موسوعة الإمام الخوئی جلد 21

ghaemiyeh.com

هوية الكتاب

سرشناسه : خوئی، سید‌ابوالقاسم، 1278 - 1371.

عنوان و نام پديدآور : المستند في شرح‌العروة‌الوثقی/ [محمدکاظم یزدی]؛ تقریرا الابحاث ابوالقاسم الموسوی‌الخوئی؛ تالیف مرتضی البروجردی.

مشخصات نشر : قم: موسسه احیاء آثارالامام‌الخوئی (قدس)، 14ق.= 20م.= 13.

مشخصات ظاهری : ج.

فروست : موسوعه‌الامام‌الخوئی.

شابک : ج.11، چاپ دوم: 964-6812-44-9 ؛ ج. 11، چاپ سوم: 964-6812-43-0 ؛ ج. 12، چاپ سوم: 964-6812-44-9 ؛ ج. 13، چاپ سوم: 964-6812-46-X ؛ ج. 14: 964-6812-50-3 ؛ ج. 15: 964-6812-53-8 ؛ ج. 16، چاپ سوم 964-6337-00-4 : ؛ ج. 17، چاپ سوم: 964-6337-04-7 ؛ ج. 18، چاپ سوم: 964-6337-03-9 ؛ ج. 19، چاپ سوم 964-6337-02-0 :

وضعیت فهرست نویسی : برون سپاری

يادداشت : عربی.

يادداشت : کتاب حاضر قبلا تحت عنوان "مستندالعروه‌الوثقی" به چاپ رسیده است.

يادداشت : فهرست‌نویسی بر اساس جلد یازدهم: 1421ق. = 2000م. = 1379.

يادداشت : ج.11( چاپ دوم: 1426ق.= 2005م.= 1384).

يادداشت : ج. 11 -18 (چاپ سوم : 1428ق. =2007م. = 1386).

يادداشت : ج.14 (چاپ سوم:1421ق.= 1379).

يادداشت : ج.30 (چاپ؟: 1422 ق. = 1380).

يادداشت : ج.30 (چاپ سوم: 1428ق. = 2007م. = 1386).

يادداشت : عنوان عطف: شرح عروه‌الوثقی.

یادداشت : کتابنامه.

مندرجات : ج.11 الصلاه.-ج.30. الاجاره.

عنوان عطف : شرح عروه‌الوثقی.

عنوان دیگر : العروه‌الوثقی. شرح.

عنوان دیگر : شرح‌العروه‌الوثقی.

موضوع : یزدی، سیدمحمدکاظم بن عبدالعظیم، 1247؟ - 1338؟ ق . عروه‌الوثقی -- نقد و تفسیر

موضوع : فقه جعفری -- قرن 14

شناسه افزوده : یزدی، سیدمحمدکاظم‌بن عبدالعظیم، -1253 1338؟ق.

شناسه افزوده : بروجردی، مرتضی، 1377-1308.

شناسه افزوده : موسسه احیاء آثار الامام الخوئی (ره)

رده بندی کنگره : BP183/5/ی4ع4021377 1300 ی الف

رده بندی دیویی : 297/342

شماره کتابشناسی ملی : م‌79-21167

المحرّر الرّقمي: محمّد علي ملك محمّد

اطلاعات رکورد کتابشناسی : ركورد كامل

المؤلف: الشيخ مرتضى البروجردي

الناشر: مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي قدّس سرّه

الطبعة: 3

الموضوع : الفقه

تاريخ النشر : 1421 ه.ق

ISBN (ردمك): 469-6337-08-X

المكتبة الإسلامية

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ

وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَی سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ

وَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَی أَعْدَائِهِم أَجْمَعِينَ

مِنَ الآنِ إِلَی قِيَامِ يَومِ الدِّينْ

اشارة

الْمُسْتَنَدُ فِي شَرْحِ العُرْوَةِ الوُثْقَی

تقرير الإبحاث

الأستاذ الأعظم سماحة آية اللّه العظمی السيد أبوالقاسم الموسوي الخوئي قدس سره

«1317 - 1413 ه»

الصوم

تأليف: آية اللّه الشهيد الشيخ مرتضی البروجردي قدس سره

طبعة منقحة

مؤسسة الخوئي الإسلامية

جميع الحقوق محفوظة ومسجّلة لمؤسسة الخوئي الإسلامية

الجزء الحادي والعشرون

الناشر: مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي قدس سره

(مؤسسة الخوئي الإسلامية)

هاتف: 2932264 251 98+ - 1530367 912 98+

تاريخ الطبع: 1430 ه ، 2009 م

المطبعة: نينوي

الطبعة: الرابعة

عدد النسخ: 1000 دورة

X - 08 - 6337 - 964 : ISBN

Email:info@alkhoei.net

www.alkhoei.com

www.alkhoei.net

الصورة

-5-21

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّه رب العالمين وصلى اللّه على سيدنا ونبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين، واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين.

وبعد، فيقول العبد الأثيم المفتقر إلى عفو ربه الكريم مرتضى بن علي محمد ابن إبراهيم البروجردي النجفي عامله اللّه بلطفه الخفي: هذا ما تيسر لي ضبطه من مباحث الصوم شرحاً على العروة الوثقى للسيد الطباطبائي اليزدي (طاب ثراه)، وهي نتيجة ما تلقيته من الأبحاث القيمة والدروس الراقية التي ألقاها سماحة سيّدنا الأستاذ العلّامة علم العلم وبدر سمائه، قبلة المشتغلين وخاتمة المجتهدين، المحقق المدقق، زعيم الحوزة العلميّة، ومرجع الأمّة، الذي ألقت إليه الرئاسة الدينية أزمتها ، آية اللّه العظمى حضرة المولى الحاج السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي متع اللّه المسلمين بطول بقائه الشريف.

وقد بذلت أقصى وسعي في الاحتفاظ برموز الدرس ودقائقه، وكلّ ما أفاده في مجلس البحث وخارجه، تذكرة لنفسي وتبصرة لغيري.

وأسأله تعالى أن يجعله خالصاً لوجهه الكريم، وأن ينفعني به وإخواني من رواد العلم والفضيلة، وأن ينظروا إليه بعين الرضا والقبول، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

الكتاب الصّوم

اشارة

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم

كتاب الصوم

وهو الإمساك عمّا يأتي من المفطرات بقصد القربة (1).

وينقسم إلى : الواجب والمندوب والحرام والمكروه بمعنى : قلّة الثواب.

والواجب منه ثمانية : صوم شهر رمضان ، وصوم القضاء ، وصوم الكفّارة على كثرتها ، وصوم بدل الهدي في الحجّ ، وصوم النذر والعهد واليمين ، وصوم الإجارة ونحوها كالشروط في ضمن العقد ، وصوم الثالث من أيام الاعتكاف ، وصوم الولد الأكبر عن أحد أبويه (1).


(1) لا ريب في وجوب الصوم في الشريعة المقدّسة كتاباً وسنّةً ، بل وضرورة ، بل قد عُدَّ في بعض الأخبار من مباني الإسلام (2).

كما لا ريب في أنّ المطلوب فيه هو الاجتناب عن أُمورٍ معيّنة يأتي تفصيلها قد أُشير إلى بعضها في قوله تعالى ( كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتّى ) إلخ (3)، فالمطلوب هنا


1) (*) على تفصيلٍ يأتي في محلّه [في المسألة 2540].

2) الوسائل 1 : 13 / أبواب مقدّمة العبادات ب 1.

3) البقرة 2 : 187.

ووجوبه في شهر رمضان من ضروريّات الدين (1) ، ومنكره مرتدٌّ يجب قتله.


أمرٌ عدمي وهو الترك ، كما هو الحال في تروك الإحرام ، ومع وضوح ذلك فلا يهمّنا تحقيق مفهوم الصوم اللغوي أو الشرعي وأنّه الكفّ أو الإمساك أو التوطين ونحو ذلك ممّا قيل ، فإنّ البحث عنه قليل الجدوى ، وإنّما المهمّ بيان تلك المفطرات التي يجب الاجتناب عنها ، وستعرف الحال فيها إن شاء اللّه تعالى.

نعم ، ينبغي التعرّض لبيان الفرق بين العبادات الوجوديّة والعدميّة فيما هو متعلّق القصد والإرادة ، حيث إنّهما يمتازان عن الآخر في كيفية النيّة.

فإنّ الواجب إذا كان فعلاً من الأفعال لا بدّ في تحقّق الامتثال من تعلّق القصد وصدوره عن إرادةٍ واختيار ، وهذا بخلاف الترك ، فإنّه يكفي فيه مجرّد عدم الارتكاب وإن لم يستند إلى الاختيار لنومٍ أو غفلة ، أو كان ذلك من جهة العجز وعدم القدرة لحبسٍ أو مرض ، كمن به داء لا يتمكّن معه من الجماع من عننٍ ونحوه ، أو كان طعامٌ لا يمكن الوصول إليه عادةً كالمختصّ بالملك ، أو ما هو في أقصى البلاد ، أو كان ممّا لا يقبله الطبع ويشمئز منه ولو كان مباحاً ، ففي جميع ذلك يكفي في تحقّق النيّة مجرّد العزم على الترك على تقدير تماميّة مقدّمات الفعل وتحقّق مبادئ وجوده من القدرة والالتفات والرغبة ، فيعزم على أنّه لو تمّ ذلك كلّه لأمسك عن الفعل على سبيل القضيّة الشرطيّة ، إذ لو اعتبر فيها كون جميع التروك مستنداً إلى القصد الفعلي كما في العبادات الوجوديّة لزم بطلان الصوم في الموارد المزبورة ، مع أنّ صحّتها كادت تكون ضروريّة.

(1) كما نصّ عليه جمعٌ من الأصحاب. وعليه ، فمنكره منكرٌ للضروريّ فيجري عليه حكمه.

ومن أفطر فيه لا مستحلا عالماً عامداً (1)


وقد تقدّم في كتاب الطهارة (1)عند البحث عن الكفر والإسلام : أنّ إنكار الضروريّ بمجرّده ومن حيث هو لا يستوجب الكفر ، وإنّما يستوجبه من حيث رجوعه إلى تكذيب النبيّ (صلّى اللّه عليه وآله) ، المؤدّي إلى إنكار الرسالة ، وهو يختصّ بما إذا كان المنكر عالماً بالحكم وبضروريّته ، فلا يحكم بكفر الجاهل بأحدهما ، لكونه جديد العهد بالإسلام ، أو نحوه ممّن ليس له مزيد اطّلاع بالأحكام. وعليه ، فيعتبر في الحكم بالارتداد صدور الإنكار ممّن يعلم بضروريّة الحكم ، وحينئذٍ فإن كان فطرياً يُقتَل ، وإن كان ملّياً يُستتاب ، فإن تاب وإلّا يُقتَل إن كان رجلاً ، أمّا المرأة فلا تُقتَل أصلاً ، بل تُحبَس ويُضيَّق عليها في المأكل والمشرب وتعزَّر عند أوقات الصلاة إلى أن يقضي اللّه عليها.

(1) هذا في قبال المنكر المستحلّ المتقدّم بيان حكمه آنفاً.

ثمّ إنّ المفطر غير المستحلّ تارةً : يكون معذوراً كالمريض والمسافر ، وأُخرى غير معذور كالفسّاق ، وثالثةً مشتبه الحال.

أمّا الأوّل : فلا إشكال فيه.

وأمّا الأخير الذي هو مردّد بين المعذور وغيره - : فلا يجري عليه شي‌ء ، لما هو المعلوم من الشرع من أنّه لا يقام الحدّ بمجرد الاحتمال ، وقد اشتهر أنّ الحدود تُدرأ بالشبهات ، وهذه الجملة وإن لم ترد في شي‌ء من الروايات ما عدا رواية مرسلة ولفظها هكذا : «الحدّ يدرأ بالشبهة» (2)، ولكن الحكم متسالمٌ عليه


1) راجع شرح العروة 3 : 54 55.

2) لاحظ الوسائل 28 : 47 / أبواب مقدّمات الحدود ب 24 ح 4 وص 130 / أبواب حدّ الزنا ب 27 ح 11.

.................................................................................................


بينهم ، إذ من المعلوم من الشرع أنّه ليس بناء الإسلام على إجراء الحدّ في موارد الشبهة ، كما يظهر ذلك بملاحظة الموارد المتفرّقة التي منها مورد صحيحة بريد العجلي الآتية المتضمّنة للسؤال عن موجب الإفطار ، فإنّها تدلّ على أنّه لو ادّعى شبهةً يُقبَل قوله ويُدرأ عنه الحدّ أو التعزير ، وإلّا فما هي فائدة السؤال؟! إنّما الكلام في غير المعذور ممّن يفطر عصياناً ، فقد ذكر في المتن : أنّه يعزَّر بخمسة وعشرين سوطاً ، فإن عاد عُزِّر ثانياً ، وإن عاد قُتِل في الثالثة ، والأحوط في الرابعة من أجل الاحتياط في باب الدماء.

أقول : أمّا أصل التعزير فقد دلّت عليه صحيحة بريد العجلي ، قال : سُئل أبو جعفر (عليه السلام) عن رجل شهد عليه شهود أنّه أفطر من شهر رمضان ثلاثة أيام «قال : يُسأل هل عليك في إفطارك إثم؟ فإن قال : لا ، فإنّ على الإمام أن يقتله ، وإن قال : نعم ، فإنّ على الإمام أن ينهكه ضرباً» (1).

وأمّا التحديد بخمسة وعشرين سوطاً فلم يرد إلّا في رواية مفضّل بن عمر عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : في رجل أتى امرأته وهو صائم وهي صائمة «فقال عليه السلام : إن كان استكرهها فعليه كفّارتان ، وإن كانت طاوعته فعليه كفّارة وعليها كفّارة ، وإن كان أكرهها فعليه ضرب خمسين سوطاً نصف الحدّ ، وإن كان طاوعته ضُرِب خمسة وعشرين سوطاً وضُرِبت خمسة وعشرين سوطاً» (2).

ولكن موردها الجماع ، ولا دليل على التعدّي إلى سائر المفطرات ، على أنّها ضعيفة السند من جهات ولا أقلّ من جهة مفضّل الذي هو ثابت الضعف ، من


1) الوسائل 10 : 248 / أبواب أحكام شهر رمضان ب 2 ح 1.

2) الوسائل 10 : 56 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 12 ح 1.

يعزَّر بخمسةٍ وعشرين سوطاً (1)، فإن عاد عُزِّر ثانياً ، فإن عاد قُتِل على الأقوى (1) ، وإن كان الأحوط قتله في الرابعة (2).


أجل تضعيف النجاشي وغيره إيّاه صريحاً (3).

نعم ، قد عمل بها المشهور. فإن قلنا : إنّ الرواية الضعيفة تنجبر بعمل المشهور فلا بأس بالعمل بها في موردها ، وإن أنكرنا هذه الكبرى كما هو المعلوم من مسلكنا فالرواية ساقطة.

إذن لا دليل على تحديد التعزير بخمسة وعشرين ، بل هو موكول إلى نظر الإمام ، فله التعزير كيفما شاء ما لم يبلغ حدّ الحدّ الشرعي.

ثمّ إنّ التعزير كما هو ثابت في المرّة الأُولى ثابتٌ في المرّة الثانية أيضاً ، بمقتضى إطلاق الدليل ، أعني : صحيح بريد المتقدّم.

(1) قد عرفت ثبوت التعزير في المرّتين الأُوليين.

وأمّا في الثالثة فيجب قتله كما عليه المشهور.

وقد دلّت عليه صريحاً موثّقة سماعة ، قال : سألته عن رجل أخذ في شهر رمضان وقد أفطر ثلاث مرّات وقد رُفِع إلى الإمام ثلاث مرّات «قال : يُقتَل في الثالثة» (4).

ويدلُّ عليه أيضاً عموم صحيح يونس عن أبي الحسن الماضي (عليه السلام) «قال : أصحاب الكبائر كلّها إذا أُقيم عليهم الحدّ مرّتين قُتِلوا في الثالثة» (5).


1) (*) لم يثبت التقدير بحدٍّ خاص إلّا في رواية ضعيفة في خصوص الجماع.

2) (**) في كونه أحوط إشكال بل منع.

3) رجال النجاشي : 416 / 1112.

4) الوسائل 10 : 249 / أبواب أحكام شهر رمضان ب 2 ح 2.

5) الوسائل 28 : 19 / أبواب مقدّمات الحدود ب 5 ح 1.

وإنّما يُقتَل في الثالثة أو الرابعة إذا عُزِّر في كلٍّ من المرّتين أو الثلاث (1).


ومورده وإن كان هو الحدّ ، إلّا أنّه لا خصوصيّة له ، إذ يُفهَم منه عرفاً أنّ من اجري عليه حكم اللّه مرّتين سواء أكان هو الحدّ أم التعزير يُقتَل في الثالثة.

فبمقتضى الموثّقة الواردة في خصوص المقام والصحيحة الواردة في مطلق الكبائر يُحكَم بوجوب القتل في المرّة الثالثة ، إمّا من بعد التعزيرين أو من بعد الحدّين حسب اختلاف الموارد.

وأمّا ما ذكره في المتن من أنّ الأحوط قتله في الرابعة فلا وجه له بعد نهوض الدليل على وجوب القتل في الثالثة كما عرفت ، ولا تعطيل في حدود اللّه ، فلا سبيل للاحتياط وإن كان مورده الدماء.

نعم ، روى الشيخ في المبسوط مرسلاً : «إنّ أصحاب الكبائر يُقتَلون في الرابعة» (1).

ولكن المرسل ليس بحجّة ، ولا سيّما مع عدم الجابر ، على أنّه معارَضٌ بالصحيح المتقدّم وفي خصوص المقام بالموثّق كما سبق ، فلا ينهض للمقاومة معهما.

(1) فلا يجزئ مجرّد الارتكاب الخارجي بلغ عدده ما بلغ ما لم يُرفع الأمر إلى الإمام مرّتين ويجري عليه التعزير في كلٍّ منهما ، فحينئذٍ يُحكم بالقتل في الرفع الثالث ، كما دلّت عليه موثقة سماعة المتقدّمة ، حيث حكم فيها بالقتل في الثالثة من الرفع لا من مجرّد الإفطار ، وكما تدلّ عليه أيضاً صحيحة بريد المتقدّمة ،


1) المبسوط 7 : 284.

وإذا ادّعى شبهةً محتملةً في حقّه دُرِئ عنه الحدّ (1).


حيث إنّ المفروض فيها الإفطار ثلاثة أيام ، فقد حصل منه الإفطار ثلاث مرات على الأقل كلّ يوم مرّة ، ولو فرض أكثر زاد عليه بكثير ، ومع ذلك حكم (عليه السلام) بالتعزير ، لكونه أوّل مرّة يُرفع أمره إلى الإمام ، فليس الإفطار ثلاثة أيّام بنفسه موضوعاً للقتل ، بل الموضوع هو الرفع كما صرّح به في الموثق ، وكذا ما تقدّم في الصحيح من أنّ أصحاب الكبائر يقتلون في الثالثة ، أي في الثالثة من الرفع ، لا من ارتكاب الكبيرة ، للتصريح بإجراء الحدّ عليهم مرّتين.

(1) قدّمنا أنّ الحكم المزبور من القتل أو التعزير مخصوص بغير المشتبه ، أمّا هو فلا شي‌ء عيلة ، وقلنا : إنه يمكن استفادة ذلك من نفس صحيحة بريد.

وتقريب الاستدلال : إنّه (عليه السلام) حكم بالسؤال من المفطر وأنّه هل عليك في إفطارك إثم أم لا؟ وأنّه يعزَّر مع الاعتراف ، ويُقتَل مع الإنكار. ومن المعلوم أنّ إنكار الآثم على نحوين ، فتارةً : ينكره للاستحلال ، وأُخرى : لأجل أنّه يرى نفسه معذوراً لشبهةٍ يدّعيها محتملة في حقّه ، ولا ريب في اختصاص القتل بالأوّل ، ضرورة أنّه مع الاعتراف لم يُحكَم بالقتل فكيف يُحكَم به مع دعوى العذر؟! وإذ خصّ (عليه السلام) التعزير بالمعترف فمدّعي العذر لا تعزير أيضاً عليه كما لم يكن عليه قتل ، فلا بدّ أن يطلق سراحه ويخلّى سبيله ، فلا يُقتَل ولا يعزَّر.

وبالجملة : فالأقسام ثلاثة : منكرٌ مستحل يُقتَل ، ومعترفٌ بالفسق يعزَّر ، ومن لا هذا ولا ذاك الذي لم تتعرّض له الصحيحة يخلّى سبيله ولا شي‌ء عليه.

فصل في النيّة

يجب في الصوم القصد إليه مع القربة والإخلاص (1) ، كسائر العبادات.


(1) لا ريب في أنّ الصوم من العبادات فيعتبر فيه كغيره قصد القربة والخلوص ، فلو صام رياءً أو بدون قصد التقرّب بطل.

ويدلّنا على ذلك مضافاً إلى الارتكاز في أذهان عامّة المسلمين ، وأنّ سنخه سنخ الصلاة والحجّ وغيرهما من سائر العبادات ما ورد في غير واحد من النصوص من أنّ الإسلام بُني على خمس : الصلاة ، والزكاة ، والصوم ، والحجّ ، والولاية (1).

إذ من الواضح البديهي أنّ مجرّد ترك الأكل والشرب في ساعاتٍ معيّنة لا يصلح لأن يكون مبنى الإسلام وأساسه ، بل لا بدّ أن يكون شيئاً عباديّاً يُتقرّب به ويضاف إلى المولى ، ولا سيّما مع اقترانه بمثل الصلاة والولاية المعلوم كونها قربيّة ، ويؤكّده ما في ذيل بعض تلك النصوص من قوله عليه السلام : «أما لو أنّ رجلاً قام ليله وصام نهاره وتصدّق بجميع ماله وحجّ جميع دهره


1) الوسائل 1 : 13 / أبواب مقدّمة العبادات ب 1.

ولا يجب الإخطار بل يكفي الداعي (1).

ويُعتبر فيما عدا شهر رمضان حتّى الواجب المعيّن أيضاً القصد إلى نوعه (2)


ولم يعرف ولاية وليّ اللّه فيواليه وتكون جميع أعماله بدلالته إليه ما كان له على اللّه حقٌّ في ثوابه» إلخ (1).

فإنّ من المعلوم من مثل هذا اللسان الذي لا يكاد يخفى على العارف بأساليب الكلام أنّ المراد بالشرط صيام الدهر بعنوان العبادة والإتيان بالمأمور به على وجهه ما عدا جهة الولاية لا مجرّد الإمساك المحض ، وهذا واضح لا غبار عليه.

(1) كما تكرّر البحث عنه في مطاوي هذا الشرح ، ولا سيّما عند البحث حول نيّة الوضوء ، فلاحظ (2).

(2) ذكرنا غير مرّة أنّه لا يُعتبَر في العبادة إلّا أمران : أحدهما : الإتيان بذات المأمور به. والآخر : قصد التقرّب والإضافة إلى المولى نحو إضافة ، فإذا تحقّق الأمران بأيّ نحوٍ كان سقط الأمر العبادي ولا يلزم أزيد من ذلك.

ولكن تحقّق الذات يختلف حسب اختلاف الموارد ، إذ :

تارةً : يكون من الأُمور غير المعنونة بشي‌ء ، كما في القيام والقعود والمشي ونحوها من الأفعال الخارجية ، ففي مثله يكفي الإتيان بنفس هذه الأُمور.

وأُخرى : يكون معنوناً بعنوان خاصّ به وقع تحت الأمر وتعلّق به التكليف ، وإن كانت نفس الذات الخارجية مشتركة بين أمرين أو أُمور ، وهنا لا مناص


1) الوسائل 1 : 7 / أبواب مقدّمة العبادات ب 1 ح 2 نقلاً عن المحاسن كما في التعليق رقم 2 (تحقيق الربّاني).

2) راجع شرح العروة 5 : 17 23.

من الكفّارة أو القضاء أو النذر مطلقاً كان أو مقيّداً بزمانٍ معيّن ، من غير فرقٍ بين الصوم الواجب والمندوب ، ففي المندوب أيضاً يُعتبر تعيين نوعه من كونه صوم أيّام البيض مثلاً أو غيرها من الأيّام المخصوصة ، فلا يجزئ القصد إلى الصوم مع القربة من دون تعيين النوع ، من غير فرقٍ بين ما إذا كان ما في ذمّته متّحداً أو متعدّداً ، ففي صورة الاتّحاد أيضاً يُعتبر تعيين النوع ، ويكفي التعيين الإجمالي ، كأن يكون ما في ذمّته واحداً فيقصد ما في ذمّته وإن لم يعلم أنّه من أيّ نوع وإن كان يمكنه الاستعلام أيضاً ، بل فيما إذا كان ما في ذمّته متعدّداً أيضاً يكفي التعيين الإجمالي ، كأن ينوي ما اشتغلت ذمّته به أوّلاً أو ثانياً أو نحو ذلك.


من تعلّق القصد بنفس العنوان تحقيقاً لحصول الذات المأمور بها.

وهذا كما في الظهرين فإنّهما وإن اشتركتا في الصورة إلا أنّ كلّاً منهما تتقوّم بعنوانٍ به تمتاز عن الأُخرى كما كشف عن ذلك قوله (عليه السلام) : «إلّا أنّ هذه قبل هذه» (1)إذ لولا مراعاة العنوان من الظهريّة والعصريّة لم يكن أيّ معنى للقَبليّة والبَعديّة ، لوضوح أنّ كلّ من أتى بثمان ركعات فطبعاً تقع أربعٌ منها قبل الأربع كما هو الحال في نفس الركعات من الصلاة الواحدة ، فإنّ الركعة الأُولى واقعة قبل الثانية ، وهي قبل الثالثة وهكذا ، فعلمنا من هذا الحكم دخالة العنوان ، فلو أخلّ به فقدّم العصر أو أتى بذات الأربعة من غير قصد الظهر ولا العصر بطل ولم يقع مصداقاً لشي‌ءٍ منهما.

كما أنّ مسألة العدول أيضاً كاشفة عن ذلك كشفاً قطعيّاً ، وإلّا فلا معنى


1) الوسائل 4 : 126 / أبواب المواقيت ب 4 ح 5.

.................................................................................................


لمفهوم العدول هنا كما لا يخفى.

وكما في فريضة الفجر ونافلته ، حيث حكم عليهما بأنّ النافلة وقتها طلوع الحمرة المشرقية ، وبعد ذلك تُقدّم فريضة الفجر ، مع أنّهما متساويتان في الصورة. فعلمنا بذلك أنّ لكلٍّ منهما عنواناً به تمتاز عن الأُخرى.

وكما في مطلق الفريضة والنافلة من الصلاة والصيام ، حيث ورد النهي تحريماً أو تنزيهاً على الخلاف عن التطوّع في وقت الفريضة. فعلمنا أنّ هناك طبيعتين أُمرنا بإحداهما ونُهينا عن الأُخرى وإن كانتا مشتركتين في الصورة ولا ميز بينهما إلّا بعنوان الفريضة والنافلة.

وهكذا الحال في الأداء والقضاء ، وفي القضاء عن النفس أو الغير من الولي أو من الأجنبي باستئجار أو تبرّعٍ ونحوهما ، فلو صلّى أو صام من غير قصد الفريضة ولا النافلة أو بلا قصد الأداء ولا القضاء ، أو قصد القضاء ولكن لا عن نفسه ولا عن غيره ، لم يقع مصداقاً لشي‌ء من ذلك. وقد وقع الكلام في جواز القضاء عن الغير باستئجار ونحوه ممّن ذمّته مشغولة بالقضاء عن نفسه. فيعلم من ذلك أنّ القضاء عن النفس وعن الغير طبيعتان كلّ منهما محكوم بحكم مغاير للآخر وإن اتّحدا صورةً.

وهكذا الحال في موارد صوم الكفّارة والنذر ، فإنّ المعتبر تعلق القصد بكلّ من العنوانين ، فلو صام نذراً لا يقع عن الكفّارة وبالعكس ، كما أنّه لو صام بلا قصد لا يقع عن شي‌ء منهما.

بل وكذا الحال لو كان الاختلاف من حيث التقييد بالزمان ، كصوم أيّام البيض أو أوّل الشهر ، فلو صام من غير قصد لجهلٍ ونحوه لم يقع امتثالاً لهذا الأمر ، وإن كان هو صحيحاً في نفسه ، كما لو صلّى في مكانٍ ولم يدر أنّه مسجدٌ فطبعاً لم يقصد الأمر بالصلاة في المسجد ، فهذه الخصوصيّة لم تقع.

.................................................................................................


وعلى الجملة : ففي جميع هذه الموارد نستكشف اختلاف الحقائق من اختلاف الآثار والأحكام وإن اتّحدت في الصورة ، فلا بدّ من قصد تلك العناوين رعايةً لتحقّق الذات المأمور بها ، فكلّ خصوصيّة ملحوظة في المأمور به لا مناص من تعلّق القصد بها حسبما عرفت.

هذا كلّه في غير النافلة والنذر.

وأمّا لو نذر صوم يومٍ إمّا مطلقاً كصوم يومٍ من رجب ، أو مقيّداً كيوم أوّل جمعة منه ، فهل يعتبر في سقوط الأمر وتحقّق الوفاء تعلّق القصد بعنوان النذر؟ فلو اتّفق أنّه صام نافلةً غافلاً عن نذره حنث ، أم أنّه يكتفي بذلك ولا حاجة إلى مراعاة القصد المزبور؟

لا يبعد المصير إلى الثاني ، بل لعلّه الظاهر ، فإنّ الأمر النذري توصّلي لا يحتاج سقوطه إلى قصد هذا العنوان ، كما هو الحال في العهد واليمين والشرط في ضمن العقد ونحو ذلك. ومناط العباديّة إنّما هو الأمر النفسي الاستحبابي العبادي المتعلّق بذات المتعلّق وفي رتبة سابقة على الأمر الناشئ من قبل النذر ونحوه ، دون هذا الأمر ، فإنّه توصّلي كما عرفت فلا يجب قصده ، فلو نذر أن يصلّي نافلة الليل في ليلة خاصّة فغفل ، ومن باب الاتّفاق صلّى تلك الليلة برئت ذمّته وتحقّق الوفاء وإن كان غافلاً عنه.

والحاصل : أنّ ما ذكرناه من أنّه ربّما يؤخذ في متعلق الأمر عنوان قصدي كعنوان الظهر والعصر والقضاء والكفّارة ونحو ذلك لا يجري في مثل النذر والنافلة ، لعدم أخذه في المتعلّق ، بل المتعلّق هو نفس النافلة وقد حصلت حسب الفرض ، والأمر بالوفاء بالنذر توصّلي ، ومناط العباديّة شي‌ء آخر كما عرفت ، ولا يكون النذر مشرعاً ، وإنّما يتعلّق بشي‌ء مشروع في نفسه وعبادي قبل تعلّق النذر به.

وأمّا في شهر رمضان فيكفي قصد الصوم وإن لم ينو كونه من رمضان (1) ، بل لو نوى فيه غيره جاهلاً أو ناسياً له أجزأ عنه.

نعم ، إذا كان عالماً به وقصد غيره لم يجزئه كما لا يجزئ لما قصده أيضاً (1)، بل إذا قصده غيره عالماً به مع تخيّل صحّة الغير فيه ثمّ علم بعدم الصحّة وجدّد نيّته قبل الزوال لم يجزئه أيضاً بل الأحوط عدم الإجزاء إذا كان جاهلاً بعدم صحّة غيره فيه. وإن لم يقصد الغير أيضاً بل قصد الصوم في الغد مثلاً (2)فيعتبر في مثله تعيين كونه من رمضان ،


(1) هل يصحّ صومٌ آخر في شهر رمضان ليتردّد فيحتاج إلى قصد التعيين ، أو أنّه لا يصحّ ، بل هو متعيّن فيه بالذات فلا يحتاج إلى القصد؟

فنقول : إنّ للمسألة صوراً :

إحداها : ما إذا كان المكلّف في نفسه ممنوعاً من الصيام بلا فرقٍ بين رمضان وغيره ، في رمضان أو في غيره ، لفقد شرطٍ أو وجود مانعٍ من مرضٍ أسفرٍ أو حيضٍ أو نفاسٍ ونحو ذلك ، ولا إشكال في بطلان صومه والحال هذه بأيّ عنوان كان ، فلو صام وهو في السفر ولو عن نذر غير متقيد بالسفر بطل ، لأنّ ما دلّ على عدم جواز الصيام في السفر إلّا ما استثني كما في بدل الهدي يدلّ على عدم مشروعيّته في نفسه من غير خصوصيّة لصوم رمضان.

ولا حاجة إلى الاستدلال كما في الجواهر (3)بالنبوي : «ليس من البرّ الصيام في السفر» (4)، بل النصوص الصحيحة قد دلّت على ذلك ، التي منها : صحيحة


1) (*) على إشكال أحوطه ذلك.

2) (**) لا يبعد الإجزاء فيه.

3) جواهر الكلام 16 : 332 333.

4) الوسائل 10 : 177 / أبواب من يصح منه الصوم ب 1 ح 10.

.................................................................................................


صيقل ، قال : كتبت إليه : يا سيّدي ، رجلٌ نذر أن يصوم يوماً من الجمعة دائماً ما بقي ، فوافق ذلك اليوم يوم عيد فطر أو أضحى أو أيّام تشريق أو سفر أو مرض ، هل عليه صوم ذلك اليوم أو قضاؤه ، أو كيف يصنع يا سيّدي؟ فكتب إليه : «قد وضع اللّه عنك الصيام في هذه الأيّام كلّها ، ويصوم يوماً بدل يوم» (1).

فيعلم منها أنّ هذه الموارد التي منها السفر غير صالحة للصيام ، لا لأجل رمضان ، بل للمانع العامّ الشامل لغيره أيضاً.

الثانية : ما إذا كان الصوم سائغاً من المكلّف في حدّ نفسه ، ولكنّه لا يصحّ إيقاع صوم رمضان بالخصوص لكونه مسافراً ، فهل يصح منه صوم يوم آخر لم يكن السفر مانعاً عنه ، كما لو كان ناذراً صوم يومٍ في السفر إمّا مطلقاً ، أو على تقدير خاصّ ، مثل : أن نذر أن يصوم في اليوم الذي يولد له ولدٌ وإن كان في السفر ، فولد له وهو في السفر وصادف أنّه من شهر رمضان ، فهل يصحّ منه الصوم حينئذٍ وفاءً عن نذره أو لا؟

أمّا دعوى عدم الصحّة استناداً إلى المزاحمة فغير قابلة للإصغاء ، إذ المفروض عدم وقوع رمضان منه ليكون طرفاً للمزاحمة ، لسقوطه عن المسافر وتعيّن القضاء عليه ، فلا بدّ اذن من البحث عن مانعٍ آخر.

وقد قيل بل ادُّعي الإجماع عليه - : إنّ أيّام رمضان لا تقبل أيّ صوم ما عدا صوم رمضان ، فإن كان المكلّف معذوراً منه انتفى عنه كلّ صوم في هذا الشهر ، فحال أيام رمضان حال الليالي بالنسبة إلى سائر أقسام الصيام. وعليه ، فلا يصحّ صوم النذر في الفرض المزبور.

ويندفع بعدم تحقّق الإجماع التعبّدي الكاشف عن رأي المعصوم (عليه السلام) ،


1) الوسائل 10 : 196 / أبواب من يصحّ منه الصوم ب 10 ح 2.

.................................................................................................


ولم ترد رواية تدلّ على المنع ، والآية المباركة أيضاً لا تقتضيه ، فإنّ قوله تعالى ( فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ ) إلخ (1)، ناظرٌ إلى أنّ المسافر لا يجب عليه صوم رمضان ، لا أنّه لا يصحّ منه صوم آخر وأنّ الشهر لا يكون قابلاً لما عداه ، فهي أجنبيّة عن التعرّض لصوم النذر وغيره بالكلّيّة ، فليس لدينا أيّ دليل يدلّ على المنع ، فنبقى نحن ومقتضى القاعدة ، ولا ريب أنّ مقتضاها هو الجواز ، أخذاً بإطلاق دليل وجوب الوفاء بالنذر المتعلّق بالصوم في السفر بعد الفراغ عن صحّة هذا النذر في نفسه كما هو المفروض الشامل لما إذا كان السفر في رمضان.

وعليه ، فالأقوى صحّة الصوم المزبور بل وجوبه ، عملاً بالنذر ، إلّا أن يقوم إجماعٌ على الخلاف ، وقد عرفت الحال فيه.

الثالثة : ما إذا كان مكلّفاً بالصيام من شهر رمضان.

والبحث هنا يقع في جهات :

الاولى : هل الصوم في شهر رمضان معنون بعنوان خاصّ يجب قصده لدى التصدّي لامتثاله فلا يكفي مجرّد صوم الغد ، أو أنّه عارٍ عن العنوان وغير متقيّد بشي‌ء؟

فصّل في المتن بين صورتي العلم بعدم صحّة غير رمضان في رمضان والجهل بذلك ، فيكفي صوم الغد في الأوّل ولا حاجة إلى قصد خصوصيّة رمضان بعنوانه الخاصّ ، بل يكفي تعلّق القصد بطبيعي الصوم.

وهذا بخلاف الثاني ، إذ مع الجهل وتخيّل صحّة صوم آخر فيه فللصوم في هذا الشهر أقسامٌ بنظره ولم يقصد قسماً خاصّاً ، ولأجله احتاط في كفاية صوم الغد


1) البقرة 2 : 184.

.................................................................................................


واعتبر حينئذٍ تعيين كونه من رمضان.

ولكن الظاهر عدم الفرق بين القسمين :

أمّا في القسم الأوّل : فلا ينبغي الإشكال في الصحّة ، فإنّ الملتفت إلى أنّه لا يصحّ منه أيّ صوم إلّا رمضان وقد قصد طبيعي الصوم وتقرّب بذلك ، فلا جرم يكون هذا منه إشارة إجمالية ونيّة ارتكازيّة إلى صوم رمضان بطبيعة الحال.

ولو تنازلنا عن هذا البيان وفرضنا عدم استقامته ، أمكن تصحيح الصوم المزبور بوجهٍ آخر يظهر منه الحال في القسم الثاني أيضاً بمناطٍ واحد ، وهو أنّه لم يظهر من شي‌ء من الأدلة لا الكتاب ولا السنة أخذ عنوان شهر رمضان في صحّة صومه حتّى يلزم قصده ، بل اللازم تعلّق القصد بنفس الصوم مع العلم بأنّ غداً من رمضان كما هو ظاهر قوله تعالى ( فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ) (1)أي من علم بالشهر يصوم ذلك الشهر ، بحيث يكون الشهر ظرفاً للصوم لا قيداً مأخوذاً في العنوان ليلزم تعلّق القصد به.

نعم ، يُعتبَر أن لا يقصد عنواناً آخر من العناوين المضادة لرمضان كالكفّارة أو النيابة أو القضاء ونحو ذلك ممّا لا ينطبق عليه ، وأمّا إذا لم يقصد شيئاً منها وقصد طبيعي الصوم غداً القابل للانطباق على رمضان فلم يدلّ أيّ دليل على عدم الاجتزاء به ، فالقيد المعتبر عدمي لا وجودي ، أي يعتبر أن لا يؤخذ عنوانٌ آخر لا أن يؤخذ عنوان رمضان ، ولا فرق في ذلك بين العالم والجاهل من الشاكّ أو المعتقد بالخلاف ، فمتى قصد الطبيعي ولم يقيّده بعنوانٍ آخر صحّ وكان مصداقاً للواجب.

وبعبارةٍ اخرى : الصوم في شهر رمضان كالصوم في سائر الأيّام ، غاية الأمر أنّ الصوم في سائر الأيام بعنوان أنّه صوم مستحبٌّ وهنا واجب ، ولم يؤخذ في


1) البقرة 2 : 185.

.................................................................................................


شي‌ء منهما عنوانٌ آخر وراء نفس الطبيعة.

نعم ، قد يُقصَد عنوانٌ آخر مضادّ ، ولأجله لا يقع عن رمضان ، وذلك أمر آخر نتكلّم فيه.

فتحصّل : أنّ صوم رمضان لا يتوقّف إلّا على نيّة طبيعي الصوم المقيّد بعدم قصد عنوان آخر وبقصد التقرّب ، وكلا الأمرين حاصلٌ حسب الفرض ، والعلم والجهل في ذلك شرع سواء.

الجهة الثانية : لو قصد الملتفت إلى أنّ غداً من رمضان وهو مكلّف به صوماً آخر من قضاءٍ أو كفارةٍ ونحوهما سواء كان عالماً بتعيّن رمضان عليه أم جاهلاً بذلك ، فهل يصحّ صومه؟

أمّا بالنسبة إلى صوم رمضان والاجتزاء به عنه فلا ينبغي الشكّ في عدم الصحّة ، لعدم إتيانه بالمأمور به ، فإنّه كان متقيّداً بعدم قصد عنوان آخر حسبما عرفت في الجهة السابقة ، والمفروض قصده ، فما هو المأمور به لم يأت به ، وما أتى به لم يكن مأموراً به من رمضان ، والإجزاء يحتاج إلى الدليل ، ولا دليل ، وهذا ظاهر.

وأمّا بالنسبة إلى الصوم الآخر الذي قصده ، فالمشهور والمعروف هو عدم الصحّة ، بل قد ادُّعي الإجماع والتسالم على أنّ شهر رمضان لا يقبل صوماً غيره ، ولكن من المحتمل بل المظنون بل المقطوع به ولا أقلّ من الاطمئنان : أنّ أكثر من ذهب إلى ذلك إنّما ذهبوا بناءً منهم على امتناع الأمر بالضدّين ، فإنّه مأمور بالصيام من رمضان على الفرض فكيف يؤمر في عين الحال بصوم آخر مضادّ له؟! سواء قلنا بأنّ الأمر بالشي‌ء يقتضي النهي عن ضدّه أم لا.

أمّا على الأوّل فواضح ، وكذا على الثاني ، إذ لا أقل من عدم الأمر كما ذكره

.................................................................................................


شيخنا البهائي (1)فتفسد العبادة من أجل عدم الأمر بها.

ولكن بناءً على ما سلكناه في الأُصول (2)وسلكه من سبقنا من جواز الأمر بالضدّين على سبيل الترتب بأن يؤمَر بأحدهما مطلقاً ، والآخر على تقدير ترك الأوّل من غير أيّ محذور فيه حسبما فصّلنا القول فيه في محلّه ، وشيّدنا تبعاً لشيخنا الأُستاذ (قدس سره) (3)أساسه وبنيانه كان مقتضى القاعدة هو الحكم بالصحّة في المقام ، بأن يؤمَر أوّلاً بصوم رمضان ثمّ بغيره على تقدير تركه ، فإنّ هذا ممكن في نفسه حتّى على القول بأنّ الأمر بالشي‌ء يقتضي النهي عن ضدّه فضلاً عن عدمه ، إذ هو نهيٌ غيري لا يقتضي الفساد بوجه ، وقد أشرنا في محلّه إلى أنّ إمكانه مساوقٌ لوقوعه من غير حاجة إلى التماس دليل بالخصوص.

وعليه ، فالحكم بالفساد مشكلٌ جدّاً ، لعدم تماميّة الإجماع ، بل الجزم بعدم التماميّة ، ومقتضى القاعدة هو الحكم بالصحّة حسبما عرفت.

ثمّ إنّ المحقّق الهمداني (قدس سره) ذكر أنّه قصد الملتفت إلى رمضان صوماً غيره جهلاً بحيث تمشّى منه قصد القربة ، وقع عن رمضان دون ما نواه ، نظراً إلى أنّه لا يُعتبَر في رمضان قصد الخصوصيّة ولا تتقوّم حقيقته بشي‌ءٍ عدا الإمساك في هذا الوقت متقرّباً إلى اللّه تعالى وقد حصل ، وقصد الخلاف زائدٌ يُلغى ، ولا يكون قادحاً ، فإنّه من باب الخطأ في تشخيص الأمر المتوجّه إليه ، فكأنّ الداعي هو ما تخيّله لا ما أُمر به ، ولا ضير فيه بعد حصول الفعل على الوجه الذي تعلّق به الطلب كما عرفت (4).


1) الحبل المتين : 151.

2) أجود التقريرات 1 : 310.

3) أجود التقريرات 1 : 310.

4) مصباح الفقاهة : 169.

.................................................................................................


ويندفع بما أسلفناه قريباً من أنّ صوم رمضان وإن لم يكن مقيّداً بخصوصيّة وجوديّة إلّا أنّه مقيّدٌ بعنوان عدمي ، وهو عدم قصد الخلاف من سائر أقسام الصيام المانع عن انطباق الطبيعي على رمضان وهو غير متحقّق في المقام.

وعلى الجملة : إمّا أن يتعلق القصد بطبيعي الصوم على الإطلاق ، أو بالمقيّد برمضان ، أو بالمقيّد بخلافه ، ولا رابع ، فإنّ الإهمال في الواقعيّات أمرٌ غير معقول ، والصحّة تتوقف على تعلق القصد بأحد النحوين الأولين ، وهما منفيّان في المقام ، لفرض تعلّق النيّة بالخلاف الذي هو النحو الثالث الباطل ، ولا يصحّحه حديث الخطأ ، إذ بعد أن أوجب فقد القيد العدمي المزبور المانع عن الانطباق على رمضان فكيف يقع عنه؟! نعم ، يصحّ عمّا نواه على سبيل الترتّب على النحو الذي عرفت ، ويكون عاصياً في صورة العلم ، معذوراً في صورة الجهل كما هو ظاهر.

الجهة الثالثة : لو قصد في رمضان غيره جاهلاً أو ناسياً ثمّ انكشف الخلاف ، فهل يجزئ عنه؟

أمّا في الجاهل بالحكم فقد عرفت أنّه لا يجزئ وإن علم بالحال أثناء النهار وجدّد النيّة قبل الزوال كما ذكره في المتن ، لأنّ صوم رمضان مقيّد بقيد عدمي ، وهو أن لا ينوي غيره كما مرّ ، والمفروض أنه نوى ذلك ، ولا دليل على إجزاء غير المأمور به عن المأمور به ، كما لا دليل على جواز التجديد في المقام بعد كونه خلاف الأصل.

وأمّا في الجاهل بالموضوع أي أنّ هذا اليوم من رمضان كما لو صام في يوم الشكّ بعنوان شعبان ثمّ بان أنّه من رمضان فقد دلّت الروايات المستفيضة على الاجتزاء والصحّة وأنّ ذلك يومٌ وُفِّق له.

وهل يلحق به الناسي كما لو رأى الهلال ثمّ ذهل وغفل وصام تطوّعاً مثلاً -

كما أنّ الأحوط في المتوخّي أي المحبوس (1) الذي اشتبه عليه شهر رمضان وعمل بالظنّ أيضاً ذلك أي اعتبار قصد كونه من رمضان بل وجوب ذلك لا يخلو عن قوّة.


ثمّ ذكر أثناء النهار ، فهل له العدول؟

الظاهر هو اللحوق ، فإنّه وإن كان خارجاً عن مورد النصوص إلّا أنّ الفهم العرفي من تلك الأخبار يقتضي عدم الفرق بينه وبين الجهل ، وأنّ هذه الخصوصية ملغاة وغير دخيلة في مناط الحكم ، ولذا لو فرضنا عدم جهله بل كان عالماً قاطعاً بأنّ غداً من شعبان فصامه تطوّعاً ثمّ بان الخلاف قبل الزوال فلا إشكال في شمول الحكم له وإن كان خارجاً أيضاً عن مورد تلك النصوص ، ضرورة أنّ مثل التعبير بقوله : يومٌ وُفِّق له ، يدلّنا بوضوح على عدم خصوصيّة للجهل في ثبوت هذا الحكم بوجهٍ كما لا يخفى.

(1) لا يخفى أنّ مثل المحبوس ونحوه ممّن لا علم له بشهر رمضان ولا يمكنه الاستعلام بما أنّه يعلم إجمالاً بوجوب صيام شهر في مجموع السنة فمقتضى القاعدة هو الاحتياط بصيام الجميع تحصيلاً للقطع بالفراغ.

ولكن الإجماع قائم على عدم وجوبه في حقّه ، مضافاً إلى أنّ الأمر فيه دائرٌ بين محذورين ، إذ كلّ يوم كما يحتمل أن يكون من رمضان يحتمل أيضاً أن يكون من الأيّام التي يحرم صومها كالعيدين ، وعليه فلا مناص من التنزّل عن الامتثال القطعي إلى التوخّي والامتثال الظنّي إن أمكن ، وإلّا فإلى الامتثال الاحتمالي ، وحينئذٍ فصومه بحسب الواقع دائرٌ بين أُمور ثلاثة ، لأنّه إمّا أن يقع قبل رمضان ، أو فيه ، أو بعده.

فإذا انكشف الحال وكان الأوّل فهو تطوّعٌ ولا يجزئ عن رمضان ، إذ

[2360] مسألة 1 : لا يشترط التعرّض للأداء والقضاء (1) ، ولا الوجوب والندب ، ولا سائر الأوصاف الشخصيّة ، بل لو نوى شيئاً منها في محلّ الآخر صحّ ، إلّا إذا كان منافياً للتعيين ، مثلاً : إذا تعلّق به الأمر الأدائي فتخيّل كونه قضائيّاً : فإن قصد الأمر الفعلي المتعلّق به واشتبه في التطبيق فقصده قضاءً (1)صح ، وأمّا إذا لم يقصد الأمر الفعلي بل قصد الأمر القضائي بطل ، لأنّه منافٍ


لا دليل على الإجزاء قبل حلول الإيجاب.

وإن كان الثاني فهو المطلوب ويجزئ حتّى مع عدم تبيّن الحال واستمرار الجهل ، فكيف بما إذا علم به وظهر؟! وإن كان الثالث كان قضاءً. وعلى ذلك فالمأتي به مردّد بين التطوّع ورمضان وقضائه ، ولأجله لا بدّ من تعيين أنّه من رمضان ليحسب منه إمّا أداءً أو قضاءً ، وإلّا فلو لم يعيّن وقصد طبيعي الصوم لم يقع عنه بل كان نافلةً وتطوّعاً ، فمن هذه الجهة احتاط (قدس سره) بالتعيين ، بل ذكر أنّ وجوبه لا يخلو من قوّة.

(1) نفى (قدس سره) اشتراط جملة من الأُمور في تحقّق العبادة ، لعدم دخلها في مسمّى الطاعة ، وهو وجيهٌ في الجملة لا بالجملة ، لعدم خلوّ بعضها من المناقشة.

أمّا التعرض للأداء والقضاء فممّا لا بد منه ، ضرورة اختلاف متعلّق أحدهما


1) (*) الظاهر أنّ القضاء والأداء طبيعتان متغايرتان ، ويترتّب على ذلك أنّه إذا كان الواجب في الواقع أداءً فتخيّل كونه قضاءً وأتى به بقصد أنّه قضاء بطل وكذا العكس ولو كان ذلك من جهة الاشتباه في التطبيق ، نعم في خصوص شهر رمضان إذا أتى بالصوم بتخيّل كونه قضاءً صحّ من رمضان دون العكس.

للتعيين حينئذٍ ، وكذا يبطل إذا كان مغيّراً للنوع كما إذا قصد الأمر الفعلي لكن بقيد كونه قضائياً مثلاً أو بقيد كونه وجوبيّاً مثلاً (1)فبان كونه أدائيّاً أو كونه ندبيّاً ، فإنّه حينئذٍ مغيّرٌ للنوع ويرجع إلى عدم قصد الأمر الخاصّ.


عن الآخر ، فإنّ الأوّل هو العمل المأتيّ به في الوقت المضروب له ، والثاني هو الفعل في خارج الوقت ويتعلّق به أمر آخر على تقدير ترك الأوّل ، فهما متعدّدان أمراً ومتغايران متعلّقاً ، فإذا تعدّد المأمور به فلا مناص من قصده ولو إجمالاً ، ليمتاز عن غيره ، فلو صام وهو لا يدري أنّه أداءٌ أو قضاءٌ ولكن قصد الأمر الفعلي الذي هو نوع تعيين للمأمور به ولو بالإشارة الإجماليّة كفى ، أمّا لو قصد أحدهما مردّداً أو معيّناً وبقيد كونه أداءً مثلاً ثمّ انكشف الخلاف بطل ، لعدم تعلّق القصد بالمأمور به ، وغيره لا يجزئ عنه.

وأمّا نيّة الوجوب والندب فغير معتبرة كما ذكره في المتن ، لأنّهما خصوصيّتان قائمتان بنفس الأمر ولا يختلف متعلّق أحدهما عن الآخر ، فليست هذه الخصوصيّة مأخوذة في المتعلّق كما في الأداء والقضاء لتلزم رعايتها ، وإنّما هي من عوارض الأمر نفسه مع وحدة المتعلّق وهو الصوم الكذائي ، فلو تخيّل أنّ صوم شهر رمضان مستحبٌّ فصام بقصد القربة وامتثال الأمر فقد تحقّقت العبادة ، كما لو تخيّل أنّ صلاة الليل واجبة فصلّى بتخيّل الوجوب فإنّها تصحّ ، وإن كان ذلك بنحو التقييد ، بحيث لو كان يعلم أنّها غير واجبة لم يكن ليقوم في جوف الليل ، إذ لا أثر للتقييد في أمثال المقام من الموجودات الخارجية والجزئيّات الحقيقيّة ،


1) (*) الظاهر أنّه لا أثر للتقييد من جهة الوجوب والندب.

.................................................................................................


وإنّما يتّجه التقييد في العناوين الكلّيّة ، كما تكرّرت الإشارة إليه في مطاوي هذا الشرح.

ومن ثمّ حكمنا بصحّة الاقتداء خلف من في المحراب بعنوان أنّه زيد فبان أنّه عمرو وإن كان ذلك بنحو التقييد ، إذ لا يعقل التقييد لدى التحليل ، فإنّ الاقتداء جزئي خارجي دائر أمره بين الوجود والعدم ، ولا إطلاق فيه كي يقيَّد.

وجميع هذه الموارد وما شاكلها إنّما هي من باب تخلّف الداعي دون التقييد.

وكيفما كان ، فليس الوجوب والاستحباب مثل الأداء والقضاء فإنّهما من خصوصيّات الأمر ، وهذان من خصوصيّات المأمور به ، وهذا هو الفارق الموجب للزوم تعلّق القصد بالثاني دون الأوّل ، فلا يقاس أحدهما بالآخر.

هذا على مسلك المشهور من كون الوجوب والاستحباب مجعولين شرعاً.

وأمّا على ما هو التحقيق من أنّهما بحكومة العقل ومنتزعان من اقتران طلب المولى بالترخيص في الترك وعدمه ، وأنّه على الثاني يستقلّ العقل بمقتضى قانون العبوديّة والمولويّة بوجوب الطاعة دون الأوّل فالأمر أوضح ، لعدم كونهما حينئذٍ لا من خصوصيّات المأمور به ولا من خصوصيّات الأمر.

وأمّا سائر الخصوصيات والأوصاف الشخصيّة فمن الضروري عدم لزوم تعلّق القصد بها ، لعدم دخلها في المأمور به كالأمر بوجه ، ولا يخلو عنها أيّ فرد ، فإنّ صيام رمضان هذا العام بقيد أنّه عام ثلاثة وتسعين بعد الألف والثلاثمائة وفي الخريف من الفصول لا مدخل له في الصحّة لتلزم النيّة ، وما أكثر تلك الخصوصيّات ، فلو قصدها وأخطأ لم يقدح في الصحّة. وقد تقدّم أنّ العبادة تتقوّم بركنين : الإتيان بذات العمل ، وقصد القربة الخالصة ، ولا يعتبر شي‌ء آخر أزيد من ذلك.

[2361] مسألة 2 : إذا قصد صوم اليوم الأوّل من شهر رمضان فبان أنّه اليوم الثاني مثلاً أو العكس صحّ (1) ، وكذا لو قصد اليوم الأوّل من صوم الكفارة أو غيرها فبان الثاني مثلاً أو العكس ، وكذا إذا قصد قضاء رمضان السنة الحالية فبان أنّه قضاء رمضان السنة السابقة وبالعكس.


(1) لأنّ خصوصيّة الأوّل أو الثاني من صوم رمضان أو غيره وكذا كون القضاء من هذه السنة أو السابقة بأن كان حدوث الأمر بالقضاء سابقاً أو لاحقاً ، كلّ ذلك من قبيل الأوصاف الشخصيّة التي عرفت في المسألة السابقة عدم اعتبارها في النيّة ، لعدم دخلها في الأمر ولا في المتعلّق ، فلا يلزم قصدها ، بل لا يضرّ قصد الخلاف خطأً بعد أن أتى بذات العمل متقرباً ، وهذا نظير ما لو أجنب واعتقد أن عليه غسلاً سببه حدث في هذا اليوم فبان أنّه اليوم الآخر أو بالعكس ، فإنّ ذلك لا يضرّ بالصحّة بوجهٍ كما هو ظاهر.

نعم ، لو كان عليه قضاءان : أحدهما من هذه السنة ، والآخر من السنة السابقة ، فحيث إنّ أحدهما وهو القضاء عن السنة الحاليّة يختصّ بأثر وهو سقوط الكفّارة لثبوتها لو لم يقض حتّى مضى الحول فنحتاج في ترتّب الأثر إلى تعلّق القصد بهذه السنة بالخصوص ، وإلّا فلو نوى طبيعي القضاء من غير القصد المزبور وقع عمّا هو أخفّ مئونة ، وهي السنة السابقة المشاركة مع هذه السنة في أصل القضاء ، دون الحاليّة ، لاحتياجها كما عرفت إلى عناية زائدة ولحاظ الخصوصيّة حتّى تؤثّر في سقوط كفّارة التأخير ، والمفروض عدمها ، فهو امتثال لمطلق الطبيعة المنطبق قهراً على السابقة لكونها خفيفة المئونة ، ولا يكون مصداقاً لامتثال الشخص ليترتّب عليه الأثر.

وهذا نظير ما لو كان مديناً لزيد بعشرة دنانير وقد كان مديناً له أيضاً

[2362] مسألة 3 : لا يجب العلم بالمفطرات على التفصيل ، فلو نوى الإمساك عن أُمور يعلم دخول جميع المفطرات فيها كفى (1).

[2363] مسألة 4 : لو نوى الإمساك عن جميع المفطرات ولكن تخيّل أنّ المفطر الفلاني ليس بمفطر (2) ، فإن ارتكبه في ذلك اليوم بطل صومه ، وكذا إن لم يرتكبه ولكنّه لاحظ في نيّته الإمساك عمّا عداه ، وأمّا إن لم يلاحظ ذلك صحّ صومه (1)في الأقوى.


بعشرة أُخرى بعنوان الرهانة ، فأدّى عشرة لطبيعي الدين من غير قصد فكّ الرهن ، فحيث إنّه لم يقصد هذه الخصوصيّة فلا جرم كانت باقية ، وينطبق الطبيعي على الأوّل الأخفّ مئونة بطبيعة الحال.

(1) فيما إذا كان ضمّ غير المفطر ونيّة الإمساك عن الكلّ من باب الاحتياط ومقدّمة للإمساك عن جميع المفطرات المعلومة إجمالاً ، لا من باب التشريع ، وذلك لكفاية النيّة الإجماليّة بعد تحقّق الصوم منه متقرّباً ، إذ لا دليل على لزوم معرفتها بالتفصيل ، وهكذا الحال في باب تروك الإحرام.

(2) أمّا البطلان في فرض ارتكاب ما تخيّل عدم مفطريّته كالارتماس فلاستعمال المفطر وإن لم يعلم به ، لعدم إناطته فيجب القضاء ، وفي ثبوت الكفّارة بحثٌ سيجي‌ء في محلّه إن شاء اللّه تعالى.

وأمّا فرض عدم الارتكاب فهو على نحوين :

إذ تارةً : يلاحظ في نيّته الإمساك عمّا عداه ، بحيث تكون النيّة مقصورة على ما عدا الارتماس ومقيّدة بعدم الاجتناب عنه ، ولا ريب في البطلان حينئذٍ


1) (*) هذا إذا اندرج ذلك المفطر فيما نواه ، وإلّا بطل صومه على الأقوى.

[2364] مسألة 5 : النائب عن الغير لا يكفيه قصد الصوم بدون نيّة النيابة (1) وإن كان متّحداً.


أيضاً ، لأنّه لم ينو المأمور به تماماً وعلى وجهه المقرّر شرعاً ، فإنّه الإمساك عن أُمور ومنها الارتماس ، ولم يتعلّق القصد بهذا المجموع وإنّما نوى بعضه وجزءاً منه الذي هو مأمور ضمناً لا استقلالاً ، وهو لا يكفي عن نيّة الكلّ كما هو واضح.

واخرى : لم يلاحظ ذلك ، بل نوى الإمساك من غير تقييد ، وقد حكم الماتن (قدس سره) بصحّته في هذه الصورة ، ولكنّه لا يتمّ على إطلاقه ، بل ينبغي التفصيل ، فإنّها أيضاً على قسمين :

إذ تارةً : ينوي الإمساك إجمالاً عن كلّ ما يكون مفطراً في الشريعة أو ما هو موجود في الرسالة ، غير أنّه لا يعلم أنّ الارتماس مثلاً مفطر أو أنّه يعتقد عدمه ، كما ربّما يتّفق ذلك لكثير من عوام الناس ، فإنّ العلم التفصيلي بجميع المفطرات خاصٌّ بذوي الفضل وبعض الأخيار ، أمّا غالب العوام فلا يدرون بها ولا يسعهم تعدادها ومع ذلك يقصدون الصوم الذي أمر به الشارع ، وهنا يحكم بالصحّة كما ذكره الماتن ، لأنّ عدم ارتكاب الارتماس مثلاً داخل في المنوي حينئذٍ إجمالاً لا تفصيلاً ، وهو كافٍ كما تقدّم.

وأُخرى : تلاحظ النية مهملة من هذه الناحية بحيث لم يكن الارتماس منويّاً بالكلّيّة لا تفصيلاً ولا إجمالاً ، ولا ينبغي التأمل في البطلان حينئذٍ كما في الصورتين الأُوليين ، لعدم قصد المأمور به على وجهه الراجع إلى عدم قصد الامتثال كما هو ظاهر.

(1) إذ بعد أن رخّص الشارع في النيابة وتفريغ ذمّة الغير الذي هو أمر على خلاف القاعدة كما لا يخفى من الميّت أو الحي كما في الحجّ في بعض الموارد ،

نعم ، لو علم باشتغال ذمته بصوم ولا يعلم أنّه له أو نيابة عن الغير يكفيه أن يقصد ما في الذمّة (1).

[2365] مسألة 6 : لا يصلح شهر رمضان لصوم غيره (1)(2) ، واجباً كان ذلك الغير أو ندباً ، سواء كان مكلّفاً بصومه أو لا كالمسافر ونحوه ، فلو نوى صوم غيره لم يقع عن ذلك الغير ، سواء كان عالماً بأنّه رمضان أو جاهلاً ، وسواء كان عالماً بعدم وقوع غيره فيه أو جاهلاً ، ولا يجزئ عن رمضان أيضاً إذا كان مكلّفاً به مع العلم والعمد.

نعم ، يجزئ عنه مع الجهل أو النسيان كما مرّ.

ولو نوى في شهر رمضان قضاء رمضان الماضي أيضاً لم يصحّ قضاءً ، ولم يجزئ عن رمضان أيضاً مع العلم والعمد.

[2366] مسألة 7 : إذا نذر صوم يوم بعينه لا تجزئه نيّة الصوم بدون تعيين أنّه للنذر ولو إجمالا كما مرّ (3).


فإنّما تتحقّق النيابة ويقع الفعل عن المنوب عنه بالقصد والإضافة إليه ، وإلّا فبدونه لا يتحقّق عنه ، بل يقع فعل نفسه عن نفسه بطبيعة الحال.

(1) لرجوعه إلى قصد النيابة على تقديرها ، وهو كافٍ كما لا يخفى.

(2) تقدّم الكلام حول هذه المسألة مستقصى ، فلاحظ إن شئت ولا نعيد (2).

(3) قد يفرض تعلّق النذر بطبيعي الصوم على وجه الإطلاق من غير تقييد بقسم خاص.


1) (*) على الأحوط.

2) ص : 15 21.

ولو نوى غيره : فإن كان مع الغفلة عن النذر صحّ ، وإن كان مع العلم والعمد ففي صحّته إشكال (1).


وأُخرى : يكون مقيّداً بحصّة خاصّة ونوع معيّن كقضاء أو كفّارة ونحوهما.

أمّا الأوّل : فلا إشكال فيما إذا صام قاصداً به عنوان الوفاء بالنذر.

وأمّا إذا صام من غير قصد الوفاء ، بل نوى مجرّد القضاء أو التطوّع ونحو ذلك ، فهل يسقط به النذر؟

حكم في المتن بعدم السقوط وأنّه لا بدّ من تعيين أنّه للنذر ولو إجمالاً.

وليس له وجه ظاهر ، فإنّ الأمر الناشئ من قبل النذر توصّلي لا يجب قصده ، غاية الأمر أنّه لا يتحقّق الامتثال من غير قصد ، فلا يستحق الثواب ، أمّا السقوط فلا ينبغي التأمّل فيه.

وربّما يقال : إنّ النذر كالدين في اعتبار الملكيّة للغير في الذمّة ، فكأنّ الناذر يملك بالنذر عمله لله تعالى ويكون سبحانه مالكاً لعمله على ذمّته ، كما أنّ الدائن يملك ما في ذمّة المدين ، فكما أنّه في الدين يلزم في وفائه قصد أدائه وإلّا كان عطاءً ابتدائيّاً ، فكذلك في الوفاء بالنذر فلا بدّ من تعلّق القصد كي يكون تسليماً للدين.

ويندفع : بأنّه لا معنى للملكيّة الاعتباريّة له سبحانه كما لا يخفى ، ولو أُريد أنّه كالدين في وجوب تفريغ الذّمة عنه وأنّ امتثاله مطلوب من العبد فهذا لا يختصّ بالنذر ، بل جميع الواجبات الإلهية من هذا القبيل.

ولو فرضنا صحّة ذلك فإنّما يتمّ في نذر الكلّي ، كما لو نذر صوم يوم من هذا


1) (*) والصحّة أظهر.

.................................................................................................


الشهر ، فإنّ انطباقه على الفرد يتوقّف على القصد كما هو الحال في الدين الذي هو من أجل تعلّقه بالذمّة كلّي دائماً ولا يتصوّر فيه التشخّص ، فلا جرم احتاج إلى القصد.

وأمّا النذر الشخصي المعيّن كما هو المفروض في المقام فإنّه متعيّن بنفسه من غير حاجة إلى التعيين ، فلا يلزمه قصد الوفاء ، وهذا نظير الوديعة التي لا تتعلّق إلّا بالشخص ، فلو أرجعها الودعي إلى صاحبها غافلاً وبلا التفات إلى أنّها أمانة ووديعة فقد دفع الأمانة وإن لم يكن قاصداً للعنوان.

وقد يقال أيضاً : إنّ الأمر بالوفاء بالنذر وإن كان توصّليّاً إلّا أنّه إنّما يفترق عن التعبّدي من جهة لزوم قصد القربة وعدمه ، وأمّا من ناحية قصد العنوان فيما إذا كان متعلّقاً للأمر فهما سيّان ، ولا بدّ من قصده على كلّ حال ، وإلّا لم يأت بالواجب ، ومن المعلوم أنّ المأمور به في المقام هو عنوان الوفاء بالنذر ، فلا مناص من قصده.

ومن هذا القبيل : وجوب ردّ السلام ، فإنّه وإن كان توصّليّاً إلّا أنّه لا بدّ من تعلّق القصد بعنوان ردّ التحية ، ولا يكفي من غير قصد.

ويندفع : بأنّ الوفاء بالنذر كالوفاء بالبيع ليس إلّا عبارة عن إنهاء التزامه ، أي الإتيان بما تعلّق به نذره وما التزم به ، فليس هو عنواناً زائداً على نفس الفعل الخارجي ليتوقف على القصد ، فكما أنّ الوفاء بالعقد ليس معناه إلّا العمل بمقتضاه والقيام به وإنهاء العقد وعدم الفسخ ولا يتضمّن عنواناً آخر وراء العمل الخارجي ، فكذا الوفاء بالنذر لإيراد به إلّا الإتيان بما تعهّد به وألزمه على نفسه ، فلو فعل ذلك فقد وفى بنذره ، إذ الانطباق قهري والإجزاء عقلي.

ويؤيّد ذلك بل يعيّنه ويؤكّده - : أنّ الأمر بالوفاء ليس حكماً ابتدائيّاً مجعولاً من قبل الشارع لكي يدّعي فرضاً تعلّق الوجوب بعنوان الوفاء ،

.................................................................................................


وإنّما هو التزامٌ من قبل المكلّف نفسه ، فالتزم بشي‌ء ، وألزمه اللّه سبحانه بالعمل بما التزم وأقرّه مقرّه. ومن المعلوم أنّ المكلّف إنّما التزم بالإتيان بذات الصوم لا بعنوان الوفاء ، فلا يكون الواجب عليه أيضاً إلّا هذا الذي تعلّق به التزامه ، نظير الوفاء بالشرط في ضمن العقد كالخياطة ، فإنّه لا يجب عليه قصد عنوان الوفاء بالشرط.

والحاصل : أنّ الوجوب لو كان ابتدائياً أمكن فيه تلك الدعوى وإن كان على خلاف الظهور العرفي ولكنّه إمضاءٌ لما التزمه الناذر وافترضه على نفسه وجعله على ذمته ، كما عبّر بمثل ذلك في بعض الروايات من أنّه جعل على نفسه صوماً ، فليس الوفاء بالنذر عنواناً خاصّاً وأمراً زائداً على الإتيان بما تعلّق به النذر. وعليه ، فيسقط الأمر وإن لم يقصد عنوان الوفاء.

وأمّا الثاني أعني : ما لو كان المنذور المعيّن مقيّداً بحصّة خاصّة ومعنوناً بعنوان خاصّ كصوم القضاء أو الكفارة أو التطوّع ونحو ذلك - : فإن أتى بتلك الحصّة وقصد العنوان الخاصّ ولكن لم يقصد عنوان الوفاء بالنذر لغفلة ونحوها ، فالكلام هو الكلام المتقدّم من عدم لزوم قصد هذا العنوان ، فإنّه توصلي ، والعباديّة إنّما نشأت من الأمر المتعلّق بنفس المنذور الثابت بعنوان القضاء أو الكفّارة ونحوهما ، والمفروض تعلق القصد بذاك العنوان فقد أتى بنفس المنذور ، وما تعلّق به التزامه فلا حنث أبداً ، وإنّما يحنث لو لم يأت بالمتعلّق ، وقد عرفت أنّه قد أتى به على ما هو عليه ، غايته أنّه لم يترتّب عليه ثواب امتثال النذر ، لفقد القصد.

وأمّا إذا لم يقصد تلك الحصّة ، فصام بعنوان آخر غير العنوان الخاصّ المأخوذ في متعلّق النذر ، فكان المنذور هو صوم القضاء ، فصام بعنوان الكفّارة مثلاً فقد حنث وخالف نذره ، ولم يسقط أمره ، لعدم الإتيان بمتعلّقه.

[2367] مسألة 8 : لو كان عليه قضاء رمضان السنة التي هو فيها وقضاء رمضان السنة الماضية (1) لا يجب عليه تعيين (1)أنّه من أيّ منهما ، بل يكفيه


وبذلك افترق هذا القسم عن القسم الأوّل ، لأنّ المنذور هناك كان هو طبيعي الصوم على سعته وإطلاقه ، فيتحقّق الوفاء بأيّ فرد كان ، وأمّا هنا فقد تعلّق بحصّة خاصّة ، والمفروض عدم الإتيان بها ، فلم يتحقّق الوفاء.

وهل يحكم حينئذٍ بصحّة الصوم المأتي به خارجاً كصوم الكفّارة في المثال المزبور؟

لا ينبغي الإشكال في الصحّة إذا كان ذلك مع الغفلة عن النذر ، لأنّه عبادة في نفسه ، وليس هناك أيّ مانع عن صحّته ما عدا المزاحمة مع الوفاء بالنذر ، فإذا لم يكن الأمر بالوفاء فعليّاً لغفلةٍ ونحوها فلا مزاحمة ولم يكن أيّ محذور من تعلّق الأمر به فيقع صحيحاً لا محالة.

وأمّا مع العلم والعمد فيدخل المقام تحت الكبرى الكلّيّة من أن الأمر بالشي‌ء هل يقتضي النهي عن ضدّه أو لا؟ وعلى الثاني : فهل يمكن تعلّق الأمر بالضدّ على سبيل الترتّب أو لا؟ وعلى الثاني : فهل يمكن تصحيح العبادة من طريق الملاك أو لا؟

والحاصل : أنّه لا خصوصيّة للمقام ، ولا يزيد على تلك الكبرى بشي‌ء ، وحيث إنّ التحقيق إمكان الأمر بالضدّين على نحو الترتّب فلا مانع من الالتزام بالصحّة في المقام وإن كان عاصياً من جهة مخالفة النذر.

(1) مرّ الكلام حول ذلك في ذيل المسألة الثانية ، فلاحظ ولا نعيد (2).


1) (*) لكن إذا بقي في ذمّته أحدهما إلى رمضان آخر وجبت عليه الفدية.

2) في ص : 26 27.

نيّة الصوم قضاءً ، وكذا إذا كان عليه نذران كلّ واحد يوم أو أزيد ، وكذا إذا كان عليه كفارتان غير مختلفتين في الآثار.

[2368] مسألة 9 : إذا نذر صوم يوم خميس معيّن ، ونذر صوم يوم معيّن من شهر معيّن ، فاتّفق في ذلك الخميس المعيّن (1) ، يكفيه صومه ويسقط النذران ، فإن قصدهما أُثيب عليهما (1)، وإن قصد أحدهما أُثيب عليه وسقط عنه الآخر.


(1) حكم (قدس سره) بكفاية صوم واحد في سقوط النذرين وأنّه يثاب عليهما إن قصدهما ، وإلّا فعلى أحدهما.

وهذا مبنيٌّ على ما تقدّم من أنّ الأمر النذري توصّلي (2)ولا يلزم قصد العنوان ، فطبعاً يسقط الأمران ، وأمّا الثواب فمترتّب على الامتثال ، وهو متقوّم بالقصد كما ذكره (قدس سره). إلّا أنّ الكلام في أنّ مثل هذا النذر هل هو صحيح ، أو أنّ الثاني يلغى؟

يتصوّر ذلك على نحوين :

إذ تارةً : يتعلّق النذر بعنوانين بينهما عموم من وجه ، ومن باب الاتّفاق اجتمعا وانطبق أحدهما على الآخر ، كما لو نذر أن يعطي درهماً لعالم البلد ، ونذر أيضاً أن يعطي درهماً لمن هو أكبر سناً في هذا البلد ، فتعلّق النذر بكلٍّ من العنوانين على سبيل القضيّة الحقيقيّة ، ومن باب المصادفة انطبقا على شخصٍ واحد ، ولا ريب في صحّة النذرين حينئذٍ ، فلو دفع إليه الدرهم فقد وفى بهما وسقط الأمران.


1) (*) بل أُثيب على الأوّل ، فإنّ الثاني يقع لغواً.

2) في ص 14.

[2369] مسألة 10 : إذا نذر صوم يوم معيّن فاتّفق ذلك اليوم في أيام البيض مثلاً (1) فإن قصد وفاء النذر وصوم أيام البيض أُثيب عليهما ،


ففي المقام لو نذر الصيام في أوّل خميس من رجب مثلاً ثمّ نذر الصيام أيضاً أوّل يوم يولد له ولد أو يشفي المريض أو يقدم المسافر ونحو ذلك بحيث يمكن افتراق كلّ منهما عن الآخر ، ولكن من باب الاتّفاق اجتمعا في يوم واحد ، صحّ النذران وسقط الأمران بصيام واحد ، لوقوعه وفاءً عنهما. وظاهر عبارة الماتن بل صريحها إرادة هذه الصورة ، لقوله فاتّفق ... إلخ ، الظاهر في أنّه أمر اتّفاقي قد يكون وقد لا يكون.

وتارةً اخرى : يتعلّق النذر بعنوانين أيضاً ، ولكن معنون أحدهما هو بعينه معنون الآخر ، فتعلّق النذران بشي‌ء واحد خارجاً قد أُشير إليه بكلّ منهما ، كما لو نذر أن يعطي درهماً لأكبر ولْد زيد ، ونذر أيضاً أن يعطي درهماً لوالد خالد ، وفرضنا أنّهما شخص واحد ، فتعلّق النذران بشي‌ء واحد على سبيل القضيّة الخارجيّة دون الحقيقيّة كما في الصورة الأُولى ، فكان المتعلّقان عنوانين لمعنون واحد ، وحيث إنّ الموضوع الواحد غير قابل لتعلّق النذر به مرّتين ، ولا يمكن أن يكون الشخص الواحد محكوماً بحكمين ، فطبعاً يكون النذر الثاني مُلغى أو يقع تأكيداً للأوّل ، فلا ينعقد بحياله ، ولكنّك عرفت أنّ مراد الماتن إنّما هي الصورة الاولى لا غير.

(1) حكم (قدس سره) حينئذٍ بترتّب الثواب عليهما مع قصدهما ، أو على النذر فقط لو اقتصر عليه ، ولا يجوز العكس.

ولكن ظهر ممّا سبق أنّ الثواب المتقوّم بالامتثال وإن لم يتحقّق إلّا بالقصد ولكن الأمر الناشئ من قبل النذر توصّلي يسقط بمجرد الإتيان بمتعلّقه ، ولا

وإن قصد النذر فقط أُثيب عليه فقط وسقط الآخر ، ولا يجوز أن يقصد أيام (1)البيض دون وفاء النذر.

[2370] مسألة 11 : إذا تعدّد في يوم واحد جهات من الوجوب (1) أو جهات من الاستحباب أو من الأمرين ، فقصد الجميع ، أُثيب على الجميع ، وإن قصد البعض دون البعض أُثيب على المنويّ وسقط الأمر بالنسبة إلى البقيّة.


حاجة إلى قصد عنوان الوفاء ، غاية الأمر أنّه بدونه لا يثاب عليه. وعليه ، فلو قصد أيام البيض دون وفاء النذر فقد وفى ولم يحنث ، ولذا لا يحكم عليه بالكفّارة وإن اختصّ الثواب بالأوّل.

(1) قد ظهر الحال في هذه المسألة أيضاً ممّا مرّ وأنّ الثواب يتقوّم بالقصد ، فيثاب بمقدار ما قصد ويسقط الأمر بالنسبة إلى الباقي ، وهذا لا إشكال فيه بعد أن كان العمل واحداً.

وإنّما الكلام في أنّ السقوط هل هو على وجه العصيان فيما إذا تضمّن غير المنويّ جهةً وجوبيّة؟

الظاهر : العدم ، لأنّه قد أتى بمتعلّقه على وجهه ، ولا حاجة إلى قصد عنوانه الخارجي بعد أن كان متعلّق الأمر منطبقاً على المأتيّ به خارجاً وإن لم يتحقّق الامتثال بالنسبة إليه.


1) الظاهر أنّه لا يعتبر في الوفاء بالنذر قصد ذلك العنوان ، بل يكفي الإتيان بمتعلّقه في سقوط أمره.

[2371] مسألة 12 : آخر وقت النيّة في الواجب المعيّن رمضاناً كان أو غيره عند طلوع الفجر الصادق (1) ، ويجوز التقديم في أيّ جزء من أجزاء ليلة اليوم الذي يريد صومه.


(1) تعرض (قدس سره) لحكم النيّة من حيث المبدأ والمنتهى ، فذكر (قدس سره) أنّ منتهى وقتها عند طلوع الفجر بحيث يقع أوّل جزء من الصوم عن نيّة ، ومبدؤه من أوّل الليل إلى آخره ، فلو كان باقياً على نيّته ولو إجمالاً ونام لم يكن به بأس.

وقد نُسِب الخلاف إلى السيد المرتضى (قدس سره) من كلتا الناحيتين :

أمّا من الناحية الأُولى : فقد عُزي اليه القول بجواز التأخير إلى ما قبل الزوال اختياراً (1)، بل نُسِب إلى ابن الجنيد جوازه إلى ما قبل الغروب ولو بقليل (2).

وقد يقال : إنّ ما نُسِب إليهما مطابقٌ للقاعدة ، نظراً إلى أن عباديّة الصوم لم تثبت إلّا بالإجماع ، لفقد الدليل اللفظي ، اذن يقتصر على المقدار المتيقن وأنّه لا بدّ من تحقّق النيّة ولو في الجملة وفي آخر الوقت أو ما قبل الزوال ، فلا تُعتَبر النيّة من الأوّل لولا أنّ ارتكاز عباديّة الصوم من المتشرّعة يمنعنا عن ذلك ، إذ الارتكاز قائمٌ على عباديته من أوّل جزئه إلى آخره لا في الجملة وبنحو الموجبة الجزئية.

وفيه أوّلاً : ما تقدّم في صدر الكتاب من أنّ عباديّة الصوم ثابتة بالدليل اللّفظي وهو ما دل على عدّه من مباني الإسلام (3)، إذ من البديهي بحسب الظهور


1) جمل العلم والعمل (ضمن رسائل الشريف المرتضى 3) : 53.

2) الحدائق الناضرة 13 : 19 ، جواهر الكلام 16 : 195.

3) ص 3.

.................................................................................................


العرفي أنّ الإسلام لا يبتني على ذات الصوم ومجرّد الإمساك عن الأكل والشرب بأيّ داعٍ كان ، بل الذي يكون أساسه ومبناه هو الصادر على جهة العبادة وبداعي القربة.

وثانياً : لو لم يتمّ ذلك وفرضنا أنّ الارتكاز أيضاً لم يثبت ، فهذا البحث أجنبي عن محلّ الكلام ، لأنّ كلامنا في نيّة الصوم لا في نيّة القربة ، وقد تقدّم غير مرّة في الأُصول وغيره : أنّ العبادة إنّما تفترق عن غيرها وتمتاز عنها بقصد القربة ، وأمّا قصد عنوان العمل فمشترك فيه بين العبادي والتوصّلي ، فما لم يقصد لم يتحقّق الواجب وإن كان توصّلياً ، كما في ردّ السلام ، فإنّه متقوّم بقصد ردّ التحيّة ، إلّا أن يثبت من الخارج ترتّب الغرض على ذات العمل ، وعدم الحاجة الى القصد كما في غسل الثوب ، حيث علمنا إنّ الغاية إنّما هي الطهارة وإزالة النجاسة الحاصلة من الغسل ولو بداعٍ آخر كإزالة الوسخ مثلاً فإن عُلِم ذلك في موردٍ فهو ، وإلّا فلا يكاد يسقط الأمر من غير قصد عنوان العمل ونيّته ما لم يقم عليه دليل بالخصوص ، من غير فرق في ذلك بين التعبّدي والتوصّلي.

وعليه ، فلو لم يكن المكلّف قاصداً للصوم وفي أثناء النهار قصده ولو آناً ما بعد طلوع الفجر ، كان إجزاؤه مخالفاً للقاعدة ، ومحتاجاً إلى قيام الدليل ، لعدم صدور هذا المجموع عن قصدٍ ونيّة فسواء التزمنا بأنّ الصوم بجميع أجزائه عبادي ، أم قلنا : إنّه يكفي فيه قصد القربة في الجملة ، لا بدّ من قصد عنوان الصوم ونيّته قبل العمل جزماً ما لم يقم دليل على الإجزاء.

فلو صحّ ما نُسِب إلى السيّد أو ابن الجنيد ، كان ذلك باطلاً بلا ارتيابٍ حسبما عرفت.

وأمّا من الناحية الثانية أعني : من حيث المبدإ - : فإنّ المعروف جواز التقديم في أيّ جزء من أجزاء الليل كما ذكره في المتن ، ولكن نُسِب إلى السيد

.................................................................................................


(قدس سره) التوقيت بآخر جزء من الليل المتّصل بالنهار (1).

ولعلّه يريد بيان آخر جزء من الوقت الذي به تنتهي المدّة المحدودة ، لا لزوم الإيقاع في هذا الوقت فلا خلاف.

ولو أراد ذلك فيردّه : عدم الدليل عليه أوّلاً ، وقيام الدليل على العدم ثانياً ، وهو ما يستفاد من الروايات الكثيرة المعتضدة بالسيرة القطعيّة من جواز النوم إلى ما بعد طلوع الفجر ، ولا سيّما روايات البقاء على الجنابة حتّى يستيقظ بعد الفجر ، المتضمنة للتفصيل بين النومة الأُولى والثانية (2).

وبالجملة : لا إشكال في جواز النوم اختياراً إلى ما بعد الفجر ، ومعه كيف يمكن القول بأن وقت النيّة آخر جزء من الليل؟! ونُسِب إلى ابن أبي عقيل توقيت النيّة من أوّل الليل إلى النصف (3)وإلى بعض العامة أنّه من منتصف الليل إلى آخره.

وكل ذلك كما ترى لا دليل عليه ، إذ لم يرد في البين عدا النبوي : «لا صيام لمن لم يبيّت الصيام من الليل» (4)ونحوه روايتان أُخريان ، ولكن من الظاهر أنّ المراد عدم الاجتزاء بالنيّة الحادثة في النهار ، فلو استيقظ بعد الفجر ونوى الصوم لا يكفي ، بل اللّازم إيقاعها في الليل ، وأمّا أنّها أوّله أو وسطه أو آخره فلا دلالة له عليه بوجه ، على أن النبوي كالخبرين ضعيف السند ، فلا يمكن الاعتماد عليه أبداً.

فالصحيح أنّه ليس لها وقت خاصّ ، بل اللازم صدور الصوم عن نيّة سابقة ،


1) جمل العلم والعمل (ضمن رسائل الشريف المرتضى 3) : 53.

2) الوسائل 10 : 61 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 15.

3) لاحظ الحدائق الناضرة 13 : 19 ، جواهر الكلام 16 : 193.

4) المستدرك 7 : 316 / أبواب وجوب الصوم ب 2 ح 1.

.................................................................................................


فتمتدّ من أوّل الليل إلى طلوع الفجر ، ففي أيّ وقت نوى وكان مستمرّاً في نيّته الارتكازيّة بالمعنى المتقدّم سابقاً المجامع مع النوم والغفلة الفعليّة كفى ويحكم معه بالصحّة.

بقي الكلام فيما لو قدّم النيّة على الليل ، كما لو نام عصراً ناوياً صوم الغد ولم يستيقظ إلّا بعد الفجر ، أو بعد الغروب من اليوم الآتي ، أو بعد يومين كما اتّفق لبعض ، فهل يحكم حينئذٍ بالصحّة ، نظراً إلى تحقّق الإمساك خارجاً عن نيّة سابقة ، أو لا؟

الظاهر هو التفصيل بين ما إذا كان النوم في شهر رمضان ، وما كان في غيره :

فإن كان الثاني كما لو نام في اليوم الأخير من شعبان قاصداً صوم الغد ولم يستيقظ إلّا بعد الفجر فالظاهر فساد صومه حينئذٍ ، لأنّه في زمان نيّته لم يكن بعدُ مأموراً بالصوم ، لعدم حلول الشهر الذي هو زمان تحقّق الوجوب ، فكيف ينوي الامتثال؟! وفي زمان الأمر لم يكن قابلاً له ، لأنّ النائم لا يؤمَر بشي‌ء ، فلا أمر له بالصوم لا في زمان التفاته ولا في زمان عدم التفاته وإن كان الصوم بالآخرة منتهياً إلى الاختيار ، إلّا أنّه لم يكن مأموراً به كما عرفت.

وإن كان الأوّل كما لو نام عصر اليوم الأوّل من شهر رمضان ناوياً صوم الغد فحينئذٍ إن قلنا بالانحلال وأنّ أمر كلّ يوم يحدث عند غروب ليلته ، فالكلام هو الكلام ، فإنّ الأمر بالصوم لم يكن حادثاً قبل النوم ، وبعده لا يكون قابلاً للتكليف.

وأمّا إذا بنينا على أن تلك الأوامر كلّها تحدث دفعةً في أوّل الشهر وأنّه يؤمر في اللّيلة الأُولى بصيام الشهر كلّه على نحو الواجب التعليقي كما هو الصحيح ، على ما يقتضيه ظاهر الآية المباركة ( فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ) (1)، وكذا


1) البقرة 2 : 185.

ومع النسيان أو الجهل بكونه رمضان أو المعيّن الآخر يجوز متى تذكّر (1)إلى ما قبل الزوال إذا لم يأت بمفطر (1) وأجزأه عن ذلك اليوم ، ولا يجزئه إذا تذكّر بعد الزوال.


الروايات ، فالظاهر حينئذٍ هو الحكم بالصحّة ، لوجود الأمر سابقاً ، وقد حصلت النيّة على الفرض ، والفعل مستند إلى الاختيار كما تقدّم ، فلا مانع من الصحّة.

فتحصّل : أنّ النيّة يمكن تقديمها على اللّيل أيضاً ، لكن مع وجود الأمر لا بدونه حسبما عرفت من التفصيل.

(1) قد عرفت أنّ آخر وقت النيّة عند طلوع الفجر ، وأنّه يجوز التقديم في أيّ جزء من أجزاء اللّيل ، بل يجوز التقديم على اللّيل على تفصيل تقدّم (2).

هذا حكم العالم العامد.

وأمّا الناسي أو الغافل أو الجاهل ، فالكلام فيهم يقع تارةً في صوم رمضان ، وأُخرى في الواجب غير المعيّن ، وثالثةً في الواجب المعيّن من غير رمضان كالموسّع إذا تضيّق وقته ونحو ذلك ، ورابعة في الصوم المندوب. فهنا مسائل أربعة :

الأُولى : المشهور والمعروف بل ادُّعي عليه الإجماع في كلام غير واحد من الأصحاب أنّ الجاهل بكون اليوم من شهر رمضان أو الغافل أو الناسي يجدّد النيّة ما بينه وبين الزوال ، فيتّسع وقت النيّة في حقّ هؤلاء إلى ما بعد العلم والالتفات.

وعن ابن أبي عقيل إلحاق الناسي بالعالم (3).


1) (*) فيه إشكال ، والأحوط عدم الكفاية.

2) في ص 37.

3) جواهر الكلام 16 : 197.

.................................................................................................


ويستدل للمشهور بوجوه :

أحدها : ما ورد في المريض والمسافر من أنّه إذا برئ من مرضه أو قدم أهله قبل الزوال ولم يتناول المفطر يجدّد النيّة ويصوم ويحسب له ، مع أنّ المريض والمسافر لم يكونا مكلّفين بالصوم من أوّل الأمر ، وكان يجوز لهما استعمال المفطر ، غير أنّهما من باب الاتّفاق لم يستعملاه ، فكيف بمن هو مكلّف به واقعاً وإن لم يعلم به فعلاً كالجاهل والناسي ، فإنّ الحكم حينئذٍ ثابتٌ بطريقٍ أولى.

هذا ، وللمناقشة فيه مجال واسع ، فإنّ مبدأ الصوم في المريض والمسافر زمان ورود البلد أو برء المريض ، لا طلوع الفجر الذي هو مبدأ الصوم لغيرهما من سائر المكلّفين ، ففي الحقيقة هما مكلّفان بنيّة الإمساك خلال تسع ساعات مثلاً وغيرهما خلال ستّ عشرة ساعة مثلاً أي طول النهار من مبدئه إلى منتهاه ، وقد ثبت بالدليل الخاصّ أنّ هذا بمنزلة الصوم من طلوع الفجر ، فهما ليسا مكلّفَين بالإمساك حتّى واقعاً إلّا من الآن ، وهذا بخلاف الجاهل ونحوه ، فإنّه مأمور بالإمساك من طلوع الفجر وإن لم يعلم به ولم يأت بهذا المأمور به حسب الفرض ، لخلوّ قطعة من الزمان عن النيّة ، استناداً إلى الاستصحاب الذي هو حكم ظاهري. ومعه كيف يجتزئ بهذا الناقص عن المأمور به الواقعي ، فإنّ ما كان واجباً عليه وهو الإمساك من طلوع الفجر عن نيّةٍ لم يأت به ، وما اتي به وهو نيّة الإمساك من الآن لم يكن مأموراً به ، فبأيّ دليل يكون مجزئاً؟! نعم ، هو مأمور بالإمساك لا بالصوم.

وعلى الجملة : دليل الإجزاء خاصّ بمورده ، وهو من لم يكن مأموراً بالإمساك من طلوع الفجر أعني المريض والمسافر فكيف يتعدّى إلى غيره ممّن هو مأمور به من الأول؟! فإنّ ذاك الدليل لا يقتضي مثل هذا التعدّي بوجه.

.................................................................................................


ثانيها وهو أغرب من سابقه - : التمسّك بحديث الرفع (1)، بدعوى أنّ اعتبار النيّة في هذا المقدار من الزمان أعني : حال الجهل والنسيان مرفوع بالحديث ، والمفروض مراعاتها في الباقي فيحكم بالصحّة.

وفيه : أنّ الرفع بالإضافة إلى ما لا يعلمون رفع ظاهري كما هو محرّر في الأُصول (2)، فهو بحسب الواقع مأمورٌ بالصيام وإن جاز له الإفطار في مرحلة الظاهر استناداً إلى الاستصحاب ، أو إلى قوله (عليه السلام) : «صم للرؤية وأفطر للرؤية» (3)فالحكم الواقعي بالصوم من طلوع الفجر باقٍ على حاله ، وقد تركه حسب الفرض ، ومعه كيف يحكم بالإجزاء لدى انكشاف الخلاف؟! ومعلومٌ أنّ الحكم الظاهري لا يقتضيه.

هذا في الجهل.

وأمّا بالإضافة إلى النسيان ، فالرفع فيه واقعي على ما ذكرناه في محلّه ، من أنّ نسبة الرفع إلى الفقرات المذكورة في الحديث مختلفة ، فإنّه ظاهري فيما لا يعلمون وواقعي فيما عداه ، فالناسي غير مكلّف بالصوم حال نسيانه حتّى واقعاً.

نعم ، لا إشكال في كونه مكلّفاً بالإمساك من زمان التفاته إلى الغروب ، لإطلاق الروايات ، فإنّ الخارج عنها عناوين خاصّة كالمريض والمسافر ونحوهما ، وليس الناسي منها ، لكن وجوب الإمساك شي‌ء ، ووجوب الصوم المحدود ما بين الطلوع والغروب الذي هو المأمور به أصالةً لولا النسيان شي‌ء آخر ،


1) الوسائل 15 : 369 / أبواب جهاد النفس وما يناسبه ب 56 ح 1.

2) أجود التقريرات 2 : 171.

3) الوسائل 10 : 255 / أبواب أحكام شهر رمضان ب 3 ح 13.

.................................................................................................


وحديث رفع النسيان لا يكاد يتكفّل إجزاء الأوّل عن الثاني كما ذكرنا ذلك في أجزاء الصلاة وأنّه لو نسي جزءاً منها ولو استوعب نسيانه الوقت لا دليل على كون الإتيان بالباقي مجزئاً عن الصلاة التامّة.

وبعبارة اخرى : حديث الرفع شأنه رفع التكليف لا وضعه وإثباته بالإضافة إلى الباقي ليدلّ على صحّته والاجتزاء به.

ثالثها : ما روي مرسلاً من أنّ ليلة الشكّ أصبح الناس فجاء أعرابي فشهد برؤية الهلال فأمر صلّى اللّه عليه وآله منادياً ينادي : من لم يأكل فليصم ، ومن أكل فليمسك (1).

وهذه الرواية غير صحيحة عندنا ، لأنّها مرويّة من طرق العامّة ، فهي مرسلة عامّيّة لا يمكن التعويل عليها بوجه.

ودعوى : انجبارها بعمل المشهور كما عن المحقّق الهمداني (2)وغيره غير قابلة للتصديق ، إذ لم يُعلَم بل لم يُظَنّ استناد المشهور إليها ، ومن الجائز استنادهم إلى أحد الوجهين المتقدّمين ، أو الوجه الآتي أعني : النصوص الواردة في غير رمضان واستفادة حكمه منها لا إلى مثل هذه الرواية النبويّة الضعيفة المرسلة.

على أنّ الرواية في نفسها غير قابلة للتصديق ، فإنّ الهلال لا يثبت بشاهدٍ واحد ، كما سيجي‌ء إن شاء اللّه تعالى (3)فضلاً عن أعرابي مجهول ، فكيف اعتمد النبيّ (صلّى اللّه عليه وآله) على قوله؟! فمضمونها ممّا يُطمأنّ بكذبه ، مع أنّ


1) نصب الراية 2 : 435 ، نحوه.

2) مصباح الفقيه 14 : 314.

3) العروة الوثقى 2 : 48.

.................................................................................................


موردها الجاهل فلما ذا يتعدّى إلى الناسي؟! بل اللازم إلحاقه بالعالم ، كما عن ابن أبي عقيل على ما تقدّم.

وما عن الهمداني (قدس سره) من التعدّي ، استناداً إلى الأولويّة القطعيّة (1).

لا نعرف له وجهاً أصلاً ، فإنّ الأحكام الشرعيّة تعبّدية خاصّة بمواردها.

رابعها : الروايات الآتية الواردة في غير شهر رمضان من القضاء أو النذر أو الصوم المستحبّ ، المتضمّنة لجواز تجديد النيّة قبل الزوال ، فيدّعى استفادة حكم رمضان منها.

وهذا الوجه يتلو الوجوه السابقة في الضعف ، إذ تلك النصوص وردت في موارد خاصّة ، وليست لدينا ولا رواية ضعيفة تتضمّن الإطلاق الشامل لشهر رمضان ، فكيف يتعدّى عن مواردها؟!

إذن فمقتضى القاعدة : أن لا يجتزئ بهذا الصوم وإن وجب الإمساك بقيّة النهار كما عرفت ، فإنّ جواز تجديد النيّة يحتاج إلى الدليل ، ولا دليل. وحينئذٍ فإن تمّ الإجماع التعبّدي الكاشف عن رأي المعصوم (عليه السلام) على التجديد كما ادّعاه غير واحد فهو ، وإلّا كما هو الصحيح ، نظراً إلى احتمال استناد المجمعين إلى بعض الوجوه المتقدّمة ، حيث إنّ تطرّق هذا الاحتمال غير قابل للإنكار وجداناً ، ومعه كيف يمكن تحصيل الإجماع القطعي؟! فالحكم بالإجزاء مشكل جدّاً ، بل الظاهر عدم الإجزاء ، فلا بدّ من القضاء ، إذ قد فات عنه الصوم في هذا اليوم.


1) مصباح الفقيه 14 : 315.

وأمّا في الواجب غير المعيّن (1) ، فيمتد وقتها اختياراً من أوّل الليل إلى الزوال دون ما بعده على الأصحّ ، ولا فرق في ذلك بين سبق التردّد أو العزم على العدم.


(1) المسألة الثانية : في الصوم الواجب غير المعيّن من قضاء أو كفّارة أو نذر ونحوها ، وتدلّ على جواز تجديد النيّة وامتداد وقتها إلى الزوال ولو اختياراً فضلاً عن الغفلة والنسيان طائفة من الأخبار ذكرها صاحب الوسائل في الباب الثاني من أبواب وجوب الصوم ونيّته ، ولعلّ منها يظهر حكم المعيّن كما ستعرف.

فمنها : صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث قال : قلت له : إنّ رجلاً أراد أن يصوم ارتفاع النهار ، أيصوم؟ «قال : نعم» (1).

وهذه الصحيحة لا يبعد ظهورها في النافلة ، لمكان التعبير ب : «أراد» الظاهر في أنّ له أن لا يريد ، والمنصرف في مثله هو التطوّع ، ولو بُني على إطلاقها شملت الواجب غير المعيّن ، حيث إنّه بميله وإرادته يطبّق الواجب على هذا اليوم ويجعله مصداقاً له.

فهذه الصحيحة إمّا خاصّة بالنافلة أو عامّة لها ولغير المعيّن ، لأجل تعليق الحكم على رغبته وإرادته.

ومنها : صحيحة عبد الرّحمن بن الحجّاج عن أبي الحسن (عليه السلام) : في الرجل يبدو له بعد ما يصبح ويرتفع النهار في صوم ذلك اليوم ليقضيه من شهر رمضان ولم يكن نوى ذلك من الليل «قال : نعم ، ليصمه وليعتدّ به إذا لم يكن


1) الوسائل 10 : 10 / أبواب وجوب الصوم ب 2 ح 1.

.................................................................................................


أحدث شيئاً» (1).

فإنّ التعبير بقوله : «يبدو» ظاهرٌ في عدم كون القضاء متعيّناً عليه. فموردها الواجب غير المعيّن.

ولو بنينا على أنّ قضاء رمضان لا يتضيّق أبداً ، بل غايته الفداء كما لا يبعد ، فالأمر أوضح ، إذ عليه لا يتصوّر الوجوب التعييني في القضاء.

ومنها : رواية صالح بن عبد اللّه عن أبي إبراهيم (عليه السلام) ، قال : قلت له : رجل جعل لله عليه الصيام شهراً ، فيصبح وهو ينوي الصوم ، ثمّ يبدو له فيفطر ، ويصبح وهو لا ينوي الصوم ، فيبدو له فيصوم «فقال : هذا كلّه جائز» (2).

وموردها أيضاً هو الواجب بنذرٍ غير معيّن بقرينة حكمه (عليه السلام) بجواز الإفطار ، ولكنّها ضعيفة بصالح ، فإنّه لم يوثّق.

ومنها : صحيحة محمّد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال : قال علي (عليه السلام) : إذا لم يفرض الرجل على نفسه صياماً ثمّ ذكر الصيام قبل أن يطعم طعاماً أو يشرب شراباً ولم يفطر فهو بالخيار ، إن شاء صام وإن شاء أفطر» (3).

ولا يبعد ظهورها في الواجب غير المعيّن ، لمكان التعبير بالفرض وبالذكر الكاشف عن أنّ عليه فرضاً ولكنّه لم يفرضه ، أي لم يطبّقه ولم يعيّنه في هذا اليوم ، لعدم قصده الصوم ، ثمّ ذكر الصيام ، فحكم (عليه السلام) بأنّه مخيّر في التطبيق وعدمه ، ومع الغضّ عن ذلك فلا شكّ أنّ إطلاقها يشمل الواجب غير المعيّن كالمندوب.


1) الوسائل 10 : 10 / أبواب وجوب الصوم ب 2 ح 2.

2) الوسائل 10 : 11 / أبواب وجوب الصوم ب 2 ح 4.

3) الوسائل 10 : 11 / أبواب وجوب الصوم ب 2 ح 5.

.................................................................................................


ومنها : صحيحة عبد الرّحمن بن الحجاج ، قال : سألت أبا الحسن موسى (عليه السلام) عن الرجل يصبح ولم يطعم ولا يشرب ولم ينو صوماً وكان عليه يوم من شهر رمضان ، إله أن يصوم ذلك اليوم وقد ذهب عامّة النهار؟ «فقال : نعم ، له أن يصوم ويعتدّ به من شهر رمضان» (1).

وهي ظاهرة الدلالة ، وقد رويت بسندين :

أحدهما : ضعيف ، لاشتماله على علي بن السندي ، فإنّه لم يوثّق. نعم ، ذكر الكشي توثيقاً له عن نصر بن صباح (2)، ولكنّ نصراً بنفسه ضعيفٌ فلا أثر لتوثيقه.

والسند الآخر : معتبر ، ولأجله يحكم بصحّة الرواية.

ومنها : صحيحة هشام بن سالم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال : كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يدخل إلى أهله فيقول : عندكم شي‌ء؟ وإلّا صمت ، فإن كان عندهم أتوه به وإلّا صام» (3).

ولا يخفى أنّ أحمد بن محمّد المذكور في السند يراد به أحمد بن محمّد بن عيسى لا أحمد بن محمّد بن خالد البرقي ، وإلّا لقال : عن أبيه ، لا عن البرقي كما لا يخفى.

وعلى التقديرين فالرواية معتبرة السند.

وأمّا من حيث الدلالة فلا يبعد أنّ موردها الصوم تطوّعاً ، إذ من البعيد جدّاً أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) كان عليه صوم قضاء أو كفّارة ونحوهما ، فسياق العبارة يقتضي إرادة التطوّع ، ويؤكّده أنّ الدخول إلى الأهل يكون بحسب الغالب


1) الوسائل 10 : 11 / أبواب وجوب الصوم ب 2 ح 6.

2) رجال الكشي : 598 / 1119.

3) الوسائل 10 : 12 / أبواب الصوم ب 2 ح 7.

.................................................................................................


بعد صلاة الظهر لأجل صرف الغذاء كما هو المتعارف ، وإلّا فيبعد الدخول قبل ذلك لصرف الطعام ، ولا سيما مع التعبير بلفظ «كان» الظاهر في الاستمرار وأنّ ذلك كان من عادته (عليه السلام) وديدنه.

وستعرف إن شاء اللّه تعالى أنّ نيّة الصوم بعد الزوال خاصّ بالمندوب ، وعليه فلا تُعتبَر هذه الرواية مستنداً في المقام وإن كانت صحيحة السند ، ويكفينا غيرها.

ومنها : صحيحة أُخرى لهشام بن سالم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : قلت له : الرجل يصبح ولا ينوي الصوم ، فإذا تعالى النهار حدث له رأي في الصوم «فقال : إن هو نوى الصوم قبل أن تزول الشمس حُسِب له يومه ، وإن نواه بعد الزوال حُسِب له من الوقت الذي نوى» (1).

فإنّ الذيل المتضمّن للاحتساب من الوقت الذي نوى خاصٌّ بالنافلة بطبيعة الحال ، فتدلّ على مشروعيّة النيّة بعد الزوال وأنّه يثاب عليها ، من غير أن يكون ذلك من الصوم الحقيقي في شي‌ء ، إذ لم يعهد صوم نصف اليوم أو ثلثه مثلاً كما هو ظاهر. وأمّا الصدر المتضمّن لاحتساب اليوم بتمامه فإطلاقه يشمل الواجب غير المعيّن كالنافلة.

ومنها : مرسلة البزنطي (2)، غير أنّ ضعفها من جهة الإرسال يمنع عن صلاحيّة الاستدلال.

ومنها : ما رواه الشيخ بإسناده عن عمّار الساباطي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : عن الرجل يكون عليه أيّام من شهر رمضان ويريد أن يقضيها ، متى يريد أن ينوي الصيام؟ «قال : هو بالخيار إلى أن تزول الشمس ، فإذا زالت


1) الوسائل 10 : 12 / أبواب وجوب الصوم ب 2 ح 8 ، 9.

2) الوسائل 10 : 12 / أبواب وجوب الصوم ب 2 ح 8 ، 9.

.................................................................................................


الشمس فإن كان نوى الصوم فليصم ، وإن كان نوى الإفطار فليفطر» إلخ (1).

وهي واضحة الدلالة في جواز تجديد النيّة في الواجب غير المعيّن ، غير أنّ سندها لا يخلو من الخدش ، وإن عُبِّر عنها بالموثّقة في كلمات غير واحد منهم المحقّق الهمداني (قدس سره) (2)وغيره اغتراراً بظاهر السند ، غفلةً عن أنّ الشيخ لا يروي عن علي بن الحسن بن فضّال بلا واسطة ، بل له إليه طريق لا محالة ، وحيث إنّ في الطريق علي بن محمّد بن الزبير القرشي ولم يوثّق فالرواية محكومة بالضعف.

والمتلخّص من جميع ما ذكرناه : أنّه لا شكّ في جواز تجديد النيّة في الواجب غير المعيّن بمقتضى هذه النصوص.

وأمّا المسألة الثالثة : أعني : الواجب المعيّن - : فلا يظهر حكمه من هذه النصوص ، وإن ادّعى المحقّق الهمداني (قدس سره) أنّ إطلاق بعضها شامل له (3)، إذ ليس فيها ما يشمله بوجه ، للتعبير فيها ب : «يريد» أو : «بدا له» ونحو ذلك ممّا هو ظاهر في غير المعيّن ، فالمعيّن وكذا شهر رمضان خارج عن منصرف هذه النصوص قطعاً.

ومع ذلك كلّه فالظاهر إلحاق المعيّن بغير المعيّن في غير صورة العلم والعمد ، أمّا معه فباطلٌ كما تقدّم (4)، فلو كان جاهلاً أو ناسياً بأنّ هذا هو اليوم الثالث من الاعتكاف ، أو اليوم الأوّل من الشهر وقد نذر صوم اليوم الأوّل منه ، فلم


1) الوسائل 10 : 13 / أبواب وجوب الصوم ب 2 ح 10 ، التهذيب 4 : 280 / 847 ، الاستبصار 2 : 121 / 394.

2) مصباح الفقيه 14 : 311.

3) مصباح الفقيه 14 : 313.

4) لاحظ ص 41.

.................................................................................................


يكن ناوياً للصوم ثمّ التفت أثناء النهار ، جاز بل وجب عليه تجديد النيّة ، ويجتزئ بصومه ، وذلك لاستفادة حكمه من النصوص المتقدّمة بالأولويّة القطعيّة ، إذ لو جاز تجديد النيّة في فرض كون المأمور به هو الطبيعي الجامع وأمكن تطبيقه على هذا الفرد الناقص الفاقد للنيّة في مقدارٍ من اليوم مع إمكان الإتيان به بعدئذٍ في فرد آخر كامل ، فجوازه فيما لو كان مأموراً بهذا الفرد بخصوصه غير القابل للتبديل بفرد آخر بطريق أولى ، إذ لا يحتمل الصحّة والإجزاء في الأوّل وعدمها في الثاني ، بل هذا أولى منه بالصحّة كما لا يخفى.

نعم ، يختصّ الحكم بالمعيّن من غير رمضان ولا ينسحب إليه ، لاختصاص مورد الأولويّة بالواجب الذي ينقسم إلى قسمين : معيّن وغير معيّن كالنذر والقضاء ونحوهما ، فيقال حينئذٍ : إنّه لو ثبت الحكم في غير المعيّن ففي المعيّن منه بطريق أولى كما عرفت.

وأمّا صوم رمضان فهو معيّن دائماً ولا ينقسم إلى القسمين ، ومثله لا يكون مورداً للأولويّة كما لا يخفى ، فلا دليل على جواز تجديد النيّة فيه ، بل الأظهر لزوم القضاء وإن وجب الإمساك كما تقدّم سابقاً (1).

والمتلخّص من جميع ما ذكرناه : أنّه في الواجب غير المعيّن بل المعيّن من غير رمضان يجوز تجديد النيّة ، ولا فرق في ذلك بين ما إذا لم يكن ناوياً للصوم ، أو كان ناوياً للعدم بأن كان بانياً على الإفطار ثمّ بدا له أن يصوم قبل أن يفطر ، لإطلاق النصوص المتقدّمة ، بل أن منصرف أكثرها هو الثاني ، فإنّ إرادة الغفلة أو النسيان من قوله في كثير منها : أصبح ولم ينو الصوم ، بعيد ، وأبعد منه إرادة التردّد ، بل الظاهر من عدم نيّة الصوم بمقتضى الفهم العرفي هو نيّة الإفطار وعدم الصوم ، ولو لم تكن النصوص ولو بعضها ظاهرة في ذلك فلا أقلّ من


1) في ص 45.

.................................................................................................


الإطلاق كما ذكرناه. إذن لا فرق بين القسمين كما ذكره في المتن.

إنّما الكلام في أنّ هذا الحكم أعني : جواز تجديد النيّة هل هو ثابتٌ إلى ما قبل الغروب ، أو أنّه محدود بالزوال؟

المعروف والمشهور بين القدماء والمتأخرين هو الثاني ، فلا يجوز له التجديد لو كان التذكّر أو الالتفات بعد الزوال ، ونُسِب الأوّل إلى ابن الجنيد (1)، فساوى بين الواجب والمندوب في ذلك كما ستعرف.

استُدلّ على القول المشهور برواية عمّار المتقدّمة (2)، المصرّحة بالتحديد إلى الزوال ، ولكنّك عرفت أنّ الرواية ضعيفة السند وإن عُبِّر عنها بالموثقة في كلمات الهمداني وغيره ، غفلةً عن أنّ الشيخ لا يرويها عن ابن فضّال بلا واسطة ، ولا بواسطة مشهورة معروفة ، بل له اليه طريق كغيره من أصحاب المجاميع والكتب ، كما نبّه عليه في آخر كتابي التهذيب والاستبصار (3)، حيث ذكر أنّ ما يرويه عنهم فإنّما يرويه عن كتبهم بالطرق التي وصلت إليه من مشايخه ، ثمّ ذكر طرقه لكي تخرج الرواية بذلك عن الإرسال ، وحيث إنّ في طريقه إلى ابن فضّال علي ابن محمد بن الزبير القرشي ولم يوثّق ، فتصبح الرواية ضعيفة فتسقط عن صلاحيّة الاستدلال.

نعم ، يمكن أن يستدلّ له بصحيحة هشام بن سالم المتقدّمة (4)، المتضمّنة للتفصيل بين تجديد النيّة قبل الزوال وما بعده ، وأنّه على الأوّل يُحسَب له يومه ، فيكون ذلك بمنزلة النيّة من طلوع الفجر ، وأمّا على الثاني فلا يُحسَب له إلّا من


1) الحدائق الناضرة 13 : 19 ، جواهر الكلام 16 : 198.

2) في ص 49.

3) التهذيب (شرح المشيخة) 10 : 55 / 29 ، الاستبصار (شرح المشيخة) 4 : 318 / 2.

4) في ص 49.

.................................................................................................


الوقت الذي نوى ، الذي هو أقلّ من نصف اليوم بطبيعة الحال ، لدخول ما بين الطلوعين في الصوم.

وحيث إنّ من المعلوم أنّ هذا المقدار لا يجزئ في الصوم الواجب من قضاءٍ أو كفّارة ونحوهما ، فلا جرم يختصّ الذيل بالنافلة ، لعدم تنزيله منزلة صوم اليوم الكامل كما في الصدر ، فيكون مفاده : أنّ هذا العمل أمر مشروع ويثاب عليه وإن لم يكن من الصوم الحقيقي في شي‌ء.

ونتيجة ذلك تحديد الحكم بما قبل الزوال كما عليه المشهور هذا.

وربّما يعارض ذلك بصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج المتقدمة (1)، حيث حكم (عليه السلام) فيها بجواز تجديد النيّة بعد ذهاب عامّة النهار ، الملازم بطبيعة الحال لما بعد الزوال ، وإلّا فعند الزوال لم يذهب إلّا نصف النهار ، لا عامّته أي أكثره.

ولكنّه يندفع بما عرفت من دخول ما بين الطلوعين في نهار الصوم وإن لم يكن داخلاً في النهار المحسوب مبدؤه من طلوع الشمس ، وبهذا الاعتبار صحّ التعبير بذهاب عامّة النهار فيما لو جدّد النيّة قبيل الزوال بمقدار نصف ساعة مثلاً إذ يزيد حينئذٍ على ما بعد الزوال بمقدار ساعة تقريباً ، فيكون ما مضى أكثر ممّا بقي.

فغاية ما هناك أن تكون هذه الصحيحة مطلقة بالإضافة إلى ما قبل الزوال وما بعده ، لا أنّها تختصّ بالثاني ، فإذن يقيّد الإطلاق بصحيحة هشام المتقدّمة المصرّحة بالتحديد بالزوال ، فهما من قبيل المطلق والمقيّد القابل للجمع العرفي ، وليسا من قبيل المتعارضين ليتصدّى للعلاج.


1) في ص 48.

وأمّا في المندوب (1) ، فيمتد إلى أن يبقى من الغروب زمان يمكن تجديدها فيه على الأقوى.


وربّما تعارَض أيضاً بمرسلة البزنطي المصرّحة بجواز التجديد عصراً (1)، وهي وإن كانت واضحة الدلالة ولا يُعبأ بما نقله صاحب الوسائل عن بعضهم من الحمل على من نوى صوماً مطلقاً فصرفه إلى القضاء عند العصر ، لبعده جدّاً كما لا يخفى إلّا أنّ ضعفها من جهة الإرسال يمنع عن صلاحيّة الاستدلال.

وما يقال من عدم الضير فيه بعد أن كان المرسِل هو البزنطي الذي لا يروي ولا يرسل هو وأضرابه إلّا عن الثقة ، كما ذكر الشيخ في العدّة (2).

مدفوعٌ بما تقدم مراراً من أنّ هذه الدعوى وإن صدرت عن الشيخ إلّا أنّه لا أساس لها من الصحة ، كيف؟! وقد عدل هو (قدس سره) عنها في كتاب التهذيب (3)، فكأن ذاك اجتهادٌ منه (قدس سره) في وقته ، فلا يمكن الركون إليه بعد عرائه عن الدليل.

فتحصّل : أنّ ما ذكره المشهور من التفصيل بين الزوال وما بعده هو الصحيح ، استناداً إلى صحيحة هشام السليمة عمّا يصلح للمعارضة حسبما عرفت.

(1) المسألة الرابعة : في صوم التطوّع ، وقد ذكر غير واحد من الفقهاء : أنّ وقت النيّة يمتدّ فيه إلى أن يبقى إلى الغروب زمانٌ يمكن تجديدها فيه.

ولكن نُسِب إلى جماعة بل نُسِب إلى المشهور - : أنّ حال المندوب حال


1) الوسائل 10 : 12 / أبواب وجوب الصوم ب 2 ح 9.

2) العدّة 1 : 154.

3) لاحظ المختلف 3 : 239.

.................................................................................................


الفريضة من التحديد إلى الزوال ، غايته أنّه يثاب بمقدار إمساكه.

ويدلّ على القول الأوّل صحيحة هشام بن سالم المتقدّمة (1)الحاكية لفعل أمير المؤمنين (عليه السلام) من أنّه كان يدخل إلى أهله فإن وجد شيئاً وإلّا صام ، حيث عرفت أنّ التعبير ب : «كان» ظاهرٌ في الاستمرار ، ولا شكّ أنّ الإتيان إلى البيت غالباً إنّما هو بعد الزوال لأجل تناول الغذاء ، فتدلّ على جواز تجديد النيّة بعد الزوال.

ويدلّ عليه أيضاً صريحاً موثّقة أبي بصير ، قال : سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الصائم المتطوّع تعرض له الحاجة «قال : هو بالخيار ما بينه وبين العصر ، وإن مكث حتّى العصر ثمّ بدا له أن يصوم وإن لم يكن نوى ذلك فله أن يصوم ذلك اليوم إن شاء» (2).

فهذه الموثّقة صريحة الدلالة على امتداد الوقت إلى الغروب ، كما كانت الصحيحة المتقدّمة ظاهرة فيها.

إلّا أنّهما معارضتان بروايتين دلّتا على اختصاص الوقت بما قبل الزوال ، ولعلّ المشهور اعتمدوا عليهما.

إحداهما : ما رواه الشيخ بإسناده عن ابن بكير ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : سُئل عن رجل طلعت عليه الشمس وهو جنب ، ثمّ أراد الصيام بعد ما اغتسل ومضى ما مضى من النهار «قال : يصوم إن شاء ، وهو بالخيار نصف النهار» (3).


1) الوسائل 10 : 12 / أبواب وجوب الصوم ب 2 ح 7.

2) الوسائل 10 : 14 / أبواب وجوب الصوم ب 3 ح 1.

3) الوسائل 10 : 68 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 20 ح 3 ، التهذيب 4 : 322 / 989.

.................................................................................................


دلّت بمفهوم الغاية الذي هو أوضح المفاهيم على ارتفاع الحكم بعد الزوال ، ولكنّها ضعيفة السند بأبي عبد اللّه الرازي الجاموراني ، الذي ضعّفه ابن الوليد (1)والشيخ الصدوق (2)وغيرهما ، واستثنوا من روايات يونس ما يرويه عنه ، فهي غير قابلة للاستناد.

ثانيهما : موثّقة ابن بكير : عن الرجل يجنب ثمّ ينام حتّى يصبح ، أيصوم ذلك اليوم تطوّعاً؟ «فقال : أليس هو بالخيار ما بينه وبين نصف النهار؟!» (3).

وهذه الرواية المعتبرة لم يتعرّض لها الهمداني ولا غيره ، بل اقتصروا على الرواية الأُولى الضعيفة مع أنّها أولى بالتعرّض.

وكيفما كان ، فقد دلّت على المفروغيّة عن التحديد بنصف النهار بحيث كأنّه من المسلّمات ، فتكون معارَضة بالمعتبرتين الدالّتين على امتداد الوقت العصر.

والذي ينبغي أن يقال : إنّ هذه الموثّقة غايتها الظهور في عدم الجواز ، إذ الإمام (عليه السلام) بنفسه لم يذكر أمد الخيار ابتداءً ، بل أوكله إلى ما يعلمه السائل وجعله مفروغاً عنه بقوله (عليه السلام) : «أليس» إلخ ، فهي ظاهرة في تحديد النيّة للصوم بجميع مراتبه بنصف النهار ولا تزيد على الظهور في التحديد المزبور.

ولكن موثقة أبي بصير صريحة في جواز التجديد بعد العصر ، فطبعاً ترفع اليد عن ظهور تلك الرواية ، وتحمل على ارادة تحديد نية الصوم بمرتبته العليا.

ومحصّل المراد : أنّ تجديد النيّة بعد الزوال لا يبلغ في الفضل مرتبته قبل الزوال ، فإنّ الثاني بمنزلة النيّة من الفجر ويُحتسَب له تمام اليوم ، بخلاف الأول ، فإنّه


1) لاحظ رجال النجاشي : 348 / 939 ، الفهرست : 144 / 622.

2) لاحظ رجال النجاشي : 348 / 939 ، الفهرست : 144 / 622.

3) الوسائل 10 : 68 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 20 ح 2.

[2372] مسألة 13 : لو نوى الصوم ليلاً ثمّ نوى الإفطار ثمّ بدا له الصوم قبل الزوال فنوى وصام قبل أن يأتي بمفطر ، صح على الأقوى (1)(1) ،


يُحسَب له بمقدار ما نوى ، فيكون دونه في الفضيلة لا محالة.

ولو أغمضنا عن ذلك فصحيحة هشام كالصريحة فيما ذكرناه ، وتكون شاهدة للجمع بين الروايتين ، حيث دلّت على أنّه إن نوى الصوم قبل الزوال حُسِب له يومه ، وإن نواه بعده حُسِب له من هذا الوقت ، أي بمقدار نصف يوم أو أقلّ ، فتُحمَل موثّقة أبي بصير على مجرّد المشروعيّة وإن لم يكن صوماً تاماً ، وأنّه يثاب على هذا الصوم الناقص ، كما أنّ موثّقة ابن بكير تحمل على إرادة صوم اليوم الكامل ، فلا تنافي بينهما.

فتحصّل : أنّ ما ذكره جماعة وإن نُسِب إلى المشهور خلافه من جواز تجديد النيّة إلى الغروب ومشروعيّته هو الصحيح ، ولا أقلّ من جوازه رجاءً.

(1) لا يخفى أنّ هنا مسألتين ربّما اختلطت إحداهما بالأُخرى في كلمات بعضهم.

إذ تارةً : يُتكلّم في أنّ النيّة المعتبرة في الصوم هل يلزم فيها الاستمرار بأن يكون الإمساك في كلّ آنٍ مستنداً إلى النيّة ، بحيث لو تخلّف في آنٍ فنوى الإفطار ثم رجع أخلّ بصحّة صومه لفقد النيّة في ذاك الآن ، فحال تلك الآنات حال الأجزاء الصلاتيّة المعتبر فيها صدور كلّ جزء عن النيّة وإلّا بطلت صلاته؟ أو أنّ نيّة الصوم أوّل الأمر بضميمة عدم تناول المفطر خارجاً كافيةٌ في الصحّة ولا يعتبر فيها الاستدامة؟


1) (*) يعني بذلك الواجب غير المعيّن.

إلّا أن يفسد صومه برياءٍ ونحوه ، فإنّه لا يجزئه لو أراد التجديد قبل الزوال على الأحوط.


وهذه المسألة سيتعرّض لها الماتن في مطاوي المسائل الآتية عند البحث عن أنّ نيّة القطع أو القاطع هل يكون مبطلاً أو لا؟ والأقوال المعروفة فيها ثلاثة : البطلان مطلقاً ، وعدمه مطلقاً ، والتفصيل بين نيّة القطع ونيّة القاطع. وسيجي‌ء البحث حول ذلك مستقصًى إن شاء اللّه تعالى ، وهي أجنبيّة عن محطّ نظره (قدس سره) وما هو محلّ الكلام في المقام.

وأُخرى : يُتكلّم في أنّ التخيير في تجديد النيّة الثابت في الواجب غير المعيّن ولو اختياراً إلى ما قبل الزوال على ما تقدّم (1)هل يختصّ بما إذا لم يكن ناوياً للصيام من أوّل الأمر ، أو يعمّ الناوي أيضاً؟ فمن أصبح بنيّة الصوم ثمّ نوى الإفطار ثمّ بدا له الصوم قبل الزوال هل يصحّ منه مثل هذا التجديد المسبوق بنيّة الصيام أو لا؟

وهذا هو محلّ كلامه (قدس سره) في هذه المسألة ، وهو من فروع المسألة السابقة ومن متمّماتها ، حيث تعرّض هناك أوّلاً لوقت النيّة في الواجب المعيّن مفصِّلاً بين صورتي العلم والجهل وأنّه عند طلوع الفجر في الأوّل وإلى الزوال في الثاني ، ثمّ تعرّض لوقتها في غير المعيّن وأنّه يمتدّ ولو اختياراً إلى الزوال ، ونبّه ثمّة على عدم الفرق في ذلك بين سبق التردّد والعزم على العدم ، فحكم بالمساواة بين من لم يكن ناوياً ومن كان بانياً على العدم ، فتعرّض في هذه المسألة لحكم من كان بانياً على الفعل وعازماً على أن يصوم ، وأنّه لو عدل عن نيّته


1) في ص 46.

.................................................................................................


ونوى الإفطار لفرض كون الواجب موسّعاً ، ثمّ بدا له وجدّد النيّة قبل أن يستعمل المفطر ، فهل يسوغ مثل هذا التجديد أو لا؟

وهذا كما ترى من شؤون المسألة السابقة ومتمّماتها ولا ربط له بمسألة استدامة النيّة واستمرارها المبحوث عنها في المسائل الآتية.

ومعلومٌ أنّ الصحيح حينئذٍ هو ما ذكره (قدس سره) من جواز التجديد ، إذ بعد ما رفع اليد عمّا نواه من الصوم أولاً فمرجعه إلى عدم كونه ناوياً للصوم فعلاً ، إذ قصد العنوان ممّا لا بدّ منه في البقاء على الصوم ، فهو حينما قصد الإفطار خرج عن هذا العنوان وصدق عليه أنّه ليس بصائم ، فيشمله إطلاق النصوص المتقدّمة الدالة على جواز تجديد النيّة لغير ناوي الصوم وأنّه بالخيار إلى ما قبل الزوال ، ومن الواضح أنّ نيّة الصوم السابقة الزائلة لا تزيد على عدمها فلا تقدح في الاندراج تحت إطلاق النصوص ، وأما نيّة الإفطار فلا تضرّ إلّا من حيث فقد نيّة الصوم ، والمفروض أنّ غير الناوي ما لم يستعمل المفطر محكومٌ بجواز التجديد ، فلا مانع من الحكم بصحّة الصوم بمقتضى تلك الأخبار.

نعم ، يشترط في ذلك أن لا يكون قد أفسد صومه برياءٍ ونحوه ، فلا يجزئه لو أراد التجديد قبل الزوال على الأحوط كما ذكره في المتن ، بل الظاهر ذلك ، والوجه فيه : قصور النصوص عن الشمول لذلك ، لأنّ النظر فيها مقصور على تنزيل غير الصائم أي من كان فاقداً للنيّة فقط منزلة الصائم ، وأنّ من لم يكن ناوياً إلى الآن لو جدّد النيّة فهو بمنزلة الناوي من طلوع الفجر فيحتسب منه الباقي ، ويفرض كأنّه نوى من الأول.

وأمّا تنزيل الصائم على الوجه المحرم لرياءٍ ونحوه منزلة الصائم على الوجه المحلّل فهو يحتاج إلى مئونة زائدة ودليل خاصّ ، وهذه النصوص غير وافية بإثبات ذلك بوجه ، ولا تكاد تدلّ على انقلاب ما وقع حراماً لكونه شركاً

[2373] مسألة 14 : إذا نوى الصوم ليلاً لا يضرّه الإتيان بالمفطر بعده قبل الفجر مع بقاء العزم على الصوم (1).


في العبادة إلى الحلال وصيرورته مصداقاً للمأمور به ، بل مقتضى ما ورد في روايات الرياء من قوله تعالى : «أنا خير شريك» إلخ (1): أنّ هذا العمل غير قابل للانقلاب ، وأنّه لا يقبل الإصلاح بوجه ، وأنّ ما وقع على وجه مبغوض يبقى كذلك ولا ينقلب إلى المحبوب ، فلا يكون مقرّباً أبداً.

(1) المستفاد من الآية المباركة : أنّ الصوم الواجب على جميع المسلمين كما وجب على الأُمم السابقة مبدؤه الإمساك من طلوع الفجر فهو مرخّص في الأكل والشرب ليلاً ، قال تعالى ( كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ) (2)كما أنّ الوارد في الأخبار هو المنع عن تناول المفطرات في النهار ، فلا مانع من استعمالها طول الليل ، فالأمر وإن كان فعليّاً في الليل إلّا أنّ متعلّقه صوم الغد والإمساك من طلوع الفجر ، وقد تقدّم سابقاً أنّ النيّة المعتبرة في باب الصوم تغاير النيّة المعتبرة في غيره من سائر العبادات الوجوديّة ، وأنّها عبارة عن العزم والبناء على ترك استعمال المفطرات في ظرفها غير المنافي لكونه نائماً أوّل الفجر بل مجموع النهار. وعليه ، فلا مانع من الأكل والشرب ليلاً مع فرض كونه ناوياً للإمساك.

هذا ما يستفاد من الأدلّة ، ومع ذلك نُسِب إلى الشهيد (قدس سره) المنع عن الإتيان بالمفطر في الليل بعد النيّة ، وأنّه لو أتى به لزمه تجديد النيّة (3).


1) الوسائل 1 : 61 / أبواب مقدّمة العبادات ب 8 ح 9 وص 72 ب 12 ح 7.

2) البقرة 2 : 187.

3) كفاية الأحكام : 61.

[2374] مسألة 15 : يجوز في شهر رمضان أن ينوي لكل يوم نيّة على حدة (1).

والأولى أن ينوي صوم الشهر جملةً ويجدّد النيّة لكلّ يوم ، ويقوى الاجتزاء بنيّة واحدة للشهر كلّه ، لكن لا يترك الاحتياط بتجديدها لكلّ يوم.


وهو كما ترى لم يظهر له أيّ وجه ، لوضوح عدم منافاة الإتيان به لا للنيّة على ما عرفت من معناها ولا للمنوي ، إذ المأمور به هو الإمساك في النهار لا في الليل ، إذ لم ترد ولا رواية واحدة تدلّ على لزوم الإمساك فيه بعد النيّة ، بل قد قام الدليل على العدم ، وقد ثبت استحباب الجماع في الليلة الأُولى الشامل بإطلاقه حتّى لما بعد النيّة. فكلام الشهيد عارٍ عن كلّ دليل كما هو ظاهر.

وملخص الكلام في ردّ مقالة الشهيد : أنّ ناوي الصيام في الليل إن نواه من الآن فهو تشريعٌ محرّم ، وإن نواه من الفجر فلا ينافيه تناول المفطر قبله كي يحتاج إلى تجديد النيّة كما هو أظهر من أن يخفى.

(1) تقدّم شطرٌ من الكلام حول هذه المسألة ، وذكرنا أنّ ظاهر الآية المباركة تعلّق الأمر بصوم شهر رمضان بكامله من أوّل الأمر على نحو الواجب التعليقي ، ولكن من الضروري عدم كون المجموع واجباً واحداً ارتباطيّاً بحيث لو أفطر يوماً لعصيانٍ ونحوه بطل الكلّ كما هو شأن الواجب الارتباطي ، بل هناك أوامر عديدة قد تعلّقت بأيّامٍ متعدّدة كلّ منها واجب مستقلّ بحياله على سبيل الانحلال الحقيقي وإن حدث الكلّ من أوّل الشهر.

وعليه ، فلا فرق بين أن ينوي لكلّ يوم في ليلته ، نظراً إلى تعلّق الأمر به

.................................................................................................


بخصوصه ، وبين أن يقتصر على نيّة واحدة للكلّ في اللّيلة الاولى مع بقاء تلك النيّة وارتكازها في ذهنه إلى آخر الشهر ، نظراً إلى حلول جميع تلك الأوامر في اللّيلة الأُولى ، فيصحّ كلا الأمرين كلٌّ باعتبار.

والحاصل : أنّ ظرف العمل متأخّر عن زمان حدوث الأمر وبينهما فاصل زماني ، فالواجب تعليقي على كلّ حال ، غاية الأمر أنّ الفصل قد يكون قليلاً وبمقدار بضع ساعات فيما لو نوى صوم الغد بخصوصه ، وقد يكون أكثر فيما لو نوى صوم الأيام الآتية ، فلا فرق بينهما من هذه الجهة وله اختيار أيٍّ منهما شاء ، فيمكن نيّة الكلّ جملةً مع بقاء النيّة الارتكازيّة في أُفق النفس إلى آخر الشهر ، كما يمكن نيّة الغد بخصوصه ، لتردّده في صوم بعد الغد لأجل احتمال السفر ونحوه مثلاً فيوكل نيّة الأيام الآتية إلى ظرفها.

نعم ، الأحوط الأولى الجمع بين الأمرين ، فينوي صوم الشهر جملةً ويجدّد النيّة لكلّ يوم ، لما ذكره بعضهم من لزوم النيّة في كلّ ليلة.

وعلى كلّ حال ، فلا يحتمل أن يكون صوم شهر رمضان واجباً واحداً ارتباطيّاً كي تجب نيّة الكلّ من الأول ، لأجل عدم جواز تفريق النيّة على أجزاء العبادة الواحدة ، ضرورة أنّها واجبات عديدة استقلاليّة ، ولكلّ يوم حكم يخصّه من الثواب والعقاب والكفّارة الإفطار والإطاعة والعصيان ونحو ذلك ممّا هو من شؤون تعدّد العبادة ، غاية الأمر أنّ هذه الأوامر قد حدثت بأجمعها من الأول على سبيل الانحلال ، وبهذا الاعتبار صحّت النيّة بكلّ من النحوين ، فله قصد الجميع من الأول ، كما أنّ له نيّة كلّ يوم بخصوصه حسبما عرفت.

وأمّا في غير شهر رمضان (1)من الصوم المعيّن فلا بدّ من نيّة لكلّ يوم إذا كان عليه أيّام كشهر أو أقلّ أو أكثر (1).


(1) كأن هذه المسألة ممّا وقع التسالم عليها ، بل صرّح في الجواهر بعدم وجدان الخلاف (2)، وبذلك يفترق رمضان عن غيره من الواجب المعيّن بنذرٍ ونحوه إذا كان عليه أيام عديدة كشهر أو أقلّ أو أكثر ، فيجتزئ بنيّة واحدة في الأوّل دون الثاني.

أقول : لو كان الاجتزاء في شهر رمضان ثابتاً بدليل خاصّ وكان مقتضى القاعدة عدم الاجتزاء ، لكان اللازم ما ذكر من الاقتصار على رمضان ، جموداً في الحكم المخالف لمقتضى القاعدة على مقدار قيام الدليل ، لكنّك عرفت أنّ الحكم فيه هو مقتضى القاعدة ، من غير أن يستند إلى دليل بالخصوص ، حيث إنّ الأمر بصوم الشهر كلّه قد حدث من الأوّل بمقتضى قوله تعالى ( فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ) (3)، وكذا الروايات ، فتعلّق عند ما هلّ هلال الشهر ثلاثون أو تسعة وعشرون أمراً بعدد الأيام على سبيل الواجب التعليقي وإن أُنشئ الكلّ بإنشاءٍ واحد ، ولكنّها تنحلّ إلى أوامر عديدة استقلالية لكلّ منها إطاعة وعصيان مغاير للآخر.

ولأجله كان مقتضى القاعدة جواز الاكتفاء بنيّة واحدة على ما سبق في


1) (*) الظاهر عدم الفرق بين صوم رمضان وصوم غيره في ذلك إذا كان الوجوب فعلياً من دون فرق بين أن يكون مجموع الشهر مثلاً واجباً بسببٍ واحد أو أسباب متعدّدة.

2) جواهر الكلام 16 : 202.

3) البقرة 2 : 185.

.................................................................................................


معنى النيّة المعتبرة في باب الصوم من العزم والبناء على عدم الإتيان بالمفطرات في ظرفها غير المنافي لكون الترك غير اختياري له لنومٍ أو عجزٍ ونحو ذلك ، فيكتفي باستناد الترك إلى الصائم بنحوٍ من الاستناد ، أي يبني على أن لا يرتكب تلك الأُمور باختياره قاصداً به التقرّب.

ومن هنا ذكرنا فيما تقدّم عدم الحاجة إلى تجديد النيّة في الليلة الثانية ، فلو نام نهار اليوم الأوّل ولم يستيقظ إلّا بعد الفجر من اليوم الثاني صحّ صومه ، استناداً إلى النيّة الحاصلة في الليلة الأُولى ، الباقية بطبيعة الحال ، فإذا كان هذا مقتضى القاعدة في صوم رمضان ثبت في غير رمضان أيضاً بمناطٍ واحد ، ولا نظنّ أنّ هناك إجماعاً تعبّديّاً استند إليه الفقهاء في الحكم بالتفرقة ، بل إنّهم بنوا ذلك على مقتضى القاعدة حسبما أدّى إليه نظرهم ، وإلّا فالإجماع التعبّدي لعلّه مقطوع العدم.

وقد عرفت أنّ القاعدة تقتضي الاجتزاء حتّى في غير رمضان ، لفعلية الأمر المتعلّق بالواجب المتأخّر ، كما في نذر صوم شهر مثلاً وكوجوب صوم اليوم الثالث من الاعتكاف ، فلو اعتكف يومين كان الأمر بالثالث ثابتاً من الأوّل ، فيكتفي بتلك النيّة السابقة ، فلو نام في اليوم الثاني ولم يستيقظ إلّا بعد الفجر من الثالث صحّ صومه وإن لم يجدّد النيّة ليلته.

والحاصل : أنّه لا فرق بين رمضان وغيره في جواز الاجتزاء بنيّة واحدة ، لعدم ورود رواية خاصّة في الأوّل ، ومقتضى القاعدة الصحّة في الجميع ، لكن على ما بيّناه سابقاً من اعتبار صدور النيّة بعد فعليّة الأمر لا قبلها لا تكفي النيّة قبل حلول رمضان ، فلاحظ.

[2375] مسألة 16 : يوم الشك في أنّه من شعبان أو رمضان يبني على أنّه من شعبان (1) ، فلا يجب صومه ، وإن صام ينويه ندباً أو قضاءً أو غيرهما.


(1) فيجوز صومه بهذا العنوان ، لأصالة عدم دخول رمضان ، ومنه تعرف عدم جواز صومه بعنوان رمضان فضلاً عن عدم وجوبه ، لأنّه من الملتفت تشريعٌ محرّم ، مضافاً إلى النصوص الخاصّة الناهية عن الصوم بهذا العنوان ، بل ورد في بعضها (1): أنّه لا يجزئ وإن انكشف كونه من رمضان فلا بدّ من قضائه ، لأنّ ما أتى به منهيٌّ عنه ، فلا يقع مصداقاً للمأمور به.

وعلى الجملة : لا شكّ في صحّة صوم هذا اليوم ، وأنّه في نفسه أمرٌ مشروع ما لم يقصد به رمضان ، وإلّا فهو ممنوع ، وقد دلّت الأخبار المتظافرة على الحكم من كلا الطرفين مضافاً إلى كونه مقتضى القاعدة حسبما عرفت.

نعم ، ورد في بعض النصوص كخبر الأعشى (2)النهي عن صوم يوم الشكّ.

وقد نُسِب إلى المفيد (رضوان اللّه عليه) القول بكراهة الصوم في هذا اليوم (3)، وكأنّه حمل النهي المزبور عليها جمعاً بينه وبين ما دلّ على جواز الصوم وأنّه يحسب من رمضان.

ولكنه كما ترى ، فإنّ ما دلّ على المنع مطلقٌ يكشف القناع عنه ما تضمّن التفصيل بين قصد شعبان فيجوز ، وقصد عنوان رمضان فلا يجوز ، كموثّقة سماعة ،


1) الوسائل 10 : 25 / أبواب وجوب الصوم ونيته ب 6 ح 1 وص 27 ب 6 ح 5.

2) الوسائل 10 : 25 / أبواب وجوب الصوم ونيته ب 6 ح 2.

3) المعتبر 2 : 650 ، المسالك 2 : 55.

.................................................................................................


قال (عليه السلام) فيها : «إنّما يصام يوم الشكّ من شعبان ، ولا يصومه من شهر رمضان» إلخ (1).

وفي رواية الزهري : «وصوم يوم الشكّ أُمِرنا به ونُهينا عنه ، أُمِرنا به أن نصومه مع صيام شعبان ، ونُهينا عنه أن ينفرد الرجل بصيامه» إلخ (2)ونحوهما غيرهما.

وعليه ، فالروايات الناهية محمولة على القسم الأخير بطبيعة الحال ، فلا موجب للحمل على الكراهة ، بل قد ورد في بعض الأخبار الحثّ على صوم هذا اليوم بعنوان شعبان وأنّه إن كان من رمضان أجزأه ، ويومٌ وُفِّق له ، وإلا فهو تطوّعٌ يؤجر عليه (3).

نعم ، هناك رواية واحدة قد يظهر منها المنع وإن لم يكن بعنوان رمضان ، وهي صحيحة عبد الكريم بن عمرو الملقّب ب : كرام قال : قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : إنِّي جعلت على نفسي أن أصوم حتّى يقوم القائم «فقال : صم ، ولا تصم في السفر ولا العيدين ولا أيّام التشريق ولا اليوم الذي يُشكّ فيه» (4).

فإنّ الظاهر أنّ المراد من اليوم الذي يُشكّ فيه ما تردّد بين شعبان ورمضان ، وإلا فليس لنا يوم آخر تُستعمَل فيه هذه اللفظة وقد دلّت صريحاً على النهي ، مع أنّ المفروض صومه بعنوان الوفاء بالنذر ، لا بعنوان رمضان كما لا يخفى.

ويندفع بعدم ظهور الرواية في ورودها في فرض النذر ، بل ظاهرها مجرّد الجعل على النفس والالتزام بالصوم خارجاً ، ولو أراد النذر لقال : إنِّي جعلت


1) الوسائل 10 : 21 / أبواب وجوب الصوم ونيته ب 5 ح 4.

2) الوسائل 10 : 22 / أبواب وجوب الصوم ونيته ب 5 ح 8.

3) الوسائل 10 : 20 / أبواب وجوب الصوم ونيته ب 5.

4) الوسائل 10 : 26 / أبواب وجوب الصوم ونيته ب 6 ح 3.

.................................................................................................


لله على نفسي ... إلخ كما لا يخفى ، ومن المعلوم أنّ متعلّق هذا الجعل هو الصوم الذي لا يكون واجباً في نفسه ، وإلّا فالواجب كرمضان غنيٌّ عن الجعل المزبور. وعليه ، فالنهي الوارد فيها قابلٌ للحمل على الصوم بعنوان رمضان.

وبعبارة اخرى : التزم هذا الجاعل أن يصوم طيلة حياته ، إن واجباً فلوجوبه وإن ندباً فلالتزامه به ، وبما أنّ الصوم يوم الشكّ مظنّة قصد الوجوب فمن الجائز أنّه (عليه السلام) منعه عن الصوم بهذا القصد وبعنوان رمضان ، وأمّا الصوم ندباً حسب التزامه وقراره فالرواية غير ظاهرة في المنع عنه بوجه.

ومع الغضّ عمّا ذكرناه وتسليم بُعده عن الرواية لكونها ظاهرة في المنع المطلق ، فهي معارضة للروايات السابقة الدالّة على مشروعيّة الصوم في هذا اليوم ، بل محبوبيّته ، وحيث إنّها لا تقاوم تلك النصوص الكثيرة المتواترة فلا مناص من طرحها أو حملها على التقيّة ، لالتزم العامّة على ما قيل بترك الصوم في هذا اليوم.

وعلى الجملة : لا ينبغي التأمّل في صحّة الصوم في يوم الشكّ وأنّه مشروع في حدّ نفسه ، للنصوص المتواترة ، والممنوع هو صومه بعنوان رمضان ، فلا تقاومها هذه الرواية وإن صحّ سندها ، فإن كانت قابلة للتأويل حسبما ذكرناه فهو ، وإلا فلتُطرح ، أو تُحمل على التقيّة.

وقد عرفت أنّ الصحّة هي مقتضى الاستصحاب الموضوعي أيضاً ، أعني : أصالة بقاء شعبان وعدم دخول رمضان فالحكم مطابق للقاعدة وإن لم ترد رواية أصلاً ، كيف؟! والروايات الصريحة في الجواز كافية ووافية حسبما عرفت.

ثم ، إنّ مقتضى الاستصحاب والروايات : عدم الفرق في صحة الصوم من شعبان بين أن يقصد به التطوع ، أو ينوي الوجوب من نذرٍ أو كفّارة أو استئجار

.................................................................................................


ونحو ذلك ، بل قد لا يشرع التطوّع كما لو كان عليه القضاء ولو من السنين السابقة ، فإنّ المتعيّن حينئذٍ التصدّي له ، ولا يسوغ له صوم التطوّع كما سيجي‌ء في محلّه إن شاء اللّه تعالى (1).

فالثابت في حقّه بمقتضى الأمرين المزبورين جواز الصوم على نحو ما يقتضيه تكليفه من التطوّع إن لم يكن عليه واجب مطلقاً أو خصوص القضاء وإلّا فيقصد الواجب.

ولم يرد في شي‌ء من الأخبار ما يدلّ على الاختصاص بالتطوّع عدا رواية واحدة ، وهي رواية بشير النبّال ، قال : سألته (عليه السلام) عن صوم يوم الشكّ؟ «فقال : صمه فإن يك من شعبان كان تطوعاً ، وإن يك من شهر رمضان فيوم وُفِّقت له» (2).

ولكنّها كما ترى غير دالّة على الانحصار ، بل إنّ موردها ذلك أي من لم يكن عليه صوم واجب بقرينة ذكر التطوّع بضميمة ما سيجي‌ء من عدم مشروعيّة التطوّع ممّن عليه الفريضة (3)، فلا تدلّ على عدم جواز قصد الوجوب ممّن كان عليه صوم واجب بوجه كما هو ظاهر جدّاً ، على أنّها ضعيفة السند ببشير النبّال ، فلا تصلح للاستدلال.

وبقيّة الأخبار غير مذكور فيها التطوّع كما عرفت ، وإنّما ذكر فيها الصوم على أنّه من شعبان ، وهو كما يمكن أن يكون بنيّة الندب ، يمكن أن يكون بنيّة القضاء ، أو واجب آخر.


1) في ص 506 517.

2) الوسائل 10 : 21 / أبواب وجوب الصوم ب 5 ح 3.

3) في ص 503.

ولو بان بعد ذلك أنّه من رمضان أجزأ عنه ، ووجب عليه تجديد النيّة إن بان في أثناء النهار ولو كان بعد الزوال (1) ،


ومنه تعرف أنّ الإجزاء أيضاً كذلك ، فيُحسَب له من رمضان لو تبيّن كون اليوم منه ، سواء أصام تطوّعاً أم وجوباً ، لإطلاق نصوص الاجتزاء من هذه الجهة ، والعمدة منها روايتان :

إحداهما : صحيحة سعيد الأعرج ، قال : قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : إنّي صمت اليوم الذي يشكّ فيه فكان من شهر رمضان ، أفأقضيه؟ «قال : لا ، هو يوم وُفّقت له» (1).

والأُخرى : موثّقة سماعة ، قال (عليه السلام) فيها : «وإنّما ينوي من الليلة أن يصوم من شعبان ، فإن كان من شهر رمضان أجزأ عنه» إلخ (2).

وكلتاهما مطلقة من حيث التطوّع وعدمه ، فلا يختصّ بالأوّل لا تكليفاً ولا وضعاً.

(1) خلافاً لما نُسِب إلى بعضهم من عدم وجوب التجديد ، استناداً إلى إطلاق النصّ والفتوى.

وهو كما ترى ، فإنّ مورد الروايات هو الانكشاف بعد انقضاء اليوم ، وليس في شي‌ء منها فرض انكشاف الحال أثناء النهار الذي هو محلّ الكلام كي يتمسّك بإطلاقه ، والظاهر أنّ كلمات الأصحاب أيضاً ناظرة إلى ذلك.

وكيفما كان ، فلا شكّ في الاجتزاء بما سبق من الأجزاء وإن كانت فاقدة


1) الوسائل 10 : 20 / أبواب وجوب الصوم ب 5 ح 2.

2) الوسائل 10 : 21 / أبواب وجوب الصوم ب 5 ح 4.

.................................................................................................


للنيّة ، لاستفادة حكمها من النصوص بالأولويّة القطعيّة ، إذ لو حكم بالاجتزاء فيما إذا انكشف الحال بعد انقضاء النهار الذي هو مورد النصوص مع كون المجموع حينئذٍ فاقداً للنيّة ففي مورد الانكشاف في الأثناء المستلزم لفقد النيّة في البعض فقط بالطريق الأولى ، ولا سيّما مع التعليل بأنّه يومٌ وُفِّق له ، المقتضي لشمول كلتا الصورتين كما لا يخفى.

وأمّا لزوم تجديد النيّة بالنسبة إلى الآنات الباقية من النهار بعد انكشاف الحال فهذا أيضاً ينبغي أن يُستشكل فيه ، إذ لا يخلو الحال من القول بعدم الحاجة إلى النيّة بقاءً فلا يضرّه الخلوّ منها بحيث لو نوى المفطر ساغ له ذلك ، أو الاستمرار على النيّة السابقة نيّة الصوم من شعبان ندباً أو قضاءً أو غيرهما أو تجديد النيّة بعنوان رمضان ، ولا رابع.

أمّا الأوّل : فباطلٌ جزماً ، كيف؟! والصوم عبادة لا تصحّ بدون النيّة وقصد العنوان في تمام الآنات ومجموع الأجزاء بالضرورة حسبما مرّ في محلّه (1).

وأمّا الثاني : فكذلك ، للقطع فعلاً بعدم الأمر بالصوم من شعبان ، بمقتضى فرض انكشاف الخلاف ، فكيف يمكن البقاء والاستمرار على نيّته السابقة؟! فإنّ نيّة التطوّع مثلاً كانت مستندة إلى الحكم الظاهري ، وهو استصحاب بقاء شعبان الذي موضوعه الجهل وقد ارتفع ، فهو عالمٌ فعلاً بعدم الاستحباب وعدم الأمر بالصوم من شعبان ، فكيف يمكن نيّته؟! فلا مناص من الأخير ، وهو المطلوب.

وعليه ، فيجتزئ فيما مضى من اليوم بالنيّة السابقة من باب الاحتساب المستفاد من الأولوية القطعيّة كما مرّ ، ويجدّد النيّة فيما بقي ، وبذلك يصحّ صومه ويلتئم جزؤه اللاحق بالسابق.


1) في ص 57.

ولو صامه بنيّة أنّه من رمضان لم يصحّ وإن صادف الواقع (1).


وبعبارة أُخرى : يستكشف بعد ظهور الخلاف أنّه كان مأموراً واقعاً بنيّة رمضان من أوّل الفجر ، غاية الأمر أنّه كان معذوراً فيما سبق وقد اكتفى به الشارع تعبّداً ، أمّا الآن فما بعد فلا عذر ، ومعه لا مناص من تجديد النيّة من غير حاجة إلى قيام دليل عليه ، بل هو مطابق لمقتضى القاعدة حسبما عرفت.

(1) أشرنا فيما مرّ إلى أنّ الروايات الواردة في صوم يوم الشكّ على طوائف ثلاث :

منها : ما تضمن المنع المطلق ، وأنّه لا يجزئه ، وعليه القضاء وإن تبيّن كون اليوم من رمضان.

ومنها : ما دلّ على الأمر به مطلقاً ، وأنّه يومٌ وُفِّق له ، ويجزئه لو كان منه.

وهما متعارضتان بالتباين :

وهناك طائفة ثالثة جامعة بين الأمرين وشاهدة للجمع بين الطائفتين ، حيث تضمّنت التفصيل بين صومه من شعبان فيجوز ويجزئ ، وبين صومه بعنوان رمضان فلا يجوز ولا يجتزي به وإن كان منه ، فتُحمَل الطائفة الأُولى على الثاني ، والثانية على الأول ، وبذلك يرتفع التنافي من البين ويتصالح بين الطرفين.

فمن الطائفة الأُولى : صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) : في الرجل يصوم اليوم الذي يشكّ فيه من رمضان؟ «فقال : عليه قضاؤه وإن كان كذلك» (1).

وكونها من هذه الطائفة مبني على أن يكون قوله : «من رمضان» متعلقاً


1) الوسائل 10 : 25 / أبواب وجوب الصوم ب 6 ح 1.

.................................................................................................


بقوله : «يشكّ» لا بقوله «يصوم» كما لا يخفى.

ونحوها صحيحة هشام بن سالم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال في يوم الشكّ : «من صامه قضاه وإن كان كذلك ، يعني من صامه على أنّه من شهر رمضان بغير رؤية قضاه وإن كان يوماً من شهر رمضان ، لأنّ السنّة جاءت في صيامه على أنّه من شعبان ، ومن خالفها كان عليه القضاء» (1).

قوله : «يعني» إلخ ، يحتمل أن يكون من كلام الشيخ ، ويحتمل أن يكون من كلام بعض الرواة ، كما يحتمل أيضاً أن يكون من كلام الإمام (عليه السلام) ، وإن كان الأخير بعيداً كما سنبيّن.

وكيفما كان ، فيكفي كون الصدر من الإمام (عليه السلام) فيتّحد مفادها مع الصحيحة السابقة.

وهذه الرواية صحيحة بلا إشكال وإنّ عُبِّر عنها بالخبر في كلام الهمداني (2)المشعر بالضعف.

ومنها صحيحة عبد الكريم بن عمرو الملقّب ب : كرام المتقدّمة ، قال (عليه السلام) فيها : «لا تصم في السفر ولا العيدين ولا أيام التشريق ولا اليوم الذي يشكّ فيه» (3)، ونحوها غيرها.

ثمّ لا يخفى أنّ قوله (عليه السلام) في الصحيحتين الأُوليين «وإن كان كذلك» لم يظهر له وجه ، لوضوح اختصاص القضاء بما إذا كان كذلك ، أي كان يوم الشكّ من رمضان ، وإلّا فلو كان من شعبان أو لم يتبيّن الحال أبداً لا يجب القضاء ،


1) الوسائل 10 : 27 / أبواب وجوب الصوم ب 6 ح 5 ، التهذيب 4 : 162 / 457.

2) مصباح الفقيه 14 : 339.

3) الوسائل 10 : 26 / أبواب وجوب الصوم ب 6 ح 3.

.................................................................................................


فحقّ العبارة أن يقال : قضاه إن ثبت أنّه من رمضان ، لا : وإن كان من رمضان.

إلّا أن يقال : إنّ المراد من قوله : «قضاه» المدلول الالتزامي ، وهو البطلان الذي هو ثابت على تقديرَي كونه من رمضان وعدمه. أمّا الثاني فواضح ، لأنّ ما قصد وهو الصوم بعنوان رمضان لم يقع ، وما وقع لم يقصد. وكذا الذي هو الفرد الخفي ، ولذا احتيج إلى كلمة «إن» الوصليّة ، فهو بمثابة أن يقول : لم يعتدّ به وإن كان من رمضان.

وبالجملة : بما أنّ القضاء مترتّب على البطلان فأُريد من الكلام المعنى الالتزامي دون المطابقي أعني : نفس القضاء إذ لا محصّل للعبارة حينئذٍ حسبما عرفت ، لعدم موضوع للقضاء لو لم يكن من رمضان ، فقوله : «وإن» إشارة إلى تعميم البطلان الملزوم لوجوب القضاء لبعض الموارد ، لا تعميم نفس وجوب القضاء ، وإنّما تعرّض للقضاء لثبوته ولو في الجملة وفي بعض الموارد.

والظاهر أنّ التفسير المذكور في صحيحة هشام بقوله : يعني من صامه إلى قوله لأنّ السنّة ، إنّما هو من الشيخ أو بعض الرواة لتوضيح هذا المعنى ، ففسّره بما يرجع إلى البطلان ، وأنّ المراد من القضاء المدلول الالتزامي ، يعني : بطلان الصوم الذي لازمه القضاء ، ولو في خصوص هذا المورد ، أعني : ما إذا كان اليوم من رمضان واقعاً وإلّا فلا يحتمل ثبوت القضاء على كلّ تقدير كما عرفت.

وعليه ، فالمظنون قويّاً أنّ التفسير المزبور قد صدر من أحدهما لا من الإمام نفسه كما لا يخفى ، خصوصاً مع التعبير بكلمة : يعني ، لا : أعني.

وبإزاء هذه الطائفة طائفةٌ أُخرى تضمّنت الأمر بالصوم في هذا اليوم وأنّه لو انكشف أنّه من رمضان يُحتسَب منه ، وأنّه يومٌ وُفِّق له ، فتدلّ لا محالة على المشروعيّة ، وهي كثيرة كما لا تخفى على من لاحظها.

والروايات الجامعة بين الطائفتين المصرّحة بالتفصيل بين الصوم من شعبان

[2376] مسألة 17 : صوم يوم الشك يُتصوّر على وجوه (1) :

الأوّل : أن يصوم على أنّه من شعبان ، وهذا لا إشكال فيه ، سواء نواه


فيجوز ، ومن رمضان فلا يجوز ، فهي عديدة عمدتها موثّقة سماعة ، قال : قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : رجل صام يوماً ولا يدري أمن شهر رمضان هو أو من غيره؟ إلى أن قال (عليه السلام) - : «إنّما يصام يوم الشكّ من شعبان ، ولا يصومه من شهر رمضان» (1).

وهي كما ترى واضحة الدلالة على أنّ متعلّق الأمر شي‌ء ومتعلّق النهي شي‌ء آخر ، وبما أنّها جامعة بين الأمرين ، فبها يجمع بين الطائفتين المتخاصمتين ويرتفع التعارض من البين.

هذا ، ولو فرضنا عدم وجود شي‌ء من هذه الروايات لحكمنا أيضاً بالبطلان لو صام يوم الشكّ بعنوان رمضان وإن صادفه ، لأنّه مع الالتفات تشريع محرّم ، نظراً إلى أنّ مقتضى الاستصحاب عدم حدوث رمضان ، فكيف يصوم بهذا العنوان؟! نعم ، لا يثبت به البطلان في فرض الغفلة ، أو اعتقاد جواز الصوم بهذا العنوان ، لعدم التشريع حينئذٍ ، وأمّا مع الالتفات فباطل ولا حاجة إلى النصّ.

(1) ذكر (قدس سره) أنّ فيه وجوهاً أربعة تقدّم الكلام حول الوجهين الأولين الذين يجمعهما الجزم بالعنوان من شعبان أو رمضان مسقصى (2)، فلا نعيد.

وأمّا الوجهان الآخران المشتملان على نوع من الترديد ، فقد فصّل (قدس سره)


1) الوسائل 10 : 21 / أبواب وجوب الصوم ب 5 ح 4.

2) في ص 65 73.

ندباً ، أو بنيّة ما عليه من القضاء أو النذر أو نحو ذلك. ولو انكشف بعد ذلك أنّه كان من رمضان أجزأ عنه وحسب كذلك.

الثاني : أن يصومه بنيّة أنّه من رمضان ، والأقوى بطلانه وإن صادف الواقع.

الثالث : أن يصومه على أنّه إن كان من شعبان كان ندباً أو قضاءً مثلاً وإن كان من رمضان كان واجباً ، والأقوى بطلانه أيضاً.

الرابع : أن يصومه بنيّة القربة المطلقة بقصد ما في الذمة ، وكان في ذهنه أنّه إمّا من رمضان أو غيره ، بأن يكون الترديد في المنوي لا في نيّته ، فالأقوى صحّته وإن كان الأحوط خلافه.


بينهما من حيث الصحّة والفساد ، فذكر (قدس سره) : أنّه إن صام على أنّه إن كان من رمضان كان واجباً ، وإن كان من شعبان كان ندباً أو قضاءً ، بطل ، لكونه من الترديد في النيّة.

وأمّا إن قصد صوم هذا اليوم بقصد ما في الذمّة أي بقصد الأمر الفعلي المتوجّه إليه على ما هو عليه ، إذ الصوم في هذا اليوم مأمور به جزماً ، لعدم كونه من الأيام المحرّمة كيوم العيد ونحوه ، وإن لم يعلم خصوصيّة ذلك الأمر من الوجوب أو الندب ، فيقصد الأمر الفعلي بقصد القربة المطلقة فقد حكم (قدس سره) بالصحّة حينئذٍ ، لكونه من الترديد في المنوي ، لا في النيّة ، كما في الصورة السابقة.

أقول : يقع الكلام أوّلاً في بيان الفرق بين الصورتين وصحّة التفكيك بينهما موضوعاً ، وأُخرى في صحّة التفصيل حكماً ، فهنا جهتان :

.................................................................................................


أمّا الجهة الأُولى : فمبنى الصورة الأُولى على الامتثال الاحتمالي ، بمعنى أنّ الباعث له على الصيام إنّما هو احتمال رمضان ، وأمّا الطرف الآخر أعني : الصوم الندبي من شعبان فلا يهتمّ به ، بل قد يعلم ببطلانه ، لعدم كونه مأموراً به في حقّه ، كما لو كان عبداً أو زوجة أو ولداً قد منعه المولى أو الزوج أو الوالد عن الصوم الندبي ، بناءً على الافتقار إلى الإذن منهم ، فيصوم يوم الشكّ برجاء أنّه من رمضان لا على سبيل البتّ والجزم ليكون من التشريع ، فيتعلّق القصد بعنوان رمضان ، لكن لا بنيّة جزميّة ، بل ترديديّة احتماليّة وأنّه إن كان من رمضان فهو ، وإلّا فليكن تطوّعاً أو قضاءً مثلاً أو لا هذا ولا ذاك ، بل باطلاً كما في صورة الحاجة إلى الإذن على ما سمعت ، فلا يدعوه إلى الصيام إلّا مجرّد احتمال رمضان.

وأمّا الصورة الثانية : فليس فيها رجاءٌ أبداً ، بل هو قاصد للأمر الفعلي الجزمي الجامع بين الوجوب والاستحباب ، للقطع بتعلّق الأمر بالصوم في هذا اليوم ، غاية الأمر أنّ الخصوصيّة مجهولة ، وصفة المنوي مردّدة بين الوجوب والاستحباب ، لتردّدها بين رمضان وشعبان ، فتلغى تلك الخصوصية في مقام تعلّق القصد ، ولم يقصد رمضان لا جزماً ولا احتمالاً ، بل يقصد طبيعي الصوم بداعي طبيعي الأمر ، وهذا هو الذي سمّاه بالترديد في المنوي دون النيّة عكس الصورة السابقة.

وأمّا الجهة الثانية : فالظاهر صحّة ما ذكره (قدس سره) من التفصيل بين الصورتين : بالبطلان في الأُولى ، والصحّة في الثانية.

أمّا الأول : فلأنّ الامتثال الاحتمالي والعبادة الرجائيّة وإن كانت محكومة بالصحّة كما في سائر موارد الرجاء والاحتياط إلّا أنّها محكومة بالفساد في خصوص المقام ، نظراً إلى أنّ المستفاد من إطلاق الروايات الواردة في المقام

.................................................................................................


بطلان الصوم في يوم الشكّ بعنوان رمضان ولو كان ذلك على سبيل الاحتمال والرجاء ، بل لا يبعد أن يقال : إنّ الروايات ناظرة إلى نفس هذه الصورة ، إذ من البعيد الاهتمام فيها بأمرٍ إمّا لا يقع خارجاً ، أو نادر الوقوع جدّاً ، وهو الصوم في يوم الشكّ بعنوان رمضان بنيّة جزميّة تشريعيّة ، أفهل يظنّ صدور ذلك من رواة هذه الأحاديث ، نظراء محمّد بن مسلم ، وهشام بن سالم ، وأضرابهم من الأكابر ، كي يهتمّ ذلك الاهتمام البليغ بردعهم ومنعهم؟! فمن القريب جدّاً أنّ النهي في هذه النصوص ناظر إلى ما هو المتعارف الخارجي ، ولا سيّما عند العوام من الصيام في نحو هذه الأيام بعنوان الاحتياط والرجاء كي لا يفوتهم الصوم من رمضان.

وبالجملة : فالروايات إمّا مختصّة بالرجاء ، أو أنّها مطلقة من هذه الجهة. وعلى التقديرين فتدلّ على البطلان في هذه الصورة.

وأمّا الثاني : فلأنّ الصيام في الصورة الثانية غير مشمول للنصوص الناهية ، لأنّها إنّما نهت عن صوم تعلّق بعنوان رمضان إمّا جزماً ، أو ولو احتمالاً حسبما عرفت ، وهذا لم يقصده حسب الفرض ، وإنّما قصد الطبيعي ، وقد ذكرنا سابقاً أنّ المأمور به في شهر رمضان هو طبيعي الصوم ولم يؤخذ فيه إلّا خصوصيّة عدميّة (1)، وهي عدم قصد عنوان آخر ، وهي حاصلة في المقام ، لفرض عدم تعلّق القصد بعنوان آخر منافٍ لرمضان.

وعليه ، فلو انكشف بعدئذٍ أنّ اليوم من رمضان فقد أجزأ ، لأنّه قد أتى بمتعلّق الأمر على ما هو عليه ، فلا يدخل هذا الفرض في الأخبار الناهية بوجه.

فإن قلت : إنّ تلك الأخبار التي منها موثّقة سماعة كما تضمّنت النهي عن


1) في ص 21.

.................................................................................................


الصوم بعنوان رمضان كذلك تضمّنت الأمر به بعنوان شعبان ، الظاهر في حصر الصحّة في هذا العنوان ، وهو غير منوي حسب الفرض ، فلا مناص من الحكم بالبطلان ، نظراً إلى خروج هذا الفرض عن العقد الإيجابي وإن لم يكن داخلاً في العقد السلبي كما ذكر.

قلت : لا ينبغي التأمل في أنّ الحصر المزبور إضافي ، والمقصود نفي الصوم بعنوان رمضان ، لا حصر الصوم المشروع بعنوان شعبان ، فالحصر إنّما هو بلحاظ ما هو المتعارف الخارجي من الصوم في مثل هذا اليوم ، إمّا بعنوان رمضان أو شعبان.

وأمّا الصوم بالعنوان الجامع وبقصد ما في الذمّة الذي هو المبحوث عنه في المقام فليس بمتعارف كما لا يخفى ، فتخصيص شعبان بالذكر يراد به أن لا يكون من رمضان ، لا لخصوصيّةٍ في شعبان نفسه ، فلو فرضنا أنّ شخصاً محبوساً جهل بالشهور وعيّنها بعدد الزوج والفرد ، ثمّ علم إجمالاً بمقتضى هذا الحساب أنّ هذا اليوم إمّا أنّه آخر رجب أو أوّل رمضان ، فهو طبعاً يصوم بعنوان رجب ، للقطع بعدم شعبان ، والمفروض عدم الجواز بعنوان رمضان ، والاستصحاب أيضاً ينفيه ، فلو صام كذلك وصادف من رمضان فهو يوم وُفِّق له ، وتشمله نصوص الصحّة بالضرورة ، فيكشف ذلك عمّا ذكرناه من عدم خصوصيّة لشعبان ، وإنّما يراد النهي عن قصد رمضان ولو رجاءً كما مرّ.

وعليه ، فلو صام بقصد الجامع ملغياً عنه كلّ خصوصيّة صحّ ولم يدخل في الأخبار الناهية بوجهٍ حسبما عرفت.

[2377] مسألة 18 : لو أصبح يوم الشك بنيّة الإفطار ، ثمّ بان له أنّه من الشهر (1) : فإن تناول المفطر وجب عليه القضاء وأمسك بقيّة النهار وجوباً تأدّباً ، وكذا لو لم يتناوله ولكن كان بعد الزوال. وإن كان قبل الزوال ولم يتناول المفطر جدّد النية وأجزأ عنه (1).


(1) قد يُفرَض ذلك مع تناول المفطر ، وأُخرى بدونه. وعلى الثاني : فقد يكون قبل الزوال ، وأُخرى بعده.

أمّا في صورة عدم التناول : فقد تقدّم من الماتن جواز تجديد النيّة فيما إذا كان الانكشاف قبل الزوال ، والاجتزاء به عن رمضان إلحاقاً له بالمريض والمسافر الذي يقدم أهله قبل الزوال.

وعرفت أنّ هذا الحكم وإن كان هو المعروف بينهم إلّا أنّه لا دليل عليه بحيث يُجتزأ بنيّة الإمساك بقيّة النهار عن الإمساك من طلوع الفجر المتقوّم به الصوم ليكون الصوم الناقص بدلاً عن الكامل ، فإنّ هذا على خلاف القاعدة ، يقتصر فيه على مورد قيام الدليل ، وهو خاصّ بالمريض والمسافر دون غيرهما وإن لم يتناول المفطر ، فلا وجه للتعدّي عنهما بوجه.

وأمّا في صورة التناول : فلا إشكال في البطلان ، لأنّه قد أحدث شيئاً وأفطر ، ولا معنى للصوم في جزء من اليوم ، فإنّه متقوّم شرعاً بالإمساك من الفجر ، ولم يتحقّق حسب الفرض ، فلا مناص من القضاء.

وهل يجب عليه الإمساك إلى الغروب تأدّباً كما ذكره في المتن؟


1) (*) فيه إشكال كما مرّ.

.................................................................................................


الظاهر أنّه من المتسالم عليه بينهم ، بل لعلّه من الواضحات التي يعرفها حتى عوامّ الناس ، فإنّهم لا يشكّون في أنّ من كان مكلّفاً بالصوم وإن لم يكن منجّزاً عليه لجهله فأفطر ولو لعذرٍ وجب عليه الإمساك بقيّة النهار وجوباً تأديباً كما عبّر به في المتن وإن لم يُحسَب له الصوم ، فإن تمّ الإجماع والظاهر أنّه تامّ فلا كلام ، وإلّا فإثباته بحسب الصناعة مشكل ، لعدم الدليل عليه بوجه ، إذ الواجب بعد أن كان ارتباطياً وقد عرضه البطلان الموجب لسقوط الأمر بالصوم في هذا اليوم ، فبأيّ موجب يلزمه الإمساك في بقية النهار؟ فلولا قيام الإجماع لكفى في نفي هذا الوجوب أصالة البراءة عنه.

وبعبارة اخرى : الإمساك المزبور لو ثبت فليس هو بعنوان الصوم ، بل بعنوانٍ آخر ، ولذا عبّر (قدس سره) عنه بالتأدّب ، وهذا يفتقر إثباته إلى دليل آخر غير أدلّة وجوب الصوم ، وحيث لا دليل فالمرجع أصالة البراءة لولا الإجماع على الوجوب.

نعم ، يمكن أن يستفاد ذلك من الأخبار الواردة في الجماع ، فإنّ الروايات الواردة في سائر المفطرات كلّها مقيَّدة بالصائم ، مثل قوله (عليه السلام) : «لا يضرّ الصائم ما صنع إذا اجتنب» إلخ (1)، ومثل قوله عليه السلام : «من أفطر متعمّداً فعليه» إلخ (2)، فإنّ الإفطار فرع الصوم ، وإذ لا صوم كما في المقام فلا إفطار.

ونحوها غيرها ، فإنّها برمّتها واردة في خصوص الصائم ، فالتعدّي إلى غيره ممّن أبطل صومه كي يجب عليه الإمساك لا دليل عليه.


1) الوسائل 10 : 31 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 1 ح 1.

2) انظر الوسائل 10 : 49 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 8 ح 11.

[2378] مسألة 19 : لو صام يوم الشكّ بنيّة أنّه من شعبان ندباً أو قضاءً أو نحوهما ، ثمّ تناول المفطر نسياناً ، وتبين بعده أنّه من رمضان ، أجزأ عنه أيضاً ، ولا يضرّه تناول المفطر نسياناً (1) كما لو لم يتبين ، وكما لو تناول المفطر نسياناً بعد التبيّن.


ولكن خصوص الروايات الواردة في الجماع مطلقة لم يُؤخَذ في موضوعها عنوان الصائم ، بل المذكور فيها : إنّ من أتى أهله في شهر رمضان فعليه كذا (1)، ونحو ذلك ممّا يقرب من هذا التعبير ، فتدلّنا على أنّ الحكم عامّ للصائم ولغيره ، وقد خرج عنها بالدليل القطعي بعض الموارد كالمسافر والمريض والشيخ والشيخة ، وأمّا غير ذلك ممّن كان مأموراً بالصوم فأفسده أمّا العذر أو عصيان فهو مشمول لتلك الإطلاقات ، فيجب عليه الإمساك عن الجماع ، وبعدم القول بالفصل القطعي يثبت في سائر المفطرات أيضاً ، فإن تمّ هذا التقريب أو الإجماع المزبور وكلاهما تامّ وإلّا فلا دليل عليه.

(1) لما سيأتي إن شاء اللّه تعالى في محلّه من اختصاص المفطر بالتناول العمدي ، وأمّا غيره فرزقٌ رزقه اللّه ولا يقدح في الصحّة بوجه ، فلا فرق إذن بين التبيّن وبين ما إذا لم يتبيّن رأساً في عدم البطلان على التقديرين ، ضرورة أنّه إذا لم يكن قادحاً في فرض عدم الانكشاف فالانكشاف لا يزيد عليه بشي‌ء.

وأوضح حالاً منهما ما لو تبيّن ثمّ تناول المفطر نسياناً ، إذ بعد التبيّن وتجديد النيّة فهذا الصوم يقع من رمضان ، وصريح النصوص عدم بطلانه بالتناول السهوي ، وهذا كلّه واضح.


1) انظر الوسائل 10 : 48 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 8 ح 8.

[2379] مسألة 20 : لو صام بنيّة شعبان ثمّ أفسد صومه برياءٍ ونحوه لم يجزئه عن رمضان وإن تبيّن له كونه منه قبل الزوال (1).

[2380] مسألة 21 : إذا صام يوم الشكّ بنيّة شعبان ، ثمّ نوى الإفطار ، وتبين كونه من رمضان قبل الزوال قبل أن يفطر فنوى ، صحّ صومه (1)(2).


(1) إذ بعد أن بطل الصوم بالرياء المفسد لم يبق حينئذٍ موضوع للعدول وتجديد النيّة ، لاختصاص النصوص بما إذا كان الصوم صحيحاً في نفسه ، فيبدل الصحيح بصحيح آخر ، دون الباطل غير القابل للتبديل ، فإنّ الحرام لا يقع مصداقاً للواجب ، فلا يشمله شي‌ء من نصوص التجديد ، ومعه لا مناص من القضاء.

(2) فإنّ النيّة الأُولى بعد تعقّبها بنيّة الإفطار بمنزلة العدم ، فهو كمن لم ينو الصوم أصلاً ، وقد تقدّم أنّ من ترك النيّة جهلاً أو نسياناً يجدّدها قبل الزوال (2)، ولكنّه مبنيٌّ على مسلكه (قدس سره) من إلحاق ذلك بالمريض والمسافر في جواز التجديد المزبور ، وقد بيّنا ضعف المبنى وبطلان القياس ، فلا دليل على التعدّي ، فالحكم بالصحّة مشكل جدّاً ، بل يمسك تأدّباً ، ولا بدّ من القضاء.

وأولى بعدم الصحّة ما لو نوى الإفطار في يومٍ من شهر رمضان عصياناً ثمّ تاب فجدّد النيّة قبل الزوال ، للإخلال بالنيّة عامداً ، الموجب للبطلان كما تقدّم.

وأمّا الفرع الثالث المذكور في المتن وهو : ما لو صام يوم الشكّ بقصد واجبٍ معيّن كنذر ونحوه ، ثمّ نوى الإفطار عصياناً ، ثمّ تاب فجدّد النيّة فقد حكم


1) (*) تقدّم الإشكال فيه.

2) في ص 41.

.................................................................................................


الماتن (قدس سره) بعدم الصحّة فيه أيضاً ، نظراً إلى أنّه قد أبطل صومه بنيّة الإفطار بعد أن كان واجباً معيّناً ، والباطل لا يقوم مقام الصحيح ، فليس له العدول.

وهذا وجيهٌ على مسلكنا من عدم الدليل على تجديد النيّة فيمن لم يكن ناوياً للصوم من الأوّل أو في الأثناء ، لجهلٍ ونحوه.

وأمّا بناءً على مسلكه (قدس سره) من جواز التجديد فالظاهر هو الحكم بالصحّة ، لأنّه بعد تبيّن كون اليوم من رمضان ينكشف أنّه قد أبطل بنيّة الإفطار صوماً لم يكن ثابتاً في حقّه إلّا بحسب الحكم الظاهري المنتهي أمده بانكشاف الخلاف ، وإلّا فهو واقعاً مكلّفٌ بصيام رمضان ، ومثل هذا الإبطال لا يكاد يضرّ بصحّة الصوم بعنوان رمضان ، فإنّ حاله حال غير الناوي من أصله ، الذي يسوغ له التجديد حسب الفرض.

وبعبارة واضحة : هنا موضوعان : صوم بعنوان رمضان ، وصوم بعنوان آخر من نذر أو كفّارة ونحوهما. ولكلّ موضوع حكمه ، والمفروض أنّه نوى الصوم بعنوان آخر واجب معيّن وقد أفسده بنيّة الإفطار. بل لنفرض أنّه ارتكب محرّماً أيضاً ، للتجرّي ، فغايته أنّ حاله من لم ينو الصوم من أوّل الفجر ، فإذا انكشف الخلاف وأنّ اليوم من رمضان وأنّه مكلّفٌ به واقعاً وأنّ ما نواه كان محكوماً بحكم ظاهري مغيّا بعدم انكشاف الخلاف وقد انكشف ، فأيّ مانع حينئذٍ من تجديد النيّة والإتيان بعنوان رمضان الذي لم يكن فاقداً إلّا النيّة بعد فرض نهوض الدليل على جواز التجديد في أمثال المقام كما يراه (قدس سره)؟!

ولا يقاس المقام بالرياء المحرّم ، ضرورة أنّ الصوم الريائي بنفسه محرّم ، والمحرّم لا يقوم مقام الواجب. وأمّا في المقام فالحرمة لو كانت فإنّما هي في نيّة الإفطار ، لا في نفس الصوم كما لا يخفى.

وأمّا إن نوى الإفطار في يومٍ من شهر رمضان عصياناً ، ثمّ تاب فجدّد النيّة قبل الزوال ، لم ينعقد صومه.

وكذا لو صام يوم الشك بقصد واجبٍ معيّن ، ثمّ نوى الإفطار عصياناً ، ثمّ تاب فجدّد النيّة بعد تبيّن كونه من رمضان قبل الزوال.

[2381] مسألة 22 : لو نوى القطع أو القاطع في الصوم الواجب المعيّن بطل صومه (1) ، سواء نواهما من حينه أو فيما يأتي.


فما ذكره (قدس سره) يتمّ على مسلكنا من عدم الدليل على تجديد النيّة ، لا على مسلكه (قدس سره) حسبما عرفت.

(1) الفرق بين نيّة القطع والقاطع واضح :

فإنّ الصائم قد ينوي تناول المفطر فيحرّك عضلاته نحو الطعام ليأكله فيقوم ويذهب ليشتري خبزاً مثلاً ويأكله ، فهذا قد نوى القاطع ، سواء تحقّق الأكل خارجاً أم لا.

وأُخرى ينوي القطع ، أي أن لا يكون صائماً باعتبار أنّ الصوم قصدي فيرفع اليد عن قصده وينوي أن لا يمسك عن المفطرات من دون أن يقصد تناول المفطر ، بل نفس عدم نيّة الإمساك.

هذا هو الفرق الموضوعي.

وأمّا بحسب الحكم فقد يفصل بينهما ، فيدّعى أنّ نيّة القطع تضرّ بالصوم ، للإخلال بالنيّة كما عرفت ، بخلاف نيّة القاطع ، فإنّها لا تنافيه ، بل هي تؤكّد الصوم ، حيث يبني على القطع فيما بعد ، فهو بالفعل صائم لا محالة ليتّصف بعدئذٍ بالقطع ، فإن بدا له وجدّد النيّة قبل تناول المفطر فلا مانع من الصحّة.

.................................................................................................


وببالي أنّ صاحب الجواهر يقوّي هذا التفصيل ، كما أنّه قد يفصل أيضاً بين نيّة الإتيان بالمفطر فعلاً ، وبين الإتيان فيما بعد ، ببطلان الصوم في الأول ، دون الثاني (1).

والظاهر أنّ كلا التفصيلين مبنيّان على شي‌ء واحد ، وهو الخلط بين أمرين ، إذ الكلام يقع تارةً في عنوان الصوم المقابل للإفطار ، وأُخرى في صحّة الصوم وفساده.

أمّا الأوّل : أعني : أصل الصوم الذي هو عبارة عن الإمساك عن نيّة فالذي ينافيه إنّما هو نيّة القطع ، إذ معه لا يكون صائماً بالفعل ، لعدم كونه قاصداً للصوم ، وأمّا لو نوى القاطع فهو ممسك فعلاً ولم يرفع اليد عن صومه بوجه ، فعنوان الصوم باقٍ إلى أن يرتفع بمفطر ، ومن هنا لا يترتّب شي‌ء من الكفّارات على النيّة المحضة ما لم تتعقّب باستعمال المفطر خارجاً ، فإن نوى أن يأكل فلا شي‌ء عليه ما لم يأكل ، لأنّ الكفّارة مترتّبة على عنوان المفطر ، وليست النيّة مفطرة ، وإنّما هي نيّة المفطر لا واقعة.

فبالنسبة إلى عنوان الصوم والإفطار الأمر كما ذكر ، والتفصيل المزبور بهذا المعنى صحيح ، وكذلك التفصيل الثاني كما لا يخفى.

ولكن ليس كلامنا في أصل الصوم ، بل في المعنى الثاني أعني : الصوم الصحيح القربي الذي هو عبارة عن نيّة الإمساك الخاصّ المحدود فيما بين الفجر إلى الغروب ، ولا شكّ أنّ كلا من نيّتَي القطع والقاطع الحالي أو الاستقبالي تنافيه ، ضرورة أنّه كيف يجتمع العزم على الإمساك إلى الغروب مع نيّة القاطع ولو بعد ساعة؟! فنيّة القاطع فضلاً عن القطع ولو فيما بعد لا تكاد تجتمع مع


1) جواهر الكلام 16 : 215 216.

وكذا لو تردّد (1).

نعم ، لو كان تردّده من جهة الشكّ في بطلان صومه وعدمه لعروض عارض ، لم يبطل وإن استمرّ ذلك إلى أن يسأل.

ولا فرق في البطلان بنيّة القطع أو القاطع أو التردّد بين أن يرجع إلى نيّة الصوم قبل الزوال أم لا.


القصد إلى الصوم الصحيح ، فهو نظير من شرع في الصلاة بانياً على إبطالها في الركعة الثالثة ، فإنّ مثله غير قاصد لامتثال الأمر الصلاتي المتعلّق بمجموع الأجزاء بالأسر بطبيعة الحال ، وإن لم يكن بالفعل قاطعاً للصلاة.

فما ذكره في المتن من الحكم بالبطلان مطلقاً هو الصحيح ، والتفصيل مبنيٌّ على الخلط بين أصل الصوم وبين الصوم الصحيح المأمور به حسبما عرفت.

(1) قد عرفت أنّ الصوم المأمور به عبارة عن الإمساك الخاصّ المحدود فيما بين الطلوع إلى الغروب ، وبما أنّ الواجب ارتباطي فلا بدّ وأنّ يكون قاصداً للصيام في تمام هذه الأجزاء ، فلو نوى الإفطار في الزمان الحاضر أو فيما بعده إلى الغروب فهو غير ناوٍ للصوم ومعه يبطل ، ولا أثر للرجوع بعد ذلك ، بداهة أنّ مقداراً من الزمان لم يكن مقروناً بالنيّة ، وقد عرفت اعتبارها في تمام الأجزاء والآنات ، بمقتضى افتراض الارتباط بين أجزاء المركّب.

ومنه تعرف أنّه لا فرق في البطلان بين البناء على الإفطار وبين التردّد فيه ، ضرورة أنّ المتردّد أيضاً غير ناوٍ للصوم فعلا فيبطل ، نظراً إلى أنّ المعتبر هو نيّة الصوم ، لا أنّ المبطل هو نيّة الإفطار ، والبطلان في هذه الصورة إنّما هو لأجل فقدان نيّة الصوم ، لا لأجل خصوصيّةٍ لنيّة الإفطار كما هو ظاهر ، فإذا لم

وأمّا في غير الواجب المعيّن فيصح لو رجع قبل الزوال (1).


يكن ناوياً ولو لأجل التردّد فلا مناص من الحكم بالبطلان.

نعم ، لو لم يكن ترديده لأمرٍ راجع إلى فعله الاختياري ، بل كان مستنداً الشكّ في صحّة الصوم المسبَّب عن الجهل بالحكم الشرعي ، كما لو استيقظ في نهار رمضان محتلماً شاكاً في بطلان الصوم بذلك لجهله بالمسألة ، المستلزم للترديد في النيّة بطبيعة الحال مع العزم على الصوم على تقدير الصحّة واقعاً ، فمثله لا يستوجب البطلان بوجه ، إذ لا ترديد فيما يرجع إلى الاختيار ، وانّما هو في حكم الشارع ، فلا يدري أنّ الشارع يعتبر هذا صوماً أو لا. وعليه فلا مانع من أن يسترسل في النيّة ، ويتمّ صومه رجاءً إلى أن يسأل عن حكم المسألة ، فهو في المقدار الفاصل بين تردّده ومسألته بانٍ على الاجتناب عن المفطرات على تقدير صحّة الصوم.

وهذا النوع من الترديد لا بأس به ، بعد أن لم يكن راجعاً إلى فعله من حيث الاجتناب وعدمه ، بل كان عائداً إلى الحكم الشرعي ، فينوي احتياطاً ثمّ يسأل في النهار إن أمكن وإلا ففي الليل ، ويبني على الصحّة لو تبيّن عدم قدح ما تخيّل أو توهّم كونه مفطراً ، كما لو سافر من دون تبييت نيّة السفر ، ولم يدر أنّه يوجب الإفطار أو لا ، فأمسك رجاءً ثمّ سأل فظهر أنّه لا يوجبه.

والحاصل : أنّ هذا يجري في جميع موارد الشكّ في صحّة الصوم وبطلانه ، ولا يكون مثل هذا الترديد مضرّاً ، لعدم تعلّقه بفعل المكلّف ، بل يتعلّق بفعل الشارع ، ومثله لا بأس به.

(1) كما لو صام عن كفّارة أو نذر غير معيّن ، ثمّ تردّد أو بنى على الإفطار ، ثم رجع وعزم على الصوم ، فإنّه يصحّ صومه ، لأنّ غاية ما يترتّب على نيّة

[2382] مسألة 23 : لا يجب معرفة كون الصوم هو ترك المفطرات مع النيّة ، أو كف النفس عنها معها (1).

[2383] مسألة 24 : لا يجوز العدول من صوم إلى صوم ، واجبين كانا أو مستحبّين أو مختلفين (2).


الإفطار أو الترديد أنّه غير صائم ، ولكن المفروض أنّه لم يفطر ، وبما أنّ زمان نيّة الصوم في الواجب غير المعيّن ممتدٌّ إلى الزوال كما سبق في محلّه فله تجديد النيّة ، لأنّ المقام لا يشذّ عمّن لم يكن ناوياً للصوم من الأول ، فكما أنّ غير الصائم يسوغ له التجديد ، فكذا الصائم الذي أبطل صومه بالاختلال بالنيّة من غير تناول المفطر بمناطٍ واحد كما هو ظاهر.

وهذا بخلاف الصوم الواجب المعيّن ، فإنّه لا فرق في بطلانه بنيّة القطع أو القاطع ، أو الترديد بين أن يكون ذلك قبل الزوال أو بعده ، لاعتبار النيّة فيه من طلوع الفجر إلى الغروب ، ولا يجتزئ في مثله بالتجديد قبل الزوال.

(1) لعدم الدليل على اعتبار معرفة مفهوم الصوم وحقيقته التفصيليّة في تحقّق العبادة ، وأنّه أمر وجودي هو الإمساك وكفّ النفس ، ليكون التقابل بينه وبين الإفطار من تقابل التضادّ ، أو أنّه أمر عدمي هو الترك ، ليكون التقابل بينهما من تقابل العدم والملكة. فإنّ الباني على ترك المفطرات كافٌّ نفسه عن المفطرات أيضاً ، فكلا الأمرين موجودان بطبيعة الحال ، ولا دليل على لزوم تحقيق الموضوع ومعرفته بعد الإتيان بما هو المأمور به واقعاً عند المولى باختياره وإرادته بقصد القربة ، فمجرّد قصد عنوان الصوم الذي هو فعل اختياري له كاف ، سواء أكان وجوديّاً أم عدميّاً.

(2) لعدم الدليل على جواز التبديل في الأثناء ، إلّا في باب الصلاة في موارد

وتجديد نيّة رمضان إذا صام يوم الشك بنيّة شعبان ليس من باب العدول (1) ، بل من جهة أنّ وقتها موسّع لغير العالم به إلى الزوال (1).


خاصّة ، كالعدول من الحاضرة إلى الفائتة ، أو من اللّاحقة إلى السابقة كالمترتّبتين أو من الفريضة إلى النافلة ، كما في المنفرد الذي أُقيمت عنده الجماعة ونحو ذلك.

وأمّا فيما عدا ذلك فالعدول المستلزم للتبديل المزبور في مقام الامتثال بأن يكون حدوثاً بداعي امتثال أمر ، وبقاءً بداعي امتثال أمر آخر مخالفٌ للقاعدة لا بدّ في مشروعيّته من قيام الدليل عليه ، ضرورة أنّ كلّاً من الأمرين قد تعلّق بالمجموع المركّب من عمل خاصّ ، فكان الإمساك من الفجر إلى الغروب بعنوان النذر مثلاً مأموراً بأمر ، وبعنوان الكفّارة بأمرٍ آخر ، فلكلّ صنف أمرٌ يخصّه ، فالتلفيق بأن يأتي بالنصف من هذا والنصف الآخر من الآخر يحتاج إلى الدليل ، وحيث لا دليل عليه في باب الصوم لم يكن العدول مشروعاً فيه.

(1) هذا تداركٌ منه (قدس سره) لما أفاده من عدم جواز العدول في الصوم بأنّ هذا لا ينافي ما تقدّم من تجديد نيّة رمضان إذا صام يوم الشكّ بنيّة شعبان ، لأنّ ذلك ليس من باب العدول ، بل من باب التوسعة في وقت النيّة إلى الزوال بالنسبة إلى الجاهل.

ولكن الظاهر أنّ هذا سهو من قلمه الشريف ، ووجهه ظاهر ، إذ قد تقدّم منه (قدس سره) قبل مسائل قليلة : أنّ تجديد النيّة فيما إذا انكشف أنّ يوم الشكّ من رمضان لا يكون محدوداً بما قبل الزوال ، بل هو ممتدٌّ إلى الغروب ، بل ما بعد الغروب أيضاً ، وأنّه يومٌ وُفِّق له ويُحسَب من رمضان قهراً ، فليس ذلك من باب تجديد النيّة إلى الزوال والتوسعة في الوقت ، وإلّا فقد استشكلنا فيه


1) (*) ليس الأمر كذلك ، وإلّا لم يكن الحكم شاملاً لصورة التبيّن بعد الزوال.

.................................................................................................


وقلنا : إنّه لا دليل عليه كما سبق ، بل لأجل أنّ الشارع اكتفى بالصوم المأتيّ به بنيّة شعبان ندباً أو نذراً أو غيرهما وجعله بدلاً عن رمضان ، وهذا عدول قهري ، نظير ما ورد في الظهرين من أنّه إذا صلّى العصر قبل الظهر نسياناً ثمّ التفت بعد الصلاة احتُسِب ظهراً ، وأنّه أربع مكان أربع ، فقد جعله الشارع مكانه ، لا أنّ المكلّف يجعله ويعدل إليه.

وعلى الجملة : فالمكلّف إنّما ينوي صوم رمضان من زمان الانكشاف ، أمّا ما سبق عليه فهو من باب حكم الشارع بالانطباق القهري ، فهو يجعله مصداقاً للصوم الواجب ويجتزئ به ، وليس هذا من باب التوسعة في الوقت ، ولا من جهة العدول ، إذ العدول فعل اختياري للمكلّف ، وهو بهذا المعنى غير متحقّق في المقام ، بل يُحسَب له من صوم رمضان قهراً عليه كما عرفت ، فهذا من باب الاجتزاء والاحتساب من الشارع ، من غير ربط له بمسألة العدول ، ولا التوسعة في الوقت بتاتاً.

نعم ، يتّجه ما ذكره (قدس سره) بالنسبة إلى صوم غير شهر رمضان ، كما لو صام ندباً أو نذراً غير معيّن ، فأراد أن يعدل إلى صوم الكفّارة مثلاً أو بالعكس ، جاز له ذلك فيما قبل الزوال ، فيجري هنا التعليل الذي ذكره (قدس سره) من أنّ ذلك ليس من باب العدول ، وإنّما هو من باب التوسعة في وقت النيّة ، إذ بعد أن رفع اليد عن الصوم الأوّل بطل وكان كمن لم يكن ناوياً للصوم ، والمفروض أنّه لم يفطر بعد ، فيندرج تحت أدلّة جواز التجديد إلى ما قبل الزوال.

نعم ، لا يجوز ذلك في قضاء شهر رمضان ، إذ لا يجوز العدول منه إلى التطوّع جزماً.

والحاصل : أنّه بعد ما تقدّم من أن الواجب غير المعيّن لا يلزم فيه إيقاع النيّة قبل الفجر ، بل يجوز التأخير ولو اختياراً إلى ما قبل الزوال ، فرفع اليد عن

.................................................................................................


صومٍ آخر ليس من باب العدول والتبديل في مقام الامتثال ليكون نقضاً على ما قدّمناه من عدم جواز العدول في باب الصوم ، بل من باب التوسعة في الوقت ، باعتبار أنّ ما سبق لا يحتاج إلى النيّة ، بل المعتبر طبيعي الإمساك وإن لم يكن ناوياً آن ذاك.

وكان الأولى أن يقول (قدس سره) هكذا : أنّه في شهر رمضان لا يكون التجديد من باب العدول ، بل من باب الانطباق القهري بحكم الشارع واكتفائه بذلك ، لا أنّ المكلّف بنفسه يعدل اختياراً. وأمّا في غير شهر رمضان فلا يجوز العدول بعد الزوال وقبله ، وإن جاز فهو ليس من باب العدول وتبديل الامتثال ، بل من باب التوسعة في وقت النيّة.

ولكنّه (قدس سره) ذكر هذه العلّة لتجديد النيّة في شهر رمضان ، وقد عرفت أنّه سهو من قلمه الشريف جزماً ، لعدم كونه حينئذٍ من باب التوسعة في الوقت بوجه حسبما عرفت بما لا مزيد عليه ، واللّه سبحانه أعلم.

فصل فيما يجب الإمساك عنه في الصوم من المفطرات

وهي أُمور :

الأوّل والثاني : الأكل والشرب (1) ،


(1) إجماعاً من جميع المسلمين ، بل وضرورة ، وقد نطق به الكتاب العزيز والسنّة القطعيّة ، بل يظهر من بعض النصوص أنّهما الأساس في الصوم وباقي المفطرات ملحقٌ بهما. وهذا في الجملة ممّا لا إشكال فيه.

إنّما الكلام في جهات :

الاولى : لا ينبغي الإشكال بل لا إشكال في عدم الفرق في مفطريّة الأكل والشرب بين ما كان من الطريق العادي المتعارف ، وما كان من غير الطريق المتعارف ، كما لو شرب الماء من أنفه مثلاً فإنّ العبرة في صدق ذلك بدخول المأكول أو المشروب في الجوف من طريق الحلق ، سواء أكان ذلك بواسطة الفم أم الأنف ، ولا خصوصيّة للأوّل ، ومجرّد كونه متعارفاً لا يقتضي التخصيص بعد إطلاق الدليل وتحقّق الصدق ، والظاهر أنّه لم يستشكل أحد في ذلك.

ولكن ذكر بعض من قارب عصرنا (1)في رسالته العمليّة أنّه لا بأس بغير


1) وهو الفاضل الإيرواني (قدس سره).

من غير فرق في المأكول والمشروب (1) بين المعتاد كالخبز والماء ونحوهما وغيره ، كالتراب والحصى وعصارة الأشجار ونحوها ،


المتعارف ، فلا مانع من الشرب بطريق الأنف.

وهو كما ترى لا يمكن المساعدة عليه بوجه ، ولم يُنسَب الخلاف إلى أحدٍ غيره كما سمعت ، وذلك لإطلاقات الأدلّة.

ودعوى الانصراف إلى ما اعتمد على الفم لا يصغي إليها أبداً ، لعدم دخل الفم في صدق الأكل أو الشرب بعد أن كان الدخول في الجوف من طريق الحلق ، ومن هنا لا يحتمل جواز شرب المحرّمات كالخمر أو المائع المتنجّس من طريق الأنف بدعوى انصراف النهي إلى المتعارف وهو الفم ، بل قد يظهر من بعض روايات الاكتحال عدم الفرق ، لتعليل المنع بمظنّة الدخول في الحلق ، وفي بعضها أنّه لا بأس به ما لم يظهر طعمه في الحلق ، فإذا كان الدخول فيه من طريق العين مانعاً ، فمن طريق الأنف الذي هو أقرب بطريقٍ أولى.

وعلى الجملة : لا ينبغي التشكيك في عدم الفرق في صدق الأكل ومفطريّته وكذا الشرب بين ما كان من الطريق المتعارف وغيره ، فلا فرق في ذلك بين الفم والأنف قطعاً.

(1) الجهة الثانية : المعروف والمشهور بل المتسالم عليه ، بل المرتكز في أذهان عامّة المسلمين أنّه لا فرق في المأكول والمشروب بين المعتاد منهما كالخبز والماء وغير المعتاد كالحصى والتراب والطين ومياه الأنوار وعصارة الأشجار ونحو ذلك ممّا لم يكن معداً للأكل الشرب ولم ينسب الخلاف حتّى إلى المخالفين ما عدا اثنين منهم ، وهما الحسن بن صالح وأبو طلحة الأنصاري (1).


1) الناصريات : 294.

.................................................................................................


وقد ادّعى السيّد (قدس سره) في محكيّ الناصريات الاتفاق عليه بين المسلمين (1)، وأنّ الخلاف المزبور مسبوقٌ بالإجماع وملحوق به ، ومع ذلك نُسِب الخلاف إلى السيّد نفسه في بعض كتبه وإلى ابن الجنيد ، وأنّهما خصّا المفطر بالمأكول والمشروب العاديّين (2).

وسواء صحّت النسبة أم لم تصحّ فهذا التخصيص لا يمكن المساعدة عليه بوجه ، وذلك لإطلاقات الأدلة من الكتاب والسنّة ، فإنّ الوارد فيهما المنع عن الأكل والشرب من غير ذكر للمتعلّق ، ومن المعلوم أنّ حذف المتعلّق يدلّ على العموم.

ودعوى الانصراف إلى العادي منهما عريّة عن كلّ شاهد ، بعد وضوح صدق الأكل والشرب بمفهومهما اللغوي والعرفي على غير العادي كالعادي بمناطٍ واحد ومن غير أية عناية ، فكما يقال : زيد أكل الخبز ، يقال : إنّه أكل الطين أو أكل التراب ، بلا فرق بينهما في صحّة الاستعمال بوجه ، وقد ورد في بعض النصوص النهي عن أكل التراب إلّا التربة الحسينية على مشرّفها آلاف الثناء والتحيّة بمقدار الحمّصة (3).

وعلى الجملة : فحقيقة الأكل والشرب ليس إلّا إدخال شي‌ء في الجوف من طريق الحلق ، سواء أكان ذلك الشي‌ء من القسم العادي المتعارف المعهود أكله وشربه أم لا ، ولا يختصّ الصدق بالأوّل بالضرورة.

ودعوى الانصراف ساقطة كما عرفت ، ويؤيده ما سيجي‌ء إن شاء اللّه من


1) جواهر الكلام 16 : 218.

2) المختلف 3 : 257 ، 258.

3) الوسائل 14 : 52 / أبواب المزار وما يناسبه ب 72.

.................................................................................................


مفطريّة الغبار الداخل في الحلق (1)، وأنّه مثل الأكل والشرب كما في النصّ ، ومن المعلوم أنّ الغبار أجزاء دقيقة من التراب أو ما يشبه ذلك ، وعلى أيّ حال فقد أُلحق بالمأكول مع عدم كونه متعارفاً.

ويؤكّده أيضاً ما أشرنا إليه من تعليل المنع في روايات الاكتحال بكونه مظنّة الدخول في الحلق ، إذ من المعلوم أنّ الكحل ليس من سنخ المأكول والمشروب غالباً ، فيعلم من ذلك أنّ الاعتبار في المنع بالدخول في الجوف من طريق الحلق ، سواء أكان الداخل ممّا يؤكل ويشرب أم لا.

نعم ، ربّما يُستدلّ لما نُسِب إلى السيّد من الاختصاص بالمأكول والمشروب العاديين تارةً : بما رواه المشايخ الثلاثة في الصحيح عن محمّد بن مسلم قال : سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول : «لا يضرّ الصائم ما صنع إذا اجتنب ثلاث خصال : الطعام والشراب ، والنساء ، والارتماس» (2)، وفي رواية أُخرى «أربع خصال» بدل «ثلاث» ، والمعنى واحد ، وإنّما الفرق من حيث عدّ الطعام والشراب خصلة واحدة أو خصلتين.

وكيفما كان ، فمقتضى الحصر في الثلاث أو الأربع عدم الضير في استعمال ما عدا ذلك ، ومن المعلوم عدم صدق الطعام والشراب على مثل التراب والطين وعصارة الشجر ونحو ذلك ممّا لم يتعارف أكله وشربه ، فلا مانع من تناوله بمقتضى هذه الصحيحة ، وبذلك تقيَّد إطلاقات الأكل والشرب الواردة في الكتاب والسنّة ، وتحمل على ارادة المتعارف من المأكول والمشرب.

ويندفع : بأنّ الظاهر من الصحيحة أنّ الحصر لم يرد بلحاظ ما للطعام


1) في ص 150.

2) الوسائل 10 : 31 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 1 ح 1.

.................................................................................................


والشراب من الخصوصية ليدل على الاختصاص بالمتعارف ، وإنّما لوحظ بالقياس إلى سائر الأفعال الخارجيّة والأُمور الصادرة من الصائم من النوم والمشي ونحو ذلك ، وأنّ تلك الأفعال لا تضرّه ما دام مجتنباً عن هذه الخصال ، وأمّا أنّ المراد من الطعام والشراب هل هو مطلق المأكول والمشروب أم خصوص المعتاد منهما؟ فليست الصحيحة بصدد البيان من هذه الجهة بوجه كي تدلّ على حصر المفطر في الطعام والشراب العاديّين ، بل إنّما ذُكِرا في قبال سائر الأفعال كما عرفت.

على أنّه لم يظهر من الصحيحة أنّ المراد من الطعام والشراب : الأعيان ، أي الشي‌ء الذي يطعم والشي‌ء الذي يشرب ، إذ من الجائز استعمالهما في المعنى المصدري أي نفس الأكل والشرب لا الذات الخارجيّة أي المطعوم والمشروب لتدلّ على الاختصاص.

وعليه ، فتكون حال هذه الصحيحة حال سائر الأدلة المتضمّنة للمنع عن الأكل والشرب الشامل لمطلق المأكول والمشروب حسبما عرفت ، فاذا كانت الصحيحة محتملة لكلٍّ من المعنيين فتصبح مجملة ، ومثلها لا يصلح لتقييد المطلقات.

ويُستدَلّ له اخرى بما ورد في دخول الذباب في الحلق من نفي البأس معلّلاً بأنّه ليس بطعام (1)، وكذا ما ورد في بعض روايات الاكتحال من نفي البأس للتعليل المزبور (2).

فيظهر من هاتين الروايتين أنّ المفطر هو الطعام ، ولأجله لا يضرّ الكحل


1) الوسائل 10 : 109 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 39 ح 2.

2) الوسائل 10 : 74 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 25 ح 1 ، 6.

.................................................................................................


والذباب بالصوم لعدم كونهما منه وإن صدق المأكول ، إذ لا اعتبار به ما لم يصدق الطعام.

وفيه ما لا يخفى ، أمّا مسألة الكحل : فالجواب عنها ظاهر ، لأنّ قوله عليه السلام : «إنّه ليس بطعام» يريد به أنّه ليس بأكل فلا يكون الاكتحال مفطراً ، لأنّه ليس مصداقاً للأكل ، لا أنّ الكحل ليس طعام ، ولأجله لا يكون مضرّاً ، وإلا فلو فرضنا أنّ الكحل طعام كما لو اكتحل بطحين الحنطة أو بالعسل الذي هو نافع للعين حسبما جرّبناه أفهل يحتمل أنّه يبطل صومه لأنّه طعام؟ كلا ، فإنّ الطعام يبطل الصوم أكله ، لا كلّ فعل متعلّق به وإن لم يكن أكلاً ، وهذا واضح.

وأمّا مسألة الذباب : فلا يراد أيضاً من قوله (عليه السلام) : «إنّه ليس بطعام» أنّ الذباب ليس بطعام ولذلك لا يضرّ دخوله الحلق ، كيف؟! ولو فرضنا أنّ شخصاً أكل من الذباب كمّيّة وافرة وبمقدار الشبع كنصف كيلو مثلاً أفهل يحتمل أنّ صومه لا يبطل بذلك باعتبار أنّ الذباب لا يكون طعاماً؟! لا يكون ذلك بالضرورة ، فإنّ الذباب كسائر الحشرات لو فرضا أنّ شخصاً تغذّى به بطل بلا إشكال.

بل مراده (عليه السلام) بذلك : أنّ دخول الذباب في الحلق اتّفاقاً وبغير اختبار لا يكون من الأكل في شي‌ء ، ولأجله لا يكون مفطراً ، لا أنّه لو أكل الذباب باختياره لا يبطل صومه لأنّه ليس طعاماً ، أي مأكولاً متعارفاً ، فإنّ هذا لا يفهم من الصحيحة بوجه ، كما هو ظاهر جدّاً.

إذن فاحتمال اختصاص المأكول والمشروب بالمتعارف منهما ساقط أيضاً.

ولا بين الكثير والقليل (1) كعُشر حبّة الحنطة أو عُشر قطرة من الماء أو غيرها من المائعات ، حتّى أنّه لو بلّ الخيّاط الخيط بريقه أو غيره ثمّ ردّه إلى الفم وابتلع ما عليه من الرطوبة بطل صومه ، إلّا إذا استهلك ما كان عليه من الرطوبة بريقه على وجهٍ لا تصدق عليه الرطوبة الخارجية ، وكذا لو استاك وأخرج المسواك من فمه وكان عليه رطوبة ثمّ ردّه إلى الفم ، فإنّه لو ابتلع ما عليه بطل صومه ، إلّا مع الاستهلاك على الوجه المذكور ،


(1) الجهة الثالثة : لا فرق في مفطريّة المأكول والمشروب بين القليل والكثير بلا خلاف ولا إشكال ، وتدل عليه إطلاقات الأدلة من الكتاب والسنّة ، مضافاً إلى استفادته من الأخبار الخاصّة الواردة في الموارد المتفرّقة ، مثل ما ورد في المضمضة : من أنّ ما دخل منها الجوف ولو اتّفاقاً يفطر فيما عدا الوضوء (1)، فإنّ من المعلوم أنّ الداخل منها قليل جدّاً.

وما ورد من النهي عن مصّ الخاتم (2)، والنهي عن مصّ النواة (3)، وكذا ذوق الطعام لمعرفة طعمه (4)، ونحو ذلك من الموارد الكثيرة من الأسئلة والأجوبة الواردة في النصوص ، التي يظهر منها بوضوح عدم الفرق بين القليل والكثير فيما إذا صدق عليه الأكل ، مضافاً إلى ارتكاز المتشرّعة وكونه من المسلّمات عندهم.

فاتّضح من جميع ما ذكرناه لحدّ الآن : عدم الفرق في الأكل والشرب بين


1) الوسائل 10 : 71 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 23 ح 4.

2) لاحظ الوسائل : 10 : 109 110 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 40 ، ح 1 ، 2 ، 3.

3) الوسائل 10 : 110 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 40 ح 2 ، 3.

4) الوسائل 10 : 106 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 37 ح 2.

.................................................................................................


كونه من الطريق العادي وغيره ، وعدم الفرق في المأكول والمشروب بين المتعارف وغيره ، وعدم الفرق أيضاً بين القليل الكثير ، كلّ ذلك لإطلاق الأدلّة السليم عمّا يصلح للتقييد حسبما عرفت بما لا مزيد عليه.

ثمّ إنّ الماتن (قدس سره) رتّب على ما ذكره من عدم الفرق بين القليل والكثير : أنّ الخيّاط لو بلّ الخيط بريقه أو غيره ثمّ ردّه إلى الفم فليس له أن يبتلع البلّة الموجودة على الخيط ، إذ بالخروج عن الفم صارت البلّة من الرطوبة الخارجيّة ، فلا يجوز ابتلاعها وإنّ قلّت ، إلّا إذا استهلكت بريقه على وجهٍ لا يصدق عليها الرطوبة الخارجيّة ، على ما سيجي‌ء من عدم البأس بابتلاع الريق والبصاق المتجمّع في الفم (1)، فبعد فرض الاستهلاك الموجب لانعدام الموضوع لا بأس ببلع الريق ، فإنّه من قبيل السالبة بانتفاء الموضوع.

وقد يُستشكل في ذلك بمنع تحقّق الاستهلاك بعد فرض الاتّحاد في الجنس ، فإنّه إنّما يُتصوَّر في غير المتجانسين على ما ذكروه في الشركة ، كامتزاج التراب في الماء ، أو وقوع قطرة من البول في كرّ من الماء مثلاً الموجب لزوال الموضوع وانعدامه ، وأمّا المزج الحاصل في المتجانسين كما في المقام فهو موجب لزيادة الكمّية والإضافة على مقدارها ، فكأنّ الريق أو الماء عشرة مثاقيل مثلاً فصار أحد عشر مثقالاً ، وإلّا فالمزيج باقٍ على ما كان لا أنّه زال وانعدم ، فلا يُتصوَّر في مثله الاستهلاك.

ويندفع : بأنّ هذا إنّما يتمّ بالنظر إلى ذات المزيج ، فلا يعقل الاستهلاك بملاحظة نفس الممتزجين المتّحدين في الجنس وذاتهما ، طبيعة واحدة قد زيدت كمّيّتها كما أُفيد.


1) في ص 105.

.................................................................................................


وأمّا بالنظر إلى الوصف العنواني الذي بملاحظته جُعِل موضوعاً لحكمٍ من الأحكام بأن كان الأثر مترتّباً على صنف خاصّ من الطبيعة فلا مناص من الالتزام بالاستهلاك من هذه الجهة.

فلو فرضنا أنّ ماء البئر لا يجوز التوضؤ به ، فمزجنا مقداراً منه بماء النهر ، فالاستهلاك بالنظر إلى ذات الماء غير متصوَّر ، إذ لا معنى لاستهلاك الماء في الماء كما ذُكِر ، وأمّا بالنظر إلى الخصوصيّة أعني : الإضافة إلى البئر فالاستهلاك ضروري ، بمعنى : أنّ هذه الإضافة غير باقية بعد الامتزاج فيما إذا كان المزيج قليلاً ، ولا موضوع لتلك الحصّة الخاصّة ، فلا يطلق على الممتزج أنّ هذا ماء البئر ، أو أنّ فيه ماء البئر ، فالماء بما هو ماء وإن لم يكن مستهلكاً ولكن بما هو ماء البئر مستهلكٌ بطبيعة الحال.

ومن هذا القبيل : ما لو أخذنا مقداراً من الماء المغصوب وألقيناه في الماء المباح بحيث كان الأوّل يسيراً جدّاً في قبال الثاني ، كما لو ألقينا مقدار كرّ من الماء المغصوب في البحر ، أو مقدار قطرة منه في الكرّ ، أفهل يمكن التفوّه بعدم جواز الاستعمال من البحر أو من الكرّ ، بدعوى حصول الامتزاج وامتناع الاستهلاك في المتجانسين؟

فإنّ هذه الدعوى صحيحة بالنظر إلى ذات الماء ، وأمّا بالنظر إلى صفة الغصبيّة والإضافة إلى ملك الغير فغير قابلة للتصديق ، إذ لا موضوع بعدئذٍ لمال الغير كي يحرم استعماله ، فالاستهلاك بهذا المعنى ضروري التحقّق ، لعدم بقاء القطرة مثلاً على حالها.

وملخّص الكلام : أنّه قد يلاحظ الاستهلاك بالنسبة إلى ذات الشي‌ء ، وأُخرى بالنظر إلى صنف خاصّ وصفة مخصوصة ، والأوّل ليس متصوّراً في المتجانسين ،

.................................................................................................


وأمّا الثاني أعني : الإضافة الخاصّة التي هي الموضوع للأثر فهي مستهلكة لا محالة ، إذ لا موضوع لها بقاءً.

ومقامنا من هذا القبيل ، فإنّ الريق ما دام كونه في الفم يجوز ابتلاعه ، وإذا خرج لا يجوز ، فهناك صنفان محكومان بحكمين ، فإذا امتزج الصنفان على نحوٍ تحقّق معه الاستهلاك لا بما هو ريق ، بل بما هو ريق خارجي جاز ابتلاعه ، فالبلّة الموجودة على الخيط المستهلكة في ريق الفم على وجهٍ لا يصدق عليها الرطوبة الخارجيّة يجوز ابتلاعها كما ذكره في المتن ، لانقطاع الإضافة وانعدام الموضوع حسبما عرفت.

ويدلّ عليه مضافاً إلى كونه مطابقاً للقاعدة كما عرفت الروايات الواردة في جواز السواك بالمسواك الرطب ، وفي بعضها جواز بلّه بالماء والسواك به بعد النفض (1)، إذ من المعلوم أنّه لا ييبس مهما نفض ، بل يبقى عليه شي‌ء ما من الرطوبة ، ومع ذلك حكم (عليه السلام) بجواز السواك به ، وليس ذلك إلّا من أجل استهلاك تلك الرطوبة في ريق الفم.

ويؤيّده بل يؤكّده ما ورد من جواز المضمضة ، بل الاستياك بنفس الماء وأنّه يفرغ الماء من فمه ولا شي‌ء عليه (2)، فإنّه تبقى لا محالة أجزاء من الرطوبة المائيّة في الفم ، إلّا أنّه من جهة الاستهلاك في الريق لا مانع من ابتلاعها.


1) الوسائل 10 : 83 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 28 ح 3 وص 85 ب 28 ح 11.

2) الوسائل 10 : 86 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 28 ح 15 ، 16 وص 91 ب 31 ح 1.

وكذا يبطل بابتلاع ما يخرج من بقايا الطعام من بين أسنانه (1).


(1) لعدم الفرق بينه وبين الطعام الخارجي ، غايته أنّه بقي بين الأسنان برهةً من الزمان ، فيصدق الأكل على ابتلاعه ، بعد ما عرفت من عدم الفرق بين القليل والكثير بمقتضى إطلاق الأدلّة ، فإذا ابتلعه متعمّداً بطل صومه.

هذا ، وقد يُتوهّم عدم البطلان ، استناداً إلى ما ورد في صحيح ابن سنان : عن الرجل الصائم يقلس فيخرج منه الشي‌ء من الطعام ، أيفطر ذلك؟ «قال : لا» قلت : فإن ازدرده بعد أن صار على لسانه؟ «قال : لا يفطر ذلك» (1). حيث دلّت صريحاً على جواز ازدراد ما يخرج من الداخل إلى فضاء الفم ، فإذا جاز ذلك جاز ابتلاع ما يخرج من بين الأسنان إلى الفم بمناطٍ واحد.

وأنت خبير بأنّ هذا قياسٌ محض مع وجود الفارق ، فإنّا لو عملنا بالصحيحة في موردها فغايته جواز ابتلاع ما يخرج من الداخل ، فيكون حكمه حكم ما يخرج من الصدر أو ينزل من الرأس ممّا هو أمر داخلي موجود في الباطن ، فيقال : إنّه لا بأس برجوعه بعد الخروج ، وأين هذا من الطعام الخارجي الذي لم يدخل بعدُ في الجوف وكان باقياً بين الأسنان؟! فالتعدّي عن مورد الصحيحة إلى بلع ما دخل فمه من الخارج قياسٌ واضح ، على أنّ الصحيحة لا عامل بها في موردها على ما قيل ، ولا بدّ من ردّ علمها إلى أهلها.

مع أنّ للمناقشة في دلالتها مجال ، لجواز أن يكون السؤال ناظراً إلى الازدراد أي الابتلاع قهراً ومن غير اختيار كما لعلّه الظاهر ، وإلّا فالابتلاع العمدي الاختياري بعيدٌ جدّاً فإنّ الطبع البشري لا يرغب في ابتلاع ما يخرج


1) الوسائل 10 : 88 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 29 ح 9.

[2384] مسألة 1 : لا يجب التخليل بعد الأكل لمن يريد الصوم وإن احتمل أنّ تركه يؤدّي إلى دخول البقايا بين الأسنان في حلقه ، ولا يبطل صومه لو دخل بعد ذلك سهواً. نعم ، لو علم أنّ تركه يؤدّي إلى ذلك وجب عليه وبطل صومه على فرض الدخول (1)(1).


من جوفه ، بل يشمئزّ منه غالباً ، فكيف يقع السؤال عنه؟! فيكون ذلك قرينة على اختصاص مورد السؤال بالابتلاع القهري ، وكأنّ الداعي للسؤال توهّم أنّ القلس حيث كان بالاختيار فيكون ذلك موجباً لإبطال الازدراد وإن لم يكن اختيارياً ، لانتهائه إليه.

وعلى الجملة : بما أنّ الإنسان حتّى غير الصائم فضلاً عن الصائم الملتفت يتنفّر بحسب طبعه عن ابتلاع ما في فمه الخارج من جوفه ، فلأجله يكون منصرف الرواية السؤال عن الابتلاع القهري ، ولا أقلّ من احتمال ذلك. فلا يكون لها ظهور في الازدراد الاختياري ، فيرتفع الإشكال من أصله. وكيفما كان ، فمورد الرواية خارجٌ عن محلّ الكلام كما عرفت.

(1) لا ريب في عدم وجوب التخليل على الصائم بما هو تخليل ، لحصر المفطرات في أُمور ليس منها ترك التخليل كما هو ظاهر.

إنّما الكلام فيما إذا احتمل أنّ تركه يؤدّي إلى دخول البقايا بين الأسنان في حلقه ، إمّا بغير اختياره كما في حالة النوم ، أو لأجل نسيانه الصوم وإن كان الدخول اختياريّاً. والظاهر عدم وجوبه حينئذٍ أيضاً ، فلا يبطل صومه لو دخل بعد ذلك سهواً كما ذكره في المتن ، لعدم الدليل عليه ، بعد أن كان مقتضى


1) (*) بل يبطل صومه وإن فرض عدم الدخول في الحلق ، نعم مع فرض الدخول تجب الكفّارة أيضاً.

.................................................................................................


الاستصحاب عدم الدخول ، ومن المعلوم أنّ الدخول نسياناً أو بغير اختيار لا أثر له ، لما سيجي‌ء إن شاء اللّه تعالى من اختصاص قدح استعمال المفطرات بصورة العمد (1)، فما يُحتمل وقوعه لا يكون مفطراً ، وما هو المفطر وهو المستند إلى العمد لا يحتمل وقوعه حسب الفرض ، فلا قصور في إطلاقات العفو عن تناول المفطر نسياناً أو بغير اختيار وأنّه رزقٌ رزقه اللّه عن الشمول للمقام.

وليس ترك التخليل موجباً للتفريط الملحق بالعمد قطعاً ، لانصراف الإطلاقات عنه ، إذ هو إنّما يستوجبه في صورة العلم بالترتّب لا مع الاحتمال المحض كما هو محلّ الكلام.

وعلى الجملة : حال البقايا بين الأسنان حال المأكول أو المشروب الخارجي ، فكما لا يجب على الصائم إخراج الكوز الموجود في الغرفة وإن احتمل أنّ بقاءه يؤدي إلى شرب الماء نسياناً أو بغير اختيار بالضرورة ، فكذا لا يجب التخليل في المقام بمناطٍ واحد ، وهو الشكّ في التناول المحكوم بالعدم بمقتضى الاستصحاب ، بعد عدم كون الترك مصداقاً للتفريط كما سمعت ، فتشمله إطلاقات عدم البأس فيما لو تناوله أو ابتلعه بعد ذلك سهواً.

وممّا ذكرنا تعرف وجوب التخليل فيما إذا علم أنّ تركه يؤدّي إلى دخول البقايا في الحلق سهواً أو بغير اختيار ، لما عرفت من كون الترك حينئذٍ مصداقاً للتفريط ، فلا تشمله إطلاقات العفو ، إذ لا يقال حينئذٍ : إنّه رزقٌ رزقه اللّه ، بعد فرض سبق العلم بالترتّب ، بل لو دخل الحلق بعد ذلك ولو بغير اختياره كان مصداقاً للإفطار الاختياري ، لانتهائه إلى المقدّمة الاختياريّة ، وهي ترك التخليل ، إذ لا يُعتبر الاختيار حال العمل ، فلو ألقى نفسه في الماء من شاهقٍ عالماً بكونه موجباً للارتماس ، أو وضع فمه في مسيل ماء ونام مع العلم باستلزامه


1) في ص 265.

[2385] مسألة 2 : لا بأس ببلع البصاق وإن كان كثيراً مجتمعاً ، بل وإن كان اجتماعه بفعل ما يوجبه كتذكّر الحامض مثلاً (1) لكن الأحوط الترك في صورة الاجتماع خصوصاً مع تعمّد السبب.


دخول الماء في الجوف ، أفطر بلا إشكال وإن كان في ظرف العمل فاقداً للاختيار ، لانتهائه إليه ، وقد تقرّر أنّ الممتنع بالاختيار لا ينافي الاختيار.

فما ذكره في المتن من الحكم بالبطلان في صورة العلم بالترتّب هو الصحيح ، ولكنّه (قدس سره) قيّده بفرض الدخول في الجوف ، ولا وجه له ، بل الظاهر البطلان مع العلم المزبور وإن لم يتحقّق الدخول خارجاً ، وذلك لفقد نيّة الصوم المعتبرة في صحّته ، إذ لا يجتمع هذا العلم مع نيّة الإمساك في مجموع النهار ، لوضوح كمال التنافي بينهما بالضرورة ، إذ كيف يمكن العزم على الإمساك عن الأكل من طلوع الفجر إلى الغروب مع تركه التخليل عالماً باستلزامه لدخول البقايا في الجوف ، فإنّ معنى هذا عدم كونه عازماً على الإمساك كما هو ظاهر.

نعم ، لا تترتّب الكفّارة إلّا عند تحقّق الدخول ولعلّه مراد الماتن (قدس سره) وإن كان بعيداً عن العبارة لأنّها متفرّعة على الإفطار الخارجي ، ومن أحكام واقع الأكل لا نيّته ، إذ هي لا تقتضي إلّا مجرّد بطلان الصوم ، لفقدان النيّة ، ولا تستوجب الكفّارة بوجه كما هو ظاهر.

فتحصّل : أنّ التخليل غير واجب وإن احتمل أنّ تركه يؤدّي إلى الدخول القهري أو السهوي ، ومع العلم بذلك يجب ، ولو تركه حينئذٍ بطل صومه وإن لم يتّفق الدخول ، ومع اتّفاقه تجب الكفّارة أيضاً حسبما عرفت.

(1) بلا خلافٍ فيه من أحد ، بل الظاهر هو التسالم عليه ، لقيام السيرة العمليّة من المتشرّعة على ذلك ، إذ لم يُعهَد منهم الاجتناب عنه ، ومن المعلوم

.................................................................................................


جدّاً عدم كونه مشمولاً لإطلاقات الأكل والشرب ، فإنّها منصرفة عن مثله بالضرورة ، إذ المنسبق إلى الذهن منها إرادة المطعوم والمشروب الخارجي ، لا ما يشمل المتكوّن في جوف الإنسان بحسب طبعه وخلقته ، ولذا لو نهى الطبيب مريضه عن الأكل والشرب في هذا اليوم أو في ساعة خاصّة لا يفهم منه المنع عن ابتلاع البُصاق جزماً ، فلا ينبغي التأمّل في انصراف المطلقات عن بلع البُصاق المجتمع وإن كان اجتماعه بفعل ما يوجبه ، كتذكّر الحامض مثلاً.

ومع التنزّل وتسليم منع الانصراف فلا أقلّ من عدم ظهور الأدلّة في الإطلاق ، والمرجع حينئذٍ أصالة البراءة عن وجوب الإمساك عنه ، فهي إمّا ظاهرة في عدم الشمول بمقتضى الانصراف كما عرفت ، أو أنّها غير ظاهرة في الشمول ومجملة من هذه الجهة ، وعلى التقديرين لا يمكن الاستناد إليها في المنع عن البلع.

هذا مضافاً إلى دلالة بعض النصوص على الجواز ، وهو خبر زيد الشحّام عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : في الصائم يتمضمض ، «قال : لا يبلع ريقه حتّى يبزق ثلاث مرّات» (1).

ولكن الرواية ضعيفة بأبي جميلة المفضّل بن صالح ، فلا تصلح إلّا للتأييد ، ولا حاجة إليها بعد أن كان الحكم مطابقاً لمقتضى القاعدة حسبما عرفت.

نعم ، الأحوط الترك مع تعمّد السبب ، فإنّ المستند لو كان هو الإجماع والسيرة العمليّة فشمولهما لهذه الصورة غير ظاهر ، بل المتيقّن من موردهما غير ذلك كما لا يخفى.

نعم ، لو كان المستند قصور الإطلاقات والرجوع إلى أصل البراءة لم يكن فرقٌ حينئذٍ بين الصورتين ، وعلى أيّ حال فالاحتياط ممّا لا ينبغي تركه.


1) الوسائل 10 : 91 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 31 ح 1.

[2386] مسألة 3 : لا بأس بابتلاع ما يخرج من الصدر من الخلط وما ينزل من الرأس ما لم يصل إلى فضاء الفم ، بل الأقوى جواز الجرّ من الرأس إلى الحلق وإن كان الأحوط تركه ، وأمّا ما وصل منهما إلى فضاء الفم فلا يترك الاحتياط فيه بترك الابتلاع (1).


(1) يقع الكلام تارةً : فما إذا لم يصل ذلك إلى فضاء الفم ، وأُخرى : فيما إذا وصل.

أمّا الموضع الأوّل : فالظاهر جواز الابتلاع ، بل جواز الجرّ من الرأس إلى الحلق كما ذكره في المتن ، لعدم الدليل على المنع ، فإنّ الوارد في النصوص عنوانان : الأكل والشرب ، والطعام والشراب ، ومرجع الثاني إلى الأوّل كما مرّ ، وإلّا فالطعام والشراب لا يحرم شي‌ء من الاستعمالات المتعلّقة بهما بالإضافة إلى الصائم ما عدا الأكل والشرب كما هو ظاهر.

ومن المعلوم أنّ الأكل والشرب لا يصدق على ابتلاع ما يتكوّن في الجوف من الصدر أو الرأس ما لم يبلغ فضاء الفم ، وإنّما هو انتقال من مكان إلى مكان ، دون أن يصدق عليه الأكل بمفهومه العرفي ، ولا الازدراد بوجه ، بل هو منصرف عن مثله قطعاً ، ولا أقلّ من الشكّ في الصدق ، والمرجع حينئذٍ أصالة البراءة ، فالحكم بالجواز في هذه الصورة مطابق لمقتضى القاعدة ، من غير حاجة إلى قيام دليل عليه بالخصوص ، لقصور الإطلاقات عن الشمول له ، إمّا جزماً أو احتمالاً حسبما عرفت.

وأمّا الموضع الثاني : فلا يبعد بل هو ظاهر صدق الأكل على ابتلاع ما وصل إلى فضاء الفم ممّا خرج من الصدر أو نزل من الرأس ، وعليه فمقتضى إطلاقات الأكل والازدراد بطلان الصوم به.

.................................................................................................


نعم ، في موثّق غياث بن إبراهيم : «لا بأس أن يزدرد الصائم نخامته» (1).

فإنّ الازدراد لو لم يكن ظاهراً فيما وصل إلى فضاء الفم فلا أقلّ من شموله له بالإطلاق ، لكن الشأن في تفسير النخامة ، فظاهر المحقّق في الشرائع : أنّها خصوص ما يخرج من الصدر (2)، لجعله النخامة قسيماً لما ينزل من الرأس ، وعن بعض اللغويّين وهو صاحب مختصر الصحاح عكس ذلك ، وأنّها اسمٌ لما ينزل من الرأس ، وأمّا ما يخرج من الصدر فيختصّ باسم النخاعة. وعن جماعة أُخرى من اللغويين كصاحب القاموس والمجمع والصحاح (3)وغيرهم أنّهما مترادفتان ، فالنخامة هي النخاعة وزناً ومعنًى ، وهي اسمٌ لمطلق ما يخرج من أقصى الحلق من مخرج الخاء المعجمة ، سواء أكان مبدؤه الصدر أم الرأس.

فإن ثبت التفسير الأخير عمّ الحكم كليهما ، وإلّا نظراً إلى أنّ قول اللغوي غاية ما يوجبه الظنّ وهو لا يغني من الحقّ فإن تمّ ما استظهره المحقّق (قدس سره) من الاختصاص وهو من أهل الاستظهار والاطّلاع اختصّ الحكم بما يخرج من الصدر ، وإن لم يتمّ ذلك أيضاً واحتملنا العكس كما سمعت عن صاحب المختصر ، فحيث انّ المعنى حينئذٍ مردّد بين أمرين أو أُمور ، والتفاسير متعارضة من غير ترجيح في البين ، فلا مناص من الاحتياط بالاجتناب عن كلا الأمرين ، لعدم وضوح المراد ممّا حكم فيه بجواز الازدراد.

والحاصل : أنّ مقتضى الإطلاقات وجوب الاجتناب عن كلّ ما صدق عليه الأكل ، الشامل لما وصل إلى فضاء الفم ممّا خرج من الصدر أو نزل من الرأس كما عرفت.


1) الوسائل 10 : 108 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 39 ح 1.

2) الشرائع : 222.

3) القاموس 4 : 180 ، مجمع البحرين 6 : 174 ، الصحاح 5 : 2040 نخم.

[2387] مسألة 4 : المدار صدق الأكل والشرب وإن كان بالنحو غير المتعارف (1) ، فلا يضرّ مجرّد الوصول إلى الجوف إذا لم يصدق الأكل والشرب ،


وقد ثبت الجواز في النخامة بمقتضى الموثّقة التي هي بمنزلة التخصيص لتلك العمومات ، وحيث إنّ الخروج عنها يستدعي الركون إلى دليل قاطع ، ودليل المخصّص هنا مجمل لتردّده بين ما ذكر ، فلا محيص عن الاحتياط ، نظراً إلى العلم الإجمالي بمقتضى تلك المطلقات بوجوب الاجتناب عن أحد الأمرين : ممّا خرج من الصدر ، أو نزل من الرأس ، إذ الخارج أحدهما والآخر باقٍ تحت المطلقات لا محالة ، وهو غير متعيّن حسب الفرض.

فما ذكره في المتن من وجوب الاحتياط بترك الابتلاع فيهما معاً هو الصحيح ، وإن شئت قلت : يحتمل أن يكون الخارج خصوص ما خرج من الصدر ، أو خصوص ما نزل من الرأس ، أو الجامع بينهما ، وحيث لم يثبت شي‌ء من ذلك فالمتّبع عموم دليل المنع ، إذ لم يثبت الجواز إلّا لعنوانٍ مجمل ، وهو لا ينفع في الخروج عن عموم المنع ، للزوم التعويل فيه على ما يفيد القطع ، ولأجله كان الاحتياط في محلّه.

نعم ، لو خالف لم تجب عليه الكفّارة ، لعدم العلم بحصول موجبها ، والعلم الإجمالي المزبور لا يقتضيه كما هو ظاهر ، فأصالة البراءة محكّمة ، وكذلك القضاء ، لعدم إحراز الفوت إلّا إذا بنينا على أنّ موضوعه فوت الوظيفة الفعليّة الأعمّ من العقليّة والشرعيّة كي يشمل موارد مخالفة العلم الإجمالي.

(1) كما لو شرب من أنفه على ما تقدّم مفصّلاً (1)، من عدم دخل الطريق العادي في صحّة إطلاق الأكل والشرب المتقوّم بحسب الصدق العرفي بدخول


1) في ص 92 93.

كما إذا صبّ دواءً في جرحه أو شيئاً في أُذنه أو إحليله فوصل إلى جوفه. نعم ، إذا وصل من طريق أنفه فالظاهر أنّه موجب للبطلان إن كان متعمّداً ، لصدق الأكل والشرب حينئذ.


شي‌ء في الجوف من طريق الحلق ، سواء أكان ذلك على النهج المتعارف أم غيره ، ومجرّد الغلبة الخارجيّة لا تستدعي الانصراف بنحوٍ يعتدّ به في رفع اليد عن الإطلاق ، فإذن لا فرق في المنع بين الدخول في الحلق من طريق الفم أو الأنف أو غيرهما ، كما لو فرضنا ثقباً تحت الذقن مثلاً بحيث يصل المطعوم أو المشروب من طريقه إلى الحلق.

فالعبرة بدخول الحلق وعدمه كيفما كان ، كما تشير إليه صحيحة علي بن جعفر في كتابه عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) ، قال : سألته عن الصائم ، هل يصلح له أن يصب في اذنه الدهن؟ «قال : إذا لم يدخل حلقه فلا بأس» (1).

ولا يبعد فرض ثقب في اذن الصائم المفروض في السؤال يصل إلى حلقه لمرضٍ فيها ، ولأجله كان يصبّ فيها الدهن ، وإلّا فلا طريق من الاذن السالمة إلى الحلق.

وعلى أيّ حال ، فالمدار على الدخول في الحلق كيفما اتّفق.

ومنه تعرف عدم البأس بالدخول في الجوف من غير هذا الطريق ، إلّا أن يقوم عليه دليل بالخصوص ، فيقتصر على مورده كما في الاحتقان بالمائع.


1) الوسائل 10 : 73 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 24 ح 5 ، مسائل على بن جعفر : 110 / 23.

[2388] مسألة 5 : لا يبطل الصوم بإنفاذ الرمح أو السكّين أو نحوهما بحيث يصل إلى الجوف وإن كان متعمّداً (1).

الثالث : الجماع وإن لم ينزل للذكر والأُنثى ، قُبُلاً أو دُبُراً ، صغيراً كان أو كبيراً ، حيّاً أو ميّتاً ، واطئاً أو موطوءاً ، وكذا لو كان الموطوء بهيمة (1)، بل وكذا لو كانت هي الواطية (2).


وأمّا ما عدا ذلك فلا ضير فيه ، لعدم كونه من الأكل والشرب في شي‌ء ، كما لو صبّ دواءً في جرحه أو شيئاً في اذنه أو إحليله فوصل إلى جوفه ، ونحوه ما لو أنفذ رمحاً أو سكّيناً أو نحوهما بحيث وصلا إلى الجوف كما ذكره الماتن في المسألة الآتية ، فإنّ شيئاً من ذلك لا يوجب البطلان ، لخروجه عن الأكل والشرب حسبما عرفت.

(1) كما ظهر ممّا مرّ آنفاً.

(2) لا إشكال كما لا خلاف بين المسلمين في مفطريّة الجماع في الجملة وإن لم ينزل ، بل لعلّه من الضروريّات ، وقد نطق به الكتاب العزيز ، قال تعالى ( أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ ) (2)، واستفاضت به النصوص ، التي منها الصحيحة المتقدّمة (3)التي رواها المشايخ : «لا يضرّ الصائم ما صنع إذا اجتنب ثلاث خصال» وعدّ منها النساء.


1) (*) البطلان فيه وفيما بعده مبنى على تحقّق الجنابة بهما ، والاعتبار في الجميع إنّما هو بتحقّقها.

2) البقرة 2 : 187.

3) في ص 95.

.................................................................................................


ولا شكّ في تحقّقه بوطء المرأة قُبُلاً ، بل هو القدر المتيقّن من الأدلّة ، وكذا دُبُراً مع الإنزال ، فإنّه بنفسه سببٌ للإفطار وموجبٌ للبطلان بلا إشكال ، بل وبدون الإنزال أيضاً ، للإطلاقات ، فإنّ الحكم في الروايات مترتّب على عنوان الجماع وإتيان الأهل ، والمذكور في الصحيحة المتقدّمة : النساء ، وكلّ ذلك يعمّ الدبر كالقبل ، فإنّه أحد المأتيّين كما في النصّ. ودعوى الانصراف إلى الثاني بلا موجب.

ويدلّ عليه أيضاً الروايات المتعدّدة التي يستفاد منها أنّ موضوع الحكم هو الجنابة ، وإلّا فالجماع بما هو لا خصوصيّة له ، ومنها : رواية القمّاط : عمّن أجنب في شهر رمضان في أوّل الليل فنام حتّى أصبح «قال : لا شي‌ء عليه ، وذلك أنّ جنابته كانت في وقتٍ حلال» (1).

دلّت على أنّ الاعتبار في البطلان بوقوع الجنابة في وقتٍ حرام ، فالعبرة بحصول الجنابة نفسها ، وقد تقدّم في بحث الأغسال من كتاب الطهارة : أنّ وطء المرأة دُبُراً وإن لم ينزل موجبٌ للجنابة ، جاز ذلك أم لم يجز (2)، فيكون ذلك موجباً لبطلان الصوم مع العمد بطبيعة الحال.

إنّما الكلام في الإيلاج في دُبُر الغلام وفرج البهيمة ، فقد تردّد فيه المحقّق وعلّق الحكم بالبطلان على كونه موجباً للجنابة ، حيث ذكر أنّه يتبع وجوب الغسل (3). فإن قلنا به بطل الصوم وإلّا فلا.

وما ذكره (قدس سره) هو الصحيح ، ولقد أجاد فيما أفاد ، لما عرفت آنفاً من دلالة النصوص على دوران البطلان مدار تحقّق الجنابة ، وقد تقدّم في كتاب


1) الوسائل 10 : 57 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 13 ح 1.

2) شرح العروة 6 : 260 262.

3) الشرائع 2 : 14.

ويتحقّق بإدخال الحشفة أو مقدارها من مقطوعها ، فلا يبطل بأقلّ من ذلك (1) ، بل لو دخل بجملته ملتوياً ولم يكن بمقدار الحشفة لم يبطل وإن كان لو انتشر كان بمقدارها.


الطهارة البحث عن ذلك ، وقلنا : إنّه لم يدلّ دليل على تحقّقها بالوطء في دبر غير المرأة من غير إنزال ، وعليه فلا يكون موجباً لبطلان الصوم.

بل لعلّ الصحيحة المتقدّمة الحاصرة لما يجتنبه الصائم في ثلاث أو أربع خصال تدلّ على عدم البطلان ، لأنّ المذكور فيها النساء لا مطلق الوطء ، فتدلّ بإطلاقها على عدم البطلان بوطء الذكر بعد أن كان مجتنباً عن النساء.

وكيفما كان ، فالحكم في المقام يتبع ما تقدّم في بحث الأغسال ، فإن قلنا : إنّ وطء الغلام يوجب الغسل بطل الصوم ، وإن لم نقل به كما هو الصحيح ، لعدم الدليل عليه إلّا بعض الإجماعات التي ادُّعيت في كلمات بعضهم فلا ، إذ ليس هناك شي‌ء آخر ما عدا الجنابة يكون بعنوانه مضرّاً بالصوم.

ومن هنا يظهر الحال في وطء البهيمة من غير إنزال ولا قصد إنزال ، فإنّ الكلام فيه هو الكلام ، فإن قلنا بأنّه موجبٌ للغسل وتتحقق به الجنابة بطل الصيام ، وإلّا كما هو الصحيح ، لعدم الدليل عليه كما مرّ في محلّه فلا.

وأشكل من هذين ما لو كانت البهيمة هي الواطية ، لعدم قيام أيّ دليل على تحقّق الجنابة بذلك على ما سبق في محلّه ، فلاحظ.

(1) والوجه فيه ما عرفت آنفاً من أنّه وإن كان المذكور في الروايات هو الجماع أو إتيان النساء أو مجامعة الأهل ونحو ذلك من العناوين ، إلّا أنّه يستفاد من روايات عديدة أنّ العبرة في الحقيقة بنفس الجنابة وتحقّق موجب الغسل ،

.................................................................................................


فهو الموضوع ، ولا اعتبار بالجماع بما هو جماع ، وقد تقدّم في بحث الأغسال : أنّ محقّق الجنابة إنّما هو دخول الحشفة ، بمقتضى قوله (عليه السلام) : «إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل» ، فلا يجب الغسل لا عليه ولا عليها بإيلاج الأقلّ من ذلك ، فلا يبطل صومه ولا صومها (1).

هذا فيمن كانت له حشفة.

وأمّا في مقطوعها ، فالتعدّي إليه مبنيٌّ على فهم التقدير من الرواية المتقدّمة ، وهو لا يخلو من الإشكال كما تقدّم في بحث الأغسال.

إذن فإطلاقات إتيان الأهل والجماع والإيلاج الصادقة على إيلاج الأقلّ من مقدار الحشفة محكّمة ، لعدم الدليل على اعتبار التحديد بالمقدار في مقطوع الحشفة ، فإنّ رواية التقاء الختانين موضوعها فرض وجود الحشفة ، فلا يعمّ عدمها.

ثمّ إنّا استشهدنا فيما مرّ لهذه الدعوى أعني : دلالة النصوص على كون العبرة بنفس الجناية لا بالجماع بما هو جماع وإن لم يستوجبها بصحيحة ابن أبي نصر عن القمّاط (2).

وتقريب الاستدلال : أنّ الجنابة المذكورة في السؤال إمّا أن يراد بها ما استندت إلى الإنزال أو إلى الجماع ولا ثالث ، ولا يمكن حمل الصحيحة على الأوّل ، لأنّ منشأه :

إمّا الاستمناء ، وهو محرّم مطلقاً ولا يختصّ بوقتٍ دون وقت ، فلا معنى لقوله (عليه السلام) : «إنّ جنابته كانت في وقتٍ حلال».


1) شرح العروة 6 : 253.

2) الوسائل 10 : 57 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 13 ح 1.

.................................................................................................


أو الاحتلام ، وهو محلّل مطلقاً ، فلا يناسبه أيضاً الجواب المزبور.

أو الملاعبة والعبث بالزوجة ، ومن البعيد جدّاً ، إرادتها بالخصوص من الصحيحة كما لا يخفى.

فلا مناص من أن يراد بها الجنابة المسبَّبة عن الجماع أو ما يعمّه والأخير.

وعلى أيّ تقدير ، فالجماع مفروض في مورد الصحيحة لا محالة ، وقد علّل (عليه السلام) نفي البأس في الجواب بقوله : «إنّ جنابته كانت في وقت حلال» الدالّ بمقتضى التعليل على البطلان فيما لو كانت في وقتٍ حرام وهو النهار ، فجعل الاعتبار بنفس الجنابة وأنّها توجب البطلان تارةً ولا توجبه اخرى ، مع أنّ الجنابة المقرونة بالجماع مسبوقة به دائماً ، إذ الدخول تدريجي الحصول ، لامتناع الطفرة ، فيدخل مقدار من الحشفة أوّلاً ثمّ تمامها ، وبذلك تتحقّق الجنابة.

فلو كان الجماع المتحقّق قبل ذلك هو المقتضي للبطلان كان اللازم استناده إليه لا إلى الجنابة المتأخّرة عنه ، إذ الشي‌ء يستند إلى أسبق علله ، فإناطة الحكم بها واستناد الإفطار إليها يدلّ بوضوح على أنّها بنفسها تمام الموضوع في المفطريّة ، وبذلك تتقيّد إطلاقات الجماع والنساء وإتيان الأهل ونحو ذلك ممّا ورد في الكتاب والسنّة ، ويحمل على اختصاص المفطريّة بما كان موجباً للجنابة ، وهو المشتمل على إدخال الحشفة بتمامها دون ما لا يستوجبها.

وأوضحُ دلالةً من هذه الصحيحة : ما رواه الكليني بإسناده عن يونس في حديث : قال في المسافر يدخل أهله وهو جنب قبل الزوال ولم يكن أكل فعليه أن يتمّ صومه ولا قضاء عليه ، يعني إذا كانت جنابته من احتلام (1).

دلّت على أنّ الجنابة غير الاختياريّة الناشئة من الاحتلام غير مانعة عن


1) الوسائل 10 : 190 / أبواب من يصح منه الصوم ب 6 ح 5 ، الكافي 4 : 132 / 9 ، الفقيه 2 : 93 / 415.

[2389] مسألة 6 : لا فرق في البطلان بالجماع بين صورة قصد الإنزال وعدمه (1).


تجديد النيّة بعد فرض عدم استعمال المفطر من أكلٍ ونحوه ، فتدلّ بمفهوم الشرط على مانعيّة الجنابة الاختياريّة ، فتكون هي بنفسها موجبة للبطلان وموضوعاً للإفطار.

وأمّا سند الرواية فليس فيه من يغمز فيه عدا محمد بن عيسى بن عبيد الذي استثناه الصدوق تبعاً لشيخه ابن الوليد ممّن ينفرد بروايته عن يونس ، وقد تقدّم غير مرّة أنّ هذا اجتهادٌ من ابن الوليد ورأيٌ ارتآه ، وقد أنكر عليه جمعٌ ممّن تأخّر عنه كابن نوح (1)وغيره وقالوا : مَن مثل العبيدي؟! وأنّه ليس في أقرانه مثله ، فلا وجه للمناقشة من هذه الجهة.

نعم ، الرواية مقطوعة على طريق الكافي كما في الوسائل ، حيث أسندها إلى يونس نفسه دون الإمام (عليه السلام) ، ولكن المظنون قويّاً أنّ نسخة الكافي مشتملة على السقط إمّا من الكليني نفسه أو من النسّاخ ، فإنّها مرويّة في الفقيه عن يونس عن موسى بن جعفر (عليه السلام). وكيفما كان ، ففي رواية الصدوق غنى وكفاية ، فهي معتبرة السند واضحة الدلالة حسبما عرفت.

(1) بلا إشكال فيه ، فإنّ الإنزال عنوانٌ آخر لا ربط له بمفطريّة الجماع ، وظاهر الأدلّة أنّ الجماع بنفسه موضوعٌ مستقلّ للحكم بالبطلان وإن كان ذلك من أجل إيجابه للجنابة حسبما مرّ (2)، بل مقتضى إطلاق الأدلة مفطريّة الجماع وإن كان قاصداً عدم الإنزال.


1) لاحظ رجال النجاشي : 348 / 939 ، في ترجمة محمّد بن أحمد بن يحيى.

2) في ص 111.

[2390] مسألة 7 : لا يبطل الصوم بالإيلاج في غير أحد الفرجين (1) بلا إنزال ، إلّا إذا كان قاصداً له ، فإنّه يبطل وإن لم ينزل ، من حيث إنّه نوى المفطر.

[2391] مسألة 8 : لا يضرّ إدخال الإصبع ونحوه لا بقصد الإنزال (2).

[2392] مسألة 9 : لا يبطل الصوم بالجماع إذا كان نائماً ، أو كان مكرهاً بحيث خرج عن اختياره (1)، كما لا يضرّ إذا كان سهواً (3).


(1) كالتفخيذ ونحوه ، لتقوّم الجماع بالإيلاج في أحد المخرجين ، فغيره ليس من الجماع في شي‌ء ولا موجباً للجنابة ، فلا يكون مفطراً ، إلّا إذا كان قاصداً للإنزال ، فيبطل صومه حينئذٍ وإن لم ينزل ، من أجل أنّه نوى المفطر ، وهو بنفسه موجب للبطلان كما تقدّم (2).

(2) ضرورة أنّ بطلان الصوم يدور مدار تحقّق ما يوجب الجنابة ، فإدخال الآلة في غير المخرجين وإدخال غير الآلة في أحد المخرجين كلّ ذلك لا يوجب البطلان ، والحكم واضح.

(3) لأنّ المعتبر في مفطريّة الجماع كغيره من سائر المفطرات صدوره عن عمدٍ واختيار على ما سيجي‌ء إن شاء اللّه تعالى في محلّه (3)، ولأجل أنّ الجماع الصادر حال النوم كالصادر حال السهو ونسيان الصوم غير مستند إلى العمد ، فلا يكون شي‌ءٌ منهما موجباً للبطلان.


1) (*) وأمّا إذا صدر باختياره ولو كان عن إكراه فالأظهر فيه البطلان.

2) في ص 84.

3) في ص 265.

[2393] مسألة 10 : لو قصد التفخيذ مثلاً فدخل في أحد الفرجين لم يبطل (1) ، ولو قصد الإدخال في أحدهما فلم يتحقّق كان مبطلاً ، من حيث إنّه نوى المفطر.


وكذلك الحال فيما لو كان مكرَهاً عليه ، لا بمعنى التوعيد عليه من جائرٍ أو مكرِهٍ ولو نفس الزوجة ، بحيث هدّد بإيقاعه في ضررٍ لو لم يفعل ، لصدور الفعل حينئذٍ عن إرادته واختياره ، وغاية ما يقتضيه دليل رفع الإكراه إنّما هو رفع الحرمة لا رفع المفطريّة كي يقتضي الصحّة ، وتعلّق الأمر بالعمل على ما سيجي‌ء التعرّض له إن شاء اللّه تعالى مفصّلاً في مسألة مستقلة في مطاوي المسائل الآتية (1).

بل بمعنى سلب الاختيار عنه ، كما لو شُدّت يداه ورجلاه وأُوقع في هذا العمل بحيث صدر منه من غير أيّ اختيار ، فإنّ مثله لا يوجب البطلان ، لما عرفت من اعتبار الاختيار فيه.

(1) لعدم استناد الدخول حينئذٍ إلى الاختيار ، فإنّه قصد عنواناً فاتّفق غيره من غير قصد ، وقد عرفت آنفاً اعتبار الاختيار في الحكم بالإفطار.

وأمّا عكس ذلك أعني : ما لو قصد الإدخال في أحدهما فاتّفق عدم تحقّقه فهو مبطل ، من حيث إنّه نوى المفطر كما عُلِم ممّا مرّ.


1) في ص 275.

[2394] مسألة 11 : إذا دخل الرجل بالخنثى قُبُلاً لم يبطل صومه ولا صومها ، وكذا لو دخل الخنثى بالأُنثى ولو دُبُراً ، أمّا لو وطئ الخنثى دُبُراً بطل صومهما ، ولو دخل الرجل بالخنثى ودخلت الخنثى بالأُنثى بطل صوم الخنثى دونهما ، ولو وطئت كلٌّ من الخنثيين الأُخرى لم يبطل صومهما (1).


(1) قد تلاحَظ الخنثى مع الرجل وأُخرى مع الأُنثى ، وثالثةً مع خنثى مثلها.

أمّا الأوّل : فلا إشكال في بطلان صومهما فيما إذا كان الوطء في دبر الخنثى ، بناءً على المشهور من البطلان وتحقّق الجنابة بالإيلاج في دبر الرجل كالأُنثى.

وأمّا بناءً على ما تقدّم من المحقّق (قدس سره) من التردّد في ذلك (1)لعدم الدليل عليه كما عرفت فلا وجه للبطلان بعد احتمال كون الخنثى ذكراً ، ما لم يتحقّق الإنزال كما هو المفروض.

وأمّا إذا كان الوطء في قبلها ، أو كانت هي الواطية ، فلا يبطل صومه ولا صومها ، للشكّ في تحقّق الجنابة بعد احتمال كون ثقبها أو آلتها عضواً زائداً مغايراً للخلقة الأصليّة ، ولا جنابة إلّا بالإيلاج بآلة أصليّة في أحد المخرجين الأصليّين الحقيقيّين على ما تقتضيه ظواهر الأدلة ، فبالنتيجة يشكّ في حصول الجماع المفطر ، فيرجع إلى أصالة العدم.

وأمّا الثاني : فكذلك ، سواء أدخلت الخنثى في قبل الأُنثى أم في دبرها ، لاحتمال كون آلتها عضواً زائداً لا يترتّب على إيلاجه أيّ أثر.

ومنه يظهر الحال في الثالث سواء أكانت الخنثى واطئة لمثلها أم موطوءة ، لاحتمال مساواتهما في الذكورة والأنوثة ، فلا يكون الداخل أو المدخول فيه


1) في ص 112.

[2395] مسألة 12 : إذا جامع نسياناً أو من غير اختيار ثمّ تذكّر أو ارتفع الجبر وجب الإخراج فوراً ، فإن تراخي بطل صومه (1).

[2396] مسألة 13 : إذا شكّ في الدخول أو شكّ في بلوغ مقدار الحشفة لم يبطل صومه (1)(2).


حينئذٍ من الخلقة الأصليّة كما هو ظاهر.

(1) فإنّه وإن كان معذوراً حدوثاً لكنّه عامدٌ بقاءً ، وظاهر الأدلّة مثل قوله (عليه السلام) : «لا يضرّ الصائم ما صنع إذا اجتنب أربع خصال» شمول المفطريّة للأعم منهما ، لصدق عدم الاجتناب عن الجماع بقاءً ، ونتيجته بطلان الصوم مع التراخي كما أفاده (قدس سره).

(2) لا يخفى أنّ الشاكّ المزبور لو كان قاصداً للدخول بطل صومه ، من حيث إنّه نوى المفطر ، سواء دخل أم لا ، ولو لم يكن قاصداً صحّ وإن اتّفق الدخول ، لعدم العمد حينئذٍ ، كما لو كان قاصداً للتفخيذ فدخل من باب الاتّفاق ، فالبطلان وعدمه دائران مدار القصد وعدمه ، لا مدار الدخول الخارجي كما تقدّم في المسألة العاشرة ، فأيّ أثر يترتّب على الشكّ في الدخول أو الشكّ في البلوغ ليرجع في نفيه إلى الأصل ، فإنّه مع القصد يبطل وإن لم يدخل أو لم يبلغ الحشفة ، وبدونه يصحّ وإن دخل وبلغ كما عرفت.

نعم ، تظهر الثمرة في ترتّب الكفارة لا في بطلان الصوم المفروض في العبارة. إذن لا بدّ من فرض كلامه (قدس سره) فيما إذا كان الأثر وهو البطلان -


1) إذا كان قاصداً للجماع بطل صومه وإن لم يدخل ، وإن لم يكن قاصداً له لم يبطل وإن دخل ، نعم إذا كان قاصداً وشكّ في الدخول لم يجب عليه الكفّارة.

الرابع من المفطرات : الاستمناء ، أي إنزال المني متعمّداً (1) بملامسةٍ أو قبلةٍ أو تفخيذٍ أو نظرٍ أو تصوير صورة المواقعة أو تخيّل صورة امرأة أو نحو ذلك من الأفعال التي يقصد بها حصوله ، فإنّه مبطل للصوم بجميع أفراده. وأمّا لو لم يكن قاصداً للإنزال وسبقه المني من دون إيجاد شي‌ء ممّا يقتضيه ، لم يكن عليه شي‌ء.


مترتّباً على واقع الدخول لا على قصده ، كما لو جامع قبل مراعاة الفجر ثمّ ظهر سبق طلوعه وأنّه كان في النهار ، فإنّه يبطل الصوم حينئذٍ ويجب القضاء دون الكفّارة كما سيجي‌ء إن شاء اللّه تعالى في محلّه (1). فإذا شكّ في هذا الفرض في تحقّق الدخول أو في بلوغ الداخل مقدار الحشفة كان المرجع أصالة عدم الدخول ، أو عدم البلوغ ونتيجته نفي البطلان الذي هو من آثار نفس الدخول الواقعي لا مجرّد قصده كما عرفت.

(1) بلا خلاف فيه ولا إشكال ، من غير فرق بين أسباب الإنزال من الملامسة أو القبلة أو التفخيذ أو النظر أو غير ذلك من الأفعال التي يقصد بها حصوله.

وما في كلام المحقّق وغيره من عدم البأس بالنظر وإن أنزل (2)، لا بدّ وأن يُحمل على ما إذا لم يقصد به خروج المني فاتّفق الإمناء قهراً ، حيث إنّ خروجه بمثل النظر قليلٌ جدّاً ونادر التحقّق خارجاً.

وكيفما كان ، فلا ينبغي الإشكال في أصل الحكم ، وأنّ التصدّي لخروج المني


1) في ص 414.

2) الشرائع 1 : 218.

.................................................................................................


بأيّ سبب كان ما عدا الجماع فإنّه موضوعٌ مستقلّ أنزل أم لم ينزل كما تقدم موجب للبطلان بل الكفّارة أيضاً كما في الجماع ، على ما ورد في عدّة من الروايات.

ففي صحيحة عبد الرّحمن بن الحجّاج قال : سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يعبث بأهله في شهر رمضان حتّى يمني «قال : عليه من الكفّارة مثل ما على الذي يجامع» (1).

وفي موثّقة سماعة قال : سألته عن رجلٍ لزق بأهله فأنزل «قال عليه السلام : عليه إطعام ستّين مسكيناً ، مدّ لكلّ مسكين» (2).

وهاتان الروايتان كغيرهما من روايات الباب تدلّان على أنّ إخراج المني بأيّ سبب كان موجبٌ للبطلان كنفس الجماع وإن كان المذكور في إحديها العبث بالأهل ، وفي الأُخرى اللزوق ، إذ لا خصوصيّة لهما كما يشير إليه التعبير بكلمة «حتّى» في الصحيحة وبقاء التفريع في الموثقة ، فإنّهما يكشفان عن أنّ المقصود بالسؤال هو الإنزال المترتّب على العبث أو اللزوق من غير خصوصيّة لهما إلّا المقدّميّة ، فذكرهما ليس إلّا من باب المثال لما يترتّب عليه الإمناء والإنزال ، فيعلم من ذلك عموم الحكم لجميع الأفعال التي يقصد بها حصوله.

ومن المعلوم جدّاً أنّ حكمه (عليه السلام) بالكفّارة ولا سيّما مع التنظير بالجماع إنّما هو من أجل فساد الصوم وأنّه يترتّب عليه ما يترتب على الجماع ، لا مجرّد الكفّارة المحضة مع صحّته ، فإنّه بعيدٌ عن الفهم العرفي كما لا يخفى.

ويستفاد البطلان من بعض الروايات الأُخر ، منها صحيحة الحلبي : عن


1) الوسائل 10 : 39 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 4 ح 1.

2) الوسائل 10 : 40 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 4 ح 4.

.................................................................................................


رجلٍ يمسّ من المرأة شيئاً ، أيفسد ذلك صومه أو ينقضه؟ «فقال : إنّ ذلك ليكره للرجل الشاب مخافة أن يسبقه المني» (1).

قوله : «أو ينقضه» عبارة أُخرى عن الفساد ، إذ هو والنقض شي‌ء واحد كما هو ظاهر ، وقد منعه (عليه السلام) عن المسّ ولو تنزيهاً مخافة أن يسبقه المني ، وليس ذلك إلّا من جهة أنّ سبقه موجب للفساد ، نظراً إلى أنّ السؤال كان عن فساد الصوم وانتقاضه.

وعلى الجملة : فهذه الروايات تدلّنا على أنّ الكفّارة لا تترتّب على الفعل مجرّداً ومن غير فساد ، بل هي من أجل بطلان الصوم ، فتترتّب عليه مثل ما تترتّب على الجماع.

هذا كلّه فيما إذا كان الفعل اختياريّاً.

وأمّا إذا كان خارجاً عن الاختيار ، بأن لم يكن قاصداً للإنزال وسبقه المني من دون إيجاد شي‌ء ممّا يقتضيه كما في الاحتلام في النوم أو في اليقظة بأن اتّفق خروج المني بطبعه ومن غير سبب لم يكن عليه شي‌ء بلا خلافٍ فيه ولا إشكال ، فإنّ المفطر إنّما هو الفعل الاختياري كما تقدّم وسيأتي إن شاء اللّه تعالى ، ويشير إليه قوله (عليه السلام) : «لا يضرّ الصائم ما صنع إذا اجتنب» ، فإنّ الواجب هو الاجتناب والابتعاد الذي هو فعل اختياري ، فنفس وجود هذه الأُمور خارجاً من غير قصدٍ من الفاعل لا يوجب البطلان ، فلا بأس بالاحتلام ونحوه ممّا هو خارج عن الاختيار.


1) الوسائل 10 : 97 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 33 ح 1.

[2397] مسألة 14 : إذا علم من نفسه أنّه لو نام في نهار رمضان يحتلم فالأحوط تركه وإن كان الظاهر جوازه خصوصاً إذا كان الترك موجباً للحرج (1).


(1) قد عرفت أنّ المفطر انّما هو الفعل الاختياري ، ولأجله لا يكون الاحتلام مضرّاً ، لعدم استناده إلى الاختيار ، بل الظاهر عدم البأس به وإن انتهى إلى الاختيار ، كمن علم من عادته أو حالته أنّه لو نام يحتلم فإنّه يجوز له النوم في نهار رمضان وإن كانت الجنابة حينئذٍ مستندة إلى اختياره ، ضرورة أنّ الممنوع في الروايات لا يشمله ، فإنّه الجماع أو العبث بالأهل أو اللزوق أو اللصوق ونحو ذلك ، وشي‌ءٌ منها لا يصدق على الاحتلام كما هو ظاهر.

نعم ، الجنابة الاختياريّة بنفسها مانعة على ما استفدناه من صحيحة القمّاط المتقدّمة (1)وغيرها ، وهي صادقة على مثل الاحتلام المزبور المنتهى إلى الاختيار ، لفرض العلم بترتّب الجنابة على النوم ، نظير ما تقدّم من وجوب التخليل لمن علم بأنّ تركه يؤدّي إلى دخول البقايا بين أسنانه إلى الجوف (2)، فلو كنّا نحن وهذه الصحيحة وغيرها ممّا دلّ على مفطريّة الجنابة الاختياريّة لحكمنا بالبطلان في المقام ، ولكنّا لا نقول به أخذاً بإطلاق نصوص الاحتلام التي هي بمنزلة المخصّص لهذه الصحيحة وغيرها ، فقد وردت جملة من الروايات تضمّنت عدم البأس بالاحتلام بعنوانه ، ومقتضى الإطلاق فيها عدم الفرق بين ما استند إلى الاختيار وعدمه ، ولا سيّما وأنّ الأوّل أمر عادي يتّفق خارجاً للمريض وغيره ، وليس نادراً بحيث لا يشمله الإطلاق.


1) في ص 112.

2) في ص 104.

[2398] مسألة 15 : يجوز للمحتلم في النهار الاستبراء بالبول أو الخرطات وإن علم بخروج بقايا المني في المجرى ، ولا يجب عليه التحفّظ بعد الإنزال من خروج المني إن استيقظ قبله خصوصاً مع الإضرار والحرج (1)(1).


ففي صحيحة عبد اللّه بن ميمون القدّاح : «ثلاثة لا يفطرن الصائم : القي‌ء ، والاحتلام ، والحجامة» (2).

ونحوها غيرها وإن كانت ضعيفة السند ، مثل : ما رواه الصدوق في العلل بإسناده عن عمر بن يزيد ، قال : قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : لأيّ علّة لا يفطر الاحتلام الصائم ، والنكاح يفطر الصائم؟ «قال : لأنّ النكاح فعله ، والاحتلام مفعول به» (3).

فإنّ في السند حمدان بن الحسين والحسين بن الوليد ، وكلاهما مجهولان ، والعمدة ما عرفت من صحيحة القدّاح.

(1) لو احتلم الصائم فاستيقظ بعد حركة المني وقبل خروجه ، فهل يجب عليه التحفّظ؟

ذكر (قدس سره) أنّه لا يجب خصوصاً مع الإضرار أو الحرج ، والأمر كما ذكره (قدس سره).

فإنّ هذه الجنابة وإن كانت اختياريّة إذ يمكنه المنع عنها بالتحفّظ عن خروج المني الذي هو المحقّق للجنابة ، لا مجرّد النزول والحركة من المبدإ ، فهي


1) (*) لا خصوصيّة لذلك بالإضافة إلى الحكم الوضعي.

2) الوسائل 10 : 103 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 35 ح 1.

3) الوسائل 10 : 104 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 35 ح 4 ، العلل : 379 / 1.

.................................................................................................


جنابة عمديّة لا محالة إلّا أنّه يجري هنا أيضاً ما تقدّم في النوم الاختياري من أنّه لا يمنع عن صدق الاحتلام (1)، فهذه بالآخرة جنابة عن احتلام ، وقد صرّح بعدم قدحه في صحيحة القدّاح المتقدّمة ، إذ ليس مراده (عليه السلام) نفس الاحتلام بما هو احتلام ، بل باعتبار خروج المني ، فمرجعه إلى أنّ الخروج المستند إلى الاحتلام لا يضرّ بالصوم ، ومقتضى الإطلاق عدم الفرق بين صورتي الإفراغ حال النوم أو بعد اليقظة بعد إن كان منشأه النوم ، فإنّ هذا أيضاً أمر عادي ، بل لعلّه كثير التحقّق خارجاً ، فيشمله الإطلاق لا محالة ، ومقتضاه أنّ هذه الجناية وإن كانت عمديّة إلّا أنّها غير قادحة.

وأولى من الأمرين مالوا استيقظ بعد خروج المني ولكن مقداراً من المني باقٍ في المجرى كما هو مقتضى طبيعة الحال ، فهل يجوز له إخراجه بالبول ونحوه ، أم يلزمه الإمساك إلى انتهاء النهار ، نظراً إلى أنّه إنزالٌ اختياري؟

الظاهر هو الجواز كما ذكره في المتن ، بل هو أولى ممّا سبق ، إذ لا يترتّب على مثل هذا الخروج جنابة جديدة ، إذ المفروض أنّه جنب وهذه بقيّة المني الموجودة في المجرى ، فلا يترتّب عليها جنابة اخرى ، ومن المعلوم أنّ الأدلّة المتضمّنة لقادحيّة الإمناء منصرفة عن المقام ، كما أنّ دليل قدح الجنابة ظاهر في الإحداث ولا يعمّ البقاء ، فلا ينبغي الإشكال في الجواز في محلّ الكلام.

يبقى الإشكال في صورة واحدة تعرّض لها في المسألة الآتية ، وهي ما لو بقي شي‌ء في المجرى لا يخرج إلّا بالاستبراء ببولٍ ونحوه ، فهل يجوز له أن يغتسل قبل الاستبراء مع علمه بخروج البقايا بعد الغسل ببولٍ ونحوه ، أو لا ، نظراً إلى أنّه إجنابٌ عمدي وإحداثٌ لجنابة جديدة؟


1) في ص 124.

.................................................................................................


ولا يبعد أن يقال بالجواز هنا أيضاً ، نظراً إلى انصراف الأدلة حتّى مثل صحيحة القماط المتقدّمة عن مثل هذه الجنابة التي وجد سببها قبلاً ، وهذا متمّم للسابق ، فإنّ المنسبق من تلك الأدلّة إنّما هو الإجناب العمدي مثل الجماع والاستمناء والملاعبة ونحو ذلك ، ولا يعمّ مثل المقام الذي يكون الخارج فيه بعد الاغتسال هو بقيّة ما خرج قبل الاغتسال ، ولا فرق بين خروج هذه البقيّة قبل الاغتسال أو بعده إلّا في أنّ الثاني يوجب الجنابة دون الأوّل ، ولكن الاحتياط لا ينبغي تركه ، لأنّ المفروض أنّ الجنابة السابقة ارتفعت ، وهذه بالآخرة جنابة جديدة فيشكل إحداثها من الصائم وإن كان الإشكال ضعيفاً كما عرفت.

وملخّص الكلام في هذه المسألة : أنّا لو كنا نحن وصحيحة الفضلاء المتضمّنة أنّه : «لا يضرّ الصائم ما صنع إذا اجتنب ثلاث خصال : الطعام والشراب ، والنساء ، والارتماس في الماء» (1)لحكمنا بعدم مفطريّة ما عدا الجماع من موجبات الجنابة.

إلّا أنّ صحيحة القمّاط دلّتنا على بطلان الصوم بمطلق الجنابة ، حيث سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عمّن أجنب في شهر رمضان في أوّل الليل فنام حتّى أصبح «قال (عليه السلام) : لا شي‌ء عليه ، وذلك أنّ جنابته كانت في وقتٍ حلال» (2).

فجعل الاعتبار في البطلان بوقوع الجنابة في وقتٍ حرام وهو النهار ، سواء أكان سببها محلّلاً أم محرّماً ، كما أنّها لو وقعت محلّل وهو الليل بمقتضى قوله تعالى ( أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ ) (3)لم توجب البطلان وإن كانت


1) الوسائل 10 : 31 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 1 ح 1.

2) الوسائل 10 : 57 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 13 ح 1.

3) البقرة 2 : 187.

[2399] مسألة 16 : إذا احتلم في النهار وأراد الاغتسال فالأحوط تقديم الاستبراء إذا علم أنّه لو تركه خرجت البقايا بعد الغسل فتحدث جنابة جديدة (1).

[2400] مسألة 17 : لو قصد الإنزال بإتيان شي‌ء ممّا ذكر ولكن لم ينزل بطل صومه من باب نيّة إيجاد المفطر (2).


الجنابة في نفسها محرّمة كالمقاربة حال الحيض.

وعلى الجملة : فيستفاد منها أنّ المفطر مطلق الجنابة الواقعة في النهار الشامل لفروض الاحتلام المذكورة في المقام ، فتكون هذه الصحيحة مخصّصة للصحيحة الأُولى.

غير انّه ورد مخصِّص على هذا المخصّص وهي روايات الاحتلام ، كصحيحة الحلبي (1)وغيرها المصرّحة بعدم قادحيّته للصوم ، فتصبح أدلّة قدح الجنابة مختصّة بغير الاحتلام.

وبما أنّ هذه الروايات مطلقة تشمل جميع فروض الاحتلام المتقدّمة فلأجله يحكم بعدم مفطريّة كلّ جنابة منتهية إلى الاحتلام ، أخذاً بإطلاق هذه النصوص حسبما عرفت.

(1) قد ظهر الحال فيها ممّا قدّمناه في المسألة السابقة ، فلاحظ.

(2) كما تقدّم سابقاً (2).


1) لم نعثر على نص مصرح بذلك إلّا ما روي عن منصور بن حازم البجلي في الفقيه 2 : 70 / 293.

2) في ص 84 85.

[2401] مسألة 18 : إذا أوجد بعض هذه الأفعال لا بنيّة الإنزال لكن كان من عادته الإنزال بذلك الفعل بطل صومه أيضاً إذا أنزل ، وأمّا إذا أوجد بعض هذه ولم يكن قاصداً للإنزال ولا كان من عادته فاتّفق أنّه أنزل فالأقوى عدم البطلان (1)وإن كان الأحوط القضاء ، خصوصاً في مثل الملاعبة والملامسة والتقبيل (1).


(1) أشرنا فيما مرّ إلى أنّه لو لم يكن هناك غير صحيحة ابن مسلم الحاصرة للمفطرات في الخصال الثلاث أو الأربع لحكمنا بعدم مفطريّة غير الجماع ممّا يتعلّق بالنساء من اللمس والتقبيل واللعب ونحوها وإن أمنى ، إذ المراد من النساء المعدود فيها من إحدى الخصال خصوص مقاربتهنّ كما صرّح به في بعض الأخبار (2)لا مطلق الفعل المتعلّق بهن.

غير أنّه قد وردت في المقام روايات مختلفة وهي على طوائف ثلاث :

منها : ما دلّت على الجواز مطلقاً ، كموثّقة سماعة : سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن القبلة في شهر رمضان للصائم ، أتفطر؟ «قال : لا» (3)، ونحوها غيرها ممّا يظهر منه اختصاص المنع بغشيان النساء.

وبإزائها ما دلّ على المنع مطلقاً ، كما في صحيحة علي بن جعفر : عن الرجل أيصلح أن يلمس ويُقبّل وهو يقضي شهر رمضان؟ «قال : لا» (4).

وصحيحته الأُخرى : عن الرجل هل يصلح له وهو صائم في رمضان أن


1) (*) هذا فيما إذا كان واثقاً بعدم الخروج وإلّا فالأقوى هو البطلان.

2) الوسائل 10 : 100 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 33 ح 16 ، 14.

3) الوسائل 10 : 100 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 33 ح 16 ، 14.

4) الوسائل 10 : 101 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 33 ح 20.

.................................................................................................


يقلب الجارية فيضرب على بطنها وفخذها وعجزها؟ «قال : إن لم يفعل ذلك بشهوة فلا بأس به ، وأمّا بشهوة فلا يصلح» (1).

وورد أيضاً في صحيحة عبد الرّحمن بن الحجّاج : عن الرجل يعبث بأهله في شهر رمضان حتّى يمني «قال : عليه من الكفّارة مثل ما على الذي يجامع» (2).

وهناك طائفة ثالثة تضمّنت التفصيل بين خوف خروج المني فلا يجوز ، وبين الوثوق بعدم الخروج فلا بأس به ، وبها يجمع بين الطائفتين الأُوليين.

فمنها : صحيحة الحلبي : عن رجل يمسّ من المرأة شيئاً ، أيفسد ذلك صومه أو ينقضه؟ «فقال : إنّ ذلك ليكره للرجل الشابّ مخافة أن يسبقه المني» (3).

وموثقة سماعة : عن الرجل يلصق بأهله في شهر رمضان «فقال : ما لم يخف على نفسه فلا بأس» (4).

وأوضح منها صحيحة منصور بن حازم : قال : قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : ما تقول في الصائم يُقبّل الجارية والمرأة؟ «فقال : أمّا الشيخ الكبير مثلي ومثلك فلا بأس ، وأمّا الشابّ الشبق فلا ، لأنّه لا يُؤمَن والقبلة إحدى الشهوتين» (5)إلخ.

وأوضح من الكلّ صحيحة محمد بن مسلم وزرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) أنّه سُئل : هل يباشر الصائم أو يقبّل في شهر رمضان؟ «فقال : إنِّي


1) الوسائل 10 : 101 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 33 ح 19.

2) الوسائل 10 : 39 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 4 ح 1.

3) الوسائل 10 : 97 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 33 ح 1.

4) الوسائل 10 : 98 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 33 ح 6.

5) الوسائل 10 : 97 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 33 ح 3.

الخامس : تعمّد الكذب على اللّه تعالى أو رسوله أو الأئمّة صلوات اللّه عليهم (1) ،


أخاف عليه ، فليتنزّه من ذلك ، إلّا أن يثق أن لا يسبقه منيّه» (1)، فإنّها صريحة في أنّ المستثنى من المنع خصوص صورة الوثوق بعدم السبق ، فتخصّص ما دلّ على عدم الإفطار بذلك ، كما أنّها تخصّص ما دلّ على البطلان من رواية ترتّب الكفّارة بالإنزال مطلقاً بذلك أيضاً وأنّه يفطر إذا لم يكن واثقاً من نفسه لا مطلقاً.

فالجمع بين الروايات يقتضي ما ذكرناه ، لا ما ذكره المصنّف كما لا يخفى. وأمّا تخصيصه الاحتياط بالثلاثة التي ذكرها في المتن فلأجل ورودها في النصّ حسبما عرفت.

(1) لا إشكال كما لا خلاف في حرمة الكذب على اللّه ورسوله والأئمّة (عليهم السلام) ، بل مطلقاً في حالة التعمّد والاختيار.

وإنّما الكلام في مفطريّته للصوم ، فالمنسوب إلى جماعة من القدماء بل المشهور بينهم المفطريّة إذا كان على أحد العناوين الثلاثة ، بل ادّعى السيّد قيام الإجماع عليه (2)، ولكن المشهور بين المتأخرين عدم الإفطار به وإن كان محرّماً ، غايته أنّه يوجب نقصاً في كمال الصوم لا إبطالاً لحقيقته.

ويستدل للمفطريّة بطائفة من الأخبار التي لا إشكال في اعتبار أسانيدها وإن كانت من قسم الموثّق ولم تكن صحيحة بالمعنى المصطلح ، وإنّما البحث في دلالتها وكيفيّة الجمع بينها وبين ما دلّ على حصر المفطريّة في الخصال الثلاث


1) الوسائل 10 : 100 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 33 ح 13.

2) لاحظ جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى 3) : 54.

.................................................................................................


أو الأربع كصحيحة ابن مسلم المتقدّمة.

فمنها : ما رواه الشيخ بإسناده عن علي بن مهزيار ، عن عثمان بن عيسى عن سماعة ، قال : سألته عن رجل كذب في رمضان «فقال : قد أفطر وعليه قضاؤه» فقلت : فما كذبته؟ «قال : يكذب على اللّه وعلى رسوله» (1).

ورواها الشيخ أيضاً عن الحسين بن سعيد ، عن عثمان بن عيسى ، عن سماعة ، قال : سألته عن رجل كذب في شهر رمضان ، «فقال : قد أفطر وعليه قضاؤه وهو صائم ، يقضي صومه ووضوءه إذا تعمّد» (2).

وهي في كلتا الروايتين مضمرة ، وجملة «قد أفطر وعليه قضاؤه» موجودة فيهما معاً ، والسند واحد إلى عثمان بن عيسى ، غير أنّ الراوي عنه تارةً : علي بن مهزيار ، وأُخرى : الحسين بن سعيد ، والظاهر أنّهما رواية واحدة ، إذ من البعيد جدّاً أنّ عثمان بن عيسى سمع الحديث عن سماعة وقد سأل هو الإمام مرّتين وأجابه (عليه السلام) بجوابين ، تارةً : مع الزيادة ، وأُخرى : بدونها ، بل هي في الحقيقة رواية واحدة نُقلت بالمعنى كما لا يخفى ، وعلى أيّ حال فهي موثقة.

ومنها : موثّقة أبي بصير التي رواها المشايخ الثلاثة مع اختلافٍ يسير ، قال : سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول : «الكذبة تنقض الوضوء وتفطر الصائم» قال : قلت له : هلكنا! «قال : ليس حيث تذهب ، إنّما ذلك الكذب على اللّه وعلى رسوله وعلى الأئمّة (عليهم السلام)» (3).

ومنها : موثّقته الأُخرى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : «إنّ الكذب على اللّه


1) الوسائل 10 : 33 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 2 ح 1 ، التهذيب 4 : 189 / 536.

2) الوسائل 10 : 34 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 2 ح 3.

3) الوسائل 10 : 33 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 2 ح 2 ، الكافي 2 : 254 / 9 ، 4 : 89 / 10 ، معاني الأخبار : 165 / 1 ، التهذيب 4 : 203 / 585.

.................................................................................................


وعلى رسوله وعلى الأئمّة (عليهم السلام) يفطر الصائم» (1).

هذه هي مجموع الروايات التي استُدلّ بها على مفطريّة الكذب لا بمعناه الشامل بل على اللّه ورسوله خاصّة ، وفي بعضها أُضيف إليهما الأئمّة (عليهم السلام) كما عرفت.

غير أنّ المشهور بين المتأخّرين هو عدم البطلان كما سمعت ، نظراً إلى أنّهم ناقشوا في تلك الروايات من وجوه :

أحدها : أنّها ضعيفة السند لا يمكن التعويل عليها.

وفيه : أنّ الرواة كلّهم ثقات ولا يعتبر في حجّيّة الرواية أكثر من ذلك. نعم ، بناءً على اعتبار كون الراوي عدلاً إمامياً كي تتّصف الرواية بالصحّة بالمعنى المصطلح كما يراه صاحب المدارك يتّجه الإشكال ، لكن المبنى سقيم كما بُيِّن في محلّه.

المناقشة الثانية : أنّ هذه الرواية منافية لما دلّ على حصر المفطرات في الثلاث أو الأربع كما تقدّم في صحيحة ابن مسلم «لا يضرّ الصائم ما صنع إذا اجتنب» إلخ ، فلا بدّ من حملها على إرادة الإفساد والإبطال بالنسبة إلى مرتبة القبول والكمال من غير إخلالٍ بأصل الصوم وحقيقته.

ويؤكّد ذلك ما ورد في جملة من الروايات من بطلان الصوم بالغيبة والنميمة والسباب وما شاكل ذلك من كلّ فضول وقبيح ممّا ينبغي أن يمسك عنه الصائم (2)، مع وضوح عدم قدحها في الصحّة ، وإنّما هي تخلّ بالكمال ، نظراً إلى أنّ الفرد


1) الوسائل 10 : 34 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 2 ح 4.

2) الوسائل 10 : 34 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 2 ح 5 وص 35 ب 2 ح 8 ، 9 ، 10.

.................................................................................................


الكامل من الصوم هو الذي يتضمّن إمساك عامّة الجوارح ممّا حرّم اللّه عليها ، أمّا الصوم الصحيح فيكفي فيه الإمساك عن الأُمور المعيّنة فحسب.

ومقتضى ذلك مع قرينيّة التأكيد المزبور حمل أخبار الكذب على اللّه والرسول والأئمّة (عليهم السلام) على إخلاله بكمال الصوم لا بحقيقته ، فلا يكون الكذب مفطراً.

والجواب : أنّ الرواية الحاصرة أقصاها أن تكون دلالتها بالإطلاق ، فلا مانع من رفع اليد عنه بما دلّ على أنّ الكذب أو غيره أيضاً مفطرٌ على ما هو مقتضى صناعة الإطلاق والتقييد ، كما في غير المقام ممّا يأتي من المفطرات.

وهذا نظير ما دلّ من الأخبار على أنّ ناقض الوضوء هو ما خرج من الأسفلين ، ولكن دلّت الأدلة الأُخرى على أنّ زوال العقل والنوم والاستحاضة مبطلٌ أيضاً ، فلا منافاة بوجهٍ بين الحصر وبين الأدلة المقيّدة ، إذ هو لا يزيد على الظهور الذي لا مانع من رفع اليد عنه بعد قيام الدليل على التقييد.

وأمّا بقية الأخبار الدالّة على أنّ الغيبة والسبّ ومطلق الكذب مضرٌ بالصوم فهي بحسب السند ضعيفة ، ولو فرض وجود الموثّق فيها فهي محمولة على نقض الكمال دون الحقيقة ، وإنّ أوهمه قول السائل : هلكنا ، وذلك لقيام التسالم حتى من العامّة عدا من شذّ على عدم كونها مفطراً ، فقياس المقام عليه مع الفارق الواضح كما لعلّه ظاهر.

المناقشة الثالثة : أنّ بعض تلك النصوص كموثقة أبي بصير مشتمل على ما لا يقول به أحد من علماء الفريقين ، وهو نقض الوضوء بالكذب على اللّه أو الرسول ، فلا بدّ من الحمل على النقض بالعناية بإرادة نقض مرتبة الكمال ، حيث إنّ الشخص المتطهّر لا ينبغي له أن يكذب على اللّه ورسوله ، لأنّه لا يلائم روحانيّته الحاصلة من الوضوء.

.................................................................................................


فبقرينة اتّحاد السياق تحمل ناقضيّته للصوم على ذلك أيضاً ، أي على إرادة مرتبة الكمال لا الحقيقة كي يفسد به الصوم.

والجواب عنها أوّلاً : إنّ رفع اليد عن الظهور في جملةٍ لقرينة لا يستوجب رفع اليد عن الظهور في جملةٍ أُخرى على ما أوضحناه في الأُصول (1)ولأجله أنكرنا قرينيّة اتّحاد السياق ، نظير ما ورد من الأمر بالغسل للجمعة والجنابة ، فإنّ طبيعة الأمر تقتضي الإيجاب عقلاً ، وقيام القرينة على الاستحباب في الجمعة لا يصرف ظهوره عن الوجوب في الجنابة.

وكذا الحال في المقام ، فإنّ ناقضيّة الكذب للوضوء إذا حُمِلت على الكمال لقرينة خارجيّة لا توجب صرف المفطريّة للصوم عن الحقيقة إلى الكمال أيضاً ، بل لا بدّ من حمله في الصوم على الإفطار الحقيقي.

وثانياً : إنّ هذه الزيادة لم تذكر إلّا في بعض الروايات ، فغايته أنّها توجب الإجمال في الرواية المشتملة عليها ، نظراً إلى أنّها توجب عدم انعقاد الظهور في إرادة الإفطار الحقيقي ، دون غيرها ممّا لا يشتمل على هذه الزيادة كموثّقة أبي بصير الأُخرى (2)، لوضوح عدم سراية الإجمال من رواية إلى رواية أُخرى عارية عن سبب الإجمال ، فأيّ مانع من التمسّك بظهور مثل هذه الرواية الخالية عن تلك الزيادة؟! وثالثاً : إنّ هذه الزيادة لم تثبت حتّى في نفس الرواية المدّعى اقترانها بها ، فإن موثّقتي سماعة قد عرفت أنّ الظاهر اتّحادهما ، ومعه لم تحرز صحّة النسخة


1) أجود التقريرات 1 : 94 96.

2) الوسائل 10 : 34 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 2 ح 4.

.................................................................................................


المشتملة على الزيادة ، وأمّا موثقة أبي بصير (1)التي رواها المشايخ الثلاثة فهي خالية من تلك الزيادة أيضاً على رواية الصدوق ، كما أنّها خالية أيضاً في إحدى روايتي الكليني كما نبّه عليه في الوسائل وهي المذكورة في أُصول الكافي في باب الكذب ومعه لا وثوق بتحقّقها ليناقش في قدحها في الظهور كما لا يخفى.

المناقشة الرابعة : أنّه ورد في موثّقة سماعة : عن رجل كذب في شهر رمضان «فقال : قد أفطر وعليه قضاؤه وهو صائم ، يقضي صومه ووضوءه إذا تعمّد» (2)، وجملة «وهو صائم» ظاهرة في أن صومه لم يبطل بسبب الكذب ، فيكون ذلك قرينة على التصرّف في قوله (عليه السلام) : «قد أفطر وعليه قضاؤه» بالحمل على نفي الكمال لا الحقيقة ، فلا يكون الكذب مفطراً لحقيقة الصوم ، وإلّا لما كان معنى لقوله (عليه السلام) بعد ذلك : «وهو صائم».

وبعبارة اخرى : جملة «وهو صائم» ظاهرة في التلبّس الفعلي بالصوم ، وإذا كان صومه صحيحاً كان ذلك قرينة على التصرّف في جملة «قد أفطر وعليه قضاؤه» ، فلا بدّ من التصرّف هنا وفي سائر الروايات الأُخر بحمل الإفطار فيها على العناية والتنزيل.

والجواب عنها أوّلاً : إنّ هذه الموثّقة وسابقتها التي رواها علي بن مهزيار هي رواية واحدة كما سبق ، مردّدة بين الزيادة والنقيصة ، فلم ندر أنّ سماعة أخبر بأيّتهما ، ومعه لا تكون تلك الجملة ثابتة من أصلها.

وثانياً : على فرض تعدّد الرواية وأنّ سماعة سأل الإمام (عليه السلام) مرّتين


1) الوسائل 10 : 33 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 2 ح 2. وانظر ص 132.

2) تقدّمت مع مصادرها في ص 132.

.................................................................................................


وأجاب كذلك ، فليس في هذه الجملة دلالة على أنّ الصوم صحيح ، لأنّ جملة : «وهو صائم» وجملة : «قد أفطر وعليه قضاؤه» متهافتتان بحسب الفهم العرفي ، نظير قوله : صحّت صلاته ، و: بطلت ، لأنّ قوله : «وهو صائم» معناه : أنّ صومه صحيح لا يحتاج إلى القضاء ، لاحتياج موضوع القضاء إلى الفوت ولا فوت معه ، ومقتضى قوله : «قد أفطر وعليه قضاؤه» أنّ صومه غير صحيح ، فهذا تناقض صريح بين الجملتين ، ولا محالة تصبح الرواية مجملة ، وعليه فلا بدّ من حمل جملة «وهو صائم» على أحد أُمور :

الأوّل : أن يراد بالصوم معناه اللغوي ، أعني : مطلق الإمساك ، وتكون الجملة في مقام الأمر. وحاصل المعنى : أنّ الصوم وإن بطل ووجب عليه القضاء إلّا أنّه يجب عليه الإمساك عن بقيّة المفطرات تأدّباً ، فإنّ ذلك من أحكام الإبطال في شهر رمضان ، فقوله : «وهو صائم» أي يبقى على إمساكه وإن وجب عليه القضاء.

وهذا الوجه بعيد ، لما ذكرناه في الأُصول (1)في بحث الأوامر من أنّ استعمال الجملة الاسميّة ك : زيد قائم في مقام الطلب غيرُ معهود في اللغة العربيّة ، بل منافٍ للذوق العربي كما لا يخفى. وإنّما المتعارف استعمال الجملة الفعليّة ماضيها ومضارعها ، مثل : أعاد ويعيد ونحو ذلك.

الثاني : أن تعود الجملة إلى الصدر ، حيث إنّ الراوي سأل عن مطلق الكذب في شهر رمضان من غير فرض كون السائل صائماً ، ولعلّ في ذهنه أنّ لشهر رمضان أحكاماً خاصّة ، ومن الجائز أن تكون للكذب في هذا الشهر الشريف خصوصيّة من كفّارة ونحوها وإن لم يصدر في حال الصوم ، فقيّده الإمام (عليه السلام) بأنّه قد أفطر وعليه القضاء إذا كان صائماً ، وأمّا غير الصائم


1) محاضرات في أُصول الفقه 2 : 137.

.................................................................................................


كالمسافر والمريض والشيخ ونحو ذلك فلا شي‌ء عليه من هذه الناحية ما عدا الإثم.

وهذا الوجه أبعد من سابقه جدّاً ، ولا يكاد يساعده الفهم العرفي ، لعدم معهوديّة التعبير عن هذا المقصود بمثل ذلك كما لا يخفى.

الثالث : أن يحمل قوله «وهو صائم» على حقيقته ، أي على مرتبة من الصحّة ، ويحمل قوله «أفطر» على الادّعاء والتنزيل ، فهو مفطر حكماً وتنزيلاً ولكنّه صائم واقعاً.

وهذا الوجه وإن أمكن ثبوتاً إلّا أنّه مشكل إثباتاً ، إذ لا وجه للتفرقة بينهما بحمل الصوم على معناه الحقيقي والإفطار على الادّعائي ، لظهور كلّ منهما في حقيقته.

الرابع : أن يحمل على إرادة الصوم الإضافي ، أي إذا كان ممسكاً من غير هذه الناحية فهو مفطر من جهة الكذب وإن كان هو صائماً من غير هذه الناحية. وهذا مع بعده في نفسه لعلّه أقرب من غيره.

وكيفما كان ، فلا يحتمل ظهور قوله : «وهو صائم» في صحّة الصوم ، للزوم المناقضة ، فإن تمّ الوجه الأوّل وإلّا فغاية الأمر أن تصبح الرواية مجملة فتسقط عن الحجّيّة ويردّ علمها إلى أهلها. وحينئذٍ فيرجع إلى بقيّة الروايات الواضحة الدلالة على المفطريّة والمعتبرة السند كما عرفت.

فالصحيح ما عليه المشهور من القدماء من بطلان الصوم بتعمّد الكذب على اللّه ورسوله والأئمّة (عليهم السلام) ، بل ادّعى السيد أنّ الإجماع عليه كما مرّ.

سواء كان متعلّقاً بأُمور الدين أو الدنيا (1) ، وسواء كان بنحو الإخبار أو


(1) أخذاً بإطلاق النصوص ، وما عن كاشف الغطاء من التخصيص بالأوّل استناداً إلى الانصراف (1)غير ظاهر ، وعهدته على مدّعيه ، إذ لم تثبت هذه الدعوى على نحوٍ توجب رفع اليد عن ظهور الأدلّة في الإطلاق بعد صدق عنوان الكذب حتّى على ما يرجع إلى أمر دنيوي ، كالإخبار عن نوم أمير المؤمنين (عليه السلام) في ساعة معيّنة كاذباً مثلاً.

نعم ، بعض الروايات الواردة في غير باب الصوم تضمّنت أنّه : «من كذب علينا فقد كذب على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) ، ومن كذب على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) فقد كذب على اللّه» (2)، وهي كما ترى ظاهرة في الكذب المتعلّق بأمر ديني ، باعتبار أنّ الرسول يخبر عن اللّه والأئمّة عن الرسول ، فإذا نسب إلى الإمام فبالدلالة الالتزاميّة نسبه إلى الرسول وأيضاً إلى اللّه تعالى ، ولأجله يختصّ بأمر الدين الصالح للانتساب إلى الجميع. ومن ثَمّ ورد في بعض الأخبار أنّه إذا سمعتم شيئاً منّا فلا بأس بأن تنسبوه إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) وبالعكس (3)، وهذا ليس إلّا لأجل أنّهم بمنزلة متكلّم واحد ويفرغون عن لسان واحد ، فما يقوله الإمام السابق يقوله اللاحق بعينه وبالعكس.

وعلى الجملة : فهذه الروايات وإن ظهر منها اختصاص الكذب بالأحكام ولا تشمل الأُمور الدنيويّة إلّا أنّ ذلك لأجل القرينة ، لوضوح أنّ من كذب على علي (عليه السلام) في أمر تكويني لا يكون كاذباً على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله).


1) كشف الغطاء : 321 322.

2) الوسائل 12 : 248 / أبواب أحكام العشرة ب 139 ح 4.

3) لاحظ الوسائل 27 : 104 / أبواب صفات القاضي ب 8 ح 85.

بنحو الفتوى (1) ، بالعربي أو بغيره من اللغات (2) ، من غير فرق بين أن يكون بالقول أو الكتابة أو الإشارة أو الكناية أو غيرها ممّا يصدق عليه


وأمّا روايات المقام المتعرّضة للمفطريّة فهي عارية عن مثل هذه القرينة ، وقد عرفت منع الانصراف ، فلا مناص من الأخذ بالإطلاق بعد صدق الكذب عليهم في كلا الموردين أي المتعلّقة بالدين والدنيا بمناطٍ واحد حسبما عرفت.

(1) لعدم الفرق بينهما في صدق عنوان الكذب على اللّه ورسوله بعد أن كانت الفتوى معدودة من طرق إثبات الحكم في الشريعة ، فلا فرق بين قوله : قال اللّه كذا ، أو : أنّ هذا حلال ، في أنّ كليهما إخبار عن اللّه تعالى ، غايته أنّ أحدهما صريح والآخر غير صريح.

هذا فيما إذا أخبر عن الواقع وأفتى بما في الشرع.

وأمّا إذا أخبر عن رأيه وفهمه وأسنده إلى اجتهاده ، فهذا ليس من الكذب على اللّه في شي‌ء وإنّما هو كذب على نفسه لو لم يكن مطابقاً لرأيه.

وهكذا لو نقل الفتوى عن الغير أو الرواية عن الراوي كذباً ، كأن يقول : قال زرارة : إنّه قال الصادق (عليه السلام) ، فإنّه كذبٌ على ذلك الغير أو على الراوي لا على اللّه أو على الإمام (عليه السلام) ، ومن هذا القبيل ما لو نقل عن مؤلّف وليس فيه ، كما لو قال : حكي في البحار عن الصادق (عليه السلام) كذا ، فإنّه كذبٌ على المجلسي لا على الإمام (عليه السلام) ، فلا يترتّب عليه إلّا الإثم دون البطلان.

(2) للإطلاق ، بل لا ينبغي التعرّض له ، إذ لا يتوهّم في مثل المقام اختصاص الحكم بلغة دون لغة فضلاً عن وجود القول به.

الكذب (1) ، مجعولاً له أو جعله غيره وهو أخبر به مسنداً إليه لا على وجه نقل القول (2) ، وأمّا لو كان على وجه الحكاية ونقل القول فلا يكون مبطلاً.

[2402] مسألة 19 : الأقوى إلحاق باقي الأنبياء والأوصياء بنبيّنا (صلّى اللّه عليه وآله) (1)فيكون الكذب عليهم أيضاً موجباً للبطلان ،


(1) للإطلاق أيضاً ، فإنّ المناط في المفطريّة عنوان الكذب على اللّه أو الرسول أو الأئمّة (عليهم السلام) الصادق على الجميع بنسق واحد ، فلو سُئِلَ عن شي‌ء فأجاب : أنّه حلال أو حرام ، مشيراً برأسه ناسباً إلى الرسول (صلّى اللّه عليه وآله) ، كان كاذباً ، وكذا لو أجاب بالكتابة أو الكناية ، لعدم الدليل على التقييد بالقول الصريح.

وبعبارة اخرى : المعتبر في الجملة الخبريّة قصد الحكاية مع مُبرِزٍ ما ، فلو قصد الحكاية عن ثبوت شي‌ء لشي‌ء ناسباً ذلك إلى الأئمّة (عليهم السلام) وقد أبرزه في الخارج بكتابة أو كناية أو صراحة أو بإحدى الدلالات الثلاث على نحوٍ يكون الكلام دالّاً عليه فجميعه داخل في الكذب وموجب للإفطار بطبيعة الحال.

(2) فإنّ الاعتبار بالقول الصادر منه كذباً ، سواء أكان جاعلاً له بنفسه أم جعله غيره ، كما لو قال : قال أمير المؤمنين (عليه السلام) كذا كما ذكره الطبري مثلاً. نعم ، لو نسبه إلى الجاعل فقال : فلان يقول : إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) فعل كذا ، فهذا نقلٌ للكذب وليس منه.


1) (*) إذا لم يرجع الكذب عليهم (عليهم السلام) إلى الكذب على اللّه تعالى ففي القوّة إشكال ، نعم الإلحاق أحوط.

بل الأحوط إلحاق فاطمة الزهراء (سلام اللّه عليها) بهم أيضاً (1).


(1) إن كان الكذب على الأنبياء (عليهم السلام) بما أنّهم رسل من اللّه تعالى ليكون معنى قوله : إنّ عيسى (عليه السلام) حرّم كذا : أنّ اللّه تعالى حرّمه وأنّ هذا الحكم ثابت في الشريعة العيسويّة ، فلا ريب في أنّه موجب للبطلان ، لرجوعه إلى الكذب على اللّه تعالى ، إذ الإخبار عنهم بهذا الاعتبار إخبارٌ عنه تعالى ، ولو بنحو الدلالة الالتزاميّة ، وقد تقدّم عدم الفرق في صدق الكذب بين أنحاء الدلالات كما لا فرق بين زمنٍ دون زمن ولو كان متعلّقاً بما قبل الخلقة وكان في الحقيقة عائداً إلى الكذب على اللّه تعالى ، فإنّه أيضاً محرّم ومفطر.

وأمّا إذا كان الكذب راجعاً إلى نفس النبيّ أو الوصي بلا ارتباط له إليه تعالى كما لو أخبر عن عيسى (عليه السلام) أنّه ينام نصف ساعة مثلاً ، أو أنّ موسى (عليه السلام) أكل الشي‌ء الفلاني وما شاكل ذلك فلا دليل على بطلان الصوم به.

والوجه فيه : أنّ كلمة الرسول المذكورة في الأخبار بقرينة الاقتران بالأئمّة (عليهم السلام) يراد منها خصوص نبيّنا محمّد (صلّى اللّه عليه وآله) لا طبيعيّ الرسول ، فليس فيها إطلاق يشمل كلّ رسول ليكون الكذب عليه مفطّراً.

ومنه يظهر الحال في الكذب على الصديقة الزهراء سيّدة النساء (سلام اللّه عليها) ، فإنّه إن رجع إلى الكذب على اللّه أو الرسول أو الأئمّة (عليهم السلام) كان مفطراً ، وإلّا فلا دليل عليه ، فإطلاق الحكم في كلا الموردين مبني على الاحتياط.

[2403] مسألة 20 : إذا تكلّم بالخبر غير موجّه خطابه إلى أحد أو موجّهاً إلى من لا يفهم معناه فالظاهر عدم البطلان (1)(1) وإن كان الأحوط القضاء.

[2404] مسألة 21 : إذا سأله سائل : هل قال النبيّ (صلّى اللّه عليه وآله) كذا؟ فأشار «نعم» في مقام «لا» أو «لا» في مقام «نعم» بطل صومه (2).


(1) هذا لا يخلو من الإشكال ، فإنّ الجملة الخطابيّة إمّا خبريّة أو إنشائيّة ، والخبريّة إمّا صادقة أو كاذبة وشي‌ء منها لا يتوقّف على وجود من يسمع الكلام ، فلو تكلّم بجملة خبريّة عربيّة والمخاطَب جاهل باللغة لم يكن ذلك مضرّاً بصدق الأخبار أو كذبه ، نعم ، لا يصدق أنّه أخبره بذلك ولكن يصدق أنّه أتى بجملة خبريّة ، فإنّ المدار فيها بقصد الحكاية عن ثبوت شي‌ء لشي‌ء ، وصدقها وكذبها يدور مدار مطابقة المخبَر به مع الواقع وعدمها ، وهذا كما ترى لا يتوقف على وجود سامع ومخاطب.

وبما أنّ الموجود في الأخبار عنوان الكذب لا عنوان الإخبار يصدق ذلك بمجرّد عدم المطابقة وإن لم يكن عنده أحد ، فإن سمعه أحدٌ أيضاً يقال : أخبره ، وإلّا فهو كذب فقط ، ولذا لو كتب أخباراً كاذبة ولم يكن هناك من يقرؤها ، بل ولن يتّفق أن يقرأها أحد ، يصدق أنّه كذب على اللّه أو رسوله أو الأئمّة (عليهم السلام) ، فيكشف ذلك عن صدق عنوان الكذب ولو لم يكن عنده أحد ، بل تكلّم لنفسه بالأكاذيب.

(2) لما تقدّم (2)من أنّ المناط في صدق الكذب قصد الحكاية مع عدم المطابقة بأي مبرِز كان ، فيعمّ الإشارة وغيرها.


1) (*) فيه إشكال والاحتياط لا يترك.

2) في ص 141.

[2405] مسألة 22 : إذا أخبر صادقاً عن اللّه أو عن النبيّ (صلّى اللّه عليه وآله) مثلاً ثمّ قال : كذبت ، بطل صومه ، وكذا إذا أخبر بالليل كاذباً ثمّ قال في النهار : ما أخبرت به البارحة صدق (1).

[2406] مسألة 23 : إذا أخبر كاذباً ثمّ رجع عنه بلا فصل لم يرتفع عنه الأثر فيكون صومه باطلاً ، بل وكذا إذا تاب بعد ذلك فإنّه لا تنفعه توبته في رفع البطلان (2).


(1) لكونه من الكذب غير الصريح في كلا الموردين الذي لا فرق بينه وبين الصريح في شمول الإطلاق ، ولا موجب لدعوى الانصراف إلى الثاني كما لا يخفى.

ومن المعلوم أنّ محلّ الكلام ما إذا كان المقصود نفي الواقع المطابق للخبر ، لا نفي الخبر المطابق للواقع ، وإلّا كان من الكذب على نفسه لا عليه تعالى كما هو ظاهر.

(2) فإنّ الرجوع وإن لم يكن عن فصل وكذا التوبة لا يغيّر الواقع ولا ينقلب الشي‌ء عمّا هو عليه ، فقد صدر الكذب بمجرّد الفراغ من الكلام وتحقّق المبطل ، فيترتّب عليه الأثر بطبيعة الحال ، وغاية ما تنفعه التوبة رفع الإثم دون البطلان.

نعم ، إنّ للمتكلّم أن يلحق بكلامه ما شاء ، فلو كان الرجوع قبل انعقاد الظهور واستقراره للكلام وفراغه منه فذيّل كلامه بما يخرجه عن الظهور في الكذب على اللّه ، كما لو رجع وندم فأردف الكلام المقصود به الكذب بقوله : هكذا قاله فلان ، خرج ذلك عن الكذب على اللّه ودخل في الكذب على ذلك الشخص المنقول عنه ، فلا يكون مبطلاً من هذه الناحية ولا تترتّب عليه

[2407] مسألة 24 : لا فرق في البطلان بين أن يكون الخبر المكذوب مكتوباً في كتاب من كتب الأخبار أو لا ، فمع العلم بكذبه لا يجوز الإخبار به وإن أسنده إلى ذلك الكتاب (1) ، إلّا أن يكون ذكره له على وجه الحكاية دون الإخبار ، بل لا يجوز الإخبار به على سبيل الجزم مع الظنّ بكذبه ، بل وكذا مع احتمال كذبه ، إلّا على سبيل النقل والحكاية (2) ، فالأحوط لناقل الأخبار في شهر رمضان مع عدم العلم بصدق الخبر أن يسنده إلى الكتاب أو إلى قول الراوي على سبيل الحكاية.


الكفّارة ، لعدم وجود المفطر خارجاً وإن كان الظاهر هو البطلان حينئذٍ أيضاً من أجل نيّة المفطر وقصده ، التي قد عرفت أنّها بنفسها تستوجب البطلان لفرض تعلّق القصد به أولا ، ولا أثر للرجوع في إزالته كما هو الظاهر.

(1) إذ المناط في صدق الكذب قصد الحكاية عن الواقع مع عدم المطابقة له ، فمتى تحقّق ذلك فقد كذب وأبطل صومه ، سواء أكان ذلك مكتوباً في كتاب من كتب الأخبار أم لا ، أسنده إلى ذلك الكتاب أم أخبر به ابتداءً ومن غير إسناد ، إذ لا دخالة لشي‌ء من ذلك في تحقّق ما هو المناط في الكذب حسبما عرفت.

نعم ، لو كان الإخبار على نحو الحكاية عن ذلك الكتاب لا الحكاية عن الواقع لم يكن كذباً ، لصدقه في هذه الحكاية.

(2) يقع الكلام في الإخبار الجزمي تارةً : مع العلم بكذب الخبر ، وأُخرى : مع الظن به ، وثالثةً : مع الشكّ.

أمّا مع العلم به والقطع بمخالفته للواقع : فإن فسّرنا الكذب بأنّه الإخبار على خلاف الاعتقاد كما قيل به واستشهد له بقوله تعالى : ( وَاللّهُ يَشْهَدُ إِنَّ

.................................................................................................


الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ ) (1)حيث حكم تعالى عليهم بالكذب بمجرّد المخالفة لاعتقادهم وإن كان ما أخبروا به من رسالة النبيّ (صلّى اللّه عليه وآله) مطابقاً للواقع فقد تحقّق البطلان في المقام بمجرّد الإخبار وإن انكشف بعد ذلك أنّه كان مطابقاً للواقع ، لتحقّق موضوعه بتمامه ، وهو التعمّد إلى الإخبار بما يعتقد خلافه ، الذي هو المناط في الكذب حسب الفرض.

وإن فسّرناه كما هو الظاهر بأنّه الإخبار على خلاف الواقع وأنّ الاعتقاد طريقٌ إليه والآية المباركة لا تنافيه لما قيل في محلّه من أنّ تكذيبهم راجع إلى قولهم : نشهد أنّك ... إلخ فحينئذٍ إن كان مخالفاً للواقع فقد تعمّد الكذب وبطل صومه ، وأمّا إذا انكشف أنّه مطابقٌ للواقع فهو وإن لم يرتكب المفطر لانتفاء الكذب فلا كفّارة عليه ، وإلّا أنّه مع ذلك يبطل صومه من أجل نيّة المفطر ، فالصوم باطل على كلّ حال ، طابق الواقع أم خالف ، وإنّما الفرق من حيث ترتّب الكفّارة وعدمه.

وأمّا مع الظن فحيث إنّه لا دليل على حجّيّته فيلحق بالشكّ ، وحكمه عدم جواز الإخبار بدون العلم بالواقع على صورة الجزم ، سواء أكان ظانّاً به أم بعدمه أم شاكّاً ، وهذا ممّا لا كلام فيه حسبما دلّت عليه الآيات ، التي منها قوله تعالى ( أَتَقُولُونَ عَلَى اللّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ) (2).

وإنّما الكلام في إبطاله للصوم ، فربّما يقال بعدم البطلان ، نظراً إلى الشكّ في مخالفته للواقع ، الموجب للشكّ في حصول الإفطار به ، فيرجع إلى أصالة البراءة ، بل لا حاجة إلى التمسّك بالأصل ، للعلم بعدم المفطريّة واقعاً ، لأنّه إن كان مطابقاً للواقع فلا كذب أصلاً ، وإن كان مخالفاً فلا تعمّد إليه ، فإنّ المفطر خصوص


1) المنافقون 63 : 1.

2) يونس 10 : 68.

.................................................................................................


التعمّد إليه كما سيجي‌ء إن شاء اللّه تعالى (1)، المنتفي في المقام بعد فرض الشكّ في المطابقة.

أقول : بل الظاهر هو البطلان ، لصدق العمد بعد تنجّز الاحتمال ، لأجل كونه من أطراف العلم الإجمالي ، الذي لا مجال معه للرجوع إلى أصالة البراءة ، حيث إنّه يعلم إجمالاً بكذب أحد الأمرين إمّا ذاك الخبر المفروض أو نقيضه ، وإنّ أحد الإسنادين إلى الإمام (عليه السلام) مخالفٌ للواقع جزماً ، فمثلاً : لو فرض أنّ الخبر المشكوك مطابقته للواقع هو أنّ الصادق (عليه السلام) قال : إنّ الشي‌ء الفلاني حرام ، فيعلم إجمالاً بعدم مطابقة أحد الخبرين للواقع أمّا هذا الخبر ، أو خلافه وهو أنّه قال الصادق (عليه السلام) : الشي‌ء الفلاني بعينه حلال وأنّ أحدهما كذب قطعاً ، فبالعلم الإجمالي يتنجّز الواقع لا محالة ، ولا مجال معه للرجوع إلى أصالة البراءة.

ونتيجة ذلك : أنّه يكون قد تعمّد الكذب اختياراً على تقدير كون الخبر مخالفاً للواقع ، نظير ما لو علم إجمالاً أنّ أحد الإناءين خمر ، فشرب أحدهما وصادف الواقع ، فإنّ الإقدام مع الاحتمال غير المقرون بالمؤمّن الموجب لتنجّز الواقع كافٍ في صدق العمد إلى شرب الخمر. ففي أيّ موردٍ أقدم مع تنجّز الواقع فقد تعمّد ، سواء أكان في موارد العلم الإجمالي أو الشبهات قبل الفحص.

ففي المقام إذا انكشف مخالفة الخبر للواقع واتّصافه بالكذب فقد تعمّد الكذب حينئذٍ وبطل صومه ، بل هو باطل وإن لم ينكشف ، لأنه مع هذا العلم الإجمالي قاصدٌ للكذب على تقدير مخالفة الواقع كما عرفت ، فيوجب ذلك إخلالاً بنيّة الصوم ، لأنّ اللازم على الصائم نيّة الإمساك عن جميع المفطرات في جميع الآنات وعلى جميع التقادير ، والمفروض أنّه غير ناوٍ للإمساك عن الكذب على تقدير


1) في ص 265.

[2408] مسألة 25 : الكذب على الفقهاء والمجتهدين والرواة وإن كان حراماً لا يوجب بطلان الصوم (1) ، إلّا إذا رجع إلى الكذب على اللّه ورسوله (صلّى اللّه عليه وآله).

[2409] مسألة 26 : إذا اضطرّ إلى الكذب على اللّه ورسوله (صلّى اللّه عليه وآله) في مقام التقيّة من ظالمٍ لا يبطل صومه به (2) ،


كون الخبر المزبور مخالفاً للواقع ، فلم تقع النيّة على وجهها.

فتحصّل : أنّ الإخبار الجزمي مع احتمال المخالفة أيضاً موجبٌ للبطلان ، سواء انكشف الواقع أم لا ، لعدم تعلّق قصده بالصوم الصحيح.

ومنه يظهر الجواب عمّا أفيد من أنّه غير عامد للكذب ، فلاحظ.

(1) لفقد الدليل بالنسبة إليهم ، ومقتضى الأصل البراءة كما هو واضح.

(2) من الواضح عدم الملازمة بين المفطريّة وبين الحرمة ، لجواز حصول الإفطار بالتناول الحلال ، كما في صورة الاضطرار إلى الأكل أو الشرب أو الارتماس في الماء لإنقاذ نفسٍ محترمة ، بل قد يجب كما في الفرض الأخير ، فمجرّد الحلّيّة ولو لأجل التقيّة كما في المقام لا تنافي البطلان بعد إطلاق الدليل ، إلّا أن تقوم قرينة على الخلاف كما في خصوص المقام ، حيث إنّ مناسبة الحكم والموضوع تقتضي أن يكون الوجه في مفطريّة الكذب تشديد الأمر على الصائم ليكون على حذر منه ، وهذا كما ترى ينصرف إلى الكذب الحرام ، فلا يعمّ المحلّل لأجل الاضطرار أو التقيّة بوجه.

ويؤيّده ما في موثّقة أبي بصير المتقدّمة (1)من قوله «هلكنا» إلخ ، فإنّه منصرف


1) في ص 132.

كما أنّه لا يبطل مع السهو أو الجهل المركّب (1).


إلى الكذب المتداول المتعارف الموجب للهلكة كما لا يخفى.

فلأجل ذلك يمكن أن يدّعى الانصراف الموجب لصرف الظهور ، ولا أقلّ من أن لا يكون للكلام ظهورٌ في الإطلاق ، فينتهي الأمر إلى الشكّ ، والمرجع حينئذٍ أصالة البراءة.

فإنّ قلت : مقتضى ما ذكرت عدم مفطريّة الكذب بالإضافة إلى الصبي ، لصدوره عنه حلالاً بمقتضى ما دلّ على رفع قلم التكليف عنه ، وأنّ عمده وخطأه واحد.

قلت : كلّا ، فإنّ المرفوع عنه إنّما هو قلم المؤاخذة والإلزام لا كلّ شي‌ء ليشمل الأجزاء والشرائط والموانع ، فلا بدّ في صومه من الإتيان به على حدّ ما يأتي به البالغون كما هو مقتضى قوله (عليه السلام) : «مروا صبيانكم بالصلاة والصيام» (1)، ومن هنا لو تكلم في صلاته بطلت وإن لم يرتكب محرّماً ، فيعتبر في صومه أيضاً الاجتناب عن الكذب على اللّه ورسوله كالبالغ.

وبالجملة : ففرقٌ واضح بين مثل هذا الكذب غير الحرام وبين موارد انصراف الدليل الذي قلنا : إنّه منصرف عن الكذب المباح ، أولا أقلّ من عدم الظهور في الإطلاق ، بحيث يكون كالمحفوف بما يحتمل للقرينية كما لا يخفى ، فلاحظ.

(1) لاعتبار العمد في حصول الإفطار به كما في سائر المفطرات على ما سيأتي إن شاء اللّه تعالى (2).


1) انظر الوسائل 4 : 19 / أبواب أعداد الفرائض ب 3 ح 5 وج 10 : 234 / أبواب من يصح منه الصوم ب 29 ح 3.

2) في ص 265.

[2410] مسألة 27 : إذا قصد الكذب فبان صدقاً دخل في عنوان قصد المفطر (1) بشرط العلم بكونه مفطراً.

[2411] مسألة 28 : إذا قصد الصدق فبان كذباً لم يضرّ كما أُشير إليه (2).

[2412] مسألة 29 : إذا أخبر بالكذب هزلاً بأن لم يقصد المعنى أصلاً لم يبطل صومه (3).

السادس : إيصال الغبار الغليظ (1)إلى حلقة (4) ، بل وغير الغليظ على


(1) فيبطل صومه من أجل نيّة المفطر ، لكن بشرط العلم بكونه مفطراً كما ذكره في المتن ، لاعتبار تعلّق القصد بالمفطر بوصفه العنواني ليتنافى مع قصد الصوم ، ولا يكفي مجرّد القصد إلى ذات المفطر كما سيجي‌ء توضيحه في محلّه إن شاء اللّه تعالى (2).

(2) أي في ذيل المسألة السادسة والعشرين من اعتبار العمد وعدم البطلان بالسهو أو الجهل المركّب ، فلاحظ.

(3) لتقوّم الخبر بقصد الحكاية عن الواقع المفقود في المقام ، فلا موضوع للكذب بتاتاً كما هو ظاهر.

(4) اختلفت الأنظار في مفطريّة الغبار :

فعن جماعة منهم : صاحب الوسائل (3)أنّه موجب للإفطار ويترتّب


1) (*) على الأحوط وكذا في البخار والدخان.

2) في ص 265.

3) لاحظ الوسائل 10 : 70 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 22.

الأحوط ، سواء كان من الحلال كغبار الدقيق أو الحرام كغبار التراب ونحوه وسواء كان بإثارته بنفسه بكنسٍ أو نحوه ، أو بإثارة غيره ، بل أو بإثارة الهواء (1)مع التمكين منه وعدم تحفّظه.


عليه القضاء والكفّارة إذا كان عن عمد.

ونُسِبَ إلى المشهور القضاء دون الكفّارة.

والقائل بالمفطريّة بين من يقول بها مطلقاً أي غليظاً كان أم خفيفاً كما في الشرائع (2)، وبين من يقيّده بخصوص الغليظ.

وذهب جماعة كالصدوق والسيّد والشيخ (3)وغيرهم إلى عدم المفطريّة مطلقاً.

وليس في المقام إجماع تعبدّي كاشف عن رأي الإمام (عليه السلام) وإن ادُّعي ذلك ، وإنّما هناك شهرة الفتوى بالمفطريّة حسبما عرفت.

ومحلّ البحث بين الأعلام ما إذا لم يبلغ الغبار من الغلظة حدّا يصدق عليه أكل التراب أو الطحين إذا كان غبار الدقيق مثلاً وإلّا فهو مشمول لإطلاقات أدلّة الأكل كما هو ظاهر لا ريب فيه.

ولا يخفى أنّه لو لم يكن في البين نصّ خاصّ على المفطريّة أو عدمها لكان مقتضى الصحيحة المتقدّمة الحاصرة للمفطريّة في الأمور الأربعة عدم الإفطار ،


1) (*) الظاهر عدم البأس به.

2) الشرائع 1 : 217.

3) المقنع : 90 ، جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى 3) : 54 ، ولاحظ المبسوط 1 : 271.

.................................................................................................


إذ ليس الغبار بأكل ولا شرب ، فلا بدّ من النظر فيما ورد من النصّ في المقام ، لنخرج على تقدير صحّة الاستدلال به عن مقتضى تلك الصحيحة.

روى الشيخ (قدس سره) بإسناده عن الصفّار ، عن محمد بن عيسى ، عن سليمان بن جعفر (حفص) المروزي ، قال : سمعته يقول : «إذا تمضمض الصائم في شهر رمضان أو أستنشق متعمّداً أو شمّ رائحة غليظة أو كنس بيتاً فدخل في أنفه وحلقه غبار فعليه صوم شهرين متتابعين ، فأنّ ذلك مفطر مثل الأكل والشرب والنكاح» (1).

وهذه الرواية معتبرة سنداً ، إذ الراوي إنّما هو سليمان بن حفص لا سليمان بن جعفر ، فإنّه لا وجود له بتاتاً ، على أنّ الراوي عنه هو محمّد بن عيسى بن عبيد ، وهو يروي كثيراً عن ابن حفص ، ولا يبعد أنّ الاشتباه نشأ من مشابهة كلمة «حفص» مع «جعفر» في كيفية الكتابة ، وكيفما كان ، فسليمان بن حفص موثّق والرواية معتبرة ، كما أنّها واضحة الدلالة ، لتضمّنها أنّ الغبار بمثابة الأكل والشرب في مفطريّته للصائم ، بل ترتّب الكفّارة عليه.

غير أنّه نوقش في الاستدلال بها من وجوه :

أحدها : ما عن صاحب المدارك من المناقشة في سندها تارةً بالإضمار وأُخرى باشتماله على عدّة من المجاهيل ، ولأجله حكم عليها بالضعف (2).

أقول : أمّا الإضمار فغير قادح بعد أن أثبتها مثل الشيخ في كتب الحديث ، ولا سيّما وأنّه ينقلها عن كتاب الصفّار ، لتصريحه في آخر التهذيب بأنّ كلّما يرويه


1) الوسائل 10 : 69 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 22 ح 1 ، التهذيب 4 : 214 / 621 ، الاستبصار 2 : 94 / 305.

2) مدارك الأحكام 6 : 51 52.

.................................................................................................


فيه من رواية فهي منقولة عن كتاب من بدأ سندها به (1)، وهل يحتمل أنّ مثل محمّد بن الحسن الصفّار يورد في كتابه الموضوع للأحاديث الشريفة حديثاً عن غير المعصوم (عليه السلام) مضمِراً إيّاه؟!

وعلى الجملة : إنّ سليمان وإن لم يكن بدرجة زرارة في الجلالة إلّا أنّ الراوي للرواية هو الصفّار في كتابه ، الذي هو مشهور وعليه العمل والاعتماد كما نصّ عليه الصدوق (2)، ولا يحتمل أنّ الصفّار يروي عن غير المعصوم (عليه السلام) كما لا يخفى.

وأمّا الاشتمال على المجاهيل فقد أُجيب بأنّ الضعف من هذه الناحية مجبورٌ بعمل الأصحاب ، حيث إنّهم أفتوا على طبقها.

وأنت خبير بما فيه ، إذ ليس المشهور بين الفقهاء الحكم على طبقها من لزوم القضاء والكفّارة ، بل صرّح في الحدائق بأنّ الفقهاء أفتوا بالقضاء فقط دون الكفارة ، وبعضهم أفتى بعدم المفطريّة رأساً (3).

نعم ، ذكر الشيخ في كتبه وكذا صاحب الوسائل أنّ الغبار مفطرٌ (4)، ولكنّه ليس بمشهور كما عرفت.

وبالجملة : فدعوى الانجبار ممنوعة صغرىً ، مضافاً إلى المنع الكبروي كما هو المعلوم من مسلكنا.

فالأحسن في الجواب أن يُنكَر على صاحب المدارك وجود المجاهيل في


1) التهذيب (شرح المشيخة) 10 : 4.

2) لاحظ الفقيه 1 : 3 و (شرح المشيخة) 4 : 20.

3) الحدائق 13 : 72.

4) لاحظ التهذيب 4 : 214 ، الإستبصار 2 : 95 ، الوسائل 10 : 70 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 22.

.................................................................................................


السند ، فإنّ طريق الشيخ إلى الصفّار صحيح ، وهو يرويها عن محمّد بن عيسى ابن عبيد ، وهو وإن كان محلّاً للخلاف ليس بمجهول ، بل من المعاريف وثقة على الأظهر وإن استثناه ابن الوليد والصدوق ، إلّا أنّ ابن نوح وغيره أشكل عليه قائلاً : إنّه من يكون مثل محمّد بن عيسى (1)؟! كما مرّ مراراً.

وكيفما كان ، فلا شكّ في أنّه من المعاريف وليس مجهولاً جزماً ، إنّما المجهول هو سليمان بن حفص ، حيث لم يوثّق في كتب الرجال ، فكان على صاحب المدارك أن يناقش من ناحيته فقط ، ولكنّه مع ذلك ثقة على الأظهر ، لوقوعه في أسناد كامل الزيارات ، فالمناقشة في السند ساقطة من أصلها.

هذا وقد ادّعى في الرياض أنّ الرواية مقطوعة (2).

فإن أراد بالقطع الإضمار ولو على خلاف الاصطلاح فلا مشاحّة فيه ، وإن أراد المصطلح من المقطوعة فلا قطع في السند بوجه كما لا يخفى.

ثانيها : المناقشة في الدلالة نظراً إلى أنّها اشتملت على أُمور لم يلتزم بها الفقهاء ، من مفطريّة المضمضة والاستنشاق متعمداً وشمّ الرائحة الغليظة ، فتسقط الرواية بذلك عن درجة الاعتبار ، وغاية ما يمكن أن يوجّه به ذلك تقييدُ المضمضة والاستنشاق بقرينة سائر الأخبار وبمناسبة الحكم والموضوع بما إذا أدّى إلى وصول الماء إلى الحلق ، إلّا أنّ شم الرائحة الغليظة غير قابل لمثل هذا الحمل ، ولا يمكن الالتزام في مثله بالبطلان بوجه ، فلا بدّ من حمل الرواية على التنزّه والاستحباب.

والجواب : إنّ اشتمال الرواية على بعض ما ثبتت فيه إرادة الاستحباب لقرينة قطعيّة خارجيّة لا يستوجب رفع اليد عن ظهور غيره في الوجوب ، فالأمر


1) لاحظ رجال النجاشي : 348 / 939 ، في ترجمة محمّد بن أحمد بن يحيى.

2) الرياض 5 : 315 316.

.................................................................................................


بالكفّارة في هذه الرواية محمولٌ على الاستحباب فيما عدا الغبار من المضمضة ونحوها ، للعلم الخارجي بعدم البطلان كما ذكر ، أمّا فيه فيحمل على ظاهره من الوجوب الكاشف عن البطلان ، ولا مانع من التفكيك في رواية واحدة بعد قيام القرينة.

ثالثها : إنّ هذه الموثّقة معارضة بموثّقة اخرى دلّت على عدم المفطريّة ، فتسقط بالمعارضة ، ويرجع عندئذٍ إلى ما دلّ على حصر المفطر في الخصال الأربع التي ليس منها الغبار ، أو أنّها تُحمل على الاستحباب.

وهي موثّقة عمرو بن سعيد عن الرضا (عليه السلام) ، قال : سألته عن الصائم يتدخّن بعود أو بغير ذلك فتدخل الدخنة في حلقه «فقال : جائز لا بأس به» قال : وسألته عن الصائم يدخل الغبار في حلقه «قال : لا بأس» (1).

والجواب : أنّه لا تعارض بين الروايتين إلّا بنحو الإطلاق والتقييد الممكن فيه الجمع بحمل أحدهما على الآخر ، فإنّ موثّقة سليمان ظاهرة في صورة التعمّد في إيصال الغبار إلى الحلق بقرينة التقييد بالعمد في الصدر أي في المضمضة والاستنشاق الكاشف عن أنّ الكلام ناظر إلى فرض التعمّد إلى هذه الأُمور ، واحتمال التفكيك بينهما وبين الشمّ والغبار المنافي لوحدة السياق مستبعد ، بل مستبشع جدّاً كما لا يخفى. وبقرينة فرض الكلام في الكنس الذي هو وسيلة اختياريّة لتعمّد إدخال الغبار في الحلق باعتبار كونه معرضاً لإثارته. وبقرينة إيجاب الكفّارة التي لا تكاد تجتمع مع عدم العمد كما لا يخفى.

فبهذه القرائن يستظهر اختصاص الموثقة بصورة العمد.

وأمّا موثقة عمرو بن سعيد فهي مطلقة من حيث العمد وغيره ، ولو كان ذلك من أجل هبوب الرياح المثيرة للعجاج كما في فصل الربيع. وظهور صدرها


1) الوسائل 10 : 70 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 22 ح 2.

.................................................................................................


في العمد لمكان قوله : يتدخّن ... إلخ ، الظاهر في الاختيار لا يستدعي كون الذيل كذلك ، للفصل بينهما بقوله : قال : وسألته ... إلخ. فلا قرينيّة في البين ، كما كان كذلك في الموثقة المتقدّمة.

إذن فيمكن الجمع بينهما بحمل المطلق على المقيّد ، فتقيّد هذه الموثّقة بتلك الموثّقة وتُحمل على صورة عدم التعمّد.

وأمّا ما تصدى له صاحب الوسائل من الجمع بين الروايتين بحمل الاولى على الغبار الغليظ والثانية على الخفيف (1).

فهو جمع تبرّعي عري عن الشاهد ، إذ كلمة الغبار الواردة فيهما معاً لها ظهور واحد ، إمّا في الغليظ أو الخفيف أو الأعم منهما ، فالتفرقة بينهما تحكّم بحت.

وما قيل من أنّ الغلظة مستفادة من فرض الكنس المشتمل على الغبار الغليظ غالباً.

غير واضح ، لاختلاف موارد كنس البيوت ، وجداناً فربّ بيت يكنس في كلّ يوم أو يومين فيخفّ غباره ، وربّما يبقى بدون تنظيف أيّاماً عديدة كشهر مثلاً فيغلظ ، فليس لهذا ضابط ولا شهادة له على المطلوب بوجه.

والصحيح هو ما عرفت في وجه الجمع من حمل المانعة على العمد والمجوّزة على غيره ، من غير فرق بين الغلظة وغيرها.

ومنه تعرف أنّه على القول بالبطلان كما هو الصحيح عملاً بالموثّقة السليمة عن التعارض حسبما عرفت لا يفرق فيه بين الغليظ والخفيف كما اختاره الماتن عملاً بإطلاق النصّ ، إلّا إذا بلغ من الخفّة والقلّة حدّا لا يصدق معه عرفاً أنّه دخل الغبار في حلقه ، فإنّه لا يضرّ حينئذٍ ، لانصراف النصّ عن مثله ، وأمّا مع فرض الصدق فلا يفرق بين الأمرين كما عرفت.


1) الوسائل 10 : 69 70 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 22 ح 1 ، 2.

.................................................................................................


نعم ، ينبغي أن يقتصر على الغبار الناشئ من الكنس الذي هو مورد الرواية وما هو مثله ممّا فيه إثارة إمّا منه أو من غيره حتّى يصدق أنّه باختياره دخل في الحلق ، إذ لا يحتمل اختصاص البطلان بصورة مباشرة الصائم للكنس كما هو ظاهر.

وأمّا لو كان بإثارة الهواء كما يتّفق كثيراً في فصل الربيع ولا سيّما في هذه البلاد وأمثالها حيث يكثر فيها العجاج خصوصاً في الصحاري والبراري فالموثّقة قاصرة عن إثبات البطلان في مثل ذلك ، بل الظاهر عدم البطلان كما حكي التصريح به عن كاشف الغطاء (1).

كيف؟! ولو كان التحفّظ عن مثل ذلك واجباً بحيث كان بتركه متعمّداً مفطراً لكان على الأصحاب التعرّض هل ، بل كان من الواضحات ، لشدّة الابتلاء به ، خصوصاً لسكنة هذه البلاد التي كان يسكنها الأئمّة (عليه السلام) أيضاً ، ولا سيّما في فصل الربيع الذي قد يصادف شهر رمضان ، مع أنّه لم ترد بذلك ولا رواية ضعيفة ، ولم يتعرّض له أحدٌ من الأصحاب.

وعلى الجملة : فمضافاً إلى أنّ الرواية المتقدّمة في نفسها قاصرة ، نفسُ عدم ورود الرواية بذلك وعدم تعرّض الأصحاب مع كثرة الابتلاء دليلٌ على العدم ، ولذلك ترى أنّ كاشف الغطاء أفتى بعدم البطلان فيما كان الغبار الداخل في الحلق بإثارة الهواء وأنّه لا يجب التحفّظ عن ذلك كما تقدّم.

فما في المتن من تعميم الحكم لذلك حيث قال : بل أو بإثارة الهواء مع التمكّن منه وعدم تحفّظه ... إلخ غير ظاهر.

نعم ، لا فرق في الغبار بين الحلال كالدقيق أو الحرام كالتراب فإنّ


1) كشف الغطاء : 319.

والأقوى إلحاق البخار الغليظ ودخان التنباك ونحوه (1).


المذكور في الرواية وإن كان هو غبار الكنس الظاهر في التراب إلّا أنّ المفهوم عرفاً بمقتضى مناسبة الحكم والموضوع عدم الفرق بين الأمرين كما لا يخفى.

(1) كما حكي ذلك عن جماعة من المتأخرين.

ومستند الإلحاق : أمّا في البخار فهو مشاركته مع الغبار في مناط المفطريّة ، إذ كما أنّ الغبار أجزاء دقيقة منتشرة في الهواء حاملة لشي‌ء من التراب تدخل جوف الإنسان يصدق معها الأكل ، فكذلك البخار أجزاء دقيقة مائيّة منتشرة في الهواء تدخل جوف الإنسان يصدق معها الشرب.

وفيه ما لا يخفى ، ضرورة أنّه أشبه شي‌ء بالقياس ، ومن الواضح أنّ ثبوت الحكم في الغبار لم يكن لأجل صدق عنوان الأكل وإن الحِق به في النصّ ، إلّا أنّه إلحاق تنزيلي حكمي لا حقيقي ، كيف؟! ولا يصدق الأكل على الغبار ، كما لا يصدق الشرب على البخار عرفاً بالوجدان ، وإنّما ثبت الحكم فيه بالتعبّد المحض للنصّ الخاصّ ، ولم يرد مثل هذا التعبّد في البخار كي يلحق بالشرب حكماً ، فلا وجه لقياسه على الغبار بتاتاً.

بل يمكن دعوى استقرار سيرة المسلمين على عدم التجنّب عن البخار ، لدخولهم الحمّامات في شهر رمضان ، وعدم التحفّظ من البخار وإن كان غليظاً ، وهذه السيرة القطعيّة المستمرّة المتّصلة بزمن المعصومين (عليهم السلام) بضميمة عدم ردعهم عنها وهي بمرأى منهم ومسمع ، الكاشف عن إمضائهم (عليهم السلام) - ، كافية في الحكم بالجواز كما لا يخفى.

وأمّا في الدخان : فهو دعوى أنّه يستفاد من النصّ الوارد في الغبار أنّ كلّما يدخل جوف الإنسان من غير الهواء الذي لا بدّ منه ومنه الدخان يكون مفطراً.

ولا بأس بما يدخل في الحلق غفلةً أو نسياناً أو مع ترك التحفّظ بظنّ عدم الوصول ونحو ذلك (1).


ولكنّها كما ترى عريّة عن كلّ شاهد ، إذن لا دليل على البطلان ، بل يمكن إقامة الدليل على العدم ، وهو موثّقة عمرو بن سعيد المتقدّمة (1)حيث قال فيها : ... فتدخل الدخنة في حلقه «فقال : جائز لا بأس به».

اللّهمّ إلّا أن يفرّق بينه وبين ما تقدّمه من البخار باستقرار سيرة المتشرّعة على التحرّز عن الدخان من مثل التنباك والترياك والتتن حال الصوم ، بحيث أصبح البطلان به كالمرتكز في أذهانهم ، بل قد يدّعى بلوغ تناوله من الاستبشاع حدّا يكاد يُلحقه بمخالفة الضروري.

ولكن التعويل على مثل هذه السيرة والارتكاز مشكل جدّاً ، لعدم إحراز الاتّصال بزمن المعصومين (عليهم السلام) وجواز الاستناد إلى فتاوى السابقين لو لم يكن محرز العدم كما لا يخفى.

إذن لم يبق لدينا دليل يعتمد عليه في الحكم بالمنع بعد وضوح عدم صدق الأكل ولا الشرب عليه. وعليه ، فمقتضى القاعدة هو الجواز وإن كان الاحتياط بالاجتناب ممّا لا ينبغي تركه ، رعايةً للسيرة المزبورة حسبما عرفت ، واللّه سبحانه أعلم.

(1) لاعتبار العمد في حصول الإفطار كما سيأتي التعرض له في محلّه إن شاء اللّه تعالى المنفي في هذه الفروض.


1) في ص 165.

السابع : الارتماس في الماء (1).


(1) اختلفت الأنظار في حكم ارتماس الصائم في الماء ، فالمشهور بين الأصحاب هو المفطريّة ، بل ادُّعي عليه الإجماع وإن كانت الدعوى موهونة بعد الخلاف المحقّق بينهم.

وذهب جماعة منهم : الشيخ والعلامة والشهيد الثاني والمحقّق في الشرائع وصاحب المدارك (1)وغيرهم إلى الحرمة التكليفيّة من غير أن يكون مفطراً ، فلا يستوجب ارتكابه القضاء ولا الكفّارة ولا يترتّب عليه عدا الإثم.

وقيل بانتفاء الإثم أيضاً ، بل غايته الكراهة ، كما عن السيّد المرتضى وابن إدريس (2)وغيرهما.

وكيفما كان ، فالمتّبع هو الروايات الخاصّة الواردة في المقام ، فنقول : قد ورد في جملة من النصوص المعتبرة النهي عن الارتماس :

كصحيح حريز عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال : لا يرتمس الصائم ولا المحرم رأسه في الماء» (3).

وصحيح الحلبي عنه (عليه السلام) «قال : الصائم يستنقع في الماء ولا يرمس رأسه» (4)وغيرها.

ومعلوم أنّ النهي هنا ظاهرٌ في الإرشاد إلى الفساد ، الذي هو ظهورٌ ثانوي


1) الاستبصار 2 : 85 ، المختلف 3 : 270 ، المسالك 2 : 16 ، الشرائع 2 : 15 ، المدارك 6 : 48.

2) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى 3) : 54 ، السرائر 1 : 386 387.

3) الوسائل 10 : 38 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 3 ح 8.

4) الوسائل 10 : 37 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 3 ح 7.

.................................................................................................


منعقد في باب المركّبات من العبادات والمعاملات مثل : النهي عن التكلّم في الصلاة وغير ذلك دون الحرمة التكليفيّة.

بل في بعض الأخبار التصريح بمفطريّة الارتماس ، وهي مرفوعة الخصال عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : «قال : خمسة أشياء تفطر الصائم : الأكل ، والشرب ، والجماع ، والارتماس في الماء ، والكذب» إلخ (1).

غير أنّ سندها ضعيف ، للرفع.

بل في بعض الروايات المعتبرة ظهورٌ قريب من الصراحة ، وهي صحيحة محمّد بن مسلم : قال : سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول : «لا يضرّ الصائم ما صنع إذا اجتنب ثلاث خصال : الطعام والشراب ، والنساء ، والارتماس في الماء» (2).

إذ من الواضح أنّ المراد الإضرار بالصوم من حيث هو صوم لا بذات الصائم ، ولا معنى له إلّا الإخلال والإفساد.

وإن شئت قلت : ظاهرُ الصحيحة دخلُ الاجتناب عن تلك الأُمور في طبيعي الصوم وإن كان تطوّعاً ، إذ لا مقتضي للتقييد بالفريضة ، وحيث لا يحتمل حرمة الارتماس في الصوم المندوب تكليفاً بعد فرض جواز إبطاله اختياراً ، فلا مناص من أن يراد بالإضرار : الإبطال ، دون الحرمة التكليفيّة. إذن فلهذه الروايات قوّة ظهور في المفطريّة.

ولكن بإزائها موثّقة إسحاق بن عمّار الظاهرة في عدم الإفطار : قال : قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : رجل صائم ارتمس في الماء متعمّداً ، عليه قضاء ذلك اليوم؟ «قال : ليس عليه قضاؤه ولا يعودن» (3).


1) الوسائل 10 : 37 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 3 ح 6 ، الخصال : 286 / 39.

2) الوسائل 10 : 31 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 1 ح 1.

3) الوسائل 10 : 43 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 6 ح 1.

.................................................................................................


وربّما يناقش في سندها ، نظراً إلى أنّ عمران بن موسى الواقع في الطريق يدور أمره بين أن يكون هو الخشّاب المجهول الحال ، أو الزيتوني الأشعري القمّي المعروف الثقة ، ومع هذا الترديد كيف يحكم بالتوثيق؟!

هذا ، ولم يستبعد الأردبيلي اتّحادهما ، لقرب مرتبتهما (1).

ولكنّ الظاهر أنّ عمران بن موسى الخشّاب لا وجود له أصلاً ، والمسمّى بهذا الاسم شخصٌ واحد وهو الزيتوني الثقة ، فإنّ جامع الرواة وإن ذكر في ترجمة عمران بن موسى الخشّاب ما يقرب من خمسين رواية إلّا أنّه ليس في شي‌ء منها تصريح بالخشّاب ولا الزيتوني ، وكلّها بعنوان عمران بن موسى ، ما عدا رواية واحدة ذكرها الشيخ في التهذيب بعنوان عمران بن موسى الخشّاب (2)، فتخيّل أنّ جميع تلك الروايات عنه ، وهو وهم نشأ من سقط كلمة «عن» في نسخة التهذيب ، والصحيح عمران بن موسى ، عن الخشّاب الذي هو حسن بن موسى الخشّاب ، ويروي عمران بن موسى عنه كثيراً. فالخشّاب شخصٌ آخر يروي عمران عنه ، لا أنّه لقب لعمران نفسه كما توهّم.

والذي يكشف عنه بوضوح أنّ الشيخ يروي هذه الرواية عن ابن قولويه في كامل الزيارات ، وهي مذكورة بعين السند والمتن في الكامل (3)، لكن بإضافة كلمة «عن» ، فالسقط من الشيخ جزماً ، فإنّ جميع نسخ التهذيب على ما قيل خالية عن كلمة «عن» ، فالاشتباه من قلمه الشريف ، والمعصوم من عصمه اللّه تعالى.

وكيفما كان ، فليس لدينا شخص مسمّى بعمران بن موسى الخشّاب لتوجب


1) جامع الرواة 1 : 644.

2) التهذيب 6 : 37.

3) كمال الزيارات : 29 / 10.

.................................................................................................


جهالته وهناً في السند ، وإنّما هو شخص واحد مسمّى بعمران بن موسى الزيتوني الأشعري القمّي المشهور الذي هو ثقة كما عرفت ، فلا مجال للنقاش في السند بوجه.

إذن ، فهذه الموثّقة الظاهرة بل الصريحة في عدم البطلان تعارض النصوص المتقدّمة ، وقد تصدّى غير واحد للجمع بينهما بأحد وجهين :

الأوّل : ما ذهب إليه جماعة ونُسِب إلى بعض الأكابر من حمل الطائفة الأُولى بقرينة نفي القضاء في هذه الرواية والنهي عن العود الظاهر في مجرّد الحرمة على الحرمة التكليفيّة.

ولكنّه كما ترى ، لإباء جملة منها ولا سيّما صحيحة ابن مسلم التي هي كالصريحة في البطلان كما مرّ عن ذلك كما لا يخفى.

الثاني : حمل النهي في تلك الطائفة على الكراهة الوضعيّة ، فإنّ الإضرار بالصوم قد يكون حقيقياً كالأكل والشرب ، وأُخرى مسامحيّاً كأنه يبطل به الصوم كالارتماس ، نظراً إلى أنّه يستوجب مرتبةً من البطلان كمرتبة عدم القبول مثلاً فيحمل الإضرار في الارتماس على الإضرار ببعض مراتبه وإن كان أصل الصوم صحيحاً.

ولكن هذا أضعف من الوجه الأوّل ، إذ الكراهة الوضعيّة لا نتعقّل لها معنىً صحيحاً ، وهل بإمكان العرف أن يجمع بين قوله : صحيح ، وقوله : باطل ، أو بين قوله : يعيد ، وقوله : لا يعيد؟! فإنّ معنى إضرار الارتماس بالصوم أنّ صومه باطل كما لو أكل أو شرب ، ومعنى «ليس عليه قضاؤه» كما في موثّقة إسحاق : أنّ صومه صحيح ، ومعه كيف يمكن الجمع بينهما؟! وعلى الجملة : فكراهة البطلان كاستحباب البطلان لا يرجع إلى محصّل ولا يساعده الفهم العرفي بوجه ، إذن لا محيص عن الإذعان باستقرار المعارضة بين

.................................................................................................


هذه الموثّقة وبين النصوص المتقدّمة.

وحينئذٍ ، فإن قلنا بأنّ الطائفة المانعة روايات مستفيضة مشهورة بحيث يُعلَم أو يُطمَأن بصدور بعضها عن الإمام (عليه السلام) ولو إجمالاً ، وهذه رواية شاذّة لا تنهض للمقاومة معها ، فتطرح بطبيعة الحال.

وإن أغمضنا عن ذلك فلا محالة تصل النوبة إلى الترجيح ، الذي هو منحصر في الترجيح بموافقة الكتاب أو مخالفة العامّة.

أمّا الكتاب : فلدى عرضهما عليه لم نجد فيه شاهداً لشي‌ء منهما ، بل لم يذكر فيه من أحكام الصوم إلّا الشي‌ء اليسير ، كالاجتناب عن الأكل والشرب بمقتضى قوله تعالى ( كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتّى يَتَبَيَّنَ ) إلخ (1)، وعن النساء بمقتضى قوله تعالى ( أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ ) إلخ (2)، وأمّا غير ذلك ومنه الارتماس فليس فيه منه عين ولا أثر.

وأمّا العامّة : فالذي يظهر منهم كما في الفقه على المذاهب الأربعة (3)أنّ أحداً منهم لم يقل بالبطلان.

نعم ، الحنابلة منهم ذهبوا إلى الكراهة إذا لم يكن الارتماس للتبريد أو للغسل (4).

وهذا هو المناسب لقوله (عليه السلام) في الموثقة : «ولا يعودن» أي أنّه لا يبطل ، ولذا لا قضاء عليه ، ولكن لا يعودنّ إلى ذلك لمكان الكراهة. إذن فتكون الموثّقة موافقة لهم فتُحمَل على التقيّة وتُطرَح ، لأنّ الرشد في خلافهم ، ويكون الرجحان للطائفة المانعة.


1) البقرة 2 : 187.

2) البقرة 2 : 187.

3) الفقه على المذاهب الأربعة 1 : 513 516.

4) الفقه على المذاهب الأربعة 1 : 518.

ويكفي فيه رمس الرأس فيه (1)


فظهر ممّا ذُكر أنّ الأقوى ما هو المشهور من مفطريّة الارتماس وبطلان الصوم به ، للنصوص المتقدّمة السليمة عن المعارض المكافئ حسبما عرفت.

(1) لذكره بالخصوص في جملة من النصوص :

كصحيح ابن مسلم : «لا يغمس رأسه في الماء» (1).

وصحيح الحلبي : «... ولا يرمس رأسه» (2)وغيرهما. وظاهرها أنّ لغمس الرأس خصوصيّة في الحكم.

نعم ، في جملة أُخرى الاقتصار في النهي على الارتماس من غير تعرّض لمتعلّقه.

وحينئذٍ ، فإمّا أن يكون المراد : رمس جميع البدن ومنه الرأس ، فلا يكفي غمس الرأس وحده ، فيكون تخصيص الرأس في تلك الروايات بالذكر باعتبار غلبة الغمس بذلك ، لجريان العادة لدى التصدّي للارتماس على أن يرمس الشخص رجله أوّلاً ثمّ شيئاً فشيئاً إلى أن يصل إلى الرأس ، فتحمل الروايات المتعرّضة للرأس على هذا المعنى وتتمّ دلالتها على غمس تمام البدن.

أو يكون المراد : رمس خصوص الرأس الذي قد يكون بالنحو المذكور ، وقد يكون برمس الرأس فقط مع كون البدن خارج الماء ، فيحصل الإفطار بكلّ منهما.

ولا ينبغي الشكّ في أنّ المتعيّن بحسب المتفاهم العرفي إنّما هو الثاني ، لأنّ الظاهر من ذكر الرأس أنّ له خصوصيّة في الحكم كما عرفت ، لا أنّه كناية عن


1) الوسائل 10 : 36 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 3 ح 2.

2) الوسائل 10 : 37 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 3 ح 7.

وإن كان سائر البدن خارجاً عنه ، من غير فرق بين أن يكون رمسه دفعةً أو تدريجاً (1) على وجهٍ يكون تمامه تحت الماء زماناً ، وأمّا لو غمسه على التعاقب لا على هذا الوجه فلا بأس به وأن استغرقه.


رمس جميع البدن ، فإنّه منافٍ للعناية الخاصّة المعطوفة نحو الرأس ، الموجبة لتخصيصه بالذكر.

إذن فلا وجه للتوقّف في المسألة كما عن الشهيد (1)، أو المنع كما عن ظاهر الميسي (2)، بل العبرة في الحكم بالإفطار بغمس الرأس وجوداً وعدماً ، فيفطر برمسة وإن كان سائر البدن خارجاً ، ولا يفطر بعدمه وإن كان سائر البدن ما عداه منغمساً.

(1) مقتضى إطلاق النصوص أنّه لا فرق في مبطليّة الارتماس بين الدفعة والتدريج بعد أن فرض أنّه استوعب الماء تمام الرأس ولو آناً ما ، لصدق الرمس على التقديرين.

نعم ، لو كان التدرّج على نحو التعاقب بحيث لم يبق كلّه تحت الماء في زمان واحد لم يكن به بأس وإن استغرق ، كما لو رمس الطرف الأيمن أوّلاً ثمّ أخرجه ورمس الطرف الأيسر ، لعدم صدق الارتماس حينئذٍ المنوط باستيعاب الماء تمام الرأس في زمانٍ واحد كما عرفت.

ولعلّ هذا هو مراد من اعتبر الدفعة ، لا ما يقابل التدريج بالمعنى الأوّل ، فإنّه لا إشكال في عدم جوازه.


1) لاحظ الدروس 1 : 278.

2) مستمسك العروة الوثقى 8 : 264.

والمراد بالرأس : ما فوق الرقبة بتمامه (1) ، فلا يكفي غمس خصوص المنافذ في البطلان وإن كان هو الأحوط. وخروج الشعر لا ينافي صدق الغمس (2).

[2413] مسألة 30 : لا بأس برمس الرأس أو تمام البدن في غير الماء من سائر المائعات ، بل ولا رمسه في الماء المضاف (3) ، وإن كان الأحوط الاجتناب خصوصاً في الماء المضاف.


(1) لأنّه الظاهر من لفظ الرأس في العرف واللغة ، وعليه فلو أدخل رأسه في الماء إلى حدّ أذنيه بحيث كانت خصوص المنافذ تحت الماء لم يكن به بأس ، لعدم صدق غمس الرأس الذي هو المناط في الحكم كما عرفت.

ومنه يظهر ضعف ما عن المدارك من الميل إلى البطلان بغمس المنافذ وإن كانت منابت الشعر خارجة عن الماء (1).

(2) لوضوح خروج الشعر عن مفهوم الرأس ، فيصدق رمسه بإدخال تمامه في الماء وإن كان الشعر خارجاً ، فإنّه فوق الرأس لا جزءاً منه كما هو ظاهر.

(3) أمّا الارتماس في غير المائع كالدقيق والرمل والتراب ونحو ذلك فلا إشكال ولا خلاف في عدم المبطليّة كما هو ظاهر.

وإنّما الكلام في اختصاص الحكم بالماء المطلق أو شموله لكلّ ماء ولو كان مضافاً ، أو لكلّ مائع وإن لم يكن ماءً ، كالحليب والدبس والزيت ونحوها.

أمّا غير الماء من المائعات فلا دليل على سريان الحكم إليه ، عدا توهّم


1) المدارك 6 : 50.

.................................................................................................


الإطلاق في بعض الروايات الخالية عن لفظ الماء ، كما في روايتي حنّان (1)والحلبي (2).

وفيه مضافاً إلى ذكر الماء في صدر الروايتين لدى التعرّض للاستنقاع الظاهر في إرادة الرمس في خصوص الماء - : أنّه على فرض تسليم الإطلاق فيكفي في التقييد الروايات الأُخر المقيّدة بالماء ، التي منها صحيح ابن مسلم : «لا يضرّ الصائم ما صنع إذا اجتنب ثلاث خصال : الطعام والشراب ، والنساء ، والارتماس في الماء» (3)، حيث دلّت بإطلاقها على أنّ الارتماس في غير الماء لا يضرّ.

وأمّا الارتماس في الماء المضاف ، فشمول الحكم له غير ظاهر بعد اختصاص الأدلة بالماء الذي هو حقيقة في الماء المطلق ، ولا يُستعمَل في المضاف إلّا مجازاً وبنحوٍ من العناية ، فهو خلاف الظاهر لا يصار إليه من غير قرينة.

ودعوى أنّ لفظ الماء الوارد في الروايات منزّل على الغالب ، لغلبة الارتماس فيه ، وتعارف استعماله في الغُسل والغَسل.

لا شاهد عليها ، بل مقتضى الجمود على ظواهر النصوص أنّ لهذا العنوان مدخلاً في تعلّق الحكم وله خصوصيّة فيه ، ولا قرينة على رفع اليد عن هذا الظهور عدا ما يتوهّم من أنّه لا فرق بين المطلق والمضاف سوى إضافة شي‌ء إلى الماء ، وهذا لا يستوجب فرقاً فيما هو مناط المنع عن الرمس والغمس من إمكان الدخول في الجوف وإن كان بينهما فرقٌ في إزالة الحدث والخبث. وفيه ما لا يخفى ، فإنّ الأحكام تعبديّة ومناطاتها لا تنالها عقولنا الناقصة ، ومن الجائز أن تكون للماء خصوصيّة في هذا الحكم كما في الإزالة.


1) الوسائل 10 : 37 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 3 ح 6 ، 7.

2) الوسائل 10 : 37 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 3 ح 6 ، 7.

3) الوسائل 10 : 31 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 1 ح 1.

[2414] مسألة 31 : لو لطّخ رأسه بما يمنع من وصول الماء إليه ثمّ رمسه في الماء ، فالأحوط بل الأقوى بطلان صومه (1). نعم ، لو أدخل رأسه في إناء كالشيشة ونحوها ورمس الإناء في الماء فالظاهر عدم البطلان.


فالظاهر اختصاص الحكم بالمطلق ولا يكاد يشمل المضاف فضلاً عن سائر المائعات.

(1) ونحوه ما لو شدّ رأسه بما يمنع من وصول الماء إلى البشرة ، كالنايلون المتداول في زماننا.

والظاهر أنّه لا ينبغي التأمّل في البطلان ، لصدق الرمس والغمس كما هو الحال في سائر أعضاء الجسد ، فلو شدّ يده أو لطّخ رجله فأدخلها الماء صدق أنّه غمس يده أو رجله.

ولا يقاس ذلك بباب الأغسال المعتبر فيها وصول الماء إلى البشرة ، فإنّ ذلك إنّما هو من باب دخله في مفهوم الغسل ، وأمّا في المقام فالاعتبار بصدق الارتماس الذي لا يفرق فيه بين المماسّة مع البشرة وعدمها بمقتضى الإطلاق.

ودعوى الانصراف عن الثاني عهدتُها على مدّعيها ، والظاهر أنّه لا كلام في صدق الارتماس ، غايته أنّه قد يتوهّم الانصراف عن المورد الذي لا يصل الماء إلى البشرة ، وقد عرفت منعه.

نعم ، لو فرضنا أنّ الحاجب منفصل عن البشرة كما لو أدخل رأسه في الحبّ وغمس ، أو دخل جوف وعاء كالغوّاصين فإنّه لا يصدق عليه ارتمس أو غمس رأسه في الماء ، نظير ما لو أدخل يده في إناءٍ في الماء ، فإنّه لا يصدق عليه أنّه غمس يده في الماء. إذن فيفرّق بين صورتي الاتّصال والانفصال.

والحاصل : أنّ المدار على الصدق العرفي ، وهو يختلف باختلاف المقامات ،

[2415] مسألة 32 : لو ارتمس في الماء بتمام بدنه إلى منافذ رأسه وكان ما فوق المنافذ من رأسه خارجاً عن الماء كلّاً أو بعضاً ، لم يبطل صومه على الأقوى ، وإن كان الأحوط البطلان برمس خصوص المنافذ كما مرّ (1).

[2416] مسألة 33 : لا بأس بإفاضة الماء على رأسه (2) وإن اشتمل على جميعه ما لم يصدق الرمس في الماء.

نعم ، لو أدخل رأسه أو تمام بدنه في النهر المنصبّ من عالٍ إلى السافل ولو على وجه التسنيم ، فالظاهر البطلان ، لصدق الرمس. وكذا في الميزاب إذا كان كبيراً وكان الماء كثيراً كالنهر مثلاً.


وقد عرفت أنّ علل الأحكام غير مكشوفة لدينا ، فلا مجال لأن يقال بأن المناط تأثّر البشرة بالماء ، ولا تتأثّر في الفرض الأوّل أيضاً كالثاني.

(1) ظهر حكم المسألة ممّا مرّ.

(2) إذ مضافاً إلى عدم صدق الارتماس الذي هو المناط في الإبطال ، قد دلّ الدليل على جوازه بالخصوص ، وهي صحيحة ابن مسلم : «قال (عليه السلام) : الصائم يستنقع في الماء ويصبّ على رأسه» إلخ (1).

نعم ، لو صدق الرمس في موردٍ ، سواء أكان الماء واقفاً أم جارياً ، بنحو التسنيم أو التسريح ، كان الغمس من الأعلى أو الأسفل أو الأطراف ، فلو كان ماءٌ غزير جارياً من سطح جبل وإن كان نزوله على وجه التسنيم فوقف تحته على نحوٍ صدق الرمس عليه بطل صومه ، وكذا لو كانت هناك خزانة ماء لها ثقب من أحد الأطراف أو من تحتها فأدخل رأسه فيها فسد صومه ، والمناط


1) الوسائل 10 : 36 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 3 ح 2.

[2417] مسألة 34 : في ذي الرأسين إذا تميّز الأصلي منهما فالمدار عليه (1) ، ومع عدم التميّز يجب الاجتناب عن رمس كلّ منهما ، لكن لا يحكم ببطلان الصوم إلّا برمسهما ولو متعاقباً (1).


صدق عنوان الارتماس بأيّ نحوٍ كان لإطلاق الأدلة.

(1) لا إشكال في الحكم فيما لو تميّز الأصلي ، أو علم أنّ كلا منهما أصلي بحيث يتكلّم ويسمع ويرى من كلّ منهما ، كما قد يتّفق في بعض الحيوانات من شواذّ الخلقة ، فالمدار على رمس المتميّز في الأول ، وعلى رمس كلّ واحد وإن لم يرمس الآخر في الثاني.

إنّما الإشكال مع عدم التمييز بحيث علم أنّ أحدهما أصلي والآخر عضو زائد واشتبه أحدهما بالآخر.

والكلام يقع تارةً في حكم الارتماس في نفسه ، وأُخرى في بطلان الصوم وعدمه.

أمّا الأوّل : فلا ينبغي التأمّل في وجوب الاجتناب عن رمس كلّ منهما ، عملاً بالعلم الإجمالي المتعلّق بحرمة رمس الرأس الواقعي المردّد بينهما المقتضي للاحتياط عقلاً كما في سائر موارد تنجيز العلم الإجمالي.

وأمّا الثاني : فقد حكم في المتن بعدم بطلان الصوم برمس أحدهما ، ولعلّ في العبارة تسامحاً ، ونظره الشريف معطوف إلى حيثيّة الكفّارة ، فإنّها لا تثبت بعد احتمال كون المرموس هو العضو الزائد وإن كان العمل في نفسه محرّماً كما عرفت ومعاقباً عليه على تقدير المصادفة للرأس الأصلي ، بل مطلقاً ، بناءً على استحقاق


1) (*) الظاهر بطلان الصوم برمس أحدهما.

.................................................................................................


المتجرّي للعقاب. وعلى أيّ تقدير ، فتعلّق الكفّارة منوط بتحقّق المفطر ، وهو مشكوك حسب الفرض ، فيرجع في نفيها إلى أصالة البراءة.

ونظير المقام ما ذكره الشيخ (قدس سره) في باب العلم الإجمالي (1)والفقهاء في باب الحدود من أنّ من شرب أحد المائعين المعلوم خمريّة أحدهما إجمالاً فهو وإن كان آثماً ومستحقّاً للعقاب إلّا أنّه لا يجري عليه الحدّ ، لأنّه منوط بشرب الخمر واقعاً ، ولم يحرز ، وكذلك لا يحكم بنجاسة الملاقي لأحدهما ، لعدم إحراز الملاقاة للنجس ، فإنّ الكلّ من واد واحد ، وضابطه : أنّه لو شكّ في تحقّق موضوع ذي حكم يرجع في نفي حكمه إلى أصالة البراءة.

وأمّا من ناحية صحّة الصوم والاجتزاء به في مقام الامتثال فالظاهر هو البطلان ، لعروض الخلل من ناحية النيّة ، إذ على تقدير كون المرموس أصلياً لم يكن ناوياً للصوم بطبيعة الحال ، للتنافي بينهما ، فلم يكن ناوياً للصوم على كلّ تقدير ، بل على تقدير خاصّ ، وهو عدم كون المرموس أصليّاً ، وهذا لا ينفع ، بل لا بدّ للصائم أن يكون ناوياً لصومه في جميع الحالات ، وعلى جميع التقادير كما لا يخفى.

وعليه ، فيفرق بين الكفّارة وبين البطلان فلا يحكم بالأوّل ، لعدم إحراز الإفطار ، ويحكم بالثاني ، لانثلام النيّة وعدم الجزم بها بعد تنجّز التكليف الواقعي عليه بمقتضى العلم الإجمالي.

ومن ذلك كلّه يظهر الحال في المسألة الآتية ، وهي ما لو علم إجمالاً بأنّ أحد المائعين ماءً ، فإنّه بعينه مثل ما لو علم إجمالاً بأنّ أحد العضوين رأسٌ فيجري فيه ما مرّ من التفصيل بين الكفّارة والبطلان بعد ما كان العلم الإجمالي منجّزاً والأُصول متعارضة حتّى أصالة عدم كون هذا المائع ماءً بنحو العدم الأزلي


1) فرائد الأُصول 2 : 239.

[2418] مسألة 35 : إذا كان مائعان يعلم بكون أحدهما ماءً يجب الاجتناب عنهما (1) ، ولكن الحكم بالبطلان يتوقّف على الرمس فيهما (1).


وإن لم يثبت بها كونه مضافاً ، فإنّ الأثر مترتّب على كون المرتمس فيه ماءً فيجري الأصل فيما هو مورد الأثر ويسقط بالمعارضة.

نعم ، لو فرض في موردٍ عدم تنجّز التكليف الواقعي ، كما لو شكّ ابتداءً في كون مائعٍ ماءً أو غيره ، أو في كونه ماءً مطلقاً أو مضافاً ، كما سيتعرض له في مسألة 38 الآتية ، فلا بأس بالارتماس فيه.

أمّا بناءً على جريان الاستصحاب في الأعدام الأزليّة فواضح ، فيستصحب عدم كون المرتمس فيه ماءً مطلقاً.

وأمّا على القول بعدم الجريان فتكفينا أصالة البراءة عن لزوم الاجتناب عن هذا الفرد المشكوك مائيّته بشبهة مصداقيّة زائدةً على الأفراد المتيقّنة بعد سلامتها عن المعارضة ، لكون الشبهة بدويّة كما هو المفروض.

ولا يجري مثل ذلك فيما نحن فيه أي في ذي الرأسين لمعارضة الأصل من الطرفين حسبما عرفت.

(1) قد ظهر الحال فيها ممّا قدّمناه آنفاً ، فلاحظ.

وقد عرفت أنّ حكم الكفّارة يفترق عن بطلان الصوم ، فلا كفّارة ، لعدم إحراز موضوعها ، ويبطل الصوم ، للإخلال بالنيّة ، وإذا بطل الصوم فلا بدّ من القضاء. ويقرّر الوجه فيه من جهتين :

الاولى : ما أشرنا إليه من أنّ الصوم لا بدّ فيه من نيّة الإمساك عن جميع


1) (*) بل الظاهر كفاية الرمس في أحدهما في البطلان.

[2419] مسألة 36 : لا يبطل الصوم بالارتماس سهواً أو قهراً أو السقوط في الماء من غير اختيار (1).


المفطرات ، وعلى جميع التقادير ، ومن يريد الارتماس في أحد المائعين غير عازم على الصوم على الإطلاق ، بل على تقدير دون تقدير ، وهذا كافٍ في المفطريّة بعد أن لم يكن له معذّر في الارتكاب بمقتضى العلم الإجمالي.

نعم ، لو كان له عذر كما في الشبهة البدويّة لم يكن به بأس ، أمّا بجريان الاستصحاب في العدم الأزلي ، أو لأصالة البراءة كما مرّت الإشارة إليه.

الثانية : ما ذكرناه في بحث الصلاة من أنّ عنوان الفوت المترتّب عليه القضاء كما يحرز بالوجدان أو الأمارة أو الأصل المعتبر ، كذلك ربّما يحرز بقاعدة الاشتغال ، لأنّ العبرة بفوت الوظيفة الفعليّة الأعمّ من الشرعيّة والعقليّة ، فلو شكّ في أصل الصلاة وهو في الوقت أو اقتضت الوظيفة تكرارها في ثوبين مثلاً أو تكرار الوضوء من مائعين وقد اقتصر على أحدهما ، وجب عليه القضاء ، للإخلال بما تقتضيه قاعدة الاشتغال المحقّق لعنوان الفوت وإن احتمل عدمه في صقع الواقع ، إلّا أنّه لا مؤمّن له بعد فرض تساقط الأُصول ، ومقامنا كذلك ، إذ هو مأمور بالاجتناب عن الارتماس في الماء ، فإذا ارتمس في أحد المائعين المحتمل كونه ماءً أو بأحد العضوين المحتمل كونه رأساً فإمساكه عن الارتماس مشكوكٌ فيه ، ولا أصل مؤمّن حسب الفرض ، فقد فاتته الوظيفة الفعليّة الثابتة بمقتضى قاعدة الاشتغال ومعه لا مناص من القضاء.

(1) لما سيجي‌ء في محلّه (1)إن شاء اللّه تعالى من اعتبار العمد والاختيار في المفطريّة.


1) في ص 265.

[2420] مسألة 37 : إذا ألقى نفسه من شاهق في الماء بتخيّل عدم الرَّمس فحصل لم يبطل صومه (1).

[2421] مسألة 38 : إذا كان مائع لا يُعلَم أنّه ماءٌ أو غيره أو ماءٌ مطلق أو مضاف لم يجب الاجتناب عنه (2).

[2422] مسألة 39 : إذا ارتمس نسياناً أو قهراً ثمّ تذكّر أو ارتفع القهر وجب عليه المبادرة إلى الخروج ، وإلّا بطل صومه (3).


(1) لعدم حصول العمد المعتبر في الإفطار كما هو واضح.

(2) قد ظهر الحال فيها ممّا قدّمناه في ذيل المسألة الرابعة والثلاثين ، فلاحظ.

(3) لا يخفى أنّ الجمود على النصوص يقتضي عدم لزوم المبادرة إلى الخروج ، لأنّ ظاهرها إحداث الارتماس ولا تعمّ الإبقاء ، كما هو الشأن في جميع الجمل الفعليّة من الماضي والمضارع والأمر ، فلو أصغى إلى آية التلاوة وهو في السجود لم يكفه البقاء ، بل لا بدّ من إحداثه ثانياً ، ولأجله ذكرنا في محلّه أنّه لا يكفي في تحقّق الغسل الارتماسي مجرّد البقاء تحت الماء ناوياً ، إذ الظاهر من قوله (عليه السلام) في صحيح الحلبي : «إذا ارتمس الجنب في الماء ارتماسةً واحدة أجزأه ذلك من غسله» (1)هو إحداث الارتماس لا مطلق الكون تحت الماء.

وعليه ، ففي المقام لا مانع من الارتماس حدوثاً لفرض العذر ولا بقاءً ، لعدم الدليل على المنع هذا.


1) الوسائل 2 : 232 / أبواب الجنابة ب 26 ح 12.

[2423] مسألة 40 : إذا كان مكرهاً في الارتماس لم يصحّ صومه (1) ، بخلاف ما إذا كان مقهوراً.

[2424] مسألة 41 : إذا ارتمس لإنقاذ غريق بطل صومه وإن كان واجباً عليه.


ولكن مناسبة الحكم والموضوع التي هي كقرينة داخليّة يعوّل عليها في كثير من المقامات تقتضي عدم الفرق في المقام بين الحدوث والبقاء بمقتضى الفهم العرفي الحاكم بلزوم الاجتناب عن الكون تحت الماء ، بلا فرق بين حصول ذلك حدوثاً أو بقاءً ، وكذا الحال في الجماع ، فإنّ العرف يفهم أنّ الممنوع إنّما هي هذه الحالة ، من غير فرق بين إحداثها وإبقائها ، ولا يحتمل الاختصاص بالأوّل. وعليه ، فيجب الخروج من الماء فوراً كما في المتن.

(1) إذ الإكراه لا يوجب سلب الإرادة ، فالفعل المكرَه عليه صادر عن عمد وقصد وإن لم يكن عن طيب النفس فيشمله إطلاق الأدلة ، ومن الواضح أنّ أدلّة نفي الإكراه مفادها نفي العقاب والمؤاخذة ولا تنهض لإثبات الصحّة ، لأنّ شأنها الرفع دون الوضع.

ومنه يظهر الحال في وجب الرمس لإنقاذ الغريق الذي تعرّض له في المسألة الآتية ، فإنّ وجوب الإنقاذ لا يستدعي إلّا وجوب الارتماس ، ولا يستلزم صحّة الصوم مع الارتماس المزبور بوجه ، وهذا بخلاف ما إذا كان مقهوراً في الارتماس ، فإنّه يوجب زوال الإرادة والاختيار وانتفاء العمد والقصد ، ومثله لا يوجب البطلان ، ولأجله يفرّق بين القهر والإكراه.

[2425] مسألة 42 : إذا كان جنباً وتوقّف غسله على الارتماس (1) انتقل إلى التيمّم إذا كان الصوم واجباً معيّناً ، وإن كان مستحبّاً أو كان واجباً موسّعاً وجب عليه الغسل وبطل صومه (1).


(1) لا ينبغي التأمّل في لزوم انتقاله حينئذٍ إلى التيمّم فيما إذا كان الصوم واجباً معيّناً ، لعجزه شرعاً عن الاغتسال بعد فرض حرمة الارتماس ، ومن الواضح عدم المزاحمة بين ما له البدل وبين ما لا بدل له.

وأمّا في الواجب الموسّع أو الصوم المستحبّ فبما أنّ الإفطار سائغ في حقّه فهو قادر على الارتماس ، فيجب عليه الاغتسال بمقتضى دليله ، ومعه يحكم ببطلان صومه ، وهذا ممّا لا إشكال فيه.

إنّما الكلام في أنّ صومه هل يبطل بمجرّد التكليف بالغسل ووجوبه عليه ، أو من حين القصد إلى الغسل من باب نيّة القطع ، أو حين تحقّق الغسل والارتماس خارجاً؟

الظاهر هو الأوّل ، لامتناع الأمر بالصوم المشتمل على الاجتناب عن الارتماس بعد فرض فعليّة الأمر بالارتماس المتوقّف عليه الاغتسال ، لاستحالة الأمر بالضدّين ، ولا يمكن تصحيحه بالترتّب ، لاختصاصه بالضدين اللذين لهما ثالث ، دون ما لا ثالث لهما كالحركة والسكون ، أو النقيضين كما في المقام ، إذ مع ترك أحدهما فالآخر حاصل بطبيعة الحال ، فكيف يمكن الأمر به حينئذٍ ، وهل هذا إلّا من تحصيل الحاصل.

وعلى الجملة ، بعد فرض تعلّق الأمر بالارتماس لتوقّف الغسل عليه كيف


1) (*) في بطلان الصوم بمجرّد التكليف بالغسل إشكال ، بل منع.

[2426] مسألة 43 : إذا ارتمس بقصد الاغتسال في الصوم الواجب المعيّن (1) بطل صومه وغسله (1)إذا كان متعمّداً ، وإن كان ناسياً لصومه صحّا معاً ، وأمّا إذا كان الصوم مستحبّاً أو واجباً موسّعاً بطل صومه وصحّ غسله.


يمكن الأمر بالصوم المشتمل على ترك الارتماس؟! فإنّ الأمر الضمني بالترك لا يكاد يجتمع مع الأمر بالفعل بوجه ، ولا يعقل في مثله الترتّب كما عرفت.

هذا ، ولكن التحقيق جريان الترتّب في المقام ، نظراً إلى وجود الضدّ الثالث ، فإنّ ذاتي الارتماس وعدمه وإن كانا ممّا لا ثالث لهما إلّا أنّ المعتبر في الصوم ليس هو مطلق الترك ، بل خصوص الترك القربي ، لفرض كون الصوم من العبادات ، ومن الواضح أنّ الارتماس وتركه لله بينهما واسطة وهو تركه لا لله.

وعليه ، فتارك الارتماس يمكن أن يؤمَر حينئذٍ بأن يكون تركه لله على نحو الخطاب الترتّبي ، وقد مرّ في محلّه في الأُصول (2)أنّ مجرّد إمكان الترتّب كافٍ في الوقوع ولا حاجة إلى قيام دليل عليه بالخصوص ، فيؤمَر حينئذٍ بإتمام صيامه والكفّ عن المفطرات التي منها الارتماس عن قربة على تقدير تركه ، نظير ما لو كان مأموراً أثناء الصلاة بالتكلّم لإنقاذ الغريق مثلاً وإن كان يبطل صلاته ، فلو عصى ولم يتكلّم صحّت صلاته بالأمر الترتّبي.

(1) حكم (قدس سره) ببطلان الصوم والغسل في صورة العمد ، وبصحّتهما مع النسيان ، وبصحّة الغسل دون الصوم في الواجب الموسّع أو الصوم المستحبّ ،


1) هذا في شهر رمضان وكذلك في قضائه بعد الزوال على الأحوط ، وأما في غيرهما فالظاهر الحكم بصحة الغسل ، وذلك لأنّ الصوم يبطل بنيّة الاغتسال وبعد البطلان لا يحرم عليه الارتماس ، فلا موجب لبطلان الغسل.

2) أجود التقريرات 1 : 310.

[2427] مسألة 44 : إذا أبطل صومه بالارتماس العمدي (1) : فإن لم يكن من شهر رمضان ولا من الواجب المعيّن غير رمضان يصحّ له الغسل حال المكث في الماء أو حال الخروج (1). وإن كان من شهر رمضان يشكل صحّته حال المكث ، لوجوب الإمساك عن المفطرات فيه بعد البطلان أيضاً ،


والوجه في ذلك كلّه ظاهر.

أمّا الأوّل : فلأجل فرض الارتماس العمدي الذي هو مفطر للصوم المعيّن كما مرّ (2)، وبما أنّه منهيٌّ عنه حينئذٍ فلا يتحقّق به الغسل. ولكنه خاصّ بما تضمّن النهي المزبور كصوم شهر رمضان ، حيث يحرم فيه الإفطار حتّى بعد نيّة الإبطال ، نظراً إلى وجوب الإمساك عليه تأدّباً ، وأمّا غيره من أقسام الصوم الواجب المعيّن فحيث لا وجوب فلا يحرم الارتماس بعد تحقّق البطلان بمجرّد نيّته ، ومعه لا موجب لبطلان الغسل.

وأمّا الثاني : فلفرض كون الارتماس سهويّاً فلا ينتقض به الصوم ، وحيث لا يكون مفطراً فلا نهي عنه ، فلا مانع من صحّة الغسل.

وأمّا الثالث الذي هو مفروض في صورة العمد - : فلبطلان الصوم بالارتماس العمدي ، وبما أنّه غير منهي عنه لفرض جواز إبطال الصوم المستحبّ أو غير المعيّن فلا مانع من وقوعه غسلاً.

(1) هذه المسألة مبنيّة على ما اشتهر بين المتأخرين إذ لم نعرف من تعرّض له من القدماء من جواز الغسل الارتماسي بتحريك البدن في الماء.


1) (*) هذا مبنى على صحّة الغسل حال المكث أو الخروج من الماء في نفسه وقد مرّ أنّه محلّ إشكال.

2) في ص 165.

بل يشكل صحّته حال الخروج أيضاً ، لمكان النهي السابق ، كالخروج من الدار الغصبيّة إذا دخلها عامداً ، ومن هنا يشكل (1)صحّة الغسل في الصوم الواجب المعيّن أيضاً ، سواء كان في حال المكث أو حال الخروج.


وأمّا على المختار من عدم الجواز لاعتبار إحداث الارتماس كما أشرنا إليه في محلّه (2)فلا مجال لعقد هذه المسألة من أصلها كما لا يخفى.

وعليه نقول : أمّا إذا لم يكن الصوم من رمضان ولا من الواجب المعيّن فلا إشكال في صحّة الغسل حال المكث أو حال الخروج ، لجواز نقض مثله باستعمال المفطر ، فحاله حال الارتماس الصادر من غير الصائم ، والمفروض حينئذٍ جواز الاغتسال في الحالتين.

وأمّا إذا كان من شهر رمضان فلا ينبغي الإشكال في عدم الصحّة حال المكث ، لما تقدّم من أنّ مقتضى مناسبة الحكم والموضوع حرمة الارتماس على الصائم حدوثاً وبقاءً (3)، بعد ملاحظة ما سيجي‌ء في محلّه إن شاء اللّه تعالى من وجوب الإمساك عن المفطرات في شهر رمضان حتّى بعد البطلان (4)، فيحرم تناول المفطر بعد الإفطار أيضاً حتّى إذا لم ينو الصوم كما في أكثر الفسّاق. وعليه ، فلدى حدوث الارتماس وإن بطل الصوم إلّا أنّه يحرم البقاء أيضاً ، ومعه


1) (*) لا إشكال في صحّة الغسل حال المكث أو حال الخروج بناءً على صحّة الغسل في هذا الحال في نفسه.

2) شرح العروة 6 : 388 389.

3) في ص 176.

4) شرح العروة 22 : 10.

.................................................................................................


لا مجال للاغتسال ، لامتناع أن يكون الحرام مصداقاً للواجب.

وأمّا حال الخروج فيبتني على الخلاف المعروف في حكم الخروج ممّن توسّط الأرض الغصبيّة بسوء الاختيار ، وقد بنينا في محلّه (1)على أنّه وإن كان لازماً عقلاً من باب أخفّ القبيحين وأقلّ المحذورين وغير محرّم فعلاً لمكان الاضطرار وعدم القدرة على تركه ، إلّا أنّه يقع مبغوضاً ومبعداً من المولى ومعاقباً عليه ، لانتهائه إلى سوء الاختيار ، والممتنع بالاختيار لا ينافي الاختيار ، نظير من ألقى نفسه من الشاهق. وعليه ، يحكم ببطلان الغسل الذي هو واجب عبادي حال الخروج ، لعدم إمكان التقرّب بمبغوض المولى المستند إلى سوء الاختيار ، وهو الارتماس عامداً كما هو المفروض.

نعم ، على القول بإباحة الخروج من غير مبغوضيّة يصحّ الغسل في المقام ، لكن المبنى فاسد كما هو موضّح في محلّه.

هذا كلّه في صوم شهر رمضان.

وأمّا غيره من الواجب المعيّن ، فالماتن (قدس سره) قد ألحقه به. إلّا أنّه لا دليل عليه ، إذ لم ينهض دليل يقتضي حرمة تناول المفطر بعد تحقّق الإفطار في غير شهر رمضان ، والمفروض في المقام تحقّق المفطر في أوّل آن من الارتماس ، فبعده لا دليل على حرمته بقاءً ولا خروجاً ، فعلى القول بصحّة الغسل الارتماسي بهذا النحو وهو تحريك البدن تحت الماء لا مانع من صحّة الغسل حينئذٍ في حالتي المكث أو الخروج.


1) شرح العروة 6 : 425.

[2428] مسألة 45 : لو ارتمس الصائم في الماء المغصوب (1) : فإن كان ناسياً للصوم وللغصب صحا صومه وغسله (1)، وإن كان عالماً بهما بطلا معاً ، وكذا إن كان (2)متذكراً للصوم ناسياً للغصب ، وإن كان عالماً بالغصب ناسياً للصوم صحّ الصوم دون الغسل.


(1) أقول : قد يكون الصائم في هذا الحال متذكّراً للصوم والغصب ، وقد يكون ناسياً لهما ، وقد يكون متذكّراً لأحدهما ناسياً للآخر.

لا إشكال في بطلان الصوم والغسل في صورة العلم بهما ، أمّا الصوم فلتعمّد الارتماس ، وأمّا الغسل فلكونه بماءٍ معلوم الغصبيّة كما هو ظاهر.

ونحوه ما لو كان متذكّراً للصوم فقط ، إذ يكفي في بطلان الغسل حينئذٍ مجرّد الالتفات إلى كونه مصداقاً للإفطار المحرّم.

وأمّا عكسه ، أعني : ما لو كان متذكّراً للغصب فقط فيفصّل فيه بين الصوم والغسل ، فيصحّ الأوّل ، لعدم العمد إلى المفطر ، ويبطل الثاني ، لعدم إباحة الماء. وهذا كلّه ظاهر.

إنّما الكلام فيما لو كان ناسياً لهما معاً ، فقد حكم في المتن بصحّة صومه وغسله حينئذٍ ، والظاهر أنّ مراده (قدس سره) من النسيان بقرينة المقابلة مع العالم ما يعمّ الجهل.

ولا إشكال في صحّة الصوم حينئذٍ ، لعدم القصد إلى المفطر ، وأمّا الغسل ففي صحّته مع الجهل تأمّل بل منع ، كما تعرّضنا له في الأُصول (3).


1) (*) هذا إذا لم يكن هو الغاصب وإلّا بطل غسله ، وكذا الحال في الجاهل الملتفت.

2) (**) هذا في شهر رمضان وإلّا لم يبطل غسله.

3) محاضرات في أُصول الفقه 4 : 224 239.

.................................................................................................


وملخّصه : أنّ المشهور ومنهم صاحب الكفاية (1)ذهبوا إلى صحّة الغسل أو الوضوء بالماء المغصوب جهلاً ، نظراً إلى أنّ المانع من التقرّب إنّما هي الحرمة المنجّزة لا مجرّد الوجود الواقعي ، وحيث لا تنجّز مع الجهل فلا مانع من فعليّة الحكم الآخر وهو الأمر بالغسل أو الوضوء لعدم المانع من التقرّب حينئذٍ ، وقد زعموا أنّ المقام مندرج في باب اجتماع الأمر والنهي ، الذي هو من صغريات باب التزاحم ، ومن المعلوم أنّه لا تزاحم إلّا في صورة العلم دون الجهل ، ولذلك ألحقوا الجهل بالنسيان المحكوم فيه بالصحّة بلا كلام.

ولكن التحقيق هو البطلان ، لكون المقام من باب التعارض دون التزاحم ، وليس التركيب فيه انضماميّاً ليكون من موارد اجتماع الأمر والنهي ، حتّى يتجه التفصيل بين الحرمة المنجّزة بالعلم فلا يمكن التقرّب عندئذٍ لكونهما بإيجادٍ واحد ، وبين صورة الجهل فيمكن التقرّب حينئذٍ بالأمر ، بل التركيب اتّحادي ، ضرورة أنّ الغسل أو الوضوء بالماء المغصوب متّحدٌ مع التصرّف فيه ، فهو من باب النهي عن العبادة لا من باب الاجتماع ، فلا يكون إلّا من باب التعارض دون التزاحم ، فإذا قُدّم جانب النهي كان تخصيصاً في دليل الواجب ، فيخرج مورد الحرمة بحسب الواقع عن مورد الوجوب ، إذ الحرام لا يكون مصداقاً للواجب ، ومن الواضح عدم الفرق في ذلك بين صورتي العلم والجهل ، إذ التركيب اتّحادي والتخصيص واقعي ، ولا يناط ذلك بعلم المكلف أو جهله ، ولذلك نقول : بأنّه على المشهور المنصور من أنّ نفقة الزوجة على الزوج دينٌ عليه لا مجرّد وجوب ، كما في الإنفاق على الوالدين أو الولد ، فلو أنفق على زوجته من مالٍ مغصوب لم تبرأ ذمّته وإن كان عن جهل ، إذ الحرام لا يكون مصداقاً للواجب.


1) الكفاية : 156 157.

[2429] مسألة 46 : لا فرق في بطلان الصوم بالارتماس بين أن يكون عالماً بكونه مفطراً أو جاهلاً (1).

[2420] مسألة 47 : لا يبطل الصوم بالارتماس في الوحل ولا بالارتماس في الثلج (2).


وعليه ، فلا مناص من الالتزام ببطلان الغسل في المقام وإن كان جاهلاً بالغصبيّة.

نعم ، يحكم بصحّته مع النسيان ، إذ التكليف مرفوع عن الناسي حتّى واقعاً لامتناع توجيه الخطاب إليه ، فالرفع في الجهل يغاير الرفع في النسيان ، فإنّه في الأوّل ظاهري وفي الثاني واقعي. إذن لا مانع من كونه مشمولاً لدليل الأمر. وعليه ، فيفرّق بين الجهل والنسيان ولا يكونان من وادٍ واحد.

ولكن هذا فيما إذا لم يكن الناسي هو الغاصب نفسه ، وإلّا بطل أيضاً ، لصدور الفعل مبغوضاً بالنهي السابق الساقط ، لانتهائه إلى سوء الاختيار ، ومن المعلوم عدم إمكان التقرّب بالمبغوض.

(1) لإطلاق الأدلة كما هو الشأن في سائر المفطرات أيضاً ، لعدم التقييد بالعلم في شي‌ء منها ، كما سيأتي التعرّض له في الفصل الآتي إن شاء اللّه تعالى.

(2) لما مرّ سابقاً من أنّ الموضوع في الأدلة إنّما هو الماء ، ولو فرضنا التعدّي ببعض المناسبات إلى الماء المضاف لم يكن وجه للتعدّي إلى ما لا يصدق عليه الماء بوجه كالوحل والثلج كما هو ظاهر.

[2431] مسألة 48 : إذا شكّ في تحقّق الارتماس بنى على عدمه (1)(1).

الثامن : البقاء على الجنابة عمداً إلى الفجر الصادق (2) ،


(1) استناداً إلى أصالة العدم ، لكنّها إنّما تنفع لنفي الأثر المترتّب على الارتماس كالكفّارة.

وأمّا البطلان وعدمه فلا يدوران مدار الارتماس الخارجي ، بل الاعتبار فيهما بنفس القصد ، فمتى تحقّق بطل الصوم من باب نيّة القطع وإن لم يتعقّب بالارتماس ، ومتى لم يتحقّق صحّ وإن اتّفق الارتماس خارجاً ، لاختصاص المفطر بالارتماس العمدي ، فلا أثر للارتماس وعدمه من هذه الجهة كي يكون الشكّ فيه مورداً للأصل ، وقد مرّ نظير ذلك في الشكّ في تحقّق الجماع ، للشكّ في دخول مقدار الحشفة (2).

(2) على المعروف والمشهور ، بل ادّعي عليه الإجماع في كلمات غير واحد ، بل تكرّر نقل الإجماع في كلمات بعضهم ، وإن نسب الخلاف إلى بعض كالصدوقين والكاشاني والأردبيلي والداماد (3)، لكنّه ضعيف لا يعبأ به فكأن المسألة من المتسالم عليها بينهم تقريباً ، وقد ادّعى في الرياض تواتر الأخبار بذلك (4).

وكيفما كان ، فلا إشكال في أنّ الأخبار الدالّة على البطلان متظافرة وهي على طوائف ثلاث ، لا يبعد بلوغ المجموع حدّ التواتر ولو إجمالاً.


1) (*) لكن يبطل صومه إذا كان ناوياً للارتماس.

2) في ص 120.

3) لاحظ الحدائق 13 : 113 114.

4) الرياض 5 : 316.

.................................................................................................


منها : ما دلّ على لزوم القضاء فيمن بقي على الجنابة ناسياً حتّى مضى الشهر كلّه ، أو أيّام منه ، وفي بعضها أنّه لو اغتسل للجمعة قضى ما تقدّمه لاجتزائه عن الجنابة ، فإنّها تدلّ على البطلان ولزوم القضاء لو تعمّد البقاء بطريقٍ أولى ، وإلّا فلو لم يكن البقاء عامداً موجباً للبطلان لم يكن وجهٌ للقضاء عند النسيان ، فيستفاد منها أنّ حكم الصوم بالإضافة إلى نسيان الجنابة كحكم الصلاة بالنسبة إلى نسيان النجاسة في الثوب أو البدن ، فكما أنّ الثاني موجب للبطلان فكذا الأوّل.

وسنتعرّض لهذه النصوص عند تعرّض الماتن للمسألة إن شاء اللّه تعالى.

ومنها : ما دلّ على القضاء بل الكفّارة أيضاً فيمن تعمّد النوم جنباً حتّى مطلع الفجر ، فإنّها تدلّ أيضاً على البطلان مع تعمّد البقاء.

نعم ، يعارضها ما دلّ على عدم البأس بذلك ، لكنّه محمول على النومة الأُولى ، أو على غير صورة العمد.

وسيأتي التعرّض لهذه النصوص أيضاً في محلها.

ومنها : ما دلّ على البطلان في خصوص المقام أعني : البقاء على الجنابة عامداً كصحيحة أبي بصير : في رجل أجنب في شهر رمضان بالليل ثمّ ترك الغسل متعمّداً حتّى أصبح «قال : يعتق رقبة ، أو يصوم شهرين متتابعين ، أو يطعم ستّين مسكيناً» إلخ (1).

فإنّ الحكم بالكفّارة ظاهرٌ عرفاً في البطلان ، لبعد كونه تعبّديّاً بحتاً مع فرض صحّة الصوم.

وأصرح منها صحيحة المروزي أعني : سليمان بن حفص ، وما في بعض


1) الوسائل 10 : 63 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 16 ح 2.

.................................................................................................


النسخ من ذكر جعفر بدل حفص غلط ، لعدم وجوده في الرجال بتاتاً ، والرجل المزبور موثّق ، لوجوده في أسانيد كامل الزيارات «قال : إذا أجنب الرجل في شهر رمضان بليل ولا يغتسل حتّى يصبح فعليه صوم شهرين متتابعين مع صوم ذلك اليوم» إلخ (1)، فإنّها قد تضمّنت القضاء صريحاً.

نعم ، بإزائها روايات قد يتوهّم معارضتها لما سبق من الطوائف الثلاث :

منها : صحيحة حبيب الخثعمي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال : كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) يصلّي صلاة الليل في شهر رمضان ثمّ يجنب ثمّ يؤخر الغسل متعمّداً حتّى يطلع الفجر» (2).

ولكن مضمونها كما ترى غير قابل للتصديق ، فإنّ التعبير ب- «كان» ظاهرٌ في الاستمرار والدوام ، فكأنّه (صلّى اللّه عليه وآله) كان يواظب على ذلك ، ولا شكّ في أنّه أمرٌ مرجوح على الأقل.

نعم ، وقوعه اتّفاقاً مرّة أو مرّتين لا بأس به ، أمّا الاستمرار عليه فغير محتمل ، فلا بدّ من ردّ علمها إلى أهلها أو حملها على التقيّة.

كما قد يؤيّدها رواية إسماعيل بن عيسى ، قال : سألت الرضا (عليه السلام) عن رجل أصابته جنابة في شهر رمضان فنام عمداً حتّى يصبح ، أيّ شي‌ء عليه؟ «قال : لا يضرّه هذا ولا يفطر ولا يبالي ، فإن أبي (عليه السلام) قال : قالت عائشة : إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) أصبح جنباً من جماع غير احتلام» إلخ (3).


1) الوسائل 10 : 63 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 16 ح 3.

2) الوسائل 10 : 64 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 16 ح 5.

3) الوسائل 10 : 59 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 13 ح 6.

.................................................................................................


فإنّ الاستشهاد بكلام عائشة ظاهرٌ في التقيّة كما لا يخفى.

ومع الغضّ عمّا ذُكر فهي خبر واحد لا تنهض للمقاومة مع النصوص المتقدّمة التي لا يبعد فيها دعوى التواتر ولو إجمالاً كما مرّ ، فتكون هذه على خلاف السنّة القطعيّة ، ومثلها يسقط عن الحجّيّة.

فهذه الرواية وإن كانت صحيحة السند فإنّ حبيب بن معلّى الخثعمي وثّقه النجاشي صريحاً وقال : إنّه ثقة ثقة (1)إلّا أنّ مضمونها غير قابل للتصديق أوّلاً.

وثانياً : إنّها موافقة لمذهب العامّة ، لأنّ المتسالم عليه بينهم جواز البقاء على الجنابة عامداً ، فهي محمولة على التقيّة لا محالة.

وثالثاً : إنّها على خلاف السنّة القطعيّة ، فلا بدّ من طرحها أو ردّ علمها إلى أهلها.

ومنها : رواية حمّاد بن عثمان : أنّه سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل أجنب في شهر رمضان من أوّل الليل وأخّر الغسل حتّى يطلع الفجر «فقال : كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) يجامع نساءه من أوّل الليل ثمّ يؤخِّر الغسل حتّى يطلع الفجر ، ولا أقول كما يقول هؤلاء الأقشاب يقضي يوماً مكانه» (2).

وهذه الرواية لم يذكرها الصدوق في الفقيه ، وإنّما ذكرها في المقنع (3)الذي هو كتاب فتوى ، وإن كانت فتاواه متخذة غالباً من مضامين الأخبار. وكيفما كان ، فقد ذكرها فيه مرسلاً ، لعدم ذكره الواسطة بين حمّاد والإمام (عليه السلام) ، مع أنّها لا بدّ من وجودها ، فهي ضعيفة السند أوّلاً.


1) لاحظ رجال النجاشي : 141 / 368.

2) الوسائل 10 : 57 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 13 ح 3. والأقشاب : جمع قَشِب ، وهو من لا خير فيه من الرجال مجمع البحرين 2 : 143 (قشب).

3) المقنع : 189.

.................................................................................................


وثانياً : يرد عليها ما أوردناه على الرواية السابقة من أنّ مضمونها غير قابل للتصديق ، بل أنّ مضمون هذه مقطوع العدم ، إذ المفروض فيها جنابته (صلّى اللّه عليه وآله) من أوّل الليل حتّى مطلع الفجر ، لا من بعد صلاة الليل كما في السابقة. إذن فمتى كان يصلّي الليل ووجوبها عليه من مختصاته (صلّى اللّه عليه وآله وسلم)؟! ولا يبعد أن يكون المراد على تقدير صحّة الرواية هو الإنكار بأن يكون معنى قوله : «كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله)» إلخ : أكان رسول اللّه ، على سبيل الاستفهام الإنكاري ، وأنّ هذا الأمر هو الذي يقوله هؤلاء الأقشاب. أمّا أنا فلا أقول ذلك ، بل أقول : إنّه يقضي يوماً مكانه ، فيكون قوله (عليه السلام) «يقضي يوماً» إلخ ، جملة ابتدائيّة إنشائيّة لا مقولاً للقول. وعليه ، فتكون الصحيحة على خلاف المطلوب أدلّ.

وثالثاً : مع الغضّ عن كلّ ما ذكر فهي خبر واحد لا تقاوم النصوص السابقة القطعيّة الصدور كما مرّ ، فلا مناص من الطرح.

ومنها : صحيحة العيص بن القاسم ، قال : سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل أجنب في شهر رمضان في أوّل الليل فأخّر الغسل حتّى طلع الفجر «فقال : يتمّ صومه ولا قضاء عليه» (1).

ونحوها رواية أبي زينبة (2)وإن لم تكن نقيّة السند.

والعمدة هي الصحيحة.

والجواب : أنّها وإن كانت صحيحة السند ظاهرة الدلالة إلّا أنّ دلالتها بالإطلاق الشامل للعمد ولغير العمد ، إذ ليست هي صريحة في الأوّل.


1) الوسائل 10 : 58 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 13 ح 4 ، 5.

2) الوسائل 10 : 58 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 13 ح 4 ، 5.

في صوم شهر رمضان أو قضائه (1) ، دون غيرهما من الصيام الواجبة والمندوبة


نعم ، لو كان المذكور فيها : «يطلع الفجر» بصيغة المضارع ، بدل : «طلع» ، لكان لدعوى الاختصاص بالأوّل وجه وأنّه أخّر الغسل لغاية طلوع الفجر ، أي لأنّ «يطلع الفجر» كمن ينتظره ويترصّده ، لكن المذكور «طلع» بصيغة الماضي ، ومثله صادق على من أخّر الغسل برجاء بقاء الوقت فاتّفق الطلوع من غير أن يكون متعمّداً في التأخير ، فيقيَّد هذا الإطلاق بالنصوص المتقدّمة كصحيحة أبي بصير الدالّة على البطلان في صورة العمد ، وتحمل هذه على غير العامد ، عملاً بصناعة الإطلاق والتقييد.

فإن تمّ هذا النوع من الجمع الدلالي فهو ، وإلّا فلا إشكال في أنّ الترجيح مع تلك النصوص لوجهين :

أحدهما : أنّها قطعيّة الصدور ، بل هي متواترة ولا أقلّ إجمالاً كما مرّ ، وهذه خبر واحد لا تنهض للمقاومة ، وقد ذُكِر في بحث التعارض. أنّ أوّل المرجّحات عرض الرواية على الكتاب والسنّة القطعية ، فيطرح المخالف لهما.

ثانيهما : أنّ هذه الصحيحة موافقة لمذهب العامّة ، وتلك النصوص مخالفة ، فتُحمل هذه على التقيّة.

فتحصّل : أنّ ما عليه المشهور بل المتسالم عليه تقريباً من بطلان الصوم بالبقاء على الجنابة متعمّداً إلى طلوع الفجر ، وأنّه يجب عليه القضاء حينئذٍ بل الكفّارة أيضاً هو الصحيح ، وخلاف الصدوقين ومن حذا حذوهما شاذٌّ لا يُعبأ به.

(1) إذ مضافاً إلى القاعدة المقرّرة المستفاد من بعض النصوص من مساواة القضاء مع الأداء في الماهيّة واتّحادهما في الأجزاء والشرائط ما لم يقم دليل على

على الأقوى (1) ، وإن كان الأحوط تركه في غيرهما أيضاً خصوصاً في الصيام الواجب موسّعاً كان أو مضيّقاً.


الخلاف ، يدلّ عليه في خصوص المقام جملة من النصوص ، كصحيحة عبد اللّه ابن سنان : أنّه سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يقضي شهر رمضان فيجنب من أوّل الليل ولا يغتسل حتّى يجي‌ء آخر الليل وهو يرى أنّ الفجر قد طلع «قال : لا يصوم ذلك اليوم ويصوم غيره» (1)ونحوها صحيحته الأُخرى (2)، وقريب منهما موثّقة سماعة (3).

فعلى تقدير عدم تماميّة القاعدة المزبورة فالنصوص الخاصّة وافية بإثبات المطلوب.

(1) أمّا في المندوبة فلا إشكال في عدم القدح كما لا خلاف فيه ظاهراً ، وتدلّ عليه جملة من النصوص ، كصحيحة حبيب بن معلّى الخثعمي الذي وثّقه النجاشي صريحاً وقال : إنّه ثقة ثقة قال : قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : أخبرني عن التطوّع وعن صوم هذه الثلاثة الأيّام إذا أجنبت من أوّل الليل فأعلم أنِّي أجنبت فأنام متعمّداً حتّى ينفجر الفجر ، أصوم أو لا أصوم؟ «قال : صم» (4)ونحوها موثّقة ابن بكير (5)المؤيَّدة بروايته الأُخرى (6)، وإن كانت الثانية ضعيفة السند بأبي عبد اللّه الرازي.

فيستفاد من هذه النصوص أنّ الصوم المندوب يفارق صوم رمضان وقضائه ، فلا يعتبر فيه عدم البقاء جنباً ، فيكون حاله معه حال صلاة النافلة بالإضافة إلى الفريضة ، حيث لا يعتبر فيها الاستقراء ولا القيام المعتبرين في الفريضة ، وهذا


1) الوسائل 10 : 67 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 19 ح 1 ، 2 ، 3.

2) الوسائل 10 : 67 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 19 ح 1 ، 2 ، 3.

3) الوسائل 10 : 67 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 19 ح 1 ، 2 ، 3.

4) الوسائل 10 : 68 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 20 ح 1 ، 2 ، 3.

5) الوسائل 10 : 68 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 20 ح 1 ، 2 ، 3.

6) الوسائل 10 : 68 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 20 ح 1 ، 2 ، 3.

.................................................................................................


ظاهر لا سترة عليه.

إنّما الكلام في الصوم الواجب من غير رمضان وقضائه كالمنذور ونحوه سواء أكان موسّعاً أم مضيّقاً ، وأنّه هل يلحق بصوم رمضان فلا يجوز فيه البقاء عامداً ، أم يلحق بالصوم المندوب فيجوز؟

الظاهر هو الثاني ، لقصور المقتضي ، فإنّ النصوص بأجمعها خاصّة بصوم رمضان أو قضائه وواردة في هذين الموردين ، وليس هناك نصّ مطلق يشمل كلّ صوم واجب ، ولا وجه للإلحاق والتعدّي إلّا دعوى إلغاء خصوصيّة المورد وأنّ ذلك القيد معتبر في طبيعي الصوم الواجب من غير خصوصيّة لرمضان ، وأنّى لنا بإثبات ذلك بعد كون الإلغاء على خلاف ظواهر الأدلة ، فلا دليل على الإلحاق ، بل لعلّ الدليل قائم على العدم ، حيث الظاهر من صحيحة ابن مسلم التي رواها المشايخ الثلاثة «لا يضرّ الصائم ما صنع إذا اجتنب ثلاث خصال : الطعام والشراب ، والنساء ، والارتماس في الماء» (1)عدم اعتبار الاجتناب عن الزائد على هذه الخصال في طبيعي الصوم ، واجباً كان أو مستحباً ، غايته أنّه قام الدليل على اعتبار الاجتناب عن البقاء على الجنابة عامداً في صوم رمضان وقضائه ، فيقتصر على مورده ، ويُنفى الاعتبار فيما عداه بمقتضى إطلاق هذه الصحيحة.

فتحصّل : أنّ الأظهر ما ذكره في المتن من عدم الاعتبار في غيرهما من الصيام الواجبة والمندوبة وإن كان الأحوط تركه مطلقاً كما أشار إليه في المتن ، خروجاً عن شبهة الإلحاق والخلاف.

ومراده (قدس سره) من كون الأحوط ترك البقاء في المندوب : المبادرة إلى الاغتسال قبل طلوع الفجر وعدم البقاء عامداً ، لا ترك الصوم لو بقي ليلزم


1) الوسائل 10 : 31 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 1 ح 1.

وأمّا الإصباح جنباً من غير تعمّد فلا يوجب البطلان (1) إلّا في قضاء شهر رمضان (2) على الأقوى ،


التفويت في الصوم المندوب الذي دلّ الدليل على صحّته ، فإنّ الأحوط حينئذٍ هو الفعل لا الترك كما هو ظاهر جدّاً.

(1) بلا خلافٍ فيه ولا إشكال ، لتقييد البطلان في النصّ والفتوى بصورة العمد كما في صحيحة أبي بصير المتقدّمة (1)، وقد عرفت أنّ إطلاق صحيحة العيص النافية للبأس عن البقاء جنباً منزّلٌ على غير صورة العمد.

(2) أي الموسّع ، فلا يصحّ مع الإصباح جنباً ولو عن غير عمد ، فكأنّه يمتاز عن شهر رمضان نفسه ، لأجل كونه من الواجب المعيّن ، بخلاف قضائه الموسع.

ويدلّ على الحكم جملة من النصوص ، كصحيحة ابن سنان : عن الرجل يقضي شهر رمضان فيجنب من أوّل الليل ولا يغتسل حتّى يجي‌ء آخر الليل وهو يرى أن الفجر قد طلع «قال : لا يصوم ذلك اليوم ويصوم غيره» (2).

وصحيحته الأُخرى ، قال : كتب أبي إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام) وكان يقضي شهر رمضان وقال : إنِّي أصبحت بالغسل وأصابتني جنابة فلم أغتسل حتّى طلع الفجر ، فأجابه (عليه السلام) : «لا تصم هذا اليوم وصم غداً» (3)ونحوهما غيرهما.

فإنّ إطلاقها يشمل العامد وغيره لو لم يكن منصرفهما الثاني كما لا يخفى.


1) في ص 186.

2) الوسائل 10 : 67 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 19 ح 1 ، 2.

3) الوسائل 10 : 67 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 19 ح 1 ، 2.

وإن كان الأحوط إلحاق مطلق الواجب غير المعيّن به في ذلك (1) ، وأمّا الواجب المعيّن رمضاناً كان أو غيره فلا يبطل بذلك ، كما لا يبطل مطلق الصوم واجباً كان أو مندوباً ، معيّناً أو غيره بالاحتلام في النهار (2) ،


(1) وهل يلحق بالقضاء غيره من الصيام الواجب الموسّع كالكفّارة والنذر ونحوهما ، بناءً على أنّ الإصباح فيها جنباً عامداً موجبٌ للبطلان ، وأمّا على القول بعدم البطلان في صورة العمد كما هو الصحيح على ما مرّ ففي غير العمد بطريق أولى ، بدعوى أنّ المستفاد من صحيحتي ابن سنان المتقدّمتين كون الموضوع الصوم الواجب غير المعيّن من غير خصوصيّة للقضاء؟

الظاهر عدم الإلحاق ، فإنّ التعدّي عن مورد النصّ وإلغاء خصوصيّة المورد كما ذكر يحتاج إلى القطع بعدم الفرق ، وهو مشكل جدّاً ، مخالف لظاهر الدليل ، فلا مناص من الاقتصار على مورده.

(2) بلا خلافٍ ، ولا إشكال ، كما تدلّ عليه جملة من النصوص ، التي منها صحيحة عبد اللّه بن ميمون : «ثلاثة لا يفطرن الصائم : القي‌ء ، والاحتلام ، والحجامة» (1).

وموثّقة ابن بكير : عن الرجل يحتلم بالنهار في شهر رمضان ، يتمّ صومه كما هو؟ «فقال : لا بأس» (2).

وصحيحة العيص بن القاسم : عن الرجل ينام في شهر رمضان فيحتلم ثمّ يستيقظ ثمّ ينام قبل أن يغتسل «قال : لا بأس» (3)وغيرها.

بل مقتضى الإطلاق فيها جواز البقاء على الجنابة إلى آخر النهار ، كما لو صلّى


1) الوسائل 10 : 103 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 35 ح 1 ، 2 ، 3.

2) الوسائل 10 : 103 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 35 ح 1 ، 2 ، 3.

3) الوسائل 10 : 103 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 35 ح 1 ، 2 ، 3.

ولا فرق في بطلان الصوم بالإصباح جنباً عمداً بين أن تكون الجنابة بالجماع في الليل أو الاحتلام (1) ، ولا بين أن يبقى كذلك متيقّظاً أو نائماً بعد العلم بالجنابة مع العزم على ترك الغسل (2).


الظهرين عند الزوال ثمّ نام واحتلم فاستيقظ وبقي كذلك إلى الغروب ، فلا تجب المبادرة إلى الغسل كما هو ظاهر.

(1) إذ العبرة في العمد بنفس البقاء على الجنابة لا بموجب الجنابة ، والبقاء في مورد الاحتلام بعد ما استيقظ مستندٌ إلى العمد والاختيار وإن لم يكن سبب الجنابة اختياريّاً ، ويقتضيه الإطلاق في صحيحة أبي بصير (1)، بل في صحيحة الحلبي (2)وصحيحة البزنطي (3)التصريح بعدم الفرق بين الجماع والاحتلام.

(2) ما تقدّم إلى هنا كان حكم الإصباح جنباً متيقّظاً ، وقد عرفت أنّ حكمه التفصيل بين العامد وغيره ، وأمّا الإصباح جنباً نائماً فحكمه كذلك. وإنّما أفردنا كلّاً منهما بالذكر توضيحاً للمقام ، فإنّ الروايات الواردة في النائم أيضاً على طوائف ثلاث كما تقدّم في المستيقظ.

فمنها : ما دلّ على عدم البطلان مطلقاً ، كرواية أبي سعيد القمّاط : عمّن أجنب في شهر رمضان في أوّل الليل فنام حتّى أصبح «قال : لا شي‌ء عليه ، وذلك أنّ جنابته كانت في وقتٍ حلال» (4).

وقد عُبِّر عنها بالصحيحة في كلمات غير واحد ، وناقش فيه السبزواري في


1) الوسائل 10 : 63 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 16 ح 2 ، 1.

2) الوسائل 10 : 63 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 16 ح 2 ، 1.

3) الوسائل 10 : 62 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 15 ح 4.

4) الوسائل 10 : 57 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 13 ح 1.

.................................................................................................


الكفاية بأنّ أبا سعيد القمّاط لم يوثّق في كتب الرجال (1).

وقد أورد عليه في الحدائق بأنّ أبا سعيد هو خالد بن سعيد القمّاط ، كنيته أبو سعيد ، وقد وثّقه النجاشي صريحاً (2).

ولكن الصحيح ما ذكره السبزواري ، فإنّ أبا سعيد المزبور مشترك بين أخوين : خالد بن سعيد وصالح بن سعيد ، ولكلّ منهما كتاب ، وكلّ منهما مكنّى بهذه الكنية ، وقد وثّق النجاشي الأوّل ولم يرد توثيق في الثاني ، إذن فأبو سعيد بعنوانه مجمل مردّد بين الثقة وغيره ، وكان على السبزواري أن يذكر أنّ سبب الضعف هو الاشتراك لا عدم التوثيق كي يسلم عن اعتراض الحدائق.

وكيفما كان ، فالرواية محكومة بالضعف كما عرفت.

نعم ، إنّ السند المزبور بعينه مذكور في أسانيد كامل الزيارات ، ولكنّه أيضاً لا يجدي ، لجواز أن يكون المراد به هو الثقة دون الآخر غير الموثّق ، كي يكون ذكره في الكامل دليلاً على توثيقه كما لا يخفى. فلا يمكن الحكم بوثاقته.

هذا ، ولكن الظاهر صحّة الرواية ، لما أشرنا إليه في المعجم (3)من أنّ الكليني روى رواية صحيحة ذكر فيها هكذا : عن أبي سعيد القمّاط وصالح بن سعيد ، فيظهر من ذلك أي من هذا العطف أنّ الأشهر منهما في هذه الكنية إنّما هو خالد بن سعيد دون أخيه صالح ، بحيث تنصرف الكنية عند الإطلاق إلى الأوّل الثقة كما ذكره صاحب الحدائق.

هذا ، مع أنّ صالح بن سعيد نفسه مذكور في أسانيد كتاب تفسير علي بن


1) لم نعثر عليه في الكفاية. نعم ، وجدناه في ذخيرة المعاد : 497.

2) الحدائق 13 : 119 ، النجاشي : 149 / 387.

3) معجم رجال الحديث 10 : 73.

.................................................................................................


إبراهيم ، وقد بنينا أخيراً على وثاقة أسانيد هذا التفسير ككتاب كامل الزيارات ، لالتزامه أيضاً بأن لا يروي إلّا عن ثقة.

وعليه ، فعلى تقدير تسليم الإجمال في المراد من أبي سعيد القمّاط وأنّه أيٌّ من الأخوين فالرواية أيضاً محكومة بالصحّة ، لتردّد اللفظ بين ثقتين لا بين الثقة وغيره ، وعلى كلّ حال ، فالرواية موصوفة بالصحّة كما وصفها بها غير واحد حسبما عرفت.

وكيفما كان ، فيكفينا في المقام صحيحة أُخرى ، وهي صحيحة على بن رئاب ، قال : سُئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) وأنا حاضر : عن الرجل يجنب بالليل في شهر رمضان فينام ولا يغتسل حتّى يصبح «قال : لا بأس يغتسل ويصلّي ويصوم» (1).

وبإزائها وهي الطائفة الثانية ما دلّ على البطلان مطلقاً ، التي منها صحيحة ابن مسلم : عن الرجل تصيبه الجنابة في رمضان ثمّ ينام ، أنّه قال : «إن استيقظ قبل أن يطلع الفجر فإن انتظر ماءً يسخن أو يستقي فطلع الفجر فلا يقضي صومه» (2).

دلّت بالمفهوم على أنّه إن لم يستيقظ قضى صومه.

وهناك طائفة ثالثة دلّت على البطلان في مورد العمد ، كصحيحة البزنطي : عن رجل أصاب من أهله في شهر رمضان أو أصابته جنابة ثمّ ينام حتّى يصبح متعمّداً «قال : يتمّ ذلك اليوم وعليه قضاؤه» (3).

وصحيحة الحلبي : في رجل احتلم أوّل الليل أو أصاب من أهله ثمّ نام


1) الوسائل 10 : 59 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 13 ح 7.

2) الوسائل 10 : 60 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 14 ح 1.

3) الوسائل 10 : 62 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 15 ح 4.

ومن البقاء على الجنابة عمداً : الإجناب قبل الفجر متعمّداً في زمانٍ لا يسع الغسل ولا التيمّم (1) ، وأمّا لو وسع التيمّم خاصّة فتيمّم صحّ صومه وإن كان عاصياً (1)في الإجناب (2).


متعمّداً في شهر رمضان حتّى أصبح «قال : يتمّ صومه ذلك ثمّ يقضيه» إلخ (2).

وحيث إنّ هذه الطائفة أخصّ من الاولى فتخصّصها ، ثمّ هي تخصّص الطائفة الثانية ، وبذلك ترتفع المعارضة ، فتُحمَل الاولى على غير العامد ، والثانية على العامد بشهادة الطائفة الثالثة ، فتكون النتيجة هي النتيجة المتقدّمة في المتيقّظ من التفصيل بين العمد وغيره.

(1) إذ لا فرق في اتّصاف الفعل بالعمد وإسناده إلى الاختيار بين أن يكون اختياريّاً بنفسه أو بمقدّمته وإن خرج عن الاختيار في ظرفه ، فإنّ الممتنع بالاختيار لا ينافي الاختيار ، فالبقاء في المقام اختياري باختياريّة مقدّمته وهو الإجناب ، كما في إلقاء النفس من الشاهق.

(2) ينبغي التكلّم في مقامين :

أحدهما : أنّ من كان فاقداً للماء بطبعه أو عاجزاً عن استعماله لمرضٍ يمنع عن الغسل دون الصوم ، هل يسوغ التيمم حينئذٍ لأجل صومه؟

قد يقال بالعدم ، نظراً إلى أنّ التيمّم لا يرفع الجنابة ، بل هو بدل عن الغسل فيما يكون مشروطاً بالطهارة ، وإلّا فالجنابة باقية على حالها كما يفصح عنه ما ورد في النصّ من قوله : رجل جنب أمّ قوماً (3)، إلخ ، فإنّ المفروض أنّ الإمام


1) (*) في العصيان إشكال والأظهر عدمه.

2) الوسائل 10 : 63 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 16 ح 1.

3) الوسائل 8 : 327 / أبواب صلاة الجماعة ب 17 ح 3.

.................................................................................................


كان قد دخل في الصلاة مع التيمّم ومع ذلك وصف بأنّه جنب ، وحيث إنّ المفطر هو البقاء على الجنابة غير المرتفعة بالتيمّم كما عرفت فوجوده كالعدم ، فلا أثر للتيمّم في المقام بوجه.

ولكنّه يندفع بما سيأتي توضيحه قريباً إن شاء اللّه تعالى من أنّ المستفاد من الأدلة أنّ المفطر إنّما هو البقاء على حدث الجنابة لا الجنابة نفسها ، وقد استفيد من قوله (عليه السلام) : «ربّ الماء وربّ الصعيد واحد» (1)ونحوه من أخبار التيمّم أنّه في كل مورد أُمر بالاغتسال وتعذّر الماء فالتيمّم يقوم مقامه ، فهو أحد الطهورين ويرتفع به الحدث ولو رفعاً مؤقّتاً ، أو أنّه فعل يستباح به الدخول فيما يكون الحدث مانعاً عنه.

ويعضده قيام السيرة القطعيّة من المتشرّعة على الإجناب الاختياري في ليالي رمضان مع العلم بوجوب الصوم عليهم حتّى مع عدم التمكّن من الاغتسال لفقد الماء أو لمرضٍ جلدي وغيره ممّا يضره استعماله ، ولا يتركون المضاجعة من أجل ذلك ، لعدم احتمال التخصيص في دليل حلّيّة الرفث بالإضافة إليهم ، بل يجنبون أنفسهم اختياراً ويتيمّمون ويصومون ويحكم بصحّة صومهم قطعاً.

المقام الثاني : بعد الفراغ عن مشروعيّة التيمّم للصوم كما عرفت ، فهل يختصّ بمن كان فاقداً أو عاجزاً عن الاستعمال بطبعه ، أو أنّه يعمّ موارد التعجيز الاختياري أيضاً ، كمن أجنب نفسه عمداً في وقتٍ لا يسع الغسل ، أو أنّه كان جنباً فأخّر الغسل عامداً إلى أن ضاق الوقت عنه ، فهل يسوغ التيمّم عندئذٍ ويكون مشروعاً في حقّه ، أو لا؟

الظاهر عدم المشروعيّة ، لقصور المقتضي ، فإنّ المستفاد من قوله تعالى ( فَلَمْ تَجِدُوا ماءً ) (2)إلخ ، بحسب الفهم العرفي هو عدم الوجدان بالطبع ، لا أن


1) الوسائل 3 : 370 / أبواب التيمم ب 14 ح 15 ، 17 وص 386 ب 23 ح 6.

2) المائدة 5 : 6.

وكما يبطل الصوم بالبقاء على الجنابة متعمّداً كذا يبطل بالبقاء على حدث الحيض والنفاس إلى طلوع الفجر (1) ،


يجعل الإنسان نفسه غير واجد بأن يريق الماء ، أو يجنب نفسه كما في المقام.

نعم ، في خصوص باب الصلاة التزمنا بالمشروعيّة وجعلنا ضيق الوقت وإن استند إلى العمد من المسوّغات ، لقيام الدليل الخارجي عليه ، وهو ما استفيد من صحيحة زرارة الواردة في المستحاضة من أنّ الصلاة لا تترك بحال ، وبما أنّها مشروطة بالطهارة ، والتراب أحد الطهورين ، والمفروض العجز عن الآخر ، فلا محالة تستكشف المشروعيّة عندئذٍ (1).

وأمّا في باب الصوم فلم يرد مثل هذا الدليل ، وقد عرفت أنّ دليل المشروعيّة أيضاً قاصر الشمول لأمثال المقام في حدّ نفسه ، إذن فكما أنّه عاصٍ في تعجيز نفسه ، كذلك لا يصحّ صومه أيضاً ، لكونه من مصاديق البقاء على الجنابة عامداً.

والحاصل : أنّه لا يمكن أن يستفاد من الأدلّة قيام التيمّم مقام الغسل في موارد التعجيز الاختياري عن تحصيل الطهارة المائيّة ، إلّا إذا قام عليه دليل بالخصوص ، وقد قام في باب الصلاة بالتقرير المتقدّم ، ولم يقم في باب الصوم ، إذن فصحّته مع التيمّم في غاية الإشكال ، فلأجل ذلك احتطنا في المسألة بأن يتيمّم ويصوم احتياطاً ويقضي يوماً مكانه.

(1) على المشهور ، بل قيل : إنّه لا خلاف فيه.

ويستدلّ له في الحيض بما رواه الشيخ بإسناده عن أبي بصير عن أبي عبد اللّه


1) شرح العروة (كتاب الصلاة 1) : 6.

.................................................................................................


(عليه السلام) «قال : إن طهرت بليل من حيضتها ثمّ توانت أن تغتسل في رمضان حتّى أصبحت عليها قضاء ذلك اليوم» (1).

واستشكل فيها غير واحد منهم : الشيخ في النهاية والمحقّق في المعتبر والأردبيلي وصاحب المدارك بضعف السند (2).

وأُجيب عنه تارةً : بالانجبار بعمل المشهور.

وفيه ما لا يخفى ، إذ مضافاً إلى منع الكبرى كما هو المعلوم من مسلكنا لم تتحقّق الصغرى أيضاً في المقام ، كيف؟! وأنّ الكثير من قدماء الأصحاب لم يتعرّضوا في كتبهم لهذه المسألة ، ومعه كيف يحرز الانجبار بعمل المشهور؟!

وأُخرى : بأنّ علي بن الحسن بن فضّال الراوي للحديث وإن كان فطحيّاً ولأجله لم تكن الرواية صحيحة بالمعنى المصطلح ، إلّا أنّنا لا نصافق صاحب المدارك على اعتبار الصحّة بهذا المعنى في الحجّيّة ، بل يكفي فيها مجرّد الوثاقة المتّصف بها الرجل ، فالرواية معتبرة وإن لم تكن من قسم الصحيح بل الموثّق.

وفيه : إنّ هذا إنّما ينفع لو كان منشأ الإشكال منحصراً في وجود ابن فضّال ، لكن الإشكال فيمن قبله ، فإنّ في طريق الشيخ إليه علي بن محمّد بن الزبير ، ولم يُذكَر بمدحٍ ولا قدح ، فالرواية غير موثّقة لهذه العلّة.

وثالثةً : بأنّه لا بدّ من العمل بكتب بني فضّال ، لما اشتُهر في حقّهم من أنّه «خذوا ما رووا وذروا ما رأوا» كما روي ذلك عن الحسن العسكري (عليه السلام) (3).


1) الوسائل 10 : 69 / ما يمسك عنه الصائم ب 21 ح 1 ، التهذيب 1 : 393 / 1213.

2) حكاه عن النهاية في مصباح الفقيه 14 : 419 ، المعتبر 1 : 227 ، مجمع الفائدة والبرهان 5 : 47 ، المدارك 1 : 345.

3) الوسائل 27 : 142 / أبواب صفات القاضي ب 11 ح 13.

.................................................................................................


ولكنّ الظاهر أنّه لا أصل لهذه الرواية ، وأظنّ أن منشأ الاشتهار ما ذكره الشيخ الأنصاري (قدس سره) في أوّل صحيفة من كتاب الصلاة عند الجواب عن الإشكال في رواية داود بن فرقد بابن فضّال بأنّا أمرنا بالأخذ برواياتهم فاشتُهر ذلك (1).

وأمّا رواية العسكري (عليه السلام) فالأصل فيها ما ذكره الشيخ في كتاب الغيبة : أنّه سُئل الحسين بن روح عن كتب الشلمغاني فأجاب بأنّي أقول فيها ما قال العسكري (عليه السلام) في كتب بني فضّال : «خذوا ما رووا وذروا ما رأوا» (2).

ولكنّ الظاهر عدم صحّة الرواية ، فإنّها مرويّة عن خادم الحسين بن روح ، وهو مجهول حتّى اسماً ، مع أنّا لو فرضنا صحّة هذه الرواية فيبقى الإشكال المتقدّم ، وهو أنّه لم يثبت أنّ الرواية موجودة في كتب بني فضّال ، لضعف الطريق من أجل علي بن محمّد بن الزبير كما عرفت. فهده الوجوه كلّها ساقطة.

نعم ، يمكن تصحيح الرواية بوجهٍ آخر تعرّضنا له في المعجم ، وملخّصه : أنّه لو كان كتاب رواه شخصان طريق أحدهما إليه صحيح وطريق الآخر ضعيف ، وشيخ الراويين شخص واحد ، كشف ذلك عن صحّة رواية الثاني عنه أيضاً ، وأنّ لشيخ الرواية إلى الكتاب طريقين أحدهما صحيح والآخر ضعيف ، نقل أحدهما لأحد الراويين والآخر للراوي الآخر ، إذ لا يحتمل أن يكون ما أخبره شخص واحد لأحدهما مغايراً لما أخبر به الآخر ، وإلّا كان ذلك منه خيانة في النقل كما لا يخفى (3).


1) كتاب الصلاة 1 : 35 36.

2) كتاب الغيبة : 389 / 355.

3) معجم رجال الحديث 1 : 78.

.................................................................................................


وعليه ، فطريق الشيخ إلى كتاب علي بن الحسن بن فضّال وإن كان ضعيفاً إلّا أنّ طريق النجاشي إليه صحيح (1)، وبما أنّ شيخهما شخص واحد وهو أحمد بن محمّد بن عبدون (2)وطبع الحال يقتضي أنّ ما نقله للشيخ هو بعينه ما نقله للنجاشي من غير زيادة ونقيصة ، فلا جرم يستلزم ذلك صحّة طريق الشيخ أيضاً حسبما عرفت.

هذا ، ومع الغضّ عن ذلك وتسليم ضعف الرواية ، فيمكننا إثبات الحكم بطريق الأولويّة القطعيّة ، فإنّه سيجي‌ء إن شاء اللّه تعالى في المسألة الآتية : أنّ المستحاضة لو تركت غسلها بطل صومها ووجب عليها القضاء ، لصحيحة على ابن مهزيار الناطقة بذلك (3)، وهو يستلزم ثبوت الحكم في الحائض التي هي أعظم شأناً منها بطريق أولى كما لا يخفى ، بل ربّما يظهر من صدر الصحيحة مغروسيّة الحكم في ذهن السائل لقوله : «امرأة طهرت من حيضها» ، فكأنّ اشتراط الطهارة من الحيض في صحّة الصوم أمرٌ مسلّم مفروغٌ عنه ، وإنّما السؤال الذي من أجله سيقت الصحيحة عن حكم المستحاضة فقط ، فتدبّر.

وكيفما كان ، فلا إشكال في المسألة.

هذا كلّه في الحيض.

وأمّا النفاس : فإنّه وإن تقدّم في محلّه من كتاب الطهارة أنّ ما ورد من أنّه حيض محتبس غير نقي السند ، إلّا أنّه يستفاد من النصوص المختلفة في الموارد المتفرّقة اتّحاد حكمهما ، إلّا ما ثبت الاختلاف من الخارج في بعض الخصوصيات ،


1) رجال النجاشي : 257 / 676.

2) المذكور في كتب الرجال ومنها معجم رجال الحديث (2 : 155 156) : أحمد بن عبدون أو أحمد بن عبد الواحد.

3) الوسائل 10 : 66 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 18 ح 1.

فإذا طهرت منهما قبل الفجر وجب عليها الاغتسال أو التيمّم ، ومع تركهما عمداً يبطل صومها. والظاهر اختصاص البطلان بصوم رمضان (1) ، وإن كان الأحوط إلحاق قضائه به أيضاً ، بل إلحاق مطلق الواجب بل المندوب أيضاً.


كتحديد الأقل فيه بلحظة ، وفي الحيض بثلاثة (1).

وعلى أيّ حال ، فحكم النفاس في المقام حكم الحيض بلا إشكال ، فلو أخّرت الغسل عامدةً بعد ما طهرت كان ذلك بمثابة البقاء على الجنابة في بطلان الغسل عامدةً بعد ما طهرت كان ذلك بمثابة البقاء على الجنابة في بطلان الصوم ولزوم القضاء والكفّارة.

(1) لا يخفى أنّ القيود الوجوديّة أو العدميّة المأخوذة في المأمور به قد تكون ملحوظة في نفس الطبيعة وتُعدّ من مقوّماتها ، فعندئذٍ لا بدّ من مراعاتها في جميع الأفراد على الإطلاق ، من غير فرق بين الواجب والمستحبّ والأداء والقضاء وغير ذلك ، وهذا كما في أجزاء الصلاة ، وشرائطها وموانعها ، فإذا دلّ الدليل على أخذ القيد بهذا النحو ثبت في جميع الموارد حتّى المستحبّ ، إلّا إذا نصّ على خلافه ، كما في الاستقرار ونحوه في الصلوات المستحبّة.

وأُخرى : تكون ملحوظة في قسم خاصّ من غير دخل في أصل الطبيعة ، فحينئذٍ يختصّ الحكم بذلك المورد ولا وجه للتعدّي.

هذا ، وقد استفدنا من مثل قوله (عليه السلام) في صحيحة ابن مسلم : «لا يضرّ الصائم ما صنع إذا اجتنب أربع خصال» إلخ : أنّ الاجتناب عن تلك


1) شرح العروة 8 : 152 و 157.

.................................................................................................


الأربع من مقوّمات الصوم ودخيل في حقيقته وطبيعته ، وقد ثبت من الخارج أنّ مثل ترك تعمّد الكذب على اللّه ورسوله أيضاً كذلك.

أمّا ترك البقاء على الجنابة وكذا حدث الحيض والنفاس فهو ثابت لبعض الأفراد ، ولحصّة خاصّة من الصوم ، وهو الواجب في رمضان ، لاختصاص الدليل به كما عرفت ، فالتعدّي إلى غيره من الواجب فضلاً عن المندوب يحتاج إلى دليلٍ وهو مفقود ، وحيث لا إطلاق في الأدلة فمع الشكّ في الاعتبار يرجع إلى أصالة البراءة.

ودعوى التعدّي إلى خصوص القضاء ، نظراً إلى ظهور الدليل في اتّحاده مع المقضي في جميع الخصوصيّات ما عدا الزمان.

كما ترى ، لقصور الدليل عن إثبات الاتّحاد في جميع الخصوصيّات ، فإنّه أوّل الكلام ، ومثل قوله (عليه السلام) «اقض ما فات كما فات» ناظر إلى القصر والتمام والمماثلة من حيث عدد الركعات لا في تمام الخصوصيّات كما أشرنا إليه في محلّه (1)، وإلّا فقد يكون شي‌ءٌ معتبراً في الأداء لا في القضاء ، وربّما ينعكس الأمر كما مرّ في قضاء شهر رمضان وأنّه يضرّه البقاء على الجنابة ولو من غير عمد ، بخلاف شهر رمضان نفسه ، فإنّ المفطر فيه خصوص البقاء العمدي.

نعم ، ظاهر الأمر بالقضاء اتّحاده مع المقضي في الخصوصيّات التي لها دخل في أصل الطبيعة وما به قوامها ما خلا خصوصيّة الزمان دون غيرها من سائر الأوصاف ، فما كان كذلك لا بدّ من مراعاته خارج الوقت أيضاً وإلّا فلا.

وعلى ذلك ، فلا دليل على اعتبار الخلوّ من حدث الحيض والنفاس عند طلوع الفجر ولزوم الاغتسال إذا طهرت في غير شهر رمضان حتّى في قضائه ،


1) شرح العروة (كتاب الصلاة 8) : 295 ، 381 382.

وأمّا لو طهرت قبل الفجر في زمانٍ لا يسع الغسل ولا التيمّم أو لم تعلم بطهرها في الليل حتّى دخل النهار ، فصومها صحيح (1) ، واجباً كان أو ندباً على الأقوى.

[2432] مسألة 49 : يشترط في صحّة صوم المستحاضة (1)على الأحوط الأغسال النهاريّة التي للصلاة دون ما لا يكون لها (2) ، فلو استحاضت قبل الإتيان بصلاة الصبح أو الظهرين بما يوجب الغسل كالمتوسّطة أو الكثيرة فتركت الغسل ، بطل صومها.


لاختصاص النصّ بالشهر نفسه ، وإن كان الاحتياط في محلّه.

(1) لأنّ المأخوذ في النصّ أعني : موثّق أبي بصير (2)عنوان التواني غير الصادق في هذه الفروض ، وهكذا لو اشتغلت بمقدّمات الغسل فطلع الفجر في الأثناء ، أو أنّها لم تشتغل وأخّرته باعتقاد سعة الوقت ، ففي جميع هذه الموارد بما أنّه لا يصدق التواني لا يشملها النصّ ، فيحكم بصحّة صومها.

(2) على المشهور ، بل ادُّعي الإجماع عليه ، ويستدلّ له بصحيحة علي بن مهزيار ، قال : كتبت إليه (عليه السلام) : امرأة طهرت من حيضها أو دم نفاسها في أوّل يوم من شهر رمضان ثمّ استحاضت فصلّت وصامت شهر رمضان كلّه من غير أن تعمل ما تعمل المستحاضة من الغسل لكلّ صلاتين ، هل يجوز (يصحّ) صومها وصلاتها ، أم لا؟ فكتب (عليه السلام) : «تقضي صومها ولا تقضي صلاتها ، لأنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) كان يأمر فاطمة (عليها السلام) والمؤمنات


1) (*) تقدّم تفصيل الكلام في كتاب الطهارة.

2) المتقدّم في ص 200 201.

وأمّا لو استحاضت بعد الإتيان بصلاة الفجر أو بعد الإتيان بالظهرين فتركت الغسل إلى الغروب ، لم يبطل صومها.

ولا يشترط فيها الإتيان بأغسال الليلة المستقبلة وإن كان أحوط.

وكذا لا يعتبر فيها الإتيان بغسل الماضية ، بمعنى : أنّها لو تركت الغسل الذي للعشائين لم يبطل صومها لأجل ذلك.

نعم ، يجب عليها الغسل حينئذٍ لصلاة الفجر ، فلو تركته بطل صومها من هذه الجهة.

وكذا لا يعتبر فيها ما عدا الغسل من الأعمال ، وإن كان الأحوط اعتبار جميع ما يجب عليها من الأغسال والوضوءات وتغيير الخِرقة والقُطنة.

ولا يجب تقديم غسل المتوسّطة والكثيرة على الفجر وإن كان هو الأحوط.


من نسائه بذلك» (1).

واشتمالها على ما لا يقول به الأصحاب من عدم قضاء الصلاة غير قادح في الاستدلال ، ضرورة أنّ التفكيك بين فقرأت الحديث في الحجيّة غير عزيز ، فتُطرح تلك الفقرة وتُحمَل على خطأ الراوي واشتباهه في النقل ، وأمّا الحمل على الاستفهام الإنكاري كما في الوسائل فبعيدٌ غايته ، لعدم سبق ما يقتضي التفصيل حتّى يحتاج إلى الإنكار كما لا يخفى.

كما أنّ اشتمالها على أمر فاطمة (عليها السلام) التي استفاضت النصوص بأنّها روحي فداها وصلوات اللّه عليها لم تكن تَرَ حمرةً أصلاً غير قادح أيضاً ،


1) الوسائل 10 : 66 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 18 ح 1.

.................................................................................................


إذ يمكن أن يكون المراد فاطمة اخرى ، وهي بنت أبي حبيش المذكورة في روايات أُخر ، أو أنّ المراد أمر الزهراء (سلام اللّه عليها) لأجل أن تعلّم المؤمنات لا لعمل نفسها ، مع أنّ هذه الكلمة ساقطة في رواية الفقيه والعلل ، والمذكورة فيهما هكذا : «كان يأمر المؤمنات» (1)إلخ.

وعلى الجملة : فالرواية صحيحة السند ، وقد عمل بها الأصحاب ، وهذه الأُمور لا تستوجب وهناً فيها ، فلا مجال للتوقّف في المسألة ، ولا مناص من الجزم بالاشتراط.

إنّما الكلام في أنّها هل تعمّ المستحاضة المتوسّطة أيضاً ، أم أنّها تختصّ بالكثيرة ، وأنّها هل تعمّ الأغسال الليليّة ، أم تختصّ بالنهاريّة؟

أمّا التعميم الأول : فلا وجه له بعد تقييد الغسل في الصحيحة بقوله : «لكلّ صلاتين» ، الذي هو من مختصّات الكثيرة.

ودعوى أنّ المستفاد من النصّ مانعيّة مطلق الحدث الأكبر الشامل للمتوسّطة.

عريّةٌ عن الشاهد ، فيدفع اشتراط الخلوّ منها على تقدير الشكّ بأصالة البراءة ، مضافاً إلى الصحيحة الحاصرة كما تقدّم.

وأمّا التعميم الثاني : فهو الظاهر من الصحيحة ، إذ لا وجه لتخصيص الغسل بالنهاري بعد شمول قوله : «من الغسل لكلّ صلاتين» للأغسال الليليّة أيضاً. بل الظاهر شمولها لغسل الفجر أيضاً وإن كان اللفظ المزبور قاصر الشمول ، فالمراد أنّها لم تعمل بوظيفتها من الغسل للصلوات ، فإنّ المرتكز في ذهن السائل أنّ الغسل إنّما يلزم باعتبار رفعه لحدثها ، وأنّ هذا الحدث نظير حدث


1) الفقيه 2 : 94 / 419 ، علل الشرائع : 293 / 1.

.................................................................................................


الحيض والنفاس يضرّ بالصوم ولو باعتبار حدثيّته بالنسبة إلى الصلاة ، ولأجله يعمّ الأغسال الثلاثة برمّتها ، إذ لا يُحتمَل الفرق في ذلك بين الغسل للفجر وبينه للظهرين والعشائين.

نعم ، لو كانت جملة «لكل صلاتين» مذكورة في كلام الإمام (عليه السلام) أمكن التفكيك بينهما ، ولكنه ليس كذلك.

وليس المراد اختصاص البطلان بما لو تركت الجميع في شهر رمضان بحيث لو اغتسلت في بعض الأيام أو أتت ببعض أغسال الليل أو النهار لم يكن عليها قضاء ، فإنّ ذلك بعيد عن الفهم العرفي جدّاً ، بل المراد أنّها لم تعمل بوظيفتها ولم ترفع حدثها بالغسل.

وعليه ، فإذا لم تغتسل للّيلة الماضية حتّى طلع الفجر فهي بمثابة الحائض التي دخلت في الصبح مع الحدث.

ومن ذلك يظهر دخل الغسل للّيلة الماضية.

وأمّا دخل الغسل للّيلة الآتية في صحّة صوم اليوم الماضي فهو وإن كان بمكانٍ من الإمكان كما حقّقناه في الأُصول من جواز الشرط المتأخّر (1)إلّا أنّه بعيد عن أذهان العرف ، فلا يستفاد ذلك من الصحيحة بوجه.

ثمّ إنّ الظاهر من الصحيحة أنّ الدخيل في صحّة الصوم إنّما هو الغسل للصلاة بأن تعمل المستحاضة ما هو وظيفتها من الأغسال ، لا أنّ الغسل معتبر بنفسه للصوم كي يكون البقاء على حدث الاستحاضة مضرّاً.

وعليه ، فلو اغتسلت بعد الفجر لصلاة الصبح كفى ، ولا يلزمها الغسل قبل الفجر للصوم كي يُتكلّم في أنّه يغني عن الغسل لصلاة الفجر ، بل يجوز لها أن


1) محاضرات في أُصول الفقه 2 : 304 309.

.................................................................................................


تبقى على حدثها وتغتسل بعد الفجر ، بل قد يُتأمّل في مشروعيّته قبل الفجر ولو بنيّة الصلاة مع قطع النظر عن كون الصلاة واجباً مشروطاً من أجل لزوم الموالاة بين هذا الغسل وبين أداء الصلاة ، لاستمرار الدم الذي هو موجبٌ للحدث أيضاً.

وإن شئت فقل : إنّه لا دليل على مشروعيّة الغسل للصوم من حيث هو حتّى يُتكلّم في أنّه هل يجزئ عن الغسل للصلاة أو لا؟ فإنّ الظاهر من الصحيحة لزوم أن تعمل المستحاضة ما تعمله في غير شهر رمضان من الأغسال الثلاثة ، فلم عملت هذا العمل لم يحكم ببطلان صومها ، فلا دليل على أنّ بقاء الحدث مضرّ ليجب عليها غسل آخر.

وعليه ، فلو استحاضت بعد ما صلّت العشاءين وكان الدم مستمرّاً إلى ما بعد طلوع الفجر ، ثمّ اغتسلت للصبح ، وبعده للظهرين والعشاءين ، صحّ صومها ، لما عرفت من أنّ اعتباره في الصوم إنّما هو بملاحظة الصلاة.

ثمّ إنّ المعتبر في الصوم نفس الأغسال لا صحّة الصلاة ، فلو اغتسلت للصلاة ولم تصلّ ، أو صلّت وفقدت شرطاً من شرائط الصلاة من قبيل تبديل الخرفة وما شاكل ذلك ، صح صومها ، إذ لم يظهر من الصحيحة لزوم الإتيان بجميع أعمال المستحاضة ، بل خصوص الغسل منها كما عرفت.

ثم إنّ هذا كلّه بالنسبة إلى شهر رمضان.

وأمّا غيره من الواجب مطلقاً حتّى القضاء والمندوب فلا دليل على اعتبار الغسل فيه ، لاختصاص النصّ بالأوّل ، وقد عرفت عدم جواز التعدّي إلّا فيما كان مأخوذاً في ماهيّة الصوم لا في حصّة خاصّة ، فالمرجع في غيره إطلاق حصر النواقض مضافاً إلى أصل البراءة.

[2433] مسألة 50 : الأقوى بطلان صوم شهر رمضان بنسيان غسل الجنابة ليلاً قبل الفجر حتّى مضى عليه يوم أو أيّام (1) ،


(1) كما صرّح به جملة من الأصحاب ، بل نُسِبَ إلى الأكثر أو الأشهر.

والعمدة في المسألة صحيحة الحلبي ، قال : سُئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل أجنب في شهر رمضان فنسي أن يغتسل حتّى خرج شهر رمضان «قال : عليه أن يقضي الصلاة والصيام» (1)المؤيّدة بمرسلة الصدوق (2)، ونحوها رواية إبراهيم بن ميمون (3).

وهذه الأخيرة مرويّة بطرق ثلاثة ، أحدها : طريق الكليني وفيه سهل بن زياد ، والآخران : طريق الشيخ والصدوق ، وهما صحيحان إلى ابن ميمون لكن ابن ميمون نفسه غير موثّق ، فالعمدة هي صحيحة الحلبي كما عرفت ، وقد دلّت على القضاء صريحاً ، المستلزم لبطلان الصوم.

ودعوى معارضتها بحديث رفع النسيان كما ترى ، على أنّ مفاد الحديث رفع المؤاخذة والعقاب ، المستتبع لنفي الحكم التكليفي ، لا إثبات الحكم الوضعي ليكون مفاده تصحيح العمل الناقص وتعلّق الأمر بالباقي كي لا يحتاج إلى الإعادة أو القضاء ، فإنّ هذا أجنبي عن مفاد الحديث رأساً كما ذكرناه في الأُصول (4).

ونحوها في الضعف دعوى المعارضة بينها وبين النصوص الدالّة على عدم


1) الوسائل 10 : 238 / أبواب من يصحّ منه الصوم ب 30 ح 3.

2) الوسائل 10 : 238 / أبواب من يصحّ منه الصوم ب 30 ح 2 ، الفقيه 2 : 74 / 321.

3) الوسائل 10 : 237 / أبواب من يصحّ منه الصوم ب 30 ح 1 ، الكافي 4 : 106 / 5 ، التهذيب 4 : 332 / 1043 ، الفقيه 2 : 74 / 320.

4) مصباح الأُصول : 2 / 257 263.

والأحوط إلحاق غير شهر رمضان من النذر المعيّن ونحوه به ، وإن كان الأقوى عدمه (1).


القضاء فيمن نام جنباً حتّى أصبح ، بزعم أنّ النسبة بينهما عموم من وجه ، فإنّ هذه النصوص تعمّ الناسي ، كما أنّ صحيحة الحلبي تشمل النائم.

إذ فيه : أنّ تلك النصوص مفادها عدم البطلان من ناحية النوم ، وعدم اقتضائه له لا اقتضاؤه العدم ، فلا تنافي اقتران النوم بما يقتضي البطلان وهو سبق النسيان كما هو ظاهر.

(1) لم يتعرّض (قدس سره) لحكم غير المعيّن من سائر أقسام الصيام. وكيفما كان ، فالأقوى ما ذكره (قدس سره) من عدم الإلحاق.

أمّا في غير القضاء من الواجب المعيّن أو الموسّع فظاهر ، لعدم الدليل على التعدّي عن مورد النصّ بعد أن لم يكن القيد المذكور فيه راجعاً إلى أصل الطبيعة وحقيقة الصيام في نفسه ، وإنّما كان ناظراً إلى فرد خاصّ منه وهو شهر رمضان.

وأمّا في القضاء فالتعدّي مبني على أحد أمرين :

إمّا دعوى تبعيّته للأداء ، استناداً إلى ما دلّ على اتّحاد المقضي وقضائه في الخصوصيات.

أو دعوى دخول النسيان في صحيحي ابن سنان المتقدّمين في قضاء رمضان (1).

وكلاهما كما ترى :

أمّا الأُولى : فلعدم الدليل على التبعيّة إلّا في الخصوصيات المعتبرة في أصل


1) راجع ص 193.

كما أنّ الأقوى عدم إلحاق غسل الحيض والنفاس لو نسيتهما بالجنابة في ذلك (1) وإن كان أحوط.


الطبيعة دون الدخيلة في فردٍ منها كما تقدّم.

وأمّا الثانية : فلأنّ روايات الباب منها ما كان مورده خصوص العمد ، كموثّقة سماعة (1)، بقرينة حكمه (عليه السلام) بالقضاء في شهر رمضان ، فيكون الذيل وارداً في مورد الصدر لا محالة.

ومنها كصحيحتي ابن سنان (2)ما شمل غير العمد أيضاً ، إلّا أنّ التأخير كان باختياره ، فهو أخّر الغسل باعتقاده وفاء الوقت فاتّفق طلوع الفجر ، وأين هذا من التأخير غير الاختياري المستند إلى النسيان كما هو محلّ الكلام؟! فإنّ الحكم بالقضاء في الأوّل لا يستلزم الحكم به في الثاني بوجه كما هو ظاهر جدّاً ، فهما قاصرتا الشمول لصورة النسيان ، فالأقوى ما ذكره في المتن من عدم الإلحاق وإن كان الإلحاق أحوط.

(1) لخروجهما عن مورد النصّ المختصّ بشهر رمضان ، فلا دليل على التعدّي عدا ما ذكره في الجواهر من الأقوائيّة من الجنابة المستتبعة لثبوت الحكم فيهما بالأولويّة القطعيّة (3). وكأنّه (قدس سره) أخذه ممّا ورد في النصّ الوارد في المرأة الجنب التي فاجأها الحيض من قوله (عليه السلام) : «جاءها ما هو أعظم» (4).


1) الوسائل 10 : 67 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 19 ح 3.

2) المتقدمتين في ص 193.

3) الجواهر 16 : 245.

4) الوسائل 2 : 314 / أبواب الحيض ب 22 ح 2.

[2434] مسألة 51 : إذا كان المجنب ممّن لا يتمكّن من الغسل لفقد الماء أو لغيره من أسباب التيمّم وجب عليه التيمّم (1) ، فإن تركه بطل صومه. وكذا لو كان متمكناً من الغسل وتركه (1)حتّى ضاق الوقت.


لكنّه كما ترى لا شهادة فيه على أولويّة الحائض من الجنب في كلّ حكم ثبت له. ولعلّ النظر في الأعظميّة إلى بعض الأحكام الثابتة للحائض دون الجنب ، كحرمة الوطء وعدم صحّة الطلاق ونحو ذلك ، أو لأجل أنّ الحائض لمكان تلوّثها بالدم تكون القذارة العرفيّة فيها أعظم من الجنب.

وكيفما كان ، فلا دلالة فيها على أولويّة الحائض من الجنب في كلّ حكم ثبت له كما لا يخفى.

(1) هذه هي المسألة التي أشرنا إليها قريباً عند قول الماتن : وأمّا لو وسع التيمّم خاصّة ، إلخ (2)، وقلنا : إنّ الماتن سيتعرّض إليها وأنّها غير تلك المسألة ، فإنّ المبحوث عنه هناك مشروعيّة التيمّم لدى التعجيز الاختياري وأنّ ضيق الوقت هل هو من مسوّغات التيمّم في باب الصوم كما هو كذلك في باب الصلاة ، أو لا؟

وأمّا في المقام فمحلّ الكلام هو أنّ من كان فاقداً للماء بطبعه إمّا تكويناً كمن كان في بَرٍّ قفر ، أو تشريعاً بحيث لا يتمكّن من استعمال الماء كالكسير والجريح ونحوهما ممّن يضرّه الاغتسال ولا يضرّه الصوم ، وهم بطبيعة الحال أفرادٌ كثيرون لو أجنب هذا الفاقد ليلاً في شهر رمضان ، فهل يصحّ منه التيمّم لأجل الصوم؟


1) (*) يعني يجب عليه التيمّم فإن تركه بطل صومه.

2) راجع ص 198.

.................................................................................................


المشهور ذلك ، ونُسِب إلى بعضهم الاستشكال فيه ، بل عن بعضٍ التصريح بالمنع ، لخلوّ النصوص عن التيمّم لأجل الصوم رأساً.

والظاهر أنّ المسألة مبنيّة على أنّ المانع عن صحّة الصوم هل هو الجنابة بنفسها ، أو أنّه حدث الجنابة؟ ثمّ إنّ التيمّم هل هو رافع ، أو مبيح؟ ونعني بالرفع الرفع المؤقّت المحدود بزمان ارتفاع العذر والتمكّن من الاغتسال ، فتعود الجنابة حينئذٍ بنفس السبب السابق لا بموجب جديد.

فبناءً على أنّ المانع هو نفس الجنابة التي هي أمر واقعي أو اعتباري ، لا حدثها المتفرّع عليها ، واختيار أنّ التيمّم مبيح لا رافع ، لم يبق عندئذٍ موقع للتيمّم ، إذ ليس شأنه الرفع على الفرض ، فالجنابة التي هي المانع عن صحّة الصوم باقية على حالها وغير مرتفعة بالتيمّم ، وعليه ، فأيّ فائدة تترتّب على التيمّم والحال هذه؟! بل يصبح حينئذٍ لغواً محضاً.

وأمّا على القول بأنّ المانع هو حدث الجنابة لا نفسها ، أو أنّ التيمّم رافع ، صحّ التيمّم حينئذٍ وترتّب عليه الأثر. أمّا على الثاني فظاهر ، وكذا على الأوّل ، فإنّ معنى كون التيمّم مبيحاً أنّه يستباح به الدخول فيما هو مشروط بالطهارة ، ومرجع مانعيّة الحدث إلى اشتراط الطهارة كما لا يخفى.

هذا ، وقد تقدّم في كتاب الطهارة في مبحث التيمّم بعد تحرير محلّ النزاع وتحليل معنى الرفع والإباحة أنّ الأظهر أنّ التيمّم رافع ، لكن لحدث الجنابة لا لنفسها ، فهو جنب متطهّر ، وقد استشهدنا عليه بأُمور منها إطلاق الجنب على إمام أمّ القوم متيمّماً في موثّقة ابن بكير (1)وغيرها ، وتمام الكلام في محلّه (2).

إنّما المهمّ هنا تحقيق أنّ المانع هل هو الجنابة بنفسها ، أو أنّه حدثها كي


1) الوسائل 8 : 327 / أبواب صلاة الجماعة ب 17 ح 3.

2) شرح العروة 10 : 401.

.................................................................................................


يكون التيمّم هنا مشروعاً على الثاني دون الأوّل حسبما عرفت؟

مقتضى الجمود على ظواهر النصوص هو الأوّل ، وأنّ المعتبر في صحّة الصوم عدم البقاء على الجنابة نفسها دون الحدث المتفرّع عليها ، لإناطة الحكم في كثير منها بذات الجنابة كما لا يخفى على من لاحظها.

هذا ، ومقتضى الإطلاق فيها أنّ المعتبر في الصحّة هو الخلوّ من الجنابة مطلقاً ، من غير فرق بين حالتي التمكّن من رفعها بالاغتسال وعدمه ، فهو شرط في الصحّة حتّى مع فقد الماء أو العجز عن استعماله ، إلّا أنّه لا بدّ من تقييدها بحال التمكّن ، للضرورة والسيرة القطعيّة القائمة على عدم سقوط الصوم عن هؤلاء العاجزين وهم كثيرون كما عرفت ، فلا تكون الجنابة مانعه إلّا في ظرف التمكّن من استعمال الماء ، ولم يعتبر عدمها في ظرف العجز.

وقد يقال : إنّ ارتكاب التقييد في هذه النصوص مخالفٌ للظهور ، فإنّه على خلاف الأصل ، والإطلاق غير ممكن الأخذ ، لما ذُكِر ، فلا مناص من اختيار أنّ المانع هو حدث الجنابة مطلقاً لا نفسها المرتفع بالتيمّم بالمعنى المجامع للقول بالإباحة كما مرّ.

ويندفع : بعدم الضير في الالتزام بمثل هذا التقييد ، إذ ليس المانع بمقتضى النصوص إلّا تعمّد البقاء على الجنابة لا نفس البقاء ، ومن الواضح أنّ التعمّد لا يتحقّق إلّا مع التمكّن من الاغتسال ، أمّا العاجز فهو مجبور على البقاء ، ومثله لا يكون من المتعمّد بوجه ، فالنصوص بأنفسها تستوجب مثل هذا التقييد ، ومعه لا يكون الالتزام به مخالفاً للظهور.

والتحقيق : أنّ المانع إنّما هو حدث الجنابة لا نفسها ، وذلك من أجل مناسبة الحكم والموضوع ، وما هو المرتكز في أذهان المتشرّعة والسيرة القائمة منهم على قيام التيمّم مقام الطهارة المائيّة في كلّ مورد طرأ العجز عنها الذي منه

[2435] مسألة 52 : لا يجب على من تيمّم بدلاً عن الغسل أن يبقى مستيقظاً حتّى يطلع الفجر (1) ، فيجوز له النوم (1)بعد التيمّم قبل الفجر على الأقوى ، وإن كان الأحوط البقاء مستيقظاً ، لاحتمال بطلان تيمّمه بالنوم كما على القول بأنّ التيمّم بدلاً عن الغسل يبطل بالحدث الأصغر.

[2436] مسألة 53 : لا يجب على من أجنب في النهار بالاحتلام أو نحوه من الأعذار أن يبادر إلى الغسل فوراً (2) وإن كان هو الأحوط.


المقام ، مضافاً إلى الإطلاق في عموم بدليّة التراب مثل قوله (عليه السلام) : «ربّ الماء وربّ الصعيد واحد» فإنّ المستفاد من ذلك أنّ في كلّ مورد وجب الغسل ولم يتمكّن منه المكلّف يقوم التيمّم مقامه ، وكفى بهذا العموم مستنداً في المسألة وإن لم يرد فيها نصّ بالخصوص.

وعليه ، فالأقوى ما هو المشهور من وجوب التيمّم في المقام.

(1) ممّا قدّمناه في المسألة السابقة يظهر الحال في هذه المسألة ، فيجوز له النوم قبل الفجر ، بناءً على أنّ التيمّم رافع ، ولا يجوز على القول بالاستباحة أي كونه رافعاً لحدث الجنابة لانتقاض التيمّم به حينئذٍ ، وحيث إنّ المختار هو الثاني حسبما عرفت فالأظهر عدم جواز النوم اختياراً.

(2) لعدم الدليل عليه ، بعد أن لم تكن الجنابة غير الاختياريّة قادحة في صحّة الصوم كما تقدّم (2)، فيجوز أن يبقى جنباً إلى آخر النهار ما لم يضرّ بصلاته كما هو ظاهر.


1) (*) فيه إشكال ، والاحتياط لا يترك.

2) في ص 128.

[2437] مسألة 54 : لو تيقّظ بعد الفجر من نومه فرأى نفسه محتلماً لم يبطل صومه (1) ، سواء علم سبقه على الفجر أو علم تأخّره أو بقي على الشكّ ، لأنّه لو كان سابقاً كان من البقاء على الجنابة غير متعمّد ، ولو كان بعد الفجر كان من الاحتلام في النهار.

نعم ، إذا علم سبقه على الفجر لم يصحّ منه صوم قضاء رمضان مع كونه موسّعاً ، وأمّا مع ضيق وقته فالأحوط الإتيان به (1)وبعوضه.


(1) ما ذكره (قدس سره) في هذه المسألة كلّه ظاهر ممّا تقدّم.

نعم ، تعرّض في المقام إلى ما لم تسبق الإشارة إليه ، وهو أنّك قد عرفت فيما مرّ أنّ البقاء على الجنابة إلى طلوع الفجر قادح في صوم قضاء رمضان ولو لم يكن عن تعمّد ، وبذلك امتاز عن صوم نفس رمضان الذي يختصّ القدح فيه بصورة العمد كما مرّ ، فهل يختصّ ذلك بالقضاء الموسّع أو يعمّ المضيّق أيضاً ، كما لو كان عليه قضاء يوم من هذه السنة وهو في آخر يوم من شعبان؟

قد يقال بالاختصاص ، نظراً إلى أنّ الظاهر من قوله (عليه السلام) في صحيحة ابن سنان التي هي مستند الحكم في المسألة - : «لا تصم هذا اليوم وصم غداً» (2)أنّ مفروض الكلام هو المورد الذي يمكن فيه صوم الغد فيختصّ بالموسّع بطبيعة الحال ، ويرجع فيما عداه إلى عموم حصر المفطر.

اللّهمّ إلّا أن يقال : إنّ الغد لا خصوصيّة له ، بل المقصود بالإفهام بيان فساد الصوم والحاجة إلى صوم يوم آخر مكانه ، إمّا الغد إن أمكن وإلّا فيوم آخر غيره ، ولكنّه مخالف للجمود على ظاهر النصّ كما لا يخفى.


1) (*) لا بأس بالاكتفاء بعوضه.

2) الوسائل 10 : 67 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 19 ح 2 ، 1.

[2438] مسألة 55 : من كان جنباً في شهر رمضان في الليل لا يجوز له أن ينام قبل الاغتسال إذا علم أنّه لا يستيقظ قبل الفجر للاغتسال (1) ، ولو نام واستمرّ إلى الفجر لحقه حكم البقاء متعمّداً فيجب عليه القضاء والكفّارة.

وأمّا إن احتمل الاستيقاظ جاز له النوم وإن كان من النوم الثاني أو الثالث أو الأزيد ، فلا يكون نومه حراماً (1)وإن كان الأحوط ترك النوم الثاني فما زاد وإن اتّفق استمراره إلى الفجر ، غاية الأمر وجوب القضاء ، أو مع الكفّارة في بعض الصور كما سيتبيّن.


ويندفع : بأنّ المستند لو كان منحصراً في تلك الصحيحة لكان لما ذكر وجه ، إلّا أنّ صحيحته الأُخرى كافية في إثبات الإطلاق ، حيث قال (عليه السلام) : «لا يصوم ذلك اليوم ويصوم غيره» (2)، فإنّ إطلاق الغير يشمل الغد وغيره ، فهي غير قاصرة الشمول للمضيّق ، فالأقوى سريان الحكم لمطلق القضاء.

(1) قد يُفرض الكلام في صورة العلم بعدم الاستيقاظ ، واخرى في صورة الشكّ واحتمال الاستيقاظ.

أمّا الاولى : فلا إشكال في حرمة النوم حينئذٍ ولزوم القضاء والكفّارة لو استمرّ إلى الفجر ، لكونه الفرد الظاهر من مصاديق البقاء على الجنابة عامداً ، إذ لا يعتبر في صدق العمد الاستيقاظ ، ولا يكون النوم عذراً مع العلم المزبور بالضرورة ، بل أنّ أكثر نصوص البقاء عامداً موردها النوم وأنّه أجنب ثمّ نام


1) (*) لأنّ الحرام ، إنّما هو عنوان تعمّد البقاء على الجنابة ومع الشكّ في الاستيقاظ واحتماله إذا نام واستمرّ إلى الفجر اتّفاقاً فلا يصدق عليه عنوان التعمّد ، وبما أنّ موضوع الحكم هذا العنوان فلا أثر للاستصحاب أيضاً حيث إنّه لا يثبت ذلك العنوان.

2) الوسائل 10 : 67 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 19 ح 2 ، 1.

.................................................................................................


متعمّداً ، كما في صحيحة الحلبي (1)وغيرها.

وأمّا الثانية أعني : النوم مع احتمال الاستيقاظ فيقع الكلام فعلاً في حكمه التكليفي وأنّه حرام أو لا ، وأمّا الوضعي أعني : القضاء أو الكفّارة فسيأتي التعرّض له في المسألة الآتية إن شاء اللّه تعالى.

أمّا إذا كان معتاد الانتباه فلا ينبغي التأمّل في الجواز ، لكونه ممّن يطمئن بالاستيقاظ. وأمّا مع عدمه فالمشهور هو الجواز مطلقاً ، للأصل.

وعن جماعة : المنع مطلقاً ، وقد يُستدلّ له برواية إبراهيم بن عبد الحميد عن بعض مواليه ، قال : سألته عن احتلام الصائم إلى أن قال - : «إن أجنب ليلاً في شهر رمضان فلا ينام إلّا ساعة حتّى يغتسل» إلخ (2).

وفيه : أنّها على تقدير تسليم دلالتها ضعيفة السند بالإرسال.

وربّما يفصل بين النومة الأُولى فيجوز دون الثانية. ويُستدلّ له بصحيحة معاوية بن عمّار ، قال : قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : الرجل يجنب في أوّل الليل ثمّ ينام حتّى يصبح في شهر رمضان «قال : ليس عليه شي‌ء» قلت : فإنّه استيقظ ثمّ نام حتّى أصبح : «قال : فليقض ذلك اليوم عقوبة» (3).

فإنّ تعليل القضاء في النومة الثانية : بالعقوبة كاشفٌ عن الحرمة.

ويندفع : بأنّ العقوبة المستلزمة للحرمة هي العقوبة الأُخرويّة دون الدنيويّة كما في المقام ، فإنّ القضاء كجريمة شُرِّعت في حقّه جزاءٌ لتوانيه ومسامحته في الغسل ، كما ورد نظيره في نسيان النجاسة وأنّ من صلّى في النجس ناسياً أعاد


1) الوسائل 10 : 63 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 16 ح 1.

2) الوسائل 10 : 64 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 16 ح 4.

3) الوسائل 10 : 61 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 15 ح 1.

[2439] مسألة 56 : نوم الجنب في شهر رمضان في الليل مع احتمال الاستيقاظ أو العلم به إذا اتّفق استمراره إلى طلوع الفجر على أقسام (1) : فإنّه إمّا أن يكون مع العزم على ترك الغسل ، وإمّا أن يكون مع التردّد في الغسل وعدمه ، وإمّا أن يكون مع الذهول والغفلة عن الغسل ، وإمّا أن يكون مع البناء على الاغتسال حين الاستيقاظ مع اتّفاق الاستمرار.


النجس ناسياً أعاد صلاته عقوبةً ، مع أنّ الصلاة في النجس ليست بمحرّم جزماً.

هذا ، والصحيح حرمة النوم مطلقاً ، لأنّ النوم المحتمل فيه عدم الاستيقاظ محكومٌ بالاستمرار إلى الفجر بمقتضى الاستصحاب ، فهذا نوم مستمرّ إلى الصباح تعبّداً ، وقد صدر باختياره فهو عامد إليه ، فيندرج تحت النصوص المتضمّنة : أنّ من تعمّد النوم إلى الفجر وهو جنب قد أبطل صومه وعليه القضاء والكفّارة ويستغفر ربّه.

(1) قسّمه (قدس سره) إلى أقسام أربعة :

إذ تارةً : ينام مع العزم على ترك الغسل ، كما هو الحال في الفسقة والفجرة غير المعتنين بأمر الدين.

وأُخرى : مع التردّد في الغسل وعدمه ، لأجل برودة الهواء وتثاقله في تسخين الماء ونحو ذلك ممّا لا يصل إلى حدّ العذر الشرعي.

وثالثةً : مع الذهول والغفلة عن الغسل بالكلّيّة ، كما لو كان أوّل ليلة من رمضان مثلاً وكان غافلاً عن الصيام ولأجله ذهل عن الاغتسال ، وكانت عادته الغسل بعد طلوع الفجر.

فإن كان مع العزم على ترك الغسل (1) أو مع التردّد فيه لحقه حكم تعمّد البقاء جنباً ،


ورابعةً : مع العزم على الاغتسال حين الاستيقاظ ، فاتّفق استمرار النوم إلى ما بعد الفجر.

(1) أمّا القسم الأوّل : فلا إشكال كما لا خلاف في كونه من تعمّد البقاء على الجنابة ، بل هو الفرد الظاهر منه ، إذ لا فرق في صدق التعمّد والاستناد إلى الاختيار بين أن يبقى حال العزم على ترك الغسل نائماً أو مستيقظاً ، ولا يكون النوم مع العزم المزبور عذراً له بوجه كما هو ظاهر ، بل أنّ مورد أكثر نصوص العمد هو النوم كما تقدّم (1).

وأمّا القسم الثاني : فالظاهر إلحاقه بالعمد في بطلان الصوم ، لاستلزام الترديد فقد النيّة ، فإنّ الصوم عبارة عن الإمساك عن المفطرات التي منها تعمّد البقاء على الجنابة عن نيّة ، ومن الواضح عدم تحقّق هذه النيّة مع التردّد في الغسل ، إذ هو مستلزم للتردّد في البقاء متعمّداً ، المستلزم للتردّد في الصوم المأمور به ، ومعه كيف تتمشّى منه النيّة؟! فإنّ النية متقوّمة بالعزم والجزم المنافيين للترديد كما هو ظاهر ، فلا مناص من البطلان ووجوب القضاء.

وهل يلحق به في الكفّارة أيضاً؟

الظاهر : نعم ، لصدق العمد في ترك الغسل حقيقةً لو بقي على تردّده إلى أن طلع الفجر ، إذ لا يعتبر في صدقه القصد إلى الترك ، بل يكفي فيه عدم القصد إلى


1) في ص 186 187.

بل الأحوط ذلك إن كان مع الغفلة والذهول أيضاً (1) ، وإن كان الأقوى (1)لحوقه بالقسم الأخير.


الفعل إلى أن مضى الوقت ، نظير من تردّد في عمل كالسفر إلى الحجّ مثلاً واستمرّ في ترديده إلى أن فات الوقت ، فإنّه يصدق في حقّه أنّه ترك الحجّ متعمّداً ، إذ يكفي في استناد الترك إلى الاختيار والعمد عدم نيّة الفعل ، ولا يلزم فيه نيّة الترك كما عرفت.

وعليه ، فيندرج المقام في نصوص العمد المتضمّنة للكفّارة من صحيحة أبي بصير (2)وغيرها ، لصدق أنّه ترك الغسل متعمّداً حتّى أصبح كما ورد في الصحيحة.

(1) وأمّا القسم الثالث : فظاهر عبارة الماتن (قدس سره) إلحاقه بالأولين في القضاء والكفّارة احتياطاً ، وإن ذكر (قدس سره) أنّ الأقوى لحوقه بالقسم الأخير.

والظاهر هو التفصيل في المسألة ، فإنّ الإلحاق في الكفّارة لا وجه له أبداً حتّى من باب الاحتياط ، إذ الذاهل ليس من العامد في شي‌ء ، ولم يصدر منه تقصير كي يحتاج إلى التكفير.

وأمّا القضاء فالظاهر ثبوته في حقّه ، إذ الذهول والغفلة لا ينفكّان عن النسيان ، لأنّه علم بالجنابة حينما يجامع ، أو حينما انتبه عن نومة الاحتلام ثمّ طرأ عليه الذهول والغفلة فهو مسبوق بالعلم دائماً ، ولا نعني بالنسيان إلّا هذا.


1) (*) فيه تفصيل يأتي.

2) المتقدمة في ص 186.

وإن كان مع البناء على الاغتسال (1) أو مع الذهول على ما قوّينا : فإن كان في النومة الأُولى بعد العلم بالجنابة فلا شي‌ء عليه (1)وصحّ صومه.


وعليه ، فتشمله النصوص المتقدّمة في الناسي المتضمّنة وجوب القضاء على من نسي الجنابة حتّى مضى عليه يوم أو أيّام (2).

(1) وأمّا القسم الرابع : فالمشهور أنّه لا شي‌ء عليه في النومة الأُولى بعد العلم بالجنابة كما ذكره في المتن ، وأنّ عليه القضاء في الثانية ، والكفّارة في الثالثة. ولتفصيل الكلام في المقام نقول :

أمّا في النومة الأُولى : فالظاهر صحّة الصوم كما ذكر ولا قضاء عليه فضلا عن الكفّارة ، فإنّ الروايات في المقام مختلفة وعلى طوائف ثلاث :

الاولى : ما دلّت على صحّة الصوم مطلقاً ، وهي ما رواه الصدوق بإسناده عن أبي سعيد القمّاط : أنّه سُئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) عمّن أجنب في شهر رمضان في أوّل الليل فنام حتّى أصبح «قال : لا شي‌ء عليه ، وذلك أنّ جنابته كانت في وقتٍ حلال» (3).

وبإسناده عن العيص بن القاسم : أنّه سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل ينام في شهر رمضان فيحتلم ثمّ يستيقظ ثمّ ينام قبل أن يغتسل «قال : لا بأس» (4).


1) (*) الأظهر في الذهول وجوب القضاء فقط.

2) في ص 211.

3) الوسائل 10 : 57 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 13 ح 1 ، الفقيه 2 : 74 / 322.

4) الوسائل 10 : 57 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 13 ح 2 ، الفقيه 2 : 75 / 325.

.................................................................................................


الثانية : ما دلّ على بطلانه مطلقاً ، كموثّقة سماعة بن مهران ، قال : سألته عن رجل أصابته جنابة في جوف الليل في رمضان فنام وقد علم بها ولم يستيقظ حتى يدركه الفجر «فقال : عليه أن يتمّ صومه ويقضي يوماً آخر» (1).

وصحيحة سليمان بن حفص المروزي عن الفقيه (عليه السلام) «قال : إذا أجنب الرجل في شهر رمضان بليل ولا يغتسل حتّى يصبح فعليه صوم شهرين متتابعين مع صوم ذلك اليوم ، ولا يدرك فضل يومه» (2).

وقد دلّت الأخيرة على ثبوت الكفّارة أيضاً مضافاً إلى القضاء.

الثالثة : ما تضمّنت التفصيل بين المتعمّد وغيره وخصّت البطلان بالأوّل ، كصحيحة الحلبي : في رجل احتلم أوّل الليل ، أو أصاب من أهله ثمّ نام متعمّداً في شهر رمضان حتّى أصبح «قال : يتمّ صومه ذلك ثمّ يقضيه» إلخ (3).

وصحيحة أبي بصير : في رجل أجنب في شهر رمضان بالليل ثمّ ترك الغسل متعمّداً حتّى أصبح «قال : يعتق رقبة» إلخ (4).

وقد أشرنا فيما مرّ إلى أنّ المقام من موارد انقلاب النسبة ، فإنّ الطائفتين الأُوليين متعارضتان بالتباين ، ولكن الثالثة أخصّ من الاولى فتتقيد بها ، وبعدئذٍ تنقلب النسبة بينها وبين الثانية من التباين إلى العموم والخصوص المطلق ، فتتقيّد الثانية بها ، فتكون النتيجة اختصاص البطلان والحكم بالقضاء بل الكفّارة بصورة العمد ، وأمّا إذا كان عن غير عمد فلا شي‌ء عليه.

وعليه ، ففي النومة الأُولى بعد البناء على الاستيقاظ والاغتسال كما هو


1) الوسائل 10 : 62 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 15 ح 5.

2) الوسائل 10 : 63 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 16 ح 3 ، 1.

3) الوسائل 10 : 63 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 16 ح 3 ، 1.

4) الوسائل 10 : 63 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 16 ح 2.

وإن كان في النومة الثانية (1) بأن نام بعد العلم بالجنابة ثمّ انتبه ونام ثانياً مع احتمال الانتباه فاتّفق الاستمرار وجب عليه القضاء فقط دون الكفارة على الأقوى.


المفروض بما أنّه لا يصدق العمد ولا سيّما في معتاد الانتباه فلا شي‌ء عليه.

(1) وأمّا في النومة الثانية فالمعروف بين الأصحاب هو القضاء فقط ، وزاد بعضهم الكفّارة ، والأظهر هو الأوّل ، وتدلّنا عليه صحيحتان :

الأُولى : صحيحة معاوية بن عمّار المتقدّمة قال : قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : الرجل يجنب في أوّل الليل ثمّ ينام حتّى يصبح في شهر رمضان «قال : ليس عليه شي‌ء» قلت : فإنّه استيقظ ثمّ نام حتّى أصبح «قال : فليقض ذلك عقوبةً» (1).

فإنّ الصدر ناظر إلى النومة الأُولى ، حتّى لو فرضنا أنّ جنابته كانت احتلاميّة ، إذ لا تعدّ النومة التي أجنب فيها من النومة الاولى ، بل هي نومة واحدة مستمرّة فهي نومة الجنابة ، لا أنّها نومة اولى بعد الجنابة ، فالنومة الأُولى هي ما ينام بعد الاستيقاظ من نومة الجنابة أو بعد الجنابة إذا كانت بغير احتلام.

وحملُ قوله : «ثمّ ينام» على النومة التي أجنب فيها باعتبار الاستمرار ليكون ما ثبت فيه القضاء هي في الحقيقة النومة الأُولى بعد الانتباه ، خلاف ظاهر كلمة «ثمّ» كما لا يخفى.

وعلى الجملة : فالنومة التي ليس فيها شي‌ء هي النومة التي بعد الجنابة ولو عن احتلام ، كما قد تعيّنه صحيحة العيص الواردة في هذا المورد : عن الرجل


1) الوسائل 10 : 61 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 16 ح 1.

.................................................................................................


ينام في شهر رمضان فيحتلم ثمّ يستيقظ ثمّ ينام قبل أن يغتسل «قال : لا بأس» (1)حيث دلّت على أنّ النومة التي كانت بعد نومة الجنابة والاستيقاظ منها هي التي لا بأس بها.

وعليه ، فلا بدّ من أن يُحمَل الصدر بمقتضى الروايات المقيّدة المتقدّمة في حكم النومة الأُولى على صورة عدم العمد ، فإذن يكون المراد من الذيل هي هذه الصورة أيضاً ، فتدلّ على ثبوت القضاء في النومة الثانية لغير العامد ، أي العازم على الاغتسال لدى الانتباه الذي هو محلّ الكلام.

وبعبارة اخرى : دلّت الجملة الثانية أعني قوله : فإنّه استيقظ ، إلخ على أنّ النومة الثانية تغاير الاولى حكماً ، ومعه لا يمكن حمل الثانية على العامد العازم على ترك الغسل ، إذ لا يفرق حينئذٍ بين الاولى والثانية في ثبوت القضاء على التقديرين ، والمفروض ثبوت الفرق كما عرفت ، فلا مناص من أن يكون الموضوع في الجملتين صورة عدم العمد ، فيتّجه الاستدلال

حينئذٍ حسبما ذكرناه ، فالنوم الثاني حتّى مع عادة الانتباه وقصد الاغتسال موجبٌ للقضاء.

ويكشف عن إرادة هذه الصورة أي عدم العمد التعبير بالعقوبة في ذيل الصحيحة ، الكاشف عن أنّ ذلك لأجل تسامحه وتساهله في الاغتسال فاحتاج إلى نوع من التنبيه ، كما في ناسي النجاسة كي يتحفظ ولا ينسى بعدئذٍ ، وإلّا فلو لم يكن عازماً وكان متعمّداً في ترك الغسل كان القضاء حينئذٍ على القاعدة ، لأنّه ترك الواجب اختياراً وفوّته على نفسه عامداً ، ومثله يستوجب القضاء بطبيعة الحال ، فلا وجه للتعبير بالعقوبة والتعليل بها كما لا يخفى.

الثانية : صحيحة ابن أبي يعفور ، قال : قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) :


1) الوسائل 10 : 57 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 13 ح 2.

.................................................................................................


الرجل يجنب في شهر رمضان ثمّ (حتّى) يستيقظ ، ثمّ ينام ثمّ يستيقظ ثمّ ينام حتى يصبح «قال : يتمّ يومه (صومه) ويقضي يوماً آخر ، وإن لم يستيقظ حتّى صبح أتمّ صومه (يومه) وجاز له» (1).

وهي على هذه النسخة المذكورة في الوسائل مطابقة مضموناً مع صحيحة معاوية بن عمّار المتقدّمة.

ولكنّها في نسخة اخرى وردت هكذا : الرجل يجنب في شهر رمضان ثمّ يستيقظ ثمّ ينام حتّى يصبح «قال : يتمّ صومه» إلخ.

وعلى هذا لا تعرّض فيها لحكم النومة الثانية التي هي محلّ الكلام.

وليس الاختلاف من جهة اختلاف نسخ الوسائل ، بل من جهة اختلاف المصادر ، فإنّ النسخة الأُولى المشتملة على تلك الزيادة مطابقة للفقيه (2)، والثانية للتهذيبين (3)، فيدور الأمر بين الزيادة والنقيصة ، ولا يبعد أن يكون الترجيح مع الفقيه ، فإنّه أضبط ، لكثرة ما في التهذيب والاستبصار من الاشتباه الناشئ من الاستعجال في التأليف ، حتّى ادّعى صاحب الحدائق أنّه قلّما توجد رواية خالية عن الخلل سنداً أو متناً (4)، وهذه مبالغة منه واضحة ، فإنّ روايات الشيخ المطابقة مع الكافي وغيره من المصادر كثيرة جدّاً. نعم ، اشتباهاته غير عزيزة ومن ثمّ كان الفقيه أضبط ، والنفس إليه لدى الدوران أركن ، وإن كان ذلك لا يفيد الجزم ، بل غايته الظنّ.


1) الوسائل 10 : 61 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 15 ح 2.

2) الفقيه 2 : 75 / 323.

3) التهذيب 4 : 211 / 612 ، الاستبصار 2 : 86 / 269.

4) الحدائق 3 : 156.

.................................................................................................


وكيفما كان ، فإن لم تثبت الزيادة ففي صحيحة معاوية غنى وكفاية ، وتكون الرواية عندئذٍ من الأخبار المطلقة الدالّة على القضاء إذا نام بعد الجنابة حتّى أصبح ، المحمولة على صورة العمد ، جمعاً بينها وبين ما تقدّم.

وإن ثبتت كان حالها حال صحيحة معاوية ، بل الدلالة فيها أظهر ، إذ قد فرض فيها حينئذٍ نومات ثلاثة : نومة الجنابة ، ونومة بعد الاستيقاظ عنها ، والنومة الأخيرة المفروض استمرارها حتّى الصباح ، وقوله (عليه السلام) في الذيل «وإن لم يستيقظ» إلخ ، لا يحتمل رجوعه إلى نومة الجنابة كي تكون هي التي لا شي‌ء فيها ، كيف؟ ولازمه ترك التعرّض لما هو الأولى بالذكر ، وهي النومة المتوسطة بين نومة الجنابة وبين النومة الأخيرة التي ثبت فيها القضاء ، فإنّ الإعراض عن حكم هذا والتعرّض لما هو واضح لدى كل أحد لعلّه مستبشع يصان عن الكلام الحكيم ، فلا مناص من رجوعه إلى النومة الثانية أي الأُولى بعد الاحتلام. أمّا الأخيرة فالمفروض استمرارها إلى الصباح ، فلا معنى للرجوع إليها كما هو ظاهر.

فمحصّل الرواية : أنّ النومة الأُولى بعد اليقظة من نومة الجنابة إذا استمرّت إلى الصباح لا شي‌ء فيها وهو جائز ، وأمّا النومة الثانية ففيها القضاء.

ولكنّه مع ذلك كلّه يمكن أن يكون قوله : «وإن لم يستيقظ» إلخ ، راجعاً إلى الصدر ، أي إذا لم يستيقظ من الجنابة أصلاً حتّى أصبح فلا شي‌ء عليه ، ولعلّ هذا أوفق ، فيكون مفهومها : أنّه إذا استيقظ بعد الجنابة ونام حتّى أصبح فعليه شي‌ء كالقضاء ، ويكون موافقاً لما ذكره الشيخ في التهذيبين ، فإنّ ما نقله الشيخ أقلّ تعقيداً ممّا نقله الصدوق كما لا يخفى. وتكون الرواية على هذا من الروايات المطلقة التي دلّت على لزوم القضاء في النوم الأوّل بعد العلم بالجنابة ، فيعامل معها معاملتها من التقييد بصورة العمد كما مرّ.

.................................................................................................


وكيفما كان ، فلا يظهر من رواية الصدوق في الفقيه رجوع الذيل إلى الصدر أو إلى الجملة الوسطى ، ومعه تكون مجملة بالنسبة إلى هذا الحكم في النومة الثانية ، والمرجع حينئذٍ في الحكم بوجوب القضاء هي صحيحة معاوية بن عمّار ، وفيها الكفاية كما تقدّم.

وقد تبيّن من مطاوي ما ذكرناه أنّ المراد من النومة الأُولى والثانية والثالثة هي النومات الواقعية بعد العلم بالجنابة ، أو الانتباه من نومة الاحتلام ، وأنّ نومة الاحتلام بنفسها ملغاة في الحساب.

وقد أشرنا فيما مرّ إلى أنّ صحيحة العيص شاهدة لذلك ، حيث يقول : عن الرجل ينام في شهر رمضان فيحتلم ثمّ يستيقظ ثمّ ينام قبل أن يغتسل «قال : لا بأس» (1).

حيث صرّح فيها بأنّ النومة التي تحقّقت بعد الاستيقاظ من نومة الاحتلام لا بأس بها ، أي لا قضاء عليه ، فالنومة الثانية التي فيها القضاء هي النومة التي بعدها.

وقد تحصّل من جميع ما تقدّم : أنّ الصحيح ما عليه الأصحاب من وجوب القضاء في النومة الثانية.

وأمّا زيادة الكفّارة التي ذهب إليها بعضهم فلا مستند لها عدا ما يدّعى من القاعدة الكلّيّة من أنّ كلّ ما ثبت فيه القضاء ثبتت فيه الكفّارة أيضاً ، ولكنّها كما ترى مجرّد دعوى بلا بيّنة ولا برهان ، وقد ثبت التفكيك في كثير من الموارد كما تقدّم وسيأتي ، التي منها صورة نسيان غسل الجنابة حتّى مضى يوم أو أيّام ، فإنّ فيها القضاء دون الكفّارة كما سبق (2).


1) الوسائل 10 : 57 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 13 ح 2.

2) في ص 211.

وإن كان في النومة الثالثة (1) فكذلك على الأقوى ، وإن كان الأحوط ما هو المشهور من وجوب الكفّارة أيضاً في هذه الصورة ، بل الأحوط وجوبها في النومة الثانية أيضاً ، بل وكذا في النومة الأُولى أيضاً إذا لم يكن معتاد الانتباه.

ولا يعدّ النوم الذي احتلم فيه من النوم الأوّل ، بل المعتبر فيه النوم بعد تحقّق الجنابة ، فلو استيقظ المحتلم من نومه ثمّ نام كان من النوم الأوّل لا الثاني.


هذا كلّه في النومة الثانية.

(1) وأمّا النومة الثالثة فلا إشكال كما لا خلاف في ثبوت القضاء فيها ، بل هي أولى من الثانية في هذا الحكم المبني على العقوبة كما في صحيح معاوية المترتّبة على التسامح والتساهل بمقتضى الفهم العرفي كما لا يخفى.

وأمّا الكفّارة فالمشهور وإن ذهبوا إليها إلّا أنّه لم ترد فيها أيّة رواية صحيحة ولا ضعيفة ، وقد استندوا فيها إلى ما تقدّم في وجه وجوبها في النوم الثاني من دعوى الملازمة التي عرفت ما فيها.

والعمدة في المقام دعوى الإجماع المتكرّرة في كلام غير واحد كابني حمزة وزهرة وجامع المقاصد (1)وغيرهم لكنّها غير صالحة للاعتماد ، لعدم حجّيّة الإجماع المنقول كما هو محرّر في الأُصول (2)، ولا سيما من مثل ابني حمزة وزهرة ، فإنّ مبنى أمثال هؤلاء في دعوى الإجماع يغاير مبنانا كما لا يخفى.


1) الوسيلة : 142 ، غنية النزوع 2 : 138 ، جامع المقاصد 3 : 70.

2) مصباح الأُصول 2 : 135 138.

.................................................................................................


وأمّا تحصيل الإجماع التعبّدي الكاشف عن رأي المعصوم (عليه السلام) في مثل هذه المسألة التي وجد فيها خلاف جماعة معتدّ بها من الأصحاب كالفاضلين وصاحب المدارك (1)وغيرهم فمشكل جدّاً ، بل لعلّه مقطوع العدم ، والقائلون بالوجوب من القدماء جماعة معدودون وأشخاص معلومون لم يبلغوا حدّا يستكشف معه رأي المعصوم (عليه السلام).

والحاصل : أنّ الإجماع المحقّق بعد ذهاب فحول من المتأخرين إلى الخلاف غير معلوم ، بل معلوم العدم.

ومن ذلك يظهر أنّ دعوى الإجماع على وجوب الكفّارة من مثل جامع المقاصد الذي هو شرح على قواعد العلامة المنكر لها (2)، وقد أنكرها أيضاً المحقّق في المعتبر وتردّد في الشرائع (3)لا يخلو من الغرابة ، وكأنّ مدّعيه يريد الإجماع ممّن سبق المحقق ، وقد عرفت أنّ مخالفة هؤلاء الأعاظم مانعة من الاعتماد عليه ، كما وعرفت أيضاً أنّه لا تلازم بين القضاء والكفّارة ، فإنّها حكم من أفطر عامداً ، وليس هذا منه.

وكيفما كان ، فالظاهر عدم وجوب الكفّارة في النومة الثالثة أيضاً ، وإن كان الأحوط ذلك ، لما عرفت ، بل هي الأحوط في النومة الثانية أيضاً ، للقول بها ، بل الاولى في غير المعتاد ، لاحتمال العمد.


1) المنتهي 2 : 577 ، المعتبر 2 : 674 ، المدارك 6 : 90.

2) جامع المقاصد 3 : 70 ، قواعد العلامة 1 : 375.

3) المعتبر 2 : 675 ، لاحظ الشرائع 1 : 218.

[2440] مسألة 57 : الأحوط إلحاق غير شهر رمضان من الصوم المعيّن به (1)(1) في حكم استمرار النوم الأوّل أو الثاني أو الثالث حتّى في الكفّارة في الثاني والثالث إذا كان الصوم ممّا له كفّارة كالنذر ونحوه.

[2441] مسألة 58 : إذا استمرّ النوم الرابع أو الخامس فالظاهر أنّ حكمه حكم النوم الثالث (2).

[2442] مسألة 59 : الجنابة المستصحبة كالمعلومة في الأحكام المذكورة (3).


(1) هذا الاحتياط الوجوبي ينافي ما تقدّم منه (قدس سره) من أن إبطال البقاء على الجنابة متعمّداً خاصّ بشهر رمضان وقضائه ولا يسري إلى غيرهما من الصوم المعيّن (2)، وما أفاده (قدس سره) هناك هو الصحيح كما مرّ ، للزوم الاقتصار في الحكم المخالف لمقتضى القاعدة على مورد النصّ ، وهو شهر رمضان وقضائه ، والمرجع في غيرهما عموم حصر المفطر المطابق لأصالة البراءة.

(2) لقضاء الفهم العرفي بعدم الفرق بين الثالث وغيره في مثل المقام ، ولأجله يتعدّى عن النوم الثاني إلى الثالث في وجوب القضاء مع عدم ورود نصّ فيه كما تقدّم.

(3) لأنّ الموضوع هو واقع الجنابة ، والاستصحاب محرز لها بحكم الشارع تعبّداً ، فيترتّب عليه حكمها ، وليس الموضوع الجنابة المعلومة بحيث يكون العلم جزءاً للموضوع كي تبتني المسألة على قيام الاستصحاب مقام العلم المأخوذ في الموضوع على نحو الطريقيّة ، إذ لا دليل على أخذ العلم جزءاً للموضوع في


1) (*) مرّ منه (قدس سره) اختصاص إبطال البقاء على الجنابة متعمداً يصوم شهر رمضان وقضائه وهذا هو الأظهر.

2) في ص 190 191.

[2443] مسألة 60 : ألحق بعضهم الحائض والنفساء بالجنب في حكم النومات ، والأقوى عدم الإلحاق (1) ، وكون المناط فيهما صدق التواني في الاغتسال ، فمعه يبطل وإن كان في النوم الأوّل ، ومع عدمه لا يبطل وإن كان في النوم الثاني أو الثالث.

[2444] مسألة 61 : إذا شك في عدد النومات بنى على الأقلّ (2).


المقام ، بل هو على خلاف ظواهر الأدلّة كما لا يخفى ، حيث إنّ مقتضاها ترتّب الأحكام على نفس الجنابة وذاتها ، وليس الحكم بعدم البطلان فيمن أصبح جنباً جاهلاً كاشفاً عن دخل العلم في الموضوع ، وإنّما هو من أجل الجنابة الواقعيّة إنّما تكون مفطرة مع العمد ، ولا عمد مع الجهل ، فلاحظ.

(1) لاختصاص النصّ بالجنب ، ولا وجه للتعدّي ، بل العبرة فيهما بصدق التواني وعدمه على ما ورد في النصّ الوارد فيهما كما تقدّم (1)، فمع صدقه يحكم بالقضاء وإن كان في النومة الأُولى ، ولا يحكم به مع عدم الصدق وإن كان في النومة الثانية أو الثالثة ، بل الزائد عليها أيضاً.

(2) استناداً إلى أصالة عدم حدوث الزائد على المقدار المتيقّن ، فإنّ موضوع القضاء بحسب النصوص هو من نام بعد العلم بالجنابة واستيقظ ثمّ نام واستيقظ بعد الفجر ، والمتيقّن إنّما هو النومة الأخيرة ، وأمّا سبق نومة اخرى عليها ليتحقّق معه موضوع القضاء فمشكوك ، فيرجع في نفيه إلى أصالة العدم ، وهكذا الحال في جانب الكفّارة المترتّبة على النومة الثالثة.


1) في ص 200.

[2445] مسألة 62 : إذا نسي غسل الجنابة ومضى عليه أيّام وشكّ في عددها يجوز له الاقتصار في القضاء على القدر المتيقّن (1) ، وإن كان الأحوط تحصيل اليقين بالفراغ.

[2446] مسألة 63 : يجوز قصد الوجوب في الغسل وإن أتى به في أوّل الليل (2) ، لكن الاولى مع الإتيان به قبل آخر الوقت أن لا يقصد الوجوب بل يأتي به بقصد القربة.


(1) لقاعدة الفراغ الجارية في صوم المقدار الزائد على المتيقّن وقوعه حال الجنابة ، وقد ذكرنا في محلّه أنّ الشكّ إن كان في أصل الوجود الذي هو مجرى قاعدة التجاوز اعتُبِر فيه التجاوز عن المحلّ الموقوف على الدخول في الغير المترتّب عليه ، وأمّا إذا كان في صحّة الموجود الذي هو مجرى قاعدة الفراغ كما في المقام فيكفي فيه مجرّد الفراغ والانتهاء عن العمل (1)، فإذا مضت عليه أيّام ثلاثة مثلاً وعلم بكونه جنباً في يومين منها ، واحتمل أن يكون قد اغتسل في اليوم الثالث الذي صام فيه ، بنى على صحّة الصوم حينئذٍ ، لأصالة الصحّة ، أعني : قاعدة الفراغ الحاكمة على الاستصحاب كما هو مقرّر في محلّه (2).

(2) إن أُريد به الوجوب العقلي الباعث على فعل المقدّمة قبل الوقت لتوقّف الواجب عليه وعدم حصول الامتثال بدونه ، فهو حقّ لا محيص عن الاعتراف به كما ستعرف.

وأمّا لو أُريد به الوجوب الشرعي المولوي ، فبما أنّ وجوب المقدّمة تابع


1) مصباح الأُصول 2 : 275 ، 280 ، 285.

2) مصباح الأُصول 2 : 262 264.

.................................................................................................


لوجوب ذيها ، والمفروض عدم وجوب ذي المقدّمة قبل الوقت ، فلا وجوب لمقدّمته عندئذٍ بطبيعة الحال ، فكيف يمكن أن ينوي الوجوب بفعل المقدّمة قبل الوقت كالغسل في المقام؟! ولهم في التفصّي عن هذا الإشكال السيّال أعني : كيفيّة تصوير وجوب المقدّمة قبل مجي‌ء وقت ذيها وجوه :

منها : الالتزام بالوجوب التعليقي والتفكيك بين زماني الوجوب والواجب وانّ الوقت شرط لنفس الواجب لا لوجوبه ، فالوجوب فعلي ، والواجب استقبالي ، فيجب صوم الغد في المقام من أوّل الليل ، بل من أوّل الشهر كما هو ظاهر قوله تعالى ( فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ) (1)فإذا كان الوجوب حاليّا وثابتاً قبل مجي‌ء وقت الواجب وبنينا على وجوب المقدّمة شرعاً ، ترشّح الأمر من ذيها إليها لا محالة ، فبعد الالتزام بهاتين الدعويين أعني : الوجوب التعليقي ، ووجوب المقدّمة شرعاً يتّصف الغسل في المقام بالوجوب الشرعي.

ومنها : أنّه وإن أنكرنا الوجوب التعليقي وبنينا على أنّ الوجوب مشروط بالوقت كنفس الواجب فلا وجوب لذي المقدّمة قبل مجي‌ء وقته ، إلّا أنّه لا مانع من التفكيك بين المقدّمة وذيها في الوجوب ، بأن تجب المقدّمة فعلاً من غير أن يجب ذوها إلّا بعد حين ، فبعين الملاك الذي من أجله وجبت المقدّمة أعني : توقّف ذيها عليها يمكن أن يكون وجوبها سابقاً على وجوبه فيما إذا رأى المولى أنّ الدخيل في الواجب إنّما هو المقدّمة السابقة وجوداً على وقته دون اللّاحقة ، وحديث ترشّح وجوب المقدّمة من ذيها المستلزم لتأخّر وجوبها عن وجوبه كلامٌ مشهور لا أساس له من الصحّة ، إذ كيف يُعقَل ترشّح الوجوب


1) البقرة 2 : 185.

.................................................................................................


من وجوب ، وأن يكون فعلٌ اختياري معلولاً لفعل اختياري آخر؟! وهل وجوب ذي المقدّمة بنفسه مشرّع كي يكون علّة لوجوب المقدّمة ويكون وجوبها مترشّحاً من وجوبه؟! كلّ ذلك لا يكون ، بل الوجوب الغيري كالوجوب النفسي ، كلّ منهما فعل اختياري لنفس الفاعل أعني : المولى الذي بيده الحكم لا أنّ الأوّل معلول للثاني كي يكون فعلاً لفعل الفاعل ومعلولاً لمعلوله ، بل كلّ منهما بحياله فعلاً مستقلا ، غاية الأمر أنّهما متلازمان في الوجود ، ويكون وجوب أحدهما لأجل الآخر لا بملاكٍ قائمٍ بنفسه.

وعليه ، فإذا كانا فعلين للفاعل من غير ترشّح في البين ولا علّيّة ولا معلوليّة فأي مانع من أن يوجب المولى المقدّمة فعلاً ويوجب ذيها بعد ذلك متأخّراً فيما إذا كان هناك ملاك لتقديم الأوّل كما في المقام كي يتمكّن المكلّف من الإتيان بالواجب في ظرفه؟! فعين ملاك المقدّميّة المستلزم لأصل الوجوب مستلزمٌ لتقديم الوجوب وسبقه على وجوب ذي المقدّمة.

ومنها : ما ذكره شيخنا الأُستاذ (قدس سره) من الالتزام بالوجوب التهيّئي (1)، حيث إنّه (قدس سره) لمّا أنكر الواجب التعليقي واعترف تبعاً للمشهور بالوجوب الترشّحي المستلزم لامتناع تقدّم وجوب المقدّمة على وجوب ذيها كما عرفت التجأ إلى الالتزام بوجوب المقدّمة في أمثال المقام وجوباً نفسيّاً تهيّؤيّاً متوسّطاً بين الوجوب الغيري والوجوب النفسي الاصطلاحي ، فهو واجبٌ نفساً ، لغاية التحفّظ على واجب آخر في ظرفه والتهيّؤ لامتثاله ، فليس هو بواجب غيري ، لفرض وجوبه قبل وجوب ذي المقدّمة ولا شي‌ء من الواجب الغيري كذلك ولا بواجب نفسي ، لعدم كون مخالفته مستوجباً لعقاب آخر غير العقاب على ترك الواجب الآخر وهو الصوم عن طهارة فيما نحن فيه ،


1) أجود التقريرات 1 : 136 141.

.................................................................................................


ولا موافقته مستوجباً للثواب ، بل هو مرحلة بين المرحلتين ، فمن جهة يشبه الواجب الغيري لقيام ملاكه بالغير ، ومن جهة أُخرى يشبه النفسي لعدم توقّفه على واجب آخر ولا ترشحه منه حسبما عرفت ، بل هو نوع وجوب فائدته فائدة الواجب الغيري ، قد انبعث هو والواجب الآخر عن ملاك واحد ، نظير الأوامر الضمنيّة في باب المركّبات. وعليه ، فالغسل في المقام واجب بهذا الوجوب التهيّئي ، فلا مانع من الإتيان به بقصد هذا الوجوب.

ولكن هذه الوجوه الثلاثة المذكورة في المقام كلّها ساقطة.

أمّا الأول : فلأنّا وإن التزمنا في محلّه بإمكان الواجب التعليقي وأنّه لا مانع من التفكيك بين زماني الوجوب والواجب ، وليست الإرادة التشريعيّة على حدّ الإرادة التكوينيّة التي يمتنع فيها تخلّف الإرادة عن المراد كما فصّلنا القول حول ذلك في الأُصول مستقصى (1)، إلّا أنّ الإتيان بالغسل بنيّة الوجوب الشرعي في المقام مبني على ذلك وعلى الالتزام بوجوب المقدّمة شرعاً كما عرفت.

وقد بيّنّا في الأُصول : أنّ مقدّمة الواجب لا وجوب لها شرعاً وإنّما هي واجبة بالوجوب العقلي المحض من باب اللابدّيّة العقليّة (2)، إذ بعد حكومة العقل بذلك وإدراكه لزوم الإتيان بالمقدّمة لتوقّف ذيها عليها وعدم التمكّن من إتيانه بدونها ، فأيّ فائدة بعد هذا للوجوب الشرعي المولوي؟! وهل هذا إلّا من اللغو الظاهر والحكم الجزافي الذي تصان عنه ساحة الحكيم.

ومن ذلك يظهر الجواب عن الوجه الثاني أيضاً ، لتوقّفه على وجوب المقدّمة شرعاً ، وهو ممنوع.


1) محاضرات في أُصول الفقه 2 : 351 353.

2) محاضرات في أُصول الفقه 2 : 438.

[2447] مسألة 64 : فاقد الطهورين يسقط عنه اشتراط رفع الحدث للصوم ، فيصحّ صومه مع الجنابة أو مع حدث الحيض أو النفاس (1).


وأمّا الثالث : فلا نعقل معنىً للوجوب التهيّئي وراء الوجوب الغيري ، ولا موقع لهذا الوجوب من ناحية المولى بعد استقلال العقل بلزوم الإتيان بالواجب وبكلّ ما يتوقّف عليه ، الذي منه الغسل في المقام لأجل الصوم المشروط بالطهارة.

فتحصّل : أنّ الأقوى عدم وجوب الغسل كغيره من المقدّمات قبل الوقت بالوجوب الشرعي ، فلا يمكن الإتيان به بهذه النيّة.

نعم ، هو واجب بالوجوب العقلي المقدّمي كما تقدم ، فلا مانع من الإتيان به بهذا القصد ، أي بقصد كونه ممّا يتوقّف عليه الواجب ، وكونه مقدّمة له ، الذي هو عنوان قربي ، لاشتماله على نحو إضافة إلى المولى ، وقد ذكرنا غير مرّة يكفي في العباديّة وحصول القربة مجرّد الإضافة إلى المولى نحو إضافة ، فكما أنّ الإتيان بالغسل لاستحبابه النفسي عبادةٌ ولو مع الغفلة عن مقدّميّته للصوم ، كذلك الإتيان به بعنوان المقدّميّة عبادة موجبة للتقرّب ولو مع الغفلة عن الاستحباب النفسي كما عرفت.

(1) فإنّ رفع الحدث إنّما هو ملحوظ شرطاً للواجب ، أي لصحّة الصوم لا لنفس الوجوب ، إذ الصوم واجب على كافة المكلّفين ولا يختصّ وجوبه بالمتطهّر ، وليست شرطيّة الطهارة للصوم كشرطيّة السفر في القصر الذي هو دخيل في أصل الوجوب كما هو ظاهر.

وبما أنّ المانع عن الصحّة انّما هو تعمّد البقاء على الجنابة أو الحيض أو النفاس كما تقدّم ، فبطبيعة الحال يختصّ الاشتراط المزبور بصورة التمكّن من رفع الحدث والقدرة على استعمال الطهور ، فالعاجز لا يكون متعمّداً في البقاء

[2448] مسألة 65 : لا يشترط في صحّة الصوم الغسل لمسّ الميّت (1) ، كما لا يضرّ مسّه في أثناء النهار.

[2449] مسألة 66 : لا يجوز إجناب نفسه في شهر رمضان (2) إذا ضاق الوقت عن الاغتسال أو التيمّم ، بل إذا لم يسع للاغتسال (1)ولكن وسع للتيمّم. ولو ظنّ سعة الوقت فتبيّن ضيقه : فإن كان بعد الفحص صحّ صومه ، وإن كان مع ترك الفحص فعليه القضاء (3) على الأحوط.


بالضرورة ، ولأجله يكون الاشتراط المزبور ساقطاً عنه.

(1) فإنّ المسّ المزبور وإن كان موجباً للحدث الأكبر ولأجله يجب الغسل عنه للصلاة ، إلّا أنّه لا دليل على قادحيّة كل حدث أكبر في الصوم ، وإنّما الوارد في النصّ خصوص حدث الجنابة والحيض والنفاس كما تقدّم ، ومقتضى عموم حصر المفطر أن لا يكون تعمّد البقاء عليه إلى الفجر قادحاً في الصحّة مضافاً إلى أصالة البراءة. ومنه يظهر عدم قادحيّة مسّه أثناء النهار.

(2) كما مرّ الكلام حول ذلك مستقصًى فلا نعيد (2).

(3) لموثّقة سماعة بن مهران ، قال : سألته عن رجل أكل أو شرب بعد ما طلع الفجر في شهر رمضان «قال : إن كان قام فنظر فلم ير الفجر فأكل ثمّ عاد فرأى الفجر فليتمّ صومه ولا إعادة عليه ، وإن كان قام فأكل وشرب ثمّ نظر إلى الفجر فرأى أنّه قد طلع الفجر فليتمّ صومه ويقضي يوماً آخر ، لأنّه بدأ بالأكل قبل النظر فعليه الإعادة» (3).


1) (*) تقدّم الكلام فيه [في الأمر الثامن من المفطرات].

2) في ص 121 123.

3) الوسائل 10 : 115 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 44 ح 3.

التاسع من المفطرات : الحقنة بالمائع (1) ولو مع الاضطرار إليها لرفع المرض ، ولا بأس بالجامد وإن كان الأحوط اجتنابه أيضاً.


فإنّ موردها وإن كان هو الأكل والشرب إلّا أنّه يستفاد من التعليل المذكور في الذيل المتعقّب بالتفريع بقوله : «فعليه الإعادة» أنّ علّة الحكم بالإعادة البدأة بالأكل قبل النظر. فيعلم من ذلك أنّ المبادرة إلى ارتكاب المفطر أىّ ما كان إذ لا يحتمل خصوصيّة للأكل قبل الفحص والنظر موجب للبطلان والقضاء.

وأظهر منها موثّقة إبراهيم بن مهزيار الواردة في محلّ الكلام أعني : الإجناب قال : كتب الخليل بن هاشم إلى أبي الحسن (عليه السلام) : رجل سمع الوطء (1)والنداء في شهر رمضان فظنّ أنّ النداء للسحور فجامع وخرج فإذا الصبح قد أسفر ، فكتب بخطّه «يقضي ذلك اليوم إن شاء اللّه تعالى» (2).

فإنّها واضحة الدلالة على المطلوب ، حيث إنّه جامع من غير أن يفحص عن الفجر وينظر إليه.

وأمّا من حيث السند : فإبراهيم بن مهزيار الذي هو أخو علي بن مهزيار وإن كان مجهولاً في كتب الرجال وقد ذُكِر لتوثيقه وجوهٌ عديدة كلّها مزيّفة كما نبّهنا عليها في المعجم (3)إلّا أنّ الرجل مذكور في أسانيد كامل الزيارات ، ولأجله يُحكم بوثاقته وصحّة الرواية.

(1) استقصاء الكلام في المقام يستدعي التكلّم في جهات :

الاولى : لا إشكال كما لا خلاف في حرمة الاحتقان بالنسبة إلى الصائم ، ولم


1) أي وطء الأقدام ومشيها.

2) الوسائل 10 : 115 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 44 ح 2.

3) معجم رجال الحديث 1 : 277 / 318.

.................................................................................................


يُنسَب الخلاف إلّا إلى ابن الجنيد ، حيث حُكي عنه استحباب الاجتناب عنه (1)، ولعلّه لما ورد من عدم البأس في استدخال الصائم الدواء (2)، ولكنّه مطلق يشمل الاستدخال بالاحتقان وغيره ، فهو قابل للتقييد بالنصوص الآتية الصريحة في المنع عن الاحتقان كما ستعرف.

الثانية : هل يختصّ المنع بالمائع أو يعمّ الجامد أيضاً؟

نُسِب الأوّل إلى المشهور. وعن المحقّق في المعتبر والعلّامة في المختلف وصاحب المدارك التصريح بالتعميم (3). وأطلق القول بعدم الجواز جماعة كالمفيد والصدوق والسيّد (4)وغيرهم ، وإن كان لا يبعد انصراف الإطلاق في كلامهم إلى المائع.

وكيفما كان ، فيدلّ على أصل الحكم أعني : حرمة الاحتقان وعلى اختصاصه بالمائع صحيحة ابن أبي نصر : عن الرجل يحتقن تكون به العلّة في شهر رمضان «فقال : الصائم لا يجوز له أن يحتقن» (5).

فإنّ الاحتقان ظاهر بحكم الانصراف في المائع ، وعلى تقدير الإطلاق وشموله الجامد فهو مقيَّد بموثّقة الحسن بن فضّال ، قال : كتبت إلى أبي الحسن (عليه السلام) : ما تقول في اللّطف يستدخله الإنسان وهو صائم؟ فكتب (عليه السلام) : «لا بأس بالجامد» (6).


1) جواهر الكلام 16 : 274.

2) الوسائل 10 : 41 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 5 ح 1.

3) المعتبر 2 : 679 ، لاحظ المختلف 3 : 292 ، المدارك 6 : 64.

4) المقنعة : 344 ، المقنع : 191 ، لاحظ جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى 3) : 54.

5) الوسائل 10 : 42 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 5 ح 4.

6) الوسائل 10 : 41 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 5 ح 2 ، الكافي 4 : 110 / 6 ، التهذيب 4 : 204 / 590 ، الإستبصار 2 : 83 / 257.

.................................................................................................


وفي رواية الشيخ : في التلطّف من الأشياف ، فإنّها صريحة في الجواز في الجامد ، فيقيّد بها إطلاق الصحيح لو كان ثمّة إطلاق.

ثمّ إنّ هذه الرواية مرويّة بطريقين :

أحدهما : طريق الشيخ بإسناده المعتبر عن أحمد بن محمّد الذي يدور أمره بين أحمد بن محمّد بن خالد البرقي وأحمد بن محمّد بن عيسى ، وكلاهما ثقة وهو يروي عن علي بن الحسن بن فضّال ، عن أبيه وهما أيضاً ثقتان عن أبي الحسن (عليه السلام) ، والطريق معتبر.

ثانيهما : طريق الكليني ، وهو ما رواه عن شيخه أحمد بن محمّد ، وهذا غير أحمد بن محمّد الذي كان في طريق الشيخ ، فإنّ هذا هو شيخ الكليني ويدور أمره بين أحمد بن محمّد بن سعيد المعروف بابن عقدة ، وبين أحمد بن محمد بن عاصم الكوفي ، وكلاهما ثقة وهو يروي عن علي بن الحسين كما في الكافي ، وما في الوسائل من ذكر الحسن وجعل الحسين نسخة اخرى في غير محلّه وهذا مجهول ، وهو يروي عن محمّد بن الحسين بن أبي الخطاب عن أبيه ، وأبوه مهمل. فظهر أنّ هذا الطريق غير الطريق الأول ، فإنّ أحمد بن محمد هناك غيره هنا ، والواسطة بينه وبين الإمام في الأوّل رجلان كلاهما ثقة ، وهنا ثلاثة وفيهم المجهول والمهمل ، فهذا الطريق ضعيف لا محالة.

فما ذكره المحقّق الهمداني (قدس سره) من التعبير عن الرواية بموثّقة الحسن ابن فضّال المرويّة عن الكافي (1)في غير محلّه ، لما عرفت من أنّ ما رواه في الكافي ليس بموثّقة ولا مرويّة عن ابن فضال ، وأنّ موثّقة ابن فضّال إنّما رواها الشيخ.


1) مصباح الفقيه 14 : 443.

.................................................................................................


هذا ، ولكن ذكر في الوافي رواية الكليني على طبق رواية الشيخ وبعين ذلك السند ، وذكر أنّ في بعض النسخ روايته بسند آخر وهو الذي ذكرناه ، ورجح هو (قدس سره) تلك النسخة الموافقة للتهذيبين (1).

وما ذكره (قدس سره) حسن ، لأنّه إذا كانت نسخ الكافي مختلفة وكانت الرواية موجودة في التهذيب يستكشف من ذلك أنّ الصحيح هو ما كان موافقاً للتهذيب. إذن فالرواية رواية واحدة رواها الشيخ (قدس سره) ورواها الكليني (قدس سره) أيضاً ، ويتمّ ما عبّر به المحقق الهمداني (قدس سره).

الثالثة : قد عرفت حرمة الاحتقان بالمائع بمقتضى الصحيحة ، فهل يستوجب ذلك البطلان وفساد الصوم فيجب قضاؤه ، أو أنّ الحرمة تكليفيّة محضة ، كما عن ابن إدريس والمحقّق في المعتبر والشيخ في جملة من كتبه ، وقوّاه صاحب المدارك ، وتردّد فيه المحقّق في الشرائع (2)؟

والأظهر : الأوّل ، لظهور النهي في باب المركّبات كالأمر في الإرشاد إلى المانعيّة أو الجزئيّة أو الشرطيّة ، نظير النهي عن لبس ما لا يؤكل في الصلاة ، فينقلب الظهور الأوّلي إلى ظهور ثانوي ، فقوله (عليه السلام) في الصحيح : «لا يجوز» إلخ ، أو البأس المستفاد من مفهوم الموثّق بالمعنى الذي نقول به في مفهوم الوصف ظاهرٌ في البطلان والفساد كما هو الحال في سائر المركّبات الارتباطيّة.

بل الظاهر وجوب الكفّارة أيضاً ، لاندراجه فيمن أفطر متعمّداً كما مال إليه في الجواهر (3)، لو لم ينعقد إجماع على عدمه.


1) الوافي 11 : 182 / 10642.

2) السرائر 1 : 378 ، المعتبر 2 : 659 ، 679 ، الاستبصار 2 : 84 والنهاية : 156 ، المدارك 6 : 64.

3) الجواهر 16 : 274.

[2450] مسألة 67 : إذا احتقن بالمائع لكن لم يصعد إلى الجوف بل كان بمجرّد الدخول في الدّبر فلا يبعد عدم كونه مفطراً (1) ، وإن كان الأحوط تركه.

[2451] مسألة 68 : الظاهر جواز الاحتقان بما يُشَكّ في كونه جامداً أو مائعاً (2) ، وإن كان الأحوط تركه.


وما عن المحقّق الهمداني (قدس سره) من منع الاندراج ، لانصراف الإفطار إلى الأكل والشرب فلا كفّارة فيما عداهما إلّا إذا قام الدليل عليه بالخصوص كالجماع ونحوه ، ولا يكون مطلق إفساد الصوم إفطاراً ، ولذا لا يقال لمن أفسد صومه برياءٍ أو بعدم النيّة أو بنيّة القاطع ونحو ذلك أنّه أفطر ، فلا يكون الاحتقان مفطراً كي يوجب الكفّارة وإن أوجب البطلان كما مرّ (1).

في غير محلّه ، فإنّ الإفطار يقابل الصوم ويناقضه ، فكلّما وجب الصوم والإمساك عنه ومنه الاحتقان فارتكابه إفطار ، ولا نعرف أيّ وجه للتخصيص بالأكل والشرب.

هذا ، ولا فرق في مفطريّة الحقنة بين الاختيار والاضطرار لمعالجة مرض ، لإطلاق الدليل ، بل ظاهر النصّ هو الثاني كما لا يخفى.

(1) بل هو الظاهر ، فإنّ الدخول في حواشي الدبر وأوائل المدخل من غير صعود إلى الجوف لا يعدّ من الاحتقان عرفاً ، لانصراف اللفظ عنه ، فلا يشمله النص.

(2) كالدبس الغليظ مثلاً فإنّه يُشَكّ في تعلّق التكليف بالاجتناب عنه ، ومقتضى الأصل عدمه.


1) مصباح الفقيه 14 : 445.

.................................................................................................


ولكن هذا مبني على انصراف الاحتقان إلى المائع وأنّ الجامد ليس من الاحتقان في شي‌ء كما هو الصحيح حسبما عرفت ، إذ عليه يُشَكّ في صدق الاحتقان على استعمال هذا الموجود الخارجي وأنّه حرامٌ ومفسدٌ للصوم أم لا ، والمرجع في مثله من الشبهة البدوية التحريميّة هو البراءة كما هو ظاهر.

وأمّا على المبنى الآخر وأنّ الاحتقان في حدّ نفسه يعمّ المائع والجامد وقد خرجنا عن الإطلاق بما دلّ على عدم البأس في استعمال الجامد كموثّقة ابن فضّال المتقدّمة (1)، وقيّدنا الإطلاق بالموثّقة ، ولولاها لقلنا بالبطلان مطلقاً. فبناءً على هذا المبنى يجب الاجتناب عن المشكوك فيه ولا يجوز استعماله ، نظراً إلى ما هو الصحيح على ما بيّناه في الأُصول (2)من أنّ المخصّص إذا كان عنواناً وجوديّاً فالباقي تحت العامّ أو المطلق بعد التخصيص أو التقييد هو ما لم يكن بذاك العنوان الخاصّ ، فهو معنون بعنوان وجودي بل بعنوان عدمي ، وعليه فالباقي تحت العامّ في المقام بعد إخراج الجامد هو كلّ احتقان لا يكون بجامد ، لا الاحتقان المعنون بكونه بالمائع ، فالموضوع للبطلان مركّب من جزئين : الاحتقان ، وأن لا يكون جامداً. والأوّل محرَز بالوجدان ، والثاني بأصالة عدم كونه جامداً ولو بأصل العدم الأزلي ، فيلتئم الموضوع ويترتّب الحكم من الحرمة والبطلان ، ولا يعارَض بأصالة عدم كونه مائعاً ، لعدم ترتّب الأثر عليه حسبما عرفت ، إذ ليس المائع موضوعاً للحكم ، وإنّما الموضوع هو الجامد.

وعلى الجملة : فما ذكره (قدس سره) مبني على انصراف الاحتقان في نفسه إلى المائع. وأمّا إذا كان بإطلاقه يشمل الجامد وقد خرج عنه بدليل خارجي


1) في ص 242.

2) محاضرات في أُصول الفقه 5 : 207 208.

العاشر : تعمّد القي‌ء وإن كان للضرورة (1) من رفع مرضٍ أو نحوه.


منفصل ، فبما أنّ القيد أمر وجودي فلدى الشكّ مقتضى الأصل عدمه ، وبه يُحرَز أنّ هذا احتقان بما ليس بجامد ، فلا يجوز.

(1) المعروف والمشهور أنّ تعمّد القي‌ء مفسد للصوم.

وخالف فيه ابن إدريس فزعم أنّه حرامٌ تكليفاً فقط (1).

وعن السيّد المرتضى (قدس سره) : نسبة الكراهة إلى الفقهاء وأنّه ينقص الصوم (2).

وهذان القولان لا نعرف لهما أيّ مستند ، إذ لم يرد في شي‌ء من الأخبار حتّى الضعيفة النهي كي يُؤخذ بظاهره من التحريم أو يُحمَل على الكراهة ، بل الوارد فيها التصريح بالقضاء ونحوه ممّا هو صريح في البطلان ، فإمّا أن يُعمَل بهذه الأخبار ولا بدّ أن يُعمَل بها ، فإنّها روايات مستفيضة فيها الصحيح والموثّق فلا بدّ من الحكم بالبطلان عندئذٍ ، أو لا يُعمَل بها بزعم أنّها أخبار آحاد كما يراه ابن إدريس ، فلا دليل حينئذٍ على الحرمة أو الكراهة أيضاً كما لا يخفى.

وعلى الجملة : فلا ينبغي التأمل في الحكم بالبطلان ، لجملة من الروايات المعتبرة ، التي منها صحيحة الحلبي : «إذا تقيّأ الصائم فقد أفطر ، وإن ذرعه من غير أن يتقيّأ فليتمّ صومه» (3).

وصحيحته الأُخرى : «إذا تقيّأ الصائم فعليه قضاء ذلك اليوم ، وإن ذرعه من


1) السرائر 1 : 387.

2) جمل العلم والعمل (ضمن رسائل الشريف المرتضى 3) : 54.

3) الوسائل 10 : 86 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 29 ح 1.

.................................................................................................


غير أن يتقيّأ فليتمّ صومه» (1).

وموثّقة سماعة : «إن كان شي‌ء يبدره فلا بأس ، وإن كان شي‌ء يُكرِه نفسه عليه فقد أفطر وعليه القضاء» (2)، ونحوها موثّقة مسعدة بن صدقة (3)وغيرها.

وبإزائها صحيحة عبد اللّه بن ميمون : «ثلاثة لا يفطرن الصائم : القي‌ء ، والاحتلام ، والحجامة» (4).

ولكنّها كما ترى لا تعارض الصحاح المتقدّمة بوجه ، لأنّ هذه مطلقة من حيث كون القي‌ء اختياريّاً أو غير اختياري ، وقد نطقت تلك النصوص بالتفصيل بين العمد وغيره ، وأنّه إن ذرعه أو كان شي‌ء يبدره فلا بأس به ، وإنّما القادح هو التقيّؤ وما يُكرِه نفسه عليه دون القي‌ء ، فتكون مقيّدة لإطلاق هذه الصحيحة ، وأنّ المراد منها هو القي‌ء غير الاختياري كالاحتلام الذي هو جنابة غير اختياريّة فهو الذي لا يبطل دون غيره.

يبقى الكلام في الكفّارة ، ولم يتعرّض لها الماتن هنا ولا في الاحتقان مع تعرّضه لها في سائر المفطرات المتقدّمة ، وإنّما تعرّض لذلك في فصل مستقلّ يأتي فيما بعد إن شاء اللّه تعالى ، وقد ذكر هناك : أنّ ما ذكرناه من المفطرات توجب الكفّارة أيضاً إذا كانت عن عمد حتّى الاحتقان والقي‌ء (5).

وهذا القول أعني : وجوب الكفّارة فيهما شاذّ ، والمشهور عدم الوجوب ، بل ربّما يقال : إنّه إجماعي ، فإن تمّ الإجماع القطعي التعبّدي الكاشف عن قول المعصوم (عليه السلام) ودون إثباته خرط القتاد فهو ، ونلتزم من أجله بالقضاء فقط كما اقتصر عليه في نصوصهما ، وإلّا كما هو الصحيح فالظاهر


1) الوسائل 10 : 87 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 29 ح 3 ، 5.

2) الوسائل 10 : 87 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 29 ح 3 ، 5.

3) الوسائل 10 : 88 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 29 ح 6 ، 8.

4) الوسائل 10 : 88 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 29 ح 6 ، 8.

5) في ص 305.

.................................................................................................


وجوب الكفّارة أيضاً كما ستعرف.

هذا وقد أصرّ المحقّق الهمداني (قدس سره) على عدم وجوب الكفّارة (1)، ونسب إلى صاحب الجواهر أنّه أفتى به في نجاة العباد (2)وإن مال إلى الوجوب في الجواهر (3)، نظراً إلى إطلاق قوله (عليه السلام) : من أفطر متعمّداً فعليه الكفّارة.

والوجه في ذهابه إلى عدم الوجوب أمران :

أحدهما : دعوى انصراف الإفطار الوارد في النصّ المزبور إلى الأكل والشرب دون غيرهما ممّا يبطل الصوم ، إلّا إذا قام الدليل بالخصوص على ثبوت الكفّارة فيه ، مثل : الجماع والبقاء على الجنابة ونحوهما ممّا مرّ ، وإلّا فغيرهما غير مشمول لإطلاق النصّ ، وحيث لا دليل على الكفّارة في القي‌ء ولا الاحتقان والمفروض انصراف النصّ عنهما فلأجله يُحكَم بالعدم.

وجوابه ظهر ممّا مرّ ، حيث عرفت أنّ الصوم والإفطار ضدّان لا ثالث لهما ، فكلّ من ليس بصائم فهو مفطر لا محالة. نعم ، قد يكون صائماً بصومٍ غير صحيح ، إمّا لعدم النيّة أو لأجل الرياء ، أو لأنّه نوى المفطر ولم يستعمله ، ونحو ذلك ، فهو ليس بمفطر بل هو صائم وإن كان صومه فاسداً لأحد هذه الأُمور.

وعلى الجملة : فساد الصوم شي‌ء وعدمه شي‌ء آخر ، وحيث لا واسطة بين الصوم والإفطار فغير الصائم مفطر بطبيعة الحال ، إذ كلّما اعتُبِر عدمه في الصوم فإذا ارتكبه الشخص فهو ليس بصائم.

ولا وجه للاختصاص بالأكل والشرب ، لوضوح أنّ الصوم ليس هو الإمساك


1) مصباح الفقيه 14 : 513.

2) مستمسك العروة الوثقى 8 : 340.

3) لاحظ الجواهر 16 : 287 288.

.................................................................................................


عنهما فقط ، ولذا عبّر هنا وفي روايات الاحتقان بقوله «فقد أفطر» ومع هذا الإطلاق كيف يمكن القول بأنّه صائم أو غير مفطر؟! وحملُ الإفطار على معنى آخر كوجوب القضاء كما ذكره الهمداني (قدس سره) (1)بعيدٌ جدّاً وخروجٌ عن ظاهر اللفظ من غير شاهد.

فإذا تحقّقت الصغرى وأنّه قد أفطر بمقتضى التصريح به في هذه النصوص ضُمّت إليها الكبرى ، وهي أنّ من أفطر فعليه الكفّارة كما ذكر في النصّ المتقدّم ، ونتيجته الحكم بالكفّارة.

ثانيهما : ما ذكره في الجواهر من أنّ الاقتصار في الأخبار على القضاء وعدم التعرّض للكفارة في شي‌ء منها مع كونه (عليه السلام) في مقام البيان فيه شهادة على عدم الوجوب ، وإلّا لأُشير إليها ولو في بعضها ، بل ذكر (قدس سره) أنّ ذلك كالصريح في العدم (2).

وفيه : أنّ السكوت في مقام البيان وإن كان ظاهراً في عدم الوجوب كما ذكر ، إلّا أنّه لا يتجاوز عن كونه ظهوراً إطلاقيّاً قابلاً للتقييد كسائر المطلقات ، وكفى بالنصّ المزبور الوارد على سبيل العموم مقيّداً. وقد تقدّم في نصوص البقاء على الجنابة ما تضمّن القضاء فقط ، ولم يذكر فيه الكفّارة مع كونه (عليه السلام) في مقام البيان ، فكما أنّ ذلك الإطلاق يقيَّد بالنصوص الأُخر المصرّحة بلزوم الكفّارة هناك فكذا في المقام ، وكون التقييد بلسان العموم أو الخصوص لا يستوجب فرقاً بين المسألتين كما هو ظاهر.

فتحصّل : أنّه إن تمّ الإجماع على العدم فلا كلام ، وإلّا فالظاهر وجوب الكفّارة في المقام وفي الاحتقان كما ذكره الماتن وغيره.


1) مصباح الفقيه 14 : 515.

2) الجواهر 16 : 287.

ولا بأس بما كان سهواً (1) أو من غير اختيار (2) ، والمدار على الصدق العرفي (3) ، فخروج مثل النّواة أو الدُّودة لا يُعدّ منه.

[2452] مسألة 69 : لو خرج بالتجشّؤ شي‌ء ثمّ نزل من غير اختيار لم يكن مبطلاً (4) ، ولو وصل إلى فضاء الفم فبلعه اختياراً بطل صومه وعليه


(1) لاختصاص البطلان فيه وفي غيره من سائر المفطرات بصورة العمد ، وأمّا إذا صدر ساهياً عن صومه فلا بأس به ، كما سيأتي التعرّض إليه مفصّلاً في الفصل الآتي إن شاء اللّه تعالى (1).

(2) فإنّ موضوع الحكم هو الفعل الاختياري المعبَّر عنه في النصوص بالتقيّؤ وإن كان ذلك لضرورةٍ من رفع مرضٍ ونحوه كما مرّ.

وأمّا الصادر بغير اختيار المعبَّر عنه بالقي‌ء فلا شي‌ء عليه ، كما صرّح بذلك في جملة من النصوص المتقدّمة المفصّلة بين ما ذرعه أو بدره ، وبين ما تقيّأ أو أُكره نفسه عليه ، كما في صحيحة الحلبي وغيرها ممّا مرّ (2).

وعلى الثاني أعني : الفعل غير الاختياري حمل نفي البأس عن القي‌ء الوارد في صحيحة عبد اللّه بن ميمون ، جمعاً بينها وبين نصوص المنع كما سبق.

(3) لدوران الحكم مداره في كافّة موضوعات الأحكام فخروج مثل الدرهم أو الذبابة أو النواة أو الدودة ونحوها لا يعدّ من القي‌ء في شي‌ء ، لانتفاء الصدق العرفي.

(4) لا ريب في أنّ التجشّؤ مفهومٌ مغاير مع القي‌ء عرفاً ، وهو المعبَّر عنه في


1) في ص 267 269.

2) في ص 247 248.

القضاء والكفّارة (1)، بل تجب كفّارة الجمع إذا كان حراماً من جهة خباثته أو غيرها.


بعض الروايات بالقلس ، وعليه ، فلا مانع من خروج شي‌ء بسببه ، وقد دلّت عليه النصوص أيضاً ، كما لا مانع من نزوله ثانياً بغير اختيار ، وقد دلّت عليه أيضاً بعض الصحاح والموثّقات.

إنّما الكلام فيما لو وصل بالتجشّؤ شي‌ءٌ إلى فضاء الفم ثمّ بلعه اختياراً فقد حكم الماتن (قدس سره) حينئذٍ بالبطلان ، نظراً إلى ما تقدّم في مفطريّة الأكل من عدم الفرق في صدقه بين ما دخل فضاء الفم من الخارج أو من الداخل كالموجود من بقايا الطعام بين الأسنان ، فإنّه يصدق الأكل والازدراد على ابتلاعه أيضاً ، فما يصعد من الجوف ويصل إلى فضاء الفم لا يجوز ابتلاعه ثانياً ، لصدق الأكل عليه ، فيشمله عموم دليل مفطريّته ، فيبطل الصوم بذلك ، بل يوجب الكفّارة أيضاً بعد فرض كونه إفطاراً عمدياً ، بل ذكر (قدس سره) أنّه يوجب كفّارة الجمع من جهة خباثته ، فيكون من الإفطار على الحرام ، أو فرض حرمته من جهة أُخرى ، ككونه مغصوباً أو نجساً. هذا ملخّص ما أفاده (قدس سره) في المقام.

أقول : أمّا ما ذكره (قدس سره) من البطلان بل الكفّارة فتقتضيه الأدلّة الأوليّة التي دلّت على أنّ الأكل أو الشرب متعمّداً مبطلٌ للصوم وموجبٌ للكفّارة ، فما ذُكِر مطابقٌ لمقتضى القاعدة ، إلّا أنّ صحيحة عبد اللّه بن سنان دلّت صريحاً على جواز ازدراده ثانياً ، قال : سُئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل الصائم يقلس فيخرج منه الشي‌ء من الطعام ، أيفطر ذلك؟ «قال : لا» ،


1) (*) على الأحوط فيه وفيما بعده.

.................................................................................................


قلت : فإن ازدرده بعد أن صار على لسانه؟ «قال : لا يفطر ذلك» (1).

فتكون هذه الصحيحة تخصيصاً في دليل مفطريّة الأكل أو الشرب ، فإن ثبت إجماعٌ قطعي على خلاف ذلك فهو ، وإلّا فالصحيحة لا موجب لرفع اليد عنها ، إلّا إذا قلنا بأنّ إعراض المشهور عن الصحيح يسقطه عن الحجّيّة ، فيبتني الحكم على تلك الكبرى ، وإلّا فتحصيل الجزم بكون مضمونها على خلاف الإجماع بالنسبة إليه مشكلٌ جدّاً ، بل لعلّه مقطوع العدم. فالفتوى بالبطلان حينئذٍ مشكل ، والاحتياط ممّا لا ينبغي تركه.

وأمّا ما ذكره (قدس سره) من كفّارة الجمع بناءً على حصول البطلان بذلك وعدم العمل بصحيحة ابن سنان المتقدّمة ، فهو مبني على أمرين :

أحدهما : كون الابتلاع المزبور من الإفطار على الحرام.

ثانيهما : انّ كل إفطار على الحرام يجب فيه كفّارة الجمع.

أمّا الكبرى : فسيجي‌ء البحث عنها عند تعرّض الماتن لها وسنناقش فيها كما ستعرف ، فهي غير مسلّمة.

وعلى تقدير تسليمها فالصغرى أعني : حرمة ابتلاع ما يخرج من الجوف إلى الفم ممنوعة فيما إذا كانت الحرمة من جهة الخباثة ، أمّا إذا كانت من جهة أُخرى كالنجاسة أو الغصبيّة فلا كلام فيها ، ويتمحّض الإشكال حينئذٍ من ناحية الكبرى كما عرفت.

والوجه فيما ذكرناه من المنع أنّ الحرمة في المقام من الجهة المزبورة تتوقّف على أمرين : صدق الخبيث على ما يبتلعه ، وحرمة أكل الخبيث كبرويّاً ، وكلا الأمرين قابل للمناقشة.

أمّا الصغرى : فلأنّ صدق الخبيث أي ما يتنفّر منه الطبع على ما يخرج


1) الوسائل 10 : 88 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 29 ح 9.

.................................................................................................


بالتجشّؤ إلى فضاء الفم ممنوع. نعم ، هو خبيث بالإضافة إلى غير هذا الشخص لا بالإضافة إليه نفسه ، كما هو الشأن في كلّ طعام حتّى القسم الراقي منه المرغوب لكلّ أحد ، فإنّه بعد أن أدخله في فمه ومضغه فلو أخرجه بعدئذٍ يتنفّر منه الطبع ، ولكن هو بنفسه لا يتنفّر طبعه منه ما دام باقياً في فمه وإلّا لمات الإنسان جوعاً فحاله حال البصاق الذي هو خبيث ، أي يتنفّر منه الطبع بعد الخروج عن الفم حتّى طبع صاحبه ، وأمّا قبله فليس كذلك بالضرورة.

وأمّا منع الكبرى بعد تسليم الصغرى وأنّه مصداق للخبيث فلأنه لم يدلّ أيّ دليل على حرمة أكل الخبيث ، إلّا ما قيل من دلالة الآية المباركة عليها عليها ، قال تعالى في وصف نبيّه (صلى اللّه عليه وآله) ( وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ ) (1).

ولكن من المقطوع به أنّه ليس المراد من الآية المباركة أنّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) يحلّ لهم الطيِّبات أي الأجسام والذوات الطيّبة التي تشتهيها الطباع وترغب فيها وتلتذّ منها ويحرّم الخبائث من الأجسام التي يتنفّر منها الطبع ، فإنّ الآية المباركة بصدد توصيف النبيّ الأُمّي الذي يجدونه في التوراة وبيان كماله ، ولا يعدّ ذلك التحليل ولا هذا التحريم كمالاً له البتّة ، بل المراد واللّه العالم الأعمال الطيّبة والأعمال الخبيثة كما ورد في آية أُخرى ، وهي قوله تعالى ( كانَتْ تَعْمَلُ الْخَبائِثَ ) (2)فالآية المباركة بصدد بيان أنّ دين النبيّ الأكرم (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) متممّ الأديان ومكمل الأخلاق ، وشريعته خاتمة الشرائع ، ولأجله أحلّ كلّ فعل طيّب وحرّم كلّ فعل خبيث ، ولا ارتباط لها بالذوات الطيّبة والخبيثة بوجه ، لعدم انسجام ذلك مع سياق الآية المباركة حسبما عرفت. فلا دليل على حرمة أكل الخبيث ، أي ما ينفر عنه الطبع.


1) الأعراف 7 : 157.

2) الأنبياء 21 : 74.

[2453] مسألة 70 : لو ابتلع في الليل ما يجب عليه قيؤه في النهار (1) فسد صومه (1)إن كان الإخراج منحصراً في القي‌ء ، وإن لم يكن منحصراً فيه لم يبطل ، إلّا إذا اختار القي‌ء مع إمكان الإخراج بغيره ، ويشترط أن يكون ممّا يصدق القي‌ء على إخراجه ، وأمّا لو كان مثل دُرّة أو بُندُقة أو درهم أو نحوها ممّا لا يصدق معه القي‌ء لم يكن مبطلاً.


فتحصّل : أنّه على تقدير عدم العمل بصحيحة ابن سنان المتقدّمة والالتزام ببطلان الصوم بابتلاع ما يخرج بالتجشّؤ وثبوت الكفّارة ، لا دليل على كفّارة الجمع ، لتوقّفها على صدق الخبيث عليه وعلى حرمة أكل الخبيث ، وكلاهما ممنوع ، بل كبرى كفّارة الجمع لدى الإفطار بالحرام أيضاً ممنوعة كما عرفت.

(1) كما لو كان مالاً للغير ولم يتلف كذهب أو جوهر وأمكن إخراجه وردّه إلى صاحبه ، وحينئذٍ فإن لم يصدق القي‌ء على إخراجه كما لو كان مثل الدرهم أو البندقة ونحو ذلك فلا إشكال ، كما لا إشكال فيما لو صدق ولكن لم ينحصر الإخراج فيه ، بل أمكن بغير القي‌ء أيضاً ، لعدم التنافي بين الصوم وبين الأمر بإخراجه ، فهو متمكّن من امتثال كلا الأمرين باختياره الطريق الآخر غير المبطل للصوم.

إنّما الكلام فيما إذا انحصر الإخراج في القي‌ء ، فقد حكم (قدس سره) حينئذٍ ببطلان الصوم وإن لم يتقيأ كما هو ظاهر عبارته (قدس سره) ، وقد تقدّم الكلام في نظيره في غير مورد.

وتفصيل الحال : أنّ الأمر بالصوم مطلقاً مع الأمر بالقي‌ء ممّا لا يجتمعان ، فإنّه


1) (*) هذا إذا أراد القي‌ء خارجاً ، وإلّا فمجرّد الوجوب لا يوجب البطلان.

.................................................................................................


تكليف بالمتناقضين ، إذ الأوّل متقوّم بالإمساك عن القي‌ء فكيف يؤمَر بالقي‌ء وبالإمساك عنه؟! وهذا ظاهر.

إنّما الكلام في أنّه هل يمكن ذلك على نحو الترتّب كما في سائر موارد المتضادّين مثل الصلاة والإزالة ونحوهما؟ حيث ذكرنا في محلّه أنّ الأمر الترتّبي أمرٌ معقول ، ومجرّد إمكانه كافٍ في الوقوع من غير حاجة الى التماس دليل عليه بالخصوص ، بل يكفي فيه إطلاقات الأدلّة ، فهل يمكن في المقام الأمر بالقي‌ء أو لا؟

لعلّ المشهور عدم الإمكان كما ذكره الماتن فإنّ الإفطار والإمساك ضدّان لا ثالث لهما ، إذ لا واسطة بين القي‌ء وبين الإمساك عن القي‌ء ، فكلّ منهما مفروض الوجود لدى ترك الآخر بطبيعة الحال ، ومعه كيف يمكن الأمر بأحدهما لدى ترك الآخر؟! وهل هذا إلّا من تحصيل الحاصل ، نظير الأمر بالسكون وبالحركة على تقدير ترك السكون ، فإنّ ترك السكون هو الحركة ، فمعناه : تحرّك عند الحركة ، وهو كما ترى. فلا مناص من الالتزام ببطلان الصوم في المقام سواء تقيّأ أم لم يتقيّأ.

ولكن الصحيح كما مرّ سابقاً إمكان الترتّب في أمثال المقام ، لكونهما من الضدّين اللّذين لهما ثالث ، فإنّ المأمور به بالخطاب الترتّبي هو الإمساك التعبدي لا طبيعي الإمساك ، فالواجب هي الحصّة الخاصّة منه ، ولأجله كان لهما ثالث وهو الإمساك لا بقصد القربة. وعليه ، فلا مانع من أن يؤمَر أولاً بالقي‌ء ، وعلى تقدير عصيانه يؤمَر بالإمساك عنه عن قربة ، نظير أن يقال : قف وإلّا تحرّك نحو الجانب الشرقي ، فإنّ تحصيل الحاصل الممتنع هو الأمر بالحركة مطلقاً لا مقيّداً بقيد خاصّ كالتقييد بالعباديّة في المقام. وعليه ، فلا يكون الصوم باطلاً في المقام إلّا بالتقيّؤ خارجاً لا بمجرّد الأمر به.

[2454] مسألة 71 : إذا أكل في اللّيل ما يعلم أنّه يوجب القي‌ء في النهار من غير اختيار فالأحوط القضاء (1)(1).

[2455] مسألة 72 : إذا ظهر أثر القي‌ء وأمكنه الحبس والمنع وجب إذا لم يكن حرج وضرر (2).


(1) كما لو شرب قبل الفجر بنصف ساعة دواءً يعلم بترتّب القي‌ء عليه بعد ساعة ، وكان وجه الاحتياط أنّ المقدّمة لمّا كانت اختيارية فهذا التقيّؤ مستند إلى العمد ، لانتهائه إلى الاختيار ، ولكن الظاهر من الأدلة ولا سيّما موثّقة سماعة (2)أنّ المفطر إنّما هو التقيّؤ العمدي حال الصوم ، بحيث يمكنه القي‌ء ويمكنه تركه حال كونه صائماً ، وهذا غير متحقّق في المقام ، لأنّه حال شرب الدواء ليس بصائم ، وحين الصوم لا يتعمّد التقيّؤ فيشمله قوله (عليه السلام) «إن ذرعه أو بدره» إلخ ، فهو نظير من أكل أو شرب دواءً يعلم أنّه يحتلم في النهار ، فإنّ هذا ليس بمبطل قطعاً ، فلا مانع من العمد إليه.

وبعبارة اخرى : ليس موضوع الحكم التقيّؤ العمدي مطلقاً حتى يصدق العمد من أجل انتهائه إلى الاختيار ، بل الموضوع للبطلان : تقيّؤ الصائم عامداً ، وهو غير متحقّق في المقام ، فالأظهر عدم البطلان.

(2) لصدق العمد إلى القي‌ء مع فرض التمكّن من الحبس من غير ضرر ، لكونه اختياريّاً له ، فيجري عليه حكم المتعمّد كما هو ظاهر.


1) (*) لا بأس بتركه.

2) المتقدّمة في ص 218.

[2456] مسألة 73 : إذا دخل الذباب في حلقه وجب إخراجه مع إمكانه (1) ، ولا يكون من القي‌ء ، ولو توقّف إخراجه على القي‌ء سقط وجوبه وصحّ صومه.

[2457] مسألة 74 : يجوز للصائم التجشّؤ اختياراً وإن احتمل خروج شي‌ء من الطعام معه ، وأمّا إذا علم بذلك فلا يجوز (1)(2).


(1) لكونه في حدّ نفسه من المحرّمات ، نظراً إلى عدم كونه من المذكّى ، فلا يجوز ابتلاعه والتمكين من وصوله إلى الجوف ، سواء صدق عليه الأكل أم لا كما لا يخفى ، فما لم يدخل المعدة ليس له أن يبتلعه ، بل يجب إخراجه حذراً عن ارتكاب الحرام ، وحينئذٍ فإن أمكن إخراجه بغير القي‌ء فلا إشكال ، وأمّا لو توقّف على القي‌ء فلا محالة يقع التزاحم بين الحكمين أعني : حرمة الابتلاع ، وحرمة إبطال الصوم بالتقيّؤ ولا يمكن الجمع بينهما ، فإمّا أن يتقيأ مقدّمةً لترك الحرام ، أو يرتكب الحرام مقدّمةً للإمساك عن القي‌ء الواجب ، وقد ذكر (قدس سره) أنّه يبتلعه ويصحّ صومه ، والوجه فيه : أنّ الصوم من الفرائض التي بني عليها الإسلام ، فهو أهمّ في نظر الشرع من ابتلاع الذباب الذي هو جرمٌ صغير ، وليست حرمته في الأهمّيّة كوجوب الصوم ، ولا أقلّ أنّه محتمل الأهمّيّة دون الآخر ، فيتقدّم الصوم لا محالة ، وما ذكره (قدس سره) وجيهٌ جدّاً وفي محلّه.

(2) تقدّم أنّ المبطل إنّما هو التقيّؤ ، وأمّا التجشّؤ المعبَّر عنه بالقلس أيضاً فلا بأس به.

هذا فيما إذا لم تعلم بخروج شي‌ء إلى الفم.


1) (*) على الأحوط.

[2458] مسألة 75 : إذا ابتلع شيئاً سهواً فتذكّر قبل أن يصل إلى الحلق (1) وجب إخراجه وصحّ صومه ، وأمّا إن تذكّر بعد الوصول إليه فلا يجب ، بل لا يجوز إذا صدق عليه القي‌ء ، وإن شكّ في ذلك فالظاهر وجوب إخراجه أيضاً مع إمكانه ، عملاً بأصالة عدم الدخول (1)في الحلق.


وأمّا إذا علم بذلك فقد حكم (قدس سره) بعدم الجواز حينئذٍ ، لكنّه لم يظهر لنا وجهه ، فإنّ الروايات مختصّة بالقي‌ء ، فكلّ ما ليس بقي‌ء لا بأس به ، والمفروض أنّ التجشّؤ ليس منه ، فيشمله عموم : «لا يضرّ الصائم ما صنع إذا اجتنب» ، فإنّ هذا العموم هو المحكّم ما لم يثبت التخصيص كما في الكذب ونحوه ، على أنّ الدليل على عدم البأس بالتجشّؤ موجود ، بل قد تضمّن التصريح بعدم البأس وإن نزل قهراً ما خرج من الجوف إلى الفم. نعم ، في الرجوع الاختياري كلامٌ قد تقدّم ، وأمّا غير الاختياري فلا ينبغي أن يكون محلّاً للكلام.

فتحصّل : أنّ الظاهر عدم البطلان في التجشّؤ الاختياري ، سواء علم برجوع شي‌ء إلى فضاء الفم وعوده إلى الداخل أم لا ، أخذاً بعموم حصر المفطر كما عرفت.

(1) قد عرفت أنّ المفطر إنّما هو الأكل العمدي ، فالسهوي منه لا ضير فيه. وعليه ، فلو ابتلع سهواً فتذكّر : فإن كان ذلك قبل الوصول إلى منتهى الحلق بحيث يصدق تعمّد الأكل على ابتلاع مثله بقاءً وإن لم يكن كذلك حدوثاً ، فلا إشكال حينئذٍ في وجوب الإخراج وعدم جواز الابتلاع ، لاستلزامه بطلان الصوم.


1) (*) لا أثر لهذا الأصل ورعاية الاحتياط أولى.

[2459] مسألة 76 : إذا كان الصائم بالواجب المعيّن مشتغلاً بالصلاة الواجبة فدخل في حلقه ذباب أو بَقّ أو نحوهما أو شي‌ء من بقايا الطعام الذي بين أسنانه (1) وتوقّف إخراجه على إبطال الصلاة بالتكلّم ب- «أخ» أو بغير ذلك : فإن أمكن التحفّظ والإمساك إلى الفراغ من الصلاة وجب (1).


وأمّا لو كان ذلك بعد الوصول إليه ، فلا يجب الإخراج ، لعدم كون الابتلاع بعد الوصول إلى هذا الحدّ مصداقاً للأكل ، وإنّما كان أكلاً قبل ذلك والمفروض عدم التعمّد إليه ، فما هو أكل لا عمد فيه ، وما تعمّد إليه لم يكن من الأكل في شي‌ء ، فلا يجب الإخراج ، بل لا يجوز إذا صدق عليه القي‌ء ، لأنّه تعمّد إليه ، وهو بنفسه موجب للبطلان.

هذا كلّه في فرض العلم ، وأمّا لو شكّ في ذلك وأنّه هل وصل الحدّ ودخل الحلق كي لا يجب الإخراج أو لا كي يجب ، فقد ذكر الماتن وجوب إخراجه حينئذٍ أيضاً مع إمكانه ، استناداً إلى أصالة عدم الدخول في الحلق.

أقول : الظاهر أنّ الأصل ممّا لا أصل له ، ضرورة أنّ الموضوع للبطلان إنّما هو الأكل والشرب ، وعدم الدخول في الحلق في نفسه ممّا لا أثر له.

نعم ، لازم عدم الدخول المزبور كون ابتلاعه أكلاً أو شرباً ، ومن المعلوم أنّ هذا اللازم لا يثبت بالأصل المذكور إلّا على القول بحجّيّة الأُصول المثبتة الذي هو خلاف التحقيق ، ولا يقول به السيّد (قدس سره) أيضاً.

(1) فإن أمكن إخراجه من غير إبطال الصلاة فلا إشكال ، وإلّا بأن توقّف الإخراج على الإبطال ولو لأجل التكلّم ب- «أخ» ونحو ذلك : فإن تمكّن من


1) (*) على الأحوط في سعة الوقت.

وإن لم يكن ذلك ودار الأمر بين إبطال الصوم بالبلع أو الصلاة بالإخراج : فإن لم يصل إلى الحدّ من الحلق كمخرج الخاء وكان ممّا يحرم بلعه في حدّ نفسه كالذباب ونحوه وجب قطع الصلاة بإخراجه ولو في ضيق وقت الصلاة.


التحفّظ والإمساك إلى الفراغ من الصلاة فلا إشكال أيضاً ، فيلزمه الحفظ حذراً عن قطع الصلاة.

وأمّا إذا لم يتمكّن من ذلك أيضاً بحيث دار الأمر بين إبطال الصوم بالبلع أو الصلاة بالإخراج ، فللمسألة صور ، إذ الداخل في الحلق قد يكون شيئاً يحرم أكله في نفسه كالذباب لكونه من غير المذكّى كما مرّ وأُخرى ممّا يحلّ أكله مع قطع النظر عن الصوم كبقايا الطعام ، وعلى التقديرين : فإمّا أن يكون قد وصل الحدّ من الحلق كمخرج الخاء بحيث لا يصدق الأكل على ابتلاعه ، وأُخرى لم يصل ، فكان الابتلاع مصداقاً للأكل ، فالصور أربع :

الأُولى : ما إذا حرم أكله في نفسه ولم يصل الحدّ من الحلق :

أمّا إذا كان في سعة الوقت ولو بإدراك ركعة منه فلا ينبغي التأمل في لزوم قطع الصلاة ، إذ لا مزاحمة حينئذٍ بينها وبين الصيام ، ومعلومٌ أنّ دليل حرمة القطع على تقدير تماميّته غير شامل للمقام ، فإنّه الإجماع ، وهو دليل لبّي لا يعمّ موارد الحاجة إلى القطع ، والفرار عن الحرام أعني : إبطال الصيام من أظهر مصاديق الحاجة.

وأمّا في الضيق فتقع المزاحمة بين الصلاة وبين الصيام مقروناً بالاجتناب عن الحرام ، بمعنى : أنّه يدور الأمر بين ترك الصلاة وبين ترك الصيام المنضمّ إلى ارتكاب الحرام أعني : ابتلاع ما هو محرّم في نفسه فالأمر دائر بين ترك واجب وبين ترك واجب مع فعل محرّم ، ولا ينبغي التأمّل في أنّ الثاني أهمّ ،

وإن كان ممّا يحلّ بلعه في ذاته (1) كبقايا الطعام ففي سعة الوقت للصلاة ولو بإدراك ركعة منه يجب القطع والإخراج ، وفي ضيق الوقت يجب البلع وإبطال الصوم تقديماً لجانب الصلاة ، لأهمّيّتها.

وإن وصل إلى الحدّ فمع كونه ممّا يحرم بلعه (2) وجب إخراجه بقطع الصلاة


فإنّ الصلاة وإن كانت في نفسها أهمّ من الصوم بوحدته إلّا أنّه بعد فرض انضمامه إلى فعل المحرّم يكون المجموع أعني : فعل الصوم المنضمّ إلى ترك الابتلاع المحرّم أهمّ من فعل الصلاة وحدها ، إمّا قطعاً ، أو لا أقلّ من احتماله ولا عكس فيتقدّم لا محالة ، فيجب عليه رفع اليد عن الصلاة والمحافظة على الصيام وعلى الاجتناب عن الأكل الحرام ، ثم التصدّي لقضاء الصلاة خارج الوقت.

(1) الثانية : ما إذا حلّ أكله مع عدم الوصول إلى الحلق كبقايا الطعام ، وحيث إنّ الأمر دائر حينئذٍ بين إبطال الصلاة وبين إبطال الصيام فقط ، والمفروض ضيق الوقت حتى عن الركعة وأمّا مع السعة فقد ظهر حكمه ممّا مرّ فلا مناص من اختيار الثاني ، إذ لا ريب أنّ الصلاة أهمّ من الصوم ، كيف؟! وأنّها عمود الدين وأساس الإسلام وبها يمتاز المسلم عن الكافر كما ورد كلّ ذلك في النصّ ، ومع التنزّل فلا أقلّ من كون المقام من موارد الدوران بين التعيين والتخيير ، إذ لا يحتمل تقديم الصوم جزماً ، والمقرّر في محلّه أنّ الدوران المزبور في المسألة الفقهيّة موردٌ للبراءة في غير موارد المزاحمة ، وأمّا فيها كالمقام فالمتعيّن هو تقديم محتمل التعيّن ، وهو الصلاة كما عرفت.

(2) وممّا ذكرنا يظهر الحال في الصورة الثالثة ، وهي ما إذا حرم أكله في نفسه أي التمكين من وصوله إلى الجوف مع وصوله الحدّ من الحلق ، فإنّ

وإبطالها على اشكال (1)، وإن كان مثل بقايا الطعام (1) لم يجب وصحّت صلاته ، وصحّ صومه على التقديرين ، لعدم عدّ إخراج مثله قيئاً في العرف.

[2460] مسألة 77 : قيل : يجوز (2)للصائم أن يدخل إصبعه في حلقه ويخرجه عمداً. وهو مشكل (2) مع الوصول إلى الحدّ ، فالأحوط الترك.


الابتلاع المزبور لا يضرّ بالصوم بعد فرض وصوله للحدّ ، لعدم صدق الأكل ، فتتمحّض المزاحمة بين وجوب الصلاة وبين حرمة أكل ذلك الشي‌ء كالذباب ، بمعنى التمكين من إيصاله الجوف كما عرفت ، ولا شكّ أنّ الأوّل أهمّ فيتقدّم فيبتلعه ويتمّ صلاته.

(1) وأوضح حالاً الصورة الرابعة أعني : ما إذا حلّ أكله في نفسه وقد وصل الحدّ من الحلق إذ لا مزاحمة ههنا أصلاً ، فإنّه محلّل الأكل ، فلا ضير في ابتلاعه في نفسه والمفروض وصول الحدّ فلا يضرّ بصومه أيضاً ، فلا موجب لتوهّم رفع اليد عن الصلاة أبداً ، فيبتلعه ويتمّها ولا شي‌ء عليه كما هو ظاهر.

(2) لا يخفى أنّه ليس وجه استشكال الماتن (قدس سره) احتمال صدق القي‌ء على خروج الإصبع من الحلق ، كيف؟! وقد ذكر هو (قدس سره) قبل عدّة مسائل أنّ القي‌ء أمرٌ عرفي لا يكاد يصدق على مثل خروج الدُّرّة أو النواة ونحوهما ، فليس مطلق خروج الشي‌ء من الجوف معدوداً من القي‌ء.

فيظهر من ذلك أنّ استشكاله (قدس سره) في المقام ليس من هذه الجهة ، بل هو من أجل احتماله صدق الأكل ، بناء على ما تقدّم منه (قدس سره) من عدم


1) (*) لا إشكال في سعة الوقت ، كما لا إشكال في عدم جواز إبطالها في ضيق الوقت.

2) (**) وهو الأظهر.

[2461] مسألة 78 : لا بأس بالتجشّؤ القهري وإن وصل معه الطعام إلى فضاء الفم ورجع (1) ، بل لا بأس بتعمّد التجشّؤ ما لم يعلم أنّه يخرج معه شي‌ء من الطعام (1)، وإن خرج بعد ذلك وجب إلقاؤه ، ولو سبقه الرجوع إلى الحلق لم يبطل صومه وإن كان الأحوط القضاء.


الفرق فيه بين المأكول العادي وغير العادي الذي لا يكون متعارفاً فيشمل مثل الإصبع.

وهذا أيضاً كما ترى ، لانصراف مفهوم الأكل عن مثل ذلك أعني : إدخال الإصبع في الجوف وإخراجه قطعاً ، فلو أدخل يده في حلقه لداع كإخراج عظم السمك مثلاً لا يقال عرفاً : إنّه أكل إصبعه بالضرورة ، فأدلّة الأكل أيضاً منصرفة عن ذلك جزماً ، فلا موجب للحكم بالبطلان.

(1) يظهر حال هذه المسألة ممّا مرّ في مطاوي المسائل السابقة ، فلا حاجة إلى الإعادة ، فإنّها تكرار محض.


1) تقدّم حكم هذه المسألة [في المسألة 2452 و 2457].

فصل في اعتبار العمد والاختيار في الإفطار

المفطرات المذكورة ما عدا البقاء على الجنابة (1) الذي مرّ الكلام فيه تفصيلاً إنّما توجب بطلان الصوم إذا وقعت على وجه العمد والاختيار ،


(1) تقدّم حكم البقاء على الجنابة ، وعرفت أنّه قد يوجب البطلان ولو بدون العمد كما في النومة الثانية ، بكل الكفّارة أيضاً على قولٍ كما في النومة الثالثة.

وأمّا غير ذلك من سائر المفطرات فشي‌ءٌ منها لا يوجب البطلان ، إلّا إذا حدث عن القصد والعمد ، فإذا لم يكن قاصداً كما لو دخل شي‌ء في جوفه قهراً عند المضمضة أو غيرها ، أو زلّت قدمه فارتمس في الماء بغير اختياره أو كان قاصداً ولكن لم يكن عامداً كما في الناسي لصومه ، فإنّه متعمّد في ذات الفعل كالأكل مثلاً ولكنّه غير متعمّد في الإفطار لم يبطل صومه.

والظاهر أنّ هذا الحكم من الواضحات المتسالم عليها بين الفقهاء ولم يقع فيه خلاف ، كما صرّح به غير واحد.

ويدلّنا عليه : أمّا بالنسبة إلى غير القاصد أي من صدر عنه الفعل من غير إرادة واختيار قصور المقتضي للبطلان أوّلاً ، فإنّه الذي يحتاج إلى الدليل ، أمّا الصحّة فهي مقتضى القاعدة أخذاً بقوله (عليه السلام) : «لا يضرّ الصائم ما صنع إذا اجتنب» إلخ ، فإنّ المأمور به هو الاجتناب ، ولا شكّ في تحقّقه لدى

.................................................................................................


صدور الفعل بغير اختيار ، لوضوح أنّ معنى الاجتناب أن لا يفعله متعمّداً ويكون بعيداً عنه وعلى جانب منه ، فهو فعل اختياري ، فلو ارتكب الفعل كالأكل عن قصدٍ يصدق أنّه لم يجتنب عنه ، بخلاف ما لو صدر عنه بغير قصد واختيار ، فإنّه يصدق معه الاجتناب بلا ارتياب.

وعلى الجملة : فعدم الدليل على البطلان يكفي في الحكم بالصحّة.

نعم ، في البقاء على الجنابة قام الدليل على البطلان في النومة الثانية ، وأمّا في المقام فلم يدلّ عليه دليل حسبما عرفت. هذا أوّلاً.

وثانياً : على تقدير الحاجة إليه يكفينا ما ورد في الناسي وهي عدّة روايات كما سيجي‌ء دلّت على الصحّة ، معلّلاً في جملة منها بأنّه رزق رزقه اللّه ، فإذا ثبتت الصحّة في الناسي مع كونه متعمّداً وقاصداً إلى ذات الفعل ففيما لا قصد فيه الصادر بغير إرادة واختيار بطريقٍ أولى ، وتؤيّده الروايات الواردة في خصوص بعض المفطرات ، المصرّحة بتخصيص الحكم بصورة العمد ، مثل ما ورد في الكذب وفي القي‌ء حسبما مرّ في محلّه (1).

هذا ، وربّما يستدلّ لذلك بالنصوص المتضمّنة للقضاء على من أفطر متعمّداً ، فيقال : إنّها تدلّ على اعتبار العمد في القضاء كالكفّارة.

ولكن هذه النصوص بأجمعها تضمّنت التقييد بالعمد في كلام السائل دون الإمام (عليه السلام) ، فلاحظ (2). ومثله لا دلالة له على المفهوم ليقتضي نفي القضاء عن غير المتعمّد.

نعم ، خصوص رواية المشرقي تضمّنت التقييد بالعمد في كلام الإمام (عليه السلام) ، قال : سألته عن رجل أفطر من شهر رمضان أيّاماً متعمّداً ، ما عليه


1) ص 132 و 247 248.

2) الوسائل 10 : 44 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 8.

.................................................................................................


من الكفّارة؟ فكتب : «من أفطر يوماً من شهر رمضان متعمّداً فعليه عتق رقبة مؤمنة ، ويصوم يوماً بدل يوم» (1).

وقد ذكرنا في محلّه في الأُصول : أنّ الجزاء إذا كان مشتملاً على أمرين كما في المقام ، وهما الكفّارة والقضاء فلا يبعد دعوى انصرافه عرفاً إلى أنّ كل واحد منهما مترتّب على الشرط مستقلا (2)، فمفهومه : إنّ من لم يتعمّد فليس عليه كفّارة ولا قضاء ، لا أنّ الجزاء هو المجموع المركّب منهما ليكون مفهومه نفي المجموع لدى نفي العمد غير المنافي لثبوت القضاء حينئذٍ حتّى لا يدلّ على تقييد القضاء بالعمد.

فالإنصاف أنّ الدلالة غير قاصرة ، إلّا أنّ السند لا يخلو من الخدش ، فإنّ المشرقي وهو هشام بن إبراهيم أو هاشم بن إبراهيم على الخلاف في ضبطه العباسي لم يُوثّق ولم يُذكر بمدح ، بل فيه شي‌ء فلا يعتمد عليه ، ولأجله تسقط الرواية عن الاستدلال ، فالعمدة ما ذكرناه من قصور المقتضي والأولويّة المؤيّدة بما عرفت.

وأمّا بالنسبة إلى الناسي عن الصوم غير العامد إلى الإفطار فتدل على عدم البطلان حينئذٍ عدّة من الروايات وفيها الصحاح والموثّقات :

منها : صحيحة الحلبي : عن رجل نسي فأكل وشرب ثمّ ذكر «قال : لا يفطر ، إنّما هو شي‌ء رزقه اللّه فليتمّ صومه» (3)رواها المشايخ الثلاثة والسند في جميعها صحيح.


1) الوسائل 10 : 49 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 8 ح 11.

2) محاضرات في أُصول الفقه 5 : 119.

3) الوسائل 10 : 50 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 9 ح 1 ، الكافي 4 : 101 / 1 ، الفقيه 2 : 74 / 318 ، التهذيب 4 : 277 / 838.

.................................................................................................


وموثّقة عمّار : عن الرجل ينسى وهو صائم فجامع أهله «فقال : يغتسل ولا شي‌ء عليه» (1).

وصحيحة زرارة : في المحرم يأتي أهله ناسياً «قال : لا شي‌ء عليه ، إنّما هو بمنزلة من أكل في شهر رمضان وهو ناسٍ» (2)فإنّ التنزيل يدلّ على مفروغيّة الحكم في المنزل عليه.

وموثّقة سماعة : عن رجل صام في شهر رمضان فأكل وشرب ناسياً «قال : يتمّ صومه وليس عليه قضاؤه» (3).

وصحيحة محمد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال : كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول : من صام فنسي فأكل وشرب فلا يفطر من أجل أنّه نسي ، فإنّما هو رزق رزقه اللّه تعالى فليتمّ صيامه» (4)إلى غير ذلك من الروايات.

وهذه الروايات وإن كان موردها الأكل والشرب والجماع ، ولم ترد في غيرها من المفطرات مثل الارتماس ونحوه ، إلّا أنّه لا بدّ من إلحاق الباقي بما ذكر ، لأجل التعليل المذكور فيها ، كما في صحيحتي ابن قيس والحلبي ، فيظهر أنّ هذا حكمٌ لجميع المفطرات ، على أنّ أساس الصوم متقوّم بالاجتناب عن الأكل والشرب والجماع ، وكلّ ذلك مذكور في القرآن ، قال تعالى ( كُلُوا وَاشْرَبُوا ) إلخ (5)، وقال تعالى ( أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ ) إلخ (6)، فإذا كان الحكم ثابتاً في الأساس بمقتضى هذه النصوص المشتملة على كل ذلك ففي غيره بطريقٍ أولى ، للقطع


1) الوسائل 10 : 51 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 9 ح 2.

2) الوسائل 10 : 51 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 9 ح 4.

3) الوسائل 10 : 51 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 9 ح 5.

4) الوسائل 10 : 52 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 9 ح 9.

5) البقرة 2 : 187.

6) البقرة 2 : 187.

وأمّا مع السهو وعدم القصد فلا توجبه. من غير فرق بين أقسام الصوم (1) من الواجب المعيّن والموسّع والمندوب. ولا فرق في البطلان مع العمد بين الجاهل بقسميه والعالم (2) ،


بعدم الفرق من هذه الجهة.

كان الحكم ثابتاً في الأساس بمقتضى هذه النصوص المشتملة على كل ذلك ففي غيره بطريقٍ أولى ، للقطع بعدم الفرق من هذه الجهة.

(1) فإنّ النصوص المتقدّمة وإن ورد بعضها في خصوص رمضان كصحيحة زرارة المتقدّمة (1)وبعضها في خصوص النافلة كصحيحة أبي بصير : رجل صام يوماً نافلة فأكل وشرب ناسياً «قال : يتمّ يومه ذلك وليس عليه شي‌ء» (2)ولكن بقيّة الأخبار مطلقة ، فلا موجب لتقييد الحكم ببعض أقسام الصوم.

(2) ذكر (قدس سره) أنّه لا فرق في البطلان في صورة العمد بين العالم والجاهل ، كما لا فرق في الجاهل بين القاصر والمقصّر ، وإنّما يفترقان في العقاب فقط ، لمكان العذر ، فلو شرب الجاهل الدواء بتخيّل أنّه لا يضرّ أو أكل مقداراً قليلاً من الحبوب بزعم أنّ بلعه غير قادح في الصحّة ، بطل صومه ، سواء كان قاصراً أم مقصّراً.

والظاهر أنّ هذا الحكم متسالم عليه بين معظم الفقهاء ، ولكن نُسِب الخلاف إلى ابن إدريس فخصّ البطلان بالعالم وأمّا الجاهل فلا كفّارة عليه ولا قضاء (3)،


1) الوسائل 10 : 51 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 9 ح 4.

2) الوسائل 10 : 52 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 9 ح 10.

3) مصباح الفقيه 14 : 446.

.................................................................................................


واختاره صاحب الحدائق مصرّاً عليه (1).

أمّا الكلام في الكفارة فسيجي‌ء قريباً إن شاء اللّه تعالى.

وأمّا القضاء فلا شكّ أنّه مقتضى الإطلاقات في أدلّة المفطريّة كغير المقام من سائر الأبواب الفقهيّة من العبادات والمعاملات ، فإنّ مقتضى الإطلاق فيها عدم الفرق بين العالم والجاهل ، فيبطل مطلقاً إلّا ما خرج بالدليل ، وإذا بطل وجب قضاؤه بطبيعة الحال ، وكذلك قوله تعالى ( كُلُوا وَاشْرَبُوا ) خطابٌ عامٌّ لجميع المكلّفين من العالمين والجاهلين.

وبإزاء هذه المطلقات روايتان :

إحداهما : موثّقة زرارة وأبي بصير ، قالا جميعاً : سألنا أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل أتى أهله في شهر رمضان وأتى أهله وهو محرم وهو لا يرى إلّا أنّ ذلك حلال له «قال : ليس عليه شي‌ء» (2).

والأُخرى : صحيحة عبد الصمد الواردة فيمن لبس المخيط حال الإحرام جاهلاً : «أيّ رجل ركب أمراً بجهالة فلا شي‌ء عليه» (3). فإنّها بعمومها تشمل المقام ، وقد ذكرها الشيخ الأنصاري في الرسائل في أصالة البراءة بلفظه «أيّما رجل» إلخ (4)، ولكن المذكور في الوسائل ما عرفت.

وكيفما كان ، فقد استدلّ بهاتين الروايتين على نفي القضاء عن الجاهل بدعوى أنّ النسبة بينهما وبين المطلقات المتقدّمة عمومٌ من وجه ، إذ هما خاصّتان بالجاهل عامّتان من حيث القضاء والكفّارة ، على العكس من المطلقات ، فإنّها خاصّة


1) الحدائق 13 : 61 62.

2) الوسائل 10 : 53 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 9 ح 12.

3) الوسائل 12 : 489 / أبواب تروك الإحرام ب 45 ح 3.

4) لاحظ الرسائل 1 : 327.

.................................................................................................


بالقضاء عامّة من حيث العالم والجاهل ، فيتعارضان في مورد الاجتماع وهو الجاهل من حيث الحكم بالقضاء ، فإنّه غير واجب بمقتضى الروايتين ، وواجب بمقتضى الإطلاقات ، وبعد تساقط الإطلاقين المتعارضين وإن كان بالعموم من وجه على ما بيّناه في بحث التعادل والتراجيح (1)يرجع إلى الأصل ، وهو أصالة البراءة من تقيّد الصوم بذلك ، كما هو الشأن في الدوران بين الأقل والأكثر.

ويندفع أوّلاً : بأنّ الإطلاقات السابقة تتقدّم ، وذلك من أجل أنّ تقييد الحكم بالعلم به وإن كان أمراً ممكناً في نفسه بأن يؤخذ العلم بالحكم في موضوع نفسه ، بل هو واقع كما في باب القصر والتمام والجهر والإخفات ، وما ذكر من استحالته لاستلزام الدور قد أجبنا عنه في محلّه ، فهو في نفسه أمر ممكن ولكن لا شكّ أنّه بعيد عن الأذهان العرفيّة بمثابة ذهب جماعة كثيرون إلى استحالته واحتاجوا إلى التشبّث بتوجيهات عديدة في موارد الوقوع كالمثالين المزبورين ، منها ما ذكره صاحب الكفاية (قدس سره) من الالتزام باختلاف المرتبة في الملاك بحيث لا يمكن استيفاء المرتبة الراقية بعد اشتغال المحلّ بالدانية ولأجله يعاقَب (2).

وعلى الجملة : تقييد الحكم في هذه المطلقات بالعالمين به ممّا يأباه الفهم العرفي جدّاً ولا يساعد عليه بوجه ، بل هو يرى أنّ الحكم كغيره له نحو ثبوت وتقرّر قد يعلم به الإنسان وأُخرى يجهله إمّا عن قصور أو تقصير ، فلا مناص من التحفّظ على هذه الإطلاقات وتقييد الروايتين بنفي الكفّارة فقط.

وثانياً : لو أغمضنا عن ذلك وفرضنا أنّ التقييد غير بعيد فهاتان الروايتان قاصرتان عن الإطلاق في نفسهما ولا تعمّان القضاء بوجه ، بل تختصّان بنفي


1) مصباح الأُصول 3 : 427.

2) كفاية الأُصول : 266 267.

.................................................................................................


الكفّارة فقط.

أمّا صحيحة عبد الصمد فالأمر فيها واضح ، ضرورة أنّ لبس المخيط لا يستوجب بطلان الحجّ ليحتاج إلى القضاء حتّى في صورة العلم والعمد ، بل غايته الإثم والكفّارة ، فهو تكليف محض ، ولا يستتبع الوضع لتدلّ على نفي القضاء مع الجهل.

فإن قلت : التأمل في الصحيحة صدراً وذيلاً يشهد بأنّها ناظرة إلى نفي فساد الحجّ الذي أفتى به العامّة وأنّه ليس عليه الحجّ من قابل ، كما أنّه ليس عليه بدنة ، فهي مسوقة لنفي كلا الحكمين لدى الجهل بمقتضى تفريع قوله : «أي رجل» إلخ ، على الأمرين معاً لا خصوص الثاني.

قلت : الصحيحة وإن كانت مسوقة لنفي ما زعمه المفتون من العامّة من فساد الحجّ ، إلّا أنّه لا يحتمل أن يكون نفي الفساد فيها من آثار الجهل ومتفرّعاً عليه ، لما عرفت من الصحّة وأنّ لبس المخيط عالماً عامداً بلا خلاف فيه ولا إشكال ، وأنّه لا يترتّب عليه إلّا الإثم والكفّارة بالضرورة من غير حاجة ، إلى القضاء قطعاً ، فيعلم من هذه القرينة الواضحة أنّ نظره (عليه السلام) في قوله : «أيّ رجل ركب» إلخ ، إلى نفي الكفارة فقط ، فهذا التفريع مترتّب على خصوص ذلك دون نفي القضاء.

وأمّا الموثّقة وكذا الصحيحة إن لم يتمّ ما قدّمناه فيها فلأجل أنّ المنفي في ظرف الجهل إنّما هو الأثر المترتّب على الفعل وأنّه ليس عليه شي‌ء من ناحية فعله الصادر عن جهل لا ما يترتّب على الترك ، ومن المعلوم أنّ الأثر المترتّب على الفعل أعني : الإفطار إنّما هو الكفّارة فقط فهي المنفي ، وأمّا القضاء فليس هو من آثار الفعل وانّما من آثار ترك الصوم وعدم الإتيان به في ظرفه على وجهه ، فهو أثر للعدم لا للوجود. نعم ، لأجل الملازمة بين الأمرين أعني :

.................................................................................................


الإفطار وترك الصوم الناشئة من كون الصوم والإفطار ضدّين لا ثالث لهما صحّ إسناد أثر أحدهما إلى الآخر مجازاً وبنحوٍ من العناية ، فيقال : إنّ الإفطار موجب للقضاء ، مع أنّ الموجب لازمه وهو ترك الصوم كما عرفت.

وهذا نظير من أحدث في صلاته أو تكلّم متعمّداً ، فإنّه موجب للبطلان ، إلّا أنّ الإعادة أو القضاء ليس من آثار الحدث أو التكلّم ، بل من آثار ترك الصلاة وعدم الإتيان بها على وجهها الذي هو لازم فعل المبطل ، فتسند الإعادة إليه تجوّزاً ومسامحة ، فيقال : من تكلّم في صلاته متعمّداً فعليه الإعادة كما ورد في النصّ ، وهكذا الحال في الصحيحة ، فإنّ مفادها أنّه لا شي‌ء عليه من ناحية ركوبه الأمر بجهالة ، فلا أثر للفعل الذي ارتكبه ، وذلك الأثر هو الكفّارة المترتّبة على الإفطار ، وأمّا القضاء فهو من آثار ترك الصوم فلا تشمله الصحيحة بوجه.

إذن فليس للروايتين إطلاق من الأوّل ، بل هما ينفيان الآثار المترتّبة على الفعل ولا ينظران إلى بقيّة الآثار المترتّبة على ملازم هذا الفعل ، فلا تعارض حتّى تصل النوبة إلى تساقط الإطلاقين والرجوع إلى الأصل العملي.

وتوضيح المقام : أنّا قد ذكرنا في الأُصول عند التكلم حول حديث الرفع (1): أنّ المرفوع لا بدّ أن يكون أحد أمرين : إمّا الحكم المتعلّق بالشي‌ء ، أو الحكم المترتّب على الشي‌ء ، بحيث يكون هذا الشي‌ء الذي تعلّق به النسيان أو الإكراه أو غيرهما موضوعاً بالإضافة إليه ، فمعنى رفعه في عالم التشريع عدم كونه متعلقاً للحكم الثابت له في حدّ نفسه ، أو عدم كونه موضوعاً للحكم المترتّب عليه في حدّ نفسه ، فبحسب النتيجة يفرض وجوده كالعدم وكأنه لم يكن ، فإذا اضطرّ أو نسي أو أُكره على شرب الخمر مثلاً فمعنى رفعه أنّ هذا الشرب لا يكون متعلّقاً للحرمة الثابتة له في حدّ نفسه ، كما أنّه لا يكون موضوعاً للحكم


1) مصباح الأُصول 2 : 266 269.

.................................................................................................


الآخر المترتّب عليه كوجوب الحدّ ، فهو أيضاً مرفوع عنه ، فيكون ذلك تخصيصاً في أدلّة الأحكام الأوّلية ، وموجباً لاختصاصها بغير هذه الموارد المذكورة في الحديث.

وأمّا لو فرضنا أنّ الموضوع للحكم شي‌ءٌ آخر غاية الأمر أنّه ملازم بحسب الوجود مع متعلّق الاضطرار أو الإكراه ونحوهما ، فلا يكاد يرتفع الحكم عن ذلك الموضوع بحديث الرفع.

فلو فرضنا أنّه مضطرّ أو مكرَه على التكلّم في الصلاة ، فغايته أنّ حرمة القطع على تقدير القول بها مرفوعة ، وأمّا وجوب الإعادة أو القضاء المترتّب على عدم الإتيان بالمأمور به الذي هو لازم التكلّم فلا يتكفّل الحديث لرفعه بوجه ، فإنّه حكم مترتّب على موضوع آخر لا ربط له بمتعلّق الإكراه أو الاضطرار وإن كانا متقارنين بحسب الوجود الخارجي ، ضرورة أنّ عدم الإتيان بالصلاة من لوازم التكلّم لا عينه ، فإنّ الإتيان بها والتكلّم ضدّان واحدهما لازم لعدم الآخر ، فلا يكاد يرتفع بالحديث بوجه ، بل مقتضى الإطلاقات عدم الفرق في مبطليّة التكلّم بين الاختيار وغيره ، ولأجل ذلك لم يذهب أحد من الفقهاء فيما نعلم إلى عدم بطلان الصلاة لدى التكلّم عن إكراه أو اضطرار ، بل هو من الكلام العمدي قاطع للصلاة وموجب للإعادة بلا إشكال ، لعدم الإتيان بالمأمور به.

ومقامنا من هذا القبيل ، فإنّ صحيحة عبد الصمد تنفي الآثار المترتّبة على لبس المخيط في صورة الجهل من الإثم والكفّارة ، لا ما يترتّب على شي‌ء آخر ، فلا تدل على نفي الإعادة المترتّبة على عدم الإتيان بالمأمور به.

وكذلك الحال في الموثّقة ، فإنّ مفادها أنّه ليس عليه شي‌ء في فعله ، ومن المعلوم أنّ القضاء ليس من آثار الفعل أعني : ارتكاب المفطر في ظرف الجهل -

ولا بين المكره وغيره (1) فلو اكره على الإفطار فأفطر مباشرةً فراراً عن الضرر المترتّب على تركه بطل صومه على الأقوى. نعم ، لو وجر في حلقه من غير مباشرة منه لم يبطل.


بل هو من آثار عدم الإتيان بالمأمور به.

فإذن لا يمكن التمسّك بهاتين الروايتين للقول بأنّ الإتيان جهلاً لا يوجب البطلان ، وإنّما يصحّ الاستدلال بهما لنفي الكفّارة فقط ، كما سيجي‌ء التعرّض لها قريباً إن شاء اللّه تعالى.

ولأجل ذلك لم يحتمل أحدٌ أنّه إذا تكلم في صلاته جاهلاً بالمبطليّة لم تبطل صلاته ، مع أنّ ذلك هو مقتضى عموم الصحيحة : «أيّ رجل ركب أمراً» إلخ ، فلو تمّ الاستدلال بها في المقام لصحّ في باب الصلاة أيضاً بمناط واحد ، وهو كما ترى لا يتمّ في كلا الموردين ، والسرّ ما عرفت من أنّ الإعادة والقضاء من آثار ترك المأمور به لا من آثار فعل المبطل أو المفطر.

فتحصّل : أنّ الصحيح ما ذكره الماتن من عدم الفرق في البطلان بالإفطار العمدي بين العالم والجاهل ، على أنّ تقييد المفطريّة بالعلم بعيدٌ عن الأذهان العرفيّة في حدّ نفسه كما مرّ.

وقد ظهر ممّا ذكرنا أنّ المفطريّة والمبطليّة ثابتة لنفس هذا الفعل ، فالأكل مثلاً عن جهل هو المبطل حقيقةً ، ولكن القضاء غير مترتّب عليه ، وانّما هو مترتّب على لازمه ، وهو عدم الإتيان بالمأمور به ، والمرفوع في الروايتين إنّما هو الأثر المترتّب على الفعل لا الترك ، والقضاء من آثار الترك لا الفعل كما عرفت بما لا مزيد عليه.

(1) فلو تناول المفطر باختياره ولكن بغير طيب النفس ، بل لإكراه الغير ودفعاً لضرره وتوعيده ، بطل صومه ، لصدوره عن العمد والاختيار ، فتشمله

.................................................................................................


إطلاقات الأدلّة ، فإنّ الاختيار له معنيان : تارةً يُطلَق في مقابل عدم الإرادة ، وأُخرى : في قبال الإكراه ، أي بمعنى الرضا وطيب النفس. وبما أنّ الفعل في المقام صادر عن الإرادة فهو اختياري له بالمعنى الأوّل ، فيكون مصداقاً للعمد المحكوم بالمفطريّة في لسان الأدلّة.

نعم ، التحريم مرفوع في ظرف الإكراه بمقتضى حديث الرفع ، وأمّا المفطريّة فلا يمكن رفعها بالحديث ، ضرورة أنّ الأمر بالصوم قد تعلّق بمجموع التروك من أوّل الفجر إلى الغروب ، وليس كل واحد من هذه التروك متعلّقاً لأمر استقلالي ، بل الجميع تابع للأمر النفسي الوجداني المتعلّق بالمركّب ، إن ثبت ثبت الكلّ وإلّا فلا ، فإنّ الأوامر الضمنيّة متلازمة ثبوتاً وسقوطاً بمقتضى فرض الارتباطيّة الملحوظة بينها ، كما في أجزاء الصلاة وغيرها من سائر العبادات.

فإذا تعلّق الإكراه بواحد من تلك الأجزاء فمعنى رفع الأمر به رفع الأمر النفسي المتعلّق بالمجموع المركّب ، لعدم تمكّنه حينئذٍ من امتثال الأمر بالاجتناب عن مجموع هذه الأُمور ، فإذا سقط ذلك الأمر بحديث الرفع فتعلّق الأمر حينئذٍ بغيره ، بحيث يكون الباقي مأموراً به كي تكون النتيجة سقوط المفطريّة عن خصوص هذا الفعل يحتاج إلى الدليل ، ومن المعلوم أنّ الحديث لا يتكفّل بإثباته ، فإنّ شأنه الرفع لا الوضع ، فهو لا يتكفّل لنفي المفطريّة عن الفعل الصادر عن إكراه لينتج كون الباقي مأموراً به ومجزئاً ، كما هو الحال في الصلاة ، فلو اكره على التكلّم فيها فمعناه أنّه في هذا الآن غير مأمور بالإتيان بالمقيّد بعدم التكلّم ، وأمّا الأمر بالباقي فكلّا.

وأمّا القضاء فإن كان من الأحكام المترتّبة على نفس الفعل أعني : ارتكاب المفطر كالكفّارة فلا مانع من نفيه ، لحديث رفع الإكراه ، ولكنّك عرفت أنّه من آثار ترك المأمور به وعدم الإتيان به في ظرفه الملازم لفعل المفطر ، فلا مجال

[2462] مسألة 1 : إذا أكل ناسياً فظنّ فساد صومه فأفطر عامداً بطل صومه (1)


حينئذٍ للتمسّك بالحديث ، لأنّ المكرَه عليه هو الفعل ، وليس القضاء من آثاره ، فإطلاق دليل القضاء على من فات عنه الواجب في وقته هو المحكّم. فالتفرقة بين الكفّارة والقضاء واضحة.

هذا فيما إذا كان ارتكاب المفطر بإرادته واختياره ولكن عن إكراه.

وأمّا إذا لم يكن باختياره كما لو أُوجر في حلقه ، فلا إشكال في عدم البطلان ، لأنّ الواجب إنّما هو الاجتناب كما في الصحيحة : «لا يضرّ الصائم ما صنع إذا اجتنب» إلخ ، الذي هو فعل اختياري ، وهذا حاصل في المقام ، ضرورة أنّ الصادر بغير قصد وإرادة بل كان بإيجار الغير وإدخاله غيرُ منافٍ لصدق الاجتناب كما هو ظاهر جدّاً.

(1) بعد ما ذكر (قدس سره) البطلان مع العمد من غير فرق بين العلم والجهل وعدم البطلان مع النسيان ، تعرّض (قدس سره) لصورة اجتماع النسيان مع الجهل مترتّباً ، كما لو أكل أوّلاً ناسياً ثمّ إنّه لأجل زعمه فساد صومه بذلك أفطر ثانياً عامداً ، فكان إفطاره مستنداً إلى جهله بصحّة صومه وتخيله فساده ، وقد حكم (قدس سره) حينئذٍ ببطلان الصوم لإفطاره العمدي وإن استند إلى الجهل ، لما مرّ من عدم الفرق بعد فرض العمد بين العلم والجهل (1).

وهذا بناءً على ما تقدّم من أنّ الجاهل كالعامد لا إشكال فيه.

وأمّا بناءً على إلحاقه بالساهي ، فهل هذا مثل الجاهل بالحكم ، أو أنّ بين


1) راجع ص 269.

.................................................................................................


المقام وبين الجاهل بالمفطريّة فرقاً؟

قد يقال بالفرق وأنّ القول بالصحّة في الأول لا يلازم القول بالصحّة هنا ، نظراً إلى أنّ موضوع الموثّقة أو الصحيحة هو الصائم مع الجهل بكون هذا مفطراً ، ومحلّ الكلام بعكس ذلك ، فإنّه يعلم بالمفطريّة ويجهل بصومه ، فالتعدّي إلى المقام بلا موجب. وعليه ، فحتى لو قلنا بعدم البطلان هناك لأجل الموثّقة أو الصحيحة نلتزم بالبطلان هنا ، ولعلّه لأجل ذلك تردّد المحقّق (قدس سره) في المسألة الاولى مع جزمه هنا بالبطلان (1).

ولكن الظاهر عدم الفرق.

أمّا أوّلاً : فلأن دليل الصحّة في تلك المسألة لم يكن منحصراً بالموثّقة ليقال : إنّ الموضوع فيها هو الصائم مع الجهل بالمفطريّة والمقام بعكس ذلك. فمع الغضّ عن هذه تكفينا صحيحة عبد الصمد «أيّ رجل ركب أمراً بجهالة» إلخ (2)، فإنّها غير قاصرة الشمول للمقام ، فإنّ من أكل معتقداً فساد صومه يصدق في حقّه أنّه ركب أمراً بجهالة ، فإذا كان قوله (عليه السلام) فيها : «لا شي‌ء عليه» شاملاً للقضاء ولأجله حكم بالصحة في فرض الجهل لم يكن عندئذٍ فرقٌ بين المقامين وشملهما الصحيحة بنطاق واحد كما لا يخفى.

وثانياً : أنّ الموثّقة (3)بنفسها أيضاً شاملة للمقام ، إذ لم يؤخذ فيها شي‌ء من الأمرين لا عنوان كونه صائماً ولا كونه جاهلاً بالمفطريّة ، بل الموضوع فيها إتيان الأهل في شهر رمضان وهو لا يرى أنّ هذا محرّم عليه ، وهذا كما ترى صادق على الموردين معاً ، فكما أنّ من يعلم صومه ويجهل بالمفطريّة كتخيّل


1) المعتبر 2 : 662.

2) المتقدمة في ص 270.

3) أي موثّقة زرارة وأبي بصير المتقدّمة في ص 220.

وكذا لو أكل بتخيّل أنّ صومه مندوب يجوز إبطاله فذكر أنّه واجب (1).

[2463] مسألة 2 : إذا أفطر تقيّةً من ظالم بطل صومه (2).


أنّ شرب الدواء مثلاً لا بأس به مشمولٌ له ، فكذا عكسه ، إذ يصدق في حقّه أيضاً أنّه جامع أو أكل وهو يرى أن هذا حلال له ولو لأجل اعتقاد عدم كونه صائماً ، فكلا الفرضين مشمول للموثّق بمناط واحد ، وعلى القول بأنّ الجاهل لا قضاء عليه نلتزم به في المقام أيضاً.

(1) أو تخيّل أنّه واجب موسّع ، فإنّه لا ينبغي الشكّ في البطلان ، لإطلاق أدلّة المفطريّة بعد وضوح قصور الموثّق عن الشمول للمقام ، إذ الظاهر من قوله : «وهو لا يرى إلّا أنّ هذا حلال له» الحليّة من كلتا الجهتين ، أي تكليفاً ووضعاً ، كما هو منصرف لفظ الحلّيّة بقول مطلق لا مجرّد التكليف فقط كما في المقام.

وكذا الحال في صحيحة عبد الصمد ، فإنّ الجهالة فيها عامّة للتكليف والوضع ، وفي المقام ارتكب ما يعلم بأنّه مفطر ، غاية الأمر يجهل بموضوع صومه المستلزم للجهل بحرمة الإفطار.

فشي‌ءٌ من الروايتين لا يشمل المقام قطعاً كما هو ظاهر جدّاً.

(2) إذا اقتضت التقيّة تناول المفطر كالارتماس في الماء ، أو الإفطار لدى سقوط القرص وقبل ذهاب الحمرة ، وغير ذلك مما هو محلّ الخلاف بيننا وبين العامّة ، وقد ارتكب على طبق مذهبهم تقيّة فهل يبطل الصوم بذلك ، كما عرفت الحال في الإكراه على ما سبق ، حيث عرفت أنّه رافع للحرمة التكليفيّة فقط ، وأمّا الصوم فمحكوم بالفساد ، لعدم الدليل على الإجزاء؟

أو أنّ للتقيّة خصوصيّة لأجلها يحكم بصحّة العمل أيضاً وعدم بطلانه؟

.................................................................................................


تقدّم الكلام حول ذلك بالمناسبة في مطاوي بعض الأبحاث السابقة وذكرنا أنّ روايات التقيّة وهي كثيرة جدّاً على قسمين :

أحدهما وهو الأكثر - : ما دلّ على وجوب التقيّة تكليفاً ، كقوله (عليه السلام) «من لا تقيّة له لا دين له» (1)وقوله (عليه السلام) : «التقيّة ديني ودين آبائي» (2)، إلى غير ذلك من الأخبار الآمرة بالتقيّة بهذا اللسان أو بغيره ، نظير التقيّة من الكفّار في قوله تعالى ( إِلّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً ) (3)إلخ.

فإنّ هذه الروايات لا تدلّ على صحّة العمل أبداً ، بل غايتها الحكم التكليفي ، وأنّ من الواجبات الإلهية التقيّة وعدم إظهار المخالفة ، فيجوز كلّ ما لم يكن جائزاً في نفسه ، بل قد يجب بالعنوان الثانوي.

ثانيهما : ما دل على صحّة العمل وأنّه يؤجَر عليه ، بل يكون أجرة زائداً على عمله. وهذا كما في باب الصلاة ومقدّماتها من الوضوء وغيره ، فقد ورد في بعض النصوص أنّه لو صلّى معهم تقيّةً يكون ثواب جميع المصلّين له ، وأنّ الرحمة الإلهية تنزل من السماء فإن لم تجد أهلاً رُفِعت وإلّا أصابت أهلها وإن كان شخصاً واحداً ، ولأجله كان ثواب جميع من في المسجد لذلك المتّقي (4).

وبالجملة : دلّت النصوص الكثيرة على الإجزاء في باب الصلاة ، بل في بعضها التصريح بعدم الحاجة إلى الإعادة متى رجع إلى بيته ، فاستكشفنا من هذه النصوص أنّ الصلاة أو الوضوء تقيّة تقوم مقام العمل الصحيح ، بل تزيد عليه كما عرفت.

وأمّا غير الصلاة ومقدّماتها من الحجّ أو الصوم ونحوهما فلم نجد أيّ دليل


1) انظر الوسائل 16 : 210 / أبواب الأمر والنهي ب 24 ح 24.

2) انظر الوسائل 16 : 210 / أبواب الأمر والنهي ب 24 ح 24.

3) آل عمران 3 : 28.

4) انظر الوسائل 8 : 299 / أبواب صلاة الجماعة ب 5 ح 3.

.................................................................................................


يدلّ على الإجزاء ، فإنّ غاية ما يستفاد من الأدلّة في باب الصوم جواز الإفطار معهم للتقيّة ، وأنّ من لا تقيّة له لا دين له. ومن الواضح أنّ هذا بالإضافة إلى الصحّة وحصول الأجزاء أي سقوط الإعادة أو القضاء لازم أعمّ ، ومن الجائز أن يكون ذلك من قبيل الإكراه المسقط للتكليف فقط دون الوضع كما عرفت ، فيكون التحفّظ والاتّقاء واجباً في نفسه من غير استلزام لصحّة العمل بوجه كي يكون محسوباً له ومورداً للامتثال ، إذ لا مانع من أن يكون مأموراً به ومع ذلك لا يكون مجزئاً كما في موارد الإكراه والاضطرار.

وملخّص الكلام : أنّ النصوص الكثيرة قد دلّت على مشروعيّة التقيّة ، بل وجوبها ، بل كونها من أهمّ الواجبات الإلهية ، حتّى سُلِب الدين ممّن لا تقيّة له ، إلّا أنّ هذه الروايات أجنبيّة عن باب الأجزاء بالكلّيّة ، فإنّ الوجوب بعنوان التقيّة لا يستلزم الصحّة ، والتكليف لا يلازم الوضع أبداً ، ومقتضى القاعدة أعني : إطلاق أدلّة الأجزاء والشرائط والموانع هو البطلان وعدم الإجزاء.

نعم ، ثبت الإجزاء في خصوص باب الصلاة ومقدّماتها بأدلّة خاصّة ، غير الأدلّة الأوّلية المتكفّلة لمشروعيّة التقيّة أو وجوبها ، فلو سجد مثلاً على ما لا يصح السجود عليه ، أو أمّن أو تكتّف في صلاته أو غسل رجله ، أو نكس في وضوئه ، كل ذلك يجزئ ولا حاجة إلى الإعادة ، للأدلّة الخاصّة.

فكلّ مورد قام الدليل فيه بالخصوص على الإجزاء فهو المتّبع ، وأمّا غير ذلك ومنه الصيام في المقام فلا يجزئ ، ومقتضى القاعدة حينئذٍ هو البطلان حسبما عرفت.

ولكن قد يقال : إنّه يستفاد الإجزاء بصورة عامّة من بعض نصوص التقيّة ، وعمدتها روايتان.

الاولى : ما دلّ على أنّ التقيّة في كلّ شي‌ء ما عدا ثلاثة التي منها المسح على

.................................................................................................


الخفّين ، وهي ما رواه في الكافي بإسناده عن أبي عمر الأعجمي ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، في حديث أنّه قال : «لا دين لمن لا تقيّة له ، والتقيّة في كلّ شي‌ء إلّا في النبيذ والمسح على الخفّين» (1).

وفي صحيح زرارة قال : «قلت له : في مسح الخفّين تقيّة؟ «فقال : ثلاثة لا أتّقي فيهنّ أحداً : شرب المسكر ، ومسح الخفّين ، ومتعة الحجّ» قال زرارة : ولم يقل الواجب عليكم أن لا تتّقوا فيهنّ أحداً (2).

فإنّه يستفاد من الاستثناء بقرينة أنّ المسح على الخفّين ليس في نفسه من أحد المحرّمات أنّ الحكم عامّ للوضع والتكليف ، وأنّ المسح على الخفّين لا يجزئ ولكن غيره يجزئ ، فهي تدلّ على الإجزاء في سائر موارد التقيّة ، كما تدل على الجواز بمعنى : أنّ المستثنى منه أعمّ من الحكم التكليفي والوضعي باعتبار استثناء المسح.

ويرد عليه أوّلاً : أنّ سند رواية الأعجمي غير خالٍ من الخدش ، فإنّ صاحب الوسائل يرويها عن الكافي وعن المحاسن عن أبي عمر الأعجمي ، وهو مجهول.

نعم ، يرويها معلّق الوسائل في الطبعة الجديدة عن كتاب المحاسن هكذا : عن هشام وعن أبي عمر الأعجمي. وعلى هذا تكون الرواية صحيحة من أجل ضميمة هشام.

ولكن هذه النسخة معارَضة بالنسخة التي كانت عند صاحب الوسائل العارية عن الواو كما عرفت ، فلم يبق وثوقٌ بهذه النسخة.

ولو سلّمنا أنّ جميع نسخ المحاسن كذلك ، إلّا أنّها معارضة برواية الكافي ،


1) الوسائل 16 : 215 / أبواب الأمر والنهي ب 25 ح 3 ، الكافي 2 : 172 / 2 ، المحاسن 1 : 404 / 913.

2) الوسائل 16 : 215 / أبواب الأمر والنهي ب 25 ح 5.

.................................................................................................


حيث إنّها أيضاً خالية من الواو كما سمعت.

إذن فيُشكّ في كيفيّة السند ، ومعه تسقط الرواية عن درجة الاعتبار.

وثانياً : مع الغضّ عن السند فهي معارَضة في موردها بما دلّ على جريان التقيّة في المسح على الخفّين أيضاً كما تقدّم في محلّه.

وثالثاً : أنّ نفي الاتّقاء في ذلك إمّا لعدم الموضوع للتقيّة ، لإمكان المسح على الرجلين ، أو غسل الرجلين ، لعدم كون المسح على الخفّين متعيّناً عندهم وعدم كون الأمر منحصراً فيه ، بل هو لديهم سائغ جائز لا أنّه واجب لازم ، كما أنّ الأمر في شرب النبيذ والمسكر أيضاً كذلك ، فإنّه لا يجب عندهم فله أن يمتنع.

أو أنّ المراد أنّه (عليه السلام) هو بنفسه لا يتّقي ، لعدم الحاجة إليها وعدم الابتلاء ، ولذا أسنده إلى نفسه (عليه السلام) كما أُشير إليه في ذيل صحيح زرارة المتقدّم. وقد مرّ الكلام حول ذلك في محلّه مستقصًى.

ورابعاً : مع الغضّ عن كلّ ذلك ، فهي في نفسها قاصرة الدلالة على الإجزاء والصحّة ، فانّ الاستثناء في قوله (عليه السلام) : «التقيّة في كلّ شي‌ء إلّا» إلخ استثناءٌ عمّا ثبت ، والذي ثبت هو الوجوب ، ويكون حاصل المعنى : أنّ التقيّة التي لها كمال الأهمّيّة بحيث إنّ من لا تقيّة له لا دين له ، وهي ديني ودين آبائي ، وبطبيعة الحال كانت واجبة موردها غير هذه الثلاثة ، فالتقيّة فيها حتّى في المسح على الخفّين غير واجبة ، ولا يكون تركها حراماً.

وأين هذا من الدلالة على الإجزاء؟! فلا تعرّض فيها إلّا لبيان مورد وجوب التقيّة وأنّه غير هذه الثلاثة. ومن الواضح أنّ الوجوب في غير الثلاثة وعدمه فيها لا يستدعي إرادة الأعمّ من الحكم الوضعي ورفع اليد عن الظهور في الاختصاص بالحكم التكليفي كما عرفت.

والحاصل : أنّه ليس في هذه الرواية الناظرة إلى أدلّة التقيّة أيّ دلالة على

.................................................................................................


الإجزاء ، بل غايته أنّ تارك التقيّة فاسقٌ إلّا في هذه الموارد الثلاثة ، فهي أجنبيّة عن الدلالة على الإجزاء والصحّة بالكلّيّة.

الرواية الثانية : ما رواه في الكافي بإسناده عن أبي الصباح : ثمّ قال : «ما صنعتم من شي‌ء أو حلفتم عليه من يمين في تقيّة فأنتم منه في سعة» (1).

وهذه الرواية من حيث السند معتبرة ، فإنّ الظاهر أنّ المراد بأبي الصباح هو إبراهيم بن نعيم المعروف بالكناني ، الذي قال الصادق (عليه السلام) في حقّه : «إنّه ميزان لا عين فيه» (2)وهو ثقة جدّاً ومن الأجلّاء ، وسيف بن عميرة أيضاً موثّق ، وكذا علي بن الحكم وإن قيل : أنّه مردّد بين أشخاص.

وأمّا من حيث الدلالة فربّما يستظهر من عمومها أنّ كلّ عمل يؤتى به في حال التقيّة فالمكلّف في سعة من ناحيته ولا يلحقه شي‌ء ولا يترتّب عليه أثر ومنه القضاء في المقام. وهذا كما ترى مساوق للصحّة والإجزاء.

ولكن الجواب عن هذا أيضاً قد ظهر مما مرّ ، فإنّ غاية ما تدلّ عليه إنّما هو السعة من ناحية ارتكاب العمل فلا تلحقه تبعة من هذه الجهة ، لا من ناحية ترك الواجب لتدلّ على الإجزاء والاكتفاء بالعمل الناقص عن الكامل.

فلو فرضنا أنّ الفعل المتّقى فيه كان له أثر لولا التقيّة ، كالكفّارة لو كان يميناً ، والبينونة لو كان طلاقاً ، والمؤاخذة لو كان شرباً للخمر أو النبيذ لو جرت التقيّة فيه وكما لو لاقى الماء جسماً أصابه الدم وقد أُزيل عنه العين ولو بالبصاق حيث يرونه طاهراً حينئذٍ فاضطرّ إلى شرب ذلك الماء تقيّة ، ففي جميع هذه الموارد لا يترتّب الأثر المترتّب على الفعل في حدّ نفسه من المؤاخذة وغيرها ، فلا تترتّب الكفّارة ولا المؤاخذة على ارتماس الصائم لو صدر منه تقيّةً.


1) الوسائل 23 : 224 / كتاب الأيمان ب 12 ح 2 ، الكافي 7 : 442 / 15.

2) رجال الطوسي : 102 / 2.

.................................................................................................


وأمّا القضاء فليس من آثار الفعل لينتفي أيضاً ويكون في سعة من ناحيته ، وإنّما هو من آثار ترك المأمور به ، ولا تعرّض للرواية للتوسعة من هذه الناحية أبداً لتدلّ على الصحّة والإجزاء ، بل يمكن أن يقال : إنّ مفاد هذه الرواية خصوصاً بقرينة ما كان محلّاً للابتلاء سابقاً من الحلف أمام القضاة وحكّام الجور لإنجاء نفس مؤمن أو ماله من ظالم ، كما ربّما يشير إليه ما ورد من قوله (عليه السلام) : «احلف باللّه كاذباً وأنج أخاك» (1)ليس إلّا رفع التكليف والتوسعة من ناحية المؤاخذة فقط ، نظير قوله (عليه السلام) : «الناس في سعة ما لا يعلمون» (2)ولا نظر فيها إلى جهة أُخرى حتّى مثل الكفّارة.

وكيفما كان ، فقد تحصّل : أنّ شيئاً من أدلة التقيّة لا تفي بالإجزاء فيما عدا باب الصلاة ومقدّماتها ، فلا بدّ من الرجوع إلى ما تقتضيه القاعدة ، وقد عرفت أنّ مقتضاها عدم الإجزاء ، عملاً بإطلاق أدلّة الإجزاء والشرائط والموانع.

هذا ، وربّما يقرّب الإجزاء في المقام وغيره بأنّ ما دلّ على مشروعيّة التقيّة بل وجوبها وأنّها من الدين إنّما هو باعتبار انطباقها على نفس العمل المأتي به خارجاً ، الفاقد للجزء أو الشرط أو المشتمل على المانع ، فإذا كان العمل بنفسه مصداقاً للتقيّة وواجباً بل من الدين كما نطقت به النصوص كان لا محالة مأموراً به بالأمر الاضطراري ، ومن المقرّر في محله إجزاؤه عن الأمر الواقعي ، ولا سيّما بالنسبة إلى القضاء ، لعدم فوات شي‌ء منه ، فلا موضوع له.

وبالجملة : الوضوء مع غسل الرجلين مثلاً لو كان مأموراً به بنفسه فهو بأمر اضطراري ، والإجزاء في مثله لا يحتاج إلى دليل خاصّ ، بل هو مقتضى


1) الوسائل 23 : 225 / كتاب الايمان ب 12 ح 4.

2) لاحظ الوسائل 3 : 493 / كتاب الطهارة ب 50 ح 11 ، وج 24 : 90 / كتاب الصيد والذبائح ب 38 ح 2 ، وج 25 : 468 / كتاب اللقطة ب 23 ح 1.

.................................................................................................


القاعدة في كافة الأوامر الاضطراريّة بالنسبة إلى المأمور به الواقعي.

ولكن هذا التقريب يتوقّف على إحراز أنّ التقية الواجبة تنطبق على ذات العمل ، وهو غير واضح ، ومن المحتمل جدّاً أن يكون الواجب هو الاتّقاء وحفظ النفس ، ويكون العمل مقدّمةً له وما به تتحقّق التقيّة ، فلا دلالة حينئذٍ على الإجزاء ، نظير التكلّم في الصلاة مثلاً تقيّةً من مشرك كي لا يعلم بإسلامه فيقتله ، فإنّه لا يمكن القول بصحّة العمل وكونه مجزئاً وإن ساغ له التكلّم لمكان الاضطرار والتقيّة ، بل إنّ تطرّق هذا الاحتمال بمجرّده كافٍ في سقوط الاستدلال كما لا يخفى.

ثمّ إنّا لو فرضنا تماميّة نصوص التقيّة ولا سيّما الروايتين المتقدّمتين في الدلالة على الإجزاء. فلا يفرق الحال بين ما لا يرونه مفطراً حال الصوم كالارتماس ، وبين ما يرونه مفطراً إلّا أنّهم لا يرون وجوب الصوم وقتئذٍ كالأكل مثلاً في يوم عيدهم ، لشمول الأدلّة لكلا القسمين بمناط واحد ، فإنّ الصوم عبارة عن الإمساك عن مجموع المفطرات في مجموع النهار ، وكما أنّه مضطرّ في القسم الأوّل إلى ارتكاب خصوص الارتماس تقيّةً مع التمكّن عن الاجتناب عن بقيّة المفطرات في سائر الآنات ، فكذا في القسم الثاني فإنّه يضطرّ أيضاً إلى خصوص الأكل مثلاً في هذه الساعة الخاصّة كي لا تتبيّن لهم المخالفة مع القدرة على الاجتناب عن سائر المفطرات في بقيّة النهار ، ولا يكون هذا من باب ترك الواجب رأساً حتّى يقال : إنّ الأدلّة إنّما تدلّ على إجزاء الفعل الناقص عن الكامل لا إجزاء الترك رأساً عن الفعل ، ضرورة أنّ في هذا القسم أيضاً لم يترك المأمور به بالكلّيّة ، وانّما هو من قبيل الفعل الناقص حسبما عرفت.

نعم ، لو اقتضت التقيّة في موردٍ ترك المأمور به رأساً ، كما لو فرضنا أنّ ترك الصلاة من أوّل الفجر إلى طلوع الشمس موردٌ للتقيّة ، لم يكن هذا الترك

[2464] مسألة 3 : إذا كانت اللقمة في فمه وأراد بلعها لنسيان الصوم فتذكّر وجب إخراجها ، وإن بلعها مع إمكان إلقائها بطل صومه ، بل تجب الكفّارة أيضاً ، وكذا لو كان مشغولاً بالأكل فتبيّن طلوع الفجر.

[2465] مسألة 4 : إذا دخل الذباب أو البقّ أو الدخان الغليظ أو الغبار في حلقه من غير اختياره لم يبطل صومه ، وإن أمكن إخراجه وجب ولو وصل إلى مخرج الخاء (1).

[2466] مسألة 5 : إذا غلب على الصائم العطش بحيث خاف من الهلاك يجوز له أن يشرب الماء مقتصراً على مقدار الضرورة (2) ،


موجباً للإجزاء كما هو واضح ، ولكن الإفطار في يوم العيد ليس من هذا القبيل قطعاً كما عرفت.

فعلى القول بالإجزاء لا يفرق بين القسمين ، إلّا أنّك عرفت عدم تماميّة الأدلّة إلّا في موارد خاصّة.

هذا ملخّص ما أردنا إيراده في مسألة التقيّة في الصوم ، فلاحظ وتدبّر.

(1) ما ذكره (قدس سره) في هذه المسألة وسابقتها واضح لا سترة عليه ، وقد ظهر الحال فيهما من مطاوي ما تقدّم فلا حاجة إلى الإعادة.

(2) ينبغي التكلّم في جهات :

الاولى : لا إشكال في جواز الشرب حينئذٍ بمقتضى القاعدة حفظاً من التهلكة من غير حاجة إلى نصّ خاصّ ، إذ ما من شي‌ء حرّمه اللّه إلّا وأحلّه عند الضرورة ، مضافاً إلى حديث رفع الاضطرار ، فجواز الشرب بمقدارٍ تندفع به

.................................................................................................


الضرورة وقايةً للنفس من خوف الهلاك ممّا لا ينبغي التأمل فيه.

مضافاً إلى ورود النصّ الخاصّ بذلك ، وهو موثّقة عمّار : في الرجل يصيبه العطاش حتّى يخاف على نفسه «قال : يشرب بقدر ما يمسك رمقه ، ولا يشرب حتّى يروى» (1).

المؤيّدة برواية مفضّل بن عمر وإن كانت ضعيفة السند قال : قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : إنّ لنا فتيات وشبّاناً لا يقدرون على الصيام من شدّة ما يصيبهم من العطش «قال : فليشربوا بقدر ما تروى به نفوسهم وما يحذرون» (2).

وقد يقال : إنّ المذكور في الموثّقة العطاش ، أي من به داء العطش ، فتكون الرواية من أخبار باب ذي العطاش الأجنبي عمّا نحن فيه.

ويندفع : بأنّ الرواية وإن ذكرت في الوسائل وفي المدارك عن الكافي كما ذكر (3)، ولكن الظاهر أنّه تصحيف والنسخة الصحيحة : العطش ، بدل : العطاش ، كما في التهذيب والفقيه ، لأجل أنّ ذا العطاش لا يروى مهما شرب ، فما معنى نهيه عن الارتواء كما في الموثّقة؟! على أنّ الصوم ساقط عنه ، لدخوله فيمن يطيقونه ، فهو مأمور بالكفّارة لا بالصوم ، ومورد الموثّق هو الصائم كما لا يخفى ، فالظاهر أنّ العطاش اشتباه إمّا من الكافي أو من قلم النّساخ ، والصحيح ما أثبته الشيخ نقلاً عن الكليني وعن عمّار نفسه بلفظ «العطش» كما عرفت.


1) الوسائل 10 : 214 / أبواب من يصحّ منه الصوم ب 16 ح 1 ، الكافي 4 : 117 / 6 ، الفقيه 2 : 84 / 376 ، التهذيب 4 : 240 / 702 و 326 / 1011.

2) الوسائل 10 : 214 / أبواب من يصحّ منه الصوم ب 16 ح 2.

3) المدارك 6 : 298 وفيه : العطش.

ولكن يفسد صومه بذلك (1) ، ويجب عليه الإمساك بقيّة النهار (2) إذا كان في شهر رمضان ، وأمّا في غيره من الواجب الموسّع (3) والمعيّن فلا يجب الإمساك وإن كان أحوط في الواجب المعيّن.


(1) الثانية : هل يفسد الصوم بالشرب المزبور فيجب قضاؤه ، أو لا؟

الظاهر ذلك ، بل لا ينبغي التأمّل فيه ، لعموم أدلّة المفطريّة بعد فرض صدور الإفطار عن العمد والاختيار وإن كان مضطرّاً إليه ، فإنّ دليل الاضطرار إنّما يرفع الحكم التكليفي ، فغايته جواز الشرب الذي كان محرّماً في نفسه ، وأمّا صحّة الصوم ليجتزئ بالإمساك عن الباقي فلا دليل عليها بوجه.

(2) الثالثة : هل يجب عليه الإمساك بقيّة النهار؟

الظاهر ذلك كما اختاره في المتن وإن لم يعلم ذهاب المشهور إليه ، فإنّ مورد كلامهم في وجوب الإمساك التأدّبي من كان مكلّفاً بالصوم وأفطر عصياناً لا من كان مأموراً بالإفطار من قبل الشارع كما في المقام.

وكيفما كان ، فيدلّنا على الوجوب الموثّقة والرواية المتقدّمتان ، لتحديد الشرب فيهما بقدر ما يمسك والنهي عن الارتواء ، ومن الواضح عدم احتمال الفرق بين الشرب وبين سائر المفطرات ، فيعلم من ذلك وجوب الإمساك بقيّة النهار عن الجميع.

(3) الرابعة : هل يختصّ الحكم المزبور بشهر رمضان ، أو يلحق به غيره من الصوم الواجب الموسّع والمعيّن؟

أمّا في الموسّع فلا إشكال في عدم الإلحاق ، لجواز الإفطار وعدم وجوب الإمساك من الأوّل ، فيجوز له رفع اليد والتبديل بيوم آخر.

وأمّا المعيّن ، فالظاهر عدم الإلحاق فيه أيضاً ، لأنّ وجوب الإمساك بعد

[2467] مسألة 6 : لا يجوز للصائم أن يذهب إلى المكان الذي يعلم اضطراره فيه إلى الإفطار (1) بإكراهٍ أو إيجارٍ في حلقه أو نحو ذلك ، ويبطل صومه لو ذهب وصار مضطرّاً ولو كان بنحو الإيجار ، بل لا يبعد بطلانه بمجرّد القصد إلى ذلك ، فإنّه كالقصد إلى الإفطار.


فرض بطلان الصوم حكمٌ على خلاف القاعدة ، ولا بدّ من الاقتصار في مثله على المقدار المتيقّن ، والمتيقّن ممّا دلّت عليه الموثّقة إنّما هو شهر رمضان ، فإنّه المستفاد منها بمقتضى مناسبة الحكم والموضوع ، وإلّا فلم يذكر فيها الصوم رأساً ، فهي إمّا منصرفة إلى شهر رمضان أو مجملة والمتيقّن منها ذلك. وكيفما كان ، فليس لها إطلاق يعوّل عليه في شمول الحكم لغيره أيضاً. وهكذا الحال في رواية المفضّل ، فإنّها منصرفة بمناسبة الحكم والموضوع إلى صوم رمضان ، على أنّها ضعيفة السند لا تصلح للاستدلال حتّى لو كانت مطلقة من هذه الجهة.

(1) أمّا إذا كان الاضطرار بالإكراه على الإفطار فلا إشكال في عدم الجواز وفي البطلان لو اكره عليه ، لصدور الفعل حينئذٍ عن عمد واختيار ، وقد تقدّم عدم الفرق فيه بين المكرَه وغيره (1)، بل يبطل بمجرّد القصد إلى ذلك ، لأنّه بمثابة القصد إلى الإفطار كما ذكره في المتن الموجب لزوال نيّة الصوم.

نعم ، لا تترتّب الكفّارة على مجرّد زوال النيّة ما لم يقترن باستعمال المفطر خارجاً كما تقدّم (2).

وأمّا إذا كان بنحو الإيجار فربّما يستشكل فيه ، نظراً إلى أنّه غير مفطر ،


1) في ص 275.

2) في ص 85.

[2468] مسألة 7 : إذا نسي فجامع لم يبطل صومه (1) ، وإن تذكّر في الأثناء وجب المبادرة إلى الإخراج ، وإلّا وجب عليه القضاء والكفّارة.


فالعمد إلى الذهاب في مورده عمدٌ إلى غير المفطر ، وبذلك يفترق عن الإكراه الذي يصدر في مورده الفعل بإرادة واختيار ، فيكون مفطراً ، والعمد إلى الذهاب حينئذٍ عمدٌ إلى المفطر ، فالمقام نظير من علم أنّه لو نام يحتلم أو أنّه لو أكل شيئاً في الليل يحتلم في النهار ، فكما أنّ النوم أو الأكل جائز وإن ترتّب عليه الاحتلام لعدم كون ذلك عمداً إلى المفطر ، فكذا الذهاب في المقام بنفس المناط.

ولكنّه بمراحل عن الواقع ، لوضوح الفرق بين الموردين :

فإنّ المفطر لو كان هو خروج المني على إطلاقه لكان القياس في محلّه ، ولكن المفطر إنّما هو الجماع أو الاستمناء أو البقاء على الجنابة ، وشي‌ءٌ من ذلك غير صادق على الاحتلام ، فالعمد إليه ليس عمداً إلى المفطر كما ذكر.

وأمّا في المقام فالمفطر هو الشراب والطعام ولا بدّ للصائم من الاجتناب عنهما بمقتضى قوله (عليه السلام) : «لا يضرّ الصائم ما صنع إذا اجتنب» إلخ ، ولا ينبغي التأمل في عدم صدق الاجتناب عن الطعام فيما ، إذا ذهب باختياره إلى مكانٍ يعلم بإيجار الطعام أو الشراب في حلقه ، فإنّ مثل هذا يقال في حقّه : أنّه جائع يريد أن يحتال لرفع جوعه.

وعلى الجملة : يصدق على هذا الشخص العامد في الذهاب أنّه عامد إلى الإفطار ، فلا يكون ناوياً للصوم ، فيبطل لفقد النيّة ، بل تجب الكفّارة أيضاً لو تحقّق خارجاً ، لاستناد الإفطار إليه وانتهائه إلى اختياره.

(1) أمّا عدم البطلان لدى النسيان فظاهرٌ ممّا مرّ.

وأمّا وجوب المبادرة إلى الإخراج مع التذكّر فالظاهر أنّ الأمر كذلك حتّى

.................................................................................................


على القول بأنّ دليل المفطريّة ظاهرٌ في الحدوث ولا يعمّ البقاء.

كما لا يبعد دعوى ذلك في مثل الارتماس ، فلو ارتمس ناسياً فتذكّر في الأثناء أمكن القول بعدم وجوب المبادرة ، لجواز أن لا يصدق الارتماس عرفاً على البقاء.

وأمّا في المقام فلا بدّ من المبادرة إلى الإخراج ، لأنّ تركه منافٍ للاجتناب المأمور به في الصحيحة : «لا يضرّ الصائم ما صنع إذا اجتنب» إلخ ، فإنّ الواجب بمقتضى هذه الصحيحة الاجتناب عن النساء ، ومعنى ذلك : يكون على جانبٍ منها وبعيداً عنها ، ومن لم يبادر إلى الإخراج لم يجتنب عن النساء في هذه الحالة بالضرورة فيبطل صومه ، بل تجب عليه الكفّارة أيضاً.

فصل فيما يجوز ارتكابه للصّائم

لا بأس للصائم بمصّ الخاتم أو الحصى ولا بمضغ الطعام للصبي ولا بزقّ الطائر ولا بذوق المرق ونحو ذلك ممّا لا يتعدّى إلى الحلق (1). ولا يبطل صومه إذا اتّفق التعدّي إذا كان من غير قصد ولا علم بأنّه يتعدّى قهراً أو نسياناً ، أمّا مع العلم بذلك من الأوّل فيدخل في الإفطار العمدي.


(1) ذكر (قدس سره) عدّة أُمور لا بأس بارتكابها للصائم ، كمصّ الخاتم أو الحصى ، أو مضغ الطعام للصبي ، أو زقّ الطائر ، أو ذوق المرق.

وجواز هذه الأُمور مضافاً إلى أنّه يقتضيه عموم حصر المفطر المذكور في صحيحة ابن مسلم التي رواها المشايخ الثلاثة : «لا يضرّ الصائم ما صنع إذا اجتنب» إلخ ، فإنّ مقتضاها جواز ارتكاب كلّ شي‌ء ما عدا الخصال الأربع وما الحق بها بالأدلّة الأُخر ، وليس المذكورات منها قد ورد النصّ الخاصّ على الجواز في كلّ واحد منها بالخصوص كما لا يخفى على من لاحظها.

نعم ، في ذوق المرق تعارضت روايات الجواز التي منها صحيحة الحلبي : سُئِلَ عن المرأة الصائمة تطبخ القدر فتذوق المرق تنظر إليه «فقال : لا بأس به» (1)مع رواية دلّت على المنع ، وهي صحيحة سعيد الأعرج : عن الصائم


1) الوسائل 10 : 105 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 37 ح 1.

وكذا لا بأس بمضغ العلك ولا ببلع ريقه (1) بعده وإن وجد له طعماً فيه ، ما لم يكن ذلك بتفتّت أجزاء منه ، بل كان لأجل المجاورة.


أيذوق الشي‌ء ولا يبلعه؟ «قال : لا» (1).

وعن الشيخ حمل الثانية على عدم الحاجة والأولى على صورة الاحتياج إلى الذوق كالطبّاخ ونحوه (2).

ولكنّه كما ترى جمعٌ تبرّعي لا شاهد عليه بوجه ، ومقتضى الجمع العرفي هو الحمل على الكراهة ، لصراحة الاولى في الجواز فيرفع اليد عن ظهور إحداهما بصراحة الأُخرى.

ثمّ إنّه لو تعدّى ما في فمه إلى الحلق لدى الذوق أو المضغ : فإنّ كان ذلك بحسب الاتّفاق من غير سبق القصد والعلم به فلا إشكال في عدم البطلان ، لخروجه عن العمد الذي هو المناط في الإفطار كما مرّ.

وأمّا لو كان عالماً بأنّه يتعدّى قهراً أو نسياناً ، فلأجل اندراجه حينئذٍ في الإفطار العمدي لمكان الانتهاء إلى الاختيار يبطل صومه ، بل تجب الكفّارة أيضاً.

(1) لما عرفت من عموم حصر المفطر ، مضافاً إلى صحيح ابن مسلم ، قال : «قال أبو جعفر (عليه السلام) : يا محمّد ، إيّاك أن تمضغ علكاً ، فإنِّي مضغت اليوم علكاً وأنا صائم فوجدت في نفسي منه شيئاً» (3).


1) الوسائل 10 : 106 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 37 ح 2.

2) التهذيب 4 : 312.

3) الوسائل 10 : 104 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 36 ح 1.

.................................................................................................


فإنّ تعليله (عليه السلام) التحذير بما وجده في نفسه عند مضغه (عليه السلام) دليلٌ قاطع على الجواز ، وإلّا فلا يحتمل ارتكابه (عليه السلام) للحرام ، غايته أنّه مكروه ولأجله حذّره عنه.

وعليه يُحمَل النهي الوارد في صحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : قلت : الصائم يمضغ العلك؟ «قال : لا» (1).

وبالجملة : فلا إشكال في جواز المضغ وجواز بلع الريق المجتمع حال المضغ وإن وجد له طعماً ، بمقتضى الإطلاق بل وصريح صحيح ابن مسلم ، ولكن فيما إذا كان ذلك لأجل المجاورة كما هو المتعارف عند مضغه ، دون ما إذا كان بتفتّت أجزائه ، لصدق الأكل المفطر حينئذ.

وقد يقال بعدم البأس في صورة التفتّت فيما إذا كانت الأجزاء المتفتّتة مستهلكة في الريق ، إذ لا موضوع حينئذٍ كي يصدق معه الأكل ، نظير استهلاك التراب اليسير في الدقيق المصنوع منه الخبز ، فإنّه لا مانع من أكله ولا يعدّ ذلك أكلاً للتراب المحرّم ، لانتفاء الموضوع بنظر العرف ، وإنّما يتّجه المنع في المقام في فرض عدم الاستهلاك.

ويندفع : بأنّ الممنوع لو كان هو الأكل لأمكن المصير إلى ما أُفيد ، إلّا أنّ الواجب على الصائم إنّما هو الاجتناب عن الطعام والشراب أي المأكول والمشروب بمقتضى صحيحة ابن مسلم : «لا يضرّ الصائم ما صنع إذا اجتنب» إلخ ، ولا ينبغي الريب في عدم صدق الاجتناب عن المأكول فيما إذا بلع الأجزاء المتفتّتة من العلك وإن كانت مستهلكة في الريق ، فإنّ الاستهلاك المزبور غير مجدٍ في صدق الاجتناب وإن منع عن صدق الأكل ، فلو فرضنا أنّ الصائم أخذ من السكّر مقداراً يسيراً كحبّة مثلاً فمزجه بريقه إلى أن استهلك ، ثمّ أخذ حبّة


1) الوسائل 10 : 105 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 36 ح 2.

وكذا لا بأس بجلوسه في الماء ما لم يرتمس ، رجلاً كان أو امرأة (1) ، وإن كان يكرَه لها ذلك.


اخرى وهكذا إلى أن استكمل مثقالاً من السكّر طول النهار على سبيل التدريج بحيث أمكنه إيصال المثقال في جوفه ولكن على النهج المزبور ، أو عمد إلى مقدار نصف استكان من الماء فأخذ منه قطرة فقطرة ومزجها بريقه فاستهلك وابتلع ، أفهل يمكن أن يقال : إنّ هذا الشخص اجتنب عن الطعام في الأول وعن الشراب في الثاني؟! نعم ، لا يصدق الأكل والشراب إلّا أنّه يصدق عدم الاجتناب عن المأكول والمشروب قطعاً ، فيضرّ بصومه بمقتضى الصحيحة المتقدّمة ويوجب البطلان بل الكفّارة.

فلا فرق إذن بين الاستهلاك وعدمه ، ولا موقع لهذا التفصيل.

(1) أمّا الرجل فلا خلاف فيه ولا إشكال كما نطقت به النصوص المعتبرة ، وأمّا في المرأة فالمعروف والمشهور ذلك ، ولكن نُسِب إلى أبي الصلاح وجوب القضاء (1)، وعن ابن البرّاج وجوب الكفّارة أيضاً (2).

والمستند فيه ما رواه الصدوق وغيره بإسناده عن حنّان بن سدير : أنّه سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الصائم يستنقع في الماء؟ «قال : لا بأس ، ولكن لا ينغمس ، والمرأة لا تستنقع في الماء لأنّها تحمل الماء بقبلها» (3).

ونوقش في سندها بأن حنّان بن سدير واقفي ، ولأجله تحمل الرواية على الكراهة. ولكن الرجل موثّق والوقف لا يضرّ بالوثاقة ، فلا وجه للطعن في


1) الحدائق 3 : 162.

2) الحدائق 3 : 162.

3) الوسائل 10 : 37 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 3 ح 6 ، الفقيه 2 : 71 / 307.

ولا ببلّ الثوب ووضعه على الجسد (1).


السند ولا للحمل على الكراهة من هذه الجهة. نعم ، لا بدّ من الحمل عليها لوجهين آخرين :

أحدهما : أنّ هذه المسألة كثيرة الدوران ومحلّ الابتلاء غالباً لأكثر النساء ، فلو كان الاستنقاع مفطراً لهنّ لاشتهر وبان وشاع وذاع وكان من الواضحات ، فكيف ذهب المشهور إلى الخلاف؟! بل لم يُنسَب القول بذلك لغير أبي الصلاح وابن البراج كما عرفت.

ثانيهما : إنّ لسان التعليل بنفسه يفيد الكراهة ، إذ ظاهره أنّ الاستنقاع بنفسه لا يقدح ، وإنّما القدح من ناحية حمل الماء بالقبل بحيث لو تمكّنت من شدّ الموضع بما يمنع من دخول الماء فيه لم يكن بأس في استنقاعها ، مع أنّ دخول الماء في القبل ليس من قواطع الصوم في حدّ نفسه حتّى عند أبي الصلاح وابن البرّاج ، كيف؟! والنساء لا يسلمن من ذلك عند الاستنجاء غالباً ، ولم يستشكل أحدٌ في ذلك ولا ينبغي الاستشكال فيه ، فإنّه ليس من الأكل ولا الاحتقان ولا غيرهما من سائر المفطرات ، فنفس هذا التعليل يشعر بابتناء النهي على التنزيه والكراهة كما لا يخفى.

(1) قد دلّت جملة من الروايات على المنع ، منها : ما رواه الشيخ بإسناده عن علي بن الحسن بن فضّال ، عن الحسن بن بقاع ، عن الحسن الصيقل ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : سألته عن الصائم ، يلبس الثوب المبلول؟ «قال : لا ، ولا يشمّ الرياحين» (1).


1) الوسائل 10 : 38 / أبواب ما يمسك منه الصائم ب 3 ح 10 ، التهذيب 4 : 267 / 806 ، الإستبصار 2 : 93 / 300.

.................................................................................................


فإنّ طريق الشيخ إلى ابن فضّال الذي هو ضعيف في نفسه يمكن تصحيحة بأنّ شيخه وشيخ النجاشي واحد وطريقه إليه معتبر ، فيكون هذا الطريق أيضاً معتبراً بحسب النتيجة ، إذ لا يحتمل أن يروي للنجاشي غير الذي رواه للشيخ ، وهذا من طرق التصحيح كما مرّ نظيره قريباً ، والحسن بن بقاع والصواب : بقاح ، كما ذكره في الوسائل في باب 32 من أبواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 13 موثّق ، ولكن الحسن بن زياد الصيقل لم تثبت وثاقته ، فالرواية ضعيفة السند وإن كانت ظاهرة الدلالة على المنع.

ومنها : رواية المثنّى الحناط والحسن الصيقل (1)، وهي أيضاً ضعيفة بالإرسال وجهالة ابن زياد.

ومنها : رواية عبد اللّه بن سنان ، قال : سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول : «لا تلزق ثوبك إلى جسدك وهو رطب وأنت صائم حتّى تعصره» (2).

حيث يظهر منه التفصيل بين المبلول الذي يقبل العصر فلا يلزق وبين ما لا يقبل فلا بأس به ، ولكنّها أيضاً ضعيفة السند بجهالة عبد اللّه بن الهيثم.

ومنها وهي العمدة - : ما رواه الكليني بإسناده عن الحسن بن راشد قال : قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : الحائض تقضي الصلاة؟ «قال : لا» قلت : تقضي الصوم؟ «قال : نعم» ، قلت : من أين جاء ذا؟ «قال : إن أوّل من قاس إبليس» ، قلت : والصائم يستنقع في الماء؟ «قال : نعم» ، قلت فيبلّ ثوباً على جسده؟ «قال : لا» ، قلت : من أين جاء ذا؟ «قال : من ذلك» إلخ (3).

وهي بحسب الدلالة واضحة ، ولكن نوقش في سندها بأنّ الحسن بن راشد


1) الوسائل 10 : 36 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 3 ح 4.

2) الوسائل 10 : 36 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 3 ح 3.

3) الوسائل 10 : 37 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 3 ح 5 ، الكافي 4 : 113 / 5.

.................................................................................................


ضعيف ، وليس الأمر كذلك ، فإنّ هذا الاسم مشترك بين ثلاثة :

أحدهم : الحسن بن راشد أبو علي ، وهو من الأجلّاء ومن أصحاب الجواد (عليه السلام).

الثاني : الحسن بن راشد الطفاوي ، الذي هو من أصحاب الرضا (عليه السلام) ، وقد ضعّفه النجاشي صريحاً (1).

الثالث : الحسن بن راشد الذي يروي عن جدّه يحيى كثيراً ، وهو من أصحاب الصادق (عليه السلام) وأدرك الكاظم (عليه السلام) أيضاً ، وهذا لم يُذكَر بمدحٍ ولا قدح في كتب الرجال رأساً.

والذي ذُكِر وذُكِر بالقدح كما عرفت إنّما هو الطفاوي ، الذي هو من أصحاب الرضا (عليه السلام) ولم يدرك الصادق (عليه السلام) ، والراوي لهذه الرواية إنّما هو الأخير الذي يروي عن الصادق (عليه السلام) ، وهو وإن لم يُذكَر في كتب الرجال ولكنّه مذكور في أسانيد كامل الزيارات ، وهذا غير الطفاوي الضعيف جزماً.

وعليه ، فلا بأس بسند الرواية ، لكن لا بدّ من حمل النهي الوارد فيها على الكراهة ، إذ مضافاً إلى أنّ الحرمة لو كانت ثابتة لشاع وذاع وكان من الواضحات ، لكون المسألة كثيرة الدوران ومحلّاً للابتلاء غالباً يدل على الجواز صريحاً أو ظاهراً صحيح محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) : «قال : الصائم يستنقع في الماء ، ويصبّ على رأسه ، ويتبرّد بالثوب ، وينضح بالمروحة ، وينضح البوريا تحته ، ولا يغمس رأسه في الماء» (2).


1) رجال النجاشي : 38 / 76.

2) الوسائل 10 : 36 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 3 ح 2.

ولا بالسواك باليابس بل بالرطب أيضاً (1) ، لكن إذا أخرج المسواك من فمه لا يردّه وعليه رطوبة وإلّا كانت كالرطوبة الخارجيّة لا يجوز بلعها إلّا بعد الاستهلاك في الريق.

وكذا لا بأس بمصّ لسان الصبي أو الزوجة إذا لم يكن عليه رطوبة ، ولا بتقبيلها أو ضمّها أو نحو ذلك.


فإنّ التبرّد بالثوب ظاهرٌ بقرينة ما سبقه وما لحقه في أنّ منشأ التبريد بلّ الثوب بالماء لا منعه عن إشراق الشمس على البدن ، ولا برودته بحسب جنسه لكونه من الكتان مثلاً ونحو ذلك ، فإن ذلك كلّه خلاف سياق الرواية جدّاً ، فإنّها ناظرة صدراً وذيلاً إلى استعمال الماء ، فيظهر أنّ منشأ التبريد كون الثوب مبلولاً ، ولأجل ذلك يُحمَل النهي في موثّق ابن راشد على الكراهة.

(1) إذ مضافاً إلى أنّه مقتضى الأصل وعموم حصر المفطر قد دلّت النصوص المعتبرة على الجواز من غير فرق بين اليابس والرطب ، وإن كان الثاني مكروهاً للنهي في بعضها المحمول عليها جميعاً.

نعم ، لو أخرج المسواك من فمه وعليه رطوبة فبما أنّها تعدّ بعدئذٍ رطوبة خارجيّة لو أدخله ثانياً لم يجز ابتلاعها كما تقدّم نظيره في الخيط المبلول بالريق إلّا بعد الاستهلاك في الريق ، على تفصيلٍ يأتي في المسألة الآتية.

وأمّا التقبيل والضمّ فقد دلّت عليه النصوص ، وكذا مصّ لسان الزوجة أو الزوج ، فلاحظ (1).


1) الوسائل 10 : 97 102 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 33 و 34.

[2469] مسألة : إذا امتزج بريقه دم واستهلك فيه يجوز بلعه على الأقوى (1) ، وكذا غير الدم من المحرّمات والمحلّلات. والظاهر عدم جواز تعمّد المزج والاستهلاك بالبلع (2) ، سواء كان مثل الدم ونحوه من المحرّمات أو الماء ونحوه من المحلّلات ، فما ذكرنا من الجواز إنّما هو إذا كان ذلك على وجه الاتّفاق.


(1) إذ لا موضوع له بعد فرض الاستهلاك ليحرم بلعه ، سواء أكان الممزوج محرّماً في نفسه كالدم أم محللاً كبقايا الطعام بين الأسنان بل كلّ ما دلّ على جواز ابتلاع الريق ممّا مرّ يشمل المقام بمقتضى الإطلاق ، لعدم خروج المستهلك فيه عن كونه مصداقاً لابتلاع الريق حسب الفرض.

(2) لما تقدّم في العلك من أنّ هذا وإن لم يصدق عليه الأكل أو الشرب لفرض الاستهلاك ، إلّا أنّ التكليف غير مقصور على المنع عن الأكل والشرب ، بل الصائم مكلّف بمقتضى قوله : «لا يضرّ الصائم ما صنع إذا اجتنب» إلخ ، بالاجتناب عن الطعام والشراب ، ومعنى الاجتناب : أن يكون على جانب منه وبعيداً عنه ، ومن الواضح أنّ المتعمّد المزبور غير مجتنب عن ذلك ، فإنّ من جعل الماء في فيه قطرة فقطرة فمزجه بريقه حتّى استهلك فبلع ، وكذا السكر ونحوه بحيث أوصل إلى جوفه كمّيّة من الطعام أو الشراب ولو تدريجاً ، يصحّ أن يقال عرفاً : إنّه لم يجتنب عن الطعام والشراب وإن لم يصدق عليه الأكل والشرب ، فلم يصدر منه الصوم المأمور به.

فما ذكره (قدس سره) من التفرقة بين الاستهلاك الاتّفاقي فيجوز ، وما كان مقصوداً من الأوّل فلا يجوز ، هو الصحيح حسبما عرفت وجهه.

فصل فيما يكره للصّائم

يكره للصائم أُمور :

أحدها : مباشرة النساء لمساً وتقبيلاً وملاعبةً ، خصوصاً لمن تتحرّك شهوته بذلك ، بشرط أن لا يقصد الإنزال ولا كان من عادته (1) ، وإلّا حرم إذا كان في الصوم الواجب المعيّن.

الثاني : الاكتحال بما فيه صَبر أو مسك أو نحوهما ممّا يصل طعمه أو رائحته إلى الحلق ، وكذا ذرّ مثل ذلك في العين.

الثالث : دخول الحمّام إذا خشي منه الضعف.


(1) أمّا مع قصد الإنزال فلا ينبغي الإشكال في البطلان ، لمنافاة القصد إلى المفطر مع نيّة الصوم كما هو ظاهر.

وأمّا مع فرض العادة فالظاهر أنّ الأمر كذلك وإن احتمل عدم خروج المني ، لأنّ جريان العادة يوجب الاطمئنان بالخروج ، فهو قاصد لفعلٍ يترتّب عليه خروج المني وإن لم يتعلّق القصد به ابتداءً.

وهذا نظير ما ذكروه في القتل العمدي من أنّه لو قصد القتل أو قصد فعلاً يترتّب عليه القتل فهو قتل عمدي ، لا أنّه شبه العمد وغيره خطأ.

الرابع : إخراج الدم المضعف بحجامةٍ أو غيرها ، وإذا علم بأدائه إلى الإغماء المبطل للصوم حرم ، بل لا يبعد كراهة كلّ فعل يورث الضعف أو هيجان المُرّة.

الخامس : السعوط مع عدم العلم بوصوله إلى الحلق ، وإلّا فلا يجوز على الأقوى.

السادس : شمّ الرياحين خصوصاً النرجس ، والمراد بها كلّ نبت طيّب الريح.

السابع : بلّ الثوب على الجسد.

الثامن : جلوس المرأة في الماء ، بل الأحوط لها تركه.

التاسع : الحقنة بالجامد.

العاشر : قلع الضرس ، بل مطلق إدماء الفم.

الحادي عشر : السواك بالعود الرطب.

الثاني عشر : المضمضة عبثاً ، وكذا إدخال شي‌ء آخر في الفم لا لغرض صحيح.


فيكفي في صدق العمد إلى الشي‌ء قصد فعل يترتّب عليه ذلك الشي‌ء عادةً بحيث يُطمأنّ بحصوله خارجاً. بل تقدّم في بحث الاستمناء أنّ مجرّد الشكّ كافٍ ولا يحتاج إلى الاطمئنان (1)، فمجرّد احتمال خروج المني احتمالاً عقلائياً بحيث لا يبقى معه وثوق بعدم الخروج موجب للبطلان ، وذلك لتعليق جواز المباشرة والملاعبة في صحيحة ابن مسلم وزرارة على ما إذا كان واثقاً من نفسه بعدم


1) في ص 121 122.

الثالث عشر : إنشاد الشعر ، ولا يبعد اختصاصه بغير المراثي أو المشتمل على المطالب الحقّة من دون إغراق أو مدح الأئمّة (عليهم السلام) وإن كان يظهر من بعض الأخبار التعميم.

الرابع عشر : الجدال والمراء وأذى الخادم والمسارعة إلى الحلف ونحو ذلك من المحرّمات والمكروهات في غير حال الصوم ، فإنّه تشتدّ حرمتها أو كراهتها حاله.


خروج المني (1)، وإليه يشير ما في صحيح منصور من الجواز في الشيخ الكبير دون الشاب الشبق (2)، لحصول الوثوق في الأوّل دون الثاني غالباً.

فيظهر من ذلك أنّ مجرّد الاحتمال كافٍ في عدم الجواز ، إلّا أن يثق ويطمئن من نفسه بعدم الخروج.

هذا ، ولا حاجة للتعرّض إلى بقيّة المكروهات التي أشار إليها في هذا الفصل ، لوضوحها ، فلاحظ.


1) الوسائل 10 : 100 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 33 ح 13.

2) الوسائل 10 : 97 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 33 ح 3.

فصل في كفّارة الصّوم

المفطرات المذكورة كما أنّها موجبة للقضاء كذلك توجب الكفّارة (1) إذا كانت مع العمد والاختيار من غير كره ولا إجبار ، من غير فرق بين الجميع حتّى الارتماس والكذب على اللّه وعلى رسوله (صلّى اللّه عليه وآله) ، بل والحقنة والقي‌ء على الأقوى.

نعم ، الأقوى عدم وجوبها في النوم الثاني من الجنب بعد الانتباه ، بل والثالث ، وإن كان الأحوط فيها أيضاً ذلك ، خصوصاً الثالث.


(1) قد ورد في غير واحد من النصوص وجوب الكفّارة على من أفطر متعمّداً كصحيحة عبد اللّه بن سنان (1)وغيرها كما لا يخفى على من لاحظها ، ومقتضى إطلاقها عدم الفرق بين أقسام المفطرات وأنّ الاعتبار بنفس الإفطار الذي هو مضادّ للصوم ولا ثالث لهما ، فإنّ الإفطار في نظر العرف في مقابل الاجتناب عن خصوص الأكل والشرب ، ولكن الشارع اعتبر الصوم مؤلّفاً من الاجتناب عن عدّة أمور أُخر أيضاً زائداً على ذلك من الارتماس والجماع والكذب والحقنة ونحو ذلك ممّا تقدّم. فمتى تحقّق الإمساك بهذا النحو كان صائماً


1) الوسائل 10 : 44 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 8 ح 1.

.................................................................................................


وإلّا فهو مفطر ، فيندرج حينئذٍ تحت إطلاق هذه النصوص الدالّة على ثبوت الكفّارة على من أفطر.

ودعوى الانصراف إلى خصوص الأكل والشرب كما في الجواهر (1)غير مسموعة ، بعد كون الصوم في نظر الشرع مؤلّفاً من مجموع تلك التروك ومضادّاً للإفطار من غير ثالث كما عرفت.

والاقتصار في بعض الأخبار على القضاء لا يدلّ على نفي الكفّارة ، غاية الأمر أنّها ساكتة عنها وغير متعرّضة لها ، فتثبت بعموم النصوص المشار إليها ، وقد تقدّم التعرّض لذلك عند التكلّم عن كلّ واحد من هذه الأُمور.

وعلى الجملة : فالظاهر أنّ الحكم المزبور عامٌّ لجميع المفطرات.

نعم ، مجرّد بطلان الصوم ووجوب القضاء لا يلازم الكفّارة ، كما لو فرضنا أنّه أبطل صومه بعدم النيّة ، أو بنيّة الخلاف فنوى أن لا يصوم ، أو نوى على وجه محرّم كالرياء ، ففي جميع ذلك وإن بطل صومه لعدم وقوعه عن نيّة صحيحة فلم يأت بالمأمور به على وجهه ، فهو صائم بصوم فاسد ، إلّا أنّه لا تثبت الكفّارة ، لعدم تحقّق الإفطار المأخوذ موضوعاً لهذا الحكم في تلك النصوص ، فهو غير مفطر بل صائم ، غاية الأمر أنّ صومه فاقد للنيّة ، ولأجله يجب القضاء دون الكفّارة.

ومن هذا القبيل : البقاء على الجنابة غير متعمّد ، كما إذا كان في النومة الثانية أو الثالثة على ما تقدّم الكلام فيه (2)، فإنّه يجب القضاء حينئذٍ دون الكفّارة ، لعدم الدليل عليها بعد عدم تحقّق الإفطار.


1) الجواهر 16 : 218 219.

2) في ص 226 232.

ولا فرق أيضاً في وجوبها بين العالم والجاهل المقصّر والقاصر على الأحوط (1) ، وإن كان الأقوى عدم وجوبها على الجاهل خصوصاً القاصر والمقصّر غير الملتفت حين الإفطار.

نعم ، إذا كان جاهلاً بكون الشي‌ء مفطراً مع علمه بحرمته كما إذا لم يعلم أنّ الكذب على اللّه ورسوله (صلّى اللّه عليه وآله) من المفطرات فارتكبه حال الصوم فالظاهر لحوقه بالعالم في وجوب الكفّارة.


ثمّ إنّ الكفارة تختصّ بحال العمد والاختيار ، فلا تجب على غير العامد كالناسي ، فإنّه رزق رزقه اللّه ، بل ليس عليه القضاء أيضاً كما تقدّم (1)، كما لا تجب على غير المختار أي غير القاصد كمن اوجر في حلقه بغير اختياره كما هو واضح.

وأمّا في فرض الإكراه والاضطرار فقد تقدّم أنّ مقتضى الإطلاق هو البطلان (2)، ولكن لا كفّارة عليه ، لحديث الرفع ، فلاحظ.

(1) نُسِب إلى المشهور عدم الفرق فيما تثبت فيه الكفّارة بين العالم بالحكم وبين الجاهل به ، كما لو اعتقد أنّ شرب الدواء مثلاً لا يضرّ بالصوم ، لاختصاص المفطر بالمأكول المتعارف.

ولكن الأقوى ما اختاره في المتن من عدم الوجوب ، ولا سيّما في الجاهل القاصر أو المقصّر غير الملتفت كالغافل حين الإفطار ، وإن كان المشهور هو الأحوط.


1) في ص 268.

2) في ص 275 276.

.................................................................................................


والوجه فيه ما تقدّم من موثّق زرارة وأبي بصير : عن رجل أتى أهله في شهر رمضان وأتى أهله وهو محرم وهو لا يرى إلّا أنّ ذلك حلال له «قال (عليه السلام) : ليس عليه شي‌ء» (1).

فإنّه يعمّ الجاهل حتّى المقصّر إذ هو وإن كان معاقباً لتقصيره إلّا أنّه بالآخرة حين الارتكاب لا يرى إلّا أنّه حلال له فليس عليه شي‌ء.

نعم ، يختصّ مورد الموثّق بالملتفت ، فلا يشمل الغافل الذي لا يلتفت أصلاً ، إذ لا يصدق في حقّه أنّه لا يرى إلّا أنّ ذلك حلالٌ له كما هو ظاهر.

ولكن تكفينا في ذلك صحيحة عبد الصمد «أيّ رجل ركب أمراً بجهالة فلا شي‌ء عليه» (2).

فإنّها بعمومها تشمل الغافل والجاهل القاصر والمقصّر.

فلو فرضنا أنّه قصّر في السؤال إلى أن جاء وقت العمل فغفل أو بنى على حلال فهو بالنتيجة جاهل فعلاً بالحكم وغير عالم بأنّه مفطر أو أنّه حرام على المحرم فتشمله الصحيحة.

إذن فالصحيح ما ذكره (قدس سره) من أنّه لا كفّارة على الجاهل حتّى المقصّر ، ولا تنافي بين عدم الكفّارة وبين العقاب ، فيعاقب لأجل تقصيره ، ولا كفّارة عليه لمكان جهله.

ثمّ إنّ الظاهر من الموثّق وكذا الصحيحة أن يكون جاهلاً بالتحريم بقول مطلق ، بحيث يكون منشأ الركوب هو الجهالة كما هو المترائى من قوله : «ركب أمراً بجهالة» ، وأنّه لا يرى إلّا أنّ هذا حلال له.


1) الوسائل 10 : 53 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 9 ح 12.

2) الوسائل 12 : 489 / أبواب تروك الإحرام ب 45 ح 3.

.................................................................................................


وعليه ، فلو فرضنا أنّه مع جهله بالحكم الواقعي عالمٌ بالحكم الظاهري أعني : وجوب الاحتياط كما لو كانت الشبهة من الشبهات الحكميّة قبل الفحص التي لا يسع فيها الرجوع إلى البراءة ، فاقتحم فيها ثمّ انكشف الخلاف ، فإنّ شيئاً من الروايتين لا يشمل ذلك بتاتاً ، إذ قد كان الحكم الظاهري معلوماً لديه وكان مكلّفاً بالاحتياط والاجتناب عقلاً ، بل ونقلاً ، للنصوص الآمرة بالوقوف عند الشبهة ، المحمولة على ما قبل الفحص ، ومع ذلك قد ركب هذا الأمر لتجرّئه لا لجهله ، فلا يصدق أنّه ارتكبه بجهالة ، ولا أنّه يرى أنّه حلال له ، بل عن علمٍ بالحرمة وبوجوب الاجتناب ، غاية الأمر أنّ الوجوب ظاهري لا واقعي.

والحاصل : أنّه وإن عمّمنا الحكم بالنسبة إلى الجاهل القاصر والمقصّر حسبما عرفت ، إلّا أنّه لا بدّ أن يكون الجاهل على نحوٍ لم يؤمر بالاجتناب عن هذا الشي‌ء أمراً فعليّاً ، فلا يشمل الجاهل الملتفت المتردّد بين الأمرين بحيث لا يدري أنّ هذا مفطر أم لا ويحكم عقله بالاحتياط ، إذ ليس له والحال هذه أن يرتكب ، فلو ارتكب دخل في الإفطار متعمّداً ، فيحكم عليه بوجوب الكفّارة.

نعم ، لو كان مقصّراً من الأوّل فلم يسأل إلى أن جاء وقت العمل وكان حينئذٍ غافلاً أو معتقداً بالجواز ، لم يكن عليه حينئذٍ شي‌ء كما عرفت.

ثمّ إنّ الظاهر من الجهالة في الصحيح وكذا الحلّيّة في الموثّق : هي الجهالة المطلقة ، والحلّيّة بكلّ معنى الكلمة الشاملة للتكليفيّة والوضعيّة ، بحيث يكون مطلق العنان له أن يفعل وأن لا يفعل ، فلو كان عالماً بالحرمة التكليفيّة جاهلاً بالوضعيّة كمن لم يعلم بمفطريّة الاستمناء أو الكذب على اللّه ورسوله مع علمه بحرمتهما ، أو لم يعلم بأنّ السباب من تروك الإحرام مع العلم بحرمته في نفسه فالظاهر أنّه غير داخل في شي‌ء من الروايتين ، إذ كيف يصحّ أن يقال :

[2470] مسألة 1 : تجب الكفّارة في أربعة أقسام من الصوم :

الأوّل : صوم شهر رمضان ، وكفّارته مخيّرة (1) بين العتق وصيام شهرين متتابعين وإطعام ستّين مسكيناً على الأقوى ، وإن كان الأحوط الترتيب فيختار العتق مع الإمكان ومع العجز عنه فالصيام ومع العجز عنه فالإطعام.


إنّه ركب أمراً بجهالة؟! أو : لا يرى إلّا أنّ هذا حلال له؟! بل هو يرى أنّه حرام حسب الفرض وإن لم يَرَ الحرمة من الجهة الأُخرى وكان جاهلاً بالإخلال بالصيام أو الإحرام ، وقد عرفت أنّ مقتضى الإطلاق اعتقاد الحلّيّة بتمام معنى الكلمة الشاملة للتكليفيّة والوضعيّة ، فلو ارتكب وجبت عليه الكفّارة ، إذ لا يشمله قوله : وهو لا يرى إلّا أنّه حلال له ، فإنّه يعلم بالحرمة وإن لم يعلم بالمفسديّة.

فما ذكره في المتن من إلحاق هذه الصورة بالعالم في وجوب الكفّارة هو الصحيح ، فلاحظ.

(1) لا إشكال في وجوب الكفّارة على من أفطر في شهر رمضان متعمّداً.

إنّما الكلام في تعيينها وأنّها ما هي؟

فالمعروف والمشهور أنّه مخيّر فيما لو أفطر بحلال كما هو محلّ الكلام بين الخصال الثلاث ، أعني العتق ، وصيام شهرين متتابعين ، وإطعام ستّين مسكيناً.

ونُسِبَ إلى بعض القدماء كالسيّد المرتضى والعماني لزوم مراعاة الترتيب ، فيجب عليه العتق معيّناً ، فإن لم يتمكّن فالصيام ، وإلّا فالإطعام (1).


1) الجواهر 16 : 268.

.................................................................................................


ومنشأ الخلاف اختلاف النصوص الواردة في المقام ، فإنّها على طوائف أربع :

الأُولى : ما دلّ على التخيير صريحاً ، كصحيحة عبد اللّه بن سنان : في رجل أفطر من شهر رمضان متعمّداً يوماً واحداً من غير عذر «قال : يعتق نسمة ، أو يصوم شهرين متتابعين ، أو يطعم ستّين مسكيناً ، فإنّ لم يقدر تصدّق بما يطيق» (1).

وموثّقة سماعة : عن رجل أتى أهله في شهر رمضان متعمّداً «قال : عليه عتق رقبة ، أو إطعام ستّين مسكيناً ، أو صوم شهرين متتابعين» إلخ (2).

فإنّ الأخيرة واردة في إتيان الأهل الذي هو من أهمّ المفطرات ، فإذا ثبت التخيير في مثله ثبت في سائر المفطرات بطريق أولى.

وبمضمونها موثّقته الأُخرى الواردة في المعتكف (3)، ونحوها غيرها.

الثانية : ما اقتصر فيه على التصدّق ، كموثّقة سماعة : عن رجل لزق بأهله فأنزل «قال : عليه إطعام ستّين مسكيناً ، مدّ لكلّ مسكين» (4).

ولا يخفى لزوم رفع اليد عن ظاهر الموثّقة وما بمضمونها على كلّ تقدير ، أي سواء بنينا على التخيير كما عليه المشهور ، أم قلنا بالترتيب ، غاية الأمر أنّه على الأوّل يرفع اليد عن الظهور في التعيين ويحمل على التخيير ، وتكون النتيجة التقييد ب- «أو» جمعاً بينها وبين النصوص المتقدّمة ، وعلى الثاني يتقيّد بصورة العجز عن العتق والصيام ، إذ لم ينقل القول بظاهرها من تعيّن الإطعام من أحد ، فهو خلاف الإجماع المركب.


1) الوسائل 10 : 44 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 8 ح 1.

2) الوسائل 10 : 49 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 8 ح 13.

3) الوسائل 10 : 547 / كتاب الاعتكاف ب 6 ح 5.

4) الوسائل 10 : 49 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 8 ح 12.

.................................................................................................


الثالثة : ما دلّ على وجوب العتق تعييناً ، دلّت عليه رواية المشرقي : عن رجل أفطر من شهر رمضان أيّاماً متعمّداً ، ما عليه من الكفّارة؟ فكتب : «من أفطر يوماً من شهر رمضان متعمّداً فعليه عتق رقبة مؤمنة ، ويصوم يوماً بدل يوم» (1).

وهذه الرواية موافقة للقول بمراعاة الترتيب ، ولكنّها مخالفة للقول المشهور ، فلا بدّ من تقييدها بالعدلين الآخرين مع العطف ب- «أو» ، فهي معارضة لأخبار التخيير ، غير أنّها ضعيفة السند جدّاً ، فإنّها وإن كانت صحيحة إلى ابن أبي نصر البزنطي ولكن المشرقي بنفسه الذي هو هشام بن إبراهيم ، أو هشام بن إبراهيم العبّاسي لم يوثّق ، فلا تصل النوبة إلى المعارضة كي يتصدّى للعلاج.

الرابعة : ما دلّ على الترتيب صريحاً ، وهي روايتان :

إحداهما : صحيحة علي بن جعفر : عن رجل نكح امرأته وهو صائم في رمضان ، ما عليه؟ «قال : عليه القضاء وعتق رقبة ، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين ، فإن لم يستطع فإطعام ستّين مسكيناً ، فإن لم يجد فليستغفر اللّه» (2).

والأُخرى : رواية عبد المؤمن بن الهيثم (القاسم) الأنصاري الواردة فيمن أتى أهله في شهر رمضان «قال (صلّى اللّه عليه وآله) : أعتق رقبة ، قال : لا أجد قال : فصم شهرين متتابعين ، قال : لا أُطيق ، قال : تصدّق على ستّين مسكيناً» إلخ (3).

ولكن لا يمكن الاعتماد عليهما في قبال نصوص التخيير :


1) الوسائل 10 : 49 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 8 ح 11.

2) الوسائل 10 : 48 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 8 ح 9.

3) الوسائل 10 : 46 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 8 ح 5.

.................................................................................................


أمّا الأخيرة : فلضعف السند ، فإنّ عبد المؤمن لم يوثّق ، وقد رويت بطريق آخر هو أيضاً ضعيف ، لمكان عمرو بن شمر.

فالعمدة إنّما هي الصحيحة ، ولكنّها لا تقاوم النصوص المتقدّمة الصريحة في التخيير ، فإنّها انّما تدلّ على الوجوب التعييني بالظهور الإطلاقي كما ذُكِر في الأُصول وتلك قد دلّت على التخيير بالظهور الوضعي على ما تقتضيه كلمة «أو» ، وحملها على التنويع باعتبار اختلاف الحالات أو الأشخاص خلاف الظاهر جدّاً ، فإنّها قد وردت في فرض رجل واحد ، كما أنّها ظاهرة في إرادة حالة واحدة لا حالات عديدة وأطوار مختلفة كما لا يخفى ، ولا ريب في تقديم الظهور الوضعي على الإطلاقي ، ولأجله تُحمَل الصحيحة على الأفضليّة كرواية المشرقي المتقدّمة لو صحّ سندها.

ولو سلّمنا المعارضة بين الطائفتين فالترجيح مع نصوص التخيير ، لمخالفتها مع العامّة كما قيل ، فتُحمَل الصحيحة على التقيّة ، فإن ثبت ذلك كما لا يبعد ، ويؤيّده أنّ العلّامة نسب هذا القول أعني لزوم الترتيب إلى أبي حنيفة والأوزاعي وغيرهما من العامة (1)فهو ، وإلّا فلا يمكن الترجيح بكثرة العدد ، لعدم كونها من المرجّحات ، بل تستقرّ المعارضة حينئذٍ ، والمرجع بعد التساقط الأصل العملي ، ومقتضاه البراءة عن التعيين ، لاندراج المقام في كبرى الدوران بين التعيين والتخيير ، والمقرّر في محلّه أنّه كلّما دار الأمر بينهما في المسألة الفقهيّة يحكم بالتخيير ، لأنّ التعيين كلفة زائدة يُشكّ في ثبوتها زائداً على المقدار أعني : جامع الوجوب فتُدفع بأصالة البراءة.

فتحصّل : أنّ ما هو المشهور من التخيير بين الأُمور الثلاثة هو الصحيح.


1) المنتهي 2 : 574.

ويجب الجمع (1)بين الخصال إن كان الإفطار على محرّم (1) ، كأكل المغصوب وشرب الخمر والجماع المحرّم ونحو ذلك.


(1) قال المحقّق في الشرائع بعد اختيار التخيير بين الخصال مطلقاً الذي هو المشهور ، وحكاية الترتيب عن السيّد وابن أبى عقيل كما مرّ ما لفظه : وقيل يجب بالإفطار بالمحرّم ثلاث كفّارات (2).

فيظهر من نسبة هذا القول وهو التفصيل بين الحلال والحرام بالتخيير أو الترتيب في الأوّل والجمع في الثاني إلى القيل أنّ القائل به قليل ، بل عنه في المعتبر أنّه لم يجد عاملاً بكفّارة الجمع (3).

والظاهر أنّه لا ينبغي التأمّل في أنّ هذا القول حدث بين المتأخّرين عن زمن العلّامة وتبعه جماعة ممّن تأخر عنه منهم صاحب الحدائق (4)، وأمّا القدماء فلم يُنسَب إليهم ذلك ما عدا الصدوق في الفقيه حيث أفتى به صريحاً (5)، فهو قول على خلاف المشهور ، وإلّا فالمشهور القائلون بالتخيير لا يفرّقون في ذلك بين الإفطار على الحلال والحرام.

وكيفما كان ، فيقع الكلام في مستند هذا القول ، ويُستدلّ له بأُمور :

أحدها : موثّقة سماعة : عن رجل أتى أهله في رمضان متعمّداً «فقال : عليه عتق رقبة وإطعام ستّين مسكيناً وصيام شهرين متتابعين» إلخ (6).


1) (*) على الأحوط ، وبذلك يظهر الحال في الفروع الآتية.

2) الشرائع 1 : 219.

3) المعتبر 2 : 668.

4) الحدائق 13 : 222.

5) الفقيه 2 : 74.

6) الوسائل 10 : 54 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 10 ح 2.

.................................................................................................


بعد حملها كما عن الشيخ (قدس سرّه) (1)على إتيان الأهل على وجه محرّم كحال الحيض وبعد الظهار قبل الكفّارة ، واحتمل (قدس سره) أيضاً أن يكون المراد بالواو التخيير دون الجمع ، كما احتمل أيضاً الحمل على الاستحباب ، جمعاً بينها وبين نصوص التخيير.

والجواب عنها ظاهر :

أمّا أوّلاً : فبأنّ هذه الموثّقة مرويّة في كتاب النوادر لأحمد بن محمّد بن عيسى ، عن عثمان بن عيسى ، عن سماعة بلفظه «أو» دون الواو كما تقدّم نقلها قريباً (2)، فإنّها عين الرواية السابقة ، فلعلّ نسخة الشيخ المشتملة على الواو مغلوطة ، ولا يبعد أن يقال : إنّ كتاب أحمد بن محمّد بن عيسى أقرب إلى الصحّة ، لكونه أقدم.

وكيفما كان ، فلم يثبت صدورها بلفظة الواو كي تصلح للاستدلال.

وثانياً : لو سُلّم اشتمالها على كلمة الواو فبما أنّ حملها على التخيير وكونها بمعنى «أو» خلاف الظاهر فهي معارضة لا محالة لنصوص التخيير ، والجمع بينهما بحمل هذه على الإفطار بالحرام وتلك بالحلال جمعٌ تبرّعي لا شاهد له بعد أن كان التعارض بالإطلاق.

نعم ، لو ثبت من الخارج كفّارة الجمع في الإفطار بالحرام كان ذلك شاهداً للجمع المزبور ، وخرج عن كونه تبرّعيّاً ، وإلّا فبنفس هذه الرواية لا يمكن إثبات كفّارة الجمع في المحرّم ، إذ لا وجه لحمل أحد المطلقين المتعارضين على صنف والآخر على صنف آخر من غير قرينة تقتضيه ، فإمّا أن تُلغى هذه الموثّقة لعدم مقاومتها مع نصوص التخيير كما لا يخفى ، أو تُحمَل على الأفضليّة.


1) التهذيب 4 : 208 209.

2) نوادر أحمد بن محمّد بن عيسى : 68 / 140. وقد تقدّمت في ص 311.

.................................................................................................


ثانيها : ما اعتمد عليه الصدوق في الفقيه ، حيث أفتى بهذا المضمون ، لوجوده في رواية أبي الحسين محمّد بن جعفر الأسدي فيما ورد عليه من الشيخ أبي جعفر محمّد بن عثمان العمري يعني : عن المهدي (عليه السلام) - : فيمن أفطر يوماً من شهر رمضان متعمّداً بجماع محرّم عليه ، أو بطعام محرّم عليه ، أنّ عليه ثلاث كفّارات (1).

ولا يخفى أنّ التفسير المزبور أعني قوله : يعني عن المهدي (عليه السلام) من كلام صاحب الوسائل ، وإلّا فعبارة الفقيه خالية من ذلك. ومن هنا قد تناقَش في الاستدلال بالرواية بأنّها مقطوعة ، إذ لم يسندها العمري إلى الحجة (عليه السلام) ، ولعلّه كان فتوى منه ، فكيف اعتمد عليه الصدوق؟! ولكن هذا كما ترى بعيدٌ غايته ، إذ لا يحتمل أن يكون ذلك فتوى العمري نفسه الذي هو نائب خاصّ ، وكيف يستند الصدوق إلى هذه الفتوى المجرّدة؟! فتفسير الوسائل في محلّه والأمر كما فهمه ، لكن عبارته توهم أنّه من الصدوق ، وليس كذلك كما عرفت.

وكيفما كان ، فلا إشكال من هذه الجهة ، وإنّما الإشكال في طريق الصدوق إلى الأسدي ، إذ هما ليسا في طبقة واحدة ، فطبعاً بينهما واسطة ، وبما أنّه مجهول فيصبح الطريق مرسلاً ، ولذا عُبّر عنها بالمرسلة ، فلا يُعتمَد عليها ، كما لم يعتمد عليها الفقهاء أيضاً على ما تقدّم ، بل سمعت من المعتبر أنّه لم يجد عاملاً بذلك.

وكيفما كان ، فلو كان معروفاً ومورداً للاعتماد لنقل الفتوى بمضمونها عن القدماء ، ولم ينقل عن غير الصدوق كما عرفت.

ثالثها وهي العمدة - : ما رواه الصدوق بنفسه ورواه الشيخ أيضاً في التهذيب عن الصدوق ، عن عبد الواحد بن محمّد بن عبدوس النيسابوري ، عن


1) الوسائل 10 : 55 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 10 ح 3 ، الفقيه 2 : 74 / 317.

.................................................................................................


علي بن محمّد بن قتيبة ، عن حمدان بن سليمان ، عن عبد السلام بن صالح الهروي ، قال : قلت للرضا (عليه السلام) : يا ابن رسول اللّه ، قد روي عن آبائك (عليهم السلام) فيمن جامع في شهر رمضان أو أفطر فيه ثلاث كفّارات ، وروى عنهم أيضاً كفّارة واحدة ، فبأيّ الحديثين نأخذ؟ «قال : بهما جميعاً ، متى جامع الرجل حراماً أو أفطر على حرام في شهر رمضان فعليه ثلاث كفّارات : عتق رقبة ، وصيام شهرين متتابعين ، وإطعام ستّين مسكيناً ، وقضاء ذلك اليوم ، وإن كان نكح حلالاً أو أفطر على حلال فعليه كفّارة واحدة ، وإن كان ناسياً فلا شي‌ء عليه» (1).

ولا إشكال فيها من جهة الدلالة ، إنّما الكلام في السند مع قطع النظر عن أنّ المشهور لم يعملوا بهذه الرواية ، حيث إنّ القول بالجمع حدث بعد العلّامة كما تقدّم.

فنقول : قد ناقش فيها صاحب المدارك من جهة أشخاص ثلاثة : عبد الواحد ، وابن قتيبة ، والهروي (2)، وأمّا حمدان بن سليمان فلا إشكال في وثاقته وجلالته.

أمّا مناقشته في الهروي : فمبنيّة على مسلكه من اعتبار العدالة في الراوي ، وهذا لرجل وهو أبو الصلت وإن كان ثقة بلا إشكال كما نصّ عليه النجاشي (3)إلّا أنّ الشيخ صرّح بأنّه عامي (4)، فلأجله لا يُعتمَد على روايته.

وفيه أوّلاً : أنّا لا نعتبر العدالة في الراوي ، فلا يلزم أن يكون إماميّاً ، بل


1) الوسائل 10 : 53 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 10 ح 1 ، الفقيه 3 : 238 / 1128 ، التهذيب 4 : 209 / 605 ، الاستبصار 2 : 97 / 316.

2) مدارك الأحكام 6 : 84.

3) النجاشي : 245 / 643.

4) رجال الشيخ : 380 / 14.

.................................................................................................


تكفي مجرّد الوثاقة وإن كان عامّياً.

وثانياً : إنّ ما ذكره الشيخ وهمٌ يقيناً كما تعرّض له علماء الرجال ، فإنّ أبا الصلت الهروي من خلّص شيعة الرضا (عليه السلام) ومن خواصّه ، فتوصيف الشيخ إيّاه بأنّه عامّي اشتباهٌ جزماً ، وإنّما العصمة لأهلها. فالمناقشة من هذه الجهة ساقطة.

وأمّا علي بن محمّد بن قتيبة : فلم يرد فيه أيّ توثيق أو مدح ، وإنّما هو من مشايخ الكشّي وقد روى عنه في رجاله كثيراً ، ولأجله قيل : إنّه اعتمد عليه في كتابه ، وهذا يكفي في الوثاقة ، بل قيل : إنّه من مشايخ الإجازة المستغنين عن التوثيق.

أمّا الثاني : فممنوع صغرىً وكبرى ، فإنّ الرجل ليس من مشايخ الإجازة ، وإنّما هو شيخٌ للكشّي فقط ، وهذا المقدار لا يجعله شيخاً للإجازة ، فإنّ معنى ذلك : أن يكون للشخص تلاميذٌ يجيز لهم في رواية كتاب أو كتابين كما لا يخفى ، على أنّ كون الشخص من مشايخ الإجازة لا يقتضي الوثاقة كبرويّاً بوجه ، فإنّ شيخ الإجازة راوٍ في الحقيقة ، غايته على نحو الإجمال لا التفصيل ، فيعطي الكتاب لتلميذه ويقول : أنت مجازٌ عنِّي في روايته ، فهو لا يزيد على الراوي بشي‌ء يعتنى بشأنه كي يقتضي الإغناء عن التوثيق.

وأمّا الأوّل أعني : كونه شيخاً للكشي فصحيح كما عرفت ، بل هو يروي عنه في كتابه كثيراً كما تقدّم ، إلّا أنّ ذلك لا يستدعي التوثيق بوجه ، فإنّ النجاشي عند ما يترجم الكشّي يعظّمه ويقول : ولكن يروي عن الضعفاء كثيراً (1). فليس هو ممّن يروي عن الثقات دائماً كي تكون روايته عن شخصٍ وإن كثرت كاشفة عن توثيقه أو الاعتماد عليه.


1) رجال النجاشي : 372 / 1018.

.................................................................................................


وعلى الجملة : الرواية عن الشخص لا تستلزم الاعتراف بوثاقته بعد ما سمعت عن النجاشي التصريح بأنّ الكشي يروي عن الضعفاء كثيراً ، فإنّ شأن المحدّث : الحديث عن كلّ من سمع منه. وعليه ، فكيف يعتمد على روايته عن ابن قتيبة ، ويستدلّ بذلك على توثيقه بعد جواز كونه من أُولئك الضعفاء؟! وأمّا عبد الواحد بن عبدوس : فقد عمل الصدوق بروايته ، وقد صرّح في موردٍ من العيون بعد ذكر رواية عنه ورواية عن غيره أنّ روايته أصحّ (1).

فلا إشكال في أنّه يرى صحّة رواية الرجل ، لتصريحه بذلك لا لمجرّد أنّه شيخه ، ففي مشايخه : أحمد بن حسين أبو نصر ، الذي يقول الصدوق في حقّه : أنّه لم أرَ أنصب منه (2)، لأنّه كان يقول : اللّهمّ صلّى على محمّداً فرداً ، كي لا يدخل فيه الآل عليهم الصلاة والسلام ، فهو محدّث ينقل عن كلّ أحد ولم يلتزم أن يروي عن الثقات فحسب ، بل له مشايخ كثيرون لعلّ عددهم يبلغ الثلاثمائة وفيهم البر والفاجر ، بل الناصب بالحدّ الذي سمعت.

وعلى الجملة : فهو يصحّح الرواية عن الرجل المزبور كما عرفت.

ولكنّ التصحيح غير التوثيق ، فإنّ معناه : حجّيّة الرواية والاعتماد عليها ، ولعلّ ذلك لبناء الصدوق على أصالة العدالة الذي كان معروفاً عند القدماء ، بل أنّه (قدس سره) لم ينظر في سند الرواية بوجه ، وإنّما يعتمد في ذلك على ما رواه شيخه ابن الوليد كما صرّح (قدس سره) بذلك (3)، فهو تابع له ومقلّد من هذه الجهة ، ومن المعلوم أنّ ذلك لا يكفي في الحجّيّة عندنا.

نعم ، لو وثّقه أو مدحه كفى ، ولكنّه لم يذكر شيئاً من ذلك ، وانّما هو مجرّد


1) عيون اخبار الرضا عليه السلام 2 : 127 / 2.

2) معاني الأخبار : 56 / 4 ، عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 2 : 279.

3) الفقيه 1 : 3 5 ، وج 2 : 55 / 18.

الثاني : صوم قضاء شهر رمضان (1) إذا أفطر بعد الزوال ، وكفّارته إطعام عشرة مساكين لكلّ مسكين مدّ ، فإن لم يتمكّن فصوم ثلاثة أيّام ، والأحوط إطعام ستّين مسكيناً.


التصحيح والعمل بروايته الذي لا يجدي بالنسبة إلينا.

وعليه ، فتصبح الرواية ضعيفة بهذا الرجل وبمن تقدّمه أعني : ابن قتيبة فهي غير قابلة لتقييد المطلقات الدالّة على التخيير في الكفّارة من غير فرق بين الحلال والحرام.

(1) لا إشكال في جواز الإفطار في صوم قضاء شهر رمضان فيما قبل الزوال ، وعدم جوازه فيما بعده ، فله تجديد النيّة إمساكاً أو إفطاراً إلى أن تزول الشمس ، وبعده يجب عليه البناء على ما نوى ، فلا يجوز له الإفطار بعدئذٍ.

والظاهر أنّ هذا الحكم أعني : التفصيل بين ما قبل الزوال وما بعده في جواز الإفطار وعدمه متسالمٌ عليه ، وتدل عليه جملة من الاخبار ، كموثّقة أبي بصير : عن المرأة تقضي شهر رمضان فيُكرهها زوجها على الإفطار «فقال : لا ينبغي له أن يُكرهها بعد الزوال» (1).

وموثّقة عمّار : عن الرجل يكون عليه أيام من شهر رمضان ويريد أن يقضيها ، متى يريد أن ينوي الصيام؟ «قال : هو بالخيار إلى أن تزول الشمس ، فإذا زالت الشمس فإن كان نوى الصوم فليصم ، وإن كان نوى الإفطار فليفطر» إلخ (2). وغيرهما.


1) الوسائل 10 : 16 / أبواب وجوب الصوم ونيته ب 4 ح 2.

2) الوسائل 10 : 13 / أبواب وجوب الصوم ونيته ب 2 ح 10.

.................................................................................................


فالإفطار بعد الزوال محرّم بلا إشكال.

أمّا الكلام في الكفّارة وفي مقدارها فالمعروف المشهور وجوبها وأنّها إطعام عشرة مساكين لكل مسكين مدّ ، ونُسِب الخلاف إلى العماني فأنكر الوجوب (1)، وهو شاذّ.

ويُستدلّ على وجوبها بعدّة من الأخبار ، منها : رواية بريد العجلي : في رجل أتى أهله في يوم يقضيه من شهر رمضان «قال : إن كان أتى أهله قبل زوال الشمس فلا شي‌ء عليه إلّا يوم مكان يوم ، وإن كان اتي أهله بعد زوال الشمس فإنّ عليه أن يتصدّق على عشرة مساكين» إلخ (2).

وهي وإن كانت واضحة الدلالة إلّا أن سندها ضعيف بالحارث بن محمّد الواقع في الطريق ، فإنّه قد ورد في الروايات بعناوين مختلفة : الحارث بن محمّد ، الحارث بن محمّد الأحول ، الحارث بن محمّد بن النعمان ، وغير ذلك ، وكلّها عناوين لشخص واحد ، روى عن بريد العجلي ويروي عنه الحسن بن محبوب ، ولكنّه مجهول لم يوثّق ، فالرواية ضعيفة إلّا على القول بالانجبار بعمل المشهور. وقد ذكرنا مراراً أنّ ذلك يتوقّف على أمرين : إثبات اعتماد المشهور على الرواية ، وكونه موجباً للجبر ، وعلى تقدير تحقّق الصغرى في المقام فالكبرى غير مسلّمة عندنا.

ومنها : صحيحة هشام بن سالم : رجل وقع على أهله وهو يقضي شهر رمضان «فقال : إن كان وقع عليها قبل صلاة العصر فلا شي‌ء عليه ، يصوم يوماً بدل يوم ، وإن فعل بعد العصر صام ذلك اليوم وأطعم عشرة مساكين ، فإن لم يمكنه صام ثلاثة أيّام كفارةً لذلك» (3).


1) الحدائق 13 : 214 ، المختلف 3 : 319 / 65.

2) الوسائل 10 : 347 / أبواب أحكام شهر رمضان ب 29 ح 1.

3) الوسائل 10 : 347 / أبواب أحكام شهر رمضان ب 29 ح 2.

.................................................................................................


وهذه معتبرة السند واضحة الدلالة ، غير أنّها تضمّنت التحديد بالعصر بدلاً عن الزوال ، وهذا لا قائل به ، والوجه فيه وضوح أنّ المراد بالعصر وقت صلاة العصر لا فعلها خارجاً ، كما عبّر في الشرطية الثانية بقوله : «بعد العصر» أي بعد دخول وقته.

فإمّا أنّ كلمة العصر تصحيفٌ عن الظهر لسهوٍ إمّا من الراوي أو من الشيخ (رحمه اللّه) (1)الذي يكثر منه الاشتباه بسبب الاستعجال في التأليف وكثرته ، بل قال صاحب الحدائق في حقّه (قدس سره) وإن لم يخل كلامه من المبالغة - : إنّه قلما توجد رواية في التهذيبين خالية من الخلل في السند أو المتن (2).

أو يقال : إنّ المراد بالعصر هو ما بعد زوال الشمس ، نظراً إلى اشتراك الصلاتين في الوقت ، إلّا أنّ هذه قبل هذه ، بل لا يبعد أن يقال : إنّ هذا الوقت يُعتبَر في نظر العرف عصراً كما أنّ ما قبل الزوال يُعتبَر صباحاً.

وكيفما كان ، فالصحيحة ظاهرة في المطلوب إلّا من هذه الجهة التي لا بدّ من توجيهها بمثل ما عرفت.

ثمّ إنّ هذه الصحيحة والرواية السابقة قد دلّتا على وجوب الكفّارة وعلى تحديدها بإطعام عشرة مساكين وبإزائهما ما دلّ على عدم الكفّارة أصلاً ، وما دلّ أنّ كفّارته كفّارة شهر رمضان ، فتُعارضان هاتين الطائفتين.

أمّا ما دلّ على نفي الكفّارة رأساً الذي نُسِبَ القول به إلى العماني كما مرّ فهو ذيل موثّقة عمّار المتقدّمة ، قال فيها : ... سُئل : فإن نوى الصوم ثمّ أفطر بعد ما زالت الشمس؟ «قال : قد أساء وليس عليه شي‌ء إلّا قضاء ذلك اليوم


1) التهذيب 4 : 279 / 845 ، الإستبصار 2 : 120 / 392.

2) لاحظ الحدائق 13 : 215.

.................................................................................................


الذي أراد أن يقضيه» (1).

وقد ذكرنا غير مرّة أنّ طريق الشيخ إلى ابن فضّال وإن كان ضعيفاً إلّا أنّ طريق النجاشي صحيح وشيخهما واحد وهو كافٍ في التصحيح. وقد دلّت على نفي الكفّارة ، وأنّه ليس عليه إلّا القضاء ، فيُحمَل ما دل على الكفّارة كصحيحة هشام المتقدّمة على الاستحباب.

وفيه أوّلاً : إنّها إنّما تنفي الكفّارة بالإطلاق لا بالصراحة ، فمن المحتمل أن تكون ناظرة إلى نفي قضاء آخر ، بمعنى : أن يكون هناك قضاءان : قضاءٌ لشهر رمضان ، وقضاءٌ لقضائه الذي أفسده بالإفطار بعد الزوال ، فيكون المنفي هو القضاء الثاني لا الكفّارة ، وأنّه ليس عليه من القضاء إلّا الأوّل كما قد يؤيّده التوصيف بقوله (عليه السلام) : «ذلك اليوم الذي أراد أن يقضيه» وهذا الحكم وإن أصبح الآن من الواضحات ، بحيث لا مجال لاحتمال تعدّد القضاء لعلّه في عصر صدور هذه الأخبار وفي بدء الأمر كان محتملاً ، فإنّ تعلّم الأحكام تدريجي ، وكثيرٌ من الأحكام الواضحة لدينا اليوم كان يسأل عنها أكابر الأصحاب ، وإنّما بلغ حدّ الوضوح بعد تلك الأسئلة والأجوبة وورود النصوص المتكاثرة كما لا يخفى ، فمن الجائز أن يكون الإمام (عليه السلام) قد تصدّى في هذه الرواية إلى أنّ هذا القضاء لا ينشأ منه قضاء آخر ، ولم يكن (عليه السلام) بصدد نفي الكفّارة ، فغايته الدلالة على النفي بالإطلاق الذي لا يقاوم التصريح بالثبوت في صحيحة هشام ، فيجمع بينهما بذلك ، أو يقال : بأنّها ناظرة إلى نفي سائر أقسام الكفّارة.

وثانياً : لو سلّم كونها صريحة في نفي الكفّارة على وجهٍ لم يمكن الجمع


1) الوسائل 10 : 348 / أبواب أحكام شهر رمضان ب 29 ح 4.

.................................................................................................


المزبور ، فلا ريب في كونها معارضة حينئذٍ مع صحيحة هشام الصريحة في الكفّارة ، ولا مجال للجمع بالحمل على الاستحباب كما ذُكِر ، فإنّه إنّما يتّجه في مثل ما لو ورد الأمر بشي‌ء وورد في دليل آخر أنّه لا بأس بتركه ، فيرفع اليد عن ظهور الأمر في الوجوب ، ويحمل على الاستحباب ، دون مثل المقام ، فإنّ الأمر بالكفّارة ونفيها يعدّان في العرف من المتعارضين ، إذ مورد الكفّارة ارتكاب الحرام ولا سيّما مع التصريح بعدم الجواز وأنّه قد أساء كما في الموثّقة ، فكيف يمكن حمل الأمر بها على الاستحباب الكاشف عن عدم ارتكاب الذنب؟! فاستحباب الكفّارة ممّا لا محصّل له كما لا يخفى ، فليس مثل هذين الدليلين من الظاهر والنصّ ليرفع اليد عن أحدهما بالآخر كما في سابقه ، بل هما عرفاً من المتعارضين ، ولا شكّ أنّ الترجيح حينئذٍ مع صحيحة هشام : إمّا لأنّ مضمونها متسالم عليه بين الفقهاء ، إذ لم يُنسَب الخلاف في ثبوت الكفّارة إلّا إلى العماني كما سمعت ، فتُطرح الموثّقة حينئذٍ ، لكونها مهجورة وعلى خلاف السنّة القطعيّة. أو لأجل أنّها أي الموثّقة محمولة على التقيّة ، لموافقة مضمونها مع العامّة ، فإنّ جمهور العامّة لا يرون الكفّارة ، وإنّما هي من مختصّات الإمامية ، ولا يبعد أن يكون هذا هو الأوجه.

وأمّا ما دلّ على أنّ الكفّارة هي كفّارة شهر رمضان فروايتان كما ستعرف.

وقد نُسِب هذا القول إلى الصدوق وإلى والده (1)، ولكن العبارة المنقولة عن رسالة ابن بابويه وعن المقنع للصدوق (2)لا تفيد ذلك ، بل الظاهر من العبارتين التخيير بين الكفّارتين ، لأنّهما عبّرا بعبارة الفقه الرضوي كما نصّ عليه في الحدائق (ج 13 ص 213).


1) المختلف 3 : 418.

2) رسالة ابن بابويه (ضمن رسالتان مجموعتان) : 82 ، المقنع : 200.

.................................................................................................


وأمّا في كتاب الفقيه فقد ذكر كلتا الروايتين ، ذكر أوّلاً ما دلّ على أنّه عشرة مساكين ، ثمّ قال : وروى أنّه كفّارة شهر رمضان (1)مشيراً بذلك إلى الرواية الآتية وبما أنّه (قدس سره) التزم بصحّة روايات كتابه ، وأنّه لا يروي فيه إلّا ما يراه حجّة بينه وبين اللّه ، فالظاهر أنّه عمل بهما.

وعلى الجملة : فالمستفاد من كلاميهما أنّهما يقولان بالتخيير ، ولعلّه من أجل رفع اليد عن ظهور كلّ من الروايتين في الوجوب التعييني وحملهما على التخييري.

وكيفما كان ، فلا يمكن المصير إلى هذا القول لا تعييناً ولا تخييراً ، فإنّ ما دلّ على أنّها كفّارة الإفطار في شهر رمضان روايتان كما عرفت :

إحداهما : رواية حفص بن سوقة ، عمّن ذكره ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : في الرجل يلاعب أهله أو جاريته وهو في قضاء شهر رمضان فيسبقه الماء فينزل «قال : عليه من الكفّارة مثل ما على الذي جامع في شهر رمضان» (2).

والأُخرى : موثّقة زرارة : عن رجل صام قضاءً من شهر رمضان ، فأتى النساء «قال : عليه من الكفّارة ما على الذي أصاب في شهر رمضان ، لأنّ ذلك اليوم عند اللّه من أيّام رمضان» (3).

أمّا الرواية فمرسلة لا يمكن الاعتماد عليها حتّى على مسلك الانجبار ، إذ لا عامل بها ما عدا الصدوقين كما عرفت.

وأمّا الموثّقة فلا مناص من إسقاطها ورفع اليد عنها ، فإنّ ظاهرها بمقتضى التنزيل كون اليوم من شهر رمضان ، ولم يلتزم به أحد لا الصدوقان ولا


1) الفقيه 2 : 96 / 430 و 431.

2) الوسائل 10 : 39 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 4 ح 2.

3) الوسائل 10 : 348 / أبواب أحكام شهر رمضان ب 29 ح 3.

.................................................................................................


غيرهما ، إذ مقتضى ذلك عدم الفرق في القضاء بين ما قبل الزوال وما بعده ، كما هو الحال في شهر رمضان ، وليس كذلك قطعاً.

وبعبارة اخرى : ليس مفاد الموثّق حكماً تعبّديّاً ، بل هو مشتمل على التنزيل الذي لا قائل به كما عرفت ، فظاهره غير ممكن الأخذ ، ورفع اليد عن هذا الظاهر والحمل على إرادة التنزيل بلحاظ ما بعد الزوال لا تساعده الصناعة كما لا يخفى ، فلا بدّ من طرحها أو حملها على التقيّة ، لأنّ مضمونها منسوب إلى بعض العامّة كقتادة (1)حيث إنّه نسب إليه القول بالكفّارة وإن أفطر قبل الزوال ، فلعلّ الموثّقة صدرت تقيّةً منه ، فيبقى ما دلّ على أنّ الكفّارة إطعام عشرة مساكين بلا معارض.

وممّا ذكرناه تعرف أنّ القول بالتخيير كما استظهرناه من عبارة الصدوقين أيضاً منافٍ للأخذ بهذا الموثّق ، إذ كيف يمكن الحكم بالتخيير بعد ما اشتمل عليه الموثّق من التنزيل المزبور ، فإنّ الحكم في المنزل عليه تعييني لا تخييري بين الخصال وبين إطعام عشرة مساكين كما هو ظاهر.

ثمّ إنّه نُسِب إلى ابن البَرّاج وابن إدريس وغيرهما : أنّ كفارته كفّارة اليمين : إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة (2)، ونُسِب إلى أبي الصلاح : أنّها صيام ثلاثة أيّام أو إطعام عشرة مساكين (3)، ولم يوجد لهما أيّ مدرك أو رواية ولو ضعيفة ، وهما أعرف بما أفتيا به.

فتحصّل من جميع ما ذكرناه : أنّ ما عليه المشهور واختاره في المتن من أنّ الكفّارة إطعام عشرة مساكين هو الصحيح.


1) الحدائق 13 : 214.

2) المختلف 3 : 418.

3) المختلف 3 : 418.

الثالث : صوم النذر المعيّن ، وكفّارته ككفّارة إفطار شهر رمضان (1)(1).


ثمّ إنّك قد عرفت في صدر المسألة أنّه لا إشكال في جواز الإفطار في صوم قضاء شهر رمضان فيما قبل الزوال ، ولكن نُسِب الخلاف في ذلك إلى ابن أبي عقيل وأبي الصلاح فمنعا من ذلك (2)، استناداً إلى صحيحة ابن الحجاج ، قال : سألت عن الرجل يقضي رمضان ، إله أن يفطر بعد ما يصبح قبل الزوال إذا بدا له؟ «فقال : إذا كان نوى ذلك من الليل وكان من قضاء رمضان فلا يفطر ويتمّ صومه» (3).

ولكن لا مناص من حمل الصحيحة على الاستحباب ، للنصوص المعتبرة المتظافرة الصريحة في جواز الإفطار قبل الزوال ، وحملُها على من بدا له في الصيام بعد ما أصبح فمثله يجوز له الإفطار قبل الزوال دون من بيّت النيّة من الليل حملٌ لتلك المطلقات الكثيرة على الفرد النادر كما لا يخفى.

على أنّ صحيحة جميل موردها التبييت ، قال (عليه السلام) في الذي يقضي شهر رمضان : «إنّه بالخيار إلى زوال الشمس» إلخ (4).

فإنّ التعبير ب- «الذي يقضي» ظاهرٌ فيمن شغله ذلك ، فلا يمكن حمله على من بدا له في القضاء ولم يكن ناوياً له من الليل كما لا يخفى ، فلا محيص عن حمل الصحيحة المتقدّمة على الاستحباب حسبما عرفت.

(1) المشهور والمعروف وجوب الكفّارة فيمن أفطر في صوم النذر المعيّن كما


1) (*) الأظهر أنّ كفاية كفارة اليمين.

2) المختلف 3 : 418 ، الحدائق 13 : 216.

3) الوسائل 10 : 17 / أبواب وجوب الصوم ب 4 ح 6.

4) الوسائل 10 : 16 / أبواب وجوب الصوم ب 4 ح 4.

.................................................................................................


فرضه في المتن ، أو غير المعيّن الذي عرضه التعيين لأجل الضيق ، كما لو نذر صوم يوم من رجب فلم يصم إلى أن بقي منه يوم واحد ، فلا فرق بين المعيّن بالذات أو بالعرض ، ونُسِب الخلاف إلى ابن أبي عقيل كما في المسألة السابقة ، وأنّه يرى اختصاص الكفّارة بشهر رمضان (1).

ولا يبعد أن يقال : إنّه (قدس سره) غير مخالف في المسألة ، وإنّما لم يصرّح بالكفّارة هنا لعدم خصوصيّة للصوم ، وانّما هي كفّارة لمطلق مخالفة النذر ، سواء تعلّق بالصوم أم بغيره من الصلاة ونحوها ، فليست الكفّارة هنا من شؤون الصوم ليتعرض لها بالخصوص ، ولم يُنسَب إليه الخلاف في وجوب الكفّارة لحنث النذر ، فمن الجائز أنّه أهمله في المقام تعويلاً على المذكور في كفّارة النذر ، فالظاهر أنّ المسألة اتّفاقيّة ، ولا خلاف في أصل الكفّارة.

إنّما الخلاف في مقدارها :

فالمشهور أنّها كفّارة شهر رمضان من التخيير بين الخصال الثلاث.

وذهب جماعة إلى أنّها كفّارة اليمين ، أي إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة ، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيّام.

وقيل بالتفصيل بين ما لو تعلّق النذر بالصوم فكفّارة رمضان ، وما تعلّق النذر بغيره من الصلاة ونحوها فكفّارة اليمين ، اختاره صاحب الوسائل (2)، جمعاً بين الأخبار.

وكيفما كان ، فقد استُدلّ للمشهور بعدّة روايات ، منها : صحيحة جميل بن درّاج ، عن عبد الملك بن عمرو ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : سألته


1) المختلف 3 : 418 419.

2) الوسائل 10 : 379 / أبواب بقية الصوم الواجب ب 7 وج 22 : 394 / أبواب الكفارات ب 33.

.................................................................................................


عمّن جعل لله عليه أن لا يركب محرّماً سمّاه فركبه ، قال : لا ولا أعلمه إلّا قال : «فليعتق رقبة ، أو ليصم شهرين متتابعين ، أو ليطعم ستين مسكيناً» (1).

ولكنّها ضعيفة السند ، وليست الشهرة بمثابة تبلغ حدّ الجبر على القول به ، فإنّ المسألة خلافيّة وإن كان الأكثر ذهبوا إلى ذلك ، ووجه الضعف أنّ السند وإن كان صحيحاً إلى جميل إلّا أنّ الراوي بعده وهو عبد الملك ضعيف ، إذ لم يرد في حقّه أيّ توثيق أو مدح ، عدا ما حكي عن الصادق (عليه السلام) من دعائه له ولدابّته ، ولا شك أنّ هذا مدحٌ عظيم ، إذ يكشف عن شدّة حبّه (عليه السلام) له بمثابةٍ يدعو لدابّته فضلاً عن نفسه ، ولكن الراوي لهذه الرواية هو عبد الملك نفسه ، حيث قال : قال لي الصادق (عليه السلام) : «إنِّي لأدعو لك ولدابّتك» (2)ولا يمكن إثبات المدح أو التوثيق لأحدٍ برواية يرويها هو نفسه ، للزوم الدور كما لا يخفى.

فهذه الرواية لأجل ضعف السند ساقطة غير صالحة للاستدلال.

ومنها : ما رواه الكليني في الصحيح عن أبي علي الأشعري ، عن محمّد بن عبد الجبّار ، عن علي بن مهزيار ، قال : وكتب إليه يسأله : يا سيّدي ، رجل نذر أن يصوم يوماً فوقع ذلك اليوم على أهله ، ما عليه من الكفّارة؟ فكتب اليه : «يصوم يوماً بدل يوم ، وتحرير رقبة مؤمنة» (3).

ومرجع الضمير في قوله : «وكتب إليه» هو الهادي (عليه السلام) المذكور في الكافي فيما قبل هذه الرواية (4). والمراد بالأشعري هو أحمد بن إدريس الذي هو


1) الوسائل 10 : 379 / أبواب بقية الصوم ب 7 وج 22 : 394 / أبواب الكفارات.

2) رجال الكشي : 389 / 730.

3) الوسائل 22 : 392 / أبواب الكفّارات ب 23 ح 2 ، الكافي 7 : 456 / 22.

4) الكافي 7 : 456 / 11.

.................................................................................................


شيخ الكليني.

أقول : هذه الرواية غير موجودة في الكافي بهذا السند ، وإنّما السند سندٌ لرواية أُخرى مذكورة قبل ذلك بفصلٍ ما ، والظاهر أنّه اشتبه الأمر على صاحب الوسائل عند النقل فجعل سندَ روايةٍ لمتنِ روايةٍ أُخرى. وكيفما كان ، فالرواية صحيحة ولكن بسند آخر ، وهو : محمّد بن يعقوب ، عن محمّد بن جعفر الرزّاز ، عن ابن عيسى ، عن ابن مهزيار ، كما ذكره صاحب الوسائل في كتاب الصوم في الباب السابع من بقيّة الصوم الواجب الحديث 1 ، والموجود في الكافي : محمّد بن عيسى ، بدل : ابن عيسى ، ولعل لفظة «محمّد» قد سقطت في الوسائل عند الطبع.

وعلى أيّ حال ، فالرواية صحيحة إمّا بهذا السند أو بذاك السند ، ومحمّد بن جعفر الرزّاز الواقع في هذا السند هو شيخ الكليني ، وهو ثقة ومن الأجلّاء ، كنيته أبو العباس ، وقد ذكر الأردبيلي في جامعه الروايات التي رواها في ذيل ترجمة محمّد بن جعفر الأسدي (1)، فكأنّه تخيّل أنّهما شخص واحد ، وليس كذلك ، فإنّ الأسدي وإن كان أيضاً شيخاً للكليني ولكنّه غير الرزّاز ، هذا كنيته أبو العباس كما عرفت ، وذاك كنيته أبو الحسين ، هذا قرشي من موالي بني مفتوح على ما يصرّح به أبو غالب الزراري (2)، وذاك من بنى أسد ، وقد توفّي الرزّاز في سنة 316 على ما ذكره أبو غالب المزبور في رسالته وهو خال أبيه ، وأمّا الأسدي فتوفّي على ما ذكره النجاشي (3)في سنة 312.

وكيفما كان ، فما ذكره الأردبيلي اشتباهٌ في التطبيق ولا أثر له ، فإنّ كلّاً منهما


1) جامع الرواة 2 : 84 85.

2) تأريخ آل زرارة : 225.

3) النجاشي : 373 / 1020.

.................................................................................................


ثقة ، فالرواية صحيحة على كلّ تقدير ومؤيّدة برواية الحسين بن عبيدة (1)ورواية الصيقل (2)الموافق مضمونها مع الصحيحة.

ولكن لا يمكن الاستدلال بشي‌ء منها ، أمّا الأخيرتان : فلضعفهما سنداً ، إذ لم يوثّق الصيقل ولا ابن عبيدة.

وأمّا الصحيحة : فلأنّها قاصرة الدلالة ، نظراً إلى أنّ تحرير الرقبة الوارد فيها لا دلالة فيه بوجه على أنّه كفّارة رمضان ، ضرورة أنّ التحرير بعينه غير واجب قطعاً ، إذ لم يقل به أحد ، فوجوبه تخييري لا محالة ، وكما أنّ كفّارة رمضان مخيّرة بين تحرير الرقبة وغيره فكذا كفّارة اليمين مخيّرة أيضاً بين التحرير والكسوة والإطعام ، فهو عِدلٌ للوجوب التخييري في كلّ من الكفّارتين ، ومعه كيف يمكن الاستدلال بها على أن المراد كفّارة رمضان بخصوصها.

وبالجملة : ظاهر الصحيحة تعيّن العتق ، وهو غير محتمل ، فلا بدّ من الحمل على إرادة التخييري ، لكن لا دلالة فيها على أنّه التخيير في أيّ الكفّارتين.

إذن يبقى ما دلّ على أنّ كفّارة النذر هي كفّارة اليمين سليماً عن المعارض ، كصحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال : إن قلت : لله عليّ ، فكفّارة يمين» (3).

وما رواه الكليني عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن القاسم بن محمّد ، عن سليمان بن داود ، عن حفص بن غياث ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : سألته عن كفّارة النذر «فقال : كفّارة النذر كفّارة اليمين» إلخ (4).


1) الوسائل 10 : 378 / أبواب بقية الصوم الواجب ب 7 ح 2.

2) الوسائل 10 : 378 / أبواب بقية الصوم الواجب ب 7 ح 3.

3) الوسائل 22 : 392 / أبواب الكفارات ب 23 ح 1.

4) الوسائل 22 : 393 / أبواب الكفارات ب 23 ح 4 ، الكافي 7 : 457 / 13.

.................................................................................................


وهذه الرواية موثّقة ، إذ القاسم بن محمّد هو الجوهري الذي هو ثقة على الأظهر ، وسليمان المنقري ثقة أيضاً وإن قيل أنّه عامّي ، وكذا حفص بن غياث فإنّه وإن كان عامّيّاً إلّا أنّ الشيخ ذكر أنّ كتابه معتبر (1)، وقال في العدّة : إنّ أصحابنا عملوا بروايات جماعة منهم : حفص بن غياث (2).

فتحصّل : أنّ ما ذكره جماعة من أنّ الكفّارة في المقام هي كفّارة اليمين هو الصحيح ، للنص الدالّ عليه ، السليم عمّا يصلح للمعارضة حسبما عرفت. وتفصيل صاحب الوسائل بين الصوم وغيره لم يظهر له أيّ وجه ، لأنّ ما دلّ على أنّها كفّارة رمضان هو رواية عبد الملك ولا اختصاص لها بنذر الصيام.

ثمّ إنّ هناك صحيحة أُخرى لابن مهزيار رواها في الوسائل عن الكليني ، قال : كتب بندار مولى إدريس : يا سيّدي ، نذرت أن أصوم كل يوم سبت ، فإن أنا لم أصمه ما يلزمني من الكفّارة؟ فكتب إليه وقرأته : «لا تتركه إلّا من علّة ، وليس عليك صومه في سفر ولا مرض إلّا أن تكون نويت ذلك ، وإن كنت أفطرت فيه من غير علّة فتصدّق بعدد كلّ يوم على سبعة مساكين ، نسأل اللّه التوفيق لما يحبّ ويرضى» (3).

ولا يخفى أنّ هذه الرواية بسندها المذكور في الوسائل غير موجودة في الكافي ، وإنّما هي مذكورة فيه بسند آخر وهو : عن أبي علي الأشعري ، عن محمّد بن عبد الجبّار ، عن علي بن مهزيار. وهذه هي الرواية التي أشرنا إليها عند التكلّم في مكاتبة ابن مهزيار السابقة وقلنا : إنّ صاحب الوسائل اشتبه في سندها ، فأخذ السند من رواية وألحقه بمتن المكاتبة ، فإنّ الرواية المأخوذ عنها ذلك


1) الفهرست : 61 / 243.

2) العدة 1 : 149.

3) لاحظ الوسائل 10 : 379 / أبواب بقية الصوم الواجب ب 7 ح 4.

.................................................................................................


السند هي هذه الرواية.

وكيفما كان ، فهي صحيحة السند ، ولكن مفادها وهو التصدّق على سبعة مساكين ممّا لم يقل به أحد ، لعدم انطباقه لا على كفّارة رمضان ولا على كفّارة اليمين.

ومن هنا قد يقوى في النظر أنّ في العبارة تصحيفاً وأنّ صحيحها العشرة ، فابدلت بالسبعة سهواً من النساخ ، كما حكي ذلك عن الشهيد (قدس سره) (1).

والذي يشهد لذلك أو لا أقل من أن يوقعنا في الريب : أنّ عبارة الصدوق في الفقيه في كتاب النذر الذي هو شأنه التعبير فيه بمتون الأخبار مطابقة لمتن هذه الرواية من غير اختلاف إلّا من ناحية أن الضمائر هناك للغياب وهنا للتكلّم والخطاب ، ومن المستبعد جدّاً أنّها مع هذه المطابقة لم تكن متّخذة من متن هذه الرواية وقد تضمّنت التعبير بالعشرة بدلاً عن السبعة ، وعبارته في المقنع أيضاً كذلك ، أي مشتملة على كلمة «عشرة» على ما حكاه عنه الشهيد في المسالك (2)، ومن المعلوم من دأبه (قدس سره) في هذا الكتاب أنّه يذكر متن الرواية بعنوان الفتوى كما يفعل ذلك في الفقيه أيضاً حسبما عرفت.

وكيفما كان ، فلم تثبت صحّة النسخة وأنّ متن الصحيحة هل هو العشرة ، أو السبعة ، فغايته الإجمال ، فلا يمكن أن يعارَض بها صحيحة الحلبي وموثّقة غياث الصريحتين في أنّ الكفّارة هي كفّارة اليمين حسبما عرفت ، لو لم ندّع الاطمئنان بأنّ الصحيح هو العشرة كما في كلام الصدوق ، فإنّه أقرب إلى الصحة لانطباقه على سائر الروايات.


1) الجواهر 33 : 176.

2) المسالك 10 : 21.

الرابع : صوم الاعتكاف (1) ، وكفّارته مثل كفّارة رمضان مخيّرة بين الخصال ، ولكن الأحوط الترتيب المذكور.


(1) لا إشكال كما لا خلاف في وجوب الكفّارة بالجماع في صوم الاعتكاف.

إنّما الإشكال في تعيين المقدار ، فالمشهور بل عن بعض دعوى الإجماع عليه أنّها ككفّارة شهر رمضان مخيّرة بين الخصال الثلاث ، وعن جماعة منهم صاحب المدارك (1)أنّها كفّارة الظهار.

ومنشأ الخلاف اختلاف الأخبار ، حيث تضمّن بعضها أنّها كفّارة شهر رمضان ، كموثّقة سماعة : عن معتكف واقع أهله «فقال : هو بمنزلة من أفطر يوماً من شهر رمضان» (2).

وموثّقته الأُخرى : عن معتكف واقع أهله «قال : عليه ما على الذي أفطر يوماً من شهر رمضان متعمّداً : عتق رقبة ، أو صيام شهرين متتابعين ، أو إطعام ستّين مسكيناً» (3).

وبإزاء الموثّقتين صحيحتان دلّتا على أنّها كفّارة الظهار :

إحداهما : صحيحة زرارة : عن المعتكف يجامع أهله «قال : إذا فعل فعليه ما على المظاهر» (4).

والأُخرى صحيحة أبي ولّاد الحنّاط : عن امرأة كان زوجها غائباً فقدم وهي معتكفة بإذن زوجها ، فخرجت حين بلغها قدومه من المسجد إلى بيتها ،


1) المدارك 6 : 244.

2) الوسائل 10 : 547 / أبواب الاعتكاف ب 6 ح 2 ، 5.

3) الوسائل 10 : 547 / أبواب الاعتكاف ب 6 ح 2 ، 5.

4) الوسائل 10 : 546 / أبواب الاعتكاف ب 6 ح 1.

.................................................................................................


فتهيأت إلى زوجها حتّى واقعها «فقال : إن كانت خرجت من المسجد قبل أن تقضي ثلاثة أيام ولم تكن اشترطت في اعتكافها ، فإنّ عليها ما على المظاهر» (1).

هذا ، وصاحب المدارك ومن حذا حذوة ممّن لا يعملون بالموثّقات ولا يرون حجّيّة غير الصحاح ، لاعتبارهم العدالة في الراوي طرحوا الموثّقتين ، لعدم الحجّيّة وعملوا بالصحيحتين ، فأفتوا بأنّ الكفّارة هي كفّارة الظهار.

وأمّا بناءً على ما هو الصواب من عدم الفرق في الحجيّة بين الصحيح والموثّق ، فلا محالة تقع المعارضة بين الموثّقتين والصحيحتين ، ويدور الأمر بين العمل بإحدى الطائفتين ، ولكن الظاهر هو الأخذ بالموثّقتين والحكم بأنّها كفّارة شهر رمضان كما عليه المشهور ، وذلك من أجل أنّ هذه الكفّارة هي كفّارة الظهار بعينها ، ولا فرق بينهما إلّا من حيث التخيير والترتيب ، فالأُولى مخيّرة بين الخصال ، والثانية يعتبر فيها الترتيب ، فيجب العتق أوّلاً ، ومع العجز فالصيام ، ولو عجز أيضاً فالإطعام.

وعليه ، فيجمع بين الطائفتين بحمل الأمر بالترتيب على الأفضليّة ، فإنّ الموثّقتين صريحتان في التخيير ، والصحيحتان ظاهرتان في وجوب الترتيب ، فيرفع اليد عن الظاهر بالنصّ ويُحمَل على الندب ، فتأمّل.

بل لو فرضنا عدم ورود الصحيحتين لقلنا أيضاً بأفضليّة الترتيب ، لورود الأمر به في صحيحة علي بن جعفر التي تقدّمت في نصوص كفّارة شهر رمضان (2)، المحمول على الأفضليّة جمعاً كما مرّ سابقاً ، فإذا كان صوم الاعتكاف بمنزلة شهر رمضان كما نطقت به الموثّقتان ثبتت الأفضليّة هنا أيضاً.


1) الوسائل 10 : 548 / أبواب الاعتكاف ب 6 ح 1.

2) راجع ص 312.

هذا ، وكفّارة الاعتكاف مختصّة بالجماع ، فلا تعمّ سائر المفطرات (1).


ونحو هذه الصحيحة رواية المشرقي المتضمّنة للأمر بالعتق (1)، فإنّها أيضاً محمولة على الاستحباب أو على الوجوب التخييري جمعاً كما مرّ (2).

نعم ، ناقشنا سابقاً في سند هذه الرواية من أجل أنّ المشرقي هو هاشم أو هشام بن إبراهيم العبّاسي غير الثقة ، وقد اعتمدنا في ذلك على ما ذكره الأردبيلي في جامعه تبعاً للميرزا وللتفرشي من الاتّحاد (3)، ولكنّه وهم ، والصواب أنّهما شخصان كما نبّهنا عليه في المعجم (4)، فإنّ المشرقي هو هشام بن إبراهيم الختلي البغدادي الذي وثّقه النجاشي صريحاً (5)، وهو غير هشام بن إبراهيم العبّاسي ، الذي قيل في حقّه أنّه زنديق ، وقد أقمنا في المعجم شواهد على التعدد.

إذن فرواية المشرقي صحيحة السند من غير غمز فيه.

فتحصّل : أنّ من جامع في صوم الاعتكاف وجبت عليه كفّارة شهر رمضان أعني التخيير بين الخصال وإن كان الأفضل الترتيب ، بل هو الأحوط كما ذكره في المتن.

(1) كما هو المشهور وهو الصحيح ، إذ لا ملازمة بين الحرمة وبين وجوب الكفّارة لو ارتكب ، فإنّها تحتاج إلى الدليل ولا دليل عليها في غير الجماع ، وعدم الدليل كافٍ في الحكم بالعدم ، استناداً إلى أصالة البراءة.


1) الوسائل 10 : 49 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 8 ح 11.

2) في ص 312.

3) جامع الرواة 2 : 312 ، منهج المقال : 358 ، نقد الرجال 5 : 40 / 5675.

4) المعجم 20 : 291 / 13349.

5) لاحظ رجال النجاشي : 435 / 1168.

والظاهر أنّها لأجل الاعتكاف لا الصوم (1) ، ولذا تجب في الجماع ليلاً أيضاً.


ولكن ذهب المفيد والسيّدان والعلّامة في التذكرة إلى وجوب الكفّارة مطلقاً (1)، بل في الغنية دعوى الإجماع على الإلحاق بالجماع.

وهو كما ترى ، ولا عبرة بالإجماع المنقول سيّما إجماعات الغنية المعلوم حالها ، حيث يدّعي الإجماع اعتماداً على أصلٍ أو قاعدةٍ يرى انطباقه على المورد.

ونُسِب إلى الشيخ في كتابيه والعلامة في التذكرة أيضاً إلحاق خصوص الاستمناء بالجماع (2).

وهو أيضاً لا دليل عليه. ودعوى الإجماع على الإلحاق موهونة ، سيّما بعد مخالفة مثل المحقق (3)وغيره.

نعم ، ثبت الإلحاق في خصوص شهر رمضان بالنصّ الدالّ على أنّ عليه مثل ما على الذي يجامع كما سبق في محلّه ، وأمّا أنّ كل حكم متعلّق بالجماع ثابت للاستمناء كي يحكم بالكفّارة في المقام فلا دليل عليه بوجه ، فالأقوى اختصاص الحكم بالجماع حسبما عرفت.

(1) فتجب الكفّارة وإن لم يكن صائماً كما لو جامع ليلاً ، وذلك لأجل أنّ موضوع الحكم في النصوص وهي الموثّقتان والصحيحتان هو عنوان المعتكف ، لا عنوان الصائم ، ومقتضى الإطلاق دوران الحكم مدار ذاك العنوان سواء أكان صائماً أم لا.


1) المقنعة : 363 ، غنية النزوع 2 : 147 ، جمل العلم والعمل (ضمن رسائل الشريف 3) : 61 ، التذكرة 6 : 318.

2) المبسوط 1 : 294 ، الخلاف 2 : 238 / 113 ، التذكرة 6 : 318.

3) المعتبر 2 : 742.

.................................................................................................


وتؤيّده رواية عبد الأعلى بن أعين : عن رجل وطئ امرأته وهو معتكف ليلاً في شهر رمضان «قال : عليه الكفّارة» قال : قلت : فإن وطئها نهاراً؟ قال : «عليه كفّارتان» (1)ونحوها مرسلة الصدوق (2).

ولكن الرواية ضعيفة السند لا تصلح إلّا للتأييد ، لا من أجل ضعف عبد الأعلى نفسه ، فإنّه وإن لم يُذكَر في كتب الرجال إلّا أنّه وثّقه المفيد في رسالته العدديّة المدوّنة لبيان أنّ شهر رمضان قد ينقص وقد لا ينقص ، في قبال من ذهب كالصدوق (3)إلى أنّه لا ينقص أبداً ، فذكر (قدس سره) بعد أن سرد طائفة من الروايات الدالّة على ذلك - : أنّ رواة هذه الأخبار ومنهم : عبد الأعلى بن أعين من أكابر الفقهاء ولا يُطعَن عليهم بشي‌ء (4). ويكفي هذا المدح البليغ في التوثيق كما لا يخفى.

بل من أجل وقوع محمّد بن سنان في السند.

وأمّا المرسلة فحالها ظاهر.

إذن فالعمدة هي الإطلاقات المتقدّمة الشاملة لحالتي الصوم وعدمه ، الظاهرة في أنّ موضوع التكفير نفس الاعتكاف ولا مدخل للصوم في ذلك حسبما عرفت.


1) الوسائل 10 : 547 / أبواب الاعتكاف ب 6 ح 4 ، 3.

2) الوسائل 10 : 547 / أبواب الاعتكاف ب 6 ح 4 ، 3.

3) الفقيه 2 : 110 111.

4) الرسالة العددية : 45 ، (ضمن مصنفات الشيخ المفيد ج 9).

وأمّا ما عدا ذلك من أقسام الصوم فلا كفّارة في إفطاره (1) ، واجباً كان كالنذر المطلق والكفّارة أو مندوباً ، فإنّه لا كفّارة فيها وإن أفطر بعد الزوال.

[2471] مسألة 2 : تتكرّر الكفّارة بتكرّر الموجب في يومين (2) وأزيد من صوم له كفّارة ، ولا تتكرّر بتكرّره في يوم واحد في غير الجماع (1)وإن تخلّل التكفير بين الموجبين أو اختلف جنس الموجب على الأقوى ، وإن كان الأحوط التكرار مع أحد الأمرين ، بل الأحوط التكرار مطلقاً.


(1) بلا إشكال فيه ولا خلاف ، سواء أكان واجباً ولو معيّناً كالصوم الاستئجاري أم مندوباً ، لأنّ وجوب الكفّارة حكمٌ آخر يحتاج ثبوته إلى الدليل ، ولا دليل عليه فيما عدا المواضع الأربعة المتقدّمة ، فيرجع إلى أصالة البراءة.

(2) لا ينبغي الإشكال في تكرار الكفّارة بتكرّر الإفطار فيما إذا كان ذلك في يومين فما زاد ، سواء اتّحد الجنس كما لو أفطر بالأكل في كلّ من اليومين ، أم اختلف بأن أكل في يوم وشرب في اليوم الآخر ، وسواء تخلّل التكفير في البين أم لا ، وذلك لإطلاق الأدلّة بعد أن كان كلّ يوم موضوعاً مستقلا للحكم ، والتداخل على تقدير القول به إنّما يجدي فيما لو اجتمع الموجبان في اليوم الواحد كما سيجي‌ء. فحال تعدّد الإفطار في يومين حال تكرّره في سنتين الذي لا يحتمل فيه وحدة الكفّارة بالضرورة. وهذا ظاهر جدّاً.


1) (*) يختصّ تكرّر الكفّارة بتكرّر الجماع بشهر رمضان ، والظاهر تكرّر الكفّارة بتكرّر الاستمناء أيضاً.

.................................................................................................


إنّما الكلام فيما لو تعدّد الموجب في يوم واحد ، فهل تتعدّد الكفّارة حينئذٍ أيضاً ، أو لا؟ أو يفصّل بين اختلاف الجنس ووحدته أو بين تخلّل التكفير في البين وعدمه؟

فيه أقوال ، ومحلّ الكلام فعلاً ما عدا الجماع وما يلحق به من الاستمناء.

المشهور والمعروف عدم التعدّد وأنّه ليست عليه إلّا كفّارة واحدة وإن كان آثماً في التكرير.

وذهب جماعة منهم : المحقّق والشهيد الثانيان (1)إلى التعدّد مطلقاً.

وعن العلّامة في المختلف التكرّر بشرط تغاير الجنس أو تخلّل التكفير ، ومع انتفائهما فكفّارة واحدة (2).

وكأنّهم بنوا النزاع على أنّ الأصل هو التداخل أو عدمه ، أو يفصّل بين التغاير أو التخلّل ، فالأصل عدم التداخل ، وإلّا فالأصل هو التداخل ، ولأجل ذلك بنى ثاني الشهيدين والمحقّقَين على أصالة عدم التداخل مطلقاً ، ولكن العلّامة بنى على أصالة التداخل إلّا في الموردين المزبورين.

والظاهر أنّ شيئاً من ذلك لا يتمّ فلا تجب في المقام إلّا كفّارة واحدة على جميع التقادير ، أي سواء قلنا بأنّ الأصل هو التداخل أو عدمه أو التفصيل ، وذلك لأنّ الأسباب في محلّ الكلام لا يتصوّر فيها التعدّد كي يبحث عن تداخلها وعدمه ، إذ الكفّارة لم تترتّب في شي‌ء من النصوص على عنوان الأكل أو الشرب أو الارتماس ونحوها من ذوات المفطرات ما عدا الجماع وما يلحق به كما ستعرف ، وانّما ترتّبت على عنوان الإفطار مثل قوله (عليه السلام) : «من


1) جامع المقاصد 3 : 70 ، المسالك 2 : 36.

2) المختلف 3 : 316.

وأمّا الجماع فالأحوط بل الأقوى تكريرها بتكرّره (1).


أفطر متعمداً فعليه الكفّارة» فالإفطار هو السبب والموجب لتعلّق الكفّارة ، ومن البديهي أنّه لا معنى للإفطار بعد الإفطار ، إذ هو نقض الصوم وعدمه المتحقّق بأول وجود لاستعمال ما يجب الإمساك عنه ، فإنّ الصوم والإفطار متضادّان على ما مرّ مراراً ، وأحدهما مقابل للآخر حتّى في الاستعمال الدارج في ألسنة العوام ، فيقال على فطورك ، أي عند رفع اليد عن الإمساك ، فالصائم هو الممتنع عن تلك الأُمور ، ويقابله المفطر وهو غير الممتنع فإذا نقض صومه فقد أفطر فليس هو بصائم بعد ذلك ، ولو فرض أنّه وجب عليه الإمساك حينئذٍ أيضاً فهو حكم آخر ثبت بدليل آخر ، فعنوان الصوم والإفطار ممّا لا يجتمعان أبداً بحيث يقال له فعلاً أنّه مفطر صائم ، وعليه فقد تحقّق الإفطار بالوجود الأوّل وتعلّقت الكفّارة وانتقض الصوم وانعدم ، ومعه لا يتصوّر إفطار ثانٍ كي يبحث عن تداخله أو عدمه مطلقاً أو مع التفصيل ، فكأنّهم استفادوا أنّ الكفّارة مترتّبة على تناول ذات المفطر من عنوان الأكل والشرب ونحو ذلك ، مع أنّه لم يوجد ما يدلّ عليه حتّى رواية ضعيفة ، بل الموجود ترتّب الكفّارة على عنوان الإفطار الذي له وجود واحد لا يقبل التكرير حسبما عرفت ، من غير فرق في ذلك بين اتّحاد الجنس واختلافه ، أو تخلّل التكفير وعدمه كما هو ظاهر جدّاً.

(1) فإنّ المذكور في بعض النصوص وإن كان هو ترتّب الكفّارة على جماع الصائم المنتفي لدى تحقّق الجماع الثاني ، إلّا أنّ الموضوع للحكم في جملة كثيرة منها هو عنوان الجماع أو الوقاع الشامل بإطلاقه لحالتي التلبّس بالصوم وعدمه ، بحيث يظهر منها أنّ الموضوع للكفّارة هو الجماع في نهار شهر رمضان ممّن هو مكلّف بالصوم ، سواء أكان صائماً بالفعل أم لا ، ولأجله كان تكرّر السبب وتعدّد الموجب متصوّراً في المقام.

.................................................................................................


وعليه ، فتبتني المسألة على أنّ مقتضى الأصل لدى اجتماع الأسباب هل هو التداخل أو عدمه؟ وبما أنّ المحقّق في محلّه هو العدم أخذ بإطلاق أدلّة الأسباب الظاهرة في الانحلال ، وأنّ كلّ فرد سبب مستقلّ لترتّب الأثر عليه ، سواء لحقه أو سبقه فرد آخر أم لا فلا مناص من الالتزام بتعدّد الكفّارة في المقام ، عملاً بأصالة عدم التداخل المقتضية لوجوب التكرار.

ودعوى الانصراف في النصوص المذكورة إلى الجماع المفطر ، فغيره وهو الجماع اللّاحق خارج عن منصرف تلك النصوص.

ممّا لم نتحقّقها ولم نعرف لها وجها أبداً ، فإنّها بلا بيّنة ولا شاهد ، فإطلاق الجماع في تلك النصوص السليم عمّا يصلح للتقييد هو المحكّم.

ويلحق بالجماع : الاستمناء ، فإنّ الكفّارة المتعلّقة به مترتّبة أيضاً على عنوان الإمناء ، لأجل العبث بالأهل ونحوه الشامل للصائم بالفعل وعدمه ، الصادق على الوجود الأوّل وما بعده.

فالأظهر تكرّر الكفّارة في الجماع كما نُسِب إلى السيّد المرتضى وقوّاه في المستند (1)، بل وفي الاستمناء أيضاً حسبما عرفت ، استناداً إلى أصالة عدم التداخل ، فالحكم مطابق لمقتضى القاعدة.

وأمّا النصوص الخاصّة الدالّة على ذلك فكلّها ضعيفة ولا تصلح إلّا للتأييد ، وهي روايات ثلاثة :

إحداها : رواية الجرجاني (2)، المشتمل سندها على عدّة من المجاهيل.


1) الخلاف 2 : 189 190 ، المستند 10 : 528.

2) الوسائل 10 : 55 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 11 ح 1.

[2472] مسألة 3 : لا فرق في الإفطار بالمحرّم الموجب لكفّارة الجمع بين أن تكون الحرمة أصليّة كالزنا وشرب الخمر ، أو عارضيّة كالوطء حال الحيض أو تناول ما يضرّه (1).

[2473] مسألة 4 : من الإفطار بالمحرّم : الكذب على اللّه وعلى رسوله (صلّى اللّه عليه وآله) ، بل ابتلاع النخامة إذا قلنا بحرمتها من حيث دخولها في الخبائث (1)، لكنّه مشكل (2).


والأُخرى : مرسلة صاحب كتاب شمس المذهب (2)، المشتملة على الإرسال من جهات.

والثالثة : مرسلة العلامة عن الرضا (عليه السلام) «إنّ الكفّارة تتكرّر بتكرّر الوطء» (3)فلاحظها إن شئت.

(1) وذلك لإطلاق الدليل.

هذا ، وقد ذكرنا في محلّه أنّ حرمة الإضرار تختصّ بالضرر المعتدّ به المؤدّي إلى الهلاك أو ما بحكمه لا مطلقاً.

(2) هذا الإشكال في محلّه ، بل الأظهر هو عدم الحرمة ، لمنع الكبرى أوّلاً ، إذ لا دليل على حرمة أكل الخبائث كلّيةً ، والآية المباركة غير دالّة على ذلك كما مرّ التكلّم حوله قريباً (4).


1) (*) الظاهر بطلان هذا القول.

2) الوسائل 10 : 55 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 11 ح 2.

3) الوسائل 10 : 56 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 11 ح 3 ، المختلف 3 : 317.

4) في ص 251 255.

.................................................................................................


ومنع الصغرى ثانياً ، فإنّ الخبيث هو ما يتنفّر منه الطبع ، والنخامة ما لم تخرج عن فضاء الفم ممّا يقبله الطبع ولا يتنفّره ، لتعارف ابتلاعه كثيراً من غير أيّ اشمئزاز ، فنخامة كلّ أحد غير خبيثة بالإضافة إليه ما لم تخرج عن فضاء فمه ، ولأجله كان الإفطار به إفطاراً بالحلال لا بالحرام.

نعم ، لا إشكال في الخباثة بالإضافة إلى شخص آخر أو بعد الخروج عن فضاء الفم.

هذا ، وربّما يستدل لجواز الابتلاع برواية الشيخ عن عبد اللّه بن سنان ، قال : سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول : «من تنخّع في المسجد ثمّ ردّها في جوفه لم يمرّ بداء في جوفه إلّا أبرأته» (1)، ورواها الصدوق مرسلاً إلّا أنّه قال : «من تنخّم» (2)ورواها الصدوق أيضاً في ثواب الأعمال مسنداً (3).

ولكنّها ضعيفة السند بطرقها الثلاثة وإن عُبّر عنها في بعض الكلمات بالصحيحة.

أمّا طريق الشيخ فلأجل اشتماله على أبي إسحاق النهاوندي الذي ضعّفه النجاشي صريحاً (4).

وأمّا مرسلة الصدوق فظاهرة الضعف.

وأمّا ما رواه في ثواب الأعمال فلأجل اشتمال سنده على محمّد بن حسّان عن أبيه ، وقد قال النجاشي في حقّ محمّد بن حسّان : إنّه يعرف وينكر بين بين ،


1) الوسائل 5 : 223 / أبواب أحكام المساجد ب 20 ح 1 ، التهذيب 3 : 256 / 714.

2) الفقيه 1 : 152 / 700.

3) ثواب الأعمال : 35 / 2.

4) رجال النجاشي 19 / 21.

[2474] مسألة 5 : إذا تعذّر بعض الخصال في كفّارة الجمع وجب عليه الباقي (1).


يروي عن الضعفاء كثيراً (1)، فيظهر منه نوع خدش فيه كما لا يخفى ، ومع الغضّ عنه فيكفي في الضعف جهالة أبيه حسّان ، فإنّه لم يوثّق ، فلا يُعتَمد على الرواية بوجه.

(1) مثل ما لو تعذّر العتق كما في هذه الأيام ، فإنّه يجب الصيام والإطعام.

وربّما يورد عليه بأنّ التكليف بالجمع مساوق لفرض الارتباطيّة ، ومقتضى القاعدة في مثله سقوطه بالعجز عن المجموع ولو للعجز عن بعض أجزائه ، إذ العجز عن الجزء عجزٌ عن المركّب ، فلا دليل على وجوب الإتيان بالباقي ، إلّا أن تثبت قاعدة الميسور ، ولكنّها أيضاً محلّ إشكال أو منع.

ويندفع أوّلاً : بأنّا لا نحتمل من مذاق الشرع سقوط الكفّارة في المقام ، كيف؟! ولازمه أن يكون الإفطار على الحرام أهون من الإفطار على الحلال ، لثبوت الكفّارة في الثاني وإن حصل العجز عن البعض فيكون هو أسوأ حالاً من الأوّل ، وهذا لعلّه مقطوع العدم كما لا يخفى.

وثانياً : إنّ التعبير بكفّارة الجمع الظاهر في الارتباطيّة لم يرد في شي‌ء من النصوص وإنّما هو مذكور في كلمات الفقهاء تلخيصاً في العبارة ، وأمّا النصّ فالعبارة الواردة فيه كما في رواية الهروي هكذا «فعليه ثلاث كفّارات : عتق رقبة وصيام شهرين متتابعين وإطعام ستّين مسكيناً» (2)ونحوها رواية العمري (3)،


1) رجال النجاشي : 338 / 903.

2) الوسائل 10 : 53 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 53 ح 1.

3) الوسائل 10 : 55 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 10 ح 3.

[2475] مسألة 6 : إذا جامع في يوم واحد مرّات وجب عليه كفّارات بعددها (1) ، وإن كان على الوجه المحرّم تعدّدت كفّارة الجمع بعددها.

[2476] مسألة 7 : الظاهر أنّ الأكل في مجلس واحد يعدّ إفطاراً واحداً (2) وإن تعدّدت اللقم ، فلو قلنا بالتكرار مع التكرّر في يوم واحد لا تتكرّر بتعدّدها ، وكذا الشرب إذا كان جرعةً فجرعة.


وقريب منهما موثّقة سماعة (1)، وهذه العبارة كما ترى ظاهرة في الاستقلال وأنّه يجب عليه كفّارات ثلاث وتثبت أحكام ثلاثة : عتق وصيام وإطعام ، من غير ملاحظة الوحدة والارتباطيّة بينها ، فإنّها بلا مقتض ولا موجب. وعليه ، فإذا تعذّر البعض كان الباقي على حالة بمقتضى القاعدة كما هو الشأن في سائر الواجبات الاستقلاليّة.

(1) لما عرفت من تعدّد الكفّارة بتكرّر الجماع ، استناداً إلى أصالة عدم التداخل ، ولأجله تتكرّر كفّارة الخصال في الحلال والجمع في الحرام ، لتكرّر الموجب.

(2) فإنّ العبرة في وحدة الأكل أو الشرب بالصدق العرفي ، ولا شبهة أن العرف يقضي بالوحدة مع اتّحاد المجلس وإنّ تعدّدت اللقم وتكرّرت الجرع ، فلا يرى ذلك إلّا إفطاراً واحداً ، فلا تتكرّر الكفّارة بتعدّد اللقم أو الجرع وإن قلنا بالتكرار مع التكرّر في يوم واحد.


1) الوسائل 10 : 54 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 10 ح 2.

[2477] مسألة 8 : في الجماع الواحد إذا أدخل وأخرج مرّات لا تتكرّر الكفّارة (1) وإن كان أحوط.

[2478] مسألة 9 : إذا أفطر بغير الجماع ثمّ جامع بعد ذلك يكفيه التكفير مرّة (1)(2) ،


(1) فإنّها وإن تكرّرت بتكرّره إلّا أنّ مثل هذا لا يعدّ تكراراً للجماع ، لما عرفت آنفاً من أنّ العبرة في الوحدة والتعدّد بالصدق العرفي وما هو المتعارف خارجاً ، ولا ريب أنّ الفرض يعدّ لدى العرف جماعاً واحداً وإن تضمّن إدخالات وإخراجات عديدة ، فدليل التكرّر بالتكرار منصرف عن هذه الصورة قطعاً ، ولذا حكم بكفّارة واحدة في صحيحة جميل (2)من غير استفصال عن وحدة الإدخال وتعدّده ، وكذا في سائر النصوص.

(2) هذا لا يستقيم بناءً على ما سبق منه وقوّيناه من تكرّر الكفّارة بتكرّر الجماع واستثنائه عما عداه من سائر المفطرات ، إذ لو كان المستند فيه النصوص الخاصّة الدالّة على تكرّر الكفّارة أمكن دعوى انصرافها إلى صورة تكرّر الجماع فقط ، فلا تعمّ الجماع المسبوق بمفطر آخر الذي هو محلّ الكلام ، ولكنّك عرفت ضعف تلك النصوص بأجمعها ، وأنّ العمدة ما تقتضيه القاعدة من أصالة عدم التداخل بعد أن كانت الكفّارة معلّقة في النصوص على الجماع من حيث هو ، لا بما أنّه مفطر ، فإنّ مقتضى الإطلاق سببيّة كلّ فرد لكفّارة مستقلّة ، سواء أكان مسبوقاً بجماع آخر أم ملحوقاً به أم لم يكن ، ولأجله تتكرّر الكفّارة بتكرّر


1) (*) الظاهر أنّه لا يكفي.

2) الوسائل 10 : 45 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 8 ح 2.

وكذا إذا أفطر أوّلاً بالحلال ثمّ أفطر بالحرام تكفيه كفّارة الجمع (1)(1).


الجماع ، إذ لا تختصّ بالجماع المفطر كي لا ينطبق إلّا على الوجود الأوّل.

وهذا الإطلاق كما يعمّ الجماع المكرّر كذلك يشمل الجماع المسبوق بمفطر آخر بمناط واحد ، لما عرفت من أنّ كلّ فرد سبب مستقلّ ، والمفروض عدم الاختصاص بالجماع المفطر ، فلو أفطر بالأكل مثلاً ثمّ جامع تكرّرت الكفّارة ، إحداهما للإفطار العمدي ، والأُخرى لنفس الجماع.

نعم ، ما ذكره (قدس سره) من كفاية التكفير مرّة يتمّ في صورة العكس ، أعني : ما لو أفطر بالجماع ثمّ تناول غيره من الأكل ونحوه ، لأنّ غير الجماع لا يوجب الكفّارة إلّا من حيث الإفطار ، ولا معنى للإفطار عقيب الإفطار ، فما أفاده (قدس سره) لا يستقيم على إطلاقه.

(1) هذا أيضاً لا يستقيم على إطلاقه لفرض حصول الإفطار بالمحلّل ، فلا يكون تناول المحرّم مفطراً ، إذ لا معنى للإفطار عقيب الإفطار ، فلا تأثير له في الكفّارة بوجه ، فتكفيه إحدى الخصال كفّارةً لما ارتكبه من الحلال.

هذا فيما إذا كان المحرّم غير الجماع ، مثل : تناول الخمر أو المغصوب ونحوهما.

وأمّا إذا كان هو الجماع ، فبما أنّه سبب مستقلّ لكفّارة الجمع على القول به من غير فرق بين كونه مفطراً أم لا ، فاللّازم حينئذٍ هو الجمع بين كفّارة الجمع للجماع المحرّم وبين إحدى الخصال تكفيراً للإفطار بالحلال ، وليس له الاقتصار على الثاني كما لا يخفى.


1) (*) في وجوب كفّارة الجمع حينئذٍ إشكال بل منر. وأمّا إذا كان الإتيان بالحرام جماعاً فعليه كفّارة الجمع على الأحوط زائدة على كفّارة الإفطار أوّلاً.

[2479] مسألة 10 : لو علم أنّه أتى بما يوجب فساد الصوم وتردّد بين ما يوجب القضاء فقط أو يوجب الكفّارة أيضاً (1) لم تجب عليه ، وإذا علم أنّه أفطر أيّاماً ولم يدر عددها (2) يجوز له الاقتصار على القدر المعلوم.


نعم ، يتّجه ذلك في صورة العكس ، أعني : ما لو أفطر أوّلاً بالحرام جماعاً كان أم غيره ، ثمّ بحلال أو حرام غير الجماع ، فإنّه تكفيه حينئذٍ كفّارة الجمع ، لعدم تأثير الثاني ، إذ لا إفطار بعد الإفطار ، وأمّا لو كان الثاني هو الجماع لزم ضمّ كفّارة أُخرى إلى كفّارة الجمع ، إذ هو بنفسه سبب مستقلّ ، والأصل عدم التداخل كما مرّ.

ومنه تعرف أنّه لو أفطر بالجماع الحلال أوّلاً ثمّ بمثله ثانياً لزمه تكرير التكفير بإحدى الخصال ، كما أنّه لو أفطر بالجماع الحرام أوّلاً ثمّ بمثله ثانياً لزمته كفّارة الجمع مكرّراً ، ولو اختلفا فبالاختلاف.

والحاصل : أنّ مقتضى ما عرفت من تكرّر الكفّارة بتكرّر الجماع وعدمه فيما عداه هو التفصيل على النحو الذي سمعت ، فلاحظ وتدبّر.

(1) تعرّض (قدس سره) في هذه المسألة لفروع الشكّ ، فمنها : أنّه لو علم الإتيان بما يفسد الصوم ، وتردّد بين ما يوجب القضاء فقط وما يوجب الكفّارة أيضاً ، حيث إنّ المفطرات مختلفة من هذه الجهة كما مرّت الإشارة إليها سابقاً ويأتي تفصيلها لاحقاً إن شاء اللّه تعالى ، فلا إشكال حينئذٍ في عدم وجوب الكفّارة ، اقتصاراً على المقدار المتيقّن ودفعاً للزائد المشكوك فيه بالأصل ، كما هو الشأن في الدوران بين الأقل والأكثر الاستقلاليّين ، وهذا ظاهر.

(2) ومنها : أنّه لو علم بإفطاره أيّاماً ولم يدر عددها ، فتارةً : يكون الشكّ من ناحية الكفّارة ، وأُخرى : من ناحية القضاء ، وعلى التقديرين : يجوز له

.................................................................................................


الاقتصار على المقدار المعلوم كما أفاده في المتن.

أمّا الأوّل : فلأصالة البراءة عن وجوب الكفّارة الذي هو حكم جديد زائداً على المقدار المعلوم ، وهذا من غير فرق بين كون النسيان الفعلي مسبوقاً بالذكر في ظرفه وعدمه ، إذ العبرة في جريان الأصل بظرف الشكّ والحالة الفعليّة ، ولا عبرة بالعلم السابق الزائل ، لدوران التنجيز مدار وجود المنجّز حدوثاً وبقاءً كما هو مقرّر في الأُصول.

وأمّا الثاني : فقد يقال : إنّ التكليف بالصوم قد تنجّز في ظرفه ويُشكّ في الخروج عن عهدته ، للشكّ في حصول الامتثال بعدد الاشتغال ، ومعلوم أنّ قاعدة الحيلولة المقرّرة في الصلاة غير جارية في الصوم ، فلا مناص من الاحتياط في القضاء بالإتيان بالمشكوك فيه قضاءً ، لقاعدة الاشتغال.

ولا يخفى أنّ هذا التقرير وجيه لو قلنا بتبعيّة القضاء للأداء ، بدعوى انحلال الأمر الحادث في الوقت إلى أمرين : أمر بالطبيعي الجامع ، وأمر آخر بإيقاع ذاك الطبيعي في الوقت ، فإذا خرج الوقت وشكّ في الامتثال فالأمر الثاني ساقط جزماً ، وأمّا الأوّل فبما أنّه يُشكّ في سقوطه فلا محيص عن الاحتياط تحصيلاً للقطع بالفراغ.

إلّا أنّ هذا المبنى بمعزل عن التحقيق ، والصواب أنّ القضاء بأمرٍ جديد كما سبق في محلّه (1)وأنّه ليس في الوقت إلّا أمر واحد متعلّق بالطبيعة الخاصّة وهي الإتيان بالعمل في وقته ، وأنّ الانحلال على خلاف ظواهر الأدلّة جدّاً ، إذا لا يستفاد من قوله تعالى ( كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ ) (2)إلى قوله : ( فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ


1) شرح العروة (كتاب الصلاة) 5 : 11.

2) البقرة 2 : 183.

وإذا شكّ في أنّه أفطر بالمحلّل أو المحرّم كفاه إحدى الخصال (1).

وإذا شكّ في أنّ اليوم الذي أفطره كان من شهر رمضان أو كان من قضائه (2)


الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ) (1)إلّا وجوب الصوم في هذا الشهر لا وجوب طبيعي الصيام ، ووجوب إيقاع هذا الطبيعي في شهر رمضان فإنّه بعيد عن المتفاهم العرفي غايته ، وهكذا الحال في سائر المؤقتات.

وعليه ، فالأمر الواحد الحادث في الوقت ساقطٌ عند خروجه جزماً ، إمّا بالامتثال ، أو بخروج الوقت المستلزم لزوال الموضوع ويحدث بعدئذٍ أمر جديد متعلّق بالقضاء ، وبما أنّ موضوعه الفوت فثبوته منوط بإحرازه ، ومع الشكّ في كمّية الفائت يُشكّ لا محالة في تعلّق الأمر بالقضاء زائداً على المقدار المعلوم ، ومعه يرجع في نفي المشكوك فيه إلى أصالة البراءة ، ومن المعلوم أنّ أصالة عدم الإتيان بالمأمور به في الوقت لا يثبت عنوان الفوت ، لعدم حجّيّة الأُصول المثبتة. وعليه ، فيقتصر في القضاء على المقدار المعلوم.

(1) ومنها : أنّه لو شكّ في أنّه أفطر بالمحلّل أو بالمحرّم فإنّه تكفيه إحدى الخصال ، للقطع بوجوبها على كل حال ، والشكّ في الزائد عليها ، فيرجع في نفيه إلى أصل البراءة كما هو الحال في كلّ مورد دار الأمر فيه بين التعيين والتخيير في مقام

الجعل الذي مرجعه لدى التحليل إلى الدوران بين الأقلّ والأكثر كما لا يخفى.

(2) ومنها : أنّه لو شكّ في أنّ اليوم الذي أفطر فيه هل كان من شهر رمضان أو كان من قضائه ، وهذا على نوعين ، إذ قد يفرض حصول الإفطار قبل الزوال ، وأُخرى بعده.


1) البقرة 2 : 185.

وقد أفطر قبل الزوال لم تجب عليه الكفّارة ، وإن كان قد أفطر بعد الزوال كفاه إطعام ستّين مسكيناً ، بل له الاكتفاء بعشرة مساكين (1).


أمّا الأوّل : فمرجعه إلى الشكّ في تعلّق الكفّارة من أصلها ، إذ لا كفّارة في الإفطار قبل الزوال في قضاء رمضان ، فيرجع في نفيها إلى أصالة البراءة ، وهذا ظاهر فليس عليه إلّا القضاء فحسب.

وأمّا الثاني : فثبوت الكفّارة معلوم ، غير أنّها مردّدة بين إحدى الخصال الثلاث لو كان ذلك اليوم من شهر رمضان ، وبين إطعام عشرة مساكين لو كان من قضائه ، وحينئذٍ فلا إشكال في فراغ الذمّة وبراءتها بإطعام ستّين مسكيناً ، لأنّه امّا عِدل للواجب التخييري ، أو مشتمل على الواجب وهو عشرة مساكين وزيادة غير قادحة كما هو واضح جدّاً.

وهل له الاكتفاء بعشرة مساكين؟

احتمله في المتن بدعوى أنّا نعلم بوجوبها إجمالاً إمّا تعييناً ، أو في ضمن ستّين مسكيناً تخييراً بينه وبين العتق والصيام ، فالصدقة على العشرة ممّا يعلم بتعلّق الطلب بها المردّد بين التعيين والتخيير ، ويُشكّ في وجوب الزائد عليها فيرجع في نفيه إلى أصالة البراءة.

ويندفع : بعدم كون المقام من قبيل الدوران بين التعيين والتخيير ليؤخذ بالمتيقّن في مقام الجعل ويُدفع الزائد بالأصل ، وذلك لما ذكرناه في محلّه من الأُصول (2)عند تصوير الواجب التخييري من أنّ متعلّق الوجوب إنّما هو الجامع الانتزاعي المنطبق على كلّ من الطرفين أو الأطراف ، وليس الطرف بنفسه


1) (*) لا وجه لذلك أصلاً ، نعم الاكتفاء بإطعام ستّين مسكيناً.

2) محاضرات في أُصول الفقه 2 : 200 202.

.................................................................................................


متعلقاً للتكليف بوجه ، وإنما هو محقّق للامتثال ومسقِط للأمر المتعلّق بالجامع من أجل انطباقه عليه.

وعليه ، ففي المقام نعلم إجمالاً بتعلّق الطلب ، أمّا بالعنوان الجامع أعني : إحدى الخصال من إطعام الستّين وأخويه أو بإطعام عشرة مساكين ، ومن الضروري أنّ العشرة مباينة مع الجامع المزبور وليس أحدهما متيقّناً بالإضافة إلى الآخر ليؤخذ به ويُدفع الزائد بالأصل.

نعم ، العشرة متيقّنة بالإضافة إلى الستّين ، ولكن الستّين ليس متعلّقاً للتكليف جزماً ، إنّما المتعلّق هو الجامع المنطبق عليه وعلى غيره ، والجامع مباين مع العشرة.

وعليه ، فكما أنّ مقتضى الأصل عدم تعليق التكليف بالجامع كذلك مقتضاه عدم تعلّقه بالعشرة ، فيسقطان بالمعارضة ، فلا بدّ من الاحتياط ، ويتحقّق بأحد أمرين : إمّا بالجمع بين العشرة وبين العتق أو الصيام ، وإمّا باختيار الستّين للقطع بتحقّق الامتثال في ضمنه ، إمّا لكونه عدلاً للواجب التخييري ، أو لأجل اشتماله على العشرة وزيادة ، فالستّون متيقّن في مقام الامتثال لا في مقام تعلق التكليف ، وأمّا العشرة فليست بمتيقّنة حتّى في مقام تعلّق التكليف ، لما عرفت من المباينة بينها وبين الجامع ، ومن هنا لم يجز الاقتصار عليها ودفع الزائد بالأصل ، إذ من الجائز أن يكون الواجب هو الجامع ولا يؤمّن بالنسبة إليه ، لما عرفت من أنّ أصالة عدم وجوبه معارضة بأصالة عدم وجوب العشرة.

ولتوضيح المقام نقول : إنّه في موارد الدوران بين الأقلّ والأكثر الارتباطيّين قد يقال بالانحلال ، نظراً إلى أنّ تعلّق التكليف بالأقل معلومٌ على كلّ تقدير ، وأمّا تعلّقه بالزائد عليه وهو الأكثر فمشكوك يُدفع بأصالة البراءة ، وعلى ضوء ذلك يقال في المقام : بأنّ تعلّق الأمر بالتصدّق على عشرة مساكين معلوم ،

.................................................................................................


وأمّا الزائد عليه وهو الستّون تخييراً بينه وبين العتق والصيام فمشكوكٌ يُرجع في نفيه إلى أصل البراءة.

ولكنّه بمراحل عن الواقع كما فصّلنا البحث حوله في الأُصول (1)، ضرورة أنّ الأقلّ بوصف كونه أقلّ مشكوكٌ فيه ، إذ هو طرفٌ للعلم فكيف يكون متيقّناً؟! وإنّما المتيقّن هو ذات الأقلّ الجامع بين اللااقتضائيّ بشرط وبين بشرط شي‌ء أي بشرط الانضمام إلى الزائد فإنّ هذا الوجوب المهمل المردّد بين الوصفين المزبورين هو الذي يُتيقّن بوجوده على كلّ تقدير ، ولا ريب في أنّ هذا الوجوب الجامع هو نفس العلم الإجمالي بعينه ، فكيف ينحلّ به العلم الإجمالي؟! وهل هذا إلّا انحلال الشي‌ء بنفسه ، فالانحلال بهذا النحو انحلالاً حقيقيّا أمرٌ غير معقول.

نعم ، التزمنا ثمّة بالانحلال على وجهٍ بحيث يترتّب عليه نتيجة الانحلال الحقيقي وأسميناه بالانحلال الحكمي ، بتقريب أنّ المناط في تنجيز العلم الإجمالي معارضة الأُصول المستوجبة لتطرّق احتمال العقاب من غير مؤمّن ، الواجب دفعه بحكم العقل ، القاضي بلزوم دفع الضرر أي العقاب المحتمل ، فمتى تعارضت الأُصول في الأطراف تنجّز العلم الإجمالي ، بل كان نفس الاحتمال غير المقترن بالمؤمّن منجّزاً حسبما عرفت.

وأمّا إذا اختصّ بعض الأطراف بالأصل دون الآخر بحيث انتفت المعارضة ، لم يكن العلم في مثله منجّزاً ، كما لو علم بفقدان الركن من صاحبة الوقت أو من الفائتة ، فإنّ قاعدة الفراغ الجارية في كلّ منهما تسقط بالمعارضة ، إلّا أنّ الاولى تختصّ بقاعدة الاشتغال ، دون الثانية ، فإنّ المرجع فيها قاعدة الحيلولة ، الراجعة إلى أصالة البراءة عن القضاء ، وبذلك ينحلّ العلم الإجمالي ، وموارد الدوران بين الأقلّ والأكثر الارتباطيّين من هذا القبيل ، فإنّ وجوب الأقل على نحو


1) مصباح الأُصول 2 : 426 430.

[2480] مسألة 11 : إذا أفطر متعمّداً ثمّ سافر بعد الزوال لم تسقط عنه الكفّارة بلا إشكال (1) ، وكذا إذا سافر قبل الزوال للفرار عنها ، بل وكذا لو بدا له السفر لا بقصد الفرار على الأقوى ، وكذا لو سافر فأفطر قبل الوصول إلى حدّ الترخّص.


بشرط شي‌ءٌ فيه كلفة ومشقّة ، فيُدفع بأصالة البراءة ، وأمّا وجوبه بنحو اللااقتضائيّ بشرط وعلى سبيل الإطلاق فهو عين التوسعة ، فلا يمكن دفعه بأصالة البراءة المقرّرة لرفع الضيق ، وإثبات السعة امتناناً على الأُمّة ، وحيث اختصّ أحد الطرفين بالأصل دون الآخر فقد حصلت نتيجة الانحلال وسقط العلم الإجمالي عن التنجيز.

هذا كلّه في موارد الدوران بين الأقلّ والأكثر الارتباطيّين.

وأمّا في محلّ الكلام فلا سبيل لهذا التقريب ، لما عرفت من أنّ إطعام العشرة وإحدى الخصال اللذين هما طرفا العلم الإجمالي متباينان ، والأصل الجاري في كلّ منهما معارَض بمثله ، وإذ كانت الأُصول متعارضة فلا محال يتنجّز العلم الإجمالي ، ومعه لا مناص من الاحتياط على النحو الذي عرفت ، فليس له الاقتصار على إطعام العشرة بوجه ، لعدم حصول البراءة بذلك أبداً.

(1) هل تسقط الكفّارة بعروض ما يبطل معه الصوم من السفر والحيض ونحوهما ، أو لا؟ أو يفرّق في ذلك بين الموانع الاختياريّة والاضطراريّة؟ أو يفرّق في الاختياريّة بين ما كان لأجل الفرار عن الكفّارة وغيره؟

لا إشكال كما لا خلاف في عدم السقوط بالسفر بعد الزوال ، لوجوب إتمام الصوم حينئذٍ وصحّته ، فلا أثر له في رفع الكفّارة جزماً ، وهذا ظاهر.

وأمّا إذا سافر قبل الزوال بحيث كانت وظيفته الإفطار إمّا مطلقاً أو مع

وأمّا لو أفطر متعمّداً ثمّ عرض له عارض قهري من حيض أو نفاس أو مرض أو جنون أو نحو ذلك من الأعذار ، ففي السقوط وعدمه وجهان ، بل قولان ، أحوطهما الثاني (1)، وأقواهما الأوّل.


تبييت النيّة ، فهل هذا الحكم المتأخّر أعني : البطلان اللّاحق يستوجب سقوط الكفّارة الثابتة على تقدير عدم السفر؟

كأنّ المتسالم عليه عند الأصحاب بل ممّا ادّعي عليه الإجماع هو عدم السقوط ، ولا سيّما إذا سافر اختياراً للفرار عنها ، وهذا هو الصحيح.

والوجه فيه : أنّ المستفاد من قوله تعالى ( كُلُوا وَاشْرَبُوا ) (2)إلى قوله ( فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ ) إلخ (3): أنّ كلّ مكلّف مأمور في شهر رمضان بالإمساك عن الأكل والشرب من بعد طلوع الفجر وقد قيل : إنّ حقيقة الصوم هو الكفّ عن خصوص الطعام والشراب وقد الحق بهما بقيّة المفطرات وبإتمام الصيام إلى الليل ، وقد استثني من ذلك المريض والمسافر. وظاهره من كان كذلك بالفعل ، وأمّا من يكون مسافراً فيما بعد فهو غير داخل في الاستثناء ، بل تشمله الآية المباركة من النهي عن الأكل والشرب بعد طلوع الفجر ، فهو مأمور بالإمساك ما لم يتلبّس بالسفر.

وكذلك الروايات ، حيث تضمّنت المنع عن تناول المفطر قبل أن يخرج المسافر إلى حدّ الترخّص ، فإذا تناوله يصدق أنّه أفطر في شهر رمضان متعمّداً ،


1) (*) هذا الاحتياط لا يترك.

2) البقرة 2 : 187.

3) البقرة 2 : 184.

.................................................................................................


وقد أُخذ الإفطار كذلك موضوعاً لوجوب الكفّارة في غير واحد من النصوص ، فإنّ المأخوذ في لسان بعضها وإن كان هو عنوان الصائم الذي ربّما يتأمّل في صدقه على من سيتلبّس بالسفر ، ولكن المذكور في أكثرها هو عنوان الرجل كما في صحيحة جميل وغيرها ، وكذا في نصوص الجماع المتضمّنة رجل جامع أو أتى أهله في شهر رمضان ونحو ذلك ، فإنّ هذه العناوين صادقة على من تناول المفطر من الأكل أو الشرب أو الجماع ونحو ذلك ، فهو رجل مأمور بالإمساك بمقتضى الآية والروايات ، وقد أفطر متعمّداً في شهر رمضان ، ومعنى أفطر : أنّه نقض هذا العدم وقلبه إلى الوجود ، فإنّ الإفطار مقابل للإمساك الذي هو صوم لغوي ، ولا يتوقّف صدقه على تحقّق الصوم الصحيح الشرعي ، بل كلّ من كان مأموراً بالإمساك سواء أكان ذلك مصداقاً للصوم الشرعي أيضاً ، أم لا فأوّل ما يتناوله ممّا ينتقض به العدم وينثلم به الترك فهو إفطار ، فيصحّ أن يقال : إنّه أفطر ، أي أتى بشي‌ء يضادّ الإمساك وينافيه.

فهذه الإطلاقات وافية لإثبات الكفّارة في المقام ، إذ يثبت بها أنّ الممنوع عن الأكل والشرب إذا أفطر أي رفع اليد عما كان عليه من الامتناع تعلّقت به الكفّارة ، سواء أتى بعدئذٍ بما يكون مبطلاً للصوم في حدّ نفسه كالسفر أم لا.

بل يمكن أن يقال : إنّها تدلّ على المطلوب بأزيد من الدلالة الإطلاقية ، فإنّ السفر لو كان مسقطاً للكفّارة لأُشير إليه في هذه الأخبار الواردة في مقام البيان ، ولا سيّما مثل صحيحة جميل (1)المشتملة على اضطراب السائل بقوله : هلكت وأهلكت ... إلخ ، فإنّه أسهل طريق للتخلّص من الكفّارة التي هي تكليف شاقّ لأغلب الناس ، فنفس الكسوت وعدم التعرّض لهذا المفرّ في شي‌ء من النصوص


1) انظر الوسائل 10 : 45 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 8 ح 2.

.................................................................................................


أقوى شاهد على عدم تأثيره في سقوط الكفّارة.

وكيفما كان ، فلا شكّ أنّ مقتضى إطلاق الأدلّة من الكتاب والسنّة وجوب الإمساك من لدن طلوع الفجر لكلّ مكلّف في شهر رمضان ما لم يكن مسافراً آن ذاك. ثمّ إنّ هذا قد يكون مأموراً بالإتمام إلى الليل ، وأُخرى لا ، كما لو عرضه السفر قبل الزوال. وعلى أيّ حال ، فلو أفطر وهو في البلد ففي الوقت الذي أفطر هو مأمور بالصوم ، لا بالصوم المعهود المتعارف حتّى يقال : إنّه ينكشف بالسفر عدمه ، بل بالصوم اللغوي ، أي بالإمساك عن الأكل والشرب ما لم يسافر ، فحينما أفطر كان إفطاره مقروناً بالأمر بالصوم فيشمله جميع ما ورد من أنّ من أفطر في شهر رمضان متعمّداً فعليه الكفّارة. فهذه الإطلاقات كافية لإثبات المطلوب.

مضافاً إلى ورود النصّ الخاصّ بذلك ، وهي صحيحة زرارة ومحمّد بن مسلم ، قالا : قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : «أيّما رجل كان له مال فحال عليه الحول فإنّه يزكِّيه» قلت له : فإن وهبه قبل حلّه بشهر أو بيوم؟ «قال : ليس عليه شي‌ء أبداً» قال : وقال زرارة عنه أنّه قال : «إنّما هذا بمنزلة رجل أفطر في شهر رمضان يوماً في إقامته ثمّ خرج في آخر النهار في سفر فأراد بسفره ذلك إبطال الكفّارة التي وجبت عليه» وقال : «إنّه حين رأى هلال الثاني عشر وجبت عليه الزكاة ، ولكنّه لو كان وهبها قبل ذلك لجاز ولم يكن عليه شي‌ء بمنزلة من خرج ثمّ أفطر» إلخ (1).

حيث دلّت على أنّ من حال الحول على ماله وجبت عليه الزكاة ولا تسقط بعدئذٍ بالهبة ، فإنّ الهبة اللاحقة لا تؤثّر في سقوط الزكاة السابقة ، فهو نظير ما لو أفطر الإنسان فوجبت عليه الكفّارة في شهر رمضان ثمّ سافر آخر النهار ،


1) الوسائل 9 : 163 / أبواب زكاة الذهب والفضة ب 12 ح 2.

.................................................................................................


فكما أنّ السفر اللاحق لا يؤثّر في سقوط الكفّارة السابقة فكذا فيما نحن فيه. ومنه تعرف أنّ المشار إليه في قوله : «إنّما هذا» إلخ ، هو الصدر ، أعني : من حال الحول على ماله قبل أن يهب ، الذي هو المقصود بالبيان والمسوق له الكلام ، دون ما بعده الذي فرض فيه الهبة قبل حلول السنة ، الواقع كجملة مستأنفة كما لا يخفى.

وإنّما قيّد (عليه السلام) السفر بآخر النهار لأنّه أوقع في التشبيه بمحلّ الكلام وأتمّ ، إذ المشبّه هو الهبة بعد حلول الحول واستقرار الوجوب وتعيّن الزكاة على نحوٍ لا يمكن التخلّص عنها ، ولأجل ذلك كان الأوقع تشبيهه بمن سافر آخر النهار ، أي بعد الزوال ، بحيث كان الصوم متعيّناً في حقّه ولا يمكن التخلّص عنه بأيّ وجه ، بخلاف ما قبله ، لعدم استقرار الوجوب عليه بعد ، لإمكان التخلّص عنه حينئذٍ بالسفر ، فمن أجل هذه النكتة شبّهه (عليه السلام) بالسفر بعد الزوال ، وإلّا فالذي يظهر من ذيل الرواية أنّ العبرة في الكفّارة بجواز الإفطار وعدمه ، وأنّه لو أفطر في زمانٍ لا يسوغ له الإفطار ثمّ سافر وإن كان قبل الزوال لم تسقط عنه الكفّارة ، حيث قال (عليه السلام) في الذيل «ولكنّه لو كان وهبها قبل ذلك لجاز ولم يكن عليه شي‌ء بمنزلة من خرج ثمّ أفطر» إلخ ، حيث شبّه (عليه السلام) الهبة قبل حلول الحول المانعة عن تعلّق التكليف بالزكاة بالصائم الذي خرج عن بلده ثمّ أفطر ، فقيّد الإفطار بالخروج عن البلد ، ومعلوم أنّ هذا حكم ما قبل الزوال ، وإلّا فبعده لا يجوز الإفطار خرج أم لم يخرج.

وعلى الجملة : قد تضمّن الذيل نفي البأس عن الهبة قبل حلول الحول ، لأنّه وهبه في وقت حلال ، إذ لم يكن التكليف بالزكاة متوجّهاً إليه وقتئذٍ ، فهو بمنزلة الصائم الذي خرج إلى السفر وأفطر بعد خروجه الذي لا يكون إلّا قبل الزوال بطبيعة الحال كما عرفت فإنّ هذا الإفطار لا يوجب الكفّارة ، لوقوعه في وقت حلال ، لعدم كونه مكلّفاً بالصوم عندئذٍ. فيظهر من تقييد الإفطار بالخروج أنّه

.................................................................................................


لو أفطر قبل الخروج لم تسقط عنه الكفّارة وإن خرج وسافر ، لوقوع الإفطار حينئذٍ في وقت غير حلال.

فيظهر من ذيل الصحيحة بوضوح أنّ العبرة في الكفّارة وعدمها بكون الإفطار في وقتٍ سائغ وعدمه ، فإن أفطر في زمانٍ لم يكن الإفطار جائزاً في حقّه كما لو كان قبل خروجه ، أو كان بعد الزوال وإن كان بعد خروجه لم تسقط عنه الكفّارة ، وأمّا إذا أفطر في زمانٍ يجوز له الإفطار كما لو أفطر بعد خروجه قبل الزوال سقطت ، أي لم تتعلق به الكفّارة حينئذٍ ، فالصحيحة واضحة الدلالة على المطلوب ، فلا بأس بالاستدلال بها ، ولا وجه للمناقشة فيها.

وكيفما كان ، فلا ينبغي التأمّل في المسألة ، وأنّ السفر لا يسقِط الكفّارة.

هذا ، والظاهر عدم الفرق في ذلك بين ما إذا كان السفر لأجل الفرار أو لغايةٍ اخرى ، كان اختياريّاً أو اضطراريّاً ، لوحدة الملاك في الجميع ، وهو حصول الإفطار في زمانٍ قد أمر فيه بالإمساك.

وهذا يجري في غير السفر أيضاً من سائر الموانع من الحيض والنفاس والجنون بل الموت ، فلو كان يعلم بموته بعد ساعة إمّا لكونه محكوماً بالأعدام ، أو لذهابه إلى الجهاد وميدان القتال ، لم يجز له الإفطار حينئذٍ بزعم أنّه غير متمكن من إتمام الصوم ، بل هو مأمور بالإمساك ، فلو أفطر تعلّقت به الكفّارة.

وكذا الحال في ذات العادة التي تعلم بتحيّضها بعد ساعة من النهار ، فإنّه لا يجوز لها الإفطار قبل ذلك. ويدلّ على حكم هذه بالخصوص مضافاً إلى ما سمعت من إطلاق الآية المباركة والروايات خصوص الأخبار الواردة في الحيض ، للتصريح في بعضها وهي روايتان - : إنّها «تفطر حين تطمث» (1)فيستفاد من


1) الوسائل 10 : 228 / أبواب من يصح منه الصوم ب 25 ح 2.

[2481] مسألة 12 : لو أفطر يوم الشكّ في آخر الشهر ثمّ تبيّن أنّه من شوّال ، فالأقوى سقوط الكفّارة (1) وإن كان الأحوط عدمه ، وكذا لو اعتقد أنّه من رمضان ثمّ أفطر متعمّداً فبان أنّه من شوّال ، أو اعتقد في يوم الشكّ في أوّل الشهر أنّه من رمضان فبان أنّه من شعبان.


هذا التقييد عدم جواز الإفطار قبل ذلك ، لأنّ الحيض إنّما يمنع عن الصوم من حين حدوثه ، أمّا قبله فهي مأمورة بالإمساك ، فلو أفطرت لزمتها الكفّارة كما عرفت.

(1) فإن موضوع الحكم بالكفّارة في الأدلة إنّما هو الإفطار في شهر رمضان ، ومعلومٌ أنّ اللفظ موضوع للمعنى الواقعي لا الاعتقادي وإن كان مخطئاً فيه ، فلو اعتقد بأمارة أو غيرها أنّ هذا اليوم من رمضان ومع ذلك أفطر متعمّداً ثمّ انكشف أنّه من شعبان أو تبدّل الاعتقاد بالشكّ بناءً على ما هو الصحيح من عدم حجّيّة قاعدة اليقين ، فكان المرجع استصحاب بقاء شعبان أو عدم دخول رمضان ، لم يكن أثرٌ لإفطاره ، فلا بدّ في الكفّارة من الاعتقاد الجزمي أو قيام حجّة معتبرة على كون اليوم من شهر رمضان من غير انكشاف الخلاف في شي‌ء منهما.

وكذلك لو أفطر يوم الشكّ في كونه آخر رمضان أو أوّل شوّال. فإنّ وظيفته الشرعيّة حينئذٍ هو الإمساك بمقتضى قوله (عليه السلام) : «صم للرؤية وأفطر للرؤية» (1)، فلو خالف وأفطر ثمّ انكشف أنّه من شوّال ، أو اعتقد ذلك فتخيّل أنّ هذا اليوم من رمضان جزماً فأفطر ثمّ تبيّن خلافه لم تجب عليه الكفّارة.


1) الوسائل 10 : 255 ، 257 / أبواب أحكام شهر رمضان ب 3 ح 13 و 19.

[2482] مسألة 13 : قد مرّ أنّ من أفطر في شهر رمضان عالماً عامداً إن كان مستحلا فهو مرتدّ (1) ، بل وكذا إن لم يفطر ولكن كان مستحلا له ، وإن لم يكن مستحلا عُزّر بخمسة وعشرين سوطاً (1)، فإن عاد بعد التعزير عُزِّر ثانياً ، فإن عاد كذلك قُتِل في الثالثة ، والأحوط قتله في الرابعة.

[2483] مسألة 14 : إذا جامع زوجته في شهر رمضان وهما صائمان مكرهاً لها كان عليه كفّارتان وتعزيران خمسون سوطاً (2)(2) ، فيتحمّل عنها الكفّارة والتعزير.

وأمّا إذا طاوعته في الابتداء فعلى كلّ منهما كفّارته وتعزيره.


وملخّص الكلام : أنّه لا أثر للاعتقاد ولا للحجّة الشرعيّة إذا انكشف خلافها ، فإنّ الحكم الظاهري إنّما يكون حجّة ما دام موجوداً ، فإذا تبدّل باليقين بالخلاف فلا أثر له.

نعم ، استحقاق العقاب من جهة التجرّي أمر آخر ، بل ربّما يكون ذلك منافياً للعدالة ، وأمّا من حيث الكفّارة فلا أثر له بوجه كما عرفت.

(1) وقد تقدّم الكلام حول ذلك مستقصًى في أوّل كتاب الصوم ، فلاحظ (3).

(2) أمّا مع المطاوعة فلا إشكال في أنّ على كلّ منهما كفّارةً وتعزيراً.


1) (*) وقد مرّ الكلام فيه وفيما بعده [في أوّل كتاب الصوم في التعليقة الثانية والثالثة].

2) (**) على الأحوط.

3) في ص 3.

.................................................................................................


وأمّا مع الإكراه فقد يفرض استمرار الإكراه إلى نهاية العمل ، وأُخرى انضمامه مع المطاوعة : إمّا بتقدّم الأوّل بأن تكون مكرَهة في الابتداء مطاوعة في الأثناء أو عكس ذلك ، فالصور ثلاث ، وقد حكم (قدس سره) في الصورة الأُولى بتحمّلهما عنها ، فعليه كفّارتان وتعزيران ، وأمّا في الأخيرتين فعلى كلّ منهما كفّارة وتعزير ، وإن كان الأحوط في الصورة الثانية كفّارة منها وكفّارتين منه.

أقول : يقع الكلام تارةً : فيما تقتضيه القواعد الأوّلية مع قطع النظر عن الرواية الخاصّة الواردة في المقام ، وأُخرى : فيما تقتضيه الرواية.

أما بالنظر إلى القاعدة ، فلا شكّ في أنّ مقتضاها وجوب الكفّارة على الزوج فقط وسقوطها عن الزوجة المكرَهة ، لأجل حديث الرفع ، فإنّ الإفطار الذي هو موضوع للكفّارة إذا كان مرفوعاً بالحديث لكونه مكرَهاً عليه فمعناه عدم ترتّب أثر عليه ، فلا تتعلّق به الكفّارة.

نعم ، هو مبطل ، لصدوره عن القصد والاختيار ، ولذا يجب القضاء ، لكونه من آثار ترك المأمور به لا فعل المفطر ، فلا يرتفع بالحديث كما سبق في محلّه وإن صدر الفعل عنها على وجهٍ سائغ ، لكونه مكرَهاً عليه.

وعلى الجملة : فمقتضى الحديث سقوط الكفّارة عنها ، ومعه لا وجه لتحمّل الزوج عنها ، فإنّ انتقال الكفّارة من أحدٍ إلى آخر لا مقتضي له وعلى خلاف القاعدة فلا يصار إليه ما لم يقم عليه دليل بالخصوص. وعليه ، فليس على الزوج المكرِه إلّا كفّارة واحدة ، ولا شي‌ء على الزوجة أبداً.

هذا كلّه مع استمرار الإكراه.

وإن أكرهها في الابتداء ثمّ طاوعته في الأثناء (1) فكذلك على الأقوى ، وإن كان الأحوط كفّارة منها وكفّارتين منه (1). ولا فرق في الزوجة بين الدائمة والمنقطعة.


(1) وأمّا لو أُكرِهت أوّلاً ثمّ طاوعت في الأثناء ، أو بالعكس ، فمقتضى الإطلاقات ثبوت الكفّارة عليها حينئذٍ ، لقصور الحديث عن شمول الفرض ، إذ هو بلسان الامتنان ، ومعلومٌ أنّ الامتنان مخصوصٌ بما إذا لم يستند الفعل إلى فاعله إلّا على سبيل الإكراه ، وأمّا الملفّق منه ومن الاختيار باعتبار اختلاف الحالات فكان مختاراً في بعضه ومكرهاً في بعضه الآخر ، بحيث لم يصدق عليه الإكراه المحض وبالقول المطلق فمثله غير مشمول للحديث ، إذ لا امتنان في رفعه بالإضافة إلى غير حالة الإكراه ، فإنّ الجماع وإن كان بمجموعه فعلاً واحداً عرفاً وموجوداً بوجود واحد ، ومن هنا قلنا : إنّه لا تتعدّد الكفّارة بتعدّد الإدخال والإخراج كما سبق ، إلّا أنّ هذا الفعل الواحد له إضافتان ومنسوب إلى فاعله بإسنادين باعتبار اختلاف الحالتين ، فهو مكرَه في بعض الوقت ومختار في البعض الآخر ، والحديث منصرف عن مثل ذلك جزماً ، فإذا لم يكن في جميع أحواله مكرَهاً لم يشمله الحديث.

ألا ترى أنّه لو اكره على شرب الماء بمقدار قليل فشرب حتّى شبع وارتوى ، أو على طبيعي شرب الخمر الصادق على جرعة واحدة فشرب وجبة واحدة مشتملة على جرع عديدة ، أفهل يحكم بعدم وجوب الكفّارة في الأوّل ، أو بعدم


1) (*) لا يترك.

.................................................................................................


استحقاق الحدّ في الثاني ، بدعوى أن الشرب المزبور موجود واحد مستمرّ لا يتعدّد بتعدّد الجرع؟ كلّا ، فإنّه وإن كان وجوداً واحداً إلّا أنّ الضرورات تقدّر بقدرها ، فلا إكراه إلّا في جزء من هذا العمل ، وأمّا الزائد عليه فهو فعل اختياري مستند إلى فاعل مختار ، فيشمله حكمه من الحدّ والكفّارة ونحو ذلك.

ومثله ما لو اكره على ضرب أحدٍ سوطاً فضربه عشرة أسواط.

وعلى الجملة : فحديث الرفع إنّما يرفع الفعل الصادر عن إكراه حدوثاً وبقاءً ، دون ما كان كذلك حدوثاً فقط أو بقاءً كذلك ، فلو كانت مكرَهة على الجماع في الابتداء ثمّ طاوعته بقاءً يصدق عليها أنّها تعمّدت الجماع ، فيرجع إلى إطلاقات الكفّارة بعد أن لم يكن مثله مشمولاً للحديث كما عرفت.

ولو كان بالعكس فالأمر أوضح ، فلو طاوعته أوّلاً ثمّ أُكرهت فحدوث الجماع كان باختيارها فأفطرت عمداً واختياراً ، فيشملها في هذا الآن إطلاق دليل الكفّارة ، ولا أثر للإكراه اللّاحق في رفع الكفّارة السابقة كما هو ظاهر جدّاً.

فتحصّل : أنّ مقتضى القاعدة والأدلّة الأوّلية عدم وجوب أزيد من كفّارة واحدة على الزوج ، إذ لا دليل على تحمّل الكفّارة عن الغير بوجه ، وأمّا الزوجة المكرَهة فلا شي‌ء عليها مع الإكراه المحض المستمرّ إلى الآخر ، أخذاً بحديث الرفع ، وأمّا لو طاوعته ولو في الجملة إمّا في أوّل الجماع أو في وسطه أو الآخر فحديث الرفع قاصر الشمول لذلك ، ومقتضى الإطلاقات تعلّق الكفّارة حينئذٍ بها أيضاً ، لصدق أنّها جامعت اختياراً ، كما أنّ على كلّ منهما التعزير حسبما عرفت.

هذا ما تقتضيه القاعدة الأوّلية.

.................................................................................................


وأمّا بالنظر إلى النصّ الخاصّ الوارد في المقام ، فقد روى الكليني في الكافي عن علي بن محمّد بن بندار ، عن إبراهيم بن إسحاق الأحمر ، عن عبد اللّه بن حمّاد ، عن المفضّل بن عمر ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : في رجل أتى امرأته وهو صائم وهي صائمة «فقال : إن كان استكرهها فعليه كفّارتان ، وإن كان طاوعته فعليه كفّارة وعليها كفّارة ، وإن كان أكرهها فعليه ضرب خمسين سوطاً نصف الحدّ ، وإن كان طاوعته ضُرب خمسة وعشرين سوطاً ، وضُربت خمسة وعشرين سوطاً» (1).

قال المحقّق في المعتبر على ما نقل عنه صاحب الوسائل - : أنّ سند هذه الرواية ضعيف ، لكن علماءنا ادّعوا على ذلك إجماع الإماميّة ، فيجب العمل بها.

أقول : لا إشكال في أنّ الرواية ضعيفة السند كما ذكره (قدس سره) إلّا أنّه لم يُعلم أنّ تضعيفه مستندٌ إلى أيّ راوٍ من رواة السند.

أمّا علي بن محمّد بن بندار الذي هو شيخ الكليني ويروي عنه كثيراً : فهو بهذا العنوان لم يرد فيه توثيق ولا مدح ، ولكن الظاهر أنّ هذا هو علي بن محمّد بن أبي القاسم بندار ، وبندار لقب لجدّه أبي القاسم ، وقد وثّقه النجاشي صريحاً (2).

وأمّا إبراهيم بن إسحاق الأحمر : فهو ضعيف جدّاً كما تقدّم سابقاً (3)ضعّفه النجاشي والشيخ (4).


1) الوسائل 10 : 56 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 12 ح 1 ، الكافي 4 : 103 / 9.

2) رجال النجاشي : 353 / 947.

3) في ص 344.

4) رجال النجاشي : 19 / 21 ، فهرست الطوسي : 7 / 9.

.................................................................................................


وأمّا عبد اللّه بن حمّاد : فهو عبد اللّه بن حمّاد الأنصاري ، كما صرّح به في الكافي عند ذكر الرواية في كتاب الحدود ، وأشار إليه في الوسائل أيضاً (1). وقد ذكر النجاشي أنّه من شيوخ أصحابنا (2)، وهو كما ترى مدحٌ بليغ ، وظاهره أنّه معتمد عليه عند الأصحاب ، ويرجع إليه بما أنّه راوٍ كما لا يخفى ، على أنّه مذكور في أسناد كامل الزيارات.

وأمّا المفضّل بن عمر : ففيه كلام طويل الذيل تعرّضنا له في المعجم (3)، وهو الذي نُسِب إليه كتاب التوحيد ، والظاهر أنّه ثقة ، بل من كبار الثقات وإن وردت فيه روايات ذامّة ، إذ بإزائها روايات مادحة تتقدّم عليها ، لوجوهٍ تعرّضنا لها في محلّه.

نعم ، ذكر النجاشي أنّه فاسد المذهب مضطرب الحديث ، قال : وقيل إنّه كان خطّابيّاً (4). والظاهر أنّه أراد بهذا القائل ابن الغضائري على ما نُسِب إليه (5).

وكيفما كان ، فقد عدّه الشيخ المفيد (قدس سره) في إرشاده من شيوخ أصحاب أبي عبد اللّه (عليه السلام) وخاصّته وبطانته ومن ثقات الفقهاء الصالحين (6).


1) الوسائل 28 : 377 / أبواب بقيّة الحدود ب 12 ح 1 ، الكافي 7 : 242 / 12.

2) رجال النجاشي : 218 / 568.

3) معجم رجال الحديث 19 : 317 / 12615.

4) رجال النجاشي : 416 / 1112.

5) رجال ابن داود : 280 / 512.

6) إرشاد المفيد 2 : 216.

.................................................................................................


وعدّه الشيخ الطوسي في كتاب الغيبة من السفراء الممدوحين (1)، وذكر في التهذيب في باب المهور والأُجور رواية عن محمّد بن سنان عن مفضّل بن عمر ، ثمّ ناقش في سندها من أجل محمّد بن سنان فحسب (2)، وهو كالصريح في العمل برواية مفضّل وعدم الخدش من ناحيته.

وعدّه ابن شهرآشوب من ثقات أبي عبد اللّه (عليه السلام) ومن بطانته (3).

أضف إلى ذلك الروايات المعتبرة الواردة في مدحه كما مرّ ، وما خصّه الصادق (عليه السلام) من كتاب التوحيد. وبعد هذا كلّه فلا يُعبأ بكلام النجاشي من أنّه فاسد المذهب ، كما أنّ ما ذكره من أنّه مضطرب الرواية غير ثابت أيضاً ، وعلى تقدير الثبوت فهو غير قادح بوثاقة الرجل ، غايته أنّ حديثه مضطرب ، أي قد ينقل ما لا يقبل التصديق أو يعتمد على أشخاص لا ينبغي الاعتماد عليهم. فالظاهر أنّ الرجل من الأجلّاء الثقات ، حتّى أنّ الشيخ مضافاً إلى عدّه إيّاه من السفراء الممدوحين اعتمد عليه في التهذيب كما عرفت.

وعلى أيّ حال ، فلا ينبغي الإشكال في ضعف الرواية بإبراهيم الأحمر كما مرّ.

ورواها الصدوق بطريق آخر (4). وهو أيضاً ضعيف بمحمّد بن سنان.

وعليه ، فتارةً : ندّعي أنّ ضعفها منجبر بعمل الأصحاب ، فتعامل معها


1) كتاب الغيبة : 346.

2) التهذيب 7 : 361 / 1464.

3) المناقب 4 : 303.

4) الفقيه 2 : 73 / 313.

.................................................................................................


معاملة الرواية المعتبرة ، وأُخرى : نلتزم بعدم حجّيّتها ، لعدم تماميّة مسلك الانجبار ، كما لا يبعد أن يكون هذا هو المستفاد من كلام المحقّق في المعتبر حيث تمسّك بالإجماع كما تقدّم نقله عن صاحب الوسائل. فإن كان المدرك هو الإجماع وألغينا الرواية عن درجة الاعتبار ، فما ذكره الماتن من اختصاص التحمّل بالإكراه المستمرّ هو الصحيح ، فإنّ هذا هو المتيقّن من مورد الإجماع ، فلا بدّ من الاقتصار عليه في الحكم المخالف لمقتضى القاعدة ، فيرجع فيما عداه ممّا اشتمل على المطاوعة سابقاً أو لاحقاً إلى ما تقتضيه القواعد من تعلّق الكفّارة والتعزير بكلّ منهما حسبما عرفت ، إذ المخرج عن الإطلاقات الأوّلية المثبتة للكفّارة لكلّ من جامع إنّما هو الإجماع المفروض قصوره عن الشمول للمقام ، فتكون هي المحكّم بطبيعة الحال.

والظاهر أنّ الماتن اعتمد على ذلك ، فيتّجه ما ذكره (قدس سره) من عدم الفرق بين صورتي الاشتمال على المطاوعة واختصاص التحمّل بالإكراه المستمرّ كما عرفت.

وأمّا إذا كان المدرك هو الرواية بناءً على اعتبارها ولو لأجل الانجبار ، فاللّازم حينئذٍ التفصيل بين الصورتين :

فإن كانت مطاوعة من الأوّل لم يكن أيّ أثر للإكراه اللّاحق ، بل تجب على كلّ منهما الكفارة ، أخذاً بإطلاق قوله (عليه السلام) : «وإن طاوعته فعليه كفّارة وعليها كفّارة» الصادق عليها إذا طاوعت في ابتداء الجماع ، سواء استمرّت كذلك أم تبدّل طوعها كرهاً ، فصرف وجود الجماع الصادق على أوّل جزء من الدخول المحقّق للجنابة إذا صدر عنها حال كونها مطاوعة فهو محكوم بالكفّارة ، عملاً بإطلاق الرواية ، وعروض الإكراه بعد ذلك لا يوجب رفع المطاوعة

.................................................................................................


الواقعة في ظرفها ، إذ الشي‌ء لا ينقلب عمّا هو عليه ، فلا يقتضي رفع الحكم الثابت عليها كما هو ظاهر جدّاً.

وأمّا إذا انعكس الأمر ، فكانت مكرهة من الأوّل مطاوعة في الأثناء ، فالظاهر حينئذٍ تعدّد الكفّارة على الزوج ، نظراً إلى اندراجه تحت إطلاق قوله (عليه السلام) : «إن كان استكرهها فعليه كفّارتان» ، إذ لا وجه لاختصاصه باستمرار الإكراه إلى الفراغ ، بل صرف وجود الجماع عن كره الصادق على أوّل جزء منه ولو آناً ما مشمولٌ لإطلاق العبارة ، وحصول المطاوعة بعدئذٍ لا أثر له في نفي ما تحقّق ، فيصدق من غير أيّة عناية أنّه أكره زوجته على الجماع ، فالرواية مطلقة من حيث استمرار الإكراه أو التبدّل بالمطاوعة ، فتتعلّق به الكفّارتان لا محالة.

ولكن لا دلالة للرواية على نفي الكفّارة عن الزوجة المستكرهة ، بل هي ساكتة من هذه الجهة ، وأقصى ما تدل عليه تعلّق الكفّارتين بالزوج ، فيرجع في الزوجة إلى ما تقتضيه القواعد الأوليّة ، وقد عرفت أنّ مفادها فيما نحن فيه أي في الإكراه المتعقّب بالمطاوعة تعلّق الكفّارة بها ، لعدم كونه مشمولاً لحديث رفع الإكراه.

وهذا هو منشأ احتياط الماتن حيث قال : وإن كان الأحوط كفّارة منها وكفّارتين منه. وهذا هو الصحيح على تقدير العمل بالرواية ، إذ لا ينبغي التأمّل في شمول إطلاقها لهذه الصورة ، لعدم العبرة بمرحلة البقاء لتؤثّر المطاوعة اللاحقة في رفع حكم الإكراه السابق ، فلو فرضنا أنّهما ماتا في الآن الثاني أو كان حدوث الجماع في آخر جزء من النهار ووقع بقاءً في الليل ، فإنّه يصدق أكرهها في نهار رمضان ، فتتعلّق به الكفّارتان ، أخذاً بإطلاق الرواية ،

[2484] مسألة 15 : لو جامع زوجته الصائمة وهو صائم في النوم لا يتحمّل عنها الكفّارة ولا التعزير (1) ، كما أنّه ليس عليها شي‌ء ولا يبطل صومها بذلك.


وبما أنّها ساكتة عن حكم الزوجة فلا مناص من الالتزام بثبوت الكفّارة عليها أيضاً بمطاوعتها في الأثناء ، عملاً بالقواعد العامّة حسبما عرفت.

ثمّ إنّه لا فرق في الزوجة فيما ذكرناه بين الدائمة والمنقطعة ، لوحدة المناط وإطلاق النصّ ، كما أشار إليه في المتن.

والمتحصّل من جميع ما قدّمناه : أنّه إن تمّ الإجماع في المسألة فهو المتّبع ، ويقتصر على المتيقّن من مورده ، وإلّا فلا دليل عليها ، لضعف الرواية ، وعدم تماميّة القول بالجبر ، فالحكم مبني على الاحتياط.

(1) فإنّ التحمّل عن الغير على خلاف القاعدة ، وقد ثبت ذلك بالإجماع أو بالرواية كما تقدّم ، والمتيقّن من الأوّل ما إذا كانت المرأة المكرَهة شاعرة كزوجها ، كما أنّ مورد الثاني هو ذلك ، ففرض الجماع وهي نائمة غير مشمول للدليل المخرج فيبقى تحت مقتضى القواعد فلا يتحمّلها الزوج عنها وإنّما عليه كفّارته ، وأمّا الزوجة فلا شي‌ء عليها لا الكفّارة ولا التعزير ولا القضاء ، لعدم بطلان الصوم بعد فقد القصد والاختيار كما هو ظاهر.

وهل الحكم كذلك فيما لو أجبر زوجته على الجماع على نحوٍ كانت مسلوبة الإرادة والاختيار لكنّها شاعرة لا نائمة ، كما لو شدّ يديها ورجليها فوطئها وهي لا تتمكن من الدفاع عن نفسها ، أو لا؟

وكذا لا يتحمّل عنها إذا أكرهها على غير الجماع من المفطرات (1) حتّى مقدّمات الجماع وإن أوجبت إنزالها.

[2485] مسألة 16 : إذا أكرهت الزوجة زوجها لا تتحمّل عنه شيئاً.


أمّا إذا كان المستند هو الإجماع فالمتيقّن منه غير المقام ، وهو الإكراه المتعارف ، أعني : صدور الفعل عن المكره بالاختيار دفعاً لضرر المكرِه وتوعيده ، فمورد الإجبار المنتفي فيه الاختيار غير مشمول له ، بل المرأة المجبورة في حكم النائمة في أنّه لا كفّارة ولا تعزير ولا بطلان ولا تحمّل حسبما تقدّم.

وأمّا لو كان المستند هو الرواية ، فقد يقال بأنّ شمولها للمقام غير بعيد ، إذ الاستكراه المذكور فيها أعمّ من الإكراه الاصطلاحي ومن الإجبار المقابل للاختيار ، لأنّه مقابل للمطاوعة فيشمل القسمين.

وهذا وإن كان محتملاً في نفسه إلّا أنّ دعوى ظهور اللفظ فيه مشكلة ، إذ لم يعلم أنّ المراد به المعنى الجامع أو خصوص الإكراه الاصطلاحي المتعارف ، فلم يثبت شمول الحكم لمورد الإجبار ، ومجرّد الشكّ كافٍ في الرجوع إلى أصالة العدم.

(1) لاختصاص النصّ وكذا الإجماع بالجماع ، فلا دليل على التحمّل في الإكراه على غيره من سائر المفطرات حتّى الملاعبة وغيرها من مقدّمات الجماع وإن أدّت إلى إمنائها.

وهذا من غير فرق بين الزوجة وغيرها ، فلو أكره غيره على الأكل أو الشرب لم يتحمّل عنه ، لأصالة العدم بعد عدم الدليل على التحمّل كما هو ظاهر.

وممّا ذكرنا يظهر الحال في المسألة الآتية ، فلاحظ.

[2486] مسألة 17 : لا تلحق بالزوجة الأمة إذا أكرهها على الجماع وهما صائمان (1) ، فليس عليه إلّا كفّارته وتعزيره.

وكذا لا تلحق بها الأجنبيّة إذا أكرهها عليه على الأقوى ، وإن كان الأحوط التحمّل عنها ، خصوصاً إذا تخيل أنّها زوجته فأكرهها عليه.


(1) لخروجها عن معقد الإجماع ، وقصور الرواية عن الشمول لها ، لأنّ المذكور فيها «امرأته» ، وظاهر هذه الكلمة عرفاً هي الزوجة ، فشمولها للأمة المملوكة غير معلوم ، بل معلوم العدم.

وكذا الحال في الأجنبيّة ، لعين ما ذكر.

ودعوى الأولويّة القطعيّة فيها ، نظراً إلى أنّ تشريع الكفّارة لتخفيف الذنب الذي هو في الزنا أعظم فالكفّارة ألزم.

مدفوعة بأنّ للزنا أحكاماً خاصّة من الرجم أو الجلد ومهر المثل على المكرِه ، فمن الجائز الاكتفاء بها عن الكفّارة.

على أنّ اللواط أعظم من الزنا جزماً ولم يثبت هذا الحكم في الإكراه عليه بالضرورة ، فليس كلّ محرّم مستدعياً لتعلّق هذا الحكم ، فلا موجب للتعدّي عن مورد الدليل.

وأمّا ما ذكره في المتن من الاحتياط في التحمّل ففي محلّه ، لكن قوله (قدس سره) : خصوصاً ... إلخ ، لم نعرف له وجهاً ، فإنّ الجماع مع الأجنبيّة بتخيّل أنّها زوجته لا يعدو عن كونه وطء شبهة ، وموضوع الحكم إنّما هو الجماع مع الزوجة الواقعيّة لا الخياليّة ، ومن المعلوم أنّ جريان حكم الزوجة على الموطوءة بالشبهة يحتاج إلى الدليل ، ولا دليل على الإلحاق إلّا في بعض

[2487] مسألة 18 : إذا كان الزوج مفطراً بسبب كونه مسافراً أو مريضاً أو نحو ذلك وكانت زوجته صائمة ، لا يجوز له إكراهها على الجماع (1) ، وإن فعل لا يتحمّل عنها الكفّارة ولا التعزير. وهل يجوز له مقاربتها وهي نائمة؟ إشكال (1).


الأحكام ، مثل : إلحاق الولد ، ونحو ذلك.

وعلى الجملة : لا خصوصية للموطوءة شبهةً ، بل هي كالأجنبيّة في الخروج عن مورد النصّ ، فلا موجب للتعدّي إلى شي‌ء منهما.

(1) أمّا مع مطاوعتها فلا إشكال في تعلّق الكفارة بها ، وأمّا مع الإكراه فيقع الكلام في جهتين :

تارةً : في أنّ الزوج هل يتحمّل كفّارتها كما كان يتحمّل لدى كونه صائماً؟

وقد ظهر الحال في هذه الجهة ممّا تقّدم ، وأنّه لا تحمّل في المقام ، إذ هو على خلاف القاعدة ، والنصّ أو الإجماع يختصّ بما إذا كانا صائمين معاً ، ففرض صوم الزوجة فقط خارجٌ عن الدليل المخصّص باقٍ تحت مقتضى القواعد.

واخرى : في جواز هذا العمل في نفسه وأنّه هل يسوغ للزوج المفطر إكراه زوجته الصائمة على الجماع ، أو أنّه حرام؟

ادّعى بعضهم حرمته ، باعتبار أنّه لا يجوز لأحدٍ أن يكره غيره فيما ليس له عليه حقّ ، إذ ليس لأحد السلطنة على غيره بإجباره إلّا لأجل إحقاق حقّه المشروع الثابت له عليه ، كما لو أكره الغريم المماطل على أداء الدين ، وأمّا فيما لا حقّ له كما في المقام ، حيث إنّ الزوج ليس له حقّ الانتفاع في هذا الحال فلا


1) (*) إلّا أنّ الجواز غير بعيد.

.................................................................................................


يسوغ له الإجبار ، لأنّ حرمة الإفطار عليها مانعٌ عن ثبوت هذا الحق ، إلّا أن يقال بعدم المانعيّة.

فبنوا المسألة على المناقشة الصغرويّة وأنّ وجوب الصوم عليها هل يمنع الزوج عن حقّ الانتفاع من البضع ، أو لا؟

فعلى تقدير المنع وانتفاء الحقّ لا يجوز له الإجبار وإلّا جاز.

ولكنّ الظاهر أنّ الكبرى في نفسها غير تامّة وإن سلّمنا الصغرى وبنينا على المانعيّة ، إذ لا دليل على حرمة إكراه الغير على ما ليس له فيه الحقّ على نحو الكبرى الكلّيّة.

نعم ، لو كان العمل المكرَه عليه محرّماً كشرب الخمر أو كان المتوعد عليه شيئاً لا يسوغ ارتكابه في حدّ نفسه كما لو هدّده بالقتل أو الضرب أو الهتك ، أو خوّفه بنحو ذلك من أقسام الإيذاء التي لا يجوز ارتكابها شرعاً ، من أجل أنّ تخويف المؤمن حرام وإن لم يكن في البين أيّ إكراه كان الإكراه المزبور حراماً حينئذٍ كما هو ظاهر.

وأمّا لو لم يكن لا هذا ولا ذاك فيلزمه ويكرهه على عمل سائغ وإن لم يكن له فيه الحقّ بتوعيده بما هو أيضاً سائغ في حدّ نفسه ، كما لو فرضنا أنّ الزوجة تعمل عملاً غير منافٍ لحقّ الزوج من كتابةٍ أو خياطةٍ أو مطالعةٍ ونحو ذلك ممّا لا ينافي حقّ الاستمتاع ، ولكن الزوج لا يعجبه ذلك العمل ولا يرضى به فيهدّدها بالطلاق أو بالتسرّي عليها ، أو بترك الإنفاق على ابنتها التي هي ربيبته ، ونحو ذلك ممّا هو سائغ على الزوج ومرخّص في ارتكابه شرعاً ، فلا دليل على حرمة مثل هذا الإكراه ، فإنّ الإكراه من حيث هو إكراه لا حرمة فيه ، لعدم كونه ظلماً ولا تعدّياً ، وإنّما هو إلزام وتوعيد للغير بأن يفعل كذا أو يترك كذا.

.................................................................................................


فإذا فرضنا أنّ الفعل المكرَه عليه يصدر عن المكرِه على وجه سائغ ، والإكراه أيضاً بشي‌ء هو سائغ للمكره ، كما لو كانت المرأة مستطيعة ولكن الزوج لا تسمح له نفسه بذهابها إلى الحجّ ، فيعدم موضوع الاستطاعة بالإكراه ، فيقول : إن ذهبتِ إلى الحجّ طلّقتكِ أو تزوجت عليكِ اخرى وكلّ من الطلاق والتزوج حرج عليها ، وهو أمر سائغ في الشريعة المقدّسة ، حتّى ابتداءً ومن غير إكراه ، أفهل هناك مانع من جواز هذا الإكراه؟

والمقام من هذا القبيل ، فإنّ تمكين الزوجة الصائمة وإن كان حراماً إلّا أنّه بالإكراه يرتفع موضوع الحرمة بمقتضى حديث الرفع فيصدر عنها الفعل بنحو سائغ ، فإذا أكرهها الزوج بالتوعيد بشي‌ء هو سائغ له من الطلاق ونحوه فأيّ مانع من هذا الإكراه؟! وعلى الجملة : لم يقم أيّ دليل على هذه الكبرى أعني : عدم جواز الإكراه على ما ليس له فيه حقّ فإنّه وإن لم يكن له حقّ في العمل المكره عليه إلّا أنّه قد يكون له حقّ آخر ، وهو الحقّ فيما به يتحقّق الإكراه والتوعيد ، نظراً إلى حلّيّته وجوازه وأنّه أمر سائغ له حلال عليه مرخّص في ارتكابه شرعاً ، كالطلاق أو التزويج بامرأة اخرى ونحوهما ممّا عرفت.

فهذه الكبرى غير ثابتة ولا نناقش في المسألة من هذه الجهة ، وإنّما الذي ينبغي التكلّم فيه هو أنّه هل يجوز الإكراه على أمرٍ محرّم في نفسه ولو كان المتوعد عليه مباحاً؟ فإنّ الحرام الصادر عن المكرِه وإن كان حلالاً حال الإكراه بمقتضى حديث رفع الإكراه إلّا أنّ الشأن في أنّه هل يجوز إيجاد موضوع الجواز بالإكراه أو لا؟ فلا بدّ من البحث عن هذه النكتة التي هي مبنى المسألة ، لا البحث عن جواز الإكراه فيما لا حقّ له ، الذي لا ينبغي التأمّل في جوازه حسبما عرفت.

.................................................................................................


فنقول : الظاهر عدم الجواز ، فإن الشارع أو المولى العرفي إذا نهى شخصين أو جماعة عن ارتكاب عمل ، يفهم العرف من ذلك أنّ المبغوض للمولى هو صدور هذا العمل وتحقّقه خارجاً من غير خصوصيّة لجهة الإصدار ، وأنّ المتصدّي له هل هو الفاعل بالمباشرة أو بالتسبيب ، ولا ينبغي التأمّل في أنّ هذا هو مقتضى الفهم العرفي ، فلو منع المولى شخصين عن الدخول عليه فأكره أحدهما الآخر وأجبره على الدخول يعاقب المكرِه على فعله التسبيبي وإن كان المكرَه معذوراً في عمله.

وعليه ، فالمستفاد ممّا دلّ على حرمة الجماع حال الصوم أنّ الشارع لا يرضى بتحقّق هذا الفعل الخارج وأنّ مطلق وجوده مبغوض له ، وقصارى ما يقتضيه حديث رفع الإكراه هو رفع المؤاخذة والعقاب دون المبغوضيّة ، فالفاعل بالمباشرة معذور في إيجاد هذا المبغوض بمقتضى الحديث ، وأمّا الفاعل بالتسبيب فقد أوجد المبغوض للمولى من غير عذر ، وبذلك يكون مرتكباً للحرام بطبيعة الحال.

وعلى هذا الأساس بنينا في كتاب الطهارة على عدم جواز تقديم الطعام أو الشراب النجس إلى المكلف الجاهل ليأكله أو يشربه ، فإنّ المباشر وإن كان معذوراً لجهله كما هو معذور في المقام من جهة الإكراه حسبما عرفت إلّا أنّ الفاعل بالتسبيب غير معذور في التصدّي لإيجاد مبغوض المولى خارجاً ، حيث انّه يستفاد من دليل المنع عن أكل النجس أو شربه عدم رضا الشارع بتحقّق هذا العمل خارجاً. وقد عرفت أنّ الفهم العرفي يقتضي عدم الفرق بين الفاعل بالمباشرة أو بالتسبيب.

نعم ، يتوقّف ما ذكرناه على ما إذا كان المقتضي للحرمة محرزاً كما في المقام ، وأمّا لو شكّ في تحقّقه لفقد ما يحتمل دخله فيه فضلاً عمّا علم الدخل كصدور الفعل عن الفاعل المختار فسبّب أحدٌ في صدوره عمّن لا شعور له ولا اختيار ،

[2488] مسألة 19 : من عجز عن الخصال الثلاث في كفّارة مثل شهر رمضان تخيّر بين أن يصوم ثمانية عشر يوماً أو يتصدّق بما يطيق (1)(1).


لم يبعد الحكم بالجواز حينئذٍ ، بل لعلّه الأظهر ، كما لو قارب المفطر زوجته الصائمة وهي نائمة ، فإنّ الظاهر أنّه لا بأس بهذا الجماع وإن استشكل فيه في المتن لكونه من التسبيب نحو صدور الفعل عمّن لا إرادة له ولا اختيار ، فلا يصدر عنه على صفة المبغوضيّة كي يحرم التسبّب إليه ، ولا أقل من الشكّ في ذلك ، والمفروض أنّ الزوج مفطر لا يحرم عليه الجماع من حيث هو ، فلا حرمة في المقام لا من حيث المباشرة ولا من ناحية التسبيب كما أشرنا إليه في التعليق.

(1) كما لعلّه المشهور ، بناءً منهم على أنّه مقتضى الجمع بين ما دلّ على أنّ البدل حينئذٍ هو صوم الثمانية عشر يوماً ، كرواية أبي بصير : عن رجل ظاهر من امرأته فلم يجد ما يعتق ، ولا ما يتصدّق ، ولا يقوى على الصيام «قال : يصوم ثمانية عشر يوماً ، لكلّ عشرة مساكين ثلاثة أيّام» (2).

ورواية أبي بصير كما في التهذيب ، وأبي بصير وسماعة بن مهران كما في الاستبصار : عن رجل كان عليه صيام شهرين متتابعين فلم يقدر على الصيام ، (ولم يقدر على العتق) (3)، ولم يقدر على الصدقة : «قال : فليصم ثمانية عشر يوماً عن كلّ عشرة مساكين ثلاثة أيّام» (4).


1) (*) الأحوط اختيار التصدّق وضمّ الاستغفار إليه.

2) الوسائل 22 : 372 / أبواب الكفّارات ب 8 ح 1.

3) هذه الجملة غير مذكورة في الاستبصار كما أشار إليها معلق الوسائل.

4) الوسائل 10 : 381 / أبواب بقيّة الصوم الواجب ب 9 ح 1 ، التهذيب 4 : 312 / 944 ، الاستبصار 2 : 97 / 314.

.................................................................................................


وهي وإن كانت ضعيفة السند عند القوم لعدم توثيق إسماعيل بن مرّار ولا عبد الجبّار في كتب الرجال ، ولكنّها معتبرة عندنا ، لكون الأول مذكوراً في أسناد تفسير على بن إبراهيم ، والثاني في أسناد كامل الزيارات.

وبين ما دلّ على أنّه التصدّق بما يطيق ، كصحيحة عبد اللّه بن سنان : في رجل أفطر من شهر رمضان متعمّداً يوماً واحداً من غير عذر «قال : يعتق نسمة ، أو يصوم شهرين متتابعين ، أو يطعم ستّين مسكيناً ، فإن لم يقدر تصدّق بما يطيق» (1).

وصحيحته الأُخرى : في رجل وقع على أهله في شهر رمضان فلم يجد ما يتصدّق به على ستّين مسكيناً «قال : يتصدّق بقدر ما يطيق» (2).

فرفعوا اليد عن ظهور كلّ منهما في الوجوب التعييني بصراحة الأُخرى في جواز الآخر وحملوه على التخيير.

ولكنّه كما ترى ، لعدم ورود الطائفتين في موضوع واحد لتتحقّق المعارضة ويتصدّى للجمع أو العلاج ، فإنّ رواية أبي بصير الاولى صريحة في أنّ موردها الظهار الذي كفّارته العتق متعيّناً ، فإن عجز فصيام شهرين ، فإن عجز فإطعام الستّين ، وأين هذا من كفّارة شهر رمضان المخيّرة بين الخصال الثلاث التي هي محلّ الكلام؟! ولعلّ وجوب صوم الثمانية عشر مع التصريح بأنّ لكلّ عشرة مساكين ثلاثة أيّام من أجل أنّ الواجب أخيراً بمقتضى الترتيب هو إطعام الستّين ، فهو الفائت من المظاهر المزبور بعد عجزه عن الأولين ، فذلك جعل بدل كلّ عشرة مساكين صوم ثلاثة أيام حذو ما في كفّارة اليمين ، حيث أنّ الواجب فيها أوّلاً إطعام


1) الوسائل 10 : 44 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 8 ح 1.

2) الوسائل 10 : 46 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 8 ح 3.

.................................................................................................


عشرة مساكين ، فإن عجز فصيام ثلاثة أيّام ، فيظهر منها بدليّة الثلاثة عن العشرة ، فيصير المجموع في المقام ثمانية عشر يوماً كما في الرواية.

وكذا الحال في روايته الثانية ، فإنّ الظاهر منها أيضاً ذلك ، لأنّ قوله : كان عليه صيام شهرين ... إلخ ، لا ينطبق على كفّارة شهر رمضان ، إذ ظاهره التعيين ، ولا تعيّن للصيام في هذه الكفّارة فإنّها تخييريّة ، والواجب إنّما هو الجامع ، وإنّما يتعيّن في كفّارة الظهار لدى العجز عن العتق بمقتضى الترتيب الملحوظ هنالك ، فيصحّ حينئذٍ أن يقال : إنّه كان عليه الصيام أي سابقاً وإن كان فعلاً عاجزاً عنه وعن الإطعام أيضاً كما هو المفروض في الرواية.

ويؤيّده قوله (عليه السلام) أخيراً : «عن كلّ عشرة مساكين ثلاثة أيّام» حيث يظهر منه أنّ الفائت منه هو إطعام الستّين ، ولأجله حوسب بدل كلّ عشرة ثلاثة ، وهذا إنّما ينطبق على كفّارة الظهار المنتهية أخيراً إلى تعيّن الإطعام لا شهر رمضان حسبما عرفت آنفاً.

وإن أبيت عمّا استظهرناه من الاختصاص بالظهار ، فغايتها الإطلاق ، فتقيَّد بصحيحتي ابن سنان المتقدّمتين الصريحتين في أنّ البدل في كفّارة شهر رمضان هو التصدّق بما يطيق ، فتحمل رواية أبي بصير على كفّارة الظهار خاصّة ، فلا وجه للحكم بالتخيير أبداً ، بل يعمل بكلّ من الروايتين في موردهما ويحكم بوجوب الصوم ثمانية عشر يوماً في كفّارة الظهار معيّناً ، وبوجوب التصدّق بما يطيق معيّناً أيضاً في كفّارة شهر رمضان ، بل لا وجه له حتّى لو فرضنا ورود الروايتين معاً في مورد واحد ، أي في خصوص كفّارة شهر رمضان لعدم كونه من الجمع العرفي في شي‌ء.

نعم ، هو متّجه فيما إذا أحرزنا وحدة المطلوب ، وأنّ التكليف المجعول في البين ليس إلّا تكليفاً واحداً مردّداً بين هذا أو ذاك ، كما لو ورد الأمر بالقصر في رواية وورد الأمر بالتمام في نفس ذلك المورد في رواية أُخرى ، أو ورد الأمر

ولو عجز أتى بالممكن منهما (1) ، وإن لم يقدر على شي‌ء منهما استغفر اللّه ولو مرّةً بدلاً عن الكفّارة.


بالظهر في دليل وبالجمعة في دليل آخر ، فإنّه حيث يعلم من الخارج أنّه لم تجب في يوم واحد إلّا صلاة واحدة لم يحتمل الجمع بين الأمرين ، فكذلك يجمع بين الدليلين برفع اليد عن ظهور كلّ منهما في الوجوب التعييني بصراحة الآخر في جواز الإتيان بالآخر فيحمل على الوجوب التخييري. وهذا النوع من الجمع ممّا يساعده الفهم العرفي في مثل هذا المورد.

وأمّا فيما لم تحرز وحدة المطلوب واحتملنا تعدّده وجداناً كما في المقام ، حيث إنّ من الجائز أن يكون البدل المجعول في ظرف العجز عن الكفّارة شيئين : الصيام ثمانية عشر يوماً ، والتصدّق بما يطيق ، فمقتضى الجمع العرفي بين الدليلين حينئذٍ هو الالتزام بكلا الأمرين معاً لا أحدهما مخيّراً كما لا يخفى ، ولأجله التزمنا بوجوب ضمّ الاستغفار إلى التصدّق بما يطيق ، لورود الأمر به في صحيحة علي ابن جعفر ، حيث تضمّنت بعد الأمر بالترتيب في كفّارة شهر رمضان المحمول على الاستحباب كما تقدّم سابقاً قوله (عليه السلام) : «فإن لم يجد فليستغفر اللّه» (1).

فإنّ مقتضى الجمع العرفي بين هذه الصحيحة وبين صحيحتي ابن سنان المتقدّمتين المتضمّنتين للتصدّق بما يطيق هو الجمع بين الأمرين وضمّ أحدهما إلى الآخر ، وهذا هو الأقوى.

(1) في العبارة مسامحة ظاهرة ، إذ لا معنى للإتيان بالممكن من الصدقة لدى العجز عن التصدّق بما يطيق ، ويريد بذلك واللّه العالم أنّه لدى العجز أتى


1) الوسائل 10 : 48 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 8 ح 9.

.................................................................................................


بالممكن منهما ، أي من مجموع الأمرين : من الصوم ثمانية عشر يوماً ، ومن التصدّق بما يطيق ، والممكن من هذا المجموع هو الصوم دون هذا العدد بمقدار ما يتيسّر ولو يوماً واحداً. فقوله (قدس سره) : منهما ، أي من المجموع لا من الجميع وكلّ واحد من الأمرين ليتوجّه الإشكال المزبور.

نعم ، العبارة قاصرة عن إفادة ذلك ، ولأجله قلنا : إنّ فيها مسامحة ظاهرة.

وأمّا توجيهها بأنّ المراد من التصدّق بما يطيق التصدّق على الستّين بأقلّ من المدّ فيكون البدل حال العجز عن ذلك هو الإتيان بما يمكنه من هذا العدد.

فبعيدٌ غايته ، ولا تتحمّله العبارة بوجه ، كما لا يساعده الدليل.

وكيفما كان ، فلم يُعرَف مستند لما ذكره (قدس سره) من الإتيان بالممكن منهما إلّا قاعدة الميسور التي هي غير تامّة في نفسها ، كما تعرّضنا له في محلّه ، فمقتضى القاعدة حينئذٍ بناءً ما اختاره من الوجوب التخييري سقوط التكليف رأساً لمكان العجز.

وأمّا ما ذكره (قدس سره) من الانتقال إلى الاستغفار لدى العجز عن البدل فهو أيضاً لا يمكن المساعدة عليه ، إذ لم يجعل هو بدلاً عن البدل في شي‌ء من النصوص ، وإنّما جعل بدلاً عن نفس الكفّارة في صحيحة ابن جعفر المتقدّمة ، فهو في عرض التصدّق بما يطيق ، وكلاهما بدل عن الكفّارة لدى العجز عنها ، ولذا قلنا بوجوب الجمع بينهما ، لا أنّه في طول التصدّق ليكون بدلاً عنه كما ذكره في المتن.

وكيفما كان ، فلا ينبغي الإشكال في كفاية الاستغفار مرّةً واحدة ، عملاً بإطلاق الصحيحة.

وإن تمكّن بعد ذلك منها أتى بها (1)(1).


(1) لو عجز عن الكفّارة فانتقل إلى البدل وهو الصوم ثمانية عشر يوماً ، أو التصدّق بما يطيق حسبما ذكره ، أو خصوص التصدّق بضميمة الاستغفار كما هو المختار ثمّ تجددت القدرة عليها ، فهل يجتزئ بما أتى به من البدل ، أو تجب الكفّارة حينئذٍ؟

اختار الثاني في المتن ، وهو الصحيح ، فإنّ دليل البدليّة إنّما يقتضي الإجزاء فيما إذا كان المبدل منه من المؤقّتات ، فلو كان له وقت معيّن وكان عاجزاً عن الإتيان به في وقته وقد جعل له بدل فمقتضى دليل البدليّة بحسب الفهم العرفي وفاء البدل بكلّ ما يشتمل عليه البدل منه من الملاك الذي نتيجته الإجزاء ، فلا حاجة إلى التدارك والقضاء لو تجدّدت القدرة بعد خروج الوقت.

ومن المعلوم أنّ المبدل منه في المقام غير مؤقت بزمان خاص ولا فوري ، بل يستمرّ وقته ما دام العمر. وعليه ، فلا ينتقل إلى البدل إلّا لدى العجز المستمرّ ، فلو تجدّدت القدرة كشف ذلك عن عدم تحقّق موضوع البدل ، وعدم تعلّق الأمر به من الأوّل ، وإنّما كان ذلك أمراً خياليّاً أو ظاهريّاً ، استناداً إلى استصحاب بقاء العجز بناءً على جريانه في الأُمور الاستقباليّة كما هو الصحيح وكلّ ذلك يرتفع لدى انكشاف الخلاف ويعلم به أنّ الواجب عليه من الأوّل كان هو الكفّارة نفسها ، غاية الأمر أنّه كان معذوراً في تركها إلى الآن لمكان العجز ، وقد عرفت أنّ العجز غير المستمرّ لا يؤثّر في سقوط الأمر عن الواجب غير المؤقّت ، فيجب الإتيان به حينئذٍ بطبيعة الحال.


1) (*) على الأحوط.

[2489] مسألة 20 : يجوز التبرع بالكفّارة عن الميّت صوماً كانت أم غيره ، وفي جواز التبرّع بها عن الحيّ إشكال (1) ، والأحوط العدم خصوصاً في الصوم.


(1) لا إشكال في جواز التبرّع بالكفّارة عن الميّت.

وهل هي تخرج على تقدير عدم التبرع من الأصل أو الثلث؟

فيه كلام ليس هنا محلّ ذكره.

وكيفما كان ، فلا شكّ في جواز التبرّع بها كغيرها من سائر الصدقات ونحوها من وجوه البرّ والخير عنه ، وأنّه يصل ثوابها إليه وينتفع بها ، ويقال له : إن هذا هديّة من أخيك فلان ، للنصوص الكثيرة الدالّة على ذلك التي تقدمت في كتاب الصلاة في مبحث القضاء (1)، وقد ذكر صاحب الوسائل أكثر هذه النصوص في أبواب المحتضر (2).

وأمّا التبرّع بها عن الحيّ ففيه كلام ، فجوّزه جماعة ، ومنعه آخرون ، ولعلّه المشهور كما في الجواهر (3)، وفصّل بعضهم ومنهم المحقّق في الشرائع (4)بين الصوم فلا يجوز ، وبين غيره من العتق والإطعام فيجوز ، فالأقوال في المسألة ثلاثة.

ولا بدّ من التكلّم في جهات :


1) شرح العروة (كتاب الصلاة الجزء الخامس القسم الأوّل) : 238 239.

2) الوسائل 2 : 443 / أبواب الاحتضار ب 28.

3) الجواهر 16 : 314.

4) الشرائع 1 : 224.

.................................................................................................


الاولى : هل يعتبر في العتق والإطعام أن يكونا من خالص ماله ، أو يجوز التصدّي لذلك ولو من مال غيره المأذون في التصرّف فيه بحيث يكون هو المعتق والمتصدّق وإن لم يكن المال له ، وإنّما هو مرخّص في التصرّف فيه؟

الظاهر أنّه لا ينبغي الشكّ في الجواز ، لإطلاق الروايات ، فإنّ الواجب عليه هو عتق النسمة وإطعام الستّين بحيث يكون الفعل صادراً عنه ومستنداً إليه ، وأمّا كونهما من ملكه وماله فلم يعتبر ذلك في شي‌ء من النصوص ، فلو أباح له أحد في التصرّف في ماله فأطعم أو أعتق منه كفى في مقام الامتثال بمقتضى الإطلاق.

وأمّا ما ورد من أنّه لا عتق إلّا في ملك (1)، فإمّا أن يراد به عدم جواز عتق غير المملوك وهو الحرّ أو يراد أنّه لا بدّ وأن يستند إلى المالك ولو بأن يكون بإذنه ، وأمّا لزوم صدور العتق من نفس المالك فلا دلالة له عليه بوجه كما لا يخفى ، ولا شكّ أنّ العتق الصادر ممّن هو مأذون من المالك كما يستند إلى المعتق باعتبار أنّه من قبله يستند إلى المالك أيضاً من جهة صدوره بإذنه ، فيصحّ أن يقال : إنّ العتق وقع في الملك باعتبار صدوره بإذن المالك.

وهذا الكلام جارٍ في غير المقام أيضاً مثل النذر ، فلو نذر أن يعتق أو يطعم جاز له الإخراج من مال غيره المأذون في التصرّف فيه ، إذا لم يتعلّق النذر بخصوصيّة الإخراج من خالص المال.

وعليه ، فلو كان المفطر فقيراً لا مال له وكان والده ثريّاً وهو مرخّص في التصرّف في ماله ، جاز له الصرف منه في الكفّارة ويصحّ معه أن يقال : إنّه أعتق نسمة أو أطعم الستّين وإن لم يكن ذلك من مال نفسه.

ويؤيّده ما ورد في قصّة الأعرابي الذي واقع في نهار رمضان وادّعى العجز


1) الوسائل 3 : 15 / كتاب العتق ب 5.

.................................................................................................


عن الكفّارة من قول النبيّ (صلّى اللّه عليه وآله) له : «خذ هذا التمر وتصدق به» (1)، فإنّ هذا وإن أمكن أن يكون من باب التمليك ، إلّا أنّ ذلك غير ظاهر من الرواية ، ولعلّ ظاهرها التصدّق من مال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله). وعليه ، فهي مؤكّدة للمطلوب.

وكيفما كان ، فالإطلاقات كافية من غير حاجة إلى ورود دليل خاصّ حسبما عرفت.

الثانية : هل يعتبر التصدِّي للعتق أو الإطعام مباشرةً أو يجوز التوكيل فيهما؟

الظاهر أنّه لا ينبغي الإشكال في جواز التوكيل ، فإنّ فعل الوكيل فعل الموكّل نفسه عرفاً وينتسب إليه حقيقةً ومن غير أيّة عناية ، ويكفي في ذلك إطلاق الأدلّة بعد عدم الدليل على اعتبار المباشرة.

وقد ذكرنا في بعض مباحث المكاسب (2)أنّ الوكالة على طبق القاعدة في موردين ، وفي غيرهما يحتاج إلى قيام دليل بالخصوص :

أحدهما : الأُمور الاعتباريّة بأسرها ، من البيع والهبة والطلاق والنكاح والعتق ونحوها ، فإنّ الأمر الاعتباري وإن توقّف تحقّقه على الاعتبار النفساني مع إبرازه بمبرز ، وبهذا الاعتبار يكون فعلاً ممّن صدر منه مباشرةً ، إلّا أنّه لكونه خفيف المئونة يكفي في انتسابه إليه انتهاؤه إليه إمّا لمباشرته في إيجاده أو لتسبيبه فيه بتفويضه إلى غيره ، فلو وكلّ أحداً في تولّي البيع مثلاً فاعتبره الوكيل وأبرزه خارجاً ، يُنسَب البيع حينئذٍ إلى الموكّل حقيقةً ومن غير أيّة عناية كما ينسب إلى الوكيل ، لأنّ البيع ليس إلّا الاعتبار بضميمة الإبراز ، وقد


1) الوسائل 10 : 45 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 8 ح 2.

2) شرح العروة 31 : 497.

.................................................................................................


تحقّقا معاً بفعل الوكيل مباشرةً والموكّل تسبيباً ، فيصحّ أن يقال حقيقةً : إنّ الموكّل باع أو أعتق أو وهب أو نحو ذلك من سائر العقود والإيقاعات ، وهذا أمر عرفي عقلائي لا حاجة فيه إلى قيام دليل عليه بالخصوص.

ثانيهما : كلّ ما هو من قبيل القبض والإقباض والأخذ والإعطاء فإنّها وإن كانت من الأُمور التكوينيّة ، إلّا أنّها بمنزلة الأُمور الاعتباريّة في أنّ الوكالة تجري فيها بمقتضى السيرة العقلائيّة ، مضافاً إلى استفادة ذلك من بعض الروايات ، فلو وكّل أحداً في تسلّم ما يطلبه من الغريم فأخذه كان قبضه قبضه حقيقةً بالنظر العرفي ، فلو تلف لم يضمنه المديون بل تفرغ ذمّته بمجرّد الدفع إلى الوكيل وإن لم يصل إلى الموكّل.

وكذلك الحال في الإقباض ، فلو وكّل أحداً في أن يعطي زكاته أو ديناً آخر لزيد برئت ذمّته بمجرّد الدفع ، ونحوه ما لو باع في مكان ووكّل أحداً في أن يقبض المبيع في مكان آخر.

وبالجملة : ففي هذه الموارد يُنسَب الفعل إلى الموكّل حقيقةً ، فهو أيضاً قابض من غير أيّة عناية.

وأمّا سائر الأُمور التكوينيّة غير ما ذكر من الأكل والشرب والنوم ونحو ذلك فهي غير قابلة للتوكيل ولا يستند الفعل فيها إلى غير المباشر بوجه من الوجوه ، فلا يصحّ أن يقال : زيد نام ، فيما لو طلب من عمرو أن ينام عنه ، وهكذا الحال في سائر الأفعال.

نعم ، لا بأس بالإسناد المجازي في بعض الموارد ، كما لو أمر بضرب أحد أو قتله ، فإنّه قد يُنسَب الفعل حينئذٍ إلى الآمر بضربٍ من العناية ، وإلّا فالفعل الخارجي غير منتسب إلى الآمر انتساباً حقيقيّا.

وكيفما كان ، فجريان الوكالة في غير ما ذكرناه يحتاج إلى الدليل ، فإن نهض

.................................................................................................


كما في الحج حيث ثبت بالدليل الخاصّ جواز التوكيل فيه وأنّ حج الوكيل حجٌّ للموكّل والمستنيب فهو ، وإلّا كما في غير مورد الحجّ فلا مجال لجريان الوكالة فيه ، فلا يصحّ التوكيل في مثل الصوم والصلاة ونحوهما ممّا هو واجب عبادي أو غير عبادي.

وعليه ، ففي مقامنا هذا أعني : خصال الكفّارة يجري التوكيل في اثنتين منها ، وهما العتق والإطعام ، لأنّ الأوّل أمر اعتباري ، والثاني من قبيل الإقباض والإعطاء. وأمّا الثالث وهو الصوم فغير قابل لذلك ، لعدم الدليل عليه ، ومقتضى إطلاق الدليل صدور الصوم من المفطر مباشرةً لا من شخص آخر ، فلا يجري فيه التوكيل.

هذا تمام الكلام في التوكيل.

الجهة الثالثة : في التبرّع عن الغير ، وقد سبق أنّ الأقوال فيه ثلاثة : الجواز مطلقاً ، والمنع مطلقاً ، والتفصيل بين الصوم وغيره.

أما الجواز مطلقاً : فمبني على أمرين :

أحدهما : دعوى أنّ الكفّارة كغيرها من الواجبات الإلهيّة دينٌ كسائر الديون فيجري عليها حكمه.

ثانيهما : إنّ كل دين يجوز التبرّع فيه من غير إذن ولا توكيل.

وأمّا المنع مطلقاً : فيستدلّ له بأنّ ظاهر الأمر والخطاب المتوجّه إلى شخص بشي‌ء وجوب مباشرته له ، أو ما في حكمها من التوكيل فيما يجري فيه التوكيل ، وأمّا السقوط بفعل المتبرّع فهو خلاف ظاهر الإطلاق فلا يصار إليه من غير دليل ، ولا دليل عليه في المقام.

وأمّا التفصيل : فوجهه أنّ كلّ ما يقبل التوكيل يقبل التبرّع أيضاً ، وبما أنّك عرفت قبول العتق والإطعام للتوكيل دون الصيام فالأمر بالنسبة إلى التبرّع

.................................................................................................


أيضاً كذلك.

والصحيح من هذه الأقوال هو القول الثاني أعني : المنع المطلق الذي عرفت أنّ صاحب الجواهر نسبه إلى المشهور بعد أن قوّاه ، ويظهر وجهه من تزييف القولين الآخرين.

أمّا القول بالجواز مطلقاً بدعوى أنّ حقوق اللّه دَين وكلّ دَين يجوز فيه التبرّع ، فهو ممنوع صغرىً وكبرى كما تقدم التعرّض له في كتاب الصلاة (1)، فإنّ لفظ الدَّين وإن أُطلق على بعض الواجبات كالصلاة والحجّ في بعض الروايات التي منها رواية الخثعمية المتضمّنة لقول النبي (صلّى اللّه عليه وآله) : «دَين اللّه أحقّ بالقضاء» (2)فأطلق لفظ الدَّين على الحجّ غير أنّها ضعيفة السند ، لكونها مرويّة من طرق العامّة لا من طرقنا.

نعم ، أُطلق عليه في بعض رواياتنا المعتبرة ، بل عومل معه معاملة الدين وجُعِل بمنزلته ، ولذا يخرج من الأصل كما صرّح به في بعض الأخبار ، إلّا أنّه لا ينبغي الشكّ في أنّ الإطلاق المزبور حتّى لو ثبت في جميع الواجبات الإلهيّة فإنّما هو مبني على ضربٍ من المسامحة والعناية باعتبار كونها ثابتة في الذمّة ، وإلّا فالمنسبق من هذا اللفظ بحسب الظهور العرفي خصوص الدين المالي لا مطلق الواجب الإلهي.

ولو سلّمنا الصغرى فالكبرى ممنوعة ، إذ لم يثبت جواز التبرّع عن الغير في كلّ دين ، وإنّما ثبت ذلك في خصوص الديون الماليّة بمقتضى السيرة العقلائيّة وبعض الروايات الواردة في الموارد المتفرّقة ، مثل ما ورد من أنّ من وظائف الابن أداء دين أبيه ، وأنّ دين المؤمن العاجز عن الوفاء على الإمام يقضيه من


1) شرح العروة (كتاب الصلاة الجزء الخامس القسم الأوّل) : 237.

2) لاحظ صحيح مسلم 2 : 804 / 154 ، سنن البيهقي 4 : 255.

.................................................................................................


الزكاة من سهم الغارمين ونحو ذلك ، وأمّا أنّ مطلق ما كان واجباً وإن عُبِّر عنه بالدين يصحّ التبرّع به عن الغير فلم يقم عليه أيّ دليل ، بل لعلّه خلاف الإجماع والضرورة في كثير من الموارد من الصلاة والصيام ونحوهما.

نعم ، ثبت ذلك في خصوص الحجّ لدى العجز فهو بمنزلة الدين ، ولذا يخرج من أصل المال كما ذكر ، وأمّا في غيره فلا ، فلم تثبت الكبرى على إطلاقها.

وكيفما كان ، فالقول بالجواز المطلق ضعيف جدّاً.

وأمّا القول بالتفصيل ، فالمنع في الصوم جيّد ، لما عرفت من أنّه عبادة قد خوطب المفطر بأدائها ، فسقوطها بفعل الغير بدلاً عنه يحتاج إلى الدليل ، ولا دليل ، ومقتضى الإطلاق العدم.

وأمّا الجواز في العتق والإطعام فمبنى كلام المحقّق على ما يظهر من كلماتهم أنّ جريان الوكالة والنيابة فيهما كما تقدّم يكشف عن عدم اعتبار المباشرة ، ومقتضى عدم اعتبارها جريان التبرّع أيضاً فيهما ، إذ لا خصوصيّة للاستنابة بعد فرض عدم اعتبار المباشرة.

ولكنّه أيضاً ضعيف ، للفرق الواضح بين التوكيل والتبرّع ، فإنّ فعل الوكيل فعل الموكّل بنفسه ومستند إليه حقيقةً ومن غير أية عناية ، لعدم الفرق في صحّة الإسناد بين المباشرة والتسبيب فيما إذا كان الفعل قابلاً للتوكيل ، كما في الأُمور الاعتباريّة وبعض التكوينيّة حسبما مرّ ، فالبيع أو الهبة أو الطلاق الصادر من الوكيل مستندٌ إلى الموكّل حقيقةً ، فبيعه بيعه ، كما أنّ قبضه قبضه وعطاؤه عطاؤه بالسيرة العقلائية ، ومن ثمّ لو وكّل أحداً في قبض ماله من الدين برئت ذمّة المدين بمجرّد الدفع إلى الوكيل وإن تلف المال ولم يصل إلى الموكّل ، لأنّه بأدائه إلى الوكيل قد أدّاه إلى الموكّل حقيقة. وعليه ، فلو كان المكلّف مأموراً ببيع الدار مثلاً أو بالعتق أو بالإطعام ونحو ذلك ممّا يقبل

[2490] مسألة 21 : من عليه كفّارة إذا لم يؤدها حتّى مضت عليه سنين لم تتكرّر (1).


التوكيل ، فلا فرق حينئذٍ بين التصدِّي له بنفسه مباشرةً وبين الاستنابة والتوكيل فيه ، لأنّه هو البائع والمعتِق والمطعِم على التقديرين.

وأمّا لو تبرّع به شخص آخر من غير توكيل وتسبيب ، فما هو الدليل على سقوط الواجب عن المكلّف المتوجّه إليه الخطاب؟ فانّ مقتضى الإطلاق وعدم اشتراط التكليف بعدم الصدور من الغير هو عدم السقوط بفعله ، ومعلومٌ أنّ مجرّد قصد الغير النيابة عن المكلّف والإتيان من قبله لا يصحّح إسناد الفعل إليه ، كما كان كذلك في مورد التوكيل والتسبيب ، فلا يقاس فعل المتبرّع بفعل الوكيل ، فإنّ فعله فعل الموكّل حقيقةً ، وليس كذلك فعل المتبرّع بعد أن لم يكن ببعث المتبرّع عنه.

وعلى الجملة : لا علاقة ولا ارتباط لفعل المتبرّع بالمتبرّع عنه ، ومجرّد قصد النيابة لا يحقّق الإضافة ولا يجعل الفعل فعله ولا يسنده إليه عرفاً بوجه ، فلا مقتضى لكونه مسقطاً للتكليف ، إلّا فيما قام الدليل عليه بالخصوص ، وإلّا فمقتضى الإطلاق عدم السقوط ، وأنّه لا بدّ من صدوره من نفس المأمور أمّا مباشرةً أو تسبيباً ، ولا ينطبق شي‌ء منهما على فعل المتبرّع كما هو ظاهر جدّاً.

فتحصّل : أنّ الأظهر ما عليه المشهور من المنع مطلقاً ، أي من غير فرق بين الصوم وغيره.

(1) فإنّ السبب الواحد له مسبّب واحد ، ولا دليل على أنّ التأخير من موجبات الكفّارة ، فلا مقتضي للتكرّر كما هو أوضح من أن يخفى.

[2491] مسألة 22 : الظاهر أنّ وجوب الكفّارة موسّع فلا تجب المبادرة إليها (1). نعم ، لا يجوز التأخير إلى حدّ التهاون.


(1) أفاد (قدس سره) أنّ وجوب الكفّارة ليس بفوري ، فيجوز التأخير ما لم يصل إلى حدّ التهاون والإهمال ، كما هو الحال في بقيّة الواجبات غير المؤقّتة.

هذا ، وربّما تحتمل الفوريّة ، نظراً إلى أنّها كفّارة للذنب رافعة له ، فحكمها حكم التوبة التي تجب المبادرة إليها عقلاً ، لمبغوضيّة البقاء على الذنب كحدوثه بمناط واحد ، إذن فيجب التسرّع إلى تفريغ الذمة عن الذنب بفعل الكفّارة كما في التوبة.

أقول : الظاهر عدم تماميّة شي‌ء من الأمرين.

أمّا تحديد التأخير بعدم التهاون : فلعدم الدليل عليه ، بل العبرة في مقدار التأخير أن لا يصل إلى حدّ لا يُطمأنّ معه بأداء الواجب ، نظراً إلى أنّ التكليف بعد أن صار فعليّاً وبلغ حدّ التنجّز وجب الاطمئنان بالخروج عن عهدته قضاءً ، لحكم العقل بأنّ الاشتغال اليقيني يستدعي البراءة اليقينيّة ، فلا بدّ من اليقين أو ما في حكمه من الاطمئنان بحصول الامتثال إمّا فعلاً أو فيما بعد ، وأمّا لو لم يطمئنّ بذلك فأحتمل العجز لو أخّر وجبت المبادرة حينئذٍ ولم يسغ له التأخير ، لما عرفت من حكومة العقل بلزوم إحراز الطاعة للتكليف المنجّز.

وهذا يجري في جميع الواجبات غير الفوريّة وإن كانت مؤقّتة ، فلو احتمل أنّه بعد ساعة من الزوال لا يمكن من الامتثال بحيث زال عنه الاطمئنان ، وجبت المبادرة إلى أداء الفريضة ، ولا يسعه التأخير اعتماداً على امتداد الوقت إلى الغروب الواجب وإن كان هو الكلّي الجامع والطبيعي الواقع بين الحدّين ، لكن لا بدّ بحكم العقل من إحراز الامتثال المفقود مع الاحتمال المزبور ، فالعبرة

.................................................................................................


بالاطمئنان دون التهاون ، وكان عليه (قدس سره) أن يعبّر هكذا : نعم ، لا يجوز التأخير إلّا مع الاطمئنان من الأداء.

وأمّا ما ذُكِر وجهاً للفوريّة من أنّ البقاء على الذنب كحدوثه فهو إنّما يستقيم في مثل التوبة ، فإنّ العزم على المعصية بل التردّد فيها مبغوض ، ولا بدّ للمؤمن من أن يكون بانياً على عدم العصيان ، فلو ارتكب فلا بدّ من التوبة أي الندم على ما فعل والعزم على أن لا يفعل ، وهذا كلّه واجب دائماً ، لكونه من لوازم الإيمان ومن شؤون الإطاعة والعبوديّة ، وإلّا كان متجرّياً ، ولأجله كان وجوب التوبة فوريّاً.

وأمّا الكفّارة فليست هي من التوبة في شي‌ء وإن أُطلق عليها هذا اللفظ في بعض النصوص ، وإنّما هي واجبة استقلالاً شُرِّعت عقوبةً على ما فعل ، ويعبَّر عنها بالغرامة أو الجريمة في اللغة الدارجة وليست رافعة لأثر الذنب بوجه ، كيف؟! ولو فرضنا شخصاً ثريّاً يفطر كلّ يوم متعمّداً ويكفّر عنه مع عزمه على العود في اليوم الآخر أفيحتمل ارتفاع أثر الذنب بالنسبة إليه بمجرّد تكفيره؟

وعلى الجملة : الكفّارة شي‌ء والتوبة شي‌ء آخر ، والرافع لأثر الذنب خصوص الثاني بمقتضى النصوص الكثيرة ، التي منها قوله (عليه السلام) : «التائب من الذنب كَمَن لا ذنبَ له» (1)، وقد قال تعالى ( فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ ) (2)وأمّا الأوّل فلم يدلّ أيّ دليل على كونه رافعاً للذنب ، وإنّما هو واجب آخر جُعل تأديباً للمكلف وتشديداً في حقّه كي لا يعود ويرتدع عن الارتكاب ثانياً ، كما في كفّارة الإحرام ، فلا وجه لقياس أحدهما بالآخر.


1) الوسائل 16 : 74 ، 75 / أبواب جهاد النفس ب 86 ح 8 ، 14.

2) الفرقان 25 : 70.

[2492] مسألة 23 : إذا أفطر الصائم بعد المغرب على حرام من زنا أو شرب الخمر أو نحو ذلك لم يبطل صومه (1) وإن كان في أثناء النهار قاصداً لذلك.

[2493] مسألة 24 : مصرف كفّارة الإطعام الفقراء (2)


وعليه ، فمقتضى إطلاقات الأدلّة العارية عن التقييد بالفوريّة هو التوسعة وعدم التضييق في الكفّارة ، فله التأخير ولكن إلى حدّ يُطمأنّ معه بالامتثال حسبما ذكرناه.

(1) لعدم الموجب للبطلان بعد خروج الفرض عن منصرف النصّ قطعاً ، فإنّ موضوع الحكم بحسب منصرف الدليل هو إفطار الصائم ، وهذا قد خرج عن صومه بانتهاء أمده ، ومنه تعرف عدم القدح ولو كان قاصداً لذلك في أثناء النهار ، لتعلّق القصد حينئذٍ بما هو خارج عن ظرف الصوم كما هو ظاهر.

(2) استقصاء البحث حول هذه المسألة يستدعي التكلّم في جهات :

الاولى : الظاهر تسالم الفقهاء إلّا من شذّ منهم على جواز دفع الكفّارة إلى الفقير ، فإنّ المذكور في الآية المباركة والنصوص وإن كان هو المسكين الذي قد يُطلق على من هو أشدّ حالاً من الفقير ، إلّا أنّ المراد منه إذا استُعمِل منفرداً هو الفقير كما ادّعاه غير واحد ، ويناسبه المعنى اللغوي ، فإنّ المسكنة في اللغة على معانٍ منها : الفقر والذلّ والضعف ، فيُطلق المسكين على الفقير في مقابل الغني ، وعلى الذليل في مقابل العزيز ، وعلى الضعيف في مقابل القوي.

إذن ، فاعتبار شي‌ء آخر زائداً على الفقر بأن يكون أسوأ حالاً منه لا دليل عليه ، ومقتضى الأصل العدم ، بل قد يدلّ عليه قوله (عليه السلام) في موثّقة

إمّا بإشباعهم (1) ،


إسحاق بن عمّار الواردة في كفّارة الإطعام : ... قلت : فيعطيه الرجل قرابته إن كانوا محتاجين؟ «قال : نعم» إلخ (1)، حيث يظهر منها أنّ مجرّد الحاجة التي هي مناط الفقر كافٍ في كونه مصرف الكفّارة ، ولا يُعتَبر أزيد من ذلك ، فيكون هذا بمثابة التفسير للفظ المسكين ، وقد عرفت أنّ الحكم كالمتسالم عليه بين الأصحاب وقد ادّعي عليه الإجماع ونفي الخلاف في غير واحد من الكلمات ، فما عن بعضٍ من الاستشكال فيه في غير محلّه.

(1) الثانية : لا إشكال في اعتبار الإشباع في الإطعام ، لأنّه المنصرف إليه اللفظ بحسب المتفاهم العرفي ، فلا يجدي الأقلّ من ذلك وإن صدق عليه اللفظ ، إذ يصحّ أن يقال لمن أعطى لقمة بل أقلّ : أنّه أطعم ، لكنّه خلاف المنصرف عند الإطلاق ، فإنّ المنسبق منه هو الإطعام المتعارف البالغ حدّ الإشباع ، وقد صرّح بذلك في صحيحة أبي بصير الواردة في كفّارة اليمين التي لا يُحتمَل الفرق بينها وبين المقام كما لا يخفى ، حيث قال (عليه السلام) : «يشبعهم به مرّةً واحدة» إلخ (2)، على أنّ «طعم» بفتح العين بمعنى شبع ، فلو كان الإطعام مشتقّاً من هذه المادّة لكان الإشباع معتبراً في مفهومه كما هو ظاهر قوله تعالى ( أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ ) (3).

وكيفما كان ، فلا إشكال في أنّ الإطعام المجعول عدلاً للخصال يتحقّق بأحد أمرين : إمّا بالتسبيب إلى الأكل ببذل الطعام خارجاً ليأكله ، أو بالتسليم والإعطاء ،


1) الوسائل 22 : 386 / أبواب الكفّارات ب 16 ح 2.

2) الوسائل 22 : 381 / أبواب الكفّارات ب 14 ح 5.

3) قريش 106 : 4.

وإمّا بالتسليم إليهم كلّ واحد مدّاً (1) ،


لصدق الإطعام على كلّ منهما ، فالواجب هو الجامع بينهما ، فيتخيّر بين الأمرين :

فإن اختار الأوّل فحدّه الإشباع كما عرفت ، وإن لم يُذكَر له تحديدٌ في نصوص الباب.

(1) وأمّا إذا اختار الثاني فالمصرّح به في غير واحد من النصوص المعتبرة أنّ حدّه مدّ لكلّ مسكين ، وهو المشهور بين جمهور الأصحاب ما عدا الشيخ وبعض ممّن تبعه ، فذكر أنّه مدّان لكلّ مسكين ، بل ادّعى في الخلاف الإجماع عليه (1)، وهو لا يخلو من غرابة بعد مخالفة أكثر الأصحاب وإطباق نصوص الباب على الاجتزاء بمدّ واحد ، إذ لم يرد المدّان في شي‌ء منها.

نعم ، ورد ذلك في كفّارة الظهار ، وحينئذٍ فإن بنينا على عدم الفصل بينها وبين المقام كما لا يبعد ، بل لعلّه الأظهر ، لعدم احتمال التفكيك بين الموردين من هذه الجهة ولا قائل به أيضاً فاللّازم حمل الأمر بالمدّين على الأفضليّة ، جمعاً بينه وبين نصوص الباب المصرّحة بالاجتزاء بالمدّ كما عرفت ، فيُرفع اليد عن ظهور الأمر في الوجوب بصراحة غيره في جواز المدّ الواحد ، فهو من قبيل الدوران بين الأقل والأكثر ، فيُقتصَر في الوجوب على الأقل الذي هو المتيقّن ، ويُحمَل الزائد على الاستحباب.

وأمّا إذا بنينا على الفصل بين المقامين ، فغايته الاقتصار في المدّين على مورده وهو الظهار ، فلا وجه للتعدّي عنه إلى المقام بعد عدم ورود ذلك في شي‌ء من روايات الباب حسبما عرفت.


1) الخلاف 4 : 560 561 / 62.

.................................................................................................


وكيفما كان ، فلا اختلاف في نصوص المقام من حيث التحديد بالمدّ كما عرفت.

نعم ، هي مختلفة من حيث التحديد بالصاع ، ففي جملة منها : أنّها عشرون صاعاً ، وفي بعضها : خمسة عشر صاعاً ، وفي بعضها الآخر كصحيحة جميل أنّها عشرون صاعاً يكون عشرة أصوع بصاعنا (1).

هذا ، ولا يبعد أن يكون الصاع مثل الرطل الذي تقدّم في مبحث الكرّ (2)أنّ له إطلاقات ويختلف باختلاف البلدان ، فالرطل المكّي يعادل رطلين عراقيّين ورطلاً ونصفاً من المدني ، فتسعة أرطال مدنيّة تساوي ستّة أرطال مكّيّة واثنى عشر عراقيّة ، وبهذا يرتفع التنافي المتراءى بين نصوص الكرّ ، فيُحمَل ما دلّ على أنّه ألف ومائتا رطل على العراقي ، وما دلّ على أنّه ستمائة رطل على المكّي ، وما دلّ على أنّه تسعمائة على المدني ، وقد أقمنا شواهد على ذلك حسبما مرّ في محلّه.

وعليه ، فلا يبعد أن يكون الصاع أيضاً كذلك فيختلف باختلاف البلدان ، كما هو الحال في كثير من الأوزان مثل الحقّة والمنّ ، فالمنّ الشاهي ضعف التبريزي ، وحقّة إسلامبول ثلث حقّة النجف تقريباً ، ونحوهما غيرهما.

وفي صحيحة جميل المتقدّمة شهادة على ذلك ، حيث صرّح فيها بأنّ صاعه (عليه السلام) يساوي صاعي النبي (صلّى اللّه عليه وآله) ، والصاع المعروف هو أربعة أمداد.

وعليه يُحمَل ما دلّ على أنّه خمسة عشر صاعاً الذي يساوي ستّين مدّاً.

وعلى كلّ حال ، فهذا الاختلاف غير قادح بعد التصريح في غير واحد من


1) الوسائل 10 : 45 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 8 ح 2.

2) شرح العروة 2 : 153.

والأحوط مدّان من حنطة أو شعير أو أرز أو خبز أو نحو ذلك (1) ،


الأخبار بأنّ الاعتبار بستّين مدّاً لكلّ مسكين مدّ ، فالمعبرة بهذا الوزن الواقعي الذي هو مقدار معيّن معلوم ، سواء أكان مساوياً لعشرة أصوع أم لخمسة عشر أم لعشرين ، فإنّ ذلك لا يهمّنا والجهل به لا يضرّنا.

(1) الثالثة : مقتضى الإطلاق في هذه الأخبار أنّه لا فرق في الإطعام وفي إعطاء المدّ بين أنواع الطعام ، فيُجتزأ بكلّ ما صدق عليه أنّه طعام من خبز أو شعير أو أرز ونحو ذلك ، فالعبرة بالإطعام الخارجي بحيث يقال : إنّه أطعم أو أعطى مدّاً من الطعام من أيّ قسم كان ، فمتى صدق الإطعام أو صدق أنّه تصدّق بمدّ من الطعام يُجتزأ به بمقتضى الإطلاق.

نعم ، في روايات كفّارة اليمين اختصّت الحنطة والشعير والخلّ والزيت بالذكر ، فلو فرضنا أنّا التزمنا بالاختصاص هناك فلا وجه للتعدّي عنه إلى المقام بعد أن لم تكن في نصوص الباب دلالة بل ولا اشعار باعتبار طعام خاصّ ، فكلّ ما صدق عليه الطعام ولو كان مثل الماش والعدس ونحو ذلك يُجتزأ به ، عملاً بالإطلاق.

الرابعة : لا يخفى أنّ الظاهر ممّا ورد في غير واحد من الأخبار من أنّه يعطى لكلّ مسكين مدّ : أنّ الإعطاء على وجه التمليك لا مجرّد الإباحة في الأكل ، فإنّ ظاهر الإعطاء له تخصيصه به من جميع الجهات لا من جهة الأكل فقط ، وهذا مساوق للتملّك. ويؤيّده بل يؤكّده إطلاق لفظ الصدقة عليه في بعض الأخبار.

ومعلومٌ أن الفقير مالك للصدقة ، بل أنّ نفس المقابلة بين الإطعام وبين الإعطاء المذكورة في النصوص لعلّها ظاهرة في ذلك ، وأنّه مخيّر بين بذل الطعام وإباحة الأكل وبين إعطاء المدّ وتمليكه له ، فيتصرّف فيه كيفما يشاء من أكله أو

ولا يكفي في كفّارة واحدة إشباع شخص واحد مرّتين أو أزيد أو إعطاؤه مدّين أو أزيد ، بل لا بدّ من ستّين نفساً (1).

نعم ، إذا كان للفقير عيال متعدّدون ولو كانوا أطفالاً صغاراً (2) يجوز إعطاؤه بعدد الجميع لكل واحد مدّاً.


هبته بيعه وصرف ثمنه في حاجياته حتّى بيعه من المعطي نفسه ، والظاهر تسالم الأصحاب على ذلك من غير خلاف ، فيدفع للفقير بعنوان التمليك لا بعنوان التوكيل ليحتفظ به حتّى يأكله.

(1) الخامسة : لا يخفى أنّ الروايات صريحة في الأمر بإطعام ستّين مسكيناً ، ومن المعلوم أنّ الستّين لا ينطبق على الأقل منه كالخمسين أو الأربعين أو الثلاثين ونحو ذلك ، ومقتضاه لزوم مراعاة هذا العدد وإطعام ستّين شخصاً ، فلا يجدي التكرار بالنسبة إلى شخص واحد بأن يطعم فقيراً ستّين مرة أو فقيرين ثلاثين مرّة أو ثلاثة عشرين مرّة أو نحو ذلك ، بل لا بدّ من المحافظة على عدد الستّين ، عملاً بظاهر النصّ.

ويدلُّ عليه مضافاً إلى ما عرفت من عدم الصدق - : موثّقة إسحاق بن عمّار المتقدّمة ، قال : سألت أبا إبراهيم (عليه السلام) عن إطعام عشرة مساكين أو إطعام ستّين مسكيناً ، أيجمع ذلك لإنسان واحد يعطاه؟ «قال : لا ، ولكن يعطى إنساناً إنساناً كما قال اللّه تعالى» إلخ (1).

(2) السادسة : لا فرق في المسكين بين الصغير والكبير ولا بين الرجل والمرأة ، فلا يُعتبَر البلوغ ولا الرجوليّة ، لإطلاق الأدلّة ، بل قد يظهر من بعض الروايات


1) الوسائل 22 : 386 / أبواب الكفّارات ب 16 ح 2.

.................................................................................................


المفروغيّة من ذلك ، ففي صحيح يونس بن عبد الرحمن : «ويتمّم إذا لم يقدر على المسلمين وعيالاتهم تمام العدّة التي تلزمه أهل الضعف ممّن لا ينصب» (1).

فيظهر منها المفروغيّة عن جواز إعطاء العيال بما فيهم من الصغار والنساء.

ونحوها صحيحة الحلبي الواردة في كفّارة اليمين عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في قول اللّه عزّ وجلّ ( مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ ) (2)«قال : هو كما يكون أن يكون في البيت من يأكل المدّ ، ومنهم من يأكل أكثر من المدّ ، ومنهم من يأكل أقلّ من المدّ ، فبين ذلك» إلخ (3).

وفي صحيحة يونس الأُخرى التصريح بعدم الفرق بين الصغار والكبار والنساء والرجال وأنّهم في ذلك سواء (4).

وعلى الجملة : فيظهر من هذه الروايات وغيرها المفروغيّة عن أصل الحكم ، وهو الذي يقتضيه أخذ عنوان المسكين موضوعاً للحكم في النصوص من غير تقييده في شي‌ء منها بالبلوغ أو الرجوليّة.

هذا ، ومن المعلوم أنّه لا بدّ وأن يكون الإعطاء للصغار إعطاءً صحيحاً ممضى عند الشارع ليصدّق أنّه أعطى المسكين ، وإلّا فلا أثر له ، فلو أعطى الأمداد لرئيس العائلة وفيهم الكبار والصغار فهو إنّما يحتسب عليهم ويعدّ إعطاءً لهم فيما إذا كان المعطى وكيلاً عن الكبار وليّاً على الصغار ، فيكون الدفع إليه دفعاً إليهم بمقتضى الوكالة والولاية ، وإلّا فلا أثر له ، لعدم تسلّم المسكين حينئذٍ لا بنفسه ولا بوكيله ولا بوليه.


1) الوسائل 22 : 388 / أبواب الكفّارات ب 18 ح 1.

2) المائدة 5 : 89.

3) الوسائل 22 : 381 / أبواب الكفّارات ب 14 ح 3.

4) الوسائل 22 : 387 / أبواب الكفّارات ب 17 ح 3.

.................................................................................................


والحاصل : أنّه لا بدّ من تحقّق الإعطاء إمّا للمسكين مباشرةً أو لمن يقوم مقامه وكالةً أو ولايةً ، فلو لم يكن المعطى وكيلاً عن زوجته أو عن أولاده الكبار ولا وليّاً على الصغار فليس الدفع إليه دفعاً لهم ، فالبلوغ وإن لم نعتبره في المقام إلّا أنّه يُعتَبر أن يكون الإعطاء للصغير إعطاءً صحيحاً شرعيّاً بأن يعطى لوليّه مثلاً بما هو ولي كما هو الحال في زكاة الفطرة.

هذا ، وقد ظهر لك ممّا تقدّم أنّ الإطعام قد يتحقّق بإعطاء الطعام وأُخرى ببذله ليؤكل من دون أن يملك ، كما في قوله تعالى ( أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ ) (1)إذ ليس المراد به إعطاء الطعام تمليكاً ، بل رفع الجوع ببذل الطعام ليؤكل ، فالمكلّف مخيّر بين الإعطاء وبين الإطعام الخارجي ، ويظهر من اللغويّين أيضاً صحّة إطلاقه على كلّ منهما ، فهو اسم للأعمّ من التسبيب إلى الأكل ببذل الطعام فيكون المسبّب الباذل هو المطعِم ومن الإعطاء والتمليك ، والواجب هو الجامع بينهما ، ولذلك أُطلق الإطعام في موثّقة سماعة على إعطائه الطعام لكلّ مسكين مدّ ، فإنّه أيضاً إطعامٌ لا أنّه بذل له ، فالإطعام مفهوم جامع بين التسليم وبين البذل ، ولعلّ هذا المعنى الجامع هو المراد من قوله تعالى ( وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً ) إلخ (2).

وحينئذٍ فإن كان على سبيل الإعطاء فحدّه مدّ لكلّ مسكين ، من غير فرق بين الصغير والكبير والرجل والمرأة ، لإطلاق الأدلّة حسبما مرّ.

وأمّا إذا كان بنحو البذل فلم يُذكَر له حدّ في هذه الأخبار ، فهو ينصرف بطبيعة الحال إلى الإطعام المتعارف الذي حدّه الإشباع وإن اختلفت الكمّيّة الموصلة إلى هذا الحدّ بحسب اختلاف الناس ، فقد يأكل أحد مدّاً ، وآخر أقلّ ،


1) قريش 106 : 4.

2) الإنسان 76 : 8.

.................................................................................................


وثالث أكثر ، ولأجل كون الحدّ الوسط هو المدّ فقد جُعِل الاعتبار في الإعطاء بذلك ، كما أُشير إليه في صحيحة الحلبي (1)، وإن كان الغالب في زماننا ولعلّه في السابق أيضاً كذلك أنّ الإنسان العادي لا يأكل المدّ بل ولا نصفه.

وكيفما كان ، فلا إشكال في انصراف الإطعام إلى الإشباع كما في قوله تعالى ( أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ ) ، وقد تقدّم أنّ «طعم» بفتح العين بمعنى شبع.

وعليه ، فالإشباع معتبر في مفهوم الإطعام لو كان مأخوذاً من هذه المادّة ، وهو المناسب لقوله تعالى ( إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ ) (2)، إذ من المعلوم أن إطعام الأهل بالإشباع.

ويدلّ عليه ما في صحيحة أبي بصير الواردة في كفّارة اليمين من التصريح بالإشباع ، قال : سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن أوسط ما تطعمون أهليكم؟ «قال : ما تقوتون به عيالكم من أوسط ذلك» قلت : وما أوسط ذلك؟ «فقال : الخلّ والزيت والتمر والخبز ، يشبعهم به مرّةً واحدة» إلخ (3).

إذ لا يُحتمل اختصاص ذلك بكفّارة اليمين ، لعدم احتمال الفرق بين إطعام عشرة مساكين وبين إطعام الستّين من هذه الجهة بالضرورة ، فإنّه تفسيرٌ للإطعام الذي لا يفرق فيه بين مقام ومقام كما هو ظاهر.

وأمّا الاكتفاء بالإشباع مرّةً واحدة فهو مضافاً إلى التصريح به في هذه الصحيحة مقتضى الإطلاق في سائر الأدلّة ، لصدق المفهوم وانطباق الواجب الملحوظ على نحو صرف الوجود عليها ، فلو دعا ستّين مسكيناً وأطعمهم مرّةً واحدةً يصحّ أن يقال : إنّه أطعم ستّين مسكيناً ، فما لم يكن دليل على اعتبار


1) الوسائل 22 : 381 / أبواب الكفّارات ب 14 ح 3.

2) المائدة 5 : 89.

3) الوسائل 22 : 381 / أبواب الكفّارات ب 14 ح 5.

.................................................................................................


الزيادة على ذلك فمقتضى الإطلاق الاكتفاء بما تصدق عليه الطبيعة.

نعم ، روى العيّاشي في تفسير الآية المباركة الواردة في كفّارة اليمين يشبعهم يوماً واحداً (1)، ولكنّه مضافاً إلى الإرسال محمولٌ على الأفضليّة ، لصراحة صحيحة أبي بصير المتقدّمة بكفاية المرّة الواحدة كما عرفت.

وهل يُعتبَر في البذل أن يكون من يبذل له كبيراً أو يجزئ الصغير أيضاً كما كان كذلك في الإعطاء؟

لا شكّ أنّ مقتضى الإطلاق الاكتفاء بكلّ ما صدق عليه إطعام المسكين وإن كان صغيراً ، فإنّه أيضاً مسكينٌ أطعمه ، إلّا أنّه ربّما لا يتحقّق هذا الصدق بالإضافة إلى الصغير الذي لا يأكل إلّا قليلاً جدّاً ، كمن كان عمره ثلاث سنين ونحوه ممّن كان في أوان أكله ، فإنّ صدق إطعام المسكين بالنسبة إليه مشكل جدّاً ، بل ممنوع عرفاً ، فلو دعا عشرة رجال وكان معهم ابن ثلاث سنين أو أربع لا يقال : إنّه أطعم أحد عشر شخصاً كما لا يخفى.

أمّا إذا كان الصبي أكبر من ذلك بحيث يقارب طعامه طعام الكبار صدق على إطعامه أنّه إطعام المسكين ، بل قد يأكل المراهق المقارب للبلوغ أكثر ممّا يأكله ابن أربعين سنة ، فالبلوغ غير معتبر هنا جزماً كما هو معتبر في بعض الموارد مثل الطلاق والبيع والنكاح ونحوها ، لعدم دلالة أيّ دليل عليه ، بل العبرة بصدق إطعام المسكين ، فإن صدق كمن كان عمره أربع عشرة سنة كفى وشملة الإطلاق من غير حاجة إلى قيام دليل عليه بالخصوص ، وإن لم يصدق كالصغير جدّاً لم يكف ، مثل : ما لو جمع ستّين مسكيناً صغيراً تتراوح أعمارهم بين الثلاث والأربع سنين فإنّ النصّ من الكتاب والسنّة منصرف عن مثل ذلك قطعاً ، وكذا الحال فيما لو شكّ في الصدق كما لو كان عمره أكثر من ذلك بقليل ،


1) الوسائل 22 : 382 / أبواب الكفّارات ب 14 ح 8 ، تفسير العيّاشي 1 : 337 / 171.

.................................................................................................


فما نُسِب إلى المفيد من عدم كفاية إطعام الصغير (1)صحيحٌ لو أراد هذا الفرض دون الأوّل.

وعلى الجملة : فالحكم دائر مدار الصدق العرفي ، فكلّ ما صدق عليه جزماً إطعام المسكين كفي ، وما لم يصدق أو شكّ في الصدق لا يُجتزأ به.

هذا هو مقتضى القاعدة ، وأمّا بالنظر إلى النصوص الخاصّة فهناك روايات وردت في كفّارة اليمين ، منها : صحيحة يونس المصرّحة بعدم الفرق بين الكبير والصغير (2)، ولكنّها ناظرة إلى صورة الإعطاء وأجنبيّة عن محلّ الكلام.

والعمدة روايتان :

إحداهما : موثّقة غياث بن إبراهيم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال : لا يجزئ إطعام الصغير في كفّارة اليمين ، ولكن صغيرين بكبير» (3).

والأُخرى : موثّقة السكوني ، عن جعفر ، عن أبيه (عليه السلام) : «أنّ عليّاً (عليه السلام) قال : من أطعم في كفّارة اليمين صغاراً وكباراً فليزوِّد الصغير بقدر ما أكل الكبير» (4).

هذا والمحقّق في الشرائع فصّل في الصغير بين المنضمّ إلى الكبير وبين المنفرد عنه ، فالأوّل كما في صغار العائلة يُحسَب مستقلا ، وفي الثاني كلّ صغيرين بكبير (5).

ولا يُعرَف لما ذكره (قدس سره) وجهٌ أصلاً فإنّ صحيحة يونس (6)الآمرة


1) جواهر الكلام 33 : 267.

2) الوسائل 22 : 387 / أبواب الكفّارات ب 17 ح 3 ، 1.

3) الوسائل 22 : 387 / أبواب الكفّارات ب 17 ح 3 ، 1.

4) الوسائل 22 : 387 / أبواب الكفّارات ب 17 ح 2.

5) الشرائع 3 : 71.

6) الوسائل 22 : 388 / أبواب الكفّارات ب 18 ح 1.

.................................................................................................


بالتتميم ليست في مقام البيان من هذه الجهة ، بل غاية ما تدلّ عليه كفاية احتساب العائلة بما فيها من الصغار في الجملة ، ولم يُعلَم أنّ مورد السؤال هو الإعطاء أو الإطعام ، ولم يرد أيّ دليل يقتضي التفصيل بين الانضمام والانفراد.

بل أنّ موثّقة السكوني المزبورة الآمرة بالتزويد لعلّ شمولها لصورة الانضمام أولى ، لقوله (عليه السلام) : «صغاراً وكباراً» أي هما معاً ، كما ذكره في الجواهر (1)، فليس هنا دليل على الاجتزاء بالصغير وحده واحتسابه مستقلا.

وأمّا موثّقة غياث فهي مطلقة من حيث الانضمام وعدمه ، بل أنّ حملها على عدم الانضمام كما عن بعض في غاية البعد ، إذ قلّما يتّفق خارجاً أن يجمع أحدٌ الصغارَ فقط فيطعمهم.

إذن فالروايتان وهما معتبرتان ، لأنّ غياثاً وثّقه النجاشي وإن كان بتريّاً (2)، والنوفلي الذي يروي عن السكوني مذكور في أسناد كامل الزيارات مطلقتان من حيث الانضمام وعدمه ، ومقتضى الصناعة حينئذٍ الأخذ بهما والحمل على التخيير جمعاً ، فيتخيّر بين احتساب صغيرين بكبير ، وبين تزويد الصغير بقدر ما أكل الكبير ، فلو أكل ثلث ما أكل الكبير يُعطى له الثلثان الباقيان ، إمّا فعلاً أو في مجلس آخر.

وهذا فيما إذا تعدّينا عن مورد الروايتين ، وهو كفّارة اليمين إلى المقام.

وأمّا إذا لم نتعدّ كما هو الأظهر ، إذ لم نعرف له وجهاً أصلاً بعد أن لم يكن هنا إجماع على عدم الفصل بين الكفّارتين من هذه الجهة ، لعدم كون المسألة منقّحة في كلماتهم كما صرّح به في الجواهر (3)فيُرجع حينئذٍ إلى ما ذكرناه أوّلاً


1) الجواهر 33 : 268.

2) رجال النجاشي : 305 / 833.

3) الجواهر 33 : 269.

[2494] مسألة 25 : يجوز السفر في شهر رمضان لا لعذر وحاجة ، بل ولو كان للفرار من الصوم ، لكنّه مكروه (1).


في بيان مقتضى القاعدة من التفصيل بين صدق إطعام المسكين وعدمه ، فيُجتزأ بصغير واحد مع الصدق ، ولا يُجتزأ بجمع من الصغار فضلاً عن الصغيرين بدونه.

(1) المشهور جواز السفر في شهر رمضان من غير حاجة ، ونُسِب الخلاف إلى الحلبي فمنعه إلّا لضرورة (1)، فهو عنده محرّم يسوّغه الاضطرار.

والكلام يقع تارةً : فيما يستفاد من الآية المباركة ، وأُخرى : بالنظر إلى الروايات الخاصّة الواردة في المقام.

أمّا الأوّل : فقد قال تبارك وتعالى ( كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ. أَيّاماً مَعْدُوداتٍ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ ) إلخ (2).

والمستفاد منها تقسيم المكلّفين إلى أقسام ثلاثة :

قسم يجب عليه الصيام متعيّناً.

وقسم يتعيّن في حقّه القضاء ، وهو المريض والمسافر.

وقسم لا يجب عليه لا هذا ولا ذاك وانّما تجب عليه الفدية فقط ، وهم الذين يطيقونه ، أي من يكون الصوم حرجاً عليه كما هو معنى الإطاقة ، كالشيخ والشيخة.

وبما أنّ موضوع الحكم الثاني هو المريض والمسافر فبمقتضى المقابلة وأنّ التفصيل قاطع للشركة بكون موضوع الحكم الأوّل هو من لم يكن مريضاً ولا


1) مستمسك العروة 8 : 380.

2) البقرة 2 : 183 184.

.................................................................................................


مسافراً ، فيكون المكلّف بالصيام هو الصحيح الحاضر ، فقد أُخذ في موضوع الحكم أن لا يكون المكلّف مسافراً فيكون الوجوب مشروطاً به بطبيعة الحال ، لأنّ الموضوع كما ذكرناه في الواجب المشروط هو ما كان مفروض الوجود عند تعلّق الحكم ، سواء أكان غير اختياري كدلوك الشمس بالإضافة إلى وجوب الصلاة ، أم كان اختياريّاً كالسفر والحضر والاستطاعة ونحوها ، فمعنى قولنا : المستطيع يحجّ : أنّه على تقدير تحقّق الاستطاعة وعند فرض وجودها يجب الحجّ ، فلا يجب التصدّي لتحصيله ، لعدم وجوب تحصيل شرط الوجوب.

وعليه ، فيجوز للحاضر السفر ولا يجب على المسافر الحضر ، لعدم وجوب تحصيل شرط التكليف لا حدوثاً ولا بقاءً ، فلو كنّا نحن والآية المباركة لقلنا بجواز السفر في شهر رمضان ولو لغير حاجة لأنّ الواجب مشروط ولا يجب تحصيل الشرط كما عرفت.

وأمّا بالنظر إلى الروايات الخاصّة الواردة في المقام فقد دلّت روايتان معتبرتان على جواز السفر ولو من غير حاجة على ما هو صريح إحداهما وظاهر الأُخرى.

فالأُولى : صحيحة الحلبي : عن الرجل يدخل شهر رمضان وهو مقيم لا يريد براحاً ، ثمّ يبدو له بعد ما يدخل شهر رمضان أن يسافر ، فسكت ، فسألته غير مرّة «فقال : يقيم أفضل إلّا أن تكون له حاجة لا بدّ له من الخروج فيها أو يتخوّف على ماله» (1).

وهي كما ترى صريحة في جواز السفر من غير حاجة مع أفضليّة الإقامة ، لدرك فضل الصيام في شهر رمضان الذي هو من أهمّ أركان الإسلام ، وقد تضمّن بعض الأدعية المأثورة طلب التوفيق لذلك بدفع الموانع من فرض أو


1) الوسائل 10 : 181 / أبواب من يصح منه الصوم ب 3 ح 1.

.................................................................................................


سفر ، إلّا مع الحاجة فلا أفضليّة حينئذٍ للإقامة.

والثانية : صحيحة محمّد بن مسلم : عن الرجل يعرض له السفر في شهر رمضان وهو مقيم وقد مضى منه أيّام : «فقال : لا بأس بأن يسافر ويفطر ولا يصوم» (1).

وهذه ليست في الدلالة كالسابقة ، فإنّها انّما تدلّ بالإطلاق على جواز السفر ولو من غير حاجة ، فهي قابلة للحمل على فرض الحاجة كما قد لا يأباه التعبير ب : «يعرض» ، فليست صريحة في السفر الاختياري كما في صحيحة الحلبي.

وبإزاء هاتين الصحيحتين عدّة روايات ، منها : رواية أبي بصير ، قال : سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الخروج إذا دخل شهر رمضان «فقال : لا ، إلّا فيما أُخبرك به : خروج إلى مكّة ، أو غزو في سبيل اللّه ، أو مال تخاف هلاكه ، أو أخ تخاف هلاكه» (2).

وقد عُبِّر عنها بالصحيحة ولكنّها ضعيفة السند جدّاً ، فإنّ في السند علي بن أبي حمزة البطائني ، وكان واقفياً كذّاباً متّهماً ، بل كان أحد عمد الواقفة وكان يكذب على الإمام في بقاء موسى بن جعفر (عليه السلام) وأنّه لم يمت ، طمعاً فيما بيده من أمواله (عليه السلام) ، وقد ضعّفه الشيخ الطوسي في كتاب الغيبة صريحاً (3)، وروى في حقّه روايات ذامّة ، منها : قول الإمام (عليه السلام) له : «انّك لا تفلح».

فالرواية ساقطة عن درجة الاعتبار ، لا تصلح للاستدلال بوجه.

ومنها : ما رواه في الخصال في حديث الأربعمائة قال : «ليس للعبد أن يخرج


1) الوسائل 10 : 181 / أبواب من يصح منه الصوم ب 3 ح 2.

2) الوسائل 10 : 181 / أبواب من يصح منه الصوم ب 3 ح 3.

3) كتاب الغيبة : 55.

.................................................................................................


إلى سفر إذا دخل شهر رمضان ، لقول اللّه عزّ وجلّ ( فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ) (1).

وهذه الراوية وإن كانت ضعيفة عند القوم إلّا أنّها معتبرة عندنا ، إذ ليس في السند من يُغمَز فيه إلّا الحسن بن راشد جدّ القاسم بن يحيى ، ولكنّه لا بأس به ، فان هذا الاسم مشترك بين أشخاص ثلاثة : أحدهم الطفاوي وهو ضعيف ، والآخر من أصحاب الجواد وهو ثقة ، والثالث هو جدّ القاسم بن يحيى الواقع في هذا السند ، ولم يرد في حقّه توثيقٌ في كتب الرجال ، ولكنّه مذكور في أسناد كامل الزيارات بنفس العنوان المذكور في سند هذه الرواية ، أي القاسم بن يحيى ، عن جدّه الحسن بن راشد.

وعليه ، فالرواية معتبرة على المختار وواضحة الدلالة على المنع ، لكنّها محمولة على الكراهة ، جمعاً بينها وبين صحيحة الحلبي المتقدّمة المصرّحة بالجواز مع أفضليّة البقاء ، بل قد يقال : إنّه لا يكون أفضل فيما إذا كان السفر لزيارة الحسين (عليه السلام) ، كما قد يُستظهَر ذلك من رواية أبي بصير : يدخل عليّ شهر رمضان فأصوم بعضه فتحضرني نيّة زيارة قبر أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، فأزوره وأفطر ذاهباً وجائياً أو أُقيم حتّى أفطر وأزوره بعد ما أفطر بيوم أو يومين؟ فقال له : «أقم حتّى تُفطر» فقلت له : جُعلتُ فداك : فهو أفضل؟ «قال : نعم ، أما تقرأ في كتاب اللّه ( فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ) » (2).

بناءً على أنّ السؤال ناظر إلى أنّه هل يخفّف الزيارة فيقتصر على الأقلّ الممكن بأن يذهب صباحاً ويزور ويرجع مساءً مثلاً أو أنّه يقيم هناك يوماً


1) الوسائل 10 : 182 / أبواب من يصح منه الصوم ب 3 ح 4 ، الخصال : 614. والآية في البقرة 2 : 185.

2) الوسائل 10 : 183 / أبواب من يصح منه الصوم ب 3 ح 7.

.................................................................................................


أو يومين؟ فأجاب (عليه السلام) بأنّ الإقامة أفضل وأنّه لا بأس بفوات الصيام عنه ، لأنّه مكتوب على من شهد الشهر ، أي كان حاضراً في بلده ، وهذا ليس كذلك ، وعليه فيُعدّ هذا من خصائص زيارة الحسين (عليه السلام).

ولكنّ الأمر ليس كذلك ، بل السؤال ناظر إلى أنّه هل يخرج إلى زيارته (عليه السلام) ويفطر في ذهابه وإيابه بطبيعة الحال أو أنّه يقيم في وطنه ولا يخرج حتّى يفطر ، أي يكمل صيامه لشهر رمضان ويفطر بحلول عيد الفطر ، ويؤجّل الزيارة بعد ما أفطر من شوال بيوم أو يومين ، فأجاب (عليه السلام) بأنّه يقيم ، وأنّ هذا أي الإقامة في البلد واختيار الصيام على الخروج للزيارة أفضل لقوله تعالى ( فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ) .

وبالجملة : فالرواية دالّة على خلاف ما ذُكِر ، ومضمونها مطابق لبقيّة الروايات الدالّة على أنّ الأفضل ترك السفر من غير ضرورة ، غير أنّها ضعيفة السند بالحسن بن جميلة أو جبلة ، فإنّه مجهول ، ولو لا ضعفها لكانت مؤكِّدة لتلك النصوص.

ومنها : رواية الحسين بن المختار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : «قال : لا تخرج في رمضان إلّا للحجّ أو العمرة ، أو مال تخاف عليه الفوت ، أو لزرع يحين حيث صاده» (1).

وهي ضعيفة السند بعلي ابن السندي ، فإنّه لم يوثّق إلّا من قبل نصر بن صباح ، ولكنّه بنفسه غير موثّق فلا أثر لتوثيقه.

نعم ، قيل : هو علي بن إسماعيل الثقة. وليس كذلك ، لاختلاف الطبقة حسبما فصّلنا القول حوله في المعجم (2)، ولم يتعرّض له الشيخ والنجاشي مع كثرة رواياته ،


1) الوسائل 10 : 183 / أبواب من يصح منه الصوم ب 3 ح 8.

2) معجم رجال الحديث 13 : 50 / 8195.

[2495] مسألة 26 : المدّ ربع الصاع ، وهو ستمائة مثقال وأربعة عشر مثقالاً وربع مثقال (1) ، وعلى هذا فالمدّ مائة وخمسون مثقالاً وثلاثة مثاقيل


ولا يخلو ذلك من الغرابة.

وكيفما كان ، فالصحيح على ما يقتضيه الجمع بين النصوص هو جواز السفر على كراهة ، بل مقتضى الإطلاق ولا سيّما في صحيحة الحلبي هو الجواز وإن كان لغاية الفرار عن الصيام كما ذكره في المتن.

ثمّ أنّ السيّد الماتن (قدس سره) كرّر هذه المسألة في فصل شرائط وجوب الصوم الآتي (1)غير أنّه قيّد الكراهة هناك بما قبل مضيّ ثلاثة وعشرين يوماً من شهر رمضان ، فلا كراهة بعد ذلك ، وكأنّ الأيام الباقية في الأهمّيّة دون الماضية.

ولم يُعرَف له أيّ وجه ما عدا رواية واحدة ضعيفة السند جدّاً ، للإرسال ولسهل بن زياد ، وهي الرواية السادسة من روايات الباب الثالث من أبواب من يصحّ منه الصوم من الوسائل ، فلا موجب لرفع اليد بها عن إطلاقات النصوص المتضمّنة لأفضليّة البقاء أو كراهة الخروج ، ولا سيّما مع التعليل فيها بقوله تعالى ( فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ) إلخ ، المقتضي لعدم الفرق بين ما قبل الثالث والعشرين وما بعده ، فالأظهر ثبوت الكراهة مطلقاً.

(1) بلا خلاف فيه ولا إشكال كما تعرّضنا له في مبحث الكرّ وقلنا : أنّه بحسب الوزن ألف ومائتا رطل عراقي ، وأنّ كل رطل منه مائة وثلاثون درهماً ، وكلّ عشرة دراهم خمسة مثاقيل وربع بالمثقال الصيرفي ، فالرطل ثمانية وستّون مثقالاً وربع المثقال ، فإذا ضُرِب هذا في تسعة لكون الصاع تسعة أرطال


1) شرح العروة 22 : 31.

ونصف مثقال وربع ربع المثقال ، وإذا أعطى ثلاثة أرباع الوقيّة من حُقّة النجف فقد زاد أزيد من واحد وعشرين مثقالاً ، إذ ثلاثة أرباع الوقيّة مائة وخمسة وسبعون مثقالاً.


عراقيّة يكون المجموع ستمائة وأربعة عشر مثقالاً وربع المثقال وزن الصاع بالمثقال الصيرفي ، والمدّ ربعه كما صُرّح به في جملة من الأخبار التي منها ما تقدّم في نصوص الكفّارة.

وعليه ، فالواجب ربع هذا المقدار ، وهو مائة وخمسون مثقالاً وثلاثة مثاقيل ونصف مثقال وربع ربع المثقال ، كما أثبته في المتن ، المساوي لثلاثة أرباع الكيلو تقريباً.

فصل في موارد وجوب القضاء دون الكفّارة

يجب القضاء دون الكفّارة في موارد :

أحدها : ما مرّ من النوم الثاني (1)(1) ، بل الثالث ، وإن كان الأحوط فيهما الكفّارة أيضاً خصوصاً الثالث.

الثاني : إذا أبطل صومه بالإخلال بالنيّة مع عدم الإتيان بشي‌ء من المفطرات (2) ، أو بالرياء ، أو بنيّة القطع ، أو القاطع كذلك.


(1) كما تقدّم الكلام حوله مستقصًى (2).

(2) فإنّ الصوم والإفطار متقابلان ومن الضدين اللذين لا ثالث لهما كما تقدّم ، لأنّ المكلّف إمّا أن يرتكب شيئاً ممّا اعتُبِر الإمساك عنه ، أو لا ، والأول مفطر والثاني صائم ، وحيث إنّ المفروض عدم الارتكاب فليس بمفطر فلا تجب الكفّارة ، بل هو صائم غاية الأمر أنّ الصوم قد يكون صحيحاً وأُخرى باطلاً لأجل الإخلال بما اعتُبِر فيه من النيّة ، كما لو ينو الصوم أصلاً ، أو نواه ولكن لا لداعٍ قربي بل لغاية اخرى ، إمّا مباح كإصلاح مزاجه ومعالجة نفسه بالإمساك ، أو محرّم كالرياء ، ففي جميع ذلك يفسد الصوم ، إمّا لفقد النيّة ، أو لفقد القربة ،


1) (*) وقد تقدّم التفصيل فيه [في المسألة 2439].

2) في ص 226 230.

الثالث : إذا نسي غسل الجنابة ومضى عليه يوم أو أيّام كما مرّ (1).

الرابع : مَن فَعَلَ المفطر قبل مراعاة الفجر ثمّ ظهر سبق طلوعه وأنّه كان في النهار (2) ،


فإنّه عبادة لا بدّ فيها من قصد المأمور به بداعٍ قربي ، ولأجل ذلك يجب عليه القضاء دون الكفّارة ، لفرض عدم استعمال المفطر الذي هو الموضوع لوجوبها.

وممّا ذكرنا يظهر الحال في البقاء ، فلو قصد الصوم متقرّباً وفي الأثناء قصد الإفطار أو ما يتحقّق به الإفطار أي نوع القطع أو القاطع حُكِم ببطلان صومه بقاءً ، فيجب القضاء دون الكفّارة ، وقد مرّ التعرّض لذلك في مبحث النيّة (1).

(1) فيجب القضاء بمقتضى الروايات المتقدّمة ، وكأنّه للعقوبة ، كما في نسيان النجاسة في الصلاة المحكوم معه بوجوب الإعادة دون الكفّارة ، لعدم العمد ، وقد تقدّم الكلام حول ذلك كلّه مستقصًى (2).

(2) لا إشكال في جواز فعل المفطر حينئذٍ تكليفاً إذا كان معتقداً عدم دخول الفجر أو شاكّاً وقد اعتمد على الاستصحاب.

إنّما الكلام في الحكم الوضعي وأنّه هل يجب عليه القضاء حينئذٍ أو لا؟

يقع الكلام تارةً : فيما تقتضيه القاعدة ، وأُخرى : بالنظر إلى النصوص الخاصّة الواردة في المقام.

أمّا الأوّل : فقد يقال : إنّ الأصل يقتضي عدم القضاء ، لأنّه ارتكب ما ارتكب على وجهٍ محلّل وبترخيصٍ من الشارع ، وما هذا شأنه لا يستدعي القضاء ما لم


1) في ص 84.

2) في ص 211.

.................................................................................................


يدلّ عليه دليل بالخصوص ، ولا دليل عليه في المقام.

ولكنّ الظاهر أنّ مقتضى الأصل هو القضاء ، لأنّه تابع لفوت الفريضة في وقتها ، وقد فاتت في المقام حسب الفرض ، لأنّ حقيقة الصوم هو الإمساك عن المفطرات في مجموع الوقت ، أي فيما بين الحدّين من المبدإ إلى المنتهي ، ولم يتحقّق هذا في المقام ، إذ لم يجتنب عن بعضها في بعضه فقد فوّت الواجب على نفسه ، غاية الأمر أنّه كان معذوراً في هذا التفويت من جهة استناده فيه إلى حجّة ، ومثله لا يستتبع إلّا رفع الحكم التكليفي دون الوضعي أعني : القضاء لما عرفت من أنّه تابع لعنوان الفوت ، وقد تحقّق بالوجدان من غير فرق بين كونه على وجه محلّل أو محرّم.

وعليه ، ففي كلّ مورد دلّ الدليل على الاجتزاء وعدم الحاجة إلى القضاء فهو وكان على خلاف مقتضى القاعدة فيقتصر على مورده تعبّداً وإلّا كان مقتضى الأصل هو القضاء ، وليكن هذا أي كون مقتضى الأصل هو القضاء على ذِكرٍ منك لتنتفع به في جملة من الفروع الآتية.

هذا ما تقتضيه القاعدة.

وأمّا بالنظر إلى الروايات : فقد روى الحلبي والرواية صحيحة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : أنّه سُئل عن رجل تسحّر ثمّ خرج من بيته وقد طلع الفجر وتبيّن «قال : يتمّ صومه ذلك ثمّ ليقضه» (1).

وقد تضمّنت القضاء مطلقاً ، أي من غير فرق بين مراعاة الفجر وعدمها.

ولكن موثّقة سماعة فصّلت بين الأمرين ، قال : سألته عن رجل أكل أو شرب بعد ما طلع الفجر في شهر رمضان «قال : إن كان قام فنظر فلم يرَ الفجر فأكل ثمّ عاد فرأى الفجر فليتمّ صومه ولا إعادة عليه ، وإن كان قام فأكل


1) الوسائل 10 : 115 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 44 ح 1.

سواء كان قادراً على المراعاة أو عاجزاً عنها لعمى أو حبس أو نحو ذلك (1)


وشرب ثمّ نظر إلى الفجر فرأى أنّه قد طلع الفجر فليتمّ صومه ويقضي يوماً آخر ، لأنّه بدأ بالأكل قبل النظر فعليه الإعادة» (1).

فتكون الموثّقة مقيّدة لإطلاق الصحيحة المطابق لمقتضى القاعدة ، فيلتزم باختصاص القضاء بمن لم يراع الفجر ولم يفحص عنه ، أمّا من نظر وفحص ولم يرَ فأكل ثمّ تبيّن الخلاف فلا قضاء عليه ، أخذاً بالموثّقة ، وبذلك يخرج عن إطلاق الصحيحة وعن مقتضى القاعدة.

والظاهر أنّ الحكم في الجملة ممّا تسالم عليه الأصحاب ، وإنّما الإشكال في جهات :

(1) الاولى : هل يختصّ الحكم بالقادر على الفحص ، أو يعمّ العاجز عنه ، فيجب القضاء على تارك النظر وإن كان مستنداً إلى عدم التمكّن منه إمّا لعمى أو حبس أو لوجود مانع من غيم أو جبل أو نحو ذلك؟

قد يقال بالاختصاص فلا يجب القضاء على العاجز ، لانصراف النصّ إلى المتمكن من النظر.

ويندفع : بأنّ القضاء هو المطابق لمقتضى الأصل كما عرفت. وعليه ، فلو سلّمنا الانصراف كما لا يبعد دعواه بالنسبة إلى الموثّقة ، بل أنّ موردها المتمكّن كما لا يخفى فغايته عدم التعرّض لحكم العاجز ، فهي ساكتة عن بيان حكمه ، لا أنّها تدلّ على عدم وجوب القضاء بالنسبة إليه ، فيرجع فيه إلى ما تقتضيه القاعدة.


1) الوسائل 10 : 115 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 44 ح 3.

أو كان غير عارف بالفجر. وكذا مع المراعاة وعدم اعتقاد بقاء الليل بأن شكّ في الطلوع أو ظنّ فأكل ثمّ تبيّن سبقه ، بل الأحوط القضاء حتّى مع اعتقاد بقاء اللّيل (1)(1).


على أنّ إطلاق صحيحة الحلبي غير قاصر الشمول لذلك ، فإنّها تعمّ القادر والعاجز الناظر وغير الناظر ، خرج عنها بمقتضى الموثّقة القادر الناظر فيبقى غيره مشمولاً للإطلاق ، فمفادها مطابق لمقتضى القاعدة حسبما عرفت. فالصحيح إلحاق العاجز بالقادر.

(1) الجهة الثانية : الناظر إلى الفجر لا يخلو أمره من أحد أقسام : فإمّا أن يتيقّن بالفجر ، أو يعتقد العدم ولو اطمئناناً ، أو يبقى شاكاً كما في الليلة المقمرة أو من جهة وجود الأنوار الكهربائية ونحو ذلك.

أمّا الأوّل : فحكمه ظاهر.

وأمّا الثاني : فهو القدر المتيقّن من مورد موثّقة سماعة الحاكمة بعدم الإعادة ، وقد تسالم عليه الفقهاء كما مرّ ، ولا وجه للمناقشة فيه ، غير أنّ عبارة المتن تفيد الاحتياط بالقضاء حتّى في هذه الصورة ، ولا نعرف له وجهاً صحيحاً بعد التسالم على نفي القضاء وصراحة موثّقة سماعة المتقدّمة في عدم الإعادة ، بل وكذا صحيحة معاوية بن عمّار ، قال : قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : آمر الجارية تنظر الفجر فتقول : لم يطلع بعد ، فآكل ثمّ أنظر فأجد قد كان طلع حين نظرت «قال : اقضه ، أما أنّك لو كنت أنت الذي نظرت لم يكن عليك شي‌ء» (2).

اللّهمّ إلّا أن يقال : إنّ مراده (قدس سره) بذلك ما لو اعتقد بقاء الليل من


1) هذا إذا لم يراع الفجر ، وإلّا لم يكن عليه قضاء.

2) الوسائل 10 : 118 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 46 ح 1.

.................................................................................................


سبب آخر غير النظر إلى الفجر ، كالنظر إلى الساعة ونحو ذلك ، ولا بدّ من حمل كلامه (قدس سره) على ذلك ، لجلالته وعلوّ مقامه.

وحينئذٍ فيحتمل القول بعدم وجوب القضاء ، نظراً إلى أنّ النظر المذكور في الموثّق طريقٌ إلى حصول الاعتقاد ولا موضوعيّة له ، فإذا حصل الاعتقاد من طريق آخر كفى ذلك في عدم الوجوب ، ولكنّه ضعيف ، فإنّ الجمود على إطلاق الصحيح وظاهر الموثّق يقتضي التحفّظ على موضوعيّة النظر.

وبعبارة اخرى : مقتضى القاعدة وإطلاق صحيح الحلبي أنّ كلّ من أكل أو شرب بعد طلوع الفجر يحكم بفساد صومه وعليه الإتمام والقضاء ، خرجنا عن ذلك بمقتضى موثّقة سماعة وصحيحة معاوية في خصوص الناظر إلى الفجر بنفسه ، وأمّا إلحاق غيره به وهو مطلق المعتقد من أيّ سبب كان فيحتاج إلى دليل ، وحيث لا دليل عليه فيبقى تحت الإطلاق.

فما ذكره (قدس سره) من الاحتياط بالقضاء مع اعتقاد بقاء الليل وجيهٌ فيما إذا لم يراع الفجر ، بل هو الأظهر ، وأمّا مع المراعاة فلا قضاء عليه حسبما عرفت.

وأمّا الثالث أعني : صورة الشكّ - : فقد حكم في المتن بوجوب القضاء ، وهو الصحيح ، لخروجه عن منصرف الموثّق ، فإنّ الظاهر من قوله (عليه السلام) : «نظر فلم يرَ» والمفروض أنّه لم يكن ثمّة مانع من النظر من غيم ونحوه هو حصول الاطمئنان ببقاء الليل ، لا أنّ حاله بعد النظر كحاله قبله كي يبقى على ما كان عليه من الشكّ ، فإنّ ظاهر التفريع في قوله : «فلم يرَ» أنّ عدم الرؤية مترتّب على النظر ومتفرّع عليه ، فلا يراد به الشكّ الذي كان حاصلاً من ذي قبل ، لعدم ترتّبه عليه.

وعلى الجملة : الظاهر من الموثّق بحسب الفهم العرفي حصول الاعتقاد ولا أقلّ من الاطمئنان بعدم دخول الفجر ، من أجل أنّه لو كان لبان ، وأنّ عدم

ولا فرق في بطلان الصوم بذلك بين صوم رمضان وغيره من الصوم الواجب والمندوب (1) ، بل الأقوى فيها ذلك حتّى مع المراعاة واعتقاد بقاء الليل.


الدليل دليل العدم كما هو المتعارف عادةً فيمن فحص ونظر ولم يكن مانع في البين كما هو المفروض في المقام ، إذ مع فرض وجود المانع فما فائدة النظر المعلّق عليه الحكم؟! فهذا النظر مثل التبيّن في قوله تعالى ( حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ ) إلخ (1)، أي بمرتبةٍ قابلة للنظر ، فإذا نظر ولم يتبيّن أي لم يرَ لم تكن الغاية حاصلة ، لكشفه عن عدم طلوع الفجر ، فلا أثر للنظر بما هو نظر ، بل الموضوع في سقوط القضاء : النظر الذي يترتّب عليه الاطمئنان بالعدم. إذن فالتعدّي من مورد الاطمئنان إلى مورد الشكّ يحتاج إلى دليل ولا دليل عليه ، ولا أقل من أنّه يشكّ في أنّ مورد الشكّ داخل تحت الموثّق أو لا ، ومعه يبقى مشمولاً لمقتضى القاعدة ولإطلاق صحيح الحلبي ، لعدم نهوض دليل على الخروج ، ونتيجته الحكم بالقضاء كما ذكره في المتن.

(1) الجهة الثالثة : هل يختصّ الحكم بشهر رمضان ، أو يعمّ غيره من أقسام الصيام ، أو يفصل بين الواجب المعيّن وبين غيره من الموسّع والمستحبّ ، فيلحق الأوّل خاصّة بصوم رمضان ، أو يفصّل في الواجب المعيّن بين ما لا قضاء له كصوم الاستئجار ، وبين ماله القضاء؟

وجوهٌ نُسِب إلى بعضهم الإلحاق على الإطلاق ، فيحكم بالصحّة مع المراعاة ، استناداً إلى أصالة عدم البطلان بالإفطار الحاصل حال الجهل.

وقد ظهر ضعفه ممّا مرّ ، لوضوح أنّ الصوم الشرعي عبارة عن الإمساك


1) البقرة 2 : 187.

.................................................................................................


المحدود بما بين الحدّين ولم يتحقّق بالوجدان فلم يحصل المأمور به ، وإجزاء الناقص عن الكامل يحتاج إلى دليل ولا دليل.

نعم ، لا كفّارة عليه ، لأنّها مترتّبة على العمد ، ولا عمد مع الاعتماد في بقاء الليل على الاستصحاب أو إخبار الثقة ونحو ذلك.

وعلى الجملة : مقتضى القاعدة بعد فرض عدم حصول المأمور به هو البطلان ، ولم يدلّ دليل على الاكتفاء بالناقص بدلاً عن الكامل إلّا في شهر رمضان ، ولا دليل على إلحاق غيره به.

نعم ، قد يقال بالإجزاء في خصوص المعيّن ، فإذا راعى الفجر واعتقد بقاء الليل لم يكن عليه قضاء ، ويُستدلّ له بصحيحة معاوية بن عمّار المتقدّمة (1)، حيث دلّت على أنّ الناظر لو كان هو الصائم صحّ صومه ولا قضاء عليه كما في نسخة الكافي التي هي أضبط من الفقيه المتضمّن لقوله : «لم يكن عليك شي‌ء» وإن لم يكن فرق بينهما بحسب النتيجة ، إلّا أنّه بناءً على نسخة الكافي فالأمر واضح.

وكيفما كان ، فقد دلّت على الصحّة حينئذٍ ، ومقتضى الإطلاق عدم الفرق بين كون الصوم من رمضان أو من غيره المعيّن.

وفيه : أنّه لو سُلِّم دلالة الصحيحة على الإطلاق فهي مختصّة بالصوم الواجب الذي ثبت فيه القضاء دون ما لا قضاء له وإن كان معيّناً ، كما في الصوم الاستئجاري في يوم معيّن.

فهذه الصحيحة لو تمت دلالتها اختصّت بصوم في قضاء من رمضان أو غيره ، وأمّا ما لا قضاء له كالمندوب أو غير المعيّن أو المعيّن الذي لا قضاء له مثل ما


1) الوسائل 10 : 118 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 46 ح 1 ، الكافي 4 : 97 / 3 ، الفقيه 2 : 83 / 368.

.................................................................................................


عرفت فهو غير مشمول للصحيحة جزماً ، على أنّه لا يمكن الالتزام فيها بالإطلاق لغير رمضان ، بل هي مختصّة به ، للأمر فيها بإتمام الصوم على نسخة الكافي التي هي أضبط كما مرّ الذي هو من مختصّات شهر رمضان ، فإنّه الذي يجب فيه الإتمام وإن كان الصوم فاسداً ، دون غيره ، لعدم الدليل عليه بوجه ، بل ذيل صحيحة الحلبي دالّ على العدم ، حيث قال (عليه السلام) : «فإن تسحّر في غير شهر رمضان بعد الفجر أفطر» إلخ (1)، وهي مطلقة من حيث المراعاة وعدمها.

نعم ، إطلاق الصدر محمول على المراعاة ، جمعاً بينه وبين موثّقة سماعة المفصّلة بين المراعاة وعدمها ، التي هي بمثابة التقييد للإطلاق المزبور ، وأمّا إطلاق الذيل فلا معارض له فيدلّ على البطلان وعدم وجوب الإتمام في غير رمضان من غير فرق بين المراعاة وعدمها.

وعلى الجملة : فصحيحة معاوية خاصّة بشهر رمضان من أجل تضمّنها الأمر بالإتمام المنفي عن غيره بمقتضى صحيحة الحلبي كما عرفت ، بل ومقتضى القاعدة ، إذ بعد عدم تحقّق المأمور به خارجاً المستلزم لعدم الإجزاء فالتكليف بالإمساك تعبّداً حكمٌ جديد يحتاج إلى دليل خاصّ ، ولا دليل إلّا في صوم شهر رمضان فحسب.

إذن فصحيحة معاوية لا تدلّ على الصحّة في غير رمضان حتّى مع المراعاة ، ويكفي في إثبات البطلان الأصل ، إذ بعد أن لم يتحقّق المأمور به خارجاً فإجزاء الناقص عن الكامل يحتاج إلى الدليل ولا دليل ، فلا يمكن الاستدلال بالصحيحة على الصحّة في الواجب المعيّن حتّى فيما له قضاء فضلاً عمّا لا قضاء له ، فما ذكره في المتن من أنّ الأقوى هو البطلان في غير رمضان بجميع أقسامه حتى فيما كان مراعياً للفجر هو الصحيح.


1) الوسائل 10 : 116 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 45 ح 1.

الخامس : الأكل تعويلاً على من أخبر ببقاء الليل وعدم طلوع الفجر مع كونه طالعاً (1).


(1) أمّا عدم الكفّارة فلتقوّمها بالعمد ولا عمد حسب الفرض ، وأمّا القضاء فعلى القاعدة كما عُلِم ممّا مرّ ، فإنّ المأمور به هو الإمساك ما بين الحدّين ولم يتحقّق ولا دليل على أجزاء الناقص عن الكامل. هذا ، مضافاً إلى صحيحة معاوية بن عمار الآمرة بالقضاء لدى أخبار الجارية غير المطابق للواقع.

ومقتضى الإطلاق عدم الفرق بين حجّيّة قول المخبر وعدمها.

ولكن نُسِب إلى جماعة كالمحقّق والشهيد الثاني وصاحبي المدارك والذخيرة (1)عدم القضاء فيما لو عوّل على من يكون قوله حجّة كالبيّنة ونحوها.

وهو كما ترى ، ضرورة أنّ القضاء تابع لفوت الواجب في ظرفه ، وحجّيّة البيّنة ونحوها من الأحكام الظاهريّة مغيّاة بعدم انكشاف الخلاف ، فمع الانكشاف وتبيّن الفوات لا مناص من الالتزام بالقضاء.

نعم ، إذا بنينا على أنّ القضاء على خلاف القاعدة وأنّ مقتضى الأصل عدمه كان لما ذكروه وجه ، فإنّ مورد الصحيحة أخبار الجارية لا قيام البيّنة أو إخبار العدل أو الثقة ، فليقتصر في القضاء على مورد النصّ ، لكن المبنى فاسد كما مرّ غير مرّة ، فالصحيحة وإن لم تدل على القضاء فيما إذا كان المخبر بيّنة عادلة إلّا أنّ القاعدة تقتضيه ، وهي لا تختصّ بمورد ، غاية الأمر أنّه كان معذوراً في ترك الواجب في ظرفه لأجل الاستناد إلى الاستصحاب ونحوه.


1) جامع المقاصد 3 : 66 ، المسالك 2 : 25 ، المدارك 6 : 93 ، ذخيرة المعاد : 502.

السادس : الأكل إذا أخبره مخبر بطلوع الفجر ، لزعمه سخريّة المخبر أو لعدم العلم بصدقه (1).

السابع : الإفطار تقليداً لمن أخبر بدخول الليل وإن كان جائزاً له لعمى أو نحوه ، وكذا إذا أخبره عدل بل عدلان ، بل الأقوى وجوب الكفّارة أيضاً إذا لم يجز له التقليد (2).


(1) فلم يعتمد على إخباره إمّا لعدم الوثوق به ، أو لتخيّله عدم إرادة الجدّ ، وإنّما هو بداعي الاستهزاء والسخريّة ، وقد ظهر حكمه ممّا مرّ ، فإنّ الكفّارة إنّما تثبت فيما لو أكل وكان قول المخبر حجّة ، فإنّه حينئذٍ إفطار لدى ثبوت الفجر بحجّة شرعيّة ، وأمّا إذا لم يكن قوله حجّة كما هو المفروض إمّا لعدم الثقة أو لزعم السخريّة فلا كفّارة ، لعدم العمد بعد جواز الإفطار استناداً إلى الاستصحاب. وأمّا القضاء فهو ثابت بمقتضى القاعدة بعد عدم تحقّق الإمساك في الزمان المقرّر له شرعاً.

هذا ، مضافاً إلى صحيحة العيص الواردة في المقام : عن رجل خرج في شهر رمضان وأصحابه يتسحّرون في بيت فنظر إلى الفجر فناداهم أنّه قد طلع الفجر فكفّ بعض وظّن بعض أنّه يسخر فأكل «فقال : يتمّ صومه ويقضي» (1).

(2) أمّا إذا لم يكن خبر المخبر حجّة إمّا لعدم كونه ثقة أو لأجل البناء على عدم اعتبار خبر الثقة في الشبهات الموضوعيّة ، فلا شكّ في وجوب القضاء بل الكفّارة أيضاً وإن لم ينكشف الخلاف فضلاً عن الانكشاف ، نظراً إلى عدم جواز الإفطار ما لم يحرز دخول الليل بحجّة شرعيّة ، استناداً إلى استصحاب بقاء


1) الوسائل 10 : 118 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 47 ح 1.

.................................................................................................


النهار ، أو عدم دخول الليل ، فهذا الإفطار محكوم شرعاً بوقوعه قبل الليل أو في النهار الذي هو موضوع لوجوب القضاء ، وكذا الكفّارة ، إلّا إذا كان جاهلاً بالمسألة فتخيّل أنّ إخبار كل مخبر بانقضاء النهار يسوّغ الإفطار ، فإنّه لا كفّارة حينئذٍ ، بناءً على أنّ الجاهل لا كفّارة عليه.

وأمّا إذا كان خبره حجّة ، إمّا لحجّيّة خبر الثقة ، أو لفرض قيام البيّنة ، فأفطر استناداً إليها ثمّ انكشف الخلاف ، فقد ذهب صاحب المدارك (قدس سره) حينئذٍ إلى عدم وجوب القضاء ، لأنّه عمل بوظيفته بمقتضى قيام الحجّة الشرعيّة ، فإذا كان الإفطار بحكم الشارع وبترخيص منه لم يكن أيّ وجه للقضاء فضلاً عن الكفارة (1).

ولكنّه واضح الدفع ، ضرورة أنّ الحكم الشرعي المزبور ظاهري مغيّا بعدم انكشاف الخلاف ، والبيّنة لا تغيّر الواقع ولا توجب قلبه ، فهذا الإفطار قد وقع في النهار ، ومثله محكوم بالبطلان بمقتضى إطلاق ما دلّ على وجوب الإمساك فيما بين الفجر إلى الغروب ، غايته أنّه معذور في ذلك لأجل قيام الحجّة.

وعلى الجملة : الجواز التكليفي ظاهراً لا يلازم الصحّة الواقعيّة ، فبعد تبيّن الخلاف ينكشف عدم الإتيان بالوظيفة ، فلا مناص من القضاء إلّا إذا تعدّينا عن مورد النصّ الآتي الوارد فيمن أفطر بظنّ دخول الوقت ، ولكن التعدّي لا وجه له.

ودعوى القطع بعدم الخصوصيّة مجازفة ظاهرة ، فلا بدّ من الاقتصار على مورد النصّ.

وملخّص الكلام : أنّه في كلّ مورد جاز الإفطار بحكم ظاهري إمّا من


1) المدارك 6 : 94.

الثامن : الإفطار لظلمةٍ قطع بحصول الليل منها فبان خطأه ولم يكن في السماء علّة ، وكذا لو شكّ أو ظنّ بذلك منها ، بل المتّجه في الأخيرين الكفّارة أيضاً ، لعدم جواز الإفطار حينئذٍ ، ولو كان جاهلاً بعدم جواز الإفطار فالأقوى عدم الكفّارة وإن كان الأحوط إعطاؤها.

نعم ، لو كانت في السماء علّة فظنّ دخول الليل فأفطر ثمّ بان له الخطأ لم يكن عليه قضاء فضلاً عن الكفّارة (1).


أوّل الوقت استناداً إلى استصحاب بقاء الليل ، أو من آخره استناداً إلى قيام حجّة معتبرة على دخول الليل ثمّ انكشف الخلاف ، فإفطاره هذا وإن كان مشروعاً لكونه مسموحاً به من قبل الشارع ، إلّا أنّه لا محيص عن القضاء بمقتضى القاعدة بعد فوات الفريضة في ظرفها وعدم الدليل على إجزاء الناقص عن الكامل.

نعم ، لا كفّارة عليه ، لفقد العمد كما هو ظاهر.

(1) لو أفطر بمظنّة دخول الليل لظلمةٍ ونحوها فبان خطأه فهل يجب القضاء حينئذٍ؟

اختلفت كلمات الفقهاء في هذه المسألة اختلافاً عظيماً ، ولا تكاد تجتمع على شي‌ء واحد كما أشار إليه في الجواهر والحدائق (1)، بل لم يُعلَم المراد من بعض الكلمات كالشرائع (2)حيث عبّر بالوهم ، ولم يُعلم أنّه يريد به الظنّ أو الشكّ


1) جواهر الكلام 16 : 283 ، الحدائق 13 : 105 106.

2) الشرائع 1 : 221.

ومحصّل المطلب : أنّ من فعل المفطر بتخيّل عدم طلوع الفجر أو بتخيّل دخول الليل بطل صومه في جميع الصور ، إلّا في صورة ظنّ دخول الليل مع وجود علّة في السماء من غيم أو غبار أو بخار (1)أو نحو ذلك ، من غير فرق بين شهر رمضان وغيره من الصوم الواجب والمندوب.

وفي الصور التي ليس معذوراً شرعاً في الإفطار ، كما إذا قامت البينة على أنّ الفجر قد طلع ومع ذلك أتى بالمفطر ، أو شكّ في دخول الليل أو ظنّ ظنّاً غير معتبر ومع ذلك أفطر ، يجب الكفّارة أيضاً فيما فيه الكفّارة.


أو الجامع بينهما ، وفصّل بعضهم كابن إدريس (2)بين الظنّ القوي والضعيف.

وكيفما كان ، فلا بدّ من التكلّم في مقامين : أحدهما في أصل جواز الإفطار وعدمه. والآخر في وجوب القضاء لو أفطر.

أمّا الأوّل : فلا ينبغي الإشكال في عدم جواز الإفطار ما لم يتيقّن ولو يقيناً تعبّدياً مستنداً إلى حجّة شرعيّة بدخول الوقت ، لاستصحاب بقاء النهار وعدم دخول الليل الذي هو موضوع لوجوب الإمساك فلو أفطر والحال هذه : فإن انكشف أنّه كان في الليل فلا اشكال ، غايته أنّه يجري عليه حكم المتجرّي ، وإن لم ينكشف فضلاً عمّا لو انكشف الخلاف وجبت عليه الكفّارة والقضاء ، لأنّه أفطر في زمانٍ هو محكوم بكونه من النهار شرعاً بمقتضى التعبّد الاستصحابي.

وقد تعرّضنا لهذه المسألة في كتاب الصلاة واستشهدنا بجملة من الروايات


1) الأحوط اختصاص الحكم بالغيم.

2) السرائر 1 : 377 378.

.................................................................................................


الدالّة على عدم جواز الإتيان بالصلاة ما لم يثبت دخول الوقت بدليل شرعي ، ولا يكفي الظنّ به ، لعدم الدليل على حجّيّته إلّا في يوم الغيم ، لورود النصّ على جواز الاعتماد حينئذٍ على الأمارات المفيدة للظنّ ، كصياح الديك ثلاث مرّات ولاءً ، وذاك الكلام يجري بعينه في المقام أيضاً بمناط واحد.

وأمّا الثاني : فبالنسبة إلى الصلاة لا إشكال في وجوب الإعادة ، لوقوعها في غير وقتها كما تقدّم في بحث الأوقات.

وأمّا بالنسبة إلى الصوم ففيه خلاف عظيم كما مرّ ، حتّى أنّه نُسِب إلى فقيه واحد قولان في كتابين بل في كتاب واحد ، والمتّبع هو الروايات الواردة في المقام ، فقد دلّت جملة منها على عدم القضاء ، وهي :

صحيحة زرارة ، قال : «قال أبو جعفر (عليه السلام) : وقت المغرب إذا غاب القرص ، فإنّ رأيته بعد ذلك وقد صلّيت أعدت الصلاة ومضى صومك وتكفّ عن الطعام إن كنت قد أصبت منه شيئاً» (1).

ومعتبرته الأُخرى التي هي إمّا صحيحة أو في حكم الصحيحة ، لمكان اشتمال السند على أبان بن عثمان عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث : أنّه قال لرجل ظنّ أن الشمس قد غابت فأفطر ثمّ أبصر الشمس بعد ذلك «قال : ليس عليه قضاء» (2).

ورواية أبي الصباح الكناني : عن رجل صام ثمّ ظنّ أنّ الشمس قد غابت وفي السماء غيم فأفطر ، ثمّ إنّ السحاب انجلى فإذا الشمس لم تغب «فقال : قد تمّ صومه ولا يقضيه» (3).


1) الوسائل 10 : 122 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 51 ح 1.

2) الوسائل 10 : 123 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 51 ح 2 ، 3.

3) الوسائل 10 : 123 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 51 ح 2 ، 3.

.................................................................................................


ورواية زيد الشحّام : في رجل صائم ظنّ أنّ الليل قد كان وأنّ الشمس قد غابت وكان في السماء سحاب فأفطر ، ثمّ إنّ السحاب انجلى فإذا الشمس لم تغب «فقال : تمّ صومه ولا يقضيه» (1).

وبإزائها الموثّقة التي رواها الكليني تارةً عن أبي بصير وسماعة وأُخرى عن سماعة خاصّة مع اختلاف يسير في المتن ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : في قوم صاموا شهر رمضان فغشيهم سحاب أسود عند غروب الشمس فرأوا أنّه الليل فأفطر بعضهم ، ثمّ إنّ السحاب انجلى فإذا الشمس «فقال : على الذي أفطر صيام ذلك اليوم ، ان اللّه عزّ وجلّ يقول ( أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ ) ، فمن أكل قبل أن يدخل الليل فعليه قضاؤه ، لأنّه أكل متعمّداً» (2)وفي السند الآخر : فظنّوا بدل : فرأوا.

فإنّ مقتضى استدلاله (عليه السلام) بالآية المباركة أنّ الواجب من الصيام ليس هو طبيعي الإمساك ، بل خصوص ما بين الحدّين ، فيجب الإنهاء إلى الليل ، وحيث لم يتحقّق ذلك لفرض إفطاره قبله وإن لم يعلم به وجب عليه القضاء ، لعدم الإتيان بالواجب على ما هو عليه ، ولأجله فرّع عليه قوله (عليه السلام) : «فمن أكل» إلخ ، إيعازاً إلى عدم حصول المأمور به في مفروض السؤال ، فهي تدلّ على وجوب القضاء في محلّ الكلام ، وموردها السحاب والغيم الذي هو القدر المتيقّن من الظنّ.

هذا ، وقد نسب في الجواهر إلى المعظم أنّهم استدلوا لما ذهبوا إليه من القضاء


1) الوسائل 10 : 123 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 51 ح 4.

2) الوسائل 10 : 121 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 50 ح 1 ، الكافي 4 : 100 / 2 و 1. والآية في البقرة 2 : 187.

.................................................................................................


بهذه الموثّقة (1)بعد الطعن في بقيّة الروايات بضعف الدلالة في صحيحة زرارة نظراً إلى أنّ مضيّ الصوم لا يستلزم عدم القضاء ، فإنّ «مضى» بمعنى : فعل وانقضى ، وهو لا يدلّ على نفي القضاء بوجه وضعف السند في بقية الروايات ، فلا يمكن أن يعارض بها الموثّقة.

ثمّ اعترض (قدس سره) على ذلك بأنّ المضيّ مساوق للنفوذ الملازم للصحّة فلا معنى للقضاء ، فالمناقشة في الدلالة واهية ، وذكر (قدس سره) أنّ الطعن في السند في غير محلّه ، فإنّ روايات المقام كلّها صحاح كما يظهر بمراجعة الرجال.

أقول : أمّا اعتراضه على تضعيف الدلالة ففي محلّه ، إذ لا معنى للمضيّ إلّا الصحّة الملازمة لنفي القضاء كما ذكره ، مضافاً إلى أنّ روايته الأُخرى التي هي معتبرة على كلّ حال ، إمّا صحيحة أومصحّحة كما مرّ مصرّحة بنفي القضاء ، وكأنّ المناقش قصر نظره على الصحيحة الأُولى فحاول التشكيك في مفادها وغفل عن الأُخرى المصرّحة بالمطلوب.

وأمّا منعه من ضعف السند بدعوى أنّ تلك الروايات جميعها صحاح ، فلا يخلو من غرابة :

أمّا رواية الكناني : فمخدوشة بأنّ الراوي عنه أعني : محمد بن فضيل مشترك بين الظبيّ الثقة والأزدي الضعيف ، وكلاهما في عصر واحد وفي طبقة واحدة ، وليس في البين أيّ مميّز كما صرّح به الشهيد الثاني في مقامٍ آخر (2).

نعم ، حاول الأردبيلي في جامعه إثبات أنّ محمّد بن فضيل هذا هو محمّد بن القاسم بن فضيل الذي هو ثقة ومن أصحاب الرضا (عليه السلام) ، فنسب إلى


1) جواهر الكلام 16 : 285.

2) وجدناه محكيّاً عن ابن الشهيد الثاني في منتهى المقال 6 : 160.

.................................................................................................


جدّه ولم يذكر والده ، وأقام شواهد على ذلك (1).

وكلّها على تقدير صحّتها وتماميّتها لا تفيد أكثر من الظنّ الذي لا يغني من الحقّ شيئاً وإن أطال الكلام فيها ، إذ بعد أن كان الظبيّ والأزدي أيضاً من أصحاب الرضا ولهما روايات كثيرة فكيف يمكن الجزم بأنّ المراد به ما ذكره من غير أيّة قرينة تقتضيه؟! وما ذكره من الشواهد لا تخرج عن حدود الظنّ كما عرفت.

وعليه ، فيعامل مع الرواية معاملة الضعيف بطبيعة الحال.

وتوضيح المقام : أنّ الأصل فيما ذكره الأردبيلي هو ما في رجال السيّد التفريشي ، حيث ذكر عند ترجمة إبراهيم بن نعيم العبدي الذي هو اسم لأبي الصباح الكناني أنّه روى عنه محمّد بن الفضيل ، وذكر أنّ الصدوق في كتاب الفقيه روى كثيراً عن محمّد بن فضيل عن الكناني (2). ولم يذكر في المشيخة طريقة إليه ، وإنّما ذكر فيها طريقه إلى محمّد بن القاسم بن فضيل مع أنّه لم يرو عنه في الفقيه إلّا في موضعين. ومن البعيد عقد الطريق لأجل هذين الموضعين وإهماله الطريق إلى من روى عنه كثيراً أعني : محمّد بن فضيل فلأجل هذه القرينة يستكشف أنّ مراده من محمّد بن فضيل هو محمّد بن القاسم بن فضيل.

ثمّ استدرك أخيراً هذا الكلام وقال : لعلّ الصدوق لم يذكر في المشيخة طريقه إلى محمّد بن فضيل كما لم يذكر طريقه إلى الكناني أيضاً ، مع أنّه روى كثيراً عنه أيضاً (3)، فلا يمكن استكشاف أنّ مراده به هو محمّد بن القاسم بن فضيل.

أقول : ما ذكره أخيراً هو الصحيح ، فإنّ الصدوق يروي في موارد كثيرة


1) جامع الرواة 2 : 174 175.

2) نقد الرجال 1 : 92 / 158.

3) نقد الرجال 1 : 94.

.................................................................................................


لعلّها تقرب من مائة مورد روايات عن أشخاص ولم يذكر طريقه إليهم في المشيخة ، وهم أجلّاء معروفون منهم : الكناني الذي يروي عنه أكثر ممّا يروي عن محمّد بن فضيل ، ومنهم : بريد ويونس بن عبد الرّحمن وجميل بن صالح وحمران بن أعين وغيرهم من الأجلّاء المشهورين المعروفين ، الذين روى عنهم في الفقيه كثيراً وأهملهم في المشيخة إمّا غفلةً وخطأً أو لأمرٍ آخر لا ندري به ، فليكن محمّد بن فضيل من قبيل هؤلاء ، كما أنّه ربّما ينعكس الأمر فيذكر طريقه في المشيخة إلى من لم يرو عنه في الفقيه أصلاً ولا رواية واحدة.

وعلى الجملة : فلا يمكن استكشاف أنّ المراد من محمّد بن فضيل هو محمّد ابن القاسم بن فضيل بوجه. وعليه ، فرواية الكناني في المقام ضعيفة كما ذكرناه.

وأمّا رواية زيد الشحّام : فهي ضعيفة جدّاً ، لأنّ في السند أبا جميلة مفضّل بن صالح الذي صرّح بضعفه كلّ من تعرّض له من علماء الرجال ، وليت شعري كيف يدّعي صاحب الجواهر أنّ الروايات كلّها صحاح وفيها هذه الرواية وهي بهذه المثابة من الضعف؟! وبالجملة : فهاتان الروايتان ضعيفتان ، والعمدة هي الثلاثة الباقية ، أعني : صحيحتي زرارة الواقعتين بإزاء موثّقة سماعة.

أمّا الموثّقة : فهي واضحة الدلالة على الوجوب كما سبق.

والمناقشة فيها بأنها غير ناظرة إلى القضاء في مفروض السؤال ، بل إلى الإتمام والإمساك بعد ظهور الشمس ، لقوله تعالى ( ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ ) ، والقضاء المذكور بعد ذلك بيانٌ لحكم الآخرين ممّن يأكل قبل أن يدخل الليل.

ساقطةٌ جدّاً ، فإنّ سياقها يشهد بأنّها ناظرة إلى القضاء ، فإنّ الإمام (عليه السلام) أثبت الصغرى مستشهداً بالآية المباركة ، ثمّ تعرّض لحكم آخر مترتّب على هذا الحكم فذكر أوّلاً : أن أمد الإمساك هو ما بين الحدّين ، لقوله تعالى :

.................................................................................................


( ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ ) ، ثمّ بيّن : أنّ من أكل قبله كان عليه القضاء ، فهذا الشخص أيضاً يجب عليه القضاء ، لأنّه أكل واقعاً قبل الليل وإن لم يعلم به.

فالمناقشة في دلالة الموثّقة غير مسموعة جزماً ولا تقبل التأويل بوجه.

وهذا الحكم أعني : وجوب القضاء مطابق لمقتضى القاعدة ، فإنّه وإن جاز الأكل بظنّ الوقت إذا لم يتمكّن من العلم إمّا في خصوص الغيم كما هو الصحيح ، أو مطلقاً على الخلاف المقرّر في محلّه إلّا أنّه حيث لم يتحقّق المأمور به على وجهه ولا دليل على إجزاء الناقص عن الكامل فلا مناص من القضاء.

وأمّا الصحيحتان اللتان هما بإزاء الموثّقة وكلتاهما عن أبي جعفر (عليه السلام) : فلا يبعد بل من المطمأنّ به أنّهما رواية واحدة نقلها زرارة بالمعنى بكيفيّتين مع نوع مسامحة في التعبير ، إذ قد فرض في أولاهما رؤية القرص بعد الغيبوبة ، فإنّه بظاهره غير معقول ، إذ كيف تُرى الشمس بعد غيابها في الأُفق؟! فلا بدّ من فرض قيام الحجّة على السقوط : إمّا العلم الوجداني وإن كان بعيداً غايته كما لا يخفى ، أو الظنّ المعتبر ، فيتّحد مفادها مع الصحيحة الأُخرى المصرّحة بالظنّ بالغيبوبة التي لا مناص من أن يراد بها الظنّ المعتبر كما قيّدناه به ، وإلّا فغير المعتبر تجب معه الإعادة ، سواء رأى القرص بعد ذلك وأبصر الشمس أم لا ، لعدم كونه محرزاً حينئذٍ لدخول الوقت بحجّة شرعيّة ، ولا شكّ ولا كلام في أنّ الظنّ مطلقاً ليس حجّة في الوقت ، وقد وردت روايات دلّت على لزوم إحراز دخول الوقت ، فلا بدّ من فرض حجيّة الظنّ في المقام بحيث لم تكن حاجة إلى الإعادة لو لم ير القرص بعد ذلك. وقد ذكرنا في بحث الصلاة أنّ الظنّ حجّة إذا كان في السماء مانع من خصوص الغيم كما هو الصحيح أو مطلق العلّة.

وعليه ، فتحمل الصحيحة بطبيعة الحال على ما إذا كان في السماء مانع إمّا السحاب أو الأعمّ منه فتجب إعادة الصلاة لدى انكشاف الخلاف دون الصوم

[2496] مسألة 1 : إذا أكل أو شرب مثلاً مع الشكّ في طلوع الفجر ولم يتبيّن أحد الأمرين ، لم يكن عليه شي‌ء (1).


وإن أفطر ، على ما نطقت به الصحيحة الثانية ، وأمّا الاولى فليست صريحة في فرض الإفطار ، وإنّما يستفاد ذلك من إطلاق قوله (عليه السلام) : «مضى» ، أي سواء أكل وشرب أم لا ، ولعلّ التعبير بالمضيّ حتّى مع عدم الإفطار لأجل فقدان النيّة ، إذ بعد فرض قيام الظنّ المعتبر على غيبوبة القرص كما عرفت تزول نيّة الصوم بطبيعة الحال ، سواء أفطر أم لا.

وعلى الجملة : فالمتحصّل من هاتين الصحيحتين أنّ إفطاره كان سائغاً جائزاً بعد فرض حجّيّة الظنّ المخصوص بما إذا كانت في السماء علّة ، وأنّه لا قضاء عليه بعد انكشاف الخلاف ، فتكونان معارضتين لا محالة لموثّقة سماعة الدالّة على وجوب القضاء في نفس هذا الفرض أعني : ما إذا كانت في السماء علّة وحيث إنّ الترجيح مع هاتين الصحيحتين لمخالفتهما لمذهب جمهور العامّة ، حيث إنّهم ذهبوا إلى القضاء تُطرَح الموثّقة ، أو تُحمَل على التقيّة.

وحاصل الكلام : أنّ التأويل غير ممكن لا في الموثّقة ولا في الصحيحتين ، فإنّ كلّاً منهما ظاهر الدلالة بل قريب من الصراحة ، فهما متعارضتان لا محالة ، وحيث أنّ الموثّقة موافقة لمذهب العامّة تُطرَح ويكون العمل على طبق الصحيحتين.

(1) يقع الكلام تارةً : من حيث الحكم التكليفي وأنّه هل يجوز الأكل والشرب حال الشكّ ، أو أنّه لا بدّ من الاحتياط ليتيقّن بالامتثال ، وأُخرى : من حيث الحكم الوضعي ، أعني : القضاء.

.................................................................................................


أمّا الأوّل : فالظاهر أنّه لا ينبغي الإشكال في جوازه ، عملاً باستصحاب بقاء الليل وعدم دخول الفجر ، مضافاً إلى قوله تعالى ( كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتّى يَتَبَيَّنَ ) (1)إلخ ، فإنّ ظاهر الآية المباركة جواز الأكل ما لم يتبيّن ، والتبيّن وإن كان مأخوذاً في الموضوع على نحو الطريقيّة إلّا أنّ الاعتبار بنفس هذا الطريق ، فما لم يتبيّن لا مانع من الأكل.

وتدلّ عليه أيضاً صحيحة الحلبي ، قال (عليه السلام) فيها : «وكان بلال يؤذّن للنبيّ (صلّى اللّه عليه وآله) وابن أُمّ مكتوم وكان أعمى يؤذّن بليل ، ويؤذّن بلال حين يطلع الفجر ، فقال النبي (صلّى اللّه عليه وآله) : إذا سمعتم صوت بلال فدعوا الطعام والشراب فقد أصبحتم» (2).

حيث دلّت على عدم الاعتناء بأذان ابن أُمّ مكتوم الأعمى الذي لا يفيد أذان مثله إلّا الشكّ وأنّه لا مانع من الأكل حينئذٍ ما لم يؤذّن بلال العارف بالوقت.

وعلى الجملة : فالحكم التكليفي ممّا لا إشكال فيه.

وإنّما الإشكال في الحكم الوضعي وهو القضاء بالنسبة إلى بعض الموارد ، وهو ما لو أكل شاكّاً أو غافلاً غير مراعٍ للوقت ثمّ علم بدخول الفجر ، ثمّ شكّ في المتقدّم منهما أي من الأكل والطلوع والمتأخر ، فإنّ المسألة تدخل حينئذٍ في الحادثين المتعاقبين اللذين يُشَكّ في السابق منهما واللاحق ، ولا يبعد أن يقلل حينئذٍ بتعارض الاستصحابين كما هو الشأن في كلّ حادثين كذلك ، فيعارض استصحاب بقاء الأكل إلى طلوع الفجر باستصحاب عدم الطلوع إلى نهاية


1) البقرة 2 : 187.

2) الوسائل 10 : 111 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 42 ح 1.

نعم ، لو شهد عدلان بالطلوع ومع ذلك تناول المفطر وجب عليه القضاء بل الكفّارة أيضاً وإن لم يتبيّن له ذلك بعد ذلك ، ولو شهد عدل واحد بذلك فكذلك على الأحوط (1).


الفراغ من الأكل ويرجع بعد المعارضة إلى أصالة البراءة عن وجوب القضاء ، للشكّ فيه ، إذ لم يحرز الإفطار في النهار الذي هو الموضوع لوجوب القضاء.

هذا كلّه فيما إذا لم يثبت الفجر بحجّة شرعيّة.

(1) أمّا إذا ثبت ذلك حجّة شرعيّة فلا يجوز تناول المفطر ، ولو تناول وجب القضاء بل الكفّارة أيضاً ، إذ قيام الحجّة الشرعيّة بمثابة العلم الوجداني ، فيكون الإفطار معه من الإفطار العمدي فيشمله حكمه.

وهل يعتمد في ذلك على اخبار العدل الواحد؟

استشكل فيه الماتن واحتاط بعدم الأكل ، ولكن صرّح في المسألة الثانية استحبابي لا وجوبي ، لعدم ثبوت شهادة العدل الواحد في الموضوعات.

ولكنّ الظاهر هو الحجّيّة كما تقدّم الكلام فيه مفصّلاً في كتاب الطهارة (1)، فإنّ عمدة الدليل على حجّيّة خبر الواحد إنّما هي السيرة العقلائية التي لا يفرّق فيها بين الشبهات الحكميّة والموضوعيّة ، ولأجله يلتزم بالتعميم إلّا فيما قام الدليل على الخلاف ، مثل : موارد اليد ، فإنّ الدعوى القائمة على خلافها لا يكتفي فيها بشاهد واحد بل لا بدّ من رجلين عدلين أو رجل وامرأتين ، أو رجل مع ضمّ اليمين ، حسب اختلاف الموارد في باب القضاء ، ونحوه الشهادة على الزنا ،


1) شرح العروة 3 : 156.

.................................................................................................


فإنّه لا يثبت إلّا بشهود أربعة ، ونحو ذلك من الموارد الخاصّة التي قام الدليل عليها بالخصوص ، وفيما عدا ذلك يكتفى بخبر العدل الواحد مطلقاً بمقتضى السيرة العقلائيّة ، بل مقتضاها الاكتفاء بخبر الثقة المتحرّز عن الكذب وإن لم يكن عادلاً.

ويمكن استفادة ذلك من عدة موارد تقدّمت في كتاب الطهارة كما يمكن استفادته في مقامنا أعني : كتاب الصوم أيضاً من بعض الأخبار :

منها : صحيحة العيص المقدّمة (1)، إذ لولا حجّيّة قول المخبر بطلوع الفجر لما حكم (عليه السلام) بوجوب القضاء على من أكل لزعمه سخريّة المخبر ، ولم يفرض في الصحيحة طلوع الفجر واقعاً. نعم ، لا بدّ من تقييده بما إذا كان المخبر ثقة كما لا يخفى.

ومنها : صحيحة الحلبي المتقدّمة ، المتضمّنة للأمر بالكف عن الطعام والشراب إذا أذّن بلال ، فإنّها واضحة الدلالة على المطلوب ، ضرورة أنّ بلال يحتمل فيه الخطأ ، لعدم كونه معصوماً ، غايته أنّه ثقة أخبر بدخول الوقت.

وأيضاً قد وردت روايات كثيرة دلّت على جواز الدخول في الصلاة عند سماع أذان العارف بالوقت ، ومن الضروري أنّ الأذان لا خصوصيّة له وإنّما هو من أجل أنّه إخبارٌ بدخول الوقت.

وعلى الجملة : فالظاهر حجّيّة قول الثقة في الموضوعات كالأحكام ، ولا أقل من أنّ ذلك يقتضي الاحتياط الوجوبي لا الاستحبابي كما صنعه في المتن.

هذا من حيث أوّل الوقت.

وأمّا من حيث آخره : فالكلام في ثبوته بشهادة العدلين بل العدل الواحد بل


1) الوسائل 10 : 118 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 47 ح 1.

.................................................................................................


الثقة العارف بالوقت كأذان المؤذن هو الكلام المتقدّم ، إذ لا فرق من هذه الجهة بين وقتٍ ووقت.

وأمّا بالنسبة إلى الشكّ فلا ينبغي الإشكال في عدم جواز الإفطار ما لم يتيقّن بدخول الليل ، ولو أفطر وجب عليه القضاء بل الكفّارة ما دام الشكّ باقياً ولم ينكشف خلافه ، والوجه فيه : أنّ المستفاد من الآية المباركة ( ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ ) (1)بمقتضى التقييد بالغاية : أنّ وجوب الإمساك مقيّد بقيد عدمي وهو عدم دخول الليل ، فيجب الإمساك ما لم يدخل الليل ، فإذا شكّ في الدخول كان مقتضى الاستصحاب عدمه فيترتّب عليه الحكم ، كما أُشير إلى ذلك في موثّقة سماعة المتقدّمة (2).

وما ورد في بعض الأخبار من أنّ من أفطر في نهار رمضان فعليه كذا ، يراد بالنهار ما يقابل الليل ، فهو بمثابة التفسير للآية ، لا أنّ هناك قيداً آخر وجوديّاً ، بل القيد هو عدم الليل كما عرفت.

وعلى الجملة : مقتضى مفهوم الغاية أنّه ما لم يدخل الليل لا يجوز الإفطار ، ومن الظاهر أنّ الليل أمر وجودي منتزع من غيبوبة القرص ، فإذا شكّ فيه كان مقتضى الأصل عدمه فيجب الإمساك إلى أن يحرز دخوله.

ولو تنزّلنا عن ذلك وبنينا على أنّ القيد أمر وجودي وأنّ الواجب هو الإمساك المقيّد بالنهار ، وموضوع القضاء والكفّارة هو الإفطار المقيّد بوقوعه في النهار ، فالأمر على هذا المبنى أيضاً كذلك والنتيجة هي النتيجة.


1) البقرة 2 : 187.

2) الوسائل 10 : 121 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 50 ح 1.

.................................................................................................


والسرّ فيه ما أشرنا إليه في بعض تنبيهات الاستصحاب (1)من أنّه لا معنى لظرفيّة الزمان للحادث الزماني إلّا مجرّد الاقتران في الوجود بأن يكون ذلك الشي‌ء موجوداً والزمان أعني : الأمد الموهوم أيضاً موجوداً ، إذ لا نعقل معنى لتقييد الفعل بالظرفيّة سوى ذلك ، فمعنى وقوع الإفطار في النهار تحقّقه مقارناً لوجود النهار ، ونحوه الصلاة عند دلوك الشمس أو الصوم في شهر رمضان ونحو ذلك ، فمعنى القيديّة في جميع ذلك أن يكون ذلك الزمان موجوداً وهذا الفعل أيضاً موجود ، فإذا شككنا في المقام في بقاء النهار نستصحب وجوده ، وبعد ضمّه إلى الإفطار المعلوم بالوجدان يلتئم الموضوع وينتج أفطر والنهار موجود فيترتّب عليه الأثر ، ولا حاجة إلى إثبات أنّ هذا الجزء من الزمان جزء من النهار ليكون مثبتاً بالإضافة إليه ، لعدم الدليل على لزوم إحرازه بوجه.

وعلى الجملة : الفعل المقيّد بالزمان مرجعه إلى لحاظه في الموضوع على نحو مفاد كان التامّة ، أي وجوده والزمان موجود ، وهذا قابل للاستصحاب لدى الشكّ في بقاء الزمان ، وإنّما يمتنع لو كان ملحوظاً على نحو مفاد كان الناقصة ، ولأجله يجري الاستصحاب فيما لو صلّى عند الشكّ في بقاء الوقت ، ومن هذا القبيل استصحاب بقاء رمضان في يوم الشكّ ، فإنّه وإن لم يمكن إثبات أنّ هذا اليوم من رمضان إلّا أنّه يمكن أن نقول : إنّ رمضان كان والآن كما كان فيجب الإمساك ، كما هو الحال في غيره من الأفعال المقيّدة بالزمان حسبما عرفت.


1) مصباح الأُصول 3 : 130 133.

[2497] مسألة 2 : يجوز له فعل المفطر ولو قبل الفحص ما لم يعلم طلوع الفجر ولم يشهد به البيّنة ، ولا يجوز له ذلك إذا شكّ في الغروب ، عملاً بالاستصحاب في الطرفين.

ولو شهد عدل واحد بالطلوع أو الغروب فالأحوط ترك المفطر ، عملاً بالاحتياط ، للإشكال في حجّيّة خبر العدل الواحد وعدم حجّيّته ، إلّا أنّ الاحتياط في الغروب إلزامي وفي الطلوع استحبابي ، نظراً للاستصحاب (1)(1).

التاسع : إدخال الماء في الفم للتبرّد بمضمضةٍ أو غيرها فسبقه ودخل الجوف ، فإنّه يقضي ولا كفّارة عليه. وكذا لو أدخله عبثاً فسبقه. وأمّا لو نسي فابتلعه فلا قضاء عليه أيضاً وإن كان أحوط.

ولا يلحق بالماء غيره على الأقوى وإن كان عبثاً ، كما لا يلحق بالإدخال في الفم الإدخال في الأنف للاستنشاق أو غيره وإن كان أحوط في الأمرين (2).


(1) هذه المسألة يظهر وجهها ممّا تقدّم ، فلا نعيد.

(2) أمّا إذا نسي فابتلع فلا شي‌ء عليه كما تقدّم ، فإنّه رزقٌ رزقه اللّه بعد أن لم يكن قاصداً للإفطار بوجه.

وأمّا فيما لو قصد المضمضة مثلاً فدخل بغير اختياره ، فعدم الكفارة حينئذٍ واضح ، لأنّها مترتّبة على العمد والقصد ، ولا عمد حسب الفرض.

وأمّا القضاء فمقتضى القاعدة عدمها أيضاً ، لأنّها مترتّبة على بطلان الصوم ، ولا بطلان إلّا مع الاختيار في الإفطار ولو لعذر ، والمفروض عدمه في المقام ،


1) (*) لا يبعد ثبوت الطلوع والغروب بخبر العدل الواحد أو الثقة.

.................................................................................................


فالقاعدة تقتضي عدم القضاء كعدم الكفّارة.

وعلى طبق هذه القاعدة وردت موثّقة عمّار : سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يتمضمض فيدخل في حلقه الماء وهو صائم «قال : ليس عليه شي‌ء إذا لم يتعمّد ذلك» ، قلت : فإن تمضمض الثانية فدخل في حلقه الماء؟ «قال (عليه السلام) : ليس عليه شي‌ء» ، قلت : فإن تمضمض الثالثة؟ قال : «فقال (عليه السلام) : قد أساء ، ليس عليه شي‌ء ولا قضاء» (1).

وقوله (عليه السلام) : «قد أساء» محمول على الكراهة ، حذراً من أن يجعل نفسه في معرض الدخول في الحلق.

ومقتضى الإطلاق في هذه الموثّقة عدم الفرق بين ما إذا تمضمض في وضوءٍ أو عبثاً ، ولكن لا بدّ من تقييده بالوضوء ، جمعاً بينها وبين موثّقة سماعة المصرّحة بالقضاء فيما إذا كان عبثاً ، قال : سألته عن رجل عبث بالماء يتمضمض به من عطش فدخل حلقه «قال : عليه قضاؤه ، وإن كان في وضوء فلا بأس به» (2).

فتُحمَل تلك الموثّقة على التمضمض للوضوء.

فإن قلت : كيف تُحمَل عليه مع التعبير فيها ب : «أساء» الظاهر في الكراهة كما ذكر ، مع أنّ استحباب المضمضة ثلاثاً حال الوضوء لا يفرق فيه بين الصائم وغيره؟

قلت : لا يبعد الالتزام بالكراهة في المرّة الثالثة للصائم المتوضّئ فيما لو سبقه الماء في المرّتين الأوليين ، عملاً بظاهر هذه الموثّقة بعد التقييد المزبور ، فإنّ


1) الوسائل 10 : 72 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 23 ح 5.

2) الوسائل 10 : 71 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 23 ح 4.

.................................................................................................


الروايات الواردة في استحباب المضمضة في الوضوء لم يرد شي‌ء منها في خصوص الصائم ولا ما يعمّه وغيره ، بل قد يظهر من بعض الأخبار عدم الاستحباب مطلقاً للصائم ، وإن كانت الرواية غير نقيّة السند ، وربّما يستفاد من بعضها أنّ المضمضة مستحبة في نفسها لا لأجل المقدّميّة للوضوء.

وكيفما كان ، فدعوى الكراهة في المرّة الثالثة حال الصوم للمتوضّئ مع فرض السبق في المرّتين الأُوليين غير بعيدة بمقتضى هذه الموثّقة كما عرفت.

فتحصّل : أنّه لو تمضمض عبثاً فدخل الماء جوفه يحكم بالقضاء ، عملاً بموثّقة سماعة التي بها يخرج عن مقتضى القاعدة وعن إطلاق موثّق عمار ، ولكن لا بدّ من الاقتصار على مورد الموثّقة من التمضمض بالماء ، فلا يتعدّى إلى التمضمض بالمائع المضاف أو إلى الاستنشاق ، جموداً في الحكم المخالف لمقتضى القاعدة على مورد النصّ ، إلّا أن يحصل الجزم بعدم الخصوصيّة.

ولا يبعد دعواه بالنسبة إلى المضمضة وأنّه لا خصوصيّة لها ، بل من جهة أنّها مصداق للعبث بالماء في مقابل الوضوء الذي هو بداعي امتثال الأمر الإلهي الوجوبي أو الاستحبابي ، ولأجله قوبل بين الأمرين في الموثّقة.

وعليه ، فلا يبعد دعوى شمول الحكم لما إذا أدخل الماء في فمه لغرض آخر غير المضمضة ، كتطهير أسنانه الجعليّة ، فدخل الحلق بغير اختياره ، فيتعدّى إلى هذه الصورة أيضاً بمقتضى الفهم العرفي ويحكم بالقضاء.

ثمّ إنّه يظهر من الموثّقة نفي القضاء في الغسل أيضاً كالوضوء فيما لو دخل الماء حلقه بغير اختياره عند المضمضة أو غيرها كما لعلّه يتّفق كثيراً ، لا لأجل أنّ المراد بالوضوء في الموثّقة مطلق الطهارة فإنّه بعيد جدّاً كما لا يخفى ، بل لأجل أنّ وقوع الوضوء في مقابل العبث يكشف عن عدم الخصوصيّة له وأنّ العبرة بما لا عبث فيه الشامل للغسل ، فلا يكون لقوله : «وإن كان في وضوء

[2498] مسألة 3 : لو تمضمض لوضوء الصلاة فسبقه الماء لم يجب عليه القضاء ، سواء كانت الصلاة فريضة أو نافلة على الأقوى (1)(1) ، بل لمطلق الطهارة وإن كانت لغيرها من الغايات ، من غير فرق بين الوضوء والغسل ، وإن كان الأحوط القضاء فيما عدا ما كان لصلاة الفريضة ، خصوصاً فيما كان لغير الصلاة من الغايات.


فلا بأس به» مفهومٌ ليدلّ على ثبوت البأس في غير الوضوء ، فغايته أن يكون الغسل مسكوتاً عنه فيبقى تحت مقتضى القاعدة من عدم القضاء كما عرفت.

وعلى الجملة : فالرواية قاصرة الشمول للغسل ، فإنّ موردها العبث ولا يراد الحصر من الوضوء ، بل هو في مقابل العبث.

فما ذكره الماتن من عدم البطلان في الغسل هو الصحيح على ما يشير إليه في المسألة الآتية ، فحال الغسل حال من يعثر فيرتمس في الماء ويدخل في جوفه بغير اختياره في أنّ مقتضى القاعدة فيه عدم القضاء ، لصدوره من غير اختيار.

(1) كما هو المشهور ، حيث لم يفرّقوا في الوضوء بين ما كان لفريضة أو نافلة أو غاية أُخرى ، حتّى الكون على الطهارة بناءً على ثبوت استحبابه النفسي ، عملاً بإطلاق الوضوء الوارد في موثّقة سماعة المتقدّمة.

ولكن صحيحة الحلبي فرّقت بين وضوء الفريضة وغيرها ، فقد روى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : في الصائم يتوضّأ للصلاة فيدخل الماء حلقه «فقال : إن كان وضوؤه لصلاة فريضة فليس عليه شي‌ء ، وإن كان وضوؤه لصلاة نافلة فعليه القضاء» (2).


1) (*) فيه إشكال والاحتياط فيما كان لغير صلاة الفريضة لا يترك.

2) الوسائل 10 : 70 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 23 ح 1.

.................................................................................................


وهي صحيحة السند ، وقد عمل بها جماعة ، فليست مهجورة معرَضاً عنها حتى يقال بسقوطها عن الحجّيّة بالإعراض ، فعلى تقدير تسليم الكبرى فالصغرى غير متحقّقة في المقام.

هذا ، مضافاً إلى منع الكبرى على مسلكنا ، ومقتضاها تقييد موثّقة سماعة وحملها على الوضوء للفريضة ، فبالنتيجة يفصل بين الوضوء وغيره ، وفي الوضوء بين ما كان للفريضة وغيرها ، وهذا هو الصحيح ، فتقيَّد موثّقة عمّار المتقدّمة بموثّقة سماعة ، وتقيَّد هي بصحيحة الحلبي ، وتكون النتيجة اختصاص الحكم بوضوء الفريضة ، لكون كلّ من هذه الروايات أخصّ من سابقتها ، فيؤخذ بأخصّ الخاصّين ، ومورد هذه الصحيحة وإن لم يكن هو المضمضة ، لكنّها القدر المتيقّن منها ، فإنّ ما يكون معرضاً بحسب المتعارف الخارجي للدخول في الحلق لدى الوضوء إنّما هو المضمضة ، فلا يمكن حمل الصحيحة على غيرها ، فلا يتوهّم أنّ النسبة بينها وبين موثّقة عمّار عمومٌ من وجه ، لكونها خاصّاً من حيث الوضوء عامّاً من حيث المضمضة ، عكس الموثّقة ، فإنّ الأمر وإن كان كذلك صورةً ، ولكنّه بحسب الواقع عمومٌ مطلق ، لما عرفت من امتناع حملها على غير المضمضة.

ثمّ ، إنّ موثّقة سماعة وإن كان موردها المضمضة ولذا قلنا : إنّه لا بأس بالاستنشاق بمقتضى القاعدة من غير مخصّص كما مرّ ، إلّا أنّ هذه الصحيحة مطلقة تشمل المضمضة وغيرها من الاستنشاق ونحوه.

وعليه ، فلا يبعد التعدّي إلى غير المضمضة ، فكما دخل حلقه بغير اختيار حال الوضوء للفريضة سواء كان بسبب المضمضة أم غيرها فلا بأس به ، وإن كان في غير وضوء الفريضة ففيه القضاء. فما صنعه الشهيد الأوّل من التعدّي إلى الاستنشاق (1)هو الصحيح ، أخذاً بإطلاق الصحيحة ، ولو نوقش في الصحيحة


1) الدروس 1 : 274.

[2499] مسألة 4 : يكره المبالغة في المضمضة مطلقاً ، وينبغي له أن لا يبلع ريقه حتّى يبزُق ثلاث مرّات.

[2500] مسألة 5 : لا يجوز التمضمض مطلقاً مع العلم بأنّه يسبقه الماء إلى الحلق أو ينسى فيبلعه.

العاشر : سبق المني بالملاعبة أو الملامسة إذا لم يكن ذلك من قصده ولا عادته على الأحوط ، وإن كان الأقوى عدم وجوب القضاء أيضاً (1)(1).


من جهة احتمال الهجر والإعراض فلا شكّ أنّ التعدّي أحوط.

(1) تقدّم الكلام في ذلك مفصّلاً في بحث مفطريّة الاستمناء (2)، وملخّص ما ذكرناه : أنّ الملاعب ونحوه إن كان قاصداً للإنزال من الأوّل فهو داخل في الاستمناء حقيقةً فيشمله حكمه من القضاء والكفّارة ، ويلحق به من كانت عادته ذلك أي خروج المني عند الملاعبة فإنّه وإن لم يكن قاصداً للمنيّ ولكنّه في حكم القاصد بعد فرض جريان العادة.

وأمّا من لم يكن قاصداً ولا كانت عادته كذلك فإن احتمل عند الملاعبة خروج المني احتمالاً معتدّاً به فسبقه المني وجب عليه القضاء دون الكفارة ، وأمّا إذا لم يحتمله كذلك بل كان واثقاً من نفسه بعدم الخروج كما صرّح به في بعض الأخبار فاتفق سبق المني صحّ صومه ولا قضاء عليه حينئذٍ فضلاً عن الكفّارة.


1) (*) تقدّم التفصيل فيه [في المسألة 2401].

2) في ص 121.

فصل في الزمان الذي يصحّ فيه الصّوم

وهو النهار من غير العيدين (1) ،


(1) أمّا أنّ مورده النهار فضروري ، وتدل عليه الآية المباركة ، قال تعالى ( كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ ) إلخ ، إلى قوله ( ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ ) (1)فيظهر منها أنّ ظرف الصوم في الشريعة الإسلاميّة متخلّل ما بين طلوع الفجر إلى الليل ، وهو معنى النهار ، والأخبار مطبقة على ذلك ، وفي بعضها : أنّه إذا طلع الفجر فقد دخل وقت الصلاة والصيام (2)، وهذا من الواضحات.

وأمّا استثناء العيدين من أيّام السنة فقد نطقت به جملة وافرة من النصوص ، وأنّه لا يشرّع الصيام في هذين اليومين ، حتّى ورد في بعضها : أنّ من جعل على نفسه صوم كلّ يوم حتّى يظهر القائم (عجّل اللّه تعالى) فرجه لا يصحّ نذره بالإضافة إلى يومي العيدين (3)، وقد ورد في روايات النذر : أنّ من نذر صوم يوم معيّن فصادف العيد أو السفر ينحلّ نذره ، لأنّ اللّه قد وضع عنه الصيام في هذه الأيّام (4).


1) البقرة 2 : 187.

2) انظر الوسائل 4 : 207 / أبواب المواقيت ب 26 ح 2.

3) الوسائل 10 : 515 / أبواب الصوم المحرم والمكروه ب 1 ح 8.

4) الوسائل 23 : 310 / كتاب النذر والعهد ب 10 ح 1.

ومبدأه طلوع الفجر الثاني ، ووقت الإفطار ذهاب الحمرة من المشرق (1)(1).


والظاهر أنّ اقتصاره (قدس سره) في الاستثناء على العيدين من أجل أنّ ذلك حكم لعامّة المكلّفين ، فإنّ صوم أيّام التشريق أيضاً حرام ولكن لمن كان بمنى لا لغيره ، فاليوم المحرّم صومه على كل أحد هو يوما العيدين كما ذكره (قدس سره).

(1) تقدّم الكلام من حيث المبدأ والمنتهى في مبحث الأوقات من كتاب الصلاة مفصّلاً ، إذ لا فرق بين الصوم والصلاة من هذه الجهة ، وقلنا : إنّ المبدأ هو الفجر المعترض في الأُفق المعبّر عنه في الآية المباركة بالخيط الأبيض ، والمشبّه في بعض النصوص بنهر سورا وبالقبطيّة البيضاء.

وأمّا المنتهي : فالمستفاد من أكثر الأخبار أنّ الاعتبار بغروب الشمس ، أي بغيبوبة القرص تحت الأرض ، أي تحت دائرة الأُفق ، ودخولها في قوس الليل.

وقلنا في محلّه : إنّ ما في جملة من الأخبار من التعبير بارتفاع الحمرة يراد به الحمرة من دائرة الأُفق من ناحية المشرق ، حيث إنّ الشمس حينما تغيب يظهر آن ذاك سواد من ناحية المشرق وبذلك ترتفع الحمرة من تلك الناحية كما لاحظنا ذلك مراراً ، وهو مقتضى طبع كرؤيّة الأرض ، وقد أُشير إلى ذلك في بعض الأخبار بأنّ المشرق مطلّ على المغرب.

هذا ، ولكن نُسِب إلى المشهور أنّ العبرة بذهاب الحمرة المشرقيّة عن قمّة الرأس أو عن ربع الفلك ، والظاهر من عبارة المحقّق في الشرائع عدم صحّة النسبة ، حيث قال بعد اختيار الاستتار : وقيل بالحمرة المشرقيّة (2)، فيظهر من


1) على الأحوط.

2) الشرائع 1 : 72.

ويجب الإمساك من باب المقدّمة (1) في جزء من الليل في كلّ من الطرفين ، ليحصل العلم بإمساك تمام النهار.


الإسناد إلى القيل أنّ ذلك قولٌ غير مشهور.

وكيفما كان ، فالجمود على ظواهر النصوص يقتضي بأنّ الاعتبار بسقوط القرص ، ولكن الأحوط رعاية ذهاب الحمرة المشرقية ولو لأجل احتمال ذهاب المشهور إليه ، لكن هذا الاحتياط إنّما هو بالنسبة إلى الصوم وصلاة المغرب ، وأمّا تأخير الظهرين إلى ما بعد السقوط فغير جائز كما ذكرناه في محلّه.

(1) أي العلميّة كما يشير إليه ، لحكومة العقل بلزوم إحراز الامتثال بعد تنجّز التكليف ووصوله ، فإنّ الاشتغال اليقيني يستدعي فراغاً مثله ، فلا يكتفي باحتمال الامتثال بل لا بدّ من الجزم به ، المتوقّف على دخول جزء من غير الواجب وضمّه إلى الواجب ، ليحصل بذلك الجزم بتحقّق المأمور به ، ولأجل ذلك يحكم بوجوب ضمّ مقدار من خارج الحدّ في غسل الوجه واليدين في الوضوء.

وعليه يبتني وجوب الاجتناب عن أطراف العلم الإجمالي في الشبهات التحريميّة ، ووجوب الإتيان بها في الشبهات الوجوبيّة فهذه الكبرى أعني : حكم العقل بوجوب المقدّمة العلميّة من باب الاحتياط وتحصيلاً للجزم بالامتثال ممّا لا غبار عليها.

إنّما الكلام في تطبيقها على المقام ، فقد طبّقها عليه في المتن ، ولأجله حكم (قدس سره) بوجوب الإمساك في جزء من الليل في كل من الطرفين ، ولكن الظاهر أنّه لا يتمّ على إطلاقه.

امّا من حيث المنتهي : فالأمر كما ذكر ، فلا يجوز الإفطار إلّا بعد مضيّ زمان

.................................................................................................


يتيقّن معه بدخول الليل ، ويكفي فيه استصحاب بقاء النهار وعدم دخول الليل ، ومع الغضّ عنه يدلّ عليه قوله تعالى ( ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ ) ، فلا بدّ من اليقين بدخول الليل ليحرز امتثال الأمر بالإتمام إلى الليل ، وعليه فلا مناص من الاحتياط.

وأمّا من حيث المبدأ : فلا نرى وجهاً للاحتياط بالإمساك في جزء من الليل ليتيقّن بحصول الإمساك من أوّل جزء من الفجر بعد جريان استصحاب بقاء الليل وعدم طلوع الفجر الذي نتيجته جواز الأكل ما لم يتيقّن بالفجر ، فإنّه بهذا الاستصحاب الموضوعي يحرز عدم دخول النهار شرعاً وبقاء الليل تعبّداً ، ومعه لا مجال للرجوع إلى الاحتياط المزبور كما لا يخفى.

هذا ، مضافاً إلى قوله تعالى ( كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتّى يَتَبَيَّنَ ) إلخ ، حيث جُعِلت الغاية التبيّن ، فما لم يتبيّن وكان شاكّاً جاز له الأكل والشرب ولم يجب الإمساك وإن كان الفجر طالعاً واقعاً ، فهو في مرحلة الظاهر مرخّص في الأكل إلى أن يتبيّن الفجر وينكشف.

نعم ، لو لم يراع الفجر بنفسه ثمّ انكشف الخلاف وجب القضاء ولا يجب مع المراعاة. وهذا حكم آخر لا ربط له بوجوب الإمساك تكليفاً لدى الشكّ وعدمه الذي هو محلّ الكلام كما لا يخفى.

نعم ، يتّجه الاحتياط المزبور فيما لو سقط الاستصحاب فارتفع المؤمّن الشرعي ، كما لو علم من نفسه أنّه لو لم يحتط بالإمساك في جزء من الليل واستمرّ في التعويل على الاستصحاب لأفطر في جزء من النهار يقيناً ولو في يوم واحد من مجموع الشهر ، كما لا يبعد حصول هذا العلم لغير واحد من الأشخاص ، فهو يعلم بحصول الإفطار إمّا في هذا اليوم أو في الأيّام الآتية ، ففي مثله لا يجوز الرجوع إلى الاستصحاب ، لسقوطه في أطراف العلم الإجمالي ،

ويستحبّ تأخير الإفطار حتّى يصلّي العشاءين لتكتب صلاته صلاة الصائم (1) ،


بناءً على ما هو الصحيح من عدم الفرق في تنجيزه بين الدفعي والتدريجي ، فلا مناص في مثله من الاحتياط بعد فقد المؤمّن الشرعي.

وأمّا من لم يحصل له مثل هذا العلم الإجمالي ، أو فرض الكلام في آخر الشهر من غير التفات إلى ما قبله ، أو في صوم آخر من نذر ونحوه ، فلا وجه في مثله لتحصيل المقدّمة العلميّة بعد جريان الاستصحاب حسبما عرفت ، فلا يجب الإمساك في جزء من الليل لا شرعاً كما هو ظاهر ، ولا عقلاً بعد فرض وجود المؤمّن.

(1) فقد دلّ على استحباب التأخير صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : أنّه سُئل عن الإفطار أقبل الصلاة أو بعدها؟ قال : «فقال : إن كان معه قوم يخشى أن يحبسهم عن عشائهم فليفطر معهم ، وإن كان غير ذلك فليصلّ ثمّ ليفطر» (1).

وعلى أنّه تُكتَب الصلاة صلاة الصائم موثّقة زرارة وفضيل وهي موثّقة باعتبار علي بن الحسن بن فضّال عن أبي جعفر (عليه السلام) : «في رمضان تصلّي ثمّ تفطر إلّا أنّ تكون مع قوم ينتظرون الإفطار ، فإن كنت تفطر معهم فلا تخالف عليهم فأفطر ثمّ صلّ ، وإلّا فابدأ بالصلاة» قلت : ولِمَ ذلك؟ «قال : لأنّه قد حضرك فرضان : الإفطار والصلاة ، فابدأ بأفضلهما ، وأفضلهما الصلاة ثمّ قال : تصلّي وأنت صائم فتُكتب صلاتك تلك فتختم بالصوم أحبّ إليّ» (2).

والمشار إليه في قوله (عليه السلام) : «تلك» هي الصلاة وأنت صائم المذكورة


1) الوسائل 10 : 149 / أبواب آداب الصائم ب 7 ح 1.

2) الوسائل 10 : 150 / أبواب آداب الصائم ب 7 ح 2.

إلّا أن يكون هناك من ينتظره للإفطار (1) ، أو تنازعه نفسه على وجهٍ يسلبه الخضوع والإقبال (2) ولو كان لأجل القهوة والتتُن والترياك ، فإنّ الأفضل حينئذٍ الإفطار ثمّ الصلاة مع المحافظة على وقت الفضيلة بقدر الإمكان.


قبل ذلك ، فإنّ الأمر بالصوم وإن كان ساقطاً بانتهاء أمده المتحقّق بدخول الليل ، إلّا أنّه مقابل للإفطار كما تقدّم سابقاً ، فما لم يفطر فهو صائم وإن لم يكن صومه فعلاً مأموراً به ، وبهذا الاعتبار صحّ أن يقال : إن صلاته تُكتَب صلاة الصائم.

ومنه يظهر الوجه في إطلاق الفرض على الإفطار في قوله (عليه السلام) : «لأنّه قد حضرك فرضان» إلخ ، فإن وجوب الإفطار معناه : انتهاء أمد الصوم وعدم جواز قصده في الليل ، فلأجله وجب عليه الإفطار.

ثمّ إنّ مقتضى إطلاق الموثّقة الحاكمة بالبدأة بالصلاة وأنّها أفضل من الإفطار شمولُ الحكم للعشاءين معاً ، لاشتراكهما في الوقت بمقتضى قوله (عليه السلام) في بعض النصوص : «وإذا غاب القرص فقد وجب الصلاتان إلّا أنّ هذه قبل هذه» كما تقدّمت في مبحث الأوقات من كتاب الصلاة ، فنفس المناط الذي اقتضى تقديم المغرب يقتضي تقديم العشاء أيضاً ، لتساويهما في الوقت ، والإطلاق المزبور غير قاصر الشمول لهما حسبما عرفت ، وإن لم يرد تنصيص بذلك.

(1) كما صرّح به في صحيحة الحلبي وموثّقة زرارة وفضيل المتقدّمتين وغيرهما.

(2) كما دلّت عليه مرسلة المفيد في المقنعة : «قال : وإن كنت ممّن تنازعك نفسك للإفطار وتشغلك شهوتك عن الصلاة فابدأ بالإفطار ، ليذهب عنك

[2501] مسألة : لا يشرع الصوم في الليل ، ولا صوم مجموع الليل والنهار ، بل ولا إدخال جزء من الليل فيه إلّا بقصد المقدّميّة (1).


وسواس النفس اللوّامة» (1).

وهي وإن لم تصلح للاستدال لمكان الإرسال ، إلّا أنّ مضمونها مطابق للواقع ، لوقوع المزاحمة حينئذٍ بين فضيلة الوقت وبين مراعاة الخضوع وحضور القلب في الصلاة ، وكلّ منهما مستحبّ قد حثّ الشارع عليه ، ولكن لا يبعد أن يقال : إنّ الثاني أهمّ والملاك فيه أتمّ ، فإنّ الإقبال والحضور بمثابة الروح للصلاة ، وقد ورد في بعض النصوص : «إنّ مقدار القبول تابع لمقدار الحضور» (2)، فقد تُقبَل منها ركعة ، وأُخرى ركعتان ، وثالثة أكثر أو أقلّ ، لعدم كونه حاضر القلب إلّا بهذا المقدار ، بل ينبغي الجزم بأهمّيّة الثاني وتقديمه فيما لو تمكّن من الجمع بين الأمرين بأن يفطر أوّلاً ثمّ يصلّي مع الخضوع والإقبال في آخر وقت الفضيلة الذي يستمرّ زهاء ثلاثة أرباع الساعة تقريباً ، إذ لا مزاحمة حينئذٍ إلّا بين الخضوع وبين أول وقت الفضيلة لا نفسه ، ولم يدلّ أيّ دليل على أهمّيّة الثاني بالنسبة إلى مراعاة الخضوع والإقبال ، بل المقطوع به خلافه.

وكيفما كان ، فينبغي له المحافظة على وقت الفضيلة بقدر الإمكان كما ذكره في المتن.

(1) ما ذكره (قدس سره) في هذه المسألة من الضروريّات المسلّمة كما أُشير إليه في موثّقة زرارة وفضيل المتقدّمة ، حيث أُطلق فيها الفرض على الإفطار بعد انتهاء النهار ، ونحوها غيرها ، فلاحظ.


1) الوسائل 10 : 151 / أبواب آداب الصائم ب 7 ح 5 ، المقنعة : 318.

2) انظر الوسائل 5 : 478 / أبواب أفعال الصلاة ب 3 ح 6.

فصل في شرائط صحّة الصوم

في شرائط صحّة الصوم (1)

وهي أُمور :

الأوّل : الإسلام والإيمان (2) ، فلا يصحّ من غير المؤمن ولو في جزء من النهار ، فلو أسلم الكافر في أثناء النهار ولو قبل الزوال لم يصحّ صومه ، وكذا لو ارتدّ ثمّ عاد إلى الإسلام بالتوبة ،


(1) وهي بين ما يكون شرطاً في الصحّة ، وما هو شرط في تعلّق التكليف ، وعلى أيّ حال فهي معتبرة في الصحّة إمّا لكونها شرطاً للأمر أو للمأمور به.

(2) فلا يصحّ الصوم كغيره من العبادات من الكافر وإن كان مستجمعاً لسائر الشرائط ، كما لا يصحّ ممن لا يعترف بالولاية من غير خلاف.

أمّا الأوّل : فالأمر فيه واضح ، بناءً على ما هو الصحيح من أنّ الكفّار غير مكلّفين بالفروع ، وإنّما هم مكلّفون بالإسلام ، وبعده يكلّفون بسائر الأحكام كما دلّت عليه النصوص الصحيحة على ما مرّ التعرّض له في مطاوي بعض الأبحاث السابقة ، إذ بناءً على هذا المبنى يختصّ الخطاب بالصيام بالمسلمين ، فلم يتوجّه تكليفٌ بالنسبة إلى الكافر ليصحّ العمل منه ، فإنّه خارج عن الموضوع.

وأمّا بناءً على أنّهم مكلّفون بالفروع كتكليفهم بالأُصول فلا شكّ في عدم

.................................................................................................


الصحّة من المشركين ، ضرورة أنّ الشرك يوجب حبط الأعمال السابقة على الشرك بمقتضى قوله تعالى ( لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ) (1)فضلاً عن الصادرة حال الشرك.

وأمّا غير المشركين من سائر فرق الكفّار فيدلّ على عدم الصحّة منهم الإجماع المحقّق ، بل الضرورة ، بل قد يستفاد ذلك من بعض الآيات ، قال تعالى ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْ‌ءُ الْأَرْضِ ذَهَباً ) إلخ (2)، فيظهر منها أنّ الكفر مانع عن قبول النفقة كما صرّح بذلك في آية أُخرى ، قال تعالى ( وَما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ إِلّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللّهِ وَبِرَسُولِهِ ) إلخ (3)فإذا كان الكفر مانعاً عن قبول النفقة فهو مانع عن الصوم وغيره من سائر العبادات بطريقٍ أولى كما لا يخفى.

وكيفما كان ، فسواء تمّت الاستفادة من الآيات المباركة أم لا تكفينا بعد الإجماع المحقّق كما عرفت النصوص الكثيرة الدالّة على بطلان العبادة من دون الولاية ، فإنّها تدلّ على البطلان من الكفّار بطريق أولى ، فإنّ الكافر منكر للولاية وللرسالة معاً ، وقد عقد صاحب الوسائل لهذه الأخبار باباً في مقدّمة العبادات ، وهي وإن كان بعضها غير نقي السند وبعضها قاصر الدلالة ، إلّا أنّ فيها ما هو تامّ سنداً ودلالةً كصحيحة محمّد بن مسلم ، قال : سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول : «كل من دان لله عزّ وجلّ بعبادة يجهد فيها نفسه ولا إمام له من اللّه فسعيه غير مقبول ، وهو ضالّ متحيّر ، واللّه شانئ لأعماله» إلخ (4).


1) الزمر 39 : 65.

2) آل عمران 3 : 91.

3) التوبة 9 : 54.

4) الوسائل 1 : 118 / أبواب مقدّمة العبادات ب 29 ح 1.

وإن كان الصوم معيّناً وجدّد النيّة قبل الزوال على الأقوى (1).


فإنّ من يكون اللّه شأنياً لأعماله ومبغضاً لأفعاله كيف يصحّ التقرّب منه وهو ضالّ متحيّر لا يقبل سعيه؟! فكل ذلك يدلّ على البطلان.

وفي ذيل الصحيحة أيضاً دلالة على ذلك كما لا يخفى على من لاحظها ، فإذا بطل العمل ممّن لا إمام له وكان كالعدم ، فمن لا يعترف بالنبي بطريق أولى ، إذ لا تتحقّق الولاية من دون قبول الإسلام.

وممّا ذكرنا يظهر الحال في اعتبار الإيمان في صحّة الصوم وأنّه لا يصحّ من المخالف لفقد الولاية ، وقد تعرّضنا لهذه المسألة بنطاقٍ أوسع في بحث غسل الميّت (1)عند التكلّم حول اعتبار الإيمان في الغسل الذي هو فرع الإسلام ، فلو لم يكن مسلماً أو كان ولكن لم يكن بهداية الإمام وإرشاده لم يصحّ تغسيله ، فراجع إن شئت.

(1) فإنّ الإسلام معتبر في جميع أجزاء الصوم الارتباطيّة من طلوع الفجر إلى الغروب ، بمقتضى إطلاق الأدلّة ، فالكفر في بعضها موجب لبطلان الجزء المستلزم لبطلان الكلّ ، فلا ينفعه العود إلى الإسلام بعد ذلك وإن جدّد النيّة ، فإنّ الاكتفاء بتجديد النيّة قبل الزوال حكمٌ مخالفٌ للقاعدة ، للزوم صدورها قبل الفجر ، وقد ثبت الاكتفاء بذلك في موارد خاصّة ، كالمريض الذي يبرأ قبل الزوال ، أو المسافر الذي يقدم أهله ، ولا دليل على الاجتزاء بالتجديد في المقام كما هو ظاهر.


1) شرح العروة 8 : 374.

الثاني : العقل ، فلا يصحّ من المجنون (1) ولو أدواراً وإن كان جنونه في جزء من النهار.


(1) والوجه فيه : أنّ المجنون غير مكلّف بالصوم كسائر الواجبات من العبادات وغيرها ، فهو مرفوع عنه القلم ، وحاله حال سائر الحيوانات ، لا عبرة بعمله ، للأدلّة الدالّة على اشتراط التكليف بالعقل الذي هو أوّل ما خلق اللّه وقال له : أقبل فأقبل ، ثمّ قال : أدبر فأدبر ، فقال تعالى : بك أُثيب وبك أُعاقب ، كما هو مضمون الروايات (1).

ومنه تعرف أنّه لا وجه لقياس الجنون بالنوم وإن كان القلم مرفوعاً عنه أيضاً ، وذلك لما علمناه من الخارج ومن إطلاق الأدلّة من أنّ الصوم غير متقيّد بعدم النوم ، بل قد ورد أنّ نوم الصائم عبادة ، فعباديّة الصوم بمعنى لا يكاد يتنافى مع النوم ، فإنّه بمعنى البناء على الاجتناب عن المفطرات وعدم ارتكابها متعمّداً بأن يكون على جانب منها وبعيداً عنها كما دلّ عليه قوله (عليه السلام) : «لا يضرّ الصائم ما صنع إذا اجتنب» إلخ ، وأن يكون ذلك لله تعالى ، فلو نوى الاجتناب المزبور قبل الفجر لله تعالى فقد أتى بالعبادة وإن نام بعد ذلك ، لحصول هذا المعنى حال النوم أيضاً ، فليست العباديّة في الصوم وكذا في تروك الإحرام بالمعنى المعتبر في العبادات الوجوديّة ، أي وقوع كلّ جزء بداعي امتثال الأمر حتّى ينافيه النوم ، ودليل رفع القلم عن النائم معناه : أنّه لو ارتكب شيئاً حال النوم فهو مرفوع عنه ولا يؤاخذ به ، وهذا كلّه كما ترى أجنبي عن محلّ الكلام.

وعلى الجملة : التكليف بالصوم مشروط بعدم الجنون وغير مشروط بعدم


1) الكافي 1 : 8 / 1 و 20 / 26.

ولا من السكران (1)ولا من المغمى عليه ولو في بعض النهار وإن سبقت منه النيّة على الأصحّ (1).


النوم ، فلو فرضنا أنّ جنونه أدواري فكان ملتفتاً قبل الفجر فنوى وقصد الصوم ثمّ جنّ أثناء النهار ولو في جزء منه بطل صومه وإن كانت النيّة متحقّقة ، لفقد شرط التكليف.

ثمّ إنّ مقتضى الإطلاق في دليل اشتراط الصوم بالعقل ورفع التكليف عن المجنون عدم الفرق بين الإطباقي والأدواري ، فلو جنّ في بعض النهار قبل الزوال أو بعده بطل صومه ، فإنّ الواجب واحد ارتباطي يختلّ باختلال جزء منه ، واللازم اتّصاف الصائم بالعقل في مجموع الوقت من الفجر إلى الغروب ، فلو جنّ في جزء منه من الأوّل أو الوسط أو الأخير فهو غير مأمور بالصوم ولا يجب عليه الإمساك بعدئذ.

ودعوى الاكتفاء بتجديد النيّة فيما لو ارتفع جنونه قبل الزوال ، غير مسموعة ، لما عرفت من أنّه حكمٌ على خلاف القاعدة يحتاج إلى قيام دليل عليه ، وقد ثبت في المسافر والمريض ونحوهما ولم يثبت في المقام ، ومقتضى إطلاق ما دلّ على أنّ المجنون غير مكلّف بشي‌ء أنّه لا يعتدّ بصومه ، سواء جدّد النيّة أم لا.

(1) هل السكران والمغمى عليه في بعض الوقت أو في كلّه يلحق بالمجنون أو يلحق بالنائم.


1) (*) لا يترك الاحتياط فيه وفي المغمى عليه إذا كانا ناويين للصوم قبل طلوع الفجر ثمّ عرض عليهما السكر والإغماء إلى أن طلع الفجر.

الثالث : عدم الإصباح جنباً أو على حدث الحيض والنفاس بعد النقاء من الدم على التفصيل المتقدّم (1).

الرابع : الخلو من الحيض والنفاس في مجموع النهار ، فلا يصحّ من الحائض والنفساء إذا فاجأهما الدم ولو قبل الغروب بلحظة أو انقطع عنهما بعد الفجر بلحظة (2) ،


لا يبعد الثاني ، فإنّ الدليل على عدم صحّة الصوم من المجنون إذا كان هو اشتراط التكليف بالعقل كما ذكرنا فمثل هذا الاشتراط لم يرد في السكران ولا المغمى عليه ، ولا سيّما إذا كان السكر والإغماء بالاختيار ، فإذا كان التكليف مطلقاً من هذه الجهة ولم يكن مشروطاً بعدمها فلا إشكال إلّا من ناحية النيّة ، وقد عرفت أنّ النيّة المعتبرة في الصوم تغاير ما هو المعتبر في العبادات الوجوديّة وأنّها سنخ معنى لا تنافي النوم ، فإذن لا تنافي السكر والإغماء أيضاً ، لعين المناط.

وعلى الجملة : فحال السكران والمغمى عليه حال النائم من هذه الناحية ، فإن تمّ إجماع على بطلان صومهما ولم يتمّ فهو ، وإلّا فمقتضى الإطلاقات شمول التكليف لهما ، وصحّة العمل منهما كمن غلب عليه النوم ، فالحكم بالبطلان فيهما مبني على الاحتياط ، وإلّا فلا يبعد صحّة صومهما من غير فرق بين المستمرّ وغيره.

(1) كما تقدّم الكلام حوله مستقصًى في مبحث المفطرات ، وقد عرفت أنّ الاخبار دلّت على الكفّارة حينئذٍ فضلاً عن القضاء ، فلاحظ (1).

(2) بلا خلاف فيه ولا إشكال ، فلو رأت الدم في جزء من النهار ولو لحظة من الأوّل أو الأخير أو الوسط فضلاً عن مجموعة بطل صومها ، كما دلّت عليه


1) في ص 185 205.

ويصحّ من المستحاضة (1)إذا أتت بما عليها من الأغسال النهاريّة.


النصوص المتضافرة الناطقة بأنّ نفس رؤية الدم توجب الإفطار ، وهي قويّة السند واضحة الدلالة.

ومنها : صحيحة الحلبي : عن امرأة أصبحت صائمة فلمّا ارتفع النهار أو كان العشي حاضت ، أتفطر؟ «قال : نعم ، وإن كان وقت المغرب فلتفطر» قال : وسألته عن امرأة رأت الطهر في أوّل النهار في شهر رمضان فتغتسل (لم تغتسل) ولم تطعم ، فما تصنع في ذلك اليوم؟ «قال : تفطر ذلك اليوم ، فإنّما فطرها من الدم» (2).

وقد دلّت على الحكم من الطرفين ، ونحوها غيرها كما لا يخفى على من لاحظها.

نعم ، يستفاد من بعضها استحباب الإمساك من غير أن تعتدّ بالصوم ، كموثّقة عمّار : في المرأة يطلع الفجر وهي حائض في شهر رمضان ، فإذا أصبحت طهرت ، وقد أكلت ثمّ صلّت الظهر والعصر ، كيف تصنع في في ذلك اليوم الذي طهرت فيه؟ «قال : تصوم ولا تعتدّ به» (3).

ونحوها معتبرة محمّد بن مسلم عن المرأة ترى الدم غدوة أو ارتفاع النهار أو عند الزوال «قال : تفطر ، وإذا كان ذلك بعد العصر أو بعد الزوال فلتمض على صومها ولتقض ذلك اليوم» (4).

هذا ، ولكن رواية أبي بصير تضمّنت التفصيل بين ما قبل الزوال وما بعده ، وأنّها لو رأت الدم بعد الزوال تعتدّ بصوم ذلك اليوم ، فتكون معارضة للنصوص


1) (*) على تفصيل تقدّم.

2) الوسائل 10 : 227 / أبواب من يصح منه الصوم ب 25 ح 1.

3) الوسائل 10 : 231 / أبواب من يصح منه الصوم ب 28 ح 2.

4) الوسائل 10 : 232 / أبواب من يصح منه الصوم ب 28 ح 3.

.................................................................................................


المتقدّمة ، فقد روى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال : إن عرض للمرأة الطمث في شهر رمضان قبل الزوال فهي في سعة أن تأكل وتشرب ، وإن عرض لها بعد زوال الشمس فلتغتسل ولتعتدّ بصوم ذلك اليوم ما لم تأكل وتشرب» (1).

وهي كما ترى واضحة الدلالة ، معتبرة السند ، إذ ليس فيه من يغمز فيه ما عدا يعقوب بن سالم الأحمر الذي هو عمّ علي بن أسباط ، حيث إنّه لم يتعرّض له في كتب الرجال بمدحٍ أو ذمّ ، ولكن وثّقه المفيد في رسالته العدديّة صريحاً ، حيث ذكر جماعة من رواة أنّ شهر رمضان قد ينقص وقد يكمل كبقيّة الشهور ، ومنهم الرجل ، وقال في حقّهم : إنّهم فقهاء أعلام أُمناء على الحلال والحرام لا يُطعَن فيهم بشي‌ء (2).

وهذا كما ترى من أعلى مراتب التوثيق. فالظاهر أنّ السند ممّا لا استشكال فيه كالدلالة.

ولكن الذي يهوّن الخطب أنّها رواية شاذّة لا عامل بها ، بل قد بلغت من الهجر مرتبةً لم يتعرّض لها في الجواهر ، بل ولا صاحب الحدائق مع أنّ دابة التعرّض لكلّ رواية تناسب المسألة وإن ضعفت أسانيدها.

وعليه ، فلا تنهض للمقاومة مع الصحاح المتقدّمة كصحيحة الحلبي وغيرها الصريحة في أنّها تفطر حين تطمث من غير فرق بين ما قبل الزوال وما بعده ، والمسألة مسلّمة لا خلاف فيها.

وقد عالج الشيخ تلك الرواية بحملها على وهم الراوي (3)، فكأنّ العبارة كانت هكذا : «ولا تعتدّ» فتخيّل أنّها «ولتعتدّ».


1) الوسائل 10 : 231 / أبواب من يصح منه الصوم ب 28 ح 4.

2) الرسالة العددية (ضمن مصنفات الشيخ المفيد 9) : 42 ، 46.

3) التهذيب 1 : 393 ، الاستبصار 1 : 146.

الخامس : أن لا يكون مسافراً (1)


ولكنّه كما ترى بعيدٌ غايته ، لعدم مناسبته مع قوله : «فلتغتسل» ، ولقوله : «ما لم تأكل وتشرب» كما هو ظاهر.

ولا بأس بحمل الاعتداد فيها على احتساب الثواب كما ذكره في الوسائل (1)لا بعنوان رمضان ، فلا ينافي وجوب القضاء ، لعدم التصريح فيها بنفيه ، فتمسك استحباباً وتحتسبها لا صوماً فتوافق مضموناً مع صحيحة ابن مسلم المتقدّمة المتضمّنة أنّها تمضي على صومها وتقضي.

وكيفما كان ، فلا مناص إمّا من طرح الرواية أو حملها على ما ذكر ، ولا شكّ أنّ الثاني أولى.

(1) بلا خلاف فيه ولا إشكال ، وقد دلّت عليه النصوص الواردة في الأبواب المتفرّقة ممّا دلّ على اشتراطه في أصل الصوم أو في رمضان أو في قضائه أو صوم النذر أو الكفّارة ، ممّا يبلغ مجموعها حدّ التواتر ولو إجمالاً ، على أنّا في غنى عن الاستدلال بالأخبار في خصوص شهر رمضان بعد دلالة الآية المباركة على تعيّن القضاء على المسافر ، الظاهر في عدم مشروعيّة الصيام منه.

قال سبحانه ( فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ) (2)ثمّ (3)قال تعالى ( فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ ) ثمّ عقّبه بقوله عزّ من قائل :


1) الوسائل 10 : 232.

2) البقرة 2 : 185.

3) لا يخفى تأخّر الآية المتقدّمة في المتن عن الآية اللّاحقة ، ولعلّ منشأ سهوه (قدس سره) تشابه نصّيهما.

.................................................................................................


( وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ ) إلخ (1)، فيظهر من التأمّل في مجموع هذه الآيات أنّه سبحانه قسّم المكلفين على طوائف ثلاث لكلٍّ حكمٌ يخصّها.

فذكر أوّلاً وجوب الصوم على من شهد الشهر وهو الحاضر في البلد فهو مأمور بالصيام ، ولا شكّ أنّ الأمر ظاهر في الوجوب التعييني.

ثمّ أشار تعالى إلى الطائفة الثانية بقوله ( فَمَنْ كانَ ) إلخ ، فبيّن سبحانه أنّ المريض والمسافر ، مأمور بالصيام في عدّة أيّامٍ أُخر أي بالقضاء وظاهره ولا سيّما بمقتضى المقابلة تعيّن القضاء ، فلا يشرع منهما الصوم فعلاً.

وأخيراً أشار إلى الطائفة الثالثة بقوله ( وَعَلَى الَّذِينَ ) إلخ ، وهم الشيخ والشيخة ونحوهما ممّن لا يطيق الصوم إلّا بمشقّة عظيمة وحرج شديد ، وأنّ وظيفتهم شي‌ء آخر لا الصيام ولا القضاء ، بل هي الفدية.

ثمّ أشار بعد ذلك إلى أنّ هذه التكاليف إنّما هي لمصلحة المكلّف نفسه ولا يعود نفعها إليه سبحانه ، فقال ( وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ ) (2)أي تصوموا على النهج الذي شُرِّع في حقّكم من الصيام في الحضر والقضاء في السفر.

فالمتحصّل من الآية المباركة : عدم مشروعيّة الصوم من المسافر كما أنّها لا تشرع من المريض وأنّ المتعيّن في حقّهما القضاء ، فهي وافية بإثبات المطلوب من غير حاجة إلى الروايات كما ذكرناه ، وعلى أنّها كثيرة ومتواترة كما عرفت ، وهي طوائف :

فمنها : ما وردت في مطلق الصوم ، مثل قوله (عليه السلام) : «ليس من البرّ الصيام في السفر» كما في مرسلة الصدوق (3).


1) البقرة 2 : 184.

2) البقرة 2 : 184.

3) الوسائل 10 : 177 / أبواب من يصح منه الصوم ب 1 ح 11 ، الفقيه 2 : 92 / 411.

سفراً يوجب قصر الصلاة (1) مع العلم بالحكم في الصوم الواجب إلّا في ثلاثة مواضع :


ومنها : ما ورد في خصوص شهر رمضان ، مثل قوله (عليه السلام) في رواية يحيى بن أبي سعيد : «الصائم في السفر في شهر رمضان كالمفطر فيه في الحضر» (1).

وبعضها في خصوص القضاء وأنّه ليس للمسافر أن يقضي إلّا أن ينوي عشرة أيّام ، وجملة منها في النذر ، وأُخرى في الكفّارة ، فلا إشكال في المسألة.

ولكن نُسِب إلى المفيد الخلاف تارةً في خصوص صوم الكفّارة ، وأُخرى في مطلق الصوم الواجب ما عدا رمضان ، وأنّه جوز الإتيان به في السفر (2).

ولم يُعرف له أيّ مستند على تقدير صدق النسبة ، إلّا على وجهٍ بعيدٌ غايته بأن يقال : إنّه (قدس سره) غفل عن الروايات الواردة في المقام ، وقصر نظره الشريف على ملاحظة الآية الكريمة التي موردها شهر رمضان فلا يتعدّى إلى غيره في المنع.

وهو كما ترى مناف لجلالته وعظمته ، فإنّه كيف لم يلتفت إلى هاتيك الأخبار المتكاثرة البالغة حدّ التواتر كما سمعت؟! وبالجملة : فلم يُعرف لما نُسِب إليه وجهٌ صحيح ولا غير صحيح ، ولا يبعد عدم تماميّة النسبة.

(1) فإنّ موضوع الإفطار هو السفر الموجب للتقصير ، للملازمة بين الأمرين ، كما دلّ عليها قوله (عليه السلام) في صحيحة معاوية بن وهب : إذا قصّرت


1) الوسائل 10 : 175 / أبواب من يصح منه الصوم ب 1 ح 5.

2) المقنعة : 350.

أحدها : صوم ثلاثة أيّام بدل هدي التمتّع (1).

الثاني : صوم بدل البَدَنة ممّن أفاض من عرفات قبل الغروب عامداً ، وهو ثمانية عشر يوماً (2).


أفطرت ، وإذا أفطرت قصّرت» (1).

ونحوها موثّقة سماعة : «ليس يفترق التقصير عن الإفطار ، فمن قصّر فليفطر» (2).

(1) لدى العجز عنه بلا خلاف فيه ولا إشكال على ما نطقت به النصوص وقبلها الكتاب العزيز : قال تعالى ( فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ ) (3)فيشرع صوم الثلاثة أيّام في سفر الحجّ على تفصيل مذكور في محلّه من حيث الإتيان به قبل العيد أو بعده وغير ذلك ممّا يتعلّق بالمسألة ، وبذلك يخرج عن عموم منع الصوم في السفر ، وقد دلّت على ذلك من الأخبار صحيحة معاوية بن عمّار وموثّقة سماعة وغيرهما ، لاحظ الباب السادس والأربعين من أبواب الذبح من كتاب الوسائل.

(2) حيث إنّ الوقوف بعرفات لمّا كان واجباً إلى الغروب فلو أفاض قبله عامداً كانت عليه كفّارة بدنة ، فإن عجز عنها صام ثمانية عشر يوماً مخيّراً بين الإتيان به في سفر الحجّ أو بعد الرجوع إلى أهله ، على المشهور في ذلك ، كما دلّت عليه صحيحة ضريس الكناني عن أبي جعفر (عليه السلام) ، قال : سألته عن رجل أفاض من عرفات قبل أن تغيب الشمس «قال : عليه بدنة ينحرها


1) الوسائل 10 : 184 / أبواب من يصح منه الصوم ب 4 ح 1 ، 2.

2) الوسائل 10 : 184 / أبواب من يصح منه الصوم ب 4 ح 1 ، 2.

3) البقرة 2 : 196.

الثالث : صوم النذر المشترط فيه سفراً خاصّة أو سفراً وحضراً (1)


يوم النحر ، فإن لم يقدر صام ثمانية عشر يوماً بمكّة ، أو في الطريق ، أو في أهله» (1).

والراوي هو ضريس بن عبد الملك بن أعين الثقة ، فهي صحيحة السند ، كما أنّها ظاهرة الدلالة ، إذ لا ينبغي الشكّ في ظهورها في جواز الصوم في السفر ولو لأجل أنّ الغالب أنّ الحاجّ لا يقيم بمكّة بعد رجوعه من عرفات عشرة أيّام ، وعلى فرض تحقّقه في جملةٍ من الموارد فلا إشكال أنّ الإقامة في الطريق عشرة أيّام نادرة جدّاً ، فلا يمكن تقييد إطلاق الصحيحة بها ، بل لا بدّ من الأخذ بالإطلاق.

على أنّا لو سلمنا عدم الندرة فلا أقلّ من إطلاق الصحيحة ، وهو كافٍ في المطلوب ، بناءً على ما هو المحرّر في الأُصول من أنّ إطلاق المخصّص مقدّم على عموم العامّ ، ففي المقام بعد أن خُصِّص العامّ المتضمّن لمنع الصيام في السفر بهذه الصحيحة التي موضوعها خاصّ وهو ثمانية عشر يوماً بدلاً عن البدنة فإطلاقها الشامل لصورتي قصد الإقامة وعدمه مقدّم بحسب الفهم العرفي على إطلاق دليل المنع ، فالمناقشة في المسألة والتشكيك في مدلول الصحيحة في غير محلّها.

فالصحيح ما هو المشهور من صحّة الاستثناء المزبور.

(1) بحيث كان السفر ملحوظاً حال النذر إمّا بخصوصه ومتقيّداً به ، أو الأعمّ منه ومن لحضر.

وهذا الاستثناء أيضاً متسالمٌ عليه بين الأصحاب كما صرّح به غير واحد ، ولكن المحقّق في الشرائع قد يظهر منه التردّد حيث توقّف في الحكم (2)، وكأنّه


1) الوسائل 13 : 558 / أبواب إحرام الحجّ والوقوف بعرفة ب 23 ح 3.

2) الشرائع 1 : 232.

.................................................................................................


لضعف الرواية في نظره التي هي مستند المسألة كما صرّح به في المعتبر (1)، وهي صحيحة علي بن مهزيار ، قال : كتب بندار مولى إدريس : يا سيدي ، نذرت أن أصوم كلّ يوم سبت ، فإن أنا لم أصمه ما يلزمني من الكفّارة؟ فكتب إليه وقرأته : «لا تتركه إلّا من علّة ، وليس عليك صومه في سفر ولا مرض إلّا أن تكون نويت ذلك ، وإن كنت أفطرت من غير علّة فتصدّق بعدد كلّ يوم على سبعة مساكين ، نسأل اللّه التوفيق لما يحبّ ويرضى» (2).

ولا ندري ما هو وجه الضعف الذي يدّعيه المحقّق ، فإنّ ابن مهزيار من الأجلّاء الكبار والطريق إليه صحيح ، والمراد ب : «أحمد بن محمّد» هو أحمد بن محمّد بن عيسى الأشعري ، وعبد اللّه بن محمّد أخوه ، فلا إشكال في السند بوجه.

ويحتمل قريباً أنّ نظره (قدس سره) في التضعيف إلى بندار مولى إدريس صاحب المكاتبة ، فإنّه مجهول.

ولكنّه واضح الدفع ، ضرورة أنّ الاعتبار بقراءة ابن مهزيار لا بكتابة بندار ، فالكاتب وإن كان مجهولاً ، بل ولو كان أكذب البريّة ، إلّا أن ابن مهزيار الثقة يخبرنا أنّه رأى الكتاب وقرأ جواب الإمام (عليه السلام) ، وهو المعتمد والمستند ، وهذا أوضح من أن يخفى على من هو دون المحقّق فضلاً عنه ، ولكنّه غير معصوم ، فلعلّه غفل عن ذلك ، أو أنّه أسرع في النظر فتخيّل أنّ بندار واقع في السند.

ويحتمل بعيداً أن يكون نظره في التضعيف إلى الإضمار.

وهو أيضاً واضح الدفع ، إذ لو كان المسئول غير الإمام (عليه السلام) كيف يرويه ابن مهزيار وهو من الطبقة العليا من الرواة ويثبته أصحاب المجامع في كتبهم كسائر المضمرات؟!


1) المعتبر 2 : 684.

2) الوسائل 10 : 379 / أبواب بقية الصوم الواجب ب 7 ح 4.

.................................................................................................


وبالجملة : تعبير الكاتب بقوله : يا سيّدي ، وعناية ابن مهزيار بالكتابة والقراءة والرواية ونقلها في المجامع ربّما يورث الجزم بأنّ المراد هو الإمام (عليه السلام) كما في سائر المضمرات.

ويمكن أن يكون نظره (قدس سره) في التضعيف إلى متن الرواية ، إمّا من أجل عطف المرض على السفر مع أنّ جواز الصوم حال المرض وعدمه لا يدوران مدار النيّة ، بل يُناطان بالضرر وعدمه ، فإذا كان بمثابةٍ يضرّه الصوم فهو غير مشروع ولا يصحّحه النذر وإن نواه.

ويندفع : بأنّ هذه القرينة الخارجيّة تكشف عن أنّ الإشارة في قوله (عليه السلام) : «إلّا أن تكون نويت ذلك» ترجع إلى خصوص السفر لا مع المرض.

أو من أجل اشتمال ذيلها على أنّ كفّارة حنث النذر التصدّق على سبعة مساكين مع أنّه معلوم البطلان ، فإنّه إمّا كفّارة رمضان أو كفّارة اليمين ، أعني : عشرة مساكين ، على الخلاف المتقدّم في ذلك.

ويندفع : بأنّ غايته سقوط هذه الفقرة من الرواية عن الحجّيّة ، لوجود معارض أقوى ، فيرفع اليد عنها في هذه الجملة بخصوصها ، والتفكيك بين فقرأت الحديث في الحجّيّة غير عزيز كما لا يخفى ، فلا يوجب ذلك طرح الرواية من أصلها.

على أنّ هذه الرواية في نسخة المقنع (1)مشتملة على لفظ : «عشرة» بدل : «سبعة» ، فلعلّ تلك النسخة مغلوطة كما تقدّم في محلّه.

وكيفما كان ، فلا إشكال في الرواية ، ولا نعرف أيّ وجه لتضعيفها لا سنداً ولا متناً ، وقد عمل بها المشهور ، فلا مناص من الأخذ بها هذا.


1) المقنع : 200.

.................................................................................................


على أنّا أسلفناك فيما مرّ أن هذه الرواية رواها الكليني بسند آخر قد غفل عنه صاحب الوسائل فاقتصر على نقل الرواية بالسند المذكور عن الشيخ ولم يروها بذاك السند عن الكافي ، وإنّما الحقّ ذاك السند برواية أُخرى لا وجود لها مع هذا السند ، وكأنّ عينه قد طفرت من رواية إلى أُخرى حين النقل ، وذاك السند هو : الكليني ، عن أبي علي الأشعري ، عن محمّد بن عبد الجبار ، عن علي ابن مهزيار (1).

وهذا السند كما ترى عالٍ جدّاً نقي عن كلّ شبهة ، فعلى تقدير التشكيك في السند المتقدّم ولا موقع له كما عرفت ، فإنّ أحمد بن محمّد الواقع في السند مردّد بين ابن عيسى وابن خالد ، وكلاهما ثقة وفي طبقة واحدة يروي عنهما الصفّار ويرويان عن ابن مهزيار ، ولكن بقرينة اقترانه بأخيه عبد اللّه بن محمّد الملقّب ب : «بنان» يستظهر أنّه محمّد بن عيسى فلا مجال للتشكيك في هذا السند بوجه فإنّه صحيح قطعاً ، وقد عرفت أنّ صاحب الوسائل فاته نقلها بهذا السند فلم يذكره لا هنا ولا في كتاب النذر.

هذا ، وقد علّق المجلسي في المرآة عند نقل هذه الرواية بالسند الصحيح ، فنقل عن المدارك استضعاف المحقّق لها ، وبعد أن استغرب ذلك احتمل وجوهاً لتضعيفه (2)تقدّم ذكرها مع تزييفها : من الإضمار ، وقد عرفت أنّ ابن مهزيار من الطبقة العليا الذين لا يقدح إضمارهم. ومن عطف المرض على السفر ، وقد عرفت أنّ القرينة الخارجيّة وهي الإجماع على عدم صحّة الصوم حال المرض وإن نذر تقتضي رجوع الإشارة إلى الأوّل فحسب.

هذا إن تمّ الإجماع كما لا يبعد فيرفع اليد عن ظاهر الرواية من رجوع


1) في ص 293.

2) مرآة العقول 24 : 343 344.

دون النذر المطلق (1) ،


الإشارة إليهما معاً ، وأمّا إن لم يتمّ فلا نضايق من الأخذ بظاهرها من جواز الصوم حال المرض إذا لم يكن شديداً بحيث يصل الخوف معه حدّ الوقوع في الهلكة ، وقد ذكرنا عند التكلم حول حديث لا ضرر : أنّه لم يدلّ دليل على عدم جواز الإضرار بالنفس ما لم يبلغ الحدّ المذكور (1).

وعليه ، فوجوب الصوم مرفوع حال المرض امتناناً ، فأيّ مانع من ثبوته بالنذر ، عملاً بإطلاقاته ، بعد أن كان سائغاً في نفسه حسبما عرفت ، فالعمدة في المنع إنّما هو الإجماع الذي عرفت أنّه لا يبعد تحقّقه ، وإلّا فلا مانع من الالتزام في المرض بما يلتزم به في السفر ، عملاً بظاهر الرواية.

والحاصل : أنّ هذا ليس حكماً بديهيّاً ليُخدَش في الرواية بأنّها مشتملة على ما هو مقطوع البطلان ، فلا يوجب ذلك وهناً فيها بوجه.

ومن ذكر كلمة السبع ، وقد عرفت أنّها مذكورة في نسخة المقنع بلفظ : «عشرة» مع إمكان التفكيك في الحجّيّة كما مرّ.

ومحصّل الكلام : إنّا لا نرى وجهاً صحيحاً لتضعيف الرواية ولا سيّما مع هذا السند العالي المذكور في الكافي ، فلا وجه للمناقشة فيها بوجه ، ولعلّ التضعيف المزبور من غرائب ما صدر عن المحقّق ، وهو أعرف بما قال ، واللّه سبحانه أعلم بحقيقة الحال.

(1) فلا يجوز الصوم حينئذٍ حال السفر كما هو المشهور ، وقد دلّت عليه عدّة من الروايات ، وجملة منها معتبرة :

منها : صحيحة كرام ، قال : قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : إنِّي جعلت


1) مصباح الأُصول 2 : 545 546.

بل الأقوى عدم جواز الصوم المندوب في السفر أيضاً (1) ،


على نفسي أن أصوم حتّى يقوم القائم «فقال : صم ، ولا تصم في السفر» إلخ (1).

وموثّقة مسعدة بن صدقة : في الرجل يجعل على نفسه أيّاماً معدودة مسمّاة في كلّ شهر ، ثمّ يسافر فتمرّ به الشهور ، أنّه لا يصوم في السفر ولا يقضيها إذا شهد (2).

وموثّقة عمّار : عن الرجل يقول : لله عليّ أن أصوم شهراً ، أو أكثر من ذلك أو أقل ، فيعرض له أمر لا بدّ له أن يسافر ، أيصوم وهو مسافر؟ «قال : إذا سافر فليفطر» إلخ (3)، ونحوها غيرها.

ولكنّها معارَضة بمعتبرة إبراهيم بن عبد الحميد : عن الرجل يجعل لله عليه صوم يوم مسمّى «قال : يصوم أبداً في السفر والحضر» (4).

وبما أنّ المعارضة بالتباين فتكون صحيحة ابن مهزيار المتقدّمة المفصّلة بين نيّة السفر بخصوصه عند النذر فيجوز ، وبين الإطلاق وعدم النيّة فلا يجوز وجهاً للجمع بين الطائفتين فتُحمَل المعتبرة على الفرض الأوّل ، والروايات الأُول على الثاني ، فتكون النتيجة : أنّ الصوم المنذور غير جائز في السفر ما لم يكن منويّاً.

(1) وإن نُسِب إلى الأكثر جوازه ، بل أخذه صاحب الوسائل في عنوان بابه فقال : باب جواز الصوم المندوب في السفر على كراهة (5). ومعلوم أنّ مراده بالكراهة أقلّيّة الثواب كما هو الحال في سائر العبادات المكروهة.


1) الوسائل 10 : 199 / أبواب من يصح منه الصوم ب 10 ح 9 ، 10 ، 8.

2) الوسائل 10 : 199 / أبواب من يصح منه الصوم ب 10 ح 9 ، 10 ، 8.

3) الوسائل 10 : 199 / أبواب من يصح منه الصوم ب 10 ح 9 ، 10 ، 8.

4) الوسائل 10 : 198 / أبواب من يصح منه الصوم ب 10 ح 7.

5) الوسائل 10 : 202.

.................................................................................................


وكيفما كان ، فيدلّ على عدم الجواز عدّة أخبار :

منها : صحيح البزنطي ، قال : سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الصيام بمكّة والمدينة ونحن في سفر «قال : أفريضة؟» فقلت : لا ، ولكنّه تطوّع كما يتطوّع بالصلاة ، قال : «فقال : تقول اليوم وغذاً؟» فقلت : نعم «فقال : لا تصم» (1).

وموثّقة عمّار : عن الرجل يقول : لله عليّ أن أصوم ... إلى أن قال : «لا يحلّ له الصوم في السفر ، فريضة كان أو غيره ، والصوم في السفر معصية» (2).

وهذه تفترق عن السابقة في عدم إمكان الحمل على الكراهة ، لمكان التعبير بالمعصية ، الظاهر في عدم المشروعيّة ، لا مجرّد النهي القابل للحمل عليها كما في الأُولى.

ونحوهما غيرهما ، لكنّها ضعاف السند ، ويعضدهما عمومات المنع ، مثل قوله (عليه السلام) : «ليس من البرّ الصيام في السفر» (3)وغير ذلك.

وبإزائها جملة من الأخبار دلّت على الجواز.

منها : مرسلة إسماعيل بن سهل عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : خرج أبو عبد اللّه (عليه السلام) من المدينة في أيّام بقين من شهر شعبان : فكان يصوم ، ثمّ دخل عليه شهر رمضان وهو في السفر فأفطر ، فقيل له : تصوم شعبان وتفطر شهر رمضان؟! «فقال : نعم ، شعبان إليّ إن شئت صمت وإن شئت لا ، وشهر رمضان عزم من اللّه عزّ وجلّ على الإفطار» (4).

وهي واضحة الدلالة بل صريحة في الجواز في النافلة ، ولكن سندها بلغ من


1) الوسائل 10 : 202 / أبواب من يصح منه الصوم ب 12 ح 2.

2) الوسائل 10 : 199 / أبواب من يصح منه الصوم ب 10 ح 8.

3) الوسائل 10 : 177 / أبواب من يصح منه الصوم ب 1 ح 10.

4) الوسائل 10 : 203 / أبواب من يصح منه الصوم ب 12 ح 4.

.................................................................................................


الضعف غايته ، فإنّ مجموع من في السند ما عدا الكليني وعدّة من أصحابنا بين مجهول أو مضعّف ، إذ حال سهل معلوم ، ومنصور ضعّفه أصحابنا كما في النجاشي (1)، وابن واسع مجهول ، وإسماعيل إمّا مهمل أو ضعيف ، مضافاً إلى أنّها مرسلة فلا تصلح للاستناد بوجه.

ونحوها مرسلة الحسن بن بسّام الجمّال (2)، المشتملة على نظير تلك القصّة ، بل الظاهر أنّها عينها ، ولعلّ الرجل المرسل عنه فيهما واحد ، وكيفما كان ، فهي أيضاً ضعيفة بالإرسال وجهالة الجمّال وضعف سهل.

فهاتان الروايتان غير قابلتين للاعتماد ، ولا يمكن الجمع بينهما لو تمّ سندهما وبين ما تقدّم من الصحيح والموثّق بالحمل على الكراهة المنسوب إلى الأكثر واختاره في الوسائل كما مرّ ، لإباء لفظ المعصية الوارد في الموثّقة عن ذلك جدّاً كما تقدم ، فلا بدّ من تقديمهما على هاتين الروايتين ، لموافقتهما مع عمومات المنع ، إذ أنّ التخصيص يحتاج إلى الدليل ، ولا دليل بعد ابتلاء المخصّص بالمعارض.

والعمدة في المقام صحيحة سليمان الجعفري ، قال : سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول : «كان أبي (عليه السلام) يصوم يوم عرفة في اليوم الحار في الموقف ، ويأمر بظلٍّ ، مرتفع فيُضرب له» (3).

ولكنّها أيضاً حكاية فعل مجمل العنوان ، إذ لم يذكر وجه صومه (عليه السلام) ، ولعلّه كان فرضاً ولو بالنذر ، فإنّ الصوم يوم عرفة وإن كان مرجوحاً لمن يضعف عن الدعاء فيكون هو أهمّ لدى المزاحمة ، ولكنّه (عليه السلام) لم يضعفه ، فلعلّه كان (عليه السلام) ناذراً ، فليست هي إلّا في مقام أنّه (عليه السلام) كان يصوم


1) رجال النجاشي : 413 / 1102.

2) الوسائل 10 : 203 / أبواب من يصحّ منه الصوم ب 12 ح 5.

3) الوسائل 10 : 203 / أبواب من يصحّ منه الصوم ب 12 ح 3.

إلّا ثلاثة أيّام للحاجة في المدينة (1) ،


هذا اليوم وأنّه مشروع ، وأمّا أنّه كان فريضة بالنذر ونحوه أو نافلة فلا دلالة لها على ذلك بوجه ، فلتحمل على النذر ، جمعاً بينها وبين ما تقدّم من المنع عن الصوم في السفر حتّى النافلة.

ولو سُلّم فغايته أن يكون يوم عرفة مستثنى عن هذا الحكم ، فلا تكون الصحيحة دليلاً على الجواز في كلّ يوم على سبيل الإطلاق كما لا يخفى.

فتحصّل : أنّ الأظهر ما ذكره في المتن من عدم الجواز.

(1) بلا خلاف فيه ، لما رواه الشيخ بسندٍ صحيح عن معاوية بن عمّار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال : إن كان لك مقام بالمدينة ثلاثة أيّام صمت أوّل الأربعاء ، وتصلّي ليلة الأربعاء عند أسطوانة أبي لبابة. وهي أسطوانة التوبة التي كان ربط نفسه إليها حتّى نزل عذره من السماء ، وتقعد عندها يوم الأربعاء ، ثمّ تأتي ليلة الخميس التي تليها ممّا يلي مقام النبيّ (صلّى اللّه عليه وآله) ليلتك ويومك ، وتصوم يوم الخميس ، ثمّ تأتي الأسطوانة التي تلي مقام النبيّ (صلّى اللّه عليه وآله) ومصلّاه ليلة الجمعة فتصلّي عندها ليلتك ويومك ، وتصوم يوم الجمعة» إلخ (1).

وقريب منها ما رواه الكليني بسندٍ صحيح عنه (2)، وما رواه أيضاً في الصحيح عن الحلبي (3)، المؤيّد بالمرسل المروي عن مزار ابن قولويه (4).


1) الوسائل 14 : 350 / أبواب المزار ب 11 ح 1.

2) الوسائل 14 : 351 / أبواب المزار ب 11 ح 4 ، الكافي 4 : 558 / 5.

3) الوسائل 14 : 351 / أبواب المزار ب 11 ح 3.

4) الوسائل 14 : 352 / أبواب المزار ب 11 ح 5 ، كامل الزيارات : 25.

والأفضل إتيانها (1)في الأربعاء والخميس والجمعة (1).

وأمّا المسافر الجاهل بالحكم لو صام فيصحّ صومه ويجزئه (2)


(1) بل هو الأحوط بل الأظهر ، فإنّ النصوص كلّها قد وردت في هذه الأيّام الثلاثة بخصوصها ، فالتعدّي إلى غيرها يحتاج إلى إلغاء خصوصيّة المورد ، ولا دليل عليه.

ودعوى القطع بعدم الفرق لا تخلو من المجازفة ، وليست ثمّة رواية مطلقة كي يقال ببقاء المطلق على إطلاقه في باب المستحبّات وحمل المقيّد على أفضل الأفراد.

وعليه فلا موجب لرفع اليد عن مطلقات المنع بعد اختصاص التقييد بموردٍ خاصّ ، فلا مناص من الالتزام بعدم جواز الصيام فيما عدا تلك الأيّام.

(2) فيختصّ الحكم بالبطلان بالعالم بالحكم كما تقدّم نظيره في الصلاة ، فكما أنّه لو أتمّ الجاهل بالحكم صحّت صلاته ، فكذا لو صام ، فإنّ الإفطار كالقصر ، والصيام كالتمام.

وقد دلّت عليه عدّة أخبار معتبرة :

منها : صحيحة العيص عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال : من صام في السفر بجهالة لم يقضه» (2).

وصحيحة عبد الرّحمن بن أبي عبد اللّه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : سألته عن رجل صام شهر رمضان في السفر «فقال : إن كان لم يبلغه أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) نهى عن ذلك فليس عليه القضاء ، وقد أجزأ عنه


1) (*) بل الأحوط الاقتصار على ذلك.

2) الوسائل 10 : 180 / أبواب من يصح منه الصوم ب 2 ح 5.

حسبما عرفته في جاهل حكم الصلاة (1) ، إذ الإفطار كالقصر والصيام كالتمام في الصلاة.


الصوم» (1).

وبهذه الأخبار ترفع اليد عن إطلاق ما دلّ على البطلان ، كصحيحة معاوية ابن عمّار ، قال : سمعته يقول : «إذا صام الرجل رمضان في السفر لم يجزئه وعليه الإعادة» (2)، فتُحمَل على العالم.

(1) تقدّم في كتاب الصلاة حكم الجاهل إذا صلّى تماماً وكانت النتيجة : أنّه إن كان جاهلاً بأصل الحكم صحّت صلاته حتّى إذا انكشف الخلاف في الوقت فضلاً عن خارجه ، وهل يستحقّ العقاب على ترك التعلّم؟ فيه كلام مذكور في محلّه ، وأمّا إذا كان عالماً بأصل الحكم جاهلاً بالخصوصيّات : فإن كان الانكشاف في الوقت أعاد ، وإن كان في خارجه لحق بالناسي ، فلا يجب عليه القضاء.

هذا في الصلاة.

وأمّا الصوم : فبما أنّه تكليف وحداني مستوعب للوقت فلا تتصوّر في مثله الإعادة.

وإنّما الكلام هنا في القضاء فقط ، وقد عرفت أنّ النصوص المتقدّمة وجملة منها صحاح دلّت على عدم القضاء على من صام في السفر جهلاً ، ومقتضى إطلاقها عدم الفرق بين الجاهل بأصل الحكم والجاهل بالخصوصيّات ، مثل ما لو تخيّل عدم كفاية المسافة التلفيقيّة في التقصير ، أو عدم لزوم تبييت النيّة ونحو


1) الوسائل 10 : 179 / أبواب من يصح منه الصوم ب 2 ح 2.

2) الوسائل 10 : 179 / أبواب من يصح منه الصوم ب 2 ح 1.

لكن يشترط أن يبقى على جهله إلى آخر النهار. وأمّا لو علم بالحكم في الأثناء فلا يصحّ صومه (1).


ذلك ، فيصدق أنّه صام بجهالة حسبما ورد في تلك النصوص ، ولا ينافيه ما ورد في البعض الآخر منها من إناطة عدم القضاء بعدم بلوغه نهي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) ، لوضوح أنّ المراد بلوغ النهي عن شخص هذا الصوم بماله من الخصوصيّات ، لا عن طبيعي الصوم في السفر الذي مرجعه إلى أنّه إن كان مشرِّعاً في صومه فقد عصى وعليه القضاء ، وإلّا فلا قضاء عليه ، ومن المعلوم عدم انطباق ذلك على المقام.

وكيفما كان ، فلا ينبغي التأمّل في أنّ مقتضى إطلاق النصّ والفتوى عدم الفرق في المقام بين الجهل بأصل الحكم أو بخصوصيّاته ، فالاعتبار بنفس العلم والجهل ، فإن صام عن علم بطل ، وإن كان عن جهل بأن اعتقد الصحّة ولو لأجل الجهل بالخصوصيّة صحّ ، وهل يعاقب على ترك التعلم؟ فيه بحث ، وهو كلام آخر كما مرّ.

(1) كما هو الحال في الصلاة أيضاً ، فكما أنّ صحتها تماماً مشروطة باستمرار الجهل إلى نهاية العمل لأنّها واجب واحد ارتباطي فلو التفت في الأثناء فقد أتمّ بعلمٍ لا بجهالة ومثله غير مشمول للنصوص ، فكذلك في الصوم بمناط واحد ، فلو التفت أثناء النهار قبل الزوال أو بعده فليس له أن يتمّ صومه ، إذ لا دليل على جوازه بعد أن كان مأموراً بالإفطار بمقتضى إطلاقات السفر واختصاص نصوص الصحّة بما إذا تحقّق الصيام بتمامه خارجاً عن جهل.

وبالجملة : فالحكم في كلا المقامين مشروط بعدم انكشاف الحال في أثناء العمل.

وأمّا الناسي ، فلا يلحق بالجاهل في الصحّة (1).

وكذا يصحّ الصوم من المسافر إذا سافر بعد الزوال (2) ،


(1) لاختصاص نصوص الصحّة بالجاهل ، فإلحاق الناسي والحكم فيه بالإجزاء يحتاج إلى الدليل ، وحيث لا دليل فيبقى تحت إطلاقات المنع كما هو الحال في الصلاة. نعم ، لا حاجة فيها إلى القضاء كما تقدّم في محلّه ، بخلاف المقام.

وكيف كان ، فمقتضى إطلاقات الكتاب والسنّة انّ المسافر غير مأمور بالصيام ، بل هو مأمور بالإفطار والقضاء ، فكلّما دلّ الدليل على الصحّة يقتصر عليه ويلتزم بالتخصيص ، وفيما عداه يرجع إلى الإطلاق ، ولم يرد دليل في الناسي.

(2) فإنّ مقتضى إطلاق الآية المباركة وكذا نصوص الملازمة بين القصر والإفطار وإن كان هو عدم الفرق بين ما قبل الزوال وما بعده كما هو الحال في المريض بلا كلام ، إلّا أنّه قد وردت عدّة روايات دلّت على أنّ الإفطار حكم السفر قبل الزوال ، وأمّا من يسافر بعده فيبقى على صومه.

والروايات الواردة في المقام على طوائف ، كما أنّ الأقوال في المسألة أيضاً كثيرة ، فقد نُسِب إلى جماعة كثيرين من فقهائنا الأعاظم (قدس سرّهم) ما ذكره في المتن من التفصيل بين ما قبل الزوال وما بعده ، فيصحّ الصوم في الثاني دون الأوّل ، من غير فرق فيهما بين تبييت النيّة وعدمه.

وذهب جمع آخرون إلى أنّ العبرة بتبييت النيّة ليلاً من غير فرق بين ما قبل الزوال وما بعده ، فإن بيّت نيّة السفر أفطر ولو خرج بعد الزوال ، وإلّا صام وإن خرج قبله.

وعن الشيخ في المبسوط : أنّه إن خرج بعد الزوال يتمّ صومه مطلقاً ، وإن

.................................................................................................


خرج قبله يفطر بشرط التبييت ، وإلّا فيصوم (1). فخصّ التفصيل بين التبييت وعدمه بما قبل الزوال.

وعن ابن بابويه والسيّد المرتضى (قدس سرّهما) : أنّ المسافر يفطر مطلقاً قبل الزوال وبعده مع التبييت وعدمه (2).

وهذا القول ضعيف جدّاً وإن كان يعضده إطلاق الآية المباركة ، لمنافاته مع جميع أخبار الباب ، إذ هي على اختلاف ألسنتها كما ستعرف قد دلّت على أنّه يبقى على صومه في الجملة ، غاية الأمر أنّها اختلفت في الخصوصيّات وأنّ ذلك بعد الزوال أو بدون التبييت ونحو ذلك ، فالإفطار المطلق الذي هو ظاهر الآية منافٍ لهاتيك النصوص بأسرها ، فهو غير مراد جزماً.

نعم ، قد دلّت عليه رواية عبد الأعلى مولى آل سام : في الرجل يريد السفر في شهر رمضان «قال : يفطر وإن خرج قبل أن تغيب الشمس بقليل» (3).

المؤيّدة بمرسلة المقنع ، قال : وروى إن خرج بعد الزوال فليفطر وليقض ذلك اليوم (4).

أمّا المرسلة فحالها معلوم ، ولعلّها ناظرة إلى نفس هذه الرواية ، وأمّا الرواية فضعيفة السند من جهة عبد الأعلى ، فإنّه لم يوثّق.

نعم ، له مدح ذكره الكشي (5)، ولكنّ الراوي له هو نفسه فلا يعوّل عليه.


1) المبسوط 1 : 284.

2) حكاه عن ابن بابويه في المختلف 3 : 335 ، جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى 3) : 55 56.

3) الوسائل 10 : 188 / أبواب من يصحّ منه الصوم ب 5 ح 14.

4) الوسائل 10 : 189 / أبواب من يصح منه الصوم ب 5 ح 15 ، المقنع : 198.

5) رجال الكشي : 319 / 578.

.................................................................................................


على أنّ الرواية مقطوعة ، إذ لم يُنسَب مضمونها إلى الإمام حتّى بنحو الإضمار ، ولعلّها فتوى عبد الأعلى نفسه ، فهي ساقطة جدّاً ، فكيف يرفع اليد بها عن النصوص المستفيضة كما ستعرف؟! فهذا القول ساقط جزماً ، وهناك أقوال أُخر لا يهمّنا ذكرها ، والعمدة ما عرفت من الأقوال الثلاثة ، والعبرة بما يستفاد من الروايات الواردة في المقام ، وهي كما عرفت على طوائف :

فمنها : ما دلّ على أنّ الاعتبار بالزوال ، فإن خرج قبله يفطر ، وإن خرج بعده بقي على صومه ، ومقتضى إطلاقها عدم الفرق في ذلك بين تبييت النيّة وعدمه.

وهذه روايات كثيرة وأكثرها صحاح ، مثل صحيحة الحلبي : عن الرجل يخرج من بيته وهو يريد السفر وهو صائم قال : «فقال : إن خرج من قبل أن ينتصف النهار فليفطر وليقض ذلك اليوم ، وإن خرج بعد الزوال فليتمّ يومه» (1)، ونحوها صحيحة محمّد بن مسلم (2)، ومصحَّح عبيد بن زرارة (3)وموثقه (4).

ومنها : ما دلّ على أنّ الاعتبار بتبييت النيّة ، فإنّ بيّت ليلاً أفطر ، وإلّا صام ، ومقتضى إطلاقها أيضاً عدم الفرق بين ما قبل الزوال وما بعده.

وهذه الروايات كلّها ضعاف ما عدا صحيحة رفاعة الآتية ، وموثّقة علي بن يقطين : في الرجل يسافر في شهر رمضان ، أيفطر في منزله؟ «قال : إذا حدّث نفسه في الليل بالسفر أفطر إذا خرج من منزله ، وإن لم يحدّث نفسه من الليلة ثمّ بدا له السفر من يومه أتمّ صومه» (5).


1) الوسائل 10 : 185 / أبواب من يصح منه الصوم ب 5 ح 2 ، 1.

2) الوسائل 10 : 185 / أبواب من يصح منه الصوم ب 5 ح 2 ، 1.

3) الوسائل 10 : 186 / أبواب من يصح منه الصوم ب 5 ح 3 ، 4.

4) الوسائل 10 : 186 / أبواب من يصح منه الصوم ب 5 ح 3 ، 4.

5) الوسائل 10 : 187 / أبواب من يصح منه الصوم ب 5 ح 10 ، التهذيب 4 : 228 / 669 ، الإستبصار 2 : 98 / 319.

.................................................................................................


فإنّها وإن كانت مرويّة بطريق الشيخ إلى علي بن الحسن بن فضّال الذي هو ضعيف ، لاشتماله على علي بن محمد بن الزبير القرشي إلّا أنّنا صحّحنا هذا الطريق أخيراً ، نظراً إلى أنّ الشيخ الطوسي يروي كتاب ابن فضّال عن شيخه عبد الواحد أحمد بن عبدون ، وهذا شيخ له وللنجاشي معاً ، وطريق النجاشي إلى الكتاب الذي هو بواسطة هذا الشيخ نفسه صحيح.

ولا يحتمل أنّ الكتاب الذي أعطاه للنجاشي غير الكتاب الذي أعطاه للطوسي ، فإذا كان الشيخ واحداً والكتاب أيضاً واحداً وكان أحد الطريقين صحيحاً فلا جرم كان الطريق الآخر أيضاً صحيحاً بحسب النتيجة ، غايته أنّ لعبد الواحد طرقاً إلى الكتاب نقل بعضها إلى الشيخ والبعض الآخر إلى النجاشي ، وكان بعضها صحيحاً دون الآخر. وقد صرّح النجاشي أنّه لم يذكر جميع طرقه (1).

وكيفما كان ، فهذه الرواية معتبرة ، وما عداها بين مرسل وضعيف وقد وصف في الحدائق رواية صفوان (2)بالصحّة ، فقال : وصحيحة صفوان عن الرضا (عليه السلام) (3). مع أنّها مرسلة.

وقد عرضتها على سيّدنا الأُستاذ (دام ظلّه) فلم يجد لها محملاً عدا السهو والغفلة وإنّما العصمة لأهلها ، إمّا منه أو من النسّاخ.

وكيفما كان ، فهاتان الطائفتان متعارضتان ، حيث جعل الاعتبار في أولاها بالزوال سواء بيّت النيّة أم لا بمقتضى الإطلاق ، وفي ثانيتهما بالتبييت كان قبل الزوال أم بعده على ما يقتضيه الإطلاق أيضاً ، فتتعارضان لا محالة في موردين :


1) لاحظ رجال النجاشي : 257 / 676.

2) الوسائل 10 : 187 / أبواب من يصح منه الصوم ب 5 ح 11.

3) الحدائق 13 : 405.

.................................................................................................


أحدهما : ما لو سافر قبل الزوال ولم يبيّت النيّة ، فإنّ مقتضى الأُولى : الإفطار ، ومقتضى الثانية : الصيام.

ثانيهما : ما لو سافر بعد الزوال وقد بيّت النيّة ، فإنّ مقتضى الاولى : الصيام ، والثانية : الإفطار ، فلا بدّ من رفع اليد عن إحدى الطائفتين بعد أن لم يمكن الجمع بينهما ، وسنتعرّض لذلك.

هذا ، وهناك روايات اخرى قد تضمّنت طائفة منها : أنّ الاعتبار في الإفطار بتحقّق السفر خارجاً قبل الفجر ، فلو سافر بعده يصوم ، سواء كان قبل الزوال أم بعده ، وسواء بيّت النيّة أم لا ، بمقتضى الإطلاق ، ومنها موثقة سماعة : عن الرجل كيف يصنع إذا أراد السفر؟ «قال : إذا طلع الفجر ولم يشخص فعليه صيام ذلك اليوم ، وإن خرج من أهله قبل طلوع الفجر فليفطر ولا صيام عليه» (1).

وطائفة اخرى وهي رواية واحدة تضمّنت التخيير بين الإفطار والصيام لو سافر بعد الفجر ، وهي صحيحة رفاعة : عن الرجل يريد السفر في رمضان «قال : إذا أصبح في بلده ثمّ خرج فإن شاء صام وإن شاء أفطر» (2).

ولا يخفى أنّ هذه الروايات المتضمّنة للتفرقة بين ما قبل الفجر وما بعده وأنّه لو سافر بعده يصوم إمّا معيّناً أو مخيّراً بينه وبين الإفطار لم يُنسَب القول بمضمونها إلى أحدٍ منّا ، ولا شكّ أنّها منافية لجميع النصوص المتقدّمة المستفيضة ، فهي معارضة لكلتا الطائفتين ، فلا بدّ أمّا من طرحها أو حملها ولو بعيداً على من لم يبيّت النيّة لو بنينا على أنّ العبرة بتبييتها ، وعلى أيٍّ فالخطب فيها هيّن.


1) الوسائل 10 : 187 / أبواب من يصح منه الصوم ب 5 ح 8.

2) الوسائل 10 : 187 / أبواب من يصح منه الصوم ب 5 ح 7.

.................................................................................................


إنّما المهمّ العلاج بين الطائفتين المتقدّمتين ، فقد يقال بتقديم الطائفة الأُولى التي جعل الاعتبار فيها بالزوال ، نظراً إلى أنّها أصحّ سنداً ، وأنّها مخالفة لمذهب العامّة ، والطائفة الأُخرى موافقة لهم حسبما نقله في الحدائق عن العلّامة في المنتهي من أنّه حكى عن الشافعي وأبي حنيفة ومالك والأوزاعي وأبي ثور وجمع آخرين منهم أنّهم جعلوا الاعتبار في الصيام والإفطار بتبييت النيّة وعدمه (1).

والتحقيق : أنّه لا معارضة بين الطائفتين على نحو تستوجب الرجوع إلى المرجّحات لدى التصدّي للعلاج ، إذ المعارضة إنّما نشأت من إطلاق الطائفتين كما سمعت ، وإلّا فالالتزام بأصل التفصيل المشتمل عليه كلّ منهما في الجملة ممّا لا محذور فيه.

وعليه ، فيرفع اليد عن إطلاق الطائفة الأُولى الناطقة بالإفطار لو سافر قبل الزوال ، وتُحمَل على ما لو كان مبيّتاً للنيّة ، بشهادة صحيح رفاعة الصريح في وجوب الصوم على من سافر قبل الزوال من غير تبييت ، قال : سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يعرض له السفر في شهر رمضان حين يصبح ، «قال : يتمّ صومه (يومه) ذلك» (2).

فإنّ قوله يعرض ، ظاهر في عروض السفر وحدوث العزم عليه من غير سبق النيّة فتكون هذه الصحيحة كاشفة عن أنّ الطائفة الثانية المتضمّنة للتفصيل بين التبييت وعدمه ناظرة إلى هذا المورد ، أعني : ما قبل الزوال فيكون الحكم بالصيام لو سافر بعد الزوال الذي تضمّنته الطائفة الأُولى سليماً عن المعارض.

ونتيجة ذلك : هو التفصيل بين ما قبل الزوال وما بعده ، وأنّه في الأوّل يحكم


1) الحدائق 13 : 406 407.

2) الوسائل 10 : 186 / أبواب من يصح منه الصوم ب 5 ح 5.

.................................................................................................


بالإفطار بشرط التبييت ، وفي الثاني بالصيام مطلقاً. وهذا هو التفصيل المنسوب إلى الشيخ في المبسوط كما سبق (1)، وهو الصحيح ، فيكون الإفطار في السفر مشروطاً بقيدين : وقوعه قبل الزوال وتبييت النيّة ليلاً ، فلو سافر بعده أو سافر قبله ولم يبيّت النيّة بقي على صومه ، فتكون هذه الصحيحة وجهُ جمعٍ بين الطائفتين ، فلا تصل النوبة إلى إعمال قواعد الترجيح.

نعم ، يتوقّف ذلك على رواية الصحيحة بلفظ : حين يصبح ، لا : حتّى يصبح ، كما لا يخفى ، ولكن لا ينبغي التأمّل في أنّ الصحيح هو الأوّل كما هو موجود في الوسائل وفي الوافي (2)، وطريق الفيض (رحمه اللّه) إلى التهذيب معتبر وأنّ الثاني غلط وإن كان مذكوراً في نسخة التهذيب المطبوعة حديثاً (3)وفي بعض الكتب الفقهيّة مثل المعتبر والمنتهى (4)، لعدم انسجام العبارة حينئذٍ ، ضرورة أنّ من خرج قبل الفجر حتّى أصبح وهو مسافر فلا خلاف ولا إشكال في وجوب الإفطار عليه ، وعدم جواز الصوم حينئذٍ موردٌ للاتّفاق ، فكيف يحكم (عليه السلام) بأنّه يتمّ صومه؟! فهذه النسخة غير قابلة للتصديق بتاتاً.

وملخّص الكلام : أنّ المعارضة بين الطائفتين معارضة بالإطلاق لا بالتباين ، بمعنى : أنّه لا يمكن العمل بإطلاق كلّ من الطائفتين ، وإلّا فأصل التفرقة في الجملة ممّا لا معارض له ، إذ لا مانع من الالتزام بذاتي التفصيلين ، أعني : التفكيك بين التبييت وعدمه ، وبين ما قبل الزوال وما بعده بنحو الموجبة الجزئية ، وإنّما يمتنع الالتزام بهما على سبيل الإطلاق ، لما بينهما من التضادّ ، فالإشكال من


1) في ص 476 477.

2) الوسائل 10 : 186 ، الوافي 11 : 313 / 10941.

3) التهذيب 4 : 228 / 668.

4) المنتهي 2 : 599 ، لاحظ المعتبر 2 : 716.

.................................................................................................


ناحية الإطلاق فقط لا أصل الحكم ، فإذا رفعنا اليد عن إطلاق الطائفة الأُولى بالنسبة إلى ما قبل الزوال بمقتضى صحيح رفاعة وقيّدناه بالتبييت كان الإطلاق في الجملة الثانية من هذه الطائفة أعني : بالنسبة إلى ما بعد الزوال باقياً على حاله وسليماً عن المعارض ، إذ لو كان الحكم فيها أيضاً كذلك لم يكن فرق بين ما قبل الزوال وما بعده ، مع أنّ هذه الطائفة صريحة في التفرقة بين الأمرين.

وعلى الجملة : فبهذه العملية الناتجة من بركة صحيحة رفاعة ترتفع المعارضة من البين ، وكنّا قد عملنا بكلتا الطائفتين ففرّقنا بين ما قبل الزوال وما بعده بالحكم بالصيام في الثاني مطلقاً ، وبالإفطار في الأوّل بشرط التبييت ، كما وفرّقنا أيضاً بين التبييت وعدمه حسبما تضمّنته الطائفة الثانية بالإفطار في الأوّل دون الثاني ، لكن في مورد خاصّ وهو ما قبل الزوال. وهذا نوع جمع بين الأخبار ينحسم به الإشكال.

ولو أغمضنا النظر عن هذه الصحيحة كانت النتيجة أيضاً كذلك ، فإنّ المعارضة بين الطائفتين إنّما هي بالإطلاق لا بالتباين ليرجع إلى المرجّحات حسبما عرفت ، فلا بدّ إمّا من رفع اليد عن إطلاق الطائفة الأُولى الناطقة بالبقاء على الصوم فيما لو سافر بعد الزوال وتقييدها بمقتضى الطائفة الثانية بما إذا لم يبيّت النيّة وأمّا إذا كان ناوياً للسفر من الليل فيفطر حينئذٍ ، أو أن نعكس الأمر فيبقى هذا الإطلاق على حاله وتُقيَّد الطائفة الثانية المفصّلة بين تبييت النيّة وعدمه بما قبل الزوال ، كي تكون النتيجة أنّه إن سافر بعد الزوال يصوم مطلقاً وإن سافر قبله يصوم أيضاً إن لم يبيّت النيّة وإلّا فيفطر ، فأحد هذين الإطلاقين لا مناص من رفع اليد عنه ، وظاهرٌ أنّ المتعيّن هو الثاني ، إذ لا محذور فيه بوجه ، ونتيجته ما عرفت ، بخلاف الأوّل ، إذ نتيجته الالتزام بأنّه إن سافر قبل الزوال أفطر مطلقاً ، وإن سافر بعده أفطر بشرط التبييت وإلّا بقي على صومه ، وهذا ممّا لم

كما أنّه يصحّ صومه إذا لم يقصّر في صلاته كناوي الإقامة عشرة أيّام أو المتردّد ثلاثين يوماً وكثير السفر والعاصي بسفره وغيرهم ممّن تقدّم تفصيلاً في كتاب الصلاة (1).


يقل به أحد أبداً ، ولا وجه له أصلاً كما لا يخفى ، ولا يمكن إلحاق ما قبل الزوال بما بعده في الاشتراط المزبور ، وإلّا بطل الفرق بين ما قبله وما بعده ، مع أنّ تلك الطائفة صريحة في التفرقة.

وبعبارة اخرى : الطائفة الأُولى صريحة في التفرقة بين ما قبل الزوال وما بعده في الجملة ، كما أنّ الثانية صريحة أيضاً في التفرقة بين التبييت وعدمه في الجملة أيضاً ، ولا موجب لرفع اليد عن أصل التفرقة ، لعدم المعارضة من هذه الجهة ، وإنّما المعارضة من ناحية الإطلاق فحسب كما مرّ غير مرّة ، فلا بدّ من رفع اليد عن أحدهما ، والمتعيّن ما عرفت ، لسلامته عن المحذور ، بخلاف العكس ، فإنّه غير قابل للتصديق.

ونتيجة ما ذكرناه : أنّ للإفطار قيدين : كون السفر قبل الزوال ، وكونه مبيّتاً للنيّة من الليل ، فمع فقد أحدهما يبقى على صومه ، ومع ذلك كلّه فالأحوط مع عدم التبييت إتمام الصوم ثمّ القضاء كما نبّهنا عليه في التعليقة.

(1) فإنّ السفر الذي يجب فيه الإفطار هو السفر الذي يجب فيه القصر ، كما أنّ ما لا قصر فيه لا إفطار فيه ، وقد دلّ على هذه الملازمة غير واحد من النصوص ، كصحيحة معاوية بن وهب : «إذا قصّرت أفطرت وإذا أفطرت قصّرت» (1)وغيرها. فهذه قاعدة كلّيّة مطّردة.


1) الوسائل 10 : 184 / أبواب من يصح منه الصوم ب 4 ح 1.

السادس : عدم المرض أو الرَّمَد (1) الذي يضرّه الصوم ، لإيجابه شدّته أو طول بُرئه أو شدّة ألمه أو نحو ذلك ، سواء حصل اليقين بذلك أو الظنّ ، بل أو الاحتمال الموجب للخوف ، بل لو خاف الصحيح من حدوث المرض لم يصحّ منه الصوم ،


فلو فرضنا انتفاء القصر لجهةٍ من الجهات إمّا لعدم كونه ناوياً للإقامة ، أو لأنّه كثير السفر كالمكاري ، أو أنّ سفره معصية ونحو ذلك ممّا يتم معه المسافر صلاته ، وجب عليه الصوم أيضاً ، وقد ورد التصريح بذلك في عدّة من الأخبار الواردة في نيّة الإقامة وأنّ المسافر لو نوى إقامة عشرة أيّام أتمّ وصام ، وفيما دونه يقصّر ويفطر.

وعلى الجملة : فهذه الملازمة ثابتة من الطرفين إلّا ما خرج بالدليل ، كالسفر بعد الزوال كما تقدّم ، أو بدون تبييت النيّة على كلام ، فإن قام الدليل على التفكيك فهو ، وإلّا فالعمل على الملازمة حسبما عرفت.

(1) بلا خلاف فيه ، بل هو في الجملة من الضروريّات ، وقد نطق به قبل النصوص المستفيضة الكتاب العزيز ، قال تعالى ( وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ ) (1)بناءً على ما عرفت من ظهور الأمر في الوجوب التعييني ، ولذلك استدلّ في بعض الأخبار على عدم الصحّة من المريض ولزوم القضاء لو صام بالآية المباركة ، كما في حديث الزهري (2)، والنصوص مذكورة في الوسائل باب 20 من أبواب من يصحّ منه الصوم.


1) البقرة 2 : 185.

2) الوسائل 10 : 224 / أبواب من يصح منه الصوم ب 22 ح 1.

.................................................................................................


هذا ، ومقتضى إطلاق الأدلّة عموم الحكم لكلّ مريض ، ولكنّه غير مراد جزماً ، بل المراد خصوص المرض الذي يضرّه الصوم ، للانصراف أوّلاً ، ولاستفادته من الروايات الكثيرة ثانياً ، حيث سُئل في جملة منها عن حدّ المرض الذي يجب على صاحبه فيه الإفطار ، فأجاب (عليه السلام) بالسنة مختلفة :

مثل قوله (عليه السلام) : «هو أعلم بنفسه ، إذا قوي فليصم» كما في صحيحة محمّد بن مسلم (1).

وقوله (عليه السلام) : «هو مؤتمن عليه ، مفوّض إليه ، فإن وجد ضعفاً فليفطر ، وإن وجد قوّة فليصمه» كما ورد في موثّقة سماعة (2).

وقوله (عليه السلام) : « ( الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ ) ، ذاك إليه هو أعلم بنفسه» كما في صحيحة عمر بن أُذينة (3)، وغير ذلك.

فيستفاد من مجموعها أنّه ليس كلّ مرض مانعاً ، وإنّما المانع خصوص المرض المضرّ ، ولذا أُحيل إلى المكلّف نفسه الذي هو على نفسه بصيرة.

ثمّ إنّه لا فرق في الضرر بين أقسامه من كونه موجباً لشدّة المرض أو طول البرء أو شدّة الألم ونحو ذلك ، للإطلاق.

إنّما الكلام في طريق إحراز الضرر ، فالأكثر كما حكي عنهم على أنّه الخوف الذي يتحقّق بالاحتمال العقلائي المعتدّ به ، وذكر جماعة اعتبار اليقين أو الظنّ ، بل عن الشهيد التصريح بعدم كفاية الاحتمال (4)، والصحيح هو الأوّل ، لأنّه مضافاً إلى أنّ الغالب عدم إمكان الإحراز ، والخوف طريق عقلائي ، كما


1) الوسائل 10 : 219 / أبواب من يصح منه الصوم ب 20 ح 3.

2) الوسائل 10 : 220 / أبواب من يصح منه الصوم ب 20 ح 4.

3) الوسائل 10 : 220 / أبواب من يصح منه الصوم ب 20 ح 5.

4) لاحظ الدروس 1 : 271.

.................................................................................................


في السفر الذي فيه خطر تكفينا صحيحة حريز عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال : الصائم إذا خاف على عينيه من الرمد أفطر» (1).

فإذا ثبت الاكتفاء بالخوف في الرمد وهو في عضو واحد من الجسد ، ففي المرض المستوعب لتمام البدن الذي هو أشدّ وأقوى بطريقٍ أولى كما لا يخفى.

على أنّ التعبير بالخوف واردٌ في موثّقة عمّار أيضاً عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : في الرجل يصيبه العطاش حتّى يخاف على نفسه «قال : يشرب بقدر ما يمسك رمقه ، ولا يشرب حتّى يروى» (2).

إذ لا وجه لتخصيص الخوف المذكور فيها بخوف الهلاك ، بل يعمّ ما دونه أيضاً من خوف المرض والإغماء ونحو ذلك كما لا يخفى.

وعلى الجملة : فالمستفاد من الأدلّة أنّ العبرة بمجرّد الخوف ، ولا يلزم الظنّ أو الاطمئنان فضلاً عن العلم ، بل لا يبعد أن يكون هذا طريقاً عقلائيّاً في باب الضرر مطلقاً ، كما يفصح عنه ما ورد في مقامات أُخر غير الصوم ، مثل ما ورد في لزوم طلب الماء وفحصه للمتيمّم على الخلاف في مقدار الفحص في الفلاة من أنّه يكفّ عن الفحص إذا خاف من اللصّ أو السبع ، فيدلّ على سقوطه لدى كونه في معرض الخطر ، وإلّا فلا علم ولا ظنّ بوجود اللصّ أو السبع ، ولذا عبّر بالخوف.

ومثل ما ورد في صحيحتين في باب الغسل من أنّه إذا خاف على نفسه من البرد بتيمّم (3)، فيكون هذا الخوف بمجرّده محقّقاً للفقدان المأخوذ في موضوع


1) الوسائل 10 : 218 / أبواب من يصح منه الصوم ب 19 ح 1.

2) الوسائل 10 : 214 / أبواب من يصح منه الصوم ب 16 ح 1.

3) الوسائل 3 : 347 348 / أبواب التيمم ب 5 ح 7 و 8.

.................................................................................................


وجوب التيمّم ، ومعلومٌ أنّه ليس بمعنى الخوف من الهلاك فقط ، بل الغالب فيه خوف المرض والضرر ونحو ذلك.

فمن استقصاء هذه الموارد يكاد يطمئنّ الفقيه بأنّ الاعتبار بمجرّد الخوف ، وهو كافٍ في إحراز الضرر المسوّغ للإفطار ، ولا يعتبر الظنّ فضلاً عن العلم.

بقي هنا شي‌ء ، وهو أنّ موضوع الحكم في الكتاب والسنّة هو المريض ، وظاهره بطبيعة الحال هو المريض الفعلي كما في المسافر ، فالمحكوم بالإفطار هو من كان مريضاً أو مسافراً بالفعل ، فإذن ما هو الدليل على جواز الإفطار للصحيح الذي يخاف من حدوث المرض لو صام؟

الدليل عليه أمران :

الأوّل : أنّه يستفاد ذلك من نفس هذه الأخبار ، فإنّ تجويز الإفطار للمريض لا يستند إلى مرضه السابق ، ضرورة عدم تأثيره فيما مضى ، إذ لا علاقة ولا ارتباط للصوم أو الإفطار الفعليّين بالإضافة إلى المرض السابق ، وإنّما هو من أجل سببيّة الصوم وإيجابه للمرض بقاءً بحسب الفهم العرفي ، ولا أثر له في رفع السابق كما هو ظاهر.

وعليه ، فلا فرق بين الوجود الثاني والوجود الأوّل أي الحدوث لوحدة المناط فيهما.

الثاني : أنّه يستفاد ذلك من صحيحة حريز المتقدّمة الواردة في الرمد ، فإنّ قوله (عليه السلام) : «إذا خاف على عينيه من الرمد» إلخ ، ظاهرٌ في الحدوث ، أي يخاف أنّه إذا صام يحدث الرمد ، لا أنّه يخاف من شدّته أو بطء برئه ونحو ذلك كما لا يخفى ، فإذا كان الحكم في الرمد كذلك ففي غيره بطريق أولى.

وكذا إذا خاف من الضرر في نفسه (1).


(1) فإنّ المستفاد من بعض الأخبار أنّ العبرة ليس بالمرض بما هو ، بل بالضرر ، وإنّما ذكر المريض في الآية المباركة لأنّه الفرد الغالب ممّن يضرّه الصوم.

وعليه ، فلو أضرّه الصوم أفطر وإن لم يكن مريضاً ، مثل ما ورد من الإفطار فيمن به رمد في عينه ، أو صداع شديد في رأسه ولو يوماً واحداً ، أو حمّى شديدة ولو يوماً أو يومين ، مع أنّ هؤلاء لا يصدق عليهم المريض عرفاً إذا لم يكن مستمرّاً كما هو المفروض ، وإنّما هو أمر مؤقّت عارض يزول بسرعة.

ومن هنا يتعدّى إلى كلّ من كان الصوم مضرّاً به وإن لم يصدق عليه المريض ، كمن به قرح أو جرح بحيث يوجب الصوم عدم الاندمال أو طول البرء ونحو ذلك من أنحاء الضرر ، ففي جميع ذلك يحكم بالإفطار ، لهذه الأخبار.

وبالجملة : فبين المرض والإفطار عمومٌ من وجه ، فقد يكون مريضاً لا يفطر ، لعدم كون الصوم مضرّاً له ، وقد يفطر ولا يصدق عليه المريض ، كمن به رمد أو صداع أو حمّى حسبما عرفت. فالعبرة بالضرر ، وطريق إحرازه الخوف كما ذكرناه.

وعليه ، فلو صام المريض مع كون الصوم مضرّاً به.

فإن كان الضرر بالغاً حدّ الحرمة الشرعيّة كالإلقاء في الهلكة فلا شكّ في البطلان ، لأنّه مصداقٌ للحرام ، ولا يكون الحرام واجباً ولا المبغوض مقرّباً.

وأمّا لو كان دون ذلك ، كمن يعلم بأنّه لو صام يبتلى بحمّى يوم أو أيّام قلائل وبنينا على عدم حرمة مطلق الإضرار بالنفس ، فلو صام حينئذٍ فالمتسالم عليه بطلان صومه أيضاً ، فحاله حال المسافر في أنّ الخلوّ من المرض ليس

.................................................................................................


شرطاً في الوجوب فقط بل في الصحّة أيضاً ، وتدلّ عليه بعد الآية المباركة بناءً على ما عرفت من ظهور الأمر في قوله تعالى ( فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ ) (1)في الوجوب التعييني جملة من الأخبار ، كموثّقة سماعة : ما حدّ المرض الذي يجب على صاحبه فيه الإفطار ... إلخ (2)، حيث عبّر بالوجوب.

وقد ورد في بعض نصوص صلاة المسافر بعد الحكم بأنّ الصوم في السفر معصية : أنّ اللّه تعالى تصدّق على المسافر والمريض بإلغاء الصوم ، والصدقة لا تردّ (3).

وقد تقدّم في حديث الزهري (4)وإن كان ضعيفاً الاستدلال بالآية المباركة على القضاء فيما لو صام المريض ، وغير ذلك من الأخبار الدالّة على عدم صحّة الصوم من المريض والمسافر.

وبإزائها رواية عقبة بن خالد : عن رجل صام شهر رمضان وهو مريض «قال : يتمّ صومه ولا يعيد ، يجزيه» (5).

وهذه الرواية ضعيفة عند القوم ، لأنّ في سندها محمّد بن عبد اللّه بن هلال وعقبة بن خالد ، وكلاهما مجهولان ، ولكنّها معتبرة على مسلكنا ، لوجودهما في أسناد كامل الزيارات ، فلا نناقش في السند.

ولا يبعد حملها على من لا يضرّ به الصوم كما صنعه الشيخ (قدس سره) (6)،


1) البقرة 2 : 184 ، 185.

2) الوسائل 10 : 220 / أبواب من يصح منه الصوم ب 20 ح 4.

3) الوسائل 8 : 519 / أبواب صلاة المسافر ب 22 ح 7 وج 10 : 174 175 / أبواب من يصح منه الصوم ب 1 ح 4 و 5.

4) في ص 485.

5) الوسائل 10 : 224 / أبواب من يصح منه الصوم ب 22 ح 2.

6) التهذيب 4 : 257.

أو غيره أو عرضه أو عرض غيره أو في مالٍ يجب حفظه وكان وجوبه أهمّ في نظر الشارع من وجوب الصوم ، وكذا إذا زاحمه واجب آخر أهمّ منه (1)(1).


لما عرفت من أنّ النسبة بين الإفطار والمرض عمومٌ من وجه ، فليس الإفطار حكماً لكلّ مريض ، بل لخصوص من يضرّه الصوم ، فيقيَّد إطلاق الرواية بالمريض الذي لا يضرّه الصوم.

فإن أمكن ذلك وإلّا فغايته أنّها رواية شاذةٌ معارضة للروايات المستفيضة الصريحة في عدم الصحّة ، فلا بدّ من طرحها ، ولا سيّما وأنّ هذه مخالفةٌ لظاهر الكتاب وتلك موافقةٌ له ، ولا شكّ أنّ الموافقة للكتاب من المرجّحات لدى المعارضة.

(1) تقدّم الكلام فيما لو كان الصوم مضرّاً بحاله لمرضٍ ونحوه.

وأمّا لو ترتّب عليه محذور آخر ، كما لو توقّف على تركه حفظ عرضه أو عرض غيره أو حفظ مال محترم يجب حفظه كوديعة أو عارية ، أو مال كثير جدّاً بحيث علمنا أنّ الشارع لا يرضى بتلفه ، فإنّ حرمة مال المسلم كحرمة دمه ، فتوقّف حفظه من الغرق أو الحرق مثلاً على الإفطار ، أو توقّف حفظ نفسه أو نفس غيره عليه ، كما لو هدّده جائر بالقتل لو صام ، ونحو ذلك ممّا كان مراعاته أهمّ في نظر الشارع من الصوم. فلا إشكال أنّ ذلك من موارد التزاحم ، وبما أنّ المفروض أهمّيّة الواجب الآخر فيتقدّم لا محالة.


1) (*) الظاهر أنّ في كل مورد يكون عدم وجوب الصوم من جهة المزاحمة لواجبٍ آخر أهمّ يكون الصوم صحيحاً إذا صام من باب الترتّب ، ومنه يظهر الحال فيما إذا كان الصوم مستلزماً للضرر بالنسبة إلى غير الصائم أو عرضه أو عرض غيره أو مال يجب حفظه.

.................................................................................................


إنّما الكلام في طريق ثبوت المزاحمة وكيفيّة إحرازها ، فهل يكفي فيه مجرّد الاحتمال العقلائي المحقّق للخوف كما في المرض على ما سبق ، أو أنّه لا بدّ من إحراز وجود المزاحم بعلمٍ أو علمي؟

الظاهر هو التفصيل بين ما كان الواجب الآخر ممّا اعتُبر فيه عنوان الحفظ كحفظ النفس أو العرض أو المال ونحو ذلك ، وبين غيره من سائر الواجبات أو المحرّمات كالإنفاق على العائلة.

ففي الأوّل يُكتفى بمجرّد الخوف ، لأنّ نفس هذا العنوان يقتضي المراعاة في موارد الاحتمال ، ضرورة أنّ ارتكاب شي‌ء يحتمل معه التلف ينافي المحافظة ، فلو جُعِلت الوديعة مثلاً في معرض التلف لا يصدق أنّه تحفّظ عليها وإن لم تتلف اتّفاقاً.

ومن هنا ذكرنا في محلّه أنّه لا يجوز كشف العورة في موردٍ يُحتَمل فيه وجود الناظر المحترم ، بل لا بدّ من الاطمئنان بالعدم ، وإلّا لم يكن من الذين هم لفروجهم حافظون ، فتأمّل.

وعلى الجملة : معنى الحفظ الاجتناب عمّا يحتمل معه التلف ، فهو بمفهومه يقتضي الاعتناء بالاحتمال المحقّق للخوف. وعليه ، فيجوز بل يجب الإفطار مع الاحتمال ، لعدم اجتماع الصوم مع الحفظ المأمور به ، الذي هو أهمّ حسب الفرض.

وأمّا في الثاني : فلا مناص من إحراز وجود المزاحم بعلمٍ أو علمي ، إذ الصوم واجب ولا يكاد يرتفع وجوبه إلّا بالتعجيز الحاصل من قبل المولى ، الذي لا يتحقّق إلّا بالتكليف المنجّز دون المحتمل.

وبعبارة اخرى : إنّما يرفع اليد في المتزاحمين عن أحد الواجبين لا لعدم الجعل فيه من الأوّل ، بل لعدم القدرة على الامتثال بعد لزوم تقديم الأهمّ ، حيث إنّ

.................................................................................................


امتثاله معجز عن المهمّ ، فإذا لم يكن الأهمّ واصلاً فماذا يكون عذراً في ترك المهمّ؟! وعليه فلا يسوّغ الإفطار إلّا إذا أحرز الواجب الآخر بحجّة معتبرة.

وكيفما كان ، فلا إشكال في سقوط التكليف بالصوم فيما لو زاحمه واجب آخر أهمّ ، سواء أكان ممّا اعتُبر فيه عنوان الحفظ أم لا ، كما لو وقعت المزاحمة بين الصوم وبين الإنفاق على العائلة ، لأنّ تعلّق التكليف بالصوم وجوباً تعيّنيّاً حسبما تضمّنته الآية المباركة من تقسيم المكلّفين إلى أقسام ثلاثة : من يجب عليه الصوم فقط ، ومن يجب عليه القضاء ، ومن يجب عليه الفداء كما مرّت الإشارة إليه (1)إنّما هو حكم المكلّف ابتداءً ، وإلّا فهذا الوجوب كغيره من سائر التكاليف مشروط بالقدرة ، فإذا كان هناك واجب آخر أهمّ ولم يمكن الجمع فهو طبعاً يتقدّم ، ومعه يسقط هذا الوجوب ، لمكان العجز.

إنّما الكلام فيما لو عصى فترك الواجب الأهمّ وصام ، فهل يحكم بصحّته ، أو لا؟

ظاهر كلام الماتن حيث ذكر هذا أعني : عدم الابتلاء بالمزاحم الأهمّ في شرائط الصحّة كعدم المرض والسفر هو البطلان ، فهو شرط في الوجوب والصحّة معاً لا في الأوّل فقط.

وهذا منه مبني على عدم جريان الترتّب وإنكاره ، إذ عليه يكفي في البطلان عدم تعلّق الأمر بالصوم ، إذ الأمر بالشي‌ء يقتضي عدم الأمر بضدّه لا محالة ، ولا يتوقّف ذلك على دعوى اقتضائه للنهي عن الضدّ ، ولا على دعوى مقدّميّة ترك أحد الضدّين لوجود الضدّ الآخر ، بل يكفي في المقام مجرّد عدم الأمر كما عرفت المستلزم لعدم إحراز الملاك أيضاً ، إذ لا كاشف عنه من غير ناحية الأمر والمفروض عدمه ، فلا يمكن تصحيح العبادة بوجه.


1) في ص 460 461.

ولا يكفي الضعف ، وإن كان مفرطاً ما دام يُتحمّل عادةً (1). نعم ، لو كان ممّا لا يُتحمّل عادةً جاز الإفطار.


وأمّا بناءً على المختار من صحّة الترتّب وإمكانه بل لزومه ووقوعه وأنّ تصوّره مساوق لتصديقه حسبما فصّلنا القول حوله في الأُصول وشيّدنا أساسه وبنيانه (1)، فلا مناص من الحكم بالصحّة بمقتضى القاعدة ، إذ المزاحمة في الحقيقة إنّما هي بين الإطلاقين لا بين ذاتي الخطابين ، فلا مانع من تعلّق الأمر بأحدهما مطلقاً ، وبالآخر على تقدير عصيان الأوّل ومترتّباً عليه ، فالساقط إنّما هو إطلاق الأمر بالمهمّ وهو الصوم ، وأمّا أصله فهو باقٍ على حاله ، إذ المعجز ليس نفس الأمر بالأهمّ ، بل امتثاله.

فعلى ما ذكرناه كان الأولى ذكر هذا في شرائط الوجوب لا في شرائط الصحّة ، فإنّ الوجوب مشروط بعدم المزاحمة بالأهمّ ، وإلّا فهذه المزاحمة لا تستوجب فساد الصوم بعد البناء على الترتّب.

(1) قد يفرض : أنّ الضعف جزئي لا يعتنى به ، وحكمه ظاهر ، وأُخرى : يكون أكثر من ذلك ولكن لا يبلغ حدّ الحرج ، لكونه ممّا يُتحمّل عادةً وإن كان مفرطاً ، وهذا أيضاً لا يضرّ بالصوم ، بمقتضى إطلاق الأدلّة من الكتاب والسنّة بعد أن لم يكن المتّصف به مريضاً حسب الفرض ، وإنّما هو صحيحٌ اعتراه الضعف ، ولم يخرج عن عموم الآية إلّا المريض والمسافر.

وعلى الجملة : مجرّد الضعف لا يستوجب السقوط ولا سيّما مع كثرته في الصائمين ، حيث إنّ الغالب منهم يعتريهم مثل هذا الضعف من جوعٍ أو عطش ،


1) محاضرات في أُصول الفقه 3 : 101 102.

.................................................................................................


خصوصاً أيّام الصيف البالغة ما يقرب من ستّ عشرة أو سبع عشرة ساعة ، بل سُمِع في بعض البلدان أنّه قد يصل طول النهار إلى إحدى وعشرين ساعة ويكون مجموع الليل ثلاث ساعات.

وكيفما كان ، فمقتضى إطلاق الأدلّة عدم قدح الضعف المزبور كما عرفت.

نعم ، في موثقة سماعة الواردة في حدّ المرض : «فإن وجد ضعفاً فليفطر» (1).

ولكن من الواضح أنّه ليس المراد به مطلق الضعف ، بل بقرينة المقابلة بقوله (عليه السلام) : «وإن وجد قوّة فليصمه» يراد به : الضعف عن الصوم ، الذي هو كناية عن تضرّر المريض المفروض في السؤال ، وأنّه ممّن لا يقوى على الصيام ، فمرجع الموثّقة إلى تفويض أمر المريض إلى نفسه من حيث تشخيص التمكّن من الصيام وعدمه لأنّه مؤتمن عليه ، فإن وجد قوّة صام ، وإن وجد ضعفاً أي لم يَرَ من نفسه قوّة على الصيام فليفطر ، فلا دلالة لها على أنّ كلّ ضعف ولو من غير المريض موجب للإفطار ، بل موضوعه المريض فقط كما هو ظاهر.

هذا كلّه فيما إذا كان الضعف ممّا يُتحمّل عادةً.

وأمّا إذا لم يُتحمّل بأن بلغ حدّ الحرج ، فلا شكّ في جواز الإفطار حينئذٍ ، بمقتضى عموم دليل نفي الحرج ، وهو المراد من قوله تعالى ( الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ ) (2)، فإنّ الإطاقة هو إعمال القدرة في أقصى مرتبتها ، المساوق للحرج الغالب حصوله في الشيخ والشيخة.


1) الوسائل 10 : 220 / أبواب من يصح منه الصوم ب 20 ح 4.

2) البقرة 2 : 184.

ولو صام بزعم عدم الضرر فبان الخلاف بعد الفراغ من الصوم ففي الصحّة إشكال (1) ، فلا يُترك الاحتياط بالقضاء.


(1) وهو في محلّه ، بل لعلّ الأظهر العدم ، فإنّ الحكم بالصحّة يتوقّف على أحد أمرين : إمّا إثبات الأمر بالصوم ، أو أن يستكشف بدليل قطعي أو ما في حكمه أنّه محبوب وواجد للملاك وإن لم يؤمَر به لمانع ، وشي‌ء منهما لا يمكن إحرازه في المقام.

أمّا الأمر : فواضح ، ضرورة أنّ ظاهر الآية المباركة بقرينة المقابلة بين المريض وغيره اختصاص الأمر بالصوم بالصحيح الحاضر ، فالمريض أو المسافر غير مأمور بذلك جزماً.

وأمّا الملاك : فلا طريق إلى إحرازه لعدم علمنا بالغيب إلّا من ناحية الأمر والمفروض انتفاؤه ، وليس المقام من باب المزاحمة قطعاً ليكون الملاك محرزاً ، كيف؟! وفي ذاك الباب قد تعلّق تكليفان كلّ منهما مطلق ، غايته أنّه لا يمكن الجمع بينهما في مقام الامتثال.

وأمّا في المقام فليس إلّا أمر واحد متعلّق بالمقيّد بغير المريض والمسافر ، ومعه كيف يمكن استكشاف الملاك في فاقد القيد؟! وإذ لم يثبت الأمر ولم يحرز الملاك فلا مناص من الحكم بالبطلان ، لخروج المريض عن حريم موضوع الأمر بالصوم واقعاً ، سواء علم به أم جهل.

نعم ، لو فرضنا أنّ عدم تعلّق الأمر بالمريض لم يكن لأجل تقيّد موضوع الحكم بعدمه ، وإنّما كان ذلك مستنداً إلى قاعدة نفي الضرر ، اتّجه الحكم بالصحّة فيما لو صام باعتقاد عدم الضرر.

ومن هنا التزمنا في محلّه بصحّة الوضوء أو الغسل الضرريّين فيما إذا اعتقد

.................................................................................................


عدم الضرر ، وذلك لأنّ هذه القاعدة إنّما شُرِّعت بلسان الامتنان ، ولا امتنان في الحكم بفساد العمل الصادر باعتقاد عدم الضرر ، بل هو على خلاف الامتنان ، فلا يكون مشمولاً للقاعدة.

وبالجملة : الضرر الواقعي ما لم يصل لا يكون رافعاً للتكليف ، لعدم الامتنان ، فإذا كان التكليف باقياً على حاله وقد أتى به المكلّف على وجهه فلا مناص من الحكم بالصحّة.

وأمّا في المقام فقد عرفت أنّ البطلان لم يكن بدليل نفي الضرر ، وإنّما هو لأجل التخصيص في دائرة الموضوع وتقييده بغير المريض. إذن لا وجه للحكم بصحّة صوم المريض بمجرّد اعتقاد عدم الضرر ، بل لا بدّ إمّا من الحكم بالبطلان جزماً ، أو لا أقلّ من الاحتياط اللزومي كما صنعه في المتن.

وملخّص الكلام : أنّ الصوم باعتقاد عدم الضرر مع انكشاف الخلاف قد يُفرَض في موارد التزاحم ، وأُخرى في مورد الحكومة وثالثة في مورد التخصيص.

لا إشكال في الصحّة في مورد المزاحمة مع الجهل بالأهمّ ، فإنّ المعجز هو التكليف الواصل ولم يصل فيقع المهمّ على ما هو عليه من المحبوبيّة وتعلّق الأمر به ، بل هو كذلك حتّى مع الوصول والتنجّز ، غايته أنّه عصى في ترك الأهمّ فيصحّ المهمّ بناءً على الترتّب.

وأمّا في مورد الحكومة أعني : ارتفاع الأمر بالصوم بلسان نفي الضرر الحاكم على جميع الأدلّة الأوّلية من الواجبات والمحرّمات فحاله مع عدم الوصول كما هو المفروض حال التزاحم ، فإنّ تشريع نفي الضرر إنّما هو لأجل الامتنان ، فكلّ تكليف من قبل المولى ينشأ منه الضرر فهو مرفوع.

وأمّا لو فرضنا جهل المكلّف بكون الحكم ضرريّاً فامتثله ثمّ انكشف الخلاف

.................................................................................................


فهو غير مشمول لدليل نفي الضرر ، إذ لا امتنان في رفعه حينئذٍ ، ضرورة استناداً الوقوع في الضرر الواقعي في مثله إلى جهل المكلّف نفسه لا إلى إلزام الشارع ، فنفي الحكم بعد هذا مخالفٌ للامتنان إذ لازمه البطلان ، ولا امتنان في الحكم بالفساد ، فلا مناص من الالتزام بالصحّة.

وأمّا في مورد التخصيص الراجع إلى تضييق منطقة الحكم من لدن جعله ، وثبوته في بعض الموارد دون بعض كما في المقام ، حيث خصّت الآية المباركة التكليف بالصيام بالأصحّاء دون المرضى ، فلو أخطأ المكلف وتخيّل عدم مرضه أو عدم الإضرار به فصام ثمّ انكشف الخلاف ، فمتقضى القاعدة هو البطلان ، لأنّ هذا مأمور واقعاً بالإفطار والقضاء ، وإجزاء غير المأمور به عن المأمور به يحتاج إلى دليل ، ولا دليل.

ولو انعكس الفرض ، فاعتقد أنّ الصوم مضرّ ومع ذلك صام ثمّ انكشف الخلاف ، فهل يحكم بالصحّة أو بالفساد؟

الظاهر هو الحكم بالصحّة ، لعين ما ذُكر ، لأنّه مأمور بالصوم واقعاً وقد أتى به ، فلا قصور لا من ناحية الأمر ولا من ناحية الانطباق على العمل ، غاية الأمر أنّ الإشكال من جهة النيّة وتمشّي قصد القربة مع اعتقاد الضرر الموجب لاعتقاد سقوط الأمر ، فلا بدّ من فرضه على نحو يتمشّى منه ذلك ، كما لو تخيّل أنّ رفع الحكم عن المريض ترخيصي لا إلزامي ، فاعتقد أنّه مخيّر بين الصوم وعدمه لا أنّ تركه عزيمة ، وإلّا فلو لم تصحّح النيّة ولم يقصد القربة بطل العمل لا لخللٍ فيه في نفسه ، بل لأمر خارجي وهو فقدان النيّة كما عرفت. وأمّا مع مراعاتها فلا مناص من الحكم بالصحّة.

وإذا حكم الطبيب بأنّ الصوم مضرّ وعلم المكلّف من نفسه عدم الضرر يصحّ صومه ، وإذا حكم بعدم ضرره وعلم المكلّف أو ظنّ كونه مضرّاً وجب عليه تركه ولا يصحّ منه (1).


(1) قد عرفت أنّ المستفاد من الآية المباركة والروايات أنّ موضوع الإفطار هو المرض ، ولكن لا من حيث هو ، بل بما أنّه مضرّ ، فالعبرة في الحقيقة بالضرر ، ولذا تقدّم أنّ النسبة عموم من وجه ، وقد عرفت أنّ طريق إحرازه الخوف ، ولكنّه غير منحصر فيه ، فلو فرضنا ثبوته بطريقٍ آخر من بيّنة أو نحوها ترتّب الحكم ، لعدم دلالة رواية الأرمد على الحصر.

وعليه ، فلو أخبر الطبيب بالضرر وهو حاذق ثقة وجب اتباعه ، لقيام السيرة العقلائية على الرجوع إلى أهل الخبرة من كلّ فن.

فقول الطبيب حجّة وإن لم يحصل الخوف ، كما أنّه لو حصل الخوف الوجداني من قوله وإن لم يكن حاذقاً ترتّب الإفطار ، فكما أنّ الضرر يثبت بالخوف يثبت بقول الطبيب من أهل الخبرة.

نعم ، إذا اطمأنّ بخطئه فضلاً عن العلم الوجداني بالخطإ الذي فرضه في المتن لم يسمع قوله ، فإنّ قوله بما هو ليس بحجّة وإنّما هو طريق إلى الواقع ، فلو علم بخلافه أو اطمأنّ بخطئه فليس له الإفطار.

ولو انعكس الأمر فأخبر بعدم الضرر ، ولكن قام طريق آخر على الضرر وهو خوف المكلّف نفسه فضلاً عن علمه أو ظنّه ، وجب عليه ترك الصوم حينئذٍ ولم يصحّ منه ، لدلالة النصوص المتقدّمة على أنّه مؤتمن عليه مفوضّ إليه وأنّ الإنسان على نفسه بصيرة ، فمع تشخيصه الضرر لا يُصغى إلى قول الطبيب الذي يُطمأنّ بخطئه ، بل يكفي مجرّد الخوف كما عرفت ، لرجوع الأمر إلى المكلّف نفسه.

[2502] مسألة 1 : يصحّ الصوم من النائم ولو في تمام النهار إذا سبقت منه النيّة في الليل ، وأمّا إذا لم تسبق منه النيّة : فإن استمرّ نومه إلى الزوال بطل صومه ووجب عليه القضاء إذا كان واجباً ، وإن استيقظ قبله نوى وصحّ (1)، كما أنّه لو كان مندوباً واستيقظ قبل الغروب يصحّ إذا نوى (1).


وعلى الجملة : مقتضى إطلاق الأدلّة أنّ العبرة بالحالة الوجدانيّة ، وبذلك تتقيّد حجّيّة قول الطبيب بما إذا لم تكن على خلاف هذه الحالة ، فإذا حصل الخوف لم يجز الصوم وإن أخبر الطبيب بعدم الضرر ، إلّا إذا علم وجداناً بعدم الضرر بحيث لا يعتريه الخوف حسبما عرفت.

(1) تقدّم في مبحث النيّة : أنّ النيّة المعتبرة في باب التروك تغاير ما هو المعتبر في الأفعال ، فإنّ اللّازم في الثاني صدور كلّ جزء من الفعل عن قصدٍ وإرادة مع نيّة القربة ، وأمّا في الأوّل فليس المطلوب إلّا مجرّد الاجتناب عن الفعل كما صرّح به في صحيحة محمّد بن مسلم : «لا يضرّ الصائم ما صنع إذا اجتنب» إلخ ، ومعنى ذلك : أن يكون بعيداً عنه وعلى جانب وطرف ولا يقرب منه.

وهذا يكفي فيه بناؤه الارتكازي على عدم الارتكاب ولو كان ذلك لأجل عدم الداعي من أصله ، أو عدم القدرة خارجاً ، كالمحبوس الفاقد للمأكول أو المشروب ، فاللازم فيه الاجتناب على نحوٍ لو تمكّن من الفعل لم يفعل مع كونه لله. وهذا هو معنى كونه على جانب منه.

وهذا المعنى كما ترى لا يتنافى مع النوم بوجه حتّى في تمام النهار بشرط سبق النيّة المزبورة من قبل الفجر ، مضافاً إلى بعض النصوص المتضمّنة : أنّ


1) (*) تقدّم الإشكال فيه في صيام شهر رمضان.

[2503] مسألة 2 : يصحّ الصوم وسائر العبادات من الصبي المميّز على الأقوى من شرعيّة عباداته ، ويستحبّ تمرينه عليها ، بل التشديد عليه لسبع ، من غير فرق بين الذكر والأُنثى في ذلك كلّه (1).


نوم الصائم عبادة ، وإلى جريان السيرة القطعيّة عليه. وهذا ممّا لا إشكال فيه.

إنّما الكلام فيما إذا لم يكن مسبوقاً بالنيّة.

أمّا إذا كان الانتباه بعد الزوال ، فالظاهر أنّه لا ينبغي الإشكال في عدم الصحّة لا من رمضان ولا من قضائه.

نعم ، لا مانع من تجديد النيّة في الصوم المندوب ، فإنّ وقته واسع إلى ما قبل الغروب.

وأمّا إذا كان قبل الزوال ، فقد ورد النصّ على جواز تجديد النيّة ما لم يحدث شيئاً في جملة من الموارد ، منها القضاء ، بل مطلق الواجب غير المعيّن كما تقدّم في محلّه مفصّلاً (1).

وأمّا بالنسبة إلى شهر رمضان فلم يدلّ أيّ دليل على جواز التجديد إلّا في المسافر الذي يقدم أهله ولم يفطر ، فإلحاق غيره به قياس محض بعد فقد الدليل.

فما ذكره الماتن وغيره من الصحّة في رمضان إذا انتبه قبل الزوال ونوى لا يمكن المساعدة عليه بوجه ، فإنّ الصوم هو الإمساك عن نيّةٍ من الفجر إلى الغروب ولم يتحقّق في المقام حسب الفرض ، وإجزاء غير المنوي عن المنوي يحتاج إلى دليل ، ولا دليل إلّا في موارد خاصّة ليس المقام منها حسبما عرفت.

(1) قد تكرّر التعرّض لهذه المسألة في مطاوي هذا الشرح غير مرّة في باب


1) في ص 46 50.

.................................................................................................


الصلاة وغيرها ، وقلنا : إنّ الصحيح ما ذكره الماتن من شرعيّة عبادات الصبي واستحبابها.

لا لإطلاقات الأدلّة بدعوى شمولها للصبيان ، ولا يرفع حديث الرفع الذي هو في مقام الامتنان إلّا الوجوب فيبقى الاستحباب على حاله ، إذ لا منّة في رفعه ، إذ فيه : أنّ الحديث ناظر إلى رفع ما قد وضع في الشريعة وأنّ الوضع في مثل قوله تعالى ( كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ ) (1)إلخ ، ونحو ذلك غير شامل للصبيان. ومن المعلوم أنّ المجعول والمكتوب وما وضعه اللّه على عباده حكم وحداني بسيط ، فإذا كان هذا المجعول مرفوعاً عن الصبي وقلم الكتابة مرفوعاً عنه فبأي دليل يكتب الاستحباب والمشروعيّة؟!

بل لأجل أنّ الأمر بالأمر بالشي‌ء أمرٌ بذلك الشي‌ء بحسب المتفاهم العرفي ، وقد أمر الأولياء بأمر الصبيان بقوله (عليه السلام) : «مروا صبيانكم بالصلاة والصيام» (2)، وفي صحيح الحلبي : «إنّا نأمر صبياننا لخمس سنين ، وأنتم مروهم لسبع سنين» (3)، وهذا محمول على اختلاف الطاقة حسب اختلاف الصبيان.

وكيفما كان ، فالعمدة في إثبات المشروعيّة وعدم كونها صوريّة تمرينيّة هي هذه الأخبار التي تدلّ على تعلّق الأمر الشرعي بنفس تلك الأفعال بمقتضى الفهم العرفي حسبما عرفت.


1) البقرة 2 : 183.

2) انظر الوسائل 4 : 19 / أبواب أعداد الفرائض ب 3 ح 5 وج 10 : 234 / أبواب من يصح منه الصوم ب 29 ح 3.

3) الوسائل 4 : 19 / أبواب أعداد الفرائض ب 3 ح 5.

[2504] مسألة 3 : يشترط في صحّة الصوم المندوب مضافاً إلى ما ذكر أن لا يكون عليه صوم واجب من قضاء أو نذر أو كفّارة أو نحوها (1)


(1) يقع الكلام تارةً : فيما إذا كان عليه قضاء شهر رمضان ، وأُخرى : فيما إذا كان عليه صوم واجب آخر غيره من كفّارة أو نذر ونحوهما.

أمّا في الأوّل : فلا إشكال في عدم صحّة الصوم المندوب ، لصحيح زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) ، قال : سألته عن ركعتي الفجر ، قال : قبل الفجر إلى أن قال : أتريد أن تقايس؟ لو كان عليك من شهر رمضان أكنت تتطوّع إذا دخل عليك وقت الفريضة؟! فابدأ بالفريضة» (1)فكأنّ الحكم في المقيس عليه أمر مقطوع به مفروغ عنه.

وصحيحة الحلبي المرويّة عن الكافي ، قال : سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل عليه من شهر رمضان طائفة ، أيتطوّع؟ «فقال : لا ، حتّى يقضي ما عليه من شهر رمضان» (2).

المؤيّدتين برواية أبي الصباح الكناني : عن رجل عليه من شهر رمضان أيّام ، أيتطوّع؟ «فقال : لا ، حتّى يقضي ما عليه من شهر رمضان» (3).

وإن كانت الرواية ضعيفة السند لما مرّ من أنّ الراوي عن الكناني وهو محمّد بن الفضيل مردّد بين الثقة وغيره ، ومحاولة الأردبيلي لإثبات أنّه محمّد


1) الوسائل 10 : 345 / أبواب أحكام شهر رمضان ب 28 ح 1.

2) الوسائل 10 : 346 / أبواب أحكام شهر رمضان ب 28 ح 5 ، الكافي 4 : 123 / 2 ، التهذيب 4 : 276 / 835.

3) الوسائل 10 : 346 / أبواب أحكام شهر رمضان ب 28 ح 6 ، الكافي 4 : 123 / 1 ، التهذيب 4 : 276 / 836.

.................................................................................................


ابن القاسم بن الفضيل (1)غير مسموعة.

وكيفما كان ، ففي الصحيحتين غنى وكفاية.

وأمّا الثاني أعني : غير القضاء من مطلق الصوم المفروض - : فيستدلّ له بما رواه في الفقيه بإسناده عن الحلبي وبإسناده عن أبي الصباح الكناني جميعاً عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، أنّه : «لا يجوز أن يتطوّع الرجل بالصيام وعليه شي‌ء من الفروض» (2).

فإنّ الفرض المذكور فيها يعمّ القضاء وغيره ، فلا بدّ من الأخذ بهذا الإطلاق ، لعدم التنافي بينه وبين الصحيحتين المتقدّمتين ، الواردتين في خصوص القضاء ، لكونهما مثبتتين ، فلا يكون ذلك من موارد حمل المطلق على المقيّد كما هو ظاهر.

ولكن قد يُناقش فيه بأنّ الموجود في الفقيه شي‌ء آخر غير ما هو المذكور في الوسائل ، فإنّ الصدوق قد أخذ الإطلاق في عنوان بابه فقال : باب الرجل يتطوّع بالصيام وعليه شي‌ء من الفرض. وقال : وردت الأخبار والآثار عن الأئمّة (عليهم السلام) أنّه لا يجوز أن يتطوّع الرجل بالصيام وعليه شي‌ء من الفرض ، وممّن روى ذلك الحلبي وأبو الصباح الكناني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام).

ولأجل ذلك احتمل أن يكون المعنى بالروايتين كلامه (قدس سره) هو روايتا الكافي والتهذيب عن الحلبي والكناني المتقدّمتان آنفاً عن الوسائل الواردتان في القضاء ، ولكن الصدوق اجتهد وفهم أنّ الحكم لا يختص بالقضاء ، بل يعمّ مطلق الفرض.

وبعبارة اخرى : لم يذكر الصدوق هذا بعنوان الرواية وإنّما ذكره بعنوان الفتوى ، فقال : باب كذا ، وبعده يقول : وممّن روى ذلك ... فمن المحتمل أو


1) جامع الرواة 2 : 177 183.

2) الوسائل 10 : 346 / أبواب أحكام شهر رمضان ب 28 ح 2 ، الفقيه 2 : 87 / 392.

.................................................................................................


المظنون قويّاً أنّه يشير إلى الروايتين الواردتين في خصوص القضاء بعد إعمال الاجتهاد فيهما باستنباط الإطلاق.

وعليه ، فليس في البين دليل يُعتمد عليه في الحكم بعدم الجواز في غير القضاء الذي عليه المشهور.

أقول : الظاهر أنّ المناقشة في غير محلّها ، إذ الاحتمال المزبور من البُعد بمكان ، لتصريحه بأنّه وردت به الأخبار والآثار ، فكيف يمكن أن يقصد بهذا التعبير الذي هو بصيغة الجمع خصوص هاتين الروايتين المرويّتين في الكافي؟! والذي يكشف كشفاً قطعيّاً عن عدم كونه ناظراً إلى هاتين الروايتين أنّ طريق الصدوق إلى الحلبي بجميع من في سلسلة السند مغاير مغايرةً تامّة مع طريق الكليني إليه في تمام أفراد السند بحيث لا يوجد شخص واحد مشترك بينهما ، ومعه كيف يمكن أن يريد به تلك الرواية المرويّة في الكافي؟! نعم ، طريقه إلى الكناني مجهول ، وأمّا إلى الحلبي فصحيح بإسناد مباين لإسناد الكليني وإن كان طريقه إليه أيضاً صحيحاً.

وكيفما كان ، فالظاهر أنّ هذه رواية أُخرى ولا مانع من عنوان الباب بنحو ما عرفت بعد أن عقّبه بقوله : روى ذلك الحلبي ، الظاهر في أنّ الحلبي روى عين ما ذكره لا مضمون ما عنونه بحيث يكون المروي شيئاً آخر هو مدرك استنباطه واجتهاده ، فإنّ هذا خلاف الظاهر جدّاً ، والصدوق في عدّة موارد من كتاب الفقيه يفعل كذلك بأن يعنون الباب ثمّ يقول : رواه فلان وفلان.

وعليه ، فالظاهر أنّ ما في الفقيه رواية أُخرى بسندٍ آخر مغايرة لما في الكافي ، فلا مانع من الأخذ بإطلاقها.

فما ذكره الماتن تبعاً للمشهور من عدم صحّة الصوم المندوب ممّن عليه مطلق الفرض هو الصحيح.

مع التمكّن من أدائه ، وأمّا مع عدم التمكّن منه كما إذا كان مسافراً وقلنا بجواز الصوم المندوب في السفر أو كان في المدينة وأراد صيام ثلاثة أيّام للحاجة فالأقوى صحّته (1).


(1) بعد الفراغ عن عدم جواز الصوم المندوب ممّن عليه الواجب إمّا مطلقاً أو خصوص القضاء على الخلاف المتقدّم ، فهل يختصّ ذلك بمن كان متمكناً من أداء الواجب ، أو يعمّ غير المتمكّن ، سواء كان عدم التمكّن مستنداً إلى اختيار المكلّف نفسه فله تحصيل القدرة لكون مقدّمتها اختياريّة كما لو كان مسافراً يتمكّن من قصد الإقامة والإتيان بالصوم الواجب بعد ذلك ، أم كان العجز لأمرٍ خارج عن الاختيار كما لو كان الواجب عليه صوم الكفّارة شهرين متتابعين ولم يتمكّن من ذلك لحلول شهر رمضان خلالهما المانع من حصول التتابع ، فهل يجوز له حينئذٍ التصدّي للصوم المندوب؟

لعلّ المعروف هو الجواز ، ولكن ناقش فيه بعضهم ، منهم صاحب الجواهر (قدس سره) (1)، نظراً إلى إطلاق دليل المنع الشامل لصورتي التمكّن من أداء الواجب وعدمه.

ولا يبعد أنّ ما ذكره المشهور هو الصحيح ، لانصراف الدليل إلى فرض التمكّن ، فكأنّ الإمام (عليه السلام) في مقام بيان قضيّة معروفة في الأذهان بحكم الارتكاز من أولويّة الفريضة وعدم مزاحمتها بالنافلة وأنّ تفريغ الذمّة من الواجب أهمّ من الاشتغال بالمستحبّ ، لا أن ذلك مجرّد تعبّد صرف.

ومن الواضح أنّ مورد الارتكاز هو من كان متمكّناً من الواجب ولا يعمّ العاجز بوجه ، فدليل المنع منصرف عنه بطبيعة الحال.


1) الجواهر 16 : 338 339.

وكذا إذا نسي الواجب وأتى بالمندوب فإنّ الأقوى صحّته إذا تذكّر بعد الفراغ (1) ،


(1) كما هو المشهور أيضاً ، لما عرفت من الانصراف إلى فرض التمكّن المنتفي لدى النسيان.

هذا ، وصاحب الجواهر وافق المشهور هنا ، فإنّه وإن احتمل العدم لكنّه أخيراً أفتى بالصحّة (1)، وحينئذٍ يُسأل عن الفارق بين المقام وبين عدم التمكّن من غير ناحية النسيان حيث خالف المشهور ثمّة كما مرّ ووافقهم فيما نحن فيه؟

والظاهر أنّ نظره الشريف في التفرقة إلى أنّ الموضوع في النهي عن صوم التطوّع هو من عليه القضاء أو من عليه الفرض كما تضمّنته النصوص ، وهذا الموضوع مطلق يشمل صورتي التمكّن من أداء الفريضة وعدمه ، فإنّ العجز عن الأداء مانع خارجي لا يوجب سقوط التكليف ، غايته أنّه لا يتمكّن من امتثاله فعلاً ، فالمسافر لم يسقط عنه وجوب القضاء بسفره ولكن لا يمكن إيجاده فعلاً ، لأنّ السفر مانع عن الصحّة ، فالواجب مشروط بقصد الإقامة أو دخول البلد ، وبما أنّه موسّع يجوز له التأخير ، لا أنّ الوجوب مشروط بشي‌ء ، فأصل الوجوب موجود بالفعل ومتحقّق في صورتي التمكّن الفعلي من أداء الواجب وعدمه ، فلأجله يشمله إطلاق النهي عن التطوّع لصدق أنّ عليه الفرض كما عرفت ، والانصراف الذي يدّعيه المشهور يمنعه (قدس سره).

وهكذا الحال فيمن لم يتمكّن من التتابع لدخول شعبان ، فإنّ التكليف بالكفّارة لم يسقط ، غايته أنّه يجب الامتثال متأخّراً ، فالتكليف بالكفّارة أو القضاء موجود لكن مشروطاً لا مطلقاً ، فيشمله إطلاق الدليل حسبما عرفت.


1) الجواهر 17 : 23.

وأمّا إذا تذكّر في الأثناء قطع (1) ويجوز تجديد النيّة حينئذٍ للواجب مع بقاء محلّها ، كما إذا كان قبل الزوال.


وأمّا في فرض النسيان فالتكليف غير موجود من أصله ، لامتناع توجيه الخطاب نحو الناسي ، فهو مرفوع عنه حتّى واقعاً ما دام ناسياً ، لحديث رفع النسيان ، فيختصّ وجوب القضاء كسائر التكاليف بغير الناسي. فهو إذن لا قضاء عليه وليس عليه فرض ، فلا يشمله دليل النهي عن التطوّع ممّن عليه القضاء ، أو من عليه الفرض.

وعلى الجملة : النسيان يوجب رفع التكليف من أصله ، وبعد الذكر يحدث تكليف جديد.

وأمّا العجز عن الفرد مع سعة الوقت كما هو الفرض ، فهو لا يوجب سقوط التكليف من الأصل حتّى ما دام العجز باقياً ، غايته أنّه لا يتمكّن من الإتيان فعلاً ، فانّ متعلّق التكليف هو الطبيعي لا خصوص هذا الفرد الذي هو مورد للعجز ، كما هو الحال في الصلاة ، فإنّه لو عجز عن الإتيان بتمام أجزائها في ساعة معيّنة لم يستوجب ذلك سقوط الأمر كما هو ظاهر.

وكيفما كان ، فما ذكره المشهور من الصحّة في كلتا الصورتين أعني : صورتي العجز والنسيان هو الصحيح ، لما عرفت من الانصراف ، وإن كان الأمر في النسيان أظهر من غيره حسبما بيّناه.

(1) لصدق أنّ عليه الفرض بعد ما تذكّر فيشمله إطلاق النهي عن التطوّع ، فليس له الإتمام ندباً ، وحينئذٍ فإن كان التذكّر قبل الزوال جاز له تجديد النيّة والعدول به إلى القضاء ، لما عرفت في محلّه من التوسعة في أمر النيّة بالنسبة إليه ، بل حتّى لو كان عازماً على عدم الصوم فبدا له فيه ولم يحدث شيئاً ، فإنّه

ولو نذر التطوّع على الإطلاق صحّ وإن كان عليه واجب ، فيجوز أن يأتي بالمنذور قبله بعد ما صار واجباً ، وكذا لو نذر أيّاماً معيّنة يمكن إتيان الواجب قبلها.

وأمّا لو نذر أيّاماً معيّنة لا يمكن إتيان الواجب قبلها ففي صحّته إشكال من أنّه بعد النذر يصير واجباً ، ومن أنّ التطوّع قبل الفريضة غير جائز فلا يصحّ نذره ولا يبعد أن يقال (1): إنّه لا يجوز بوصف التطوّع ، وبالنذر يخرج عن الوصف ، ويكفي في رجحان متعلّق النذر رجحانه ولو بالنذر. وبعبارة اخرى : المانع هو وصف الندب وبالنذر يرتفع المانع (1).


يجوز التجديد فيما بينه وبين الزوال.

وأمّا إذا كان التذكّر بعد الزوال فقد فات محلّ العدول إليه ، فلا مناص من رفع اليد والحكم بالبطلان ، لما عرفت من عدم جواز الإتمام ندباً بعد أن كان مشمولاً لإطلاق دليل النهي.

(1) نذر التطوّع ممّن عليه الفرض على أقسام ثلاثة :

فتارةً : يتعلّق بالطبيعي ، كأن يصوم يوماً من هذا الشهر أو من هذه السنة ، فكان المتعلّق مطلقاً وهو متمكّن من تفريغ الذمّة عن الفرض ثمّ الإتيان بالمنذور.

وأُخرى : يتعلّق بشخص يومٍ معيّن كالعاشر من هذا الشهر مثلاً مع فرض التمكّن المزبور.

وثالثةً : يتعلّق بالشخص ، ولا يمكن إتيان الواجب قبله ، كما لو نذر أوّل


1) تقدّم الكلام في ذلك في مسألة التطوّع في وقت صلاة الفريضة.

.................................................................................................


شعبان أن يصوم يوم العشرين منه ، وعليه من القضاء خمسة عشر يوماً.

لا إشكال في صحّة النذر وانعقاده في القسمين الأولين ، لأن متعلّقه مقدور عقلاً وراجح شرعاً ، ومن الواضح أنّ اشتغال الذمّة بالواجب إن كان مانعاً فإنّما يمنع عن جواز التطوّع قبل تفريغ الذمّة عن الفريضة لا عن صحّة النذر من أصله ، فلا يتصوّر في البين أيّ موجب لبطلان النذر.

وإنّما الكلام في أنّه هل يجوز الإتيان بالمنذور قبل الواجب كما اختاره في المتن أو أنّه يتعيّن العكس؟ وستعرف الحال في ذلك.

وأمّا في القسم الثالث : ففي انعقاد النذر إشكال من أنّ متعلّقه ليس براجح لولا النذر لكونه من التطوّع في وقت الفريضة ، فهو غير مشروع في نفسه ، ومن أنّه بالنذر يخرج عن وصف التطوّع ويصير واجباً ، ويكفي في رجحان المتعلّق رجحانه ولو بالنذر ، وهذا هو الذي اختاره الماتن أخيراً ، وقد عنون (قدس سره) المسألة هنا وفي باب الصلاة بناءً على عدم جواز التطوّع في وقت الفريضة في الصلاة أيضاً ، كما قد تدلّ عليه صحيحة زرارة المتقدّمة (1): «أتريد أن تقايس» إلخ. وعبارته (قدس سره) في كلا المقامين قاصرة ، إذ لا شكّ ولا ريب في أنّ الرجحان لا بدّ وأن يكون مع قطع النظر عن النذر وإلّا لجاز تعلّق النذر بكلّ ما هو غير مشروع في نفسه كالصلاة بغير وضوء أو إلى غير القبلة ، بل بكلّ ما هو منهي عنه كالكذب وشرب الخمر ، فيقال : إنّه راجح من قبل النذر ، وهذا ممّا لا يلتزم به أيّ فقيه ، بداهة أنّ غير المشروع لا يكون مشروعاً بالنذر ، إذ كيف يجعل لله ما يبغضه اللّه ، أو لم يردّه اللّه كالصلاة ستّ ركعات بسلام واحد مثلاً؟! وهذا واضح لا يحتاج إلى دليل.


1) في ص 503.

.................................................................................................


ولذا كتبنا في التعليقة في بحث الصلاة أنّ في العبارة قصوراً ، وهذا الظاهر غير مراد جزماً ، بل يريد أن متعلّق النذر راجح في نفسه وإنّما كان هناك أمر آخر موجباً لعدم جوازه وهو يرتفع بالنذر تكويناً كما سيتّضح ذلك إن شاء اللّه تعالى.

وكيفما كان ، فإذا بنينا على صحّة النذر في القسم الأخير فالأمر في الأولين واضح ، إذ الإشكال فيهما لم يكن إلّا من ناحية جواز الإتيان بالمنذور قبل الواجب ، وإلّا فقد عرفت أنّ النذر فيهما منعقد في نفسه قطعاً ، فإذا بنينا على الصحّة هنا المستلزم لجواز إيقاع المنذور قبل الواجب مع الضيق ففيهما مع سعة الوقت بطريق أولى.

وأمّا إذا بنينا هنا على عدم الصحّة ، نظراً إلى اعتبار الرجحان اللازم حصوله قبل النذر ، المفقود في المقام ، لعدم كون العمل قابلاً للتقرّب بعد كونه مبغوضاً للمولى ، لكونه من التطوّع في وقت الفريضة المنهيّ عنه ، فهل الأمر في القسمين الأولين أيضاً كذلك فلا يصحّ الإتيان بالمنذور خارجاً قبل تفريغ الذمّة عن الفريضة وإن كان النذر في حدّ نفسه صحيحاً كما عرفت ، أو أنّه يصحّ؟

اختار الثاني في المتن ، نظراً إلى أنّه بعد فرض صحّة النذر فما يأتي به مصداقٌ للمنذور الذي هو محكوم بالوجوب وليس من التطوّع في شي‌ء ، فلا تشمله الأدلّة الناهية عن التطوّع في وقت الفريضة.

ولكن قد يناقَش فيه بأنّه بناءً على عدم الصحّة في القسم الأخير لا يصحّ ذلك في الأولين أيضاً ، لأنّ تعلّق النذر بالتطوّع قبل الفريضة لو كان ممنوعاً كما هو المفروض في هذا المبنى لم يكن ذلك مشمولاً للإطلاق أيضاً ، فلا محالة يتقيّد المنذور بالتطوّع المأتي به بعد الفريضة ، فلا بدّ من الإتيان بالواجب من باب المقدّمة ليتمكّن من الوفاء بالنذر. ومعه كيف يكون مصداقاً للواجب حتّى يقال : إنّه ليس بتطوّع؟!

.................................................................................................


وهكذا الحال في القسم الثاني ، فإنّ نذر اليوم المعيّن لا يمكن أن يشمل إطلاقه الإتيان به قبل الواجب ، بل لا بدّ من تقييده بما بعده ، فلو أتى به قبله لم يكن وفاءً للنذر.

وعلى الجملة : إذا كان تقييد النذر بالإتيان بالمنذور قبل الفريضة ممتنعاً كان الإطلاق أيضاً ممتنعاً ، فلا مناص من التقييد بالخلاف. ومن أجله لم يسغ له التقديم على الواجب.

أقول : هذه دعوى كبرويّة ، وهي استلزام استحالة التقييد استحالة الإطلاق ، قد تعرّضنا لها في الأُصول في بحث التعبّدي والتوصّلي وأنكرنا الاستلزام (1)بل قد يكون التقييد مستحيلاً والإطلاق ضروريّاً ، وقد ينعكس ، فلا ملازمة بين الإمكانين في شي‌ء من الطرفين ، لأنّ التقابل بين الإطلاق والتقييد ليس من تقابل العدم والملكة وإن أصرّ عليه شيخنا الأستاذ (قدس سره) (2)، وإنّما هو من تقابل التضادّ ، فإنّ معنى الإطلاق ليس هو الجمع بين القيود ولحاظها بأجمعها ، بل معناه رفض القيود برمّتها وعدم دخالة شي‌ء من الخصوصيّات في متعلق الحكم بحيث لو أمكن بفرض المحال وجود الطبيعة معرّاة عن كلّ خصوصيّة لكفى ، فالحاكم إمّا أن يلاحظ القيد أو يرفضه ولا ثالث.

وعلى تقدير تسليم كونه من تقابل العدم والملكة فالأمر أيضاً كذلك ، أي لا ملازمة بين الأمرين ، وإن اعتبرت معه قابليّة المحلّ فإنّ قابليّة كلّ شي‌ء بحسبه ، والقابليّة الملحوظة هنا نوعيّة لا شخصيّة ، وإلّا لاتّجه النقض بعدّة موارد ذكرنا أمثلتها في الأُصول كالعلم والجهل ، والغنى والفقر ، والقدرة والعجز ، فإنّ التقابل بين هذه الأُمور من العدم والملكة مع أنّ استحالة بعضها تستلزم ضرورة الآخر ،


1) محاضرات في أُصول الفقه 2 : 150.

2) أجود التقريرات 1 : 113 ، وانظر المحاضرات 2 : 150.

.................................................................................................


فإن علمنا بذات الباري مستحيل والجهل به ضروري ، وغنانا عنه تعالى مستحيل والفقر ضروري ، كما أنّ القدرة على الطيران ، إلى السماء مستحيل والعجز ضروري ، والحلّ ما عرفت من أنّ القابليّة النوعيّة كافية وإن تعذّرت الشخصيّة ، فإنّ علم الممكن بنوع المعلومات ممكن وإن كان علمه بشخص ذاته تعالى مستحيلاً ، وكذا الحال في سائر الأمثلة.

وعلى الجملة : فمعنى الإطلاق رفض القيود لا الجمع بينها.

وعليه ، فقد تعلّق النذر في المقام بطبيعي التطوّع غير الملحوظ فيه الوقوع قبل الواجب أو بعده بتاتاً ، ولا ريب أنّ هذا الطبيعي مقدور له وإن كان بعض أفراده غير مقدور قبل فعليّة النذر ، ضرورة أنّ الجامع بين المقدور وغير المقدور مقدور ، وبعد انعقاد النذر ينقلب غير المقدور إلى المقدور وينطبق عليه الطبيعي المنذور بطبيعة الحال ، إذ متعلّق النذر هو نفس الطبيعي لا المقيّد بما بعد الفريضة ، وبعد صحّة النذر يتّصف بالوجوب فيخرج عن كونه تطوّعاً في وقت الفريضة.

وبعبارة أُخرى : إذا لم يؤخذ قيد في متعلّق النذر كما هو الفرض وكان لا يشرط فبعد أن طرأ عليه وصف الوجوب خرج عن موضوع التطوّع في وقت الفريضة ، ومعه لا مانع من الإتيان به قبل الواجب بعد أن كان بنفسه مصداقاً للواجب.

نعم ، لو قلنا بأنّ استحالة التقييد تستلزم استحالة الإطلاق لأشكل الأمر ، إذ المنذور يتقيّد لا محالة بما بعد الفريضة ، فلا ينطبق على المأتي به قبلها.

فتحصّل من جميع ما سردناه : أنّ ما ذكره الماتن من جواز الإتيان بالمنذور قبل الفريضة هو الصحيح ، فإنّ الإطلاق مرجعه إلى رفض القيود لا الجمع بينها ، فمركز التكليف هو الطبيعي الجامع المنطبق على الأفراد الخارجيّة ، وما

.................................................................................................


يؤتى به خارجاً إنّما هو مصداق للطبيعي المأمور به ، وليس هو بنفسه واجباً ، ولا يستكشف وجوب الفرد بماله من الخصوصيّة حتّى بعد الانطباق ، لما عرفت من تعلّق الأمر بالكلّي الجامع ، فإذا فرضنا أنّ بعض أفراده لم يكن مقدوراً قبل النذر ولكنّه مقدور بعده ينطبق الطبيعي عليه بطبيعة الحال ، وقد عرفت أنّ الجامع بين المقدور وغير المقدور مقدور ، فإذا كان الجامع مقدوراً وتعلّق به النذر والمأمور به هو الطبيعي الملغى عنه كلّ خصوصيّة فهو لا محالة قابل للانطباق على ما يؤتى به بعدها بمناط واحد ، فإنّ الممنوع إنّما هو التطوّع ، وهذا وإن كان تطوّعاً قبل النذر ولكنّه ليس منه بعده بوجه ، فلا وجه لتقييد متعلّق النذر بما بعد الفريضة أبداً بعد أن لم يكن هناك مانع من التطبيق على كلّ منهما.

وأمّا الكلام في القسم الأخير أعني : ما لو تعلّق النذر بالتطوّع في يوم معيّن ولم يمكن إتيان الواجب قبله - : فالظاهر هو الانعقاد كما ذكره الماتن ، لا لما يتراءى من ظاهر عبارته من كفاية الرجحان الآتي من قبل النذر ، إذ قد عرفت ما فيه وأنّه غير قابل للتصديق بوجه ، بل لثبوت الرجحان في متعلّق النذر في نفسه ، غير أنّه مقترن بمانع يرتفع بعد النذر تكويناً.

وتوضيحه : أنّه قد يفرض تعلّق النذر بعنوان التطوّع بما هو تطوّع بحيث يكون الوصف العنواني ملحوظاً حين النذر ، فيجعل لله على نفسه أن يأتي خارجاً بما هو مصداق للتطوّع بالفعل.

وأُخرى : متعلّق بذات ما هو تطوّع في نفسه وإن كان الوصف مخلوعاً عنه فعلاً.

أمّا الأوّل : فهو نذر لأمرٍ مستحيل ، سواء كانت الذمّة مشغولة بالفريضة وكان عليه صوم واجب أم لا ، ضرورة أنّ المنذور يجب الوفاء به بعد انعقاد النذر ، فيتّصف فعلاً بصفة الوجوب بطبيعة الحال ، ومعه كيف يمكن الإتيان به

.................................................................................................


بالفعل على صفة التطوّع والاستحباب؟! فإنّ الوجوب والاستحباب متضادّان لا يمكن اجتماعهما بحدّهما في موضوع واحد.

فلو نذر الإتيان بنافلة الليل مثلاً على قيد الاستحباب الفعلي فهو نذر لأمر غير مقدور ، فلا ينعقد النذر في نفسه ، بل هو باطل ، فليس هذا الفرض محلّ كلامنا ، وهذا ظاهر جدّاً.

فلا مناص من فرض تعلّق النذر على الوجه الثاني أعني : تعلّقه بما هو تطوّع في ذاته ومع قطع النظر عن النذر فإنّ الصوم كذلك فإنّه عبادة في نفسه وجُنّة من النار ، كما أنّ الصلاة خير موضوع وقربان كلّ تقي ، فهو أمر عبادي وراجح في حدّ نفسه ، غير أنّ التصدِّي إلى هذه العبادة ممنوع ممّن عليه الفريضة ، لما دلّ على النهي عن التطوّع من مثل هذا الشخص.

ولكن الظاهر من دليل النهي اختصاصه بما هو تطوّع بالفعل ، لظهور القضايا بأسرها في الفعليّة ، فالممنوع هو الموصوف بالتطوّع فعلاً وحين الإتيان به خارجاً لا ما هو كذلك شأناً وذاتاً ، وبما أنّ النذر بوجوده الخارجي يزيل هذا الوصف تكويناً ويوجب قلب التطوّع فرضاً والندب وجوباً فأي مانع من انعقاده وصحّته بعد ارتفاع المانع بطبيعة الحال؟! غايته أنّ من عليه الفريضة قد أتى بما هو تطوّع في طبعه وفي حدّ نفسه ، وهذا غير مشمول لدليل النهي قطعاً حسبما عرفت آنفاً ، فإنّه مخصوص بالتطوّع الفعلي وهو منفي تكويناً.

وعلى الجملة : فلا منافاة بين متعلّق النذر وبين متعلّق دليل النهي ، ولا مصادمة بينهما بوجه.

والظاهر أنّ هذا هو مراد الماتن (قدس سره) وإن كانت العبارة قاصرة هنا وفي باب الصلاة ، فيكفي الرجحان حين العمل ، ولا يلزم الرجحان الفعلي حين النذر ، فلو كان راجحاً في نفسه آن ذاك مقروناً بمانع فعلي يزول تكويناً بالنذر

[2505] مسألة 4 : الظاهر جواز التطوّع بالصوم إذا كان ما عليه من الصوم الواجب استئجاريّاً (1) وإن كان الأحوط تقديم الواجب.


بحيث يتّصف النذر بالرجحان الفعلي حين الإتيان به خارجاً لكفى.

ونظير ذلك ما لو علم المريض من نفسه أنّه لو نذر صوم الغد يزول مرضه تكويناً بحيث يرتفع المانع بنفس وجود النذر خارجاً ، فهل ترى أن هناك مانعاً من انعقاد النذر وصحّته؟ كلّا ، فإنّه وإن لم يكن راجحاً فعلاً حين النذر لعدم مشروعيّة الصوم حال المرض ، إلّا أنّه راجح ذاتاً ، فإنّه جُنّة من النار ، والمفروض ارتفاع المانع بنفس النذر حسبما عرفت.

(1) بل لا ينبغي الإشكال فيه ، لانصراف نصوص المنع عن التطوّع ممّن عليه الفرض عن مثل المقام ، حتّى لو بنينا على التعدّي لمطلق الفرض ولو كان من غير قضاء رمضان ، لظهور قوله عليه السلام في صحيح الحلبي المتقدّم (1): «لا ، حتّى يقضي ما عليه من شهر رمضان» ، وكذا في رواية الكناني : «... وعليه شي‌ء من الفرض» (2)فيما إذا كان الصيام واجباً على المتطوّع بنفسه ، لا ما إذا وجب على الغير وكان الواجب على هذا تفريغ ذمّته بالنيابة عنه بمقتضى عقد الاستئجار ، فإنّ النائب يؤدي ما هو فرض غيره ، ولا يجب عليه بالاستئجار إلّا ذلك أي قصد النيابة عنه وإلّا فليس عليه صوم أبداً ، ومثله خارج عن منصرف النصوص المتقدّمة. ونحوه ما لو استأجره الولي أو الوصي احتياطاً فوجبت عليه النيابة بالاستئجار ، سواء كان الصيام واجباً واقعاً على المنوب عنه أم لا.


1) في ص 503.

2) المتقدّمة في ص 504.

.................................................................................................


وعلى الجملة : بناءً على التعدّي فإنّما يتعدّى إلى موردٍ يكون الصوم واجباً على نفس المتطوّع ، وأمّا إذا لم يكن الصوم صومه وإن وجب عليه الإتيان بصوم شخص آخر فالدليل منصرف عنه جزماً ، فلا ينبغي التأمّل في جواز التطوّع من الأجير كما ذكرناه في المتن.

هذا تمام الكلام في شرائط صحّة الصوم ، ويقع الكلام بعد ذلك في شرائط وجوب الصوم إن شاء اللّه تعالى.

والحمد لله أوّلاً وآخراً وظاهراً وباطناً ، وصلّى اللّه على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطاهرين. واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.

حرّره بيمناه الداثرة شرحاً على العروة الوثقى تقريراً لأبحاث سيّدنا الأُستاذ زعيم الحوزة العلميّة ومرجع الطائفة فخر الشيعة ومحيي الشريعة المحقّق الأوحديّ ، سماحة آية اللّه العظمى السيّد أبو القاسم الموسوي الخوئي متّع اللّه الإسلام والمسلمين بطول بقائه الشريف ، تلميذه الأقل العبد الجاني الفاني مرتضى خلف العلّامة الفقيه الورع الثبت سماحة آية اللّه الكبرى الحاج الشيخ علي محمّد البروجردي النجفي (دام ظلّه) ، في جوار القبّة العلوية على مشرّفها آلاف الثناء والتحيّة.

وكان الفراغ في يوم الأحد الخامس من شهر ربيع الثاني سنة 1394 ه.

فهرس الموضوعات

فهرس الموضوعات

الموضوع / الصفحة

الصّوم

وجوب الصوم في الشريعة الإسلامية المقدسة...

إفطار العالم العامد غير المستحل... 5

فصل في النية... 10 - 91

وجوب القصد مع القربة والإخلاص في الصوم كسائر العبادات... 10

اعتبار القصد إلى نوع الصوم... 11

كفاية قصد الصوم في شهر رمضان وإن لم ينو كونه منه... 15

هل يصح صيام غير شهر رمضان فيه؟... 19

حكم المتوخي ، أي المحبوس الذي اشتبه عليه شهر رمضان وعمل بالظن... 22

عدم اشتراط جملة من الأمور ، لعدم دخلها في مسمى الطاعة في تحقق العبادة... 23

حكم ما لو قصد صوم اليوم الأول من شهر رمضان فبان أنه اليوم الثاني أو العكس... 26

عدم وجوب العلم بالمفطرات على التفصيل... 27

هل يكفي في النائب عن الغير قصد الصوم بدون نية النيابة؟... 28

وجوب تعلق قصد الوفاء في الصوم المنذور... 30

لو نذر صوم يوم معين فاتفق ذلك اليوم في أيام البيض... 35

تعدد الجهات في صوم يوم واحد... 36

آخر وقت نية الصوم في الواجب المعين... 37

آخر وقت نية الصوم في الواجب غير المعين... 46

آخر وقت نية الصوم في المندوب... 54

حكم ما لو نوى الصوم ليلا ثم نوى الإفطار ثم بدا له الصوم قبل الزوال... 57

عدم ضرر الإتيان بالمفطر قبل الفجر بعد نية الصوم ليلا مع بقاء العزم... 60

جواز الاجتزاء بنية واحدة لشهر رمضان كله ، وفي غيره لا بد من نية لكل يوم... 61

نية صوم يوم الشك وحكمه... 65

وجوه في صوم يوم الشك... 74

حكم ما لو أصبح يوم الشك بنية الإفطار ، ثم بان أنه من شهر رمضان... 79

حكم ما لو صام يوم الشك بنية أنه من شعبان... 81

حكم ما لو نوى القطع أو القاطع في الصوم الواجب المعين والفرق بينهما... 84

عدم اعتبار معرفة مفهوم الصوم وحقيقته التفصيلية في تحقق العبادة... 88

عدم جواز العدول من صوم إلى صوم في الأثناء... 88

فصل فيما يجب الإمساك عنه... 92 - 264

الأول والثاني : الأكل والشرب... 92

عدم الفرق في مفطرية الأكل والشرب بين ما كان من الطريق المتعارف وما كان من غيره       92

عدم الفرق في المأكول والمشروب بين المعتاد منهما وغير المعتاد... 93

عدم الفرق في مفطرية المأكول والمشروب بين القليل والكثير... 98

حكم ابتلاع ما يخرج من بقايا الطعام من بين أسنانه... 102

هل يجب التخليل بعد الأكل لمن يريد الصوم؟... 103

حكم ابتلاع الصائم البصاق إن كان كثيرا مجتمعا... 104

حكم ابتلاع ما يخرج من الصدر من الخلط وما ينزل من الرأس (النخامة)... 107

صدق الأكل والشرب وإن كان بالنحو غير المتعارف... 109

لو أنفذ الرمح أو السكين أو نحوهما بحيث يصل إلى الجوف متعمدا... 111

الثالث : الجماع وإن لم ينزل... 111

هل يتحقق الجماع بإدخال الحشفة أو مقدارها من مقطوعها؟... 113

بطلان الصوم بالجماع سواء قصد الإنزال أو لم يقصد... 116

حكم الإيلاج في غير أحد الفرجين... 117

هل يضر ادخال الإصبع ونحوه في أحد المخرجين؟... 117

حكم الجماع إذا كان نائما أو كان مكرها بحيث خرج عن اختياره... 117

هل يبطل الصوم إذا قصد التفخيذ فدخل في أحد الفرجين؟... 118

حكم ما لو دخل الرجل بالخنثى ، والخنثى بالأنثى ، والخنثى بالخنثى لو جامع نسيانا أو من غير اختيار   120

حكم ما لو شك في الدخول أو بلوغ مقدار الحشفة... 120

الرابع : الاستمناء... 121

هل يجوز النوم لمن علم من نفسه أنه لو نام نهار شهر رمضان يحتلم؟... 124

لو استبرأ المحتلم في نهار شهر رمضان... 125

تقديم الاستبراء على الاغتسال لمن احتلم في نهار شهر رمضان... 128

لو قصد الإنزال بإتيان شيء ولكن لم ينزل... 128

حكم ما لو أوجد بعض هذه الأفعال لا بنية الإنزال لكن كان من عادته الإنزال... 129

الخامس : تعمد الكذب على اللّه تعالى أو رسوله أو الأئمة صلوات اللّه عليهم... 131

مناقشات المشهور حول نصوص الكذب... 133

المناط في صدق عنوان الكذب... 139

إلحاق باقي الأنبياء والأوصياء بنبينا (صلى اللّه عليه آله)... 141

حكم ما لو تكلم بالخبر غير موجه خطابه إلى أحد أو موجها إلى من لا يفهم معناه... 143

صدق عنوان الكذب يعم الإشارة وغيرها... 143

حكم الكذب غير الصريح... 144

هل الرجوع عن الكذب والتوبة تنفع في رفع البطلان؟... 144

عدم الفرق في بطلان الصوم بين الخبر المكذوب كونه مكتوب في كتاب من كتب الأخبار أو لا          145

حكم الكذب على الفقهاء والمجتهدين والرواة... 148

حكم ما لو اضطر إلى الكذب في مقام التقية... 148

حكم ما لو قصد الكذب فبان صدقا وبالعكس... 150

السادس : الغبار الغليظ... 150

إلحاق البخار الغليظ ودخان التنباك ونحوه بالغبار الغيظ... 158

السابع : الارتماس في الماء... 160

مفطرية رمس الرأس في الماء... 165

عدم الفرق بين أن يكون الرمس دفعة أو تدريجا... 166

الرأس في العرف واللغة... 167

جواز رمس الرأس أو تمام البدن في سائر المائعات غير الماء... 167

حكم ما لو لطخ رأسه بما يمنع من وصول الماء إليه ثم رمسه في الماء... 169

حكم إدخال الرأس أو تمام البدن في النهر المنصب من عال إلى السافل... 170

حكم ارتماس ذي الرأسين... 171

مسائل في مفطرية الارتماس... 173

الثامن : البقاء على الجنابة... 185

هل يقدح البقاء على الجنابة في الصوم المندوب والواجب من غير شهر رمضان وقضائه؟ 191

حكم الإصباح جنبا من غير عمد... 193

حكم الإصباح جنبا نائما بعد العلم بالجنابة... 195

حكم الإجناب قبل الفجر متعمدا في زمان لا يسع الغسل ولا التيمم... 198

حكم الإجناب قبل الفجر متعمدا في زمان لا يسع إلى التيمم... 198

حكم البقاء عمدا على حدث الحيض والنفاس إلى طلوع الفجر... 200

حكم صوم المستحاضة... 206

حكم نسيان غسل الجنابة ليلا قبل الفجر حتى مضى عليه يوم أو أيام... 211

عدم إلحاق غسل الحيض والنفاس لو نسيتهما بالجنابة في ذلك... 213

حكم ما لو كان المجنب ممن لا يتمكن من الغسل لفقد الماء أو لغيره... 214

هل يجب على من تيمم بدلا عن الغسل أن يبقى مستيقظا حتى يطلع الفجر؟... 217

هل يجب المبادرة إلى الغسل فورا على من أجنب في النهار بالاحتلام أو نحوه؟... 217

هل يختص القدح في الإصباح جنبا بالقضاء الموسع أو يعم المضيق أيضا؟... 218

لو نام المجنب ليلا في شهر رمضان... 219

حكم النومة الأولى... 224

حكم النونة الثانية... 226

حكم النونة الثالثة... 231

مسائل في النوم بعد الجنابة... 233

وجوه في كيفية تصوير وجوب المقدمة قبل الوقت... 236

فاقد الطهورين يسقط عنه اشتراط رفع الحدث للصوم... 239

عدم قادحية مس الميت في صحة الصوم... 240

حكم ما لو ظن سعة الوقت فأجنب نفسه فتين ضيقه... 240

التاسع : الحقنة بالمائع... 241

عدم مفطرية الاحتقان بالمائع ما لم يصعد إلى الجوف... 245

جواز الاحتقان بما يشك في كونه جامدا أو مائعا... 245

العاشر : تعمد القيء... 247

حكم ما لو وصل بالتجشؤ شيء إلى فضاء الفم ثم بلعه... 251

حكم ما لو ابتلع في الليل ما يجب عليه قيؤه في النهار... 255

هل يبطل صوم من أكل في الليل ما يعلم أنه يوجب القيء في النهار من غير اختيار؟ 257

مسائل في القيء... 258

فصل في اعتبار العمد والاختيار في الإفطار... 265 - 292

تناول المفطر سهوا لا يوجب البطلان من غير فرق بين أقسام الصوم... 269

عدم الفرق في البطلان مع العمد بين الجاهل بقسميه والعالم... 269

عدم الفرق في البطلان مع العمد بين المكره وغيره... 275

حكم ما لو أكل ناسيا فظن فساد صومه فأفطر عامدا... 277

حكم ما لو أفطر تقية من ظالم... 279

هل يجوز للصائم شرب الماء إذا خاف الهلاك من العطش؟... 287

لو ذهب الصائم إلى مكان يعلم اضطراره فيه إلى الإفطار... 290

الجمع نسيانا لا يبطل الصوم... 291

فصل في ما يجوز ارتكابه للصائم... 293 - 301

مضغ الصائم العلك... 294

جلوس الصائم في الماء ما لم يرتمس... 296

لبس الصائم الثوب المبلول... 297

السواك باليابس والرطب... 300

استهلاك الدم وغيره من المحرمات والمحللات في ريق الصائم... 301

فصل في ما يكره للصائم... 302 - 304

ما يكره للصائم ارتكابه... 302

فصل في كفارة الصوم... 305 - 412

المفطرات كما أنها موجبة للقضاء كذلك توجب الكفارة... 305

هل تجب الكفارة على الجاهل؟... 307

أقسام وجوب الكفارة :... 310

أولا : كفارة صوم شهر رمضان... 310

كفارة الإفطار على محرم... 314

ثانيا : كفارة صوم قضاء شهر رمضان... 320

ثالثا : كفارة صوم النذر المعين... 327

رابعا : كفارة صم الاعتكاف... 334

أقوال في تكرر الكفارة بتكرر الموجب في يوم واحد... 340

هل تتكرر الكفارة بتكرر الجماع؟... 341

عدم الفرق في الإفطار بالمحرم الموجب لكفارة الجمع... 343

الكذب على اللّه وعلى رسوله (صلى اللّه عليه وآله) من الإفطار بالمحرم... 343

حكم ما لو تعذر بعض الخصال في كفارة الجمع... 345

حكم الأكل في مجلس واحد مع تعدد اللقم... 346

هل تكفي كفارة واحدة لمن أفطر بغير الجماع ثم جامع؟... 347

حكم من أفطر أولا بالحلال ثم بالحرام... 348

حكم ما لو علم أنه أفطر أياما ولم يدر عددها... 349

الشك في أن الإفطار بالمحلل كان أو بالمحرم... 351

الشك في أن الإفطار كان من أيام شهر رمضان أو من قضائه... 351

حكم من أفطر متعمدا ثم سافر بعد الزوال أو قبله... 355

حكم إفطار يوم الشك... 361

حكم من جامع زوجته في شهر رمضان وهما صائمان مكرها لها أو مطاوعة له... 362

حكم ما لو جامع الصائم زوجته الصائمة في النوم... 371

إكراه الزوجة زوجها على الجماع... 372

هل تلحق الأمة والأجنبية بالزوجة إذا أكرهها على الجماع وهما صائمان؟... 373

حكم إكراه غير الصائم زوجته الصائمة على الجماع... 374

لو عجز عن الخصال الثلاث في كفارة مثل شهر رمضان... 378

حكم من تمكن من الكفارة بعد العجز عنها... 383

جواز التبرع بالكفارة عن الميت وأما الحي ففيه كلام... 384

هل يعتبر في العتق والإطعام أن يكونا من خالص ماله؟... 385

هل يعتبر التصدي للعتق أو الإطعام مباشرة أو يجوز التوكيل فيهما؟... 386

حكم التبرع عن الغير في الكفارة... 388

عدم تكرر الكفارة إذا لم يؤدها حتى مضت عليه سنين... 391

جواز تأخير الكفارة ما لم يصل إلى حد التهاون والإهمال... 392

عدم بطلان الصوم بالإفطار على الحرام بعد المغرب... 394

مصرف كفارة الإطعام... 394

مقدار ما يعطى كل فقير من الكفارة... 395

عدم الفرق في الإطعام وفي إعطاء المد بين أنواع الطعام... 398

لزوم اعتبار البلوغ ولا الرجولة في الفقير... 399

جواز السفر في شهر رمضان من غير حاجة... 406

مقدار المد... 411

فصل في موارد وجوب القضاء دون الكفارة... 413 - 444

الأول : النوم الثاني بل الثالث... 413

الثاني : إبطال الصوم بالإخلال بالنية... 413

الثالث : نسيان غسل الجنابة ومضي يوم عليه أو أيام... 414

الرابع : فعل المفطر قبل مراعاة الفجر ثم ظهر سبق طلوعه... 414

الخامس : الأكل تعويلا على من أخبر ببقاء الليل... 422

السادس : الأكل لزعمه سخرية المخبر بطلوع الفجر... 423

السابع : الإفطار تقليدا لمن أخبر بدخول الليل... 423

الثامن : الإفطار لظلمة أوجبت القطع بحصول الليل فبان خطأه... 425

حكم تناول المفطر مع الشك في طلوع الفجر... 433

جواز فعل المفطر ولو قبل الفحص ما لم يعلم طلوع الفجر ولم يشهد به البينة... 439

التاسع : إدخال الماء في الفم للتبرد فسبقه ودخل الجوف... 439

لو تمضمض لوضوء الصلاة فسبقه الماء ودخل الجوف... 442

كراهة المبالغة في المضمضة... 444

عدم جواز التمضمض مطلقا مع العلم بسبق الماء... 444

العاشر : سبق المني بالملاعبة أو الملامسة... 444

فصل : في الزمان الذي يصح فيه الصوم... 445 - 451

وجوب إمساك جزء من الليل في كل من الطرفين لحصول الجزم بتحقق المأمور به... 447

استحباب تأخير الإفطار حتى يصلي العشاءين... 449

عدم شروع الصوم في الليل... 451

فصل في شرائط صحة الصوم... 452 - 516

الأول : الإسلام والإيمان... 452

الثاني : العقل... 455

الثالث : عدم الإصباح جنبا أو على حدث الحيض والنفاس... 457

الرابع : الخلو من الحيض والنفاس في مجموع النهار... 457

الخامس : أن لا يكون مسافرا... 460

مواضع استثنيت من الصوم في السفر... 462

الصوم المندوب في السفر... 469

صيام المسافر الجاهل بالحكم... 473

هل يلحق صيام المسافر الناسي بالجاهل بالحكم؟... 476

حكم المسافر في نهار شهر رمضان... 476

السادس : عدم المرض أو الرمد... 485

العبرة بالضرر لا بالمرض... 489

لو ترك الصيام بعروض واجب آخر أهم منه... 491

عدم كفاية الضعف في سقوط الصوم... 494

حكم ما لو صام بزعم عدم الضرر فبان الخلاف... 496

لو صام مع علم من نفسه عدم الضرر بعد حكم الطبيب بأن الصوم يضره... 499

صحة صوم النائم في تمام النهار مع سبق النية منه في الليل... 500

صحة الصوم وسائر العبادات من الصبي المميز... 501

اشتراط صحة الصوم المندوب أن لا يكون عليه صوم واجب... 503

حكم ما لو نسي الواجب وأتى بالمندوب... 507

نذر التطوع ممن عليه الفرض... 509

جواز التطوع بالصوم لمن كان عليه الصوم الواجب استئجاريا... 516

الخاتمة... 517

فهرس الموضوعات... 519 - 532

الصورة

533-21

الصورة

534-21

الصورة

535-21

الصورة

536-21

الصورة

537-21

الصورة

538-21

الصورة

539-21

الصورة

540-21