديدآور : المستند في شرحالعروةالوثقی/ [محمدکاظم یزدی]؛ تقریرا الابحاث ابوالقاسم الموسویالخوئی؛ تالیف مرتضی البروجردی.
مشخصات نشر : قم: موسسه احیاء آثارالامامالخوئی (قدس)، 14ق.= 20م.= 13.
مشخصات ظاهری : ج.
فروست : موسوعهالامامالخوئی.
شابک : ج.11، چاپ دوم: 964-6812-44-9 ؛ ج. 11، چاپ سوم: 964-6812-43-0 ؛ ج. 12، چاپ سوم: 964-6812-44-9 ؛ ج. 13، چاپ سوم: 964-6812-46-X ؛ ج. 14: 964-6812-50-3 ؛ ج. 15: 964-6812-53-8 ؛ ج. 16، چاپ سوم 964-6337-00-4 : ؛ ج. 17، چاپ سوم: 964-6337-04-7 ؛ ج. 18، چاپ سوم: 964-6337-03-9 ؛ ج. 19، چاپ سوم 964-6337-02-0 :
وضعیت فهرست نویسی : برون سپاری
يادداشت : عربی.
يادداشت : کتاب حاضر قبلا تحت عنوان "مستندالعروهالوثقی" به چاپ رسیده است.
يادداشت : فهرستنویسی بر اساس جلد یازدهم: 1421ق. = 2000م. = 1379.
يادداشت : ج.11( چاپ دوم: 1426ق.= 2005م.= 1384).
يادداشت : ج. 11 -18 (چاپ سوم : 1428ق. =2007م. = 1386).
يادداشت : ج.14 (چاپ سوم:1421ق.= 1379).
يادداشت : ج.30 (چاپ؟: 1422 ق. = 1380).
يادداشت : ج.30 (چاپ سوم: 1428ق. = 2007م. = 1386).
يادداشت : عنوان عطف: شرح عروهالوثقی.
یادداشت : کتابنامه.
مندرجات : ج.11 الصلاه.-ج.30. الاجاره.
عنوان عطف : شرح عروهالوثقی.
عنوان دیگر : العروهالوثقی. شرح.
عنوان دیگر : شرحالعروهالوثقی.
موضوع : یزدی، سیدمحمدکاظم بن عبدالعظیم، 1247؟ - 1338؟ ق . عروهالوثقی -- نقد و تفسیر
موضوع : فقه جعفری -- قرن 14
شناسه افزوده : یزدی، سیدمحمدکاظمبن عبدالعظیم، -1253 1338؟ق.
شناسه افزوده : بروجردی، مرتضی، 1377-1308.
شناسه افزوده : موسسه احیاء آثار الامام الخوئی (ره)
رده بندی کنگره : BP183/5/ی4ع4021377 1300 ی الف
رده بندی دیویی : 297/342
شماره کتابشناسی ملی : م79-21167
المحرّر الرّقمي: محمّد علي ملك محمّد
اطلاعات رکورد کتابشناسی : ركورد كامل
المؤلف: الشيخ مرتضى البروجردي
الناشر: مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي قدّس سرّه
الطبعة: 3
الموضوع : الفقه
تاريخ النشر : 1421 ه.ق
ISBN (ردمك): 469-6337-09-8
المكتبة الإسلامية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَی سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ
وَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَی أَعْدَائِهِم أَجْمَعِينَ
مِنَ الآنِ إِلَی قِيَامِ يَومِ الدِّينْ
الْمُسْتَنَدُ فِي شَرْحِ العُرْوَةِ الوُثْقَی
الْمُسْتَنَدُ فِي شَرْحِ العُرْوَةِ الوُثْقَی
تقرير الإبحاث
الأستاذ الأعظم سماحة آية اللّه العظمی السيد أبوالقاسم الموسوي الخوئي قدس سره
«1317 - 1413 ه»
الصوم
تأليف: آية اللّه الشهيد الشيخ مرتضی البروجردي قدس سره
طبعة منقحة
مؤسسة الخوئي الإسلامية
جميع الحقوق محفوظة ومسجّلة لمؤسسة الخوئي الإسلامية
الجزء الثاني والعشرون
الناشر: مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي قدس سره
(مؤسسة الخوئي الإسلامية)
هاتف: 2932264 251 98+ - 1530367 912 98+
تاريخ الطبع: 1430 ه ، 2009 م
المطبعة: نينوي
الطبعة: الرابعة
عدد النسخ: 1000 دورة
8 - 09 - 6337 - 964 : ISBN
Email:info@alkhoei.net
www.alkhoei.com
www.alkhoei.net
بسم اللّه الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على خير خلقه محمّد وآله الطيبين الطاهرين الغرّ الميامين.
وبعد: فهذا هو الجزء الثاني من كتاب الصوم من «مستند العروة الوثق» مع كتاب الاعتكاف، ونسأله تعالى التوفيق لإنهاء بقيّة الأجزاء، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وهي أُمور :
الأوّل والثاني : البلوغ ، العقل ، فلا يجب على الصبي والمجنون (1) إلّا أن يكملا قبل طلوع الفجر (2) ، دون ما إذا كملا بعده (3) فإنّه لا يجب عليهما وإن لم يأتيا بالمفطر ، بل وإن نوى الصبي الصوم ندباً.
(1) يدلّنا على اعتبار الكمال من جهة البلوغ والعقل في كافة التكاليف التي منها وجوب الصوم ما دلّ من الروايات على رفع القلم عن الصبي وعن المجنون ، الكاشف عن أنّ المخاطَب في أوامر اللّه تعالى ونواهيه إنّما هو البالغ العاقل ، وغيره خارج عن موضوع التكليف.
(2) لاندراجهما بالكمال الحاصل قبل فعليّة الخطاب في موضوع التكليف ، المستلزم لشمول الحكم طبعاً لهما كغيرهما من مستجمعي شرائط التكليف.
(3) لا ريب في عدم الوجوب وقتئذٍ فيما لو كان قد تناول المفطر قبل أن يتّصف بالكمال ، لجواز الإفطار له آن ذاك ، ومعه لا مقتضي لتكليفه بعدئذٍ بالإمساك ، بعد وضوح أنّ الصوم عبادة واحدة مركّبة من مجموع الإمساكات المحدودة من طلوع الفجر إلى الغروب ، فإذا أفطر في بعض الوقت ولم يكن
.................................................................................................
صائماً فأمر غير الصائم بالإمساك التأدّبي تعبّداً يحتاج إلى الدليل ، ولم يقم عليه دليل إلّا فيمن أفسد صومه ، غير الشامل لمثل المقام كما هو واضح.
وأمّا لو لم يكن متناولاً فالظاهر أنّ الأمر أيضاً كذلك ، لعدم عدّ الإمساك السابق من الصوم بعد عدم كونه مأموراً به حالئذٍ حسب الفرض ، والاجتزاء بالإمساك بقيّة النهار بتنزيل الباقي منزلة المجموع ، نظير ما ورد في المسافر الذي يقدم أهله قبل الزوال من تجديد النيّة في هذا الحال بدلاً عن طلوع الفجر يحتاج إلى الدليل بعد كون الاجتزاء المزبور على خلاف القاعدة ، ولم يرد عليه دليل في المقام.
هذا فيما إذا لم يكن ناوياً للصوم قبل ذلك.
وأمّا إذا كان ناوياً للصوم الندبي وقلنا بمشروعيّة عبادات الصبي كما هو الحقّ فبلغ أثناء النهار ، فهل يجب عليه إكمال هذا الصوم ويحسب له صوماً ، أو لا؟
احتاط الماتن في المقام بالإتمام والقضاء على ما يقتضيه ظاهر عبارته وإن كان الاحتياط استحبابيّاً.
أقول : يقع الكلام تارةً : من حيث وجوب الإتمام وعدمه ، وأُخرى : من ناحية القضاء.
أمّا الكلام من حيث الإتمام : فالظاهر عدم وجوبه ، لعدم الدليل عليه ، فإنّ صومه وإن كان مشروعاً ومأموراً به حسب الفرض إلّا أنّه كان على صفة الندب ، إذ المأمور بالصوم الواجب هو من كان بالغاً وقت تعلّق الخطاب أعني : من لدن طلوع الفجر ومن البيّن أنّ الالتزام بانقلاب الأمر الندبي إلى الوجوبي في مرحلة البقاء يحتاج إلى الدليل ، ولا دليل عليه في المقام.
ودعوى أنّ المرفوع إنّما كان هو الإلزام حال الصبا وحين صغره ، وأمّا بعد
.................................................................................................
البلوغ فالإلزام باقٍ على حاله.
مدفوعةٌ بأنّ الصوم تكليف وحداني لا تبعّض فيه متعلّق بالإمساك من الطلوع إلى الغروب على صفة الوجوب أو الاستحباب ، والذي كان ثابتاً سابقاً هو الأمر الاستحبابي ولم يتعلّق الوجوبي من الأوّل.
وأمّا تعلّقه بالإمساك في جزءٍ من النهار والاجتزاء به عن الكلّ فهو إنّما ثبت في موارد خاصّة كالمسافر الذي يقدم أهله قبل الزوال ، وليس المقام منها.
وأمّا قياس المقام بباب الصلاة فيما لو بلغ المصلّى آخر الوقت أثناء الصلاة المحكوم حينئذٍ بوجوب الإتمام بلا كلام ، ففي غير محلّه.
والوجه فيه : أنّ الصلاة المأمور بها المحدودة ما بين المبدأ والمنتهى طبيعة واحدة ، سواء أكان المتصدّي لها هو الصبي بعد البناء على شرعيّة عباداته أم البالغ ، غاية الأمر أنّ الأمر المتعلّق بها قد يكون وجوبيّاً وأُخرى استحبابيّاً ، فالاختلاف إنّما هو من ناحية الأمر دون المأمور به.
ومن ثمّ ذكرنا في كتاب الصلاة : أنّ الصبي لو بلغ في الوقت بعد ما صلّى لم تجب عليه الإعادة.
ولا وجه لدعوى أنّ ما أتى به كان مندوباً ، وإجزاؤه عن الواجب يحتاج إلى الدليل.
لما عرفت من وحدة الطبيعة واختصاص الخطاب بإقامة الصلاة بحسب الانصراف العرفي بمن لم يكن آتياً بها ومقيماً لها ، فلا جرم يجتزئ بما أتى به بطبيعة الحال.
وبعبارة اخرى : المأمور به إنّما هو الكلّي الطبيعي المحدود ما بين الحدّين ، خوطب به صنفٌ وجوباً وصنفٌ آخر ندباً ، والطبيعة طبيعة واحدة ، فإذا وُجِدت في الخارج صحيحة ومتقرّباً بها إلى اللّه تعالى لم يكن بعدئذٍ أيّ مقتضٍ
.................................................................................................
للإعادة وإن طرأ وصف الوجوب حسب الفهم العرفي كما لا يخفى.
ومثله : ما لو بلغ أثناء الصلاة مع سعة الوقت فإنّه لا يجب عليه القطع والإعادة ، غايته انقلاب الأمر بقاءً إلى الوجوب ، فيصبح إذن كالبالغ مخيّراً مع الغضّ عن دليل حرمة القطع بين الإكمال والاستئناف كما هو الحال في جميع موارد التخيير العقلي ، فإنّ الواجب ارتباطي وهو ما لم يفرغ عنه مخاطَب بإيجاد الطبيعة وامتثالها ، ويتحقّق إيجادها تارةً بتكميل هذا الفرد وتسليمه ، وأُخرى برفع اليد عنه والإتيان بفردٍ آخر ، فإنّ الصبي البالغ في الأثناء يشاطر البالغين في هذا المناط بعد ما عرفت من اتّحاد الطبيعة ، فيثبت التخيير المزبور في حقّه أيضاً حسبما عرفت.
وأمّا لو بلغ أثناءها مع ضيق الوقت ، فقد يتمكّن من إدراك ركعة واحدة لو قطع وأُخرى لا.
لا ينبغي التأمّل في انقلاب الأمر إلى الوجوب في الفرض الأوّل ، لتمكّنه من الإتيان بالطبيعة إما بالإتمام أو الاستئناف على حذو ما عرفت ، غير أنّه يتعيّن عليه اختيار الأوّل ، نظراً إلى قصور دليل الاجتزاء بالركعة عن الشمول لصورة التعجيز الاختياري ، وأنّه ما دام يتمكّن من إدراك التمام في الوقت وهو متمكّن منه في المقام بالإتمام لا ينتقل إلى البدل الذي هو وظيفة العاجز بطبعه عن إدراك المبدل منه.
وأمّا في الفرض الثاني كما لو بلغ وهو في الركوع الرابع من صلاة العصر فالظاهر عدم وجوب الإتمام حينئذٍ ، بل له رفع اليد أو الإتمام ندباً ، إذ الخطاب الوجوبي بالصلاة ذات الأربع إنّما يتوجّه نحو من يتمكّن من الإتيان بها ، إمّا بنفسها أو ببدلها ، ببركة دليل : «من أدرك» ، والمفروض عجزه عن الإتيان بشيء منهما ، فإنّه لدى الشروع لم يكن بالغاً ، وبعد البلوغ لم يكن قادراً على الركعة فضلاً عن الأربع.
.................................................................................................
نعم ، يمكنه إدراك الأربع بإتمام هذا الفرد الذي كان شارعاً فيه قبل بلوغه ، إلّا أنّ الكلام في شمول دليل الوجوب لمثله ، لما عرفت من استظهار اختصاصه بمن يتمكّن ولو من الركعة بعد الاتّصاف بالبلوغ.
هذا ، ولو تنازلنا وبنينا على الوجوب في باب الصلاة فلا نكاد نلتزم به في باب الصوم ، للفرق الواضح بين الموردين ، فإنّ الواجب هناك إنّما هو الطبيعي الجامع بين الأفراد الطوليّة المتخلّلة ما بين الحدّين من الزوال إلى الغروب ولقائل أن يقول : إنّ هذا الطبيعي مقدور له ولو بإتمام هذا الفرد فيشمله دليل الوجوب.
وأمّا في المقام فالمأمور به إنّما هو نفس هذا الفرد ، أي الإمساك من الطلوع إلى الغروب الذي قد مضى شطر منه حسب الفرض الممتنع تداركه.
لا أقول : إنّ المأمور به هو الموجود الخارجي ليندفع بما هو التحقيق من تعلّق الأوامر بالطبائع دون الأفراد.
بل أقول : إنّ المأمور به هو طبيعي الإمساكات المنضمّ بعضها إلى بعض والمرتبطة من المبدإ إلى المنتهي ، فليس لطبيعي الصوم في هذا اليوم إلّا فرد واحد ممتدّ ، ومثله كيف يمكن إيجاده في الخارج بعد ما بلغ؟! والممكن إنّما هو الإتيان ببقيّة الأجزاء ، غير أنّ الاجتزاء به عن الكلّ يحتاج إلى الدليل ، ولا دليل عليه في المقام حسبما عرفت.
وعلى الجملة : الفرق بين البابين لعلّه في غاية الوضوح ، لفعليّة الأمر بالصلاة سيّما مع إدراك الركعة وله الامتثال إمّا بإتمام هذا الفرد أو بإيجاد فرد آخر. وأمّا في المقام فالأمر الوجوبي غير موجود بعد البلوغ ، للعجز عن تمام المتعلّق ، والاجتزاء بالبعض والضمّ بما سبق وإن أمكن ولكنّه موقوف على قيام الدليل ، ولا دليل عليه في المقام.
لكن الأحوط مع عدم إتيان المفطر الإتمام والقضاء (1) إذا كان الصوم واجباً معيّناً (1).
ولا فرق في الجنون بين الإطباقي والأدواري إذا كان يحصل في النهار ولو في جزء منه ، وأمّا لو كان دور جنونه في الليل بحيث يفيق قبل الفجر فيجب عليه.
الثالث : عدم الإغماء ، فلا يجب معه الصوم ولو حصل في جزء من النهار (2). نعم ، لو كان نوى الصوم قبل الإغماء فالأحوط إتمامه.
(1) قد عرفت حكم الإتمام.
وأمّا الكلام من ناحية القضاء فقد احتاط في المتن بالجمع بينه وبين الإتمام.
ولا يبعد أن يكون هذا سهواً من قلمه الشريف ، لعدم احتمال القضاء بعد فرض الإتمام وعدم تناول المفطر كي يحتاط بالجمع المزبور ، إذ المفروض أنّه قد أتمّ صومه ، فإن كان مأموراً بالإتمام فقد فعل ، وإلّا فلم يفت عنه شيء ليقضيه. وإنّما يتّجه القضاء فيما لو أفطر لاحتمال فوت الصوم الواجب عليه وقتئذٍ ، لا فيما لم يفطر كما هو مفروض كلامه (قدس سره). وقد عرفت عدم الفوت في هذه الصورة أيضاً ، لعدم وجوب الإتمام ، كما هو الحال في المجنون الذي أفاق أثناء النهار ولم يفطر ، فإنّه لا يجب عليه إتمام الصوم ، لعدم الدليل عليه.
(2) لم يرد نصّ في خصوص المقام يدلّ على اشتراط وجوب الصوم بعدم الإغماء ، بل المسألة مبنيّة على المسألة المتقدّمة (2)في الفصل السابق من اشتراطه
الرابع : عدم المرض الذي يتضرّر معه الصائم (1) ، ولو برئ بعد الزوال ولم يفطر لم يجب عليه النيّة والإتمام. وأمّا لو برئ قبله ولم يتناول مفطراً فالأحوط أن ينوي ويصوم وإن كان الأقوى عدم وجوبه.
في صحّة الصوم ، إلحاقاً للإغماء بالجنون ، فإن تمّ ذلك فلا شك في دخله في تعلّق الأمر أيضاً ، واشتراط الوجوب به كالصحّة ، فلا أمر حال الإغماء بعد عجزه عن المأمور به.
ولكنّه لم يتمّ كما تقدّم (1)لعدم الدليل على الإلحاق المزبور بعد أن كان مغايراً مع الجنون موضوعاً ، لانحفاظ العقل معه وعدم زواله ، وإنّما الزائل الإدراك كما في النوم ، غايته أنّه أشدّ منه ، فلا مانع إذن من تكليفه بالصوم على ما تقدّم في أوّل كتاب الصوم (2)من أنّ النيّة المعتبرة فيه تفارق ما هو المعتبر في العبادات الوجوديّة في عدم لزوم انبعاث كلّ جزء من هذه العبادة عن داعي الأمر ، بل اللّازم أن يكون على جانب من المفطرات وبعيداً عنها وإن استند ذلك إلى أمر غير اختياري من عجز أو حبس أو نوم ونحوها ، وكما يجتمع ذلك مع النوم يجتمع مع الإغماء أيضاً بمناط واحد ، بلا فرق بين ما استند منهما إلى الاختيار أو ما كان بغلبة اللّه سبحانه.
إذن فما ذكره (قدس سره) من الاحتياط فيما لو كان ناوياً للصوم قبل الإغماء وجيه وفي محلّه.
(1) بلا خلاف فيه ولا إشكال كما نطق به الكتاب العزيز ، الظاهر في أنّ المريض والمسافر وظيفتهما القضاء تعييناً ، كما أنّ غيرهما مكلّف بالأداء كذلك ،
.................................................................................................
وإطلاقه وإن شمل عموم المرضي إلّا أنّ مناسبة الحكم والموضوع مضافاً إلى النصوص المستفيضة دلّتنا على الاختصاص بمريض خاصّ ، وهو الذي يضرّه الصوم ، مشيراً في بعضها لتحديده بأنّ الإنسان على نفسه بصيرة ، وقد تقدّمت سابقاً (1)، وهذا ممّا لا غبار عليه.
وإنّما الكلام فيما لو برئ أثناء النهار ولم يستعمل المفطر ، فهل يجب عليه تجديد النيّة ويحسب له صوم يومه ، أو أنّ التكليف قد سقط بمرضه سواء أفطر أم لم يفطر؟
أمّا إذا كان ذلك بعد الزوال فلا ينبغي الإشكال في عدم الوجوب ، لفوات المحلّ بحلول الزوال وعدم التمكّن بعدئذٍ من التجديد ، والمفروض أنّه لم يكن مكلّفاً إلى هذا الزمان ، ولا دليل على قيام الباقي مقام الجميع كما هو واضح.
وأمّا إذا كان قبله فالمشهور هو الوجوب ، بل عن جمعٍ دعوى الإجماع عليه إلحاقاً له بالمسافر ، بل في المدارك : أنّ المريض أولى منه ، لكونه أعذر (2).
ولكنّه كما ترى ، فإنّ النصّ مختصّ بالمسافر ، والقياس لا نقول به ، والأولويّة لم نتحقّقها بعد عدم الإحاطة بمناطات الأحكام ، ولم يثبت إجماع تعبّدي يعوّل عليه في المسألة.
إذن كان مقتضى القاعدة ما ذكره (قدس سره) من عدم الفرق بين ما قبل الزوال وما بعده في عدم وجوب الإتمام ، فلا يجب عليه الإمساك بعنوان الصيام بعد خروجه عن عموم الآية المباركة من الأوّل ، ومن المعلوم أنّ الإمساك بعد ذلك من غير المأمور بالصيام يحتاج إلى قيام الدليل ، ولم ينهض عليه أيّ دليل في المقام.
.................................................................................................
نعم ، الأحوط ذلك فيجدّد النيّة ويتمّ ثمّ يقضيه.
ثمّ لا يخفى أنّ صور هذه المسألة ثلاث :
إذ تارةً : يفرض أنّه كان مريضاً واقعاً وقد حصل البرء واقعاً أيضاً أثناء النهار بمعالجة أو دعاء ونحوهما قبل الزوال أو بعده.
وأُخرى : ينكشف لدى البرء عدم المرض من الأوّل ، أو عدم كونه مضرّاً ، فكان اعتقاد الإضرار مبنيّاً على محض الخيال ، وجواز الإفطار مستنداً إلى الخطأ والاشتباه.
وهذا على نحوين :
إذ تارةً : يستند في جواز الإفطار إلى حجّة شرعيّة ، من خوفٍ عقلائي ، أو ظنّ الضرر ، أو إخبار طبيب حاذق ثقة مع عدم بلوغ الضرر الثابت بالطريق الشرعي المسوّغ للإفطار حدّ الحرمة ، حيث ذكرنا في بحث لا ضرر عدم حرمة الإقدام على مطلق الضرر ، عدا ما تضمّن الإلقاء في التهلكة وما في حكمه دون ما لم يكن كذلك كخوف الرمد ونحوه.
وأُخرى : يستند إلى الاعتقاد الجزمي بالضرر بحيث لا يحتمل معه الخلاف ، أو استند إلى الحجّة الشرعيّة ولكن الضرر كان بالغاً حدّ الحرام ، كما لو أخبره الطبيب الماهر بأنّ في صيامك خطر الموت.
ولا يخفى وضوح الفرق بين هذين النحوين ، لانحفاظ مرتبة الحكم الواقعي في الأوّل منهما بعد احتمال عدم إصابة الطريق ، فلا مانع من بقاء الأمر الواقعي ، لكونه قابلاً للامتثال ولو من باب إمكان الاحتياط واستحبابه ، غايته أنّ مع قيام طريق
ظاهري على خلافه يكون المكلّف معذوراً لدى التعويل عليه ، كما هو شأن كلّ حكم واقعي قام على خلافه حكم ظاهري من غير أيّ تنافٍ بينهما حسبما هو مقرّر في محلّة ، فهو مكلّف لدى خطأ الطريق بالصوم واقعاً
.................................................................................................
وإن كان مرخّصاً في الإفطار ظاهراً.
وهذا بخلافه على النحو الثاني ، لامتناع امتثال حكم يقطع بعدمه ، أو قام الطريق الشرعي على حرمته ، فلا سبيل إلى امتثاله حتّى من باب الاحتياط. ومن البيّن أنّ ما هذا شأنه يستحيل جعله من المولى الحكيم ، للزوم اللغويّة ، إذ أيّ أثر في جعل حكم لا يكون قابلاً للامتثال بوجهٍ من الوجوه؟! فلا جرم يكون الحكم الواقعي ساقطاً وقتئذٍ بطبيعة الحال.
وكيفما كان ، فقد عرفت أنّ صور المسألة ثلاث :
منها : ما لو انكشف عدم المرض أو عدم الضرر من الأوّل ، وكان مستنداً في الضرر المتخيّل إلى حجّة شرعيّة ولم يكن بالغاً حدّ الحرمة.
وحيث قد عرفت آنفاً بقاء الحكم الواقعي حينئذٍ على حاله للتمكّن من امتثاله ، فالانكشاف المزبور يلازم طبعاً انكشاف الأمر بالصوم من الأوّل وإن كان معذوراً ما دامت الحجّة قائمة على خلافه.
ونتيجة ذلك : وجوب الإمساك بقيّة النهار بلا فرق بين ما إذا كان الانكشاف قبل الزوال أم بعده ، لوحدة المناط ، وهو انكشاف كونه مأموراً بالصوم واقعاً من الأوّل.
بل يجب الإمساك حتّى لو كان قد أفطر قبل ذلك كما لا يخفى.
ولا شك حينئذٍ في وجوب القضاء ، كما لا إشكال في وجوبه أيضاً وإن لم يفطر فيما لو كان الانكشاف بعد الزوال ، لفوات محلّ النيّة ، فلم يتمّ له صوم هذا اليوم.
وأمّا لو انكشف قبل الزوال : فلا نقص في ذات المأمور به من غير ناحية الإخلال بالنيّة اللازم رعايتها من لدن طلوع الفجر ، حيث قد أخلّ بها جهلاً
.................................................................................................
بالموضوع ، ولم يرد نصّ في خصوص المقام يسوّغ التجديد ، وإنّما ورد في غيره كالمسافر أو الجاهل بكون اليوم من رمضان وقد قدم أو علم قبل الزوال ، فإن ألحقناه به لفهم عدم الخصوصيّة فهو ، وإلّا كان مقتضى القاعدة عدم إجزاء الناقص عن الكامل.
ويجري هذا في غير المريض أيضاً ، كمن قصد الإفطار زعماً منه بطريق شرعي أنّ المقصد الذي يزمع المسير إليه يبلغ المسافة الشرعيّة فانكشف الخلاف قبل الزوال وقبل أن يتناول المفطر ، حيث يستبان له الأمر بالصوم من الأوّل وإن كان يجوز له الإفطار بحسب الحكم الظاهري.
وعلى الجملة : المقتضي لصحّة الصوم المزبور موجود ، إذ لا قصور في ذاته من غير جهة النيّة ، فإن تمّ الدليل على الإلحاق المذكور من إجماعٍ ونحوه فهو ، وإلّا حكم بالبطلان والقضاء ، لهذه العلّة ، وقد عرفت عدم الدليل.
ومنها : ما لو كان مستنداً فيما تخيّله من الضرر إلى القطع الوجداني ، أو كان مستنداً إلى الحجّة الشرعيّة غير أنّ الضرر كان بالغاً حينئذٍ حدّ الحرمة.
وحيث قد عرفت امتناع الامتثال ، لانسداد باب الاحتياط وقتئذٍ ، إذ معنى للرجاء فيما قامت فيه الحجّة على الحرمة ، كما لا معنى لخطاب القاطع على خلاف قطعه ، فالأمر الواقعي بالصوم ساقط من الأوّل لا محالة ، لوجود المانع عن فعليّته ، وهو الاعتقاد الجزمي أو الطريق الشرعي القائم على التحريم.
ومع ذلك كلّه لو انكشف الخلاف وجب عليه الإمساك وإن لم يكن مكلّفاً بالصوم من الأوّل ، وذلك من أجل أنّ الاستثناء في كلامه سبحانه إنّما تعلّق بموردين : المسافر والمريض ، وشيء منهما غير منطبق عليه حسب الفرض ، فلا مانع إذن من اندراجه في مناط عقد المستثنى منه ، وإن لم يشمله خطابه فإنّ ذلك
.................................................................................................
مستند إلى وجود المانع المزبور كما عرفت لا إلى عدم تحقّق المقتضي. وعليه ، فلا يجوز له الإفطار بعد ذلك عامداً ، فهو نظير من أبطل صومه المحكوم بوجوب الإمساك بقيّة النهار.
ويمكن الاستدلال له بإطلاق جملة من الأخبار مثل ما ورد : من أنّ من جامع أهله نهار رمضان فعليه كذا ، فإنّ الخارج منه إنّما هو المريض أو المسافر اللّذان هما موردٌ للتخصيص من الأوّل.
أمّا من لم يكن كذلك وإنّما كان مخطئاً في اعتقاده ، فلا مانع فيه من التمسّك بالإطلاق المزبور ويثبت الحكم في غير الجماع بالقطع بعدم الفرق.
وبالجملة : فالظاهر أنّه لا ينبغي الاستشكال في وجوب الإمساك في هذه الصورة أيضاً. فإن كان الانكشاف بعد الزوال وجب القضاء أيضاً ، وإن كان قبله ففي تجديد النيّة حينئذٍ وعدمه يجري الكلام المتقدّم من الإلحاق بالمسافر والجاهل وعدمه ، فلاحظ.
ومنها : ما لو كان مريضاً يضرّه الصوم واقعاً ، وفي أثناء النهار برئ بعلاجٍ ونحوه بحيث لولاه كان المرض باقياً حقيقةً إلى الغروب.
فإن كان ذلك بعد الزوال فلا شكّ في عدم وجوب الإمساك ، وأنّه لا يحسب له صوم هذا اليوم ، لخروجه عن العمومات بالكتاب والسنّة الناطقين بأنّ المريض غير مأمور بالصوم.
نعم ، يُكره له خصوص الجماع ، للنهي عنه تنزيهاً في نهار رمضان حتّى ممّن لم يكن مأموراً بالصيام على ما نطقت به النصوص.
وإن كان قبل الزوال فلا إشكال أيضاً فيما لو كان قد أفطر قبل ذلك ، لما عرفت.
.................................................................................................
وأمّا لو لم يفطر فهو على قسمين :
إذ تارةً : يكون الإفطار واجباً عليه ولو بشرب دواء ونحوه ، حفظاً لنفسه عن التعريض للهلكة ونحوها بحيث يكون عاصياً في إمساكه وعدم إفطاره.
وأُخرى : لم يكن واجباً وإن كان سائغاً ، لعدم البلوغ حدّ الضرر المحرّم ، أو كان بالغاً ولكنّه لم يتمكّن ولو للعجز عن تحصيل الدواء مثلاً أو لغفلة أو نسيان ونحو ذلك بحيث لم يكن آثماً في إمساكه ، ولم يقع منه على وجه محرّم ، لكونه معذوراً فيه.
لا شك في عدم المجال لتجديد النيّة في القسم الأوّل ، ضرورة أنّ الإمساك المنهي عنه لا ينقلب عمّا وقع ليكون مأموراً به ويتّصف بالعباديّة كما لو أمسك رياءً ، فإنّ دليل التجديد منصرف عن مثله قطعاً.
وأمّا في القسم الثاني : فيبتني جواز التجديد على الإلحاق المزبور وعدمه حسبما عرفت.
والأظهر عدم الإلحاق ، لخروجه بالتخصيص بمقتضى الآية المباركة ، وعدم كونه مكلّفاً بالصوم من الأوّل ، ولو أفطر كان سائغاً حتّى واقعاً فلا يشمله دليل التجديد ليجتزئ بما بقي من النهار عن قضاء الصوم الواجب عليه تعييناً بمقتضى ظاهر الآية المباركة ، فإنّ السقوط بذلك يحتاج إلى الدليل ولا دليل عليه. فالظاهر عدم الاجتزاء بتجديد النيّة ، بل يجوز له الإفطار حتّى ما بعد البرء ، لأنّه قد خُصِّص من الأوّل.
الخامس : الخلوّ من الحيض والنفاس (1) ، فلا يجب معهما وإن كان حصولهما في جزء من النهار.
السادس : الحَضَر ، فلا يجب على المسافر (2) الذي يجب عليه قصر الصلاة ، بخلاف من كان وظيفته التمام كالمقيم عشراً والمتردّد ثلاثين يوماً والمكاري ونحوه والعاصي بسفره ، فإنّه يجب عليه التمام ، إذ المدار في تقصير الصوم على تقصير الصلاة ، فكلّ سفر يوجب قصر الصلاة يوجب قصر الصوم وبالعكس.
[2506] مسألة 1 : إذا كان حاضراً فخرج إلى السفر (3) : فإن كان قبل الزوال وجب عليه الإفطار (1)، وإن كان بعده وجب عليه البقاء على صومه.
(1) كما تقدّم البحث حول ذلك في شرائط الصحّة (2)، وعرفت دلالة النصوص على أنّ الدم يفطر الصائمة ولو قبل مغيب الشمس بلحظة ، الكاشفة عن اشتراط الوجوب بعدمه.
(2) كما تقدّم الكلام حوله مستقصًى في الفصل السابق (3)، وعرفت أنّ السفر الذي يكون عدمه معتبراً في الصوم هو خصوص ما يكون محكوماً فيه بقصر الصلاة لا مطلقاً ، فلا إفطار فيما كان محكوماً بالتمام ، للملازمة الثابتة من الطرفين ، فكلّما قصّرت أفطرت وكلّما أفطرت قصّرت حسبما مرّ.
(3) قد عرفت استثناء المسافر كالمريض بنصّ الكتاب العزيز ، وحينئذٍ فإن
وإذا كان مسافراً وحضر بلده أو بلداً يعزم على الإقامة فيه عشرة أيّام : فإن كان قبل الزوال ولم يتناول المفطر وجب عليه الصوم ، وإن كان بعده أو تناول فلا ،
كان مسافراً في تمام الوقت أو حاضراً كذلك فلا إشكال في تعيّن الإفطار على الأوّل ، كالصوم على الثاني.
وأمّا لو تبعّض فكان حاضراً في بعضه ومسافراً في بعضه الآخر ، فقد يكون حاضراً يعرضه للسفر ، وأُخرى ينعكس فيصبح المسافر حاضراً إمّا بدخول بلده أو محلّ إقامته.
فإن كان الأوّل : فقد تقدّم البحث عنه مستقصًى في الفصل السابق ، وعرفت أنّ السفر إن كان بعد الزوال بقي على صومه مطلقاً ، وإن كان قبله يفصّل بين تبييت النيّة وعدمه ، وعرفت أنّ الأحوط مع عدم التبييت الجمع بين الأداء والقضاء ، فراجع ولا نعيد (1).
وإن كان الثاني : فالمعروف والمشهور من دون خلاف ظاهر عدا ما يُنسَب إلى إطلاق كلامي ابن زهرة والشيخ (2)التفصيل بين القدوم بعد الزوال فلا صوم له مطلقاً ، وبين القدوم قبله فلا صوم له أيضاً إن كان قد أفطر وإلّا جدّد النيّة وبقي على صومه.
هذا ، ومقتضى إطلاق ما نُسِب إلى ابن زهرة من استحباب الإمساك للمسافر إذا قدم أهله عدم وجوب الصوم حتّى إذا كان القدوم قبل الزوال ولم يكن مفطراً.
.................................................................................................
كما أنّ عكسه يُنسَب إلى إطلاق كلام الشيخ من أنّه متى ما دخل بلده ولم يفعل ما ينقض الصوم أتمّ صومه ولا قضاء عليه ، الشامل لما إذا كان الدخول بعد الزوال.
ولكن الإطلاق على تقدير كونه مراداً لهما قولٌ شاذّ لا يُعبأ به ، ولا يمكن المساعدة عليه بوجه ، لمنافاته مع النصوص الكثيرة الواردة على طبق مقالة المشهور :
منها : موثّقة أبي بصير : قال : سألته عن الرجل يقدم من سفره في شهر رمضان «فقال : إن قدم قبل زوال الشمس فعليه صيام ذلك اليوم ويعتدّ به» (1).
فإنّها بعد ملاحظة ظهور : «فعليه» إلخ ، في الوجوب كالصريحة في المدّعى. نعم ، لم يفرض فيها عدم الإفطار قبل ذلك ، ولكن يمكن استفادته من نفس الموثّقة ، نظراً إلى التعبير ب- «صيام ذلك اليوم» ، لوضوح عدم تحقّق الصيام المزبور إلّا مع عدم سبق الإفطار ، وإلّا لقال : عليه صيام بقيّة النهار ، فإسناد الصوم إلى تمام اليوم كشفٌ عن فرض عدم سبق الإفطار كما لا يخفى.
ومع الغضّ عن ذلك فغايته استفادة التقييد من الروايات الأُخر.
ومنها : ما رواه الشيخ بإسناده عن سماعة ، قال : سألته عن الرجل كيف يصنع إذا أراد السفر؟ إلى أن قال : «إن قدم بعد زوال الشمس أفطر ولا يأكل ظاهراً ، وإن قدم من سفره قبل زوال الشمس فعليه صيام ذلك اليوم إن شاء» (2).
ولكنّها ضعيفة السند وإن عُبّر عنها بالموثّقة في بعض الكلمات ، فإنّ علي بن السندي الواقع في الطريق لم يوثّق. نعم ، وثّقه نصر بن الصباح (3)، ولكنّه بنفسه لم يُوثَّق ، فلا أثر لتوثيقه.
.................................................................................................
ودعوى أنّ المراد به هو علي الميثمي الثقة ، غير ثابتة ، لاختلاف الطبقة حسبما أشرنا إليه في المعجم (1).
نعم ، مع الغضّ عن السند فالدلالة ظاهرة ولا مجال للمناقشة فيها بظهور المشيئة في التخيير فتعارض موثّقة أبي بصير المتقدّمة.
إذ الظهور المزبور إنّما يسلّم لو كان التعبير هكذا : فله صيام ذلك اليوم إن شاء ، بدل قوله : «فعليه» إلخ.
أمّا التعبير ب- «على» فهو ظاهر في الوجوب ، وحيث إنّه لا يجتمع مع المشيئة فلا بدّ إذن من حملها على المشيئة السابقة على دخول البلد ، يعني : هو مخيّر ما دام في الطريق وقبل أن يدخل بين أن يفطر فلا يجب عليه الصوم ، وبين أن لا يفطر ويدخل البلد ممسكاً فيجب عليه الصوم ، فالمشيئة إنّما هي باعتبار المقدّمة وأنّ له اختيار الصوم باختيار مقدّمته وهو الإمساك قبل الحضور ، كما له اختيار الإفطار حينئذٍ لا باعتبار نفس الصوم ، لما عرفت من منافاة المشيئة فيه مع الظهور في الوجوب المستفاد من كلمة «عليه» ، وقد صرّح بالتخيير المزبور في بعض الروايات الأُخر كما ستعرف.
ومنها : ما رواه الكليني بسنده عن يونس في حديث - : قال في المسافر يدخل أهله وهو جنب قبل الزوال ولم يكن أكل : فعليه أن يتمّ صومه ولا قضاء عليه ، يعني : إذا كانت جنابته عن احتلام (2).
وقد تضمّنت قيدين لوجوب الصيام : الدخول قبل الزوال ، وعدم الأكل الظاهر في انتفاء الوجوب طبعاً بانتفاء أحد القيدين ، فلا أمر بالإتمام لو دخل بعد الزوال ، أو دخل قبله وقد أكل ، فهي من حيث الدلالة واضحة.
.................................................................................................
وأمّا من حيث السند فهي على ما في الوسائل الطبعة الحديثة من ذكر لفظة «قال» مرّة واحدة (1)مقطوعة ، أي غير منسوبة إلى الإمام (عليه السلام) ، وإنّما هي فتوى يونس نفسه ، ولها نظائر في الكافي ولا سيما عن يونس كما لا يخفى.
ولكن الموجود في الكافي تكرار اللفظة فرواها هكذا : عن يونس في حديث قال : قال ... إلخ ، فهي إذن مضمرة لا مقطوعة ، ويجرى عليها حينئذٍ حكم سائر المضمرات المعتبرة ، نظراً إلى أنّ يونس لا يروي عن غير الإمام (عليه السلام) بحيث ينقلها الكافي وكذا الشيخ في كتابيه (2).
على أنّ الصدوق رواها بعينها عن يونس عن موسى بن جعفر (عليه السلام) (3)، فلا إشكال في السند أيضاً ، ومناقشة ابن الوليد في روايات محمّد بن عيسى عن يونس مردودة لدى من تأخّر عنه كما مرّ غير مرّة.
وأمّا قوله : وهو جنب ، فلا إطلاق له يشمل البقاء على الجنابة متعمّداً لكي يكون مفطراً قبل الدخول ويتنافى مع مقالة المشهور ، بل هو محمول على الجنابة الاحتلاميّة ، للتصريح بذلك في الذيل بقوله : يعني ... إلخ ، سواء أكان ذلك من كلام الإمام (عليه السلام) أم الراوي ، أمّا على الأوّل فواضح ، وكذا على الثاني الذي احتمله الشيخ لأنّ الراوي وهو يونس يرويها عن الإمام (عليه السلام) هكذا ، وأنّه (عليه السلام) إنّما قال ذلك في فرض الاحتلام لا التعمّد ، فيصدق طبعاً في حكايته.
ثمّ إنّه قد يستظهر من جملة أُخرى من النصوص خلاف ذلك فيُدّعى ظهورها
.................................................................................................
في التخيير بين الصوم وعدمه ، الذي لا قائل به.
ولكن الظاهر عدم الدلالة على ذلك ، بل هي ناظرة إلى ما أشرنا إليه من التخيير في المقدّمة وقبل دخول البلد لا بعد ما دخل ، فلا تكون منافية للنصوص المتقدّمة الظاهرة في الوجوب حينئذ.
منها : صحيحة رفاعة بن موسى ، قال : سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يقبل في شهر رمضان من سفر حتّى يرى أنّه سيدخل أهله ضحوة أو ارتفاع النهار «قال : إذا طلع الفجر وهو خارج ولم يدخل فهو بالخيار ، إن شاء صام وإن شاء أفطر» (1).
فإنّها ظاهرة في اختصاص الخيار بما قبل الدخول.
ومنها : صحيحة محمّد بن مسلم ، قال : سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الرجل يقدم من سفر في شهر رمضان فيدخل أهله حين يصبح أو ارتفاع النهار «قال : إذا طلع الفجر وهو خارج ولم يدخل أهله فهو بالخيار ، إن شاء صام وإن شاء أفطر» (2).
فإنّ الخيار فيها مقيّد بطلوع الفجر وهو خارج ولم يدخل أهله ، فلا خيار فيما لو طلع الفجر وهو داخل ، أو طلع وكان خارجاً إلّا أنّه دخل أهله بعد ذلك ، أي عند ارتفاع النهار وقبل الزوال. فهي أيضاً واضحة الدلالة على أنّ الخيار إنّما هو في ظرف عدم الدخول لا بعده.
ومثلها صحيحته الأُخرى وإن لم تكن بهذا الظهور عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث - : «قال : فإذا دخل أرضاً قبل طلوع الفجر وهو يريد الإقامة بها فعليه صوم ذلك اليوم ، وإن دخل بعد طلوع الفجر فلا صيام عليه ،
وإن استحبّ له الإمساك بقيّة النهار (1).
وإن شاء صام» (1).
فإنّ نفي الصيام عنه مستند إلى ما افترضه من كونه مسافراً حال الطلوع ، ولا صيام على المسافر كما هو ظاهر ، ومع ذلك فقد علّق الصوم على مشيئته بقوله (عليه السلام) : «وإن شاء صام» ، غير أنّه لم تبيّن كيفيّته في هذه الرواية ، وقد أُشير إليها في الروايات الأُخر من اختيار الإمساك وهو في الطريق إلى أن يدخل بلده قبل الزوال فيجدّد النيّة ويصوم.
إذن فالروايات بمجموعها تدلّ على مقاله المشهور حسبما عرفت.
(1) أمّا بالنسبة إلى مَن دخل قبل الزوال مفطراً فقد دلّت عليه جملة من الروايات ، التي منها موثّقة سماعة ، قال : سألته عن مسافر دخل أهله قبل زوال الشمس وقد أكل «قال : لا ينبغي له أن يأكل يومه ذلك شيئاً ، ولا يواقع في شهر رمضان إن كان له أهل» (2).
ومعتبرة يونس ، قال : قال في المسافر الذي يدخل أهله في شهر رمضان وقد أكل قبل دخوله «قال : يكفّ عن الأكل بقيّة يومه وعليه القضاء» (3).
وأمّا بالنسبة إلى من دخل بعد الزوال فلم نجد عاجلاً ما يدلّ على استحباب الإمساك ، بل لعلّ الوجه الاعتباري يقتضي التفصيل واختصاص الاستحباب بالأول ، نظراً إلى أنّ الداخل ما قبل الزوال بما أنّه كان في معرض الوجوب لفعليّته عليه لو لم يفطر في الطريق فيستحبّ له التشبّه بالصائمين مواساةً بهم.
والظاهر أنّ المناط كون الشروع في السفر قبل الزوال أو بعده لا الخروج عن حدّ الترخّص (1) ، وكذا في الرجوع المناط دخول البلد ، لكن لا يُترك الاحتياط بالجمع إذا كان الشروع قبل الزوال والخروج عن حدّ الترخّص بعده ، وكذا في العود إذا كان الوصول إلى حدّ الترخّص قبل الزوال والدخول في المنزل بعده.
وأمّا الداخل بعد الزوال فحاله من حيث عدم وجوب الصوم عليه معلوم ، سواء أكل أم لا.
وكيفما كان ، فلم نعثر على ما يدلّ على الاستحباب في الثاني. نعم ، دلّت رواية سماعة المتقدّمة (1)التي عرفت أنّها ضعيفة السند بعلي بن السندي على عدم التجاهر بالأكل ظاهراً ، احتراماً لشهر رمضان ، ولكن هذا أمر آخر غير استحباب الإمساك حتّى في بيته ، الذي هو محلّ الكلام كما لا يخفى.
(1) تقدّم في بحث صلاة المسافر أنّ مبدأ المسافة الشرعيّة الامتداديّة أو التلفيقيّة المحكوم فيها بوجوب التقصير هو أوّل زمان يتّصف فيه المسافر بهذا الوصف العنواني أعني : كونه مسافراً وهو زمان الخروج من البلد والشروع في الابتعاد عنه. فلا جرم كان البلد هو مبدأ احتساب المسافة المزبورة حسبما هو مقتضى ظواهر الأدلّة ، ولا تنافي بين ذلك وبين أن لا يكون هذا المسافر محكوماً بالقصر إلّا بعد بلوغه حدّ الترخّص ، فإنّ ذلك من التخصيص في الحكم لا التحديد في الموضوع ، فهو قبل بلوغ الحدّ مسافرٌ لا يجب عليه القصر لا أنّه ليس بمسافر كما لا يجوز له الإفطار أيضاً ، للملازمة بين الأمرين حسبما مرّ.
1) في ص 16.
[2507] مسألة 2 : قد عرفت التلازم بين إتمام الصلاة والصوم وقصرها والإفطار ، لكن يُستثنى من ذلك موارد :
أحدها : الأماكن الأربعة ، فإنّ المسافر يتخيّر فيها بين القصر والتمام في الصلاة ، وفي الصوم يتعيّن الإفطار (1).
الثاني : ما مرّ من الخارج إلى السفر بعد الزوال ، فإنّه يتعيّن عليه البقاء على الصوم مع أنّه يقصّر في الصلاة (2).
إذن فما دلّت عليه الروايات المتقدّمة من التفصيل بين الخروج إلى السفر قبل الزوال فيفطر إمّا مع التبييت أو مطلقاً ، أو بعده فيبقى على صومه ، يراد به الشروع في السفر الذي عرفت أنّ الاعتبار فيه بالخروج من البلد.
هذا في الذهاب.
وكذا الحال في الإياب ، فإنّ المذكور في الروايات هو عنوان قدوم الأهل أو البلد ، أو أرضاً يريد الإقامة فيها. فهذا أعني : مراعاة البلد نفسه هو الميزان والمدار في الصوم والإفطار ، ولا عبرة بحدّ الترخّص ، فإذا كان قدومه فيه بعد الزوال أفطر وإن كان قد بلغ حدّ الترخّص قبل الزوال ، لما عرفت من أنّ هذا الحدّ حدٌّ للأحكام لا للسفر نفسه ، فإنّه لا يصدق في الفرض المزبور أنّه قدم بلده أو أهله قبل الزوال لكي يبقى على صومه كما هو واضح.
(1) أخذاً بإطلاقات أدلّة الإفطار في السفر بعد اختصاص دليل التخيير بالصلاة خاصّة ، فيكون ذلك بمثابة التخصيص في دليل الملازمة.
(2) تقدّم في بحث صلاة المسافر أنّ العبرة في القصر والتمام بملاحظة حال الأداء لا حال تعلّق الوجوب ، فلو كان في أوّل الوقت حاضراً فسافر قصر في
الثالث : ما مرّ من الراجع من سفره ، فإنّه إن رجع بعد الزوال يجب عليه الإتمام مع أنّه يتعيّن عليه الإفطار.
[2508] مسألة 3 : إذا خرج إلى السفر في شهر رمضان لا يجوز له الإفطار إلّا بعد الوصول إلى حدّ الترخّص (1) ، وقد مرّ سابقاً وجوب الكفّارة عليه إن أفطر قبله.
صلاته ، وفي عكسه أتمّ ، على ما استفدناه من الأدلّة حسبما تقدّم في محلّه (1).
وأمّا من حيث الصوم فقد تقدّم قريباً أنّ الخروج إلى السفر بعد الزوال يقدح في صحّة الصوم ، والرجوع منه بعده يقدح (2). وبذلك يظهر الوجه في استثناء الموردين المذكورين في المتن من حكم التلازم.
(1) فكما أنّ الترخّص حدٌّ للتقصير فكذلك حدٌّ للإفطار ، لما عرفت من القاعدة المتضمّنة للملازمة بين الأمرين ، وحيث لا تقصير قبله قطعاً فلا إفطار أيضاً.
بل تجب عليه الكفّارة أيضاً لو أفطر قبله كما في الجواهر (3)وغيره عملاً بإطلاقات الكفّارة لدى الإفطار العمدي ، وقد تقدّم (4)أن تعقّب الإفطار بالسفر لا يوجب سقوط حكمه ، فلو أفطر في بلده أو قبل أن يرخّص فيه فسافر لم تسقط الكفّارة بذلك ، لإطلاق الأدلّة.
[2509] مسألة 4 : يجوز السفر اختياراً في شهر رمضان ، بل ولو كان للفرار من الصوم (1) كما مرّ. وأمّا غيره من الواجب المعيّن ، فالأقوى (1)عدم جوازه إلّا مع الضرورة ، كما أنّه لو كان مسافراً وجب عليه الإقامة لإتيانه مع الإمكان (2).
(1) تقدّم البحث حول هذه المسألة في المسألة الخامسة والعشرين من فصل ما يوجب الكفّارة مستقصًى. وعرفت أنّ جملة من الروايات دلّت على عدم الجواز وكلّها ضعاف ، ما عدا رواية واحدة رواها في الخصال في حديث الأربعمائة (2)، فإنّها معتبرة عندنا ، لأنّ الذي يُغمَز فيه وهو الحسن بن راشد الواقع في سلسلة السند موجود في أسناد كامل الزيارات.
ولكنّها محمولة على الكراهة جمعاً بينها وبين صحيحتي محمّد بن مسلم والحلبي الصريحتين في الجواز ، فراجع ولاحظ (3).
(2) قد عرفت أنّ صحّة صوم رمضان كوجوبه مشروطة بالحضر ، وأنّ المسافر موظّفٌ بعدّةٍ من أيّامٍ أُخر ، فهل الحكم يعمّ طبيعي الصوم المعيّن أمّا بالأصالة كنذر يوم معيّن ، أو بالعرض كالقضاء المضيّق على القول بالتضييق فكما ساغ له السفر اختياراً في رمضان ولو فراراً لإناطة الوجوب بالحضور الملازم لسقوطه بالسفر ، لعدم لزوم تحصيل شرط التكليف فكذا الحال في مطلق المؤقّتات المعيّنة فلا يجب عليه قصد الإقامة لو كان مسافراً وفاءً بنذره
.................................................................................................
مثلاً كما لا يُمنع عن السفر لو كان حاضراً ، لعدم استلزامه مخالفة النذر ، ولا عصياناً لقضاء الواجب المعيّن ونحوه ، بعد اشتراط الوجوب في الجميع بالحضور وانتفاء الموضوع باختيار السفر؟
أو أنّ الحكم خاصّ بشهر رمضان والاشتراط فيه لا يلازم الاشتراط في غيره ، فلا يجوز له السفر وتجب عليه الإقامة مقدّمةً للوفاء بالنذر ولامتثال الواجب المطلق المنجّز عليه إلّا لضرر أو ضرورة يسوغ معها ترك الواجب من أجل المزاحمة؟
فيه كلام بين الأعلام ، والكلام يقع فعلاً في النذر ونحوه ممّا وجب بالجعل والالتزام ، ومنه يُعرف الحال في غيره ممّا وجب بسببٍ آخر.
فنقول : يفرض النذر في المقام على ثلاثة أقسام :
إذ تارةً : يتعلّق بالصوم ولكن مشروطاً بالحضور ومعلّقاً على الإقامة ، فلا التزام بالصوم على تقدير السفر ، لقصور المقتضي من الأوّل ، وهذا خارج عن محلّ الكلام قطعاً ، ويجوز له السفر اختياراً بلا إشكال ، إذ ليس فيه أيّ مخالفة للنذر بعد أن كان التزامه النذري محدوداً لا مطلقاً كما هو واضح.
وأُخرى : يتعلّق النذر بكلٍّ من الصوم والإقامة ، فينذر البقاء في البلد والصيام في اليوم المعيّن ، وهذا أيضاً خارج عن محلّ الكلام ، إذ لا ريب في أنّه لو سافر فقد خالف نذره وكانت عليه كفّارة الحنث.
وإنّما الكلام في القسم الثالث ، وهو : ما لو تعلّق النذر بالصوم من غير تعليق على الحضور ومن غير التزام به فلم يتعلّق الإنشاء النذري إلّا بمجرّد الصوم في اليوم الكذائي ، غير أنّه قد علم من الخارج دخل الحضور في صحّة الصوم وبطلانه في السفر ، فهل يحرم عليه السفر وتجب الإقامة مقدّمةً للوفاء بالنذر ، أو لا؟ نظراً إلى أنّ متعلّق النذر لمّا كان هو الصوم الصحيح وهو متقوّم بالحضور ،
.................................................................................................
فلا جرم كان وجوب الوفاء مشروطاً به.
فنقول : لا ينبغي التأمّل في أنّ مقتضى القاعدة مع الغضّ عن ورود نصّ خاصّ في المقام هو عدم الاشتراط ، تمسّكاً بإطلاق دليل الوفاء بعد القدرة عليه بالقدرة على مقدّمته ، وهو ترك السفر أو قصد الإقامة ، فيجب من باب المقدّمة. ومن المعلوم أنّ ثبوت الاشتراط في صوم رمضان لدليل خاصّ لا يستلزم الثبوت في غيره بعد فرض اختصاص الدليل به ، وكون الصوم حقيقة واحدة لا ينافي اختصاص بعض الأقسام ببعض الاحكام كما لا يخفى.
إذن فلو كنّا نحن ودليل وجوب الوفاء بالنذر كان مقتضاه وجوب الوفاء وعدم جواز الخروج للسفر.
إلّا أنّ هناك عدّة روايات يستفاد منها أنّ طبيعي الصوم أيّاً ما كان مشروطٌ وجوباً وصحّةً بالحضور كما هو الحال في صوم شهر رمضان ، ولا ضير في الالتزام به حتّى في موارد النذر ، فإنّه وإن كان الالتزام النذري مطلقاً إلّا أنّه قابل للتقييد من ناحية الشرع ، فيقيِّد من بيده الأمر وجوب الوفاء بما التزم بما إذا كان مقيماً حاضراً ، لا على سبيل الإطلاق ، لكي تجب الإقامة بحكم العقل مقدّمةً للوفاء.
والعمدة منها روايتان كما ستعرف.
وأمّا الاستدلال لذلك برواية عبد اللّه بن جندب ، قال : سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عبّادُ بن ميمون وأنا حاضر عن رجل جعل على نفسه نذر صوم ، وأراد الخروج في الحجّ ، فقال عبد اللّه بن جندب : سمعت من زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه سأله عن رجل جعل على نفسه نذر صوم يصوم فمضى فيه (فحضرته نيّة) في زيارة أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال : يخرج ولا
.................................................................................................
يصوم في الطريق ، فإذ رجع قضى ذلك» (1).
ففي غير محلّه ، لاختصاص موردها بالنذر ، فيحتاج التعدّي لمطلق الصوم إلى دليل آخر. هذا أوّلاً.
وثانياً : أنّها قاصرة السند ، لعدم ثبوت وثاقة يحيى بن المبارك على المشهور ، على أنّها مرسلة ، فإنّ كلمة : من زرارة ، الموجودة في الوسائل هنا سهوٌ قطعاً إمّا من قلمه الشريف أو من النسّاخ ، والصحيح كما في الكافي والتهذيب ، وفي الوسائل نفسه في كتاب النذر : مَن رواه (2)، بدل : من زرارة ، ولعلّ تشابه الحروف أو جب التصحيف. إذن فلم يُعلَم من يروي عنه عبد اللّه بن جندب ، فتتّصف طبعاً بالإرسال.
وهناك اشتباهان آخران من صاحب الوسائل في هذه الرواية :
أحدهما : أنّه زاد في السند قوله : عن أبي جميلة (3)، مع أنّه غير موجود في الكافي والتهذيب ، ولم يذكره أيضاً في كتاب النذر ، بل رواها عبد اللّه بن جبلّة عن إسحاق بن عمّار بلا واسطة ، وهو الصحيح.
ثانيهما : كلمة «أبا عبد اللّه (عليه السلام)» (4)، بعد قوله : «سأل» فإنّها مستدركة ، لعدم استقامة المعنى حينئذٍ ، ضرورة أنّ المسئول لو كان هو الإمام (عليه السلام) فكيف تصدّى ابن جندب للجواب بما سمعه مرسلاً أو مسنداً
.................................................................................................
عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) وهو (عليه السلام) بنفسه حاضر؟! فالكلمة زيادة قطعاً ، ولذا لم تُذكَر لا في الكافي ولا في التهذيب ولا في نذر الوسائل ، بل المسئول إمّا أنّه غير مذكور لو كانت النسخة : سأل عبّاد بن ميمون كما في الكافي أو أنّه هو عبد اللّه بن جندب نفسه لو كانت النسخة : سأله (عليه السلام) ، كما في التهذيب.
وكيفما كان ، ففي هذه الرواية اشتباهات من صاحب الوسائل في المقام. وقد عرفت أنّها مع اختصاصها بالنذر غير نقيّة السند ، فلا تصلح للاستدلال بها بوجه.
والعمدة روايتان كما عرفت :
الأُولى : صحيحة علي بن مهزيار في حديث قال : كتبت إليه يعني : إلى أبي الحسن (عليه السلام) يا سيّدي ، رجل نذر أن يصوم يوماً من الجمعة دائماً ما بقي ، فوافق ذلك اليوم يوم عيد فطر أو أضحى أو أيّام التشريق أو سفر أو مرض ، هل عليه صوم ذلك اليوم أو قضاؤه؟ وكيف يصنع يا سيّدي؟ فكتب إليه : «قد وضع اللّه عنه الصيام في هذه الأيّام كلّها ، ويصوم يوماً بدل يوم إن شاء اللّه» (1).
قوله : يوماً من الجمعة ، إمّا أن يراد به يوماً معيّناً من الأُسبوع أو خصوص يوم الجمعة ، وعلى التقديرين فقد دلّت على أنّ طبيعي الصوم الذي أوجبه اللّه سواء أوَجب بسبب النذر أم بغيره مشروطٌ وجوبه بالحضور وأنّه ساقط في هذه الأيّام كلّها التي منها أيّام السفر ، وأنّه متى صادف هذه الأيّام يقضيه ويصوم يوماً بدل يوم. وهذا هو معنى الاشتراط.
1) الوسائل 23 : 310 / كتاب النذر والعهد ب 10 ح 1.
.................................................................................................
الثانية : موثّقة زرارة ، قال : قلت لأبي جعفر (عليه السلام) : إنّ أُمّي كانت جعلت عليها نذراً : إن اللّه ردّ (إن يردّ اللّه) عليها بعض ولدها من شيء كانت تخاف عليه أن تصوم ذلك اليوم الذي يقدم فيه ما بقيت ، فخرجت معنا مسافرةً إلى مكّة فأشكل علينا لمكان النذر ، أتصوم أو تفطر؟ «فقال : تصوم ، قد وضع اللّه عنها حقّه ، وتصوم هي ما جعلت على نفسها» إلخ (1)، وأوردها عنه بسند آخر مع نوع اختلاف في المتن في كتاب النذر (2).
يعني : أنّ اللّه تعالى قد وضع حقّه المجعول ابتداءً فأسقط الصوم في السفر ، فكيف بالحقّ الذي جعلته هي على نفسها بسبب النذر؟! فإنّه أولى بالسقوط ، فإنّ جملة «وتصوم هي» إلخ ، بمثابة الاستفهام الإنكاري كما لا يخفى.
إذن فهذه الرواية المعتبرة كسابقتها واضحة الدلالة على أنّ طبيعي الصوم بأيّ سببٍ وجب من نذرٍ أو غيره مشروط وجوبه كصحّته بعدم السفر.
ومن هنا ذهب جمع من المحقّقين إلى عدم الفرق في الاشتراط بين صيام رمضان وغيره وأنّ الوجوب مطلقاً مشروط بالحضور ، ويسقط بالسفر استناداً إلى ما عرفت ، غايته أنّ الروايات من حيث وجوب القضاء بعد ذلك وعدمه مختلفة ، وذاك بحث آخر ، وكلامنا فعلاً في الاشتراط وعدمه ، وما ذكروه من الاشتراط هو الصحيح حسبما عرفت.
ثمّ إنّه قد صرّح بعضهم بجريان هذا الحكم فيما وجب بالإجارة أيضاً ، فلو كان أجيراً لزيد في صوم يومٍ معيّن ساغ له السفر وسقط عنه وجوب الوفاء ، لأنّ التكليف به كسائر أقسام الصيام مشروط بالحضر بمناط واحد.
.................................................................................................
أقول : لا ريب في أنّ الأجير المزبور لو سافر ليس له أن يصوم ، للنهي عنه في السفر كما مرّ ، إلّا أنّ الكلام في جواز السفر وعدمه ، وأنّ وجوب الوفاء هنا هل هو مشروط أيضاً ، أو أنّه مطلق؟
الظاهر هو الثاني ، بل لا ينبغي التأمّل فيه.
وتوضيحه : أنّك قد عرفت في وجوه تصوير النذر في المقام أنّه يمكن إنشاؤه معلّقاً على الحضور ، ومعه لا خلاف كما لا إشكال في جواز السفر ، لقصور المقتضي من الأوّل وعدم وجوب تحصيل شرط الوجوب.
ولكن هذا لا يجري في باب الإجارة ، لقيام الإجماع على بطلان التعليق في العقود إلّا فيما قام الدليل عليه كما في الوصيّة والتدبير.
نعم ، لو جرى التعليق فيها كان التمليك من الأوّل معلّقاً على الحضر كما في النذر ، لعدم استحالة التعليق في المنشئات ، غير أنّه باطل في غير ما ثبت بالدليل كما عرفت ، فلا بدّ إذن من فرض الكلام في الإجارة المطلقة غير المعلّقة على الحضور ، وإلّا لكانت الإجارة باطلة في نفسها سواء أسافر أم لا.
ومن البيّن أنّ الإجارة المزبورة غير مشمولة للنصوص المتقدّمة لتدلّ على انسحاب الاشتراط إليها ، كيف؟! وقد ملك المستأجر العمل في ذمّة الأجير بمجرّد العقد من غير إناطة على الحضر حسب الفرض ، ومعه كيف يرخّص الشارع في تضييع هذا الحقّ وعدم تسليم المال إلى مالكه؟! وبعبارة اخرى : النصوص المذكورة ناظرة إلى ما تضمّن الحكم التكليفي المحض وأنّ ما كان حقّا لله سبحانه إمّا ابتداءً أو بعد الجعل والالتزام كما في النذر فهو مشروط بالحضور وساقط عند السفر ، وأمّا ما تضمّن الوضع أيضاً وكان مشتملاً على حقّ الناس فتلك الأدلّة قاصرة وغير ناهضة لإسقاط هذا
[2510] مسألة 5 : الظاهر كراهة (1) السفر في شهر رمضان قبل أن يمضي ثلاثة وعشرون يوماً إلّا في حجّ أو عمرة أو مال يخاف تلفه أو أخ يخاف هلاكه.
[2511] مسألة 6 : يكره للمسافر في شهر رمضان بل كلّ من يجوز له الإفطار التملّي من الطعام والشراب ، وكذا يكره له الجماع في النهار ، بل الأحوط تركه وإن كان الأقوى جوازه (2).
الحقّ كي تكون بمثابة التخصيص في دليل وجوب تسليم المال وإيصاله إلى صاحبه كما لا يخفى.
وعلى الجملة : لا تحتمل دلالة هذه النصوص على الترخيص في ارتكاب الغصب. إذن فلا مناص للأجير المزبور من ترك السفر ، ومن قصد الإقامة لو كان مسافراً مقدّمةً للصيام ، وتسليم العمل المملوك إلى مالكه ، فلاحظ.
(1) كما تقدّم في المسألة الخامسة والعشرين من فصل ما يوجب الكفّارة (1).
(2) تدلّ على الحكمين المذكورين في هذه المسألة من كراهية الجماع والامتلاء صحيحة ابن سنان يعني : عبد اللّه قال : سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يسافر في شهر رمضان ومعه جارية له ، أفله أن يصيب منها بالنهار؟ «فقال : سبحان اللّه ، أما يعرف هذا حرمة شهر رمضان؟! إنّ له في الليل سبحاً طويلاً» قلت : أليس له أن يأكل ويشرب ويقصّر؟ «قال : إنّ اللّه تبارك وتعالى قد رخّص للمسافر في الإفطار والتقصير رحمةً وتخفيفاً لموضع التعب والنصب ووعث السفر ، ولم يرخّص له في مجامعة النساء في السفر بالنهار في شهر رمضان
1) شرح العروة 21 : 406 411.
.................................................................................................
إلى أن قال : وإنّي إذا سافرتُ في شهر رمضان ما آكل إلّا القوت وما أشرب كلّ الري» (1).
فقد دلّ ذيلها على كراهية الامتلاء والارتواء ، واستحباب الاقتصار على مقدار الضرورة العرفيّة.
وبما أنّ الظاهر منها أنّ الإفطار ترخيصٌ ورحمة ومنّة على الأُمّة ، ولذلك حسن الاقتصار على مقدار الضرورة رعايةً لحرمة شهر رمضان ، فمن ثمّ يتعدّى إلى مطلق موارد الترخيص من غير خصوصيّة للسفر كما لا يخفى.
كما دلّ صدرها على النهي عن الجماع ، المحمول على الكراهة الشديدة ، جمعاً بينها وبين نصوص أُخر قد دلّت على الجواز صريحاً.
كصحيحة عمر بن يزيد قال : سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يسافر في شهر رمضان ، إله أن يصيب من النساء؟ «قال : نعم» (2).
وصحيحة أبي العبّاس البقباق عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : في الرجل يسافر ومعه جارية في شهر رمضان ، هل يقع عليها؟ «قال : نعم» (3)، ونحوهما غيرهما.
وقد تقدّم جواز مواقعة الأهل لمن يقدم من السفر بعد الزوال ، لصحيح ابن مسلم : عن الرجل يقدم من سفر بعد العصر في شهر رمضان فيصيب امرأته حين طهرت من الحيض ، أيواقعها؟ «قال : لا بأس به» (4).
وردت الرخصة في إفطار شهر رمضان لأشخاص ، بل قد يجب (1):
الأوّل والثاني : الشيخ والشيخة إذا تعذّر عليهما الصوم ، أو كان حرجاً ومشقّة ، فيجوز لهما الإفطار (1) ،
(1) لا إشكال كما لا خلاف في سقوط الصوم عمّن كان حرجاً ومشقّة عليه وكلفة لا تتحمّل عادةً وإن كان قادراً عليه كالشيخ والشيخة.
ويدلّ عليه بعد عموم دليل نفي الحرج الكتاب العزيز المعتضد بالروايات الخاصّة الواردة في المقام الناطقة بأنّ وظيفته الفداء.
قال تعالى ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ. أَيّاماً مَعْدُوداتٍ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) (2).
.................................................................................................
تضمّنت الآية المباركة تقسيم المكلّفين إلى أقسام ثلاثة :
فمنهم من يتعيّن عليهم الصيام أداءً ، وهم الأفراد العاديّون من الحاضرين الأصحّاء ، حيث إنّ التعبير ب- ( كُتِبَ ) وكذا التعبير ب- ( فَلْيَصُمْهُ ) في ذيل الآية اللاحقة ظاهرٌ في الوجوب التعييني.
ومنهم من يتعيّن عليه القضاء ، وهو المريض والمسافر.
ومنهم من لا يجب عليه الصوم رأساً لا أداءً ولا قضاءً ، بل يتعيّن في حقّه الفداء ، وهم الذين يقعون من أجل الصوم في الإطاقة أي في كلفة ومشقّة كالشيخ والشيخة.
فالصيام إنّما هو وظيفة القسمين الأولين فحسب دون الثالث ، وظاهر الآية الكريمة أنّ الوجوب في كلّ من الأقسام الثلاثة تعييني حسبما عرفت.
ثمّ أشار بقوله سبحانه ( فَمَنْ تَطَوَّعَ ) إلى أنّ ما ذكر من الأقسام الثلاثة إنّما هو حكم الصوم الواجب وأمّا التطوّع فهو خيرٌ للمتطوّع.
ثمّ أكّد سبحانه ما بيّنه من الصوم في القسمين الأولين يقوله تعالى ( وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ ) أي أنّ خيره ونفعه عائد إليكم لا إليه سبحانه الذي هو غني على الإطلاق.
هذا ، وقد يتوهّم بل ذهب بعضهم إلى أنّ الآية المتقدّمة أعني : قوله تعالى ( وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ ) إلخ ، منسوخة بقوله سبحانه بعد ذلك ( فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ) باعتبار أنّ الإطاقة بمعنى القدرة ، فكأنّ المتمكّن من الصيام كان مخيّراً في صدر الإسلام بينه وبين الفداء.
ولكن الظاهر كما أشرنا آنفاً أنّ الآية المباركة تشير إلى قسم آخر من المكلّفين ، وأنّ المجعول في حقّهم من أوّل الأمر لم يكن إلّا الفداء ، فإنّ الإطاقة
.................................................................................................
غير الطاقة ، ومعناها : المكنة مع المشقّة ، أي إعمال الجهد وكمال القدرة والقوّة وغاية مرتبة التمكّن ، بحيث تتعقّب بالعجز ، وهو المعبّر عنه بالحرج والمشقّة ، على ما فسّرها به في لسان العرب (1)وغيره.
وعليه ، فالآية الشريفة غير منسوخة بوجه ، بل تشير إلى الأقسام الثلاثة حسبما عرفت ، وأنّ في كلّ قسم حكم تعييني يخصّه ، وأنّ في القسم الثالث وهو من يتمكّن من الصيام مع الحرج الشديد والمشقّة العظيمة المتضمّنة لإعمال غاية الجهد والطاقة لا أمر بالصوم أصلاً ، بل يتعيّن الفداء.
ولأجل ذلك ذكر في الجواهر (2)ناسباً له إلى أصحابنا وعلمائنا تعيّن الفدية في القسم الأخير ، وأنّه لو صام لم يصحّ ، لعدم الأمر حسبما اقتضاه ظاهر الكتاب كما عرفت والروايات على ما سيجيء.
ولكن صاحب الحدائق (قدس سره) ذهب إلى صحّة الصوم أيضاً وعدم تعيّن الفداء ، وأنّ الحكم ترخيصي لا إلزامي ، بل ذكر (قدس سره) أنّ الصوم أفضل ، مستشهداً له بقوله سبحانه ( وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ ) فجعله متمّماً لقوله تعالى ( وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ ) إلخ ، ومرتبطاً به. ونقل عن مجمع البيان قوله ( وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ ) يعني : من الإفطار والفدية (3).
ولا يبعد استظهار ذلك من عبارة الماتن (قدس سره) أيضاً ، حيث عبّر بعد قوله : وردت الرخصة ... إلخ ، بقوله : بل قد يجب ، فكأنّ الإفطار لم يكن واجباً مطلقاً وإنّما هو حكم ترخيصي ربّما يصير واجباً كما لو استلزم الصوم ضرراً محرّماً ، ويشهد له ذيل عبارته أيضاً ، حيث قال : فيجوز لهما الإفطار.
.................................................................................................
وكيفما كان ، فهذا القول الذي صرّح به في الحدائق من التخيير بين الصيام والفداء لا يمكن المصير إليه بوجه ، لكونه على خلاف ظاهر الآية الكريمة جزماً ، فإنّ في العدول من الخطاب في قوله تعالى ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ ) إلخ ، إلى الغيبة في قوله سبحانه ( وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ ) إلخ ، دلالة واضحة على أنّ المراد من المعدول إليه طائفة أُخرى غير المخاطَبين بالصيام المنقسمين إلى صحيح حاضر ومريض أو مسافر ، وأنّ الصوم وظيفة لغير هؤلاء حسبما تقدّم.
وعليه ، فالعود ثانياً إلى الخطاب في قوله تعالى ( وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ ) كاشفٌ عن رجوع هذه الفقرة إلى من خوطب أوّلاً وكونه من متمّمات الخطاب السابق لا من متمّمات الغيبة المعدول إليها ، وإلّا لكان مقتضى السياق التعبير بلسان الغيبة أيضاً بأن يقال هكذا : وأن يصوموا خير لهم ، بدل قوله سبحانه ( وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ ) .
وكأنّه سبحانه وتعالى أشار بذلك إلى أنّ التكليف بالصيام أداءً أو قضاءً يعود نفعه وفائدته إليكم لا إليه سبحانه الذي هو غني عن عباده. فهو إذن خيرٌ لكم كما ورد نظيره في آية التيمّم ، قال تعالى ( وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ ) (1)إيعازاً إلى أنّ الغاية من التيمّم تطهير النفوس وتزكية القلوب من غير رجوع أيّ نفع من أعمال العباد وطاعاتهم إليه سبحانه.
وعلى الجملة : فهذه الفقرة تأكيد للخطاب السابق ومن ملحقاته ، ولا علاقة ولا ارتباط لها بالجملة الغيابيّة المتخلّلة ما بين الخطابين لتدلّ على الترخيص وجواز الصيام فضلاً عن أفضليّته.
1) المائدة 5 : 6.
.................................................................................................
إذن فالتكليف بالفداء في قوله تعالى ( وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ ) الظاهر في الوجوب التعييني لا معدل عنه ولا محيص من الأخذ به بعد عدم اقترانه بما يوجب رفع اليد عنه وسلامته عن المعارض ، فلا يصحّ الصوم من هؤلاء بتاتاً ، لأنّ الموظّف به أداءً أو قضاءً غيرهم حسبما عرفت.
كما أنّ الروايات الواردة في المقام ظاهرة في أنّ الصدقة واجب تعييني تخييري ، التي منها صحيحة عبد اللّه بن سنان ، قال : سألته عن رجل كبير ضعف عن صوم شهر رمضان «قال : يتصدّق كلّ يوم بما يجزئ من طعام مسكين» (1).
وصحيحة محمّد بن مسلم ، قال : سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول : «الشيخ الكبير والذي به العطاش لا حرج عليهما أن يفطرا في شهر رمضان ، ويتصدّق كلّ واحد منهما في كلّ يوم بمدّ من طعام ، ولا قضاء عليهما» (2)ونحوهما غيرهما ممّا تضمّن الأمر بالتصدّق ، بل لم يرد الأمر بالصيام في شيء من الروايات حتّى الضعيفة منها.
هذا ، ومن جملة الروايات الواردة في المقام ما رواه المشايخ الثلاثة بإسنادهم عن عبد الملك بن عتبة الهاشمي ، قال : سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الشيخ الكبير والعجوز الكبيرة التي تضعف عن الصوم في شهر رمضان «قال : تصدّق في كلّ يوم بمدّ حنطة» (3).
لكن يجب عليهما في صورة المشقّة (1)
وقد وصفها في المدارك بالصحّة (1)، وتبعه غيره ، وليس كذلك كما نبّه عليه في الحدائق (2)، فإنّ عبد الملك المذكور مهمل في كتب الرجال ، والذي وثّقه النجاشي إنّما هو عبد الملك بن عتبة النخعي ، لا عبد الملك بن عتبة الهاشمي ، قال (قدس سره) : والكتاب المنسوب إلى الهاشمي والناسب هو الشيخ ليس له وإنّما هو للنخعي (3).
وقد اشتبه الأمر بينهما على صاحب المدارك مع تضلّعه وسعة اطّلاعه.
وكيفما كان ، ففي ما عداها من الروايات غنى وكفاية.
وعلى الجملة : فهذه الروايات المعتضدة بظهور الآية والمقترنة بتسالم الأصحاب كما سمعت دعواه من الجواهر تكفينا في الدلالة على ابتناء الفداء على الإلزام وعدم كفاية الصيام ، وإن كان التعبير بالترخيص في كلمات بعض الأصحاب ومنهم الماتن كما تقدّم يشعر بخلافه ، إذ لا عبرة به تجاه الدليل القائم على خلافه حسبما عرفت.
(1) بعد ما عرفت من بطلان القول بالتخيير وعدم الاجتزاء بالصيام فاستقصاء الكلام في المقام يستدعي التكلّم في جهات :
الاولى : في وجوب الفداء ، وهو في الجملة ممّا لا إشكال فيه ، وقد قامت عليه الشهرة العظيمة ، بل ادّعي الإجماع عليه.
.................................................................................................
ولكن نُسب إلى أبي الصلاح القول بالاستحباب (1)، فكما لا يجب عليهما الصوم لا تجب الفدية أيضاً.
وهذا كما ترى مخالف لظاهر الأمر الوارد في الكتاب والسنّة حسبما تقدّم.
نعم ، ربّما يستدلّ له بما رواه الشيخ بإسناده عن إبراهيم بن أبي زياد الكرخي ، قال : قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : رجل شيخ لا يستطيع القيام إلى الخلاء لضعفه ولا يمكنه الركوع والسجود «فقال : ليومئ برأسه إيماءً» إلى أن قال : قلت : فالصيام؟ «قال : إذا كان في ذلك الحدّ فقد وضع اللّه عنه ، فإن كانت له مقدرة فصدقة مدّ من طعام بدل كلّ يوم أحبّ إليّ ، وإن لم يكن له يسار ذلك فلا شيء عليه» (2).
نظراً إلى أنّ ظاهر التعبير ب- «أحبّ» هو الاستحباب ، وقد استدلّ بها في الجواهر أيضاً لسقوط الصيام عنه (3).
وكيفما كان ، فالاستدلال المزبور لا بأس به لو لا أنّ السند ضعيف ، فإنّ الكرخي المعبّر عنه تارةً بإبراهيم الكرخي ، وأُخرى بإبراهيم بن أبي زياد ، وثالثةً بإبراهيم بن أبي زياد الكرخي مجهول لم يرد فيه أيّ توثيق أو مدح ، فكيف يمكن التعويل عليه في الخروج عن ظواهر النصوص؟! على أنّه لا يبعد القول بعدم التنافي بين قوله : «أحبّ» وبين الوجوب ، لأنّ ظهوره في الاستحباب ليس بتلك المرتبة ، لجواز أن يراد أنّ إطاعة اللّه أحبّ إليه من معصيته ، لا أنّ تركه جائز ، يعني : بعد أن لم يتمكّن من الصوم الواجب
بل في صورة التعذّر (1)أيضاً التكفير بدل كلّ يوم (1)
فأحبّ أن يعمل بوظيفته البدليّة ، فإنّ من المعلوم أنّ اللّه ورسوله وأولياءه يحبّون أن يعمل الناس بطاعاتهم وواجباتهم.
وكيفما كان ، فيكفينا ضعف الرواية. إذن فالقول بعدم الوجوب في غاية الضعف.
(1) الجهة الثانية : هل يختصّ وجوب الفداء بمن يشقّ عليه الصيام أي يتمكّن منه مع المشقّة الشديدة ، وهو المراد بالإطاقة كما تقدّم (2)أو يعمّ العاجز المعذور الذي لا يتمكّن منه حتّى مع المشقّة؟
المشهور هو الثاني واختاره في المتن.
إنّما الكلام في مستنده.
أمّا الآية المباركة : فهي قاصرة الدلالة على ذلك ، نظراً إلى توجيه الخطاب فيها إلى المتمكّنين خاصّة إمّا بلا مشقّة ، أو عن المشقّة كما هو معنى الإطاقة على ما مرّ ، وأنّه يجب الصوم على الأوّل إمّا أداءً كما في الصحيح الحاضر ، أو قضاءً كما في المريض أو المسافر ، والفداء على الثاني ، فهي ناظرة إلى بيان الوظيفة الفعليّة لجميع المكلّفين المتمكّنين بشتى أنحائهم ، وأمّا من لم يكن متمكّناً من الصيام فهو خارج عن موضوع الآية المباركة رأساً ، ومقتضى ذلك عدم توجيه تكليف إليه بتاتاً لا أداءً ولا قضاءً ولا فداءً كما لا يخفى.
وأمّا الروايات : فهي على طائفتين : إحداهما ما يدّعى إطلاقها للمعذور ،
.................................................................................................
والأُخرى ما وردت في خصوص العاجز.
أمّا الطائفة الأُولى : فالظاهر عدم صحّة الاستدلال بها ، لأنّها بين ما لا إطلاق لها ، وبين ما هو شرح للآية المباركة التي عرفت عدم الإطلاق فيها من غير أن يتضمّن حكماً جديداً.
فمن القسم الأوّل : صحيحة عبد اللّه بن سنان : عن رجل كبير ضعف عن صوم شهر رمضان «قال : يتصدّق كلّ يوم بما يجزئ من طعام مسكين» (1).
فإنّها في نفسها غير شاملة للعاجز ، إذ الضعف في مقابل القوّة لا في مقابل القدرة ، وإنّما المقابل لها العجز دون الضعف.
وبالجملة : الضعف غير العجز ، ولذا يقال : ضعيف في كتابته أو في مشيه ، ولا يقال : عاجز ، بل هو قادر ولكن عن مشقّة.
على أنّ التعبير فيها ب- «طعام مسكين» المطابق للآية الشريفة لا ب- «المدّ» فيه إشارة إلى أنّها في مقام بيان ما ورد في الآية الكريمة ، التي عرفت أنّها خاصّة بالضعيف ولا تعمّ العاجز.
ومن القسم الثاني : صحيحة محمّد بن مسلم ، قال : سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول : «الشيخ الكبير والذي به العطاش لا حرج عليهما أن يفطرا في شهر رمضان ، ويتصدّق كلّ واحد منهما في كلّ يوم بمدّ من طعام ، ولا قضاء عليهما ، وإن لم يقدرا فلا شيء عليهما» (2)، فإنّ دعوى الإطلاق فيها للعاجز غير بعيدة.
إلّا أنّها وردت في سند آخر أيضاً عن علاء بن رزين ، عن محمّد بن مسلم ،
.................................................................................................
عن أبي جعفر (عليه السلام) ، ولكن تفسيراً لقول اللّه عز وجل ( وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ ) «قال : الشيخ الكبير والذي يأخذه العطاش» إلخ (1).
فيظهر من ذلك أنّ الإمام (عليه السلام) لم يكن بصدد بيان حكم جديد ، بل في مقام ذكر ما ورد في الآية الكريمة التي عرفت عدم الإطلاق لها. وليس لدينا أيّ رواية أُخرى معتبرة تدلّنا على لزوم الفداء للشيخ الكبير كي يتمسّك بإطلاقها.
إحداهما : ما رواه الشيخ بإسناده عن أبي بصير ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : قلت له : الشيخ الكبير لا يقدر أن يصوم «فقال : يصوم عنه بعض ولده» قلت : فإن لم يكن له ولد؟ «قال : فأدنى قرابته» قلت : فإن لم تكن له قرابة؟ «قال : يتصدّق بمدّ في كلّ يوم ، فإن لم يكن عنده شيء فليس عليه شيء» (2)، فإنّها وردت في خصوص العاجز.
ولكن الاستدلال بها ضعيف جدّاً :
أمّا أوّلاً : فلضعف السند على المشهور ، فإنّ يحيى بن المبارك الواقع فيه لم يرد فيه توثيق ولا مدح.
وأمّا ثانياً : فللقطع بعدم ورودها في صوم شهر رمضان ، إذ أيّ معنى حينئذٍ لصيام بعض ولده أو قرابته عنه؟! فإنّه إن كان متمكّناً وجب عليه الصيام عن
.................................................................................................
نفسه ، وإلّا كان ساقطاً عنه أيضاً ، فهذا لا ينطبق على صوم رمضان أبداً ، مضافاً إلى أنّ النيابة عن الحيّ في الصيام غير ثابتة ، فإنّها تحتاج إلى دليل قاطع كما ثبت في الحجّ.
فلا بدّ إذن من فرض الرواية في مورد آخر ، ولا يبعد حملها على صوم النذر ، فإنّه المحكوم وجوباً أو استحباباً بمدّ أو مدّين بدل الصوم عن كلّ يوم ، على الخلاف المقرّر في محلّه. ويمكن القول بأنّه مع العجز عن الصوم بنفسه يصوم عنه بعض ولده أو قرابته وإلّا فيتصدّق. والمهمّ أنّها ضعيفة الدلالة.
الثانية : ما رواه أحمد بن محمّد بن عيسى في نوادره ، عن القاسم بن محمّد والظاهر أنّه الجوهري ولا بأس به عن علي ، عن أبي بصير ، قال : قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : «أيّما رجل كان كبيراً لا يستطيع الصيام ، أو مرض من رمضان إلى رمضان ، ثمّ صحّ ، فإنّما عليه لكلّ يوم أفطر فيه فدية إطعام ، وهو مدّ لكلّ مسكين» (1).
وهي وإن كنت واضحة الدلالة إلّا أنّها قاصرة السند جدّاً ، فإنّ الراوي عن أبي بصير هو قائده علي بن أبي حمزة البطائني الذي ضعّفه الشيخ قائلاً : إنّه وضع أحاديث في أنّ موسى بن جعفر (عليه السلام) لم يمت (2)، ليكون ذريعة إلى الامتناع عن إعطاء أمواله (عليه السلام) إلى الرضا (عليه السلام) ، فهي غير صالحة للاستدلال بها بوجه.
ومن جميع ما ذكرنا تعرف أن الأظهر اختصاص الفداء بمن يشقّ عليه الصوم ، ولا يشمل المعذور العاجز عنه رأساً ، فإنّه لا يجب عليه أيّ شيء.
بمدّ من طعام ، والأحوط مدّان (1).
والأفضل كونهما من حنطة (2).
ويؤيّده التعبير ب- «أحبّ» في رواية الكرخي المتقدّمة (1)، بناءً على ظهوره في الاستحباب ، وإن كانت ضعيفة السند كما تقدّم في ص 39 ، فلاحظ.
(1) الجهة الثالثة : في تحديد الفدية وأنّها مدّ أو مدّان ، فإنّ الروايات في ذلك مختلفة ، ففي بعضها التحديد بمدّ عن كلّ يوم ، كما في صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) (2).
وفي بعضها الآخر التحديد بمدّين ، كما في صحيحته الأُخرى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (3).
هذا ، ولو كان المروي عنه فيهما شخصاً واحداً لكان لتطرّق احتمال الاشتباه من أحد الناقلين مجالٌ واسع ، ولكنّهما شخصان ، فتلك عن الباقر (عليه السلام) ، وهذه عن الصادق (عليه السلام) ، فلا بدّ إذن من الجمع ، وقد ذكر له الشيخ وجهين على ما حكاه عنه في الوسائل ، أحدهما : الحمل على الاستحباب ، والثاني : اختصاص المدّين بالقادر ، والمدّ الواحد بالعاجز.
ولكن الثاني كما ترى ، فإنّه جمع تبرّعي عارٍ عن كلّ شاهد بعد اتّحاد الروايتين مضموناً بل وعبارةً أيضاً. فالمتعيّن إذن هو الأوّل.
(2) الجهة الرابعة : في جنس الفدية.
والأقوى وجوب القضاء عليهما (1)لو تمكّنا بعد ذلك (1).
قد ورد في غير واحد من الروايات تبعاً للآية المباركة عنوان الطعام من غير اختصاص بجنس خاصّ ، غير أنّ الوارد في رواية الهاشمي المتقدّمة خصوص الحنطة «قال : تصدّق في كلّ يوم بمدّ حنطة» (2)، وقد عرفت أنّها ضعيفة السند ، ولا بأس بالعمل بها والحمل على الأفضليّة مع بقاء الإطلاقات على حالها.
(1) الجهة الخامسة : في وجوب القضاء وعدمه لو فُرض عروض التمكّن.
فنقول : نُسبَ إلى المشهور وجوب القضاء ، استناداً إلى عموم قضاء الفوائت وإن لم ترد في المقام حتّى رواية ضعيفة تدلّ على الوجوب.
وخالف فيه جماعة آخرون وهم كثيرون فأنكروا وجوب القضاء وأنّه ليس عليه إلّا الفداء ، وهو الصحيح.
ويدلّنا عليه أوّلاً : قصور المقتضي ، لعدم صدق الفوت ، فإنّه إنّما يتحقّق بأحد أمرين : إمّا فوت الفريضة المأمور بها ، أو فوت ملاكها الملزم ، وإن شئت فقل : إمّا فوت الواجب الفعلي ، أو الواجب الشأني المستكشف تحقّقه في ظرفه من الأمر بالقضاء وإن لم يتعلّق به أمر فعلي في الوقت ، لمانعٍ خارجي من حيض أو نفاس أو نوم أو نسيان ونحوها.
والأوّل مفروض الانتفاء في المقام ، إذ لا أمر بالصيام حسب الفرض ، وعلى تقدير القول بالوجوب التخييري الراجع إلى تعلّق الأمر بالجامع بينه وبين
.................................................................................................
الفداء لم يفت منه أيّ شيء أيضاً بعد فرض الإتيان بالفرد الآخر.
والثاني لا سبيل إلى إحرازه من غير ناحية الأمر بالقضاء كما ورد في الموارد المزبورة ، وهو أيضاً مفروض الانتفاء ، لعدم ورود القضاء في المقام حتّى في رواية ضعيفة حسبما عرفت.
إذن فلم يتحقّق الفوت فيما نحن فيه لا بالنسبة إلى التكليف ، ولا بالإضافة إلى الملاك ، ومعه لا موضوع لوجوب القضاء بتاتاً.
وثانياً : إنّ الآية الكريمة في نفسها ظاهرة في نفي القضاء عنه ، لأنّها تضمّنت تقسيم المكلّفين إلى من يجب عليه الأداء وهو الصحيح الحاضر ، أو القضاء وهو المريض أو المسافر ، أو الفداء وهو من لا يطيق. ومن المعلوم أنّ التفصيل قاطع للشركة ، فالآية بمجرّدها كافية في الدلالة على نفي القضاء عن الشيخ والشيخة.
وثالثاً : إنّ صحيحة محمّد بن مسلم صريحة في ذلك ، قال (عليه السلام) فيها : «... ويتصدّق كلّ واحد منهما في كلّ يوم بمدّ من طعام ، ولا قضاء عليهما» (1).
وحملها على ما إذا لم يتمكّنا من القضاء إلى السنة الآتية كما ترى.
ويؤيّده توصيف الفداء بالإجزاء في صحيحتي عبد اللّه بن سنان (2)والحلبي (3)، الكاشف عن أنّه يجزئ عن الصوم ولا حاجة معه إليه بوجه.
وعلى الجملة : فلم نر أيّ موجب للقضاء ، لقصور المقتضي ، وعلى تقدير تماميّته فظاهر الآية وصريح الصحيحة من غير معارض هو عدم الوجوب وإن كان الاحتياط ممّا لا ينبغي تركه.
الثالث : من به داء العطش ، فإنّه يفطر (1) ،
(1) الكلام هنا هو الكلام في الشيخ والشيخة بعينه ، لوحدة المستند ، وإنّما يفترق عنه في جهة ، وهي احتمال اندراج المقام في عنوان المريض المحكوم بوجوب القضاء بعد البرء ، فلو ارتفع داء العطش الناشئ من خللٍ في كبده ونحو ذلك بمعالجة أو مجيء فصل الشتاء مثلاً لزمه القضاء حينئذٍ ولا يكفيه الفداء ، بخلاف الشيخ والشيخة فإنّهما يندرجان في عنوان من لا يطيق دون المريض كما تقدّم.
ويندفع : بأنّ العطاش وإن كان ناشئاً من أمر عارض في البدن لا محالة إلّا أنّه لا يندرج بذلك في عنوان المريض ليكون محكوماً بالقضاء.
وذلك لما أسلفناك من أنّ المريض المحكوم عليه بالإفطار والقضاء هو الذي يضرّ به الصوم بحيث يوجب ازدياد المرض أو طول برئه ، وذو العطاش ليس كذلك ، فإنّه لا يتضرّر من ناحية الصوم ، وإنّما يقع من أجله في مشقّة شديدة وحرج عظيم ، فهو إذن يغاير المريض موضوعاً ، ويشارك الشيخ والشيخة في الاندراج تحت قوله تعالى ( وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ ) إلخ ، كما يغايره حكماً ، فلا يجب عليه إلّا الفداء ، كما لا يجب على المريض إلّا القضاء لو تمكّن. نعم ، يجب عليه أيضاً الفداء لو لم يتمكّن ، إلّا أنّ ذلك فدية التأخير لا فدية الإفطار ، وذلك أمر آخر على ما سيجيء في محلّه إن شاء اللّه.
والذي يرشدك إلى ذلك صحيحة محمّد بن مسلم حيث جعل فيها ذو العطاش في مقابل المريض عن أبي جعفر (عليه السلام) : في قول اللّه عزّ وجلّ ( وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ ) «قال : الشيخ الكبير والذي يأخذه العطاش» وعن قوله عزّ وجل : ( فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعامُ سِتِّينَ
سواء كان بحيث لا يقدر على الصبر (1) أو كان فيه مشقّة ،
مِسْكِيناً ) (1)«قال : من مرضٍ أو عطاش» (2).
حيث جعل ذو العطاش مرادفاً للشيخ ومقابلاً للمريض المذكور في الآية الكريمة قبل ذلك ، كما أنّ عطف العطاش على المرض في الذيل كاشفٌ عن المغايرة.
وقد وقعت المقابلة بينهما أيضاً في بعض الروايات الضعيفة ، كرواية داود بن فرقد عن أبيه وضعفها من أجل أبيه ، فإنّه لم يوثّق في حديث : فيمن ترك صوم ثلاثة أيّام في كلّ شهر «فقال : إن كان من مرض فإذا برئ فليقضه ، وإن كان من كبر أو عطش فبدل كلّ يوم مدّ» (3)ورواها أيضاً عن أخيه (4).
وعلى الجملة : فلا ينبغي التأمّل في خروج ذي العطاش عن عنوان المريض وموضوعه ، وعدم صدق اسمه عليه عرفاً.
ومع الغضّ عن ذلك وتسليم الاندراج والصدق فلا شكّ في خروجه عنه حكماً ، للتصريح في صحيحة ابن مسلم المتقدّمة باندراجه كالشيخ الكبير تحت قوله تعالى ( وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ ) إلخ ، فغايته استثناء هذا المريض عن بقيّة أقسامه في اختصاصه بالفداء وعدم وجوب القضاء عليه حسبما عرفت.
(1) الكلام هنا من حيث اختصاص الحكم بمن يشقّ عليه الصبر أو الشمول
ويجب عليه التصدّق بمدّ (1)، والأحوط مدّان ، من غير فرق بين ما إذا كان مرجوّ الزوال أم لا ، والأحوط بل الأقوى وجوب القضاء عليه (2)إذا تمكّن بعد ذلك (1) ، كما أنّ الأحوط أن يقتصر على مقدار الضرورة (2).
للعاجز عنه ، وكذا من حيث كون الفداء مدّاً أو مدّين هو الكلام المتقدّم في الشيخ والشيخة بعينه ، لوحدة المستند ، فلا نعيد.
(1) بل الأقوى عدمه كما مرّ الكلام حوله آنفاً ، فلاحظ.
(2) بل قد أفتى بعضهم بالوجوب وعدم جواز الارتواء ، استناداً إلى موثّقة عمّار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : في الرجل يصيبه العطاش حتّى يخاف على نفسه «قال : يشرب بقدر ما يمسك رمقه ، ولا يشرب حتّى يروى» (3).
ولكنّك خبير بأنّ مورد الموثّقة أجنبي عن محلّ الكلام ، ضرورة أنّ المبتلى بداء العطاش لا يخاف على نفسه من هلكة أو ضرر كما تقدّم ، وإنّما يقع من جرّاء الصبر والإمساك عن الشرب في ضيقٍ وحرج ومشقّة شديدة ، وهو معنى الإطاقة ، فيندرج في قوله تعالى ( وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ ) إلخ.
وأمّا مورد الموثّقة فهو من يصيبه العطش أثناء النهار لأمر عارضي من شدّة الحرّ أو همّ عظيم ونحو ذلك بحيث يخاف على نفسه ، ولأجله يضطرّ إلى الشرب حذراً من الهلاك أو ما في حكمه ، فموضوعها الاضطرار لا التمكّن مع المشقّة الذي هو محلّ الكلام.
الرابع : الحامل المقرب التي يضرّها الصوم أو يضرّ حملها (1) ،
ومن البيّن أنّ المضطرّ وإن ساغ له الإفطار إلّا أنّه يلزمه الاقتصار على ما يندفع به الاضطرار ، فإنّ الضرورات تقدّر بقدرها ، ويجب عليه الإمساك بقيّة النهار وإن بطل صومه ، شأن كلّ من هو مأمور بالصيام وقد عرضه البطلان لجهة من الجهات حسبما تقدّم.
وعلى الجملة : مورد الموثّقة من هو مأمور بالصيام وقد اضطرّ إلى الإفطار ، وحكمه الاقتصار والإمساك بقيّة النهار ثمّ القضاء ، وأين هذا من ذي العطاش المبحوث عنه في المقام الذي لم يكن مأموراً إلّا بالفداء دون الصيام؟! إذن فلا يلزمه الاقتصار على مقدار الضرورة ، عملاً بإطلاق الأدلّة.
(1) استيعاب البحث يستدعي التكلّم في جهات :
الاولى : في جواز الإفطار لها ، وهذا ممّا لا خلاف فيه ولا إشكال ، سواء أكان الضرر متوجّهاً إليها أم إلى حملها ، من غير حاجة إلى ورود نصّ خاصّ ، غايته أنّ الجواز يثبت لها على الأوّل بعنوان المرض ، بناءً على ما أسلفناك من أنّ أخذه في موضوع الحكم لم يكن بما هو وبوصفه العنواني ، بل بمناط التضرّر من الصوم ، فكلّ من أضرّه الصوم فهو محكوم بالإفطار وإن لم يكن مريضاً بالفعل.
وعلى الثاني من باب المزاحمة وحفظ النفس المحترمة بعد فرض عدم التمكّن من الجمع بين الصوم وبين التحفّظ على سلامة الحمل من السقط ونحوه ، وهذا واضح.
الجهة الثانية : في وجوب القضاء ، وهو المشهور والمعروف ، بل عن الخلاف
.................................................................................................
دعوى الإجماع عليه (1).
غير أنّه نُسب إلى سلّار وعلي بن بابويه العدم (2)، وكأنّهما استندا في ذلك إلى التعبير بالإطاقة في صحيحة محمّد بن مسلم الواردة في خصوص المقام ، قال : سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول : «الحامل المقرب والمرضع القليلة اللبن لا حرج عليهما أن تفطرا في شهر رمضان ، لأنّهما لا تطيقان الصوم» (3)، المشعر بالدخول تحت قوله تعالى ( وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ ) إلخ ، المحكوم عليه بالفداء دون القضاء.
وهو كما ترى ، لما تقدّم في تفسير الإطاقة من أنّها التمكّن مع المشقّة من غير أيّ تضرّر من ناحية الصوم ، وليس الحامل المبحوث عنها في المقام كذلك ، لأنّها تخاف الضرر على النفس أو الحمل حسب الفرض ، ولعلّ المراد بها في الصحيحة عدم القدرة غير ما هو المراد منها في الآية الكريمة ، سيّما وأنّ الوارد فيها عدم الإطاقة لا الإطاقة كما في الآية المباركة.
مع أنّ ذيلها صريحٌ في وجوب القضاء ، قال (عليه السلام) : «وعليهما قضاء كلّ يوم أفطرتا فيه ، تقضيانه بعد» فعلى تقدير تسليم اندراجها في الآية المباركة يلتزم بالتخصيص لأجل هذا النصّ الخاصّ.
وربّما يُتمسّك لذلك أي لنفي القضاء بما رواه الصدوق بإسناده عن ابن مسكان ، عن محمّد بن جعفر ، قال : قلت لأبي الحسن (عليه السلام) : إنّ امرأتي جعلت على نفسها صوم شهرين فوضعت ولدها وأدركها الحبل فلم تقو على
.................................................................................................
الصوم «قال : فلتتصدّق مكان كلّ يوم بمدّ على مسكين» (1).
فكأنّه استفيد من الأمر بالفداء عدم وجوب القضاء.
وفيه ما لا يخفى ، فإنّ موردها الجعل على النفس ابتداءً بنذرٍ أو شبهه ، فهي أجنبيّة عن محلّ الكلام ، فكيف يتعدّى منها إلى صيام شهر رمضان ، سيّما بعد دلالة النصّ على وجوب القضاء فيه كما سمعت؟! على أنّها ضعيفة السند ظاهراً فإنّ ابن مسكان وإن كان من أصحاب الصادق (عليه السلام) إلّا أنّه عاش طويلاً ببركة دعاء الإمام حتّى أدرك الرضا (عليه السلام) أو قريباً منه ، ولذلك يروي عنه محمّد بن سنان كثيراً ، كما يروي هو أيضاً عن ابن سنان.
والمراد بأبي الحسن إمّا أن يكون هو الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) الذي هو الأشهر وينصرف اللفظ إليه عند الإطلاق ، أو الرضا (عليه السلام) دون الهادي (عليه السلام) ، لعدم إمكان رواية ابن مسكان عنه (عليه السلام) بواسطة واحدة كما لا يخفى.
إذن فمحمّد بن جعفر الواقع في هذه الطبقة الذي يروى عنه ابن مسكان وهو يروي عن أبي الحسن (عليه السلام) مجهول ، إذ لا نعرف في هذه الطبقة من يسمّى بهذا الاسم ويكون ثقة ، فإنّ محمّد بن جعفر الأشعري ثقة ولكنّه في طبقة متأخّرة.
هذا ، مضافاً إلى أنّ الاقتصار على ذكر المدّ وعدم ذكر القضاء لا يكون دليلاً على عدم الوجوب بوجهٍ كما لا يخفى ، فهي إذن قاصرة سنداً ودلالةً ، فلا يصحّ التعويل عليها بوجه.
1) الوسائل 10 : 216 / أبواب من يصح منه الصوم ب 17 ح 2 ، الفقيه 2 : 95 / 424.
.................................................................................................
وعليه ، فلا مناص من الحكم بوجوب القضاء ، لصريح صحيح ابن مسلم ، ولما ثبت من الخارج من أنّ كلّ من كان مأموراً بالصيام وقد أفطر لعارضٍ من ضررٍ على نفسه أو على غيره لا بدّ له من القضاء. فالقول بعدم الوجوب ضعيفٌ غايته.
الجهة الثالثة : في وجوب الصدقة ، وهي في الجملة ممّا لا إشكال فيه.
وإنّما الكلام في أنّها هل تختصّ بما إذا كان الخوف على الحمل ، أو أنّها تعمّ الخوف على النفس أيضاً؟
الظاهر هو الاختصاص ، لانصراف النصّ إلى هذه الصورة خاصّةً ، وعدم الإطلاق لغيرها.
والوجه فيه : تقييد الحامل بالمقرب في كلامه (عليه السلام) في صحيح ابن مسلم المتقدّم ، إذ لو كان الخوف على النفس كافياً في وجوب الصدقة لم يكن إذن فرقٌ بين المقرب وغيرها وأصبح التقييد به لغواً محضاً ، فهذا القيد وهو في كلامه (عليه السلام) مانعٌ عن التمسّك بالإطلاق ، وكاشفٌ عن الاختصاص المزبور كما لا يخفى.
وعلى تقدير تسليم الإطلاق فلا ريب أنّ النسبة بين هذه الصحيحة وبين ما دلّ من الكتاب والسنّة على أنّ المريض لا يجب عليه إلّا القضاء عمومٌ من وجه ، لشمول الثاني للحامل المقرب وغيرها مع اختصاص المرض أي الضّرر كما مرّ بنفسه ، وشمول الأوّل لما إذا كان الخوف على النفس أو الحمل مع الاختصاص بالحامل ، ففي مورد الاجتماع وهو الحامل التي تخاف على نفسها يتعارض الإطلاقان ، فإنّ مقتضى الأوّل وجوب الفداء ، ومقتضى الثاني عدمه ، فلا جرم يتساقطان ، ومعه لم يبق لدينا بعدئذٍ دليل على وجوب التصدّق.
وأمّا القضاء فهو ثابت على التقديرين ، لاتّفاق الطرفين عليه كما هو واضح.
فتفطر وتتصدّق (1)من مالها (1) بالمدّ أو المدّين ، وتقضي بعد ذلك.
إذن فلا دليل على وجوب الفداء على الحامل التي تخاف على نفسها من الصوم دون ولدها ، بل حالها حال سائر المرضى من الإفطار ثمّ القضاء حسبما عرفت.
الجهة الرابعة : في تحديد الفداء وأنّه مدّ أو مدّان.
تقدّم في الشيخ والشيخة أنّ النصوص الواردة في ذلك مختلفة ، وكان مقتضى الجمع الحمل على الاستحباب.
وأمّا في المقام فلم يرد المدّان في شيء من الروايات ، وإنّما الوارد في صحيح ابن مسلم مدّ من الطعام من غير أيّ معارض.
اللّهمّ إلّا أن يقال بالقطع بعدم الفرق في الفدية بين مواردها. وعليه ، فتكون هذه أيضاً معارضة مع تلك الروايات ، ويكون الاحتياط بالمدّين في محلّه.
(1) مراده (قدس سره) واضح وإن كانت العبارة قاصرة ، فإنّه لا شك في عدم اشتراط الصدقة بكونها من مال المتصدّق حتّى في الصدقات الواجبة كزكاة المال أو الفطرة ، فإنّه يجوز الأداء من مال الغير إذا كان بإذنه وإجازته ، وكذلك الحال في الكفّارات وأداء الديون ونحوها من الحقوق الماليّة ، فلا يشترط في كفّارة العتق مثلاً أن يكون العبد ملكاً للمعتق ، وهذا واضح.
وغرضه (قدس سره) من العبارة : أنّ التكليف بالصدقة كالتكليف بالقضاء متوجّه إليها لا إلى زوجها لتثبت في ماله وتكون من النفقات الواجبة عليه ،
1) (*) وجوب التصدّق فيما إذا كان الإفطار لتضرّر الحامل نفسها محلّ إشكال بل منر. وكذا الحال في المرضعة.
الخامس : المرضعة القليلة اللبن (1) إذا أضرّ بها الصوم أو أضرّ بالوالد ، ولا فرق بين أن يكون الولد لها أو متبرّعة برضاعه أو مستأجرة. ويجب عليها التصدّق بالمدّ أو المدّين أيضاً من ملها والقضاء بعد ذلك ، والأحوط بل الأقوى الاقتصار على صورة عدم وجود من يقوم مقامها في الرضاع تبرّعاً أو بأُجرة من أبيه أو منها أو من متبرّع.
فهي المخاطبة بوجوب الفداء وإخراج المدّ ، سواء أكان المدّ من مالها أم من مال غيرها وكانت مجازة عنه في التصدّق ، ووجهه ظاهر ، فإنّه المنسبق من الأمر الوارد في ظاهر الدليل كما لا يخفى.
(1) لصحيح محمّد بن مسلم المتقدّم في الحامل المقرب (1)، ولأجله يجري البحث السابق بخصوصيّاته هنا أيضاً بمناط واحد بعد وحدة المستند.
كما أنّ الكلام من حيث الاختصاص بخوف الضرر على الولد أو الشمول للخوف على النفس هو الكلام المتقدّم بعينه.
وقد عرفت أنّ الأظهر هو الأوّل ، نظراً إلى أنّ تقييد المرضعة بكونها قليلة اللبن قرينة واضحة على ذلك ، ضرورة عدم الفرق في الخوف على النفس بين كونها قليلة اللبن أو كثيرته ، مرضعة أو غير مرضعة ، فإنّ الخوف المزبور أنّى عرض ولأيّ شخص تحقّق فهو داخل في عنوان المريض حسبما مرّ ومحكوم بالإفطار والقضاء دون الفداء.
فالنصّ إذن لا إطلاق له ، بل منصرف إلى خصوص صورة الخوف على الولد.
ولو منعنا الانصراف وسلمنا الإطلاق يجري أيضاً ما تقدّم من المعارضة
1) راجع ص 51.
.................................................................................................
بينها وبين ما دلّ على نفي الفدية عن المريض من الكتاب باعتبار أنّ التفصيل قاطع للشركة ومن السنّة ، وهي الروايات الكثيرة الواردة في اقتصار المريض على القضاء ، وفي أنّ من استمرّ به المرض إلى القابل يتصدّق ، الكاشف عن اختصاص الصدقة به ، أمّا غير المستمرّ فعليه القضاء فحسب.
وبما أنّ النسبة بينهما عموم من وجه ويتعارضان في مادّة الاجتماع وهي المرضعة القليلة اللبن التي تخاف على نفسها ، حيث إنّ مقتضى الأوّل وجوب الفداء ، ومقتضى الثاني عدمه فلا جرم يتساقطان ، ويرجع في وجوب الفدية إلى أصالة العدم حسبما تقدّم.
نعم ، يختصّ المقام بالبحث عن أمرين.
أحدهما : في أنّ الحكم هل يختصّ بالأُمّ أو يعمّ مطلق المرضعة بتبرعٍ أو استئجار؟
الظاهر هو الثاني ، بل لا ينبغي التأمّل فيه ، لإطلاق النصّ.
ثانيهما : في أنّ الحكم هل يختصّ بصورة الانحصار وعدم وجود من يقوم مقامها في الرضاع ، أو يعمّ صورة وجود المندوحة من مرضعة أُخرى ، أو الانتفاع من حليب الدواب أو من الحليب المصنوع كما هو المتداول في العصر الحاضر بحيث يمكن التحفّظ على حياة الطفل من غير تصدّي هذه المرأة بخصوصها للإرضاع؟
ذهب جماعة إلى الثاني ، عملاً بإطلاق النصّ ، وجماعة آخرون ومنهم الماتن إلى الأوّل ، وهو الأظهر.
لا لمكاتبة علي بن مهزيار التي يرويها صاحب الوسائل عن ابن إدريس في مستطرفات السرائر نقلاً عن كتاب مسائل الرجال ، قال : كتبت إليه يعني : علي بن محمّد (عليهما السلام) أسأله عن امرأة ترضع ولدها وغير ولدها في
.................................................................................................
شهر رمضان فيشتدّ عليها الصوم وهي ترضع حتّى يُغشى عليها ولا تقدر على الصيام ، أترضع وتفطر وتقضي صيامها إذا أمكنها ، أو تدع الرضاع وتصوم؟ فإن كانت ممّن لا يمكنها اتّخاذ من يرضع ولدها فكيف تصنع؟ فكتب : «إن كانت ممّن يمكنها اتّخاذ ظئر استرضعت لولدها وأتمّت صيامها ، وإن كان ذلك يمكنها أفطرت وأرضعت ولدها وقضت صيامها متى ما أمكنها» (1).
فإنّها وإن كانت واضحة الدلالة على الاختصاص بصورة الانحصار وعدم التمكّن من الظئر ، أمّا معه فتتمّ الصيام ولا تفطر ، كما أنّها مؤيّدة لما ذكرناه من الاختصاص بصورة الخوف على الولد ، أمّا مع الخوف على النفس كما هو مورد المكاتبة بشهادة قوله : حتّى يُغشى عليها ، فليس عليها إلّا القضاء دون الفداء.
إلّا أنّها ضعيفة السند ، لجهالة طريق ابن إدريس إلى الكتاب المزبور.
وتوضيحه : أنّ صاحب الوسائل تعرّض في خاتمة الكتاب للكتب التي روى عنها وقسّمها إلى قسمين :
فقسم وصل الكتاب بنفسه إليه فروى عنه مباشرةً ، كالكتب الأربعة وجملة من كتب الصدوق ونحو ذلك.
وقسم آخر لم يصل إليه وإنّما نقل عنه مع الواسطة ، ومن جملته هذا الكتاب الحاوي لمجموعة روايات أحمد بن محمّد بن الجوهري وعبد اللّه بن جعفر الحميري عن علي بن مهزيار ، المسمّى بكتاب مسائل الرجال ، كما نصّ عليه صاحب الوسائل في المقام ، أو مشاغل الرجال ، كما صرّح به في الخاتمة (2)، ولعلّ الأصحّ هو الأوّل.
.................................................................................................
وكيفما كان ، فهذا الكتاب لم يصل بنفسه إلى صاحب الوسائل ، وإنّما يروي عنه بواسطة ابن إدريس ، وبما أنّ الفصل بينه وبين الحميري طويل فهو طبعاً ينقل عنه مع الواسطة ، وحيث أنّها مجهولة عندنا فلا جرم يتّصف الطريق بالضعف ، غايته أن يكون هو متيقّناً بالصحّة ، ولكن يقينه لا يكون حجّة علينا ، فلا علم لنا إذن باستناد الكتاب المزبور إلى الحميري.
ودعوى عدم الحاجة إلى معرفة الطريق فيما يرويه ابن إدريس الذي نعلم بأنّه لا يعمل بأخبار الآحاد ، فلعلّه بلغه على سبيل التواتر أو بالطريق المحفوف بالقرينة القطعيّة.
كما ترى ، فإنّ التواتر بعيد جدّاً في المقام كما لا يخفى ، والقرينة القطعيّة المحفوف بها الطريق ، غايتها أن تكون قطعيّة بالإضافة إليه كما سمعت ، ومن الجائز عدم إفادتها القطع لنا لو عثرنا عليها.
وعلى الجملة : فليس المستند في المسألة هذه المكاتبة ، لعدم كونها نقيّة السند.
بل المستند فيها التعليل الوارد في صحيح ابن مسلم المتقدّم ، قال (عليه السلام) : «الحامل المقرب والمرضع القليلة اللبن لا حرج عليهما أن تفطرا في شهر رمضان ، لأنّهما لا تطيقان الصوم» (1).
فإنّ نفي الحرج كناية عن نفي العقاب ، لا الحرج المصطلح كما هو واضح ، ومن البيّن اختصاص صدق عدم الإطاقة بصورة الانحصار والاضطرار إلى الإرضاع ، وإلّا فمع وجود المندوحة والتمكّن من الإرضاع بلبن آخر لم يكن التصدّي وقتئذٍ مصداقاً لعدم الإطاقة ، فإنّه نظير من يجلس اختياراً في الشمس طول النهار ، حيث إنّه وإن لم يتمكّن من الصوم حينئذٍ لشدّة العطش إلّا أنّه
1) الوسائل 10 : 215 / أبواب من يصح منه الصوم ب 17 ح 1.
.................................................................................................
لا يندرج بذلك في عنوان من لا يطيق ، ولا يصحّ إطلاق هذا الاسم عليه عرفاً بعد تمكّنه من الانحراف إلى الظلّ واستناد العجز المزبور إلى إرادته واختياره.
فالصحيحة بلحاظ الاشتمال على التعليل قاصرة الشمول لهذه الصورة ، فنبقى نحن والقواعد ، ومن الواضح أنّ مقتضاها وجوب الصوم بعد فرض التمكّن منه ، إذ السقوط يحتاج إلى الدليل ، ولا دليل حسب الفرض.
وهي أُمور (1) :
الأوّل : رؤية المكلّف نفسه.
الثاني : التواتر.
الثالث : الشياع المفيد للعلم ، وفي حكمه كلّ ما يفيد العلم ولو بمعاونة القرائن ، فمن حصل له العلم بأحد الوجوه المذكورة وجب عليه العمل به وإن لم يوافقه أحد ، بل وإن شهد وردّ الحاكم شهادته.
(1) المستفاد من الآية المباركة ( فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ) (1)والروايات الكثيرة الناطقة بوجوب الصيام في شهر رمضان : أنّ هذا الشهر بوجوده الواقعي موضوعٌ لوجوب الصوم ، فلا بدّ من إحرازه بعلمٍ أو علمي في ترتّب الأثر ، كما هو الشأن في سائر الموضوعات الخارجيّة المعلّق عليها الأحكام الشرعيّة.
وقد دلّت الروايات الكثيرة أيضاً أنّ الشهر الجديد إنّما يتحقّق بخروج الهلال
1) البقرة 2 : 185.
.................................................................................................
عن تحت الشعاع بمثابةٍ يكون قابلاً للرؤية.
وعليه ، فإن رآه المكلّف بنفسه فلا إشكال في ترتّب الحكم أعني : وجوب الصيام في رمضان ، والإفطار في شوّال بمقتضى النصوص الكثيرة المتواترة ، سواء رآه غيره أيضاً أم لا ، على ما يقتضيه الإطلاق في جملة منها والتصريح به في البعض الآخر ، كما في صحيحة علي بن جعفر ، قال : سألته عمّن يرى هلال شهر رمضان وحده لا يبصره غيره ، إله أن يصوم؟ «فقال : إذا لم يشك فيه فليصم وحده ، وإلّا يصوم مع الناس إذا صاموا» (1).
ونحوه ما لو رآه غيره على نحوٍ ثبتت الرؤية بالتواتر ، إذ يدلّ عليه حينئذٍ كلّ ما دلّ على تعليق الإفطار والصيام بالرؤية ، لوضوح عدم كون المراد بها رؤية الشخص بنفسه ، إذ قد يكون أعمى أو يفوت عنه وقت الرؤية أو نحو ذلك من الموانع.
ويلحق به الشياع المفيد للعم ، كما دلّت عليه وعلى ما قبله النصوص المتظافرة التي لا يبعد دعوى بلوغها التواتر ولو إجمالاً ، التي منها : موثّقة عبد اللّه بن بكير ابن أعين عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : «صم للرؤية وأفطر للرؤية ، وليس رؤية الهلال أن يجيء الرجل والرجلان فيقولان : رأينا ، إنّما الرؤية أن يقول القائل : رأيت ، فيقول القوم : صَدَقَ» (2).
فإنّ تصديق القوم كناية عن شياع الرؤية بينهم من غير نكير ، فيكون ذلك موجباً لليقين.
ثمّ إنّه إذا لم يتحقّق العلم الوجداني من رؤية الغير ، ولم يره الشخص بنفسه ، فلا محالة ينتقل إلى الطريق العلمي.
الرابع : مضيّ ثلاثين يوماً من هلال شعبان أو ثلاثين يوماً من هلال رمضان ، فإنّه يجب العموم معه في الأوّل والإفطار في الثاني.
الخامس : البيّنة الشرعيّة (1) ، وهي خبر عدلين سواء شهدا عند الحاكم وقبل شهادتهما أو لم يشهدا عنده أو شهدا وردّ شهادتهما ، فكلّ من شهد عنده عدلان يجوز بل يجب عليه ترتيب الأثر من الصوم أو الإفطار ، ولا فرق بين أن تكون البيّنة من البلد أو من خارجه ،
ولا شك في عدم الثبوت بخبر العدل الواحد وإن بنينا كما هو الصحيح على أنّ خبره بل خبر مطلق الثقة حجّة في الموضوعات إلّا ما خرج بالدليل مثل : موارد القضاء ونحو ذلك نظراً إلى أنّ عمدة المستند في الحجّيّة السيرة العقلائيّة التي لا يفرّق فيها بين الموضوعات والأحكام.
وذلك للروايات الكثيرة التي لا يبعد دعوى بلوغها حدّ التواتر الإجمالي ، الناطقة بعدم ثبوت الهلال كالطلاق بخبر العدل الواحد فضلاً عن الثقة ، التي ذكر جملة وافرة منها صاحب الوسائل في المقام ، وجملة اخرى منها في كتاب الشهادات ، وقد صرّح فيها أيضاً بعدم الثبوت بشهادة النساء ، بل لا بدّ من شهادة رجلين عادلين ، فإنّ شهادة امرأتين وإن كانت معتبرة في سائر المقامات مثل : الدعوى على الأموال ونحو ذلك ، وتكون قائمة مقام شهادة رجل واحد لكن لا عبرة بها ، ولا بشهادة الرجل العدل الواحد في المقام ، ولا في باب الطلاق ، بمقتضى هذه النصوص كما عرفت.
(1) وقع الكلام في حجّيّة البيّنة ، أعني : شهادة رجلين عادلين في المقام ، وأنّه هل يثبت الهلال بذلك أو انّ حجّيّتها مختصّة بغير المقام؟
.................................................................................................
المعروف والمشهور هو الحجّيّة.
ونسب المحقّق إلى بعضٍ إنكار الحجّيّة هنا مطلقاً ، وأنّه لا بدّ من الشياع المفيد للعلم (1).
وهذا القول شاذّ نادر ، بل لم يعرف من هو القائل وإن كان المحقّق لا ينقل طبعاً إلّا عن مستند صحيح.
وذهب جماعة إلى التفصيل بين ما إذا كانت في السماء علّة من غيم ونحوه ، وما إذا لم تكن ، فتكون البيّنة حجّة في الأوّل دون الثاني.
وكيفما كان ، فالمتّبع هو الدليل.
فنقول : الروايات الدالّة على حجّيّة البيّنة على قسمين :
أحدهما : ما دلّ على الحجّيّة بلسانٍ مطلق ونطاقٍ عامّ من غير اختصاص بالمقام.
وقد تقدّم الكلام حول ذلك مستقصًى في كتاب الطهارة عند التكلّم في ثبوت الطهارة والنجاسة بالبيّنة ، وقلنا : إنّه استُدلّ على ذلك بقوله (عليه السلام) في موثّقة مسعدة بن صدقة : «والأشياء كلّها على هذا حتّى تستبين أو تقوم به البيّنة» وقد ناقشنا ثمّة وقلنا : أنّه لا وجه لحمل هذه اللفظة على البيّنة الشرعيّة ، لعدم ثبوت الحقيقة الشرعيّة ولا المتشرعيّة لهذه الكلمة ، بل هي محمولة على المعنى اللغوي أعني : مطلق الحجّة كما هي مستعملة في ذلك في الكتاب العزيز كثيراً ، مثل قوله تعالى ( حَتّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ ) (2)وقوله تعالى : ( بِالْبَيِّناتِ
.................................................................................................
وَالزُّبُرِ ) (1)إلى غير ذلك (2).
وممّا يرشدك إلى أنّ المراد بها في الموثّقة ليس هو خصوص البيّنة الشرعيّة أنّه على هذا لم يكن الحصر حاصراً ، لإمكان ثبوت الأشياء بغير هذين أعني : الاستبانة وقيام البيِّنة مثل : الإقرار وحكم الحاكم ونحو ذلك ، فيكشف ذلك عن أنّ المراد مطلق الحجّة. ويكون حاصل المعنى : أنّ الأشياء كلّها على هذا حتّى تستبين ، أي تتّضح بنفسها بالعلم الوجداني ، أو أن تقوم به الحجّة المعتبرة أي الطريق العلمي من الخارج فإنّ البيِّنة بمعنى ما يتبيّن به الأمر.
فتحصّل : أنّ هذه الموثّقة بمجرّدها قاصرة الدلالة على حجّيّة البيّنة الشرعيّة ، أعني : شهادة العادلين.
بل الذي يدلّ على حجّيّتها على الإطلاق إلّا ما خرج بالدليل مثل : الشهادة على الزنا المتوقّفة على شهادة أربعة عدول ، ومثل : الدعوى على الميّت المحتاجة إلى ضمّ اليمين قوله (صلّى اللّه عليه وآله) : «إنّما أقضي بينكم بالأيمان والبيِّنات» بضميمة ما ثبت من الخارج بدليل قاطع أنّه (صلّى اللّه عليه وآله) كان يقضي بالبيّنة ، أعني : بشهادة رجلين عادلين أو رجل وامرأتين.
فبعد ضمّ الصغرى إلى الكبرى نستنتج أنّ شهادة العدلين ممّا يتبيّن بها الأمر ويثبت بها الحكم والقضاء ، فيكشف ذلك عن ثبوت كلّ شيء بها إلّا ما خرج بالدليل كما عرفت ، ويتحقّق بذلك صغرى للموثّقة المتقدّمة.
فيكفي هذا الدليل العام لإثبات حجّيّة البيّنة في المقام.
نعم ، لا اعتداد بشهادة المرأة هنا حسبما عرفت.
.................................................................................................
القسم الثاني : ما دل على حجّيّة البيّنة في خصوص المقام ، وهي الروايات الكثيرة المتظافرة التي لا يبعد فيها دعوى التواتر الإجمالي المصرّحة بذلك.
منها صحيحة الحلبي : «إنّ علياً (عليه السلام) كان يقول : لا أُجيز في الهلال إلّا شهادة رجلين عدلين» (1).
وصحيحة منصور بن حازم : «فإن شهد عندكم شاهدان مرضيّان بأنّهما رأياه فاقضه» (2)، ونحوهما غيرهما.
ولكن بإزائها روايات قد يتوهّم معارضتها لما سبق ، لدلالتها على عدم حجّيّة البيّنة فيما إذا لم تكن في السماء علّة ، ومن أجلها مال في الحدائق إلى هذا القول (3). وهذه روايات أربع وإن لم يذكر في الجواهر ما عدا اثنتين منها ، بل قد يظهر من عبارته عدم وجود الزائد عليهما ، لقوله (قدس سره) : ما عدا روايتين (4)، فلاحظ.
وكيفما كان ، فالروايات التي يتوهّم فيها المعارضة إمّا لأجل الدلالة على عدم الحجّيّة مطلقاً ، أو في خصوص عدم وجود العلّة أربع كما عرفت :
إحداها : رواية حبيب الخزاعي ، قال : قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : «لا تجوز الشهادة في رؤية الهلال دون خمسين رجلا عدد القسامة ، وإنّما تجوز شهادة رجلين إذا كانا من خارج المصر وكان بالمصر علّة فأخبرا أنّهما رأياه ، وأخبرا عن قوم صاموا للرؤية وأفطروا للرؤية» (5).
ولكن الرواية ضعيفة السند أوّلاً ، لا من أجل إسماعيل بن مرار ، لوجوده في
.................................................................................................
أسناد تفسير علي بن إبراهيم بل من أجل حبيب الخزاعي كما في التهذيب والاستبصار وجامع الرواة (1)، أو الجماعي كما في الجواهر (2)، وعلى أيّ حال فالرجل مجهول.
وأضاف في الوسائل نسخة : الخثعمي (3). ولكن الظاهر أنّه سهو من قلمه الشريف.
وكيفما كان ، فهذا الرجل وإن كان موثّقاً إلّا أنّه لم يثبت أنّه الراوي ، لعدم ثبوت هذه النسخة لو لم يثبت عدمها ، فغايته أنّ الرجل مردّد بين الموثّق وغيره ، فالرواية محكومة بالضعف على كلّ تقدير.
وثانياً : إنّها قاصرة الدلالة وغير صالحة للمعارضة ، لأنّ ظاهرها لزوم التعويل في أمر الهلال على العلم أو العلمي ، وعدم جواز الاتّكال على الاحتمال أو التظنّي ، إذ في فرض استهلال جماعة كثيرين وليس في السماء علّة لو ادّعى الهلال حينئذ رجلان قد يُطمأنّ بخطأهما فلا تكون مثل هذه البيّنة مشمولة لدليل الحجّيّة. فلا ينافي ذلك حجّيّة البيّنة في نفسها ، ولأجل ذلك أجاز (عليه السلام) شهادة الرجلين مع وجود العلّة ، وكون المخبر من خارج البلد لانتفاء المحذور المزبور حينئذٍ كما هو ظاهر.
وثالثاً : مع التسليم فغايته معارضة هذه الرواية مع الروايات الخاصّة المتقدّمة الناطقة بحجّيّة البيّنة في خصوص الهلال ، فيتساقطان ، ويرجع بعدئذٍ إلى عمومات حجّيّة البيّنة على الإطلاق حسبما تقدّم.
الثانية : رواية أبي العبّاس عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : «قال : الصوم
.................................................................................................
للرؤية والفطر للرؤية ، وليس الرؤية أن يراه واحد ولا اثنان ولا خمسون» (1).
وهي أيضاً ضعيفة بالقاسم بن عروة ، فإنّه لم يوثّق. نعم ، ورد توثيقه في الرسالة الساسانيّة (2)، ولكن الرسالة لم يثبت بطريق صحيح أنّ مؤلّفها الشيخ المفيد (قدس سره).
ومع الغضّ عن السند فالدلالة أيضاً قاصرة ، لأنّها في مقام بيان أنّ دعوى الرؤية بمجرّدها لا أثر لها وإن كان المدّعى خمسين رجلاً ، لجواز تواطئهم على الكذب ، فإنّ غاية ذلك الظنّ وهو لا يغني من الحقّ ، فلا يسوغ التعويل عليه ، بل لا بدّ من الاعتماد على العلم أو ما هو بمنزلته ، فلا تنافي بينها وبين ما دلّ على حجّيّة البيّنة وأنّها بمثابة العلم تعبّداً.
وعلى الجملة : فالرواية ناظرة إلى عدم كفاية الظنّ ، وكأنّها على ما أشار إليه في الجواهر في ذيل رواية أُخرى (3)تعريضٌ على العامّة ، حيث استقرّ بناؤهم قديماً وحديثاً على الاستناد على مجرّد دعوى الرؤية ممّن يصلّى ويصوم ، ومعلومٌ أنّ هذا بمجرّده غير كافٍ في الشهادة.
فهذه الرواية أجنبيّة عن فرض قيام البيّنة ، ولذا لم يفرض فيها أنّ الخمسين كان فيهم العدول.
الثالثة : صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) : «قال : إذا رأيتم الهلال فصوموا ، وإذا رأيتموه فأفطروا ، وليس بالرأي ولا بالتظنّي ولكن بالرؤية. قال : والرؤية ليس أن يقوم عشرة فينظروا فيقول واحد : هو ذا هو ، وينظر تسعة فلا يرونه ، إذا رآه واحد رآه عشرة آلاف ، وإذا كانت علّة فأتمّ
.................................................................................................
شعبان ثلاثين».
وزاد حمّاد فيه : وليس أن يقول رجل : هو ذا هو ، لا أعلم إلّا قال : ولا خمسون (1).
والمذكور في الوسائل هنا : أيّوب ، والصحيح : أبي أيّوب ، كما صرّح به لدى تعرّضه للرواية في الباب الثالث من أحكام شهر رمضان الحديث 2 ، فكلمة «أبي» سقطت في نسخة الوسائل لا في خصوص هذه الطبعة (2).
وكيفما كان ، فحال هذه حال الرواية السابقة ، فإنّ سياقها يشهد بأنّها في مقام بيان عدم الاكتفاء بالظنّ وعدم الاعتماد على الرأي الناشئ من كبر الهلال أو ارتفاعه ونحو ذلك ، فلا أثر لكلّ ذلك وإن كثر المدّعون حتّى زادوا على الخمسين مثلاً ما لم يُطمأنّ بصدقهم ، واحتمل تواطؤهم على الكذب ، ولذا لم يفرض فيها أنّ في المدّعين عدولاً أو ثقات. وأين هذا من حجّيّة البينة؟! فإنّه لا تنافي بين هذه وبين دليل الحجّيّة بوجه كما هو ظاهر جدّاً.
بقي الكلام في الرواية الرابعة ، وهي صحيحة أبي أيّوب إبراهيم بن عثمان بن الخزّاز عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : قلت له : كم يجزئ في رؤية الهلال؟ «فقال : إنّ شهر رمضان فريضة من فرائض اللّه فلا تؤدّوا بالتظنّي ، وليس رؤية الهلال أن يقوم عدّة فيقول واحد : قد رأيته ، ويقول الآخرون : لم نره ، إذا رآه واحد رآه مائة ، وإذا رآه مائة رآه ألف ، ولا يجزئ في رؤية الهلال إذا لم يكن في السماء علّة أقلّ من شهادة خمسين ، وإذا كانت في السماء علّة قبلت شهادة رجلين يدخلان ويخرجان من مصر» (3).
.................................................................................................
فربّما يقال بأنّها معارضة لما سبق ، لدلالتها على أنّ السماء إذا لم تكن فيها علّة لا تقبل شهادة الاثنين حينئذٍ ولا الأكثر.
ولكن التأمّل يقضي بعدم المعارضة ، لأنّها بصدد بيان عدم جواز العمل بالظنّ كما عنون (عليه السلام) كلامه بذلك ، فالمقصود إنّما هو المنع عن التظنّي في فريضة رمضان ولزوم تحصيل العلم ، ولذا لم تفرض العدالة في الأقلّ من الخمسين ، ولا بدّ من حمل هذا العدد على المثال ، وإلّا فلا يمكن أن يقال : إنّ الخمسين يوجب العلم ، وتسعة وأربعين لا يوجبه ، فالمراد التمثيل بعدد يستوجب حصول العلم عادةً.
وكيفما كان ، فهي مسوقة لبيان عدم حجّيّة الظنّ ، لا عدم حجّيّة البيّنة ، فلا تنافي دليل اعتبارها بوجه.
وممّا يؤكّد ذلك أنّه (عليه السلام) حكم بقبول الشهادة إذا كانت في السماء علّة فيما إذا قدم الشاهدان من خارج المصر ، إذ نسأل حينئذٍ : أنّ المحلّ الذي يقدم الشاهدان منه هل في سمائه أيضاً علّة أو لا؟ فعلى الأوّل كان حاله حال البلد فكيف لا تقبل شهادة الرجلين من البلد وتقبل من خارجه؟! وعلى الثاني وهو المتعيّن يلزمه قبول الشاهدين من البلد أيضاً إذا لم يكن في سمائه علّة ، إذ التفكيك بينهما بقبول شاهدي الخارج دون الداخل مع تساويهما في عدم العلّة غير قابل للتصديق.
فلا تعارض الصحيحة حجّيّة البيّنة أبداً ، بل تؤكّدها حسبما عرفت.
ولو تنازلنا وسلمنا المعارضة فحيث لا يمكن حمل نصوص الحجّيّة على ما إذا كانت في السماء علّة وكانت البيّنة من الخارج ، للزوم التخصيص بالفرد النادر كما لا يخفى ، فلا مناص من التساقط ، والمرجع بعدئذٍ إطلاقات حجّيّة البيّنة العامّة.
وبين وجود العلّة في السماء وعدمها (1).
فما ذهب إليه المشهور من حجّيّة البيّنة على الهلال من غير فرق بين ما إذا كانت في السماء علّة أم لا هو الصحيح.
(1) حسبما عرفت آنفاً.
نعم ، يستثني من ذلك صورة واحدة جرياً على طبق القاعدة من غير حاجة إلى ورود الرواية ، وهي ما لو فرضنا كثرة المستهلّين جدّاً ، وليست في السماء أيّة علّة ، وادّعى من بين هؤلاء الجمّ الغفير شاهدان عادلان رؤية الهلال وكلّما دقّق الباقون وأمعنوا النظر لم يروا ، فمثل هذه الشهادة والحالة هذه ربّما يطمأنّ أو يجزم بخطئها ، إذ لو كان الهلال موجوداً والمفروض أنّ هذين لا مزيّة لهما على الباقين فلما ذا اختصّت الرؤية بهما؟! فلا جرم تكون شهادتهما في معرض الخطأ ، ولا سيّما وأنّ الهلال من الأُمور التي يكثر فيها الخطأ ، ويخيّل للناظر لدى تدقيق النظر ما لا واقع له ، وقد شوهد خارجاً كثيراً إنّ ثقةً بل عدلاً يدّعي الرؤية ويحاول إراءة الناس من جانب ومن باب الاتّفاق يرى الهلال في نفس الوقت من جانب آخر.
وعلى الجملة : فنفس دليل الحجّيّة قاصر الشمول من أوّل الأمر لمثل هذه الشهادة ، لاختصاصها بما إذا لم يعلم أو لم يطمأنّ بخطإ الحجّة ، والسيرة العقلائيّة أيضاً غير شاملة لمثل ذلك البتّة.
فهذه الصورة خارجة عن محلّ الكلام وأجنبيّة عمّا نحن فيه من غير حاجة إلى ورود نصّ خاصّ حسبما عرفت.
نعم ، يشترط توافقهما في الأوصاف (1) ، فلو اختلفا فيها لا اعتبار بها. نعم ، لو أطلقا أو وصف أحدهما وأطلق الآخر كفى.
(1) قد يفرض أنّ كلّاً من الشاهدين يخبر عن رؤية الهلال على سبيل الإطلاق.
وأُخرى : يقيّده أحدهما خاصّة فيقول : رأيته وكان جنوبيّا مثلاً ويطلق الآخر.
وثالثةً : يقيّد كلّ منهما بقيد يطابق الآخر ، فيقول الآخر في المثال المزبور : إنّه كان جنوبيّا أيضاً.
وحكم هذه الصور واضح ، لصدق قيام البيّنة على شيء واحد كما هو ظاهر.
ورابعةً : يقيّد كلّ منهما بقيدٍ يخالف الآخر ، وهذا على نحوين :
إذ تارةً : يكون القيد من الأُمور المقارنة غير الدخيلة في حقيقة الهلال ، كما لو أخبر أحدهما عن وجود سحابة قريبة منه بحيث انحلّت شهادته إلى شهادتين : شهادة بأصل وجود الهلال ، وشهادة اخرى بوجود السحاب قريباً منه ، وأنكر الآخر وجود السحاب.
وهذا أيضاً لا إشكال في عدم قدحه في تحقّق البيّنة الشرعيّة بعد اتّفاقهما على الشهادة بأصل رؤية الهلال ، فغايته إلغاء الضميمة التي هي مورد المعارضة ، إذ لا ضير فيه بعد أن كانت أجنبيّة عن نفس الهلال.
وهذا نظير ما لو شهد أحدهما على الطلاق وأنّ المطلّق كان لابساً للباسٍ أصفر ، ويقول الآخر : إنّ لباسه كان أبيض ، فإنّ هذه الحيثيّة أجنبيّة عن حريم الطلاق بالكلّيّة ، فيؤخذ بالشهادة على وقوع أصل الطلاق الذي هو مورد
.................................................................................................
للاتّفاق بلا إشكال.
وأُخرى : يكون القيد من الخصوصيّات الفرديّة ومتعلّقاً بشخص الهلال وحقيقته ، كما لو شهد أحدهما بأنّه كان جنوبيّا ، ويقول الآخر بأنّه كان شماليّاً ، بحيث كانت لكلّ منهما شهادة واحدة متعلّقة بفرد خاص مغاير لما تعلّق بالفرد الآخر ، ونحوه ما لو أخبر أحدهما بأنّه كان مطوّقاً ، أو كانت فتحته نحو الأرض ، وقال الآخر بأنّ فتحته نحو السماء ، أو أنّه لم يكن مطوّقاً ، ونحو ذلك ممّا يتعلّق بخصوصيّات نفس الهلال دون الحالات المقارنة معه بحيث إنّ أحدهما يخبر عن فرد ، ويخبر الآخر عن فرد آخر.
فبطبيعة الحال يقع التكاذب حينئذٍ بين الشهادتين ، لأنّ ما يثبته هذا ينفيه الآخر وبالعكس ، إذ لا يمكن أن يكون الهلال في آنٍ واحد متّصفاً بخصوصيّتين متضادّتين ، فمن يدّعي الجنوبيّة ينفي الشمالية ، فكلّ منهما مثبت ونافٍ لمدلول الآخر ، فلم يتّفقا على شيء واحد لتتحقّق بذلك البيّنة الشرعيّة.
نعم ، قد يقال : إنّهما وإن اختلفا في المدلول المطابقي وهو الإخبار عن فرد خاصّ من الهلال ، إلّا أنّهما متّفقان في المدلول الالتزامي وهو الاخبار عن أصل وجود الهلال والكلّي الجامع القابل للانطباق على كلّ من الفردين ، ولا فرق في حجّية البيّنة كغيرها ممّا هو من مقولة الحكاية بين المدلول المطابقي والالتزامي ، فإذا سقطت المطابقة عن الحجّية إمّا لأجل المعارضة ، أو لعدم حصول الشهادة الشرعيّة لا مانع من الأخذ بالمدلول الالتزامي.
ولكنّه يندفع بما تعرّضنا له مستقصًى في مبحث المياه عند التكلّم حول الشهادة على النجاسة وثبوتها بالبيّنة (1)، وقلنا ثمّة ما ملخّصه : أنّ الدلالة الالتزاميّة كما أنّها تابعة للمطابقيّة في الوجود أي في أصل الدلالة وتحقّقها كذلك تتبعها في
1) شرح العروة 2 : 260 266.
.................................................................................................
الحجّيّة ، فإنّ ذلك هو مقتضى ما هو المستند لحجّيّة البيّنة وغيرها من السيرة العقلائيّة ونحوها ، فإنّها ناطقة بأنّها تدور مدارها ثبوتاً وسقوطاً ، وجوداً وحجّيّةً ، فمع سقوط المطابقيّة عن الحجّيّة لا دليل على حجّيّة الكلام في الدلالة الالتزاميّة حتّى فيما إذا كان اللزوم بيّناً بالمعنى الأخصّ ، بل هي تتبعها في السقوط لا محالة.
فلو فرضنا قيام البيّنة على أنّ الدار التي هي تحت يد زيد لعمرو ، فلا شك في أنّ المال يؤخذ حينئذٍ منه ويُعطى لعمرو ، لتقدّم البيّنة على اليد.
وهذه الشهادة الدالّة بالمطابقة على أنّ الدار لعمرو لها دلالة التزاميّة باللزوم البيّن بالمعنى الأخصّ ، وهي أنّها ليست لزيد ، لامتناع اجتماع ملكيّتين مستقلّتين على مال واحد.
وحينئذٍ فلو فرضنا أن عمرواً اعترف بأنّ الدار ليست له فلا ريب في سقوط البيّنة عندئذٍ عن الحجّيّة ، لتقدّم الإقرار عليها ، بل على غيرها أيضاً من سائر الحجج حتّى حكم الحاكم.
أفهل يمكن القول حينئذٍ بأنّ الساقط هو الدلالة المطابقيّة وهو كونها لعمرو دون الالتزاميّة أعني : عدم كونها لزيد فتؤخذ الدار من يده ، ويعامل معها معاملة مجهول المالك باعتبار أنّ البيّنة أخبرت بالالتزام بأنّها ليست لزيد ولم يعرف مالكها؟
ليس كذلك قطعاً ، والسرّ فيه ما ذكرناه هناك من أنّ الشهادة على الملزوم وإن كانت شهادة على اللازم ولا سيّما في اللزوم البيّن بالمعنى الأخصّ كالمثال المتقدّم إلّا أنّها ليست شهادة على اللازم مطلقاً وأينما سرى ، بل حصّة خاصّة منه ، وهي اللازم لهذا الملزوم المجتمع معه في الوجود. فمن يخبر في المثال عن أنّ الدار لعمرو فهو يخبر طبعاً عن عدم كونها لزيد ، ذاك العدم الذي هو لازم
.................................................................................................
لملكيّة عمرو ، لا أنّه يخبر عن عدم ملكيّة زيد على سبيل الإطلاق ، فهو يخبر عن حصّة خاصّة من اللازم التي هي من شؤون الشهادة على الملزوم ، فإذا سقط الملزوم بمقتضى الاعتراف تبعه سقوط اللازم بطبيعة الحال ، فيكون اعتراف المقرّ له إنكاراً للّازم.
وكذلك الحال في بقية اللوازم ، فمن أخبر عن أنّ هذا ثلج فقد أخبر عن بياضه لا عن طبيعي البياض الجامع بين الثلج والقطن ، بل خصوص هذه الحصّة المقارنة معه ، فإذا علمنا من الخارج أنّ ذاك الجسم لم يكن ثلجاً ليس لنا أن نقول : إنّه أبيض.
وعلى الجملة : الإخبار عن الملزوم في باب الشهادة وغيرها إنّما يكون إخباراً عن اللازم فيما هو لازم له ، أي عن الحصّة الخاصّة الملازمة لهذا الملزوم ، لا عن الطبيعي.
وعليه ، فمن يشهد برؤية الهلال في طرف الجنوب لا يخبر بالدلالة الالتزاميّة عن وجود جامع الهلال ليشاركه في هذا الإخبار من يشهد برؤيته في طرف الشمال فتتحقّق بذلك البيّنة الشرعيّة ، وإنّما يخبر عن الحصّة المقارنة لهذا الفرد ، والمفروض عدم ثبوته ، لكونه شاهداً واحداً ، وهكذا الشاهد الآخر ، فما يخبر به كلّ منهما غير ما يخبر به الآخر. إذن فلم تثبت رؤية الهلال بالبيّنة الشرعيّة ، لعدم تعلّق الشهادتين بموضوع واحد ، لا بالدلالة المطابقيّة ولا الالتزاميّة حسبما عرفت.
ونظير ذلك ما لو ادّعى كلّ من زيد وعمرو أنّ بكراً باعه داره ، ولكلّ منهما شاهد واحد ، فإنّه لا يثبت بذلك تحقّق البيع ، وتردّد المالك بين زيد وعمرو بدعوى توافق الشاهدين على هذا المدلول الالتزامي ، إذ ليس اللازم هو الجامع ، بل الحصّة الخاصّة المغايرة للحصّة الأُخرى كما عرفت.
ولا يُعتبر اتّحادهما في زمان الرؤية (1) مع توافقهما على الرؤية في الليل (2).
(1) لعدم دخله فيما هو المناط في اعتبار الشهادة من وحدة المشهود به وهو وجود الهلال في ليلة كذا ، فكما لا يعتبر الاتّحاد في زمان أداء الشهادة ولا مكان الرؤية ، فكذا لا يعتبر في زمان الرؤية ، فلا مانع من أن يشهد أحدهما برؤيته بعد الغروب بربع ساعة والآخر بنصف ساعة بعد أن كان أحد الوجودين ملازماً للآخر ، فإنّ هذه الخصوصيّات الزائدة أجنبيّة عن صحّة الشهادة كما هو واضح.
(2) إن أراد به الموافقة على الرؤية في ليلة واحدة كما لا يبعد ، بل لعلّه ظاهر العبارة ، فهو وجيه ، فإنّه لو اختلفا فشهد أحدهما برؤية هلال رمضان في ليلة السبت مثلاً والآخر في ليلة الأحد ، لم تتمّ الشهادة على شيء منهما. أمّا الأوّل فواضح ، وكذا الثاني ، إذ هما وإن اتّفقا على كونه من رمضان إلّا أنّ الأوّل يكذّب بالدلالة الالتزاميّة ما يدّعيه الثاني من كونها الليلة الاولى ، بل يراها الثانية ، فلا يتّفقان على هذه الدعوى ، فخصوصيّة الليلة الأُولى لم تثبت بشيء من الشهادتين كما هو واضح.
وإن أراد لزوم تعلّق الشهادة برؤية الهلال في الليل في مقابل النهار بحيث لو شهد أحدهما برؤيته قبل الغروب بنصف ساعة ، والآخر بعده بنصف ساعة مثلاً لم ينفع ، فهذا غير واضح ، إذ لم يرد اعتبار الرؤية في الليل في شيء من النصوص ، فلا مانع من قبول شهادة المزبورة. إلّا إذا فُرض التنافي بينهما ، كما لو شهد أحدهما برؤيته قبل الغروب بخمس دقائق قريباً من الأُفق بحيث لا يبقى فوقه أكثر من عشر دقائق مثلاً وشهد الآخر بأنّه رآه بعد الغروب بساعة ، فإنّ مثل هذه الشهادة لا تُسمع ، لرجوع ذلك إلى الخصوصيّات الفرديّة المستلزمة
ولا يثبت بشهادة النساء (1) ،
لتكذيب أحدهما الآخر ، فإنّ الفرد الذي يشهد به أحدهما غير الفرد الذي يشهد به الآخر. ومثله لا يحقّق البيّنة الشرعيّة كما مرّ.
(1) لجملة من النصوص المعتبرة المصرّحة بذلك ، التي منها صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : «إنّ عليّاً (عليه السلام) كان يقول : لا أُجيز في الهلال إلّا شهادة رجلين عدلين» (1).
وصحيحة محمّد بن مسلم : «قال : لا تجوز شهادة النساء في الهلال» (2).
ورواية شعيب بن يعقوب ، عن جعفر ، عن أبيه (عليهما السلام) : «إنّ عليّاً (عليه السلام) قال : «لا أُجيز في الطلاق ولا في الهلال إلّا رجلين» (3)ونحوها غيرها.
والمراد بهذه الروايات نفي الحجّيّة الشرعيّة عن شهادة النساء وقبول قولهنّ تعبّداً على النحو الذي كان ثابتاً في الرجال ، وأمّا إذا بلغ إخبارهنّ حدّ التواتر بحيث لا يحتمل معه التواطؤ على الكذب أو حدّ الشياع المفيد للعلم فلا ينبغي التأمل في عدم كونه مشمولاً لتلك النصوص ، فإنّها ناظرة إلى النهي عن العمل بشهادة النساء ، لا عن العمل بالعلم الوجداني كما هو واضح.
نعم ، هناك رواية واحدة ربّما يستشعر منها التفصيل بين هلال رمضان وهلال شوال ، وأنّ الأوّل يثبت بشهادتهنّ فيقيَّد بها إطلاق النصوص المتقدّمة.
.................................................................................................
وهي ما رواه الشيخ بإسناده عن داود بن الحصين عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث طويل - : «قال : لا تجوز شهادة النساء في الفطر إلّا شهادة رجلين عدلين ، ولا بأس في الصوم بشهادة النساء ولو امرأة واحدة» (1).
وقد رواها في الوسائل في موضعين أحدهما في هذا المقام ، والآخر في كتاب الشهادات (2).
وله (قدس سره) سهو قلم واشتباه في كلّ من الموضعين :
أمّا سهوه (قدس سره) في المقام : فلأجل أنّه (قدس سره) رواها عن الشيخ ، عن علي بن الحسن بن فضّال ، عن محمّد بن خالد ... إلخ ، مع أنّ الشيخ رواها في التهذيب والاستبصار عن سعد بن عبد اللّه ، عن محمّد ابن خالد وعلي بن حديد ، في سند. وعن سعد ، عن محمّد بن الحسين بن أبي الخطّاب والهيثم بن أبي مسروق النهدي ، في سندٍ آخر. كلّهم عن علي بن النعمان. وعلى التقديرين فقد رواها عن سعد لا عن ابن فضّال.
وأمّا سهوه في كتاب الشهادات : فهو أنّه يرويها عن داود بن الحصين بسندين : أحدهما وهو الذي أشار إليه بقوله : وبالإسناد - : عن سعد بن عبد اللّه ، عن أحمد بن محمّد ، عن محمّد بن خالد ... إلخ ، مع أنّ الموجود في التهذيب والاستبصار رواية سعد بن عبد اللّه عن محمّد بن خالد مباشرةً ، لا بواسطة أحمد بن محمّد.
وكيفما كان ، فالرواية وإن كانت معتبرة السند إلّا أنّها قاصرة الدلالة ، إذ ليس مفادها ثبوت هلال رمضان بشهادتها لتدلّ على التفصيل بين الهلالين ، بل
ولا بعدل واحد ولو مع ضمّ اليمين (1).
غايتها عدم البأس بالصيام كما عبّر (عليه السلام) بذلك ، ولا شك في عدم البأس المزبور بأن يصام رجاءً بقصد شعبان ، أو بقصد الأمر الفعلي حسبما تقدّم في محلّه ، وليس كذلك الفطر ، لحرمة الصوم يومئذٍ ، فمن ثمّ عبّر (عليه السلام) فيه بقوله : «لا تجوز شهادة النساء في الفطر» ، فهما يشتركان في عدم الثبوت بشهادة النساء وإن افترقا في إمكان الاحتياط وجواز الصوم بعنوان الرجاء وعدمه حسبما عرفت.
وممّا يؤكّد ذلك عدم ثبوت أيّ شيء بشهادة امرأة واحدة في كافّة الأبواب الفقهيّة ، بل ولا رجل واحد إلّا في بعض الموارد الخاصّة ممّا قام عليه النصّ ، كما في الوصيّة حيث إنّه يثبت الربع بشهادة المرأة الواحدة ، وكما في القتل حيث إنّه يثبت بشهادتها ربع الدية ، فكيف يمكن أن يقال بثبوت الهلال بشهادة امرأة واحدة سيّما بعد ما تقدّم في جملة من النصوص من التصريح بعدم ثبوته إلّا بشهادة رجلين عادلين؟!
إذن فلا تنهض هذه الرواية لمعارضة ما سبق بوجه.
(1) تعميم عدم الكفاية لضمّ اليمين لعلّه من توضيح الواضحات ، فإنّ الاكتفاء بشاهد واحد في باب الهلال وإن نُسب إلى بعضهم كما ستعرف إلّا أنّ ضمّ اليمين معه لم يعرف له أيّ وجه ، إذ الروايات الواردة في كفاية ضمّ اليمين مع الشاهد الواحد أكثرها إنّما وردت في خصوص الدين ، بل في بعضها التصريح بكلمة : فقط ، أو : خاصّة ، فقد ورد أنّه قضى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) في الدين خاصّة بشاهد ويمين.
ومن ثمّ اختلف الفقهاء على أقوال ثلاثة :
.................................................................................................
فخصّه بعضهم بموارد الدين دون غيره من سائر الدعاوي المتعلّقة بالأملاك.
وتعدّى بعضهم إلى مطلق الأموال ، فلو ادّعى أحدٌ على أحدٍ ديناً أو عيناً وأقام شاهداً واحداً مع ضمّ اليمين ثبتت الدعوى ، وهذا غير بعيد حسبما يستفاد من بعض الروايات.
وتعدّى آخرون إلى مطلق الحقوق وإن لم تتضمّن دعوى مالية ، مثل : دعوى الزوجيّة ونحوها.
فمورد هذه الأقوال هو الدعوى إمّا ديناً أو مالاً أو حقّا ، وأمّا إذا لم يكن شيئاً من ذلك وكان خارجاً عن مورد الدعوى رأساً كثبوت الهلال فلم يُنسب إلى أحد من الفقهاء اعتبار شاهد واحد مع اليمين.
وأمّا احتمال الاكتفاء بشاهد واحد فتدفعه النصوص المتقدّمة المتعدّدة الناطقة باعتبار العدد ، التي منها صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : «إنّ عليّاً (عليه السلام) كان يقول : لا أُجيز في الهلال إلّا شهادة رجلين عدلين» (1).
نعم ، قد يقال باستفادة الاكتفاء بشاهد واحد من صحيحة محمّد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) : «قال : قال أمير المؤمنين (عليه السلام) : إذا رأيتم الهلال فأفطروا ، أو شهد عليه عدل من المسلمين» إلخ (2)، لانطباق العدل على الشاهد الواحد.
وفيه : أنّ غايته الدلالة عليه بالإطلاق القابل للتقييد بالنصوص المتقدّمة ، على أنّ النسخ مختلفة وفي بعضها : «عدول» بدل : «عدل» ، ورواها في الوسائل في موضع آخر : «بيّنة عدل» (3)، فلا تنهض لمقاومة ما سبق.
السادس : حكم الحاكم (1)(1)
(1) على المشهور كما نُسبَ إليهم ، وخالف فيه بعضهم فأنكر وجود الدليل عليه.
ويستدلّ للمشهور بطائفة من الروايات لا تخلو عن الخدش سنداً أو دلالةً على سبيل منع الخلو.
منها : صحيحة محمّد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) : «قال : إذا شهد عند الإمام شاهدان أنّهما رأيا الهلال منذ ثلاثين يوماً أمر الإمام بإفطار ذلك اليوم إذا كانا شهدا قبل زوال الشمس ، وإن شهدا بعد زوال الشمس أمر الإمام بإفطار ذلك اليوم وأخّر الصلاة إلى الغد فصلّى بهم» (2).
دلّت على أنّ الإفطار يثبت بأمر الإمام ، سواء أثَبَتَ الهلال عنده قبل الزوال أم بعده ، وإنّما يفترقان في إقامة الصلاة ، حيث إنّها لا تشرع بعد الزوال ، فمن ثمّ تؤخَّر إلى الغد.
ولكن الصحيحة كما ترى أجنبيّة عن محلّ الكلام بالكلّيّة ، وإنّما هي ناظرة إلى وجوب إطاعة الإمام وأنّه متى أمر بالإفطار وجب ، لكونه مفترض الطاعة بمقتضى قوله تعالى ( أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ) (3)، من غير حاجة إلى صدور حكم منه الذي هو إنشاء خاصّ ، لعدم فرضه في الحديث ، وإنّما المفروض مجرّد قيام الشهود لديه وصدور الأمر منه
.................................................................................................
الذي هو غير الحكم بالضرورة.
وهذه الإطاعة التي هي من شؤون الولاية المطلقة خاصّة بمن هو إمام بقول مطلق ، أي لجميع الناس وكافّة المسلمين المنحصر في الأئمّة المعصومين صلوات اللّه وسلامه عليهم أجمعين ، ولم ينهض لدينا ما يتكفّل لإثبات هذه الولاية المطلقة لغيرهم من الفقهاء والمجتهدين في عصر الغيبة لكي يثبت الهلال ويجب الإفطار بأمرهم ، بعد وضوح عدم صدق عنوان الإمام بمعناه المعهود عند المتشرّعة عليهم ولا سيما بلحاظ فرض وجوب طاعته على جميع المسلمين.
وعلى الجملة : الرواية خاصّة بالإمام الذي هو شخص واحد وإمام لجميع المسلمين وإن كان التطبيق محمولاً على التقيّة أحياناً كما في قوله : «ذاك إلى الإمام» (1)وناظرة إلى نفوذ أمره ووجوب طاعته.
وإثبات هذا المقام لنوّابه العامّ من العلماء الأعلام والمراجع العظام دونه خرط القتاد ، كما نصّ عليه شيخنا الأنصاري (قدس سره) في كتاب المكاسب (2)، وباحثنا حوله ثمّة بنطاق واسع ، بل في البلغة (3): إنّه غير ثابت بالضرورة ، ولا مساس لهذه الصحيحة بنفوذ حكم الحاكم والمجتهد الجامع للشرائط بحيث لو حكم وهو في بيته وإن لم يقلّده بل لم يعرفه أكثر الناس بأنّ هذه الليلة أوّل شوّال وجب على الكلّ ترتيب الأثر عليه وحرّمت مخالفته ، فإنّ هذا لا يكاد يستفاد من هذه الصحيحة بوجه.
ومنها : التوقيع الذي رواه الصدوق في كتاب إكمال الدين وإتمام النعمة عن محمّد بن محمّد بن عصام ، عن محمّد بن يعقوب ، عن إسحاق بن يعقوب ، قال :
.................................................................................................
سألت محمّد بن عثمان العمري أن يوصل لي كتاباً قد سألت فيه عن مسائل أشكلت عليّ ، فورد التوقيع بخطّ مولانا صاحب الزمان (عليه السلام) : «أمّا ما سألت عنه أرشدك اللّه وثبّتك إلى أن قال : وأمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا ، فإنّهم حجّتي عليكم ، وأنا حجّة اللّه» إلخ (1).
فإنّ أمر الهلال من الحوادث الواقعة فيرجع فيه إلى رواة الحديث ، وهم حكّام الشرع ويكون قولهم حجّة متّبعة وحكمهم نافذاً في الأُمّة.
وفيه : أنّها قاصرة سنداً ودلالةً.
أمّا السند : فلجهالة ابن عصام ، وكذا إسحاق بن يعقوب.
وأمّا الدلالة : فلإجمال المراد من الحوادث الواقعة ، فإنّ المحتمل فيه أُمور :
أحدها : الأُمور التي تتّفق خارجاً ولم يعلم حكمها ، كما لو مت زيد وله ثياب أو مصاحف عديدة ولم يعلم أنّ الحبوة هل تختصّ بواحد منها أو تشمل الكلّ ، ونحو ذلك من موارد الشبهات الحكميّة التي تتضمّنها الحوادث الواقعة ، وقد أمر (عليه السلام) بالرجوع فيها الظاهر في السؤال عن حكمها إلى رواة الحديث ، فتكون حينئذٍ من أدلّة حجّيّة الخبر لو كان المراد هو الراوي ، أو من أدلّة حجّيّة الفتوى لو كان المراد بالرواة هم العلماء. وعلى التقديرين تكون أجنبيّة عن محلّ الكلام.
وممّا يؤيّد إرادة أحد الأمرين : الإرجاع إلى الرواة بصيغة العموم لا إلى شخص معيّن ، فإنّ هذا هو حكم الجاهل بالمسألة الذي لا يعرف حكمها فيرجع إلى العالم إمّا لأنّه راوٍ أو لأنّه مجتهد ، ومن الظاهر أنّ في زمانهم (عليهم السلام) وما بعده بقليل كان المرجع لدى تعذّر الوصول إلى الإمام هم رواة الحديث ،
1) الوسائل 27 : 140 / أبواب صفات القاضي ب 11 ح 9 ، إكمال الدين : 484 / 4.
.................................................................................................
فكانوا هم المسئولون عن حكم الحوادث الواقعة.
وعلى أيّ حال ، فالرواية على هذا الاحتمال أجنبيّة عمّا نحن بصدده البتّة.
ثانيها : الشبهات الموضوعيّة التي تقع مورداً للنزاع والخصومة ، كما لو ادّعى زيد ملكيّة هذه الدار وأنكرها عمرو ، ونحو ذلك من سائر موارد الدعاوي ، فتكون من أدلّة نفوذ القضاء.
وهذا الاحتمال وإن كان بعيداً جدّاً بالنسبة إلى سابقه وإلّا لقال : فارجعوها ، بدل قوله : «فارجعوا فيها» ، ضرورة أنّ في موارد المرافعات والدعاوي تُرفع نفس الحادثة وأصل الواقعة إلى القاضي والحاكم الشرعي ، فهي ترجع إليه ، لا أنّه يرجع فيها إليه. على أنّه لا مدخل للراوي بما هو راوٍ في مسألة القضاء وإنهاء الحكم ، لعدم كونه شأناً من شؤونه ، وظاهر التوقيع دخالة هذا الوصف العنواني في مرجعيّته للحوادث الواقعة كما لا يخفى إلّا أنّه على تقدير تسليمه أجنبيٌّ أيضاً عن محلّ الكلام ولا ربط له بالمقام.
ثالثها : مطلق الحوادث ، سواء أكانت من قبيل المرافعات أم لا ، التي منها ثبوت الهلال.
وهذا الاحتمال هو مبنى الاستدلال ، ولكنّه لا مقتضي له بعد وضوح الطرق الشرعيّة المعدّة لاستعلام الهلال من التواتر والشياع والبيّنة وعدّ الثلاثين من غير حاجة إلى مراجعة الحاكم الشرعي ، ضرورة أنّه إنّما يجب الرجوع إليه مع مسيس الحاجة ، بحيث لو كان الإمام (عليه السلام) بنفسه حاضراً لوجب الرجوع إليه. والأمر بالرجوع في التوقيع ناظر إلى هذه الصورة.
ومن البيّن أنّ مسألة الهلال لم تكن كذلك ، فإنّه لا تجب فيها مراجعة الإمام (عليه السلام) حتّى في عصر حضوره وإمكان الوصول إليه ، بل للمكلّف الامتناع عن ذلك والاقتصار على الطرق المقرّرة لإثباته ، فإن توفّرت لديه وقامت
.................................................................................................
الحجّة الشرعيّة أفطر ، وإلّا بقي على صومه ، ولم يعهد في عصر أحد من الأئمّة (عليهم السلام) حتّى مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) المتصدّي للخلافة الظاهريّة مراجعة الناس ومطالبتهم إيّاه في موضوع الهلال على النهج المتداول في العصر الحاضر بالإضافة إلى مراجع التقليد ، إذ لم يذكر ذلك ولا في رواية واحدة ولو ضعيفة.
وعلى الجملة : قوله (عليه السلام) : «فهو حجّتي عليكم» أي في كلّ ما أنا حجّة فيه ، فلا تجب مراجعة الفقيه إلّا فيما تجب فيه مراجعة الإمام ، ومورده منحصر في أحد أمرين : إمّا الشبهات الحكميّة ، أو باب الدعاوي والمرافعات. وموضوع الهلال خارج عنهما معاً ، ولا دلالة فيه على حجّيّة قول الفقيه المطلقة وولايته العامّة في كلّ شيء بحيث لو أمر أحداً ببيع داره مثلاً وجب اتّباعه.
فمحصّل التوقيع : وجوب الرجوع إلى الفقيه في الجهة التي يرجع فيها إلى الإمام لا أنّ الولاية المطلقة ثابتة له بحيث إنّ المناصب الثابتة للإمام كلّها ثابتة للفقيه ، فإنّ هذا غير مستفاد منه قطعاً.
ومنها : مقبولة عمر بن حنظلة ، قال (عليه السلام) فيها : «.. ينظران من كان منكم ممّن قد روى حديثنا ، ونظر في حلالنا وحرامنا ، وعرف أحكامنا ، فليرضوا به حكماً ، فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً ، فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه فإنّما استخفّ بحكم اللّه وعلينا ردّ ، والرادّ علينا الرادّ على اللّه ، وهو على حدّ الشرك باللّه» (1).
ويرد على الاستدلال بها : ضعف السند أوّلاً وإن تلقّاها الأصحاب بالقبول ووسمت بالمقبولة ، لعدم ثبوت وثاقة ابن حنظلة ، بيد أنّه وردت فيه رواية
1) الوسائل 27 : 136 / أبواب صفات القاضي ب 11 ح 1.
.................................................................................................
وصفه الإمام (عليه السلام) فيها بقوله : «إذن لا يكذب علينا» (1)الذي هو في أعلى مراتب التوثيق ، لولا أنّها ضعيفة السند في نفسها كما مرّ ذلك مراراً.
إذن لا سبيل للاستدلال بها وإن سمّيت بالمقبولة.
وقصور الدلالة ثانياً ، حيث إنّها تتوقّف على مقدّمتين :
الاولى : دلالتها على جعل منصب القضاء في زمن الغيبة بل حتّى في زمن الحضور للعلماء ، وهذا هو المسمّى بالقاضي المنصوب في قبال قاضي التحكيم ويكون حكمه نافذاً وماضياً على كلّ أحد ، ولو طالب حضور أحد الخصمين وجب ، وله الحكم عليه غياباً لو امتنع.
وغير خفي أنّ المقبولة وإن كانت واضحة الدلالة على نصب القاضي ابتداءً ولزوم اتّباعه في قضائه ، حيث إنّ قوله (عليه السلام) : «فليرضوا به حكماً» بعد قوله : «ينظران من كان منكم» إلخ ، كالصريح في أنّهم ملزمون بالرضا به حكماً باعتبار أنّه (عليه السلام) قد جعله حاكماً عليهم بمقتضى قوله (عليه السلام) : «فإنِّي قد جعلته حاكماً» الذي هو بمثابة التعليل للإلزام المذكور.
إلّا أنّ النصب المزبور خاص بمورد التنازع والترافع المذكور في صدر الحديث ، بلا فرق بين الهلال وغيره ، كما لو استأجر داراً أو تمتّع بامرأة إلى شهرٍ فاختلفا في انقضاء الشهر برؤية الهلال وعدمه ، فترافعا عند الحاكم وقضى بالهلال ، فإنّ حكمه حينئذٍ نافذ بلا إشكال.
وأمّا نفوذ حكمه حتّى في غير مورد الترافع كما لو شككنا أنّ هذه الليلة أوّل رمضان ليجب الصوم أو أوّل شوّال ليحرم من غير أيّ تنازع وتخاصم فلا تدلّ المقبولة على نفوذ حكم الحاكم حينئذٍ إلّا بعد ضمّ :
1) الوسائل 4 : 133 / أبواب المواقيت ب 5 ح 6.
.................................................................................................
مقدّمة ثانية ، وهي : أنّ وظيفة القضاة لم تكن مقصورة على حسم المنازعات فحسب ، بل كان المتعارف والمتداول لدى قضاة العامّة التدخّل في جميع الشؤون التي تبتلى بها العامّة ، ومنها : التعرّض لأمر الهلال ، حيث إنّهم كانوا يتدخّلون فيه بلا ريب ، وكان الناس يعملون على طبق قضائهم في جميع البلدان الإسلاميّة ، فإذا كان هذا من شؤون القضاء عند العامّة وثبت أنّ الإمام (عليه السلام) نصب شخصاً قاضياً فجميع تلك المناصب تثبت له بطبيعة الحال ، فلهذا القاضي ما لقضاة العامّة ، ومنه الحكم في الهلال ، كما هو المتعارف في زماننا هذا تبعاً للأزمنة السابقة ، لما بين الأمرين من الملازمة الخارجيّة حسبما عرفت.
ولكنّك خبير بأنّ هذه المقدّمة أيضاً غير بيّنة ولا مبيّنة ، لعدم كونها من الواضحات الوجدانيّات ، فإنّ مجرّد تصدّي قضاة العامّة لأمر الهلال خارجاً يكشف عن كونه من وظائف القضاء في الشريعة المقدّسة ، حتّى يدلّ نصب أحدٍ قاضياً على كون حكمه في الهلال ماضياً بالدلالة الالتزاميّة ، ولعلّهم ابتدعوا هذا المنصب لأنفسهم كسائر بدعهم ، فلا يصحّ الاحتجاج بعملهم بوجه بعد أن كانت الملازمة المزبورة خارجيّة محضة ولم يثبت كونها شرعيّة.
وملخّص الكلام في المقام : أنّ إعطاء الإمام (عليه السلام) منصب القضاء للعلماء أو لغيرهم لم يثبت بأيّ دليل لفظي معتبر ليتمسّك بإطلاقه.
نعم ، بما أنّا نقطع بوجوبه الكفائي ، لتوقّف حفظ النظام المادّي والمعنوي عليه ، ولولاه لاختلّت نظم الاجتماع ، لكثرة التنازع والترافع في الأموال وشبهها من الزواج والطلاق والمواريث ونحوها ، والقدر المتيقّن ممّن ثبت له الوجوب المزبور هو المجتهد الجامع للشرائط. فلا جرم يُقطع بكونه منصوباً من قبل الشارع المقدّس ، أمّا غيره فلا دليل عليه.
ومن ثمّ اعتبر الفقهاء الاجتهاد في القاضي المنصوب زائداً على بقيّة الشرائط ،
.................................................................................................
باعتبار أنّه القدر المتيقّن كما عرفت.
ونتيجة ذلك : نفوذ حكم الحاكم في إطارٍ خاصّ وهو باب المنازعات والمرافعات ، فإنّه المتيقّن من مورد الوجوب الكفائي المقطوع به ، أمّا غيره فلا علم لنا به.
وقد عرفت عدم ثبوت هذا المنصب لأحدٍ بدليل لفظي ليتمسّك بإطلاقه ، فإنّ المقبولة وإن دلّت على نصب القاضي ابتداءً لكن موردها الترافع على أنّها ضعيفة السند كما مرّ. وأمّا غيرها ممّا تُمسّك به في المقام مثل ما ورد من أنّ مجاري الأُمور بيد العلماء باللّه ، أو أنّ العلماء ورثة الأنبياء ونحو ذلك فهي بأسرها قاصرة السند أو الدلالة كما لا يخفى ، فلا تستأهل البحث ما عدا :
رواية أبي خديجة سالم بن مكرم الجمّال ، قال : قال أبو عبد اللّه جعفر بن محمّد الصادق (عليه السلام) : «إيّاكم أن يحاكم بعضكم بعضاً إلى أهل الجور ، ولكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئاً من قضايانا فاجعلوه بينكم ، فإنّي قد جعلته قاضياً ، فتحاكموا إليه» (1)وفي طريق الكليني : «قضائنا» بدل : «قضايانا» (2).
فإنّها رويت بطريقين مع اختلاف يسير في المتن :
أحدهما : ما رواه الشيخ بإسناده عن محمّد بن علي بن محبوب ، عن أحمد بن محمّد ، عن الحسين بن سعيد ، عن أبي الجهم ، عن أبي خديجة (3). وقد رواها صاحب الوسائل في الباب 11 من أبواب صفات القاضي الحديث 6.
وهذا الطريق ضعيف ، لجهالة أبي الجهم ، فإنّه مشترك بين ثلاثة أشخاص :
.................................................................................................
أحدهم من أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) ، وهو أجنبي عن مورد الرواية.
الثاني : سويد ، ولم يوثّق ، على أنّه من أصحاب السجّاد (عليه السلام) ، وإن بقي إلى زمان الصادق (عليه السلام) ، فكيف يروي عنه الحسين بن سعيد الذي لم يدرك الكاظم (عليه السلام)؟! الثالث : بكير بن أعين أخو زرارة ، وهو وإن كان من الثقات الأجلّاء إلّا أنّه مات في زمان الصادق (عليه السلام) ، فكيف يمكن أن يروي عنه الحسين ابن سعيد؟! إذن فأبو الجهم الذي يروي عنه الحسين بن سعيد مجهول لا محالة.
الطريق الثاني : ما نقله الصدوق بإسناده عن أحمد بن عائذ ، عن أبي خديجة سالم بن مكرم (1). وكان من الأحرى أن يذكره صاحب الوسائل في هذا الباب أيضاً أي الباب 11 من أبواب صفات القاضي لا الباب 1 منه كما لا يخفى.
وهذا الطريق معتبر ، لصحّة طريق الصدوق إلى ابن عائذ ، وهو ثقة ، كما أنّ أبا خديجة ثقة أيضاً على الأظهر وإن ضعّفه الشيخ (2)، فإنّه مبني على سهو منه واشتباه تقدّمت الإشارة إليه ، حاصله : أنّ الرجل يكنّى بأبي سلمة أيضاً ، والذي هو ضعيف هو سالم بن أبي سلمة لا سالم أبو سلمة ، فاشتبه أحدهما بالآخر.
وكيفما كان ، فالرواية وإن كانت معتبرة بهذا الطريق إلّا أنّها قاصرة الدلالة ،
.................................................................................................
لكونها ناظرة إلى قاضي التحكيم ، أي الذي يتراضى به المتخاصمان الذي لا يشترط فيه إلّا معرفة شيء من أحكام القضاء ، لا إلى القاضي المنصوب ابتداءً الذي هو محلّ الكلام ويعتبر فيه الاجتهاد كما تقدّم ، وإلّا فقاضي التحكيم لا يكون حكمه نافذاً في غير خصم النزاع الذي رفعه المتخاصمان إليه ورضيا به حكماً ، لا في الهلال ولا في غيره بلا خلاف فيه ولا إشكال.
والمتحصّل من جميع ما قدّمناه لحدّ الآن : أنّه لم ينهض لدينا دليل لفظي معتبر يدلّ على نصب القاضي ابتداءً ، وإنّما نلتزم به من باب القطع الخارجي المستلزم للاقتصار على المقدار المتيقّن.
وعلى تقدير التسليم فالملازمة بينه وبين نفوذ حكمه في الهلال غير ثابتة ، فإنّ مجرّد تصدّي قضاة العامّة لذلك واتّباع الناس لهم لا يدلّ على كون الملازمة ملازمة شرعيّة ، بمعنى : أنّ كلّ من كان قاضياً كان حكمه في الهلال أيضاً ماضياً في الشريعة الإسلاميّة بعد أن لم يكن فعل القضاة حجّة متّبعة. ومن الجائز أن الشارع قد اقتصر فيه على الطرق المقرّرة لثبوته من الشياع والبيّنة والرؤية ، وإلّا فبالعمل بالاستصحاب بمقتضى قوله (عليه السلام) : «صم للرؤية وأفطر للرؤية» كما هو الشأن في غيره من سائر الموضوعات الخارجيّة التي منها دخول الوقت ، أفهل يحتمل ثبوت الغروب مثلاً بحكم الحاكم ليجوز الإفطار؟ كلّا ، بل على كلّ مكلّف تتبّع الطرق المتكفّلة لإثباته. فليكن هلال رمضان وشوّال أيضاً من هذا القبيل من غير أيّة خصوصيّة فيه. ولأجل ذلك استشكلنا في ثبوت الهلال بحكم الحاكم ، ومع ذلك كلّه فالاحتياط الذي هو سبيل النجاة ممّا لا ينبغي تركه.
الذي لم يعلم خطؤه ولا خطأ مستنده كما إذا استند إلى الشياع الظنّي (1).
(1) يريد (قدس سره) بذلك أنّ حكم الحاكم في الهلال كغيره من موارد المنازعات لا يغيّر الواقع ولا يوجب قلبه عمّا هو عليه ، وإنّما هو طريق محض كسائر الطرق الشرعيّة.
وحينئذٍ فإذا علمنا بخطئه في حكمه وأنّه مخالف للواقع بالقطع الوجداني لم يكن حكمه حجّة وقتئذٍ بالضرورة وإن نُسب ذلك إلى بعض العامّة ، لاختصاص أدلّة الحجج بأسرها بموطن الجهل وظرف الشكّ ، إذ لا سبيل للتعبّد على خلاف القطع.
وأمّا إذا لم نعلم خطأه في الحكم واحتملنا إصابته للواقع ، غير أنّ المستند الذي عوّل عليه نقطع بخطئه فيه وإن كان معذوراً ، لا لتباس الأمر عليه بجهة من الجهات بحيث لو تنبّه إلى ما اطّلعنا عليه لأذعن بخطئه ، كما لو استند في عدالة الشاهدين إلى أصالة العدالة ، ونحن نقطع بأنّهما مشهوران بالفسق وهو لا يعلم ، أو جاءه عادل فشهد وخرج ، ثمّ جاءه مرّة أُخرى ليؤكّد شهادته الاولى وقد غيّر زيّه لغرضٍ من الأغراض ، فتخيّل القاضي أنّه رجل آخر ، أو شهد عنده جماعة لا يفيد إخبارهم عند متعارف الناس الاطمئنان فضلاً عن اليقين ، بل غايته الشياع الظنّي ، ولكن القاضي لحسن اعتقاده بهم مع اعترافه بعدم حجّيّة الشياع الظنّي حصل له اليقين. وهكذا سائر موارد الخطأ في المستند عن عذر.
فإنّه لا أثر لمثل هذا الحكم ، ولا يصحّحه اعتقاد القاضي بمستندٍ كهذا ، كما هو الحال في باب الطلاق ، حيث إنّه لا يقع لدى شاهدين فاسقين وإن تخيّل المطلّق عدالتهما ، إذ الموضوع هو العادل الواقعي لا من يعتقد المطلّق عدالته ، فكما لا يقع الطلاق جزماً مع القطع بالفسق فكذا حكم الحاكم في المقام بمناط واحد.
ولا يثبت بقول المنجّمين (1) ،
وبالجملة : محلّ الكلام في ثبوت الهلال بحكم الحاكم ما إذا كان حكمه محتمل المطابقة للواقع وكان على مبنى صحيح ، أمّا المبني على أساس فاسد فهو ساقط عن درجة الاعتبار بلا إشكال.
نعم ، لو كانت الصحّة وعدمها مختلفة باختلاف الأنظار كما لو كان القاضي ممّن يرى حجّيّة الشياع الظنّي ، أو عدم اعتبار طيب المولد في الشاهد ، إلى غير ذلك من المسائل الخلافيّة التي وقع الكلام فيها في موارد الترافع والشهادات ، وقد أدّى فتوى الحاكم إلى شيء ، والمتخاصمين أو غيرهما إلى شيء آخر فبناءً على حجّيّة حكم الحاكم كان حكمه نافذاً حتّى على من خالفه في الاعتقاد ، إذ المستند صحيح عنده بعد أن قضى على طبق فتواه وعلى حسب الموازين الشرعيّة التي أدّى إليها نظره ، فلا حرج عليه لو ساقته الأدلّة إلى حجّيّة شهادة ابن الزنا مثلاً فلا مناص من اتّباعه بعد أن لم يكن هذا من موارد الخطأ في الحكم ولا في المستند حسبما عرفت.
(1) لتطابق النصوص حسبما يستفاد من مجموعها على حصر طريق الثبوت في أحد أمرين :
إمّا الرواية ، الأعمّ من رؤية الشخص بنفسه أو بغيره ، المستكشف من الشياع أو البيّنة ونحوهما.
وإمّا عدّ الثلاثين.
فالثبوت بغيرهما يحتاج إلى الدليل ، ولا دليل عليه.
على أنّ قول المنجّم غايته الظنّ الذي لا يغني من الحقّ ولا يكون حجّة بالأدلّة الأربعة إلّا فيما قام الدليل عليه بالخصوص ، كما في باب القبلة ، حيث
ولا بغيبوبة الشفق في الليلة الأُخرى (1) ،
ورد أنّه «يجزئ التحرّي أبداً إذا لم يعلم أين وجه القبلة» (1)، ولم يقم عليه دليل في المقام.
(1) يعني علوّ الهلال وارتفاعه عن الأُفق ، بمثابةٍ يغيب الشفق والهلال بعد باق. حيث ذهب بعضهم إلى أنّه أمارة على أنّها الليلة الثانية بعد وضوح إنّها الليلة الاولى في صورة العكس أعني : غيبوبة الهلال قبل الشفق من دون رؤية في الليلة السابقة.
ولكن المشهور أنكروا ذلك ، وذكروا أنّ المدار هو الرؤية ولا اعتبار بالغيبوبة.
وتشهد للقول المزبور روايتان :
إحداهما : ما رواه الشيخ بإسناده عن إسماعيل بن الحسن (بحر) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : «قال : إذا غاب الهلال قبل الشفق فهو لليلة ، وإذا غاب بعد الشفق فهو لليلتين» (2).
هكذا في الوسائل الطبعة الجديدة فكأنّ الرجل مردّد بين إسماعيل بن الحسن ، أو إسماعيل بن بحر ، ولكن الظاهر أنّه من غلط النسخة ، ولو كان جميع نسخ الوسائل كذلك فسهو من قلمه الشريف (قدس سره).
بل الصحيح كما في الكافي والفقيه والتهذيب : إسماعيل بن الحرّ (3). نعم ،
.................................................................................................
حكي عن بعض نسخ الكافي كما ذكره جامع الرواة (1)وغيره وعن بعض نسخ التهذيب غير المطبوعة : إسماعيل بن الحسن ، بصورة النسخة ، وإلّا فالكلّ متّفقون على ذكر الحرّ وليس من (بحر) عين ولا أثر.
وعلى كلّ تقدير فالرواية ضعيفة السند ، فإن إسماعيل بن بحر غير مذكور أصلاً ، وابن الحرّ أو ابن الحسن مجهولان.
الثانية : نفس الرواية بإسناد الكليني ، عن الصلت الخزّاز ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (2). وهي أيضاً ضعيفة ، لجهالة الصلت ، وكذا عبد اللّه ابن الحسن أو ابن الحسين على اختلاف النسخ.
على أنّهما معارضتان بمعتبرة أبي علي بن راشد الصريحة في عدم العبرة بالغيبوبة ، قال : كتب إليّ أبو الحسن العسكري (عليه السلام) كتاباً وأرّخه يوم الثلاثاء لليلةٍ بقيت من شعبان ، وذلك في سنة اثنتين وثلاثين ومائتين ، وكان يوم الأربعاء يوم الشك ، فصام أهل بغداد يوم الخميس ، وأخبروني أنّهم رأوا الهلال ليلة الخميس ، ولم يغب إلّا بعد الشفق بزمان طويل ، قال : فاعتقدتّ أنّ الصوم يوم الخميس وأنّ الشهر كان عندنا ببغداد يوم الأربعاء ، قال : فكتب إليّ : «زادك اللّه توفيقاً ، فقد صمت بصيامنا» قال : ثمّ لقيته بعد ذلك فسألته عمّا كتبت به إليه ، فقال لي : «أو لم أكتب إليك إنّما صمت الخميس ولا تصم إلّا للرؤية» (3).
فإنّ أبا علي بن راشد الذي هو من أصحاب الجواد (عليه السلام) ثقة ، والرواية مرويّة عن الهادي (عليه السلام).
ولا برؤيته يوم الثلاثين قبل الزوال (1)(1) ، فلا يحكم بكون ذلك اليوم أوّل الشهر ،
وقوله : لليلة بقيت من شعبان ، فيه إيعاز إلى أنّ أوّل رمضان هو يوم الخميس ، وقوله : فاعتقدت أنّ الصوم يوم الخميس ، أي من إخبار الإمام (عليه السلام).
وكيفما كان ، فهي صريحة في عدم العبرة بالغيبوبة المفروضة في موردها.
فعلى تقدير التعارض والتساقط كان المرجع العمومات الآمرة بأنّه : «صم للرؤية وأفطر للرؤية».
(1) قد يتّفق رؤية الهلال في النهار إمّا قبل الزوال أو بعده ، وأمّا الرؤية قبل الغروب فكثيرة جدّاً ، ولا إشكال في أنّه هلال لليوم الآتي ، للزوم الرؤية في الليل في احتساب النهار من الشهر فهو تابع له ، فلا أثر للرؤية آخر النهار ، وكذلك الحال بعد الزوال ولو بقليل ، فلا يثبت به أنّ هذا اليوم أوّل الشهر ، لما عرفت من أنّ العبرة بالرؤية في الليل واليوم تابع له.
وأمّا إذا شوهد الهلال قبل الزوال ، فهل يكشف عن كونه متكوّناً وموجوداً في الليل وإن لم يُر من باب الاتّفاق فهذا اليوم أوّل الشهر ، أو لا أثر له ولا اعتبار إلّا بالرؤية في الليل كما عليه المشهور؟
لا ريب أنّا لو كنّا نحن والنصوص المتقدّمة مع الغضّ عن أيّ نصّ خاص وارد في المقام الناطقة بأنّه : «صم للرؤية وأفطر للرؤية» كان مقتضاها اعتبار الرؤية في الليل ، ضرورة أنّه المنصرف من الرؤية المتعقّبة بالأمر بالصوم الذي
1) الظاهر ثبوته بذلك ، كما أنّ الظاهر ثبوته بتطوّق الهلال فيدلّ على أنّه للّيلة الثانية.
.................................................................................................
مبدؤه الإمساك من طلوع الفجر ، فلا أثر للرؤية في النهار لا قبل الزوال ولا بعده ، ولا قبل الغروب.
نعم ، بما أنّ هذه الرؤية تلازم الرؤية في الليلة الآتية بطبيعة الحال لسير القمر من المشرق إلى المغرب ، فلا جرم يكون اليوم الآتي هو أوّل الشهر.
وأمّا بالنظر إلى الروايات الخاصّة الواردة في المقام فمقتضى جملة منها عدم العبرة بالرؤية في النهار وإن كانت قبل الزوال ، لإطلاق بعضها وتقييد بعضها الآخر بوسط النهار ، الظاهر فيما قبل الزوال ، بناءً على أن مبدأه طلوع الفجر ، حيث إنّ ما بين الطلوعين ساعة ونصف تقريباً ، فيكون وسط النهار ما يقارب من ثلاثة أرباع الساعة قبل الزوال.
فمن النصوص المقيِّدة : موثّقة إسحاق بن عمّار ، قال : سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن هلال رمضان يغمّ علينا في تسع وعشرين من شعبان «فقال : لا تصمه إلّا أن تراه ، فإن شهد أهل بلد آخر أنّهم رأوه فاقضه ، وإذا رأيته من وسط النهار فأتمّ صومه إلى الليل» (1).
وهي وإن كان صدرها وارداً في هلال رمضان ، ولكن ذيلها ظاهر في شوّال ، لأمره بالإتمام بعد فرض كونه صائماً ، الظاهر في كونه من رمضان.
وصحيحة محمّد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) : «قال : قال أمير المؤمنين (عليه السلام) : إذا رأيتم الهلال فأفطروا ، أو شهد عليه عدل (وأشهدوا عليه عدولاً) من المسلمين ، وإن لم تروا الهلال إلّا من وسط النهار أو آخره فأتمّوا الصيام إلى الليل» إلخ (2).
ومن المطلقة : ما رواه الشيخ بإسناده عن جراح المدائني ، قال : قال
.................................................................................................
أبو عبد اللّه (عليه السلام) : «من رأى هلال شوّال بنهار في شهر رمضان فليتمّ صيامه (صومه)» (1).
وهي وإن كانت ضعيفة عند القوم ، إذ لم يرد في جرّاح ولا في القاسم بن سليمان الواقع في السند مدحٌ ولا توثيق في كتب الرجال ، ولكنّها معتبرة عندنا ، لوجودهما في أسناد كامل الزيارات.
ورواها العياشي أيضاً مرسلاً (2).
هذا ، ولكن الرواية المطلقة قابلة للتقييد.
وأمّا المقيّدة فالاستدلال بها متوقّف كما عرفت على احتساب مبدأ النهار من طلوع الفجر.
وهو كما ترى لا يساعده الفهم العرفي ولا المعنى اللغوي ، فإنّ مبدأ الصوم وإن كان هو طلوع الفجر ، ولكن النهار مبدؤه طلوع الشمس بلا إشكال كما أُشير إليه في عدّة من الروايات الواردة في باب الزوال وأنّه منتصف النهار ، وكنّا ولا نزال نسمع منذ قراءة المنطق التمثيل للقضيّة الشرطيّة بقولنا : إن كانت الشمس طالعة فالنهار موجود ، وإذا كان النهار موجوداً فالشمس طالعة. إذن فوسط النهار مساوق للزوال.
وعليه ، فالروايتان المقيّدتان لا تدلّان على أزيد من أنّ رؤية الهلال وسط النهار أي عند الزوال وما بعده تستوجب احتساب اليوم من الشهر السابق ، وهذا صحيح لا غبار عليه.
.................................................................................................
ولا دلالة فيهما على الاحتساب منه حتّى لو شوهد قبل الزوال الذي هو محلّ الكلام ، فإنّ الحمل على الوسط العرفي الشامل لما قبل الزوال ولو بقليل كالاحتساب من طلوع الفجر كلّ منهما بعيدٌ غايته كما لا يخفى.
إذن فلا مانع من الأخذ بجملة أُخرى من النصوص قد دلّت صريحاً على التفصيل بين الرؤية قبل الزوال فللّيلة الماضية ، وبعده فللآتية ، بعد عدم صلاحيّة ما مرّ للمعارضة معها ، فإنّ غايتها الإجمال فلا تنهض للمقاومة وتكفينا من هذه الطائفة روايتان معتبرتان :
إحداهما : وردت في خصوص شوّال ، وهي موثّقة عبيد بن زرارة وعبد اللّه ابن بكير ، قالا : قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : «إذا رؤي الهلال قبل الزوال فذلك اليوم من شوّال ، وإذا رؤي بعد الزوال فذلك اليوم من شهر رمضان» (1).
والأُخرى : وردت في عامّة المشهور ، وهي صحيحة حمّاد بن عثمان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال : إذا رأوا الهلال قبل الزوال فهو للّيلة الماضية ، وإذا رأوه بعد الزوال فهو للّيلة المستقبلة» (2).
وقد عمل بهما جمع من الأصحاب ، فلا يتوهّم الإعراض ولا أنّ القول به مظنّة خلاف الإجماع. نعم ، لم يلتزم به المشهور ، لكن لا لأجل ضعف في السند ، بل لأجل ما تخيّلوه من المعارضة مع ما دلّ على أنّ العبرة بالرؤية في الليل مثلاً.
وكيفما كان ، فلا نرى مانعاً من العمل بهاتين الروايتين المعتبرتين السليمتين عن المعارض وإن كان القائل به قليلاً ، وبهما يقيَّد إطلاق معتبرة جرّاح المتقدّمة وتُحمل على الرؤية ما بعد الزوال ، بل قريباً من الغروب كما هو الغالب ، وإلّا
.................................................................................................
فالرؤية في يوم الشك عند الزوال قبله أو بعده مجرّد فرض ، بل لم نسمع به لحدّ الآن ، ولكن على تقدير التحقّق ورؤيته قبل الزوال فهو للّيلة الماضية ، ويكشف عن كون هذا اليوم أو الشهر بمقتضى الروايتين حسبما عرفت ، سواء أكان ذلك من شهر رمضان أم شوّال.
وأمّا رواية محمّد بن عيسى ، قال : كتبت إليه (عليه السلام) : جُعلت فداك ، ربّما غمّ علينا هلال شهر رمضان فنرى من الغد الهلال قبل الزوال ، وربّما رأيناه بعد الزوال ، فترى أن نفطر قبل الزوال إذا رأيناه أم لا؟ وكيف تأمرني في ذلك؟ فكتب (عليه السلام) : «تتمّ إلى الليل ، فإنّه إن كان تامّاً رؤي قبل الزوال» (1).
فقد رواها الشيخ في التهذيب والاستبصار ، وبين النسختين اختلاف فاحش وإن اتّحد السند وكذا المتن من غير هذه الجهة.
فرواها في التهذيب بالصورة التي نقلناها المذكورة أيضاً في الوسائل ، ومقتضاها فرض يوم الشكّ من آخر شعبان وأنّه كان ممسكاً خارجاً إمّا من باب الاتّفاق ، أو أنّه كان صائماً من شعبان قضاءً أو ندباً لبطلان الصوم فيه بعنوان رمضان ، فأجاب (عليه السلام) ، بأنّه يتمّ الصيام المزبور إلى الليل ويبني على أنّ اليوم من رمضان ، فإنّه إذا كان الشهر أي شهر رمضان تامّاً يمكن أن يرى هلاله قبل الزوال ، فيكون هذا هو اليوم الأوّل ، وبعد ضمّ تسعة وعشرين يوماً يكون الشهر تامّاً.
وعليه ، فتكون هذه الرواية مطابقة مع الروايتين المتقدّمتين في الدلالة على
1) الوسائل 10 : 279 / أبواب أحكام شهر رمضان ب 8 ح 4 ، التهذيب 4 : 177 / 490 ، الاستبصار 2 : 73 / 221.
.................................................................................................
كشف الرؤية قبل الزوال عن كون اليوم أوّل الشهر.
وأمّا في الاستبصار فرواها هكذا : جُعلت فداك ، ربّما غم علينا الهلال في شهر رمضان ... إلخ ، ومقتضاها فرض يوم الشك من آخر رمضان ، وأنّ الهلال المشكوك فيه هو هلال شوّال لا هلال رمضان كما كان كذلك على رواية التهذيب فيسأل عن جواز الإفطار يومئذٍ لرؤية الهلال قبل الزوال بعد وضوح وجوب الصوم في يوم الشك من الأخير لولا الرؤية ، فأجاب (عليه السلام) بوجوب إتمام الصيام إلى الليل وأنّه لا أثر لتلك الرؤية ، لأنّ الشهر الذي هو فيه إذا كان تامّاً يمكن أن يرى فيه قبل الزوال هلال الشهر الآتي ، فلا تكشف تلك الرؤية عن كون اليوم أوّل شوّال ، بل يبني على أنّه آخر رمضان.
وعليه ، فتكون الرواية دالّة على عكس المطلوب ، وتكون معارضة مع الروايتين المتقدّمتين بدلاً عن أن تكون معاضدة.
وعن غير واحد منهم صاحب الحدائق (1)ترجيح هذه النسخة ، وهو وإن لم يكن ثابتاً لدينا بدليل قاطع إلّا أنّ المظنون ذلك ، فإنّ المعنى حينئذٍ أوفق ، والتعبير أسلس ، والجملات متناسقة. أمّا النسخة الأُخرى فغير غنيّة عن نوع من التأويل حسبما عرفت.
والذي يسهّل الخطب أنّ الرواية ضعيفة في نفسها وغير صالحة للاستدلال بها على أيّ تقدير ، فإنّ علي بن حاتم الواقع في السند الذي هو ثقة وقيل في حقّه : إنّه يروي عن الضعفاء رواها عن محمّد بن جعفر ، وهذا الرجل الذي يروي عنه علي بن حاتم في غير موردٍ هو المكنّى بابن بطّة وهو ضعيف. فهي إذن ساقطة عن درجة الاعتبار حتّى لو كانت النسخ منحصرة فيما في الاستبصار فلا تنهض لمعارضة الروايتين المتقدّمتين.
1) الحدائق 13 : 286 287.
ولا بغير ذلك ممّا يفيد الظنّ ولو كان قويّاً إلّا للأسير والمحبوس (1).
كما لا يعارضهما أيضاً عموم : «صم للرؤية وأفطر للرؤية» ، لعدم التنافي ، وإمكان الجمع بينهما ، عملاً بصناعة الإطلاق والتقييد.
والمتحصّل من جميع ما قدّمناه : أنّ القول بثبوت الهلال برؤيته قبل الزوال الذي اختاره غير واحد هو الأقوى ، لدلالة النصّ الصحيح عليه ، السليم عن المعارض بيد أنّ الفرض في نفسه نادر التحقّق ، حيث لم نر ولم نسمع لحدّ الآن رؤيته قبل الزوال ولا بعده ، اللّهمّ إلّا قريباً من الغروب بنصف ساعة أو ساعة ، فإنّه كثير شائع ، ولكنّه على تقدير التحقّق فالحكم بالنظر إلى الأدلّة الشرعيّة هو ما عرفت.
(1) أمّا الأسير والمحبوس فسيأتي البحث حولهما وأنّهما يتحرّيان ويعملان بالظنّ كما نطق به النصّ ، وأمّا في غيرهما فالأمر كما ذكره (قدس سره) ، إذ الظنّ مع أنّه لا دليل على حجّيّته بل الأدلّة الأربعة قائمة على عدم حجّيّته مطلقاً ، قد ورد النصّ الخاصّ على عدم حجّيّته في المقام.
ففي صحيحة الخزّاز عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : قلت له : كم يجزي في رؤية الهلال؟ «فقال : إنّ شهر رمضان فريضة من فرائض اللّه فلا تؤدّوا بالتظنّي» إلخ (1).
فلا يثبت به لا هلال رمضان ليجب الصوم ، ولا شوّال ليجب الإفطار.
بقي الكلام في أُمور :
أحدها : نُسِب إلى الشيخ الصدوق أنّ الهلال إذا كان مطوّقاً بأن كان النور
1) الوسائل 10 : 289 / أبواب أحكام شهر رمضان ب 11 ح 10.
.................................................................................................
في جميع أطراف القمر كطوق محيط به فهو أمارة كونه لليلتين ، فيحكم بأنّ السابقة هي الليلة الأُولى ولو لم ير الهلال فيها (1). ومال إليه الفاضل الخراساني في الذخيرة (2)، بل يظهر من الشيخ (قدس سره) في التهذيب القول به (3)، لكن في خصوص ما إذا كان في السماء علّة من غيم أو ما يجري مجراه بحيث لا يمكن معها الرؤية مع عدم وضوح دليل على هذا التقييد.
وكيفما كان ، فمستند المسألة ما رواه المشايخ الثلاثة بإسنادهم عن محمّد بن مرازم ، عن أبيه ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : «قال : إذا تطوّق الهلال فهو لليلتين ، وإذا رأيت ظلّ رأسك فيه فهو لثلاث» (4)وعن العلّامة في التذكرة على ما حكاه عنه في الجواهر (5)النقاش في السند ورميه بالضعف.
وهو وجيه في سند الصدوق ، لجهالة طريقه إلى ابن مرازم ، وكأنّه (قدس سره) قصر النظر عليه ولم يفحص عن بقيّة الطرق ، وإلّا فسند الشيخ والكليني كلّ منهما صحيح وخالٍ عن شائبة الإشكال.
فقد رواها الشيخ بإسناده عن سعد الذي هو سعد بن عبد اللّه على ما صرّح به في التهذيب ، وطريقه إليه صحيح عن يعقوب بن يزيد ، عن محمّد بن مرازم ، عن أبيه وكلّهم ثقات عن أبي عبد اللّه (عليه السلام).
ورواها الكليني عن أحمد بن إدريس ، الذي هو أبو علي الأشعري شيخه
.................................................................................................
ومن الثقات الأجلاء ، عن محمّد بن أحمد وهو محمّد بن أحمد بن يحيى من الثقات أيضاً عن يعقوب بن يزيد ، عن محمّد بن مرازم ، عن أبيه.
فالرواية صحيحة السند قطعاً ولا مجال للنقاش فيها بوجه ، سيّما وأنّ الكليني صرّح في صدر كتابه أنّه لا يذكر فيه إلّا ما هو حجّة بينه وبين ربّه ، وقد سمعت عمل الشيخ بها وإن حملها على صورة خاصّة.
نعم ، لم يعمل بها المشهور ، حيث لم يذكروا التطويق من علامات ثبوت الهلال.
بل جعلها في الحدائق (1)معارضة مع النصوص الدالّة على أنّ من أفطر يوم الشك لا يقضيه إلّا مع قيام البيّنة على الرؤية ، حيث إنّ مقتضى هذه الصحيحة وجوب القضاء مع التطويق وإن لم تثبت الرؤية.
بل قيل بمعارضتها أيضاً مع ما دلّ على أنّ الصوم والإفطار لا يكونان إلّا بالرؤية.
والجميع كما ترى ، فإنّ عدم العمل لا يكون قادحاً بعد أن لم يكن بالغاً حدّ الإعراض لما عرفت من عمل جمع من الأصحاب بها بل وإن بلغ ، بناءً على ما هو الصحيح من عدم سقوط الصحيح بالإعراض عن درجة الاعتبار.
وأمّا توهّم المعارضة بتقريبيها فلا يخلو عن الغرابة ، بداهة أنّ نصوص عدم القضاء كعمومات الرؤية أقصاها أنّها مطلقات غير آبية عن التقييد الذي هو ليس بعزيز في الفقه ، فأيّ مانع من أن تكون الصحيحة مقيّدة لإطلاقهما.
وإن شئت قلت : إنّ ما دلّ على عدم وجوب القضاء ما لم تقم البيّنة لا يثبت عدم القضاء في خصوص التطويق ليكون النصّ الوارد فيه معارضاً له ، وإنّما
1) الحدائق 13 : 290.
.................................................................................................
هو حكم مطلق لا ينافي وجوبه إذا ثبت الهلال من طريق آخر غير البيّنة كشياع ونحوه ، فإنّ العبرة في القضاء بثبوت أنّ اليوم الذي أفطر فيه كان من شهر رمضان ، سواء أثبت بالبيّنة كما هو الغالب أم بسبب آخر ، فإذا ثبت بمقتضى الصحيحة أنّ التطويق أيضاً أمارة كالبيّنة فلا جرم يتقيّد بها الإطلاق المزبور.
وبعبارة اخرى : البيّنة طريق إلى الواقع ، والقضاء مترتّب على الإفطار في يوم هو من شهر رمضان بحسب الواقع ، والنصوص المتقدّمة الناطقة بالقضاء لدى قيام البيّنة على الرؤية لا تدلّ على حصر الطريق في البيّنة ، فإذا ثبت من طريق آخر ولو كان ذاك الطريق هو التطويق إذا ساعده الدليل وجب القضاء إذا كان قد أفطر فيه ، والمفروض مساعدته بعد قيام النصّ الصحيح الصريح.
وكذا الحال بعينه بالإضافة إلى عمومات : «صم للرؤية ، وأفطر للرؤية» ، فإنّها مطلقات قابلة للتقييد ولا تكاد تدلّ على الحصر بوجه.
إذن فليست بين الروايات أيّة معارضة بتاتاً ، غايته ارتكاب التقييد في تلك المطلقات ، والالتزام بثبوت القضاء لدى تحقّق التطويق أيضاً كثبوته لدى قيام البيّنة ، عملاً بالصحيحة المتقدّمة.
هذا ، وغير بعيد أن تكون الصحيحة مسوقة للإخبار عن أمر تكويني واقعي لا لبيان تعبّد شرعي ، وهو أنّ التطويق بمقتضى قواعد الفلك لا يكون في الليلة الأُولى أبداً وإنّما هو في الليلة الثانية فحسب ، فيكون الكشف فيه كشفاً قطعيّاً حقيقيّا لا طريقاً مجعولاً شرعيّاً. ولا بدع ، فإنّهم صلوات اللّه عليهم مرشدوا الخلق في كلّ من أمري التكوين والتشريع.
والشاهد على ذلك قوله (عليه السلام) في ذيلها : «وإذا رأيت ظلّ رأسك فيه
.................................................................................................
فهو لثلاث» ، فإنّ من الواضح عدم ابتناء هذه الفقرة على التعبّد وإنّما هي حكاية عن أمر تكويني خارجي ، لعدم حدوث الظلّ قبل الثلاث بالوجدان ، فمن الجائز أن تكون الفقرة السابقة أيضاً كذلك بمقتضى اتّحاد السياق.
ولعلّ هذا هو السرّ في عدم ذكر ذلك في كلمات المشهور ، حيث إنّهم بصدد عدّ الطرق الشرعيّة التعبّديّة لا الأمر التكويني المورث لليقين الوجداني ، ولكنّه بعيد كما لا يخفى.
وكيفما كان ، فسواء أكانت الصحيحة ناظرة إلى بيان حكم شرعي أم أمر تكويني لم يكن بدّ من الأخذ والعمل بها ، ولا يسعنا رفضها وإن لم يعمل بها المشهور بعد استجماعها شرائط الحجّيّة من صحّة السند وصراحة الدلالة ، ولم يثبت الإعراض عنها ، وعلى تقدير ثبوته لا يكون قادحاً على الأقوى كما مرّ.
إذن فالأظهر ثبوت الهلال بالتطويق تبعاً لبعض الأصحاب وإن كان على خلاف المشهور ، واللّه سبحانه أعلم بحقائق الأُمور.
الأمر الثاني : ذهب الصدوق في الفقيه إلى أنّ شهر رمضان تامٌّ لا ينقص أبداً كما أنّ شهر شعبان ناقصٌ دائماً (1)، لنصوص دلّت على ذلك صريحاً ، التي منها : ما رواه عن حذيفة بن منصور ، عن معاذ بن كثير ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال : شهر رمضان ثلاثون يوماً لا ينقص واللّه أبداً» (2).
وعنه أيضاً قال : قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : إنّ الناس يقولون : إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) صام تسعة وعشرين أكثر ممّا صام ثلاثين «فقال :
.................................................................................................
كذبوا ، ما صام رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) منذ بعثه اللّه تعالى إلى أن قبضه أقلّ من ثلاثين يوماً ، ولا نقص شهر رمضان منذ خلق اللّه تعالى السماوات والأرض من ثلاثين يوماً وليلة» (1).
وروى الشيخ بإسناده عن يعقوب بن شعيب ، عن أبيه ، قال : قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : إنّ الناس يقولون : إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) صام تسعة وعشرين يوماً أكثر ممّا صام ثلاثين يوماً «فقال : كذبوا ، ما صام رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) إلّا تامّاً ، وذلك قول اللّه عز وجل ( وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ ) (2)فشهر رمضان ثلاثون يوماً ، وشوّال تسعة وعشرون يوماً ، وذو القعدة ثلاثون يوماً لا ينقص أبداً. لأنّ اللّه تعالى يقول ( وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً ) (3)وذو الحجّة تسعة وعشرون يوماً ، ثمّ الشهور على مثل ذلك شهر تامّ وشهر ناقص ، وشعبان لا يتمّ أبداً» (4)إلى غير ذلك من الأخبار الواردة بهذا المضمون الناطقة بثبوت شهر رمضان بالعدد وهو عدّه تامّاً أبداً ، وشعبان ناقصاً أبداً.
قال في الفقيه بعد ذكر نبذ من هذه الأخبار ما لفظه : من خالف هذه الأخبار وذهب إلى الأخبار الموافقة للعامّة في ضدّها اتُّقي كما يُتّقى العامّة ولا يكلَّم إلّا بالتقيّة كائناً من كان ، إلّا أن يكون مسترشداً فيرشد ويبيّن له ، فإنّ البدعة إنّما
.................................................................................................
تماث وتبطل بترك ذكرها ، ولا قوّة إلّا باللّه (1)، انتهى.
ونُسِبَ هذا القول إلى الشيخ المفيد أيضاً في بعض كتبه كما صرّح بهذه النسبة في الحدائق أيضاً (2).
غير أنّ له رسالة خاصّة خطّيّة أسماها بالرسالة العدديّة وهي موجودة عندنا أبطل فيها هذا القول وأنكره أشدّ الإنكار (3)، كتبها تأييداً لما ذهب إليه شيخه ابن قولويه من أنّ شهر رمضان كسائر الشهور يصيبه ما يصيبها ، ربّما ينقص وربّما لا ينقص ، ولا ندري أنّه (قدس سره) في أيّ كتاب من كتبه ذكر ما نُسب إليه ، ونظنّ واللّه العالم أنّها نسبة كاذبة ، لإصراره على إبطال القول المذكور في الرسالة المزبورة كما سمعت ، وذكر فيها : أنّ رواة أنّ شهر رمضان كسائر الشهور هم الرؤساء في الحلال والحرام ، ولا يطعن عليهم في شيء ، وهم الذين يؤخذ منهم الحلال والحرام ، ثمّ تعرّض لذكر جملة منهم.
وكيفما كان ، فسواء أصحّت النسبة أم لا فالقول المذكور في غاية الضعف والسقوط ، لعدم استقامة أسناد تلك الروايات.
وقد ذكر في التهذيب أنّ أكثرها تنتهي إلى حذيفة بن منصور عن معاذ ، وكتاب حذيفة معروف مشهور ولم يوجد فيه شيء من هذه الروايات ، ولو كان الحديث صحيحاً عنه لوجد طبعاً في كتابه (4).
هذا ، ومن الغريب أنّ الصدوق على إصراره في اختيار هذا القول بتلك المثابة التي سمعتها من مقالته ذكر بنفسه في باب أنّ الصوم والإفطار للرؤية : أنّه
.................................................................................................
إذا أفطر يوم الشك ثمّ ظهر أنّه من رمضان يقضيه (1)، فإنّه كيف يجتمع هذا مع البناء على أنّ شهر شعبان ناقص دائماً ورمضان تامّ أبداً؟!
وبالجملة : لا شك أنّ ما دلّ على أنّ شهر رمضان كسائر الشهور يصيبه ما يصيبها نصوصٌ متواترة ولو إجمالاً وجملة منها صحاح ، فكيف يمكن رفع اليد عنها بالنصوص المعارضة لها التي لا تنهض للمقاومة ولا ينبغي الاعتناء بها تجاهها حتّى لو تم أسنادها؟! على أنّها غير قابلة للتصديق في أنفسها ، ضرورة أنّ حركة القمر حركة واحدة ، كما أنّ الشمس ليست لها سرعة وبطء باعتبار الشهور ، فكيف يمكن تخصيص شهر من بينها بالتمام دوماً ، وآخر وهو شعبان بالنقص أبداً؟! نعم ، من الجائز أنّ السنين التي صام فيها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) كان الشهر فيها تامّاً من باب الصدفة والاتّفاق ، وأمّا تماميّة شهر رمضان مدى الأعوام والدهور ومنذ خلق اللّه السماوات والأرض فشيء مخالف للوجدان والضرورة ، وغير قابل للتصديق بوجه.
ولذلك أصبحت المسألة كالمتسالم عليها بعد الشيخ الطوسي (قدس سره) وأنّه لا عبرة بالعدد بل بالرؤية فقط ، إمّا بنفسه أو بالشياع ونحوه.
أضف إلى ذلك ما في هذه الروايات من التعليلات الواهية البيّن فسادها والمنزّه ساحة الإمام (عليه السلام) المقدّسة عن التفوّه بها ، كالتعليل الوارد في رواية ابن شعيب المتقدّمة لتماميّة شهر ذي القعدة بقوله سبحانه ( وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً ) إذ ليت شعري أفهل يلزم من تماميّة الشهر الذي كان فيه ميقات موسى (عليه السلام) التماميّة في جميع السنين ومدى الدهور؟! إلى غير
1) لاحظ الفقيه 2 : 76 78.
.................................................................................................
ذلك ممّا تعرّض له في الوافي ، ونقلها بطولها في الحدائق (1).
الأمر الثالث : قد ورد في عدّة من الروايات أنّ من جملة الأمارات عدّ خمسة أيّام من هلال رمضان الماضية ، فاليوم الخامس هو أوّل الآتية ، فإذا كان أوّل رمضان من هذه السنة يوم السبت ففي القادمة يوم الأربعاء.
ولكنّها ضعيفة السند بأجمعها من جهةٍ أو أكثر ، على أنّها مخالفة للوجدان ، بل بعضها غير قابل للتصديق.
فمن جملتها : ما رواه الكليني بإسناده عن محمّد بن عثمان الجدري (عثيم الخدري) ، عن بعض مشايخه ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال : صم في العام المستقبل اليوم الخامس من يوم صمت فيه عام أوّل» (2).
فإنّ الجدري الذي لم يعلم ضبط الكلمة وحركاتها مجهول ، وكذا عثيم الخدري ، على أنّها مرسلة. ونحوها غيرها.
وأمّا ما لا يكون قابلا للتصديق فهو رواية السيّاري ، قال : كتب محمّد بن الفرج إلى العسكري (عليه السلام) يسأله عمّا روي من الحساب في الصوم عن آبائك (عليهم السلام) في عدّ خمسة أيّام بين أوّل السنة الماضية والسنة الثانية الذي يأتي ، فكتب : «صحيح ، ولكن عدّ في كلّ أربع سنين خمساً ، وفي السنة الخامسة ستّاً فيما بين الاولى والحادث وما سوى ذلك فإنّما هو خمسة خمسة» قال السيّاري : وهذا من جهة الكبيسة ، قال : وقد حسبه أصحابنا فوجدوه صحيحاً. قال : وكتب إليه محمّد بن الفرج في سنة ثمان وثلاثين ومائتين : هذا الحساب لا يتهيّأ لكلّ إنسان ... إلخ (3).
.................................................................................................
فإنّ مضمونها مضافاً إلى قصور سندها بالسيّاري الذي هو ضعيف جدّاً غير منضبط في نفسه ولا يمكن تصديقه بعد فرض جهالة المبدأ.
فإنّا لو فرضنا أنّ زيداً بلغ وكان أوّل رمضان ما بعد بلوغه يوم السبت ، فبالنسبة إليه يعدّ إلى أربع سنين خمسة أيّام وبعده يعدّ ستة ، وأمّا بالنسبة إلى شخص آخر بلغ بعد ذلك بسنة ، فالسنة الخامسة للأول رابعة لهذا ، كما أنّها ثالثة لمن بلغ بعده بسنتين وهكذا ، وكذا الحال فيمن بلغ قبل ذلك ، ولازمه اختلاف أوّل الشهر باختلاف الناس وعدم كونه منضبطاً ، وهو كما ترى.
ثمّ إنّ من جملة روايات الباب ما رواه ابن طاوس في الإقبال ، نقلاً من كتاب الحلال والحرام لإسحاق بن إبراهيم الثقفي الثقة ، عن أحمد بن عمران بن أبي ليلى ، عن عاصم بن حميد ، عن جعفر بن محمّد (عليه السلام) «قال : عدّد اليوم الذي تصومون فيه وثلاثة أيّام بعده وصوموا يوم الخامس ، فإنّكم لن تخطئوا» (1).
وهي أيضاً كبقيّة الأخبار ضعيفة السند ، لجهالة طريق ابن طاوس إلى الكتاب المزبور أوّلاً ، وجهالة ابن أبي ليلى ثانياً.
وإنّما تعرّضنا لها لنكتة ، وهي أنّ كتاب الحلال والحرام قد نُسب في نسخة الإقبال التي نقل عنها صاحب الوسائل إلى إسحاق بن إبراهيم الثقفي ، كما هو كذلك في بعض النسخ الموجودة لدينا ، التي منها النسخة الصغيرة المطبوعة بالقطع الوزيري.
ويظهر من صاحب المستدرك أنّ النسخة الموجودة عنده أيضاً كانت كذلك ، حيث تعرّض في رجاله لإسحاق بن إبراهيم الثقفي ووثّقه (2)، اعتماداً على توثيق
.................................................................................................
ابن طاوس الذي قال في حقّه : الثقفي الثقة ، كما سمعت.
ولكن النسخة مغلوطة ، فإنّ الكتاب المزبور إنّما هو لأبي إسحاق إبراهيم بن محمّد الثقفي كما هو موجود في البعض الآخر من نسخ الإقبال ، لا لإسحاق بن إبراهيم الثقفي ، بل لا وجود لهذا أصلاً فيما نعلم. فالمؤلّف كنيته أبو إسحاق ، لا أنّ اسمه إسحاق ، بل اسمه إبراهيم.
وقد أوعز إلى ذلك المحدّث المتتبّع الشيخ آقا بزرگ الطهراني (قدس سره) في كتابه : الذريعة (1).
الأمر الرابع : ربّما يعدّ من العلامات جعل رابع رجب أوّل رمضان ، باعتبار ما ورد في بعض الروايات من أنّه يعدّ من أوّل رجب ستّون يوماً فاليوم الستّون هو أوّل رمضان. فكأنّ شهري رجب وشعبان أحدهما تامّ والآخر ناقص أبداً ، فلا يكونان تامّين حتّى يكون أوّل رمضان اليوم الحادي والستّين ، ولا ناقصين حتّى يكون اليوم التاسع والخمسين.
وهذا أيضاً غير قابل للتصديق ، إذ قد يتّفق أنّ كليهما تام أو ناقص كبقيّة الشهور ، إذ لا خصوصيّة لهما من بينها.
ولا مقتضي للالتزام بذلك عدا ما ورد في رواية واحدة رواها الصدوق في كتاب فضائل شهر رمضان عن أبيه ، عن محمّد بن يحيى ، عن محمّد بن أحمد ، عن إبراهيم بن هاشم ، عن حمزة بن يعلى ، عن محمّد بن الحسين بن أبي خالد ، رفعه إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام) : «قال : إذا صحّ هلال رجب فعدّ تسعة وخمسين يوماً وصوم يوم الستّين» (2).
[2512] مسألة 1 : لا يثبت بشهادة العدلين إذا لم يشهدا بالرؤية ، بل شهدا شهادة علميّة (1).
ولكنّها ضعيفة السند ، لجهالة ابن أبي خالد ، مضافاً إلى الرفع.
فلا يصحّ التعويل على هذه العلامة بحيث لو كان أوّل رجب يوم السبت كان أوّل رمضان يوم الثلاثاء دائماً ، لعدم المقتضي له بعد ضعف المستند ، بل عدم قبوله للتصديق حسبما عرفت.
(1) ذكر الفقهاء في كتاب الشهادة أنّه لا بدّ من أن يستند الشاهدان في شهادتهما إلى الحسّ دون الاجتهاد والحدس وإن كان بنحو العلم والقطع ، فلا تقبل الشهادة على الملكيّة أو الطلاق والزوجيّة ونحوها ما لم تستند إلى الحسّ ، كما لا تقبل الشهادة على الهلال ما لم تستند إلى الرؤية وإن كانت شهادة علميّة.
ويدلّ عليه أوّلاً : أنّ هذا مأخوذ في مفهوم الشهادة ، إذ هي ليست بمعنى مطلق العلم وإن استُعملت بمعناه أحياناً ، بل ما كان عن حضور ، ومنه قوله تعالى ( وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ ) (1)وقوله تعالى ( فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ) (2)إلخ ، أي حضر كما فسّر بذلك. فلأجل أنّ الشهادة من الشهود بمعنى الحضور ، فلا جرم لا تصدّق على ما لم يستند إلى الحسّ ، إذ غايته أنّه عالم بالموضوع لا أنّه شاهد عليه.
وثانياً : قد دلّت الروايات الخاصّة في المقام على اعتبار استناد الشهادة إلى
[2513] مسألة 2 : إذا لم يثبت الهلال وترك الصوم ثمّ شهد عدلان برؤيته يجب قضاء ذلك اليوم (1) ، وكذا إذا قامت البيِّنة على هلال شوّال ليلة التاسع والعشرين من هلال رمضان (2) أو رآه في تلك الليلة بنفسه.
الرؤية ، كصحيحة منصور بن حازم : «صم لرؤية الهلال وأفطر لرؤيته ، فإن شهد عندكم شاهدان مرضيّان بأنّهما رأياه فاقضه» (1).
وصحيحة الحلبي : «قال : قال علي (عليه السلام) : لا تقبل شهادة النساء في رؤية الهلال إلّا شهادة رجلين عدلين» (2)ونحوهما غيرهما.
وبهما يقيَّد الإطلاق في بقيّة النصوص لو سُلّم أنّها مطلقة.
(1) لتحقّق الفوت بمقتضى الشهادة وإن كان معذوراً في الترك بمقتضى استصحاب عدم دخول رمضان ، فيجب القضاء على حسب القاعدة من غير حاجة إلى ورود النصّ الخاصّ ، مع أنّ صحيحة منصور بن حازم المتقدّمة آنفاً صريحة في ذلك.
(2) إذ يستكشف بذلك أنّه أفطر في اليوم الأوّل من رمضان وإلّا كان الشهر ثمانية وعشرين يوماً ، وهو مقطوع البطلان ، فلا مناص من وجوب القضاء بعد فرض ثبوت الهلال من شوّال بالبيّنة الشرعيّة أو رؤية الشخص نفسه في تلك الليلة ، غايته أنّه كان معذوراً في الإفطار ، وقد اتّفق نظير ذلك في العصر المتأخّر قبل ما يقرب من عشر سنين.
[2514] مسألة 3 : لا يختصّ اعتبار حكم الحاكم (1)بمقلّديه (1) ، بل هو نافذ بالنسبة إلى الحاكم الآخر أيضاً إذا لم يثبت عنده خلافه.
وكيفما كان ، فالحكم مطابق للقاعدة من غير حاجة إلى ورود النصّ ، وتؤيّده مرسلة ابن سنان ، قال : صام علي (عليه السلام) بالكوفة ثمانية وعشرين يوماً شهر رمضان ، فرأوا الهلال فأمر منادياً ينادي : اقضوا يوماً ، فإنّ الشهر تسعة وعشرون يوماً» (2).
(1) قد عرفت الإشكال في نفوذ حكم الحاكم في أمر الهلال ، وعلى تقديره فلا يفرق فيه بين مقلّديه ومقلّدي غيره ، بل حتّى المجتهد الآخر وإن كان أعلم والناس كلّهم مقلّدوه ولا مقلّد لهذا المجتهد الحاكم أصلاً ، بمقتضى إطلاق الدليل.
وعلى الجملة : الحاكم مرجع ينفذ حكمه ، إمّا في خصوص مورد التنازع والخصومة أو في مطلق الأُمور العامّة على الكلام المتقدّم ، وعلى التقديرين ينفذ حكمه على الكلّ ، عملاً بإطلاق المستند ، إلّا إذا ثبت خلافه فإنّه لا ينفذ حكمه حينئذٍ ، ضرورة أنّه طريق ظاهري محض كسائر الطرق وإن كان يتقدّم على جميعها ما عدا إقرار المحكوم له ، ولا موضوعيّة له بحيث يغيّر الواقع ويستوجب تبدّلاً فيه وإن نُسب ذلك إلى بعض العامّة ، فلو ادّعت المرأة الزوجيّة وأنكرها الزوج وترافعا عند الحاكم فحكم بالعدم بمقتضى الموازين الشرعيّة الثابتة لديه ، لا يجوز لمن يقطع بالزوجيّة تزويجها ، لما عرفت من أنّه طريقٌ لا يغيّر الواقع عمّا عليه بوجه ، فلا جرم تختصّ طريقيّته لغير العالم بالخلاف.
.................................................................................................
ويدلّ على ذلك أي على كونه حكماً ظاهرياً قوله (عليه السلام) في صحيحة سعد وهشام بن الحكم على رواية الشيخ وسعد بن أبي خلف عن هشام بن الحكم على رواية الكليني وهي صحيحة على التقديرين ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال : قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) : إنّما أقضي بينكم بالبيّنات والايمان ، وبعضكم ألحن بحجّته من بعض ، فأيّما رجل قطعت له من مال أخيه شيئاً فإنّما قطعت له به قطعة من النار» (1).
وهي صريحة في أنّ حكمه (صلّى اللّه عليه وآله) المستند إلى الموازين الشرعيّة لا ينفذ في حقّ من يعلم أنّه قطع له من مال أخيه وأنّه حينئذٍ قطعة من النار.
وبالجملة : فإذا ثبت خلاف الحكم كالمثال المتقدّم ، أو ثبت خلاف مستنده ، كما لو تخيّل الحاكم عدالة الشاهد أو تعدّده ونحن نعلم فسقه أو وحدته بحيث لو نبّهنا الحاكم لقبل وتراجع ، لم يكن الحكم نافذاً ، لما مرّ.
نعم ، لو كانت الشبهة حكميّة والمسألة خلافيّة ، كما لو كان الحاكم ممّن يرى قبول شهادة ابن الزنا أو كفاية الشياع الظنّي ، كان حكمه نافذاً حتّى بالنسبة إلى من يخالفه في هذا المبنى ، لأنّ حكمه مطابق للموازين الشرعيّة المقرّرة عنده ، وقد أدّى نظره إلى ذاك المبنى بمقتضى بذل وسعه واجتهاده المستند إلى القواعد الشرعيّة ولم يثبت خلافه لدينا ، لجواز كون الصحيح بحسب الواقع هو ما أدّى إليه نظره ، فلا مقتضي لردّ حكمه بعد إطلاق دليل النفوذ حسبما عرفت.
1) الوسائل 27 : 232 / أبواب كيفية الحكم وأحكام الدعوى ب 2 ح 1 ، الكافي 7 : 414 / 1 ، التهذيب 6 : 229 / 552.
[2515] مسألة 4 : إذا ثبتت رؤيته في بلد آخر ولم يثبت في بلده : فإن كانا متقاربين كفى (1) ، وإلّا فلا (1)، إلّا إذا علم توافق افقهما وإن كانا متباعدين.
(1) لا إشكال في عدم اعتبار كون الرؤية في نفس البلد ، بل يكتفى برؤية الهلال في خارجه بمقتضى إطلاق الأدلّة ، بل التصريح في بعضها بقبول الشهادة من الشاهدين اللذين يدخلان المصر ويخرجان.
كما لا إشكال في كفاية الرؤية في بلد آخر إذا كان متّحداً في الأُفق مع هذا البلد وإن لم يَرَ الهلال فيه ، للملازمة بينهما كما هو ظاهر ، فلا خصوصيّة لهذا البلد بعد ثبوت الهلال في بلد آخر متّحد معه في الأُفق.
كما لا إشكال أيضاً في كفاية الرؤية في بلد آخر وإن اختلفا في الأُفق فيما إذا كان الثبوت هناك مستلزماً للثبوت هنا بالأولويّة القطعيّة ، كما لو كان ذاك البلد شرقيّاً بالإضافة إلى هذا البلد كبلاد الهند بالإضافة إلى العراق ، إذ لا يمكن رؤية الهلال هناك من دون قبوله للرؤية هنا ، مع أنّه متقدّم وسابق عليها ، والرؤية ثمّة متفرّعة على الرؤية هنا ، فالثبوت هناك مستلزم للثبوت هنا بطريق أولى ، فالبيّنة القائمة على الأوّل تخبر بالالتزام عن الثاني. وهذا كلّه ظاهر.
إنّما الكلام في عكس ذلك ، أعني : ما لو اختلف الأُفق وشوهد الهلال في البلاد الغربيّة ، فهل يكفي ذلك للشرقيّة كبلاد الشام بالإضافة إلى العراق ، أو لا؟
المعروف والمشهور هو الثاني ، حيث ذهبوا إلى القول باعتبار اتّحاد الأُفق. وذهب جمع من المحقّقين إلى الأوّل وأنّ الثبوت في قطر كافٍ لجميع الأقطار ،
1) (*) لا تبعد الكفاية في البلدان التي تشترك في الليل ولو في مقدار ، ومنه يظهر الحال في المسألة الآتية.
.................................................................................................
منهم العلّامة في المنتهي وصاحب الوافي والحدائق والمستند والسيّد الخونساري (1)وغيرهم ، ومال إليه في الجواهر (2)، واحتمله الشهيد في الدروس (3).
وهذا القول هو الصحيح ، إذ لا نرى أيّ وجه لاعتبار الاتّحاد عدا قياس حدوث الهلال وخروج القمر عن تحت الشعاع بأوقات الصلوات أعني : شروق الشمس وغروبها فكما أنّها تختلف باختلاف الآفاق وتفاوت البلدان بل منصوص عليه في بعض الأخبار بقوله (عليه السلام) : «إنّما عليك مشرقك ومغربك» إلخ (4)فكذا الهلال.
ولكنّه تخيّل فاسد وبمراحل عن الواقع ، بل لعلّ خلافه ممّا لا إشكال فيه بين أهل الخبرة وإن كان هو مستند المشهور في ذهابهم إلى اعتبار الاتّحاد ، فلا علاقة ولا ارتباط بين شروق الشمس وغروبها ، وبين سير القمر بوجه.
وذلك لأنّ الأرض بمقتضى كرؤيّتها يكون النصف منها مواجهاً للشمس دائماً والنصف الآخر غير مواجه كذلك ، ويعبّر عن الأوّل في علم الهيئة بقوس النهار ، وعن الثاني بقوس الليل ، وهذان القوسان في حركةٍ وانتقال دائماً حسب حركة الشمس أو حركة الأرض حول نفسها ، على الخلاف في ذلك ، وإن كان الصحيح بل المقطوع به في هذه الأعصار هو الثاني.
وكيفما كان ، فيتشكّل من هاتيك الحركة حالات متبادلة من شروق وغروب ، ونصف النهار ونصف الليل ، وبين الطلوعين وما بين هذه الأُمور من الأوقات
.................................................................................................
المتفاوتة.
وهذه الحالات المختلفة منتشرة في أقطار الأرض ومتشقّة في بقاعها دائماً ، ففي كلّ آن يتحقّق شروق في نقطة من الأرض وغروب في نقطة اخرى مقابلة لها ، وذلك لأجل أنّ هذه الحالات إنّما تنتزع من كيفيّة اتّجاه الكرة الأرضيّة مع الشمس التي عرفت أنّها لا تزال في تبدّل وانتقال ، فهي نسبة قائمة بين الأرض والشمس.
وهذا بخلاف الهلال ، فإنّه إنّما يتولّد ويتكوّن من كيفيّة نسبة القمر إلى الشمس من دون مدخل لوجود الكرة الأرضيّة في ذلك بوجه ، بحيث لو فرضنا خلوّ الفضاء عنها رأساً لكان القمر متشكّلاً بشتّى أشكاله من هلاله إلى بدره وبالعكس كما نشاهدها الآن.
وتوضيحه : أنّ القمر في نفسه جرم مظلم وإنّما يكتسب النور من الشمس نتيجة المواجهة معها ، فالنصف منه مستنير دائماً ، والنصف الآخر مظلم كذلك ، غير أنّ النصف المستنير لا يستبين لدينا على الدوام ، بل يختلف زيادةً ونقصاً حسب اختلاف سير القمر.
فإنّه لدى طلوعه عن الأُفق من نقطة المشرق مقارناً لغروب الشمس بفاصلٍ يسير في الليلة الرابعة عشرة من كلّ شهر بل الخامسة عشرة فيما لو كان الشهر تامّاً يكون تمام النصف منه المتّجه نحو الغرب مستنيراً حينئذٍ ، لمواجهته الكاملة مع النير الأعظم ، كما أنّ النصف الآخر المتّجه نحو الشرق مظلم.
ثمّ إنّ هذا النور يأخذ في قوس النزول في الليالي المقبلة ، وتقلّ سعته شيئاً فشيئاً حسب اختلاف سير القمر إلى أن ينتهي في أواخر الشهر إلى نقطة المغرب بحيث يكون نصفه المنير مواجهاً للشمس ، ويكون المواجه لنا هو تمام
.................................................................................................
النصف الآخر المظلم ، وهذا هو الذي يعبَّر عنه بتحت الشعاع والمحاق ، فلا يُرى منه أيّ جزء ، لأنّ الطرف المستنير غير مواجه لنا لا كلّاً كما في الليلة الرابعة عشرة ، ولا بعضاً كما في الليالي السابقة عليها أو اللاحقة.
ثمّ بعدئذٍ يخرج شيئاً فشيئاً عن تحت الشعاع ، ويظهر مقدار منه من ناحية الشرق ويُرى بصورة هلال ضعيف ، وهذا هو معنى تكوّن الهلال وتولّده ، فمتى كان جزء منه قابلاً للرؤية ولو بنحو الموجبة الجزئيّة فقد انتهى به الشهر القديم ، وكان مبدءاً لشهر قمري جديد.
إذن فتكوّن الهلال عبارة عن خروجه عن تحت الشعاع بمقدار يكون قابلاً للرؤية ولو في الجملة ، وهذا كما ترى أمر واقعي وحداني لا يختلف فيه بلد عن بلد ، ولا صقع عن صقع ، لأنّه كما عرفت نسبة بين القمر والشمس لا بينه وبين الأرض ، فلا تأثير لاختلاف بقاعها في حدوث هذه الظاهرة الكونيّة في جوّ الفضاء.
وعلى هذا فيكون حدوثها بدايةً لشهر قمري لجميع بقاع الأرض على اختلاف مشارقها ومغاربها وإن لم يُر الهلال في بعض مناطقها لمانع خارجي ، من شعاع الشمس ، أو حيلولة الجبال ، وما أشبه ذلك.
أجل ، إنّ هذا إنّما يتّجه بالإضافة إلى الأقطار المشاركة لمحلّ الرؤية في الليل ولو في جزء يسير منه ، بأن تكون ليلة واحدة ليلة لهما. وإن كانت أوّل ليلة لأحدهما وآخر ليلة للآخر المنطبق طبعاً على النصف من الكرة الأرضيّة دون النصف الآخر الذي تشرق عليه الشمس عند ما تغرب عندنا ، بداهة أنّ الآن نهار عندهم ، فلا معنى للحكم بأنّه أوّل ليلة من الشهر بالنسبة إليهم.
ولعلّة إلى ذلك يشير سبحانه وتعالى في قوله : ( رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ
.................................................................................................
الْمَغْرِبَيْنِ ) (1)باعتبار انقسام الأرض بلحاظ المواجهة مع الشمس وعدمها إلى نصفين لكل منهما مشرق ومغرب ، فحينما تشرق على أحد النصفين تغرب عن النصف الآخر وبالعكس. فمن ثمّ كان لها مشرقان ومغربان.
والشاهد على ذلك قوله سبحانه ( يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ ) (2)الظاهر في أنّ هذا أكثر بعد وأطول مسافة بين نقطتي الأرض ، إحداهما مشرق لهذا النصف ، والأُخرى مشرق النصف الآخر.
وعليه ، فإذا كان الهلال قابلاً للرؤية في أحد النصفين حكم بأنّ هذه الليلة أوّل الشهر بالإضافة إلى سكنة هذا النصف المشتركين في أنّ هذه الليلة ليلة لهم وإن اختلفوا من حيث مبدأ الليلة ومنتهاها حسب اختلاف مناطق هذا النصف قرباً وبعداً ، طولاً وعرضاً ، فلا تفترق بلاد هذا النصف من حيث الاتّفاق في الأُفق والاختلاف في هذا الحكم ، لما عرفت من أنّ الهلال يتولّد أي يخرج القمر من تحت الشعاع مرّة واحدة.
إذن فبالنسبة إلى الحالة الكونيّة وملاحظة واقع الأمر الفرق بين أوقات الصلوات ومسألة الهلال في غاية الوضوح حسبما عرفت.
هذا ما تقتضيه نفس الحالة الكونيّة.
وأمّا بالنظر إلى الروايات فيستفاد منها أيضاً أنّ الأمر كذلك وأنّ الثبوت الشرعي للهلال في قطرٍ كافٍ لجميع الأقطار وإن اختلفت آفاقها.
وتدلّنا عليه أوّلاً : إطلاقات نصوص البيّنة الواردة في رؤية الهلال ليوم الشك في رمضان أو شوّال وأنّه في الأوّل يقضى يوماً لو أفطر ، فإنّ مقتضى
.................................................................................................
إطلاقها عدم الفرق بين ما إذا كانت الرؤية في بلد الصائم أو غيره المتّحد معه في الأُفق أو المختلف.
ودعوى الانصراف إلى أهل البلد.
كما ترى ، سيّما مع التصريح في بعضها بأنّ الشاهدين يدخلان المصر ويخرجان كما تقدّم ، فهي طبعاً تشمل الشهادة الحاصلة من غير البلد على إطلاقها.
وثانياً : النصوص الخاصّة :
منها : صحيحة هشام بن الحكم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : أنّه قال فيمَن صام تسعة وعشرين «قال : إن كانت له بيّنة عادلة على أهل مصرٍ أنّهم صاموا ثلاثين على رؤيته قضى يوماً» (1).
دلّت بمقتضى إطلاقها بوضوح على أنّ الرؤية في مصرٍ كافية لسائر الأمصار وإن لم يُرَ فيها الهلال من غير غيم أو أيّ مانع آخر ، ولم يقيّد فيها بوحدة الأُفق مع أنّ آفاق البلاد تختلف جدّاً حتّى في الممالك الصغيرة كالعراق ، فإنّ شمالها عن جنوبها كشرقها عن غربها يختلف اختلافاً فاحشاً ، فعدم التقييد والحالة هذه وهو (عليه السلام) في مقام البيان يكشف طبعاً عن الإطلاق.
ومنها : صحيحة عبد الرّحمن بن أبي عبد اللّه ، قال : سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن هلال شهر رمضان يغمّ علينا في تسع وعشرين من شعبان «قال : لا تصم إلّا أن تراه ، فإن شهد أهل بلد آخر فاقضه» (2).
دلّت على كفاية الرؤية في بلدٍ آخر ، سواه اتّحد أُفقه مع البلد أم اختلف ، بمقتضى الإطلاق.
.................................................................................................
ومنها : صحيحة إسحاق بن عمّار ، قال : سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن هلال رمضان يغمّ علينا في تسع وعشرين من شعبان «فقال : لا تصمه إلّا أن تراه ، فإن شهد أهل بلد آخر أنّهم رأوه فاقضه» (1).
وهي في الدلالة كسابقتها.
وأوضح من الجميع صحيحة أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : أنّه سُئل عن اليوم الذي يقضى من شهر رمضان «فقال : لا تقضه إلّا أن يثبت شاهدان عدلان من جميع أهل الصلاة متى كان رأس الشهر. وقال : لا تصم ذلك اليوم الذي يقضى إلّا أن يقضي أهل الأمصار ، فإن فعلوا فصمه» (2).
فإنّ في قوله (عليه السلام) : «جميع أهل الصلاة» دلالة واضحة على عدم اختصاص رأس الشهر القمري ببلد دون بلد ، وإنّما هو حكم وحداني عامّ لجميع المسلمين على اختلاف بلادهم من حيث اختلاف الآفاق واتّحادها ، فمتى قامت البيّنة على الرؤية من أيّ قطر من أقطار هذا المجموع المركّب وهم كافّة أهل الصلاة كفى.
كما أنّ قوله (عليه السلام) في الذيل : «يقضي أهل الأمصار» مؤكّد لهذا المعنى ، وأنّه لا يختلف مصر عن مصر في هذا الحكم ، بل هو عامّ لجميع الأقطار والأمصار ، وشامل لجميع بقاع الأرض بمختلف آفاقها.
إذن فمقتضى هذه الروايات الموافقة للاعتبار عدم كون المدار على اتّحاد الأُفق ، ولا نرى أيّ مقتضٍ لحملها على ذلك ، إذ لم يُذكَر أيّ وجه لهذا التقييد ، عدا قياس أمر الهلال بأوقات الصلوات ، الذي عرفت ضعفه وأنّه مع الفارق الواضح بما لا مزيد عليه.
.................................................................................................
ويؤكّده ما ورد في دعاء صلاة يوم العيد من قوله (عليه السلام) : «أسألك بحقّ هذا اليوم الذي جعلته للمسلمين عيداً» (1)فإنّه يُعلم منه بوضوح أنّ يوماً واحداً شخصيّاً يشار إليه بكلمة : «هذا» هو عيدٌ لجميع المسلمين المتشتّتين في أرجاء المعمورة على اختلاف آفاقها ، لا لخصوص بلد دون آخر.
وهكذا الآية الشريفة الواردة في ليلة القدر وأنّها خير من ألف شهر وفيها يفرق كلّ أمر حكيم ، فإنّها ظاهرة في أنّها ليلة واحدة معيّنة ذات أحكام خاصّة لكافّة الناس وجميع أهل العالم ، لا أنّ لكلّ صقع وبقعة ليلة خاصّة مغايرة لبقعة أُخرى من بقاع الأرض.
إذن فما ذهب إليه جملة من الأعاظم من عدم الاعتبار بوحدة الأُفق هو الأوفق بالاعتبار والرأي السديد الحقيق بالقبول حسبما عرفت.
غير خفي أنّ للقمر على ما ذكره القدماء من الهيئويّين حركتين : حركة في كلّ أربع وعشرين ساعة لها مشرق ومغرب ، وحركة أُخرى في تلك الدائرة يدور فيها حول الأرض من المغرب إلى المشرق في كلّ شهر مرّة واحدة ، فيختلف مكانه في كلّ يوم عن مكانه في اليوم الآخر.
ومن ثمّ قد يتّفق مع الشمس طلوعاً وغروباً وقد يختلف ، فمع الاتّفاق المعبَّر عنه بالمحاق وتحت الشعاع وهو طبعاً في آخر الشهر بما أنّ النصف المستنير فيه بكامله نحو الشمرق ومواجه للشمس لم يُرَ منه أيّ جزء بتاتاً.
ثمّ بعدئذٍ يختلف المسير فينحرف الطرف المستنير إلى الشرق ويستبين جزء منه وبه يتكوّن الهلال الجديد كما تقدّم إلّا أنّ هذا الانحراف المستتبع لتلك
1) مصباح المتهجد : 654.
[2516] مسألة 5 : لا يجوز الاعتماد على البريد البرقي المسمّى بالتلغراف (1) في الإخبار عن الرؤية ، إلّا إذا حصل منه العلم بأن كان البَلَدان متقاربين وتحقّق حكم الحاكم أو شهادة العدلين برؤيته هناك.
الاستبانة تدريجي الحصول لا محالة ، فلا يحدث المقدار المعتدّ به القابل للرؤية ابتداءً ، بل شيئاً فشيئاً ، إذ كلّما فرضناه من النور فهو طبعاً قابل للقسمة ، بناءً على ما هو الحقّ من امتناع الجزء الذي لا يتجزأ.
فلنفرض أنّ أوّل جزء منه واحد من مليون جزء من أجزاء النصف المستنير من القمر ، فهذا المقدار من الجزء متوجّه إلى طرف الشرق ، غير أنّه لشدّة صغره غير قابل للرؤية.
ولكن هذا الوجود الواقعي لا أثر له في تكوّن الهلال وإن علمنا بتحقّقه علماً قطعيّاً حسب قواعد الفلك وضوابط علم النجوم ، إذ العبرة حسب النصوص المتقدّمة بالرؤية وشهادة الشاهدين بها شهادةً حسّيّةً عن باصرة عادية لا عن صناعة علميّة أو كشفه عن علوّه وارتفاعه في الليلة الآتية.
ومنه تعرف أنّه لا عبرة بالرؤية بالعين المسلّحة المستندة إلى المكبّرات المستحدثة والنظّارات القويّة كالتّلسكوب ونحوه. من غير أن يكون قابلاً للرؤية بالعين المجرّدة والنظر العادي.
نعم ، لا بأس بتعيين المحلّ بها ثمّ النظر بالعين المجرّدة ، فإذا كان قابلاً للرؤية ولو بالاستعانة من تلك الآلات في تحقيق المقدّمات كفى وثبت به الهلال كما هو واضح.
(1) يريد (قدس سره) بذلك أنّ البرقيّة وما شاكلها كالتلفون ونحوه لا يعتمد عليها من حيث هي ، نظراً إلى عدم الثقة بالمخبر ، فلم يُعلم أنّه من
[2517] مسألة 6 : في يوم الشك في أنّه من رمضان أو شوّال يجب أن يصوم (1) ، وفي يوم الشك في أنّه من شعبان أو رمضان يجوز الإفطار ، ويجوز أن يصوم لكن لا بقصد أنّه من رمضان كما مرّ سابقاً تفصيل الكلام فيه.
الذي يبرق أو يخابر ، ولأجله استدركه بأنّه إذا حصل العلم بأن كان المخبر ثقة والبلد متقارباً بناءً على اعتبار وحدة الأُفق وقد أخبر عن حكم الحاكم بناءً على نفوذه أو عن الرؤية على سبيل التواتر أو الشياع المفيد للعلم ، أو عن شهادة العدلين ، ترتّب عليه الأثر وثبت الهلال ، ضرورة عدم تقوّم الشهادة بكونها لفظيّة وبلا واسطة ، بل تثبت ولو بواسطة البرق أو البريد ونحوهما.
وما ذكره (قدس سره) وجيه ، فإنّه إذا لم يكن المتصدّي للبرقيّة أو التلفون ونحوهما ثقة أو كان ولكنّه كان عدلاً واحداً لا أثر له ، إلّا إذا انضمّ إليه شاهد آخر من البلد ، فإنّ العبرة بقيام البيّنة أو شهادة جمع يحصل العلم من شهادتهم ، ولا خصوصيّة لسبب دون سبب.
(1) الفروع المذكورة في هذه المسألة قد تقدّم الكلام حولها مستقصًى في أوائل كتاب الصوم عند التكلّم في أحكام يوم الشكّ (1)، وعرفت أنّه في يوم الشك من شوّال لا يجوز الإفطار ، لتعليقه كالصوم على الرؤية ، كما أنّه في يوم الشك من رمضان لا يجب الصيام ، لما ذكر ، وإن جاز بنيّة أُخرى ، كما أنّه في الأوّل يجب الإفطار لو انكشف الخلاف قبل الزوال أو بعده ، لحرمة الصوم في العيدين وفساده ، وفي الثاني يقضي لو أفطر ويمسك بقيّة النهار ، وكذا لو لم يفطر وكان الانكشاف بعد الزوال بل وقبله على الأقوى ، بناءً على ما عرفت
1) شرح العروة 21 : 65 73.
ولو تبيّن في الصورة الأُولى كونه من شوّال وجب الإفطار ، سواء كان قبل الزوال أو بعده.
ولو تبيّن في الصورة الثانية كونه من رمضان وجب الإمساك وكان صحيحاً إذا لم يفطر ونوى قبل الزوال (1)، ويجب قضاؤه إذا كان بعد الزوال.
[2518] مسألة 7 : لو غمّت الشهور ولم يُرَ الهلال في جملة منها أو في تمامها حُسِبَ كلّ شهر ثلاثين (1) ما لم يعلم النقصان عادةً.
من عدم الدليل على تجديد النيّة في مثل ذلك.
وهذا كلّه تكرار محض وتفصيله يُطلَب من محلّه ، فلاحظ.
(1) كما عليه المشهور وهو الصحيح ، ويدلّ عليه مضافاً إلى قوله (عليه السلام) : «صم للرؤية وأفطر للرؤية» الدالّ على عدم جواز الصيام والإفطار لدى الشكّ في الهلال بعض النصوص الخاصّة المصرّحة بعدّ الثلاثين مع عدم الرؤية لغيم ونحوه. فلو أطبقت السماء غيماً شهر رجب وشعبان ورمضان عدّ ستّون يوماً من أوّل رجب ويصام في اليوم الواحد والستّين ، ويفطر في اليوم الواحد والتسعين.
هذا فيما إذا لم يعلم بالنقصان عادةً ، وإلّا كما لو أُضيف في المثال شهر جمادى الثانية حيث يعلم حينئذٍ أنّ اليوم العشرين بعد المائة منذ غرّة جمادى الآخرة لم يكن من رمضان قطعاً لامتناع كون أربعة أشهر متواليات تامّات عادةً كنقصها
1) (*) مرّ الإشكال فيه.
[2519] مسألة 8 : الأسير والمحبوس إذا لم يتمكّنا من تحصيل العلم بالشهر عَمِلا بالظنّ (1) ،
كذلك ، فاللازم حينئذٍ العمل على طبق العلم ، فيفطر في اليوم المذكور في المثال المزبور كما هو ظاهر.
والحاصل : أنّ عدّ الثلاثين أمارة على دخول الشهر الجديد ، ومعلوم أنّ حجّيّة الأمارة خاصّة بظرف الشك ، فمع العلم بالخلاف لا حجّيّة لها.
(1) على المشهور بل ادّعي عليه الإجماع.
والكلام فعلاً فيما تقتضيه وظيفته الفعليّة من حيث تعيين وقت الصيام ، وأمّا الاجتزاء به لدى انكشاف الخلاف فسيجيء حكمه (1).
وقد عرفت أنّ المشهور هو العمل بالظنّ ، فإنّه وإن لم يكن حجّة في نفسه ، بل قامت الأدلّة الأربعة على عدم حجّيّته ، لكنّه فيما إذا لم يقم دليل على حجّيّته بالخصوص وإلّا فهو المتّبع ، كما في الظنّ بالقبلة والظنّ بعدد الركعات ، ومنه المقام ، لصحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : قلت له : رجل أسرته الروم ولم يصحّ له شهر رمضان ولم يدر أيّ شهر هو «قال : يصوم شهراً يتوخّى (يتوخاه) ويحسب ، فإن كان الشهر الذي صامه قبل شهر رمضان لم يجزه ، وإن كان بعد شهر رمضان أجزأه» (2)، ورواها الشيخ الكليني أيضاً بطريق صحيح.
وموردها وإن كان هو الأسير لكن يتعدّى منه إلى المحبوس ، لا لوحدة
ومع عدمه تخيّرا في كلّ سنة بين الشهور (1)(1) فيعيّنان شهراً له.
ويجب مراعاة المطابقة بين الشهرين في سنتين بأن يكون بينهما أحد عشر شهراً.
المناط كما قيل فإنّه قياس محض ، بل لفهم المثاليّة من ذكر الأسير ، إذ لا يكاد يُتأمّل في أنّ العرف يفهم من مثل هذه العبارة أنّ نظر السائل معطوف إلى ما ذكره بعد ذلك من قوله : ولم يصحّ له شهر رمضان ، فالمقصود بالذات من مثل هذا السؤال التعرّف عن حكم من لم يعرف شهر رمضان ولم يميّزه عمّا عداه ، وإنّما ذكر الأسير تمهيداً ومن باب المثال من غير خصوصيّة فيه ، ولا في خصوصيّة الأسير من كونه من الروم بحيث لو كان من الزنج أو من غيرهم من المشركين لم يعمّه الحكم ، فإنّ هذا غير محتمل جزماً.
إذن فالسؤال عن موضوع كلّي ينطبق على الأسير تارةً كما مثّل به السائل ، وعلى الحبوس اخرى ، وعلى غيرهما ثالثة ، كما لو غرقت السفينة فألقاها الموج في جزيرة لا يسكنها أحد أو لا يسكنها مسلم فلم يتعرّف رمضان فإنّه يشمله الحكم قطعاً مع عدم كونه من الأسير ولا المحبوس ، فلأجل هذه الصحيحة يخرج عن عموم عدم حجّيّة الظنّ حسبما عرفت.
(1) على المشهور (2)، حيث ذهبوا إلى التخيير في تعيين الشهر لدى فقد الظنّ وتساوي الاحتمالات ، بل نُسب ذلك إلى قطع الأصحاب.
ولو بانَ بعد ذلك أنّ ما ظنّه أو اختاره لم يكن رمضان : فإن تبيّن سبقه كفاه ، لأنّه حينئذٍ يكون ما أتى به قضاءً ، وإن تبيّن لحوقه وقد مضى قضاه ، وإن لم يمض أتى به.
ويجوز له في صورة عدم حصول (1)الظنّ أن لا يصوم حتّى يتيقّن أنّه كان سابقاً فيأتي به قضاءً.
ويستدلّ له بأنّه يعلم إجمالاً بوجوب صوم شهر من شهور السنة ولا يمكنه الاحتياط للتعذّر أو للتعسّر ، فهو مضطرّ إلى الإفطار في بعض أطراف العلم الإجمالي غير المعيّن. وقد تقرّر في الأُصول أنّ مثل هذا الاضطرار لا يستوجب سقوط التكليف الواقعي المتعلّق بالمعلوم بالإجمال ، لعدم تواردهما على محلّ واحد ، فإنّ متعلّق الاضطرار هو الجامع بين الأطراف بمقتضى تعلّقه بغير المعيّن منها ، ومتعلّق التكليف هو الشخص فلم يتعلّق به الاضطرار ليرفعه ، وفي مثله يتخيّر في اختيار أيّ طرف شاء ، كما لو اضطرّ إلى شرب الواحد غير المعيّن من الإناءين المعلوم نجاسة أحدهما إجمالاً.
ويندفع : بأنّ لازم ذلك هو الاقتصار في الإفطار على ما تندفع به الضرورة ، فإنّها تقدّر بقدرها ، فلو ارتفع الاضطرار بالإفطار في خمسة أشهر أو ستّة مثلاً لزمه الصيام في الباقي ، عملاً بالعلم الإجمالي المنجّز ، فيتنزّل عن الامتثال القطعي والاحتياط التامّ إلى التبعيض فيه والامتثال الاحتمالي على النهج الذي عرفت ، لا الصيام في شهر واحد مخيّراً فيه والإفطار في بقيّة الشهور كما عليه المشهور.
وتفصيل الكلام في المقام : أنّا إذا لم نقل بالحرمة الذاتيّة لصوم يوم العيد
1) (*) فيه إشكال ، بل الظاهر عدم الجواز.
.................................................................................................
كما هو الصحيح فلا مجال حينئذٍ للقول بالتخيير ، بل لا بدّ للمكلّف من أن يصوم تمام الأيّام التي يعلم بوجود شهر رمضان فيها ، عملاً بالعلم الإجمالي فيما إذا لم يكن في ذلك حرج أو ضرر ، وأمّا مع أحدهما فالحكم يبتني على مسألة الاضطرار إلى بعض أطراف العلم الإجمالي غير المعيّن.
فإن قلنا بعدم التنجيز وأنّ الاضطرار يرفع الحكم الواقعي ، فمقتضى القاعدة حينئذٍ هو سقوط التكليف رأساً وعدم وجوب أيّ شيء عليه ، وهو خلاف ما ذهب إليه المشهور في المقام.
وإن قلنا بالتنجيز وعدم سقوط التكليف الواقعي ، نظراً إلى أنّ الاضطرار إنّما تعلّق بالجامع ، ومتعلّق التكليف وهو صوم شهر رمضان لم يتعلّق الاضطرار بتركه بالخصوص ، فلا موجب لسقوط التكليف على ما أشبعنا الكلام حوله في محلّه بل غاية ما هناك عدم وجوب الاحتياط التامّ لمكان الاضطرار. فيجوز له الإفطار بمقدارٍ تندفع به الضرورة ، بمعنى : أنّه يجب عليه الصيام إلى أن يصل إلى حدّ الحرج أو الضرر فيجوز له الإفطار بعد ذلك ، للقطع بعدم وجوب الصوم عليه حينئذٍ ، إذ لو كان شهر رمضان قبل ذلك فقد أتى به ولو كان بعده لم يجب صومه ، لارتفاعه بسبب الاضطرار.
هذا ، وقد يقال في مفروض الكلام بعدم وجوب الصيام إلى أن يتيقّن بدخول شهر رمضان ، عملاً بالاستصحاب ، وبعد اليقين المزبور يجب الصوم ، أخذاً باستصحاب بقاء الشهر إلى أن يتمّ ، فلأجل هذا الأصل الموضوعي الحاكم يسقط العلم الإجمالي عن التنجيز.
ويردّه : أنّه لا مجال للاستصحاب المزبور أعني : استصحاب بقاء شهر رمضان بعد اليقين بدخوله لاندراج المقام في كبرى تحقّق الحالتين السابقتين المتضادّتين مع الشك في المتقدّم منهما والمتأخّر المحكوم فيها بتعارض الاستصحابين ، فإنّه إذا
.................................................................................................
علم بدخول شهر رمضان ولم يعلم أنّه دخل في هذا اليوم مثلاً حتّى يبقى إلى شهر أو أنّه قد دخل قبل ذلك وانصرم فهو طبعاً يعلم بأنّ أحد الشهرين السابقين على زمان اليقين لم يكن من شهر رمضان ، غير أنّه لم يميّز المتقدّم منهما عن المتأخّر ، ولم يدر أنّ ذاك هل هو العدم السابق عليهما أو غيره ، وكما ساغ له استصحاب بقاء رمضان ساغ له استصحاب عدم الخروج من ذاك الزمان ، فيتعارضان بطبيعة الحال.
وإن شئت قلت : العدم الأزلي السابق عليهما قد انتقض بالعلم بدخول رمضان جزماً ، وأمّا العدم المعلوم كونه من أحد الشهرين المتقدّمين المردّد بين أن يكون هو العدم الأزلي الزائل فيما لو كان دخول شهر رمضان بعده أو عدما حادثاً باقياً إلى الآن لو كان دخول الشهر قبله فهو قابل للاستصحاب الذي هو من سنخ استصحاب القسم الرابع من أقسام استصحاب الكلّي ، فنقول مشيراً إلى ذاك الزمان : إنّا كنّا على يقين من عدم رمضان والآن كما كان ، وبعد تعارض الاستصحابين كان المتّبع العلم الإجمالي الذي مقتضاه الاحتياط والعمل على طبقه بقدر الإمكان ، وذلك من أجل أنّ وجود شهر رمضان بعد ذلك مشكوك فيه والمرجع فيه طبعاً هو أصالة البراءة ، لكنّها معارضة باستصحاب عدم دخوله إلى زمان اليقين به فيتساقطان ، ومعه لم يكن بدّ من الاحتياط إلى أن يتيقّن بانقضائه.
توضيح المقام : أنّه متى تردّد شهر رمضان بين شهور فكلّ شهر ما عدا الشهر الأخير يشك فيه في دخول شهر رمضان فيجري فيه استصحاب عدم الدخول ، وأمّا الشهر الأخير فاليوم الأوّل منه يتيقّن بدخول شهر رمضان إمّا فيه أو فيما قبله ، ومع اليقين ينقطع الاستصحاب ، ولكن لا يثبت كون هذا اليوم من شهر رمضان ، بداهة أنّ استصحاب عدم الدخول قبله لا يثبت به لازمه وهو كون هذا اليوم من رمضان ، وبما أنّ هذا اليوم مسبوق بحالتين سابقتين
.................................................................................................
متضادّتين ، إحداهما : دخول شهر رمضان ، والأُخرى : كون الشهر من غيره ، وبطبيعة الحال يشك في المتقدّم منهما والمتأخّر ، فيتعارض الاستصحابان ويتساقطان ، وحينئذٍ بما أنّ كون هذا اليوم من شهر رمضان مشكوك فيه فوجوب الصوم فيه بخصوصه غير معلوم ومقتضى الأصل البراءة عنه ، ولكن جريان البراءة فيه والاستصحاب فيما قبله مخالف للعلم الإجمالي ، فيتساقطان لا محالة ، ونتيجة ذلك هو الاحتياط كما ذكرناه.
ولمزيد التوضيح نقول : متى تردّد شهر رمضان بين شهور فبطبيعة الحال لا يتيقّن بدخول شهر رمضان إلّا في اليوم الأوّل من الشهر الأخير ، ولكنّه لا يدري أنّ هذا اليوم هل هو اليوم الأوّل ، أو أنّ شهر رمضان قد دخل قبل ذلك ، فهنا استصحابان :
أحدهما : استصحاب عدم دخول الشهر إلى زمان اليقين بدخوله ، وهذا الاستصحاب لا يعارضه إلّا أصالة البراءة بالتقريب الآتي.
ثانيهما : استصحاب بقاء عدم الشهر إلى ذلك اليوم أي يوم اليقين بدخوله فإنّ اليقين بدخوله مع عدم العلم بزمان الدخول يلازم الشكّ في التقدّم والتأخّر بالنسبة إلى زمان الدخول ، بمعنى : أنّه لا يدري أنّ شهر رمضان قد تحقّق وانقضى فعدمه باقٍ إلى هذا اليوم ، أو أنّه كان متأخّراً وذلك العدم قد انقضى فالباقي هو شهر رمضان ، ففي مثل ذلك يتعارض الاستصحابان لا محالة ، فيسقطان وتصل النوبة إلى أصالة البراءة عن وجوب الصوم في هذا اليوم ، فإنّا وإن علمنا إجمالاً بوجوب الصوم في هذا اليوم يقيناً إمّا تعييناً لكونه من رمضان ، أو تخييراً بينه وبين سائر الأيّام لو كان الشهر قد انقضى وبعبارة اخرى : نعلم بوجوبه إمّا أداءً أو قضاءً إلّا أنّ في موارد دوران الأمر بين التعيين والتخيير تجري البراءة عن التعيين.
.................................................................................................
إذن فوجوب الصوم في خصوص هذا اليوم مشكوك فيه فتجري فيه البراءة عنه ، إلّا أنّها معارضة بالاستصحاب الأوّل ، للعلم الإجمالي بمخالفة أحدهما حسبما عرفت بما لا مزيد عليه.
هذا كلّه على تقدير القول بعدم الحرمة الذاتيّة لصوم يوم العيد.
وأمّا على القول بها فهناك صورتان :
إذ تارةً : يعلم المكلّف بأول كلّ شهر وآخره غير أنّه لا يميّز رمضان عن غيره.
فالحكم في هذه الصورة كما تقدّم من تنجيز العلم الإجمالي المقتضي للاحتياط بقدر الإمكان إلّا في اليوم الأوّل من كلّ شهر وعاشره ، إذ هو كما يعلم إجمالاً بوجوب الصوم في هذين اليومين من كلّ شهر لاحتمال كونهما من رمضان كذلك يعلم إجمالاً بحرمته لاحتمال كونهما من العيدين ، وكما أنّ مقتضى العلم الأوّل وجوب الصوم في جميع الأطراف المحتملة ، كذلك مقتضى العلم الثاني وجوب تركه في جميعها ، وبما أنّ المكلّف لا يتمكّن من الجمع بينهما فلا جرم ينتهي الأمر إلى التخيير بمناط الدوران في هذين اليومين بين المحذورين.
ونتيجة ذلك : وجوب صوم يوم واحد مخيّراً بين هذه الأيّام وترك صوم يوم آخر كذلك ، حذراً عن المخالفة القطعيّة ، ويتخيّر في سائر الأيّام بين الإفطار والصيام.
وتارةً اخرى : لا يعلم بذلك أيضاً ، بمعنى : أنّ كلّ يوم من الأيّام التي تمرّ عليه كما يحتمل أن يكون من شهر رمضان يحتمل أيضاً أن يكون من يوم العيد ، فحينئذٍ بما أنّه لا يتمكّن من الاحتياط فينتهي الأمر أيضاً إلى التخيير كسابقه.
إذن فعليه أن يصوم شهراً واحداً لئلّا تلزم المخالفة القطعيّة ، كما أنّ عليه أن
.................................................................................................
يترك الصوم يوماً بعد هذا الشهر ويوماً آخر بعد مضيّ سبعين يوماً منه المحتمل كونهما يومي العيدين ، ويتخيّر في الباقي بين الصيام وتركه.
وعلى الجملة : فمستند المشهور على الظاهر هو ما أشرنا إليه من التنزّل من الامتثال القطعي إلى الظنّي ومنه إلى الاحتمالي ، ومن ثمّ أفتوا بالتخيير ، وإلّا فلا يحتمل أنّهم استندوا إلى مدرك آخر لم يصل إلينا وإنّما مضوا على ما تقتضيه القواعد الأوّلية.
ولكن عرفت أنّ المقام وإن كان مندرجاً في كبرى الاضطرار إلى الاقتحام في بعض أطراف العلم الإجمالي ، إلّا أنّ حكم هذه الكبرى هو الاقتصار على مقدار الضرورة والاحتياط في الباقي ، لا التخيير بين جميع الأطراف ليكون له الخيار في تطبيق شهر رمضان على أيّ شهر شاء.
وممّا ذكرنا يعلم فساد ما اختاره في المتن من جواز أن لا يصوم في صورة عدم حصول الظنّ حتّى يتيقّن أنّه كان سابقاً فيأتي به قضاءً ، فإنّه مبني بحسب الظاهر على عدم تنجيز العلم الإجمالي لدى تعلّق الاضطرار ببعض الأطراف غير المعيّن وأنّه لا فرق بينه وبين تعلّقه بالبعض المعيّن في عدم التنجيز على ما صرّح به صاحب الكفاية (1). إذن لا ملزم له في الإتيان بالصوم فعلاً ، بل يؤخّر حتّى يتيقّن بمضيّ رمضان ثمّ يقضيه.
ولكنّه بمراحل عن الواقع ، بل فاسد جزماً كما بيّناه في الأُصول (2)، للفرق الواضح بين التعلّق بالمعيّن وغير المعيّن ، إذ في الأوّل يحتمل الاتّحاد بين متعلّقي الاضطرار والتكليف المعلوم بالإجمال ، المستلزم لسقوطه حينئذٍ ، فلا جزم معه
.................................................................................................
بالتكليف الفعلي المنجّز على كلّ تقدير الذي هو مناط التنجيز. وهذا بخلاف الثاني ، إذ لا يحتمل فيه الاتّحاد أبداً ، فإنّ مرجع الاضطرار إلى البعض غير المعيّن إلى تعلّقه بالجامع بين الأطراف ، إذ لا خصوصيّة لطرف دون طرف حسب الفرض ، فمتعلّق الاضطرار هو الجامع ، إمّا المعلوم بالإجمال فهو فرد معيّن وطرف خاص لا محالة ، فلا علاقة ولا ارتباط ولا اتّحاد بينهما بوجه كي يستوجب سقوط التكليف ، فلا قصور في تنجيز العلم الإجمالي بوجوب صيام شهر من شهور السنة أبداً ، ومعه كيف يسوغ له التأخير إلى أن يعلم بالمضيّ فيقضي؟! هذا كلّه حكم الوظيفة الفعليّة قبل الانكشاف.
وأمّا لو انكشف الحال : فإن تبيّن مطابقة المأتي به مع رمضان فلا إشكال ، وإن تبيّن تأخّره عنه وأنّ صومه كان واقعاً في شهر ذي القعدة مثلاً أجزأه وحسب له قضاءً ، فإنّه وإن نوى الأداء وهو يغاير القضاء ويباينه في الماهيّة ولا بدّ من تعلّق القصد بكلّ منهما بالخصوص ولا يجزي أحدهما عن الآخر حسبما مرّ في محلّه ، إلّا أنّه يحكم في خصوص المقام بالإجزاء بمقتضى صحيحة عبد الرحمن المتقدّمة المصرّحة بذلك وبها يخرج عن مقتضى القواعد.
فالمقام نظير صوم يوم الشك بعنوان القضاء أو الندب ، وقد تبيّن بعد ذلك أنّه كان أوّل رمضان فإنّه يجزيه عن الأداء ويوم وفّق له وإن كان هو قد نوى القضاء.
وأمّا لو تبيّن تقدّمه عليه وأنّه كان شهر رجب مثلاً فلا يجزي ، إذ لا دليل على إجزاء غير المأمور به عن المأمور به ، بل الدليل قام على العدم ، فإنّ الصحيحة المتقدّمة تضمّنت التصريح بعدم الإجزاء حينئذٍ ، فلاحظ.
والأحوط إجراء أحكام شهر رمضان على ما ظنّه (1) من الكفّارة والمتابعة والفطرة وصلاة العيد وحرمة صومه ما دام الاشتباه باقياً ، وإن بان الخلاف عمل بمقتضاه.
(1) لو عيّن شهر رمضان بمقتضى ظنّه فهل يترتّب على مظنون الرمضانيّة جميع آثار رمضان الواقعي من الكفّارة والفطرة وصلاة العيد ونحو ذلك ، أو أنّه يقتصر على الصوم خاصّة؟
لا إشكال في ترتيب آثار الواقع لدى انكشاف الخلاف.
وإنّما الكلام فيما لو استمرّ الجهل ولم ينكشف الحال ، والظاهر أنّه لا ينبغي التأمل في وجوب ترتيب الصوم بماله من الأحكام من الكفّارة ونحوها على مظنون الرمضانيّة ، فلو أفطر فيه متعمّداً لزمته الكفّارة.
وإنّما الكلام في ترتيب ما هو من لوازم الرمضانيّة كوجوب الفطرة بعد مضيّ ثلاثين يوماً ، وكاستحباب صلاة العيد في غده ، وكحرمة صومه لكونه يوم العيد بدعوى قصور النصّ عن التعرّض لمثل هذه اللوازم التي هي خارجة عن الصوم وأحكامه ، ولكن الظاهر هو العموم لجميع تلك الآثار ، وذلك لأنّ المذكور في صحيحة عبد الرحمن : ولم يصحّ له شهر رمضان ... إلخ ، وظاهره تنزيل هذا الشهر منزلة رمضان الواقعي لا تنزيل صومه منزلة صومه.
فإذن يكون الظنّ حجّة في تشخيص رمضان كالبيّنة ونحوها ، لا في مجرّد وجوب الصوم.
وعليه ، فقد أحرزنا بمقتضى الظنّ أنّ هذا الشهر شهر رمضان ، فإذا ضمّ ذلك إلى ما ثبت من الخارج من أنّ ما بعد الثلاثين من شهر رمضان لدى عدم الرؤية محكومٌ بالعيد وبأحكامه من الفطرة والصلاة والحرمة ، كان لازم
[2520] مسألة 9 : إذا اشتبه شهر رمضان بين شهرين أو ثلاثة أشهر مثلاً فالأحوط صوم الجميع (1) ، وإن كان لا يبعد إجراء حكم الأسير والمحبوس.
وأمّا إن اشتبه الشهر المنذور صومه بين شهرين أو ثلاثة (2) فالظاهر وجوب الاحتياط (1)ما لم يستلزم الحرج ، ومعه يعمل بالظنّ ، ومع عدمه يتخيّر.
ذلك بعد ضمّ أحد الدليلين إلى الآخر اللذين هما بمثابة الصغرى والكبرى ترتيب سائر الآثار أيضاً حسبما عرفت.
(1) عملاً بالعلم الإجمالي ، ولم يستبعد (قدس سره) إجراء حكم الأسير والمحبوس ، وهذا هو الأظهر ، لأنّا استفدنا حسبما مرّ من صحيحة عبد الرّحمن أنّ ذكر الأسير إنّما هو من باب المثال ، وإلّا فالسؤال عن حكم موضوع كلّي وهو من لم يصحّ له شهر رمضان ، والأسير من أحد مصاديقه من غير خصوصيّة له في الحكم بوجه ، ولذا تعدّينا إلى أسير غير الروم وإلى غير الأسير كالمحبوس ونحوه. ومنه المقام ، فالحكم عامّ للجميع بمناط واحد.
(2) لهذه المسألة صورتان :
إحداهما : أن يكون الشهر المنذور صومه متعيّناً في نفسه ، كما لو علم أنّه نذر صوم شهر رجب مثلاً ولكنّه اشتبه بين شهرين أو أكثر ، فلم يدر أنّ هذا شهر رجب أو الآتي أو ما بعده ، والظاهر أنّ عبارة المتن ناظرة إلى هذه الصورة.
1) (*) بل الظاهر وجوب الاحتياط إلى زمانٍ يكون الصوم فيه حرجيّا ، وحكم الظنّ هنا حكم الشك.
.................................................................................................
وحكمها الإلحاق بشهر رمضان المشتبه بين الشهرين أو الشهور ، لوحدة المناط ، ولا ميز بينهما أبداً إلّا من حيث الأخذ بالمظنون ، إذ الظنّ ليس بحجّة ، وإنّما عملنا به في رمضان بمقتضى صحيحة عبد الرحمن ، ولا يمكن التعدّي من موردها إلى المنذور ، فإنّه قياس لا نقول به ، فحكم الظنّ هنا حكم الشكّ ، وقد عرفت أن الحكم فيه وجوب الاحتياط إلى أن يتحقّق الحرج ، وبعده لا يجب ، فإنّ المنذور إن كان قبله فقد صامه ، وإن كان بعده لم يجب ، لأنّه حرجي.
هذا ، وقد يقال بجواز التأخير إلى الشهر الأخير ، عملاً بأصالة عدم دخول ذلك الشهر وهو شهر رجب في المثال إلى أن يتيقّن بدخوله وهو الشهر الأخير ويصوم بعده ، استناداً إلى أصالة عدم الخروج عن ذلك الشهر المقطوع دخوله فيه.
ولكنّه يندفع بمعارضة هذا الأصل بأصالة بقاء عدم ذاك الشهر المتيقّن سابقاً.
بيان ذلك : أنّه إذا دخل الشهر الثالث فكما أنّ لنا يقيناً بدخول شهر رجب ونشكّ في انقضائه كذلك لنا يقين بأنّ اليوم الأوّل من هذا الشهر أو اليوم الذي قبله ليس من شهر رجب ، ولكنّا نشكّ في أنّ هذا العدم هل هو العدم الأزلي الزائل جزماً أو عدم حادث متيقّن البقاء؟ فبما أنّ ذلك العدم لا يقين بارتفاعه فيجري فيه الاستصحاب ويعارض به استصحاب وجوده ، فيتساقطان ، فلا مناص من الاحتياط إلى أن يتحقّق الحرج.
ثانيتهما : أن يكون متعلّق النذر مشكوكاً في حدّ نفسه ، فلا يدري أنّه نذر صوم شهر رجب أو شعبان أو جمادى الآخرة مثلاً من غير ترديد في الموجود الخارجي. وحكمه الاحتياط ، عملاً بالعلم الإجمالي ، بناءً على ما ذكرناه وذكره
.................................................................................................
المحقّقون من عدم الفرق في تنجيز العلم الإجمالي بين الدفعي والتدريجي.
هذا فيما إذا لم يستلزم التعذّر أو التعسّر ، وإلّا سقط الاحتياط التامّ واندرج المقام تحت كبرى الاضطرار إلى الاقتحام في بعض أطراف العلم الإجمالي غير المعيّن.
وقد ذكرنا في الأُصول (1): أنّ في مثله لا يسقط العلم الإجمالي عن التنجيز وإن حكم جمع منهم : صاحب الكفاية (2)بالسقوط ، بزعم عدم الفرق بينه وبين الاضطرار إلى المعيّن ، كعدم الفرق بين سبق الاضطرار على العلم أو تأخّره عنه.
وذلك لعدم احتمال كون المعلوم بالإجمال مورداً للاضطرار في المقام كما هو كذلك في المعيّن ، ضرورة أنّ متعلّق الاضطرار إنّما هو الجامع بين الأطراف ، والتكليف الواقعي المعلوم بالإجمال متعلّق بطرف واحد بخصوصه ، وتطبيق المكلّف ذاك الجامع على طرفٍ يحتمل كونه الواقع لا يكشف عن تعلّق الاضطرار بذاك الطرف بخصوصه كما هو ظاهر ، فما هو الواجب واقعاً لم يضطرّ إليه المكلّف ، وما اضطرّ إليه لم يتعلّق به التكليف ، فكيف يسقط عن التنجيز؟! إذن لا مقتضي لرفع الحكم الواقعي ولا سقوط العلم الإجمالي عن التنجيز ، غايته سقوط الاحتياط التامّ من أجل العجز أو العسر والحرج ، فيرفع اليد عنه بمقدار تندفع به الضرورة ، نظراً إلى أنّ الضرورات تقدّر بقدرها ، ويحتاط في بقيّة الأطراف فيتنزّل إلى الاحتياط الناقص.
[2521] مسألة 10 : إذا فُرض كون المكلّف في المكان الذي نهاره ستّة أشهر وليله ستّة أشهر (1) ، أو نهاره ثلاثة وليله ستّة ، أو نحو ذلك ، فلا يبعد كون المدار في صومه وصلاته على البلدان المتعارفة (1)المتوسّطة مخيّراً بين أفراد المتوسّط.
وأمّا احتمال سقوط تكليفهما عنه فبعيد ، كاحتمال سقوط الصوم وكون الواجب صلاة يوم واحد وليلة واحدة.
ويحتمل كون المدار بلده الذي كان متوطّناً فيه سابقاً إن كان له بلد سابق.
(1) تعرّض (قدس سره) لحكم بعض البلدان التي لا يكون فيها يوم وليلة على النحو المتعارف. والظاهر أنّه لا يوجد بلد مسكون تكون السنة فيه كلّها يوماً واحداً وليلة واحدة ، إلّا أنّ المكان موجود كما في قطبي الشمال والجنوب ، فإنّ الشمس على ما ذكره علماء الهيئة تميل من نقطة الشرق إلى الشمال إلى ما يعادل ثلاثة وعشرين درجة خلال ثلاثة أشهر وترجع في ثلاثة أشهر أيضاً ، ويعبّر عن هذه النقطة لدى شروعها في الميل نحو الشمال بالاعتدال الربيعي ، ثمّ تبدأ في الميل إلى الجنوب ثلاثة أشهر رواحاً ، وثلاثة أشهر أُخرى رجوعاً ، ويعبّر عن تلك النقطة حينئذٍ بالاعتدال الخريفي ، فهي في ستّة أشهر تكون في طرف الشمال رواحاً ومجيئاً ، وستّة أشهر في طرف الجنوب كذلك في مدار ثلاثة وعشرين درجة من الجانبين كما عرفت.
والدائرة المفروضة التي تمرّ بهاتين النقطتين الواقعة فيما بين الاعتدالين الربيعي
1) (*) ما ذكره مشكل جدّاً ، ولا يبعد وجوب الهجرة إلى بلادٍ يتمكّن فيها من الصلاة والصيام.
.................................................................................................
والخريفي تسمّى دائرة المعدل ، فيكون سير الشمس أو بالأحرى سير الأرض ستّة أشهر في النصف الشمالي من هذه الدائرة ، وستّة أشهر في النصف الجنوبي منها ، ويتكوّن من هذا الاختلاف الفصول الأربعة ، كما يتفرّع عليه نقصان الليل والنهار ، ويتساويان في نقطتي الاعتدال الربيعي والخريفي غير المتحقّق في طول السنة إلّا مرّتين أوّل الربيع وأوّل الخريف.
هذا كلّه في البلاد التي تكون مائلة إلى طرفي الشمال أو الجنوب ، أي لا تكون واقعة على القطب.
وأمّا ما كان واقعاً على نفس القطب أو ما يقرب منه فبطبيعة الحال تكون هذه الدائرة أي دائرة المعدل افقاً له ، وتسير الشمس فوق دائر الأُفق ستّة أشهر وتكون حركتها رحويّة ، أي تدور حول الأُفق مثل الرحى ، فيتصاعد عن الأُفق لدى سيرها الدوري ثلاثة أشهر ، وبعد ذلك تأخذ في الهبوط وتقرب من الأُفق خلال ثلاثة أشهر إلى أن تغيب في الأُفق ، فتبقى تحت الأرض ستّة أشهر على النهج الذي عرفت.
ونتيجة ذلك : أنّ من يقف على أحد القطبين أو حواليهما يرى الشمس ستّة أشهر وهو النهار ، ولا يراها ستّة أشهر وهو الليل ، فمجموع السنة تنقسم بالإضافة إليه إلى يوم واحد وليلة واحدة ، وبطبيعة الحال يكون ما بين الطلوعين بالنسبة إليه قريباً من عشرين يوماً من أيّامنا ، لأنّه ثُمن اليوم تقريباً.
والكلام في وظيفة مثل هذا الشخص :
ذكر (قدس سره) في المتن لذلك وجوهاً واحتمالات :
أحدها وهو الذي اختاره (قدس سره) - : أن يكون المدار في صومه وصلاته على البلدان المتعارفة المتوسّطة ، مخيّراً بين أفراد المتوسّط ، فيصوم عند طلوع الفجر عندهم ، ويفطر عند غروبهم ، فيصوم بصومهم ويصلّى بصلاتهم.
.................................................................................................
الثاني : سقوط التكليف عنه رأساً ، لكون التكاليف متوجّهة بحكم الانصراف إلى الساكنين في البلدان المتعارفة.
الثالث : سقوط الصوم خاصّة ، لانعدام الموضوع أعني : شهر رمضان فإنّه إنّما يتحقّق فيما إذا كانت السنة اثني عشر شهراً لا في مثل هذا المكان الذي كلّها فيه يوم واحد.
وأمّا بالنسبة إلى الصلاة فيصلّى في مجموع السنة مرّة واحدة ، فيصلّي الفجر ما بين الطلوعين الذي عرفت أنّه يقرب من عشرين يوماً ، والظهرين في النهار بعد الزوال ، والعشاءين في الليل.
واحتمل رابعاً : أن يكون تابعاً للبلد الذي كان متوطّناً فيه سابقاً إن كان له بلد سابق.
هذا ، وقد يقال : إنّه لا يتصوّر الدلوك في حقّ هذا الشخص أبداً ، فلا يمكن تكليفه بصلاتي الظهرين المقيّدتين بهذا الوقت ، فإنّه عبارة عن زوال الشمس عن دائرة نصف النهار وميلها بعد نهاية الارتفاع إلى جهة المغرب. وهذا إنّما يتحقّق في حقّ من يفرض له مثل هذه الدائرة ، وأمّا من كانت هذه الدائرة افقاً له وكانت حركة الشمس رحويّة بالإضافة إليه حسبما عرفت فلا يتصوّر الدلوك والزوال بالنسبة إليه بوجه ، بل يقتصر في صلاته على الفجر والعشاءين.
ويمكن الجواب أوّلاً : بأنّ المراد من الدلوك : وسط النهار ، كما صرّح به في صحيحة حمّاد الواردة في تفسير الصلاة الوسطى من أنّ المراد بها صلاة الظهر التي هي في وسط النهار ، أو باعتبار توسّطها بين الفجر والعصر (1). ولا شك في تحقّق الدلوك بهذا المعنى بالإضافة إليه ، ضرورة انّا لو قسّمنا نهاره إلى قسمين
1) الوسائل 4 : 10 / أبواب أعداد الفرائض ب 2 ح 1.
.................................................................................................
فبعد مضيّ النصف الأوّل وهو ثلاثة أشهر يتحقّق وسط النهار بطبيعة الحال ، ويفرض معه الزوال المأخوذ موضوعاً لوجوب الظهرين.
وثانياً : بالالتزام بتحقّق الدلوك في المقام أيضاً حتّى بمعناه المعهود ، إذ لا يعتبر فيه زوال الشمس عن قمّة الرأس وميلها عن كبد السماء ، لعدم نهوض أيّ دليل عليه من رواية أو غيرها ، بل معنى الدلوك : أخذ الشمس في الهبوط والاقتراب من الأُفق بعد نهاية الارتفاع والابتعاد عنه.
وهذا كما ترى معنى عام يجتمع مع الحركة الرحويّة كغيرها ، إذ فيها أيضاً تقترب من الأُفق بعد انتهاء البعد كالنزول من الجبل بعد الصعود عليه ، وإن لم يكن زواله عن قمّة الرأس كما هو موجود عندنا.
وكيفما كان ، فلا تمكن المساعدة على شيء من الوجوه الأربعة التي احتملها في المتن ، لخروجها بأجمعها عن مقتضى الصناعة.
أمّا التبعيّة للبلدان المتعارفة المتوسطة فلا مقتضي لها بعد التصريح في جملة من الروايات بقوله (عليه السلام) : «إنّما عليك مشرقك ومغربك» (1)فلا عبرة بمشرق بلد آخر ولا بمغربه ، كما لا اعتبار بفجره ولا بزواله.
ومنه يظهر ضعف التبعيّة للبلد الذي كان يسكن فيه ، إذ لا عبرة به بعد الانتقال إلى بلد آخر له مشرق ومغرب آخر ، ولا سيّما وقد تبدّل طبعاً تكليفه في الطريق بمشرق ومغرب آخر ، فما هو الموجب بعدئذٍ للرجوع إلى مشرق بلده ومغربه؟!
وأمّا احتمال سقوط الصوم وحده أو هو مع الصلوات فهو أيضاً منافٍ لإطلاقات الأدلّة من الكتاب والسنّة الناطقة بوجوب الصلاة وكذلك الصيام
1) الوسائل 4 : 198 / أبواب المواقيت ب 20 ح 2.
.................................................................................................
لكافّة الأنام عدا ما استثني من المسافر والمريض ونحوهما غير المنطبق على المقام ، قال سبحانه وتعالى ( إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً ) (1)، وقال سبحانه ( الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ* ) (2)، وقال تعالى ( كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ ) إلخ (3)، وقال تعالى ( فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ) (4).
والنصوص المتواترة قد أطبقت على وجوبهما على سبيل الإطلاق وعلى كلّ مكلّف ، كحديث بناء الإسلام على الخمس (5)، وأنّ الصلاة بمنزلة الروح ، وأنّ من صلّى خمساً كمن غسل بدنه في كلّ يوم خمساً لا يبقى فيه شيء من القذارات.
والحاصل : أنّ وجوبهما على كلّ أحد في كلّ وقت بحيث لا يسعه التفويت والتضييع بوجه من الوجوه أمرٌ مقطوع به لا تكاد تختلجه شائبة الإشكال.
ومن البيّن أنّ المكث والبقاء في أحد القطبين الخاليين عن ليل ونهار متعارف من أحد موجبات التضييع والتفويت ، إذ لا تتيسّر معه الصلاة والصيام على النهج المقرّر شرعاً بعد عدم الدليل على التبعيّة لسائر البلدان المتعارفة حسبما عرفت.
ومنه تعرف أنّ مقتضى الصناعة حرمة البقاء في تلك المواطن ووجوب الهجرة إلى المناطق المتعارفة مقدّمةً للإتيان بتلك الواجبات وعدم الإخلال بها.
.................................................................................................
ونظير ذلك ركوب طائرة تعادل سرعتها سرعة حركة الأرض أي تسير حولها في أربع وعشرين ساعة وكانت متّجهة من الشرق إلى الغرب ، فإنّ مثل هذا المسافر لا يزال في حالة واحدة لا يرى طلوعاً للشمس ولا غروباً لها ، فلو كان الإقلاع بعد ساعة من طلوع الشمس واستمرّ السير شهراً مثلاً فالوقت عنده دائماً هو ساعة بعد طلوع الشمس لا يشاهد زوالاً ولا غروباً ولا فجراً ، فلا جرم تفوته الصلوات في أوقاتها كما لا يتمكّن من أداء الصوم.
ومن ثمّ يحرم عليه مثل هذا السفر المستلزم لتفويت الفريضة وعدم التمكّن من أدائها.
ونظيره أيضاً السفر إلى كرة القمر التي يكون كلّ من نهارها وليلها خمسة عشر يوماً ويكون مجموع الشهر فيها يوماً وليلة ، فلا يتيسّر الصوم ولا الصلوات الخمس في أوقاتها.
وعلى الجملة : بعد ما علمنا من الخارج أنّ الصلاة والصيام من أركان الدين ولا يسوغ تركهما في أيّ وقت وحين ، والتبعيّة لُافقٍ آخر ليس عليها برهان مبين ، إذن لم يكن بدّ لهؤلاء الأشخاص من الامتناع عن السفر إلى هذه المناطق والهجرة عنها لو كانوا فيها ، إذ لا يجوز لهم تفويت الفريضة اختياراً.
ولو فرض الاضطرار إلى السكنى في مثل هذه البلاد فالظاهر سقوط التكليف بالأداء والانتقال إلى القضاء ، لعدم الدليل على التبعيّة لبلده ولا للبلدان المتعارفة كما تقدّم ، فإنّه كيف يصلّى المغرب والشمس بعدُ موجودة ، أو الظهرين وهي تحت الأُفق وقد دخل الليل؟!
وأمّا احتمال الاكتفاء بصلاة يوم واحد وليلة واحدة في مجموع السنة فهو ساقط جدّاً ، لخروج مثل هذا اليوم عن موضوع الأدلّة المتكفّلة لوجوب
.................................................................................................
الصلوات الخمس في كلّ يوم وليلة ، فإنّ المنسبق منها هو اليوم الذي يكون جزءاً من السنة ، والذي قد يكون نهاره أطول من ليله ، وقد يكون أقصر ، وقد يتساويان ، وربّما يكون التساوي في تمام السنة كما في المدن الواقعة على خطّ الاستواء.
وأمّا اليوم الذي يستوعب السنة فاللفظ منصرف عنه جزماً ، بل لا يكاد يُطلَق عليه اليوم عرفاً ، فهو غير مشمول لموضوع الأدلّة.
فالصحيح ما عرفت من عدم جواز السكنى في هذه البلاد اختياراً ، ومع الاضطرار يسقط الأداء وينتقل الأمر إلى القضاء وإن كان الاحتياط بالجمع بينه وبين الإتيان بالصلوات الخمس في كلّ أربع وعشرين ساعة ممّا لا ينبغي تركه.
يجب قضاء الصوم ممّن فاته بشروط ، وهي : البلوغ ، والعقل ، والإسلام ، فلا يجب على البالغ ما فاته أيّام صباه (1).
(1) هذا الحكم من القطعيّات بل الضروريّات الغنيّة عن تجشّم الاستدلال ، بداهة أنّ القضاء لو كان واجباً على الصبيان بعد بلوغهم لاستقرّ عليه عمل المتشرّعة وكان من الواضحات الأوليّة ولأمر به الأولياء والأئمّة (عليهم السلام) صبيانهم ، مع أنّه لم يرد أيّ أمر به حتّى على سبيل الاستحباب.
على أنّه لا مقتضي له حتّى مع الغضّ عن ذلك ، فإنه سبحانه قسّم المكلّفين في قوله تعالى ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ ) إلخ ، إلى ثلاثة أقسام :
قسم يجب عليه الأداء ، وهو الصحيح الحاضر الذي وضع عليه قلم التكليف طبعاً.
وقسم يجب عليه القضاء ، وهو المريض أو المسافر.
وقسم ثالث يجب عليهم الفداء ، وهم الذين لا يطيقون الصوم.
ومعلوم أنّ الصغير خارج عن هذه العناوين ، فإنّ القلم مرفوع عنه يحتلم.
ثمّ قد ثبت بالأدلّة القاطعة إلحاق جمع بالمريض والمسافر في وجوب القضاء ،
نعم ، يجب قضاء اليوم الذي بلغ فيه قبل طلوع فجره (1) أو بلغ مقارناً لطلوعه إذا فاته صومه.
وأمّا لو بلغ بعد الطلوع في أثناء النهار فلا يجب قضاؤه وإن كان أحوط (1)(2).
كمن ترك الصوم عامداً أو ناسياً أو جاهلاً عن عذر أو غير عذر بحيث كان المقتضي ثابتاً في حقّه ، غير أنّه لم يصم لمانع إمّا مع الإثم أو بدونه.
وأمّا الصغير فلم ينهض أيّ دليل على وجوب قضائه بعد ما بلغ ، ومقتضى الأصل البراءة عنه.
(1) بلا إشكال فيه ولا خلاف ، لاندراجه بذلك تحت قوله سبحانه ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ ) إلخ ، فإذا كان بالغاً مأموراً بالصوم ولم يصم وجب عليه القضاء بطبيعة الحال ، سواء أكان البلوغ مقارناً للطلوع أم سابقاً عليه ، لوحدة المناط.
(2) مورد هذا الاحتياط ما لو أفطر أثناء النهار ، إمّا قبل البلوغ أو بعده ، وأمّا إذا لم يفطر بل صام استحباباً فبلغ في النهار وأتمّ صومه فمثله لا يحتمل في حقّه القضاء بتاتاً ، لأنّه إن كان مكلّفاً بالأداء فقد امتثله حسب الفرض ، وإلّا فلا قضاء عليه حتّى واقعاً ، فمورد الاحتياط غير هذه الصورة جزماً.
هذا ، والظاهر عدم وجوب القضاء سواء تناول المفطر قبل البلوغ أم بعده ، لعدم صدق الفوت بعد أن كان الصوم واجباً وحدانيّاً ارتباطيّاً محدوداً ما بين الطلوع إلى الغروب ، وهذا لم يكن مكلّفاً به ولو باعتبار فقد شرط البلوغ في
1) (*) لا وجه للاحتياط إذا صام اليوم الذي بلغ فيه.
ولو شكّ في كون البلوغ قبل الفجر أو بعده (1) فمع الجهل بتأريخهما لم يجب القضاء ، وكذا مع الجهل بتأريخ البلوغ.
وأمّا مع الجهل بتأريخ الطلوع بأن علم أنّه بلغ قبل ساعة مثلاً ولم يعلم أنّه كان قد طلع الفجر أم لا فالأحوط القضاء ، ولكن في وجوبه إشكال (1).
جزء منه ، فإذا لم يكن مكلّفاً بالصوم ولم يشمله الخطاب في قوله تعالى ( كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ ) إلخ ، فلم يفت عنه أيّ شيء ، ومعه لا موضوع لوجوب القضاء لو كان قد تناول المفطر.
كما لا دليل على وجوب الإمساك بعد بلوغه لو لم يكن متناولاً.
وعلى تقدير الالتزام بوجوب الإمساك فلا دليل على وجوب قضائه ، فإنّ الثابت بحسب الأدلّة إنّما هو قضاء الصوم لا قضاء الإمساك الواجب عليه خلال بضع ساعات وإن لم يكن صوماً ، فالاحتياط المزبور وإن كان حسناً هنا إلّا أنّه غير لازم المراعاة حسبما عرفت.
(1) قد يفرض الشكّ في تأريخ كلّ من البلوغ والطلوع ، وأُخرى يكون أحدهما معلوم التأريخ.
أمّا في صورة الجهل بالتأريخين فلا مجال لشيء من الاستصحابين ، إمّا لعدم المقتضي لجريانهما كما هو خيرة صاحب الكفاية (قدس سره) (2)، أو لوجود المانع وهو التعارض الموجب للتساقط. وعلى التقديرين فلم يحرز تكليفه بالصوم
.................................................................................................
ليجب القضاء لو أفطر ، ومقتضى الأصل البراءة عنه.
وأوضح حالاً ما لو كان تأريخ الفجر معلوماً ، لجريان استصحاب عدم البلوغ إلى ما بعد الطلوع المنتج لعدم الوجوب من غير معارض.
وأمّا لو انعكس الأمر فكان تأريخ البلوغ معلوماً دون الطلوع. فبناءً على ما هو الحقّ من عدم الفرق في تعارض الاستصحابين في الحادثين المتعاقبين بين الجهل بالتأريخين ، أو العلم بأحدهما ، نظراً إلى أنّ المعلوم وإن لم يجر فيه الاستصحاب بالنظر إلى عمود الزمان لعدم الشكّ فيه ، إلّا أنّه بالقياس إلى الزمان الواقعي للحادث الآخر فهو طبعاً مشكوك التقدّم عليه والتأخّر عنه. فلا مانع من جريان الاستصحاب بهذه العناية ، ولا أساس للتفصيل بين المعلوم والمجهول كما فصّلنا البحث حوله مستقصًى في الأُصول (1).
فعلى هذا المبنى جرى عليه حكم مجهولي التأريخ وقد تقدّم.
وأمّا على المبنى الآخر والالتزام بعدم الجريان في المعلوم بتاتاً فاستصحاب عدم طلوع الفجر إلى ما بعد البلوغ وإن كان سليماً وقتئذٍ عن المعارض ، إلّا لا أثر له ، إذ لا يثبت به كونه بالغاً حال الفجر ليجب عليه الصوم ويجب قضاؤه لو فاته ، فإنّه من أو ضح أنحاء الأُصول المثبتة التي لا تقول بحجّيّتها ، فالاستصحاب المزبور غير جارٍ في نفسه ، ومعه كانت أصالة البراءة عن وجوب القضاء محكّمة.
والحاصل : أنّ الأثر مترتّب على البلوغ حال الفجر لا على عدم الفجر حال البلوغ ، ولا يكاد يثبت الأوّل بالاستصحاب الجاري في الثاني إلّا على القول بالأصل المثبت.
فتحصّل : أنّ في شيء من فروض الشكّ لا يجب القضاء ، وإنّما يجب فيما إذا أحرز البلوغ قبل الفجر أو عنده وقد أفطر أو لم ينو الصوم.
1) مصباح الأُصول 3 : 203 206.
وكذا لا يجب على المجنون ما فات منه أيّام جنونه (1) ، من غير فرق بين ما كان من اللّه أو من فعله على وجه الحرمة أو على وجه الجواز (2).
(1) الدليل عليه هو الدليل المتقدّم تقريره في الصبي ، حيث عرفت أنّ المستفاد من الآية المباركة أنّ المفروض في حقّه الصوم أداءً أو قضاءً هو الذي كُتب عليه الصيام ، فغير المكتوب عليه لصغرٍ أو جنونٍ خارجٌ عن الحكمين.
نعم ، ثبت بدليل خاصّ وجوب القضاء في طائفة من غير المكلّفين كالنائم والغافل والناسي ونحوهم ، الكاشف عن فوات الملاك عنهم وكفايته في وجوب القضاء عليهم وإن لم يتعلّق الأمر بهم ، وأمّا من لم يكن مكلّفاً ولم يثبت القضاء في حقّه بدليل خارجي كالمجنون فلا مقتضي لوجوب القضاء عليه ، سيّما بعد ملاحظة أنّ العقل كالبلوغ ممّا له دخل في ملاك التكليف على ما يفصح عنه قوله (عليه السلام) : «أول ما خلق اللّه العقل قال له : أقبِل فأقبَل ، ثمّ قال له : أدبِر فأدبَر ، فقال : بك أُثيب وبك أُعاقب» (1)وغير ذلك ممّا دلّ على اشتراطه به وارتفاع القلم عن فاقده.
وبعبارة اخرى : القضاء إمّا بالأمر الأوّل أو بأمر جديد ، فإن كان الأوّل فلم يتعلّق أمر بالمجنون حال جنونه ليجب قضاؤه ، وإن كان الثاني فبما أنّ موضوعه الفوت ولم يفت عنه شيء لا خطاباً ولا ملاكاً بعد كون العقل شرطاً في التكليف ودخيلاً في المقتضي ولم يقم عليه دليل من الخارج ، إذن لا مقتضي للقضاء بتاتاً ، سواء أقلنا بوجوبه على المغمى عليه أم لا ، فلا يناط الحكم به ولا يكون مترتّباً عليه.
(2) لوحدة المناط في الكلّ بعد إطلاق الدليل ، وعدم وجوب حفظ شرط
1) انظر الكافي 1 : 10 / 1.
وكذا لا يجب على المغمى عليه ، سواء نوى الصوم قبل الإغماء أم لا (1).
التكليف ، فإنّه بالآخرة مجنون بالفعل مرفوع عنه القلم ، وإن حصل بتسبيبه المحرّم فإنّه كالتسبيب إلى الموت ، فكما أنّ الميّت لا تكليف عليه وإن كان موته بانتحاره فكذا لو جنّ المجنون باختياره.
(1) خلافاً لما نُسب إلى جماعة من التفصيل بين ما كان مسبوقاً بالنيّة وما لم يكن ، فيقضي في الثاني.
وكأنّه مبني على ما تقدّم من عدم اشتراط الصوم بعدم الإغماء ، فإنّه بناءً عليه وأنّ حال الإغماء حال النوم لا حال الجنون ، غايته أنّه نوم شديد لا يستيقط بسرعة ، وقد كان مسبوقاً بالنيّة ، صحّ صومه ، ولم يكن أيّ موجب للقضاء ، فإنّه كمن نوى الصوم ونام ولم يستيقظ إلّا بعد الغروب أو قبله الذي لا قضاء عليه بلا كلام. وهذا خارج عن محلّ البحث.
وأمّا بناءً على الاشتراط كعدم الجنون ، أو لم يكن ناوياً للصوم قبل الإغماء كما لو أُغمي عليه من الليل واستمرّ إلى النهار ، أو كان ناوياً ولم تكن نيّته نافعة كما لو أُغمي عليه قبل الغروب من آخر شعبان واستمرّ إلى الغد حيث إنّ النيّة قبل شهر رمضان لا أثر لها جزماً ، وجامعه كلّ مورد حكم بعدم تحقّق الصوم من المغمى عليه إمّا لخلل في النيّة أو لاشتراط الصوم بعدم الإغماء. فإنّ هذا هو محلّ الكلام في وجوب القضاء.
فربّما يقال بالوجوب :
تارةً : من أجل اندراجه في موضوع المريض فيشمله كلّ ما دلّ على وجوب القضاء عليه من الكتاب والسنّة.
وأُخرى : باستفادته ممّا دلّ على وجوب قضاء الصلوات الفائتة منه.
.................................................................................................
وهذان الوجهان لا يرجعان إلى محصّل وإن صدرا من مثل العلّامة (1)على جلالته ومقامه ، لوضوح أنّ المغمى عليه يغاير عنوانه مع عنوان المريض عرفاً.
وعلى تقدير كونه منه فالروايات الخاصّة الآتية صريحة في عدم وجوب القضاء ، فتكون تخصيصاً في أدلّة المريض.
وأمّا قياس الصوم بالصلاة ففيه أوّلاً : عدم ثبوت حكم في المقيس عليه ، فإنّ الصلاة أيضاً لا يجب قضاؤها على المغمى عليه كالصوم ، للنصوص الكثيرة المعتبرة الصريحة في ذلك ، ولأجلها يحمل ما دلّ على القضاء على الاستحباب جمعاً.
وثانياً : لو سُلّم فلا ملازمة بينهما بعد أهمّيّة الصلاة في الشريعة المقدّسة ، فلا موجب لقياس الصوم عليها.
وثالثاً : على تقدير الملازمة فتكفينا الروايات الخاصّة الناطقة بعدم القضاء في الصوم ، وهي كثيرة وجملة منها معتبرة :
منها : صحيحة أيّوب بن نوح ، قال : كتبت إلى أبي الحسن الثالث (عليه السلام) أسأله عن المغمى عليه يوماً أو أكثر ، هل يقضي ما فاته أم لا؟ فكتب (عليه السلام) : «لا يقضي الصوم ولا يقضي الصلاة» (2).
وصحيحة علي بن مهزيار ، قال : سألته عن المغمى عليه يوماً أو أكثر ، هل يقضى ما فاته من الصلاة أم لا؟ فكتب (عليه السلام) : «لا يقضي الصوم ولا يقضي الصلاة» (3)، ونحوهما غيرهما.
.................................................................................................
نعم ، بإزائها روايتان :
إحداهما : صحيحة منصور بن حازم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : سأله عن المغمى عليه شهراً أو أربعين ليلة ، قال : «فقال : إن شئت أخبرتك بما آمر به نفسي وولدي ، أن تقضي كلّ ما فاتك» (1).
ولكنّها منصرفة عن الصوم ، إذ لا يكون أربعين يوماً ، فإن دلّت على وجوب القضاء فإنّما تدلّ عليه في الصلاة فحسب.
ثانيتهما : ما رواه الشيخ بإسناده عن حفص بن البختري عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال : يقضي المغمى عليه ما فاته» (2).
ولكن دلالتها إنّما هي بالإطلاق القابل للتقييد. على أنّ السند ضعيف ، لضعف طريق الشيخ إلى ابن البختري.
وكيفما كان ، فلو فرضنا صحّة الروايتين وورودهما في خصوص الصوم لم يكن بدّ من حملهما على الاستحباب ، لصراحة النصوص المتقدّمة في عدم الوجوب.
ثمّ إنّ من جملة النصوص الدالّة على عدم القضاء صحيحة علي بن مهزيار : أنّه سأله يعني : أبا الحسن الثالث (عليه السلام) عن هذه المسألة يعني : مسألة المغمى عليه «فقال : لا يقضي الصوم ولا الصلاة ، وكلّما غلب اللّه عليه فاللّه أولى بالعذر» (3).
وهاهنا بحث قد تقدّم الكلام حوله مستوفى في كتاب الصلاة (4)، وهو أنّ
وكذا لا يجب على من أسلم عن كفر (1) ، إلّا إذا أسلم قبل الفجر ولم يصم ذلك اليوم فإنّه يجب عليه قضاؤه.
عدم القضاء هل يختصّ بما إذا كان الإغماء مستنداً إلى غلبة اللّه تعالى وخارجاً عن اختيار المكلف ، أو يعمّه وما استند إلى اختياره كما هو الحال في الجنون؟
فقد يقال بالأوّل ، نظراً إلى انصراف الأخبار إليه ، ودلالة الصحيحة المشار إليها عليه باعتبار استفادة العلّيّة المنحصرة منها.
ولكنّك عرفت منع الاستفادة ، وأنّ التقييد بغلبة اللّه مبني على أنّ الغالب في الإغماء هو ذلك لا الدلالة على العلّيّة المنحصرة ، فغايته أنّها لا إطلاق لها بحيث لو كان الدليل منحصراً بها لما أمكن الالتزام بالتعميم ، لا أنّها تدلّ على الاختصاص وإن كان موردها ذلك. فلا مانع إذن من الأخذ بالإطلاق في بقيّة الروايات.
ودعوى الانصراف غير مسموعة وعهدتها على مدّعيها.
وكيفما كان ، فهذا البحث مُعنوَن في كتاب الصلاة ، فبين قائل بالاختصاص ، وقائل بالعدم ، ولم أر من تعرّض له في المقام مع وحدة المناط والاشتراك في المستند. فإمّا أن يلتزم بالاختصاص في كلا الموردين لاستظهار العلّيّة المنحصرة ، أو لا يلتزم في شيء منهما ، ولم يتّضح وجه لتعرض الأصحاب له في ذاك الباب وإهماله في المقام.
(1) بلا خلاف فيه ولا إشكال.
وهذا بناءً على عدم تكليف الكفّار بالفروع كما لم نستبعده وإن كان على خلاف المشهور فظاهر ، لعدم المقتضي حينئذٍ للقضاء بعد عدم فوت الفريضة وعدم الدليل على فوات الملاك عنه.
.................................................................................................
وأمّا بناءً على المشهور من تكليفهم بالفروع كالأُصول فيحتاج عدم وجوب القضاء إلى إقامة الدليل.
ويدلّ عليه أوّلاً : السيرة القطعيّة ، فإنّ النبيّ الأكرم وكذا وصيّه المعظّم والمتصدّين للأمر من بعده لم يعهد منهم تكليف أحد ممّن يتشرّف بالإسلام بقضاء ما فاته من الصلاة أو الصيام.
وثانياً : طائفة من الأخبار وجملة منها معتبرة :
منها : صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : أنّه سُئل عن رجل أسلم في النصف من شهر رمضان ، ما عليه من صيامه؟ «قال : ليس عليه إلّا ما أسلم فيه» (1).
وموثّقة مسعدة بن صدقة عن أبي عبد اللّه عن آبائه (عليهم السلام) : «إنّ عليّاً (عليه السلام) كان يقول في رجل أسلم في نصف شهر رمضان : إنّه ليس عليه إلّا ما يستقبل» (2).
وصحيحة العيص بن القاسم ، قال : سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن قوم أسلموا في شهر رمضان وقد مضى منه أيّام ، هل عليهم أن يصوموا ما مضى منه ، أو يومهم الذي أسلموا فيه؟ «فقال : ليس عليهم قضاء ولا يومهم الذي أسلموا فيه ، إلّا أن يكونوا أسلموا قبل طلوع الفجر» (3)، ونحوها غيرها.
فالحكم ممّا لا كلام فيه ولا غبار عليه.
وإنّما الكلام في أن الكافر هل هو مكلّف بالقضاء وبإسلامه يسقط عنه ، أو أنّه غير مكلّف بخصوص هذا الفرع وإن بنينا على تكليفه بسائر الفروع
.................................................................................................
كالأُصول سواء أسلم أم بقي على كفره؟
المعروف هو الأوّل ، واختار الثاني في المدارك (1)، وهو أوّل من ناقش في ذلك ، نظراً إلى أنّ التكليف بالقضاء كغيره مشروط بالقدرة ، والكافر لا يتمكّن منه أسلم أم لم يسلم. أمّا على الأوّل فواضح ، لدلالة النصوص على سقوط القضاء عنه باختيار الإسلام. وكذا على الثاني ، لعدم صحّة العمل من الكافر واشتراط وقوعه في حال الإسلام ، فهو غير قادر عليه في شيء من الحالتين ، إمّا لسقوطه عنه ، أو لعدم صحّته منه ، وما هذا شأنه لا يعقل تعلّق التكليف به.
وغير خفي أنّ كلامه هذا متين جدّاً.
نعم ، يمكن أن يقال بناءً على تكليف الكفّار بالفروع وتسليم قيام الإجماع عليه كما ادُّعي - : إنّ الكافر وإن لم يكن مكلّفاً بالقضاء بعد انقضاء شهر رمضان لامتناع توجيه الخطاب إليه كما ذكر ، إلّا أنّ هذا الامتناع لأجل انتهائه إلى الاختيار باعتبار تمكّنه من اختيار الإسلام في ظرف العمل فيصوم أداءً وإن فاته فقضاءً وقد فوته على نفسه بسوء اختياره ، وقد تقرّر في محلّه أنّ الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار ، فهو لا جرم يستحقّ العقاب على تفويت الملاك الملزم على نفسه وإن لم يكن مشمولاً للخطاب.
ولكنّه يتوقّف على إحراز وجود الملاك بعد سقوط الأمر ، ليصدق التفويت بالإضافة إليه ، وأنّى لنا بإثباته بعد عدم السبيل إلى استكشافه من غير ناحية الأمر المفروض سقوطه (2).
.................................................................................................
وكيفما كان ، فلا إشكال في عدم وجوب القضاء على الكفّار بعد الإسلام ، لما عرفت من الأخبار التي من أجلها يحمل الأمر به الوارد في صحيح الحلبي قال : سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل أسلم بعد ما دخل (من) شهر رمضان أيّام (ما) «فقال : ليقض ما فاته» (1)على الاستحباب ، أو على محامل أُخر كالمرتدّ كما فعله الشيخ (قدس سره) (2)، وإلّا فالحكم قطعي لا سترة عليه كما عرفت.
هذا ، وربّما يستدلّ لسقوط القضاء في المقام بالرواية المشهورة المعروفة من أنّ الإسلام يجبّ ما قبله ويهدم (3).
ولكنّها بعد الفحص التامّ والتتبّع الكامل غير موجودة في كتب أحاديثنا جزماً ، ولا مأثورة عن أحد من المعصومين (عليهم السلام) قطعاً ، وإنّما هي مرويّة بغير طرقنا عن علي (عليه السلام) تارةً ، وعن النبيّ (صلّى اللّه عليه وآله) اخرى.
نعم ، رويت في بعض كتبنا مرسلاً كمجمع البحرين وغوالي اللئلئ عنه (صلّى اللّه عليه وآله) (4)ومجرّد كونها مشهورة في كتب المتأخّرين فإنّ كتب السابقين أيضاً خالية عنها لا يستوجب اعتبارها بوجه.
إذن فالرواية لا أساس لها ولا تستأهل بحثاً حولها. والعمدة إنّما هي النصوص الخاصّة مضافاً إلى السيرة القطعيّة حسبما عرفت.
ولو أسلم في أثناء النهار لم يجب عليه صومه (1)وإن لم يأت بالمفطر ولا عليه قضاؤه (1) ، من غير فرق بين ما لو أسلم قبل الزوال أو بعده ، وإن كان الأحوط القضاء (2)
(1) بلا خلاف فيه ولا إشكال فيما لو أسلم بعد الزوال ، كما صرّح به في صحيحة العيص المتقدّمة ، النافية للصوم عن اليوم الذي أسلموا فيه إلّا أن يكونوا أسلموا قبل طلوع الفجر.
وإنّما الإشكال فيما لو أسلم قبل الزوال ، فقد نُسب إلى الشيخ وجوب الصوم حينئذٍ بعد تجديد النيّة ، لبقاء وقتها ، فيُحسب له صوم هذا اليوم ، ولو خالف ثبت عليه القضاء (3).
وهو (قدس سره) مطالَب بالدليل ، فإنّ ظرف النيّة عند الفجر ، وقيام الناقص مقام التامّ خلاف الأصل ، ودليل التجديد خاصّ بالمسافر الذي يقدم أهله ، ولا دليل على التعدّي عن مورده ، فمقتضى القاعدة عدم صحّة الصوم منه أداءً ولا وجوبه قضاءً.
على أنّ ذلك هو مقتضى إطلاق صحيحة العيص المتقدّمة ، حيث تضمّنت نفي القضاء إلّا عن اليوم الذي أسلموا فيه قبل طلوع الفجر ، فلا قضاء فيما لو أسلموا بعده ، سواء أكان قبل الزوال أم بعده ، مع الإفطار أم بدونه ، فما ذكره (قدس سره) لم يُعرف له وجه صحيح.
إذا كان قبل الزوال (1).
(1) مورد هذا الاحتياط ما لو أفطر قبل أن يسلم ، أو لم يفطر ولم يجدّد النيّة ، أمّا لو جدّد قبل أن يفطر فلا موضوع للاحتياط ، لأنّه إن كان مأموراً بالصوم فقد فعل ، وإلّا فلم يفت عنه شيء كي يقضيه. فعبارة المتن لا تستقيم على إطلاقها ، وقد تقدّم نظيره في الصبي.
بقي هنا شيء ، وهو : أنّه بعد الفراغ عن عدم وجوب القضاء ولا الأداء لليوم الذي أسلم فيه سواء أكان قبل الزوال أم بعده بمقتضى إطلاق صحيحة العيص الناطقة بأنّه يكلَّف بالصوم فيما إذا أسلم قبل الفجر كما مرّ ، فهل يجب عليه الإمساك بقيّة النهار تأدّباً وإن لم يكن مأموراً بالصوم؟
لا يبعد القول بالوجوب ، بناءً على تكليف الكفّار بالفروع كالأُصول كما عليه المشهور حتّى لو أسلم بعد الزوال فضلاً عمّا قبله ، نظراً إلى أنّه حال الكفر كان مأموراً بالصوم كبقيّة الفروع وكان مقدوراً له بالقدرة على مقدّمته وهي اختيار الإسلام ، غايته أنّه عصى فبطل منه الصوم ، والصوم الباطل محكوم صاحبه بوجوب الإمساك بقيّة النهار كما استفيد من الروايات السابقة ، ومن المعلوم أنّه نصوص المقام لا تنفي ذلك ، بداهة أنّها ناظرة إلى حكمه من حيث الصوم بما هو صوم ، لا من حيث وجوب الإمساك الذي هو حكم تكليفي محض.
نعم ، بناءً على ما هو الأصحّ من عدم تكليفهم إلّا بالأُصول لم يجب الإمساك المزبور ، إذ لم يكن مخاطباً بالصوم حال الكفر حسب الفرض ، فتركه الصيام إلى زمان الإسلام لم يتضمّن مخالفةً لتكليفٍ شرعي ، وبعد ما أسلم لم يكن مأموراً بصوم هذا اليوم حسب الفرض أيضاً ، ومن البيّن أنّ دليل وجوب الإمساك تعبّداً خاصّ بمن وجب عليه الصوم وأبطله ، أو لم يتمّ في حقّه ، أمّا
[2522] مسألة 1 : يجب على المرتدّ قضاء ما فاته أيّام ردّته ، سواء كان عن ملّة أو فطرة (1).
من لم يكن مكلّفاً به من الأوّل كما لو بلغ الصبي أثناء النهار فلا دليل على وجوب الإمساك بالإضافة إليه.
وبالجملة : فعلى المسلك المشهور ينبغي القول بوجوب الإمساك بقيّة النهار حتّى لو كان إسلامه قبل الغروب بساعة أو أقلّ ، لكونه مكلّفاً بالصوم من الأوّل وقد تركه باختياره حسبما عرفت.
(1) بلا خلاف فيه ، واستدلّ له في الجواهر (1)بعموم : «من فاتته فريضة فليقضها». ولكنّه مرسل لم يُذكَر إلّا في بعض الكتب الفقهيّة ، والظاهر أنّه لا أساس له.
نعم ، ورد في باب الصلاة أنّه : «يقضي ما فاته كما فاته» إلخ (2). ولكنّه أجنبي عن محلّ الكلام ، ولم نعثر على رواية معتبرة تتضمّن الأمر بقضاء ما فات بصورة عامّة بحيث تشمل الصوم الفائت مطلقاً ليتمسّك بها في المقام.
إذن فعمدة المستند في وجوب القضاء على المرتدّ شمول أدلّة التكاليف له كغيره من المسلمين ، فكما أنّهم مأمورون بالصلاة والصيام وغيرهما من سائر الأحكام وبالقضاء لدى فواتها ، فكذا المرتدّ بعد قدرته على امتثالها بأن يتوب ويرجع إلى ما كان عليه.
والنزاع المعروف في أنّ الكفّار مكلّفون بالفروع كالأُصول أو لا غير
.................................................................................................
جارٍ في المرتدّ يقيناً ، إذ لا موجب ولا وجه كما لا قائل بسقوط التكليف بالارتداد ، بل هو مكلّف فعلاً كما كان مكلّفاً بالفروع سابقاً بمقتضى إطلاقات الأدلّة ، حتّى الفطري منه ، بناءً على ما هو الصحيح من قبول توبته واقعاً وإن لم تُقبل ظاهراً ، بمعنى : أنّ آثار الارتداد من القتل وبينونة الزوجة وتقسيم التركة بين الورثة لن ترتفع بالتوبة ، وأمّا فيما بينه وبين ربّه فلا مانع من قبول توبته وغفران زلله مع عظيم جرمه وذنبه ، فإنّ عفو ربّه أعظم ورحمته أشمل وأتمّ ، فيكون وقتئذٍ مشمولاً للأحكام الإسلاميّة كما كان مأموراً بها سابقاً بعد أن كان قادراً عليها بالقدرة على مقدّمتها وهي التوبة حسبما عرفت.
وأمّا المرتدّ الملّي فالأمر فيه أوضح ، لقبول توبته ظاهراً وواقعاً ، فإنّه يستتاب ثلاثة أيّام ، فإن تاب كان كسائر المسلمين وإلّا قُتل.
إذن فالمرتدّ بقسميه وغيره سيّان تجاه الأحكام الشرعيّة التي منها القضاء إمّا وحده أو مع الكفّارة حسب اختلاف الموارد ، بمقتضى إطلاق الأدلّة ، فإنّها غير قاصرة الشمول له.
وما في الحدائق من زعم القصور ، بدعوى أنّه فرد نادر ينصرف عنه الإطلاق (1).
كما ترى ، بداهة أنّ الفرد النادر لا يختصّ به المطلق ، فلا يمكن تنزيله عليه ، لا أنّه لا يشمله ، إذ لا مانع من شمول المطلق حصصاً وأصنافاً يكون بعضها نادر التحقّق.
وعليه ، فكلّ من وجب عليه الصوم ومنه المرتدّ بمقتضى الإطلاق تجب عليه الكفّارة والقضاء لو أفطر متعمّداً ، أو القضاء فقط كما في موارد أُخر.
1) الحدائق 13 : 297.
.................................................................................................
بل يجب القضاء على المرتدّ وإن لم يرتكب شيئاً من المفطرات ، لعدم كونه ناوياً للصوم الذي هو أمر عبادي يعتبر قصده على الوجه الشرعي ، حيث عرفت سابقاً أنّ الإخلال بالنيّة أيضاً من موجبات القضاء ، فإنّه وإن لم يتضمّن إخلالاً بذات الصوم ولكنّه إخلال بالصوم المأمور به كما ورد النصّ في بعض موارده ، التي منها : «من صام يوم الشك بنيّة رمضان» (1).
وكيفما كان ، فلا تحتاج المسألة إلى مزيد بيّنة وبرهان بعد أن كان المرتدّ وغيره سيّان في المشموليّة للأحكام ، من غير دليل مخرج ، عدا توهّم شمول النصوص النافية للقضاء عن الكافر متى أسلم للمقام ، الذي لا ريب في فساده بعد وضوح انصرافها إلى الكافر الأصلي الذي يحدث فيه الإسلام ، لا مثل المقام الذي مورده الرجوع إلى الإسلام لا حدوثه فيه ، فإنّه غير مشمول لتلك الأخبار كما لا يخفى.
وما في الحدائق أيضاً من عدم تمكّن المرتدّ من القضاء ، لكونه محكوماً بالقتل إمّا ابتداءً كالفطري ، أو بعد الاستنابة ثلاثة أيّام كالملّي ، فكيف يمكن تكليفه به (2)؟! مردودٌ بما لا يخفى ، لوضوح أنّ المحكوميّة أعمّ من الوقوع ، فربّما لا يتحقّق القتل خارجاً ، لعدم السلطة عليه كما في زماننا فيبقى سنين ، أو يُفرض الكلام في المرأة التي لا تُقتل بالارتداد بل تُحبس وتُضرب ويضيَّق عليها حتّى ترجع إلى الإسلام.
وعليه ، فحال المرتدّ حال غيره ممّن اشتغلت ذمّته بالقضاء في وجوب تفريغها عنه مع التمكّن ، فإن بقي حيّاً وجب ، وإن قُتل سقط عنه ، لا لعدم المقتضي ، بل لوجود المانع وهو العجز ، إذ لا تكليف بعد القتل.
[2523] مسألة 2 : يجب القضاء على من فاته لسُكر (1) ، من غير فرق بين ما كان للتداوي أو على وجه الحرام.
[2524] مسألة 3 : يجب على الحائض والنفساء قضاء ما فاتهما حال الحيض والنفاس ، وأمّا المستحاضة فيجب عليها الأداء ، وإذا فات منها فالقضاء (2).
(1) يظهر الحال هنا ممّا تقدّم في الإغماء.
فإنّا إذا بنينا على أنّ السكر كالإغماء لا ينافي الصوم وأنّ حاله حال النوم فلا إشكال في الصحّة فيما إذا كان مسبوقاً بالنيّة ، ومعه لم يفت عنه شيء كي يجب قضاؤه كما هو واضح.
وأمّا إذا بنينا على المنافاة وأنّ السكر مانع كالجنون كما هو الأظهر فلا جرم يبطل صومه ولا أثر لسبق النيّة ، سواء أكان معذوراً فيه كما لو شربه قبل الفجر خطأً أو للتداوي أم كان آثماً ، فإذا بطل وجب قضاؤه كما في غيره من سائر الموانع على ما يستفاد من عدّة من الأخبار من أنّ من كان مأموراً بالصوم ولم يصم أو أتى به على غير وجهه وجب عليه القضاء ، ولم ينهض دليل في المقام على أنّ السكران لا يقضي ، كما ثبت مثله في المجنون والمغمى عليه حسبما تقدّم.
(2) بلا خلاف في شيء من ذلك نصّاً وفتوى ، وقد دلّت عليه النصوص الكثيرة حسبما مرّ التعرّض إليها في محلّه من كتاب الطهارة (1).
1) شرح العروة 7 : 426 و8 : 193 197.
[2525] مسألة 4 : المخالف إذا استبصر يجب عليه قضاء ما فاته ، وأمّا ما أتى به على وفق مذهبه فلا قضاء عليه (1).
(1) تقدّم الكلام حول ذلك مستقصًى في مباحث القضاء من كتاب الصلاة ، وعرفت أنّ المخالف قد يأتي بوظيفته من صلاة أو صيام على طبق مذهبه ، ولا شك حينئذٍ في عدم وجوب القضاء عليه بعد ما استبصر ، والحكم وقتئذٍ بصحّة جميع أعماله الصادرة منه وإن كانت محكومة عندنا بالفساد في ظرفها ، وأنّه يندرج بذلك تحت عموم قوله سبحانه ( فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ ) (1)، وقد دلّت عليه السيرة القطعيّة مضافاً إلى النصوص المستفيضة.
وأُخرى : يأتي بما يراه فاسداً في مذهبه ، بحيث يرى نفسه مشغول الذمّة وكأنّه لم يفعل ، سواء أكان صحيحاً في مذهبنا أم لا ، والظاهر قصور النصوص عن الشمول لمثله ، بل لا ينبغي التأمّل فيه ، لانصراف مورد السؤال في تلك الأخبار إلى المخالف الذي يرى نفسه فارغ البال لولا الاستبصار.
وأمّا دون ذلك فهو كمن لم يصلّ أصلاً بحيث كان فاسقاً في مذهبه خارجٌ عن مدلول تلك النصوص ومحكومٌ عليه بوجوب القضاء على المعروف المشهور ، بل المتسالم عليه عند الأصحاب ، أخذاً بإطلاق دليله.
نعم ، يظهر من رواية الشهيد عدم الوجوب ، حيث روى في الذكرى نقلاً من كتاب الرحمة لسعد بن عبد اللّه مسنداً عن رجال الأصحاب ، عن عمّار الساباطي ، قال : قال سليمان بن خالد لأبي عبد اللّه (عليه السلام) وأنا جالس : إنّي منذ عرفت هذا الأمر أُصلّي في كلّ يوم صلاتين ، أقضي ما فاتني قبل معرفتي «قال :
1) الفرقان 25 : 70.
[2526] مسألة 5 : يجب القضاء على من فاته الصوم للنوم بأن كان نائماً قبل الفجر إلى الغروب (1)من غير سبق نيّة (1) ، وكذا من فاته للغفلة كذلك.
لا تفعل ، فإنّ الحال التي كنت عليها أعظم من ترك ما تركت من الصلاة» (2).
ولكنّها ضعيفة السند جدّاً ، لجهالة طريق الشهيد إلى كتاب سعد بن عبد اللّه ، ولم توجد في غيره من كتب الأخبار ، أضف إلى ذلك جهالة الرجال المتخلّلين ما بين سعد وعمّار ، فهي إذن ساقطة عن درجة الاعتبار ، ولا يمكن التعويل عليها في الخروج عن مقتضى القواعد.
وعلى الجملة : مورد النصوص المتقدّمة إمضاء الأعمال السابقة على سبيل الشرط المتأخّر وأنّها محكومة بالصحّة على تقدير التعقّب بالاستبصار ، فلا يجب عليه القضاء.
وأمّا تصحيح عمل لم يأت به أصلاً لعذر أو لغير عذر ، أو أتى به فاسداً بحيث كان عنده في حكم العدم كي لا يجب قضاؤه كما في الكافر ، فلم ينهض عليه أيّ دليل ، والنصوص المزبورة لا تقتضيه حسبما عرفت.
(1) لبطلان الصوم غير المسبوق بالنيّة فوجب قضاؤه ، أمّا مع السبق فلا يضرّ النوم ، لعدم منافاته مع عباديّة الصوم كما تقدّم (3).
ثمّ إنّه في فرض عدم السبق لا حاجة في الحكم بالبطلان والقضاء إلى فرض استمرار النوم إلى الغروب كما صنعه في المتن ، بل يكفي فيه الانتباه عند الزوال ، لعدم الدليل على جواز تجديد النيّة بعد الزوال في صوم الفريضة بلا إشكال ، بل
[2527] مسألة 6 : إذا علم أنّه فاته أيّام من شهر رمضان ودار بين الأقلّ والأكثر (1) يجوز له الاكتفاء بالأقلّ ، ولكن الأحوط قضاء الأكثر خصوصاً إذا كان الفوت لمانع من مرض أو سفر أو نحو ذلك وكان شكّه في زمان زواله ، كأن يشكّ في أنّه حضر من سفره بعد أربعة أيّام أو بعد خمسة أيّام مثلاً من شهر رمضان.
وكذا قبله على الأصحّ ، بناءً على ما عرفت سابقاً من أنّ تجديد النيّة والاجتزاء بالناقص بدلاً عن الكامل خلاف الأصل يقتصر فيه على مورد قيام الدليل كالمسافر الذي يقدم أهله قبل الزوال ولم يحدث شيئاً ، وأمّا غيره ومنه المقام فهو باقٍ تحت مقتضى الأصل الذي نتيجته البطلان حسبما عرفت.
وعليه ، فيكفي مع عدم سبق النيّة الانتباه بعد الفجر ولو آناً ما ، لفوات محلّ النيّة حينئذٍ ، المستلزم للبطلان والقضاء وإن وجب الإمساك بقيّة النهار على ما تقدّم.
(1) لا يخفى أنّ هذا الترديد قد يستند إلى الشكّ في موجب القضاء وهو الإفطار ، إمّا عن غير عذر كما لو علم أنّه أفطر في عهد شبابه أيّاماً مردّدة بين الأقلّ والأكثر ، أو عن عذر كما لو أكل مع الشكّ في طلوع الفجر اعتماداً على استصحاب الليل ثمّ انكشف الخلاف وقد تكرّرت منه هذه الحادثة ولم يعلم عددها.
وأُخرى : يستند إلى الشكّ في مقدار ما هو المانع عن الصحّة الموجب للفوت من سفر أو مرض ونحوهما.
أمّا الأوّل : فلا ريب أنّ المرجع فيه الأصل الموضوعي وهو أصالة عدم
.................................................................................................
الإفطار ، وعدم حدوث تلك الحادثة زائداً على المقدار المتيقّن ، كما لو كان الشكّ في أصل الإفطار.
ومع الغضّ عنه فيرجع إلى الأصل الحكمي أعني : أصالة البراءة عن القضاء للشكّ في موضوعه وهو الفوت زائداً على المقدار المعلوم ، كما هو الشأن في كلّ واجب دائر بين الأقلّ والأكثر ، ولا سيّما غير الارتباطيّين منه ، كما في المقام.
هذا ، وقد يقال : إنّ الرجوع إلى البراءة إنّما يتّجه فيما إذا كان المشكوك فيه هو التكليف الواقعي غير المنجّز ، وأمّا لو تعلّق الشكّ بتكليف منجّز ، بمعنى : أنّا احتملنا تكليفاً لو كان ثابتاً واقعاً لكان منجّزاً كما في الشبهات الحكميّة قبل الفحص أو المقرونة بالعلم الإجمالي ، فإنّ المرجع في مثله قاعدة الاشتغال بلا إشكال ، لعدم المؤمّن في تركه.
والمقام من هذا القبيل ، لأنّ الزائد المشكوك فيه لو كان ثابتاً واقعاً لكان معلوماً في ظرفه فكان منجّزاً طبعاً بالعلم. إذن فمتعلّق الاحتمال هو التكليف المنجّز الذي هو مورد لأصالة الاشتغال دون البراءة ، فيجب عليه الاحتياط ، إلّا إذا كان عسراً فيتنزّل عندئذٍ من الامتثال القطعي إلى الظنّي كما نُسب إلى المشهور من ذهابهم إلى التصدّي للقضاء بمقدار يظنّ معه بالفراغ.
ويندفع : بأنّ هذه مغالطة واضحة ، ضرورة أنّ مورد الاشتغال إنّما هو احتمال التكليف المنجّز بالفعل كالمثالين المذكورين لا ما كان منجّزاً سابقاً وقد زال عنه التنجيز فعلاً ، فإنّ صفة التنجيز تدور مدار وجود المنجّز حدوثاً وبقاءً.
ومن ثمّ لو تبدّل العلم بالشكّ الساري سقط عن التنجيز بالضرورة ، فلو كان عالماً بالنجاسة ثمّ انقلب إلى الشكّ فيها لم يكن مانع من الرجوع إلى قاعدة الطهارة أو استصحابها.
.................................................................................................
والمفروض في المقام زوال العلم السابق لو كان وتبدّله بالشكّ ، فمتعلّق الاحتمال ليس إلّا تكليفاً غير منجّز بالفعل جزماً ، إذ لا أثر للتنجيز السابق الزائل.
ومن هنا لا يشكّ أحد في الرجوع إلى البراءة عن المقدار الزائد على المتيقّن فيما لو استدان زيد من عمرو مبلغاً سجّلاه في دفترهما عند الاستدانة ثمّ ضاع الدفتر ونسيا المبلغ ، وتردّد بين الأقلّ والأكثر ، مع أنّ الزائد على تقدير ثبوته كان منجّزاً سابقاً لفرض العلم به في ظرف الاستدانة ، وليس ذلك إلّا لما عرفت من أنّ المانع من الرجوع إلى البراءة إنّما هو احتمال التكليف المنجّز فعلاً ، لا ما كان كذلك سابقاً كما هو ظاهر جدّاً.
وعلى الجملة : فلم يتعلّق الاحتمال في المقام بالتكليف المنجّز ، بل بتكليفٍ لعلّه كان منجّزاً سابقاً ، ومن البيّن أنّ العبرة في جريان الأصل بحال التكلّف حال الجريان لا فيما تقدّم وانصرم.
وأمّا الثاني أعني : الشك من جهة المانع - : فقد يكون من أجل الشك في زمان حدوثه ، وأُخرى في مقدار بقائه وزمان زواله وارتفاعه.
أمّا الأوّل : كما لو علم أنّه رجع عن السفر أو برئ من المرض في اليوم الثالث والعشرين من شهر رمضان مثلاً وشكّ في مبدأ السفر أو المرض وأنّه كان اليوم الثامن عشر ليكون الفائت منه خمسة أيّام أو العشرين ليكون ثلاثة ، فلا ريب في الرجوع حينئذٍ إلى الأصل الموضوعي النافي للقضاء وهو استصحاب عدم السفر ، أو عدم المرض قبل يوم العشرين ، فإنّ موضوع وجوب الصوم في أيّامٍ أُخر هو المريض والمسافر ، فباستصحاب عدمهما ينتفي الحكم.
وبعبارة اخرى : إنّ مقتضى الاستصحاب أنّ الصوم كان واجباً عليه قبل
.................................................................................................
يوم العشرين والمفروض علم المكلّف بأنّه قد صام كلّ ما كان واجباً عليه فلا موجب للقضاء ، كما هو الحال لو تعلّق الشكّ بأصل السفر أو المرض لا بكمّيّتهما المنفي بالأصل بالضرورة.
ومع الغضّ عن ذلك فيكفينا الأصل الحكمي وهو أصالة البراءة عن وجوب القضاء بعد الشك في موضوعه وهو الفوت زائداً على المقدار المعلوم ، كما لو شكّ في أصل الفوت وأنّه هل سافر أو هل مرض ليفوت عنه الصوم أو لا ، الذي هو مورد لأصالة البراءة عن وجوب القضاء بلا خلاف فيه ولا إشكال. وهذا واضح.
وأمّا الثاني : أعني الشك من حيث البقاء وزمان الارتفاع ، كما لو علم سافر أو مرض يوم الثامن عشر وشك في أنّه هل حضر أو برئ يوم العشرين ليكون الفائت منه يومين ، أو الحادي والعشرين ليكون ثلاثة ، فلهذا الفرض الذي جعل الماتن الاحتياط فيه بقضاء الأكثر آكد صورتان :
إذ تارةً : يفرض العلم بأنّه قد أفطر في سفره أو مرضه كما أنّه صام في حضره أو صحّته.
وأُخرى : يفرض أنّه قد صام في سفره ومرضه أيضاً وإن لم يكن مشروعاً ، فلا يدري أنّ الصوم الصادر منه باطلاً المحكوم عليه بالقضاء هل كان يومين أو ثلاثة ، فبالنتيجة يشك في صحّة صومه في اليوم الثالث وفساده.
مقتضى إطلاق عبارة المتن جواز الاقتصار على الأقلّ في الصورتين ، فلا يجب عليه قضاء الأكثر في شيء منهما.
وربّما يعلّل بأنّ استصحاب بقاء السفر أو المرض إلى اليوم الأخير المشكوك فيه وإن كان مقتضياً لفوات الصوم فيه الموجب لقضائه ، إلّا أنّ قاعدة الصحّة في الصورة الثانية كقاعدة الحيلولة في الصورة الأُولى الحاكمتين على الاستصحاب
.................................................................................................
تقتضيان البناء على وقوع الفريضة في ظرفها صحيحة ، فلا يُعتنى بالشكّ في أصل الصوم ، ولا بالشكّ في صحّته بمقتضى هاتين القاعدتين ، ومعه لا مقتضي لوجوب القضاء.
ويندفع : بما هو المقرّر في محلّه من اختصاص مورد القاعدتين بما إذا كان الأمر محرزاً ، وكان الشكّ في مرحلة الامتثال ، وما يرجع إلى فعل المكلّف من حيث انطباق المأمور به عليه وعدمه ، وأنّه هل امتثل في ظرفه ، أو أنّ امتثاله هل كان صحيحاً مستجمعاً للأجزاء والشرائط أو كان فاسداً.
وأمّا إذا كان الأمر مشكوكاً من أصله فكان احتمال الفساد مستنداً إلى احتمال فقدان الأمر ، ففي مثله لا سبيل لإجراء شيء من القاعدتين.
ومن ثمّ لو شكّ بعد الصلاة في دخول الوقت أو بعد الغسل في كونه جنباً لم يمكن تصحيحهما بقاعدة الفراغ بلا إشكال.
والمقام من هذا القبيل ، بداهة أنّ الصوم المأتي به في الصورة الثانية وإن كان مشكوك الصحّة والفساد ، إلّا أنّ منشأ الشكّ احتمال السفر أو المرض الموجبين لانتفاء الأمر ، فلم يكن الأمر محرزاً لكي يتمسّك بما يعبّر عنه بأصالة الصحّة ، أو بقاعدة الفراغ.
وهكذا الحال في الصورة الأُولى ، فإنّ قاعدة الحيلولة وإن بنينا على جريانها في مطلق المؤقّتات وعدم اختصاصها بمورد النصّ وهو الصلاة كما هو غير بعيد إلّا أنّها أيضاً خاصّة بفرض ثبوت الأمر ولم يحرز في المقام أمر بالصوم بعد احتمال كونه مريضاً أو مسافراً في اليوم المشكوك فيه الذي مضى وقته ودخل حائل ، ولم يدر أنّه هل صام فيه أو لا ، ومن البيّن أنّ القاعدة ناظرة إلى امتثال الأمر المتيقّن لا إلى إثبات الأمر في ظرفه.
إذن ففي كلتا الصورتين لا يجري أيّ من القاعدتين ، بل المرجع أصالة
.................................................................................................
البراءة عن وجوب القضاء الذي هو بأمر جديد يشكّ في حدوثه زائداً على المقدار المتيقّن.
وبعبارة اخرى : الأمر الثابت في الوقت قد سقط بخروجه يقيناً ، وقد تعلّق أمر جديد بعنوان القضاء ، وحيث إنّ موضوعه الفوت وهو مردّد بين الأقلّ والأكثر ، فلا جرم يقتصر على المقدار المتيقّن ، ويدفع الزائد المشكوك فيه بأصالة البراءة.
وقد يقال : إنّ أصالة البراءة محكومة باستصحاب بقاء السفر أو المرض ، حيث إنّ مقتضى قوله سبحانه ( فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ ) إلخ ، أنّ المريض والمسافر موضوع لوجوب القضاء ، فاستصحاب المرض أو السفر يستوجب ترتيب هذا الأثر ، ومعه لا يبقى مجال لأصالة البراءة.
وربّما يجاب عنه : بأنّ المرض أو السفر بنفسهما لا يقتضيان القضاء جزماً وإن أُخذا موضوعاً له في ظاهر الآية الكريمة ، ومن ثمّ لو صام المسافر جهلاً أو صام المريض باعتقاد عدم الضرر وهو يضرّه واقعاً ضرراً لا يبلغ حدّ الحرمة صحّ صومهما ، فلا يحتمل أن يكونا بمجرّدهما موضوعين لوجوب القضاء على حدّ سائر الأسباب الشرعيّة كالاستطاعة لوجوب الحجّ ليترتّب الأثر على استصحابهما كما يترتّب المسبّب على مجرّد ثبوت السبب بالأصل.
بل المستفاد من مجموع الآيات ولو بضمّ الروايات : أنّ من شهد الشهر وكان صحيحاً حاضراً يجب عليه الصوم ، وغيره وهو المريض أو المسافر غير مأمور به فهو طبعاً لا يصوم ، فإذا لم يصم يجب عليه القضاء ، فهو أي القضاء تدارك لترك الصوم في ظرفه لا أنّه عمل مستقلّ مترتّب على المرض أو السفر ، وإلّا لم يكن قضاء كما لا يخفى ، وقد عُبِّر بلفظ القضاء في جملة من الروايات.
.................................................................................................
إذن فالموضوع للقضاء إنّما هو عدم الصوم حال السفر أو المرض لأنفسهما. وعليه ، فلا أثر لاستصحابهما ، إذ لا يترتّب عليه ترك الصوم في ذلك اليوم الذي هو الموضوع للأثر إلّا على القول بالأصل المثبت.
ويندفع : بإمكان إجراء الأصل في ذاك العنوان العدمي أيضاً ، فكما يستصحب السفر يستصحب عدم الصوم في ذلك اليوم للشكّ في أنّه هل كان حاضراً فصام ، أو مسافراً فتركه ، فيستصحب العدم ويترتّب عليه الأثر بطبيعة الحال.
فالصحيح أن يقال : إنّ الموضوع للقضاء ليس هو السفر أو المرض ولا مجرّد الترك ، وإنّما هو عنوان الفوت على حذو باب الصلاة ، ومثله غير قابل للإحراز بالاستصحاب.
وتوضيحه : إنّ المستفاد من قوله سبحانه ( فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ* ) أنّه يصوم بعدد ما لم يصمه من أيّام سفره أو مرضه ، وقد عُبّر في بعض الأخبار عن القضاء بالصوم يوماً بدل يوم ، فيُعلم أنّه عوض عمّا فاته فلم يكن أثراً لمجرّد السفر نفسه ، كيف؟! ولازمه وجوب القضاء على المغمى عليه أو المجنون لو سافرا في شهر رمضان ، فإنّ ما دلّ على نفي القضاء عنهما غايته الدلالة على أنّ الترك المستند إلى الجنون أو الإغماء لا يستوجب القضاء ، فلا مقتضي من هذه الناحية ، وهذا لا ينافي وجود مقتضٍ آخر وهو السفر ، فاللّازم الحكم بالقضاء عليهما مع السفر دون الحضر ، وهو كما ترى.
إذن فلم يكن السفر بمجرّده وكذا المرض موضوعاً للحكم جزماً.
وبما أنّ من المقطوع به أنّ المغمى عليه أو المجنون أو الصبي لا يجب عليهم القضاء وإن سافروا ، والمريض أو المسافر يجب عليه ، فيستكشف من ذلك أنّ مجرّد الترك أيضاً لم يكن موضوعاً.
.................................................................................................
وإنّما الموضوع الوحيد هو الترك مع ثبوت المقتضي والمقرون بالملاك الملزم ، وهو المعبَّر عنه بالفوت. ومن ثمّ لا يصدق في حقّ المجنون ونحوه ، لعدم المقتضي ، ويصدق في المريض والمسافر لثبوته ، نظراً إلى تحقّق الملاك الملزم المصحّح لصدق عنوان الفوت وإن لم يكن الخطاب فعليّاً.
إذن فيكون حال الصوم حال الصلاة في أنّ الموضوع للقضاء فيهما إنّما هو عنوان الفوت الذي هو أمر وجودي أو كالوجودي ، لكونه من قبيل الأعدام والملكات.
وعلى أيّ حال ، فلا يمكن إثباته بأصالة العدم أو باستصحاب السفر أو المرض ، إلّا على القول بحجّيّة الأُصول المثبتة.
فإن تمّ ما استظهرناه وإلّا فلا أقلّ من تطرّق احتماله من غير برهان على خلافه ، الموجب لتردّد الموضوع بعد الجزم بعدم كونه هو السفر بنفسه حسبما عرفت بين أن يكون أمراً عدميّاً وهو عدم الإتيان بالواجب في ظرفه ليمكن إحرازه بالاستصحاب أو عنواناً وجوديّاً وهو الفوت كي لا يمكن. ومعه لا سبيل أيضاً لإجراء الاستصحاب كما لا يخفى.
وعلى الجملة : فالصوم والصلاة أمّا أنّهما من وادٍ واحد في أنّ الموضوع للقضاء في كليهما هو الفوت كما لعلّه الأقرب حسبما استظهرناه ، أو أنّه مجهول في الصوم لعدم ذكره في شيء من الأدلّة ، ومن الجائز أن يكون هو الفوت في جميع موارده من المرض والسفر والحيض والنفاس ونحوها ، وحيث لم يحرز ما هو الموضوع للحكم الشرعي فلا مجال طبعاً للتمسّك بالاستصحاب ، فيكون المرجع عندئذٍ أصالة البراءة حسبما ذكره في المتن.
[2528] مسألة 7 : لا يجب الفور في القضاء (1) ولا التتابع. نعم ، يستحبّ التتابع فيه (2) وإن كان أكثر من ستّة ، لا التفريق فيه مطلقاً أو في الزائد على الستّة.
(1) لإطلاقات الأدلّة من الكتاب والسنّة الشاملة لصورة المبادرة وعدمها.
مضافاً إلى التصريح في جملة من الروايات بالقضاء في أيّ شهر شاء ، التي منها صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال : إذا كان على الرجل شيء من صوم شهر رمضان فليقضه في أيّ شهر شاء» (1).
وفي صحيحة حفص بن البختري عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال : كنّ نساء النبيّ (صلّى اللّه عليه وآله) إذا كان عليهنّ صيام أخّرن ذلك إلى شعبان إلى أن قال : فإذا كان شعبان صمن وصام معهن» (2).
(2) للتصريح بجواز التفريق وبأفضليّة التتابع في صحيحة عبد اللّه ابن سنان (3)، مضافاً إلى عمومات المسارعة والاستباق إلى الخير. وهذا من غير فرق فيه بين ما إذا كان القضاء أقلّ من ستّة أيّام أو أكثر ، لإطلاق الدليل.
بل أنّ صحيحة الحلبي المتقدّمة تضمّنت الأمر بالتتابع المحمول على الاستحباب ، لما تقدّم ، وجعل الخيار لمن لم يستطع ومورده ما إذا كان الفائت كثيراً ، كما يدلّ عليه قوله (عليه السلام) : «وليحص الأيّام».
فقوله (عليه السلام) : «فإن فرّق فحسن» إلخ ، ناظر إلى أنّه إذا لم يتمكّن من
.................................................................................................
التتابع في الجميع فله الخيار في القضاء بأن يصوم يوماً ويفطر يوماً أو يصوم يومين مثلاً ويفطر يوماً ، فهي دلّت على أفضليّة التتابع حتّى في ما زاد الفائت على ستّة أو ثمانية أيّام.
غير أنّ موثّقة عمار تضمّنت الأمر بالتفريق حتّى فيما إذا كان الفائت صوم يومين ، كما أنّها تضمّنت النهي عن المتابعة فيما إذا كان أكثر من ستّة أيّام ، وفي بعض النسخ : «أكثر من ثمانية» (1).
وقد حملها الشيخ على الجواز (2).
وهو بعيد جدّاً ، لمنافاته مع قوله : «ليس له» ... إلخ ، كما لا يخفى.
ونحوه ما صنعه في الوسائل من الحمل على من تضعف قوّته ، فإنّه بعيد أيضاً.
والصحيح لزوم ردّ علمها إلى أهلها ، لمعارضتها للنصوص الكثيرة المصرّحة بجواز التتابع ، بل أفضليّته التي لا ريب في تقديمها لكونها أشهر وأكثر. ومع الغضّ وتسليم التعارض والتساقط فيكفي في الجواز بل الاستحباب عمومات المسارعة والاستباق إلى الخير كما عرفت.
وأمّا ما نُسب إلى المفيد من لزوم التفريق مطلقاً فلا تجوز المتابعة حتّى في الأقلّ من الستّة ، فلو كان عليه يومان فرّق بينهما بيوم لزوماً (3).
فلم نجد عليه أيّ دليل وإن علّله في محكي المقنع بحصول التفرقة بين الأداء والقضاء (4)، فإنّه كما ترى.
[2529] مسألة 8 : لا يجب تعيين الأيّام (1) ، فلو كان عليه أيّام فصام بعددها كفى وإن لم يعيّن الأوّل والثاني وهكذا. بل لا يجب الترتيب أيضاً ، فلو نوى الوسط أو الأخير تعيّن ويترتّب عليه أثره.
(1) لإطلاق الأدلّة من الكتاب والسنّة النافي لاعتبار التعيين كمراعاة الترتيب بعد أن لم يكن الفائت متعيّناً في نفسه ومتميّزاً عن غيره وإن تعدّد سببه.
فإنّ ما اشتغلت به الذمّة قد يكون متّصفاً بخصوصيّة بها يمتاز عن غيره وإن شاركه في الصورة كالظهرين ، والأداء والقضاء ، ونافلة الفجر وفريضته وهكذا ، ففي مثله لم يكن بدّ من تعلّق القصد بإحدى الخصوصيّتين كي تتشخّص وتتميّز عن غيرها في مقام التفريغ ، فلا يكفيه الإتيان بأربع ركعات بلا قصد الخصوصيّة ، بل لو فعل كذلك لم يقع عن أيّ منهما بعد تكافؤ النسبتين وعدم ترجيح في البين ، فلا جرم يقع باطلاً.
وقد لا يكون متّصفاً بأيّة خصوصيّة حتّى في صقع الواقع وفي علم اللّه سبحانه ، ولا يمتاز عن غيره إلّا في مجرّد الاثنينيّة وكونهما فردين من طبيعة واحدة ، وجب أحدهما بسبب ، والآخر بسبب آخر ، كما لو استدان من زيد درهماً ثمّ استدان منه درهماً آخر ، فإنّ الثابت في الذمّة أوّلاً لا مائز بينه وبين ما ثبت ثانياً ، ضرورة أنّ ما استدانه وإن كان معيّناً إلّا أنّ ما اشتغلت به الذمّة في كلّ مرّة هو كلّي الدرهم المماثل بلا اعتبار خصوصيّة الأوليّة أو الثانويّة ، فلا تلزمه في مقام الوفاء رعاية هذه الخصوصيّة بأن يقصد أداء ما اشتغلت به الذمّة أوّلاً ، بل له تركها كما له قصد عكسها ، لما عرفت من عدم تعلّق التكليف إلّا بالكلّي الطبيعي من غير امتياز في البين ، ولا اختلاف بين الدينين إلّا في ناحية السبب دون المسبّب ، والمقام من هذا القبيل.
[2530] مسألة 9 : لو كان عليه قضاء من رمضانين فصاعداً يجوز قضاء اللاحق قبل السابق (1) ، بل إذا تضيّق اللاحق بأن صار قريباً من رمضان آخر كان الأحوط (1)
نعم ، قد يمتاز أحدهما عن الآخر بأمر خارجي وأثر جعلي ، كما لو جعل لأحد الدينين رهناً أو لأحد القضاءين نذراً ، فنذر من فاته يومان من شهر رمضان أن لا يؤخّر قضاء اليوم الثاني عن شهر شوّال مثلاً ففي مثله لا مناص من تعلّق القصد بما له الأثر في حصول ذلك الأثر وترتّبه خارجاً من فكّ الرهن أو الوفاء بالنذر ، إذ لو أدّى الدين أو قضى الصوم من غير قصد تلك الخصوصيّة فهو طبعاً يقع عمّا هو أخفّ مؤنةً ، وهو الطبيعي المنطبق قهراً على العاري عن تلك الخصوصيّة ، فلا يحصل به الفكّ ولا البرّ بالنذر.
والحاصل : أنّه لا امتياز في نفس الطبيعة في أمثال المقام - ، وإنّما هو لأمر خارجي قد يكون وقد لا يكون ، فلا يلزم قصد الخصوصيّة في سقوط الطبيعة نفسها وإن احتيج لها لتلك الجهة الخارجيّة.
وهذا سارٍ في كلّ طبيعة وجبت على المكلّف لسببين من غير لحاظ قيد في البين من الواجبات التعبّديّة وغيرها ، فإنّه يكفي في الامتثال تعلّق القصد بنفس الطبيعة من غير لزوم رعاية الترتيب ولا قصد ما اشتغلت به الذمّة أوّلاً ، لخروج كلّ ذلك عن حريم المأمور به ، كما ذكرنا ذلك فيمن اتّفق له موجبان أو أكثر لسجدتي السهو وما شاكل ذلك.
(1) لعين المناط المتقدّم في المسألة السابقة ، فلاحظ.
1) (*) سيجيء من الماتن (قدس سره) أنّه لا دليل على حرمة التأخير ، وهو الصحيح.
تقديم اللاحق (1) ، ولو أطلق في نيّته انصرف إلى السابق (2) ، وكذا في الأيّام (3).
(1) رعايةً للقول بالتضييق ووجوب البدار إلى القضاء قبل مجيء الرمضان الثاني.
(2) هذا صحيح ، لكن لا من جهة الانصراف على حدّ انصراف اللفظ إلى معناه ، ضرورة عدم خصوصيّة لأحد الرمضانين بما هما كذلك كي تنصرف النيّة إليه حسبما تقدّم بل لأجل أنّ الثاني يمتاز بخصوصيّة خارجيّة زائدة على نفس الطبيعة وهي التضييق على القول به أو الكفّارة ، وما لم يقصد يكون الساقط هو الطبيعي الجامع المنطبق طبعاً على الفاقد لتلك الخصوصيّة الذي هو الأخفّ مؤنةً وهو الرمضان الأول ، إذ يصدق حقيقةً عند مجيء الرمضان الآتي أنّه لم يقصد قضاء شهر رمضان من هذه السنة فتثبت عليه الكفّارة.
نظير ما تقدّم من استدانة درهم ثمّ استدانة درهم آخر وله رهن ، حيث عرفت أنّه ما لم يقصد الثاني في مقام الوفاء لا يترتّب عليه فكّ الرهن ، وإنّما تفرغ الذمّة عن طبيعي الدرهم المدين المنطبق طبعاً على العاري عن خصوصيّة الرهن ، إذ الساقط في كلا الموردين إنّما هو الكلّي بما هو كلّي لا بما فيه من الخصوصيّة ، بل هي تبقى على حالها. وهذا هو منشأ الانصراف في أمثال المقام.
(3) أي فتنصرف النيّة فيها أيضاً إلى السابق ، وهو وجيه لو تضمّن اللّاحق خصوصيّة بها تمتاز عن السابق على حذو ما مرّ وإلّا فلا معنى للانصراف بعد أن لم يكن بينهما تمييز حتّى واقعاً ، وإنّما هما فردان من طبيعة واحدة كما تقدّم.
[2531] مسألة 10 : لا ترتيب بين صوم القضاء وغيره من أقسام الصوم الواجب كالكفّارة والنذر ونحوهما (1). نعم ، لا يجوز التطوّع بشيء لمن عليه صوم واجب (2) كما مرّ.
[2532] مسألة 11 : إذا اعتقد أنّ عليه قضاءً فنواه ثمّ تبيّن بعد الفراغ فراغ ذمّته (3) لم يقع لغيره ، وأمّا لو ظهر له في الأثناء : فإن كان بعد الزوال لا يجوز العدول إلى غيره ، وإن كان قبله فالأقوى جواز تجديد النيّة لغيره وإن كان الأحوط عدمه.
(1) لعدم الدليل عليه وإن نُسب إلى ابن أبي عقيل المنع من صوم النذر أو الكفّارة لمن عليه قضاء عن شهر رمضان (1)، فإنّه غير ظاهر الوجه ، والمتّبع إطلاقات الأدلّة المطابقة لأصالة البراءة بعد فقد الدليل على شرطيّة الترتيب حسبما عرفت.
(2) إمّا مطلقاً أو خصوص قضاء شهر رمضان على الخلاف المتقدّم الذي مرّ البحث حوله في المسألة الثالثة من فصل شرائط صحّة الصوم ، فلاحظ.
(3) قد يكون التبيّن بعد الفراغ عن الصوم ، وأُخرى أثناء النهار ، وعلى الثاني قد يكون بعد الزوال ، وأُخرى قبله.
أمّا في الأوّل : فلا ريب في عدم وقوعه عن الغير ، لفقد النيّة المعتبرة في الصحّة ، فإنّ أقسام الصوم حقائق متباينة لتباين الآثار واختلاف الأحكام وإن اتّحدت صورةً ، فلا بدّ من تعلّق القصد بكلّ منها بالخصوص ، ولا دليل على
1) رسالتان مجموعتان من فتاوى العلمين : (فتاوى ابن أبي عقيل) : 82 ، ونسبه في الحدائق 13 : 318 319.
.................................................................................................
جواز العدول بعد العمل ، ولا ينقلب الشيء عمّا وقع ، فما وقع عن نيّة لا أمر به واقعاً حسب الفرض ، وما له أمر كصوم الكفّارة مثلاً لم يقصده فلم يقع عن نيّة ، فلا مناص من البطلان ، إذ الاجتزاء بغير المأمور به عن المأمور به يحتاج إلى الدليل ، ولا دليل.
وبهذا البيان يظهر البطلان في الثاني أيضاً ، فلا يمكن العدول بنيّته إلى واجب آخر ، لعدم الدليل عليه بعد أن كان مخالفاً لمقتضى القاعدة.
نعم ، لو أراد الصوم الندبي جاز ، لاستمرار وقت نيّته إلى الغروب ، وليس هذا من العدول في شيء ، بل هو من إيقاع النيّة في ظرفها ، لاستمراره إلى الغروب بعد تحقّق الموضوع ، وهو عدم كونه مفطراً كما هو المفروض.
وأمّا في الثالث : فقد تقدّم البحث عنه مستقصًى في مبحث النيّة (1)، وأنّه هل يستفاد من الأخبار جواز تجديد النيّة قبل الزوال إذا كان الإخلال عن جهل أو نسيان ، أم لا؟ وقد عرفت ما هو الحقّ ، وقلنا : إنّ الصوم واجب واحد ارتباطي متقوّم بالإمساك من الفجر إلى الغروب عن نيّة ، فمتى أخلّ بالنيّة ولو بجزء من الوقت فقد أخلّ بالواجب ولم يكن مطابقاً للمأمور به ، فيحتاج الإجزاء حينئذٍ إلى الدليل ولا دليل ، إلّا في المسافر الذي يقدم أهله ولم يحدث شيئاً ، فإنّه يعدل بنيّته إليه. وأمّا فيما عدا ذلك فيحتاج القلب وتجديد النيّة إلى دليل ، وحيث لا دليل عليه بوجه فيبقى تحت أصالة عدم الجواز بمقتضى القاعدة حسبما عرفت.
هذا في الواجب المعيّن.
وأمّا الواجب غير المعيّن فلا إشكال في استمرار وقت النيّة فيه إلى الزوال
1) شرح العروة 21 : 41 75.
[2533] مسألة 12 : إذا فاته شهر رمضان أو بعضه بمرض أو حيض أو نفاس ومات فيه لم يجب القضاء عنه (1) ، ولكن يستحبّ النيابة (1)عنه في أدائه ، والأولى أن يكون بقصد إهداء الثواب.
حتّى اختياراً ، كما أنّ صوم يوم الشكّ بنيّة شعبان يحسب من رمضان ، سواء أكان الانكشاف قبل الزوال أم بعده أم بعد الغروب ، بمقتضى النصوص.
(1) سواء أكان الموت في شهر رمضان أم بعده مع استمرار العذر بحيث لم يتمكّن من القضاء ، ويدلّ عليه في المريض عدّة من الروايات :
منها : صحيحة محمّد بن مسلم : عن رجل أدركه رمضان وهو مريض فتوفّي قبل أن يبرأ «قال : ليس عليه شيء ولكن يُقضى عن الذي يبرأ ثمّ يموت قبل أن يقضي» (2).
وصحيحة منصور بن حازم : عن المريض في شهر رمضان فلا يصحّ حتّى يموت «قال : لا يقضى عنه» إلخ (3).
وموثّقة سماعة : عن رجل دخل عليه شهر رمضان وهو مريض لا يقدر على الصيام فمات في شهر رمضان أو في شهر شوّال «قال : لا صيام عليه ولا يقضى عنه» إلخ (4)، وغيرها.
وفي الحائض والنفساء ذيل روايتي منصور وسماعة المتقدّمتين وغيرهما.
فالحكم في الجملة ممّا لا إشكال فيه.
.................................................................................................
إنّما الكلام في أنّ نفي القضاء هل هو لعدم الوجوب فلا مانع من استحباب النيابة عنه ، أو أنّه أمر غير مشروع؟
اختار الماتن الأوّل ، وأنّ الساقط إنّما هو الوجوب ، فيستحبّ القضاء عنه ، وإن كان الأولى أن يصوم عن نفسه ثمّ يهدي ثوابه إليه.
ولكن الظاهر من هذه الروايات سقوط القضاء رأساً وأنّ ذمّة الميّت غير مشغولة أصلاً ، وحاله حال المجنون والمغمى عليه ونحوهما ممّن لم يفت عنه شيء ، لتفرّعه على التمكّن ولا تمكّن. فالسؤال والجواب ينظران إلى المشروعيّة ، وإلّا فاحتمال الوجوب منفي قطعاً إلّا بالنسبة إلى الولي وأنّه يقضي عن أبيه أو امّه على كلامٍ سيأتي ، وأمّا سائر الناس كما هو منصرف السؤال في هذه الأخبار فلم يكن ثمّة احتمال الوجوب كي تتكفّل الروايات لنفيه ، فهي ظاهرة في نفي المشروعية جزماً.
وتدلّ عليه صريحاً صحيحة أبي بصير : عن امرأة مرضت في شهر رمضان وماتت في شوّال فأوصتني أن أقضي عنها «قال : هل برئت من مرضها؟» قلت : لا ، ماتت فيه «قال : لا يُقضى عنها ، فإنّ اللّه لم يجعله عليها» قلت : فإنِّي أشتهي أن أقضي عنها وقد أوصتني بذلك «قال : كيف تقضي عنها شيئاً لم يجعله اللّه عليها؟! فإن اشتهيت أن تصوم لنفسك فصم» (1).
حيث علّل (عليه السلام) عدم القضاء بأنّ اللّه لم يجعله عليها ، وهو كالصريح في عدم المشروعيّة.
إذن فالفتوى بالاستحباب كما صنعه في المتن مشكلة جدّاً.
ومن المعلوم أنّ أدلّة النيابة والقضاء عن الغير أجنبيّة عن محلّ الكلام ، إذ
1) الوسائل 10 : 332 / أبواب أحكام شهر رمضان ب 23 ح 12.
.................................................................................................
هو فرع اشتغال ذمّة الغير وصدق الفوت عنه ليستناب ويُقضى عنه ، وإلّا فهل يمكن التمسّك بتلك الأدلّة لإثبات القضاء عن المجنون أو المغمى عليه؟! فحال المريض والحائض والنفساء العاجزين عن القضاء إلى أن عرض الموت حال هذين في عدم التكليف عليهم رأساً ، فلم يفت عنهم شيء أصلاً ، ومعه كيف يُقضى ويؤتى بالعمل النيابي بداعي سقوط ما في ذمّة الغير الذي هو معنى النيابة ، فإنّه إذا لم يكن في ذمّته شيء فكيف يقصد النيابة؟! نعم ، لا بأس بالصوم عن نفسه وإهداء الثواب إلى الميّت كما ذكره في المتن ، ويشير إليه ذيل الصحيحة المتقدّمة ، فلاحظ.
ثمّ إنّه يظهر من تخصيص عبارة المتن بالمريض والحائض والنفساء أنّ الحكم لا يعمّ المسافر فيُقضى عنه لو سافر في شهر رمضان ومات فيه أو بعده قبل أن يحضر بلده ، فيختصّ الاستثناء عمّا ذكره سابقاً من لزوم القضاء عمّن فاته الصوم بالطوائف الثلاث فحسب ، فلا يلحق بهم المسافر.
ولكن قد يقال بالإلحاق ، لروايتين :
إحداهما : مرسلة ابن بكير : في رجل يموت في شهر رمضان إلى أن قال : «فإن مرض فلم يصم شهر رمضان ثمّ صحّ بعد ذلك ولم يقضه ، ثمّ مرض فمات ، فعلى وليّه أن يقضي عنه ، لأنّه قد صحّ فلم يقض ووجب عليه» (1).
فإنّ تعليل القضاء بقوله : «لأنّه قد صح» ... إلخ ، يكشف عن أنّ مورده من كان متمكّناً منه فلم يقض ، فيستفاد منه سقوطه عمّن لم يكن متمكّناً منه ، فيعمّ المسافر الذي مات قبل أن يتمكّن من القضاء.
وفيه ما لا يخفى ، فإنّه حكم مختصّ بمورده وهو المريض ، فقسّمه إلى قسمين :
1) الوسائل 10 : 333 / أبواب أحكام شهر رمضان ب 23 ح 13.
.................................................................................................
قسم استمرّ به المرض فلا يُقضى عنه ، وقسم برئ منه وصحّ ولم يقض فمرض ومات فيُقضى عنه ، فلا وجه للتعدّي عن مورده إلى كلّ من تمكّن ولم يقض كالمسافر كما لا يخفى.
على أنّها ضعيفة السند بالإرسال ، فلا تصلح للاستدلال.
الثانية : صحيحة أبي بصير المتقدّمة ، فإنّ مقتضى عموم التعليل في قوله (عليه السلام) : «فإنّ اللّه لم يجعله عليها» أنّ كلّ من لم يجعل اللّه عليه ذلك ومنه المسافر لا يُقضى عنه.
ويندفع : بأنّه إنّما يتّجه لو كان مرجع الضمير في قوله (عليه السلام) : «لم يجعله» هو الصوم ، ولم يثبت ، بل لا يمكن المساعدة عليه ، للزوم تخصيص الأكثر ، فإنّ كثيراً ممّن لم يجعل اللّه الصوم عليه يجب عليه أو عنه القضاء كالحائض والنفساء والمريض والمسافر إذا تمكّنوا من القضاء ، فالظاهر أنّ مرجع الضمير هو القضاء ، ويستقيم المعنى حينئذٍ ، وهو أنّ كلّ من لم يجعل اللّه عليه القضاء فلا يُقضى عنه ، لأنّ القضاء عنه فرع ثبوت القضاء عليه ، والمريض لا قضاء عليه بمقتضى النصوص المتقدّمة ، وأمّا المسافر فلم يرد فيه مثل تلك النصوص ، بل مقتضى إطلاق الآية المباركة وجوب القضاء ، فإن تمكّن يأتي به مباشرةً ، وإلّا فيُقضى عنه.
ولو تنازلنا وسلمنا أنّ للروايتين إطلاقاً يعمّ المسافر فلا بدّ من رفع اليد عنه ، للروايات الدالّة على وجوب القضاء عن المسافر الذي مات في سفره ، وهي :
موثّقة محمّد بن مسلم : في امرأة مرضت في شهر رمضان أو طمثت أو سافرت فماتت قبل أن يخرج رمضان ، هل يُقضى عنها؟ «فقال : أمّا الطمث والمرض فلا ، وأمّا السفر فنعم» (1).
1) الوسائل 10 : 334 / أبواب أحكام شهر رمضان ب 23 ح 16.
[2534] مسألة 13 : إذا فاته شهر رمضان أو بعضه لعذرٍ واستمرّ إلى رمضان آخر : فإن كان العذر هو المرض سقط قضاؤه على الأصحّ (1) ،
وصحيحة أبي حمزة الثمالي الثقة الجليل القدر الذي أدرك أربعة أو خمسة من الأئمّة (عليهم السلام) عن أبي جعفر (عليه السلام) ، قال : سألته عن امرأة مرضت في شهر رمضان أو طمثت أو سافرت فماتت قبل خروج شهر رمضان ، هل يُقضى عنها؟ «قال : أمّا الطمث والمرض فلا ، وأمّا السفر فنعم» (1).
المؤيّدتان برواية منصور بن حازم : في الرجل يسافر في شهر رمضان فيموت «قال : يقضى عنه» إلخ (2).
وهذه الأخيرة ضعيفة بمحمد بن الربيع ، فإنّه لم يوثّق ، فلا تصلح إلّا للتأييد.
(1) بل هو المعروف والمشهور بين المتأخّرين ، بل القدماء أيضاً ، فإنّ مقتضى إطلاق الآية المباركة وكذا الروايات المتكاثرة وإن كان هو القضاء سواء استمرّ المرض إلى رمضان آخر أم لا ، إلّا أنّه لا بدّ من الخروج عنها ، للروايات الكثيرة الدالّة على سقوط القضاء حينئذٍ والانتقال إلى الفداء ، التي لم يستبعد صاحب الجواهر بلوغها حدّ التواتر (3)، والروايات الواردة في المقام وإن كانت متعدّدة لكن دعوى التواتر فيها بعيدة.
وكيفما كان ، فمنها : صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر وأبي عبد اللّه (عليهما السلام) ، قال : سألتهما عن رجل مرض فلم يصم حتّى أدركه رمضان
.................................................................................................
آخر «فقالا : إن كان برئ ثمّ توانى قبل أن يدركه الرمضان الآخر صام الذي أدركه وتصدّق عن كلّ يوم بمدّ من طعام على مسكين وعليه قضاؤه ، وإن كان لم يزل مريضاً حتّى أدركه رمضان آخر صام الذي أدركه وتصدّق عن الأوّل لكلّ يوم بمدّ على مسكين وليس عليه قضاؤه» (1).
وصحيحة زرارة : في الرجل يمرض فيدركه شهر رمضان ويخرج عنه وهو مريض ولا يصحّ حتّى يدركه شهر رمضان آخر «قال : يتصدّق عن الأوّل ويصوم الثاني» إلخ (2)، ونحوهما غيرهما كصحيحة علي بن جعفر (3)وغيرهما.
وبهذه النصوص يخرج عن عموم الكتاب بناءً على ما هو الصحيح من جواز تخصيص الكتاب بالخبر الواحد ، وبناءً على كون هذه النصوص متواترة فلا إشكال ، لثبوت تخصيصه بالخبر المتواتر بلا كلام.
وبإزاء المشهور قولان آخران :
أحدهما : ما نُسب إلى ابن أبي عقيل وابن بابويه وغيرهما من وجوب القضاء دون الكفّارة (4).
وليس له مستند ظاهر سوى رواية أبي الصباح الكناني ، قال : سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل عليه من شهر رمضان طائفة ثمّ أدركه شهر رمضان قابل «قال : عليه أن يصوم وأن يطعم كلّ يوم مسكيناً ، فإن كان مريضاً فيما بين ذلك حتّى أدركه شهر رمضان قابل فليس عليه إلّا الصيام إن صحّ ، وإن تتابع المرض عليه فلم يصحّ فعليه أن يطعم لكلّ يوم مسكيناً» (5).
.................................................................................................
حيث قسّم (عليه السلام) المكلّف على ثلاثة أقسام : قسم يجب عليه القضاء والفداء وهو الذي ذكره أوّلاً ، وقسم يجب عليه القضاء خاصّة وهو الذي استمرّ به المرض إلى رمضان قابل ، وقسم يجب عليه الفداء فقط وهو الذي تتابع أي استمرّ به المرض سنين عديدة.
ففي القسم الثاني الذي هو محلّ الكلام حكم (عليه السلام) بالقضاء فقط.
وفيه أوّلاً : أنّها ضعيفة السند بمحمد بن فضيل الراوي عن الكناني ، فإنّه كما تقدّم مراراً مشترك بين الأزدي الضعيف والظبّي الثقة ، وكلّ منهما معروف وله كتاب ويروي عن الكناني وفي طبقة واحدة ، وقد حاول الأردبيلي في جامعه لإثبات أنّ المراد به محمّد بن القاسم بن الفضيل الثقة (1)، وقد أسند إلى جدّه وأقام على ذلك شواهد لا تفيد الظنّ فضلاً عن العلم ، فإنّه أيضاً معروف كذينك الرجلين وفي طبقة واحدة ولا قرينة يُعبأ بها على إرادته بالخصوص.
وعلى الجملة : لا مدفع لاحتمال كون المراد به الأزدي ، وهذا وإن كان مذكوراً في أسناد كامل الزيارات بل قد أثنى عليه المفيد في رسالته العدديّة (2)إلّا أنّه ضعّفه الشيخ صريحاً (3).
وثانياً : أنّها قاصرة الدلالة ، لتوقّفها على أن يكون المراد من قوله : «فإن كان مريضاً» إلخ : استمرار المرض بين رمضانين ، وليس كذلك ، بل ظاهره إرادة المرض فيما بين ذلك ، أي في بعض أيّام السنة.
وأمّا المرض المستمرّ المستوعب لما بين رمضانين فهو الذي أُشير إليه أخيراً
.................................................................................................
بقوله (عليه السلام) : «وإن تتابع المرض عليه» إلخ ، الذي هو مورد كلام المشهور ، وقد حكم (عليه السلام) حينئذٍ بالكفّارة كما عليه المشهور.
وكذا استدلّ صاحب المدارك بهذه الرواية لمذهب المشهور (1)، فهي من أدلّتهم لا أنّها حجّة عليهم.
وكيفما كان ، فالعمدة ما عرفت من ضعف السند.
القول الثاني : ما نُسب إلى ابن الجنيد من وجوب القضاء والكفّارة معاً (2).
وهذا لم يُعرف له أيّ مستند أصلاً.
نعم ، يمكن أن يستدلّ له بموثّقة سماعة ، قال : سألته عن رجل أدركه رمضان وعليه رمضان قبل ذلك لم يصمه «فقال : يتصدّق بدل كلّ يوم من الرمضان الذي كان عليه بمدّ من طعام ، وليصم هذا الذي أدركه ، فإذا أفطر فليصم رمضان الذي كان عليه ، فإنّي كنت مريضاً فمرّ عليّ ثلاث رمضانات لم أصح فيهنّ ثمّ أدركت رمضاناً آخر فتصدّقت بدل كلّ يوم ممّا مضى بمدّ من طعام ، ثمّ عافاني اللّه تعالى وصمتهن» (3).
حيث جمع (عليه السلام) بين قضاء الماضي بعد الإفطار عن الحالي وبين الصدقة.
وقد حملها الشيخ (قدس سره) على استحباب القضاء (4)، جمعاً بينها وبين صحيحة عبد اللّه بن سنان الظاهرة في الاستحباب «قال : من أفطر شيئاً من
وكفّر عن كلّ يوم بمدّ ، والأحوط مدّان (1).
رمضان في عذر ثمّ أدرك رمضان آخر وهو مريض فليتصدّق بمدّ لكلّ يوم ، فأمّا أنا فإنّي صمت وتصدّقت» (1).
ولا بأس بما ذكره ، بل الأمر كذلك حتّى مع الغضّ عن هذه الصحيحة ، للتصريح بنفي القضاء في الروايات المتقدّمة ، ولا سيّما صحيحة محمّد بن مسلم (2)، فهي محمولة على الاستحباب ، سواء أكانت صحيحة ابن سنان موجودة أم لا.
فتحصّل : أنّ هذين القولين ساقطان ، والصحيح ما عليه المشهور من سقوط القضاء والانتقال إلى الفداء ، وبذلك يخصَّص عموم الكتاب حسبما عرفت.
(1) قد عرفت سقوط القضاء والانتقال إلى الفداء.
وأمّا تحديده فالمذكور في النصوص مدّ عن كلّ يوم.
وأمّا المدّان فلم يرد في شيء من الأخبار ، فليس له مستند ظاهر.
نعم ، حكي ذلك عن بعض نسخ موثّقة سماعة المتقدّمة ، لكنّه معارض بنسخ اخرى مصحّحة مشتملة على لفظة المدّ كما في الوسائل والتهذيب والاستبصار ، فلا يبعد أن تكون نسخة المدّين اشتباهاً من النسّاخ كما استظهره في الجواهر (3)، على أنّه لا يلتئم حينئذٍ مع رسم «طعام» بالجرّ ، فإنّ اللّازم حينئذٍ نصبه على التمييز بأن يرسم هكذا «طعاماً» ، اللّهمّ إلّا أن يكون مشتملاً على كلمة «من» ، أي مدّين من طعام ، كما عن بعض النسخ.
ولا يجزئ القضاء عن التكفير (1). نعم ، الأحوط الجمع بينهما (2).
وإن كان العذر غير المرض كالسفر ونحوه فالأقوى وجوب القضاء (3) ، وإن كان الأحوط الجمع بينه وبين المدّ (1).
وكيفما كان ، فنسخة المدّين لم تثبت ، وعلى تقدير الثبوت فهي معارضة بالروايات الكثيرة المشتملة على كلمة «مد» حسبما عرفت ، فيكون ذلك من الدوران في التحديد بين الأقلّ والأكثر ، ومقتضى الصناعة حينئذٍ حمل الزائد على الاستحباب كما لا يخفى ، فيكون الواجب مدّاً واحداً والزائد عليه فضل.
(1) لظهور الأمر بالكفّارة الوارد في النصوص في التعيين وأنّ وظيفة القضاء انقلبت إلى الفداء فلا مجال للإجزاء.
وعن العلّامة في التحرير : الاجتزاء بها (2)، وكأنّه لحمل الفدية على البدل الترخيصي ، وهو كما ترى مخالف لظواهر النصوص كما عرفت.
(2) خروجاً عن خلاف ابن الجنيد القائل بذلك كما تقدّم.
(3) فلا يلحق بالمرض في الانتقال إلى الفداء ، عملاً بإطلاقات الكتاب والسنّة الدالّة على وجوب القضاء ، المقتصر في تقييدها على خصوص المرض ، لورود النصوص فيه.
وأمّا السفر فلم يرد فيه أيّ نص ، عدا ما رواه الصدوق في العلل وفي العيون بإسناده عن الفضل ابن شاذان عن الرضا (عليه السلام) ، في حديث طويل قال فيه : «... إن قال : فَلِمَ إذا مرض الرجل أو سافر في شهر رمضان فلم يخرج
.................................................................................................
من سفره أو لم يقو من مرضه حتّى يدخل عليه شهر رمضان آخر وجب عليه الفداء للأوّل وسقط القضاء ، وإذا أفاق بينهما أو أقام ولم يقضه وجب عليه القضاء والفداء؟ قيل ...» إلخ (1).
وهذه الرواية وإن كانت صريحة الدلالة في إلحاق السفر بالمرض ، إلّا أنّ الشأن في سندها ، فقد وصفها في الجواهر بالصحّة ، وأنّها حاوية في نفسها لشرائط الحجّيّة ، غير أنّها ساقطة عنها من أجل هجر الأصحاب لها وإعراضهم عنها (2)، إذ الظاهر أنّه لم يقل بمضمونها أحد منّا ، فهي متروكة مهجورة ، ولولاها لكانت موصوفة بالحجّيّة. وتبعه على ذلك بعضهم.
أقول : لا أدري كيف وصفها (قدس سره) بذلك مع أنّ الرواية ضعيفة السند جدّاً حتّى مع الغضّ عن الهجر؟! فإنّ للشيخ الصدوق إلى الفضل بن شاذان طريقين : أحدهما ما يرويه الفضل عن الرضا (عليه السلام) ، والآخر ما يرويه من جوابه (عليه السلام) لمكاتبات المأمون.
أمّا الأوّل : فهو يرويه عن عبد الواحد بن محمّد بن عبدوس ، عن علي بن محمّد بن قتيبة ، عن الفضل بن شاذان.
أمّا عبد الواحد : فهو غير مذكور بتوثيق ولا مدح إلّا أنّه شيخ الصدوق ، وقد تقدّم غير مرّة أن مجرّد كون الرجل من المشيخة لا يقتضي التوثيق ، ولم يلتزم الصدوق بأن لا يروي إلّا عن الثقة ، بل كان يسير في البلاد ولم يكن همّه إلّا جمع الروايات وضبط كلّ ما سمع من أي محدّث كان ، كيف؟! وفي مشايخه
وكذا إن كان سبب الفوت هو المرض وكان العذر في التأخير غيره مستمرّاً من حين بُرئه إلى رمضان آخر (1) أو العكس ، فإنّه يجب القضاء أيضاً في هاتين الصورتين على الأقوى ، والأحوط الجمع خصوصاً في الثانية.
من نصّ على نصبه قائلاً : لم أرَ أنصب منه ، حيث كان يصلّى على النبيّ (صلّى اللّه عليه وآله) منفرداً بقيد الانفراد ، رفضاً منه للآل عليهم صلوات الملك المتعال آناء الليل وأطراف النهار.
وأمّا ابن قتيبة : فهو أيضاً لم يصرّح فيه بالتوثيق. نعم ، هو من مشايخ الكشّي ، وقد عرفت آنفاً أنّ هذا بمجرّده لا يقتضي التوثيق ولا سيّما وأنّ الكشّي يروى عن الضعفاء كثيراً كما نصّ عليه النجاشي عند ترجمته بعد الثناء عليه (1).
وأمّا الثاني : ففي طريقه جعفر بن علي بن شاذان ، عن عمّه محمّد بن شاذان ، وجعفر هذا لم يوثّق ، بل لم يذكر في كتب الرجال ولم تعهد له رواية ما عدا وقوعه في هذا الطريق.
فتحصّل : أنّ الرواية من ضعف السند بمكان ، ومعه كيف توصف بالصحّة واستجماعها شرائط الحجّيّة؟! وإنّما العصمة لأهلها.
وكيفما كان ، فإلحاق السفر بالمرض غير ثابت ، لعدم الدليل عليه بوجه ، بل مقتضى الإطلاقات هو العدم كما تقدّم.
(1) قد علم ممّا ذكرنا أنّه لو كان سبب الفوت والإفطار هو المرض وكان العذر المستمرّ الموجب للتأخير من لدن برئه إلى حلول رمضان آخر غيره من
1) رجال النجاشي : 372 / 1018.
.................................................................................................
السفر ونحوه ، وجب القضاء حينئذٍ أيضاً ، إذ النصوص الواردة في المرض المقيّدة للإطلاقات موردها ما لو استمرّ به المرض إلى رمضان قابل ، فلا يشمل غير المستمرّ وإن أفطر ، استناداً إلى أمر آخر ، بل يبقى ذلك تحت الإطلاق.
وأمّا لو انعكس الفرض بأن كان سبب الإفطار هو السفر ، وسبب التأخير استمرار المرض بين رمضانين ، فالظاهر سقوط القضاء حينئذٍ والانتقال إلى الفداء ، فإنّ النصوص المتقدّمة من صحاح محمّد بن مسلم وزرارة وعلي بن جعفر وإن لم تشمل هذه الصورة إذ موردها ما إذا كان العذر هو المرض حدوثاً وبقاءً ، فلا تشمل ما لو كان الاستمرار مستنداً إليه دون الإفطار ، ولعلّ في سببيّته للإفطار مدخلاً للحكم ولكن إطلاق صحيحة عبد اللّه بن سنان غير قاصر الشمول للمقام ، فقد روى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال : من أفطر شيئاً من رمضان في عذر ثمّ أدرك رمضان آخر وهو مريض فليتصدّق بمدّ لكلّ يوم ، فأمّا أنا فإنّي صمت وتصدّقت» (1).
فإنّ العذر يعمّ المرض وغيره بمقتضى الإطلاق ، كما أنّ ظاهرها ولو بمعونة عدم التعرّض لحصول البرء في البين استمرار المرض بين الرمضانين. ومع الغضّ والتنزّل عن هذا الاستظهار فغايته الإطلاق لصورتي استمرار المرض وعدمه ، فيقيّد بما دلّ على وجوب القضاء لدى عدم الاستمرار ، فلا جرم تكون الصحيحة محمولة بعد التقييد على صورة الاستمرار.
فإن قلت : إطلاق الصحيحة من حيث شمول العذر للسفر وغيره معارَض بإطلاق الآية المباركة الدالّة على وجوب القضاء على المسافر ، سواء استمرّ به المرض إلى رمضان قابل أم لا ، فكيف يمكن الاستناد إليها؟!
1) الوسائل 10 : 336 / أبواب أحكام شهر رمضان ب 25 ح 4.
.................................................................................................
قلت : كلّا ، لا معارضة بينهما وإن كانت النسبة بين الإطلاقين عموماً من وجه ، إذ الصحيحة ناظرة إلى الآية المباركة ، فهي حاكمة عليها شارحة للمراد منها ، لا من قبيل الحكومة المصطلحة ، بل بمعنى صلاحيّتها للقرينيّة بحيث لو اجتمعا في كلام واحد لم يبق العرف متحيّراً في المراد.
فلو فرضنا أنّ الصحيحة كانت جزء من الآية المباركة بأن كانت هكذا : فإن كنتم مرضى أو على سفر فعدّة من أيّام أُخر ، ومن كان معذوراً فأفطر استمر به المرض إلى رمضان آخر فليتصدق. لم يتوهّم العرف أيّة معارضة بين الصدر والذيل ، بل جعل الثاني قرينة للمراد من الأول ، وأنّ وجوب القضاء خاصّ بغير المعذور الذي استمرّ به المرض ، أمّا هو فعليه الفداء ليس إلّا.
وهذا هو المناط الكلّي في تشخيص الحكومة وافتراقها عن باب المعارضة كما نبّهنا عليه في بعض مباحثنا الأُصوليّة (1)، فإذا لم يكن تعارض لدى الاتّصال وفي صورة الانضمام لم يكن مع الانفصال أيضاً. هذا أوّلاً.
وثانياً : لو سلّمنا المعارضة فإنّما هي بالإطلاق المتحصّل من جريان مقدّمات الحكمة لا في الدلالة الوضعيّة. وقد ذكرنا في محلّه (2)أنّ في تعارض الإطلاقين بالعموم من وجه يحكم بالتساقط ولا يرجع إلى المرجّحات من موافقة الكتاب ونحوه ، لكون موردها ما إذا كانت المعارضة بين نفس الدليلين لا بين الإطلاقين ، بل المرجع بعد التساقط أمر آخر من عموم أو أصل ، ومقتضى الأصل في المقام البراءة عن القضاء الذي هو بأمر جديد مدفوع بالأصل لدى الشكّ فيه ، إذ ليس لدينا عموم يدلّ على القضاء عدا ما سقط بالمعارضة المفروضة ، ولكن يحكم بوجوب الفداء استناداً إلى عموم موثّقة سماعة الآتية.
[2535] مسألة 14 : إذا فاته شهر رمضان أو بعضه لا لعذر بل كان متعمّداً في الترك (1) ولم يأت بالقضاء إلى رمضان آخر ، وجب عليه الجمع بين الكفّارة والقضاء بعد الشهر.
وكذا إن فاته لعذر ولم يستمرّ ذلك العذر بل ارتفع في أثناء السنة ولم يأت به إلى رمضان آخر متعمّداً وعازماً على الترك أو متسامحاً واتّفق العذر عند الضيق ، فإنّه يجب حينئذٍ أيضاً الجمع.
وأمّا إن كان عازماً على القضاء بعد ارتفاع العذر فاتّفق العذر عند الضيق فلا يبعد كفاية القضاء (1)، لكن لا يترك الاحتياط بالجمع أيضاً.
ولا فرق فيما ذكر بين كون العذر هو المرض أو غيره.
(1) تعرّض (قدس سره) في هذه المسألة لحكم من لم يستمرّ به العذر ، بل ارتفع أثناء السنة ولم يأت بالقضاء إلى رمضان آخر ، وقسّمه إلى ثلاثة أقسام :
إذ تارةً : يكون عازماً على الترك إمّا عصياناً ، أو لبنائه على التوسعة في أمر القضاء وعدم المضايقة.
واخرى : يكون متسامحاً لا عازماً على الفعل ولا على الترك واتّفق العذر عند الضيق.
وثالثةً : يكون عازماً على القضاء بعد ارتفاع العذر ، فاتّفق العذر عند الضيق.
أمّا في القسمين الأولين : فلا إشكال في وجوب الجمع بين القضاء والكفّارة ، لصحيحة محمّد بن مسلم : «... إن كان برئ ثمّ توانى قبل أن يدركه الرمضان
1) (*) لا يخلو من إشكال ، بل لا يبعد وجوب الفدية أيضاً.
.................................................................................................
الآخر صام الذي أدركه وتصدّق عن كلّ يوم بمدّ من طعام على مسكين وعليه قضاؤه» إلخ (1).
وصحيحة زرارة : «... فإن كان صحّ فيما بينهما ولم يصم حتّى أدركه شهر رمضان آخر صامهما جميعاً ويتصدّق عن الأوّل» (2)، المؤيّدتين برواية أبي بصير (3).
وأمّا في القسم الثالث : فلم يستبعد في المتن الاكتفاء بالقضاء ، فكأنّه استفاد من الأدلّة أنّ الموضوع للفداء والموجب له هو التسامح وعدم المبالاة بالقضاء والتهاون فيه ، كما صرّح بالأخير في رواية أبي بصير : «... فإن تهاون فيه وقد صحّ فعليه الصدقة والصيام جميعاً» إلخ (4)، لا مجرّد الترك. ومن الواضح عدم صدق ذلك مع العزم على القضاء.
وفيه أوّلاً : أنّ رواية أبي بصير ضعيفة السند بالراوي عنه ، وهو قائده علي ابن أبي حمزة البطائني ، فقد ضعّفه الشيخ صريحاً وأنّه كذّاب أكل من مال موسى (عليه السلام) الشيء الكثير ، ووضع أحاديث في عدم موته (عليه السلام) ليتمكّن من التصرّف في أمواله (عليه السلام) (5).
وثانياً : بقصور الدلالة ، فإنّ التهاون بمعنى التأخير في مقابل الاستعجال المجامع مع العزم على الفعل فاتّفق العذر ، فلا يدلّ بوجه على عدم المبالاة فضلاً عن العزم على الترك.
.................................................................................................
على أنّ صحيحة ابن مسلم ظاهرة في الإطلاق ، لقوله (عليه السلام) : «إن كان برئ ثمّ توانى» إلخ ، فإنّ التواني ظاهر في التأخير في قبال المبادرة ، وهذا كما يجتمع مع العزم على الترك أو التردّد يجتمع مع العزم على الفعل أيضاً بالضرورة ، فمفاد الصحيحة أنّه إن كان قد استمرّ به المرض ليس عليه حينئذٍ إلّا الفداء ، وإلّا بأن برئ وأخّر فالقضاء أيضاً بأيّ داعٍ كان التأخير ولو لأجل سعة الوقت مع عزمه على الفعل.
ولو فرضنا إجمال هذه الصحيحة فتكفينا صحيحة زرارة ، فإنّها صريحة في أنّ الموضوع للحكم المزبور أعني : القضاء والفداء معاً مجرّد عدم الصوم ، قال (عليه السلام) : «فإن كان صحّ فيما بينهما ولم يصم حتّى أدركه شهر رمضان آخر صامهما جميعاً وتصدّق عن الأوّل» (1).
ونحوها في صراحة الدلالة على الإطلاق وأنّ المناط في الحكم مجرّد عدم الصوم موثّقة سماعة : عن رجل أدركه رمضان وعليه رمضان آخر قبل ذلك لم يصمه «فقال : يتصدّق بدل كلّ يوم من الرمضان الذي كان عليه بمدّ من طعام ، وليصم هذا الذي أدركه ، فإذا أفطر فليصم رمضان الذي كان عليه» إلخ (2).
دلّت على وجوب الجمع بين القضاء والفداء مطلقاً ، خرج عنها صورة واحدة وهي ما لو استمرّ المرض فإنّه لا يجب حينئذٍ إلّا الفداء فقط بمقتضى النصوص المتقدّمة ، فيبقى الباقي تحت الإطلاق ، وأنّ مجرّد عدم الصوم لدى عدم الاستمرار موجب للقضاء والكفارة ، سواء أكان عازماً على الترك أم متردّداً أم عازماً على الفعل حسبما عرفت.
فتحصّل ممّا ذكر في هذه المسألة وسابقتها (1) : أنّ تأخير القضاء إلى رمضان آخر إمّا يوجب الكفّارة فقط وهي الصورة الأُولى المذكورة في المسألة السابقة ، وإمّا يوجب القضاء فقط وهي بقيّة الصور المذكورة فيها ، وإمّا يوجب الجمع بينهما وهي الصور المذكورة في هذه المسألة.
نعم ، الأحوط الجمع في الصور المذكورة في السابقة أيضاً كما عرفت.
[2536] مسألة 15 : إذا استمرّ المرض إلى ثلاث سنين (2) يعني : الرمضان الثالث وجبت كفّارة للأُولى وكفّارة اخرى للثانية ، ويجب عليه القضاء للثالثة إذا استمرّ إلى آخرها ثمّ برئ.
(1) بل قد تحصّل ممّا ذكرناه فيهما أنّ تأخير القضاء إلى رمضان آخر يوجب الجمع بين القضاء والفداء ، ما عدا صورة واحدة وهي ما لو كان العذر استمرار المرض سواء أكان الفوت لأجل المرض أم السفر على الأظهر حسبما عرفت مستقصًى ، فلاحظ.
(2) المستفاد من ظواهر الأدلّة أنّ تأخير القضاء عن السنة الاولى لا يوجب إلّا كفارة واحدة ، سواء أصام في السنة الثانية أم أخّر القضاء سنين عديدة ، بمقتضى الإطلاق ، فلا تتكرّر الكفّارة بتكرّر السنين وإن نُسب ذلك إلى العلّامة في بعض كتبه وإلى الشيخ في المبسوط (1)، ولكن لا دليل عليه.
نعم ، لو استمرّ به المرض في السنة الثانية أيضاً فحيث إنّه حدث حينئذٍ موجب جديد الكفّارة وجبت عليه كفّارة أُخرى ، ولو استمرّ في الثالثة فكذلك ، وهكذا فيجري على كلّ سنة حكمها.
1) التذكرة 6 : 173 ، المبسوط 1 : 186.
وإذا استمرّ إلى أربع سنين وجبت للثالثة أيضاً ويقضي للرابعة إذا استمرّ إلى آخرها ، أي الرمضان الرابع.
وأمّا إذا أخّر قضاء السنة الاولى إلى سنين عديدة فلا تتكرّر الكفّارة بتكرّرها ، بل تكفيه كفارة واحدة.
[2537] مسألة 16 : يجوز إعطاء كفّارة أيّام عديدة من رمضان واحد أو أزيد لفقير واحد (1) ، فلا يجب إعطاء كلّ فقير مدّاً واحداً ليوم واحد.
وعلى الجملة : مجرّد تكرّر السنة لا يستوجب تكرّر الكفّارة ما لم يتكرّر السبب أعني : استمرار المرض في تمام السنة فإن حدث هذا مكرّراً تكرّرت الكفارة بعدده وإلّا فلا ، وهذا ظاهر.
(1) بمقتضى إطلاق الأدلّة ، فإنّ الواجب الإعطاء عن كلّ يوم مدّاً للفقير الصادق هذا الطبيعي على الواحد والكثير ، فيجوز إعطاء ثلاثين مدّاً عن ثلاثين يوماً لفقير واحد ، إذ لم يشترط في الكفّارة عن اليوم الثاني الإعطاء لفقير آخر ، ولا يقاس هذا أي كفّارة التأخير على كفارة الإفطار متعمّداً في شهر رمضان ، لأنّ الواجب هناك إطعام ستّين مسكيناً لكلّ مدّ غير المنطبق على المسكين الواحد ، فإنّه إطعام لمسكين واحد ستّين مرّة لا إطعام لستّين مسكيناً ، ولا دليل على الاجتزاء بذلك ، فالعدد في المقام وصف للكفّارة تبعاً للأيام ، وهناك وصف للفقير ، ولأجله افترق المقامان فيكفي الواحد هنا ولا يكفى هناك.
[2538] مسألة 17 : لا تجب كفّارة العبد على سيِّده (1) من غير فرق بين كفّارة التأخير وكفّارة الإفطار ، ففي الاولى إن كان له مال وأذن له السيِّد أعطى من ماله وإلّا استغفر بدلاً عنها ، وفي كفّارة الإفطار يجب عليه اختيار صوم شهرين مع عدم المال والإذن من السيِّد ، وإن عجز فصوم ثمانية عشر يوماً (1)، وإن عجز فالاستغفار.
(1) لعدم الدليل بعد عدم كونه من النفقة الواجبة ومقتضى الأصل لعدم.
نعم ، لو كان للعبد مال أعطى من ماله بشرط إذن السيّد ، فإنّ العبد وإن كان يملك على الأصحّ إلّا أنّه محجور عليه وأنّ مولاه مالك له ولماله ، فإنّه عبد مملوك لا يقدر على شيء ، فهو وماله تحت سيطرة المولى وسلطانه ، ولا يكون شيء من تصرّفاته نافذاً بدون إذنه ، ومن ثمّ لا يكون إقراره مسموعاً فيما يرجع إلى الأموال ، حيث إنّه يؤول إلى الدعوى على المولى ، فلو اعترف بقتل خطأ شبه عمد محكوم عليه بالدية أو بإتلافٍ يستتبع الضمان أو بدين لا يسمع شيء من ذلك ويتبع به إلى ما بعد العتق.
وكذا الحال في كفّارة الإفطار ، فإنّه يجب عليه صوم شهرين مع عدم المال ، أو عدم الإذن من السيّد.
هذا فيما إذا لم يكن صومه منافياً لحق المولى.
وأمّا مع التنافي أو العجز عن ذلك ، فقد ذكر في المتن أنّه يصوم بدله ثمانية عشر يوماً ، وإن عجز فالاستغفار.
وقد تقدّم الكلام في كبرى هذه المسألة ، وقلنا : إنّه لا دليل على الانتقال إلى
1) (*) الأحوط اختيار التصدّق وضمّ الاستغفار إليه.
[2539] مسألة 18 : الأحوط عدم تأخير القضاء إلى رمضان آخر مع التمكّن عمداً وإن كان لا دليل على حرمته (1).
صوم ثمانية عشر يوماً لدى العجز عن صوم الشهرين المتتابعين في الكفّارة إلّا فيما إذا كان الصوم المزبور متعيّناً عليه كما في كفّارة الظهار ، لاختصاص الدليل به دون ما إذا كان مخيّراً بينه وبين غيره كما في المقام ، وإلّا فمقتضى الجمع بين الأدلّة الاستغفار والتصدّق بما يطيق ، وتكون الصدقة فيما نحن فيه بإذن المولى بطبيعة الحال. وتمام الكلام قد تقدّم في محلّه (1).
(1) لا إشكال كما لا خلاف في التوسعة بالنسبة إلى السنة الاولى ، فلا تجب المبادرة إلى القضاء بعد انقضاء رمضان بلا فصل قطعاً ، بل يجوز التأخير إلى نهاية السنة. وقد ورد في بعض الأخبار أنّ نساء النبيّ (صلّى اللّه عليه وآله) كنّ يقضين ما فاتهنّ من صيام رمضان في شعبان كي لا يمنعن النبي (صلّى اللّه عليه وآله) عن الاستمتاع (2).
وأمّا بالنسبة إلى مجموع السنة ، فهل يجوز التأخير إلى السنة الأُخرى اختياراً ولو مع التصدّي لدفع الكفّارة ، أو أنّه لا يجوز ذلك؟ فلو كان عليه عشرة أيّام من هذه السنة وقد بقي من شهر شعبان عشرة وجب عليه المبادرة إلى القضاء ، فلو أخّر عامداً عصى وارتكب محرّماً.
المشهور هو الثاني ، ولكن لم يظهر دليله كما نبّه عليه في المتن.
والذي قيل أو يمكن أن يقال في مقام الاستدلال أُمور :
.................................................................................................
أحدها : التعبير بالتواني في صحيحة ابن مسلم ، وبالتهاون في رواية أبي بصير ، فإنّ هذين التعبيرين يشعران بالوجوب وأنّه لم يهتمّ به فتهاون وتسامح فيه.
وفيه ما لا يخفى ، لوضوح أنّ غاية ما يدلّ عليه التعبيران أنّ هناك واجباً موسّعاً لم يسارع إلى امتثاله فتوانى وأخّر وتهاون فليكن بمعنى تسامح ، ولكنّه تسامح عن التعجيل لا عن أصل الامتثال ، واين هذا من الإشعار بوجوب البدار فضلاً عن الدلالة؟! على أنّ كلمة التهاون إنّما وردت في رواية أبي بصير الضعيفة بعلي بن أبي حمزة الذي نصّ الشيخ على تضعيفه في كتاب الغيبة كما تقدّم (1)، فلم يثبت صدورها.
الثاني : أنّه قد عبّر عن التأخير بالتضييع الذي لا يصحّ إطلاقه إلّا على ترك الواجب.
وهذا يتلو سابقه في الضعف ، لصحّة إطلاق التضييع في موارد ترك الراجح الأفضل واختيار المرجوح ، ولا إشكال في أنّ التقديم راجح ولا أقلّ من جهة أنّه مسارعة إلى الخير واستباق إليه ، وهو مستلزم لكون التأخير تضييعاً لتلك الفضيلة ، وقد أُطلق التضييع على تأخير الصلاة عن أوّل الوقت في غير واحد من النصوص.
مضافاً إلى أنّ هذا التعبير لم يرد إلّا في رواية أبي بصير وخبر الفضل بن شاذان ، وكلاهما ضعيف كما تقدّم (2).
.................................................................................................
الثالث : التعبير بكلمة الفدية أي الكفّارة فكأنّها ستر لأمر فيه حزازة فيكشف عن مرجوحيّته في نفسه.
وهذا واضح الدفع :
أمّا أوّلاً : فلأنّها لم ترد إلّا في رواية أبي بصير ، وهي ضعيفة كما عرفت.
وثانياً : أنّها لم تطلق حتّى في هذه الرواية على تأخير القضاء مع التمكّن منه ليتوهّم الحرمة إمّا من جهة التواني والتهاون أو البناء على العدم ، وإنّما أُطلقت بالإضافة إلى من استمرّ به المرض الذي لا يحتمل فيه الحرمة بوجه ، قال (عليه السلام) : «إذا مرض الرجل من رمضان إلى رمضان ثمّ صحّ فإنّما عليه لكلّ يوم أفطره فدية طعام» إلخ.
وعلى الجملة : لم يرد في شيء من الأخبار لفظ الفدية فضلاً عن الكفّارة ليستكشف منه الحرمة ، وإنّما ورد لفظ الفدية في خصوص من استمرّ به المرض الذي لا إشكال في عدم الإثم والحرمة حينئذٍ كما هو ظاهر.
هذا ، مع أنّ في جملة من روايات الإحرام ورد الأمر بالفدية في موارد لا يحتمل الحرمة ، كمن أمرّ بيده على لحيته فسقطت شعرة بغير اختياره ، فإنّه لا يكون حراماً جزماً (1).
وأمّا الأمر بالصدقة فقد ورد في صحيح ابن مسلم وزرارة وعلي بن جعفر ، ولكنّه أعمّ من ترك الواجب فلا يدلّ على الوجوب بوجه ، بل أنّ هذا بنفسه واجب مستقلّ ، فأيّ مانع من الالتزام بالتخيير بين أن يبادر فعلاً إلى الصوم ولا شيء عليه وبين أن يؤخّر بشرط أن يتصدّق؟! فلا يكشف الأمر بالصدقة عن وجوب المبادرة أو حرمة التأخير أبداً.
1) الوسائل 13 : 170 / أبواب بقية الكفارات ب 16 ح 1 ، 2 ، 3.
.................................................................................................
وعلى الجملة : فليس في شيء من هذه الأخبار إشعار فضلاً عن الدلالة على الوجوب ، بل أنّ رواية سعد بن سعد دالّة على عدم الوجوب صريحاً ، قال : سألته عن رجل يكون مريضاً في شهر رمضان ثمّ يصحّ بعد ذلك فيؤخّر القضاء سنةً أو أقلّ من ذلك أو أكثر ، ما عليه في ذلك؟ «قال : أُحبّ له تعجيل الصيام ، فإن كان أخّره فليس عليه شيء» (1).
ولكنّها أيضاً ضعيفة السند بالإرسال ، فلا يمكن الاستدلال بها.
وكيفما كان ، فيكفينا في عدم الوجوب عدم الدليل على الوجوب ، وليست المسألة إجماعيّة بحيث يقطع بقول المعصوم (عليه السلام) وإنّما استدلّ لها بما عرفت.
نعم ، رواية الفضل بن شاذان فيها دلالة على الوجوب ، لقوله (عليه السلام) : «... لأنّه دخل الشهر وهو مريض فلم يجب عليه الصوم في شهره ولا في سنته ، للمرض الذي كان فيه ، ووجب عليه الفداء» إلخ ، دلّت على وجوب الصوم في تلك السنة لدى عدم استمرار المرض وأنّه من أجل ترك الواجب أُبدل بالفداء كما هو ظاهر ، إلّا أنّها من أجل ضعف السند غير صالحة للاستدلال كما تقدّم (2).
فتحصّل : أنّ الأظهر ما ذكره في المتن من عدم الدليل على حرمة التأخير ، فالأقوى أنّ وجوب القضاء موسّع وإن كان الاحتياط ممّا لا ينبغي تركه ، واللّه سبحانه أعلم.
[2540] مسألة 19 : يجب على وليّ الميّت قضاء ما فاته من الصوم (1) ،
(1) على المعروف والمشهور في الجملة وإن وقع فيه الخلاف من بعض الجهات كتعيين الولي وأنّه الولد الأكبر أم غيره ، وأنّ الميّت هل يختصّ بالأب أو يعمّ الامّ ، وأنّ الحكم هل يخصّ ما فاته لعذر أو يعمّ غيره.
واستقصاء الكلام يستدعي البحث في جهات :
الاولى : في أصل الوجوب ، وقد عرفت أنّه المشهور ، ولكن نُسب الخلاف إلى ابن أبي عقيل فأنكره وأوجب التصدّق عنه إمّا من ماله أو من مال الولي ، وادّعى تواتر الأخبار به ناسباً القول بالقضاء إلى الشذوذ (1).
وقد استغرب هذه الدعوى منه غير واحد ، نظراً إلى عدم ورود رواية تدلّ على الصدقة ما عدا روايتين ، فكيف تُنسَب إلى التواتر؟! استدلّ له بإحداهما العلّامة في التذكرة ، وبالأُخرى غيره :
الاولى : ما رواه في الفقيه عن محمّد بن إسماعيل بن بزيع عن أبي جعفر الثاني (عليه السلام) ، قال : قلت له رجل مات وعليه صوم ، يصام عنه أو يتصدّق؟ «قال : يتصدّق عنه ، فإنّه أفضل» (2).
وقد غفل صاحب الوسائل عن هذه الرواية فلم يذكرها في الباب المناسب أعني : باب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان ولا في غيره ، وإنّما تعرّض لها في الحدائق بعد أن وصفها بالصحّة (3).
.................................................................................................
وكيفما كان ، فيمكن الخدش في الاستدلال بها سنداً تارةً ودلالةً اخرى :
أمّا السند : فبمناقشة كبرويّة غير مختصّة بالمقام ، وهي أنّ الشيخ الصدوق (قدس سره) ذكر في مشيخة الفقيه طريقه إلى جملة ممّن روى عنه في كتابه ، منهم : ابن بزيع المزبور ، فقال : وما كان فيه عن محمّد بن إسماعيل بن بزيع فقد رويته عن محمّد بن الحسن (رضي اللّه عنه) ، عن محمّد بن الحسن الصفّار ، عن أحمد بن محمّد بن عيسى ، عن محمّد بن إسماعيل بن بزيع (1). وطريقه إليه صحيح.
إنّما الكلام في أنّ هذه الطرق التي يذكرها إلى هؤلاء الرجال هل تختصّ بمن يروي بنفسه عنه مثل أن يقول : روى محمّد بن إسماعيل بن بزيع ، أو روى عبد اللّه بن سنان أو أنّها تعمّ مطلق الرواية عنهم ولو لم يسند بنفسه تلك الرواية إلى الراوي ، بل أسندها إلى راوٍ مجهول عنه ، مثل أن يقول : روى بعض أصحابنا عن عبد اللّه بن سنان ، أو روي عن ابن سنان ، ونحو ذلك ممّا لم يتضمّن إسناده بنفسه إلى ذلك الراوي؟
والمتيقّن إرادته من تلك الطرق هو الأوّل.
وأمّا شموله للثاني بحيث يعمّ ما لو عثر على رواية في كتاب عن شخص مجهول فعبّر بقوله : روى بعض أصحابنا عن فلان ، أو روي عن فلان فمشكل جدّاً ، بل لا يبعد الجزم بالعدم ، إذ لا يكاد يساعده التعبير في المشيخة بقوله : فقد رويته عن فلان كما لا يخفى. فهو ملحق بالمرسل.
وحيث إنّ روايتنا هذه مذكورة في الفقيه بصيغة المجهول حيث قال (قدس سره) : وروى عن محمّد بن إسماعيل ، فهي غير مشمولة للطريق المذكور في المشيخة عنه ، بل هي مرسلة تسقط عن درجة الاعتبار وإن عبّر عنها صاحب الحدائق بالصحيحة حسبما عرفت.
1) الفقيه (المشيخة) 4 : 45.
.................................................................................................
وأمّا الدلالة فلأنه لم يفرض في الرواية أنّ القاضي عن الميّت وليّه أو ولده كي يكون السؤال عمّا يجب عليه ، بل ظاهره أنّ الميّت رجل أجنبي ، فالسؤال عن أمر استحبابي وهو التبرّع عنه وأنّ أيّاً من التبرّعين والعبادتين المستحبّتين أفضل ، هل الصيام عنه أو الصدقة؟ ولا شك أنّ الثاني أفضل كما نطقت به جملة من النصوص ، فإنّ التصدّق عن الميّت أفضل الخيرات وأحسن المبرّات.
وعلى الجملة : فالصوم المفروض في السؤال وإن كان واجباً على الميّت إلّا أنّه مستحبّ عن المتبرّع ، فإذا دار الأمر بينه وبين الصدقة قُدِّم الثاني ، وأين هذا ممّن كان واجباً عليه كالولي الذي هو محلّ الكلام؟! فغاية ما تدلّ عليه هذه الرواية أنّه إذا دار الأمر في الإحسان إلى الميّت بين تفريغ ذمّته وبين الصدقة عنه وكلّ منهما مستحبّ على المحسن كانت الصدقة أفضل ، فكيف يكون هذا منافياً لما دلّ على القضاء على خصوص الولي؟! الثانية : ما استدلّ به العلّامة في التذكرة من صحيحة أبي مريم الأنصاري التي رواها المشايخ الثلاثة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال : إذا صام الرجل شيئاً من شهر رمضان ثمّ لم يزل مريضاً حتّى مات فليس عليه شيء (قضاء) ، وإن صحّ ثمّ مرض ثمّ مات وكان له مال تصدّق عنه مكان كلّ يوم بمدّ ، وإن لم يكن له مال صام عنه وليّه» (1)، كذا في روايتي الكليني والصدوق ، وفي رواية الشيخ : «وإن لم يكن له مال تصدّق عنه وليّه».
وهي من حيث السند صحيحة كما عرفت ، فإنّ في طريق الكليني وإن وقع معلّى بن محمّد وفيه كلام ، إلّا أنّ الأظهر وثاقته ، لوقوعه في أسناد كامل الزيارات ، على أنّ طريق الصدوق خالٍ عن ذلك وفيه كفاية ، فهي من جهة
1) الوسائل 10 : 331 / أبواب أحكام شهر رمضان ب 23 ح 7 ، الكافي 4 : 123 / 3 ، الفقيه 2 : 98 / 439 ، التهذيب 4 : 248 / 736 ، الاستبصار 2 : 109 / 357.
.................................................................................................
السند تامّة.
وقد دلّت على أنّ الواجب إنّما هو التصدّق بمال الميّت إن كان وإلّا فبمال الولي. وكيفما كان ، فلا يجب القضاء عنه.
وأورد عليه في الجواهر بابتناء الاستدلال على رواية الشيخ ، وأمّا على رواية الكليني والفقيه فكلّا ، لدلالتها حينئذٍ على وجوب الصيام على الولي المطابق لمذهب المشهور ، ولا ريب أنّ الكافي والفقيه أضبط فتتقدّم روايتهما على رواية الشيخ لدى المعارضة ، فتكون الرواية من أدلّة المشهور ، ولا تصلح سنداً لابن أبي عقيل (1).
أقول : في كلامه (قدس سره) مناقشتان :
الاولى : لا شك أنّ الكافي والفقيه أضبط ، إلّا أنّ هذا إنّما يوجب التقديم فيما إذا كانت هناك رواية واحدة مرويّة بزيادة ونقيصة ، أو نفي وإثبات ، أو تبديل لفظ بلفظ ، فيرجّح حينئذٍ ما أثبته الأولان لأضبطيّتهما وكثرة اشتباه التهذيب كما نصّ عليه في الحدائق.
وأمّا إذا كان التهذيب ناقلاً لكلتا الروايتين ، فروى تارةً ما أثبته الكافي أو الفقيه بعين ما أثبتناه ، وروى ثانياً بكيفيّة اخرى بطريق آخر هو أيضاً صحيح كما في المقام ، فهذا ليس من الاختلاف في اللفظ ليرجع إلى قانون الأضبطيّة ، بل هما روايتان مرويّتان بطريقين لا يدري أنّ الصادر عن المعصوم (عليه السلام) أيّ منهما ، وأنّ أبا مريم نقل بأيّ من الكيفيّتين ، فهذا أجنبي عن الترجيح بالأضبطيّة كما لا يخفى.
الثانية : أنّ الرواية لو كانت مشتملة واقعاً على كلمة : «تصدّق» كما ذكره العلّامة ورواه الشيخ أمكن المناقشة حينئذٍ بأنّ هذا لا ينافي القضاء ، فيجب
1) الجواهر 17 : 36.
.................................................................................................
على الولي التصدّق من مال الميّت من جهة التأخير ، وإلّا فمن ماله زيادةً على القضاء ، إذ لا دلالة في الرواية على نفي القضاء بوجه ، بل لعلّ مقتضى المقابلة مع الصدر المشتمل على نفي القضاء بوجه ، بل لعلّ مقتضى المقابلة مع الصدر المشتمل على نفي القضاء لدى استمرار المرض ثبوت القضاء هنا أي في فرض عدم الاستمرار الذي تعرّض له في الذيل فيمكن أن تجب الكفّارة أيضاً من جهة التواني ، لأنّه صحّ ولم يقض اختياراً فيكون موته في البين بمنزلة استمرار المرض.
وكيفما كان ، فبناءً على هذه النسخة ليست في الرواية أيّة دلالة على نفي القضاء.
وأمّا بناءً على نسخة الكافي والفقيه التي رجّحهما في الجواهر فهي حينئذٍ واضحة الدلالة على عدم القضاء ابتداءً ، حيث علّق الصوم على ما إذا لم يكن له مال فوجوبه في مرتبة متأخّرة عن التصدّق. وهذا كما ترى ينطبق على مذهب ابن أبي عقيل القائل بعدم وجوب الصوم ابتداءً ، فالاستدلال له بناءً على هذه النسخة أولى من النسخة الأُخرى.
والذي يسهّل الخطب أنّ هذه النسخة لم تثبت أيضاً ، فإنّ الرواية كما عرفت مرويّة بطريقين كلّ منهما صحيح من غير ترجيح في البين.
على أنّه لو ثبتت النسخة وتمّت الصحيحة وكذا الرواية السابقة وأغمضنا عن كلّ مناقشة سنديّة أو دلاليّة وفرضنا دلالتهما على نفي القضاء كما يقوله ابن أبي عقيل ، فهما معارضتان للروايات الكثيرة المستفيضة جدّاً ، الصحيحة أكثرها سنداً ، والصريحة دلالةً على وجوب القضاء على الولي ، وحملها على صورة عدم التمكّن من الصدقة بعيدٌ غايته كما لا يخفى. وبما أنّ أكثر العامّة ذهبوا إلى الصدقة فلا محالة تُحمل الروايتان على التقيّة.
وعلى الجملة : بعد فرض استقرار المعارضة والانتهاء إلى إعمال قواعد
لعذر من مرض أو سفر أو نحوهما ، لا ما تركه عمداً أو أتى به وكان باطلاً من جهة التقصير في أخذ المسائل (1) ، وإن كان الأحوط قضاء جميع ما عليه (1)وإن كان من جهة الترك عمداً.
نعم ، يشترط في وجوب قضاء ما فات بالمرض أن يكون قد تمكّن في حال حياته من القضاء وأهمل ، وإلّا فلا يجب ، لسقوط القضاء حينئذٍ كما عرفت سابقاً.
الترجيح ، لا ريب أنّ الترجيح مع نصوص القضاء ، لمخالفتها للعامّة ، فما ذكره ابن أبي عقيل لا يمكن المساعدة عليه بوجه.
(1) الجهة الثانية : بعد الفراغ عن أصل الوجوب ، فهل يختصّ الحكم بمن فات عنه الصوم لعذر من مرض أو سفر أو حيض أو نفاس على تقدير شمول الحكم للُامّ ونحو ذلك ، أو يعمّ مطلق الترك ولو عامداً أو لكون صومه باطلاً لجهل ولو عن تقصير؟
المشهور ما ذكره في المتن من الاختصاص ووجهه غير ظاهر ، فإنّ جملة من الروايات وإن وردت في المعذور من مرض أو سفر كموثّقة أبي بصير (2)ومرسلة ابن بكير (3)إلّا أنّ ذلك موردٌ لها لا أنّ الحكم مقيَّد به ، ولا ريب أنّ المورديّة لا تستدعي التخصيص ، على أنّ الثانية مرسلة.
إذن فليس في البين ما يمنع عن التمسّك بإطلاق بعض النصوص ، مثل صحيحة
.................................................................................................
حفص بن البختري عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : في الرجل يموت وعليه صلاة أو صيام «قال : يقضي عنه أولى الناس بميراثه» (1)، فإنّها تدلّ بمقتضى ترك الاستفصال على الإطلاق وشمول الحكم للمعذور وغيره ، ونحوها مكاتبة الصفّار (2).
ودعوى أنّ الإطلاق منصرف إلى الغالب ومنزّل عليه ، حيث إنّ الغالب في الترك أن يكون لعذر.
غير مسموعة ، لمنع الغلبة أوّلاً ، فإنّ الترك متعمّداً ولا أقلّ في أوائل الشباب أيضاً كثيرٌ وإن كان غيره أكثر ، ولو سُلّم فليست بحيث توجب الانصراف وتمنع عن الإطلاق كما لا يخفى.
فلم يبق إلّا مجرّد الاستبعاد وأنّه كيف يجب على الولد قضاء ما تركه أبوه عامداً؟! ولكنّه لا يصلح مدركاً حكم شرعي بعد مساعدة الدليل ، ومن الجائز أن يكون ذلك أداءً لبعض حقوق الوالد أو الوالدين العظيمة.
نعم ، إنّما يجب القضاء فيما إذا كان القضاء واجباً على الميّت نفسه بأن كان متمكّناً ولم يقض وإلّا فلا ، لأنّه متفرّع عليه ومتلقّى منه ، كما دلّت عليه صحيحة محمّد بن مسلم : عن رجل أدركه رمضان وهو مريض فتوفّي قبل أن يبرأ «قال : ليس عليه شيء ، ولكن يُقضى عن الذي يبرأ ثمّ يموت قبل أن يقضي» (3).
وأصرح منها صحيحة أبي بصير : عن امرأة مرضت في شهر رمضان ... إلى أن قال (عليه السلام) : «كيف تقضي عنها شيئاً لم يجعله اللّه عليها؟!» (4).
ولا فرق في الميّت بين الأب والأُمّ (1) على الأقوى ،
(1) الجهة الثالثة : هل يختصّ الحكم بما فات عن الوالد أو يعمّ الوالدين؟
ذهب جماعة منهم الماتن إلى التعميم.
ويستدلّ لهم بروايتين :
إحداهما صحيحة أبي حمزة : عن امرأة مرضت في شهر رمضان أو طمثت أو سافرت فماتت قبل خروج شهر رمضان ، هل يُقضى عنها؟ «قال : أمّا الطمث والمرض فلا ، وأمّا السفر فنعم» (1).
والأُخرى موثّقة محمّد بن مسلم (2)التي هي بمضمونها ، ولكن موردهما مطلق المرأة ، ولا نظر فيهما إلى الولي ، فهما في مقام بيان أصل المشروعيّة لا الوجوب ، نظير ما تضمّنته صحيحة أبي بصير.
وأمّا بقيّة الروايات فكلّها مشتملة على لفظ الرجل ، فلا وجه للتعدّي إلى المرأة ، لعدم الدليل عليه بوجه.
وأمّا الاستدلال له بقاعدة الاشتراك إلّا ما خرج بالدليل مثل ستر البدن في الصلاة ونحوه ، فغريب جدّاً ، ضرورة أنّ مورد القاعدة ما لو كان الرجل مورداً للحكم ومتعلّقاً له ، مثل : أن يسأل عن رجل يتكلّم في صلاته فيقول (عليه السلام) : يعيد ، ونحو ذلك ممّا تتضمّن حكماً لموضوع تكليفاً أو وضعاً إلزاماً أو ترخيصاً ، وكان الرجل متعلّقاً للخطاب ومورداً للحكم ، فإنّه يتعدّى إلى المرأة ما لم يثبت الاختصاص بقانون الاشتراك بين الرجال والنساء وتساويهما في الأحكام التي هي عامّة لجميع المسلمين.
وكذا لا فرق بين ما إذا ترك الميّت ما يمكن التصدّق به عنه وعدمه (1) ، وإن كان الأحوط في الأوّل الصدقة ((1)) عنه برضاء الوارث مع القضاء.
وأمّا لو كان الرجل بنفسه موضوعاً لحكم متعلّق بشخص آخر مثل : ما لو ورد أنّه يجوز الاقتداء بالرجل فإنّه لا وجه حينئذٍ للتعدّي ، وليس ذلك من قاعدة الاشتراك في شيء كما هو ظاهر. ومقامنا من هذا القبيل ، فإن مقتضى ظواهر النصوص أنّ الفوت من الرجل موضوع لوجوب القضاء على الولي ، فلا يمكن التعدّي من هذا الموضوع إلى المرأة التي هي موضوع آخر حسبما عرفت.
(1) يشير بذلك إلى ما ورد في صحيحة أبي مريم الأنصاري المتقدّمة واسمه عبد الغفّار بن القاسم ، وهو ثقة جليل القدر من قوله (عليه السلام) : «وإن لم يكن له مال صام عنه وليّه» (2)على نسخة الكافي والفقيه ، حيث علّق وجوب الصيام حينئذٍ على عدم مال للميّت يتصدّق به عنه.
ولكن عرفت أنّ هذه النسخة غير ثابتة ، لمعارضتها مع نسخة التهذيب المرويّة بطريق آخر أيضاً صحيح ، المشتملة على قوله : «تصدّق» بدل قوله : «صام» من غير ترجيح في البين ، لعدم كون المقام من موارد الترجيح بالأضبطيّة كما تقدّم.
على أنّ تقييد إطلاقات القضاء بهذه الصحيحة مستلزم لحمل هاتيك
.................................................................................................
النصوص المتظافرة على الفرد النادر جدّاً ، بل لعلّه يكاد لم يقع خارجاً ، لبعد فرض ميّتٍ لم يكن له أيّ مال يُتصدّق به عنه ، ولا أقلّ من ثيابه الملاصقة ببدنه ولا سيّما إذا كان الفائت عنه صيام يوم أو أيّام قلائل ، فالتقييد المزبور بعيدٌ غايته.
ومع الغضّ فغايته المعارضة بين الصحيحة وبين نصوص القضاء ، ومقتضى الصناعة تقديم الثاني ، لمخالفتها للعامّة.
ومن ذلك يظهر أنّه لا فرق في وجوب الصيام على الولي بين ما إذا ترك الميّت ما يمكن التصدّق به عنه أم لا كما ذكره في المتن.
نعم ، يبقى شيء ، وهو أنّ هذه الصحيحة وإن كانت معارضة في ذيلها باعتبار اختلاف النسختين المرويّتين بطريقين كما مرّ ، إلّا أنّ صدرها المشتمل على وجوب التصدّق عنه مكان كلّ يوم بمدّ فيما إذا كان له مال سليم عن المعارض ، لتطابق النسختين ، وثبوت ذلك على التقديرين ، فلا وجه لطرح الصحيحة بالنسبة إلى هذه الفقرة ، ومقتضى الصناعة الجمع بينها وبين نصوص القضاء بالالتزام بوجوب الأمرين معاً ، لعدم التنافي بينهما من هذه الجهة بوجه ، فيلتزم بوجوب القضاء عنه وبوجوب التصدّق بماله ، عملاً بكلا الدليلين ، كما كان يجب ذلك على الميّت نفسه حال حياته لفرض عدم استمرار مرضه ، لسلامته عن المعارض كما عرفت.
ولو لا أنّ هذا لم يعرف له قائل لكان القول به وجيهاً ، غير أنّ عدم التزام أحد به يوهن المصير إليه.
نعم ، هذا يوجب الاحتياط في المسألة ولو استحباباً كما ذكره في المتن ، فيتصدّق قبل القضاء مع رضاء الورثة ورعاية حقوق الصغار إن كانوا فيهم.
والمراد بالولي هو الولد الأكبر (1) وإن كان طفلاً أو مجنوناً حين الموت ، بل وإن كان حملاً.
(1) على الأشهر ، بل المشهور شهرة عظيمة ، وتدلّ عليه صحيحة حفص ابن البختري عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : في الرجل يموت وعليه صلاة أو صيام «قال : يقضي عنه أولى الناس بميراثه» قلت : فإن كان أولى الناس به امرأة؟ «فقال : لا ، إلّا الرجال» (1).
بتقريبٍ قد تقدّم في كتاب الصلاة (2)، وملخّصه : أنّها ظاهرة في أنّ القاضي هو الأولى من جميع الناس بالميراث بقولٍ مطلق وعلى نحو القضية الحقيقيّة ، أي من كلّ من يفرض في الوجود ، سواء أكان موجوداً بالفعل أم معدوماً ، وهذا ينحصر مصداقه في الولد الأكبر ، فإنّه الأولى بميراث الميّت من جميع البشر ، حتّى ممّن هو في طبقته في الإرث ، كالأبوين ، فإنّ لكلّ واحد منهما السدس ، وكالبنات ، لأنّ للذكر مثل حظّ الأُنثيين ، وكسائر الأولاد الذكور ، لمكان اختصاص الأكبر بالحبوة ، بناءً على ما هو الصحيح من عدم احتسابها من الإرث ، فهو الأوفر نصيباً من الكلّ ، ولأجله كان هو الأولى بالميراث من جميع الناس بتمام معنى الكلمة.
ومنه تعرف أنّ الصحيحة لو كانت عارية من الذيل المتضمّن لنفي الانطباق على المرأة والاختصاص بالرجل لكانت بنفسها وافية لإثبات ذلك ، لما عرفت من أنّ سهم الذكر ضعف الأُنثى ، فكان هو الأولى بطبيعة الحال ، وإنّ لم يفهم حفص بنفسه ذلك ، ولأجله تصدّى للسؤال عن المرأة ، ولا ضير فيه فإنّ العبرة
.................................................................................................
بروايته لا بدرايته كما لا يخفى.
ويدلّ عليه أيضاً قوله (عليه السلام) في موثّقة أبي بصير : «يقضيه أفضل أهل بيته» (1).
فإنّ الظاهر من إضافة الأفضل إلى أهل البيت أنّ المراد الأفضليّة من هذه الحيثيّة وبهذا العنوان أي بعنوان كونه من أهل البيت لا بلحاظ الضمائم الخارجيّة من العلم والتقى ونحوهما ، الذي قد ينطبق بهذا الاعتبار على الأبعد أو الولد الأصغر ، ومن المعلوم أنّ الأفضل بهذا العنوان خاصّ بالولد الأكبر ولا يعمّ غيره حتّى الأب ، لعدم كونه من أهل بيت الولد ، بل الولد من أهل بيت أبيه.
وتدلّ عليه أيضاً مكاتبة الصفّار ، حيث قال (عليه السلام) : «يقضي عنه أكبر وليّيه عشرة أيّام ولاءً إن شاء اللّه تعالى» (2).
وإن كانت قابلة للمناقشة من حيث تضمّنها الولاء ، ولم يقل باعتبار التوالي أحد ، اللّهمّ إلّا أن يحمل على الاستحباب ، ومن حيث كون السؤال عن الجواز لا الوجوب الذي لا إشكال في ثبوته في حتّى الأجنبي فضلاً عن أصغر الوليّين ، فكيف خصّ الجواز بالأكبر؟! فلا بدّ من ردّ علمها من هذه الجهة إلى أهلها.
وكيفما كان ، فالمكاتبة قابلة للمناقشة ، والعمدة ما عرفت من الصحيحة والموثّقة ولا سيّما الصحيحة حسبما عرفت.
ثمّ إنّ الماتن تعرض لجملة من الفروع المتعلّقة بالمقام في طيّ مسائل نتعرّض إليها وإن كان جلّها بل كلّها قد تقدّمت مستقصًى في كتاب الصلاة.
[2541] مسألة 20 : لو لم يكن للميّت ولد لم يجب القضاء على أحد من الورثة (1) ، وإن كان الأحوط قضاء أكبر الذكور من الأقارب عنه.
[2542] مسألة 21 : لو تعدّد الولي اشتركا (1)(2) ، وإن تحمّل أحدهما كفى عن الآخر ، كما أنّه لو تبرّع أجنبي سقط عن الولي.
(1) لانتفاء الموضوع بعد ظهور الأدلّة في اختصاص الحكم بالولي المنحصر في الولد الأكبر ، ومثله ما لو كانت أولاده منحصرة في البنات حسبما ظهر ممّا مرّ.
(2) تقدّم في مبحث الصلاة أنّ المستفاد من صحيحة حفص أنّ الولي هو طبيعي الأولى بالميراث ، وهو وإن كان منحصراً في الولد الأكبر كما مرّ ، إلّا أنّ هذا الطبيعي قابل للانطباق على الواحد والمتعدّد كمن ولد له ولدان في ساعة واحدة إمّا من زوجتين أو من زوجة واحدة كما في التوأمين ، فإنّ عنوان الولد الأكبر صادق حينئذٍ على كلّ منهما ، فيكون موضوع الحكم هو الطبيعي الجامع بينهما ، ونتيجة كون الوجوب كفائيّاً يشتركان فيه ، بمعنى : أنّه لو قام به أحدهما سقط عن الآخر ، ولو خالفا عوقبا معاً ، كما أنّه لو تبرّع الأجنبي سقط عنهما. وحينئذٍ فلو كان على الميّت صوم يوم واحد أو ثلاثة أيّام ونحوهما ممّا لا يقبل التكسير لعدم تبعّض الصوم ، كان هو واجباً على الجامع لأعلى خصوص كلّ منهما ، فإن قام به أحدهما سقط عن الآخر وإلّا أثما معاً كما عرفت.
1) (*) الظاهر أنّ الوجوب على النحو الكفائي كما تقدّم في الصلاة.
[2543] مسألة 22 : يجوز للولي أن يستأجر من يصوم عن الميّت وأن يأتي به مباشرةً (1) ، وإذا استأجر ولم يأت به المؤجر أو أتى به باطلاً لم يسقط عن الولي.
(1) إمّا للقطع الخارجي بعدم الفرق ، إذ المقصود تفريغ ذمّة الميّت المتحقّق بكلّ منهما من غير خصوصيّة للفاعل ، وإمّا لأجل أنّ القطع وإن سلّمنا عدم حصوله ، ومقتضى الجمود على ظواهر النصوص اعتبار المباشرة ، إلّا أنّه تكفينا في التعدّي إلى التسبيب بالاستئجار أدلّة النيابة وصحّة التبرّع من الأجنبي إذ الكلام هنا بعد الفراغ عن تماميّة تلك الأدلّة حسبما تقدّم في محلّه بضميمة ما دلّ على جواز استئجار الغير واستنابته عن الميّت ، أخذاً بعموم أدلّة الإجارة بعد كون متعلّقها في المقام عملاً مشروعاً سائغاً حسب الفرض ، فإذا كان الاستئجار المزبور صحيحاً وأتى به الأجير خارجاً فقد سقط ما في ذمّة الميّت بطبيعة الحال ، وبتبعه يسقط الوجوب عن الولي ، لأن موضوعه بمقتضى صحيحة حفص : رجل يموت وعليه صلاة أو صيام ، وهذا ليس عليه صيام بعدئذٍ ، فيخرج عن موضوع تلك الصحيحة.
نعم ، يختصّ ذلك بما إذا أتى به المؤجر خارجاً ، وأمّا إذا لم يأت به أو أتى به باطلاً بحيث لم يتحقّق التفريغ لم يسقط عن الولي ، إذ لم يكن ذلك من قبيل الوجوب التخييري بين مجرّد الاستئجار وبين المباشرة ليسقط الثاني باختيار الأوّل ، بل الواجب معيّناً إنّما هو التفريغ وإبراء ذمّة الميّت ، والتسبيب بالاستئجار طريق إليه ، فإذا لم يتعقّب بفعل الأجير خارجاً فعلاً صحيحاً مستتبعاً للتفريغ كان وجوده كالعدم ولم يسقط التكليف عن الولي ، فلا بدّ له من التصدّي للتفريغ أمّا مباشرةً أو باستئجار شخص آخر كما هو ظاهر.
[2544] مسألة 23 : إذا شك الولي في اشتغال ذمّة الميّت وعدمه لم يجب عليه شيء (1) ، ولو علم به إجمالاً وتردّد بين الأقلّ والأكثر جاز له الاقتصار على الأقلّ.
[2545] مسألة 24 : إذا أوصى الميّت باستئجار ما عليه من الصوم أو الصلاة سقط عن الولي بشرط أداء الأجير صحيحاً ، وإلّا وجب عليه (2).
(1) لأصالة البراءة عن وجوب القضاء بعد الشك في تحقّق موضوعه الذي هو الفوت كما استظهرناه سابقاً إلحاقاً له بالصلاة أو الإفطار أو دخول شيء في الجوف لدى المضمضة ، ونحو ذلك من العناوين الوجوديّة التي عُلِّق عليها عنوان القضاء في لسان الأدلّة ، وليس موضوعه عنواناً عدميّاً ليمكن إحرازه بالاستصحاب.
وبالجملة : الأمر بالصوم أداءً قد سقط بخروج الوقت يقيناً وتعلّق أمر جديد بالقضاء على تقدير الفوت ، وحيث إنّ التقدير مشكوك فالأمر به مدفوع بأصالة البراءة.
ومنه يظهر الحال فيما لو علم بالقضاء إجمالاً وتردّد بين الأقلّ والأكثر ، إذ الشكّ بالإضافة إلى الأكثر شكّ في أصل الفوت ، وقد عرفت أنّ المرجع فيه أصالة البراءة ، فلا جرم جاز له الاقتصار على الأقلّ كما ذكره في المتن.
(2) إذ الإيصاء بنفسه لم يكن مسقطاً كالاستئجار حسبما عرفت في المسألة الثانية والعشرين ، وإن حكي القول به عن بعض ، لكنّه واضح الضعف ، بل العبرة بتفريغ الذمّة المنوط بأداء الأجير صحيحاً ، فبدونه يبقى تكليف الولي على حاله ، لبقاء موضوعه أعني اشتغال ذمّة الميّت إذ ليس هو من قبيل الحقوق القابلة للإسقاط ليسقط بالإيصاء ونحوه ، بل حكم شرعي لا مناص
[2546] مسألة 25 : إنّما يجب على الولي قضاء ما علم اشتغال ذمّة الميّت به ، أو شهدت به البيّنة ، أو أقرّ به عند موته (1)(1).
وأمّا لو علم أنّه كان عليه القضاء وشكّ في إتيانه حال حياته أو بقاء شغل ذمّته (2) فالظاهر عدم الوجوب عليه (2)باستصحاب بقائه.
من امتثاله كما هو ظاهر.
(1) لا إشكال في الوجوب مع العلم بالاشتغال أو قيام البيّنة ، وأمّا مع الإقرار به عند الموت ففي الثبوت به تأمّل ، بل منع ، إذ لا أثر له بالإضافة إلى المقرّ نفسه ، وإنّما يظهر الأثر في تعلّق التكليف بغيره وهو الولي ، ومن المعلوم أنّ الإقرار لا يكون نافذاً بالإضافة إلى الغير.
ولا يقاس ذلك بالإقرار على الدين ، فإنّه وإن استلزم حرمان الورثة عن التركة فيكون ذا أثر بالإضافة إلى الغير أيضاً ، إلّا أنّ ذلك من شؤون النفوذ على النفس ، لكونه ذا أثر بالنسبة إليه أيضاً ، كيف؟! وبعد الإقرار يطالَب بالدين ، فلو بقي حيّاً لطالبه المقرّ له ، وإذا ثبت الدين بموجب الإقرار فلا حقّ بعدئذٍ للورثة ، لأنّ الإرث بعد الدين بمقتضى قوله تعالى ( مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أَوْ دَيْنٍ ) (3)، ولا كذلك الإقرار بالقضاء ، لعدم مطالبته حينئذٍ بشيء بعد أن لم يكن مورداً للدعوى مع أحد.
(2) قد يعلم باشتغال ذمّة الميّت بالقضاء لدى موته ، وأُخرى يشكّ فيه.
نعم ، لو شكّ هو في حال حياته وأجرى الاستصحاب أو قاعدة الشغل ولم يأت به حتّى مات فالظاهر وجوبه على الولي.
لا كلام على الأوّل سواء أكان العلم وجدانيّاً أم تعبّديّاً من قيام البيّنة أو الإقرار على ما اختاره في المتن حسبما مرّ.
وعلى الثاني : فقد يكون الشكّ في الحدوث ، وقد عرفت أنّ المرجع فيه أصالة البراءة.
وأُخرى : في البقاء ، بأن يعلم بأصل الاشتغال وأنّه كان عليه القضاء ولكن يشكّ في تفريغ الذمّة والإتيان به حال حياته وعدمه. وهذا على نحوين :
إذ تارةً : يكون الشكّ من الميّت نفسه حال حياته فيشكّ هو في أنّه هل أتى على ما كان عليه أو لا؟ ولا ينبغي التأمّل في جريان الاستصحاب حينئذٍ الذي يعامل معه معاملة اليقين في ظرف الشكّ فيحرز به الاشتغال بالقضاء ويندرج تحت قوله (عليه السلام) في صحيحة حفص : رجل مات وعليه صلاة أو صيام ، فيكون الثبوت عنده ولو ببركة الاستصحاب موضوعاً للقضاء على الولي ، وهذا الموضوع محرز ، لعلمنا بأنّه شكّ واستصحب حسب الفرض ، وهذا واضح لا سترة عليه ، بل هو المتيقّن من جريان الاستصحاب في المقام كما لا يخفى.
وأُخرى : لم يعلم حال الميّت وأنّه كان شاكّاً أو متيقّناً بالوجود أو بالعدم ، وإنّما يكون الشكّ من الولي ، فهل له أن يتمسّك حينئذٍ بالاستصحاب ليحرز به أنّه مات وعليه القضاء ليجب عليه التصدّي للقضاء ، أو أنّ الاستصحاب ساقط في المقام والمرجع أصالة البراءة النافية للقضاء كما اختاره في المتن؟
قد يقال بابتناء ذلك على ما ورد من أنّ دعوى الدين على الميّت تحتاج إلى ضمّ اليمين ولا تثبت بمجرّد البيّنة ، فإنّ هذا ممّا لا إشكال فيه كما دلّت عليه
.................................................................................................
صحيحة الصفّار.
وإنّما الإشكال في أنّ ضمّ اليمين لأيّ جهة؟ فهل هو من أجل التخصيص في دليل حجّيّة البيّنة فلا تكون حجّة في إثبات الدعوى على الميّت ما لم تقترن باليمين ، حيث إن الدعاوي مختلفة ، فبعضها تثبت بشاهد واحد ويمين ، وأُخرى لا بدّ فيها من شهادة رجلين عادلين ، وثالثة يكتفى بشهادة رجل وامرأتين ، بل وشهادة النساء فقط كما في مثل دعوى القذف ، ورابعة تعتبر فيها شهود أربعة كما في الزنا وما يلحق به من اللواط والسحق. فموارد الدعاوي مختلفة ، فمن الجائز أن تختصّ الدعوى على الميّت بعدم ثبوتها بمجرّد البيّنة ، بل لا بدّ من ضمّ اليمين بحيث يكون اليمين جزء من المثبت ويكون الدليل ملفّقاً منهما؟
أم أنّه لا تخصيص في دليل حجّيّة البيّنة ، بل هي بمجرّدها كافية في إثبات الدين على الميّت من غير حاجة إلى ضمّ اليمين من هذه الجهة أي من جهة إثبات أصل الدين وإنّما هو لأجل إبقاء الدين بعد ثبوته ، إذ لعلّ الميّت وفى ، أو أنّ الدائن أبرأ وعفا ، وليس الميّت حاضراً ليدافع عن نفسه ، كما أنّ الاستصحاب ساقط في خصوص المقام ، فلا بدّ إذن من اليمين ، فهو يمين استظهاري لدفع هذه الاحتمالات بعد أن لم يكن الاستصحاب جارياً هنا كما عرفت ، فالتخصيص إنّما هو في دليل الاستصحاب لا في دليل حجّيّة البيّنة؟
فإن قلنا بالثاني كما قال به جماعة الراجع إلى أنّ ما يثبت بالبيّنة شيء ، وما يثبت باليمين شيء آخر ، فلا فرق إذن بين البيّنة وبين غيرها من العلم الوجداني أو إقرار الورثة بالدين أو غير ذلك ، في أنّ الكلّ يحتاج إلى ضمّ اليمين ، لسريان الشكّ في البقاء بعد تطرّق احتمال الوفاء أو الإبراء في الجميع ، والمفروض سقوط الاستصحاب وإلغائه في هذا الباب. كما لا فرق بين دعوى الدين على الميّت أو شيء آخر من صلاة أو صيام ، إذ لا خصوصيّة للدعوى ، بل المناط إثبات اشتغال ذمّة الميّت بشيء وهو لا يمكن أن يدافع عن نفسه ،
.................................................................................................
فيكون الاستصحاب ساقطاً هنا أيضاً ، لعين المناط.
وأمّا بناءً على الأوّل وأنّ البيّنة وحدها لا تفي بإثبات الدين بل بضميمة اليمين ، فالاستصحاب لم يزل باقياً على حجّيّته والبقاء مستند إليه دون اليمين ، وإنّما هو جزء من المثبت ، ولذا لو أقرّ الوارث أو علم بالدين من الخارج لم تكن حاجة إلى اليمين ، لكونه متمّماً لدليليّة البيّنة دون غيرها من الأدلّة. فعليه ، كان الاستصحاب جارياً في المقام.
فهذا هو محلّ الكلام.
والذي يستدلّ به على الثاني أي أنّ اليمين يمين استظهاري هو رواية عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه الواردة فيمن يدّعي حقّا على الميّت ، والمتضمّنة للزوم إقامة البيّنة والحلف ، حيث صرح فيها بأنّ الاستحلاف إنّما هو من أجل أنّا لا ندري لعلّه قد أوفاه (1).
فهي صريحة في عدم حجّيّة الاستصحاب في هذا الباب ، وأنّ اليمين إنّما هو لأجل دفع احتمال سقوط ذمّة الميّت عن الحقّ الثابت عليه.
ولكن الرواية ضعيفة السند ، لأنّ في سندها ياسين الضرير وهو مجهول.
إذن لا دليل على سقوط الاستصحاب في مسألة الدين.
نعم ، لا يثبت الدين بالبيّنة وحدها ، لصحيحة الصفّار وغيرها كما مرّ ، بل لا بدّ من اليمين لكنّه لإثبات أصل الدين ، وأمّا بقاؤه فمستند إلى الاستصحاب ، ولذلك لو أقرّ الوارث لا حاجة إلى ضمّ اليمين ، فلم يكن هناك ما يوجب تخصيص دليل الاستصحاب وسقوطه عن الحجّيّة في هذا الباب حتّى لو سلّمنا إلحاق المقام بمسألة الدين ، فلو علمنا باشتغال ذمّة الميّت بالصوم وشككنا في
1) الوسائل 27 : 236 / أبواب كيفيّة الحكم وأحكام الدعوى ب 4 ح 1.
[2547] مسألة 26 : في اختصاص ما وجب على الولي بقضاء شهر رمضان أو عمومه لكلّ صوم واجب قولان (1) ، مقتضى إطلاق بعض الأخبار الثاني وهو الأحوط.
بقائه لم يكن مانع من التعلّق بالاستصحاب.
على أنّا لو سلّمنا سقوطه عن الحجّيّة في مسألة الدين وبنينا على أنّ اليمين استظهاري استناداً إلى تلك الرواية ولو لأجل انجبارها بعمل المشهور ، لم يكن أيّ وجه للتعدّي عن موردها وهو الدين إلى المقام بعد أن لم يكن هناك دعوى من أحد على الميّت ، ولعلّ للدعوى خصوصيّة في اليمين الاستظهاري وعدم جواز التعلّق بالاستصحاب.
وعلى الجملة : فلا نرى أيّ مانع من التمسّك بالاستصحاب في المقام لإثبات وجوب القضاء على الولي ، فإنّه قد مات الميّت وجداناً وعليه صيام بمقتضى الاستصحاب ، فبضمّ الوجدان إلى الأصل يتمّ الموضوع ، فيترتّب عليه حكمه من وجوب القضاء على الولد الأكبر.
فتحصّل : أنّه لا فرق في جريان الاستصحاب بين أن يكون الشاكّ هو الميّت حال حياته أو كان هو الولي ، ومعه لا تصل النوبة إلى البراءة حسبما عرفت.
(1) هل يختصّ الوجوب بقضاء شهر رمضان كما هو مورد غير واحد من الأخبار ، أو يعمّ كلّ صوم واجب من كفّارة ونذر ونحوهما؟
ذهب جماعة كثيرون إلى الثاني ، بل نُسب ذلك إلى المشهور ظاهراً.
ولكن عن جماعة منهم الشيخ (1)التخصيص ، ولم يعلم له وجه صحيح
1) لاحظ المبسوط 1 : 286.
.................................................................................................
بعد الإطلاق في صحيحة حفص وغيرها ، فإنّ قوله : وعليه صلاة أو صيام ، يعمّ مطلق ما اشتغلت به الذمّة بأيّ سبب كان.
نعم ، تقدّم في كتاب الصلاة (1)عند التعرّض لهذه الصحيحة : أنّ المستفاد منها انسباقاً أو انصرافاً ما كان واجباً على نفس الميّت ابتداءً لا ما اشتغلت به ذمّته بسبب آخر ، كما لو كان عليه صلاة من أبيه فلم يأت بها حتّى مات فإنّه لا يجب على الولي أن يقضي ما فات عن جدّه ، فلا تعمّ الصحيحة ما كان واجباً على شخص آخر فانتقل إلى الميّت بسبب من الأسباب ، لانصرافها عن مثل ذلك قطعاً.
ومثله ما لو كان واجباً عليه بإجارة ونحوها ، فإنّه أيضاً غير مشمول للصحيحة ، فهي خاصّة بما فات عن الميّت من حيث وجوبه عليه بنفسه ، من غير فرق بين ما كان من شهر رمضان أو من غيره بمقتضى الإطلاق كما عرفت.
هذا ، وقد يستشهد للإطلاق أي عدم الاختصاص بقضاء شهر رمضان برواية الحسن بن علي الوشّاء عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) ، قال : سمعته يقول : «إذا مات رجل وعليه صيام شهرين متتابعين من علّة فعليه أن يتصدّق عن الشهر الأوّل ويقضي الشهر الثاني» (2).
ولا يخفى أنّ مرجع الضمير في قوله : «فعليه» غير مذكور في الرواية ، فهو غير معلوم وإن استظهر صاحب الوسائل عوده إلى الولي ، ولأجله ذكرها في باب قضاء الولي.
على أنّها مخدوشة في نفسها سنداً ودلالةً :
[2548] مسألة 27 : لا يجوز للصائم قضاء شهر رمضان إذا كان عن نفسه الإفطار بعد الزوال ، بل تجب عليه الكفّارة به (1) ، وهي كما مرّ إطعام عشرة مساكين لكلّ مسكين مدّ ، ومع العجز عنه صيام ثلاثة أيّام.
أمّا السند : فلاشتماله على سهل بن زياد ، ولم تثبت وثاقته ، لتعارض المدح والقدح فيه.
وأمّا المتن : فلعلّه واللّه العالم لا عامل به أبداً ، فإنّه إذا وجب على الميّت شهران متتابعان لأجل الكفّارة فإمّا أن يجب على الولي تمام الشهرين ، أو لا يجب شيء منهما ، ولا معنى للتفكيك بالتصدّق عن أحدهما وقضاء الشهر الآخر ، فإنّ هذا ممّا لم يقل به أحد ، لعدم حصول التتابع بذلك اللازم على الميّت والذي لا بدّ للقاضي ولو تبرّعاً مراعاته ، سواء أكان هو الولي أم غيره.
ويحتمل بعيداً أن تُحمَل الرواية على الشهرين المتتابعين من قضاء رمضان ، بمعنى : أنّه فاته صوم شهر رمضان لعذر من مرض ونحوه ، ثمّ استمرّ العذر إلى الرمضان الثاني فحصل التتابع من أجل فوات رمضانين من سنتين ، ولا بدّ حينئذٍ من فرض برئه من مرضه بعد رمضان الثاني فلم يصم حتّى مات ، فإنّه يتمّ الجواب حينئذٍ من لزوم التصدّق عن الأوّل ، إذ لا قضاء له بعد فرض استمرار المرض حتّى لو كان الميّت حيّاً ، وإنّما يجب القضاء عن خصوص الثاني بعد ملاحظة الفرض المزبور.
فإن تمّ هذا التوجيه صحّ جوابه (عليه السلام) ، وإلّا فالرواية لا عامل بها كما عرفت. وعلى أيّ حال ، فلا يمكن الاستدلال بها بوجه.
(1) أمّا الكفّارة فقد مرّ الكلام فيها قريباً واستوفينا البحث عنها.
وأمّا الحكم التكليفي أعني : عدم جواز الإفطار بعد الزوال فقد دلّت
.................................................................................................
عليه بعد التسالم ظاهراً جملة من النصوص :
منها : صحية جميل بن درّاج عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : أنّه قال في الذي يقضي شهر رمضان : «إنّه بالخيار إلى زوال الشمس ، فإن كان تطوّعاً فإنّه إلى الليل بالخيار» (1).
دلّت بمقتضى مفهوم الغاية ومقتضى المقابلة بل ومفهوم الشرط على عدم الجواز فيما بعد الزوال.
ومنها : موثّقة إسحاق بن عمّار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال : الذي يقضي شهر رمضان هو بالخيار في الإفطار ما بينه وبين أن تزول الشمس ، وفي التطوّع ما بينه وبين أن تغيب الشمس» (2).
دلّت على المطلوب بمقتضى التحديد بالغاية والمقابلة ، وهي موثّقة كما وصفناها ، فإنّ طريق الشيخ إلى ابن فضّال وإن كان ضعيفاً في نفسه إلّا أنّا صحّحناه بوجه آخر كما مرّ ، وزكريا المؤمن موجود في أسناد كامل الزيارات وإن لم يوثّق صريحاً في كتب الرجال ، فهي تامّة سنداً ودلالةً.
بل يمكن الاستدلال أيضاً بموثّقة عمّار : عن الرجل يكون عليه أيّام من شهر رمضان إلى أن قال : سُئل : فإن نوى الصوم ثمّ أفطر بعد ما زالت الشمس؟ «قال : قد أساء وليس عليه شيء إلّا قضاء ذلك اليوم الذي أراد أن يقضيه» (3).
فإنّها إمّا ظاهرة في الحرمة أو لا أقلّ من ظهورها في مطلق المرجوحيّة القابل للانطباق على الحرمة.
وأمّا إذا كان عن غيره بإجارة أو تبرّع فالأقوى جوازه وإن كان الأحوط الترك ، كما أنّ الأقوى الجواز في سائر أقسام الصوم الواجب الموسّع وإن كان الأحوط الترك فيها أيضاً.
وأمّا الإفطار قبل الزوال فلا مانع منه حتّى في قضاء شهر رمضان عن نفسه ، إلّا مع التعيّن بالنذر أو الإجارة أو نحوهما ، أو التضيّق بمجيء رمضان آخر إن قلنا بعدم جواز التأخير إليه كما هو المشهور (1).
وعلى أيّ حال ، فهي غير منافية للنصوص المتقدّمة وفيها غنى وكفاية.
وتؤيّدها النصوص الدالّة على وجوب الكفّارة حينئذٍ كما تقدّم سابقاً ، فإنّها وإن كانت أعمّ من الحرمة كما في جملة من كفّارات الإحرام الثابتة حتّى مع كون الفعل محلّلاً إلّا أنّها لا تخلو عن الإشعار والتأييد كما لا يخفى.
ومن جميع هذه النصوص يظهر جواز الإفطار قبل الزوال.
(1) هل يختصّ الحكم المزبور أعني : عدم جواز الإفطار بعد الزوال في قضاء شهر رمضان بما إذا كان القضاء عن نفسه ، أو يعمّ ما إذا كان عن غيره أيضاً إمّا بتبرّع أو باستئجار ونحوه؟ وهل يختصّ بقضاء شهر رمضان ، أو يعمّ مطلق الواجب الموسّع من كفّارة أو نذر ونحوهما؟
أمّا التبرّع فلا سبيل لاحتمال شمول الحكم له ، ضرورة أنّ وصف التبرّع يستدعي كون المتبرّع بالخيار حدوثاً وبقاءً ، فإنّ انقلاب الندب إلى الفرض بقاء وإن كان ممكناً كما في الحجّ والاعتكاف إلّا أنّه لا ريب في كونه على خلاف الأصل وموقوفاً على قيام الدليل المعلوم فقده في المقام ، فالنصوص المتقدّمة غير شاملة لذلك قطعاً ، فله الإفطار طول النهار حيثما شاء.
.................................................................................................
وأمّا في القضاء الواجب عن الغير كما في الأجير أو الولي فالظاهر عدم شمول الحكم له أيضاً ، لانصراف النصوص المتقدّمة عن مثل ذلك ، فإنّ المنسبق منها ما كان القضاء عن نفسه لا عن الغير كما لا يخفى ، فلا إطلاق لها يشمل ذلك ، كما أنّها قاصرة الشمول لسائر أقسام الصوم الواجب الموسّع من نذر أو كفّارة ونحوهما ، لاختصاص موردها بقضاء شهر رمضان ، فمقتضى أصالة البراءة هو الجواز في كلا الموردين.
نعم ، قد يقال بالشمول استناداً إلى رواية سماعة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في قوله : «الصائم بالخيار إلى زوال الشمس ، قال : إنّ ذلك في الفريضة ، فأمّا النافلة فله أن يفطر أيّ وقت شاء إلى غروب الشمس» (1).
ورواية عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال : صوم النافلة لك أن تفطر ما بينك وبين الليل متى ما شئت ، وصوم قضاء الفريضة لك أن تفطر إلى زوال الشمس ، فإذا زالت الشمس فليس لك أن تفطر» (2).
فإنّ الفريضة في الأُولى مطلق تعمّ كلّ صوم واجب ، سواء أكان قضاء شهر رمضان أم غيره ، وسواء أكان القضاء عن نفسه أم عن غيره ، كما أنّ قضاء الفريضة في الثانية يعمّ ما كان عن نفسه أو عن غيره وإن لم يشمل سائر أقسام الصوم.
ولكنّهما غير صالحتين للاستدلال ، لضعف السند ، أمّا الأُولى فبمحمّد ابن سنان ، وأمّا الثانية فبعبد اللّه بن الحسين الراوي عن عبد اللّه بن سنان والذي يروي عنه النوفلي أو البرقي ، فإنّ المسمّى بهذا الاسم الواقع في هذه الطبقة مجهول.
.................................................................................................
فتحصّل : أنّ الأظهر اختصاص الحكم بقضاء شهر رمضان عن نفسه كما خصّه به في المتن ، دون ما كان عن غيره ، ودون سائر أقسام الصوم ، فيجوز فيها الإفطار بعد الزوال كقبلة ، إلّا أن يكون هناك مانع آخر ، كما في صوم النذر المعيّن ، أو الأجير في يوم معيّن ، أو التضييق بمجيء رمضان آخر بناءً على القول بالمضايقة لا مجرّد ترتّب الكفّارة ونحو ذلك ممّا لا يسوغ له التأخير ، فإنّه لا يجوز له الإفطار حينئذٍ حتّى قبل الزوال فضلاً عمّا بعده ، للزوم تفويت الواجب اختياراً من غير مسوّغ كما هو ظاهر ، ولكن هذا أمر عارضي اتّفاقي ، وإلّا فوجوب الصوم من حيث هو لا يستدعي المنع عن الإفطار لا قبل الزوال ولا بعده فيما عدا ما عرفت حسبما ذكر ، واللّه سبحانه أعلم.
وهو أقسام :
منها : ما يجب فيه الصوم مع غيره ، وهي كفّارة قتل العمد (1) ،
(1) بلا خلاف فيه ولا إشكال بل إجماعاً كما نصّ عليه جماعة.
وإنّما الكلام في أنّ هذا الحكم هل هو عامّ يشمل جميع موارد القتل العمدي ، أو يختصّ بما ثبتت فيه الدية ولا يجتمع مع القصاص؟
ظاهر إطلاق كلمات الأصحاب ومعاقد الإجماعات هو الأوّل ، بل قد يظهر من المحقّق إرساله إرسال المسلّمات (1).
ولكن المستفاد من النصوص هو الثاني ، فإنّها لا تدلّ على الكفّارة إلّا لدى العفو عن القصاص والانتقال إلى الدية ، ويلحق به ما إذا لم يمكن تنفيذ القصاص لفقد بسط اليد في الحاكم الشرعي ، أو ما إذا لم يكن مشروعاً كما في قتل الوالد ولده أو الحرّ عبداً ، فإن الوالد أو الحرّ لا يقتل بالولد أو العبد ، ففي هذه الموارد التي تستقرّ فيها الدية تثبت الكفّارة.
وأمّا فيما استقرّ عليه القصاص لعدم عفو أولياء المقتول فلا دلالة في شيء
1) شرائع الإسلام 1 : 235.
وكفّارة من أفطر على محرّم في شهر رمضان (1) ، فإنّه تجب فيها الخصال الثلاث (1).
ومنها : ما يجب فيه الصوم بعد العجز عن غيره ، وهي كفّارة الظهار (2) ،
من النصوص على وجوب الكفّارة حينئذٍ بأنّ يكفّر أوّلاً ثمّ يقتل ، بل قد يظهر من بعض النصوص خلافه وأنّ توبة القاتل تتحقّق بمجرّد الاقتصاص منه ، فتوبته قتله من غير حاجة إلى ضمّ شيء آخر ، فلا ذنب له بعدئذٍ ليكفّر ، فليس مورد التكفير إلّا من تعلّقت به الدية حسبما عرفت.
هذا ، ولم أرَ من تعرّض لهذه الجهة في هذه المسألة ، فإن كان هناك إجماع على الإطلاق وإلّا فإثباته بحسب الصناعة في غاية الإشكال.
(1) على إشكال تقدّم سابقاً لأجل المناقشة في مستند الحكم ، وهي رواية الهروي (2)، حيث إنّها ضعيفة السند بعلي بن محمّد بن قتيبة الذي هو من مشايخ الكشّي ، وعبد الواحد بن محمّد بن عبدوس الذي هو شيخ الصدوق ، فإنّه لم تثبت وثاقتهما ، ومجرّد كونهما من المشيخة لا يقتضيها كما مرّ مراراً ، فإن كان إجماع وإلّا فالحكم محلّ تأمّل ، بل منع ، وإن كان الأحوط ذلك. وتمام الكلام قد تقدّم في محلّه ، فلاحظ إن شئت (3).
(2) فإنّ الواجب فيها أوّلاً العتق ، ومع العجز عنه صوم شهرين ، ومع العجز إطعام الستّين كما هو صريح الآية المباركة ( وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ )
وكفّارة قتل الخطأ (1) ، فإنّ وجوب الصوم فيهما بعد العجز عن العتق ، وكفّارة
إلى قوله تعالى ( فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ ) إلخ (1)، وبمضمونها جملة وافرة من النصوص.
نعم ، في جملة أُخرى منها عطف هذه الخصال بلفظه «أو» الظاهرة في التخيير دون الترتيب ، فلو كنّا نحن وهذه لعملنا بها ، إلّا أنّ صراحة الآية المباركة وهاتيك النصوص مانعة عن الأخذ بهذا الظهور ، فلا مناص من رفع اليد عنه وحمل كلمة «أو» على إرادة التقسيم لا التخيير ، كما في قولك : الكلمة اسم أو فعل أو حرف. والمراد أنّ هذه الأُمور ثابتة في كفّارة الظهار ، فلا ينافي كون ثبوتها على سبيل الترتيب.
(1) فيجب فيها العتق أوّلاً ، ثمّ الصوم مع العجز عنه ، ثمّ الإطعام ، كما هو صريح الآية الشريفة ، قال تعالى في سورة النساء الآية 92 ( وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ) إلى قوله ( فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ ) .
نعم ، لا تعرّض في الآية المباركة للإطعام ، إلّا أنّ النصوص المتظافرة ناطقة ووافية وبها الكفاية.
هذا ، والمنسوب إلى المفيد وسلّار التخيير بين الخصال (2).
ولم يُعرف لهما أيّ مستند حتّى رواية ضعيفة ، على أنّ الآية والنصوص المشار إليها حجّة عليهما.
الإفطار في قضاء رمضان (1) ، فإنّ الصوم فيها بعد العجز عن الإطعام كما عرفت ، وكفّارة اليمين وهي عتق رقبة (2) أو إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم وبعد العجز عنها فصيام ثلاثة أيّام ،
(1) فإنّ الواجب فيها أوّلاً إطعام عشرة مساكين ، ومع العجز عنه صيام ثلاثة أيّام كما تقدّم في المسألة الاولى من موجبات الكفّارة.
(2) هذا الحكم هو المقطوع به بين الأصحاب ، وهو صريح الآية الكريمة والنصوص المتظافرة ، بل في بعضها التصريح بعدم إجزاء الصيام لدى التمكّن من الإطعام.
نعم ، في موثّق زرارة تقديم الصيام على الإطعام عكس ما ذكر ، قال : سألته عن شيء من كفّارة اليمين «فقال : يصوم ثلاثة أيّام» قلت : إنّ ضعف عن الصوم وعجز؟ «قال : يتصدّق على عشرة مساكين» إلخ (1).
لكنّها وإن تمّ سندها لا تنهض للمقاومة مع صريح الآية وتلكم النصوص المستفيضة الناطقة بأنّ الواجب أوّلاً هو إطعام العشرة أو العتق أو الكسوة وبعد العجز فصيام الثلاثة ، فلا بدّ من طرحها أو ردّ علمها إلى أهلها أو تأويلها بوجهٍ ما ، مثل ما صنعه في الوسائل من حمل الإطعام هنا على ما دون المدّ ، كأن يعطى كلّ واحد من العشرة لقمة واحدة مثلاً فلا ينافي ما تضمّنته تلك النصوص وكذا الآية من تقديم الإطعام على الصيام الذي يراد به مدّ لكلّ مسكين ، وإن كان هذا الحمل بعيداً جدّاً كما لا يخفى.
1) الوسائل 22 : 376 / أبواب الكفارات ب 12 ح 6.
وكفّارة صيد النعامة ، وكفّارة صيد البقر الوحشي ، وكفّارة صيد الغزال (1) ، فإنّ الأوّل تجب فيه بدنة (1)ومع العجز عنها صيام ثمانية عشر يوماً ، والثاني يجب فيه ذبح بقرة ومع العجز عنها صوم تسعة أيّام ، والثالث يجب فيه شاة ومع العجز عنها صوم ثلاثة أيّام.
(1) ما ذكره (قدس سره) من الكفّارة في هذه الموارد الثلاثة ممّا لا خلاف فيه ولا إشكال ، فتجب في صيد النعامة بدنة ، وفي البقر الوحشي بقرة ، وفي الغزال شاة على ما يقتضيه ظاهر الآية المباركة ، قال تعالى ( وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ ) (2)، فإنّ المماثلة تقتضي ما ذكر كما لا يخفى ، والنصوص به متكاثرة متظافرة ، فلاحظ.
كما أنّ ما ذكره (قدس سره) من الانتقال لدى العجز عمّا ذكر إلى الصيام ثمانية عشر يوماً في الأوّل وتسعة أيّام في الثاني وثلاثة أيّام في الثالث ممّا لا إشكال فيه أيضاً ، كما أُشير إليه في الآية الشريفة ونطقت به النصوص المستفيضة.
وإنّما الكلام في جهتين :
الاولى : ظاهر إطلاق عبارة المتن عدم الواسطة بين الأنعام وبين الصيام ، فينتقل لدى العجز عن البدنة أو البقرة أو الشاة إلى الصيام على التفصيل المتقدّم.
وليس كذلك قطعاً ، بل الواسطة ثابتة نصّاً وفتوى ، فينتقل لدى العجز عن
.................................................................................................
البدنة إلى إطعام ستّين مسكيناً ، ومع العجز عنه إلى صيام ثمانية عشر يوماً ، كما أنّ الوظيفة بعد العجز عن البقرة إطعام ثلاثين مسكيناً ، ومع العجز صيام تسعة أيّام ، واللّازم بعد العجز عن الشاة إطعام عشرة مساكين ، فإن لم يقدر فصيام ثلاثة أيّام على ما صرّح بذلك في جملة وافرة من النصوص التي منها صحيحة علي بن جعفر (1)، وقد استقرّت عليه فتوى الأصحاب كما عرفت.
فلا بدّ من تقييد إطلاق العبارة بذلك ، ولعلّ غرضه (قدس سره) مجرّد التعرّض للانتقال إلى الصيام بعد العجز عن غيره كما هو عنوان هذا القسم من غير تعرّض لخصوصيّات المطلب ، فتدبر.
الثانية : مقتضى إطلاق كلامه (قدس سره) الناشئ من كونه في مقام البيان حصر موارد الانتقال إلى الصوم من كفّارة الصيد في الموارد الثلاثة المذكورة في المتن أعني : صيد النعامة أو البقرة أو الغزال وليس كذلك ، بل الحكم ثابت في صيد الأرنب أيضاً بلا إشكال ، للنصوص الكثيرة الدالّة على أنّ حكمه حكم صيد الظبي أي أنّ فيه شاة وإلّا فإطعام عشرة مساكين ، وإلّا فصيام ثلاثة أيّام ، بل والثعلب أيضاً كما أفتى به جماعة وإن كان النصّ الوارد فيه ضعيفاً ، إمّا للأولويّة من الأرنب ، وإمّا لإطلاق الآية المباركة ( فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ ) فإنّ المماثل حجماً للثعلب فيما يكفّر به عنه من النعم إنّما هو الشاة ، كما أنّ المماثل للبقر الوحشي هو البقر وللنعامة هو البدنة كما تقدّم.
وفي صحيحة معاوية بن عمّار قال : قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : «من أصاب شيئاً فداؤه بدنة من الإبل ، فإن لم يجد ما يشتري به بدنة فأراد أن يتصدّق فعليه أن يطعم ستّين مسكيناً كلّ مسكين مدّاً ، فإن لم يقدر على ذلك صام مكان ذلك ثمانية عشر يوماً مكان كلّ عشرة مساكين ثلاثة أيّام ، ومن
1) الوسائل 13 : 10 / أبواب كفّارات الصيد ب 2 ح 6.
وكفّارة الإفاضة من عرفات قبل الغروب عامداً (1) وهي بدنة وبعد العجز عنها صيام ثمانية عشر يوماً ،
كان عليه شيء من الصيد فداؤه بقرة ، فإن لم يجد فليطعم ثلاثين مسكيناً ، فإن لم يجد فليصم تسعة أيّام ، ومن كان عليه شاة فلم يجد فليطعم عشرة مساكين ، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيّام» (1).
وهي كما ترى صريحة في إعطاء ضابط كلّي ، وهو أنّ كلّ صيد كان فداؤه بدنة ينتقل لدى العجز عنه وعن الإطعام إلى الصيام ثمانية عشر يوماً ، وكذا الحال فيما كان فداؤه بقرة أو شاة.
وعليه ، فلو قلنا في موردٍ بثبوت البدنة كما في كفّارة صيد فرخ النعامة على ما أفتى به جماعة ثبت فيه الصيام لدى العجز بمقتضى هذه الصحيحة. وعليه ، فكان الأحرى على الماتن أن يجعل صيد النعامة مثالاً لما ثبتت فيه البدنة وكذا البقر والغزال ، لا أن يعبّر بنحوٍ يكون ظاهراً في الانحصار.
(1) فإنّ الواجب هو الوقوف في عرفات من الزوال على المشهور أو بعد ساعة منه على الأقوى إلى الغروب ، فلا تجوز الإفاضة قبل ذلك ، فلو أفاض أتمّ وإن لم يفسد حجّة ، لكون الركن منه هو مسمّى الوقوف وقد حصل ووجبت عليه الكفّارة وهي بدنة ، وإن لم يقدر فصيام ثمانية عشر يوماً ، وهذا ممّا لا خلاف فيه ولا إشكال كما نطقت به صحيحة ضريس الكناسي (2).
وكفّارة خدش المرأة (1)وجهها في المصاب حتّى أدمته (1) ونتفها رأسها فيه ، وكفّارة شقّ الرجل ثوبه على زوجته أو ولده ، فإنّهما ككفّارة اليمين.
(1) على المشهور في الموارد الأربعة المذكورة في المتن من الخدش والنتف والشقّ على الزوجة أو الولد ، غير أنّ الخدش في كلمات الأصحاب مطلق غير مقيّد بالإدماء المذكور في النصّ كما ستعرف ولعلّهم أهملوه تعويلاً على ما بينهما من الملازمة ، فإنّ الخدش يستلزم الإدماء غالباً كما نبّه عليه في الجواهر (2).
وكيفما كان ، فقد نُسب الخلاف إلى ابن إدريس فأنكر وجوب الكفّارة في المقام (3)، وأنكر هذه النسبة في الجواهر قائلاً : إنّ ابن إدريس أفتى بالوجوب استناداً إلى الإجماع المدّعى في المقام (4). وذكر (قدس سره) أنّه لا خلاف في المسألة إلّا من صاحب المدارك ، حيث ذهب إلى الاستحباب صريحاً (5).
وكيفما كان ، فمستند الحكم رواية خالد بن سدير أخي حنّان بن سدير : عن رجل شقّ ثوبه على أبيه إلى أن قال : «وإذا شقّ زوج على امرأته أو والد على ولده فكفّارته حنث يمين ، ولا صلاة لهما حتّى يكفّرا أو يتوبا من ذلك ، فإذا خدشت المرأة وجهها أو جزّت شعرها أو نتفته ففي جزّ الشعر عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستّين مسكيناً ، وفي الخدش إذا ادميت وفي النتف كفّارة حنث يمين» إلخ (6).
.................................................................................................
ودلالتها على الحكم ظاهرة ، ولكن السند ضعيف ، لجهالة خالد بن سدير ، فإنّ هذا الرجل عنونه النجاشي بهذا العنوان من غير أن يذكره بمدح أو قدح مقتصراً على قوله : له كتاب (1)، لبنائه (قدس سره) على ترجمة كلّ من له كتاب.
وعنونه الشيخ هكذا : خالد بن عبد اللّه بن سدير ، وذكر أنّ له كتاباً (2)، ولم يتعرّض أيضاً لحاله بوجه. وقد ذكر ابن بابويه عن شيخه ابن الوليد : أنّ الكتاب المنسوب إليه موضوع ، وضعه محمّد بن موسى الهمداني (3).
هذا ، وقد زعم ابن داود اتّحاد الرجلين وأنّهما شخص واحد ، أسند تارةً إلى جدّه ، وأُخرى إلى أبيه (4)، ولأجله حكى إسناد الوضع المزبور في كلا الموردين.
ولكنّه كما ترى بعيدٌ غايته ، بل لعلّة مقطوع العدم ، فإن دعوى الاتّحاد وإن لم تكن بعيدة في نظائر المقام ممّا يمكن أن يسند فيه الشخص إلى أبيه تارةً وإلى جدّه اخرى على ما تعرّضنا له كثيراً في المعجم ، لكنّها غير محتملة في خصوص المقام ، لتوصيف خالد بن سدير الواقع في السند بأنّه أخو حنّان بن سدير ، إذ على تقدير الاتّحاد كان هو ابن أخي حنّان ، وهذا عمّه ، لا أنّه أخوه ، بعد وضوح أنّ حنّاناً هو ابن سدير من غير واسطة. وعليه ، فخالد بن عبد اللّه ابن سدير شخص آخر وهو ابن أخي خالد بن سدير ، لا أنّه هو بنفسه أسند إلى أبيه مرّة وأُخرى إلى جدّه.
وكيفما كان ، فالرجل مجهول ، سواء أكان شخصاً واحداً أم شخصين ، بل هو
ومنها : ما يجب فيه الصوم مخيّراً بينه وبين غيره (1) ، وهي كفّارة الإفطار في شهر رمضان ، وكفّارة الاعتكاف ،
من الجهالة بمكان ، إذ لم يذكر له في مجموع الروايات ما عدا هذه الرواية الواحدة المبحوث عنها في المقام ، ولأجله كانت الرواية ضعيفة ، غاية الأمر أنّ المشهور قد عملوا بها فتبتني المسألة على أنّ ضعف الخبر هل ينجبر بالعمل أو لا؟ وحيث إنّ الأظهر هو العدم كما هو المعلوم من مسلكنا كان الأوجه ما اختاره صاحب المدارك من إنكار الوجوب ، ولا يهمّنا توصيف صاحب الجواهر هذا المسلك بكونه ناشئاً من فساد الطريقة بعد ان ساعده الدليل القاطع حسبما أوضحناه في الأُصول (1)، فإنّ هذا لو كان من فساد الطريقة والحال هذه فنحن نلتزم به ولا نتحاشى عنه.
وأمّا الذهاب إلى الاستحباب المصرّح به في كلام صاحب المدارك بعد إنكار الوجوب فهو مبني على القول بالتسامح في أدلّة السنن ، وحيث إنّا لا نقول به فالأظهر عدم ثبوت الاستحباب الشرعي أيضاً وإن كان الاحتياط خروجاً عن مخالفة المشهور ، بل عن دعوى الإجماع المنقول ممّا لا ينبغي تركه.
وممّا ذكرنا يظهر الحال في كفّارة جزّ المرأة شعرها في المصاب ، التي ذكرها الماتن في القسم الآتي أعني : ما يجب فيه الصوم مخيّراً بينه وبين غيره فإنّ مستندها هي هذه الرواية المتضمّنة للتخيير بين الخصال الثلاث وقد عرفت حالها.
(1) ذكر (قدس سره) لهذا القسم أيضاً المحكوم بالتخيير في كفّارته بين الخصال الثلاث موارد :
1) مصباح الأُصول 2 : 201 202.
.................................................................................................
منها : كفّارة جزّ المرأة شعرها في المصاب التي أشرنا إليها آنفاً.
ومنها : كفّارة الإفطار في شهر رمضان ، وقد تقدّم الكلام حولها مستقصًى (1)، وعرفت أنّ في بعض النصوص الأمر بالكفّارة مرتّبة لا مخيّرة ، المحمول على الاستحباب جمعاً.
ومنها : كفّارة الاعتكاف ، أي الإفطار بالجماع في صوم الاعتكاف ، ومنه تعرف أنّ في العبارة مسامحة ظاهرة ، والأمر سهل بعد وضوح المراد. وفيها قولان ، فالمشهور على أنّها مخيّرة ، وقيل : أنّها مرتّبة ، ومنشأ الخلاف اختلاف الأخبار الواردة في المقام :
ففي موثّقتين لسماعة ولا يبعد كونهما رواية واحدة مرويّة بطريقين أنّها مخيّرة ككفّارة شهر رمضان :
إحداهما : ما رواه الصدوق عنه ، قال : سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن معتكف واقع أهله «فقال : هو بمنزلة من أفطر يوماً من شهر رمضان» (2).
والأُخرى : ما رواه الشيخ بإسناده عنه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : سألته عن معتكف واقع أهله «قال : عليه ما على الذي أفطر يوماً من شهر رمضان متعمّداً : عتق رقبة ، أو صيام شهرين متتابعين ، أو إطعام ستّين مسكيناً» (3).
وبإزاء ذلك صحيحتان دلّتا على أنّها مرتّبة كما في كفّارة الظهار :
.................................................................................................
إحداهما : صحيحة زرارة ، قال : سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن المعتكف يجامع أهله «قال : إذا فعل فعليه ما على المظاهر» (1).
والأُخرى : صحيحة أبي ولّاد الحنّاط : عن امرأة كان زوجها غائباً فقدم وهي معتكفة بإذن زوجها ، فخرجت حين بلغها قدومه من المسجد إلى بيتها فتهيّأت لزوجها حتّى واقعها «فقال : إن كانت خرجت من المسجد قبل أن تقضي ثلاثة أيّام ولم تكن اشترطت في اعتكافها فإن عليها ما على المظاهر» (2).
ثمّ إنّ موثّقة سماعة معتبرة بطريقيها :
أمّا طريق الشيخ : فلأنه وإن رواها بإسناده عن علي بن الحسن بن فضّال وهو ضعيف بابن الزبير ألّا أنّنا صحّحنا أخيراً طريق الشيخ إليه بوجهٍ مرّت الإشارة إليه في بعض الأبحاث السابقة ، وملخّصه : أنّ الكتاب الذي وصل إلى الشيخ بوساطة شيخه أحمد بن عبدون عن ابن الزبير عن ابن فضّال هو الذي وصل إلى النجاشي بعين هذا الطريق ، فالكتاب واحد لا محالة وقد وصل إليهما بوساطة شيخهما أحمد ابن عبدون ، وبما أنّ للنجاشي طريقاً آخر إلى هذا الكتاب بعينه وهو صحيح فيحكم بصحّة ما عند الشيخ أيضاً.
وأمّا طريق الصدوق : فصحيح أيضاً وإن عبّر الأردبيلي عن طريقه إلى عبد اللّه بن المغيرة بالحسن من أجل إبراهيم بن هاشم (3)، فإنّ هذا غفلة منه (قدس سره) ، لأنّ له إليه طرقاً ثلاثة : بعضها ما ذكره ، وفي البعض الآخر إبراهيم بن هاشم وأيّوب بن نوح معاً ، وأيّوب هذا ثقة بلا إشكال. نعم ، لو كان الطريق منحصراً في الأوّل ، أو لم يكن أيّوب منضمّاً إلى إبراهيم لتمّ ما ذكره.
.................................................................................................
وكيفما كان ، فرواية سماعة موثّقة بلا إشكال ، وقد عارضتها صحيحتا زرارة وأبي ولّاد كما عرفت.
وقد جمع المشهور بينهما بحمل الصحيحتين على الاستحباب.
ويمكن الخدش فيه بأنّ الموثّقة غير صريحة في التخيير ، لجواز أن يكون المراد من قوله : «بمنزلة من أفطر يوماً من شهر رمضان» وكذا قوله : «عليه ما على الذي» إلخ : أنّهما متماثلان في ذات الكفّارة والفرد المستعمل في مقام التكفير ، وأمّا كيفيّة التكفير من كونه على سبيل الترتيب أو التخيير فغير صريحة فيها ، غايته أنّها ظاهرة بمقتضى الإطلاق في الثاني ، فيمكن رفع اليد عنه بصراحة الصحيحتين في أنّها كفّارة الظهار التي لا شك أنّها على سبيل الترتيب ، فتكون الصحيحتان مقيِّدتين لإطلاق الموثّقة ، وتكون نتيجة الجمع بعد ارتكاب التقييد أنّ الكفّارة هي كفّارة الظهار.
ولكنّه يندفع بأنّ ارتكاب التقييد مبني على تقديم ظهور المقيّد على المطلق الذي هو من فروع تقديم ظهور القرينة على ذيها. حيث إنّ المقيّد بمثابة القرينة للمراد من المطلق عرفاً بحيث لو جمعا في كلام واحد لم يبق العرف متحيّراً ولا يرى بينهما تهافتاً ، كما لو قلنا في جملة واحدة : أعتق رقبة ، وأعتق رقبة مؤمنة ، فما هو قرينة حال الاتصال قرينة حال الانفصال ، غاية الأمر أنّ الأوّل مصادم للظهور ، والثاني مصادم للحجّيّة بعد انعقاد أصل الظهور ، فلأجل هذه النكتة يتقدّم ظهور المقيّد على المطلق حسبما فصّلنا القول حوله في الأُصول (1).
وهذا الضابط كما ترى غير منطبق على المقام ، إذ لو جمعنا بين الروايتين في الكلام وقلنا : إنّ عليه ما على الذي أفطر يوماً من شهر رمضان وعليه ما
1) محاضرات في أُصول الفقه 5 : 374 377.
.................................................................................................
على المظاهر ، لكان الكلام متدافعاً وبقي العرف متحيّراً ، لتناقض الصدر مع الذيل من غير تعيين أحدهما في القرينيّة ، إذ كما يمكن أن يكون الثاني قرينة للأول بأن يراد به المماثلة في ذات الكفّارة دون الكيفيّة كما مرّ يمكن العكس بأن يكون الأوّل قرينة للمراد من الثاني وأنّه الاستحباب كما ذكره المشهور لا الوجوب.
فالإنصاف أنّ الطائفتين متعارضتان ولا يمكن الجمع العرفي بينهما بوجه ، ومع ذلك فالأقوى ما ذكره المشهور من أنّها كفّارة الإفطار في شهر رمضان دون الظهار.
إمّا لترجيح موثّقة سماعة على الصحيحتين ، نظراً إلى مخالفتها للعامّة ولو في الجملة ، حيث إنّهم اختلفوا في هذه المسألة.
فعن جماعة منهم : إنكار الكفّارة رأساً فلا تترتّب على جماع المعتكف عدا الحرمة الثابتة بنصّ الآية ، ولا ملازمة بين التحريم والتكفير كما هو ظاهر.
وعن آخرين : ثبوتها ، وهم بين من يقول بأنّها كفّارة يمين ، ومن يقول بأنّها كفّارة ظهار. وأمّا أنّها كفّارة شهر رمضان فلم يذهب إليه أحد منهم ، ولأجله كانت الموثّقة أبعد منهم ، فكانت أقرب إلى الصواب.
وإمّا لأنّه بعد التعارض والتساقط يرجع إلى الأصل العملي ، ومقتضاه البراءة عن التعيين ، فإنّ المقام من مصاديق الدوران بين التعيين والتخيير ، وقد اختُلف في هذه الكبرى على قولين حسبما بيّناه في الأُصول (1).
فمنهم من ذهب إلى التعيين ، نظراً إلى قاعدة الاشتغال ، إذ لا يحرز الخروج عن عهدة التكليف المعلوم بالإجمال إلّا بالإتيان بما يحتمل تعيينه.
1) مصباح الأُصول 2 : 449 459.
وكفّارة النذر (1)(1) ،
ومنهم من ذهب إلى التخيير وهو الصحيح إذ لم يعلم تعلّق التكليف إلّا بالجامع ، وأمّا خصوصيّة الفرد المحتمل تعينه كالعتق في المقام فتعلّق التكليف به مشكوك من أصله ، وهي كلفة زائدة مجهولة ، فيدفع بأصالة البراءة إمّا عقلاً وشرعاً كما هو الصحيح ، أو شرعاً فقط بناءً على ما سلكه صاحب الكفاية من إنكار جريان البراءة العقليّة في باب الأجزاء والشرائط (2).
فتحصّل : أنّ الأظهر ما عليه المشهور من أنّها كفّارة شهر رمضان ، فهي مخيّرة لا مرتّبة كما في الظهار وإن كان الأفضل ذلك كما تقدّم في كفّارة شهر رمضان ، للنصّ المحمول عليه ، فلاحظ (3).
(1) تقدّم الكلام حول هذه الكفّارة سابقاً عند البحث عن موجبات الكفّارة (4).
وملخّصه : أنّ الأقوال في المسألة ثلاثة :
فقيل ولعلّه المشهور - : إنّها كفّارة الإفطار في شهر رمضان.
وذهب جمع منهم المحقّق (5)إلى أنّها كفّارة اليمين.
وقيل بالتفصيل بين ما لو تعلّق النذر بالصوم وحنث فكفّارة شهر رمضان وإلّا فكفّارة اليمين ، استحسنه صاحب الوسائل بعد أن نقله عن جمع من
.................................................................................................
الأصحاب ، جمعاً بين الأخبار (1).
ومنشأ الخلاف اختلاف الأخبار ، ففي جملة منها أنّها كفّارة اليمين ، كصحيحة الحلبي : «إن قلت : لله عليّ ، فكفّارة يمين» (2)، ونحوها غيرها.
وفي صحيح جميل بن درّاج عن عبد الملك بن عمرو : أنّها كفّارة رمضان ، قال : سألته عمّن جعل لله عليه أن لا يركب محرّماً سمّاه فركبه ، قال : لا ولا أعلمه إلّا قال : «فليعتق رقبة ، أو ليصم شهرين متتابعين ، أو ليطعم ستّين مسكيناً» (3).
وأمّا صحيحة ابن مهزيار : رجل نذر أن يصوم يوماً فوقع ذلك اليوم على أهله ، ما عليه من الكفّارة؟ فكتب إليه : «يصوم يوماً بدل يوم ، وتحرير رقبة مؤمنة» (4).
فظاهرها وهو تعيّن العتق مقطوع العدم ، إذ لم يقل به أحد من الأصحاب ، فلا بدّ من تأويله بكونه عِدلاً للواجب التخييري ، وحينئذٍ فكما يمكن أن يكون عدلاً للتخيير في كفّارة رمضان يمكن أن يكون عدلاً له في كفّارة اليمين ، لتساويهما من هذه الجهة ، فلا شهادة لهذه الصحيحة بشيء من القولين.
والأقوى أنّها كفّارة اليمين ، لسلامة نصوصها المستفيضة عمّا يصلح للمعارضة ، فإنّ المعارض إنّما هو صحيح جميل كما عرفت ، وهي غير نقيّة السند. نعم ،
والعهد (1) ، وكفّارة جزّ المرأة شعرها (1)في المصاب ، فإنّ كلّ هذه مخيّرة بين الخصال الثلاث على الأقوى ،
هي صحيحة إلى جميل ، وأمّا من بعده أعني : عبد الملك ابن عمرو فلم يرد فيه أيّ توثيق ، عدا ما رواه هو بنفسه عن الصادق (عليه السلام) أنّه دعا له ولدابّته (2)، وهذا كما ترى غير صالح للتوثيق ، فإنّه (عليه السلام) يدعو لجميع المؤمنين والمؤمنات ، على أنّه لا يمكن إثبات التوثيق بما يرويه هو بنفسه كما هو ظاهر.
وممّا ذكرنا يظهر ضعف التفصيل بين الصوم وغيره الذي جُعِل وجهاً للجمع بين الأخبار كما مرّ ، فإنّ رواية جميل وإن تضمّنت كفّارة رمضان لكن موردها ليس هو الصوم وإن حملوها عليه ، مضافاً إلى ضعفها كما عرفت.
نعم ، مورد صحيحة ابن مهزيار ذلك ، وكأنّهم فهموا من العتق المذكور فيها أنّ المراد به ما هو عدل في كفّارة شهر رمضان ، ولأجله رأوا أنّ مقتضى الجمع بين الأخبار هو التفصيل المزبور ، لكنّك عرفت إجمال الصحيحة من هذه الجهة ، إذ كما أنّ العتق عدل لما ذكر كذلك هو عدل في كفّارة اليمين ، فلم يظهر لهذا التفصيل أيّ مستند يعوّل عليه.
(1) لروايات ثلاث :
إحداها : ما رواه الشيخ بإسناده عن علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) ، قال : سألته عن رجل عاهد اللّه في غير معصية ، ما عليه
.................................................................................................
إن لم يف بعهده؟ «قال : يعتق رقبة ، أو يتصدّق بصدقة ، أو يصوم شهرين متتابعين» (1).
أمّا من حيث السند : فالظاهر أنّها معتبرة ، فإنّ المراد بمحمّد بن أحمد المذكور في أوّل السند هو محمّد بن أحمد بن يحيى كما صرّح به في الاستبصار وتبعه في الوسائل ، وإن لم يقيّده به في التهذيب.
وأمّا العمركي فهو من الثقات الأجلّاء.
نعم ، محمّد بن أحمد العلوي ، أو الكوكبي ، أو الهاشمي ، لم يوثّق في كتب الرجال صريحاً ، ولكن النجاشي عند ترجمة العمركي والثناء عليه قال : روى عنه شيوخ أصحابنا ، منهم : عبد اللّه بن جعفر الحميري (2). وظاهر هذا التعبير أنّهم من الأكابر والأجلّاء الممدوحين نظراء عبد اللّه بن جعفر. ثمّ إنّه (قدس سره) ذكر طريقه إلى كتاب العمركي ، وقد اشتمل الطريق على العلوي المزبور ، فيظهر منه بعد ضمّ الكبرى إلى الصغرى أنّه من شيوخ الأصحاب.
وعليه ، فتكون روايته معتبرة ، ولا أقلّ من أنّها حسنة.
ويؤيّده أنّ ابن الوليد لم يستثنه ممّن يروي عنه محمّد بن أحمد بن يحيى ، فكان فيه نوع إشعار بل شهادة على التوثيق ، وإن كان هذا محلّ تأمّل ، بل منع ذكرناه في محلّه.
هذا ، مع أنّ الرجل مذكور في إسناد تفسير علي بن إبراهيم ، وقد بنينا على وثاقة من وقع في هذا الإسناد كالواقع في إسناد كامل الزيارات إلّا ما خرج بالدليل ، فلا ينبغي التأمّل في اعتبار الرواية.
.................................................................................................
وأمّا من حيث الدلالة : فهي أيضاً ظاهرة ، فإنّ الصدقة وإن كانت مطلقة إلّا أنّ المراد بها بقرينة ذكر العدلين أعني : العتق وصيام الشهرين هي الصدقة المعروفة ، أي إطعام الستّين كما فهمه الأصحاب ، ويؤيّده التصريح به في الرواية الآتية.
الثانية : رواية أبي بصير عن أحدهما (عليهما السلام) «قال : من جعل عليه عهد اللّه وميثاقه في أمرٍ لله طاعة فحنث فعليه عتق رقبة ، أو صيام شهرين متتابعين ، أو إطعام ستّين مسكيناً» (1).
ولكنّها ضعيفة السند بحفص بن عمر الذي هو بيّاع السابري على ما صرّح به في التهذيب ، فإنّه لم يوثّق وإن كان والده وهو عمر بن محمّد بن يزيد ثقة جليلاً كما نصّ عليه النجاشي (2).
نعم ، المذكور في الاستبصار : حفص عن عمر بيّاع السابري ، بدل : حفص ابن عمر ، وهو أيضاً مجهول.
وكيفما كان ، فلا تصلح الرواية إلّا للتأييد.
الثالثة : ما رواه صاحب الوسائل في آخر كتاب النذر عن أحمد بن حمد بن عيسى في نوادره عن أبي جعفر الثاني (عليه السلام) : في رجل عاهد اللّه عند الحجر أن لا يقرب محرّماً أبداً ، فلمّا رجع عاد إلى المحرّم ، فقال أبو جعفر (عليه السلام) : «يعتق ، أو يصوم ، أو يتصدّق على ستّين مسكيناً ، وما ترك من الذنب أعظم ، ويستغفر اللّه ويتوب إليه» (3).
وكفّارة حلق الرأس في الإحرام (1) ، وهي دم شاة أو صيام ثلاثة أيّام أو التصدّق على ستّة مساكين لكلّ واحد مدّان.
وقد صرّح فيها بالتصدّق على ستّين مسكيناً ، فتكون شارحة للمراد من الصدقة في رواية علي بن جعفر المتقدّمة من غير حاجة إلى ضمّ القرينة الخارجيّة التي تقدّمت الإشارة إليها.
نعم ، الصوم المذكور هنا مجمل ، ولكن يفسّره التصريح بالستّين في تلك الرواية ، فكلّ من فقرتي الروايتين قرينة للمراد من تلك الفقرة من الرواية الأُخرى.
والرواية هذه صحيحة السند ، فإنّ أحمد بن محمّد بن عيسى ثقة عظيم المنزلة جليل القدر ، له كتب عديدة منها كتاب النوادر ، وطريق صاحب الوسائل إليه صحيح فإنّه ينتهي إلى الشيخ ، وطريق الشيخ إليه طريق صحيح. وهو (قدس سره) من أصحاب الرضا والجواد والهادي (عليهم السلام) وإن لم نعثر على روايته عن الأول ، كما أنّ روايته عن الثاني قليلة جدّاً ، بل لم يرو عنه (عليه السلام) في نوادره ما عدا هذه الرواية ، كما أنّه لم يرو عنه (عليه السلام) في غيره إلّا رواية واحدة أيضاً ذكرها في التهذيب وفي الاستبصار (1)، فمجموع ما رواه عن الجواد (عليه السلام) ليس إلّا هاتين الروايتين.
وكيفما كان ، فالرواية معتبرة مؤكّدة لصحيحة ابن جعفر المتقدّمة.
(1) كما يشهد للتخيير المذكور في المتن قوله تعالى : ( وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ
1) التهذيب 5 : 267 / 908 ، الاستبصار 2 : 298 / 1062.
ومنها : ما يجب فيه الصوم مرتّباً على غيره مخيّراً بينه وبين غيره ، وهي كفّارة الواطئ أمته المحرمة بإذنه (1)(1) ، فإنّها بدنة أو بقرة ومع العجز فشاة أو صيام ثلاثة أيّام.
أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ) (2)المفسّر في جملة من النصوص بما أثبته في المتن ، التي عمدتها صحيحة زرارة (3)، المؤيّدة برواية حريز (4)، حيث إنّها وإن كانت صحيحة بطريق الشيخ ولكنّها مرسلة في طريق الكليني (قدس سره) وحيث لا يحتمل تعدّد الرواية سيّما بعد وحدة الراوي عن حريز وهو حمّاد فلا جرم يتعارض الطريقان ، ومن ثمّ لا تصلح إلّا للتأييد.
(1) كما دلّت عليه موثّقة إسحاق بن عمّار المتضمّنة للتفصيل بين ما لو أحرمت بإذنه أو بدون الإذن وأنّه لا شيء عليه على الثاني ، وعلى الأوّل يفصّل بين الموسر والمعسر ، أي القادر والعاجز حسبما ذكره في المتن قال : قلت لأبي الحسن موسى (عليه السلام) : أخبرني عن رجل محلّ وقع على أمة له مُحرِمة إلى أن قال (عليه السلام) : إن كان موسراً وكان عالماً أنّه لا ينبغي له وكان هو الذي أمرها بالإحرام فعليه بدنة ، وإن شاء بقرة ، وإن شاء شاة ، وإن لم يكن أمرها بالإحرام فلا شيء عليه ، موسراً كان أو معسراً ، وإن كان أمرها وهو معسر فعليه دم شاة أو صيام» (5).
1) (*) بل كفّارته إن كان موسراً بدنة أو بقرة أو شاة ، وإن كان معسراً فشاة أو صيام.
2) البقرة 2 : 196.
3) الوسائل 13 : 167 / أبواب بقيّة كفّارات الإحرام ب 14 ح 3.
4) الوسائل 13 : 165 / أبواب بقيّة كفّارات الإحرام ب 14 ح 1 ، التهذيب 5 : 333 / 1147 ، الإستبصار 2 : 195 / 656 ، الكافي 4 : 358 / 2.
5) الوسائل 13 : 120 / أبواب كفارات الاستمتاع ب 8 ح 2.
[2549] مسألة 1 : يجب التتابع في صوم شهرين (1) من كفّارة الجمع أو كفّارة التخيير ، ويكفي في حصول التتابع فيهما صوم الشهر الأوّل ويوم من الشهر الثاني ،
وقد تضمّنت الموثّقة التخيير بين أُمور ثلاثة : بدنة ، أو بقرة ، أو شاة ، وقد اقتصر في المتن على الأُوليين ، ولا وجه له بعد اشتمال النصّ على الثالث وكونه مفتىً به عند الأصحاب.
ثمّ إنّ الصيام المذكور في النصّ مطلق غير محدود بحدّ ، فهو قابل للانطباق حتى على اليوم الواحد ، إلّا أنّ المستفاد من الروايات التي منها صحيحة زرارة الواردة في الحلق المشار إليها آنفاً أنّ بدل التصدّق بالشاة إنّما هو صيام ثلاثة أيّام كما فهمه الأصحاب ، فاحتمال الاكتفاء باليوم الواحد كما في الجواهر (1)ضعيف لا يُعبأ به.
(1) لا إشكال في وجوب التتابع فيما وجب في كفّارته صوم شهرين ، سواء أكانت كفّارة مخيّرة كشهر رمضان ، أم مرتّبة كالظهار ، أو كفّارة جمع كالقتل العمدي ، للتقييد به في أدلّتها من الكتاب والسنّة حسبما مرّت الإشارة إليها.
وإنّما الكلام فيما يتحقّق به التتابع. لا ريب أنّ مقتضى الأدلّة الأوليّة لزوم مراعاته في تمام أجزاء الشهرين بأن يكون كلّ يوم عقيب اليوم الآخر بلا فصل إلى آخر الستين ، كما هو المفهوم من لفظ التتابع عرفاً ، فإذا قيل : صام زيد شهرين أو سنتين أو أُسبوعين متتابعين ، أو تعلّق الأمر بذلك ، فهو ظاهر في حصوله بين تمام الأجزاء.
1) الجواهر 20 : 370.
.................................................................................................
إلّا أنّ هناك نصوصاً عمدتها صحيحة الحلبي قد دلّت صريحاً على كفاية صيام شهر واحد وبعض من الشهر الثاني ولو يوماً واحداً ، فإذا فعل ذلك ساغ له التفريق بين بقية الشهر الثاني حتّى عامداً ، وبذلك يحصل التتابع المأمور به بين الشهرين ، فكان المراد التتابع بين عنوان الشهرين لا بين تمام أجزائهما. فهي إذن بمفهومها المطابقي تكون حاكمة على الأدلّة الأوليّة وشارحة للمراد منها.
روى الكليني بسنده الصحيح عن الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : عن قطع صوم كفّارة اليمين وكفّارة الظهار وكفّارة القتل «فقال : إن كان على رجل صيام شهرين متتابعين ، والتتابع أن يصوم شهراً ويصوم من الآخر شيئاً أو أيّاماً» إلخ (1).
ومحلّ الاستشهاد من الصحيح هو هذا المقدار الذي أثبتناه ، وأمّا ما تضمّنه بعد ذلك من التعرّض لحكم من أفطر عن عذر أو غير عذر فهو حكم آخر نتعرّض له عند تعرّض الماتن له فيما بعد.
وعلى الجملة : فلا إشكال في المسألة بعد أن أفتى المشهور على طبق الصحيحة ، بل الظاهر أنّه ممّا لا خلاف فيه.
وأمّا ما نسب إلى الشيخين والسيّدين من حصول الكفّارة بذلك مع كونه آثماً في التفريق لو كان عامداً (2).
فغريبٌ جدّاً ، إذ لم يظهر له أيّ مستند.
فإنّا إذا بنينا على اعتبار صحيحة الحلبي وعملنا بمفادها ولأجله حكمنا
وكذا يجب التتابع في الثمانية عشر بدل الشهرين (1)(1) ،
بحصول الكفّارة لكونها حاكمة وشارحة كما مرّ ، فما هو الموجب للإثم بعد أن أتى المكلّف بما هو الوظيفة المقرّرة في حقّه من الإتيان بالتتابع على هذه الكيفيّة بمقتضى دلالة الصحيحة؟! وإن لم نعمل بها ، فهو وإن كان آثماً حينئذٍ كما ذكر إلّا أنّ الكفّارة أيضاً لم تحصل والذمّة بعد لم تفرغ ، فلا بدّ من الإعادة ، لعدم تحقّق المتابعة الموجب لعدم حصول الكفّارة على وجهها.
فالتفكيك بين الأمرين بالالتزام بالإثم وعدم الحاجة إلى الإعادة لم يُعرف له وجه أبداً ، بل إمّا لا إثم ولا إعادة ، أو أنّه آثم وعمله باطل ، والصحيح هو الأول حسبما عرفت.
(1) على المشهور.
وناقش فيه غير واحد بأنّ اعتبار التتابع هنا خلاف إطلاق الدليل بعد أن لم يكن الأمر بالصوم بنفسه مقتضياً له ، ولذا قُيّدت نصوص الشهرين بالتتابع ، فلو كان هذا مأخوذاً في المفهوم لكان القيد توضيحيّاً ، وهو خلاف الأصل.
وأُجيب عنه تارةً : بما أرسله المفيد في المقنعة بعد تصريحه بالتتابع من مجيء الآثار عنهم (عليهم السلام) بذلك (2). ولكنّه لم تصل لدينا من تلك الآثار والأخبار ولا رواية واحدة صحيحة ولا ضعيفة ، إذ لم نعثر على أيّ خبر يدلّ
.................................................................................................
على اعتبار التتابع في المقام ، ومن هنا قد يقوى في الظنّ أنّ هذه الدعوى منه (قدس سره) مبنيّة على الغفلة والاشتباه ، والمعصوم من عصمه اللّه.
ومع الغضّ عمّا ذُكر فغايته أنّها رواية مرسلة ولا اعتماد على المراسيل.
وأُخرى : بما ذكره في الجواهر من أنّ المأمور به ليس مطلق الثمانية عشر ليطالب بالدليل على اعتبار التتابع ، بل ما كان جزء من الشهرين ، حيث يظهر من دليلها أنّ المراد الاقتصار على هذا المقدار بدلاً عن الأصل ، فأسقط الزائد لدى العجز إرفاقاً وتخفيفاً على المكلّفين ، فتكون متتابعة لا محالة ، لاعتبارها إلى واحد وثلاثين يوماً ، فتكون معتبرة في ثمانية عشر يوماً منها بطبيعة الحال (1).
ويندفع أولاً : بابتنائه على كون الثمانية عشر بدلاً عن صيام الشهرين ، وهو غير ثابت ، ومن الجائز كونه بدلاً عن إطعام الستّين.
بل قد صرّح بذلك في صحيحة أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : سألته عن رجل كان عليه صيام شهرين متتابعين فلم يقدر على الصيام ، ولم يقدر على العتق ، ولم يقدر على الصدقة «قال : فليصم ثمانية عشر يوماً ، عن كلّ عشرة مساكين ثلاثة أيّام» (2).
حيث إنّ صيام الثلاثة معادل لإطعام العشرة في كفّارة اليمين ، فلا محالة يكون معادل إطعام الستّين صيام الثمانية عشر ، فهو بدلٌ عن الإطعام لا الصيام.
وثانياً : مع التسليم فإنّما يتّجه ما ذكره (قدس سره) لو كان هذا العدد بدلاً عن الثمانية عشر الواقعة في مبدأ الشهرين ، ومن الجائز كونه بدلاً عمّا وقع في آخر الشهر الثاني ، أو وسطه ، أو ما تلفّق من الشهرين ، فإن جزء الشهرين
بل هو الأحوط في صيام سائر الكفّارات (1) ، وإن كان في وجوبه فيها تأمّل وإشكال.
طبيعي الثمانية عشر القابل للانطباق على كلّ ذلك ، ومهما احتسبنا الجزئيّة واعتبرناها كان ما عداها زائداً قد أُسقط إرفاقاً ، فلا يتعيّن احتساب العدد المزبور من الشهر الأوّل ليشمله دليل التتابع كما لا يخفى.
فتحصّل : أنّ الأظهر عدم اعتبار المتابعة في المقام ، لعدم الدليل عليه ، والأصل البراءة ، وإن كان الأحوط رعايتها ، حذراً عن مخالفة المشهور.
(1) كما هو المشهور أيضاً بين الأصحاب ، قال المحقّق (قدس سره) في الشرائع : إنّه يعتبر التتابع في جميع أقسام الصيام ما عدا موارد أربع : صوم النذر وأخويه من العهد واليمين فإنّه يتبع قصد الناذر في التتابع وعدمه ، وصوم قضاء شهر رمضان ، وصوم ثمانية عشر بدل البدنة الواجبة في كفّارة الصيد ، وصوم سبعة أيّام بدل الهدي دون الثلاثة المكمّلة للعشرة. ففي هذه الموارد المستثناة يجوز التفريق حتّى اختياراً ، وما عدا ذلك ممّا يجب فيه الصوم مدّة من ثلاثة أيّام أو ثمانية عشر أو شهرين ونحو ذلك يجب فيه التتابع (1).
واستدلّ له في الجواهر بانصراف الإطلاق إلى التتابع ، فإنّه المنسبق عرفاً من الصوم مدّة من شهر أو سنة ونحوهما ، المؤيّد بفتوى الأصحاب بذلك ، وهذا نظير ما ذكروه في ثلاثة الحيض والاعتكاف وعشرة الإقامة من اعتبار الاتّصال والتوالي ، فإنّ المستند في الكلّ هو الانصراف المزبور.
وأيّده بما رواه الصدوق في العلل عن الفضل بن شاذان من تعليل التتابع في
1) الشرائع 1 : 236.
.................................................................................................
الشهرين بقوله : «وإنّما جعلت متتابعين لئلّا يهون عليه الأداء فيستخفّ به ، لأنّه إذا قضاه متفرّقاً هان عليه القضاء واستخفّ بالإيمان» (1).
فإنّ موردها وإن كان كفّارة الإفطار في شهر رمضان إلّا أنّه يظهر من العلّة عموم الحكم لكلّ كفّارة وأنّها مبنيّة على التصعيب والتشديد. كي لا تهون عليه المخالفة ولا يستخفّ بها.
وقد أمضى (قدس سره) ما ذكره المحقّق واعترف به ، حيث قال (قدس سره) أخيراً ما لفظه : وحينئذٍ بان أنّ الكلّيّة المزبورة في محلّها في المعظم أو الجميع (2).
أقول : يقع الكلام تارةً في أصل الكلّيّة ، وأُخرى فيما ذكره من موارد الاستثناء.
أمّا دعوى الكلّيّة : فلا تمكن المساعدة على إطلاقها ، والانصراف المزبور بحيث يستند إلى حاقّ اللفظ لدى الإطلاق ممّا لم نتحقّقه.
نعم ، ربّما يستفاد التتابع من القرائن الخارجيّة أو الداخليّة ، وأمّا مع التجرّد عنها وملاحظة نفس الأمر المتعلّق بالصوم مدّة من الزمن من حيث هو ، فلا يكاد ينصرف إلى التوالي والتتابع بوجه.
وممّا يرشدك إلى ذلك ملاحظة الجمل الخبرية ، فإذا قلت : أقمنا في مشهد الرضا (عليه السلام) عشرة أيّام ، فهل ينصرف اللفظ إلى الإقامة المتوالية ، بحيث لو كنت قد خرجت خلالها إلى قرية وبتّ ثَمّة ليلة أو ليلتين وكان مجموع المكث في نفس البلد عشرة لم يسغ لك التعبير المزبور؟ أو لو استأجرت داراً وسكنت فيها سنة ثمّ خرجت وبعد شهرين مثلاً استأجرتها ثانياً سنة
.................................................................................................
أُخرى وسكنت فيها ثمّ أخبرت أنّي سكنت الدار الفلانيّة سنتين ، أفهل ينصرف اللفظ إلى المتتابعتين بحيث يكون الإخبار المزبور على خلاف منصرف الكلام؟ ولا ينبغي التأمّل في عدم الفرق في ذلك بين الجمل الخبريّة والإنشائيّة.
وعلى الجملة : فدعوى الانصراف عريّة عن الشاهد يدفعها إطلاق الكلام ، ولا شهادة في فتوى الأصحاب كما لا يخفى.
كما لا شهادة في الموارد التي ذكرها ، ضرورة أنّ التتابع فيها مستفاد من القرائن الخارجيّة أو من نفس أدلّتها.
أمّا ثلاثة الحيض : فللتصريح في دليله بأن أقلّ الحيض ثلاثة وأكثره عشرة ، فإنّ مثل هذا التعبير الوارد في مقام التحديد ظاهر في إرادة الاتّصال والاستمرار كما لا يخفى.
وأوضح حالاً ثلاثة الاعتكاف ، للزوم المكث في المسجد وبطلانه بالخروج لا لعذر قبل استكمال الثلاثة ، وهذا بنفسه كما ترى يستلزم التتابع والتوالي.
وكذا الحال في عشرة الإقامة ، لوضوح أنّ لكلّ سفر حكماً يخصّه ، وهو موضوع مستقلّ بحياله. فالمراد بقاطعيّة الإقامة للسفر أو لحكمه كونها كذلك بالنسبة إلى هذا السفر الخاصّ وحينما دخل البلدة ، كما يكشف عنه قوله (عليه السلام) : «أنا دخلت بلدة وأزمعت المقام عشرة أيّام» إلخ (1)، لا هو مع السفر اللاحق. وهذا بنفسه يستدعي الاتّصال والاستمرار ، إذ لو سافر أثناء العشرة فخرج ثمّ دخل فهذا سفر جديد له حكم مستقلّ مغاير لسابقه.
وعلى الجملة : لا بدّ من قصر النظر على كلّ سفر بخصوصه وملاحظته
1) لاحظ الوسائل 8 : 499 / أبواب صلاة المسافر ب 15 ح 4.
.................................................................................................
بنفسه ، فإن أقام فيه في مكانٍ عشرة أيّام انقلب القصر إلى التمام ، وإلّا بقي على قصره ، وهذا يستلزم التتابع بطبيعة الحال ، وكذا الحال في المتردّد ثلاثين يوماً كما يكشف عنه قوله (عليه السلام) : «غداً أخرج أو بعد غد» (1).
وأمّا الاستشهاد برواية العلل ففيه أوّلاً : أنّ موردها كفّارة الإفطار في شهر رمضان ، ولعلّ لهذا الشهر خصوصيّة استدعت مزيد الاهتمام بشأنه كما لا يبعد ، نظراً إلى أنّ الصوم في شهر رمضان ممّا بني عليه الإسلام ، فهو من دعائم الدين وأركانه كما في الحديث (2)، ولأجله كانت كفّارته مبنيّة على التصعيب والتشديد ، فلا يقاس به غيره ، فلا وجه للتعدّي إلى صيام سائر الكفّارات. وغاية ما هناك أن يتعدّى إلى خصوص صوم الثمانية عشر يوماً بدل الشهرين من كفّارة الإفطار في شهر رمضان المخيّرة ، على كلام فيه قد تقدّم ، وحاصله : منع البدليّة عن الشهرين ، بل هو بدل عن الجامع بين الخاصل أعني العتق والصيام ، والإطعام لدى العجز عنه فإنّه الواجب لا الفرد بخصوصه ، أو بدل عن خصوص الإطعام كما تضمّنه النصّ حسبما مرّ. وعلى أيّ حال ، فليس هو بدلاً عن الشهرين هنا ، وإنّما يكون بدلاً عنهما في موردين فقط :
أحدهما : كفّارة الظهار لدى العجز عن العتق وعن الإطعام وانتهاء النوبة بمقتضى الترتيب إلى الصيام.
والآخر : كفّارة الجمع في قتل العمد ، فإنّه لو عجز عن صيام الشهرين في هذين الموردين يجب عليه صوم ثمانية عشر بدلاً عن ذلك.
وكيفما كان ، فالتعدّي عن مورد الرواية لا مقتضي له بوجه.
.................................................................................................
وثانياً : أنّها ضعيفة السند ، لضعف طريق الصدوق إلى الفضل بن شاذان ، فإنّ له إليه طريقين كلاهما ضعيف ، أحدهما بعبد الواحد بن عبدوس وابن قتيبة ، والآخر بجعفر بن علي بن شاذان.
فتحصّل لحدّ الآن : أنّ ما ادّعاه (قدس سره) من اعتبار التتابع لا دليل عليه ، والإطلاقات تدفعه ، بل قد قام الدليل على العدم ، وهو صحيح عبد اللّه ابن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال : كلّ صوم يفرق إلّا ثلاثة أيّام في كفّارة اليمين» (1).
فكلّ مورد ثبت فيه اعتبار التتابع يخصَّص ، وفي ما عداه يُتمسّك بعموم العامّ ، بل لا يبعد أن لا تكون ناظرة إلى مثل التتابع في الشهرين المنصوص عليه في الكتاب والسنّة.
وكيفما كان ، فلا ضير في العمل بعموم الصحيحة بعد قوّة السند ووضوح الدلالة ، ولا وجه لما صنعه في الجواهر من الحمل على إرادة التفرقة على بعض الوجوه مثل فرض العذر ونحوه (2)، فإنّه تصرّف في ظاهر اللفظ بلا موجب ومن غير قرينة تقتضيه كما لا يخفى.
وممّا ذكرنا تعرف اعتبار التوالي في ثلاثة أيّام في كفّارة اليمين ، للتصريح به في هذه الصحيحة وغيرها ، كصحيح الحلبي : «صيام ثلاثة أيّام في كفّارة اليمين متتابعات ولا تفصل بينهنّ» (3).
وصحيحة علي بن جعفر في كتابه عن أخيه ، قال : سألته عن كفّارة صوم
[2550] مسألة 2 : إذا نذر صوم شهر أو أقلّ أو أزيد لم يجب التتابع (1) إلّا مع الانصراف أو اشتراط التتابع فيه.
اليمين ، أيصومها جميعاً ، أو يفرّق بينها؟ «قال : يصومها جميعاً» (1).
وكان على الماتن التعرّض له ، إذ لا وجه لإهماله بعد فتوى الأصحاب به ودلالة النصوص المعتبرة عليه حسبما عرفت.
(1) قدّمنا الكلام حول الكلّيّة التي ادّعاها في الشرائع (2)، وأمّا الكلام في الموارد الأربع التي استثناها عنها :
فأحدها : ما تعرّض له الماتن في هذه المسألة من النذر ، فلا يجب فيه التتابع ما لم يتقيّد المنذور به كما هو المشهور.
والوجه فيه ظاهر ، فإنّ وجوب الوفاء بالنذر لم يكن حكماً ابتدائيّاً ليُتكلّم في دلالته في أمثال المقام على التتابع وعدمه ، وإنّما هو تابع لكيفيّة نذر الناذر وما قصده وجعله على نفسه ، فإن قصده مقيّداً بالتتابع وجبت رعايته وفاءً لنذره ، ولا يجزئ معه التفريق ، وإلّا أتى به كيفما شاء.
كما هو الحال في غير الصيام من الصلاة والصدقة ونحوهما ، فلو نذر أن يصلّى هذه الليلة خمسين ركعة مثلاً جاز له التفريق طول الليل إن لم يقيّد نذره بالمتابعة ، وإلّا وجبت متتالية.
ولا عبرة هنا بالانصراف العرفي أيضاً ، فإذا كان قصده الأعمّ لم تجب المتابعة وإن لم يصرّح به ، بل أطلق اللفظ وكان منصرفاً عرفاً إلى التتابع ، لأنّ العبرة
.................................................................................................
بقصده لا بلفظه ، والمفروض أنّه قصد الأعمّ منه ومن التفريق ، وهذا ظاهر.
ولكن نُسب الخلاف إلى أبي الصلاح وأنّه إن نذر صوم شهر مطلقاً فشرع فيه وجب عليه الإتمام (1).
وهذا كما ترى لم يظهر له أيّ وجه ، عدا ما احتمله الشيخ (قدس سره) في رسائله (2)وجهاً لما نُسب إلى بعضهم من عدم جواز إبطال العمل ورفع اليد عنه ، استناداً إلى قوله تعالى ( وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ ) (3).
وقد أشرنا إلى فساده في محلّه ، وأنّ الآية المباركة نظير الآية الأُخرى ( لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى ) (4)ناظرة إلى عدم الإتيان بشيء يوجب بطلان العمل السابق بحبطٍ ونحوه ، لا أنّه متى شرع يجب عليه الإتمام المستلزم حينئذٍ لتخصيص الأكثر كما لا يخفى. على أنّ صدق الإبطال في المقام يتوقّف على اعتبار المتابعة وهو أوّل الكلام.
وممّا ذكرنا يظهر أنّه لا وجه لما نُسب إليه (قدس سره) حتّى في النذر المشروط فيه التتابع فضلاً عن المطلق ، لأنّ معلّق النذر كلّي طبيعي لا محالة ، فله رفع اليد عن هذا الفرد والإتيان بفرد آخر متتابعاً ، وهذا ظاهر.
ونُسب إلى ابني زهرة والبرّاج أنّه إذا نذر صوم شهر أو أكثر فشرع ثمّ حدث في البين عارض غير اختياري جاز له بعد زواله البناء على ما كان ، وأمّا لو رفع اليد اختياراً فإن كان قد تجاوز النصف جاز له البناء أيضاً وإلّا
.................................................................................................
وجب عليه الاستئناف ، فكأنّ النصفين من شهر واحد بمثابة الشهرين ، فكما يكتفى هناك في حصول التتابع بصوم شهر وشيء من الشهر الثاني ، فكذا يكتفى في المقام برعاية الاتّصال في النصف الأوّل وجزء من النصف الثاني (1).
ونُسب هذا القول إلى المفيد أيضاً (2)، ولكنّه كما في الجواهر (3)لم يصرّح بأنّه وإن لم يشترط التوالي كما صرّحا (قدس سرهما) بذلك.
وهذا أيضاً لم يُعرف وجهه ، إذ بعد أن لم يكن المنذور مشروطاً بالتتابع فلما ذا لا يسوغ رفع اليد اختياراً حتّى قبل النصف ، وأيّ فرق في ذلك بين الاختياري وغيره؟! نعم ، يمكن حمل كلام المفيد على ما إذا كان قد اشترط التوالي ، وكأنّ هنا نوع إرفاق من الشارع بأنّه إذا كان العارض غير اختياري يبني وإلّا يفصّل حينئذٍ بين النصف الأوّل والثاني.
وكيفما كان ، فكلّ هذا لا دليل عليه.
نعم ، هنا رواية واحدة إلّا أنّها لا تنطبق على ما ذكروه ، وهي ما رواه الكليني والصدوق بسندهما عن موسى بن بكر وفي الجواهر : بكير ، بدل : بكر (4). وهو غلط من النسخة أو الطبعة عن الفضيل عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : في رجل جعل عليه صوم شهر فصام منه خمسة عشر يوماً ثمّ عرض له أمر «فقال : إن كان صام خمسة عشر يوماً فله أن يقضي ما بقي ، وإن كان أقلّ من
.................................................................................................
خمسة عشر يوماً لم يجزه حتّى يصوم شهراً تامّاً» (1).
ورواها الشيخ أيضاً بإسناده عن الكليني ولكن بإسقاط الفضيل ، والظاهر أنّه سقط من قلمه الشريف ، إذ هو (قدس سره) لم يروها بنفسه مستقلا كي يمكن أن يقال : إنّه رواها موسى بن بكر تارةً مع الواسطة ، وأُخرى بدونها ، بل رواها عن الكليني كما عرفت ، والمفروض أنّ الكافي لم يروها إلّا مع الواسطة.
ورواها أيضاً بطريق آخر مع وساطة فضيل ولكن عن أبي جعفر (عليه السلام).
وكيفما كان ، فهي مرويّة تارةً عن الصادق (عليه السلام) إمّا مع الواسطة كما في الكافي والفقيه ، أو بدونها كما في التهذيب ، وأُخرى عن الباقر (عليه السلام) مع الواسطة.
ومضمونها كما أشرنا لا ينطبق على ما ذكروه ، إذ لم يفصّل فيها بين الاختياري وغيره ، بل لا يبعد ظهور لفظة «عرض» في عدم الاختيار أو الأعمّ منه كالسفر الاختياري.
وكيفما كان ، فهي وإن تضمّنت التفصيل بين النصفين إلّا أنّها لم تفصّل في العارض بين الاختياري وغيره.
وأمّا نفس الرواية فلا بدّ من حملها على نذر الصوم مع شرط التتابع ، إذ مع الإطلاق يجوز التفريق مطلقاً حتّى اختياراً فضلاً عن غيره. فلا وجه للاستئناف ، ويبعد جدّاً بحسب الفهم العرفي أن يحكم في فرض الإطلاق بالإعادة والاستئناف الذي هو حكمٌ على خلاف ما قصده الناذر وجعله على نفسه ، لما تقدّم من أنّ
1) الوسائل 10 : 376 / أبواب بقية الصوم الواجب ب 5 ح 1 ، الكافي 4 : 139 / 6 ، الفقيه 2 : 97 / 436 ، التهذيب 4 : 285 / 863 و864.
.................................................................................................
الوجوب الناشئ من قبل النذر لم يكن حكماً استقلاليّاً ، بل هو تابع لكيفيّة قصد الناذر ونيّته.
على أنّ سند الرواية غير خالٍ عن نوعٍ من الإشكال ، فإنّ موسى بن بكر لم يرد فيه توثيق ولا مدح غير ما رواه بنفسه من أنّ الصادق (عليه السلام) علّمه بعد أن رأى (عليه السلام) فيه ضعفاً وصفرةً أن يأكل اللحم كباباً لا طبيخاً (1). وهذا كما ترى لا دلالة فيه على شيء منهما.
نعم ، روى في الكافي بسند معتبر عن جعفر بن سماعة وهو جعفر بن محمّد ابن سماعة الثقة أنّه كان يقول : لا بدّ في الخلع من انضمام صيغة الطلاق ، وأنّه كان يحتجّ في ذلك برواية موسى بن بكر عن أبي إبراهيم (عليه السلام) (2)، فيظهر منها أنّه كان يعمل بروايته.
ولكنّا ذكرنا غير مرّة : أنّ العمل من أحد كابن الوليد وغيره ، وكذا الصدوق حيث يقول : لا أذكر إلّا ما كان حجّة بيني وبين ربّي (3)لا يدلّ على حجّيّة الرواية في نفسها ولا يكشف عن وثاقة الراوي بوجه ، إذ لا ندري لعلّ العامل كان معتمداً على أصالة العدالة ، كما هو غير بعيد في كثير من القدماء ، حيث كانوا يكتفون بكون الراوي مؤمناً اثني عشرياً لم يظهر منه فسق.
فاعتماد جعفر بن سماعة أو ابن الوليد أو غيرهما على روايةٍ مع عدم العلم بما يعتبرونه في حجّيّة الرواية لا يكون حجّة لنا ، بل مناط الحجّيّة عندنا منحصر في أحد أمرين : إمّا ثبوت وثاقة الراوي ، أو كونه ممدوحاً حسن الظاهر ، وأمّا
[2551] مسألة 3 : إذا فاته النذر المعيّن أو المشروط فيه التتابع فالأحوط في قضائه التتابع (1)أيضاً (1).
مجرّد عدم رؤية الفسق ولو من جهة عدم المعاشرة فلا يكون كافياً لدينا في حجّيّتها.
هذا ، ولكن الذي يسهّل الخطب أنّ الرجل أعني : موسى بن بكر مذكور في إسناد تفسير علي بن إبراهيم ، وقد بنينا على وثاقة من وقع في هذا الإسناد ، لالتزامه كابن قولويه أن لا يروي إلّا عن الثقة.
إذن فالرواية معتبرة عندنا. وهي ناظرة إلى صورة اشتراط التتابع ، لبعد الحكم بالاستئناف في فرض الإطلاق عن الفهم العرفي جدّاً ، بعد أن كان على خلاف قصد الناذر كما سبق.
وسيجيء مزيد البحث حول هذه الرواية عند تعرّض الماتن للإفطار فيما اشترط فيه التتابع لعذر من الأعذار ، أو لغير عذر ، فارتقب (2).
(1) الثاني من موارد الاستثناء : القضاء.
أمّا بالنسبة إلى قضاء شهر رمضان فلا إشكال في عدم وجوب التتابع ، وقد دلّت النصوص المستفيضة على جواز التفريق ، بل لا يجب ذلك حتّى في الأداء فضلاً عن القضاء ، فإنّ الصوم وإن كان واجباً في كلّ يوم من أيّام شهر رمضان متوالياً ومتعاقباً إلّا أنّ ذلك من أجل أنّ كلّ يوم منه يجب صيامه بحياله واستقلاله ، المستلزم لحصول التتابع في الخارج بطبيعة الحال ، لا من أجل أنّ
.................................................................................................
التتابع في نفسه واجب كي يتوهّم وجوبه في القضاء أيضاً ، ولذا لو أخلّ به فأفطر يوماً عصياناً أو لعذر لم يقدح فيما مضى ولم يمنع عن صحّة الصوم فيما بقي من الأيّام بلا إشكال كما هو ظاهر جدّاً.
ونُسب الخلاف إلى أبي الصلاح فاعتبر التتابع في قضاء شهر رمضان ، لا من حيث هو ، بل من أجل أنّه (قدس سره) يعتبر الفوريّة في القضاء المستلزمة له قهراً (1).
ولكنّه مدفوع بما أسلفناك في محلّه من عدم الدليل على الفوريّة ، فيجوز التأخير ما لم يصل حدّ التسامح والتهاون ، بل قام الدليل على جواز التأخير في خصوص المقام ، مثل : ما دلّ على أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه وآله) كان يأمر زوجاته بتأخير القضاء إلى شهر شعبان (2).
وأمّا بالنسبة إلى قضاء الصوم المنذور فلا إشكال في عدم اعتبار التتابع فيما لم يكن معتبراً في أدائه ، كما لو نذر أن يصوم أوّل جمعة من شهر رجب وآخر جمعة منه ففاتتاه معاً فيجوز التفريق عندئذٍ قطعاً كما هو ظاهر.
وأمّا فيما كان معتبراً في الأداء كالنذر المشروط فيه التتابع فالمشهور على عدم اعتباره في القضاء.
واستقرب الشهيد في الدروس وجوبه (3)، وتردّد فيه العلّامة في القواعد من أنّ القضاء بأمر جديد ولا دليل على اعتبار المتابعة فيه ، ومن أنّ القضاء هو الأداء بعينه ما عدا تغاير الوقت ، فيتّحدان في جميع الخصوصيّات التي منها
.................................................................................................
التتابع (1).
والأقوى ما عليه المشهور ، لما عرفت من أنّ القضاء بأمر جديد حدث بعد سقوط الأمر الأوّل المعتبر فيه التتابع ، ولا دليل على اعتباره في هذا الأمر الحادث ، ومقتضى الإطلاق عدمه.
ودعوى أنّ الدليل عليه هو دليل القضاء ، أعني قوله : «من فاتته فريضة فليقضها كما فاتته» (2)، لكون الفائت هنا متتابعاً حسب الفرض.
يدفعها : أنّ الرواية بهذا المتن نبويّة لا يعتمد عليها.
نعم ، ورد هذا المضمون في صحيح زرارة : «يقضي ما فاته كما فاته» إلخ (3)، إلّا أنّ النظر في التشبيه مقصور على المماثلة من حيث القصر والتمام كما صرّح بذلك في ذيل الصحيحة ، فلا إطلاق لها كي يقتضي الاتّحاد من سائر الجهات حتّى يستدعي اعتبار المتابعة في المقام.
وعلى الجملة : بعد أن كان القضاء بأمر جديد فثبوته في كلّ مورد منوط بقيام الدليل عليه ، وإلّا فلا يحتمل وجوب القضاء عن كلّ فائت ، فلو نذر زيارة الحسين (عليه السلام) أوّل رجب وفاته لا يجب قضاؤه بلا إشكال.
ولو لا قيام الدليل على وجوب القضاء في الصوم المنذور لم نلتزم به ، لما عرفت من فقد الدليل العامّ على وجوب القضاء عن كلّ فائت ، فإنّ النبوي قد عرفت حاله ، والصحيح مورده الصلاة كما عرفت.
وإنّما التزمنا به للنصّ الخاصّ ، أعني قوله (عليه السلام) في صحيحة علي
.................................................................................................
ابن مهزيار : «يصوم يوماً بدل يوم» (1).
وهذا كما ترى لا يدلّ إلّا على أصل وجوب القضاء دون الخصوصيّات الأُخر المكانيّة والزمانيّة ونحوهما وإن جعلها الناذر على نفسه. فلو نذر أن يصوم يوماً من أيّام الصيف الطويلة الشديدة الحرّ ، أو أن يصوم في النجف الأشرف ، أو أن يشتغل حال الصوم بالعبادة ، ففاته لعذر أو لغيره ، فهل يحتمل عدم جواز القضاء في الشتاء أو في كربلاء؟ أو بغير العبادة؟ فشرط المتابعة مثل هذه الخصوصيّات غير واجب المراعاة ، فيجزي التفريق ، إذ يصدق معه أنّه صام يوماً بدل يوم الوارد في النصّ.
الثالث من موارد الاستثناء : صوم الثمانية عشر بدل البدنة ، أو التسعة بدل البقرة في جزاء الصيد.
ولا يخفى أن هذا الاستثناء عجيب ، إذ لم يرد في المقام ولا رواية واحدة ضعيفة تدلّ على المتابعة أو على عدمها ، فليس في البين عدا إطلاق الأمر بالصوم في هذه المدّة ، فإن تمّ الانصراف المدّعى في المستثنى منه المبني عليه اشتراط التتابع هناك كما أسلفناك عن صاحب الجواهر فلما ذا لا تتمّ هذه الدعوى في المقام ، وما الموجب للتمسّك بالإطلاق في هذا المورد بخصوصه كي يستثني عن تلك الضابطة الكلّيّة المدّعاة في كلام المحقّق كما مرّ؟! وإن لم يتمّ كما هو الحقّ على ما سبق (2)فلما ذا ادّعى هناك وشيّد عليها بنيان تلك القاعدة والضابطة المزعومة؟! وعلى الجملة : لم نجد أيّ فارق بين المقام وبين سائر أقسام الصيام كي يدّعي
.................................................................................................
وجوب التتابع فيها ويستثنى عنه هذا المورد ، بل المناط فيهما واحد إطلاقاً أو انصرافاً حسبما عرفت.
الرابع : صوم السبعة أيّام بدل الهدي.
وهذا الاستثناء أعجب ، وذلك لورود النصّ الصحيح الصريح في المتابعة ، السليم عمّا يصلح للمعارضة ، إذ لم يرد هنا ما يدلّ على جواز التفريق كي يتمّ الاستثناء ، عدا رواية إسحاق بن عمّار الضعيفة السند بمحمّد بن أسلم ، قال : قلت لأبي الحسن موسى بن جعفر (عليهما السلام) : إنِّي قدمت الكوفة ولم أصم السبعة الأيّام حتّى فزعت في حاجة إلى بغداد «قال : صمها ببغداد» قلت : أُفرّقها؟ «قال : نعم» (1).
وأمّا ما دلّ على وجوب المتابعة فروايات وفيها الصحيح :
منها : خبر الحسين بن زيد وفي الجواهر : يزيد ، بدل زيد (2). وهو غلط منه أو من النسّاخ عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال : السبعة الأيّام والثلاثة الأيّام في الحجّ لا تفرّق ، إنّما هي بمنزلة الثلاثة الأيّام في اليمين» (3).
وهي ضعيفة بالحسين بن زيد ، فإنّه لم يوثّق.
ومنها : ما رواه الشيخ بإسناده عن محمّد بن أحمد العلوي ، عن العمركي ، عن علي بن جعفر ، عن أخيه موسى بن جعفر (عليهما السلام) ، قال : سألته عن صوم ثلاثة أيّام في الحجّ والسبعة ، أيصومها متوالية أو يفرّق بينها؟ «قال : يصوم الثلاثة لا يفرّق بينها ، والسبعة لا يفرّق بينها ، ولا يجمع السبعة والثلاثة
.................................................................................................
جميعاً» (1).
وهذه الرواية وإن وقع الكلام في سندها من أجل العلوي الواقع في الطريق إلّا أنّ الأظهر أنّها معتبرة ، إذ يستفاد حسن الرجل من عبارة النجاشي كما تقدّم قريباً ، فتذكّر (2).
ومع الغضّ عن ذلك وتسليم ضعفها فتكفينا الرواية الثالثة التي هي نفس هذه الرواية بعين ألفاظها ولكن بطريق آخر صحيح قطعاً ، وهو ما رواه صاحب الوسائل عن كتاب علي بن جعفر مباشرةً ، كما نبّه عليه في الوسائل في باب 55 من الذبح ، وكأنّ صاحب الجواهر لم يلاحظ ذاك الباب واقتصر على ملاحظة أبواب الصوم ، ولأجله ناقش في سند الرواية من أجل العلوي.
وعلى أيّ تقدير ، فلا ينبغي التأمّل في وجوب المتابعة في السبعة ، استناداً إلى هذه الصحيحة الصريحة في ذلك بعد سلامتها عمّا يصلح للمعارضة ، لضعف الخبر المزبور كما عرفت.
هذا كلّه على مسلك المشهور من ضعف رواية إسحاق بن عمّار ، لوقوع محمّد بن أسلم في سندها ، فإنّه لم يرد فيه توثيق ولا مدح في كتب الرجال.
وأمّا بناءً على ما اخترناه من ثبوت وثاقته (3)لوقوعه في إسناد تفسير علي ابن إبراهيم وكامل الزيارات فهي معارضة للصحيحة ، والجمع العرفي يقتضي الحكم بجواز التفريق واستحباب المتابعة.
[2552] مسألة 4 : من وجب عليه الصوم اللازم فيه التتابع لا يجوز أن يشرع فيه في زمان يعلم أنّه لا يسلم له بتخلّل العيد (1)(1) ، أو تخلّل يوم يجب فيه صوم آخر من نذر أو إجارة أو شهر رمضان ، فمن وجب عليه شهران متتابعان لا يجوز له أن يبتدئ بشعبان ، بل يجب (2)أن يصوم قبله يوماً أو أزيد من رجب ، وكذا لا يجوز أن يقتصر على شوّال مع يوم من ذي القعدة أو على ذي الحجّة مع يوم من محرّم ، لنقصان الشهرين بالعيدين.
والمتحصّل من جميع ما قدّمناه لحدّ الآن : أنّه كان من الأحرى على المحقّق وصاحب الجواهر أن يعكسا ما ادّعياه من الضابطة وما استثني عنها فيذهبا إلى ما هو الحقّ من أنّ مقتضى القاعدة عدم اعتبار المتابعة لإطلاق الأدلّة إلّا فيما قام الدليل الخاصّ على الاعتبار مثل الشهرين المتتابعين ونحو ذلك ، بالعكس ممّا ذكراه حسبما عرفت بما لا مزيد عليه.
(1) فلو شرع والحال هذه بأن قصد بصومه امتثال الأمر المتعلّق بصوم الكفّارة مثلاً المعتبر فيه التتابع ، ارتكب محرّماً ، لمكان التشريع ، إذ ما يأتي به بعنوان امتثال الأمر لم يتعلّق به أمر من قبل الشارع بعد فرض عدم اتّصافه بالتتابع من أجل التخلّل المزبور ، وما تعلّق به الأمر لم يقصده ، ومنه يظهر عدم صحّة الاجتزاء والاكتفاء به في مقام الامتثال.
هذا في فرض العلم.
نعم ، لو لم يعلم من حين الشروع عدم السلامة فاتّفق فلا بأس على الأصحّ ، وإن كان الأحوط عدم الإجزاء (1).
ويستثنى ممّا ذكرنا من عدم الجواز مورد واحد (1) ، وهو صوم ثلاثة أيّام بدل هدي التمتّع إذا شرع فيه يوم التروية ، فإنّه يصحّ وإن تخلّل بينها العيد فيأتي بالثالث بعد العيد بلا فصل أو بعد أيّام التشريق بلا فصل لمن كان بمنى ، وأمّا لو شرع فيه يوم عرفة أو صام يوم السابع والتروية وتركه في عرفة لم يصحّ ووجب الاستئناف كسائر موارد وجوب التتابع.
وأمّا من لم يعلم به من حين الشروع لغفلةٍ أو خطأ في الاعتقاد بحيث كان معذوراً ، فلا بأس به كما ذكره في المتن. وسيجيء التعرّض له مستقصًى فيمن أفطر لعذر (2).
(1) بل موردان وقع الخلاف في كلّ منهما :
أحدهما : ما إذا كان القتل في أشهر الحرم ، وقد اختلف فيه الأصحاب على أقوال :
الأول : ما هو المشهور بينهم على ما في الوسائل (3)من أنّ القاتل في أشهر الحرم يصوم في هذه الأشهر كفّارة ، ولا يضرّه تخلّل العيد وأيّام التشريق ، والظاهر من صاحب الجواهر (قدس سره) اختيار هذا القول ، حيث إنّه حمل رواية زرارة على ذلك (4)، وعلى هذا فيكون ذلك أيضاً مستثنى من الحكم
.................................................................................................
المزبور.
الثاني : ما ذهب إليه الشيخ (قدس سره) ونُسب إلى الصدوق في المقنع وإلى ابن أبي حمزة واختاره صاحب الحدائق من أنّه لا بدّ من الصوم حتّى يوم العيد (1)، حيث إنّ القتل في أشهر الحرم يمتاز عن القتل في غيرها بأمرين :
أحدهما : أنّ ديته غليظة كما صرّح بذلك في بعض الروايات وفسّرت في رواية معتبرة أُخرى بأنّها دية كاملة وثلث الدية.
ثانيهما : أنّه لا بدّ من أن يكون صوم الشهرين المتتابعين في أشهر الحرم وإن استلزم ذلك صوم يوم العيد ، وفي هذا أيضاً نوع من التغليظ.
وعلى هذا القول فليس هنا استثناء من الحكم المزبور ، وإنّما هو استثناء من حرمة الصوم يوم العيد.
وهذان القولان متّفقان على صحّة ما رواه زرارة في المقام ولزوم العمل بها ، ومختلفان من جهة كيفيّة استفادة الحكم منها.
الثالث : ما يظهر من الماتن والمحقّق (قدس سرهما) من عدم جواز الإتيان بهذا الصوم مع تخلّل العيد ، وقد صرّح الماتن (قدس سره) فيما يأتي بأنّ الرواية ضعيفة سنداً ودلالة.
وقال المحقّق (قدس سره) في الشرائع : وكلّ من وجب عليه صوم متتابع لا يجوز أن يبتدئ زماناً لا يسلم فيه إلى أن قال : وقيل : القاتل في أشهر الحرم يصوم شهرين منها ولو دخل فيها العيد وأيّام التشريق ، لرواية زرارة ، والأوّل أشبه (2).
.................................................................................................
وقال في المعتبر : إنّ الرواية التي هي مستند الحكم نادرة ومخالفة لعموم الأحاديث المجمع عليها ، المانعة عن الصوم يوم العيد ، ولا يمكن ارتكاب التخصيص فيها ، فلا بدّ من رفضها (1).
أقول : أمّا ما ذكره المحقّق فلا تمكن المساعدة عليه بوجه ، فإنّ الرواية الواردة في المقام معمول بها على ما عرفت ، فكيف يمكن القول بأنّها نادرة؟! وأمّا مخالفتها لعموم الأحاديث فلا بأس بها ، فإنّه لا مانع من تخصيص العمومات وإن كثرت ، بل وإن تواترت ، بل حتّى عموم القرآن القطعي الصدور ، لأنّ المعارضة حينئذٍ بين الظاهر والنصّ ، ولا تعارض بينهما حقيقةً بعد وجود الجمع العرفي ، لكون النصّ قرينة عرفيّة للتصرّف في الظاهر ، فلا مانع من ارتكاب التخصيص في المقام ، كيف؟! والوارد في المقام أخبار آحاد دلّت بعمومها على المنع عن صوم يوم العيد ، فتخصَّص بالنصّ الخاصّ الوارد في محلّ الكلام.
وأمّا ما ذكره الماتن (قدس سره) من ضعف سند الرواية ودلالتها ، فهو أيضاً لا يمكن المساعدة عليه ، ولبيان ذلك لا بدّ من التكلّم في مقامين ، الأوّل في سند الرواية ، والثاني في دلالتها.
أمّا المقام الأول : فتحقيق الحال فيه أنّ الروايات الواردة في محلّ الكلام وإن كانت بعضها ضعيفة إلّا أنّ في الصحيح منها كفاية.
فمنها : رواية زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) ، قال : سألته عن رجل قتل رجلاً خطأً في الشهر الحرام «قال : تغلّظ عليه الدية ، وعليه عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين من أشهر الحرام» قلت : فإنّه يدخل في هذا شيء «قال : ما
1) المعتبر : 2 : 713 714.
.................................................................................................
هو؟» قلت : يوم العيد وأيّام التشريق «قال : يصومه ، فإنّه حقّ لزمه» (1).
وهي ضعيفة بسهل بن زياد.
ومنها : ما رواه الشيخ بإسناده عن ابن أبي عمير ، عن أبان بن عثمان ، عن زرارة ، قال : قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : رجل قتل في الحرم «قال : عليه دية وثلث ، ويصوم شهرين متتابعين من أشهر الحرم» قال : قلت : هذا يدخل فيه العيد وأيام التشريق؟ «فقال : يصوم ، فإنّه حقّ لزمه» (2).
وهذه الرواية معتبرة جدّاً ، فإنّ طريق الشيخ إلى ابن أبي عمير صحيح ، وحال من ذكر في السند من جهة الجلالة والوثاقة معلوم ، فلا ينبغي التأمّل في صحّة الرواية.
وقد رواها صاحب الوسائل عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام). والظاهر أنّه سهو من قلمه الشريف ، وكأنّ الماتن (قدس سره) لم يعثر عليها ولا على رواية أُخرى لزرارة التي سنذكرها فحكم بضعف السند.
نعم ، هذه الرواية باختلاف يسير رواها محمّد بن يعقوب ، عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن أبان بن تغلب ، عن زرارة ، قال : قلت لأبي جعفر (عليه السلام) : رجل قتل رجلاً في الحرم «قال : عليه دية وثلث ، ويصوم شهرين متتابعين من أشهر الحرم ، ويعتق رقبة ، ويطعم ستّين مسكيناً» قال : قلت يدخل في هذا شيء؟ «قال : وما يدخل؟» قلت : العيدان وأيّام التشريق «قال : يصوم ، فإنّه حقّ لزمه» (3).
.................................................................................................
وهي ضعيفة ، فإنّ ابن أبي عمير لا يمكن أن يروي عن أبان بن تغلب بلا واسطة ، وبما أنّ الواسطة مجهولة فالرواية ضعيفة ، ولكن ضعفها لا يسري إلى ما رواه الشيخ (قدس سره) ، فإنّهما روايتان إحداهما عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) وهي التي رواها ابن أبي عمير عن أبان بن عثمان بلا واسطة وثانيتهما عن أبي جعفر (عليه السلام) ، وهي التي رواها ابن أبي عمير عن أبان ابن تغلب مع الواسطة.
ولو تنزّلنا عن ذلك وبنينا على وحدة الروايتين فلا بدّ من البناء على صحّة ما ذكره الشيخ (قدس سره) والالتزام بوقوع التحريف في نسخ الكافي ، إذ لم تعهد رواية أبان بن تغلب عن زرارة ، ولا توجد له ولا رواية واحدة عنه في الكتب الأربعة غير هذه الرواية.
ومع التنزّل عن هذا أيضاً يكفينا في المقام ما رواه الشيخ بسنده الصحيح عن الحسن بن محبوب ، عن علي بن رئاب ، عن زرارة ، قال : سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل قتل رجلاً خطأً في أشهر الحرم «فقال : عليه الدية وصوم شهرين متتابعين من أشهر الحرم» قلت : إنّ هذا يدخل فيه العيد وأيّام التشريق «قال : يصومه ، فإنّه حقّ لزمه» (1).
ورواها الشيخ الصدوق (قدس سره) بإسناده عن ابن محبوب مثله (2)، غير أنّه رواها عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام).
فالمتحصّل ممّا ذكرناه : أنّ الرواية ممّا لا ينبغي الشك في صحّة سندها ولا وجه للمناقشة في ذلك بوجه.
.................................................................................................
وأمّا المقام الثاني : فتوضيح الحال فيه أنّ الماتن صرّح بضعف دلالة الرواية ، وقد تبع فيه صاحب الجواهر (قدس سره) ، ولكنّه لا موجب لذلك أصلاً غير ما ذكره في الجواهر ، حيث إنّه ذكر في المقام روايتين : إحداهما الرواية الأُولى ، وذكر عن العلّامة أنّ في طريقها سهلاً وهو ضعيف. وثانيتهما ما رواه الكليني (قدس سره) وناقش في دلالتها بقوله : بل إرادة صوم الشهرين وأنّه لا يضرّ هذا الفصل بالتتابع أظهر من الأوّل أي من جواز الصوم يوم العيد لاتّحاد ضمير «يصومه» والمتقدّم فيه العيدان ، مع أنّه ليس في هذه الأشهر إلّا الأضحى ، إلّا أن يريد بالآخر يوم الغدير وإن لم يحرم صومه (1).
أقول : الظاهر أنّه (قدس سره) غفل عن روايتين صحيحتين لزرارة غير هذه الرواية ، فإنّ المذكور فيهما كلمة : العيد ، لا : العيدان ، والمذكور في هذه الرواية أيضاً كلمة : العيد ، على ما في بعض النسخ ، وإن كان المذكور في أكثرها : العيدان.
وأمّا اتّحاد الضمير فلأجل أنّ مرجعه الداخل المستفاد من قوله : يدخل ، سواء أكان المذكور في النسخة العيد أم العيدان ، على أنّ بعض نسخ الكافي كالوسائل خالٍ عن الضمير.
وعلى كل حالٍ فقد عرفت أنّ هذه الرواية ضعيفة وغير قابلة للاعتماد عليها. وإنّما المعتمد غيرها ، وظهوره في وجوب صوم يوم العيد غير قابل للإنكار.
فيه أمران :
الأوّل : ذكر المحقّق في كتاب الشرائع جواز التلفيق في صوم شهرين متتابعين ،
1) الجواهر 17 : 88 89.
.................................................................................................
فيجوز له أن يصوم الشهر الأوّل مقداراً منه في شهر ومقداراً منه في الشهر الثاني : وذكر أنّه لا بدّ في التتميم من عدّ ثلاثين يوماً وإن كان الشهر الأول ناقصاً (1).
ويظهر من صاحب الجواهر (قدس سره) التسالم على جواز ذلك وإن كان قد تنظّر في لزوم العدّ ثلاثين يوماً إن كان الشهر الأوّل ناقصاً (2).
ولكن الظاهر عدم جواز ذلك فإنّ الشهر حقيقةٌ فيما بين الهلالين ، قال اللّه سبحانه ( إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً ) (3)، وإطلاقه على ثلاثين يوماً الملفّقة من شهرين يحتاج إلى العناية ، فإنّه على خلاف المعنى الحقيقي ، وإنّما يصار إليه فيما إذا قامت قرينة عليه كما في قوله تعالى ( وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً ) (4)، فإنّ القرينة الخارجيّة وهي ندرة وقوع الموت في الآن الأوّل ما قبل هلال الشهر ولزوم اتّصال العدّة بالموت أو بالعلم به دلّتنا على أنّ المراد بالشهر مقداره.
ونحوه ما ورد في عدّة طلاق المسترابة من أنّها ثلاثة أشهر ، وكذا في نفس طلاقها من لزوم وقوعه بعد ثلاثة أشهر من وطئها رعايةً لحصول شرط الوقوع في طهر غير المواقعة ، لما عرفت من ندرة وقوع الطلاق أو الوقاع في آنٍ يرى الهلال بعده.
وكذا نحو قولك : مكثت في بلدة كذا شهراً ، أو كانت مدّة سفري شهراً ، فإنّ المراد في الجميع ما يعمّ التلفيق كالعشرة أيّام المعتبرة في قصد الإقامة ، لما عرفت
.................................................................................................
من القرينة الخارجيّة ، وإلّا فاللفظ مع قطع النظر عنها ظاهر في معناه الحقيقي أعني : ما بين الهلالين بداهة أنّ الملفّق من نصفي الشهرين نصفان من شهرين لا أنّه شهر واحد ، كما أنّ الملفّق من سورتين نصفان مثلاً من سورتين لا أنّهما سورة واحدة.
ومن البيّن أنّ هذه القرينة مفقودة فيما نحن فيه ، إذ لم يدلّ أيّ دليل على جواز التلفيق. إذن فلا مناص من صوم شهر كامل هلالي ويوم آخر أو أكثر من الشهر الثاني.
ويزيد ما ذكرناه وضوحاً قول الإمام (عليه السلام) في صحاح زرارة : «ويصوم شهرين متتابعين من أشهر الحرم» فإنّ أشهر الحرم : رجب وذو القعدة وذو الحجّة ومحرّم ، والملفّق من شهرين منها وإن قلنا بأنّه يطلق عليه الشهر حقيقةً إلّا أنّه ليس من أشهر الحرم ، غايته أنّه واقع في أشهر الحرم.
والمتحصّل : أنّه يستفاد من هذه الروايات بوضوح أنّ اللازم صوم شهر هلالي كامل ولا يجزي التلفيق في مقام الامتثال وإن كان لم نعثر على من تنبّه لذلك واللّه العالم.
الثاني : إنّه يظهر من صحاح زرارة أنّه كان يرى أنّ صوم شهرين متتابعين من أشهر الحرم يلازم دخول العيد وأيام التشريق فيه وقد أقرّه الإمام (عليه السلام) على ذلك ، وهذا ينافي ما تقدّم من تحقّق التتابع بصوم شهر كامل وشيء من الشهر الآخر ، فإنّه إذا وقع القتل في شهر محرّم أو رجب أمكنه أن يصوم شهر ذي القعدة ويوماً أو أيّاماً قبل العيد ويصوم الباقي بعد أيّام التشريق ، وإذا وقع القتل في ذي القعدة أو ذي الحجّة فإن قلنا بجواز التلفيق أمكنه ذلك غالباً ، وإن لم نقل به أو لم يمكن كما إذا وقع القتل في آخر ذي الحجّة يؤخّر الصوم إلى السنة الآتية ، وعلى كلّ تقدير فلا يستلزم صوم شهرين متتابعين دخول
.................................................................................................
يوم العيد وأيّام التشريق.
وعليه ، فلا مناص من رفع اليد عن إطلاق ما دلّ على كفاية صوم شهر كامل وشيء من الشهر الآخر في حصول التتابع ، والالتزام بلزوم صوم ذي القعدة وذي الحجّة بتمامها أو صوم ذي الحجّة ومحرّم كذلك في خصوص القتل في أشهر الحرم ، تحفّظاً على ما دلّت عليه صحاح زرارة ، ولم نر في كلمات الفقهاء من تنبّه لذلك أيضاً.
المورد الثاني : ما ذكره في المتن وهو صوم ثلاثة أيّام بدل هدي التمتّع.
فإنّه لو صام الثلاثة في اليوم السابع والثامن والتاسع من ذي الحجّة فلا إشكال فيه ، لحصول المتابعة ، بل لا يبعد جواز الصوم من أوّل ذي الحجّة ، لدلالة النصوص المعتبرة عليه.
وأمّا لو لم يصم كذلك أو ورد ليلة التروية ولم يتمكّن من الهدي فالمعروف أنّه يجوز الصوم يوم التروية ويوم عرفة ويؤخّر الثالث إلى ما بعد العيد ، أو بعد أيّام التشريق لمن كان بمنى ، لحرمة الصوم له في هذه الأيّام كيوم العيد.
وهل يجب الاتّصال حينئذٍ ، أو أنّه يجوز الفصل إلى نهاية ذي الحجّة؟
كلام آخر خارج عن محلّ البحث وإن أشار إليه في المتن بقوله : بلا فصل.
والذي يهمّنا فعلاً البحث عن نفس التفريق وترك التتابع ، وقد عرفت أنّ المشهور ذهبوا إلى جوازه ، استناداً إلى الروايتين الآتيتين.
ولكن ناقش فيه صاحب المدارك بضعفهما سنداً ، فكيف يرفع اليد بهما عن الروايات الصحيحة الصريحة في أنّ من لم يتمكّن أو لم يصم الثلاثة قبل العيد فليصمها بعد أيّام التشريق؟! هذا ، والروايتان إحداهما :
.................................................................................................
ما رواه الشيخ بإسناده عن موسى بن القاسم وطريقه إليه صحيح عن محمّد بن أحمد عن مفضل بن صالح ، عن عبد الرحمن بن الحجّاج ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : فيمن صام يوم التروية ويوم عرفة «قال : يجزيه أن يصوم يوماً آخر» (1).
وهي ضعيفة السند بمفضّل بن صالح أبي جميلة الذي ضعّفه النجاشي (2)وغيره صريحاً ، ومعه لا حاجة للتكلّم حول محمّد وأحمد وأنّهما من هما.
وثانيتهما : ما رواه الشيخ عنه أيضاً عن النخعي وهو أيّوب بن نوح عن صفوان ، عن يحيى الأزرق ، عن أبي الحسن (عليه السلام) قال : سألته عن رجل قدم يوم التروية متمتّعاً وليس له هدي فصام يوم التروية ويوم عرفة «قال : يصوم يوماً آخر بعد أيّام التشريق» (3)، ورواها الصدوق أيضاً بإسناده عن يحيى الأزرق.
وقد نوقش في سندها بأنّ يحيى الأزرق مردّد بين ابن حسّان الضعيف وابن عبد الرحمن الثقة ، ولا يبعد أنّ هذا هو الأوّل ، فإنّ الصدوق يرويها عن يحيى الأزرق كما عرفت ، ثمّ يقول في المشيخة : وما أرويه عن يحيى الأزرق فقد رويته عن ... إلى أن يقول : عن يحيى بن حسّان الأزرق (4). فيعلم من ذلك أنّ مراده ممّا أطلقه في الفقيه هو ابن حسّان الضعيف ، فيكون هو المراد في رواية
.................................................................................................
الشيخ أيضاً كما لا يخفى.
ولا يصغي إلى ما احتمله بعضهم من كون النسخة في المشيخة مغلوطة وأنّ الصحيح : عبد الرحمن ، بعد تطابق النسخ فيما ندري على كلمة «حسّان» كما ذكرناه.
وما في خاتمة الوسائل نقلاً عن مشيخة الفقيه من قوله : وما كان فيه عن يحيى بن حسّان الأزرق فقد رويته عن أبي إلى قوله : عن يحيى بن حسّان الأزرق (1). حيث كرّر ذكر حسان في الصدر والذيل.
غلط قطعاً ، إذ لم يرو الصدوق في الفقيه ولا رواية واحدة بعنوان يحيى بن حسّان الأزرق ، بل كلّه بعنوان يحيى الأزرق ، والصحيح ما أثبتناه من ذكر حسّان في الذيل وحذفه عن الصدر.
وكيفما كان ، فالمراد بالرجل في رواية الفقيه هو ابن حسّان ، فيكون كذلك في رواية الشيخ أيضاً ، إذ هي رواية واحدة لا فرق بينهما ، غير أنّ الصدوق يرويها عن أبي إبراهيم (عليه السلام) ، والشيخ عن أبي الحسن (عليه السلام) ، الذي لا تأثير له في المطلوب بعد أن كان كلّ منهما كنية للإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) ، ولأجله يحكم بضعف الرواية ، فيبتني على البحث المعروف من أنّ عمل المشهور هل يكون جابراً لها أم لا؟ وحيث لا نقول بالجبر فتسقط الرواية ، ولا يبقى مستند لفتوى المشهور كما صرّح به في المدارك (2).
هذا ، ولكن الظاهر أنّ الرواية معتبرة ، وأنّ المراد بيحيى الأزرق هو ابن عبد الرّحمن الثقة دون ابن حسّان الضعيف.
.................................................................................................
أمّا أوّلاً : فلأنّ ابن حسّان من أصحاب الصادق (عليه السلام) كما نصّ عليه الشيخ في رجاله (1)، وابن عبد الرّحمن من أصحاب الكاظم (عليه السلام) ، والرواية مرويّة عن موسى بن جعفر (عليه السلام) كما عرفت.
وثانياً : إنّ ابن حسّان لم تُروَ عنه في مجموع الفقه ولا رواية واحدة ، فليس هو من الرواة وإن عدّه الشيخ من أصحاب الصادق (عليه السلام) ، فإنّ شأنه استقصاء كلّ من صاحب الإمام (عليه السلام) وعاصره ، سواء أرَوى عنه أم لا ، حتّى أنّه عدّ المنصور أيضاً من أصحاب الصادق (عليه السلام) (2).
وأمّا يحيى بن عبد الرّحمن فهو من الرواة المشهورين ، وله كتاب رواه عنه علي بن الحسن بن رباط وابن سماعة والقاسم بن إسماعيل القرشي ، فاشتهاره بين الرواة ولا سيّما بضميمة عدم وجود رواية عن ابن حسّان كما عرفت يستدعي انصراف اللفظ عند الإطلاق إليه.
ويؤيّده أنّ الشيخ روى في التهذيب في باب الخروج إلى الصفا رواية عن صفوان وعلي بن النعمان عن يحيى بن عبد الرّحمن الأزرق (3)، وروى في باب الزيادات في فقه الحجّ نفس هذه الرواية بعين السند والمتن ولكن عن يحيى الأزرق (4)، كما أنّ الصدوق أيضاً رواها في الفقيه في باب حكم من قطع عليه السعي كذلك (5).
.................................................................................................
فيظهر أنّ المراد من يحيى الأزرق عند الإطلاق هو ابن عبد الرحمن كما عرفت.
ومن ذلك كلّه يظهر أنّ ما ذكره الفقيه في المشيخة من قوله : عن يحيى بن حسّان الأزرق كما تقدّم إمّا غلط من النسّاخ ، أو سهو من قلمه الشريف ، أو اجتهاد منه ، فتخيّل أنّ ما تلقّاه من مشايخه عن يحيى الأزرق يراد به ابن حسّان ، وقد أخطأ فيه.
ولو تنازلنا وسلمنا صحّة نسخة المشيخة وعدم الخطأ والاشتباه فغايته أن يكون المراد بيحيى الأزرق في رواية الصدوق هو ابن حسّان بقرينة التصريح به في المشيخة ، وأمّا في رواية الشيخ فكلّا ، إذ لا مقتضي له أبداً بعد انصراف المطلق إلى الفرد المشهور وسائر القرائن التي تقدّمت ، فهو في رواية الشيخ يراد به ابن عبد الرّحمن الثقة البتّة.
فغاية ما هناك أن تكون الرواية مرويّة عن الكاظم (عليه السلام) بطريقين عن رجلين : أحدهما طريق الصدوق بإسناده عن أبان عن يحيى بن حسّان ، والآخر طريق الشيخ بإسناده عن صفوان بن يحيى بن عبد الرّحمن ، ولا ضير في روايتها عن الكاظم (عليه السلام) مرّتين ، فإذا كان الطريق الثاني صحيحاً كفى في اعتبار الرواية وإن كان الطريق الأوّل ضعيفاً.
فتحصّل : انّه لا ينبغي التأمّل في صحّة الرواية واعتبارها ، وأنّ مناقشة صاحب المدارك في غير محلّها ، فالأقوى ما عليه المشهور من صحّة الاستثناء.
ثمّ إنّ صاحب الجواهر ذكر في كتاب الصوم في بحث اشتراط التتابع (1)صحيحة عبد الرّحمن بن الحجّاج : قال : كنت قائماً أُصلّي وأبو الحسن قاعد قدّامي وأنا لا
1) لاحظ الجواهر 17 : 83.
.................................................................................................
أعلم ، فجاءه عباد البصري فسلّم ثمّ جلس ، فقال له : يا أبا الحسن ، ما تقول في رجل تمتّع ولم يكن له هدي؟ «قال : يصوم الأيّام التي قال اللّه تعالى» قال ، فجعلت سمعي إليهما ، فقال له عباد : وأيّ أيّام هي؟ «قال : قبل التروية بيوم ، ويوم التروية ، ويوم عرفة» قال : فإن فاته ذلك؟ «قال : يصوم صبيحة الحصبة ويومين بعد ذلك» قال : فلا تقول كما قال عبد اللّه بن الحسن؟ «قال : فأيّ شيء قال؟» قال : يصوم أيام التشريق «قال : إنّ جعفراً كان يقول : إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) أمر بديلاً ينادي : إنّ هذه أيّام أكل وشرب فلا يصومنّ أحد» قال : يا أبا الحسن ، إن اللّه قال ( فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ ) (1)«قال كان جعفر يقول : ذو الحجّة كلّه من أشهر الحجّ» (2).
قال الشيخ (قدس سره) في التهذيب بعد نقل الرواية كما ذكرناها ما لفظه : ومن صام يوم التروية ويوم عرفة فإنّه يصوم يوماً آخر بعد أيّام التشريق ، ومتى لم يصم يوم التروية لا يجوز له أن يصوم يوم عرفة ، بل يجب عليه أن يصوم بعد انقضاء أيّام التشريق ثلاثة أيّام متتابعات ، يدلّ على ذلك ما رواه موسى بن القاسم ... إلخ (3).
وهذه الزيادة كما ترى من عبارة الشيخ وليست جزء من الرواية ، ولم يلحقها بها أحد لا صاحب الوسائل ولا غيره ، إلّا أنّ صاحب الجواهر (قدس سره) جعلها جزءاً منها ، ولأجله ذكرها في جملة الروايات المستدل بها للمشهور ، ولكنّه سهو منه (قدس سره) ، ولذا لم يذكرها في باب الذبح ، بل اقتصر على الروايتين المتقدّمتين.
[2553] مسألة 5 : كلّ صوم يشترط فيه التتابع إذا أفطر في أثنائه لا لعذر اختياراً يجب استئنافه (1) ، وكذا إذا شرع فيه في زمانٍ يتخلّل فيه صوم
ثمّ لا يخفى أنّا إذا بنينا على تماميّة مقالة المشهور من جواز التفريق استناداً إلى النصّ الذي عرفت صحّته ، فلا بدّ حينئذٍ من الاقتصار على مورده ، أعني : صيام يوم التروية وعرفة ، وتأخير الثالثة. وأمّا صيام يوم واحد قبل العيد أمّا التروية أو عرفة وتأخير يومين بحيث يكون التفريق بين يوم ويومين فالظاهر عدم جوازه ، لعدم الدليل على صحّة التفريق بهذا النحو ، فيبقى تحت عمومات المنع.
وبعبارة اخرى : مقتضى إطلاق الأدلّة اعتبار المتابعة وعدم جواز التفريق مطلقاً ، خرجنا عن ذلك في مورد واحد بموجب النصّ ، وهو تقديم يومين على العيد وتأخير يوم ، فيُرتكب التخصيص بهذا المقدار ، وأمّا عكس ذلك أعني : تقديم يوم وتأخير يومين فلم يدلّ دليل على جواز هذا النوع من التفريق ، فيشمله عموم المنع.
وقد ورد في بعض النصوص المنع عن صوم يوم التروية ويوم عرفة ، وقد حمله الشيخ على إرادة صوم كلّ منهما على سبيل الانفراد (1). وهو جيّد ومؤيّد لما ذكرناه من عدم جواز التفريق المزبور.
(1) قد يكون التتابع شرطاً في الصوم ، وأُخرى من قبيل الواجب في واجب من دون افتراض الاشتراط.
1) التهذيب 5 : 232.
واجب اخرى من نذرٍ ونحوه.
وأمّا ما لم يشترط فيه التتابع وإن وجب فيه بنذرٍ أو نحوه فلا يجب استئنافه وإن أثم بالإفطار ، كما إذا نذر التتابع في قضاء رمضان فإنّه لو خالف وأتى به متفرّقاً صحّ وإن عصى من جهة خلف النذر.
أمّا الأوّل : فكما في صوم الشهرين المتتابعين في كفّارة رمضان ، أو الظهار ، أو القتل ، حيث إنّ ظاهر الأدلّة بل صريحها تعلّق أمر واحد بالمجموع المركّب من المقيّد وقيده ، فليس الواجب صوم الشهرين على إطلاقه ، بل حصّة خاصّة منه المتّصفة بالتتابع ، فلو أخلّ بالقيد عامداً فصام الشهرين متفرّقاً فقد أخلّ بأصل الواجب ، لانتفاء المشروط بانتفاء شرطه ، فلم تفرغ الذمّة عن الكفّارة بوجه.
ودعوى أنّ التتابع حينئذٍ واجب تعبّدي.
خلاف ظواهر الأدلّة جدّاً ، بل صريحها حسبما عرفت.
وأمّا الثاني : فكما لو نذر أن يصوم ما فاته من قضاء شهر رمضان متتابعاً ، فإنّ الأمر المتعلّق بالقضاء موسّع ، وإطلاق دليله لا يتقيّد بالنذر بحيث ينقلب قلم التشريع من الإطلاق إلى التضييق ، ضرورة أنّ النذر لا يكون مشرّعاً ولا يتغيّر ولا يتبدّل به حكمٌ من الأحكام المجعولة بالجعل الأولي ، غايته أنّ الناذر قد جعل على نفسه شيئاً وقد أمضاه الشارع ، وهذا حكم آخر نشأ عن ملاكٍ آخر ، فهو تكليف مستقلّ لا يترتّب على مخالفته إلّا الإثم والكفّارة لو كان عامداً ، وإلّا فلا شيء عليه ، فلو قضى الناذر المزبور صيامه متفرّقاً فقد برئت
[2554] مسألة 6 : إذا أفطر في أثناء ما يشترط فيه التتابع لعذرٍ من الأعذار كالمرض والحيض (1) والنفاس
ذمّته عن القضاء وصحّ صومه وإن عصى من جهة مخالفة النذر ، وهذا مثل ما لو نذر أن يقضي ما فاته من صلواته متتابعاً أو أن يصلّى الظهر جماعةً أو في المسجد أو أوّل الوقت ، فإنّه لو أخلّ به صحّت صلاته وإن أثم من أجل حنث النذر ، ولزمته الكفّارة مع العمد حسبما عرفت.
(1) يقع الكلام تارةً فيما لو أفطر لعذرٍ أثناء الشهرين المتتابعين ، وأُخرى فيما لو أفطر في غير الشهرين من سائر أقسام الصوم المشروط فيه التتابع ، فهنا مقامان :
أمّا المقام الأوّل : فلا خلاف كما لا إشكال في أنّه يبني على ما مضى ، بل هو مورد للإجماع والاتّفاق ، فلا يعتني بالإفطار المتخلّل في البين المستند إلى عذرٍ من الأعذار من مرضٍ أو حيضٍ أو نفاسٍ ونحوها ، بل يفرض كالعدم ، وينضمّ اللاحق إلى السابق.
وقد دلّت عليه جملة من النصوص معلّلاً في بعضها بأنّه ممّا غلب اللّه عليه ، وليس على ما غلب اللّه عليه شيء ، التي منها صحيحة رفاعة : عن رجل عليه صيام شهرين متتابعين فصام شهراً ومرض «قال : يبني عليه ، اللّه حبسه» قلت : امرأة كان عليها صيام شهرين متتابعين فصامت وأفطرت أيّام حيضها «قال : تقضيها» قلت : فإنّها قضتها ثمّ يئست من المحيض «قال : لا تعيدها ، أجزأها ذلك» (1).
وصحيحة سليمان بن خالد : عن رجل كان عليه صيام شهرين متتابعين
1) الوسائل 10 : 374 / أبواب بقية الصوم الواجب ب 3 ح 10.
.................................................................................................
فصام خمسة وعشرين يوماً ثمّ مرض ، فإذا برئ يبني على صومه أم يعيد صومه كلّه؟ «قال : بل يبني على ما كان صام ثمّ قال : هذا ممّا غلب اللّه عليه ، وليس على ما غلب اللّه عزّ وجلّ عليه شيء» (1)، ونحوهما غيرهما.
ولكن بإزائها صحيحة جميل ومحمّد بن حمران عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : في الرجل الحرّ يلزمه صوم شهرين متتابعين في ظهار فيصوم شهراً ثمّ يمرض «قال : يستقبل ، فإن زاد على الشهر الآخر يوماً أو يومين بنى على ما بقي» (2).
والنكتة في التقييد بالحرّ أنّ كفّارة العبد شهر واحد نصف الحرّ.
وقد حُملت تارةً : على الاستحباب ، وهو كما ترى ، لما تكرّر في مطاوي هذا الشرح من أنّ قوله : «يستقبل» أو : «يعيد» ونحو ذلك ، ظاهرٌ في الإرشاد إلى الفساد ، كما أنّ : «لا يعيد» إرشادٌ إلى الصحّة والإجزاء من غير أن يتضمّن حكماً تكليفيّاً ، ولا معنى لاستحباب الفساد كما لا يخفى.
وأُخرى كما فعله الشيخ (3)- : على ما إذا لم يبلغ المرض حدّا يمنع عن الصوم ، فقوله : «يستقبل» أي يسترسل في صيامه ولا يفطر.
وهو أيضاً بمكانٍ من البعد وعريّ عن الشاهد ، فإنّ ظاهر كلمة «يستقبل» هو أنّه يستأنف ويشرع من الأول ، بل أنّ مفهوم الذيل يجعله كالصريح في ذلك كما لا يخفى.
فهذان الحملان بعيدان عن المتفاهم العرفي جدّاً.
وعليه ، فلو كنّا نحن وهذه الصحيحة وكانت سليمة عن المعارض لالتزمنا بالتخصيص في النصوص المتقدّمة ، لأنّها مطلقة من حيث الكفّارة ومن حيث
.................................................................................................
العذر ، وهذه خاصّة بكفّارة الظهار وبعذر المرض ، فيخصص ويلتزم بالاستئناف وعدم جواز البناء على ما مضى في خصوص هذا المورد ، فتأمّل.
إلّا أنّها في موردها مبتلاة بالمعارض ، وهي صحيحة أُخرى لرفاعة الواردة في الظهار بعينه «قال : المظاهر إذا صام شهراً ثمّ مرض اعتدّ بصيامه» (1).
ومعلوم أنّ المخصّص المبتلى في مورده بالمعارض غير صالح للتخصيص. إذن تسقط الروايتان بالمعارضة ، فيرجع إلى عموم الروايات المتقدّمة المتضمّنة للبناء على الإطلاق.
نعم ، قد يتوهّم معارضتها بصحيحة الحلبي التي هي أيضاً مطلقة تشمل الظهار وغيره عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : عن قطع صوم كفّارة اليمين وكفّارة الظهار وكفّارة القتل «فقال : إن كان على رجل صيام شهرين متتابعين إلى أن قال : وإن صام شهراً ثمّ عرض له شيء فأفطر قبل أن يصوم من الآخر شيئاً فلم يتابع أعاد الصوم كلّه» (2).
ويندفع : بأنّ قوله (عليه السلام) : «ثمّ عرض له شيء» إلخ ، مطلق من حيث كون العارض أمراً غير اختياري وممّا غلب اللّه عليه مثل المرض والحيض ونحوهما ، أو اختياريّاً مثل ما لو عرض شيء يقتضي سفره اختياراً من عرس أو موت أو معالجة ونحو ذلك من الضروريّات العرفيّة المستدعية للإفطار الاختياري من غير أن يكون معذوراً فيه شرعاً ، إذ يصدق معه أيضاً عرض له شيء كما لا يخفى.
فلا جرم تكون هذه الصحيحة أعمّ من النصوص المتقدّمة الخاصّة بمورد
.................................................................................................
العذر الذي غلب اللّه عليه ، فتحمل هذه على غير مورد العذر من العوارض الاختياريّة ، وتخصّص بتلك النصوص ، فلا تعارض.
فتحصّل : أنّ النصوص المتضمّنة للبناء في مورد العذر سليمة عن المعارض ، والمسألة اتّفاقيّة كما عرفت.
وأمّا المقام الثاني أعني : حكم القطع من حيث البناء وعدمه في غير الشهرين المتتابعين من سائر أقسام الصيام المشروط فيها التتابع ، كصوم الشهر في كفّارة الظهار من العبد الذي هو نصف كفّارة الحرّ ، وصوم الثمانية عشر بدل البدنة ، أو التسعة أو الثلاثة ونحو ذلك - : فيقع الكلام تارةً فيما لو قطع اختياراً ، وأُخرى لعذرٍ من مرضٍ أو حيضٍ ونحوهما.
أمّا الأوّل : فسيأتي الكلام حوله عند تعرّض الماتن له في المسألة الآتية إن شاء اللّه عالي.
وأمّا الثاني : فالأكثر بل المشهور هو البناء بعد ارتفاع العذر على ما قطع مطلقاً ، كما هو الحال في الشهرين ، نظراً إلى عموم التعليل الوارد في ذيل صحيحة سليمان بن خالد المتقدّمة في صوم الشهرين من قوله (عليه السلام) : «وليس على ما غلب اللّه عزّ وجلّ عليه شيء» ، فإنّه يقتضي سريان الحكم لكلّ مورد غلب اللّه عليه من غير اختصاص بمورده ، فعموم العلّة حاكم على الأدلّة الأوليّة ، وموجب لشمول الحكم لكلّ صوم مشروط فيه التتابع وأنّه يبني في صورة العذر.
وبإزاء المشهور أقوال :
منها : ما عن صاحب المدارك من إنكار البناء مطلقاً ، نظراً إلى اختصاص النصوص بالشهرين بأجمعها ما عدا رواية ابن أشيم الضعيفة (1)على المشهور ،
1) الوسائل 10 : 371 / أبواب بقية الصوم الواجب ب 3 ح 2.
.................................................................................................
فلا بدّ من الاقتصار في الحكم المخالف لمقتضى القاعدة على مورد النصّ ، فيبقى المكلّف في غيره تحت العهدة إلى أن يتحقّق الامتثال بالإتيان بالمأمور به على وجهه المقتضي لرعاية المتابعة عملاً بعموم أدلّتها (1).
ويندفع : بأنّ مورد النصوص وإن كان مخصوصاً بالشهرين كما ذكره (قدس سره) إلّا أنّ التعليل المزبور الوارد في ذيل صحيحة سليمان بن خالد قرينة عرفيّة على التعدّي وارتكاب التخصيص في عمومات التتابع ، إذ لم يكن مختصّاً بمورده ، وإلّا لم يكن وجهٌ للتعليل كما لا يخفى ، فهو بحسب الفهم العرفي يقتضي التوسعة في نطاق الحكم وأنّ كلّ ما كان مصداقاً لغلبة اللّه فهو محكوم بالبناء.
ومنها : ما عن جماعة من التفصيل بين كلّ ثلاثة يجب تتابعها ككفّارة اليمين ونحوها ، وبين غيرها ، فيختصّ البناء بالثاني ، أمّا الأوّل فيجب الاستئناف إذا أفطر بينها لعذرٍ أو لغير عذر إلّا ثلاثة الهدي كما تقدّم (2).
ويندفع : بعدم الدليل على الاختصاص ، عدا ما ورد في ذيل صحيحة الحلبي من قوله (عليه السلام) : «صيام ثلاثة أيّام في كفّارة اليمين متتابعات ولا تفصل بينهنّ» (3)، ونحوه صحيح ابن سنان (4)، وخبر الجعفري (5). ولكنّها مطلقة من حيث الاختيار والاضطرار ، فتقيَّد بمقتضى عموم التعليل المزبور وتُحمل على إرادة عدم جواز الفصل اختياراً دون ما غلب اللّه عليه من مرض ونحوه ، إذ لا قصور في صلوح التعليل المزبور لتخصيص هذه الأدلّة أيضاً كغيرها حسبما عرفت.
.................................................................................................
ومنها : ما عن الشيخ (قدس سره) في النهاية من التفصيل فيمن نذر أن يصوم شهراً متتابعاً فعرض ما يفطر فيه بين بلوغ النصف وعدمه فيبني في الأوّل ويستأنف في الثاني (1).
والظاهر أنّ مستنده في ذلك هي رواية موسى بن بكر إمّا بواسطة الفضيل أو بدونه ، عن الصادق أو أبي جعفر (عليهما السلام) ، على اختلاف طريق الكليني والشيخ حسبما مرّ : في رجل جعل عليه صوم شهر فصام منه خمسة عشر يوماً ثمّ عرض له أمر «فقال : إن كان صام خمسة عشر يوماً فله أن يقضي ما بقي ، وإن كان أقلّ من خمسة عشر يوماً لم يجزه حتّى يصوم شهراً تامّاً» (2).
فإنّها وإن لم يصرّح فيها بنذر التتابع إلّا أنّ قوله (عليه السلام) في الجواب : «حتّى يصوم شهراً تامّاً» يكشف عن تعلّق النذر بالمتابعة ، كيف؟! ولو لا ذلك لم يكن موقع للسؤال من أصله ، ضرورة وضوح عدم لزوم الاستئناف فيما لو كان مطلقاً أو على سبيل التفريق كأن يصوم شهراً خلال أربعة أشهر كلّ شهر أُسبوع مثلاً كما هو ظاهر.
ويندفع : بأنّ الرواية وإن كانت معتبرة السند ، لوجود موسى بن بكر في إسناد تفسير علي بن إبراهيم وإن لم يوثّق (3)صريحاً في كتب الرجال كما تقدّم (4)،
والسفر الاضطراري دون الاختياري (1) لم يجب استئنافه ، بل يبني على ما مضى.
إلّا أنّها قاصرة الدلالة على المطلوب إلّا بالإطلاق ، إذ العارض المفروض في السؤال مطلق من حيث الاضطرار والاختيار ، فكما أنّه يصدق مع العذر الذي يكون ممّا غلب اللّه عليه ، كذلك يصدق مع عروض الضرورة العرفيّة المقتضية للإفطار اختياراً ، كما لو دعت الحاجة إلى السفر لأجل زفاف أو استقبال مسافر ، أو معالجة ، أو تجارة ونحو ذلك.
ومقتضى الجمع بينها وبين التعليل في صحيحة ابن خالد المتقدّمة ارتكاب التقييد ، فتحمل هذه على العارض الاختياري. إذن تكون هذه الرواية من أدلّة التفصيل في العارض الاختياري بين بلوغ النصف وعدمه في صوم الشهر المشروط فيه التتابع ، الذي يقع الكلام حوله في المسألة الآتية إن شاء اللّه تعالى ، وأجنبيّة عن الإفطار لعذر الذي هو محلّ الكلام.
(1) وقع الخلاف في السفر الواقع أثناء الصوم المشروط فيه التتابع من حيث القطع وعدمه على أقوال ثلاثة :
فقد ذهب في المستند إلى أنّ السفر قاطع للتتابع من غير فرق بين الاختياري والاضطراري ، بل استظهر الإجماع عليه (1)، واختاره في محكيّ الوسيلة والسرائر وظاهر الخلاف (2)، نظراً إلى استناده حتّى الاضطراري منه إلى فعل العبد ، فلا يكون ممّا غلب اللّه عليه.
.................................................................................................
وبإزاء ذلك ما قوّاه في الجواهر من عدم القطع مطلقاً ، استناداً إلى أنّه بعد السفر حتّى الاختياري محبوسٌ عن الصوم ، مقهورٌ من قبل اللّه تعالى على الإفطار (1).
وذهب المحقّق في المعتبر وتبعه جمع منهم الماتن (قدس سره) إلى التفصيل بين السفر الاختياري فيقطع دون الاضطراري (2).
أقول : مبنى النزاع هو الاختلاف في تفسير المراد ممّا غلب اللّه المذكور في التعليل الوارد في ذيل صحيحة سليمان بن خالد المتقدّمة.
فصاحب المستند يفسّره بما لا يكون لإرادة العبد مدخل في تحقّق السبب الموجب للإفطار مثل المرض والحيض ونحوهما ، أمّا السفر فهو فعل إرادي يفعله المكلّف باختياره وإن كان الباعث عليه هو الاضطرار والضرورة الملحّة ، فهو إذن ليس ممّا غلب اللّه عليه في شيء ، بل هو بنفسه عامد في ترك التتابع ، فلا تشمله الصحيحة ، وعلى تقدير الشمول فهو معارض بإطلاق قوله (عليه السلام) في صحيحة الحلبي : «وإن صام شهراً ثمّ عرض له شيء فأفطر قبل أن يصوم من الآخر شيئاً فلم يتابع أعاد الصوم كلّه» (3)، فإنّ العارض يشمل السفر أيضاً ، وبعد التساقط يرجع إلى عمومات أدلّة التتابع.
وصاحب الجواهر يفسّره بما إذا كان الإفطار المخلّ بالتتابع ممّا غلب اللّه وألزم عليه بحيث يكون هو الذي حبسه ومنعه عن الصوم ، سواء أكان السبب المؤدّي للإفطار المزبور اختياريّاً للمكلّف أم اضطراريّاً ، فهو (قدس سره) يقصر النظر على المسبَّب أعني : الإفطار ويجعله مركز لغلبة اللّه في قبال الإفطار
.................................................................................................
الذي يفعله المكلّف من تلقاء نفسه ، كما أنّ نظر صاحب المستند مقصور على السبب فقط ، الموجب للإفطار حسبما عرفت.
والصحيح لزوم الجمع بين النظرين وملاحظة كلا الأمرين ، الذي نتيجته اختيار حدّ وسط بين القولين ، معتدل بين جانبي الإفراط والتفريط ، وهو الذي اختاره في المتن تبعاً للمحقّق.
إذ لا وجه لقصر النظر على المسبَّب وإلغاء السبب ، ضرورة أنّ الإفطار بعد اختيار السفر وإن كان ممّا ألزم عليه الشارع ، إلّا أنّ هذا المقدار لا يكفي في جعله ممّا غلب اللّه بعد أن كانت تلك المقهوريّة الشرعيّة مستندة إلى اختيار المكلّف ، فإنّه هو الذي أوقع نفسه في هذه الورطة باختيار مقدّمتها وهو السفر من غير ضرورة تقتضيه ، فمجرّد الحبس التشريعي غير كافٍ في صدق الغلبة بعد أن كان مستنداً ومسبّباً عن الاختيار التكويني ، فلا يكون الإخلال بالمتابعة حينئذٍ إلّا من قبل المكلّف نفسه باختياره ما يؤدّي إليه.
كما لا وجه لقصر النظر على السبب ، فإنّ السفر وإن كان فعلاً اختياريّاً للعبد ، إلّا أنّه إذا كان مسبوقاً بالاضطرار أو بالإكراه أي كان الباعث عليه الإلزام من قبل العقل أو الشرع بحيث لا يسعه التخلّف عنه فهو لا جرم مقهور عليه في إرادته لا مفرّ منها ولا مخلص عنها ، ومثله مصداق لغلبة اللّه بطبيعة الحال.
أترى أنّ الصائم لو شاهد غريقاً يمكنه استنقاذه المتوقّف على الارتماس ، وهو حينئذٍ ملزم من قبل الشارع بهذا الارتماس مقهورٌ عليه ، لا يكون ذلك ممّا غلب اللّه عليه؟ كلّا ، بل هو من أظهر مصاديق هذا العنوان في نظر العرف وإن كان الارتماس فعلاً اختياريّاً له.
وعلى الجملة : فالتعليل ينطبق على السفر أيضاً فيما إذا كان اضطراريّاً كما
ومن العذر ما إذا نسي النيّة حتّى فات وقتها (1) بأن تذكّر بعد الزوال.
ومنه أيضاً ما إذا نسي فنوى صوماً آخر ولم يتذكّر إلّا بعد الزوال.
ينطبق على الحيض والمرض بمناطٍ واحد ، وبذلك يُرتكب التقييد في إطلاق صحيح الحلبي المتقدّم ، ويُحمل على ما إذا كان العارض من سفرٍ ونحوه أمراً اختياريّاً بحيث لا يكون ممّا غلب اللّه عليه ، جمعاً بينه وبين التعليل المزبور.
فتحصّل : أنّ التفصيل المذكور في المتن بين السفر الاختياري والاضطراري هو المتعيّن ، ويجري مثله في المرض والحيض بنفس المناط كما لا يخفى.
(1) لصدق ما غلب اللّه عليه المذكور في التعليل على ما فات نسياناً ، سواء أكان المنسي أصل النيّة أم عنوان الصوم.
وناقش فيه في الحدائق بأنّ النسيان من الشيطان كما يفصح عنه قوله تعالى ( فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ ) (1)، فهو من غلبته لا من غلبة اللّه تعالى الذي هو الموضوع في التعليل (2).
ولعلّ الجواب عنه واضح :
أمّا أوّلاً : فلأنّ الآية المباركة ناظرة إلى قضيّة شخصيّة فلا تدلّ على أنّ النسيان من الشيطان دائماً ، وعلى سبيل الكبرى الكلّيّة فإنّ مفادها قضيّة خارجيّة لا حقيقيّة.
وثانياً : سلّمنا ذلك ، لكن لا يلزم في صدق ما غلب اللّه أن يكون الفعل
ومنه أيضاً ما إذا نذر قبل تعلّق الكفّارة صوم كلّ خميس فإن تخلّله في أثناء التتابع لا يضرّ به (1)(1) ، ولا يجب عليه الانتقال إلى غير الصوم من الخصال في صوم الشهرين لأجل هذا التعذّر.
نعم ، لو كان قد نذر صوم الدهر قبل تعلّق الكفّارة اتّجه الانتقال إلى سائر الخصال.
مستنداً إليه تعالى مباشرةً ومن غير وساطة أيّ مخلوق ، فلو فرضنا أنّ شخصاً ضرب الصائم فأمرضه ، وبالنتيجة منعه عن التتابع أفلا يكون ذلك من غلبة اللّه وحبسه لمجرّد استناد المرض إلى الضرب المستند إلى الضارب؟ بل كثيراً ما يستند المرض إلى نفس المريض من أجل عدم مبالاته في المأكل والملبس وعدم وقايته عن البرد أو الحرّ وإن لم يعلم بترتّب المرض حينما يأكل ما يضرّه أو ينام في معرض الاستبراد مثلاً.
وعلى الجملة : فجميع الأفعال الصادرة من العباد من الشيطان أو الإنسان مستندة إليه تعالى على نحو يسلم عن الجبر ويكون أمراً بين الأمرين على ما حقّقناه في الأُصول في مبحث الطلب والإرادة (2).
وعليه ، فالمراد من غلبة اللّه الواردة في التعليل : ما يقابل الإفطار الاختياري ولو كان بتوسّط المخلوقين كما هو ظاهر.
(1) لما عرفت من صدق غلبة اللّه الناشئ من وجوب الوفاء بالنذر المانع
[2555] مسألة 7 : كلّ من وجب عليه شهران متتابعان من كفّارة معيّنة أو مخيّرة إذا صام شهراً ويوماً متتابعاً يجوز له التفريق في البقيّة ولو اختياراً لا لعذر (1) ، وكذا لو كان من نذر أو عهد لم يشترط فيه تتابع الأيّام جميعها ولم يكن المنساق منه ذلك.
من إمكان التتابع ، فمثله لا يكون قادحاً ، فيصوم نذراً ، ثمّ يصوم بدله يوماً آخر إلى أن تكمل الكفّارة.
لكن هذا فيما لو تعلّق نذره بعنوان خاصّ بأن يصوم يوم الخميس بعنوان النذر ، وأمّا لو كان متعلّقه مطلقاً غير معنون بأيّ عنوان ، فنذر أن يكون هذا اليوم صائماً ولو بعنوان آخر من قضاء أو إجارة أو كفّارة ونحو ذلك في قبال أن يكون مفطراً ، فالظاهر أنّ هذا لا يوجب التخلّل من أصله ، بل يحسب من الكفّارة أيضاً ، لعدم منافاته مع النذر بوجه.
ومنه يظهر الحال في نذر صوم الدهر ، فلا يتّجه الانتقال إلى سائر الخصال حتى في هذا الفرض ، لما عرفت من عدم المنافاة ، فيقع امتثالاً لكلٍّ من النذر والكفّارة بعنوانين حسبما عرفت.
(1) كما سبق التعرّض له في المسألة الأُولى وقلنا : إنّ عمدة المستند فيه صحيحة الحلبي المتضمّنة لتفسير التتابع في الشهرين وشرحه وأنّ المراد به متى أطلق ضمّ جزء من الشهر الثاني إلى الأوّل فلا يضرّ التفريق بعدئذٍ اختياراً (1)، الحاكمة على جميع الأدلّة الأوليّة.
1) الوسائل 10 : 373 / أبواب بقية الصوم الواجب ب 3 ح 9.
.................................................................................................
ولولاها لأشكل إثبات الحكم على سبيل العموم بحيث يشمل صيام الشهرين في الكفّارة المعيّنة والمخيّرة ، لاختصاص مورد النصوص بالأول ، فإنّ صحيحة منصور بن حازم موردها الظهار الذي يجب فيه صيام الشهرين معيّناً ، فقد روى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه قال في رجل صام في ظهار شعبان ثمّ أدركه شهر رمضان «قال : يصوم شهر رمضان ويستأنف الصوم ، فإن هو صام في الظهار فزاد في النصف يوماً قضى بقيّته» (1).
وكذلك الحال في موثّقة سماعة ، قال : سألته عن الرجل يكون عليه صوم شهرين متتابعين ، أيفرّق بين الأيّام؟ «فقال : إذا صام أكثر من شهر فوصله ثمّ عرض له أمر فأفطر فلا بأس ، فإن كان أقلّ من شهر أو شهراً فعليه أن يعيد الصيام» (2).
فإنّها أيضاً ناظرة إلى الكفّارة التعيينيّة من ظهارٍ أو قتل ونحوهما ، إذ هي التي يصحّ أن يعبّر عنها بما تضمّنه الموثّق من قوله : عن الرجل يكون عليه صيام شهرين متتابعين ... إلخ ، الظاهر في الوجوب التعييني.
أمّا في المخيّرة فلا يصحّ ذلك ، لأنّ الواجب حينئذٍ إنّما هو الجامع بين الخصال الثلاث لا خصوص صيام الشهرين.
ومن هنا مرّ أنّه لدى العجز عنه لا ينتقل إلى صوم الثمانية عشر الذي هو بدل عنه كما ينتقل إليه في الكفارة المعيّنة ، لاختصاص البدليّة بمورد وجوب المبدل منه ، ولا وجوب لصيام الشهرين في المخيّرة.
ومنه يظهر الحال في بقيّة النصوص المتضمّنة لمثل هذا التعبير.
.................................................................................................
وعلى الجملة : فالنصوص غير وافية لإثبات الحكم في الكفّارة المخيّرة لولا التشبّث بذيل الصحيحة المتقدّمة التي هي حاكمة كما عرفت على جميع الأدلّة التي اعتُبر فيها تتابع الشهرين ، وأنّ المراد به في اصطلاح الشرع في كلّ مورد أُخذ موضوعاً لحكمٍ من الأحكام هو التتابع بين عنواني الشهرين المتحصّل من ضمّ جزء من الشهر الثاني إلى تمام الأول ، لا بين أجزاء الشهرين بأسرها.
ومنه يظهر الحال فيما لو نذر صوم شهرين متتابعين قاصداً به ما هو المفهوم الواقعي من هذا اللفظ في اصطلاح الشرع ، فإنّه يكتفي فيه أيضاً بالتتابع في شهر ويوم بمقتضى حكومة صحيحة الحلبي كما عرفت.
وأمّا لو اشترط الناذر تتابع الأيّام جميعها بأن نذر صوم ستّين يوماً متّصلاً أو صوم شهرين مع توالي الأيّام بأسرها ولا سيّما لو عيّن الشهرين كرجب وشعبان مثلاً فلا ينبغي التأمّل حينئذٍ في عدم الاكتفاء ولزوم الوفاء على حسب نذره ، فإنّ مورد الحكومة المزبورة ما إذا كان موضوع الحكم هذا العنوان الخاصّ أعني : شهرين متتابعين لا ما يستلزمه من سائر العناوين كصوم الستّين ونحو ذلك ، جموداً في الحكم المخالف لمقتضى القاعدة على مقدار قيام الدليل.
والحاصل : أنّ غاية ما يسعنا إنّما هو إلحاق النذر بمورد الصحيحة أعني : الكفّارة لكن مع المحافظة على العنوان المذكور فيها ، قضاءً للحكومة كما عرفت. وأمّا التعدّي إلى عنوان آخر وإن كان ملازماً له فيحتاج إلى الدليل ، وحيث لا دليل فالمتّبع إطلاق دليل وجوب الوفاء بالنذر.
فما صنعه في المتن من التقييد بعدم الاشتراط هو الصحيح.
وألحق المشهور بالشهرين الشهر المنذور فيه التتابع (1) فقالوا : إذا تابع في خمسة عشر يوماً منه يجوز له التفريق في البقيّة اختياراً وهو مشكل ، فلا يترك الاحتياط فيه بالاستئناف مع تخلّل الإفطار عمداً وإن بقي منه يوم ، كما لا إشكال في عدم جواز التفريق اختياراً مع تجاوز النصف في سائر أقسام الصوم المتتابع.
(1) وهو الصحيح من غير اعتبار مجاوزة النصف هنا ، لصحيح موسى بن بكر ، إمّا عن الفضيل أو بدونه حسب اختلاف طريقي الكليني والشيخ كما تقدّم عن الصادق (عليه السلام) وروايته أيضاً عن الفضيل عن أبي جعفر (عليه السلام) : في رجل جعل عليه صوم شهر فصام منه خمسة عشر يوماً ثمّ عرض له أمر «فقال : إن كان صام خمسة عشر يوماً فله أن يقضي ما بقي ، وإن كان أقلّ من خمسة عشر يوماً لم يجزه حتّى يصوم شهراً تامّاً» (1).
وقد عرفت فيما تقدّم أنّ عروض الأمر يعمّ السفر الاختياري وأشباهه (2).
ولا وجه للنقاش في سندها كما عن المدارك (3)ليجاب بانجبار الضعف بالعمل ، فإن موسى بن بكر وإن لم يوثّق صريحاً في كتب الرجال لكنّه مذكور في إسناد تفسير علي بن إبراهيم كما تقدّم ، فالرواية معتبرة وقد أفتى بها المشهور ، فلا مانع من الفتوى على طبقها. فاستشكال الماتن في غير محلّه.
.................................................................................................
ثمّ إنّه لا إشكال في عدم جواز التفريق الاختياري مع تجاوز النصف في سائر أقسام الصوم المشروط فيه التتابع كما نبّه عليه في المتن ، لعدم الدليل على الجواز في غير ما مرّ ، فيرجع إلى ما تقتضيه القواعد من الاستئناف ، رعايةً لشرطيّة التتابع.
نعم ، حكى المحقق في الشرائع عن بعضٍ وهو الشيخ ، وابن سعيد ، والعلّامة في غير المنتهي كما نصّ عليه في الجواهر (1): أنّه الحق بالشهر المنذور في كفاية المتابعة في النصف من وجب عليه صوم شهر في كفّارة قتل الخطأ أو الظهار لكونه مملوكاً ، حيث إنّ كفّارته نصف كفّارة الحرّ ، مستدلّاً عليه بوجوه حكاها عن المختلف في الجواهر ، التي منها : أنّ ذلك لا يزيد على النذر المتتابع فيثبت الحكم في الأضعف بطريق أولى. ثمّ قال المحقّق : وفيه تردّد.
واعترض عليه في الجواهر بأنّ الأولى الجزم بالعدم دون التردّد ، لضعف تلك الوجوه ومنع الأولويّة ، ولا بدّ من الاقتصار في الحكم المخالف لمقتضى القواعد على المقدار المتيقّن وهو النذر الذي هو مورد النصّ.
أقول : ينبغي التفصيل بين الظهار وغيره ، فلا يحكم بالإلحاق فيما عداه ، لما ذكره (قدس سره) من عدم الدليل على التعدّي ، ولزوم الاقتصار على المقدار المتيقّن.
أمّا في الظهار فلا مانع من الإلحاق ، فإنّ نصوص هذا الباب وإن كان أكثرها وارداً في الحرّ لتضمّنها صوم الشهرين المتتابعين ، إلّا أنّ بعضها مطلق يشمل العبد أيضاً الذي كفّارته شهر واحد ، وهي صحيحة منصور بن حازم في حديث قال في رجل صام في ظهار فزاد في النصف يوماً «قضى بقيّته» (2).
.................................................................................................
فإنّ قوله (عليه السلام) في النصف يعمّ النصف من الشهرين كما في الحرّ ، ومن الشهر الواحد كما في العبد ، فلا قصور في شمولها له كالحرّ بمقتضى الإطلاق وإن كان صدرها وارداً في الحرّ. فإنّ ذلك لا يقدح في التمسّك بإطلاق الذيل كما لا يخفى.
وهي صحيحة سنداً كما عرفت ، ولا يقدح اشتماله على محمّد بن إسماعيل المردّد بين الثقة وغيره ، لوجوده بعين هذا السند أعني : محمّد ابن إسماعيل عن الفضل بن شاذان في كامل الزيارات ، فالرجل موثّق على كلّ تقدير ، وتعبير صاحب الجواهر عنها في غير هذا المقام (1)بالخبر لا يكشف عن الضعف ، لعدم التزامه (قدس سره) بهذا الاصطلاح.
وعلى الجملة : فلا يبعد الالتزام بهذا الحكم أعني : الاكتفاء بالتتابع في نصف الشهر وزيادة يوم في صوم الشهر في كفّارة الظهار من العبد ، لصحّة الرواية سنداً ، وكذا دلالةً ، فإنّها وإن روى تمامها في الوسائل وفيها : «فإن هو صام» إلخ (2)، فيكون صدرها وارداً في الحرّ ، إلّا أنّ مرجع الضمير هو طبيعي الرجل لا خصوص من حكم عليه بحكم الحرّ.
وإن شئت قلت : المتفاهم من قوله (عليه السلام) : «فإن هو صام في الظهار فزاد في النصف» إلخ : أنّ الاعتبار في باب الظهار بتجاوز النصف ، فهو المناط في التتابع من غير خصوصيّة للحرّ أو العبد ، فتشمل بإطلاقها تجاوز النصف من الشهرين أو الشهر الواحد. فلا مانع من التفريق الاختياري بعدئذٍ.
ولم أرَ مَن تعرّض لذلك ، بل مقتضى حصر الاستثناء عن التفريق الاختياري
[2556] مسألة 8 : إذا بطل التتابع في الأثناء لا يكشف عن بطلان الأيّام السابقة (1) ، فهي صحيحة وإن لم تكن امتثالاً للأمر الوجوبي ولا الندبي (1)، لكونها محبوبة في حدّ نفسها من حيث إنّها صوم. وكذلك الحال في الصلاة إذا بطلت في الأثناء ، فإنّ الأذكار والقراءة صحيحة في حدّ نفسها من حيث محبوبيّتها لذاتها.
في كلام المحقّق في الشرائع في المواضع الثلاثة (2)أعني : الشهرين المتتابعين ، والشهر المنذور ، وثلاثة الهدي وإمضائه من صاحب الجواهر (3)أنّهما لا يسوّغان التفريق فيما ذكرناه. ولا وجه له بعد مساعدة الدليل حسبما عرفت.
(1) من شرع في الصوم المشروط فيه التتابع فصام أيّاماً ثمّ بطل تتابعه إمّا لعذرٍ من الأعذار أو بدا له في الإفطار بناءً على ما عرفت من جواز الأبطال وتبديل الامتثال ، فهل يكشف ذلك عن بطلان الأيّام السابقة ، نظراً إلى أنّ ما قصد لم يقع ، وما وقع لم يقصد ، ولا عبادة إلّا عن قصد وإن ترتّب عليها الثواب من جهة الانقياد ، أو أنّها محكومة بالصحّة لكونها محبوبة في حدّ نفسها وإن لم تكن امتثالا للأمر الوجوبي ولا الندبي لعدم تعلّق القصد بشيء منهما ، كما هو الحال في الصلاة إذا بطلت في الأثناء ، فإنّ القراءة والذكر محكومة بالصحّة ، إذ الأوّل قرآن تستحبّ تلاوته ، وذكر اللّه حسن على كلّ حال؟
.................................................................................................
اختار السيّد الماتن (قدس سره) الثاني ، وهو الصحيح.
والوجه فيه : ما تكرّرت الإشارة إليه في مواضيع عديدة من مطاوي هذا الشرح ، وتعرّضنا له في الأُصول في بحث مقدّمة الواجب (1)، حيث قلنا : إنّ الأمر الغيري بناءً على وجوب المقدّمة توصليّ لا يتوقّف سقوطه على تعلّق القصد به كما هو الشأن في جميع الأوامر الغيريّة.
نعم ، لو تعلّق بما هو عبادة في نفسه كالطهارات الثلاث وجب الإتيان بها على جهة العبادة ، وإلّا بطلت ، لا لدخلها في الأمر ، بل لعدم حصول المتعلّق ، فإنّه بنفسه عبادي حسب الفرض ، فلا بدّ من قصد الأمر النفسي المتعلّق بها ، وأمّا الأمر الغيري المقدّمي فهو توصليّ كما عرفت لا دخل له في تحقّق العبادة ، ولذا تتحقّق حتّى مع فقده وانتفائه ، كما لو توضّأ للصلاة ولم يصلّ ، فإنّ هذا الوضوء غير موصوف بالوجوب الغيري بناءً على ما هو الصحيح تبعاً لصاحب الفصول (2)من اختصاص الوجوب بالمقدّمة الموصلة وأنّها ما لم تتعقّب بالإيصال الخارجي لم تكد تتّصف بالوجوب المقدّمي ، ومع ذلك لا شكّ في كونه محكوماً بالصحّة ، وليس إلّا من أجل كونه عبادة في نفسه ، ففساد الأمر الغيري وبطلانه لا يستدعي فساد متعلّقه إذا كان عبادة في حدّ نفسه ، لأنّ عباديّته لم تنشأ من قبل هذا الأمر لتتبعه في الفساد ، بل هي ثابتة من ناحية أمرها النفسي كما عرفت. والأمر الغيري يدعو إلى ما هو عبادة في نفسه.
ومن هذا القبيل : النذر المتعلّق بالعبادة كصلاة الليل ، فإنّ العباديّة لم تنشأ من ناحية الأمر النذري لأنّه توصليّ ، بل هي مأخوذة في نفس المتعلّق ، فلو صلّى بغير القربة لم يفِ ، لا لأنّ الأمر عبادي ، بل لعدم حصول متعلّق النذر في
.................................................................................................
حدّ نفسه.
وكذا الحال في العبادات الواقعة مورداً للإجارة كالحجّ الاستئجاري أو الحلف ، أو العهد ، أو الشرط في ضمن العقد ، أو أمر الوالد أو السيد ونحو ذلك من العناوين الثانويّة ، فإنّ الأمر الجائي من قبلها بأجمعها توصليّ ، وملاك العباديّة إنّما هو الأمر الثابت للمتعلّقات بعناوينها الأولويّة. فلو فُرض في موردٍ فساد الإجارة ، أو بطلان الشرط ، أو عدم انعقاد الحلف ونحو ذلك ، وقد أتى بالعبادة خارجاً ، فهي محكومة بالصحّة لا محالة وإن لم يكن مصداقاً للعنوان الثانوي ، لما عرفت من أنّ مناط العباديّة شيء ، ومورد البطلان شيء آخر ، ولا يسري الفساد إلى ذاك المناط أبداً.
والأمر بالكفّارة فيما نحن فيه من هذا القبيل ، ضرورة أنّ الأمر بالتكفير توصليّ لا تعبّدي ، فلا يعتبر في سقوطه قصد التقرّب ، وإنّما العباديّة معتبرة في نفس المتعلّق من الصوم والعتق لقوله (عليه السلام) : «لا عتق إلّا ما قُصد به اللّه» (1)دون الإطعام ، فلو أطعم بعنوان الكفّارة كفى وإن لم يقصد به القربة. وهذا أقوى شاهد على أنّ الأمر الناشئ من قبل الكفّارة توصليّ في حدّ نفسه ، وإلّا لما اختلفت الخصال الثلاث فيما ذكر كما لا يخفى.
وعليه ، فصوم الشهرين الواقع متعلّقاً للأمر بالكفّارة عبادي ، لكن لا من ناحية هذا الأمر الوجوبي الثابت بالعنوان الثانوي ، بل من أجل الأمر الاستحبابي المتعلّق بنفس الصوم بعنوانه الأوّلي ، فإنّ الصوم في كلّ يوم ما عدا الأيّام المحرّمة له أمر استحبابي مستقلّ ، وإنّما نشأ هذا الجمع والارتباط أعني : عنوان الشهرين وكذا التتابع من ناحية الأمر بالتكفير الذي هو توصليّ كما عرفت.
1) انظر الوسائل 23 : 14 / كتاب العتق ب 4 ح 1 ، 2.
.................................................................................................
فلو صام يوماً أو أيّاماً ثمّ قطع إمّا اختياراً أو لعجز أو موت فبطل التتابع ، لم يكد يؤثّر ذلك في بطلان ما وقع ، فإنّ ملاك عباديّته الأمر الاستحبابي النفسي المتعلّق به بالعنوان الأوّلي لا التوصلي الثابت بالعنوان الثانوي ، وقد تحقّق على وجهه ولا ينقلب الشيء عمّا وقع عليه ، فلا مناص من الحكم بالصحّة ، فإذا كان هناك أثر للصوم الصحيح يترتّب وإن لم يحسب من الكفّارة كما ذكره في المتن ، واللّه سبحانه أعلم.
أقسام الصوم أربعة : واجب ، وندب ، ومكروه كراهة عبادة ، ومحظور.
والواجب أقسام : صوم شهر رمضان ، وصوم الكفّارة ، وصوم القضاء ، وصوم بدل الهدي في حجّ التمتّع ، وصوم النذر والعهد واليمين ، والملتزم بشرط أو إجارة ، وصوم اليوم الثالث من أيّام الاعتكاف.
أمّا الواجب فقد مرّ جملة منه.
وأمّا المندوب منه فأقسام :
منها : ما لا يختصّ بسبب مخصوص ولا زمان معيّن ، كصوم أيّام السنة عدا ما استثنى من العيدين وأيّام التشريق لمن كان بمنى ، فقد وردت الأخبار الكثيرة في فضله من حيث هو ومحبوبيّته وفوائده ، ويكفي فيه ما ورد في الحديث القدسي : «الصوم لي وأنا اجازي به» (1)وما ورد من أنّ «الصوم جُنّة من النار» (2)وأنّ «نوم الصائم عبادة ، وصمته تسبيح ، وعمله متقبّل ،
ودعاءه مستجاب» (1). ونِعم ما قال بعض العلماء من أنّه لو لم يكن في الصوم إلّا الارتقاء عن حضيض حظوظ النفس البهيميّة إلى ذروة التشبّه بالملائكة الروحانيّة لكفى به فضلاً ومنقبةً وشرفاً.
ومنها : ما يختصّ بسببٍ مخصوص ، وهي كثيرة مذكورة في كتب الأدعية.
ومنها : ما يختصّ بوقتٍ معيّن ، وهو في مواضع :
منها وهو آكدها - : صوم ثلاثة أيّام من كلّ شهر ، فقد ورد أنّه يعادل صوم الدهر ، ويذهب بوحر الصدر (2).
وأفضل كيفيّاته : ما عن المشهور ويدلّ عليه جملة من الأخبار ، وهو أنّ يصوم أوّل خميس من الشهر وآخر خميس منه ، وأوّل أربعاء في العشر الثاني.
ومن تركه يستحبّ له قضاؤه ، ومع العجز عن صومه لكبرٍ ونحوه يستحبّ أن يتصدّق عن كلّ يوم بمدّ من طعام أو بدرهم.
ومنها : صوم أيّام البيض من كلّ شهر ، وهي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر على الأصحّ المشهور ، وعن العماني : أنّها الثلاثة المتقدّمة (3).
ومنها : صوم يوم مولد النبي (صلّى اللّه عليه وآله) ، وهو السابع عشر
من ربيع الأوّل على الأصحّ ، وعن الكليني (رحمه اللّه) : أنّه الثاني عشر منه (1).
ومنها : صوم يوم الغدير ، وهو الثامن عشر من ذي الحجّة.
ومنها : صوم يوم مبعث النبيّ (صلّى اللّه عليه وآله) ، وهو السابع والعشرون من شهر رجب.
ومنها : يوم دحو الأرض من تحت الكعبة ، وهو اليوم الخامس والعشرون من ذي القعدة.
ومنها : يوم عرفة لمن لا يضعفه الصوم عن الدُّعاء.
ومنها : يوم المباهلة ، وهو الرابع والعشرون من ذي الحجّة.
ومنها : كلّ خميس وجمعة معاً ، أو الجمعة فقط.
ومنها : أوّل ذي الحجّة ، بل كلّ يوم من التسع فيه.
ومنها : يوم النيروز.
ومنها : صوم رجب وشعبان كلّاً أو بعضاً ولو يوماً من كلّ منهما.
ومنها : أوّل يوم من المحرّم وثالثه وسابعه.
ومنها : التاسع والعشرون من ذي القعدة.
ومنها : صوم ستّة أيّام بعد عيد الفطر بثلاثة أيّام أحدها العيد.
ومنها : يوم النصف من جمادى الأُولى.
[2557] مسألة 1 : لا يجب إتمام صوم التطوّع بالشروع فيه ، بل يجوز له الإفطار إلى الغروب وإن كان يكره بعد الزوال.
1) الحدائق 13 : 367 ، الجواهر 17 : 99.
[2558] مسألة 2 : يستحبّ للصائم تطوّعاً قطع الصوم إذا دعاه أخوه المؤمن إلى الطعام ، بل قيل بكراهته حينئذ.
وأمّا المكروه منه بمعنى قلّة الثواب - : ففي مواضع أيضاً :
منها : صوم عاشوراء (1).
ومنها : صوم عرفة لمن خاف أن يضعفه عن الدعاء الذي هو أفضل من الصوم ، وكذا مع الشك في هلال ذي الحجّة خوفاً من أن يكون يوم العيد.
(1) عدّه (قدس سره) من الصيام المكروه تبعاً لغيره من بعض الأصحاب ، ولكن المحقّق (قدس سره) في الشرائع جعله من الصيام المستحبّ (1)، وأقرّ عليه في الجواهر قائلاً : بلا خلافٍ أجده فيه (2)، بل في ظاهر الغنية الإجماع عليه (3).
نعم ، قيده المحقّق بما كان على وجه الحزن لمصاب سيّد شباب أهل الجنّة أرواح العالمين فداه.
ونبّه في الجواهر بأنّ هذا التقييد لمتابعة الشيخ (قدس سره) ، حيث إنّه جمع بين الأخبار المتعارضة بذلك ، وإلّا فنصوص الباب عارية عن هذا القيد.
وكيفما كان ، فحينما يتعرّض المحقّق للصيام المكروه لم يذكر منه صوم هذا اليوم لا هو ولا صاحب الجواهر ، فيظهر منهما أنّهما يريان الاستحباب إمّا على وجه الحزن أو مطلقاً.
.................................................................................................
وذهب في الحدائق إلى التحريم وأنّه تشريع محرّم كيوم العيد (1)، لنصوص سنتعرّض إليها ، وذكر أنّ ما بإزائها من الأخبار محمول على التقيّة لمطابقتها لمذهب العامّة من بني أُميّة وغيرهم ، حيث كانوا يتبرّكون بالصوم في هذا اليوم شكراً على ما جرى على آل اللّه.
هذه هي حال الأقوال وهي كما ترى بين مكروه ، ومندوب ، ومحظور.
وأمّا بالنظر إلى الروايات الواردة في المقام :
فقد ورد في جملة من النصوص المنع عن صوم هذا اليوم ، وهي وإن كثرت إلّا أنّ مرجعها إلى ثلاث روايات :
إحداها : ما رواه الكليني عن شيخه الحسين كما في الوسائل (2)أو الحسن كما في الكافي بن علي الهاشمي ، ولهذا الشخص روايات أربع رواها في الوسائل (3)، إلّا أنّنا نعتبر الكلّ رواية واحدة ، لأنّ في سند الجميع رجلاً واحداً وهو الهاشمي ، وحيث إنّه لم يوثّق ولم يذكر بمدح فهي بأجمعهما محكومة بالضعف ، مضافاً إلى ضعف الاولى بابن سنان أيضاً ، والثالثة بزيد النرسي على المشهور وإن كان مذكوراً في إسناد كامل الزيارات. وما في الوسائل في سند الرابعة من كلمة «نجيّة» غلط ، والصواب «نجبة» ، ولا بأس به.
وكيفما كان ، فلا يعتدّ بشيء منها بعد ضعف أسانيدها.
مضافاً إلى ما ذكره في الجواهر من أنّ مفادها المنع عن الصوم باتّخاذه كما
.................................................................................................
يتّخذه المخالفون يوم بركة وفرح وسرور ، وأنّ من فعل ذلك كان حظّه من صيامه حظ ابن مرجانة وآل زياد الذي هو النار كما في هذه الأخبار ، لا أنّ المنهي عنه مطلق صومه وبعنوانه الأوّلي كما في العيدين (1).
الثانية : رواية زرارة عن أبي جعفر وأبي عبد اللّه (عليهما السلام) «قالا : لا تصم في يوم عاشوراء ولا عرفة بمكّة ولا في المدينة ، ولا في وطنك ، ولا في مصر من الأمصار» (2).
وهي أيضاً ضعيفة السند بنوح بن شعيب وياسين الضرير.
على أنّ صوم عرفة غير محرّم قطعاً ، وقد صامه الإمام (عليه السلام) كما في بعض الروايات.
نعم ، يكره لمن يضعفه عن الدعاء ، فمن الجائز أن يكون صوم يوم عاشوراء أيضاً مكروهاً لمن يضعفه عن القيام بمراسيم العزاء.
الثالثة : رواية الحسين بن أبي غندر عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (3). وهي ضعيفة السند جدّاً ، لاشتماله على عدّة من المجاهيل.
فهذه الروايات بأجمعها ضعاف.
نعم ، إنّ هناك رواية واحدة صحيحة السند ، وهي صحيحة زرارة ومحمّد بن مسلم جميعاً : أنّهما سألا أبا جعفر الباقر (عليه السلام) عن صوم يوم عاشوراء «فقال : كان صومه قبل شهر رمضان ، فلمّا نزل شهر رمضان ترك» (4).
ولكنّها كما ترى لا تتضمّن نهياً ، بل غايته أنّ صومه صار متروكاً
.................................................................................................
ومنسوخاً بعد نزول شهر رمضان ، ولعلّه كان واجباً سابقاً ، ثمّ أُبدل بشهر رمضان كما قد تقتضيه طبيعة التبديل ، فلا تدلّ على نفي الاستحباب عنه بوجه فضلاً عن الجواز.
ولقد سها صاحب الجواهر (قدس سره) فألحق سند هذه الرواية بمتن الرواية التي بعدها ، التي كانت هي الاولى من روايات الهاشمي الضعاف المتقدّمة ، فعبّر عنها بصحيحة زرارة ومحمّد بن مسلم (1)، مع أنّها رواية عبد الملك التي يرويها عنه الهاشمي كما سبق ، وإنّما العصمة لأهلها.
وكيفما كان ، فالروايات الناهية غير نقيّة السند برمّتها ، بل هي ضعيفة بأجمعها ، فليست لدينا رواية معتبرة يعتمد عليها ليحمل المعارض على التقيّة كما صنعه صاحب الحدائق.
وأمّا الروايات المتضمّنة للأمر واستحباب الصوم في هذا اليوم فكثيرة ، مثل : صحيحة القدّاح : «صيام يوم عاشوراء كفّارة سنة» (2).
وموثّقة مسعدة بن صدقة : «صوموا العاشوراء التاسع والعاشر فإنّه يكفّر ذنوب سنة» (3)، ونحوها غيرها.
وهو مساعد للاعتبار ، نظراً إلى المواساة مع أهل بيت الوحي وما لاقوه في هذا اليوم العصيب من جوع وعطش وسائر الآلام والمصائب العظام التي هي أعظم ممّا تدركه الأفهام والأوهام.
فالأقوى استحباب الصوم في هذا اليوم من حيث هو كما ذكره في الجواهر ،
.................................................................................................
أخذاً بهذه النصوص السليمة عن المعارض كما عرفت.
نعم ، لا إشكال في حرمة صوم هذا اليوم بعنوان التيمّن والتبرّك والفرح والسرور كما يفعله أجلاف آل زياد والطغاة من بني أُميّة من غير حاجة إلى ورود نصّ أبداً ، بل هو من أعظم المحرّمات ، فإنّه ينبئ عن خبث فاعله وخلل في مذهبه ودينه ، وهو الذي أُشير إليه في بعض النصوص المتقدّمة من أنّ أجره مع ابن مرجانة الذي ليس هو إلّا النار ، ويكون من الأشياع والأتباع الذين هم مورد للعن في زيارة عاشوراء. وهذا واضح لا سترة عليه ، بل هو خارج عن محلّ الكلام كما لا يخفى.
وأمّا نفس الصوم في هذا اليوم إمّا قضاءً أو ندباً ولا سيّما حزناً فلا ينبغي التأمّل في جوازه من غير كراهة فضلاً عن الحرمة حسبما عرفت.
الرابعة : وهي التي رواها الشيخ في المصباح عن عبد اللّه بن سنان ، قال : دخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام) يوم عاشوراء ودموعه تنحدر على عينيه كاللؤلؤ المتساقط فقلت : مِمَّ بكاؤك؟ «فقال : أفي غفلة أنت؟! أما علمت أنّ الحسين (عليه السلام) أُصيب في مثل هذا اليوم؟!» فقلت : ما قولك في صومه؟ فقال لي : «صمه من غير تبييت ، وأفطره من غير تشميت ، ولا تجعله يوم صوم كملا ، وليكن إفطارك بعد صلاة العصر بساعة على شربة من ماء ، فإنّه في مثل ذلك الوقت من ذلك اليوم تجلّت الهيجاء عن آل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله)» (1).
وهي من حيث التصريح بعدم تبييت النيّة ، وعدم تكميل الصوم ، ولزوم الإفطار بعد العصر ، واضحة الدلالة على المنع عن الصوم الشرعي وأنّه مجرّد إمساك صوري في معظم النهار ، تأسّياً بما جرى على الحسين وأهله الأطهار
1) الوسائل 10 : 458 / أبواب الصوم المندوب ب 20 ح 7 ، مصباح المتهجّد : 782.
.................................................................................................
عليهم صلوات الملك المنتقم القهّار.
إلّا أنّ الشأن في سندها ، والظاهر أنّها ضعيفة السند ، لجهالة طريق الشيخ إلى عبد اللّه بن سنان فيما يرويه في المصباح ، فتكون في حكم المرسل.
وتوضيحه : أنّ الشيخ في كتابي التهذيب والاستبصار التزم أن يروي عن كلّ من له أصل أو كتاب عن كتابه ، فيذكر أسماء أرباب الكتب أوّل السند مثل : محمّد بن علي بن محبوب ، ومحمّد بن الحسن الصفّار ، وعبد اللّه بن سنان ، ونحو ذلك ، ثمّ يذكر في المشيخة طريقه إلى أرباب تلك الكتب لتخرج الروايات بذلك عن المراسيل إلى المسانيد ، وقد ذكر طريقه في كتابيه إلى عبد اللّه بن سنان ، وهو طريق صحيح.
وذكر (قدس سره) في الفهرست طريقه إلى أرباب الكتب والمجاميع ، سواء أروى عنهم في التهذيبين أم في غيرهما ، منهم : عبد اللّه بن سنان (1)، وطريقه فيه صحيح أيضاً.
وأمّا طريقه (قدس سره) إلى نفس هذا الرجل لا إلى كتابه فغير معلوم ، إذ لم يذكر لا في المشيخة ولا في الفهرست ولا في غيرهما ، لأنّهما معدّان لبيان الطرق إلى نفس الكتب لا إلى أربابها ولو في غير تلكم الكتب.
وهذه الرواية مذكورة في كتاب المصباح ، ولم يلتزم الشيخ هنا بأنّ كلّ ما يرويه عمّن له أصل أو كتاب فهو يرويه عن كتابه كما التزم بمثله في التهذيبين حسبما عرفت.
وعليه ، فمن الجائز أن يروي هذه الرواية عن غير كتاب عبد اللّه بن سنان الذي له إليه طريق آخر لا محالة ، وهو غير معلوم كما عرفت ، فإنّ هذا الاحتمال
1) الفهرست : 101 / 434.
ومنها : صوم الضيف بدون إذن مضيفه (1)(1) ، والأحوط تركه مع نهيه ، بل الأحوط تركه مع عدم إذنه أيضاً.
يتطرّق بطبيعة الحال ولا مدفع له ، وهو بمجرّده كافٍ في عدم الجزم بصحّة السند.
بل أنّ هذا الاحتمال قريب جدّاً ، بل هو المظنون ، بل المطمأنّ به ، إذ لو كانت مذكورة في كتاب عبد اللّه بن سنان فلما ذا أهملها في التهذيب والاستبصار مع عنوانه (قدس سره) فيهما : صوم يوم عاشوراء ، ونقله سائر الروايات الواردة في الباب وبنائه (قدس سره) على نقل ما في ذلك الكتاب وغيره من الكتب؟! فيكشف هذا عن أنّ روايته هذه عنه عن غير كتابه كما ذكرناه. وحيث إنّ طريقه إليه غير معلوم فالرواية في حكم المرسل ، فهي أيضاً ضعيفة السند كالروايات الثلاث المتقدّمة.
فصحّ ما ادّعيناه من أنّ الروايات الناهية كلّها ضعيفة السند ، فتكون الآمرة سليمة عن المعارض ، فلم تثبت كراهة صوم يوم عاشوراء فضلاً عن الحرمة التي اختارها في الحدائق ، بل هي جائزة ندباً ولا سيّما حزناً حسبما عرفت بما لا مزيد عليه.
(1) عدّ (قدس سره) من جملة الصيام المكروه بالمعنى المناسب للعبادة دون الكراهة المصطلحة المشتملة على نوع من المبغوضيّة والمرجوحيّة حسبما هو المحرّر في محلّه : صوم الضيف بدون إذن المضيف ، بل ذكر (قدس سره) أنّ الأحوط تركه ولا سيّما مع النهي.
1) (*) هذا في صوم التطوّر. كما هو الحال في صوم الولد بدون إذن والده.
ومنها : صوم الولد بدون إذن والده ، بل الأحوط تركه خصوصاً مع النهي ، بل يحرم إذا كان إيذاءً له من حيث شفقته عليه ، والظاهر جريان الحكم في ولد الولد بالنسبة إلى الجدّ ، والأولى مراعاة إذن الوالدة ، ومع كونه إيذاءً لها يحرم كما في الوالد.
فنقول : الأقوال في المسألة حسبما ذكرها في الجواهر (1)ثلاثة :
فالمعروف والمشهور الكراهة مطلقاً.
وذهب جماعة كالشيخين والمحقّق في المعتبر وابن إدريس في السرائر والعلّامة في التبصرة (2)وغيرهم إلى عدم الجواز ، فلا يصحّ الصوم بدون الإذن.
واحتمل في الجواهر تنزيل كلامهم على صورة النهي ليتّحد مع القول الثالث الذي اختاره المحقّق في الشرائع من التفصيل بين عدم الإذن فيكره ، وبين النهي فلا يصحّ ولا ينعقد (3).
والأقوى ما عليه المشهور ، كما يظهر من ملاحظة الروايات الواردة في المقام :
فمنها : ما رواه الصدوق بإسناده عن الفضيل بن يسار ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) وفي بعض النسخ أبي جعفر (عليه السلام) «قال : قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) : إذا دخل رجل بلدة فهو ضيف على من بها من أهل دينه حتى يرحل عنهم ، ولا ينبغي للضيف أن يصوم إلّا بإذنهم ، لئلّا يعملوا له الشيء فيفسد عليهم ، ولا ينبغي لهم أن يصوموا إلّا بإذن الضيف ، لئلّا يحشمهم
.................................................................................................
فيشتهي الطعام فيتركه لهم» (1).
وهذه الرواية صحيحة السند ، لصحّة طريق الصدوق إلى الفضيل وإن ناقش فيه الأردبيلي من أجل علي بن الحسين السعدآبادي (2)، إذ أنّ هذا الرجل وإن لم يوثّق صريحاً في كتب الرجال لكنّه من مشايخ ابن قولويه الذين هم القدر المتيقّن من عبارة التوثيق التي ذكرها في مقدّمة كتابه كامل الزيارات وإن استظهرنا منها التعميم لكلّ من وقع في إسناد هذا الكتاب ، سواء من يروي عنه بلا واسطة كمشايخه أم معها. وكيفما كان ، فلا ينبغي التأمّل في وثاقه الرجل.
وكان الأحرى عليه (قدس سره) أن يناقش في الطريق من أجل محمّد بن موسى بن المتوكّل ، الذي لم يرد فيه أيّ توثيق يعتمد عليه في كتب الرجال ، غير أنّنا بنينا على وثاقته ، نظراً إلى أنّ ابن طاوس يروي حديثاً يشتمل سنده عليه ، ثمّ يقول (قدس سره) : وجميع رواته ثقات اتّفاقاً (3). ونحن وإن لم نعوّل على توثيق المتأخّرين إلّا أنّ هذا التعبير من مثل ابن طاوس الذي كلّ عبارات المدح دون شأنه يورث الاطمئنان بأنّ في جملة المتّفقين بعض القدماء الذين نعتمد على توثيقهم ولا أقلّ من شخص أو شخصين ، وهذا المقدار كافٍ في التوثيق.
إذن لا ينبغي التأمّل في صحّة السند.
.................................................................................................
وأمّا من حيث الدلالة فهي ظاهرة في الكراهة ، إمّا لأجل ظهور كلمة : «لا ينبغي» في ذلك كما هو المشهور وإن لم نلتزم به أو لقرينتين في نفس الرواية تقتضيان ذلك :
إحداهما : التعليل بقوله : «لئلّا يعملوا» إلخ ، الذي يؤذن بوضوح بابتناء الحكم على التنزيه ، لاندفاع فساد الطعام إمّا بالتصدّق أو بالتوسعة على الأهل أو الجيران أو الادّخار في محلّ يؤمن من الفساد ونحو ذلك ، فالمراد عدم بلوغ المضيف مقصده من إكرام الضيف فيفسد عليه غرضه ، وهذا يناسب الكراهة والتنزيه كما هو ظاهر.
ثانيتهما : التذييل بقوله (عليه السلام) : «ولا ينبغي لهم أن يصوموا إلّا بإذن الضيف» المتضمّن لحكم عكس المسألة ، إذ لم يقل أحد هنا بالحرمة ، بل لم يتعرّضوا للكراهة أيضاً رغم دلالة الصحيحة عليها ، فيكشف ذلك بمقتضى اتّحاد السياق عن أنّ الحكم في الصدر أيضاً مبني على الكراهة.
ومنها : ما رواه الصدوق أيضاً بإسناده عن نشيط بن صالح ، عن هشام بن الحكم ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال : قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) : من فقه الضيف أن لا يصوم تطوّعاً إلّا بإذن صاحبه ، ومن طاعة المرأة لزوجها أن لا تصوم تطوّعاً إلّا بإذنه وأمره ، ومن صلاح العبد وطاعته ونصيحته لمولاه أن لا يصوم تطوّعاً إلّا بإذن مولاه وأمره ، ومن برّ الولد بأبويه أن لا يصوم تطوّعاً إلّا بإذن أبويه وأمرهما ، وإلّا كان الضيف جاهلاً ، وكانت المرأة عاصية ، وكان العبد فاسقاً ، وكان الولد عاقّاً» (1).
1) الوسائل 10 : 530 / أبواب الصوم المحرّم والمكروه ب 10 ح 2 ، الفقيه 2 : 99 / 445.
.................................................................................................
وهذه الرواية صحيحة السند أيضاً على الأقوى ، فإن طريق الصدوق إلى نشيط بن صالح وإن لم يكن مذكوراً في مشيخة الفقيه ، فالرواية في حكم المرسل لجهالة الطريق ، إلّا أنّ هذه الرواية بعينها مع اختلاف يسير غير ضائر أوردها في العلل عن نشيط مسنداً بإسناد صحيح (1)، إذ ليس فيه من يغمز فيه ما عدا أحمد بن هلال ، الذي رفضه كثير من الأصحاب وطعنوا في دينه ، لأنّه كان يتوقّع الوكالة فلمّا خرج التوقيع باسم أبي جعفر محمّد بن عثمان وكيل الناحية المقدّسة توقّف فيه ورجع عن التشيّع إلى النصب ، بل قيل : إنّه لم يُسمَع شيعي رجع إلى النصب ما عداه ، وقد وهم من تخيّل أنّه توقّف على أبي جعفر الجواد (عليه السلام) ، إذ لم يُعهد الوقوف عليه (عليه السلام) من أحد ، بل المراد بأبي جعفر هو محمّد بن عثمان وكيل الناحية كما سمعت.
وكيفما كان ، فلم يعملوا برواياته ، وقد فصّل الشيخ (قدس سره) بين ما رواه حال الاستقامة وما رواه بعدها (2).
والذي تحصّل لدينا بعد التدبّر في حاله : أنّ الرجل فاسد العقيدة بلا إشكال ، إلّا أنّ ذلك لا يقدح في العمل برواياته ، ولا يوجب سقوطها عن الحجّيّة بعد أن كان المناط فيها وثاقة الراويى عندنا لا عدالته وعقيدته ، وتظهر وثاقة الرجل من عبارة النجاشي حيث قال في ترجمته : إنّه صالح الرواية (3)، فإنّها تكشف عن وثاقته في نفسه كما لا يخفى.
إذن فالرواية محكومة بالصحّة سنداً.
.................................................................................................
وأمّا من حيث الدلالة : فالمتحصّل من سياقها المبالغة في تحقّق ما اشتملت عليه من الأوصاف ، فلسانها يفرغ عن الكراهة ، وإلّا فالجمود على ظاهرها غير قابل للتصديق ، للقطع بعدم عصيان المرأة ولا فسق العبد ولا عقوق الولد بمجرّد عدم الإذن ، ولم يقل بذلك أحد فيما نعلم. ومن هنا حملها المحقّق على صورة النهي ليتحقّق العصيان والفسوق والعقوق. فيراد من جهل الضيف مع نهي المضيف : عدم تفقّهه بما يجب عليه شرعاً من رعاية حقّه حينئذ ، ولأجله ذهب إلى التفصيل بين النهي وعدم الإذن كما عرفت.
ولكنّه كما ترى ، إذ لا يتعيّن الحمل على صورة النهي ، ومن الجائز أن يراد من عصيان المرأة وفسق العبد ما إذا كان الصوم منافياً لحقّ الزوج أو السيّد ، فإنّه يحرم حينئذٍ حتّى مع عدم النهي. ويراد أيضاً من العقوق ما إذا تأذّى الوالد من صوم الولد ، لحرمته حينئذٍ وإن لم ينه عنه.
فالتفصيل المزبور ساقط ، بل المنسبق من الصحيحة كما عرفت هي المبالغة المساوقة للكراهة.
فالصوم مع عدم الإذن مكروه ما لم يستلزم التحريم بعنوان آخر من تضييع الحقّ أو التأذّي حسبما عرفت.
ثم إنّ مورد الكراهة هو صوم التطوّع كما قيّدت به هذه الصحيحة فبناء على ما ذكرناه في الأُصول وإن كان على خلاف المشهور من دلالة الوصف على المفهوم لا بالمعنى المصطلح ، بل بمعنى الدلالة على عدم كون موضوع الحكم هو الطبيعي الجامع ، وإلّا كان التقييد من اللغو الظاهر (1)، فيكشف التقييد في هذه الصحيحة عن عدم تعلّق الحكم بالطبيعي على سريانه ، غير أنّه يعارضها في
1) محاضرات في أُصول الفقه 5 : 133 134.
.................................................................................................
ذلك الصحيحة الأُولى الدالّة على أنّ الموضوع هو الطبيعي ، ونتيجة ذلك الاقتصار بعد التعارض على المقدار المتيقّن المتّفق عليه الطرفان وهو صوم التطوّع ، فيرجع فيما عداه من سائر أقسام الصيام إلى إطلاق أدلّتها السليمة عمّا يدلّ على كراهتها ، فالأظهر اختصاص الحكم بصوم التطوّع كما نبّهنا عليه في التعليقة ، فتدبّر جيّداً.
والمتحصّل من جميع ما قدّمناه : أنّ الأصحّ كراهة صوم التطوّع من الضيف بدون إذن المضيف والولد بدون إذن الوالد ، وكذا الزوجة والعبد بدون إذن الزوج والسيّد ، من غير فرق بين النهي وعدمه ، كلّ ذلك للإطلاق في صحيحة هشام المتقدّمة (1)، المحمولة على ذلك بعد امتناع الأخذ بظاهرها من تحقّق العقوق والفسوق والعصيان لدى عدم الإذن ، كما صرّح بذلك الصدوق في العلل حيث قال (قدس سره) بعد نقل الرواية ما مضمونه : إنّ ظاهرها مقطوع البطلان (2)، وهو كذلك ، إذ لم يقل أحد بوجوب الاستئذان في جميع المباحات فضلاً عن المستحبّات كالتطوّع أو التنفّل عن الوالد أو السيّد أو الزوج ، بحيث لو صلّى الولد صلاة الليل مثلاً بغير إذن والده كان عاقّاً فاسقاً ، بل قد ذكرنا في محلّه جواز ذلك حتّى مع نهيه فضلاً عن اشتراط الإذن ، إلّا أن يستوجب ذلك إيذاء الوالد أو الوالدة ، ومعه يحرم حتّى بدون النهي ، فالاعتبار فيهما بالإيذاء ، كما أنّ المدار في العبد والزوجة بالتنافي مع حقّ السيِّد أو الزوج. فحمل الصحيحة على صورة النهي الذي هو مستند تفصيل المحقّق في الشرائع ساقط جدّاً حسبما عرفت.
وأمّا المحظور منه ففي مواضع أيضاً :
أحدها : صوم العيدين الفطر والأضحى (1) وإن كان عن كفّارة القتل في أشهر الحرم ، والقول بجوازه للقاتل شاذّ ، والرواية الدالّة عليه ضعيفة سنداً ودلالةً (1).
الثاني : صوم أيّام التشريق ، وهي الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر من ذي الحجّة لمن كان بمنى (2) ، ولا فرق على الأقوى بين الناسك وغيره.
(1) لا إشكال كما لا خلاف في حرمة صوم يومي العيدين حرمةً تشريعيّة ، فلا يجوز الصيام بقصد الأمر ، فإنّه تشريع محرّم ، وقد دلّت عليه النصوص المستفيضة.
هذا ، ولم يفرّق المشهور بين ما كان عن كفّارة القتل في أشهر الحرم وما لم يكن كذلك ، أخذاً بإطلاق دليل المنع.
ولكن عن الشيخ والصدوق في المقنع وابن حمزة : الجواز حينئذٍ (2)، فيستثنى ذلك عن حرمة صوم العيد ، للنصّ الدالّ عليه. وقد تقدّم البحث حول ذلك مستقصًى في مطاوي المسألة الرابعة من الفصل السابق ، فراجع ولا نعيد (3).
(2) بلا خلاف معتدّ به أجده فيه كما في الجواهر (4)، بل عن غير واحد دعوى الإجماع عليه ، وقد تعدّى كاشف الغطاء فأسرى الحكم إلى من كان
.................................................................................................
بمكّة (1)، ولا شاهد عليه.
وتدلّ عليه جملة من النصوص ، التي منها معتبرة زياد بن أبي الخلّال أي من يصنع الخلّ أو الحلّال كما في الوسائل باعتبار أنّ صانع الخلّ يحلّل الخمر بصنعه خلّاً وأمّا ما في الجواهر من الجلال فغلط من النسّاخ ولا معنى له كما لا يخفى. قال : قال لنا أبو عبد اللّه (عليه السلام) : «لا صيام بعد الأضحى ثلاثة أيّام ، ولا بعد الفطر ثلاثة أيّام ، إنّها أيّام أكل وشرب» (2)، ونحوها غيرها.
وهي وإن كانت مطلقة بالإضافة إلى من كان بمنى وغيره ، إلّا أنّها منزّلة على الأوّل بقرينة التقييد به في طائفة أُخرى :
كصحيح أبي أيّوب : «يصوم ذا الحجّة كلّه إلّا أيام التشريق في منى» إلخ (3).
وصحيحة معاوية بن عمّار : عن صيام أيّام التشريق «فقال : أمّا بالأمصار فلا بأس به ، وأمّا بمنى فلا» (4).
وصحيحته الأُخرى : عن صيام أيّام التشريق «فقال : إنّما نهى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) عن صيامها بمنى ، فأمّا بغيرها فلا بأس» (5).
وموثّقة عمّار : سألته عن الأضحى بمنى «فقال : أربعة أيّام» إلخ (6).
فيظهر منها اختصاص الحكم بمن كان بمنى ، فيكون عيده أربعة أيّام ، إلحاقاً لأيّام التشريق بالعيد كما تضمّنته الموثقة ، وأمّا في سائر الأمصار فالعيد يوم
1) كشف الغطاء : 324.
2) الوسائل 10 : 519 / أبواب الصوم المحرّم والمكروه ب 3 ح 1.
3) الوسائل 10 : 373 / أبواب بقيّة الصوم الواجب ب 3 ح 8.
4) الوسائل 10 : 516 / أبواب الصوم المحرّم والمكروه ب 2 ح 1.
5) الوسائل 10 : 517 / أبواب الصوم المحرّم والمكروه ب 2 ح 2.
6) الوسائل 10 : 517 / أبواب الصوم المحرّم والمكروه ب 2 ح 4.
.................................................................................................
واحد.
ويقتضيه أيضاً ما تقدّم من نصوص التفرقة بين الثلاثة أيّام بدل الهدي وأنّه لو صام يوم التروية وعرفة أخّر الثالث إلى ما بعد أيّام التشريق.
هذا ، وللمحقّق (قدس سره) في الشرائع كلمة قد أشكل تفسيرها على الشارحين ، وهي قوله : على الأشهر (1)، بعد أن عنون أيّام التشريق لمن كان بمنى وأنّ هذا القيد هل يرجع إلى أصل الصيام في هذه الأيّام أو إلى الاختصاص بمن كان بمنى ، مع أنّه لا خلاف (2)في شيء منهما ، فكيف يقول : على الأشهر؟! الدالّ على وجود الخلاف ، بل وشهرته ، غير أنّ هذا أشهر منه ، أو أنّه يرجع إلى شيء آخر ، وقد ذكروا في شرحها وجوهاً كلّها بعيدة عن الصواب. وبالأخير لم يتّضح المراد ، وهو أعرف بما قال.
ثم إنّ مقتضى إطلاق الأدلّة عدم الفرق في الحرمة لمن كان بمنى بين الناسك وغيره ، غير أنّ بعضهم خصّ الحكم بالأوّل بدعوى الانصراف إليه ، ولا نعرف له وجهاً بعد الإطلاقات ، ولا سيّما التعليل في بعضها كما مرّ بأنّها أيّام أكل وشرب ، المقتضي للتعميم لكلّ من كان بمنى كما لا يخفى.
ثمّ إنّ الماتن (قدس سره) تعرّض في المقام لفروع قد ظهر الحال فيها ممّا مرّ في محالّها في مطاوي الأبحاث السابقة ، فلا حاجة إلى شرحها.
والحمد لله أوّلاً وآخراً ، وصلّى اللّه على سيِّدنا محمّد وآله الطاهرين ، واللّعن الدائم على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.
الثالث : صوم يوم الشكّ في أنّه من شعبان أو رمضان بنيّة أنّه من رمضان ، وأمّا بنيّة أنّه من شعبان فلا مانع منه كما مرّ.
الرابع : صوم وفاء نذر المعصية ، بأن ينذر الصوم إذا تمكّن من الحرام الفلاني ، أو إذا ترك الواجب الفلاني ، يقصد بذلك الشكر على تيسّره ، وأمّا إذا كان بقصد الزجر عنه فلا بأس به.
نعم ، يلحق بالأول في الحرمة ما إذا نذر الصوم زجراً عن طاعةٍ صدرت منه أو عن معصيةٍ تركها.
الخامس : صوم الصمت ، بأن ينوي في صومه السكوت عن الكلام في تمام النهار أو بعضه بجعله في نيّته من قيود صومه ، وأمّا إذا لم يجعله قيداً وإن صمت فلا بأس به ، بل وإن كان في حال النيّة بانياً على ذلك إذا لم يجعل الكلام جزءاً من المفطرات وتركه قيداً في صومه.
السادس : صوم الوصال ، وهو صوم يوم وليلة إلى السحر ، أو صوم يومين بلا إفطار في البين ، وأمّا لو أخّر الإفطار إلى السحر أو إلى الليلة الثانية مع عدم قصد جعل تركه جزءاً من الصوم فلا بأس به ، وإن كان الأحوط عدم التأخير إلى السحر مطلقاً.
وكان الفراغ من كتاب الصوم في اليوم العاشر من شهر ذي القعدة الحرام من السنة الرابعة والتسعين بعد الألف والثلاثمائة من الهجرة النبويّة في جوار القبّة العلويّة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام وأكمل التحيّة في النجف الأشرف.
السابع : صوم الزوجة مع المزاحمة لحقّ الزوج ، والأحوط تركه (1)بلا إذن منه ، بل لا يترك الاحتياط مع نهيه عنه وإن لم يكن مزاحماً لحقّه.
الثامن : صوم المملوك مع المزاحمة لحقّ المولى ، والأحوط تركه من دون إذنه ، بل لا يترك الاحتياط مع نهيه.
التاسع : صوم الولد مع كونه موجباً لتألّم الوالدين وأذيّتهما.
العاشر : صوم المريض ومن كان يضرّه الصوم.
الحادي عشر : صوم المسافر ، إلّا في الصور المستثناة على ما مرّ.
الثاني عشر : صوم الدهر حتّى العيدين على ما في الخبر (2)، وإن كان يمكن أن يكون من حيث اشتماله عليهما لا لكونه صوم الدهر من حيث هو.
[2559] مسألة 3 : يستحبّ الإمساك تأدّباً في شهر رمضان وإن لم يكن صوماً في مواضع :
أحدها : المسافر إذا ورد أهله أو محلّ الإقامة بعد الزوال مطلقاً أو قبله وقد أفطر ، وأمّا إذا ورد قبله ولم يفطر فقد مرّ أنّه يجب عليه الصوم (3).
الثاني : المريض إذا برئ في أثناء النهار وقد أفطر ، وكذا لو لم يفطر إذا كان بعد الزوال ، بل قبله أيضاً على ما مرّ من عدم صحّة صومه (4)، وإن كان الأحوط تجديد النيّة والإتمام ثمّ القضاء.
الثالث : الحائض والنفساء إذا طهرتا في أثناء النهار.
الرابع : الكافر إذا أسلم في أثناء النهار ، أتى بالمفطر أم لا (1).
الخامس : الصبي إذا بلغ في أثناء النهار.
السادس : المجنون والمغمى عليه إذا أفاقا في أثنائه.
تمّ كتاب الصوم
ولله الحمد
1) تقدّم حكمه [في أوّل فصل أحكام القضاء].
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم
كتاب الاعتكاف
وهو اللبث في المسجد بقصد العبادة (1) ، بل لا يبعد كفاية قصد التعبّد بنفس اللبث وإن لم يضمّ إليه قصد عبادة أُخرى خارجة عنه ، لكن الأحوط الأوّل.
(1) الاعتكاف لغةً : هو الاحتباس والإقامة على شيء بالمكان ، كما حكاه في الحدائق عن اللغويين (1).
وشرعاً : هو اللبث في المسجد للعبادة ، كما صرّح به الفقهاء على اختلاف تعابيرهم.
إنّما الكلام في أنّ اللبث هل هو بنفسه عبادة بحيث يكفي قصد التعبّد بنفس اللبث ، أو أنّه مقدّمة لعبادة اخرى خارجة عنه من ذكرٍ أو دعاءٍ أو قراءةٍ ونحوها ، فلا اعتكاف من دون قصدها ، فإنّ العبارة المتقدّمة عن الفقهاء قابلة للانطباق على كلّ من المعنيين كما لا يخفى ، وتظهر الثمرة فيما لو اعتكف مقتصراً على أقلّ الواجب أعني : الفرائض اليوميّة فإنّه يصحّ على الأوّل دون الثاني؟
والأقوى هو الأوّل ، ويدلّنا عليه أوّلاً ظاهر الكتاب ، قال تعالى :
1) الحدائق الناضرة 13 : 455.
ويصحّ في كلّ وقت يصحّ فيه الصوم (1) ، وأفضل أوقاته شهر رمضان (2) ،
( وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ) (1).
فإنّ جعل الاعتكاف قسيماً للطواف وللركوع والسجود أي الصلاة وعدّه قبالاً لهما فيه دلالة واضحة على أنّه بنفسه عبادة مستقلّة وأنّه مشروع لنفسه من غير اعتبار ضمّ قصد عبادة أُخرى معه ، ومعه لا حاجة إلى التماس نصّ يدلّ عليه.
وثانياً : الاستشعار من بعض الأخبار ، وعمدتها صحيحة داود بن سرحان ، قال : كنت بالمدينة في شهر رمضان فقلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : إنّي أُريد أن أعتكف ، فماذا أقول؟ وما ذا أفرض على نفسي؟ «فقال : لا تخرج من المسجد إلّا لحاجة لا بدّ منها ، ولا تقعد تحت ظلال حتّى تعود إلى مجلسك» (2).
فإنّ ظاهرها السؤال عن حقيقة الاعتكاف قولاً وفعلاً ، فلم يجبه (عليه السلام) بأكثر من العزم على اللبث ، وانّه متى خرج لحاجة ملحّة يعود فوراً بعد قضائها ، فلا يعتبر في حقيقته شيء آخر وراء ذلك.
(1) بلا خلاف ولا إشكال ، لإطلاق الروايات وعدم التقييد في شيء الضعاف منها بوقت خاصّ.
(2) للعناية بشأنه في هذا الشهر كما يفصح عنه موثّق السكوني عن الصادق (عليه السلام) : «قال : قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) : اعتكاف عشر في
وأفضله العشر الأواخر منه (1).
شهر رمضان تعدل حجّتين وعمرتين» (1).
وهذه الرواية معتبرة ، إذ ليس في السند من يُتأمّل من أجله ما عدا السكوني والنوفلي الراوي عنه.
أمّا الأوّل : فهو وإن كان عامّيّاً إلّا أنّ الشيخ قد وثّقه في كتاب العدّة صريحاً (2)، ولا تعتبر في الراوي العدالة ، بل تكفي الوثاقة.
وأمّا الثاني أعني الحسين بن يزيد النوفلي - : فهو وإن لم يوثّق صريحاً في كتب الرجال لكنّه مذكور في إسناد كامل الزيارات.
(1) لمزيد الاهتمام بشأنه في هذا الوقت كما يظهر من صحيحة أبي العباس البقباق عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال : اعتكف رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) في شهر رمضان في العشر الأُول منه ، ثمّ اعتكف في الثانية في العشر الوسطى ، ثمّ اعتكف في الثالثة في العشر الأواخر ، ثمّ لم يزل (صلّى اللّه عليه وآله) يعتكف في العشر الأواخر» (3).
فإنّ مواظبة النبيّ (صلّى اللّه عليه وآله) وكذا حكاية الإمام (عليه السلام) لوضوح كونه (عليه السلام) في مقام الحثّ والترغيب لا مجرّد نقل التأريخ تكشف عن مزيد الفضل في هذا الوقت.
وهي معتبرة السند وإن ناقش الأردبيلي في طريق الصدوق إلى داود بن
وينقسم إلى واجب ومندوب (1) ، والواجب منه ما وجب بنذر أو عهد أو يمين أو شرط في ضمن عقد أو إجارة أو نحو ذلك ، وإلّا ففي أصل الشرع مستحبّ.
ويجوز الإتيان به عن نفسه وعن غيره الميّت. وفي جوازه نيابةً عن الحيّ (2) قولان لا يبعد ذلك ، بل هو الأقوى (1).
ولا يضرّ اشتراط الصوم فيه فإنّه تبعي ، فهو كالصلاة في الطواف الذي يجوز فيه النيابة عن الحيّ.
الحصين باشتماله على الحكم بن مسكين وهو مهمل (2)، فإنّه مذكور في إسناد كامل الزيارات.
(1) فإنّه في أصل الشرع مستحبّ ، للسيرة القطعيّة ، بل الضرورة ، وفي الجواهر : عليه إجماع المسلمين (3)، وإنّما يجب بالعنوان الثانوي الطارئ عليه من نذر أو عهد أو شرط في ضمن عقد أو إجارة ونحوها.
(2) لا إشكال في جواز النيابة عن الميّت في الاعتكاف وغيره من سائر العبادات ، للنصوص الدالّة عليه ، كما مرّ التعرّض لها في بحث قضاء الصلوات عند التكلّم حول النيابة عن الأموات (4).
.................................................................................................
وأمّا النيابة عن الحيّ : ففي جوازها في الاعتكاف قولان :
قوّى الجواز في المتن وإن تضمّن الصوم الذي لا يجوز الاستنابة فيه عن الحيّ في حدّ نفسه ، معلّلاً بأنّ وجوبه هنا تبعي ، وإلّا فحقيقة الاعتكاف هو نفس اللبث ، فلا مانع من الاستنابة فيه وإن استتبع الصوم ، فالصوم في الاعتكاف نظير الصلاة في الطواف في أنّ الوجوب في كلّ منهما تبعي ، ولا إشكال في جواز الاستنابة عن الحي في الثاني ، فكذا الأوّل.
ولا يخفى غرابة هذا الاستدلال ، بل لم نكن نترقب صدوره من مثله ، فإنّ النيابة عن الحيّ في الحجّ منصوص عليها في الوجوبي والندبي ، وفي بعض الأخبار جواز استنابة المتعدّدين عن شخص واحد ، فلا يقاس عليه غيره من سائر العبادات بعد وجود الفارق وهو النصّ.
وعليه ، فإن نهض الدليل على جواز الاستنابة عن الحيّ على سبيل العموم قلنا به في المقام أيضاً وإلّا فلا ، ولا أثر للأصالة والتبعيّة في ذلك أبداً ، بعد وضوح كون الاستنابة في مثل ذلك على خلاف مقتضى القواعد ، فإنّ الخطابات المتعلّقة بالتكاليف الوجوبية أو الندبيّة متوجّهة نحو ذوات المكلّفين ، فيلزمهم التصدّي لامتثالها بأنفسهم ما داموا أحياء ، فلا معنى لأن يصوم زيد قضاءً عمّا وجب على عمرو الحيّ.
نعم ، هناك روايتان تقدّمتا في باب قضاء الصلوات ربّما يستدلّ بهما على جواز النيابة عن الحيّ ومشروعيّتها ما لم يقم دليل على الخلاف :
إحداهما : ما رواه ابن طاوس في كتاب غياث سلطان الورى عن الحسين ابن أبي الحسن العلوي الكوكبي في كتاب المنسك عن علي بن أبي حمزة البطائني ، قال : قلت لأبي إبراهيم (عليه السلام) : أحجّ وأُصلّى وأتصدّق عن الأحياء والأموات من قرابتي وأصحابي؟ «قال : نعم. تصدّق عنه وصلّ عنه ولك أجر
.................................................................................................
بصلتك إيّاه» (1).
ولكنّها ضعيفة السند بعلي بن أبي حمزة ، كما أنّ الكوكبي مجهول ، على أنّ طريق ابن طاوس إليه غير معلوم ، فهي في حكم المرسل.
الثانية : ما رواه في الكافي بإسناده عن محمّد بن مروان ، قال : قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : «ما يمنع الرجل منكم أن يبرّ والديه حيّين وميّتين ، يصلّى عنهما ، ويتصدّق عنهما ، ويحجّ عنهما ، ويصوم عنهما ، فيكون الذي صنع لهما وله مثل ذلك ، فيزيد اللّه عزّ وجلّ ببرّه وصلته خيراً كثيراً» (2).
وهي أيضاً ضعيفة السند ، فإنّ محمّد بن مروان مردّد بين الثقة والضعيف. نعم ، مَن هو من أصحاب الهادي (عليه السلام) ثقة جزماً ، إلّا أنّ هذا من أصحاب الصادق (عليه السلام) وهو مردّد كما عرفت. وهذا وإن كان وارداً في إسناد كامل الزيارات إلّا أنّه لا ينفع بعد عدم الجزم بالاتّحاد واحتمال التعدّد الناشئ عن التردّد المزبور ، وإن كان لا يبعد الانصراف إلى
الثقة وهو الذهلي المعروف ، الذي له كتاب كما نبّه عليه سيِّدنا الأُستاذ (دام ظلّه) في المعجم 18 : 232 / 11777.
على أنّ في السند محمّد بن علي ، الذي هو الكوفي الصيرفي أبو سمينة بقرينة رواية أحمد بن محمّد بن خالد عنه كثيراً ، وهو ضعيف جدّاً.
وأمّا الحكم بن مسكين : فهو من رجال كامل الزيارات كما تقدّم.
هذا ، مضافاً إلى تطرّق الخدش في الدلالة ، فإنّها تتوقّف على أن يكون مرجع ضمير التثنية «والديه» ليعمّ الحيّ والميّت ، وهو غير ظاهر ، لجواز الرجوع
ويشترط في صحّته أُمور :
الأوّل : الإيمان ، فلا يصحّ من غيره (1).
إلى الأقرب أعني : «ميّتين» كما يساعده الاعتبار ، فإنّ مصاديق البرّ بهما حيّين واضح ، وإنّما الذي يحتاج إلى التنبيه لخفائه هو البرّ وهما ميّتان ، فذكر (عليه السلام) : أنّه الصلاة والصيام والتصدّق ونحوها.
إذن لا دلالة فيها على جواز النيابة عن الحيّ بوجه ، فهي ساقطة سنداً ودلالةً.
(1) تقدّم استقصاء الكلام حول اعتبار الإيمان في العبادات في بحث تغسيل الميّت عند التكلّم في اشتراط الإيمان في الغاسل فيما إذا كان الميّت مؤمناً دون غيره ، وإلّا فيجوز تغسيل المخالف لمثله بقاعدة الإلزام ، وقلنا : إنّ هناك روايات كثيرة دلّت على أنّ صحّة العبادات بأسرها منوطة بالولاية ، فغير الموالي للأئمّة الاثني عشر صلوات اللّه عليهم أجمعين أعماله كسراب بقيعة وجودها كالعدم ولا تنفعه إلّا الحسرة والندم.
فإذا كان الحال هكذا في فاقد الإيمان ففي فاقد الإسلام بطريق أولى.
على أنّ الكافر ممنوع من اللبث في المسجد الذي يتقوّم به الاعتكاف ، ولا أقلّ من أجل كونه جنباً غالباً ، مضافاً إلى أنّه مشروط بالصوم كما سيجيء (1)، ولا يصحّ الصوم من الكافر كما مرّ (2).
فظهر أنّه لا يصحّ الاعتكاف من غير المؤمن من غير فرق بين المخالف والكافر.
الثاني : العقل ، فلا يصحّ من المجنون (1) ولو أدواراً في دوره ، ولا من السكران وغيره من فاقدي العقل.
(1) لعدم الاعتبار بقصده بعد أن كان مرفوعاً عنه القلم ، ومن هنا كان عمده خطأ وديته على العاقلة ، فقصده في حكم العدم ، ولا عبادة إلّا مع القصد.
وقد ورد في النصّ : أنّ أوّل ما خلق اللّه العقل وأنّه تعالى خاطبه بقوله : بك أُثيب وبك أُعاقب ... إلخ (1)، فالعقل إذن هو المناط في الثواب والعقاب ، والمدار في الطاعة والعصيان ، فلا أثر لعبادة المجنون.
وحديث رفع القلم وإن كان وارداً في الصبي أيضاً حتّى يحتلم ، إلّا أنّا استكشفنا مشروعيّة عباداته ممّا ورد من قوله (عليه السلام) : «مروا صبيانكم بالصلاة والصيام» (2)، بل في بعضها الأمر بضرب الصبي وتأديبه لو لم يصلّ لسبع (3)، وقد ذكرنا في الأُصول أنّ الأمر بالأمر بالشيء أمر بذلك الشيء (4)، فنفس العبادة الصادرة من الصبي متعلّق لأمر الشارع بمقتضى هذا الدليل ، غير أنّ الأمر استحبابي لا وجوبي ، ومن هنا كان المرفوع قلم الإلزام لا قلم التشريع ، وبذلك افترق عن المجنون ، لعدم ورود مثل هذا الدليل فيه ، ولأجله بنينا في محلّه على أنّ عبادات الصبي شرعيّة وليست بتمرينيّة ، فيصحّ الاعتكاف منه دون المجنون.
الثالث : نيّة القربة كما في غيره من العبادات (1) ، والتعيين إذا تعدّد ولو إجمالاً (2) ،
(1) للإجماع والتسالم على عباديّته ، بل هي من مرتكزات المتشرّعة ، ويدلّنا عليه قبل ذلك قوله تعالى ( أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ) (1)، فإن أمر اللّه تعالى نبيّه بتطهير البيت لا يكون إلّا لأن يتعبّد فيه من طوافٍ واعتكاف وركوع وسجود ، لا لمجرّد اللبث والمكث ولو لغير العبادة من سكنى أو بيتوتة أو بيع ونحو ذلك ، فالآية بنفسها ظاهرة الدلالة بمقتضى مناسبة الحكم والموضوع في العباديّة واعتبار قصد التقرّب من غير حاجة إلى التشبّث بالإجماع والارتكاز وإن كانا حاصلين أيضاً كما عرفت.
(2) تقدّم في مطاوي بعض الأبحاث السابقة أنّ اشتغال الذمّة بعملين أو أكثر مشاركين في الصورة ومسانخين في الظاهر ينقسم إلى ثلاثة أقسام :
فتارةً : لا يترتّب أثر على شيء منهما بخصوصه ولم يكن بينهما أيّ امتياز حتّى واقعاً ما عدا الاثنينيّة. وهذا كمن فات عنه يومان أو أيّام من شهر رمضان ، أو صلاتان من صلاة الآيات ، ونظيره في الماليّات من كان مديناً لزيد بدرهم ، ثمّ صار مديناً له بدرهم آخر ، فإنّ الذمّة في هذه الفروض مشغولة بمجرّد صوم يومين أو قضاء صلاتين ، أو أداء درهمين من غير خصوصيّة للسابق ولا للّاحق ، إذ لا يلزمه قصد خصوصيّة ما فاته أو استدانه أوّلاً أو ثانياً بالضرورة ، ففي مثل ذلك لا يجب عليه قصد التعيين لدى التصدّي للقضاء أو الوفاء ، فإنّه فرع التعيّن ، والمفروض أنّه لا تعيّن في البين حتّى واقعاً ، ولا امتياز
1) البقرة 2 : 125.
.................................................................................................
لأحدهما حتّى في علم اللّه ، فلو أتى بواحد منهما برئت ذمّته عن واحد لا بعينه وبقيت مشغولة بواحد آخر مثله إلى أن يتحقّق امتثاله خارجاً ، وهذا ظاهر.
وأُخرى : يترتّب الأثر على أحدهما بالخصوص دون الآخر ، وهذا كمن كان عليه صوم يومين قضاء أحدهما من رمضان هذه السنة ، والآخر من السنة الماضية ، فإنّ الأوّل يختصّ بأثر وهو تعلّق الكفّارة لو حال الحول ولم يقضه بخلاف الثاني ، فهما يشتركان في وجوب القضاء ، ويمتاز أحدهما بالفداء ، وحينئذٍ لا بدّ في سقوط الكفّارة من تعلّق القصد بما له الأثر بخصوصه ، فلو صام قضاء وأطلق النيّة فلم يقيّد بهذه السنة وقع قضاء عن السنة الماضية التي هي أخفّ مئونةً ، لأنّ وقوعه عن هذه السنة يحتاج إلى عناية خاصّة وقصد لها بالخصوص ، والمفروض عدم مراعاتها ، فبطبيعة الحال يقع عمّا لا عناية فيه ، فتستقرّ الكفّارة عليه لو بقي كذلك إلى حلول السنة الجديدة.
وثالثةً : يترتّب الأثر على كلّ منهما بالخصوص ويمتاز عن الآخر بعنوانه المخصوص ، وهذا كما في الأداء والقضاء ، والفريضة والنافلة ، ونحو ذلك ، فإنّ تفريغ الذمّة عن كلّ منهما يتوقّف على قصد عنوانه ، وإلّا لم يقع امتثالاً عن شيء منهما ، فلو صلّى في الوقت أربع ركعات من غير قصد الأداء والقضاء ولو إجمالاً ، أو صلّى بعد الفجر ركعتين من غير قصد فريضة الفجر ولا نافلته لم يقع مصداقاً لشيء منهما ، لأنّ كلّاً منهما متقوّم بعنوانه الخاصّ ، فلا مناص من قصده.
وعلى ضوء هذه الكبرى الكلّيّة نقول في المقام :
إنّ من عليه اعتكافان فتارةً : لا يكون بينهما امتياز ، لعدم ترتّب الأثر على شيء منهما ، كما لو نذر إن رزقه اللّه ولداً اعتكف ، ثمّ نذر إن شفي مريضه اعتكف ، فحصل الشرطان ووجب الاعتكافان ، فإنّه يصحّ الإتيان حينئذٍ بكلّ
ولا يعتبر فيه قصد الوجه كما في غيره من العبادات (1) ، وإن أراد أن ينوي الوجه ففي الواجب منه ينوي الوجوب وفي المندوب الندب ، ولا يقدح في ذلك كون اليوم الثالث الذي هو جزء منه واجباً لأنّه من أحكامه ،
منهما بلا تعيين ، فلا حاجة منا إلى قصد التعيين.
وأُخرى : يترتّب الأثر على كلّ منهما ، كما لو كان أجيراً في الاعتكاف عن زيد ثمّ صار أجيراً فيه عن عمرو أيضاً ، فإنّ اللّازم حينئذٍ قصد النيابة عن كلّ منها وتعيينه بالخصوص ، وإلّا لم يقع عن شيء منهما.
وثالثةً : يترتّب الأثر على أحدهما دون الآخر ، كما لو كان أجيراً عن زيد وعليه نذر أيضاً فوجب اعتكافان : أحدهما بالإجارة ، والآخر بالنذر ، فإنّ الأول يفتقر إلى القصد ، إذ ما لم يقصد النيابة عن الغير لا يقع عنه فهو من العناوين القصديّة ، بخلاف الوقوع وفاءً عن نذره ، فإنّه يتحقّق وإن كان غافلاً عن نذره ، لأنّ الأمر بالوفاء توصليّ فيتحقّق كيفما اتّفق ، فلو نذر أن يصلّى ليلة الجمعة صلاة الليل فصلّى تلك الليلة اتّفاقاً غافلاً عن نذره فإنّه قد وفى ولم يحنث وإن لم يقصد عنوان الوفاء.
هذا ، ولا ينبغي الشكّ في أنّ مراد الماتن حيث حكم بوجوب التعيين ليس هو القسم الأول ، لما عرفت من أنّه لا تعيّن فيه ليحتاج إلى التعيين ، بل مراده (قدس سره) القسم الثاني أو الأعمّ منه وممّا بعده كما لا يخفى.
(1) قد عرفت أنّ الاعتكاف مندوب في أصل الشرع ويعرضه الوجوب بالعنوان الثانوي الطاري من نذر أو يمين أو شرط ونحو ذلك ، فهو إذن ينقسم إلى واجب ومستحبّ ، ولكن لا يجب قصد شيء من الخصوصيّتين ، لعدم الدليل على اعتبار قصد الوجه في شيء من العبادات كما تعرّضنا له في محلّه في الأُصول
.................................................................................................
في مبحث التعبّدي والتوصلي (1)، فلا يلزمه في المقام إلّا الإتيان بداعٍ قربى وعلى وجه العبادة ، فإنّ الأمر الناشئ من العنوان الثانوي كالنذر ونحوه وإن كان توصليّاً إلّا أنّه حيث تعلّق بما هو عبادة في نفسه فلا مناص من الإتيان به عباديّاً ، لأنّ الأمر لا يدعو إلّا إلى متعلّقه ، فلا بدّ من الإتيان به على وجهه كما ذكرنا نظير ذلك في بحث مقدّمة الواجب عند التكلّم حول ما إذا كانت المقدّمة عبادة كالطهارات الثلاث ، فإنّ الأمر الغيري أيضاً توصليّ كما في المقام ، وأشرنا هناك إلى أنّه لا يلزم في تحقّق العبادة قصد الأمر الاستحبابي النفسي العبادي المتعلّق بالطهارات (2)، كيف؟! وهو مغفول عنه عند عامّة الناس كما لا يخفى ، بل يكفي فيه الإضافة إلى المولى نحو الإضافة الحاصلة بقصد امتثال الأمر الغيري وإن كان توصليّاً ، فإنّ التوصلية غير مانعة عن إمكان التقرّب بالضرورة ، فكما يمكن التقرّب بالأمر الندبي النفسي ، كذلك يمكن بالأمر الوجوبي الثابت بعنوان المقدّمة ، أو النذر أو الإجارة ونحو ذلك. وتمام الكلام في محلّه.
وكيفما كان ، فلا يعتبر قصد الوجه.
نعم ، لو أراد أن ينوي الوجه ففي الواجب منه ينوى الوجوب ، وفي المندوب الندب.
وأمّا بالإضافة إلى اليوم الثالث فيأتي به بعنوان التكملة والتتميم لما شرع ، ولا يجب فيه قصد الوجوب وإن كان متّصفاً به ، لأنّ القائلين باعتبار قصد الوجه وهم المتكلّمون وتبعهم بعض الفقهاء إنّما يقولون به في العبادات المستقلّة ، لشبهة عرضت عليهم ، حاصلها : أنّ الحركات والسكنات الحاصلة في مثل الصلاة والصيام والاعتكاف ونحوها من سائر العبادات لا تتّصف في
فهو نظير النافلة إذا قلنا بوجوبها بعد الشروع فيها ، ولكن الأولى ملاحظة ذلك حين الشروع فيه ، بل تجديد نيّة الوجوب في اليوم الثالث ، ووقت النيّة قبل الفجر ، وفي كفاية النيّة في أوّل الليل كما في صوم شهر رمضان (1) إشكال. نعم ، لو كان الشروع فيه في أوّل الليل أو في أثنائه نوى في ذلك الوقت.
نفسها بالعباديّة إلّا بتوسيط انطباق عنوان حسن عليها ، وحيث إنّ ذلك العنوان الواقعي الذي هو المناط في الاتّصاف بالحسن مجهول لدينا فلا مناص من قصد عنوان آخر به نشير إليه ، وليس هو إلّا الوجوب أو الندب.
وهذه الشبهة وإن كانت واهية تعرّضنا لدفعها في محلّها ، إلّا أنّه يظهر منها أنّ مورد كلامهم إنّما هو العبادات المستقلّة المتأصّلة دون الضمنيّة التي هي من أجزاء العمل وتابعة للمركّب كما في المقام ، حيث إنّ الاعتكاف في مجموع الثلاثة أيّام عمل وحداني محكوم بالندب لدى الشروع ، وإن وجب التكميل بعد يومين فإنّه حكم ثانوي عارضي نظير وجوب الإتمام في الحجّ بعد الإحرام مع كون الشروع فيه مستحبّاً ، وكذا الحال في النافلة على القول بوجوب تكميلها بعد الشروع فيها ، ففي أمثال هذه الموارد لا يجب قصد الوجه قطعاً ، ولم يقل به أحد حتّى القائلين بالاعتبار فيجزئ الإتيان حينئذٍ بعنوان الإكمال والإتمام حسبما عرفت.
(1) لا إشكال فيه قطعاً فيما إذا كانت النيّة التي حقيقتها الداعي باقية في أُفق النفس إلى طلوع الفجر ولو ارتكازاً وبصورتها الإجمالية التي لا تنافيها الغفلة الفعليّة بحيث لو سُئل عن سبب اللبث لم يحر في الجواب ، كمن يشرع في عملٍ كالصلاة أو الذهاب إلى داره ويتمّه جرياً على الارتكاز الكامن في النفس وإن ذهلت صورتها التفصيليّة ، لانشغال الذهن بأُمور أُخر كما هو ظاهر ، بناءً
.................................................................................................
على تفسير النيّة بما عرفت.
إنّما الإشكال فيما لو زالت النيّة عن صقع النفس بالكلّيّة ، أو عرضه النوم ولم يستيقظ إلّا بعد طلوع الفجر.
أمّا في الأوّل : فالظاهر البطلان ، للزوم مقارنة النيّة للعبادة ، والتقديم على خلاف الأصل لا يصار إليه إلّا مع قيام الدليل كما في الصوم.
وأمّا في الثاني : فلا يبعد الصحّة ، وأنّ النصوص الواردة في الصوم الدالّة على عدم قادحيّة النوم مطابقة لمقتضى القاعدة فيسري مفعولها إلى المقام. وذلك فلأجل أنّ من دخل المسجد ناوياً اللبث فيه من الفجر ثمّ نام عن هذه النيّة فذلك اللّبث مستند إليه ويعدّ فعلاً اختياراً صادراً عن قدرته وإرادته وإن حصل حال النوم الذي لا شعور له آن ذاك ، لوضوح أنّ المقدور بالواسطة مقدور بالقدرة على مقدّمته ، فمن ينام وهو يعلم بترتّب اللبث عليه فذلك اللبث فعل اختياري له. ومن هنا يعدّ من القتل العمدي فيما لو فعل باختياره فعلاً يعلم بترتّب القتل عليه ، ولا دليل على اعتبار العباديّة في المقام بأزيد من هذا.
وبالجملة : فاللبث في المسجد حال النوم مع سبق النيّة مثل الوقوف بعرفة حال النوم مع سبقها في صحّة الإسناد والاجتزاء في مقام الامتثال.
ومنه تعرف أنّ النصّ الوارد في الصوم وأنّه لا يضرّه النوم مطابق لمقتضى القاعدة كما أشرنا إليه.
نعم ، لو نام في بيته ثمّ حُمل إلى المسجد وبقي فيه نائماً إلى الفجر لم يكف وإن كان من نيّته الذهاب والمكث قبل أن ينام ، بل أنّ هذا أوضح إشكالاً من الفرض الأوّل أعني : من غفل عن النيّة بالكلّيّة لأنّ العبادة يعتبر فيها القصد والإرادة قبل اعتبار القربة ، فهي تتقوّم بقيدين أحدهما في طول الآخر ، ففي فرض الغفلة لم يكن المفقود عدا نيّة القربة مع صدور الفعل أعني : اللّبث عن
ولو نوى الوجوب في المندوب أو الندب في الواجب اشتباهاً لم يضرّ ، إلّا إذا كان على وجه التقييد (1)(1) ، لا الاشتباه في التطبيق.
الاختيار والإرادة وأمّا هنا فلم يصدر منه أيّ فعل إرادي ، فقد انعدم ما هو أعظم شأناً ، إذ لم يستند الفعل إليه بوجه ، فهو كمن نام ثمّ حُمل إلى السفر حال النوم ، فكما لا يكون هذا السفر اختياريّاً له ومستنداً إليه ، فكذا اللّبث في المقام.
هذا كلّه فيما لو كان الشروع في الاعتكاف من الفجر.
وأمّا لو شرع فيه في أوّل الليل أو في أثنائه فوقت النيّة هو هذا الزمان ، وهو مبدأ الاعتكاف ، فلا يضرّه النوم بعدئذٍ قطعاً ، كالنوم الحاصل خلال الثلاثة وقد تحقّقت المقارنة حينئذٍ ، ولا شكّ في صحّة مثل هذا الاعتكاف ، لأنّه لا يكون أقلّ من ثلاثة أيّام ، وأمّا الأكثر منه فلا بأس به ، سواء أكان الزائد بعد الثلاثة أم قبلها بدخول الليلة الأُولى أو مقدار منها كما سيجيء إن شاء اللّه تعالى (2).
وقد أشار الماتن إلى ذلك بقوله : نعم ، لو كان المشروع فيه ... إلخ.
(1) قد أشار في مطاوي هذا الشرح مراراً إلى أنّه لا أثر للتقييد في أمثال المقام ، إذ مورده ما إذا كان هناك كلّي ذو حصص ليقبل التضييق والتقييد بحصّة دون اخرى ، كما لو صلّى بعنوان الأداء ثمّ بان أنّه قد صلّاها ، فإنّها لا تُحسب قضاءً لأنّه قيّد الطبيعي بحصّة خاصّة فلا يقع عن غيرها إلّا إذا كان ناوياً للأمر الفعلي واعتقد أنّه الأداء ، فإنّها تحسب حينئذٍ عن القضاء ، ويكون من باب
الرابع : الصوم ، فلا يصحّ بدونه (1) ، وعلى هذا فلا يصحّ وقوعه من المسافر في غير المواضع التي يجوز له الصوم فيها.
الاشتباه في التطبيق ، ونحوه في باب المعاملات فيما لو باع مقيّداً بصفة ولم يتّصف كما ذكرناه في محلّه.
وأمّا الجزئي الخارجي فلا توسعة فيه كي يقبل التضييق : فلو نوى الائتمام خلف الإمام بتخيّل أنّه زيد فبان أنّه عمرو ، فهذا الائتمام جزئي خارجي وشيء وحداني ودائر أمره بين الوجود والعدم ، فلا معنى لتقييده بوجود زيد في المحراب بحيث يتحقّق على تقدير وجوده دون عدمه ، فإنّ هذا نظير أن تضرب أحداً مقيّداً بكونه زيداً بحيث ينتفي بانتفائه ، إذ لا محصّل لذلك ، ضرورة وقوع الضرب خارجاً سواء أكان المضروب زيداً أم عمرواً كوقوع الائتمام بمن في المحراب ، سواء أكان هو زيداً أم عمرواً ، فلا معنى للتقييد في أمثال هذه الموارد : بل كلّها من باب تخلّف الداعي والخطأ في التطبيق الذي لا يكون قادحاً في الصحّة.
ومقامنا من هذا القبيل ، فإنّ الاعتكاف الصادر منه جزئي خارجي قد تحقّق ، سواء أكان واجباً أم مندوباً ، فلا معنى لإناطة وجوده بتقديرٍ دون تقدير كي يقبل التقييد ، فالتخلّف فيه يكون دائماً من باب الاشتباه في التطبيق حسبما عرفت.
(1) بلا خلاف فيه ، بل في الجواهر : أنّ الإجماع عليه بقسميه (1)، وتشهد به جملة وافرة من النصوص وفيها الصحاح ، وقد تضمّن بعضها نفي الطبيعة عن
1) الجواهر 17 : 164.
.................................................................................................
فاقد الصوم وأنّه لا اعتكاف إلّا بصوم ، الذي يراد به نفي الصحّة نظير قولهم (عليهم السلام) : «لا صلاة إلّا بطهور» (1)، وبذلك يرتكب التقييد في إطلاق الآية المباركة.
فمنها : صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه قال : «لا اعتكاف إلّا بصوم» (2)ونحوها صحيح ابن مسلم (3).
وفي موثّقته : «لا يكون الاعتكاف إلّا بصيام» (4)ونحوها موثّقة عمر بن يزيد (5)وعبيد بن زرارة (6)وغيرها.
فلا شكّ في اشتراط الاعتكاف بالصيام بمقتضى هذه النصوص.
ويترتّب على هذا الاشتراط ما ذكره في المتن من عدم صحّة الاعتكاف ممّن لا يشرع في حقّه الصيام كالمسافر ، وكما في يومي العيدين ، فإنّ انتفاء الشرط يستلزم انتفاء المشروط.
ولكن نُسب إلى الشيخ وابن إدريس وابن بابويه جوازه في السفر ، نظراً إلى الإطلاق في أدلّة الاعتكاف ، إذ لم يقيّد شيء منها بالحضر ، فتدلّ بالدلالة الالتزاميّة على مشروعيّة ما يتوقّف عليه وهو الصوم (7).
ولكنّه كما ترى ، بل لعلّ الجواب عنه أوضح من أن يخفى ، ضرورة أنّ إطلاقات الاعتكاف بعد أن كانت مقيّدة بالصيام بمقتضى النصوص المتقدّمة فتقيّد بما هو شرط في الصوم ، فكلّما هو شرط في صحّة الصوم شرط في صحّة الاعتكاف
1) الوسائل 1 : 365 / أبواب الوضوء ب 1 ح 1.
2) الوسائل 10 : 536 / أبواب الاعتكاف ب 2 ح 3.
3) الوسائل 10 : 536 / أبواب الاعتكاف ب 2 ح 6.
4) الوسائل 10 : 537 / أبواب الاعتكاف ب 2 ح 8 ، 9 ، 10.
5) الوسائل 10 : 537 / أبواب الاعتكاف ب 2 ح 8 ، 9 ، 10.
6) الوسائل 10 : 537 / أبواب الاعتكاف ب 2 ح 8 ، 9 ، 10.
7) المبسوط 1 : 292 ، السرائر 1 : 394 ، المقنع : 199.
ولا من الحائض والنفساء (1) ، ولا في العيدين ، بل لو دخل فيه قبل العيد بيومين لم يصحّ (2) وإن كان غافلاً حين الدخول.
بطبيعة الحال ، بحيث لو جمعنا بين الدليلين في كلام واحد وقلنا : لا اعتكاف إلّا بصوم ، ولا يجوز الصوم في السفر ، فلا جرم كانت النتيجة أنّه لا يجوز الاعتكاف في السفر ، ولم يكن في البين أيّة معارضة فضلاً عن أن يتمسّك بإطلاق الأوّل ويقدّم.
ولأجل ذلك لم يلتزموا بصحّة الاعتكاف في العيدين ، ولم يتمسّك أحد هنا بإطلاقات الأدلّة لإثبات المشروعيّة ، والمسألتان من وادٍ واحد.
اللّهمّ إلّا أن يفرّق بأنّ حرمة الصوم في العيد ذاتيّة ، وفي السفر تشريعيّة ، فيمكن إثبات الأمر في الثاني بإطلاق الدليل دون الأوّل ، إذ لا يكون الحرام مصداقاً للواجب ، فتأمّل.
(1) لا يبعد أن تكون هذه العبارة سهواً من قلمه الشريف ، ضرورة أنّ الاعتكاف متقوّم باللّبث في المسجد الممنوع في حقّ الحائض والنفساء ، فلا يكون عدم الصحّة منهما من آثار الاشتراط بالصوم كما هو ظاهر تفريع المتن ، حيث جعل ذلك مترتّباً عليه وعدّهما في سياق عدم الصحّة من المسافر وفي العيدين ، فلو فرضنا صحّة الصوم منهما كالمستحاضة لم يكد يصحّ الاعتكاف منهما أيضاً ، لما عرفت.
(2) لامتناع صوم اليوم الثالث المصادف للعيد الذي لا يفرّق فيه بين الغفلة والالتفات ، ولا يصحّ الاقتصار على اليومين ، لعدم مشروعيّة الاعتكاف أقلّ من ثلاثة أيّام كما سيجيء.
نعم ، لو نوى اعتكاف زمان يكون اليوم الرابع (1) أو الخامس منه العيد : فإن كان على وجه التقييد بالتتابع لم يصحّ ، وإن كان على وجه الإطلاق لا يبعد صحّته (1)، فيكون العيد فاصلاً بين أيّام الاعتكاف.
(1) لو نوى الاعتكاف أربعة أيام مثلاً فصادف العيد اليوم الرابع ، فقد يكون ذلك على وجه التقييد بالتتابع بأن تكون نيّته متعلّقة بالثلاثة المقيّدة بانضمام اليوم الرابع بنحو البشرط شيء ، وأُخرى يكون على وجه الإطلاق وبنحو اللااقتضائيّ بشرط.
لا شكّ في البطلان على الأول ، لأنّ ما قصده يتعذّر امتثاله ، وما يمكن أعني : الاقتصار على الثلاثة لم يتعلّق به القصد ، فما قصده لا يقع ، وما يمكن أن يقع لم يقصد.
وأمّا الثاني : فلا مانع من صحّته ، فيقتصر على الثلاثة بعد أن كانت مقصودة حسب الفرض.
وأمّا لو نوى الاعتكاف خمسة أيّام مثلاً فصادف العيد اليوم الرابع : فإن كان على وجه التقييد فالكلام هو الكلام بعينه ، وإن كان على وجه الإطلاق فلا شكّ في صحّة الثلاثة ما قبل العيد كالبطلان فيه.
إنّما الكلام في اليوم الخامس ، فقد حكم في المتن بصحّته أيضاً والتحاقه بالثلاثة الأُول ، فيكون العيد فاصلاً بين أيّام الاعتكاف.
1) نعم ، إلّا أنّ كون ما بعد العيد جزءاً لما قبله محلّ إشكال ، والأحوط الإتيان به رجاءً أو إنشاء اعتكاف جديد.
الخامس : أن لا يكون أقلّ من ثلاثة أيّام (1) ، فلو نواه كذلك بطل.
ولكنّه مشكل ، فإنّ الفصل المزبور يوجب انقطاع الاعتكاف المعتبر فيه الموالاة ، فلا يصلح اللاحق للانضمام إلى السابق كي يكون المجموع اعتكافاً واحداً ، كما لو أفطر أثناء الثلاثة فإنّه يمنع عن الالتحاق ، لأجل اعتبار التوالي في الاعتكاف.
وعليه ، فيتعيّن أن يكون اليوم الخامس مبدأً لاعتكافٍ جديد ، ولأجله يعتبر ضمّ يومين آخرين ، إذ لا اعتكاف أقلّ من ثلاثة.
نعم ، لا بأس بالاقتصار عليه بعنوان الرجاء ، فيعتكف اليوم الخامس ويلحقه بما سبق رجاءً.
(1) بلا خلاف فيه ، بل الإجماع عليه بقسميه كما في الجواهر (1).
وتشهد به صحيحة أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال : لا يكون الاعتكاف أقلّ من ثلاثة أيّام» (2).
ونحوها موثّقة عمر بن يزيد التي رواها الشيخ بإسناده عن علي بن الحسن ابن فضّال ، عن محمّد بن علي ، عن الحسن بن محبوب (3).
فإنّ طريق الشيخ إلى ابن فضّال وإن كان ضعيفاً (4)إلّا أنّ طريق النجاشي
وأمّا الأزيد فلا بأس به وإن كان الزائد يوماً أو بعضه (1) أو ليلة أو بعضها.
صحيح (1)، والكتاب واحد كما تكرّرت الإشارة إليه.
وأمّا محمّد بن علي فالمراد به هنا محمّد بن علي بن محبوب بقرينة روايته عن الحسن بن محبوب كثيراً ، ولا يراد به الكوفي الصيرفي الهمداني المعروف بأبي سمينة ، الذي استظهرنا إرادته من هذه الكلمة في رواية أُخرى تقدّمت وعرفت ضعفه (2)، وذلك لاختلاف الراوي والمروي عنه في هذه الرواية عن تلك.
وكيفما كان ، فالرواية معتبرة ، غاية الأمر أنّها موثّقة لا صحيحة من أجل علي بن الحسن بن فضّال.
(1) بلا خلافٍ فيه ، ويستدلّ له بمعتبرة أبي عبيدة عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث «قال : من اعتكف ثلاثة أيّام فهو يوم الرابع بالخيار : إن شاء زاد ثلاثة أيّام أُخر ، وإن شاء خرج من المسجد ، فإن أقام يومين بعد الثلاثة فلا يخرج من المسجد حتّى يتمّ ثلاثة أيّام أُخر» (3).
فإنّ مفهوم الشرطيّة الأخيرة جواز الخروج قبل استكمال اليومين بعد الثلاثة ، كأن يخرج في اليوم الرابع أو أثناء اليوم الخامس. فيدلّ بالدلالة الالتزاميّة على جواز نيّة الاعتكاف هذا المقدار من الأوّل ، وأنّ ذلك مشروع من حين الشروع.
ولا حدّ لأكثره (1).
ويندفع : بأنّ المفهوم وإن كان تامّاً إلّا أنّ الدلالة الالتزاميّة ممنوعة ، ضرورة عدم استلزام جواز رفع اليد بقاءً لمشروعيّته حدوثاً كي تسوغ نيّته كذلك من أوّل الأمر. ألا ترى أنّ النافلة يجوز قطعها ورفع اليد عنها بعد الإتيان بركعة واحدة ، ولا يجوز أن ينوي الركعة حين الشروع أو نصفها؟! وبالجملة : مفاد المعتبرة جواز الخروج عن المسجد فيما إذا بدا له ذلك ، ولا يدلّ هذا بوجه على جوازه من الأوّل لتدلّ على مشروعيّته الاعتكاف أربعة أيّام مثلاً.
فالأولى الاستدلال لجواز الزيادة على الثلاثة بإطلاقات مشروعيّة الاعتكاف من الكتاب والسنّة ، إذ لم يرد عليها التقييد إلّا التحديد من ناحية القلّة دون الكثرة ، فنفس الإطلاقات السليمة عن التقييد من طرف الزيادة وافية لإثبات المشروعيّة.
(1) وقد يستدلّ له ببعض النصوص المتعرّضة للتحديد من طرف الأقلّ من دون تعرّض للأكثر.
وفيه ما لا يخفى ، فإنّ عدم التعرّض أعمّ من عدم التحديد ، فلا دلالة له على النفي بعد أن لم تكن في مقام البيان إلّا من ناحية الأقلّ.
فالأولى أن يستدلّ هنا أيضاً بالإطلاقات كما عرفت آنفاً.
نعم ، لو اعتكف خمسة أيّام وجب السادس (1) ، بل ذكر بعضهم أنّه كلّما زاد يومين وجب الثالث ، فلو اعتكف ثمانية أيّام وجب اليوم التاسع وهكذا ، وفيه تأمّل.
(1) لمعتبرة أبي عبيدة المتقدّمة الصريحة في عدم جواز الخروج من المسجد متى أقام يومين بعد الثلاثة حتّى يتمّ ثلاثة أيّام أُخر. فلا مناص من الالتزام به بعد وضوح الدلالة وصحّة السند ، ولا سيّما وقد أفتى المشهور ظاهراً على طبقها.
وسيجيء إن شاء اللّه تعالى في المسألة الخامسة : أنّ من أتمّ اليومين الأولين وجب عليه الثالث ، لصحيح محمّد ابن مسلم الصريح في ذلك ، فيما إذا لم يشترط أي لم يشترط على نفسه بنذر ونحوه لا كالاشتراط في باب الإحرام وسيجيء تفصيل الكلام حول ذلك قريباً إن شاء اللّه تعالى. فهذا أيضاً ممّا لا مناص من الالتزام به.
وأمّا وجوب اليوم الثالث كلّما زاد يومين لكي يجب اليوم التاسع لو اعتكف ثمانية أيّام وهكذا ، فهو وإن كان قد ذكره بعضهم ، بل عن المسالك والمدارك عدم الفصل بين السادس وكلّ ثالث (1)، إلّا أنّ الماتن قد تأمّل فيه ، وهو في محلّه ، فإنّ انقلاب النفل إلى الفرض على خلاف القاعدة لا يصار إليه من غير دليل ، وقد قام الدليل عليه في الفرضين الأولين بمقتضى معتبرة أبي عبيدة وصحيحة ابن مسلم كما سمعت ، وأمّا هنا فلم يقم عليه أيّ دليل ، فيبقى تحت مقتضى القاعدة من عدم الانقلاب كما هو ظاهر ، إذ لا نقول بالقياس ، والأصل البراءة.
1) المسالك 2 : 95 96 ، المدارك 6 : 313.
واليوم من طلوع الفجر (1) إلى غروب الحمرة (1)المشرقيّة (2) ،
(1) فإنّ مبدأ اليوم وإن كان هو طلوع الشمس حسبما حقّقناه في مباحث الأوقات من كتاب الصلاة كما مرّ مستقصًى ، إلّا أنّ المراد به في خصوص المقام من طلوع الفجر ، لأجل الروايات الخاصّة المتضمّنة : أنّه لا اعتكاف من غير صيام ، حيث يظهر منها أنّ يوم الاعتكاف هو يوم الصوم ، فإنّه وإن أمكن التفكيك بأن يصوم من الفجر وينوي الاعتكاف من طلوع الشمس لكنّه بعيد عن الفهم العرفي جدّاً كما لا يخفى ، فإنّ العرف لا يكاد يشكّ في أنّ المستفاد من هذا الكلام أنّ يومهما واحد ، فمن أجل هذه القرينة نلتزم بإرادة خلاف الظاهر في خصوص المقام.
(2) في العبارة (2)مسامحة واضحة كما أشرنا في التعليقة ، فإنّ الحمرة المشرقيّة تزول عن قمّة الرأس وتنتقل من ناحية الشرق إلى الغرب ، لا أنّها تغرب ، فهي باقية غير أنّها تذهب من مكانٍ إلى مكان ، وليست بمستترة كالقرص تحت الأُفق كي يطلق عليها الغروب.
وكيفما كان ، فالمراد أنّ اليوم ينتهي بانتهاء زمان الصوم الذي هو عنده ذهاب الحمرة المشرقيّة ، وقد تقدّم في مبحث الأوقات أنّ الغروب الذي هو منتهى وقت الظهرين وآخر زمان الصوم ومبدأ العشاءين إنّما يتحقّق باستتار القرص لا بذهاب الحمرة ، فراجع.
فلا يشترط إدخال الليلة الأُولى (1) ولا الرابعة وإن جاز ذلك كما عرفت ، ويدخل فيه الليلتان المتوسّطتان.
(1) لا إشكال في دخول الليلتين المتوسّطتين ، لإطلاقات الأدلّة ، حيث لم يقيّد دليل المنع عن الخروج من المسجد أو عن الجماع ونحوهما من موانع الاعتكاف بالنهار ، فيعمّ الليل أيضاً ، فيكشف لا محالة عن الدخول ، هذا أولاً.
وثانياً : أنّ نفس التحديد بالثلاثة ظاهر بحسب الفهم العرفي في الاتّصال والاستمرار ، فإنّه المنصرف إلى الذهن في الأُمور القابلة للدوام والاستمرار كما في إقامة العشرة ونحوها ، فلو قلت : مكثت في البلدة الفلانية ثلاثة أيّام ، كان المنسبق إلى الذهن الاتّصال. فهو يستلزم دخول الليلتين المتوسّطتين بطبيعة الحال.
فما نُسب إلى الشيخ من عدم الدخول (1)غير قابل للتصديق.
كما لا ينبغي الإشكال في خروج الليلة الأخيرة ، لانتهاء اليوم بانتهاء النهار ، بمقتضى الفهم العرفي المؤيّد برواية عمر بن يزيد ، قال : قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : إنّ المغيريّة يزعمون أنّ هذا اليوم لهذه الليلة المستقبلة «فقال : كذبوا ، هذا اليوم للّيلة الماضية ، إنّ أهل بطن نحلة حيث رأوا الهلال قالوا : قد دخل الشهر الحرام» (2).
نعم ، هي ضعيفة السند بدهقان الذي اسمه عبد اللّه كما في الوسائل ، أو عبيد اللّه كما في روضة الكافي (3). وكيفما كان ، فهو مجهول ، فلا تصلح إلّا للتأييد.
وفي كفاية الثلاثة التلفيقيّة إشكال (1)(1).
فما يُنسب إلى بعض الأصحاب من احتمال الدخول لا ينبغي الإصغاء إليه.
إنّما الكلام في الليلة الأُولى ، فالمشهور عدم الدخول ، ولكن نُسب الدخول إلى العلّامة والشهيد الثاني كما في الليلتين المتوسّطتين (2)، والصحيح ما عليه المشهور ، فإنّ اليوم ظاهر لغةً وعرفاً في بياض النهار في مقابل قوس الليل ، قال تعالى ( سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيّامٍ ) (3).
نعم ، قد يستعمل اليوم في مجموع القوسين أعني : أربعة وعشرين ساعة لقرينة خارجيّة تدلّ عليه مثل قولك : كان سفرنا عشرة أيّام ، وأمّا من غير القرينة على الخلاف ولا قرينة في المقام فظاهر اللفظ هو بياض النهار كما سمعت ، ودخول المتوسّطتين إنّما كان لأجل اعتبار الاستمرار كما مرّ ، فلا وجه لقياس الاولى عليهما كما هو ظاهر.
(1) والأمر كما ذكره ، بل أوضح ممّا ذكره ، فإنّ اليوم اسم حقيقي لغةً وعرفاً لبياض النهار الذي مبدؤه طلوع الفجر أو طلوع الشمس ، ومنتهاه غروبها ، ولا سيّما في الاعتكاف المعتبر فيه الصوم الذي لا يكون إلّا في تمام اليوم.
أمّا الملفّق من نصفين فهو نصفان من يومين وليس بيوم واحد ، كما أنّ من يملك من كلّ من الدارين أو العبدين نصفاً فهو مالك لنصفين من دارين أو من عبدين ، وليس مالكاً لدار واحدة أو لعبد واحد بكامله.
.................................................................................................
وقيام الدليل على إرادة التلفيق المبني على نوع من العناية في بعض الموارد كالعدّة ومدّة الخيار وأقلّ الحيض ونحو ذلك لا يستدعي إرادته في المقام بعد عرائه عن مثل ذلك الدليل ، فلا مناص من الأخذ بظاهر اللفظ من إرادة المعنى الحقيقي ، أعني : اليوم الكامل كما عرفت. فلا يجزي التلفيق بوجه.
هذا ، وقد سبق نظير ذلك في كتاب الصوم (1)عند التكلّم حول الشهرين المتتابعين وقلنا : إنّ الشهر حقيقة فيما بين الهلالين دون المقدار فلا يجزي التلفيق. وأشرنا هناك إلى أنّ هذه المسألة أعني : كون الشهر حقيقة فيما بين الهلالين ، أو أنّ المراد ما يعمّ المقدار غير معنونة في كلماتهم ، إذ لم نرَ من تعرّض لذلك من قدماء الأصحاب.
نعم ، تعرّض له المحقّق في الشرائع على وجهٍ يظهر منه أنّه أرسل إرادة الأعمّ من المقدار إرسال المسلّمات وأنّ جواز التلفيق من الواضحات ، حيث قال (قدس سره) في أواخر كتاب الكفارات في المسألة الاولى من المقصد الرابع ما لفظه : من وجب عليه شهران متتابعان فإن صام هلالين فقد أجزأه ولو كانا ناقصين ، وإن صام بعض الشهر وأكمل الثاني اجتزأ به وإن كان ناقصاً ، ويكمل الأول ثلاثين ، وقيل : يتمّ ما فات من الأول ، والأول أشبه (2)، انتهى.
فإن الإجزاء في الفرض الأوّل ممّا لا خلاف فيه ولا إشكال ، لكون الشهر حقيقة فيما بين الهلالين كما صرّح به في الجواهر في شرح العبارة (3).
وأمّا في الفرض الثاني فقد تكلّم في كيفيّة التكميل فارغاً عن جواز أصل
.................................................................................................
التلفيق ، فكأنّه أمر مسلّم مفروغ عنه.
وكيفما كان ، فقد اختار هو أي المحقّق (قدس سره) الرجوع في التكميل إلى العدد أعني : مقدار الشهر وهو الثلاثون وإن كان ناقصاً وذلك نظراً إلى انكساره فيتعذّر اعتبار الهلال فيه ، فيرجع إلى العدد. فلو صام عشرة أيّام من آخر رجب وتمام شعبان أكمل رجب في شوّال بعشرين يوماً وإن كان الشهر ناقصاً.
واختار صاحب الجواهر (قدس سره) القول الآخر ، وهو إتمام ما فات من الأوّل ، فيكفي في الفرض المزبور صيام تسعة وعشرين يوماً مع نقصان الشهر ، لأنّه أقرب إلى الشهر الحقيقي.
ثمّ حكى (قدس سره) قولاً ثالثاً ، وهو انكسار الشهرين بانكسار الأول ، لأنّ الثاني لا يدخل حتّى يكمل الأوّل ، فيتمّ من الثاني الذي يليه ثلاثين يوماً أو مقدار ما فات منه ويتمّ الثاني من الذي يليه كذلك (1). فيرد التلفيق على كلّ من الشهرين.
وتظهر الثمرة بين الأقوال الثلاثة فيما لو صام من آخر رجب يوماً وهو ناقص ثمّ أتبعه بشعبان وهو مثله في النقص.
فعلى قول المحقّق : يقضي تسعة وعشرين يوماً من شوّال ، لأنّ العبرة عنده بالعدد وهو ثلاثون.
وعلى قول صاحب الجواهر : يقضي ثمانية وعشرين يوماً ، لأنّ العبرة بما فات من رجب وليس إلّا ذلك.
1) الجواهر 33 : 279.
.................................................................................................
وعلى القول الثالث : يبطل التتابع ويجب استئناف الكلّ ، لأنّ مجموع ما صامه ثلاثون يوماً وهو نصف الشهرين ، واللازم في حصول التتابع الزيادة على النصف ولو بيوم ، ولم تحصل.
والصحيح ما عرفت من لزوم كون الشهرين هلاليّين ، لكون الشهر حقيقة فيه كما اعترف به في الجواهر على ما مرّ فلا وجه لرفع اليد عن أصالة الحقيقة من غير قرينة.
وعلى تقدير القول بالانكسار والتلفيق فلا مناص من اختيار القول الأخير أعني : ورود الكسر على الشهرين معاً إذ لا معنى للشروع في الشهر الثاني إلّا بعد استكمال الشهر الأوّل ، فما صامه من شعبان إنّما هو مكمّل لما صام من رجب ، إمّا مكمّل الثلاثين أعني : العدد أو مكمّل لمقدار ما فات منه ، على الخلاف المتقدّم بين المحقّق وصاحب الجواهر ، فلا يمكن عدّ شعبان شهراً بحياله ، بل مكمّل كما عرفت. ونتيجته ورود الكسر على الشهرين بطبيعة الحال ، المستلزم لاستئناف التتابع في الفرض المزبور.
نعم ، لو أمكن احتساب الزائد على الشهر قبل تحقّقه بأن يكون صيام شعبان ويوم من رجب مصداقاً لصيام شهر وزيادة لم يرد الكسر حينئذٍ على الشهر الثاني ، ولكنّه لا وجه له وإن كان ذلك هو ظاهر عبارة الجواهر ، بل صريح الوسائل ، حيث أخذه في عنوان الباب في كتابي الصوم والكفّارات ، فقال : باب أنّ من وجب عليه صوم شهرين متتابعين لم يجز له الشروع في شعبان إلّا أن يصوم قبله ولو يوماً (1)، غير أنّه (قدس سره) في كتاب الكفّارات
1) الوسائل 22 : 364 / أبواب الكفارات ب 4 وج 10 : 375 / أبواب بقية الصوم الواجب ب 4.
.................................................................................................
لم يأت برواية تدلّ على الاستثناء المأخوذ في العنوان.
نعم ، في كتاب الصوم ذكر صحيحة منصور التي استدلّ بها في الجواهر أيضاً عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : أنه قال في رجل صام في ظهار شعبان ثمّ أدركه شهر رمضان «قال : يصوم شهر رمضان ويستأنف الصوم ، فإن هو صام في الظهار فزاد في النصف يوماً قضى بقيّته» (1).
ولكنّها كما ترى قاصرة الدلالة على ما ذكراه من كفاية صيام يوم قبل شعبان زائداً عليه ، لوضوح أنّ قوله (عليه السلام) : «فزاد» ظاهرٌ بمقتضى فاء التفريع في كون الزائد حاصلاً بعد صيام النصف بأن يصوم النصف أوّلاً وهو الشهر ثمّ يزيد عليه بيوم ، وعليه فلا أثر لصيام يوم من رجب ، لأنّ الحاصل من ذي قبل لا يكاد يتّصف بعنوان الزيادة على شعبان بوجه.
وأصرح منها صحيحة أبي أيّوب ، قال (عليه السلام) فيها : «ولا بأس إن صام شهراً ثمّ صام من الشهر الذي يليه أيّاماً ثمّ عرضت علّة أن يقطعه يقضي بعد تمام الشهرين» (2).
فإنّها تنادي بلزوم كون الزائد من الشهر الذي يليه ، فلا اعتبار بما صام من الشهر السابق بتاتاً. ونتيجة ذلك ورود الكسر على الشهر الثاني أيضاً كما ذكرناه.
وعلى الجملة : لم تحرَّر المسألة في كلماتهم بحيث تعنوَن ويُنقل الخلاف ، غير أنّه يظهر من المتأخّرين كالمحقّق وصاحب الجواهر (3)وغيرهما المفروغيّة
السادس : أن يكون في المسجد الجامع (1) فلا يكفي في غير المسجد ولا في مسجد القبيلة والسوق ولو تعدد الجامع تخير بينها ولكن الأحوط مع الإمكان كونه في أحد المساجد الأربعة مسجد الحرام ومسجد النبيّ (صلّى اللّه عليه وآله) ومسجد الكوفة ومسجد البصرة.
عن إرادة الأعمّ ممّا بين الهلالين الذي هو المعنى الحقيقي ومن المقدار الذي هو معنى مجازي ولم يلتزموا بخصوص الثاني ، لبنائهم على الاجتزاء بصيام الهلالين وإن كانا ناقصين كما عرفت ، وهذا يحتاج إلى قرينة واضحة ، فإنّ الاستعمال في المعنى الأعمّ من الحقيقي والمجازي من أبعد المجازات لا يصار إليه من غير قرينة قاطعة ، وحيث أنّها منفيّة لدينا فلا مناص من الجمود على المعنى الحقيقي والأخذ بظاهر لفظ الشهر ، أعني : ما بين الهلالين حسبما عرفت بما لا مزيد عليه.
(1) لا إشكال كما لا خلاف في لزوم إيقاع الاعتكاف في المسجد ، وإنّما الكلام في تشخيصه وتعيينه :
فعن جماعة منهم : المفيد والمحقّق في المعتبر والشرائع والشهيدين (1)وكثير من المتأخّرين - : أنّه كلّ مسجد جامع ، فلا ينعقد في مسجد القبيلة أو السوق.
وعن جماعة آخرين منهم الشيخ (2)- : أنّه لا يصحّ إلّا في المساجد الأربعة : المسجد الحرام ، ومسجد النبيّ (صلّى اللّه عليه وآله) ، ومسجد الكوفة ، ومسجد
.................................................................................................
البصرة. بل في محكيّ المنتهي : أنّه المشهور (1)، بل عن جماعة دعوى الإجماع عليه.
وربّما يقال بصحّة الاعتكاف في كلّ مسجد تنعقد به الجماعة الصحيحة.
ويدلّ على القول الأوّل جملة من النصوص التي منها :
صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال : لا اعتكاف إلّا بصوم في مسجد الجامع» (2).
وصحيحة داود بن سرحان : «إنّ عليّاً (عليه السلام) كان يقول : لا أرى الاعتكاف إلّا في المسجد الحرام ومسجد الرسول أو مسجد جامع» (3).
فإنّها وإن كانت ضعيفة بطريق الكليني والشيخ من أجل سهل بن زياد ، ولكنّها صحيحة بطريق الصدوق عن البزنطي عن داود بن سرحان.
ومنها : معتبرة علي بن عمران كما في التهذيب عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) عن أبيه (عليه السلام) : «قال : المعتكف يعتكف في المسجد الجامع» (4).
وهي معتبرة كما وصفناها ، لصحّة طريق الشيخ إلى علي بن الحسن بن فضّال ، من أجل صحّة طريق النجاشي كما مرّ غير مرّة.
وعلي بن عمران ثقة ، غير أنّ الرواية رواها الشيخ (قدس سره) في الاستبصار بعين السند والمتن إلّا أنّه أبدل علي بن عمران ب : علي بن غراب ،
1) المنتهي 2 : 632.
2) الوسائل 10 : 538 / أبواب الاعتكاف ب 3 ح 1.
3) الوسائل 10 : 541 / أبواب الاعتكاف ب 3 ح 10 ، الكافي 4 : 176 / 2 ، الفقيه 2 : 120 / 521 ، التهذيب 4 : 290 / 884 ، الإستبصار 2 : 126 / 411.
4) الوسائل 10 : 539 / أبواب الاعتكاف ب 3 ح 4 ، التهذيب 4 : 290 / 880 ، الاستبصار 2 : 127 / 413.
.................................................................................................
وهذا لم يوثّق. ولأجله لا يمكن الاعتماد على هذه الرواية من جهة تردّد الراوي بين الثقة وغيره.
ولا يحتمل تعدّد الرواية بعد اتّحاد السند والمتن ما عدا الراوي الأخير الذي اختلفت فيه نسخة التهذيب عن الاستبصار ، وكأنّ صاحب الوسائل استفاد أنّها روايتان ، ولذا ذكر الرواية عن الرجلين ، وقد عرفت أنّها رواية واحدة ، فلولا روايتها في الاستبصار لصحّ بها الاستدلال ، وأمّا بملاحظتها فلا تصلح إلّا للتأييد ، نظراً إلى الترديد المزبور.
ويستدلّ للقول الثاني بروايتين :
إحداهما : مرسلة المفيد في المقنعة ، قال : روى أنّه لا يكون الاعتكاف إلّا في مسجد جمع فيه نبي أو وصي نبي ، قال : وهي أربعة مساجد : المسجد الحرام جمع فيه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) ، ومسجد المدينة جمع فيه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) وأمير المؤمنين (عليه السلام) ، ومسجد الكوفة ومسجد البصرة جمع فيهما أمير المؤمنين (عليه السلام) (1).
وضعفها بالإرسال ظاهر ، ولا سيّما مع وهنها بأنّ مرسلها وهو المفيد لم يعمل بها ، إذ المحكي عنه هو القول الأوّل كما عرفت.
الثانية وهي العمدة - : صحيحة عمر بن يزيد ، قال : قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : ما تقول في الاعتكاف ببغداد في بعض مساجدها؟ «فقال : لا اعتكاف إلّا في مسجد جماعة قد صلّى فيه إمام عدل صلاة جماعة ، ولا بأس أن يعتكف في مسجد الكوفة والبصرة ومسجد المدينة ومسجد مكّة» (2).
.................................................................................................
وقد رويت بطرق ثلاثة :
أحدها : طريق الكليني ، وهو ضعيف بسهل بن زياد.
الثاني : طريق الشيخ ، والظاهر أنّه معتبر ، لأنّ المراد بمحمّد بن علي الواقع في السند هو محمّد بن علي بن محبوب بقرينة روايته عن الحسن ابن محبوب.
ومع الغضّ عن ذلك فالطريق الثالث وهو طريق الصدوق صحيح قطعاً ، لصحّة طريقه إلى الحسن بن محبوب بلا إشكال.
فلا ينبغي التأمّل في صحّة السند ولا مجال للخدش فيه بوجه.
إنّما الكلام في الدلالة ، وهي مبنيّة على أنّ المراد بالإمام العدل المذكور فيها من هو إمامٌ على جميع المسلمين من الموجودين والمعدومين أعني : الإمام المعصوم (عليه السلام) ليكون الحكم منحصراً في المساجد الأربعة المذكورة في الصحيحة التي قد صلّى المعصوم (عليه السلام) فيها. ولكنها غير ظاهرة في ذلك ، بل الإمام العدل كالشاهد العدل لا ينسبق إلى الذهن منه عند الإطلاق إلّا من يصحّ الاقتداء به في الجماعة في قبال من لا يصحّ كحكّام الجور والأئمّة الفسقة المتصدّين لإقامة الجماعات في بغداد آن ذاك.
ويؤكّده أنّه لو أُريد به المعصوم (عليه السلام) لزم ارتكاب التقييد في صحيحتي الحلبي وداود بن سرحان المتقدّمتين ، بحمل المسجد الجامع على المسجد الذي صلّى فيه المعصوم (عليه السلام) ، وهو حملٌ للمطلق على الفرد النادر ، ولا سيّما في صحيحة داود حيث ذكر فيها مسجد الحرام ومسجد الرسول ، فيراد بالمسجد الجامع المذكور فيها خصوص مسجد الكوفة ومسجد البصرة اللذين قد صلّى فيها الإمام المعصوم (عليه السلام).
وهو كما ترى ليس من الجمع العرفي في شيء أبداً ، فلا مناص من أن يراد به إمام الجماعة كما عرفت.
.................................................................................................
وعليه ، فتكون مقتضى الصناعة تقييد مطلقات المسجد الجامع بما قد صلّى فيه الإمام العادل ، فيكون مكان الاعتكاف مشروطاً بأمرين : أحدهما كونه مسجداً ، والثاني أن يكون قد صلّى فيه الإمام العادل. ولكن حيث إنّ هذا خرق للإجماع المركّب إذ لم يقل بهذا القول أحد فيما نعلم فلا مناص من حمل القيد على الأفضليّة والاستحباب.
وملخّص الكلام : أنّ نصوص المقام على طوائف :
فمنها : ما جعل الاعتبار فيها بالمسجد الجامع في قبال مسجد القبيلة أو السوق ، كصحيحتي الحلبي وداود بن سرحان وغيرهما ممّا مرّ.
ومنها : ما جعل الاعتبار فيها بالمساجد الأربعة كمرسلة المفيد وصحيحة عمر بن يزيد.
لكن الأُولى واضحة الضعف من غير جابر.
والثانية قاصرة الدلالة إلّا على اعتبار كون المسجد الجامع ممّا قد صلّى فيه الإمام العادل جماعة ، لا خصوص الإمام الحقيقي المنصوب من قبل اللّه تعالى لينحصر في المساجد الأربعة ، للزوم حمل المطلق على الفرد النادر حينئذٍ ، الذي هو بعيد في صحيحة الحلبي وأشدّ بعداً في صحيحة داود بن سرحان كما تقدّم ، إذ قد ذُكر فيها من المساجد اثنان ، فيلزم حمل الجامع فيها على الاثنين الآخرين ، وهو كما ترى. فمفادها التقييد بإقامة جماعة صحيحة من إمام عادل في قبال أئمّة الجور. وهذا ممّا لا قائل به ، فإن كان إجماع على خلافه كما لا يبعد فلا بدّ من حمل الرواية على الاستحباب ، أو ردّ علمها إلى أهله ، وإلّا فلا مناص من الأخذ بها وارتكاب التقييد حسبما عرفت.
ومنها : ما تضمّن التقييد بمسجد الجماعة ، كصحيحة عبد اللّه بن سنان : «لا يصلح العكوف في غيرها يعني : غير مكّة إلا أن يكون في مسجد رسول
.................................................................................................
اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) ، أو في مسجد من مساجد الجماعة» (1).
وصحيحة يحيى بن العلاء الرازي : «لا يكون الاعتكاف إلّا في مسجد جماعة» (2).
وإنّما عبّرنا بالصحيحة نظراً إلى أن أبان بن عثمان من أصحاب الإجماع ، وإلّا ففي مذهبه كلام وإن كان ثقة بلا إشكال.
وصحيحة الحلبي : «لا يصلح الاعتكاف إلّا في المسجد الحرام ، أو مسجد الرسول (صلّى اللّه عليه وآله) ، أو مسجد الكوفة ، أو مسجد جماعة» (3).
والظاهر أنّ الجماعة في هذه النصوص وصفٌ لنفس المسجد لا للصلاة المنعقدة فيه لتدلّ على اعتبار إقامة الجماعة ، فمفادها أن يكون المسجد مورداً لاجتماع الناس ومحلّاً لتجمّعهم ، إمّا لإقامة الجمعة أو لغيرها ، وهو معنى كون المسجد جامعاً في قبال مسجد السوق أو القبيلة. وعليه ، فيتّحد مفادها مع مفاد نصوص الطائفة الأُولى الدالّة على اعتبار كون المسجد جامعاً من صحيحتي الحلبي وداود بن سرحان وغيرهما.
وأمّا رواية أبي الصباح الكناني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : سُئل عن الاعتكاف في رمضان في العشر الأواخر «قال : إنّ علياً (عليه السلام) كان يقول : لا أرى الاعتكاف إلّا في المسجد الحرام ، أو مسجد الرسول (صلّى اللّه عليه وآله) ، أو في مسجد جامع (جماعة)» (4).
فليست هي مجمعاً للأمرين لتكون في قبال الطوائف المتقدّمة كما توهّم ،
.................................................................................................
فإنّها مذكورة في التهذيب المطبوع الذي بأيدينا بلفظ «جامع» فقط من غير إضافة جماعة في متن الرواية ، وإنّما ذكر ذلك بعنوان النسخة كما في الوسائل الطبعة الحديثة فالصادر عن المعصوم (عليه السلام) ليس هو اللفظين معاً ، بل إمّا «الجامع» فتلحق بالطائفة الأُولى ، أو «الجماعة» فتلحق بالأخيرة التي هي أيضاً ترجع إلى الأُولى كما عرفت. فلا يكون مفادها شيئاً آخر وراء النصوص المتقدّمة.
على أنّها ضعيفة السند من أجل تردّد محمّد بن علي الراوي عن علي بن النعمان بين ابن محبوب الثقة وبين الكوفي الصيرفي الهمداني الملقّب بأبي سمينة الضعيف جدّاً كما تقدّم.
بقي الكلام فيما رواه العلّامة في المنتهي نقلاً عن جامع أحمد بن محمّد بن أبي نصر ، عن داود بن الحصين ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : «قال : لا اعتكاف إلّا بصوم ، وفي المصر الذي أنت فيه» (1).
فإنّه قد يقال بظهورها في اعتبار كون المسجد مسجد البلد.
ولكنّها مخدوشة سنداً ودلالةً :
أمّا الأول : فلجهالة طريق العلّامة إلى جامع البزنطي ، فهي لا محالة في حكم المرسل.
وأمّا الثاني : فلأنّها لو كانت بلسان النهي بأن كان التعبير هكذا : لا يعتكف ... إلخ ، أمكن أن يراد بها النهي عن الاعتكاف في السفر ، وأنّ اللازم عليه أن يقيم فيعتكف في المصر الذي هو فيه ، ولكنّها بلسان النفي الظاهر في نفي الطبيعة ، وأنّ طبيعي الاعتكاف لا يتحقّق إلّا في المصر الذي هو فيه. وهذا كما ترى -
1) الوسائل 10 : 541 / أبواب الاعتكاف ب 3 ح 11 ، المنتهي 2 : 633.
السابع : إذن السيِّد بالنسبة إلى مملوكه (1) ، سواء كان قِنّاً أو مدبّراً أو أُمّ ولد أو مكاتباً لم يتحرّر منه شيء ولم يكن اعتكافه اكتساباً ، وأمّا إذا كان اكتساباً فلا مانع منه ، كما أنّه إذا كان مبعّضاً فيجوز منه في نوبته إذا هاياه مولاه من دون إذن ، بل مع المنع منه أيضاً.
غير قابل للتصديق حتّى لو كان المراد خصوص مسجد الكوفة بقرينة كون الراوي كوفيّاً أسديّاً كما قيل ، ضرورة جواز إيقاعه في سائر المساجد أيضاً ، ولا أقلّ من مسجدي الحرمين الشريفين ، فلا موقع للحصر بوجه.
فالمتحصّل من النصوص بعد ضمّ بعضها إلى بعض : جواز الاعتكاف في كلّ مسجد جامع ، وهو موجود في غالب البلدان ، ولا سيّما بغداد البلدة العظيمة آن ذاك ، التي كانت مقرّاً للخلافة ردحاً من الزمن ، سواء أصلّي فيها إمام عادل أم لا ، بناءً على قيام الإجماع على عدم اعتبار هذا الشرط كما مرّ ، وإن كان الأفضل بل الأحوط كونه في أحد المساجد الأربعة.
(1) ظاهر كلامه (قدس سره) حيث جعل الإذن من السيّد وكذا الزوج والوالد والمستأجر شرطاً برأسه : أنّ هذا يعتبر بنفسه في الاعتكاف من حيث هو اعتكاف لا من حيث اشتماله على الصوم ليكون ذلك من شؤون اشتراطه في صحّة الصوم المندوب ، فإنّ ذلك بحث آخر أجنبي عن محطّ نظره (قدس سره) في المقام كما لا يخفى.
فلو فرضنا أنّ صوم المعتكف كان وجوبيّاً غير مشترط بالإذن المزبور قطعاً ، أو بنينا على عدم اعتبار الإذن في صوم التطوّع كما تقدّم (1)أو فرضنا
1) في ص 325.
وكذا يعتبر إذن المستأجر بالنسبة إلى أجيره الخاصّ (1).
حصول الإذن بالنسبة إلى الصوم دون الاعتكاف ، جرى هذا البحث أيضاً وأنّه هل يشترط في صحّة الاعتكاف الإذن من هؤلاء أو لا؟
فنقول : لا ينبغي الشك في اعتبار إذن السيّد بالنسبة إلى مملوكه الذي هو عبد محض ، سواء أكان قِنّاً أم مدبّراً أم أُمّ ولد أم مكاتباً لم يتحرّر منه شيء إمّا لعدم أدائه شيئاً من مال الكتابة أو لكون الكتابة مشروطة ، وذلك لوضوح أنّ العبد بجميع منافعه مملوك لمولاه ، فتصرّفه في نفسه من حركاته وسكناته التي منها اللبث في المسجد كالتوقّف في مكان آخر من سوق أو دار شخص كلّ ذلك منوط بإذن المالك ، وإلّا فهو تصرّف في ملك الغير بغير إذنه ، الذي لا ريب في عدم جوازه كما هو ظاهر.
نعم ، في العبد المكاتب إذا اعتكف بعنوان الاكتساب كما لو صار أجيراً لأحد لم يحتج حينئذٍ إلى الإذن ، لأنّ ذلك هو مقتضى عقد الكتابة ، فيختصّ الافتقار إليه بما إذا لم يكن اعتكافه اكتساباً.
هذا كلّه في العبد المحض.
وأمّا المبعّض كالمكاتب الذي تحرّر منه شيء من نصف أو ثلث ونحوهما ، وقد هاياه مولاه ، أي قاسمه فجعل له يوماً أو أُسبوعاً أو شهراً ونحو ذلك ، وللعبد كذلك ففي اعتكافه في نوبة مولاه هو الكلام المتقدّم ، وأمّا في نوبته فيجوز من غير إذن ، بل حتّى مع المنع عنه ، إذ لا حقّ له في المنع بعد فرض حصول المهاياة ولزومها كما هو واضح.
(1) الظاهر أنّ مراده (قدس سره) بالأجير الخاصّ من كان جميع منافعه ومنها : منفعة الاعتكاف مختصّاً بالمستأجر ومملوكاً له ، كما لو اتّخذ خادماً له
.................................................................................................
مدّة معينة من شهر أو سنة ، ولا ريب في اعتبار الإذن حينئذٍ في صحّة الاعتكاف ، لعين الوجه المتقدّم في العبد ، إذ لا فرق بينهما إلّا أنّ العبد مملوك لمولاه عيناً ومنفعةً وهذا مملوك للمستأجر منفعة فقط ، ومن المعلوم أنّ مناط الافتقار إلى الإذن إنّما هو مملوكيّة المنفعة المشتركة بينهما.
وأمّا في غير الأجير الخاصّ بالمعنى المزبور ، كمن كان أجيراً لعملٍ معيّن كالسفر في وقت خاصّ فخالف واشتغل بالاعتكاف ، فالظاهر هو الصحّة وإن كان آثماً في المخالفة ، لوضوح أنّ الأمر بالشيء لا يقتضي النهي عن ضدّه ، فيمكن حينئذٍ تصحيح العبادة بالخطاب الترتّبي بأن يؤمَر أوّلاً بالوفاء بعقد الإيجار ، ثمّ على تقدير العصيان يؤمَر بالاعتكاف من غير حاجة إلى الإذن ، إلّا في رفع الإثم لا في صحّة الاعتكاف.
نعم ، قد يتوهّم عدم جريان الترتّب في مثل المقام ، نظراً إلى أنّ مورده ما إذا كان المتزاحمان من الضدّين اللّذين لهما ثالث كي يمكن الأمر بأحدهما على تقدير عصيان الآخر مثل : الصلاة والإزالة ، أمّا ما ليس لهما ثالث كالحركة والسكون فلا يجري فيه الترتّب بوجه ، إذ لا معنى للأمر بالسكون على تقدير عدم الحركة ، فإنّه من تحصيل الحاصل ، لرجوعه إلى قولك : إذا سكنت فأسكن.
ومقامنا من هذا القبيل ، إذ الأجير مأمور بالخروج عن المسجد ليفي بعقد الإجارة من سفرٍ ونحوه ، وهو مضادّ للمكث الذي هو حقيقة الاعتكاف من غير ثالث ، إذ لا واسطة بين الخروج والمكث ، فمرجع الخطاب الترتّبي في المقام إلى قولك إذا لم تخرج أي مكثت في المسجد فأمكث ، ولا محصّل له.
ولكنّه مدفوع من وجوه :
أمّا أوّلاً : فلأنّ المأمور به إنّما هو الوفاء بالعقد الذي هو ضدّ للاعتكاف ولهما ثالث دون الخروج. نعم ، هو مقدّمة للوفاء ، ولا نقول بوجوب المقدّمة إلّا
.................................................................................................
عقلاً لا شرعاً كما هو محرّر في الأُصول (1).
وثانياً : سلّمنا الوجوب الغيري الشرعي ، لكن الواجب هو خصوص المقدّمة الموصلة ، لا الطبيعي على سريانه وإطلاقه كما حقّقناه في محلّه (2). وعليه ، فالواجب إنّما هو الخروج المتعقّب بالوصول إلى ذي المقدّمة من سفرٍ ونحوه الذي هو مورد للعقد ، ومن البديهي وجود الواسطة بين هذا الخروج وبين الاعتكاف ، وهو الخروج لغايةٍ أُخرى غير المتعقّب بذي المقدّمة.
وثالثاً : سلّمنا وجوب المقدّمة على إطلاقها فكان الخروج مطلقاً واجباً بالوجوب الغيري ، ولكنّه إنّما يكون مضادّاً للاعتكاف من غير ثالث إذا كان الاعتكاف متقوّماً بطبيعي المكث ، وليس كذلك ، بل هو متقوّم بالمكث ثلاثة أيّام ، ومن المعلوم وجود الواسطة بين المكث ثلاثاً وبين الخروج وهو المكث أقلّ من الثلاثة أو أكثر فيقال له : اخرج وإلّا فأمكث ثلاثاً ، وهذا نظير أن يقال : اسكن وإلّا تحرّك نحو الشرق أو إلى الكوفة أو حركة سريعة ، فإنّ الواسطة موجودة حينئذٍ ، وهي الحركة نحو الغرب أو كربلاء أو البطيئة ، فالتقييد بقيد يخرج الضدّين عمّا لا ثالث لهما إلى ما لهما ثالث ، وهو متحقّق في المقام كما عرفت.
ورابعاً : مع الغضّ عن كلّ ذلك فلا ريب أنّ الاعتكاف عبادي ، ومن المعلوم أنّ بين الخروج وبين المكث القربي واسطة ، وهو المكث لا لله ، فهما من الضدّين اللّذين لهما ثالث بالضرورة :
وعلى الجملة : فلا ينبغي التأمّل في جريان الترتّب في المقام وإمكان تصحيح الاعتكاف بذلك.
وإذن الزوج بالنسبة إلى الزوجة إذا كان منافياً لحقّه (1).
هذا كلّه فيما إذا كان العمل المستأجر عليه منافياً للاعتكاف كما في السفر ونحوه.
وأمّا مع عدم المنافاة ، كما لو استؤجر على عمارة المسجد أو كنسه ثلاثة أيّام أو حفر بئر أو خياطة ثوب أو حياكة فرش ونحو ذلك ممّا يمكن إيقاعه في المسجد ، فلا إشكال في الصحّة من غير حاجة إلى الإذن ، بل هو خارج عن محلّ الكلام كما هو ظاهر جدّاً.
(1) فيبطل اعتكافها حينئذٍ بدون إذنه ، لا لوجوب الخروج عن المسجد الذي هو منافٍ للأمر بالاعتكاف المضادّ له ، لما عرفت آنفاً من إمكان تصحيح الأمر ولو بنحو الترتّب ، بل لأجل الروايات الكثيرة الدالّة على عدم جواز خروجها عن البيت بدون إذن الزوج فيما إذا كان منافياً لحقّه دون غير المنافي كالخروج اليسير ولا سيّما نهاراً لملاقاة أبيها أو أُمّها أو لزيارة الحرم الشريف ونحو ذلك فإنّ المستفاد من تلك الأدلّة بمقتضى الفهم العرفي أنّ المحرّم ليس هو الخروج بالمعنى المصدري المتحقّق آناً ما أعني : فتح الباب ووضع القدم خارج الدار بل الحرام هو الكون خارج البيت والبقاء في غير هذا المكان ، فالمنهيّ عنه هو المكث خارج الدار عند كونه منافياً لحقّ الزوج الذي هو القدر المتيقّن من الأدلّة ، فإذا كان المكث المزبور حراماً فكيف يمكن صرفه في الاعتكاف؟! فإنّ الحرام لا يكون مصداقاً للواجب ، والمبغوض لا يكاد يكون مقرّباً فلا يقع عبادة.
وأمّا إذا لم يستلزم الاعتكاف الخروج من البيت بغير الإذن ، كما لو كان الزوج مقيماً معها في المسجد لكونه مسكناً لهما مثلاً أو أذن في الخروج إلى
وإذن الوالد أو الوالدة بالنسبة إلى ولدهما إذا كان مستلزماً لايذائهما (1) ،
المسجد ، أو المكث خارج البيت ، ولكن نهاها عن عنوان الاعتكاف ، فلا دليل على البطلان حينئذٍ بوجه ، لعدم الدليل على وجوب إطاعته في غير ما يرجع إلى حقّه ، فالنهي حينئذٍ غير قادح فضلاً عن اشتراط الاستئذان.
نعم ، لو كان صومها تطوّعاً واعتبرنا في صحّة صوم التطوّع إذن الزوج بطل الاعتكاف ببطلان الصوم المعتبر فيه ، ولكن هذا بحث آخر غير مرتبط بالاعتكاف من حيث هو اعتكاف كما مرّت الإشارة إليه (1).
ثمّ إنّ هذا كلّه في اليومين الأولين من الاعتكاف. وأمّا اليوم الثالث المحكوم بالوجوب فلا أثر لنهيه قطعاً ، إذ لا طاعة لمخلوقٍ في معصية الخالق (2).
(1) أمّا إذا لم يستلزم الإيذاء ، كما لو لم يكن عن اطّلاع منهما بأن كانا مثلاً في بلد والولد يعتكف في بلد آخر ، فلا اشكال فيه. وأمّا مع الإيذاء فهل يكون باطلاً؟
لا ريب في عدم جواز إيذاء الوالدين فيما يرجع إليهما ويكون من شؤونهما كالسبّ والهتك والتعدّي ونحو ذلك ، بل أنّ الإيذاء بهذا المعنى حرام بالإضافة إلى كلّ مؤمن ، غايته أنّه فيهما آكد والعقوبة أغلظ وأشدّ.
وأمّا الإيذاء فيما يرجع إلى الشخص نفسه بأن يعمل فيما يعود إلى نفسه ويتصرّف في شأن من شؤونه ، ولكن يترتّب عليه الإيذاء ، فلا ريب أيضاً في عدم حرمة هذا الإيذاء بالإضافة إلى غير الوالدين ، كمن يفتح حانوتاً في محلّ
وأمّا مع عدم المنافاة وعدم الإيذاء فلا يعتبر إذنهم وإن كان أحوط (1)خصوصاً بالنسبة إلى الزوج والولد.
يتأذّى منه رقيبه لمزاحمته له في جلب المشتري بطبيعة الحال ، أو من يعمر داراً ويشيّد قصراً يتأذّى بذلك جاره لحسد أو رقابة ونحو ذلك من غير أن يكون من قصده الإيذاء وإنّما هو قاصد للتجارة أو العمارة ليس إلّا ، فإنّ هذا جائز بلا إشكال وإن ترتّب عليه الإيذاء المزبور.
وهل الحال كذلك بالإضافة إلى الوالدين أيضاً ، كما لو أراد الولد أن يتزوّج بامرأة ولكن الامّ تتأذّى لعدم تلاؤم أخلاقها معها خصوصاً أو عموماً ، أو أنّه أراد أن يتصدّى لتحصيل العلوم الدينيّة والأب يتأذّى لرغبته في تحصيل العلوم الحديثة كما يتّفق ذلك في هذه الأزمنة كثيراً ، فهل يحرم مثل هذا الإيذاء؟
الظاهر العدم كما في غير الوالدين حسبما عرفت ، لعدم الدليل على ذلك بوجه ، وإنّما الواجب المعاشرة الحسنة والمصاحبة بالمعروف على ما نطقت به الآية الكريمة وغيرها ، مثل : أن لا يجادل معهما في القول ولا يقول لهما : أُفّ ، وأمّا ارتكاب عمل عائد إلى شأنٍ من شؤون نفسه وإن ترتّب عليه إيذاؤهما من غير أن يكون ذلك من قصده فلم تثبت حرمته بدليل. إذن لا مانع من الاعتكاف وإن ترتّب عليه إيذاؤهما بالمخالفة للأمر والنهي الصادرين من أحدهما وإن كان ذلك بداعي العطف والشفقة.
نعم ، تستحبّ إطاعتهما من باب البرّ إليهما والإحسان. وحينئذٍ تقع المزاحمة
1) الظاهر أنّ الاحتياط من جهة اعتبار الصوم في الاعتكاف ، وعليه فلا يترك الاحتياط فيما إذا كان صوم الزوجة تطوّعاً.
الثامن : استدامة اللبث في المسجد (1) ، فلو خرج عمداً اختياراً لغير الأسباب المبيحة بطل من غير فرق بين العالم بالحكم والجاهل به (2).
بين الاستحباب الثابت بهذا العنوان وبين استحباب الاعتكاف في حدّ نفسه ، فيقدّم الأهمّ منهما والأرجح.
وقد عرفت أنّ الكلام في حكم الاعتكاف من حيث هو ، وأمّا من حيث تضمّنه للصوم المندوب وتوقّفه على الإذن فهو مطلب آخر أجنبي عمّا نحن بصدده.
(1) فلا يكتفى بطبيعي اللبث كيفما كان ، بل لا بدّ من استمراره واستدامته ثلاثة أيّام بلا خلاف فيه ولا إشكال ، وقد دلّت عليه جملة من النصوص التي منها صحيحتان لداود بن سرحان وحسنة كالصحيحة لعبد اللّه بن سنان (1)، المتضمّنة للمنع عن الخروج عن المسجد اختياراً ، الظاهر في المنع الوضعي أعني : الإرشاد إلى الفساد لا مجرّد التكليف كما لا يخفى.
وأظهرها الصحيحة الثانية لداود بن سرحان ، حيث إنّ السؤال فيها عن حقيقة الاعتكاف وما ذا يفرضه المعتكف على نفسه لدى النيّة ، فبيّن (عليه السلام) أنّه لا يخرج من المسجد إلّا لحاجة ، فيظهر من ذلك دخله في ماهيّة هذه العبادة.
(2) أمّا الجاهل المقصّر فلا إشكال في إلحاقه بالعالم ، لأنّه عامد بعد فرض تقصيره في التعلّم.
وأمّا القاصر وهو الذي يكون جهله عن عذر ، كمن أخطأ في اجتهاده
1) الوسائل 10 : 549 550 / أبواب الاعتكاف ب 7 ح 1 ، 3 ، 5.
.................................................................................................
فبنى مثلاً على أنّ الخروج اليسير من المسجد ولو لا لحاجة غير قادح في الصحّة ، فخرج ورجع ثمّ تبدّل رأيه وانكشف خطأه فهل يكون هذا أيضاً ملحقاً بالعالم في الحكم بالبطلان؟ الظاهر : نعم.
والوجه فيه : ما ذكرناه في الأُصول عند التكلّم حول حديث الرفع (1)، وملخّصه : إنّ الحديث بفقراته التسع يوجب التقييد في الأدلّة الأوليّة ، فالجزئيّة أو الشرطيّة أو المانعيّة مرفوعة لدى الجهل بها ، وحيث إنّ هذه الأحكام ممّا لا تنالها يد الجعل التشريعي استقلالاً كما حُقّق في محلّه ، وإنّما هي مجعولة بتبع جعل منشأ انتزاعها وهو تعلّق الأمر بالمركّب من هذا الشيء ، أو المقيّد به أو المقيّد بعدمه ، فلا جرم كان رفعها برفع مناشئ انتزاعها ، فيقال لدى الشكّ في جزئيّة السورة مثلاً : إنّ شمول الأمر المتعلّق بالمركّب لهذا الجزء مشكوك ، فهو مرفوع ، فطبعاً لا تكون جزء من الصلاة ، وحيث إنّ أصل الأمر بالصلاة معلوم لدينا بالوجدان فلا محالة يكون الواجب هو الباقي من الأجزاء ، فيحكم بصحّتها لأجل العلم المقرون بالأصل المزبور.
ولكن هذا الرفع مخصوص بحال الجهل ومراعى ببقاء هذه الحالة ، لأنّ الحكومة حكومة ظاهريّة ، وإلّا فالواقع باقٍ على حاله ، ولا تغيّر ولا تبدّل فيه بتاتاً ، ومن هنا يحسن الاحتياط في ظرف الجهل ، وإلّا فمع الانقلاب لا معنى للاحتياط كما لا يخفى.
وعليه ، فمع انكشاف الخلاف وارتفاع الجهل لا مناص من الإعادة ، إذ الاجتزاء بالناقص عن الكامل يحتاج إلى الدليل ، ولا دليل إلّا في خصوص الصلاة فيما عدا الأركان بمقتضى حديث : «لا تعاد» (2)، وحيث لم يرد مثل هذا
وأمّا لو خرج ناسياً أو مكرهاً فلا يبطل (1)، وكذا لو خرج لضرورة (1)
الدليل في الاعتكاف كان اللازم الحكم بالفساد لدى انكشاف الخلاف ، فلو اعتكف ولم يستدم اللبث جهلاً وإن كان عن قصور بطل ووجبت الإعادة لو كان الاعتكاف واجباً بإجارة أو نذر ونحوهما ، عملاً بإطلاق الأدلّة.
هذا مع أنّا ذكرنا في الأُصول عند التكلّم حول الحديث حديث رفع التسعة أنّ سنده ضعيف ، نظراً إلى أنّ الصدوق يرويه عن شيخه أحمد بن محمّد بن يحيى ولم يوثّق ، ومجرّد الشيخوخة وروايته عنه كثيراً لا تقتضي التوثيق كما مرّ غير مرّة ، فإنّه يروي عن الثقة والضعيف ، لأنّ دأبه الرواية عن كلّ من سمع منه الحديث ، ولم يلتزم بأن لا يروي إلّا عن الثقة.
نعم ، في بعض نسخ الخصال رواية هذا الحديث عن محمّد بن أحمد بن يحيى الذي هو من الثقات ، ولكن هذا الرجل من مشايخ الكليني ولا يمكن أن يروى عنه الصدوق ، لاختلاف الطبقة ، وإنّما يروي هو عن ابنه أحمد بن محمّد بن أحمد بن يحيى الذي عرفت أنّه مجهول. فهذه النسخة مغلوطة جزماً ، أو فيها تقديم وتأخير ، والصحيح ما في الفقيه كما عرفت (2).
(1) قد عرفت حكم الخروج جهلاً.
وأمّا الخروج اضطراراً لضرورة دعته إليه فلا إشكال في عدم قدحه في الصحّة ، كما دلّت عليه النصوص المعتبرة والصحاح المتعدّدة ، التي منها صحيحة داود بن سرحان ، قال (عليه السلام) فيها : «لا تخرج من المسجد إلّا لحاجة لا بدّ منها» (3)،
.................................................................................................
ونحوها غيرها.
وهل يعتبر في الحاجة بلوغها حدّ الضرورة واللابدّيّة كما هو ظاهر هذه الصحيحة ، أو أنّ الأمر أوسع من ذلك؟ سيأتي الكلام عليه عند تعرّض الماتن.
وعلى أيّ حال ، فالحاجة الملحّة أعني : الاضطرار هو القدر المتيقّن من تلك الأدلّة ، فلا ريب في جواز الخروج لذلك.
وأمّا الخروج إكراهاً فلا ريب أيضاً في جوازه ، لا لحديث رفع الإكراه وإن ورد في رواية أُخرى بسند صحيح كما سنذكره في رفع النسيان ، بل لأجل أنّ الإكراه من مصاديق الاضطرار حقيقةً ، غايته أنّ الضرورة في مورده نشأت من توعيد الغير لا من الأُمور الخارجيّة كما في سائر موارد الاضطرار ، ولا فرق بين المنشأين فيما هو المناط في صدق الاضطرار عرفاً ، فكما يصدق الاضطرار والحاجة إلى الخروج التي لا بدّ منها فيما لو كان له مال خارج المسجد في معرض الحرق أو الغرق ، كذلك يصدق مع توعيد الغير بالإحراق أو الإغراق لو لم يخرج. وعليه ، فتشمله الأدلّة المتقدّمة الواردة في صورة الاضطرار إلى الخروج.
وأمّا الخروج نسياناً فالمشهور عدم قدحه أيضاً ، بل في الجواهر عدم الخلاف فيه (1).
ويستدلّ له تارةً : بانصراف دليل النهي عن الخروج عن مثله ، حيث لا يصدر الفعل منه عن اختيارٍ والتفات.
وفيه ما لا يخفى ، فإنّ الناسي يصدر عنه الفعل عن إرادة واختيار ، غايته أنّه مستند إلى النسيان ، فلا فرق بينه وبين ما يصدر عن الملتفت في أنّ كلّاً منهما
1) الجواهر 17 : 187.
.................................................................................................
مشمول للإطلاق ، فالانصراف ممنوع جدّاً.
وأُخرى : بحديث رفع النسيان الوارد بسند صحيح (1)، بدعوى أنّ معنى رفعه : فرض الفعل الصادر عن الناسي في حكم العدم وكأنّه لم يكن. ومرجع هذا الرفع في عالم التشريع إلى رفع الحكم المتعلّق به لولا النسيان. وعليه ، فالخروج الصادر عن المعتكف نسياناً في حكم العدم ، أي لا يترتّب عليه أثره وهو البطلان ، فإذا كان البطلان مرفوعاً بمقتضى الحديث صحّ الاعتكاف بطبيعة الحال. وبمثل هذا البيان يقال في صورة الإكراه أيضاً.
ويندفع : بأنّ الصحّة والبطلان بالإضافة إلى الواقعيّات من الأحكام العقليّة التي لا تكاد تنالها يد الجعل التشريعي لا وضعاً ولا رفعاً ، إذ هما من الأُمور التكوينيّة المنتزعة من مطابقة المأتيّ به مع المأمور به وعدمها ، فلا معنى لرفع البطلان بحديث النسيان.
وعليه ، فلا بدّ وأن يكون المرفوع إمّا مانعيّة الخروج الصادر نسياناً ، أو جزئيّة اللبث في المسجد حال الخروج المستند إلى النسيان ، حيث إنّ الواجب هو مجموع اللبثات والمكثات على سبيل الارتباط من أوّل اليوم الأوّل إلى آخر اليوم الثالث ، فتكون الجزئيّة مرفوعة عن بعضها في بعض الأحوال ، فالذي يعقل من رفع الأثر أحد هذين.
وحيث إن الجزئيّة والمانعيّة كالشرطيّة من الأحكام الوضعيّة التي لا تكون مستقلّة بالجعل إلّا بتبع منشأ الانتزاع وضعاً ورفعاً كما تقدّمت الإشارة إليه ، فمعنى تعلّق الرفع بهذه الأُمور تعلّقه بمناشئ انتزاعها ، فرفع الجزئيّة عن اللبث مرجعه إلى رفع الأمر المتعلّق بالمركّب منه ، كما أنّ معنى رفع المانعيّة عن الخروج
1) الوسائل 15 : 369 / أبواب جهاد النفس ب 56 ح 1.
عقلاً أو شرعاً أو عادةً كقضاء الحاجة من بول أو غائط ، أو للاغتسال من الجنابة أو الاستحاضة ونحو ذلك (1).
رفع الأمر المتعلّق بالمقيّد بعدمه.
وعليه ، فإذا كان هذا الأمر مرفوعاً فبأيّ دليل يثبت تعلّق الأمر بالباقي ليحكم بصحّته بعد أن لم يكن شأن الحديث إلا الرفع دون الوضع؟! ولا يقاس ذلك بما تقدّم في الجهل ، ضرورة أنّ الجاهل بوجوب الأكثر يعلم إجمالاً بتعلّق التكليف بالجامع بينه وبين الأقلّ ، ولذا يستحقّ العقاب لو ترك الكلّ ، لمخالفته التكليف المعلوم له بالوجدان ، فوجوب الأقلّ لا بشرط وجداني ، وصحّة الباقي وتعلّق الأمر به ثابت بالعلم لا بالأصل ، وإنّما يُنفى به الزائد المشكوك فيه ، وأمّا في المقام فليس للناسي مثل هذا العلم كما لا يخفى.
وعلى الجملة : لا يترتّب على النسيان ما عدا المعذوريّة في ترك الجزء أو الإتيان بالمانع بمقتضى حديث الرفع ، وأمّا صحّة الباقي ليجتزئ به عن الواقع لدى تبدّله بالذكر فلا يمكن إثباتها بدليل وإن نُسب ذلك إلى المشهور حسبما مرّ ، بل الأقوى البطلان ، فلو اتّفق مثل ذلك في اعتكاف واجب إمّا بإجارة أو نذر ونحوهما وجبت الإعادة كما تجب هي أو القضاء لو اتّفق ذلك في الصلاة فيما إذا كان المنسي من الأركان.
(1) قد عرفت جواز الخروج للضرورة ، لتقييد الحاجة باللابدّيّة في صحيحة الحلبي وصحيحتي داود بن سرحان (1).
نعم ، صحيحة عبد اللّه بن سنان مطلقة ، قال (عليه السلام) فيها : «ولا يخرج
1) الوسائل 10 : 549 550 / أبواب الاعتكاف ب 7 ح 1 ، 2 ، 3.
.................................................................................................
المعتكف من المسجد إلّا في حاجة» (1).
فتشمل الحاجة البالغة حدّ الضرورة وما دونها ، إلّا أنّه لا بدّ من حملها على ذلك ، جمعاً ورعايةً لصناعة الإطلاق والتقييد.
ولا فرق بمقتضى الإطلاق بين ما إذا كانت الضرورة واللابدّيّة عقليّة كما لو مرض فتوقّف علاجه على الخروج أو شرعيّة كقضاء الحاجة لحرمة تلويث المسجد ، وكالاغتسال بناءً على عدم جوازه فيه أو عرفيّة بحيث يعدّ في نظر العرف من الضروريّات ، كما لو قدم ضيف كريم أو ذو منصب رفيع لا بدّ من الخروج عن المسجد لملاقاته.
وعلى الجملة : ففي موارد صدق الضرورة على إطلاقها لا شكّ في جواز الخروج بمقتضى هذه النصوص ، وفيما عداها لا يجوز إلّا إذا قام الدليل عليه بالخصوص ، كعيادة المريض ، أو الخروج للجنازة تشييعاً أو تجهيزاً من كفنٍ أو دفنٍ أو تغسيلٍ أو صلاة ، بمقتضى إطلاق النصّ الدالّ عليه وهو صحيح الحلبي ، وكذا صحيح ابن سنان الذي تضمّن جواز الخروج للجمعة أيضاً. ففي هذه الموارد المنصوصة يجوز الخروج وإن لم يكن من مصاديق الضرورة.
وأمّا التعدّي عن ذلك إلى كلّ مورد كان الخروج راجحاً شرعاً كمشايعة المؤمن ونحو ذلك ، فهو وإن ذكره غير واحد لكنّه يتوقّف على تحصيل المناط القطعي كي تحمل تلك الموارد المنصوصة على المثاليّة لكلّ أمر راجح ، فإن تحصّل هذا المناط لأحد فهو ، وإلّا كما هو الصحيح ، إذ لا سبيل لنا إلى الإحاطة بالمناطات الواقعيّة للأحكام الشرعيّة ، فالتعدّي حينئذٍ في غاية الإشكال.
1) الوسائل 10 : 550 / أبواب الاعتكاف ب 7 ح 5.
.................................................................................................
هذا ، وربّما يستدلّ لجواز الخروج عن المسجد لقضاء حاجة المؤمن بما رواه الصدوق بإسناده عن ميمون بن مهران ، قال : كنت جالساً عند الحسن بن علي (عليهما السلام) فأتاه رجل فقال له : يا بن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) ، إنّ فلاناً له عليّ مال ويريد أن يحبسني «فقال : واللّه ، ما عندي مال فأقضي عنك» قال : فكلّمه ، قال : فلبس (عليه السلام) نعله ، فقلت له : يا بن رسول اللّه ، أنسيت اعتكافك؟ فقال له : «لم أنس ، ولكنّي سمعت أبي يحدّث عن جدّي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) أنّه قال : من سعى في حاجة أخيه المسلم فكأنّما عبد اللّه عزّ وجلّ تسعة آلاف سنة صائماً نهاره قائماً ليله» (1).
ولكنّها مخدوشة سنداً ودلالةً :
أمّا الأوّل : فلأنّ ميموناً نفسه وإن كان ممدوحاً وهو من أصحاب علي (عليه السلام) ، إلّا أنّ طريق الصدوق إليه مشتمل على عدّة من الضعاف ، فهي ضعيفة السند جدّاً.
وأمّا الثاني : فلعدم دلالتها على خروجه (عليه السلام) باقياً على اعتكافه ، ولعلّه (عليه السلام) عدل عنه وتركه للاشتغال بالأهمّ ، ولم يفرض فيها أنّ ذلك كان في اليوم الثالث كي لا يجوز النقض ، فلعلّه كان في اليومين الأولين ، وهي قضيّة في واقعة ، فلا معنى للتمسّك بالإطلاق من هذه الجهة كما هو ظاهر ، والعمدة ما عرفت من ضعف السند.
فتحصّل : أنّه لا دليل على جواز الخروج لمطلق الحاجة وإن كانت راجحة دنيا أو ديناً ، بل لا بدّ من الاقتصار على مورد قيام النصّ حسبما عرفت.
1) الوسائل 10 : 550 / أبواب الاعتكاف ب 7 ح 4 ، الفقيه 2 : 123 / 538.
.................................................................................................
ثمّ إنّ كلّ مورد حكمنا فيه بجواز الخروج لا بدّ من الاقتصار فيه على المقدار الذي لا يزول معه عنوان الاعتكاف بأن يكون زمانه يسيراً كربع ساعة أو نصف ساعة مثلاً وأمّا المكث الطويل خارج المسجد كما لو خرج لمحاكمةٍ فاستوعب تمام النهار ، فضلاً عمّا لو استوعب تمام الأيّام الثلاثة لضرورةٍ دعته للخروج بعد ساعة من اعتكافه مثلاً فلا ينبغي التأمّل في البطلان حينئذٍ ، للزوم صدق العنوان وبقائه في الحكم بالصحّة كما هو ظاهر ، والمفروض انتفاؤه.
ثمّ إنّ القادح في الصحّة إنّما هو الخروج الاختياري ، دون ما لا يستند إلى الاختيار كما لو أُخذ وجُرَّ عن المسجد أو مشى في نومه وخرج عن المسجد كما ربّما يتّفق لبعض الأشخاص ، لانصراف النصوص عن ذلك ، فإنّها ظاهرة ولا سيّما بملاحظة استثناء الحاجة في الخروج الاختياري ، فإنّ النهي عن الخروج في هذه النصوص وإن لم يتضمّن التكليف إلّا في اليوم الثالث وإنّما هو إرشاد إلى الفساد ، إلّا أنّ المنسبق منها بحكم الانصراف أنّ المفسد إنّما هو الخروج المستند إلى الإرادة والاختيار كما لا يخفى.
وأوضح من الكلّ الصحيحة الثانية لداود بن سرحان ، حيث سأل الإمام (عليه السلام) عمّا يفرضه على نفسه لدى التصدّي للاعتكاف فأجاب (عليه السلام) بقوله : «لا تخرج» إلخ ، فإنّ من الواضح أنّ افتراض الإنسان والتزامه لا يكاد يتعلّق إلّا بالأمر الاختياري ، وقد أقرّه (عليه السلام) على ذلك ، فيكشف هذا عن أنّ المراد بالخروج في الجواب هو الاختياري منه ، فغير الاختياري لا مانع منه إلّا إذا بلغ حدّا زال معه عنوان الاعتكاف كما مرّت الإشارة إليه آنفاً.
ولا يجب الاغتسال في المسجد وإن أمكن (1) من دون تلويث وإن كان أحوط (1).
(1) قد يفرض الاغتسال عن حدثٍ يجوز معه المكث في المسجد كمسّ الميّت ، وأُخرى عمّا لا يجوز كالجنابة.
أمّا الأوّل : فلا ينبغي الإشكال في جوازه في المسجد فيما إذا لم يستلزم مهانة أو هتكاً للحرمة ، كما لو كان هناك حوض فاغتسل فيه ، أو ظرف تجتمع فيه الغسالة ثمّ تطرح خارج المسجد ، بل لا يبعد تعيّنه حينئذٍ لعدم ضرورة تدعوه إلى الخروج بعد إمكان الاغتسال في المسجد من غير أيّ محذور ، كما هو الحال في الوضوء أو الغسل المندوب. ولا ريب أنّ هذا هو الأحوط.
وأمّا الثاني : فلا شكّ في وجوب الخروج فيما إذا استلزم التلويث ، فإنّ ذلك من موارد الضرورة الشرعيّة كما هو ظاهر.
وأمّا إذا لم يستلزم : فإن أمكن الاغتسال حال الخروج من غير أن يستلزم مكثاً زائداً على زمان الخروج كما لو فرض أنّ زمانه دقيقتان وزمان الغسل أيضاً دقيقتان أو أقلّ فالظاهر أنّه لا ينبغي التأمّل في جواز الاغتسال ماشياً حالة الخروج ، بل لا حاجة حينئذٍ إلى المشي ، فيجوز واقفاً أيضاً ، لأنّ ذلك إنّما وجب عليه مقدّمةً للخروج كي يغتسل خارج المسجد ولا يبقى فيه جنباً ، والمفروض ارتفاع الجنابة وحصول الاغتسال قبل تحقّق الخروج ، فلا مقتضي
1) (*) لا يبعد وجوبه على المستحاضة ونحوها ممّن لا يكون مكثه في المسجد محرّماً إذا لم يترتّب عليه محذور من هتك أو نحوه ، وأمّا بالإضافة إلى الجنب ونحوه ممّن يمكن مكثه في المسجد محرّماً ، فإن لم يكن زمان غسله فيه أكثر من زمان خروجه عنه وجب عليه الغسل فيه إذا لم يستلزم محذوراً آخر من هتك أو نحوه.
والمدار على صدق اللبث ، فلا ينافيه خروج بعض أجزاء بدنه من يده أو رأسه أو نحوهما (1).
لوجوبه ولا خصوصيّة للمشي في ذلك بعد فرض اتّحاد زمانه مع المكث ولزوم كونه باقياً في المسجد خلال الدقيقتين مثلاً سواء أكان ماشياً أم واقفاً.
وعلى الجملة : ففي هذه الصورة لا موجب للاغتسال خارج المسجد فيجوز فيه ، بل لعلّه يجب رعايةً لاستدامة المكث بعد عدم ضرورة في الخروج ، ولم يكن الخروج لأجل الغسل منصوصاً ليتمسّك بإطلاق الدليل ، فعدم الجواز حينئذٍ لو لم يكن أقوى فلا ريب أنّه أحوط.
وأمّا إذا لم يمكن الاغتسال حال الخروج ، أو كان زمانه أكثر من الزمان الذي يستوعبه نفس الخروج بأن كان أكثر من الدقيقتين في المثال المزبور ، فالمتعيّن حينئذٍ الغسل خارج المسجد حذراً من اللبث المحرّم ، وكان ذلك من موارد الضرورة الشرعيّة المسوّغة للخروج كما تقدّم.
فالظاهر هو التفصيل بين إمكان الاغتسال في المسجد في زمانٍ لا يكون أكثر من زمان الخروج وعدمه ، ففي الأوّل يغتسل في المسجد حال المشي بل بدونه كما مرّ ، وفي الثاني يتعيّن عليه الخروج حسبما عرفت.
(1) كما لو أخرج يده عن المسجد لاستلام شيء ، أو رأسه من الروشن أو الجناح ونحوهما لرؤية الهلال أو الشفق أو غاية أُخرى وإن كانت غير ضروريّة ، لصدق المكث في المسجد بعد كون معظم البدن فيه ، الذي هو المناط في تحقّق البقاء المتقوّم به الاعتكاف كما هو ظاهر جدّاً.
[2560] مسألة 1 : لو ارتدّ المعتكف في أثناء اعتكافه بطل وإن تاب بعد ذلك (1) إذا كان ذلك في أثناء النهار ، بل مطلقاً على الأحوط (1).
(1) وقلنا بقبول توبته فيما بينه وبين اللّه وإن أُجريت عليه الأحكام ظاهراً من البينونة والتقسيم والقتل كما في الفطري ، أو فرض الكلام في الملّي الذي تقبل توبته بلا إشكال. وعلى أيّ حال ، فلا ريب في بطلان اعتكافه.
أمّا إذا كان الارتداد في النهار فلوجوه :
أحدها : إنّ الارتداد مانع عن صحّة الصوم ، لاشتراطه حدوثاً وبقاءً بالإيمان فضلاً عن الإسلام كما مرّ في محلّه ، فإذا بطل بطل الاعتكاف أيضاً ، لتقوّمه به.
الثاني : إنّ الكافر يحرم عليه اللبث في المسجد ويجب إخراجه منه إجماعاً وإن كانت الآية الشريفة خاصّة بالمشركين وبمسجد الحرام ، لكن الحكم مطلق من كلتا الناحيتين من غير خلاف ، فإذا كان المكث في هذا الجزء من الاعتكاف أعني : حالة الارتداد حراماً فكيف يقع مصداقاً للواجب؟! وهل يمكن التقرّب بما هو مبغوض للمولى (2)؟! الثالث : إنّ الاعتكاف عبادة ، ولا تصحّ العبادة من الكافر ، لاشتراطها بالإسلام ، بل بالإيمان كما نطقت به النصوص ، مضافاً إلى عدم تمشّي قصد القربة منه.
[2561] مسألة 2 : لا يجوز العدول بالنيّة من اعتكافٍ إلى غيره (1) وإن اتّحدا في الوجوب والندب ، ولا عن نيابة ميّتٍ إلى آخر أو إلى حيّ ، أو عن نيابة غيره إلى نفسه أو العكس.
وعلى الجملة : فيبطل الاعتكاف بالارتداد ، لأجل هذه الوجوه الثلاثة.
وأمّا لو كان الارتداد في الليل فيبتني البطلان على دخول الليلتين المتوسّطتين في الاعتكاف وخروجهما عنه ، وحيث إنّا استظهرنا الدخول لظهور الدليل في الاتّصال والاستمرار فعليه يتّجه البطلان بالارتداد استناداً إلى الوجهين الأخيرين من الوجوه الثلاثة المتقدّمة ، لعدم جريان الأوّل كما هو ظاهر ، ولعلّ خلاف الشيخ حيث منع (قدس سره) عن البطلان بالارتداد (1)محمولٌ على ما لو كان في الليل ، بناءً على مسلكه من خروج الليل عن الاعتكاف.
(1) سواء أكانا واجبين أم مستحبّين أم مختلفين ، عن نفسه أو عن غيره أو بالاختلاف ، كلّ ذلك لأجل أنّ العدول بالنيّة خلاف الأصل لا يمكن المصير إليه ما لم يقم عليه دليل بالخصوص.
والوجه فيه : أنّ الأمر المتعلّق بالمركّب من عدّة أجزاء كالصلاة وكالاعتكاف المؤلّف من المكث في الأيّام الثلاثة ينحلّ لدى الدقّة إلى أوامر ضمنيّة متعلّقة بتلك الأجزاء ، وحيث إنّها ارتباطيّة حسب الفرض فلا جرم كان كلّ أمر مشروطاً بشرط متأخّر أو متقدّم أو بهما معاً ، فالأمر بالتكبير مشروط بنحو الشرط المتأخّر بملحوقيّته بالقراءة والركوع إلى آخر الصلاة ، كما أنّ الأمر بالركوع مشروط بكونه ملحوقاً بالسجود ومسبوقاً بالقراءة ، والأمر
1) المبسوط 1 : 294.
[2562] مسألة 3 : الظاهر عدم جواز النيابة عن أكثر من واحد في اعتكاف واحد (1). نعم ، يجوز ذلك بعنوان إهداء الثواب ، فيصحّ إهداؤه إلى متعدّدين أحياءً أو أمواتاً أو مختلفين.
بالسلام مشروط بمسبوقيّته بما تقدّم من الأجزاء ، فاتّصاف كلّ واحد من أجزاء المركّب بالجزئيّة لذلك المركّب مشروطٌ بالانضمام لسائر أجزاء هذا المركّب ، إمّا بنحو الشرط المتأخّر كالجزء الأول ، أو المتقدّم كالجزء الأخير ، أو بهما معاً كما فيما بينهما من الأجزاء ، فإنّ هذا من شؤون فرض الارتباطيّة الملحوظة بينها كما لا يخفى.
وعليه ، فلو عدل في الأثناء فأتى بالركوع مثلاً عن صلاة أُخرى لم يقع جزءاً لا من المعدول عنه لعدم الملحوقيّة بما هو من أجزاء هذا المركّب ، ولا من المعدول إليه لعدم المسبوقيّة كذلك.
ومن هنا كان العدول بالنيّة على خلاف القاعدة ، إذ النصف مثلاً من عملين لا يكون عملاً واحداً إلّا إذا قام الدليل الخاصّ على الاجتزاء به ، كما ثبت في العدول عن الحاضرة إلى الفائتة ، أو اللاحقة إلى السابقة ، أو الفريضة إلى النافلة فيما لو أُقيمت الجماعة على تفصيلٍ مذكور في محالّها ، وحيث لم يقم مثل ذلك الدليل في المقام إذن لا يجوز العدول من اعتكاف إلى آخر مطلقاً ، فلو اعتكف ندباً لم يسغ له العدول إلى اعتكاف آخر مندوب أو واجب بنذر أو إجارة عن حيّ أو ميّت ، أو لو كان أجيراً عن أحد لا يجوز العدول عنه إلى ما كان أجيراً عن غيره أو إلى الاعتكاف عن نفسه ، وهكذا.
(1) فإنّ النيابة في نفسها على خلاف القاعدة ، إذ كيف يكون فعل أحد موجباً لسقوط ذمّة الغير عمّا اشتغلت به ويعتبر وقوعه عنه؟! اللّهمّ إلّا إذا قام
.................................................................................................
الدليل على المشروعيّة فيقتصر حينئذٍ على مورد قيام الدليل ، وقد ثبتت المشروعيّة بالأدلّة الخاصّة عن الأموات بل الإحياء أيضاً في بعض الموارد كالحجّ المندوب ، كما تقدّمت الإشارة إليها في قضاء الصلوات وبحث النيابة عن الأموات (1).
والمتيقّن من تلك الأدلّة إنّما هي النيابة عن شخص واحد ، وأمّا الزائد عليه فيحتاج إلى قيام الدليل على قبول الفعل الواحد للاشتراك ، وقد قام الدليل عليه في باب الزيارات وفي الحجّ المندوب ، فيجوز النيابة فيهما عن شخص أو أشخاص ولم يثبت فيما عداهما ، ومقتضى الأصل عدم المشروعيّة ، فمجرّد عدم الدليل كافٍ في الحكم بالعدم استناداً إلى الأصل.
نعم ، قد يتوهّم الجواز ممّا ورد في بعض أخبار تشريع النيابة في العبادة من قول الصادق (عليه السلام) في صحيحة معاوية بن عمّار : «... يدعو لوالديه بعد موتهما ، ويحجّ ويتصدّق ويعتق عنهما ، ويصلّى ويصوم عنهما» (2).
ولكن الظاهر منها بمقتضى الفهم العرفي إرادة كلّ منهما على سبيل الانفراد وبنحو الانحلال والاستغراق لا جمعاً لتدلّ على جواز التشريك في الفعل الواحد ، كما هو الحال في استعمالاتنا في العرف الحاضر ، فلو قلنا لأحد : صلّ عن والديك أو صم عنهما ، لا نريد به العموم المجموعي أبداً ، بل المراد عن كلّ منهما مستقلا.
إذن لا دليل على جواز النيابة عن أكثر من واحد في اعتكافٍ واحد ، والمرجع أصالة عدم المشروعيّة كما عرفت.
نعم ، لا بأس بالإتيان به رجاءً ، كما أنّه لا إشكال في جواز ذلك بعنوان إهداء الثواب لا النيابة كما نبّه عليه في المتن.
[2563] مسألة 4 : لا يعتبر في صوم الاعتكاف أن يكون لأجله (1) ، بل يعتبر فيه أن يكون صائماً أيّ صوم كان ، فيجوز الاعتكاف مع كون الصوم استئجاريّاً أو واجباً من جهة النذر ونحوه ، بل لو نذر الاعتكاف يجوز له بعد ذلك أن يؤجر نفسه للصوم ويعتكف في ذلك الصوم ولا يضرّه وجوب الصوم عليه بعد نذر الاعتكاف ، فإنّ الذي يجب لأجله هو الصوم الأعمّ من كونه له أو بعنوان آخر ، بل لا بأس بالاعتكاف المنذور مطلقاً في الصوم المندوب الذي يجوز له قطعه ، فإن لم يقطعه تمّ اعتكافه ، وإن قطعه انقطع ووجب عليه الاستئناف.
(1) حقيقة الاعتكاف كما دلّت عليه صحيحة ابن سرحان (1)عبارة عن نفس اللبث والعكوف ، وأمّا الصوم فهو خارج عن الحقيقة ، وإنّما هو شرط في الصحّة ، فهو من قبيل المقدّمات المقارنة ، نظير الطهارة والستر والاستقبال بالإضافة إلى الصلاة.
وعليه ، فإن أنكرنا وجوب المقدّمة إلّا عقلاً من باب اللابدّيّة كما هو الصحيح فواضحٌ أنّ الصوم لم يتّصف بالوجوب من أجل الاعتكاف ، بل هو باقٍ على حكمه الثابت له في حدّ نفسه من الاستحباب أو الوجوب الأصلي كصوم رمضان ، أو العرضي كما في النذر أو الاستئجار ونحو ذلك ، ولا يحكم العقل إلّا بالإتيان بطبيعي الصوم تحصيلاً للشرط وتحقيقاً لما لا يتمّ الواجب إلّا به بأيّ عنوان كان ، بعد أن لم يؤخذ في دليل الاشتراط عنوان خاصّ بمقتضى الإطلاق.
1) الوسائل 10 : 550 / أبواب الاعتكاف ب 7 ح 3.
.................................................................................................
وأمّا إذا بنينا على وجوب المقدّمة شرعاً فالأمر كذلك أيضاً ، لأنّ هذا وجوب غيري ، والأمر الغيري المقدّمي توصليّ لا تعبّدي ، فلا يجب قصد الأمر الناشئ من قبل الاعتكاف ليجب الصوم من أجله ، ومناط العباديّة شيء آخر غير هذا الأمر ، وهو الأمر النفسي العبادي المتعلّق بالصوم إمّا الاستحبابي أو الوجوبي ، فحال الأمر بالصوم هنا حال الأمر المقدّمي المتعلّق بالطهارات التي تكون مناط عباديّتها الأوامر النفسيّة المتعلّقة بذواتها كما حقّقناه في الأُصول.
وعليه ، فلا يزيد الالتزام بوجوب المقدّمة شرعاً على إنكارها في عدم وجوب قصد الصوم لأجل الاعتكاف على التقديرين ، بل اللازم إنّما هو الإتيان بطبيعي الصوم وهو الشرط في الصحّة ، أي الصوم الأعمّ من كونه له أو بعنوان آخر ندبي أو وجوبي أصلّي كشهر رمضان ، أو عرضي من نذر ونحوه.
والروايات الحاكية لاعتكاف النبيّ (صلّى اللّه عليه وآله) في العشر الأواخر من شهر رمضان دالّة عليه بوضوح كما لا يخفى.
ويتفرّع على ذلك ما سيذكره (قدس سره) في المسألة السادسة من أنّه لو نذر الاعتكاف إمّا مطلقاً أو في أيّامٍ معيّنة وكان عليه صوم واجب لنذر أو استئجار ونحوهما ، جاز له الصوم في تلك الأيّام وفاءً عن النذر أو الإجارة ، لما عرفت من أنّ الشرط في الصحّة إنّما هو جامع الصوم المنطبق على ما كان واجباً بالنذر ونحوه ، اللّهمّ إلّا أن يكون نذر اعتكافه مقيّداً بأن يصوم لأجله ، فإنّه لم يجز حينئذٍ أن يصوم عن غيره من نذرٍ ونحوه ، لكونه مخالفاً لنذره كما هو ظاهر جدّاً.
[2564] مسألة 5 : يجوز قطع الاعتكاف المندوب في اليومين الأوّلين (1) ، ومع تمامهما يجب الثالث ، وأمّا المنذور : فإن كان معيّناً فلا يجوز قطعه مطلقاً ، وإلّا فكالمندوب.
(1) فصّل (قدس سره) في الاعتكاف المندوب بين اليومين الأولين فيجوز القطع ورفع اليد ، وبين اليوم الثالث فلا يجوز بل يجب المضي ، وألحق (قدس سره) به المنذور إن كان مطلقاً ، دون المعيّن ، فإنّه لا يجوز قطعه مطلقاً حذراً من مخالفة النذر. وقد ذهب إلى هذا التفصيل جماعة من الأصحاب.
وهناك قولان آخران :
أحدهما : ما نُسب إلى الشيخ والحلبي وابن زهرة من عدم جواز القطع مطلقاً (1).
وبإزائه القول الآخر المنسوب إلى السيّد والحلّي والعلّامة من الجواز مطلقاً حتّى في اليوم الأخير (2).
ويستدلّ للقول الأوّل أعني : عدم الجواز مطلقاً تارةً : بما دلّ على حرمة إبطال العمل ، كقوله تعالى ( وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ ) (3).
والجواب عنه ما أشار إليه شيخنا الأنصاري (قدس سره) من أنّ الآية المباركة أجنبيّة عمّا نحن فيه من رفع اليد أثناء العمل ، بل هي ناظرة إلى حكم
.................................................................................................
ما بعد الفراغ عن العمل ، كما قد تقتضيه هيئة باب الإفعال ، فإنّ الإبطال يستدعي فرض وجود عمل صحيح مفروغ عنه ليعرضه هذا الوصف ، فمفادها حرمة الإتيان بعد العمل بما يوجب إبطاله ، أي زوال أثره وحبط ثوابه ، فيتّحد مفادها مع قوله تعالى ( لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى ) (1)، فلا دلالة فيها بوجه على لزوم إتمام العمل وعدم جواز قطعه (2).
على أنّ ذلك موجب لتخصيص الأكثر المستهجن ، لجواز القطع في جميع المستحبّات ما عدا الحجّ المندوب وفي جملة من الواجبات كقضاء شهر رمضان الموسّع والنذر المطلق ونحوهما.
وأُخرى وهي أوجه من الاولى - : بما دلّ على وجوب الكفّارة لو جامع خلال الثلاثة ، فإنّها تدلّ بالالتزام على حرمة القطع ، إذ لا معنى للتكفير عن أمر مباح.
ويدفعه أوّلاً : أنّ الكفّارة وإن كانت ثابتة كما تقدّم وسيأتي إن شاء اللّه (3)، إلّا أنّها لا تستلزم الحرمة بوجه كما في كفّارة التأخير إلى أن ضاق الوقت عن قضاء شهر رمضان بحلول السنة الجديدة ، فإنّه جائز على الأقوى وإن وجب الفداء ، وكما في التكفير عن جملة من تروك الإحرام فيما لو اضطرّ إلى ارتكابها.
وثانياً : سلّمنا الملازمة إلّا أنّ غايتها التلازم بين الكفّارة وبين حرمة حصّة خاصّة من الإبطال والقطع أعني : الإبطال بموجب الكفّارة وهو الجماع لا مطلق الإبطال ولو بشيء آخر ، كالخروج عن المسجد عمداً لا لحاجة ، إذ لا مقتضي للملازمة بين وجوب التكفير وبين حرمة طبيعي القطع على إطلاقه
.................................................................................................
وسريانه كما هو أوضح من أن يخفى.
ويُستدلّ للقول الآخر بأنّ انقلاب النفل إلى الفرض على خلاف القاعدة ، فيرجع إلى أصالة البراءة عن الوجوب في تمام الثلاثة من غير فرق بين الأخير والأولين.
وفيه : أنّ هذا وجيه لولا قيام الدليل على التفصيل ، والأصل حجّة حيث لا دليل على الخلاف ، ومعه لا تصل النوبة إليه.
وقد دلّت صحيحة ابن مسلم صريحاً على الوجوب في اليوم الثالث ، فقد روى عن أبي جعفر (عليه السلام) : «قال : إذا اعتكف يوماً ولم يكن اشترط فله أن يخرج ويفسخ الاعتكاف ، وإن أقام يومين ولم يكن اشترط فليس له أن يفسخ اعتكافه حتّى تمضي ثلاثة أيّام» (1).
والمراد بالاشتراط : التعيين على نفسه بنذرٍ وشبهه ، لا كالاشتراط عند نيّة الإحرام في الحجّ كما لا يخفى ، وإلّا لم تتّجه الشرطيّة الأُولى ، وذلك لجواز الخروج ، سواء اشترط بذاك المعنى أم لا.
وكيفما كان ، فهذه الرواية صحيحة السند ، واضحة الدلالة ، وقد أفتى بمضمونها جماعة من الأصحاب ، فليست بمهجورة ، ومعها لا تصل النوبة إلى الرجوع إلى أصالة البراءة ، فلا مناص من الأخذ بها.
ومن ذلك كلّه يظهر لك صحّة التفصيل المذكور في المتن.
ثمّ إنّ هذه الرواية رواها في الكافي بإسناده عن ابن محبوب ، عن أبي أيّوب ، ورواها الشيخ بإسناده عن الحسن ، عن أبي أيّوب ، وهما أي ابن محبوب
1) الوسائل 10 : 543 / أبواب الاعتكاف ب 4 ح 1 ، الكافي 4 : 177 / 3 ، التهذيب 4 : 289 / 879 ، الاستبصار 2 : 129 / 421.
[2565] مسألة 6 : لو نذر الاعتكاف في أيّامٍ معيّنة (1) وكان عليه صوم منذور أو واجب لأجل الإجارة ، يجوز له أن يصوم في تلك الأيّام وفاءً عن النذر أو الإجارة.
نعم ، لو نذر الاعتكاف في أيّامٍ مع قصد كون الصوم له ولأجله لم يجزئ عن النذر أو الإجارة.
[2566] مسألة 7 : لو نذر اعتكاف يوم أو يومين : فإن قيّد بعدم الزيادة بطل نذره (1)(2) ، وإن لم يقيّده صحّ ووجب ضمّ يوم أو يومين.
والحسن شخص واحد عبّر الكليني بكنيته والشيخ باسمه ، فالراوي عن أبي أيّوب هو الحسن بن محبوب ، وما في الوسائل الطبعة الأخيرة من ذكر كلمة «الحسين» بدل «الحسن» غلط من النسّاخ ، أو اشتباه منه (قدس سره).
وكيفما كان ، فالرواية صحيحة بكلا الطريقين ، فإنّ طريق الشيخ إلى علي بن الحسن بن فضّال وإن كان ضعيفاً في نفسه إلّا أنّا صحّحناه بوجه آخر وهو صحّة طريق النجاشي إليه مع وحدة الشيخ كما مرّت الإشارة إليه مراراً.
(1) قد ظهر الحال فيها ممّا قدّمناه في المسألة الرابعة ، فلاحظ.
(2) لا يخفى أنّ الاعتكاف متقوّم بمجرّد اللبث والعكوف ، وهو بنفسه عبادة ولا يعتبر فيه قصد غاية أُخرى كما مرّت الإشارة إليه في صدر الكتاب (2).
نعم ، الاعتكاف المعهود عند المتشرّعة المحكوم بأحكام خاصّة يشترط في
.................................................................................................
صحّته أن لا يكون أقلّ من ثلاثة أيّام ، ولذا كان له الفسخ ورفع اليد في اليومين الأولين دون اليوم الثالث كما مرّ آنفاً.
وعليه ، فلو نذر الاعتكاف يوماً أو يومين فقد ذكر الماتن (قدس سره) أنّه إن كان مقيّداً بعدم الزيادة بأن كان ملحوظاً بشرط لا ، بطل نذره. لعدم مشروعيّة المنذور بعد أن كانت الصحّة مشروطة بالثلاثة كما عرفت.
وإن لم يقيّد أي كان مطلقاً وملحوظاً بنحو اللااقتضائيّ بشرط صحّ نذره ووجب التتميم ثلاثاً ، إذ لا وجه للبطلان بعد أن كان المطلق قابلاً للانطباق على الفرد الصحيح.
وهذا نظير ما لو نذر أن يتصدّق على إنسان ، فإنه بإطلاقه يشمل من فيه الرجحان كالعبد الصالح ومن يكون التصدّق عليه مرجوحاً كالمشرك أو الضالّ المضلّ المبتدع الذي لا يكون النذر منعقداً بالإضافة إليه ، إلّا أنّه يكفي في صحّة النذر على المطلق اشتمال بعض أفراده على الرجحان فينزل الإطلاق عليه.
وما أفاده (قدس سره) مطابق لما ذكره جماعة من الأصحاب ، إلّا أنّ الحكم بالبطلان في الفرض الأوّل على إطلاقه قابل للمناقشة ، بل لها مجال واسع ، فإنّه إنّما يتّجه لو كان متعلّق النذر الاعتكاف المعهود المحكوم بالأحكام الخاصّة : من الاشتراط بالصوم ، وكونه في المسجد الجامع ، وعدم كونه أقلّ من الثلاثة ، وعدم جواز البيع والشراء ، ونحو ذلك ممّا تقدّم بعضها ويأتي جملة منها.
وبالجملة : لو كان مراد الناذر الاعتكاف المجعول المصطلح عليه في لسان الشرع الذي كان يفعله رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) في العشر الأواخر من شهر رمضان المحكوم بالأحكام المزبورة ، تمّ ما ذكر.
وأمّا لو أراد به مجرّد العكوف في المسجد والبقاء ولو ساعة فضلاً عن يوم أو
[2567] مسألة 8 : لو نذر اعتكاف ثلاثة أيّام معيّنة أو أزيد فاتّفق كون الثالث عيداً ، بطل من أصله (1) ، ولا يجب عليه قضاؤه (2) ، لعدم انعقاد نذره ، لكنّه أحوط.
يومين ، فالظاهر صحّته ، حيث إنّه بنفسه عبادة راجحة ، كما يستفاد ذلك ممّا ورد من أنّه يستحبّ أن يكون الشخص أوّل داخل في المسجد وآخر خارج عنه ، حيث دلّ على أنّ مجرّد المكث والكينونة فيه أمر مرغوب فيه عند الشارع ، ولذا حثّ على الازدياد وإطالة المكث ، فإذا كان هذا راجحاً ولا سيّما إذا انضمّت إليه عيادة أُخرى من صلاة أو ذكر أو قرآن ونحو ذلك فلا نرى أيّ مانع من انعقاد هذا النذر وصحّته بعد أن لم يعتبر فيه أيّ شيء ما عدا الرجحان المتحقّق في المقام جزماً حسبما عرفت.
نعم ، لا يكون هذا الاعتكاف محكوماً بتلك الأحكام ، فيجوز بلا صوم وفي مطلق المسجد ومع البيع والشراء بل وفي الليل ونحو ذلك حسبما يفترضه الناذر على نفسه ، المستلزم لوجوب العمل على طبقه ، فيصحّ نذره ولا يجب تتميمه ثلاثاً كما لعلّه ظاهر جدّاً.
(1) سواء أعلم به بعد صوم اليومين الأولين أم قبله ، إذ بعد أن كان الاعتكاف مشروطاً بالصوم ولا يشرع الصوم يوم العيد فلا جرم كانت تلك المصادفة كاشفة عن عدم انعقاد النذر ، لعدم مشروعيّة متعلّقه كما هو ظاهر.
(2) إذ هو تابع لعنوان الفوت ، وحيث لم يتعلّق به التكليف من أصله لعدم انعقاد نذره فلم يفت عنه شيء بتاتاً حتّى شأناً واقتضاءً ، لوجود مانع عن الفعليّة كما في الحائض والمريض ونحوهما ، فلا موضوع للقضاء هنا أبداً بناءً على صحّة الاستدلال لإثبات القضاء في كلّ فريضة بقوله (عليه السلام) : «من
.................................................................................................
فاتته فريضة فليقضها كما فاتته» (1)والإغماض عمّا فيه من الخدش سنداً ودلالةً ، لما عرفت من أنّ موضوعه الفوت غير المتحقّق في المقام بوجه.
نعم ، ذكر الماتن (قدس سره) أنّ القضاء أحوط ، ويكفي في وجهه مجرّد تطرّق الاحتمال واقعاً وإن لم يساعد عليه الدليل ظاهراً ، كيف؟! وقد ثبت القضاء في نظير المقام وهو الصوم المنذور المصادف للعيد ، فإنّه يجب قضاؤه بمقتضى صحيحة علي بن مهزيار : رجل نذر أن يصوم يوماً من الجمعة دائماً ما بقي ، فوافق ذلك اليوم يوم عيد فطر أو أضحى أو أيّام التشريق أو سفر أو مرض ، هل عليه صوم ذلك اليوم ، أو قضاؤه؟ وكيف يصنع يا سيّدي؟ فكتب إليه : «قد وضع اللّه عنه الصيام في هذه الأيّام كلّها ، ويصوم يوماً بدل يوم إن شاء اللّه تعالى» (2).
فإنّ القضاء الثابت بهذه الصحيحة بما أنّه على خلاف القاعدة إذ لا مقتضي له أبداً بعد انكشاف عدم انعقاد النذر ، لأجل المصادفة المزبورة كما عرفت ، فلا بدّ من الاقتصار على موردها ، ولا يسوغ التعدّي عنه إلى المقام بوجه إلّا أنّ ذلك ربّما يؤكّد فتح باب الاحتمال المذكور ويوجب تقوية احتمال القضاء في المقام ، نظراً إلى أنّ الاعتكاف يتقوّم بالصوم ، فإذا كان الصوم في نفسه حكمه كذلك فلا يبعد أن يكون الاعتكاف المشتمل عليه أيضاً كذلك.
والحاصل : أنّ هذا الاحتياط استحبابي ويكفي في حسنه مجرّد احتمال القضاء واقعاً حسبما عرفت.
[2568] مسألة 9 : لو نذر اعتكاف يوم قدوم زيد (1) بطل (1)، إلّا أن يعلم يوم قدومه قبل الفجر. ولو نذر اعتكاف ثاني يوم قدومه صحّ ووجب عليه ضمّ يومين آخرين.
(1) فصّل (قدس سره) في مفروض المسألة بين ما لو علم قبل الفجر بيومٍ قدومه ، وبين ما إذا لم يعلم ، فيصحّ في الأوّل دون الثاني ، لعدم إمكان الاعتكاف في ذلك اليوم ، لأنّ منتصف النهار مثلاً لا يكون مبدأً لاحتساب الاعتكاف فيفوت المحلّ بطبيعة الحال ، إلّا أن ينذر اعتكاف ثاني يوم قدومه.
أقول : ما ذكره (قدس سره) وجيه لو كان مراد الناذر الاعتكاف من طلوع الفجر ، وأمّا لو أراد الاعتكاف من ساعة قدومه صحّ مع الجهل أيضاً ، فيتلبّس بالاعتكاف ساعة القدوم وإن كان أثناء النهار ، ويضيف عليها ثلاثة أيّام بحيث يكون أوّل أيّام اعتكافه الثلاثة هو الغد وهذا النصف المتقدّم زيادة على الثلاثة ، إذ لا مانع من الزيادة عليها ولو ببعض اليوم ، سواء أكانت الزيادة سابقة على الثلاثة أم لاحقة ، بمقتضى إطلاق الأدلّة ، ولا يعتبر الصوم فيما لو كان الزائد بعض اليوم ، بعدم الدليل عليه حينئذٍ كما لا يخفى.
وقد يقال بمنع البطلان في صورة الجهل بعد إمكان الاحتياط في أطراف العلم الإجمالي ، بل وجوبه عليه ، لعدم الفرق في تنجيزه بين الدفعي والتدريجي ، فيجب عليه الاعتكاف في جميع تلك الأطراف المحصورة المحتمل وقوع القدوم فيها.
1) (*) بل صحّ ووجب عليه الاعتكاف من الفجر إن علم قدومه أثناء النهار ، وإلّا اعتكف من زمان قدومه وضمّ إليه ثلاثة أيّام ، نعم إذا كان من قصده الاعتكاف من الفجر بطل النذر في هذا الفرض.
.................................................................................................
ويندفع بما هو المحقّق في محلّه من أنّ العلم الإجمالي بنفسه لا يكون منجّزاً بالنسبة إلى الموافقة القطعيّة وإن كان كذلك بالإضافة إلى حرمة المخالفة القطعيّة بل المناط في التنجيز تعارض الأُصول ويكون المنجّز في الحقيقة حينئذٍ هو نفس الاحتمال العاري عن المؤمّن العقلي والشرعي.
وبعبارة اخرى : ليس العلم الإجمالي علّة تامّة للتنجيز ، بل هو مقتضٍ له ، فيتوقّف على شرط وهو تعارض الأُصول في تمام الأطراف ، فلا تنجيز مع عدم المعارضة ، بل المرجع حينئذٍ هو الأصل المفروض سلامته عن المعارض.
والمقام من هذا القبيل ، لأنّ تلك الأيّام المردّدة والأطراف المحصورة المعلوم وقوع القدوم فيها إجمالاً يجري في بعضها الأصل وهو استصحاب عدم القدوم من غير معارض ، لعدم جريانه في اليوم الأخير من تلك الأطراف ، إذ لا أثر له بعد العلم بتحقّق القدوم آن ذاك إمّا فيه أو فيما قبله ، فيكون جريانه فيما عدا ذلك اليوم إلى زمان العلم بالخلاف سليماً عن المعارض ، فيجري الاستصحاب في كلّ يوم إلى أن يعلم بالقدوم ، فإن علم به في ذلك اليوم فهو ، وإن علم بقدومه قبل ذلك كان معذوراً في الترك ، لأجل استناده إلى الأصل.
ولتوضيح المقام نقول : إنّ العلم الإجمالي بما أنّه يتعلّق بالجامع وكانت الأفراد مشكوكة بالوجدان ، فهو لا ينجّز إلّا بالإضافة إلى متعلّقه فتحرم مخالفته القطعيّة ، وأمّا بالنسبة إلى الموافقة القطعيّة فهو مقتضٍ للتنجيز وليس بعلّة تامّة ، والعبرة حينئذٍ بتعارض الأُصول ، فإن تعارضت كان العلم الإجمالي بل مجرّد الاحتمال غير المقرون بالمؤمّن الشرعي أو العقلي منجّزاً ، وإلّا انحلّ العلم وكان المرجع الأصل السليم عن المعارض.
وهذا كما لو علم إجمالاً ببطلان إحدى صلاتية من الحاضرة أو الفائتة ، فإنّه يرجع حينئذٍ بعد تعارض قاعدتي الفراغ فيهما إلى أصالة البراءة ، أو قاعدة
.................................................................................................
الحيلولة في الفائتة ، وقاعدة الاشتغال في الحاضرة ، فينحلّ العلم الإجمالي بالأصل المثبت والنافي اللذين لا تعارض بينهما بوجه.
وكما لو علم إجمالاً ببطلان وضوئه أو صلاته ، فإنّه يرجع حينئذٍ إلى قاعدة الفراغ في الوضوء السليمة عن المعارض ، للقطع ببطلان الصلاة على كلّ حال ، إمّا لفقد الطهور ، أو لفقد الركن مثلاً فلا موقع لجريان القاعدة فيها ، وبذلك ينحلّ العلم.
وبالجملة : ففي كلّ مورد كان الأصل في بعض الأطراف سليماً عن المعارض إمّا لعدم جريانه في الطرف الآخر ، أو لعدم معارضته معه لكون أحدهما نفياً والآخر مثبتاً لم يكن العلم الإجمالي منجّزاً من غير فرق بين الدفعي والتدريجي.
ومقامنا من هذا القبيل ، أمّا مع عدم العلم بالقدوم حتّى إجمالاً ، واحتمال عدم العود لموتٍ أو لهجرةٍ ونحو ذلك فظاهر ، فيرجع حينئذٍ إلى أصالة عدم القدوم ، لنفي الاعتكاف إلى أن يقطع بالخلاف.
وأمّا مع العلم الإجمالي كما هو المفروض فأطرافه محصورة لا محالة ، فلنفرض أنّها عشرة فعلم إجمالاً بالقدوم في إحدى هذه الأيّام ، وحينئذٍ فأصالة عدم القدوم لا تكاد تجري بالإضافة إلى اليوم الأخير ، لا بلحاظ لازمه العقلي وهو حدوث القدوم في الأيّام السابقة لعدم حجّيّة الأُصول المثبتة ، ولا بلحاظ نفسه ، لوضوح تقوّم الأصل بالشكّ ، وهو الآن يقطع بأنّه في اليوم الأخير وفي ظرف العمل متيقّن بالقدوم ، إمّا في نفس ذلك اليوم أو فيما تقدّمه ، فهو غير شاكّ في القدوم آن ذاك كي يجري الأصل هناك بالضرورة ، بل عالم بالقدوم إمّا في نفسه فيعتكف أو في سابقه فيكون معذوراً في تركه.
إذن كان الاستصحاب بالإضافة إلى كلّ واحد من الأيّام السابقة إلى اليوم التاسع جارياً وسالماً عن المعارض ، فيحرز في كلّ منها عدم القدوم ببركة
[2569] مسألة 10 : لو نذر اعتكاف ثلاثة أيّام من دون الليلتين المتوسّطتين لم ينعقد (1).
الاستصحاب ، وينفى موضوع الاعتكاف بضمّ الوجدان إلى الأصل ، فإنّه يومٌ وجداناً ولم يقدم فيه زيد بالاستصحاب ، فلا يجب الاعتكاف.
وبالجملة : العبرة في جريان الأصل بمراعاة الشكّ في ظرف العمل ، وهو بالنسبة إلى اليوم الأخير لا شكّ له في ظرفه ، فلا معنى لجريان الأصل فيه ، فيكون جريانه في كلّ واحد من الأيّام السابقة إلى أن يقطع بالخلاف سليماً عن المعارض ، فإن حصل القطع في نفس اليوم اعتكف ، وإن تعلّق بالأيّام السابقة كان معذوراً في الترك ، لأجل استناده إلى الأصل.
فتحصّل : أنّ العلم الإجمالي في المقام وكلّ ما كان نظيراً له من التدريجيّات التي لا يجري الأصل في الفرد الأخير منها لا يكون منجّزاً ، ويختصّ التنجيز في التدريجي والدفعي بما إذا كانت الأُصول جارية في تمام الأطراف وساقطة بالمعارضة حسبما عرفت بما لا مزيد عليه.
(1) لعدم مشروعيّة الاعتكاف كذلك كما تقدّم (1)، إلّا أن يريد مجرّد اللبث والعكوف والمكث والبقاء لا الاعتكاف الاصطلاحي المحكوم بأحكام خاصّة فإنّه أيضاً بنفسه عبادة كما تقدّم ، فيكون راجحاً ولا سيّما إذا كان مقروناً بعبادةٍ اخرى من ذكر أو قراءة ونحوهما ، فلا مانع من انعقاد نذره حينئذٍ لو تعلّق بمكث ساعة في المسجد فضلاً عن الأيّام الثلاثة ولو بغير الليالي ، فإنّه يتبع قصد الناذر كما هو ظاهر.
1) في ص 359.
[2570] مسألة 11 : لو نذر اعتكاف ثلاثة أيّام أو أزيد لم يجب إدخال الليلة الأُولى فيه (1) ، بخلاف ما إذا نذر اعتكاف شهر (1)فإن الليلة الأُولى جزء من الشهر.
(1) لخروجها عمّا به قوام الاعتكاف ، فإنّه متقوّم في أصل الشرع بالبدأة من الفجر وإن ساغت الزيادة بإدخال الليلة ، لكنّها تحتاج إلى عناية زائدة وتعلّق القصد بها ، فبدونه ينزّل على ما هو المجعول في أصل الشرع من خروج الليلة الاولى.
وهذا بخلاف النذر المتعلّق باعتكاف الشهر ، إذ الشهر حقيقة فيما بين الهلالين كما تقدّم في كتاب الصوم (2)، فيعمّ الليلة لدخولها فيه ، وبذلك افترق الشهر عن اليوم.
هذا ، ولكن الصحيح أنّ الحكم بدخول الليلة في الشهر وخروجها تابع لقصد الناذر ، فإن قصد أحدهما فهو ، وأمّا لو أطلق نذر الشهر ولم يقصد إلّا ما تحت هذه العبارة فلا يبعد الخروج حينئذٍ ، لأنّ الشهر وإن كان حقيقة فيما بين الهلالين كما ذكر إلّا أنّ مناسبة الحكم والموضوع تستدعي إرادة البدأة من الفجر ، لأنّ هذا هو المعتبر في الاعتكاف ، وما يتقوّم به في أصل الشرع بحسب الجعل الأولي والتقديم عليه بإدخال الليلة يحتاج إلى عناية خاصّة ومئونة زائدة كما تقدّم ، فبدون رعايتها كما هو المفروض ، حيث أطلق ولم يقصد إلّا ما هو ظاهر اللفظ ينزّل الكلام على ما هو أخفّ مئونة كما لا يخفى.
[2571] مسألة 12 : لو نذر اعتكاف شهر يجزئه ما بين الهلالين (1)وإن كان ناقصاً (1) ، ولو كان مراده مقدار شهر وجب ثلاثون يوماً (2).
(1) بل هو المتعيّن عليه وليس مجرّد الإجزاء ، لما تقدّم من أنّ الشهر حقيقة في ذلك لغةً وعرفاً وأنّه اسم لنفس الهلال باعتبار أنّه يشهد ويظهر بعد الخفاء ثم يبقى إلى ظهور الهلال الجديد ، ولأجله كان اللفظ حقيقة فيما بين الهلالين ، ومن ثمّ أشرنا في كتاب الصوم إلى لزوم مراعاته في صوم الشهرين المتتابعين ، وعدم كفاية التلفيق. ففي المقام أيضاً لا يجزئ الملفّق من نصفي شهر أو أكثر ، لعدم صدق الشهر الذي هو حقيقة فيما بين الهلالين عليه بوجه.
وعليه ، فلا يفرق في ذلك بين كون الشهر تامّاً أو ناقصاً ، لصدق ما بين الهلالين على التقديرين.
نعم ، على تقدير النقص يجب تكميله بيوم ، بناءً على القول بأنّه كلّما زاد على الثلاثة يومين وجب تكميلهما ثلاثاً ، فإنّ الناقص يتألّف من تسع مرّات ثلاثة أيّام ويزيد عليها بيومين فوجب اليوم الثالث. وأمّا بناءً على إنكاره لضعف مستنده كما سبق فلا حاجة إلى التكميل.
وعلى أيّ حال ، فإضافة اليوم من أجل تكميل الاعتكاف لا لتكميل نقص الشهر.
(2) لأنّ المنصرف من مقدار الشهر بحسب الظهور العرفي إنّما هو الثلاثون ، فلو قال : بقيت في بلدة كذا شهراً ، لا ينسبق إلى الذهن إلّا ذلك ، بحيث لا يحسن منه هذا التعبير لو كان دخوله يوم العشرين وخروجه يوم التاسع عشر من الشهر القادم مثلاً إلّا بنحوٍ من العناية ، وإلّا فقد بقي تسعة وعشرين يوماً لا
1) (*) ويجب إضافة يوم بناءً على وجوبها كلّما زاد يومين.
[2572] مسألة 13 : لو نذر اعتكاف شهر وجب التتابع (1) ، وأمّا لو نذر مقدار الشهر جاز له التفريق ثلاثة ثلاثة إلى أن يكمل ثلاثون يوماً ، بل لا يبعد جواز التفريق يوماً فيوماً (1)ويضمّ إلى كلّ واحد يومين آخرين ، بل الأمر كذلك في كلّ مورد لم يكن المنساق منه هو التتابع.
مقدار الشهر ، فإنّه خلاف ظاهر اللفظ بمقتضى الانصراف العرفي كما عرفت.
ولو لا هذا الانصراف فمجرّد التقدير بالطبيعي الجامع بين الناقص والكامل بأن نذر اعتكاف مقدار شهر من شهور السنة وهي مختلفة من حيث الكمال والنقص يستدعي الاجتزاء بالناقص ، لانطباق الطبيعة عليه ، كما لو نذر أن يتصدّق بما يعادل ربحه إمّا في هذا اليوم أو اليوم الماضي وهو لا يعلم بذلك ، فانكشف أنّ ربحه هذا اليوم خمسة دنانير وفي الأمس ديناران ، فإنّه يجزئ التصدّق حينئذٍ بدينارين ، لما عرفت من أنّ تعليق الحكم على طبيعة مشتملة على فردين أحدهما تامّ والآخر ناقص وهي منطبقة على كلّ منهما حسب الفرض يستدعي جواز الاجتزاء بالفرد الناقص.
فالعمدة في المقام في الحمل على التمام أعني : الثلاثين إنّما هو الانصراف والظهور العرفي حسبما عرفت.
(1) لما عرفت من أنّ الشهر حقيقة فيما بين الهلالين فأجزاؤه متتابعة بالذات ، فلا جرم كان ملحوظاً في المنذور ، فلا مناص من رعايته ، فلو فرّق ولفّق ولو بأن يعتكف في النصف الأوّل من شهر رجب في سنة والنصف الثاني منه في سنة أُخرى حنث ولم يف بنذره ، لعدم الإتيان بمتعلّقه كما هو ظاهر.
1) (*) هذا مبني على أحد أمرين : إمّا على اعتبار القصد في الوفاء بالنذر ، وإمّا أن يكون في المنذور خصوصيّة ، وهي موجودة في اليوم الأوّل دون اليومين الآخرين.
.................................................................................................
هذا إذا تعلّق النذر بعنوان الشهر كشهر رجب مثلاً.
وأمّا إذا نذر اعتكاف مقداره ، فبما أنّ التتابع غير ملحوظ حينئذٍ في المنذور جاز التفريق والتوزيع كيفما شاء من التنصيف أو التثليث ونحوهما من أنحاء التقسيط مرّات عديدة وإن كانت عشر مرّات كلّ مرّة ثلاثة.
بل لم يستبعد في المتن جواز التفريق يوماً فيوماً إلى أن يكمل الثلاثون ، ولكن حيث إنّ الاعتكاف لا يكون أقلّ من ثلاثة أيّام فيلزمه حينئذٍ أن يضمّ إلى كلّ واحد يومين آخرين فيكون المجموع تسعين يوماً في ثلاثين وجبة كلّ وجبة ثلاثة أحدها نذراً والآخران تكميلاً.
فكأنه (قدس سره) يرى أنّ عشر وجبات غير مجزية وإن بلغ مجموعها ثلاثين يوماً.
وهو مبني إمّا على دعوى لزوم قصد عنوان الوفاء في امتثال الأمر النذري ، وحيث لم يقصده إلّا في الواحدة من كلّ ثلاثة فلا يقع الباقي وفاءً عن النذر.
ويدفعه : أنّ العنوان المزبور غير لازم القصد ، فإنّ الوفاء هو الإنهاء والإتمام والإتيان بذات المتعلّق ، كما في الوفاء بالعقد الذي يكون إنهاؤه وإتمامه بعدم الفسخ المساوق للّزوم ، وفي المقام بعدم حلّ النذر ولزوم العمل به ، والأمر الناشئ من قبل النذر توصليّ لا تعبّدي فلا يجب قصده والتقرّب به ، فمتى أتى بالمتعلّق كيفما اتّفق فقد أدّى ما عليه ولا يعتبر شيء آخر أزيد من ذلك ، كما أوضحناه في محلّه عند التكلّم حول معنى الوفاء.
وعليه ، فاليومان الآخران يحسبان وفاءً عن النذر بطبيعة الحال ، وإن جيء بهما بعنوان التكميل فلا حاجة إلى الزيادة على الواجبات العشر.
أو يبتني على أخذ خصوصيّة في المنذور لا تنطبق إلّا على واحد من الأيّام الثلاثة ، كما لو نذر أن يعتكف شهراً في أفضل مكان من مواطن مسجد الكوفة
[2573] مسألة 14 : لو نذر الاعتكاف شهراً أو زماناً على وجه التتابع (1) ، سواء شرطه لفظاً أم كان المنساق منه ذلك ، فأخلّ بيوم أو أزيد ، بطل وإن كان ما مضى ثلاثة فصاعداً واستأنف آخر مع مراعاة التتابع فيه.
كمقام إبراهيم (عليه السلام) وكان اعتكافه يوماً في المقام ويومين في سائر أماكن المسجد ، أو نذر أن يصوم في اعتكافه بعنوان الاعتكاف فصام يوماً كذلك ويومين بعنوان النيابة أو الكفّارة ونحوهما ، فحينئذٍ لا يحتسب من كلّ ثلاثة إلّا يوماً واحداً.
وبالجملة : فكلام الماتن (قدس سره) يبتني على أحد هذين الأمرين.
وأمّا إذا فرضنا أنّ متعلّق النذر مطلق لم تؤخذ فيه أيّة خصوصيّة ما عدا تعلّقه بمقدار الشهر كما هو المفروض في عبارة المتن وبنينا على عدم لزوم قصد عنوان الوفاء كما هو الصحيح حسبما عرفت فلم تكن حينئذٍ حاجة إلى ضمّ اليومين إلى كلّ واحد ليبلغ المجموع تسعين يوماً ، بل بمجرّد الانضمام ولو كان بعنوان التكميل يحتسب وفاءً عن النذر وتبرأ الذمّة عنه ، لأنّ الانطباق قهري والإجزاء عقلي ، فيكتفى بالواجبات العشر البالغ مجموعها ثلاثين.
(1) إذا نذر الاعتكاف في مدّة محدودة كشهر مثلاً مقيّداً بالتتابع إمّا للتصريح به أو لكونه المنساق من الكلام ، وقد أخلّ بهذا القيد ، فقد يكون المنذور كلّيّاً ، وأُخرى متعيّناً في زمان خاصّ كشهر رجب.
فعلى الأوّل : لا إشكال في البطلان ، لانتفاء المشروط بانتفاء شرطه ، فلا ينطبق المنذور على المأتي به ، ولأجله لا مناص من الاستئناف والإتيان بفرد آخر مراعياً فيه التتابع كما في سائر موارد النذر ، فلو نذر أن يقرأ سورة تامّة متتابعاً فقرأ وأخلّ بالتتابع لم يجز ووجب الاستئناف ، وهذا ظاهر لا سترة عليه.
.................................................................................................
وأمّا في الثاني : فلا ريب في البطلان أيضاً ، لما ذكر ، بل العصيان ووجوب كفّارة الحنث إن كان متعمّداً ، وإلّا فلا شيء عليه ، ولا فرق في ذلك بين ترك المنذور رأساً وبين الإخلال بقيد المتابعة.
والمعروف والمشهور وجوب القضاء مع الترك بالمرّة ، وسيجيء البحث حول ذلك عند تعرّض الماتن إن شاء اللّه (1)، ولا كلام من هذه الناحية.
وإنّما الإشكال بعد الفراغ عن أصل القضاء في جهتين :
إحداهما : إذا فاته الاعتكاف المنذور ولو بالإخلال بجميعه وعدم الإتيان بشيء منه حتّى يوماً واحداً إمّا لعذر أو لغير عذر ، فهل يعتبر التتابع في القضاء كما كان معتبراً في المقضي؟
وقد تقدّم نظير هذا البحث في قضاء الصوم المنذور المشروط فيه التتابع ، وذكرنا ثمّة أنّه لم يساعد الدليل وهو صحيحة علي بن مهزيار إلّا على أصل القضاء دون كيفيّته ، وأقمنا شواهد على عدم لزوم مطابقة القضاء مع الأداء في الخصوصيّات ، فلو فاته الصيام من أيّام القيظ الشديدة الحرّ الطويلة النهار جاز القضاء من أيّام الشتاء القصيرة ، أو لو فات الصوم المنذور إيقاعه في بلد جاز القضاء في بلد آخر ، فلا تلزم مراعاة جميع الخصوصيّات ومنها التتابع.
وكيفما كان ، فذاك البحث جارٍ في المقام أيضاً ، وقد احتاط الماتن بالتتابع.
والظاهر أنّ الحكم في هذه المسألة مبني على ما يستند إليه في أصل القضاء :
فإن كان المستند فيه الدليل اللّفظي كالنبوي : «اقض ما فات كما فات» (2)-
.................................................................................................
كان اللازم اعتبار المتابعة أيضاً ، لأنّ نفس الدليل يدلّ على لزوم كون القضاء مماثلاً للأداء.
وإن كان المستند الدليل اللبّي وهو الإجماع فالمتيقّن منه أصل القضاء دون التتابع.
وستعرف إن شاء اللّه ضعف الاستناد إلى الدليل اللفظي.
وعليه ، فإن بنينا على تماميّة الإجماع كما لا تبعد فغايته ثبوت أصل القضاء دون المتابعة ، فيرجع في نفيها إلى أصالة البراءة.
وعلى الجملة : لا ينبغي التأمّل في أنّ الخصوصيّات الملحوظة في الاعتكاف أو الصوم المنذورين من الزمانيّة والمكانيّة وغيرهما كالوقوع في فصل الصيف والنهار الطويل أو النجف الأشرف مثلاً غير لازم المراعاة في القضاء لدى فوات المنذور لعذر أو لغيره ، فلو نذر أن يعتكف في مسجد الكوفة ففاته ولو عن عمد فلا ريب في جواز قضائه في أيّ مسجد جامع ، فليكن التتابع أيضاً من هذا القبيل بعد قصور الدليل عن إثبات وجوبه في القضاء كالأداء حسبما عرفت.
الجهة الثانية : لو أخلّ بالتتابع المعتبر في المنذور ، فهل يجب عليه قضاء المنذور من أصله ، أو خصوص ما أخلّ به؟ فلو نذر الاعتكاف من أوّل رجب إلى اليوم السادس مثلاً متتابعاً ، فتابع في الأربعة وأخلّ بالأخيرين ، فهل يختصّ القضاء بهما ، نظراً إلى أنّه قد أتى بالباقي متتابعاً وكان موافقاً للمنذور فلا وجه لقضائه ، أو انّه يجب قضاء الكلّ ، لعدم إغناء التتابع في البعض عن الكلّ بعد أن كان المجموع واجباً واحداً ارتباطيّاً لانتفاء المركّب بانتفاء جزئه ، فالإخلال بالبعض إخلال بالمركّب بطبيعة الحال ، كما هو مقتضى فرض
.................................................................................................
الارتباطيّة الملحوظة بين الأجزاء؟
المشهور هو الثاني ، أي قضاء المنذور بتمامه كما اختاره في المتن.
ولكن على ضوء ما قدّمناه في الجهة الأُولى حول اعتبار التتابع يظهر الحال هنا أيضاً وأنّه لا يجب إلّا قضاء ما أخلّ به فقط ، فإنّ المستند في القضاء لو كان دليلاً لفظيّاً تضمّن أنّ من فاته الاعتكاف المنذور وجب قضاؤه صحّ التمسّك بإطلاق الفوت الشامل لما فات رأساً أو ما فات ولو ببعض أجزائه ، باعتبار أنّ فوات الجزء يستدعي فوات الكلّ ، واتّجه الحكم حينئذٍ بقضاء المنذور بتمامه.
إلّا أنّك عرفت أنّ المستند إنّما هو الإجماع ، ومن المعلوم عدم ثبوته في المقام ، كيف؟! وقد ذهب جماعة من الأصحاب منهم صاحبا المدارك والمسالك (1)إلى الاقتصار على قضاء ما أخلّ به وإن ذهب المشهور إلى قضاء نفس المنذور ، فالمسألة خلافيّة ولا إجماع في المقام على قضاء المنذور بتمامه كي نلتزم به ، فعدم القول به لقصورٍ في المقتضى ، لا لأنّ التتابع في البعض يغني عن المركّب ليرد عليه ما أورده في الجواهر من الإيراد الظاهر وهو وضوح عدم الإغناء بعد فرض ارتباطيّة الأجزاء ، وكون الإخلال بالبعض إخلالاً بالكلّ كما مرّ.
نعم ، لا مناص من قضاء ما أخلّ به ، فإنّ المسألة وإن كانت خلافيّة كما عرفت إلّا أنّ الكلّ مطبقون على وجوب القضاء في هذا المقدار على سبيل الإجماع المركّب ، فلا سبيل لتركه بعد قيام الإجماع عليه.
1) المدارك 6 : 336 337 ، المسالك 2 : 105 106.
وإن كان معيّناً وقد أخلّ بيوم أو أزيد وجب قضاؤه (1)، والأحوط التتابع فيه أيضاً ، وإن بقي شيء من ذلك الزمان المعيّن بعد الإبطال بالإخلال فالأحوط ابتداء القضاء منه (1).
[2574] مسألة 15 : لو نذر اعتكاف أربعة أيّام فأخلّ بالرابع (2) ولم يشترط التتابع ولا كان منساقاً من نذره وجب قضاء ذلك اليوم (2)وضمّ يومين آخرين ، والأولى جعل المقضي أوّل الثلاثة وإن كان مختاراً في جعله أيّاً منها شاء.
(1) رعايةً للأداء في الزمان بقدر الإمكان ، ولكنّه استحسان لا يصلح مستنداً للحكم الشرعي ، بل لا يتمّ في نفسه ، إذ بعد الإخلال بالتتابع في الزمان المعيّن المضروب لم يبق فرق بين الباقي وما بعده في أنّ الكلّ خارج عن الأجل المعيّن والوقت المضروب ، فيكون قضاءً لا محالة.
نعم ، كان ذلك هو الأولى من باب استحباب الاستباق إلى الخير والمسارعة إليه والتعجيل فيه ، الذي هو أمر مندوب مرغوب فيه في جميع الواجبات والمستحبّات.
(2) لا إشكال في وجوب قضاء الرابع حينئذٍ بمعنى الإتيان دون القضاء بالمعنى المصطلح كما لا يخفى وفي وجوب ضمّ يومين آخرين معه كما أفاده ، لعدم مشروعيّة الاعتكاف أقلّ من الثلاثة.
.................................................................................................
وإنّما الإشكال في أنّ المقضي هل يتعيّن جعله أوّل الثلاثة ، أو أنّه مخيّر بين ذلك وبين جعله الوسط أو الأخير كما اختاره في المتن وأنّ جعل الأوّل أولى؟ وقد أفتى بمثل ذلك في الجواهر أيضاً (1).
والظاهر أنّ المسألة مبنيّة على لزوم قصد عنوان الوفاء في تفريغ الذمّة عن المنذور.
وأمّا بناءً على ما عرفت من عدم لزوم القصد لكون الوفاء هو الإنهاء وإتمام ما التزم به والإتيان بمتعلّق نذره ، والأمر الناشئ من قبله توصليّ لا يعتبر في سقوطه قصد التقرّب ، فلا حاجة حينئذٍ إلى التعيين من أصله ، لعدم المقتضي له ، فيحسب واحد من الثلاثة وفاءً ، والآخران متمّماً ، ويمكن أن يقال بانطباق ذلك الواحد على الفرد الأوّل قهراً وبطبيعة الحال كما لا يخفى.
بل حتّى إذا قلنا بلزوم قصد الوفاء جاز له أن يقصد الوفاء بمجموع الثلاثة ، لعدم الدليل على لزوم التشخيص والتعيين بوجه.
وقد يقال : إنّه بعد فرض عدم مشروعيّة الاعتكاف أقلّ من ثلاثة أيّام فالأمر بقضاء اليوم الفائت بنفسه أمرٌ بضمّ اليومين الآخرين ، وبما أنّ المجموع عبادة واحدة واعتكاف واحد فالكلّ واجب بوجوب واحد نفسي ومصداق للوفاء بالنذر ، فلا معنى للتعيين في اليوم الأوّل أو غيره ، إذ الكلّ متعلّق لأمر واحد نفسي كما عرفت.
ويندفع : بأنّ ضمّ اليومين لم يكن لمصلحة نفسيّة كي يكون الكلّ واجباً بالوجوب النفسي ، وإنّما هو من أجل المقدّميّة تحصيلاً لشرط الصحّة في اليوم الفائت بعد امتناع وقوعه مجرّداً عنهما ، نظير بقيّة الواجبات المقيّدة بشيء
1) الجواهر 17 : 189.
.................................................................................................
كاشتراط الصلاة بالطهور ، فإنّ الأمر بالواجب المقيّد لا ينفك عن المقدّميّة.
وبعبارة اخرى : قد ذكرنا في محلّه أن جميع الواجبات المركّبة المتدرّجة في الوجود كالصلاة لا ينفك أجزاؤها بالأسر عن القيديّة والاشتراط ، فلكلّ جزء حيثيّتان : حيثيّة الأمر النفسي الضمني المنبسط عليه من ناحية الأمر بالمركّب ، وحيثيّة كونه قيداً في صحّة الجزء الآخر على ما هو مقتضى فرض الارتباط الملحوظ بين الأجزاء ، فالجزء من الصلاة ليس مطلق التكبير ، بل ما كان ملحوقاً بالركوع ، كما أنّ الركوع مشروط بكونه مسبوقاً بالقراءة وملحوقاً بالسجود ، وهكذا الحال في سائر الأجزاء ، فإنّها برمّتها مشروطة بالمسبوقيّة والملحوقيّة معاً ، ما عدا الجزء الأوّل والأخير ، فإنّهما مشروطان بواحد منهما ، إذ لا جزء قبل الأوّل ولا بعد الأخير ، فلو تجرّد الركوع مثلاً عمّا تقدّمه أو ما تأخّره لم يقع مصداقاً للواجب.
وهكذا الحال في الاعتكاف ، فإنّ كلّ يوم بالإضافة إلى اليوم الآخر مشروط بالمسبوقيّة أو الملحوقيّة أو هما معاً ، فلا جرم كان ذلك قيداً في الصحّة ، وبما أنّ الاعتكاف المفروض في المقام ليس بواجب من غير ناحية النذر وهو لم يتعلّق إلّا بيوم واحد كان انضمام اليومين الآخرين من جهة صحّة المنذور فقط ، من غير أن يتضمّنا ملاك النفسيّة بوجه ، لأنّه لم ينشأ إلّا من قبل النذر وهو مختصّ بواحد منها فحسب ، فلا محالة كان وجوبهما متمحّضاً في المقدّميّة.
وحينئذٍ فإن التزمنا بوجوب المقدّمة وجب اليومان شرعاً وكان المركّب مؤلّفاً من الواجب النفسي والغيري ، وإن أنكرناه كما هو الصحيح على ما حُقّق في الأُصول من عدم الوجوب إلّا عقلاً من باب اللابدّيّة بقيا على حكمهما الأوّل ، وإن وجب الثالث بملاك التتميم الثابت في كلّ اعتكاف ولا
.................................................................................................
ضير في تركّب الواجب من جزئين : أحدهما واجب نفسي والآخر غيري ، أو من واجب وغير واجب حكم العقل بوجوبه كما لا يخفى.
وعليه ، فالواجب النفسي وما هو مصداق للوفاء إنّما هو واحد من الثلاثة.
ثمّ إنّ الامتثال في المركّبات التدريجيّة ومنها الاعتكاف إنّما يتحقّق بالجزء الأخير فما لم يتعقّب به يبطل من الأوّل ، فسقوط الأوامر الضمنيّة واتّصافها بالامتثال دفعي وفي زمان واحد ، وهو آن الفراغ من المركّب ، وإنّما التدرّج في نفس العمل وذات المتعلّق كصيام الأيّام الثلاثة في الاعتكاف.
وعليه ، فلا يعلم أنّ أيّاً من هذه الأيّام مصداق للوفاء وامتثال للأمر النفسي ، إذ لا ميّز ولا تعيّن لواحد منها عن الآخر حتّى في صقع الواقع وفي علم اللّه تعالى ، لما عرفت من أنّ الكلّ تتّصف بالامتثال المستتبع لسقوط الأمر في آن واحد ، ومعه كيف يمكن التعيين بالقصد؟! نعم ، لا مانع منه وليس هو من التشريع ، ولكن لا ملزم له ولا حاجة إليه.
وهذا نظير ما لو كان زيد مديناً لعمرو بدرهم ، أو كان قد نذر ذلك فدفع إليه درهمين قاصداً بأحدهما الوفاء وبالآخر الهبة والعطاء ، فإنّه لا يتعيّن أحدهما في أحدهما بالخصوص ، لعدم التعيّن والامتياز حتّى بحسب الواقع ، فلا يتميّز الوفاء عن العطاء ليتعيّن بالقصد.
ومقامنا من هذا القبيل ، فإنّ الاعتكاف عبادة واحدة ، وليس هو في كلّ يوم عملاً مستقلا لينطبق النذر على الأول ، بل امتثال الكلّ في زمان واحد وبنسبة واحدة ، وقد أتى بالجميع بقصد الوفاء عن ذلك اليوم ، فلا تعيّن له في شيء منها ليتعيّن بالقصد حسبما عرفت بما لا مزيد عليه.
[2575] مسألة 16 : لو نذر اعتكاف خمسة أيّام وجب أن يضمّ إليها سادساً ، سواء تابع أو فرّق بين الثلاثتين (1).
(1) أمّا مع التفريق فظاهر ، لوجوب ضمّ الثالث إلى اليومين بعد الثلاثة ، إذ لا اعتكاف أقلّ من الثلاثة.
وكذا مع التتابع والإتيان بالمجموع في اعتكاف واحد ، لما تقدّم عند التكلّم حول الشرط الخامس من صحيحة أبي عبيدة المصرّحة بأنّه «إن أقام يومين بعد الثلاثة فلا يخرج من المسجد حتّى يتمّ ثلاثة أيّام أُخر» (1).
وعن الأردبيلي : عدم وجوب ضمّ السادس في صورة المتابعة ، نظراً إلى اختصاص دليل الضمّ وهو الصحيح المتقدّم بالمندوب ، فلا يعمّ المنذور ، مع إمكان التفرقة بأنّ في المندوب قد تحقّق الاعتكاف في أصل الشرع بالثلاثة الأُول وليس ثَمّة ما يدلّ على اتّصال الزائد وهو اليومان ، بل هما بمثابة اعتكاف جديد ، فلا جرم دعت الحاجة إلى التكميل ، إذ لا اعتكاف أقلّ من الثلاثة. وهذا بخلاف المنذور ، فإنّ الخمسة حينئذٍ اعتكاف واحد عن أمر وملاك واحد وهو النذر ، فلا نقص ليحتاج إلى التتميم ، ولا بأس بالزيادة على الثلاثة (2).
واعترض عليه غير واحد بأنّ الصحيحة وإن كانت مختصّة بالمندوب إلّا أنّ المنذور ليس حقيقة أُخرى غيره ، بل هما فردان من طبيعة واحدة ، فإذا ثبت حكم لأحدهما ثبت للآخر بطبيعة الحال ، لاشتراكهما في الأحكام وعدم احتمال التفرقة فيها.
.................................................................................................
وهذا كما ترى قابل للمناقشة ، إذ لقائل أن يقول : إنّ الحكم إذا كان خاصّاً بموردٍ ومتعلّقاً بفرد فكيف يسوغ لنا التعدّي إلى الفرد الآخر وإن اتّحدا في الطبيعة؟! نعم ، لو كان الحكم متعلّقاً بالطبيعة عمّ جميع الأفراد كما لو ورد : لا اعتكاف أقلّ من ثلاثة أيّام ، دون ما كان خاصّاً بموردٍ ووارداً في فردٍ بخصوصه كما في المقام.
والصحيح فساد المطلب من أصله ، وأنّ الصحيحة غير مختصّة بالمندوب لا أنّه يسلم الاختصاص ويجاب بما لا يسلم عن النقاش إذ لا موجب لتوهّم الاختصاص عدا التعبير بقوله (عليه السلام) : «فهو يوم الرابع بالخيار» ، نظراً إلى عدم الخيار بين القطع والاسترسال في الاعتكاف الواجب ، ولزوم المضيّ فيه إلى أن يفرغ ، فيكشف ذلك عن إرادة المندوب.
ولكنّك خبير بأنّ هذا لازم أعمّ ، لثبوت التخيير في الواجب الموسّع أيضاً كالمندوب ، فيجوز في كلّ منهما رفع اليد في اليوم الرابع والخامس كاليومين الأوّلين ، فلا شهادة في هذا التعبير على إرادة المندوب بوجه.
نعم ، لا خيار في الواجب المعيّن بنذرٍ ونحوه ، كما لو نذر أن يعتكف من أوّل رجب من هذه السنة إلى اليوم الخامس ، فإنّه يجب عليه الإتمام ولا خيار في شيء من الأيّام ، ولكن لا يحتمل الفرق بين الواجب الموسّع والمعيّن من هذه الجهة قطعاً ، لعدم القول بالفصل ، إذ لا قائل بالفرق بينهما وإن قيل بالفرق بين الواجب والمستحبّ كما عرفت.
فالصحيح أنّ الصحيحة بنفسها وافية لإثبات الحكم في كلّ من المندوب والمنذور ، لكونه معلّقاً فيها على طبيعي الاعتكاف الشامل لجميع الأفراد.
[2576] مسألة 17 : لو نذر زماناً معيّناً شهراً أو غيره وتركه نسياناً أو عصياناً أو اضطراراً وجب قضاؤه (1)(1).
نعم ، هي قاصرة عن الشمول للواجب المعيّن ، لكنّه ملحق ، للقطع بعدم الفصل حسبما عرفت.
(1) العمدة في المقام إنّما هو الإجماع الذي ادّعاه جمع من الأعلام ، ومنهم من لا يعتني بالشهرات والإجماعات المنقولة كصاحب المدارك ، حيث صرّح بأنّه مقطوع به في كلام الأصحاب (2)، ولا يبعد تحقّقه ، بل هو الظاهر ، فهو المستند في المسألة ، ولولاه لكان الحكم في غاية الإشكال ، لضعف سائر ما يستدلّ له.
فإنّ ما يتوهّم الاستدلال به من النصوص روايات ثلاث ، ثنتان منها مرسلتان :
أحدهما النبوي المرسل : «اقض ما فات كما فات» (3).
والأُخرى المرسل عنهم (عليهم السلام) : «من فاتته فريضة فليقضها» (4).
ولم يلتزم الأصحاب بمضمونها من وجوب القضاء لكلّ فريضة فائتة ليدّعى الانجبار بالعمل على تقدير تسليم كبرى الانجبار ، فإنّ من نذر قراءة القرآن أو الدعاء أو زيارة الحسين (عليه السلام) مثلاً في وقتٍ معيّن ففاتته لعذر أو لغير عذر لم يلتزم أحد بوجوب قضائها ، والقضاء في الصوم المنذور المعيّن محلّ خلاف وإن كان عليه الأكثر ، للنصّ الخاصّ.
.................................................................................................
وبالجملة : فلم يعهد من أحد منهم الالتزام بالقضاء فيما عدا الصوم والاعتكاف المنذورين. على أنّ لفظ الفريضة المذكور في المرسلة منصرف إلى ما ثبت وجوبه في أصل الشرع وبحسب الجعل الأولي ، ولا يكاد يشمل ما التزم به الناذر على نفسه ، فالرواية على تقدير صحّتها منصرفة عن المقام قطعاً.
والثالثة : صحيحة زرارة ، قال : قلت له : رجل فاتته صلاة من صلاة السفر فذكرها في الحضر «قال : يقضي ما فاته كما فاته ، إن كانت صلاة السفر أدّاها في الحضر مثلها» إلخ (1).
وهي كما ترى واضحة الدلالة بقرينة الصدر والذيل ، على أنّ المراد بالمماثلة في قوله (عليه السلام) : «يقضي ما فاته كما فاته» التماثل من حيث القصر والتمام وأنّ العبرة في قضائهما برعاية حال الفوت لا حال الأداء ، فلا دلالة فيها على وجوب قضاء نفس الصلاة من غير هذه الناحية فضلاً عن الدلالة على وجوب قضاء مطلق الفريضة الفائتة ليستدلّ بها على المقام ، فالروايات قاصرة إمّا سنداً أو دلالةً.
وربّما يستدلّ بوجهين آخرين :
أحدهما : الاستفادة ممّا دلّ على وجوب قضاء الصوم المنذور المعيّن لدى فوته لعذرٍ أو لغيره ، كصحيحة ابن مهزيار الواردة في النذر كما تكرّرت الإشارة إليه ، فإنّها ترشدنا إلى ثبوته في الاعتكاف أيضاً ، لمكان اشتماله على الصوم.
وفيه ما لا يخفى من وضوح الفرق المانع من صحّة القياس ، فإنّ الصوم بنفسه متعلّق للنذر في الأول ، وأمّا في الثاني فهو شرط في صحّة شيء آخر تعلّق به النذر وهو الاعتكاف ، فوجوبه في الأوّل للنذر ، وفي الثاني للشرط ،
1) الوسائل 8 : 268 / أبواب قضاء الصلوات ب 6 ح 1.
.................................................................................................
وثبوت القضاء في أحدهما لا يستلزم الثبوت في الآخر بوجه.
فلو فرضنا أنّ أحداً سقط عنه الأمر بقضاء الاعتكاف المنذور لعجزٍ ونحوه ممّا لا يرجى زواله ، فهل يحتمل وجوب قضاء الصوم عليه استناداً إلى تلك الصحيحة الدالّة على وجوب قضاء الصوم المنذور؟! ثانيهما : ما ذكره كسابقه في الجواهر من أنّه قد ثبت القضاء لدى عروض ما يمنع عن إتمام الاعتكاف من حيض أو مرض وغيرهما ممّا قد اشتملت عليه النصوص والفتاوى ، فيكشف ذلك عن ثبوته عند فوت الاعتكاف بأيّ نحو كان ، لعدم القول بالفصل (1).
ويندفع بمنع ثبوت الحكم في المقيس عليه لو أُريد به القضاء بالمعنى المصطلح أعني : الإتيان خارج الوقت الذي هو المبحوث عنه في المقام ، لقصور النصوص عن إثبات ذلك ، بل مفادها الإعادة والاستئناف كما صرّح بها في بعضها ، فإنّها ناظرة إلى أنّ من كان معتكفاً على النهج الشائع المتعارف من الاعتكاف الندبي أو الوجوبي بالوجوب الموسّع لنذرٍ وشبهه لو عرضه الحيض أو المرض ونحوهما ممّا يمنع عن الإتمام فلا جرم يبطل هذا الاعتكاف ، فيرفع اليد عنه ويأتي بفرد آخر بإعادة ذلك الاعتكاف واستئنافه.
وليست ناظرة إلى القضاء الاصطلاحي ، للزوم حمل النصوص حينئذٍ على الواجب المعيّن بنذرٍ ونحوه كي يتصوّر فيه الفوت ويتّصف بالقضاء ، ولا ريب أنّه فرد نادر جدّاً لا يمكن حمل المطلقات عليه ، سيّما وأنّ مقتضى القاعدة حينئذٍ بطلان النذر ، لكشف العجز الطارئ عن عدم القدرة على الامتثال ، المستلزم لانحلال النذر بطبيعة الحال.
فالمراد هو الإعادة لا محالة وإن عبّر بلفظ القضاء في بعضها.
1) الجواهر 17 : 189.
.................................................................................................
ولنعم ما صنع في الوسائل حيث عنون الباب الحادي عشر بقوله : باب وجوب إعادة الاعتكاف إن كان واجباً (1).
إذن لم يثبت القضاء من أصله ليدّعى شموله للمقام بعدم القول بالفصل.
فتحصّل من جميع ما قدّمناه : أنّ المستند الوحيد في المسألة إنّما هو الإجماع ، فإن تمّ كما هو الأظهر حسبما مرّ ، وإلّا فالمسألة غير خالية عن الاشكال.
هذا ، ولا بأس بالإشارة إلى النصوص الدالّة على وجوب قضاء الاعتكاف إذا فات بمرض أو حيض ، وهي ثلاثة وكلّها معتبرة :
أحدها : صحيحة عبد الرحمن بن الحجّاج عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : «قال : إذا مرض المعتكف أو طمثت المرأة المعتكفة فإنّه يأتي بيته ثمّ يعيد إذا برئ ويصوم» (2).
فإنّ الأمر بالإعادة لم يكن مولويّاً ليراد به وجوب القضاء. وإنّما هو إرشاد إلى الفساد كما مرّ مراراً ، وأنّ الاعتكاف المأتيّ به قد بطل بعروض الطمث أو المرض المانعين عن الصوم المشروط به الاعتكاف ، فلا مناص من الاستئناف وجوباً إن كان ما شرع فيه واجباً ، وندباً إن كان مستحبّاً ، حسب اختلاف الموارد.
وعلى التقديرين فهو إعادة لما سبق ، وليس من القضاء المصطلح لتوقّفه على فرض عروض الطمث أو المرض في الاعتكاف الواجب المعيّن بنذر وشبهه كي يفوت بخروج الوقت ، ولا ريب في أنّه فرض نادر جدّاً ، فكيف يمكن حمل المطلق عليه؟!
.................................................................................................
فإن قلت : الممنوع حمل المطلق على الفرد النادر لا شمول الإطلاق له ، فأيّ مانع من أن يراد المعنى الجامع بين الأداء والقضاء؟
قلت : القضاء متقوّم بالفوت ، والأداء بعدمه ، ولا جامع بين المتناقضين ، فلا يمكن إرادتهما من دليلٍ واحد ، مضافاً إلى بُعده عن الفهم العرفي جدّاً كما لا يخفى.
إذن فالصحيحة غير ناظرة إلى القضاء بوجه.
الثانية : صحيحة أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : في المعتكفة إذا طمثت «قال : ترجع إلى بيتها ، فإذا طهرت رجعت فقضت ما عليها» (1).
والتقريب كما سبق وإن تضمّنت التعبير بالقضاء فإنّه بمعناه اللغوي أي مطلق الإتيان ، كما استُعمل فيه كثيراً في الكتاب والسنّة دون الاصطلاحي ، وإلّا كان الأحرى أن يقول هكذا : فقضت ما فاتها ، بدل قوله (عليه السلام) : «فقضت ما عليها» ، فإنّ هذا التعبير ظاهر في أنّها تأتي بما عليها فعلاً لا ما فاتها قبلاً كما لا يخفى ، فهذا التعبير مؤكّد لما استظهرناه من ارادة الاستئناف ومطلق الإعادة دون القضاء.
الثالثة : موثّقة أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : «قال : وأيّ امرأة كانت معتكفة ثمّ حرمت عليها الصلاة فخرجت من المسجد فطهرت فليس ينبغي لزوجها أن يجامعها حتّى تعود إلى المسجد وتقضي اعتكافها» (2).
وقد ظهر الحال فيها ممّا مرّ.
على أنّ مضمونها غير قابل للتصديق ، لظهورها في أنّها تقضي من حيث ما قطعت ، لأنّها باقية بعدُ على اعتكافها الأول ، وذلك لتضمّنها منع الزوج إمّا
ولو غمت الشهور فلم يتعيّن عنده ذلك المعيّن عمل بالظنّ (1)(1) ، ومع عدمه يتخيّر بين موارد الاحتمال.
تحريماً كما نستظهره من كلمة : «ليس ينبغي» ، أو تنزيهاً على ما يراه القوم عن مجامعتها حتّى تعود إلى المسجد ، إذ لو كانت خارجة عن الاعتكاف وغير متلبّسة به فعلاً فأيّ مانع من وطئها حتّى لو كان الطهر قبيل الفجر؟! ولو كان الطهر أثناء النهار أو أوائل الليل فالأمر أوضح ، لسعة الوقت إلى أوّل الفجر الذي هو مبدأ الاعتكاف ، فلا يكون الوطء مزاحماً ومنافياً له بوجه. فالمنع عن الجماع لا يجتمع إلّا مع فرض البقاء على الاعتكاف مدّة حيضها إلى أن تعود إلى المسجد التي أقلّها ثلاثة أيّام ، وربّما تبلغ عشرة. وهذا غير قابل للتصديق كما ذكرناه ، لانمحاء صورة الاعتكاف في أقلّ من هذه المدّة قطعاً ، فإنّه مشروط باستدامة اللبث كما مرّ ، ولذا تقدّم أنّه لو خرج ولو لحاجة ضروريّة وطالت المدّة بحيث انمحت الصورة بطل الاعتكاف ، فلا بدّ من طرحها وردّ علمها إلى أهله.
فاتّضح من جميع ما قدّمناه : أنّ الحكم بالقضاء في الحائض والمريض غير ثابت في حدّ نفسه وإن كانت دعوى عدم القول بالفصل على تقدير الثبوت غير بعيدة ، لعدم احتمال الفرق بينهما وبين غيرهما كما لا يخفى.
فالعمدة في المسألة إنّما هو الإجماع ، لضعف ما استدلّ به سواه حسبما عرفت.
(1) فيتنزّل عن الامتثال القطعي إلى الظنّي إن كان ، وإلّا فالى الاحتمالي الذي
1) (*) بل الظاهر وجوب الاحتياط إلى زمانٍ يكون الاعتكاف فيه حرجيّا ، وحكم الظنّ هنا حكم الشكّ.
.................................................................................................
نتيجته التخيير بين موارد الاحتمال.
هذا ، وقد مرّ نظير هذا الفرع في كتاب الصوم وعرفت أنّ الظنّ لم ينهض دليل على اعتباره في المقام ما عدا صحيحة عبد الرّحمن (1)، وحيث إنّ موردها خصوص شهر رمضان والتعدّي عنه قياس محض فلا دليل يعوّل عليه في الخروج عن أصالة عدم حجّيّة الظنّ. إذن فيجري عليه حكم الشكّ.
وعرفت أيضاً أنّ حكمه لزوم الاحتياط عملاً بالعلم الإجمالي ، وذلك لأجل أنّ مقتضى الاستصحاب وإن كان هو جواز التأخير إلى الشهر الأخير وبعده يستصحب بقاء الشهر المنذور ، ولكنّه معارض بأصالة البراءة عن الوجوب في خصوص الشهر الأخير بعد معارضة استصحاب بقاء الشهر المزبور باستصحاب بقاء عدمه ، المردّد بين كونه عدماً أزليّاً زائلاً أو عدما حادثاً باقياً ، نتيجة الجهل بالمتقدّم منهما والمتأخّر ، وبعد التساقط كان المتّبع هو العلم الإجمالي ، ومقتضاه ما عرفت من وجوب الاحتياط إلى أن يبلغ حدّ الحرج بحيث يقطع معه بسقوط التكليف ، إمّا للامتثال سابقاً ، أو لعروض المسقط وهو الحرج لاحقاً.
وعليه ، فالأظهر في المقام وجوب الاحتياط إلى زمانٍ يكون الاعتكاف فيه حرجيّا.
وإن شئت مزيد التوضيح فراجع المسألة في كتاب الصوم (2).
[2577] مسألة 18 : يعتبر في الاعتكاف الواحد وحدة المسجد (1) ، فلا يجوز أن يجعله في مسجدين ، سواء أكانا متّصلين أم منفصلين. نعم ، لو كانا متّصلين على وجهٍ يعدّ مسجداً واحداً فلا مانع.
(1) لظهور النصوص الدالّة على لزوم الاعتكاف في مسجد الجامع في وحدة المسجد بحكم الانصراف كما صرّح به في الجواهر (1)، فإنّ الحمل على إرادة الجنس بعيدٌ عن مساقها غايته كما لا يخفى.
ومع الغضّ عن هذا الانصراف فيمكن الاستدلال بإطلاق طائفتين من الروايات :
إحداهما : النصوص الدالّة على أنّ من خرج عن المسجد لحاجةٍ لزمه الرجوع بعد الفراغ عنها إلى مجلسه ، فإنّه لو جاز الاعتكاف في مسجدين لم يلزمه الرجوع إلى نفس المكان ، بل جاز الدخول في مسجد آخر. ومقتضى إطلاق هذه النصوص عدم جواز المكث خارج المسجد الذي اعتكف فيه بعد انقضاء الحاجة ، من غير فرق بين مسجد آخر وسائر الأمكنة بمقتضى الإطلاق.
ثانيهما : النصوص الدالّة على أنّ من خرج عن المسجد لحاجة فحضرت الصلاة لا يجوز له أن يصلّى في غير مكّة إلّا في المسجد الذي سمّاه ، أي اعتكف فيه. فإنّ مقتضى الإطلاق عدم جواز الصلاة حتّى في مسجد آخر ، فيكشف ذلك عن اعتبار وحدة المكان وعدم جواز الاعتكاف في مسجدين.
وهذا من غير فرق فيه بين كون المسجدين متّصلين أو منفصلين ن بمقتضى
1) الجواهر 17 : 171.
[2578] مسألة 19 : لو اعتكف في مسجدٍ ثمّ اتّفق مانع من إتمامه فيه من خوفٍ أو هدمٍ أو نحو ذلك ، بطل (1) ووجب استئنافه أو قضاؤه إن كان واجباً في مسجدٍ آخر أو ذلك المسجد إذا ارتفع عنه المانع ، وليس له البناء سواء كان في مسجد آخر أو في ذلك المسجد بعد رفع المانع.
الإطلاق ، وما عرفت من ظهور الأدلّة ولو بحكم الانصراف في اعتبار الوحدة ، إلّا أن يكون الاتّصال على نحوٍ يعدّ المجموع مسجداً واحداً ، كما لو وسّع المسجد بوقف الأرض المتّصلة وإلحاقها به كما سيأتي إن شاء اللّه لصدق الوحدة حينئذٍ كما هو ظاهر (1).
(1) لعدم التمكّن من الإتمام لا في هذا المسجد بعد ارتفاع المانع ، لاعتبار الاتّصال واستدامة اللبث ، المتعذّر بعد حصول الفصل الفاحش. ولا في مسجد آخر ، لاعتبار وحدة المكان المعتكف فيه كما هو ظاهر ممّا تقدّم.
واحتمال جواز الإتمام في مسجد آخر كما عن الجواهر (2)لم يعرف له أيّ وجه بعد فرض اشتراط الوحدة في المكان كما مرّ ، وتعذّر الشرط يستلزم تعذّر المشروط المستلزم للبطلان بطبيعة الحال. وحينئذٍ فإن كان الاعتكاف واجباً غير معيّن وجب الاستئناف ، وإن كان معيّناً كما لو نذر الاعتكاف في مكان
1) وقد حرّرت هذه الأبحاث مع مزيدٍ من الحزن والأسى ، وتشتّت البال واضطراب الحال ، لخطبٍ نزل بي ، وهو ارتحال سماحة آية اللّه شيخنا الوالد طاب ثراه في بلدة بروجرد ، عن عمرٍ يناهز الثالثة والثمانين ، فطيّب اللّه رمسه ونوّر مضجعه ، وجزاه عنّا وعن الإسلام والمسلمين خيراً ، ورفع له ذكرا ، وكانت وفاته في اليوم الخامس عشر من شهر محرّم الحرام من السنة الخامسة والتسعين بعد الألف والثلاثمائة من الهجرة.
2) الجواهر 17 : 174.
[2579] مسألة 20 : سطح المسجد وسردابه ومحرابه منه ما لم يعلم خروجها (1) ، وكذا مضافاته إذا جعلت جزءاً منه كما لو وسّع فيه.
خاصّ في زمان معيّن وجب القضاء لو قلنا بوجوبه حتّى في هذه الموارد ولم نقل بانكشاف عدم الانعقاد من الأوّل بطروّ العجز. وكيفما كان ، فيبتني الحكم على وجوب القضاء حتّى في هذه الموارد.
(1) لا ريب في لزوم إحراز المسجديّة في ترتيب آثارها التي منها جواز الاعتكاف ولو من أجل يد المسلمين ، حيث تلقّوها كذلك جماعة عن جماعة وخلفاً عن سلف ، وبعد الإحراز يجوز الاعتكاف في أيّ جزء منه من سطح أو سرداب أو محراب ونحو ذلك ممّا يحتوي عليه سور المسجد ما لم يثبت خلافه بقرينة خارجيّة.
ولعلّ مخالفة الشهيد حيث نُسب إليه البطلان وتحقّق الخروج عن المسجد بالصعود على السطح (1)، محمول على ذلك ، أي ما لو علم بخروج السطح عن المسجد ، وإلّا فهو بظاهره ظاهر الضعف ، بل لا يحتمل من مثله دعوى اختصاص الاعتكاف بجزء خاصّ من المسجد ، لعدم خصوصيّة له بعد صدق عنوان المسجديّة الذي هو الموضوع للحكم على الجميع بمناط واحد. ولذا لو اعتكف في نقطة معيّنة كحجرة من حجر المسجد فأراد الانتقال إلى حجرة اخرى جاز له ذلك بلا إشكال.
ومنه يظهر الحال في مضافات المسجد إذا جُعلت جزءاً منه ، كما لو وُسع فيه ، فإنّ الزائد بعد ما الحق به محكوم بحكم الأصل كما هو ظاهر.
1) الدروس 1 : 300.
[2580] مسألة 21 : إذا عيّن موضعاً خاصّاً من المسجد محلّاً لاعتكافه لم يتعيّن (1) وكان قصده لغواً.
[2581] مسألة 22 : قبر مسلم وهاني ليس جزءاً من مسجد الكوفة على الظاهر (2).
[2582] مسألة 23 : إذا شكّ في موضعٍ من المسجد أنّه جزء منه أو من مرافقه لم يجر عليه حكم المسجد (3).
(1) لأنّ موضوع الحكم كما في النصوص المسجد الجامع الذي هو عنوان صادق على جميع أجزائه بمناط واحد من غير خصوصيّة لبعض دون بعض. وعليه ، فلا أثر لتعلّق القصد بالاعتكاف في محلٍّ خاصّ من المسجد ، بل يصبح قصده لغواً بطبيعة الحال كما أشار إليه في المتن.
(2) سيجيء في المسألة الآتية أنّه لو شكّ في موضعٍ أنّه جزءٌ من المسجد أم لا ، لم يجر عليه حكم المسجد ، لأصالة العدم ، إلّا أنّه في خصوص قبرهما (عليهما السلام) لا تصل النوبة إلى الشكّ كي يتمسّك بالأصل ، لأنّ شاهد الحال وظاهر الأمر يقتضي الجزم بالعدم ، لأنّ من المعلوم أنّهما (عليهما السلام) قُتلا مظلومين مقهورين من قبل طاغوت الوقت ، ومن هذا شأنه كيف يتيسّر دفنه في المسجد الجامع المبني على نوعٍ من التعظيم والتكريم؟! ومن الذي يتجرّأ على ذلك في قبال تلك السلطة الجبّارة التي تصدّت لذلك الهتك المعروف في كيفيّة القتل وما بعده؟!
(3) فإنّ عنوان المسجديّة أمر حادث لا بدّ من إحرازه في ترتيب الأحكام بعلمٍ أو علمي ولو يد المصلّى ن ، وإلّا فمع الشكّ في موضعٍ منه أنّه جزء منه أم لا
[2583] مسألة 24 : لا بدّ من ثبوت كونه مسجداً أو جامعاً بالعلم الوجداني أو الشياع المفيد للعلم أو البيّنة الشرعيّة ، وفي كفاية خبر العدل الواحد إشكال (1)(1).
كمخزن في المسجد يجعل فيه الأثاث لم يعلم أنّه جزء أو وقف بعنوان آخر فالمرجع أصالة لعدم.
(1) هذا بحث كلّي قد تعرّضنا له في مطاوي هذا الشرح مراراً ، وهو أنّ الموضوعات هل تثبت بخبر العدل الواحد خبراً حسّيّا لا حدسيّا كما تثبت به الأحكام أو لا ، مثل : الإخبار بالطهارة أو النجاسة أو دخول الوقت ونحو ذلك ، ومنها المسجديّة أو الجامعيّة فيما نحن فيه؟
وقلنا : إنّ الأوجه ثبوت كلّ شيء بخبر الواحد إلّا ما ثبت خلافه بدليل خاصّ ، كما في الترافع حيث يحتاج إلى شاهدين عادلين ، أو في الدعوى على الأموال المفتقرة إلى شاهد واحد ويمين ، وقد يحتاج إلى شاهد وامرأتين كالدعوى في غير الأموال أيضاً كالزواج ، وقد يحتاج إلى أربعة رجال أو ثلاثة وامرأتين كما في الزنا ، إلى غير ذلك. فكلّما دلّ الدليل على اعتبار العدد أو ضمّ اليمين يتّبع ، وإلّا فبما أنّ عمدة المستند لحجّيّة خبر الواحد إنّما هي السيرة العقلائيّة الممضاة عند الشارع بعدم الردع التي لا يفرّق فيها قطعاً بين الموضوعات والأحكام كان خبر الواحد حجّة في الشبهات الحكميّة والموضوعيّة بمناط واحد ، إذ لا خصوصيّة للأحكام في ثبوت السيرة بالضرورة.
وأمّا رواية مسعدة بن صدقة : «... والأشياء كلّها على هذا حتّى تستبين أو
1) (*) لا تبعد كفايته.
.................................................................................................
تقوم به البيّنة» (1)فغير صالحة للرادعيّة ، لا لأجل ضعف السند بجهالة مسعدة وإن كنّا تناقش فيها سابقاً من هذه الجهة ، وذلك لوجوده في إسناد كامل الزيارات. بل لقصور الدلالة.
وتوضيحه : أنّه قد ذكر في موردها أمثلة ثلاثة كلّها مجرى لأصالة الحلّ أي محكوم بالحلّيّة في ظاهر الشرع - :
أحدها : الثوب ولعلّه سرقة. فإنّ هذا الاحتمال ملغى بمقتضى حجّيّة يد المسلم الذي اشترى منه الثوب.
الثاني : امرأة تحتك لعلّها أُختك أو رضيعتك. وهو أيضاً مدفوع باستصحاب عدم النسب أو الرضاع الذي يترتّب عليه صحّة النكاح.
الثالث : العبد ولعلّه حرّ قُهِر فبيع. وهو أيضاً لا يعتنى به بمقتضى حجّيّة سوق المسلمين ، بل لو ادّعى العبد بنفسه ذلك أيضاً لا يسمع منه.
وبعد ذلك كلّه يقول (عليه السلام) : إنّ الأشياء كلّها على هذا ، أي على أصالة الحلّ والجواز حتّى يستبين ، أي يظهر خلافه بنفسه وبالعلم الوجداني ، أو تقوم به البيّنة ، أي يقوم دليل من الخارج على الحرمة.
وليس المراد بالبيّنة المعنى الاصطلاحي أعني : الشاهدين العادلين ، لتكون الرواية رادعة عن السيرة العقلائيّة القائمة على حجّيّة خبر الواحد في الموضوعات الخارجيّة ، إذ لم تثبت لهذه اللفظة حقيقة شرعيّة في كلمات النبي (صلّى اللّه عليه وآله) أو المعصومين (عليهم السلام) بل هي على معناها اللغوي ، أعني : مطلق الدليل وما يتبيّن به الأمر.
1) الوسائل 17 : 89 / أبواب ما يكتسب به ب 4 ح 4.
.................................................................................................
وبهذا المعنى استُعمل في القرآن ، قال تعالى ( بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ ) (1)، وقال تعالى ( حَتّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ ) (2). وكذلك قول النبي (صلّى اللّه عليه وآله) : «إنّما أقضي بينكم بالأيمان والبيِّنات» (3)أي بالأدلّة ، وقوله (صلّى اللّه عليه وآله) : «البيّنة على المدّعى واليمين على المدّعى عليه» (4)، فإنّ المراد مطالبة المدّعى بالدليل في قبال المنكر.
نعم ، ثبت من الخارج أنّ من أحد الأدلّة شهادة العدلين ، لا أنّ شهادة العادلين بخصوصها هي المراد من كلمة «البيِّنة» ، فإنّ الأدلّة كثيرة ومنها شاهد واحد ويمين كما تقدّم ، فلا تحصر في البيّنة المصطلحة.
والذي يدلّنا على ذلك مضافاً إلى ما عرفت من عدم ثبوت الحقيقة الشرعيّة أنّ الأدلّة التي تثبت بها الحرمة كثيرة ، كحكم الحاكم ، وإقرار ذي اليد ، والشياع المفيد للاطمئنان ، والاستصحاب كاستصحاب عدم التذكية إلى غير ذلك ، ولا ينحصر رفع اليد عن الحلّيّة بالبيّنة المصطلحة ، فلما ذا خُصَّت من بينها بالذكر في قوله (عليه السلام) : «حتّى يستبين أو تقوم به البيّنة» مع أنّ بعضها كالإقرار أقوى منها في الاعتبار ومقدّمٌ عليها؟! فيكشف ذلك كشفاً قطعيّاً عن أنّ المراد بالبيّنة في هذه الرواية كغيرها من موارد استعمالها في الكتاب والسنّة ممّا تقدّم هو مطلق الدليل والحجّة لا خصوص البيّنة المصطلحة ، وإنّما هي فردٌ من أحد أفراد الأدلّة.
والظاهر كفاية حكم الحاكم الشرعي (1)(1).
[2584] مسألة 25 : لو اعتكف في مكان باعتقاد المسجديّة أو الجامعيّة فبان الخلاف تبيّن البطلان (2).
فيكون المعنى : أنّ الأشياء كلّها على الجواز إلى أن تثبت الحرمة إمّا بنفسها أو بقيام دليل شرعي من الخارج ، ومنه خبر الواحد الثابت حجّيّته بالسيرة العقلائيّة. ومعه فكيف تكون هذه الرواية رادعة عن السيرة؟! فالصحيح أنّ خبر الواحد حجّة في الموضوعات مطلقاً كالأحكام إلّا أن يقوم الدليل على خلافه حسبما عرفت.
(1) هذا أيضاً بحث كبروي وأنّ حكم الحاكم هل هو نافذ مطلقاً أو لا؟ وقد تقدّم في بعض الأبحاث السابقة عدم الدليل على ثبوت الولاية المطلقة ليكون حكمه نافذاً في جميع الموارد بنحو الكلّيّة ، بل المتيقّن منه مورد النزاع والترافع ، فلو ادّعى بعض الورثة وقفيّة بعض التركة بعنوان المسجديّة وأنكرها الباقون فرُفع النزاع إلى الحاكم الشرعي فثبت عنده وحكم كان حكمه نافذاً بلا إشكال وترتّب عليه آثار المسجديّة التي منها صحّة الاعتكاف كما هو الحال في بقيّة الأوقاف الواقعة مورداً للنزاع ، وأمّا بدون الترافع فلا دليل على نفوذ حكمه ، ومقتضى الأصل العدم.
(2) إذ العبرة بالواقع ، ولا أثر للاعتقاد الذي هو خيالٌ محض ، والمشروط ينتفي بانتفاء شرطه كما هو واضح.
1) (*) هذا فيما إذا حكم بالمسجديّة عند الترافع إليه ، وإلّا ففي كفايته إشكال.
[2585] مسألة 26 : لا فرق في وجوب كون الاعتكاف في المسجد الجامع بين الرجل والمرأة (1) ، فليس لها الاعتكاف في المكان الذي أعدّته للصلاة في بيتها ، بل ولا في مسجد القبيلة ونحوها.
[2586] مسألة 27 : الأقوى صحّة اعتكاف الصبي المميّز (2) ، فلا يشترط فيه البلوغ.
(1) لخلوّ الروايات عن التقييد بالرجل ، فالحكم فيها ثابت لطبيعيّ المعتكف ، وأنّه لا اعتكاف إلّا في مسجد جامع ، فإنّ نفي الطبيعة يستدعي بمقتضى الإطلاق عدم الفرق بين الرجل والمرأة ، بل قد صرّح في صحيحة داود ابن سرحان بشمول الحكم للمرأة ، قال (عليه السلام) في ذيلها : «والمرأة مثل ذلك» (1)، فإنّها صحيحة السند بطريق الصدوق وإن كانت ضعيفة بالطريق الآخر من أجل سهل بن زياد.
وكيفما كان ، فلا حاجة إلى الاستدلال بالصحيحة بعد إطلاق النصوص كما عرفت ، فلا يقاس الاعتكاف بالصلاة التي ورد بلحاظها أنّ مسجد المرأة بيتها كما أشار إليه في المتن.
(2) قد تكرّر البحث في مطاوي هذا الشرح حول عبادات الصبي وقلنا : إنّ المشهور هي المشروعيّة وأنّ غير واحد استدلّ لها بأنّها مقتضى الجمع بين أدلّة العبادات وبين حديث رفع القلم عن الصبي ، نظراً إلى أنّ نتيجة ذلك نفي الإلزام فيبقى أصل المحبوبيّة على حالها.
1) الوسائل 10 : 541 / أبواب الاعتكاف ب 3 ح 10 ، الكافي 4 : 176 / 2 ، الفقيه 2 : 120 / 521.
.................................................................................................
وقلنا : إنّ الجمع العرفي لا يقتضي ذلك ، لتوقّفه على أن يكون المجعول في موارد الأحكام حكمين ، ومدلول الأمر منحلا إلى أمرين : المحبوبيّة والإلزام ، ليبقى الأوّل بعد نفي الثاني ، نظير البحث المعروف من أنّه إذا نُسخ الوجوب بقي الجواز ، وليس الأمر كذلك ، بل مدلول الأمر حكم واحد بسيط ، وليس المدلول في مثل قوله تعالى ( كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ ) (1)إلخ ، إلّا كتابة واحدة لا كتابتين ، إذ لا ينحلّ الوجوب إلى جنس وفصل كما هو المحرّر في محلّة ، فإذا ارتفع فقد ارتفع الحكم من أصله.
بل مقتضى الجمع العرفي بين حديث الرفع والمرفوع تخصيص تلك القوانين بالبالغين وانتفاء الحكم عن الصبي رأساً.
ولكنّا استفدنا المشروعيّة ممّا ورد من قوله (عليه السلام) : «مروا صبيانكم بالصلاة والصيام» (2)، نظراً إلى أنّ الأمر بالشيء أمرٌ بذلك الشيء ، بل في بعضها الأمر بالضرب إذا بلغ السبع. وقد ورد النصّ في خصوص الحجّ بإحجاج الصبي ، فيستكشف من ذلك كلّه الاستحباب والمشروعيّة.
ولكن هذا كلّه خاصّ بالأحكام الإلزاميّة مثل الصلاة والصيام ونحوهما.
وأمّا في الأحكام الاستحبابيّة ومنها الاعتكاف المبحوث عنه في المقام ، وكصلاة الليل ، ونحو ذلك فيكفي في إثبات المشروعية نفس الإطلاقات الأوّلية من غير حاجة إلى التماس دليل آخر.
.................................................................................................
والوجه فيه ما ذكرناه في الأُصول في مبحث البراءة من أنّ حديث الرفع لا يشمل المستحبّات ، لأنّ المرفوع في مقام الامتنان إمّا المؤاخذة أو حكم إلزامي يكون قابلاً للوضع ليُرفع ، وليس هو إلّا وجوب الاحتياط ، لوضوح أنّ المكلّف لا يتمكّن من امتثال الواقع المجهول ، فوضعه بإيجاب الاحتياط كما أنّ رفعه برفعه. ومن المعلوم أنّ شيئاً منهما لا يجري في المستحبّات ، أمّا الأول فظاهر ، وكذا الثاني ، لأنّ استحباب الاحتياط ثابت جزماً ، وليس في رفعه أيّ امتنان ، ولأجل ذلك ذكرنا أنّ البراءة غير جارية في المستحبّات (1).
وهذا البيان الذي ذكرناه في حديث رفع التكليف جارٍ في حديث رفع القلم عن الصبي بعينه ، لعدم الفرق بينهما إلّا من حيث إنّ الرفع هناك ظاهري وهنا واقعي ، وهذا لا يكاد يؤثّر فرقاً فيما نحن بصدده بوجه.
فتحصّل : أنّ حديث الرفع غير جارٍ في المقام وأمثاله من سائر المستحبّات من أصله ليُتكلّم في تحقيق المرفوع ، وأنّه الإلزام أو أصل المشروعيّة ليُتصدّى لإقامة الدليل على إثباتها.
بل إطلاقات الأدلّة من الأوّل شاملة للصبي من غير مزاحم ، فتستحبّ له قراءة القرآن والزيارة وصلاة اللّيل وغيرها ، ومنها الاعتكاف بنفس الإطلاقات من غير حاجة إلى التمسّك بمثل قوله (عليه السلام) : «مروا صبيانكم بالصلاة والصيام» ، وإنّما نحتاج إلى ذلك في الأحكام الإلزاميّة فقط حسبما عرفت.
1) مصباح الأُصول 2 : 270.
[2587] مسألة 28 : لو اعتكف العبد بدون إذن المولى بطل (1) ، ولو أُعتق في أثنائه لم يجب عليه إتمامه. ولو شرع فيه بأن المولى ثمّ أُعتق في الأثناء : فإن كان في اليوم الأوّل أو الثاني لم يجب عليه الإتمام إلّا أن يكون من الاعتكاف الواجب ، وإن كان بعد تمام اليومين وجب عليه الثالث ، وإن كان بعد تمام الخمسة وجب السادس.
[2588] مسألة 29 : إذا أذن المولى لعبده في الاعتكاف جاز له الرجوع عن إذنه (2) ما لم يمض يومان ، وليس له الرجوع بعدهما ، لوجوب إتمامه حينئذٍ.
(1) لما تقدّم عند التعرّض لبعض فروع هذه المسألة من أنّ العبد مملوك فلا يجوز له التصرّف في ملك الغير بغير إذنه.
وعليه ، فلو اعتكف بغير الإذن ثمّ أُعتق في الأثناء لم يجب عليه الإتمام ، إذ لا موجب لإتمام الفاسد وإن نُسب إلى الشيخ وجوبه (1)، لبُعده جدّاً وعرائه عن أيّ دليل.
وأمّا إذا كان بإذن المولى فأُعتق جرى عليه ما مرّ من أنّه لو كان لك في اليوم الأوّل أو أثناء الثاني فهو مخيّر بين الإتمام وعدمه ، كما إذا كان حرّا من الأول ، وإذا كان بعد اليومين وجب الثالث ، لإطلاق الدليل الدالّ عليه ، وكذلك الحال في وجوب ضمّ السادس لو أُعتق في الخامس على كلامٍ تقدّم.
(2) تقدّم في المسألة السابقة بيان وظيفة العبد ، وأمّا بالإضافة إلى المولى فهل له الرجوع عن الإذن بعد تلبّس العبد بالاعتكاف المشروع؟
1) المبسوط 1 : 290.
وكذا لا يجوز له الرجوع إذا كان الاعتكاف واجباً بعد الشروع فيه من العبد (1).
الصحيح هو التفصيل كما في المتن بين مضيّ اليومين وعدمه ، ففي الثاني يجوز له الرجوع ، إذ لا موجب لسلب سلطنة المولى بعد جواز رفع اليد اختياراً ، وعدم الملزم للإتمام. وفي الأوّل لا يجوز ، لوجوب المضيّ (1)
وقد أجاب (دام ظلّه) بأنّ مقتضى ذلك جواز منعه عن الفرائض اليوميّة أيضاً ، ولكنّه لا يخلو عن تأمّل ، فلاحظ.
، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.(1) كما لو نذر العبد أن يتمّ الاعتكاف متى شرع ، وكان النذر بإذن المولى وقد شرع فيه العبد ، فإنّه ليس له الرجوع حينئذٍ ، لكونه على خلاف حقّه سبحانه ، وقد عرفت أنّه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
ولا يخفى أنّ الكبرى وإن كانت تامّة ولكن التطبيق على المثال المزبور لا يتمّ على المختار من أنّ الاعتبار في صحّة النذر بكون متعلّقه راجحاً في ظرف العمل مع قطع النظر عن تعلّق النذر به ، بحيث لا يكون الأمر الناشئ من قبله مزاحماً لواجب أو محرّم ، وإلّا فينحلّ النذر حينئذ من أصله. وهذا من خصوصيّات النذر وشبهه ، فيعتبر في متعلّقه الرجحان حينما يقع خارجاً ، فإذا لم يكن كذلك ولو لأمرٍ عارض مزاحم لم ينعقد.
وعليه ، فلا مانع من منع المولى ، لأنّ منعه يجعله مرجوحاً مع قطع النظر عن تعلّق النذر ، فيخرج عن موضوع وجوب الوفاء بقاءً ، لما عرفت من أنّ
1) فيه : أنّ وجوب المضيّ فرع جواز اللبث المنوط بالإذن حدوثاً وبقاءً ، وإلّا فهو تصرّف في ملك الغير الذي هو محرّم ومصداقٌ لمعصية الخالق أيضاً.
[2589] مسألة 30 : يجوز للمعتكف الخروج من المسجد لإقامة الشهادة (1) أو لحضور الجماعة أو لتشييع الجنازة وإن لم يتعيّن عليه هذه الأُمور ، وكذا في سائر الضرورات العرفيّة أو الشرعيّة الواجبة أو الراجحة ، سواء كانت متعلّقة بأُمور الدنيا أو الآخرة ممّا ترجع مصلحته إلى نفسه أو غيره ، ولا يجوز الخروج اختياراً بدون أمثال هذه المذكورات.
الأمر الناشئ من قبل النذر يعتبر فيه أن لا يكون مزاحماً لواجبٍ آخر ، ومنه وجوب إطاعة المولى ، فكيف يرتفع به ذلك الوجوب حتّى تسوغ مخالفته؟! وقريبٌ منه المثال المعروف من أنّه لو نذر أن يزور الحسين (عليه السلام) كلّ ليلة عرفة فعرضته الاستطاعة انحلّ النذر حينئذٍ ، لأنّ تفويت الحجّ غير مشروع ، ولا يكون النذر مشرّعاً وإنّما يقتضي وجوب ما هو مشروع في نفسه ، وحال رجوع المولى عن الإذن حال عروض الاستطاعة في أنّه يوجب انحلال النذر.
والأولى أن يمثّل لهذه الكبرى أعني : عدم جواز الرجوع فيما إذا كان الاعتكاف واجباً بعد الشروع بالإجارة المشروطة ، فلو استؤجر العبد بإذن المولى للاعتكاف واشتُرط عليه الإتمام متى شرع فيه ، فإنّه ليس له الرجوع حينئذٍ عن الإذن ، لوجوب الإتمام بمقتضى عقد الإيجار ، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ، ولا يناط هذا الوجوب بالرجحان في ظرف العمل كما كان كذلك في النذر كما هو ظاهر.
(1) تقدّم الكلام حول هذه المسألة (1)وقلنا : إنّه لا دليل على جواز الخروج
1) في ص 384.
[2590] مسألة 31 : لو أجنب في المسجد ولم يمكن الاغتسال (1)فيه وجب عليه الخروج (1) ، ولو لم يخرج بطل اعتكافه (2)، لحرمة لبثه فيه.
لمطلق الحاجة ، بل يعتبر كونها ممّا لا بدّ منها ولو عرفاً ، للتقييد بذلك في بعض النصوص ، كما أنّه لا دليل على جواز الخروج لمطلق الأمر الراجح من حضور مجلس تعزية أو فاتحة ونحو ذلك.
نعم ، دلّ الدليل على الجواز في موارد خاصّة ، مثل : تشييع الجنازة ونحوه ممّا تقدّم ، فيقتصر عليها ولا يتعدّى عنها.
(1) بل وجب وإن أمكن الاغتسال حال المكث إلّا أن لا يزيد زمانه على زمان الخروج فيجوز ، للعفو عن البقاء هذا المقدار بحكم الاضطرار كما تقدّم سابقاً (3)، بل قد يشكل الخروج حينئذٍ ، لعدم الضرورة المسوّغة.
وكيفما كان ، فمتى وجب عليه الخروج ولم يخرج فقد حكم في المتن ببطلان الاعتكاف ، لحرمة لبثه فيه.
ولكنّه لا يتمّ على إطلاقه ، فإنّ هذا المكث وإن حرم ولا يكون جزءاً من الاعتكاف جزماً ، لأنّ الحرام لا يكون مصداقاً للواجب ، إلّا أنّ البطلان لا بدّ وأن يستند إلى أحد أمرين :
إمّا الإتيان بمانع ، أو ترك جزء أو شرط عمداً ، وقد يكون لغير العمد أيضاً ، وإلّا فالبطلان بلا سبب غير معقول.
.................................................................................................
أمّا المانع فلم يتحقّق ، ضرورة أنّ ارتكاب الحرام لا يوجب البطلان ، فلو اغتاب أو افترى أو كذب أثناء اعتكافه أو ارتكب محرّماً آخر ومنه المكث في المسجد جنباً لم يقدح ذلك في صحّة الاعتكاف قطعاً وإن كان آثماً ، لعدم تقيّد الاعتكاف بعدم هذه الأُمور ، وهذا واضح.
وأمّا ترك الجزء ففيه تفصيل ، وتوضيحه : أنّ الأمر الوحداني المتعلّق بالاعتكاف والمكث في المسجد ثلاثة أيّام قد خُصِّص من الأوّل بمقدار الحاجة إلى الخروج وهو زمان الاغتسال بمقدّماته من تحصيل الماء أو تسخينه أو الذهاب إلى الحمّام ونحو ذلك ممّا يتوقّف عليه الغسل ، فليفرض أنّه يستوعب من الزمان مقدار نصف ساعة ، فهذا المقدار مستثنى من الثلاثة ولا جزئيّة له فلا يجب المكث فيه ، بل يحرم.
وعليه ، فلو فرضنا أنّه لا يفرق الحال بالنسبة إلى هذا المقدار بين الخروج وعدمه ، لمساواتهما في عدم ارتفاع الجنابة قبل ذلك ، كما لو فرضنا أنّه معتكف في مسجد الكوفة ولا بدّ من تحصيل الماء من الشطّ إمّا أن يذهب بنفسه أو يبعث من يجيء به ، وعلى التقديرين يستوعب من الوقت مقدار نصف الساعة ، فلو اختار الجلوس في المسجد وانتظر مجيء من أرسله لتحصيل الماء فهو لم يترك جزءاً من الاعتكاف ، لأنّ المفروض أنّ هذا المقدار من الزمان لا يجب المكث فيه ، غاية الأمر أنّه كان يجب عليه الانتظار خارج المسجد فخالف وارتكب الحرام ، وقد عرفت أنّ ارتكابه لا يوجب البطلان.
نعم ، لو فرضنا أنّه جلس في المسجد زائداً على المقدار المذكور ، فبما أنّه فوّت على نفسه الاعتكاف في المقدار الزائد من الزمان فقد ترك جزءاً من اللبث الواجب اختياراً ، وذلك موجب للبطلان.
فتحصّل : أنّه لا بدّ من التفصيل بين ما إذا كان مكثه موجباً لترك جزءٍ من
[2591] مسألة 32 : إذا غصب مكاناً من المسجد سبق إليه غيره بأن أزاله وجلس فيه فالأقوى بطلان اعتكافه (1)(1) ، وكذا إذا جلس على فراش مغصوب.
الاعتكاف عامداً كما لو مكث أكثر من المقدار اللازم كنصف الساعة في المثال فيبطل وبين ما إذا لم يكن كذلك ، إذ لم يفرق الأمر بين الخروج وعدمه في أنّ كلّاً منهما لا يزيد على نصف ساعة مثلاً فلا موجب حينئذٍ للبطلان حسبما عرفت.
(1) يبتني ما ذكره (قدس سره) على أنّ السابق في المسجد الشاغل للمكان ذو حقّ بالإضافة إليه ، بحيث لا يجوز التصرّف فيه إلّا بإذنه ، كما في الأملاك ، فإنّه وإن لم يكن ملكاً له إلّا أنّه متعلّق لحقّ الاختصاص. فعلى هذا يكون التصرّف والمكث بغير الإذن محرّماً فيبطل الاعتكاف ، إذ لا يقع الحرام مصداقاً للواجب ، فهو مفوّت لجزءٍ من الاعتكاف بإشغال المكان.
وأمّا لو قلنا : إنّه لا يستفاد من الأدلّة ثبوت الحقّ بهذا المعنى كي لا يجوز التصرّف بغير الإذن ، وإنّما الثابت عدم جواز مزاحمته ، لكونه أحقّ وأولى ، فلا تجوز إزالته عن المكان ومنعه عن الاستفادة ، وأمّا بعد الإزالة وارتكاب المعصية فالمكان باقٍ على الإباحة للجميع من غير حاجة إلى الإذن ، فلا يكون المكث محرّماً ولا الصلاة أو الاعتكاف باطلاً. فهذا هو منشأ الكلام في بطلان الاعتكاف في المقام وعدمه.
1) (*) فيه إشكال ولا يبعد عدم البطلان ، وأمّا الجلوس على الفرش المغصوب ونحوه فلا إشكال في عدم البطلان به.
.................................................................................................
فنقول : الروايات الواردة في المقام ثلاث :
إحداها : ما رواه الكليني بإسناده عن محمّد بن إسماعيل ، عن بعض أصحابه ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث «قال : من سبق إلى موضع فهو أحقّ به يومه وليلته» (1).
وهي ضعيفة سنداً ودلالةً :
أمّا السند : فلأجل أنّ محمّد بن إسماعيل وإن كان ثقة لأنّ المعروف ممّن يسمّى بهذا الاسم مردّد بين ابن بزيع وابن ميمون وكلاهما ثقة ، فلا إشكال من هذه الناحية ولكنّها مرسلة ، وهي ليست بحجّة وإن كان مرسلها ثقة ، فإنّ كثيراً من الثقات لهم مراسيل ولا يعتمد عليها قطعاً ، لأنّ مجرّد كون الراوي ثقة لا يستوجب حجّيّة مراسيله إلّا إذا علم المراد من الواسطة من الخارج ، ولم يعلم في المقام ، وهذا ظاهر.
وأمّا الدلالة : فلأنّها تضمّنت الأحقّيّة يومه وليله ، وهذا لم يلتزم به أحد من الفقهاء ، بل الأحقّيّة تدور مدار مقدار إشغال المكان من ساعة أو ساعتين أو أقلّ أو أكثر.
نعم ، لو كان المكان هو السوق ، فبما أنّ الكاسب يشتغل غالباً طول النهار فهو يستوعب اليوم ، ولكنّه ينتهى بدخول الليل.
وعلى أيّ حال ، فلم يثبت حقّ الاختصاص في الليل جزماً ، سواءً أكان هو المسجد أم السوق ، ما لم يكن شاغلاً للمكان ، فالتقييد المزبور ممّا لا قائل به.
الثانية : ما رواه الكليني أيضاً بإسناده عن طلحة بن زيد عن أبي عبد اللّه
1) الوسائل 5 : 278 / أبواب أحكام المساجد ب 56 ح 1 ، الكافي 4 : 546 / 33.
.................................................................................................
(عليه السلام) «قال : قال أمير المؤمنين (عليه السلام) : سوق المسلمين كمسجدهم ، فمن سبق إلى مكان فهو أحقّ به إلى الليل» إلخ (1).
وربّما يستشكل في سندها بأنّ طلحة بن زيد لم يوثّق ، ولكن الظاهر وثاقته وإن كان من العامّة ، وذلك لأجل أنّ الشيخ ذكر في كتاب الفهرست عند ترجمته : إنّ له كتاباً معتمداً (2). فإنّ الظاهر أنّه لا ينبغي الشكّ بحسب الفهم العرفي في أنّ الاعتماد من جهة وثاقته لا لخصوصيّةٍ في الكتاب ، إذ لو لم يكن ثقة فكيف يعتمد على كتابه؟! وإنّما تعرّض للكتاب لأجل أنّ الغالب الرواية عن أرباب الكتب فيذكرون الطرق إلى تلك الكتب ، فالتعبير المزبور بمثابة أن يقول : إنّه وإن كان من العامّة إلّا أنّه ثقة يؤخذ برواياته.
هذا ، مضافاً إلى وقوعه في إسناد كامل الزيارات وتفسير القمّي ، فالسند تامّ ولا مجال للخدش فيه.
وكذلك الدلالة ، إذ التقييد بالليل لأجل أنّ موضوع الكلام هو السوق وقد شبّهه بالمسجد في أنّ السبق يوجب الأحقّيّة ، وبما أنّ المتعارف الخارجي قيام السوق إلى اللّيل واشتغال الكاسب في تمام النهار فلأجله حدّده إلى اللّيل ، فليس هذا التقييد أمراً زائداً على ما يقتضيه نفس التعارف الخارجي ، فلا ينبغي أن يستشكل بأنّ الفقهاء لم يحدّدوه بهذا الحدّ ، بل حدّدوه بالحاجة ، إذ الحاجة بالإضافة إلى السوق الذي هو موضوع الكلام يقتضي التقييد باللّيل كما عرفت ، فالرواية تدلّ على أنّ السابق له الحقّ ، غير أنّ الحقّ في السوق إلى
.................................................................................................
الليل ، وفي المسجد بمقدار الحاجة ، فلا إشكال من هذه الجهة.
الرواية الثالثة : مرسلة ابن أبي عمير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «سوق المسلمين كمسجدهم» يعني : إذا سبق إلى السوق كان له مثل المسجد (1).
وهي من حيث الدلالة أظهر من الكلّ ، لعدم التقييد باليوم والليل ، فإشكال التقييد مرتفع هنا.
وأمّا السند : فاعتباره يتوقّف على ما ذهب إليه الأكثر من أنّ مراسيل ابن أبي عمير كمسانيد غيره ، وأول من ادّعى ذلك فيما نعلم من هو الشيخ الطوسي في كتاب العدّة ، حيث ذكر جماعة كصفوان وابن أبي عمير والبزنطي وقال : إنّا علمنا أنّهم لا يروون ولا يرسلون إلّا عن ثقة (2). ولأجله سوّى الأصحاب بين مراسيلهم ومسانيدهم.
فإنّ تمّ ذلك كانت الرواية معتبرة وكافية في إثبات المطلوب ، ولكنّه لم يتمّ ولم تثبت هذه الدعوى ، إذ لم ينسبها إلى أحد ، وإنّما هي اجتهاد من الشيخ نفسه ، حيث يقول : علمنا من حالهم هكذا ، فهو استنباط منه (قدس سره).
وقد ذكرنا في المعجم (3)أنّ الشيخ (قدس سره) بنفسه لم يلتزم بذلك ، حيث روى في التهذيب رواية عن ابن أبي عمير ثمّ قال : أوّل ما فيها أنّها مرسلة. ونحن بعد التتبّع عثرنا على روايات لابن أبي عمير يروي عن جمعٍ من الضعفاء ، وهكذا صفوان والبزنطي ، بل قد رووا عمّن لا شكّ في ضعفه بتضعيف الشيخ والنجاشي.
.................................................................................................
وعليه ، فهذه الرواية ساقطة ، لضعفها سنداً ، وإن كان الاستدلال بها أولى دلالةً كما عرفت. وقد عرفت ضعف الرواية الأُولى أيضاً.
والعمدة في المقام رواية طلحة التي عرفت أنّها نقيّة السند ظاهرة الدلالة ، فلا بأس بالاستدلال بها.
إنّما الكلام في المراد بالأحقّيّة ، فهل معناها : أنّ هذا المكان يعامَل معه معاملة الملك في أنّه لا يجوز التصرّف فيه إلّا بالإذن ، أو أنّ المراد عدم جواز المزاحمة والمنع عن الاستفادة وأنّ السابق أولى وأحقّ بان يستفيد؟
لا ريب أنّ المعنى الأوّل يحتاج إلى مئونة زائدة وقرينة واضحة بعد أن كان المكان وقفاً للجميع من غير خصوصيّة لأحد ، فإنّ التخصيص بواحد بلا مقتضٍ ما لم يدلّ عليه دليل قاطع.
وبالجملة : القدر المتيقّن ممّا يستفاد من الأحقّيّة هو عدم جواز المزاحمة والإزالة عن المكان ، وأمّا بعد الإزالة وارتكاب المعصية فلا تعرّض في الرواية لجهة تصرّفه أو تصرّف غيره فيه. فلو أزال أحداً عن المكان ثمّ جلس فيه شخص ثالث ، أفهل يحتمل بطلان تصرّفه لكونه في حكم الملك للسابق يتوقّف على إذنه؟ لا يقول بذلك أحد قطعاً ، فإنّه لو تمّ فهو خاصّ بالمزاحم.
وبالجملة : فلا دليل على حرمة المكث ، بل المكان باقٍ على وقفيّته الأصليّ.
ونظير هذا ما ذكرناه في باب أولويّة الولي في الصلاة على الميّت وقلنا : إنّ ما ورد من أنّ أولى الناس بميراثه أولى الناس بالصلاة عليه ليس معناه : أنّه لا يجوز لغير الولي أن يصلّى على الميّت ، بل المراد : عدم جواز مزاحمته في الصلاة وأنّه أولى بذلك ، وإلّا فالوجوب الكفائي ثابت لجميع المكلّفين.
بل الأحوط الاجتناب عن الجلوس على أرض المسجد المفروش بترابٍ مغصوب أو آجر مغصوب على وجهٍ لا يمكن إزالته (1) ، وإن توقّف على الخروج خرج على الأحوط ، وأمّا إذا كان لابساً لثوبٍ مغصوب أو حاملاً له فالظاهر عدم البطلان.
وكيفما كان ، فاستفادة ثبوت الحقّ للشاغل السابق بحيث يتوقّف التصرّف لغيره على الإذن أو رفع اليد مشكلة جدّاً ، ولا أقلّ من الإجمال ، والقدر المتيقّن عدم جواز المزاحمة حسبما عرفت.
وأولى من ذلك عدم بطلان الاعتكاف بالجلوس على الفراش المغصوب ، فإنّ الجلوس أمر والمكث أمر آخر وإن كانا متلازمين خارجاً ، فإنّ حرمة أحدهما لا تسري إلى الآخر بوجه ، فيبقى المكث الذي يتقوّم به الاعتكاف على ما كان عليه من الإباحة ، فحال الجلوس المزبور حال اللباس المغصوب الذي التزم هو (قدس سره) فيه بعدم البطلان ، لعدم سراية حرمة اللبس إلى المكث المعتبر في الاعتكاف ، فإنّهما من وادٍ واحد ، فكما أنّ الفرش يحرم الجلوس عليه كذلك اللباس يحرم لبسه ، وكلّ منهما مغاير مع المكث الذي يتقوّم به الاعتكاف ، فلا وجه لسراية الحرمة إليه ، كما لعلّه ظاهر جدّاً.
فلا وجه لما صنعه في المتن من التفرقة بينهما ، بل كلّ من الجلوس واللبس حرام مستقلّ ، وكلاهما أجنبي عن المكث الاعتكافي وإن تقارنا خارجاً ، فلا تسري الحرمة منهما إليه بوجه ، بل كلّ يبقى على حكمه حسبما عرفت.
(1) أمّا إذا أمكن الإزالة فحكمه حكم الفراش المغصوب ، وقد تقدّم.
.................................................................................................
وأمّا إذا لم يمكن كما لو صبّ فيه من السمنت ونحو ذلك بحيث لا يقبل القلع ولا يمكن الردّ إلى المالك ، فكان في حكم التالف في أنّه لا ينتفع به وإن قلع ورفع فقد ذكرنا في بحث المكاسب (1)أنّ ما يعدّ من التالف يخرج بذلك عن الماليّة والملكيّة بطبيعة الحال ، إلّا أنّه متعلّق لحقّ المالك ، فلو تلفت دابّة زيد أو كُسر كوزه فقد سقطت عن الماليّة وارتفعت الملكيّة ، غاية الأمر أنّ هذه الأجزاء التالفة متعلّق لحقّ المالك ، ونتيجة ذلك أنّه لا يجوز لأحدٍ مزاحمته في الاستفادة منها للصرف في المزرعة ونحوها ، وأمّا عدم جواز التصرّف فيها بغير الإذن فكلّا ، لأنّ ذلك من آثار الملكيّة المفروض انتفاؤها. وعلى ذلك بنينا حكم الشوارع المستحدثة التي تنشئها الحكومة من غير رضا ملّاكها إمّا مع العوض أو بدونه ، فإنّه لا مانع من التصرّف فيها من غير حاجة إلى الإذن ، لخروجها عن الملكيّة بعد كونها في حكم التالف.
نعم ، لا تجوز مزاحمته لو أراد أن يستفيد منها كما عرفت.
وعليه ، فلا مانع من الجلوس على أرض المسجد أو الحرم المفروش بآجر أو سمنت مغصوب ولا يغلق باب المسجد بذلك ، فلا يجب الخروج وإن كان أحوط كما ذكره في المتن ، فإنّ ذلك كلّه ليس إلّا تصرّفاً في متعلّق حقّ الغير ولا دليل على حرمته ، وإنّما الحرام التصرّف في أموال الناس لا حقوقهم ، وإنّما الثابت عدم جواز المزاحمة مع الملّاك حسبما عرفت. ولا مزاحمة في أمثال المقام كما هو ظاهر.
1) مصباح الفقاهة 2 : 480 484.
[2592] مسألة 33 : إذا جلس على المغصوب ناسياً أو جاهلاً أو مكرهاً أو مضطرّاً لم يبطل اعتكافه (1).
(1) لو بنينا على بطلان الاعتكاف بالجلوس على المغصوب كما بنى عليه الماتن (قدس سره) ، فهل الحال كذلك لو وقع عن إكراه أو اضطرار أو نسيان أو جهل؟
ذكرنا في محلّه أنّ الإكراه والاضطرار وكذا النسيان فيما إذا لم يكن الناسي هو الغاصب يوجب رفع الحكم الواقعي ، ومقتضى ذلك التخصيص في أدلّة الأحكام الأوليّة في صقع الواقع ، فلو كان مضطرّاً في البقاء في المكان المغصوب أو مكرهاً جاز له ذلك وكان حلالاً حتّى واقعاً ، وما من شيء حرّمه اللّه إلّا وقد أحلّه عند الضرورة. فلا مانع من الصلاة هناك ، إذ المانع ليس هو عنوان الغصب ، بل الحرمة المضادّة للوجوب والمانعة عن صلاحيّة التقرّب ، ولا حرمة في المقام لا ظاهراً ولا واقعاً حسب الفرض. كما أنّه يجوز التوضّؤ بالماء المغصوب أيضاً لو كان كذلك ، كما لو أجبره جائر بإتلاف ماء الغير بأيّ نحو كان فصرفه في الوضوء.
وكذا الحال في ناسي الغصبيّة إذا لم يكن الناسي هو الغاصب ، كما لو غصب المكان أو الماء شخص واطّلع عليه غيره ثمّ نسي فصلّى فيه أو توضّأ به ، فإنّه يصحّ ذلك ، لحديث رفع النسيان ، الذي هو رفع واقعي ، بخلاف ما لو كان هو الغاصب فعرضه النسيان فإنّه لا أثر لنسيانه حينئذٍ ، لاستناده إلى سوء الاختيار.
وعلى الجملة : ففي جميع هذه الموارد يحكم بالصحّة ، لأنّ المانع إنّما هي الحرمة الفعليّة وإن لم تكن منجّزة ، وأنّ المبغوض لا يكون مقرّباً ، وكلّ ذلك منتفٍ حسب الفرض.
.................................................................................................
وأمّا مع الجهل فالمعروف والمشهور أنّه ملحق بالنسيان والاضطرار ، ولكن الأمر ليس كذلك على ما حقّقناه في الأُصول (1)، إذ الجهل لا يرتفع به الحكم الواقعي ، فمن كان شاكّاً في غصبيّة الماء مثلاً وهو متمكّن من الاحتياط فغاية ما هناك أن يحكم عليه بالحلّيّة الظاهريّة ، استناداً إلى قاعدة اليد أو أصالة الإباحة. وأمّا الواقع فهو باقٍ على حاله وقابل للامتثال ولو بالاحتياط ، فهو حكم فعلي ثابت في حقّه يتمكّن من امتثاله ، ومعه كيف يمكن أن يكون هذا الحرام الواقعي مصداقاً للواجب ومقرّباً من المولى بمثل صرفه في الوضوء ونحوه مع ما بينهما من التضادّ؟! فهذا داخل في الحقيقة في باب النهي عن العبادة ، لا في باب اجتماع الأمر والنهي كما اختاره في الكفاية (2)وعليه المشهور ، بل ادّعي الإجماع كما في مفتاح الكرامة (3)على صحّة الوضوء بالماء المغصوب جهلاً.
ولكنّها بمراحل عن الواقع ، إذ لا موقع لدعوى الإجماع التعبّدي في مثل هذه المسألة المبنيّة عندهم على القواعد ، وقد عرفت أنّ مقتضاها البطلان ، لعدم الاندراج في باب اجتماع الأمر والنهي ، بل هي من موارد النهي عن العبادة ، لكون الفعل بنفسه مصداقاً للحرام الواقعي.
فليس المانع من الصحّة عدم قصد القربة كما توهّمه في الكفاية حتّى يقال بإمكانه مع الجهل ، ولا الحرمة المنجّزة كي يقال بارتفاعها في ظرف الجهل ، بل المانع هو الحرمة الفعليّة الواقعيّة وإن لم تكن منجّزة ، إذ لا أثر للعلم فيما هو ملاك المانعيّة من امتناع كون الحرام مصداقاً للواجب ، وإنّما تختصّ المانعيّة بالحرمة
[2593] مسألة 34 : إذا وجب عليه الخروج لأداء دينٍ واجب الأداء عليه ، أو لإتيان واجب آخر متوقّف على الخروج ولم يخرج ، أثِم ، ولكن لا يبطل اعتكافه على الأقوى (1).
المنجّزة في باب التزاحم ، فمع الجهل يصحّ سواء أقلنا بالترتّب أم لا ، لأنّ المزاحمة لا تكون إلّا مع العلم ، وبدونه لا مزاحمة ، فلا يزاحم الواقع بوجوده مطلقاً ، بل بوجوده المنجّز.
وأمّا في باب التعارض كما في المقام فالفعل بنفسه حرام واقعاً ، ومعه كيف يقع مصداقاً للواجب سواء أعلم به المكلف أم لا؟! ولا فرق في ذلك بين الواجب التعبّدي والتوصلي ، لوحدة المناط ، فلو أنفق على الزوجة بمال مغصوب وهو لا يعلم ، لا يكفي ، لامتناع كون الإطعام الحرام مصداقاً للإنفاق الواجب فيبقى مشغول الذمّة لا محالة.
وملخّص كلامنا : أنّه كلّما كان شيء مصداقاً للحرام الواقعي وكانت الحرمة فعليّة وإن لم تكن منجّزة وكان الاحتياط ممكناً فهذا لا يعقل أن يكون مصداقاً للواجب ، لما بينهما من التضادّ في صقع الواقع ، علم به المكلّف أم لم يعلم ، فلا يكاد يمكن اجتماعهما في موردٍ واحد ، ومعه لا مناص من الحكم بالبطلان.
فبناءً على ما ذكره (قدس سره) من بطلان الاعتكاف مع الجلوس على المغصوب لا يفرق فيه بين صورتي العلم والجهل.
نعم ، لا يبطل مع النسيان أو الاضطرار أو الإكراه وكلّما يكون رافعاً للتكليف الواقعي حسبما عرفت.
(1) فإنّ مثل هذا المكث الملازم لترك الواجب لا يضرّ باعتكافه ، إذ لا مانع من الأمر به على نحو الترتّب بأن يؤمَر أوّلاً بمزاحمة الأهمّ وهو الخروج ، وعلى
.................................................................................................
تقدير الترك يؤمَر بالمكث بنيّة الاعتكاف وجوباً أو استحباباً ، بناءً على ما هو الصحيح من إمكان الترتّب.
ولا فرق في ذلك بين القول بأنّ الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضدّه الخاصّ أم لا ، إذ على القول بالاقتضاء يكون النهي تبعيّاً من باب أنّ ترك أحد الضدّين مقدّمة للضدّ الآخر ، فيكون فعله منهيّاً عنه ، ومن الواضح عدم المنافاة بين النهي التبعي وبين الأمر به على تقدير ترك ذي المقدّمة ، فيجري الترتّب في المقام حتّى على القول بالاقتضاء فضلاً عن القول بالعدم كما هو الصحيح.
على أنّه يمكن تصحيح الاعتكاف حتّى على القول بإنكار الترتّب والاكتفاء في البطلان بالنهي ، بل بمجرّد عدم الأمر باعتبار أنّه عبادة يعتبر في صحّته الأمر ولا يمكن الأمر بالضدّين معاً ولو مترتّباً.
والوجه في ذلك : أنّه لا شك في الصحّة على تقدير الخروج ، فهذا المقدار من المكث خارج عن الاعتكاف ومستثنى منه بمقتضى الأمر المتعلّق بالخروج ، فطبعاً تبقى بقيّة الأجزاء تحت الأمر ، وليس في البين عدا احتمال أن يكون الخروج دخيلاً في صحّة الاعتكاف ، ولكنّه احتمالٌ بعيد ، بل لعلّه مقطوع العدم ، إذ لا شكّ في عدم كونه شرطاً للاعتكاف ولا جزءاً منه ، فإذا صحّ الاعتكاف على تقدير الخروج صحّ على تقدير عدمه أيضاً وإن كان عاصياً.
وبعبارة اخرى : بعد أن لم يكن عدم المكث بمقدار الخروج قادحاً بشهادة الصحّة لو خرج فيبقى احتمال كون الخروج شرطاً في الصحّة ، وهو ساقط جزماً كما عرفت ، غايته أنّه ترك واجباً أو ارتكب محرّماً ، ولا يضرّ ذلك بالصحّة بالضرورة ، فلو بقي حتّى انتفى موضوع الخروج من إنقاذ غريق أو إطفاء حريق مثلاً لم يكن أيّ موجب للبطلان ، بل لا موجب حتّى إذا كان المكث حراماً بنفسه ، كما لو أجنب في المسجد ووجب الخروج للغسل فعصى ولم يخرج ، ولم يكن ذلك موجباً لتفويت مقدار من المكث الواجب على تفصيلٍ
[2594] مسألة 35 : إذا خرج عن المسجد لضرورة فالأحوط مراعاة أقرب الطرق (1) ، ويجب عدم المكث إلّا بمقدار الحاجة والضرورة ،
تقدّم سابقاً (1)، فإنّ غايته ترك الواجب أو ارتكاب الحرام دون البطلان حسبما عرفت.
(1) بل هو الأقوى كما عليه المشهور ظاهراً.
وعن الجواهر ونجاة العباد : أنّه عبّر ب : «ينبغي» (2)الظاهر في عدم الوجوب.
ولا وجه له ، إذ ليس معنى الخروج الذي سوّغته الضرورة مجرّد وضع القدم خارج المسجد ليتمسّك بإطلاقه ، بل معناه الكون في الخارج ، وإنّما عبّر بالخروج لعدم تحقّقه إلّا به.
وعليه ، فإذا كان أحد الطريقين يستوعب من الكون المزبور بمقدار عشر دقائق ، والآخر ثلاثين دقيقة ، فطبعاً يكون مقدار عشرين دقيقة خارج المسجد من غير حاجة تقتضيه ، فلا يجوز ، لاختصاص الجواز بالخروج بمقدار الحاجة التي تتأدّى بعشر دقائق حسب الفرض ، والزائد عليها ليس إلّا باشتهاء نفسه للتنزّه ونحوه.
وعلى الجملة : فلا يجوز اختيار أبعد الطريقين فيما إذا كان التفاوت فاحشاً.
نعم ، في التفاوت اليسير الذي لا يلتفت إليه العرف كمتر مثلاً بحيث يكون الاختلاف بمقدار الثواني لا بأس باختيار الأبعد كما هو ظاهر.
ويجب أيضاً أن لا يجلس تحت الظلال مع الإمكان (1) ،
وممّا ذكرناه تعرف عدم جواز المكث خارج المسجد أزيد من مقدار الحاجة ، فلا بدّ من الرجوع بعد قضائها ، لأنّ هذا هو مقتضى تخصيص الخروج بمقدار الحاجة ، وقد صرّح في بعض النصوص بقوله : «حتى يرجع إلى مجلسه» (1).
ثمّ إنّ الخروج للحاجة الذي دلّت النصوص على جوازه منزّل على المتعارف بعد عدم التعرّض لكيفيّة خاصّة ، فلا يعتبر الاستعجال في المشي كالركض ، كما لا يجوز الإهمال والتواني.
(1) للنهي عنه صريحاً في صحيحة داود بن سرحان : «ولا تقعد تحت ظلال حتى تعود إلى مجلسك» (2).
وأمّا التقييد بالإمكان فلأجل قصور المقتضي عن أزيد من ذلك ، إذ المذكور في صدر الصحيحة : وما ذا أفرض على نفسي. ومن البديهي أنّ الإنسان لا يفرض على نفسه إلّا الأمر الاختياري الذي هو تحت قدرته وإمكانه ، فغير الممكن غير داخل في الفرض من أوّل الأمر.
ثمّ إنّ صاحب الوسائل عنون الباب الثامن بقوله : باب أنّ المعتكف إذا خرج لحاجة لم يجز له الجلوس ولا المشي تحت الظلال ... إلخ. ثمّ قال : وتقدّم ما يدلّ على عدم جواز الجلوس والمرور (3). ولم يذكر في هذا الباب ولا فيما تقدّم عليه ما يدلّ على المنع عن المشي ، وإنّما تقدّم المنع عن الجلوس فقط كصحيحة ابن سرحان المتقدّمة آنفاً ، وأمّا المشي تحت الظلال فلم نجد رواية تدلّ على
بل الأحوط (1)أن لا يمشي تحته أيضاً ، بل الأحوط عدم الجلوس مطلقاً (1) إلّا مع الضرورة.
المنع عنه للمعتكف ، وإنّما ورد ذلك في خصوص باب الإحرام ، ولا ندري من أيّة رواية استفاد الحكم في المقام ، وهو أعرف بما قال.
فالظاهر أنّ المشي المزبور لا بأس به وإن كان تركه أحوط.
(1) منشأ الاحتياط وجود روايتين يمكن أن يقال : إنّهما تدلّان على عدم جواز الجلوس مطلقاً :
إحداهما : صحيحة داود بن سرحان في حديث «قال : ولا ينبغي للمعتكف أن يخرج من المسجد الجامع إلّا لحاجة لا بدّ منها ، ثمّ لا يجلس حتّى يرجع» إلخ (2).
الثانية : صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : «قال : لا ينبغي للمعتكف أن يخرج من المسجد إلّا لحاجة لا بدّ منها ، ثمّ لا يجلس حتّى يرجع» إلخ (3).
حيث تضمّنتا المنع عن الجلوس مطلقاً.
ولكن العطف بكلمة «ثمّ» في قوله : «ثمّ لا يجلس» يستوجب ظهور الكلام في إرادة المنع بعد قضاء الحاجة ، وأنّه لا يجوز التأخير زائداً على مقدار الاحتياج ، فلا تدلّ على المنع مطلقاً ، أي حتّى قبل القضاء. وعليه ، فتكون أجنبيّة عن محلّ الكلام كما لا يخفى.
.................................................................................................
نعم ، في ذيل صحيحة الحلبي هكذا : «ولا يخرج في شيء إلّا لجنازة أو يعود مريضاً ، ولا يجلس حتّى يرجع» إلخ ، من غير أن يذكر هنا كلمة «ثمّ». وظاهر هذه الفقرة هو المنع مطلقاً قبل القضاء وبعدها تحت الظلال وغيرها. وحملها على الجلوس بعد العيادة أو الجنازة بلا موجب.
ولكن لا بدّ من رفع اليد عن هذا الإطلاق :
إمّا لأجل أنّه خلاف المتعارف جدّاً ، فإنّ التشييع بلا جلوس وإن أمكن ولكن العيادة بدونه غير ممكنة عادةً ، للافتقار إلى المكث عند المريض والاستفسار عن صحّته وانتظار يقظته لو كان نائماً ، ونحو ذلك ممّا يستلزم الجلوس بطبيعة الحال ، فلا مناص من حمل النهي على إرادة الجلوس بعد قضاء الحاجة ، فيخرج عن محلّ الكلام كما عرفت.
وإمّا لأجل التقييد بالظلال في صحيحة ابن سرحان المتقدّمة ، فإنّ القيد وإن لم يكن له مفهوم بالمعنى المصطلح إلّا أنّه يدلّ على عدم تعلّق الحكم بالطبيعي على إطلاقه ، وإلّا لكان القيد لغواً وبلا فائدة كما نبّهنا عليه في الأُصول (1)، فلو كان الجلوس مطلقاً في المقام ممنوعاً فما هو وجه الخصوصيّة في التقييد بالظلال؟! فلا جرم يحمل المطلق على المقيّد ، لا لقانون الحمل عليه لعدم جريانه في النواهي كما لا يخفى ، بل لأجل المفهوم بالمعنى الذي عرفت. إذن لا دليل على ممنوعيّة الجلوس على سبيل الإطلاق ، بل المتيقّن هو الجلوس تحت الظلال حسبما عرفت.
1) محاضرات في أُصول الفقه 5 : 377 380.
[2595] مسألة 36 : لو خرج لضرورة وطال خروجه بحيث انمحت صورة الاعتكاف بطل (1).
[2596] مسألة 37 : لا فرق في اللبث في المسجد بين أنواع الكون (2) من القيام والجلوس والنوم والمشي ونحو ذلك ، فاللازم الكون فيه بأيّ نحوٍ ما كان.
[2597] مسألة 38 : إذا طُلِّقت المرأة المعتكفة في أثناء اعتكافها طلاقاً رجعيّاً (3) وجب عليها الخروج إلى منزلها للاعتداد وبطل اعتكافها ، ويجب استئنافه إن كان واجباً موسّعاً بعد الخروج من العدّة.
(1) كما ظهر وجهه ممّا مرّ ، فإنّ الصورة قوام العمل ومن أهمّ الشرائط ، وبانتفائها ينتفي المشروط.
(2) لإطلاق الأدلّة بعد ان كان الواجب مجرد اللبث والمكث.
(3) أمّا إذا كان الطلاق بائناً أو مات عنها زوجها فلا إشكال ، فإنّها حينئذٍ كسائر النساء أجنبيّة عن الزوج لها ما لهنّ وعليها ما عليهن.
وأمّا إذا كان رجعيّاً فيجب عليها الاعتداد في بيتها ، ولا يجوز لها الخروج ، كما لا يجوز له إخراجها ما لم تأت بفاحشة مبيّنة كتاباً وسنّة.
ومن هنا قد يشكل الأمر في المقام ، نظراً إلى أنّ مقتضى كونها مطلقة وجوب الرجوع إلى البيت للعدّة ، كما أنّ مقتضى كونها معتكفة عدم الخروج من المسجد.
والذي ينبغي أن يقال : إنّه لا إشكال في وجوب الرجوع فيما إذا كان الاعتكاف استحبابيّاً مع عدم إذن الزوج بالبقاء ، أو كان واجباً موسّعاً ، كما لو
وأمّا إذا كان واجباً معيّناً فلا يبعد التخيير بين إتمامه ثمّ الخروج وإبطاله والخروج فوراً ، لتزاحم الواجبين (1)ولا أهمّيّة معلومة في البين.
وأمّا إذا طُلِّقت بائناً فلا إشكال ، لعدم وجوب كونها في منزلها في أيّام العدّة.
وقع الطلاق في اليومين الأولين مع عدم الإذن أيضاً ، لعدم المزاحمة حينئذٍ كما هو ظاهر ، فيبطل الاعتكاف.
كما لا ينبغي الإشكال وإن لم يتعرّض له الأكثر في أنّ الاعتكاف إذا كان مع الإذن حدوثاً وبقاءً يجوز الاستمرار فيه وإن كان مستحبّاً فضلاً عن الواجب ، وذلك لأجل بعض الأخبار السليمة عن المعارض الناطقة باختصاص النهي عن الخروج من البيت بما إذا كان بغير إذن الزوج. وأمّا مع الإذن فيجوز لها الخروج. إذن فإذا فرضنا إذن الزوج بالبقاء في المسجد وكونها خارج البيت فلا مانع حينئذٍ من صحّة اعتكافها.
1) (*) أمّا بالإضافة إلى اليومين الأوّلين فلا موجب لوجوب الاعتكاف عليها فيهما إلّا بالنذر أو ما شاكله ، فعندئذ إن أذن الزوج الزوجة المذكورة بإتمام الاعتكاف وجب عليها الإتمام وفاءً بالنذر أو نحوه ، وأمّا إذا لم يأذن لها بذلك وجب عليها الخروج حيث إنّه يكشف عن بطلانه من الأوّل ، وعلى كلا التقديرين فلا تزاحم في البين ، وأمّا بالإضافة إلى اليوم الثالث فإن بنينا على أن وجوب الخروج عليها للاعتداد من أحكام العدة فحينئذ إن لم يأذن الزوج لها بإتمام الاعتكاف وقع التزاحم بين وجوب الخروج عليها وبين وجوب الاعتكاف في هذا اليوم ، وأمّا إذا أذن لها فلا تزاحم حيث لا يجب عليها الخروج عندئذ ، وأمّا إذا بنينا على أن وجوب الخروج عليها من أحكام الزوجية وجب عليها إتمام الاعتكاف حينئذ ، ولا يجوز لها الخروج وإن لم يأذن الزوج لها إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
.................................................................................................
ويؤيّده ما دلّ من الأخبار على جواز حجّ الرجعيّة مع الإذن حتّى الحجّ الاستحبابي ، فالخروج مطلقاً مع الإذن منصوص وكذلك الخروج لخصوص الحجّ ، وحال الاعتكاف حال الحجّ في أنّه مع رضاء الزوج لا ينبغي أن يستشكل في جوازه ، لإطلاق الأخبار وعدم المعارض كما عرفت.
إنّما الكلام في صورة واحدة ، وهي ما لو كان الاعتكاف واجباً معيّناً كما في اليوم الثالث ، أو كان واجباً بسبب آخر كالإجارة ونحوها وقد منع عنه الزوج ، فإنّه يجب الرجوع إلى البيت للاعتداد بمقتضى تلك الأخبار ، كما أنّه يجب البقاء في المسجد للاعتكاف بمقتضى إطلاق دليله ، فيقع الإشكال في تقديم أحد الدليلين بعد وضوح امتناع الجمع بين الأمرين.
والسيِّد الماتن (قدس سره) أدرج المقام في الواجبين المتزاحمين من غير أهمّيّة معلومة في البين ومن ثمّ حكم بالتخيير.
وهذا منه (قدس سره) مبني على ما يظهر من غير واحد بل لعلّه المشهور من أنّ الاعتداد في البيت وعدم الخروج بغير الإذن من أحكام العدّة.
وأمّا لو أنكرنا ذلك وبنينا على أنّ هذا من أحكام الزوجيّة لا من أحكام العدّة ، نظراً إلى أنّ المعتدّة رجعيّة زوجة حقيقةً لا أنّها بحكمها وأنّ حال هذا الطلاق حال البيع في الصرف والسلم ، فكما أنّ الإنشاء من الآن ولكن إمضاء الشارع منوط بالقبض وبه يتمّ البيع ، فكذلك الطلاق ينشأ من الآن ولكن الفراق والبينونة لا تحصل إلّا بعد انقضاء العدّة ، وقبله ليس إلّا مجرّد إنشاء محض مع بقاء جميع آثار الزوجيّة من جواز النظر والكشف والتزيين والتمكين ، حتى أنّ الزوج لو قاربها معتقداً أنّ هذا زنا محرّم لم يقع زنا ، بل يتحقّق به الرجوع ، كما استفدنا ذلك من الرواية المعتبرة الناطقة بأنّه : «إذا انقضت العدّة
.................................................................................................
فقد بانت» (1)، فحرمة الخروج من البيت بغير الإذن الثابتة للزوجة ثابتة للمعتدّة أيضاً بمناطٍ واحد ، وهو وجوب إطاعة الزوج من غير أن يثبت للمعتدّة بما هي كذلك حكم خاصّ.
فعلى هذا المبنى وهو الصواب لا مزاحمة في البين لينتهي الأمر إلى التخيير ، إذ ليس للزوج المنع عن الاعتكاف الواجب ، ولا عن غيره من سائر الواجبات ، لما ثبت من أنّه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ، وفي بعض الأخبار : أنّ المعتدّة تخرج للحجّ ولشهادة الحقّ من غير توقّف على الإذن.
وعليه ، فالمتعيّن في المقام هو الإتمام ثمّ الخروج.
نعم ، على المبنى الآخر الذي عليه الأكثر كما مرّ من أنّ الحكم المزبور من أحكام العدّة تعبّداً صرفاً من غير أن يكون بمناط إطاعة الزوج ، لإنكار الزوجيّة الحقيقيّة عن المطلّقة الرجعيّة ، وإنّما هي بحكمها في بعض الآثار ، فتستقرّ المزاحمة حينئذٍ ، ومعه لا مناص من التخيير كما أُفيد.
وملخّص الكلام : أنّا تارةً نلتزم بأنّ الاعتداد حكم خاصّ شرعي ثابت لذات العدّة تعبّداً من غير أن تكون الرجعيّة زوجة حقيقةً ، وأُخرى نبني على إنكار التعبّد الخاصّ وأنّ ذلك من أجل أنّها حقيقةً مصداقٌ للزوجة لا أنّها بحكمها كما هو المعروف ، وأنّ إنشاء الطلاق ما لم تنقض العدّة لا أثر له ولا بينونة قبله. ولأجله لم يكن معنى الرجوع إرجاع الزوجيّة بعد زوالها كما هو كذلك في مثل الفسخ ، بل هو رجوع عمّا أنشأ وإبطال لما أنشأه ، وإلّا فالزوجيّة بنفسها باقية حقيقةً وليست بزائلة لتحتاج إلى الإرجاع.
فعلى الأوّل : تقع المزاحمة بين الحكمين بعد عدم نهوض ما يقتضي جواز
1) انظر الوسائل 22 : 228 / كتاب الطلاق ب 27 ح 2.
[2598] مسألة 39 : قد عرفت أنّ الاعتكاف إمّا واجب معيّن (1) أو واجب موسّع وإمّا مندوب ، فالأوّل يجب بمجرّد الشروع بل قبله ولا يجوز الرجوع عنه ، وأمّا الأخيران فالأقوى فيهما جواز الرجوع قبل إكمال اليومين ، وأمّا بعده فيجب اليوم الثالث ، لكن الأحوط فيهما أيضاً وجوب الإتمام بالشروع خصوصاً الأوّل منهما.
خروج الرجعيّة عن البيت بغير الإذن إلّا لواجبٍ أهمّ لا لمطلق الواجب ولم تثبت أهمّيّة الاعتكاف ، واحتمال الأهميّة ثابت من الجانبين ولا يمكن صرف القدرة إلّا في أحد الامتثالين ، فلا جرم تنتهي النوبة إلى التخيير بحكومة العقل.
وأمّا على الثاني : فالمتعيّن إتمام الاعتكاف وليس للزوج المنع عنه ، إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ، وهذا هو الصحيح كما عرفت. فما ذكره في المتن مبني على الوجه الأوّل دون الثاني.
(1) الاعتكاف إمّا واجب أو مندوب ، والواجب إمّا موسّع أو مضيّق.
أمّا المضيّق : فيتعيّن من الأوّل.
وأمّا الموسّع والمندوب : فيجوز رفع اليد عنه في اليومين الأوّلين ، ولا يجوز في اليوم الثالث ، ولا مانع من أن يكون العمل مستحبّاً ابتداءً ، وواجباً بقاءً ، كما في الحجّ والعمرة ، لقوله تعالى ( وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ ) (1). بل قيل ولو ضعيفاً - : إنّ الصلاة المستحبّة أيضاً كذلك.
والحاصل : أنّه لا مانع من استحباب الابتداء ووجوب الإتمام. وقد تقدّم شطر من الكلام حول هذه المسألة في المسألة الخامسة ، فلاحظ.
1) البقرة 2 : 196.
[2599] مسألة 40 : يجوز له أن يشترط حين النيّة الرجوع متى شاء (1) في اليوم الثالث ، سواء علّق الرجوع على عروض عارض أو لا ، بل يشترط الرجوع متى شاء حتّى بلا سبب عارض.
(1) هذا الحكم في الجملة ممّا لا إشكال فيه ولا خلاف ، وقد دلّت عليه الروايات المتظافرة.
وإنّما الإشكال في مقامين :
أحدهما : هل يختصّ الحكم باليومين الأولين ، أو أنّه يعمّ الثالث أيضاً فله أن يفسخ فيه؟
فيه كلام ، فقد نُسب إلى الشيخ في المبسوط منعه فيه ، نظراً إلى وجوبه حينئذٍ وعدم جواز رفع اليد عنه ، ومثله لا يقع مورداً للشرط (1).
ولكنّه كما ترى ، فإنّ عمدة المستند في وجوب اليوم الثالث إنّما هي صحيحة محمّد بن مسلم (2)، وهي في نفسها مقيّدة بعدم الاشتراط ، قال (عليه السلام) : «وإن أقام يومين ولم يكن اشترط فليس له أن يفسخ» إلخ. وأمّا اليومان الأوّلان فله الفسخ بدون الشرط إلّا أن يكون قد اشترط الاستمرار كما أُشير إليه في هذه الصحيحة. ومنه تعرف أنّ فائدة الشرط لا تظهر إلّا في اليوم الثالث.
نعم ، لا يبعد ظهورها فيما لو شرع في الاعتكاف متردّداً في الإتمام ، حيث لا يسوغ له ذلك فيه ولا في غيره من العبادات إلّا بعنوان الرجاء ، كما لا يجوز
.................................................................................................
الائتمام مع التردّد في الإتمام وإن ساغ له الانفراد لو بدا له ، وأمّا في المقام فيجوز مع الشرط حتّى عن نيّة جزميّة.
وكيفما كان ، فما ذكره الشيخ من التخصيص بالأولين والمنع عن الثالث لم يعلم وجهه أبداً.
ثانيهما : هل يختصّ اشتراط الرجوع بصورة وجود العذر ، أو له أن يشترط الرجوع متى شاء حتّى بلا سبب عارض؟
نُسب الأوّل إلى جماعة ، ولكنّه أيضاً لا وجه له.
بل الظاهر جواز الاشتراط مطلقاً ، كما دلّت عليه صحيحة محمّد بن مسلم المتقدّمة ، حيث إنّ مفهومها جواز الرجوع مع الشرط ، وهو مطلق من حيث العذر وعدمه.
نعم ، استُدلّ للاختصاص بالعذر بروايتين :
إحداهما : صحيحة أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث - : «قال : وينبغي للمعتكف إذا اعتكف أن يشترط كما يشترط الذي يحرم» (1).
ومعلومٌ أنّ المحرم يشترط الإحلال مع العذر وأنّه يتحلّل عند ما حبسه اللّه.
الثانية : موثّقة عمر بن يزيد وقد تقدّم غير مرّة صحّة طريق الشيخ إلى ابن فضّال عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : «قال : واشترط على ربّك في اعتكافك كما تشترط في إحرامك أن يحلّك من اعتكافك عند عارض إن عرض لك من علّة تنزل بك من أمر اللّه تعالى» (2).
وهي أوضح دلالةً من الاولى في الاختصاص بالعذر.
ولا يجوز له اشتراط جواز المنافيات كالجماع ونحوه مع بقاء الاعتكاف على حاله (1).
ويعتبر أن يكون الشرط المذكور حال النيّة (2) ، فلا اعتبار بالشرط قبلها أو بعد الشروع فيه وإن كان قبل الدخول في اليوم الثالث.
ولكن شيئاً منهما لا يستوجب تقييداً في إطلاق صحيحة ابن مسلم المتقدّمة ، إذ هما في مقام الأمر الاستحبابي بهذا الشرط ، وأنّه يستحبّ أن يشترط هكذا كما يقتضيه التعبير ب- «ينبغي» في الاولى والأمر بالشرط في الثانية ، فليكن المستحبّ كذلك. وأمّا الصحيحة فهي في مقام بيان الجواز وعدمه ، وأنّه في اليوم الثالث إن لم يشترط لم يجز الخروج وإلّا جاز ، ولا تنافي بين الحكمين أبداً ، لعدم ورودهما في موضع واحد ، فغايته أن يكون موضوع الحكم الاستحبابي هو العذر ، فلو تركه ترك أمراً مستحبّاً ، وأمّا أصل الجواز الذي تنظر إليه الصحيحة فهو مطلق من حيث العذر وعدمه.
(1) لعدم الدليل على نفوذ مثل هذا الشرط بعد أن كان مقتضى الإطلاقات حرمة المنافيات شرط أو لم يشترط ، والمتيقّن من النفوذ هو اشتراط الفسخ فيرفع اليد عن المطلقات بهذا المقدار كما مرّ ، ويرجع في شرط جواز المنافي إلى أصالة عدم النفوذ.
(2) كما هو الحال في الاشتراط في باب الإحرام ، فإنّ وقته وقت النيّة على ما نطقت به النصوص ، ومن المعلوم اتّحاد المقامين في كيفيّة الاشتراط كما دلّت عليه الروايات أيضاً.
مضافاً إلى أنّ هذا هو مقتضى مفهوم نفس الشرط ، فإنّه على ما ذكرناه في
ولو شرط حين النيّة ثمّ بعد ذلك أسقط حكم شرطه فالظاهر عدم سقوطه (1) ، وإن كان الأحوط ترتيب آثار السقوط من الإتمام بعد إكمال اليومين.
بحث الشروط من المكاسب بمعنى الارتباط (1)، ومنه شريط المساحة ، وقد قال في القاموس : إنّه إلزام الشيء والتزامه في البيع ونحوه (2). ومن هنا ذكرنا في محلّه أنّ الوجه في عدم وجوب الوفاء بالشروط الابتدائيّة ليس مجرّد الإجماع وإن كان محقّقاً ، بل هو عدم إطلاق لفظ الشرط عليه ، لعدم كونه مرتبطاً بعقد أو إيقاع ، فلا يسمّى شرطاً ليشمله عموم : «المؤمنون عند شروطهم» (3)، وإنّما هو وعد محض يستحبّ للمؤمن أن يفي به ، فإنّه كدينٍ في عهدته كما في بعض النصوص.
وعليه ، ففي المقام لو أتى بالاشتراط أثناء النيّة فقد حصل الارتباط الملحوظ فيما بينه وبين اللّه ، وأمّا لو كان قبل الشروع أو بعده فهو شرط ابتدائي فلا دليل على اعتباره ، لاختصاص الإمضاء الشرعي بالقسم الأوّل فقط حسبما عرفت.
(1) هل الشرط في المقام من قبيل الحقوق القابلة للإسقاط كما في باب العقود والإيقاعات ، أو لا؟
فيه قولان ، اختار الماتن عدم السقوط وإن كان الإتمام مع الإسقاط هو مقتضى الاحتياط الذي هو حسن على كلّ حال.
.................................................................................................
وما ذكره (قدس سره) هو الصحيح.
والوجه فيه : ما تعرّضنا له في مبحث الشروط من أنّ حقيقة الشرط في مثل قولنا : بعتك على أن تخيط ، أو على أن يكون العبد كاتباً ، ليس بمعنى تعليق العقد عليه بحيث إنّه لم ينشأ البيع لولا الخياطة أو الكتابة وإلّا كان العقد باطلاً من أصله لقيام الإجماع على بطلان التعليق في باب العقود والإيقاعات.
كما أنّه ليس أيضاً بمعنى مجرّد التزام مستقلّ مقارناً مع الالتزام البيعي أجنبيّا عنه من غير ربط بينهما ، فإنّ هذا وعد محض وليس من الشرط في شيء كما مرّ آنفاً ، فما هو المعروف من أنّ الشرط التزام في التزام لا نعقله.
بل الصحيح في معنى الشرط تعليق الالتزام بالعقد بحصول الشرط من دون تعليق في نفس العقد بوجه ، فينشئ البيع مثلاً على كلّ حال ولكن الالتزام به بقاءً منوط بحصول الشرط ، فالتعليق في اللزوم لا في نفس البيع ، ومرجعه لدى التحليل إلى جعل الخيار وأنّه يلتزم بالبيع على تقدير الخياطة ، وإلّا فله خيار الفسخ.
فحقيقة الشرط في هذه الموارد على ما يساعده الارتكاز العقلائي ترجع إلى عدم التزام الشارط بالعقد إلّا على تقدير خاصّ ، فإنّ التعليق في نفس العقد وإن كان باطلاً كما عرفت إلّا أنّه في الالتزام الراجع إلى جعل الخيار لا بأس به ، فلو تخلّف الشرط صحّ العقد وثبت اختيار الفسخ.
ولكن هذا يتّجه في خصوص العقود القابلة للفسخ.
وأمّا ما لا يقبله كالطلاق والنكاح ونحوهما ممّا كان الخيار فيه على خلاف المرتكز العرفي فضلاً عن الشرعي فليس معنى الشرط فيه التعليق في الالتزام ، بل معناه التعليق في نفس العقد أو الإيقاع ، فيعلّق المنشأ فيهما على التزام الآخر بالشرط. ولا بأس بمثل هذا التعليق الذي هو تعليقٌ على أمر حاصل ، وإنّما
.................................................................................................
لا يجوز فيما إذا كان على أمر مستقبل إمّا مشكوك أو معلوم الحصول. وأمّا التعليق على الأمر الحالي المعلوم الحصول كأن يقول : بعتك الدار على أن يكون فلان ابن زيد ، وهو كذلك فلا مانع منه. وفي المقام أيضاً علّق المنشأ على نفس الالتزام من الطرف الآخر وقد التزم حسب الفرض ، وإلّا فيبطل من أجل عدم المطابقة ، فكان الشرط حاصلاً والعقد صحيحاً ونتيجته مجرّد الحكم التكليفي ، أعني : وجوب الوفاء بالشرط بمقتضى عموم «المؤمنون عند شروطهم».
وعلى الجملة : فالشرط المعقول مرجعه إلى أحد هذين الأمرين ، إمّا تعليق الالتزام الراجع إلى جعل الخيار ، أو تعليق المنشأ الراجع إلى الإلزام بالوفاء ، وبينهما عموم من وجه ، فقد يفترق الأوّل كما في الشرط في ضمن الطلاق أو النكاح حسبما عرفت آنفاً ، وقد يفترق الثاني كما في بيع العبد على أن يكون كاتباً فإنّه لا يقبل الإلزام بالوفاء لخروجه عن الاختيار فمرجعه إلى جعل الخيار فقط ، وقد يجتمعان كما في البيع بشرط الخياطة فإنّه يتضمن الإلزام بالوفاء والخيار مع التخلّف.
وعلى كلا التقديرين أي سواء رجع إلى جعل الخيار أم إلى أنّ الشارط يملك الإلزام على المشروط له فهو شيء قابل للإسقاط بمقتضى السيرة العقلائيّة ، مضافاً إلى النصوص الواردة في الموارد المتفرّقة.
ولكنّه يختصّ بما إذا كان الشرط على النحو المعهود المألوف ، أعني : الشرط مع اشخاص آخرين في ضمن عقد أو إيقاع حسبما مرّ.
وأمّا الشرط مع اللّه سبحانه في ضمن عبادة وهي الاعتكاف في محلّ كلامنا فلم يدلّ أيّ دليل على جواز إسقاطه ، فإنّ الذي شُرِّع له من الأوّل إنّما هو هذا الاعتكاف الخاصّ أعني : ما فيه اختيار الفسخ والرجوع -
[2600] مسألة 41 : كما يجوز اشتراط الرجوع في الاعتكاف حين عقد نيّته كذلك يجوز اشتراطه في نذره (1) ، كأن يقول : لله عليّ أن أعتكف بشرط أن يكون لي الرجوع عند عروض كذا أو مطلقاً. وحينئذٍ فيجوز له الرجوع (1)، وإن لم يشترط حين الشروع في الاعتكاف فيكفي الاشتراط حال النذر في جواز الرجوع ، لكن الأحوط ذكر الشرط حال الشروع أيضاً ، ولا فرق في كون النذر اعتكاف أيّام معيّنة أو غير معيّنة متتابعة أو غير متتابعة ، فيجوز الرجوع في الجميع مع الشرط المذكور في النذر ، ولا يجب القضاء بعد الرجوع مع التعيّن ولا الاستئناف مع الإطلاق.
فإرجاع هذا إلى اللزوم وقلبه إليه ثانياً يحتاج إلى الدليل بعد كونه مخالفاً لإطلاق الصحيحة التي دلّت على أنّه مع الشرط يجوز له الفسخ أسقط أم لا.
وبعبارة أُخرى : باب الشرط هنا يغاير الشرط في باب العقود ، فإنّ معناه في الاعتكاف تحديد الالتزام من الأوّل باعتكاف خاصّ ، وهو الذي يجوز له الفسخ ، فإسقاطه يحتاج إلى الدليل ، ولا دليل.
بخلاف العقود ، فإنّه يرجع إمّا إلى جعل الخيار أو إلزام المشروط عليه ، وكلّ منهما قابل للإسقاط. وهذا هو الفارق بين البابين ، فلاحظ.
(1) قد يفرض رجوع الشرط إلى النذر نفسه مع كون المنذور هو الاعتكاف المطلق ، فيشترط في ضمن النذر أن يكون له الرجوع في ذلك الاعتكاف.
1) (*) هذا فيما إذا كان اعتكافه بعنوان الوفاء بالنذر ، وإلّا فلا يجوز له الرجوع في اليوم الثالث ، فإذا خالف ورجع في هذا اليوم عصى وإن تحقّق منه الوفاء بالنذر ، ويجب عليه القضاء حينئذٍ على الأحوط.
.................................................................................................
وقد يفرض رجوعه إلى الاعتكاف نفسه بأن يكون المنذور الاعتكاف الخاصّ ، وهو المشروط بجواز الرجوع فيه في مقابل المطلق.
لا ينبغي التأمّل في أنّ الأوّل ليس محلّاً للكلام ، ولا هو مراد للماتن ، إذ لا خصوصيّة لنذر الاعتكاف حينئذٍ ، بل حكمه حكم نذر التصدّق ، أو صلاة الليل ، أو أيّ شيء آخر ، إذا شرط في ذلك النذر أن يكون له الرجوع فيما يأتي به من المنذور ، وهذا الشرط باطل في الجميع ، لكونه شرطاً لأمرٍ غير سائغ ، لعدم جواز الرجوع في الاعتكاف المطلق مثلاً الذي هو المنذور حسب الفرض ، ولا نفوذ للشرط إلّا فيما إذا كان متعلّقه سائغاً في حدّ نفسه ، وإلّا فليس الشرط مشرّعاً ومحلّلاً للحرام ، بل يفسد بهذا الشرط الباطل النذر أيضاً كما لا يخفى.
فهذا الفرض غير مراد للماتن جزماً.
بل مراده (قدس سره) الفرض الثاني أعني : رجوع الشرط إلى الاعتكاف بأن يكون المنذور الاعتكاف الخاصّ ، وهو الذي يكون له فيه حقّ الرجوع ، أي الاعتكاف المشروط دون المطلق فحينئذٍ يصحّ ما ذكره (قدس سره) من نفوذ الشرط ، لرجوعه في الحقيقة إلى مراعاة الشرط في نفس الاعتكاف ، غايته ارتكازاً وإجمالاً لا تفصيلاً ، لأنّه لو أتى بالاعتكاف بعنوان الوفاء بالنذر فلا جرم كان ناوياً للاشتراط آن ذاك بنيّة ارتكازيّة ، إذ لا يكون مصداقاً للوفاء إلّا إذا كان حاوياً لهذا الاشتراط ، وإلّا فالاعتكاف المطلق ليس له فيه حقّ الرجوع ، والمفروض أنّه نذر اعتكافاً له فيه هذا الحقّ ، فبطبيعة الحال يكون الناوي للوفاء ناوياً لذلك الاشتراط ، غايته أنّ النيّة ارتكازيّة وإجماليّة ، ومن المعلوم عدم لزوم ذكر الشرط في ضمن الاعتكاف صريحاً ، بل يكفي البناء عليه والإشارة الإجماليّة ، وهي حاصلة في المقام كما عرفت ، فهو وإن لم يكن
[2601] مسألة 42 : لا يصحّ أن يشترط في اعتكافٍ أن يكون له الرجوع في اعتكافٍ آخر له غير الذي ذكر الشرط فيه (1) ، وكذا لا يصحّ أن يشترط في اعتكافه جواز فسخ اعتكاف شخص آخر من ولده أو عبده أو أجنبي.
مذكوراً لفظاً لكنّه منويٌّ ارتكازاً ، فلا حاجة بعد الاشتراط في النذر إلى ذكره ثانياً صريحاً حين الشروع في الاعتكاف.
ولا فرق في ذلك بين أن يكون المنذور الاعتكاف المعيّن أو غير المعيّن ، مع التتابع أو بدونه ، فيجوز له الرجوع في الجميع كما ذكره في المتن. ومعه لا يجب عليه القضاء في المعيّن ، ولا الاستئناف في الموسّع ، لأنّ ذلك هو مقتضى الوفاء بالنذر المتعلّق بالاعتكاف المشروط حسبما عرفت.
(1) لعدم الدليل على نفوذ الشرط الواقع في غير الاعتكاف الذي يراد الرجوع فيه. ومقتضى الأصل : العدم ، سواء أوقع الشرط في ضمن اعتكاف آخر ، أم في ضمن عقد آخر ونحوه ، أو كان الشرط في اعتكافه فسخ اعتكاف الغير ، فإنّه لا أثر للشرط في شيء من ذلك ، لعدم الدليل كما عرفت.
هذا ، ونُسب إلى الجواهر (1)احتمال نفوذه عملاً بعموم : «المؤمنون عند شروطهم».
ولكنّه واضح الدفع ، لأنّ العموم ناظر إلى نفوذ الشرط على المشروط عليه ، وأنّ شرط المؤمن نافذ على نفسه لغيره ، وأنّه عند شرطه ، أي ملازم معه ولا ينفكّ عنه ، نظير قوله (عليه السلام) : «المؤمن عند عدته» ، لا أنّ من اشترط
1) الجواهر 17 : 192 193.
[2602] مسألة 43 : لا يجوز التعليق في الاعتكاف ، فلو علّقه بطل (1) ، إلّا إذا علّقه على شرط معلوم الحصول حين النيّة فإنّه في الحقيقة لا يكون من التعليق.
شيئاً بالنسبة إلى شخص آخر يكون نافذاً في حقّه ، كما لو باع داره لزيد واشترط أن يخيط له عمرو ثوباً ، فإنّ مثل هذا الشرط غير نافذ في حقّ ذلك الغير قطعاً.
والمقام من هذا القبيل ، فإن الشرط في الاعتكاف شرطٌ على اللّه سبحانه وهو تعالى أمضاه بالنسبة إلى نفس هذا الاعتكاف. وأمّا بالنسبة إلى غيره فلا دليل على نفوذه كي يرتفع حكمه بالشرط ، والعموم المزبور لا يرتبط بما نحن فيه ممّا هو شرط عليه سبحانه وأجنبي عنه كما لعلّه ظاهر جدّاً.
(1) لا ريب في جواز التعليق على أمر معلوم الحصول ، كما لو علّق اعتكافه على أن يكون هذا مسجد الكوفة وهو يعلم أنّه مسجد الكوفة ، فإنّه في الحقيقة ليس من التعليق في شيء وإن كان كذلك صورةً كما صرّح به في المتن ، وهذا ظاهر.
وأمّا التعليق على أمر مشكوك فالمشهور بطلانه كما اختاره في المتن ، بل أرسله في الجواهر إرسال المسلّمات (1). وهو الصحيح ، لا لأجل الإجماع على البطلان ليجاب عنه باختصاص مورده بالعقود والإيقاعات ، ولم ينعقد إجماع في المقام.
بل الوجه فيه ما ذكرناه عند البحث عن بطلان التعليق في العقود
1) الجواهر 17 : 199.
.................................................................................................
والإيقاعات من مباحث المكاسب (1).
وملخّصه : أنّا ذكرنا هناك أنّ التعليق في الأفعال الخارجيّة الصادرة من المكلّفين كالشرب والاقتداء والضرب ونحو ذلك أمر غير معقول ، إذ لا معنى لأن يشرب هذا المائع معلّقاً على كونه ماءً ، بداهة أنّ الشرب جزئي خارجي دائر أمره بين الوجود والعدم ، فإمّا أن يشرب أو لا يشرب ، ومع الشرب فقد تحقّق هذا المفهوم خارجاً ، سواء أكان المشروب ماءً أم غير ماء ، فلا معنى لتعليق شربه الخارجي على تقديرٍ دون تقدير.
نعم ، يمكن أن يكون الداعي على الشرب تخيّل أنّه ماء فيتبيّن الخلاف ، فيكون من باب التخلّف في الداعي والاشتباه في التطبيق ، لا من باب التعليق والتقييد.
ونحوه الاقتداء معلّقاً على أن يكون الإمام هو زيداً فبان أنّه عمرو ، فإنّ الاقتداء فعل خارجي إمّا أن يتحقّق أو لا ، ولا يكاد يتحمّل التعليق والتقدير بوجه. فإنّ هذا نظير أن يضرب أحداً معلّقاً على كونه زيداً ، فإنّه لا معنى لأن يتقيّد حصول الضرب بتقدير دون تقدير ، إذ الضرب قد حصل خارجاً بالضرورة ، سواء أكان المضروب هو زيداً أم عمرواً.
وبالجملة : فهذه الأفعال لا تكاد تقبل التعليق أبداً ، وإنّما هي من باب الاشتباه في التطبيق والتخلّف في الداعي.
كما أنّ الإنشاء بما هو إنشاء غير قابل للتعليق أيضاً ، فإنّه يوجد بمجرّد إبراز ما في النفس من الاعتبار ، فلا معنى لقوله : بعتك إن كان هذا يوم الجمعة ، ضرورة أنّه قد أبرز اعتبار البيع خارجاً ، سواء أكان اليوم يوم الجمعة أم لا ، فقد تحقّق الإنشاء بمجرّد الإبراز من غير إناطته بشيء أبداً.
1) مصباح الفقاهة 2 : 320 324.
.................................................................................................
فالتعليقات في باب العقود والإيقاعات ترجع بأجمعها إلى المنشإ دائماً ، فإنّ المنشأ قد يكون هو الملكيّة المطلقة ، وكذا الزوجيّة والحرّيّة ونحو ذلك ، وقد يكون الملكية المقيّدة ، أي المعلّقة بما بعد الوفاة مثلاً كما في الوصية ، ونحوها الحرّيّة المعلّقة كما في التدبير فينشأ الحصّة الخاصّة من الملكيّة أو الحرّيّة وهي الحاصلة بعد الموت ، فالتعليق بهذا المعنى أمر ممكن ومعقول.
وحينئذٍ فإن قام الدليل على صحّته يلتزم به كما في الوصيّة والتدبير وإلّا فلا ، كما لو قال : بعتك داري معلّقاً على مضيّ شهر ، بحيث يكون المنشأ الملكيّة بعد الشهر ، أو قالت المرأة : زوّجتك نفسي بعد مضيّ شهر ، فإنّ هذا لا دليل على صحّته ، ولم يكن ممضى عند العقلاء ، بل الإجماع قائم على بطلانه ، بل لولا الإجماع أيضاً لم يحكم بصحّته ، لما عرفت من أنّه غير معهود عند العقلاء ، فلا تشمله الإطلاقات ، فلأجل ذلك يحكم ببطلان التعليق في باب العقود والإيقاعات.
وهذا البيان بعينه يجري في المقام أيضاً ، فإنّ الاعتكاف أعني : نفس اللبث فعل خارجي لا يقبل التعليق ، فلا معنى لقوله : اعتكف إن كان هذا اليوم من رجب أو يوم الجمعة ، وهو لا يدري بذلك ، لتحقّق المكث واللبث خارجاً على التقديرين ، فهو نظير أن يضرب أحداً على تقدير أنّه زيد الذي عرفت بشاعته.
كما لا معنى للتعليق بالنسبة إلى نفس الإنشاء أي إبراز الالتزام بالاعتكاف لعين ما ذكر من تحقّق الإبراز على التقديرين.
فالتعليق الممكن إنّما يتصوّر في مرحلة المنشأ أعني : نفس الالتزام الذي تعلّق به الإنشاء فإنّه قد يلتزم بالاعتكاف مطلقاً ، وأُخرى معلّقاً على تقديرٍ دون تقدير كما في سائر الالتزامات ، إلّا أنّه لا دليل على صحّته في المقام ، فإنّ
.................................................................................................
المنصرف من الروايات لزوم صدور الاعتكاف على سبيل التنجيز ، وعمدتها صحيحة داود بن سرحان ، قال : قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : إنِّي أُريد أن اعتكف فماذا أقول وما ذا أفرض على نفسي ... إلخ (1)؟
حيث يستفاد منها بوضوح أنّ المعتكف لا بدّ وأن يفرض شيئاً على نفسه ، ومن الواضح أنّ الذي يتعلّق لم يفرض على نفسه شيئاً ، بل التزم على تقديرٍ دون تقدير ، فلا يصدق أنّه فرض على نفسه ، ولأجله يحكم بالبطلان ، لعدم الدليل على صحّة مثل هذا الاعتكاف حسبما عرفت.
1) الوسائل 10 : 550 / أبواب الاعتكاف ب 7 ح 3.
يحرم على المعتكف أُمور :
أحدها : مباشرة النساء بالجماع في القُبل أو الدُّبر (1)
(1) ليلاً كان أو نهاراً بلا خلاف فيه ، بل ادّعي الإجماع عليه بقسميه ، وتشهد له جملة من النصوص :
منها : موثّقة سماعة : عن معتكف واقع أهله «فقال هو بمنزلة من أفطر يوماً من شهر رمضان» (1).
دلّت على حرمة الوقاع ، لكونه بمنزلة الإفطار في شهر رمضان ، وهو حرام.
وموثّقته الأُخرى : عن معتكف واقع أهله «قال : عليه ما على الذي أفطر يوماً من شهر رمضان» (2).
وموثّقة الحسن بن الجهم ، قال : سألته عن المعتكف ، يأتي أهله؟ «فقال : لا يأتي امرأته ليلاً ولا نهاراً وهو معتكف» (3).
ونحوها غيرها ، وفي بعضها : أنّه إذا جامع نهاراً فعليه كفّارتان : كفّارة الصوم
وباللمس والتقبيل بشهوة (1)(1).
وكفّارة الاعتكاف ، وفي الليل كفّارة واحدة.
والحكم مسلّم لا خلاف فيه ولا غبار عليه.
ومن المعلوم أنّ إطلاق الجماع في هذه النصوص يشمل المخرجين.
(1) على المشهور بين الفقهاء كما نُسب إليهم ، بل عن المدارك : أنّه ممّا قطع به الأصحاب (2)، ولعلّه للقياس على المحرم ، وإلّا فلا دليل عليه ، ومقتضى الأصل العدم ، وكأنّه لأجله خصّ الحكم في التهذيب بالجماع (3).
وكيفما كان ، فإن تمّ الإجماع فهو المستند ، وإلّا فالأصل عدم الحرمة كما عرفت.
وأمّا قوله تعالى ( وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ ) (4)فهو وإن كان ظاهراً في إرادة الاعتكاف الشرعي ، كما في قوله تعالى ( أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ ) إلخ (5)، كيف؟! ولو كانت الآية المباركة ناظرة إلى بيان حكم المسجد من حيث هو مسجد لا إلى بيان حكم الاعتكاف لكان قوله تعالى ( وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ ) زائداً ، ولزم الاقتصار على هذا المقدار : ولا تباشروهنّ في المساجد ، كما لا يخفى.
ولا فرق في ذلك بين الرجل والمرأة (1) ، فيحرم على المعتكفة أيضاً الجماع واللمس والتقبيل بشهوة.
إلّا أنّ المراد بالمباشرة هو الجماع كما لعلّه الظاهر من اللفظ عرفاً. كيف؟! ولو أُريد المعنى الأعمّ لشمل حتّى مثل المخالطة والمحادثة واللمس والتقبيل بغير شهوة أيضاً ، وهو غير محرّم قطعاً. فيكشف ذلك عن إرادة الجماع خاصّة. فلا تدلّ الآية على حرمة غيره بوجه.
بقي شيء ، وهو أنّه قد ورد في صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : «قال : كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) إذا كان العشر الأواخر اعتكف في المسجد وضُربت له قبّة من شعر وشُمّر المئزر وطوى فراشه» وقال بعضهم : واعتزل النساء ، فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : «أمّا اعتزال النساء فلا» (1).
قوله (عليه السلام) : «طوى فراشه» لا يبعد أن يكون ذلك كناية عن ترك الجماع ، لا أنّه (صلّى اللّه عليه وآله) كان يطوي بساطه بحيث كان يجلس على التراب ، وأظنّ أنّ صاحب المدارك (قدس سره) أيضاً فسّره بذلك (2).
وأمّا الاعتزال فليس المراد به ترك الجماع قطعاً ، لأنّه (صلّى اللّه عليه وآله) كان في المسجد فكيف نفاه (عليه السلام) عنه (صلّى اللّه عليه وآله) عند ردّ قول ذلك البعض؟! بل المراد : ترك المجالسة والمخالطة معهنّ كما لا يخفى.
وكيفما كان ، فليس المراد هنا الجماع يقيناً ولو بقرينة سائر الروايات.
(1) بلا خلافٍ فيه ، ويدلّنا عليه :
.................................................................................................
أوّلاً : قاعدة الاشتراك ، فإنّ الظاهر عرفاً من مثل قوله : عن معتكفٍ واقع أهله ، أنّ الحكم من آثار الاعتكاف ، لا من آثار الرجوليّة كما في مثل قوله : رجل شكّ بين الثلاث والأربع ، فإنّه ظاهر أيضاً في أنّه من آثار الشكّ فيعمّ الرجل والمرأة بقاعدة الاشتراك.
وثانياً : قوله (عليه السلام) في ذيل صحيحة الحلبي : «واعتكاف المرأة مثل ذلك» (1)، فإنّ المشار إليه بكلمة «ذلك» هو اعتكاف الرجل طبعاً المذكور في الصدر ، وقد رواها المشايخ الثلاثة كلّهم كذلك ، فقد تضمّنت تشبيه اعتكافٍ باعتكاف ، وأنّه لا فرق بين الاعتكافين ، وأنّهما متماثلان من جميع الجهات بمقتضى الإطلاق ويتساويان في جميع الأحكام ، غاية الأمر أنّ تلك الأحكام بعضها مذكور في هذه الصحيحة والبعض الآخر كحرمة الجماع غير مذكور هنا ومستفادٌ من الأدلّة الأُخر ، وهذا لا يضرّ باستفادة المساواة في جميع الأحكام بمقتضى إطلاق المماثلة ، ولا موجب للاقتصار على المذكورات في هذه الصحيحة ، فإنّه تقييد من غير مقيّد يقتضيه بعد انعقاد الإطلاقات في الذيل.
نعم ، لا تتمّ هذه الدعوى في صحيحة داود بن سرحان ، لأنّ المذكور في ذيلها هكذا : «والمرأة مثل ذلك» (2)، فتضمّنت تشبيه المرأة بالرجل ، لا تشبيه اعتكافها باعتكافه كما في تلك الصحيحة ، وكم فرقٌ بين الأمرين ، فإنّ تشبيه المرأة بالرجل ظاهرٌ في إرادة ما ذكر من الأحكام ، وإلّا فلا معنى لتشبيهها به على سبيل الإطلاق ، وهذا بخلاف الثاني ، فإنّ تشبيه الاعتكاف بالاعتكاف يعطينا بمقتضى الإطلاق أنّ كلّ حكم ثبت لذاك الاعتكاف فهو ثابت لهذا
.................................................................................................
أيضاً ، ومعه لا مقتضي للتخصيص بالأحكام المذكورة في نفس هذه الصحيحة ، بل يعمّها وما ثبت من الخارج كحرمة الجماع حسبما عرفت.
وثالثاً : تدلّنا عليه صحيحة أبي ولّاد الحنّاط : عن امرأة كان زوجها غائباً فقدم وهي معتكفة بإذن زوجها ، فخرجت حين بلغها قدومه من المسجد إلى بيتها ، فتهيّأت لزوجها حتّى واقعها «فقال : إن كانت خرجت من المسجد قبل أن تقضي ثلاثة أيّام ولم تكن اشترطت في اعتكافها فإنّ عليها ما على المظاهر» (1).
فإنّها ظاهرة في أنّ الموجب للكفّارة إنّما هو الوقاع لا مجرّد الخروج من المسجد ، كيف؟! وطبيعة الحال تقتضي أن يكون خروجها لحاجة لا بدّ منها مسوّغة لذلك ، فإن من كان زوجها غائباً وقد قدم من السفر ولا سيّما إذا كان السفر طويلاً كما في الأزمنة السابقة لا مثل هذا الزمان الذي يمكن الخروج أول النهار والرجوع وسطه أو آخره فالحاجة العرفيّة تقتضي لزوم الخروج لملاقاته ، فمثل هذا الخروج غير محرّم ولا يوجب الكفّارة قطعاً.
وعليه ، فإن كانت مشترطة فلها رفع اليد ، وإلّا فهي باقية على اعتكافها ، فلو مكّنت نفسها عندئذٍ من الجماع فقد تحقّق في حال الاعتكاف بطبيعة الحال ، وقد دلّت الصحيحة على حرمته ولزوم الكفّارة كما في الرجل ، غاية الأمر أنّها دلّت على أنّ الكفّارة هي كفّارة الظهار ، وهي محمولة على الاستحباب من هذه الجهة كما مرّ سابقاً.
وبالجملة : فاحتمال أنّ موجب الكفّارة هنا هو الخروج السابق على الوطء خلاف الظاهر جدّاً ، لما عرفت من أنّ مثل هذا الخروج جائز قطعاً ، فلاحظ.
1) الوسائل 10 : 548 / أبواب الاعتكاف ب 6 ح 6.
والأقوى عدم حرمة النظر بشهوة إلى من يجوز النظر إليه (1) ، وإن كان الأحوط اجتنابه أيضاً.
الثاني : الاستمناء على الأحوط (2) وإن كان على الوجه الحلال كالنظر إلى حليلته الموجب له.
(1) وإن نُسبت الحرمة إلى بعض لعدم الدليل عليه ، فإنّا لو سلّمنا شمول المباشرة الواردة في الآية المباركة للّمس والتقبيل ، لكنّه لا يشمل النظر جزماً ، فلا يقال لمن نظر إلى أحد : أنّه باشره ، فيرجع حينئذٍ إلى أصالة البراءة.
(2) وجه الاحتياط خلوّ نصوص الباب عن التعرّض له ، وإنّما هو منصوص في بابي الإحرام والصيام ، وأمّا في المقام فالنصوص مقصورة على الجماع ، غير أنّه ادّعي الإجماع على الإلحاق.
هذا ، ولكنّا ذكرنا في كتاب الصوم أنّه يمكن استفادة الحكم على سبيل العموم بحيث يشمل المقام من موثّقة سماعة المرويّة بطرق ثلاث كلّها معتبرة ، قال : سألته عن رجل لزق بأهله فأنزل «قال : عليه إطعام ستّين مسكيناً ، مدّ لكلّ مسكين» (1).
فإنّها كما ترى لم تتقيّد بصوم رمضان ، إذن فليس من البعيد أن يقال : إنّها تدلّ على أنّ في كلّ مورد كان الجماع موجباً للكفّارة فالاستمناء بمنزلته ومنه المقام ، فإنّ من الواضح الضروري أنّه لا يراد بها ثبوت الكفّارة بمجرّد اللزوق مطلقاً حتّى من غير مقتضٍ لها من صومٍ أو إحرام أو اعتكاف ونحوها ، فإنّ ذلك غير مراد قطعاً كما هو ظاهر جدّاً ، فيختصّ موردها بما إذا كان الجماع موجباً للكفّارة ، فيكون الاستمناء بمنزلته فتشمل المقام.
1) الوسائل 10 : 40 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 4 ح 4.
الثالث : شمّ الطيب مع التلذّذ وكذا الريحان ، وأمّا مع عدم التلذّذ (1) كما إذا كان فاقداً لحاسّة الشمّ مثلاً فلا بأس به.
وبعبارة أُخرى : هذه الموثّقة نزّلت الاستمناء منزلة الجماع ، فكما أنّ الجماع يوجب الكفّارة ، فكذلك الاستمناء. وعليه ، فلا مانع من الحكم بالإلحاق.
هذا ، ولا فرق في حرمة الاستمناء على المعتكف بين الاستمناء المحلّل في نفسه كما لو خرج من المسجد لحاجة ضروريّة فأمنى بالنظر إلى حليلته وبين المحرّم كما لو أمنى في المثال بغير ذلك ، أو أمنى في المسجد ولو بذلك ، لحرمة الإجناب فيه من حيث هو ، فالحرمة في المقام تعمّ الصورتين كما نبّه عليه في المتن وإن كانت تتأكّد في الصورة الثانية.
(1) أمّا إذا كان عدم التلذّذ لأجل كونه فاقداً لحاسّة الشمّ فلا ينبغي الإشكال في الجواز ، لأنّ موضوع الحكم في صحيحة أبي عبيدة التي هي مستند الحكم في المسألة هو الشمّ :
فقد روى عن أبي جعفر (عليه السلام) أنّه قال : «المعتكف لا يشمّ الطيب ، ولا يتلذّذ بالريحان ، ولا يماري ، ولا يشتري ، ولا يبيع» إلخ (1).
ومن لم تكن له شامّة لا يصدق معه عنوان الشمّ ، وهذا واضح.
وأمّا لو كان عدم التلذّذ لأجل أن الشمّ تحقّق بداعٍ آخر من علاجٍ أو اختبارٍ ليشتريه بعد الاعتكاف وغير ذلك من الدواعي غير داعي التلذّذ ، فهل يحرم ذلك أيضاً كما هو مقتضى إطلاق الشمّ الوارد في الصحيحة ، أو يختصّ بما إذا كان بداعي التلذّذ؟
1) الوسائل 10 : 553 / أبواب الاعتكاف ب 10 ح 1.
الرابع : البيع والشراء (1) ، بل مطلق التجارة مع عدم الضرورة على الأحوط. ولا بأس بالاشتغال بالأُمور الدنيويّة من المباحات حتّى الخياطة والنساجة ونحوهما ، وإن كان الأحوط الترك إلّا مع الاضطرار إليها ، بل لا بأس بالبيع والشراء إذا مسّت الحاجة إليهما للأكل والشرب مع تعذّر التوكيل أو النقل بغير البيع.
ادّعى في الجواهر الانصراف إلى صورة الالتذاذ (1). وهو غير بعيد ، لأنّ الظاهر عرفاً من إضافة الشمّ إلى الطيب رعاية الوصف العنواني ، أي شمّ الطيب بما هو طيب المساوق للتمتّع والالتذاذ ، لا شمّ ذات الطيب بداعٍ آخر ، فإنّ اللفظ منصرف عن مثل ذلك عرفاً كما لا يخفى.
ويعضده تقييد الريحان بالتلذّذ في الصحيحة ، سيّما بعد ملاحظة كونه في اللغة اسماً لكلّ نبات طيّب الرائحة.
(1) بلا خلافٍ فيه ولا إشكال في الجملة ، كما دلّت عليه صحيحة أبي عبيدة المتقدّمة.
وهل يختصّ الحكم بذلك ، أو يعمّ مطلق المعاملة والتجارة كالإجارة ونحوها؟
مقتضى الجمود على النصّ هو الأول ، ولكن قيل : إنّ البيع والشراء كناية عن مطلق التجارة. وهذا وإن كان محتملاً في نفسه ، إذ قد يستعمل بهذا المعنى ولا سيّما في اللغة الفارسية فيطلق كلمة «خريد وفروش» على مطلق المعاملة ، إلّا أنّ إثباته مشكل كما لا يخفى.
وعلى تقدير الثبوت فالظاهر اختصاصه بما يكون مثل البيع والشراء في
1) الجواهر 17 : 202.
الخامس : المماراة أي المجادلة (1) على أمر دنيوي أو ديني بقصد الغلبة وإظهار الفضيلة ، وأمّا بقصد إظهار الحقّ وردّ الخصم من الخطأ فلا بأس به ، بل هو من أفضل الطاعات ، فالمدار على القصد والنيّة ، فلكلّ امرئ ما نوى من خير أو شرّ. والأقوى عدم وجوب اجتناب ما يحرم على المحرم من الصيد وإزالة الشعر ولبس المخيط ونحو ذلك وإن كان أحوط (1)(2).
الاشتمال على نوع من المبادلة في العين أو العمل أو المنفعة كالمصالحة والمزارعة والإجارة ونحوها ، لا مطلق التمليك والتملّك ليعمّ مثل قبول الهديّة ، فإنّ الالتزام بحرمة مثل ذلك مشكل جدّاً.
وعلى الجملة : فالتعدّي إلى مطلق التجارة بعيد ، وإلى التملّك الشبيه بالبيع والشراء غير بعيد إلّا أنّ إثباته مشكل. فمقتضى الجمود على ظاهر النصّ الاقتصار على البيع والشراء ، فإن قام إجماع على التعدّي فهو ، وإلّا فلا يبعد عدم الحرمة.
(1) من غير خلاف فيه ، وتشهد له صحيحة أبي عبيدة المتقدّمة.
وهي كما نبّه في المتن الجدال لغاية فاسدة من إظهار الفضيلة ونحوها ، دون ما كان لغرض صحيح من إحقاق حقّ أو إبطال باطل ، فإنّه عبادة راجحة ، والفارق القصد وإن اتّحدت صورة العمل.
(2) لا ريب أنّ ما يبطل الصوم يبطل الاعتكاف ، لتقوّمه به. وأمّا غيره من بقيّة الأفعال فلا مانع وإن كان ممّا يحرم على المحرم كإزالة الشعر ولبس المخيط ونحوهما.
نعم ، عن الشيخ في المبسوط أنّه روى : أنّه يجتنب ما يجتنبه المحرم (2)، ولكن
[2603] مسألة 1 : لا فرق في حرمة المذكورات على المعتكف بين الليل والنهار (1). نعم ، المحرّمات من حيث الصوم كالأكل والشرب والارتماس ونحوها مختصّة بالنهار.
الرواية لم تثبت ، بل نقطع بالجواز في بعضها كلبس المخيط ونحوه ، فإنّ كيفيّة اعتكاف النبيّ (صلّى اللّه عليه وآله) والأئمّة (عليهم السلام) منقولة لدينا ، ولم يُذكر في شيء منهما ترك المخيط أو لبس ثوبي الإحرام ، مع التعرّض للخصوصيّات التي منها : أنّه (صلّى اللّه عليه وآله) كان يطوي فراشه بأيّ معنى كان فلو كان تاركاً للمخيط أو لابساً لثوبي الإحرام لكان مرويّاً لدينا ، بل بنحو التواتر كما لا يخفى ، فلا ينبغي الإشكال في جواز ذلك ، وكذا غيره من سائر تروك الإحرام.
وأمّا الاشتغال بالمباحات فلا ينبغي الشكّ في جوازه أيضاً ، سواء أقلنا بأنّ الاعتكاف بنفسه عبادة كما قرّبناه أم أنّه مقدّمة للعبادة كما ذكره بعضهم.
أمّا على الأوّل فواضح ، إذ لا موجب للاشتغال بعبادة أُخرى زائدة على الفرائض اليوميّة ، فله صرف بقيّة وقته في المباحات.
وأمّا على الثاني فكذلك ، إذ ليس المراد أن يعتكف ليعبد اللّه تعالى في تمام الأيّام الثلاثة ، ولعلّ ذلك غير ميسور لغالب الناس ، بل ليعبده في الجملة.
وعلى كلّ حال ، فما كان مباحاً لغير المعتكف مباح له أيضاً كما هو ظاهر.
(1) لإطلاق الدليل ، بخلاف الحرمة الناشئة من ناحية الصوم ، فإنّها مختصّة بوقت الصوم ، وهو النهار كما هو ظاهر.
[2604] مسألة 2 : يجوز للمعتكف الخوض في المباح (1) ، والنظر في معاشه مع الحاجة وعدمها.
[2605] مسألة 3 : كلّ ما يفسد الصوم يفسد الاعتكاف (2) إذا وقع في النهار من حيث اشتراط الصوم فيه ، فبطلانه يوجب بطلانه ، وكذا يفسده الجماع سواء كان في الليل أو النهار ، وكذا اللمس والتقبيل بشهوة (1)، بل الأحوط بطلانه بسائر ما ذكر من المحرّمات من البيع والشراء وشمّ الطيب وغيرها ممّا ذكر ، بل لا يخلو عن قوّة وإن كان لا يخلو عن إشكال أيضاً. وعلى هذا فلو أتمّه واستأنفه أو قضاه بعد ذلك إذا صدر منه أحد المذكورات في الاعتكاف الواجب كان أحسن وأولى (2).
(1) كما تقدّم آنفاً.
(2) هل الحرمة الثابتة للمذكورات من الجماع والبيع والشراء والجدال ونحوها تكليفيّة ووضعيّة ، أو أنّها تكليفيّة فقط من غير أن تستوجب البطلان ، أو أنّها وضعيّة فقط دون أن تكون محرّمة تكليفاً ، كما لو خرج من المسجد بغير حاجة فإنّه يبطل اعتكافه ولكنّه لم يرتكب محرّماً إذا كان في اليومين الأولين. نعم ، في اليوم الثالث يحرم لحرمة الإبطال كما مرّ. فهل حكم تلك المذكورات حكم الخروج ، أو أنّها محرّمة تكليفاً لا وضعاً ، حتّى أنّه لو جامع في اليومين الأولين ارتكب محرّماً وصحّ اعتكافه وكذا غيره من سائر المذكورات؟
أمّا بالنسبة إلى الجماع فالظاهر أنّه لا شكّ في حرمته التكليفيّة والوضعيّة
.................................................................................................
معاً من غير فرق بين اليومين الأولين والأخير.
والوجه فيه : أنّ استفادة كلا الحكمين وإن لم يمكن من نهي واحد نحو قوله (عليه السلام) : «المعتكف لا يأتي أهله» ، إذ هو في أحدهما إرشادي ، وفي الآخر مولوي ، والإرشاد يرجع في الحقيقة إلى الإخبار وإن كان بصورة الإنشاء ، فمرجع قولنا : المصلّى لا يتكلّم أو يستقبل ، إلى أنّ التكلّم مانع أو القِبلة شرط. ولا يمكن الجمع بين الإخبار والإنشاء في كلام واحد ، فلا يدلّ على التكليف والوضع معاً ، بل لا بدّ من الحمل على أحدهما.
إلّا أنّه يستفاد ذلك ممّا دلّ على أنّ المجامع أهله معتكفاً بمنزلة من أفطر في شهر رمضان ، فإنّ عموم التنزيل يقتضي ثبوت كلا الحكمين ، فكما أنّ الإفطار في شهر رمضان محرّم ومبطل ، بل وموجب للكفّارة ، فكذا في الاعتكاف ، فإنّ التنزيل لا يختصّ بالكفّارة وإن ذكرت في الرواية ، بل مفاده عموم الأحكام.
والظاهر أنّه لم يقع فيه أيّ خلاف من أحد ، وأنّ الجماع حرام ومبطل من غير فرق بين اليومين الأولين أو الأخير في الليل أو في النهار ، داخل المسجد أو خارجه.
وأمّا غير الجماع من اللمس والتقبيل بشهوة فقد تقدّم عدم حرمته فضلاً عن كونه مبطلاً (1)، وعرفت أنّ الآية المباركة ظاهرة في المباشرة بمعنى الجماع ، وكذا الروايات.
وأمّا غير ذلك من سائر الأُمور من البيع والشراء وشمّ الطيب والجدال ونحوها فالحكم فيه يبتني على ما ذكرناه في الأُصول (2)وتقدّم في مطاوي هذا
.................................................................................................
الشرح من أنّ النهي بحسب طبعه الأولي وإن كان ظاهراً في التحريم التكليفي المولوي ، أي اعتبار كون المكلّف بعيداً عن الفعل في عالم التشريع ، ولأجله يعبّر عنه بالزجر ، فكأنّ الناهي يرى المنهي محروماً عن العمل وأنّه لا سبيل له إليه والطريق مسدود.
إلّا أنّ هذا الظهور الأولي قد انقلب في باب المركّبات من العبادات والمعاملات العقود منها والإيقاعات إلى الإرشاد إلى الفساد واعتبار عدمه في ذلك العمل ، فلا يستفيد العرف من مثل قوله (عليه السلام) : «نهى النبي (صلّى اللّه عليه وآله) عن بيع الغرر» (1)أنّه محرّم إلهي كشرب الخمر ، بل معناه : أنّ الشارع الذي أمضى سائر البيوع لم يمض هذا الفرد ، وأنّه يعتبر في الصحّة أن لا يكون غرريّاً. فلا تستفاد الحرمة التكليفيّة بوجه إلّا إذا دلّ عليه دليل من الخارج ، كما في الربا بقرينة قوله تعالى ( فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللّهِ ) (2)، وإلّا فنفس النهي لا يدلّ عليها بوجه.
وكذلك الحال في باب العبادات ، فإنّه لا يستفاد من النهي عن الصلاة فيما لا يؤكل لحمه إلّا البطلان ، وتقيّد الصلاة بعدم ذلك.
وهذا الكلام بعينه يجري في باب الأوامر أيضاً ، فإنّ الأمر بالصلاة إلى القبلة ظاهر في الشرطيّة لا الوجوب التكليفي ، كما أنّ الأمر بالإشهاد في الطلاق في قوله تعالى ( وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ ) (3)ظاهر في ذلك ، وأنّ الطلاق بلا شاهد باطل لا أنّه حرام ، وهكذا غيرها ، فقد انقلب الظهور من المولوي إلى الإرشادي ومن التكليفي إلى الوضعي ، وهذا يجري في جملة أُخرى من الموارد
[2606] مسألة 4 : إذا صدر منه أحد المحرّمات المذكورة سهواً فالظاهر عدم بطلان اعتكافه (1)إلّا الجماع (1) ، فإنّه لو جامع سهواً أيضاً فالأحوط في الواجب الاستئناف أو القضاء مع إتمام ما هو مشتغل به وفي المستحبّ الإتمام.
كالأمر بالغسل في مثل قوله : «اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه» (2)، فإنّه إرشاد إلى النجاسة لا الوجوب التكليفي.
وعلى الجملة : لا تستفاد الحرمة التكليفيّة من النواهي الواردة في هذه الأبواب بتاتاً ، بل هي ظاهرة في الوضعي فقط.
وعليه ، فالنهي عن البيع أو الجدال ونحوهما في الاعتكاف ظاهر في البطلان فقط لا الحرمة التكليفيّة.
نعم ، هي محرّمة أيضاً في اليوم الثالث عن أجل الدليل الخارجي الدالّ على حرمة الإبطال حينئذٍ كما تقدّم.
(1) لا يخفى عدم وضوح الفرق بين الجماع وغيره في البطلان وعدمه ، فإنّ قسماً من الأخبار الواردة في الجماع ناظر إلى إثبات الكفّارة مثل قوله (عليه السلام) : «من جامع أهله وهو معتكف فعليه الكفّارة» (3)، ولا ينبغي الشكّ في اختصاصها بالعامد ، ضرورة ارتفاعها عن الناسي بمقتضى حديث الرفع ، إذ
.................................................................................................
معناه رفع الآثار المترتّبة على العمل مع قطع النظر عن النسيان التي منها الكفّارة.
والقسم الآخر منها دلّ على عدم إتيان المعتكف أهله ، وهو نظير ما ورد في البيع والشراء من أنّ المعتكف لا يبيع ولا يشتري ، كما في صحيحة أبي عبيدة وغيرها.
فإن ادّعي الانصراف في تلك النصوص إلى العامد ففي الجماع أيضاً كذلك ، وإلّا فالجميع على نسق واحد ، فالتفصيل بينهما بلا وجه ، اللّهمّ إلّا أنّ يدّعى قيام الإجماع في الجماع ، ولكنه غير متحقّق ، فالأظهر أنّ الحكم في الجميع واحد.
ثمّ إنّك عرفت انعقاد الظهور الثانوي للنهي في باب المركّبات في الإرشاد إلى الفساد ، فهل يختصّ ذلك بصدور الفعل عن عمد ، أو يعمّ السهو أيضاً؟
ادّعى في الجواهر الانصراف إلى صورة العمد (1). ولكنّه غير ظاهر ، إذ لا مسرّح لمثل هذه الدعوى في الأحكام الوضعيّة التي هي بمثابة الجمل الخبريّة المتضمّنة للإرشاد إلى المانعيّة ونحوها ، فمرجع قوله (عليه السلام) : «المعتكف لا يشمّ الطيب» إلى أنّ عدم الشمّ قد اعتُبر في الاعتكاف غير المختصّ بحالٍ دون حال ، وإنّما تتّجه تلك الدعوى في الأحكام التكليفيّة ليس إلّا كما لا يخفى.
ولو لا التمسّك بذيل حديث : «لا تعاد» لما أمكننا الحكم بصحّة الصلاة الفاقدة لما عدا الأركان نسياناً ، فإنّ حديث رفع النسيان إنّما يتكفّل لرفع المؤاخذة والحرمة التكليفيّة وما يترتّب عليها من الكفّارة ونحوها ، ولا تعرّض له لصحّة العمل بوجه ، ولا بدّ في إثبات صحّة الباقي من قيام دليل خارجي ، وقد ثبت في باب الصلاة ولم يثبت في مثل المقام.
1) لاحظ الجواهر 17 : 201.
[2607] مسألة 5 : إذا فسد الاعتكاف بأحد المفسدات : فإن كان واجباً معيّناً وجب قضاؤه (1)(1) ، وإن كان واجباً غير معيّن وجب استئنافه ، إلّا إذا كان مشروطاً فيه أو في نذره الرجوع فإنّه لا يجب قضاؤه أو استئنافه.
ولو دلّ الحديث على الصحّة لدلّ عليها في مورد الإكراه والاضطرار أيضاً ولم تختصّ بالنسيان. وهو كما ترى ، لضرورة فساد الاعتكاف بالجماع وإن كان عن إكراه أو اضطرار.
وتوهّم أنّ الحديث يرفع القضاء قد مرّ الجواب عنه بأنّه ليس من آثار الإتيان بهذا الفعل ليرتفع ، بل من آثار ترك المأمور به ، ولذلك لم يقل أحد في باب الصلاة بأنّه إذا كان مضطرّاً إلى التكلّم لم تبطل صلاته.
والمتحصّل ممّا ذكرناه : أنّه لا فرق بين الجماع وغيره والكلّ بلسان واحد ، فإن كان المستفاد المانعيّة ففي كلا الموردين ، وإن كان الحكم التكليفي ففي كلا الموردين أيضاً ، وعلى ما استظهرناه من أنّه إرشادٌ إلى المانعيّة فلا وجه لتقييده بالعمد ، بل يعمّ غيره أيضاً ، ويلحق بالسّهو الإكراه والاضطرار.
(1) إذ بالإفساد يفوت الواجب المعيّن ، فيشمله عموم وجوب قضاء الفوائت بناءً على ثبوت هذا العموم وقد تقدّم منعه كما أنّ غير المعيّن الفاسد لم يقع مصداقاً للامتثال ، فلا جرم وجب استئنافه بعد عدم انطباق الطبيعي المأمور به عليه.
هذا فيما إذا لم يشترط الرجوع ، وإلّا لم يجب عليه القضاء ولا الاستئناف كما هو ظاهر.
1) (*) على الأحوط فيه وفيما إذا كان مندوباً وكان الإفساد بعد اليومين.
وكذا يجب قضاؤه إذا كان مندوباً وكان الإفساد بعد اليومين ، وأمّا إذا كان قبلهما فلا شيء عليه ، بل في مشروعيّة قضائه حينئذٍ إشكال (1).
[2608] مسألة 6 : لا يجب الفور في القضاء (2) وإن كان أحوط.
(1) كما هو الحال في عامّة النوافل غير المؤقّتة كالصلاة والصيام ومنها الاعتكاف ، إذ بعد كون الأوامر في مواردها انحلاليّة ، فكلّ وقت يصلح لوقوع العمل فيه فهو أداء للأمر المتوجّه في هذا الوقت ، لا أنّه قضاء لما سبق ، فلا يكاد يفهم معنى صحيح للقضاء في أمثال هذه الموارد ، إلّا إذا فرض أن للمستحبّ خصوصيّة زمانيّة كنوافل الليل فإنّها تقضى من أجل تلك الخصوصيّة.
وعليه يحمل ما في صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال : كانت بدر في شهر رمضان ، ولم يعتكف رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) ، فلمّا أن كان من قابل اعتكف عشرين : عشراً لعامه ، وعشراً قضاءً لما فاته» (1)، حيث كان القضاء لإدراك الاعتكاف من شهر رمضان.
(2) لعدم الدليل عليه ، كما أنّ الأمر بنفسه لا يدلّ على الفور ، ومقتضى الأصل العدم.
نعم ، لا بدّ وأن لا يكون التأخير بمثابةٍ يعدّ توانياً وتهاوناً بحيث يؤدّي إلى ترك الواجب فيعاقب عليه حينئذٍ ، وإلّا فالفوريّة بنفسها لم يقم عليها أيّ دليل فضلاً عن الوجوب فوراً ففوراً.
1) الوسائل 10 : 533 / أبواب الاعتكاف ب 1 ح 2.
[2609] مسألة 7 : إذا مات في أثناء الاعتكاف الواجب بنذرٍ أو نحوه لم يجب على وليّه القضاء وإن كان أحوط. نعم ، لو كان المنذور الصوم معتكفاً وجب على الولي قضاؤه (1)، لأنّ الواجب حينئذٍ عليه هو الصوم ويكون الاعتكاف واجباً من باب المقدّمة ، بخلاف ما لو نذر الاعتكاف فإنّ الصوم ليس واجباً فيه وإنّما هو شرط في صحّته ، والمفروض أنّ الواجب على الولي قضاء الصلاة والصوم عن الميّت لا جميع ما فاته من العبادات (1).
(1) تقدّم حكم قضاء المكلّف عن نفسه ، فتعرّض هنا لحكم قضاء الولي عن الميّت فيما لو مات أثناء الاعتكاف ، فذكر (قدس سره) أنّه لا يجب ، لعدم نهوض الدليل إلّا على وجوب ما فات عن الميّت من خصوص الصلاة والصيام لا جميع ما فاته من العبادات ، والاعتكاف وإن تضمّن الصوم إلّا أنّ حقيقته مجرّد الكون في المسجد الذي هو أجنبي عن الصوم وإن كان مشروطاً به ، فهو واجب بالتبع ، ولا دليل إلّا على قضاء الصوم الفائت الواجب بالأصالة.
نعم ، لو كان الواجب بالذات هو الصوم نفسه ولو لأجل أنّه نذر أن يصوم معتكفاً وجب القضاء على الولي ، لكون الأمر حينئذٍ بالعكس ، إذ يكون الواجب هو الصوم والاعتكاف مقدّمة له ، فهو الشرط لا أنّه المشروط.
أمّا لو كان الواجب عبادة أُخرى والصوم مقدّمة له كما لو نذر أن يقرأ القرآن صائماً فمات لم يجب قضاؤها على الولي وإن كان مقيّداً بالصيام ، فما لم يكن الصوم واجباً في نفسه لم يجب قضاؤه على الولي.
1) (*) فيه أنّ الواجب عليه قضاء الصوم فقط دون الاعتكاف وإن كان قضاؤه أيضاً أحوط ، وقد تقدّم نظير ذلك في الصوم المنذور فيه التتابع وقد احتاط الماتن في قضائه هناك ، وينبغي له أن يحتاط في المقام أيضاً.
[2610] مسألة 8 : إذا باع أو اشترى في حال الاعتكاف لم يبطل بيعه وشراؤه وإن قلنا ببطلان اعتكافه (1).
أقول : قد يفرض الكلام في الواجب المعيّن كما لا يبعد أن يكون هذا هو محلّ كلامه لاتّصاله بالمسألة السابقة المحكوم فيها بالقضاء في المعيّن ، واخرى يفرض في غير المعيّن. وهذا على نحوين : إذ قد يفرض شروعه في الاعتكاف أوّل أزمنة التمكّن ، وأُخرى آخره لفرض سعة الوقت ، ثمّ اعتكف فصادف موته ، فالصور ثلاث.
لا ينبغي الشكّ في عدم وجوب القضاء في الصورتين الأُوليين ، لكشف الموت الطارئ عن عدم الوجوب من أوّل الأمر ، لعدم انعقاد النذر بعد عدم التمكّن من الوفاء في ظرفه وإن لم يكن يعلم به ، فلم يفت عن الميّت شيء ليجب على الولي قضاؤه حتّى لو قلنا بوجوبه عن كلّ عبادة فائتة ، لاعتبار القدرة في متعلّق النذر ، والمفروض هو العجز.
نعم ، في الصورة الأخيرة يجري ما ذكره (قدس سره) من عدم الوجوب ، لعدم الدليل على القضاء عن كلّ ما فات عن الميّت.
إذن لا بدّ من التفصيل وأنّه في القسمين الأوّلين لا يجب القضاء قطعاً ، وفي الأخير يبتني على تعميم حكم القضاء لكلّ فائتة أو اختصاصه بالصلاة والصيام.
فتحصّل : أنّ الأظهر عدم وجوب القضاء مطلقاً ، ولكن في الأوّلين لا موضوع للقضاء ، لعدم الفوت بتاتاً ، وفي الأخير لا دليل عليه.
(1) لأنّ تحريم المعاملة لا يدلّ على فسادها ، إذ لا تنافي بين الحرمة وبين النفوذ الوضعي ، كما لا تنافي بين ارتكاب الإثم وبين حصول الطهارة فيما لو غسل المتنجّس بالماء المغصوب ، فالبيع نافذ بمقتضى إطلاق الأدلّة ، والنهي لا يدلّ
.................................................................................................
على الفساد كما هو موضح في الأُصول.
بل قد يتوهّم دلالته على الصحّة كما عن أبي حنيفة (1)، ووافقه في الكفاية (2)، نظراً إلى اعتبار القدرة في متعلّق التكليف ، فلو لم تقع المعاملة صحيحة فكيف يتعلّق النهي بها ، فالنهي يدلّ على الصحّة لا أنّه دليل الفساد.
ولكنّه مدفوع بما أوضحناه في محلّه ، ومحصّله : أنّ الاعتبار الشرعي الذي يتسبّب إليه المكلّف كاعتبار الملكيّة ونحوها فعل من أفعال المولى ، وخارج عن قدرة المتعاملين ، فهو غير قابل لتعلّق النهي به حتّى يقال : إنّه يدلّ على الصحة أو لا.
بل الذي يمكن تعلّق النهي به أحد أمرين : إمّا الاعتبار النفسي القائم بشخصي المتبايعين ، أو إبرازه بمبرزٍ ما من لفظٍ أو غيره ، حيث إنّ البيع يتقوّم بهذين الجزأين ، فلا يكفي الاعتبار المحض ، كما لا يكفي مجرّد اللفظ ، بل هو اسم للمجموع المركّب من الكاشف والمنكشَف.
وهذا قد يكون ممضى عند الشارع أو العقلاء بحيث تترتّب عليه الملكيّة الشرعيّة أو العقلائيّة ، وقد لا يكون ، وهو أي الإمضاء أمر آخر يعدّ من فعل الشارع أو العقلاء وخارج عن فعل المكلّف ، فلا يمكن تعلّق الأمر به أو النهي ، وإنّما يتعلّقان بفعله الذي هو منحصر في الاعتبار النفسي أو إبرازه حسبما عرفت.
ومن البديهي أنّ النهي المتعلّق بمثل ذلك أعمّ من الصحّة والفساد ، لعدم دلالته بوجه على أنّه ممضى عند الشارع أو العقلاء أو ليس بممضى ، فكما لا يدلّ على الفساد لا يدلّ على الصحّة أيضاً.
[2611] مسألة 9 : إذا أفسد الاعتكاف الواجب بالجماع ولو ليلاً وجبت الكفّارة (1) ،
(1) بلا خلاف ولا إشكال كما نطقت به الأخبار ، مصرّحاً في بعضها بعدم الفرق بين الليل والنهار ، إذ هي من أحكام الاعتكاف دون الصيام.
وقد روى الصدوق مرسلاً : أنّه إن جامع بالليل فعليه كفّارة واحدة ، وإن جامع بالنهار فعليه كفّارتان (1).
وبإسناده عن محمّد بن سنان ، عن عبد الأعلى بن أعين ، قال : سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل وطئ امرأته وهو معتكف ليلاً في شهر رمضان «قال : عليه الكفّارة» قال : قلت : فإن وطئها نهاراً؟ «قال : عليه كفّارتان» (2).
والأخيرة وإن كانت ضعيفة السند بمحمّد بن سنان كالأولى بالإرسال ، لكنهما تؤيّدان الإطلاقات المتضمّنة لوجوب الكفّارة من صحيحة زرارة وموثّقة سماعة وغيرهما (3).
كما أنّ التقييد برمضان في الأخيرة ليس إلّا من أجل أنّه مورد الرواية ، ولا يدلّ على المفهوم ، لعدم احتمال الاختصاص بالضرورة.
وكيفما كان ، فالإطلاقات تدلّنا على وجوب الكفّارة من غير فرق بين الليل والنهار ، كما أنّها تتكرّر في نهار رمضان بعنوانين ، وأمّا في غيره فكفّارة واحدة
وفي وجوبها في سائر المحرّمات إشكال ، والأقوى عدمه (1)
وإن كان مقتضى الإطلاق في مرسلة الصدوق هو التكرّر في النهار مطلقاً ، فإن حملت على نهار رمضان كما لا يبعد بقرينة ورود جملة من الروايات في شهر رمضان ، وإلّا فلا قائل بذلك منّا ولا من غيرنا ، وهي رواية مرسلة.
(1) لاختصاص النصوص بالجماع ، ولم يحرز لدينا المناط ليلتزم بالإلحاق ، فالتعدّي لا يخرج عن كونه قياساً باطلاً كما لا يخفى.
نعم ، قد يقال بالتعدّي ، تمسّكاً بصحيحة أبي ولّاد ، بدعوى أنّ الظاهر منها أنّ الكفّارة إنّما هي من جهة الخروج عن المسجد عامداً السابق على الوطء لا من جهته ، لبطلان الاعتكاف بالمكث في خارج المسجد بغير ضرورة ، فالجماع وقع في غير حال الاعتكاف طبعاً.
ويندفع أوّلاً : بأنّ الصحيحة كالصريحة في أنّ الكفّارة إنّما هي من جهة الجماع الواقع حال الاعتكاف دون الخروج ، بناءً على ما عرفت من قضاء العادة بكون الخروج المزبور مورداً للضرورة العرفيّة المسوّغة لارتكابه ، ولا كفّارة في مثله قطعاً.
وثانياً : مع التنازل وتسليم أنّ الخروج المزبور كان زائداً على المقدار المتعارف وقد بطل به الاعتكاف ، فغايته أنّ الجماع المسبوق بمثل هذا الخروج وإن شئت فقل : الخروج المتعقّب بالجماع موجب للكفّارة ، لا أنّ كلّ ما يفسد به الاعتكاف يستوجبها ليبنى على ثبوتها على سبيل الإطلاق.
وإن كان الأحوط ثبوتها ، بل الأحوط ذلك حتّى في المندوب فيه قبل تمام اليومين (1).
(1) هل الكفّارة تختصّ بالاعتكاف الواجب ، أو أنّها تعمّ اليومين الأوّلين من المندوب؟
فيه وجهان ، بل قولان : احتاط الماتن في التعميم ، نظراً إلى إطلاق نصوص الكفّارة بعد وضوح عدم منافاتها للندب.
ومال في الجواهر إلى العدم (1)، مستظهراً ذلك من صحيحة أبي ولّاد المتقدّمة : عن امرأة كان زوجها غائباً فقدم وهي معتكفة (2).
حيث إنّ تعليق وجوب الكفّارة فيها على عدم الاشتراط يكشف عن اختصاص الكفّارة بمورد تعيّن الاعتكاف وعدم تزلزله ، فلا تعمّ المندوب المحكوم بجواز الإبطال ورفع اليد.
أقول : لا موجب لما ذكره (قدس سره) ، فإنّ الذي تدلّ عليه الصحيحة أن إبطال الاعتكاف بالجماع لا يوجب الكفّارة إذا كان مع الاشتراط ، فيكون ذلك تخصيصاً لما دلّ على ترتّب الكفّارة على جماع المعتكف من دون فرق بين اليومين الأوّلين واليوم الثالث ، فإنّ جواز رفع اليد عن الاعتكاف في اليومين الأوّلين لا ينافي ترتّب الكفّارة على الجماع فيهما قبل رفع اليد عنه ووقوع الجماع حال الاعتكاف.
فالنتيجة : أنّ إبطال الاعتكاف بالجماع موجب للكفّارة مطلقاً إذا لم يكن
وكفّارته ككفّارة شهر رمضان على الأقوى (1) وإن كان الأحوط كونها مرتّبة ككفّارة الظهار.
[2612] مسألة 10 : إذا كان الاعتكاف واجباً وكان في شهر رمضان وأفسده بالجماع في النهار (2) فعليه كفّارتان : إحداهما للاعتكاف ، والثانية للإفطار في نهار رمضان.
وكذا إذا كان في صوم قضاء شهر رمضان وأفطر بالجماع بعد الزوال ، فإنّه يجب عليه كفّارة الاعتكاف وكفّارة قضاء شهر رمضان.
اشتراط ، ومع الاشتراط لا كفّارة كذلك.
(1) كما تقدّم في فصل صوم الكفّارة (1).
(2) إذا جامع المعتكف في غير شهر رمضان في الليل أو النهار وجبت عليه كفّارة واحدة. وما في مرسلة الصدوق من الكفّارتين لو واقع في النهار محمولٌ على شهر رمضان كما تقدّم ، وإلّا فهي مضافاً إلى ضعف السند لم يقل بمضمونها أحد من الأصحاب.
وإذا جامع في نهار شهر رمضان وجبت كفّارتان : إحداهما عن الاعتكاف ، والأُخرى كفّارة الإفطار في شهر رمضان ، فيعمل بموجب كلّ من السببين بعد وضوح أنّ مقتضى الأصل هو عدم التداخل.
ولو أكره زوجته الصائمة وجبت كفّارة ثالثة ، وهي كفّارة الإكراه ، فيتحمّل عنها كفّارتها.
1) في ص 241.
وإذا نذر الاعتكاف في شهر رمضان وأفسده بالجماع في النهار وجب عليه ثلاث كفّارات : إحداها للاعتكاف ، والثانية لخلف النذر (1)، والثالثة للإفطار في شهر رمضان.
وإذا جامع امرأته المعتكفة وهو معتكف في نهار رمضان فالأحوط أربع كفّارات ، وإن كان لا يبعد كفاية الثلاث : إحداها لاعتكافه ، واثنتان للإفطار في شهر رمضان : إحداهما عن نفسه ، والأُخرى تحمّلاً عن امرأته ، ولا دليل على تحمّل كفارة الاعتكاف عنها ، ولذا لو أكرهها على الجماع في الليل لم تجب عليه إلّا كفّارته ولا يتحمّل عنها. هذا ، ولو كانت مطاوعة فعلى كلّ منهما كفّارتان إن كان في النهار ، وكفّارة واحدة إن كان في الليل.
تمّ كتاب الاعتكاف ويليه كتاب الزكاة
ولو قلنا بإلحاق الاعتكاف بالصيام في التحمّل وجبت كفّارة رابعة لو كانت الزوجة المكرهة معتكفة في شهر رمضان.
لكن الأخير لم يثبت ، لعدم الدليل على الإلحاق المزبور.
نعم ، تسقط عنها الكفّارة بحديث رفع الإكراه ، أمّا التحمّل فيحتاج إلى الدليل ، ولا دليل عليه في المقام ، وإنّما الثابت في خصوص شهر رمضان.
ولو كان قد نذر الاعتكاف في شهر رمضان فجامع وجبت عليه كفّارة خامسة ، لتحقّق موجب جديد وهي كفّارة حنث النذر.
1) (*) هذا فيما إذا كان النذر متعلّقاً بأيّام معيّنة أو لم يمكن استئناف الاعتكاف بعد إبطاله ، وإلّا فلا كفّارة من جهة النذر.
.................................................................................................
ولكن هذا يتوقّف على أن يكون الجماع موجباً للحنث ، وهو إنّما يتحقّق في أحد موردين :
الأوّل : أن يكون المنذور هو الاعتكاف المعيّن ، كما لو نذر أن يعتكف ليالي القدر من شهر رمضان فجامع.
الثاني : أن يعرضه التعيين بعد أن كان المنذور كلّيّاً في حدّ نفسه ، كما لو نذر الاعتكاف ثلاثة أيّام من شهر رمضان فأخّره إلى الثلاثة الأخيرة من الشهر ، أو أنّه اعتكف أوائل الشهر ولكنّه يعلم بعدم تمكّنه من الاعتكاف بعد ذلك لمانعٍ خارجي يمنع عن المكث في المسجد مثلاً.
وأمّا إذا لم يكن ثمّة أيّ تعيين بتاتاً لا بالأصالة ولا بالعرض ، فالجماع المزبور لا يستوجب حنث النذر لتثبت به الكفّارة الخامسة ، بل له الاستئناف والإتيان بفرد آخر يتحقّق به الوفاء كما هو ظاهر.
والحمد لله أوّلاً وآخراً وظاهراً وباطناً ، وصلّى اللّه على محمّد وآله الطاهرين.
هذا تمام الكلام في كتاب الاعتكاف ، وبه ينتهي ما أردنا إيراده في هذا الجزء ، وقد لاحظه سيِّدنا الأُستاذ دام ظلّه بكامله ، وربّما أضاف أو عدل عمّا كان بانياً عليه ، فأصبحت هذه المجموعة حصيلة ما استفدناه من محاضراته دام ظلّه في مجلس الدرس ، ومن ملاحظاته بعد المذاكرة معه عند التقديم للطبع.
ويقع الكلام بعد ذلك في كتاب الزكاة إن شاء اللّه تعالى.
وقد حرّره بيمناه الداثرة تلميذه الأقلّ مرتضى خلف العلّامة سماحة آية اللّه العظمى الحاج الشيخ علي محمّد البروجردي طاب ثراه في جوار العتبة المقدّسة العلويّة في النجف الأشرف.
.................................................................................................
وكان الفراغ من البحث في يوم الثلاثاء الرابع من شهر ربيع المولود من السنة الخامسة والتسعين بعد الألف والثلاثمائة ، ومن الطبع في ربيع الثاني من السنة الثالثة بعد الألف والأربعمائة من الهجرة النبويّة على مهاجرها آلاف التحيّة.
فهرس الموضوعات
الموضوع / الصفحة
الصوم
فصل : في شرائط وجوب الصوم... 1 - 32
الأول والثاني : البلوغ ، العقل... 1
هل يجب الصوم على الصبي والمجنون إذا كملا بعد طلوع الفجر ولم يأتيا بالمفطر؟... 1
الثالث : عدم الإغماء... 6
الرابع : عدم المرض... 7
ثلاث صور في المريض لو برئ قبل الزوال ولم يتناول المفطر... 9
الخامس : الخلو من الحيض والنفاس... 14
السادس : الحضر... 14
حكم المسافر قبل وبعد الزوال... 14
حكم القادم قبل وبعد الزوال... 15
استحباب الإمساك بقية النهار للقادم من السفر مفطرا... 20
موارد مستثناة من التلازم بين إتمام الصلاة والصوم وقصرها والإفطار... 22
عدم جواز الإفطار للمسافر في شهر رمضان قبل حد الترخص... 23
جواز السفر اختيارا في شهر رمضان... 24
حكم السفر في الواجب المعين من غير شهر رمضان... 24
كراهة السفر في شهر رمضان... 31
كراهة التملي من الطعام والشراب وكذا الجماع في نهار شهر رمضان للمسافر وكل من يجوز له الإفطار... 31
فصل : في موارد جواز الإفطار... 33 - 59
الأول والثاني : الشيخ والشيخة... 33
هل يجب الفداء على الشيخ والشيخة؟... 38
هل يختص وجوب الفداء بمن يشق عليه الصيام أو يعم العاجز المعذور؟... 40
تحديد الفدية... 44
جنس الفدية... 44
حكم ما لو عرض التمكن بعد العجز عن الصيام... 45
الثالث : من به داء العطش... 47
الرابع : الحامل المقرب... 50
وجوب القضاء على الحامل المقرب... 50
وجوب الصدقة عليها... 53
تحديد الفداء... 54
الخامس : المرضعة القليلة اللبن... 55
فصل : في طرق ثبوت هلال شهر رمضان وشوال... 60 - 145
أُمور في طرق ثبوت الهلال... 60
الأول : رؤية المكلف نفسه... 60
الثاني : التواتر... 60
الثالث : الشياع المفيد للعلم... 60
الرابع : مضي ثلاثين يوما من هلال شعبان أو رمضان... 62
الخامس : البينة الشرعية... 62
حكم ما لو كانت في السماء علة... 70
اشتراط توافق الشاهدين في الأوصاف... 71
عدم اعتبار اتحادهما في زمان الرؤية... 75
هل يثبت الهلال بشهادة النساء؟... 76
عدم كفاية الشاهد الواحد مع ضم اليمين... 78
السادس : حكم الحاكم... 80
حكم استناد الحاكم إلى الشياع الظني... 90
عدم ثبوت الهلال بقول المنجمين... 91
عدم ثبوت الهلال بغيبوبة الشفق في الليلة الأُخرى... 92
حكم رؤية الهلال يوم الثلاثين قبل الزوال وبعده... 94
هل يثبت الهلال لليلتين إذا كان مطوقا؟... 100
هل يثبت شهر رمضان بالعدد؟... 104
هل أن من جملة الأمارات عد خمسة أيام من هلال رمضان الماضية؟... 108
لزوم استناد شهادة العدلين إلى الحس دون الاجتهاد والحدس... 111
تحقق الفوت بمقتضى شهادة عدلين برؤيته بعد تركه الصوم... 112
نفوذ حكم الحاكم في أمر الهلال بالنسبة إلى الحاكم الآخر ما لم يثبت عنده خلافه 113
كفاية رؤية الهلال في بلد آخر إذا اتحد في الأُفق مع هذا البلد... 115
حركة القمر مع عدم اعتبار رؤية الهلال بالأجهزة المستحدثة... 122
هل يجوز الاعتماد على البريد البرقي في الإخبار عن الرؤية؟... 123
حكم يوم الشك في أنه من شهر رمضان أو شوال... 124
حكم ما لو غمت الشهور... 125
حكم الأسير والمحبوس إذا لم يتمكنا من تحصيل العلم بالشهر... 126
هل يترتب على مظنون الرمضانية جميع آثار رمضان الواقعي؟... 135
حكم اشتباه شهر رمضان والمنذور بين شهرين أو ثلاثة؟... 136
حكم بعض البلدان التي لا يكون فيها يوم وليلة على النحو المتعارف... 139
فصل : في أحكام القضاء... 146 - 230
وجوب قضاء الصوم ممن فاته بشروط... 146
لو شك في كون البلوغ قبل الفجر أو بعده... 148
عدم قضاء صوم ما فات حال الجنون... 150
حكم قضاء على الكافر إذا أسلم... 154
لو أسلم الكافر أثناء النهار... 158
وجوب القضاء على المرتد ما فاته أيام ردته... 160
وجوب القضاء على من فاته الصوم لسكر... 163
هل يجب القضاء على الحائض والنفساء ما فاتهما حال الحيض والنفاس؟... 163
حكم المخالف إذا استبصر... 164
وجوب القضاء على من فاته الصوم لنوم أو غفلة... 165
حكم دوران الفائت بين الأقل والأكثر... 166
عدم وجوب الفورية في القضاء ولا التتابع... 174
عدم وجوب تعيين الأيام في قضاء الصيام... 176
حكم ما لو كان عليه قضاء من رمضانين فصاعدا... 177
عدم الترتيب بين صوم القضاء وغيره من أقسام الصوم الواجب... 179
لو اعتقد أن عليه قضاء فنواه ثم تبين بعد الفراغ فراغ ذمته... 179
هل يجب القضاء عمن فاته شهر رمضان أو بعضه لعذر ومات فيه؟... 181
سقوط القضاء عمن فاته شهر رمضان أو بعضه لعذر واستمر إلى رمضان آخر... 185
الانتقال إلى الفداء عمن فاته شهر رمضان أو بعضه لعذر واستمر إلى رمضان آخر 189
لو كان العذر المستمر غير المرض... 190
حكم ما لو كان سبب الفوت مغايرا للعذر المستمر... 192
حكم من فاته شهر رمضان أو بعضه لا لعذر إلى رمضان آخر... 195
لو استمر المرض إلى ثلاث سنين... 198
جواز اعطاء كفارة أيام عديدة من رمضان واحد أو أزيد لفقير واحد عدم وجوب كفارة العبد على سيده 200
هل تجب المبادرة إلى القضاء أم يجوز التأخير إلى نهاية السنة؟... 201
وجوب القضاء على ولي الميت لما فاته من الصوم... 205
هل يختص الحكم بما فات عن الميت لعذر أو يعم مطلق الترك؟... 210
هل يختص الحكم بما فات عن الوالد أو يعم الوالدين؟... 212
لا فرق في وجوب الصيام على الولي بين ما إذا كان ترك الميت ما يمكن التصدق به عنه أم لا... 213
المراد بالولي هو الولد الأكبر... 215
لو لم يكن للميت ولد... 217
حكم ما لو تعدد الولي اشتراكا... 217
جواز استئجار من يصوم عن الميت... 218
إذا شك الولي في اشتغال ذمة الميت وعدمه... 219
سقوط القضاء عن الولي بشرط أداء الأجير صحيحا... 219
اختصاص وجوب القضاء على الولي بما علم اشتغال ذمة الميت به... 220
حكم ما لو شك الولي في فراغ ذمة الميت بعد العلم بالاشتغال... 220
هل يختص الوجوب على الولي بقضاء شهر رمضان أو يعم كل صوم واجب... 224
عدم جواز الإفطار بعد الزوال للصائم قضاء شهر رمضان عن نفسه... 226
حكم الإفطار بعد الزوال في سائر أقسام الصوم الواجب للقاضي عن نفسه وعن غيره 228
فصل : في صوم الكفارة... 231 - 309
أقسامه : ما يجب الصوم مع غيره... 231
ما يجب فيه الصوم بعد العجز عن غيره... 232
كفارة قتل الخطأ والإفطار في قضاء شهر رمضان واليمين... 233
كفارة صيد النعامة والبقر الوحشي والغزال... 235
كفارة الإفاضة من عرفات قبل الغروب عامدا... 237
كفارة خدش المرأة وجهها في المصاب وشق الرجل ثوبه على زوجته أو ولده... 238
ما يجب فيه الصوم مخيرا بينه وبين غيره... 240
كفارة الاعتكاف... 241
كفارة النذر... 245
كفارة العهد وجز المرأة شعرها في المصاب... 247
كفارة حلق الرأس في الإحرام... 250
ما يجب فيه الصوم مرتبا على غيره مخيرا بينه وبين غيره... 251
وجوب التتابع فيما وجب في كفارته صوم شهرين... 252
هل يجب التتابع في الثمانية عشر بدل الشهرين؟... 254
موارد يستثنى فيها التتابع... 256
عدم وجوب التتابع في صوم النذر... 261
عدم وجوب التتابع في قضاء شهر رمضان... 266
من موارد الاستثناء صوم الثمانية عشر بدل البدنة... 269
هل يستثنى التتابع في صوم السبعة أيام بدل الهدي؟... 270
عدم جواز الشروع في الصوم اللازم فيه التتابع في زمان يعلم أنه لا يسلم له... 272
استثناء موردين من عدم جواز الشروع في الصوم اللازم فيه التتابع... 273
لو أفطر في أثناء الصوم الذي يشترط فيه التتابع لا لعذر... 287
لو أفطر في أثناء الصوم الذي يشترط فيه التتابع لعذر... 289
حكم السفر في أثناء الصوم الذي يشترط فيه التتابع... 295
لو نسي النية حتى فات وقتها في الصوم الذي يشترط فيه التتابع... 298
أحكام في صوم التتابع... 300
حكم ما لو بطل التتابع في الأثناء... 306
فصل : في أقسام الصوم... 310 - 331
أقسام الصوم أربعة : واجب ، وندب ، ومكروه ، ومحظور... 310
أقسام الصوم المندوب... 310
أقوال في صوم يوم عاشوراء... 313
كراهة صوم التطوع من الضيف بدون إذن المضيف والولد بدون إذن الوالد... 319
أقسام الصوم المحظور... 326
حرمة صوم يومي العيدين... 326
حرمة صوم أيام التشريق من ذي الحجة لمن كان بمنى... 326
مواضع استحباب الإمساك تأدبا... 330
الاعتكاف
معنى الاعتكاف لغة وشرعا... 335
أفضل أوقات الاعتكاف... 336
هل يجوز الإتيان بالاعتكاف نيابة عن الحي؟... 338
شرائط في صحة الاعتكاف... 341
أولا : الإيمان... 341
ثانيا : العقل... 342
ثالثا : نية القربة... 343
تعيين الاعتكاف إذا تعدد ولو إجمالا... 343
هل يعتبر قصد الوجه في الاعتكاف؟... 345
وقت نية الاعتكاف... 347
رابعا : الصوم... 350
خامسا : أن لا يكون أقل من ثلاثة أيام... 354
جواز الاعتكاف أكثر من ثلاثة أيام... 355
عدم جواز الخروج من المسجد متى أقام يومين بعد الثلاثة... 357
مبدأ اليوم في الاعتكاف... 358
هل يشترط دخول الليلة الأولى والرابعة في الاعتكاف؟... 359
عدم كفاية ثلاثة أيام ملفقة في الاعتكاف... 360
سادسا : أن يكون في المسجد الجامع... 365
هل يشترط في المساجد الأربعة أو يصح في كل مسجد تنعقد به الجماعة الصحيحة 365
سابعا : إذن السيد بالنسبة إلى مملوكه... 372
اعتبار إذن المستأجر بالنسبة إلى أجيرة الخاص... 373
اعتبار إذن الزوج بالنسبة إلى الزوجة... 376
اعتبار إذن الوالد أو الوالدة بالنسبة إلى ولدهما... 377
ثامنا : استدامة اللبث في المسجد... 379
حكم ما لو خرج المعتكف ناسيا أو مكرها أو لضرورة... 381
موارد جواز خروج المعتكف من المسجد... 384
هل يجب الاغتسال في المسجد رعاية لاستدامة المكث؟... 388
حكم ارتداد المعتكف في أثناء اعتكافه... 390
عدم جواز العدول بالنية من اعتكاف إلى آخر... 391
عدم جواز النيابة عن أكثر من واحد في اعتكاف واحد... 392
كفاية مطلق الصوم في الاعتكاف... 394
جواز قطع الاعتكاف المندوب في اليومين الأولين... 396
حكم قطع الاعتكاف المنذور معينا... 396
لو نذر الاعتكاف في أيام معينة وعليه صوم... 399
لو نذر اعتكاف يوم أو يومين... 399
حكم ما لو نذر اعتكاف ثلاثة أيام معينة فاتفق كون الثالث عيدا... 401
لو نذر اعتكاف يوم قدوم شخص معين... 403
عدم انعقاد اعتكاف ثلاثة أيام من دون الليلتين المتوسطتين... 406
هل يجب إدخال الليلة الأُولى في الاعتكاف المنذور ثلاثة أيام؟... 407
حكم ما لو نذر اعتكاف شهر... 408
وجوب التتابع في ما لو نذر اعتكاف شهر ، دون المنذور مقدار الشهر... 409
لو نذر الاعتكاف زمانا على وجه التتابع ، فأخل بيوم أو أكثر... 411
لو نذر اعتكاف أربعة أيام فأخل بالرابع... 415
حكم ما لو نذر اعتكاف خمسة أيام... 419
وجوب قضاء الاعتكاف المنذور لو تركه بسبب وبغيره... 421
التنزل عن الامتثال القطعي إلى الظني فيما لو غمت الشهور... 426
اعتبار وحدة المسجد في الاعتكاف الواحد... 428
حكم ما لو اتفق مانع من إتمام الاعتكاف... 429
هل سطح المسجد وسردابه ومحرابه من المسجد؟... 430
عدم تعلق القصد بالاعتكاف في محل خاص من المسجد... 431
هل قبر مسلم وهاني جزءا من مسجد الكوفة؟... 431
حكم ما لو شك في موضع من المسجد أنه جزء منه أو من مرافقه... 431
هل تثبت الموضوعات بخبر العدل الواحد كما تثبت به الأحكام أو لا؟... 432
لو اعتكف في مكان باعتقاد المسجدية فبان الخلاف... 435
عدم الفرق بين المرأة والرجل في وجوب كون الاعتكاف في المسجد... 436
صحة اعتكاف الصبي المميز... 436
بطلان اعتكاف العبد بدون إذن مولاه... 439
هل للمولى الرجوع عن الإذن بعد تلبس العبد بالاعتكاف المشروع؟... 439
اعتبار كون خروج المعتكف من المسجد لحاجة لا بد منها ولو عرفا... 441
لو أجنب في المسجد ولم يمكن الاغتسال فيه... 442
حكم ما لو غصب مكانا من المسجد سبق إليه غيره... 444
اجتناب المعتكف عن الجلوس على أرض المسجد المفروش بتراب أو آجر مغصوب 449
حكم اعتكاف الجالس على المغصوب ناسيا أو جاهلا أو مكرها أو مضطرا... 451
هل يبطل الاعتكاف بترك الخروج لإتيان واجب متوقف على الخروج؟... 453
وجوب مراعاة أقرب الطرق عند الخروج عن المسجد لحاجة والمكث بمقدارها... 455
لو خرج لضرورة وطال خروجه... 459
جواز رفع اليد عن الاعتكاف في اليومين الأولين دون الثالث في الواجب الموسع والمندوب... 463
عدم الفرق في اللبث بأي نحو كان في المسجد... 459
حكم المرأة المعتكفة إذا طلقت أثناء اعتكافها... 459
هل يجوز للمعتكف أن يشترط حين النية الرجوع متى شاء؟... 464
هل الشرط في الاعتكاف من قبيل الحقوق القابلة للاسقاط؟... 467
نفوذ الشرط في الاعتكاف المنذور المشروط دون المطلق... 470
عدم صحة اشتراط المعتكف أن يكون له الرجوع في اعتكاف آخر له حكم التعليق في الاعتكاف... 473
فصل : في أحكام الاعتكاف... 477 - 503
يحرم على المعتكف أُمور : أحدها : مباشرة النساء... 477
عدم الفرق بين المعتكف رجلا كان أو امرأة في المباشرة... 479
الثاني : الاستمناء... 482
الثالث : شم الطيب مع التلذذ... 483
الرابع : البيع والشراء... 484
الخامس : المماراة... 485
عدم الفرق في حرمة المذكورات على المعتكف بين الليل والنهار... 486
جواز الخوض في المباح للمعتكف والنظر في معاشه مع الحاجة وعدمها... 487
هل الحرمة الثابتة للمذكورات تكليفية أو أنها وضعية أو تكليفية ووضعية معا؟... 487
حكم ما لو صدر من المعتكف أحد المحرمات سهوا... 490
لو فسد الاعتكاف بأحد المفسدات... 492
عدم وجوب الفور في قضاء الاعتكاف... 493
حكم ما لو مات في أثناء الاعتكاف الواجب بنذر أو نحوه... 494
هل تحريم المعاملة يدل على فسادها؟... 495
هل فساد الاعتكاف الواجب يوجب الكفارة؟... 497
كفارتان على من أفسد الاعتكاف الواجب بالجماع في نهار شهر رمضان تتعدد الكفارة بتعدد موجباتها... 501
الخاتمة... 503
فهرس الموضوعات... 505 - 519
الصورة
الصورة
الصورة
الصورة
الصورة
الصورة
الصورة