موسوعة الإمام الخوئی جلد 19

ghaemiyeh.com

هوية الكتاب

سرشناسه : خوئی، سید‌ابوالقاسم، 1278 - 1371.

عنوان و نام پديدآور : المستند في شرح‌العروة‌الوثقی/ [محمدکاظم یزدی]؛ تقریرا الابحاث ابوالقاسم الموسوی‌الخوئی؛ تالیف مرتضی البروجردی.

مشخصات نشر : قم: موسسه احیاء آثارالامام‌الخوئی (قدس)، 14ق.= 20م.= 13.

مشخصات ظاهری : ج.

فروست : موسوعه‌الامام‌الخوئی.

شابک : ج.11، چاپ دوم: 964-6812-44-9 ؛ ج. 11، چاپ سوم: 964-6812-43-0 ؛ ج. 12، چاپ سوم: 964-6812-44-9 ؛ ج. 13، چاپ سوم: 964-6812-46-X ؛ ج. 14: 964-6812-50-3 ؛ ج. 15: 964-6812-53-8 ؛ ج. 16، چاپ سوم 964-6337-00-4 : ؛ ج. 17، چاپ سوم: 964-6337-04-7 ؛ ج. 18، چاپ سوم: 964-6337-03-9 ؛ ج. 19، چاپ سوم 964-6337-02-0 :

وضعیت فهرست نویسی : برون سپاری

يادداشت : عربی.

يادداشت : کتاب حاضر قبلا تحت عنوان "مستندالعروه‌الوثقی" به چاپ رسیده است.

يادداشت : فهرست‌نویسی بر اساس جلد یازدهم: 1421ق. = 2000م. = 1379.

يادداشت : ج.11( چاپ دوم: 1426ق.= 2005م.= 1384).

يادداشت : ج. 11 -18 (چاپ سوم : 1428ق. =2007م. = 1386).

يادداشت : ج.14 (چاپ سوم:1421ق.= 1379).

يادداشت : ج.30 (چاپ؟: 1422 ق. = 1380).

يادداشت : ج.30 (چاپ سوم: 1428ق. = 2007م. = 1386).

يادداشت : عنوان عطف: شرح عروه‌الوثقی.

یادداشت : کتابنامه.

مندرجات : ج.11 الصلاه.-ج.30. الاجاره.

عنوان عطف : شرح عروه‌الوثقی.

عنوان دیگر : العروه‌الوثقی. شرح.

عنوان دیگر : شرح‌العروه‌الوثقی.

موضوع : یزدی، سیدمحمدکاظم بن عبدالعظیم، 1247؟ - 1338؟ ق . عروه‌الوثقی -- نقد و تفسیر

موضوع : فقه جعفری -- قرن 14

شناسه افزوده : یزدی، سیدمحمدکاظم‌بن عبدالعظیم، -1253 1338؟ق.

شناسه افزوده : بروجردی، مرتضی، 1377-1308.

شناسه افزوده : موسسه احیاء آثار الامام الخوئی (ره)

رده بندی کنگره : BP183/5/ی4ع4021377 1300 ی الف

رده بندی دیویی : 297/342

شماره کتابشناسی ملی : م‌79-21167

المحرّر الرّقمي: محمّد علي ملك محمّد

اطلاعات رکورد کتابشناسی : ركورد كامل

المؤلف: الشيخ مرتضى البروجردي

الناشر: مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي قدّس سرّه

الطبعة: 3

الموضوع : الفقه

تاريخ النشر : 1421 ه.ق

ISBN (ردمك): 469-6337-02-0

المكتبة الإسلامية

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ

وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَی سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ

وَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَی أَعْدَائِهِم أَجْمَعِينَ

مِنَ الآنِ إِلَی قِيَامِ يَومِ الدِّينْ

اشارة

الْمُسْتَنَدُ فِي شَرْحِ العُرْوَةِ الوُثْقَی

الْمُسْتَنَدُ فِي شَرْحِ العُرْوَةِ الوُثْقَی

تقرير الإبحاث

الأستاذ الأعظم سماحة آية اللّه العظمی السيد أبوالقاسم الموسوي الخوئي قدس سره

«1317 - 1413 ه»

الصلاة

تأليف: آية اللّه الشهيد الشيخ مرتضی البروجردي قدس سره

طبعة منقحة

مؤسسة الخوئي الإسلامية

جميع الحقوق محفوظة ومسجّلة لمؤسسة الخوئي الإسلامية

الجزء التاسع عشر

الناشر: مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي قدس سره

(مؤسسة الخوئي الإسلامية)

هاتف: 2932264 251 98+ - 1530367 912 98+

تاريخ الطبع: 1430 ه ، 2009 م

المطبعة: نينوي

الطبعة: الرابعة

عدد النسخ: 1000 دورة

0 - 02 - 6337 - 964 : ISBN

Email:info@alkhoei.net

www.alkhoei.com

www.alkhoei.net

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد وآله الطيِّبين الطاهرين الغرّ الميامين.

وبعد، فهذا هو الجزء السابع من كتاب الصلاة من «مستند العروة الوثقی» قدّمناه للطباعة، حامدين مصلّين راجين من فضله تعالی التوفيق لإنهاء بقيّة الأجزاء، إنّه وليّ التوفيق والسّداد.

فصل في الشكوك التي لا اعتبار بها ولا يلتفت إليها

وهي في مواضع :

الأوّل : الشكّ بعد تجاوز المحل (1) ، وقد مرّ تفصيله (2).

الثاني : الشكّ بعد الوقت سواء كان في الشروط أو الأفعال أو الركعات أو في أصل الإتيان (3) وقد مرّ الكلام فيه أيضاً.


(1) لقاعدة التجاوز الحاكمة على الاستصحاب.

(2) في المسألة العاشرة من فصل الشك (1)وفي مطاوي الأبحاث السابقة.

(3) أي من غير فرق بين تعلّقه بأصل الصلاة أم بخصوصيّاتها من الشرائط والأفعال والركعات ، لقاعدة الحيلولة التي لا قصور في شمول دليلها للكل المطابقة لما تقتضيه القاعدة الأوّلية مع قطع النظر عمّا دلّ على أنّ الوقت حائل (2)من أصالة البراءة عن القضاء ، الّذي هو بأمر جديد حادث بعد خروج الوقت وسقوط الأمر الأوّل بانتهاء أجله ، للشك في تعلّقه من أجل


1) شرح العروة 18 : 130 وما بعدها.

2) الوسائل 4 : 282 / أبواب المواقيت ب 60 ح 1.

الثالث : الشكّ بعد السلام الواجب (1) وهو إحدى الصيغتين الأخيرتين سواء كان في الشرائط أو الأفعال أو الركعات ، في الرباعية أو غيرها بشرط أن يكون أحد طرفي الشك الصحّة ، فلو شكّ في أنّه صلّى ثلاثاً أو أربعاً أو خمساً بنى على أنّه صلّى أربعاً ، وأمّا لو شكّ بين الاثنتين والخمس والثلاث والخمس بطلت ، لأنّها إمّا ناقصة ركعة أو زائدة ، نعم لو شكّ في المغرب بين الثلاث والخمس أو في الصبح بين الاثنتين والخمس يبني على الثلاث في الأُولى والاثنتين في الثانية ، ولو شكّ بعد السلام في الرباعية بين الاثنتين والثلاث بنى على الثلاث ، ولا تسقط عنه صلاة الاحتياط لأنّه يعدّ في الأثناء ، حيث إنّ السلام وقع في غير محلّه ، فلا يتوهّم أنّه يبني على الثلاث ويأتي بالرابعة من غير أن يأتي بصلاة الاحتياط لأنّه مقتضى عدم الاعتبار بالشكّ بعد السلام.


الشك في تحقّق موضوعه وهو الفوت بعد أن لم يمكن إثباته بأصالة عدم الإتيان في الوقت ، وقد مرّ البحث حول ذلك مستقصى في مطاوي مسائل حكم الشك (1).

(1) لكونه من الشكّ بعد الفراغ ، ومنه تعرف أنّ السلام لا خصوصية له ، بل المدار على صدق الفراغ والخروج والمضي عن الصلاة الأعم من الصحيحة والفاسدة مضياً حقيقياً واقعياً لا اعتقادياً بنائياً الّذي ربما يتحقّق بغير ذلك كما لو عرض الشكّ المزبور بعد ارتكاب المنافي وإن كان شاكّاً في أصل السلام.

وكيف ما كان ، فيشترط في عدم الاعتناء أن يكون أحد طرفي الشكّ الصحّة كالشك بين الثلاث والأربع والخمس مثلاً بحيث يحتمل معه وقوع السلام على


1) شرح العروة 18 : 112.

الرابع : شكّ كثير الشك (1) وإن لم يصل إلى حدّ الوسواس ، سواء كان في


التمام ، دون مثل الشكّ بين الثلاث والخمس ، الّذي يعلم معه بالزيادة أو النقصان ووقوع السلام في غير محلّه جزماً ، فهو بمثابة الشكّ بينهما العارض قبل التسليم بل هو بعينه حقيقة ، لكون السلام الواقع في غير محلّه في حكم العدم.

ومعلوم أنّ مثله محكوم بالبطلان ، لا لأجل النقص أو الزيادة ليقال بإمكان تتميم النقص بركعة ودفع الزيادة المحتملة بالأصل ، بل لأجل نفس الشكّ بين الثلاث والخمس غير المنصوص على صحّته ، فيشمله إطلاق قوله (عليه السلام) في صحيحة صفوان : «إن كنت لا تدري كم صلّيت ولم يقع وهمك على شي‌ء فأعد الصلاة» (1)كما مرّ التعرّض له في محلّه (2).

وممّا ذكرنا تعرف أنّه لو شكّ بعد السلام في الرباعية بين الاثنتين والثلاث بنى على الثلاث وأتى بركعة الاحتياط ، إذ بعد الجزم بعدم وقوع السلام في محلّه فهو بعدُ في الأثناء ، فيلحقه حكم الشكّ بينهما من البناء على الثلاث والإتيان بالرابعة ثمّ بركعة مفصولة.

فدعوى عدم الحاجة إلى الأخيرة لكونه مقتضى عدم الاعتناء بالشكّ بعد السلام ساقطة كما نبّه عليه في المتن ، لما عرفت من كونه من الشك في الأثناء بعد زيادة السلام ووقوعه في غير محلّه ، وعليه فاللّازم الإتيان بسجدتي السهو بعد ركعة الاحتياط من أجل السلام الزائد كما هو ظاهر.

(1) بلا خلاف فيه ولا إشكال ، للنصوص الدالّة عليه كما ستعرف ، التي مفادها


1) الوسائل 8 : 225 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 15 ح 1.

2) [أُشير إليه في شرح العروة 18 : 175 176 وغيره].

الركعات أو الأفعال أو الشرائط ، فيبني على وقوع ما شكّ فيه وإن كان في محلّه إلّا إذا كان مفسداً فيبني على عدم وقوعه ، فلو شكّ بين الثلاث والأربع يبني على الأربع ، ولو شكّ بين الأربع والخمس يبني على الأربع أيضاً ، وإن شكّ أنّه ركع أم لا يبني على أنّه ركع ، وإن شكّ أنّه ركع ركوعين أم واحداً بنى على عدم الزيادة (1)، ولو شكّ أنّه صلّى ركعتين أو ثلاثاً ، بنى على أنّه صلّى ركعتين وهكذا.


المضي في الصّلاة وعدم الاعتناء بالشكّ ، ومرجع ذلك إلى إلغاء الكلفة الناشئة من قبل الشكّ التي تختلف حسب اختلاف الموارد. فقد تكون الكلفة هي الإعادة كما في الشكوك الباطلة ، وقد تكون هي الإتيان أمّا بالجزء المشكوك فيه كما في الشكّ العارض في المحلّ ، أو بغيره من ركعة الاحتياط أو سجدة السهو كما في الشكوك الصحيحة ونحوها. فهذه الأحكام الثابتة للشكّ بالإضافة إلى الأشخاص العاديين مُلغاة عن كثير الشكّ ، وتلك الكلفة مرتفعة.

ونتيجة ذلك أنّه يبني على وقوع المشكوك فيه ما لم يكن مُفسداً ، وإلّا فعلى عدمه. فهو دائماً مأمور بالأخذ بالاحتمال المصحّح وما لا كلفة فيه من أحد طرفي الشكّ.

فلو شكّ في الركوع بنى على الإتيان وإن كان في المحل ، ولو شكّ بين الثنتين والثلاث بنى على الثنتين في الثنائية ، وعلى الثلاث في الرّباعية من غير حاجة إلى ركعة الاحتياط ، ولو شكّ بين الأربع والخمس بنى على الأربع من غير حاجة إلى سجدة السّهو ، ولو شكّ بين الأربع والست بنى على الأربع وهكذا.


1) لا يختصّ البناء على ذلك بكثير الشكّ.

.................................................................................................


فمن جملة تلك النصوص صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السّلام) قال : «إذا كثر عليك السهو فامض على صلاتك ، فإنّه يوشك أن يدعك ، إنّما هو من الشيطان» (1).

فإنّها كالصريح في المطلوب بعد وضوح أنّ المراد بالسهو هو الشكّ ، الّذي يطلق عليه كثيراً في لسان الأخبار (2).

ومنها : صحيحة زرارة وأبي بصير جميعاً قالا «قلنا له : الرّجل يشكّ كثيراً في صلاته حتّى لا يدري كم صلّى ولا ما بقي عليه ، قال : يعيد ، قلنا : فإنّه يكثر عليه ذلك ، كلّما أعاد شكّ ، قال : يمضي في شكّه. ثمّ قال : لا تعوّدوا الخبيث من أنفسكم نقض الصلاة فتطمعوه ، فانّ الشيطان خبيث معتاد لما عوّد ، فليمض أحدكم في الوهم ولا يكثرنّ نقض الصلاة ، فإنّه إذا فعل ذلك مرّات لم يعد إليه الشك. قال زرارة : ثمّ قال : إنّما يريد الخبيث أن يطاع ، فاذا عصي لم يعد إلى أحدكم» (3).

وقد وقع الكلام في فقه الحديث من حيث الجمع بين الصدر والذيل ، حيث حكم (عليه السلام) أوّلاً على من يشكّ كثيراً بالإعادة ، وحكم أخيراً على من يكثر عليه بعدمها والمضي على الشك.

ولا ينبغي الشك في أنّ المراد بالموضوع في أحد الحكمين غير ما هو المراد في الحكم الآخر. ولا يبعد أن يراد في الأوّل من يكثر عدد شكّه بالإضافة إلى الأفراد العاديين وإن لم يبلغ مرتبة كثير الشكّ بالمعنى المصطلح المحكوم عليه


1) الوسائل 8 : 227 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 16 ح 1.

2) الوسائل 8 : 240 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 24 ح 1 ، 243 / ب 25 ح 1 ، وغيره.

3) الوسائل 8 : 228 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 16 ح 2.

.................................................................................................


بعدم الاعتناء.

وتوضيحه : أنّ الكثرة والقلّة كالكبر والصغر ليست من الأُمور الواقعية التي لها تقرّر في حدّ ذاتها ، وإنّما يتّصف الشي‌ء بهما عند ملاحظته مع شي‌ء آخر ولدي المقايسة بينهما ، فهي من الصفات الإضافية كالفوقيّة والتحتيّة.

فالجسم الواحد كبير بالإضافة إلى ما هو أصغر منه حجماً ، وهو بنفسه صغير بالنسبة إلى الأكبر منه ، كما أنّ كمِّيّة خاصّة من المال مثلاً كثيرة بالقياس إلى ما دونها وقليلة بالإضافة إلى ما فوقها ، ولا يصحّ توصيف شي‌ء بالكثرة والقلّة أو الكبر والصغر بقول مطلق من غير ملاحظته مع شي‌ء آخر.

وعليه فاذا فرضنا أنّ أحداً يشكّ في الشهر عشر مرّات مثلاً أو عشرين فهو كثير الشك بالإضافة إلى الأفراد العاديين الّذين لا يشكّون كما هو الغالب أو في الشهر مرّة أو مرّتين ، وإن لم يكن هذا بالغاً درجة كثير الشك بالمعنى الاصطلاحي المفسّر بمن لا تمرّ عليه ثلاث صلوات إلّا ويشكّ في إحداها ، فهو بالإضافة إليه من قليل الشك ، ووظيفته الإعادة كما حكم (عليه السلام) أوّلاً إذ الشكّ في عدد الركعات بحيث لم يدر كم صلّى موجب للبطلان كما مرّ سابقاً (1).

فلا منافاة بينه وبين نفي الإعادة في الجواب عن السؤال الثاني المفروض فيه كثرة الشك ، بحيث كلّما أعاد شكّ ، الّذي هو من كثير الشك بالمعنى المصطلح. فالمراد بالكثرة في أحد السؤالين غير ما هو المراد بها في السؤال الثاني.

واستظهر صاحب الحدائق (قدس سره) (2)أن يكون المراد بالكثرة في السؤال الأوّل كثرة أطراف الشكّ ومحتملاته ، بأن تردّدت بين الواحدة والثنتين


1) شرح العروة 18 : 177.

2) الحدائق 9 : 289.

.................................................................................................


والثلاث والأربع وهكذا ، وإن كان في نفسه شكّاً واحداً. فالتكثّر باعتبار متعلّق الشك لا أفراده ، بقرينة قوله : «حتّى لا يدري كم صلّى ولا ما بقي عليه» ثمّ لمّا راجعه السائل بقوله : «فإنّه يكثر عليه ذلك» أمره بما هو الحكم في كثير الشك من المضي وعدم الالتفات ، لدخوله بكثرة ذاك الشكّ وتكرّر أفراده تحت عنوان كثير الشك ، فيشمله حكمه.

لكنّ الأظهر ما ذكرناه ، فانّ المتبادر من قولهما «قلنا له : الرجل يشكّ كثيراً في صلاته ...» إلخ أنّ الكثرة وصف لنفس الشك لا لمتعلّقه ، فيكون ظاهراً في كثرة الأفراد لا كثرة الأطراف كما لا يخفى.

وكيف ما كان ، فمورد الصحيحة كثرة الشكّ في عدد الركعات لا في غيرها من الأجزاء ونحوها ، كما أنّ موردها خصوص الشكّ المبطل ، ولا يعمّ الشكوك الصحيحة المتعلّقة بالركعات. فهي أخص من المدّعى.

بل يمكن أن يقال بخروجها عمّا نحن فيه ، إذ المفروض فيها بلوغ الكثرة حدّا لا يتمكّن معها من الإتيان بصلاة خالية عن الشكّ ، لقوله : «كلّما أعاد شكّ». ومعلوم أنّ مثله محكوم بعدم الاعتناء عقلاً ، لمكان العجز ، من غير حاجة إلى التماس دليل شرعي. فالكثرة بهذا المعنى غير كثير الشكّ بالمعنى الاصطلاحي المفسّر بما عرفت. فالصحيحة أجنبية عن محلّ الكلام ، إذ موردها دائم الشكّ وهو غير كثير الشكّ.

ومنها : صحيحة ابن سنان عن غير واحد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «إذا كثر عليك السهو فامض في صلاتك» (1).

والظاهر أنّ المراد به عبد اللّه بن سنان ، بقرينة رواية فضالة عنه ، فهي صحيحة السند. ومع التشكيك فيه فتكفينا صحيحة محمّد بن مسلم المتقدّمة


1) الوسائل 8 : 228 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 16 ح 3.

.................................................................................................


المشتملة على عين هذا المتن بإضافة التعليل بقوله : «فإنّه يوشك أن يدعك ، إنّما هو من الشيطان».

وهذه الصحيحة كما ترى عامّة لمطلق الشكّ المبطل وغيره ، المتعلّق بالركعات أو الأفعال من الأجزاء والشرائط ، من حيث الزيادة أو النقص.

ويدلُّ على خصوص النقص الأعم من المبطل وغيره في الأفعال مضافاً إلى الإطلاق المزبور موثّقة عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : «في الرجل يكثر عليه الوهم في الصلاة فيشكّ في الركوع فلا يدري أركع أم لا ، ويشكّ في السجود فلا يدري أسجد أم لا ، فقال : لا يسجد ولا يركع ويمضي في صلاته حتّى يستيقن يقيناً» (1).

والمتحصّل من هذه الروايات البناء على وقوع ما شكّ فيه وإن كان في محلّه إلّا إذا كان مفسداً فيبني على عدمه. والضابط الأخذ بما لا كلفة فيه من طرفي الشك كما ذكرناه.

ويترتّب على ذلك أنّه لو شكّ في المحل في السجود أو الركوع بنى على الوقوع ولو شكّ في الركعة أو الثنتين بنى على الركعتين ، وكذا لو شكّ بينهما وبين الثلاث في صلاة الفجر ، أمّا لو كان في الصلاة الرباعية فيبني على الثلاث ، ولو شكّ فيها بين الثلاث والأربع بنى على الأربع من غير حاجة إلى ركعة الاحتياط ، وهكذا.

وأمّا لو شكّ بين الأربع والخمس ، فقد ذكر في المتن أنّه يبني على الأربع أيضاً.

أقول : لهذا الشك صور ثلاث. الاولى : أن يشكّ بينهما بعد إكمال السجدتين. الثانية : أن يكون الشك قبل الإكمال كما في حال الركوع. الثالثة : أن يكون في حال القيام.


1) الوسائل 8 : 229 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 16 ح 5.

.................................................................................................


والوظيفة الأوّلية في الصورة الأُولى سجود السهو بعد البناء على الأربع ، وفي الثانية إعادة الصلاة وبطلانها ، وكلتا الوظيفتين كلفة ، فهي مرفوعة عن كثير الشك ، فيبني ولا شي‌ء عليه. فالبناء على الأربع متّجه في هاتين الصورتين.

بخلاف الصورة الثالثة ، إذ لازم البناء المزبور فيها تتميم الركعة التي بيده والإتيان بالركوع والسجدتين ، وهذا كما ترى كلفة محمولة على كثير الشك نشأت من الاعتناء بالشك ، فلا يناسب المضي في الصلاة وعدم الاعتناء المأمور بهما.

بل المناسب أن يرفع عنه ما هو الموضوع في حقّ الشاك العادي في هذه الصورة ، فإنّ وظيفته في هذه الصورة بعد هدم القيام وعود الشك إلى ما بين الثلاث والأربع البناء على الأربع والإتيان بركعة الاحتياط ، ثمّ سجود السهو للقيام الزائد ولكلّ ما تلفّظ به من تسبيح ونحوه ، بناءً على وجوبه لكلّ زيادة ونقيصة. فهذه الأحكام مرفوعة عن كثير الشك ، فيبني بعد الهدم على الأربع من غير حاجة إلى ركعة الاحتياط ولا إلى سجدة السهو.

فإن أراد (قدس سره) من البناء على الأربع ما يعمّ الصورة الأخيرة ، ففيه ما عرفت ، ولا يمكن المساعدة عليه بوجه.

وإن أراد خصوص الأُوليين دون الأخيرة التي هي في الحقيقة من الشك بين الثلاث والأربع ، لرجوعه إلى الشك في أنّه هل أكمل الثلاث وقد قام إلى الرابعة أم الأربع وهذا قيام زائد نحو الخامسة ، فنعم الوفاق ، فإنّه لدى التحليل من البناء على الأربع في الشكّ بين الثلاث والأربع ، لا في الشك بين الأربع والخمس كما لا يخفى.

ولو كان كثرة شكّه في فعل خاص يختص الحكم به (1) فلو شكّ اتّفاقاً في غير ذلك الفعل يعمل عمل الشك ، وكذا لو كان كثير الشك بين الواحدة والاثنتين لم يلتفت في هذا الشك ويبني على الاثنتين ، وإذا اتّفق أنّه شكّ بين الاثنتين والثلاث أو بين الثلاث والأربع وجب عليه عمل الشك من البناء والإتيان بصلاة الاحتياط ، ولو كان كثير الشك بعد تجاوز المحل ممّا لا حكم له دون غيره فلو اتّفق أنّه شكّ في المحل وجب عليه الاعتناء ، ولو كان كثرة شكّه في صلاة خاصّة أو الصلاة في مكان خاصّ ونحو ذلك اختصّ الحكم به ولا يتعدّى إلى غيره.


(1) لو كان من كثير الشك في فعل خاص كالركوع أو السجود ، أو ركعة خاصّة كالشكّ بين الواحدة والثنتين ، أو فريضة خاصّة كصلاة الفجر ، أو مكان خاص كالصلاة في الدار ، أو زمان كذلك كأوّل الوقت ، أو كيفيّة خاصّة كالصلاة فرادى ، والجامع أن تكون كثرة الشك في جهة مخصوصة ، أمّا في غيرها فشكّه من الشكوك المتعارفة. فلو اتّفق له عروض الشك في جهة أُخرى فهل يلحقه حكم كثير الشك من عدم الاعتناء ، أو يختصّ الحكم بتلك الجهة نفسها ولا يتعدّى إلى غيرها ، بل يجب حينئذ العمل بوظيفة الشك؟

نسب الأوّل إلى غير واحد ، بل نسب إلى إطلاق الأصحاب الحكم بخروج كثير الشك عن أدلّة الشكوك الشامل للشكّ الاتّفاقي في غير مورد الكثرة استناداً إلى إطلاق النصوص.

ولكن الظاهر كما صرّح به في الجواهر (1)انصراف النصوص ولو بمناسبة


1) الجواهر 12 : 420.

[2116] مسألة 1 : المرجع في كثرة الشك العرف ، ولا يبعد تحقّقه إذا شكّ (1)في صلاة واحدة ثلاث مرّات أو في كلّ من الصلوات الثلاث مرّة واحدة (1).


الحكم والموضوع إلى إلغاء الشك في خصوص مورد الكثرة ، ولا يتبادر منها عدم الالتفات في غير موردها ، كما قد يعضده التعليل الوارد فيها بأنّ ذلك من الشيطان ، فإنّ الّذي يستند إليه هو الشكّ الكثير غير المتعارف الّذي هو قريب من الوسوسة ، وأمّا العارض الاتّفاقي في غير مورد الكثرة فهو من الشكوك المتعارفة الحاصلة لكلّ أحد ، ولا يكون منشؤه الشيطان ، فلا تكاد تشمله الأخبار بوجه ، فيبقى مشمولاً لإطلاق أدلّة الشكوك.

ومع التنزّل والتشكيك فيما ذكرناه فغايته الإجمال في تلك الأخبار ، التي هي بمثابة التخصيص للإطلاق المزبور. ومن المعلوم أنّ المخصّص المجمل يقتصر فيه على المقدار المتيقّن ، وهو في المقام مورد الكثرة ، فيرجع فيما عداه إلى الإطلاق.

وأوضح حالاً ما إذا كانت الكثرة في مورد لا حكم له كما لو كان كثير الشك بعد تجاوز المحلّ ، المحكوم بعدم الاعتناء حتّى مع عدم الكثرة ، فاتّفق أنّه شكّ في المحل بشكّ عادي متعارف ، فإنّه لا ينبغي الإشكال في لزوم الاعتناء بشكّه كما هو ظاهر.

(1) نقل المحقّق (قدس سره) في الشرائع (2)في مقام تحديد كثرة الشك قولاً بأنّ حدّه أن يسهو ثلاثاً في فريضة ، ونقل قولاً آخر بأنّه أن يسهو مرّة في


1) (*) بل هو بعيد ، نعم يتحقّق ذلك بكون المصلّي على حالةٍ لا تمضي عليه ثلاث صلوات إلّا ويشكّ في واحدة منها.

2) الشرائع 1 : 141.

.................................................................................................


ثلاث فرائض.

وصرّح المحقّق الهمداني (1)وغيره بعدم العثور على قائل هذين القولين ، ثمّ حكى عن بعضهم حدّا يقرب ممّا ذكره المحقّق ، واحتمل أن يكون التحديد المزبور إشارة إليه وأنّه من باب المسامحة في التعبير.

وكيف ما كان ، فالمعروف والمشهور إناطة الحد بصدق الكثرة عرفاً بعد عدم ورود تحديد خاص من ناحية الشرع ، كما هو الشأن في تعيين مداليل الألفاظ وتشخيص موضوعات الأحكام العارية عن التحديد الشرعي من الإحالة إلى الفهم العرفي ، فكلّ ما يراه العرف مصداقاً لكثرة الشك شمله الحكم ودار مداره وجوداً وعدماً.

نعم ، ربما يتوهّم استفادة التحديد من صحيحة محمّد بن أبي حمزة : «إنّ الصادق (عليه السلام) قال : إذا كان الرجل ممّن يسهو في كلّ ثلاث فهو ممّن كثر عليه السهو» (2).

فيقال بأنّها تدلّ بمقتضى مفهوم القضيّة الشرطية على أنّ المناط في الحد عدم خلوّ كلّ ثلاث من صلواته عن الشك ، المطابق لأحد القولين المحكيين في الشرائع ، فإنّ الظاهر أنّ المراد من «كل ثلاث» المذكور فيها كلّ ثلاث صلوات لا كلّ ثلاث ركعات ، إذ لا صلاة أكثر من الرباعية ، فمفهومها أنّ من لم يكن كذلك فهو ليس من كثير الشك.

ولكنّه بمراحل عن الواقع ، لشهادة سياق المنطوق على عدم إرادة الحصر لقوله (عليه السلام) في الجزاء : «فهو ممّن ...» إلخ ، الّذي هو كالصريح في وجود فرد آخر له.


1) مصباح الفقيه (الصلاة) : 586 السطر 27.

2) الوسائل 8 : 229 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 16 ح 7.

ويعتبر في صدقها أن لا يكون ذلك من جهة عروض عارض من خوف أو غضب أو همّ أو نحو ذلك ممّا يوجب اغتشاش الحواس (1).


نعم ، لو كانت العبارة هكذا : فهو كثير السهو. لتمّ ما أُفيد وانعقد له المفهوم المزبور ، ولكنّها مقرونة بكلمة «من» التبعيضية ، فلا تدل على أكثر من أنّ الشاكّ في كلّ ثلاث من بعض أفراد كثير السهو. وهذا لا ريب في صحّته من غير حاجة إلى ورود النص ، لكونه من أفراده الواضحة الظاهرة ، إذ الشاك المزبور خارج عن حدّ المتعارف جزماً ، فانّ غالب الناس لا يكاد يصدر منهم السهو في كلّ ثلاث ولا في كلّ خمس ، بل ولا في كل عشر أو أزيد كما لا يخفى.

وعلى الجملة : فالشاك في كلّ ثلاث تمرّ عليه كمن يشك في صلاة الفجر ثمّ في العشاء ثمّ في صلاة العصر من اليوم الثاني وهكذا ، فهو ممّن يتحقّق معه مسمّى الكثرة عرفاً بلا ريب ، سواء اتّحد محلّ سهوه ومتعلّق شكّه أم اختلف.

لكن الصدق العرفي لا ينحصر في هذه الصورة المفروض فيها عدم سلامته عن السهو في كلّ ثلاث صلوات متتاليات ، بحيث لو سها في ضمن كلّ أربع أو خمس لم يكن من كثير الشك ، بل يتحقّق الصدق بهذا أيضاً وبغيره كمن يسهو في جميع صلواته يوماً ، ويوماً لا ، ونحو ذلك من الفروض.

والحاصل : أنّ العبرة بصدق الكثرة عرفاً ، وهو الضابط في تشخيص هذا الموضوع ، والصحيحة غير منافية لذلك.

(1) لخروج هذا الفرض عن منصرف النصوص ، الظاهرة بمقتضى التعليل في اختصاص الحكم بالشكّ المستند إلى الشيطان ، الموجب ترك الاعتناء به لزواله كما في صحيحتي محمّد بن مسلم وزرارة (1)الّذي هو مرتبة ضعيفة من الوسوسة.


1) المتقدّمتين في ص 5.

[2117] مسألة 2 : لو شكّ في أنّه حصل له حالة كثرة الشكّ أم لا بنى على عدمه ، كما أنّه لو كان كثير الشك وشكّ في زوال هذه الحالة بنى على بقائها (1).


فإنّ الشك المسبّب عن الجهات الخارجية والعوارض الاتّفاقية من خوف أو غضب أو همّ ونحو ذلك ممّا يوجب تشتّت الفكر واغتشاش الحواس ربما يحصل لغالب الناس ، ولا مساس له بالوسواس الخنّاس بوجه ، فلا يستند إلى الشيطان كما لا يزول بترك الاعتناء ، فلا يشمله النص.

ومع التشكيك فيما ذكرناه بدعوى أنّ هذه العلل من قبيل الحِكَم التي لا يجب فيها الاطّراد ، ولا تمنع عن التمسّك بالإطلاق ، فلا أقل من احتمال ذلك والتردّد في أنّها علّة أو حكمة ، فتصبح الروايات التي هي بمثابة التخصيص في أدلّة الشكوك مجملة من هذه الجهة.

وقد تقرّر في الأُصول (1)أنّ اللّازم في المخصّص المجمل الدائر بين الأقل والأكثر الاقتصار على المقدار المتيقّن ، الّذي هو في المقام الشك المستند إلى الشيطان ، فيرجع فيما عداه إلى إطلاقات تلك الأدلّة كما مرّ نظير هذا البيان قريباً ، فلاحظ (2).

(1) لا ريب في أنّ المرجع حينئذ استصحاب الحالة السابقة من الكثرة أو عدمها ، فيبني على بقاء ما كان كما كان من عدم حدوث تلك الحالة أو بقائها وعدم زوالها ، لكنّه خاصّ بما إذا كانت الشبهة موضوعية.


1) محاضرات في أُصول الفقه 5 : 180.

2) ص 11.

.................................................................................................


أمّا لو كانت مفهومية كأن يشكّ في مفهوم الكثرة عرفاً وما به يتحقّق حدّها ومسمّاها بناءً على إناطة التحديد بذلك فلا سبيل حينئذ للتمسّك بالاستصحاب ، لما هو المقرّر في محلّه (1)من عدم جريانه في الشبهات المفهومية حتّى بناءً على القول بجريانه في الشبهات الحكمية ، كما التزم شيخنا الأنصاري (قدس سره) (2)بالتفكيك فأجراه في الشبهة الحكمية دون المفهومية ، ولذا منع عن استصحاب النهار لدى الترديد في مفهوم الغروب الّذي هو غاية للظهرين ومبدأ للعشاءين بين استتار القرص وزوال الحمرة المشرقية ، كما هو موضح في الأُصول.

وعليه فلا مناص من الاقتصار في المفهوم المجمل الدائر بين الأقل والأكثر كما في المقام على المقدار المتيقّن ، والرجوع فيما عداه إلى إطلاقات أدلّة الشكوك ، السليمة عمّا يصلح للتقييد. ولكن عبارة المتن غير ناظرة إلى الشبهة المفهومية قطعاً.

ثمّ إنّ في الشبهة الموضوعية لو لم يعلم بالحالة السابقة بأن تردّدت بين الكثرة وعدمها كما في تعاقب الحالتين والشك في المتقدّم منهما والمتأخّر لا إشكال في عدم جريان الاستصحاب ، إمّا لقصور المقتضي وعدم جريانه في نفسه من أجل عدم اتصال زمان الشك بزمان اليقين كما يراه صاحب الكفاية (3)، أو لوجود المانع وسقوطه بالمعارضة كما هو الصحيح ، وعلى التقديرين فلا مسرح له في المقام.


1) مصباح الأُصول 3 : 234.

2) فرائد الأُصول 2 : 605.

3) كفاية الأُصول : 420.

.................................................................................................


كما لا مجال للرجوع إلى إطلاق أدلّة الشكوك ، لكونه من التمسّك بالعام في الشبهة المصداقية كما لا يخفى. إذن ما هو المرجع حينئذ؟ وما ذا تقتضيه الوظيفة؟

توضيح المقام يستدعي بسطاً في الكلام فنقول :

قد يفرض تعلّق الشك بالقيود الوجودية كالأجزاء والشرائط ، فيشك في تحقّق السجود مثلاً وهو في المحل ، وفي عين الحال يشكّ في أنّه من كثير الشك كي لا يعتني أم من قليله كي يعتني. وأُخرى بالقيود العدمية كالموانع مثل الشك في زيادة الركوع. وثالثة بالركعات من الشكوك الباطلة أو الصحيحة.

أمّا الصورة الأُولى : فالقيود الوجودية على ضربين :

أحدهما : ما لا تقدح زيادته العمدية إذا لم تقصد بها الجزئية ، مثل القراءة وذكري الركوع والسجود ونحوها من سائر الأذكار التي لا مانع من الإتيان بها بقصد القرآن أو الذكر المطلق.

ثانيهما : ما تقدح زيادتها الصورية وإن لم يقصد بها الجزئية كالركوع والسجود ولذا لا يجوز الإتيان بسجود الشكر أو التلاوة أثناء الصلاة.

أمّا في القسم الأوّل أعني الأذكار : فقد يقال بوجوب الإتيان عملاً بقاعدة الاشتغال ، للشك في كونه من كثير الشك كي لا يعتني ، فلا مناص من الاعتناء خروجاً عن عهدة التكليف المعلوم.

وفيه : أنّ القاعدة لا مسرح لها في المقام ، لكونه من الدوران بين المحذورين إذ كما يجب عليه الاعتناء بالشك لو لم يكن كثير الشك كذلك لا يجوز له الاعتناء لو كان متّصفاً بالكثرة ، وإلّا بطلت صلاته ، للزوم الزيادة العمدية كما سيجي‌ء (1).


1) في ص 24.

.................................................................................................


فالشاك في صفة الكثرة أمره دائر بين الوجود والعدم ، إذ لا يجوز الإتيان بالقراءة مثلاً بقصد الجزئية إلّا مرّة واحدة لا أكثر ، فان لم يكن من كثير الشك وجب الإتيان بعد كون الشك في المحلّ كما هو المفروض ، وإن كان من كثيره لم يجز للزوم الزيادة كما مرّ. فلا موقع للتمسّك حينئذ بقاعدة الاشتغال.

بل الصحيح أن يقال : إذا بنينا على جواز قطع الفريضة فله رفع اليد والإتيان بصلاة اخرى ، وإلّا فلا مناص من الإتيان بالذكر بقصد الأمر الفعلي الجامع بين الجزئية وبين الذكر المطلق ، فينوي به امتثال الأمر الواقعي على ما هو عليه ، القابل للانطباق على الجزء وعلى مطلق الذكر. فليس له قصد الجزئية بخصوصها لاحتمال الزيادة القادحة.

ودعوى نفي هذا الاحتمال بأصالة عدم الزيادة ، مدفوعة بأنّ دليل الاستصحاب أيضاً مقيّد بعدم كثرة الشك ، فهو لا يجري في حقّ كثير الشك في الصلاة ، والمفروض الشكّ وعدم إحراز عدم الكثرة. فالتمسّك به والحال هذه من قبيل التمسّك بالعام في الشبهة المصداقية كما لا يخفى.

وممّا ذكرنا يظهر الحال في القسم الثاني ، أعني ما عدا الأذكار من الأجزاء ممّا تقدح زيادته العمدية ولو بغير قصد الجزئية كالركوع والسجود ، فإنّ قاعدة الاشتغال غير جارية هنا أيضاً وإن قيل بها ، لما عرفت من الدوران بين المحذورين ، واستصحاب عدم الزيادة غير جارٍ لكونه من الشبهة المصداقية كما مرّ.

وحيث إنّ الاحتياط بالإتيان بقصد الأمر الواقعي الجامع بين الجزئية وغيرها غير ممكن هنا ، لفرض قدح الزيادة العمدية ولو لم يقصد بها الجزئية فلا مناص من رفع اليد وإعادة الصلاة ، وبذلك يفترق هذا القسم عن القسم السابق.

.................................................................................................


ودعوى وجوب الجمع بين الإتمام والإعادة ، للعلم الإجمالي بأحدهما ، إذ لدى ترك المشكوك فيه يجب الإتمام إن كان كثير الشك وإلّا فالإعادة ، وينعكس لدى الإتيان به كما لا يخفى ، مدفوعة بأنّ وجوب الإتمام على القول به مختصّ بما إذا أمكن إتمام الصلاة صحيحة والاكتفاء بها في مقام الامتثال ، وإلّا فلا يجب ولا يحرم قطع الفريضة حينئذ جزماً ، لانصراف الدليل على فرض وجوده عن مثل ذلك ، وحيث لا يتيسّر الإتمام على صفة الصحّة في المقام فلا مانع من رفع اليد والاقتصار على الإعادة كما عرفت.

فتحصّل : أنّ في هذه الصورة بقسميها لا مجال للتشبّث بقاعدة الاشتغال والإتيان بالمشكوك فيه بعنوان الجزئية ، بل لا بدّ من الاحتياط فيما أمكن والإعادة فيما لا يمكن حسبما فصّلناه.

وأمّا الصورة الثانية : أعني الشك في وجود المانع كزيادة الركوع أو السجدتين فلا يترتّب أثر على كثرة الشك وعدمها حينئذ ، ولا يختلف أحدهما عن الآخر في الحكم كي نحتاج إلى تأسيس الأصل لدى التردّد بينهما لأصالة عدم تحقّق الزيادة ، سواء أكان من كثير الشك أم قليله ، كان الشك في المحل أم في خارجه.

فهذا الشك محكوم بعدم الاعتناء على كلّ تقدير ، ولا يختصّ ذلك بكثير الشك ليمتاز عن غيره في هذا الحكم فيبحث عن تعيين المرجع لدى الشك في الكثرة.

وأمّا الصورة الثالثة : أعني الشك المتعلّق بالركعات فهو على قسمين ، إذ قد يكون من الشكوك الباطلة وأُخرى من الصحيحة.

أمّا في القسم الأوّل : كما لو شكّ بين الواحدة والثنتين ولم يدر أنّه من كثير

.................................................................................................


الشك ليمضي في صلاته أو من غيره لتبطل ، فقد عرفت أنّه لا مجال للرجوع حينئذ إلى إطلاقات أدلّة الشكوك ليحكم هنا بالبطلان ، إذ قد خصّصت بغير كثير الشك. فالشبهة بالإضافة إليها مصداقية.

كما لا مجال أيضاً للرجوع إلى الإطلاق في دليل كثرة الشك ليحكم بالصحّة لعدم إحراز الموضوع حسب الفرض ، فالشبهة مصداقية بالإضافة إليه أيضاً. فلا سبيل للتمسّك بالإطلاقات اللّفظية والأدلّة الشرعية. فلا جرم تنتهي النوبة إلى مراجعة حكم العقل القاضي بالإعادة ، عملاً بقاعدة الاشتغال ، من غير حاجة إلى الإتمام بعد عدم إمكان تصحيحها بوجه ، وقد عرفت أنّ دليل حرمة القطع لو تمّ منصرف عن مثل ذلك.

ومنه يظهر الجواب عن دعوى العلم الإجمالي بوجوب الإتمام أو الإعادة كما مرّ آنفاً. فيرفع اليد عنها ويعيدها.

وأمّا القسم الثاني : أعني الشكوك الصحيحة فهي على نوعين ، إذ الشك قد يكون مستتبعاً لركعة الاحتياط كما في الشك بين الثلاث والأربع ، وأُخرى لسجود السهو كالشك بين الأربع والخمس بعد إكمال السجدتين.

أمّا في النوع الأوّل : فلا ريب في لزوم البناء على الأكثر ، لوجوبه على كلّ من تقديري كثرة الشك وعدمها ، فهو ثابت على كلّ حال ، ولا أثر للشك من هذه الجهة ، وإنّما يختلفان في الحاجة إلى ركعة الاحتياط وعدمها.

والظاهر وجوب الإتيان بها بناءً على ما هو الصحيح كما مرّ في محلّه (1)من كون الركعة جزءاً متمّماً على تقدير النقص ، وأنّه يؤتي بها بالعنوان الجامع بين الجزئية على هذا التقدير والنفل على التقدير الآخر كما هو معنى الاحتياط


1) شرح العروة 18 : 277 278.

.................................................................................................


وليست بصلاة مستقلّة ، وعليه فلا مناص من الإتيان بها ، عملاً بقاعدة الاشتغال بعد احتمال الحاجة إليها واقعاً وعدم كونه من كثير الشك من غير مؤمّن يدفع الاحتمال المزبور.

وبعبارة اخرى : لم يتعلّق التكليف بشخص هذه الصلاة المقرونة بالشك ، وإنّما متعلّقه الطبيعي الجامع القابل للانطباق على ما بين الحدّين من الأفراد. فمتعلّق التكليف معلوم لا إجمال فيه ، وإنّما التردّد في انطباقه على هذا الفرد المقترن بالشك ، ولا يكاد يحرز الانطباق إلّا بعد انضمام ركعة الاحتياط الجابرة للنقص المحتمل بتعبّد من الشرع وحكمه باغتفار التسليم والتكبير المتخلّلين في البين كما نطقت به موثّقة عمار : «إلا أُعلّمك شيئاً إذا فعلته ثمّ ذكرت أنّك أتممت أو نقصت لم يكن عليك شي‌ء ...» إلخ (1).

فخروجاً عن عهدة التكليف المعلوم وقضاءً لقاعدة الشغل المقتضية للفراغ المقطوع لا مناص من الإتيان بركعة الاحتياط ، ومعه لا مجال للرجوع إلى أصالة البراءة كما هو ظاهر ، وأمّا في النوع الثاني : فمن حيث البناء على الأربع لا تردّد فيه ، لثبوته على التقديرين كما مرّ.

وأمّا من حيث سجود السهو فبما أنّه تكليف مستقل غير مرتبط بأصل الصلاة وإن نشأ عن خلل واقع في الأثناء ، ولذا لا يضرّ تركه العمدي بصحّتها وإن استتبع الإثم فضلاً عن السهوي ، والمفروض الشكّ في تعلّق هذا التكليف وحدوثه بعد الصلاة لاحتمال كونه من كثير الشك ، فيرجع في نفيه إلى أصالة البراءة.


1) الوسائل 8 : 213 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 8 ح 3 [الظاهر كونها ضعيفة السند فلاحظ].

.................................................................................................


لكن هذا البيان إنّما يتّجه بناءً على اختصاص دليل سجدتي السهو بغير كثير الشك ، وأنّ ما دلّ على عدم الاعتناء بالشك لدى الكثرة شامل للصلاة وما يلحقها من سجود السهو ، إذ عليه لو شككنا في حصول صفة الكثرة ، والمفروض عدم إمكان التمسّك بأدلّتها لكون الشبهة مصداقية ، فلا محالة نشك في وجوب السجدتين فيدفع بأصل البراءة كما ذكر.

وأمّا بناءً على عدم الاختصاص وأنّ كثير الشك أيضاً يجب عليه سجود السهو كغيره ، نظراً إلى أنّ غاية ما يستفاد من أدلّته هو المضي في الصلاة وعدم الاعتناء بالشك المتعلّق بها نفسها ، وأمّا الموجب لعمل آخر مستقل واقع خارج الصلاة من غير ارتباط له بها وعدم دخل في صحّتها ، فتلك الأدلّة قاصرة عن التعرّض لذلك ، وغير ناظرة إلى نفيه وعدم الاعتناء به.

نعم ، لو كان الوارد فيها إلغاء الشك وأنّه لدى الكثرة بحكم العدم كان ذلك دليلاً على سقوط السجدتين لا محالة. لكنّ المذكور فيها هو المضي في الصلاة أو المضي في الشك على اختلاف ألسنتها ، وهو كما ترى لا يدلّ إلّا على عدم الاعتناء بالشكّ المتعلّق بنفس الصلاة بما لها من الأجزاء والركعات ، دون ما يلحقها من عمل آخر مستقل مثل سجدة السهو كما عرفت. فيبقى إطلاق دليل وجوبها للشاك بين الأربع والخمس الشامل لكثير الشك كغيره على حاله بعد سلامته عما يصلح للتقييد.

فعليه لا تبقى ثمرة للشكّ في حصول الكثرة وعدمها ، لثبوت وجوب السجدتين على التقديرين.

ولكن المشهور ظاهراً هو عدم الوجوب لدى الكثرة ، لإطلاق كلامهم ويستدلّ له بوجهين :

أحدهما : دعوى انصراف الدليل المتكفّل للسجود في الشك بين الأربع

.................................................................................................


والخمس عن كثير الشك. فالمقتضي للوجوب قاصر في حدّ نفسه ، لاختصاصه بحكم الانصراف بالشكّ العادي المتعارف. هكذا احتمله المحقّق الهمداني (قدس سره) (1).

ولكنّه كما ترى لم يعرف قط وجه لهذا الانصراف ، فإنّه لو تمّ لعمّ وشمل سائر أدلّة الشكوك بمناط واحد ، وليس كذلك جزماً ، إذ لم يدّع فقيه فيما نعلم انصراف مثل دليل الشك بين الواحدة والثنتين أو الثلاث والأربع ونحوهما من سائر أدلّة الشكوك الباطلة أو الصحيحة عن كثير الشك ، بل ارتكبوا التقييد في إطلاق أدلّتها ، فاستثنوا عنها كثير الشك بمقتضى النصوص الواردة فيه ، فلم ينكروا الإطلاق رأساً ، بل قيّدوه جمعاً. وأين هذا من دعوى الانصراف وقصور المقتضي في حدّ نفسه. فهذه الدعوى ساقطة البتّة.

ثانيهما : ما ذكره هو (قدس سره) أيضاً من استفادته من التعليل الواقع في الأخبار ، حيث يفهم منها أنّ المقصود بالأمر بالمضيّ ترك الاعتناء بالشك وكون الاعتناء به إطاعة للشيطان وتعويداً للخبيث ، فنهينا عن تمكينه وتعويده من الأنفس بترتيب الأثر على الشك ، من غير فرق بين تعلّق الأثر بنفس الصلاة أم بما يلحقها كسجدتي السهو.

وهذا الوجه يتلو سابقه في الضعف ، فانّ مورد صحيحة زرارة وأبي بصير (2)المشتملة على التعليل المزبور هو الشكّ المبطل ، والممنوع عنه هو تطميع الخبيث وتعويده من الأنفس في نقض الصلاة ، الّذي هو أمر مرغوب عنه إمّا محرّم أو لا أقل أنّه مرجوح. فلا دلالة لها على المنع عن مطلق التعويد ولو في محل آخر مستقل غير مرتبط بالصلاة. فهذا حكم خاص بالشكّ الكثير المتعلّق بنفس الصلاة.


1) مصباح الفقيه (الصلاة) : 586 السطر 8.

2) المتقدّمة في ص 5.

[2118] مسألة 3 : إذا لم يلتفت إلى شكّه وظهر بعد ذلك خلاف ما بنى عليه وأنّ مع الشك في الفعل الّذي بنى على وقوعه لم يكن واقعاً أو أنّ ما بنى على عدم وقوعه كان واقعاً يعمل بمقتضى ما ظهر ، فان كان تاركاً لركن بطلت صلاته ، وإن كان تاركاً لغير ركن مع فوت محلّ تداركه وجب عليه القضاء فيما فيه القضاء وسجدتا السهو فيما فيه ذلك ، وإن بنى على عدم الزيادة فبان أنّه زاد يعمل بمقتضاه من البطلان أو غيره من سجود السهو (1).


ولذلك لم نتعدّ منها إلى الوضوء ، فلو كان كثير الشك في وضوئه بحيث لم تمرّ عليه وضوءات ثلاثة إلّا ويشكّ في واحد منها ، يعتني بشكّه الحادث في المحل وإن كان مستنداً إلى الشيطان ما لم يبلغ حدّ الوسواس ، عملاً بقاعدة الشك في المحل ، أمّا الحادث بعده ففي جريان قاعدة التجاوز كلام مذكور في محلّه (1).

وكيف ما كان ، فسجود السهو واجب مستقل سببه نفس الشك في الصلاة بين الأربع والخمس ، لا أنّه من متمّمات الصلاة ، ولا يكاد يستفاد من الأخبار سقوطه عن كثير الشك بوجه كما لا يخفى.

(1) إذا لم يعتن كثير الشك بشكّه بمقتضى وظيفته من البناء على الوقوع أو العدم حسب اختلاف الموارد ومضى ثمّ انكشف الخلاف ، فقد يكون المنكشف نقصان شي‌ء وأُخرى زيادته.

أمّا في النقص : فان كان محل التدارك باقياً رجع وتدارك ، من غير فرق بين الركن وغيره ، كما لو شكّ في الركوع فبنى على الوقوع فانكشف الخلاف قبل الدخول في السجدة الثانية ، أو في التشهّد فبان العدم قبل الدخول في الركوع.


1) شرح العروة 6 : 117.

[2119] مسألة 4 : لا يجوز له الاعتناء بشكّه ، فلو شكّ في أنّه ركع أو لا ، لا يجوز له أن يركع (1) ، وإلّا بطلت الصلاة ، نعم في الشك في القراءة أو الذكر إذا اعتنى بشكّه وأتى بالمشكوك فيه بقصد القربة لا بأس به ما لم يكن إلى حدّ الوسواس.


وإن لم يكن باقياً ، فان كان الناقص ركناً بطلت صلاته ، وإلّا قضاه إن كان ممّا يقضى كالسجدة الواحدة ، وأتى بسجدتي السهو إن كان ممّا فيه ذلك كالتشهّد ، ولا شي‌ء عليه إن لم يكن منهما كالقراءة إلّا بناءً على وجوب سجدتي السهو لكلّ زيادة ونقيصة.

وأمّا في الزيادة : فإن كان الزائد ركناً بطلت صلاته ، وإلّا وجبت عليه سجدتا السهو إن قلنا بوجوبهما لكلّ زيادة ونقيصة ، وإلّا فلا شي‌ء عليه. ففي جميع هذه الفروض يعمل بمقتضى ما ظهر.

والوجه في ذلك كلّه أنّ أدلّة كثرة الشك غير ناظرة إلى الأحكام الواقعية ولا توجب تخصيصاً فيها ، بل هي تنظر إلى أدلّة الشكوك التي هي أحكام ظاهرية وتوجب تخصيصها بغير كثير الشك.

ومن المعلوم أنّ الحكم الظاهري مغيّا بعدم انكشاف الخلاف ، فمتى ظهر الحال وبان الخلاف فحيث إنّ الأحكام الواقعية الثابتة بالعناوين الأوّلية باقية على حالها فلا مناص من العمل بمقتضاها ، والجري على طبقها الّذي يختلف باختلاف الموارد حسبما فصّلناه.

(1) لظهور النصوص في وجوب المضي ، وأنّ ترك الاعتناء هي الوظيفة الظاهرية التعينية المقرّرة في ظرف الكثرة ، فلو اعتنى وأتى بالمشكوك فيه بطلت صلاته ، للزوم الزيادة العمدية بمقتضى الوظيفة الظاهرية.

.................................................................................................


هذا فيما كانت الزيادة قادحة حتّى الصورية كما في الركوع والسجود ، وأمّا ما لا تقدح إلّا مع الإتيان بعنوان الجزئية كالقراءة والذكر فلا بأس بإتيانه بقصد القربة المطلقة ما لم يبلغ حدّ الوسواس المنهي عنه.

هذا هو المعروف والمشهور بين الأصحاب ، ولكن نسب إلى الشهيد في الذكرى أنّه احتمل التخيير بين المضي وبين الاعتناء بالشك (1)، بل اختاره المحقّق الأردبيلي (قدس سره) (2)، ويستدلّ له بوجهين :

أحدهما : أنّ هذا هو مقتضى الجمع بين صدر صحيحة زرارة وأبي بصير المتقدّمة (3)وذيلها ، فيحمل الأمر بالإعادة في الأوّل وبالمضي في الثاني بعد تعلّقهما بموضوع واحد وهو كثير الشك على التخيير ، هذا.

وقد أسلفنا البحث حول هذه الصحيحة مستقصى وقلنا : إنّ الكثرة والقلّة متضايفتان ، والمراد بها في السؤال الأوّل أوّل مرتبة سمّاها السائل كثير الشك مع عدم بلوغها مرتبة الكثرة بالمعنى المصطلح الّذي هو المراد بها في السؤال الثاني ، فلم يردا على موضوع واحد ليجمع بما ذكر.

مع أنّه بعيد في حدّ نفسه ، إذ كيف يحتمل التخيير مع اقترانه بالتعليل بعدم تطميع الخبيث وتعويده من النفس ، فإنّه إنّما يناسب الإلزام دون الجواز والتخيير. فنفس التعليل يشهد بأنّ الجملة الثانية ناظرة إلى موضوع آخر كما ذكرناه. فهذا الوجه ساقط جدّاً.

ثانيهما : أنّ النصوص وإن تضمّنت الأمر بالمضي ولكنّه غير ظاهر في


1) الذكرى 4 : 56.

2) مجمع الفائدة والبرهان 3 : 146.

3) في ص 5.

.................................................................................................


الوجوب ، لوروده مورد توهّم الحظر ، حيث إنّ المضي على الشك ممنوع بمقتضى قاعدة الاشتغال ، مضافاً إلى أدلّة الشكوك. فغايته الدلالة على الجواز دون الوجوب.

وفيه أوّلاً : أنّ الأمر الواقع موقع توهّم الحظر وإن لم يكن ظاهراً في الوجوب في حدّ نفسه إلّا أنّ اقترانه بالتعليل بأنّه من الشيطان ، وبعدم تعويد الخبيث كما في صحيحتي محمّد بن مسلم وزرارة يأبى عن حمله على الرخصة ، إذ لا معنى للترخيص في إطاعة الشيطان. فلا مجال للتشكيك في ظهوره بمقتضى هذه القرينة في الوجوب.

وثانياً : سلّمنا عدم ظهور هذه الأخبار في الوجوب لكن مجرّد الشك كافٍ في عدم جواز الاعتناء بالشك ، إذ بأي مستند يسوغ له الإتيان بالمشكوك فيه بعد فرض تخصيص أدلّة الشكوك بغير كثير الشك وخروجه عن إطلاقات تلك الأدلّة ، المانع عن صحّة الاستناد إليها.

فلو شكّ في الركوع مثلاً وأتى بالمشكوك فيه يحتمل وجداناً تحقّق الزيادة وقتئذ ، ولا دافع لهذا الاحتمال إلّا أصالة عدم الزيادة ، والمفروض عدم جريانها في حقّ كثير الشك ، لتخصيص دليل الاستصحاب أيضاً كأدلّة الشكوك. فلا حاجة إلى إثبات أنّ المستفاد من النصوص هو الوجوب ، بل لو كان المستفاد جواز المضي كفى في عدم جواز الطرف الآخر ، فإنّه زيادة والزيادة مبطلة.

وكذلك لو شكّ في الأُوليين فإنّه يمضي بمقتضى هذه النصوص ، فلو فرضنا أنّه لم يمض ماذا يصنع؟ فانّ البناء على الأقل والإتيان بركعة أُخرى يحتاج إلى الدليل ، ومعه كان الشك في نفسه مبطلاً.

والحاصل : أنّ العبادة توقيفية يعتبر فيها عدم الزيادة ، ولا بدّ من إحراز

[2120] مسألة 5 : إذا شكّ في أنّ كثرة شكّه مختص بالمورد المعيّن الفلاني أو مطلقاً اقتصر على ذلك المورد (1).

[2121] مسألة 6 : لا يجب على كثير الشك وغيره ضبط الصلاة بالحصى أو السبحة أو الخاتم أو نحو ذلك ، وإن كان أحوط في من كثر شكّه (2).


تعلّق الأمر بها بما لها من الأجزاء ، وعليه فجواز الإتيان بالمشكوك فيه موقوف على قيام الدليل ، وبدونه تشريع محرّم ، والمفروض فقدان الدليل في المقام.

فان قلت : كفى دليلاً ظهور الأمر الواقع عقيب الحظر في الجواز ، فانّ جواز ترك الاعتناء مساوق لجواز الاعتناء ، لقيام مفهوم الجواز بالطرفين.

قلت : لا يراد بالجواز المدّعى ظهور الأمر فيه الجوازُ المصطلح بمعنى الإباحة الشرعية التي هي من أحد الأحكام الخمسة ، بل المراد الجواز بالمعنى الأعم أعني مجرّد نفي البأس في المضي ، وهذا لا يدل على مشروعية ترك المضي والإتيان بالفعل كما لا يخفى ، فتدبّر جيّداً.

وعلى الجملة : فلا حاجة إلى إثبات ظهور الأمر في الوجوب ، مع أنّه لا إشكال في ظهوره فيه في المقام حسبما عرفت.

(1) أخذاً بالمقدار المتيقّن ، فيرجع في الزائد المشكوك فيه إلى استصحاب عدم الكثرة.

(2) كما لا يجب عليه تخفيف الصلاة والاقتصار على أقلّ الواجب دفعاً للشك ، للأصل وإطلاق الأدلّة. وهذا هو المعروف المشهور ، بل من غير خلاف يعرف.

ولكن هناك عدّة روايات قد يقال أو قيل بظهورها في الوجوب ، مع أنّ

.................................................................................................


شيئاً منها لا تدلّ عليه.

فمنها : معتبرة حبيب الخثعمي قال : «شكوت إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام) كثرة السهو في الصلاة ، فقال : أحص صلاتك بالحصى ، أو قال احفظها بالحصى» (1).

وهي كما ترى قاصرة الدلالة على الحكم الشرعي ، إذ غايتها الشكاية عن هذا المرض وطلب العلاج ، فعلّمه (عليه السلام) كيفية العلاج. فالأمر محمول على الإرشاد لا محالة.

ونظيرها صحيحة عمر بن يزيد قال : «شكوتُ إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام) السهو في المغرب ، فقال : صلّها ب- ( قُلْ هُوَ اللّهُ أَحَدٌ ) و ( قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ) ففعلت ذلك فذهب عنِّي» (2).

بل إنّ ذيلها شاهد على المطلب ، لعدم وجوب السورتين بالضرورة. فهاتان الصحيحتان لا تدلّان لا على الوجوب ولا الاستحباب ، بل هما مسوقتان للعلاج إمّا لكثرة السهو كما في الأُولى ، أو لأصل السهو كما في الثانية.

ومنها : رواية حبيب بن المعلّى : «أنّه سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) فقال له : إنِّي رجل كثير السهو ، فما أحفظ صلاتي إلّا بخاتمي ، أُحوّله من مكان إلى مكان؟ فقال : لا بأس به» (3).

وهي مضافاً إلى ضعف السند لا تدل إلّا على الجواز ، كمعتبرة عبد اللّه بن المغيرة(4).


1) الوسائل 8 : 247 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 28 ح 1.

2) الوسائل 8 : 236 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 22 ح 1.

3) الوسائل 8 : 247 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 28 ح 2.

4) الوسائل 8 : 247 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 28 ح 3.

.................................................................................................


ونحوهما صحيحة عمران الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه قال : «ينبغي تخفيف الصلاة من أجل السهو» (1).

بناءً على أنّ كلمة «ينبغي» التي لا تستعمل إلّا بصيغة المضارع بمعنى يتيسّر كما هو كذلك لغة (2)، وكذا في الكتاب العزيز قال تعالى ( لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها ) (3)إلخ ، أي لا يتيسّر لها ، وعليه فلا تدل في المقام إلّا على الجواز. نعم ، لو حملناها على المعنى المتعارف الدارج في العرف الحاضر فغايته الاستحباب.

ولم يبق في البين إلّا رواية واحدة قد يتوهّم ظهورها في الوجوب ، وهي موثّقة عبيد اللّه الحلبي قال : «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن السهو ، قلت : فإنّه يكثر عليّ ، فقال : أدرج صلاتك إدراجاً ، قلت : وأي شي‌ء الإدراج؟ قال : ثلاث تسبيحات في الركوع والسجود» (4).

وفيه : أنّها في نفسها غير ظاهرة في الوجوب ، إذ لم يعلم أنّه سئل عن حكمه أو عن علاجه ، ولو سلّم فيرفع اليد عن ظهورها وتحمل على العلاج بقرينة الروايات المتقدّمة.

فتحصّل : أنّ الضبط أو التخفيف غير واجب وإن كان ذلك أحوط في من كثر شكّه كما في المتن ، خروجاً عما توهمه بعض النصوص المتقدّمة.


1) الوسائل 8 : 236 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 22 ح 2.

2) المنجد : 44 مادّة بغى.

3) يس 36 : 40.

4) الوسائل 8 : 236 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 22 ح 3.

الخامس : الشك البدوي الزائل بعد التروّي ، سواء تبدّل باليقين بأحد الطرفين أو بالظنّ المعتبر أو بشك آخر (1).

السادس : شك كلّ من الإمام والمأموم مع حفظ الآخر (1)فإنّه يرجع الشاك منهما إلى الحافظ ، لكن في خصوص الركعات لا في الأفعال (2)حتّى في عدد السجدتين ، ولا يشترط في البناء على حفظ الآخر حصول الظنّ للشاك ، فيرجع وإن كان باقياً على شكّه على الأقوى (2).


(1) تقدّم في مبحث الشكوك (3)أنّ أحكامها من البطلان أو البناء مترتّبة على عنوان الشك ومنوطة بوجود الموضوع ، كما هو الشأن في كلّ قضيّة حقيقية من ظهورها في دوران الحكم مدار الموضوع حدوثاً وبقاءً ، فلا أثر لمجرّد الشك إلّا لدى استقراره وبقائه. فلو زال وتبدّل بخلافه من يقين أو ظنّ معتبر أو شك آخر لحقه حكم المبدل إليه ، وارتفع الحكم الأوّل بارتفاع موضوعه لا محالة.

وهذا من غير فرق بين البدوي وغيره ، لوحدة المناط. والتقييد بالأوّل في عبارة المتن لكونه الشائع الغالب من أفراد الزائل كما هو ظاهر.

(2) هذا الحكم أعني رجوع كلّ من الإمام والمأموم إلى الآخر وعدم الاعتناء بالشك من المتسالم عليه في الجملة ، للنصوص الكثيرة كما ستعرف.

إنّما الكلام في أنّه هل يختصّ بالركعات فيما إذا علم بتوافقهما في الكيفية وإلّا فلا يجري فيها أيضاً كما ستعرف ، أو أنّه يعمّ الأفعال؟


1) (*) الشاك منهما يرجع إلى الظانّ ، والظانّ منهما لا يرجع إلى المتيقّن على الأظهر.

2) (**) الظاهر عدم الفرق بينها وبين الركعات.

3) شرح العروة 18 : 228.

.................................................................................................


نسب الثاني في المدارك إلى المشهور (1)، ولكنّ جماعة من المتأخّرين منهم صاحب الجواهر (قدس سره) (2)قالوا إنّه لا دليل عليه ، لورود الروايات في الركعات ، فيرجع في الأفعال إلى مقتضى القواعد. فلا بدّ إذن من النظر إلى الروايات.

فمنها : صحيحة علي بن جعفر المرويّة بطريقين معتبرين ، قال : «سألته عن الرجل يصلّي خلف الإمام لا يدري كم صلّى ، فهل عليه سهو؟ قال : لا» (3)وهي كما ترى خاصّة بالركعات.

ومنها : ما رواه الصدوق بإسناده عن إبراهيم بن هاشم في نوادره : «أنّه سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) عن إمام يصلّي بأربع أو بخمس فيسبّح اثنان على أنّهم صلّوا ثلاثاً ويسبّح ثلاثة على أنّهم صلّوا أربعاً ، يقول هؤلاء قوموا ويقول هؤلاء اقعدوا ، والإمام مائل مع أحدهما أو معتدل الوهم ، فما يجب عليهم؟ قال : ليس على الإمام سهو إذا حفظ عليه من خلفه سهوه باتفاق (بإيقان) منهم ، وليس على من خلف الإمام سهو إذا لم يسهُ الإمام ، ولا سهو في سهو ، ولا في المغرب سهو ، ولا في الفجر سهو ، ولا في الركعتين الأوّلتين من كلّ صلاة سهو ، ولا سهو في نافلة» (4).

ورواه الكليني عن علي بن إبراهيم ، عن محمّد بن عيسى ، عن يونس ، عن رجل ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (5).


1) المدارك 4 : 269.

2) الجواهر 12 : 411.

3) الوسائل 8 : 239 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 24 ح 1.

4) الوسائل 8 : 241 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 24 ح 8 ، الفقيه 1 : 231 / 1028.

5) الكافي 3 : 358 / 5.

.................................................................................................


وهي أيضاً خاصّة بالركعات ، ولا سيما بقرينة بقية الفقرات ، فانّ السهو في الأفعال في المغرب والفجر جارٍ قطعاً.

ولكنّ الرواية في نفسها غير صالحة للاستدلال ، لقصور السند ، فإنّها مرسلة بطريق الكليني ، وكذا بطريق الصدوق ، لوضوح أنّ إبراهيم بن هاشم لم يدرك الصادق (عليه السلام) فبينهما واسطة لا محالة. ولا يبعد أن يكون السند هو السند.

وكيف ما كان ، فكلا الطريقين محكومان بالإرسال. فلا تنهض للاستدلال.

ومنها : ما رواه الشيخ (1)بإسناده عن ابن مسكان عن أبي الهذيل عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : «في الرجل يتّكل على عدد صاحبته في الطواف أيجزيه عنها وعن الصبي؟ فقال : نعم ، ألا ترى أنّك تأتم بالإمام إذا صلّيت خلفه ، فهو مثله» (2).

وهي أيضاً غير ظاهرة في التعميم لتدلّ على جواز الرجوع في الصلاة في غير الركعات ، لعدم كونها مسوقة لبيان حكم الصلاة ، وإنّما هي في مقام بيان أنّ الطواف مثل الصلاة. وأمّا أنّ المماثلة هل هي في مطلق الأحكام أو في خصوص الأعداد فليست بصدد البيان من هذه الجهة لو لم تكن ظاهرة في خصوص الثاني كما لا يخفى.

وعلى الجملة : فليس في شي‌ء من النصوص ما يصلح للاستدلال به على التعميم.

والعمدة إنّما هي صحيحة حفص بن البختري التي ادّعي أنّها مطلقة من حيث الركعات والأفعال ، وحاكمة على جميع أدلّة الشكوك ، عن أبي عبد اللّه


1) [لعلّ الصحيح : الصدوق ، رواه في الفقيه 2 : 254 / 1233].

2) الوسائل 8 : 242 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 24 ح 9.

.................................................................................................


(عليه السلام) «قال : ليس على الإمام سهو ، ولا على من خلف الإمام سهو ولا على السهو سهو ، ولا على الإعادة إعادة» (1).

دلّت على نفي السهو عن كلّ من الإمام والمأموم ، الشامل بإطلاقه لما إذا كان ذلك متعلّقاً بالركعات أم الأفعال كعدد السجدتين أو غيرهما من الأجزاء.

نعم ، لا مناص من تقييدها بما إذا كان الآخر حافظاً ، فلا تشمل ما لو اشتركا في السهو ، فإنّ الصحيحة في نفسها منصرفة عن هذه الصورة وغير شاملة لها في حدّ ذاتها بمقتضى الفهم العرفي ومناسبة الحكم والموضوع ، وإلّا كان الأحرى أن يقول هكذا : ولا سهو في الجماعة. فإنّه أخصر وأصرح.

وعلى تقدير الشمول فهي مقيّدة بما عداها بالقطع الخارجي والأدلّة الأُخرى الدالّة على عدم خروجهما عن أدلّة الشكوك لدى اشتراكهما في السهو.

كما لا مناص من تقييدها بما إذا كانا الإمام والمأموم متّحدين في الكيفية ومتطابقين في العمل ، بحيث يكون الشك من أحدهما ملازماً لشكّه في عمل الآخر لاتحاد السبب الموجب للشك ، فانّ هذا هو المسوّغ لرجوع الشاك منهما إلى الحافظ ، باعتبار أنّ حفظ أحدهما أمارة وطريق إلى إحراز عمل الآخر بعد وضوح أنّ المناط في الرجوع هو طريقية الحفظ من أحدهما وكاشفيّته ، وليس مبنياً على التعبّد المحض.

وأمّا مع احتمال الاختلاف في الكيفية كما لو احتمل المأموم الشاك أن يكون مسبوقاً بركعة ، أو احتمل غفلته عن متابعة الإمام في إحدى السجدتين مثلاً وأنّه بقي مستمرّاً في سجدته الاولى إلى أن دخل الإمام في الثانية ، بحيث اختلف منشأ الشك ولم يكن ملازماً للشك في عمل الآخر ، فلا إشكال حينئذ


1) الوسائل 8 : 240 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 24 ح 3 ، وقد أورد ذيلها في 243 / أبواب الخلل ب 25 ح 1.

.................................................................................................


في لزوم الاعتناء وعدم صحّة الرجوع إلى الآخر ، لعدم الطريقية والأمارية لحفظ الآخر حينئذ كما هو ظاهر.

وعلى الجملة : فبعد هذين التقييدين المستفادين من نفس الصحيحة بمقتضى الانصراف والفهم العرفي أو لا أقل من القطع الخارجي ، لا مانع من التمسّك بإطلاقها الشامل للركعات والأفعال.

إلّا أنّه قد يناقش في دلالة الصحيحة على الإطلاق من وجوه.

أحدها : امتناع الأخذ بإطلاقها الأحوالي والأفرادي ، الكاشف عن عدم ورودها إلّا في مقام إثبات الحكم في الجملة ، فلا يمكن التمسّك بها في المقام. وقد ظهر الجواب عن ذلك ممّا ذكرناه آنفا.

ثانيها : ما ذكره المحقّق الهمداني (قدس سره) من اضطراب الصحيحة وتشويشها ، حيث إنّه (قدس سره) بعد أن استجود تأمّل صاحب الجواهر (قدس سره) في شمول الأدلّة للسهو في الأفعال باعتبار أنّ عمدة الدليل هو الإجماع والأخبار ، ولم يتحقّق الإجماع بالنسبة إلى محلّ الكلام ، والأخبار لا تخلو من قصور ، قال (قدس سره) ما لفظه : أمّا رواية [ابن] البختري فهي في حدّ ذاتها متشابهة ، وغاية ما يمكن استفادته منها ببعض القرائن الداخلية والخارجية إنّما هو إرادة الشكّ في الركعات (1).

أقول : لا نرى أيّ تشابه وإجمال في هذه الفقرة من الصحيحة التي هي مورد الاستشهاد في محلّ الكلام ، فإنّها واضحة الدلالة بعد مراعاة التقييد بما عرفت المستفاد من نفسها ، أو لا أقل من الدليل الخارجي كما مرّ.

نعم ، دعوى التشابه وجيهة في سائر فقرأتها الأجنبية عن محلّ الكلام أعني


1) مصباح الفقيه (الصلاة) : 579 السطر 31.

.................................................................................................


قوله (عليه السلام) : «ولا على السهو سهو» وقوله (عليه السلام) : «ولا على الإعادة إعادة».

وقد تقدّم (1)نبذ من الكلام في الأوّل ، وأما الثاني فهو بظاهره غير مستقيم إذ لا نعرف وجهاً لعدم الإعادة في الصلاة المعادة فيما لو اشتملت على نفس السبب المستوجب لإعادة الصلاة الأُولى أو سبب آخر يقتضيها ، كما لو شكّ بين الواحدة والثنتين في كلّ من الأصلية والمعادة ، أو علم بزيادة الركوع مثلاً في كلّ منهما.

وكيف ما كان ، فالإجمال والتشابه في بقية الفقرات غير مانع من صحّة الاستدلال بالفقرة الأُولى منها التي هي محلّ الكلام بعد سلامتها في نفسها عن التشابه كما عرفت.

ثالثها : دعوى أنّ السهو في هذه النصوص التي هي بلسان واحد لا يُراد منه إلّا الشك في الركعات خاصّة. فهذه الكلمة في حدِّ نفسها منصرفة إليه ، فلا تعرض فيها لحكم الشك في الأفعال.

ويدفعها : أنّ لفظ السّهو الوارد في النصوص بأجمعها لم يستعمل إلّا في ذات الشك ، لا في خصوص الشك في الركعات.

نعم ، كثيراً ما يستعمل في هذا المورد مثل ما ورد من أنّه ليس في الركعتين الأُوليين اللّتين هما من فرض اللّه سهو (2)، وليس في المغرب سهو (3)، ولا في الفجر سهو (4)، ونحو ذلك من الموارد التي يعلم ولو بالقرينة الخارجية إرادة الشك في الركعات. إلّا أنّ ذلك مورد للاستعمال ، لا أنّه المستعمل فيه اللّفظ.


1) في شرح العروة 18 : 301.

2) الوسائل 8 : 187 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 1 ح 1 ، 4 وغيرهما.

3) الوسائل 8 : 194 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 2 ح 3 ، 4 ، 6 ، 8 وغيرها.

4) الوسائل 8 : 194 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 2 ح 3 ، 4 ، 6 ، 8 وغيرها.

.................................................................................................


وكم فرق بين الأمرين.

وعلى الجملة : فذات الكلمة لم تستعمل إلّا في نفس الشك ، وهذا مشترك فيه بين جميع موارد الاستعمالات وإن اختلف بعضها عن بعض من حيث اختصاص المورد بالركعات لقيام الدليل عليه ، ومع فقده كما في المقام لا مانع من الأخذ بإطلاق اللّفظ المستعمل في طبيعي الشك ، الذي لا قصور في شموله لها وللأفعال.

والمتحصّل من جميع ما قدّمناه : أنّ هذه المناقشات حول إطلاق الصحيحة بالإضافة إلى الأفعال في غير محلّها ، فلا انصراف للفظ ولا تشابه في المتن ، ولا محذور في الأخذ بالإطلاق الأفرادي والأحوالي ، غايته مع مراعاة القيدين المذكورين المستفادين من نفس الصحيحة حسبما عرفت. فلا ينبغي التأمّل في إطلاق الصحيحة وإن تأمّل فيه صاحب الجواهر وتبعه مَن تبعه.

بل لولا إطلاق هذه الصحيحة لأشكل الحكم فيما سيجي‌ء من جواز رجوع الإمام إلى المأموم الواحد سيما إذا كان امرأة ، لقصور بقيّة النصوص عن إفادة ذلك لولا هذا الإطلاق كما ستعرف.

نعم ، مورد الإطلاق كما عرفت تطابق العملين واتحاد الصادر من كلّ من الإمام والمأموم وتساويهما من حيث النقص والزيادة ، بحيث إنّ كلا منهما يعلم لدى شكّه بين الثلاث والأربع مثلاً بأنّ ما في يده لو كانت الثالثة فكذا ما في يد الآخر ، ولو كانت الرابعة فكذلك. وهكذا في الشكّ في الأفعال ، فيكون في مثله حفظ أحدهما طريقاً إلى الآخر ، باعتبار أنّ الشارع كأنه يرى أنّ المجموع عمل واحد صادر من شخصين ، ولأجله ألغى الشك من أحدهما واكتفى بضبط الآخر.

أمّا مع احتمال الاختلاف فضلاً عن القطع به ما لم يكن مقدار السبق

ولا فرق في المأموم بين كونه رجلاً أو امرأة ، عادلاً أو فاسقاً ، واحداً أو متعدّداً (1)


المقطوع معلوماً فلا رجوع حتّى في الشك في الركعات كالمأموم المسبوق فضلاً عن الأفعال كما لو احتمل تخلّفه عن الإمام في إحدى السجدتين غفلة وأنّه بقي في الأُولى مستمرّاً إلى أن دخل الإمام في الثانية ، لعدم الطريقية حينئذ.

ولازم ذلك اختصاص الرجوع وعدم الاعتناء بالشك بما إذا كان الشك عائداً إلى نفس الصلاة التي هي مورد الائتمام والمتابعة ، دون ما هو خارج عنها كالشك في الوضوء مثلاً أو في سائر الشرائط والموانع ، فانّ اللّازم الاعتناء بالشكّ حينئذ ، لخروج ذلك عن مورد التبعية ، وعدم كونه من شؤون الإمامة والمأمومية ، فلا يكون الحفظ من أحدهما في مثله طريقاً إلى إحراز عمل الآخر ، فلا يشمله الإطلاق كما هو ظاهر. وهذا كلّه مستفاد من نفس الصحيحة حسبما عرفت.

(1) كلّ ذلك للإطلاق في صحيحة حفص كما سبق (1)، وإلّا فبقيّة النصوص قاصرة الشمول بالإضافة إلى رجوع الإمام إلى المأموم الواحد سيما إذا كان امرأة.

أمّا رواية أبي الهذيل (2)فقد عرفت أنّها غير واردة في بيان حكم الصلاة حتّى ينعقد لها الإطلاق ، وإنّما النظر فيها مقصور على بيان حكم الطواف.


1) في ص 33.

2) المتقدّمة في ص 32.

والظانّ منهما أيضاً يرجع إلى المتيقّن ، والشاك لا يرجع إلى الظانّ إذا لم يحصل له الظن (1).


وأمّا صحيحة ابن جعفر (1)فغير ناظرة إلّا إلى رجوع المأموم إلى الإمام دون العكس ، نعم لا تختصّ بالرجل وإن وردت فيه ، للقطع بعدم الفرق بينه وبين المرأة ، وعدم تعلّق اللحاظ في السؤال بخصوصية الرجولية ، فيتعدّى عن موردها ولو لأجل قاعدة الاشتراك.

وأمّا مرسل يونس (2)فمورده رجوع الإمام إلى المأمومين المتعدّدين ، فلا يشمل الواحد وإن كان رجلاً فضلاً عن المرأة ، نعم بالإضافة إلى رجوع المأموم إلى الإمام لا قصور في شموله للواحد والمتعدّد ، الرجل والمرأة ، لإطلاق قوله (عليه السلام) : «وليس على من خلف الإمام سهو إذا لم يسهُ الإمام».

وكيف ما كان ، فهو لمكان الإرسال غير صالح للاستدلال ، فلا تصل النوبة إلى البحث عن الدلالة.

فظهر أنّ عمدة المستند بل المستند الوحيد لإطلاق الحكم من جميع تلك الجهات إنّما هي صحيحة حفص ، حيث إنّ إطلاقها غير قاصر الشمول لكلّ ذلك ، فهو المتّبع حسبما بيّناه.

(1) لا إشكال كما لا خلاف في رجوع الشاك منهما إلى المتيقّن ، فانّ هذا هو القدر المتيقّن من النصوص المتقدّمة ، من غير فرق بين الإمام والمأموم.

إنّما الكلام في رجوع الظانّ منهما إلى المتيقّن ورجوع الشاك إلى الظانّ ، فقد وقع الخلاف في كلّ منهما.


1) المتقدّمة في ص 31.

2) المتقدّمة في ص 31.

.................................................................................................


وقد جمع الشهيد الثاني في المسالك بين الأمرين فحكم بالرجوع في كلا الموردين (1)، بل ربما ينسب إلى المشهور.

أقول : الجمع بين الأمرين متعسّر بل متعذّر ، فإنّه إن أُريد من السهو الوارد في صحيحة حفص «ليس على الإمام سهو ، ولا على من خلف الإمام سهو» وغيرها من النصوص خصوص الشك صحّ رجوع الشاك إلى الظان ، إلّا أنّه لا دليل حينئذ على رجوع الظانّ إلى المتيقّن.

وإن أُريد به الأعم منه ومن الظن فالأمر بالعكس ، فيصحّ رجوع الظان إلى المتيقّن ، لكنّه لا دليل حينئذ على رجوع الشاك إلى الظان ، فانّ كليهما من السهو بالمعنى الأعم الّذي هو خلاف اليقين.

وواضح أنّ الجمع بين المعنيين للسهو بأن يراد به خصوص الشك والأعم منه ومن الظن غير ممكن في استعمال واحد. فإمّا أن يراد به الأوّل فيشكل رجوع الظان إلى المتيقّن ، بل غايته رجوع الشاك إلى من عداه سواء أكان متيقّناً أم ظانّاً ، وإمّا أن يراد به الثاني فيشكل رجوع الشاك إلى الظان كما عرفت وإن صحّ رجوع الظان إلى المتيقّن.

فالحقّ هو التفصيل والالتزام برجوع الشاك إلى الظان ، دون الظان إلى المتيقّن ، على عكس التفصيل المذكور في المتن. فلنا دعويان :

أمّا الاولى : أعني رجوع الشاك إلى الظان فيكفينا إطلاق صحيحة حفص فانّ الخارج عنها إنّما هو صورة الاتحاد بين الإمام والمأموم ومشاركتهما في الشك ، فإنّ الصحيحة منصرفة عن ذلك في نفسها كما مرّ (2)، لظهورها في اختصاص الإمام بالسهو أو اختصاص المأموم به ، وإلّا لقال لا سهو في الجماعة.


1) مسالك الأفهام 1 : 298.

2) في ص 33.

.................................................................................................


الّذي هو أخصر وأوضح كما سبق ، فلا تشمل ما إذا كان كلّ منهما شاكّاً.

وأمّا ما عدا ذلك ومنه شكّ أحدهما وظنّ الآخر فهو مشمول للإطلاق بعد فرض حجّية الظنّ الحاصل للآخر بمقتضى صحيحة صفوان (1)وغيرها وكونه بمثابة العلم في الكشف عن الواقع ، وصيرورته بذلك حافظاً ضابطاً كما هو معنى الحجّية والاعتبار التشريعي ، ولا معنى لنفي السهو عن الشاك منهما مع قيام الحجّة لدى الآخر وعدم كونه مثله في الشك إلّا صحّة الرجوع إليه والتعويل عليه كما لا يخفى.

وعلى الجملة : لا قصور في شمول الإطلاق لهذه الصورة. ونتيجته ما عرفت من جواز رجوع الشاك إلى الظان. فما عن جماعة من عدم الجواز ومنهم الماتن واحتاط فيه المحقّق الهمداني (2)لا يمكن المساعدة عليه.

وأمّا الثانية : أعني عدم رجوع الظان إلى المتيقّن فلقصور الإطلاق عن الشمول لذلك ، إذ السهو لغة هو الغفلة والنسيان وعدم الالتفات (3)، فلا يشمل حتّى الشك فضلاً عن الظن ، لكنّه أُطلق كثيراً على الأوّل في لسان الأخبار بضرب من العناية باعتبار الجهل بالواقع.

وأمّا إطلاقه على الظن أو ما يشمله والشك أعني خلاف اليقين فغير معهود في شي‌ء من الاستعمالات ، بل لا مصحّح لهذا الإطلاق بوجه ، سيما بعد فرض اعتبار الظن وكونه بمثابة اليقين ، فانّ مثل هذا الظان لا يطلق عليه الساهي قطعاً ، فهو غير مشمول للإطلاق البتّة. وعليه فلا مسوّغ لتعويله على يقين صاحبه ، لعدم الدليل عليه ، بل يعمل هو بظنّه.


1) الوسائل 8 : 225 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 15 ح 1.

2) مصباح الفقيه (الصلاة) : 578 السطر 24.

3) المنجد : 360 مادّة سها.

.................................................................................................


والمتلخّص من جميع ما ذكرناه : أنّه لا يمكن الجمع بين إلحاق الظن باليقين وبين إلحاقه بالشك ليلتزم برجوع الشاكّ إلى الظانّ ورجوع الظانّ إلى المتيقّن كما عن غير واحد منهم صاحب المسالك (قدس سره) المصرّح بذلك ، لامتناع إرادة الشك وإرادة الأعم منه ومن الظن من لفظ السهو الوارد في النصوص كما مرّ.

بل لا مناص من اختيار أحد الأمرين ، فإمّا أن يلحق الظن باليقين فلا وجه لرجوع الظان إلى المتيقّن ، أو يلحق بالشك فلا وجه حينئذ لرجوع الشاك إلى الظان. وقد عرفت أنّ الأظهر هو الأوّل.

فيتّجه حينئذ التفصيل على النحو الّذي ذكرناه من رجوع الشاك إلى الظان وعدم رجوع الظان إلى المتيقّن ، بل يعمل بظنّه بمقتضى دليل حجّيته ، لعدم كونه متحيّراً متردّداً في وظيفته بعد قيام الحجّة عنده لكي يصحّ إطلاق السهو عليه ولو بالعناية كما في الشاك حتّى يشمله إطلاق النصوص المتضمّنة لرجوع الساهي إلى الحافظ من صحيحة حفص وغيرها ، بل إنّ دليل حجّية الظن حاكم على مثل هذه الأدلّة كما لا يخفى.

وأمّا التفصيل المذكور في المتن المبني على إلحاق الظنّ بالشكّ الّذي هو على عكس ما اخترناه ، حيث منع عن رجوع الشاك إلى الظان ، وحكم برجوع الظان إلى المتيقّن ، فبالإضافة إلى الشق الثاني أعني رجوع الظان إلى المتيقّن يستدل بوجوه.

الأوّل : الإطلاق في صحيحة حفص. وقد مرّ الجواب عنه من عدم صحّة إطلاق السهو على ما يشمل الظن.

الثاني : اشتمال السؤال في مرسلة يونس المتقدّمة (1)على ميل الإمام مع بعض


1) في ص 31.

.................................................................................................


المأمومين ، بدعوى ظهور الجواب في أنّه إذا حفظ من خلفه باتفاق منهم رجع إليهم وإن كان مائلاً.

وفيه : بعد الغض عن إرسالها وعدم صحّة الاستدلال بها ، أنّ الدلالة أيضاً قاصرة ، فانّ صدر الجواب مبني على الإعراض والإغماض عما افترضه السائل من الاختلاف ، بل تعرّض (عليه السلام) لبيان الموارد التي لا يعتنى فيها بالسهو التي منها سهو الإمام مع حفظ المأمومين باتفاق منهم ، فبيّن (عليه السلام) الحكم الكلّي من غير نظر إلى مورد السؤال.

وعليه ففرض ميل الإمام إلى بعض المأمومين المذكور في السؤال لا يكاد يجدي فيما نحن فيه ، ولا ينفع لإثبات جواز رجوع الظانّ إلى المتيقّن بعد أن لم يكن الجواب جواباً عن ذلك الفرض.

نعم ، الجواب عن الفرض المزبور أعني صورة الاختلاف المذكورة في السؤال قد تعرّض (عليه السلام) له في ذيل الرواية بقوله (عليه السلام) : «فاذا اختلف على الإمام مَن خلفه فعليه وعليهم في الاحتياط الإعادة والأخذ بالجزم».

وهو أيضاً غير خال عن التشويش. ولعلّ المراد العمل بمقتضى الشكّ من الإعادة إن كان من الشكوك الباطلة ، والأخذ بالجزم بالبناء على الأكثر إن كان من الصحيحة.

وكيف ما كان ، فهو ظاهر في عدم جواز الرجوع في فرض الاختلاف وإن كان الإمام مائلاً. فيسقط الاستدلال من أصله كما لا يخفى.

الثالث : ما استند إليه بعضهم ، وهو ما ورد من أنّ الإمام يحفظ أوهام من خلفه ، بدعوى أنّ الوهم يشمل الظنّ ، وليس كالسهو في عدم الشمول ، لإطلاقه عليه شرعاً (1). ومعنى حفظ الإمام للأوهام عدم اعتناء المأموم بكلّ ما يعتريه


1) كما في صحيحة صفوان الآتية في ص 44.

.................................................................................................


من الوهم ، الشامل للشك والظن ، بل يرجع في ذلك كلّه إلى يقين الإمام.

فإذا ثبت ذلك فيه ثبت في المأموم أيضاً ، فيرجع الإمام إليه في وهمه ، لعدم القول بالتفصيل ، فيثبت الحكم في عكسه بالإجماع المركّب.

ولكنّ الظاهر أنّه لم توجد رواية بهذا المتن كما نبّه عليه المحقّق الهمداني (قدس سره) (1). ولعلّه نقلٌ بالمعنى أُريد به خبر محمّد بن سهل عن الرضا (عليه السلام) «قال : الإمام يحمل أوهام من خلفه إلّا تكبيرة الافتتاح» (2)الّذي استدلّ به في المستند (3)للمدّعى بالتقريب المزبور. ولكنّه غير ظاهر في ذلك لوضوح الفرق بين الحفظ والحمل ، فإنّ الأوّل وإن كان ظاهراً فيما ذكر ، لكنّ الثاني يشير إلى معنى آخر أجنبي عمّا نحن فيه.

فانّ المنسبق إلى الذهن من هذه الرواية خصوصاً بقرينة استثناء تكبيرة الإحرام إرادة المنسيات من الأوهام. ويكون حاصل المعنى حينئذ ضمان الإمام لكلّ خلل يستطرق صلاة المأموم نسياناً بعد تحقّق الائتمام منه بالدخول معه في تكبيرة الافتتاح ، بل يتناول ذلك حتّى نقص الركعة فضلاً عن أجزائها ما لم يتذكّر المنسي قبل فوات المحلّ.

غايته أنّه يرفع اليد عن هذا الإطلاق بالإضافة إلى الأركان ، بمقتضى الأدلّة الخاصّة الدالّة على البطلان لدى الإخلال بها ولو سهواً ، فيبقى ما عداها تحت الإطلاق. فلا يجب على المأموم شي‌ء حتّى لو استتبع الخلل سجود السهو ، فإنّ الإمام ضامن لكلّ ذلك ومتحمّل عن المأموم.

وعلى الجملة : فالظاهر من الرواية مع قطع النظر عن القرائن الخارجية


1) مصباح الفقيه (الصلاة) : 579 السطر 6.

2) الوسائل 8 : 240 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 24 ح 2.

3) المستند 7 : 215.

.................................................................................................


المانعة عن الأخذ بظاهرها هو ما ذكرناه ، وهو كما ترى أجنبي عن محلّ الكلام بالكلّية.

فتحصّل : أنّ الرواية بالمتن الأوّل وإن كانت ظاهرة فيما نحن فيه ولكنّها غير ثابتة ، وبالمتن الثاني وإن ثبتت ولكنّها غير مرتبطة حينئذ بالمقام رأساً حسبما عرفت.

هذا كلّه في رجوع الظانّ إلى المتيقّن ، وقد اتّضح أنّ الصحيح عدم الرجوع.

وأمّا بالإضافة إلى الشقّ الأوّل : أعني منعه (قدس سره) من رجوع الشاك إلى الظان فقد عرفت (1)أنّ الأقوى جواز رجوعه إليه ، كرجوعه إلى المتيقّن.

ويدلّ على ذلك أحد وجهين على سبيل منع الخلوّ ، وبهما يظهر فساد ما اختاره (قدس سره) من المنع.

أحدهما : أنّ المستفاد ممّا ورد في أدلّة الشكوك الباطلة والصحيحة من التقييد بعدم وقوع الوهم على شي‌ء كما في صحيحة صفوان (2)وغيرها أنّ الظنّ في باب الركعات حجّة ، بمعنى كونه طريقاً محرزاً وكاشفاً تعبّدياً عن الواقع قد اعتبره الشارع وجعله بمثابة العلم وبمنزلة اليقين ، لا أنّه حكم بمجرّد البناء عليه تعبّداً من غير لحاظ جهة الكاشفية والطريقية بحيث اكتفى في مرحلة الفراغ بالامتثال الاحتمالي والفراغ الظنّي.

فإنّ هذا بعيد عن مساق الأدلّة غايته ، ولا سيما موثّقة عمار المتضمّنة لقوله (عليه السلام) : «أ لا أُعلّمك شيئاً ...» (3)إلخ ، الّذي هو كالصريح في معالجة الشك على نحو يؤمن معه من الخلل ويقطع بحصول الامتثال على كلّ حال


1) في ص 39.

2) الوسائل 8 : 225 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 15 ح 1.

3) الوسائل 8 : 213 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 8 ح 3 [الظاهر ضعفها سنداً].

.................................................................................................


فيظهر منه لزوم الاتّكال في مرحلة الامتثال على ما يحرز معه الواقع ، ولو بإحراز تعبّدي وطريق كاشف شرعي ، وعدم كفاية الامتثال الاحتمالي ولو ظنّاً.

وعلى الجملة : فاعتبار الظن المزبور إنّما هو بلحاظ الطريقية والكاشفية ، فهو بمثابة من قامت عنده البيّنة الشرعية ، وكلاهما بمنزلة العالم بالواقع ، المحرز له ولو تعبّداً.

وعليه فالظان المزبور متّصف بعنوان الحافظ ، فيشمله قوله (عليه السلام) (1): «ليس على الإمام سهو إذا حفظ عليه من خلفه» ، فانّ المراد بالحفظِ الأعم من الحفظ الوجداني والتعبّدي كما هو ظاهر ، ونتيجة ذلك بعد لحوق الظن باليقين رجوع الشاك إلى الظان كرجوعه إلى المتيقّن.

ثانيهما : أنّا لو أغمضنا عمّا ذكرناه وسلمنا عدم دلالة النصوص إلّا على مجرّد البناء العملي على الظن لمن حصل له ، من غير نظر إلى جهة الكشف والطريقية ، كما هو الحال في الأُصول العملية فنقول : يكفينا في جواز الرجوع في المقام إطلاق صحيحة حفص (2)كما أشرنا إليه فيما مرّ ، فانّ السهو لغة وإن اختصّ بموارد الغفلة والنسيان لكنّه يطلق على الشكّ كثيراً ، بل قد شاع استعماله فيه في لسان الأخبار (3)إمّا باعتبار كون الشاك ناسياً لصورة ما وقع أو بملاحظة كونه مسبّباً عن الغفلة وناشئاً عنها ، لكونها من مبادئ عروض الشك ، فأُطلق السهو عليه من باب تسمية المسبّب باسم سببه.

وكيف ما كان ، فهذا إطلاق شائع ذائع ، بخلاف الظن فإنّه لا علاقة بينه وبين السهو بوجه ، فلا يصحّ إطلاقه عليه أبداً.


1) في مرسلة يونس المتقدّمة في ص 31.

2) المتقدّمة في ص 33.

3) الوسائل 8 : 239 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 24 ح 1 ، 243 / ب 25 ح 1.

[2122] مسألة 7 : إذا كان الإمام شاكّاً والمأمومون مختلفين في الاعتقاد (1) لم يرجع إليهم إلّا إذا حصل له الظن من الرجوع إلى إحدى الفرقتين.


وعليه فلو كنّا نحن وهذه الصحيحة وقطعنا النظر عن أيّة قرينة داخلية أو خارجية لحكمنا بشمولها حتّى لما إذا كان الإمام والمأموم كلاهما شاكّين والتزمنا حينئذ بخروجهما عن إطلاق أدلّة الشكوك ، فلكلّ منهما البناء على ما يشاء.

إلّا أنّ هذه الصورة خارجة بالضرورة ، لما مرّ من القرينة الداخلية فضلاً عن الخارجية ، لظهورها في نفسها في اختصاص كلّ واحد منهما بالشكّ منفرداً عن الآخر ، ولذا أُورد النفي على كلّ منهما بحياله فقال (عليه السلام) : «ليس على الإمام سهو ، ولا على من خلف الإمام سهو» فلو كان شاملاً حتّى لهذه الصورة كان الأولى تبديل التعبير بعبارة أخصر بأن يقال : ليس في الجماعة سهو. فإطلاق النص منصرف عن هذا الفرض في حدّ ذاته.

وأمّا إذا اختصّ أحدهما بالشك وكان الآخر ظانّاً الّذي هو محلّ الكلام فلا قصور للإطلاق في شموله للشاك منهما بعد عدم صلاحيّته للشمول للظان لعدم صحّة إطلاق السهو على الظن كما مرّ ، فلا يعتني الشاك منهما بشكّه بمقتضى الإطلاق المزبور ، ولا معنى لعدم الاعتناء حينئذ إلّا الرجوع إلى ظنّ الآخر ، لعدم احتمال وظيفة أُخرى ما عدا ذلك كما هو ظاهر جدّاً.

فاتّضح أنّ التفصيل المذكور في المتن لا يمكن المساعدة عليه بوجه ، بل الصحيح هو التفصيل على عكس ما ذكره حسبما بيّناه ، فيرجع الشاك إلى الظان ولا يرجع الظان إلى المتيقّن ، سواء حصل الظن للشاك أم لا.

(1) كما لو انحصر المأموم في شخصين مثلاً واعتقد أحدهما أنّ الركعة ثالثة

[2123] مسألة 8 : إذا كان الإمام شاكّاً والمأمومون مختلفين بأن يكون بعضهم شاكّاً وبعضهم متيقّناً (1) رجع الإمام إلى المتيقّن منهم ، ورجع الشاك منهم إلى الإمام (1)لكن الأحوط إعادتهم الصلاة إذا لم يحصل لهم الظن وإن حصل للإمام.


واعتقد الآخر أنّها الرابعة والإمام شاك بينهما ، ولا ينبغي الإشكال في عدم رجوع الإمام حينئذ ، لا للتقييد بالاتفاق في مرسل يونس (2)، أو التصريح في ذيله بالمنع عن الرجوع إذا اختلف على الإمام مَن خلفه ، فإنّه من أجل الإرسال غير صالح للاستدلال كما مرّ.

بل لتعارض الحجّتين وتساقطهما ، فانّ دليل حجّية اعتقاد المأموم الحافظ بالإضافة إلى الإمام الشاك لا يمكن أن يشمل الفرقتين المختلفتين لامتناع التعبّد بالمتناقضين ، ولا إحداهما معيّنةً فإنّه ترجيح بلا مرجح ، ولا غير معيّنة إذ لا وجود لها في الخارج وراء كلّ منهما بخصوصه. وبعد التساقط كان المرجع إطلاق أدلّة الشكوك السليمة عما يصلح للتقييد.

هذا كلّه فيما إذا لم يحصل للإمام الظن من الرجوع ، وإلّا كان هو الحجّة لا قولهم كما نبّه عليه في المتن ، وهو واضح.

(1) لا ينبغي الإشكال حينئذ في جواز رجوع الإمام إلى المتيقّن منهم ، عملاً بإطلاق صحيحة حفص ، لعدم اعتبار الاتفاق في اليقين في جواز الرجوع وإن تضمّنته مرسلة يونس ، فانّ المراد على تقدير اعتبارها أن لا يكون المأمومون مختلفين في اليقين. فلا مانع من شمولها لما إذا كان بعضهم متيقّناً


1) (*) فيه إشكال إذا لم يحصل الظن للإمام.

2) المتقدّمة في ص 31.

.................................................................................................


والبعض الآخر شاكّاً ، وإلّا لأشكل إحراز هذا الشرط كما لا يخفى.

فالعبرة بحصول اليقين لطبيعي المأموم ، المتحقّق بيقين بعضهم كما هو الغالب المتعارف في الجماعات المنعقدة ولا سيما مع كثرة المأمومين من رجوع الإمام إلى اليقين الحاصل من بعضهم ، ولا يشترط حصوله من الكل.

وبعبارة اخرى : لو كان هذا المأموم المتيقّن وحده جاز رجوع الإمام إليه بلا إشكال ، فلا يحتمل أن يكون ضمّ الآخرين الشاكّين مانعاً عن هذا الرجوع كما لا يخفى.

إنّما الكلام في أنّ الإمام بعد رجوعه إلى المتيقّن هل يرجع إليه الشاك من المأمومين؟ حكم في المتن بجواز الرجوع.

وهو كما ترى مشكل جدّاً ، لعدم الدليل عليه بعد أن لم يكن الإمام بنفسه مصداقاً للحافظ بمجرّد الرجوع إلى المتيقّن منهم ليرجع إليه الشاك. فشرط الرجوع وهو حفظ الإمام غير حاصل في المقام ، إلّا إذا فرض حصول الظن للإمام.

على أنّ هذا لا ينسجم مع ما بنى (قدس سره) عليه فيما مرّ (1)من عدم رجوع الشاك إلى الظان ، فإنّ غاية ما هناك حصول الظن للإمام من رجوعه إلى المأموم المتيقّن ، وإلّا فليس هو متيقّناً في نفسه ، فكيف يرجع إليه المأموم الشاك مع فرض البناء على عدم رجوع الشاك إلى الظان.

وبالجملة : إن كان شرط الرجوع حفظ الآخر ويقينه فهو غير حاصل في كلا الموردين ، وإن كان مطلق قيام الحجّة فهو حاصل في الموردين معاً. فالتفكيك بين المسألتين صعب جدّاً ، لكونهما من واد واحد ، وارتضاعهما من ثدي فأرد.


1) في ذيل الموضع السادس ممّا لا يلتفت إلى الشك فيه ، قبل المسألة [2122].

.................................................................................................


هكذا أُورد عليه (قدس سره) في المقام.

أقول : الظاهر أنّ المناط في إحدى المسألتين مغاير لما هو المناط في المسألة الأُخرى ، وليستا من واد واحد ، بل لا بدّ من التفكيك والتفصيل إمّا على النحو الّذي صنعه (قدس سره) من الالتزام بعدم الرجوع هناك والرجوع في المقام أو على عكس ذلك ، وهو الصحيح كما ستعرف.

أمّا وجه ما اختاره (قدس سره) من التفصيل فعدم رجوع الشاك إلى الظان الّذي ذكره في المسألة السابقة مبني على أنّ الشرط في الرجوع كون الآخر حافظاً على ما نطقت به مرسلة يونس المتقدّمة (1)، والظان ليس بحافظ ، بدعوى أنّ غاية ما يستفاد ممّا دلّ على حجّية الظنّ في الركعات لزوم البناء عليه في مقام العمل ، ومجرّد الجري على طبقه تعبّداً لخصوص من حصل له الظن لا غيره ، فلا يكون منزّلاً منزلة العلم في جميع الآثار ليصدق عليه عنوان الحافظ ولو تنزيلاً حتّى يرجع إليه الشاك في المقام.

وهذه الدعوى وإن كانت مخدوشة من جهات ، التي منها ضعف المرسلة وعدم صلاحيّتها للاستناد كما أسلفناه. إلّا أنّ نظره الشريف مبني على ذلك.

وأمّا حكمه (قدس سره) برجوع الشاك من المأمومين إلى الإمام فيما نحن فيه فالوجه فيه أنّ صحيحة حفص (2)تضمّنت نفي السهو عن الإمام ، المقيّد طبعاً بحفظ الآخر كما مرّ ، وهذا متحقّق في المقام عند ملاحظة الإمام مع المأموم المتيقّن ، فيشمله إطلاق الصحيح ويحكم بمقتضاه على الإمام بعدم كونه ساهياً لما عرفت من دلالة الصحيحة على نفي موضوع السهو في هذه الحالة.


1) في ص 31.

2) المتقدّمة في ص 33.

.................................................................................................


وبديهي أنّ نفي السهو ملازم للحفظ ، لعدم الواسطة بينهما ، فلا مانع عندئذ من رجوع المأموم الشاك إليه بعد صيرورة الإمام مصداقاً للحافظ ، وعدم كونه ساهياً في نظر الشارع ولو ببركة إطلاق الصحيح.

فلأجل اختصاص المقام بهذا الدليل الحاكم تفترق هذه المسألة عن المسألة السابقة ، إذ لم يكن ثمّة ما يدلّ على أنّ الظان حافظ ليرجع إليه الشاك بعد فرض عدم كون الظنّ بمجرّده حفظاً كما بنى عليه (قدس سره) فلا يشمله إطلاق الصحيح. وهذا بخلاف ما نحن فيه ، فانّ الدليل هنا موجود ، وهو الإطلاق المزبور ، الّذي هو بلسان نفي السهو ، المستلزم للحفظ حسبما عرفت. فلم تكن المسألتان من واد واحد.

ولكنّ الصحيح كما عرفت البناء على عكس هذا التفصيل ، فيرجع الشاك إلى الظان في المسألة السابقة ، ولا يرجع الشاك من المأمومين إلى الإمام في محلّ الكلام.

أمّا الأوّل : فقد مرّ البحث حوله مستقصى (1)ولا نعيد. وعرفت أنّ الظن بمقتضى دليل اعتباره ملحق باليقين ، فيشمله ما دلّ على رجوع الشاك إلى المتيقّن.

وأمّا الثاني : فلقصور صحيحة حفص عن الشمول للمقام ، أعني رجوع المأموم الشاك إلى الإمام الراجع إلى المتيقّن من المأمومين ، وذلك لأنّ الصحيحة إنّما تنظر إلى نفي أحكام السهو الثابتة بالأدلّة الأوّلية من البناء على الأكثر والإتيان بركعة الاحتياط أو بسجود السهو ، أو الإتيان بالمشكوك فيه إن كان الشك في المحل بناءً على شمولها للشكّ في الأفعال كالركعات ، ونحو ذلك من الآثار المترتّبة على الشكّ بمقتضى الجعل الأوّلي.


1) في ص 39 وما بعدها.

.................................................................................................


وأمّا الحكم الثابت بمقتضى هذه الصحيحة نفسها والمجعول بنفس هذا الدليل أعني رجوع الشاك إلى الحافظ وفرض سهوه كلا سهو ، الّذي لم يكن ثابتاً من ذي قبل وإنّما تحقّق بنفس هذا الجعل ، فلا يمكن أن تشمله الصحيحة كي يحكم بمقتضاها برجوع المأموم الشاك إلى الإمام المنفي عنه السهو ، لأنّ نفي السهو عنه إنّما ثبت بنفس هذا الجعل فكيف يعمّ الجعل نفسه.

وبعبارة اخرى : هذه الصحيحة المتكفّلة لنفي الحكم بلسان نفي الموضوع حاكمة على ما عداها من أدلّة الشكوك ، فلا بدّ وأن يفرض في مرتبة سابقة حكم متعلّق بموضوعه لتكون هذه الصحيحة ناظرة إليه ، وأمّا الحكم المتحصّل من هذه الصحيحة والمجعول بنفس هذا الجعل وهو فرض الساهي حافظاً لدى حفظ الآخر فلا يمكن أن تنظر إليه الصحيحة ، ليحكم من أجله بنفي السهو عن المأموم الشاك وجواز رجوعه إلى الإمام.

لا أقول : إنّ هذا غير معقول ، كيف وقد بيّنا إمكانه بالوجوه المذكورة في محلّها (1).

بل أقول : إنّ هذا خلاف المتراءى من ظاهر الدليل ، ولا يكاد يساعده الفهم العرفي بوجه.

فان قلت : إنّ الصحيحة تنحلّ إلى حكمين وتشتمل على جعلين : أحدهما نفي السهو عن الإمام ، والآخر نفيه عن المأموم. فالسهو منفي عن الإمام الراجع إلى المأموم الحافظ بمقتضى الجعل الأوّل ، وهو منفي عن المأموم الشاك الراجع إلى الإمام الحافظ المعتبر في حقّه الحفظ في الجعل الأوّل بمقتضى الجعل الثاني ، فلا مانع من شمول الصحيحة للمقام.


1) لعلّه ناظر إلى ما في مصباح الأُصول 2 : 175.

[2124] مسألة 9 : إذا كان كلّ من الإمام والمأمومين شاكّاً (1) فان كان شكّهم متّحداً كما إذا شكّ الجميع بين الثلاث والأربع عمل كلّ منهم عمل ذلك الشك ، وإن اختلف شكّه مع شكّهم فان لم يكن بين الشكّين قدر مشترك كما إذا شكّ الإمام بين الاثنتين والثلاث والمأمومون بين الأربع والخمس يعمل كلّ منهما على شاكلته ، وإن كان بينهما قدر مشترك كما إذا شكّ أحدهما بين الاثنتين والثلاث والآخر بين الثلاث والأربع يحتمل رجوعهما إلى ذلك القدر المشترك ، لأنّ كلا منهما نافٍ للطرف الآخر من شكّ الآخر.


قلت : كلا ، بل هي مشتملة على جعل واحد ليس إلّا وإن تضمّنت بسطاً في الكلام ، إذ لا عبرة بالعبارة بعد وضوح المرام ، فمفادها ليس إلّا نفي السهو عن الشاك منهما عند حفظ الآخر. فيعود الإشكال المزبور من امتناع الشمول للمقام حسبما عرفت.

وقد ظهر بما ذكرناه أنّ الاحتياط المذكور في المتن من إعادة الصلاة إذا لم يحصل لهم الظنّ في محلّه ، بل لا مناص من رعايته.

(1) قدّمنا أنّ الإمام إذا كان شاكّاً والمأمومون متّفقون في الاعتقاد رجع إليهم ، ولو كانوا مختلفين في الاعتقاد لم يرجع لمكان المعارضة ، ولو كان بعضهم معتقداً والبعض الآخر شاكّاً رجع إلى المعتقد منهم ، وفي رجوع الشاك حينئذ إلى الإمام كلام قد تقدّم. وقد مرّ الكلام حول هذه كلّها مستقصى.

وأمّا إذا كان الإمام والمأمومون كلّهم شاكّين فان اتّحدوا في نوع الشك كما لو شكّ كلّ منهم بين الثلاث والأربع عمل الجميع بموجبه ، ولا موضوع للرجوع حينئذ كما هو ظاهر.

وأمّا إذا اختلف الإمام مع المأمومين في نوعية الشك فهو على قسمين :

.................................................................................................


أحدهما : أن يكون الشكّان متباينين بالكلّية ، بحيث لا يكون ثمّة قدر مشترك بينهما ، كما إذا شكّ الإمام بين الثنتين والثلاث والمأمومون بين الأربع والخمس. ولا ريب في عدم الرجوع حينئذ أيضاً ، لعلم كلّ منهما بخطإ الآخر ، بعد أن كان طرفا الشك من كلّ منهما مخالفاً لطرفيه من الآخر. فلا مناص وقتئذ من أن يعمل كلّ منهما على شاكلته ، ويصنع حسب وظيفته من الإتيان بموجب شكّه.

ثانيهما : أن يكون بين الشكّين قدر مشترك يجمعهما ، بأن يكون أحد طرفي الشك من أحدهما بعينه طرفاً للشك من الآخر ، كما لو شكّ أحدهما بين الاثنتين والثلاث والآخر بين الثلاث والأربع ، أو أحدهما بين الثلاث والأربع والآخر بين الأربع والخمس ، فانّ الثلاث في المثال الأوّل والأربع في المثال الثاني طرف لكلّ من الشكّين.

وقد احتمل في المتن رجوع كلّ منهما حينئذ إلى ذلك القدر المشترك ، بل نُسب ذلك إلى المشهور ، نظراً إلى أنّ كلا منهما نافٍ للطرف الآخر من شكّ الآخر.

وذلك لأنّ الشك الحاصل لكلّ منهما ينحلّ إلى الشك من جهة وإلى الجزم من جهة أُخرى ، فإنّ الشاك بين الثنتين والثلاث في المثال الأوّل شاك في الثالثة وجازم بعدم الرابعة ، كما أنّ الشاك بين الثلاث والأربع شاك في الرابعة وجازم بوجود الثالثة ، فيرجع كلّ منهما في مورد شكّه إلى جزم الآخر وحفظه ، تمسّكاً بإطلاق صحيحة حفص المتقدّمة (1)فينفي الأوّل شكّه في الثالثة بجزم الثاني بوجودها ، كما ينفي الثاني شكّه في الرابعة بجزم الأوّل بعدم وقوعها. ونتيجة ذلك بنائهما معاً على الثلاث وإتمام الصلاة عليه.

وهكذا الحال في المثال الثاني ، أعني شكّ أحدهما بين الثلاث والأربع


1) في ص 33.

.................................................................................................


والآخر بين الأربع والخمس ، فيبنيان معاً على الأربع ، المستنتج من رجوع كلّ منهما في مورد الشك إلى حفظ الآخر كما لا يخفى.

وهذا الاحتمال هو الأقوى ، عملاً بإطلاق الصحيح كما عرفت ، ولا تعتريه شائبة الإشكال عدا ما يتوهّم من انصراف الصحيح وغيره من أدلّة المقام عن مثل ذلك ، بدعوى أنّها ناظرة إلى ما إذا كان الآخر حافظاً بقول مطلق ، فلا تعمّ ما لو كان حفظه مختصّاً بجهة مع كونه ساهياً من الجهة الأُخرى كما في المقام ، فانّ هذا الفرض خارج عن منصرف النصوص ، ومعه يشكل رفع اليد عن عمومات أدلّة الشكوك الصحيحة أو الباطلة.

ولكنّه كما ترى انصراف بدوي غير مبني على أساس صحيح ، ولم يعرف له وجه سوى ندرة الوقوع خارجاً ، التي لا تصلح منشأ للانصراف كما هو مقرّر في محلّه (1).

فلا مانع من التمسّك بالإطلاق سيما بعد موافقته مع الارتكاز العرفي ومناسبة الحكم والموضوع ، القاضية بابتناء الحكم على إرادة نفي السهو عن كلّ من الإمام والمأموم فيما حفظ عليه الآخر مطلقاً. فكأنّ الصلاة الصادرة منهما صلاة واحدة وإن صدرت عن شخصين وكان المباشر لها اثنين. فالحفظ من كلّ منهما في أيّ جهة كان يعدّ حفظاً من الآخر بعد فرض اعتبارها صلاة واحدة.

ومن هنا لا ينبغي التشكيك في أنّ أحدهما لو كان شاكّاً في الأفعال حافظاً للركعات ، والآخر بالعكس رجع الشاك إلى ما يحفظه الآخر بناءً على شمول الرجوع للشك في الأفعال ، وليس الوجه إلّا ما عرفت من كفاية الحفظ من جهة في صحّة الرجوع ، أخذاً بإطلاق النصوص.


1) محاضرات في أُصول الفقه 5 : 373.

لكن الأحوط إعادة الصلاة (1)بعد إتمامها (1)


(1) لا يخفى أنّ هذا الاحتياط لا يستقيم على إطلاقه ، إذ قد لا يستوجب الرجوع إلى القدر المشترك بطلان الصلاة بوجه ، حتّى لو لم يكن الرجوع صحيحاً كي يحتاط بالإعادة ، وإنّما يتّجه فيما لو كان الرجوع مستلزماً للبطلان لولا صحّة الرجوع.

ففي المثال المذكور في المتن لا وجه للإعادة بالنسبة إلى الشاك بين الثنتين والثلاث ، الباني على الثلاث بمقتضى رجوعه إلى القدر المشترك ، فانّ الرجوع لو كان صحيحاً بحسب الواقع لكونه مشمولاً لإطلاق الصحيح فقد أتى بوظيفته وإن لم يكن صحيحاً لأجل انصراف النص عنه فوظيفته هو البناء على الثلاث أيضاً ، غايته أنّه يلزم عليه الإتيان بركعة الاحتياط بعد الصلاة. فرعايته للاحتياط لا تستدعي أكثر من الإتيان بهذه الركعة المفصولة ، لا إعادة الصلاة من أصلها كما هو ظاهر المتن.

نعم ، الإعادة هو مقتضى الاحتياط بالنسبة إلى الشاك بين الثلاث والأربع إذ لو لم يصح الرجوع إلى القدر المشترك لانصراف النص عنه فهو مأمور واقعاً بالبناء على الأربع والإتيان بركعة مفصولة ، فالبناء على الثلاث والإتيان بالركعة الموصولة يستلزم زيادة الركعة المستوجبة للبطلان. فلا يتحقّق الاحتياط هنا إلّا بإعادة الصلاة.

ولو فرضنا أنّ أحدهما شاك بين الثلاث والأربع ، والآخر بين الأربع والخمس لا مقتضي حينئذ للإعادة في شي‌ء منهما ، لأنّ وظيفتهما معاً هو البناء على الأربع على كلّ حال ، أي سواء شملهما النص وقلنا بصحّة الرجوع إلى القدر


1) (*) لا بأس بتركه لقوّة الاحتمال المزبور.

وإذا اختلف شكّ الإمام مع المأمومين وكان المأمومون أيضاً مختلفين في الشكّ لكن كان بين شكّ الإمام وبعض المأمومين قدر مشترك (1) يحتمل رجوعهما إلى ذلك القدر المشترك ثمّ رجوع البعض الآخر إلى الإمام (1)لكن الأحوط مع ذلك إعادة الصلاة أيضاً ، بل الأحوط في جميع صور أصل المسألة إعادة الصلاة إلّا إذا حصل الظنّ مع رجوع أحدهما إلى الآخر.


المشترك ، أم لم يشمل وادّعينا الانصراف عنه.

غايته أنّه على الثاني يجب عليهما العمل بعد الصلاة بموجب الشك من الإتيان بركعة الاحتياط في الأوّل ، وسجود السهو في الثاني ، فيتحقّق الاحتياط بمجرّد ذلك ، إلّا إذا فرضنا أنّ الثاني أعني الشاك بين الأربع والخمس قد حصل له الشك في حال الركوع أو قبل إكمال السجدتين ، بحيث كان شكّه مبطلاً لولا صحّة الرجوع ، فيتوقّف الاحتياط حينئذ بالنسبة إليه على إعادة الصلاة.

وعلى الجملة : لا يحسن إطلاق القول باقتضاء الاحتياط للإعادة كما هو ظاهر عبارة المتن ، بل يختص بما إذا كان الرجوع إلى القدر المشترك في مورد الشكوك الباطلة أو الصحيحة المقرونة بزيادة مبطلة ، ويختلف ذلك باختلاف الموارد حسبما فصّلناه.

وكيف ما كان ، فهذا الاحتياط استحبابي لا بأس بتركه ، لقوّة الاحتمال الّذي ذكره في المتن من الرجوع إلى القدر المشترك كما عرفت بما لا مزيد عليه.

(1) الكلام هنا هو الكلام في سابقه ، فيرجع كلّ من الإمام والمأموم إلى


1) (*) مرّ الإشكال فيه آنفا.

السابع : الشك في ركعات النافلة (1)(1)


ما بينهما من القدر المشترك بعين المناط المتقدّم من الأخذ بإطلاق صحيحة حفص. وانضمام المأموم الآخر الّذي لا جامع بينه وبين الإمام غير قادح بعد وضوح أنّ وجوده وعدمه سيّان من هذه الجهة ، كما مرّ (2)نظيره من رجوع الإمام إلى المأموم المتيقّن وإن كان مقروناً بمأموم آخر شاك ، حيث عرفت أنّ الإمام يرجع إلى الأوّل لو كان منحصراً فيه ، فلا يحتمل أن يكون وجود الآخر مانعاً.

نعم ، لا يرجع هذا المأموم إلى الإمام ما لم يحصل الظن للإمام من رجوعه إلى القدر المشترك وإن ذكر الماتن رجوعه إليه على الخلاف المتقدّم بيننا وبينه في المسألة السابقة فلاحظ.

وعلى هذا فلو شكّ الإمام بين الثلاث والأربع وبعض المأمومين بين الاثنتين والثلاث وبعضهم بين الاثنتين والثلاث والأربع بنى الأوّلان على الثلاث ، وعمل الأخير الّذي لا جامع بينه وبين الإمام بموجب شكّه ، نعم لا يبعد رجوعه إليه في نفي الاثنتين.

(1) المعروف والمشهور بل لا خلاف فيه في الجملة أنّ الشاك في ركعات النافلة لا تجري في حقّه أحكام الشك في الفريضة المتقدّم تفصيلها من البطلان أو البناء على الأكثر ونحو ذلك ، بل هو مخيّر بين البناء على الأقل أو البناء على الأكثر ما لم يكن مفسداً ، وإلّا فيبني على الأقل أيضاً. فهو مخيّر شرعاً بين الأمرين ، وله إتمام الصلاة بكلّ من النحوين بقصد الأمر الفعلي.


1) (*) بشرط أن لا تعرضها صفة الوجوب بنذر ونحوه ، وإلّا بطلت الصلاة على الأظهر.

2) في ص 47.

.................................................................................................


إنّما الكلام في مستنده بعد أن كان التخيير بهذا المعنى مخالفاً لمقتضى القاعدة فإنّ القاعدة الأوّلية تقتضي هنا البناء على الأقل ، استناداً إلى أصالة عدم وقوع الركعة المشكوك فيها.

فانّ ما دلّ على سقوط الاستصحاب وعدم حجّيته في باب الشكّ في الركعات خاص بالفرائض ، فيكون المرجع فيها بعد السقوط قاعدة الاشتغال المقتضية للإعادة ، تحصيلاً للفراغ الجزمي ما لم يثبت التصحيح بوجه شرعي كما في موارد الشكوك الصحيحة.

وأمّا في النوافل فحيث لا دليل على السقوط فتبقى مشمولة لإطلاق دليل الحجّية بعد سلامته عن التقييد ، ونتيجة ذلك هو البناء على الأقل كما عرفت فيتم معه الصلاة بقصد الأمر الجزمي الظاهري الناشئ من قِبل الاستصحاب.

نعم ، له البناء على الأكثر أيضاً لكن رجاءً ، إذ لا يترتّب عليه عدا احتمال نقصان الصلاة المستلزم لبطلانها ، ولا محذور في ذلك بعد جواز قطع النافلة ورفع اليد عنها حتّى اختياراً.

وبعبارة واضحة : أنّ مجرّد الشك لا يكون مانعاً عن المضي والبناء على ما يشاء بقصد الرجاء حتّى في الفريضة لولا ما ثبت فيها من حرمة القطع ، غايته أنّه لا يترتّب على ذلك إلّا الموافقة الاحتمالية غير المجدية في مثلها بعد أن كان المطلوب فيها الخروج عن عهدتها بالفراغ اليقيني.

وأمّا في النوافل فحيث لا يحرم قطعها ولا يجب الخروج عن عهدتها فلا مانع من المضي على الشك والبناء على أحد الطرفين المحتمل مطابقته مع الواقع غاية ما هناك عدم حصول الجزم بالإطاعة ، ولا محذور فيه بعد أن جاز تركها رأساً ، فضلاً عن الاقتصار على الامتثال الاحتمالي.

ومنه تعرف أنّ مقتضى القاعدة في النوافل هو التخيير بين الأقل والأكثر

.................................................................................................


لكن بالمعنى الّذي عرفت ، أعني البناء على الأقل والإتيان بالامتثال الجزمي أو البناء على الأكثر والاقتصار على الامتثال الاحتمالي.

لكن التخيير بهذا المعنى غير التخيير المنسوب إلى المشهور من البناء على كلّ منهما على أنّه الوظيفة الفعلية الشرعية وبقصد الأمر الجزمي على التقديرين.

فلا بدّ إذن من النظر إلى الأخبار التي استدلّ بها على التخيير بالمعنى المشهور.

فمنها : قوله (عليه السلام) فيما رواه إبراهيم بن هاشم في نوادره : «ولا سهو في نافلة ...» إلخ (1)بدعوى دلالته على أنّ السهو الّذي هو بمعنى الشك ملغى في النافلة وغير ملتفت إليه ، فوجوده كالعدم ، فيبني على وقوع المشكوك فيه إلّا إذا كان مفسداً فيبني على عدمه.

وفيه : مضافاً إلى ضعف السند بكلا طريقيه من جهة الإرسال كما تقدّم (2)أنّها قاصرة الدلالة ، فإنّ هذه الفقرة من الرواية مع قطع النظر عن القرينة الخارجية من الإجماع ونحوه القائم على ثبوت التخيير في النافلة مجملة لم يعلم المراد منها ، فانّ المعني به في سائر الفقرات أُمور مختلفة حسب اختلاف الموارد.

ففي الفقرة الاولى أعني قوله (عليه السلام) : «ليس على الإمام سهو» وقوله : «ليس على مَن خلف الإمام سهو» يراد منها نفي أحكام الشك الأعم من الصحيحة والباطلة ، ورجوع كلّ من الإمام والمأموم إلى الآخر للمتابعة.


1) الوسائل 8 : 241 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 24 ح 8.

2) في ص 31 ، وقد أسند الرواية في مصباح الفقيه (الصلاة) : 587 السطر 21 إلى حسنة ابن البختري ، ولعلّه سهو من قلمه الشريف.

.................................................................................................


وفي قوله : «لا سهو في سهو» معنى آخر تقدّم البحث عنه (1)على ما هو عليه من الإجمال كما مرّ (2). وفي قوله : «ولا في المغرب سهو» وكذا الفقرتان اللّتان بعده ، المراد بطلان الصلاة.

وأمّا قوله : «لا سهو في نافلة» فلم يعلم أنّ المراد هل هو البطلان أيضاً كما في سابقه ، أو البناء على الاحتمال المصحّح من طرفي الشك من البناء على الأكثر إلّا إذا كان مفسداً فعلى الأقل ، كما في مثل قوله : لا سهو لمن كثر عليه السهو (3)على ما مرّ (4). فهذه الفقرة في نفسها غير بيّنة ولا مبيّنة ، فهي مجملة لا يمكن الاستدلال بها بوجه.

على أنّ غايتها الدلالة على البناء على الأكثر ، لا التخيير بينه وبين الأقل وإن لم يكن مفسداً ، إلّا بمعونة القرينة الخارجية من إجماع ونحوه كما لا يخفى.

ومنها وهي العمدة - : صحيحة محمّد بن مسلم المرويّة بطريقين كلاهما صحيح قال : «سألته عن السهو في النافلة ، فقال : ليس عليك شي‌ء» (5).

بتقريب أنّ المنفي سواء أكانت النسخة (عليك) بصيغة الخطاب كما أثبتناه أم بصيغة الغياب كما في بعض النسخ ، وسواء أرجع الضمير على هذا التقدير إلى السهو أم إلى الساهي ليس هو الحكم التكليفي والوجوب النفسي بالضرورة إذ لا مجال لتوهّم ذلك حتّى في الفرائض لولا ما ثبت فيها من حرمة القطع


1) شرح العروة 18 : 301.

2) في ص 35.

3) [الظاهر إرادة قوله (عليه السلام) : «إذا كثر عليك السهو فامض في صلاتك ...» الوسائل 8 : 227 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 16 ح 1].

4) في ص 4 وما بعدها.

5) الوسائل 8 : 230 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 18 ح 1.

.................................................................................................


فضلاً عن النوافل كي يتصدّى لنفيه ، ومن ثمّ ذكرنا فيما سبق أنّه بناءً على جواز القطع لم يكن الشاك ملزماً بالعمل بأحكام الشكوك ، لأنّ الدليل المتعرّض لها لم يكن إلّا بصدد العلاج والتصحيح دون التكليف والإلزام الشرعي.

وإنّما المنفي هو الحكم الوضعي والوجوب الشرطي الّذي كان ثابتاً في الفريضة من البناء على الأكثر ونحوه ، ومرجع ذلك إلى أنّ الشاك في ركعات النافلة لم يجعل في حقّه شي‌ء ، ولم يكن تصحيح صلاته منوطاً ومتوقّفاً على شي‌ء.

وهذا كما ترى بنفسه مساوق للتخيير وأنّ له البناء على ما يشاء من الأقل أو الأكثر ، لاندراج ما عداه من البطلان أو تعيّن البناء على الأكثر أو الأقل في المنفي ، ضرورة صدق وجوب شي‌ء عليه لو ثبت واحد من هذه الأُمور. فإطلاق نفي الشي‌ء لا يجتمع إلّا مع التخيير.

نعم ، قد يناقش بعدم وضوح إرادة الشك من السهو ، فمن الجائز إرادة السهو بالمعنى المعروف المنسبق إلى الذهن عند إطلاقه ، المساوق للغفلة والنسيان.

ويدفعه أوّلاً : أنّ إطلاق السهو على الشكّ كثيراً في لسان الأخبار يجعله ظاهراً إمّا في إرادته بالخصوص أو لا أقلّ من الأعم منه ومن المعنى المزبور فيكون الشك هو المتيقّن إرادته من لفظ السهو.

وثانياً : مع الغض عن ذلك فلا ريب في جواز إرادته من اللّفظ ، لشيوع إطلاقه عليه. فكان على الإمام (عليه السلام) عندئذ استفصال السائل عما يريده من هذا اللفظ. فإطلاق الجواب المستفاد من ترك الاستفصال دالّ على العموم.

وعلى الجملة : فهذه الصحيحة بنفسها دالّة على التخيير بالمعنى المشهور ، من دون حاجة إلى التماس دليل آخر أو انضمام قرينة أُخرى من إجماع ونحوه.

لكنّ هذا مبني على أن يكون متن الحديث ما أثبتناه ، أعني قوله (عليه

سواء كانت ركعة كصلاة الوتر أو ركعتين كسائر النوافل أو رباعية (1) كصلاة الأعرابي ، فيتخيّر عند الشك بين البناء على الأقل أو الأكثر إلّا أن يكون الأكثر مفسداً فيبني على الأقل ،


السلام) : «ليس عليك شي‌ء» ، وأمّا لو كان ذلك مع إبدال «شي‌ء» ب- «سهو» كما في بعض النسخ فلا تدلّ الصحيحة حينئذ إلّا على انتفاء حكم السهو وعدم الاعتناء بالشك ، الّذي نتيجته البناء على الأكثر ما لم يكن مفسداً وإلّا فعلى الأقل ، فيكون مساقها مساق ما تقدّم في كثير الشك. فلا دلالة لها حينئذ على التخيير بين الأقل والأكثر كما كان كذلك بناءً على نسخة (شي‌ء) كما عرفت هذا.

ولكن نسخة (سهو) لم توجد إلّا في بعض كتب الفقهاء كصاحب الحدائق (1)وبعض من تأخّر عنه ، وإلّا فقد راجعنا مصادر الحديث وهي المعتمد من الكافي (2)بطبعتيه القديمة والحديثة والوافي (3)ومرآة العقول (4)والوسائل فوجدنا اتّفاق الكلّ على ما أثبتناه مع نوع اختلاف بينها في ضمير الخطاب والغياب كما أشرنا إليه ، غير القادح في الاستدلال. فلا يعبأ إذن بتلك النسخة غير الموجودة في شي‌ء من المصادر. وعليه فلا مانع من الاستدلال بالصحيحة على المطلوب حسبما عرفت.

(1) بلا خلاف فيه ، لإطلاق النص ، أعني صحيح ابن مسلم المتقدّم الشامل


1) الحدائق 9 : 346.

2) الكافي 3 : 359 / 6.

3) الوافي 8 : 1000 / 7592.

4) مرآة العقول 15 : 226 / 6.

.................................................................................................


لكلّ نافلة ، سواء كانت ذات ركعتين كما هو الغالب ، أم واحدة كالوتر ، أم أربع كصلاة الأعرابي ، أم ثمان كصلاة الغدير بناءً على ثبوتهما.

نعم ، يعارضه في الوتر صحيح العلاء المروي بطريقين كلاهما صحيح ، قال : «سألته عن الرجل يشك في الفجر ، قال : يعيد ، قلت : المغرب قال : نعم ، والوتر والجمعة ، مِن غير أن أسأله» (1)المؤيّد بحديث الأربعمائة (2)وإن لم يكن السند نقيّاً من أجل اشتماله على القاسم بن يحيى عن جدّه الحسن بن راشد ولم يوثّق لكن هذا السند بعينه موجود في أسانيد كامل الزيارات ، ولأجله بنينا أخيراً على اعتبار الحديث المزبور.

وقد جمع بينهما صاحب الوسائل بالحمل على الاستحباب (3)، وهو كما ترى.

وأضعف منه الجمع بحمل الوتر على ما لو وجب لعارض من نذر ونحوه ، إذ مضافاً إلى بُعده في نفسه لم يكن مختصّاً بالوتر ، بل يشمل عامّة النوافل المنذورة بناءً على أنّ الواجب بالعرض لم يكن ملحقاً بحكم الأصل. فلا وجه لتخصيص الوتر بالذكر.

ونحوه في الضعف ما عن صاحب الحدائق (4)من أنّ الوتر كما يطلق على مفردة الوتر يطلق كثيراً على المركّب منها ومن صلاة الشفع ، أعني مجموع الركعات الثلاث ، وعلى هذا الإطلاق يحمل الصحيح. وعليه فيكون الشك


1) الوسائل 8 : 195 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 2 ح 7 ، 14.

2) الوسائل 8 : 195 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 2 ح 7 ، 14.

3) الوسائل 8 : 230 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 18 ذيل ح 3.

4) الحدائق 9 : 167 ، ولكنّه يسنده إلى القيل ، ولم يصرِّح باختياره ، اللّهمّ إلّا أن يستفاد الإمضاء من عدم الرد ، نعم هو خيرة المحقّق الهمداني (قدس سره) ، لاحظ التنبيه الثالث من ص 588 السطر 33 من كتاب الصلاة من مصباح الفقيه.

والأفضل هو البناء على الأقل مطلقاً (1).


محمولاً على ما بين الثنتين والثلاث ، إذ الشك بين الواحدة والثنتين شكّ في الشفع حقيقة ولا مساس له بالوتر.

ومن المعلوم أنّ الشك المزبور أعني ما بين الثنتين والثلاث يرجع لدى التحليل إلى العلم بإيقاع الشفع والشكّ في تحقّق الوتر من أصله ، التي هي صلاة برأسها ، فيعود إلى الشك في أصل وجود الصلاة لا في ركعات الصلاة الموجودة. ومثله خارج عن دليل عدم السهو في النافلة كما لا يخفى. فينزّل صحيح العلاء على الشك في الوجود ، وبذلك يجمع بين الدليلين.

إذ فيه امتناع هذا التنزيل في الصحيح ، لمكان التعبير بقوله (عليه السلام) : «يعيد» فإنّ الإعادة هي الوجود الثاني بعد الوجود الأوّل الأعم من الصحيح والفاسد ، فلا بدّ من فرض صلاة موجودة في الخارج يشكّ في ركعاتها كي يحكم عليها بالإعادة ، وهذا لا يلائم مع الشك في أصل الوجود ، فكيف يحمل عليه الصحيح.

فالصحيح أن يقال : إن كان هناك إجماع على انسحاب الحكم وشموله للوتر فلا كلام ، ولأجله لا مناص من الحمل على الاستحباب على ما عليه من البُعد وإلّا فمقتضى الصناعة ارتكاب التخصيص واستثناء الوتر عن عموم حكم النافلة. وعليه فالأحوط لمن يريد إدراك الواقع إعادتها رجاءً وإلحاقها بالفريضة في الاعتناء بالشك ، عملاً بالصحيح المزبور.

(1) كما ادّعى عليه الإجماع في كلمات غير واحد. فان تمّ فهو المتبع ، وإلّا فتطالب دعوى الأفضلية بالدليل بعد تكافؤ الاحتمالين وتساوي الطرفين من غير ترجيح في البين.

.................................................................................................


وربما يستدل لها بأنّها مقتضى الجمع بين صحيح ابن مسلم المتقدّم وبين ما رواه الكافي بعد ذلك مرسلاً حيث قال : وروى أنّه إذا سها في النافلة بنى على الأقل (1). إذ لا يراد منها الإلزام ، لمنافاته مع الصحيحة المتقدّمة التي رواها أوّلاً فلا بدّ وأن يراد به الاستحباب.

ولكنّه لا يجدي في إثبات الاستحباب بعد ضعف المرسلة وعدم القول بالانجبار ، إلّا بناءً على قاعدة التسامح في أدلّة السنن ، وقد ذكرنا في محلّه (2)عدم تماميّة القاعدة ، لقصور أدلّتها عن إثبات الاستحباب الشرعي ، هذا.

ويمكن أن يستدل للأفضلية بابتنائها على ما سيجي‌ء (3)من التفصيل في النافلة بين نقصان الركن وزيادته ، وأنّ الأوّل مبطل لها كالفريضة دون الثاني.

إذ عليه لو بنى على الأقل يقطع معه بإدراك الواقع على كلّ تقدير ، بخلاف البناء على الأكثر ، لاحتمال النقص عندئذ الموجب للبطلان.

فالشاك بين الواحدة والثنتين لو بنى على الواحدة وأتى بركعة أُخرى فإن طابق الواقع فهو ، وإلّا فغايته زيادة ركعة سهواً ، ولا ضير فيها حسب الفرض. وأمّا لو بنى على الثنتين وكانت في الواقع واحدة فقد نقص عن صلاته ركعة وهي مشتملة على الركن من الركوع والسجود ، والمفروض أنّ نقصان الركن موجب للبطلان. ولأجله كان البناء على الأقل أفضل ، بمعنى أنّه يحرز معه الواقع على أيّ حال (4).


1) الوسائل 8 : 230 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 18 ح 2 ، الكافي 3 : 359 / 9.

2) مصباح الأُصول 2 : 319 وما بعدها.

3) في ص 73 وما بعدها.

4) لا يخفى أنّ ما أفاده سيِّدنا الأُستاذ (دام ظلّه) يصلح أن يكون سنداً للأولويّة دون الأفضليّة التي هي المدّعى ، إلّا أن تكون لزيادة الركعة المحتملة فضيلة في نفسها.

ولو عرض وصف النفل للفريضة كالمعادة ، والإعادة للاحتياط الاستحبابي والتبرّع بالقضاء عن الغير لم يلحقها حكم النفل ، ولو عرض وصف الوجوب للنافلة لم يلحقها حكم الفريضة ، بل المدار على الأصل (1).


ولعلّ ما في بعض الكلمات من التعليل بأنّه المتيقّن يرجع إلى ما ذكرناه ، فلا يرد عليه أنّ كون الأقل متيقّناً لا يقتضي أفضلية البناء عليه.

(1) قد عرفت افتراق النافلة عن الفريضة فيما لها من أحكام الشكوك ، التي مرجعها إلى البطلان تارة والبناء على الأكثر أُخرى مع التدارك بركعة الاحتياط وعلى الأقل ثالثة مع سجدتي السهو ، وأنّ هذه الأحكام خاصّة بالفريضة. أمّا الشك في النافلة فحكمه التخيير بين البناء على الأقل أو الأكثر ، وإن كان الأوّل أفضل كما مرّ.

فهل العبرة في هذين الحكمين بما كان نفلاً أو فرضاً بالذات وإن عرض عليه فعلاً ما يخرجه إلى ما يقابله من أحد الوصفين ، فالمدار على الأصل ، أم أنّ العبرة بما اتّصف بالنفل أو الفرض الفعليين وإن كان على خلاف مقتضى الطبع الأوّلي ، فلا اعتبار بالأصل؟

فنقول : لا شك أنّ النصوص المتكفّلة لأحكام الشكوك مطلقة في حدّ ذاتها وشاملة لعامّة الصلوات من الفرائض والنوافل ، وقد خرجنا عنها في النافلة بمقتضى صحيح ابن مسلم المتقدِّم (1)، فكلّ مورد علم اندراجه في عنوان المخصّص شمله حكمه ، وإلّا فمجرّد الشك كافٍ في صحّة الرجوع إلى الإطلاق على ما هو الشأن في كلّ مخصّص مجمل دائر بين الأقل والأكثر من الاقتصار على المقدار المتيقّن ، والرجوع فيما عداه إلى إطلاق الدليل.


1) في ص 60.

.................................................................................................


ولا ينبغي الريب في ظهور عنوان النافلة الوارد في لسان المخصّص فيما كان متّصفاً في حدّ ذاته بهذا العنوان كما في النوافل المرتّبة وأمثالها.

وعليه فلا ينطبق على الفريضة المتبرّع بها عن الغير ، إذ الصادر عن المتبرّع هو نفس الفريضة التي اشتغلت بها ذمّة الميّت المتبرّع عنه ، لا بداعي الأمر الوجوبي المتوجّه إليه الساقط بالموت ، لعدم صلاحيّته للداعوية إلّا بالإضافة إلى من خوطب به دون غيره الأجنبي عنه ، بل بداعي الأمر الاستحبابي المتوجّه إلى نفس النائب المتبرّع ، عملاً بإطلاقات أدلّة استحباب النيابة عن الغير في تفريغ ذمّته عن العبادات كتفريغ ذمّته عن الديون كما فصّلنا الكلام حول ذلك في مباحث القضاء (1).

وكيف ما كان ، فالمأتي به مصداق حقيقي للفريضة ، غاية الأمر أنّ المباشر لها هو النائب بدلاً عن المنوب عنه ، وليس هو من النافلة في شي‌ء إلّا بالإضافة إلى النائب دون المنوب عنه. فليس هو من النافلة في حدّ ذاته وبقول مطلق كي يشمله النص ، بل هو منصرف عنه ، فلا يعمّه حكمها قطعاً. ومع التنزّل فلا أقل من الشك في ذلك. وقد عرفت أنّ المرجع حينئذ إطلاق أدلّة الشكوك.

وأوضح حالاً الصلاة المعادة ، فانّ الإعادة هي الوجود الثاني للطبيعة المأتي بها أوّلاً ، فالطبيعة هي الطبيعة بعينها في كلا الوجودين ، غاية الأمر أنّ الأمر الاستحبابي قد تعلّق بإيجاد فرد آخر منها لدى انعقاد الجماعة ، إمّا من باب تبديل الامتثال بالامتثال أو من باب استحباب الإتيان بأفضل الفردين وإن سقط الأمر. وعلى أيّ حال فلا تخرج المعادة عن عنوان الفريضة وحقيقتها ولا تصدق عليها النافلة بوجه كي يشملها حكمها. ومع التشكيك في الصدق فالمرجع الإطلاق المزبور.


1) شرح العروة 16 : 208.

.................................................................................................


وأوضح حالاً منهما الإعادة للاحتياط الاستحبابي ، فإنّ معنى الاحتياط الإتيان بصلاة يقطع معها بإدراك الواقع بحيث يصح الاجتزاء بها على تقدير الخلل في الصلاة الاولى ، فلا بدّ من اشتمالها على جميع خصوصيّات الفريضة وأحكامها التي منها جريان عمليّة الشكّ بين الثلاث والأربع مثلاً لو اتّفق وقوعه فيها ، لكي يصح الاجتزاء لدى الاحتياج ويتحقّق معه مفهوم الاحتياط.

وعلى الجملة : فهذه الصلاة أيضاً فرد آخر من أفراد الطبيعة ومصداق من مصاديق الفريضة ، ولا يكاد ينطبق عليها عنوان النافلة بوجه.

وأوضح حالاً من الكلّ عبادة الصبي ، لخروجها عن المقسم رأساً ، ضرورة أنّ المركز والموضوع في تقسيم الصلاة إلى الفريضة والنافلة إنّما هو عنوان المكلّف المتوقّف صدقه على البلوغ ، فغير البالغ لم يتعلّق به أمر أصلاً. نعم استفدنا شرعية عبادته ممّا ورد من قوله (عليه السلام) : مروهم بالصلاة والصِّيام (1).

ومن المعلوم أنّ المأمور به هي نفس الفريضة الصادرة عن البالغين بما لها من الأحكام التي منها أحكام الشكوك ، فلا تعدو عن كونها تلك الحقيقة بعينها ولا مساس لها بالنافلة بوجه.

فدعوى أنّ الأولى عدّ عبادة البالغ واجبة بالعارض مستحبّة بالأصل لطروء البلوغ بعد الصبا ممّا لا محصّل لها كما لا يخفى.

وأمّا صلاتا الطواف والعيدين فهما في حدّ أنفسهما منقسمان إلى قسمين كانقسام الصلاة إلى صلاة الحاضر وصلاة المسافر ، ففريضة لدى استجماع الشرائط ونافلة لدى فقدانها ، وكلاهما مجعولان في الشريعة المقدّسة بالأصالة


1) الوسائل 4 : 19 / أبواب أعداد الفرائض ونوافلها ب 3 ح 5 ، 7 ، 8 ، 10 : 234 / أبواب من يصح منه الصوم ب 29 ح 3 (نقل بالمضمون).

.................................................................................................


كما في القصر والتمام ، لا أنّ أحدهما أصلي والآخر عرضي ، فهما نظير الصوم الّذي هو واجب في شهر رمضان مستحبّ في شهر شوال وكلاهما أصلي.

فكما لا يقال إنّ الصوم في شوال واجب بالأصل مستحب بالعرض فكذا لا يمكن القول بأنّ صلاة العيد في عصر الغيبة واجبة بالأصل مستحبّة بالعرض بل هي واجبة في عصر الحضور أصالة ومستحبّة في عصر الغيبة أصالة أيضاً.

وكذا في صلاة الطواف ، فانّ وجوبها أصلي في الطواف الواجب ، كما أنّ استحبابها أصلي أيضاً في الطواف المستحب. وعليه فيجري في كل من الحالتين ما يخصّها من حكم الشك ، فيعتنى به عند الاتصاف بالفرض ، ولا يعتنى لدى الاتصاف بالنفل.

فتحصّل : أنّ هذه الموارد المعدودة من قبيل الفرض بالأصل والنفل بالعرض ليس شي‌ء منها كذلك ، بل كلّها ما عدا الأخيرتين من مصاديق الفريضة سابقاً ولاحقاً ذاتاً وفعلاً ، وإنّما الاستحباب في الخصوصيات المقترنة بها ، التي لا تكاد تستوجب صحّة إطلاق النافلة عليها بوجه. فيشملها حكم الفريضة من الاعتناء بالشك إمّا قطعاً أو حتّى مع احتمال الاندراج في عنوان النافلة ، لكون المرجع حينئذ إطلاق أدلّة الشكوك أيضاً حسبما عرفت. وأمّا الأخيرتان فهما فرض في تقدير ونفل في تقدير آخر ، ويجري على كلّ تقدير حكمه كما مرّ.

وأمّا عكس ذلك ، أعني ما كان نفلاً بالأصل فرضاً بالعرض كما في النافلة الواجبة لعارض من نذر أو شرط في ضمن عقد أو استئجار أو أمر الوالد ونحو ذلك ، فالظاهر عدم جريان حكم النافلة عليه ، لانعدام الموضوع بقاءً. وقد تقدّم شطر من الكلام حول نظيره في مبحث التطوّع في وقت الفريضة (1)، حيث قلنا ثمّة : أنّ التطوّع غير الجائز في الصوم بلا إشكال وفي الصلاة على المشهور


1) شرح العروة 11 : 347.

.................................................................................................


غير شامل للمنذور ، لخروجه بالنذر عن عنوان التطوّع تكويناً ، إذ التطوّع لغة (1)وعُرفاً هو الإتيان بالشي‌ء عن طوع ورغبة واختيار ومن غير إلزام وعند تعلّق النذر المستتبع للإلزام ينقلب العنوان ويزول الاختيار بطبيعة الحال فلا تطوع بعدئذ وجداناً كي يشمله دليل المنع. ومن هنا يصحّ نذر التطوّع في وقت الفريضة في كلّ من الصلاة والصِّيام بلا كلام.

وعلى ضوء ذلك نقول في المقام بانعدام عنوان النافلة بمجرّد تعلّق النذر وشبهه ممّا يتضمّن الإلزام ، فإنّ النفل كما في اللّغة (2)المطابق مع المعنى العرفي ما تفعله ممّا لم يجب ، وما شرع زيادة على الفرائض والواجبات.

ومن المعلوم أنّ الإتيان بالمنذور ونحوه ممّا يجب بالعرض يعدّ بالفعل من الواجبات التي لا مناص من امتثالها ، ولا يكون من الزيادة كي يندرج في مفهوم النافلة ، فلا ينطبق عليه عنوانها حتّى يشمله حكمها ، بل ينقلب بقاءً إلى الفريضة ، فتشمله حينئذ إطلاقات أدلّة الشكوك.

وعلى الجملة : الظاهر من عنوان النافلة الوارد في لسان المخصّص ما كان متلبّساً ومتّصفاً بالوصف العنواني فعلاً ، لا مجرّد كونه كذلك شأناً بحيث يكون المسئول عنه في صحيح ابن مسلم : «سألته عن السهو في النافلة ...» إلخ (3)ما كان نافلة اقتضاءً وإن طرأ عليها الوجوب فعلاً لنذر وشبهه ، لانصراف النصّ عن مثل ذلك قطعاً ، ولا أقل من الشك في ذلك ، فيكون المرجع حينئذ إطلاقات أدلّة الشكوك القاضية بالبطلان لدى الشكّ بين الواحدة والثنتين.

فان قلت : ليس لدينا نصّ في بطلان الشك بين الواحدة والثنتين يتضمّن


1) المنجد : 475 مادّة طاع.

2) المنجد : 828 مادّة نفل.

3) وقد تقدّمت في ص 60.

وأمّا الشك في أفعال النافلة فحكمه حكم الشكّ في أفعال الفريضة ، فإن كان في المحل أتى به ، وإن كان بعد الدخول في الغير لم يلتفت (1).


الإطلاق من حيث الفريضة والنافلة ، ليصحّ التمسّك به في المقام لدى الشكّ في الاندراج تحت عنوان المخصّص ، لورود النصوص في خصوص الفرائض كصلاة الفجر والجمعة والمسافر والأولتين من الرباعيات اللّتين هما من فرض اللّه كما لا يخفى على من لاحظها (1).

قلت : نعم ، ولكن كفانا مرجعاً الإطلاق في صحيحة صفوان الدالّة على البطلان بكل شكّ في كلّ صلاة (2)، خرج عنها الشكّ في النافلة بدليل منفصل (3)فمع الشك في الاندراج في عنوان المخصّص لا مانع من التمسّك بإطلاق هذا الصحيح ، الّذي نتيجته البطلان كما ذكرنا.

نعم ، يمكنه الإتمام بالبناء على كلّ من الأقل أو الأكثر ، لكن رجاءً لا بنية جزمية حتّى في الأقل ، إذ لا يمكنه الاستناد حينئذ إلى الأصل ، لما عرفت من أنّ صحيحة صفوان قاطعة للاستصحاب في باب الشك في الركعات مطلقاً.

والمتحصّل ممّا قدّمناه : أنّ الشكّ في ركعات النافلة إنّما يحكم عليه بعدم الاعتناء بشرط أن لا تعرضها صفة الوجوب من نذر ونحوه ، وإلّا بطلت الصلاة على الأظهر كما أشار إليه سيِّدنا الأُستاذ (دام ظلّه) في تعليقته الأنيقة.

(1) أمّا الثاني فظاهر ، لعموم قاعدة التجاوز من غير مخصّص. وأمّا الأوّل فلأصالة عدم الإتيان التي هي مقتضى القاعدة الأوّلية السليمة عمّا يصلح للتقييد ،


1) الوسائل 8 : 187 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 1 ، 2.

2) الوسائل 8 : 225 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 15 ح 1.

3) [كصحيحة محمّد بن مسلم المتقدّمة في ص 60].

.................................................................................................


لظهور صحيح ابن مسلم في الاختصاص بالشكّ في الركعات ، ولا يعمّ الأفعال.

وتوضيحه : أنّ الماتن (قدس سره) فرّق بين المقام أعني الشك في النافلة وبين ما تقدّمه من شكّ كثير الشك ، فعمّم الحكم هناك للأفعال ، وخصّه هنا بالركعات ، بل قد ذكرنا (1)أنّ التعميم هو الأظهر في شكّ الإمام والمأموم أيضاً.

وهذه التفرقة في محلّها ، لوجود القرينة على التعميم ، وهي مناسبة الحكم والموضوع في الموردين المتقدّمين دون المقام ، لما عرفت من أنّ مناط عدم الاعتناء في كثير الشك استناد الشك إلى الشيطان ، وعدم كونه عاديا متعارفاً وهذا لا يفرق فيه بحسب الفهم العرفي بين حصوله في الركعات أو الأفعال. مضافاً إلى ورود النص الخاص في الأفعال (2)أي في خصوص الركوع كما مرّ.

كما أنّ المناط في الإمام والمأموم لحاظ صلاتيهما بعد فرض المتابعة كأنّهما صلاة واحدة صادرة عن شخصين ، ومن ثمّ كان حفظ أحدهما مغنياً عن حفظ الآخر ، لكونه طريقاً إلى الواقع ومحرزاً لما يصدر عن صاحبه ، كما هو الحال في سائر الأمارات في الشبهات الحكمية والموضوعية. ونحوه ما ورد في الطواف من الاعتماد على من يطوف معه والاجتزاء بحفظه ، فكأنهما يطوفان بطواف واحد كما مرّ (3).

وهذه المناسبة بين الحكم والموضوع تستدعي عدم الفرق بين تعلّق الشك بالركعات أو الأفعال. فهذه القرينة هي التي دعتنا إلى الالتزام بالتعميم في الموردين المتقدّمين واستكشاف الإطلاق من النص الوارد فيهما.


1) في ص 32.

2) [وهو موثّقة عمار المتقدّمة في ص 8].

3) في ص 32.

ونقصان الرّكن مبطل لها كالفريضة بخلاف زيادته فإنّها لا توجب البطلان على الأقوى ، وعلى هذا فلو نسي فعلاً من أفعالها تداركه وإن دخل في ركن بعده سواء كان المنسي ركناً أو غيره (1).


وأمّا في المقام أعني الشك في النافلة فتلك المناسبة مفقودة ، والقرينة على التعميم ليتعدّى عن مورد النص غير موجودة بعد ظهور لفظه أعني السهو في النافلة كما في صحيح ابن مسلم في الشك في الركعات ولو بمقتضى الانصراف الناشئ من كثرة استعمال السهو في لسان الأخبار في ذلك.

وبعبارة اخرى : لا يمكننا الأخذ بالإطلاق في النافلة بعد فقدان تلك المناسبة فنبقى نحن وما نستفيده من قوله في صحيح ابن مسلم : «سألته عن السهو في النافلة ، فقال : ليس عليك شي‌ء» (1).

وحيث لم يعلم أنّ السؤال عن أيّ شي‌ء ، ومن الجائز أن يكون سؤالاً عن خصوص أحكام السهو المتعلّق بالركعات ، باعتبار إطلاق السهو على الشك في الركعات في لسان الروايات كثيراً ، فلا يمكننا إحراز الإطلاق بالإضافة إلى الأفعال.

ولأجله لا يمكن الاستناد إلى هذه الصحيحة في مقابل ما دلّ على لزوم الاعتناء بالشك في المحلّ ، لعدم العلم بالإطلاق بعد احتمال قصر النظر سؤالاً وجواباً على الشك في الركعات ، بل لعلّ كثرة إطلاق السهو عليه قرينة على إرادته بالخصوص كما عرفت.

(1) لا ينبغي الإشكال في البطلان بنقصان الأركان ، كما في الفريضة ، فإنّ أجزاء الناقص عن الكامل يحتاج إلى الدليل ، ولا دليل عليه ، بل مقتضى


1) الوسائل 8 : 230 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 18 ح 1.

.................................................................................................


إطلاق الأدلّة التي منها حديث لا تعاد (1)وكذا قوله (عليه السلام) : «لا تعاد الصلاة من سجدة وإنّما تعاد من ركعة (2)أي من ركوع بعد كون موضوع الحكم مطلق الصلاة الأعم من الفريضة والنافلة هو البطلان في كلا الموردين بمناط واحد. كما لا إشكال في عدم البطلان بنقصان ما عدا الأركان كما هو ظاهر.

إنّما الكلام في زيادة الركن سهواً ، فهل هي مبطلة كما في الفريضة؟ فنقول : الروايات الواردة في البطلان بزيادة الركن وإن كان أكثرها قد وردت في خصوص الفريضة من الظهر والعصر ونحوهما ، إلّا أنّ فيها ما دلّ على البطلان مطلقاً ، من دون اختصاص بصلاة دون صلاة كصحيحة أبي بصير أو موثّقته : «من زاد في صلاته فعليه الإعادة» (3)دلّت بعد خروج ما عدا الأركان منها بمقتضى حديث لا تعاد على البطلان بزيادة الأركان عمداً أو سهواً ، كانت الصلاة فريضة أم نافلة ، عملاً بالإطلاق.

فلو كنّا نحن وهذه الصحيحة لالتزمنا بالبطلان مطلقاً ، ولكن يستفاد من بعض النصوص اختصاص البطلان بالفريضة.

منها : ما ورد من النهي عن تلاوة آية العزيمة في الصلاة ، معلّلاً بأنّ السجود زيادة في الفريضة (4).

ومنها : ما ورد في صلاة المسافر من أنّه متى زاد أعاد ، معلّلاً بأنّها فرض اللّه (5).


1) الوسائل 1 : 371 / أبواب الوضوء ب 3 ح 8.

2) الوسائل 6 : 319 / أبواب الركوع ب 14 ح 2 ، 3 ، (نقل بالمضمون).

3) الوسائل 8 : 231 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 19 ح 2.

4) الوسائل 6 : 105 / أبواب القراءة في الصلاة ب 40 ح 1.

5) الوسائل 8 : 508 / أبواب صلاة المسافر ب 17 ح 8.

.................................................................................................


ومنها وهو العمدة - : ما ورد في صحيحة زرارة وبكير بن أعين عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال : إذا استيقن أنّه زاد في صلاته المكتوبة ركعة لم يعتدّ بها ، واستقبل صلاته استقبالاً ...» إلخ (1).

دلّت على اختصاص البطلان بالمكتوبة ، لا من أجل القضيّة الشرطية كما قيل ضرورة أنّ مفهومها ليس هو الاستيقان في غير المكتوبة ، بل عدم الاستيقان في المكتوبة ، وأنّه متى لم يستيقن فيها بالزيادة بل بقي شاكّاً لا يعيد صلاته حينئذ ، لكونه موظّفاً بإجراء عملية الشك من أصالة عدم الزيادة ، سواء كان الشك في المحل أم في خارجه. مضافاً إلى اختصاص الثاني بقاعدة التجاوز. فالقضيّة الشرطية وإن كان لها مفهوم في المقام إلّا أنّه أجنبي عن محلّ الكلام وغير مرتبط بما نحن بصدده.

بل من أجل مفهوم الوصف ، أعني تقييد الصلاة بالمكتوبة ، الّذي لا مناص من كونه احترازاً عن غيرها ، وإلّا لأصبح التقييد لغواً ظاهراً.

فانّا قد ذكرنا في الأُصول (2)أنّ الوصف وإن لم يكن له مفهوم بالمعنى المصطلح ، أعني الدلالة على العلّية المنحصرة المستتبعة للانتفاء عند الانتفاء كما في مفهوم الشرط ، فيمكن ثبوت الحكم في غير مورد التوصيف أيضاً ، بأن يرتّب على الموضوع مقيّداً بقيد آخر ، فلا منافاة ولا معارضة بين قوله : أكرم رجلاً عادلاً ، وبين قوله : أكرم رجلاً عالماً ، كما كانت ثابتة بينهما لو كانت الجملتان على صورة القضيّة الشرطية بدلاً عن القضيّة الوصفيّة.

إلّا أنّه يدل لا محالة على أنّ موضوع الحكم ليس هو الطبيعي على إطلاقه وسريانه كذات الرجل في المثال ، وإلّا كان التقييد بالعدالة لغواً ينزّه عنه كلام


1) الوسائل 8 : 231 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 19 ح 1.

2) محاضرات في أُصول الفقه 5 : 133.

.................................................................................................


الحكيم. فهذا المقدار من المفهوم ممّا لا مناص عن الالتزام به ، أعني الدلالة على أصل العلّية لا انحصارها ، رعاية لظهور القيد في الاحتراز. ونتيجة ذلك وقوع المعارضة بين القضيّة الوصفيّة وبين ما لو ورد دليل آخر تضمّن تعلّق الحكم بالطبيعي.

وعلى الجملة : فلو كان التقييد واقعاً في كلام الإمام (عليه السلام) لكان كاشفاً عن عدم ثبوت الحكم للطبيعي. فلو ورد أنّ الماء الكر لا ينجِّسه شي‌ء دلّ لا محالة على أنّ الاعتصام غير ثابت لطبيعي الماء ، وإن أمكن ثبوته في فرد آخر أيضاً كما في الجاري غير الكر.

وعلى هذا فالتقييد بالمكتوبة في هذه الصحيحة كاشف عن أنّ الحكم أعني البطلان بزيادة الركعة المراد بها الركوع ، لإطلاقها عليه كثيراً في لسان الأخبار (1)لم يكن متعلّقاً بطبيعي الصلاة الأعم من الفريضة وغيرها ، ولأجل ذلك يقيّد الإطلاق في صحيحة أبي بصير المتقدّمة وتحمل على الفريضة. إذن لا دليل لنا على ثبوت البطلان بزيادة الركن سهواً في غير الفريضة ، ومقتضى الأصل عدم البطلان.

ويترتّب على ذلك ما أفاده في المتن من أنّه لو نسي فعلاً من أفعالها تداركه وإن دخل في ركن بعده ، سواء كان المنسي ركناً أم غيره ، إذ لا يلزم من التدارك عدا زيادة الركن سهواً ، التي عرفت عدم الدليل على قدحها في النافلة.

فاتّضح أنّ الأظهر عدم البطلان في غير الفريضة ، وملخّص ما يستدل به عليه قصور المقتضي للبطلان ، فيرجع حينئذ إلى أصالة العدم ، هذا.

وربما يستدلّ له بوجوه أُخر :


1) الوسائل 6 : 313 / أبواب الركوع ب 10 ح 3 ، ب 11 ح 2.

.................................................................................................


منها : خبر الصيقل عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال «قلت له : الرجل يصلِّي الركعتين من الوتر ثمّ يقوم فينسى التشهّد حتّى يركع ويذكر وهو راكع قال : يجلس من ركوعه يتشهّد ثمّ يقوم فيتم ، قال قلت : أليس قلت في الفريضة : إذا ذكره بعد ما ركع مضى في صلاته ثمّ سجد سجدتي السهو بعد ما ينصرف يتشهّد فيهما؟ قال : ليس النافلة مثل الفريضة» (1).

دلّت بظاهرها على أنّ الزيادة المستلزمة من التدارك غير قادحة في النافلة لعدم كونها مثل الفريضة.

وربما يجاب عنها بجوابين على سبيل منع الخلوّ ، بتقريب أنّ المفروض في الرواية إن كان هو الإتيان بالوتر موصولة بالشفع من غير تخلّل التسليم بينهما كما قد يعطيه ظاهرها باعتبار عدم التعرّض للتسليم ، فالاستشهاد بها للمدّعى وإن كان وجيهاً إلّا أنّها حينئذ على خلاف المذهب ، لاستقراره على لزوم الفصل بين الشفع ومفردة الوتر بالتسليم ، فتطرح وتحمل على التقيّة. فلا تصلح للاستدلال.

وإن كان هو الإتيان بها مفصولة فحيث إنّ الركوع المأتي به محسوب من صلاة أُخرى لم يمنع التلبّس به عن تلافي المنسي ، لعدم القدح بوقوع مثل هذه الزيادة بعد أن لم يقصد بها الجزئية للصلاة الأُولى ، كما هو الحال في الفريضة ، مثل من تلبّس بالعصر بزعم فراغه من الظهر فتذكّر ولو بعد الدخول في الركوع نقصان جزء من الظهر كالتشهّد أو التسليم فإنّه يلغي ما بيده ويتدارك المنسي ، ولا تلزم منه الزيادة المبطلة بعد أن لم يقصد بها الجزئية للظهر. فلا فرق بين النافلة والفريضة من هذه الجهة. وعليه فلا تصلح للاستدلال أيضاً ، لخروجها عمّا نحن فيه.


1) الوسائل 6 : 404 / أبواب التشهّد ب 8 ح 1.

.................................................................................................


أقول : الظاهر صحّة الاستدلال على كلّ من شقي الترديد.

أمّا الأوّل : فلأنّ ابتناء مورد الرواية على التقية لا يمنع عن جواز الاستدلال بالكبرى الكلِّيّة المذكورة فيها ، وهي عدم كون النافلة مثل الفريضة في مبطلية الزيادة الركنية ، غايته أنّ تطبيق تلك الكبرى على المورد محمول على التقيّة وكم له نظير في الأخبار كما لا يخفى.

وأمّا الثاني : فلأنّ الرواية بنفسها ناطقة بالبطلان في الفريضة بمطلق الزيادة الركنية الأعم ممّا قصد به الجزئية أم لا ، لظهور قوله (عليه السلام) «ليس النافلة مثل الفريضة» في أنّها لو كانت فريضة لبطلت بالرجوع ، للزوم زيادة الركوع وإن لم يقصد به الجزئية كما قوّينا ذلك في محلّه (1)وتكرّرت الإشارة إليه في مطاوي هذا الشرح من امتياز الجزء الركني كالركوع والسجود عن غيره في أنّ زيادته ولو صورة وبغير قصد الجزئية تستوجب البطلان ، على ما استفدناه ممّا دلّ على النهي عن تلاوة آية العزيمة في الصلاة معلّلاً بأنّ السجود زيادة في المكتوبة (2)مع أنّ السجود المأتي به حينئذ غير مقصود به الجزئية ، وإنّما هو لمحض التلاوة. فنستكشف من ذلك قادحية الزيادة حتّى الصورية في مثل السجود ، ويتعدّى عنه إلى الركوع بالأولوية القطعية. هذا هو حكم الفريضة.

وأمّا النافلة فليست كذلك بمقتضى نفس هذه الرواية المصرِّحة بالفرق بينهما وأنّ تلك القادحية خاصّة بالفريضة ، وغير ثابتة في النافلة ، فلا مانع من الاستدلال بها ، لعدم البطلان بزيادة الركن في النافلة ، سواء قصد به الجزئية أم لا.

فالإنصاف : أنّ الرواية لا قصور فيها من حيث الدلالة ، نعم هي قاصرة


1) شرح العروة 15 : 132 133.

2) الوسائل 6 : 105 / أبواب القراءة في الصلاة ب 40 ح 1.

.................................................................................................


السند ، لضعفه بالصيقل ، إذ لم تثبت وثاقته ، فلا تصلح للاستدلال من أجل هذه العلّة. فالأولى الاقتصار في الجواب عنها على المناقشة السندية فحسب.

ومنها : صحيحة الحلبي قال : «سألته عن الرجل سها في ركعتين من النافلة فلم يجلس بينهما حتّى قام فركع في الثالثة ، فقال : يدع ركعة ويجلس ويتشهّد ويسلّم ، ثمّ يستأنف الصلاة بعد» (1).

وهذه الرواية واضحة في أنّها واردة في من أراد أن يصلّي عدّة ركعات كثمان ركعات نافلة الزوال أو نافلة اللّيل مثلاً ، التي هي ركعتان ركعتان ، فشرع في صلاة أُخرى بزعم فراغه من الاولى ، ولم يتذكّر إلّا بعد الدخول في الركوع. وقد حكم بإلغاء ما بيده وتتميم الاولى ثمّ استئناف الأُخرى وإن استلزم التتميم زيادة الركن ، لعدم البأس بها في النافلة.

ونوقش فيها أيضاً بمثل ما مرّ من عدم قصد الجزئية بالركوع المأتي به في الصلاة الاولى ، فلا تقدح زيادته حتّى في الفريضة.

ويندفع : بما عرفت من عدم الفرق في القدح وعدمه بزيادة الركوع بين ما قصد به الجزئية وما لم يقصد.

ولعلّ هذا كان مرتكزاً في ذهن السائل وهو الحلبي الّذي كان من أعاظم الرواة وعلمائهم ، وأنّ مثل ذلك لو كان واقعاً في الفريضة لكانت باطلة للزوم الزيادة وإن كانت صورية ، فسأل عن حكم النافلة وأنّها هل هي كالفريضة أم لا. وقد حكم (عليه السلام) بتتميمها وعدم الضير في اشتمالها على هذه الزيادة.

وحيث إنّ الرواية صحيحة السند ظاهرة الدلالة فلا بأس بالاستدلال بها.


1) الوسائل 8 : 231 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 18 ح 4.

.................................................................................................


ومنها : صحيحة ابن مسلم المتقدّمة (1)المتضمّنة للسؤال عن السهو في النافلة بدعوى شمول السهو ولو من باب ترك الاستفصال لمطلق الغفلة المجامعة للشك والنسيان ، إن لم نقل بظهوره في حدّ ذاته في الثاني.

فقوله (عليه السلام) : «ليس عليك شي‌ء» يراد به نفي أحكام السهو الثابتة في الفريضة عن النافلة ، التي منها البطلان بزيادة الأركان ، وأنّ السهو لا يوجب إلزاماً ، ولم ينشأ حكم من قِبله.

وأمّا في مورد النقيصة فليس الحكم بتدارك المنسي من الرجوع لدى الإمكان أو البطلان من آثار السهو وأحكامه ليرتفع في النافلة ، وإنّما هو من مقتضيات بقاء الأمر الأوّل ، حيث لم يؤت بالمأمور به على وجهه.

ومن هنا يتّجه التفصيل في النافلة بين نقصان الركن وزيادته ، بالالتزام بالبطلان في الأوّل دون الثاني ، لما عرفت من أنّ البطلان لدى النقص لم يكن من شؤون السهو ليشمله النص ، وإنّما هو من ناحية طبع الأمر الأوّل بعد أن لم يمتثل ، بخلافه لدى الزيادة فإنّه حينئذ من ناحية السهو نفسه ، ولولاه لم يكن عليه شي‌ء.

وهذا الوجه لا بأس به لولا ظهور السهو الوارد في الصحيحة في خصوص الشك في الركعات ، بقرينة إطلاقه عليه كثيراً في لسان الأخبار كما مرّت الإشارة إليه ، مثل قوله (عليه السلام) : لا سهو في الأولتين ، لا سهو في المغرب لا سهو في الجمعة (2)، وهكذا.


1) في ص 60.

2) الوسائل 8 : 187 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 1 ، 2 ، (نقل بالمضمون).

[2125] مسألة 10 : لا يجب قضاء السجدة المنسيّة والتشهّد المنسي في النافلة (1).


فإنّ من الواضح أنّ المراد به فيها هو الشكّ في الركعات ، وإلّا فأحكام السهو من تدارك المنسي لدى الإمكان أو البطلان أو القضاء أو سجود السهو ونحو ذلك مشترك فيه بين عامّة الصلوات وكافّة الركعات ، فيكون ذلك قرينة على أنّ المراد به في المقام أيضاً هو الشكّ في الركعات ، دون المعنى الآخر المتبادر من لفظ السهو عند إطلاقه ، أو ما يعمّه والشك ، ولو لا ذلك لكان الاستدلال بهذا الوجه جيّداً.

(1) لا ينبغي التأمّل في أنّ المراد بالوجوب هنا ليس هو الوجوب النفسي فإنّ غاية ما يستفاد من دليل القضاء على ما سبق في محلّه (1)بقاء المنسي من السجود أو التشهّد على جزئيّته وإن تبدّل محلّه وتأخّر عن ظرفه. فالإتيان به تتميم للصلاة. ولا ريب في عدم وجوب إتمام النافلة وجواز رفع اليد عنها حتّى اختياراً.

بل المراد الوجوب الشرطي ، وأنّ الشرط في صحّة النافلة والاجتزاء بها هل هو قضاء المنسي وتداركه بعد الصلاة أو لا. والظاهر عدم الوجوب ، لقصور المقتضي.

أمّا في التشهّد المنسي فقد أسلفناك في محلّه (2)عدم الدليل على قضائه حتّى في الفريضة ، فإنّ ما دلّ على إتيانه وهو صحيح ابن مسلم المتضمّن للرجوع إلى


1) شرح العروة 18 : 95 ، 271 ، 311.

2) شرح العروة 18 : 95.

.................................................................................................


مكانه ويتشهّد وإلّا طلب مكاناً نظيفاً (1)قد استظهرنا منه التشهّد الأخير وأنّ الإتيان به حينئذ أداء لا قضاء كما سبق في محلّه.

وأمّا ما دلّ على حكم نسيانه في التشهّد الأوّل فلم يذكر فيه القضاء أصلاً بل المذكور فيه الإتيان بسجدتي السهو ، والاكتفاء بالتشهّد فيهما عن المنسي. وعلى الجملة : فلا دليل على قضائه في الفريضة فضلاً عن النافلة.

وأمّا في السجدة المنسية فقد دلّت عدّة من الروايات على القضاء (2)، ولكنّها خاصّة بالفريضة ولا تعمّ النافلة ، لأنّها بأجمعها قد تضمّنت التفصيل بين التذكّر قبل الدخول في الركوع والتذكّر بعده ، وأنّه يرجع في الأوّل لبقاء المحل دون الثاني لانتفائه ، من أجل استلزام التدارك لزيادة الركن القادحة في الفريضة ومن ثمّ يقضى المنسي بعد الصلاة.

وأمّا في النافلة فلا مانع من الرجوع ولو بعد الدخول في الركوع ، لما عرفت من عدم قدح الزيادة الركنية فيها كما صرّح بذلك في صحيحة الحلبي المتقدّمة (3).

وبالجملة : فهذا التفصيل كاشف عن اختصاص الحكم بالفريضة ، لبقاء محلّ التدارك في النافلة وإن دخل في الركوع ، فلا فرق بينه وبين عدم الدخول في جواز الرجوع.

وأمّا لو كان التذكّر في النافلة في مورد لا يمكن التدارك كما لو كان بعد السلام ، أو بعد الركعة الثانية وقلنا إنّ زيادة الركعة تضرّ بالنافلة فلا دليل


1) الوسائل 6 : 401 / أبواب التشهّد ب 7 ح 2.

2) الوسائل 6 : 364 / أبواب السجود ب 14 ح 1 ، 2 وغيرهما.

3) الوسائل 8 : 231 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 18 ح 4 ، وقد تقدّمت في ص 79.

كما لا يجب سجود السهو لموجباته فيها (1).


حينئذ على القضاء ، فانّ هذا لو كان في الفريضة شمله دليل القضاء بطريق أولى كما لا يخفى.

وأمّا في النافلة فعدم التدارك في الفرض لم يستند إلى الدخول في الركوع ، بل هو لمانع آخر ، ومثله غير مشمول لنصوص القضاء ، لكون المدار فيها على عدم إمكان التدارك المستند إلى الدخول في الركوع ، غير المنطبق على النافلة.

وعليه فلا دليل على وجوب القضاء في النافلة ، بل الدليل قائم على العدم وهي صحيحة الحلبي المتقدّمة المصرّحة بالرجوع وعدم قادحية الدخول في الركوع ، ومن ثمّ استشكل جمع منهم صاحب الجواهر في مشروعية القضاء فضلاً عن وجوبه (1)، وهو في محلّه.

(1) لاختصاص دليله بالفريضة في جميع الموجبات.

أمّا التكلّم السهوي فعمدة المستند النص المتضمّن لقول المصلّي : «أقيموا صفوفكم» (2)، ومعلوم أنّ مورده الجماعة ، ولا جماعة في النافلة. ومورد غيره من الروايات (3)أيضاً هو الفريضة كما لا يخفى على مَن لاحظها. فلا مجال للتعدِّي عنها.

وأمّا السلام الزائد فعمدة الدليل فيه ما ورد في من سلّم في الثالثة بدل الرابعة اشتباهاً (4). وكون مورده الفريضة ظاهر جدّاً ، وكذا ما ورد في من شكّ


1) الجواهر 12 : 430.

2) الوسائل 8 : 206 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 4 ح 1.

3) الوسائل 8 : 219 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 11 ح 2 وغيره.

4) الوسائل 8 : 203 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 3 ح 14.

[2126] مسألة 11 : إذا شكّ في النافلة بين الاثنتين والثلاث فبنى على الاثنتين ثمّ تبيّن كونها ثلاثاً بطلت (1)(1) واستحبّ إعادتها (2)


بين الأربع والخمس (2). ولم نقل بوجوبه لكلّ زيادة ونقيصة حتّى يتصوّر في النافلة.

وأمّا التشهّد المنسي فمورده التشهّد الأوّل الّذي هو مختصّ بالفريضة كما هو ظاهر. فليست عندنا رواية مطلقة ليتمسّك بها في النافلة.

على أنّك قد عرفت فيما سبق (3)أنّ سجدة السهو ليست كالسجدة المنسية التي هي جزء متمّم تبطل الصلاة بالإخلال بها ، بل هي واجب مستقلّ لا يضرّ الإخلال بها بصحّة الصلاة حتّى عامداً ، ولا يمكن الالتزام بهذا الوجوب النفسي الاستقلالي في مثل النافلة بعد استحبابها وجواز رفع اليد عن أصل الصلاة ، فلا يُقاس ذلك بالفريضة المحكومة بحرمة القطع على المشهور. فالإذعان بالوجوب التعبّدي هنا بعيد غايته.

وعلى الجملة : فالمقتضي للوجوب قاصر في حدّ نفسه ، مضافاً إلى وجود المانع أعني القرينة الخارجية ، وهي استبعاد الالتزام بالوجوب في عمل محكوم بالاستحباب.

(1) لانكشاف زيادة الركعة القادحة كما ستعرف.

(2) لبقاء الأمر الأوّل على حاله.


1) (*) على الأحوط ، وقد مرّ آنفاً بطلان الواجب بالعرض بالشك.

2) الوسائل 8 : 224 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 14 ح 1 ، 4.

3) شرح العروة 18 : 384.

بل تجب إذا كانت واجبة بالعرض (1).


(1) لنذر وشبهه.

أقول : أمّا الواجب بالعرض فقد تقدّم (1)أنّ الشك فيه موجب للبطلان على الأقوى.

وأمّا ما كان نافلة بالفعل فالمعروف والمشهور هو البطلان فيما لو انكشفت زيادة الركعة كما ذكره في المتن.

ولكن قد يستشكل بعدم الدليل عليه بعد البناء على عدم قدح الزيادة الركنية في النافلة كما مرّ ، إذ لا فرق بين زيادة الركن أو الركنين المشتملة عليهما الركعة ، فالحكم بالبطلان مشكل.

بل قد يستدل على الصحّة وعدم قدح زيادة الركعة في النافلة بتقييد الصلاة بالمكتوبة في قوله (عليه السلام) في صحيح زرارة : «إذا استيقن أنّه زاد في صلاته المكتوبة ركعة لم يعتدّ بها ، واستقبل صلاته استقبالاً» (2)بناءً على ما قدّمناه (3)من أنّ التقييد كاشف عن عدم عموم الحكم للطبيعة ، حذراً عن اللّغوية.

ولكن الاستدلال المزبور ساقط ، لكون المراد من الركعة في الصحيحة هو الركوع ، لإطلاقها عليه كثيراً في لسان الأخبار التي منها قوله (عليه السلام) : «لا تعاد الصلاة من سجدة وإنّما تعاد من ركعة» (4)وهو المطابق للمعنى اللّغوي. فإنّ الركعة مصدر ركع ، يقال : ركع ركوعاً وركعة. وإطلاقها على الركعة التامّة


1) في ص 69 وما بعدها.

2) الوسائل 8 : 231 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 19 ح 1.

3) في ص 75.

4) الوسائل 6 : 319 / أبواب الركوع ب 14 ح 2 ، 3 ، (نقل بالمضمون).

.................................................................................................


مبني على التجوّز من باب إطلاق اللفظ الموضوع للجزء على الكل ، كما يقال : صلاة الظهر أربع ركعات والمغرب ثلاث ركعات وهكذا ، فيطلق على المجموع باعتبار الاشتمال على الركوع ، وإلّا فليس هناك وضع وحقيقة شرعية للركعة التامّة كما لا يخفى.

وعليه فلا يمكن إثبات الصحّة بهذه الصحيحة. فنبقى نحن ومقتضى الأصل ولا ريب أنّ مقتضاه عدم البطلان ، للشك في التقييد بعدم زيادة الركعة ، ومقتضى الأصل عدم التقييد.

إلّا أن يقال باستفادة التقييد من الروايات (1)الواردة في كيفية تشريع الصلاة وأنّها ركعتان ركعتان في الفريضة والنافلة في أصل التشريع ، غير أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه وآله) زاد في بعض الفرائض كالظهرين والعشاءين وفي بعض النوافل كصلاة الأعرابي.

فإذا كانت مقيّدة بالركعتين في حدّ ذاتها فلو أُضيف عليها ركعة ولو سهواً فبما أنّه على خلاف الجعل الأوّلي ولم يكن مصداقاً للمأمور به توقّفت صحّته على قيام الدليل ، وإلّا فغير المأمور به لا يكون مجزياً عن المأمور به.

وبعبارة اخرى : ما أُمرنا به لم يتحقّق لدى الاشتمال على الزيادة ولو سهواً وما هو المحقّق ليس بمأمور به ، فالاجتزاء به منوط لا محالة بقيام الدليل ولا دليل.

فان ثبتت هذه الدعوى أعني تقيّد الصلاة بالركعتين فهو ، وإلّا فلا دليل على البطلان بعد أن كانت مانعية الزيادة مشكوكة ومدفوعة بالأصل. وحيث إنّ سيِّدنا الأُستاذ (دام ظلّه) لم يكن جازماً بصدق هذه الدعوى ، لتشكيكه في صحّة أسانيد تلك الروايات وإن كان مضمونها مطابقاً للارتكاز الشرعي


1) الوسائل 4 : 45 / أعداد الفرائض ونوافلها ب 13 ح 2 ، 12 ، 14 ، 19.

[2127] مسألة 12 : إذا شكّ في أصل فعلها بنى على العدم إلّا إذا كانت موقّتة وخرج وقتها (1).


فمن ثمّ احتاط في البطلان كما أشار إليه في تعليقته الأنيقة.

(1) لا ريب في أنّ المرجع لدى الشك في أصل الإتيان أصالة العدم فيما إذا لم تكن النافلة موقّتة بوقت خاص.

وأمّا في الموقّت وعروض الشك بعد خروج الوقت فلا كلام فيما لا قضاء له. وأمّا ما ثبت فيه القضاء كالنوافل المرتّبة اللّيلية منها والنهارية على ما دلّت عليه النصوص (1)الواردة في تفسير قوله تعالى ( وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرادَ شُكُوراً ) (2)من قضاء نوافل اللّيل في النهار ونوافل النهار في اللّيل فكان كلّ منهما خلفة للآخر.

فمقتضى القاعدة حينئذ عدم القضاء ، للشك في تحقّق موضوعه وهو الفوت الّذي لا يكاد يثبت بأصالة عدم الإتيان في الوقت ، لعدم حجّية الأُصول المثبتة بعد أن كان الفوت عنواناً وجودياً مغايراً لعدم الإتيان كما سبق في محلّه (3). فمع الشك في تحقّق الموضوع يشكّ لا محالة في تعلّق الأمر الاستحبابي بالقضاء فيرجع إلى أصالة العدم ، هذا.

مضافاً إلى قاعدة الحيلولة المستفادة من صحيحة زرارة (4)فانّ موردها وإن كان هو الفريضة ، إلّا أنّ التعبير فيها بالحائل كاشف عن أنّ المناط في عدم


1) الوسائل 4 : 275 / أبواب المواقيت ب 57 ح 2 ، 4 ، 16.

2) الفرقان 25 : 62.

3) شرح العروة 16 : 80.

4) الوسائل 4 : 282 / أبواب المواقيت ب 60 ح 1.

[2128] مسألة 13 : الظاهر أنّ الظنّ في ركعات النافلة حكمه حكم الشك (1) في التخيير بين البناء على الأقل أو الأكثر ، وإن كان الأحوط العمل بالظن (1)ما لم يكن موجباً للبطلان.


الالتفات جهة الحيلولة وخروج الوقت المشترك بين الفريضة والنافلة.

فكأنّ الشك بعد وقوع الحائل بمثابة الشك بعد السلام ، والشك بعد خروج الوقت بمنزلة الشكّ بعد الفراغ من الصلاة ، وعدم الالتفات في كلا الشكّين بملاك واحد ، وهو الأذكرية والأقربية إلى الواقع حين العمل أو في وقته ، فكان ذلك أمارة على الوقوع في ظرفه ، ولأجله لا يعتنى بالشك العارض بعد ذلك.

وهذا الملاك كما ترى مشترك فيه بين الفريضة والنافلة. فليس له الإتيان بعد خروج الوقت إلّا بعنوان الرجاء.

(1) حكم (قدس سره) بعدم اعتبار الظنّ في ركعات النافلة. وقد تقدّم منه (قدس سره) (2)نظير ذلك في شكّ الإمام والمأموم ، وأنّ الشاك لا يرجع إلى الظان ، وهو يرجع إلى المتيقّن.

لكن الظاهر جواز الاعتماد على الظن المتعلّق بالركعات ، من غير فرق بين الفريضة والنافلة ، لعدم اندراجه بعد فرض حجّيته في السهو ، المنفي في النافلة أو عن الإمام والمأموم ، لظهوره في كون المراد به التردّد والشك المتساوي الطرفين المحكوم بالبطلان أو بالبناء على الأكثر. فلا يشمل الظن المحكوم بالاعتناء به في نفس أدلّة الشكوك ، وكذا في صحيحة صفوان (3)لانتفاء التردّد معه بعد فرض


1) (*) بل هو الأظهر.

2) [في ذيل الموضع السادس ممّا لا يلتفت إلى الشك فيه].

3) الوسائل 8 : 225 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 15 ح 1.

[2129] مسألة 14 : النوافل التي لها كيفيّة خاصّة أو سورة مخصوصة أو دعاء مخصوص كصلاة الغفيلة وصلاة ليلة الدفن وصلاة ليلة عيد الفطر إذا اشتغل بها ونسي تلك الكيفية فإن أمكن الرجوع والتدارك رجع وتدارك وإن استلزم زيادة الركن (1) لما عرفت من اغتفارها في النوافل ،


حجّيته وكونه بمثابة العلم ولو تعبّداً ، فهو محرز لأحد الطرفين كما لو قامت حجّة أُخرى من بيّنة ونحوها.

ويؤيِّد هذا ويؤكِّده أنّ المستفاد من قوله (عليه السلام) في موثّقة عمار : «إلا أُعلِّمك شيئاً ...» إلخ (1)عدم جواز المضي على الشك ، وأنّ المصلّي لا بدّ وأن يستند إلى ما يؤمن معه عن الخلل. ومن هنا علّمه (عليه السلام) طريقة يؤمن معها عن الزيادة والنقصان. فاللّازم عليه رفع ترديده بعلم أو علمي والاستناد إلى حجّة قاطعة.

وبعد التعويل على الظن المستفاد حجّيته من نفس أدلّة الشكوك للتقييد فيها بعدم وقوع الوهم على شي‌ء لم يكن المضي مضياً على الشك ، لزوال التردّد حينئذ بل هو مضي على اليقين ولو تعبّداً.

فلا فرق في حجّيته بين الفريضة والنافلة بمقتضى الإطلاق في صحيحة صفوان الحاكمة بالبطلان ما لم يحصل الظن ، نعم خرجت النافلة عنها لدى الشك فقط ، وأنّه يحكم عليها حينئذ بالتخيير ، وأمّا مع الظن فهي مشمولة لما يستفاد من إطلاقها من حجّية الظن المتعلّق بالركعات.

(1) كما لو تذكّر بعد الدخول في الركوع نسيان الآية في صلاة الغفيلة.


1) الوسائل 8 : 213 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 8 ح 3 [الظاهر كونها ضعيفة سنداً].

وإن لم يمكن (1) أعادها ، لأنّ الصلاة وإن صحّت إلّا أنّها لا تكون تلك الصلاة المخصوصة (2).


(1) كما لو كان التذكّر بعد السلام ، أو بعد الانتهاء عن الركعة ، بحيث استلزم الرجوع زيادة ركعة تامّة ، وهي ممنوع عنها حتّى في النافلة كما مرّ (1).

(2) ربما يورد عليه بعدم إمكان الجمع بين الصحّة والإعادة ، إذ لو كان ناوياً لتلك الصلاة الخاصّة فإن أُريد من صحّتها صحّتها كما نوى ووقوعها بتلك الكيفية فلا حاجة بعدئذ إلى الإعادة ، وإن أُريد صحّتها بكيفية أُخرى فهي فاقدة للنيّة المعتبرة في العبادة ، إذ المفروض عدم تعلّق القصد بها ، فيكون من قبيل إنّ ما قصد لم يقع وما وقع لم يقصد.

إلّا أن يفرض كونه ناوياً لأصل الصلاة أيضاً مضافاً إلى نيّته لتلك الكيفية بحيث يكون على نحو تعدّد المطلوب ، فتتّجه الصحّة حينئذ والجمع بينها وبين الإعادة ، فتصحّ أصل الصلاة وتعاد تلك الكيفية ، وإلّا فالتوفيق بينهما مع فرض وحدة المطلوب مشكل جدّاً. فينبغي التفصيل بين وحدته وتعدّده.

أقول : لا مانع من الجمع بين الصحّة والإعادة حتّى مع فرض الوحدة ، فإنّ قصد الخصوصية ملازم لتعلّق القصد بأصل الصلاة ، ولا يكاد ينفكّ عنه ، إذ النسبة بينهما نسبة العموم والخصوص المطلق ، ولا شكّ أنّ الخاص مشتمل على العام وزيادة ، كما أنّ الفرد متضمّن للطبيعي مع الخصوصية ، والمقيّد شامل للمطلق مع الإضافة. فهو متّحد معه وغير منفكّ عنه بوجه ، فهو مقصود في ضمن القصد المتعلّق بالخاص لا محالة.


1) [في ص 86 وما بعدها ، لكن على سبيل الاحتياط].

.................................................................................................


فلو ورد الأمر بإكرام المؤمن فأكرم زيداً لاعتقاد اتّصافه بخصوصية ككونه عالماً أو هاشمياً ونحو ذلك ثمّ انكشف الخلاف ، أو صلّى في مكان بزعم كونه مسجداً بحيث لم يكن ناوياً للصلاة لولا هذا الزعم ثمّ بان الخلاف ، أفهل يمكن القول بعدم حصول امتثال الأمر بإكرام المؤمن ، أو الأمر بطبيعي الصلاة التي هي خير موضوع بدعوى عدم كونه قاصداً للطبيعي.

وعلى الجملة : الصلاة الخاصّة المشتملة على الكيفية المخصوصة مصداق لطبيعي النافلة ، فقصدها قصده بطبيعة الحال ، لاتحادها معه ، وعدم كونها مباينة له ليحتاج إلى قصد آخر كي يعترض بأن ما قصد لم يقع وما وقع لم يقصد.

وإنّما يتّجه هذا الكلام في العنوانين المتباينين كالظهر والعصر ، والفريضة والنافلة ، والأداء والقضاء ونحو ذلك ممّا لا علاقة بينهما ولا اتّحاد. ففي مثل ذلك لو قصد أحدهما ولم يكن له واقع لا يغني عن الآخر ، لفقد القصد بالإضافة إليه كما ذكر.

وأمّا في المقام وأشباهه من موارد الخاص والعام ، أو المطلق والمقيّد ، أو الطبيعي والفرد فالقصد الارتكازي بالإضافة إلى الطبيعي موجود في ضمن القصد المتعلّق بالخاص قطعاً ، وإن كان الداعي والباعث إليه هو الاتِّصاف بتلك الخصوصية المتخلّفة ، بحيث لولاها لم يصدر منه القصد ، وأنّه لو كان عالماً بأنّ هذا المكان ليس بمسجد أو أنّ هذه الصلاة لم تقع تلك الصلاة الخاصّة كصلاة جعفر مثلاً لم يكن قاصداً لطبيعي الصلاة ، إلّا أنّه بالأخرة قد تحقّق منه هذا القصد خارجاً في ضمن القصد المتعلّق بالفرد الخاص ، وإن كان مشتبهاً ومخطئاً في التطبيق ، ولأجله يحكم بصحّة الصلاة لانطباق الطبيعي المقصود عليها وإعادتها لعدم كونها تلك الصلاة المخصوصة كما أفاده في المتن.

وإن نسي بعض التسبيحات في صلاة جعفر قضاه متى تذكّر (1)(1).


(1) إن كان المستند في ذلك ما رواه الطبرسي في الاحتجاج والشيخ الطوسي في كتاب الغيبة عن الحميري في التوقيع حيث «سأله (عليه السلام) عن صلاة جعفر إذا سها في التسبيح في قيام أو قعود ، أو ركوع أو سجود وذكره في حالة اخرى قد صار فيها من هذه الصلاة هل يعيد ما فاته من ذلك التسبيح في الحالة التي ذكره أم يتجاوز في صلاته؟ التوقيع : إذا سها في حالة عن ذلك ثمّ ذكره في حالة اخرى قضى ما فاته في الحالة التي ذكره» (2).

فمضافاً إلى ضعف السند بالإرسال في طريق الاحتجاج ، وبأحمد بن إبراهيم النوبختي الواقع في طريق الشيخ فإنّه مجهول ، قاصرة الدلالة على الإطلاق المذكور في المتن ، لاختصاص مفادها بما إذا تذكّر في حالة اخرى من صلاته ولا يعمّ التذكّر لما بعد الصلاة كما هو ظاهر.

وإن كان المستند ما رواه الكليني والشيخ عنه بإسناده عن أبان قال : «سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول : من كان مستعجلاً يصلّي صلاة جعفر مجرّدة ، ثمّ يقضي التسبيح وهو ذاهب في حوائجه» (3)ونحوه ما رواه الصدوق بإسناده عن أبي بصير (4)بدعوى أنّ الاستعجال مع الترك العمدي إن كان عذراً يسوغ معه تأخير التسبيح إلى ما بعد الصلاة فالنسيان أولى بالعذر ، فيكشف


1) (*) فيه إشكال ، ولا بأس بالإتيان به رجاء.

2) الوسائل 8 : 61 / أبواب صلاة جعفر ب 9 ح 1 ، الاحتجاج 2 : 565 ، كتاب الغيبة : 376.

3) الوسائل 8 : 60 / أبواب صلاة جعفر ب 8 ح 1 ، الكافي 3 : 466 / 3 ، التهذيب 3 : 187 / 424.

4) الوسائل 8 : 60 / أبواب صلاة جعفر ب 8 ح 2 ، الفقيه 1 : 349 / 1543.

[2130] مسألة 15 : ما ذكر من أحكام السهو والشك والظن يجري في جميع الصلوات الواجبة (1)(1) أداءً وقضاءً من الآيات والجمعة والعيدين وصلاة الطواف ، فيجب فيها سجدة السهو لموجباتها ، وقضاء السجدة المنسيّة والتشهّد المنسي. وتبطل بنقصان الركن وزيادته ، لا بغير الركن. والشك في ركعاتها موجب للبطلان لأنّها ثنائيّة.


عن أنّ الإتيان بالتسبيحات أثناء الصلاة لم يكن من المقوّمات. ففيه : أنّ الدلالة وإن كانت تامّة لكنّ السند ضعيف.

وبالجملة : فلا دليل على الإتيان بالتسبيح المنسي متى تذكّر ، لعدم ورود ذلك في شي‌ء من الروايات المعتبرة. فالإتيان به بنيّة جزمية مشكل جدّاً ، نعم لا بأس بذلك رجاء.

(1) فلا تختص بالصلوات اليومية ، بل تعمّ جميع الفرائض ، للإطلاق في كثير من أدلّة تلك الأحكام ، وإلغاء خصوصية المورد جزماً فيما لا إطلاق له.

فانّ الموضوع في دليل حجّية الظن في الركعات مثل صحيحة صفوان (2)هو مطلق الصلاة ، كما أنّ الموضوع في أدلّة الشكوك المتضمّنة للزوم سلامة الركعتين وحفظهما عن الشك (3)كذلك.

وما دلّ على لزوم سجدتي السهو لكلام الآدمي قد عرفت (4)أنّ عمدة


1) (*) على ما مرّ.

2) الوسائل 8 : 225 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 15 ح 1 ، قال (عليه السلام) : «إن كنت لا تدري كم صلّيت ولم يقع وهمك على شي‌ء فأعد الصلاة».

3) الوسائل 8 : 187 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 1.

4) في ص 83.

.................................................................................................


المستند فيه النصّ المتضمّن لقول المصلي : «أقيموا صفوفكم» فيشمل كلّ صلاة تنعقد جماعة ، العامّة لجميع الفرائض.

وكذا ما دلّ على لزوم السجدتين للتشهّد المنسي (1)كما لا يخفى ، نعم ما دلّ على لزومهما للسلام الزائد مورده اليومية ، لوروده في من سلّم على الثالثة بدلاً عن الرابعة (2)، فلا تعمّ سائر الصلوات الواجبة مثل الآيات والجمعة والطواف ونحوها ، لكونها ثنائية بأجمعها. إلّا أنّه من أجل القطع بعدم القول بالفصل والجزم بعدم خصوصية للمورد يتعدّى إلى كافّة الصلوات الواجبة بلا إشكال.

كما أنّ ما دلّ على قضاء السجدة المنسية المتضمّن للتفصيل بين كون التذكّر قبل الدخول في الركوع أو بعده ، وأنّه يرجع في الأوّل ويقضي في الثاني (3)الموضوع فيه هو مطلق الصلاة من غير اختصاص باليومية.

وكذا ما دلّ على البطلان بنقصان الركن وزيادته (4)، بل يستفاد من حسنة الحلبي المتقدّمة (5)المتضمّنة لعدم بطلان النافلة بزيادة الركوع ، المؤيّدة بخبر الصيقل (6)المصرّح بعدم كون النافلة كالفريضة أنّ البطلان بزيادة الركن من أحكام الفريضة على إطلاقها ، كما أنّ عدم البطلان بالإخلال بما عدا الأركان المستفاد من حديث لا تعاد (7)عام أيضاً لجميع الصلوات.


1) الوسائل 6 : 401 / أبواب التشهّد ب 7 ح 3 ، 4 ، 6.

2) الوسائل 8 : 203 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 3 ح 14.

3) الوسائل 6 : 364 / أبواب السجود ب 14 ح 1 ، 2 وغيرهما.

4) وقد تقدّم في ص 73 وما بعدها.

5) [في ص 79 بعنوان صحيحة الحلبي].

6) المتقدّم في ص 77.

7) الوسائل 1 : 371 / أبواب الوضوء ب 3 ح 8.

[2131] مسألة 16 : قد عرفت سابقاً أنّ الظنّ المتعلّق بالركعات في حكم اليقين ، من غير فرق بين الركعتين الأوّلتين والأخيرتين ، ومن غير فرق بين أن يكون موجباً للصحّة أو البطلان كما إذا ظنّ الخمس في الشكّ بين الأربع والخمس أو الثلاث والخمس (1).


(1) أشار (قدس سره) إلى عدم الفرق في حجّية الظنّ المتعلِّق بالركعات بين ما كان موجباً للصحّة كظن الأربع في الشكّ بينها وبين الخمس ، أو البطلان كظن الخمس في المثال ، لإطلاق دليل الاعتبار.

وربما يناقش بقصور أدلّة حجّية الظن عن إثبات الإطلاق.

أمّا ما ورد في الشكوك الخاصّة كالشك بين الثنتين والثلاث أو الثلاث والأربع ونحو ذلك فظاهر ، لكون موردها الصحّة في كلّ من الطرفين. فلا تشمل الظن بالبطلان.

وأمّا ما ورد بلسان عام كصحيحة صفوان فلأنّ منطوقها البطلان ، فلا بدّ وأن يكون مفهومها الصحّة. ونتيجة ذلك الاختصاص بالظن بالصحيح ، إذ لو كان شاملاً للظنّ بالبطلان لدلّ المفهوم على الصحّة لدى حصول هذا الظن وهو كما ترى غير قابل للتصديق ، فإنّه مع الشك في الصحّة والفساد يحكم بالبطلان بمقتضى دلالة المنطوق ، فكيف يحكم بالصحّة مع ظن الفساد ، فانّ البطلان ثابت هنا بطريق أولى.

ولكن الصحيح دلالة المفهوم على حجّية الظن مطلقاً ، فانّ منطوق الصحيحة هو وجوب الإعادة من ناحية الشك خاصّة ، وأنّ هذا العنوان هو الّذي يستوجب البطلان. فمفهومها عدم الإعادة بلحاظ الشك فقط ، وأمّا مع وجود حجّة أُخرى من ظن أو بيّنة ونحوهما ممّا يزول معها الشك بقاءً وينعدم

.................................................................................................


الموضوع ولو تعبّداً فاللّازم العمل على طبق تلك الحجّة ، والجري على مفادها والأخذ بمدلولها صحّة أو فساداً.

وهذا نظير قولنا : إذا شكّ في الطهارة والنجاسة ولم تقم البيّنة يحكم بالطهارة ، فإنّ المستفاد منه تعليق الطهارة وإناطتها بنفس الشك ، فمفهومه نفي الطهارة المستندة إلى الشك لدى قيام البيّنة المزيلة للشك ، وأنّ اللّازم حينئذ الأخذ بمفاد البيّنة ، سواء أقامت على الطهارة أم النجاسة.

وهذا هو المتفاهم العرفي من أمثال هذه القضايا كما لا يخفى ، وعليه فمفهوم الصحيحة وجوب العمل بالوهم الّذي قد يقتضي الإعادة وقد لا يقتضيها.

والّذي يؤيِّد ما ذكرناه ويؤكِّده أنّا قد استفدنا من النصوص عدم جواز المضي في الفريضة على الشك مطلقاً ، وأنّ اللّازم الاستناد إلى ما يندفع به احتمال تطرّق الفساد من البناء على الأكثر والتدارك بركعة الاحتياط أو ركعتيه ، أو على الأقل والتدارك بسجدتي السهو على ما نطقت به موثّقة عمار (1)من تعليمه (عليه السلام) كيفية يؤمن معها من الزيادة والنقصان ، أو أن يعمل بالظن الّذي اعتبره الشارع في باب الركعات وجعله محرزاً للواقع ، وإلّا فالمضي على الشك من غير استناد إلى الحجّة موجب للبطلان.

وعليه نقول : إذا شكّ بين الثنتين والثلاث ، أو الثلاث والأربع ، أو الثنتين والثلاث والأربع ، أو الثنتين والأربع وحصل الظن بأحد الطرفين أو الأطراف أخذ به ، وإلّا بنى على الأكثر واحتاط بركعة الاحتياط. ففي جميع ذلك قد استند إلى ما يؤمن معه عن الخلل.

وأمّا إذا شكّ بين الثلاث والخمس أو الأربع والخمس حال الركوع أو قبل


1) الوسائل 8 : 213 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 8 ح 3 [لكنّها ليست موثّقة ويحتمل إرادة الحديث 1].

وأمّا الظن المتعلِّق بالأفعال ففي كونه كالشك أو كاليقين إشكال (1)(1) ، فاللّازم مراعاة الاحتياط. وتظهر الثمرة فيما إذا ظنّ بالإتيان وهو في المحل أو ظنّ بعدم الإتيان بعد الدخول في الغير ، وأمّا الظن بعدم الإتيان وهو في المحل أو الظن


إكمال السجدتين فمع حصول الظن بالصحيح وهو الثلاث في الأوّل ، والأربع في الثاني عمل به بمقتضى دليل حجّيته.

وأمّا لو حصل له الظن بالبطلان وهو الخمس فماذا يصنع لو لم يعمل على طبق ظنّه؟ فإنّه لو لم يكن حجّة في حقّه فغايته أنّه شاك فاقد للحجّة ، وقد عرفت عدم جواز المضي على الشك ، فبالأخرة تكون صلاته محكومة بالبطلان فيتّحد بحسب النتيجة مع القول بحجّية الظنّ المتعلّق بالبطلان في أمثال هذه الموارد ، أعني ما إذا كان الشكّ بنفسه مبطلاً وإن لم يحصل له الظن به كما في المثالين ، وإن كان ربما يتخلّف كالشك بين الأربع والخمس بعد إكمال السجدتين كما لا يخفى.

وكيف ما كان ، فهذا الاتِّحاد الغالبي بحسب النتيجة يؤيِّد ما استظهرناه من الصحيحة من الدلالة على حجّية الظن مطلقاً ، سواء أكان موجباً للصحّة أم البطلان.

(1) فالمعروف والمشهور شهرة عظيمة إلحاقه باليقين ، وأنّ الظن المتعلّق بالأفعال حجّة كما في الركعات ، بل عن المحقّق الثاني نفي الخلاف فيه (2).

وعن جماعة من المتأخِّرين عدم حجّيته وكونه ملحقاً بالشك ، واستشكل فيه الماتن ، ومن ثمّ احتاط بالوجهين الآتيين.


1) (*) والأظهر أنّه كالشك.

2) شرح الألفيّة (رسائل المحقق الكركي 3) : 310.

بالإتيان بعد الدخول في الغير فلا يتفاوت الحال في كونه كالشك أو كاليقين إذ على التقديرين يجب الإتيان به في الأوّل ويجب المضيّ في الثاني ، وحينئذ فنقول : إن كان المشكوك قراءة أو ذكراً أو دعاءً يتحقّق الاحتياط بإتيانه بقصد القربة ، وإن كان من الأفعال فالاحتياط فيه أن يعمل بالظن ثمّ يعيد الصلاة ، مثلاً إذا شكّ في أنّه سجد سجدة واحدة أو اثنتين وهو جالس لم يدخل في التشهّد أو القيام وظنّ الاثنتين يبني على ذلك ويتم الصلاة ثمّ يحتاط بإعادتها ، وكذا إذا دخل في القيام أو التشهّد وظنّ أنّها واحدة يرجع ويأتي بأُخرى ويتم الصلاة ثمّ يعيدها ، وهكذا في سائر الأفعال. وله أن لا يعمل بالظن ، بل يجري عليه حكم الشك ويتم الصلاة ثمّ يعيدها.


وتظهر الثمرة على ما نبّه عليه في المتن في موردين :

أحدهما : ما إذا ظنّ بالإتيان وهو في المحل ، كما لو تردّد في السجدة الثانية قبل الدخول في التشهّد وهو ظانّ بإتيان السجدتين ، فإنّه يمضي في صلاته لو كان الظنّ حجّة ، وإلّا رجع وتدارك استناداً إلى قاعدة الشك في المحل ، بخلاف ما لو كان ظانّاً حينئذ بعدم الإتيان ، فإنّه يلزمه الإتيان على التقديرين.

ثانيهما : ما لو ظنّ بعدم الإتيان بعد تجاوز المحل والدخول في الغير ، فإنّه يلزمه الرجوع لو كان الظن كاليقين ، وإلّا فلا يعتني بشكّه ، استناداً إلى قاعدة التجاوز. وأمّا لو كان ظانّاً حينئذ بالإتيان فلا رجوع على التقديرين. فيقع الكلام عندئذ في مستند القول بحجّية الظنّ في الأفعال.

فنقول : قد ورد في جملة من النصوص لزوم الاعتناء بالشك إن كان في المحل وعدم الاعتناء إن كان في خارجه ، وقد دلّت على ذلك روايات قاعدة التجاوز

.................................................................................................


بصورة عامّة وبعض النصوص الواردة في الموارد الخاصّة كالشك في الركوع.

والمستفاد من ذلك أنّ الاعتبار بنفس الشك الّذي هو خلاف اليقين ، وأنّه يعتني به إن كان في المحل حتّى يستيقن ، ولا يعتني إن كان في خارجه إلّا إذا أيقن بالخلاف ، من غير فرق بين حصول الظن وعدمه في الموردين بمقتضى الإطلاق ، بل قد ورد التصريح باليقين في جملة من النصوص.

منها : صحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) «في الّذي يذكر أنّه لم يكبِّر في أوّل صلاته ، فقال : إذا استيقن أنّه لم يكبِّر فليعد ، ولكن كيف يستيقن؟» (1)فانّ الاستعجاب عن حصول اليقين إنّما يتّجه لو أُريد به الصفة الخاصّة ، وإلّا فلا مورد للتعجّب لو أُريد به ما يشمل الظن كما لا يخفى.

ومنها : صحيحة أبي بصير «إذا أيقن الرجل أنّه ترك ركعة من الصلاة وقد سجد سجدتين وترك الركوع استأنف الصلاة» (2)دلّت بمقتضى المفهوم على عدم الاستئناف ما لم يتيقّن بترك الركعة أي الركوع ، سواء حصل الظن بالترك أم لا.

ومنها : رواية أبي بصير «عن رجل شكّ فلم يدر سجدة سجد أم سجدتين قال : يسجد حتّى يستيقن أنّهما سجدتان» (3)دلّت على لزوم تحصيل اليقين لدى عروض الشك في المحل ، فلا يجوز المضي بدونه وإن حصل له الظن.

ولكنّها ضعيفة السند بمحمّد بن سنان ، فلا تصلح إلّا للتأييد. وفي الأولتين غنى وكفاية ، ولا سيما أُولاهما المشتملة على الاستعجاب كما عرفت.


1) الوسائل 6 : 13 / أبواب تكبيرة الإحرام ب 2 ح 2.

2) الوسائل 6 : 313 / أبواب الركوع ب 10 ح 3.

3) الوسائل 6 : 368 / أبواب السجود ب 15 ح 3.

.................................................................................................


وعلى الجملة : فمقتضى هذه الإطلاقات عدم حجّية الظن المتعلّق بالأفعال فلا بدّ للقائل بالحجّية من إقامة الدليل لنخرج به عن مقتضاها ، وإلّا فتلك المطلقات هي المحكّمة.

وقد استدلّ على ذلك بوجوه :

منها : شهرة القول بذلك بين الأصحاب ، بل عن المحقّق الثاني نفي الخلاف فيه كما مرّ.

وفيه : مضافاً إلى عدم حجّية الشهرة في نفسها أنّ دعواها ممنوعة في المقام إلّا بالإضافة إلى الطبقة الوسطى من الأصحاب ، فإنّ كلمات القدماء منهم خالية عن التعرّض للمسألة رأساً ، وقد ذهب جمع كثير من المتأخِّرين إلى عدم الحجّية. فدعوى الشهرة بقول مطلق بعيدة عن الصواب.

وأمّا نفي الخلاف المحكي عن المحقّق فلا اعتبار به بمجرّده ما لم يرجع إلى الإجماع التعبّدي الكاشف عن رأي المعصوم (عليه السلام) ، ولم ينقل دعواه عن أحد ، بل قد عرفت الإشكال في تحقّق الشهرة فضلاً عن الإجماع.

ومنها : النبويان «إذا شكّ أحدكم في الصلاة فلينظر أحرى ذلك إلى الصواب فليبن عليه» (1)وقوله : «إذا شكّ أحدكم في الصلاة فليتحرّ الصواب» (2)بدعوى انجبار ضعفهما بعمل المشهور.

وفيه : منع الشهرة أوّلاً كما مرّ ، ومنع استناد المشهور إليهما ثانياً لجواز أن يكون المستند ما سيجي‌ء ، ومنع كبرى الانجبار ثالثاً.


1) صحيح مسلم 1 : 400 / 90 ، سنن النِّسائي 3 : 28 [وفيهما : فليتم عليه].

2) صحيح مسلم 1 : 400 / 90 ، سنن النِّسائي 3 : 28 [وفيه : فليتحرّ الّذي يرى أنّه الصواب].

.................................................................................................


ومنها وهو العمدة - : دعوى الفحوى والأولويّة القطعية ممّا دلّ على حجّية الظن في الركعات ، فإنّ الركعة التامّة المؤلّفة من عدّة أجزاء لو كان الظنّ معتبراً فيها بأجمعها ، فاعتباره في البعض من تلك الأجزاء ثابت بطريق أولى فإنّ البعض لا يكون أعظم شأناً من الكلّ ولا يزيد عليه بشي‌ء. والظاهر أنّ معظم القائلين بالحجّية قد استندوا إلى هذا الوجه.

ولكنّه لا يتم ، فإنّه وجه استحساني اعتباري لا يصلح أن يكون مستنداً لحكم شرعي كي ترفع به اليد عن الإطلاقات المتقدّمة ، سيما بعد ما نشاهده من وجود الفارق بينهما ، فإنّ المضي على الشك في الركعات ممنوع في الفريضة ، ولا مناص من الاستناد إلى ما يؤمن معه من الزيادة والنقصان على ما نطقت به موثّقة عمار المتضمّنة لتعليم كيفية الاحتياط حسبما تقدّم ، فاعتبر الشارع لزوم تحصيل المؤمن عن الخلل في ركعات الصلاة ، إمّا بالبناء على الأكثر والتدارك بركعة الاحتياط أو بركعتيه ، أو على الأقل والتدارك بسجدتي السهو كما في الشكّ بين الأربع والخمس ، ومن ثمّ جعل الظن حجّة في باب الركعات ، لكونه بعد الاعتبار علماً تعبّدياً وطريقاً محرزاً للواقع فيؤمن معه عن الخلل.

وليس كذلك الأفعال ، لجواز المضي فيها على الشك بلا إشكال ، ضرورة أنّ احتمال الزيادة أو النقصان موجود فيها دائماً ، سواء اعتنى بالشك وتدارك المشكوك فيه أم لا ، من غير فرق بين الشك في المحل أم بعد التجاوز عنه ، فإنّه مع التدارك يحتمل الزيادة لجواز الإتيان به أوّلاً ، ومع عدم التدارك يحتمل النقيصة لجواز عدم الإتيان.

فهذا الشك لا ينفك عن أحد الاحتمالين المزبورين ، ومع ذلك لم يلزم الشارع بتحصيل المؤمن عن الخلل ، وبذلك تفترق الأفعال عن الركعات. فلا يستلزم اعتبار الظنّ في الثاني اعتباره في الأوّل ، ولا أولوية في البين فضلاً عن أن

.................................................................................................


تكون قطعية.

فلا يمكن الاستناد إلى هذا الوجه ليرتكب التقييد في الإطلاقات المتقدّمة ونعني به التقييد في مقام الثبوت ، وإلّا فهو حكومة في مقام الإثبات لو تمّ الوجه المزبور كما هو ظاهر.

ومن جميع ما ذكرناه تعرف أنّ الأظهر عدم حجّية الظنّ المتعلّق بالأفعال وأنّه ملحق بالشك ، للإطلاقات السليمة عما يصلح للتقييد.

ثمّ إنّ الماتن (قدس سره) بعد أن استشكل في المسألة ولم يجزم بأحد الطرفين بنى على الاحتياط ، وقد فصّل في موارده بين ما هو من قبيل الأقوال كالقراءة والذكر والدُّعاء ، وما هو من قبيل الأفعال كالركوع والسجود.

والأمر كما أفاده (قدس سره) فانّ الاحتياط يتحقّق في الأوّل بالإتيان بقصد القربة المطلقة الجامع بين ما ينطبق على الجزء وما ينطبق على الذكر المطلق. فلو شكّ في الفاتحة قبل أن يدخل في السورة وظنّ الإتيان ، أو بعد الدخول فيها قبل أن يركع وظنّ عدم الإتيان أمكنه الاحتياط على النحو المزبور ، من دون أن يقصد الجزئية بخصوصها.

وأمّا في الثاني فلا يمكن في عمل واحد ، لما مرّ غير مرّة من امتياز الركوع والسجود عن بقية الأجزاء في أنّ زيادتهما ولو بحسب الصورة ومن غير قصد الجزئية قادحة ، على ما استفدنا ذلك ممّا دلّ على المنع عن تلاوة آية العزيمة في الصلاة معلّلاً بأنّ السجود زيادة في المكتوبة (1)، مع أنّ السجود المأتي به حينئذ هو سجود التلاوة لا السجود الصلاتي.


1) الوسائل 6 : 105 / أبواب القراءة في الصلاة ب 40 ح 1.

وأمّا الظنّ المتعلّق بالشروط وتحقّقها فلا يكون معتبراً (1) إلّا في القبلة (2)


فيعلم من ذلك قادحية الزيادة الصورية في مثل السجود ، ويتعدّى إلى الركوع بالأولوية القطعية. فلا يمكن الاحتياط فيهما إلّا في عملين بضمّ الإعادة.

وقد ذكر (قدس سره) لذلك وجهين :

أحدهما : أن يعمل بالظن ثمّ يعيد الصلاة. فلو شكّ في السجدة الثانية قبل الدخول في التشهّد وظنّ الإتيان ، أو بعد الدخول وظنّ العدم بنى على الإتيان في الأوّل وأتمّ الصلاة ثمّ أعادها ، رعاية لاحتمال الترك العمدي لو كانت وظيفته الاعتناء بالشكّ في المحل. ورجع في الثاني وأتى بأُخرى وأتمّ ثمّ أعاد الصلاة رعاية لاحتمال الزيادة العمدية لو كانت وظيفته عدم الاعتناء بمقتضى قاعدة التجاوز ، وهكذا الحال في سائر الأفعال.

ثانيهما : أن لا يعمل بالظنّ ، بل يجري عليه حكم الشكّ من الاعتناء إن كان في المحل ، وعدمه إن كان بعده ويتم الصلاة ثمّ يعيدها ، رعاية لاحتمال حجّية الظن. هذا كلّه بناءً على مسلكه (قدس سره) من التشكيك في المسألة.

وأمّا بناءً على المختار من عدم الاعتبار وإلحاق الظنّ بالشك فسبيل الاحتياط ولو استحباباً منحصر في الثاني ، للزوم الزيادة أو النقيصة العمديّتين في الأوّل ، المستلزمين لإبطال الصلاة الّذي هو محرّم على المشهور.

(1) للزوم إحراز الشرط ، وعدم الدليل على كفاية الظنّ الّذي لا يغني عن الحقّ شيئا.

(2) لقوله (عليه السلام) : «يجزي التحرِّي أبداً إذا لم يعلم أين وجه القبلة» (1).


1) الوسائل 4 : 307 / أبواب القبلة ب 6 ح 1.

والوقت في الجملة (1) ، نعم لا يبعد اعتبار شهادة العدلين فيها ، وكذا في الأفعال والركعات ، وإن كانت الكلِّيّة لا تخلو عن إشكال (1)(2).

[2132] مسألة 17 : إذا حدث الشكّ بين الثلاث والأربع قبل السجدتين أو بينهما أو في السجدة الثانية يجوز له تأخير التروِّي إلى وقت العمل بالشك وهو ما بعد الرفع من السجدة الثانية (3).


(1) أي فيما إذا كان اليوم غيوماً ، للنص الدال عليه كما تقدّم تفصيل ذلك كلّه في مباحثهما (2).

(2) قدّمنا في كتاب الطهارة (3)أنّ المستفاد من الأدلّة حجّية البيِّنة في الموضوعات على الإطلاق إلّا ما خرج بالنص كالدعوى على الميّت ، فإنّها تحتاج إلى ضمّ اليمين ، وكالشهادة على الزِّنا فإنّها تتوقّف على شهود أربعة وأمّا فيما عدا هذين الموردين فالمرجع إطلاق الدليل حسبما بيّنا تقريبه في محلّه. وعليه فيجوز التعويل على البيِّنة في إحراز شرائط الصلاة كأفعالها وركعاتها.

(3) لعدم الفرق بين التقديم والتأخير بعد العلم بوجوب فعل السجدتين على كلّ حال ، سواء استقرّ شكّه بعد التروي أم انقلب إلى الظن ، هذا.

وقد عرفت في محلّه (4)عدم وجوب التروي من أصله ، لعدم الدليل عليه فيجوز البناء على حكم الشك بمجرّد حدوثه لإطلاقات الأدلّة ، فلا حاجة إلى


1) (*) الإشكال ضعيف جدّاً ، بل لا يبعد ثبوتها بشهادة عدل ، بل ثقة واحد.

2) شرح العروة 11 : 433 ، 385.

3) شرح العروة 2 : 260 ، 3 : 155.

4) شرح العروة 18 : 211.

[2133] مسألة 18 : يجب تعلّم ما يعمّ به البلوى من أحكام الشكّ والسهو (1) ، بل قد يقال ببطلان صلاة من لا يعرفها ، لكن الظاهر عدم الوجوب إذا كان مطمئنّاً بعدم عروضها له ، كما أنّ بطلان الصلاة إنّما يكون إذا كان متزلزلاً بحيث لا يمكنه قصد القربة أو اتّفق له الشك أو السهو ولم يعمل بمقتضى ما ورد من حكمه ، وأمّا لو بنى على أحد المحتملين أو المحتملات من حكمه وطابق الواقع مع فرض حصول قصد القربة منه صحّ ، مثلاً إذا شكّ في فعل شي‌ء وهو في محلّه ولم يعلم حكمه لكن بنى على عدم الإتيان فأتى به ، أو بعد التجاوز وبنى على الإتيان ومضى صحّ عمله إذا كان بانياً على أن يسأل بعد الفراغ عن حكمه والإعادة إذا خالف ، كما أنّ من كان عارفاً بحكمه ونسي في الأثناء أو اتّفق له شكّ أو سهو نادر الوقوع يجوز له أن يبني على أحد المحتملات في نظره بانياً على السؤال والإعادة مع المخالفة لفتوى مجتهده.


التروِّي رأساً فضلاً عن مثل المقام ممّا لا يترتّب عليه الأثر كما عرفت.

(1) تقدّم الكلام حول الفروع التي تتضمّنها هذه المسألة في مباحث الاجتهاد والتقليد (1)، فلا حاجة إلى الإعادة. ومن شاء الإحاطة بها فليراجع ما قدّمناه في مطاوي تلك الأبحاث.


1) شرح العروة 1 : 250 ، 317.

ختام فيه مسائل متفرِّقة

اشارة

[2134] الأُولى : إذا شكّ في أنّ ما بيده ظهر أو عصر فان كان قد صلّى الظهر بطل ما بيده (1)، وإن كان لم يصلّها أو شكّ في أنّه صلّاها أو لا عدل به إليها (1).


فروع العلم الإجمالي

(1) الشاك في أنّ ما بيده ظهر أو عصر قد يفرض علمه بإتيان الظهر وفراغ ذمّته عنها ، واخرى لا ، سواء أكان عالماً بعدم الإتيان أم كان شاكّاً فيه.

أمّا في الفرض الأوّل فقد حكم (قدس سره) ببطلان ما بيده ، والوجه في ذلك عدم إحراز النيّة التي هي من مقوّمات الصلاة الدخيلة في حقيقتها.

فانّا قد ذكرنا في مطاوي بعض الأبحاث السابقة ولا سيما في مباحث العدول (2)أنّ الصلوات بأسرها حقائق متباينة في حدّ ذاتها وإن اشترك بعضها مع بعض في الأجزاء صورة ، بل وفي تمام الصلاة أحياناً كما في الظهرين أو الأداء والقضاء ، فيمتاز كلّ منها عن الأُخرى بالعنوان المأخوذ فيها كعنوان الظهر والعصر ، والفريضة والنافلة ، والأداء والقضاء ونحوها.


1) (*) إلّا إذا رأى نفسه فعلاً في صلاة العصر وشكّ في نيّته لها من الأوّل ، وبذلك يظهر الحال في المسألة الثانية.

2) شرح العروة 11 : 218 ، 14 : 63.

.................................................................................................


وهذه الجهة الفارقة أعني العنوان المزبور المنطبق على تمام الصلاة ملحوظة في مقام الذات ، فهي في المركّبات الاعتبارية بمثابة الفصول المنوّعة بالإضافة إلى الماهيّات المتأصّلة ، فلا بدّ في تحقّقها من تعلّق القصد بها بخصوصها.

فلو نوى ذات الركعتين من غير قصد الفجر أو نافلته لم يقع شي‌ء منهما لامتناع تحقّق الجنس عارياً عن الفصل ، ومن ثمّ لا يغني قصد إحداها عن الأُخرى ما لم يقم عليه دليل بالخصوص كما في موارد العدول.

وعليه فمع الشك في اتِّصاف ما بيده بعنوان الظهر أو العصر فهو غير محرز لما تتقوّم به ماهيّة الصلاة ، فلا تقع لا ظهراً لأنّه قد صلّاها حسب الفرض ، ولا عصراً لعدم إحراز العنوان. فلا مناص من البطلان.

إذ لا سبيل إلى التصحيح (1)والبناء على وقوعها عصراً عدا ما يتوهّم من الاستناد إلى قاعدة التجاوز ، بدعوى أنّ نيّة الخلاف لدى القيام إلى الصلاة مشكوك فيها ، ومقتضى قاعدة التجاوز البناء على وقوعها بنيّة صحيحة وهي العصر ، فيتمّها بهذا القصد.

ولكنّه كما ترى ، ضرورة عدم كون النيّة من الأجزاء التي لها محلّ معيّن لتجري فيها القاعدة بالتقريب المتقدّم على حدّ جريانها في سائر الأجزاء المشكوكة لدى التجاوز عن محالّها ، بل هي من أجل كونها ممّا به الامتياز ومن قبيل الفصول المنوّعة للماهية كما عرفت منطبقة على تمام الأجزاء بالأسر


1) وما في بعض الكلمات من التصدِّي للتصحيح بالتمسّك بظاهر الحال كما ترى ، ضرورة عدم الدليل على اعتباره في غير الموارد الخاصّة ، ما لم يرجع إلى قاعدتي الفراغ أو التجاوز ، لعدم خروجه عن حدود الظنّ الّذي لا يغني عن الحق. ألا ترى أنّ من كان معتاد الاستبراء أو مواظباً على الصلاة أوّل الوقت ليس له البناء على الإتيان لدى الشك ، اعتماداً على ظاهر الحال.

.................................................................................................


انطباق العنوان على المعنون والطبيعي على الفرد ، فمحلّها مجموع الأجزاء ، لا خصوص الابتداء وحالة الشروع في الصلاة كي يصدق التجاوز عنه.

نعم ، يتّجه الحكم بالصحّة استناداً إلى القاعدة المذكورة في صورة خاصّة وهي ما لو رأى نفسه فعلاً في صلاة العصر وشكّ في نيّته لها من الأوّل ، فكان محرزاً لعنوان الجزء الّذي بيده وشاكّاً في عنوان الأجزاء السابقة ، فإنّه يبني على وقوعها عصراً بمقتضى قاعدة التجاوز.

إذ مرجع ذلك إلى الشكّ في اتِّصاف ما وقع بعنوان الجزئية وعدمها ، فإنّه لو كان ناوياً للعصر فقد وقعت جزءاً وإلّا وقعت لغواً وأجنبيّة عن هذه الصلاة سواء كان ناوياً للظهر أم لغيرها ، لما عرفت من تقوّم الجزئية بالنيّة وقصد العنوان الّذي يتقوّم به المركّب ، فيرجع بالأخرة إلى الشكّ في وقوع ذات الجزء وحيث قد تجاوز عن محلّه بالدخول في الجزء المترتّب وهو الّذي بيده فيبني ببركة القاعدة على الوقوع.

وبعبارة اخرى : الشك في اتِّصاف الأجزاء السابقة بنيّة العصر لا ينقص عن الشكّ في أصل الإتيان الّذي هو مورد لقاعدة التجاوز.

وممّا ذكرنا تعرف أنّ المقام ليس من قبيل الشك في الصحّة ليتمسّك بقاعدة الفراغ ، لأنّ موردها ما إذا علمنا بوجود ذات الجزء المتقوّم باتِّصافه بعنوان العصر مثلاً وشككنا في صحّته وفساده ، والمفروض هنا الشكّ في ذلك.

فالمقام نظير ما لو شكّ وهو في السورة مثلاً في أنّ ما قرأ هل كان فاتحة أم دعاءً ، أو أنّه هل كان فاتحة أم كلاماً آدمياً ، الّذي لا شك في أنّ المرجع حينئذ إنّما هو قاعدة التجاوز دون الفراغ.

وعليه فينبغي التفصيل في المسألة بين ما لو كان يرى نفسه فعلاً في صلاة العصر وما إذا كان شاكّاً في حالته الفعلية أيضاً ، فيلتزم بالصحّة في الأوّل ولا

[2135] المسألة الثانية : إذا شكّ في أنّ ما بيده مغرب أو عشاء فمع علمه بإتيان المغرب بطل ، ومع علمه بعدم الإتيان بها أو الشك فيه عدل بنيّته إليها إن لم يدخل في ركوع الرابعة ، وإلّا بطل أيضاً (1).


مناص من البطلان في الثاني (1)حسبما عرفت ، بعد وضوح عدم كون المقام من موارد العدول إلى العصر ولو رجاءً ، لعدم جواز العدول من السابقة إلى اللّاحقة.

وأمّا في الفرض الثاني أعني ما إذا كان عالماً بعدم الإتيان بالظهر أو شاكّاً فيه ، الّذي هو بمنزلة العلم ولو تعبّداً بمقتضى استصحاب العدم ، فلا ينبغي الشكّ في صحّة الصلاة حينئذ وأنّه يعدل بها إلى الظهر كما أفاده في المتن.

فانّ العدول بمعناه الحقيقي وإن لم يكن محرزاً في المقام ، لتوقّفه على الجزم بعنوان المعدول عنه ، والمفروض الشك في ذلك ، إلّا أنّ المراد به العدول التقديري ، فيجعل ما بيده ظهراً ويأتي ببقية الأجزاء بهذا العنوان ، لعلمه بوجوب ذلك على كلّ حال. وأمّا الأجزاء السابقة فإن كان ناوياً للظهر من أوّل الأمر فهو ، وإلّا فحكمه العدول بها إلى الظهر وقد فعل ، فيحرز معه الإتيان بظهر صحيحة ويأتي بالعصر بعد ذلك.

(1) ممّا ذكرناه في المسألة السابقة يظهر الحال في هذه المسألة ، فإنّ الكلام فيها هو الكلام فيما مرّ بعينه ، فيجري هنا أيضاً التفصيل المتقدّم بين الصورتين أعني صورة العلم بإتيان المغرب وصورة عدم العلم ، سواء كان شاكّاً أم عالماً بالعدم.


1) إلّا إذا أحرز أنّ قصد الظهر لو كان فهو من باب الخطأ في التطبيق كما لعلّه الغالب.

.................................................................................................


فيحكم في الصورة الأُولى بالبطلان ، لعدم إحراز العنوان ، إلّا إذا كان محرزاً لحالته الفعلية وأنّ الجزء الّذي بيده قد أتى به بعنوان العشاء ، وشكّ في الأجزاء السابقة وأنّها هل كانت كذلك أيضاً أم أنّه أتى بها بعنوان المغرب ، فيحكم حينئذ بالصحّة ، استناداً إلى قاعدة التجاوز ، من غير فرق بين حدوث الشك المزبور بعد الدخول في ركوع الركعة الرابعة أم قبل ذلك.

وأمّا في الصورة الثانية : فيحكم بالصحّة والعدول عمّا بيده إلى المغرب بالمعنى المتقدّم للعدول المراد به في المقام.

نعم ، تفترق هذه الصورة عن مثلها في المسألة السابقة فيما لو كان الشك عارضاً بعد الدخول في ركوع الركعة الرابعة ، لامتناع العدول حينئذ بعد فوات محلّه بالدخول في الركن ، وحيث لا يمكن تصحيحها لا مغرباً لما عرفت ، ولا عشاءً لعدم إحراز النيّة ، فلا مناص من رفع اليد والإتيان بالعشاءين.

نعم ، في خصوص ما إذا كان محرزاً لحالته الفعلية يمكن تتميمها عشاءً والإتيان بالمغرب بعد ذلك بناءً على مسلك شيخنا الأُستاذ (قدس سره) (1)الّذي تقدّم التعرّض له في مبحث الأوقات (2)في من تذكّر عدم الإتيان بالمغرب بعد ما دخل في ركوع الركعة الرابعة من صلاة العشاء ، من جواز تتميم العشاء حينئذ والإتيان بالمغرب بعد ذلك ، بدعوى عدم المحذور في ذلك عدا مخالفة الترتيب ، وحيث إنّ الإخلال به سهوي فهو مشمول لحديث لا تعاد (3)الدال على سقوط شرطيّة الترتيب بعد عدم كونه من الخمسة المستثناة في الحديث.

فعلى ضوء ما ذكره (قدس سره) هناك يحكم بالصحّة هنا أيضاً وإتمامها


1) كتاب الصلاة 1 : 72 73.

2) شرح العروة 11 : 207.

3) الوسائل 1 : 371 / أبواب الوضوء ب 3 ح 8.

.................................................................................................


عشاءً بعد إحراز اتِّصاف الأجزاء السابقة بعنوان العشاء بمقتضى قاعدة التجاوز كما مرّ ، ويأتي بالمغرب بعد ذلك ، فانّ غايته الإخلال بالترتيب ، والمفروض سقوط شرطيّته بمقتضى حديث لا تعاد كما عرفت.

لكن الشأن في صحّة هذا المسلك ، فقد أشرنا في ذاك المبحث إلى ضعفه وسقوط الدعوى المزبورة ، نظراً إلى أنّ الترتيب معتبر بين الصلاتين في تمام أجزائهما بالأسر من البدو إلى الختم كما هو ظاهر الأدلّة ، فإنّ المستفاد من مثل قوله (عليه السلام) : «إلّا أنّ هذه قبل هذه» (1)أنّ تمام هذه الأجزاء التي يتركّب منها اسم الصلاة بعد تمام تلك ، لا أنّ البعض من هذه بعد هذه كما لا يخفى.

وعليه فالترتيب كما هو معتبر في الأجزاء السابقة معتبر في الأجزاء اللّاحقة أيضاً ، وحديث لا تعاد الجاري في المقام لا يتكفّل إلّا لسقوط الترتيب بالإضافة إلى الأجزاء السابقة التي وقعت قبل المغرب سهواً ، دون ما لم يؤت به بعدُ من الأجزاء اللّاحقة ، ضرورة أنّ الإخلال به حينئذ عمدي ، ومن المعلوم عدم شمول الحديث لمثل ذلك.

فالصحيح عدم جريان الحديث في كلا الموردين ، فلا يمكن تتميم ما بيده عشاءً ، للزوم الإخلال بالترتيب عامداً ، اللّهمّ إلّا على القول بجواز إقحام صلاة في صلاة وأنّه مطابق للقاعدة حتّى اختياراً كما يقول به هو (قدس سره) أيضاً (2)، إذ عليه يمكنه أن يدع هذه الأجزاء التي أتى بها على حالها ويأتي بالمغرب ثمّ يأتي ببقية إجزاء العشاء ، وبذلك يراعي شرطية الترتيب بالإضافة إلى الأجزاء اللّاحقة ، وأمّا السابقة فقد عرفت سقوطها فيها بمقتضى الحديث بعد كون الإخلال بالنسبة إليها سهويّاً.


1) الوسائل 4 : 126 / أبواب المواقيت ب 4 ح 5 ، 20.

2) لاحظ كتاب الصلاة 2 : 274 ، 3 : 201.

[2136] المسألة الثالثة : إذا علم بعد الصلاة أو في أثنائها أنّه ترك سجدتين من ركعتين سواء كانتا من الأولتين أو الأخيرتين (1)صحّت صلاته وعليه قضاؤهما وسجدتا السهو مرّتين (2)وكذا إن لم يدر (3)أنّهما من أيّ الركعات بعد العلم بأنّهما من الركعتين (1).


إلّا أنّ هذا القول أيضاً ضعيف ، ولا يمكن الالتزام بالإقحام في غير مورد النص ، لكونه على خلاف القاعدة كما تقدّم في محلّه (4). وعليه فلا مناص من الحكم بالبطلان ولزوم الإتيان بالعشاءين كما ذكرناه.

(1) إذا علم بعد الصلاة أو في أثنائها أنّه ترك سجدتين من ركعتين سواء كانتا من الأولتين أو الأخيرتين أو بالاختلاف ، أو لم يدر أنّهما من أيّ الركعات بعد العلم بعدم كونهما من ركعة واحدة المستلزم للبطلان ، فقد حكم (قدس سره) حينئذ بصحّة الصلاة ووجوب قضائهما مع سجدتي السهو مرّتين.

وما ذكره (قدس سره) ظاهر في الجملة ولا سترة عليه ، ضرورة أنّ ما دلّ


1) () إذا كان المنسي سجدتين منهما وعلم المصلّي بذلك قبل الفراغ أو بعده قبل الإتيان بالمنافي وجب عليه تدارك إحداهما وقضاء الأُخرى.

2) () على الأحوط كما مرّ ، وقد تقدّم حكم نقصان السجدة من الركعة الأخيرة [في المسألة 2019].

3) () إذا علم إجمالاً نقصان سجدتين من ركعتين واحتمل أن تكون إحداهما من الركعة التي لم يفت محلّ تداركها فيها وجب عليه تداركها وقضاء سجدتين أُخريين بعد الصلاة على الأظهر ، نعم إذا كان الشك بعد الفراغ وقبل الإتيان بالمنافي رجع وتدارك إحداهما ثمّ يقضي سجدة أُخرى.

4) شرح العروة 16 : 55.

.................................................................................................


على وجوب قضاء السجدة المنسية وعدم بطلان الصلاة بذلك لا يفرق فيه بمقتضى الإطلاق بين ما إذا كان المنسي سجدة واحدة أو ثنتين ، بل الثلاث ما لم تكن من ركعة واحدة ، وإلّا استوجب البطلان حينئذ من أجل نقصان الركن.

نعم ، ضم سجدتي السهو إلى القضاء مبني على ما اختاره من كون نسيان السجدة من موجبات سجود السهو ، وقد عرفت (1)منعه ، فلا يجب عليه غير القضاء إلّا إذا قلنا بوجوب سجدتي السهو لكلّ زيادة ونقيصة. وهذا في الجملة واضح كما عرفت.

إلّا أنّ تفصيل الكلام في المقام يستدعي التكلّم في موردين :

أحدهما : ما إذا حصل العلم المزبور بعد الفراغ من الصلاة.

ثانيهما : ما إذا حصل في الأثناء وقبل أن يسلّم.

أمّا المورد الأوّل : فتارة يعلم بعدم كون شي‌ء من السجدتين المنسيّتين من الركعة الأخيرة ، وأُخرى يعلم بأنّ إحداهما منها ، وثالثة يشكّ في ذلك فيحتمل أن تكون إحدى المنسيّتين من الأخيرة.

لا إشكال في الصورة الأُولى ، وأنّه ليس عليه إلّا قضاؤهما إمّا مع ضمّ سجدتي السهو أو بدون ذلك على الخلاف المتقدّم.

وأمّا في الصورة الثانية : فلا إشكال أيضاً في وجوب قضاء السجدة الفائتة من غير الركعة الأخيرة ، وأمّا المنسية من الأخيرة فحيث إنّ السلام حينئذ واقع في غير محلّه ومثله لا يكون مخرجاً ، فهو بعدُ في الصلاة ، فيجب عليه الرجوع وتدارك السجدة المنسية والإتيان بسجدتي السهو لأجل السلام الزائد الواقع في غير محلّه سهواً ، بل للتشهّد أيضاً إن قلنا بوجوبهما لكلّ زيادة ونقيصة.


1) في شرح العروة 18 : 353.

.................................................................................................


هذا فيما إذا كان محلّ التدارك باقياً ، بأن لم يكن مرتكباً بعد السلام لأحد المنافيات العمدية والسهوية كالحدث والاستدبار ، وإلّا فلا رجوع لفوات المحل.

وحيث إنّ نسيان السجدة الواحدة لا يستوجب البطلان بمقتضى حديث لا تعاد ، بل لصريح قوله (عليه السلام) : لا تعاد الصلاة من سجدة واحدة وإنّما تعاد من ركعة (1)فيعلم من ذلك أنّ السلام الواقع آن ذاك كان مخرجاً ، بمعنى أنّ ارتكاب المنافي كاشف عن اتِّصاف السلام في ظرفه بالمخرجية ، وإلّا لزم إعادة الصلاة ، والمفروض أنّها لا تعاد ممّا عدا الخمسة كما عرفت.

وعليه فيجب قضاء هذه السجدة كالسجدة الأُخرى المنسية ممّا عدا الركعة الأخيرة كما مرّ. فحال ذلك حينئذ حال ما لو علم بفوات كلتا السجدتين ممّا عدا الركعة الأخيرة ، الّذي تقدّم في الصورة الأُولى.

وأمّا في الصورة الثالثة : ففيما إذا كان ذلك بعد ارتكاب المنافي يجب قضاؤهما كما علم ممّا مرّ آنفاً ، وأمّا إذا كان قبل ذلك والمفروض أنّ التذكّر بعد السلام فلا إشكال في وجوب قضاء إحدى السجدتين المعلوم عدم كونها من الركعة الأخيرة.

وأمّا الأُخرى المردّدة بين كونها منها أو ممّا عداها من سائر الركعات فحيث إنّ قاعدة التجاوز في الركعة الأخيرة معارضة بمثلها في سائر الركعات فنبقى نحن واستصحاب عدم الإتيان بها في كلّ منهما ، أعني الركعة الأخيرة والركعة الأُخرى التي هي طرف لهذا الشك ، ومقتضى العمل بالاستصحابين وجوب الرجوع وتدارك السجدة وإعادة التشهّد والسلام ثمّ قضائها ، مضافاً إلى قضاء السجدة الأُولى كما مرّ. فبالنتيجة يأتي بثلاث سجدات ، إحداها رجوعاً وثنتان قضاء.


1) الوسائل 6 : 319 / أبواب الركوع ب 14 ح 2 ، 3 ، (نقل بالمضمون).

.................................................................................................


نعم ، يجوز له الاقتصار على سجدتين ، بأن يسجد أوّلاً بقصد ما في الذمّة الجامع بين الرجوع والقضاء ، حيث إنّ الظاهر أنّ المأمور به هو الإتيان بذات السجدة من دون أن تكون معنونة بعنوان الرجوع وعدمه ، ثمّ يتشهّد ويسلّم احتياطاً ويأتي بعد ذلك بسجدة اخرى قضاءً ، وبذلك يقطع ببراءة الذمّة ، فإنّ وظيفته إن كانت الرجوع لكون الفائتة من الأخيرة فقد فعل ، وإلّا فقد قضى. ولا يضرّه التشهّد والتسليم عندئذ بعد وقوعهما خارج الصلاة كما هو ظاهر.

فلا حاجة إلى سجدة ثالثة ، كما لا يجب عليه سجود السهو من أجل السلام الأوّل ، لعدم الجزم بزيادته بعد احتمال أن تكون السجدتان المنسيتان كلتاهما ممّا عدا الركعة الأخيرة.

ومعلوم أنّ استصحاب عدم الإتيان بسجدة الركعة الأخيرة لا يثبت اتِّصاف السلام بعنوان الزيادة ليجب سجود السهو من أجله.

نعم ، بناءً على ما قدّمناه في محلّه (1)من أنّ السجدة المقضية جزء حقيقة قد تغيّر ظرفه وتبدّل محلّه فتأخّر عن موطنه إلى ما بعد السلام ، وما لم يأت بها لم يتحقّق الخروج عن الصلاة ، ولذا قلنا إنّه لو أخلّ بها عمداً بطلت صلاته ، فعليه يعلم في المقام إجمالاً بزيادة السلام ، فإنّ السجدة المنسية إن كانت من الركعة الأخيرة فالسلام الأوّل زائد ، وإلّا فالسلام الثاني المأتي به احتياطاً ، لما عرفت من أنّ السجدة المقضية جزء حقيقي ، فما لم يفرغ عن قضاء السجدتين لم يتحقّق الخروج عن الصلاة ، فلا محالة يكون السلام الثاني واقعاً في الأثناء ومتّصفاً بالزيادة. إذن يجب عليه سجود السهو لأحد السلامين المعلوم زيادته إجمالاً ، بل وكذا للتشهّد بناءً على وجوبه لكلّ زيادة ونقيصة.

وأمّا المورد الثاني : أعني ما إذا كان العلم حاصلاً أثناء الصلاة ، فلا إشكال


1) شرح العروة 18 : 95 ، 271 ، 311.

.................................................................................................


في وجوب قضاء السجدتين فيما إذا كان التذكّر بعد الدخول في ركن لاحق بحيث لا يمكن معه التدارك ، كما لو علم وهو في ركوع الثالثة بفوات السجدتين من الأولتين ، أو علم وهو في ركوع الرابعة بتركهما من الركعات السابقة.

كما لا إشكال في قضائهما أيضاً فيما إذا لم يكن داخلاً في ركن ، ولكنّه لم يحتمل فوت السجدة من الركعة التي هو فيها أو قام عنها ، كما لو قام إلى الرابعة فعلم حينئذ بفوت سجدتين من الأوليين ، أو رفع رأسه من السجدة الأخيرة وعلم بترك سجدتين من الركعات السابقة.

وأمّا إذا لم يكن داخلاً في ركن مع احتمال أن تكون إحدى المنسيّتين من الركعة التي هو فيها أو قام عنها ، فوجوب قضاء سجدة واحدة معلوم تفصيلاً.

وأمّا السجدة الأُخرى المردّدة بين كونها ممّا بيده أو من ركعة أُخرى قد فات محلّ تداركها ، فان لم يكن داخلاً في جزء مترتّب كما لو رفع رأسه من سجود الركعة الأخيرة مثلاً ، وقبل أن يتشهّد علم بترك سجدتين إحداهما من الركعات السابقة يقيناً والأُخرى مردّدة بين كونها منها أيضاً أو من نفس هذه الركعة ، عمل بقاعدة الشكّ في المحل بالنسبة إلى هذه الركعة ، وبقاعدة التجاوز بالإضافة إلى الركعة السابقة التي هي طرف للترديد ، فيسجد للركعة التي هي بيده ، ولا شي‌ء عليه إلّا قضاء السجدة المعلوم فواتها.

وإن كان داخلاً في جزء مترتّب كما لو كان داخلاً في التشهّد في المثال المزبور أو قام إلى الرابعة فعلم بتردّد الفائتة بين كونها من هذه الركعة التي قام عنها أو من ركعة أُخرى ، فقاعدة التجاوز لكونها متعارضة من الطرفين ساقطة. فلا مناص من الرجوع إلى أصل آخر. والأُصول المتصوّرة في المقام ثلاثة : الاستصحاب ، وقاعدة الاشتغال ، وأصل البراءة.

فإن قلنا بعدم جريان الاستصحاب في أمثال المقام ممّا علم معه بالمخالفة

.................................................................................................


للمعلوم بالإجمال كما عليه شيخنا الأنصاري (قدس سره) (1)كان المرجع حينئذ قاعدة الاشتغال بالإضافة إلى الركعة التي قام عنها ، للشك في الخروج عن عهدة الأمر بالسجود مع إمكان التدارك ، لبقاء محلّه الذكري ، إذ المفروض عدم الدخول في الركن. وأصالة البراءة بالإضافة إلى الركعة السابقة التي هي طرف للترديد ، فإنّ الأمر بالسجدة المحتمل فواتها من تلك الركعة ساقط قطعاً بعد عدم إمكان التدارك ، فلا يحتمل بقاؤها على الجزئية.

نعم ، على تقدير تركها في موطنها يتعلّق أمر جديد بالجزئية بعد الصلاة ويكون التبدّل حينئذ في ظرفها ومحلّها ، وحيث نشكّ في حدوث هذا الأمر لجواز الإتيان بالسجدة في موطنها فيرجع في نفيه إلى أصالة البراءة.

فبهذين الأصلين أصالة الاشتغال وأصالة البراءة اللّذين أحدهما مثبت والآخر ناف ينحلّ العلم الإجمالي ، فيرجع ويتدارك السجدة من الركعة التي هو فيها أو قام عنها ، ولا شي‌ء عليه إلّا قضاء السجدة الواحدة المعلوم فواتها.

وإن قلنا بجريان الاستصحاب كما هو الصحيح ، لعدم كون المخالفة بمجرّدها مانعة ما لم تكن عملية ، فلا تصل النوبة إلى الأُصول المتأخّرة الطولية ، بل يبنى حينئذ على عدم الإتيان بالسجدة من كلّ من الركعتين اللّتين هما طرفا الترديد عملاً بالاستصحاب في كلّ منهما ، فيرجع ويتدارك السجدة من هذه الركعة ويقضي سجدتين بعد الصلاة إحداهما عمّا فات يقيناً والأُخرى عمّا فات بحكم الاستصحاب.

فانّ الظاهر أنّ الموضوع للقضاء ليس هو الترك السهوي ليورد بعدم ثبوت هذا العنوان باستصحاب عدم الإتيان ، بل المستفاد من الأدلّة أنّ السجدة


1) فرائد الأُصول 2 : 744 745.

.................................................................................................


المتروكة في محلّها محكومة بالتدارك مع الإمكان وإلّا فبالقضاء.

نعم ، الترك العمدي موجب للبطلان ، وهذا لا يستوجب تقيّد موضوع القضاء بعنوان الترك السهوي كما لا يخفى.

وعلى الجملة : فاللّازم الإتيان بسجدات ثلاث : إحداها في المحلّ ، وثنتان قضاءً ، ولا يمكن الاقتصار هنا على سجدتين بأن يأتي بإحداهما بقصد ما في الذمّة الجامع بين ما هو تدارك في المحل وما يكون قضاءً عن الركعة التي هي طرف للترديد كما هو ظاهر. وبذلك تفترق هذه الصورة عن الصورة السابقة أعني ما إذا كان التذكّر بعد السلام ، التي عرفت فيها جواز الاقتصار على السجدتين.

وأمّا سجود السهو من أجل القيام إلى الركعة التي بيده فغير لازم ، لعدم العلم بزيادته بعد احتمال الإتيان بكلتا السجدتين في الركعة التي قام عنها. ومن المعلوم أنّ أصالة عدم الإتيان لا تثبت الزيادة ، نعم بعد ما رجع وتدارك بمقتضى الاستصحاب كما عرفت يعلم حينئذ إجمالاً إمّا بزيادته أو بزيادة الجلوس من جهة تدارك السجدة ، فيجب السجود للعلم الإجمالي بتحقّق موجبه وهو القيام في موضع القعود أو عكسه ، الّذي هو بنفسه من الموجبات كما تقدّم (1).

فتحصّل : أنّ الصلاة محكومة بالصحّة في جميع صور المسألة ، إلّا أنّ حكمها يختلف باختلاف الموارد حسبما فصّلناه.


1) شرح العروة 18 : 358.

[2137] المسألة الرابعة : إذا كان في الركعة الرابعة مثلاً وشكّ في أنّ شكّه السابق بين الاثنتين والثلاث كان قبل إكمال السجدتين أو بعدهما بنى على الثاني ، كما أنّه كذلك إذا شكّ بعد الصلاة (1).


(1) تقدّم الكلام حول هذه المسألة في المسألة العاشرة من فصل الشكّ في الركعات (1)وأعادها في المقام ، ونحن أيضاً نعيدها ، لعدم خلوّها عن الإفادة فنقول :

إذا كان في الركعة الرابعة البنائية وعلم أنّه شكّ قبل ذلك بين الثنتين والثلاث ولم يدر أنّ شكّه السابق هل كان قبل إكمال السجدتين لتبطل صلاته أم كان بعد الإكمال وقد بنى على الثلاث فطبعاً يكون ما بيده رابعة بنائيّة.

ذكر في المتن أنّه يبني على الثاني ، فتصحّ صلاته ويأتي بركعة الاحتياط بعد ذلك ، وذكر (قدس سره) أنّ الأمر كذلك فيما إذا كان الشك بعد الصلاة.

أقول : ما أفاده (قدس سره) هو الصحيح فيما إذا كان الشك في الأثناء ، فإنّ الروايات ومنها موثّقة عمار (2)قد دلّت على أنّ الشاكّ في عدد الركعات يبني على الأكثر ويتدارك النقص المحتمل بركعة الاحتياط. وزيادة السلام المحتملة مغتفرة تخصيصاً في دليل المخرجية. فمقتضى هذه الروايات أنّ كلّ شكّ محكوم بهذا الحكم.

إلّا أنّ هناك طائفة أُخرى من الروايات دلّت على لزوم حفظ الأُوليين وسلامتهما عن الشك ، وأنّه لا يدخلهما الوهم كما نطقت به صحيحة الوشّاء :


1) شرح العروة 18 : 237.

2) الوسائل 8 : 212 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 8 ح 1 وغيره.

.................................................................................................


«الإعادة في الركعتين الأُوليين ، والسهو في الركعتين الأخيرتين» (1)ونحوها غيرها من الأخبار المصرّحة بلزوم إحراز الأُوليين واليقين بهما.

فالمتلخّص من هاتين الطائفتين بعد ضمّ بعضها إلى بعض أنّ الموضوع للصحّة والبناء على الأكثر هو الشاك في الركعات ولم يكن شكّه في الأُوليين وهذا يمكن إحرازه في المقام بضميمة الوجدان إلى الأصل.

فإنّ المكلّف شاكّ فعلاً بين الثلاث والأربع وجداناً ، ولأجله يكون ما بيده رابعة بنائيّة كما ذكرنا ، كما أنّه حافظ فعلاً للأُوليين وجداناً أيضاً ، فإنّه محرز لهما بالفعل ، ولا شكّ فيهما بوجه ، وليس في البين عدا احتمال عروض المبطل سابقاً أعني حدوث الشك السابق بين الثنتين والثلاث قبل الإكمال المستلزم لعدم حفظ الأُوليين آن ذاك وكونه ماضياً على الشك ، وهو مدفوع ببركة الأصل.

ونتيجة ذلك هو الحكم بالصحّة ، فإنّ شكّه الفعلي فيما عدا الأُوليين وكونه حافظاً لهما وجداني ، ومضيّه سابقاً مع الشك فيهما الّذي هو المبطل منفي بالأصل.

ولكن قد يقال : إنّ الشك الّذي يحكم معه بالصحّة والتدارك بركعة الاحتياط هو خصوص الشك الحادث في الأخيرتين وبعد إكمال السجدتين ، فهذه الحصّة الخاصّة من الشك المتّصفة بعنوان الحدوث والبعدية هي الموضوع للصحّة. ومن المعلوم أنّ أصالة عدم حدوث الشك قبل الإكمال لا يجدي في إثبات هذا العنوان ، فلا يمكن إحرازه إلّا على القول بالأُصول المثبتة.

وربما يؤيّد ذلك بناءً على اختلاف حكم الشكّ بين الثنتين والثلاث مع الثلاث والأربع كما مرّ (2)بأنّ الشكّ الأوّل يلازم الثاني بعد الإتيان بركعة فهو يرجع إليه دائماً ، فلا يكون قسماً آخر ، ومعه كيف يمكن الالتزام باختلاف


1) الوسائل 8 : 190 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 1 ح 10.

2) شرح العروة 18 : 185.

.................................................................................................


حكميهما. فلا مناص من الالتزام بدخالة عنوان الحدوث ليمتاز أحدهما عن الآخر وإن قارنه بقاء.

ويندفع : بعدم اشتمال شي‌ء من الأدلّة على عنوان الحدوث ، وإنّما المذكور فيها كما سبق أنّ الإعادة في الأُوليين والوهم في الأخيرتين ، وهذا كما ترى ظاهر في أنّ الاعتبار بتعلّق الشك بالأخيرتين في قبال تعلّقه بالأولتين.

وهو عبارة أُخرى عن لزوم كون الشاك حافظاً للأولتين ، وأنّ الشك إن كان متعلّقاً بهما كما لو شكّ بين الثنتين والثلاث قبل إكمال السجدتين ، فبما أنّه لم يحرز الركعتين وإنّما أحرز ركعة أو ركعة ونصفاً كما لو كان في حال الركوع بطلت صلاته لعدم كونه حافظاً لتمام الأولتين بعد تعلّق الشك بهما تماماً أو بعضاً ، وإن كان متعلّقاً بالأخيرتين كان صحيحاً.

فالتقييد بالأخيرتين في الصحيح ناظر إلى متعلّق الشك ، لا إلى الشك نفسه ليدلّ على لزوم حدوثه في الأخيرتين.

وفي المقام حيث لم يتعلّق بالأولتين وجداناً وإنّما تعلّق بالأخيرتين كان شكّه داخلاً في الشكوك الصحيحة بعد نفي احتمال تعلّق شكّه السابق بالأولتين بمقتضى الأصل كما عرفت.

وأمّا النقض المذكور في التأييد فيندفع بعدم انقلاب الشكّ بين الثنتين والثلاث إلى ما بين الثلاث والأربع حتّى بعد الإتيان بركعة ، بل هو بعينه باق فهو الآن شاك أيضاً في أنّ الركعة السابقة هل كانت الثانية أم الثالثة ، كما أنّه قبل الإتيان بالركعة يشكّ أيضاً في أنّ الركعة اللّاحقة هل هي الثالثة أم الرابعة كما أنّ في الشك بين الثلاث والأربع يشك في الركعة السابقة بين الثنتين والثلاث. فهذه شكوك مجتمعة في الوجود ، لا أنّ بعضها ينقلب إلى بعض ، بل يستلزم بعضها الآخر.

.................................................................................................


والمستفاد من الأدلّة أنّ الشك الّذي لا يكون معه شكّ آخر في حدّ نفسه إن كان بين الثنتين والثلاث الملازم للشكّ بين الثلاث والأربع فله حكم ، وإن كان بين الثلاث والأربع الملازم للشكّ بين الثنتين والثلاث فله حكم آخر.

وهذا كما ترى لا يكشف عن أنّ الموضوع مقيّد بعنوان الحدوث ليصلح للتأييد ، نعم واقعة كذلك ، أي أنّ الموضوع هو الشكّ الحادث ابتداءً بعد إكمال السجدتين ، لكن لا بعنوان الحدوث ومقيّداً بهذا الوصف العنواني كي لا يمكن إحرازه بالأصل ، بل العنوان المأخوذ في الروايات هو تعلّق الشكّ بالأخيرتين مع حفظ الأُوليين ، وهذا وإن استلزم بحسب الواقع تأخّر الشك وحدوثه في الأخيرتين ، إلّا أنّ الحدوث بعنوانه لم يكن ملحوظاً ومأخوذاً في مقام تعلّق الحكم.

وعلى الجملة : مقتضى الروايات العمل على الأكثر والبناء عليه لمطلق الشاك خرج عنها من تعلّق شكّه بالأُوليين ، والمفروض هنا أنّه حافظ لهما ، لعلمه فعلاً بتحقّق الأُوليين خارجاً ، وليس إلّا احتمال عروض المبطل سابقاً ، المنفي بالأصل. فلا مناص من العمل بها ويحكم بصحّة الصلاة.

هذا كلّه فيما إذا كان الشكّ في الأثناء ، ولم نتعرّض سابقاً لحكم ما إذا كان الشك بعد الصلاة وإن أشار إليه الماتن هنا وهناك فنقول :

إذا شكّ بعد الصلاة في أنّ شكّه السابق هل كان قبل الإكمال أم بعده فهو على قسمين :

إذ قد يفرض حدوث الشك في عدد الركعات قبل الفراغ وأنّه أتمّ صلاته مع الشك والبناء على الأكثر واستمرّ هذا الشك إلى ما بعد العمل ، وإنّما الحادث بعد الصلاة مجرّد الشك في أنّ شكّه السابق بين الثنتين والثلاث هل كان قبل الإكمال أم بعده.

.................................................................................................


فان كان الفرض هكذا ولعلّه يريده في المتن فالأمر واضح ، فانّ حكمه حكم الشك العارض في الركعة الرابعة البنائية الّذي سبق ، فيجري ما مرّ من كونه محكوماً بالبناء على الأكثر وقد فعل ، وليس في البين عدا احتمال عروض المبطل المدفوع بالأصل كما تقدّم.

وأُخرى يفرض أنّه شكّ بين الثنتين والثلاث وغفل وأتمّ صلاته من غير التفات ، بحيث لا يكون الإتيان بالأجزاء الباقية عن شكّ وبناءٍ منه على الأكثر بل أتمّ بنفس النيّة الأوّلية الارتكازية ، وبعد الصلاة شكّ في أنّ شكّه السابق هل كان قبل الإكمال أم بعده؟ ففي مثل ذلك لا يمكن الحكم بالصحّة.

فإنّ أصالة عدم حدوث الشكّ قبل الإكمال وإن ترتّب عليها نفي البطلان إلّا أنّه لا يجدي في إثبات موضوع البناء على الأكثر والإتيان بركعة الاحتياط فإنّه كما مرّ وظيفة من شكّ في الأثناء وكان حافظاً للأُوليين وشاكّاً في الأخيرتين ، وهذا غير محرز في البين ، إذ لا يثبت بالاستصحاب المزبور أنّ شكّه كان متعلّقاً بالأخيرتين وأنّه كان ضابطاً للأُوليين لتصحّ صلاته.

نعم ، كلا الأمرين محرز فعلاً أي ما بعد الصلاة وجداناً ، إلّا أنّه لا ينفع لأنّ روايات البناء على الأكثر كلّها واردة في الشك في أثناء الصلاة ، فلا تشمل الشكّ الحادث بعدها.

وقد عرفت عدم إحراز موضوع البناء في الأثناء أمّا بعد الشك فالمفروض غفلته رأساً ، وأمّا حال الشك فمن الجائز أن يكون عارضاً قبل الإكمال ، فلا يكون عندئذ حافظاً للأولتين ولا شكّه في الأخيرتين ، والاستصحاب غير مثبت لهذا العنوان.

وعلى الجملة : فانطباق موضوع الحكم الظاهري وهو البناء على الأكثر على المقام مشكوك فيه ، والمفروض الشك في أنّه سلّم على الثلاث أو الأربع ، فلم

[2138] المسألة الخامسة : إذا شكّ في أنّ الركعة التي بيده آخر الظهر أو أنّه أتمّها وهذه أوّل العصر جعلها آخر الظهر (1).


تحرز صحّة الصلاة لا واقعاً ولا ظاهراً ، فلا مناص من الإعادة ، عملاً بقاعدة الاشتغال ، ولكن الظاهر أنّ الماتن لا يريد هذا الفرض.

(1) قد يفرض علمه بحالته الفعلية وأنّ الجزء الّذي هو متلبّس به متّصف بعنوان العصر كالركوع مثلاً ويشكّ في الأجزاء السابقة ، وأنّه هل نواها عصراً أيضاً وقد كان فارغاً من الظهر ، أم أنّها كانت آخر الظهر وقد غفل ونوى العصر بهذا الجزء.

ففي هذه الصورة أتمّ صلاته عصراً بعد إحراز تكبيرة الإحرام ، وكذا اتِّصاف الأجزاء السابقة بعنوان العصرية بمقتضى قاعدة التجاوز كما مرّ نظيره في المسألة الأُولى وإحراز تمامية الظهر بمقتضى قاعدة الفراغ ، إذ بعد أن رأى نفسه فعلاً في صلاة العصر ولو باعتبار الجزء الّذي بيده الّذي هو مترتّب على الظهر فقد أحرز الفراغ من الظهر لا محالة ، وبما أنّه يشكّ في تماميتها فلا مانع من البناء على الصحّة بقاعدة الفراغ ، فتصحّ كلتا الصلاتين.

لكن هذا الفرض غير مراد للماتن جزماً ، لفرضه الشك في تمام الركعة التي بيده وتردّدها بين الظهر والعصر ، من دون علم بأحد العنوانين رأساً.

وعليه فالصحيح ما أفاده (قدس سره) من جعلها آخر الظهر بمقتضى قاعدة الاشتغال ، للشكّ في الخروج عن عهدتها ما لم تنضمّ الركعة إليها ، بل مقتضى الاستصحاب (1)

وثانياً : مع التسليم لم تكن حاجة إلى إثبات اللّازم ، بل نفس التعبّد بالبقاء على الظهر وعدم الخروج عنها الثابت ببركة الاستصحاب كاف في الحكم بلزوم الإتمام بهذا العنوان. فحال الركعة في المقام حال الشك في أصل الصلاة وهو في الوقت ، فكما أنّ مقتضى الاستصحاب لزوم الإتيان وإن لم يثبت به اتِّصاف المأتي به بعنوان الظهر مثلاً فكذا فيما نحن فيه بمناط واحد.

بقاؤه على الظهر. فلا مناص من الضمّ ، فان كانت آخر الظهر

1) وما عن بعض الأعاظم من أنّ هذا الاستصحاب لا يثبت به كون الركعة التي بيده ظهراً ليجب إتمامها بهذا العنوان غير واضح ، فانّ البقاء على الظهر إلى الآن الّذي هو مجرى الاستصحاب مساوق لكون الركعة التي بيده ظهراً ، وأحدهما عين الآخر ، لا أنّه يلازمه ليكون مثبتاً بالإضافة إليه ، هذا أوّلاً.

[2139] المسألة السادسة : إذا شكّ في العشاء بين الثلاث والأربع وتذكّر أنّه سها عن المغرب بطلت صلاته (1) وإن كان الأحوط إتمامها عشاء والإتيان بالاحتياط ثمّ إعادتها بعد الإتيان بالمغرب.


فهو ، وإلّا وقعت لغواً. وليس له إتمامها عصراً بعد عدم إحراز البراءة عن الظهر ، مضافاً إلى الشكّ في عنوان ما بيده وعدم إمكان إحرازه بوجه.

وعلى الجملة : فبعد عدم كون المقام من موارد قاعدة الفراغ ، لعدم إحراز التجاوز والفراغ عن الظهر المشكوك فيه ، فالمرجع قاعدة الاشتغال القاضية بلزوم ضمّ الركعة والإتمام ظهراً. ولا يصحّ إتمامها عصراً ، لكونه مشكوك الدخول فيه.

(1) إذ لا يمكن تصحيحها بوجه ، لا عشاءً بالبناء على الأكثر لفوات الترتيب بعد فرض عدم الإتيان بالمغرب ، ولا مغرباً بالعدول إليها لقصور أدلّة العدول عن الشمول لمثل المقام ممّا يلزم منه البطلان ، لفساد المغرب بالشك. فلا مناص من رفع اليد والإتيان بالعشاءين.

هذا بناءً على المختار من اعتبار الترتيب بين جميع الأجزاء في المترتّبتين

.................................................................................................


وأما بناءً على مسلك شيخنا الأُستاذ (قدس سره) (1)من سقوط اعتبار الترتيب في مثل المقام استناداً إلى حديث لا تعاد (2)فالمتعيّن إتمامها عشاءً ، ثمّ الإتيان بالمغرب.

إلّا أنّ المبنى غير تام كما تقدّم (3)لظهور الأدلّة في اعتبار الترتيب في جميع أجزاء اللّاحقة ووقوعها بأجمعها بعد السابقة ، ومعه لا يصح الاستناد إلى الحديث ، للزوم الإخلال بالترتيب عامداً بالإضافة إلى الأجزاء الآتية. وواضح أنّ حديث لا تعاد لا يشمل الإخلال العمدي.

والّذي يدلّنا على اعتبار الترتيب على الإطلاق عدّة روايات ومنها ما اشتمل على التعبير بقوله (عليه السلام) : «إلّا أنّ هذه قبل هذه» (4). غير أنّ هذه الروايات وهي ثلاثة كلّها ضعيفة السند ، فلا تصلح إلّا للتأييد.

والعمدة الروايات الأُخر الدالّة على المطلوب ، بحيث يظهر منها كون الحكم مفروغاً عنه ، ولأجله سمّيت الظهر بالأُولى ، وهي كثيرة جدّاً مذكورة في باب الأوقات ، ومن جملتها صحيحة ذريح المحاربي قال (عليه السلام) فيها : «وصلّ الأُولى إذا زالت الشمس ، وصلّ العصر بُعيدها ...» إلخ (5). دلّت بوضوح على لزوم وقوع العصر التي هي اسم لتمام الأجزاء بُعيد الظهر ، ونحوه وارد في العشاءين أيضاً فلاحظ.

وعلى الجملة : فاعتبار الترتيب بالمعنى الّذي ذكرناه ممّا لا ينبغي الإشكال


1) كتاب الصلاة 1 : 72 73.

2) الوسائل 1 : 371 / أبواب الوضوء ب 3 ح 8.

3) في ص 111.

4) الوسائل 4 : 126 / أبواب المواقيت ب 4 ح 5 ، 20 ، 21.

5) الوسائل 4 : 158 / أبواب المواقيت ب 10 ح 8.

[2140] المسألة السابعة : إذا تذكّر في أثناء العصر أنّه ترك من الظهر ركعة (1) قطعها وأتمّ الظهر ثمّ أعاد الصلاتين ، ويحتمل العدول إلى الظهر (1)بجعل ما بيده رابعة لها إذا لم يدخل في ركوع الثانية ثمّ أعاد الصلاتين ، وكذا إذا تذكّر في أثناء العشاء أنّه ترك من المغرب ركعة.


فيه ، وعليه فلا يمكن الإتمام في المقام عشاءً ، لاستلزامه الإخلال بالترتيب في الأجزاء الباقية عامداً كما مرّ. وحديث لا تعاد إمّا خاص بالناسي كما يراه (قدس سره) (2)أو شامل للجاهل أيضاً كما نرتئيه ، وعلى التقديرين لا يشمل العامد ، فلا يصلح للاستناد إليه.

نعم ، بناءً على القول بالإقحام كما يراه (قدس سره) (3)أيضاً له أن يدع هذه الأجزاء ويأتي بالمغرب ثمّ يتم العشاء وتصحّ الصلاتان. وهذا له وجه ولا بأس به لو تمّ المبنى ، وإن كان محلّ إشكال ، بل منع.

(1) قد يفرض إمكان تتميم الظهر بالمقدار المأتي به من العصر ، لأجل عدم دخوله في ركن زائد كما لو كان الناقص ركعة على ما فرضه في المتن وكان التذكّر قبل الدخول في ركوع الثانية ، أو ركعتين وتذكّر قبل الدخول في ركوع الثالثة. وأُخرى يفرض عدم الإمكان ، لدخوله في ركن زائد.

أمّا في الفرض الأوّل : فقد احتمل في المتن العدول إلى الظهر ، بمعنى جعل ما


1) (*) هذا هو الظاهر ، بل لو دخل في ركوع الركعة الثانية فبما أنّ الظهر المأتي بها لا يمكن تصحيحها يعدل بما في يده إليها فيتمّها ثمّ يأتي بالعصر بعدها ، ولا حاجة إلى إعادة الصلاتين في كلا الفرضين ، وكذا الحال في العشاءين.

2) كتاب الصلاة 3 : 5.

3) لاحظ كتاب الصلاة 2 : 274.

.................................................................................................


بيده رابعة الظهر. والظاهر أنّ هذا هو الصحيح ، فيسلّم على الظهر ويسجد سجدتي السهو لكلّ زيادة تستوجبه (1)ثمّ يأتي بالعصر. ولا تضرّه زيادة التكبير ولا نيّة الخلاف.

أمّا الأوّل : فلما تقدّم في محلّه (2)من أنّ البطلان بزيادة تكبيرة الإحرام سهواً وإن كان هو المشهور ، إلّا أنّه لا دليل عليه عدا عدّهم إيّاها من الأركان ، بعد تفسيرهم للركن بما استوجب الإخلال به البطلان عمداً وسهواً ، نقصاً وزيادة.

وقد عرفت ثمة عدم الدليل على هذا التفسير بعد عدم مطابقته لمعناه اللّغوي (3)، فانّ ركن الشي‌ء ما يتقوّم به ويعتمد عليه ، ومقتضى ذلك اختصاص القدح بالنقص عمداً وسهواً دون الزيادة ، فإنّ الزائد لا يكون قادحاً لو لم يكن مؤكّداً ، كما في عمود الخيمة الّذي هو ركنها. نعم الزيادة العمدية قادحة في باب الصلاة ، للنص الخاص (4)، وأمّا السهوية فلا دليل عليه. ومفهوم الركن لا يقتضيه كما عرفت.

فحكم الركن في الصلاة حكم الركن في الحج ، الّذي لا يكون الإخلال به مبطلاً إلّا من ناحية النقص فقط ، دون الزيادة السهوية إلّا ما قام الدليل عليه بالخصوص. ولم يرد ما يدلّ على البطلان بزيادة التكبير سهواً ، بل حديث لا تعاد دليل على العدم.

على أنّ مفهوم الزيادة غير صادق في المقام حتّى على تقدير تفسير الركن بما


1) أي في صلاة الظهر من التسليم الواقع في غير محلّه أو التشهّد بناءً على وجوبه لكل زيادة ونقيصة ونحو ذلك.

2) شرح العروة 14 : 92 ، 18 : 50 51.

3) المنجد : 278 مادّة ركن.

4) [وهو قوله (عليه السلام) : «من زاد في صلاته فعليه الإعادة» الوسائل 8 : 231 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 19 ح 2 ، هكذا ذكر في شرح العروة 14 : 95].

.................................................................................................


ذكر ، لتقوّم الزيادة بإتيان الزائد بعنوان الجزئية وبقصد كونه من أجزاء العمل المزيد فيه ، نعم يستثني من ذلك السجود ، فلا يعتبر في زيادته قصد الجزئية للنصّ الوارد في تلاوة العزيمة (1)، ويتعدّى عنه إلى الركوع بالأولويّة. وأمّا ما عداهما من بقية الأجزاء ومنها التكبير فهي على ما تقتضيه القاعدة من اعتبار القصد المزبور في صدق الزيادة. ومن المعلوم أنّ تكبيرة الإحرام لم يؤت بها في المقام إلّا بنيّة العصر ، فلم يقصد بها الجزئية لصلاة الظهر لتتصف بالزيادة فيها. فلا ينبغي الإشكال في عدم الإخلال من ناحيتها.

وأمّا الثاني : أعني نيّة الخلاف وهو العصر فغير قادحة أيضاً ، لما نطقت به جملة من الروايات (2)وبعضها معتبرة قد تقدّمت في مبحث النيّة (3)من أنّ العبرة في النيّة بما افتتحت به الصلاة ، وأنّه إنّما يحسب للعبد من صلاته ما ابتدأ به في أوّل صلاته ، فلا يعتني بقصد الخلاف الناشئ من السهو في النيّة في الأثناء كما لو شرع في الفريضة فسها في الأثناء وقصد النافلة أو بالعكس.

وهذه الروايات وإن وردت في غير المقام إلّا أنّه يستفاد من عموم التعليل ضابط كلّي ، وهو أنّ المدار على الافتتاح والشروع بقصد معلوم ، ومعه تلغى نيّة الخلاف الطارئة في الأثناء سهواً. فهي من أجل اشتمالها على العلّة غير قاصرة الشمول للمقام. وعليه فنيّة العصر تلغى فيما نحن فيه بمقتضى هذه الأخبار فيجعل ما بيده متمّماً للظهر كما ذكرناه. وهذا هو المراد من العدول في المقام.

ويؤيِّده التوقيع المروي عن الاحتجاج وإن كان السند ضعيفاً بالإرسال قال : «كتب إليه (عليه السلام) يسأله عن رجل صلّى الظهر ودخل في صلاة


1) الوسائل 6 : 105 / أبواب القراءة في الصلاة ب 40 ح 1.

2) الوسائل 6 : 6 / أبواب النيّة ب 2.

3) شرح العروة 14 : 57.

.................................................................................................


العصر ، فلمّا صلّى من صلاة العصر ركعتين استيقن أنّه صلّى الظهر ركعتين كيف يصنع؟ فأجاب (عليه السلام) : إن كان أحدث بين الصلاتين حادثة يقطع بها الصلاة أعاد الصلاتين ، وإن لم يكن أحدث حادثة جعل الركعتين الأخيرتين تتمّة لصلاة الظهر ، وصلّى العصر بعد ذلك» (1).

والمراد بالإعادة في الشرطية الأُولى المعنى الأوسع الشامل للعدول ، فإنّ الإعادة هي الوجود الثاني بعد إلغاء الأوّل ، القابل للانطباق على العدول عما بيده إلى الظهر ثمّ إعادة العصر ، فلا ينافيه التعبير بإعادة الصلاتين.

وكيف ما كان ، فالشرطية الثانية التي هي محلّ الاستشهاد ظاهرة الدلالة على المطلوب ، فانّ المراد بالركعتين الأخيرتين ما يقابل الركعتين الأولتين الصادرتين بعنوان الظهر ، إذ المفروض في السؤال صدور فردين من الركعتين من المصلّي ، فأتى أوّلاً بركعتين بعنوان الظهر ، وأتى ثانياً بركعتين أُخريين بعنوان العصر.

فتوصيف الركعتين بالأخيرتين في الجواب إشارة إلى الفرد الثاني من الركعتين اللّتين صدرتا أخيراً وصلاهما بعنوان العصر ، في مقابل ما صلاهما أوّلاً بعنوان الظهر. وقد حكم (عليه السلام) بجعلهما تتمّة لصلاة الظهر واحتسابهما منها ثمّ الإتيان بالعصر بعد ذلك ، الموافق لما ذكرناه واستظهرناه من الأخبار من أنّ المدار في النيّة على الافتتاح ولا يضرّ قصد الخلاف.

وأمّا ما قد يحمل عليه التوقيع من إرادة الركعتين الأخيرتين للعصر اللّتين لم يصلّهما وجعلهما للظهر فبعيد جدّاً كما لا يخفى.

هذا كلّه في الفرض الأوّل. وقد عرفت أنّ المتّجه عندئذ جعل ما بيده متمّماً للظهر ثمّ الإتيان بصلاة العصر.


1) الوسائل 8 : 222 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 12 ح 1 ، الاحتجاج 2 : 580.

.................................................................................................


وأمّا في الفرض الثاني : أعني ما إذا لم يمكن التتميم ، لكونه داخلاً في ركوع زائد ، فحيث لا سبيل حينئذ إلى الاحتساب بجعل ما بيده رابعة الظهر ، للزوم زيادة الركن فلا يكون مثله مشمولاً لنصوص الافتتاح المتقدّمة ، فصلاة الظهر السابقة باطلة لا محالة ، ولا يمكن تصحيحها بوجه.

إلّا أنّه لا وجه للحكم ببطلان ما بيده أعني صلاة العصر ، بل يعدل بها إلى الظهر فيتمّها ، ثمّ يأتي بالعصر بعدها ، فانّ الظهر السابقة بعد كونها محكومة بالبطلان فوجودها كالعدم ، فهو كمن تذكّر أثناء العصر عدم الإتيان بالظهر المحكوم بالعدول إليها بلا إشكال.

وليس المقام من الشروع في العصر أثناء الظهر ، إذ ليست الأجزاء السابقة الناقصة باقية على صفة الجزئية ، لوضوح أنّها بأسرها ارتباطية. فلا يكون التكبير جزءاً من الصلاة إلّا إذا كان ملحوقاً بالقراءة والركوع والسجود إلى نهاية الجزء الأخير أعني التسليم وعندئذ يستكشف كونه جزءاً منها. وهكذا في سائر الأجزاء ، فإنّها بأجمعها مشروطة بالالتحاق والانضمام على سبيل الشرط المتأخِّر.

فعدم الانضمام خارجاً كاشف لا محالة عن عدم الجزئية ووقوعها لغواً من أوّل الأمر ، وإنّما كان هناك تخيّل الجزئية.

وحيث إنّ الانضمام غير ممكن في المقام حسب الفرض ، فوجود تلك الأجزاء وعدمها سيّان ، وكأنّه لم يأت بشي‌ء. فلا مانع من العدول ، إذ لا قصور حينئذ في دليله عن الشمول.

نعم ، إذا بنينا على جواز الإقحام وبنينا أيضاً على سقوط اشتراط الترتيب في مثل المقام كما يقول بكلّ منهما شيخنا الأُستاذ (قدس سره) (1)فعلى هذين


1) كتاب الصلاة 2 : 274 ، 1 : 72 73.

[2141] المسألة الثامنة : إذا صلّى صلاتين ثمّ علم نقصان ركعة أو ركعتين من إحداهما من غير تعيين (1) فان كان قبل الإتيان بالمنافي ضمّ إلى الثانية ما يحتمل من النقص (1)ثمّ أعاد الأُولى فقط بعد الإتيان بسجدتي السهو لأجل السلام احتياطاً ، وإن كان بعد الإتيان بالمنافي فإن اختلفتا في العدد أعادهما وإلّا أتى بصلاة واحدة بقصد ما في الذمّة.


المبنيين يمكن تصحيح الظهر ، بأن يتم ما بيده عصراً ثمّ يأتي بما بقي من الظهر. لكن الشأن في صحّتهما ، فانّ كليهما محلّ إشكال ، بل منع كما مرّ غير مرّة.

وقد ظهر من جميع ما مرّ أنّ الأظهر العدول في كلا الفرضين ، بمعنى جعل ما بيده متمّماً للظهر في الفرض الأوّل ، والعدول بما في يده إليها في الفرض الثاني وأنّه لا حاجة إلى إعادة الصلاتين على التقديرين. كما ظهر فساد ما جزم به في المتن من القطع ، إذ لا وجه له بعد إمكان التتميم أو العدول ، هذا.

وجميع ما ذكرناه في الظهرين جارٍ في العشاءين حرفاً بحرف ، لعدم الفرق في مناط البحث كما هو ظاهر.

ثمّ إنّ من الواضح أنّ مفروض المسألة ما إذا لم يرتكب المنافي مطلقاً بين الصلاتين ، وإلّا فلا إشكال في بطلان الظهر ولزوم العدول إليها ثمّ الإتيان بالعصر بعد ذلك.

(1) قد يفرض حصول العلم بعد الإتيان بالمنافي عقيب الثانية ، وأُخرى قبل الإتيان.


1) (*) على الأحوط ، ولا يبعد جواز الإتيان بالمنافي ثمّ إعادة صلاة واحدة بقصد ما في الذمّة في المتجانستين وإعادة الصلاتين في المتخلفتين.

.................................................................................................


أمّا في الأوّل سواء أتى به عقيب الأُولى أيضاً أم لا ، فحيث يعلم إجمالاً ببطلان إحدى الصلاتين من غير مصحّح في البين ، لسقوط قاعدة الفراغ من الطرفين وعدم إمكان التدارك بوجه فلا مناص من إعادة الصلاتين ، عملاً بقاعدة الاشتغال بعد تنجيز العلم الإجمالي.

نعم ، في خصوص المتجانسين كالظهرين يكفيه الإتيان بأربع ركعات بقصد ما في الذمّة ، فإن كان النقص في العصر احتسب عصراً وإلّا فظهراً. والترتيب ساقط حينئذ بمقتضى حديث لا تعاد (1)بعد أن لم يكن عامداً في الإخلال.

هذا بناءً على المشهور من أنّ العصر المقدّم سهواً يحسب عصراً ويأتي بالظهر بعد ذلك ، لسقوط اشتراط الترتيب كما عرفت.

وأمّا بناءً على احتسابه ظهراً وجواز العدول حتّى بعد العمل وأنّه يأتي بالعصر بعد ذلك كما أفتى به الماتن في بحث الأوقات (2)للنص الصحيح المتضمِّن لقوله (عليه السلام) : «إنّما هي أربع مكان أربع» (3)وإن أعرض عنه الأصحاب فاللّازم حينئذ الإتيان بالأربع ركعات بنيّة العصر ، فان كان النقص في العصر فقد أتى بها ، وإن كان في الظهر فالعصر المأتي بها أوّلاً تحسب ظهراً حسب الفرض وقد أتى بالعصر بعد ذلك.

وكيف ما كان ، فلا حاجة إلى إعادة الصلاتين ، لحصول البراءة بالإتيان بأربع ركعات إمّا بقصد ما في الذمّة أو بقصد العصر بخصوصها ، وإنّما تجب إعادتهما في المتخالفين كالعشاءين دون المتجانسين.

وأمّا في الثاني أعني ما إذا حصل العلم قبل ارتكاب المنافي عقيب الثانية :


1) الوسائل 1 : 371 / أبواب الوضوء ب 3 ح 8.

2) في المسألة [1182].

3) الوسائل 4 : 290 / أبواب المواقيت ب 63 ح 1.

.................................................................................................


فاذا بنينا على أنّ العصر المقدّم سهواً يحسب ظهراً كما عليه الماتن (قدس سره) فحينئذ لو أتى بالمنافي ثمّ أتى بأربع ركعات بعنوان العصر فقد برئت ذمّته يقيناً ، لأنّ النقص إن كان في العصر فقد أتى به ، وإن كان في الظهر فالعصر المأتي به أوّلاً يحسب ظهراً وقد أتى بالعصر بعده فعلاً ، كما مرّ مثل ذلك في الصورة السابقة. فلا حاجة إلى ضمّ ما يحتمل النقص إلى الثانية ثمّ إعادة الأُولى كما لا يخفى.

وبعبارة أُخرى : على هذا المبنى نقطع بوقوع ظهر صحيحة مردّدة بين الاولى والثانية ، فالذمّة بريئة منها قطعاً ، فليس عليه إلّا الإتيان بصلاة العصر. فلا حاجة إلى الضم. كما أنّه لا يجوز الاقتصار عليه ، فإنّه إنّما ينفع في تفريغ الذمّة عن العصر لو كان النقص في الثانية ، ومن الجائز كونه في الأُولى ، وبما أنّ الاشتغال اليقيني يستدعي فراغاً مثله فلا بدّ من الإتيان بالعصر كما ذكرناه.

كما أنّا إذا بنينا على جواز الإقحام كان عليه الاقتصار على ضمّ ما يحتمل النقص بالإتيان به بقصد ما في الذمّة وعلى ما هو عليه واقعاً من كونه متمّماً للعصر أو للظهر ، ومعه لا حاجة إلى إعادة الصلاة أصلاً ، فإنّ الناقص إن كان هو العصر فقد التحق به المتمّم ، وكذا إن كان هو الظهر ، غايته تخلّل العصر حينئذ في البين ووقوعها في الوسط ، والمفروض جواز إقحام الصلاة في الصلاة. نعم ، يختصّ هذا بما إذا لم يرتكب المنافي بين الصلاتين كما هو ظاهر.

وأمّا إذا لم نقل بشي‌ء من الأمرين ، ولم نلتزم لا بالعدول بعد العمل ولا بالإقحام ، فقد ذكر في المتن أنّه يضم إلى الثانية ما يحتمل النقص ويأتي بسجدتي السهو لأجل السلام احتياطاً ، ثمّ يعيد الاولى فقط.

فان كان المستند في ذلك هو العلم الإجمالي بدعوى أنّ النقص إن كان في الأُولى وجبت إعادتها ، وإن كان في الثانية حرم قطعها ، لكونه بعدُ في الصلاة ووقوع السلام في غير محلّه كمن سلّم على النقص ، فيجب ضمّ الناقص كما

.................................................................................................


يجب سجود السهو للسلام الزائد. فهو يعلم إجمالاً إمّا بوجوب إعادة الأُولى أو بحرمة قطع الثانية المستتبعة لضمّ النقص وسجود السهو.

ففيه : أنّه غير منجّز في مثل المقام ممّا لا تتعارض الأُصول الجارية في الأطراف ، لكون بعضها مثبتاً للتكليف والبعض الآخر نافياً.

وبعبارة اخرى : مناط تنجيز العلم الإجمالي معارضة الأُصول ، المتوقّفة على لزوم المخالفة العملية من جريانها ، وأمّا إذا لم تلزم المخالفة كما لو كان بعضها مثبتاً والآخر نافياً فلا معارضة ، بل تجري الأُصول ، وبذلك ينحلّ العلم الإجمالي.

والمقام من هذا القبيل ، فانّ إعادة الاولى مجرى لقاعدة الاشتغال ، التي موضوعها مجرّد الشك في الامتثال ، المتحقّق في المقام. وهذا الأصل مثبت للتكليف.

وأمّا بالنسبة إلى الثانية فحرمة القطع مشكوكة ، لأنّ موضوعها التلبّس بالصلاة وكونه في الأثناء ، وهو غير محرز ، لجواز صحّتها والخروج عنها ، فتدفع الحرمة المستتبعة لوجوب الضمّ بأصالة البراءة ، كوجوب سجدتي السهو للتشهّد والسلام الزائد ، للشكّ في الزيادة بعد احتمال وقوعهما في محلّهما.

نعم ، حيث لا مؤمّن عن صحّتها لجواز نقصها وسقوط قاعدة الفراغ بالمعارضة ، فلو لم يأت بمحتمل النقص حتّى انقضى محلّ الضم كانت هي أيضاً مجرى لقاعدة الاشتغال كالأُولى ، وكان عليه إعادتهما في المختلفتين ، أو الإتيان بأربع ركعات بقصد ما في الذمّة في المتجانستين. والحاصل أنّه لا ملزم للضمّ بعد كونه مجرى للبراءة كما عرفت.

وإن كان المستند هو الاستصحاب فتقريره من وجهين :

أحدهما : استصحاب بقائه في الصلاة وعدم الخروج عنها ، ونتيجة ذلك

.................................................................................................


لزوم ضمّ ما يحتمل النقص ، وإلّا لزم القطع المحرّم. وأمّا الاولى فحيث إنّها مشكوكة الصحّة من غير مؤمّن فلا مناص من إعادتها بمقتضى قاعدة الاشتغال.

ثانيهما : استصحاب عدم الإتيان بمحتمل النقص ، الجاري في كلّ من الصلاتين. ونتيجته تتميم الثانية وإعادة الاولى. ولا معارضة بين الاستصحابين كما لا يخفى ، هذا.

وكلا الوجهين منظور فيه.

أمّا التقرير الأوّل ففيه : أنّ استصحاب البقاء لا يثبت عنوان القطع ليحرم فيجب الضمّ حذراً عنه.

نعم ، لو كان المحرّم نفس ما يتحقّق به القطع أعني ذات القاطع كما في باب الصوم ، حيث إنّ المحرّم وما هو موضوع للقضاء والكفّارة هو ذات الأكل والشرب ونحوهما من المفطرات لتمّ ما أُفيد ، إذ كما يترتّب على استصحاب البقاء على الصوم لدى الشكّ فيه حرمة تلك الذوات ، كذلك يترتّب على استصحابه في المقام حرمة المنافيات.

لكن معقد الإجماع هو حرمة القطع بعنوانه ، ومن المعلوم أنّه لا يثبت بالاستصحاب المزبور إلّا على القول بالأُصول المثبتة.

وعلى الجملة : لازم البقاء في الصلاة اتِّصاف ما يرتكبه من المنافيات من التكلّم العمدي والقهقهة والحدث ونحوها بعنوان القطع المحكوم عليه بالحرمة. والاستصحاب الجاري في البقاء لا يتكفّل بإثبات هذا العنوان كي يجب الضمّ حذراً عن القطع المحرّم ، إلّا على القول بالأصل المثبت.

وممّا ذكرنا يظهر الجواب عن التقرير الثاني للاستصحاب ، ضرورة أنّ أصالة عدم الإتيان بالركعة المشكوكة في الصلاة الثانية لا يثبت أنّ ما يأتي به من المنافيات مصداق للقطع المحرّم ليجب الضم.

.................................................................................................


وعلى الجملة : إن كان الأثر المرغوب من إعمال الاستصحابين في الصلاتين جواز الجمع بين الأمرين ، أعني إعادة الاولى وضمّ ما يحتمل النقص إلى الثانية ، وأنّه بذلك يحرز الامتثال ويقطع بفراغ الذمّة على كلّ حال. فهذا أمر وجداني ، ولا حاجة معه إلى الاستصحاب ، بل هو ثابت جزماً حتّى ولو لم يكن الاستصحاب حجّة من أصله ، للقطع الوجداني بأنّ هذه الكيفية وافية لإحراز الامتثال بلا إشكال ، إذ النقص إن كان في الأُولى فقد تداركه بالإعادة وإن كان في الثانية فبما أنّها تقبل التتميم لفرض عدم الإتيان بالمنافي فقد تدورك بالضمّ ، من غير حاجة إلى الاستصحاب رأساً.

وإن كان الأثر المرغوب وجوب الجمع ولزوم هذه الكيفية وأنّه لا يجوز له الإتيان بالمنافي ما لم يضمّ الركعة المشكوكة ، فهو في حيّز المنع ، لتوقّفه على إحراز أنّ ما يأتي به من المنافي مصداق للقطع المحرّم ليجب الضمّ ، وهو غير محرز لا وجداناً لجواز كون النقص في الأُولى كما هو واضح ، ولا تعبّداً لما عرفت من عدم ثبوت عنوان القطع بأصالة عدم الإتيان بالركعة إلّا على القول بالأُصول المثبتة.

وعليه فهو مخيّر بين الكيفية المزبورة وبين أن يأتي بالمنافي ثمّ يعيد صلاة واحدة بقصد ما في الذمّة في المتجانستين ، ويعيد الصلاتين في المختلفتين ، لإحراز الامتثال بهذه الكيفية أيضاً.

والمتحصّل من جميع ما ذكرناه : أنّه لا ملزم لضمّ الركعة المحتملة لا من ناحية العلم الإجمالي ، ولا من ناحية الاستصحاب بتقريريه. ونتيجة ذلك هو التخيير بين الكيفيتين كما ذكرناه.

هذا كلّه في علاج الركعة ، وأمّا سجود السهو لأجل السلام فغير لازم على

[2142] المسألة التاسعة : إذا شكّ بين الثنتين والثلاث أو غيره من الشكوك الصحيحة ثمّ شكّ في أنّ الركعة التي بيده آخر صلاته أو أُولى صلاة الاحتياط جعلها آخر صلاته وأتمّ ، ثمّ أعاد الصلاة احتياطاً (1)بعد الإتيان بصلاة الاحتياط (1).


كلّ حال ، لعدم العلم بزيادته لا من ناحية العلم الإجمالي لانحلاله بالأصل المثبت والنافي كما عرفت ، ولا من ناحية الاستصحاب لعدم إثباته للزيادة وحيث إنّها مشكوكة فيدفع احتمال تعلّق الوجوب بأصل البراءة.

(1) لا ينبغي التأمّل في أنّ مقتضى قاعدة الاشتغال هو ما أفاده (قدس سره) من جعل ما بيده آخر صلاته بمعنى احتسابه منها ، ثمّ الإتيان بصلاة الاحتياط تحقيقاً للخروج عن عهدة الأجزاء الأصلية ، ضرورة أنّ الأجزاء الارتباطية لها أوامر انحلالية ، فلكلّ جزء أمر ضمني يخصّه ، فمع الشك في امتثال الأمر المتعلّق بالرابعة البنائية لا مناص من الاعتناء بعد عدم إحراز التجاوز والدخول في الغير ، ومقتضاه ما عرفت من الاحتساب ثمّ الإتيان بصلاة الاحتياط.

إنّما الكلام فيما ذكره (قدس سره) أخيراً من إعادة أصل الصلاة بعد ذلك احتياطاً ، فإنّه لم يظهر وجه صحيح لهذا الاحتياط ، إذ لا قصور في وفاء ما فعله بإحراز الامتثال على كلّ تقدير ، فانّ صور المسألة ثلاث :

إحداها : أن يكون ما عليه من صلاة الاحتياط ركعة واحدة ، كما لو كان الشك بين الثنتين والثلاث فشكّ في أنّ ما بيده هل هي تلك الركعة أم أنّه آخر الصلاة ، فإنّه يبني حينئذ على الثاني ويأتي بالركعة بعد ذلك كما عرفت ، فإن


1) (*) هذا الاحتياط ضعيف جدّاً.

.................................................................................................


أصاب الواقع فهو ، وإلّا فغايته وقوع الركعة المأتي بها ثانياً لغواً ، ولا ضير فيه كما لا ضير من ناحية النيّة على هذا التقدير ، فإنّه وإن أتى بالركعة بقصد آخر الصلاة والمفروض أنّها من صلاة الاحتياط إلّا أنّ الاعتبار في النيّة بما افتتحت عليه الصلاة وما نواه أوّلاً ، ولا يضرّه نيّة الخلاف للنصوص (1)الدالّة عليه (2).

والحاصل : أنّ احتساب الركعة من الصلاة الأصلية (3)وتتميمها بهذه النيّة غير قادح في الصحّة ، فإنّها إن كانت منها فهو ، وإن كانت من صلاة الاحتياط فقصده الخلاف سهواً غير قادح بعد أن كان المدار في النيّة على ابتداء الصلاة وافتتاحها.

نعم ، قد يتوهّم القدح من ناحية التسليم ، بدعوى أنّ اللّازم وقوعه في الركعة الرابعة ، ومن المعلوم أنّ قاعدة الاشتغال أو أصالة عدم الإتيان لا تثبت أنّ ما بيده هي الركعة الرابعة كي يسلّم عليها. ولكنّه في غاية الضعف وإن صدر عن بعض الأعاظم.

إذ فيه أوّلاً : عدم الدليل على لزوم إيقاع التسليم في الركعة الرابعة بعنوانها وإنّما هو مقتضى طبع الترتيب المعتبر بين الأجزاء ولحاظ كون التسليم هو الجزء الأخير منها.

وثانياً : لو سلّمنا ذلك فبالإمكان إحراز العنوان بالاستصحاب ، فإنّ المصلّي كان في زمان في الركعة الرابعة يقيناً ، المردّد بين الآن والزمان السابق ، ويشكّ


1) الوسائل 6 : 6 / أبواب النيّة ب 2.

2) فانّ تلك النصوص وإن كانت واردة في غير المقام إلّا أنّه تستفاد منها ضابطة كلِّيّة تنطبق عليه كما لا يخفى.

3) ربّما يتراءى التنافي بين حقيقة صلاة الاحتياط وبين قصد الجزئيّة للصلاة الأصلية ، ولعلّ الأولى الإتيان بالركعة بقصد ما في الذمّة ، لسلامتها حينئذ عن أي إشكال.

.................................................................................................


في خروجه عنها فيبني على ما كان.

وعلى الجملة : فلم نجد ما يستوجب التأمّل في الصحّة في هذه الصورة لنحتاج إلى الاحتياط بالإعادة.

ونحوها الصورة الثانية : وهي ما إذا كانت صلاة الاحتياط ذات ركعتين كما في الشكّ بين الثنتين والأربع وشكّ في أنّ ما بيده هل هي الركعة الأخيرة من الصلاة الأصلية أم الركعة الثانية من صلاة الاحتياط؟ فإنّه يجري فيه ما مرّ حرفاً بحرف ، إذ لا يلزم من البناء على الأوّل زيادة شي‌ء أصلاً.

نعم ، في الصورة الثالثة : وهي ما لو شكّ في المثال المزبور في أنّ ما بيده هل هي الركعة الأخيرة من الأصلية أم أنّها الاولى من ركعتي الاحتياط لو بنى على الأوّل فسلّم ثمّ أتى بركعتي الاحتياط وكان في الواقع هي الركعة الأُولى منهما فقد زاد في صلاة الاحتياط ركعة كما زاد تكبيرة فتفسد ، ولا تصلح للجبر على تقدير النقص.

فيعلم إجمالاً حينما بنى وسلم إمّا بوجوب ركعتي الاحتياط أو بوجوب إعادة الصلاة ، لكون الركعة فاصلة بين الصلاة الأصلية وبين صلاة الاحتياط المانعة عن صلاحية الانضمام. فلأجل احتمال الزيادة يحكم بإعادة أصل الصلاة أيضاً احتياطاً ، هكذا قيل. وهو لو تمّ خاص بالصورة الأخيرة (1)ولا يجري في الصورتين السابقتين كما عرفت.

ولكنّه لا يتم ، لوضوح أنّ احتمال الزيادة مدفوع بأصالة العدم ، فإنّه بعد أن بنى على أنّ ما بيده هي الرابعة البنائية بمقتضى قاعدة الاشتغال ، ودفع احتمال


1) وما في بعض الكلمات من استظهار اختصاص المسألة بهذه الصورة لقول الماتن (قدس سره) : أو أُولى صلاة الاحتياط. يدفعه المنافاة مع مفروض المسألة من كون الشك بين الثنتين والثلاث. ولعلّ التعبير ب- (أُولى) في مقابل كون الركعة آخر الصلاة.

[2143] المسألة العاشرة : إذا شكّ في أنّ الركعة التي بيده رابعة المغرب أو أنّه سلّم على الثلاث وهذه اولى العشاء (1) فان كان بعد الركوع بطلت (1)ووجب عليه إعادة المغرب ، وإن كان قبله يجعلها من المغرب ويجلس ويتشهّد ويسلّم ثمّ يسجد سجدتي السهو لكلّ زيادة من قوله : «بحول اللّه» وللقيام وللتسبيحات احتياطاً ، وإن كان في وجوبها إشكال ، من حيث عدم علمه بحصول الزيادة في المغرب.


الدخول في ركعة الاحتياط بالأصل ، فهو في حكم الشارع بمثابة العالم بعدم الإتيان بصلاة الاحتياط ، ومثله محكوم بالإتيان بها ، وبذلك يحكم بصحّتها وتماميتها وكونها جابرة على تقدير الحاجة إليها ، ومعه يحرز الامتثال على كلّ حال. فلا حاجة إلى إعادة أصل الصلاة.

ومنه يظهر الجواب عن العلم الإجمالي المزبور ، فإنّه لا أثر له ، إذ ليس لنا شك في وجوب صلاة الاحتياط ، فإنّه معلوم تفصيلاً ، وإنّما الشكّ في انطباقها على الموجود الخارجي من أجل احتمال اشتماله على زيادة الركعة والتكبيرة وكذا زيادة التشهّد والتسليم في الركعة الأُولى منها ، فاذا دفعنا احتمال هذه الزيادات بأصالة العدم حكم بالانطباق ، ومعه لم يبق مجال لاحتمال وجوب الإعادة أصلاً كما لا يخفى.

(1) الشك المزبور قد يفرض قبل الدخول في الركوع ، وأُخرى بعده.

أمّا في الفرض الأوّل : فالصحيح ما ذكره في المتن من جعلها من المغرب بمقتضى قاعدة الاشتغال ، أو استصحاب كونه في المغرب وعدم الدخول في


1) (*) الحكم بصحّة المغرب حينئذٍ ووجوب استئناف العشاء لا يخلو من وجه قويّ.

.................................................................................................


العشاء بعد وضوح عدم جريان قاعدة الفراغ للشكّ فيه ، ولا التجاوز لعدم إحراز الدخول في الغير المترتِّب المحقق للتجاوز عن المحل ، وعليه فيهدم القيام ويجلس ويتشهّد ويسلّم ، وبذلك يقطع ببراءة الذمّة عن المغرب.

ولا يجب عليه سجود السهو للزيادات الصادرة من قول : بحول اللّه ، والقيام والقراءة أو التسبيح ، وإن حكم في المتن بوجوبه احتياطاً واستشكل فيه أخيراً وذلك للشكّ في تحقّق الزيادة وحصولها في صلاة المغرب. ومن المعلوم أنّ قاعدة الاشتغال أو الاستصحاب لا تثبت ذلك ، فيرجع حينئذ في نفي الوجوب إلى أصالة البراءة وإن قلنا بسجود السهو لكلّ زيادة ونقيصة. وهذا كلّه ظاهر.

إنّما الكلام في أنّه هل يتعيّن عليه جعل الركعة من المغرب كما ذكرناه ، وهو الظاهر من المتن أيضاً ، أم أنّه مخيّر بينه وبين جعلها عشاءً ولو رجاءً فيتمّها ثمّ يعيد الصلاتين معاً احتياطاً.

قد يقال بالثاني ، نظراً إلى أنّ المصلّي حين الاشتغال بالركعة يعلم بكونه في صلاة صحيحة أمّا المغرب أو العشاء ، فيعلم بكونه مشمولاً حينئذ لدليل حرمة إبطال الفريضة ، وبما أنّ البناء على كلّ من الطرفين فيه احتمال الموافقة من جهة والمخالفة من جهة من غير ترجيح في البين ، فيتخيّر بين الأمرين بعد عدم التمكّن من تحصيل الموافقة القطعية في شي‌ء منهما ، وإنّما هي احتمالية ، كالمخالفة من جهة العلم الإجمالي بحرمة إبطال واحدة منهما.

وعليه فحكم الماتن (قدس سره) بجعلها من المغرب ليس على وجه اللّزوم وإنّما هو إرشاد إلى ما به يتحقّق القطع بالخروج عن عهدة المغرب ، وإن تضمّن احتمال المخالفة لدليل حرمة القطع بالإضافة إلى العشاء ، لتطرّق هذا الاحتمال على كلّ حال كما عرفت ، وإلّا فله جعلها عشاءً وتتميمها رجاءً ثمّ إعادة الصلاتين احتياطاً.

.................................................................................................


ويرد عليه أوّلاً : ما أشرنا إليه في مطاوي الأبحاث السابقة (1)، وسيجي‌ء التعرّض له في بعض الفروع الآتية من أنّ حرمة قطع الفريضة على القول بها خاصّة بما إذا أمكن إتمامها والاقتصار عليها في مقام الامتثال ، وإلّا فلا دليل على حرمة القطع حينئذ بوجه ، ولا شك في عدم جواز الاجتزاء والاقتصار على إتمام العشاء في المقام ، لعدم إحراز نيّتها أوّلاً ، وعدم إحراز ترتّبها على المغرب ثانياً ، للشك في فراغ الذمّة عن تلك الفريضة حسب الفرض.

وعليه فحرمة القطع بالإضافة إلى صلاة العشاء غير ثابتة جزماً ، بل هي خاصّة بصلاة المغرب ، حيث يمكن إتمامها والاجتزاء بها في مرحلة الامتثال. فليس لنا علم إجمالي بحرمة قطع إحدى الصلاتين ليجري التخيير بالتقرير المذكور.

وثانياً : سلّمنا حرمة القطع على الإطلاق ، المستلزم للعلم الإجمالي المزبور إلّا أنّ استصحاب بقائه في المغرب وعدم الإتيان بالجزء الأخير منها وعدم الدخول في العشاء حاكم عليه ورافع للترديد ، وكاشف عن حال الركعة التي بيده. وبذلك ينحلّ العلم الإجمالي ، فيتعيّن عليه جعلها من المغرب ، ولا يسوغ البناء على العشاء ولو بعنوان الرجاء ، لاستلزامه القطع المحرّم ، غير الجاري في عكسه بحكم الاستصحاب كما عرفت. فالأظهر بناءً على حرمة القطع أنّ الحكم المذكور في المتن مبني على جهة اللّزوم ، دون الجواز والتخيير.

وأمّا في الفرض الثاني أعني ما لو عرض الشك بعد الدخول في الركوع فقد حكم في المتن ببطلان صلاته ووجوب إعادة المغرب.

أمّا الأوّل : فلعدم إمكان تتميمها لا عشاءً لعدم إحراز نيّتها ولا الترتيب المعتبر فيها ، ولا مغرباً إذ لا رابعة فيها.


1) شرح العروة 18 : 210.

.................................................................................................


وأمّا الثاني : فلأنه مقتضى قاعدة الاشتغال ، للشكّ في الخروج عن عهدة التشهّد والتسليم ، بل الحكم عليهما بعدم الإتيان بمقتضى الأصل بعد عدم إمكان الرجوع والتدارك ، لفوات محلّه بالدخول في الركن.

ولا مجال لإحرازهما لا بقاعدة الفراغ للشكّ في تحقّق الفراغ والخروج عن المغرب ، ولا بقاعدة التجاوز لعدم إحراز الدخول في الجزء المترتِّب ، لجواز أن يكون ما بيده رابعة المغرب. ومن المعلوم عدم الترتّب بين الركعة الزائدة الفاسدة وبين الأجزاء الأصلية ، فلا يمكن إحراز المغرب تامّة بوجه. فلا مناص من إعادتها بمقتضى قاعدة الاشتغال كما ذكرناه ، ثمّ الإتيان بالعشاء.

أقول : أمّا بطلان الصلاة التي بيده لعدم إمكان تصحيحها بوجه فممّا لا ينبغي الإشكال فيه كما ذكر. فلا مناص من استئناف العشاء.

وأمّا وجوب إعادة المغرب فالمشهور وإن كان ذلك حيث حكموا ببطلانها بالتقريب المتقدّم ، إلّا أنّ الأظهر جواز تصحيحها استناداً إلى قاعدة الفراغ نظراً إلى أنّ الفراغ بعنوانه لم يرد في شي‌ء من نصوص الباب (1)ليعترض بعدم إحرازه في المقام بعد احتمال أن يكون ما بيده رابعة المغرب ، المستلزم لعدم الإتيان بالتشهّد والتسليم ، فلم يتحقّق الفراغ.

وإنّما الوارد فيها عنوان المضي كما في قوله (عليه السلام) : «كلّ ما شككت فيه ممّا قد مضى فأمضه كما هو» (2)أو عنوان التجاوز كما في النصوص


1) نعم ، ورد ذلك في صحيحة محمّد بن مسلم الوسائل 8 : 246 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 27 ح 2 إلّا أنّها لا تدلّ على اختصاص موضوع الحكم به ، لعدم التنافي بينها وبين ما دلّ على أنّ العبرة بمطلق المضي ، هذا أوّلاً. وثانياً : لا شبهة أنّ المراد الفراغ من الصلاة الأعم من الصحيحة والفاسدة ، وهو محرز في المقام بلا كلام.

2) الوسائل 8 : 237 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 23 ح 3.

.................................................................................................


الأُخر (1). وكما يصدق المضي والتجاوز الّذي هو بمعنى التعدّي عن الشي‌ء بالتسليم والخروج عن الصلاة كذلك يتحقّق بالدخول فيما لا يمكن معه التدارك على تقدير النقص إلّا بإعادة العمل.

ولأجله ذكرنا في محلّه (2)أنّه لو رأى نفسه مرتكباً لشي‌ء من المنافيات كالحدث والاستدبار وعندئذ شكّ في صحّة صلاته لأجل الشك في التسليم ، أو فيه وفي التشهّد ، بل ومع السجود فإنّه يبني على الصحّة بقاعدة الفراغ ، باعتبار أنّ امتناع التدارك يوجب صدق عنوان المضي حقيقة ، فإنّه يقال حينئذ من غير أيّة عناية : إنّه قد مضت صلاته بالمعنى الأعم من الصحيحة والفاسدة وتجاوز وتعدّى عنها. فيحكم بصحّتها بمقتضى قوله (عليه السلام) : «فأمضه كما هو» إذ لا قصور في شمول إطلاق النصوص لهذه الصورة أيضاً كما لا يخفى.

والمقام من هذا القبيل ، فانّ الدخول في الركوع الّذي هو ركن بمثابة ارتكاب المنافي ، المانع عن إمكان التدارك. فشكّه حينئذ في التشهّد والتسليم شكّ بعد مضي الصلاة ، فلا يعتنى به بمقتضى قاعدة الفراغ ، فانّ الفراغ بعنوانه وإن لم يكن محرزاً إلّا أنّه لا اعتبار به كما عرفت ، بل المدار على عنوان المضي المأخوذ في لسان الأدلّة ، الّذي لا ينبغي التأمّل في صدقه وتحقّقه في المقام.

ومن الغريب جدّاً أنّ شيخنا الأُستاذ (قدس سره) (3)مع التزامه بجريان قاعدة الفراغ في المثال المتقدّم أعني الشك في التسليم بعد ارتكاب المنافي وافق في الحكم بإعادة المغرب في المقام ، فأنكر جريان القاعدة هنا ، مع عدم وضوح الفرق بين المقامين ، فانّ المسألتين من واد واحد. فان قلنا بجريانها


1) الوسائل 1 : 469 / أبواب الوضوء ب 42 ح 2.

2) شرح العروة 18 : 144.

3) كتاب الصلاة 3 : 136.

[2144] المسألة الحادية عشرة : إذا شكّ وهو جالس بعد السجدتين بين الاثنتين والثلاث وعلم بعدم إتيان التشهّد في هذه الصلاة فلا إشكال في أنّه يجب عليه أن يبني على الثلاث ، لكن هل عليه أن يتشهّد أم لا؟ وجهان ، لا يبعد عدم الوجوب ، بل وجوب قضائه بعد الفراغ إمّا لأنّه مقتضى البناء على الثلاث (1)وإمّا لأنّه لا يعلم بقاء محل التشهّد من حيث إنّ محلّه الركعة الثانية وكونه فيها مشكوك ، بل محكوم بالعدم. وأمّا لو شكّ وهو قائم بين الثلاث والأربع مع علمه بعدم الإتيان بالتشهّد في الثانية فحكمه المضيّ والقضاء بعد السلام ، لأنّ الشك بعد تجاوز محلّه (1).


هناك لكفاية صدق المضي وعدم لزوم إحراز الفراغ جرت هنا أيضاً لعين المناط وإلّا لم تجر في شي‌ء منهما.

فالتفكيك غير ظاهر الوجه (2). وقد عرفت أنّ الأظهر الكفاية ، فتجري في كلا المقامين.

فتحصّل : أنّ الأظهر صحّة المغرب بقاعدة الفراغ ، وليس عليه إلّا استئناف العشاء كما عرفت.

(1) إذا شكّ في عدد الركعات مع علمه بعدم الإتيان بالتشهّد في هذه الصلاة ، فقد ذكر في المتن أنّ هذا قد يكون في حال الجلوس ، وأُخرى في حال القيام.


1) (*) هذا الوجه هو الصحيح ، وهو المرجع في الفرض الآتي أيضاً.

2) ومن المعلوم أنّه (قدس سره) [كما في كتاب الصلاة 3 : 135 136] لا يرى جريان حديث لا تعاد في من تذكّر نسيان السلام بعد الدخول في المنافيات ليتوهّم أنّه الفارق بين المقامين.

.................................................................................................


ففي الأوّل : كما لو شكّ وهو جالس بعد إكمال السجدتين بين الثنتين والثلاث فمن حيث البناء على الأكثر لا إشكال في وجوبه ، لإطلاق دليله الشامل للفرض كما هو واضح ، وأمّا من حيث التشهّد المقطوع بعدم إتيانه المحكوم بالقضاء لو كانت الركعة ثالثة ، وبالإتيان لو كانت ثانية لبقاء محلّه فهل يجب الإتيان به فعلاً؟ ذكر (قدس سره) أنّه لا يبعد عدم الوجوب ، وأنّه يقضي بعد الفراغ واستدلّ له بأحد وجهين :

الأوّل : أنّ هذا هو مقتضى البناء على الثلاث ، لظهور دليله في أنّه يعامل مع هذه الركعة معاملة الركعة الثالثة من جميع الجهات حتّى من حيث عدم اشتمالها على التشهّد ، وفوات محلّ تداركه بالدخول فيها.

الثاني : عدم إحراز بقاء المحلّ ، فانّ محلّ التشهّد الركعة الثانية ، وكونه فيها مشكوك فيه ، بل محكوم بالعدم كما لا يخفى.

وأمّا في الثاني : كما لو شكّ وهو قائم بين الثلاث والأربع ، والمفروض علمه بعدم الإتيان بالتشهّد في هذه الصلاة ، فذكر (قدس سره) أنّ حكمه المضي والقضاء بعد السلام ، لأنّ الشكّ في التشهّد باعتبار عروضه بعد الدخول في القيام شكّ بعد تجاوز المحلّ فلا يعتنى به بمقتضى قاعدة التجاوز.

فكأنه (قدس سره) يرى أنّ الأمر في هذا الفرع أوضح من سابقه ، نظراً إلى اختصاصه بقاعدة التجاوز غير الجارية في الفرع السابق ، لعدم إحراز التجاوز ثمة.

أقول : أمّا في الفرع الأخير فربما يورد عليه بأنّ المفروض في المسألة العلم بعدم الإتيان بالتشهّد في هذه الصلاة ، ومعه كيف يتمسّك بقاعدة التجاوز التي موردها الشك لا غير.

ويندفع بأنّ مراده (قدس سره) إجراء القاعدة بالإضافة إلى الركعة التي قام

.................................................................................................


عنها بخصوصها ، وأنّه هل أتى بوظيفته المقرّرة فيها أم لا ، فإنّها إن كانت الثانية فقد أخلّ ، وإلّا لم يخل. ولا منافاة بين هذا الشك وبين العلم بعدم الإتيان بالتشهّد في هذه الصلاة.

وبعبارة اخرى : العلم المزبور يحدث الشك في خروجه عن عهدة الركعة التي قام عنها وأنّه هل بقي عليه شي‌ء منها أم لا ، فإنّها إن كانت الثانية فقد بقي عليه التشهّد ، لبقاء محلّ تداركه بعد أن لم يكن داخلاً في الركن ، وإن كانت الثالثة لم يبق عليه شي‌ء منها ، وإنّما عليه قضاء ما فات عن الثانية الّذي لا يمكن تداركه. وبما أنّ هذا الشك قد طرأ بعد الدخول في القيام الّذي به تحقّق التجاوز عن محلّ التشهّد على تقدير وجوبه في هذه الركعة ، فلا مانع من التمسّك بقاعدة التجاوز لنفيه وعدم الاعتناء به.

نعم ، يرد عليه ما ذكرناه في محلّه (1)من أنّ القاعدة لا تعمّ موارد المصادفات الواقعية ، فإنّ مورد تشريعها ما إذا شكّ المكلّف بعد علمه بثبوت الأمر في تحقّق الامتثال وانطباق المأمور به على المأتي به ، من أجل احتمال غفلته عن بعض الخصوصيات التي يذهل عنها غالباً بعد التجاوز والانتهاء عن العمل ، ولا تكون الصورة محفوظة ، فإنّه لا يعتني بهذا الاحتمال ، لكونه أذكر حين العمل وأقرب إلى الحق كما علّل بذلك في بعض نصوص الباب (2).

وأمّا إذا لم تحتمل الغفلة لانحفاظ صورة العمل ، وكانت حالته بعد العمل كحالته حينه ، للقطع فعلاً بما صدر عنه سابقاً وعدم كونه آن ذاك أذكر ، وإنّما الشك في الصحّة لمجرّد احتمال المصادفة الاتفاقية والمطابقة مع الواقع ، الخارجة


1) مصباح الأُصول 3 : 306.

2) الوسائل 1 : 471 / أبواب الوضوء ب 42 ح 7 ، 8 : 246 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 27 ح 3.

.................................................................................................


عن تحت الاختيار كما لو فرغ عن صلاته فشكّ في أنّ هذه الجهة المعيّنة التي صلّى إليها هل هي قبلة أم لا ، أو فرغ عن وضوئه فشكّ في أنّ هذا المائع الخاص الّذي توضّأ به هل هو ماء أم لا ، فأحتمل الصحّة لمحض الصدفة ، ففي أمثال ذلك لا تجري القاعدة بوجه ، لعدم تكفّلها لإثبات الصحّة المستندة إلى الاتفاق البحت.

والمقام من هذا القبيل ، فإنّه يعلم بعدم تشهّده في الركعة التي قام عنها فصورة العمل محفوظة ، وإنّما يحتمل الصحّة لمجرّد الصدفة ، وأن تكون هي الركعة الثالثة واقعاً التي لا أمر بالتشهّد فيها. فشكّه في الخروج عن عهدة تلك الركعة والإتيان بالوظيفة المقرّرة لا يستند إلى احتمال الغفلة ، بل يرتبط بالمصادفات الواقعية ، وقد عرفت عدم جريان القاعدة في أمثال المقام.

فحال هذا الفرع حال الفرع السابق ، وحكم القيام حكم الجلوس بعينه ولا يزيد عليه بشي‌ء ، والمسألتان من وادٍ واحد ، فيجري فيه ما نذكره فيه.

فنقول : قد عرفت أنّ الماتن ذكر وجهين لعدم وجوب التشهّد في المقام.

أمّا الوجه الأوّل أعني استظهار ذلك من نفس أدلّة البناء على الأكثر ، فحق لا محيص عن الالتزام به ، فانّ الظاهر من تلك الأدلّة المعاملة مع الركعة المشكوكة معاملة الركعة الثالثة الواقعية ، لا من حيث العدد فقط ، بل من جميع الجهات التي منها أنّه لا تشهّد فيها.

ويؤيِّده بل يدلّ عليه أنّ هذا الشك أعني الشك بين الثنتين والثلاث يعرض غالباً حال الجلوس وقبل الشروع في التشهّد أو قبل استكماله ، وقلّما يتّفق بعد الانتهاء عنه ، ولم يرد ولا في رواية ضعيفة كما لم يفت فقيه بوجوب الإتيان بالتشهّد أو استكماله بعد البناء على الثلاث ، وليس ذلك إلّا لما عرفت من لزوم ترتيب جميع آثار الركعة الثالثة الواقعية على الركعة البنائية.

.................................................................................................


ويعضده أيضاً أنّ النظر فيها لو كان مقصوراً على حيثية العدد فقط لكان اللّازم الإتيان بالتشهّد بمقتضى قاعدة الاشتغال في من شكّ بين الثنتين والثلاث وعلم أنّه على تقدير الثلاث قد أتى بالتشهّد في الركعة الثانية ، وهو كما ترى.

وعلى الجملة : فهذا الوجه هو الوجه الصحيح الّذي نعتمد عليه ، ولأجله نحكم بمضي محلّ التشهّد بمقتضى البناء على أنّ ما بيده ثالثة ، فلا يأتي به حينئذ ، بل يقضيه خارج الصلاة إن قلنا بلزوم قضاء التشهّد المنسي ، وإلّا كما هو الصحيح فليس عليه إلّا سجود السهو لنسيانه.

وأمّا الوجه الثاني وهو عدم العلم ببقاء المحلّ فلا يمكن المساعدة عليه بوجه ، فانّا لو أغمضنا عن الوجه الأوّل وبنينا على أنّ النظر في تلك الأدلّة مقصور على حيثية العدد فقط ، فيمكننا إحراز بقاء المحل بالاستصحاب بأن يقال : إنّ محلّ التشهّد كان محفوظاً حين رفع رأسه من السجدة الثانية من الركعة الثانية يقيناً ، ويشكّ في الانتقال من تلك الحالة إلى حالة اخرى باعتبار الشكّ في أنّ ما بيده هل هي الثانية أم الثالثة ، ومقتضى الاستصحاب البقاء على ما كان.

ونتيجة ذلك لزوم الإتيان بالتشهّد إن كان جالساً ، ولزوم هدم القيام والإتيان به إن كان قائماً وشاكّاً بين الثلاث والأربع ، فإنّه أيضاً مجرى للاستصحاب ، باعتبار الشك في الخروج عن المحلّ الذكري للتشهّد ، المقطوع ثبوته سابقاً فيبني على ما كان.

وتوهّم معارضته بأصالة عدم كون الركعة الثانية هي التي بيده على سبيل استصحاب العدم الأزلي ، مدفوع بانتقاض العدم الأزلي باليقين بالوجود المفروض في مورد الاستصحاب الأوّل ، ولا حاجة إلى إثبات أنّ ما بيده هي الثانية كما لا يخفى ، فليتأمّل.

.................................................................................................


والحاصل : أنّه يبني على الثلاث أو الأربع بمقتضى أدلّة البناء ، المفروض قصر النظر فيها على العدد ، وفي عين الحال يلزمه الإتيان بالتشهّد بمقتضى الاستصحاب ، فيجمع بين الأمرين عملاً بكلّ من الدليلين من غير تناف في البين.

عدا ما يتوهّم من أنّه لو فعل ذلك لحصل له العلم الإجمالي إمّا بزيادة التشهّد لو كان ما بيده هي الركعة الثالثة واقعاً ، أو بنقصان الصلاة ركعة لو كانت ثانية ، إذ قد سلّم حينئذ على الثلاث وأتى بالركعة المشكوكة مفصولة بمقتضى أدلّة البناء ، مع أنّ اللّازم الإتيان بها موصولة. ونتيجة ذلك ما عرفت من النقص.

وحينئذ فان قلنا بأنّ هذه الزيادة تعدّ من الزيادة العمدية فقد حصل له العلم الإجمالي ببطلان الصلاة إمّا لأجل الزيادة العمدية ، أو لأجل النقيصة كذلك.

وإن قلنا بأنّها تعدّ من السهوية فهو يعلم إجمالاً إمّا بوجوب سجدتي السهو لزيادة التشهّد ، أو بنقصان الصلاة ركعة الموجب لإعادتها. ولا مجال للرجوع إلى أصالة عدم الزيادة ، ضرورة أنّ الجمع بينها وبين العمل بقاعدة البناء على الأكثر موجب للمخالفة القطعية العملية للمعلوم بالإجمال. فلا يمكن إحراز صحّة الصلاة إلّا بإعادتها.

أقول : أمّا حديث الزيادة العمدية فساقط جزماً في أمثال المقام ممّا كانت الزيادة مستندة إلى أمر الشارع ولو أمراً ظاهرياً مستنداً إلى الاستصحاب.

ومن هنا لو شكّ وهو في المحلّ فأتى بالمشكوك فيه بقاعدة الشك في المحل المستندة إلى الاستصحاب أو قاعدة الاشتغال ، ثمّ انكشف الخلاف وأنّه كان آتياً به فاتّصف المأتي به ثانياً بالزيادة لم يفت فقيه بالبطلان في غير الجزء

.................................................................................................


الركني ، فيعلم من ذلك عدم الاندراج في عنوان الزيادة العمدية وإن قصد به الجزئية ، بعد أن كان الإتيان به مستنداً إلى الوظيفة الشرعية ولم يكن من تلقاء نفسه.

فالزيادة في أمثال المقام ملحقة بالزيادة السهوية بلا كلام ، فانّ المراد بها ما لا تكون عمدية ، لا خصوص المتّصف بالسهو والغفلة كما لا يخفى.

وحينئذ فان قلنا بأنّ زيادة التشهّد سهواً لا توجب سجود السهو لعدم القول بوجوبه لكلّ زيادة ونقيصة فالأمر ظاهر ، لانتفاء العلم الإجمالي حينئذ رأساً.

وأمّا إذا قلنا بالوجوب فالعلم الإجمالي بوجوب سجدتي السهو أو بنقصان الصلاة ركعة وإن كان حاصلاً إلّا أنّه لا أثر له في المقام ، إذ لا ضير في نقص الركعة حتّى واقعاً بعد أن كانت منجبرة بركعة الاحتياط وكانت الصلاة معها تامّة وموصوفة بالصحّة الواقعية كما نطقت به موثّقة عمار : «إلا أُعلِّمك شيئاً ...» إلخ (1).

ولذا ذكرنا في محلّه (2)أنّ الركعة المفصولة جزء حقيقي على تقدير النقص ، إذ لا يكون السلام مخرجاً في هذا الفرض ، للتخصيص في دليل المخرجية ، كما أنّ زيادة التكبير لا تكون قادحة على القول بقدحها في نفسها.

فلا يكون المطلوب من هذا الشخص حتّى في متن الواقع إلّا الإتيان بالركعة المشكوكة مفصولة ما دام كونه شاكّاً وموضوعاً لدليل البناء على الأكثر المتحقّق في المقام بالوجدان ، ولا بدّ في تنجيز العلم الإجمالي من وجود أثر


1) الوسائل 8 : 213 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 8 ح 3 [الظاهر كونها ضعيفة سنداً].

2) شرح العروة 18 : 279 وما بعدها.

[2145] المسألة الثانية عشرة : إذا شكّ في أنّه بعد الركوع من الثالثة أو قبل الركوع من الرابعة بنى على الثاني (1)(1) لأنّه شاكّ بين الثلاث


للمعلوم بالإجمال مترتّب في الواقع على كلّ تقدير ، وهو منفي في المقام كما عرفت.

وعلى الجملة : لو كان النقصان محكوماً بالبطلان واقعاً لتمّ ما أُفيد ، وكان المقام نظير العلم الإجمالي بنجاسة أحد الإناءين ، الّذي يترتّب عليه الأثر على كلّ تقدير. ولكنّه ليس كذلك ، لانقلاب الوظيفة الواقعية بالعمل بمؤدّى دليل البناء على الأكثر. فليس في البين عدا أثر واحد ، وهو وجوب سجود السهو على تقدير زيادة التشهّد.

وحينئذ فتجري أصالة عدم الزيادة من غير معارض ، وبذلك يسقط العلم الإجمالي عن التنجيز ، لعدم معارضة الأُصول الجارية في الأطراف ، إذ لا يلزم من أصالة عدم زيادة التشهّد والعمل بقاعدة البناء على الأكثر مخالفة قطعية عملية للمعلوم بالإجمال كما عرفت بما لا مزيد عليه.

والصحيح كما مرّ هو الوجه الأوّل المذكور في المتن ، فليس له الإتيان بالتشهّد أصلاً. ولكن مع الغضّ عنه والاستناد إلى الوجه الثاني فقد عرفت ضعفه ولزوم الإتيان بالتشهّد حينئذ. والعلم الإجمالي المذكور مدفوع بما عرفت.

(1) إذا شكّ بين الثلاث والأربع وهو قائم ، وعلم أنّه إن كان في الثالثة فهذا قيام بعد الركوع ، وإن كان في الرابعة فهو قيام قبل الركوع.

ذكر (قدس سره) أنّه يبني على الأربع بمقتضى فرض شكّه بين الثلاث


1) (*) بل يحكم ببطلان الصلاة ، للقطع بعدم كون صلاة الاحتياط جابراً على تقدير النقص.

والأربع ، ويجب عليه الركوع لأنّه شاك فيه مع بقاء محلّه ، وأيضاً هو مقتضى البناء على الأربع في هذه الصورة. وأمّا لو انعكس بأن كان شاكّاً في أنّه قبل الركوع من الثالثة أو بعده من الرابعة فيحتمل وجوب البناء على الأربع بعد الركوع ، فلا يركع بل يسجد ويتمّ ، وذلك لأنّ مقتضى البناء على الأكثر البناء عليه من حيث إنّه أحد طرفي شكّه ، وطرف الشك الأربع بعد الركوع ، لكن لا يبعد بطلان صلاته (1)لأنّه شاكّ في الركوع من هذه الركعة ، ومحلّه باق فيجب عليه أن يركع ، ومعه يعلم إجمالاً أنّه إمّا زاد ركوعاً أو نقص ركعة ، فلا يمكن إتمام الصلاة مع البناء على الأربع والإتيان بالركوع مع هذا العلم الإجمالي.


والأربع ويجب عليه حينئذ الإتيان بالركوع ، لكونه شاكّاً فيه مع بقاء محلّه ، إذ لم يعلم بالإتيان بركوع هذه الركعة وبعد لم يتجاوز المحل. مضافاً إلى أنّه مقتضى البناء على الأربع في هذه الصورة ، لعلمه بعدم الإتيان بالركوع لو كان في الرابعة ، ومقتضى البناء المزبور العمل بوظائف الركعة البنائية التي منها الإتيان بالركوع في مفروض المسألة.

وأمّا لو انعكس الفرض بأن علم أنّه إن كان في الثالثة فهذا قيام قبل الركوع ، وإن كان في الرابعة فهو قيام بعد الركوع ، فأحتمل (قدس سره) بدواً وجوب البناء على الأربع بعد الركوع ، فيمضي في صلاته من غير ركوع ، لأنّ


1) (*) بل هو المتعيّن ، لأنّه إن لم يركع في الركعة التي شكّ فيها بمقتضى البناء على الأربع فلا يحتمل جبر صلاة الاحتياط للنقص المحتمل ، وإن ركع من جهة كون الشك في المحلّ فلا تحتمل صحّة الصلاة في نفسها ، والجبر بصلاة الاحتياط إنّما هو في مورد الاحتمال المزبور.

.................................................................................................


مقتضى البناء على الأكثر البناء على الأربع الّذي هو أحد طرفي الشك ، وطرف الشك في المقام هو الأربع المقيّد بما بعد الركوع.

وأخيراً لم يستبعد (قدس سره) بطلان الصلاة ، نظراً إلى أنّه شاكّ بالأخرة في ركوع هذه الركعة مع بقاء محلّه ، وأدلّة البناء لا تتكفّل بإثبات اللوازم العقلية ، فيجب عليه أن يركع بمقتضى قاعدة الشك في المحل ، ومعه يعلم إجمالاً إمّا بزيادة الركوع لو كان ما بيده رابعة ، أو بنقصان الركعة لو كان الثالثة الموجب للبطلان على التقديرين.

فيلزم من إعمال القاعدتين أعني قاعدة الشك في المحل ، وقاعدة البناء على الأكثر المخالفة القطعية العملية للمعلوم بالإجمال ، فلا يمكن إتمام الصلاة مع هذا العلم الإجمالي. هذا حاصل ما أفاده (قدس سره) في هذه المسألة.

أقول : أمّا ما أفاده (قدس سره) أخيراً في وجه البطلان فقد ظهر الجواب عنه ممّا قدّمناه في ذيل المسألة السابقة ، حيث عرفت ثمّة أنّ نقصان الركعة متى كان طرفاً للعلم الإجمالي فلا أثر له بعد تداركها بركعة الاحتياط وكونها جابرة للنقص حتّى واقعاً وجزءاً متمّماً واقعياً لدى الحاجة إليها ، ولا بدّ في تنجيز العلم الإجمالي من فرض أثر مترتِّب على الواقع على كلّ تقدير ، وهو منفي في المقام ، إذ لا أثر في البين عدا احتمال زيادة الركوع المدفوعة بالأصل من غير معارض.

وأمّا أصل المسألة فالحقّ فيها هو البطلان في كلا الفرضين ، والوجه في ذلك : أنّ صحيحة صفوان (1)قد دلّتنا على البطلان في كلّ شك متعلّق بعدد الركعات ولم يكن معه ظن ، وهذا هو الأصل الأوّلي الّذي نعتمد عليه في عدم حجّية الاستصحاب في باب الركعات ، خرجنا عن ذلك في موارد الشكوك الصحيحة


1) الوسائل 8 : 225 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 15 ح 1.

.................................................................................................


بمقتضى النصوص الكثيرة المتضمّنة للزوم البناء على الأكثر والإتيان بالركعة المشكوكة مفصولة ، التي عمدتها موثّقة عمار الناطقة بأنّ شأن تلك الركعة الجبر على تقدير النقص ، كما أنّها نافلة على التقدير الآخر (1).

والمستفاد من هذه النصوص ولا سيما الموثّقة أنّ مورد البناء وتشريع الركعة الضامنة لصحّة الصلاة وسلامتها عن الزيادة والنقصان ما إذا كانت هذه الركعة متّصفة بالجابرية على تقدير النقص ، وأن تكون الصلاة في حدّ ذاتها موصوفة بالصحّة من غير ناحية النقص ، بحيث لو كانت تامّة بحسب الواقع لكانت محكومة بالصحّة الفعلية ، كما أنّها لو كانت ناقصة لصحّت بعد ضمّ الركعة المفصولة.

وبعبارة اخرى : قوام ركعة الاحتياط بالاتِّصاف باحتمال الجابرية على فرض النقصان ، وأمّا إذا لم يحتمل الجبر إمّا لعدم النقصان أو للبطلان من جهة أُخرى فهو خارج عن موضوع أدلّة البناء ومشمول للأصل الأوّلي المتقدِّم الّذي مقتضاه البطلان كما عرفت. وهذا هو الضابط الكلِّي لجميع موارد التدارك بركعة الاحتياط ، الّذي به يتّضح الحال في جملة من الفروع الآتية ، فليكن على ذكر منك.

وهذا الضابط غير منطبق على مسألتنا هذه بكلا شقّيها.

أمّا في الفرض الأوّل : فللقطع بعدم الحاجة إلى ركعة الاحتياط ، لعدم اتِّصافها بالجابرية إمّا لتمامية الصلاة ، أو لبطلانها من جهة أُخرى ، فإنّه بعد أن بنى على الأربع وأتى بالركوع بمقتضى قاعدة الشك في المحلّ فان كانت الرابعة بحسب الواقع فالصلاة تامّة ، وإن كانت الثالثة فقد زاد ركوعاً فبطلت الصلاة


1) الوسائل 8 : 213 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 8 ح 3 [الظاهر أنّها ضعيفة سنداً].

.................................................................................................


من أجل زيادة الركن ، فلا تكون الركعة جابرة في هذا التقدير ، وقد عرفت لزوم صلاحيتها للجبر على تقدير النقص ، المتوقّف على فرض صحّتها من سائر الجهات.

وأمّا في الفرض الثاني : فامّا أن يبني على الأربع ويمضي من غير ركوع كما احتمله الماتن أوّلاً ، أو يبني ويأتي بالركوع كما ذكره أخيراً استناداً إلى قاعدة الشك في المحلّ. ولا يمكن تصحيح الصلاة على التقديرين.

أمّا على الأوّل : فلعدم احتمال جبر صلاة الاحتياط للنقص المحتمل ، لأنّها إن كانت الرابعة فالصلاة تامّة ومعها لا حاجة إلى صلاة الاحتياط ، وإن كانت الثالثة فالصلاة باطلة لنقصان الركوع ، فلا تصلح الركعة لجبر النقص على هذا التقدير.

فهذه الصورة تفارق الصورة السابقة في أنّ منشأ البطلان هنا نقصان الركوع ، وهناك زيادته ، بعد اشتراكهما في القطع بعدم الحاجة إلى صلاة الاحتياط في تقدير ، وعدم صلاحيّتها لجبر النقص المحتمل في التقدير الآخر.

وأمّا على الثاني : فلأنّ ركعة الاحتياط وإن كانت جابرة على تقدير كون ما بيده الثالثة ، إلّا أنّها لو كانت الرابعة واقعاً فالصلاة باطلة لأجل زيادة الركوع. فلا يحتمل صحّتها في نفسها على تقدير الأربع ، ومورد الجبر بصلاة الاحتياط خاص بما إذا تطرّق الاحتمال المزبور.

وبعبارة اخرى : يعلم حينئذ أنّه عند التشهّد والتسليم لا أمر بهما جزماً ، إمّا لوقوعهما في الثالثة ، أو لكون الصلاة باطلة في نفسها ، فانّ التقدير الأوّل إنّما يكون مورداً للجبر فيما إذا احتمل وقوع التسليم على الرابعة الصحيحة ، غير المتحقّق فيما نحن فيه ، للجزم بالبطلان لو كانت الرابعة.

وملخّص الكلام : أنّ المستفاد من قوله (عليه السلام) في موثّقة عمار : «إلا

.................................................................................................


أُعلِّمك شيئاً إذا فعلته ثمّ ذكرت أنّك أتممت أو نقصت لم يكن عليك شي‌ء ...» إلخ ، وقوله (عليه السلام) بعد ذلك : «فقم فصلّ ما ظننت أنّك نقصت ...» إلخ (1)أنّه يعتبر في مورد البناء على الأكثر فرض صحّة الصلاة مع قطع النظر عن الركعة المحتمل نقصانها حتّى يحكم بصحّتها بعد البناء المزبور وتدارك النقص المذكور بالركعة المفصولة ، وأنّها لا تتّصف بالجابرية إلّا في هذا التقدير.

كما يعتبر احتمال صحّتها لو كانت الصلاة تامّة والتسليم واقعاً في الركعة الرابعة ، لما مرّ من قوله (عليه السلام) : «ثمّ ذكرت أنّك أتممت أو نقصت لم يكن عليك شي‌ء» إذ لو كانت باطلة في نفسها لكان عليه شي‌ء وإن كانت تامّة من حيث الركعات ، وكذا قوله (عليه السلام) بعد ذلك : «فان كنت قد أتممت لم يكن عليك في هذه شي‌ء». ونتيجة ذلك أنّ الركعة لا تكون موصوفة بالجبر إلّا بهذا الشرط ، بحيث يحتمل وقوع التسليم على الرابعة الصحيحة.

وهذا الضابط هو الأساس الوحيد والركن الوطيد في المشمولية لأدلّة البناء على الأكثر. وهو كما ترى غير منطبق على المقام.

إذ في الفرض الأوّل وكذا في أوّل التقديرين من الفرض الثاني أعني ما إذا مضى من غير ركوع بمقتضى البناء على الأربع لا يحتمل جبر صلاة الاحتياط للنقص المحتمل ، لبطلان الصلاة في نفسها لو كانت ناقصة حتّى مع قطع النظر عن نقص الركعة ، إمّا لزيادة الركوع كما في الأوّل أو لنقصانه كما في الثاني ، فلا تكون الركعة المفصولة نافعة بوجه ، إذ لا تكون جابرة للصلاة المحكومة بالبطلان في حدّ ذاتها كما عرفت.

وأمّا في التقدير الثاني من الفرض الثاني أعني ما لو أتى بالركوع بمقتضى الشكّ في المحلّ فلأنّ الركعة وإن كانت صالحة في حدّ ذاتها للجبر على تقدير


1) [تقدّم ذكر مصدرها والملاحظة في سندها في ص 156].

[2146] المسألة الثالثة عشرة : إذا كان قائماً وهو في الركعة الثانية من الصلاة وعلم أنّه أتى في هذه الصلاة بركوعين ولا يدري أنّه أتى بكليهما في الركعة الأُولى حتّى تكون الصلاة باطلة أو أتى فيها بواحد وأتى بالآخر في هذه الركعة (1) فالظاهر بطلان الصلاة ، لأنّه شاك في ركوع هذه الركعة ومحلّه


النقص ، لفرض الصحّة من غير ناحية نقص الركعة لو كان ما بيده الثالثة ، إلّا أنّ الشرط في فعلية الجبر أن يكون الطرف الآخر للاحتمال هو الأربع الصحيح المفقود فيما نحن فيه.

وبعبارة واضحة : لا بدّ في مورد الجبر والبناء على الأكثر من احتمال الصحّة الواقعية على كلّ من تقديري النقص والتمامية بمقتضى قوله (عليه السلام) في الموثّقة : «ثمّ ذكرت أنّك أتممت أو نقصت لم يكن عليك شي‌ء» بحيث يحتمل وقوع التسليم في الرابعة الصحيحة.

وهذا مفقود في المقام ، للقطع بالبطلان لو كان ما بيده الرابعة ، من أجل زيادة الركوع حينئذ ، فلا يحتمل تسليمه على الأربع الصحيح. فهو يعلم بعدم الأمر بهذا التسليم جزماً ، إمّا لوقوعه في الثالثة أو في الرابعة الباطلة ، ومثله لا يكون مورداً للركعة الجابرة. فلا جرم يندرج في الشكوك الباطلة بمقتضى ما أسّسناه من الأصل المتقدّم المستفاد من صحيحة صفوان ، وبذلك تعرف أنّ الأظهر البطلان في جميع فروض المسألة وشقوقها.

(1) فهو عالم عند كونه قائماً في الركعة الثانية بالإتيان بذات الركوعين وشاكّ في محلّهما وأنّه هل أتى بهما معاً في الركعة الأُولى وهذا قيام قبل الركوع لتبطل الصلاة من أجل زيادة الركن ، أو أتى بكلّ منهما في محلّه وهذا قيام بعد الركوع لتكون الصلاة محكومة بالصحّة.

باق (1)، فيجب عليه أن يركع مع أنّه إذا ركع يعلم بزيادة ركوع في صلاته ولا يجوز له أن لا يركع مع بقاء محلّه فلا يمكنه تصحيح الصلاة.


ذكر الماتن (قدس سره) أنّ الظاهر حينئذ البطلان ، نظراً إلى أنّه شاك في ركوع هذه الركعة ، وبما أنّ محلّه باقٍ فيجب عليه أن يركع بمقتضى قاعدة الاشتغال أو الاستصحاب ، بل الأدلّة الخاصّة الدالّة على لزوم الاعتناء بالشك العارض في المحل (2)، فلا يجوز له المضي من غير ركوع بعد فرض بقاء محلّه ، مع أنّه إذا ركع يقطع بزيادة ركوع في صلاته إمّا في هذه الركعة أو في الركعة السابقة فلا يمكنه تصحيح الصلاة بوجه ، هذا.

والمناقشة فيما أفاده (قدس سره) لعلّها واضحة ، إذ كيف يكون المحل باقياً مع العلم بعدم الأمر فعلاً بالركوع في هذه الركعة أمّا لامتثاله وسقوط أمره ، أو لبطلان الصلاة قبل حين ، ومعلوم أنّه لا أمر بالركوع في الصلاة الباطلة ، ولا شكّ أنّ قاعدة الاشتغال التي موردها الشك في الامتثال تتقوّم باحتمال بقاء الأمر ، ولا أمر هنا بالركوع جزماً أمّا للإتيان أو للبطلان.

كما لا مورد للاستصحاب أيضاً ، لعدم احتمال بقاء الأمر ليستصحب ، وكذا الأدلّة الخاصّة ، فإنّ موضوعها الشك واحتمال وجود الأمر المنفي في الفرض كما عرفت.


1) (*) كيف يكون باقياً مع العلم بعدم الأمر بالركوع إمّا للإتيان به وإمّا لبطلان الصلاة وعليه فلا يبعد الحكم بصحّة الصلاة لجريان قاعدة الفراغ في الركوع الثاني الّذي شكّ في صحّته وفساده من جهة الشك في ترتّبه على السجدتين في الركعة الأُولى وعدمه.

2) الوسائل 6 : 369 / أبواب السجود ب 15 ح 1 ، 4 ، 6 ، 8 : 237 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 23 ح 1.

.................................................................................................


وكان عليه (قدس سره) أن يعلّل البطلان بوجه آخر بأن يجري قاعدة الاشتغال في أصل الصلاة بدلاً عن إعمالها في نفس الركوع ، فيقال : إنّا نشكّ في الخروج عن عهدة الأمر المتعلّق بالصلاة لو اكتفينا بهذه الصلاة التي ليس لدينا ما يؤمّننا عن وقوع الركوع في محلّه بعد أن لم نتمكّن من تداركه من جهة استلزامه العلم بزيادة الركن ، فلأجل الشك في انطباق المأمور به على المأتي به من غير أصل مصحّح لا مناص من الإعادة ، عملاً بقاعدة الاشتغال. فلو استدلّ (قدس سره) بهذا لكان له وجه ، وإلّا فما ذكره ظاهر الضعف كما عرفت.

وقد يقال بعدم كفاية الإعادة ولزوم الجمع بينها وبين الإتمام ، رعاية للعلم الإجمالي بوجوب أحدهما ، فإنّ الركوع الثاني إن كان واقعاً في محلّه وجب الإتمام وحرم القطع ورفع اليد ، وإلّا لزمت الإعادة لبطلان الصلاة حينئذ من أجل زيادة الركن.

وفيه أوّلاً : أنّ حرمة القطع في نفسها غير ثابتة ، للتشكيك في تحقّق الإجماع التعبّدي المدّعى عليها ، والحكم مبني على الاحتياط.

وثانياً : مع التسليم فهي خاصّة بما إذا أمكن إتمام الصلاة صحيحة والاقتصار عليها في مقام الامتثال ، أمّا ما لا يمكن فليس هو مورداً للإجماع جزماً. والمقام من هذا القبيل ، لفرض عدم السبيل إلى إعمال القواعد المصحّحة المؤدّية إلى صحّة الاجتزاء بهذه الصلاة في مرحلة الامتثال ، ومعه لا يجب الإتمام قطعاً ، فلا مانع من رفع اليد والاقتصار على الإعادة.

وثالثاً : سلّمنا كل ذلك إلّا أنّ المناط في تنجيز العلم الإجمالي معارضة الأُصول ، ولا تعارض هنا بين الأصلين الجاريين في الطرفين بعد أن كان أحدهما مثبتاً للتكليف والآخر نافياً اللّذين بهما ينحل العلم الإجمالي ، فانّ

.................................................................................................


الإعادة مجرى لقاعدة الاشتغال المثبتة للتكليف ، ووجوب الإتمام المشكوك فيه مدفوع بأصالة البراءة عن حرمة القطع.

وقد يقال بصحّة الصلاة ، نظراً إلى أنّ الشك في الصحّة والفساد بعد وضوح عدم جريان قاعدة الاشتغال في الركوع كما مرّ إنّما نشأ من الشك في زيادة الركوع في الركعة الأُولى ، إذ لا سبب له ما عدا ذلك ، فاذا دفعنا احتمال الزيادة بأصالة العدم كان نتيجتها صحّة الصلاة لا محالة.

وفيه ما لا يخفى ، ضرورة أنّ قاعدة الاشتغال وإن لم تكن جارية كما تقدّم ، إلّا أنّ مجرّد الشك في وقوع الركوع في محلّه كافٍ في المنع عن المضي ، للزوم إحراز ذلك ولو بأصل تعبّدي ، ومن الضروري أنّ الأصل المزبور لا يتكفّل لإثباته إلّا على القول بحجّية الأُصول المثبتة.

فتحصّل لحدّ الآن : أنّ في المسألة أقوالاً ثلاثة : البطلان ، ولزوم الجمع بين الإعادة والإتمام ، والصحّة. وقد عرفت المناقشة في وجه كلّ ذلك.

والتحقيق هو القول الأخير ، لا للوجه المزبور المزيّف بما عرفت ، بل لوجه آخر ، وهو الاستناد إلى قاعدة الفراغ الجارية في نفس الركوع.

بيان ذلك : أنّا قد ذكرنا في محلّه (1)أنّ قاعدة الفراغ التي موضوعها الشك في الصحّة بعد العلم بأصل الوجود لا يختص جريانها بالمركّبات ، بل كما تجري في أصل الصلاة كذلك تجري في نفس الأجزاء.

فإذا علمنا بوجود الجزء وشككنا في صحّته وفساده لا مانع من الحكم بالصحّة استناداً إلى عموم قوله (عليه السلام) : «كلّ ما شككت فيه ممّا قد مضى فأمضه كما هو» (2)، إذ لا قصور في شمول الإطلاق لحال الإجزاء أيضاً


1) مصباح الأُصول 3 : 273 ، 277.

2) الوسائل 8 : 237 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 23 ح 3.

.................................................................................................


بعد أن كانت العبرة بصدق عنوان المضي والتجاوز عن الشي‌ء المتحقّق فيها كالمركّبات بمناط واحد ، ولا يعتبر في هذا الصدق عروض الشك بعد الدخول في الغير ، بل يكفي فيه مجرّد الفراغ عما يشكّ في صحّته وفساده.

وبهذا تفترق قاعدة الفراغ عن قاعدة التجاوز التي موضوعها الشك في أصل الوجود لا في صحّة الموجود بعد اشتراكهما في لزوم صدق المضي والتجاوز ، حيث إنّ الصدق المزبور بعد فرض الشك في أصل الوجود لا معنى له إلّا باعتبار المضي والتجاوز عن محلّ المشكوك فيه ، الّذي لا يتحقّق إلّا بالدخول في الجزء المترتّب عليه ، فكان هذا شرطاً في جريان قاعدة التجاوز لا محالة.

بخلاف قاعدة الفراغ ، لصدق المضي في موردها بمجرّد الانتهاء والفراغ عن العمل المشكوك صحّته وفساده كما عرفت ، من غير حاجة إلى الدخول في الغير. فلو شكّ في صحّة القراءة مثلاً قبل أن يركع بنى على الصحّة.

ثمّ إنّ الشك في صحّة الشي‌ء لا يفرّق فيه بين ما كان مستنداً إلى ذاته من حيث اشتماله على الخصوصيات المعتبرة فيه بما هو ككون القراءة في المثال فصيحة أم ملحونة ، وبين ما كان مستنداً إلى ملاحظته مع الغير ككونه واجداً للترتيب وعدمه الّذي هو أمر قائم بين الطرفين ومعتبر في الأجزاء لا في ذواتها ، بل باعتبار ملاحظتها مع الغير ومقايسة بعضها مع البعض الآخر ، فانّ كلا القسمين يشتركان في كونهما بالأخرة من موجبات الشك في الصحّة المشمول لإطلاق الدليل.

فلو شكّ وهو قائم قبل أن يركع بعد علمه بالإتيان بذات الفاتحة وذات السورة في المتقدِّم منهما والمتأخِّر وأنّ السورة هل وقعت في محلّها واتّصفت بالترتيب المعتبر في صحّتها من لزوم تأخّرها عن الفاتحة أم لا ، بنى على الصحّة بمقتضى قاعدة الفراغ التي لا يعتبر في جريانها الدخول في الغير كما مرّ.

.................................................................................................


إذا عرفت هذين الأمرين أعني جريان قاعدة الفراغ في الأجزاء ، وشمولها لما إذا كان الشك في الصحّة مستنداً إلى مراعاة الترتيب ووقوع المشكوك فيه في محلّه ظهر لك بوضوح إمكان تصحيح الصلاة في المقام بإجراء قاعدة الفراغ في الركوع.

فإنّ الصلاة الثنائية مثلاً تتألف من عدّة أجزاء ، من ركوعين وقراءتين وسجدات أربع ونحو ذلك مشروطة بمراعاة الترتيب ووقوع كلّ جزء في المحل الشرعي المقرّر له ، فيعتبر في صحّة الركوع الثاني وقوعه عقيب السجدتين من الركعة الأُولى وعقيب القراءة من الركعة الثانية ، فلو وقع قبل ذلك كان فاسداً لا محالة باعتبار عدم وقوعه في محلّه.

والمفروض فيما نحن فيه أنّ المصلّي عالم بذوات هذه الأجزاء وأنّه أتى بركوعين وقراءتين وسجدتي الركعة الأُولى ، وإنّما الشك في وقوع الركوع الثاني في محلّه ، الموجب بطبيعة الحال للشك في صحّته وفساده ، إذ لو كان قبل سجدتي الركعة الأُولى وقع فاسداً ، ولو كان بعدهما اتّصف بالصحّة ، ومقتضى قاعدة الفراغ الجارية في نفس الركوع البناء على وقوعه صحيحاً. ونتيجة ذلك التعبّد بوقوعه في الركعة الثانية.

وليس هذا من اللوازم العقلية لإجراء القاعدة ليكون من الأصل المثبت ، بل هو بعينه مفاد القاعدة ونفس مؤدّاها بالذات ، لما عرفت من أنّ الشك في صحّة الركوع في مفروض الكلام ليس إلّا من ناحية اتِّصافه بالترتيب ، وأنّه هل وقع في محلّه الشرعي الّذي هو عبارة عن كونه بعد القراءة من الركعة الثانية أم لا.

فاذا كانت الصحّة بهذا المعنى مورداً للتعبّد بمقتضى قاعدة الفراغ الدالّة على عدم الاعتناء بالشك وفرض المشكوك صحّته معلوم الصحّة ، فقد أحرزنا وقوع الركوع في محلّه المقرّر له ، وأصبحنا بمثابة العالمين بذلك ولو تعبّداً ، وقد عرفت عدم اعتبار الدخول في الغير في جريان هذه القاعدة. ومعه لا يبقى مجال

[2147] المسألة الرابعة عشرة : إذا علم بعد الفراغ من الصلاة أنّه ترك سجدتين ولكن لم يدر أنّهما من ركعة واحدة أو من ركعتين (1) وجب عليه الإعادة (1)، ولكن الأحوط قضاء السجدة مرّتين وكذا سجود السهو مرّتين أوّلاً ثمّ الإعادة ، وكذا يجب الإعادة إذا كان ذلك في أثناء الصلاة ، والأحوط إتمام الصلاة وقضاء كلّ منهما وسجود السهو مرّتين ثمّ الإعادة.


للشك في وقوع الركوع في محلّه لنحتاج إلى الإعادة بمقتضى قاعدة الاشتغال الجارية في أصل الصلاة ، لحكومة هذه القاعدة عليها.

(1) مفروض كلامه (قدس سره) ما إذا كان العلم حاصلاً بعد فوات محل السجدة الشكّي والسهوي بحيث لا يمكن معه التدارك ، كما لو حصل بعد الفراغ من الصلاة وقد تعذّر الرجوع إمّا لارتكاب المنافي أو لكون السجدتين المتروكتين ممّا عدا الركعة الأخيرة ، أو حصل في الأثناء بعد الدخول في الركن كما لو دخل في ركوع الثالثة فحصل له العلم بترك سجدتين مردّداً بين كونهما من ركعة واحدة لتبطل الصلاة ، أو من ركعتين ليجب قضاؤهما فقط على المختار ، أو بضم سجدتي السهو لكلّ منهما على المسلك المشهور من عدّ نسيان السجدة من موجبات سجود السهو.

وقد حكم الماتن (قدس سره) أوّلاً بالبطلان ، ثمّ احتاط بقضاء السجدتين قبل الإعادة.

أمّا البطلان فمستنده أصالة عدم الإتيان بسجدتي الركعة الواحدة بعد سقوط


1) (*) لا يبعد الحكم بصحّة الصلاة مطلقاً ، فمع فوات المحل الشكّي والسهوي يجب عليه قضاء السجدة مرّتين ، ومع بقاء المحل الشكّي يجب الإتيان بالمشكوك فيه فينحلّ العلم الإجمالي ، ومع بقاء المحلّ السهوي كان الحال كذلك ، ويظهر وجهه بالتأمّل.

.................................................................................................


قاعدة التجاوز الجارية فيها وفي الركعة الأُخرى بالمعارضة.

بتقريب أنّ واقع الشك في مفروض المسألة يرجع لدى التحليل إلى علمه بترك السجدة الثانية من إحدى الركعتين والإتيان بالسجدة الاولى من الركعة الأُخرى ، والشك في أنّ السجدة الأُخرى المتروكة هل هي الاولى من الركعة التي تركت سجدتها الثانية جزماً أم أنّها الثانية من الركعة الأُخرى المأتي فيها بالسجدة الاولى جزماً.

إذ بعد فرض العلم بترك سجدتين فقط من ركعتين الملازم لفرض العلم بإتيان الثنتين الباقيتين والتردّد بين كون المتروكتين من ركعة واحدة أو من ركعتين ، فإحدى السجدتين وهي الثانية من إحدى الركعتين مقطوعة العدم لا محالة ، كما أنّ سجدة واحدة وهي الاولى من الركعة الأُخرى مقطوعة الوجود. فهاتان معلومتان تفصيلاً وإن كان كلّ منهما مجهولاً من حيث كونها في الركعة الأُولى بخصوصها ، أم في الركعة الثانية كذلك.

والتي تكون مورداً للعلم الإجمالي إنّما هي السجدة الأُخرى المتروكة المردّدة بين طرفين ، وهما كونها الاولى ممّا تركت سجدتها الثانية قطعاً ليترتّب عليها البطلان ، أو الثانية ممّا اتي بسجدتها الاولى قطعاً أيضاً كي يكون قد فات من كلّ ركعة سجدتها الثانية فقط ، حتّى تترتّب عليها الصحّة وقضاء السجدتين خارج الصلاة.

وبما أنّ قاعدة التجاوز الجارية في كلّ من الطرفين لو خلّيت وطبعها وكانت وحدها ساقطة بالمعارضة ، فلا جرم تصل النوبة إلى الأصل المحكوم وهو الاستصحاب ، وحينئذ فمقتضى أصالة عدم الإتيان بالسجدة الاولى ممّا تركت فيها الثانية هو البطلان ، إذ معها نحرز ترك سجدتين من ركعة واحدة إحداهما معلومة الترك وجداناً والأُخرى تعبّداً.

.................................................................................................


كما أنّ مقتضى أصالة عدم الإتيان بالسجدة الثانية من الركعة الأُخرى المشتملة على سجدتها الأُولى التي هي طرف للعلم الإجمالي وجوب قضائها كقضاء السجدة الثانية المعلومة الترك من إحدى الركعتين.

وبعبارة اخرى : السجدة الثانية من كلّ من الركعتين بخصوصها مشكوكة فيرجع إلى أصالة العدم ، ونتيجة ذلك وجوب قضاء السجدتين الثانيتين المعلوم ترك إحداهما وجداناً والأُخرى تعبّداً.

وعلى الجملة : فبمقتضى الأصل الأوّل المترتِّب عليه البطلان تجب الإعادة وبمقتضى الأصل الثاني المترتِّب عليه الصحّة يجب قضاء السجدتين ، ومن هنا كان الأحوط الجمع بين الأمرين. هذا ما ذكره الماتن (قدس سره).

أقول : لو سلّمنا سقوط قاعدة التجاوز في المقام بالمعارضة ووصلت النوبة إلى الاستصحاب فلا موجب للحكم بالقضاء حينئذ بوجه ، إذ بعد إجراء الأصل الأوّل الّذي مقتضاه البطلان كما مرّ لا تصل النوبة إلى إعمال الأصل الثاني لإثبات القضاء الذي لا يكون مشروعاً إلّا في صلاة صحيحة. ومن المعلوم أنّ استصحاب عدم الإتيان بالثانية لا يثبت الإتيان بالأُولى حتّى يحكم بالصحّة والقضاء.

وبعبارة اخرى : القضاء حكم لترك السجدة الواحدة من كلّ ركعة بقيد أنّها واحدة ، غير المتحقّق إلّا بعد الفراغ عن إحراز السجدة الأُولى ، ومن البيِّن أنّ السجدة الاولى من كلّ ركعة بخصوصها مشكوكة وجداناً وغير محرزة بوجه لجواز ترك السجدتين معاً من ركعة واحدة ، بل هو كذلك بمقتضى الأصل الأوّل كما عرفت.

فلا يترتّب القضاء على أصالة عدم الإتيان بالسجدة الثانية إلّا إذا أثبتت الإتيان بالسجدة الاولى ، ولا نقول بحجّية الأُصول المثبتة. فلا مجال للتمسّك

.................................................................................................


بهذا الأصل لإثبات القضاء ، بل المرجع الأصل الأوّل الّذي نتيجته البطلان.

هذا كلّه بناءً على سقوط قاعدة التجاوز في المقام ووصول النوبة للرجوع إلى الاستصحاب.

والتحقيق : أنّه لا مانع من الرجوع إلى القاعدة لعدم المعارضة ، ولأجله يحكم بصحّة الصلاة وتعيّن القضاء.

بيان ذلك : أنّ من المقرّر في محلّه (1)أنّ العلم الإجمالي بنفسه لا يكون منجّزاً ، بل المناط في التنجيز معارضة الأُصول وما شابهها من القواعد الجارية في الأطراف ، وضابط المعارضة أن يلزم من الجمع المخالفة القطعية العملية ومن التخصيص بالبعض الترجيح من غير مرجّح ، فعند تحقّق الأمرين يحكم بتعارض الأُصول وتساقطها ، ونتيجة ذلك لزوم ترتيب الأثر المعلوم بالإجمال. فلا معارضة مع انتفاء أحد الأمرين بطبيعة الحال. وعليه فلو كان مرجّح لإعمال الأصل في بعض الأطراف كان هو الجاري ، ومعه لا يجري في الطرف الآخر في حدّ نفسه لا لأجل المعارضة.

ومقامنا من هذا القبيل ، فإنّ أثر نقصان السجدة في أحد طرفي العلم الإجمالي وهي السجدة الاولى من الركعة المتروكة سجدتها الثانية هو البطلان فالأثر المرغوب من إجراء القاعدة فيها هو الصحّة لا محالة ، ولا يكون إجراؤها فيها منوطاً ومتوقّفاً على أيّ شي‌ء.

وأمّا أثر النقص في الطرف الآخر وهي السجدة الثانية من الركعة الأُخرى فهو القضاء ، والأثر المرغوب من إعمال القاعدة فيها نفي وجوب القضاء.

ومن البيِّن الواضح أنّ الحكم بالقضاء نفياً أو إثباتاً متفرّع على إحراز صحّة


1) مصباح الأُصول 2 : 344.

.................................................................................................


الصلاة من سائر الجهات ، ولا يكون مترتِّباً على مجرّد ترك السجدة الثانية مطلقاً ، بل على تركها في صلاة محكومة بالصحّة من غير هذه الجهة ، أعني جهة نقصان السجدة. فلا بدّ من إحراز الصحّة في مرتبة سابقة ليكون مورداً لتعلّق الخطاب بالقضاء تارة وبعدمه أُخرى ، إذ لا قضاء في صلاة باطلة جزماً ، فلا تصل النوبة إلى إعمال قاعدة التجاوز لنفي القضاء ما لم تحرز صحّة الصلاة.

ولذا لو شكّ حال الركوع في نسيان السجدة الواحدة من الركعة السابقة وكان في عين الحال شاكّاً بين الثنتين والثلاث ، لم يكن مجال لإعمال القاعدة المزبورة لنفي وجوب القضاء بعد أن كانت الصلاة محكومة بالبطلان بمقتضى الشك المذكور.

ومن المعلوم أنّه لا سبيل إلى إحراز الصحّة في المقام إلّا بواسطة إعمال القاعدة في الطرف الآخر المترتِّب عليها نفي احتمال البطلان كما مرّ. فمن دون الإعمال في ذاك الطرف أوّلاً وإحراز الصحّة بذلك لا يمكن الإعمال في هذا الطرف.

وكلّما كانت الأُصول في أطراف العلم الإجمالي من هذا القبيل بأن كان جريانها في طرف موقوفاً على جريانها في الطرف الآخر اختصّ الجريان بالثاني ، لاشتماله على الترجيح ، ولا يجري في الأوّل لا لأجل المعارضة ، بل لعدم ترتّب الأثر عليه في حدّ نفسه. ومن المعلوم أنّه بعد إجراء الثاني لا مجال لإجراء الأوّل ، للزوم المخالفة القطعية العملية.

إذن تجري قاعدة التجاوز في المقام في الطرف الآخر من غير معارض ، لعدم جريانها في ذاك الطرف لا وحده لعدم الأثر ، ولا مع الطرف الآخر لما عرفت من لزوم المخالفة العملية ، للعلم بترك السجدتين لا أقل من ذلك.

وبعبارة اخرى : الأمر يدور بين شمول القاعدة لكلا الطرفين ، أو لخصوص

.................................................................................................


ما أثره نفي القضاء ، أو لخصوص ما أثره نفي البطلان.

لا سبيل إلى الأوّل للزوم المخالفة كما مرّ ، ولا إلى الثاني لعدم ترتّب الأثر عليه في حدّ نفسه إلّا مع الجريان في الطرف الآخر ، فيعود المحذور المزبور. فيتعيّن الثالث ، فتجري قاعدة التجاوز فيما أثره نفي البطلان بلا معارض.

وعليه فيرجع في الطرف الآخر أعني ما كان أثر النقص فيه هو القضاء إلى الاستصحاب ، ولأجله يحكم بوجوب قضاء السجدتين إحداهما معلومة الترك بالوجدان ، والأُخرى بمقتضى أصالة عدم الإتيان.

فصحّة الصلاة ثابتة بمقتضى قاعدة التجاوز الجارية في الأُولى ممّا ترك فيه الثانية السليمة عن المعارض ، ووجوب القضاء ثابت بمقتضى أصالة عدم الإتيان بالسجدة الثانية من خصوص كلّ من الركعتين. فلا يجب عليه إلّا القضاء دون الإعادة.

فالمقام نظير ما لو علم حال الركوع بترك جزء من الركعة السابقة مردّداً بين الركوع أو السجدة الواحدة ، فإنّ قاعدة التجاوز تجري في الركوع وبها تحرز الصحّة ، ولا تعارض بجريانها في السجدة لنفي القضاء ، لتوقّفه على صحّة الصلاة غير المحرزة إلّا بعد جريانها في الركوع ، ومعه يوجب المخالفة العملية بل المرجع في السجدة أصالة عدم الإتيان المترتِّب عليها وجوب القضاء ، فينحلّ العلم الإجمالي بقاعدة التجاوز والاستصحاب كما هو الحال في المقام حرفاً بحرف.

وأمّا ما تكرّر في مطاوي المسائل السابقة من وجوب الجمع في أمثال المقام بين الإتمام والإعادة عملاً بالعلم الإجمالي فقد مرّ جوابه غير مرّة من عدم ترتّب أثر على مثل هذا العلم.

على أنّه مع قطع النظر عمّا مرّ فهو منحلّ في المقام بقاعدة التجاوز النافية

.................................................................................................


للإعادة ، وبالاستصحاب المتكفّل لوجوب الإتمام والقضاء كما عرفت بما لا مزيد عليه.

هذا كلّه فيما إذا حصل العلم بعد امتناع التدارك لفوات المحل مطلقاً ، الّذي عرفت أنّه الظاهر من مفروض كلام الماتن (قدس سره).

وأمّا إذا أمكن التدارك لبقاء المحل فهو على قسمين :

أحدهما : أن يكون الباقي هو المحل الشكّي بأن لم يدخل بعد في الجزء المترتِّب.

ثانيهما : أن يكون هو المحل السهوي بأن تجاوز عن محل الشك ولم يدخل بعد في الركن الّذي هو حدّ متوسّط بين الأوّل وبين الصورة السابقة.

أمّا في القسم الأوّل : كما لو كان جالساً ولم يدخل بعد في التشهّد وعلم حينئذ بعدم الإتيان بسجدتين مردّدتين بين كونهما معاً من هذه الركعة أو من الركعة السابقة أو بالتفريق ، فحيث إنّه شاك في الإتيان بسجدتي هذه الركعة والمحل باق فيجب عليه الإتيان بهما بمقتضى قاعدة الاشتغال ، وبالنسبة إلى الركعة السابقة تجري قاعدة التجاوز بلا معارض ، فينحلّ العلم الإجمالي بالأصل المثبت والنافي.

وببيان آخر : أنّه يقطع بأنّ السجدة الثانية من هذه الركعة لم تقع على وفق أمرها جزماً ، إمّا لعدم الإتيان أو للبطلان لو كانت المتروكتان كلتاهما من الركعة السابقة ، فيجب الإتيان بها بمقتضى هذا العلم ، وكذا بالأُولى بمقتضى قاعدة الشك في المحل بعد أن لم يكن داخلاً في الجزء المترتّب ، فتجري قاعدة التجاوز بالإضافة إلى سجدتي الركعة السابقة سليمة عن المعارض ، التي نتيجتها نفي كلّ من احتمالي البطلان والقضاء كما لا يخفى. وبذلك ينحل العلم الإجمالي.

.................................................................................................


وأمّا في القسم الثاني : كما لو كان داخلاً في التشهّد في المثال المزبور أو داخلاً في قيام الركعة الثالثة فعلم حينئذ بترك سجدتين مردّداً بين كونهما معاً من الركعة التي قام عنها ليجب الرجوع والتدارك ، أو من الركعة السابقة لتبطل الصلاة ، أو بالتفريق ليرجع ويقضي الأُخرى ، فربّما يتوهّم حينئذ جريان قاعدة التجاوز باعتبار الدخول في الجزء المترتِّب ، فيجري فيه ما قدّمناه في الصورة السابقة أعني ما لا يمكن فيه التدارك.

ولكنّه توهّم فاسد ، للقطع بأنّ هذا القيام أو ذاك التشهّد لم يكن جزءاً صلاتياً ، وذلك للجزم بأنّ السجدة الثانية من الركعة التي قام عنها أو هو فيها لم تقع على وفق أمرها ، إمّا للبطلان أو لعدم الإتيان بها ، فلم يكن القيام المزبور قياماً صلاتياً ليكون الشك عارضاً بعد الدخول في الجزء المترتِّب ، فلا مناص من الهدم ، ومعه يكون الشك في السجدة الثانية من الشك في المحل ، بل هو كذلك حتّى قبل الهدم باعتبار الجزم بزيادة القيام ووقوعه في غير محلّه من حين وقوعه كما عرفت.

فيجري عليه حينئذ حكم القسم الأوّل من وجوب الإتيان بالسجدة الثانية لما ذكر من الجزم بعدم وقوعها على وفق الأمر ، وكذا بالسجدة الأُولى بمقتضى قاعدة الاشتغال بعد كون الشك بالإضافة إليها أيضاً من الشك في المحل ، لعدم الدخول في الجزء المترتِّب. وبالنسبة إلى الركعة السابقة تجري قاعدة التجاوز الرافعة لاحتمال البطلان كالقضاء من غير معارض.

وبذلك أي بالأصل النافي والمثبت ينحل العلم الإجمالي كما بيّناه. فحكم هذا القسم حكم القسم السابق ، بل هو هو حقيقة وإن اختلف معه صورة.

هذا فيما إذا حصل العلم المزبور بعد الدخول في التشهّد أو في القيام من الركعة الثالثة ، وقد عرفت عدم جريان قاعدة التجاوز حينئذ ، للجزم بعدم

.................................................................................................


الدخول في الجزء المترتِّب.

وأمّا لو كان حاصلاً بعد الدخول في قيام الركعة الرابعة فعلم حينئذ بترك سجدتين مردّدة بين كونهما معاً من الركعة التي قام عنها أو من إحدى الركعتين السابقتين أو بالاختلاف ، فحيث إنّ الجزم المزبور غير حاصل هنا ، لجواز كون القيام الّذي بيده جزءاً صلاتياً واقعاً في محلّه ومصداقاً للمأمور به ، لاحتمال كون المتروكتين السجدة الثانية من الركعتين السابقتين ، فقاعدة التجاوز بالإضافة إلى سجدتي ما قام عنها لا مانع من جريانها من هذه الناحية ، إلّا أنّها غير جارية في حدّ نفسها لا فيها ولا في السجدة الثانية من الركعتين السابقتين.

لأنّ أثر النقص في الأوّل الرجوع والتدارك ، وفي الثاني قضاء السجدتين وكلاهما متفرِّع على صحّة الصلاة ، إذ لا رجوع كما لا قضاء في الصلاة الباطلة. وحيث إنّ الصحّة غير محرزة لجواز ترك السجدتين معاً من إحدى الركعتين السابقتين ، فلا تجري القاعدة في شي‌ء منهما. وإنّما تجري فيما أثر نقصه البطلان وهما السجدتان من كلّ من الركعتين السابقتين اللّتين هما طرفا العلم الإجمالي فتجري قاعدة التجاوز في كلّ منهما سليمة عن المعارض حسبما فصّلنا القول حول ذلك في الصورة السابقة ، وبذلك تحرز صحّة الصلاة.

وعليه فالمرجع في الاحتمالين المزبورين اللّذين هما طرف للعلم ، أعني ترك السجدتين من الركعة التي قام عنها ، أو من الركعتين السابقتين بالتفريق إنّما هو الاستصحاب بعد سقوط الدليل الحاكم ، أعني قاعدة التجاوز وعدم جريانها في شي‌ء منهما كما عرفت.

ونتيجة ذلك الرجوع وتدارك السجدتين من تلك الركعة ، وقضاء السجدتين من الركعتين السابقتين عملاً بالاستصحابين ، فيأتي بسجدات أربع ، ثنتاها في

.................................................................................................


الركعة التي قام عنها ، وثنتاها خارج الصلاة. ولا منافاة بين ذلك وبين العلم بعدم ترك أكثر من سجدتين بعد أن لم يكن مستلزماً للمخالفة القطعية العملية للمعلوم بالإجمال.

وعلى الجملة : فصحّة الصلاة ثابتة بقاعدة التجاوز ، والرجوع والقضاء ثابتان بمقتضى الاستصحاب.

وقد يقال بامتناع التصحيح ولزوم الإعادة ، نظراً إلى أنّه بعد الرجوع وتدارك السجدتين يتولّد له علم إجمالي إمّا ببطلان الصلاة أو بوجوب سجدتي السهو للقيام الزائد.

فإنّ السجدتين المتروكتين إن كانتا من الركعتين السابقتين فإتيانه للسجدتين في هذه الركعة موجب لزيادة الركن ، لاشتمالها حينئذ على سجدات أربع الموجبة للبطلان ، وإن كانتا من هذه الركعة التي قام عنها فالقيام الصادر منه كان واقعاً في غير محلّه لا محالة فيجب سجود السهو لزيادته. فرعاية للعلم الإجمالي المزبور يجب الجمع بين الأمرين ، فلا يمكن التصحيح بالرجوع.

وفيه : أنّ القيام وإن قلنا بوجوب سجود السهو في زيادته من باب الاحتياط إلّا أنّه لا أثر لهذا العلم الإجمالي ، فإنّ هذه الصلاة محكومة بالصحّة بمقتضى قاعدة التجاوز الرافعة لاحتمال البطلان والاستصحاب الحاكم بعدم الإتيان بالسجدتين في الركعة التي قام عنها. فهو مأمور بتدارك السجدتين في مرحلة الظاهر وبتعبّد من الشارع ، ومعه لا يعتنى باحتمال زيادة الركن في هذه الركعة واقعاً بعد أن كانت بإذن من الشرع وترخيصه بمقتضى العمل بدليل الاستصحاب.

وأمّا زيادة القيام في صلاة صحيحة التي هي موضوع لوجوب سجود السهو حسب الفرض فهي متحقِّقة في المقام بضمّ الوجدان إلى الأصل ، فإنّ

.................................................................................................


عنوان الزيادة فيما عدا الركوع والسجود متقوّم بالإتيان بالشي‌ء بقصد الجزئية ولم يقع جزءاً لعدم الأمر به شرعاً.

والأوّل : متحقِّق بالوجدان ، لفرض الإتيان بالقيام بهذا العنوان ، أي بقصد كونه جزءاً من الصلاة ، لفرض غفلته عن السجدتين حينما قام.

والثاني : أعني عدم وقوعه جزءاً محرز بالتعبّد الاستصحابي الدال على عدم الإتيان بسجدتي هذه الركعة الّذي نتيجته عدم تعلّق الأمر بالقيام ، وعدم وقوعه في محلّه.

ولا نعني بالزيادة الموجبة لسجود السهو إلّا هذا ، أي الإتيان بعنوان الجزئية ولم يكن جزءاً في صلاة محكومة بالصحّة ، سواء أكانت الصحّة واقعية أم ظاهرية ، لعدم الفرق في ذلك من هذه الجهة بالضرورة. وقد عرفت إحراز كلا الجزأين في المقام بضمّ الوجدان إلى الأصل. ونتيجة ذلك وجوب سجود السهو لتحقّق موجبه وإحراز موضوعه على النحو المزبور.

وعلى الجملة : فبعد كونه مأموراً بالإتيان بالسجدتين لكونه محكوماً بعدم الإتيان بهما قبل ذلك بمقتضى الاستصحاب ، فالقيام الواقع قبلهما موصوف بالزيادة أثناء الصلاة وجداناً ، فيجب من أجله سجود السهو بطبيعة الحال. فصحّة الصلاة ثابتة بأصالة عدم زيادة الركن أي عدم الإتيان بالسجدتين من ذي قبل فلا حاجة إلى الإعادة ، ووجوب سجود السهو ثابت بضمّ الوجدان إلى الأصل ، ومعه لا أثر للعلم الإجمالي ، لانحلاله بالأصل النافي والمثبت حسبما عرفت.

والمتحصل من جميع ما قدّمناه : أنّ صور هذه المسألة ثلاث : حصول العلم بعد فوات محل التدارك مطلقاً ، وحصوله مع بقاء المحل الشكّي ، وحصوله مع بقاء المحل السهوي. والصلاة محكومة بالصحّة في جميع الصور الثلاث ، غير أنّه

[2148] المسألة الخامسة عشرة : إن علم بعد ما دخل في السجدة الثانية مثلاً أنّه إمّا ترك القراءة أو الركوع أو أنّه إمّا ترك سجدة من الركعة السابقة أو ركوع هذه الركعة (1) وجب عليه الإعادة (1)، لكن الأحوط هنا أيضاً إتمام الصلاة وسجدتا السهو في الفرض الأوّل ، وقضاء السجدة مع سجدتي السهو في الفرض الثاني ثمّ الإعادة ، ولو كان ذلك بعد الفراغ من الصلاة فكذلك.


يجب قضاء السجدتين في الصورة الأُولى ، والإتيان بهما في المحل في الصورة الثانية ، بل الثالثة أيضاً حسب التفصيل الّذي قدّمناه.

(1) بأن كان أحد طرفي العلم الإجمالي الحاصل بعد الدخول في السجدة الثانية من الركعة الثانية مثلاً ترك الركن ، وهو الركوع من هذه الركعة ، والطرف الآخر ترك جزء غير ركني ، وهو تارة يكون ممّا أثر تركه القضاء كالسجدة الواحدة من الركعة السابقة ، وأُخرى يكون أثره سجود السهو كالقراءة بناءً على وجوبه لكلّ زيادة ونقيصة ، ومن هنا مثّل له الماتن (قدس سره) بمثالين فنقول :

لا ريب في عدم جواز الرجوع حينئذ لتدارك المنسي بعد فرض كونه داخلاً في الركن وهو السجدة الثانية ، فإنّ ذلك لم يكن جائزاً حتّى مع العلم التفصيلي فضلاً عن الإجمالي ، وهو واضح.

وأمّا بلحاظ الأثر المترتِّب عليه من البطلان تارة والقضاء أو سجود السهو


1) (*) لا يبعد عدم وجوبها واختصاص الشك في الركوع بجريان قاعدة التجاوز فيه فيحكم بعدم الإتيان بالقراءة أو بالسجدة من الركعة السابقة ، وبه يظهر الحال فيما إذا كان الشك بعد الفراغ.

.................................................................................................


اخرى فقد ذكر في المتن أنّه لا بدّ من الإعادة ، وإن كان الأحوط ضمّ القضاء أو سجود السهو قبل ذلك ، نظراً إلى سقوط قاعدتي التجاوز الجاريتين في الطرفين بالمعارضة ، فتجب الإعادة حينئذ بأحد تقريبين :

إمّا بأن يقال : إنّه يعلم إجمالاً إمّا بوجوب الإعادة لو كان المتروك هو الركوع ، أو بوجوب القضاء أو سجود السهو لو كان هو السجدة أو القراءة فلا بدّ من الجمع بينهما عملاً بالعلم الإجمالي ، ولكن حيث إنّه ينحل بالأصل المثبت والنافي لكون الأوّل مجرى لقاعدة الاشتغال ، والثاني مورداً لأصالة البراءة ، فلا تجب عليه إلّا الإعادة ، وإن كان الأحوط ضمّ الآخرين رعاية للاحتمال الآخر.

أو يقال : إنّ المرجع بعد فرض سقوط القاعدة بالمعارضة كما مرّ أصالة عدم الإتيان بالركوع المقتضية للإعادة بعد ما عرفت من عدم إمكان التدارك ، ولا تعارض بأصالة عدم الإتيان بالسجدة الواحدة أو بالقراءة بعد فرض عدم لزوم المخالفة القطعية العملية من جريانهما التي هي مناط المعارضة ، بل لا مجال لإعمال الثاني بعد إعمال الأصل الأوّل الموجب للبطلان ، فإنّ أثر الثاني القضاء أو سجود السهو غير الثابتين إلّا في صلاة محكومة بالصحّة ، والمفروض هنا بطلانها بمقتضى الأصل الأوّل كما عرفت.

أقول : كلا التقريبين مبنيان على جريان قاعدة التجاوز في الطرفين وسقوطهما بالمعارضة كما ذكرناه.

ولكن التحقيق عدم المعارضة على ضوء ما بيّناه في المسألة السابقة ، حيث عرفت ثمة أنّ أثر النقص في أحد طرفي العلم الإجمالي لو كان هو البطلان ، وفي الطرف الآخر شي‌ء آخر من القضاء أو سجود السهو ونحو ذلك ممّا هو متفرّع على صحّة الصلاة اختصّ الأوّل بجريان الأصل وما يشبهه من القواعد المصحّحة ، ولا يكاد يجري في الثاني ، نظراً إلى أنّ المناط في تنجيز العلم

.................................................................................................


الإجمالي تعارض الأُصول وما ضاهاها الجارية في الأطراف.

والضابط في المعارضة لزوم المخالفة العملية من الجمع بينها والترجيح من غير مرجّح من التخصيص بالبعض. فلا تعارض لدى انتفاء أحد الأمرين.

وهذا الضابط غير منطبق على المقام ونحوه ممّا كان طرفا العلم من قبيل ما عرفت ، لانتفاء الأمر الثاني وهو الترجيح من غير مرجّح ، لوجود المرجّح.

حيث إنّ قاعدة التجاوز في الطرف الّذي أثر نقصه البطلان تجري من غير توقّفه على شي‌ء ، وأمّا في الطرف الآخر الّذي أثر نقصه القضاء مثلاً فهو موقوف على إحراز الصحّة ، وبدونه لا يترتّب أثر على القاعدة بوجه. ولا سبيل إلى الإحراز إلّا بعد الأجراء في ذاك الطرف الّذي يندفع معه البطلان فيكون الترجيح معه ، وبعدئذ لا تجري في هذا الطرف للزوم المخالفة العملية.

فالقاعدة لا تجري في هذا الطرف لا وحده لعدم الأثر ، ولا منضمّاً للزوم المخالفة ، فيختص جريانها بالأوّل لا محالة ، فيكون سليماً عن المعارض.

وعليه ففي المقام يرجع إلى قاعدة التجاوز في الركوع من غير معارض وبها تحرز صحّة الصلاة فلا حاجة إلى الإعادة ، وأمّا في السجود أو القراءة فالمرجع أصالة عدم الإتيان ، ونتيجته القضاء في الأوّل وسجود السهو في الثاني. فصحّة الصلاة تثبت بقاعدة التجاوز ، والقضاء أو سجدة السهو بمقتضى الاستصحاب ، وبذلك ينحل العلم الإجمالي.

هذا كلّه فيما إذا حصل العلم الإجمالي بعد الدخول في السجدة الثانية الّذي هو مفروض كلام الماتن (قدس سره).

ولم يتعرّض (قدس سره) لما إذا حصل بعد الدخول في السجدة الأُولى ، ولا بأس بالإشارة إلى حكمه فنقول :

إذا بنينا على فوات محل التدارك بمجرّد الدخول في السجدة الأُولى كما لعلّه

.................................................................................................


المشهور ، نظراً إلى أنّه محقّق للدخول في الركن كان حكمه حينئذ حكم الدخول في السجدة الثانية ، فيجري فيه ما مرّ.

وأمّا إذا بنينا على بقاء المحل وجواز الرجوع لتدارك المنسي كما هو الصحيح فربما يتوهّم أنّ قاعدة التجاوز جارية حينئذ في كل من الطرفين في حدّ نفسها لفرض صحّة الصلاة على التقديرين بعد إمكان العود والتدارك ، لبقاء المحل الذكري للركوع ، ولازمه بعد تساقط القاعدتين بالمعارضة الرجوع إلى الاستصحابين ، فيرجع ويأتي بالسجدة الواحدة أو القراءة ثمّ يركع استناداً إلى أصالة عدم الإتيان الجارية في كلّ منهما من غير تعارض ، لعدم استلزام المخالفة العملية.

وأمّا العلم الإجمالي المتولّد بعد الرجوع المتعلِّق بالبطلان على تقدير زيادة الركوع أو سجود السهو على تقدير زيادة السجدة الواحدة أو القراءة فقد مرّ الجواب عنه في ذيل المسألة السابقة فلاحظ.

ولكن التحقيق عدم المعارضة ، فلا تجري القاعدة إلّا في الركوع دون غيره من القراءة أو السجود ، لعدم ترتّب الأثر فيهما ، للقطع بعدم الحاجة إلى العود وعدم موضوع للتدارك ، فلا يحتمل بقاء الأمر بهما لنحتاج إلى المؤمّن ، فنتمسّك بالقاعدة.

لأنّه إن كان قد أتى بهما فقد سقط أمرهما ، وإن كان قد أتى بالركوع فقد فات محل التدارك بالدخول في الركن. فالأمر بالعود والرجوع ساقط جزماً فلا شك من ناحيته ليكون مورداً لجريان قاعدة التجاوز ، بل المرجع فيهما أصالة عدم الإتيان. فتجري القاعدة في الركوع المحتمل بقاء أمره من غير معارض ، ونتيجة ذلك الحكم بصحّة الصلاة استناداً إلى القاعدة ، وبوجوب القضاء أو سجود السهو عملاً بالاستصحاب.

.................................................................................................


نعم ، قد يقال بأنّ القاعدة وإن لم تكن جارية في القراءة والسجدة بلحاظ أثرهما الداخلي وهو العود والرجوع كما ذكر إلّا أنّها تجري فيهما بلحاظ الأثر الخارجي وهو القضاء أو سجود السهو فتنفيهما وتكون مؤمّنة عنهما ، وبما أنّها جارية في الركوع أيضاً فتسقطان بالمعارضة.

ويندفع : بامتناع الجريان فيهما حتّى بلحاظ هذا الأثر ، إذ يلزم من فرض الجريان عدمه ، فإنّ الأثر المرغوب منه إنّما هو التأمين من ناحية القضاء أو سجود السهو حسب الفرض ، فلا بدّ وأن يكون هذا الأثر مشكوكاً فيه لنحتاج إلى المؤمّن ويتحقّق معه موضوع التمسّك بالقاعدة ، مع أنّه يلزم من جريانها انتفاء الشك وحصول القطع الوجداني بعدم الحاجة إلى القضاء أو سجدتي السهو.

فإنّ القاعدة لا تجري حينئذ في الركوع بالضرورة ، للزوم المخالفة العملية ، بل المرجع فيه أصالة العدم ، فيجب الرجوع لتدارك الركوع بطبيعة الحال ، وبعد ما ركع يقطع بعدم الحاجة إليهما وأنّه مأمون من ناحيتهما.

فانّ المتروك إن كان هو الركوع فقد أتى بالقراءة أو السجدة فلا موضوع للأثر المزبور ، وإن كان غيره فحيث إنّه أتى بالركوع ثانياً بمقتضى الاستصحاب فقد بطلت الصلاة لزيادة الركن ، ولا قضاء كما لا سجود للسهو في الصلاة الباطلة ، فيقطع بعدم الحاجة إليهما على التقديرين كما ذكرناه. فتلغو فائدة الجريان ، بل يلزم من وجوده العدم كما مرّ.

وعلى الجملة : فلا تجري القاعدة فيهما وفي الركوع للزوم المخالفة ، ولا فيهما فقط للقطع بعدم الأثر بعد كون الركوع حينئذ مورداً لأصالة العدم. فالقاعدة التي شرعت بمناط المؤمّنية غير جارية في أمثال المقام ممّا يقطع بعدم ترتيب الأثر المرغوب على الجريان.

[2149] المسألة السادسة عشرة : لو علم بعد الدخول في القنوت قبل أن يدخل في الركوع أنّه إمّا ترك سجدتين من الركعة السابقة أو ترك القراءة (1) وجب عليه العود لتداركهما والإتمام ثمّ الإعادة. ويحتمل الاكتفاء بالإتيان بالقراءة (1)والإتمام من غير لزوم الإعادة إذا كان ذلك بعد الإتيان بالقنوت ، بدعوى أنّ وجوب القراءة عليه معلوم ، لأنّه إمّا تركها أو ترك


فلا تجري القاعدة في القراءة أو السجدة الواحدة لا بلحاظ الأثر الداخلي ولا الخارجي ، فيكون جريانها في الركوع الّذي نتيجته المضي وعدم العود سليماً عن المعارض ، فيرجع فيهما إلى أصالة العدم ، ويحكم بمقتضاها بوجوب القضاء أو سجود السهو.

(1) أي تركها من الركعة التي بيده ، من غير فرق بين كونه متلبّساً بالقنوت أو فارغاً عنه قبل أن يركع. وقد حكم الماتن (قدس سره) أوّلاً بوجوب العود فيرجع ويأتي بالسجدتين والقراءة ويتم ثمّ يعيد الصلاة.

أمّا العود فلكونه مقتضى أصالة عدم الإتيان بشي‌ء منهما بعد سقوط قاعدة التجاوز الجارية في الطرفين بالمعارضة ، بناءً على مسلكه (قدس سره) من صدق التجاوز عن محلّ القراءة بالدخول في القنوت.

وأمّا الإعادة فلأنه يتولّد من العود والتدارك العلم الإجمالي إمّا بوجوب الإعادة لأجل زيادة السجدتين ، أو بوجوب سجود السهو لزيادة القيام


1) (*) هذا الاحتمال هو الأظهر ، لا لأنّ الشك في السجدتين بعد الدخول في القنوت شك بعد التجاور. فانّ القنوت المأتي به خارج عن أجزاء الصلاة يقيناً فلا يتحقّق به التجاوز عن المحلّ ، بل لأنّ الشك في القراءة شك في المحلّ ، والشك في السجدتين بعد القيام شك بعد التجاوز ، فينحل العلم الإجمالي لا محالة.

السجدتين ، فعلى التقديرين يجب الإتيان بها ، ويكون الشك بالنسبة إلى السجدتين بعد الدخول في الغير الّذي هو القنوت ، وأمّا إذا كان قبل الدخول في القنوت فيكفي الإتيان بالقراءة ، لأنّ الشك فيها في محلّها وبالنسبة إلى السجدتين بعد التجاوز ، وكذا الحال لو علم بعد القيام (1)إلى الثالثة أنّه إمّا ترك السجدتين أو التشهّد أو ترك سجدة واحدة أو التشهّد وأمّا لو كان قبل القيام فيتعيّن الإتيان بهما مع الاحتياط بالإعادة.


والقراءة ، للقطع بحصول إحدى الزيادتين المانع من الرجوع إلى أصالة عدم الزيادة ، ولكن حيث إنّه ينحل بالأصل المثبت والنافي ، لكون الإعادة مجرى لقاعدة الاشتغال ، ووجوب سجدتي السهو مورداً لأصالة البراءة ، فلا تجب عليه إلّا الإعادة.

واحتمل (قدس سره) ثانياً الاكتفاء بالإتيان بالقراءة والإتمام من غير لزوم الإعادة ، نظراً إلى القطع بوجوبها وعدم سقوط أمرها ، لأنّه إمّا تركها أو لم يأت بها في محلّها لوقوعها قبل الإتيان بالسجدتين ، فليس وجوبها مشكوكاً فيه ليكون مورداً لقاعدة التجاوز ، بل هو معلوم ، ولا مناص من الإتيان بها.

وعليه فتكون قاعدة التجاوز الجارية في السجدتين اللّتين قد تجاوز عن محلّهما بالدخول في الغير الّذي هو القنوت سليماً عن المعارض ، فينحل العلم


1) (*) ليس الحال كما ذكره ، فإنّه مع العلم بترك السجدتين أو التشهّد أو العلم بترك سجدة واحدة أو التشهّد حال القيام يعلم بزيادة القيام وأنّه خارج من أجزاء الصلاة فلا يتحقّق به التجاوز عن المحلّ ، وبما أنّ التشهّد المأمور به لم يؤت به فلا بدّ من الرجوع والإتيان بالسجدة المشكوك فيها ثمّ التشهّد والإتيان بسجدتي السهو للقيام الزائد على القول به ، وبما ذكرناه يظهر الحال فيما إذا كان العلم المزبور قبل الدخول في القيام.

.................................................................................................


الإجمالي المتعلِّق بوجوب السجدتين أو القراءة بالأصل النافي والعلم الوجداني. فلا أثر للدخول في القنوت من هذه الجهة ، بل يتّحد بحسب النتيجة مع ما لو حصل العلم قبل الدخول فيه ، الّذي هو منحل حينئذ بلا إشكال بالأصل المثبت وهي قاعدة الاشتغال الجارية في القراءة لكون الشك فيها في محلّها والأصل النافي وهي قاعدة التجاوز الجارية في السجدتين للتجاوز عن محلّهما بالدخول في القيام.

ثمّ ذكر (قدس سره) أخيراً أنّ الحال كذلك فيما لو علم بعد القيام إلى الثالثة أنّه إمّا ترك السجدتين أو التشهّد أو ترك سجدة واحدة أو التشهّد ، فجعل هذا الفرع نظيراً للمقام. هذا حاصل ما أفاده (قدس سره) في هذه المسألة.

أقول : أمّا ما أفاده (قدس سره) أوّلاً من وجوب العود والإتمام ثمّ الإعادة فليت شعري ما هو الموجب للإتمام بعد البناء على عدم جريان الأُصول المفرّغة وعدم إمكان تصحيح الصلاة بوجه ، ولأجله حكم (قدس سره) بلزوم الإعادة.

إذ بعد تسليم البناء المزبور لا مقتضي لوجوب العود والإتمام عدا ما يتوهّم من التفصّي عن شبهة حرمة القطع. وهو كما ترى ، ضرورة أنّ الحرمة على تقدير تسليمها استناداً إلى قيام الإجماع عليها فهي خاصّة بما إذا أمكن إتمام الصلاة صحيحة والاقتصار عليها في مقام الامتثال ، أمّا فيما لا يمكن كما هو المفروض فيما نحن فيه فليس هو مورداً للإجماع جزماً. فلا يجب فيه الإتمام ، ولا يحرم القطع.

وعلى الجملة : فاللّازم على هذا المبنى جواز رفع اليد والاقتصار على الإعادة. فلا وجه لضمّ الإتمام معها.

وأمّا ما أفاده (قدس سره) ثانياً فلو سلّمنا أنّ الدخول في القنوت محقّق

.................................................................................................


للدخول في الغير ، المعتبر في جريان قاعدة التجاوز مع أنّه ممنوع كما حقّقناه في محلّه (1)فلا نسلِّمه في خصوص المقام ، للقطع بعدم وقوعه في محلّه ، المستلزم لعدم كونه من القنوت الصلاتي في شي‌ء ، لأنّه إمّا واقع قبل القراءة ، أو قبل السجدتين والقراءة باعتبار لغوية القراءة المأتي بها الواقعة في غير محلّها.

فهذا القنوت وجوده وعدمه سيّان ، بعد الجزم بعدم كونه مصداقاً للمأمور به ، ومثله لا يكون محقّقاً للدخول في الغير بتاتاً ، فلا وجه لجعله محقّقاً له في جريان قاعدة التجاوز بالنسبة إلى السجدتين كما صنعه (قدس سره) بل الغير الّذي تجري القاعدة فيهما بلحاظه إنّما هو القيام الّذي هو الجزء المترتِّب ، دون القنوت المقطوع عدم وقوعه في محلّه كما عرفت.

ومنه تعرف وجوب الإتيان بالقراءة وعدم كونها مورداً للقاعدة ، لا للوجه الّذي ذكره (قدس سره) من العلم ببقاء الوجوب ، فإنّه لا حاجة إليه ، بل لأنّ مجرّد الشك كافٍ في الوجوب بمقتضى قاعدة الاشتغال ، لكونه من الشك في المحل بعد ما عرفت من لغوية القنوت وعدم كونه محقّقاً للتجاوز.

فلا فرق إذن بين عروض العلم الإجمالي قبل الدخول في القنوت أو بعده في انحلاله في كلتا الصورتين بمناط واحد ، وهو الأصل النافي والمثبت ، لكون السجدتين مورداً لقاعدة التجاوز والقراءة مجرى لأصالة الاشتغال ، من غير فرق بينهما بوجه.

وعلى الجملة : فالاحتمال المذكور في المتن من الاكتفاء بالقراءة والإتمام من غير الإعادة هو المتعيّن ، لكن لا للوجه الّذي ذكره من أنّ الشك في السجدتين بعد الدخول في القنوت شك بعد التجاوز ، لما عرفت من خروج القنوت المأتي به عن أجزاء الصلاة يقيناً ، فكيف يتحقّق به التجاوز عن المحل ، بل لأنّ الشك


1) شرح العروة 18 : 134 ، مصباح الأُصول 3 : 300.

.................................................................................................


في القراءة شك في المحل ، وفي السجدتين بعد الدخول في القيام شك بعد التجاوز وبذلك ينحل العلم الإجمالي.

وأمّا ما ذكره (قدس سره) أخيراً من تنظير الفرعين بالمقام فظاهر قوله : وكذا الحال ... إلخ أنّه يجري فيهما جميع ما مرّ من الإتمام والإعادة الّذي اختاره أوّلاً ، والاكتفاء بالقراءة الّذي احتمله ثانياً. فيكتفى هنا بالتشهّد من غير حاجة إلى الإعادة.

ولكن الأمر ليس كذلك ، لوضوح الفرق بين المقامين :

أمّا في الفرع الأوّل : وهو ما لو علم بعد القيام بترك سجدتين أو التشهّد فلأنّ ما تقدّم في الفرض السابق من الاكتفاء بالقراءة كان مبنياً على جريان قاعدة التجاوز في السجدتين من غير معارض ، لكون الشك فيهما بعد القيام شكّاً بعد التجاوز ، وأمّا القراءة فيجب الإتيان بها إمّا للعلم بوجوبها كما أفاده (قدس سره) ، أو لقاعدة الشك في المحل بعد لغويّة القنوت كما ذكرنا ، أو لعدم جريان قاعدة التجاوز في القراءة في حدّ نفسها لتوقّفه على الجريان في السجدتين لكي تحرز الصحّة ولا عكس ، لما ذكرناه غير مرّة من أنّه كلّما توقّف جريان الأصل المفرّغ في أحد طرفي العلم الإجمالي على جريانه في الطرف الآخر ، اختصّ الثاني بالجريان.

وكيف ما كان ، فلا تجري القاعدة في القراءة لأحد الوجوه الثلاثة ، فيكون جريانها في السجدتين سليماً عن المعارض كما عرفت.

وأمّا في المقام فلا تجري قاعدة التجاوز حتّى في السجدتين ، ولا مسرح لها في شي‌ء من الطرفين ، لعدم الدخول في الجزء المترتِّب ، نظراً إلى القطع بأنّ القيام الّذي بيده واقع في غير محلّه ، وأنّه ليس من القيام الصلاتي جزماً لوقوعه إمّا قبل التشهّد أو قبل السجدتين ، فوجوده كالعدم لعدم كونه من الجزء المترتِّب

.................................................................................................


بالضرورة ، فيهدم ويرجع إلى حال الجلوس ، فيكون الشك حينئذ بالإضافة إلى كلّ من الطرفين أعني التشهّد والسجدتين من الشك في المحل ، فيجب الإتيان بهما بمقتضى قاعدة الاشتغال.

بل الأوّل معلوم الوجوب على أيّ حال ، إمّا لعدم إتيانه أو لوقوعه في غير محلّه ، فيجب الإتيان بالثاني أيضاً لكون الشك قبل تجاوز المحل ، وبعد ما اتي بهما معاً عملاً بأصالة العدم يعلم إجمالاً بحصول إحدى الزيادتين من التشهّد أو السجدتين.

فيتولّد من ذلك العلم الإجمالي إمّا بوجوب الإعادة لو كان الزائد السجدتين ، أو بوجوب سجود السهو لو كان هو التشهّد بناءً على وجوبه لكلّ زيادة ونقيصة.

ومعلوم أنّ أصالة عدم الزيادة في كلّ من الطرفين معارض بالآخر بعد كون كلّ منهما مورداً للأثر ، ومقتضى العلم الإجمالي المزبور الجمع بين الأمرين وترتيب كلا الأثرين ، إلّا أنّه من أجل انحلاله بالأصل المثبت والنافي لكون الإعادة مجرى لقاعدة الاشتغال وسجود السهو مورداً لأصالة البراءة لم يجب عليه إلّا الأوّل ، فلا حاجة إلى الإتمام والإتيان بسجود السهو. وقد ذكرنا غير مرّة أنّ دليل حرمة القطع على تقدير تسليمه غير شامل لأمثال المقام ممّا لا يمكن الاقتصار عليه في مرحلة الامتثال.

وعلى الجملة : ففي هذا الفرع لا يمكن تصحيح الصلاة بوجه ، لعدم وجود جزء مترتِّب كي تجري قاعدة التجاوز في السجدتين بلحاظ الدخول فيه بخلاف الفرض السابق ، فإنّه كان موجوداً فيه وهو القيام ، وبذلك يفترق أحدهما عن الآخر. فالاحتمال الثاني الّذي ذكره الماتن هناك وكان هو الأظهر عندنا كما مرّ لا مسرح له في المقام بتاتاً ، ولا مناص هنا من الحكم بالإعادة

.................................................................................................


كما عرفت.

إلّا أنّها مبنية على القول بوجوب سجود السهو لكلّ زيادة ونقيصة كي يتشكّل العلم الإجمالي إمّا بوجوب الإعادة لزيادة السجدتين ، أو بوجوب سجود السهو لزيادة التشهّد كما قرّرناه.

وأمّا بناءً على إنكاره كما هو الصحيح فالعلم الإجمالي بحصول إحدى الزيادتين بعد الرجوع والتدارك وإن كان محقّقاً بالضرورة إلّا أنّه لا يكون منجّزاً ، لعدم ترتّب الأثر حينئذ على المعلوم بالإجمال على كلّ تقدير ، المعتبر في التنجيز ، وإنّما يرتّب على تقدير كون الزائد هو السجدتين دون التشهّد ، فليس في البين عدا احتمال زيادة السجدتين المدفوعة بأصالة العدم السليمة عن المعارضة بالمثل ، لما عرفت من عدم ترتّب الأثر على زيادة التشهّد ، وعليه فيحكم بصحّة الصلاة بعد الرجوع والتدارك ولا شي‌ء عليه.

فالحكم بالبطلان وعدمه في هذا الفرع مبني على القول بوجوب سجود السهو لكلّ زيادة ونقيصة وعدمه ، فيحكم بالبطلان على الأوّل ، وبالصحّة على الثاني مع سجود السهو للقيام المعلوم زيادته تفصيلاً على القول بوجوبه له. هذا كلّه في الفرع الأوّل.

وأمّا في الفرع الثاني : أعني ما لو علم بعد القيام إلى الثالثة أنّه إمّا ترك التشهّد أو السجدة الواحدة ، فقد عرفت أنّ قاعدة التجاوز غير جارية حينئذ في شي‌ء من الطرفين ، للقطع بزيادة القيام وخروجه عن أجزاء الصلاة ، لأجل وقوعه في غير محلّه جزماً إمّا لكونه قبل التشهّد أو قبل السجدة ، فلا يتحقّق به التجاوز عن المحل كما مرّ. فيجب عليه الإتيان بهما وتداركهما استناداً إلى قاعدة الشك في المحل.

لكن لا سبيل هنا إلى احتمال البطلان بتاتاً ، لعدم استلزام التدارك لاحتمال

.................................................................................................


زيادة الركن ليكون طرفاً للعلم الإجمالي كما كان هو الحال في الفرع السابق ، بل غايته العلم بحصول إحدى الزيادتين من التشهّد أو السجدة الواحدة ، وشي‌ء منهما لا يقتضي البطلان.

نعم ، يعلم حينئذ تفصيلاً بوجوب سجود السهو المسبّب عن إحدى الزيادتين بعد أن لم تكونا عمديتين ، بل كانتا بأمر من الشارع بمقتضى أصالة العدم الجارية في كلّ من الطرفين كما تقدّم. فيجب عليه بعد التدارك والإتمام الإتيان بسجدتي السهو بقصد ما عليه من السبب الإجمالي ، من غير حاجة إلى الإعادة.

هذا بناءً على وجوب سجود السهو لكلّ زيادة ونقيصة ، وإلّا كما هو الصحيح فلا يجب عليه ذلك أيضاً إلّا لأجل القيام الزائد على القول بوجوبه له.

ومن جميع ما ذكرناه تعرف عدم الفرق في كلا الفرعين بين حصول العلم بعد القيام إلى الثالثة أم قبله وفي حال الجلوس ، إذ بعد القطع بزيادته كما تقدّم فهو في حكم العدم. فلا وجه للتفصيل بينهما كما في المتن.

والمتلخّص من جميع ما ذكرناه : أنّ الفرعين يفترقان عن الفرض السابق في عدم جريان قاعدة التجاوز في شي‌ء منهما ، لعدم الدخول في الجزء المترتِّب بعد القطع بزيادة القيام ، وأنّ الحكم بالبطلان في أوّل الفرعين مبني على القول بوجوب سجود السهو لكلّ زيادة ونقيصة. وأمّا في الفرع الثاني فلا يحتمل البطلان أصلاً ، بل يحكم بالصحّة إمّا مع سجود السهو أو بدونه كما عرفت كلّ ذلك مستقصى.

[2150] المسألة السابعة عشرة : إذا علم بعد القيام إلى الثالثة أنّه ترك التشهّد وشكّ في أنّه ترك السجدة أيضاً أم لا (1) يحتمل أن يقال يكفي الإتيان (1)) بالتشهّد ، لأنّ الشك بالنسبة إلى السجدة بعد الدخول في الغير الّذي هو القيام فلا اعتناء به ، والأحوط الإعادة بعد الإتمام سواء أتى بهما أو بالتشهّد فقط.


(1) احتمل (قدس سره) في مفروض المسألة الاكتفاء بتدارك التشهّد المعلوم تركه ، نظراً إلى أنّ الشك في السجدة بعد الدخول في الغير الّذي هو القيام شك بعد التجاوز فلا يعتنى به ، بدعوى أنّ المراد بالغير المأخوذ في دليل قاعدة التجاوز هو مطلق الغير ، سواء أكان من الجزء المترتِّب على المشكوك فيه أم لا ، وعليه فلا يجب الإتيان بالسجدة المشكوكة ، وإنّما يعود لتدارك التشهّد المقطوع عدمه.

ودعوى أنّه بعد العود إلى المحل لتدارك التشهّد يتّصف الشك عندئذ بالإضافة إلى السجدة بكونه من الشك في المحل فيجب الاعتناء به ، واضحة الدفع ، ضرورة أنّ الشك لدى حدوثه كان موصوفاً بوقوعه بعد الدخول في القيام ، فكان مشمولاً آن ذاك لدليل قاعدة التجاوز حسب الفرض ، وبالعود لا يزول عنه هذا الوصف ، لوضوح أنّ الشي‌ء لا ينقلب عما هو عليه ولا يتغيّر عما كان ، وهذا جلوس بعد القيام بالوجدان ، لا قبله ليكون من الشك في المحل وقبل الدخول في القيام ، وهذا ظاهر.

ثمّ إنّ الماتن (قدس سره) لما لم يكن جازماً بالاحتمال المزبور احتاط


1) () ضعف هذا الاحتمال يظهر ممّا تقدّم ، والأظهر لزوم الإتيان بالتشهّد والسجدة بلا حاجة إلى إعادة الصلاة.

.................................................................................................


بالإعادة بعد الإتمام ، سواء أتى بالسجدة أيضاً أم اقتصر على تدارك التشهّد فقط ، لاحتمال الزيادة العمدية في الأوّل بناءً على كون الاعتبار بالدخول في مطلق الغير ، ولاحتمال النقيصة العمدية في الثاني بناءً على أن يكون المدار بالدخول في الجزء المترتِّب ، ولا يمكن التخلّص من هذين الاحتمالين بعد عدم الجزم بشي‌ء من المبنيين إلّا بالإعادة.

أقول : لا ينبغي الشك في ضعف الاحتمال المزبور وسقوطه عن درجة الاعتبار ، فانّ لفظ الغير الوارد في لسان الأخبار المتعرّضة لقاعدة التجاوز الخاصّة بالشك في أجزاء الصلاة كصحيحة زرارة (1)وغيرها لا محيص من أن يراد به خصوص الجزء المترتِّب ، لما أشرنا إليه في محلّه (2)من اعتبار صدق عنوان المضي والتجاوز عن المشكوك فيه في موارد كلّ من قاعدتي الفراغ والتجاوز على ما نطقت به النصوص.

ولا ريب في حصول هذا الصدق على سبيل الحقيقة ومن غير أيّة عناية في موارد قاعدة الفراغ التي يكون المشكوك فيها صحّة الشي‌ء بعد العلم بوجوده سواء أكانت جارية في المركّبات أم في نفس الأجزاء ، فإنّه بمجرّد الفراغ والانتهاء عن العمل كالتكبير مثلاً يصدق حقيقة أنّه قد مضى وتجاوز عن نفسه ، من غير توقّفه على الدخول في الغير.

وهذا بخلاف قاعدة التجاوز التي يكون المشكوك في موردها نفس الوجود لتعذّر الصدق المزبور بعد فرض الشك في أصل الوجود ، بداهة أنّ صدق عنوان المضي عن الشي‌ء والتجاوز عنه صدقاً حقيقياً موقوف على إحراز ذات الشي‌ء ومتفرِّع على تحقّقه خارجاً ، فكيف يجتمع مع الشك في أصل الوجود


1) الوسائل 8 : 237 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 23 ح 1.

2) أُشير إلى ذلك في موارد منها ما في مصباح الأُصول 3 : 278 ، 282.

.................................................................................................


المفروض في موضوع هذه القاعدة ، فلا مناص من أن يراد به الصدق بالعناية وبضرب من المسامحة باعتبار المضي والتجاوز عن محل المشكوك فيه لا عن نفسه.

ومن الواضح جدّاً أنّ هذا لا يتحقّق إلّا بالدخول في الجزء المرتبط المترتِّب على المشكوك فيه المستوجب للخروج عن محلّه ، وإلّا فلو لم يدخل في شي‌ء أصلاً ، أو كان داخلاً فيما لا مساس له بالمشكوك فيه أبداً وكان أجنبياً غير مرتبط به بوجه لعدم ترتّبه عليه ، فالصدق المزبور غير متحقّق عندئذ حتّى العنائي المسامحي منه فضلاً عن الحقيقي ، إذ لم يخرج بعد عن المحل ولم يتجاوز عن الشي‌ء لا عن نفسه ولا عن محلّه بالضرورة.

ومن ثمّ اعتبر الدخول في الغير في نصوص هذه القاعدة كقوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة : «إذا خرجت من شي‌ء ودخلت في غيره فشكّك ليس بشي‌ء».

ونستكشف منه بالبيان المتقدِّم أنّ المراد به الدخول في خصوص الجزء المترتِّب كما تشهد به الأمثلة المذكورة في هذه الصحيحة ، ولا يكفي الدخول في مطلق الغير ولو لم يكن جزءاً مترتِّباً ، لما عرفت من عدم الخروج عن المحل بذلك ، وعدم صدق التجاوز عنه بوجه. فدعوى كفاية الدخول في مطلق الغير في جريان قاعدة التجاوز ساقطة البتّة.

وعليه ففي المقام بما أنّ القيام لغو مستدرك وخارج عن أجزاء الصلاة لوقوعه في غير محلّه فهو أجنبي وغير مرتبط بالسجدة ، ووجوده كالعدم ، فلا يتحقّق به التجاوز عن المحل. فالشك في السجدة بعد القيام شك في المحل من لدن حدوثه ومن أوّل الأمر وإن لم يتحقّق الهدم. فلا مجال لجريان قاعدة التجاوز فيها بوجه بل لا مناص من الإتيان بها بمقتضى قاعدة الشك في المحل ، هذا.

[2151] المسألة الثامنة عشرة : إذا علم إجمالاً أنّه أتى بأحد الأمرين من السجدة والتشهّد من غير تعيين وشك في الآخر (1) ، فان كان بعد الدخول في القيام لم يعتن بشكّه ، وإن كان قبله يجب عليه الإتيان بهما (1)لأنّه شاك في كلّ منهما مع بقاء المحلّ ، ولا يجب الإعادة بعد الإتمام وإن كان أحوط.


ولو تنازلنا عمّا ذكرناه ولم يتم ما استظهرناه من اختصاص الغير بالجزء المترتِّب فغايته الإجمال والتردّد بين ذلك وبين إرادة مطلق الغير ، والمرجع بعد إجمال القاعدة الساقطة حينئذ عن الاستدلال إنّما هو دليل الاستصحاب الّذي هو بمثابة العام المخصّص بالقاعدة.

ومن المقرّر في محلّه (2)أنّ المخصّص المجمل الدائر بين الأقل والأكثر يقتصر فيه على المقدار المتيقّن ، ويرجع فيما عداه إلى عموم العام ، والمتيقّن في المقام خصوص الجزء المترتِّب. ففي الزائد عليه وهو مطلق الغير يتمسّك بأصالة عدم الإتيان بالسجدة المشكوكة ، فيتّحد بحسب النتيجة مع ما استظهرناه من لزوم الاعتناء بالشك والإتيان بالسجدة كالتشهّد ، بلا حاجة إلى إعادة الصلاة.

(1) بأن احتمل الإتيان به أيضاً ، فكان أطراف الاحتمال ثلاثة : الإتيان بهما معاً ، أو بخصوص السجدة ، أو بخصوص التشهّد ، فكان عالماً بأحدهما من غير تعيين ، وشاكّاً في الإتيان بالآخر.

لا إشكال حينئذ في عدم الاعتناء بالشك فيما لو كان ذلك بعد الدخول في


1) (*) بل يجب عليه الإتيان بالتشهّد فقط ، لأنّ السجدة إمّا قد أتى بها أو أنّ الشك فيها بعد تجاوز المحل.

2) محاضرات في أُصول الفقه 5 : 180.

.................................................................................................


القيام كما أفاده في المتن ، لكون الشك في كلّ منهما بعد التجاوز عن المحل فتجري قاعدة التجاوز في خصوص كلّ من الطرفين من غير معارض ، بل الحال كذلك وإن لم يعلم بأحدهما ، فكانت أطراف الاحتمال أربعة بزيادة احتمال تركهما معاً ، فانّ كلّ واحد منهما بخصوصه مشكوك بعد التجاوز فيكون مشمولاً للقاعدة.

وبالجملة : العلم بالجامع الانتزاعي لا ينافي الشك في خصوص كلّ من الطرفين ، كما لا يمنع عن جريان القاعدة في كلّ منهما ، فتجري فيهما من غير تعارض بعد كون المعلوم بالإجمال هو الإتيان دون النقص ، وهذا ظاهر.

إنّما الكلام فيما لو كان ذلك حال الجلوس وقبل الدخول في القيام ، فقد ذكر الماتن (قدس سره) حينئذ وجوب الإتيان بهما معاً ، نظراً إلى أنّه شاك في كلّ منهما مع بقاء المحل ، فيجب الإتيان بمقتضى الاستصحاب وقاعدة الشك في المحل.

وقد يقال بأنّه لو عاد إليهما وتداركهما يعلم إجمالاً إمّا بالزيادة القادحة أو بوجوب سجود السهو ، لأنّه بحسب الواقع إن كان آتياً بهما معاً أو بخصوص السجدة فما يأتي به فعلاً من السجدة أو هي مع التشهّد مصداق للزيادة ، وبما أنّها عمدية للإتيان بهما عن علم والتفات فهي توجب البطلان.

وإن كان آتياً بخصوص التشهّد فبما أنّه واقع في غير محلّه ووجوده كالعدم فوظيفته فعلاً الإتيان بالسجدة والتشهّد وقد فعل ، إلّا أنّ التشهّد السابق زائد حينئذ فيلزمه السجود للسهو. فيعلم إمّا بالبطلان أو بسجود السهو للتشهّد الزائد ، فلا يمكن معه تصحيح الصلاة.

وفيه ما لا يخفى ، ضرورة أنّ الإتيان بالسجدة والتشهّد بعد فرض كون الشك في المحل إنّما هو بأمر من الشارع بمقتضى دليل الاستصحاب ، فهو مأمور

.................................................................................................


بالإتيان بهما بقصد الجزئية بمقتضى الوظيفة الشرعية الظاهرية ، ومثله لا يكون من الزيادة العمدية القادحة في شي‌ء ، إذ هي عبارة عن الإتيان بشي‌ء بعنوان الجزئية من تلقاء نفسه وبغير مسوّغ شرعي ، المنفي فيما نحن فيه كما عرفت.

فتلك الزيادة غير منطبقة على المقام قطعاً ، بل هو ملحق بالزيادة السهوية غير المستتبعة للبطلان بعد عدم كون الزائد في المقام من الأركان ، غاية الأمر أنّه بعد الإتيان بهما يعلم إجمالاً بحصول زيادة سهواً إمّا في السجدة أو في التشهّد ، فيجب عليه سجود السهو لأحدهما إن قلنا بوجوبه لكلّ زيادة ونقيصة ، وإلّا فلا شي‌ء عليه ، هذا.

والتحقيق عدم الحاجة إلى تدارك السجدة ، للعلم بسقوط أمرها إمّا للإتيان بها ، أو لأنّ المأتي به لو كان بحسب الواقع هو التشهّد فالشك في السجدة حينئذ شك بعد التجاوز المحكوم بعدم الاعتناء ، فلا يجب الإتيان بها على أيّ حال إمّا للإتيان بها واقعاً أو لكونها محكومة بالإتيان ظاهراً. فليس عليه إلّا الإتيان بالتشهّد فقط ، لكون الشك بالإضافة إليه من الشك في المحل.

وتوضيح ما ذكرناه : أنّ المعلوم بالإجمال في موارد العلم الإجمالي إنّما هو العنوان الانتزاعي ، وهو عنوان أحدهما على سبيل منع الخلوّ ، وهذا قد يكون له مطابق خارجي وتعيّن واقعي ويكون ممتازاً عن غيره في العلم الإلهي وإن لم ينكشف لدينا إلّا بالجامع الانتزاعي والعنوان الإجمالي ، كما لو شاهدنا أنّ زيداً مقتول وتردّد قاتله بين شخصين مثلاً ، فانّ القاتل المعلوم بالإجمال المردّد بينهما له تقرّر واقعي وتشخّص خارجي ، غاية الأمر أنّه لم ينكشف لدينا إلّا بهذا المقدار.

وقد لا يكون له تعيّن وامتياز حتّى في صقع الواقع ونفس الأمر ، ولا يكون له مطابق خارجي وراء الجامع الانتزاعي المنكشف ، كما لو علمنا بنجاسة أحد

.................................................................................................


الإناءين إجمالاً وكان بحسب الواقع كلاهما نجساً ، فإنّه ليس في البين واقع معيّن ممتاز عن غيره في علم اللّه ليكون هو المعلوم بالإجمال ، بل التردّد والإبهام الحاصل في مرحلة الظاهر ثابت في متن الواقع أيضاً ، ولا يزيد أحدهما على الآخر بشي‌ء. فلا واقع للمعلوم بالإجمال وراء ما انكشف لدينا من الجامع الانتزاعي وهو عنوان أحدهما القابل للانطباق على كلّ منهما.

وإذ تمهّد هذا نقول : إذا علمنا إجمالاً بالإتيان بواحد من السجدة والتشهّد وشككنا في وجود الآخر ، فتارة يكون المأتي به الواقعي كليهما معاً ، وأُخرى خصوص السجدة ، وثالثة خصوص التشهّد.

أمّا في الأوّل فليس للمعلوم بالإجمال مطابق خارجي وتعيّن واقعي حسبما عرفت ، لفرض حصولهما معاً. فقد سقط أمرهما جزماً في مرحلة الواقع وإن لم ينكشف لدينا إلّا عنوان أحدهما.

وأمّا في الأخيرين فللمعلوم الإجمالي حينئذ مطابق وتعيّن في متن الواقع فان كان هو السجدة فقد سقط أمرها أيضاً واقعاً ، وإن كان هو التشهّد فالسجدة وإن كانت متروكة حينئذ بحسب الواقع ولم يسقط أمرها ، إلّا أنّها مشكوكة الترك لدينا وجداناً ، لتطرّق احتمال الإتيان بهما حسب الفرض ، إذ لم ينكشف بمقتضى العلم إلّا الإتيان بأحدهما على سبيل منع الخلوّ ، غير المانع عن احتمال الجمع بينهما.

فبالأخرة على تقدير تحقّق التشهّد نشك في الإتيان بالسجدة بالضرورة وبما أنّ هذا الشك عارض بعد الدخول في الغير وهو التشهّد فهو محكوم بعدم الاعتناء بمقتضى قاعدة التجاوز.

فبحسب النتيجة أنّا نجزم بعدم تعلّق الأمر الفعلي بالسجدة الجامع بين الأمر الواقعي والظاهري ، لسقوط الأمر بها واقعاً في الصورتين الأولتين ، وظاهراً في

[2152] المسألة التاسعة عشرة : إذا علم أنّه إمّا ترك السجدة من الركعة السابقة أو التشهّد من هذه الركعة (1) فإن كان جالساً ولم يدخل في القيام أتى بالتشهّد وأتمّ الصلاة وليس عليه شي‌ء ، وإن كان حال النهوض (1)إلى القيام أو بعد الدخول فيه مضى وأتمّ (2)الصلاة وأتى بقضاء كلّ منهما مع سجدتي السهو ، والأحوط إعادة الصلاة أيضاً ، ويحتمل وجوب العود لتدارك التشهّد والإتمام وقضاء السجدة فقط مع سجود السهو ، وعليه أيضاً الأحوط الإعادة أيضاً.


الصورة الأخيرة. فلا مجال لتداركها. وأمّا التشهّد فلأجل الشك فيه والمحل باقٍ لا بدّ من الإتيان به.

فالأظهر الاقتصار في التدارك على خصوص التشهّد ، فيمضي في صلاته ولا شي‌ء عليه.

(1) صور المسألة ثلاث ، فانّ العلم المزبور قد يحدث في حالة الجلوس وأُخرى بعد الدخول في القيام ، وثالثة في حال النهوض.

لا إشكال في المسألة في الصورة الأُولى ، لكون الشك في التشهّد في المحل وفي السجدة بعد التجاوز ، فيجب الاعتناء بالأوّل دون الثاني ، وبذلك ينحل العلم الإجمالي بعد جريان الأصل المثبت والنافي.

وأمّا في الصورة الثانية : فقد ذكر الماتن (قدس سره) أنّه مضى وأتمّ الصلاة ثمّ أتى بقضاء كلّ منهما مع سجدتي السهو.


1) (*) الظاهر أنّه يلحق بحال الجلوس كما مرّ.

2) (**) لا وجه له ، بل يرجع ويتشهّد ويقضي السجدة ، والأحوط سجود السهو مرّتين للقيام الزائد ولنسيان السجدة.

.................................................................................................


والظاهر أنّ نظره الشريف في ذلك إلى أنّ العلم الإجمالي لا يكون منجّزاً في مثل المقام ممّا لا يكون المعلوم بالإجمال فعلياً على كلّ تقدير ، وإنّما هو فعلي في تقدير خاص ، وهو ما إذا كان المتروك هو التشهّد ، حيث إنّه مأمور فعلاً بالرجوع والتدارك ، وأمّا إذا كان هو السجدة فلا أمر بالقضاء بالفعل ، وإنّما يحدث الأمر به بعد الفراغ من الصلاة فيصير فعلياً بعد حين ، ولا بدّ في التنجيز من تعلّق العلم الإجمالي بالحكم الفعلي على كلّ تقدير.

وعليه فجريان قاعدة التجاوز بالإضافة إلى التشهّد سليم عن المعارض لعدم فعلية الحكم في الطرف الآخر لتجري فيه القاعدة كي تتحقّق المعارضة ومن ثمّ حكم (قدس سره) بالمضي وإتمام الصلاة.

نعم ، بعد الفراغ منها الّذي هو ظرف للأمر بالقضاء يعلم حينئذ إجمالاً إمّا بوجوب قضاء السجدة لو كانت هي المتروكة ، أو التشهّد لو كان هو المتروك فيجب الجمع بينهما رعاية للعلم الإجمالي المتعلِّق حينئذ بالحكم الفعلي على كلّ تقدير ، كما تجب سجدتا السهو مرّة واحدة لما هو المتروك الواقعي منهما ، هذا.

واحتمل (قدس سره) أخيراً وجوب العود لتدارك التشهّد والإتمام ثمّ قضاء السجدة فقط مع سجود السهو والاحتياط بإعادة الصلاة.

أقول : الظاهر أنّ ما احتمله أخيراً هو المتعيّن من غير حاجة إلى الإعادة لضعف ما اختاره أوّلاً ، لما بيّناه في محلّه (1)من عدم الفرق في تنجيز العلم الإجمالي بين الدفعي والتدريجي ، فلا يشترط في التنجيز الفعلية على كلّ تقدير في ظرف التنجيز ، بل لو كان الحكم في أحد الطرفين فعلياً في الحال وفي الطرف الآخر فعلياً في الاستقبال كان كافياً في التنجيز ، لجريان الأُصول حينئذ في الأطراف وسقوطها بالمعارضة ، إذ المناط في الجريان ترتّب الأثر ولو بعد حين


1) مصباح الأُصول 2 : 368.

.................................................................................................


وفي الآن اللّاحق ، فيكون معارضاً لا محالة مع جريانه في هذا الطرف ، للزوم المخالفة العملية. فلا يفرق في ذلك بين الدفعيات والتدريجيات. وتمام الكلام في محلّه.

ومع الغض والتسليم فالكبرى غير منطبقة على المقام ، لظهور الأدلّة في فعلية الأمر بالقضاء بمجرّد ترك السجدة وفوات محل التدارك الشكِّي منه والسهوي ، وأنّه يجب عليه في الحال قضاء السجدة خارج الصلاة على نحو الوجوب التعليقي ، لحصول التبدّل حينئذ في محل الجزء. فالخارج ظرف لنفس الواجب لا للوجوب ، وموطن للسجدة نفسها لا للأمر المتعلِّق بها.

وعليه فقاعدة التجاوز كما تجري بالنسبة إلى التشهّد تجري بالإضافة إلى السجدة أيضاً ، إمّا للأمر بقضائها فعلاً على تقدير الفوت أو لعدم الفرق في التنجيز بين الدفعي والتدريجي كما ذكرناه أوّلاً ، وعلى أيّ حال فهي جارية في الطرفين ، وبعد سقوطها بالمعارضة يكون المرجع أصالة عدم الإتيان بشي‌ء منهما ، ولا تعارض بين الاستصحابين بعد عدم لزوم المخالفة العملية كما هو ظاهر.

ونتيجة ذلك هو الرجوع لتدارك التشهّد لفرض بقاء محلّه ، وقضاء السجدة فقط خارج الصلاة. ولا يجب عليه سجود السهو بناءً على المختار من عدم وجوبه لنسيان السجدة إلّا إذا قلنا بوجوبه لكلّ زيادة ونقيصة ، ومن ثمّ كان الأحوط سجود السهو مرّة لنسيان السجدة وأُخرى لزيادة القيام.

وأمّا في الصورة الثالثة : فهل النهوض ملحق بالجلوس في عدم جريان قاعدة التجاوز بالنسبة إلى التشهّد لكونه من الشك في المحل ، أو أنّه ملحق بالقيام في الجريان لكونه بعد التجاوز ، كي يشمله حكم الشك حال الجلوس على الأوّل وحكم الشك حال القيام على الثاني؟

.................................................................................................


يبتني ذلك على أنّ المراد بالغير الّذي يعتبر الدخول فيه في جريان القاعدة هل هو خصوص الأجزاء المستقلّة ، أو الأعم منها ومن مقدّماتها كالنهوض والهوي.

وحيث إنّ مختار الماتن (قدس سره) هو الثاني ، بدعوى شمول الإطلاق في لفظ الغير للمقدّمات كنفس الأجزاء ، فمن ثمّ ألحق النهوض بالقيام وساوى بينهما في الحكم.

لكنّا بيّنا في الأُصول (1)عند التعرّض للقاعدة أنّ الأظهر هو الأوّل ، ومجمل الوجه فيه : أنّه لا بدّ من الدخول في الجزء المترتِّب ليتحقّق معه الخروج عن المحل ، تحقيقاً لصدق التجاوز ، بعد امتناع التجاوز عن نفس الشي‌ء لفرض الشك فيه. والدخول في المقدّمات لا يستوجب الخروج عن المحل ، لعدم وجوبها إلّا من باب اللّابدّية العقلية ، فليست هي بحيالها واجبات شرعية لتكون مترتّبة على الجزء المشكوك فيه كي يكون الدخول فيها محقّقاً للخروج عن المحل.

ويؤيِّده بل يكشف عنه صحيح عبد الرّحمن الوارد في من شكّ في السجدة حال النهوض وقبل أن يستتم قائماً ، قال «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : فرجل نهض عن سجوده وشكّ قبل أن يستوي قائماً فلم يدر أسجد أم لم يسجد قال (عليه السلام) يسجد» (2)فإنّه كما ترى صريح في عدم كون النهوض موجباً للمضي والتجاوز عن المحل ، الموافق مضمونه لمقتضى القاعدة حسبما بيّناه.

هذا مجمل القول في المقام ، وتفصيل الكلام موكول إلى محلّه (3). وعليه فحكم الشك حال النهوض حكمه حال الجلوس ، فيلحقه حكمه من لزوم العود لتدارك


1) مصباح الأُصول 3 : 301.

2) الوسائل 6 : 369 / أبواب السجود ب 15 ح 6.

3) شرح العروة 18 : 135 136.

[2153] المسألة العشرون : إذا علم أنّه ترك سجدة (1)إمّا من الركعة السابقة أو من هذه الركعة فإن كان قبل الدخول في التشهّد أو قبل النهوض إلى القيام أو في أثناء النهوض قبل الدخول فيه وجب عليه العود إليها لبقاء المحلّ ولا شي‌ء عليه ، لأنّه بالنسبة إلى الركعة السابقة شكّ بعد تجاوز المحل. وإن كان بعد الدخول في التشهّد أو في القيام مضى وأتمّ الصلاة وأتى بقضاء السجدة وسجدتي السهو ، ويحتمل وجوب العود لتدارك السجدة من هذه الركعة والإتمام وقضاء السجدة مع سجود السهو ، والأحوط على التقديرين إعادة الصلاة أيضاً (1).


التشهّد بقاعدة الشك في المحل ، من غير حاجة إلى قضاء السجدة بمقتضى قاعدة التجاوز الجارية فيها من غير معارض كما عرفت.

(1) بناءً على ما قدّمناه في المسألة السابقة من عدم كفاية الدخول في المقدّمات في جريان قاعدة التجاوز فهذه المسألة وسابقتها من واد واحد ، ولا فرق بينهما بوجه ما عدا الاختلاف في الموضوع من كون أحد طرفي العلم هناك التشهّد ، وهنا السجدة كالطرف الآخر ، فيجري فيها جميع ما مرّ حرفاً بحرف.

وأمّا بناءً على ما اختاره (قدس سره) من الكفاية فالنهوض هنا ملحق بالجلوس في عدم جريان القاعدة ولزوم الإتيان بالسجدة المشكوكة من الركعة التي بيده ، وذلك للنصّ الخاص الدال على لزوم الإتيان بها لو عرض الشك فيها حال النهوض وقبل أن يستوي قائماً ، وهي صحيحة عبد الرّحمن المتقدّمة المخالفة لمقتضى القاعدة الأوّلية على مسلكه.


1) (*) هذه المسألة وما تقدّمها من وادٍ واحد.

[2154] المسألة الحادية والعشرون : إذا علم أنّه إمّا ترك جزءاً مستحبّاً كالقنوت مثلاً أو جزءاً واجباً ، سواء كان ركناً أم غيره من الأجزاء التي لها قضاء كالسجدة والتشهّد ، أو من الأجزاء التي يجب سجود السهو لأجل نقصها ، صحّت صلاته ولا شي‌ء عليه (1) ، وكذا لو علم أنّه إمّا ترك الجهر أو الإخفات في موضعهما أو بعض الأفعال الواجبة المذكورة ، لعدم الأثر لترك الجهر والإخفات ، فيكون الشك بالنسبة إلى الطرف الآخر بحكم الشك البدوي.


ومن ثمّ اقتصر على موردها بعد ارتكاب التخصيص ، ولم يتعدّ عنها إلى الشك في التشهّد حال النهوض ، لخروجه عن مورد النص ، ولأجله أفرد هذه المسألة بالذكر وعنونها مستقلا ، للتنبيه على الفرق بينهما من هذه الجهة ، وقد عرفت أنّ الصحيحة موافقة لمقتضى القاعدة وليست مخصّصة لها عندنا ، وأنّ المسألتين من وادٍ واحد.

(1) نظراً إلى عدم تنجيز العلم الإجمالي فيما إذا كان أحد طرفيه حكماً غير إلزامي ، ولأجله كانت قاعدة التجاوز الجارية في الطرف الآخر سليمة عن المعارض.

ثمّ ذكر (قدس سره) بعد ذلك أنّه لو علم إمّا بترك الجهر أو الإخفات في موضعهما أو ترك واجب آخر ممّا ذكر صحّت صلاته أيضاً ، لعدم ترتّب الأثر على الترك في الأوّل ، فيكون الشك بالنسبة إلى الطرف الآخر بحكم الشك البدوي.

أقول : أمّا ما أفاده (قدس سره) أخيراً فالأمر فيه واضح لا سترة عليه بداهة أنّ العلم التفصيلي بترك الجهر أو الإخفات في موضعهما سهواً أو لعذر

.................................................................................................


آخر لا أثر له فضلاً عن الإجمالي ، ولا بدّ في التنجيز من ترتّب الأثر على المعلوم بالإجمال على كلّ حال ، وعليه فقاعدة التجاوز في الطرف الآخر الّذي أثر نقصه البطلان أو القضاء أو سجود السهو سليمة عن المعارض ، وهذا ظاهر.

وأمّا ما أفاده (قدس سره) أوّلاً ففيه تفصيل ، إذ أنّ مجرّد كون الحكم في أحد الطرفين غير إلزامي لا يستوجب صحّة الرجوع في الطرف الآخر إلى القاعدة وسلامتها عن المعارضة.

بيان ذلك : أنّ المناط في تنجيز العلم الإجمالي كما مرّ مراراً جريان الأُصول وما بحكمها في كلّ من الطرفين أو الأطراف وسقوطها بالمعارضة ، بحيث لو لوحظ كلّ طرف بحياله ومنعزلاً عن الآخر لكان مورداً لإجراء الأصل ، وإنّما المانع المعارضة للزوم المخالفة العملية من الجمع ، والترجيح من غير مرجّح من التخصيص بالبعض.

والضابط في جريان الأصل ترتّب الأثر على المورد كي يصح التعبّد بلحاظه ولا يكون لغواً. فكل مورد تضمّن الخلل فيه أثراً من الإعادة أو القضاء ونحوهما كان مورداً للجريان بطبيعة الحال. وهذا كما ترى لا يفرّق فيه بين موارد الأحكام الإلزامية وغيرها ، لاشتراكهما في الاشتمال على الأثر المزبور ولو بنحو الموجبة الجزئية الّذي هو المناط في الجريان.

فلو شكّ بعد الفراغ عن النافلة المرتّبة في صحّتها وفسادها ، أو في الأثناء بعد تجاوز المحل في وجود الجزء جرت قاعدة الفراغ أو التجاوز لنفي أثر الخلل وهو الإعادة أو التدارك بلا إشكال ، فإنّ الحكم وإن كان مبنياً على الاستحباب فكان له تركه رأساً ، إلّا أنّه لو تصدّى للامتثال لا مناص له من الإعادة لدى الإخلال ، فتكون القاعدة مؤمّنة عن ذلك.

فلو عرض مثل هذا الشك بالنسبة إلى إحدى الصلاتين من النوافل المرتّبة

.................................................................................................


كما لو فرغ عن صلاة اللّيل فعلم إجمالاً بنقصان الركن أو بفقدان الطهارة إمّا في صلاة الشفع أو في مفردة الوتر مثلاً ، أو بالنسبة إلى أحد جزأين من صلاة واحدة وقد تجاوز عن محلّهما ، فلا محالة تتحقّق المعارضة حينئذ بين قاعدة الفراغ أو التجاوز في كلّ من الطرفين ، إذ هي جارية في كلّ طرف بخصوصه وفي حدّ نفسه حسبما عرفت ، فيلزم من التخصيص بالبعض الترجيح من غير مرجّح ، ومن الجمع القطع بالمخالفة العملية.

فإنّ الحكم وإن لم يكن إلزامياً فكان له رفع اليد من أوّل الأمر كما مرّ ، وهو موصوف بالاستحباب حدوثاً وبقاءً ، إلّا أنّ التعبّد الشرعي بصحّتهما معاً استناداً إلى جريان القاعدتين في الطرفين مناقض للقطع بفساد واحدة منهما وإطلاق الدليل لكلّ منهما مضاد مع هذا العلم بالضرورة ، وهو معنى المخالفة العملية المستتبعة للمعارضة التي هي المناط في تنجيز العلم الإجمالي كما عرفت.

هذا فيما إذا كان الحكم استحبابياً في كلا الطرفين.

ومثله ما لو كان كذلك في أحدهما فقط دون الآخر ، كما لو فرغ من صلاة الفجر ونافلته فعلم إجمالاً بنقصان الركن في إحداهما ، فإنّ قاعدة الفراغ في كلّ منهما تعارض الأُخرى بعد اشتمال كلّ من الطرفين على الأثر وهي الإعادة لو كان فيه النقص والخلل.

وعلى الجملة : فليس المدار في تنجيز العلم الإجمالي على كون الحكم المعلوم بالإجمال إلزامياً على كلّ تقدير ، بل الاعتبار بترتّب الأثر على كلّ من الطرفين المستلزم للمخالفة العملية من جريان الأُصول أو القواعد والمؤدِّي إلى التعارض والتساقط ، سواء أكان الحكم إلزامياً في كلا الطرفين ، أم في أحدهما فقط ، أم لم يكن إلزامياً في شي‌ء منهما.

وهذا هو الميزان الكلِّي لتنجيز العلم الإجمالي في جميع موارده. فمع ترتّب

.................................................................................................


الأثر في كلا الطرفين يتحقّق التنجيز وإن لم يكن الحكم إلزامياً في شي‌ء منهما فضلاً عن أحدهما كما في الأمثلة المتقدِّمة ، ومع عدم ترتّبه إلّا في أحد الطرفين دون الآخر لم يكن منجّزاً وإن كان الحكم إلزامياً فيهما معاً ، لعدم لزوم المخالفة العملية ، كما لو علم بترك الجهر في موضعه أو ترك جزء يوجب نقصه القضاء مثلاً ، فانّ ترك الأوّل لا أثر له ، بخلاف الثاني فتجري فيه القاعدة سليمة عن المعارض.

ونحوه ما لو علم إجمالاً إمّا بترك السجدة أو بترك القراءة بناءً على عدم وجوب سجود السهو لكلّ زيادة ونقيصة كما هو الصحيح لاختصاص الأثر حينئذ وهو القضاء بالأوّل ، فتجري القاعدة فيه من غير معارض. فلا اعتبار بالإلزام في أمثال المقام.

نعم ، في موارد الشك في التكليف لو تردّد الأمر بين الحكم الإلزامي وغيره كما لو علم إجمالاً إمّا بوجوب شي‌ء أو باستحباب شي‌ء آخر لشبهة حكمية أو موضوعية كان المرجع حينئذ أصالة البراءة عن الوجوب السليمة عن المعارض ، لعدم جريان البراءة العقلية التي موضوعها احتمال العقاب في الحكم الاستحبابي بلا إشكال ، وكذا البراءة الشرعية على المختار كما بيّناه في الأُصول (1).

فلا بدّ في تنجيز العلم الإجمالي المتعلِّق بباب التكاليف من كون المعلوم بالإجمال حكماً إلزامياً على كلّ تقدير ، لكي تتحقّق المعارضة فيما يرجع إليه حينئذ من الأُصول النافية للتكليف كأصالة البراءة.

وأمّا المتعلِّق بالصحّة والفساد ممّا يكون مورداً لجريان قاعدة الفراغ أو التجاوز ونحوهما من الأُصول والقواعد المصحّحة غير الناظرة إلى جهة


1) مصباح الأُصول 2 : 270.

[2155] المسألة الثانية والعشرون : لا إشكال في بطلان الفريضة إذا علم إجمالاً أنّه إمّا زاد فيها ركناً أو نقص ركناً ، وأمّا في النافلة فلا تكون باطلة ، لأنّ زيادة الركن فيها مغتفرة (1) والنقصان مشكوك ، نعم لو علم أنّه


التكليف والعقاب ، فلا يفرق الحال فيه بين تعلّقه بالحكم الإلزامي وعدمه ، بل العبرة في التنجيز بترتّب الأثر على كلّ تقدير.

ومنه تعرف أنّه لو علم إجمالاً بترك الاستعاذة أو القراءة لم يكن منجّزاً ، إذ لا أثر لترك الأوّل ، فيرجع إلى قاعدة التجاوز في الثاني لنفي سجود السهو إن قلنا بوجوبه لكلّ زيادة ونقيصة ، وإلّا فلا أثر لشي‌ء من الطرفين حتّى لو كانا معلومي الترك تفصيلاً.

وأمّا القنوت الّذي مثّل به في المتن فهو كذلك إن لم نقل بترتّب أثر على تركه ، وأمّا إذا قلنا بثبوت الأثر وهو القضاء إمّا بعد الركوع أو بعد الصلاة كما قيل به وورد به النص أيضاً (1)، فالعلم الإجمالي المتعلِّق بتركه أو ترك واجب آخر يوجب نقصه البطلان أو القضاء أو سجود السهو منجّز لا محالة ، لترتّب الأثر حينئذ على التقديرين الموجب لسقوط القاعدة من الطرفين.

والمتلخّص من جميع ما ذكرناه : أنّ الكبرى الكلِّيّة المذكورة في المتن من عدم تنجيز العلم الإجمالي المتعلِّق بترك جزء استحبابي أو وجوبي ممّا لا أساس لها ، مضافاً إلى ما عرفت من المناقشة في صغرى هذه الكبرى ، أعني التمثيل بالقنوت بناءً على ثبوت الأثر لتركه وهو استحباب القضاء.

(1) فرّق (قدس سره) في العلم الإجمالي المتعلِّق بزيادة الركن أو نقيصته بين الفريضة والنافلة ، فإنّه منجّز في الأوّل ، للعلم التفصيلي بتحقّق ما يوجب


1) الوسائل 6 : 286 / أبواب القنوت ب 16.

إمّا نقص فيها ركوعاً أو سجدتين بطلت ، ولو علم إجمالاً أنّه إمّا نقص فيها ركوعاً مثلاً أو سجدة واحدة ، أو ركوعاً أو تشهّداً أو نحو ذلك ممّا ليس بركن لم يحكم بإعادتها ، لأنّ نقصان ما عدا الركن فيها لا أثر له من بطلان أو قضاء أو سجود سهو ، فيكون احتمال نقص الركن كالشك البدوي.


البطلان ، بخلاف الثاني إذ لا أثر في طرف الزيادة بعد كونها مغتفرة في النافلة فيرجع من ناحية النقيصة إلى قاعدة التجاوز من غير معارض.

وتفصيل الكلام في المقام : أنّ العلم الإجمالي المزبور قد يفرض مع بقاء المحل الشكّي ، وأُخرى مع بقاء المحل الذكري ، وثالثة مع زوالهما وعدم إمكان التدارك بوجه.

أمّا في الصورة الأُولى : كما لو علم إجمالاً حال الجلوس وقبل أن يتشهّد أنّه إمّا لم يأت بالسجدتين من هذه الركعة ، أو أنّه زاد ركوعاً ، فلا ريب في عدم بطلان الصلاة ، بل يلزمه الإتيان بالسجدتين بمقتضى قاعدة الشك في المحل والرجوع في احتمال زيادة الركوع إلى أصالة عدم الزيادة ، لأنّ مرجع العلم الإجمالي إلى الشك في كلّ من الطرفين اللّذين هما مورد للأصلين ، فينحل العلم الإجمالي بالأصل المثبت والنافي ، وهذا من غير فرق فيه بين الفريضة والنافلة كما هو ظاهر. فلا يتفاوت الحال بينهما في هذه الصورة.

وأمّا في الصورة الثانية : كما لو حصل العلم المزبور بعد الدخول في التشهّد أو بعد القيام إلى الثالثة.

ففي الفريضة لا يمكن الرجوع إلى قاعدة التجاوز بالنسبة إلى السجدتين المحتمل نسيانهما ، لا وحدها ولا بضميمة الرجوع إلى أصالة عدم زيادة الركوع.

.................................................................................................


أمّا الثاني فللزوم المخالفة العملية للمعلوم بالإجمال.

وأمّا الأوّل فلأنّ الأثر المرغوب من إعمال القاعدة نفي العود والتدارك ، وهو متفرّع على إحراز صحّة الصلاة ، ولا سبيل إلى الإحراز من دون الاستناد إلى أصالة عدم الزيادة في الركوع ، والمفروض امتناع الجمع بينهما كما عرفت. فالقاعدة غير جارية هنا في نفسها ، لاندراجها تحت كبرى ما تقدّم (1)من أنّ جريان الأصل في أحد طرفي العلم الإجمالي لو كان منوطاً بجريانه في الطرف الآخر تعيّن الثاني لاختصاصه بالترجيح.

وعليه فالمرجع في السجدتين بعد سقوط القاعدة أصالة عدم الإتيان ونتيجتها لزوم العود لتداركهما بعد إحراز الصحّة بأصالة عدم زيادة الركوع. ولا تعارض بين الأصلين كما هو ظاهر ، وبهما ينحل العلم الإجمالي بعد كون أحدهما مثبتاً للتكليف والآخر نافياً. هذا كلّه في الفريضة.

وأمّا في النافلة : كما لو علم وهو في التشهّد أنّه إمّا نقص سجدتين ممّا بيده أو زاد ركوعاً في الركعة السابقة ، أو علم إجمالاً وهو في السجود أنّه إمّا ترك الركوع أو زاد في تكبيرة الإحرام بناءً على كونها ركناً وأنّ زيادتها السهوية قادحة ، أو أنّه إمّا ترك الركوع أو زاد سجدتين في الركعة السابقة وهكذا من الأمثلة ، فقاعدة التجاوز بالنسبة إلى نقص الركن المحتمل جارية من غير معارض ، إذ لا أثر للطرف الآخر أعني زيادة الركن ، لكونها مغتفرة في النافلة حتّى ولو كانت معلومة تفصيلاً ، فضلاً عن كونها متعلّقاً للعلم الإجمالي. فيمضي من غير حاجة إلى التدارك.

وبهذا تفترق النافلة عن الفريضة في هذه الصورة ، فإنّهما تشتركان في عدم


1) في ص 169.

.................................................................................................


البطلان ، وتفترقان في لزوم العود لتدارك النقص المحتمل في الثاني دون الأوّل لاختصاصه بجريان قاعدة التجاوز التي لم تكن جارية في الفريضة في حدّ نفسها كما عرفت.

ومنه يظهر الحال في الصورة الثالثة ، أعني ما لو حصل العلم بعد عدم إمكان التدارك لفوات المحل رأساً ، كما لو كان ذلك بعد الفراغ من الصلاة ، فإنّه في الفريضة موجب للبطلان لا محالة للعلم بتحقّق موجبه من زيادة الركن أو نقيصته ، بخلاف النافلة إذ لا أثر من ناحية الزيادة بعد كونها مغتفرة ، فيرجع من ناحية النقص إلى قاعدة الفراغ أو التجاوز من غير معارض.

فالفرق بين الفريضة والنافلة يظهر في الصورتين الأخيرتين ، وأساس الفرق اغتفار زيادة الركن في النافلة الموجب لعدم ترتّب الأثر على المعلوم بالإجمال على كلّ تقدير. فلا تتعارض الأُصول في الأطراف ، الّذي هو مناط التنجيز.

هذا كلّه فيما لو علم بالنقص أو الزيادة.

ومنه يظهر الحال فيما لو علم إجمالاً بنقصان أحد ركنين ، فإنّه تجري فيه أيضاً الشقوق الثلاثة المتقدّمة.

فإن كان ذلك بعد فوات محل التدارك حكم بالبطلان ، للعلم التفصيلي بتحقّق الموجب ، من غير فرق بين الفريضة والنافلة ، لاشتراكهما في البطلان بنقصان الركن.

وإن كان مع بقاء المحل الشكّي كما لو علم إجمالاً بترك السجدتين إمّا من هذه الركعة أو من الركعة السابقة ولم يدخل بعد في شي‌ء لزمه التدارك بالنسبة إلى ما يكون محلّه باقياً ، بمقتضى قاعدة الشك في المحل ، فيرجع بالإضافة إلى الطرف الآخر إلى قاعدة التجاوز السليمة عن المعارض ، من غير فرق أيضاً بين الفريضة والنافلة.

.................................................................................................


وإن كان مع بقاء المحل السهوي كما لو كان ذلك بعد الدخول في التشهّد في المثال المزبور ، فقاعدة التجاوز بالنسبة إلى ما يمكن التدارك أعني السجدتين من هذه الركعة غير جارية في نفسها ولو مع قطع النظر عن المعارضة ، لعدم ترتّب الأثر عليها ، إذ الأثر المرغوب منها نفي العود والتدارك ، المتفرِّع على إحراز صحّة الصلاة من غير هذه الجهة ، ولا سبيل إلى الإحراز إلّا بعد جريان القاعدة في الطرف الآخر الّذي أثر نقصه البطلان لكي تحرز بها الصحّة ، وإلّا فهي بدونها مشكوكة ، بل مقتضى أصالة عدم الإتيان هو البطلان ، ولا معنى للتدارك أو عدمه في صلاة باطلة. ومن المعلوم أنّ الجمع بين القاعدتين مستلزم للمخالفة العملية.

فالقاعدة في هذا الطرف غير جارية لا منفردة ولا منضمّة ، فتكون في ذاك الطرف سليمة عن المعارض ، لاندارجها في كبرى ما مرّ من أنّ جريان الأصل أو القاعدة في أحد طرفي العلم الإجمالي الّذي أثر نقصه شي‌ء آخر غير البطلان لو كان موقوفاً على جريانه في الطرف الآخر الّذي أثر نقصه البطلان اختصّ الثاني بالجريان ، لاشتماله على الترجيح دون العكس. فبعد إجراء القاعدة في ذاك الطرف وإحراز الصحّة بها يرجع في هذا الطرف إلى أصالة عدم الإتيان ولازمه العود والتدارك.

وهذا من غير فرق فيه أيضاً بين الفريضة والنافلة. فهما يشتركان في الحكم في هذا القسم بشقوقه الثلاثة.

وملخّص الكلام : أنّ الميزان الكلِّي لتنجيز العلم الإجمالي ترتّب الأثر على كلّ من الطرفين لتلزم المعارضة من جريان الأصلين أو القاعدتين ، وأمّا لو اختصّ بأحدهما بأن لم يكن الطرف الآخر مورداً للأثر رأساً كزيادة الركن في النافلة ، أو كان الأثر فيه متوقّفاً على الجريان في هذا الطرف فلا معارضة ولا تنجيز في مثل ذلك ، بل يرجع إلى الأصل فيما له الأثر.

[2156] المسألة الثالثة والعشرون : إذا تذكّر وهو في السجدة أو بعدها من الركعة الثانية مثلاً أنّه ترك سجدة من الركعة الأُولى وترك أيضاً ركوع هذه الركعة جعل السجدة التي أتى بها للركعة الأُولى وقام وقرأ وقنت وأتمّ صلاته ، وكذا لو علم أنّه ترك سجدتين من الاولى وهو في السجدة الثانية من الثانية فيجعلها للأُولى ويقوم إلى الركعة الثانية. وإن تذكّر بين السجدتين سجد اخرى بقصد الركعة الأُولى ويتم ، وهكذا بالنسبة إلى سائر الركعات إذا تذكّر بعد الدخول في السجدة من الركعة التالية أنّه ترك السجدة من السابقة وركوع هذه الركعة ، ولكن الأحوط في جميع هذه الصور إعادة الصلاة بعد الإتمام (1).


ومنه تعرف أنّه لو علم إجمالاً إمّا بنقص الركن في النافلة أو نقص جزء آخر غير ركني من سجدة أو تشهّد ونحوهما لم يكن منجّزاً ، إذ لا أثر لنقصان ما عدا الأركان في النافلة من البطلان أو القضاء أو سجود السهو ، فيبقى احتمال نقص الركن مورداً لقاعدة الفراغ أو التجاوز من غير معارض.

(1) إذا نسي سجدة أو سجدتين من الركعة الأُولى فقام إلى الثانية ثمّ غفل عن الركوع أيضاً فسجد بعنوان الركعة الثانية ثمّ تذكّر جعل ما بيده سجدة الركعة الأُولى ، لكونه بعد فيها حقيقة وإن تخيّل الدخول في الثانية ، إذ كان مأموراً بهدم القيام لو التفت لتدارك السجدة ، سواء نسي الركوع أم كان ملتفتاً إليه ومن باب الاتِّفاق غفل عنه وسجد فتحقّق الهدم خارجاً ، فهذا السجود يقع مصداقاً لسجدة الركعة الأُولى قهراً وبطبيعة الحال ، لعدم خروجه عنها واقعاً ما لم يكن داخلاً في ركوع الثانية ، فيقوم بعدئذ إلى الركعة الثانية ويتم الصلاة.

.................................................................................................


وهذا من غير فرق بين ما إذا كان التذكّر في السجدة الأُولى أو ما بين السجدتين أو بعدهما ، غاية الأمر أنّه لو كان بعدهما أو في السجدة الثانية وكان المنسي سجدة واحدة لزمه حينئذ سجود السهو لزيادة سجدة واحدة سهواً إن قلنا بوجوبه لكلّ زيادة ونقيصة ، وكذا الحال فيما أتى به من الأجزاء الزائدة من القيام أو القراءة أو القنوت ونحوها.

وهكذا الحكم بالنسبة إلى سائر الركعات فيما إذا تذكّر بعد الدخول في السجدة من الركعة التالية أنّه ترك السجدة من السابقة وركوع هذه الركعة هذا.

وقد يقال بالبطلان فيما إذا كان ذلك على سبيل التقييد بأن قصد السجدة المقيّدة بكونها من الركعة الثانية مثلاً ، فانّ ما قصده غير مأمور به ، وما هو المأمور به وهي السجدة من الركعة الأُولى غير مقصود.

وفيه : ما مرّ غير مرّة من أنّه لا أثر للتقييد في أمثال المقام ممّا كانت الخصوصية خارجة عن حريم المأمور به ، فانّ مورد التقييد الموجب تخلّفه للبطلان ما إذا كان المأمور به مقيّداً في حدّ ذاته بعنوان خاص لا يتحقّق خارجاً إلّا بتعلّق القصد به كعنوان الظهر والعصر ، أو النفل والفرض ، أو الأداء والقضاء ونحو ذلك ، فحينئذ لو قصد عنواناً بخصوصه وكان الواقع على خلافه حكم بالبطلان ، بملاك أنّ الواقع غير مقصود وما قصده لا واقع له ولم يكن مأموراً به.

وأمّا إذا كانت الخصوصية المقصودة المقيّد بها المأمور به أجنبيّة عنه وغير دخيلة في صحّته فهذا التقييد ممّا لا أثر له ، ولا يكون تخلّفه قادحاً في الصحّة بوجه ، كما لو زعم أنّ هذا المكان مسجد فصلّى فيه مقيّداً بكونه مسجداً ثمّ بان الخلاف ، فإنّ الصلاة حينئذ محكومة بالصحّة بلا إشكال ، لوقوع المأمور به على

[2157] المسألة الرابعة والعشرون : إذا صلّى الظهر والعصر وعلم بعد السلام نقصان (1)إحدى الصلاتين ركعة ، فإن كان بعد الإتيان بالمنافي عمداً وسهواً أتى بصلاة واحدة بقصد ما في الذمّة ، وإن كان قبل ذلك قام فأضاف إلى الثانية ركعة ثمّ سجد للسهو عن السلام في غير المحلّ ثمّ أعاد الاولى ، بل الأحوط أن لا ينوي الاولى ، بل يصلِّي أربع ركعات بقصد ما في الذمّة ، لاحتمال كون الثانية على فرض كونها تامّة محسوبة ظهراً (1).


وجهه من غير أيّ خلل فيه ، وإن كان بحيث لو علم بعدم كونه مسجداً لم يصلّ فيه ، لما عرفت من خروج هذه الخصوصية عن حريم المأمور به.

والمقام من هذا القبيل ، فانّ اللّازم الإتيان بذوات الأجزاء ، لا مقيّدة بعنوان كونها من الركعة الأُولى أو الثانية مثلاً ليلزم قصده فيقدح تخلّفه ، ولذا لو قرأ وركع وسجد بعنوان كونها من الركعة الأُولى بتخيّل كونه فيها فبان أنّه في الثانية أو بالعكس صحّت صلاته بلا كلام.

وعليه فالسجدة المأتي بها في المقام محسوبة من الركعة الأُولى حقيقة وواقعاً وإن نواها مقيّدة بكونها من الثانية ، إلّا أن يكون ذلك على سبيل التشريع الّذي مورده العلم بالخلاف ، فيكون محرّماً من تلك الجهة ، وهو مطلب آخر أجنبي عمّا نحن فيه كما لا يخفى. فالمقام وأشباهه من باب الخطأ في التطبيق ، وليس من التقييد في شي‌ء.

(1) تقدّم الكلام حول هذه المسألة وما بعدها في المسألة الثامنة من هذه المسائل بنطاق أوسع وبيان مشبع فلاحظ إن شئت ، ولا حاجة إلى الإعادة.


1) (*) حكم هذه المسألة وما بعدها تقدّم في المسألة الثامنة.

[2158] المسألة الخامسة والعشرون : إذا صلّى المغرب والعشاء ثمّ علم بعد السلام من العشاء أنّه نقص من إحدى الصلاتين ركعة فإن كان بعد الإتيان بالمنافي عمداً وسهواً وجب عليه إعادتهما ، وإن كان قبل ذلك قام فأضاف إلى العشاء ركعة ثمّ يسجد سجدتي السهو ثمّ يعيد المغرب.

[2159] المسألة السادسة والعشرون : إذا صلّى الظهرين وقبل أن يسلّم للعصر علم إجمالاً أنّه إمّا ترك ركعة من الظهر والتي بيده رابعة العصر أو أنّ ظهره تامّة وهذه الركعة ثالثة العصر (1) ، فبالنسبة إلى الظهر شكّ بعد الفراغ ، ومقتضى القاعدة البناء على كونها تامّة ، وبالنسبة إلى العصر شكّ بين الثلاث والأربع ، ومقتضى البناء على الأكثر (1)الحكم بأنّ ما بيده


(1) فعلم بعدم إتيانه أكثر من سبع ركعات ، ولم يعرف كيفية التقسيم وأنّه هل كانت الظهر تامّة فالنقص في العصر ، أم أنّ الأمر بالعكس ، كما كان هو الحال في المسألة السابقة ، والفرق أنّ العلم هناك كان بعد التسليم وهنا قبله.

وقد ذكر الماتن (قدس سره) أنّ مقتضى قاعدة الفراغ البناء على وقوع الظهر تامّة ، وأمّا بالنسبة إلى العصر فبما أنّه شاك بين الثلاث والأربع فمقتضى قاعدة البناء على الأكثر الحكم بأنّ ما بيده الرابعة والإتيان بركعة الاحتياط بعد إتمامها.


1) (*) قاعدة البناء على الأكثر لا تشمل المقام ، للعلم بعدم صحّة إتمام الصلاة عصراً ، فإنّها إمّا ناقصة ركعة أو يجب العدول بها إلى الظهر ، ويعتبر في جريان القاعدة احتمال صحّة الصلاة في نفسها ، وعليه فتجري قاعدة الفراغ في الظهر وتجب إعادة العصر ، وأمّا احتمال ثبوت النقص في العصر بجريان قاعدة الفراغ في الظهر فهو ضعيف جدّاً حتّى على القول بكونها أمارة. وبما ذكرناه يظهر الحال فيما إذا علم النقص في العشاءين.

رابعتها والإتيان بصلاة الاحتياط بعد إتمامها ، إلّا أنّه لا يمكن إعمال القاعدتين معاً ، لأنّ الظهر إن كانت تامّة فلا يكون ما بيده رابعة ، وإن كان ما بيده رابعة فلا يكون الظهر تامّة ، فيجب إعادة الصلاتين لعدم الترجيح في إعمال إحدى القاعدتين ، نعم الأحوط الإتيان بركعة أُخرى للعصر ثمّ إعادة الصلاتين ، لاحتمال كون قاعدة الفراغ من باب الأمارات. وكذا الحال في العشاءين إذا علم أنّه إمّا صلّى المغرب ركعتين وما بيده رابعة العشاء أو صلّاها ثلاث ركعات وما بيده ثالثة العشاء.


ولكن حيث إنّه يعلم بعدم إتيانه أزيد من سبع ركعات فلأجله لا يمكن إعمال القاعدتين معاً ، للجزم بعدم مطابقة إحداهما للواقع ، فانّ الظهر إن كانت تامّة لم تكن العصر مورداً لقاعدة البناء ، للزوم الإتيان بالركعة حينئذ موصولة لا مفصولة ، وإن كانت العصر تامّة لم تكن الظهر مورداً لقاعدة الفراغ ، وحيث لا ترجيح لإحدى القاعدتين على الأُخرى فتسقطان. ونتيجة ذلك وجوب إعادة الصلاتين.

ثمّ ذكر (قدس سره) أخيراً أنّ الأحوط ضم ركعة أُخرى للعصر ثمّ إعادة الصلاتين ، نظراً إلى احتمال كون قاعدة الفراغ من باب الأمارات ، وبما أنّ مثبتاتها حجّة فلازم جريانها في الظهر ثبوت النقص في العصر.

أقول : ما أفاده (قدس سره) صدراً وذيلاً قابل للمناقشة.

أمّا ما أفاده (قدس سره) في الذيل ففيه أنّ مجرّد كون الشي‌ء أمارة لا يستدعي حجّية اللوازم ، لعدم نهوض أيّ دليل عليه ، بل هو تابع لمقدار دلالة الدليل سعة وضيقاً ، فقد يقتضيه وقد لا يقتضيه ، نعم ثبتت حجّية المثبتات في جملة من الأمارات ، لا أنّ كل أمارة كذلك.

.................................................................................................


ومن هنا ذكروا أنّ الظن في باب القبلة حجّة وأمارة كاشفة عن الواقع ، لقوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة : «يجزي التحري أبداً إذا لم يعلم أين وجه القبلة» (1)ومع ذلك لا يثبت به لازمه من استعلام دخول الوقت بزوال الشمس عن الناحية المظنون كونها قبلة ، بل لا بدّ من معرفة ذلك بطريق آخر من علم أو علمي.

ولو شكّ بعد الصلاة في الطهارة بنى على صحّتها بقاعدة الفراغ ، مع أنّ لازمها كونه متطهّراً فعلاً ، ولم يلتزم به أحد ، لا هو (قدس سره) ولا غيره حتّى من القائلين بكون القاعدة من الأمارات ، بل لا مناص من تحصيل الطهارة للصلوات الآتية.

والحاصل : أنّا وإن التزمنا بكون القاعدة من الأمارات ، إلّا أنّ الأمارية بمجرّدها لا تستوجب الحجّية في اللوازم العادية أو العقلية ، وإن اشتهر القول بذلك وجعلوه فارقاً بينها وبين الأُصول.

وإنّما يتم ذلك في طائفة خاصّة منها وهي ما كانت من مقولة الألفاظ ومن باب الحكايات كالأخبار والأقارير والبيِّنات ، حيث إنّ الإخبار عن الشي‌ء إخبار عن لازمه بطبيعة الحال وإن كان المخبر جاهلاً بالملازمة.

فلو اعترف بأنّه هو الّذي أوصل السلك الكهربائي بيد زيد المقتول أو أوجر المائع الفلاني أو القرص الكذائي في حلقه كان هذا إقراراً وإخباراً عن قتله قهراً ، وإن لم يعلم هو بالملازمة لجهله بتأثيره في القتل ، فيثبت به لازمه وهو كونه قاتلاً وإن كان خاطئاً.

والسر أنّ بناء العقلاء قائم على حجّية الأخبار والحكايات في المداليل الالتزامية ، كما كان قائماً على حجّيتها في المدلول المطابقي ، وبهذا تفترق


1) الوسائل 4 : 307 / أبواب القبلة ب 6 ح 1.

.................................................................................................


الحكايات عن غيرها من سائر الأمارات ، لعدم قيام الدليل فيما عداها على الحجّية في غير ما تدلّ عليه بالمطابقة.

وأمّا ما أفاده (قدس سره) في الصدر فيندفع بما عرفت سابقاً (1)من أنّ ركعة الاحتياط على تقدير النقص جابرة واقعاً وجزء متمِّم للصلاة حقيقة والتسليم والتكبير المتخلِّلان في البين زيادة مغتفرة على ما دلّت عليه موثّقة عمار (2)من كون الركعة متمّمة للصلاة لو كانت ناقصة ، فإنّ المستفاد منها أنّ الشاك بين الثلاث والأربع موظّف حتّى في صقع الواقع بالإتيان بركعة مفصولة على تقدير النقص ، وأنّ تلك الزيادة ملغاة في نظر الشرع.

وعليه فلا يلزم من الجمع بين القاعدتين القطع بالمخالفة ، ولا يكون علمه بعدم الزيادة على السبع مانعاً عن جريان القاعدة بعد أن لم يرتِّب أثر على النقص الواقعي ما دام كونه شاكّاً بين الثلاث والأربع كما هو المفروض ، الّذي هو الموضوع لدليل البناء على الأكثر. فلا معارضة بين القاعدتين بوجه.

والتحقيق عدم شمول قاعدة البناء للمقام ، لا لأجل المعارضة ، بل لعدم جريانها في حدّ نفسها ، وذلك لأنّ المستفاد من موثّقة عمار على ما ذكرناه سابقاً (3)أنّه يعتبر في جريان هذه القاعدة احتمال أمرين : صحّة الصلاة على تقدير التمامية وأنّه لم يكن عليه حينئذ شي‌ء ، وصحّتها أيضاً على تقدير النقص من غير ناحية النقص لتكون الركعة جابرة. فهذان الاحتمالان مقوّمان لجريان القاعدة ، ولا تكاد تجري لدى فقد واحد منهما.

ولا ريب أنّ الاحتمال الأوّل مفقود في المقام ، فانّ الظهر لو كانت تامّة


1) شرح العروة 18 : 279 وما بعدها.

2) الوسائل 8 : 212 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 8 ح 1 ، 4.

3) شرح العروة 18 : 169.

.................................................................................................


فالعصر الناقصة وإن كانت صحيحة حينئذ من غير ناحية النقص فتنجبر بركعة مفصولة ، إلّا أنّها لو كانت ناقصة فالعصر التامّة غير موصوفة بالصحّة لاشتراط الترتيب بينها وبين الظهر في الوقت المشترك.

وبما أنّ الاولى باطلة حينئذ فوظيفته العدول إليها ، فلا يحتمل أن يكون ما بيده صحيحة عصراً على تقدير كونها أربعاً ، بل تصحّ ظهراً بمقتضى العدول الواجب عليه.

فلا تكون صلاة العصر على تقدير كونها تامّة مشمولة لقوله (عليه السلام) في الموثّق : وإن كنت أتممت لم يكن عليك شي‌ء (1)، بل عليه شي‌ء وهو إعادتها بعد العدول بها إلى الظهر.

فاذا لم تكن مشمولة ولم تكن مورداً لجريان القاعدة فلا مناص من إعادتها ، لاندراجها في الشكوك غير المنصوص على صحّتها المحكومة بالبطلان بمقتضى الإطلاق في صحيحة صفوان (2). وأمّا الظهر فهي محكومة بالصحّة بمقتضى قاعدة الفراغ السليمة عن المعارض.

وبعبارة اخرى : قاعدة الفراغ إمّا أن لا تكون جارية في صلاة الظهر أو أنّها جارية.

فعلى الأوّل : فحيث إنّ الذمّة بعد مشغولة بالظهر لعدم إحراز الفراغ عنها حسب الفرض بعد احتمال كونها ناقصة ، فلا مناص من العدول عما بيده إليها رعاية للترتيب المعتبر بينهما ، فيعدل ويسلِّم من غير حاجة إلى ضم الركعة المحتمل نقصها لا موصولة ولا مفصولة ، للجزم بتحقّق ظهر صحيحة على كلّ


1) الوسائل 8 : 213 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 8 ح 3 [نقل بالمضمون والظاهر أنّها ضعيفة سندا].

2) الوسائل 8 : 225 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 15 ح 1.

.................................................................................................


تقدير ، وهي أمّا الاولى لو كان النقص في الثانية ، أو الثانية لو كان النقص في الأُولى. فالذمّة بريئة حينئذ عن الظهر قطعاً وإن لم يشخّصها بعينها ، فليس عليه حينئذ إلّا الإتيان بالعصر ، ولا حاجة إلى إعادة الصلاتين.

وعلى الثاني : فلا يحتمل أن يكون ما بيده رابعة للعصر كي تكون مشمولة لقاعدة البناء على الأكثر ، إذ بعد البناء على تمامية الظهر ووقوعها أربعاً بمقتضى قاعدة الفراغ ، فاحتمال كون ما بيده رابعة مقطوع العدم (1)

إلّا أن يقال : إنّه على تقدير جريان قاعدة الفراغ في الظهر يمتنع جريان قاعدة البناء في العصر ، لامتناع حكم الشارع بالبناء على الأكثر فيها بعد حكمه بالبناء على التمام في الظهر. ولكن الجواب عن هذا قد تقدّم في المتن فلاحظ.

وقد أجاب (دام ظلّه) عن الشبهة بما لفظه : ليس هذا مبنياً على حجّية قاعدة الفراغ في لوازمها ، بل هو مبني على ما ذكر آنفاً من أنّ قاعدة البناء على الأكثر لا تشمل صلاة العصر في مفروض المسألة ، لأنّه لا تحتمل صحّتها عصراً ، فان جرت قاعدة الفراغ في الظهر حكم ببطلانها ، وإلّا لزم العدول بها إلى الظهر.

، وقد عرفت أنّ هذا الاحتمال مقوّم لقاعدة البناء ، بل هي حينئذ ثالثة يجب تتميمها بالركعة الموصولة ، وإذ لم تكن القاعدة جارية فلا مناص من إعادتها حسبما عرفت.

وعلى الجملة : المعتبر في جريان القاعدة احتمال صحّة الصلاة في نفسها ، وفي المقام نقطع بعدم صحّة إتمام الصلاة عصراً ، لأنّها إمّا ناقصة أو يجب العدول بها إلى الظهر ، فلا تكون مشمولة للقاعدة ، ومعه لا بدّ من إعادتها. وأمّا الظهر فهي مجرى لقاعدة الفراغ من غير معارض. ومن جميع ما ذكرناه يظهر الحال في العشاءين ، فلاحظ.


1) هذا مبني على حجّية القاعدة في لوازمها ، وهي في حيِّز المنع عند سيِّدنا الأُستاذ (دام ظلّه).

[2160] المسألة السابعة والعشرون : لو علم أنّه صلّى الظهرين ثماني ركعات ولكن لم يدر أنّه صلّى كلّاً منهما أربع ركعات أو نقص من إحداهما ركعة وزاد في الأُخرى (1) بنى على أنّه صلّى كلّاً منهما أربع ركعات عملاً بقاعدة عدم اعتبار الشك بعد السلام ، وكذا إذا علم أنّه صلّى العشاءين سبع ركعات وشكّ بعد السلام في أنّه صلّى المغرب ثلاثة والعشاء أربعة أو نقص من إحداهما وزاد في الأُخرى فيبني على صحّتهما.

[2161] المسألة الثامنة والعشرون : إذا علم أنّه صلّى الظهرين ثمان ركعات وقبل السلام من العصر شكّ في أنّه هل صلّى الظهر أربع ركعات فالتي بيده رابعة العصر أو أنّه نقص من الظهر ركعة فسلّم على الثلاث وهذه التي بيده خامسة العصر ، فبالنسبة إلى الظهر شك بعد السلام وبالنسبة إلى العصر شكّ بين الأربع والخمس ، فيحكم بصحّة الصلاتين ، إذ لا مانع من إجراء القاعدتين ، فبالنسبة إلى الظهر تجري قاعدة الفراغ والشك بعد السلام فيبني على أنّه سلّم على أربع ، وبالنسبة إلى العصر يجري حكم الشك بين الأربع والخمس فيبني على الأربع إذا كان بعد إكمال السجدتين فيتشهّد ويسلِّم ثمّ يسجد سجدتي السهو (2) ، وكذا الحال في العشاءين إذا علم قبل السلام من العشاء أنّه صلّى سبع ركعات وشكّ في أنّه سلّم من المغرب على


(1) الحكم فيها ظاهر جدّاً ، بل لم تكن حاجة للتعرّض إليها ، لجريان قاعدة الفراغ في كلّ من الصلاتين من غير معارضة بعد أن لم تكن مستلزمة للمخالفة العملية ، لاحتمال صحّة الصلاتين معاً ، وإن احتمل بطلانهما معاً أيضاً على التقدير الآخر ، ومثله الحال في العشاءين.

(2) الأمر كما ذكره (قدس سره) من جريان قاعدة الفراغ بالنسبة إلى

ثلاث فالتي بيده رابعة العشاء أو سلّم على الاثنتين فالتي بيده خامسة العشاء فإنّه يحكم بصحّة الصلاتين وإجراء القاعدتين.


الظهر ، لكون الشك فيها شكّاً بعد السلام ، وقاعدة البناء على الأقل وهو الأربع بالنسبة إلى العصر ، لكون الشك فيها شكّاً بين الأربع والخمس. ولا مانع من إعمال القاعدتين ، لعدم المعارضة في البين بعد احتمال التمامية في كلتا الصلاتين فيحكم بصحّتهما مع سجود السهو لأجل نفس الشك بين الأربع والخمس كما تقدّم في محلّه (1).

هذا فيما إذا كان الشك بعد إكمال السجدتين الّذي هو مورد الشك بين الأربع والخمس المحكوم بالصحّة.

وأمّا إذا كان في حال القيام فحيث إنّه محكوم بالزيادة ، لما سبق في محلّه (2)من رجوع الشك حينئذ إلى الشك بين الثلاث والأربع في الركعة التي قام عنها فهو مأمور بالهدم ، وبعدئذ يقطع بعدم إتيانه أزيد من سبع ركعات ، فتندرج حينئذ في المسألة السادسة والعشرين المتقدِّمة ، لكونها تلك المسألة بعينها. وقد عرفت حكمها من عدم جريان قاعدة البناء على الأكثر في صلاة العصر المردّدة بين الثلاث والأربع ، وأنّه لا بدّ من إعادتها ، وتجري قاعدة الفراغ في صلاة الظهر من غير معارض.

وأمّا إذا كان الشك عارضاً بين الحالتين ، أعني بعد الدخول في الركوع إلى ما قبل إكمال السجدتين فحيث إنّه محكوم بالبطلان ، لاندراجه في الشكوك غير


1) شرح العروة 18 : 198.

2) شرح العروة 18 : 200.

[2162] المسألة التاسعة والعشرون : لو انعكس الفرض السابق بأن شكّ بعد العلم بأنّه صلّى الظهرين ثمان ركعات قبل السلام من العصر في أنّه صلّى الظهر أربع فالتي بيده رابعة العصر أو صلاها خمساً فالتي بيده ثالثة العصر (1) فبالنسبة إلى الظهر شكّ بعد السلام ، وبالنسبة إلى العصر شكّ بين الثلاث والأربع. ولا وجه لإعمال قاعدة الشك بين الثلاث والأربع في العصر ، لأنّه إن صلّى الظهر أربعاً (1)فعصره أيضاً أربعة فلا محلّ لصلاة الاحتياط ، وإن صلّى الظهر خمساً فلا وجه للبناء على الأربع في العصر


المنصوص على صحّتها المحكومة بالإعادة بمقتضى الإطلاق في صحيحة صفوان فلا مناص من رفع اليد عن هذه الصلاة وإعادة العصر ، وأمّا الظهر فهي مجرى لقاعدة الفراغ كما عرفت.

وممّا ذكرنا يظهر الحال في العشاءين ، فإنّه يحكم بصحّة الصلاتين بعد إجراء القاعدتين على التفصيل الّذي ذكرناه.

(1) ذكر الماتن (قدس سره) أنّ الشك حينئذ بالنسبة إلى الظهر شكّ بعد السلام فهو مورد لقاعدة الفراغ ، وبالنسبة إلى العصر شكّ بين الثلاث والأربع وهو مورد لقاعدة البناء في حدّ نفسه.


1) (*) لا يخفى ما في هذا التعليل ، والصحيح هو التعليل بأنّ العلم بعدم الحاجة إلى صلاة الاحتياط لجبر النقص المحتمل في العصر مانع عن شمول القاعدة لها ، لأنّها إن كانت تامّة لم تحتج إلى صلاة الاحتياط ، وإن كانت ناقصة وجب العدول بها إلى الظهر ، وعلى كلّ حال لا يجبر نقصها المحتمل بصلاة الاحتياط ، وعليه فلا مانع من جريان قاعدة الفراغ في الظهر ، فتجب إعادة العصر خاصّة ، وبذلك يظهر الحال في العشاءين.

وصلاة الاحتياط. فمقتضى القاعدة إعادة الصلاتين ، نعم لو عدل بالعصر إلى الظهر وأتى بركعة أُخرى وأتمّها يحصل له العلم بتحقّق ظهر صحيحة مردّدة بين الاولى إن كان في الواقع سلّم فيها على الأربع ، وبين الثانية المعدول بها إليها إن كان سلّم فيها على الخمس ، وكذا الحال في العشاءين إذا شكّ بعد العلم بأنّه صلّى سبع ركعات قبل السلام من العشاء في أنّه سلّم في المغرب على الثلاث حتّى يكون ما بيده رابعة العشاء أو على الأربع حتّى يكون ما بيده ثالثتها ، وهنا أيضاً إذا عدل إلى المغرب وأتمّها يحصل له العلم بتحقّق مغرب صحيحة أمّا الأُولى أو الثانية المعدول إليها. وكونه شاكّاً بين الثلاث والأربع مع أنّ الشك في المغرب مبطل لا يضرّ بالعدول ، لأنّ في هذه الصورة يحصل العلم بصحّتها مردّدة بين هذه والأولى ، فلا يكتفي بهذه فقط حتّى يقال إنّ الشك في ركعاتها يضرّ بصحّتها.


إلّا أنّ هذه القاعدة لا يمكن إعمالها في العصر ، لأنّه إن صلّى الظهر أربعاً فعصره أيضاً أربع ، ومعه لا حاجة إلى صلاة الاحتياط ، لأنّها إنّما شرعت لجبر النقص المحتمل ، وهو هنا مقطوع العدم حسب الفرض. وإن صلّاها خمساً الملازم لكون ما بيده الثالثة فحيث إنّ الاولى حينئذ فاسدة لا مناص من العدول إليها وضمّ الركعة الموصولة رعاية للترتيب المعتبر بينهما. فلا وجه للبناء على الأربع في العصر وضمّ الركعة المفصولة.

وعلى الجملة : لا مجال لشمول قاعدة البناء لهذه الصلاة وتصحيحها بعنوان العصر ، إذ لا حاجة إلى ركعة الاحتياط على تقدير ، وسالبة بانتفاء الموضوع على التقدير الآخر ، للزوم العدول بعد كون الأُولى فاسدة ، وهذه للترتيب فاقدة الموجب لزوال عنوان العصر. ثمّ فرّع (قدس سره) على ذلك لزوم إعادة

.................................................................................................


الصلاتين وجعلها مقتضى القاعدة.

أقول : ما أفاده (قدس سره) من عدم شمول قاعدة البناء لصلاة العصر هو الصحيح ، لما ذكره (قدس سره) من التعليل الّذي أوضحناه آنفاً من العلم بعدم الحاجة إلى ركعة الاحتياط لو كانت تامّة ، ووجوب العدول بها إلى الظهر لو كانت ناقصة والإتيان بالركعة المتّصلة ، فلا يحتمل جبر النقص المحتمل في العصر بالركعة المفصولة. فلا يمكن تصحيحها عصراً بوجه.

فالتعليل واضح ، إلّا أنّ التفريع غير واضح ، إذ لا يترتّب عليه ما استنتجه من لزوم إعادة الصلاتين ، لابتنائها على تعارض القاعدتين لتجب إعادتهما بمقتضى قاعدة الاشتغال. ولا تعارض في البين ، فانّ الشك بالنسبة إلى الظهر شك بعد السلام فهي مورد لقاعدة الفراغ ، وبالنسبة إلى العصر لا تجري قاعدة البناء حسب الفرض ، فأين المعارضة؟

وبالجملة : بعد البناء على عدم شمول قاعدة البناء لصلاة العصر لأنّها أمّا صحيحة أو فاقدة للترتيب ومحكومة بالعدول كما عرفت. فاذن ما هو المعارض لقاعدة الفراغ الجارية في صلاة الظهر ليحكم بإعادة الصلاتين بعد سقوط القاعدتين بالمعارضة؟.

فالصحيح لزوم إعادة العصر خاصّة بعد رفع اليد عنها من غير حاجة إلى إعادة الظهر.

وهكذا الحال في العشاءين فيما إذا علم أنّه صلّى سبع ركعات ولم يدر أنّه سلّم في المغرب على الثلاث ليكون ما بيده رابعة العشاء ، أو على الأربع حتّى يكون ما بيده ثالثتها ، فانّ الكلام هو الكلام من عدم جريان قاعدة البناء في العشاء ، لأنّها إمّا تامّة أو يجب العدول بها إلى المغرب ، فتجري قاعدة الفراغ في المغرب من غير معارض ، ويعيد العشاء خاصّة بعد رفع اليد عنها ، هذا.

.................................................................................................


ويمكن في كلا الموردين أن لا يرفع اليد ، بل يعدل بما بيده إلى السابقة كما أفاده في المتن. ففي العصر يعدل بها إلى الظهر ، وبعد ضمّ الركعة المتّصلة يجزم بتحقّق ظهر صحيحة مردّدة بين الاولى إن كان قد سلّم فيها على الأربع وبين الثانية المعدول بها إليها إن كان سلّم فيها على الخمس ، وبذلك تحصل البراءة عن الظهر بالعلم الوجداني.

وفي العشاء يعدل بها إلى المغرب ويسلّم من دون ضمّ الركعة ، فيعلم بتحقّق مغرب صحيحة مردّدة بين الاولى والثانية.

ولكن العدول غير واجب في شي‌ء منهما بعد صحّة السابقة ظاهراً بمقتضى قاعدة الفراغ الجارية فيها من غير معارض كما عرفت ، فله رفع اليد عن هذه الصلاة ، إذ لا يمكن تصحيحها عصراً أو عشاء.

وقد يستشكل في العدول في المورد الثاني أعني العشاء بأنّه شاك وجداناً بين الثلاث والأربع ، والشك مبطل في المغرب ، فكيف يعدل إليها ويجزم بوقوع مغرب صحيحة على كلّ تقدير.

فإنّ العبرة في صلاة المغرب بحالة المكلّف نفسه ، ولا بدّ من يقينه وإحرازه وسلامة ركعاتها عن الشك كما في الأُوليين اللّتين هما من فرض اللّه ، ولا عبرة بالواقع. فلو عدل وأتمّ رجاءً ثمّ انكشف بطلان الاولى فكيف يحكم بصحّة الثانية مع اقترانها بالشك الفعلي وجداناً.

ويندفع بأنّ الشك بمجرّده لا يكون مبطلاً ، وإنّما البطلان من أجل عدم إحراز الإتيان بمغرب صحيحة خارجاً ، وفي المقام لا شك من هذه الجهة ، للجزم بأنّ ما بيده الثالثة على تقدير كونها مغرباً ، فهو في نفسه وإن كان يحتمل الأربع في هذه الصلاة بما هي صلاة ، وأمّا بعنوان المغرب فلا يكاد يحتمله بوجه ، لعلمه بأنّ هذه الصلاة إمّا أنّها ليست بمغرب ، أو أنّها لو كانت مغرباً فهي ذات ثلاث ركعات

[2163] المسألة الثلاثون : إذا علم أنّه صلّى الظهرين تسع ركعات ولا يدري أنّه زاد ركعة في الظهر أو في العصر (1) فان كان بعد السلام من العصر وجب عليه إتيان صلاة أربع ركعات بقصد ما في الذمّة ، وإن كان قبل السلام فبالنسبة إلى الظهر يكون من الشك بعد السلام وبالنسبة إلى العصر من الشك بين الأربع والخمس (1)، ولا يمكن إعمال الحكمين ، لكن لو كان بعد إكمال السجدتين وعدل إلى الظهر وأتمّ الصلاة وسجد للسهو يحصل له اليقين بظهر صحيحة أمّا الأُولى أو الثانية.


جزماً ، فهو قاطع بحصول مغرب صحيحة سليمة عن الشك مردّدة بين الاولى والثانية وإن لم يشخّص مصداقها.

(1) فان كان ذلك بعد السلام عن العصر فقاعدة الفراغ في كلتا الصلاتين في نفسها جارية وساقطة بالمعارضة ، لعدم الترجيح في البين ، ومقتضى قاعدة الاشتغال إعادتهما.

ولكنّه حيث يعلم بوقوع إحداهما صحيحة ، فإن قلنا بأنّ العصر المقدّم سهواً يحسب ظهراً كما أفتى به الماتن (2)للنص الصحيح الدال على أنّها أربع مكان أربع (3)، فلأجل علمه حينئذ بالإتيان بظهر صحيحة مردّدة بين الاولى


1) (*) حكم الشك بين الأربع والخمس لا يشمل المقام ، للعلم بعدم صحّة إتمام الصلاة عصراً فإنّها إمّا باطلة بزيادة ركعة فيها أو يجب العدول بها إلى الظهر ، وعليه فتجري قاعدة الفراغ في الظهر وتجب إعادة العصر خاصّة.

2) في المسألة [1182].

3) الوسائل 4 : 290 / أبواب المواقيت ب 63 ح 1.

.................................................................................................


لو كانت الزيادة في الثانية وبين الثانية لو كانت في الأُولى فليس عليه إلّا إعادة العصر فقط ، للقطع بوقوع الظهر الصحيح ، إمّا بحسب أصل نيّته أو بتعبّد من الشرع.

وإن قلنا باحتسابه عصراً لإعراض الأصحاب عن النص وسقوط اشتراط الترتيب بمقتضى حديث لا تعاد (1)الحاكم على الأدلّة الأوّلية ، فحيث إنّه يعلم بفراغ الذمّة عن إحدى الصلاتين لعدم كونه متعمّداً في تقديم العصر لو كان الخلل في الظهر كي يكون مانعاً عن شمول الحديث ، فليس عليه إلّا الإتيان بأربع ركعات بقصد ما في الذمّة المردّد بين الظهر والعصر ، من أجل علمه الإجمالي باشتغال الذمّة بصلاة واحدة.

وإن كان قبل السلام فقد يكون بعد إكمال السجدتين ، وأُخرى في حال القيام ، وثالثة في إحدى الحالات المتخلّلة بينهما من الركوع إلى ما قبل الانتهاء عن ذكر السجدة الثانية الّذي به يتحقّق الإكمال.

أمّا في الصورة الأُولى : فبالنسبة إلى الظهر شكّ بعد السلام ، وهو مورد لقاعدة الفراغ ، وبالنسبة إلى العصر شكّ بين الأربع والخمس. وبما أنّه بعد الإكمال فحكمه في حدّ نفسه البناء على الأربع ثمّ الإتيان بسجود السهو ، إلّا أنّ قاعدة البناء لا يمكن إعمالها في العصر ، للجزم بفسادها عصراً ، إمّا لزيادة الركعة لو كانت خمساً أو لفقد الترتيب لو كانت الاولى خمساً ، وعليه فقاعدة الفراغ تجري في الاولى من غير معارض ، فيحكم بصحّتها ، ويعيد الثانية بعد رفع اليد عنها ، لعدم قبولها للتصحيح بعنوان العصر ، هذا.

وله أن لا يرفع اليد ، بل يعدل بنيّته إلى الظهر رجاءً ويتم ، وبذلك يحصل له اليقين الوجداني بوقوع ظهر صحيحة أمّا الأُولى أو الثانية ، ولا حاجة معه إلى


1) الوسائل 1 : 371 / أبواب الوضوء ب 3 ح 8.

.................................................................................................


سجود السهو وإن صرّح به في المتن ، ضرورة أنّ الفراغ عن الظهر مستند حينئذ إلى العلم الوجداني بوقوع ظهر ذات أربع ركعات مردّدة بين الاولى والثانية ، لا إلى قاعدة الشك بين الأربع والخمس ليجري حكمها من ضمّ سجود السهو كما هو واضح ، فإنّ الحاجة إنّما تكون ماسّة إلى ضمّه لو كنّا بصدد تصحيح هذه الصلاة بخصوصها ، وقد عرفت أنّها غير قابلة للتصحيح بعنوان العصر.

وأمّا في الصورة الثانية : فالشك بالنسبة إلى العصر شك بين الأربع والخمس حال القيام ، وقد عرفت في محلّه (1)أنّ هذا الشك غير منصوص بخصوصه ، أجل بما أنّه مستلزم للشك في الركعة السابقة بين الثلاث والأربع فتجري عملية ذاك الشك من البناء على الأربع في تلك الركعة المستلزم لزيادة القيام ووجوب هدمه.

إلّا أنّ قاعدة البناء لا سبيل إلى إعمالها في المقام ، لرجوع شكّه بعد الهدم إلى العلم بالإتيان بثمان ركعات والشك في أنّه هل سلّم في الظهر على الأربع فهذه رابعة العصر ، أم على الخمس فهذه ثالثتها المندرج في المسألة السابقة بعينها.

وقد عرفت ثمّة امتناع جريان قاعدة البناء على الأربع في صلاة العصر للقطع بعدم الحاجة إلى ركعة الاحتياط لو كانت تامّة ، وبوجوب العدول إلى الظهر لو كانت ناقصة كما مرّ الكلام حول ذلك مستقصى ، وإذ لم يمكن تصحيح هذه الصلاة عصراً فتجري قاعدة الفراغ في صلاة الظهر من غير معارض فيحكم بصحّتها ويعيد العصر بعد رفع اليد عنها.

ويمكنه هنا أيضاً أن لا يرفع اليد ، بل يعدل بها إلى الظهر رجاءً ويتمّها من غير هدم القيام ، وبذلك يقطع وجداناً بحصول ظهر صحيحة ذات أربع ركعات


1) شرح العروة 18 : 200.

.................................................................................................


مردّدة بين الاولى لو كانت الزيادة في هذه ، وبين الثانية لو كانت الزيادة في الاولى ، من غير حاجة إلى الإحراز التعبّدي بقاعدة الفراغ.

وأمّا في الصورة الثالثة : فالأمر أوضح ، لأنّ الشك بين الأربع والخمس فيما عدا حال القيام وما بعد الإكمال من الحالات المتخلّلة بينهما بنفسه موجب للبطلان بمقتضى الإطلاق في صحيحة صفوان (1)بعد عدم كونه من الشكوك المنصوص على صحّتها أو ما يلحق بها. فاذن تكون قاعدة الفراغ الجارية في الظهر سليمة عن أيّ معارض.

وهنا أيضاً يمكنه العدول رجاءً والحصول على ظهر قطعية الصحّة بالعلم الوجداني ، وإن لم يتشخّص مصداقها.

وملخّص الكلام : أنّ العدول الرجائي الموجب للقطع الوجداني بحصول ظهر صحيحة جائز في جميع هذه الصور ، ولكنّه غير لازم ، فيجوز رفع اليد بعد عدم إمكان تصحيح العصر بعنوانها في شي‌ء منها ، المستلزم لجريان قاعدة الفراغ في الظهر من غير معارض. هذا كلّه في الظهرين.

ومن جميع ما ذكرناه يظهر حال الشك في العشاءين الّذي عنونه في المسألة الآتية ، فإنّها ومسألتنا هذه على صعيد واحد ، وتشتركان في ملاك البحث ، ولا فرق إلّا في موضعين :

أحدهما : فيما إذا كان الشك عارضاً بعد السلام ، فانّ اللّازم هنا إعادة الصلاتين بعد تعارض القاعدتين. ولا تكفي صلاة واحدة بقصد ما في الذمّة بعد كونهما مختلفتي العدد كما هو ظاهر.

ثانيهما : من حيث العدول ، فإنّه غير جائز هنا فيما إذا كان الشك بعد إكمال


1) الوسائل 8 : 225 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 15 ح 1.

[2164] المسألة الحادية والثلاثون : إذا علم أنّه صلّى (1)العشاءين ثمان ركعات ولا يدري أنّه زاد الركعة الزائدة في المغرب أو في العشاء وجب إعادتهما ، سواء كان الشك بعد السلام من العشاء أم قبله (1).

[2165] المسألة الثانية والثلاثون : لو أتى بالمغرب ثمّ نسي الإتيان بها بأن اعتقد عدم الإتيان أو شكّ فيه فأتى بها ثانياً وتذكّر قبل السلام أنّه كان آتياً بها ولكن علم بزيادة ركعة إمّا في الأُولى أو الثانية (2) له أن يتم الثانية ويكتفي بها (2)لحصول العلم بالإتيان بها إمّا أوّلاً أو ثانياً ، ولا يضرّه كونه شاكّاً في الثانية بين الثلاث والأربع مع أنّ الشك في ركعات المغرب موجب


السجدتين أو بعد الدخول في الركوع ، لتجاوز محلّه ، نعم فيما إذا كان عارضاً حال القيام يجوز العدول بعد الهدم ، وبذلك يقطع بحصول مغرب صحيحة مردّدة بين الاولى والثانية.

فلا فرق بين المسألتين إلّا من هاتين الناحيتين ، وإلّا فهما من وادٍ واحد فتجري قاعدة الفراغ بالنسبة إلى المغرب من غير معارض فيما إذا كان الشك أثناء العشاء بعد عدم إمكان تصحيحها عشاءً في شي‌ء من الصور المتقدّمة كما عرفت بما لا مزيد عليه.

(1) قد ظهر الحال فيها ممّا قدّمناه آنفاً.

(2) فعلم بإتيانه سبع ركعات في المغربين أو خمس ركعات في الفجرين وجهل محل الزيادة وأنّها في الأُولى أم الثانية.


1) (*) هذه المسألة وسابقتها على ملاك واحد.

2) (**) وله أن يرفع اليد عنها ويبني على صحّة الأُولى بقاعدة الفراغ.

للبطلان ، لما عرفت سابقاً من أنّ ذلك إذا لم يكن هناك طرف آخر يحصل معه اليقين بالإتيان صحيحاً ، وكذا الحال إذا أتى بالصبح ثمّ نسي وأتى بها ثانياً وعلم بالزيادة إمّا في الأُولى أو الثانية.


لا إشكال حينئذ في جريان قاعدة الفراغ في الصلاة الأُولى سليمة عن المعارض ، إذ بعد تذكّر الإتيان والحكم بالصحّة بمقتضى القاعدة فالذمّة فارغة عن المغرب أو الفجر ، فلا أثر للشك في الزيادة في الثانية غير المأمور بها لكي تقع طرفاً للمعارضة. فيجوز رفع اليد عنها والاكتفاء بالأُولى المحكومة بالصحّة لقاعدة الفراغ بعد أن لم يكن مثل هذا العلم الإجمالي منجّزاً.

كما يجوز إتمامها رجاءً بعد احتمال الزيادة في الأُولى وجداناً ، فانّ هذا الاحتمال وإن كان محكوماً بعدم الاعتناء بقاعدة الفراغ فلا يكون مقتضياً لوجوب الإعادة ، إلّا أنّه لا ريب في اقتضائه حُسنَ الاحتياط لرجاء درك الواقع ، وبذلك يقطع بالإتيان بمغرب أو فجر صحيحة مردّدة بين الاولى والثانية.

ودعوى كونه شاكّاً في الثانية بين الثلاث والأربع في المغرب ، أو الثنتين والثلاث في الفجر ، والشك فيهما مبطل فكيف يمكن الإتمام.

ساقطة بما عرفت سابقاً من عدم الشك في ركعات ما هو مصداق للمغرب أو الفجر المردّد بين الاولى والثانية ، فإنّ الزيادة إن كانت في الثانية فالمغرب الاولى قد وقعت ثلاثاً جزماً ، فليست هذه مغرباً ليكون الشك فيها قادحاً. وإن كانت في الأُولى فالمغرب الثانية المقطوع كونها ثلاثاً. فليس ثمة شك فيما هو مصداق للمغرب ، وإنّما الشك في أنّ المغرب هذه أو تلك ، ولا ضير فيه بعد العلم بوقوع مغرب أو فجر صحيحة سليمة عن كل شك.

وعلى الجملة : الروايات المانعة عن الشك في المغرب ناظرة إلى ما هو

.................................................................................................


مصداق للمغرب واقعاً ، وليس هنا شك في ركعات ذاك المصداق جزماً. فلا ينبغي التأمّل في جواز الإتمام رجاءً كما أفاده في المتن.

نعم استشكل فيه شيخنا الأُستاذ (قدس سره) (1)بدعوى أنّه بعد فرض صحّة الأُولى بمقتضى قاعدة الفراغ المستلزم للتعبّد بسقوط الأمر والإتيان بمغرب صحيحة فالثانية زائدة لا جدوى فيها ، وحيث يشك في ركعاتها فكيف يجوز إتمامها مغرباً أو صبحاً ولو برجاء المطلوبية ، وهل هذا إلّا من التشريع المحرّم.

وفيه ما لا يخفى ، فإنّ الثانية وإن كانت زائدة بحسب الحكم الظاهري ويشكّ في ركعاتها ، إلّا أنّه يحتمل أن تكون هي صلاة المغرب أو الفجر واقعاً ، وفي هذا الفرض لا شك في عدد ركعاتها ، فإنّ الزيادة حينئذ في الصلاة الأُولى ، وعليه فلا مانع من إتمامها رجاء.

ولا تشريع ، فانّ صدق التشريع منوط بقصد الأمر الجزمي كي يكون من إدخال ما لم يعلم أنّه من الدين في الدين ، وأمّا الإتيان بعنوان الرجاء (2)

والّذي يكشف عمّا ذكرناه اعتراضه في بعض التعاليق السابقة على ما ادّعاه السيِّد الماتن (قدس سره) من العلم بتحقّق مغرب صحيحة أمّا الأُولى أو الثانية ، بأنّه كيف يعقل حصول هذا العلم من ضم ما يقطع بفساده إلى ما فرضه مشكوك الصحّة.

ولعلّ الوجه في دعوى القطع أنّ الصلاة الثانية إمّا لا أمر بها رأساً ، أو أنّها غير صالحة لحصول الامتثال بها ، نظراً إلى اقترانها بالشك الفعلي الوجداني في عدد ركعاتها المانع عن اتِّصافها بالصحّة. وعلى التقديرين لا يحتمل إصابتها للواقع لتتمشّى نيّة الرجاء.

ودعوى انتفاء الشك على تقدير بطلان الاولى ، غير مجدية في ارتفاع الشك الموجود بالفعل وجداناً.

لكن الإنصاف أنّ متعلّق الشك إنّما هو ذات الصلاة الخارجية منعزلة عن صفة المغربية التقديرية ، أمّا مع مراعاة هذا الوصف الّذي هو الموضوع للحكم فلا شكّ بالضرورة ، بل لا يعقل اجتماع الشك مع افتراض المغربية في مفروض المسألة كما لا يخفى.

فما أفاده سيِّدنا الأُستاذ (دام ظلّه) متين من هذه الجهة.


1) العروة الوثقى 3 : 366.

2) يمكن أن يقال : إنّ الرجاء متقوّم باحتمال الإصابة ، والمحقّق النائيني (قدس سره) يدعي القطع بعدم الإصابة وفساد العبادة ، ومعه لا موضوع للرجاء ، لا أنّه مع الإذعان به يمنعه خشية التشريع ليورد عليه بما هو أوضح من أن يخفى لديه من عدم استلزام العبادة الرجائية للتشريع.

[2166] المسألة الثالثة والثلاثون : إذا شكّ في الركوع وهو قائم وجب عليه الإتيان به فلو نسي حتّى دخل في السجود فهل يجري عليه حكم الشك بعد تجاوز المحل أم لا؟ الظاهر عدم الجريان ، لأنّ الشك السابق باق وكان قبل تجاوز المحل. وهكذا لو شكّ في السجود قبل أن يدخل في التشهّد ثمّ دخل فيه نسياناً وهكذا (1).


وباحتمال ثبوت الأمر الواقعي فليس هو من التشريع في شي‌ء.

ولا ريب في تطرّق هذا الاحتمال في المقام ، لجواز وقوع الزيادة في الصلاة الأُولى وجداناً ، الموجب لعدم سقوط الأمر واقعاً وإن سقط ظاهراً ، ومعه كان الاحتياط حسناً قطعاً ، ولذلك تجوز الإعادة رجاءً لو احتمل خللاً واقعياً في صلاته محكوماً بعدم الاعتناء في ظاهر الشرع. فكما تجوز الإعادة ابتداءً يجوز الإتمام في المقام رجاءً بمناط واحد. ولا مجال لاحتمال التشريع في شي‌ء منهما.

(1) لو شكّ في الركوع حال القيام فلم يدر أنّ هذا قيام بعد الركوع أم قبله

.................................................................................................


فلا ريب في وجوب الإتيان به بمقتضى قاعدة الشك في المحل.

فلو ذهل عن ذلك وسجد نسياناً ثمّ تذكّر فهل يجري عليه حكم الشك بعد تجاوز المحل ، نظراً إلى زوال الشك السابق العارض في المحل وانعدامه بالنسيان وهذا شك جديد طارئ بعد التجاوز فلا يلتفت إليه. أو لا يجري باعتبار أنّ هذا هو الشك السابق بعينه وإن تخلّل بينهما النسيان ، وبما أنّه كان قبل تجاوز المحل فيجب الاعتناء به؟

تردّد الماتن (قدس سره) في ذلك ، ثمّ اختار الثاني. وهو الصحيح ، وذلك لأنّه حينما شكّ كان محكوماً بالاعتناء بمقتضى كون شكّه في المحل ، فلم يكن مأموراً آن ذاك بالسجود ، وإنّما نشأ الإتيان به من النسيان ، ومثله لا يكون محقّقاً للدخول في الغير المعتبر في جريان قاعدة التجاوز ، لعدم كونه من الغير المترتِّب على المشكوك فيه بعد عدم كونه مأموراً به. فلا يكون مشمولاً لدليل القاعدة. هذا أوّلاً.

وثانياً : مع الغض عن ذلك فلا ريب في انصراف الدليل عن مثل هذا الشك المسبوق بمثله في المحل والمتخلّل بينهما النسيان ، فلا يكون مشمولاً للإطلاق ، بل المرجع أصالة عدم الإتيان.

وبعبارة اخرى : مقتضى الأصل الأوّلي وهو الاستصحاب لزوم الاعتناء بالشك ، خرجنا عن ذلك في موارد قاعدة التجاوز والفراغ ونحوهما من القواعد المصحّحة بمقتضى حكومة أدلّتها عليه ، فاذا لم تجر القاعدة في مورد من جهة الانصراف كما في المقام كان المرجع دليل الاستصحاب ، وكان بمجرّده كافياً في لزوم الاعتناء.

ويعضده ما ذكرناه في محلّه (1)من أنّ المستفاد من التعليل بالأذكرية والأقربية


1) مصباح الأُصول 3 : 306.

.................................................................................................


الوارد في نصوص هذه القاعدة (1)أنّها لم تكن قاعدة تعبّدية محضة ، وإنّما اعتبارها من أجل الكاشفية النوعية ، حيث إنّ المتصدّي للامتثال ملتفت غالباً إلى الخصوصيات ، واحتمال الغفلة ملغى بأصالة العدم المتّبعة عند العقلاء وحينئذ فالخروج عن العمل والتجاوز عنه كاشف نوعي عن الإتيان به على وجهه ، ومن ثمّ بنينا على أنّ القاعدة محسوبة من الأمارات.

وهذا كما ترى غير منطبق على المقام ، لعدم كون الدخول في السجود كاشفاً عن الإتيان بالركوع المشكوك فيه بعد فرض كونه مبنياً على الغفلة وناشئاً عن محض النسيان ، فلم يكن آن ذاك أذكر ولا أقرب إلى الحق ، فمثله لا يكون مشمولاً لدليل القاعدة جزماً.

وثالثاً : لو تنازلنا عن هذا أيضاً فلا أقل من الشك في شمول الإطلاق للمقام ، وهو بمجرّده كافٍ في لزوم الرجوع إلى دليل الاستصحاب المقتضى لوجوب الاعتناء بعد عدم نهوض ما يوجب الخروج عنه.

ورابعاً : أنّا لو تنازلنا عن هذا أيضاً وسلمنا شمول الإطلاق حتّى لمثل هذا الشك فكان محكوماً بعدم الاعتناء بمقتضى هذا الشك العارض بعد تجاوز المحل إلّا أنّه كان شاكّاً في المحل أيضاً حسب الفرض ، فيجب عليه الاعتناء بمقتضى ذاك الشك ، والمرجع بعد التعارض هو الاستصحاب.

وبعبارة اخرى : له شكّان ، شك في المحل ومقتضاه الاعتناء بقاعدة الشك في المحل ، وشك في خارجه ومقتضاه عدم الاعتناء بقاعدة التجاوز ، وبعد تعارض القاعدتين وتساقطهما يرجع إلى أصالة عدم الإتيان.

وكيف ما كان ، فلا ينبغي التأمّل في عدم جريان قاعدة التجاوز في المقام


1) الوسائل 1 : 471 / أبواب الوضوء ب 42 ح 7 ، 8 : 246 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 27 ح 3.

[2167] المسألة الرابعة والثلاثون : لو علم نسيان شي‌ء قبل فوات محلّ المنسي ووجب عليه التدارك فنسي حتّى دخل في ركن بعده (1)ثمّ انقلب علمه بالنسيان شكّاً (1) يمكن إجراء قاعدة الشك بعد تجاوز المحل والحكم بالصحّة إن كان ذلك الشي‌ء ركناً ، والحكم بعدم وجوب القضاء وسجدتي السهو فيما يجب فيه ذلك ، لكن الأحوط مع الإتمام (2)إعادة الصلاة إذا كان ركناً والقضاء وسجدتا السهو في مثل السجدة والتشهّد ، وسجدتا السهو فيما يجب في تركه السجود.


ولزوم الاعتناء بالشك ، فيعود لتدارك الركوع إن أمكن ، وإلّا فيحكم بالبطلان كما لو كان التذكّر بعد الدخول في السجدة الثانية.

وهكذا الكلام فيما لو شكّ في السجود قبل أن يدخل في التشهّد ثمّ دخل فيه نسياناً ، ونحو ذلك من الأمثلة كما أشار في المتن.

(1) كما لو علم حال القيام نسيان السجدة أو السجدتين فوجب عليه التدارك لبقاء محل المنسي وعدم فواته بعد ، فغفل عن ذلك حتّى دخل في الركوع ثمّ التفت وانقلب عندئذ علمه بالنسيان شكّاً فزال الاعتقاد السابق وتبدّل بالشك الساري ، فهل تجري حينئذ قاعدة التجاوز باعتبار حدوث الشك في السجود بعد تجاوز المحل ، أو لا ، نظراً إلى سبقه بالعلم بالنسيان المحكوم بلزوم الاعتناء فتجب الإعادة لو كان المنسي ركناً أو القضاء لو كان سجدة واحدة؟


1) (*) لا يعتبر في جريان القاعدة الدخول في الركن ، بل تجري فيما إذا كان قد تجاوز المحل الشكّي وتبدّل نسيانه شكّاً.

2) (**) هذا الاحتياط ضعيف جدّاً.

.................................................................................................


مالَ الماتن (قدس سره) إلى الأوّل. وهو الأقوى ، لوضوح أنّ العلم بالنسيان واعتقاده لم يكن بمجرّده موضوعاً لحكم من الأحكام ، وإنّما هو طريق محض وكاشف عن الواقع ، وتلك الآثار من البطلان أو القضاء ونحوهما مترتّبة على نفس الترك الواقعي المتنجّز بالعلم ، ولا ريب في دوران وصف التنجيز مدار وجود المنجّز حدوثاً وبقاءً. فما دام العلم باقياً والاعتقاد راسخاً كان منجّزاً ، وإلّا فيزول بزواله بطبيعة الحال.

والمفروض في المقام زوال العلم فعلاً وانقلاب الاعتقاد السابق إلى الشك الساري والتردّد في مطابقته للواقع أم كونه جهلاً مركّباً. فهو بحسب النتيجة شاك فعلاً في تحقّق السجدة وقد تجاوز عن محلّها بالدخول في القيام ، فيكون محكوماً بعدم الاعتناء بمقتضى قاعدة التجاوز ، ولا أثر للاعتقاد السابق الزائل بل العبرة بالحالة الفعلية ، وهي مشمولة لعموم القاعدة كما عرفت.

ومنه تعرف أنّ قوله (قدس سره) : فنسي حتّى دخل في ركن بعده. مستدرك لا حاجة إليه ، لعدم دخله في عنوان المسألة وما هو مناط البحث فانّ المدار على انقلاب العلم بالنسيان الحاصل بعد التجاوز عن المحل الشكّي وقبل فوات محلّ المنسي شكّاً ، سواء نسي علمه بالنسيان ودخل في ركن بعده أم لم ينس ولم يدخل ، فانّ مجرّد الانقلاب بالشك كافٍ في المشمولية لعموم قاعدة التجاوز حسبما عرفت. فلا تجب عليه الإعادة ولا القضاء ولا سجود السهو فيها إذا كان المنسي مقتضياً لشي‌ء من ذلك.

وممّا ذكرنا يظهر الحال في المسألة الآتية التي هي من فروع هذه المسألة ، فإنّ اعتقاد نقص ما يوجب القضاء أو سجود السهو كالسجدة الواحدة والتشهّد ونحوهما إنّما يؤثّر ما دام باقياً ، فلو زال الاعتقاد وتبدّل بالشك في الأثناء أو بعد الصلاة سقط الوجوب لا محالة ، وكان مورداً لقاعدة التجاوز أو الفراغ.

[2168] المسألة الخامسة والثلاثون : إذا اعتقد نقصان السجدة أو التشهّد ممّا يجب قضاؤه ، أو ترك ما يوجب سجود السهو في أثناء الصلاة ثمّ تبدّل اعتقاده بالشك في الأثناء أو بعد الصلاة قبل الإتيان به سقط وجوبه وكذا إذا اعتقد بعد السلام نقصان ركعة أو غيرها ثمّ زال اعتقاده.

[2169] المسألة السادسة والثلاثون : إذا تيقّن بعد السلام قبل إتيان المنافي عمداً أو سهواً نقصان الصلاة وشكّ في أنّ الناقص ركعة أو ركعتان (1) فالظاهر أنّه يجري عليه حكم الشك بين الاثنتين والثلاث ، فيبني على الأكثر ويأتي بالقدر المتيقّن نقصانه وهو ركعة أُخرى ويأتي بصلاة احتياطه ، وكذا إذا تيقّن نقصان ركعة وبعد الشروع فيها شكّ في ركعة أُخرى ، وعلى هذا فاذا كان مثل ذلك في صلاة المغرب والصبح يحكم ببطلانهما. ويحتمل جريان حكم الشك (1)بعد السلام بالنسبة إلى الركعة المشكوكة فيأتي بركعة واحدة من دون الإتيان بصلاة الاحتياط ، وعليه فلا تبطل الصبح والمغرب أيضاً بمثل ذلك ويكون كمن علم نقصان ركعة فقط.


وهكذا الحال فيما إذا اعتقد بعد السلام نقصان ركعة أو غيرها وقبل أن يتصدّى للتدارك زال الاعتقاد كما هو ظاهر.

(1) فهل يقتصر على تدارك المقدار المتيقّن نقصه من ضم الركعة المتّصلة للجزم بعدم وقوع السلام في محلّه ، ولا يعتني بالشك بالنسبة إلى المقدار الزائد لكونه من الشك بعد السلام من هذه الجهة.


1) (*) هذا الاحتمال ضعيف ، بل باطل جزماً.

.................................................................................................


أو يجري عليه حكم الشك بين الركعات نظراً إلى أنّ فرض زيادة السلام يستدعي وقوع الشك في الأثناء وعدم خروجه عن الصلاة ، فيجري عليه حكمه من البناء على الأكثر إن كان في الرباعية ، لرجوعه حينئذ إلى الشك بين الثنتين والثلاث ، للجزم بعدم الإتيان بالرابعة والشك في الثالثة ، فيبني على الثلاث ويأتي بركعة موصولة وأُخرى مفصولة. والبطلان إن كان في الثلاثية لرجوعه إلى الشك بين الواحدة والثنتين ، والشك فيها مبطل مطلقاً؟

وأمّا في الثنائية فلا يكاد يتم فيها فرض المسألة من أصله ، لأنّها في نفسها ذات ركعتين ، فاحتمال ترك الركعتين مساوق لاحتمال ترك الصلاة رأساً وعدم الشروع فيها أصلاً ، وهو مخالف لفرض عروض الشك بعد السلام ، إلّا أن يفرض أنّه كبّر وقرأ ثمّ جلس من غير ركوع فسجد وسلم ، فيكون تاركاً للركعة الأُولى أيضاً بترك ركوعها.

وكيف ما كان ، ففي المسألة وجهان ، قد اختار الماتن (قدس سره) الوجه الثاني. وهو الصحيح ، فانّ الشك بعد السلام والانصراف عن الصلاة وإن كان له عنوان خاص مذكور في الأدلّة وهي الصحيحة المتضمّنة للتعليل بالأقربية إلى الحقّ (1)، فهو بعنوانه محكوم بعدم الاعتناء. إلّا أنّ مورده ما إذا كان السلام واقعاً في محلّه ولو بحسب اعتقاد المصلّي ، فالشك العارض بعد مثل هذا السلام المحتمل وقوعه في محلّه وكونه مأموراً به واقعاً محكوم بعدم الالتفات.

وهذا غير منطبق على المقام ، للجزم بزيادة السلام ووقوعه في غير محلّه ، فهو بعد في الصلاة قطعاً وغير خارج عنها ، فشكّه شكّ أثناء الصلاة لا محالة فيعمّه حكمه حسبما عرفت من البناء على الأكثر في الرباعية والإتيان بالمتيقّن نقصه وهي الركعة المتّصلة ثمّ بركعة الاحتياط ويسجد سجدتي السهو للسلام الزائد


1) الوسائل 8 : 246 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 27 ح 3.

[2170] المسألة السابعة والثلاثون : لو تيقّن بعد السلام قبل إتيان المنافي نقصان ركعة ثمّ شكّ في أنّه أتى بها أم لا (1) ففي وجوب الإتيان بها لأصالة عدمه أو جريان حكم الشك في الركعات عليه وجهان ، والأوجه الثاني (1)، وأمّا احتمال جريان حكم الشك بعد السلام عليه فلا وجه له ، لأنّ الشك بعد السلام لا يعتنى به إذا تعلّق بما في الصلاة وبما قبل السلام ، وهذا متعلِّق بما وجب بعد السلام.


والبطلان في المغرب والفجر لو تمّ الفرض في الأخير كما ذكره في المتن.

ومنه تعرف أنّ الوجه الأوّل الّذي احتمله في المتن في غاية الضعف.

(1) فبما أنّ السلام الصادر منه الواقع على النقص زائد جزماً لوقوعه في غير محلّه ، فهل يجب عليه حينئذ الإتيان بالركعة المتيقّن نقصها المشكوك إتيانها استناداً إلى أصالة عدم الإتيان ، أو أنّه يجري عليه حكم الشك في الركعات فيبني على الأربع ويسلِّم ثمّ يأتي بركعة الاحتياط؟

ذكر في المتن أنّ فيه وجهين وأنّ الأوجه الثاني ، ثمّ تصدّى (قدس سره) لدفع احتمال جريان حكم الشك بعد السلام بأنّ ذلك خاص بما إذا تعلّق الشك بما في الصلاة من الأجزاء وما وجب قبل السلام ، فلا يعتنى به حينئذ ، وأمّا في المقام فالشك متعلِّق بما وجب بعد السلام وهي الركعة المتيقّن نقصها المشكوك إتيانها ، فلا يكون مشمولاً لذاك الحكم.


1) (*) هذا فيما إذا لم يعلم بوقوع السلام على تقدير الإتيان بالركعة الناقصة ، وأمّا مع العلم بوقوعه على تقديره فلا يخلو الوجه الأوّل عن وجه وجيه.

.................................................................................................


أقول : الشاك في الإتيان بالركعة المتيقّن نقصها بعد التسليم الزائد قد يفرض علمه بفعل السلام الثاني الموظّف بعدها ، واخرى علمه بالعدم وأنّه على تقدير الإتيان بها لم يسلِّم عنها جزماً ، وثالثة شكّه في ذلك أيضاً.

أمّا في الفرض الأوّل : وإن كان هو غير مراد للماتن جزماً ، وإنّما ذكرناه استقصاءً للأقسام فلا ينبغي الكلام في كونه من الشك بعد السلام المحكوم بعدم الاعتناء ، لتعلّق الشك حينئذ بما كان واجباً قبل السلام ، فيشمله التعليل الوارد في الصحيحة من أنّه حينما يصلِّي أقرب منه إلى الحقّ حينما يشك (1)فتجري قاعدة الفراغ بلحاظ السلام الثاني ، ويبني على الإتيان بالركعة ، وهذا ظاهر.

وأمّا في الفرض الثاني : فلا ينبغي التأمّل في لزوم إجراء حكم الشك في الركعات ، لشكّه وجداناً في أنّ ما بيده الثالثة أم الرابعة بعد فرض التردّد في الإتيان بالركعة الناقصة وعدمه ، فيشمله حكمه من البناء على الأكثر.

وليس له حينئذ ضم تلك الركعة متّصلة استناداً إلى الاستصحاب ، لسقوطه في هذا الباب ، ولزوم سلامة الركعات عن الزيادة والنقصان كما نطقت به موثّقة عمار : «إلا أُعلِّمك شيئاً ...» إلخ (2)، وهذا أيضاً ظاهر.

وأمّا في الفرض الثالث : فالشك في فعل التسليم بعد الركعة على قسمين :

فتارة يعلم بالملازمة بينهما وأنّه على تقدير الإتيان بالركعة فقد سلّم عنها جزماً ، وعلى تقدير عدم الإتيان لم يسلِّم جزماً ، ولا يحتمل التفكيك بأن يكون آتياً بالركعة ولم يسلِّم عنها بعد.


1) تقدّم مصدرها آنفاً ، (نقل بالمضمون).

2) الوسائل 8 : 213 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 8 ح 3 [الظاهر ضعفها سنداً].

.................................................................................................


وأُخرى لم يعلم بذلك أيضاً ، ويشك في كلّ من الركعة والتسليم شكّاً مستقلا فلا يدري أنّه أتى بهما معاً ، أو لم يأت بشي‌ء منهما ، أو أنّه أتى بأحدهما دون الآخر.

أمّا في القسم الأوّل : فلا يمكن إجراء حكم الشك في الركعات ، إذ لو بنى على الأربع وسلم فهو يعلم بعدم وقوع السلام في محلّه جزماً ، لأنّه إن كان قد أتى بالركعة وتسليمتها فهذا سلام زائد واقع خارج الصلاة ولا معنى للسلام بعد السلام ، وإلّا فهو تسليم على الثلاث ، فلم يكن السلام مأموراً به على التقديرين ، ولا يحتمل صحّته كي يكون مشمولاً لقاعدة البناء.

بل اللّازم حينئذ الإتيان بالركعة المشكوكة متّصلة استناداً إلى قاعدة الاشتغال أو استصحاب عدم الإتيان ، وبذلك يقطع ببراءة الذمّة ، لأنّه إن لم يكن آتياً بها واقعاً فوظيفته الإتيان بها متّصلة وقد فعل ، وإلّا فيقع لغواً خارج الصلاة ولا ضير فيه. وعلى أيّ تقدير فصلاته مأمونة عن الزيادة والنقصان.

وأمّا في القسم الثاني : فيجري حكم الشك في الركعات ، إذ بعد كونه مأموراً بالتسليم بمقتضى أصالة العدم ، والمفروض زيادة السلام الأوّل فهو غير خارج بعد عن الصلاة ، فلا جرم يكون شكّه حادثاً في الأثناء بمقتضى التعبّد الاستصحابي. وبما أنّه شاك فعلاً بين الثلاث والأربع وجداناً فيكون مشمولاً لدليل البناء على الأكثر بطبيعة الحال.

ومن جميع ما ذكرناه تعرف أنّ ما أفاده في المتن من جريان حكم الشك في الركعات لا يستقيم على إطلاقه ، بل ينبغي التفصيل بين الصور حسبما عرفت.

[2171] المسألة الثامنة والثلاثون : إذا علم أنّ ما بيده رابعة ويأتي به بهذا العنوان لكن لا يدري أنّها رابعة واقعية أو رابعة بنائية وأنّه شكّ سابقاً بين الاثنتين والثلاث فبنى على الثلاث فتكون هذه رابعة بعد البناء على الثلاث (1) فهل يجب عليه صلاة الاحتياط لأنّه وإن كان عالماً بأنّها رابعة في الظاهر إلّا أنّه شاك من حيث الواقع فعلاً بين الثلاث والأربع ، أو لا يجب لأصالة عدم شك سابق والمفروض أنّه عالم بأنّها رابعته فعلاً؟ وجهان ، والأوجه الأوّل.


(1) فهل تجب عليه صلاة الاحتياط نظراً إلى شكّه الفعلي في عدد الركعات من حيث الواقع ، وأنّ ما بيده هل هي الثالثة أو الرابعة ، غير المنافي لعلمه بأنّها رابعة في الظاهر.

أم لا يجب لأصالة عدم حدوث شكّ سابقاً ، والمفروض علمه بأنّها رابعته فعلاً. فلا شي‌ء عليه بضم الوجدان إلى الأصل؟ وجهان.

ذكر الماتن (قدس سره) أنّ الأوجه الأوّل. وهو الصحيح ، بل لا ينبغي التأمّل فيه ، لرجوع الشك المزبور إلى الشك الفعلي الوجداني بين الثلاث والأربع كما عرفت ، فيشمله حكمه. ولا أثر للأصل المذكور ، فانّ المدار في جريان أحكام الشكوك على الحالة الفعلية ، ولا عبرة بالحالة السابقة.

ومن هنا ذكرنا سابقاً (1)أنّه لو تبدّل كل من الشك والظن واليقين وانقلب إلى الآخر كان المتّبع الحالة اللّاحقة المنقلب إليها ، ولا أثر للسابقة الزائلة. وبما أنّ حالته الفعلية في المقام الشك بين الثلاث والأربع وجداناً جرى عليه حكمه سواء أكان شاكّاً سابقاً بين الثنتين والثلاث أم لا ، فانّ وجود هذا الشك وعدمه


1) شرح العروة 18 : 228.

[2172] المسألة التاسعة والثلاثون : إذا تيقّن بعد القيام إلى الركعة التالية أنّه ترك سجدة أو سجدتين أو تشهّداً ، ثمّ شكّ في أنّه هل رجع وتدارك ثمّ قام أو هذا القيام هو القيام الأوّل (1) فالظاهر وجوب العود إلى التدارك ، لأصالة عدم الإتيان بها بعد تحقّق الوجوب. واحتمال جريان حكم الشك بعد تجاوز المحل لأنّ المفروض أنّه فعلاً شاك وتجاوز عن محلّ الشك لا وجه له ، لأنّ الشك إنّما حدث بعد تعلّق الوجوب ، مع كونه في المحل بالنسبة إلى النسيان ولم يتحقّق التجاوز بالنسبة إلى هذا الواجب.


سيّان. فلا أثر لأصالة عدم الشك سابقاً.

وعلى الجملة : لا مناص من ضم ركعة الاحتياط ، لعدم الأمن عن النقص الواقعي المحتمل بالوجدان إلّا بذلك ، ولا بدّ من سلامة الركعات عن الزيادة والنقصان كما دلّت عليه موثّقة عمار على ما تقدّم (1)، فتكون متمّمة على تقدير النقص ونافلة على التقدير الآخر.

(1) فعلم بالإتيان بقيام زائد لوقوعه قبل السجدة أو السجدتين أو التشهّد أو كلّ ذلك ، لنسيان البعض منها أو جميعها ، وشكّ في أنّ القيام الّذي بيده هل هو ذاك القيام الزائد أو أنّه قيام ثانٍ أتى به بعد العود وتدارك المنسي.

ذكر الماتن (قدس سره) حينئذ أنّه يجب عليه الرجوع والتدارك. وهو الصحيح لأصالة عدم الإتيان بما وجب تداركه بعد العلم بالنسيان ، مضافاً إلى قاعدة الاشتغال.

وذهب بعض الأساطين (قدس سرهم) إلى عدم الوجوب ، استناداً إلى قاعدة التجاوز ، بدعوى أنّه لا يعتبر في جريان القاعدة إلّا مجرّد الدخول فيما يحتمل


1) في ص 240 ، [وتقدّم الإشكال في سندها].

.................................................................................................


كونه مأموراً به وواقعاً على وجهه ، فيكفي عروض الشك بعد الإتيان بما هو صالح للجزئية ، وقابل لأن يكون من الغير المترتِّب على المشكوك فيه. فلو شكّ وهو في السورة في جزء سابق جرت القاعدة وإن لم يدر أنّ السورة أتى بها في محلّها أم أنّها كانت زائدة ، للاكتفاء بمجرّد احتمال كونها مأموراً بها.

وهذا الضابط منطبق على المقام ، لفرض حدوث الشك في قيام يصلح للجزئية ويحتمل كونه مأموراً به. ومجرّد العلم بوجود قيام باطل في البين لا يمنع عن تحقّق موضوع القاعدة. فلا قصور في جريانها بالنسبة إلى السجدة المشكوكة ، لصدق التجاوز عنها بالدخول فيما عرفت.

وما في عبارة الماتن (قدس سره) من بقاء المحل بالنسبة إلى النسيان ، وعدم تحقّق التجاوز بالإضافة إليه لا يمنع عن كونه بعد التجاوز بالنسبة إلى الشك ، إذ المدار في جريان القاعدة على التجاوز عن محل الفعل نفسه ، والتعدِّي عن المحل الشكِّي دون السهوي كما لا يخفى.

أقول : ما أفاده (قدس سره) لا يمكن المساعدة عليه بوجه ، فانّ الغيرَ المعتبرَ في جريان القاعدة وإن كان يكفي فيه مجرّد احتمال وقوعه مترتِّباً على المشكوك فيه وكونه مأموراً به وواقعاً على وجهه ، إلّا أنّه لا بدّ من إحراز الدخول في ذات الغير المحتمل ترتّبه ، تحقيقاً لصدق التجاوز والتعدِّي عن محلّ المشكوك فيه المتقوّم به جريان القاعدة ، كما لو شكّ في الركوع بعد الدخول في السجود الّذي هو جزء مستقل قد دخل فيه وجداناً ، المحتمل وقوعه في محلّه وترتّبه على المشكوك فيه.

وأمّا مع عدم إحراز الدخول في الغير أصلاً ، واحتمال كون المحل باقياً وعدم كونه متجاوزاً عنه ، كما لو شكّ في الركوع ولم يكن محرزاً للدخول في السجود فليس هو مورداً لجريان القاعدة قطعاً.

[2173] المسألة الأربعون : إذا شكّ بين الثلاث والأربع مثلاً فبنى على الأربع ثمّ أتى بركعة أُخرى سهواً فهل تبطل صلاته من جهة زيادة الركعة أم يجري عليه حكم الشك بين الأربع والخمس؟ وجهان ، والأوجه الأوّل (1).


ومقامنا من هذا القبيل ، لجواز كون القيام الّذي بيده هو بعينه القيام السابق المستلزم حينئذ لعدم كونه داخلاً في الغير أصلاً ، فلم يكن التجاوز محرزاً بوجه.

وبعبارة اخرى : القيام الأوّل زائد حسب الفرض فوجوده كالعدم ، ولم يتحقّق التجاوز بالدخول فيه قطعاً ، والقيام الثاني مشكوك الوجود من أصله لاحتمال كونه القيام الأوّل بعينه ، المحكوم فيه بلزوم الرجوع والتدارك ، فلم يحرز الدخول في الغير ، ومعه نشكّ في صدق التجاوز لا محالة.

وقد عرفت لزوم إحرازه في جريان القاعدة ، المتوقّف على العلم بالدخول في الغير المترتِّب ، وتمحّض الشك في وقوعه في محلّه من أجل الشك في وجود الجزء وعدمه ، وهو مفقود في المقام.

نعم ، لو رأى نفسه فعلاً في القراءة أو التسبيح ولم يدر أنّه بعد في القيام الأوّل وقد غفل فدخل في القراءة أم أنّه رجع وتدارك المنسي وهذا قيام ثانٍ مشتمل على القراءة في محلها ، فبما أنّه شاك فعلاً في تدارك المنسي من السجدة أو التشهّد لا مانع من جريان قاعدة التجاوز حينئذ ، لا بلحاظ الدخول في القيام فإنّه مشكوك فيه حسبما عرفت ، بل بلحاظ الدخول في القراءة أو التسبيح.

(1) الشاك بين الثلاث والأربع المحكوم بالبناء على الأربع إذا غفل فأضاف إليها ركعة متّصلة المستلزم لشكّه الفعلي بين الأربع والخمس بطبيعة الحال هل يجري عليه حكم هذا الشك ، نظراً إلى أنّ العبرة في أحكام الشكوك بالحالة الفعلية ، ولا أثر للحالة السابقة الزائلة ، وبما أنّه شاك فعلاً بين الأربع والخمس

.................................................................................................


وجداناً فيشمله حكمه من البناء على الأربع والإتيان بسجدتي السهو.

أو لا يجري لأجل اختصاص حكم هذا الشك كغيره من الشكوك بما إذا حدث ابتداءً ، ولا يعمّ ما إذا كان متفرِّعاً على الشك السابق ومتولّداً منه كما في المقام ، حيث إنّ هذا الشك من فروع الشك السابق ومترتِّب عليه بعد ضمّ الركعة المتّصلة ، فلا يكون مشمولاً لحكم هذا الشك ، بل اللّازم إعمال حكم الشك الأوّل المستلزم لاتِّصاف الركعة بالزيادة الموجبة للبطلان؟ فيه وجهان اختار ثانيهما في المتن. وهو الصحيح.

ولتوضيحه نقول : من المعلوم عدم الفرق بين الوجهين وعدم ترتّب أثر في البين فيما إذا كان التذكّر بعد الإتيان بركعة ناقصة ، أي حال القيام إلى الركعة الزائدة المحتمل كونها خامسة ، للزوم هدم القيام حينئذ سواء أكان محكوماً بحكم الشك بين الثلاث والأربع أو الأربع والخمس ، لاتِّصاف القيام حينئذ بالزيادة الموجبة للزوم هدمه وإجراء حكم الشك بين الثلاث والأربع على التقديرين ، وهذا واضح ، فتكون الصلاة محكومة بالصحّة على كلّ حال.

كما لا فرق بينهما أيضاً فيما إذا كان التذكّر بعد التجاوز عن القيام وقبل إكمال السجدتين كحال الركوع ونحوه من الحالات المتخلّلة بينهما ، لبطلان الصلاة حينئذ على التقديرين ، إذ لو كان من الشك بين الأربع والخمس فهو باطل قبل إكمال السجدتين ، ولو كان من الشك بين الثلاث والأربع فهو أيضاً باطل من أجل زيادة الركن.

فالفرق بين الوجهين إنّما يظهر فيما إذا كان التذكّر بعد الإتيان بركعة تامّة ، أي بعد إكمال السجدتين ، حيث إنّه محكوم بالصحّة لو كان من الشك بين الأربع والخمس ، وبالبطلان لو كان من الشك بين الثلاث والأربع. فيختلف الوجهان في هذه الصورة فقط.

.................................................................................................


والأقوى هو البطلان كما عرفت ، لأنّ الركعة السابقة كانت رابعة بمقتضى التعبّد الشرعي ، فكانت وظيفته التسليم والإتيان بالركعة المفصولة ، وقد زاد ركعة على هذه الوظيفة وجداناً ، فيشمله قوله (عليه السلام) : من زاد في صلاته ركعة استقبل استقبالا (1).

إذ ليس المراد بالزيادة القادحة تحقّقها بحسب الواقع ليورد بعدم العلم بها في المقام ، بل المراد كما يظهر من النص اشتمال الصلاة على الزيادة على ما تقتضيه الوظيفة الفعلية الثابتة بمقتضى التعبّد الشرعي ، وقد عرفت أنّها محرزة بالوجدان. ومن المعلوم عدم الفرق في البطلان بزيادة الركعة بين العمدية والسهوية.

ودعوى انقلاب الشك السابق بين الثلاث والأربع إلى الشك الفعلي بين الأربع والخمس ، والمدار في ترتيب أحكام الشكوك على الحالة الفعلية. مدفوعة بأنّ العبرة وإن كانت بالحالة الفعلية كما ذكرناه سابقاً (2)فلا أثر للشك الحادث أوّلاً ، إلّا أنّه خاص بما إذا زال الشك السابق فانقلبت تلك الحالة وتبدّلت بحالة أُخرى ، كما لو تبدّل الشك بالظن أو اليقين ، أو انقلب إلى شك آخر كانقلاب الشك بين الثنتين والثلاث إلى الثلاث والأربع ، بحيث انعدمت تلك الحالة بالكلِّيّة وقامت حالة اخرى مقامها.

وأمّا في المقام فلا انقلاب ولا تبدّل ، ولم تكن الحالة السابقة زائلة ، بل هي لا تزال باقية ، فإنّه الآن شاك أيضاً في أنّ الركعة السابقة هل كانت ثالثة أم رابعة ، وإنّما نشأ الشك بين الأربع والخمس من ضمّ الركعة المتّصلة إليها.

فهذا من فروع الشك السابق وشؤونه ومسبّب عنه ومترتّب عليه ، وليس شكّاً ابتدائياً استقلالياً ، فلا يكون مشمولاً لدليل هذا الشك ، لاختصاصه


1) الوسائل 8 : 231 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 19 ح 1 ، (نقل بالمضمون).

2) في ص 242.

.................................................................................................


كغيره من أدلّة الشكوك بالشك الحادث ابتداءً كما سبق ، بل هو مشمول لدليل الشك السابق الباقي فعلاً ، أعني الشك بين الثلاث والأربع ، ونتيجته البطلان كما عرفت.

ولو تنزّلنا وسلمنا الإطلاق في دليل الشك بين الأربع والخمس وشموله لمثل المقام ممّا تسبّب عن غيره فهو معارض بالإطلاق في دليل الشك بين الثلاث والأربع ، الشامل لما إذا أُضيفت ركعة سهواً فتولّد الشك بين الأربع والخمس.

والمرجع بعد تعارض الإطلاقين وتساقطهما إطلاق صحيحة صفوان الدالّة على البطلان (1)المؤيّدة بما دلّت عليه الروايات من لزوم سلامة الركعات عن الزيادة والنقصان (2)، لتطرّق احتمال الزيادة هنا بالوجدان ، ولا مؤمّن عنه عدا دليل الشك بين الأربع والخمس الساقط بالمعارضة حسب الفرض. فلا مناص من الإعادة.

فهذه المسألة إمّا داخلة في دليل الشك بين الثلاث والأربع ، أو مشمولة لصحيحة صفوان بعد تعارض الدليلين وتساقط الإطلاقين. ونتيجته البطلان على التقديرين حسبما عرفت.

ويتفرّع على ما ذكرناه من اختصاص أدلّة الشكوك بالحدوث وعدم العبرة بما تسبّب عن غيره عدّة فروع.

منها : ما لو شكّ بين الواحدة والثنتين فغفل وأضاف ركعتين فأصبح شاكّاً بين الثلاث والأربع ، أو كان شاكّاً بين الثنتين والثلاث قبل الإكمال فنسي وأتمّ الركعة ثمّ التفت فكان شكّه بين الثنتين والثلاث بعد الإكمال.


1) الوسائل 8 : 225 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 15 ح 1.

2) الوسائل 8 : 212 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 8.

[2174] المسألة الحادية والأربعون : إذا شكّ في ركن بعد تجاوز المحل ثمّ أتى به نسياناً فهل تبطل صلاته من جهة الزيادة الظاهرية أو لا ، من جهة عدم العلم بها بحسب الواقع؟ وجهان (1)(1) والأحوط الإتمام والإعادة.


ونحوه ما لو شكّ بين الواحدة والثنتين قبل الإكمال فأضاف ركعة ثمّ التفت بعد الإكمال وهكذا ، ففي شي‌ء من ذلك لا يمكن الحكم بالصحّة بدعوى اندراج الشك الفعلي في الشكوك الصحيحة ، فإنّه ساقط جزماً ، لعدم كونه شكّاً جديداً وإنّما هو من فروع الشك السابق المحكوم بالبطلان الباقي إلى الآن.

ومنها : ما لو شكّ في فعل كالركوع قبل تجاوز المحل فكان محكوماً بالإتيان بقاعدة الشك في المحل ثمّ غفل فدخل في السجدة أو السجدتين ثمّ التفت فشكّ في الركوع ، أفهل يحتمل القول بعدم الاعتناء نظراً إلى كونه من الشك بعد التجاوز ، مع أنّ هذا من فروع الشك السابق ومترتِّب عليه ، ولم تكن السجدة مأموراً بها وإنّما أتى بها غفلة ، وهكذا الحال في بقية الموارد.

وعلى الجملة : لا ينبغي التأمّل في ظهور أدلّة الشكوك في الشك الحادث ابتداءً ، وأمّا المتفرِّع عن غيره فالعبرة فيه بالشك السابق.

(1) وقد ظهر ممّا قدّمناه في المسألة السابقة أنّ المتعيّن هو الحكم بالبطلان حيث عرفت ثمة أنّ المراد بالزيادة المبطلةِ الإتيانُ بشي‌ء غير مأمور به بقصد الجزئية زائداً على ما تقتضيه الوظيفة الفعلية ، والركوع المأتي به في المقام بعد كونه موظّفاً بعدم الاعتناء بالشك فيه بمقتضى قاعدة التجاوز من هذا القبيل فيشمله قوله (عليه السلام) : «من زاد في صلاة ركعة أي ركوعاً استقبل


1) (*) أظهرهما البطلان.

[2175] المسألة الثانية والأربعون : إذا كان في التشهّد فذكر أنّه نسي الركوع ومع ذلك شكّ في السجدتين أيضاً (1) ففي بطلان الصلاة من حيث


استقبالاً» (1)، وقوله : «لا تعاد الصلاة من سجدة وإنّما تعاد من ركعة» (2)أي الركوع ، ونحوهما من الأدلّة.

حيث إنّ المستفاد منها أنّ الإتيان بالركن عمداً وسهواً زائداً على ما تقتضيه الوظيفة الفعلية مبطل للصلاة ، ولأجل ذلك لا يجوز له الإتيان به حتّى رجاء.

فلو شكّ في السجدتين بعد الدخول في القيام فكان موظّفاً بعدم الاعتناء بمقتضى قاعدة التجاوز ليس له العود والإتيان بهما ولو بعنوان الرجاء ، لما عرفت من استلزامه الزيادة على الوظيفة الفعلية وجداناً بعد كونه محكوماً بالإتيان بهما بمقتضى التعبّد الشرعي.

(1) فهل يحكم حينئذ ببطلان الصلاة نظراً إلى أنّه بعد كونه محكوماً بالإتيان بالسجدتين بمقتضى قاعدة التجاوز فقد تعذّر معه تدارك الركوع لفوات محلّه بالدخول في الركن ، ونقصه موجب للبطلان.

أو يحكم بالصحّة ، لعدم جريان قاعدة التجاوز في المقام كما ستعرف ، فيرجع لتدارك الركوع المنسي بعد بقاء محلّه ويأتي بالسجدتين بعده.

أو يفصّل بين سبق الشك في السجدتين ثمّ تذكّر النسيان فيحكم حينئذ بالبطلان ، لدخوله في تذكّر نسيان الركوع بعد الدخول في ركن آخر ، وبين العكس ، إذ مع سبق التذكّر على الشك كان محكوماً بالرجوع لتدارك الركوع فلا أثر للشك بعد ذلك فيحكم بالصحّة؟ وجوه.


1) الوسائل 8 : 231 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 19 ح 1 (نقل بالمضمون).

2) الوسائل 6 : 319 / أبواب الركوع ب 14 ح 2 ، 3 (نقل بالمضمون).

إنّه بمقتضى قاعدة التجاوز محكوم بأنّه أتى بالسجدتين فلا محلّ لتدارك الركوع أو عدمه إمّا لعدم شمول قاعدة التجاوز في مورد يلزم من إجرائها بطلان الصلاة وإمّا لعدم إحراز الدخول في ركن آخر ، ومجرّد الحكم بالمضي لا يثبت الإتيان؟ وجهان ، والأوجه الثاني (1)، ويحتمل الفرق بين سبق تذكّر النسيان وبين سبق الشك في السجدتين ، والأحوط العود إلى التدارك ثمّ الإتيان بالسجدتين وإتمام الصلاة ثمّ الإعادة ، بل لا يترك هذا الاحتياط.


أحسنها أوسطها كما عليه في المتن ، لعدم جريان قاعدة التجاوز في المقام من غير فرق بين سبق الشك أو سبق تذكّر النسيان ، وذلك :

أمّا بناءً على اعتبار الدخول في الغير المترتِّب وعدم الاكتفاء بمطلق الغير كما هو الصحيح فواضح ، إذ التشهّد الصادر منه بما أنّه واقع قبل الركوع فهو زائد غير مأمور به جزماً ، ولم يقع في محلّه ووجوده كالعدم ، فلا يكون محقّقاً للدخول في الغير المعتبر في جريان القاعدة بالنسبة إلى السجدتين ، لعدم كونه مترتّباً عليهما بعد زيادته القطعية.

ولا فرق بين سبق التذكّر وعدمه ، فانّ العبرة في جريان القاعدة وغيرها من سائر أحكام الشكوك بمرحلة البقاء دون الحدوث ، فاذا تذكّر ولو متأخّراً نسيان الركوع فقد أحرز فعلاً زيادة التشهّد ووقوعه في غير محلّه ، فهو كاشف بقاءً


1) (*) لا لما ذكر ، بل لأنّ التشهّد لم يقع جزءاً من الصلاة قطعاً ، فلا يتحقّق معه الدخول في الغير. على أنّ السجدتين المشكوك فيهما في مفروض المسألة لم يؤمر بهما قطعاً ، فلا معنى لجريان قاعدة التجاوز بالإضافة إليهما ، فتجري فيهما أصالة العدم ، فلا بدّ من الرجوع وتدارك الركوع وإتمام الصلاة بلا حاجة إلى إعادتها ، من غير فرق بين تقدّم الشك على تذكّر النسيان وتأخّره عنه.

.................................................................................................


عن وقوعه قبل الركوع وأنّ الشك الحادث سابقاً لم يكن مورداً لقاعدة التجاوز لعدم كونه داخلاً في الغير المترتِّب كما هو ظاهر.

وأمّا بناءً على كفاية الدخول في مطلق الغير وإن لم يكن مترتِّباً فلأنّ القاعدة إنّما شرّعت لتفريغ الذمّة عن امتثال المأمور به لدى الشك فيه ، وأنّه هل أتى بما هي وظيفته أم لا. فبمقتضى التعبّد الشرعي المستفاد من قوله (عليه السلام) : «يا زرارة ، إذا خرجتَ من شي‌ء ثمّ دخلتَ في غيره فشكّك ليس بشي‌ء» (1)يبني على الإتيان ولا يعتني بالشك.

وأمّا إذا كان شكّه متعلِّقاً بالإتيان بشي‌ء لم يكن مأموراً به وأنّه على تقدير وقوعه فهو عمل زائد أجنبي عن أجزاء الصلاة ، فلا معنى للتعبّد بوقوعه كي يشمله عموم القاعدة.

ومقامنا من هذا القبيل ، فانّ السجدتين قبل الركوع لا أمر بهما ، فليس الشك متعلِّقاً بالإتيان بالوظيفة ، بل في وجود المبطل وعدمه ، ومثله غير مشمول للقاعدة بتاتاً.

وعلى الجملة : فلا مسرح لقاعدة التجاوز في المقام إمّا لعدم الدخول في الغير المترتِّب ، أو لتعلّق الشك بما لم يكن مأموراً به ، فاذا لم تكن القاعدة جارية وجب الرجوع لتدارك الركوع بعد دفع احتمال الإتيان بالسجدتين المترتِّب عليه البطلان لامتناع التدارك بأصالة العدم ، فيأتي بالركوع المنسي وبعده بالسجدتين ويتم صلاته ولا شي‌ء عليه ، من غير فرق بين سبق الشك وعدمه كما عرفت.


1) الوسائل 8 : 237 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 23 ح 1.

[2176] المسألة الثالثة والأربعون : إذا شكّ بين الثلاث والأربع مثلاً (1)وعلم أنّه على فرض الثلاث ترك ركناً أو ما يوجب القضاء أو ما يوجب سجود السهو لا إشكال في البناء على الأربع وعدم وجوب شي‌ء عليه ، وهو واضح (1) ، وكذا إذا علم أنّه على فرض الأربع ترك ما يوجب القضاء أو ما يوجب سجود السهو ، لعدم إحراز ذلك بمجرّد التعبّد بالبناء على الأربع ، وأمّا إذا علم أنّه على فرض الأربع ترك ركناً أو غيره ممّا يوجب بطلان الصلاة فالأقوى بطلان صلاته ، لا لاستلزام البناء على الأربع ذلك ، لأنّه لا يثبت ذلك ، بل للعلم الإجمالي بنقصان الركعة أو ترك الركن مثلاً فلا يمكن البناء على الأربع حينئذ.


(1) إذ بعد البناء على كون ما بيده الركعة الرابعة فالنقص المفروض على تقدير الثلاث لا أثر له بعد كونه محكوماً بعدم الاعتناء بهذا التقدير بمقتضى البناء المزبور.

وأمّا لو انعكس الفرض فأيقن بالنقص على تقدير الأربع ، فإن كان ممّا يوجب القضاء أو سجود السهو فكذلك ، للشك في تحقّق السبب. ومجرّد التعبّد بالبناء على الأربع لا يقتضي إحرازه.

وإن كان ممّا يوجب البطلان لكون الناقص ركناً بطلت الصلاة ، لا لكونه لازم البناء المزبور ، فإنّه لا يثبت النقص ، بل لأجل العلم الإجمالي بنقص الركعة


1) (*) ظهر ممّا تقدّم أنّ جريان قاعدة البناء على الأكثر يتوقّف على أمرين : احتمال صحّة الصلاة في نفسها واحتمال جبر النقص المحتمل بصلاة الاحتياط ، وعليه فاذا علم الشاك بترك ركن على تقدير الثلاث أو بتركه على تقدير الأربع بطلت صلاته ولا تجري القاعدة في شي‌ءٍ من الفرضين.

.................................................................................................


أو بترك الركن ، ومثله لا يكون مشمولاً لدليل البناء على الأربع.

وأورد عليه شيخنا الأُستاذ (قدس سره) في تعليقته (1)الأنيقة بأنّه لا أثر لهذا العلم الإجمالي ، حيث إنّ تنجيزه منوط بتعارض الأُصول ، ولا تعارض بعد كون نقصان الركعة مورداً لقاعدة الاشتغال القاضية بلزوم الإتيان بالركعة المفصولة الموجب لتدارك النقص الواقعي ، وترك الركن مورداً لقاعدة التجاوز فينحلّ العلم الإجمالي بالأصل المثبت للتكليف والنافي له.

أقول : الظاهر أنّه لا بدّ من البطلان في كلا الفرضين فيما إذا كان المتروك ركناً ، ولا بأس به في غير الركن ممّا يوجب القضاء أو سجود السهو.

أمّا الثاني فظاهر ، فإنّ الصلاة محكومة بالصحّة حتّى لو كان الترك معلوماً تفصيلاً ، من غير فرق بين كونه في الثالثة أو الرابعة ، لعدم قصور في أدلّة البناء على الأكثر عن الشمول لذلك ، غاية الأمر احتمال وجوب القضاء أو سجود السهو وأنّه على تقدير كون الركعة ثالثة أو كونها رابعة يعلم بوجوب ذلك.

إلّا أنّ التقدير غير محرز حسب الفرض ، فهو بالأخرة شاك في تحقّق النقص فلا يجب عليه شي‌ء بمقتضى قاعدة التجاوز. ومن المعلوم أنّ دليل البناء على الأربع لا يثبت النقصان ، لعدم كونه متعرّضاً لإثبات اللوازم ، وإنّما هو ناظر إلى مجرّد البناء عليه في مقام العمل ، فلا تترتّب عليه آثار الأربع الواقعية. فهذه الصورة لعلّها واضحة.

وأمّا الأوّل أعني البطلان في الركن فلعدم إمكان التمسّك بأدلّة البناء على الأكثر في مثل المقام ، والوجه فيه ما ذكرناه سابقاً (2)من أنّ شمول هذه الأدلّة يتوقّف على أمرين ، ومنوط بتحقّق ركنين :


1) العروة الوثقى 3 : 380 وتبعه جمع من أعلام المحشّين.

2) شرح العروة 18 : 169.

.................................................................................................


أحدهما : احتمال صحّة الصلاة في حدّ نفسها مع قطع النظر عن صلاة الاحتياط ، وأنّها على تقدير التمامية فهي صحيحة والتسليم واقع في محلّه.

ثانيهما : احتمال كون الركعة جابرة على تقدير النقص ، المتوقّف على أن تكون الصلاة صحيحة من غير ناحية النقص ليكون نقصها المحتمل منجبراً بركعة الاحتياط ، فمع العلم بعدم الجبر على تقدير النقص لا يكون مشمولاً لتلك الأدلّة ، لصراحة قوله (عليه السلام) : «أ لا أُعلِّمك ...» إلخ (1)في لزوم حفظ الركعات عن احتمال الزيادة والنقصان.

وعلى الجملة : فهذان الأمران مقوّمان لدليل البناء لكي تكون الركعة مردّدة بين كونها نافلة على تقدير ، وجابرة على التقدير الآخر حتّى يحصل معه القطع بفراغ الذمّة على كلّ من تقديري النقص وعدمه على ما هو صريح قوله (عليه السلام) : «أ لا أُعلِّمك شيئاً إذا فعلته ثمّ ذكرت أنّك أتممت أو نقصت لم يكن عليك شي‌ء».

فمع انتفاء أحد الأمرين لا يشمله الدليل وإن تحقّق الأمر الآخر. والمقام من هذا القبيل ، لانتفاء أحد الركنين في كلّ من الفرضين.

فالفرض الأوّل أعني ما لو علم بترك الركن على تقدير الثلاث فاقد للركن الثاني ، لعدم كون صلاة الاحتياط جابرة للنقص حينئذ جزماً ، فإنّ الصلاة إن كانت تامّة فلا حاجة إلى الركعة المفصولة ، وإن كانت ناقصة فهي باطلة حسب الفرض ، ولا يمكن جبر الصلاة الفاسدة بصلاة الاحتياط بالضرورة.

فيعلم أنّ هذه الركعة غير جابرة إمّا لعدم الحاجة إليها أو لبطلان الصلاة فوجودها كالعدم ، ومعه لا يكون الفرض مشمولاً لدليل البناء قطعاً ، فكيف


1) الوسائل 8 : 213 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 8 ح 3.

[2177] المسألة الرابعة والأربعون : إذا تذكّر بعد القيام أنّه ترك سجدة من الركعة التي قام عنها (1) فان أتى بالجلوس بين السجدتين ثمّ نسي السجدة الثانية يجوز له الانحناء إلى السجود من غير جلوس ، وإن لم يجلس أصلاً وجب عليه الجلوس ثمّ السجود ، وإن جلس بقصد الاستراحة والجلوس بعد السجدتين ففي كفايته عن الجلوس بينهما وعدمها وجهان ، الأوجه الأوّل ولا يضر نيّة الخلاف ، لكن الأحوط الثاني فيجلس ثمّ يسجد.


يدّعي الماتن (قدس سره) نفي الإشكال في البناء على الأربع حينئذ سيما مع دعوى الوضوح ، حيث يقول (قدس سره) : وهو واضح. بل إنّ خلافه واضح حسبما عرفت.

والفرض الثاني أعني العلم بترك الركن على تقدير الأربع فاقد للركن الأوّل ، فإنّ الركعة حينئذ وإن كانت صالحة للجبر على تقدير النقص إلّا أنّه على تقدير التمامية كانت الصلاة باطلة في نفسها ، وقد عرفت أنّه لا بدّ من كون الصلاة محتملة الصحّة على هذا التقدير ليشملها قوله (عليه السلام) : لم يكن عليك شي‌ء إن زدت أم نقصت. الوارد في موثّقة عمار (1)، وهنا عليه شي‌ء لو كانت تامّة لفرض بطلانها حينئذ.

وعلى الجملة : فهذان الركنان المعتبران في شمول هذه الروايات مفقودان هنا في كلا الفرضين ، لفقد كلّ منهما أحد الأمرين ، وعليه فلا مناص من الحكم بالبطلان ، لعدم إمكان تصحيح الصلاة بوجه.

(1) لا إشكال حينئذ في وجوب العود لتدارك السجود ، فان كان آتياً بالجلوس الواجب بين السجدتين ثمّ نسي السجدة الثانية فقام ، أهوى حينئذ


1) تقدّم مصدرها آنفاً ، [نقل بالمضمون ، وقد قدّمنا أنّها ضعيفة سنداً].

[2178] المسألة الخامسة والأربعون : إذا علم بعد القيام أو الدخول في التشهّد نسيان إحدى السجدتين وشكّ في الأُخرى (1) فهل يجب عليه إتيانهما


إلى السجود رأساً من غير حاجة إلى الجلوس ، لعدم الموجب لفعله ثانياً بعد الإتيان به أوّلا.

كما أنّه لو لم يجلس أصلاً وجب عليه الجلوس قبل السجود ، لوجوبه بين السجدتين ولم يتحقّق ، ولا موجب لسقوطه ، فلا بدّ من الإتيان به كما هو واضح.

وأمّا لو كان قد جلس بعد الاولى باعتقاد أنّها الثانية فأتى به بعنوان جلسة الاستراحة فالظاهر كفايته عن الجلوس الواجب بين السجدتين كما أفاده في المتن ، فيهوي أيضاً من غير حاجة إلى الجلوس ثانياً ، لأنّ المأمور به ذات الجلوس بين السجدتين وطبيعيه من غير تعنونه بعنوان خاص ، وقد تحقّق خارجاً غايته أنّه تخيّل كونه بعد السجدتين فكان قصده للاستراحة من باب الخطأ في التطبيق ، ومثله لا يكون قادحاً ، فلا تضرّه نيّة الخلاف.

نظير ما لو سجد بعنوان الثانية فتبيّن أنّها السجدة الأُولى ، أو أتى بالركعة بقصد أنّها الرابعة فانكشف أنّها الثالثة وهكذا ، فانّ ذلك كلّه من باب الاشتباه في التطبيق ، وقد أتى بذات المأمور به متقرّباً إلى اللّه تعالى. والأجزاء الصلاتية لم يعتبر فيها شي‌ء سوى الإتيان بذواتها وأن يكون ذلك بعنوان الصلاة وقد تحقّق ، والعنوان الآخر الّذي قصده خطأ غير دخيل في الصحّة. فلا يكون قادحاً بعد حصول المأمور به على وجهه.

(1) فهل يكفي حينئذ الإتيان بسجدة واحدة المعلوم فواتها لأنّه بالنسبة إلى الأُخرى شكّ بعد تجاوز المحل فلا يعتني به ، أو أنّه يجب الإتيان بهما معاً ، لأنّه

لأنّه إذا رجع إلى تدارك المعلوم يعود محل المشكوك أيضاً ، أو يجري بالنسبة إلى المشكوك حكم الشك بعد تجاوز المحل؟ وجهان أوجههما الأوّل (1)والأحوط إعادة الصلاة أيضاً.

[2179] المسألة السادسة والأربعون : إذا شكّ بين الثلاث والأربع مثلاً وبعد السلام قبل الشروع في صلاة الاحتياط علم أنّها كانت أربعاً ثمّ عاد شكّه (1) فهل يجب عليه صلاة الاحتياط لعود الموجب وهو الشك


بالرجوع إلى تدارك المعلوم يعود محلّ الشك أيضاً؟ وجهان.

اختار (قدس سره) الثاني ، وهو الصحيح ، لكن لا لما ذكره (قدس سره) بداهة أنّ الشي‌ء لا ينقلب عمّا هو عليه ، ولا يتغيّر

عمّا وقع ، فكان شكّه حادثاً بعد الدخول في القيام ، وبالرجوع لا يتّصف بحدوثه قبل القيام كي يعود المحل بل هو بعد القيام رجع أم لم يرجع ، فلا ينقلب الحادث بعد القيام إلى ما قبل القيام.

بل لأجل أنّ الشك من الأوّل كان قبل التجاوز ، فانّ ذلك القيام أو التشهّد حيث لم يكن مأموراً به لوقوعه في غير محلّه فهو زائد جزماً ، ووجوده كالعدم لعدم كونه من أجزاء الصلاة في شي‌ء ، فلا يتحقّق به التجاوز من أصله ، لا أنّه ينقلب إلى ما قبل التجاوز ، فالشك في السجدة شك في المحل من أوّل الأمر سواء رجع أم لم يرجع. فلا بدّ من الإتيان بها أيضاً بعد عدم كونها مورداً لقاعدة التجاوز.

(1) فهل يجري عليه حينئذ حكم الشك بين الثلاث والأربع نظراً إلى أنّ هذا عين الشك السابق ، فقد عاد الموجب فيعود حكمه.


1) (*) لا لما ذكر ، بل لأنّ التشهّد أو القيام وقع في غير محلّه ، فالشك في إتيان السجدة الأُولى شك في محلّه فيجب عليه الإتيان بها أيضاً ، ولا حاجة معه إلى إعادة الصلاة.

أو لا لسقوط التكليف عنه حين العلم ، والشك بعده شك بعد الفراغ؟ وجهان ، والأحوط الأوّل (1).


أو أنّه لا يجب عليه شي‌ء ، لكونه مورداً لقاعدة الفراغ ، حيث إنّ هذا غير الشك السابق جزماً ، فإنّه زال وانعدم باليقين بالتمام ، وهذا شك آخر حدث بعده قد فصل اليقين الوجداني بينهما ، الموجب لانعدام الأوّل ، إذ لا يعقل تخلّل العدم بين الشي‌ء ونفسه. فالشك الأوّل لا حكم له بعد زواله وانقطاعه فارتفع موضوع صلاة الاحتياط ، والشك الآخر شك حادث بعد الصلاة ، وهو مورد لقاعدة الفراغ.

أو أنّه يحكم ببطلان الصلاة لعدم جريان شي‌ء من القاعدتين فتجب الإعادة بمقتضى قاعدة الاشتغال؟ فيه وجوه.

والصحيح هو الوجه الأوّل ، فإنّ قاعدة الفراغ غير جارية في المقام لاختصاصها بمقتضى التعليل بالأذكرية والأقربية الوارد في نصوصها (2)بما إذا احتمل الالتفات حين العمل ، وأن يكون الفوات على تقديره مستنداً إلى الغفلة المدفوعة بالأصل.

وأمّا مع العلم بأنّه كان شاكّاً وقت العمل وأنّه أتمّ متردِّداً في الصحّة وعدمها كما في المقام ، حيث شكّ فبنى على الأربع ، فهو غير مشمول للقاعدة لعدم كونه آن ذاك أذكر ولا أقرب إلى الحق.

نعم ، الشك الفعلي شك حادث بعد الصلاة ، لتخلّل اليقين بالتمام بين الشكّين كما عرفت. إلّا أنّه ليس كلّ شك حادث بعد الصلاة مورداً لقاعدة الفراغ ، بل في خصوص ما إذا احتمل الإتيان بالعمل على وجهه في ظرفه معتقداً صحّته


1) (*) بل هو الأظهر ، لشمول الإطلاقات له مع عدم جريان قاعدة الفراغ في مثله.

2) تقدّم ذكر المصدر في ص 234.

.................................................................................................


وأمّا مع القطع بالتردّد واحتمال الصحّة لمجرّد المصادفة الواقعية كما فيما نحن فيه فلا ينبغي التأمّل في عدم كونه مورداً للقاعدة.

وعليه فلا مانع من الرجوع إلى الإطلاق في أدلّة البناء على الأربع ، المستلزم لوجوب الإتيان بركعة الاحتياط.

ودعوى عدم انعقاد الإطلاق لانصراف الدليل عن مثل هذا الشك المنقطع بعد الصلاة باليقين ، ولا دليل على الشمول بعد العود ، فانّ الموضوع هو الشك الحادث في الصلاة المستمر ، فلا يشمل العائد بعد الانقطاع والزوال ، فلا بدّ حينئذ من الإتيان بالركعة المتّصلة بمقتضى الاستصحاب وقاعدة الاشتغال وبذلك يقطع بالصحّة ، فإنّ الصلاة إن كانت تامّة كانت هذه لغواً ، وإلّا فوظيفته الإتمام بالركعة المتّصلة بعد فرض عدم شمول أدلّة البناء وقد فعل ، فيكون كمن أتمّ على النقص سهواً.

مدفوعة بعدم قصور في شمول الإطلاق للمقام ، إذ لم يتقيّد الشك بالاستمرار وعدم الانقطاع في شي‌ء من أدلّة البناء ، نعم خرج عن ذلك بالمخصّص العقلي ما إذا انقطع بعد الصلاة فزال الشك بالكلِّيّة ولم يعد ، فإنّه لا موضوع حينئذ لصلاة الاحتياط ، فانّ موضوعه ظنّ النقص واحتمال الحاجة بمقتضى قوله (عليه السلام) في موثّقة عمار : «فأتمّ ما ظننت أنّك نقصت» (1)والمفروض العلم بالعدم والقطع بعدم الاحتياط ، فلا موضوع للتدارك.

وأمّا مع عود الشك ، فبما أنّ الموضوع وهو احتمال النقص محقّق ، والمفروض عدم تقيّده بالاستمرار في لسان الدليل ، فلا مانع من شمول الإطلاق له بلحاظ الشك العارض حال الصلاة.

وبعبارة اخرى : الشك الطارئ أثناء الصلاة له أفراد ثلاثة ، فقد يبقى مستمرّاً


1) الوسائل 8 : 212 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 8 ح 1 ، 4.

.................................................................................................


إلى حال الإتيان بالركعة المفصولة ، وقد يزول بعد الصلاة ولا يعود وقد يزول ويعود ، والخارج بمقتضى التخصيص العقلي إنّما هو الفرد الثاني الّذي ينعدم معه موضوع التدارك ، فيبقى الفردان الآخران مشمولين للإطلاق بعد فرض عدم تقييد الشك بالاستمرار في شي‌ء من أدلّة البناء.

ونحوه ما لو أيقن بالنقص بدلاً عن اليقين بالتمام ثمّ عاد الشك ، فانّ الكلام هو الكلام بعينه في كونه مشمولاً للإطلاق.

وعلى الجملة : فهذا الشك العائد بعد الزوال وإن كان غير الشك العارض في الصلاة ولم يكن عينه بالضرورة ، لمكان الانقطاع بتخلّل اليقين ، إلّا أنّه من أجل كونه مسبوقاً بمثله في الصلاة فذاك الشك السابق بما أنّه لم يكن مقيّداً بالاستمرار فهو مشمول للإطلاق وإن انقطع وعاد ، والّذي لا يشمله خصوص المنقطع غير العائد ، لعدم بقاء محلّ لصلاة الاحتياط حينئذ حسبما عرفت ، هذا.

ولو تنازلنا وسلمنا عدم الإطلاق في أدلّة البناء لاعتبار اتِّصال الشك واستمراره وعدم انقطاعه بوجه فالمتعيّن حينئذ بطلان الصلاة ، لاندراج الشك تحت الإطلاق في صحيحة صفوان (1)القاضية بلزوم الإعادة في الشكوك غير المنصوص على صحّتها.

ولا يكفي حينئذ ضمّ الركعة المتّصلة كما أُفيد ، فإنّ تخلّل السلام العمدي الصادر منه مانع عن صلاحية الانضمام ، إذ هو قد سلّم مع الالتفات والشك بتخيّل البناء على الأربع ، ففعله للسلام مستند إلى العمد لا محالة ، فيشمله إطلاق دليل المخرجية ، فانّ الخارج عنه موارد البناء على الأربع المتعقّب بالركعة المفصولة بمقتضى الأدلّة الخاصّة الحاكمة بجواز التسليم حينئذ وإن كان عمدياً ، فتكون مخصّصة لإطلاق الدليل المزبور ، ويلتزم بعدم الخروج على تقدير النقص واقعاً.


1) الوسائل 8 : 225 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 15 ح 1.

.................................................................................................


وأمّا المقام فالمفروض عدم كونه من موارد البناء ، فلا يشمله دليل التخصيص. وبما أنّ التسليم عمدي كما عرفت فيشمله دليل المخرجية ، وعليه فنقطع بعدم الحاجة إلى الركعة المتصلة ، لأنّ الصلاة إن كانت تامّة فهذه لغو محض ، وإلّا فالتسليم العمدي الصادر منه الواقع على الثلاث مفسد للصلاة وموجب للخروج عنها ، فلا تصلح تلك الركعة للالتحاق والانضمام كي يتدارك بها النقص.

فلا يقاس المقام بمن سلّم على النقص سهواً المحكوم بضمّ الركعة المتّصلة لكون ذاك السلام سهوياً غير مخرج ، وفي المقام عمدي مخرج كما عرفت.

فان قلت : كيف يكون عامداً في التسليم مع كونه موظّفاً فعلاً بالبناء على الأربع والتسليم بعده وإن انكشف الخلاف لاحقاً من أجل انقطاع الشك وعدم استمراره.

قلت : كونه موظّفاً بذلك واقعاً أو حسب اعتقاده لا يمنع عن صدق العمد كما عرفت.

نعم ، لا يكون هذا التسليم العمدي قادحاً فيما إذا استمرّ الشكّ وتعقّب بركعة الاحتياط على نحو الشرط المتأخِّر ، بمقتضى أدلّة البناء على الأربع. فهذه الحصّة الخاصّة من التسليم العمدي وهي الواقعة حال الشك المستمر المتعقّب بصلاة الاحتياط خارجة عن دليل المخرجية ، والمفروض عدم تحقّقها في المقام لعدم استمرار الشك وعدم التعقّب بالركعة المفصولة ، لأجل عدم شمول أدلّة البناء للمقام حسب الفرض ، فيكشف ذلك عن الاندراج في دليل المخرجية المانع عن صلاحية الانضمام كما مرّ.

فان قلت : لازم ما ذكرت عدم جواز ضمّ الركعة المتّصلة في من شكّ بين الثلاث والأربع فبنى على الأربع وسلم ثمّ تبيّن النقص قبل صلاة الاحتياط

.................................................................................................


لعين ما مرّ من عدم تعقّب التسليم العمدي بالركعة المفصولة ، مع أنّه لا إشكال في جواز الضم حينئذ بل تعيّنه كما لا يخفى.

قلت : قد ثبت ذلك بما دل على جواز الإتمام بركعة الاحتياط ، الكاشف عن عدم كون السلام مخرجاً مع بقاء الشك ، فيدل على جواز الإتمام مع العلم بالنقص بالأولوية. فلا يقاس عليه المقام العاري عن الدليل ، ولا وجه للتعدِّي عن مورده.

والّذي يكشف عمّا ذكرناه من عدم جواز الإتيان بالركعة المتّصلة في مثل المقام لأجل قادحية السلام أنّه لو جاز ذلك لجاز حتّى مع استمرار الشك وعدم انقطاعه. فمن شكّ بين الثلاث والأربع فبنى على الأربع وسلم ثمّ أراد الإتيان بالركعة الموصولة جاز له ذلك ، فتقع لغواً على تقدير التمامية ورابعة على تقدير النقص ، لعدم كون السلام المتخلِّل قادحاً حسب الفرض ، وبذلك يقطع ببراءة الذمّة. مع أنّ هذا غير جائز قطعاً ، وليس ذلك إلّا لأجل تخلّل السلام العمدي ، وعدم العفو عنه إلّا لدى التعقّب بالركعة المفصولة.

وكيف ما كان ، فلا ينبغي التأمّل في لزوم الاستئناف وعدم كفاية الركعة المتّصلة في محل الكلام بعد البناء على عدم شمول أدلّة البناء ، والمفروض عدم جريان قاعدة الفراغ كما تقدّم.

نعم ، لو أتمّ صلاته غافلاً ولم يعرضه الشك آن ذاك وبعد ما فرغ شكّ بين الثلاث والأربع ، فلا ريب في أنّ هذا الشك غير مشمول لأدلّة البناء لاختصاصها بأجمعها من روايات عمار وغيرها ممّا ورد في الشكوك الخاصّة بالشك الحادث في الأثناء ، ولا تشمل الشك العارض بعد الفراغ.

وحينئذ فاذا فرضنا أنّ قاعدة الفراغ غير جارية إمّا للغفلة ، أو للمعارضة لأجل كونها مورداً للعلم الإجمالي ، أو لغير ذلك من سائر الموانع لم يكن مانع

[2180] المسألة السابعة والأربعون : إذا دخل في السجود من الركعة الثانية فشكّ في ركوع هذه الركعة وفي السجدتين من الأُولى (1) ففي البناء على إتيانها من حيث إنّه شكّ بعد تجاوز المحل ، أو الحكم بالبطلان لأوْله إلى الشك بين الواحدة والاثنتين وجهان ، والأوجه الأوّل ، وعلى هذا فلو فرض الشك بين الاثنتين والثلاث بعد إكمال السجدتين مع الشك في ركوع الركعة التي بيده وفي السجدتين من السابقة لا يرجع إلى الشك بين الواحدة والاثنتين حتّى تبطل الصلاة ، بل هو من الشك بين الاثنتين والثلاث بعد الإكمال ، نعم لو علم بتركهما مع الشك المذكور يرجع إلى الشك بين الواحدة والاثنتين لأنّه عالم حينئذ باحتساب ركعتيه بركعة.


من الاكتفاء بالركعة المتّصلة حينئذ ، إذ السلام الصادر منه لم يكن عمدياً ، لأجل الغفلة وعدم عروض الشك في الصلاة حسب الفرض ، فلا مانع من هذه الناحية.

وبعد الإتيان بتلك الركعة يقطع ببراءة الذمّة وسلامة الصلاة عن الزيادة والنقصان على أيّ تقدير ، لأنّها إن كانت تامّة فالركعة لغو زائد ، وإن كانت ناقصة فوظيفته التتميم بالركعة المتّصلة وقد فعل. فالاكتفاء بها خاص بهذه الصورة.

(1) فهل يحكم حينئذ بالبطلان نظراً إلى أنّ نتيجة هذا الشك هو الشك في أنّ ما بيده هل هي الركعة الأُولى أو الثانية ، لما تقدّم سابقاً في المسألة الثالثة والعشرين من أنّ من تذكّر وهو في سجود الركعة الثانية أنّه ترك سجدة أو سجدتين من الركعة السابقة وترك أيضاً ركوع هذه الركعة جعل السجدة التي بيده للركعة الأُولى ، لعدم خروجه عنها حقيقة ، إذ الخروج عن الركعة متقوّم بالدخول في ركوع الركعة اللّاحقة ، ولم يدخل فيه ، فهو باق بعد في الركعة

.................................................................................................


الأُولى واقعاً ، وكان القيام المتخلِّل في البين زائداً.

فعلى ضوء ما تقدّم يكون المقام من موارد الشك بين الواحدة والثنتين ، إذ لو لم يكن آتياً بالركوع والسجدتين بحسب الواقع فهو بعد في الركعة الأُولى حقيقة كما في صورة العلم بذلك ، فمرجعه إلى الشك المزبور الّذي هو من الشكوك الباطلة.

أو أنّه يحكم بالصحّة لأجل إحراز الركوع والسجدتين بقاعدة التجاوز المستلزم لزوال الشك عن الركعة؟ وجهان.

اختار الثاني في المتن ، وهو الصحيح ، لعدم قصور في شمول قاعدة التجاوز بالنسبة إلى كلّ من الشكّين بعد فرض تخلّل القيام في البين ، فيشك بعد القيام إلى الركعة الثانية في سجدتي الركعة الأُولى فيبني على الإتيان ، وبضم الركوع المحرز بالوجدان تتمّ الركعة الأُولى المؤلّفة من الركوع والسجدتين ، كما أنّه بعد الدخول في سجود الركعة الثانية يشكّ في ركوع هذه الركعة فيبني على الإتيان وبعد إحراز سجدتها بالوجدان يرتفع الشك عن الركعة الثانية أيضاً.

وعلى الجملة : تتألف الركعتان من ركوعين وسجدات أربع ، وهو فعلاً محرز لجميع ذلك ولو بالتعبّد الشرعي بضميمة الوجدان إلى الأصل. فركوع الركعة الأُولى محرز بالوجدان وسجدتاها بالتعبّد. والركعة الثانية بعكس ذلك. فبحسب النتيجة يرتفع الشكّ عن الركعتين ، فلا مقتضي للحكم بالبطلان. والعمدة تخلّل القيام في البين الفاصل بين الركعتين ، الّذي به يتحقّق التجاوز عن السجدتين حسبما عرفت.

ومنه يظهر أنّه لو شكّ بين الثنتين والثلاث بعد إكمال السجدتين ، وشكّ في ركوع هذه الركعة وفي السجدتين من السابقة لا يرجع ذلك إلى الشك بين الواحدة والثنتين كي تبطل الصلاة ، بل كان من الشك بين الثنتين والثلاث بعد الإكمال

[2181] المسألة الثامنة والأربعون : لا يجري حكم كثير الشك في صورة العلم الإجمالي (1) ، فلو علم ترك أحد الشيئين إجمالاً من غير تعيين يجب عليه مراعاته وإن كان شاكّاً بالنسبة إلى كلّ منهما ، كما لو علم حال القيام أنّه إمّا ترك التشهّد أو السجدة ، أو علم إجمالاً أنّه إمّا ترك الركوع أو القراءة (1)وهكذا ، أو علم بعد الدخول في الركوع أنّه إمّا ترك سجدة واحدة أو تشهّداً ، فيعمل في كلّ واحد من هذه الفروض حكم العلم الإجمالي المتعلِّق به كما في غير كثير الشك.


بعد إحراز الركوع والسجدتين بمقتضى قاعدة التجاوز.

نعم ، لو كان عالماً بتركهما أي ترك الركوع والسجدتين مع الشك المذكور رجع حينئذ إلى الشك بين الواحدة والثنتين ، لعلمه باحتساب ركعتيه بركعة كما أفاده في المتن ، وهو ظاهر.

(1) فانّ الساقط عن كثير الشك إنّما هو حكم الشك فقط دون العلم ، فإنّه منجّز في حقّه كغيره. ولا فرق في التنجيز بين التفصيلي والإجمالي ، إذ الثاني وإن كان مقروناً بالشك بالنسبة إلى كلّ من الطرفين في حدّ نفسه ، فكان ساقطاً عن كثير الشك لو خلّي وطبعه وكان منعزلاً عن الآخر ، إلّا أنّه لدى الاقتران


1) (*) بناءً على ما قوّيناه من أنّ ترك القراءة لا يوجب سجدة السهو فلا أثر للعلم المزبور كما هو واضح ، بل لو كان تركها موجباً لها فالظاهر أنّ الأمر كذلك ، لأنّ قاعدة إلغاء حكم شكّ كثير الشك لا تجري بالإضافة إلى الشك في ترك القراءة ، لأنّ جريانها يختص بما إذا كانت صحّة الصلاة محرزة من غير هذه الجهة ، وهي في المقام غير محرزة فاذن تجري القاعدة المزبورة بالإضافة إلى الشك في ترك الركوع بلا مانع كما تجري أصالة عدم الإتيان بالقراءة.

[2182] المسألة التاسعة والأربعون : لو اعتقد أنّه قرأ السورة مثلاً


بالعلم الإجمالي فالغاؤه بالنسبة إلى كلّ منهما مستلزم لإلغاء المعلوم بالإجمال الثابت في البين. وقد عرفت عدم تكفّل الدليل لإلغائه ، ولزوم العمل به بحكومة العقل.

وعلى الجملة : ليس العمل في موارد العلم الإجمالي بالشك ليكون منفياً عن كثير الشك ، بل هو عمل بالعلم الّذي هو منجّز عقلاً كالتفصيلي ، من غير فرق بين كثير الشك وغيره.

وعليه فلو علم إجمالاً بترك أحد الشيئين وجب عليه مراعاته كغيره وإن كان شاكّاً بالنسبة إلى كلّ منهما ، كما لو علم حال القيام أنّه إمّا ترك الركوع أو القراءة ، أو أنّه إمّا ترك التشهّد أو السجدة ، أو علم بعد الدخول في الركوع أنّه إمّا ترك سجدة واحدة أو تشهّداً وهكذا ، فإنّه يجب عليه في هذه الفروض العمل بحكم العلم الإجمالي المتعلِّق بها كما في غير كثير الشك من تدارك المشكوك فيه أو القضاء أو سجود السهو ونحو ذلك.

نعم ، لا أثر للعلم الإجمالي في الفرض الأوّل ، إذ لا أثر لترك القراءة إلّا على القول بوجوب سجود السهو لكلّ زيادة ونقيصة الّذي هو خلاف التحقيق وعليه فشكّه في الركوع ملحق بالشك البدوي فيجري عليه حكم كثير الشك.

بل لا أثر للعلم حتّى على القول المزبور ، لأنّ مقتضى ما مرّ غير مرّة من تقديم الأصل المصحّح على الأصل المتمِّم اختصاص جريان قاعدة الإلغاء أي إلغاء حكم الشك عن كثير الشك بالشك في الركوع ، ضرورة عدم جريانها في القراءة ما لم تحرز الصحّة من غير هذه الجهة ، فيرجع في الشك فيها إلى أصالة عدم الإتيان بها من غير معارض.

وشكّ في قراءة الحمد فبنى على أنّه قرأها لتجاوز محلّه ، ثمّ بعد الدخول في القنوت تذكّر أنّه لم يقرأ السورة (1) فالظاهر وجوب قراءة الحمد أيضاً ، لأنّ شكّه الفعلي وإن كان بعد تجاوز المحل (1)بالنسبة إلى الحمد إلّا أنّه هو الشك الأوّل الّذي كان في الواقع قبل تجاوز المحل ، وحكمه الاعتناء به والعود إلى الإتيان بما شكّ فيه.

[2183] المسألة الخمسون : إذا علم أنّه إمّا ترك سجدة أو زاد


(1) فهل يجب تدارك الحمد أيضاً أم يكتفي بتدارك السورة المعلوم تركها نظراً إلى أنّ شكّه الفعلي في الحمد شكّ بعد تجاوز المحل باعتبار الدخول في القنوت؟ اختار (قدس سره) الأوّل ، وهو الصحيح.

لأنّ شكّه الفعلي هو الشك السابق بعينه الّذي كان بحسب الواقع شكّاً قبل تجاوز المحل ، لعدم كونه آتياً بالسورة ، وإن كان معتقداً أنّه بعد التجاوز ، فإنّه خيال محض. والمدار على واقع التجاوز لا على تخيّله. فبما أنّ شكّه حينما حدث كان في المحل وجب الاعتناء به ، ومعه لا أثر للدخول في القنوت.

على أنّ هذا القنوت غير مأمور به جزماً ، لوقوعه قبل السورة ، فليس هو من الغير المترتِّب على المشكوك فيه ليكون الدخول فيه مصحّحاً لجريان قاعدة التجاوز.

فلو سلّمنا أنّ في أمثال هذه الموارد يكفي الدخول في الغير ولو بقاءً لا نسلِّمه في خصوص المقام ، للقطع بزيادة القنوت ووقوعه في غير محلّه كما عرفت. فالمتعيّن العود لتدارك الحمد والسورة معاً ، وهذا واضح.


1) (*) بل لأنّه شكّ في المحل ، حيث إنّه لا يكفي الدخول في مطلق الغير في جريان القاعدة.

ركوعاً (1) فالأحوط قضاء السجدة وسجدتا السهو ثمّ إعادة الصلاة ، ولكن لا يبعد جواز الاكتفاء (1)بالقضاء وسجدة السهو عملاً بأصالة عدم الإتيان بالسجدة وعدم زيادة الركوع.


(1) يعني مع عدم إمكان تدارك السجدة كما لو كان التذكّر بعد الصلاة أو بعد الدخول في الركن ، كما لو دخل في الركوع فعلم أنّه إمّا ترك سجوداً من الركعة السابقة أو زاد ركوعاً فيها ، وإلّا فمع إمكان التدارك لزمه الرجوع لتدارك السجدة كما لا يخفى.

وقد ذكر (قدس سره) أوّلاً أنّ مقتضى الاحتياط الجمع بين قضاء السجدة وسجدتي السهو ثمّ إعادة الصلاة عملاً بكلّ من طرفي العلم الإجمالي.

ثمّ احتمل (قدس سره) الاكتفاء بالقضاء وسجود السهو من غير حاجة إلى الإعادة ، عملاً بأصالة عدم زيادة الركوع التي نتيجتها الصحّة وأصالة عدم الإتيان بالسجدة التي نتيجتها القضاء ، من غير تعارض بينهما.

أقول : ما ذكره (قدس سره) أخيراً هو الصحيح ، لكن لا لما ذكره من الاستناد إلى الأصلين المزبورين ، بل لجريان القاعدة أو الأصل في أحد الطرفين من غير معارض.

وتوضيحه : أنّ العلم الإجمالي المذكور قد يفرض حصوله بعد الصلاة وأُخرى أثناءها.


1) (*) بل هو الأظهر لا لما ذكر ، بل لجريان قاعدة التجاوز في الشك في زيادة الركوع من دون معارض ، لأنّ كل ما لا يترتّب عليه البطلان لا يعارض جريان القاعدة فيه جريانها فيما يترتّب عليه البطلان ، وعليه فتجري أصالة عدم الإتيان بالسجدة ويترتّب عليه أثره.

.................................................................................................


أمّا في الصورة الأُولى : فزيادة الركوع المحتملة مورد لقاعدة الفراغ ، إذ لا فرق في جريان هذه القاعدة بين احتمال النقص أو الزيادة ، لإطلاق قوله (عليه السلام) : «كلّ ما شككت فيه ممّا قد مضى فأمضه كما هو» (1). فلا يعتنى بأيّ احتمال خلل يعتبر عدمه في الصلاة وإن كان هو الزيادة القادحة ، ولذا تجري لدى الشك في زيادة الركعة سهواً ، لصدق المضي عن الشي‌ء حقيقة الّذي هو الموضوع لعدم الاعتناء ، وبذلك تفترق هذه القاعدة عن قاعدة التجاوز الخاصّة بمورد احتمال النقص فقط. وعلى الجملة : فالركوع مورد لقاعدة الفراغ.

وأمّا السجدة فلا تجري فيها قاعدة التجاوز كي يتحقّق المعارضة بين القاعدتين ، إذ لا أثر لتركها إلّا القضاء وسجود السهو ، وأمّا الركوع فالإخلال به نقصاً أو زيادة يستوجب البطلان.

وقد تقدّم غير مرّة أنّه كلّما دار الأمر بين أعمال القاعدة فيما لا يترتّب على تركه البطلان وبين ما يترتّب عليه البطلان قدّم الثاني ، إذ الجمع بينهما مناف للعلم الإجمالي ، وترجيح الأوّل متعذِّر ، إذ لا معنى للتعبّد بالقضاء أو سجود السهو إلّا بعد فرض الصحّة.

وبما أنّها غير محرزة حسب الفرض فلا موقع للتعبّد بذلك أبداً. فترجيحه مستلزم للمحذور ، ولا محذور في العكس فيتعيّن ، ومعه يحرز الصحّة بقاعدة الفراغ الجارية في الركوع بلا معارض ، ويرجع بعدئذ إلى أصالة عدم الإتيان بالسجدة ، ونتيجته القضاء فقط أو مع سجود السهو إن قلنا به.

فالنتيجة هي النتيجة لكن لا لما ذكره (قدس سره) من سقوط القاعدتين والرجوع إلى الأصل في كلّ منهما ، بل لجريان القاعدة في الركوع بلا معارض والرجوع إلى الأصل في السجدة حسبما عرفت.


1) الوسائل 8 : 237 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 23 ح 3.

.................................................................................................


وأمّا في الصورة الثانية : فإن قلنا بأنّ قاعدة التجاوز أيضاً تشمل احتمال الزيادة فالكلام هو الكلام.

وإن قلنا باختصاصها باحتمال النقص كما هو الأظهر بل المتعيّن بمقتضى النصوص ، لتعلّق الشك في موردها بأصل الوجود ، ولذا ذكرنا أنّ المضي والتجاوز في موردها ادّعائي تنزيلي باعتبار مضي محلّ المشكوك فيه لا حقيقي فعليه لا تجري القاعدة في جانب احتمال زيادة الركوع حتّى يقال بمعارضتها أو عدم معارضتها بقاعدة التجاوز في طرف احتمال نقصان السجدة ، بل المرجع فيه أصالة عدم الزيادة.

ولا تعارضها قاعدة التجاوز في السجود ، لعين ما تقدّم من أنّ الأصل الجاري فيما نتيجته الصحّة مقدّم على غيره ، هذا. ولم يتعرّض الماتن لوجه عدم جريان قاعدة التجاوز في السجود ، ووجهه ما عرفت.

وكيف ما كان ، فاذا لم تجر القاعدة في السجدة فتصل النوبة إلى أصالة عدم الإتيان بها ، فلا بدّ من القضاء ولا حاجة إلى الإعادة.

ويترتّب على ما ذكرناه في كيفية الاستدلال أمران :

الأوّل : أنّه لو علم إجمالاً أنّه إمّا ترك سجدة أو ترك ركوعاً إمّا بعد الصلاة أو في الأثناء على نحو لا يمكنه التدارك ، فعلى ما ذكرناه من تقدّم ما أثره البطلان لدى الدوران تجري قاعدة التجاوز في الركوع بلا معارض فيحكم بالصحّة ، ويرجع في جانب السجدة إلى أصالة عدم الإتيان ولازمه القضاء.

وأمّا على ما ذكره (قدس سره) من المعارضة بين القاعدتين والرجوع إلى الأصل فلازمه الحكم بالبطلان ، إذ الأصل يقتضي عدم الإتيان بالركوع أيضاً ولا مصحّح عندئذ للصلاة. وهذا هو الفارق بين المسلكين.

.................................................................................................


الثاني : لو حصل العلم الإجمالي في الفرض المزبور مع إمكان التدارك ، كما لو علم إجمالاً حال القيام وقبل أن يدخل في الركوع أنّه إمّا ترك ركوعاً من الركعة السابقة أو سجدة من الركعة التي بيده ، فبناءً على ما ذكره (قدس سره) من جريان قاعدة التجاوز في كلّ من الركوع والسجود وسقوطهما بالمعارضة لا بدّ من الحكم بالبطلان ، لعدم المؤمّن بالنسبة إلى الركوع بعد كون مقتضى الأصل الّذي هو المرجع حسب الفرض عدم الإتيان به.

وأمّا على مسلكنا من اختصاص القاعدة بالركوع الّذي يترتّب على تركه البطلان والرجوع في طرف السجود إلى أصالة عدم الإتيان من غير معارض فيرجع ويتدارك السجدة لبقاء المحل ، وتصحّ صلاته ولا شي‌ء عليه.

نعم ، لا مناص من الحكم بالبطلان فيما لو علم إجمالاً بأنّه إمّا زاد ركوعاً أو زاد سجدة ، أو علم إجمالاً أنّه إمّا ترك ركوعاً أو زاد سجدة عكس المسألة المذكورة في المتن ، من غير فرق بين حصول العلم الإجمالي أثناء الصلاة أو بعدها.

فإنّ قاعدة الفراغ أو التجاوز وإن اختصّ جريانها بالركوع الّذي أثره نفي البطلان ، ولا تجري في السجدة كي تتحقّق المعارضة حسبما عرفت ، إلّا أنّه لا يثبت بذلك أنّه زاد سجوداً حتّى يجب عليه سجود السهو ، لعدم حجّية مثبتات هذه القاعدة ولوازمها العقلية وإن عدّت من الأمارات كما تعرّضنا له في محلّه (1). إذن فزيادة السجدة مشكوكة ، ومقتضى أصالة عدم الزيادة عدم وجوب سجود السهو.

إلّا أنّه لا يمكن الجمع بين هذا الأصل وبين القاعدة الجارية في الركوع ، للزوم المخالفة القطعية ، فلا جرم تسقطان بالمعارضة ولا يرجع إلى شي‌ء منهما.


1) مصباح الأُصول 3 : 267.

[2184] المسألة الحادية والخمسون : لو علم أنّه إمّا ترك سجدة من الأُولى أو زاد سجدة في الثانية وجب عليه قضاء السجدة (1)والإتيان بسجدتي السهو مرّة واحدة بقصد ما في الذمّة (1) من كونهما للنقيصة أو للزيادة.


وحينئذ فيعلم إجمالاً إمّا بوجوب الإعادة أو بوجوب سجدتي السهو ، وحيث إنّ الأوّل مورد لقاعدة الاشتغال والثاني لأصالة البراءة ، الموجب لانحلال العلم الإجمالي بالأصل المثبت والنافي ، فتجب عليه الإعادة ، ويحكم ببطلان الصلاة من غير حاجة إلى سجود السهو.

فيفرق بين ما إذا كان طرف العلم زيادة السجدة أو نقيصتها التي افترضها في المتن ، ففي الثاني يحكم بالصحّة دون الأوّل حسبما عرفت.

(1) عملاً بالعلم الإجمالي بعد معارضة قاعدة التجاوز في الاولى مع أصالة عدم الزيادة في الثانية ، لكن مقتضى ما تقدّم منه في المسألة السابقة من الرجوع إلى الأصل في كلّ من الطرفين هو قضاء السجدة وسجود السهو لخصوص النقص ، ولا ملزم لقصد ما في الذمّة ، هذا.

والتحقيق عدم وجوب القضاء ، والاكتفاء بسجود السهو ، للعلم التفصيلي بوجوبه على كلّ تقدير ، ومعه لا مجال لإجراء أصالة عدم الزيادة ، إذ الأثر المرغوب منها ليس إلّا نفي سجود السهو ، ولكنّه مقطوع به حسبما عرفت إمّا للنقص أو للزيادة ، فتبقى قاعدة التجاوز في الطرف الآخر أعني احتمال نقص السجدة بلا معارض ، ونتيجته عدم وجوب القضاء كما عرفت.


1) (*) إن قلنا بوجوب سجدتي السهو في زيادة سجدة واحدة ونقصانها ، فالظاهر جواز الاكتفاء بسجدتي السهو بلا حاجة إلى القضاء. وإن قلنا بعدم وجوبهما في زيادة السجدة لم يجب عليه شي‌ء.

[2185] المسألة الثانية والخمسون : لو علم أنّه إمّا ترك سجدة أو تشهّداً وجب الإتيان (1)بقضائهما وسجدة السهو مرّة (1).

[2186] المسألة الثالثة والخمسون : إذا شكّ في أنّه صلّى المغرب والعشاء أم لا قبل أن ينتصف اللّيل والمفروض أنّه عالم بأنّه لم يصلّ في ذلك اليوم إلّا ثلاث صلوات من دون العلم بتعيينها (2) فيحتمل أن تكون


ولا يفرق الحال فيما ذكرناه بين القول بوجوب سجود السهو لكلّ زيادة ونقيصة وعدمه الّذي عرفت أنّه الأظهر ، وذلك لما تقدّم في محلّه (2)من وجوبه في خصوص المقام ، أعني العلم الإجمالي بالزيادة أو النقيصة على ما استظهرناه من قوله (عليه السلام) : «إذا لم تدر أزدت أم نقصت» (3)ولأجله قلنا بوجوبه فيما لو علم إمّا بزيادة القراءة أو نقيصتها فلاحظ.

(1) أمّا القضاء فرعاية للعلم الإجمالي بعد سقوط قاعدة التجاوز في كلّ من السجدة والتشهّد بالمعارضة ، وأمّا الاجتزاء بالمرّة فلعدم وجوب سجود السهو واقعاً أكثر من ذلك كما هو ظاهر.

ولكن هذا مبني على القول بوجوب قضاء التشهّد المنسي كالسجدة المنسية ووجوب سجود السهو لكلّ منهما ، وأمّا بناءً على ما عرفت من اختصاص القضاء بالسجدة وسجود السهو بالتشهّد المنسيين فمقتضى العلم الإجمالي قضاء السجود والإتيان بسجدتي السهو للتشهّد. فما في المتن مبني على الاحتياط.

(2) إذا علم المكلّف قبل انتصاف اللّيل بناءً على كونه حدّا لوقت العشاءين


1) (*) تقدّم أنّ وجوب قضاء التشهّد مبني على الاحتياط.

2) شرح العروة 18 : 370 وما بعدها.

3) الوسائل 8 : 224 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 14 ح 4.

الصلاتان الباقيتان المغرب والعشاء ، ويحتمل أن يكون آتياً بهما ونسي اثنتين من صلوات النهار ، وجب عليه الإتيان بالمغرب والعشاء فقط ، لأنّ الشك بالنسبة إلى صلوات النهار بعد الوقت ، وبالنسبة إليهما في وقتهما ولو علم أنّه لم يصلّ في ذلك اليوم إلّا صلاتين أضاف إلى المغرب والعشاء قضاء ثنائية ورباعية ، وكذا إن علم أنّه لم يصل إلّا صلاة واحدة (1).


أو قبل طلوع الفجر بناءً على امتداد الوقت إليه أنّه بقي عليه في هذا اليوم واللّيلة صلاتان يحتمل أنّهما العشاءان ، أو من صلوات النهار ، أو ملفّقاً ، فالشك بالنسبة إلى العشاءين في الوقت ، وبالإضافة إلى النهارية بعد الوقت ، وبما أنّ الأوّل مورد لقاعدة الاشتغال والثاني لقاعدة الحيلولة ، ومع الغض عنها لأصالة البراءة عن القضاء ، فلا جرم ينحل العلم الإجمالي بالأصل المثبت والنافي فيجب عليه الإتيان بالعشاءين فقط ، وهذا واضح.

ولو علم في الفرض المزبور أنّه لم يصلّ إلّا صلاتين وبقيت عليه ثلاث فطبعاً يعلم إجمالاً بفوت واحدة من الصلوات النهارية على الأقل ، كما أنّه يعلم أيضاً بعدم الإتيان بالثنتين الباقيتين المردّدتين بين كونهما من النهارية أو اللّيلية أو بالتلفيق.

أمّا العلم الثاني فهو منحلّ بالأصل المثبت والنافي حسبما عرفت آنفاً ، وأمّا العلم الأوّل فمقتضاه لزوم الإتيان بثنائية ورباعية بقصد ما في الذمّة مردّدة بين الظهر والعصر ، خروجاً عن عهدة التكليف المعلوم بالإجمال ، وبذلك يتحصّل على الفراغ اليقيني. وهذا أيضاً واضح.


1) (*) بل يجب عليه حينئذٍ الإتيان بجميع الصلوات الخمس.

[2187] المسألة الرابعة والخمسون : إذا صلّى الظهر والعصر ثمّ علم إجمالاً أنّه شكّ في إحداهما بين الاثنتين والثلاث وبنى على الثلاث ، ولا يدري أنّ الشك المذكور في أيّهما كان ، يحتاط بإتيان صلاة الاحتياط (1)وإعادة صلاة واحدة بقصد ما في الذمّة (1).


إنّما الكلام فيما ذكره (قدس سره) أخيراً من قوله : وكذا إن علم أنّه لم يصل إلّا صلاة واحدة. فإنّه إن أراد من قوله (قدس سره) : وكذا ... إلخ أنّه لا بدّ حينئذ من الاحتياط أيضاً حتّى يتيقّن بالفراغ وإن كان خلاف ظاهر العبارة فلا كلام.

وإن أراد ما هو ظاهر العبارة من أنّه يأتي حينئذ أيضاً بثنائية ورباعية كما في الفرض السابق فلا يتم جزماً ، إذ هو يعلم بطبيعة الحال بفوت اثنتين من الصلوات النهارية على الأقل الّذي هو لازم العلم بعدم الإتيان إلّا بصلاة واحدة ، ومعه ليس له الاقتصار على ثنائية ورباعية ، إذ من الجائز أن تكون الثنتان هما الظهر والعصر ، فلا بدّ من ضم رباعية أُخرى تحصيلاً للقطع بالفراغ فيلزمه في هذه الصورة الإتيان بجميع الصلوات الخمس كما لا يخفى.

(1) إذا شكّ في صلاة لم يدر أنّها كانت الظهر أو العصر بين الثنتين والثلاث أو بين الثلاث والأربع فبنى على الأكثر ووجبت عليه صلاة الاحتياط ولم يأت بها جزماً ، فقد يفرض ذلك بعد الإتيان بالمنافي عمداً وسهواً ، وأُخرى قبله.

فان كان بعد المنافي فعلى القول بأن صلاة الاحتياط واجب مستقل لا يقدح الفصل أو تخلّل المنافي بينها وبين الصلاة الأصلية كما نسب إلى بعضهم ، لزمه الإتيان بصلاة الاحتياط حينئذ بقصد ما في الذمّة.


1) (*) وإن كان الأظهر جواز الإتيان بالمنافي والاكتفاء بإعادة صلاة واحدة.

.................................................................................................


وأمّا على المختار من قدح تخلّل المنافي وأنّها جابرة ، لأنّها جزء حقيقي على تقدير النقص الواقعي ، فبما أنّ الجبر هنا غير ممكن بعد فرض التخلّل المزبور ولا فائدة في صلاة الاحتياط ، فمرجع المقام إلى العلم ببطلان إحدى الصلاتين لنقصان الركعة وإن كانت مفصولة لا موصولة ، ومعه لا بدّ من الإتيان برباعية مردّدة بين الظهر والعصر.

وإن كان قبل الإتيان بالمنافي فعلى القول بالاستقلال فالأمر كما ذكر ، وعلى مسلك الجزئية يندرج المقام تحت المسألة (1)التي تقدّم الكلام حولها مفصّلاً من العلم الإجمالي بعد الصلاتين بنقصان الركعة من إحداهما ، غاية الأمر أنّ الركعة هناك كانت متّصلة وهنا منفصلة ، ولا فرق بينهما من هذه الجهة.

وقد ذكرنا ثمة أنّ مقتضى العلم الإجمالي وإن كان هو ضم الركعة وإعادة الأُولى إلّا أنّ الأظهر كفاية الإتيان بأربع ركعات بقصد ما في الذمّة من غير حاجة إلى ضمّ الركعة لا المتّصلة ولا المنفصلة ، لما عرفت من أنّ استصحاب البقاء في الصلاة لا يثبت عنوان القطع برفع اليد كي يلزم الضم.

على أنّ دليل حرمة القطع لا يشمل المقام ونحوه ممّا لا يتمكّن من إتمام الصلاة والاقتصار عليها ، إذ بعد الضم المزبور لا يحصل الجزم بالفراغ أيضاً لجواز كون النقص من الظهر المستلزم لإعادتها ، فليس له الاكتفاء بتتميم ما بيده.

وعلى الجملة : فحرمة القطع على تقدير القول بها لا تشمل أمثال المقام ، فله رفع اليد والاكتفاء بأربع ركعات بقصد ما في الذمّة مردّدة بين الظهر والعصر حسبما عرفت.


1) رقم [2141].

[2188] المسألة الخامسة والخمسون : إذا علم إجمالاً أنّه إمّا زاد قراءة أو نقصها يكفيه (1)سجدتا السهو مرّة ، وكذا إذا علم أنّه إمّا زاد التسبيحات الأربع أو نقصها (1).

[2189] المسألة السادسة والخمسون : إذا شكّ في أنّه هل ترك الجزء الفلاني عمداً أم لا فمع بقاء محل الشك لا إشكال في وجوب الإتيان به ، وأمّا مع تجاوزه فهل تجري قاعدة الشك بعد التجاوز أم لا ، لانصراف أخبارها عن هذه الصورة خصوصاً بملاحظة قوله : «كان حين العمل أذكر»؟ وجهان (2)


(1) فإنّه بناءً على عدم وجوب سجود السهو في هذه الموارد لا أثر للعلم التفصيلي فضلاً عن الإجمالي ، وأمّا بناءً على وجوبه لكلّ زيادة ونقيصة ففي المقام يعلم تفصيلاً بالوجوب وإن كان جاهلاً بالسبب ، وأنّه لأجل النقص أو الزيادة. وقد ذكرنا سابقاً (3)عدم قدح الترديد في السبب ، إذ هو لا يوجب تقييداً في الواجب كي يحتاج إلى القصد المنافي للترديد ، هذا.

وقد أشرنا في محلّه (4)إلى أنّ الأظهر وجوب السجود في خصوص موارد العلم الإجمالي بالنقص أو الزيادة وإن لم نقل بوجوبه لكلّ زيادة ونقيصة ، وذلك لما استظهرناه من قوله (عليه السلام) : إذا لم تدر أزدت أم نقصت. الوارد في


1) (*) هذا مبني على وجوب سجدتي السهو لكلّ زيادة ونقيصة.

2) (**) الأوجه هو الأوّل ، وعلى الثاني لا بدّ من إعادة الصلاة ، ولا موجب للإتيان بالمشكوك فيه ، للقطع بعدم الأمر به إمّا للإتيان به وإمّا لبطلان الصلاة بالزيادة العمدية. والأولى إتمام الصلاة ثمّ إعادتها.

3) شرح العروة 18 : 378.

4) شرح العروة 18 : 370 وما بعدها.

والأحوط الإتيان ثمّ الإعادة (1).


طائفة من الأخبار (1).

(1) تقدّم سابقاً (2)أنّ الشاك في الإتيان بالجزء يلزمه التدارك إن كان شكّه في المحل ، وإلّا فلا يعتني بمقتضى قاعدة التجاوز. هذا فيما إذا تعلّق الشك بترك الجزء سهواً.

وأمّا إذا احتمل تركه عامداً فلا ريب في لزوم الاعتناء إن كان الشك في المحل ، فلو احتمل الترك العمدي لغاية من الغايات وإن كان هو رفع اليد عن الصلاة وجب التدارك بمقتضى قاعدة الشك في المحل وأصالة الاشتغال بلا إشكال.

إنّما الكلام فيما إذا عرض الشك المزبور بعد تجاوز المحل ، فهل تجري حينئذ قاعدة التجاوز أيضاً ، أم لا بل يلزمه الرجوع والتدارك؟ ذكر (قدس سره) أنّ فيه وجهين ، واحتاط (قدس سره) بالإتيان ثمّ الإعادة.

أقول : يقع الكلام تارة في جريان قاعدة التجاوز في مثل المقام وعدمه وأُخرى في أنّه على تقدير عدم الجريان فهل يلزمه الإتيان أو لا بدّ من الإعادة أو أنّه يجمع بين الأمرين احتياطاً كما صنعه (قدس سره). فهنا مقامان :

أمّا المقام الأوّل : فقد خصّ شيخنا الأُستاذ (قدس سره) (3)جريان القاعدة بما إذا كان الترك المحتمل مستنداً إلى السهو ، ومنع عن جريانها لدى احتمال الترك


1) الوسائل 8 : 224 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 14 ح 2 ، 4 ، 238 / ب 23 ح 6 ، 8.

2) شرح العروة 18 : 130.

3) أجود التقريرات 2 : 482 ، فوائد الأُصول 4 : 652.

.................................................................................................


العمدي ، مستظهراً ذلك بعد دعوى انصراف النصوص عن هذه الصورة من التعليل بالأذكرية والأقربية إلى الحقّ الوارد في بعض أخبار الباب (1)، فإنّه كاشف عن اختصاص الحكم بموارد الترك السهوي ، بحيث لو كان ذاكراً لكان آتياً حتّى يصدق معه أنّه حين العمل أذكر ، فلا يناسب ذلك مع احتمال الترك عامداً.

وبعد ظهور التعليل في التقييد بالسهو يتقيّد به الإطلاق في سائر الروايات لو لم تكن هي منصرفة إليه في حدّ نفسها.

ولكن دقيق النظر يقضي بشمول القاعدة لكلتا الصورتين ، وجريانها في موارد احتمال الترك العمدي كالسهوي ، استناداً إلى الإطلاق في سائر الأخبار مثل قوله (عليه السلام) : كلّ شي‌ء شكّ فيه ممّا قد مضى فأمضه كما هو (2). فإنّه دال على عدم الاعتناء بأيّ شك تعلّق بالشي‌ء بعد المضي عنه والتجاوز عن محلّه وإن كان المشكوك فيه هو احتمال الترك العمدي.

وأمّا التعليل المزبور فلا يستفاد منه أكثر من عدم جريان القاعدة في صورة العلم بالغفلة وانحفاظ صورة العمل ، بحيث يكون احتمال الصحّة فيها مستنداً إلى مجرّد المصادفة الواقعية ، كما لو توضّأ بمائع معيّن وبعد الفراغ شكّ في إطلاقه وإضافته ، فانّ حالته الفعلية مساوقة مع حالته حين العمل ، ولم يكن آن ذاك أذكر أو أقرب إلى الحق ، فلا تجري القاعدة حينئذ.

وأمّا الاختصاص بالترك السهوي فلا يكاد يدلّ عليه التعليل بوجه ، بل أقصى ما يستفاد منه هو الإيعاز إلى ما يقتضيه طبع كلّ مكلّف متصدّ للامتثال


1) الوسائل 1 : 471 / أبواب الوضوء ب 42 ح 7 ، 8 : 246 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 27 ح 3.

2) الوسائل 8 : 237 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 23 ح 3 ، (نقل بالمضمون).

.................................................................................................


من الالتفات حين العمل وأنّه لا يترك شيئاً من أجزائه ، لكونه على خلاف ظاهر حاله. وكما أنّ مقتضى طبعه هو الالتفات وعدم ترك جزء سهواً ، فكذا مقتضى طبعه الأوّلي عدم ترك جزء عمداً وعدم الإخلال العمدي بالأجزاء المتأخِّرة ، فإنّ هذا أيضاً على خلاف ظاهر حاله كسابقه.

وبعبارة اخرى : التعليل المزبور ناظر إلى إخراج صورة واحدة عن إطلاقات أدلّة القاعدة ، وهي صورة العلم بالغفلة واستناد احتمال الصحّة إلى المصادفة الواقعية ، فتبقى الصورتان الأخيرتان وهما الترك المستند إلى احتمال الغفلة والترك المستند إلى احتمال العمد مشمولتين لإطلاق الأدلّة ، بعد أن كان كلّ منهما على خلاف ظاهر حال المصلِّي وما يقتضيه طبعه الأوّلي حسبما أشرنا إليه.

ومنه تعرف الجواب عن دعوى الانصراف ، فإنّها غير بيِّنة ولا مبيّنة بعد أن كان الإطلاق مطابقاً لما هو المرتكز عند العقلاء من عدم الاعتناء بالشك بعد التجاوز ، ومن غير فرق بين احتمال الترك سهواً وعمداً ، وقد مرّ غير مرّة أنّ قاعدة التجاوز ليست قاعدة تعبّدية صرفة ، بل هي مجعولة على وفق ما تقتضيه السيرة العقلائية من عدم الاعتناء بالشك المزبور الشامل لكلتا الصورتين.

ويؤيِّد ما ذكرناه من الإطلاق أنّ قاعدة الحيلولة المجعولة لدى الشك بعد خروج الوقت لم يفرق فيها ظاهراً بين ما إذا كان احتمال الترك مستنداً إلى السهو أو إلى احتمال العمد ، ولا فرق بين هذه القاعدة التي هي بمثابة الشك بعد العمل وبين قاعدتي الفراغ والتجاوز في ملاك الحكم من حيث السعة والضيق.

فانّ الشك بعد تجاوز المحل وبعد الفراغ من العمل وبعد خروج الوقت كلّ ذلك قواعد عقلائية مندرجة تحت ضابط واحد ، ومرتضعة من ثدي فأرد ومرجع الكلّ إلى عدم الاعتناء بالشك العارض بعد المضي عن الشي‌ء إمّا عن

.................................................................................................


نفسه أو عن محلّه أو عن وقته. فثبوت الإطلاق في مورد يؤيِّد ثبوته في المورد الآخر كما لا يخفى.

وكيف ما كان ، فلا ينبغي التأمّل في جريان قاعدة التجاوز لدى احتمال الترك العمدي كالسهوي ، لإطلاق الأدلّة.

وأمّا المقام الثاني : وهو أنّا لو بنينا على الاختصاص ومنعنا عن جريان القاعدة مع احتمال الترك العمدي فهل يلزمه العود حينئذ لتدارك المشكوك فيه استناداً إلى استصحاب عدم الإتيان ، أو أنّه يحكم بالبطلان فتجب الإعادة ، أو أنّه يجمع بين الأمرين احتياطاً كما اختاره في المتن؟

لا ينبغي التأمّل في عدم لزوم العود ، فانّ احتماله ساقط جزماً ، للقطع بسقوط الأمر عن الجزء المشكوك فيه بعد فرض تردّده بين الإتيان وبين الترك العمدي لتحقّق الامتثال على الأوّل وبطلان الصلاة على الثاني. فلا أمر بالإتيان به فعلاً على كلّ تقدير ، فلا يترتّب أثر على استصحاب عدم الإتيان بعد العلم الوجداني بسقوط الأمر الفعلي عن الجزء. ومعه لا مناص من الإعادة بمقتضى قاعدة الاشتغال ، للشك في تحقّق الامتثال ، بل مقتضى الاستصحاب عدم الإتيان وإن لم يترتّب عليه البطلان.

وعليه فلا مانع من رفع اليد عن هذه الصلاة واستئنافها ، بناءً على ما تقدّم غير مرّة من أنّ دليل حرمة قطع الفريضة على تقدير تماميته خاص بما إذا أمكن إتمام الصلاة صحيحة والاقتصار عليها في مقام الامتثال ، المنفي فيما نحن فيه للزوم الإعادة بمقتضى قاعدة الاشتغال حسبما عرفت.

هذا كلّه فيما إذا لم يعلم أصل الترك بأن تردّد الأمر بين الإتيان وبين الترك العمدي.

وأمّا لو كان الترك معلوماً وشكّ في منشئه وأنّه هل كان عن عمد أو عن

.................................................................................................


سهو وقد تجاوز عن محلّه ، فهذا على قسمين ، إذ قد يفرض ذلك مع فوات المحل الذكري بحيث لا يمكن التدارك كما لو تذكّر حال الركوع فوت التشهّد أو السجدة الواحدة وتردّد بين العمد والسهو ، وأُخرى مع بقاء المحل المذكور كما لو كان التذكّر المزبور في حال القيام وقبل أن يركع.

أمّا القسم الأوّل : فهو على صورتين ، إذ تارة لا يترتّب أثر على الترك السهوي من قضاء أو سجود سهو ونحو ذلك ، كما لو علم حال الركوع ترك القراءة وتردّد بين العمد أو السهو ، أو بعد رفع الرأس منه تَرْك الذكر متردّداً بينهما ، بناءً على عدم سجود السهو لكلّ زيادة ونقيصة.

وأُخرى يترتّب عليه الأثر كالمثال الّذي ذكرناه أوّلاً ، حيث إنّ السجدة المنسية تقضى كما أنّ التشهّد المنسي يجب له سجود السهو.

أمّا في الصورة الاولى : فلا أثر للعلم الإجمالي ، فإنّ الترك السهوي لو كان معلوماً تفصيلاً لم يترتّب عليه أثر حسب الفرض فضلاً عن كونه معلوماً بالإجمال ، فتجري حينئذ قاعدة التجاوز بالنسبة إلى احتمال الترك العمدي لدفع احتمال البطلان من غير معارض ، بناءً على ما عرفت من جريان القاعدة في موارد احتمال الترك العمدي أيضاً كالسهوي. فيمضي في صلاته ولا شي‌ء عليه.

وأمّا في الصورة الثانية : فمقتضى قاعدة التجاوز الجارية بالنسبة إلى نفي احتمال الترك العمدي صحّة الصلاة وعدم بطلانها ، كما أنّ مقتضى جريانها بالنسبة إلى نفي احتمال الترك السهوي عدم القضاء أو عدم سجود السهو ، ولا يمكن الجمع بين القاعدتين ، للزوم المخالفة القطعية العملية من جهة العلم الإجمالي بأحد الأمرين من البطلان أو القضاء مثلاً.

ولكن القاعدة تختص بالمورد الأوّل ولا تجري في الثاني ، لما مرّ غير مرّة من أنّ في كلّ مورد كان أثر جريان القاعدة نفي البطلان وإثبات الصحّة ، وفي غيره

.................................................................................................


نفي حكم آخر مترتِّب على الصحّة من قضاء أو سجود سهو ونحو ذلك اختصّ الأوّل بالجريان ولا يكون معارضاً بالثاني. وعليه فتجري القاعدة في المقام لنفي احتمال الترك العمدي من غير معارضة للطرف الآخر أعني نفي احتمال الترك السهوي ونتيجته الحكم بصحّة الصلاة.

إلّا أنّه مع ذلك لا يمكن الحكم بالصحّة ، لمعارضة هذه القاعدة مع أصالة البراءة من وجوب القضاء أو سجود السهو ، إذ هو عالم في المقام إجمالاً بأحد التكليفين ، إمّا وجوب الإعادة أو وجوب القضاء مثلاً ، وقاعدة التجاوز الجارية لنفي الأوّل معارضة بأصالة البراءة الجارية لنفي الثاني.

وإن شئت قلت : لا تكاد تجري قاعدة التجاوز في المقام لنفي احتمال الترك العمدي ، لا لأجل معارضتها بالقاعدة الجارية لنفي احتمال الترك السهوي ، لما عرفت من أنّ القاعدة فيما يوجب البطلان لا تعارضها القاعدة فيما لا توجبه ، بل لأجل المعارضة مع أصالة البراءة عن وجوب القضاء أو سجدتي السهو ، من جهة العلم الإجمالي بأحد التكليفين كما مرّ.

وبما أنّ الجمع بينهما مستلزم للمخالفة العملية فلا مناص من الإعادة بمقتضى قاعدة الاشتغال. ولا مانع من قطعها ورفع اليد عنها ، لما تقدّم من أنّ دليل حرمة القطع على تقدير تسليمه خاص بما إذا أمكن إتمام الصلاة صحيحة والاقتصار عليها في مقام الامتثال ، وهو منفي فيما نحن فيه كما عرفت.

وأمّا القسم الثاني : أعني ما إذا كان المحل الذكري باقياً فتارة لا يكون لزيادة الجزء الّذي أتى به بعد ترك الجزء السابق أثر لو صدر نسياناً من سجود السهو ونحوه ، كما لو تذكّر وهو في السورة فوت الفاتحة ، أو تذكّر وهو في القيام ترك السجدة الواحدة وتردّد بين كونه عن عمد أو سهو ، بناءً على عدم وجوب سجدتي السهو للقيام الزائد.

.................................................................................................


وأُخرى يكون له أثر ، كما لو قلنا بوجوب السجدتين لزيادة القيام سهواً في المثال المزبور.

أمّا في الفرض الأوّل : فالصلاة محكومة بالصحّة ، للشكّ في عروض ما يوجب البطلان أعني الترك العمدي ، فيبني على العدم بمقتضى قاعدة التجاوز السليمة عن المعارض في أمثال المقام كما تقدّم ، فيرجع ويتدارك الجزء المتروك ويمضي ولا شي‌ء عليه بعد أن لم يترتّب أثر على الزيادة السهوية المحتملة كي تتحقّق المعارضة.

وأمّا في الفرض الثاني : فالظاهر هو البطلان ، للعلم الإجمالي إمّا بوجوب الإعادة من جهة زيادة الجزء عمداً ، أو بوجوب سجود السهو من أجل زيادته سهواً.

فانّ الجزء المتروك وإن كان قابلاً للتدارك على تقدير تركه السهوي لبقاء المحل حسب الفرض ، إلّا أنّه نظراً إلى المعارضة بين قاعدة التجاوز الجارية لنفي الترك العمدي المترتِّب عليها عدم البطلان ، وبين أصالة البراءة عن وجوب سجود السهو وسقوطهما بالمعارضة ، لا يمكن تصحيح الصلاة بوجه ، إذ يجري حينئذ جميع ما ذكرناه فيما إذا كان التذكّر بعد تجاوز المحل الذكري حرفاً بحرف.

وقد عرفت أنّ المتّجه ثمّة هو البطلان ، استناداً إلى أصالة الاشتغال ، وأنّه لا مانع حينئذ من رفع اليد عن هذه الصلاة بعد عدم إمكان تتميمها صحيحة لقصور دليل حرمة القطع على تقدير تسليمه عن شمول الفرض.

وقد يقال بعدم جريان قاعدة التجاوز هنا في حدّ نفسها ولو مع قطع النظر عن المعارضة ، إذ يعتبر في جريانها الدخول في الجزء المترتِّب ، ولم يتحقّق في المقام ، للقطع بزيادة القيام ووقوعه في غير محلّه ، إذ المفروض ترك السجدة مثلاً قطعاً إمّا عمداً أو سهواً ، فليس هذا القيام الواقع قبل السجدة من القيام

.................................................................................................


الصلاتي في شي‌ء ، فلا يكون من الجزء المترتِّب. وعلى الجملة : عدم جريان القاعدة مستند إلى قصور المقتضي لفقدان شرطه ، لا إلى وجود المانع أعني المعارضة.

ويندفع : بأنّ الدخول في الجزء المترتِّب لا خصوصية له ، وإنّما التزمنا به من أجل أنّ التجاوز عن الشي‌ء بعد فرض الشك في أصل وجوده لا يتحقّق إلّا بالتجاوز عن محلّه المستكشف بالدخول في الجزء المترتِّب ، على خلاف قاعدة الفراغ التي يصدق في موردها المضي حقيقة ومن غير عناية باعتبار تعلّق الشك بصحّة الشي‌ء لا بأصل وجوده. فالدخول المزبور كاشف عن تحقّق الشرط ، ولا موضوعية له. فليس الشرط إلّا نفس التجاوز عن المحلّ ، وهو الموضوع لجريان القاعدة.

وعليه فبما أنّ التجاوز عن المحلّ متحقِّق لو كان الترك عن عمد ، لعدم إمكان التدارك بعدئذ فلا مانع من جريان قاعدة التجاوز لنفي الترك العمدي الّذي هو الأثر المرغوب من جريانها في المقام.

نعم ، المحل باق لو كان الترك عن سهو ، لعدم المضي حينئذ عن محلّه حقيقة ولكن على التقدير الأوّل المترتِّب عليه نفي البطلان الّذي هو المقصود من الجريان لم يكن المحل باقياً ، فلا مانع من جريانها في حدّ ذاتها لولا المعارضة حسبما عرفت فتأمّل ، هذا.

وقد يقال هنا وفي القسم السابق أعني ما لو كان التذكّر بعد تجاوز المحل الذكري : إنّه بعد جريان قاعدة التجاوز لنفي الترك العمدي والحكم بمقتضاها بصحّة الصلاة وعدم بطلانها يترتّب عليه لا محالة آثار الترك السهوي من الرجوع والتدارك إن كان التذكّر قبل الدخول في الركن ، والقضاء أو سجدتا السهو إن كان بعده.

.................................................................................................


فإنّ أصل الترك معلوم حسب الفرض ، وكونه عمدياً مدفوع بمقتضى القاعدة فيحرز بذلك عدم استناد الترك إلى العمد ، وكلّ ما كان كذلك فهو محكوم بما عرفت من العود إن كان قبل تجاوز المحل الذكري ، والقضاء ان كان بعده ، فلا موجب للحكم بالبطلان.

ويندفع أوّلاً : بأنّ شأن القاعدة ليس إلّا التأمين من ناحية امتثال التكليف ولا تكاد تتكفّل لإثبات حكم آخر مترتِّب على موضوع آخر ، والمقدار الّذي ثبت التعبّد به في المقام من جريان القاعدة إنّما هو عدم بطلان الصلاة من جهة احتمال ترك الجزء عمداً ، ولا نظر فيها إلى إثبات موضوع القضاء أو سجدتي السهو ، بل يرجع في نفيهما إلى أصالة البراءة لولا المعارضة مع القاعدة المستلزمة للمخالفة القطعية كما لا يخفى.

وثانياً : أنّ الموضوع للقضاء أو سجدتي السهو لو كان هو مجرّد عدم استناد الترك إلى العمد لأمكن المساعدة على ما أُفيد ، إلّا أنّ المستفاد من الأدلّة أنّ الموضوع هو الترك المستند إلى غير العمد من سهو أو جهل أو تخلّف اعتقاد ونحو ذلك ، وإثباته بالقاعدة الجارية لنفي الترك العمدي من أوضح أنحاء المثبت.

وبعبارة اخرى : للترك حصّتان عمدي وسهوي ، وهما متضادّان ، يلازم كلّ منهما عدم الآخر ، فمع نفي الترك العمدي بقاعدة التجاوز لا يمكن إثبات الترك السهوي إلّا بالملازمة الخارجية الناشئة من العلم الوجداني بتحقّق أصل الترك وعدم كونه عمدياً بمقتضى جريان القاعدة ، وقد عرفت أنّ القاعدة لا تتكفّل بإثبات اللوازم غير الشرعية ، فلا مناص من الحكم بالإعادة كما ذكرنا.

[2190] المسألة السابعة والخمسون : إذا توضّأ وصلّى ثمّ علم أنّه إمّا ترك جزءاً من وضوئه أو ركناً في صلاته (1) فالأحوط إعادة الوضوء ثمّ الصلاة ولكن لا يبعد جريان قاعدة الشك بعد الفراغ في الوضوء لأنّها لا تجري في الصلاة حتّى يحصل التعارض ، وذلك للعلم ببطلان الصلاة على كلّ حال.


(1) احتاط (قدس سره) أوّلاً بإعادة الوضوء والصلاة معاً ، رعاية للعلم الإجمالي المتعلِّق بالبطلان بعد معارضة قاعدة الفراغ الجارية في الطرفين ، ولم يستبعد أخيراً الاكتفاء بإعادة الصلاة فقط ، للعلم التفصيلي ببطلانها إمّا من أجل فقد الركن أو فقد الطهور المانع عن جريان قاعدة الفراغ فيها ، فيكون جريانها في الوضوء سليماً عن المعارض ، وبذلك ينحل العلم الإجمالي.

والظاهر أنّ ما أفاده (قدس سره) أخيراً هو الصحيح ، لما عرفت من انحلال العلم الإجمالي بالعلم التفصيلي والشك البدوي ، فيرجع في الثاني إلى الأصل الجاري فيه ، وهو قاعدة الفراغ من غير معارض.

ولكن شيخنا الأُستاذ (قدس سره) (1)منع عن انحلال العلم الإجمالي بمثل هذا العلم التفصيلي في المقام ونحوه ممّا كان العلم التفصيلي متولّداً من العلم الإجمالي ، ولأجله منع عن الانحلال في باب الأقل والأكثر الارتباطيين بدعوى استلزامه انحلال الشي‌ء بنفسه.

وحاصل ما أفاده (قدس سره) في وجهه : أنّ الأقلّ المعلوم بالتفصيل لو كان وجوبه ثابتاً على كلّ تقدير وبصفة الإطلاق لتمّ ما أُفيد ، ولكنّه ليس كذلك ، بل المعلوم ليس إلّا وجوبه على سبيل الإهمال الجامع بين الاشتراط


1) أجود التقريرات 2 : 288.

.................................................................................................


والإطلاق ، فليس لنا علم إلّا بوجوب مردّد بين كونه بشرط شي‌ء ، أي مقيّداً بكونه في ضمن الأكثر ، المترتِّب عليه عدم حصول الامتثال بإتيان الأقل فقط وبين كونه لا بشرط ، أي مطلقاً من حيث الانضمام إلى الأكثر وعدمه. فالعلم بوجوب الأقل ليس إلّا علماً بالجامع بين المطلق والمقيّد ، وهو عبارة أُخرى عن نفس العلم الإجمالي ، بل هو مقوّم له ، وليس شيئاً آخر وراءه ، فكيف يمكن أن ينحلّ به ، وهل هذا إلّا انحلال الشي‌ء بنفسه.

وعلى ضوء هذا البيان منع (قدس سره) عن الانحلال في المقام ، فانّ بطلان الصلاة لم يكن معلوماً على سبيل الإطلاق ، بل المعلوم هو جامع البطلان المردّد بين ما استند إليها نفسها وما كان مرتبطاً بالوضوء ، وهو عين العلم الإجمالي المتعلِّق ببطلان أحدهما ، فلا يمكن أن يكون موجباً لانحلاله.

ويرد عليه (قدس سره) أوّلاً : ما تعرّضنا إليه في الأُصول (1)في باب الأقل والأكثر من أنّ ما أفاده (قدس سره) متين جدّاً لو أراد به الانحلال الحقيقي الّذي ضابطه أن تنحل القضيّة الشرطية المنفصلة على سبيل منع الخلو إلى قضيتين حمليتين إحداهما متيقّنة والأُخرى مشكوكة ، كما لو علمنا بنجاسة أحد الإناءين فقامت بيّنة على نجاسة أحدهما المعيّن ، فإنّه يقال عندئذ : هذا الإناء بعينه نجس يقيناً ، وذاك مشكوك النجاسة ، بعد أن كنّا نقول : إمّا هذا نجس أو ذاك نجس.

فانّ الانحلال بهذا المعنى يتعذّر انطباقه على المقام ، ضرورة أنّ كلّاً من وجوب الأقل المطلق والمقيّد بما لهما من الحدّ وبصفة الإطلاق أو التقييد مشكوك فيه ، ولم يكن أحدهما متيقّناً بالإضافة إلى الآخر ، فانّ كلّاً منهما حادث مسبوق بالعدم ، ويشك في كيفية الجعل من أوّل الأمر وأنّه واسع أو


1) مصباح الأُصول 2 : 433.

.................................................................................................


مضيّق. وكما أنّ مقتضى الاستصحاب عدم لحاظ التقييد مقتضاه عدم لحاظ الإطلاق أيضاً ، فيتعارض الاستصحابان من الطرفين. فالقضيّة الشرطية باقية على حالها وغير منحلّة إلى القضيتين الحمليتين المزبورتين.

وعلى الجملة : فالانحلال الحقيقي بالمعنى المتقدِّم وإن كان منفياً في باب الأقل والأكثر كما أفاده (قدس سره) إلّا أنّ الانحلال الحكمي متحقِّق ، بمعنى أنّ مثل هذا العلم الإجمالي لا يكون منجّزاً ، فانّ المناط في التنجيز إنّما هو تعارض الأُصول ، ولا معارضة بينها في المقام ، فانّ جعل الوجوب للأقل على نحو التقييد اي منضمّاً بالأكثر فيه كلفة زائدة وتضييق على المكلّف مندفع بأصالة البراءة ، بخلاف جعله على سبيل الإطلاق وبنحو اللّابدية بشرط فإنّه توسعة وتسهيل للمكلّف ، فلا معنى لرفعه بأصالة البراءة.

كما أنّ العقاب عند ترك الأقل متيقّن ، لعدم تحقّق الواجب الواقعي بدونه فالتكليف بالنسبة إليه منجّز. بخلافه عند ترك الأكثر ، فإنّ العقاب عندئذ مشكوك فيه ، فأصالة البراءة الشرعية والعقلية جارية في طرف الأكثر من غير معارض ، لعدم جريان شي‌ء منهما في ناحية الأقل حسبما عرفت. وحيث لا معارضة فلا تنجيز للعلم الإجمالي ، فهو في حكم الانحلال وإن لم يكن منه حقيقة. ولا فرق بينهما بحسب النتيجة كما هو ظاهر.

كما أنّه لا معارضة بينهما فيما نحن فيه ، للعلم ببطلان الصلاة على كلّ تقدير فليست هي مجرى لقاعدة الفراغ ، فتجري القاعدة في الوضوء من غير معارض ، فتترتّب عليه نتيجة الانحلال.

وثانياً : لو أغمضنا عما ذكرناه في باب الأقل والأكثر وسلمنا عدم الانحلال ثمة بوجه فلا نسلِّمه في المقام ، لثبوت الانحلال هنا حتّى الحقيقي منه فضلاً عن الحكمي. ولا مجال لقياسه على ذاك الباب ، فانّ الواجب هناك عمل وحداني وهو الصلاة مثلاً مردّد حدّ وجوبه بين الإطلاق والتقييد والتوسعة والتضييق

.................................................................................................


فلم يعلم أنّ ما تعلّق به الوجوب هل هو ذات الأقل أم المرتبط بالأكثر ، وليس في البين ما هو المتيقّن من الأمرين كما عرفت.

وأمّا في المقام فكلّ من الوضوء والصلاة عمل مستقل غير مرتبط أحدهما بالآخر ، ولا ملازمة بينهما في الصحّة والفساد ، فربما يصحّ الوضوء دون الصلاة كما هو ظاهر ، وقد ينعكس كما لو توضّأ مرّة أُخرى للتجديد أو اغتسل لمسّ الميت مثلاً بعد ذلك بناءً على إغناء الغسل عن الوضوء فانّ شرط الصلاة هو جامع الطهارة ، لا خصوص الوضوء الصادر منه الّذي هو طرف للعلم الإجمالي ، فليس بطلان الصلاة المعلوم بالتفصيل مرتبطاً بالوضوء كي يكون مردّداً بين الإطلاق والتقييد كما كان هو الشأن في الوجوب المعلوم تعلّقه بالأقل المردّد بينهما.

إذن فلا تردّد ولا إهمال في الحكم بالبطلان المعلوم تعلّقه بالصلاة في المقام وإنّما التردّد في منشئه وسببه ، وأنّه لخلل فيها أو لنقص في الوضوء ، ومن الواضح أنّ جهالة العلّة والتردّد فيها لا ينافي الجزم الوجداني بنفس الحكم على ما هو عليه من الحد ، فانّا على يقين تفصيلاً من بطلان الصلاة بالضرورة وإن لم يعلم مستند البطلان ، كما أنّا على شكّ من بطلان الوضوء وجداناً. فقد انحلّت القضيّة الشرطية إلى قضيتين حمليتين إحداهما متيقّنة والأُخرى مشكوكة ولازمه حصول الانحلال بطبيعة الحال.

وعلى الجملة : بعد فرض كون طرفي العلم فيما نحن فيه وجودين مستقلّين أحدهما أجنبي عن الآخر فلا معنى لأن يكون أحد الوجودين بالإضافة إلى الآخر بشرط شي‌ء ومقيّداً به ، أو لا بشرط ومطلقاً عنه ، وإنّما يتصوّر ذلك في الوجود الواحد المردّد حدّه من حيث السعة والضيق كما في باب الأقل والأكثر.

فالمقام أشبه شي‌ء بما إذا علمنا نجاسة شي‌ء تفصيلاً وشككنا في منشئها وأنّها من أجل ملاقاته بنفسه للنجس ، أو من أجل ملاقاته لشي‌ء آخر وقد

[2191] المسألة الثامنة والخمسون : لو كان مشغولاً بالتشهّد أو بعد الفراغ منه وشكّ في أنّه صلّى ركعتين وأنّ التشهّد في محلّه أو ثلاث ركعات وأنّه في غير محلّه (1) يجري حكم الشك بين الاثنتين والثلاث ، وليس عليه


كان ذلك الشي‌ء ملاقياً للنجس ، كما لو وقعت قطرة من أحد الإناءين في الآخر ثمّ علمنا إجمالاً بنجاسة أحدهما قبل ذلك ، فإنّه لا ينبغي الريب في أنّ المرجع في ذلك الشي‌ء هو أصالة الطهارة من غير معارض. ولا معنى للاجتناب عنه بدعوى أنّ العلم بنجاسة هذا الشي‌ء ليس على الإطلاق ، وإنّما المعلوم هو جامع النجاسة المردّد بين ما استند إلى ملاقاته بنفسه ، أو لملاقاته لذلك الشي‌ء الآخر.

إذ فيه أنّ كلّاً من الملاقي وذلك الشي‌ء الآخر موجود مستقل لا ارتباط بينهما أصلاً ، فيرجع في ذلك الشي‌ء إلى الأصل السليم عن المعارض.

فتحصّل : أنّ في أمثال المقام يكون العلم الإجمالي منحلا حقيقة ، ومع الغض عن ذلك فلا أقل من الانحلال الحكمي أعني عدم تعارض الأُصول الّذي هو المناط في التنجيز ، حيث إنّ قاعدة الفراغ غير جارية في الصلاة بعد العلم التفصيلي ببطلانها ، فتجري في الوضوء من غير معارض.

(1) لا ريب حينئذ في جريان حكم الشك بين الثنتين والثلاث ، لكونه من موارده ، فيبنى على الأكثر بمقتضى إطلاق أدلّته.

وإنّما الكلام في أنّه هل يلزمه حينئذ سجود السهو نظراً إلى أنّ لازم البناء المزبور زيادة التشهّد الصادر منه كلّاً أو بعضاً ، أم لا ، للشك في زيادة التشهّد واقعاً ، إذ من الجائز وقوعه في محلّه لكونه في الركعة الثانية بحسب الواقع فيرجع إلى أصالة عدم الزيادة أو أصالة البراءة عن وجوب السجود.

سجدتا السهو لزيادة التشهّد لأنّها غير معلومة (1)، وإن كان الأحوط الإتيان بهما أيضاً بعد صلاة الاحتياط.


الظاهر هو الثاني كما اختاره في المتن ، لما عرفت سابقاً من أنّ أدلّة البناء غير ناظرة إلّا إلى التعبّد من حيث العدد ، وأنّه من ناحية الشك في الركعات يبني على الأكثر ويأتي بالركعة المشكوكة مفصولة رعاية لسلامة الصلاة عن احتمال الزيادة والنقصان كما في موثّقة عمار (2).

وأمّا اللوازم غير الشرعية والآثار الواقعية المترتِّبة على الثلاث الواقعية كزيادة التشهّد في مفروض المسألة فليست ناظرة إليها ، ولا تكاد تتكفّل لإثباتها بوجه ، وبما أنّ الزيادة الواقعية مشكوكة فيرجع في نفيها إلى الأصل كما مرّ.

نعم ، لو صدرت عنه زيادة بعد البناء المزبور كما لو شكّ بين الثلاث والأربع وبعد البناء على الأربع وقبل أن يسلِّم قام إلى الركعة الأُخرى سهواً وجب عليه سجود السهو حينئذ ، فإنّ هذا القيام وإن لم يكن معلوم الزيادة بحسب الواقع لجواز كونه قياماً إلى الركعة الرابعة فيكون واقعاً في محلّه ، إلّا أنّه زيادة قطعية على ما تقتضيه الوظيفة الظاهرية ، ولا نعني بالزيادة التي هي موضوع للبطلان لو كانت عمدية وسجود السهو لو كانت سهوية إلّا الإتيان بشي‌ء بقصد الجزئية زائداً على ما تقتضيه الوظيفة الفعلية الأعم من الواقعية والظاهرية ، وهذا المعنى صادق في المقام وحاصل في هذه الصورة بالضرورة. فلا مناص من لزوم الإتيان بسجود السهو.


1) (*) إذا كان الشك في أثناء التشهّد فهو عالم بزيادة ما أتى به أو بنقصان ما بقي منه فتجب عليه سجدتا السهو بناءً على وجوبهما لكلّ زيادة ونقيصة.

2) الوسائل 8 : 212 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 8 ح 1.

[2192] المسألة التاسعة والخمسون : لو شكّ في شي‌ء وقد دخل في غيره الّذي وقع في غير محلّه كما لو شكّ في السجدة من الركعة الأُولى أو الثالثة ودخل في التشهّد ، أو شكّ في السجدة من الركعة الثانية وقد قام قبل أن يتشهّد ، فالظاهر البناء على الإتيان (1)وأنّ الغير أعم من الّذي وقع في محلّه أو كان زيادة في غير المحل ، ولكن الأحوط مع ذلك إعادة الصلاة أيضاً (1).


وهذا بخلاف الصورة السابقة ، فإنّ الزيادة فيها على ما تقتضيه الوظيفة الواقعية مشكوكة ، وعلى ما تقتضيه الوظيفة الظاهرية مقطوعة العدم ، لفرض عدم ارتكاب شي‌ء زائداً على ما تقتضيه الوظيفة بعد البناء على الأكثر ، فلا موجب لسجود السهو بوجه.

نعم ، لو كان الشك المفروض عارضاً أثناء التشهّد فحيث إنّه يجب عليه قطعه بعد البناء على الأكثر فلا جرم يحصل له العلم الإجمالي إمّا بزيادة ما قرأ منه لو كان في الركعة الثالثة واقعاً ، أو بنقيصة ما ترك منه لو كان في الثانية فيعلم بحصول الزيادة أو النقصان في صلاته ، ومعه لم يكن بدّ من الإتيان بسجود السهو بقصد ما في الذمّة لو قلنا بوجوبه لكلّ زيادة ونقيصة.

بل يجب الإتيان به لأجل نفس الشك وإن لم نقل بذلك ، بناءً على ما عرفت من أنّ العلم الإجمالي بالنقص أو الزيادة بنفسه من موجبات سجدتي السهو كما تقدّم سابقاً (2).

(1) لا ريب في اعتبار الدخول في الغير في جريان قاعدة التجاوز كما نطقت


1) (*) بل الظاهر عدمه كما مرّ ، وقد تقدّم منه (قدس سره) في المسألة الخامسة والأربعين ما يناقض ما ذكره هنا.

2) شرح العروة 18 : 370 وما بعدها.

.................................................................................................


به صحيحة زرارة : «... إذا خرجت من شي‌ء ثمّ دخلت في غيره فشكّك ليس بشي‌ء» (1)وغيرها.

إنّما الكلام في أنّه هل يعتبر الدخول في خصوص الغير المترتِّب على المشكوك فيه ، أو أنّه يكفي الدخول في مطلق الغير الأعم ممّا وقع في محلّه وما كان زيادة في غير المحل.

وقد تعرّض الماتن (قدس سره) لهذه المسألة في مواضع ثلاثة مع اختلاف نظره (قدس سره) فيها ، فاستظهر الاكتفاء بمطلق الغير في هذه المسألة ، واستظهر خلافه في المسألة الخامسة والأربعين (2)، وتردّد فيها في المسألة السابعة عشرة.

وكيف ما كان ، فقد يقال بكفاية الدخول في مطلق الغير استناداً إلى الإطلاق في صحيحة زرارة المتقدِّمة.

وقد يقال باعتبار الغير المترتِّب. ويستدلّ له تارة بانصراف الغير الوارد في الأدلّة إليه وأنّه مقيّد بحكم الانصراف بالدخول فيما لولا الشك لمضي فيه واسترسل في صلاته.

وفيه ما لا يخفى ، فإنّه لا موجب للانصراف أصلاً ، والتقييد المزبور غير بيِّن ولا مبين ولا شاهد عليه بوجه. فالإطلاق محكّم.

وأُخرى بما عن شيخنا الأُستاذ (قدس سره) (3)من أنّ لازم العود لتدارك المنسي وإتيان الجزء المترتِّب عود محلّ الشك ووقوعه فيه ، كما لو شكّ في


1) الوسائل 8 : 237 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 23 ح 1.

2) بل صرّح (قدس سره) في المسألة العاشرة من فصل الشك بأنّ المراد الغير المترتِّب. اللّهمّ إلّا أن لا يكون له إطلاق من حيث الوقوع في المحل أو في خارجه الّذي هو محلّ الكلام ، فلاحظ وتأمّل.

3) لاحظ كتاب الصلاة 3 : 51 ، العروة الوثقى 3 : 391.

.................................................................................................


السجدة الثانية من الركعة الثانية بعد ما دخل في القيام سهواً قبل أن يتشهّد فإنّه محكوم بالعود لتدارك التشهّد ، وبعد ما عاد يعود محلّ الشك لا محالة.

وفيه أيضاً ما لا يخفى ، فإنّه بالعود لا يتّصف الشك بعروضه في المحل ، إذ الشي‌ء لا ينقلب عمّا وقع عليه. ومن الواضح أنّ هذا هو الشك السابق العارض قبل العود بعينه ، وليس شكّاً غيره ، والمدار في كون الشك قبل التجاوز أو بعده بحدوث الشك لا ببقائه. وعليه فبناءً على كفاية الدخول في مطلق الغير فهذا من الشك العارض بعد التجاوز لا محالة وإن عاد إلى المحل.

فالصحيح أن يستدلّ له بما أشرنا إليه سابقاً من أنّ التجاوز عن الشي‌ء مع فرض الشك في أصل وجوده كما هو مورد هذه القاعدة ممّا لا يجتمعان ، فهو بمعناه الحقيقي متعذِّر الصدق ، وإنّما يتّجه فيما لو كان متعلّق الشك وصف الصحّة كما في قاعدة الفراغ ، لصدق المضي والتجاوز حينئذ عن نفس الشي‌ء حقيقة. وعليه فلا مناص من أن يراد به في المقام التجاوز عن المحلّ بضرب من العناية.

ومن الواضح أنّ التجاوز والخروج عن محلّ المشكوك فيه إنّما يتحقّق بالدخول في الجزء المترتِّب عليه شرعاً الّذي له محلّ معيّن متأخِّر عنه ، وإلّا فالغير غير المترتِّب لا محل له ، فالدخول فيه لا يحقِّق الخروج عن محلّ المشكوك فيه ، بل هو باق بعد سواء أتى بذلك الغير أم لا ، فتحقيقاً للخروج عن المحل لا بدّ من الاختصاص بالمترتِّب.

فتحصّل : أنّ الأظهر اعتبار الدخول في الغير المترتِّب ، لهذا الوجه الّذي ذكرناه ، لا للوجهين السابقين المزيّفين بما عرفت. فلا يكفي الدخول في مطلق الغير في جريان قاعدة التجاوز. وعليه ففي المثالين المذكورين في المتن لا بدّ من الرجوع والإتيان بالسجدة بمقتضى أصالة عدم الإتيان بها ، وبسجدتي السهو لذلك الغير الزائد بناءً على وجوبها لكلّ زيادة ونقيصة.

[2193] المسألة الستّون : لو بقي من الوقت أربع ركعات للعصر وعليه صلاة الاحتياط من جهة الشك في الظهر (1) فلا إشكال في مزاحمتها للعصر ما دام يبقى لها من الوقت ركعة ، بل وكذا لو كان عليه قضاء السجدة أو التشهّد ، وأمّا لو كان عليه سجدتا السهو فهل يكون كذلك أو لا؟ وجهان (1)من أنّهما من متعلّقات الظهر ، ومن أنّ وجوبهما استقلالي وليستا جزءاً أو شرطاً لصحّة الظهر ، ومراعاة الوقت للعصر أهمّ فتقدّم العصر ثمّ يؤتى بهما بعدها ، ويحتمل التخيير.


(1) لا إشكال حينئذ في مزاحمتها للعصر وتقديمها عليها ما دام يبقى للعصر مقدار ركعة من الوقت كما أفاده في المتن ، وهذا من غير فرق بين القول بجزئية الركعة على تقدير النقص كما هو الصحيح أو القول بكونها واجباً مستقلا.

أمّا على الأوّل : فظاهر ، إذ الركعة حينئذ من متمِّمات الظهر وأجزائها الحقيقية ، وإن لزم الإتيان بها مفصولة رعاية لسلامة الصلاة عن الزيادة والنقصان ، فما لم يأت بها لم تفرغ الذمّة عن الظهر. ومعلوم أنّ الدخول في العصر مشروط بفراغ الذمّة عن السابقة ، والمفروض التمكّن من الجمع بينهما بمقتضى التوسعة في الوقت المستفادة من حديث مَن أدرك (2).

وأمّا على الثاني : فكذلك ، إذ هي وإن كانت صلاة مستقلّة إلّا أنّها شرعت لتدارك النقص المحتمل ، والإتيان بها واجب فوراً ، فهي أيضاً تعدّ بالأخرة من توابع الظهر وملحقاتها ، فيجري عليها حكمها.


1) (*) أوجههما الأوّل.

2) الوسائل 4 : 217 / أبواب المواقيت ب 30.

.................................................................................................


وفي الحقيقة لا مزاحمة بينها وبين أصل صلاة العصر ليتأمّل في تقديمها عليها ، بل بينها وبين شي‌ء من وقته القابل للتدارك بحديث من أدرك ، وإنّما تقع المزاحمة لو لم يبق حتّى مقدار الركعة.

وممّا ذكرنا يظهر الحال في قضاء السجدة والتشهّد ، فإنّه على القول بأنّهما نفس الجزء وقد تأخّر ظرفه واضح جدّاً ، وعلى القول بالاستقلال فلمكان الفورية ووجوب المبادرة تعدّان من التوابع واللّواحق ، فلا يسوغ تفويت مصلحة الفورية بالتأخير بعد أن كانت مصلحة وقت العصر قابلة للإدراك بمقتضى التوسعة فيه المستفادة من الحديث المزبور.

ومن الواضح أنّ قضاء السجدة لا يحتاج من الوقت مقداراً يمنع من إدراك الركعة ، فلا مزاحمة بينهما بوجه ، نعم لو فرض الضيق إلى هذا الحدّ أو فرض تعدّد السجدات المنسية من ركعات عديدة بحيث لا يتمكّن مع قضائها من إدراك الركعة وقعت المزاحمة حينئذ وكان التقديم مع العصر لأهمِّيّته.

ومن ذلك كلّه يظهر الحال في سجدتي السهو وتقدّمهما على صلاة العصر ، فانّ حكمة التشريع وإن كانت هي إرغام الشيطان كما في النص (1)إلّا أنّ الوجوب فيهما فوري بلا كلام. فلا يسوغ الإخلال به.

وملخّص الكلام : أنّ جميع هذه الموارد تكون من قبيل الدوران بين ما له البدل وما لا بدل له ، ولا ريب في لزوم تقديم الثاني ، فإنّ العصر بدله الوقت التنزيلي الثانوي ، وغيره لا بدل له.

فتحصّل : أنّه مع إمكان إدراك الركعة من العصر لا مناص من تقديم تمام ما هو من توابع الظهر وشؤونها من صلاة الاحتياط وقضاء السجدة أو التشهّد أو سجدتي السهو بمناط واحد حسبما عرفت.


1) الوسائل 8 : 250 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 32 ح 1.

[2194] المسألة الحادية والستّون : لو قرأ في الصلاة شيئاً بتخيّل أنّه ذكر أو دعاء أو قرآن ثمّ تبيّن أنّه كلام الآدمي فالأحوط سجدتا السهو (1)(1) لكن الظاهر عدم وجوبهما لأنّهما إنّما تجبان عند السهو ، وليس المذكور من باب السهو ، كما أنّ الظاهر عدم وجوبهما في سبق اللسان إلى شي‌ء ، وكذا إذا قرأ شيئاً غلطاً من جهة الأعراب أو المادّة ومخارج الحروف.

[2195] المسألة الثانية والستّون : لا يجب سجود السهو فيما لو عكس الترتيب الواجب سهواً كما إذا قدّم السورة على الحمد وتذكّر في الركوع (2) فإنّه لم يزد شيئاً ولم ينقص ، وإن كان الأحوط الإتيان معه لاحتمال كونه من باب نقص السورة ، بل مرّة أُخرى لاحتمال كون السورة المقدّمة على الحمد من الزيادة.


(1) بل الأظهر ذلك فيه وفي سبق اللسان ، لعدم إناطة الحكم في لسان الأدلّة مدار عنوان السهو ليدّعى انتفاؤه في المقام ، بل تعلّق بكلّ ما ليس بعمد وإن لم ينطبق عليه عنوان السهو ، بمقتضى إطلاق الدليل حسبما مرّ الكلام حول هذه المسألة مستقصًى في أوّل مبحث سجود السهو فلاحظ (2).

(2) لاختصاص دليل السجدة بالنقص أو الزيادة في نفس الأجزاء ، وليس الترتيب منها فلا يشمله دليلها.

ولكن الصحيح ما ذكره (قدس سره) أخيراً من الوجوب ، نظراً إلى أنّ الترتيب ليس شيئاً آخر وراء نفس الأجزاء على نهج خاص ولم يكن مثل


1) بل الأظهر كما تقدّم ، والأحوط إن لم يكن أقوى وجوبهما في سبق اللسان أيضاً.

2) شرح العروة 18 : 345 346.

.................................................................................................


الستر والاستقبال والطهارة التي هي من شرائط الصلاة ويلزم مراعاتها حتّى في الأكوان المتخلِّلة ، وإنّما هو قيد معتبر في نفس الجزء بأن يقع في ظرفه ومحلّه.

ففاتحة الكتاب مثلاً التي هي جزء من الصلاة هي التي تقع بعد التكبيرة وقبل الركوع ، وهكذا. فالجزء إنّما هي هذه الحصّة الخاصّة المتّصفة بهذه الصفة ولا جزئية لغيرها.

وهذا هو معنى الترتيب ، وهو كما ترى ليس بأمر زائد ، وإنّما هو تقيّد الجزء بالقبلية والبعدية. فهو في الحقيقة قيد في نفس الجزء لا في الصلاة بحيث لو أتى بذوات القراءة والركوع والسجود غير مرتّبة يكون قد أتى بالأجزاء وأخلّ بشرط الصلاة.

كيف ولازمه الحكم بالصحّة فيما لو قدّم السجدتين على الركوع سهواً ، لعدم الإخلال حينئذ إلّا بالترتيب الّذي هو مشمول لحديث لا تعاد (1)، لفرض الإتيان بذاتي الركوع والسجود.

وهو كما ترى ، لبطلان الصلاة حينئذ قطعاً من أجل الإخلال بالركن ، وليس ذلك إلّا لأجل أنّ الترتيب قيد في نفس الأجزاء ، والإخلال به إخلال بالجزء نفسه.

وعليه فلو قدّم السورة على الفاتحة سهواً فقد نقص الجزء ، لعدم الإتيان به في ظرفه ، بل وزاد أيضاً لأنّه أتى بالسورة قبل الفاتحة بقصد الجزئية مع عدم الأمر بها ، وهو معنى الزيادة ، ولذا تكون مبطلة في صورة العمد. فلو بنينا على وجوب السجدة لكلّ زيادة ونقيصة وجب حينئذ تكرار سجدتي السهو مرّة للنقيصة وأُخرى للزيادة.


1) الوسائل 1 : 371 / أبواب الوضوء ب 3 ح 8.

[2196] المسألة الثالثة والستّون : إذا وجب عليه قضاء السجدة المنسية أو التشهّد المنسي ثمّ أبطل صلاته أو انكشف بطلانها سقط وجوبه لأنّه إنّما يجب في الصلاة الصحيحة (1) ، وأما لو أوجد ما يوجب سجود السهو ثمّ أبطل صلاته فالأحوط إتيانه ، وإن كان الأقوى سقوط وجوبه أيضاً ، وكذا إذا انكشف بطلان صلاته ، وعلى هذا فاذا صلّى ثمّ أعادها احتياطاً وجوباً أو ندباً وعلم بعد ذلك وجود سبب سجدتي السهو في كلّ منهما يكفيه إتيانهما مرّة واحدة ، وكذا إذا كان عليه فائتة مردّدة بين صلاتين أو ثلاث مثلاً فاحتاط بإتيان صلاتين أو ثلاث صلوات ثمّ علم تحقّق سبب السجود في كلّ منها فإنّه يكفيه الإتيان به مرّة بقصد الفائتة الواقعية ، وإن كان الأحوط التكرار (1)بعدد الصلوات.


(1) إذ من الواضح أنّ القضاء المزبور سواء أكان جزءاً متمّماً أو عملاً مستقلا إنّما شرع لتدارك النقص ، ولا تدارك إلّا في الصلاة الصحيحة دون الفاسدة.

وأمّا سجود السهو فهو وإن كان واجباً نفسياً شرع لإرغام الشيطان ولا يضر تركه بصحّة الصلاة ، فمن الجائز وجوبه بحدوث موجبه ولو في صلاة باطلة أو التي يبطلها. إلّا أنّ أدلّته قاصرة الشمول لمثل ذلك ، لقوله (عليه السلام) : وتسجد سجدتي السهو بعد تسليمك (2)، فانّ هذا التعبير منصرف عن الصلاة الباطلة ، إذ هي لا تحتاج إلى التسليم. فدليل الوجوب خاص بالصلاة الصحيحة.


1) (*) هذا الاحتياط ضعيف جدّا.

2) الوسائل 8 : 250 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 32 ح 1 (نقل بالمضمون).

[2197] المسألة الرابعة والستّون : إذا شكّ في أنّه هل سجد سجدة واحدة أو اثنتين أو ثلاث (1) فان لم يتجاوز محلّها بنى على واحدة وأتى بأُخرى ، وإن تجاوز بنى على الاثنتين ولا شي‌ء عليه عملاً بأصالة عدم الزيادة ، وأمّا إن علم أنّه إمّا سجد واحدة أو ثلاثاً وجب عليه اخرى (1)ما لم يدخل في الركوع وإلّا قضاها بعد الصلاة وسجد للسهو.


ويترتّب على ذلك الاكتفاء بسجود السهو مرّة واحدة في الفرعين اللّذين ذكرهما في المتن ، إذ الصلاة الصحيحة فيها واحدة ، والأُخرى باطلة واقعاً وإن أتى بها احتياطاً.

(1) قد يفرض عروض الشك المزبور في المحل ، وأُخرى بعد التجاوز عنه :

ففي الأوّل : وجب الإتيان بسجدة اخرى عملاً بقاعدة الاشتغال ، وتحقيقاً للفراغ عن عهدة السجدة الثانية المشكوكة بعد دفع احتمال الزيادة بأصالة العدم.

وفي الثاني : بنى على الثنتين بمقتضى قاعدة التجاوز ، والزيادة المشكوكة مدفوعة بالأصل كما عرفت ، وهذا ظاهر.

إنّما الكلام فيما ذكره (قدس سره) بعد ذلك من العلم الإجمالي بأنّه إمّا سجد واحدة أو ثلاثاً ، من دون احتمال الثنتين بشرط لا. ولا إشكال فيما لو كان هذا الشك في المحل ، فإنّه يبني على الواحدة ويأتي بالثانية بمقتضى قاعدة الاشتغال وينفي الثالثة بأصالة عدم الزيادة ، فينحلّ العلم الإجمالي بالأصل المثبت والنافي.


1) (*) لا يبعد وجوب مضيّه إذا كان العلم المزبور حال القيام ، وعدم وجوب القضاء عليه إذا كان بعد الدخول في الركور. نعم تجب عليه سجدتا السهو بناءً على وجوبهما لكلّ زيادة ونقيصة.

.................................................................................................


وأمّا لو طرأ بعد التجاوز عنه فقد فصّل في المتن بين بقاء محل التدارك وبين فواته بالدخول في الركن وهو الركوع ، فيلزمه الرجوع والإتيان بسجدة أُخرى في الأوّل ، والقضاء مع سجود السهو في الثاني.

ونظره (قدس سره) في ذلك إلى معارضة قاعدة التجاوز التي أثرها نفي التدارك مع أصالة عدم الزيادة التي أثرها نفي سجود السهو ، إذ لا يمكن الجمع بينهما بعد العلم بالزيادة أو النقيصة ، للزوم المخالفة العملية ، وبعد التساقط يرجع إلى استصحاب عدم الإتيان بالسجدة الثانية ، ونتيجته التدارك مع الإمكان وإلّا فالقضاء مع سجود السهو كما ذكر.

والحقّ عدم الفرق بين الصورتين ، فيمضي وإن بقي المحل ، ولا يقضي وليس عليه سجود السهو إلّا بناءً على وجوبه لكلّ زيادة ونقيصة ، وذلك لجريان قاعدة التجاوز من غير معارض.

أمّا في صورة عدم بقاء المحل بالدخول في الركوع فلأجل أنّا إمّا أن نقول بوجوب سجود السهو لكلّ زيادة ونقيصة أو لا نقول بذلك.

فعلى الأوّل لم يبق موقع لجريان أصالة عدم الزيادة ، إذ الأثر المرغوب منها ليس إلّا نفي سجود السهو ، وهو غير مترتِّب في المقام بالضرورة ، لأنّا نعلم وجداناً بوجوبه إمّا للزيادة أو للنقيصة ، فالوجوب محرز تفصيلاً وإن كان سببه مجهولاً ، ومعه لا تجري أصالة عدم الزيادة لانتفاء الأثر ، فتبقى قاعدة التجاوز في طرف النقيصة النافية للقضاء سليمة عن المعارض.

وعلى الثاني وهو الصحيح فالأمر أوضح ، إذ لم يكن حينئذ أثر لأصالة عدم الزيادة من أصله ، فتجري قاعدة التجاوز في جانب النقيصة من غير معارض ، ويترتّب عليها نفي القضاء كما عرفت.

[2198] المسألة الخامسة والستّون : إذا ترك جزءاً من أجزاء الصلاة من جهة الجهل بوجوبه أعاد الصلاة (1) على الأحوط (1)وإن لم يكن من الأركان ، نعم لو كان الترك مع الجهل بوجوبه مستنداً إلى النسيان بأن كان


وأمّا في صورة بقاء المحل بأن كان شكّه قبل الدخول في الركوع فالحال فيها كذلك من سلامة القاعدة عن المعارض ، لعدم جريان الأصل المزبور.

أمّا بناءً على وجوب السجود لكلّ زيادة ونقيصة فللعلم به حينئذ تفصيلاً سواء عاد للتدارك أم لا ، إذ مع العود والرجوع يعلم بزيادة الأفعال التي وقعت في غير محلّها من القيام ونحوه ، ومع عدمه والمضي في صلاته يعلم بزيادة السجدة أو بنقيصتها. فهو يعلم بوجوب سجود السهو عليه على جميع التقادير ومعه لا مجال لإجراء أصالة عدم الزيادة ، لانتفاء الأثر ، فتبقى قاعدة التجاوز سليمة عن المعارض.

وأمّا بناءً على عدم الوجوب فالأمر أوضح كما مرّ.

وعلى الجملة : فأصالة عدم الزيادة لا تجري في شي‌ء من هذه الفروض لانتفاء الأثر المرغوب ، ومعه تجري قاعدة التجاوز من غير معارض. فليس له الرجوع ولا عليه القضاء ، بل يمضي في صلاته ولا شي‌ء عليه عدا سجود السهو بناءً على وجوبه لكل زيادة ونقيصة كما أشار إليه سيِّدنا الأُستاذ (دام ظلّه) في تعليقته الشريفة.

(1) قد يستند الترك إلى الجهل ، وأُخرى إلى النسيان وإن كان مشوباً بالجهل كما لو اعتقد استحباب جزء وكان بانياً على الإتيان به فنسي وتركه بحيث إنّ الجهل لم يكن له أي أثر في الترك ، وإنّما الموجب هو النسيان فقط.


1) وإن كان الأظهر عدم وجوب الإعادة في غير الأركان إذا كان الجهل لا عن تقصير.

بانياً على الإتيان به باعتقاد استحبابه فنسي وتركه فالظاهر عدم البطلان وعدم وجوب الإعادة إذا لم يكن من الأركان.


لا ريب في عدم البطلان في الثاني ما لم يكن من الأركان كما أفاده في المتن لعدم الفرق بين العلم والجهل بعد استناد النقص إلى النسيان الّذي هو القدر المتيقّن من حديث لا تعاد. فلا فرق بين العالم الناسي وبين الجاهل الناسي بمقتضى إطلاق الحديث ، وهذا واضح.

إنّما الكلام في الأوّل أعني ما تضمّن الترك العمدي استناداً إلى الجهل بالحكم فانّ المشهور على ما نسبه شيخنا الأُستاذ (قدس سره) (1)وغيره إليهم وجوب الإعادة كما ذكره في المتن ، نظراً إلى اختصاص حديث لا تعاد بالناسي وعدم شموله للجاهل.

ولكنّه غير واضح ، فانّ خروج الجاهل المقصّر كالعالم العامد عن نطاق الحديث غير قابل للإنكار ، ضرورة أنّ الشمول للثاني مناف للأدلّة الأوّلية الدالّة على الأجزاء والشرائط ، وإلّا لم يبق لها مورد كما لا يخفى.

وأمّا الأوّل أعني الجاهل المقصّر فالحديث قاصر الشمول له في حدّ نفسه فإنّه ناظر إلى ما بعد العمل وانكشاف الحال الطارئ بعد ذلك ، الّذي هو ظرف الخطاب بأنّه أعد أو لا تعد ، بحيث لولا الانكشاف المزبور لم تجب عليه الإعادة وكان عمله محكوماً بالصحّة ، وأمّا الجاهل المقصِّر فهو حين العمل محكوم بالإعادة وموصوف بالفساد بمقتضى قاعدة الاشتغال ، فهو مكلّف آن ذاك بالواقع ولو بالاحتياط سواء انكشف الحال أم لا. فهو خارج عن مفاد الحديث جزماً.


1) كتاب الصلاة 2 : 193 194.

.................................................................................................


على أنّ قصر الأدلّة الأوّلية الدالّة على البطلان عند وجود القواطع وغيرها مثل قوله (عليه السلام) : من تكلّم في صلاته أو من زاد في صلاته أو من قهقه في صلاته فعليه الإعادة (1)على صورة العلم والعمد وتخصيصها بالعالم العامد بعيد في نفسه جدّاً.

بل غير ممكن ، فإنّه حمل للمطلقات على الفرد النادر ، إذ قلّما يرتكب العالم بالحكم الّذي هو في مقام الامتثال خلاف وظيفته عامداً ، فلا بدّ من شمولها للجاهل المقصّر أيضاً ، فهو محكوم بالإعادة بمقتضى هذه النصوص لا بعدمها ليندرج في الحديث. فالقرينة الداخلية والخارجية متطابقتان على عدم الشمول للجاهل المقصّر.

وأمّا الجاهل القاصر الّذي كان معذوراً حين العمل لتخيّله أنّ ما يأتي به هي وظيفته ، بحيث لو لم ينكشف الخلاف لكان عمله محكوماً بالصحّة ومطابقاً للوظيفة الفعلية كما في المجتهد المخطئ أو مقلّديه ، فلا نعرف وجهاً لخروجه عن الحديث كي يختص بالناسي ، بل الظاهر شموله لهما معاً بمناط واحد.

نعم ، ذكر شيخنا الأُستاذ (قدس سره) (2)في وجه التخصيص أنّ المنفي في الحديث إنّما هي الإعادة ، ومن الواضح أنّها وظيفة من لم يكن مأموراً بالعمل نفسه ، وإلّا فيخاطب به ابتداءً لا بالإعادة التي هي الوجود الثاني للطبيعة. فهي ناظرة إلى من وظيفته الإعادة لولا الحديث. فلا جرم يختص مورده بالناسي ، إذ هو الّذي يتعذّر في حقّه التكليف الواقعي ، ولم يكن مأموراً في ظرف العمل وحالة نسيانه ، بل محكوم بالإعادة أو بعدمها. وأمّا الجاهل فهو حين إحداثه


1) الوسائل 7 : 281 / أبواب قواطع الصلاة ب 25 ح 2 ، 1 ، 8 : 231 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 19 ح 2 ، 7 : 250 / أبواب قواطع الصلاة ب 7.

2) كتاب الصلاة 3 : 5.

.................................................................................................


محكوم بالواقع وبنفس العمل لا بإعادته ، فلا يشمله الحديث. وإجزاء غير الواجب عن الواجب لا دليل عليه.

ويندفع بأنّ الجاهل القاصر وإن كان حين العمل مكلّفاً بنفس الواقع كالسورة مثلاً إلّا أنّه بعد التجاوز عن المحل بالدخول في الركوع فالأمر الواقعي ساقط حينئذ جزماً ، لتعذّر امتثاله ، فلا محالة يكون بعدئذ مأموراً بإعادة الصلاة أو بعدمها. فلا تختص الإعادة بمن لا يكون مكلّفاً حين العمل كالناسي ، بل تعمّ الجاهل أيضاً.

ويؤيِّده إطلاق لفظ الإعادة في مورد الجهل القصوري أو التقصيري في غير واحد من الأخبار مثل قوله (عليه السلام) : «مَن تكلّم في صلاته فعليه الإعادة» وغير ذلك ممّا مرّ ونحوه كما لا يخفى على من لاحظها.

وعلى الجملة : فكما أنّ غير الجاهل محكوم عليه بالإعادة فكذا الجاهل بمناط واحد ، ونتيجته أنّ الحديث شامل للجاهل القاصر أيضاً. فمن أتى بعمل وهو يرى أنّه قد أتى بالواقع وكان معذوراً ثمّ انكشف له الخلاف أعاد إن كان الخلل في الأركان وإلّا فلا ، من غير فرق في ذلك بين الناسي والجاهل القاصر حسبما عرفت.

والحمد لله أوّلاً وآخراً ، وصلّى اللّه على سيِّدنا ونبيِّنا محمّد وآله الطاهرين.

وكان الفراغ في التاسع من شهر شعبان المعظّم من السنة الثانية والتسعين بعد الألف والثلاثمائة من الهجرة النبويّة في جوار القبّة العلويّة على صاحبهما أفضل الصلاة وأزكى التحيّة.

فصل في صلاة العيدين : الفطر والأضحى

فصل (1)

في صلاة العيدين (2) : الفطر والأضحى

وهي كانت واجبة (3) في زمان حضور الإمام (عليه السلام) مع اجتماع شرائط وجوب الجمعة ،


(1) لم يتعرّض سيِّدنا الأُستاذ (دام ظلّه) لشرح هذه المسائل جرياً على عادته من إهمال أبواب المستحبّات ، ولا بأس بالإشارة الإجمالية إليها على ضوء إنظاره المقدّسة حسبما يتّسع الوقت وتساعده الفرصة.

(2) واحدهما عيد وياؤه منقلبة عن الواو ، لأنّه مأخوذ من العود ، إمّا لكثرة عوائد اللّه تعالى فيه على عباده ، وإمّا لعود السرور والرحمة بعوده ، والجمع أعياد ، على غير القياس ، لأنّ حقّ الجمع ردّ الشي‌ء إلى أصله. قيل : وإنّما فعلوا ذلك للزوم الياء في مفردة ، أو للفرق بين جمعه وجمع عود الخشب كما أشار إلى ذلك كلّه في الحدائق (1).

(3) إجماعاً كما عن غير واحد ، ويشير إليه من الكتاب قوله تعالى ( قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكّى. وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى ) (2)ففي تفسير القمّي «قال (عليه السلام) :


1) الحدائق 10 : 199.

2) الأعلى 87 : 14 15.

.................................................................................................


صلاة الفطر والأضحى» (1)وفي الفقيه عن الصادق (عليه السلام) : «عن قول اللّه عزّ وجلّ ( قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكّى ) قال : من أخرج الفطرة ، فقيل ( وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى ) قال : خرج إلى الجبّانة فصلّى» (2)وإن كان في سند الروايتين ما لا يخفى.

وقوله تعالى ( فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ) (3)ففي الصافي عن تفاسير الجمهور أنّ المراد بالصلاة صلاة العيدين ، وبالنحر نحر الهدي والأضحية (4).

ومن السنّة نصوص مستفيضة ، التي منها صحيح جميل بن درّاج عن الصادق (عليه السلام) أنّه قال : «صلاة العيدين فريضة وصلاة الكسوف فريضة» (5).

ولا ينافيها التعبير بالسنّة في صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) (6)لجواز أن يراد بها ما علم وجوبه من غير القرآن كما عن الشيخ (7)أو ما يقابل البدعة كما عن المحقِّق الهمداني (8).

ولا ينافي الأوّل ما مرّ من ثبوته بالكتاب أيضاً لو تمّ لجواز أن يكون المعنى أنّ كونها مع الإمام سنّة كما أوعز إليه في المستند (9)فتدبّر.


1) تفسير القمّي 2 : 417.

2) الوسائل 7 : 450 / أبواب صلاة العيد ب 17 ح 4 ، الفقيه 1 : 323 / 1478.

3) الكوثر 108 : 2.

4) تفسير الصافي 5 : 383.

5) الوسائل 7 : 419 / أبواب صلاة العيد ب 1 ح 1.

6) الوسائل 7 : 419 / أبواب صلاة العيد ب 1 ح 2.

7) التهذيب 3 : 134 ذيل ح 292.

8) مصباح الفقيه (الصلاة) : 464 السطر 4.

9) المستند 6 : 165.

وفي زمان الغيبة مستحبّة (1)


(1) على المشهور بين الأصحاب ، بل عن الذخيرة عدم ظهور مصرّح بالوجوب في زمن الغيبة (1)، بل عن غير واحد دعوى الإجماع على عدمه. خلافاً لما نسب إلى جماعة من متأخِّري المتأخِّرين من القول بالوجوب واختاره صريحاً في الحدائق ناسباً له إلى كلّ من قال بوجوب الجمعة عيناً في زمن الغيبة (2).

وكيف ما كان ، فتدلّ على المشهور النصوص المستفيضة المصرّحة باعتبار الإمام ، بناءً على ظهوره في إمام الأصل ، التي منها موثّقة سماعة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال : لا صلاة في العيدين إلّا مع الإمام ، فإن صلّيت وحدك فلا بأس» (3)ونحوها صحيحة زرارة (4).

فانّ الحمل على إمام الجماعة مضافاً إلى بُعده ، لمكان التعريف باللّام ، الظاهر في كونه إشارة إلى إمام معهود ، وليس إلّا المعصوم (عليه السلام) أو المنصوب من قبله ، ينافيه التصريح في ذيل الاولى بجواز الصلاة فرادى.

ولا تنافي على الأوّل ، إذ لا مانع من أن يكون الوجوب مشروطاً بإمام خاص وتكون المشروعية ثابتة حالة الانفراد أيضاً ، أمّا لو كان الوجوب مشروطاً بمطلق الإمام فاللّازم تعليق وجوب الجماعة على إرادتها ، وهو كما ترى ، فلا مناص من أن يراد به إمام خاص معهود ، وعليه ينزل تنكير الإمام في سائر الأخبار. على أنّ موثّقة سماعة الأُخرى (5)كالصريح في إرادة الإمام


1) الذخيرة : 318 السطر 24.

2) الحدائق 10 : 199 ، 205.

3) الوسائل 7 : 421 / أبواب صلاة العيد ب 2 ح 5 ، 3.

4) الوسائل 7 : 421 / أبواب صلاة العيد ب 2 ح 5 ، 3.

5) الوسائل 7 : 422 / أبواب صلاة العيد ب 2 ح 6.

جماعة (1)


المنصوب ، هذا.

مضافاً إلى إمكان التشكيك في المقتضي للتعميم ، نظراً إلى قصور الأدلّة عن إثبات الوجوب في حال الغيبة ، حيث إنّها قضايا طبيعية غير مسوقة إلّا لبيان أصل المشروعية أو الوجوب ، من غير تعرّض لكونه مطلقاً أو مشروطاً بشي‌ء من إذن الإمام (عليه السلام) ونحوه. فلا إطلاق لها من هذه الجهة حتّى يصحّ التمسّك به لنفي الاشتراط ، فتدبّر جيّداً. وتؤيِّده وجوه أُخر مذكورة في المطولات.

(1) لموثّقة سماعة الثانية عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال «قلت له : متى يذبح؟ قال : إذا انصرف الإمام ، قلت : فاذا كنت في أرض (قرية) ليس فيها إمام فأُصلِّي بهم جماعة؟ فقال : إذا استقلّت الشمس ، وقال : لا بأس أن تصلِّي وحدك ، ولا صلاة إلّا مع إمام» (1)فانّ مقتضى التقرير مشروعية الجماعة فيها.

مضافاً إلى الإجماع المدّعى في كلمات غير واحد ، بل قد استقرّ عليه عمل جمهور الإمامية خلفاً عن سلف بمثابة قد يدّعى أنّه لولا ما دلّ من الأخبار على جواز إتيانها فرادى لكانت مظنّة كون الجماعة مأخوذة في قوام ماهيّتها سيّما بعد ملاحظة جريان السنّة في أصل شرعها على فعلها جماعة ، وبذلك يخرج عن العمومات الناهية عن الجماعة في النوافل لو سلّم شمولها لمثل المقام ممّا كان فريضة في الأصل.

فما في الحدائق من أنّا لم نقف لما ذكره الأصحاب من الاستحباب جماعة مع


1) الوسائل 7 : 422 / أبواب صلاة العيد ب 2 ح 6.

وفرادى (1).


اختلال بعض شروط الوجوب على دليل (1)وكذا ما عن بعض الأجلّة من التشكيك في ذلك والمنع عن الإتيان بها كذلك إلّا رجاءً ، غير واضح.

(1) وبذلك افترقت عن صلاة الجمعة المتقوّمة بالجماعة ، وذلك للتصريح به في غير واحد من النصوص التي منها صحيحة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال : من لم يشهد جماعة الناس في العيدين فليغتسل وليتطيّب بما وجد ، وليصلّ في بيته وحده كما يصلِّي في جماعة» (2)المحمولة على الاستحباب قطعاً ، لكون الجماعة شرطاً في الوجوب نصّاً وإجماعاً.

ولا تعارضها معتبرة الغنوي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال : الخروج يوم الفطر ويوم الأضحى إلى الجبانة حسن لمن استطاع الخروج إليها ، فقلت : أرأيت إن كان مريضاً لا يستطيع أن يخرج أيصلِّي في بيته؟ قال : لا» (3). إذ مضافاً إلى عدم صراحتها في الانفراد ، محمولة على نفي الوجوب جمعاً كما حكاه في الوسائل عن الشيخ وغيره (4).

وإن أبيت إلّا عن ظهورها في نفي المشروعية فهي معارضة في موردها أعني المريض بصحيحة منصور عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال : مرض أبي يوم الأضحى فصلّى في بيته ركعتين ثمّ ضحى» (5)وبعد التساقط يكون المرجع صحيحة ابن سنان المتقدِّمة وغيرها ممّا تضمّن نفي البأس عن الصلاة


1) الحدائق 10 : 219.

2) الوسائل 7 : 424 / أبواب صلاة العيد ب 3 ح 1.

3) الوسائل 7 : 422 / أبواب صلاة العيد ب 2 ح 8.

4) الوسائل 7 : 425 / أبواب صلاة العيد ذيل ب 3.

5) الوسائل 7 : 425 / أبواب صلاة العيد ب 3 ح 3.

ولا يشترط فيها شرائط الجمعة وإن كانت بالجماعة فلا يعتبر فيها العدد من الخمسة أو السبعة ، ولا بعد فرسخ بين الجماعتين ونحو ذلك (1). ووقتها من طلوع الشمس (2) إلى الزوال (3).


وحده كموثقتي سماعة المتقدّمتين.

(1) لظهور كلمات الأصحاب في أنّ تلك الشرائط على إجمالها شرائط الوجوب لا الاستحباب ، بل لم نعثر في المقام على نص يدل على اعتبار بعد الفرسخ بين الجماعتين حتّى في الواجبة.

مضافاً إلى التصريح بالثبوت مع انتفاء بعض الشروط في جملة من الأخبار كصحيحة سعد عن الرِّضا (عليه السلام) المصرّحة بثبوتها للمسافر (1)، وصحيحة ابن سنان المصرّحة بثبوتها للنِّساء (2)وغيرهما.

(2) لصحيحة زرارة قال «قال أبو جعفر (عليه السلام) : ليس يوم الفطر ولا يوم الأضحى أذان ولا إقامة ، أذانهما طلوع الشمس ، إذا طلعت خرجوا» (3). وفي مضمرة سماعة قال : «سألته عن الغدو إلى المصلِّى في الفطر والأضحى ، فقال : بعد طلوع الشمس» (4).

(3) لصحيحة محمّد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال : إذا شهد عند الإمام شاهدان أنّهما رأيا الهلال منذ ثلاثين يوماً أمر الإمام بالإفطار في ذلك اليوم إذا كانا شهدا قبل زوال الشمس ، فان شهدا بعد زوال الشمس أمر


1) الوسائل 7 : 432 / أبواب صلاة العيد ب 8 ح 3.

2) الوسائل 7 : 471 / أبواب صلاة العيد ب 28 ح 1.

3) الوسائل 7 : 429 / أبواب صلاة العيد ب 7 ح 5.

4) الوسائل 7 : 473 / أبواب صلاة العيد ب 29 ح 2.

ولا قضاء لها لو فاتت (1). ويستحبّ تأخيرها إلى أن ترتفع الشمس (2) ، وفي عيد الفطر يستحبّ تأخيرها أزيد بمقدار الإفطار وإخراج الفطرة.


الإمام بإفطار ذلك اليوم وأخّر الصلاة إلى الغد فصلّى بهم» (1)فإنّها واضحة الدلالة بقرينة المقابلة على امتداد الوقت إلى الزوال.

وما احتمله في الحدائق من كون جملة «وأخّر الصلاة إلى الغد» مستأنفة لا معطوفة على الجملة الجزائية (2)لتكون النتيجة لزوم التأخير إلى الغد على التقديرين في غاية البعد ، للزوم لغوية التفصيل حينئذ بين ما قبل الزوال وما بعده كما لا يخفى.

نعم ، مورد الصحيحة حال الضرورة ، فلا تدلّ على جواز التأخير إلى الزوال لدى الاختيار ، إلّا أن يدّعى القطع بعدم الفرق وإلغاء خصوصية المورد ، أو يعوّل على الإجماع المدّعى في كلمات غير واحد ، حيث لم يرد في المقام نص آخر.

(1) لصحيح ابن أبي عمير «... ومن لم يصلّ مع إمام في جماعة فلا صلاة له ولا قضاء عليه» (3).

(2) لما حكي عن الشيخ في المبسوط (4)، بل نسب إلى جملة من القدماء من أنّ وقتها انبساط الشمس وارتفاعها.

ولعلّه إليه يشير قوله (عليه السلام) في موثّقة سماعة «... إذا استقلّت


1) الوسائل 7 : 432 / أبواب صلاة العيد ب 9 ح 1.

2) الحدائق 10 : 228.

3) الوسائل 7 : 429 / أبواب صلاة العيد ب 7 ذيل ح 5.

4) لاحظ المبسوط 1 : 169.

وهي ركعتان يقرأ في الأُولى منهما الحمد وسورة ، ويكبِّر خمس تكبيرات عقيب كلّ تكبيرة قنوت ، ثمّ يكبِّر للركوع ويركع ويسجد ، ثمّ يقوم للثانية وفيها بعد الحمد وسورة يكبِّر أربع تكبيرات ويقنت بعد كلّ منها ، ثمّ يكبِّر للركوع ويتمّ الصلاة ، فمجموع التكبيرات فيها اثنتا عشرة سبع تكبيرات في الأُولى وهي تكبيرة الإحرام وخمس للقنوت وواحدة للركوع ، وفي الثانية خمس تكبيرات أربعة للقنوت وواحدة للركوع (1).


الشمس» (1)بناءً على أن تكون العبارة جواباً عن السؤال الثاني ، لا متمِّماً للجواب عن السؤال الأوّل ، ولكنّها محمولة على وقت الفضيلة جمعاً بينها وبين صحيحة زرارة ومضمرة سماعة المتقدِّمتين الظاهرتين في دخول الوقت بمجرّد الطلوع.

إلّا أن يقال : إنّ النظر فيهما معطوف إلى وقت الخروج والغدوّ إلى المصلّى ، فلا ينافي أن يكون وقت الإقامة ارتفاع الشمس وانبساطها لو استفيد ذلك من هذه الموثّقة.

(1) دلّت على الكيفية المزبورة جملة من الروايات التي منها صحيحة معاوية ابن عمار قال : «سألته عن صلاة العيدين ، فقال : ركعتان ليس قبلهما ولا بعدهما شي‌ء ، وليس فيهما أذان ولا إقامة ، يكبِّر فيهما اثنتي عشرة تكبيرة ، يبدأ فيكبِّر ويفتتح الصلاة ، ثمّ يقرأ فاتحة الكتاب ، ثمّ يقرأ والشمس وضحيها ، ثمّ يكبِّر خمس تكبيرات ، ثمّ يكبِّر ويركع فيكون يركع بالسابعة ، ويسجد سجدتين ، ثمّ يقوم فيقرأ فاتحة الكتاب وهل أتيك حديث الغاشية ، ثمّ يكبِّر أربع تكبيرات


1) الوسائل 7 : 422 / أبواب صلاة العيد ب 2 ح 6.

والأظهر وجوب القنوتات (1).


ويسجد سجدتين ويتشهّد ويسلِّم ، قال : وكذلك صنع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) ...» الحديث (1).

(1) على المشهور كما في الجواهر (2)، بل عن الانتصار دعوى الإجماع عليه (3)بل في الذكرى عن السيِّد المرتضى أنّه ممّا انفرد به الإمامية (4). خلافاً لجماعة منهم الشيخ في الخلاف (5)، ومال إليه في المدارك (6).

ويدلّ على المشهور ظاهر الأمر بها في جملة من النصوص التي منها صحيحة يعقوب بن يقطين ، قال : «سألت العبد الصالح (عليه السلام) عن التكبير في العيدين قبل القراءة أو بعدها؟ وكم عدد التكبير في الأُولى وفي الثانية والدُّعاء بينهما؟ وهل فيها قنوت أم لا؟ فقال : تكبير العيدين للصلاة قبل الخطبة ، يكبِّر تكبيرة يفتتح بها الصلاة ثمّ يقرأ ويكبِّر خمساً ويدعو بينهما ...» الحديث (7).

ويستدلّ للشيخ بخلوّ بعض الأخبار عنه وبالتعبير ب- «ينبغي» في بعضها الآخر كمضمرة سماعة وفيها «... وينبغي أن يتضرّع بين كلّ تكبيرتين ويدعو اللّه» (8)والمرجع بعد الشك أصالة البراءة.


1) الوسائل 7 : 434 / أبواب صلاة العيد ب 10 ح 2 [لم يذكر فيها تكبير ركوع الثانية].

2) الجواهر 11 : 360.

3) الانتصار : 171.

4) الذكرى 4 : 184.

5) الخلاف 1 : 661 المسألة 433.

6) المدارك 4 : 107.

7) الوسائل 7 : 435 / أبواب صلاة العيد ب 10 ح 8.

8) الوسائل 7 : 439 / أبواب صلاة العيد ب 10 ح 19.

وتكبيراتها (1) ،


وكلاهما كما ترى ، لوضوح عدم قدح الأوّل بعد اشتمال غيره عليه ، ومعه لا موقع للرجوع إلى الأصل.

ولفظ «ينبغي» وإن لم يكن ظاهراً في الوجوب لكنّه غير ظاهر في عدمه فلا تصلح لمقاومة ما سبق. فما عليه المشهور هو الأظهر.

(1) في الحدائق : أنّ عليه الأكثر (1)، لما عرفت من ظاهر الأمر. خلافاً للمفيد في المقنعة حيث صرّح بالاستحباب (2)، وتبعه جملة من المتأخِّرين كالمحقِّق في المعتبر (3)وغيره استناداً إلى صحيحة زرارة «أنّ عبد الملك بن أعين سأل أبا جعفر (عليه السلام) عن الصلاة في العيدين ، فقال : الصلاة فيهما سواء يكبِّر الإمام تكبير الصلاة قائماً كما يصنع في الفريضة ، ثمّ يزيد في الركعة الأُولى ثلاث تكبيرات ، وفي الأُخرى ثلاثاً سوى تكبير الصلاة والركوع والسجود وإن شاء ثلاثاً وخمساً ، وإن شاء خمساً وسبعاً بعد أن يلحق ذلك إلى وتر» (4)المحمولة على التقيّة ، لموافقتها لمذهب كثير من أهل الجماعة (5).


1) الحدائق 10 : 242.

2) [لم نعثر عليه في المقنعة ، نعم حكاه عنه في الحدائق 10 : 242 ، والظاهر أنّه للشيخ في التهذيب 3 : 134 ذيل ح 289].

3) المعتبر 2 : 312.

4) الوسائل 7 : 438 / أبواب صلاة العيد ب 10 ح 17.

5) المجموع 5 : 17 ، 19 ، المغني 2 : 236 ، الشرح الكبير 2 : 246.

ويجوز في القنوتات كلّ ما جرى على اللسان من ذكر ودعاء كما في سائر الصلوات (1) وإن كان الأفضل الدُّعاء المأثور ، والأولى أن يقول في كلّ منها : «اللّهمّ أهل الكبرياء والعظمة وأهل الجود والجبروت وأهل العفو والرّحمة وأهل التقوى والمغفرة أسألك بحقّ هذا اليوم الّذي جعلته للمسلمين عيداً ، ولمحمّد (صلّى اللّه عليه وآله) ذخراً وشرفاً وكرامة ومزيداً أن تصلِّي على محمّد وآل محمّد ، وأن تدخلني في كلّ خير أدخلت فيه محمّداً وآل محمّد ، وأن تخرجني من كلّ سوء أخرجت منه محمّداً وآل محمّد صلواتك عليه وعليهم ، اللّهمّ إنِّي أسألك خير ما سألك به عبادك الصالحون وأعوذ بك ممّا استعاذ منه عبادك المخلصون» (2).


(1) ففي صحيح محمّد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) قال : «سألته عن الكلام الّذي يتكلّم به فيما بين التكبيرتين في العيدين ، قال : ما شئت من الكلام الحسن» (1).

وهو خير شاهد على أنّ الأمر بالأدعية والأذكار الخاصّة في سائر النصوص محمول على الأفضلية. ويعضده اختلاف الروايات في القنوت المأثور عنهم (عليهم السلام).

(2) جاءت هذه الكيفية في مصباح المتهجد (2)للشيخ الطوسي (قدس سره) مع اختلاف يسير بزيادة لفظ «أنت» بعد «اللّهمّ» (3)وإسقاط «شرفاً وكرامة»


1) الوسائل 7 : 467 / أبواب صلاة العيد ب 26 ح 1.

2) مصباح المتهجد : 654.

3) [لا توجد هذه الزيادة في النسخة المعتمدة من المصباح].

ويأتي بخطبتين (1) بعد الصلاة (2)


بعد «ذخراً» وقبل «مزيداً» ، ولفظ «الصالحون» عوضاً عن «المخلصون» في آخر الدُّعاء.

ويقرب منه ما في الإقبال (1)للسيِّد ابن طاوس. والأمر هيّن بعد ما عرفت من صحيح ابن مسلم.

(1) يفصل بينهما بجلسة خفيفة كما في منهاج الصالحين (2)للأمر بها في مضمرة معاوية ، قال (عليه السلام) : «وإذا خطب الإمام فليقعد بين الخطبتين قليلا» (3).

(2) إجماعاً بقسميه ، بل من المسلمين فضلاً عن المؤمنين كما في الجواهر (4)وقد دلّت عليه النصوص المستفيضة لو لم تكن متواترة ، التي منها صحيحة محمّد ابن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) «في صلاة العيدين ، قال : الصلاة قبل الخطبتين بعد القراءة سبع في الأُولى وخمس في الأخيرة ، وكان أوّل من أحدثها بعد الخطبة عثمان لمّا أحدث أحداثه ، كان إذا فرغ من الصلاة قام الناس ليرجعوا فلمّا رأى ذلك قدّم الخطبتين واحتبس الناس للصلاة» (5).

نعم ، قد يستشعر من التعبير بكلمة «ينبغي» في مضمرة سماعة «قال : وينبغي


1) الإقبال : 289.

2) لسيِّدنا الأُستاذ (دام ظلّه) 1 : 256 [خاتمة ، صلاة العيدين].

3) الوسائل 7 : 440 / أبواب صلاة العيد ب 11 ح 1.

4) الجواهر 11 : 397.

5) الوسائل 7 : 441 / أبواب صلاة العيد ب 11 ح 2.

مثل ما يؤتى بهما في صلاة الجمعة (1). ومحلّهما هنا بعد الصلاة بخلاف الجمعة فإنّهما قبلها ، ولا يجوز إتيانهما هنا قبل الصلاة (2) ، ويجوز تركهما في زمان الغيبة وإن كانت الصلاة بجماعة (3).


للإمام أن يصلِّي قبل الخطبة» (1)جواز التقديم.

ولكنّه كما ترى ، مضافاً إلى ما يلوح منها من شائبة التقيّة كما لا يخفى. فلا تنهض لمقاومة ما سبق.

(1) قال في الجواهر : كيفية الخطبة كما في الجمعة ، وفي المعتبر : عليه العلماء لا أعرف فيه خلافاً (2). ولعلّ الاتِّحاد هو المنسبق من الأخبار ، سيّما ممّا رواه الصدوق عن الفضل بن شاذان عن الرِّضا (عليه السلام) «قال : إنّما جعلت الخطبة في يوم الجمعة في أوّل الصلاة وجعلت في العيدين بعد الصلاة ...» الحديث (3).

(2) لأنّه من البدعة كما أُشير إليها في صحيحة محمّد بن مسلم المتقدِّمة.

(3) قال في الجواهر : كما أنّ عدم وجوبهما مسلّم لو صلّيت فرادى ، لعدم تعقّل الخطبة حينئذ ، بل يمكن أن يكون كالفرادى لو صلّيت جماعة بواحد ونحوه ، بل وبالعدد في مثل هذا الزمان أو غيره ممّا لا تكون واجبة فيه ، فانّ احتمال وجوب الخطبتين حينئذ شرطاً بعيد. انتهى (4)وقد ادّعى غير واحد منهم


1) الوسائل 7 : 439 / أبواب صلاة العيد ب 10 ح 19.

2) الجواهر 11 : 340 ، المعتبر 2 : 325.

3) الوسائل 7 : 443 / أبواب صلاة العيد ب 11 ح 12 ، علل الشرائع : 265 / 9.

4) الجواهر 11 : 340.

.................................................................................................


المحقِّق في المعتبر الإجماع على الاستحباب (1).

خلافاً لصاحب الحدائق (2)حيث اختار الوجوب مصرّاً عليه ، استناداً بعد الطعن في الإجماع بمخالفة الشيخ في المبسوط (3)، بل كلّ من أطلق الحكم بكون شرائط العيد شرائط الجمعة إلى ما ورد في الفقه الرضوي من قوله : «ولا تكون إلّا بإمام وخطبة» (4).

وما رواه الصدوق في العلل عن الفضل بن شاذان عن الرِّضا (عليه السلام) «قال : إنّما جعلت الخطبة في يوم الجمعة في أوّل الصلاة وجعلت في العيدين بعد الصلاة لأنّ الجمعة أمر دائم ، ويكون في الشهور والسنة كثيراً ، وإذا كثر على الناس ملّوا وتركوا ولم يقيموا عليها وتفرّقوا عنه ، والعيد إنّما هو في السنة مرّتين ، وهو أعظم من الجمعة ، والزحام فيه أكثر ، والناس فيه أرغب ، فإن تفرّق بعض الناس بقي عامّتهم» (5).

بتقريب : أنّ الاستحباب لو كان ثابتاً لكان التعليل به الملازم لعدم وجوب الاستماع أحرى ممّا جاء في الخبر كما لا يخفى.

وتوقّف يقين البراءة عليه ، لأنّه المعهود من فعلهم.

وظهور ذكر الخطبتين في بيان كيفية الصلاة في الدخل في الماهية ، الملازم للوجوب.


1) المعتبر 2 : 324.

2) الحدائق 10 : 212.

3) المبسوط 1 : 170.

4) فقه الرِّضا : 131.

5) الوسائل 7 : 443 / أبواب صلاة العيد ب 11 ح 12 ، علل الشرائع : 265 / 9 (نقل في الوسائل بالمضمون).

ولا يجب الحضور عندهما ولا الإصغاء إليهما (1). وينبغي أن يذكر في خطبة عيد الفطر ما يتعلّق بزكاة الفطرة من الشروط والقدر والوقت لإخراجها وفي خطبة الأضحى ما يتعلّق بالأُضحية (2).


والكل كما ترى ، فانّ الاعتماد على الفقه الرضوي فيه ما فيه ، وعدم وجوب الاستماع أعم من الاستحباب ، فلا يصلح علّة للتأخير. مضافاً إلى ضعف طريق الصدوق إلى علل الفضل بن شاذان (1).

وغاية ما يدل عليه الفعل إنّما هو الرجحان لا الوجوب ، ومعه كان المورد مجرى للبراءة دون الاشتغال.

وبيان الكيفية إنّما يدلّ على الوجوب لو كانت الكيفية ناظرة إلى أصل الخطبة وليس كذلك ، وإنّما هي ناظرة إلى ظرفها ومحلّها ، وأنّها بعد الصلاة في مقابل صلاة الجمعة التي هي فيها قبلها ، من غير نظر إلى الوجوب أو الاستحباب فليتأمّل.

ومخالفة الشيخ وغيره غير ظاهرة في الشمول لزمان الغيبة كما لا يخفى.

نعم ، لما أفاده وجه بناءً على ما قوّاه واختاره من الوجوب في زمان الغيبة كما أُشير إليه في عبارة الجواهر المتقدِّمة.

(1) للإجماع المدّعى على كلٍّ منهما في كلمات غير واحد كما حكاه في الجواهر (2).

(2) للتأسّي بأمير المؤمنين (عليه السلام) في الخطب المأثورة عنه ، مضافاً إلى أنّ ذلك هو مقتضى مناسبة الحكم والموضوع.


1) الوسائل 30 : 121 / الفائدة الأُولى [ب] ، علل الشرائع : 251 / 9 ، 274 275.

2) الجواهر 11 : 339.

[2199] مسألة 1 : لا يشترط في هذه الصلاة سورة مخصوصة ، بل يجزئ كلّ سورة (1) نعم ، الأفضل أن يقرأ في الركعة الأُولى سورة الشمس وفي الثانية سورة الغاشية (2) أو يقرأ في الأُولى سورة سبِّح اسم وفي الثانية سورة الشمس (3).


(1) بلا خلاف فيه كما في الحدائق (1)، ويُستفاد ذلك من بعض النصوص كصحيح جميل قال : «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن التكبير في العيدين قال : سبع وخمس إلى أن قال : وسألته ما يقرأ فيهما؟ قال : والشمس وضحيها وهل أتيك حديث الغاشية ، وأشباههما» (2).

(2) دلّت عليه صحيحة معاوية بن عمار ، قال : «سألته عن صلاة العيدين فقال : ركعتان إلى أن قال : تبدأ فتكبِّر وتفتتح الصلاة ، ثمّ تقرأ فاتحة الكتاب ثمّ تقرأ والشمس وضحيها إلى أن قال : ثمّ يقوم فيقرأ فاتحة الكتاب وهل أتيك حديث الغاشية» الحديث (3)وقد أُشير إليه في صحيح جميل المتقدِّم.

(3) ورد ذلك في خبر إسماعيل الجعفي عن أبي جعفر (عليه السلام) «... يقرأ في الأُولى سبِّح اسم ربّك الأعلى ، وفي الثانية الشمس وضحيها» (4)وهكذا في رواية أبي الصباح وفيها : «وتقرأ الحمد وسبِّح اسم ربّك الأعلى ... وتقرأ الشمس وضحيها» (5). لكن الأوّل ضعيف بالقروي والثاني بمحمّد بن الفضيل ، ولم نعثر


1) الحدائق 10 : 251.

2) الوسائل 7 : 435 / أبواب صلاة العيد ب 10 ح 4.

3) الوسائل 7 : 434 / أبواب صلاة العيد ب 10 ح 2.

4) الوسائل 7 : 436 / أبواب صلاة العيد ب 10 ح 10.

5) الوسائل 7 : 469 / أبواب صلاة العيد ب 26 ح 5.

[2200] مسألة 2 : يستحبّ فيها أُمور :

أحدها : الجهر بالقراءة للإمام (1)


على رواية معتبرة في المقام.

(1) لصحيحة ابن سنان يعني عبد اللّه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «سمعته يقول : كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) يعتمّ في العيدين شاتياً كان أو قائظاً ، ويلبس درعه ، وكذلك ينبغي للإمام ، ويجهر بالقراءة كما يجهر في الجمعة» (1).

وموثّقة الحسين بن علوان عن جعفر عن أبيه عن علي (عليه السلام) «قال : كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) يكبِّر في العيدين والاستسقاء في الأُولى سبعاً وفي الثانية خمساً ، ويصلِّي قبل الخطبة ، ويجهر بالقراءة» (2)فانّ فعل المعصوم سيّما مع الاستمرار عليه كما يقتضيه التعبير بكلمة «كان» كاشف عن الرجحان والاستحباب.

ولا ينافيه إخفاض الصوت وعدم الجهر المحكي عنه في صحيحة محمّد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) «إنّه كان إذا صلّى بالناس صلاة فطر أو أضحى خفض من صوته ، يسمع مَن يليه ، لا يجهر (بالقرآن) بالقراءة» الحديث (3)فانّ المراد به عدم العلو ، بقرينة قوله : «يسمع من يليه» كما أوعز إليه صاحب الوسائل.


1) الوسائل 7 : 441 / أبواب صلاة العيد ب 11 ح 3.

2) الوسائل 7 : 440 / أبواب صلاة العيد ب 10 ح 21.

3) الوسائل 7 : 476 / أبواب صلاة العيد ب 32 ح 2.

والمنفرد (1).

الثاني : رفع اليدين حال التكبيرات (2).


(1) لم نعثر عاجلاً على نص فيه ، بل ولا إطلاق يقتضيه ، بل قد يظهر خلافه ممّا رواه في قرب الإسناد عن علي بن جعفر «عن رجل صلّى العيدين وحده أو صلّى الجمعة هل يجهر فيها (فيهما خ ل) بالقراءة؟ قال : لا يجهر إلّا الإمام» (1).

(2) لرواية يونس قال : «سألته عن تكبير العيدين أيرفع يده مع كلّ تكبيرة أم يجزيه أن يرفع يديه في أوّل التكبير؟ فقال : يرفع مع كلّ تكبيرة» (2).

ولا يقدح اشتمال السند على عليّ بن أحمد بن أشيم الّذي صرّح الشيخ بجهالته (3)، فإنّه من رجال كامل الزيارات.

نعم ، الظاهر أنّ الراوي هو يونس بن ظبيان الضعيف بقرينة الراوي عنه مضافاً إلى أنّها مضمرة ، هذا.

وفي صحيح علي بن جعفر قال : «وسألته عن التكبير أيّام التشريق هل يرفع فيه اليدين أم لا؟ قال : يرفع يده شيئاً أو يحرِّكها» (4)ولكن شمولها للمقام محلّ تأمّل أو منع.

ويمكن الاستئناس ببعض الروايات الناطقة باستحباب رفع اليد في كافّة الصلوات كصحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في وصيّة


1) الوسائل 6 : 162 / أبواب القراءة في الصلاة ب 73 ح 10 ، قرب الإسناد : 215 / 842.

2) الوسائل 7 : 474 / أبواب صلاة العيد ب 30 ح 1.

3) رجال الطوسي : 363 / 5380.

4) الوسائل 7 : 464 / أبواب صلاة العيد ب 22 ح 5.

الثالث : الإصحار بها (1) إلّا في مكّة ، فإنّه يستحبّ الإتيان بها في مسجد الحرام (2).

الرابع : أن يسجد على الأرض دون غيرها ممّا يصحّ السجود عليه (3).


النبي لعلي (عليهما السلام) «قال : وعليك برفع يديك في صلاتك وتقليبهما» (1)وفي خبر زرارة «قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : رفع يديك في الصلاة زينتها» (2).

(1) لطائفة من النصوص التي منها معتبرة علي بن رئاب عن أبي بصير يعني ليث المرادي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال : لا ينبغي أن تصلِّي صلاة العيدين في مسجد مسقّف ولا في بيت ، إنّما تصلِّي في الصحراء أو في مكان بارز» (3).

وصحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) كان يخرج حتّى ينظر إلى آفاق السماء. وقال : لا تصلِّين يومئذ على بساط ولا بارية» (4).

(2) لموثّقة حفص بن غياث عن جعفر بن محمّد عن أبيه «قال : السنّة على أهل الأمصار أن يبرزوا من أمصارهم في العيدين إلّا أهل مكّة فإنّهم يصلّون في المسجد الحرام» (5).

(3) لصحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) عن أبيه (عليه السلام)


1) الوسائل 6 : 28 / أبواب تكبيرة الإحرام ب 9 ح 8.

2) الوسائل 6 : 297 / أبواب الركوع ب 2 ح 4.

3) الوسائل 7 : 449 / أبواب صلاة العيد ب 17 ح 2 ، 10.

4) الوسائل 7 : 449 / أبواب صلاة العيد ب 17 ح 2 ، 10.

5) الوسائل 7 : 449 / أبواب صلاة العيد ب 17 ح 3.

الخامس : أن يخرج إليها راجلاً حافياً مع السكينة والوقار (1).

السادس : الغسل قبلها.

السابع : أن يكون لابساً عمامة بيضاء.

الثامن : أن يشمّر ثوبه إلى ساقه.


«أنّه كان إذا خرج يوم الفطر والأضحى أبى أن يؤتى بطنفسة يصلِّي عليها ويقول : هذا يوم كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) يخرج فيه حتّى يبرز لآفاق السماء ثمّ يضع جبهته على الأرض» (1).

وصحيح الفضيل بن يسار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال : اتي أبي بالخمرة يوم الفطر فأمر بردّها ، ثمّ قال : هذا يوم كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) يحبّ أن ينظر إلى آفاق السماء ويضع وجهه على الأرض» (2).

بل ربما يظهر من صحيحة معاوية بن عمار المتقدِّمة استحباب مباشرة الأرض في جميع الحالات من غير اختصاص بمسجد الجبهة ، قال في الحدائق : وقل من نبّه على هذا الحكم من أصحابنا (3).

(1) يدل على استحباب هذا وما بعده إلى الأمر الثامن حديث خروج الإمام الرِّضا (عليه السلام) بطلب من المأمون إلى صلاة العيد ، ففي معتبرة ياسر الخادم في حديث طويل أنّه «لمّا طلعت الشمس قام (عليه السلام) فاغتسل وتعمّم بعمامة بيضاء من قطن ... ثمّ أخذ بيده عكازاً ثمّ خرج ... وهو


1) الوسائل 7 : 449 / أبواب صلاة العيد ب 17 ح 1 ، 5.

2) الوسائل 7 : 449 / أبواب صلاة العيد ب 17 ح 1 ، 5.

3) الحدائق 10 : 266.

التاسع : أن يفطر في الفطر قبل الصلاة (1) بالتمر (2) وأن يأكل من لحم الأُضحية في الأضحى (3) بعدها (4).

العاشر : التكبيرات عقيب أربع صلوات في عيد الفطر (5)


حاف قد شمّر سراويله إلى نصف الساق وعليه ثياب مشمّرة» إلى آخر الرواية (1)والسند معتبر كما عرفت ، فانّ ياسر الخادم من رجال تفسير القمي.

(1) لصحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال : لا تخرج يوم الفطر حتّى تطعم شيئاً ، ولا تأكل يوم الأضحى شيئاً إلّا من هديك وأُضحيتك ، وإن لم تقوَ فمعذور» (2)ونحوها غيرها ، المحمول على الندب إجماعاً.

(2) لخبر علي بن محمّد النوفلي قال «قلت لأبي الحسن (عليه السلام) : إنِّي أفطرت يوم الفطر على طين وتمر ، فقال لي : جمعت بركة وسنة» (3).

(3) لصحيحة زرارة المتقدِّمة ، مضافاً إلى صحيحته الأُخرى (4).

(4) لمعتبرة جراح المدائني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال : ليطعم يوم الفطر قبل أن يصلِّي ، ولا يطعم يوم الأضحى حتّى ينصرف الإمام» (5)فانّ الرجل وإن لم يرد فيه توثيق صريح لكنّه من رجال كامل الزيارات.

(5) على المشهور ، بل عن غير واحد دعوى الإجماع عليه. خلافاً للمحكي


1) الوسائل 7 : 453 / أبواب صلاة العيد ب 19 ح 1.

2) الوسائل 7 : 443 / أبواب صلاة العيد ب 12 ح 1.

3) الوسائل 7 : 445 / أبواب صلاة العيد ب 13 ح 1.

4) الوسائل 7 : 444 / أبواب صلاة العيد ب 12 ح 2.

5) الوسائل 7 : 444 / أبواب صلاة العيد ب 12 ح 5.

.................................................................................................


عن ظاهر السيِّد المرتضى في الانتصار من القول بالوجوب (1).

ويستدل للمشهور برواية سعيد النقاش ، قال «قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) لي : أما أنّ في الفطر تكبيراً ولكنّه مسنون ، قال قلت : وأين هو؟ قال : في ليلة الفطر في المغرب والعشاء الآخرة وفي صلاة الفجر وفي صلاة العيد ثمّ يقطع ، قال قلت : كيف أقول؟ قال تقول : اللّه أكبر اللّه أكبر اللّه أكبر ، لا إله إلّا اللّه واللّه أكبر ، اللّه أكبر ولله الحمد ، اللّه أكبر على ما هدانا. وهو قول اللّه عزّ وجلّ ( وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ ) يعني الصِّيام ( وَلِتُكَبِّرُوا اللّهَ عَلى ما هَداكُمْ ) » (2).

وهي وإن كانت كالصريح في إرادة الاستحباب من السنّة لا ما ثبت وجوبه بغير الكتاب كما لا يخفى ، إلّا أنّها ضعيفة السند ، فانّ سعيد النقاش لم تثبت وثاقته ، فلا يمكن التعويل عليها.

ومن الغريب ما عن صاحب المدارك (3)من جعل هذه الرواية هي الأصل في المسألة مع اعترافه بضعف سندها وبنائه على عدم العمل إلّا بصحاح الأخبار ، ومن ثمّ اعترض عليه في الحدائق (4)بخروجه عن عادته وقاعدته. وهو في محلّه.

اللّهمّ إلّا أن يقال : إنّه لم يعثر على نص يدل على الاستحباب غيره كما صرّح به في صدر عبارته المحكية عنه في الحدائق (5)، ولم ينهض لديه دليل على الوجوب ليتوقّف الخروج عنه على ورود نص صحيح ، فمن ثمّ جوّز العمل به


1) الانتصار : 171.

2) الوسائل 7 : 455 / أبواب صلاة العيد ب 20 ح 2.

3) المدارك 4 : 115.

4) الحدائق 10 : 279.

5) الحدائق 10 : 278.

.................................................................................................


بناءً على قاعدة التسامح.

وبصحيحة علي بن جعفر عن أخيه (عليه السلام) قال : «سألته عن التكبير أيّام التشريق أواجب هو أم لا؟ قال : يستحب ، فإن نسي فليس عليه شي‌ء» (1).

بدعوى أنّها وإن وردت في التكبير أيّام التشريق إلّا أنّ دليل الوجوب لو تمّ لعمّ ، فاذا ثبت العدم في أحدهما كشف عن عدم إرادة الوجوب في الآخر أيضاً. ولا يخلو عن تأمّل.

والأولى أن يستدلّ للمشهور بأنّ المسألة عامّة البلوى وكثيرة الدوران ، فلو كان الوجوب ثابتاً لاشتهر وبان وشاع وذاع وأصبح من الواضحات ، فكيف لم يذهب إليه إلّا السيِّد المرتضى حسبما سمعت. وهذا خير شاهد على اتِّصاف الحكم بالاستحباب.

ومنه تعرف الجواب عمّا استدلّ به للقول بالوجوب من ظاهر الأمر في الآية المباركة ، ومن توصيف التكبير بالوجوب في رواية الأعمش ، قال فيها : «والتكبير في العيدين واجب» إلخ ، ونحوها خبر الفضل بن شاذان (2).

مع جواز إرادة الاستحباب المؤكّد من لفظ الوجوب ، حيث إنّ إطلاقه عليه غير عزيز في لسان الأخبار ، نظير ما ورد من أنّ «غسل الجمعة واجب» (3).

بل لا يبعد تنزيل كلام السيِّد المرتضى (قدس سره) عليه ، المعتضد بما عرفت من دعوى الإجماع على عدم الوجوب ، وحينئذ فينتفي الخلاف في المسألة.


1) الوسائل 7 : 461 / أبواب صلاة العيد ب 21 ح 10.

2) الوسائل 7 : 457 / أبواب صلاة العيد ب 20 ح 6 ، 5.

3) الوسائل 3 : 315 / أبواب الأغسال المسنونة ب 6 ح 17 ، 5 ، 6 وغيرها.

أوّلها المغرب من ليلة العيد ورابعها صلاة العيد (1) وعقيب عشر صلوات في الأضحى (2) إن لم يكن بمنى ، أوّلها ظهر يوم العيد وعاشرها صبح اليوم الثاني عشر ، وإن كان بمنى فعقيب خمس عشرة صلاة أوّلها ظهر يوم العيد وآخرها


(1) وعن الصدوق ضم صلاة الظهرين إلى هذه الصلوات الأربع (1)، بل عن ابن الجنيد ضمّ النوافل أيضاً (2).

أما الأوّل : فمستنده التصريح به في رواية الأعمش المتقدِّمة ، بل وكذا رواية الفضل بناءً على إرادة الصلوات اليومية من لفظ الخمس الوارد فيها.

ولا ينافيه التعبير بالقطع بعد صلاة العيد من رواية النقاش ، لإمكان الحمل على اختلاف مراتب الفضل. ولا بأس بما ذكر بناءً على قاعدة التسامح.

وأمّا الثاني : فقيل : مستنده أنّ ذكر اللّه حسن على كلّ حال. وهو كما ترى.

(2) يدلّ على استحبابها صحيح علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) قال : «سألته عن التكبير أيّام التشريق أواجب هو أم لا؟ قال : يستحب ، فإن نسي فليس عليه شي‌ء» (3)وهو صريح في الاستحباب.

ولأجله يحمل الوجوب فيما تضمّنته النصوص التي منها موثّقة عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «سألته عن التكبير ، فقال : واجب في دبر كلّ صلاة فريضة أو نافلة أيّام التشريق» (4)على تأكّد الاستحباب.


1) أمالي الصدوق : 747 المجلس الثالث والتسعون.

2) حكاه عنه في المختلف 2 : 285 المسألة 177.

3) الوسائل 7 : 461 / أبواب صلاة العيد ب 21 ح 10.

4) الوسائل 7 : 462 / أبواب صلاة العيد ب 21 ح 12.

صبح اليوم الثالث عشر (1).

وكيفية التكبير في الفطر أن يقول : «اللّه أكبر اللّه أكبر لا إله إلّا اللّه واللّه أكبر اللّه أكبر ولله الحمد ، اللّه أكبر على ما هدانا» وفي الأضحى يزيد على ذلك : «اللّه أكبر على ما رزقنا من بهيمة الأنعام ، والحمد لله على ما أبلانا» (2).


(1) قد دلّ على التفصيل بين من كان بمنى وبين غيره في العدد غير واحد من النصوص التي منها صحيحة زرارة ، قال : «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : التكبير في أيّام التشريق في دبر الصلوات ، فقال : التكبير في منى في دبر خمس عشرة صلاة ، وفي سائر الأمصار في دبر عشر صلوات ....» إلخ (1).

(2) قد وردت هذه الكيفية في الأضحى في صحيحة معاوية بن عمار ، قال (عليه السلام) فيها : «تقول : اللّه أكبر اللّه أكبر لا إله إلّا اللّه واللّه أكبر ، اللّه أكبر ولله الحمد ، اللّه أكبر على ما هدانا ، اللّه أكبر على ما رزقنا من بهيمة الأنعام والحمد لله على ما أبلانا» ويقرب منها ما في صحيحة زرارة ومنصور بن حازم (2).

وفي الفطر في رواية سعيد النقاش ورواية الخصال عن الأعمش (3)مع نوع اختلاف بينهما وبين ما في المتن.

ولا يخفى أنّ النصوص كالفتاوى وإن اختلفت في بيان الكيفية إلّا أنّه لا يبعد كشفها عن أنّ الاختلاف اليسير غير المنافي لماهية التكبير غير قادح في حصول المطلوب ، ومع ذلك فالأحوط الاقتصار على ما جاء في متون الأخبار بلا تصرّف فيها.


1) الوسائل 7 : 458 / أبواب صلاة العيد ب 21 ح 2.

2) الوسائل 7 : 459 / أبواب صلاة العيد ب 21 ح 4 ، 2 ، 3.

3) الوسائل 7 : 455 / أبواب صلاة العيد ب 20 ح 2 ، 6 ، الخصال : 609 / 9.

[2201] مسألة 3 : يكره فيها أُمور :

الأوّل : الخروج مع السلاح إلّا في حال الخوف (1).

الثاني : النافلة قبل صلاة العيد وبعدها إلى الزوال (2) إلّا في مدينة الرسول فإنّه يستحبّ صلاة ركعتين في مسجدها قبل الخروج إلى الصلاة (3).


(1) لمعتبرة السكوني ولا يقدح وجود النوفلي في السند ، فإنّه من رجال الكامل عن جعفر عن أبيه «قال : نهى النبي (صلّى اللّه عليه وآله) أن يخرج السلاح في العيدين إلّا أن يكون عدو حاضر» (1)المحمولة على الكراهة ، للإجماع على عدم الحرمة.

(2) لصحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال : صلاة العيدين مع الإمام سنّة ، وليس قبلهما ولا بعدهما صلاة ذلك اليوم إلّا الزوال» (2)هكذا في الوسائل المطبوع حديثاً ، والصحيح كما في مصادر الحديث من الفقيه والاستبصار والتهذيب «إلى» بدل «إلّا» (3).

ونحوها صحيحته الأُخرى عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال : لا تقضي وتر ليلتك إن كان فاتك حتّى تصلِّي الزوال في يوم العيدين» (4).

(3) لخبر محمّد بن الفضل الهاشمي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال : ركعتان من السنّة ليس تصلِّيان في موضع إلّا في المدينة ، قال : يصلّى في مسجد الرسول (صلّى اللّه عليه وآله) في العيد قبل أن يخرج إلى المصلّى ، ليس ذلك إلّا


1) الوسائل 7 : 448 / أبواب صلاة العيد ب 16 ح 1.

2) الوسائل 7 : 419 / أبواب صلاة العيد ب 1 ح 2.

3) الفقيه 1 : 320 / 1458 ، الاستبصار 1 : 443 / 1712 ، التهذيب 3 : 134 / 292.

4) الوسائل 7 : 430 / أبواب صلاة العيد ب 7 ح 9.

الثالث : أن ينقل المنبر إلى الصحراء ، بل يستحبّ أن يعمل هناك منبر من الطين (1).

الرابع : أن يصلِّي تحت السقف (2).

[2202] مسألة 4 : الأولى بل الأحوط ترك النِّساء لهذه الصلاة (3)


بالمدينة لأنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) فعله» (1).

(1) لصحيحة إسماعيل بن جابر عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث في صلاة العيدين «ليس فيهما منبر ، المنبر لا يحوّل من موضعه ، ولكن يصنع للإمام شبه المنبر من طين فيقوم عليه فيخطب للناس ثمّ ينزل» (2).

قال في مصباح الفقيه (3)ما لفظه : ويحتمل قويّاً كون النهي عن نقل المنبر لكونه وقفاً للمسجد ، لا لكونه من حيث هو مكروهاً. انتهى. وكيف ما كان فيكفي في الكراهة الإجماع المدّعى عليها.

(2) ففي صحيحة علي بن رئاب عن أبي بصير يعني ليث المرادي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال لا ينبغي أن تصلِّي صلاة العيدين في مسجد مسقّف ولا في بيت ، إنّما تصلِّي في الصحراء أو في مكان بارز» (4).

(3) فانّ مقتضى إطلاقات الأدلّة كقوله (عليه السلام) في صحيحة جميل : «صلاة العيدين فريضة» إلخ (5)وإن كان هو ثبوتها على كلّ مكلّف ومنه النِّساء


1) الوسائل 7 : 430 / أبواب صلاة العيد ب 7 ح 10.

2) الوسائل 7 : 476 / أبواب صلاة العيد ب 33 ح 1.

3) مصباح الفقيه (الصلاة) : 476 السطر 29.

4) الوسائل 7 : 449 / أبواب صلاة العيد ب 17 ح 2.

5) الوسائل 7 : 419 / أبواب صلاة العيد ب 1 ح 1.

إلّا العجائز (1).

[2203] مسألة 5 : لا يتحمّل الإمام في هذه الصلاة ما عدا القراءة من الأذكار والتكبيرات والقنوتات كما في سائر الصلوات (2).


إلّا أنّهن قد خرجن عنها بالإجماع المدّعى في كلمات غير واحد على سقوطها عن كلّ من تسقط عنه صلاة الجمعة.

مضافاً إلى النهي عن خروجهنّ إليها في موثّقة محمّد بن شريح ، «قال : سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن خروج النِّساء في العيدين ، فقال : لا ، إلّا العجوز عليها منقلاها يعني الخفين» (1).

بل عن ائتمامهنّ فيها ولو من دون الخروج في موثّقة عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال «قلت : هل يؤمّ الرجل بأهله في صلاة العيدين في السطح أو في بيت؟ قال : لا يؤمّ بهنّ ، ولا يخرجن ، وليس على النِّساء خروج ...» الحديث (2).

نعم ، بإزائها نصوص أُخر يظهر منها أنّ عليهنّ ما على الرِّجال ، وإن لم تخل أسنادها عن الخدش كرواية علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) قال : «سألته عن النِّساء هل عليهنّ من صلاة العيدين والجمعة ما على الرِّجال؟ قال : نعم» (3)وغيرها. فمن ثمّ كان الأحوط لهنّ اختيار الترك.

(1) للتنصيص على استثنائها في موثّقة محمّد بن شريح المتقدِّمة وكذا غيرها.

(2) إذ التحمّل الّذي مرجعه إلى السقوط بفعل الغير يحتاج إلى الدليل


1) الوسائل 20 : 238 / أبواب مقدّمات النكاح ب 136 ح 1.

2) الوسائل 7 : 471 / أبواب صلاة العيد ب 28 ح 2.

3) الوسائل 7 : 473 / أبواب صلاة العيد ب 28 ح 6.

[2204] مسألة 6 : إذا شكّ في التكبيرات والقنوتات بنى على الأقل (1)


وحيث لا دليل فيما عدا القراءة فمقتضى الأصل عدمه ، بل الإطلاقات تدفعه بل إنّ عدم تحمّل الإمام للقنوت في اليومية يدلّ على عدمه في المقام بطريق أولى. فما عن الشهيد في الذكرى من احتمال التحمّل (1)غير سديد.

نعم ، لا تعتبر المطابقة في الأذكار والأدعية ، فله اختيار ما شاء وإن لم يختره الإمام ، على ما هو الشأن في كلّ ما لم يتحمّله عنه في مطلق الجماعات.

(1) فيما إذا كان الشك في المحل ، لمفهوم قاعدة التجاوز ، ومنه تعرف عدم الاعتناء بالشك فيما إذا عرض بعد التجاوز ، فانّ من الواضح عدم الفرق في جريان القاعدة بين الصلوات المفروضة والمسنونة ، لإطلاق الدليل.

قال الشهيد في الذكرى ما لفظه : وفي انسحاب الخلاف في الشك في الأوّلتين المبطل للصلاة هنا احتمال إن قيل بوجوبه (2).

توضيحه : أنّه لا ريب في بطلان الصلاة بالشك في الأُوليين ، إلّا أنّهم اختلفوا في أنّ البطلان هل يختص بالشكّ المتعلِّق بعدد الركعتين أو أنّه يعمّ إجزاءهما أيضاً ، فأراد (قدس سره) انسحاب ذاك الخلاف إلى المقام ، بناءً على القول بوجوب التكبير ليكون حينئذ معدوداً من أجزاء الأُوليين.

أقول : مناط البحث مشترك بين الموردين ، فلو صحّ الخلاف وتمّ لعمّ ولا موجب لعدم الانسحاب. إلّا أنّه غير تام في نفسه ، ولا مناص من الالتزام باختصاص البطلان بالشك المتعلِّق بعدد الركعتين فحسب كما مرّ توضيحه في الجزء السادس من هذا الكتاب(3).


1) الذكرى 4 : 191.

2) الذكرى 4 : 189.

3) شرح العروة 18 : 131.

ولو تبيّن بعد ذلك أنّه كان آتياً بها لا تبطل صلاته (1).

[2205] مسألة 7 : إذا أدرك مع الإمام بعض التكبيرات يتابعه فيه ويأتي بالبقية بعد ذلك ويلحقه في الركوع (2) ويكفيه أن يقول بعد كلّ تكبيرة «سبحان اللّه والحمد لله» (3) ، وإذا لم يمهله فالأحوط (4) الانفراد وإن كان يحتمل كفاية الإتيان بالتكبيرات ولاءً.


ومنه تعرف ما في عبارتي الجواهر (1)والحدائق (2)في المقام من القصور ، سيّما الأوّل منهما ، حيث تصدّى لتضعيف احتمال الانسحاب بدلاً عن تضعيف نفس الخلاف فلاحظ.

(1) لحديث لا تعاد (3).

(2) لوضوح عدم إخلال الفصل اليسير بالمتابعة المعتبرة في الجماعة بعد فرض الالتحاق في الركوع.

(3) لما تقدّم (4)من كفاية مطلق الذكر.

(4) هذا الاحتياط وجوبي ، لعدم سبقه ولا لحوقه بالفتوى بعد وضوح عدم كون الاحتمال منها. فما عن بعض المحشين من التعليق عليه بقوله : لا يترك ، كأنه في غير محلّه.

وكيف ما كان ، فلعلّ الوجه في الاحتياط ظاهر ، لعدم الدليل على رفع اليد عن مطلق الذكر المفروض وجوبه كما سبق. وقياسه على السورة في غير محلّه


1) الجواهر 11 : 371.

2) الحدائق 10 : 264.

3) الوسائل 1 : 371 / أبواب الوضوء ب 3 ح 8.

4) في ص 318.

وإن لم يمهله أيضاً أن يترك ويتابعه في الركوع ، كما يحتمل أن يجوز لحوقه (1)(1) إذا أدركه وهو راكع. لكنّه مشكل لعدم الدليل على تحمّل الإمام لما عدا القراءة.

[2206] مسألة 8 : لو سها عن القراءة أو التكبيرات أو القنوتات كلّاً أو بعضاً لم تبطل صلاته ، نعم لو سها عن الركوع أو السجدتين أو تكبيرة الإحرام بطلت (2).


إذ الفارق النص. فما في بعض الكلمات من أنّه لا وجه لهذا الاحتياط كما ترى.

(1) في تعليقة الأُستاذ ما لفظه : هذا الاحتمال قريب جدّاً. والوجه فيه إطلاق النصوص المتضمّنة أنّ من أدرك الإمام راكعاً فقد أدرك الركعة التي منها صحيحة سليمان بن خالد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «أنّه قال في الرجل إذا أدرك الإمام وهو راكع وكبّر الرجل وهو مقيم صلبه ثمّ ركع قبل أن يرفع الإمام رأسه فقد أدرك الركعة» ونحوها صحيحة الحلبي (2)، فانّ دعوى انصرافها إلى الفرائض اليومية عارية عن الشاهد.

ومنه تعرف ضعف ما استشكله في المتن من عدم الدليل على تحمّل الإمام ما عدا القراءة ، فإنّ جواز اللحوق المزبور إنّما هو من باب السقوط لا التحمّل.

(2) على المشهور ، لحديث لا تعاد في كلّ من عقدي المستثنى والمستثنى منه. وأما تكبيرة الإحرام فالحديث وإن كان قاصراً عن إثبات البطلان بنسيانها إلّا أنّه قد دلّت على ذلك نصوص خاصّة قد تقدّمت هي وما يعارضها مع الجواب عنه في فصل تكبيرة الإحرام (3)فراجع ، هذا.


1) (*) هذا الاحتمال قريب جدّاً.

2) الوسائل 8 : 382 / أبواب صلاة الجماعة ب 45 ح 1 ، 2.

3) شرح العروة 14 : 90.

[2207] مسألة 9 : إذا أتى بموجب سجود السهو فالأحوط إتيانه (1) وإن كان عدم وجوبه في صورة استحباب الصلاة كما في زمان الغيبة لا يخلو


وعن الشيخ الحكم بقضاء التكبيرات المنسيّة كلّاً أو بعضاً بعد الصلاة (1)وعن المدارك (2)الاستدلال عليه بصحيحة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «أنّه قال : إذا نسيت شيئاً من الصلاة ركوعاً أو سجوداً أو تكبيراً ثمّ ذكرت فاقض الّذي فاتك سهواً» (3).

وفيه : أنّ إطلاقها مقطوع العدم كما لا يخفى ، فلا يمكن التمسّك به ، ولم يثبت القضاء في الأجزاء المنسية إلّا موارد خاصّة ليس المقام منها.

(1) بل الأظهر كما يظهر من منهاج الأُستاذ (4)، عملاً بالإطلاق في أدلّة سجود السهو ، ومن ثمّ تقدّمت الفتوى من السيِّد الماتن (5)بوجوب السجود لو اتّفق أحد الموجبات في صلاة الآيات ، وأقرّ عليه المحشّون.

ودعوى الانصراف في تلك الأدلّة إلى الفرائض اليومية كما عن صاحب الجواهر (6)غير ظاهرة ، وعهدتها عليه.


1) حكاه عنه في المعتبر 2 : 315 [لكنّه نفى القضاء في الخلاف 1 : 662 ، المسألة 435 ، والمبسوط 1 : 171].

2) المدارك 4 : 110.

3) الوسائل 8 : 238 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 23 ح 7.

4) منهاج الصالحين 1 : 256 المسألة 960 [لكن قال فيه : والأولى سجود السهو عند تحقّق موجبه].

5) في المسألة [1768].

6) الجواهر 11 : 372.

عن قوّة (1) وكذا الحال في قضاء التشهّد المنسي أو السجدة المنسية.

[2208] مسألة 10 : ليس في هذه الصلاة أذان ولا إقامة ، نعم يستحبّ أن يقول المؤذن : «الصلاة» ثلاثا (2).

[2209] مسألة 11 : إذا اتّفق العيد والجمعة فمن حضر العيد وكان نائياً عن البلد كان بالخيار بين العود إلى أهله والبقاء لحضور الجمعة (3).


(1) لانصراف الدليل عمّا اتّصف بالنفل فعلاً وإن كان فرضاً في الأصل ومنه يظهر الحال فيما بعده.

(2) لصحيح إسماعيل بن جابر عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال «قلت له : أرأيت صلاة العيدين هل فيهما أذان وإقامة؟ قال : ليس فيهما أذان ولا إقامة ولكن ينادى الصلاة ثلاث مرّات» الحديث (1).

(3) على المشهور بين الأصحاب نقلاً وتحصيلاً كما في الجواهر (2)بل عن الخلاف دعوى الإجماع عليه (3)، لصحيحة الحلبي «أنّه سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الفطر والأضحى إذا اجتمعا في يوم الجمعة ، فقال : اجتمعا في زمان علي (عليه السلام) فقال : من شاء أن يأتي إلى الجمعة فليأت ، ومن قعد فلا يضرّه ، وليصلّ الظهر. وخطب خطبتين جمع فيهما خطبة العيد وخطبة الجمعة» (4).

وبذلك يرتكب التخصيص في أدلّة وجوب الجمعة حتّى مثل الكتاب ، بناءً على التحقيق من جواز تخصيصه بخبر الواحد.


1) الوسائل 7 : 428 / أبواب صلاة العيد ب 7 ح 1.

2) الجواهر 11 : 395.

3) الخلاف 1 : 673 المسألة 448.

4) الوسائل 7 : 447 / أبواب صلاة العيد ب 15 ح 1.

.................................................................................................


فما عن القاضي (1)والحلبيين (2)من الخلاف في المسألة استناداً إلى قصور النصوص عن تخصيص دليل الوجوب كما ترى ، هذا.

ومقتضى إطلاق الصحيحة وإن كان عدم الفرق بين النائي وغيره لكنّه محمول على الأوّل ، جمعاً بينها وبين موثّقة إسحاق بن عمار عن جعفر عن أبيه «أنّ عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) كان يقول : إذا اجتمع عيدان للناس في يوم واحد فإنّه ينبغي للإمام أن يقول للناس في الخطبة الاولى : إنّه قد اجتمع عليكم عيدان ، فأنا أُصلِّيهما جميعاً ، فمَن كان مكانه قاصياً فأحبّ أن ينصرف عن الآخر فقد أذنت له» (3).

فانّ هذه الرواية معتبرة عند سيِّدنا الأُستاذ ، لبنائه (دام ظلّه) على استفادة توثيق ابن كلوب الواقع في سند الرواية من عبارة الشيخ في العدّة (4).

نعم ، بناءً على ضعفها عمّ الحكم لمطلق من حضر ، ومن ثمّ قال في الجواهر : إنّ إطلاق الرخصة هو الأقوى (5).

ثمّ إنّ من الواضح اختصاص الحكم بغير الإمام ، لقصور النص عن شموله. إذن فيجب الحضور عليه ، فان حصل معه العدد صلّى جمعة وإلّا فظهرا.


1) المهذب 1 : 123.

2) الكافي في الفقه : 155 ، الغنية : 96.

3) الوسائل 7 : 448 / أبواب صلاة العيد ب 15 ح 3.

4) العدّة 1 : 56 السطر 13.

5) الجواهر 11 : 397.

فصل في صلاة ليلة الدّفن

وهي ركعتان يقرأ في الأُولى بعد الحمد آية الكرسي إلى ( هُمْ فِيها خالِدُونَ ) (1) وفي الثانية بعد الحمد سورة القدر عشر مرّات ، ويقول بعد السلام : «اللّهمّ صلِّ على محمّد وآل محمّد ، وابعث ثوابها إلى قبرِ فلان» ويسمِّي الميت.


(1) لم أعثر على نص معتبر لهذا التحديد في المقام ، ولا بنطاق عام بالرغم من اشتهاره وانتشاره ، حتّى أنّ جلّ المعلّقين على المتن ما خلا السيِّد الطباطبائي أمضوا ما فيه أو احتاطوا فيه ، وإن كان السيِّد الماتن بنفسه أيضاً احتاط فيه في كتاب الطهارة عند تعرّضه لهذه الصلاة في خاتمة أحكام الأموات (1).

وكيف ما كان ، فالّذي يظهر من اللّغة وجمع من المفسِّرين وبعض النصوص خلافه ، وهو المنسوب إلى الجمهور وكثير من الأصحاب.

ففي مجمع البحرين (2)ما لفظه : وآية الكرسي معروفة ، وهي إلى قوله ( وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ) .


1) قبل المسألة [1008].

2) مجمع البحرين 4 : 100 مادّة كرس.

.................................................................................................


وفي مجمع البيان (1): إنّ آية الكرسي سيِّد القرآن ، وإنّ فيها لخمسين كلمة في كل كلمة خمسون بركة. انتهى. والخمسون تنتهي عند قوله ( وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ) .

وقد جاء ذلك في أمالي الطوسي في حديث أبي أمامة الباهلي (2)، ورواه المجلسي في البحار (3).

وقد ورد في جملة من التفاسير ذكر فضلها وثواب قراءتها ، كلّ ذلك عقيب قوله ( وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ) .

وهذا هو الّذي تقتضيه التسمية ، حيث إنّ المشتمل على كلمة «الكرسي» آية واحدة ، نظير آية النور وآية النفر وما شاكلهما ، وهو المطابق للأصل لدى الدوران بين الأقل والأكثر.

نعم ، روى في ثواب الأعمال الأمر بقراءتها وقراءة آيتين بعدها (4)، وورد في كيفية صلاة يوم المباهلة التصريح بقراءتها إلى ( هُمْ فِيها خالِدُونَ ) (5).

وروى في الكافي عن الصادق (عليه السلام) أنّ عليّ بن الحسين كان يقرأها إلى ( هُمْ فِيها خالِدُونَ ) (6)ورواها أيضاً في سفينة البحار (7).

لكن الأخيرة مرويّة بغير الكيفية المضبوطة في القرآن الشريف ، وما قبلها


1) مجمع البيان 1 : 626.

2) أمالي الطوسي : 508 / 1112.

3) البحار 89 : 264 / 7.

4) ثواب الأعمال : 130 131.

5) الوسائل 8 : 171 / أبواب بقية الصلوات المندوبة ب 47 ح 1.

6) [لم نعثر عليه].

7) سفينة البحار 7 : 468 مادّة كرس.

ففي مرسلة الكفعمي (1) وموجز ابن فهد (رحمهما اللّه) قال النبيّ (صلّى اللّه عليه وآله) : «لا يأتي على الميت أشد من أوّل ليلة ، فارحموا موتاكم بالصدقة فان لم تجدوا فليصلّ أحدكم يقرأ في الأُولى الحمد وآية الكرسي ، وفي الثانية الحمد والقدر عشراً ، فإذا سلّم قال : اللّهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد ، وابعث ثوابها إلى قبر فلان ، فإنّه تعالى يبعث من ساعته ألف ملك إلى قبره مع كلّ ملك ثوب وحلّة». ومقتضى هذه الرواية أنّ الصلاة بعد عدم وجدان ما يتصدّق به (2) ، فالأولى الجمع بين الأمرين مع الإمكان ، وظاهرها أيضاً كفاية صلاة واحدة (3) فينبغي أن لا يقصد الخصوصية في إتيان أربعين ، بل يؤتى بقصد الرجاء (4) أو بقصد إهداء الثواب.


مورد خاص يقتصر عليه ، ولا دليل على التعدِّي. وما في ثواب الأعمال يدل على خروج الآيتين. فهو على خلاف المطلوب أدل كما لا يخفى.

والمتحصّل : أنّ كلّ مورد لم يصرّح فيه بضمّ الآيتين ومنه المقام يجوز الاكتفاء بالآية الأُولى ، وإن كان الضمّ أحوط وأولى.

(1) مصباح الكفعمي (1)لاحظ الوسائل باب 44 من أبواب بقيّة الصلوات المندوبة حديث 2 وحديث 3 (2).

(2) كما هو مقتضى ظاهر التعليق.

(3) كما هو مقتضى الإطلاق.

(4) بل ينبغي قصد الرجاء في أصل الإتيان بهذه الصلاة أيضاً ، لعدم ورودها


1) مصباح الكفعمي : 411.

2) الوسائل 8 : 168 / أبواب بقية الصلوات المندوبة ب 44 ح 2 ، 3.

[2210] مسألة 1 : لا بأس بالاستئجار لهذه الصلاة (1) وإعطاء الأُجرة


بطريق معتبر عن المعصوم (عليه السلام) إلّا بناءً على قاعدة التسامح في أدلّة السنن.

(1) فإنّها عمل ذو منفعة محلّلة فتشمله إطلاقات الإجارة ، نعم استشكل فيه جمع منهم المحقِّق الهمداني (1)والسيِّد الأصبهاني في وسيلته (2)بل في بعض التعاليق عليها تقوية عدم الجواز.

ولعلّ وجه الإشكال ظهور النص في صدور العمل عن المصلِّي نفسه وأن يكون هو المهدي ، لا أن يكون نائباً عن الغير كما في العبادات الاستيجارية. وإن شئت قلت : إنّ مورد الاستحباب هو العمل بوصف المجانية ، ولا موقع في مثله للإجارة.

على أنّه لما لم يثبت استحباب هذه الصلاة بطريق معتبر فلا جرم نحتمل فيه البدعية وعدم المشروعية كما ذكره في الحدائق (3)المستلزم لأن يكون أخذ الأُجرة بإزائها أكلاً للمال بالباطل ، ومن ثمّ أشكل في المقام من لم يستشكل في صحّة العبادات الاستيجارية.

ويندفع بأنّ الأجير وإن أتى بالعمل من قبل نفسه إلّا أنّ المستأجر ينتفع من هذا العمل المركّب من الصلاة والإهداء بعد أن كان المهدى إليه ممّن يمسّ به ويريد إهداء الثواب إليه خاصّة ، غايته أنّ سنخ الاستئجار هنا يغاير سائر


1) مصباح الفقيه (الطهارة) : 425 السطر 16.

2) وسيلة النجاة 1 : 103.

3) الحدائق 10 : 547.

وإن كان الأولى (1) للمستأجر (2) الإعطاء بقصد التبرّع أو الصدقة ، وللمؤجر الإتيان تبرّعاً وبقصد الإحسان إلى الميّت.

[2211] مسألة 2 : لا بأس بإتيان شخص واحد أزيد من واحدة (3) بقصد إهداء الثواب إذا كان متبرِّعاً أو إذا أذن له المستأجر ، وأمّا إذا أعطى دراهم للأربعين فاللّازم استئجار أربعين (4) إلّا إذا أذن المستأجر. ولا يلزم


العبادات ، ولا ضير فيه. وابتناء الاستحباب على المجانية المحضة أوّل الكلام.

على أنّه يمكن القول بأنّ الخطاب متوجّه إلى أولياء الميت على نحو يعمّ المباشرة والتسبيب ، ولا إشكال في جواز الاستئجار في مثله. واحتمال البدعة منفي بقاعدة التسامح أو بقصد عنوان الرجاء كما لا يخفى.

(1) حذراً عن الشبهة المزبورة.

(2) يعني ذات المستأجر لا بوصفه العنواني ، وإلّا فالأولوية ممنوعة ، للزوم الدفع حينئذ بقصد الأُجرة وعدم كفاية التبرّع في تفريغ الذمّة. فمرجع الأولوية إلى عدم قصد الإيجار رأساً ، والدفع بعنوان التبرّع.

(3) فانّ مقتضى القاعدة وإن كان سقوط الأمر بالامتثال ، ولا موقع للامتثال عقيب الامتثال ، إلّا أنّ هذه الصلاة لمّا كانت بمثابة الصدقة كما يظهر من المرسلة (1)، والصدقة إحسان ، ولا حدّ لها ، فمن ثمّ ساغ التكرار فيها مع الأُجرة أو بدونها.

(4) جموداً على مورد الإذن المتوقّف جواز التصرّف في مال الغير عليه.


1) المذكورة في متن العروة.

مع إعطاء الأُجرة إجراء صيغة الإجارة ، بل يكفي إعطاؤها بقصد أن يصلِّي (1).

[2212] مسألة 3 : إذا صلّى ونسي آية الكرسي في الركعة الأُولى أو القدر في الثانية ، أو قرأ القدر أقل من العشرة نسياناً فصلاته صحيحة (2) لكن لا يجزي عن هذه الصلاة (3) ،


(1) لجريان المعاطاة في الإجارة كغيرها من المعاملات بمقتضى القاعدة حسبما هو موضح في محلّه (1).

(2) لأنّها مصداق لطبيعي الصلاة التي هي خير موضوع بعد أن كان الطبيعي مقصوداً ضمن الخصوصية ولو بالتبع.

(3) لعدم انطباق ما اعتبر فيها عليها حسب الفرض. ولا دليل على الإجزاء عدا ما قد يتوهّم من التمسّك بحديث لا تعاد (2).

ويندفع بأنّ الحديث ناظر إلى الإعادة وعدمها الراجعين إلى صحّة الصلاة وفسادها بما هي صلاة ، لا بما هي صلاة ذات خصوصية كذائية معدودة من مقوّمات الماهية وفصولها المنوّعة التي بها تمتاز عن غيرها ، فانّ لسان الحديث منصرف عن التعرّض إلى هذه الجهة ، ولا يكاد يفي بإثبات شي‌ء آخر زائداً على صفة الصحّة كما لا يخفى فليتأمّل.

وقد تقدّم التعرّض لهذه المسألة في خاتمة أحكام الأموات من كتاب الطهارة (3)وفي المسألة الرابعة عشرة من فصل الشكوك التي لا اعتبار بها (4).


1) العروة الوثقى 2 : 371 كتاب الإجارة ، فصل في أركانها.

2) الوسائل 1 : 371 / أبواب الوضوء ب 3 ح 8.

3) العروة الوثقى 1 : 311 الأمر الأربعون من مستحبّات الدفن.

4) في ص 89.

فان كان أجيراً وجب عليه الإعادة (1).

[2213] مسألة 4 : إذا أخذ الأُجرة ليصلِّي ثمّ نسي فتركها في تلك اللّيلة يجب عليه ردّها إلى المعطي (2) أو الاستئذان منه ليصلِّي فيما بعد ذلك بقصد إهداء الثواب (3) ، ولو لم يتمكّن من ذلك فان علم برضاه بأن يصلِّي هدية أو يعمل عملاً آخر أتى بها (4)


(1) خروجاً عن عهدة الإجارة التي يجب الوفاء بها.

(2) على المشهور من انفساخ الإجارة بتعذّر التسليم ، فيجب حينئذ ردّ المال إلى صاحبه.

وأما على المختار من عدم الموجب للانفساخ ، بل غايته الانتقال إلى البدل كما سيأتي الكلام حوله مستوفى في كتاب الإجارة (1)إن شاء اللّه تعالى فاللّازم حينئذ دفع قيمة العمل ، سواء أكانت بمقدار الأُجرة أم أقل أم أكثر ، وسواء أكانت الأُجرة باقية أم تالفة.

(3) لجواز التصرّف بعد صدور الإذن بناءً على الانفساخ ، وأمّا على عدمه فمرجع الاستئذان إلى تبديل حقّه بحق آخر.

(4) هذا فيما إذا كانت الأُجرة بعينها باقية ، حيث إنّ جواز التصرّف في العين الشخصية غير منوط بأكثر من العلم بالرِّضا ، وأمّا إذا كانت تالفة فبما أنّها تنتقل حينئذ إلى الذمّة فلا جرم تفتقر إلى معاوضة جديدة بينها وبين العمل الكذائي ، وإن كانت نتيجتها الإسقاط والإبراء.


1) العروة الوثقى 2 : 399 المسألة [3320].

وإلّا تصدّق بها عن صاحب المال (1).

[2214] مسألة 5 : إذا لم يدفن الميت إلّا بعد مدّة كما إذا نقل إلى أحد المشاهد فالظاهر أنّ الصلاة تؤخّر إلى ليلة الدفن (2) ، وإن كان الأولى أن يؤتى بها في أوّل ليلة بعد الموت (3).


وحيث إنّ هذه المعاوضة كغيرها تتوقّف على الاعتبار والإنشاء ، ولا يكفي مجرّد العلم بالرِّضا ، ولا سبيل للوصول إلى المالك حسب الفرض ، فلا جرم يراجع فيه الحاكم الشرعي الّذي هو ولي الغائب.

هذا على المسلك المشهور ، وأمّا على المختار فيرجع إليه في مصرف قيمة العمل.

(1) لكونها حينئذ من قبيل مجهول المالك ، وحكمه التصدّق به عن صاحبه مع مراجعة الحاكم الشرعي.

(2) بناءً على أنّها المراد من «أوّل ليلة» الوارد في المرسلة (1)بقرينة قوله في الذيل : «إلى قبر فلان».

ولكنّه غير واضح ، فانّ ذكر القبر هنا وما بعده منزل منزلة الغالب ، ومثله غير صالح للتقييد. إذن فإطلاق اللّيلة في الصدر المنطبق على أوّل ليلة بعد الموت هو المحكّم.

(3) تسريعاً لإيصال الثواب إليه سيّما بعد ما عرفت من عدم خصوصية للدفن استناداً إلى إطلاق الصدر.


1) المتقدِّمة في أوّل الفصل من المتن.

[2215] مسألة 6 : عن الكفعمي (رحمه اللّه) أنّه بعد أن ذكر في كيفية هذه الصلاة ما ذكر قال : وفي رواية أُخرى «بعد الحمد التوحيد مرّتين في الأُولى ، وفي الثانية بعد الحمد ( أَلْهيكُمُ التكاثُر ) عشراً ، ثمّ الدُّعاء المذكور» وعلى هذا فلو جمع بين الصلاتين بأن يأتي اثنتين بالكيفيتين كان أولى (1).

[2216] مسألة 7 : الظاهر جواز الإتيان بهذه الصلاة في أيّ وقت كان من اللّيل (2) ، لكن الأولى التعجيل بها بعد العشاءين (3) ، والأقوى جواز الإتيان بها بينهما ، بل قبلهما أيضاً بناءً على المختار من جواز التطوّع لمن عليه فريضة (4) ، هذا إذا لم يجب عليه بالنذر أو الإجارة أو نحوهما ، وإلّا فلا إشكال (5).


(1) فإنّه جمع بين الروايتين ، بل يمكن الجمع بين الكيفيتين في صلاة واحدة أيضاً ، إذ لا ضير فيه بعد أن لم تكن الزيادة قادحة بمقتضى ما ورد في صحيحة الحلبي من أنّ «كلّ ما ذكرت اللّه عزّ وجلّ به والنبي فهو من الصلاة» (1)ولم يقيّد دليل الكيفيتين بعدم الاقتران مع الأُخرى.

(2) أخذاً بإطلاق اللّيل الوارد في المرسلة.

(3) لاستحباب المسارعة إلى الخير ، والتعجيل في دفع الشدّة عن الميّت الّذي هو الملاك في تشريع هذه الصلاة بموجب النص.

(4) كما تقدّم البحث حوله في المسألة السادسة عشرة من فصل أوقات الرواتب (2).

(5) لخروجها حينئذ عن عنوان التطوّع.


1) الوسائل 6 : 327 / أبواب الركوع ب 20 ح 4.

2) شرح العروة 11 : 322.

فصل في صلاة جعفر

وتسمّى صلاة التسبيح وصلاة الحبوة (1) ، وهي من المستحبّات الأكيدة ومشهورة بين العامّة والخاصّة ، والأخبار متواترة فيها (2) ، فعن أبي بصير (3) عن الصادق (عليه السلام) أنّه قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) لجعفر : «أ لا أمنحك ، ألا أُعطيك ، ألا أحبوك؟ فقال له جعفر : بلى يا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) قال : فظنّ الناس أنّه يعطيه ذهباً وفضّة ، فتشوّف الناس لذلك ، فقال له : إنِّي أعطيك شيئاً إن أنت صنعته كلّ يوم كان خيراً لك من الدُّنيا وما فيها ، فان صنعته بين يومين غفر لك ما بينهما ، أو كلّ جمعة أو كلّ شهر أو كلّ سنة غفر لك ما بينهما» وفي خبر آخر (4) قال :


(1) أمّا الأوّل فواضح ، وأمّا الثاني فهو اقتباس من النص ، لقوله (عليه السلام) لجعفر : «أ لا أحبوك».

(2) أنهاها في الحدائق (1)إلى تسعة عشر حديثاً ، وفيها الصحيح والموثّق.

(3) الوسائل باب 1 من أبواب صلاة جعفر حديث 1 (2).

(4) وهي رواية الصدوق عن أبي حمزة الثمالي ، لاحظ الوسائل باب 1 من أبواب صلاة جعفر حديث 5 (3).


1) الحدائق 10 : 496 وما بعدها.

2) الوسائل 8 : 49 / أبواب صلاة جعفر ب 1 ح 1.

3) الوسائل 8 : 51 / أبواب صلاة جعفر ب 1 ح 5 ، الفقيه 1 : 347 / 1536.

«أ لا أمنحك ، ألا أعطيك ، ألا أحبوك ، ألا أُعلِّمك صلاة إذا أنت صلّيتها لو كنت فررت من الزحف وكان عليك مثل رمل عالج وزبد البحر ذنوباً غفرت لك؟ قال : بلى يا رسول اللّه» والظاهر أنّه حباه إيّاها يوم قدومه من سفره وقد بشر ذلك اليوم بفتح خيبر ، فقال (صلّى اللّه عليه وآله) : واللّه ما أدري بأيّهما أنا أشدّ سروراً بقدوم جعفر أو بفتح خيبر ، فلم يلبث أن جاء جعفر فوثب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) فالتزمه وقبّل ما بين عينيه ، ثمّ قال : ألا أمنحك إلخ.

وهي أربع ركعات بتسليمتين (1) ، يقرأ في كلّ منها الحمد وسورة ، ثمّ يقول : «سبحان اللّه والحمد لله ولا إله إلّا اللّه واللّه أكبر» خمس عشرة مرّة وكذا يقول في الركوع : عشر مرّات ، وبعد رفع الرأس منه عشر مرّات ، وفي السجدة الأُولى عشر مرّات ، وبعد الرفع منها عشر مرّات ، وكذا في السجدة الثانية عشر مرّات ، وبعد الرفع منها عشر مرّات ، ففي كلّ ركعة خمسة وسبعون مرّة ، ومجموعها ثلاثمائة تسبيحة.


(1) نسب إلى الصدوق في المقنع (1)أنّه يرى أنّها بتسليمة واحدة. ولكن صاحب الحدائق (2)أنكر هذه النسبة ، نظراً إلى أنّ منشأها خلوّ عبارته عن التعرّض للتسليمتين ، مع أنّ أكثر الروايات أيضاً خالية عن ذلك ، باعتبار أنّ النظر فيها مقصور على التعرّض لمواضع التسبيح فحسب من غير تعرّض


1) [ذكر العلّامة في المختلف 2 : 353 المسألة 252 أنّ الصدوق قال في المقنع : وروى أنّها بتسليمتين. ثمّ قال : وهو يشعر أنّه يقول : إنّها بتسليمة واحدة].

2) الحدائق 10 : 505.

[2217] مسألة 1 : يجوز إتيان هذه الصلاة في كلّ من اليوم واللّيلة ولا فرق بين الحضر والسفر (1) وأفضل أوقاته يوم الجمعة حين ارتفاع الشمس (2) ، ويتأكّد إتيانها في ليلة النصف من شعبان (3).

[2218] مسألة 2 : لا يتعيّن فيها سورة مخصوصة (4) لكن الأفضل (5) أن يقرأ في الركعة الأُولى إذا زلزلت وفي الثانية والعاديات ، وفي الثالثة إذا جاء نصر اللّه ، وفي الرابعة قل هو اللّه أحد.


لسائر الخصوصيّات.

(1) للتصريح بذلك في صحيحة ذريح عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال : إن شئت صلّ صلاة التسبيح باللّيل ، وإن شئت بالنهار ، وإن شئت في السفر وإن شئت جعلتها من نوافلك ، وإن شئت جعلتها من قضاء صلاة» (1).

(2) لرواية الحميري ، وفيها : «أفضل أوقاتها صدر النهار من يوم الجمعة» (2).

(3) لرواية ابن فضال ، قال : «سألت عليّ بن موسى الرِّضا (عليه السلام) عن ليلة النصف من شعبان ... فقال : ليس فيها شي‌ء موظّف ، ولكن إن أحببت أن تتطوّع فيها بشي‌ء فعليك بصلاة جعفر بن أبي طالب (عليه السلام)» (3).

(4) للإطلاق في كثير من الأخبار (4).

(5) لذكر هذه الكيفية في معتبرة إبراهيم بن عبد الحميد عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) «قال : يقرأ في الأُولى إذا زلزلت ، وفي الثانية والعاديات ، وفي


1) الوسائل 8 : 57 / أبواب صلاة جعفر ب 5 ح 1.

2) الوسائل 8 : 56 / أبواب صلاة جعفر ب 4 ح 1.

3) الوسائل 8 : 59 / أبواب صلاة جعفر ب 7 ح 1.

4) [لاحظ الوسائل 8 : 49 / أبواب صلاة جعفر ب 1 وما بعده].

[2219] مسألة 3 : يجوز تأخير التسبيحات إلى ما بعد الصلاة إذا كان مستعجلاً (1) كما يجوز التفريق بين الصلاتين إذا كان له حاجة ضرورية بأن يأتي بركعتين ثمّ بعد قضاء تلك الحاجة يأتي بركعتين أُخريين (2).

[2220] مسألة 4 : يجوز احتساب هذه الصلاة من نوافل اللّيل أو النهار أداءً أو قضاءً ، فعن الصادق (عليه السلام) : «صلّ صلاة جعفر أيّ وقت شئت من ليل ونهار ، وإن شئت حسبتها من نوافل اللّيل ، وإن شئت حسبتها من نوافل النهار ، تحسب لك من نوافلك وتحسب لك من صلاة جعفر» (3)


الثالثة إذا جاء نصر اللّه ، وفي الرابعة قل هو اللّه أحد ...» الحديث (1).

(1) لرواية أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال : إذا كنت مستعجلاً فصلّ صلاة جعفر مجرّدة ، ثمّ اقض التسبيح» (2)ونحوها رواية أبان (3).

(2) لمعتبرة عليّ بن الريّان ، وفيها : «إن قطعه عن ذلك أمر لا بدّ له منه فليقطع ثمّ ليرجع فليبن على ما بقي إن شاء اللّه» (4).

(3) قد ورد هذا النص فيما رواه الصدوق عن أبي بصير عن أبي جعفر (عليه السلام) (5). فما في المتن من إسناده إلى الصادق (عليه السلام) لعلّه من سهو القلم (6).


1) الوسائل 8 : 54 / أبواب صلاة جعفر ب 2 ح 3.

2) الوسائل 8 : 60 / أبواب صلاة جعفر ب 8 ح 2 ، 1.

3) الوسائل 8 : 60 / أبواب صلاة جعفر ب 8 ح 2 ، 1.

4) الوسائل 8 : 59 / أبواب صلاة جعفر ب 6 ح 1.

5) الوسائل 8 : 58 / أبواب صلاة جعفر ب 5 ح 5 ، الفقيه 1 : 349 / 1542.

6) [لكن الوارد في الفقيه : عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)].

والمراد من الاحتساب تداخلهما ، فينوي بالصلاة كونها نافلة وصلاة جعفر (1) ويحتمل أنّه ينوي صلاة جعفر ويجتزئ بها عن النافلة ، ويحتمل أنّه ينوي النافلة ويأتي بها بكيفية صلاة جعفر فيثاب ثوابها أيضاً. وهل يجوز إتيان الفريضة (2) بهذه الكيفيّة أو لا؟ قولان ، لا يبعد الجواز على الاحتمال الأخير (3) دون الأولين. ودعوى أنّه تغيير لهيئة الفريضة والعبادات توقيفية مدفوعة بمنع ذلك بعد جواز كلّ ذكر ودعاء في الفريضة (4) ،


(1) فإنّ الظاهر من احتساب شيئين بعمل واحد الوارد في لسان النص هو قصد العنوانين معاً والاجتزاء عنهما بفعل واحد ، لا أن يكون أحدهما مجزياً عن الآخر قهراً ومن غير تعلّق القصد به حين العمل.

وقد صرّح بهذا الاستظهار في الجواهر أيضاً حيث قال : ظاهر أدلّة الاحتساب قصد أنّها صلاة جعفر والنافلة الموظّفة مثلاً ، لا أنّه قهري (1).

(2) أي المطابقة معها في الكم كفريضة الصبح ، أو مقصورة الظهرين ، دون المخالفة كالعشاءين ، للزوم التسليم على الركعتين كما تقدّم.

(3) لتمحّض القصد حينئذ في الفريضة ، وعدم قدح الأذكار بالكيفية الخاصّة أثناءها بعد ما ورد في صحيحة الحلبي من أنّ «كلّ ما ذكرت اللّه عزّ وجلّ به والنبيّ فهو من الصلاة» (2).

(4) ناقش فيه في الجواهر بأنّ الذكر والدُّعاء وإن ساغ في الفريضة لكنّه مشروط بعدم كونه بمثابة يستوجب تغيير الهيئة كما في المقام ، ومن ثمّ لو قرأ


1) الجواهر 12 : 208.

2) الوسائل 6 : 327 / أبواب الركوع ب 20 ح 4.

ومع ذلك الأحوط الترك (1).

[2221] مسألة 5 : يستحبّ القنوت فيها في الركعة الثانية (2) من كلّ من الصلاتين للعمومات (3)


سورة البقرة بين السجدتين أو قبل الهوي للسجود لم تصح صلاته. فالإشكال من ناحية التغيير ، لا من مجرّد الذكر ليجاب بما ذكر (1).

لكن الإنصاف منع صغرى التغيير بعد ما تضمّنته صحيحة الحلبي المتقدِّمة من التنزيل وأنّ ما يأتيه من الأذكار فهو معدود من الصلاة ، إذ لا معنى لتغيير الهيئة بما هو معدود من نفسها. ومنه تعرف أنّ منعه (قدس سره) من صحّة الصلاة في مورد التنظير محلّ إشكال بل منع.

(1) حذراً عن الشبهة المزبورة ، سيّما وأنّ هذه الكيفية في الفريضة غير مأنوسة عند المتشرِّعة.

(2) أي بعد الفراغ من التسبيح وقبل الركوع ، على النهج المتعارف في سائر الصلوات.

نعم ، في رواية الاحتجاج : «والقنوت فيها مرّتان ، في الثانية قبل الركوع وفي الرابعة بعد الركوع» (2)وحيث لم يعرف قائل به فينبغي ردّ علمه إلى أهله ، ومن ثمّ قال في الحدائق : وهذا الخبر مرجوع إلى قائله (3).

(3) كصحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال : القنوت في كلّ صلاة


1) الجواهر 12 : 208.

2) الوسائل 8 : 56 / أبواب صلاة جعفر ب 4 ح 1 ، الاحتجاج 2 : 587.

3) الحدائق 10 : 508.

وخصوص بعض النصوص (1).

[2222] مسألة 6 : لو سها عن بعض التسبيحات أو كلّها في محلّ فتذكّر في المحل الآخر يأتي به (2) مضافاً إلى وظيفته ، وإن لم يتذكّر إلّا بعد الصلاة قضاه بعدها (3).

[2223] مسألة 7 : الأحوط عدم الاكتفاء بالتسبيحات عن ذكر الركوع والسجود ، بل يأتي به أيضاً قبلها أو بعدها (4).


في الركعة الثانية قبل الركوع» (1).

(1) كخبر رجاء بن أبي ضحّاك عن الرِّضا (عليه السلام) : «أنّه كان يصلِّي صلاة جعفر أربع ركعات ، يسلِّم في كلّ ركعتين ويقنت في كلّ ركعتين ، في الثانية قبل الركوع وبعد التسبيح» (2).

(2) لقوله (عليه السلام) في التوقيع المروي عن الاحتجاج : «إذا سها في حالة عن ذلك ثمّ ذكره في حالة اخرى قضى ما فاته في الحالة التي ذكره» (3).

(3) كما هو مقتضى الإطلاق في التوقيع المتقدِّم.

(4) أخذاً بالإطلاق في دليل اعتبار الذكر في الركوع والسجود بعد قصور أدلّة التسبيحات عن إثبات العوضية والاكتفاء بها عنه ، بل قد يظهر منها خلافه كما أوعز إليه في الجواهر (4)هذا ، مضافاً إلى أصالة عدم التداخل.


1) الوسائل 6 : 266 / أبواب القنوت ب 3 ح 1.

2) الوسائل 8 : 57 / أبواب صلاة جعفر ب 4 ح 3.

3) الوسائل 8 : 61 / أبواب صلاة جعفر ب 9 ح 1 ، الاحتجاج 2 : 565.

4) الجواهر 12 : 204.

[2224] مسألة 8 : يُستحبّ أن يقول في السجدة الثانية من الركعة الرابعة بعد التسبيحات : «يا من لبس العزّ والوقار ، يا من تعطف بالمجد وتكرّم به ، يا من لا ينبغي التسبيح إلّا له ، يا من أحصى كلّ شي‌ء علمه ، يا ذا النعمة والطول ، يا ذا المنّ والفضل ، يا ذا القدرة والكرم ، أسألك بمعاقد العزّ من عرشك ، وبمنتهى الرحمة من كتابك ، وباسمك الأعظم الأعلى وبكلماتك التامّات أن تصلِّي على محمّد وآل محمّد ، وأن تفعل بي كذا وكذا» ويذكر حاجته (1).


(1) كما جاء ذلك في مرفوعة ابن محبوب (1). ولكن في المرسل عن المدائني (2)تبديل حرف النداء بلفظ «سبحان» في جميع الفقرات ، ولعلّه الأنسب بمثل هذه الصلاة المشحونة بالتسبيحات ، واللّه العالم.


1) الوسائل 8 : 56 / أبواب صلاة جعفر ب 3 ح 2.

2) الوسائل 8 : 55 / أبواب صلاة جعفر ب 2 ح 1.

فصل في صلاة الغفيلة

وهي ركعتان بين المغرب والعشاء يقرأ في الأُولى بعد الحمد ( وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ. فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ) وفي الثانية بعد الحمد ( وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلّا هُوَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلّا يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ ) ثمّ يرفع يديه ويقول : «اللّهمّ إنِّي أسألك بمفاتح الغيب التي لا يعلمها إلّا أنت أن تصلِّي على محمّد وآل محمّد وأن تفعل بي كذا وكذا» ويذكر حاجاته ثمّ يقول : «اللّهمّ أنت وليّ نعمتي والقادر على طلبتي ، تعلم حاجتي وأسألك بحقّ محمّد وآله عليه وعليهم السلام لما قضيتها لي» ويسأل حاجاته (1).


(1) رواها الشيخ في المصباح بهذه الكيفية عن هشام بن سالم (1)، وكذلك ابن طاوس في كتاب فلاح السائل (2)بطريقه عنه. لكن الرواية ضعيفة السند بطريقيها حسب ما تقدّم البحث حوله مشبعاً وبنطاق واسع في المسألة الثانية


1) الوسائل 8 : 121 / أبواب بقيّة الصلوات المندوبة ب 20 ح 2 ، مصباح المتهجد : 106.

2) فلاح السائل : 430 / 295.

والظاهر أنّها غير نافلة المغرب (1) ، ولا يجب جعلها منها بناءً على المختار من جواز النافلة لمن عليه فريضة (2).


من فصل : أعداد الفرائض ونوافلها (1).

ومن ثمّ ذكرنا ثمة أنّ استحباب هذه الصلاة بعنوانها غير ثابت لتكون مستثنى عمّا تضمّن المنع عن التطوّع في وقت الفريضة ، وأنّ المتعيّن الإتيان بها بقصد الرجاء ، فراجع ولاحظ.

(1) قد تقدّم في المسألة المشار إليها آنفاً أنّه بناءً على ثبوت استحباب هذه الصلاة ينبغي التفصيل حينئذ بين الإتيان بها قبل نافلة المغرب وبين الإتيان بها بعدها ، وأنّها على الأوّل تعدّ من النافلة ، لانطباق المطلق على المقيّد خارجاً واتِّحاده معه وجوداً ، ولذلك يصدق الأمران معاً ، بخلاف ما لو أخّرها عن نوافل المغرب ، لبقاء الأمر بالغفيلة على حالها.

فالنتيجة : أنّ ما بين العشاءين على الأوّل أربع ركعات ، وعلى الثاني ست. ولمزيد التوضيح راجع تلك المسألة.

(2) وأمّا بناءً على عدم الجواز فتأخير الغفيلة عن النافلة ما لم يثبت استحبابها بعنوانها مخالف للاحتياط كما لا يخفى.


1) شرح العروة 11 : 73.

فصل في صلاة أوّل الشّهر

يستحبّ في اليوم الأوّل من كلّ شهر أن يصلِّي ركعتين ، يقرأ في الأُولى بعد الحمد ( قل هو اللّه أحد ) ثلاثين مرّة ، وفي الثانية بعد الحمد إنا أنزلناه ثلاثين مرّة ، ثمّ يتصدّق بما تيسّر ، فيشتري سلامة تمام الشهر بهذا (1) ويُستحبّ أن يقرأ بعد الصلاة هذه الآيات (2) بِسْمِ اللّهِ الرّحْمن الرّحيم ( وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلّا عَلَى اللّهِ رِزْقُها وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ ) بِسْمِ اللّهِ الرّحْمن الرّحيم ( وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَهُوَ


(1) فقد روى الشيخ في المصباح بإسناده عن الحسن بن علي الوشّاء قال : «كان أبو جعفر محمّد بن علي الرِّضا (عليه السلام) إذا دخل شهر جديد يصلِّي في أوّل يوم منه ركعتين ، يقرأ في أوّل ركعة الحمد مرّة وقُل هُوَ اللّهُ أَحَد لكلّ يوم إلى آخره ، وفي الثانية الحمد وإِنّا أَنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْر مثل ذلك ويتصدّق بما يتسهّل ، يشتري به سلامة ذلك الشهر كلّه» (1).

(2) كما في رواية السيِّد ابن طاوس (2). ولكن المذكور في النص بعد كلمة «الرّحيم» وقبل البسملة الثالثة هذه الزيادة ( وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْ‌ءٍ قَدِيرٌ ) .


1) الوسائل 8 : 170 / أبواب بقيّة الصلوات المندوبة ب 45 ح 1 ، مصباح المتهجد : 523.

2) المستدرك 6 : 348 / أبواب بقيّة الصلوات المندوبة ب 37 ح 1 ، الدروع الواقية : 43.

الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) بِسْمِ اللّهِ الرّحْمنِ الرّحِيم ( سَيَجْعَلُ اللّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً * ما شاءَ اللّهُ لا قُوَّةَ إِلّا بِاللّهِ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ * لا إِلهَ إِلّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ * رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ * رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ ) . ويجوز الإتيان بها في تمام اليوم ، وليس لها وقت معيّن (1).


(1) لإطلاق النص.

فصل في صلاة الوصيّة

وهي ركعتان بين العشاءين ، يقرأ في الأُولى الحمد وإذا زلزلت الأرض ثلاث عشرة مرّة ، وفي الثانية الحمد وقل هو اللّه أحد خمس عشرة مرّة. فعن الصادق (عليه السلام) عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) قال : «أُوصيكم بركعتين بين العشاءين إلى أن قال فان فعل ذلك كلّ شهر كان من المؤمنين ، فإن فعل في كلّ سنة كان من المحسنين ، فان فعل ذلك في كلّ جمعة كان من المخلصين ، فان فعل ذلك في كلّ ليلة زاحمني في الجنّة ولم يحص ثوابه إلّا اللّه تعالى» (1).


(1) كما رواه الشيخ في المصباح مرسلاً عنه (عليه السلام) عن أبيه عن آبائه عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) أنّه قال إلى آخر ما في المتن (1). وقد تقدّم البحث حولها أيضاً في أوائل كتاب الصلاة في فصل : أعداد الفرائض ونوافلها (2).


1) الوسائل 8 : 118 / أبواب بقيّة الصلوات المندوبة ب 17 ح 1 ، مصباح المتهجد : 107 [مع اختلاف يسير عمّا في المصباح].

2) شرح العروة 11 : 76.

فصل في صلاة يوم الغدير

وهو الثامن عشر من ذي الحجّة ، وهي ركعتان يقرأ في كلّ ركعة سورة الحمد وعشر مرّات ( قُلْ هُوَ اللّهُ أَحَد ) ، وعشر مرّات آية الكرسي ، وعشر مرّات إِنّا أَنْزَلْناه ، ففي خبر علي بن الحسين العبدي (1) عن الصادق (عليه السلام) : «مَن صلّى فيه أي في يوم الغدير ركعتين ، يغتسِل عند زوال الشّمس من قبل أن تزول مقدار نصف ساعة يسأل اللّه عزّ وجلّ ، يقرأ في كلّ ركعة سورة الحمد مرّة وعشر مرّات ( قُلْ هُوَ اللّهُ أَحَد ) ، وعشر مرّات آية الكرسي ، وعشر مرّات ( إِنّا أَنْزَلْناه ) عدلت عند اللّه عزّ وجلّ مائة ألف حجّة ومائة ألف عمرة ، وما سأل اللّه عزّ وجلّ حاجة من حوائج الدُّنيا


(1) رواه الشيخ في التهذيب ، وروى نحوه في المصباح عن أبي هارون العبدي (1)، وكذا عن زياد بن محمّد (2)، وروى ابن طاوس نحوه في كتاب الإقبال عن المفضّل (3)، وحيث إنّ سند الكلّ مخدوش كما لا يخفى فمن ثَمّ كان الحكم مبنياً على قاعدة التسامح.


1) الوسائل 8 : 89 / أبواب بقية الصلوات المندوبة ب 3 ح 1 ، 2 ، التهذيب 3 : 143 / 317.

2) مصباح المتهجد : 737.

3) [لم نعثر عليه].

وحوائج الآخرة إلّا قضيت له كائنة ما كانت الحاجة. وإن فاتتك الركعتان قضيتها بعد ذلك». وذكر بعض العلماء (1) أنّه يخرج إلى خارج المصر ، وأنّه يأتي بها جماعة ، وأنّه يخطب الإمام خطبة مقصورة على حمد اللّه والثناء والصلاة على محمّد وآله والتنبيه على عظم حرمة هذا اليوم. لكن لا دليل على ما ذكره وقد مرّ الإشكال في إتيانها جماعة في باب صلاة الجماعة (2).


(1) نسب ذلك إلى أبي الصلاح (1)على ما حكاه في الحدائق (2)عن المختلف (3).

(2) وقد تقدّم البحث حول ذلك مستوفى في الجزء الخامس من هذا الكتاب (4).


1) الكافي في الفقه : 153.

2) الحدائق 10 : 536.

3) المختلف 2 : 354 المسألة 253.

4) شرح العروة 17 : 32.

فصل في صلاة قضاء الحاجات وكشف المهمّات

وقد وردت بكيفيات (1) منها ما قيل إنّه مجرّب مراراً وهو ما رواه زياد القندي عن عبد الرّحيم القصير (2) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : «إذا نزل بك أمر فافزع إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) وصلّ ركعتين تهديهما إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) قلت : ما أصنع؟ قال : تغتسل وتصلِّي ركعتين تستفتح بهما افتتاح الفريضة وتشهّد تشهّد الفريضة ، فإذا فرغت من التشهّد وسلمت ، قلت : اللّهمّ أنت السّلام ومنك السّلام وإليك يرجع السّلام اللّهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد وبلِّغ روح محمّد منِّي السلام وبلِّغ أرواح الأئمّة الصالحين سلامي ، واردد عليَّ منهم السلام ، والسلام عليهم ورحمة اللّه وبركاته ، اللّهمّ إنّ هاتين الركعتين هدية منِّي إلى رسول اللّه فأثبني عليهما


(1) وهي كثيرة مذكورة في كتب الأدعية وغيرها كالبحار ونحوه من المجامع (1).

(2) لاحظ الوسائل باب 28 من أبواب بقيّة الصلوات المندوبة حديث 5 (2).


1) البحار 88 : 341 ، مصباح المتهجّد : 323 ، المصباح للكفعمي 1 : 717.

2) الوسائل 8 : 130 / أبواب بقية الصلوات المندوبة ب 28 ح 5.

ما أمّلت ورجوت فيك في رسولك يا وليّ المؤمنين. ثمّ تخرّ ساجداً وتقول : (يا حيّ يا قيوم ، يا حيّ لا يموت ، يا حيّ لا إله إلّا أنت ، يا ذا الجلال والإكرام يا أرحم الرّاحمين) أربعين مرّة ، ثمّ ضع خدّك الأيمن فتقولها أربعين مرّة ، ثمّ ضع خدّك الأيسر فتقولها أربعين مرّة ، ثمّ ترفع رأسك وتمدّ يدك فتقول أربعين مرّة ، ثمّ تردّ يدك إلى رقبتك وتلوذ بسبّابتك وتقول ذلك أربعين مرّة ، ثمّ خذ لحيتك بيدك اليسرى وابك أو تباك وقل : يا محمّد يا رسول اللّه أشكو إلى اللّه وإليك حاجتي وإلى أهل بيتك الرّاشدين حاجتي ، وبكم أتوجّه إلى اللّه في حاجتي. ثمّ تسجد وتقول : يا اللّه يا اللّه حتّى ينقطع نفسك صلِّ على محمّد وآل محمّد وافعل بي كذا وكذا. قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : فأنا الضامن على اللّه عزّ وجلّ أن لا يبرح حتّى تقضى حاجته».

فصل [في أقسام الصلوات المستحبّة]

الصلوات المستحبّة كثيرة ، وهي أقسام :

منها : نوافل الفرائض اليومية ، ومجموعها ثلاث وعشرون ركعة بناءً على احتساب ركعتي الوتيرة بواحدة (1).

ومنها : نافلة اللّيل إحدى عشرة ركعة.

ومنها : الصلوات المستحبّة في أوقات مخصوصة كنوافل شهر رمضان ونوافل شهر رجب ، وشهر شعبان ونحوها (2) وكصلاة الغدير والغفيلة والوصيّة (3) وأمثالها.

ومنها : الصلوات التي لها أسباب كصلاة الزيارة ، وتحية المسجد وصلاة الشكر ونحوها.

ومنها : الصلوات المستحبّة لغايات مخصوصة كصلاة الاستسقاء ، وصلاة


(1) كما تقدّم البحث فيه وفيما بعده في فصل : أعداد الفرائض ونوافلها (1).

(2) وهي كثيرة مذكورة في كتب الأدعية ، سيّما ما وضع لإعمال الشهور الثلاثة.

(3) كما مرّ البحث حولها قريباً.


1) شرح العروة 11 : 43.

طلب قضاء الحاجة ، وصلاة كشف المهمّات ، وصلاة طلب الرِّزق ، وصلاة طلب الذكاء وجودة الذهن ونحوها.

ومنها : الصلوات المعيّنة المخصوصة بدون سبب وغاية ووقت كصلاة جعفر ، وصلاة رسول اللّه ، وصلاة أمير المؤمنين ، وصلاة فاطمة ، وصلاة سائر الأئمّة (عليهم السلام).

ومنها : النوافل المبتدأة ، فإن كلّ وقت وزمان يسع صلاة ركعتين يستحب إتيانها.

وبعض المذكورات بل أغلبها لها كيفيات مخصوصة مذكورة في محلّها.

فصل [في أحكام النوافل]

جميع الصلوات المندوبة يجوز إتيانها جالساً اختياراً (1) وكذا ماشياً وراكباً وفي المحمل والسفينة (2) لكن إتيانها قائماً أفضل حتّى الوتيرة (1)(3) وإن كان الأحوط الجلوس فيها.


(1) على المشهور ، بل إجماعاً كما ادّعاه غير واحد ، وتقتضيه جملة من النصوص التي منها صحيحة سهل بن اليسع «أنّه سأل أبا الحسن الأوّل (عليه السلام) عن الرجل يصلِّي النافلة قاعداً وليست به علّة في سفر أو حضر ، فقال : لا بأس به» (2). ولم ينسب الخلاف إلّا إلى ابن إدريس حيث منعه في غير الوتيرة (3). وهذه النصوص حجّة عليه.

(2) كما تقدّم البحث حول ذلك كلّه في أوائل كتاب الصلاة في فصل فيما يستقبل له (4).

(3) لكنّك عرفت في فصل أعداد الفرائض ونوافلها (5)أنّ المتعيّن فيها هو الجلوس.


1) (*) تقدّم أنّ المتعيّن فيها الجلوس.

2) الوسائل 5 : 491 / أبواب القيام ب 4 ح 2.

3) السرائر 1 : 309.

4) شرح العروة 12 : 23 وما بعدها.

5) شرح العروة 11 : 46.

وفي جواز إتيانها نائماً مستلقياً أو مضطجعاً في حال الاختيار إشكال (1).


(1) فإنّ ظاهر المحقِّق (1)وغيره ممّن اقتصر في الحكم بالجواز على الجلوس كصريح جمع منهم الشهيد (2)هو المنع ، استناداً إلى توقيفية العبادة وأصالة عدم المشروعية ، خلافاً للعلّامة في النهاية حيث صرّح بالجواز (3)، ويظهر من صاحب الجواهر (4)والمحقِّق الهمداني (5)الميل إليه أو القول به. وكيف ما كان فالمتّبع هو الدليل.

ويستدل للجواز تارة بأنّ الكيفية تابعة للأصل فلا تجب.

وأُخرى بالنبوي : «من صلّى نائماً فله نصف أجر القاعد» (6).

وثالثة : بخبر أبي بصير ، قال «قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : صلّ في العشرين من شهر رمضان ثمانياً بعد المغرب واثنتي عشرة ركعة بعد العتمة ، فإذا كانت اللّيلة التي يرجى فيها ما يرجى فصلّ مائة ركعة تقرأ في كلّ ركعة ( قل هو اللّه أحد ) عشر مرّات ، قال قلت : جُعِلْتُ فداك فان لم أقو قائماً؟ قال : فجالساً قلت : فان لم أقو جالساً؟ قال : فصلّ وأنتَ مستلق على فراشك» (7)بعد وضوح أنّ المراد من عدم القوّة الضعف في الجملة ، لا عدم القدرة الموجب لانقلاب التكليف.


1) الشرائع 1 : 134.

2) الذكرى 3 : 276.

3) نهاية الاحكام 1 : 444.

4) الجواهر 12 : 223.

5) مصباح الفقيه (الصلاة) : 527 السطر 9.

6) صحيح البخاري 2 : 59.

7) الوسائل 8 : 31 / أبواب نافلة شهر رمضان ب 7 ح 5.

[2225] مسألة 1 : يجوز في النوافل إتيان ركعة قائماً وركعة جالساً (1) بل يجوز إتيان بعض الركعة جالساً وبعضها قائما.


ورابعة : بفحوى النصوص الواردة في جوازها حال المشي وعلى الراحلة مع استلزامهما الإخلال بجملة من الكيفيّات والأفعال ، الكاشف عن أنّ المراد فعلها كيف ما كان وعدم سقوط ميسورها بمعسورها.

والكلّ كما ترى. أمّا الأوّل فلوضوح أنّ المراد بالوجوب هو الحكم الوضعي والمعنى الشرطي ، كالطهارة في النافلة ، دون التكليفي. فعدم وجوب أصلها لا يقتضي شرعية فعلها بلا شرط.

وأمّا الأخير فللزوم الاقتصار في الخروج عن مقتضى الإطلاقات في أدلّة الأجزاء والشرائط على مقدار قيام الدليل ، وقد ثبت ذلك في حالتي المشي وعلى الراحلة ، ولا موجب للتعدِّي بعد خفاء ملاكات الأحكام وقصور عقولنا عن دركها. والتمسّك بقاعدة الميسور كما ترى.

وأمّا النبوي وخبر أبي بصير فضعفهما يمنع عن الاستناد إليهما ، اللّهمّ إلّا بناءً على قاعدة التسامح ، التي هي عمدة المستند في ميل المحقِّق الهمداني وصاحب الجواهر إلى الجواز.

وحيث إنّا لا نقول بها فالقول بعدم الجواز هو الأقرب إلى الصناعة ، نعم لا بأس بالإتيان بها بعنوان الرجاء من دون قصد التوظيف.

(1) للإطلاق في دليل جواز الجلوس كالقيام فيها ، ومنه يظهر الحال فيما بعده.

[2226] مسألة 2 : يستحبّ إذا أتى بالنافلة جالساً أن يحسب كلّ ركعتين بركعة (1) مثلاً إذا جلس في نافلة الصُّبح يأتي بأربع ركعات بتسليمتين ، وهكذا.

[2227] مسألة 3 : إذا صلّى جالساً وأبقى من السورة آية أو آيتين فقام وأتمّها وركع عن قيام يحسب له صلاة القائم ، ولا يحتاج حينئذ إلى احتساب ركعتين بركعة (2)


(1) لصحيحة علي بن جعفر «... يصلِّي النافلة وهو جالس ، ويحسب كلّ ركعتين بركعة» (1)بعد التعدِّي عن موردها وهو المريض بالأولوية.

ولا يعارضها رواية أبي بصير عن أبي جعفر (عليه السلام) قال «قلت له : إنّا نتحدّث نقول : من صلّى وهو جالس من غير علّة كانت صلاته ركعتين بركعة وسجدتين بسجدة ، فقال : ليس هو هكذا ، هي تامّة لكم» (2).

إذ مضافاً إلى ضعفها بعلي بن أبي حمزة الّذي هو البطائني ، محمولة على دفع ما قد يستشعر من عطف السجدتين على الركعتين من كونهما بمثابة ركعة من قيام في عدم الخروج عنها بالتسليم والاحتياج إلى التتميم ، وهذا لا ينافي كونهما في الفضل نصف صلاة القائم والاحتياج إلى التضعيف كما نبّه عليه المحقِّق الهمداني (3).

ولكن التقييد حينئذ بقوله : «لكم» غير واضح ، إلّا أن يقال بأنّ المراد الاحتساب تماماً بالنسبة إلى بعض خواصّ المؤمنين تفضّلاً عليهم. وكيف ما كان ، فالأمر هيِّن بعد ضعف السند.

(2) لصحيحة حماد بن عثمان عن أبي الحسن (عليه السلام) قال : «سألته عن


1) الوسائل 5 : 493 / أبواب القيام ب 5 ح 5 ، 1.

2) الوسائل 5 : 493 / أبواب القيام ب 5 ح 5 ، 1.

3) مصباح الفقيه (الصلاة) : 526 السطر 32.

[2228] مسألة 4 : لا فرق في الجلوس بين كيفيّاته ، فهو مخيّر بين أنواعها حتّى مدّ الرجلين (1) نعم ، الأولى أن يجلس متربّعاً ويثني رجليه حال الركوع ، وهو أن ينصب فخذيه وساقيه من غير إقعاء ، إذ هو مكروه ، وهو أن يعتمد بصدور قدميه على الأرض ويجلس على عقبيه ، وكذا يكره الجلوس بمثل إقعاء الكلب.

[2229] مسألة 5 : إذا نذر النافلة مطلقاً يجوز له الجلوس فيها (2) ، وإذا


الرجل يصلِّي وهو جالس ، فقال : إذا أردت أن تصلِّي وأنت جالس ويكتب لك بصلاة القائم فاقرأ وأنت جالس ، فاذا كنت في آخر السورة فقم فأتمّها واركع فتلك تحسب لك بصلاة القائم» (1).

ولا يبعد أن تكون العبرة بحسب المتفاهم العرفي بحصول الركوع عن قيام مع تتميم ما بيده من القراءة حال القيام ، فيشمل الحكم ما لو اقتصر على قراءة الفاتحة ، أو أتى بسور عديدة ، بل حتّى مثل صلاة جعفر كما لا يخفى.

(1) لإطلاق الأخبار ، وقد تقدّم الكلام حول هذه المسألة في مطاوي مباحث القيام (2)والتشهّد (3)ومستحبّات السجود (4)فراجع ، ولا نعيد.

(2) إذ بعد فرض الإطلاق في متعلّق النذر ، وجواز الجلوس في النافلة وإن عرضها وصف الوجوب بمقتضى إطلاق الدليل ، فالوفاء يتحقّق بالصلاة جالساً بطبيعة الحال.


1) الوسائل 5 : 498 / أبواب القيام ب 9 ح 3.

2) شرح العروة 14 : 259.

3) شرح العروة 15 : 279.

4) [لم نعثر عليه].

نذرها جالساً فالظاهر انعقاد نذره (1)(1). وكون القيام أفضل لا يوجب فوات الرجحان في الصلاة جالساً ، غايته أنّها أقل ثواباً ، لكنّه لا يخلو عن إشكال (2).

[2230] مسألة 6 : النوافل كلّها ركعتان لا يجوز الزيادة عليها ولا النقيصة إلّا في صلاة الأعرابي والوتر (3).

[2231] مسألة 7 : تختصّ النوافل بأحكام :

منها : جواز الجلوس والمشي فيها اختياراً كما مرّ.

ومنها : عدم وجوب السورة فيها إلّا بعض الصلوات المخصوصة بكيفيّات مخصوصة.

ومنها : جواز الاكتفاء ببعض السورة فيها.

ومنها : جواز قراءة أزيد من سورة من غير إشكال.

ومنها : جواز قراءة العزائم فيها.


(1) ما لم يكن مفاده تضييق الطبيعة وتخصيصها بهذا الفرد ، الراجع إلى العقد السلبي أيضاً أعني عدم صحّة الصلاة منه قائماً ، وإلّا فلا ريب في عدم الانعقاد.

وإليه يشير سيِّدنا الأُستاذ في تعليقته الأنيقة حيث قال (دام ظلّه) ما لفظه : إذا كان متعلّق النذر تخصيص الطبيعة به حين إرادة الصلاة فالظاهر عدم انعقاده.

(2) لاحتمال اعتبار الرجحان بقول مطلق. ولكنّه ضعيف كما لا يخفى.

(3) تقدّم البحث حول هذه المسألة مستوفى في المسألة الاولى من فصل أعداد الفرائض ونوافلها (2).


1) (*) إذا كان متعلّق النذر تخصيص الطبيعة به حين إرادة الصلاة فالظاهر عدم انعقاده.

2) شرح العروة 11 : 59.

و منها : جواز العدول فيها من سورة إلى أُخرى مطلقا (1).

ومنها : عدم بطلانها بزيادة الركن سهواً.

ومنها : عدم بطلانها بالشكّ بين الركعات ، بل يتخيّر بين البناء على الأقل أو على الأكثر.

ومنها : أنّه لا يجب لها سجود السهو ، ولا قضاء السجدة والتشهّد المنسيّين ولا صلاة الاحتياط (2).

ومنها : لا إشكال في جواز إتيانها في جوف الكعبة أو سطحها (3).

ومنها : أنّه لا يشرع فيها الجماعة إلّا في صلاة الاستسقاء ، وعلى قول في صلاة الغدير (4).


(1) قد تقدّم الكلام حول هذه الأحكام في المسألة الخامسة والسادسة والعاشرة والثامنة عشرة من فصل القراءة (1).

(2) تقدّم الكلام حول هذا وما تقدّمه من أحكام السهو والشك في فصل الشكوك التي لا اعتبار بها (2).

(3) مرّ البحث حول ذلك في المسألة الثلاثين من فصل مكان المصلِّي (3).

(4) كما تقدّم في المسألة الثانية من فصل الجماعة (4).


1) شرح العروة 14 : 321 ، 324 ، 334 ، 364.

2) في ص 58 وما بعدها.

3) شرح العروة 13 : 124.

4) شرح العروة 17 : 26.

ومنها : جواز قطعها اختياراً (1).

ومنها : أنّ إتيانها في البيت أفضل من إتيانها في المسجد (2) إلّا ما يختص به على ما هو المشهور


(1) كما تقدّم في فصل لا يجوز قطع صلاة الفريضة اختياراً (1).

(2) كما في الجواهر (2)، بل عن المعتبر (3)والمنتهى (4)نسبته إلى فتوى علمائنا استناداً إلى أنّ فعلها في السر أبلغ في الإخلاص وأبعد من الرِّياء والوسواس.

ولقول النبيّ (صلّى اللّه عليه وآله) في وصيّته لأبي ذر المرويّة عن المجالس بعد ذكر فضل الصلاة في المسجد الحرام أو مسجد النبيّ : «وأفضل من هذا كلّه صلاة يصلّيها الرجل في بيته حيث لا يراه إلّا اللّه (عزّ وجلّ) يطلب بها وجه اللّه تعالى» (5).

وقول الصادق (عليه السلام) في رواية أبي بصير : «وكلّ ما فرض اللّه عليك فإعلانه أفضل من إسراره ، وكلّ ما كان تطوّعاً فإسراره أفضل من إعلانه» (6).

وقوله (عليه السلام) في رواية الفضيل بن يسار : «إنّ البيوت التي يصلّى فيها باللّيل بتلاوة القرآن تضي‌ء لأهل السماء كما تضي‌ء نجوم السماء لأهل


1) شرح العروة 15 : 528.

2) الجواهر 14 : 145.

3) المعتبر 2 : 112.

4) المنتهى 4 : 310.

5) الوسائل 5 : 296 / أبواب أحكام المساجد ب 69 ح 7 ، أمالي الطوسي : 528 / 1162.

6) الوسائل 9 : 309 / أبواب المستحقين للزكاة ب 54 ح 1.

.................................................................................................


الأرض» (1).

وللنبوي : «أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلّا المكتوبة» (2).

وخبر زيد بن ثابت : «أنّه جاء رجال يصلّون بصلاة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) فخرج مغضباً وأمرهم أن يصلّوا النوافل في بيوتهم» (3).

ولأنّ الاجتماع للنوافل في المساجد من فعل مَن وصفوا بأنّ الرشد في خلافهم.

والكلّ كما ترى ، فانّ الوجه الاعتباري لا يصلح سنداً للحكم الشرعي والنصوص المزبورة بأجمعها ضعاف السند وإن عبّر عن بعضها بالصحيح في بعض الكلمات ، فلا يمكن التعويل عليها في الخروج عن النصوص الناطقة بأفضليّة الصلاة في المسجد ، وفيها الصحاح.

كصحيحة معاوية بن وهب (4)المتضمِّنة لإتيان النبي (صلّى اللّه عليه وآله) صلاة اللّيل في المسجد ، بل الاستمرار عليه.

وصحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «سأله ابن أبي يعفور كم أُصلِّي؟ فقال : صلّ ثمان ركعات عند زوال الشمس ، فانّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) قال : الصلاة في مسجدي كألف في غيره إلّا المسجد الحرام ، فإنّ الصلاة في المسجد الحرام تعدل ألف صلاة في مسجدي» (5).

ومرسلة ابن أبي عمير «... ما من مسجد بني إلّا على قبر نبي أو وصي إلى


1) الوسائل 5 : 294 / أبواب أحكام المساجد ب 69 ح 1.

2) كنز العمال 7 : 772 / 21337.

3) صحيح مسلم 1 : 539 / 781.

4) الوسائل 4 : 269 / أبواب المواقيت ب 53 ح 1.

5) الوسائل 5 : 280 / أبواب أحكام المساجد ب 57 ح 6.

.................................................................................................


أن قال : فأدّ فيها الفريضة والنوافل واقض ما فاتك» (1).

وأمّا الوجه الأخير فهو إنّما يصلح سنداً في مقام ترجيح الخبرين المتكافئين لا في مثل المقام كما لا يخفى ، هذا.

مضافاً إلى أنّ بعض تلك النصوص ناظرة إلى المزيّة لا الأفضلية التي هي محلّ الكلام.

على أنّه تمكن الخدشة في دلالة تلك النصوص بأسرها بأنّ غاية ما يستفاد منها أفضلية العبادة السرِّية من الجهريّة ، ومن الواضح أنّ النسبة بين هذين العنوانين وبين ما نحن فيه أعني عنوان البيت والمسجد عموم من وجه لإمكان المحافظة على السر وهو في المسجد كما لو صلّى في مسجد المحلّة في جوف اللّيل ، كإمكان الإعلان وهو في البيت كما لو كان مليئاً بالضيف.

ومن ثمّ استشكل في الحكم غير واحد من المتأخِّرين منهم صاحب المدارك بل رجّح خلافه (2).

وعلى الجملة : أفضلية التنفّل سرّاً جهة أُخرى للمزيّة غير مرتبطة بخصوصية المكان التي هي بنفسها من موجبات الفضيلة والرجحان.

وعليه فلا ينبغي التأمّل في أنّ الصلاة في المسجد من حيث هي أفضل من الصلاة في البيت حتّى في النافلة ، لأجل شرافة المحل ، كما أنّ مراعاة السرّ في التنفّل أفضل. فإن أمكن الجمع بين الفضيلتين فنعم المطلوب ، وإلّا كان من التعارض في المستحبّات الّذي هو باب واسع وكثير شائع ، ويختلف الترجيح حسب اختلاف الموارد.


1) الوسائل 5 : 225 / أبواب أحكام المساجد ب 21 ح 1.

2) المدارك 4 : 407.

وإن كان في إطلاقه إشكال (1).


ومنه تعرف أنّ ما نسب إلى المشهور إن تمّ وصحّ المدرك فهو وجيه في الجملة لا بالجملة.

(1) حسبما عرفت آنفاً.

والحمد لله ربّ العالمين أوّلاً وآخراً ، وصلّى اللّه على محمّد وآله الطاهرين.

هذا ما أردنا إيراده في هذا الجزء ، ويتلوه الجزء الثامن في صلاة المسافر إن شاء اللّه تعالى.

فهرس الموضوعات

فهرس الموضوعات

الموضوع / الصفحة

الصّلاة

فصل : في الشكوك التي لا اعتبار بها ولا يلتفت إليها... 1 - 105

الأول : الشك بعد تجاوز المحل... 1

الثاني : الشك بعد الوقت... 1

الثالث : الشك بعد السلام الواجب... 2

الرابع : شك كثير الشك... 3

النصوص الدالة على عدم اعتناء كثير الشك بشكه... 5

إذا شك كثير الشك في السجود ونحوه أو بين الأربع والخمس... 8

كثرة الشك في فعل أو ركعة أو فريضة خاصة... 10

المرجع في تحديد كثرة الشك... 11

اختصاص حكم كثرة الشك بما إذا لم يكن من جهة عوارض طارئة... 13

الشك في حصول حالة كثرة الشك بنحو الشبهة الموضوعية... 14

الشك في حصول حالة كثرة الشك بنحو الشبهة المفهومية... 15

الجهل بالحالة السابقة من الكثرة وعدمها في الشبهة الموضوعية... 15

تعلق الشك بالأجزاء - مثلا - التي لا تقدح زيادتها العمدية... 16

الشك فيما لا تقدح زيادته العمدية - كالذكر - مع الشك في تحقق كثرة الشك... 16

الشك فيما تقدح زيادته العمدية مع الشك في تحقق كثرة الشك... 17

الشك في تحقق المانع مع الشك في تحقق كثرة الشك... 18

الشك في عدد الركعات مع الشك في تحقق كثرة الشك... 18

وجوب سجود السهو على كثير الشك... 20

انكشاف الخلاف فيما إذا لم يعتن كثير الشك بشكه... 23

اعتناء كثير الشك بشكه... 24

الشك في اختصاص كثرة شكه بمورد معين وعدمه... 27

ضبط كثير الشك صلاته بالخاتم ونحوه... 27

الخامس : الشك البدوي الزائل بعد التروي... 30

السادس : شك كل من الإمام والمأموم مع حفظ الآخر... 30

عموم جواز رجوع الشاك منهما إلى الحافظ للركعات والأفعال... 30

عموم الحكم للمأموم الرجل والمرأة العادل والفاسق... 37

رجوع الشاك من الإمام أو المأموم إلى الظان منهما والظان إلى المتيقن... 38

شك الإمام واختلاف المأمومين اعتقادا... 46

شك الإمام واختلاف المأمومين اعتقادا وشكا... 47

شك كل من الإمام والمأمومين شكا متحدا... 52

شك كل من الإمام والمأمومين بنحو التباين... 53

شك كل من الإمام والمأمومين مع وجود قدر مشترك بين شكيهما... 53

الصورة المتقدمة مع وجود قدر مشترك بين شك الإمام وبعض المأمومين... 56

السابع : الشك في ركعات النافلة... 57

مقتضى القاعدة الأولية... 58

الأخبار التي استدل بها على التخيير بين البناء على الأقل أو الأكثر... 59

استثناء الوتر عن الحكم بالتخيير... 62

أفضلية البناء على الأقل في الشك في ركعات النافلة... 64

الشك في ركعات الفريضة التي غرضها النفل... 67

الشك في ركعات النافلة التي عرضها الوجوب... 69

الشك في أفعال النافلة... 71

بطلان النافلة بنقصان الركن دون زيادته... 73

الأدلة على اختصاص الفريضة بالبطلان لدى زيادة الركن... 74

عدم وجوب قضاء السجدة والتشهد المنسيين في النافلة... 81

عدم وجوب سجود السهو لموجباته في النافلة... 83

الشك بين الاثنتين والثلاث في النافلة والبناء على الاثنتين ثم تبين كونها ثلاثا... 84

ما استدل به على عدم قدح زيادة ركعة سهوا في النافلة... 85

الشك في الإتيان بالنافلة... 87

الظن بعدد ركعات النافلة... 88

السهو في النافلة ذات الكيفية الخاصة... 89

نسيان بعض التسبيحات في صلاة جعفر... 92

عموم أحكام الشك والسهو والظن لجميع أحكام الصلوات الواجبة... 93

لا فرق في حجية الظن المتعلق بالركعات بين كونه موجبا للصحة أو للبطلان... 95

حكم الظن المتعلق بالأفعال... 97

الروايات الدالة على عدم حجية الظن المتعلق بالأفعال... 98

الوجوه التي استدل بها على حجية الظن المذكور... 100

حكم الظن المتعلق بالشروط... 103

جواز التروي إذا حصل الشك بين الثلاث والأربع إلى وقت العمل به... 104

تعلم ما تعم به البلوى من أحكام الشك والسهو... 105

ختام : فيه مسائل متفرقة... 106 - 307

الأولى : الشك في أن ما بيده ظهر أو عصر وقد صلى الظهر... 106

حكم ما لو رأي نفسه فعلا في العصر وشك في نيته لها من الابتداء... 108

الشك في أن ما بيده ظهر أو عصر مع العلم أو الشك بعدم إتيان الظهر... 109

الثانية : الشك في أن ما بيده مغرب أو عشاء مع العلم باتيان المغرب... 109

الصورة المتقدمة مع العلم بعدم إتيان المغرب أو شكه في ذلك... 110

حكم ما لو كان الشك بعد الدخول في ركوع الرابعة... 110

الثالثة : العلم بترك سجدتين من ركعتين في صلاته... 112

صورة حصول العلم المزبور بعد الفراغ من الصلاة... 113

صورة حصول أثناء الصلاة... 115

الرابعة : الشك أثناء الركعة الرابعة في أن شكه السابق بين الثالثة والرابعة كان قبل إكمال السجدتين أو بعده    119

حكم ما لو حصل الشك المذكور بعد الفراغ من الصلاة... 122

الخامسة : الشك في الركعة التي بيده أنها آخر الظهر أو أول العصر... 124

السادسة : الشك في العشاء بين الثلاث والأربع وتذكر نسيان المغرب... 125

السابعة : التذكر أثناء العصر أنه ترك ركعة من الظهر... 127

صورة إمكان تتميم الظهر بالمقدار المأتي به من العصر... 127

صورة عدم الإمكان لكونه داخلا في ركوع زائد... 131

الثامنة : إذا صلى صلاتين ثم علم نقصان ركعة أو ركعتين من إحداهما غير المعينة... 132

حكم ما إذا حصل العلم المذكور بعد الإتيان بالمنافي عقيب الثانية... 133

حكم ما إذا حصل العلم المذكور قبل الإتيان بالمنافي... 133

التاسعة : الشك في أن ما بيده هل هي الركعة الأخيرة أو أولى صلاة الاحتياط... 138

العاشرة : الشك في أن ما بيده رابعة المغرب أو أولى العشاء... 141

صورة ما إذا تحقق الشك المتقدم قبل الدخول في الركوع... 141

صورة ما إذا تحقق الشك المتقدم بعد الدخول في الركوع... 143

الحادية عشرة : الشك بعد السجدتين بين الاثنتين والثلاث والعلم بعدم التشهد... 146

حكم ما إذا عرض الشك حال الجلوس... 147

حكم ما إذا عرض الشك حال القيام... 147

مناقشة دليل الماتن على عدم وجوب التشهد لو عرض الشك حال الجلوس... 149

الثانية عشرة : الشك في أنه بعد ركوع الثالثة أو قبل ركوع الرابعة... 153

الشك في أنه قبل ركوع الثالثة أو بعد ركوع الرابعة... 154

الثالثة عشرة : العلم أثناء الركعة الثانية قائما باتيان ركوعين والشك في أنه أتى بكليهما في الأولى أو بأحدهما فيها والآخر في الثانية... 159

جريان قاعدة الفراغ في الأجزاء... 162

الرابعة عشرة : العلم بعد الفراغ بترك سجدتين يشك في كونهما من ركعتين أو ركعة 165

حكم ما إذا حصل العلم المذكور في الأثناء مع بقاء المحل الشكي للتدارك... 171

حكم ما إذا حصل العلم مع بقاء المحل السهوي للتدارك... 172

الخامسة عشرة : العلم إجمالا في السجدة الثانية بترك ركن أو غيره... 176

العلم إجمالا في السجدة الأولى بترك ركن أو غيره... 178

السادسة عشرة : العلم بعد الدخول في القنوت إما بترك سجدتي السابقة أو قراءة هذه الركعة  181

العلم بعد القيام إلى الثالثة إما بترك سجدتين أو التشهد... 185

العلم بعد القيام إلى الثالثة إما بترك سجدة أو تشهد... 187

السابعة عشرة : العلم بعد القيام إلى الثالثة بترك التشهد والشك في ترك السجدة... 189

اعتبار الدخول في الجزء المترتب في قاعدة التجاوز... 190

الثامنة عشرة : العلم إجمالا باتيان التشهد أو السجدة والشك في الآخر... 192

حكم ما إذا حصل العلم المذكور والشك بعد الدخول في القيام... 192

حكم ما إذا حصلا حال الجلوس... 193

التاسعة عشرة : العلم إجمالا بترك إما سجدة من الركعة السابقة أو تشهد هذه الركعة 196

صورة ما إذا حصل العلم المذكور حالة الجلوس... 196

صورة ما إذ حصل العلم بعد الدخول في القيام... 196

صورة ما إذا حصل العلم حالة النهوض... 198

العشرون : العلم إجمالا بترك سجدة إما من الركعة السابقة أو من هذه الركعة... 200

الحادية والعشرون : العلم إجمالا بترك واجب أو مستحب... 201

العلم إجمالا بترك الجهر أو الإخفات في موضعهما أو جزء واجب آخر... 201

الثانية والعشرون : العلم إجمالا بزيادة ركن أو نقصه في الفريضة أو النافلة... 205

حكم ما لو حصل العلم المذكور مع بقاء المحل الشكي... 206

حكم ما لو حصل العلم المذكور مع بقاء المحل الذكري... 206

حكم ما لو حصل العلم المذكور مع فوات محل التدارك... 208

العلم إجمالا بنقصان أحد ركنين... 208

الثالثة والعشرون : التذكر أثناء السجود أو بعده من الركعة الثانية ترك سجدة من الأُولى وركوع هذه الركعة    210

الرابعة والعشرون : العلم بعد الفراغ من الظهرين بنقصان إحداهما ركعة... 212

الخامسة والعشرون : العلم بعد الفراغ من العشاءين بنقصان إحداهما ركعة... 213

السادسة والعشرون : العلم إجمالا قبل أن يسلم للعصر أنه إما ترك ركعة من الظهر وما بيده رابعة العصر أو أن هذه ثالثة العصر... 213

السابعة والعشرون : الشك في أنه صلى كلا من الظهرين أربعا أو نقص من إحداهما ركعة وزاد في الأُخرى       219

الثامنة والعشرون : العلم بأنه صلى الظهرين ثمان ركعات والشك قبل السلام من العصر أنه صلى الظهر أربعا فما بيده رابعة العصر أو ثلاثا فهذه خامستها... 219

التاسعة والعشرون : العلم بأنه صلى الظهرين ثمان ركعات والشك قبل السلام من العصر أنه صلى الظهر أربعا فما بيده رابعة العصر أو خمسا فهذه ثالثتها... 221

الثلاثون : العلم بعد السلام من العصر أنه صلى الظهرين تسعا والشك في أنه زاد ركعة في الظهر أو العصر       225

حكم ما إذا حصل العلم المذكور قبل السلام... 226

الحادية والثلاثون : العلم بأنه صلى العشاءين ثمان ركعات والشك في أنه زاد ركعة في المغرب أو العشاء 229

الثانية والثلاثون : الإتيان بالمغرب ثانيا للشك أو اعتقاد عدم الإتيان بها وتذكر إتيانها قبل السلام ولكن علم بزيادة ركعة في إحداهما... 229

الثالثة والثلاثون : الشك في الركوع حال القيام ثم نسيان الإتيان به حتى الدخول في السجود   232

الرابعة والثلاثون : العلم بنسيان شيء قبل فوات محله لكن نسي حتى دخل في ركن ثم انقلب علمه بالنسيان شكا 235

الخامسة والثلاثون : اعتقاد نقصان سجدة أو تشهد أو ترك ما يوجب سجود السهو ثم انقلب اعتقاده شكا في الأثناء أو بعد السلام... 236

اعتقاد نقصان ركعة أو غيرها بعد السلام ثم زواله... 237

السادسة والثلاثون : العلم إجمالا بعد السلام وقبل الإتيان بالمنافي بنقصان صلاته إما ركعة أو ركعتين    237

العلم بعد السلام بنقصان ركعة وبعد الشروع فيها شك في ركعة أُخرى... 237

السابعة والثلاثون : العلم بعد السلام وقبل إتيان المنافي بنقصان ركعة ثم الشك في أنه أتى بها أم لا       239

الثامنة والثلاثون : العلم بأن ما بيده رابعة والشك في أنها واقعية أو بنائية... 242

التاسعة والثلاثون : اليقين بعد القيام أنه ترك السجود أو التشهد والشك في أنه رجع وتدارك ثم قام أو هذا هو القيام الأول... 243

الأربعون : الشك بين الثلاث والأربع والبناء على الأربع ثم الإتيان بركعة أُخرى سهوا 245

الحادية والأربعون : الشك في الركن بعد تجاوز المحل ثم الإتيان به نسيانا... 249

الثانية والأربعون : العلم بنسيان الركوع أثناء التشهد والشك في السجدتين أيضا... 250

الثالثة والأربعون : الشك بين الثلاث والأربع والعلم بأنه على فرضا الثلاث ترك ركنا أو ما يوجب القضاء أو سجود السهو... 253

العلم بأنه عل فرض الأربع ترك ركنا أو ما يوجب القضاء أو سجود السهو في الفرض المتقدم   253

المناط في التمسك بأدلة البناء على الأكثر... 254

الرابعة والأربعون : إذا تذكر بعد القيام أنه ترك سجدة من الركعة التي قام عنها... 256

الخامسة والأربعون : العلم بعد القيام أو الدخول في التشهد نسيان إحدى السجدتين وشك في الأُخرى  257

السادسة والأربعون : الشك بين الثلاث والأربع ثم العلم بعد السلام وقبل صلاة الاحتياط بكونها أربعا ثم عود الشك      258

التمسك باطلاق أدلة البناء على الأكثر في موارد تخلل اليقين الحادث بين الشك أثناء الصلاة وبعد الفراغ عنها   260

السابعة والأربعون : إذا دخل في السجود من الركعة الثانية فشك في ركوع هذه الركعة وفي السجدتين من الأُولى         264

الثامنة والأربعون : عدم جريان حكم كثير الشك في صور العلم الإجمالي... 266

التاسعة والأربعون : اعتقاد قراءة السورة والشك في الحمد فبنى على قراءتها ثم بعد الدخول في القنوت تذكر أنه لم يقرأ السورة... 267

الخمسون : العلم إجمالا بعد الصلاة إما بترك سجدة أو زيادة ركوع... 269

حصول العلم الإجمالي المذكور أثناء الصلاة... 271

الحادية والخمسون : العلم إجمالا بترك سجدة من الأُولى أو زيادتها في الثانية... 273

الثانية والخمسون : العلم إجمالا بترك سجدة أو تشهد... 274

الثالثة والخمسون : الشك في إتيان العشاءين قبل اتصاف الليل... 274

الرابعة والخمسون : إذا صلى الظهرين فعلم إجمالا أنه شك في إحداهما بين الاثنين والثلاث وبنى على الثلاث ولا يدري أنه شكه في أيهما كان... 276

الخامسة والخمسون : العلم إجمالا بأنه إما زاد قراءة أو نقصها... 278

السادسة والخمسون : الشك في ترك جزء عمدا... 278

الكلام في اختصاص قاعدة التجاوز بموارد احتمال الترك سهوا... 279

هل يلزم العود لتدارك المشكوك بناء على عدم جريان قاعدة التجاوز في المقام؟... 282

العلم بترك جزء والشك في أنه كان عن عمد أو سهو وقد تجاوز محله الذكري... 282

إذا كان المحل الذكري باقيا في مفروض المسألة... 284

السابعة والخمسون : العلم إجمالا بترك جزء من الوضوء أو ركن من الصلاة... 288

نظرية الميرزا النائيني في عدم انحلال العلم الإجمالي في باب الأقل والأكثر الارتباطيين 288

الثامنة والخمسون : الشك أثناء التشهد أو بعده في كونه في الثانية والتشهد في محله أو لا؟       292

التاسعة والخمسون : الشك في شيء بعد الدخول في الغير الواقع في غير محله... 294

الستون : إذا بقي من الوقت مقدار أربع ركعات للعصر وعليه صلاة الاحتياط للشك في الظهر أو قضاء سجدة ونحوها    297

الحادية والستون : الكلام بما يتخيل أنه ذكر أو دعاء ثم يتبين أنه كلام الآدمي... 299

الثانية والستون : هل يجب سجود السهو فيما لو عكس الترتيب الواجب سهوا؟... 299

الثالثة والستون : عدم وجوب قضاء السجدة أو التشهد لو بطلت أو أبطل سهوا؟... 299

الثالثة والستون : عدم وجوب قضاء السجدة أو التشهد لو بطلت أو أبطل صلاته... 301

الرابعة والستون : العلم إجمالا باتيان سجدة واحدة أو اثنتين أو ثلاثا... 302

الخامسة والستون : ترك جزء من الصلاة جهلا بوجوبه... 304

بحث موجز في حديث لا تعاد... 305

فصل : في صلاة العيدين... 308 - 341

وجوب صلاة العيدين زمان الحضور... 308

استحبابها زمن الغيبة... 310

مشروعيتها واستحبابها جماعة... 311

مشروعيتها فرادى... 312

عدم اشتراطها بشرائط الجمعة... 313

وقت صلاة العيدين... 313

كيفية الصلاة... 315

وجوب القنوت فيها... 316

وجوب التكبيرات فيها... 317

جواز كل ما جرى على اللسان من دعاء أو ذكر في قنوتاتها... 318

استحباب الدعاء بالمأثور في القنوت... 318

خطبتا صلاة العيدين... 319

محل الخطبتين... 320

جواز ترك الخطبتين زمن الغيبة وإن صليت جماعة... 320

عدم وجوب حضور الخطبتين ولا الإصغاء فيهما... 322

ينبغي ذكر ما يتعلق بزكاة الفطرة في خطبة الفطر وبالأُضحية في خطبة الأضحى... 322

استحباب قراءة بعض السور الخاصة في صلاة العيدين... 323

استحباب الجهر بالقراءة في الصلاة... 324

استحباب الإصحار بالصلاة إلا في مكة... 326

استحباب السجود على الأرض... 326

استحباب الخروج إليها حافيا... 327

استحباب الغسل قبلها... 327

استحباب لبس عمامة بيضاء فيها... 327

استحباب تشمير الثوب إلى الساق عند الخروج إليها... 327

استحباب الإفطار بالتمر قبل الصلاة في الفطر والأكل من الأُضحية بعدها في الأضحى 328

استحباب التكبيرات عقيب أربع صلوات في الفطر... 328

استحباب التكبيرات عقيب عشر صلوات في الأضحى إن لم يكن بمنى وعقيب خمس عشرة لمن كان بها  331

كيفية التكبيرات المستحبة... 332

كراهة الخروج مع السلام إلا حال الخوف... 333

كراهة التنفل قبل صلاة العيد وبعدها إلى الزوال إلا في المدينة... 333

كراهة نقل المنبر إلى الصحراء... 334

كراهة أدائها تحت السقف... 334

حكم حضور النساء صلاة العيدين... 334

عدم تحمل الإمام ما عدا القراءة فيها... 335

الشك في التكبيرات والقنوتات... 336

إدراك بعض التكبيرات مع الإمام... 337

السهو عن تكبيرة الإحرام أو القراءة أو نحوهما... 338

الإتيان بما يوجب سجود السهو... 339

عدم مشروعية الأذان والإقامة فيها... 340

حكم ما لو اتفق العيد والجمعة... 340

فصل : في صلاة ليلة الدفن... 342 - 350

كيفية صلاة ليلة الدفن... 342

ترتب الصلاة على عدم وجدان ما يتصدق به... 344

مشروعية الاستئجار لهذه الصلاة... 345

جواز إتيان شخص واحد أزيد من صلاة بقصد إهداء الثواب... 346

نسيان بعض الخصوصيات المعتبرة فيها... 347

نسيان الأجير الإتيان بها ليلة الدفن... 348

هل تؤخر الصلاة لو تأخر الدفن؟... 349

كيفية أُخرى لصلاة ليلة الدفن... 350

جواز الإتيان بها في أي وقت شاء... 350

فصل : في صلاة جعفر... 351 - 385

بعض الأخبار الدالة على استحبابها والتأكيد عليها... 351

كيفية صلاة جعفر... 352

جواز الإتيان بها في كل وقت وحال... 353

استحباب بعض السور المخصوصة فيها... 353

تأخير التسبيحات إلى ما بعد الصلاة مع الاستعجال... 354

التفريق بين الصلاتين إذا كانت له حاجة ضرورية... 354

احتساب صلاة جعفر من النوافل اليومية... 354

إتيان الفريضة بكيفية صلاة جعفر... 355

استحباب القنوت فيها في الركعة الثانية من كل من الصلاتين... 356

السهو عن التسبيحات أو بعضها... 357

عدم الاكتفاء بالتسبيحات عن ذكري الركوع والسجود... 357

ما يستحب في السجدة الأخيرة من الصلاة... 358

فصل : في صلاة الغفيلة... 359 - 360

كيفية صلاة الغفيلة... 359

هل تحتسب الغفيلة من نافلة المغرب؟... 360

فصل : في صلاة أو الشهر... 361 - 362

كيفية صلاة أو الشهر... 361

جواز الإتيان بها في تمام اليوم... 362

فصل : في صلاة الوصية... 363

كيفية صلاة الوصية... 363

فصل : في صلاة يوم الغدير... 364 - 365

كيفية صلاة يوم الغدير... 364

فصل : في صلاة قضاء الحاجات وكشف المهمات... 366 - 367

كيفية صلاة قضاء الحاجة... 366

أقسام الصلوات المستحبة... 368

جواز إتيان الصلوات المستحبة جالسا وماشيا وراكبا اختيارا... 370

جواز إتيان نائما مستلقيا أو مضطجعا اختيارا... 371

جواز إتيان ركعة قائما وركعة جالسا... 372

احتساب كل ركعتين جالسا بركعة... 373

احتساب الصلاة جالسا الصلاة قائما في بعض الصور... 373

جواز الجلوس بأية كيفية شاء... 374

جواز التنفل جالسا لو نذر النافلة مطلقا... 374

انعقاد نذر التنفل جالسا... 375

النوافل كلها ركعتان إلا صلاتي الأعرابي والوتر... 375

الأحكام المختصة بالنوافل... 375

جواز العدول فيها من سورة إلى أخرى مطلقا... 376

عدم وجوب سجود السهو وقضاء السجدة والتشهد وصلاة الاحتياط... 376

جواز إتيانها في جوف الكعبة أو سطحها... 376

عدم مشروعية الجماعة فيها إلا صلاة الاستسقاء... 376

جواز قطعها اختيارا... 377

أفضلية إتيانها في البيت من المسجد... 377

فهرس الموضوعات... 381 - 398

الصورة

399-19