ghaemiyeh.com
سرشناسه : خوئی، سیدابوالقاسم، 1278 - 1371.
عنوان و نام پديدآور : المستند في شرحالعروةالوثقی/ [محمدکاظم یزدی]؛ تقریرا الابحاث ابوالقاسم الموسویالخوئی؛ تالیف مرتضی البروجردی.
مشخصات نشر : قم: موسسه احیاء آثارالامامالخوئی (قدس)، 14ق.= 20م.= 13.
مشخصات ظاهری : ج.
فروست : موسوعهالامامالخوئی.
شابک : ج.11، چاپ دوم: 964-6812-44-9 ؛ ج. 11، چاپ سوم: 964-6812-43-0 ؛ ج. 12، چاپ سوم: 964-6812-44-9 ؛ ج. 13، چاپ سوم: 964-6812-46-X ؛ ج. 14: 964-6812-50-3 ؛ ج. 15: 964-6812-53-8 ؛ ج. 16، چاپ سوم 964-6337-00-4 : ؛ ج. 17، چاپ سوم: 964-6337-04-7 ؛ ج. 18، چاپ سوم: 964-6337-03-9 ؛ ج. 19، چاپ سوم 964-6337-02-0 :
وضعیت فهرست نویسی : برون سپاری
يادداشت : عربی.
يادداشت : کتاب حاضر قبلا تحت عنوان "مستندالعروهالوثقی" به چاپ رسیده است.
يادداشت : فهرستنویسی بر اساس جلد یازدهم: 1421ق. = 2000م. = 1379.
يادداشت : ج.11( چاپ دوم: 1426ق.= 2005م.= 1384).
يادداشت : ج. 11 -18 (چاپ سوم : 1428ق. =2007م. = 1386).
يادداشت : ج.14 (چاپ سوم:1421ق.= 1379).
يادداشت : ج.30 (چاپ؟: 1422 ق. = 1380).
يادداشت : ج.30 (چاپ سوم: 1428ق. = 2007م. = 1386).
يادداشت : عنوان عطف: شرح عروهالوثقی.
یادداشت : کتابنامه.
مندرجات : ج.11 الصلاه.-ج.30. الاجاره.
عنوان عطف : شرح عروهالوثقی.
عنوان دیگر : العروهالوثقی. شرح.
عنوان دیگر : شرحالعروهالوثقی.
موضوع : یزدی، سیدمحمدکاظم بن عبدالعظیم، 1247؟ - 1338؟ ق . عروهالوثقی -- نقد و تفسیر
موضوع : فقه جعفری -- قرن 14
شناسه افزوده : یزدی، سیدمحمدکاظمبن عبدالعظیم، -1253 1338؟ق.
شناسه افزوده : بروجردی، مرتضی، 1377-1308.
شناسه افزوده : موسسه احیاء آثار الامام الخوئی (ره)
رده بندی کنگره : BP183/5/ی4ع4021377 1300 ی الف
رده بندی دیویی : 297/342
شماره کتابشناسی ملی : م79-21167
المحرّر الرّقمي: محمّد علي ملك محمّد
اطلاعات رکورد کتابشناسی : ركورد كامل
المؤلف: الشيخ مرتضى البروجردي
الناشر: مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي قدّس سرّه
الطبعة: 3
الموضوع : الفقه
تاريخ النشر : 1421 ه.ق
ISBN (ردمك): 469-6337-00-0
المكتبة الإسلامية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَی سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ
وَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَی أَعْدَائِهِم أَجْمَعِينَ
مِنَ الآنِ إِلَی قِيَامِ يَومِ الدِّينْ
الْمُسْتَنَدُ فِي شَرْحِ العُرْوَةِ الوُثْقَی
تقرير الإبحاث
الأستاذ الأعظم سماحة آية اللّه العظمی السيد أبوالقاسم الموسوي الخوئي قدس سره
«1317 - 1413 ه»
الصلاة
تأليف: سماحة آية اللّه الشهيد الشيخ مرتضی البروجردي قدس سره
مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي
جميع الحقوق محفوظة ومسجّلة لمؤسسة الخوئي الإسلامية
الجزء الثامن عشر
الناشر: مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي قدس سره
(مؤسسة الخوئي الإسلامية)
هاتف: 2932264 251 98+ - 1530367 912 98+
تاريخ الطبع: 1430 ه ، 2009 م
المطبعة: نينوي
الطبعة: الرابعة
عدد النسخ: 1000 دورة
4 - 00 - 6337 - 964 : ISBN
Email:info@alkhoei.net
www.alkhoei.com
www.alkhoei.net
بسم اللّه الرحمن الرحيم
الحمد اللّه رب العالمين وصلى اللّه على سيدنا محمد وآله الطاهرين الغرّ الميامين.
وهي واجبة (1) على الرجال والنساء (2) والخناثى ، وسببها أُمور :
الأوّل والثاني : كسوف الشمس وخسوف القمر (3).
(1) إجماعاً كما عن غير واحد ، بل لعلّه في الجملة من الضروريات ، مضافاً إلى النصوص المستفيضة كما ستعرف.
(2) لقاعدة الاشتراك ، مضافاً إلى إطلاق النصوص ومعاقد الإجماعات المؤيّدة برواية علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) قال : «سألته عن النساء هل على من عرف منهنّ صلاة النافلة وصلاة الليل والزوال والكسوف ما على الرجال؟ قال : نعم» (1)وإن كانت ضعيفة السند بعبد اللّه بن الحسن.
ومنه تعرف حكم الخنثى ، فإنّها إمّا رجل أو أُنثى ، فيجري فيها ما عرفت بل وكذا لو كانت طبيعة ثالثة ، لكونها مشمولة للإطلاقات على أيّ حال.
(3) بلا خلاف فيه ، بل إجماعاً ، وتقتضيه جملة من النصوص التي تضمّنت توصيفها بالفريضة كصحيحة جميل بن درّاج عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : «قال : وقت صلاة الكسوف إلى أن قال : وهي فريضة» (2)، ونحوها غيرها.
ولو بعضهما (1) وإن لم يحصل منهما خوف (2).
الثالث : الزلزلة ، وهي أيضاً سبب لها (3) مطلقاً وإن لم يحصل بها خوف على الأقوى.
ثمّ إنّ الكسوف يطلق على احتراق كلّ من النيّرين وإن كان استعماله في الشمس أكثر ، وأمّا الخسوف فيختصّ بالقمر. ومما تضمّن إطلاقه عليهما معاً صحيحة الفضيل بن يسار ومحمّد بن مسلم أنّهما قالا «قلنا لأبي جعفر (عليه السلام) : أيقضي صلاة الكسوف من إذا أصبح فعلم وإذا أمسى فعلم؟ قال : إن كان القرصان احترقا كلاهما قضيت ، وإن كان إنّما احترق بعضهما فليس عليك قضاؤه» (1)، ونحوها روايات كثيرة.
(1) بلا خلاف فيه لإطلاق النصوص ، مضافاً إلى صحيحة الفضيل ومحمّد ابن مسلم المتقدّمة المتضمّنة لنفي القضاء مع عدم احتراق القرص ، فإنّها تدلّ بوضوح على وجوب الأداء مطلقا.
(2) لإطلاق النصوص ومعاقد الإجماعات ، نعم قد يظهر من رواية الصدوق عن الفضل بن شاذان عن الرضا (عليه السلام) «قال : إنّما جعلت للكسوف صلاة لأنّه من آيات اللّه ، لا يدرى الرحمة ظهرت أم لعذاب ، فأحبّ النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) أن تفزع أُمّته إلى خالقها وراحمها عند ذلك ليصرف عنهم شرّها ويقيهم مكروهها ، كما صرف عن قوم يونس (عليه السلام) حين تضرّعوا إلى اللّه عزّ وجل ...» الحديث (2)أنّ حكمة التشريع هي الخوف. ولكنّها ليست بعلّة ليلزم الاطّراد ، على أنّها ضعيفة السند.
(3) إجماعاً كما عن غير واحد ، وإن استشعر الخلاف من إهمالها وعدم التعرض إليها في كلمات جمع من القدماء ، غير أنّه لم ينسب الخلاف إلى أحد صريحاً. وكيف ما كان ، فالمتّبع هو الدليل ، ويستدلّ له بوجوه :
.................................................................................................
أحدها : ما رواه الصدوق في الفقيه بإسناده عن سليمان الديلمي «أنّه سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الزلزلة ما هي؟ فقال : آية ثمّ ذكر سببها ، إلى أن قال قلت : فاذا كان ذلك فما أصنع؟ قال : صلّ صلاة الكسوف ...» الحديث وروى مثله في العلل بطريق آخر عن محمّد بن سليمان الديلمي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (1).
ولكن السند ضعيف في الطريقين ، لعدم ثبوت وثاقة سليمان ولا ابنه محمد بل قال النجاشي : إنّه غال كذاب ، وكذلك ابنه محمد ، لا يعمل بما انفردا به (2).
على أنّ في الطريق الثاني أحمد بن محمّد بن يحيى ، ولم تثبت وثاقته ، وكذا إبراهيم بن إسحاق. ودعوى الانجبار كما ترى.
ثانيهما : ما رواه الصدوق أيضاً بإسناده عن بريد بن معاوية ومحمّد بن مسلم عن أبي جعفر وأبي عبد اللّه (عليهما السلام) «قالا : إذا وقع الكسوف أو بعض هذه الآيات فصلّها ما لم تتخوّف أن يذهب وقت الفريضة ، فإن تخوّفت فابدأ بالفريضة واقطع ما كنت فيه من صلاة الكسوف ، فاذا فرغت من الفريضة فارجع إلى حيث كنت قطعت ، واحتسب بما مضى» (3)، فإنّ الزلزلة من أهمّ هذه الآيات ، والخوف الحاصل في موردها أعظم ، فيشملها قوله : «أو بعض هذه الآيات».
غير أنّ المحقّق الهمداني (قدس سره) ناقش في الدلالة ، نظراً إلى كونها مسوقة لبيان حكم آخر (4)وهو تقديم الفريضة عليها لدى المزاحمة.
1) الوسائل 7 : 486 / أبواب صلاة الكسوف والآيات ب 2 ح 3 ، الفقيه 1 : 343 / 1517 علل الشرائع : 556 / 7.
2) لاحظ معجم الأُستاذ 9 : 286 / 5481 ، 5536. لكنّ النجاشي (في رجاله : 182 / 482) نسبه إلى قائل مجهول ، ومثله لا يصلح لمعارضة التوثيق المستفاد من وقوعه في تفسير القمّي. اللّهم إلّا أنّ يكون قوله : لا يعمل بما انفردا به ، من كلام النجاشي نفسه ، فليلاحظ.
3) الوسائل 7 : 491 / أبواب صلاة الكسوف والآيات ب 5 ح 4 ، الفقيه 1 : 346 / 1530.
4) مصباح الفقيه (الصلاة) : 478 السطر 12.
.................................................................................................
ولكنّه كما ترى لا يكون مانعاً عن التمسّك بها ، غايته بعد تقييد الوجوب بعدم المزاحمة وأنّه معها يتمّ الفريضة ثم يبني ، فإنّ هذا التقييد لا يمنع عن شمول لفظ البعض لأظهر المصاديق وأبرزها كما عرفت.
نعم ، يرد على الاستدلال بها أولاً : جواز أن يكون المراد من البعض هي الآيات المعهودة بين الناس والمعلوم كونها كالكسوف موجبة للصلاة كالعواصف الشديدة والرياح المظلمة ونحوها من الأخاويف السماوية الواردة في صحيحة محمّد بن مسلم وزرارة الآتية ، فتكون تلك الصحيحة إشارة إلى هذه وكون الزلزلة عندهم مثلها غير معلوم.
وثانياً : أنّها غير نقية السند وإن عبّر عنها المحقّق الهمداني (1)كصاحب الجواهر (2)بالصحيحة ، فإنّ طريق الصدوق إلى بريد مجهول ، حيث لم يذكر في المشيخة. وطريقه إلى محمّد بن مسلم ضعيف ، فانّ فيه علي بن أحمد بن عبد اللّه ابن أحمد البرقي عن أبيه (3)وكلاهما مجهول.
ثالثها : التعليل الوارد في رواية الفضل بن شاذان المتقدّمة (4)بعد وضوح أنّ الخوف الحاصل من الزلزلة المجعول مناطاً لوجوب الصلاة في هذه الرواية أعظم من غيرها من سائر الآيات.
وفيه : مضافاً إلى أنّ الخوف المزبور حكمة للتشريع لا علّة للحكم ليلزم اطّرادها كما تقدّم أنّها ضعيفة السند ، لضعف طريق الصدوق إلى الفضل (5). فما في مصباح الفقيه من الحكم باعتبار السند (6)في غير محلّه.
الرابع : كلّ مخوّف سماوي (1)
رابعها : صحيحة الفضلاء عن كليهما أو أحدهما (عليهما السلام) «إنّ صلاة كسوف الشمس والقمر والرجفة والزلزلة عشر ركعات وأربع سجدات ، صلّاها رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) والناس خلفه في كسوف الشمس ، ففرغ حين فرغ وقد انجلى كسوفها» (1).
وفيه : أنّها بصدد بيان الكيفية وأنّها في جميعها عشر ركعات ، فلا تدلّ على الوجوب ، بل غايته المشروعية. ويشهد لذلك قوله (عليه السلام) بعد ذلك : «إنّ الصلاة في هذه الآيات كلّها سواء ، وأشدّها وأطولها كسوف الشمس ...» إلخ.
والمتحصّل ممّا تقدم : ضعف هذه الوجوه سنداً أو دلالة ، فلا يصحّ التعويل عليها ، نعم لو قلنا بما سيجيء من وجوب الصلاة لكلّ مخوّف سماوي أو أرضى ثبت الحكم في المقام بلا إشكال ، لكون الزلزلة من أبرزها وأعظمها ، ولكنّك ستعرف عدم ثبوت هذه الكليّة ، فلم يبق في البين إلا الإجماع المدعى في المقام وحيث إنّ في صحّة التعويل عليه بعد وضوح مدرك المسألة ما لا يخفى فالحكم إذن مبني على الاحتياط.
(1) على المشهور ، بل عن الخلاف دعوى الإجماع عليه (2). ويستدلّ له بصحيحة زرارة ومحمد بن مسلم قالا «قلنا لأبي جعفر (عليه السلام) : هذه الرياح والظلم التي تكون هل يصلّى لها؟ فقال : كلّ أخاويف السماء من ظلمة أو ريح أو فزع فصلّ له صلاة الكسوف حتّى يسكن» (3).
وربما يستشكل في دلالتها من وجهين :
.................................................................................................
أحدهما : أنّ السؤال لم يكن عن الوجوب بل عن المشروعية ، فيكون الجواب طبعاً منزّلاً عليها.
ويندفع : بأنّ المشروعية لدى الأخاويف السماوية أمر متعارف بينهم يعرفها عامة الناس ، فكيف يقع السؤال عنها سيما من الأجلاء والأعاظم نظراء زرارة ومحمّد بن مسلم الراويين لهذا الحديث. فلا جرم يكون السؤال عن الوجوب لا غير.
ثانيهما : أنّ قوله (عليه السلام) في الذيل : «حتى يسكن» آية الاستحباب لعدم وجوب إطالة الصلاة إلى سكون الآية وارتفاعها بضرورة الفقه.
ويندفع : بابتنائه على أن يكون ذلك قيداً في المأمور به ، وهو خلاف الظاهر بل في حيّز المنع ، وإنّما هو قيد للأمر أو غاية له ، ويكون المعنى على الأوّل أنّ الأمر بالصلاة باقٍ إلى زمان ارتفاع الآية وسكونها ، نظير قوله تعالى ( أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ ) (1)، وعلى الثاني أنّ الغاية من الأمر وفائدة الإتيان بهذه الصلاة سكون الآية وهدوءها ، نظير قول الطبيب : اشرب الدواء حتّى تعافى.
ويمكن الاستدلال أيضاً بصحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه «أنّه سأل الصادق (عليه السلام) عن الريح والظلمة تكون في السماء والكسوف ، فقال الصادق (عليه السلام) : صلاتهما سواء» (2)، فانّ ظاهر الجواب المساواة بين صلاة الكسوف وبين الصلاة لسائر الأخاويف السماوية في الوجوب وفي الكيفية ، لا في الثاني فقط كما لا يخفى.
وتؤيّد المطلوب رواية بريد ومحمد بن مسلم المتقدّمة ، حيث عرفت أنّ بعض الآيات الواردة فيها إشارة إلى الأخاويف السماوية المذكورة في صحيحة زرارة وابن مسلم الآنفة الذكر ، غير أنّها لأجل ضعف سندها لا تصلح إلّا
أو أرضى (1)(1) كالريح الأسود أو الأحمر أو الأصفر والظلمة الشديدة والصاعقة والصيحة والهدّة والنار التي تظهر في السماء والخسف
للتأييد.
(1) كما عن جماعة من الأصحاب ، ويستدلّ له تارة بالتعليل الوارد في خبر الفضل بن شاذان (2)وقد عرفت ما فيه.
وأُخرى : برواية بريد ومحمّد بن مسلم المتقدمة (3)بدعوى أنّ «بعض هذه الآيات» الواردة فيها تعمّ السماوية والأرضية.
وفيه : مضافاً إلى ما عرفت من ضعف السند أنّها ناظرة إلى الأخاويف السماوية خاصة كما تقدّم.
وثالثة : بصحيحة زرارة ومحمّد بن مسلم المتقدّمة (4)بدعوى شمول الأخاويف السماوية للأرضية ، نظراً إلى أنّ الإضافة لم تكن مكانية ، وإنّما هي نشوية ، باعتبار أنّ جميعها تنزل من السماء وتستند إلى الباري تعالى ، ولذا يعبّر عن الكلّ بالآفات الإلهية. فالأخاويف الأرضية وإن كان مكانها الأرض إلّا أنّ مصدرها السماء ، ومن ثمّ أُسندت إليها.
وفيه : ما لا يخفى ، لبعد هذا الاحتمال في حدّ نفسه ، ومع عدم البعد فهو مجرد احتمال لا يبلغ حدّ الظهور ليصحّ التعويل عليه ، ومن الجائز أن تكون الإضافة مكانية لا سببية.
إذن فلم ينهض دليل يعتمد عليه بالإضافة إلى الأخاويف الأرضية ، فالحكم فيها مبني على الاحتياط. نعم يتأكّد الاحتياط في خصوص الزلزلة
وغير ذلك من الآيات المخوّفة عند غالب الناس. ولا عبرة بغير المخوّف من هذه المذكورات (1) ، ولا بخوف النادر (2) ، ولا بانكساف أحد النيّرين ببعض الكواكب الذي لا يظهر إلا للأوحدي من الناس (3)
لمكان دعوى الإجماع وبعض الأخبار ، على إشكال فيهما قد تقّدم (1).
(1) لاختصاص الدليل إمّا بالمخوّف أو بما لا يعمّ غيره حسبما تقدّم ، فيرجع في غيره إلى الأصل.
(2) لانصراف النصوص عنه.
(3) فلا تجب الصلاة إلّا بحيلولة الأرض بين القمر والشمس كما في الخسوف ، أو حيلولة القمر بين الشمس والأرض كما في الكسوف ، ولا عبرة بسائر الكواكب ، لانصراف الأدلّة عنها ، هذا.
والتحقيق أن يقال : أمّا في الخسوف فالفرض المزبور لا واقع له ، إذ لا يوجد كوكب يكون أقرب إلى الأرض من القمر لتفرض حيلولته بينهما ، إلّا أنّه على فرض تحقّقه ولو على سبيل الإعجاز شملته النصوص ووجبت الصلاة ، إذ الموضوع خسوف القمر ، والذي يفهمه العرف من هذه الكلمة هو رؤية جرمه فاقداً للنور ، وأمّا أنّ العلّة في ذلك هل هي حيلولة الأرض بينه وبين الشمس أو شيء آخر فهو أمر لا يدركه عامّة الناس ، سيما من كان منهم في عصر صدور هذه الأخبار ، وإنّما هو شيء يختصّ به الفلكيّون وأرباب فن الهيئة. إذن فمتى صدق الخسوف وبأي سبب تحقّق وجبت الصلاة بمقتضى إطلاق الأدلّة.
وأمّا في الكسوف فلا مانع من فرض كوكب آخر غير القمر يحول بين الأرض والشمس كالزهرة وعطارد ، حيث إنّهما واقعتان بينهما ، فيمكن أن تحجبا نورها ويتشكّل من ذلك كسوف يراه بعض سكنة الأرض ممّن يقع في نقطة تقابل مركز الزهرة مثلاً المقابلة لنقطة مركز الشمس.
1) في ص 8 فما بعدها.
وكذا بانكساف بعض الكواكب ببعض (1) إذا لم يكن مخوفاً للغالب من الناس (2). وأمّا وقتها ففي الكسوفين هو من حين الأخذ إلى تمام الانجلاء على الأقوى ، فتجب المبادرة إليها بمعنى عدم التأخير إلى تمام الانجلاء ، وتكون أداء في الوقت المذكور (3).
إلّا أنّ مثل ذلك لا يستوجب الصلاة ، لعدم ظهوره إلّا للأوحدي من أصحاب المراصد الفلكية ، ولا تعرفه عامّة الناس ، لمكان صغر الكوكب الناشئ من بعده المفرط. ومن الواضح أنّ موضوع الحكم إنّما هو الكسوف المرئي لعامّة الناس بحيث تشاهده آحادهم العاديون ، نعم لو تحقّق ذلك بحيث أصبح مرئياً لهم ولو من طريق الإعجاز بحيث صدق عندهم الكسوف وجبت الصلاة كما عرفته في الخسوف.
(1) لخروجه عن منصرف النصوص.
(2) أمّا إذا كان مخوفاً وجبت الصلاة حينئذٍ ، لا لمكان الكسوف ، بل لما تقدّم (1)من وجوبها لعامة الأخاويف السماوية.
(3) لا شبهة في عدم وجوب الصلاة قبل حصول الكسوفين ، لعدم الأمر بها قبل حصول موجبه ، فلو صلّى ثمّ حصل لم يسقط عنه التكليف حتّى لو كان معتقداً ذلك وبان خلافه ، لأنّ سقوط المأمور به بغيره يحتاج إلى الدليل ولا دليل ، بل الحال كذلك حتّى لو دخل الوقت في الأثناء ، لاعتبار الوقت في تمام الأجزاء بالأسر.
والالتزام بالصحّة في الفرائض اليوميّة إنّما هو لأجل النص الذي لا ينبغي التعدّي عن مورده بعد كونه على خلاف القاعدة ، بل لا نلتزم به حتّى في مورده لضعفه حسبما تقدّم في محلّه (2).
وعلى الجملة : لا ينبغي التأمّل في أنّ صلاة الكسوفين من الفرائض الموقّتة
.................................................................................................
المحدودة بما بين الحدّين ، لا يجوز تقديمها على الوقت ، كما لا يجوز تأخيرها عنه على ما دلّت عليه صريحاً صحيحة جميل المتقدّمة المتضمّنة لبيان الوقت (1)وكذلك النصوص الإمرة بالقضاء لدى احتراق القرص حتّى مع الجهل (2)الكاشفة عن أنّ لهذه الصلاة أداءً وقضاءً المساوق للتوقيت بطبيعة الحال ، وهذا كلّه مما لا خلاف فيه ولا إشكال.
وإنّما الكلام في تحديد الوقت من ناحية المبدأ تارة والمنتهى اخرى ، فهنا جهتان :
الجهة الاولى : في التحديد من ناحية المبدأ ، ولا إشكال كما لا خلاف في أنّه الشروع في الانكساف أو الانخساف ، وتدلّ عليه جملة من الأخبار.
منها : صحيحة جميل المتقدّمة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال : وقت صلاة الكسوف في الساعة التي تنكسف عند طلوع الشمس وعند غروبها ...» الحديث (3).
ومنها : صحيحة أبي بصير قال : «انكسف القمر وأنا عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) في شهر رمضان فوثب وقال : إنّه كان يقال : إذا انكسف القمر والشمس فافزعوا إلى مساجدكم» (4).
فانّ الفزع إلى المساجد كناية عن الصلاة ، وقد أُمر بها بمجرد الانكساف.
ومنها : رواية بريد ومحمّد بن مسلم عن أبي جعفر وأبي عبد اللّه (عليهما السلام) «قالا : إذا وقع الكسوف أو بعض هذه الآيات فصلّها ...» إلخ (5). ولكنّك عرفت (6)أنّها ضعيفة السند ، فلا تصلح إلّا للتأييد. والعمدة ما عرفت
.................................................................................................
مضافاً إلى الإجماع.
الجهة الثانية : التحديد من ناحية المنتهي وأنّه هل هو الشروع في الانجلاء أو أنّه يمتد إلى تمام الانجلاء.
فالمنسوب إلى جلّ السلف ومعظمهم هو الأوّل ، ولكن أكثر المتأخّرين ذهبوا إلى الثاني ، بل لعلّه المشهور بينهم ، ويترتب على ذلك أنّ الصلاة الواقعة ما بين الحدّين قضاء على الأوّل وأداء على الثاني.
ويستدلّ للقول الثاني بجملة من الأخبار :
منها : ما تضمّن الأمر بتطويل الصلاة ، المستلزم لوقوع مقدار منها فيما بعد الشروع في الانجلاء كرواية عمّار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : «قال : إن صلّيت الكسوف إلى أن يذهب الكسوف عن الشمس والقمر وتطول في صلاتك فانّ ذلك أفضل ، وإذا أحببت أن تصلّي فتفرغ من صلاتك قبل أن يذهب الكسوف فهو جائز» الحديث (1)، فإنّه لو كان الوقت منتهياً بالشروع المزبور فكيف يؤمر بالتطويل المستلزم لتأخير الصلاة عن وقتها.
ومنها : صحيحة الرهط عن أحدهما (عليهما السلام) «... إلى أن قال قال : صلّى رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) والناس خلفه في كسوف الشمس ففرغ حين فرغ وقد انجلى كسوفها» (2)، فإنّها ظاهرة أيضاً في وقوع مقدار من الصلاة بعد الأخذ في الانجلاء ، فيكشف عن امتداد الوقت إلى تمام الانجلاء بعد وضوح عدم احتمال تأخير النبيّ (صلى اللّه عليه وآله وسلم) صلاة الفريضة عن وقتها ، هذا.
ولكن الظاهر عدم صحة الاستدلال بشيء من هاتين الروايتين ، إذ مضافاً إلى ضعف سند أُولاهما بعلي بن خالد أنّ محلّ الكلام جواز تأخير الشروع في الصلاة إلى ما بعد الشروع في الانجلاء ، ومورد الروايتين أنّ الشارع فيها من ذي
.................................................................................................
قبل يجوز أو يستحب له التطويل بحيث ينتهي عنها بعد الأخذ في الانجلاء ، ولا تلازم بين الأمرين ، لجواز التفصيل بين الشارع البادئ وبين المتلبّس ، فيلتزم بأنّ الأوّل لا يجوز له التأخير اختياراً عن زمان الشروع في الانجلاء ، وأمّا الثاني أعني من كان شارعاً فيها ومتلبّساً بها فتجوز له استدامة الصلاة وتأخير الفراغ عنها إلى ما بعد ذلك.
ودعوى عدم جواز تأخير الصلاة حتّى ببعض أجزائها عن وقتها المقرّر لها غير مسموعة ، إذ لا بشاعة في ذلك لو ساعده الدليل بعد وضوح عدم كونه حكماً عقلياً غير قابل للتخصيص ، بل من الأحكام التعبدية التي زمام أمرها بيد الشارع ، ومن الجائز أن يرخّص في بعض الموارد إيقاع بعض أجزاء المأمور به في خارج الوقت.
بل لا مناص من الالتزام بذلك في المقام حتّى على القول بامتداد الوقت إلى تمام الانجلاء ، لأنّ قوله (عليه السلام) في صحيحة الرهط : «ففرغ حين فرغ وقد انجلى كسوفها» كالصريح في وقوع مقدار من الصلاة بعد تمام الانجلاء ، كما أنّ قوله (عليه السلام) في ذيل رواية عمّار : «فتفرغ من صلاتك قبل أن يذهب الكسوف» يدلّ بوضوح على أنّ مورد التطويل المحكوم بالأفضلية هو إطالة الصلاة إلى ما بعد ذهاب الكسوف بكامله ، المستلزم طبعاً لوقوع مقدار منها خارج الوقت.
إذن فلا يكون في فعل النبيّ (صلى اللّه عليه وآله وسلم) ولا في الأمر بالتطويل دلالة على امتداد الوقت إلى تمام الانجلاء بالمعنى الذي هو محلّ الكلام في المقام ، بل غايته جواز تأخير الفراغ عن منتهى الوقت ، سواء أكان هو الشروع في الانجلاء أم تمامه ، ويكون ذلك تخصيصاً في دليل عدم جواز تأخير الصلاة عن وقتها.
ومنها : ما استدل به المحقّق الهمداني (قدس سره) (1)من رواية ابن أبي يعفور
1) مصباح الفقيه (الصلاة) : 479 السطر 29.
.................................................................................................
عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال : إذا انكسفت الشمس والقمر فانكسف كلّها فإنّه ينبغي للناس أن يفزعوا إلى إمام يصلّي بهم ، وأيّهما كسف بعضه فإنّه يجزي الرجل يصلّي وحده ...» الحديث (1).
بتقريب : أنّ جزئية الكسوف وكلّيته لا تعلم عادة إلّا عند انتهائه ، ولا سبيل إلى معرفته إلّا الاحتراق أو الأخذ بالانجلاء ، وعليه فلو تم الوقت بمجرّد الأخذ في الانجلاء الكاشف عن جزئية الكسوف لما جاز التأخير إليه عامداً مع أنّ ظاهر الرواية جوازه لتتّضح الجزئية أو الكلّية ، حتّى تترتّب عليهما ما تضمّنته من التفصيل بين الصلاة جماعة أو فرادى.
وما أفاده (قدس سره) متين جدّاً لولا الخدش في سند الرواية ، حيث إنّها ضعيفة بعلي بن يعقوب الهاشمي ، فإنّه لم يوثق.
ومنها : صحيحة معاوية بن عمّار قال «قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) في صلاة الكسوف : إذا فرغت قبل أن ينجلي فأعد» (2)، فإنّها ظاهرة في بقاء الوقت إلى تمام الانجلاء لتقع الإعادة في وقتها.
ويندفع : بأنّ استحباب الإعادة غير ملازم لبقاء الوقت ، فمن الجائز انقضاء وقت الواجب بالشروع في الانجلاء ومع ذلك تستحب الإعادة إلى تمام الانجلاء تضرعاً إلى الباري سبحانه ليرفع البلاء ، ولا غرو ، فانّ التفكيك في الأحكام التعبّدية بين الواجبات والمستحبات غير عزيز في الفقه.
والمتحصّل من جميع ما تقدم لحد الآن : عدم إمكان إثبات الامتداد وتوسعة الوقت إلى تمام الانجلاء من ناحية الروايات ، لقصورها سنداً أو دلالة على سبيل منع الخلو.
نعم ، يمكن إثباته بالأصل ، نظراً إلى أنّ تقيّد الواجب بالوقوع ما قبل الشروع في الانجلاء مشكوك فيه ، ومقتضى الأصل البراءة عنه.
.................................................................................................
لكن الذي يترتّب على هذا الأصل إنّما هو مجرّد جواز التأخير ، فيجوز لمن خوطب بالصلاة لدى الانكساف عدم الاستعجال وتأخيرها إلى ما بعد الشروع وقبل تمام الانجلاء ، لا إثبات توسعة الوقت بحيث إنّ من لم يكن مخاطباً آن ذاك لارتفاع القلم عنه لصغر أو جنون بل نوم أو غفلة ونحوها من الأعذار الرافعة للتكليف ثمّ ارتفع المانع بعد الشروع تجب الصلاة عليه ، فانّ التكليف قبل الشروع كان ساقطاً حسب الفرض ، وبعده يشكّ في تعلّقه للشكّ في سعة الوقت وضيقه ، وحيث إنّ الأصل المزبور لا ينهض لإثبات التوسعة كما سمعت فلا جرم كان المتّبع أصالة البراءة عن حدوث تكليف جديد.
نعم ، لا مانع من التمسك باستصحاب كلّي الوجوب لولا أنّه من الاستصحاب في الشبهات الحكمية ، ولا نقول به.
والتحقيق : عدم الحاجة إلى الاستصحاب ولا إلى أصالة البراءة ، بل لنا إثبات كلا الأثرين من جواز التأخير وإثبات التوسعة استناداً إلى إطلاقات النصوص ، حيث إنّ الموضوع فيها هو عنوان الكسوف والخسوف.
ومن الضروري صدقهما من لدن حدوث الآية إلى تمام الانجلاء ، من غير فرق بين ما قبل الشروع وما بعده ، فما دامت الآية باقية ولم تكن زائلة يصدق الكسوف أو الخسوف صدقاً حقيقياً من غير أيّة عناية ، لوحدة المناط في جميع الآنات.
فتجب الصلاة بمقتضى الإطلاقات ، بعد عدم نهوض ما يقتضي التقييد بما قبل الشروع في الانجلاء عدا ما قد يتوهّم من استفادته من صحيحة حماد بن عثمان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «ذكروا انكساف القمر وما يلقى الناس من شدته ، قال فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : إذا انجلى منه شيء فقد انجلى» (1).
بدعوى أنّ المستفاد منها ترتيب آثار الانجلاء التام بانجلاء البعض ، لأنّ
1) الوسائل 7 : 488 / أبواب صلاة الكسوف والآيات ب 4 ح 3.
والأحوط عدم التأخير عن الشروع في الانجلاء (1) وعدم نيّة الأداء والقضاء على فرض التأخير (2). وأمّا في الزلزلة وسائر الآيات المخوّفة فلا وقت لها (3).
ذلك هو مقتضى ما تضمّنته من الحكم بالانجلاء المطلق لدى انجلاء شيء منه فتكون هذه الصحيحة حاكمة على جميع نصوص الباب الظاهرة في استدامة الوقت إلى انتهاء الانجلاء حسبما عرفت.
ويندفع بعدم كونها ناظرة إلى بيان حكم شرعي ، بل هي متعرّضة لأمر تكويني ، إذ السؤال لمّا كان عن الشدة التي يلقاها الناس لدى الانكساف من خوف ونحوه أجاب (عليه السلام) بانتهاء أمد الشدة بمجرّد انجلاء البعض ، لأنّ ذلك أمارة على ارتفاع البلاء والعذاب ، نظير ما يقال في حقّ المريض من ارتفاع الخطر لدى الشروع في البرء ، وهذا المعنى لو لم يكن ظاهراً من الصحيحة فلا أقل من احتماله ، فتسقط عن صلاحية الاستدلال بها للتقييد المزبور.
فتحصّل : أنّ ما عليه المتأخّرون من امتداد الوقت إلى تمام الانجلاء هو الصواب.
(1) حذراً عن خلاف من عرفت.
(2) رعاية لكلا القولين في المسألة.
(3) أمّا في الزلزلة فبناء على عدم وجوب الصلاة لها لضعف مستنده كما سبق (1)فالبحث عن وقتها قليل الجدوى.
وأمّا بناءً على القول بالوجوب فالمشهور أنّه لا وقت لها ، لإطلاق الدليل وعمدته خبر سليمان الديلمي المتقدّم (2)حيث قد تعلّق الأمر فيه بالصلاة من
.................................................................................................
غير تعرّض للوقت. على أنّ في التوقيت بالزلزلة ما لا يخفى ، لعدم تجاوزه الثواني ، فلا تصلح لأن تكون ظرفاً للصلاة.
ولكن الظاهر دلالته على التوقيت لا بنفس الزلزلة ، بل بالزمان المجاور لها على سبيل الفورية العرفية ، بحيث تحسن الإضافة وتصدق الصلاة عند الزلزلة إذ الظاهر من قوله : «فاذا كان ذلك فما أصنع» هو السؤال عن الوظيفة الفعلية الثابتة في هذه الحالة ، فلا بدّ من المبادرة على نحو تصحّ إضافة الصلاة إلى الزلزلة. إذن فلا دليل على جواز التأخير عن هذا الوقت ليقتضي اتساعه مدى العمر ويكون أداءً كما عليه القوم إلّا الاستناد إلى الاستصحاب ، وستعرف ما فيه (1).
وأمّا سائر الآيات المخوفة فالمشهور بين القائلين بوجوب الصلاة لها اختصاص وقتها بحال وجود الآية ، وهو الصحيح ، للتقييد في مستند المسألة وهو صحيحة زرارة ومحمّد بن مسلم المتقدّمة (2)بقوله (عليه السلام) : «حتّى يسكن» الظاهر في ذلك ، لأنّه إمّا قيد في الواجب أو في الوجوب أو أنّه غاية للتشريع كما لعلّه الأقوى والكلّ يستوجب التوقيت كما لا يخفى.
ودعوى أنّ الغاية ملحوظة على سبيل الحكمة لا العلّة ليلزم فيها الاطّراد فلا مانع من بقاء الوجوب بعد السكون أيضاً.
يدفعها : أنّ ذلك إنّما يتّجه لو كان ثمّة دليل يقتضي بإطلاقه ثبوت الحكم بعد السكون أيضاً ، فيقال حينئذ إنّه لا يتقيّد بهذه الصحيحة لكونها من قبيل الحكمة لا العلّة ، نظير إطلاقات الأمر بغسل الجمعة حيث إنّها تشمل النظيف وإن علّل الحكم في بعض النصوص بالتنظيف ، لأنّه كما عرفت من قبيل الحكمة لا العلّة ليدور الحكم مدارها وجوداً وعدماً. وأمّا في المقام فحيث لم يوجد مثل هذا الإطلاق فلا دليل على ثبوت الحكم بعد السكون.
بل يجب المبادرة إلى الإتيان بها (1)بمجرد حصولها (1) وإن عصى فبعده إلى آخر العمر (2) وتكون أداء (3) مهما أتى بها إلى آخره.
(1) لظهور النصوص في ذلك انسباقاً أو انصرافاً حسبما عرفت.
(2) لما عرفت من ظهور مستند الحكم في كلا الموردين في التوقيت ومقتضاه وجوب القضاء مدى الحياة لو فات في الوقت ، بناء على ما سيجيء إن شاء اللّه تعالى في مبحث القضاء (2)من عدم اختصاصه بالفرائض اليوميّة وشمول مستنده لعامّة الفرائض التي منها صلاة الآيات.
(3) بل قضاء كما عرفت ، إذ ليس معناه إلّا الإتيان بالفعل خارج الوقت وهو كذلك بعد الإذعان بالتوقيت المزبور.
وأمّا التمسك لذلك بالاستصحاب ففيه بعد الغضّ عمّا هو الأصح من عدم جريانه في الشبهات الحكمية ، أنّ الأدلّة ظاهرة كما عرفت في التوقيت ومقتضاه مغايرة الوقت مع خارجه موضوعاً ، ومعه كان الانسحاب من إسراء حكم من موضوع إلى آخر لا من الاستصحاب ، لتقوّمه بوحدة الموضوع والمفروض تعدّده.
ولو بني على عدم التوقيت لم يكد يوجد دليل حينئذ على الفوريّة ولا على العصيان لو أخّر ، بل غايته البناء على أنّ الزلزلة مثلاً من الأسباب الموجبة للصلاة ، وأنّها لم تكن من الموقتات ، ومن ثمّ كانت أداء متى اتي بها.
وبالجملة : كيف التوفيق بين القول بالفوريّة وبين البناء على استدامة الوقت مدى الحياة والاتّصاف بالأداء متى اتي بها ، فإنّ الأدلّة إن دلّت على الفورية فهو مساوق للتوقيت الملازم للقضاء لدى التأخير ، وإلّا فما هو الموجب
وأمّا كيفيتها فهي ركعتان (1)
للالتزام بها. فما صنعه في المتن من الجمع بين الأمرين غير واضح.
وأشكل من ذلك الالتزام بوجوبه فوراً ففوراً ، فإنّه لا دليل عليه بوجه لانحصاره كما عرفت في خبر الديلمي (1)، ومدلوله إنّما هو التوقيت لا أصل الوجوب وكونه فوراً على سبيل تعدّد المطلوب ، فضلاً عن كونه فوراً ففوراً.
فالصحيح ما عرفت من دلالة النصّ على التوقيت ، الملازم لعدم جواز التأخير عن الوقت المقرّر له ، وأنّه لو أخّر وجب القضاء بدليل آخر فلاحظ.
(1) على المشهور والمعروف ، لكن المحكي عن مشهور القدماء التعبير بأنها عشر ركعات.
وتظهر الثمرة في الشكّ في الركعات ، فإنّها تبطل على الأوّل كما في سائر الثنائيات ، ولا ضير في الشكّ في عدد الركوعات مع حفظ الركعتين ، فإنّه يعتني إذا كان في المحلّ ولا يعتني إذا كان بعد التجاوز عنه كما هو الحال في سائر الأجزاء.
ولا تبطل على الثاني فيما إذا كان ضابطاً للأولتين ، بناءً على أنّ الشكّ فيما عدا فرض اللّه معدود من الشكوك الصحيحة يبني فيها على الأكثر ، وتمام الكلام في محلّه (2).
وكيف ما كان ، فيدلّ على المشهور بعض النصوص.
منها : معتبرة القدّاح الصريحة في ذلك «قال : انكسفت الشمس في زمان رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) فصلّى بالناس ركعتين» (3)، والمراد ب- (جعفر بن محمّد) الواقع في السند هو الأشعري الراوي لكتاب عبد اللّه بن ميمون القدّاح ، ولم يرد فيه توثيق خاص ، لكنّه من رجال كامل الزيارات.
في كلّ منهما خمسة ركوعات وسجدتان بعد الخامس من كل منهما ، فيكون المجموع عشرة ركوعات (1) وسجدتان بعد الخامس وسجدتان بعد العاشر.
ومنها : صحيحة الرهط حيث ذكر في ذيلها : «... ثمّ تقوم فتصنع مثل ما صنعت في الأُولى ...» إلخ (1)، فيظهر منها أنّ مجموع الركوعات الخمسة المتقدّمة تعدّ ركعة واحدة.
وتؤيّده النصوص المتضمّنة للاجتزاء بالحمد والسورة مرة واحدة في كلّ خمسة ركوعات ، مع وضوح أنّ لكلّ ركعة فاتحة.
ويؤيّده أيضاً ما في تلك النصوص من اختصاص التسميع بما بعد الركوع الخامس والعاشر (2)، فلو كانت عشر ركعات لتضمنت عشر تسميعات كما لا يخفى.
نعم ، قد تضمّن غير واحد من النصوص ومنها صدر صحيحة الرهط المتقدّمة التعبير بأنها عشر ركعات ، لكن المراد من الركعة بقرينة المقابلة مع السجدة هو خصوص الركوع لا الركعة المصطلحة المتضمنة للسجود ، فلا تنهض لمقاومة ما سبق.
ولعلّ ما في كلمات القدماء من التعبير بعشر ركعات إنّما هو لمتابعة النصوص المحمولة على ما عرفت ، فلا خلاف في المسألة. وكيف ما كان ، فلا ينبغي الترديد في أنّ المستفاد من النصوص أنّها ذات ركعتين لا غير.
(1) على المشهور ، بل ادّعي عليه الإجماع بل الضرورة ، وتشهد به النصوص الكثيرة كما لا يخفى ، إلّا أنّه قد يقال إنّها ثمانية ، وذلك لروايتين :
إحداهما : رواية أبي البختري عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «إن علياً (عليه السلام) صلّى في كسوف الشمس ركعتين في أربع سجدات وأربع ركوعات قام فقرأ ثم ركع ثمّ رفع رأسه ، ثمّ ركع ثمّ قام فدعا مثل ركعتين ، ثم سجد
وتفصيل ذلك بأن يكبّر للإحرام مقارناً للنية ، ثم يقرأ الحمد وسورة (1) ثم يركع ، ثم يرفع رأسه ويقرأ الحمد وسورة ثم يركع وهكذا حتى يتم خمساً فيسجد بعد الخامس سجدتين ، ثم يقوم للركعة الثانية فيقرأ الحمد وسورة ، ثم يركع وهكذا إلى العاشر ، فيسجد بعده سجدتين ثم يتشهّد ويسلّم.
سجدتين ، ثم قام ففعل مثل ما فعل في الاولى في قراءته وقيامه وركوعه وسجوده سواء» (1)
ثانيتهما : رواية يونس بن يعقوب قال «قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : انكسف القمر فخرج أبي (عليه السلام) وخرجت معه إلى المسجد الحرام فصلّى ثماني ركعات كما يصلّي ركعة وسجدتين» (2).
وكأنّ الشيخ حسب المعارضة بينهما وبين ما سبق ، فمن ثمّ حملهما على التقيّة لموافقتهما لمذهب بعض العامّة (3).
وليس كذلك ، لوجود الجمع الدلالي بالحمل على التخيير بين الأقلّ والأكثر إن أمكن ، وإلّا فبالحمل على الأفضلية ، لصراحة هذه في الاجتزاء بالثمانية وظهور تلك في وجوب العشرة ، فترفع اليد عن الظاهر بالنص ويحمل على الاستحباب. فالحمل المزبور ضعيف ، بل مقتضى الصناعة ما عرفت.
وأضعف منه ما احتمله صاحب الوسائل من أنّ تلك صلاة أُخرى غير صلاة الكسوف صلّاها بعدها لاتساع الوقت ، فإنّه كما ترى.
والذي يهوّن الخطب أنّهما ضعيفتا السند ، فإنّ أبا البختري في غاية الضعف بل قيل : إنّه أكذب البرية ، وفي طريق الثانية محسن بن أحمد ولم يوثّق ، فتصبح الطائفة السابقة سليمة عن المعارض.
(1) بلا خلاف ولا إشكال ، وقد دلّت على هذه الكيفية على النهج المذكور
ولا فرق بين اتحاد السورة في الجميع أو تغايرها (1).
ويجوز تفريق سورة واحدة على الركوعات (2)
في المتن صحيحة الرهط (1). وما قد يتراءى من بعض النصوص كخبر أبي بصير (2)من عدم الحاجة إلى الفاتحة فهو مضافاً إلى ضعف السند مطروح أو مؤوّل.
(1) لإطلاق النصوص من صحيحة الرهط وغيرها ، أجل قد يتخيّل اعتبار المغايرة ممّا ورد في ذيل هذه الصحيحة من قوله (عليه السلام) : «... فإن قرأ خمس سور فمع كل سورة أُم الكتاب ...» إلخ بدعوى ظهور «خمس سور» في الاختلاف لا في الإتيان بسورة واحدة خمس مرّات ، وكذا من توصيف السورة بالأُخرى في صحيحة علي بن جعفر (3).
ويندفع : بأنّ المراد تكرار الشخص في قبال تبعيضه ، لا التكرّر بحسب النوع فيتّجه في هذا الصدد ذكر العدد كالتوصيف المزبور ، سواء اتحدت نوعاً أم تعدّدت كما لا يخفى.
ويعضده ما في صحيحة زرارة ومحمّد بن مسلم من قوله : «... قال : وكان يستحبّ أن يقرأ فيها بالكهف والحجر ...» إلخ (4)، فانّ الاقتصار على هاتين السورتين خير دليل على عدم اعتبار المغايرة ، لصدق العمل بالمستحبّ لو اقتصر عليهما في تمام الركعتين ، فلو كانت المغايرة معتبرة لكان ينبغي الإيعاز إلى تمام السور الخمس.
(2) بلا خلاف فيه ولا إشكال ، وقد نطقت به الأخبار ، ففي صحيح الرهط «... قلت : وإن هو قرأ سورة واحدة في الخمس ركعات يفرقها (ففرقها) بينها؟
فيقرأ في القيام الأوّل من الركعة الأُولى الفاتحة ثم يقرأ بعدها آية من سورة أو أقل أو أكثر (1) ، ثم يركع ويرفع رأسه ويقرأ بعضاً آخر من تلك السورة ويركع ثم يرفع رأسه ويقرأ بعضاً آخر وهكذا إلى الخامس حتى يتم سورة ، ثم يركع ثم يسجد بعده سجدتين ، ثم يقوم إلى الركعة الثانية فيقرأ في القيام الأوّل الفاتحة وبعض السورة ، ثم يركع ويقوم ويصنع كما صنع في الركعة الاولى إلى العاشر ، فيسجد بعده سجدتين ويتشهّد ويسلّم ، فيكون في كلّ ركعة الفاتحة مرّة وسورة تامة مفرّقة على الركوعات الخمسة مرّة (2).
قال : أجزأه أُمّ القرآن في أوّل مرّة ، فإن قرأ خمس سور فمع كلّ سورة أُمّ الكتاب ...» إلخ (1)، ونحوها صحيح زرارة ومحمّد بن مسلم وصحيح الحلبي (2).
(1) للإطلاق في نصوص التفريق. وما يتراءى من ظهور بعضها في النصف لا بدّ من رفع اليد عنه بصراحة مثل صحيح الرهط في جواز تفريق سورة واحدة على الركوعات الخمسة.
(2) وهل يعتبر الترتيب في التفريق ، أو يجوز التفريق معكوساً كأن يشرع من النصف الأخير ثمّ يأتي بالنصف الأوّل ، وكذلك التثليث والتربيع والتخميس؟
استظهر الثاني شيخنا الأنصاري (قدس سره) (3)، نظراً لإطلاق النصف في صحيحة الحلبي قال (عليه السلام) «... وإن شئت قرأت نصف سورة في كل ركعة» (4)
ولكنّه كما ترى ، لعدم انعقاد الإطلاق لها من هذه الجهة بعد أن لم تكن
ويجب إتمام سورة في كلّ ركعة (1) ، وإن زاد عليها فلا بأس (2).
بصدد البيان إلّا من ناحية التنصيف وتجويز التفريق ولو في الجملة ، في مقابل الإتيان بسورة كاملة. فلا موجب لرفع اليد عمّا هو المنسبق من ظواهر سائر النصوص كصحيحة الرهط وغيرها من التوزيع على النهج المتداول المتعارف من مراعاة الترتيب ، حيث إنّ المعكوس منه يحتاج إلى مئونة زائدة لا يصار إليها من غير دليل ، بل الانسباق المزبور دليل العدم كما لا يخفى.
(1) على المشهور ، وتشهد له صحيحة الرهط ، حيث حكم فيها بالإجزاء عن تكرار الفاتحة والسورة في كلّ ركوع بتوزيع سورة واحدة على الركوعات الخمسة مع قراءة الفاتحة مرّة ، فالاجتزاء بتوزيعها على الأكثر الملازم لعدم إتمام السورة في كل ركعة لا دليل عليه.
وبعبارة اخرى : ظاهر صدرها تعيّن الفاتحة وسورة كاملة لكلّ ركوع ، وقد تضمّن ذيلها الاجتزاء عن ذلك بسورة واحدة موزّعة على الخمسة ، وأمّا التوزيع على الأكثر منها فيحتاج إلى الدليل ولا دليل. وقد عرفت أنّ صحيحة الحلبي لم تكن إلّا بصدد مشروعية النصف في الجملة ، فلا إطلاق لها لتشمل الأنصاف العديدة من السور المتعددة.
(2) على المشهور ، فيجوز تقسيم سورة على ثلاثة ركوعات مثلاً وسورة اخرى على ركوعين مع تكرار الحمد حينئذ.
ويظهر من الشهيد في الذكرى منعه حيث قال : يحتمل أن ينحصر المجزي في سورة واحدة أو خمس ، لأنها إن كانت ركعة وجبت الواحدة ، وإن كانت خمساً فالخمس ، وليس بين ذلك واسطة (1).
ولكن الصحيح ما عليه المشهور ، بل لا ينبغي التردّد فيه ، لدلالة النصوص عليه صريحاً ، ففي صحيحة الحلبي : «وإن شئت قرأت نصف سورة في كلّ
1) الذكرى 4 : 210.
والأحوط الأقوى وجوب القراءة عليه من حيث قطع (1)
ركعة ... إلى أن قال : وإن قرأت نصف سورة أجزأك أن لا تقرأ فاتحة الكتاب إلّا في أوّل ركعة حتى تستأنف أُخرى» (1).
وفي صحيح علي بن جعفر : «وإن قرأت سورة في الركعتين أو ثلاث فلا تقرأ بفاتحة الكتاب ...» إلخ (2). إذن فمقالة الشهيد اتجاه هاتين الصحيحتين تشبه الاجتهاد في مقابل النص.
(1) فلا يجوز له رفض السورة الناقصة والشروع في سورة أُخرى ، وقد دلّت عليه صريحاً صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم قال (عليه السلام) فيها : «فان نقصت من السورة شيئاً فاقرأ من حيث نقصت ، ولا تقرأ فاتحة الكتاب» (3).
ونسب إلى الشهيدين جواز ذلك (4)استناداً إلى روايتين :
إحداهما : رواية أبي بصير «يقرأ في كل ركعة مثل يس والنور إلى أن قال قلت : فمن لم يحسن يس وأشباهها؟ قال : فليقرأ ستّين آية في كلّ ركعة ...» (5)فانّ مقتضى إطلاق الستين عدم الفرق بين كون الآيات من سورة واحدة أو سؤر عديدة.
ويردّه : مضافاً إلى ضعف السند بعلي بن أبي حمزة البطائني ، لزوم تقييد الإطلاق بالصحيحة المتقدّمة ، عملاً بصناعة الإطلاق والتقييد.
ثانيتهما : الأخذ بإطلاق النصف في صحيحة الحلبي المتقدّمة آنفاً.
كما أنّ الأحوط والأقوى عدم مشروعية الفاتحة حينئذ (1)
وفيه : مضافاً إلى ما عرفت من عدم انعقاد الإطلاق لعدم كونها بصدد البيان إلّا من حيث مشروعية التبعيض ، أنّ الإطلاق قابل للتقييد بما عرفت.
ومنه تعرف ضعف ما عن المبسوط من التخيير بين الأمرين (1).
(1) للنهي عن قراءة الفاتحة قبل استكمال السورة في صحيحة زرارة ومحمّد ابن مسلم المتقدّمة ، وكذا في صحيحة علي بن جعفر (2)، وهذا ما ذهب إليه الأكثر.
وناقش فيه شيخنا الأنصاري (قدس سره) (3)نظراً إلى أنّ النهي في أمثال هذه الموارد مسوق لدفع توهّم الأمر ، حيث إنّ الواجب أوّلاً الإتيان بخمس فواتح مع خمس سور حسبما نطق به صدر صحيحة الرهط ، فالتجويز في تفريق السورة الواحدة لمّا كان مظنة الأمر بالفاتحة لكلّ ركوع فلا جرم كان النهي لدفع هذا التوهّم ، فلا يستفاد منه عدم الجواز.
ويعضده التعبير بالإجزاء في هذه الصحيحة وفي صحيحة الحلبي ، حيث إنّ مقتضاه الفراغ عن الجواز وأصل المشروعية ، بيد أنّه يجزي عن الكلّ فاتحة واحدة قبل الركوعات.
ويندفع : بأنّ النهي وإن كان لدفع توهّم الأمر كما أُفيد إلّا أنّ ذلك يكفي في عدم المشروعية ، لتوقّفها على ثبوت الأمر وإلّا كان تشريعاً محرّماً والمفروض عدمه ، ومن البيّن أنّ التعبير بالإجزاء لا يكشف عن ثبوته ، لكونه في مقابل وجوب تكرار الفاتحة لا جوازه ومشروعيته. فلا وجوب مع التوزيع ، وهو أعم من المشروعية كما لا يخفى.
إلّا إذا أكمل السورة ، فإنّه لو أكملها وجب عليه في القيام بعد الركوع قراءة الفاتحة (1) ، وهكذا كلّما ركع عن تمام سورة وجبت الفاتحة في القيام بعده بخلاف ما إذا لم يركع عن تمام سورة بل ركع عن بعضها فإنّه يقرأ من حيث قطع ، ولا يعيد الحمد كما عرفت.
(1) على المشهور ، بل عن غير واحد دعوى الإجماع عليه ، خلافاً لابن إدريس حيث اكتفى بالفاتحة المأتي بها أوّلاً سواء أتمّ السورة أم لا ، نظراً إلى أنّ مجموع الركعات الخمس تعدّ ركعة واحدة كما تقدّم ، والركعة الواحدة لا تستوجب إلّا فاتحة واحدة ، من غير فرق بين إتمام السورة وعدمه (1).
وفيه : أنّ النصوص من صحيحتي الرهط وعلي بن جعفر وغيرهما صريحة الدلالة من غير معارض في لزوم تكرير الفاتحة لدى تتميم السورة. فما أُفيد يشبه الاجتهاد في مقابل النصّ.
وعن الشهيد في الذكرى أنّ لابن إدريس أن يستدلّ برواية عبد اللّه بن سنان عن الصادق (عليه السلام) «قال : انكسفت الشمس على عهد رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) فصلّى ركعتين قام في الأُولى فقرأ سورة ، ثم ركع فأطال الركوع ، ثم رفع رأسه فقرأ سورة ، ثم ركع فأطال الركوع ، ثم رفع رأسه فقرأ سورة ، ثم ركع فأطال الركوع ، ثم رفع رأسه فقرأ سورة ثم ركع ، فعل ذلك خمس مرات قبل أن يسجد ، ثم سجد سجدتين ، ثم قام في الثانية ففعل مثل ذلك ، فكان له عشر ركعات وأربع سجدات (2)» ، حيث لم يذكر الفاتحة في شيء من الركوعات مع ظهورها في إكمال السورة عقيب كلّ ركوع ، فانّ مقتضى الجمع بينها وبين سائر الروايات حملها على استحباب الفاتحة مع الإكمال.
ثم أجاب بعدم كونها بصدد ذكر الحمد ، للقطع به من سائر الأخبار ، ومن
نعم لو ركع الركوع الخامس عن بعض سورة (1) فسجد فالأقوى وجوب الحمد بعد القيام للركعة الثانية ثم القراءة من حيث قطع (2).
ثمّ لم تتعرّض له حتّى فيما قبل الركوع الأوّل مع كون وجوبه حينئذ مقطوعاً به من غير نكير.
وقد استجوده صاحب الحدائق (1). وهو في محلّه ، مضافاً إلى ضعف الرواية للإرسال ، ولم تذكر في شيء من كتب الأخبار لا الوسائل ولا الوافي ولا البحار كما نبّه عليه المحدّث المزبور.
(1) بناءً على جوازه كما هو المشهور ، بل لم ينسب الخلاف إلّا إلى الشهيد في الألفية حيث حكم بلزوم تتميم السورة في الركوع الخامس والعاشر (2). ولعلّه لأجل أنّ ذلك هو المنسبق من نصوص التفريق ، فانّ المستفاد من صحيحة الرهط وغيرها أنّ اللازم إمّا الإتيان بسورة كاملة لكل ركوع أو توزيعها بتمامها ، وأمّا توزيع بعضها فهو خارج عن منصرفها.
ويندفع : بأنّ إطلاقها غير قاصر الشمول لمثل ذلك ، سيما صحيحة الحلبي القاضية بالاجتزاء بنصف السورة لكل ركوع ، فإنّها صريحة في جواز التبعيض وعدم التكميل ، ضرورة أنّ تخصيص كلّ ركوع بالنصف يستلزم النقصان في الركوع الخامس بالوجدان وكذلك العاشر.
(2) أمّا التتميم من محلّ القطع فيقتضيه الإطلاق في صحيحة زرارة ومحمّد ابن مسلم : «فأن نقصت من السور شيئاً فاقرأ من حيث نقصت» (3).
وأمّا وجوب الحمد قبل ذلك فقد استقربه العلامة في التذكرة ، نظراً إلى أنّه قيام من سجود فوجبت فيه الفاتحة ، وإن احتمل العدم أيضاً ضعيفاً (4). ولكن
وفي صورة التفريق يجوز قراءة أزيد من سورة في كلّ ركعة (1) مع إعادة الفاتحة بعد إتمام السورة في القيام اللاحق (2).
[1753] مسألة 1 : لكيفية صلاة الآيات كما استفيد ممّا ذكرنا صور (3) :
الاولى : أن يقرأ في كلّ قيام قبل كلّ ركوع بفاتحة الكتاب وسورة تامة في كلّ من الركعتين ، فيكون كلّ من الفاتحة والسورة عشر مرات ، ويسجد بعد الركوع الخامس والعاشر سجدتين.
صاحب الحدائق رجّح ما استضعفه ، لمكان النهي عن الفاتحة قبل استكمال السورة في الصحيحة المزبورة وغيرها ، حيث إنّها بعمومها شاملة لموضوع المسألة (1)، هذا.
والأظهر : ما استقربه العلامة ، لأنّ مغروسية لزوم الفاتحة في أوّل كلّ ركعة في أذهان المتشرّعة ككون هذه الصلاة ذات ركعتين تستوجب انصراف تلك الصحيحة وغيرها إلى الركوعات المتّصلة المجتمعة في ركعة واحدة ، ولا تعمّ مثل المقام ممّا يؤخّر بعض السورة عن الركعة السابقة إلى اللاحقة ، بل اللازم حينئذ البدأة بالفاتحة كما لا يخفى ، هذا أوّلاً.
وثانياً : مع الغضّ عن ذلك وتسليم منع الانصراف فيكفينا الإطلاق في صحيحة الحلبي قال (عليه السلام) فيها : «... وإن قرأت نصف سورة أجزأك أن لا تقرأ فاتحة الكتاب إلّا في أوّل ركعة حتّى تستأنف أُخرى ...» إلخ (2)، فإنّ قوله : «أوّل ركعة» مطلق يشمل كلا من الركعتين.
(1) لإطلاق نصوص التفريق.
(2) لقوله (عليه السلام) في صحيحة الحلبي المتقدّمة آنفاً : «... حتّى تستأنف أُخرى».
(3) أُصول هذه الصور ثلاثة : التكرار في الكلّ ، والتفريق كذلك ، والجمع
الثانية : أن يفرّق سورة واحدة على الركوعات الخمسة في كلّ من الركعتين ، فيكون الفاتحة مرّتين : مرّة في القيام الأوّل من الركعة الأُولى ، ومرّة في القيام الأوّل من الثانية ، والسورة أيضاً مرتان.
الثالثة : أن يأتي بالركعة الأُولى كما في الصورة الأُولى ، وبالركعة الثانية كما في الصورة الثانية.
الرابعة : عكس هذه الصورة.
الخامسة : أن يأتي في كلّ من الركعتين بأزيد من سورة ، فيجمع بين إتمام السورة في بعض القيامات وتفريقها في البعض ، فيكون الفاتحة في كلّ ركعة أزيد من مرّة ، حيث إنّه إذا أتمّ السورة وجب في القيام اللاحق قراءتها.
السادسة : أن يأتي بالركعة الأُولى كما في الصورة الأُولى وبالثانية كما في الخامسة.
السابعة : عكس ذلك.
الثامنة : أن يأتي بالركعة الأُولى كما في الصورة الثانية وبالثانية كما في الخامسة.
التاسعة : عكس ذلك. والأولى اختيار الصورة الأُولى.
[1754] مسألة 2 : يعتبر في هذه الصلاة ما يعتبر في اليومية من الأجزاء والشرائط والأذكار الواجبة والمندوبة (1).
بين الأمرين ، وحيث إنّها جارية في كل من الركعتين فلا جرم تبلغ الصور تسعاً نتيجة ضرب الثلاث من الركعة الاولى في الثلاث من الركعة الثانية ، تتّفق كيفية الركعتين في ثلاث منها وتختلف في ست. ولمزيد التوضيح يلاحظ التفصيل في المتن ، وقد ظهرت مداركها ممّا سبق ولا نعيد.
(1) للإطلاق في أدلّة الأجزاء والشرائط والموانع ، وكذا الأذكار الواجبة
[1755] مسألة 3 : يستحب في كلّ قيام ثان بعد القراءة قبل الركوع قنوت (1) فيكون في مجموع الركعتين خمس قنوتات ، ويجوز الاجتزاء بقنوتين أحدهما قبل الركوع الخامس والثاني قبل العاشر ، ويجوز الاقتصار على الأخير منهما.
والمندوبة ، فانّ مثل قوله (عليه السلام) : «لا صلاة إلّا إلى القبلة» (1)أو بطهور (2)وما دلّ على المنع عن الصلاة فيما لا يؤكل (3)وغير ذلك من سائر الأدلّة ظاهر في اعتبار هذه الأُمور في طبيعي الصلاة بما هي صلاة ، الشاملة لليومية والآيات وغيرهما.
ولو فرض في مورد عدم الإطلاق كما لو كان السؤال عن صلاة الغداة أو الظهر مثلاً فيكفينا في التعدّي إلى المقام الإطلاق المقامي ، فانّ السكوت في مقام البيان يقتضي بحسب المتفاهم العرفي الاتّكال في بيان الخصوصيات على ما هو مذكور في اليومية إلّا ما خرج بالدليل كتعدد الركوعات في هذه الصلاة ، فعدم البيان كاشف عرفاً عن الاتحاد في جميع الخصوصيات ، وأنّها مترتّبة على اليومية بما أنّها صلاة لا بما أنّها صلاة خاصة.
ومن هنا نبّهوا (عليهم السلام) على عدم اعتبار الطهارة في صلاة الأموات وأنّها من خصوصيات الصلاة المشتملة على الركوع والسجود غير المنطبقة عليها. فلو لم تكن تلك الأُمور معتبرة في صلاة الآيات كان عليهم البيان كما بيّنوا في صلاة الأموات.
(1) كما تدلّ عليه جملة من النصوص كصحاح زرارة والرهط والحلبي المتقدّمات (4). وأمّا الاجتزاء بقنوتين أحدهما قبل الركوع الخامس والثاني قبل
[1756] مسألة 4 : يستحب أن يكبّر عند كلّ هوي للركوع وكلّ رفع منه (1).
العاشر فمستنده مرسلة الصدوق (1)التي لا اعتبار بها. وأمّا الاقتصار على الأخير منهما فلم ترد به ولا رواية ضعيفة.
وربما يعلّل باستفادته ممّا دلّ على كون هذه الصلاة ركعتين بضميمة ما دلّ على اتحاد القنوت في الركعتين. وفيه ما لا يخفى ، فانّ مورد نصوص الاتحاد الصلوات المتعارفة المشتمل كلّ ركعة منها على ركوع واحد ، وأمّا مع تعدّد الركوع المأمور به فلا تتضمّن تلك النصوص تعيين مورد القنوت وأنّه قبل أي ركوع منها. فالتخصيص بما قبل الأخير بلا مخصص ، هذا.
ومع ذلك فالأقوى جواز الاقتصار على قنوت واحد حيثما شاء ، سواء أكان قبل الركوع الثاني أو الرابع أو السادس أو الثامن أو العاشر ، لورود الأمر بكلّ ذلك في صحيح الرهط المتقدّم (2)الظاهر في الانحلال والاستغراق وأنّ هناك أوامر عديدة مستقلة لا ربط لأحدها بالآخر ، له الاجتزاء بأيّ منها شاء وإن كان الجمع بينها أفضل.
نعم ، الأمر الوارد في صحيح زرارة : «وتقنت في كلّ ركعتين قبل الركوع» (3)لا يخلو عن نوع من الإجمال ، لاحتمال الارتباط وأنّ هناك أمراً واحداً متعلّقاً بالمجموع ، كما يحتمل الاستقلال والانحلال أيضاً ، إلّا أنّ صحيح الرهط صريح في ذلك كما عرفت.
(1) لورود الأمر به في صحيح زرارة ومحمد بن مسلم ، كورود الأمر بالتسميع فيه وفي صحيح الحلبي بعد الرفع من الركوع الخامس والعاشر فلاحظ.
[1757] مسألة 5 : يستحب أن يقول : «سمع اللّه لمن حمده» بعد الرفع من الركوع الخامس والعاشر.
[1758] مسألة 6 : هذه الصلاة حيث إنّها ركعتان (1) حكمها حكم الصلاة الثنائية في البطلان إذا شك في الأُولى أو الثانية (2) وإن اشتملت على خمس ركوعات في كلّ ركعة ، نعم إذا شك في عدد الركوعات كان حكمها حكم أجزاء اليومية (3) في أنّه يبني على الأقل إن لم يتجاوز المحل
وهل هذا الأمر استحبابي أو وجوبي؟ لم يظهر من شيء من الروايات ما يدلّ على جواز الترك ، ومن هنا قد يتمسّك بالإجماع في نفي الوجوب ، إذ لا قائل به ، لكن الظاهر عدم الحاجة إلى الإجماع في نفيه ، لقصور المقتضي في حدّ نفسه ، فانّ المتفاهم عرفاً من الأمر المتعلّق بالتكبير والتسميع وكذا القنوت في هذه الصلاة أنّه على حذو الأمر المتعلّق بهذه الأُمور في الصلاة اليوميّة ، وأنّ كيفيّة الاعتبار فيهما على حدّ سواء ، لما عرفت في المسألة السابقة من أنّ ذلك هو مقتضى الإطلاق المقامي والسكوت في مقام البيان ، وحيث إنّ تلك الأوامر استحبابيّة في اليوميّة فكذا في المقام.
(1) كما تقدّم (1)استفادته من النصوص.
(2) لإطلاق ما دلّ على مبطلية الشك في الثنائيّة كمبطليّته في الأوّلتين من الرباعية ، وأنّهما فرض اللّه لا سهو فيهما (2)أي لا شكّ. وهل الظنّ هنا حجّة أم أنّه ملحق بالشكّ؟ الأقوى حجّيته كما سيأتي الكلام عنه مفصّلاً في بحث الخلل إن شاء اللّه تعالى (3).
(3) من البناء على الأقل مع بقاء المحلّ كما لو كان في حال القيام ، عملاً
وعلى الإتيان إن تجاوز ، ولا تبطل صلاته بالشك فيها ، نعم لو شك في أنّه الخامس فيكون آخر الركعة الأُولى أو السادس فيكون أوّل الثانية بطلت من حيث رجوعه إلى الشك في الركعات.
[1759] مسألة 7 : الركوعات في هذه الصلاة أركان تبطل بزيادتها ونقصها عمداً وسهواً كاليومية (1).
بالاستصحاب وقاعدة الشكّ قبل تجاوز المحلّ المنصوصة في الأخبار (1)، وعدم الاعتناء مع التجاوز كما لو كان بعد الدخول في السجود ، لقاعدة التجاوز.
وهل الدخول فيما يسمّى بالجزء الاستحبابي كالقنوت مورد لقاعدة التجاوز أم لا؟ الظاهر الثاني ، لعدم تعقّل الجمع بين الجزئية والاستحباب ، فهو عمل خارجي ظرفه الصلاة ، فالدخول فيه لا يحقّق الدخول في الغير كي يقتضي تجاوز المحلّ. وسيأتي تفصيل الكلام حول ذلك في مبحث الخلل إن شاء اللّه تعالى (2).
هذا كله فيما إذا لم يستوجب الشك في الركوع الشك في الركعة ، وأمّا لو أوجبه كما تردّد الركوع بين الخامس والسادس فهو موجب للبطلان ، لأوْلِه إلى الشك بين الاولى والثانية الذي مرّ حكمه.
(1) أمّا البطلان في فرض النقص فظاهر ، لانتفاء المركّب بانتفاء أحد أجزائه ، ولا دليل على الاجتزاء بالناقص عن التامّ في المقام ، بل الدليل قائم على العدم وهو عقد الاستثناء في حديث لا تعاد (3)، بلا فرق في ذلك بين صورتي العمد والسهو.
وأمّا البطلان في فرض الزيادة فكذلك ، للحديث المزبور بناء على ما هو الصحيح من شموله لمطلق الإخلال ، سواء أكان من ناحية النقص أم الزيادة
[1760] مسألة 8 : إذا أدرك من وقت الكسوفين ركعة فقد أدرك الوقت (1) والصلاة أداء ، بل وكذلك إذا لم يسع (1)وقتهما إلّا بقدر الركعة ، بل وكذا إذا قصر عن أداء الركعة أيضاً.
فإنّها وإن لم تتصوّر في بعض الفقرات لكنّه غير مانع عن التمسك بالإطلاق كما بيّن في محلّه (2).
ولعموم ما دلّ على وجوب الإعادة بزيادة الركوع كصحيحة منصور عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «سألته عن رجل صلّى فذكر أنّه زاد سجدة قال : لا يعيد صلاة من سجدة ، ويعيدها من ركعة» (3)بناء على إرادة الركوع من الركعة بقرينة المقابلة مع السجدة.
هذا في الزيادة السهوية ، وأمّا العمدية فيدلّ عليه مضافاً إلى الأولوية القطعيّة ما ورد من النهي عن قراءة العزيمة في الفريضة معلّلاً بلزوم السجدة وأنّها زيادة في المكتوبة (4)بضميمة ما سبق في بحث القراءة من شمول الحكم للركوع بالفحوى (5).
(1) التمسك بحديث من أدرك (6)في المقام كما هو ظاهر المتن مشكل جدّاً ، لما تقدّم في بحث المواقيت من ضعف روايات الباب عدا رواية واحدة وردت في صلاة الفجر ، ويتعدّى إلى غيرها من سائر الصلوات اليومية ، للإجماع والقطع بعدم خصوصية للفجر (7).
.................................................................................................
وأمّا التعدّي إلى غير اليومية فلا دليل عليه ولا إجماع يقتضيه بعد كونه مخالفاً لمقتضى القاعدة.
وأشكل من ذلك التمسك بالحديث فيما إذا لم يسع الوقت إلّا بقدر الركعة ، إذ على تقدير تسليم التعدّي إلى غير اليومية لا يكاد يشمل الحديث مثله ، لاختصاص مورده بصورة صلاحية الوقت لتمام العمل فيه غير أنّ المكلّف لم يدرك أكثر من مقدار الركعة ، دون ما لم يكن صالحاً له في حدّ نفسه.
ومن هنا استشكل جمع كالمحقّق في الشرائع (1)وغيره في أصل الوجوب في الفرض بناء على التوقيت لامتناع التكليف بشيء في ظرف لا يسعه ولا يكون صالحاً لوقوعه فيه.
وأوضح إشكالاً ما لو كان الوقت قاصراً عن أداء الركعة أيضاً ، إذ لا مجال لتطبيق الحديث حينئذ بوجه كما لا يخفى.
فهذه الفروع بناء على التوقيت الذي هو مختار المتن في غاية الإشكال.
لكن الذي يهوّن الخطب أنّ التوقيت بالمعنى المتعارف أعني التحديد من ناحية المبدأ والمنتهى كما في الظهرين غير ثابت في هذه الصلاة ، لقصور الأدلّة عن إثباته ، وإنّما المستفاد منها كما أشرنا إليه سابقاً (2)التوقيت من ناحية المبدأ فقط ، وهو من حين الأخذ إلى الشروع في الانجلاء أو إلى تمام الانجلاء على الخلاف ، وإن كان الثاني أقوى كما مر (3).
وأمّا من ناحية المنتهي فلا تحديد فيها ، نعم ظاهرها بمقتضى الإطلاق مراعاة التحديد من كلا الجانبين. إلا أنّه يرفع اليد عن هذا الظهور لروايتين دلّتا على جواز التأخير ولو بإطالة الصلاة إلى ما بعد الانجلاء حتى اختياراً ، فضلاً عن الاضطرار كما في المقام ، بل يظهر منهما أنّ ذلك هو الأفضل.
[1761] مسألة 9 : إذا علم بالكسوف أو الخسوف وأهمل حتى مضى الوقت عصى ووجب القضاء ، وكذا إذا علم ثم نسي وجب القضاء ، وأمّا إذا لم يعلم بهما حتى خرج الوقت الذي هو تمام الانجلاء فان كان القرص محترقاً وجب القضاء ، وإن لم يحترق كلّه لم يجب (1).
ففي صحيح الرهط «صلّاها رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) والناس خلفه في كسوف الشمس ، ففرغ حين فرغ وقد انجلى كسوفها» (1)وفي موثّقة عمار «قال : إن صلّيت الكسوف إلى أن يذهب الكسوف عن الشمس والقمر وتطوّل في صلاتك فانّ ذلك أفضل» (2).
وعليه فتتّصف الصلاة بكونها أداءً في جميع هذه الفروع لا لقاعدة من أدرك بل لعدم التوقيت من ناحية المنتهي ، وحصول التوقيت الملحوظ من حيث المبدأ. والتكليف بالمحال إنّما يتّجه لو كان التوقيت من الطرفين ، فلا مجال لتوهّم السقوط. فما ذكره في المتن هو الصحيح وإن كان التعليل المستفاد منه عليلاً.
(1) المشهور وجوب القضاء فيما لو علم بالكسوف أو الخسوف وترك الصلاة حتى مضى الوقت عصياناً أو نسياناً أو لعذر آخر ، وأمّا مع الجهل فيفصّل بين صورتي الاحتراق التام وعدمه ، فيجب القضاء في الأوّل دون الثاني ، وهذا هو الأقوى. ونسب إلى المفيد (3)وجماعة وجوب القضاء مطلقا.
وتفصيل الكلام : أنّ الإطلاق في الأدلّة الأوّلية المتكفّلة لوجوب القضاء مثل صحيحة زرارة «سئل عن رجل صلّى بغير طهور أو نسي صلوات لم يصلّها أو نام عنها ، قال : يقضيها إذا ذكرها في أيّ ساعة ذكرها» (4)غير قاصر
.................................................................................................
الشمول للمقام ، لما عرفت من أنّ هذه الصلاة من مصاديق الصلاة حقيقة ، لاشتمالها على الركوع والسجود وسائر ما يعتبر فيها من الأجزاء والشرائط ، فلو كنّا نحن وتلك الأدلّة كان اللازم الحكم بوجوب القضاء في المقام على الإطلاق.
إلّا أنّه قد وردت في المقام نصوص خاصة تضمنت نفي القضاء مطلقاً كصحيحة علي بن جعفر : «سألته عن صلاة الكسوف هل على من تركها قضاء؟ قال : إذا فاتتك فليس عليك قضاء» المؤيّدة بروايتي الحلبي وجامع البزنطي (1)، وحيث إنّ هذه النصوص أخصّ مطلقاً من تلك الإطلاقات كان اللازم بمقتضى صناعة الإطلاق والتقييد حملها عليها والالتزام بعدم وجوب القضاء في المقام على الإطلاق.
غير أنّ هذه الطائفة من النصوص في أنفسها مبتلاة بالمعارض ، لوجود طائفة أُخرى تضمنت وجوب القضاء مطلقاً ، بحيث كانت النسبة بينهما هي التباين الكلّي ، وهي روايتان :
إحداهما : مرسلة حريز «إذا انكسف القمر فاستيقظ الرجل فكسل أن يصلّي فليغتسل من غدٍ وليقض الصلاة ، وإن لم يستيقظ ولم يعلم بانكساف القمر فليس عليه إلّا القضاء بغير غسل» (2)، تضمنت أمرين : وجوب القضاء مطلقاً وضمّ الغسل في فرض العلم ، وقد مرّ في بحث الأغسال أنّ الغسل للآيات ليس عليه دليل معتبر (3).
الثانية : رواية أبي بصير «سألته عن صلاة الكسوف إلى أن قال : فإذا أغفلها أو كان نائماً فليقضها» (4).
لكن الذي يهوّن الخطب أنّ الروايتين ضعيفتا السند للإرسال في الاولى
.................................................................................................
ولعدم وثاقة علي بن أبي حمزة البطائني قائد أبي بصير في الثانية ، فلا تصلحان للمعارضة مع النصوص السابقة. ومع التسليم فيمكن الجمع بينهما ، لوجود شاهد الجمع كما ستعرف ، هذا كلّه في أصل وجوب القضاء.
وأمّا بالنسبة إلى خصوصيات المكلّف فقد يكون عالماً في الوقت فلم يصلّ عصياناً أو نسياناً أو لعذر آخر ، وقد يكون جاهلاً.
أمّا في فرض العلم فالظاهر أنّه لا ينبغي الإشكال في وجوب القضاء لموثّقة عمّار «... وإن أعلمك أحد وأنت نائم فعلمت ثمّ غلبتك عينك فلم تصلّ فعليك قضاؤها» (1). رواها في الوسائل عن الشيخ بطريقين (2)، في أحدهما ضعف لمكان علي بن خالد ، فإنّه كان زيدياً ثم عدل إلى الحقّ ، ولم يرد فيه مدح ولا توثيق. وأمّا الطريق الآخر فصحيح ، لصحّة إسناد الشيخ إلى عمّار (3)فتصبح الرواية موثّقة ، هذا من حيث السند.
وأمّا الدلالة فموردها وإن كان غلبة النوم إلّا أنّه يتعدّى إلى العصيان والنسيان ، إمّا من جهة الأولوية في الأوّل والقطع بعدم الفرق بين الثاني وبين النوم ، فلا خصوصية فيه وإنّما ذكر مثالاً لمطلق العذر. أو من جهة استفادة التعدّي من نفس الرواية ، وذلك لمكان التفريع في قوله (عليه السلام) : «فلم تصلّ» ، إذ لو كان العطف بالواو لأمكن احتمال أن يكون لغلبة النوم خصوصية في وجوب القضاء ، وأنّ الحكم مترتّب على مجموع الأمرين من النوم وترك الصلاة في الوقت ، لكنّ التفريع بالفاء يدفع الاحتمال ، ويوجب قوة الظهور في أنّ تمام الموضوع لوجوب القضاء إنّما هو مطلق ترك الصلاة.
وإنّما ذكرت غلبة النوم توطئة ومقدمة لذلك ، لا لخصوصية فيها ، فكأنّه (عليه السلام) قال : إن أعلمك أحد فلم تصلّ. والنوم من أحد الأسباب لترك الصلاة ، من دون دخالته في تعلّق الحكم.
.................................................................................................
وعلى أيّ حال فهذه الموثّقة صريحة في وجوب القضاء في فرض العلم ، فتكون مخصّصة لما دلّ على عدم ثبوته مطلقاً كصحيحة علي بن جعفر المتقدّمة. ويؤيد الوجوب مرسلة الكليني الصريحة في ثبوت القضاء في فرض النسيان (1)الملازم طبعاً لسبق العلم.
ثمّ إنّ صاحب الوسائل قال بعد ذكر هذه المرسلة ما لفظه : محمد بن الحسن بإسناده عن الحسين بن سعيد عن حمّاد مثله.
والظاهر أنّ هذا سهو من قلمه الشريف أو من غلط النسّاخ ، فانّ هذه المرسلة لم يروها الشيخ عن حمّاد ، نعم الرواية السابقة التي رواها في الوسائل قبل هذه المرسلة متّصلاً رواها عنه ، فحقّ العبارة أن تذكر عقيب تلك الرواية. وكيف ما كان ، فلا شك في وجوب القضاء في فرض العلم.
وأمّا في فرض الجهل فقد وردت هناك روايات دلّت على التفصيل بين الاحتراق التام وعدمه ، وأنّه يجب القضاء في الصورة الأُولى دون الثانية عمدتها صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم (2)، وتكون هذه الصحيحة وجهاً للجمع بين الطائفتين الأُوليين لو سلّم صحة سند الثانية واستقرار المعارضة بينهما ، فتحمل الاولى على صورة الاحتراق الناقص والثانية على التام وكلاهما في فرض الجهل. لكن أشرنا إلى ضعف الطائفة الثانية في نفسها وعدم صلاحيتها للمعارضة ، هذا.
ومن جملة هذه الروايات المفصّلة ما رواه الصدوق بإسناده عن الفضيل بن يسار ومحمّد بن مسلم (3)، وقد عبّر عنها في الحدائق بالصحيحة (4)، وتبعه
وأمّا في سائر الآيات فمع تعمّد التأخير يجب الإتيان بها ما دام العمر ، وكذا إذا علم ونسي ، وأمّا إذا لم يعلم بها حتى مضى الوقت أو حتى مضى الزمان المتصل بالآية ففي الوجوب بعد العلم إشكال (1)لكن لا يترك الاحتياط بالإتيان بها ما دام العمر فوراً ففوراً (1).
المحقّق الهمداني (2)وغيره. وليس الأمر كذلك على مسلكهم ، فانّ طريق الصدوق إلى ابن مسلم ضعيف (3)، وطريقه إلى الفضيل بن يسار فيه علي بن الحسين السعدآبادي (4)ولم يوثّق.
نعم ، بناءً على مسلكنا من توثيق رجال كامل الزيارات تتّصف الرواية بالصحة ، لوجود السعدآبادي في إسناده ، فإنّه شيخ ابن قولويه. فليس للحدائق ومن تبعه توصيف الرواية بالصحة بعد ما عرفت من وجه الضعف ووضوح عدم سلوكهم مسلكنا في التوثيق (5)
وأمّا ما تقدّم عن المفيد من القضاء مطلقاً فليس له وجه ظاهر عدا الإطلاق في مرسلة حريز ورواية أبي بصير ، وقد عرفت حالهما من ضعف السند وأنّه على تقدير الصحة يقيّدان بهذه الصحيحة وغيرها.
(1) يقع الكلام تارة في فرض العلم بالآية وترك الصلاة إمّا عصياناً أو نسياناً أو لعذر آخر ، وأُخرى في صورة الجهل ، فهنا مقامان :
أمّا المقام الأوّل : فالمشهور شهرة عظيمة حتى قال في الجواهر : لا أجد فيه خلافاً (6)وجوب القضاء بناء على وجوب الأداء في الزلزلة. ويستدل على الوجوب بوجوه :
.................................................................................................
أحدها : أنّ وجود السبب وتحقّق الآية كما يقتضي الأداء يستوجب القضاء أيضاً.
وهذا الوجه ظاهر الضعف ، لأنّا إن بنينا على أنّ هذه الصلاة من الموقتات كما هو الصحيح بالمعنى المتقدّم (1)إمّا من حين الآية أو في الزمان المتصل بها كما في الزلزلة فلا شكّ في سقوط الوجوب بانقضاء الوقت ، لأنّ مقتضى التوقيت محدودية التكليف بزمان خاص ، فيرتفع بارتفاعه لا محالة ، فيحتاج القضاء إلى دليل آخر غير الدليل الأوّل المتكفّل للأداء ، لقصوره عن التعرّض لذلك كما هو ظاهر.
وإن بنينا على عدم التوقيت فمجرّد السبب وإن كان كافياً لكنّه حينئذ أداء ما دام العمر ، فلا موضوع للقضاء أصلاً ، لتقوّمه بالتوقيت المنفي حسب الفرض.
الثاني : عدم القول بالفصل ، فانّ كلّ من قال بوجوب القضاء عند الاحتراق إذا كان جزئياً قال به في سائر الآيات أيضاً. فالتفكيك قول بالفصل ، وهو خرق للإجماع المركّب. ومن أجل هذا ذكر المحقّق الهمداني (قدس سره) أنّ الوجوب لو لم يكن أقوى فلا ريب أنّه أحوط (2).
وفيه : أنّ غايته أنّه لم يوجد هناك خلاف في الخارج ، ولم يكن قائل بالفصل وليس هذا من الإجماع التعبّدي الكاشف عن رأي المعصوم (عليه السلام) ، بل أقصاه أنّ القضاء هنا هو المشهور ، ولا حجية للشهرة.
الثالث : عموم من فاتته فريضة فليقضها كما فاتته (3)الشامل بإطلاقه لصلاة الآيات.
وأجاب عنه في المدارك بانصراف الفريضة إلى خصوص اليومية (4)كما قد
.................................................................................................
يقتضيه التشبيه في قوله : كما فاتته ، الناظر إلى المماثلة من حيث القصر والتمام.
وأيّده المحقّق الهمداني (قدس سره) (1)بأنّ الفريضة قد وقعت في قبال صلاة الآيات في أخبار الكسوف والخسوف (2).
لكن الظاهر أنّ دعوى الانصراف كالتأييد في غير محلّها ، فانّ للفريضة إطلاقين : أحدهما خصوص ما فرضه اللّه في كتابه ، الثاني : مطلق الفرض ولو ثبت بالسنة ، في قبال التطوّع. وأكثر إطلاقها في لسان الأخبار إنّما هو بالمعنى الثاني ما لم تقم قرينة على الخلاف كما في مورد التأييد ، حيث إنّ وقوع المقابلة بينها وبين صلاة الآيات قرينة على إرادة اليومية منها التي هي فرض ثابت بالكتاب ، وإلّا فالغالب إطلاقها في قبال التطوّع كما عرفت ، بل قد أُطلق لفظ الفريضة على نفس صلاة الآيات في كثير من الأخبار (3).
فدعوى الانصراف ساقطة ، ولا قصور في العموم في شموله للمقام ، لكن الشأن في ثبوت العموم في حدّ نفسه ، فانّ هذه الرواية لم تثبت من طرقنا ، بل ولا من طرق العامة كما قيل ، نعم اشتهر هذا المضمون في ألسنة الفقهاء ، فغايته أنّها رواية مرسلة لا يعتدّ بها.
الرابع : الاستصحاب. وفيه : مضافاً إلى عدم حجيّته في الشبهات الحكمية أنّ هذا الواجب من الموقتات كما مرّ ، ومقتضاه سقوط التكليف بانقضاء الوقت ، وبعد ذلك يشك في حدوث تكليف جديد ، والمرجع في مثله أصالة البراءة دون الاستصحاب.
الخامس : وهو العمدة التمسّك بإطلاق صحيح زرارة : «عن رجل صلّى بغير طهور أو نسي صلوات لم يصلّها أو نام عنها ، قال : يقضيها إذا ذكرها في أيّ ساعة ذكرها من ليل أو نهار ...» إلخ (4)، فانّ المذكور فيها لفظ الصلاة
.................................................................................................
ولا قصور في شمولها لصلاة الآيات ، فلو سلّم الانصراف في لفظ الفريضة إلى اليومية لا وجه لتوهّمه في لفظ الصلاة.
نعم ، قد اشتمل ذيل الصحيحة على لفظ الفريضة ، قال (عليه السلام) : «ولا يتطوّع بركعة حتّى يقضي الفريضة كلّها» الكاشف عن إرادتها من الصلاة المذكورة في الصدر. لكنّه في مقابل التطوّع ، فلا يقدح في الاستدلال كما لا يخفى.
وأمّا المقام الثاني : أعني القضاء في فرض الجهل ، فالمعروف والمشهور بينهم بل لم ينقل الخلاف من أحد كما في الجواهر (1)عدم وجوبه ، وعن بعض المتأخّرين وجوبه.
وجميع ما ذكرناه في المقام الأوّل من الوجوه التي استدلّ بها للوجوب مع مناقشاتها جار في المقام أيضاً إلّا الوجه الثاني وهو عدم القول بالفصل ، لأنّ المشهور عدم وجوب القضاء في فرض الجهل عند عدم الاحتراق لا وجوبه كما كان في فرض العلم ، فلا ملازمة بين الموردين من حيث الوجوب.
ويؤيّد المقام بمناقشة ثالثة في الاستصحاب وهو عدم كون الوجوب متيقّناً بل عدم الالتفات إلى وقوع الآية غالباً من جهة نوم ونحوه ، فإنّ فرض التوجّه والشكّ في وقوعها كما لو أحس بحركة وشك في أنّها من جهة الزلزلة أو من أثر سرعة مرور الطائرة العظيمة شاذ نادر ، وعليه فلم يكن حال وقوع الآية مكلّفاً ليكون متيقّناً فيستصحبه ، وأمّا بعده فهو شاك في تعلّق التكليف ومقتضى الأصل البراءة عنه.
وحيث كان الوجه الخامس سليماً عن أيّة مناقشة فاللازم هو الحكم بوجوب القضاء هنا أيضاً كما ذهب إليه بعض المتأخّرين.
وأمّا ما التزم به المشهور من عدم وجوب القضاء فلم يعرف وجهه سوى ما ذكره صاحب الجواهر (قدس سره) من فحوى سقوطه في الكسوف الذي هو أقوى في الوجوب قطعاً (2).
ولكنّه كما ترى ، فانّ الكسوف له فردان أحدهما : مع الاحتراق ، وحكمه
[1762] مسألة 10 : إذا علم بالآية وصلّى ثم بعد خروج الوقت أو بعد زمان الاتصال بالآية تبيّن له فساد صلاته وجب القضاء (1) أو الإعادة.
[1763] مسألة 11 : إذا حصلت الآية في وقت الفريضة اليومية فمع سعة وقتهما مخيّر بين تقديم أيّهما شاء وإن كان الأحوط تقديم اليومية ، وإن ضاق وقت إحداهما دون الأُخرى قدّمها ، وإن ضاق وقتهما معاً قدّم اليومية (2).
وجوب القضاء. ثانيهما : مع عدمه ، وحكمه سقوطه عند الجهل. ومع هذا الاختلاف ما هو الموجب لإلحاق سائر الآيات بأحد الفردين دون الآخر.
وبعبارة أُخرى : التفصيل المزبور يكشف عن أن مجرّد الكسوف المقرون بالجهل لم يكن علّة للسقوط ، بل بضميمة ما يختص بالمورد وهو كون الاحتراق ناقصاً ، ومعه لا موضوع للفحوى (1). فلا مجال للتعدّي.
(1) وذلك فلأنّ المسألة بحدّها وإن لم تكن منصوصة إلّا أنّه يمكن استفادة حكمها من إطلاق موثّقة عمّار المتقدّمة في المسألة السابقة (2)حيث يستفاد منه وجوب القضاء في فرض العلم بالآية ولم يصلّ ولو كان من جهة اشتمالها على الخلل ، فانّ موردها وإن كان غلبة العين إلّا أنّك عرفت فيما سبق أنّه لا خصوصية لذلك ، بل هي من باب المثال وأنّ المعيار ترك الصلاة بتمامها أو ببعض خصوصياتها ، فكما أنّه لو تبيّن الخلل أثناء الوقت تجب الإعادة بمقتضى الاشتغال فكذلك لو كان التبيّن بعد الوقت ، لإطلاق الموثقة.
(2) ما ذكره (قدس سره) من أحكام صور المسألة هو المعروف والمشهور بينهم ولا سيما المتأخّرين منهم ، كما أنّها مطابقة لما تقتضيه القاعدة.
أمّا في صورة سعة الوقت لكلّ من صلاتي اليومية والآية فلعدم التزاحم
.................................................................................................
بينهما إذ المفروض سعة الوقت ، ومقتضاها جواز تقديم أيّهما شاء.
وأمّا في فرض ضيق الوقت عن الإتيان بهما فيه معاً فلأهمّية اليومية على ما يستفاد ممّا ورد من عدم سقوط الصلاة بحال (1)فتقدّم لدى المزاحمة لا محالة.
وأمّا في صورة ضيق وقت خصوص اليومية فالتقديم فيها أظهر ، فإنّه في الفرض السابق الذي كان وقت الآية أيضاً مضيّقاً حكمنا بتقديم اليومية من جهة الأهمّية ، فما ظنّك بما إذا كان وقت الآية موسّعاً.
وأمّا في فرض ضيق وقت الآية فقط فلعدم التزاحم بين الموسّع والمضيّق هذا.
مضافاً إلى أنّه قد دلّت الروايات الخاصّة على حكم الصورة الأُولى وهي سعة الوقت لهما بل وكذا الثالثة ، أعني ضيق وقت اليومية خاصّة.
ولكن مع ذلك فقد ذهب جمع كالصدوقين (2)والشيخ (3)وابني حمزة (4)والبراج (5)والشهيد (6)إلى وجوب تقديم الفريضة حتّى في سعة الوقت لهما. كما أنّه نسب إلى بعض كابن أبي عقيل (7)والآبي (8)والحلّي (9)القول بوجوب تقديم صلاة الكسوف ولو في السعة لهما.
أمّا القائلون بتقديم الفريضة فقد استدلّوا بصحيح محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) قال : «سألته عن صلاة الكسوف في وقت الفريضة
1) الوسائل 2 : 373 / أبواب الاستحاضة ب 1 ح 5.
2) الفقيه 1 : 347 ذيل ح 1534 ، المقنع : 143 ، وحكاه عنهما في المختلف 2 : 297 المسألة 182 ، فقه الرضا : 135.
3) النهاية : 137.
4) الوسيلة : 112.
5) المهذّب 1 : 125.
6) لاحظ الذكرى 4 : 223 ، الدروس 1 : 195 ، البيان : 208.
7) حكاه عنه في المختلف 2 : 297 المسألة 182.
8) كشف الرموز 1 : 191.
9) السرائر 1 : 323.
.................................................................................................
فقال : ابدأ بالفريضة ، فقيل له : في وقت صلاة الليل؟ فقال : صلّ صلاة الكسوف قبل صلاة الليل» (1)، فانّ موضوع هذه الصحيحة باعتبار التعبير بالبدأة هو سعة الوقت لكلّ من الصلاتين ، إذ الابتداء يستدعي الانتهاء وأن يكون الوقت صالحاً لوقوع الصلاتين فيه معاً مقدّماً لأيّ منهما شاء تعييناً أو تخييراً. وأمّا إذا لم يكن الوقت صالحاً وواسعاً إلّا لإحداهما لكان المناسب التعبير بمثل قولنا : ائت بالفريضة ، وقد أمر (عليه السلام) في هذا الفرض بتقديم الفريضة ، وظاهر الأمر الوجوب ، فلا بدّ من تقديمها على الكسوف.
والإنصاف : أنّ دلالة هذه الصحيحة في نفسها لا قصور فيها ، بحيث لو كنّا نحن وهذه الرواية لحكمنا بذلك ، إلّا أنّ الدليل الخارجي وهو صحيحته الثالثة الآتية دلّ على جواز الإتيان بصلاة الآية قبل الفريضة ، فيكون الأمر في هذه الصحيحة محمولاً على الاستحباب ويرفع اليد عن ظاهره ، فله تقديم صلاة الآية وإن كان الأولى تقديم الفريضة.
وأمّا القائلون بتقديم صلاة الآية حتّى في السعة فمستندهم هو ما رواه بريد ابن معاوية ومحمّد بن مسلم عن أبي جعفر وأبي عبد اللّه (عليهما السلام) «قالا : إذا وقع الكسوف أو بعض هذه الآيات فصلّها ما لم تتخوّف أن يذهب وقت الفريضة ، فإن تخوّفت فابدأ بالفريضة ، واقطع ما كنت فيه من صلاة الكسوف فاذا فرغت من الفريضة فارجع إلى حيث كنت قطعت ، واحتسب بما مضى» (2)، فإنّه (عليه السلام) في غير فرض تخوّف ذهاب وقت الفريضة أمر بإتيان صلاة الكسوف ، وإطلاقه شامل لفرض سعة الوقت لكلتا الصلاتين وظاهر الأمر الوجوب ، فلا بدّ من تقديم صلاة الآية على الفريضة.
وفيه : بعد الغضّ عن ضعف سند الرواية وإن عبّر عنها في الحدائق بالصحيحة (3)وتبعه غير واحد ممّن تأخّر عنه ، لكنّه وهم ، فانّ بريداً ومحمّد بن
.................................................................................................
مسلم وإن كانا من الأجلّاء إلّا أنّ طريق الصدوق إلى كلّ منهما ضعيف كما عرفت قريباً (1)
وبعد الإغماض عن معارضتها بالصحيحة المتقدّمة الناصّة على وجوب البدأة بالفريضة ، أنّ الدليل قد قام على عدم وجوب تقديم صلاة الآية على الفريضة وجواز العكس كما ستعرف. ومعه لا يبقى لهذه الرواية ظهور في الوجوب ، فهذان القولان ساقطان.
وأمّا قول المشهور من جواز تقديم صلاة الآية فيستفاد من صحيح محمّد ابن مسلم قال «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : جعلت فداك ، ربما ابتلينا بالكسوف بعد المغرب قبل العشاء الآخرة ، فإن صلّينا الكسوف خشينا أن تفوتنا الفريضة ، فقال : إذا خشيت ذلك فاقطع صلاتك واقض فريضتك ثمّ عد فيها ، قلت : فاذا كان الكسوف في آخر الليل فصلّينا صلاة الكسوف فاتتنا صلاة الليل فبأيّتهما نبدأ؟ فقال : صلّ صلاة الكسوف واقض صلاة الليل حين تصبح» (2).
وذلك لأن السؤال إنّما هو عن جواز الشروع في صلاة الآية عند خشية فوات الفريضة ، والجواب متعرّض لحكم من كان قد شرع فيها ثمّ تخوّف فوت الفريضة ، فلا يكون الجواب مطابقاً للسؤال ، إلّا أنّ الإمام (عليه السلام) كأنّه أراد التنبيه على أنّه فيما إذا كان قد شرع في صلاة الآية يقطعها عند تخوّف فوات الفريضة فيأتي بها ثمّ يعود إلى تلك ، ليعرف حكم هذا الفرض تفضّلاً منه.
ويستنتج من ذلك حكم مورد السؤال من جهة الأولوية ، فإنّ مقتضاها عدم جواز الدخول فيها إذا خشي الفوت ، فيدلّ بالمفهوم على أنّه في فرض
.................................................................................................
السعة وعدم الخشية يجوز له الدخول في صلاة الآية قبل الفريضة كما يجوز تتميمها ، وبه يرفع اليد عن ظاهر الصحيحة الاولى من وجوب الإتيان بصلاة الفريضة مقدّماً على الآية وتحمل على الاستحباب.
ثمّ إنّه لا ريب في أنّ المراد من الوقت المفروض تخوّف فوته إنّما هو الوقت الفضيلي من المغرب لا الوقت الإجزائي له ، ضرورة أنّ الثاني ممتدّ إلى نصف الليل ، ومن الواضح أنّ صلاة الآية مهما طالت لا تستوعب من الوقت من بعد المغرب إلى نصف الليل ، بخلاف الوقت الفضيلي منه فإنّه يمكن فرض تخوّف فوته مع الاشتغال بصلاة الآية. ومن المعلوم أنّ فوت الوقت الفضيلي لا بأس به ولا مانع منه ، فإنّه يجوز تأخير الصلاة عنه اختياراً.
وعليه فيكون الأمر بقطع الصلاة لدرك الوقت الفضيلي محمولاً على الاستحباب دون الوجوب ، فله أن لا يقطع الصلاة للكسوف بل يستمر فيها ويجوز له الشروع فيها في كلّ من وقتي الإجزاء والفضيلة ، وبه يرفع اليد عن ظاهر الرواية الأُولى (1)له من وجوب الإتيان بالفريضة قبل صلاة الآية وتحمل على الاستحباب.
وبالجملة : المستفاد من هذه الصحيحة عدم وجوب البدأة لا بصلاة الآية ولا بصلاة الفريضة ، بل له تقديم أي منهما شاء كما عليه المشهور.
وأمّا صحيحة أبي أيوب عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «سألته عن صلاة الكسوف قبل أن تغيب الشمس ونخشى فوت الفريضة ، فقال : اقطعوها وصلّوا الفريضة وعودوا إلى صلاتكم» (2)فقد حملها بعضهم على أنّ المراد بالفريضة هي صلاة المغرب ، فالمراد من فوتها فوت أدائها في وقت الفضيلة.
ولكنّه بعيد جدّاً ، فانّ المفروض أنّ الكسوف كان قبل مغيب الشمس وبطبيعة الحال كان قبله بمقدار نصف ساعة تقريباً ، ومن المعلوم أنّه بعد هذا إلى
[1764] مسألة 12 : لو شرع في اليومية ثم ظهر له ضيق وقت صلاة الآية قطعها مع سعة وقتها واشتغل بصلاة الآية (1) ، ولو اشتغل بصلاة الآية فظهر له في الأثناء ضيق وقت الإجزاء لليومية قطعها واشتغل بها وأتمّها (2) ثم عاد إلى صلاة الآية من محلّ القطع إذا لم يقع منه مناف غير الفصل المزبور (3) ،
فوات وقت فضيلة المغرب يستوعب أكثر من ساعة ، فكيف يصح أن يقال إنّه يخاف من فوت الفريضة.
بل المراد فريضة العصر جزماً ، ولا بدع في تأخيرها إلى ما قبل مغيب الشمس حتى من الجماعة الذين هم مورد السؤال بعد أن كان التأخير سائغاً والوقت واسعاً ، فمن الجائز أن يكون كلّهم قد أخّروا من باب الصدفة والاتّفاق ، فإنّها قضية خارجية لا حقيقية ، فلعلّهم كانوا معذورين لنوم ونحوه بل ولو عامدين ، فقد ورد في بعض الروايات أنّ زرارة كان يؤخّر صلاته إلى آخر الوقت (1). فكان هذا أمراً متعارفاً بينهم وإن كان الغالب عدم التأخير عن وقت الفضيلة.
وعليه فحكمه (عليه السلام) بتقديم الفريضة مطابق للقاعدة ، إذ المضيّق لا يزاحمه الموسّع. فالروايات الواردة في المقام كلّها موافقة للقاعدة كما عرفت.
(1) لما عرفت من أنّ الموسّع لا يزاحم المضيّق ، ولا دليل على حرمة القطع في مثل المقام ، فانّ مستندها لو تم إنّما هو الإجماع ، وهو دليل لبي يقتصر على المتيقّن منه الذي هو غير ما نحن فيه.
(2) لأهمّيتها من صلاة الآية كما سبق (2).
(3) كأنّ الحكم مورد للتسالم ، وهذه من الصلاة في الصلاة ، الجائزة في خصوص صلاة الآيات وإن كان على خلاف الأصل ، للنصوص الدالّة عليه كما
بل الأقوى جواز قطع صلاة الآية والاشتغال باليومية إذا ضاق وقت فضيلتها فضلاً عن الإجزاء ، ثم العود إلى صلاة الآية من محل القطع (1) لكن الأحوط خلافه (2).
[1765] مسألة 13 : يستحب في هذه الصلاة أُمور :
الأول والثاني والثالث : القنوت ، والتكبير قبل الركوع وبعده ، والسمعلة على ما مر.
الرابع : إتيانها بالجماعة أداء كان أو قضاء ، مع احتراق القرص وعدمه والقول بعدم جواز الجماعة مع عدم احتراق القرص ضعيف. ويتحمّل الإمام فيها عن المأموم القراءة خاصة كما في اليومية ، دون غيرها من الأفعال والأقوال.
الخامس : التطويل فيها خصوصاً في كسوف الشمس.
السادس : إذا فرغ قبل تمام الانجلاء يجلس في مصلّاه مشتغلاً بالدعاء والذكر إلى تمام الانجلاء ، أو يعيد الصلاة.
السابع : قراءة السور الطوال كيس والنور والروم والكهف ونحوها.
الثامن : إكمال السورة في كلّ قيام.
سبق (1)، ولأجلها يحكم بالاغتفار عن تلك الزيادات وعدم قدحها بشرط عدم الإتيان بمناف آخر غير الفصل بهذه الصلاة ، لقصور النصوص عن إثبات الجواز فيما عدا ذلك ، فيرجع إلى الإطلاق في أدلّة المنافيات السليم عمّا يصلح للتقييد.
(1) للتصريح به في صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة (2).
(2) لما نسب إلى المشهور من اقتصارهم في الحكم على وقت الإجزاء وعدم
التاسع : أن يكون كلّ من القنوت والركوع والسجود بقدر القراءة في التطويل تقريباً.
العاشر : الجهر بالقراءة فيها ليلاً أو نهاراً حتى في كسوف الشمس على الأصح.
الحادي عشر : كونها تحت السماء.
الثاني عشر : كونها في المساجد ، بل في رحبها.
[1766] مسألة 14 : لا يبعد استحباب التطويل حتى للإمام ، وإن كان يستحبّ له التخفيف في اليومية مراعاة لأضعف المأمومين.
[1767] مسألة 15 : يجوز الدخول في الجماعة إذا أدرك الإمام قبل الركوع الأوّل أو فيه من الركعة الأُولى أو الثانية ، وأمّا إذا أدركه بعد الركوع الأول من الأُولى أو بعد الركوع من الثانية فيشكل الدخول ، لاختلال النظم حينئذ بين صلاة الإمام والمأموم (1).
التعدّي إلى وقت الفضيلة ، وإن لم يكن عليه دليل ظاهر.
(1) لا ريب في مشروعية الجماعة في هذه الصلاة ، بل ورجحانها ، للأدلّة الدالّة عليه قولاً وفعلاً كما تقدّمت الإشارة إليه (1)، كما لا ريب في أنّ المتيقّن من تلك الأدلّة ما إذا أدرك الإمام قبل الدخول في الركوع الأوّل من الركعة الأُولى أو الثانية وكذا لو أدركه فيه ، لما ورد عنهم (عليهم السلام) من أنّ من أدرك الركوع فقد أدرك الركعة كلّها (2).
وإنّما الكلام فيما إذا أدرك الإمام بعد الركوع الأوّل من الأُولى أو الثانية فقد استشكل في صحّة الجماعة حينئذ في المتن تبعاً لجمع من الأعلام ، بل لعلّ المنع هو المشهور بينهم ، معللاً بما ذكره في المتن من لزوم اختلال النظم وعدم
[1768] مسألة 16 : إذا حصل أحد موجبات سجود السهو في هذه الصلاة فالظاهر وجوب الإتيان به بعدها كما في اليومية (1).
حصول المتابعة بين صلاتي المأموم والإمام ، لافتراق كلّ منهما عن الآخر في الأفعال لا محالة ولا دليل على اغتفار ذلك في المقام ، هذا.
ولكنّ المنسوب إلى العلامة في التذكرة هو الجواز ، قال (قدس سره) فيما حكي عنه : فاذا سجد الإمام لم يسجد هو ، بل ينتظر الإمام إلى أن يقوم ، فاذا ركع الإمام أوّل الثانية ركع معه عن ركوعات الأُولى ، فإذا انتهى إلى الخامس بالنسبة إليه سجد ثم لحق بالإمام ، ويتمّ الركعات قبل سجود الثانية (1).
ولكنّ الأظهر عدم الجواز ، لتقوّم مفهوم الجماعة بالمتابعة المنفيّة في المقام فانّ الانتظار والاستقلال في الأفعال على حدّ ما ذكره ينافي التبعية المعتبرة في صدق الجماعة.
على أنّ التخلف والانتظار الذي ذكره (قدس سره) ليس بأولى من الاشتغال بتكميل الركوعات والالتحاق بالإمام قبل استكماله من سجود الاولى ، بل هذه الكيفية أولى ، حذراً من فوات المتابعة في السجود لدى التمكّن منها.
مع أنّ كلتا الكيفيتين منافية لصدق التبعية المعتبرة في مفهوم الجماعة وماهية الائتمام ، وهل ذلك إلّا كمن أقحم ركعة أو ركعتين في ركعات الإمام ثمّ التحق به كما لو اقتدى الحاضر بالمسافر فائتمّ في الركعة الاولى ثمّ أتى بالركعتين منفرداً ثمّ التحق في رابعته بثانية الإمام ، فإنّ الائتمام في أمثال ذلك يستلزم التخلف في أفعال كثيرة والاستقلال في أُمور شتّى المضاد لمفهوم القدوة كما لا يخفى. فالأقوى عدم انعقاد الجماعة في أمثال المقام كما عليه المشهور ، وهو المطابق للأصل.
(1) لإطلاق أدلّة الوجوب الشامل للمقام (2)، فلو تكلّم ساهياً أو قام في
[1769] مسألة 17 : يجري في هذه الصلاة قاعدة التجاوز عن المحل وعدم التجاوز عند الشك في جزء أو شرط كما في اليومية.
[1770] مسألة 18 : يثبت الكسوف والخسوف وسائر الآيات بالعلم وشهادة العدلين (1)وإخبار الرصدي إذا حصل الاطمئنان بصدقه على إشكال في الأخير (2)لكن لا يترك معه الاحتياط (1) ، وكذا في وقتها ومقدار مكثها.
محلّ القعود أو بالعكس كذلك وجب عليه السجود ، ولو بنينا على وجوبه لكلّ زيادة ونقيصة كما هو مفاد المرسلة (3)وجب هنا أيضاً ، عملاً بإطلاق الدليل ، إذ لا موجب للانصراف إلى اليومية كما هو ظاهر ، نعم بعض موجبات السجود لا مسرح له في المقام كالشكّ بين الأربع والخمس.
وأوضح حالاً ما ذكره في المسألة الآتية من جريان قاعدة التجاوز عن المحلّ في المقام كما لو شكّ حال السجود في عدد الركوعات ، لعموم قوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة : «إذا خرجت من شيء ثمّ دخلت في غيره فشكّك ليس بشيء» (4)كجريان قاعدة الشكّ في المحلّ ، لإطلاق دليلها (5)، مضافاً إلى الاستصحاب.
(1) أمّا الثبوت بالعلم أو بالشياع المفيد للعلم فظاهر ، وكذا بالدليل العلمي كشهادة البيّنة العادلة ، لإطلاق دليل اعتبارها (6)، بل لا يبعد ثبوتها بشهادة عدل ، بل ثقة واحد على ما تكرّرت الإشارة إليه في مطاوي هذا الشرح.
1) (*) بل لا يبعد ثبوتها بشهادة عدل ، بل ثقة واحد.
2) (**) الظاهر أنّه لا إشكال في ثبوتها به إذا أفاد الاطمئنان.
3) الوسائل 8 : 251 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 32 ح 3.
4) الوسائل 8 : 237 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 23 ح 1.
5) [وهو مفهوم صحيحة زرارة].
6) [وهو إمّا ما رواه مسعدة بن صدقة ، المذكور في الوسائل 17 : 89 / أبواب ما يكتسب به ب 4 ح 4 ، أو ما سلكه المقرّر له في شرح العروة 1 : 174.]
(1771) مسألة 19 : يختص وجوب الصلاة بمن في بلد الآية (1) فلا يجب على غيره ، نعم يقوى إلحاق المتّصل بذلك المكان (1)ممّا يعدّ معه كالمكان الواحد.
وأمّا الثبوت باخبار الرصدي مع حصول الاطمئنان بصدقه فقد استشكل فيه في المتن لكن الإشكال في غير محلّه بعد فرض حصول الاطمئنان الذي هو حجة عقلائية كالقطع ، نعم التعويل حينئذ إنّما هو على الاطمئنان الحاصل من قوله ، لا على قوله بما هو كذلك.
اللّهم إلّا أن يكون مراده حصول الاطمئنان بصدق المخبر لا بصدق الخبر كما لو كان الرصدي مأموناً عن الكذب فجزمنا بكونه صادقاً في إخباره ومع ذلك لم نطمئن بصدق الخبر لاحتمال خطئه وعدم إصابته للواقع ، فكنّا بالنسبة إلى وقوع الكسوف خارجاً في شكّ وترديد وإن كنّا مطمئنين في صدقه عمّا يخبر بمقتضى القواعد النجومية ، فإنّه يشكل الاعتماد حينئذ على قوله ، لعدم الدليل على حجية الأخبار الحدسي في الأمر الحسي ، والرجوع إلى أهل الخبرة يختص بالأُمور الحدسية دون الحسية كما في المقام.
وعلى الجملة : إذا حصل الاطمئنان من قول الرصدي بوقوع الكسوف خارجاً كما لو كان الشخص محبوساً في مكان لا يتيسّر له استعلام الكسوف وكان عنده رصدي أخبر بذلك ، أو كان الشخص بنفسه رصديا فلا ريب في وجوب الصلاة حينئذ ، عملاً بالاطمئنان الذي هو حجة عقلائية كما عرفت وإلّا فمجرّد الاطمئنان بصدق المخبر مع الترديد في الوقوع الخارجي لا أثر له لعدم الاكتفاء في الموضوع الحسي باخبار مستند إلى الحدس.
(1) أمّا بالإضافة إلى الكسوفين فهذا البحث لا موضوع له ، إذ بعد فرض كرؤية الأرض فكسوف الشمس أمر يمكن أن تقع عليه الرؤية من عامّة سكنة البلدان الواقعة في تمام القوس النهاري الشاملة لأكثر من نصف سكّان الأرض
1) (*) في القوّة إشكال ، بل منع.
.................................................................................................
وإن كانت الشمس حينئذ عند طلوعها بالإضافة إلى بلد وغروبها بالإضافة إلى بلد آخر ومنتصف النهار بالإضافة إلى بلد ثالث ، إذ هي دائماً في طلوع وغروب كما يقتضيه فرض كرؤية الأرض.
وعليه فالبلاد الواقعة في النصف من الجانب الآخر من الأرض لا تجب عليهم الصلاة ، لعدم تحقّق الكسوف القابل للرؤية بالإضافة إليهم ، فلا تجب علينا الصلاة للكسوف الحاصل تحت الأرض بعد عدم قبوله للرؤية بالنسبة إلينا ، فإن الموضوع للوجوب إنّما هو الكسوف القابل للرؤية ، الذي لا يدرى أنّه لرحمة أو لغضب كما في لسان بعض الأخبار (1). وكذا الحال في خسوف القمر.
وأمّا في غير الكسوفين من سائر الأسباب كالزلزلة ونحوها فلا ينبغي الشك في اختصاص الحكم ببلد الآية ، فلا يعمّ غيره ، لدوران الحكم مدار تحقّق الآية وصدقها كما استفيد من قوله (عليه السلام) : «حتى يسكن» الوارد في بعض نصوص الزلزلة (2).
نعم ، قوّى في المتن إلحاق البلد المتّصل بذلك المكان ممّا يعدّ معه كالمكان الواحد. وهذا ممّا لم نعرف له وجها أصلاً ، إذ لا دليل على الإلحاق بعد فرض اختصاص الآية بذاك المكان وعدم تحقّقها في غيره ، فلا تجب الصلاة على سكنة النجف لو وقعت زلزلة أو هبّت ريح سوداء في الكوفة.
بل الظاهر عدم الإلحاق حتى في البلد الواحد إذا كان متّسعاً جدّاً ، بحيث خصّت الآية جانباً معيّناً منه ولم تسر إلى الجانب الآخر. فلو وقعت زلزلة في أقصى البلد لا دليل على وجوب الصلاة بالنسبة إلى سكنة الجانب الآخر ممّن لم تتحقّق الزلزلة لديهم. وبالجملة : فالحكم تابع لفعلية موضوعه ، فلا يسري إلى غيره ، وهذا ظاهر.
[1772] مسألة 20 : تجب هذه الصلاة على كلّ مكلّف (1) إلّا الحائض والنفساء فيسقط عنهما أداؤها (2) ، والأحوط قضاؤها (1)بعد الطهر والطهارة (3).
(1) لعموم دليل الوجوب أو إطلاقه.
(2) لعموم ما دلّ على حرمة الصلاة عليهما المستفاد من النصوص الكثيرة وقد عقد لها في الوسائل باباً التي منها صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : «إذا كانت المرأة طامثاً فلا تحلّ لها الصلاة» (2)بعد وضوح مساواة النفساء مع الحائض في الأحكام إلّا ما خرج بالدليل.
(3) بل قد تقدّم منه (قدس سره) في مبحث الحيض (3)الفتوى بوجوب القضاء وإن احتاط فيه أوّلاً.
لكنّ الأقوى عدم الوجوب ، لا لما دلّ على سقوط القضاء عنها كي يدعي انصرافه إلى اليومية بل بعض الأخبار موردها خصوص اليومية (4)بل لقصور المقتضي للوجوب ، لما تقرّر في محلّه من أنّ القضاء بأمر جديد (5)ولا يكاد يتكفّله الأمر الأوّل ، لكونه محدوداً بزمان خاص وهو الوقت المضروب للعمل ، وحيث إنّ ظاهره وحدة المطلوب فبخروج الوقت يسقط الأمر لا محالة.
فتعلّق التكليف بالقضاء حينئذ يحتاج إلى أمر جديد ، فما لم يثبت يكون المرجع أصالة البراءة. فمجرّد الشك في القضاء مع عدم قيام دليل عليه كما لم يقم في المقام كافٍ في الحكم بعدم الوجوب.
والحاصل : أنّ القضاء لمّا كان بأمر جديد وكان موضوعه الفوت فلا بدّ من
(1773) مسألة 21 : إذا تعدّد السبب دفعة أو تدريجاً تعدّد وجوب الصلاة (1).
(1774) مسألة 22 : مع تعدّد ما عليه من سبب واحد لا يلزم التعيين ، ومع تعدّد السبب نوعاً كالكسوف والخسوف والزلزلة الأحوط التعيين ولو إجمالاً (1)، نعم مع تعدّد ما عدا هذه الثلاثة من سائر المخوّفات لا يجب التعيين وإن كان أحوط أيضاً (2).
صدق هذا العنوان في الحكم بالقضاء ، وهو يتوقّف على تعلّق التكليف بالأداء وثبوته إمّا فعلاً كما في العاصي ونحوه ، أو اقتضاءً لوجود مانع عن التنجيز كما في الناسي والنائم ، فيصح إطلاق الفوت في أمثال هذه الموارد.
وأمّا الحائض والنفساء فلم يتعلّق التكليف بالصلاة في حقّهما من أوّل الأمر ولا وجوب حتى شأناً واقتضاء ، لورود التخصيص في دليل وجوب الصلاة بالنسبة إليهما. فلا موضوع للفوت حتى يجب القضاء ، وعلى تقدير الشك في ذلك فالمرجع أصالة البراءة.
(1) لأنّ كلّ سبب يستدعي مسبّباً يخصّه ، والتداخل على خلاف الأصل. فلو وقعت زلزلة مثلاً وقبل الصلاة لها وقعت زلزلة أُخرى أو انكسفت الشمس وجبت صلاة أُخرى للسبب الحادث.
(2) فصّل (قدس سره) في صورة تعدّد السبب بين ما إذا كان المتعدّد فردين من نوع واحد كالزلزلة المتكرّرة ، وبين ما إذا كانا من نوعين ، وفصّل في الثاني بين الكسوف والخسوف والزلزلة وبين غيرها من سائر المخوّفات كالصاعقة والريح السوداء وغيرهما من أخاويف السماء ، فحكم (قدس سره) بعدم لزوم التعيين في الأوّل والأخير دون الثاني.
أقول : أمّا عدم الحاجة إلى التعيين في الأوّل فظاهر ، إذ السبب ليس هو
1) (*) وإن كان الأقوى عدم وجوبه.
.................................................................................................
الفرد بشخصه ، بل الطبيعي المتحقّق في ضمنه وضمن غيره ، فلا مدخلية لخصوصيات الأفراد في مقام تعلّق التكليف كي يحتاج إلى القصد والتعيين ، فلا يجب إلّا قصد الأمر الناشئ من طبيعي الزلزلة مثلاً. فلو امتثل ذلك مكرّراً بعدد الأفراد المتحقّقة في الخارج أتى بتمام الوظيفة.
ومنه يظهر الحال في الأخير ، فإنّ الأنواع وإن كانت متعدّدة حينئذ والطبائع مختلفة لكن الكلّ يندرج تحت عنوان واحد وهو المخوف السماوي الذي هو الموضوع للوجوب في لسان الأخبار ، دون تلك الأنواع بعناوينها ، بل إنّ هذا القسم ملحق بالأول لدى التحليل ، فانّ تلك الأنواع في الحقيقة أفراد لذلك النوع الذي هو موضوع الحكم ومصبّ التكليف كما لا يخفى.
وأمّا القسم الثاني فغاية ما يقال في وجه الحاجة إلى التعيين الذي اختاره في المتن أنّ هناك أنواعاً عديدة كلّ واحد منها سبب للتكليف بحياله قد أثّر في مسبّب مغاير للآخر ، فلا بدّ من تعلّق القصد بكلّ من المسببات ليمتاز عن الآخر.
وفيه : أنّ مجرّد التعدّد في السبب لا يستوجب اختلافاً في عنوان المسبّب وتغايراً فيه ، إذ من الجائز أن تكون الطبيعة الواحدة واجبة مرّتين لسببين كما لو قال : إن جاءك زيد فتصدّق بدرهم ، وإن سافرت فتصدّق بدرهم. فانّ التصدّق بالدرهم حقيقة واحدة وطبيعة فأرده لا تعدّد في عنوانها وإن تعدّد سبب وجوبها ، وصلاة الآيات في المقام من هذا القبيل ، فإنّها طبيعة واحدة لا اختلاف في عنوانها وإن وجبت بسبب الكسوف مرة والخسوف اخرى والزلزلة ثالثة.
نعم ، ربما يستفاد التعدّد من دليل خارجي كما في الأغسال ، فإنّها حقائق متباينة وإن كانت بصورة واحدة ، لقوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة : إن كان لله عليك حقوق أجزأك عنها حقّ واحد (1)، فانّ التعبير بالحقوق كاشف
1) الوسائل 2 : 261 / أبواب الجنابة ب 43 ح 1 ، (نقل بالمضمون).
[1775] مسألة 23 : المناط في وجوب القضاء في الكسوفين في صورة الجهل احتراق القرص بتمامه ، فلو لم يحترق التمام ولكن ذهب ضوء البقية باحتراق (1)البعض لم يجب القضاء مع الجهل ، وإن كان أحوط خصوصاً مع الصدق العرفي (1).
عن تعدّد الطبائع وتباينها في الواقع. وكما في الظهرين لقوله (عليه السلام) «إلّا أنّ هذه قبل هذه» (2). وكما في فريضة الفجر ونافلته ونحو ذلك. وأمّا في المقام فلا قرينة على التعدّد ، وقد عرفت أنّ مجرد تعدّد السبب لا يقتضيه.
ومن هنا ترى أنّ من أفطر يومين من شهر رمضان لسببين فأفطر في اليوم الخامس مثلاً للمرض ، واليوم الخامس عشر للسفر لم يجب عليه لدى القضاء تعيين اليوم الخاص من سبب مخصوص ، بل ولا تعيين السنة لو كان اليومان من سنتين ، وليس ذلك إلّا لما عرفت من أنّ اختلاف السبب لا يستوجب تعدّداً في عنوان المسبّب. فقضاء رمضان طبيعة واحدة قد وجبت مرّتين لسببين. إذن فمجرّد القصد إلى هذه الطبيعة كافٍ في حصول الامتثال كالقصد إلى طبيعي صلاة الآيات في المقام.
فتحصّل : أنّ الأقوى عدم الحاجة إلى تعيين السبب في شيء من الأقسام.
(1) حاصله : أنّ القرص إذا لم يحترق بتمامه ولكن ذهب ضوء الباقي باحتراق البعض لم يجب القضاء حينئذ مع الجهل ، إذ العبرة باحتراق التمام المنفي في المقام.
وفيه أوّلاً : أنّ هذا مجرّد فرض لا واقع له ، فانّ احتراق البعض إنّما يؤثّر في ذهاب الضوء من ذلك البعض دون الباقي ، ضرورة أنّ احتراق القمر مسبّب عن حيلولة الأرض بينه وبين الشمس ، كما أنّ احتراق الشمس مسبّب عن
[1776] مسألة 24 : إذا أخبره جماعة بحدوث الكسوف مثلاً ولم يحصل له العلم بقولهم ثم بعد مضيّ الوقت تبيّن صدقهم فالظاهر إلحاقه بالجهل (1) ، فلا يجب القضاء مع عدم احتراق القرص ، وكذا لو أخبره شاهدان لم يعلم عدالتهما (2) ثم بعد مضيّ الوقت تبيّن عدالتهما ، لكن الأحوط القضاء في الصورتين (3).
حيلولة القمر بينها وبين الأرض ، فبمقدار الحيلولة ينعدم الضوء ، ولا موجب للانعدام في غير هذا المقدار ، فالمقدار الباقي من القرص نيّر مضيء لا محالة وإن كان مثل الهلال.
وثانياً : على فرض التسليم ووقوعه خارجاً فلا ينبغي الشك في وجوب القضاء حينئذ ، إذ العبرة في الاحتراق التام المأخوذ موضوعاً للحكم في المقام إنّما هو بالصدق العرفي والنظر العادي ، دون الدّقي العقلي المختص بالمنجّمين ومهرة الفن. وحيث إنّ ذهاب ضوء البقية باحتراق البعض بحيث يرى الجرم دون الشعاع مصداق للاحتراق التام عند العرف فلا جرم يكون مشمولاً لإطلاق الدليل.
(1) بل هو منه حقيقة ، إذ لا علم في الوقت لا وجداناً كما هو واضح ، ولا تعبّداً لعدم قيام البيّنة الشرعية ، ولا حصول الوثوق الشخصي من أخبارهم بعد احتمال صدورها لدواعٍ أُخر من مزاح ونحوه ، ويشير إليه مفهوم قوله (عليه السلام) في موثقة عمار : «وإن أعلمك أحد وأنت نائم فعلمت ثم غلبتك عينك ...» إلخ (1).
(2) لعدم إحراز شرائط الحجية في الوقت فيكون طبعاً ملحقاً بالعدم بعد وضوح أنّ العبرة بالحجّة الواصلة ، لا مجرّد وجودها الواقعي.
(3) فإنّه حسن على كلّ حال.
1) الوسائل 7 : 501 / أبواب صلاة الكسوف والآيات ب 10 ح 10.
يجب قضاء اليومية الفائتة عمداً ، أو سهواً ، أو جهلاً (1)
(1) ينبغي التكلّم أوّلاً فيما يقتضيه الأصل العملي عند الشكّ في وجوب القضاء ، ثمّ التعرّض للموارد التي ثبت الوجوب فيها حسب الأدلّة الاجتهادية فهنا جهتان :
أمّا الجهة الأُولى : فالمعروف بينهم أنّ القضاء إنّما هو بأمر جديد متعلّق بعنوان الفوت ، ولا يكاد يتكفّل بإثباته نفس الأمر الأوّل ، فإنّه متقيّد بالوقت الخاص ، فيسقط لا محالة بخروج الوقت ، فاذا شكّ في ثبوت الأمر الجديد كان مقتضى الأصل البراءة عنه.
إلّا أنّه ربما يتمسّك لبقاء الأمر الأوّل بعد خروج الوقت بالاستصحاب بدعوى أنّ خصوصية الوقت تعدّ بنظر العرف من الحالات المتبادلة لا من مقوّمات الموضوع ، بحيث يكون الشكّ في ثبوت الحكم بعد خروج الوقت شكّاً في بقاء الحكم الأوّل واستمراره ، ولا ريب في أنّ المدار في اتّحاد القضية المتيقّن بها والمشكوك فيها هو نظر العرف.
ويرد على ذلك أوّلاً : أنّ الاستصحاب لا يجري في الشبهات الحكمية كما حقّقنا ذلك في محلّه (1).
1) مصباح الأُصول 3 : 36.
.................................................................................................
وثانياً : أنّه على فرض التسليم فهو غير جارٍ في خصوص المقام ، لكونه من القسم الثالث من استصحاب الكلّي ، ولا نقول به ، فانّ شخص الوجوب الثابت في الوقت قد ارتفع بخروجه قطعاً ، لأنّه كان محدوداً بزمان خاص على الفرض.
والظاهر من الدليل هو كون الفعل مطلوباً في الزمان الخاص بنحو وحدة المطلوب ، فينتهي الحكم لا محالة بانتهاء أمده حتّى مع تسليم كون الوقت بنظر العرف من قبيل الحالات المتبدّلة دون المقوّمات ، فلا معنى لجريان الاستصحاب حينئذ إلّا إجراؤه في كلّي الوجوب المحتمل بقاؤه في ضمن فرد آخر حدث مقارناً لارتفاع الفرد الأوّل أو قارنه في الوجود ، لكنّه على كلا التقديرين غير مقطوع الثبوت. وقد حقّق في محلّه عدم حجيّة هذا القسم من استصحاب الكلّي (1).
وثالثاً : أنّه على فرض تسليم عدم ظهور الدليل في وحدة المطلوب ، وتسليم كون الوقت من قبيل الحالات المتبدّلة وكلّ ذلك فرض في فرض فالاستصحاب إنّما يتّجه على القسم الثاني من أقسام استصحاب الكلّي ، نظراً إلى أنّ الوجوب في الوقت إذا كان بنحو وحدة المطلوب فقد ارتفع بخروج الوقت قطعاً ، وإذا لم يكن كذلك بل كان على نحو تعدّد المطلوب فهو باق قطعاً فيدور الأمر في الوجوب المذكور بين مقطوع الارتفاع ومقطوع البقاء.
والاستصحاب في هذا القسم وإن كان جارياً في نفسه كما ثبت في محلّه (2)بأن يستصحب الكلّي الجامع بين الفرد القصير والفرد الطويل ، إلّا أنّه لا يكاد يجري في خصوص المقام ، وذلك للأصل الحاكم عليه وهو أصالة عدم تعلّق الوجوب بالطبيعي الجامع بين المأتي به في الوقت وخارجه.
فانّ المتيقن به من الجعل إنّما هو إيجاب الصلاة المقيّدة بالوقت سواء أكان ذلك بنحو وحدة المطلوب أم على سبيل التعدّد فيه ، حيث إنّ القائل بتعدّد
.................................................................................................
المطلوب أيضاً يرى وجوب الصلاة المقيّدة بالوقت أحد المطلوبين ، والمفروض تسالم الطرفين على ارتفاع هذا الوجوب بعد خروج الوقت ، فلا يكون بقاؤه مشكوكاً فيه كي يجري استصحابه بنفسه أو استصحاب الكلّي الموجود في ضمنه.
وأمّا الزائد على هذا المقدار وهو ممّا ينفرد به القائل بتعدّد المطلوب ، أي تعلّق الوجوب بالطبيعي المطلق الشامل لما بعد خروج الوقت فهو مشكوك الحدوث من الأوّل ، وحينئذ فيتمسّك في نفيه بالاستصحاب أو أصالة البراءة عنه ، ومع وجود هذا الأصل الحاكم المنقّح للموضوع والمبيّن لحال الفرد لا تصل النوبة إلى استصحاب الكلّي كما لا يخفي.
وبكلمة واضحة : أنّ الفارق بين المقام وبين سائر موارد القسم الثاني من استصحاب الكلّي كموارد دوران الأمر بين البق والفيل في المثال المعروف ، أو دوران الأمر بين الحدث الأصغر والأكبر ، وغيرهما من موارد الدوران بين الفرد القصير والطويل يتلخّص في أنّ الفردين المردّدين في تلك الموارد يعدّان بنظر العرف متباينين ، وحينئذ فلا يوجد هناك أصل يتكفّل بتعيين أحدهما فإنّ استصحاب عدم كلّ منهما يعارضه استصحاب عدم الآخر.
وهذا بخلاف المقام ، حيث يدور الأمر فيه بين الأقل والأكثر ، فإنّ الأصل المنقّح لأحد الفردين وهو أصالة عدم وجود الزائد على القدر المتيقّن به موجود ، ولا يعارض هذا أصالة عدم تعلّق التكليف بالمتقيّد بالوقت ، لما عرفت من كونه المتيقّن به بحسب الجعل على كلّ تقدير ، وأنّه من المتّفق عليه بين الطرفين.
فتحصّل من ذلك : سقوط الاستصحاب في المقام ، فيكون المرجع عندئذ أصالة البراءة عن القضاء.
وأمّا الجهة الثانية : فقد ثبت وجوب القضاء بمقتضى الأدلّة الخاصة في الصلوات اليومية الفائتة عمداً ، أو سهواً ، أو جهلاً ، أو لأجل النوم المستوعب للوقت ، أو لعدم الإتيان بها على وجهها لفقدها جزءاً أو شرطاً يوجب فقده
.................................................................................................
البطلان كما أفاده المصنف (قدس سره) بلا خلاف في ذلك ، وتدلّ عليه جملة من النصوص :
منها : صحيحة زرارة : «أنّه سئل عن رجل صلّى بغير طهور ، أو نسي صلوات لم يصلّها ، أو نام عنها ، قال : يقضيها إذا ذكرها في أي ساعة ذكرها من ليل أو نهار» (1).
وقد يناقش فيها بعدم دلالتها على العموم ، فهي أخصّ من المدعى. وإلغاء الخصوصية عنها غير واضح ، لعدم القرينة على ذلك ، وعليه فلعلّ الحكم خاصّ بالموارد المذكورة فيها.
وتندفع : بأنّ تلك الموارد لو كانت مذكورة في كلام الإمام (عليه السلام) لكان لما ذكر من دعوى الاختصاص وجه ، لكنّها واردة في كلام السائل ، ومعه لا مجال لتوهّم الاختصاص ، بل ينبغي الحمل على المثال. وهل يظنّ في حقّ السائل احتمال الفرق بين الصلاة الفاقدة للطهور والفاقدة للوقت أو الركوع وغير ذلك من موارد الخلل في الأجزاء أو الشرائط ، أم هل يحتمل في حقّه أنّه قد خطر بباله وجوب القضاء في الصلاة الفاقدة للطهور دون ما لو ترك الصلاة رأساً.
ولا يبعد أن يكون الوجه في تخصيص السؤال بالموارد المذكورة هو الجري على ما تقتضيه طبيعة الحال خارجاً ، فإنّ المؤمن بما هو مؤمن لا يترك الصلاة عامداً ، فاذا فاتته الصلاة فلا يخلو الحال في ذلك من أن يكون الفوت لأجل الإتيان بها فاسدة وقد مثّل لها في الرواية بالصلاة الفاقدة للطهور أو لأجل النسيان ، أو لغلبة النوم ، ولا منشأ على الأغلب لفوت الصلاة غير هذه الوجوه الثلاثة.
وكيف ما كان ، فلا ينبغي الشك في ظهور الصحيحة في كون المنظور إليه بالسؤال فيها هو ترك الفريضة في الوقت وعدم الإتيان بها فيه على وجهها
1) الوسائل 8 : 256 / أبواب قضاء الصلوات ب 2 ح 3.
.................................................................................................
سواء أكان ذلك لأجل تركها رأساً أم لأجل فسادها الناشئ من الإخلال بجزء أو شرط يستوجب الإخلال به البطلان.
والذي يكشف لك عمّا ذكرناه قوله (عليه السلام) في ذيل الصحيحة : «فليصلّ ما فاته ممّا مضى» ، فإنّه كالصريح في كون المناط في الصلاة هو صدق عنوان الفوت كيف ما اتفق وبأي سبب تحقّق ، وأنّه لا خصوصية للموارد المصرّح بها فيها. فالإنصاف هو ظهور الصحيحة فيما ذكرناه ، بل هي باعتبار الذيل تكاد تكون صريحة فيه.
ومنها : صحيحة أُخرى لزرارة قال «قلت له : رجل فاتته صلاة من صلاة السفر فذكرها في الحضر؟ قال : يقضى ما فاته كما فاته ، إن كانت صلاة السفر أدّاها في الحضر مثلها ، وإن كانت صلاة الحضر فيلقض في السفر صلاة الحضر كما فاتته» (1).
فانّ هذه الصحيحة وإن كانت ناظرة إلى اعتبار المماثلة بين الأداء والقضاء من حيث القصر والتمام إلّا أنّ الظاهر منها أنّ وجوب القضاء عند تحقّق عنوان الفوت كان مفروغاً عنه بنظر السائل ، وقد أقرّه المعصوم (عليه السلام) على ذلك.
ومنها : صحيحة زرارة والفضيل عن أبي جعفر (عليه السلام) «متى استيقنت أو شككت في وقت فريضة أنّك لم تصلّها أو في وقت فوتها أنك لم تصلّها صلّيتها ، وإن شككت بعد ما خرج وقت الفوت وقد دخل حائل فلا إعادة عليك من شك حتى تستيقن ، فان استيقنت فعليك أن تصلّيها في أيّ حالة كنت» (2).
وهذه الصحيحة وإن كانت واردة لبيان قاعدة الحيلولة وعدم الاعتناء
أو لأجل النوم المستوعب للوقت (1)
بالشك بعد خروج الوقت لكنّ الذي يظهر منها هي المفروغية عن أصل وجوب القضاء عند الفوت. والعمدة في المقام إنّما هي الصحيحة الاولى.
ثم إنّه لا فرق في وجوب القضاء في مورد ترك الفريضة عمداً بين صورتي العلم والجهل ، قصوراً وتقصيراً ، طالت مدة الجهل أو قصرت كمن أسلم وهو لا يعلم بوجوب الصلاة في شريعة الإسلام برهة من الزمن ، فإنّه يجب القضاء في جميع ذلك ، لإطلاق الفوت المجعول موضوعاً للحكم المذكور في النصوص.
(1) من غير فرق بين النوم المتعارف وغير المتعارف كالنوم أياماً استمراراً لإطلاق الدليل ، نعم عن الشهيد (رحمه اللّه) في الذكرى (1)والشيخ (قدس سره) في المبسوط (2)التفصيل باختصاص القضاء بالنوم المتعارف.
ويستدل لهذا التفصيل بأنّ مدرك الحكم إن كان هو الإجماع فلا إجماع في محلّ الخلاف ، والمتيقّن من مورده إنّما هو النوم المتعارف فيقتصر عليه. وإن كان هو النصّ كصحيحة زرارة المتقدّمة (3)فلا ريب في انصراف إطلاقه إلى الفرد المتعارف.
وفي هذا الاستدلال ما لا يخفى ، فانّ النوم غير المتعارف وإن كان نادر الوجود خارجاً إلّا أنّه من أظهر مصاديق طبيعي النوم وأوضح أفراده ، ولذلك يكون صدق الطبيعي عليه بالأولوية ، وحينئذٍ فكيف يقال بانصراف الإطلاق عنه.
.................................................................................................
وأمّا ندرة وجود الفرد خارجاً فقد تقرّر في محلّه أنّه لا يوجب انصراف الطبيعي عنه ، ولا يمنع عن تحقّق الإطلاق بالنسبة إليه (1)، نعم إطلاق المطلق وإرادة خصوص الفرد النادر منه قبيح ، وهذا أجنبي عن الحكم بشمول المطلق له في ضمن شموله للأفراد غير النادرة بعد فرض صدق الطبيعة على الجميع بملاك واحد ، فإنّه لا إشكال في عدم قبحه.
مع أنّه يكفينا في المقام ذيل صحيحة زرارة المتقدّمة (2)، حيث جعل العبرة في وجوب القضاء بعنوان الفوت كما مرّ ، الذي لا ينبغي الريب في تحقّقه في النوم غير المتعارف على نحو تحقّقه في المتعارف منه ، هذا.
وقد يفصّل في المسألة بتفصيل آخر فيقال بالفرق بين النوم الغالب الخارج عن حدود الاختيار وبين غير الغالب ، فيحكم باختصاص وجوب القضاء بالثاني ، وذلك للتعليل المذكور في بعض روايات المغمى عليه من أنّ ما غلب اللّه عليه فهو أولى بالعذر ، فانّ المستفاد منه هي الملازمة بين نفي القضاء وبين ترك الأداء المستند إلى غلبة اللّه ، الشامل لكلّ من الإغماء والنوم الغالب بمناط واحد ، هذا.
والظاهر هو عدم وجود نصّ معتبر يدلّ على الملازمة المذكورة ، فإنّ ما يمكن الاستدلال به لذلك مخدوش فيه سنداً أو دلالة على سبيل منع الخلو وإليك ذلك :
1 صحيحة علي بن مهزيار : «... عن المغمى عليه يوماً أو أكثر هل يقضي ما فاته من الصلوات أو لا؟ فقال : لا يقضي الصوم ولا يقضي الصلاة ، وكلّ ما غلب اللّه عليه فاللّه أولى بالعذر» (3).
والمناقشة في دلالتها ظاهرة ، إذ لا يمكن الأخذ بظاهر الرواية ، فإنّ القضاء
.................................................................................................
بعد الإفاقة من الإغماء ليس ممّا غلب اللّه عليه (1). فليس هو من مصاديق هذه الكلّية.
وارتكاب التأويل بالالتزام بالحذف والتقدير فيقال : إنّ كلّ ما غلب اللّه عليه أداءً فاللّه أولى بالعذر قضاءً ، ممّا لا شاهد عليه ولا قرينة تقتضيه ، وإن كانت الدلالة على الملازمة حينئذ تامّة.
والظاهر أنّ الصحيحة ناظرة إلى بيان حكمين لموضوعين ، أحدهما : سقوط القضاء بعد ارتفاع العذر ، والآخر : سقوط الأداء حال العذر لكونه ممّا غلب اللّه عليه. فالكلّية المذكورة في ذيل الصحيحة وهي قوله (عليه السلام) : «كلّ ما غلب اللّه عليه فاللّه أولى بالعذر» بمنزلة العلّة لحكم آخر وهو سقوط الأداء حال العذر دون الحكم المذكور في صدر الرواية ، إذ لا يرتبط التعليل بذلك كما عرفت (2).
وعليه فلا شك في سقوط الأداء في النوم المستوعب لأجل الكلّية المذكورة في ذيل الصحيحة ، وأمّا القضاء الذي هو المبحوث عنه في المقام فلا تدلّ الصحيحة على نفيه إلّا بالتأويل الذي لا يصار إليه مع عدم وجود الشاهد عليه.
2 ما رواه الصدوق (رحمه اللّه) بإسناده عن الفضل بن شاذان عن الرضا (عليه السلام) في حديث «قال : وكذلك كلّ ما غلب اللّه عليه ، مثل الذي يغمى عليه في يوم وليلة ، فلا يجب عليه قضاء الصلوات كما قال الصادق (عليه السلام) : كلّ ما غلب اللّه على العبد فهو أعذر له» (3).
.................................................................................................
ودلالتها على الملازمة ظاهرة ، بل تكاد تكون صريحة في المطلوب ، غير أنّها ضعيفة السند ، لضعف طريق الصدوق (رحمه اللّه) إلى الفضل بن شاذان ، فانّ له إليه طريقين كما نبّه عليه صاحب الوسائل (رحمه اللّه) في الخاتمة ، وفي أحدهما ابن عبدوس وابن قتيبة ، وفي الآخر جعفر بن نعيم بن شاذان ومحمد ابن أحمد بن شاذان (1)، ولم يرد في أيّ واحد منهم التوثيق.
3 - ما رواه أيضاً في العلل والخصال عن محمد بن الحسن عن الصفار ، عن أحمد بن محمد ، عن ابن سنان ، عن عبد اللّه بن مسكان ، عن موسى بن بكر قال «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : الرجل يغمى عليه يوماً أو يومين أو الثلاثة أو الأربعة أو أكثر من ذلك ، كم يقضي من صلاته؟ قال : ألا أُخبرك بما يجمع هذه الأشياء ، كلّ ما غلب اللّه عليه من أمر فاللّه أعذر لعبده. قال : وزاد فيه غيره أي قال عبد اللّه بن مسكان : وزاد فيه غير موسى بن بكر أنّ أبا عبد اللّه (عليه السلام) قال : هذا من الأبواب التي يفتح كلّ باب منها ألف باب» (2).
ودلالتها على الملازمة كسابقتها ظاهرة ، بل لعلّها تكون أظهر ، سيما بملاحظة الذيل ، ولكنّها قاصرة السند بابن سنان ، فإنّه محمّد بن سنان بقرينة روايته عن عبد اللّه بن مسكان ، إذ هو الراوي عنه ، وأمّا عبد اللّه بن سنان فابن مسكان يروي عنه دون العكس. كما يقتضيه أيضاً رواية أحمد بن محمد عنه فإنّه كالحسين بن سعيد إنّما يروي عن محمّد بن سنان ولا يمكنه لاختلاف الطبقة الرواية عن عبد اللّه بن سنان. وأمّا موسى بن بكر نفسه فهو وإن كان محلّاً للخلاف ولكنّ الأظهر وثاقته (3)فلا نقاش في السند من ناحيته.
.................................................................................................
4 - رواية مرازم قال : «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن المريض لا يقدر على الصلاة؟ قال فقال : كلّ ما غلب اللّه عليه فاللّه أولى بالعذر» (1).
وهي ضعيفة السند بعلي بن حديد ، والدلالة لعدم التعرّض فيها للقضاء وإنّما هي تنظر إلى الأداء فقط ، كما أنّه لا اختصاص لها بالمغمى عليه وإنّما تعمّ مطلق المريض.
5 - صحيحة عبد اللّه بن سنان : «كلّ ما غلب اللّه عليه فليس على صاحبه شيء» (2). وهي ضعيفة الدلالة لعين ما تقدّم في الرواية السابقة (3).
فتحصّل من ذلك : أنّ الأخبار المذكورة بين ضعيف السند وضعيف الدلالة على سبيل منع الخلو ، ولأجل ذلك لا يمكن الاستدلال بها.
ثمّ إنّه لو سلّم وجود نصّ معتبر في المسألة فلا بدّ من تخصيصه بغير النوم وذلك لأنّ النوم حدوثاً وإن كان ينقسم إلى ما يكون باختيار الإنسان وإرادته وما يكون بغلبة اللّه وقهره ، ولأجل ذلك يصحّ جعله متعلّقاً للتكليف كأن يحكم بحرمة النوم في وقت معيّن ، إلّا أنّه بقاءً لا يكون إلّا بغلبة اللّه وقهره ، قال تعالى ( اللّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرى إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) (4)فالاستيقاظ يكون بيده تعالى ، فان شاء أعاد النفس وأيقظ العبد ، وإن شاء بقيت منفصلة عن البدن وتحقّق الموت. فالنوم بقاءً خارج عن اختيار العبد بالكليّة.
ولا شكّ في أنّ النوم المستوعب للوقت ولا سيما بالإضافة إلى صلاة الفجر كثير التحقّق خارجاً ، بل هو من الأفراد الشائعة ، لكثرة ابتلاء المكلّفين به في
.................................................................................................
هذه الفترة القصيرة ، والمفروض كون النوم ولو بقاءً بغلبة اللّه ، فاذا كان مثل هذا مشمولاً للنصوص المتقدّمة لكونه ممّا غلب اللّه عليه أداءً وفرضنا الملازمة بينه وبين سقوط القضاء كان اللازم حينئذ إخراج هذا الفرد عن الإطلاقات المتقدّمة كصحيحة زرارة (1)وغيرها ، الدالّة على وجوب القضاء عند الفوت المستند إلى النوم.
وهو كما ترى ، فإنّه كيف يمكن الالتزام بإخراج الفرد الشائع عن تحت الإطلاق وحمله على الفرد النادر. فلا مناص إذن من الالتزام بالتخصيص بالنسبة إلى تلكم النصوص الدالّة على الملازمة بين سقوط القضاء وسقوط الأداء الناشئ من غلبة اللّه بأن يقال باختصاص ذلك بغير النوم ، حيث لا ملازمة بين الأمرين في مورد النوم.
ومع الغضّ عن ذلك فيكفي لإثبات التخصيص ما ورد في نوم النبيّ (صلى اللّه عليه وآله وسلم) عن صلاة الغداة كما في موثّق سماعة بن مهران قال : «سألته عن رجل نسي أن يصلّي الصبح حتّى طلعت الشمس ، قال : يصلّيها حين يذكرها ، فانّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) رقد عن صلاة الفجر حتّى طلعت الشمس ثمّ صلّاها حين استيقظ ، ولكنّه تنحّى عن مكانه ذلك ثمّ صلّى» (2)، فانّ رقوده كان بغلبة اللّه بعد القطع بعدم نومه عن الفريضة اختياراً. وقد ورد في بعض النصوص ما يدلّ على أنّ ذلك كان رحمة من اللّه تعالى كي لا يعاب أحد بعد ذلك على مثله (3).
والحاصل : أنّ الرواية قد دلّت على قضاء النبيّ (صلى اللّه عليه وآله وسلم) حينما استيقظ ، فلو كانت الملازمة المتقدّمة ثابتة لما كان هناك موجب للقضاء.
أو للمرض ونحوه (1) وكذا إذا أتى بها باطلة لفقد شرط أو جزء يوجب تركه البطلان بأن كان على وجه العمد أو كان من الأركان (2).
فالالتزام بالتخصيص ممّا لا محيص عنه لو سلّم دلالة النصوص على الملازمة كيف وقد عرفت منعها. فالأقوى وجوب القضاء في النوم الغالب كغيره.
(1) لم يظهر وجهه ، ضرورة أنّ المرض بعنوانه لا يكون موجباً لترك الفريضة في قبال العمد والجهل والسهو والنوم ، فإنّه ليس من الأعذار التي يسوغ معها ترك الصلاة ، غايته أنّ المريض إنّما يصلّي على حسب طاقته وما تقتضيه وظيفته من الصلاة جالساً أو مضطجعاً أو إيماءً حسب اختلاف مراتب المرض. فعدّه سبباً مستقلا في قبال الأُمور التي ذكرها أوّلاً غير وجيه ، لا سيما مع العطف عليه بقوله : ونحوه. ولعلّ ذلك سهو من قلمه الشريف أو من النساخ.
(2) أمّا في الأركان فلصحيحة زرارة المتقدمة (1)الدالّة على وجوب القضاء على من صلّى بغير طهور ، بناء على ما عرفت من أنّ ذلك مثال للصلاة الفاسدة لعدم احتمال انقداح الفرق في ذهن السائل بين الصلاة الفاقدة للطهارة والفاقدة لغيرها ممّا يوجب البطلان كالقبلة والوقت والركوع ونحوها. على أنّه يكفي في وجوب القضاء صدق عنوان الفوت المجعول موضوعاً لهذا الحكم في ذيل الصحيحة المذكورة كما تقدّم (2).
وأمّا غير الأركان فإن كان تركه على وجه العمد فلا إشكال في وجوب القضاء بالبيان المتقدّم ، وإن كان ذلك سهواً فلا تجب الإعادة فيه فضلاً عن القضاء ، لعدم فوت شيء بعد فرض اختصاص الجزئية أو الشرطية بحال الذكر
.................................................................................................
المستفاد من صحيحة «لا تعاد الصلاة ...» (1)الحاكمة على أدلّة الأجزاء والشرائط.
وإن كان جهلاً فكذلك ، بناء على ما هو الصحيح من شمول الحديث للجاهل وعدم اختصاصه بالناسي ، وإن أصرّ عليه شيخنا الأُستاذ (قدس سره) (2). هذا إذا كان الجاهل قاصراً بأن كان معذوراً في جهله كما لو أدّى اجتهاده أو اجتهاد مقلّده إلى عدم وجوب السورة في الصلاة ثمّ تبدّل رأيه بعد ذلك.
وأمّا المقصّر فالظاهر وجوب القضاء عليه كوجوب الإعادة ، لا لقصور في حديث «لا تعاد الصلاة ...» ، بل لمحذور آخر في شمول الحديث له ، وهو لزوم حمل الروايات الكثيرة الدالّة على الحكم بالإعادة في مورد ترك جزء أو شرط أو الإتيان بمانع على الفرد النادر وهو العالم العامد ، إذ لا شك في أنّ السؤال في هذه الروايات غالباً عن الجاهل المقصّر. فإخراجه عنها وإدراجه في حديث «لا تعاد ...» المستلزم لتخصيص الروايات المذكورة بالعامد يستوجب حمل المطلقات على الفرد النادر ، وهو قبيح. فلأجل الفرار عن المحذور المذكور يحكم باختصاص الحديث بالجاهل القاصر ولا يعمّ المقصّر.
وأمّا الجاهل المتردّد في الحكم فهو غير مشمول للحديث ، لاختصاصه بمن يرى صحة العمل وفراغ الذمة والإتيان بما هو وظيفته تماماً ثم يبدو له بعد ذلك بطلان العمل وعدم وقوعه على وجهه بحيث يحتاج إلى الإعادة ، كما يفصح عن ذلك التعبير في الحديث بالإعادة ، والمتردّد شاكّ في صحّة العمل من أوّل الأمر فنفس الأمر الأوّل باقٍ على حاله ، لعدم الامتثال المسقط له ، بلا حاجة إلى الأمر بالإعادة ، لعدم الموضوع للإعادة حينئذ.
هذا كلّه فيما إذا ثبتت الجزئية أو الشرطية بدليل لفظي أو بأصل محرز كالاستصحاب ، وأمّا إذا كان ثبوتها بدليل عقلي كالعلم الإجمالي أو قاعدة
.................................................................................................
الاشتغال فربما يستشكل في وجوب القضاء حينئذ بأنّه بأمر جديد كما مرّ (1)وموضوعه هو الفوت ، وهو غير محرز ، لاحتمال أن يكون ما أتى به في الوقت مطابقاً للواقع ، فلم يكن قد فاته شيء. وواضح أنّ استصحاب عدم الإتيان بالمأمور به في الوقت لا يجدي لإثبات الفوت كي يترتّب عليه وجوب القضاء وعليه فأصالة البراءة عنه محكّمة.
وقد أجاب المحقّق الهمداني (قدس سره) (2)عن الإشكال أوّلاً : باتحاد الفوت مع الترك ، وعدم الفرق بينهما إلّا في مجرّد التعبير ، فاستصحاب عدم الإتيان يكفي لإثبات وجوب القضاء.
وفي هذا الكلام ما لا يخفى ، فانّ الفوت عنوان وجودي يساوق التعبير بالذهاب من الكيس ، وليس هو بحسب المفهوم متّحداً مع الترك الذي هو أمر عدمي ، وإن كان ممّا يتحصّل منه ويتسبّب بالترك إليه.
ولذلك لا يصدق الفوت بقول مطلق بالترك في مقدار من الوقت ، وإنّما يصدق ذلك باعتبار فوت وقت الفضيلة ، وأمّا الصدق بقول مطلق فهو يتوقّف على ذهاب الوقت كلّه ، وهذا بخلاف عنوان الترك وعدم الإتيان فإنّه يصدق حتى في أثناء الوقت فيقال : تركت الصلاة ، أو لم آت بها ، ولا يقال : فاتتني الصلاة. فاستصحاب العدم لا يجدي لإثبات عنوان الفوت.
وأجاب عنه (قدس سره) ثانياً : بأنّ الأمر بالقضاء عند الفوت كاشف عن تعدّد المطلوب وكون الواجب في الوقت أمرين ، أحدهما : طبيعي الصلاة والآخر : إيقاعها في الوقت ، وإلّا فمع وحدة المطلوب لا وجه للأمر بالقضاء.
وبعد سقوط الأمر بالمطلوب الآخر بخروج الوقت نشك في ارتفاع الأمر المتعلّق بالطبيعي ، للشك في مطابقة المأتي به للمأمور به فيستصحب بقاؤه فيجب الاحتياط في القضاء لعين الملاك الموجب له في الأداء ، وهو تعلّق الأمر
.................................................................................................
بطبيعي الصلاة المفروض فيه الشك في سقوطه بدون الإتيان بجزء أو شرط.
وأنت خبير بأنّ صدور هذا الكلام من مثله عجيب ، فإنّ الأمر بالقضاء لازم أعم لتعدّد المطلوب ، فكما يمكن فيه أن يكون لأجل ذلك يمكن أن يكون لأجل مصلحة أُخرى دعت المولى إلى الأمر به عند الفوت مع فرض وحدة المطلوب في الوقت. فلا ملازمة إذن بين وجوب القضاء وبين تعدّد المطلوب كي يكون ثبوت الوجوب كاشفاً عن ذلك.
والذي ينبغي أن يقال هو التفصيل بين تنجّز التكليف الموجب للاحتياط في الوقت ، وبين حدوث المنجّز خارج الوقت.
فعلى الثاني كما إذا بنى في الوقت على وجوب القصر مثلاً في بعض الفروض الخلافية ثمّ بعد خروجه انقدح في نفسه التشكيك في الدليل وتردّد فيما هو وظيفته من القصر والتمام ، فكانت وظيفته حينئذ الجمع بين الأمرين احتياطاً ، لأجل العلم الإجمالي المنجّز الحادث بعد الوقت يجب عليه الاحتياط بالنسبة إلى الصلوات الآتية ما لم يستقرّ رأيه في المسألة على أحد الأمرين.
وأمّا بالنسبة إلى الصلاة التي مضى وقتها فلا يجب الاحتياط عليه بقضاء الصلاة تماماً ، لأنّه تابع لصدق الفوت وهو غير محرز ، لاحتمال أن تكون الوظيفة هي التي أتى بها في الوقت وهي الصلاة قصراً فلم يفت منه شيء. فما كانت وظيفته في الوقت قد أتى بها على وجهها على الفرض ، وما هو موضوع القضاء أعني فوت الفريضة غير محرز وجداناً ، ومقتضى الأصل البراءة عنه. ولعلّ نفي القضاء في هذه الصورة متسالم عليه وخارج عن محلّ الكلام.
وأمّا على الأوّل أعني ثبوت المنجّز في الوقت ووجوب الاحتياط بقاعدة الاشتغال والعلم الإجمالي.
فبناء على وجوب الاحتياط شرعاً المستفاد ذلك من الأخبار كما التزم به بعضهم فلا ينبغي الشكّ في وجوب القضاء حينئذ ، لأنّ الوظيفة الشرعية
.................................................................................................
ظاهراً هو الاحتياط من دون فرق في ذلك بين الشبهة الحكمية كالقصر والتمام والظهر والجمعة ، والموضوعية كما في صورة تردّد الساتر بين الطاهر والنجس وقد أخلّ بما هو وظيفته في أمثال ذلك على الفرض فلم يعمل بالاحتياط ولم يأت في الوقت إلّا ببعض الأطراف ، فلم يكن قد امتثل الفريضة الواجبة عليه في مرحلة الظاهر أعني الجمع بين الصلاتين الذي هو مصداق الاحتياط الواجب عليه ظاهراً فقد فاتته الفريضة الظاهرية وجداناً ، فيشمله لا محالة عموم أدلّة القضاء المأخوذ في موضوعها عنوان فوت الفريضة وهو أعم من فوت الفريضة الواقعية والظاهرية بلا إشكال.
ومن هنا لم يستشكل أحد في وجوب القضاء فيما لو صلّى في ثوب مستصحب النجاسة ، مع أنّ فوت الفريضة الواقعية غير محرز هنا ، لاحتمال طهارة الثوب واقعاً وعدم إصابة الاستصحاب للواقع ، وليس ذلك إلا لأجل أنّ وظيفته الظاهرية بمقتضى الاستصحاب كان هو الاجتناب عن الثوب المذكور وإيقاع الصلاة في ثوب طاهر ولكنّه أخلّ بذلك ففاتته الفريضة الظاهرية ، فيندرج لذلك تحت عموم أدلّة القضاء.
ولا فرق بين الاستصحاب وبين قاعدة الاحتياط بعد البناء على وجوبه شرعاً كما هو المفروض ، لكون كلّ منهما حكماً ظاهرياً مقرّراً في ظرف الشكّ.
وأمّا بناءً على وجوب الاحتياط بحكم العقل بمناط قاعدة الاشتغال والعلم الإجمالي لا بحكم الشارع كما هو الصحيح ، وقد بيناه في محلّه (1)فاللازم حينئذ هو القضاء أيضاً ، وذلك لأنّ المفروض تنجّز الواقع في الوقت ، وبعد الإتيان بأحد طرفي العلم الإجمالي كالقصر يشكّ في سقوط التكليف المتعلّق بطبيعي الصلاة ومقتضى الاستصحاب بقاؤه ، بناءً على ما هو الصواب من جريانه في القسم الثاني من استصحاب الكلّي.
فإنّ المقام من هذا القبيل ، إذ لو كان المأمور به هو القصر فقد سقط
1) مصباح الأُصول 2 : 344 وما بعدها.
.................................................................................................
بالامتثال قطعاً ، وإن كان هو التمام فهو باقٍ يقيناً ، فيستصحب شخص الوجوب المضاف إلى طبيعي الصلاة ، فإنّ الحصّة من الطبيعي المتحقّقة في ضمن الفرد تكون ذات إضافتين حقيقيتين ، إحداهما إلى الفرد والأُخرى إلى الطبيعي. فالحصّة من طبيعي الإنسان الموجودة في ضمن زيد تضاف مرّة إلى الفرد فيقال : هذا زيد ، وأُخرى إلى الطبيعة فيقال : هذا إنسان ، وكلتا الإضافتين على سبيل الحقيقة ، ولا يعتبر في استصحاب الكلّي في القسم الثاني أكثر من إضافة الحصّة إلى الطبيعة كما تقرّر في محلّه (1).
وعلى هذا فالحصّة المتشخّصة من الوجوب الحادثة في الوقت وإن كانت باعتبار إضافتها إلى الفرد مشكوكة الحدوث ، لتردّد الحادث بين القصر والتمام حسب الفرض لكنّها بالقياس إلى طبيعي الصلاة متيقّنة الحدوث مشكوكة الارتفاع ، فيستصحب بقاؤها بعد تمامية أركان الاستصحاب.
وبهذا البيان يندفع ما قد تكرّر في بعض الكلمات في هذا المقام وأمثاله من المنع عن جريان الاستصحاب لكونه من استصحاب [الفرد] المردّد ولا نقول به إذ لا نعقل معنى صحيحاً لاستصحاب الفرد المردّد ، حيث إنّه لا وجود للمردّد خارجاً كي يجري استصحابه أو لا يجري ، فانّ الوجود يساوق التشخّص. فكلّ ما وجد في الخارج فهو فرد معيّن مشخّص لا تردّد فيه ، غاية الأمر أنّ ذلك الفرد المعيّن قد يكون ممّا نعلمه وقد لا نعلمه ، فالتردّد إنّما يكون في أُفق النفس ، لا في وجود الفرد خارجاً الذي هو الموضوع للأحكام.
وجه الاندفاع : أنّ المستصحب كما عرفت إنّما هو شخص الوجوب الحادث الذي هو فرد مشخّص معيّن ، لكن لا باعتبار إضافته إلى الفرد لعدم العلم به بعد تردّده بين القصر والتمام ، بل باعتبار إضافته إلى الطبيعة ، وهو بهذا الاعتبار متيقّن الحدوث مشكوك البقاء.
وكيف كان فهذا الاستصحاب وهو من القسم الثاني من استصحاب الكلّي
1) مصباح الأُصول 3 : 105 وما بعدها.
ولا يجب على الصبيّ إذا لم يبلغ في أثناء الوقت ، ولا على المجنون في تمامه مطبقاً كان أو أدوارياً (1).
جارٍ في المقام ، وبمقتضاه يحكم ببقاء الوجوب المتعلّق بطبيعي الصلاة ، ولا يكاد يحرز فراغ الذمّة عن هذا الواجب إلّا بالإتيان بالطرف الآخر للعلم الإجمالي ، فما لم يؤت به كانت الفريضة الشرعيّة الظاهرية الثابتة ببركة الاستصحاب باقية بحالها ، فاذا كان الحال كذلك حتّى خرج الوقت فقد فاتته الفريضة الظاهرية وجداناً ، من دون حاجة إلى إثبات ذلك بالأصل.
وقد عرفت آنفا أنّ الفوت المأخوذ في موضوع وجوب القضاء أعم من فوت الفريضة الواقعية والظاهرية. فالمقام نظير ما لو شك في الوقت في الإتيان بالفريضة فوجب عليه ذلك استصحاباً إلّا أنّه لم يصلّ نسياناً أو عصياناً ، فإنّه لا إشكال في وجوب القضاء عليه حينئذ مع أنّ فوت الفريضة الواقعية غير محرز ، وإنّما المحرز فوت الفريضة الظاهرية الثابتة بمقتضى الاستصحاب ، فاذا كان هذا المقدار ممّا يكفي للحكم بوجوب القضاء هناك كفى في المقام أيضاً لوحدة المناط.
وقد تحصّل من ذلك : أنّه لا فرق في وجوب القضاء بين ما إذا كانت الجزئية أو الشرطية ثابتة بدليل شرعي أو بحكومة العقل من باب الاحتياط مع فرض ثبوت المنجّز في الوقت ، وأمّا مع حدوثه في خارجه فلا يجب القضاء. ولعلّ هذا كما سبق هو المتسالم عليه بين الأصحاب وخارج عن محلّ الكلام.
(1) للإجماع على عدم وجوب القضاء على الصبي والمجنون ، بل قد عدّ ذلك من ضروريات الدين ، وعليه فيستدلّ لسقوط القضاء بالإجماع والضرورة.
ولا يخفى أنّ الأمر وإن كان كذلك ، إذ لم يعهد من أحد من الأئمة (عليهم
.................................................................................................
السلام) أو غيرهم أمرُ أولادهم بقضاء ما فاتتهم من الصلوات أيّام الصبا ، ولا سيما الفائتة منهم في دور الرضاعة. إلّا أنّ ذلك ليس من باب الاستثناء وتخصيص أدلّة وجوب القضاء كي نحتاج في المسألة إلى الاستدلال بالإجماع والضرورة.
بل الوجه في ذلك خروجها عن موضوع دليل القضاء تخصّصاً وعدم شموله لهما من الأوّل ، فإنّ موضوعه كما أُشير إليه في ذيل صحيح زرارة المتقدّم (1)فوت الفريضة ولو أنّها كانت كذلك بالقوة والشأن لأجل الاقتران بمانع خارجي كالنوم أو النسيان أو الحيض ونحو ذلك يحول دون بلوغ مرحلة الفعلية.
وهذا المعنى غير متحقّق في الصبي والمجنون ، لعدم أهليتهما للتكليف ، وأنّه لم يوضع عليهما قلم التشريع من الأوّل ، فلم يفتهما شيء أبداً. فلا مقتضي ولا موضوع لوجوب القضاء بالإضافة إليهما.
بل الحال كذلك حتّى بناءً على تبعية القضاء للأداء وعدم كونه بأمر جديد إذ لا أمر بالأداء في حقّهما كي يستتبع ذلك الأمر بالقضاء كما هو ظاهر.
وبهذا البيان تظهر صحة الاستدلال للحكم المذكور بحديث «رفع القلم عن الصبي حتّى يحتلم ، وعن المجنون حتّى يفيق» (2)، ولا يتوجّه عليه ما أورده المحقّق الهمداني (قدس سره) عليه من أنّ الحديث ناظر إلى سقوط التكليف بالأداء حال الصغر والجنون ، ولا يدلّ على نفي القضاء بعد البلوغ والإفاقة الذي هو محلّ الكلام ، ولا ملازمة بين الأمرين كما في النائم وهو ممّن رفع عنه القلم حتى يستيقظ ، حيث يجب عليه القضاء (3).
وذلك لأنّ الاستدلال إنّما يكون بالمدلول الالتزامي للحديث ، فانّ لازم
ولا على المغمى عليه في تمامه (1).
ارتفاع قلم الأداء عن الصبي والمجنون هو عدم فوت شيء منهما ، فلم يبق موضوع لوجوب القضاء. فهذا الحديث بمثابة المخصّص لأدلّة التكاليف الأولية ويكشف عن اختصاصها بغيرهما ، فحيث لا تكليف لهما فلا فوت أيضاً. فالاستدلال بالحديث في محلّه.
(1) على المشهور من عدم وجوب قضاء الصلوات الفائتة حال الإغماء إلّا الصلاة التي أفاق في وقتها ولكن لم يأت بها لنوم أو نسيان أو عصيان ، فيجب قضاؤها خاصة ، لعدم استناد الفوت حينئذ إلى الإغماء. فالمناط في السقوط هو الإغماء المستوعب لتمام الوقت.
وعن الصدوق (قدس سره) في المقنع وجوب القضاء (1)، وظاهر كلامه وإن كان هو الوجوب خلافاً للمشهور إلّا أنّه لا يأبى عن الحمل على الاستحباب كما اختاره في الفقيه (2).
وكيف ما كان ، فالكلام يقع تارة في ثبوت المقتضي للقضاء ، وأُخرى في وجود المانع منه.
أمّا المقتضي : فلا ينبغي الشك في ثبوته ، ضرورة عدم كون المغمى عليه بمثابة الصغير والمجنون في الخروج عن أدلّة التكاليف تخصّصاً ذاتياً لأجل فقد الاستعداد وعدم القابلية لتعلّق الخطاب ، بل حال الإغماء هو حال النوم ، بل لعلّه هو النوم بمرتبته الشديدة ، فيكونان مندرجين تحت جامع واحد.
وعليه فكما أنّ النائم تكون له شأنية الخطاب ويصلح لأنّ يتعلّق التكليف
.................................................................................................
به ذاتاً ويكون واجداً للملاك غير أنّ اقترانه بالمانع وهو النوم يمنع الخطاب عن الفعلية والتنجّز ، كما في موارد النسيان والعجز ، كذلك المغمى عليه يكون بحسب ذاته صالحاً للخطاب وأهلاً له.
وبهذا الاعتبار صحّ إطلاق الفوت في حقّه ، كما في الحائض والنائم ونحوهما فيشمله عموم أدلّة القضاء ، لانطباق موضوعها وهو الفوت عليه ، فانّ العبرة بفوت الفريضة ولو شأناً وملاكاً كما في النائم ، لا خصوص ما هو فريضة فعلية. فلا قصور إذن من ناحية المقتضي ، وإنّما لم يحكم فيه بالقضاء لأجل المانع ، وهي الروايات الخاصّة الواردة في المقام كما ستعرفها إن شاء اللّه.
ويكشف عمّا ذكرناه التعبير بالفوت في لسان كلتا الطائفتين من الأخبار الواردة في المقام ، أعني بهما المثبتة للقضاء والنافية له ، إذ لولا ثبوت المقتضي للقضاء وهو صلوحه لأن يتوجّه إليه التكليف بالأداء ولو شأناً لما صحّ إطلاق الفوت في حقّه ، لعدم فوت شيء منه أصلاً ، كما هو الحال في الصبيّ والمجنون الفاقدين لاستعداد توجّه التكليف إليهما حسبما مرّ. فنفس هذا التعبير خير شاهد على تمامية المقتضي.
وأمّا المانع عن ذلك فهي الروايات المعتبرة المتضمّنة لنفي القضاء ، وهي بين مطلق وبين مصرّح باليوم أو أكثر. ولكن بإزائها روايات أُخر معتبرة أيضاً دلّت على وجوب القضاء مطلقاً أو قضاء يوم واحد ، أو ثلاثة أيام مطلقاً ، أو الثلاثة من شهر فيما إذا استمر الإغماء شهراً واحداً ، فهي متعارضة المضمون بين ناف للقضاء ومثبت له على وجه الإطلاق أو التقييد.
أمّا النافية للقضاء فمنها : صحيح الحلبي «أنّه سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن المريض هل يقضي الصلوات إذا أُغمي عليه؟ فقال : لا ، إلّا الصلاة التي أفاق فيها» (1).
1) الوسائل 8 : 258 / أبواب قضاء الصلوات ب 3 ح 1.
.................................................................................................
وخبر معمر بن عمر قال : «سألت أبا جعفر (أبا عبد اللّه) (عليه السلام) عن المريض يقضي الصلاة إذا أُغمي عليه؟ قال : لا» (1).
وصحيح أبي بصير عن أحدهما (عليهما السلام) قال : «سألته عن المريض يغمى عليه ثم يفيق كيف يقضي صلاته؟ قال : يقضي الصلاة التي أدرك وقتها» (2).
وصحيح علي بن مهزيار قال : «سألته عن المغمى عليه يوماً أو أكثر هل يقضي ما فاته من الصلاة أم لا؟ فكتب (عليه السلام) : لا يقضي الصوم ، ولا يقضي الصلاة» (3).
وصحيح أيّوب بن نوح «أنّه كتب إلى أبي الحسن الثالث (عليه السلام) يسأله عن المغمى عليه يوماً أو أكثر هل يقضي ما فاته من الصلوات أو لا؟ فكتب : لا يقضي الصوم ، ولا يقضي الصلاة» (4).
وفي الخبرين الأخيرين التصريح باليوم أو أكثر.
وأمّا المثبتة مطلقاً فكصحيح رفاعة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «سألته عن المغمى عليه شهراً ما يقضي من الصلاة؟ قال : يقضيها كلّها ، إنّ أمر الصلاة شديد» (5).
وأمّا المفصّلة فمنها : ما دلّ على قضاء اليوم الواحد كصحيح حفص عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «سألته عن المغمى عليه ، قال فقال : يقضي صلاة يوم» (6).
ومنها : ما دلّ على القضاء ثلاثة أيام كموثّق سماعة قال : «سألته عن
1) الوسائل 8 : 261 / أبواب قضاء الصلوات ب 3 ح 15.
2) الوسائل 8 : 262 / أبواب قضاء الصلوات ب 3 ح 17 ، 18.
3) الوسائل 8 : 262 / أبواب قضاء الصلوات ب 3 ح 17 ، 18.
4) الوسائل 8 : 259 / أبواب قضاء الصلوات ب 3 ح 2.
5) الوسائل 8 : 265 / أبواب قضاء الصلوات ب 4 ح 4.
6) الوسائل 8 : 267 / أبواب قضاء الصلوات ب 4 ح 14.
.................................................................................................
المريض يغمى عليه ، قال : إذا جاز عليه ثلاثة أيّام فليس عليه قضاء. وإذا أُغمي عليه ثلاثة أيّام فعليه قضاء الصلاة فيهنّ» (1). فقد دلّت الموثّقة على التفصيل بين ما إذا تجاوز الإغماء عن ثلاثة أيام فلا قضاء عليه أصلاً ، وبين عدم التجاوز عن الثلاثة فيجب القضاء.
ومنها : ما دلّ على قضاء ثلاثة من الشهر كصحيح أبي بصير قال «قلت لأبي جعفر (عليه السلام) : رجل أُغمي عليه شهراً أيقضي شيئاً من صلاته؟ قال : يقضي منها ثلاثة أيّام» (2).
وهذه التفاصيل منافية لما تضمّنته الروايتان المتقدّمتان وهما روايتا ابن مهزيار وأيّوب بن نوح ، المصرّحتان بنفي قضاء اليوم الواحد والأكثر ، فتقع المعارضة بينهما في ذلك لا محالة.
هذه هي روايات الباب ، وهي كما ترى بين نافية ومثبتة للقضاء مطلقاً أو على وجه التقييد ، وقد اختلفت كلمات القوم في وجه الجمع بينها.
فالمشهور هو الجمع بينها بالحمل على الاستحباب ، تقديماً للنصّ على الظاهر لصراحة الطائفة الاولى في نفي الوجوب ، وظهور الثانية في الوجوب فيتصرف في الثاني بالحمل على الاستحباب ، كما هو الحال في أمثال ذلك من الموارد.
ويؤيّد الجمع المذكور رواية أبي كهمس قال : «سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) وسئل عن المغمى عليه ، أيقضي ما تركه من الصلاة؟ فقال : أمّا أنا وولدي وأهلي فنفعل ذلك» (3)، فإنّها ظاهرة في الاستحباب ، إذ لو كان الحكم المذكور ثابتاً بنحو الوجوب لم يكن وجه لتخصيصه بنفسه وولده.
وعن بعضهم الجمع بالحمل على التقيّة ، لموافقة الروايات النافية لمذهب العامة.
.................................................................................................
ولكنه كما ترى ، فانّ التصرّف في جهة الصدور يتفرّع على استقرار التعارض الموقوف ذلك على امتناع الجمع الدلالي ، وإلّا فمع إمكانه بتقديم النصّ على الظاهر كما في المقام ، حيث إنّ الحمل على الاستحباب من أنحاء التوفيق العرفي بين الدليلين لا تصل النوبة إلى الحمل على التقية. فالصحيح هو الجمع المشهور.
وأمّا الاختلاف بين الطائفة المثبتة للقضاء من الحكم في بعضها بقضاء يوم وفي بعضها الآخر بقضاء ثلاثة أيام ، وفي ثالث بالقضاء مطلقاً فهو محمول على الاختلاف في مراتب الفضل ، فالأفضل هو قضاء جميع الصلوات ، ودونه في الفضل قضاء ثلاثة أيام من الشهر فيما لو استمر الإغماء شهراً كاملاً كما هو مورد النصّ وقد تقدّم ودونهما في الفضل قضاء اليوم الذي أُغمي فيه ، وبهذا يندفع التنافي المتراءى بين الأخبار.
وأمّا قضاء الصلاة التي أفاق في وقتها ثم تركها لعذر آخر من نوم ونحوه فقد عرفت في صدر البحث وجوبه ، وأنّه خارج عن محلّ الكلام ، فانّ موضوع الحكم في المقام نصاً وفتوى هو الإغماء المستوعب للوقت ، بحيث يستند ترك الأداء إليه دون الترك المستند إلى غير الإغماء.
هل يختص الحكم وهو نفي القضاء بما إذا كان الإغماء قهرياً ، أو يعمّ الحاصل بالاختيار وبفعل المكلّف نفسه كما لو شرب شيئاً يستوجب الإغماء عن علم وعمد فأُغمي عليه حتى انقضى الوقت ، فهل يسقط القضاء حينئذ إمّا مطلقاً أو في خصوص ما إذا لم يكن على وجه المعصية كما إذا كان مكرهاً أو مضطرّاً في فعله؟ وجوه ، بل أقوال ، وقد تعرّض الماتن (قدس سره) لذلك في ضمن المسائل الآتية ، ولكنّا نقدم البحث عنه هنا لمناسبة المقام فنقول :
لا بدّ من فرض الكلام فيما إذا لم يحصل السبب الاختياري بعد دخول الوقت وتنجّز التكليف ، أمّا لو دخل وبعده ولو بمقدار نصف دقيقة ، بحيث لم يسعه
.................................................................................................
الإتيان بالصلاة فيه فعل باختياره ما يوجب الإغماء ، سواء أكان ذلك على وجه المعصية أم لا ، فلا ينبغي الإشكال حينئذ في وجوب القضاء ، فانّ المستفاد من قوله تعالى ( أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ ) ... (1)وكذلك الروايات توجّه الخطاب الفعلي وتنجّز التكليف بمجرّد دخول الوقت ، فيكون التسبيب منه إلى الإغماء تفويتاً للفريضة المنجّزة ، وبذلك يتحقّق الفوت الذي يكون موضوعاً لوجوب القضاء. ولا ينبغي الشك في انصراف نصوص السقوط عن مثل الفرض.
وأوضح منه حالاً ما إذا حصل الإغماء بعد مضي مقدار من الوقت يسعه إيقاع الصلاة فيه ، فإنّه لا إشكال حينئذ في وجوب القضاء ، كما لا إشكال في خروجه عن محلّ الكلام. فمحطّ البحث ما إذا حصل السبب الاختياري قبل دخول الوقت.
المعروف والمشهور بينهم هو سقوط القضاء ، كما في السبب القهري ، عملاً بإطلاق النصوص. ولكن قد يدّعى اختصاص الحكم بالثاني وعدم ثبوته في السبب الاختياري ، ويستدلّ له بأحد وجهين :
الأوّل : ما يظهر من بعض الكلمات وبنى عليه المحقّق الهمداني (قدس سره) أخيراً من دعوى انصراف نصوص السقوط إلى الفرد المتعارف من الإغماء وهو الحاصل بالطبع ، فلا يعمّ الحاصل بفعله الذي هو فرد نادر (2).
وهذا كما ترى ، فانّ الموضوع في نصوص الإغماء صادق على الكلّ ، ومجرّد التعارف الخارجي وغلبة الوجود لا يصلح لتوجيه الانصراف كي يمنع عن الإطلاق. وبالجملة : فالانصراف المزبور بدويّ لا يعبأ به ، نعم لا يمكن حمل المطلق على الفرد النادر وحصره فيه ، وأمّا شموله للأفراد النادرة والمتعارفة معاً فلا قبح فيه ولا استهجان.
.................................................................................................
الثاني : أنّ جملة من نصوص الإغماء قد اشتملت على قوله : كلّ ما غلب اللّه عليه فهو أولى بالعذر (1)الذي هو بمنزلة التعليل للحكم. وواضح أنّ العلّة يدور مدارها المعلول وجوداً وعدماً ، فيختصّ الحكم بسقوط القضاء بموارد ثبوت العلّة ، وهي استناد الإغماء المستوجب لفوت الصلاة في الوقت إلى غلبة اللّه وقهره ، دون المكلّف نفسه. وبذلك يقيّد الإطلاق في سائر النصوص العارية عن التعليل ، عملاً بقانون الإطلاق والتقييد.
بل إنّ صاحب الحدائق (قدس سره) تعدّى عن ذلك فجعل العلّة المذكورة مقيّدة للمطلقات الواردة في باب الحيض والنفاس ، فالتزم بثبوت القضاء على الحائض والنفساء إذا حصل العذر بفعلهما ، أخذاً بعموم العلة (2).
وعليه فنصوص المقام قاصرة عن شمول السبب الاختياري ، فيشمله عموم أدلّة القضاء السالم عن المخصّص.
واعترض المحقّق الهمداني (رحمه اللّه) (3)على هذا الوجه بمنع ظهور التعليل في العلّية المنحصرة المستتبعة للمفهوم حتّى يقيّد به الإطلاق في سائر الأخبار بل القضية الكلّية إنّما سيقت لبيان علّة نفي القضاء عند ترك الواجب في وقته لعذر الإغماء ونحوه من الأعذار الخارجة عن الاختيار ، وأنّ العلّة للحكم المذكور هي غلبة اللّه.
وأمّا حصر العلّة في ذلك كي يقتضي ثبوت القضاء في غير موردها أعني الإغماء المسبّب عن الاختيار فلا دلالة لها عليه فضلاً عن التعدّي عن المورد إلى سائر المقامات كالحائض والنفساء ممّا لا مساس له بمورد الحكم ، إذ لا مفهوم للتعليل المستفاد من تطبيق الكبريات على مصاديقها ، فمن الجائز أن يحكم بنفي القضاء في غير مورد العلّة أيضاً بملاك آخر ولعلّه اخرى.
.................................................................................................
فاذن هذه الأخبار المذيّلة بالتعليل وإن لم تشمل السبب الاختياري لكنّها لا تنهض لتقييد المطلقات العارية عن الذيل ، فينبغي على هذا الحكم بالعموم في الجميع ، عملاً بتلكم المطلقات السليمة عن التقييد لولا دعوى الانصراف التي اعتمد عليها (قدس سره) كما مرّ.
أقول : ما أفاده (قدس سره) من عدم دلالة التعليل على السببية المنحصرة وإن كان صحيحاً ، فلا ينعقد للقضية مفهوم بالمعنى المصطلح كما في الشرط ونحوه ، فلا ينافي ثبوت الحكم في غير مورد العلّة بمناط آخر كاحترام شهر رمضان مثلاً (1)لكن لا ينبغي الشك في دلالته على أنّ طبيعي الإغماء لا يكون بنفسه موضوعاً لنفي القضاء ، وإلّا لكان التعليل بغلبة اللّه من اللغو الظاهر ، فاذا ورد دليل آخر تضمّن التصريح بأنّ موضوع الحكم هو الطبيعي على إطلاقه وسريانه كان معارضاً لهذا الدليل لا محالة.
وبعبارة اخرى : أنّ حيثية الإغماء ذاتية بالإضافة إلى الإغماء نفسه ، وحيثية استناده إلى غلبة اللّه سبحانه حيثية عرضية ، فلو كان المقتضي لنفي القضاء هو طبيعي الإغماء أعني الحيثية الذاتية لم يحسن العدول عنه في مقام التعليل إلى الجهة العرضية. فإذا فرضنا أنّ العالم يجب إكرامه لذاته لم يحسن حينئذ تعليل الوجوب المذكور بأنّه شيخ أو هاشمي أو من أهل البلد الفلاني ونحو ذلك.
فاذا بنينا على دلالة النصوص المذكورة على أنّ العلّة في نفي القضاء عن المغمى عليه هي غلبة اللّه في الوقت كما هو المفروض فطبعاً نستكشف من ذلك أنّ طبيعي الإغماء بذاته لا يستوجب نفي القضاء ، فإنّه وإن احتمل وجود علّة أُخرى للنفي أيضاً لما عرفت من عدم ظهور التعليل في الانحصار لكن ظهوره في عدم ترتّب الحكم على الطبيعي غير قابل للإنكار ، فلا محيص من رفع اليد عن المطلقات لأجل هذه النصوص الدالّة على أنّ الموجب لنفي القضاء
1) [لعلّ المذكور لا يتناسب مع المورد ، لأنّ المورد هو عدم القضاء لا القضاء].
ولا على الكافر الأصلي إذا أسلم بعد خروج الوقت بالنسبة إلى ما فات منه حال كفره (1)
إنّما هي غلبة اللّه تعالى.
والصحيح في الجواب عن الوجه المذكور هو ما أشرنا إليه سابقاً (1)من عدم وجود نصّ صحيح يدلّ على التعليل ويتضمّن الملازمة بين غلبة اللّه في الوقت ونفي القضاء ، لضعف الروايات التي استدلّ بها لذلك سنداً أو دلالة على سبيل منع الخلو ، فانّ عمدتها رواية الصدوق (رحمه اللّه) عن الفضل بن شاذان (2)، وهي ضعيفة السند وإن عبّر عنها المحقّق الهمداني (3)وصاحب الحدائق (4)(قدس سرّهما) بالصحيحة ، وذلك لضعف سند الصدوق (رحمه اللّه) إلى الفضل بكلا طريقيه كما مرّت الإشارة إليه.
فالجواب الحقّ هو إنكار وجود النصّ الصحيح الدالّ على ذلك ، فتبقى المطلقات سليمة عن المقيّد ، وإلّا فمع الاعتراف به لا مناص من التقييد كما عرفت.
فتحصّل من ذلك : أنّ الأقوى نفي القضاء عن المغمى عليه مطلقاً ، سواء أكان ذلك بفعله أم كان بغلبة اللّه وقهره كما عليه المشهور ، عملاً بالمطلقات السالمة عن المقيّد.
(1) بلا خلاف فيه ولا إشكال ، وقد استدلّ له بالإجماع والضرورة. والأمر
.................................................................................................
وإن كان كذلك ، إذ لم يعهد من أحد ممّن أسلم زمان النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) وكذا في زمن المتصدّين للخلافة بعده إلى زمان أمير المؤمنين (عليه السلام) ومن بعده أنّه أُمر بقضاء ما فاته في زمن الكفر ، ولو كان ذلك ثابتاً لظهر وبان ولنقل إلينا بطبيعة الحال.
إلّا أنّ التمسك بالإجماع والضرورة هو فرع ثبوت المقتضي ، بأن يكون مقتضى القاعدة هو وجوب القضاء كي يخرج عنها في الكافر بهذين الدليلين ولا ريب في أنّ تمامية المقتضي يبتني على الالتزام بتكليف الكفّار بالفروع كتكليفهم بالأُصول ، كما عليه المشهور ، وأمّا بناءً على ما هو الصحيح من عدم تكليفهم بذلك فلا وجه للاستدلال بهما.
ويشهد لما ذكرناه ما ورد من أنّ الناس يؤمرون بالإسلام ثمّ بالولاية (1)، فإنّ ظاهر العطف ب- «ثمّ» هو عدم تعلّق الأمر بالولاية إلّا بعد الإسلام ، فإذا كان هذا هو الحال في الولاية وهي من أعظم الواجبات وأهمّ الفروع ، بل إنّه لا يقبل عمل بدونها كما ورد في غير واحد من النصوص (2)فما ظنّك بما عداها من سائر الواجبات كالصلاة والصيام ونحوهما.
ويؤكّده أنّه لم يعهد من النبيّ (صلى اللّه عليه وآله وسلم) مطالبة من أسلم بدفع زكاة المال أو الفطرة ونحوهما من الحقوق الفائتة حال الكفر.
وعليه فلا تصل النوبة في المقام إلى الاستدلال لنفي القضاء بالأمرين المتقدّمين ، بل إنّما يعلّل نفي القضاء بقصور المقتضي حتى ولو لم يكن هناك إجماع ولا ضرورة ، فإنّ المقتضي للقضاء إنّما هو الفوت ، ولا فوت هنا أصلاً بعد عدم ثبوت التكليف في حقّه من أصله ، فلم يفته شيء كي يتحقّق بذلك موضوع القضاء ، إذ لا تكليف له حال الكفر إلّا بالإسلام فقط.
وفوت الملاك وإن كان كافياً في ثبوت القضاء إلّا أنّه لا طريق لنا إلى
.................................................................................................
إحرازه إلّا من ناحية الأمر أو الدليل الخاص القاضي بالقضاء ، ليستكشف منه تمامية الملاك كما في النائم ، والمفروض هو انتفاء كلا الأمرين في المقام ، ولا غرو في قصور الملاك وعدم تعلّق الخطاب به حال الكفر ، فإنّه لأجل خسّته ودناءته ، وكونه في نظر الإسلام كالبهيمة ، وفي منطق القرآن الكريم ( أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ) ... (1)، ومن هنا ورد في بعض النصوص وإن كانت الرواية غير معمول بها أنّ عورة الكافر كعورة الحمار (2).
والحاصل : أنّه لأجل اتّصافه بالكفر لا يليق بالاعتناء ، ولا يستحقّ الخطاب ، فليست له أهلية التكليف ، فهو كالصبيّ والمجنون والحيوان بنظر الشرع ، فلا مقتضي للتكليف بالنسبة إليه. وسيظهر لذلك أعني استناد نفي القضاء إلى قصور المقتضي دون وجود المانع ثمرة مهمّة في بعض الفروع الآتية إن شاء اللّه.
لا يخفي عليك أنّ محلّ الكلام في تكليف الكفّار بالفروع إنّما هي الأحكام المختصّة بالإسلام ، وأمّا المستقلات العقلية التي يشترك فيها جميع أرباب الشرائع كحرمة القتل وقبح الظلم وأكل مال الناس عدواناً فلا إشكال كما لا كلام في تكليفهم بها.
فما في الحدائق (3)من الاستدلال لتكليف الكفّار بالفروع بقوله تعالى ( وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ. بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ ) (4)ليس كما ينبغي ، لكونه خروجاً عمّا هو محلّ الكلام.
.................................................................................................
كما أنّ استدلاله لذلك (1)وقد تبعه على ذلك في الجواهر (2)أيضاً بقوله تعالى ( قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ ) ... (3)في غير محلّه ، إذ المراد بالموصول في الآية هو ذنب الكفر ، لا ترك الفروع كي يدلّ على تكليفهم بها كما لا يخفى. ولتحقيق الكلام محلّ آخر لا يسعه المقام.
ثمّ إنّه ربما يستدلّ لنفي القضاء عن الكافر كما عن صاحبي الحدائق (4)والجواهر (5)(قدس سرهما) وغيرهما بحديث الجب ، وهو النبويّ المشهور : «الإسلام يجبّ ما قبله ويهدم» ، بل قد اشتهر الاستدلال بذلك في كلام غير واحد من المتأخّرين.
لكنّ الحديث ضعيف السند جدّاً ، فانّا لم نظفر عليه من طرقنا عدا ما رواه في عوالي اللئالي مرسلاً عن النبيّ (صلى اللّه عليه وآله وسلم) أنّه قال : «الإسلام يجبّ ما قبله» (6). ولكن ضعفه ظاهر.
إذ مضافاً إلى ضعف سنده بالإرسال ، قد ناقش في الكتاب وفي مؤلّفه من ليس من دأبه ذلك كصاحب الحدائق (قدس سره) (7).
وما رواه ابن شهرآشوب (قدس سره) مرسلاً في المناقب في من طلّق زوجته في الشرك تطليقة وفي الإسلام تطليقتين ، قال علي (عليه السلام) : «هدم الإسلام ما كان قبله ، هي عندك على واحدة» (8).
.................................................................................................
وهو مضافاً إلى ضعف سنده بالإرسال قاصر الدلالة ، لعدم اشتماله على عموم أو إطلاق يستدلّ به للمقام ، فانّ المراد بالموصول بقرينة صدر الرواية وذيلها إنّما هو خصوص الطلاق الواقع حال الشرك ، لا كلّ فعل أو ترك صدر منه ، وأنّ ذلك بعد إسلامه يفرض بحكم العدم ، وإن كان ممّا يعتنى به لو كان باقياً على شركه عملاً بقوله (عليه السلام) : لكلّ قوم نكاح (1)، ولكنّه حينما أسلم فلا يعتدّ إلّا بالتطليقتين الواقعتين حال إسلامه ، وأنّ تمام الثلاث يتوقّف على تطليقة أُخرى. وهذا هو المراد بقوله:«هي عندك على واحدة».
ودعوى انجبار ضعف السند بعمل المشهور ساقطة جدّاً ، لعدم احتمال استناد المشهور إلى هذا الحديث المروي في كتاب المناقب بعد عدم تعرّض قدماء الأصحاب (قدس سرهم) لذكره ، وإنّما حدث الاستدلال به على ألسنة المتأخّرين. والعبرة في الجبر بعمل القدماء كما لا يخفى ، هذا بالإضافة إلى المناقشة في أصل الانجبار كبروياً ، فإنّها غير ثابتة كما أسلفنا الإشارة إلى ذلك مراراً.
وما رواه علي بن إبراهيم القمّي في تفسير قوله تعالى ( وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا ) ... (2)عن أمّ سلمة في حديث : «أنّها قالت لرسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) في فتح مكة : بأبي أنت وأُمي يا رسول اللّه ، سعد بك جميع الناس إلّا أخي من بين قريش والعرب ، ورددت إسلامه ، وقبلت إسلام الناس كلّهم ، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) : يا أُمّ سلمة ، إنّ أخاك كذّبني تكذيباً لم يكذّبني أحد من الناس ، هو الذي قال ( لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ ... إلى قوله كِتاباً نَقْرَؤُهُ ) قالت : بأبي أنت وأُمي يا رسول اللّه ، ألم تقل : إنّ الإسلام يجبّ ما قبله؟ قال : نعم ، فقبل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) إسلامه» (3).
.................................................................................................
لكنّ الحديث مضافاً إلى ضعف السند بالإرسال مقطوع البطلان ، فإنّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) أجلّ شأناً من أن لا يعمل بما قاله ، أو يعرضه النسيان حتّى تؤاخذه على ذلك أُمّ سلمة فيعدل آن ذاك عمّا فعله أوّلاً ويقبل إسلام أخي أُمّ سلمة.
بل إنّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) إمّا لم يصدر منه هذا الكلام ، أو أنّه كان يقبل إسلام الرجل ، لأنّ الوظيفة المقرّرة في الشريعة إن كانت قبول الإسلام فلا محالة كان النبيّ (صلى اللّه عليه وآله وسلم) لا يحيد عنها أيضاً فكان يقبل إسلام الرجل ، وإلّا لم يكن ليقبل إسلام أحد ، من دون أن تصل النوبة إلى شفاعة أحد كأُمّ سلمة وأضرابها.
فهذا الحديث ممّا لا نحتمل صدقه ، ولم نظفر من طرقنا على ما سوى هذه الروايات البالغة غاية الضعف. ودعوى الانجبار ممنوعة صغرى وكبرى كما مرّ.
فلا ينبغي الالتفات إلى هذه الأحاديث والتكلّم في مدى دلالتها سعة وضيقاً لعدم صلاحيتها للاستناد إليها في شيء من الأحكام بعد ما عرفت حال أسنادها من الضعف. فحديث الجبّ على هذا ممّا لا أساس له ، ولا يستحقّ البحث حوله.
ثمّ إنّ صاحب المدارك (قدس سره) (1)بعد ما تعرّض لمسألة سقوط القضاء عن الكافر إذا أسلم قال : إنّ هذا يستدعي أن لا يكون الكافر مكلّفاً بالقضاء لا أنّه يكون مكلّفاً به ويسقط التكليف عنه بإسلامه ، وعليه فلو بنينا على تكليف الكفّار بالفروع كتكليفهم بالأُصول كان اللازم استثناء الفرع المذكور فانّ البناء على سقوط القضاء بالإسلام يستلزم عدم تكليف الكفّار بالقضاء حال كفرهم.
1) المدارك 4 : 289.
.................................................................................................
والوجه في ذلك : أنّ التمكّن من القضاء غير ثابت في شيء من الأحوال لا في حال الكفر ولا في حال الإسلام ، فإنّه بعد الإسلام لا يجب القضاء عليه على الفرض ، وفي حال كفره لا يتمكّن من الامتثال لبطلان عمله ، فكيف يؤمر بالقضاء مع كونه تكليفاً بما لا يطاق؟
وهذا الكلام متين جدّاً ، لاستحالة الأمر بالقضاء ، من جهة العجز عن الامتثال في كلتا الحالتين كما ذكره (قدس سره).
وما ذكره بعضهم من جواز تكليف الكافر بالقضاء وفائدته تسجيل العقوبة عليه فهو من عجائب الكلمات التي لا ينبغي الإصغاء إليها ، لعدم تماميته على مسلك العدلية ، وإلّا لصحّ التكليف بالطيران إلى السماء تسجيلاً للعقوبة على تركه ، وهو كما ترى.
وقد تصدّى بعض الأكابر (قدس سره) (1)لتصحيح الأمر بالقضاء في حال الكفر بما حاصله : أنّ الأمر المذكور وإن كان ممتنعاً بعد خروج الوقت الذي هو حال القضاء إلّا أنّه ممكن في حال الأداء وقبل انقضاء الوقت ، فيؤمر في الوقت أوّلاً بالإسلام وبالصلاة المشروطة بالإسلام أداءً ، كما ويؤمر في نفس الحال بالقضاء على تقدير الترك ، فيقال له : أسلم ، وإذا أسلمت أدّ الصلاة ، وإن لم تفعل فاقضها. فكما أنّه يكون مأموراً في الوقت بالأداء أمراً فعلياً كذلك يكون في ذلك الحين مأموراً بالقضاء أمراً فعلياً على تقدير الترك.
والمفروض قدرته على الامتثال ، بأن يسلم فيصلّي أداءً ، وعلى تقدير الترك قضاء ، ولكنّه بسوء اختياره فوّت على نفسه كلا الأمرين ، فلم يسلم ولم يصلّ لا في الوقت ولا في خارجه. فترك القضاء وعدم القدرة عليه ممّا يستند إلى اختياره ، حيث إنّه لم يسلم في الوقت ، فيصحّ عقابه على ترك القضاء كما صحّ عقابه على ترك الأداء ، نظراً إلى استناد كلا الأمرين إلى اختياره ، وذلك لأجل
1) المحقّق آقا ضياء الدين العراقي (قدس سره) في شرح تبصرة المتعلمين 1 : 186.
.................................................................................................
عدم اختياره الإسلام في الوقت.
ويندفع : بأنّ الأمر بالأداء قبل انقضاء الوقت وإن صحّ بناء على تكليف الكفّار بالفروع كتكليفهم بالأُصول ، فيعاقب على تركه لأجل قدرته على الامتثال باختياره الإسلام ، إلّا أنّ الأمر بالقضاء قبل انقضاء الوقت ليس كذلك.
إذ لو أُريد به الأمر الإنشائي المجعول على نحو القضية الحقيقية للموضوع المفروض وجوده ، الثابت ذلك في حقّ كلّ مكلف كجعل وجوب القضاء على تقدير الفوت ، ووجوب الحج على تقدير الاستطاعة ونحو ذلك ، فواضح أنّ مثل هذا الأمر لا أثر له.
وإن أُريد به الأمر الفعلي فهو غير ثابت في الوقت جزماً ، إذ فعليته بفعلية موضوعه وهو الفوت ، ولا فوت قبل انقضاء الوقت ، فلا موضوع للقضاء ما دام الوقت باقياً ، فلا أمر به حينئذ إلّا بنحو القضية الشرطية وعلى سبيل الفرض والتقدير ، وقد عرفت أنّه لا أثر له ما لم يتحقّق ذلك التقدير خارجاً والمفروض أنّ هذا التقدير غير محقّق بالإضافة إلى الكافر ، حيث لا قضاء عليه بعد خروج الوقت كما مرّ.
وعلى الجملة : فهو أثناء الوقت غير مأمور بالقضاء إلّا بالأمر المشروط والشرط غير متحقّق في الكافر إذا أسلم على الفرض. فلا معنى للأمر بالقضاء قبل الوقت ، ولا موضوع له بعده.
نعم ، لو فرض قيام الإجماع على أنّ الكافر يعاقب على ترك القضاء كما يعاقب على ترك سائر الواجبات أمكن توجيهه بأنّ هناك مصلحة إلزامية في الوقت دعت المولى إلى الأمر بالأداء ، ويشترك في هذا الأمر كلّ من المسلم والكافر ، لأنّ كليهما مأمور بالأداء ، للقدرة على الامتثال بأن يسلم الكافر ويصلّي ، وبعد خروج الوقت تحدث مصلحة إلزامية أقوى تدعو إلى الأمر بالقضاء خارج الوقت ، وهذا الملاك الحادث مشترك فيه أيضاً بين المسلم
ولا على الحائض والنفساء مع استيعاب الوقت (1).
[1777] مسألة 1 : إذا بلغ الصبي أو أفاق المجنون أو المغمى عليه قبل خروج الوقت وجب عليهم الأداء (2) وإن لم يدركوا إلّا مقدار ركعة من الوقت ، ومع الترك يجب عليهم القضاء ، وكذا الحائض والنفساء (1)إذا زال عذرهما قبل خروج الوقت ولو بمقدار ركعة. كما أنّه إذا طرأ الجنون أو الإغماء أو الحيض أو النفاس بعد مضي مقدار صلاة المختار بحسب حالهم من السفر والحضر والوضوء والتيمم ولم يأتوا بالصلاة وجب عليهم القضاء كما تقدّم في المواقيت.
والكافر ، لكنّ الكافر لا يتمكّن من استيفائه من جهة كفره ، فيكون قد فوّته هو على نفسه من جهة عدم اختياره الإسلام في الوقت.
وحينئذ فإن أسلم بعد الوقت فقد تدارك الملاك المذكور بالإسلام فلا قضاء عليه ، وأمّا إذا لم يسلم كان قد فوّت الملاك المذكور على نفسه ، وكان الفوت حينئذ مستنداً إلى اختياره فصحّ عقابه عليه.
وعلى الجملة : فالأمر بالقضاء وإن لم يمكن في حقّه ولكنّه حيث فوّت هذا الملاك على نفسه اختياراً صحّ عقابه ، لاندراجه تحت كبرى الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار.
(1) تقدّم الكلام عن ذلك وما يترتّب عليه من الفروع مستقصى في مبحث الحيض (2)فلا نعيد.
(2) بلا إشكال ، لعموم دليل التكليف بالصلاة ، فإنّ الخارج عنه خصوص
.................................................................................................
صورة استيعاب الأعذار المذكورة الوقت بتمامه ، بحيث يكون الترك مستنداً إلى العذر ، فاذا لم يستند إليه لفرض عدم الاستيعاب لزمه الأداء ، ومع تركه وجب القضاء بطبيعة الحال.
هذا فيما إذا ارتفع العذر وقد بقي من الوقت مقدار يسع الفريضة بتمامها ، وأمّا إذا لم يبق منه ما يسعها فيشكل ثبوت الأداء فضلاً عن القضاء ، لامتناع تعلّق التكليف بعمل في وقت لا يسعه.
لكنّ الإشكال يختصّ بما إذا لم يبق من الوقت حتّى بمقدار ركعة ، وأمّا إذا بقي منه بالمقدار المذكور فقد حكم جماعة منهم المصنّف (قدس سره) بثبوت القضاء حينئذ ، فضلاً عن الأداء ، تمسكاً بحديث «من أدرك ...» (1).
وقد ذكرنا في بحث المواقيت أنّ الحديث المزبور ورد بعدّة طرق كلّها ضعيفة السند ما عدا رواية واحدة وردت في صلاة الغداة (2)، وبضميمة القطع بعدم الفرق بينها وبين بقية الصلوات يثبت الحكم في جميع الفرائض اليومية (3). وعليه فلا مجال للإشكال في تمامية القاعدة ولا في انطباقها على المقام ، فاذا حصل البلوغ أو الإفاقة من الجنون ، أو ارتفع الإغماء ، أو انقطع الدم ، أو أسلم الكافر وقد بقي من الوقت بمقدار ركعة توجّه التكليف بالأداء ببركة الحديث المذكور ، ومع الفوت وجب القضاء عملاً بإطلاق دليله.
نعم ، ربما يشكل الأمر في تطبيقها على المقام ، بدعوى اختصاص الحديث بما إذا كان الوقت في حدّ ذاته واسعاً وصالحاً لتوجّه التكليف فيه سوى أنّ المكلف لم يدرك منه إلّا بمقدار ركعة لمسامحته في الامتثال أو لغير ذلك.
وأمّا إذا كان الوقت في حدّ ذاته ضيّقاً لا يسع الفعل كما في المقام فإنّه قبل ارتفاع العذر لا تكليف على الفرض فلا عبرة بالسعة في ذلك ، وبعد ارتفاعه لا
.................................................................................................
يسع الزمان لوقوع العمل لقصوره طبعاً ، لا لأجل عدم إدراك المكلّف منه إلّا ذلك المقدار فلا مجال للاستناد إلى الحديث فيه.
وحينئذ فيشكل الأمر في الأداء فضلاً عن القضاء ، لامتناع تعلّق التكليف بعمل في زمان أقصر منه وأقل ، فإنّه من التكليف بما لا يطاق.
وفيه أوّلاً : أنّ الإشكال لو تمّ فإنّما يتمّ في مثل الصبيّ ونحوه ، دون الكافر بناءً على المشهور من تكليفه بالفروع كالأُصول ، فإنّه على هذا كان مكلّفاً بالصلاة من أوّل الزوال ، وكان متمكّناً من امتثاله بالإسلام.
ومعلوم أنّ المقدور بالواسطة مقدور ، فالوقت بالإضافة إليه يكون واسعاً في حدّ ذاته غير أنّه بسوء اختياره فوّت التكليف على نفسه حيث أسلم في آخر الوقت ، فيصدق في حقّه أنّه لم يدرك من الوقت إلّا ركعة ، فليس التكليف بالإضافة إليه ممّا لا يطاق.
وثانياً : أنّه لا يتمّ مطلقاً حتّى في مثل الصبيّ ونحوه ، وذلك لأنّا تارة نفرض القصور الذاتي في طبيعة الوقت كما لو فرضنا أنّ بعض نقاط الأرض يقصر فيه الزمان الفاصل بين زوال الشمس وغروبها بحيث لا يسع الإتيان بأربع ركعات أو أنّ ما بين الطلوعين فيه لا يسع الإتيان بركعتين ، ففي مثله يتّجه الإشكال فيقال بامتناع تعلّق التكليف بالعمل في زمان لا يسعه ، فلا يصدق في حقّه حينئذ أنّ المكلّف لم يدرك من الوقت إلّا ركعة ، فإنّه في حدّ ذاته ليس أكثر من هذا المقدار.
وأُخرى نفرض أنّه لا قصور في الوقت بحسب الذات لامتداده بحسب طبعه ، غير أنّ المكلّف لأجل بعض العوارض والملابسات كالصغر والجنون والإغماء والحيض والكفر بناءً على عدم تكليف الكافر بالفروع حرم من إدراك الوقت المذكور إلّا بمقدار لا يسع تمام العمل ، ففي أمثال هذه الموارد إذا ارتفع العذر في وقت لم يسع إلّا مقدار ركعة يصدق عليه حينئذ أنّه لم يدرك الوقت كلّه وإنّما أدرك بعضه ، لأنّ المانع إنّما تحقّق من ناحية العبد لا من ناحية الوقت.
[1778] مسألة 2 : إذا أسلم الكافر قبل خروج الوقت ولو بمقدار ركعة ولم يصلّ وجب عليه قضاؤها (1).
[1779] مسألة 3 : لا فرق في سقوط القضاء عن المجنون والحائض والنفساء بين أن يكون العذر قهرياً أو حاصلاً من فعلهم واختيارهم ، بل وكذا في المغمى عليه ، وإن كان الأحوط القضاء عليه (1)إذا كان من فعله ، خصوصاً إذا كان على وجه المعصية ، بل الأحوط قضاء جميع ما فاته مطلقاً (2).
وعلى الجملة : لا نرى أيّ مانع من شمول الحديث للمقام ، لانطباق موضوعه عليه ، وبعد الشمول المقتضي للتوسعة في الوقت ولو تعبّداً يخرج التكليف عن كونه تكليفاً بما لا يطاق ، لفرض قدرته حينئذ على الامتثال لكن في الوقت الثانوي المضروب له بمقتضى الحديث ، فيتّجه الأمر بالأداء ، وعلى تقدير الفوت يثبت عليه القضاء أيضا.
(1) كما تقدّم آنفا.
(2) قد تقدّم حكم المغمى عليه (2). وهل الحال كذلك في الحائض والنفساء والمجنون؟ فلو شربت المرأة دواء فحاضت أو نفست بإسقاط جنينها ، أو فعل المكلّف ما أوجب الجنون فهل يحكم بوجوب القضاء أو لا؟
فيختلف الحكم فيه باختلاف المباني ، فانّ المستند لسقوط القضاء عنه إن كان هو الإجماع والضرورة والإجماع دليل لبيّ فلا بدّ من الاقتصار على
.................................................................................................
المقدار المتيقّن به ، وهو ما إذا لم يكن حاصلاً باختياره ، إذ لم يحرز الإجماع على أكثر من ذلك ، فيشمله عموم أدلّة القضاء السالم عن المخصّص فيما عدا المقدار المتيقّن به.
وأمّا بناءً على المبنى الآخر وهو الصحيح من قصور المقتضي وعدم تحقّق موضوع القضاء وهو الفوت ، لاختصاص التكليف في الوقت بمقتضى حديث الرفع ، الذي هو بمثابة المخصّص لأدلّة التكاليف بغير المجنون ، فيكون عدم وجوب القضاء حينئذ على طبق القاعدة ، كما هو الحال في الصبي ، بلا فرق فيه بين قسمي الجنون ، لإطلاق الحديث.
ودعوى أنّ صدق الفوت لا يتوقّف على التكليف الفعلي ، بل تحقّق التكليف الشأني كافٍ في ذلك كما في النائم ، حيث ردف مع المجنون في حديث الرفع.
غير مسموعة لكون القياس مع الفارق ، فانّ ثبوت القضاء في حقّ النائم إنّما هو لدليل خارجي خاص ، وقد استكشفنا منه تمامية الملاك في حقّه وكونه قابلاً للتكليف ولو شأناً ، إلّا أنّه لم يقع مورداً للتكليف الفعلي بالأداء في الوقت ، لأجل عجزه الناشئ عن نومه ، لا لقصور في ناحية الملاك.
ولكن من أين لنا استكشاف مثل ذلك في المجنون ، ولعلّه مثل الصبي الذي لا مقتضي للتكليف في حقّه ويكون فاقداً للملاك رأساً ، إذ لا طريق لنا إلى استكشافه إلّا من ناحية قيام الدليل الخارجي كما في النائم ، وهو مفقود في المقام.
فالأمر فيهما أوضح حالاً منه في الجنون ، فانّ عدم تكليف الحائض والنفساء بالأداء ليس هو من باب العجز كما في المجنون بل هو من باب التخصيص ، وبعد ورود التخصيص الكاشف عن عدم توجّه التكليف إليهما رأساً كيف يمكننا إحراز الفوت الذي هو الموضوع لوجوب القضاء؟ ولا شكّ
[1780] مسألة 4 : المرتد يجب عليه قضاء ما فات أيّام ردّته بعد عودته إلى الإسلام ، سواء كان عن ملّة أو فطرة (1).
في أنّ دليل المخصّص بإطلاقه يعمّ الحالتين ، أي حالة كون الحيض والنفاس بالاختيار وعدم كونهما كذلك.
فلا فرق في سقوط القضاء في موارد الحيض والنفاس والجنون بين الحالتين حتّى ولو قلنا باختصاص الحكم في المغمى عليه بما إذا كان ذلك بقهر اللّه وغلبته إذ لا ملازمة بين المقامين ، فانّ التعليل بغلبة اللّه إنّما ورد في الإغماء ، فهو إذن حكم في مورد خاص ، فلا مجال للتعدّي.
(1) لا ينبغي الإشكال في تكليف المرتد بكلا قسميه بالفروع كالأُصول وما ذكرناه في الكافر الأصلي غير جار هنا ، بل قد ورد أنّ المرأة تضرب أوقات الصلوات (1). فلا دليل على سقوط التكليف بعد شمول الإطلاقات له وإذا كان المرتدّ مأموراً بالصلاة في الوقت كسائر الواجبات فمع تركه لها يصدق الفوت ، فيتحقّق موضوع القضاء لا محالة.
ولا دليل على سقوطه في المقام ، فانّ دليل السقوط عن الكافر إن كان هي السيرة القطعية فمعلوم أنّ السيرة غير متحقّقة هنا ، فانّ المرتدّ الملّي وهو المسبوق بالكفر كان يقتل في زمن النبيّ (صلى اللّه عليه وآله وسلم) بعد الاستتابة ، وأمّا الفطري فلم يعهد في عصره (صلى اللّه عليه وآله وسلم) ، فكيف يمكن دعوى قيام السيرة على نفي القضاء عنه؟
وإن كان حديثَ الجبّ (2)فكذلك ، إذ ظاهر الحديث أنّ الإسلام يجبّ ما
وتصحّ منه وإن كان عن فطرة على الأصح (1).
قبله إذا كان السابق على الإسلام بتمامه كفراً ، لا أنّ بعضه كان كفراً وبعضه كان إسلاماً.
وإن كان هو قصورَ المقتضي لأجل عدم تكليفه بالفروع وهو الذي اعتمدنا عليه ، واستظهرناه ممّا دلّ على أنّ الناس يؤمرون بالإسلام ثمّ بالولاية (1)فمن الواضح عدم جريانه في المقام.
أمّا أوّلاً : فلأنّ مقتضى إطلاق الدليل المذكور هو أنّه بعد تحقّق الإسلام ولو آناً ما يؤمر بالولاية ، وكذا سائر الفروع مطلقاً ، سواء أحصل الارتداد بعد ذلك أم لا. فهو على ثبوت القضاء عليه أدلّ.
وثانياً : مع الغضّ عن ذلك فالمرتدّ غير مشمول للدليل المذكور بعد أن كان محكوماً عليه بأنّه يقتل وتبين منه زوجته وتقسّم أمواله ، فإنّ الرواية تنظر إلى الكافر الأصلي فقط ، ومنصرفة عن مثل المقام ممّن هو محكوم بالقتل.
وعلى الجملة : فالدليل على السقوط في المقام مفقود ، والإطلاقات والعمومات فيه محكّمة لكونها شاملة للمرتدّ كالمسلم. فلا فرق بينهما في وجوب الأداء والقضاء.
(1) على ما تقدّم البحث حول ذلك مستوفى في كتاب الطهارة (2)حيث قلنا : إنّه لا إشكال في قبول توبة المرتد إذا كان امرأة ، وأمّا إذا كان رجلاً فقبول توبته واقعاً أي بينه وبين ربّه ممّا لا يعنينا البحث عنه ، وأمّا ظاهراً فبالنسبة إلى الأحكام الخاصّة كالقتل وبينونة الزوجة وتقسيم أمواله فهي لا تقبل جزماً ، بنصّ الروايات الدالة على ذلك.
وأمّا بالنسبة إلى ما عداها من الأحكام عند فرض عدم قتله وبقائه حياً كما في أمثال زماننا هذا فهل تقبل توبته ويعامل معه معاملة المسلمين أو لا؟
[1781] مسألة 5 : يجب على المخالف قضاء ما فات منه (1).
الظاهر هو ذلك ، بل لا ينبغي الشكّ فيه ، لعدم الشكّ في تكليفه بالصلاة أداءً ، حيث لا يحتمل في حقّه استثناؤه من حكم سائر المكلفين حتّى يمتاز عنهم بسقوط الصلاة عنه. فاذا كان مكلّفاً بالصلاة وكان مسلماً ترتّب عليه سائر الأحكام من طهارة البدن ونحوها ، ومنها وجوب القضاء.
وبكلمة اخرى : يدور الأمر في المقام بين أن تقبل توبته ظاهراً فيصلّي ويصوم ويحكم بطهارة بدنه ، وهكذا تجري عليه كافّة أحكام الإسلام ، وبين أن يقال بعدم قبول توبته وسقوط التكليف عنه وبقائه على حكم الكفر ، لا يقبل شيء من عباداته. وحيث لا يمكن الالتزام بالثاني ، بل لعلّه خلاف المقطوع به فلا جرم يتعيّن الأوّل.
(1) كما تقتضيه القاعدة ، إذ لا ريب في كونه مكلفاً بالأحكام ، وليس هو مثل الكافر يجري فيه البحث عن تكليفه بالفروع كالأُصول وعدمه ، فمع ثبوت التكليف في حقّه وتحقّق الفوت منه يشمله دليل القضاء بطبيعة الحال.
إلّا أنّه وردت روايات خاصة دلّت على نفي القضاء عنه إذا استبصر فيما إذا كان قد أتى به على وفق مذهبه ، فيستكشف منها التخصيص في أدلّة الأجزاء والشرائط والموانع ، وأنّ تلكم الأحكام الواقعية لا تعمّ المخالف الذي استبصر فيما بعد بنحو الشرط المتأخّر.
ففي صحيحة العجلي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث قال : «كلّ عمل عمله وهو في حال نصبه وضلالته ثم مَنّ اللّه عليه وعرّفه الولاية فإنّه يؤجر عليه إلّا الزكاة ، لأنّه يضعها في غير مواضعها ، لأنّها لأهل الولاية ، وأمّا الصلاة والحج والصيام فليس عليه قضاء» (1).
1) الوسائل 9 : 216 / أبواب المستحقّين للزكاة ب 3 ح 1.
.................................................................................................
وصحيحة ابن أُذينة قال : «كتب إليّ أبو عبد اللّه (عليه السلام) : إنّ كلّ عمل عمله الناصب في حال ضلاله أو حال نصبه ، ثم مَنّ اللّه عليه وعرّفه هذا الأمر فإنّه يؤجر عليه ويكتب له إلّا الزكاة فإنّه يعيدها ، لأنّه وضعها في غير موضعها ، وإنّما موضعها أهل الولاية ، فأمّا الصلاة والصوم فليس عليه قضاؤهما» (1).
وصحيحة الفضلاء عن أبي جعفر وأبي عبد اللّه (عليهما السلام) «أنّهما قالا في الرجل يكون في بعض هذه الأهواء الحرورية والمرجئة والعثمانية والقدرية ثمّ يتوب ويعرف هذا الأمر ويحسن رأيه ، أيعيد كلّ صلاة صلّاها أو صوم أو زكاة أو حجّ ، أو ليس عليه إعادة شيء من ذلك؟ قال : ليس عليه إعادة شيء من ذلك غير الزكاة ، ولا بدّ من أن يؤدّيها ، لأنّه وضع الزكاة في غير موضعها ، وإنّما موضعها أهل الولاية» (2).
ثمّ إنّه لا ريب في عدم شمول هذه النصوص المخالف الذي فاتته الصلاة بأن تركها رأساً ، إذ الموضوع فيها هو كلّ عمل عمله وكلّ صلاة صلّاها ، فلا بدّ إذن من فرض صلاة صدرت منه خارجاً ، بل في صحيحتي العجلي وابن أُذينة «فإنّه يؤجر عليه» وكيف يؤجر من لم يعمل شيئاً على ما لم يفعله.
وعليه فيكون من فاتته الصلاة مشمولاً لما تقتضيه القاعدة من وجوب القضاء ، عملاً بإطلاقات أدلّة الفوت المفروض سلامتها لأجل قصور النصوص المتقدّمة عن المقيّد ، وهذا ممّا لا خلاف فيه.
نعم ، قد يظهر من بعض النصوص سقوط القضاء في المقام أيضاً ، وهو ما رواه الشهيد (قدس سره) في الذكرى نقلاً عن كتاب الرحمة لسعد بن عبد اللّه وكذلك الكشي (رحمه اللّه) في كتابه بسنديهما عن عمّار الساباطي قال «قال سليمان بن خالد لأبي عبد اللّه (عليه السلام) وأنا جالس : إنّي منذ عرفت هذا
.................................................................................................
الأمر أُصلّي في كلّ يوم صلاتين أقضي ما فاتني قبل معرفتي ، قال : لا تفعل فانّ الحال التي كنت عليها أعظم من ترك ما تركت من الصلاة» (1).
لكن الرواية ضعيفة السند ، فلا يعتمد عليها في الخروج عمّا تقتضيه القاعدة مع عدم الجابر لها أيضاً لو سلّم الانجبار كبروياً.
وقال الشهيد (قدس سره) في تفسير الرواية : يعني ما تركت من شرائطها وأفعالها ، وليس المراد تركها بالكلّية. وهو استظهار حسن لا بأس به فراراً من طرح الرواية.
ويلحق بذلك : ما لو كان قد أتى بالصلاة فاسدة على مذهبه ومذهبنا معاً فإنّها أيضاً لا تكون مشمولة لهذه النصوص ، فانّ منصرفها هي الصلوات التي كان يعتقد صحتها ، بحيث كان يرى عدم لزوم قضائها بعد الاستبصار لولا الولاية.
وأمّا الناقصة بنظره من غير جهة الولاية أيضاً لفقد جزء أو شرط أو الاقتران بمانع ممّا هو محكوم عليه بالبطلان لدى الفريقين بحيث لم يكن المخالف يرى في حين العمل تفريغ الذمّة بمثله فالنصوص غير ناظرة إليه ومنصرفة عنه ، فيبقى هذا الفرض كالفرض السابق عليه مشمولاً للقاعدة ، ومقتضاها وجوب القضاء.
وأمّا إذا كان قد صلّى على وفق مذهبه فهذا هو المتيقّن دخوله تحت النصوص التي هي بحسب النتيجة مخصّصة للأدلّة الأوّلية على سبيل الشرط المتأخّر كما مرّ ، وحينئذ فيحكم بصحة جميع الأعمال السابقة ، بل يؤجر عليها عدا الزكاة حيث كان قد صرفها في غير مصارفها ووضعها في غير موضعها كما نطقت به النصوص ، فانّ موضعها هم المؤمنون ومن يكون من أهل الولاية فالدفع إلى غيرهم لا يستوجب تفريغ الذمّة ، فإنّه نظير ما لو أدّى دينه إلى
1) الوسائل 1 : 127 / أبواب مقدّمة العبادات ب 31 ح 4 ، الذكرى 2 : 432 ، رجال الكشي : 361 / 667.
أو أتى به على وجه يخالف مذهبه (1) ، بل وإن كان على وفق مذهبنا أيضاً على الأحوط (2).
عمرو في حين أنّه كان مديناً لزيد ، ولأجل هذا استثنيت الزكاة من بين سائر الأعمال.
(1) كما تقدّم آنفاً.
(2) مع فرض تمشّي قصد القربة منه ، وقد حكم المحقّق الهمداني (قدس سره) في مثل ذلك بالصحّة وعدم الحاجة إلى القضاء ، بدعوى أنّ النصوص شاملة لهذه الصورة بالفحوى والأولوية القطعية ، إذ البناء على الصحّة فيما وافق مذهبه مع كونه فاقد الجزء أو الشرط أو مقترناً بالمانع بحسب الواقع وفاقداً لشرط الولاية أيضاً ، يستلزم البناء على الصحّة فيما لا يكون فاقداً إلّا لشرط الولاية بالأولوية (1).
أقول : قد يفرض المخالف معتقداً لصحّة العمل الموافق لمذهبنا كما إذا جاز عنده الأخذ بفتاوى علمائنا وقد اتّفق ذلك في عصرنا حيث أفتى شيخ جامع الأزهر بمصر الشيخ محمود شلتوت بجواز الرجوع إلى فتوى كلّ واحد من علماء المذاهب الإسلامية فاستناداً إلى ذلك قلّد المخالف أحد علماء الشيعة وأتى بالعمل موافقاً لرأي العالم المذكور ، فلا ينبغي الشكّ في كونه مشمولاً للنصوص المذكورة.
فإنّ العمل الذي يأتي به المخالف حينئذ وإن كان على خلاف مذهبه وموافقاً لمذهبنا إلّا أنّه في نهاية الأمر يرجع إلى ما يوافق مذهبه أيضاً ، ولو كان ذلك باعتبار موافقته لفتوى من جوّز له الأخذ بقول العلماء من سائر المذاهب وعلى هذا فالمخالف استناداً إلى ما ذكر يرى صحّة ما يأتي به من العمل وكونه مبرئاً. فلا قصور فيه على هذا إلّا من جهة الولاية.
1) مصباح الفقيه (الصلاة) : 601 السطر 36.
وأمّا إذا أتى به على وفق مذهبه فلا قضاء عليه (1) ، نعم إذا كان الوقت باقياً فإنّه يجب عليه الأداء حينئذٍ (2) (1)، ولو تركه وجب عليه القضاء.
وقد يفرض أنّه لا يعتقد صحّته ، بل يراه باطلاً لكونه على خلاف مذهبه فمثله غير مشمول لتلك النصوص ، والأولوية المدّعاة لا وجه لها ، للفرق الواضح بين الموردين ، إذ المخالف في المقيس عليه يعتقد الصحّة ، وليس الأمر كذلك في المقيس.
والمستفاد من تلك الأخبار أنّ الاعتبار في الحكم بالاجتزاء وعدم الحاجة إلى القضاء بالعمل الصادر حال الخلاف على وجه يرى المخالف صحّته وتفريغ الذمّة به ، وعدم قصور فيه في نفسه ، فإنّه المناسب لقوله (عليه السلام) : «فإنّه يؤجر عليه» (2)، وأمّا العمل الذي يعتقد بطلانه في ظرفه حتى من غير جهة الولاية وإن فرضناه مطابقاً لمذهبنا فهو خارج عن منصرف تلك الأخبار.
(1) لما تقدّم من أنّه المتيقّن من نصوص الباب.
(2) لاختصاص نصوص الإجزاء بالقضاء ، فيبقى عموم دليل التكليف بالصلاة الصحيحة أداء على حاله.
وفيه أوّلاً : أنّ التعبير بالقضاء وإن ورد في جملة من نصوص الباب إلّا أنّ المراد به في لسان الأخبار هو المعنى اللغوي ، وهو الإتيان بالفعل مرّة أُخرى ، لا خصوص المأتي به خارج الوقت في مقابل الإعادة ، فإنّ ذلك اصطلاح حديث قد تداول في كلمات الفقهاء ، فلا يكاد يحمل النصّ عليه سيما بعد التعبير في صحيحتي العجلي وابن أُذينة بصيغة العموم : «كلّ عمل ...» الشامل ذلك للأداء أيضاً.
ولو استبصر ثمّ خالف ثمّ استبصر (1) فالأحوط القضاء (1)وإن أتى به بعد العود إلى الخلاف على وفق مذهبه.
وثانياً : أنّ صحيحة الفضلاء (2)قد تضمّنت التصريح بعدم الإعادة ، فلو سلّم انصراف القضاء في بقية النصوص إلى المعنى المصطلح لكانت هذه الصحيحة بمفردها وافية بالمطلوب. فالأقوى الحكم بالاجتزاء مطلقاً ، سواء أكان استبصاره في الوقت أم في خارجه.
لا ريب في عموم الحكم لكلّ منتحل للإسلام من الفرق المخالفة حتى المحكوم عليهم بالكفر كالناصب ونحوه الذي ورد في شأنه : «إنّ اللّه لم يخلق خلقاً أنجس من الكلب ، وإنّ الناصب لنا أهل البيت لأنجس منه» (3). فالنواصب والخوارج ونحوهم من الفرق المحكوم عليهم بالكفر تشملهم النصوص المذكورة ، فلا يجب عليهم القضاء بعد الاستبصار.
بل إنّه وقع التصريح بالناصب في صحيحتي العجلي وابن أُذينة ، كما أنّ جملة من المذكورين في صحيحة الفضلاء من قبيل الناصب. فلا يختص الحكم بمن حكم عليه بالإسلام وطهارة البدن من فرق المخالفين.
(1) نظير المرتدّ الملّي إذا أسلم ثمّ ارتدّ بعد إسلامه ثمّ أسلم ثانياً.
ثم إنّ البحث عن وجوب القضاء في الفرض المذكور إنّما هو بعد الفراغ عن عدم وجوب القضاء بالنسبة إلى الصلوات الواقعة قبل الإستبصار الأوّل فيبحث عن أنّ الحكم هل يختصّ بها اقتصاراً في الحكم المخالف للقواعد على المقدار المتيقّن به ، أو أنّه يشمل صورة العود إلى الخلاف. فمحلّ الكلام إنّما هي
[1782] مسألة 6 : يجب القضاء على شارب المسكر ، سواء كان مع العلم أو الجهل ، ومع الاختيار على وجه العصيان أو للضرورة أو الإكراه (1).
الصلوات المتخلّلة ما بين الاستبصارين.
قد يقال بالثاني ، استناداً إلى إطلاق النصوص النافية للقضاء عمّا صدر منه حال المخالفة.
ويدفعه : أنّ النصّ لو كان هكذا : المخالف لا يقضي بعد الاستبصار. لاتّجه عندئذ التمسّك بإطلاقه ، فإنّ عنوان المخالف المأخوذ في الموضوع يصدق على مثل هذا الشخص في حال خلافه المتجدّد. إلّا أنّ النصوص الواردة ليست كذلك ، بل الموجود فيها كما يلي : «كلّ عمل عمله وهو في حال نصبه وضلالته ثم منّ اللّه عليه وعرّفه الولاية ...».
والمستفاد من كلمة «ثم» أنّ الموضوع هو الناصب الذي لم يمنّ اللّه عليه ولم يعرّفه الولاية ، فينحصر بالخلاف الأول غير المسبوق بتعريف الولاية ، ولا يشمل الخلاف المتجدّد بعد منّ اللّه عليه وتعريفه لها ، فإنّه حال الخلاف الثاني لا يصدق عليه أنّه ممّن لم يمنّ اللّه عليه ولم يعرّفه الولاية ، بل هو ممّن منّ اللّه عليه وعرّفه ، غير أنّه بسوء اختياره أعرض عن الحقّ بعد المعرفة به. فمثله خارج عن مورد هذه النصوص ، لعدم ثبوت إطلاق لها يشمله.
كما أنّها لا تشمل من كان على الحق ثم خالف ثم استبصر وعاد إلى الحق نظير المرتدّ الفطري إذا أسلم وعاد ، لعين ما ذكر آنفاً من أنّ الخلاف المسبوق بالمعرفة خارج عن موضوع نصوص الباب ، فالأقوى فيه وجوب القضاء عملاً بإطلاق ما دلّ على ذلك بعد فرض سلامته عن المقيّد.
(1) لإطلاق ما دلّ على اعتبار الفوت موضوعاً لوجوب القضاء كصحيح
[1783] مسألة 7 : فاقد الطهورين يجب عليه القضاء ، ويسقط عنه الأداء (1).
زرارة وغيره ممّا تقدمت الإشارة إليه (1)، فانّ التكليف بالأداء في الوقت وإن كان ساقطاً عنه إلّا أنّ ذلك لأجل العجز ، لا لأجل التخصيص في دليل الوجوب. فالتكليف به ولو شأناً كان متوجّهاً نحوه ، وهو كافٍ في صدق الفوت الموجب للقضاء ، كما في النائم على ما مرّ تفصيله (2).
نعم ، قد يقال في المقام بعدم الوجوب ، استناداً إلى التعليل الوارد في نصوص الإغماء (3)من أنّ «ما غلب اللّه عليه فهو أولى بالعذر» ، فانّ السكر إذا كان خارجاً عن الاختيار مشمول لعموم العلّة المذكورة.
لكنّك عرفت فيما سبق عدم دلالة النصوص المذكورة على التعليل في موردها فضلاً عن التعدّي إلى غيره ، فانّ ما اشتمل منها على التعليل المذكور كان ضعيف السند أو الدلالة على سبيل منع الخلو فلاحظ.
(1) أمّا سقوط الأداء فلما تكرر في مطاوي هذا الشرح وأشرنا إليه في الأُصول في مبحث الصحيح والأعم (4)من أنّ المستفاد من حديث التثليث الوارد في صحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال : الصلاة ثلاثة أثلاث : ثلث طهور ، وثلث ركوع ، وثلث سجود» (5)هو اعتبار الطهارة كالركوع والسجود في حقيقة الصلاة ، وأنّ ماهيتها إنّما تتألّف من هذه الأُمور
.................................................................................................
الثلاثة ، فهي دخيلة في مقام الذات وتعدّ من المقوّمات ، وعليه فالفاقد لأحد هذه الأُمور ليس بصلاة في نظر الشرع.
وهذا بخلاف سائر الأجزاء والشرائط ، فإنّها أُمور معتبرة في المأمور به ومن جملة مقوّماته ، لا من مقوّمات الماهيّة بحيث يدور مدارها اسم الصلاة وعنوانها ، حتّى فيما كان لسان دليل اعتباره مشابهاً للطهارة كما في الفاتحة والقبلة حيث ورد : «لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب» (1)أو «إلى القبلة» (2)كما ورد : «لا صلاة إلّا بطهور» (3)ممّا هو ظاهر في نفي الحقيقة بانتفاء الجزء المذكور.
وذلك لأنّا قد استفدنا من الخارج صحّة الصلاة الفاقدة لفاتحة الكتاب أو القبلة ولو في الجملة كما في صورة العجز ، فقد ورد في من لم يحسن القراءة أنّه يقرأ ما تيسّر من القرآن (4)، وأنّها لا تعاد بنسيانها (5).
كما أنّه ورد في بعض الفروض : أنّ ما بين المشرق والمغرب قبلة (6). حيث يستكشف من هذا كلّه : أنّ دليل اعتبارهما وإن كان ظاهراً في حدّ نفسه في نفي الحقيقة إلّا أنّه بملاحظة ما ذكرنا يحمل على ضرب من المبالغة ، اهتماماً بالأمرين المذكورين من بين سائر الأجزاء والشرائط.
إلّا أنّه بالنسبة إلى الطهور والركوع والسجود لم يرد ما يقتضي صرف أدلّة اعتبارها عن ظاهرها ، فتبقى هي بضميمة حديث التثليث على ظاهرها من
1) المستدرك 4 : 158 / أبواب القراءة في الصلاة ب 1 ح 5 [ولا يخفى أنّ هذه الرواية مرسلة ، ولعلّ المقصود مضمونها ، وهو صحيحة محمد بن مسلم الواردة في الوسائل 6 : 37 / أبواب القراءة في الصلاة ب 1 ح 1].
2) الوسائل 4 : 300 / أبواب القبلة ب 2 ح 9.
3) الوسائل 1 : 365 / أبواب الوضوء ب 1 ح 1.
4) [وهو ما يستفاد من صحيح ابن سنان في الوسائل 6 : 42 / أبواب القراءة في الصلاة ب 3 ح 1 كما ذكره في شرح العروة 14 : 420].
5) الوسائل 6 : 88 / أبواب القراءة في الصلاة ب 28 ، 29.
6) الوسائل 4 : 312 / أبواب القبلة ب 9 ح 2.
.................................................................................................
اقتضائه انتفاء الحقيقة بانتفاء أحدها ، فيستفاد من ذلك كونها من المقوّمات وأنّها دخيلة في مقام الذات.
ثمّ إنّه لا يكاد يتصوّر غالباً العجز عن السجود والركوع ، وذلك لوجود المراتب الطولية لهما ، نظراً إلى أنّ العاجز عن الركوع الاختياري وظيفته الركوع جالساً ، ثم الإيماء ، ثم غمض العين وفتحها. وهكذا الحال في السجود.
وهذا بخلاف الطهور فإنّه يتحقق العجز بالنسبة إليه كما في فاقد الطهورين وحينئذ فيكون العجز عن المقوم للشيء وهو الطهارة عجزاً عن الشيء نفسه ، لانتفاء المشروط بانتفاء شرطه ، فيستحيل تعلّق التكليف بالصلاة المشروطة بالطهارة ، لامتناع تعلّق الخطاب بأمر غير مقدور.
ولا يقاس ذلك بباقي الأجزاء والشرائط ، لوجود الفارق وهو كونها من مقوّمات المأمور به دون الماهية ، وعليه فالنتيجة هي سقوط التكليف بالصلاة أداء.
فإن قلت : كيف ذلك وقد ورد في الحديث : أنّ الصلاة لا تسقط بحال؟.
قلت : الموضوع لعدم السقوط بحال إنّما هي الصلاة ، وهي اسم لما يتركّب من الأُمور الثلاثة التي منها الطهارة بمقتضى حديث التثليث ، فالفاقد لها ليس بمصداق للصلاة ، ولا ينطبق عليه عنوانها بنظر الشارع الذي هو المبيّن لماهيتها والشارح لحقيقتها ، فليس العمل الفاقد للطهارة من حقيقة الصلاة في شيء وإن كان مشاكلاً لها في الصورة ، ومع هذا كيف يصحّ التمسّك بالحديث المذكور بعد ما لم يكن له موضوع أصلاً.
وأمّا المناقشة في سند الحديث فيدفعها أنّه وإن لم يرد بهذا اللفظ في لسان الأخبار ، وإنّما هو من الكلمات الدائرة على ألسنة الفقهاء ، لكن مضمونه وارد في صحيحة زرارة الواردة في المستحاضة ، وهو قوله (عليه السلام) : «ولا تدع الصلاة على حال» (1)، إذ لا شك في عدم اختصاص المستحاضة بالحكم
1) الوسائل 2 : 373 / أبواب الاستحاضة ب 1 ح 5.
وإن كان الأحوط الجمع بينهما (1).
المذكور ، لعدم احتمال الفرق بينها وبين سائر المكلّفين من هذه الجهة ، فبعد إلغاء الخصوصية عن المورد يكون مفادها عاما يشمل جميع المكلّفين. والظاهر أنّ العبارة الدائرة على ألسنة الفقهاء متصيّدة من هذه الصحيحة.
وكيف ما كان ، فلا مجال للتمسّك بالحديث في المقام ، لما عرفت من أنّه وإن كان حاكماً على أدلّة الأجزاء والشرائط ومبيّناً لاختصاصها بحال التمكّن إلّا أنّ الحكومة فرع صدق اسم الصلاة كي يتأتّى المجال للدليل الحاكم ، والمفروض هو انتفاء الصدق بانتفاء ما يقوّمه بنظر الشارع ، فلا صلاة في البين كي يحكم عليها بعدم السقوط ، وإنّما هناك صورة الصلاة ، ولا دليل على وجوب الإتيان بهذه الصورة ، هذا.
ومع الشك في الوجوب فالمرجع هي أصالة البراءة ، وهذا بخلاف سائر الأجزاء ، فانّ عنوان الصلاة منطبق على فاقدها ، فيشملها الدليل المذكور.
وأمّا وجوب القضاء عليه فلإطلاق الفوت المأخوذ موضوعاً للحكم المذكور ، فإنّ العبرة في القضاء بفوت التكليف ولو شأناً. وإن شئت فقل : إنّ الاعتبار بفوات الملاك ، ولا شك في تماميته في المقام ونظائره كالنوم والنسيان ممّا استند فيه سقوط التكليف في الوقت إلى العجز ، لا إلى تخصيص دليل الوجوب كما في الحيض ونحوه.
كما يفصح عن ذلك ما دلّ على وجوب القضاء على النائم والناسي (1)، حيث لا مجال لاحتمال اختصاص الحكم بالموردين ، بل المستفاد من ذلك الضابط الكلّي وهو ما عرفت من ثبوت القضاء في جميع موارد العجز ومنها المقام لأجل تمامية الملاك.
(1) عملاً بالعلم الإجمالي بوجوب أحد التكليفين.
1) المتقدم في ص 70 وما بعدها.
[1784] مسألة 8 : من وجب عليه الجمعة إذا تركها حتّى مضى وقتها أتى بالظهر إن بقي الوقت ، وإن تركها أيضاً وجب عليه قضاؤها لا قضاء الجمعة (1).
(1) بلا إشكال في ذلك ولا خلاف ، واستدلّ له تارة بالإجماع وأُخرى بصحيحة الحلبي قال : «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عمّن لم يدرك الخطبة يوم الجمعة ، قال : يصلّي ركعتين ، فان فاتته الصلاة فلم يدركها فليصلّ أربعاً ...» (1).
وناقش المحقّق الهمداني (قدس سره) (2)في الصحيحة بأنّ موردها صورة انعقاد الجمعة وعدم إدراك الإمام ، فهي ناظرة إلى مسألة أُخرى ، وهي أنّه لا جمعة بعد الجمعة ، وأجنبية عن صورة عدم انعقاد الجمعة رأساً حتى مضى وقتها.
ومن ثمّ استدلّ (قدس سره) للحكم المذكور بعد الإجماع وهو العمدة بوجه آخر ، وهو أنّ المستفاد من الأدلّة أنّ الواجب يوم الجمعة إنّما هي أربع ركعات ، غير أنّه لدى استجماع الشرائط تقوم الخطبتان مقام الركعتين الأخيرتين فيؤتى بالصلاة فيه ركعتين ، وهذا إنّما ثبت في الوقت ، وأمّا في خارجه فيكفي في عدم مشروعية قضائها بهذه الكيفية أصالة عدم المشروعية. فاللازم هو الإتيان بأربع ركعات وهي الفريضة الواجبة على كلّ مكلف بعد فقد الدليل على الاجتزاء بغيرها.
أقول : الذي ينبغي أن يقال في المقام : إنّه لا ريب في كون صلاة الجمعة من الواجبات المضيّقة ، وينتهي وقتها بصيرورة ظل كلّ شيء مثله أو بمضي ساعة من النهار أو بغير ذلك على اختلاف الأقوال. وعلى أيّ حال فانّ وقتها مضيّق
[1785] مسألة 9 : يجب قضاء غير اليوميّة (1) سوى العيدين (2) ،
ومحدود بزمان خاص ، ونتيجة ذلك سقوط الوجوب بخروج الوقت حتّى على القول بوجوبها تعييناً ، فتنقلب الوظيفة الواقعية عندئذ إلى صلاة الظهر ، لعدم احتمال سقوط التكليف عنه بالمرّة في هذا اليوم كما هو ظاهر.
وحينئذ فان صلّى أربع ركعات في الوقت فهو ، وإلّا كان قد فاتته صلاة الظهر دون الجمعة ، إذ الفوت إنّما يتحقّق في آخر الوقت دون وسطه أو أوّله. فالعبرة بالتكليف الثابت عند خروج الوقت الذي به يتحقّق الفوت ، لا بما ثبت في أوّل الوقت. فالمصداق للفائت ليس هو إلّا صلاة الظهر دون الجمعة.
وبعبارة اخرى : ليس الواجب على المكلّف في يوم الجمعة إلّا صلاة واحدة وهي الجمعة في أوّل الوقت وإلا فالظهر ، ولا شك في أنّ ما يفوته بخروج الوقت الذي هو زمان صدق الفوت إنّما هو الظهر دون الجمعة ، فلا يجب إلّا قضاء الظهر.
فلا حاجة إلى التشبّث بالإجماع أو بأصالة عدم مشروعية الجمعة في خارج الوقت كما أفاده (قدس سره) ، فإنّ الأمر وإن كان كذلك إلّا أنّا في غنى عن الاستدلال بهما كما لا يخفى.
(1) لإطلاق دليل القضاء كقوله (عليه السلام) في ذيل صحيحة زرارة : «فليصلّ ما فاته ممّا قد مضى» (1)، فإنّه يشمل اليومية وغيرها.
(2) حتى مع وجوب الأداء كما في زمن الحضور ، لصحيح زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال : من لم يصلّ مع الإمام في جماعة يوم العيد فلا صلاة له ، ولا قضاء عليه» (2)، وبه يقيّد إطلاق الصحيحة المتقدّمة.
حتّى النافلة المنذورة في وقت معيّن (1).
هذا فيما [إذا] ثبت العيد وأُقيمت الجماعة لكن المكلّف لم يدركها ، وأمّا إذا خرج الوقت ولم تنعقد الجماعة لعدم ثبوت الهلال إلّا بعد الزوال فإنّه تؤخّر الصلاة حينئذ إلى الغد كما نطق بذلك صحيح محمّد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : «إذا شهد عند الإمام شاهدان أنّهما رأيا الهلال منذ ثلاثين يوماً أمر الإمام بالإفطار في ذلك اليوم إذا كانا قد شهدا قبل زوال الشمس فان شهدا بعد زوال الشمس أمر الإمام بإفطار ذلك اليوم وأخّر الصلاة إلى الغد فصلّى بهم» (1). ولا تعارض بين الروايتين ، لاختلاف الموردين.
(1) كما يقتضيه الإطلاق المتقدّم. ولكن قد يناقش في ذلك بأنّ الفريضة المأخوذة موضوعاً لوجوب القضاء منصرفة إلى ما تكون فريضة في حدّ ذاتها وبالعنوان الأوّلي ، لا ما صارت فريضة بالعنوان الثانوي العارض كالنذر والإجارة ونحوهما ، فإنّ الإطلاق قاصر عن شمول ذلك ، وحيث إنّ القضاء بأمر جديد فالمرجع عند الشكّ فيه أصالة البراءة عنه.
ويندفع : بعدم كون الفريضة بعنوانها موضوعاً للقضاء في شيء من النصوص المعتبرة ، فإنّ حديث «من فاتته فريضة فليقضها كما فاتته» لم يرد من طرقنا ، وإنّما الموضوع هو عنوان فوت الصلاة كما ورد في صحيحة زرارة المتقدّمة عن أبي جعفر (عليه السلام) : «أنّه سئل عن رجل صلّى بغير طهور أو نسي صلاة لم يصلّها أو نام عنها ، قال : يقضيها إذا ذكرها في أيّ ساعة ذكرها إلى أن قال : فليصلّ ما فاته ممّا قد مضى» إلخ ، الواردة بطريقي الشيخ والكليني (2).
[1786] مسألة 10 : يجوز قضاء الفرائض في كلّ وقت من ليل أو نهار أو سفر أو حضر (1).
نعم ، قد اشتمل الذيل على لفظ «الفريضة» ولكنّه ناظر إلى حكم آخر ، وهو المنع عن التطوّع في وقت الفريضة ، ولا يرتبط بما نحن فيه من وجوب قضاء الفوائت.
ودعوى الاحتفاف بما يصلح للقرينية المورث للإجمال ، ممنوعة بعد تعدّد الحكم والموضوع كما لا يخفى. ومن الواضح أنّ العنوان المزبور ينطبق على النافلة المنذورة كالفرائض اليومية بمناط واحد.
ويؤيّده ما ورد في صحيحة ابن مهزيار من لزوم قضاء الصوم المنذور في يوم معيّن لو ترك في ظرفه (1)، فإنّ موردها وإن كان خصوص الصوم إلّا أنّه قد يستأنس منها عدم خصوصية للمورد ، وأنّ كلّ منذور فات في ظرفه يقضى من غير فرق بين الصلاة والصيام.
(1) بلا إشكال فيه ولا خلاف ، كما نطقت بذلك الأخبار الكثيرة ، بل لا يبعد دعوى بلوغها حدّ التواتر ، ومن جملتها صحيحة زرارة المتقدّمة آنفاً.
نعم ، بإزائها ما رواه الشيخ (قدس سره) بإسناده عن عمّار بن موسى عن أبي عبد اللّه (عليه السَّلام) قال : «سألته عن الرجل ينام عن الفجر حتّى تطلع الشمس وهو في سفر كيف يصنع؟ أيجوز له أن يقضي بالنهار؟ قال : لا يقضي صلاة نافلة ولا فريضة بالنهار ، ولا تجوز له ولا تثبت له ، ولكن يؤخّرها فيقضيها بالليل» (2).
لكنّها رواية شاذة لا تنهض لمقاومة ما سبق ، فإنّه من أظهر مصاديق قوله (عليه السلام) : «خذ بما اشتهر بين أصحابك ، ودع الشاذّ النادر» (3)هذا.
ويصلّي في السفر ما فات في الحضر تماماً ، كما أنّه يصلّي في الحضر ما فات في السفر قصراً (1).
[1787] مسألة 11 : إذا فاتت الصلاة في أماكن التخيير فالأحوط قضاؤها قصراً (1)مطلقاً ، سواء قضاها في السفر أو في الحضر في تلك الأماكن أو غيرها وإن كان لا يبعد جواز الإتمام أيضاً إذا قضاها في تلك الأماكن ، خصوصاً إذا لم يخرج عنها بعد وأراد القضاء (2).
مضافاً إلى أنّها ضعيفة في نفسها وإن كان قد عبّر عنها بالموثّق في بعض الكلمات ، فإنّ في السند علي بن خالد ، ولم يرد فيه توثيق.
نعم ، المذكور في الوسائل في هذا الموضع : أحمد بن خالد ، بدل علي بن خالد. لكنّه سهو من قلمه الشريف أو قلم النسّاخ (2). والصحيح هو علي بن خالد كما في نسخ التهذيب الطبع القديم منه والحديث (3).
إذن فلا تصل النوبة إلى الحمل على التقية كما قيل ، وإن كان ممّا لا بأس به لو صحّ السند.
(1) إجماعاً ، وتشهد به جملة من النصوص منها صحيح زرارة قال «قلت له : رجل فاتته صلاة من صلاة السفر فذكرها في الحضر ، قال : يقضي ما فاته كما فاته ، إن كانت صلاة السفر أدّاها في الحضر مثلها ، وإن كانت صلاة الحضر فليقض في السفر صلاة الحضر كما فاتته» (4)، ونحوها غيرها.
الفائتة في أماكن التخيير :
(2) الأقوال المعروفة في المسألة ثلاثة : التخيير مطلقاً ، وتعيّن القصر مطلقاً
.................................................................................................
والتفصيل بين ما إذا كان القضاء في تلك الأماكن نفسها فالتخيير سيما إذا كان لم يخرج عنها بعد ، وبين القضاء في بلد آخر فالقصر كما مال إليه الماتن (قدس سره).
وقد استدلّ للقول الأوّل بوجوه :
الأوّل : عموم «من فاتته فريضة فليقضها كما فاتته» ، فانّ اللفظ المذكور وإن لم يرد في شيء من النصوص (1)لكن ذلك هو مضمون نصوص الباب كقوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة المتقدّمة آنفاً : «يقضي ما فاته كما فاته» وحيث إنّ الفائت في المقام هي الفريضة المخيّر فيها بين القصر والتمام فكذلك الحال في قضائها ، عملاً بالمماثلة بين الأداء والقضاء المأمور بها في هذه النصوص.
وفيه : أنّ النظر في المماثلة مقصور على ذات الفائت بحسب ما يقتضيه طبعه من قصر أو تمام ، لا بلحاظ ما يطرأ عليه من الخصوصيات والملابسات المستتبعة للحكم الشرعي بالعنوان الثانوي من زمان أو مكان ونحو ذلك ، ولا شك في أنّ الفريضة المقرّرة بالذات في حقّ المسافر إنّما هي القصر ، وأمّا جواز الإتمام فهو حكم شرعي آخر نشأ من خصوصية في المكان ، وقد أثبته الدليل للصلاة أداء ، ولم ينهض مثله في القضاء فلا موجب للتعدّي.
وعلى الجملة : المماثلة غير ناظرة إلى الخصوصيات اللاحقة والأوصاف الطارئة على الفعل الزائدة على مقام الذات ، فلا تكاد تعمّ مثل المقام ، هذا.
مضافاً إلى أنّ مقتضى إطلاق موثّق عمار قال : «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن المسافر يمرض ولا يقدر أن يصلّي المكتوبة ، قال : يقضي إذا أقام مثل صلاة المسافر بالتقصير» (2)وجوب التقصير في قضاء الفائت حال السفر ، سواء أكان الفوت في مواطن التخيير أم لا.
.................................................................................................
الثاني : ما ذكره المحقّق الهمداني (قدس سره) من تبعية القضاء للأداء ، فإنّ القضاء وإن كان بأمر جديد لكنّه يكشف لا محالة عن تعدّد المطلوب في الوقت وأنّ مطلوبية العمل غير منتفية بفواته ، وعليه فالصلاة المقضيّة هي بعينها الماهية المطلوبة في الوقت ، فيجب مراعاة جميع الأحكام عدا الناشئ منها من خصوصية الوقت ، وحيث إنّ من تلك الأحكام ثبوت التخيير في المقام كان الحال هو ذلك في القضاء ، رعاية لقانون التبعية (1).
ويتوجّه عليه : ما عرفت سابقاً (2)من منع التبعية ، وأنّ الأمر بالقضاء لازم أعم لتعدّد المطلوب ، فلا يكاد ينكشف به ذلك لملاءمته مع وحدته أيضاً ، بل هي الظاهر من الأمر بالصلاة مقيّدة بالوقت كما لا يخفى ، فاذا سقط هذا الأمر بخروج الوقت وتعلّق أمر جديد بالقضاء فلا دليل على ثبوت التخيير في الأمر الجديد أيضاً ، وإنّما التخيير كان ثابتاً في خصوص الأمر الساقط فقط.
الثالث : الاستصحاب ، بدعوى أنّ الأمر التخييري كان ثابتاً في الأداء ويحكم بثبوته في القضاء أيضاً عملاً بالاستصحاب.
ويرد عليه أوّلاً : المنع عن جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية ، فانّا وإن بنينا على جريانه في الأحكام غير الإلزامية كالإباحة والطهارة على ما بيّناه في الأُصول (3)إلّا أنّا لا نلتزم بجريانه في خصوص المقام ، لأجل المعارضة التي لأجلها منعنا جريانه في الأحكام الإلزامية.
وذلك لأنّ الوظيفة الأوّلية المقرّرة في حقّ المسافر إنّما هي القصر ، وإنّما جعل التخيير لمن كان في إحدى الأماكن المعيّنة ، تخصيصاً لما تقتضيه القاعدة الأوّلية. إذن فالتخيير في المقام مجعول للشارع ، وليس كالإباحة التي لا تحتاج إلى الجعل ، وعلى هذا فاستصحاب بقاء التخيير إلى ما بعد خروج الوقت
.................................................................................................
معارض باستصحاب عدم جعل التخيير في خارج الوقت.
وثانياً : أنّ الاستصحاب في نفسه غير جار في المقام ، لأجل تعدّد الموضوع فإنّ الأمر الأوّل الذي كان على وجه التخيير قد سقط بخروج الوقت جزماً والمفروض هو وحدة المطلوب كما استظهرناه من الدليل حسبما عرفت (1)، والأمر الثاني الحادث بعد خروج الوقت مشكوك الكيفية من حين حدوثه ، حيث لا ندري به أنّه على وجه التخيير أو التعيين ، فما الذي نستصحبه؟
ثم إنّ جميع ما ذكرناه إلى هنا إنّما كان مجاراة منّا ، وإلّا فالظاهر أنّ من تفوته الصلاة في أماكن التخيير ينحصر الفائت في حقّة بالفريضة المقصورة فقط ، فإنّ العبرة في القضاء بما يفوت المكلّف في آخر الوقت ، وهو زمان صدق الفوت.
ولا شك في أنّه عند ضيق الوقت إلّا بمقدار أربع ركعات كما في الظهرين تنقلب الوظيفة الواقعية من التخيير إلى التقصير ، فلا يكون الفائت إلّا الصلاة قصراً. وهذا الفرض متحقّق دائماً ، فانّ الفوت مسبوق لا محالة بالتضيّق المذكور ، ومعه لا مجال للاستصحاب ولا لدعوى التبعية ، ولا عموم أدلّة الفوت.
ويستدلّ للقول الثالث وهو التخيير فيما إذا أراد القضاء في تلك الأماكن بالاستصحاب والتبعية. وقد عرفت حالهما.
وعمدة ما يستدلّ له مكاتبة علي بن مهزيار قال : «كتبت إلى أبي جعفر الثاني (عليه السلام) : أنّ الرواية قد اختلفت عن آبائك في الإتمام والتقصير للصلاة في الحرمين إلى أن قال فكتب إليّ (عليه السلام) بخطّه : قد علمت يرحمك اللّه فضل الصلاة في الحرمين على غيرهما فأنا أُحبّ لك إذا دخلتهما أن لا تقصّر ، وتكثر فيهما من الصلاة» (2).
فانّ مقتضى إطلاقها استحباب الإكثار من الصلاة واختيار التمام لشرف
(1788) مسألة 12 : إذا فاتته الصلاة في السفر الذي يجب فيه الاحتياط بالجمع بين القصر والتمام فالقضاء كذلك (1).
(1789) مسألة 13 : إذا فاتت الصلاة وكان في أوّل الوقت حاضراً وفي آخر الوقت مسافراً أو بالعكس لا يبعد التخيير في القضاء بين القصر والتمام والأحوط اختيار ما كان واجباً (1)في آخر الوقت ، وأحوط منه الجمع بين القصر والتمام (2).
المكان ، من دون فرق بين الأداء والقضاء ، لعموم العلّة.
وفيه ما لا يخفى ، فإنّها ناظرة إلى الصلاة الأدائية خاصة وهي التي وقع الخلاف في حكمها بين الفقهاء كما أُشير إلى ذلك في صدر الرواية ولا إطلاق لها بالإضافة إلى القضاء ، وإلّا لزم القول بالتخيير فيما إذا قضى في الحرمين ما فاته قصراً في غيرهما ، فإنّ الإطلاق على تقدير ثبوته يشمل ذلك أيضاً ولا يظنّ بأحد الالتزام به. فالنظر في الصحيحة يكون مقصوراً على حال الأداء فقط ، ولا يكاد يتناول القضاء بوجه.
فالمتحصّل من جميع ما ذكرناه : أنّ الأقوى هو القول الثاني ، أعني به تعيّن القصر مطلقاً.
(1) لعين المناط الموجب للاحتياط في الأداء ، وهو العم الإجمالي بأحد التكليفين.
(2) لا يخفى أنّه بناءً على كون الاعتبار في كيفية الأداء بحال تعلّق الوجوب وأنّ الواجب على من سافر بعد دخول الوقت ليس هو إلّا التمام فهذا البحث ساقط من أصله ، ويكون المتعيّن حينئذ هو قضاء الصلاة تماماً ، فإنّها هي التي تعلّق بها التكليف في الوقت حتّى في حال السفر ، فلم يكن مصداق الفائت إلّا الصلاة التامّة ، فيتعيّن القضاء تماماً.
1) (*) في كونه أحوط إشكال ، نعم هو أظهر.
.................................................................................................
كما أنّه بناءً على كون الوظيفة المقرّرة في الوقت في الفرض المذكور هي التخيير يندرج المقام في المسألة المتقدّمة ، وهي الفائتة في مواطن التخيير ، وقد مرّ حكمها.
فالكلام في المسألة مبني على كون الاعتبار في الوقت بحال الأداء وزمان الامتثال وأنّ المتعيّن في الفرض المزبور هي الصلاة قصراً ، فهل يتعيّن القضاء حينئذ قصراً أيضاً كما عليه المشهور ، أو تماماً كما اختاره جمع من الأعلام كوالد الصدوق (1)والإسكافي (2)والشيخ في المبسوط (3)والسيد المرتضى (4)والحلّي في السرائر (5)وغيرهم (قدس سرهم) ، أو يتخيّر بينهما كما مال إليه المصنف (قدس سره) في المتن؟ وجوه ، بل أقوال.
ثمّ إنّ المصنف (قدس سره) بعد نفي البعد عن القول بالتخيير ذكر أنّ الأحوط هو اختيار ما كان واجباً في آخر الوقت وهو القصر في المثال وأحوط منه الجمع بين القصر والتمام.
قلت : أمّا أنّ مقتضى الاحتياط هو الجمع فحقّ لا سترة عليه ، لدوران الفائت بين القصر والتمام ، فيكون مقتضى الاحتياط الناشئ من العلم الإجمالي بوجوب أحدهما هو الجمع ، وبه يتحقّق اليقين بالفراغ.
وأمّا كون القصر فقط موافقاً للاحتياط فلم نعرف له وجهاً بعد ذهاب الجمّ الغفير من الأعلام كما أشرنا إليهم آنفاً إلى التمام ، فانّ الاعتبار عند هؤلاء بحال الوجوب دون الأداء.
وعلى الجملة : القصر هو أحد طرفي العلم الإجمالي كالتمام ، فان تمّ مستنده
.................................................................................................
كان القول به أظهر لا أحوط ، وإلّا كان كلا الأمرين بالنظر إلى الاحتياط على حدّ سواء.
وكيف ما كان ، فيستدلّ لوجوب التمام في المقام تارة بأنّ الفائت هو ما خوطب المكلّف به في الحال الأوّل وهو الصلاة تماماً ، فإنّه لو كان قد صلّى في تلك الحال لكانت صلاته تامّة ، فيجب عليه أن يقضيها حينئذ كما هي فاتته.
وفيه ما لا يخفى ، فانّ الخطاب في الحال الأوّل قد سقط وتبدّل بالخطاب بالقصر بسبب ترخيص الشارع في التأخير. ومجرّد الفرض والتقدير وهو أنّه لو كان صلّاها في تلك الحال لكانت تماماً لا يستوجب انطباق عنوان الفوت عليه. فالقصر إذن هو الفائت المتمحّض في الفوت دون غيره.
وأُخرى بما رواه الشيخ (قدس سره) بإسناده عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) : «أنّه سئل عن رجل دخل وقت الصلاة وهو في السفر فأخّر الصلاة حتّى قدم فهو يريد أن يصلّيها إذا قدم إلى أهله ، فنسي حين قدم إلى أهله أن يصلّيها حتّى ذهب وقتها ، قال : يصلّيها ركعتين صلاة المسافر ، لأنّ الوقت دخل وهو مسافر ، كان ينبغي أن يصلّي عند ذلك» (1).
فانّ مقتضى تعليل القضاء قصراً بوجوبه عليه عند دخول الوقت أنّ الاعتبار في القضاء بحال الوجوب لا حال الأداء ، فيدلّ التعليل على وجوب القضاء تماماً في عكس الفرض ، وهو ما لو كان حاضراً في أوّل الوقت ثمّ سافر.
ويندفع بأنّ السند وإن كان معتبراً ، إذ ليس فيه من يغمز فيه ما عدا موسى ابن بكر ، وهو ثقة على الأظهر كما نبّه عليه سيدنا الأُستاذ (دام ظله) في المعجم (2). لكنّ الدلالة قاصرة ، لقرب احتمال كونها ناظرة إلى وقت الفضيلة دون الإجزاء ، فتكون من أدلّة القائلين بأنّ الاعتبار في الأداء في من كان أوّل
.................................................................................................
الوقت حاضراً ثم سافر أو بالعكس بحال تعلّق الوجوب لا حال الامتثال وعليه فتكون أجنبية عمّا نحن فيه.
على أنّها معارضة بالنصوص الناطقة بأنّ الاعتبار في القضاء بحال الفوت الذي لا يكاد يتحقّق إلّا بلحاظ آخر الوقت دون أوّله ، فإنّه من تبديل الوظيفة لا فواتها كما ستعرف (1).
والصحيح ما عليه المشهور من تعيّن القضاء قصراً ، وكون الاعتبار بحال الأداء لا الوجوب ، وذلك لوجهين :
الأول : أنّ الفوت المأخوذ موضوعاً لوجوب القضاء إنّما ينطبق على الفريضة المقرّرة حال خروج الوقت الذي هو زمان صدق الفوت ، وأمّا ما ثبت أوّلاً وقد جاز تركه آن ذاك بترخيص من الشارع في التأخير ، والمفروض هو سقوط الخطاب به عنه بتبدّل الموضوع وانقلاب الوظيفة الواقعية من التمام إلى القصر فلا فوت بالنسبة إليه كي يشمله دليل القضاء.
وبكلمة واضحة : ليس الواجب على الحاضر أوّل الوقت هو التمام بما هو وإلّا لما جاز له تركه ، مع بداهة الجواز بمقتضى التوسعة المفروضة في الوقت ، بل الواجب هو طبيعي الصلاة ، والتمام إنّما يكون شرطاً لصحّة العمل الواقع في خصوص الظرف المعيّن ، حيث لا تصحّ منه الصلاة في أوّل الوقت مع فرض كونه حاضراً حينئذ إلّا إذا أتى بها تامة ، لا أنّ الصلاة التامة بخصوصها تعلّق بها الوجوب في تلك الحال ، كيف وقد ساغ له الترك فيه بإذن من الشارع ، فلو لم يصلّها حينئذ لم يكن قد فاته شيء.
وهذا بخلاف الصلاة في آخر الوقت ، فانّ الواجب عندئذ هو خصوص القصر ، ولا يسوغ له تركه ، لأجل ضيق الوقت وانحصار الطبيعة المأمور بها في هذا الفرد ، فلو ترك ذلك حتى خرج الوقت كان الفائت منه هو هذا الفرد لا محالة ، فيختص الفوت به دون غيره ، فلا يجب إلّا القضاء قصراً.
1) ولمزيد التوضيح لاحظ ما سيأتي في الجزء 20 : 391 394.
[1790] مسألة 14 : يستحبّ قضاء النوافل الرواتب استحباباً مؤكّداً (1) ،
الثاني : إطلاق موثّقة عمّار قال : «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن المسافر يمرض ولا يقدر أن يصلّي المكتوبة ، قال : يقضي إذا أقام مثل صلاة المسافر بالتقصير» (1)، فإنّ إطلاقها يشمل المسافر الذي كان حاضراً أوّل الوقت ، فيجب عليه أيضاً القضاء قصراً.
ولا ينتقض ذلك بشمول الإطلاق المسافر الذي بلغ أهله في آخر الوقت وذلك لخروجه عن عنوان المسافر حينئذ ، وظاهر الموثّقة اعتبار فوت المكتوبة حال كونه مسافراً ، فلا تشمل مثل هذا الفرض كما لا يخفى.
والمتحصّل من جميع ما ذكرناه : هو لزوم القضاء قصراً.
وأمّا ما أفاده الماتن (قدس سره) من القول بالتخيير فغير واضح ، إذ لم يثبت ذلك في الأداء كي يتبعه القضاء ، فإنّ العبرة إن كانت بحال الوجوب فالفائت هو التمام ، أو بحال الأداء فالقصر ، فلم يكن مصداق الفائت هو الواجب التخييري كي يقضيه كذلك.
ومن جميع ما قدّمنا يظهر حكم عكس المسألة أعني ما لو كان مسافراً في أوّل الوقت فحضر قبل خروج الوقت ، وأنّ الواجب حينئذ هو القضاء تماماً لعين ما ذكر فلا نعيد.
قضاء النوافل :
(1) لجملة من النصوص وأكثرها معتبر سنداً دلّت على تأكّد الاستحباب (2)منها : صحيحة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال «قلت له : أخبرني عن رجل عليه من صلاة النوافل ما لا يدري ما هو من كثرتها ، كيف يصنع؟ قال : فليصلّ حتى لا يدري كم صلّى من كثرتها ، فيكون
بل لا يبعد استحباب قضاء غير الرواتب من النوافل الموقّتة (1) ، دون غيرها (2) ، والأولى قضاء غير الرواتب من الموقّتات بعنوان احتمال المطلوبية (3).
قد قضى بقدر علمه (ما علمه) إلى أن قال قلت : فإنّه لا يقدر على القضاء فهل يجزي أن يتصدّق؟ فسكت ملياً ، ثمّ قال : فليتصدّق بصدقة ، قلت : فما يتصدّق؟ قال : بقدر طَوله ، وأدنى ذلك مدّ لكلّ مسكين مكان كلّ صلاة قلت : وكم الصلاة التي يجب فيها مدّ لكلّ مسكين؟ قال : لكلّ ركعتين من صلاة الليل مدّ ، ولكلّ ركعتين من صلاة النهار مدّ ، فقلت : لا يقدره ، قال : مدّ لكلّ أربع ركعات من صلاة النهار وأربع ركعات من صلاة الليل ، قلت : لا يقدر ، قال : فمدّ إذن لصلاة الليل ومدّ لصلاة النهار ، والصلاة أفضل ، والصلاة أفضل ، والصلاة أفضل» (1).
(1) لإطلاق بعض نصوص الباب الشامل لغير الرواتب من النوافل الموقتة كصلاة أوّل الشهر ، والصلوات الواردة في ليالي شهر رمضان ونحوهما.
كصحيحة عبد اللّه بن سنان قال : «سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول : إنّ العبد يقوم فيقضي النافلة فيعجب الربّ ملائكته منه ، فيقول : ملائكتي عبدي يقضي ما لم أفترضه عليه» (2).
وصحيحة عاصم بن حميد قال «قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : إنّ الربّ ليعجب ملائكته من العبد من عباده يراه يقضي النوافل (النافلة) فيقول : انظروا إلى عبدي يقضي ما لم أفترضه عليه» (3).
(2) كصلاة جعفر ونحوها ، حيث إنّها لأجل عدم التوقيت تكون أداءً في كلّ حال ، فلا قضاء لها أصلاً.
(3) الوجه في ذلك هو المناقشة في الإطلاق المتقدّم ، نظراً إلى احتمال
ولا يتأكّد قضاء ما فات حال المرض (1).
ومن عجز عن قضاء الرواتب استحبّ له الصدقة عن كلّ ركعتين بمدّ ، وإن لم يتمكّن فعن كلّ أربع ركعات بمدّ ، وإن لم يتمكّن فمدّ لصلاة الليل ومدّ لصلاة النهار (2) ، وإن لم يتمكّن فلا يبعد مدّ لكلّ يوم وليلة (3). ولا فرق في قضاء النوافل أيضاً بين الأوقات.
انصرافه إلى الرواتب ، كما هو الغالب في موارد نصوص الباب. فان تمّ هذا الانصراف فلا دليل على الاستحباب في غيرها ، وإلّا كان الإطلاق محكّماً ولأجل هذا الترديد كان الأولى هو الإتيان رجاءً وباحتمال المطلوبية.
(1) فقد دلّ على استحباب القضاء فيه بالخصوص بعض النصوص كصحيح محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال «قلت له : رجل مرض فترك النافلة ، فقال : يا محمّد ليست بفريضة ، إن قضاها فهو خير يفعله وإن لم يفعل فلا شيء عليه» (1).
إلّا أنّ مقتضى بعض النصوص هو نفي القضاء في الفرض المذكور كصحيح مرازم بن الحكيم الأزدي أنّه قال : «مرضت أربعة أشهر لم أتنفّل فيها ، فقلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) فقال : ليس عليك قضاء ، إنّ المريض ليس كالصحيح ، كلّ ما غلب اللّه عليه فاللّه أولى بالعذر» (2).
ومقتضى الجمع بينها الحمل على نفي التأكّد ، بأن يكون قضاء ما فات حال المرض دون قضاء ما فات حال السلامة في الأهمية.
(2) هذه المراتب الثلاث منصوص عليها في صحيحة ابن سنان المتقدّمة (3).
(3) حكى ذلك في الحدائق عن الأصحاب (قدس سرهم) جاعلاً إيّاها
[1791] مسألة 15 : لا يعتبر الترتيب في قضاء الفوائت من غير اليومية لا بالنسبة إليها ولا بعضها مع البعض الآخر (1) ، فلو كان عليه قضاء الآيات وقضاء اليومية يجوز تقديم أيّهما شاء ، تقدّم في الفوات أو تأخر ، وكذا لو كان عليه كسوف وخسوف يجوز تقديم كلّ منهما وإن تأخّر في الفوات.
[1792] مسألة 16 : يجب الترتيب في الفوائت اليومية (1)بمعنى قضاء السابق في الفوات على اللاحق وهكذا (2).
المرتبة الثانية ، مقتصراً عليها وعلى الاولى من المراتب المذكورة في المتن (2). ولم نجد مستنداً لذلك ، وهم أي الأصحاب أعرف بما قالوا. وكأنّ الجمع بين ذلك وبين ما سبق حمل الماتن (قدس سره) على نفي البعد عن جعلها مرتبة رابعة.
وكيف ما كان ، فلم يثبت استحباب العمل المذكور في نفسه فضلاً عن كونه في المرتبة الثانية أو الرابعة ، نعم الصدقة في حدّ نفسها إحسان وإنفاق ، فهي حسن على كلّ حال ، فلا بأس بالتصدّق بمدّ عن كلّ يوم أو يومين أو ثلاثة أو أُسبوع أو شهر وهكذا ، لكن استحبابها شرعاً عن كلّ يوم أي مجموع النهار والليل غير ثابت بالخصوص ، لعدم قيام دليل على ذلك كما عرفت.
(1) لإطلاق أدلّة القضاء ، مضافاً إلى أصالة البراءة عن الترتيب بعد عدم نهوض دليل عليه.
(2) أمّا لزوم الترتيب فيما إذا كانت الفائتة مترتّبة في نفسها كالظهرين
.................................................................................................
والعشاءين فممّا لا إشكال فيه ولا خلاف ، فإنّه على طبق القاعدة بعد أن كان اللازم هو قضاء ما فات كما فات. فتجب مراعاة جميع الخصوصيات الموجودة في الفائتة عدا خصوصية الوقت.
ولا شكّ في أنّه يعتبر في صحّة صلاة العصر بمقتضى الترتيب الملحوظ بينها وبين صلاة الظهر المستفاد من قوله (عليه السلام) : «إلّا أنّ هذه قبل هذه» (1)تأخّرها عن صلاة الظهر ، وكذا الحال في صلاة العشاء بالنسبة إلى المغرب وحينئذ فلا بدّ من المحافظة على الشرط المذكور في القضاء حتّى تتحقّق المماثلة المطلقة المعتبرة بينها وبين الأداء.
مضافاً إلى أنّه يدلّ عليه في خصوص العشاءين بعض النصوص كصحيحة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال : إن نام رجل أو نسي أن يصلّي المغرب والعشاء الآخرة ، فإن استيقظ قبل الفجر قدر ما يصلّيهما كلتيهما فليصلّهما ، وإن خاف أن تفوته إحداهما فليبدأ بالعشاء الآخرة ، وإن استيقظ بعد الفجر فليصلّ الصبح ثمّ المغرب ثمّ العشاء الآخرة قبل طلوع الشمس» (2).
وأمّا في الظهرين فلم يرد فيهما نصّ عدا رواية جميل الآتية ، إلّا أنّهما بلا شك كالعشاءين ، لعدم احتمال الفرق بينهما.
إنّما الكلام في اعتبار الترتيب في قضاء الفوائت غير المترتّبة كالغداة والظهر أو العصر والمغرب. والمشهور وجوب الترتيب بمعنى قضاء السابق في الفوات على اللاحق.
واختار جماعة عدم الوجوب ، وذكروا أنّه لا دليل عليه ، لعدم اعتبار الترتيب بين الصلاتين شرعاً حتّى في مقام الأداء. والترتيب المتحقّق بينهما خارجاً اتفاقي يقتضيه طبع الزمان ، لسبق وقت الغداة مثلاً على الظهر ، لا
.................................................................................................
أنّ الشارع اعتبر السبق واللحوق بينهما ، فحالهما حال ما إذا اتفق الكسوف قبل الزوال ، فكما أنّه لا ترتيب حينئذ بين صلاتي الكسوف والظهر شرعاً وإنّما يكون الترتيب اتفاقياً خارجاً ، كذلك الحال في المقام. وحيث لا دليل على اعتبار الترتيب شرعاً في خصوص القضاء ، فيكون مقتضى الإطلاقات المؤيّدة بأصالة البراءة عدم الوجوب.
لكنّ القائلين بوجوب الترتيب استدلّوا له بعدّة روايات :
منها : ما رواه المحقّق (قدس سره) في المعتبر عن جميل عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال «قلت : تفوت الرجل الاولى والعصر والمغرب ، ويذكر بعد العشاء ، قال : يبدأ بصلاة الوقت الذي هو فيه ، فإنّه لا يأمن الموت فيكون قد ترك الفريضة في وقت قد دخل ، ثمّ يقضي ما فاته الأوّل فالأوّل» (1)كذا في رواية الوسائل. وفي المعتبر : «عند العشاء» بدل : «بعد العشاء».
وكيف كان ، فقد دلّت الرواية على لزوم الإتيان بعد الفراغ عن أداء فريضة الوقت بالقضاء مراعياً فيه الأوّل فالأوّل بتقديم السابق في الفوات على اللاحق.
ولكن الاستدلال بذلك غير تامّ على التقديرين ، أمّا على رواية الوسائل من كون التذكّر بعد الفراغ من العشاء فالمراد بفريضة الوقت إنّما هي صلاة المغرب لا محالة ، فينحصر على هذا مصداق الفائت بالظهرين ، ولا شك في اعتبار الترتيب في قضائهما لكونهما مترتّبتين أداء ، وهذا الفرض خارج عن محلّ الكلام كما عرفت.
على أنّا نقطع بغلط النسخة على هذا التقدير ، فإنّه بعد استلزامها انحصار الفائت بالظهرين كما عرفت يلغو قوله : «الأوّل فالأوّل» ، فإنّ الأوّلية تستدعي وجود ما يكون ثانياً وإلّا لما صحّ اتصاف الشيء بالأوّلية ، فقوله
1) الوسائل 4 : 289 / أبواب المواقيت ب 62 ح 6 ، المعتبر 2 : 407.
.................................................................................................
(عليه السلام) : «فالأوّل» يستلزم فرضَ ثانٍ له لا محالة ، وهو الثالث من المجموع ، وعليه فلا يحسن مثل هذا التعبير إلّا عند فرض أُمور ثلاثة على أقلّ تقدير ، والمفروض في المقام انحصار الفائت باثنين ، الظهر والعصر ، فكان من حقّ العبارة أن يقال : يقضي الأوّل وبعده العصر ، لا «الأوّل فالأوّل».
فالصحيح إذن إنّما هي نسخة المعتبر المشتملة على قوله : «عند العشاء» حيث يكون المراد بفريضة الوقت على هذا التقدير صلاة العشاء ، وحينئذ فيكون الفائت ثلاث صلوات ، الظهرين وصلاة المغرب ، وبذلك يصحّ التعبير الوارد في الرواية ، ولا تكون أجنبية عن محلّ الكلام.
وممّا يؤيّد ما ذكرناه أنّ صاحب الوسائل (قدس سره) ذكر الرواية بعينها مع اختلاف يسير في ألفاظها لا يوجب تغييراً في المعنى في باب القضاء موافقاً لما في المعتبر ، وإليك نصّها : بإسناده أي الشيخ (قدس سره) عن أحمد بن محمد عن الحسن بن علي الوشاء عن رجل عن جميل بن دراج عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال «قلت له : تفوت الرجل الاولى والعصر والمغرب وذكرها عند العشاء الآخرة ، قال : يبدأ بالوقت الذي هو فيه ، فإنّه لا يأمن الموت فيكون قد ترك صلاة فريضة في وقت قد دخلت ، ثمّ يقضي ما فاته الأُولى فالأُولى» (1).
والمظنون قوياً أنّ صاحب المعتبر (قدس سره) روى أيضاً هذه الرواية عن جميل بالإسناد المذكور ، إذ من البعيد جدّاً أن يكون قد رواها من كتاب جميل أو بإسناد آخر ، وحينئذ فلا بدّ وأن يكون قوله : «بعد العشاء» كما في رواية الوسائل في باب المواقيت نقلاً عن المحقّق في المعتبر من غلط النسخة وأنّ الصحيح هو قوله : «عند العشاء» كما في المعتبر وفي باب القضاء من الوسائل.
1) الوسائل 8 : 257 / أبواب قضاء الصلوات ب 2 ح 5 ، التهذيب 2 : 352 / 1462.
.................................................................................................
ولكنّه مع ذلك كلّه فالاستدلال بالرواية غير تامّ.
أمّا أوّلاً : فلأنّها إنّما تنطبق على مذهب العامّة (1)وبعض القدماء من أصحابنا من القول بتضييق وقت المغرب وانتهائه بغيبوبة الشفق التي هي مبدأ وقت صلاة العشاء ، وإلّا لما صحّ توصيف صلاة المغرب بالفائتة عند العشاء فانّ المعروف من مذهب أصحابنا هو امتداد وقتي المغرب والعشاء إلى منتصف الليل ، بل إلى الفجر كما هو الصحيح وإن كان آثماً في التأخير.
وعلى هذا فلا تكون المغرب حين تذكّره وهو عند العشاء فائتة ، فكيف يسوغ والحال هذه البدأة بصلاة العشاء ثمّ الإتيان بصلاة المغرب مع اعتبار الترتيب بينهما؟ وهل هذا إلّا الإخلال بالترتيب عامداً؟ فلا جرم تطرح الرواية لمخالفتها للمذهب.
وثانياً : أنّها ضعيفة السند بالإرسال ، وقد ذكرنا آنفاً أنّ المحقّق (قدس سره) بالظنّ القوي يرويها بهذا الإسناد ، وعلى فرض أن يكون لها سند آخر عنده فهو مجهول. فالرواية مرسلة على كلّ حال ، ولا تصلح للاستدلال.
ومنها : صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال : إذا نسيت صلاة أو صلّيتها بغير وضوء وكان عليك قضاء صلوات فابدأ بأوّلهنّ فأذّن لها وأقم ثمّ صلّها ، ثمّ صلّ ما بعدها بإقامة إقامة لكلّ صلاة ...» (2).
والاستدلال بها مبنيّ على أن يكون المراد ب- «أوّلهنّ» أُولاهن في الفوات بأن يبدأ بما فاته أوّلاً ، فيقدّم السابق فواتاً على اللاحق ، فتدلّ حينئذ على اعتبار الترتيب.
ولكنّ هذا المعنى غير ظاهر ، لعدم كونه بيّناً في نفسه ولا مبيّناً ، ومن الجائز أن يراد أُولاهن في مقام القضاء ، بأن تكون الصحيحة ناظرة إلى بيان كيفية
ولو جهل الترتيب وجب التكرار (1)
الأذان والإقامة عند تصدّي المكلّف للقضاء ، وأنّه يكفيه أذان الصلاة الاولى من الصلوات التي يقضيها ، ولا يجب عليه الأذان لكلّ قضاء ، ثمّ يصلّي بإقامة إقامة لكل واحدة من الصلوات التي يقضيها ما دام متشاغلاً بالقضاء في مجلس واحد.
فاذا فرضنا أنّه انقطع عن القضاء فترة ثمّ أراد التشاغل به بعد ذلك كان عليه أيضاً الأذان للأُولى فيصلّيها بأذان وإقامة ، ويأتي بعد ذلك بما شاء قضاءً بإقامة إقامة لكلّ واحدة منها بدون الأذان ، وهكذا.
وعلى الجملة : أنّ هذا الذي ذكرناه غير بعيد عن سياق الرواية ، بل لعلّه هو الظاهر منها ، سيما بملاحظة الفاء في قوله (عليه السلام) : «فأذّن» الكاشفة عن أنّ قوله (عليه السلام) : «فابدأ بأوّلهنّ ...» توطئة وتمهيد لبيان حكم قضاء الصلوات من حيث الأذان والإقامة ، فيكون النظر مقصوراً على بيان الحكم المذكور ، من دون نظر إلى الفوائت أنفسها من حيث السبق واللحوق في الفوت.
كما يؤيّده عدم التعرّض في الرواية للترتيب بين الاولى وما عداها في الصلوات الفائتة ، وعليه فيكون مفاد الرواية مطابقاً لما دلّ عليه صحيح محمّد ابن مسلم قال : «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل صلّى الصلوات وهو جنب اليوم واليومين والثلاثة ثمّ ذكر بعد ذلك ، فقال : يتطهّر ويؤذّن ويقيم في قضاء أُولاهن ثمّ يصلّي ، ويقيم بعد ذلك في كلّ صلاة فيصلّي بغير أذان حتّى يقضي صلاته» (1).
فالمتحصّل : أنّه لا دلالة لشيء من النصوص على اعتبار الترتيب في قضاء الفوائت غير المرتّبة في نفسها ، والمرجع بعد الشك أصالة البراءة.
(1) أمّا بناءً على عدم اعتبار الترتيب كما هو الصحيح فلا ريب في جواز
1) الوسائل 8 : 254 / أبواب قضاء الصلوات ب 1 ح 3.
إلّا أن يكون مستلزماً للمشقّة التي لا تتحمّل من جهة كثرتها (1) فلو فاتته ظهر ومغرب ولم يعرف السابق صلّى ظهراً بين مغربين أو مغرباً بين ظهرين وكذا لو فاتته صبح وظهر ، أو مغرب وعشاء من يومين ، أو صبح وعشاء أو صبح ومغرب ، ونحوها ممّا يكونان مختلفين في عدد الركعات. وأمّا إذا فاتته ظهر وعشاء ، أو عصر وعشاء ، أو ظهر وعصر من يومين ممّا يكونان متّحدين في عدد الركعات فيكفي الإتيان بصلاتين بنية الاولى في الفوات والثانية فيه ، وكذا لو كانت أكثر من صلاتين ، فيأتي بعدد الفائتة بنية الأُولى فالأُولى.
تقديم ما هو المتأخّر فواتاً حتى مع العلم بالسابق واللاحق كما هو ظاهر.
وأمّا بناءً على اعتباره فهل يختصّ ذلك بحال الإحراز فلا يعتبر الترتيب مع الجهل ، أو أنّه شرط واقعي يعمّ الصورتين؟ الظاهر هو الثاني لإطلاق الدليل كما هو الشأن في بقية الأجزاء والشرائط ، حيث إنّها أُمور واقعية معتبرة في المأمور به ، سواء أكان المكلّف عالماً بها أم كان جاهلاً.
وعليه فيكون اللازم في مورد الجهل الاحتياط بالتكرار إلى أن يحصل العلم بتحقّق الشرط المذكور ، لأنّ الاشتغال اليقيني يستدعي فراغاً مثله.
(1) فيسقط بدليل نفي الحرج. وهل الساقط حينئذ هو اعتبار الترتيب من أصله ، أو خصوص الحدّ المستلزم للحرج فيحتاط بالتكرار إلى حدٍّ يستلزم الاستمرار فيما بعده الحرج؟
الظاهر هو الثاني ، لعدم المقتضي للسقوط رأساً. ودليل نفي الحرج إنّما ينفي الاحتياط بالمقدار المستلزم للحرج ، فهذه المرتبة من الاحتياط هي الساقط وجوبها بدليل نفي الحرج ، وأمّا المقدار الذي لم يبلغ هذا الحدّ فلا موجب لسقوطه ، فانّ فعلية الحكم تتبع فعلية موضوعه. وبالجملة : فلا مناص من الاحتياط ما لم يلزم منه الحرج.
فاذا كانت الفائتة أوّلاً مردّدة بين مختلفي العدد كالصبح والمغرب مثلاً صلّى
.................................................................................................
صبحاً بين مغربين أو مغرباً بين صبحين ، فتقع إحداهما زائدة. ولا ضير في الزيادة للزوم الإتيان بها من باب المقدّمة العلمية.
كما أنّه لا ضير في التكرار احتياطاً كما في سائر موارد الاحتياط المستلزم للتكرار بعد حصول قصد القربة المعتبر في العبادة ولو على وجه الرجاء في كلّ واحد من الأطراف.
غايته فقد قصد التمييز حينئذ ، وهو غير معتبر ، لعدم الدليل عليه. وعلى فرض الاعتبار فهو خاصّ بصورة التمكّن منه ، وأمّا مع العجز عنه كما في أمثال المقام فهو ساقط بلا إشكال.
ومنه يظهر الحال في سائر ما أورده الماتن (قدس سره) من الأمثلة للفائتتين مختلفتي العدد.
وأمّا إذا تردّدت الفائتة أوّلاً بين صلاتين متّحدتي العدد كظهر وعشاء ، أو عصر وعشاء ، أو صبح وعشاء بالنسبة إلى المسافر ، أو ظهر وعصر من يومين أو كانت الفائتة صلاة واحدة مردّدة بين صلاة الظهر وصلاة العصر ولو من يوم واحد ، فإنّه لا حاجة إلى التكرار في شيء من ذلك ، بل إنّه يكفي في الأخير الإتيان بأربع ركعات بقصد ما في الذمة ، كما أنّه يكفي فيما عداه الإتيان بصلاتين بنية الاولى في الفوات والثانية فيه. كما أنّ الفائتة لو كانت أكثر من اثنتين كان عليه أن يأتي بعددها بنية الأُولى فالأُولى.
والوجه في ذلك كلّه هو كفاية قصد القربة إجمالاً في تحقّق العبادة ، ولا حاجة إلى قصدها تفصيلاً ، وأنّ التمييز غير معتبر في ذلك.
وهذا ظاهر فيما إذا تساوت الفائتتان من حيث الجهر والإخفات ، كما إذا تردّدتا بين الصبح والعشاء في حقّ المسافر ، أو الظهر والعصر من يومين.
وكذا الحال مع الاختلاف في ذلك كما إذا دار الأمر بين العصر والعشاء وذلك لسقوط اعتبار الجهر والإخفات في مفروض المقام ، ويدلّ عليه :
أوّلاً : صحيحة علي بن أسباط عن غير واحد من أصحابنا عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال : من نسي من صلاة يومه واحدة ، ولم يدر أيّ صلاة هي
.................................................................................................
صلّى ركعتين وثلاثاً وأربعاً» (1).
فانّ الاكتفاء بأربع ركعات عن الفائتة المردّدة بين الجهرية والإخفاتية يكشف عن سقوط اعتبار الجهر والإخفات في قضاء المردّدة بينهما كما في المقام فإنّه يصدق على الاولى بوصف كونها كذلك أنّها مردّدة بين العصر والعشاء مثلاً من يوم واحد ، وقد حكم الإمام (عليه السلام) فيه بالاجتزاء بأربع ركعات. وكذلك الحال في الفائتة الثانية بوصف كونها كذلك. فينتج جواز الإتيان بصلاتين ، بلا حاجة إلى التكرار ، لعدم اعتبار الجهر والإخفات حينئذ ، هذا بحسب الدلالة.
وأمّا من حيث السند فقد أشرنا في بعض المباحث السابقة ولا سيما عند التعرّض لمرسلة يونس الطويلة (2)إلى أنّ التعبير ب- (غير واحد من أصحابنا) أو (جماعة من أصحابنا) يكشف عن كثرة رواة الحديث ، بحيث يجد الراوي نفسه في غنى عن ذكر أسمائهم ، وكون صدور الخبر بنظره مسلّماً ومفروغا عنه ولذلك أجمل في مقام التعبير عنهم.
ومن البعيد جدّاً أن يكونوا على كثرتهم كلّهم ضعفاء ، بل تطمئنّ النفس بوجود الثقة فيهم ولا أقل من الواحد. فلا يقاس ذلك بقوله : (عن رجل) أو (عمّن أخبره) ونحوهما ، للفرق الواضح بين التعبيرين كما لا يخفى.
وعليه فلا يعامل مع هذه الرواية ونظائرها كمرسلة يونس الطويلة معاملة المراسيل ، فالمناقشة فيها من حيث السند ساقطة أيضاً. وأمّا علي بن أسباط نفسه فقد وثّقه النجاشي صريحاً (3).
وتؤيّدها مرفوعة الحسين بن سعيد قال : «سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل نسي من الصلوات لا يدري أيّتها هي ، قال : يصلّي ثلاثاً وأربعاً وركعتين ، فان كانت الظهر أو العصر أو العشاء فقد صلّى أربعاً ، وإن كانت
[1793] مسألة 17 : لو فاتته الصلوات الخمس غير مترتّبة (1) ولم يعلم السابق من اللاحق يحصل العلم بالترتيب بأن يصلّي خمسة أيّام ، ولو زادت فريضة أُخرى يصلّي ستة أيام ، وهكذا كلّما زادت فريضة زاد يوما.
المغرب أو الغداة فقد صلّى» (1). إلّا أنّها لضعفها سنداً لا تصلح إلّا للتأييد.
وثانياً : قصور المقتضي ، حيث إنّه لا إطلاق لدليل اعتبار الجهر والإخفات يتناول المقام ، فإنّ عمدة المستند لذلك إنّما هي صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) : «في رجل جهر فيما لا ينبغي الإجهار فيه ، وأخفى فيما لا ينبغي الإخفاء فيه ، فقال : أيّ ذلك فعل متعمّداً فقد نقض صلاته وعليه الإعادة ، فإن فعل ذلك ناسياً أو ساهياً أو لا يدري فلا شيء عليه وقد تمّت صلاته» (2).
وهي كما تراها صريحة في الدلالة على أنّ الناقض هو الإخلال بالجهر والإخفات عامداً ، وأمّا إذا كان المصلّي لا يدري بذلك فلا شيء عليه. ومن الواضح أنّ القاضي صلاته في مفروض الكلام لا يدري أنّ الفائتة الاولى جهرية أو إخفاتية ، وكذا الثانية ، فلا يشمله صدر الرواية ، بل يندرج ذلك تحت إطلاق الذيل ، هذا.
وقد ذكرنا في بحث الأُصول أنّه لا مانع من أخذ العلم بالحكم في موضوع الحكم نفسه لكن مع الاختلاف في المرتبة ، بأن يكون العلم بالحكم الإنشائي ومرحلة الجعل مأخوذاً في موضوع الحكم الفعلي ومرحلة المجعول (3). وسيأتي إن شاء اللّه تعالى في شرح المسألة الحادية والعشرين ما له نفع في المقام.
(1) بأن فاتته الصبح في يوم والظهر في آخر والعصر في ثالث وهكذا ، مع عدم علمه بالسابق من اللاحق ، فإنّه لا يكاد يحصل العلم بالترتيب إلّا بأنّ يصلّي خمسة أيّام. ولو زادت الفريضة الفائتة بواحدة ازداد عدد الأيّام أيضاً
[1794] مسألة 18 : لو فاتته صلوات معلومة سفراً وحضراً ولم يعلم الترتيب صلّى بعددها من الأيّام ، لكن يكرّر الرباعيات من كلّ يوم بالقصر والتمام (1).
بواحد وهكذا ، هذا.
ولكن بناءً على ما ذكرناه وسيذكره الماتن (قدس سره) أيضاً فيما يأتي (1)من كفاية الإتيان عن الفائتة المردّدة بين الظهرين والعشاء برباعية مردّدة بينهما يكتفي في المقام بثنائية وثلاثية ورباعية مردّدة بين الصلوات الثلاث لكلّ يوم إذا كان الفوت حال الحضر ، وإذا كان في السفر اكتفى عن كلّ يوم بثنائية مردّدة بين الصبح والظهرين والعشاء ، وثلاثية.
(1) المفروض في هذه المسألة هو العلم بمقدار الفائت كما إذا علم بأنّه قد فاتته صلوات خمسة أيّام مثلاً بحيث لم يكن قد صلّى في هذه المدّة أصلاً ، مع العلم بأنّه كان حاضراً في بعض الخمسة ومسافراً في البعض الآخر ، ومع العلم أيضاً بعدد أيام السفر والحضر لكنّه جاهل بالسابق من اللاحق ، فلا يدري بسبق السفر على الحضر أو العكس ، وهو المراد بعدم العلم بالترتيب ، ففي مثله لا بدّ من قضاء صلوات خمسة أيام مع مراعاة التكرار في الرباعية من كلّ يوم بالجمع بين القصر والتمام كما أفاده الماتن (قدس سره).
والوجه فيه : أنّ الرباعية في كلّ يوم من الأيّام الخمسة دائر أمرها بين القصر والتمام ، لأجل العلم الإجمالي الناشئ من تردّده في اليوم المذكور بين السفر والحضر ، فبمقتضى العلم الإجمالي لا بدّ له من التكرار ، ولا ربط له بمسألة اعتبار الترتيب في قضاء الفوائت ، فانّ التكرار كما ذكرناه لازم سواء أقلنا باعتبار الترتيب أم لم نقل ، فإنّه من آثار تنجيز العلم الإجمالي المتعلّق بوجوب القصر أو التمام كما عرفت.
1) [في المسألة الحادية والعشرين].
[1795] مسألة 19 : إذا علم أنّ عليه صلاة واحدة لكن لا يعلم أنّها ظهر أو عصر يكفيه إتيان أربع ركعات بقصد ما في الذمة (1).
[1796] مسألة 20 : لو تيقّن فوت إحدى الصلاتين من الظهر أو العصر لا على التعيين ، واحتمل فوت كلتيهما ، بمعنى أن يكون المتيقّن إحداهما لا على التعيين ولكن يحتمل فوتهما معاً ، فالأحوط الإتيان بالصلاتين ، ولا يكفي الاقتصار على واحدة بقصد ما في الذمة ، لأنّ المفروض احتمال تعدّده ، إلّا أن ينوي ما اشتغلت به ذمّته أوّلاً ، فإنّه على هذا التقدير يتيقّن إتيان واحدة صحيحة ، والمفروض أنّه القدر المعلوم اللازم إتيانه (2).
ومنه تعرف أنّه لا يجري في المقام ما تقدّم في المسألة السابقة من عدم الحاجة إلى التكرار والاكتفاء في الفائتة حضراً بثنائية وثلاثية ورباعية مردّدة بين الظهرين والعشاء ، وسفراً بثلاثية وثنائية مردّدة بين الصبح والظهرين والعشاء كما قيل للفرق الواضح بين المسألتين موضوعاً ، فانّ المفروض في المسألة السابقة هو الترديد في الفائتة ، لعدم علمه بأنّ الفائتة في اليوم الأوّل أيّة فريضة من الفرائض اليومية الخمس ، وهكذا بالنسبة إلى سائر الأيّام الخمسة.
وهذا بخلاف المقام ، حيث إنّه لا ترديد فيه في الفائتة نفسها ، فإنّه عالم بفوت جميع الفرائض الخمس في كلّ من الأيّام الخمسة ، إلّا أنّ الترديد في الفائتة بلحاظ القصر والتمام ، فالفائتة معلومة من كلّ الجهات إلّا من جهة القصر والتمام ، وعليه فلا مناص من الجمع بين القصر والتمام كما ذكره الماتن (قدس سره).
(1) لكفاية قصد العنوان الواقعي إجمالاً وعدم لزوم قصده تفصيلاً على ما مرّت الإشارة إليه في مطاوي الأبحاث السابقة (1).
(2) إذا تيقّن فوت إحدى الصلاتين كالظهرين لا على التعيين مع عدم
1) كما في ص 142.
.................................................................................................
احتماله فوتهما معاً فلا إشكال في كفاية الإتيان برباعية بقصد ما في الذمّة كما تقدّم آنفاً ، وإذا انضمّ إلى ذلك احتمال فوتهما معاً فلا ينبغي الشكّ في عدم لزوم قضاء ما زاد على المتيقّن به ، لأجل الشكّ في تحقّق الفوت الذي هو الموضوع لوجوب القضاء. فيرجع في نفيه إلى أصالة البراءة أو قاعدة الشكّ بعد خروج الوقت كما سيشير إليه الماتن (قدس سره) في مطاوي المسائل الآتية ، وعليه فلا يجب الإتيان بأكثر من صلاة واحدة.
إنّما الكلام في كيفية الإتيان بها ، فهل يصحّ الإتيان بقصد ما في الذمّة كما هو الحال في المسألة السابقة ، أو لا؟
الظاهر هو الثاني ، فإنّ المفروض هنا هو احتمال التعدّد فيما اشتغلت به الذمّة واقعاً. وحينئذ فيحتاج في مقام القضاء إلى التعيين ولو إجمالاً ، والمفروض عدم حصول التعيين حتّى إجمالاً بالقصد المذكور بعد صلاحية انطباقه على كلّ من الصلاتين.
ومن هنا أفاد الماتن (قدس سره) أنّ اللازم حينئذ أن ينوي ما اشتغلت به ذمّته أوّلاً ، فإنّه عنوان متعيّن واقعاً ، لامتيازه عن غيره ، فيحصل بقصده التعيين الإجمالي لا محالة.
ومن المعلوم أنّه (قدس سره) لا يريد بذلك الأوّل بوصف الأولية أي الأوّل في باب الأعداد لاستدعاء الأوّلية كذلك فرض وجود ثان له لكي يكون هذا أوّلاً بالإضافة إليه ، وهو غير معلوم على الفرض ، بل مراده ذات الأوّل ، بمعنى ناقض العدم والذي لم يكن مسبوقاً بمثله ، حتّى يجتمع ذلك مع احتمالي وحدة الفائتة وتعدّدها ، كما أُطلق الأول بهذا المعنى على الباري سبحانه وتعالى.
وكيف ما كان ، فالمكلّف بهذا النحو من القصد يستطيع الإتيان بصلاة واحدة صحيحة ، نظراً إلى تحقّق التعيين الإجمالي بذلك.
[1797] مسألة 21 : لو علم أنّ عليه إحدى الصلوات الخمس يكفيه صبح ومغرب وأربع ركعات بقصد ما في الذمّة مردّدة بين الظهر والعصر والعشاء ، مخيّراً فيها بين الجهر والإخفات (1).
وإذا كان مسافراً يكفيه مغرب وركعتان مرددة بين الأربع ، وإن لم يعلم أنّه كان مسافراً أو حاضراً يأتي بركعتين مردّدتين بين الأربع ، وأربع ركعات مرددة بين الثلاث ، ومغرب.
(1) لصحيحة علي بن أسباط المتقدّمة (1)المؤيّدة بمرفوعة الحسين بن سعيد (2)وقد مرّ الكلام حول ذلك مستقصى في شرح المسألة السادسة عشرة فلاحظ.
وحيث كان مفاد الصحيحة هو الاجتزاء بالرباعية المأتي بها عن كلّ رباعية فائتة فُهم منها على سبيل القطع عدم الخصوصية للمورد ، وأنّه يجتزئ أيضاً بالثنائية المأتي بها عن كلّ ثنائية فائتة ولو كانت هي الظهرين والعشاء في حال السفر ، كالجمع بين الأمرين لو لم يعلم أنّه كان حاضراً أو مسافراً.
كما عرفت أيضاً أنّ المستفاد منها إلغاء اعتبار الجهر والإخفات عند تردّد الفائتة بين الجهرية والإخفاتية ، ولأجل ذلك ذكرنا هناك أنّ من فاتته صلاتان متساويتان من حيث العدد مختلفتان من حيث الجهر والإخفات ولم يعلم السابق منهما من اللاحق لا يلزمه التكرار حينئذ بناء على اعتبار الترتيب في القضاء بل يجزيه الإتيان بصلاتين ، قاصداً بالأُولى الفائتة أوّلاً وبالثانية الفائتة بعدها ، مخيّراً فيهما بين الجهر والإخفات ، وذلك لتردّد الاولى بوصف كونها اولى بين الجهر والإخفات ، وكذلك الحال في الثانية. فيسقط إذن بمقتضى الصحيحة المتقدّمة اعتبار الجهر والإخفات ، هذا.
.................................................................................................
مضافاً إلى قصور المقتضي ، لاختصاص دليل اعتبارهما الذي عمدته صحيحة زرارة (1)بحال العلم ، فينتفي اعتبارهما واقعاً في حال الجهل والتردّد. ولا مانع من أخذ العلم بالحكم في موضوع نفسه مع اختلاف المرتبة كما تقدّم.
وهل التخيير الثابت فيما ذكرناه مشروط بحصول الموافقة الاحتمالية للفائتة بأن يجهر في إحدى الصلاتين ويخفت في الأُخرى مخيّراً بينهما ، فلا يجوز الإجهار أو الإخفات فيهما معاً لاستلزامه المخالفة القطعية ، إذ الفائتة مردّدة بين جهرية وإخفاتية ، فيكون الإتيان بالصلاتين معاً جهراً أو إخفاتاً مخالفة للواقع في إحداهما قطعاً ، أو أنّ التخيير ثابت مطلقاً حتى وإن استلزم ذلك؟
الظاهر هو الثاني ، لعدم حصول المخالفة القطعية إلّا في موارد الأحكام الواقعية الثابتة في حالتي العلم والجهل ، لا مثل المقام ممّا كان الحكم فيه منوطاً بحال العلم ، ومنتفياً ظاهراً وواقعاً في حال الجهل كما دلّت عليه صحيحة زرارة على ما عرفت.
وعليه فاذا أجهر مثلاً في الصلاتين معاً فقد علم بالمخالفة في إحداهما ، إلّا أنّ هذا العلم الحاصل فيما بعد لا أثر له ، ولا يترتّب عليه تنجيز الحكم بعد فرض جهله بالجهر أو الإخفات حال الإتيان بالعمل. ففي ظرف الامتثال لم يثبت في حقّه وجوب الجهر أو الإخفات ، لأجل جهله المانع عن توجّه الحكم بالإضافة إليه بعد فرض تقوّمه بالعلم ، بل إنّه بهذا الاعتبار لا يكون احتمال المخالفة فضلاً عن القطع بها كما لا يخفي.
وعليه فبعد قصور دليل الاعتبار عن الشمول لمثل ذلك يشمله الإطلاق في صحيحة علي بن أسباط بطبيعة الحال.
وهل يثبت التخيير حتى في الصلاة الواحدة بأنّ يجهر في إحدى الركعتين الأُوليين ويخفت في الأُخرى؟ مقتضى الإطلاق في صحيحة علي بن أسباط جواز ذلك. لكنّه مشكل ، للزوم المخالفة القطعية في شخص الصلاة ، للعلم
1) الوسائل 6 : 86 / أبواب القراءة في الصلاة ب 26 ح 1 ، وقد تقدمت في ص 144.
.................................................................................................
إجمالاً بأنّها إمّا جهرية بتمامها أو إخفاتية كذلك. فالتفكيك فيها بين الركعات مناف للعلم المذكور.
وبكلمة اخرى : أنّه يتولّد من العلم الإجمالي المذكور العلمُ تفصيلاً ببطلان الصلاة ، حيث يشمله قوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة «في رجل جهر فيما لا ينبغي الإجهار فيه ، وأخفى فيما لا ينبغي الإخفاء فيه : أيّ ذلك فعل متعمّداً فقد نقض صلاته ، وعليه الإعادة ...» (1).
إذ المراد من الموصولِ الصلاةُ ، فهو في هذه الصلاة يعلم بأنّه إمّا أجهر فيما لا ينبغي الإجهار فيه أو أخفى فيما لا ينبغي الإخفاء فيه ، والمفروض أنّه فعل ذلك متعمّداً ، فعليه الإعادة. فلا يقاس المقام بالفرض المتقدّم ، لعدم العلم فيه بالنسبة إلى كل صلاة باعتبار الجهر أو الإخفات.
ويمكن دفع الإشكال المذكور أيضاً بعدم وضوح إرادة الصلاة من الموصول بل الظاهر أنّ المراد به هي القراءة التي تتّصف بالجهر والإخفات. فالعبرة بملاحظة القراءة في كلّ ركعة بحيالها ، لا مجموع الصلاة ، ولا شك في أنّه حين القراءة في كلّ من الركعتين غير عالم باعتبار الجهر أو الإخفات فيها ، فيكون جاهلاً باعتبارهما في كلّ من الركعتين ، كما هو الحال بالنسبة إلى كلّ من الصلاتين في الفرض السابق.
فالمقتضي إذن قاصر في كلتا الصورتين ، فيرجع إلى الإطلاق في صحيحة علي ابن أسباط ، ومع الشكّ والترديد في المراد من الموصول وأنّه الصلاة أو القراءة يكون المرجع أيضاً هو إطلاق الصحيحة ، لإجمال صحيحة زرارة المتقدّمة ، فلا تنهض لتقييد الإطلاق.
فتحصّل : أنّ الأظهر هو سقوط اعتبار الجهر والإخفات في الفائتة المردّدة والحكم بثبوت التخيير في ذلك بين الجهر والإخفات مطلقاً.
1) الوسائل 6 : 86 / أبواب القراءة في الصلاة ب 26 ح 1.
[1798] مسألة 22 : إذا علم أنّ عليه اثنتين من الخمس مردّدتين في الخمس من يوم (1) وجب عليه الإتيان بأربع صلوات ، فيأتي بصبح إن كان أوّل يومه الصبح ، ثمّ أربع ركعات مردّدة بين الظهر والعصر ، ثمّ مغرب ، ثمّ أربع ركعات مردّدة بين العصر (2) والعشاء.
هذا كلّه على تقدير اعتبار الترتيب في قضاء الفوائت المستلزم ذلك للترديد في كون الفائتة الاولى بوصف كونها اولى هل هي جهرية أو إخفاتية ، وأمّا على تقدير عدم اعتباره كما هو الصحيح على ما تقدّم (1)فاللازم مراعاة الجهر والإخفات ، لعدم الترديد في ذلك حينئذ. فمن فاتته ظهر وعشاء صلّى الظهر إخفاتاً والعشاء جهراً وإن علم بتأخّر الاولى في الفوت عن الثانية فضلاً عمّا إذا كان جاهلاً بالسابق منهما واللاحق ، لعدم اعتبار الترتيب بين الصلاتين ، فلا يحصل الترديد بين الجهر والإخفات في القضاء.
وهذه إحدى الثمرات المهمّة المترتّبة على القولين ، إذ تجب مراعاة الجهر والإخفات على القول بعدم اعتبار الترتيب ، ويسقط ذلك بناء على اعتباره.
(1) لا يخفى أنّ الفقيه ليس من شأنه إلّا بيان كبرى المسألة مثل اعتبار الترتيب في قضاء الفوائت وعدمه ، والاكتفاء بأربع ركعات عمّا فاته من الرباعية عند الجهل بحال الفائتة ، وعدم اعتبار الجهر والإخفات في قضاء الفائتة المردّدة بينهما ، ونحو ذلك.
وأمّا تطبيق الكبريات على صغرياتها فليس ذلك من شأنه ، بل لا عبرة بنظره في هذا الباب ، وربما يشتبه الأمر في ذلك عليه كما وقع ذلك للماتن (قدس سره) في هذه المسألة والمسألة الثالثة والعشرين ، ولأجل ذلك لزمنا التنبيه على مواضع الاشتباه.
(2) وذلك لجواز كون الفائتتين هما الظهران ، فتقع الأربع الأُولى حينئذ
1) في ص 136 وما بعدها.
وإن كان أوّل يومه الظهر أتى بأربع ركعات مردّدة بين الظهر والعصر والعشاء (1) ثمّ بالمغرب ثمّ بأربع ركعات مردّدة بين العصر والعشاء (2) ثمّ بركعتين للصبح.
وإن كان مسافراً يكفيه ثلاث صلوات ، ركعتان مردّدتان بين الصبح والظهر والعصر (3) ومغرب ثمّ ركعتان مردّدتان بين الظهر والعصر والعشاء (4) إن كان أوّل يومه الصبح ، وإن كان أول يومه الظهر تكون الركعتان الأُوليان مردّدة بين الظهر والعصر والعشاء ، والأخيرتان مردّدتان بين العصر والعشاء والصبح. وإن لم يعلم أنّه كان مسافراً أو حاضراً أتى بخمس صلوات ، فيأتي في الفرض الأوّل بركعتين مردّدتين بين الصبح والظهر والعصر ، ثم أربع ركعات مردّدة بين الظهر والعصر ثم المغرب ، ثم ركعتين مردّدتين بين الظهر والعصر والعشاء ، ثم أربع ركعات مردّدة بين العصر والعشاء. وإن كان أوّل يومه الظهر فيأتي بركعتين مردّدتين بين الظهر والعصر (1)(5)
ظهراً والثانية عصراً.
(1) لا حاجة إلى ملاحظة العشاء بعد فرض الإتيان بعد المغرب برباعية مردّدة بينها وبين العصر.
(2) وإنّما لم يذكر الظهر للاستغناء عنها على تقدير فوتها بالرباعية الأُولى.
(3) لاحتمال انطباق الفائتة الأُولى على كلّ واحدة منها.
(4) وإنّما لم يذكر الصبح للاستغناء عنها على تقدير فوتها بالثنائية الاولى ومنه يظهر الوجه في الفروض الآتية.
(5) لا بدّ من ضمّ العشاء أيضاً ، لجواز كون الفائتتين هما العشاء قصراً
1) (*) بل بالمردّدتين بين الظهر والعصر والعشاء ، ولعلّ السقط من النسّاخ.
وأربع ركعات مردّدة بين الظهر والعصر والعشاء ، ثمّ المغرب ، ثمّ ركعتين مردّدتين بين العصر والعشاء والصبح ، ثمّ أربع ركعات مردّدة بين العصر والعشاء.
[1799] مسألة 23 : إذا علم أنّ عليه ثلاثاً من الخمس وجب عليه الإتيان بالخمس على الترتيب ، وإن كان في السفر يكفيه أربع صلوات ركعتان مردّدتان بين الصبح والظهر ، وركعتان مردّدتان بين الظهر والعصر ، ثمّ المغرب ، ثمّ ركعتان مردّدتان بين العصر والعشاء.
وإذا لم يعلم أنّه كان حاضراً أو مسافراً يصلّي سبع صلوات ، ركعتين مردّدتين بين الصبح والظهر والعصر (1)(1) ثمّ الظهر والعصر تامّتين ، ثمّ ركعتين مردّدتين بين الظهر والعصر ، ثم المغرب ، ثمّ ركعتين مردّدتين بين العصر والعشاء ، ثمّ العشاء بتمامه. ويعلم ممّا ذكرناه حال ما إذا كان أوّل يومه الظهر ، بل وغيرها.
والصبح ، وعلى ما في المتن لم يصحّ منه حينئذ إلّا العشاء فقط ، ولعلّ السقط من النسّاخ (2).
(1) لا حاجة الى ضمّ العصر هنا ، للاستغناء عنها بضمّها إلى الظهر في الثنائية الثانية كما نبّه الأُستاذ (دام ظلّه) عليه وعلى ما قبله في تعليقته الأنيقة.
ثم إنّه لا موجب لشرح ما أفاده الماتن (قدس سره) في مطاوي هذه المسائل ، فإنّه بعد وضوح كبرى المسألة على ما تقدّم والتدبّر في الاستخراج والتطبيق لا طائل في التفصيل فلاحظ.
[1800] مسألة 24 : إذا علم أنّ عليه أربعاً من الخمس وجب عليه الإتيان بالخمس على الترتيب ، وإن كان مسافراً فكذلك قصراً ، وإن لم يدر أنّه كان مسافراً أو حاضراً أتى بثمان صلوات ، مثل ما إذا علم أنّ عليه خمساً ولم يدر أنّه كان حاضراً أو مسافرا.
[1801] مسألة 25 : إذا علم أنّ عليه خمس صلوات مرتّبة ولا يعلم أنّ أولها أيّة صلاة من الخمس أتى بتسع صلوات على الترتيب ، وإن علم أنّ عليه ستاً كذلك أتى بعشر ، وإن علم أنّ عليه سبعاً كذلك أتى بإحدى عشرة صلاة وهكذا. ولا فرق بين أن يبدأ بأيّ من الخمس شاء ، إلّا أنّه يجب عليه الترتيب على حسب الصلوات الخمس إلى آخر العدد. والميزان أن يأتي بخمس ، ولا يحسب منها إلّا واحدة ، فلو كان عليه أيّام أو أشهر أو سنة ولا يدري أوّل ما فات ، إذا أتى بخمس ولم يحسب أربعاً منها ، يتيقّن أنّه بدأ بأوّل ما فات.
[1802] مسألة 26 : إذا علم فوت صلاة معيّنة كالصبح أو الظهر مثلاً مرّات ولم يعلم عددها يجوز الاكتفاء بالقدر المعلوم على الأقوى (1) ،
(1) وجوه المسألة بل الأقوال فيها أربعة :
الأوّل : الاقتصار على المقدار المعلوم كما هو المشهور ، وهو الأقوى ، وذلك لانحلال العلم الإجمالي الدائر بين الأقلّ والأكثر بالعلم التفصيلي بالأقل والشكّ البدوي في الأكثر.
وهل المرجع في نفي الأكثر أصالة البراءة أو قاعدة الحيلولة؟ ينبغي التفصيل في ذلك بين ما إذا كان احتمال الفوت مستنداً إلى احتمال الغفلة أو النسيان أو العصيان ونحو ذلك ممّا ينافي ظاهر حال المسلم فالمرجع حينئذ قاعدة الحيلولة ، التي هي بمثابة قاعدة الفراغ وأصالة الصحّة في عدم الاعتناء بكلّ احتمال ينافي ظاهر الحال.
ولكن الأحوط التكرار بمقدار يحصل منه العلم بالفراغ (1)
فكما لا يعتني باحتمال ترك الجزء أو الشرط بعد الفراغ من العمل كذلك لا يعتني باحتمال ترك الواجب بعد خروج الوقت ، لوحدة المناط ، وهو منافاة الاحتمال المذكور لطبع المكلّف الذي هو بصدد الامتثال.
وبين ما إذا استند الاحتمال المذكور إلى سبب آخر كالنوم مثلاً كما إذا انتبه من النوم الممتد وشكّ في أنّ نومه استغرق يومين أو ثلاثة مثلاً ، فإنّه لا مجال حينئذ للرجوع إلى قاعدة الحيلولة ، فإنّها إنّما تتكفّل بنفي احتمال الفوت المستند إلى ما ينافي ظاهر الحال كما عرفت.
وليس استمرار النوم إلى اليوم المشكوك فيه بالنسبة إلى من استمرّ نومه من هذا الباب. فليس المرجع حينئذ إلّا أصالة البراءة عن وجوب قضاء الزائد على المقدار المتيقّن به ، فانّ القضاء بأمر جديد ، وموضوعه الفوت ، ولم يحرز ذلك في المقدار المشكوك فيه.
بل الصحيح هو جريان البراءة عن وجوب الزائد حتّى بناءً على القول بتبعية القضاء للأداء وعدم كونه بأمر جديد ، بأن يلتزم بتعدّد المطلوب في الوقت ، وذلك للشكّ في أصل حدوث التكليف زائداً على المقدار المعلوم ، نظراً إلى الشكّ في تحقّق يوم آخر وقد نام فيه زائداً على الأيام المعلوم تحقّق النوم فيها ، فيرجع حينئذ إلى البراءة دون الاستصحاب.
(1) هذا هو القول الثاني ، وقد اختاره صاحب الحدائق (رحمه اللّه) واستند في ذلك إلى قاعدة الاشتغال بعد تنجّز التكليف بالعلم الإجمالي الدائر بين الأقلّ والأكثر (1).
ولكن يتوجّه عليه أنّ المحقّق في محلّه هو انحلال العلم في أمثال المقام إلى علم تفصيلي بالمقدار الأقلّ الذي هو المتيقّن وشكّ بدويّ في الزائد على ذلك
1) الحدائق 11 : 21.
خصوصاً مع سبق العلم بالمقدار وحصول النسيان بعده (1) ، وكذا لو علم بفوت صلوات مختلفة ولم يعلم مقدارها ، لكن يجب تحصيل الترتيب بالتكرار في القدر المعلوم ، بل وكذا في صورة إرادة الاحتياط بتحصيل التفريغ القطعي.
وحينئذ فيرجع في نفي الزائد إلى أصالة البراءة أو قاعدة الحيلولة لكون الشكّ بعد خروج الوقت.
(1) هذا هو القول الثالث ، وحاصله : التفصيل بين سبق التنجّز وعروض النسيان بعده ، وبين عدم السبق كما لو انتبه من النوم الممتدّ فترة من الزمان وشكّ في استمراره يومين أو ثلاثة مثلاً ، حيث إنّه لم يتنجّز في حقّه التكليف قبل حال الالتفات ، فيحكم بوجوب الاحتياط في الأوّل والاقتصار على المقدار المتيقّن به في الثاني.
وقد بنى على ذلك شيخنا الأُستاذ المحقّق النائيني (قدس سره) ، والوجه فيه كما أفاده (قدس سره) في مجلس البحث : أنّه مع سبق العلم قد تنجّز التكليف في حقّ المكلّف ، وعروض النسيان بعد ذلك لا يوجب رفع التنجيز ، فيكون احتمال الفوت في الزائد على المتيقّن به احتمالاً للتكليف المنجّز ، إذ هو على تقدير ثبوته فقد تنجّز سابقاً وإن لم يعلم به فعلاً ، والمرجع في مثل ذلك أصالة الاشتغال دون البراءة (1).
وجوابه ظاهر ممّا ذكرناه ، وقد ذكره (قدس سره) هو أيضاً (2)غير مرّة من دوران التنجيز مدار المنجّز بالكسر حدوثاً وبقاء ، ولا يغني الحدوث عن البقاء حتّى في العلم التفصيلي فضلاً عن العلم الإجمالي. فإذا علم بحرمة شيء ثمّ زال العلم المذكور بالشك الساري أفهل يتوقّف حينئذ في الرجوع إلى أصالة البراءة.
ومن المعلوم أنّ العلم الإجمالي لا يزيد في ذلك على العلم التفصيلي ، فإذا
.................................................................................................
علمنا بنجاسة أحد الإناءين ثم علمنا تفصيلاً بنجاسة أحدهما بالخصوص كان اللازم قبل حصول العلم الثاني الاجتناب عن كلا الإناءين لأجل العلم الإجمالي المنجّز ، وأمّا بعد حصوله وانحلال العلم الإجمالي بانقلابه إلى علم تفصيلي وشكّ بدوي ، فلا محالة يرجع في نفي المشكوك فيه إلى أصالة البراءة لفقد المنجّز بالنسبة إليه بقاءً وإن كان ذلك موجوداً بالنسبة إليه في وقت ما.
وهذا هو الحال في محلّ الكلام ، فانّ العلم إنّما كان منجّزاً في ظرف تحقّقه وأمّا في هذه الحال وبعد انحلاله بعلم تفصيلي وشكّ بدوي فلا بقاء له كي يكون منجّزاً ، ولا أثر للتنجيز السابق بعد زوال موجبه ، فيكون الشكّ في المقدار الزائد شكّاً في التكليف غير المنجّز بالفعل ، ويرجع في نفيه إلى أصالة البراءة.
وأمّا القول الرابع وهو الاكتفاء بالظنّ بالفراغ فقد نسبه في الحدائق (1)نقلاً عن المدارك (2)إلى المقطوع به من كلام الأصحاب (قدس سرهم) معترفاً بعدم ورود نصّ في ذلك.
ولكنّه غير واضح ، فانّ العلم الإجمالي الدائر بين الأقلّ والأكثر إن لم ينحلّ وجب الاحتياط بمقدار يحصل معه العلم بالفراغ ، عملاً بقاعدة الاشتغال كما اختار ذلك صاحب الحدائق (قدس سره) ، ولا يكفي حينئذ الظنّ بالفراغ ، فانّ الاشتغال اليقيني يستدعي اليقين بالفراغ ، ومع الظنّ به يبقى باب الاحتمال مفتوحاً وإن كان الاحتمال موهوماً.
وإن انحلّ العلم الإجمالي كما هو الأظهر على ما مرّ فلا حاجة إلى تحصيل الظن ، بل يكفي حينئذ الاقتصار على المقدار المتيقّن به ، وينفى الزائد وإن كان مظنوناً بالأصل. فهذا القول أردأ الأقوال في المسألة ، فإنّه إمّا لا يكفي الظنّ أو أنّه لا حاجة إليه بعد عدم الدليل على حجّيته وكونه ملحقاً شرعاً بالشك.
.................................................................................................
نعم ، هناك روايتان قد يستدلّ بهما على الاكتفاء بالظنّ في قضاء النوافل مع الجهل بعددها :
إحداهما : صحيحة مرازم قال : «سأل إسماعيل بن جابر أبا عبد اللّه (عليه السلام) فقال : أصلحك اللّه ، إنّ عليّ نوافل كثيرة فكيف أصنع؟ فقال : أقضها فقال له : إنّها أكثر من ذلك ، قال : اقضها ، قلت (قال) : لا أُحصيها ، قال : توخّ ...» الحديث (1)
ثانيتهما : رواية علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليهما السلام) قال : «سألته عن الرجل نسي ما عليه من النافلة وهو يريد أن يقضي ، كيف يقضي؟ قال : يقضي حتّى يرى أنّه قد زاد على ما يرى عليه وأتم» (2)بناءً على إرادة الظنّ من قوله : «حتّى يرى».
إلّا أنّه لا وجه للتعدّي عن موردهما بعد الغضّ عن سند الثانية ودلالتها للفرق الظاهر بين الفريضة والنافلة ، فانّ العلم قد تعلّق بالحكم الإلزامي في الأوّل فصار الحكم منجّزاً بذلك ، وهذا بخلاف النافلة حيث إنّه لا إلزام فيها فيمكن الحكم باستحباب القضاء في النوافل إلى أنّ يحصل الظنّ بقضاء كلّ ما فاته ، فانّ ذلك نحو من الاحتياط الذي هو حسن على كلّ حال.
وأمّا الفرائض فحيث كان الحكم الثابت فيها إلزامياً كان اللازم بناءً على عدم الانحلال هو الخروج عن عهدته بدليل قاطع ، وليس الاكتفاء بالظنّ هنا أولى منه هناك.
نعم ، بناء على الانحلال تتمّ الأولوية ، فإنّه بعد اشتراك الموردين في عدم الإلزام بالنسبة إلى المشكوك فيه إذا ثبت استحباب الامتثال الظنّي في النوافل ثبت ذلك في الفرائض بالأولوية كما لا يخفى.
.................................................................................................
ثم إنّه في المقام رواية ثالثة بإطلاقها تشمل الفرائض أيضاً ، والمظنون قوياً أنّها هي المستند لفتوى المشهور بالاكتفاء [بالظنّ] بالفراغ ، وهي رواية إسماعيل ابن جابر عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «سألته عن الصلاة تجتمع عليّ قال : تحرّ واقضها» (1).
ولكنّها ضعيفة السند بمحمّد بن يحيى المعاذي الذي يروي عنه محمّد بن أحمد بن يحيى ، فقد ضعّفه الشيخ (رحمه اللّه) صريحاً (2)واستثناه ابن الوليد وتبعه الصدوق وابن نوح من روايات محمّد بن أحمد بن يحيى (3).
ودلالة ، فانّ قوله : «تجتمع عليّ» بصيغة المضارع ظاهر في الدوام والاستمرار بمعنى جريان العادة من إسماعيل بن جابر على ذلك ، وهو بعيد جدّاً ، بحيث لا يحتمل في حقّه وهو الثقة الممدوح من أصحاب الصادقين (عليه السلام) أن تفوته الفرائض مكرّراً وعلى سبيل الاستمرار بمثابة يصبح ذلك عادة له.
فانّ من الظاهر الفرق بين قول القائل : اجتمعت ... بصيغة الماضي ، وبين قوله : تجتمع ... بصيغة المضارع ، حيث يكون الثاني ظاهراً في الدوام والاستمرار.
فلا مناص إذن من أن يكون المراد بالصلاة فيها النوافل خاصّة ، ولا مانع من تكرّر فوتها منه عدة مرّات في الأُسبوع أو الشهر ، كما يتّفق ذلك كثيراً لغالب الأشخاص ، وعليه فلا تدلّ الرواية على كفاية التحرّي وهو الأخذ بالأحرى ، أي الظنّ بالنسبة إلى الفرائض أيضاً ، بل الصحيح أن الظنّ حينئذ إمّا غير كافٍ أو غير لازم حسبما عرفت.
[1803] مسألة 27 : لا يجب الفور في القضاء ، بل هو موسّع ما دام العمر إذا لم ينجر إلى المسامحة في أداء التكليف والتهاون به (1).
فورية القضاء :
(1) الكلام في فورية القضاء وعدمها وأنّ القضاء هل يجب على سبيل المواسعة أو المضايقة يقع من ناحيتين :
فتارة يبحث من ناحية الوجوب الشرطي بالنسبة إلى فريضة الوقت ، وأنّه هل يعتبر في صحّة الحاضرة تفريغ الذمّة عن القضاء ما لم يتضيّق وقتها أو لا.
وأُخرى يكون البحث فيها من ناحية الوجوب النفسي وأنّه هل تجب المبادرة إلى القضاء في حدّ نفسه وإن لم يدخل وقت الصلاة الحاضرة بعد ، أو أنّه موسّع.
والكلام فعلاً متمحّض في الناحية الثانية ، وهو المناسب لباب القضاء بما هو كذلك ، وهو المعروف ببحث المواسعة والمضايقة. وأمّا الناحية الأُولى فسيجيء البحث عنها إن شاء اللّه تعالى عند تعرّض الماتن (قدس سره) لها في المسألة التالية.
وخلاصة القول : أنّ في المسألة جهتين من البحث ، لا بدّ من إفراد كلّ منهما بالذكر ، وعدم خلط إحداهما بالأُخرى كما وقع ذلك في كثير من الكلمات.
فنقول : إنّه حكي عن غير واحد من الأصحاب (قدس سرهم) وجوب المبادرة إلى القضاء والقول بالمضايقة ، بل نسبه في الحدائق إلى المشهور بين القدماء (1)، وبالغ بعضهم في ذلك حتّى أنّه منع من الاشتغال بالأكل والشرب والكسب إلّا بمقدار الضرورة.
ونسب إلى جماعة آخرين بل هو المشهور بين المتأخّرين القول
1) الحدائق 6 : 336.
.................................................................................................
بالمواسعة وعدم التضييق إلّا إذا أدّى إلى المسامحة الموجبة للتضييع.
أحدها : قاعدة الاشتغال وأصالة الاحتياط.
ويتوجّه عليه : أنّ وجوب المبادرة إلى القضاء أمر مشكوك فيه فيرجع في نفيه إلى أصالة البراءة. وقد أطبق العلماء كافةً الأُصوليون والأخباريون على الرجوع إليها في الشبهة الحكمية الوجوبية ، ولم ينقل الخلاف فيه إلّا عن المحدّث الأسترآبادي على ما ذكره شيخنا الأنصاري (قدس سره) (1). والخلاف الواقع بين الفريقين إنّما هو في الشبهات الحكمية التحريمية ، دون الوجوبية التي منها المقام.
ثانيها : أنّ مقتضى الأمر بالقضاء هو وجوب المبادرة إليه ، فإنّ الأمر بالشيء ظاهر في الفور.
ويتوجّه عليه : ما تقرّر في محلّه من عدم دلالة الأمر لا على الفور ولا على التراخي ، لا لغة ولا عرفاً ولا شرعاً ، وإنّما مقتضاه إيجاد الطبيعة المأمور بها مهملة من كلتا الناحيتين (2)
ثالثها : قوله تعالى ( وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي ) (3)بدعوى ظهوره ولو بمعونة الروايات الواردة في تفسيره (4)في إرادة القضاء ، وأنّ مفاد الآية الكريمة وجوب إقامة القضاء لدى التذكّر كما عن غير واحد من المفسّرين.
قلت : الاستدلال بالآية الكريمة للمضايقة بدعوى ظهورها في نفسها أو بضميمة الروايات في ذلك عجيب وإن صدر عن غير واحد ، ويظهر ذلك بالنظر
.................................................................................................
إلى الآيات التي سبقت الآية الكريمة ، قال تعالى ( وَهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى. إِذْ رَأى ناراً فَقالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النّارِ هُدىً. فَلَمّا أَتاها نُودِيَ يا مُوسى. إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً. وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى. إِنَّنِي أَنَا اللّهُ لا إِلهَ إِلّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي ) (1).
وهذه الآيات كما ترى نازلة في شأن موسى (عليه السلام) في بدء رسالته وأوّل زمان نزول الوحي عليه ، ولم يكن قد شرعت الصلاة ولا أيّ شيء آخر في ذلك الحين ، فكيف يؤمر والخطاب متوجّه إليه بقضاء الصلوات المفروض تفرّعه على الأمر بالأداء في فرض ترك الإتيان به ، ولم يؤمر هو بعدُ بشيء ، لما عرفت من كون الخطاب المذكور إنّما هو ضمن الآيات النازلة عليه في مبدأ النبوة؟ فهل ترى أنّ للقضاء أهمية عظمى دعت الباري سبحانه إلى الأمر به في هذه الحال مقدّماً على جميع التكاليف حتّى الأمر بالصلاة أداء.
على أنّ النبيّ موسى (عليه السلام) من أنبياء اللّه العظام ، وهو أحد الخمسة أولي العزم ، فلا يكاد يغفل عن ربّه طرفة عين ، فكيف يحتمل في حقّه ترك الصلاة الواجبة في وقتها ولو كان ذلك لنوم أو نسيان ونحوهما حتّى يؤمر بالقضاء عند تذكّر الفوت ، كلّ ذلك غير واقع.
بل الآية الكريمة ناظرة إلى تشريع طبيعي الصلاة ، ولا مساس لها بباب القضاء ، إمّا لأجل أنّ الغاية إنّما هو ذكر اللّه تعالى الذي هو المقصد الاسمي من العبادة ، أو لاشتمالها على الذكر لتضمّنها التحميد والتقديس والركوع والسجود وكلّ ذلك خشوع وخضوع وذكر لله سبحانه وتعالى.
فالإضافة في قوله تعالى ( لِذِكْرِي ) من إضافة المصدر إلى المفعول ، والمعنى لذكرك إياي ولأن تكون ذاكراً لي في كلّ حال ، لا من إضافته إلى
1) طه 20 : 9 14.
.................................................................................................
الفاعل ليكون المعنى : لذكري إياك أنّك تركت الصلاة ، كي تدلّ على وجوب القضاء.
فالإنصاف : أنّ الآية الكريمة في نفسها غير ظاهرة في وجوب القضاء ، فضلاً عن المبادرة إليه ، بل هي أجنبية عن ذلك. ودع عنك المفسّرين يقولون ما قالوا ويفسّرون الآية بما شاؤوا ، إذ لا عبرة بآرائهم واستظهاراتهم ما دمنا نستمدّ الأحكام الشرعية من ظواهر القرآن الكريم أو بضميمة التفسير الوارد عن المعصومين (عليهم السلام) ، وقد عرفت أنّ ظاهر الآية أجنبي عمّا ذكروه.
وأمّا الروايات الواردة عن المعصومين (عليهم السلام) في تفسير الآية الشريفة فما يوهم منها المعنى المذكور روايتان :
إحداهما : ما رواه الشيخ (قدس سره) بإسناده عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : «إذا فاتتك صلاة فذكرتها في وقت أُخرى فإن كنت تعلم أنّك إذا صلّيت التي فاتتك كنت من الأُخرى في وقت فابدأ بالتي فاتتك ، فانّ اللّه عزّ وجلّ يقول ( وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي ) » (1).
وهي ضعيفة السند بالقاسم بن عروة ، ومع الغضّ عن السند فالجواب عنها هو الجواب الآتي عن الرواية الثانية ، فليتأمّل.
ثانيتهما : صحيحة زرارة على ما عبّر به الشهيد في الذكرى عن أبي جعفر (عليه السلام) قال «قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) : إذا دخل وقت مكتوبة فلا صلاة نافلة حتى يبدأ بالمكتوبة إلى أن قال بعد نقل قصة تعريس رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) في بعض أسفاره ، ورقوده هو وأصحابه عن صلاة الفجر حتّى طلعت الشمس ، وقضائهم لها بعد التحول من المكان الذي أصابتهم الغفلة فيه : من نسي شيئاً من الصلوات فليصلّها إذا ذكرها ، فانّ اللّه عزّ وجل يقول ( وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي ) » (2).
.................................................................................................
وأنت خبير بأنّ الصحيحة ليست بصدد تفسير الآية الكريمة وبيان ما هو المراد منها ، بل غاية ما هناك تطبيق الآية على موردها ، باعتبار أنّ القضاء من جملة مصاديق الصلاة المأمور بها لأجل ذكر اللّه تعالى ، فقد حثّ (صلى اللّه عليه وآله وسلم) الناس على قضاء ما فاتهم من الصلوات مستشهداً له بالآية الكريمة الآمرة بإقامة الصلاة ، لكي يكون العبد ذاكراً لله تعالى وغير غافل عنه بالإتيان بما فرضه اللّه عليه من الصلوات أداءً وقضاءً. وكم فرق بين التفسير والتطبيق؟
فالإنصاف : أنّ الاستدلال بالآية المباركة بنفسها أو بضميمة الروايات للقول بالمضايقة في القضاء ساقط جدّاً.
رابعها : الروايات ، وهي على طوائف :
منها : ما وردت في من نام عن صلاة الفجر حتّى طلعت الشمس ، وأنّه يقضيها حين يستيقظ.
كصحيحة يعقوب بن شعيب عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «سألته عن الرجل ينام عن الغداة حتّى تبزغ الشمس أيصلّي حين يستيقظ ، أو ينتظر حتّى تنبسط الشمس؟ فقال : يصلّي حين يستيقظ ، قلت : يوتر أو يصلّي الركعتين؟ قال : بل يبدأ بالفريضة» (1).
وموثّقة سماعة بن مهران قال : «سألته عن رجل نسي أن يصلّي الصبح حتّى طلعت الشمس ، قال : يصلّيها حين يذكرها ، فانّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) رقد عن صلاة الفجر حتّى طلعت الشمس ثمّ صلّاها حين استيقظ ، ولكنّه تنحى عن مكانه ذلك ثمّ صلّى» (2).
وفيه : أنّ الباعث على السؤال في الروايتين إنّما هو تخيّل الراوي المنع عن إقامة الصلاة حين طلوع الشمس ، لما ورد عنهم (عليهم السلام) من النهي عن
.................................................................................................
التنفّل في الوقت المذكور (1)المحمول على الكراهة كما تقدّم بيانه في محلّه (2)، فقد توهّم شمول النهي المذكور الذي اشتهر عندهم وكان مغروساً في أذهانهم لمثل قضاء الفريضة.
ولأجل ذلك تصدّوا للسؤال عن جواز القضاء عند بزوغ الشمس ، وقد أجاب (عليه السلام) بجوازه من غير انتظار انبساطها مستشهداً له بفعل الرسول (صلى اللّه عليه وآله وسلم) ، فعلم بذلك أنّ النهي عن التنفّل في الوقت المذكور غير شامل للفرائض.
وخلاصة القول : أنّ الاستدلال بالروايتين مبني على أن يكون السؤال عن وجوب القضاء. وليس الأمر كذلك ، وإنّما هو عن جوازه لما عرفت. فقوله (عليه السلام) : «يصلّي حين يستيقظ» أمر واقع موقع توهّم الحظر ، ومثله لا يدلّ إلّا على الجواز دون الوجوب.
ومنها : جملة من الروايات وفيها الصحاح قد دلّت على الإتيان بالقضاء متى ما ذكر الفائتة من ليل أو نهار ، أو إذا ذكرها ، بحمل «إذا» على التوقيت وأوضحها هي :
صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) «أنّه سئل عن رجل صلّى بغير طهور ، أو نسي صلاة لم يصلّها ، أو نام عنها ، فقال : يقضيها إذا ذكرها في أيّ ساعة ذكرها من ليل أو نهار ، فاذا دخل وقت الصلاة ولم يتمّ ما قد فاته فليقض ما لم يتخوّف أن يذهب وقت هذه الصلاة التي حضرت ، وهذه أحقّ بوقتها فليصلّها ، فاذا قضاها فليصلّ ما فاته ممّا قد مضى ، ولا يتطوّع بركعة حتّى يقضي الفريضة كلّها» (3).
وفيه : أنّ التضيّق في هذه الروايات ناظر إلى بيان الوجوب الشرطي ، وأنّ
.................................................................................................
الشرط في صحّة الحاضرة أو التطوّع إنّما هو فراغ الذمّة عن القضاء ما دام لم يفت به وقت الحاضرة ، وهذه مسألة أُخرى أجنبية عمّا نحن بصدده الآن ، فقد أشرنا في صدر البحث إلى أنّ الكلام في المواسعة والمضايقة يقع تارة في الوجوب النفسي وأُخرى في الوجوب الشرطي ، والكلام فعلاً معقود للجهة الاولى ، وهذه الروايات غير دالّة على الوجوب المذكور كما لا يخفى.
وأمّا كلمة «إذا» في قوله (عليه السلام) : «إذا ذكرها» فليست للتوقيت لتدلّ على ظرف العمل وأنّه حال الذكر ، بل هي شرطية تدلّ على اختصاص فعلية التكليف بالحال المذكور ، فيكون التقييد بالذكر من باب كونه شرطاً للتكليف لا من باب كونه ظرفاً للعمل المكلّف به. فهو قيد للوجوب لا للواجب.
وقد ذكرنا في غير مورد اختصاص الأحكام الواقعية بحال الذكر والالتفات وعدم ثبوتها في حقّ الناسي ، ومن هنا كان الرفع في حديث الرفع بالنسبة إلى «ما لا يعلمون» ظاهرياً ، ولذلك يحسن الاحتياط عند الجهل. وأمّا بالنسبة إلى غيره من المذكورات في سياقه كالخطإ والنسيان والإكراه والاضطرار وغير ذلك فهو واقعي.
فالتقييد بقوله (عليه السلام) : «إذا ذكرها ...» لبيان هذه النكتة وأنّه لا تكليف بالقضاء حتى واقعاً ما دام لم يتذكّر ، وإنّما يبلغ التكليف المذكور حدّ الفعلية ويتوجّه نحو المكلّف في حال التذكّر ، من دون دلالة لهذه النصوص على أنّ ظرف العمل أعني به القضاء هو هذه الحال كي تجب المبادرة إليه أو أنّه موسّع كي لا تجب.
وعلى الجملة : أنّ كلمة «إذا» في هذه الروايات شرطية لا توقيتية ، فلا تدلّ على وجوب المبادرة إلّا على القول باقتضاء الأمر للفور ، ولا نقول به. وقد عرفت أنّ الصحيحة ناظرة إلى بيان الوجوب الشرطي دون النفسي الذي هو محلّ الكلام ، وسيأتي الكلام فيه.
وأمّا عدم جواز التطوّع لمن عليه الفائتة الذي تضمّنه ذيل الصحيحة -
.................................................................................................
فقد مرّ الكلام عليه في بحث المواقيت (1)ولا نعيد ، هذا كلّه.
مع أنّ الضيق الذي يدّعيه القائلون بالمضايقة إمّا أن يراد به الضيق الحقيقي بمعنى وجوب المبادرة في آن الالتفات وأوّل زمان التذكّر كما قد يظهر من بعض القائلين به ، حيث إنّهم بالغوا في ذلك فالتزموا بالاقتصار على الضروري من المأكل والمشرب والكسب ونحو ذلك ، ويساعده ظواهر النصوص المتضمّنة لقوله (عليه السلام) : «متى ذكرها» أو «إذا ذكرها» ، أو يراد به الضيق العرفي الذي لا ينافيه التأخير اليسير كساعة ونحوها.
فعلى الأوّل : فالنصوص الواردة في نوم النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) عن صلاة الفجر وقد تقدّم ذكر بعضها (2)تكون حجّة عليهم بناء على الأخذ بها والالتزام بمضمونها.
فانّا تارة نبني على عدم العمل بالنصوص المذكورة وإن صحّت أسانيدها لمنافاتها لمقام النبوّة ، سيما مع ملاحظة ما ورد في الأخبار في شأنه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) من أنّه كانت تنام عينه ولا ينام قلبه (3)، فكيف يمكن أن ينام عن فريضة الفجر! فلا محالة ينبغي حملها على التقية أو على محمل آخر.
وأُخرى نبني على العمل بها بدعوى أنّ النوم من غلبة اللّه ، وليس هو كالسهو والنسيان المنافيين لمقام العصمة والنبوّة ، ولا سيما بعد ملاحظة التعليل الوارد في بعض هذه النصوص من أنّ ذلك إنّما كان بفعل اللّه سبحانه رحمة على العباد ، كي لا يشقّ على المؤمن لو نام اتفاقاً عن صلاة الفجر (4).
وعليه فتكون هذه النصوص منافية للتضييق الحقيقي ، لدلالتها على أنّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) بعد انتباهه من النوم واعتراضه على بلال واعتذار
.................................................................................................
هذا منه أمر بالارتحال من المكان المذكور ، ثمّ بعد ذلك أذن بلال فصلّى النبيّ (صلى اللّه عليه وآله وسلم) ركعتي الفجر ، ثمّ قام فصلّى بهم الصبح.
ومعلوم أنّ هذه الأُمور السابقة على صلاة الصبح تستغرق برهة من الوقت فلم يقع إذن قضاء الصبح أوّل آن التذكّر ، بل تأخّر عنه بمقدار ينافي الضيق الحقيقي.
وعلى الثاني : وهو أنّ يراد به الضيق العرفي غير المنافي للتأخير بمقدار يسير فلا دليل على اعتبار مثله ، فانّ ظواهر النصوص المستدلّ بها للتضيق إنّما هو الضيق الحقيقي دون العرفي كما عرفت.
نعم ، إنّ صحيحة أبي ولّاد الواردة في حكم المسافر القاصد للمسافة وقد عدل عن قصده ذلك قبل الوصول إلى غايته وصلّى قصراً ظاهرة في الضيق العرفي ، لقوله (عليه السلام) فيها : «وإن كنت لم تسر في يومك الذي خرجت فيه بريداً فانّ عليك أن تقضي كلّ صلاة صلّيتها في يومك ذلك بالتقصير بتمام من قبل أن تؤم من مكانك ذلك ...» (1).
حيث إنّه (عليه السلام) حكم بقضاء ما صلّاهُ قصراً إذا لم يبلغ المسافة ، كما تقتضيه القاعدة أيضاً ، فإنّ سفره حينئذ كان خيالياً لا واقعياً ، وحكم أيضاً بلزوم إيقاع القضاء في المكان نفسه قبل أن يخرج منه. فتكون الرواية دالّة على التضيق العرفي في القضاء ، نظراً إلى تحديده بما قبل خروجه عن المكان ، دون التضيق الحقيقي في أوّل آن التذكّر ، هذا.
ولكنّ الصحيحة وإن كانت قوية الدلالة على المضايقة ، إلّا أنّها محمولة على الاستحباب في أصل القضاء فضلاً عن اعتبار التضيق فيه. والأصحاب لم يعملوا بها في موردها ، لأجل معارضتها لصحيحة زرارة قال : «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يخرج مع القوم في السفر يريده ، فدخل عليه
1) الوسائل 8 : 469 / أبواب صلاة المسافر ب 5 ح 1.
.................................................................................................
الوقت وقد خرج من القرية على فرسخين فصلّوا ، وانصرف بعضهم في حاجة فلم يقض له الخروج ، ما يصنع بالصلاة التي كان صلّاها ركعتين؟ قال : تمّت صلاته ولا يعيد» (1).
فالمتحصّل إلى هنا : أنّ ما استدلّ به للمضايقة من الروايات ساقط كلّه ، ولا يمكن التعويل على شيء من ذلك ، فإنّ العمدة فيها كانت صحيحتي زرارة وأبي ولّاد ، وقد عرفت حالهما. إذن فتكفينا في المقام أصالة البراءة.
أدلّة القول بالمواسعة :
وإذ قد عرفت ضعف أدلّة القول بالمضايقة يقع الكلام في أدلّة القول بالمواسعة ، ويستدل لذلك بأُمور :
أحدها : أصالة البراءة ، فإنّ التضيّق وإيجاب المبادرة إلى الواجب زائداً على أصل الوجوب كلفة زائدة ، وهي مجهولة فتدفع بأصالة البراءة.
ولكن التمسّك بالأصل يتفرّع على عدم تمامية شيء من أدلّة القولين ، وإلّا فمع قيام الدليل الاجتهادي لا تصل النوبة إلى الأصل العملي كما هو ظاهر.
ثانيها : دليل نفي الحرج ، إذ الالتزام بالمضايقة ووجوب المبادرة سيما على النحو الذي يدّعيه بعض القائلين بها من الاقتصار على الضروريات يتضمّن الحرج الشديد والمشقّة العظيمة ممّا تنفيه أدلّة نفي الحرج.
وفيه أوّلاً : أنّ المنفي إنّما هو الحرج الشخصي دون النوعي ، إذ الحرج موضوع للسقوط ، لا أنّه حكمة في الحكم به كي لا يلزم فيه الاطّراد ويكتفى بما في نوعه الحرج ، وعليه فالحكم تابع لتحقّق الحرج الشخصي خارجاً ، وهذا ممّا يختلف باختلاف الأشخاص والحالات وكمّية القضاء ، فلا يطّرد في جميع الموارد على سبيل الكبرى الكلّية ، فقد لا يستلزم المبادرة أيّ حرج لقلّة مقدار
1) الوسائل 8 : 521 / أبواب صلاة المسافر ب 23 ح 1.
.................................................................................................
الفائتة ، أو كان المكلّف الخاص قادراً على المبادرة إلى قضاء الجميع بدون أيّ حرج عليه. فليس له ضابط كلّي.
وثانياً : مع فرض كثرة الفوائت واستلزام المبادرة للحرج فلا ريب في سقوط وجوبها عن خصوص المرتبة البالغة حدّ الحرج ، ولا مقتضي لسقوطه من الأوّل.
وكأنّ المستدلّ تخيّل أنّ هناك أمراً وحدانياً تعلّق بالمبادرة إلى قضاء جميع الفوائت على سبيل العام المجموعي ، وحيث إنّ امتثال هذا الأمر حرجي فيسقط الأمر بدليل نفي الحرج.
وليس الأمر كذلك بالضرورة ، بل هناك أوامر متعدّدة انحلالية بعدد الفوائت كما هو الحال في الأمر بالأداء ، والعسر والحرج إنّما يلاحظان في كلّ تكليف بحياله لا منضماً إلى الآخر ، فاذا كانت الفوائت ألفاً مثلاً فطبعاً تكون أوامر بالمبادرة بعددها ، فاذا فرضنا أنّ المبادرة إلى قضاء الألف حرجي دون البدار إلى قضاء عشرة منها فلا محالة يسقط وجوب المبادرة إلى ما هو مورد الحرج دون العشرة التي لا حرج فيها كما هو ظاهر.
وثالثاً : أنّ دليل نفي الحرج غير جارٍ في المقام أصلاً ، فإنّه كدليل نفي الضرر إنّما يجري ويكون حاكماً على أدلّة التكاليف الواقعية فيما إذا كان التكليف بالإضافة إليهما لا بشرط ، فيكون الدليلان موجبين لتخصيصها بغير موارد الحرج والضرر كما لو اتّفق لزوم الحرج أو الضرر من الوضوء مثلاً ، حيث يسقط وجوب الوضوء الحرجي أو الضرري ، ويختصّ ذلك بغير الموردين.
وأمّا إذا كان التكليف ممّا قد شرّع في مورد الحرج كالجهاد أو الضرر كالخمس (1)والزكاة فكان ملحوظاً بالإضافة إليهما بشرط شيء فلا يكاد يجري في مثله دليل نفي الحرج أو الضرر.
1) تشريع الخمس لم يكن من الأحكام الضرريّة عند سيّدنا الأُستاذ (دام ظله) ، ولتوضيح الحال راجع مصباح الأُصول 2 : 539.
.................................................................................................
والمقام من هذا القبيل ، فإنّ أدلّة القول بالمضايقة على تقدير تماميتها إنّما كان مفادها وجوب المبادرة إلى القضاء الذي هو في نفسه حكم حرجي ، فكيف يمكن رفعه بدليل نفي الحرج.
ثالثها : قيام السيرة من المتشرّعة على عدم المبادرة إلى القضاء ، فإنّه قلّ من لا تكون ذمّته مشغولة بها ولا سيما في أوائل البلوغ ، ومع هذا نراهم يشتغلون بالكسب ويتعاطون أُمورهم العادية من دون مبادرة منهم إلى القضاء. فجريان السيرة على ذلك خلفاً عن سلف المتّصلة بزمان المعصوم (عليه السلام) خير دليل على العدم.
وفيه ما لا يخفى ، فإنّ السيرة الجارية عند الأكثر مستندها هي المسامحة وعدم المبالاة بأمر الدين ، ولأجل ذلك تراهم لا يبادرون إلّا القليل إلى تفريغ الذمّة عن حقوق الناس التي لا إشكال في فوريتها.
وعلى الجملة : إن كان مورد السيرة المدّعاة هم المتشرّعة فهي ممنوعة ، وإن كان الأعمّ منهم وممّن لا يبالي بالدين فهي مرفوضة.
رابعها : وهو العمدة الأخبار الواردة ، ولنذكر المهمّ منها معرضين عن الباقي الذي منه ما ورد في نوم النبي (صلّى اللّه عليه وآله) عن صلاة الفجر وأمره (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) بالارتحال بعد الانتباه عن ذلك المكان والقضاء في مكان آخر ، وقد مرّت الإشارة إلى بعض ذلك (1)وقلنا (2)إنّ هذه الروايات وإن تمّت دلالة وسنداً ممّا يشكل الاعتماد عليها والتصديق بمضمونها فلا بدّ من ردّ علمها إلى أهله ، أو حملها على بعض المحامل كالتقيّة ونحوها.
وكيف ما كان ، فالمهمّ من بين الأخبار التامة سنداً ودلالة صحيحتان :
إحداهما : صحيحة أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال : إن نام رجل ولم يصلّ صلاة المغرب والعشاء أو نسي فإن استيقظ قبل الفجر قدر ما
.................................................................................................
يصلّيهما كلتيهما فليصلّهما ، وإن خشي أن تفوته إحداهما فليبدأ بالعشاء الآخرة ، وإن استيقظ بعد الفجر فليبدأ فليصلّ الفجر ثمّ المغرب ثمّ العشاء الآخرة قبل طلوع الشمس ، فان خاف أن تطلع الشمس فتفوته إحدى الصلاتين فليصلّ المغرب ويدع العشاء الآخرة حتّى تطلع الشمس ويذهب شعاعها ثم ليصلّها» (1).
وقد ذكرنا في بحث المواقيت (2)أنّ صدر الصحيحة يدلّ على امتداد وقت العشاءين إلى طلوع الفجر ، ولذلك أمره (عليه السلام) بالإتيان بهما معاً إذا استيقظ قبل الطلوع مع سعة الوقت ، وإلّا فيأتي بالعشاء خاصة لاختصاص الوقت من آخره بها.
وكيف كان ، فمحلّ الاستشهاد قوله (عليه السلام) في ذيل الصحيحة : «فإن خاف أن تطلع الشمس ...» ، فقد أمر (عليه السلام) بتأخير العشاء حتّى تطلع الشمس ويذهب شعاعها. ومن الظاهر أنّ السبب في التأخير إنّما هو تجنّب الحزازة الثابتة في هذا الوقت ، حيث تكره الصلاة عند طلوع الشمس وظهور شعاعها كما ورد النهي عن ذلك في غير واحد من النصوص (3)المحمول على الكراهة قطعاً ، إذ لا قائل منّا بالتحريم.
ومنه تعرف أنّ الأمر بالتأخير استحبابي حذراً عن حزازة الوقت ، لا أنّه لزومي ، وإلّا فالقضاء مشروع في كلّ ساعة من ساعات الليل والنهار كما دلّ عليه صحيحة زرارة المتقدّمة (4).
وعلى الجملة : فلو كانت المبادرة واجبة كما يدّعيه القائل بالمضايقة لما حكم (عليه السلام) بالتأخير حذراً عن حزازة الوقت ، فهل يمكن أن يكون
.................................................................................................
تجنّب المكروه مسوّغاً لترك الواجب؟ فالرواية لا تلائم القول بالمضايقة بوجه وإنّما تكشف عن المواسعة في القضاء.
الثانية : صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال : إذا نسيت صلاة أو صلّيتها بغير وضوء وكان عليك قضاء صلوات فابدأ بأوّلهن فأذّن لها وأقم ثم صلّها ، ثمّ صلّ ما بعدها بإقامة إقامة لكلّ صلاة ...» (1).
وهذه الرواية واردة لبيان كيفية قضاء الفرائض من حيث الأذان والإقامة والخطاب فيها متوجّه إلى زرارة ، ومعلوم أنّ ذلك ممّا لا يحسن إلّا بفرض فوائت اشتغلت بها ذمّة المخاطب وهو زرارة في الفرض ولم يبادر إلى قضائها ، وحينئذ قام الإمام (عليه السلام) بتعليمه كيفية القضاء من حيث الحاجة إلى الأذان والإقامة.
فلو كانت المبادرة واجبة والقضاء فورياً لما حسن فرض الإخلال به من مثل زرارة وهو على ما هو عليه من العظمة والجلالة ، ولما صحّ للإمام (عليه السلام) أن يدع ذلك دون أن يستنكره منه ويعترض عليه بل يقتصر على بيان الكيفية من دون أن يستقبح منه ترك الواجب ، أو يلومه عليه على أقلّ التقديرين. فينكشف من ذلك عدم وجوب المبادرة إلى القضاء ، وابتناء الحال فيه على المواسعة ، بحيث كان التأخير فيه وعدم المبادرة إليه أمراً متعارفاً عاديا لا يضرّ صدوره حتّى من مثل زرارة.
ويؤكّد ذلك بل يدل عليه ذيل الصحيحة الذي هو في قوّة التصريح بالمواسعة ، حيث قال : «وإن خشيت أن تفوتك الغداة إن بدأت بالمغرب فصلّ الغداة ، ثمّ صلّ المغرب والعشاء ، ابدأ بأولهما لأنّهما جميعاً قضاء ، أيّهما ذكرت فلا تصلّهما إلّا بعد شعاع الشمس ، قال قلت : ولم ذاك؟ قال : لأنّك لست تخاف فوتها».
1) الوسائل 4 : 290 / أبواب المواقيت ب 63 ح 1.
[1804] مسألة 28 : لا يجب تقديم الفائتة على الحاضرة ، فيجوز الاشتغال بالحاضرة في سعة الوقت لمن عليه القضاء ، وإن كان الأحوط تقديمها عليها (1).
فإنّه (عليه السلام) بعد ما حكم بتأخير الصلاتين عن شعاع الشمس المبتني على التجنّب عن حزازة الوقت كما أشرنا إليه سابقاً ، وبعد استفسار زرارة عن السبب والعلّة في ذلك أجاب بقوله : «لأنّك لست تخاف فوتها» ، ومرجعه إلى أنّ قضاء الصلاتين موسّع لا تضييق فيه كي تخاف الفوت ، والاعتبار في المبادرة إنّما هو بخوف الفوت ، وحيث لا فوت هنا فكان الأحرى هو تجنّب الإتيان به عند شعاع الشمس حذراً من الكراهة الثابتة في هذا الوقت.
وهذا كما ترى كالتصريح بالمواسعة. فلو سلّمنا تمامية أخبار المضايقة فهي معارضة بهاتين الصحيحتين الصريحتين فيها ، فلتحمل تلك الأخبار على الاستحباب لو تمّت دلالتها ، كيف وهي غير تامة الدلالة في حدّ أنفسها كما عرفته مستقصى.
فتحصّل : أنّ المبادرة وإن كانت أحوط وأولى إلّا أنّ الأقوى هو المواسعة ما لم تؤدّ إلى المسامحة في امتثال التكليف والتهاون بشأنه ، وإلّا وجب الفور لخوف الفوت.
(1) تقدّم الكلام في مسألة المواسعة والمضايقة من جهة الوجوب النفسي وأمّا من ناحية الوجوب الشرطي أعني اشتراط تقديم الفائتة وتفريغ الذّمة عنها في صحّة الحاضرة ما لم يتضيّق وقتها فقد نسب إلى المشهور تارة الاشتراط ، وأُخرى عدمه. والقائلون بالعدم بين من حكم باستحباب تقديم الفائتة على الحاضرة ، وبين من عكس فحكم بأنّ الأفضل تقديم صاحبة الوقت.
.................................................................................................
وكيف ما كان ، فقد استدلّ للاشتراط تارة بأصالة الاشتغال ، فانّا نحتمل وجداناً اشتراط صحّة الحاضرة بتقديم الفائتة ، ولا يكاد يحصل اليقين بالفراغ عن التكليف اليقيني بالحاضرة بدون مراعاة الشرطية المحتملة.
ويندفع : بما هو المحقّق في محلّه من الرجوع إلى أصالة البراءة عند الدوران بين الأقل والأكثر الارتباطيين (1).
وأُخرى بالروايات فمنها : رواية زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال : إذا فاتتك صلاة فذكرتها في وقت أُخرى فإن كنت تعلم أنّك إذا صلّيت التي فاتتك كنت من الأُخرى في وقت فابدأ بالتي فاتتك ، فانّ اللّه عزّ وجلّ يقول ( وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي ) ...» (2)، فإنّ الأمر بتقديم الفائتة على الحاضرة يكشف عن دخل ذلك في صحة الحاضرة.
ويتوجّه عليه أوّلاً : أنّ الرواية ضعيفة السند بالقاسم بن عروة ، وإن عبّر عنها بالصحيحة في بعض الكلمات.
وثانياً : أنّها قاصرة الدلالة على الوجوب الشرطي ، وإنّما تدلّ على الوجوب النفسي الذي مرّ البحث عنه سابقاً ، نظراً لكونها مسوقة لبيان حكم الفائتة في حدّ نفسها وأنّها ممّا يلزم الابتداء بها إمّا وجوباً أو استحباباً على الخلاف المتقدّم ، وليست هي بصدد بيان حكم الحاضرة كي تدلّ على الاشتراط بوجه.
ثم إنّك قد عرفت فيما سبق (3)أنّ الرواية في موطن دلالتها وهو حكم الفائتة في حدّ نفسها محمولة على الاستحباب ، ولكن لو فرضناها دالّة على الوجوب النفسي أيضاً لم يكن يستفاد منها فساد الحاضرة إلّا بناءً على القول باقتضاء الأمر بالشيء النهي عن ضدّه ، ولا نقول به ، بل غايته عدم الأمر بالضد. فيمكن تصحيح العبادة حينئذ بالملاك أو بالخطاب الترتّبي.
ومنها : رواية أبي بصير قال : «سألته عن رجل نسي الظهر حتّى دخل وقت
.................................................................................................
العصر ، قال : يبدأ بالظهر ، وكذلك الصلوات تبدأ بالتي نسيت إلّا أن تخاف أن يخرج وقت الصلاة فتبدأ بالتي أنت في وقتها ، ثمّ تقضي التي نسيت» (1)حيث دلّت على لزوم البدأة بالصلاة المنسيّة وتقديمها على الحاضرة.
ويرد عليه أوّلاً : أنّها ضعيفة السند بسهل بن زياد ومحمّد بن سنان.
وثانياً : أنّها على خلاف المطلوب أدلّ ، فإنّ المراد بالوقت في قوله (عليه السلام) : «يخرج وقت الصلاة» هو وقت الفضيلة دون الإجزاء ، ولو بقرينة الوقت المذكور في الصدر أعني قوله (عليه السلام) : «حتّى دخل وقت العصر» (2).
فإنّ المراد بنسيان الظهر حتّى دخل وقت العصر نسيانها في وقتها الفضيلي أو الوقت الأوّل الاختياري في مقابل الوقت الثاني الاضطراري على الخلاف المتقدّم في بحث الأوقات (3)لا وقت الإجزاء الممتد إلى مقدار أربع ركعات من آخر الوقت الذي هو الوقت الاختصاصي للعصر ، للزوم البدأة حينئذ بالعصر بعد خروج وقت الظهر ، فكيف يحكم (عليه السلام) بالبدأة بالظهر؟
فالمراد بالوقت هو وقت الفضيلة أو الوقت الأوّل ، وحينئذ فيبدأ بالظهر مراعاة للترتيب مع فرض امتداد وقتهما إلى الغروب. فيكون المراد بالوقت في قوله (عليه السلام) : «إلّا أن تخاف أن يخرج وقت الصلاة ...» بمقتضى السياق واتّحاد الذيل مع الصدر هو وقت الفضيلة كما عرفت.
وعليه فيكون مفاد الرواية : أنّ من تذكّر في وقت فضيلة المغرب فوات العصر مثلاً فإنّه يبدأ بالعصر إلّا إذا خاف من تقديمها خروج وقت الفضيلة فإنّه يقدّم المغرب حينئذ. فتكون قد دلّت على تقدم الحاضرة على الفائتة ، دون العكس الذي هو المطلوب.
وثالثاً : أنّها ناظرة إلى بيان حكم الفائتة في نفسها كما مرّ ذلك في الرواية
.................................................................................................
الأُولى ومفادها محبوبية البدأة بالفائتة لزوماً أو استحباباً ، ولا تعرّض فيها لبيان حكم الحاضرة كي تدلّ على الشرطية.
ومنها : رواية معمر بن يحيى قال : «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل صلّى على غير القبلة ثمّ تبينت القبلة وقد دخل وقت صلاة أُخرى ، قال : يعيدها قبل أن يصلّي هذه التي قد دخل وقتها ...» (1).
فإنّها محمولة على من صلّى إلى غير القبلة بدون عذر أو كانت صلاته إلى نقطتي المشرق أو المغرب أو مستدبر القبلة ، فإنّ من صلّى إلى ما بين المشرقين وكان معذوراً في ذلك كانت صلاته صحيحة لا تحتاج إلى الإعادة ، لما ورد عنهم (عليهم السلام) من أنّ ما بين المشرق والمغرب قبلة (2).
وكيف ما كان ، فقد حكم (عليه السلام) بلزوم البدأة بتلك الصلاة الواقعة على غير جهة القبلة ، ثم الإتيان بالصلاة الأُخرى التي قد دخل وقتها.
وفيه أوّلاً : أنّها ضعيفة السند ، لضعف طريق الشيخ إلى الطاطري بعلي بن محمد بن الزبير القرشي (3).
وثانياً : أنّها غير ناظرة إلى الفوائت ، فإنّ الظاهر منها هو دخول وقت الفضيلة للصلاة الأُخرى حسبما كان المتعارف في تلك العصور من تفريق الصلوات على حسب أوقات الفضيلة ، كما قد يشعر بذلك تعبيره (عليه السلام) : «يعيدها» ، حيث يكشف ذلك عن بقاء وقت الإجزاء للصلاة التي وقعت على غير جهة القبلة ، وإلّا عبّر عنه بقوله : يقضيها. الدال على خروج الوقت وفوت الفريضة.
وقد تكرّر في الروايات مثل هذا التعبير أعني خروج الوقت ودخول وقت صلاة أُخرى ويراد به خروج وقت الفضيلة لصلاة ودخول وقتها لأُخرى.
.................................................................................................
فالحكم بتقديم تلك الصلاة على الأُخرى في الرواية من أجل بقاء وقتيهما ولزوم مراعاة الترتيب ، لا لخروج وقت الاولى وتقديم الفائتة على الحاضرة. فهي أجنبية عن محلّ الكلام. فهذه الروايات الثلاث ضعيفة السند ، بالإضافة إلى قصور الدلالة.
ومنها : صحيحة صفوان عن أبي الحسن (عليه السلام) قال : «سألته عن رجل نسي الظهر حتى غربت الشمس وقد كان صلّى العصر ، فقال : كان أبو جعفر أو كان أبي - (عليه السلام) يقول : إن أمكنه أن يصلّيها قبل أن تفوته المغرب بدأ بها ، وإلّا صلّى المغرب ثم صلّاها» (1).
وهي صحيحة السند ، فانّ محمد بن إسماعيل وإن كان مردّداً بين الثقة وغيره ، لكن الذي يروي عن الفضل بن شاذان ويروي عنه الكليني (قدس سره) كثيراً هو الثقة ، لبعد إكثاره الرواية عن غير الثقة ، مع أنّ كتاب الكافي مشحون بمثل هذا السند.
مضافاً إلى وجود السند بعينه ضمن أسانيد كامل الزيارات ، فلا مجال للتوقّف في سندها. وقد دلّت على لزوم تقديم فائتة الظهر على المغرب عند التمكّن منه.
ويتوجّه عليه : أنّ الرواية على خلاف المطلوب أدلّ ، إذ المفروض فيها هو كون نسيان الظهر مغيّا بغروب الشمس كما يقتضيه قوله : «حتى غربت الشمس» ، فينتفي النسيان لا محالة بعد الغروب حيث يكون متذكّراً لها آن ذاك.
فكيف يجتمع هذا مع قوله (عليه السلام) : «إن أمكنه أن يصلّيها قبل أن تفوته المغرب ...» مع امتداد وقت المغرب إلى منتصف الليل ، بل إلى الفجر على الأظهر وإن كان آثماً في التأخير ، فإنّه متمكّن من البدأة بالظهر الفائتة حين تذكّره لها قبل الشروع في المغرب ، لامتداد وقتها كما عرفت ، فمع سعة وقت
1) الوسائل 4 : 289 / أبواب المواقيت ب 62 ح 7.
.................................................................................................
المغرب لا مجال للترديد الذي تضمّنته الصحيحة.
فيظهر من ذلك : أنّ المراد من فوت المغرب فوت وقت فضيلته ، نظراً إلى أنّ الوقت المذكور قصير ينتهي بذهاب الشفق وانعدام الحمرة المشرقية ، بحيث لا يزيد مجموعة على خمس وأربعين دقيقة تقريباً.
ومن الجائز أن لا يتيسّر للمكلّف الجمع بين قضاء الظهر وإدراكه فضيلة المغرب ، لاشتغاله بمقدّمات الصلاة من الوضوء أو الغسل وتطهير البدن أو اللباس ونحو ذلك ، ويجوز أيضاً إمكان الجمع بين الأمرين لأجل تحقّق هذه المقدمات قبل الغروب ، ولأجل ذلك حسن الترديد والتشقيق. فالمراد خوف فوات وقت فضيلة المغرب قطعاً لا وقت إجزائها.
وعليه فيكون مفاد الصحيحة أنّه لدى خوف الفوت تتقدّم المغرب على الظهر الفائتة ، دون العكس الذي هو المطلوب. فهي على خلاف ما ذهب إليه القائل أدلّ كما ذكرنا.
وعلى الجملة : أنّ الصحيحة تنظر إلى بيان حكم الفائتة ، وأنّ البدأة بها محبوبة ما لم يزاحمها المحبوبية من جهة أُخرى وهي إدراك وقت الفضيلة للحاضرة ، وإلّا قدّمت الثانية ، وليست مسوقة لبيان حكم الحاضرة كي تدلّ على اشتراط سبقها بالفائتة.
ومنها : صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه قال : «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل نسي صلاة حتى دخل وقت صلاة أُخرى ، فقال : إذا نسي الصلاة أو نام عنها صلّى حين يذكرها ، فاذا ذكرها وهو في صلاة بدأ بالتي نسي وإن ذكرها مع إمام في صلاة المغرب أتمّها بركعة ، ثمّ صلّى المغرب ، ثمّ صلّى العتمة بعدها» (1).
فإنّها بإطلاقها تشمل ما إذا كانت المنسية والحاضرة في وقت واحد
1) الوسائل 4 : 291 / أبواب المواقيت ب 63 ح 2.
.................................................................................................
كالظهرين والعشاءين ، أو في وقتين كالعصر والمغرب ، وقد دلّت على لزوم البدأة بالأُولى ، وتقديم الفائتة على الحاضرة ، حتّى أنّه لو كان مشغولاً بالحاضرة لعدل منها إلى الفائتة.
ويتوجّه عليه : أنّها أيضاً قاصرة الدلالة ، فإنّ لزوم البدأة بالمنسيّة فيما إذا اتحد وقتها مع الحاضرة كلزوم العدول فيما لو تذكّر وهو في الأثناء إنّما يكونان بحسب الظاهر ، لمراعاة الترتيب المعتبر بين الصلاتين ، وهذا خارج عن محلّ الكلام.
وأمّا بالنسبة إلى مختلفتي الوقت كالعصر والمغرب فظاهر قوله (عليه السلام) : «فاذا ذكرها وهو في صلاة بدأ بالتي نسي» وإن كان في بادئ النظر هو لزوم تقديم الفائتة على الحاضرة وكونه شرطاً في صحّتها ، وإلّا لم يكن موجب للعدول. إلّا أنّ التأمل في صدر الصحيحة يقضي بخلافه.
فإنّه (عليه السلام) ذكر أوّلاً أنّه «إذا نسي الصلاة أو نام عنها صلّى حين يذكرها ...» ، فقد بيّن (عليه السلام) بهذا الكلام حكم الفائتة في حدّ ذاتها ، وأنّ المبادرة إليها حينما يذكرها محبوبة لزوماً أو استحباباً على الخلاف المتقدّم (1)في مسألة المواسعة والمضايقة.
ثمّ إنّه (عليه السلام) فرّع على ذلك قوله : «فاذا ذكرها وهو في صلاة بدأ بالتي نسي ...» إيعازاً إلى أنّ محبوبية المبادرة إلى الفائتة التي دلّ عليها صدر الرواية باقية حتّى ولو كان التذكّر في الأثناء مع إمكان التدارك بالعدول إلى الفائتة ، بل ولو كان في صلاة المغرب مع الإمام ، وذلك بأن يضيف ركعة إلى ما أتى به ويجعلها الفائتة ، ثمّ يأتي بالمغرب منفرداً ، دفعاً لما قد يتوهّم من عدم إمكان التدارك بعد الدخول في الحاضرة ، فيكون الأمر بالعدول وارداً مورد توهّم الحظر ، وهو لا يدلّ إلّا على الجواز دون الوجوب.
1) في ص 160 وما بعدها.
.................................................................................................
وعلى الجملة : أنّ الصحيحة مسوقة لبيان حكم الفائتة في حدّ ذاتها ، وأنّ البدار إليها حينما يذكرها محبوب مطلقاً في أيّ مورد ذكرها ولو كان ذلك بعد دخول وقت الحاضرة وبعد الاشتغال بها مع إمكان العدول.
والتفريع الوارد فيها مترتّب على هذا الحكم ، وليست بناظرة إلى حكم الحاضرة واعتبار الترتيب بينها وبين الفائتة تعبّداً مع الغضّ عن محبوبية البدأة بالفائتة في حدّ ذاتها كي يستفاد منها اشتراط الحاضرة بسبق الفائتة.
ومنها : صحيحة زرارة الطويلة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : «إذا نسيت صلاة ، أو صلّيتها بغير وضوء ، وكان عليك قضاء صلوات فابدأ بأوّلهنّ فأذّن لها وأقم ثمّ صلّها ، ثم صلّ ما بعدها بإقامة إقامة لكلّ صلاة. وقال قال أبو جعفر (عليه السلام) : وإن كنت قد صلّيت الظهر وقد فاتتك الغداة فذكرتها فصلّ الغداة أيّ ساعة ذكرتها ولو بعد العصر ، ومتى ما ذكرت صلاة فاتتك صلّيتها. وقال : إذا نسيت الظهر حتى صلّيت العصر فذكرتها وأنت في الصلاة أو بعد فراغك فانوها الاولى ثمّ صلّ العصر ، فإنّما هي أربع مكان أربع. وإن ذكرت أنّك لم تصلّ الاولى وأنت في صلاة العصر وقد صلّيت منها ركعتين فانوها الاولى ، ثمّ صل الركعتين الباقيتين وقم فصلّ العصر. وإن كنت قد ذكرت أنّك لم تصلّ العصر حتى دخل وقت المغرب ولم تخف فوتها فصلّ العصر ثمّ صلّ المغرب ، فان كنت قد صلّيت المغرب فقم فصلّ العصر. وإن كنت قد صلّيت من المغرب ركعتين ، ثمّ ذكرت العصر فانوها العصر ثمّ قم فأتمّها ركعتين ثمّ تسلّم ، ثمّ تصلّي المغرب. فان كنت قد صلّيت العشاء الآخرة ونسيت المغرب فقم فصلّ المغرب ، وإن كنت ذكرتها وقد صلّيت من العشاء الآخرة ركعتين أو قمت في الثالثة فانوها المغرب ثمّ سلّم ، ثمّ قم فصلّ العشاء الآخرة. فإن كنت قد نسيت العشاء الآخرة حتى صلّيت الفجر فصلّ العشاء الآخرة ، وإن كنت ذكرتها وأنت في الركعة الأُولى أو في الثانية من الغداة فانوها العشاء ، ثمّ قم
.................................................................................................
فصلّ الغداة وأذّن وأقم. وإن كانت المغرب والعشاء قد فاتتاك جميعاً فابدأ بهما قبل أن تصلّي الغداة ، ابدأ بالمغرب ثمّ العشاء ، فان خشيت أن تفوتك الغداة إن بدأت بهما فابدأ بالمغرب ثمّ صلّ الغداة ثمّ صلّ العشاء ، وإن خشيت أن تفوتك الغداة إن بدأت بالمغرب فصلّ الغداة ثمّ صلّ المغرب والعشاء ، ابدأ بأوّلهما لأنّهما جميعاً قضاء ، أيّهما ذكرت فلا تصلّهما إلّا بعد شعاع الشمس. قال قلت : ولم ذاك؟ قال : لأنّك لست تخاف فوتها» (1).
ومحلّ الاستشهاد بالرواية ثلاث فقرأت منها :
الاولى : قوله (عليه السلام) : «وإن كنت قد ذكرت أنّك لم تصلّ العصر حتّى دخل وقت المغرب ولم تخف فوتها فصلّ العصر ، ثمّ صلّ المغرب ...» ، حيث دلّ على لزوم تقديم العصر الفائتة على المغرب ما لم يخف فوتها.
ويتوجّه عليه أوّلاً : أنّ المراد من خوف فوت المغرب فوتها في وقت الفضيلة ، دون الإجزاء كما تقدّم (2)، فانّ الغالب بل الشائع في تلكم العصور هو تفريق الصلوات الخمس اليوميّة بالإتيان بكلّ واحدة منها في وقت فضيلتها وعليه فيكون مفاد الفقرة : أنّه لدى خوف فوت وقت فضيلة المغرب يقدّم المغرب على الفائتة. فتكون إذن على خلاف المطلوب أدلّ.
وثانياً : أنّ المنظور إليه في الصحيحة كما يشهد به قوله (عليه السلام) في صدر الرواية : «وقد فاتتك الغداة فذكرتها فصلّ الغداة أيّ ساعة ذكرتها ولو بعد العصر ، ومتى ما ذكرت صلاة فاتتك صلّيتها» بيان حكم الفائتة في حدّ نفسها ، وأنّ البدأة بها متى ما ذكرها محبوبة وجوباً أو استحباباً ، وأنّ المبادرة إليها في أيّ ساعة ذكرها أمر مرغوب فيه بنحو اللزوم أو الندب ، على الخلاف المتقدّم في مسألة المواسعة والمضايقة.
.................................................................................................
فهذه الفقرة وما يضاهيها من فقرأت الرواية متفرّعة على هذا الحكم ، ومبتنية على هذا الأساس ، وليست الصحيحة ناظرة إلى بيان حكم الحاضرة من حيث هي كي تدلّ على اشتراط الترتيب بين الفائتة والحاضرة تعبّداً مع قطع النظر عن تلك المسألة ، فإنّ سياقها يشهد بعدم كونها في مقام البيان من هذه الناحية أصلاً كما ذكرنا ذلك في صحيحة عبد الرحمن ، لتوافقهما مضموناً من هذه الناحية. والجواب هنا بعينه هو الجواب هناك.
الثانية : قوله (عليه السلام) : «وإن كنت قد صلّيت من المغرب ركعتين ثمّ ذكرت العصر فانوها العصر» ، حيث حكم (عليه السلام) بالعدول من الحاضرة إلى الفائتة فيما إذا كان التذكّر في الأثناء ، فإنّه لولا اعتبار الترتيب بين الأمرين لم يكن وجه للحكم بالعدول.
ويتوجّه عليه : أنّ الوجه في الحكم بالعدول إنّما هو التنبيه على محبوبية البدار والإتيان بالفائتة فوراً متى ما تذكّر الفائتة وفي أيّة ساعة ذكرها ، حتّى ولو كان ذلك أثناء الحاضرة مع إمكان العدول كما نبّه على ذلك في صدر الرواية.
والأمر بالعدول إنّما وقع دفعاً لما قد يتوهّم من عدم إمكان التدارك بعد الشروع في الحاضرة ، فيكون وارداً مورد توهّم الحظر ، فلا يدلّ على الوجوب ليثبت الاشتراط ، بل أقصاه الجواز أو الاستحباب ، رعاية لما في المبادرة إلى الفائتة من المحبوبية النفسية. فهذا الحكم أيضاً من فروع الحكم في تلك المسألة ولا يرتبط بحكم الحاضرة.
الثالثة : قوله (عليه السلام) : «وإن كانت المغرب والعشاء قد فاتتاك جميعاً فابدأ بهما قبل أن تصلّي الغداة» ، حيث دلّ على لزوم تقديم الفائتتين على الغداة الحاضرة.
وجوابه أيضاً يعلم ممّا سبق ، فانّ التقديم المزبور إنّما يكون من متفرّعات
.................................................................................................
الحكم بمحبوبية البدار إلى الفائتة ، وليس ذلك بحكم تعبّدي مستقل متعلّق بالحاضرة من حيث هي.
وعلى الجملة : أنّ الجواب عن الصحيحة بكلمة واحدة ، وهي أنّها مسوقة لبيان حكم الفائتة في نفسها ، وتدلّ على محبوبية المبادرة إليها متى ما ذكرها وجوباً أو استحباباً ، وغير ناظرة إلى بيان حكم الحاضرة ليثبت بها الاشتراط. وعليه فيسقط الاستدلال بها بفقراتها الثلاث.
والمتحصّل من جميع ما مرّ : أنّ النصوص التي استدل بها للمضايقة واشتراط الترتيب بين الحاضرة والفائتة كلّها ساقطة وغير صالحة للاستدلال فانّ مجموعها ست روايات كما عرفت ، والثلاث الأخيرة قاصرة الدلالة وإن صحّت أسنادها ، وأمّا الثلاث الأُول فهي ضعيفة السند والدلالة ، هذا.
وعلى تقدير التنزّل وتسليم دلالتها على اعتبار تقديم الفائتة على الحاضرة فهي معارضة بطائفة أُخرى من النصوص وجملة منها صحاح السند دلّت على العكس وأنّه يجوز تقديم الحاضرة على الفائتة ، وهي :
صحيحة أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال : إن نام رجل ولم يصلّ صلاة المغرب والعشاء أو نسي فإن استيقظ قبل الفجر قدر ما يصلّيهما كلتيهما فليصلّهما ، وإن خشي أن تفوته إحداهما فليبدأ بالعشاء الآخرة وإن استيقظ بعد الفجر فليبدأ فليصلّ الفجر ثمّ المغرب ثمّ العشاء الآخرة ...» (1).
حيث دلّت صريحاً على لزوم تقديم الحاضرة على صلاتي العشاءين الفائتتين. ولا يقدح فيها اشتمال صدرها على ما لا يقول المشهور به وهو امتداد وقت العشاءين إلى الفجر ، إذ لا نرى مانعاً من الالتزام بذلك بعد مساعدة الدليل عليه ، كما التزمنا به في محلّه ، وإن كان آثماً في التأخير إلى ذلك الوقت بدون عذر ، وقد مرّ تفصيله في بحث الأوقات (2)
.................................................................................................
على أنّ تعيّن طرح هذه الفقرة من الرواية لمخالفتها لمذهب المشهور لا يمنعنا عن الاستدلال بالفقرة الأُخرى على المطلوب ، حيث قد تقرّر في محلّه عدم التلازم بين فقرأت الرواية الواحدة في الحجّية (1).
وصحيحة عبد اللّه بن مسكان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال : إن نام رجل أو نسي أن يصلّي المغرب والعشاء الآخرة ، فإن استيقظ قبل الفجر قدر ما يصلّيهما كلتيهما فليصلّهما ، وإن خاف أن تفوته إحداهما فليبدأ بالعشاء الآخرة ، وإن استيقظ بعد الفجر فليصلّ الصبح ثمّ المغرب ثمّ العشاء الآخرة قبل طلوع الشمس» (2)، ومثلها صحيحة عبد اللّه بن سنان التي أشار إليها صاحب الوسائل في ذيل هذه الصحيحة.
هذه الصحاح الثلاث قد دلّت كما ترى على لزوم تقديم الحاضرة على الفائتة ، فتقع المعارضة بينها وبين النصوص المتقدّمة لا محالة.
وأحسن وجوه الجمع بين الطائفتين هو حمل الطائفة الأُولى على صورة عدم خوف فوت وقت الفضيلة للصلاة الحاضرة ، حيث تقدّم الفائتة حينئذ عليها والطائفة الثانية على خوف الفوت فتقدّم الحاضرة إذن عليها ، ترجيحاً لفضيلة الوقت على فضيلة المبادرة إلى الفائتة.
ويشهد للجمع المذكور ما ورد في صحيحتي صفوان وزرارة الطويلة المتقدّمتين (3)وغيرهما من التصريح بالتفصيل المذكور بالنسبة إلى صلاة المغرب وأنّه تقدّم الظهر أو العصر الفائتة عليها ما لم يخف فوتها المراد به خوف فوت وقت فضيلة المغرب كما تقدّم ، وإلّا قدّم المغرب على الفائتة.
فبهذه القرينة يحكم باختلاف موردي الطائفتين ، وبه ترتفع المعارضة من البين.
خصوصاً في فائتة ذلك اليوم ، بل إذا شرع في الحاضرة قبلها استحبّ له العدول منها إليها إذا لم يتجاوز محلّ العدول (1).
نعم ، ظاهر مرسلة جميل المروية في الوسائل تارة عن المحقّق (قدس سره) في المعتبر (1)وفيها : «بعد العشاء» ، وأُخرى بإسناده عن جميل (2)بلفظة «عند العشاء» كما مرّ الكلام حول ذلك مستقصى في المسألة (16) (3)هو تقديم الحاضرة مطلقاً حتّى في غير صورة المزاحمة لوقت الفضيلة ، معلّلاً بعدم الأمن من الموت فيكون قد ترك فريضة الوقت.
لكنّها ضعيفة السند ، ولا تصلح للاعتماد عليها. ومع الغضّ عن ذلك فالتعليل الوارد فيها غير قابل للتصديق ، ويجب ردّ علمه إلى أهله ، فإنّه إنّما يناسب الحكم بتقديم الحاضرة على أمر مباح أو مستحب ، دون تقديمها على الفائتة التي هي كالحاضرة في الوجوب وأنّ كلتيهما من فرائض اللّه سبحانه وتعالى.
فانّ مجرّد عدم الأمن من الموت لا يصلح لترجيح إحداهما على الأُخرى إلّا إذا ثبت من الخارج كون صاحبة الوقت أولى بالمراعاة ، وإلّا فالعلم بالموت ونفرضه بعد دقيقتين من الوقت مثلاً لا يستوجب تقديم الحاضرة فضلاً عن عدم الأمن منه ، وذلك لأنّ الفائتة ممّا تشترك مع الحاضرة في العلّة المذكورة ، ولا مزيّة لإحداهما على الأُخرى كما لا يخفى.
أحدهما : التفصيل بين فائتة اليوم وبين فائتة سائر الأيام ، فقد قيل بلزوم تقديم الفائتة على الحاضرة في الأوّل دون الثاني.
.................................................................................................
والظاهر أنّ المستند للتفصيل المذكور إنّما هو صحيحتا صفوان وزرارة الطويلة المتقدّمتان (1)، حيث إنّهما قد دلّتا على تقديم الظهر أو العصر المنسيّة حتى غربت الشمس على المغرب ، وكذا العشاءين على الفجر.
ويتوجّه عليه مضافاً إلى ما عرفت من قصور الدلالة وأنّهما على خلاف المطلوب أدلّ ، أنّهما معارضتان بما دلّ على العكس ، أي لزوم تقديم الحاضرة على الفائتة من ذلك اليوم ، وهي صحاح أبي بصير وابني مسكان وسنان المتقدّم ذكرها الدالة على لزوم تقديم صلاة الفجر الحاضرة على العشاءين الفائتتين من ذلك اليوم.
ثانيهما : التفصيل بين اشتغال الذمة بفائتة واحدة سواء أكانت من ذلك اليوم أم من غيره ، وبين اشتغالها بفوائت متعدّدة ، فيجب التقديم في الأول دون الثاني. وكأنّ المستند له صحيحة عبد الرحمن (2)المتقدّمة ، بحمل التنوين في قوله : «نسي صلاة» على التنكير.
ويتوجّه عليه : أنّ حمل التنوين على التنكير خلاف الظاهر ، ولا يصار إليه بدون قرينة ، بل الأصل فيه هو التمكّن كما لا يخفى. على أنّها في نفسها قاصرة الدلالة على اعتبار الترتيب كما عرفته سابقاً. ثم إنّ هذه الرواية صحيحة السند ، إذ ليس في سندها من يغمز فيه سوى معلى بن محمد ، وهو وارد في أسانيد كامل الزيارات.
ولا يقدح فيه قول النجاشي (رحمه اللّه) في حقّه : إنّه مضطرب الحديث والمذهب (3). فانّ الاضطراب في المذهب لا ينافي الوثاقة كما هو ظاهر ، وكذا الاضطراب في الحديث ، إذ ليس معنى ذلك أنّه ممّن يضع الحديث ويكذب كي
[1805] مسألة 29 : إذا كانت عليه فوائت أيّام وفاتت منه صلاة ذلك اليوم أيضاً ، ولم يتمكّن من جميعها أو لم يكن بانياً على إتيانها فالأحوط استحباباً أن يأتي بفائتة اليوم قبل الأدائية (1) ، ولكن لا يكتفي بها (1)، بل بعد الإتيان بالفوائت يعيدها أيضاً مرتّبة عليها.
يكون ذلك طعناً في الرجل نفسه وكاشفاً عن تضعيفه إياه ، وإنّما هو طعن في أحاديثه وأنّها ليست مستقيمة ولا تكون على نمط واحد ، وإنّما يروي الحديث تارة عن الثقة وأُخرى عن الضعيف ، وقد يروي المناكير وغيرها ، فلا تكون أحاديثه على نسق واحد.
وعلى الجملة : أنّ هذه العبارة لا تقتضي القدح في وثاقه الرجل كي يعارض به التوثيق المستفاد من وروده في أسانيد كامل الزيارات.
والمتحصّل من جميع ما قدّمناه : أنّ الأقوى ما هو المشهور بين المتأخّرين من المواسعة وعدم اشتراط الحاضرة بتقديم الفائتة عليها ، فيتخيّر المكلّف بين تقديم أيّ منهما شاء ، وإن كان الأفضل تقديم صاحبة الوقت عند المزاحمة مع وقت الفضيلة رعاية لفضيلة الوقت ، وإلّا كان الأفضل تقديم الفائتة رعاية لاستحباب المبادرة إليها. وقد علم الوجه في ذلك ممّا مرّ.
(1) لاحتمال الترتيب بين الحاضرة وفائتة اليوم خاصة كما هو أحد الأقوال في المسألة على ما مرّ (2)، وأمّا الإعادة فللزوم مراعاة الترتيب في قضاء الفوائت بتقديم السابق في الفوت فالسابق ، فتعاد تحفظاً على الترتيب المذكور. فالاحتياط مبني على مراعاة الجمع بين القولين.
وحيث إنّه (قدس سره) كان قد بنى على عدم اعتبار الترتيب بين الحاضرة وبين الفائتة مطلقاً حتّى فائتة اليوم نفسه فلذلك كان الاحتياط بالتقديم استحبابياً.
[1806] مسألة 30 : إذا احتمل اشتغال ذمّته بفائتة أو فوائت يستحبّ له تحصيل التفريغ بإتيانها احتياطاً (1) ، وكذا لو احتمل خللاً فيها وإن علم بإتيانها.
كما أنّه من أجل بنائه (قدس سره) على لزوم مراعاة الترتيب بين الفوائت أنفسها حكم بعدم الاكتفاء ولزوم إعادة الفائتة.
ولكنك عرفت فيما تقدّم (1)عدم تمامية كلا المبنيين ، وأنّ الترتيب غير معتبر مطلقاً لا بين الفوائت أنفسها ولا بينها وبين الحاضرة. فكما أنّه لا يلزم تقديم فائتة اليوم لا تلزم الإعادة أيضاً ، بل يجوز الاكتفاء بها ، وإن كانت الإعادة أولى وأحوط.
(1) القضاء في الفرض المذكور وإن لم يكن لازماً لقاعدة الحيلولة أو أصالة البراءة على التفصيل المتقدّم (2)بحسب اختلاف الموارد إلّا أنّه لا ريب في كونه احتياطاً ، وهو حسن على كل حال عقلاً وشرعاً بعد احتمال الفوت ، فيحسن تفريغ الذمّة عن التكليف المحتمل ، وإن كان ذلك مدفوعاً بالأصل.
وقد وردت طائفة كثيرة من الروايات ولا يبعد بلوغها حدّ التواتر قد أكدت على الاحتياط في أمر الدين ، ومضمونها : أخوك دينك ، فاحتط لدينك (3)المحمولة على الاستحباب ، وإن كانت في بعض الموارد محمولة على الوجوب كما قرّر ذلك في محلّه (4).
[1807] مسألة 31 : يجوز لمن عليه القضاء الإتيان بالنوافل على الأقوى ، كما يجوز الإتيان بها بعد دخول الوقت قبل إتيان الفريضة كما مرّ سابقا (1).
[1808] مسألة 32 : لا يجوز الاستنابة في قضاء الفوائت ما دام حياً (2) وإن كان عاجزاً عن إتيانها أصلاً.
ومنه تعرف الحال في حسن الاحتياط في قضاء ما يحتمل الخلل في أدائه وإن علم بأصل الإتيان به ، فانّ الاحتمال المذكور وإن كان مدفوعاً بقاعدة الفراغ إلّا أنّ احتمال الخلل واقعاً المساوق لاحتمال الفوت ثابت وجداناً ، فيستحب الاحتياط وتحصيل التفريغ عن التكليف الاحتمالي لما ذكر.
(1) مرّ الكلام في ذلك مستقصى في باب المواقيت (1)فلا نعيد ، فانّ هذه المسألة من جملة أحكام النافلة في نفسها ، حيث ينبغي البحث هناك عن جواز الإتيان بالنافلة مع اشتغال الذمة بالفريضة أدائية كانت أم قضائية ، وليست من أحكام القضاء.
ثم إنّ محلّ البحث في جواز الإتيان بالنافلة لمن عليه الفريضة إنّما هي النوافل غير المرتّبة ، وأمّا المرتّبة كنوافل الظهرين فلا إشكال في الجواز كما هو ظاهر.
استنابة الحي :
(2) فإنّ مقتضى إطلاق أدلّة التكاليف أداءً وقضاءً اعتبار المباشرة وعدم السقوط بفعل الغير ، تطوعاً أم استنابة ، فيحتاج السقوط في موردها إلى الدليل الخاص المخرج عن الإطلاق. وحيث لا دليل على ذلك في المقام وإن
1) شرح العروة 11 : 337.
[1809] مسألة 33 : يجوز إتيان القضاء جماعة ، سواء كان الإمام قاضياً أيضاً أو مؤدّياً (1) ، بل يستحبّ ذلك. ولا يجب اتحاد صلاة الإمام والمأموم ، بل يجوز الاقتداء من كلّ من الخمس بكلّ منها.
ثبت ذلك في بعض الموارد كما في الحجّ ، وفي الطواف مع العجز عنه وعن الإطافة أيضاً ، فالمحكّم هنا هو الإطلاق.
(1) للإطلاق في أدلّة الجماعة ، بناءً على ثبوته كما هو الصواب على ما سيجيء في محلّه إن شاء اللّه تعالى (1)، مضافاً إلى النصوص الخاصّة الواردة في المقام.
أمّا إذا كان الإمام والمأموم كلاهما قاضياً فتدلّ عليه الأخبار الصحيحة الواردة في رقود النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) وأصحابه عن صلاة الفجر وقضائها بهم جماعة بعد التحويل من ذلك المكان ، كما تقدّم الكلام على ذلك (2). فانّا وإن كنّا في تردّد في الأخذ بالأخبار المذكورة من حيث الحكاية لنومه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) عن صلاة الغداة ، بل إنّه يشكل التصديق بها من هذه الجهة كما سبق ، إلّا أنّ ذلك لا يمنع عن العمل بها في الفقرة الأخيرة منها الدالّة على محلّ الكلام.
وأمّا إذا كان المأموم قاضياً فلموثّقة إسحاق بن عمّار قال «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : تقام الصلاة وقد صلّيت ، فقال : صلّ واجعلها لما فات» (3).
وقد رواها الشيخ (قدس سره) بإسناده وفيه : سلمة صاحب السابري (4).
[1810] مسألة 34 : الأحوط لذوي الأعذار تأخير القضاء إلى زمان رفع العذر (1)إلّا إذا علم بعدم ارتفاعه إلى آخر العمر ، أو خاف مفاجاة الموت (1).
ورواها الصدوق (رحمه اللّه) (2)، وفي سنده علي بن إسماعيل بن عيسى (3). وكلاهما من رجال كامل الزيارات.
وأمّا العكس وهو ما إذا كان الإمام قاضياً فلصحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع قال : «كتبت إلى أبي الحسن (عليه السلام) : إنّي أحضر المساجد مع جيرتي وغيرهم فيأمرونني بالصلاة بهم وقد صلّيت قبل أن آتيهم ، وربما صلّى خلفي من يقتدي بصلاتي والمستضعف والجاهل إلى أن قال فكتب (عليه السلام) : صلّ بهم» (4).
فانّ الظاهر كون الصلاة الثانية محسوبة قضاء (5)، لأجل إتيانه بفريضة الوقت قبل ذلك وسقوط الأمر به لا محالة.
(1) قد تكرّر منه (قدس سره) نظير ذلك في المسائل المتقدّمة ، وقد سبق منّا أيضاً في غير واحد من مطاوي هذا الشرح أنّ الأقوى هو جواز البدار حتّى مع احتمال الاستمرار ورجاء الزوال ، استناداً إلى استصحاب بقاء العذر إلى نهاية الوقت بناءً على جريانه في الأُمور الاستقبالية كما هو الصحيح.
1) (*) والأظهر جواز البدار فيما لم يعلم زوال العذر ، وفي وجوب الإعادة بعد الزوال وعدمه تفصيل ، فان كان الخلل في الأركان وجبت الإعادة ، وإلّا فلا.
2) الفقيه 1 : 265 / 1213.
3) الفقيه 4 (المشيخة) : 5.
4) الوسائل 8 : 401 / أبواب صلاة الجماعة ب 54 ح 5.
5) بل ظاهرها أنّها معادة استحباباً كما سيجيء التصريح به في المسألة الثالثة من فصل صلاة الجماعة.
[1811] مسألة 35 : يستحبّ تمرين المميّز من الأطفال على قضاء ما فات منه من الصلاة ، كما يستحبّ تمرينه على أدائها ، سواء الفرائض والنوافل ، بل يستحبّ تمرينه على كلّ عبادة. والأقوى مشروعيّة عباداته (1).
وحينئذ فان لم ينكشف الخلاف اجتزأ بما أتى به ، وإلّا فحيث كان الأمر الاستصحابي من الحكم الظاهري وهو ممّا لا يجزي عن الأمر الواقعي فإن كان الخلل المنكشف في أحد الأركان أعاد ، وإلّا بنى على الصحّة ، لصحيح «لا تعاد ...» (1).
(1) تقدّم الكلام حول المسألة أيضاً في الأبحاث السابقة من هذا الشرح (2)فلا موجب للإعادة إلّا على سبيل الإشارة فنقول :
إنّ الأقوى مشروعية عبادات الصبيّ ، لا لإطلاق أدلّة التكاليف بدعوى شمولها للبالغين وغيرهم وأنّ حديث رفع القلم عن الصبي (3)إنّما يرفع الإلزام فقط فتبقى المشروعية والرجحان ، إذ فيه ما لا يخفى.
بل لما ورد عنهم (عليهم السلام) من أنّه مروا صبيانكم بالصلاة والصيام (4)الشامل بإطلاقه لكلّ من الأداء والقضاء ، والأمر بالأمر بالشيء أمر بذلك الشيء كما حقّق في محلّه (5).
1) الوسائل 1 : 371 / أبواب الوضوء ب 3 ح 8.
2) شرح العروة 3 : 142 ، 8 : 239.
3) الوسائل 1 : 45 / أبواب مقدمة العبادات ب 4 ح 11 ، 29 : 90 / أبواب القصاص في النفس ب 36 ح 2 وغيرهما.
4) الوسائل 4 : 19 / أبواب أعداد الفرائض ب 3 ح 5 ، 7 ، 10 : 234 / أبواب من يصح منه الصوم ب 29 ح 3.
5) محاضرات في أُصول الفقه 4 : 74.
[1812] مسألة 36 : يجب على الوليّ (1) منع الأطفال عن كلّ ما فيه ضرر عليهم (1)أو على غيرهم من الناس ، وعن كلّ ما علم من الشرع إرادة عدم وجوده في الخارج لما فيه من الفساد كالزنا واللواط والغيبة ، بل والغناء على الظاهر (2)، وكذا عن أكل الأعيان النجسة وشربها ممّا فيه ضرر عليهم ، وأمّا المتنجّسة فلا يجب منعهم عنها ، بل حرمة مناولتها لهم غير معلومة (3). وأمّا لبس الحرير والذهب ونحوهما ممّا يحرم على البالغين فالأقوى عدم وجوب منع المميّزين منها فضلاً عن غيرهم ، بل لا بأس بإلباسهم إيّاها ، وإن كان الأولى تركه ، بل منعهم عن لبسها.
(1) قد مرّ الكلام حول المسألة مفصلاً في كتاب الطهارة (4)وملخّص ما قلناه هناك : أن المحرّمات الشرعية تنقسم إلى قسمين : فمنها ما يستفاد من دليله أنّ الشارع أراد سدّ باب وجوده رأساً ، بحيث لا يرضى بتحقّقه في الخارج بأيّ نحو كان ، من دون دخل لمباشرة خصوص المكلّف في ذلك ، فهو إنّما يريد خلوّ صفحة الوجود عن العمل المذكور.
وهذا كالقتل والزنا واللواط وشرب الخمر ونحوها ، فانّ قتل النفس المحرّمة مثلاً ممّا لا يكاد يرضى الشارع بتحقّقه ولو من غير البالغ ، بل غير العاقل أيضاً كالحيوان ، فاذا شاهدنا حيواناً يحاول افتراس مؤمن أو قتله وجب علينا الصدّ عن ذلك ، فضلاً عن الصبيّ. وعليه فيجب على الوليّ في مثل ذلك منع الطفل
.................................................................................................
عنه ومنه أكل ما فيه الضرر كالسمّ ونحوه ممّا منع الشارع عنه.
ومنها : ما يستفاد من دليله المنع من صدوره من المكلّفين بالمباشرة كأكل الأعيان النجسة والمتنجّسة وشربها ، فلا مانع في مثل ذلك من مناولتها لغير البالغ ، وكذلك الحال في لبس الحرير والذهب ونحوهما ، حيث إنّه لا يوجب منع الأطفال مطلقاً أو خصوص المميّزين عن مثل ذلك ، بل يجوز للولي إلباسهم أيضاً.
ومن هذا القبيل الغناء ، حيث إنّه لم يظهر من دليل حرمته المنع عن وجوده مطلقاً ، فلا يجب منع المميّز أو المجنون من سماعه. وكذلك أكل ما لم يذكّ من اللحوم مع القطع بعدم الضرر فيه ، حيث إنّه ليس من المحتمل أن يكون للتذكية بالذبح إلى القبلة أو التسمية حاله ونحو ذلك تأثير ودخل في الضرر وجوداً وعدماً.
والمتحصّل : أنّ المتّبع في كلّ مورد إنّما هو ملاحظة دليل الحكم في ذلك المورد ، ليظهر بذلك كونه من أيّ القسمين ، فيتّبع فيه ما يقتضيه الحال في كلّ منهما. واللّه سبحانه هو العالم بحقائق الأُمور.
يجوز الاستئجار للصلاة بل ولسائر العبادات عن الأموات إذا فاتت عنهم ، وتفرغ ذمّتهم بفعل الأجير (1) ، وكذا يجوز التبرّع عنهم.
(1) كما هو المشهور ولا سيما بين المتأخّرين ، وعن جماعة المنع. ولا يخفى ابتناء هذا البحث على البحث عن جواز النيابة عن الغير في العبادة وصحّة فعل النائب بحيث يترتّب عليه تفريغ ذمّة المنوب عنه ، إذ بعد البناء على الجواز وصحّة النيابة تطوّعاً أو استنابة لا ينبغي الإشكال في صحة الإجارة ، أخذاً بعموم أدلّة الوفاء بالعقود ، من دون حاجة إلى ورود النص فيه بالخصوص.
فانّ عمل النائب حينئذ شأنه شأن سائر الأعمال المباحة الصالحة للوقوع مورد عقد الإجارة بعد فرض احترام عمل المسلم وجواز تمليك الغير إيّاه بإجارة ونحوها ، لعدم الفرق بينهما من هذه الجهة أصلاً. فكما يصحّ الاستئجار لسائر الأعمال بلا إشكال يصحّ الاستئجار للنيابة في العبادة أيضاً بمناط واحد وهو الاندراج تحت عموم دليل الوفاء بالعقد.
نعم ، يمتاز المقام بشبهة تعرّض لها شيخنا الأنصاري (قدس سره) وهي دعوى المنافاة بين العباديّة والاستئجار لها ، فإنّ العباديّة تقتضي الإتيان بالعمل بداعي التقرّب منه تعالى ، وهو ينافي الإتيان به بداعي أخذ الأُجرة الذي
.................................................................................................
اقتضاه عقد الإجارة (1).
وتندفع بأنّ الأمر الإجاري وإن كان توصّلياً في حدّ ذاته إلّا أنّ مورد العقد حيث لم يكن هو ذات العمل ، بل المركّب منه ومن قصد القربة ، فلا يكاد يحصل الوفاء بالعقد إلّا إذا أتى بالعمل بداع قربي ، لأنّ متعلّق الأمر التوصّلي في خصوص المقام إنّما هو العمل المعنون بكونه عبادة حسب الفرض. فالأمر الإجاري يكون مؤكّداً للعباديّة لا منافياً لها كما لا يخفى.
وعلى الجملة : العمل النيابي بعد فرض صحّة النيابة مورد للأمر الاستحبابي النفسي ، وبعد وقوعه حيّز العقد يتأكّد الأمر المذكور ويتبدّل بالوجوب ، كما هو الحال عند وقوعه مورداً للنذر أو اليمين أو الشرط ضمن العقد. فكما أنّ الأمر الناشئ من قبل هذه العناوين بمناط وجوب الوفاء بالعقد أو النذر أو نحوهما لا ينافي عبادية العمل النيابي بل يؤكّدها فكذلك الأمر الجائي من قبل عقد الإجارة.
وأمّا الداعي على العمل فليس هو أخذ الأُجرة ، كيف وقد استحقّها النائب بمجرّد العقد ، فيمكنه مطالبة المؤجر بذلك ولو لم يتحقّق منه العمل خارجاً بأن يخبره كذباً بوقوع الفعل وتحقّقه منه ، حيث لا يتيسر للمؤجر استعلام حاله صدقاً وكذباً حتّى ولو رآه يقوم بالعمل خارجاً ، فإنّه بعد فرض تقوّم العبادة بالقصد الذي هو أمر نفسي لا سبيل للعلم به لغير علّام الغيوب من الممكن أن لا يكون قاصداً للقربة أو يكون قاصداً وقوع العمل عن نفسه أو عن والده دون الميت.
فليس الداعي على العمل إذن هو الاستيلاء على الأُجرة ، لإمكانه بدون ذلك كما عرفت ، بل الداعي إنّما هو قصد الأمر النفسي المتعلّق بالعبادة بعنوان النيابة متقرّباً منه تعالى.
ولا أقلّ من أن يكون قاصداً للأمر الإجاري الذي لا يسقط في خصوص
1) المكاسب 2 : 128.
.................................................................................................
المقام إلّا بقصد التقرّب بالفعل ، لفرض كون متعلّقه عباديّاً. فلا تنافي بين الأمرين بوجه.
جواز النيابة :
ينبغي البحث في المسألة كما أشرنا إليه آنفاً عن جواز النيابة ومشروعيّتها في حدّ نفسها بحيث يترتّب عليها تفريغ ذمّة المنوب عنه بفعل النائب ، لتبتني على ذلك صحّة الإجارة ، فنقول :
لا شك في أنّ مقتضى القاعدة عدم جواز ذلك ، فإنّ إطلاق الخطاب يقتضي المباشرة في مقام الامتثال وعدم سقوطه بفعل الغير ، لأنّه إنّما يدعو من خوطب به إلى العمل دون غيره الأجنبي عن الخطاب ، فلا يكون عمل زيد مثلاً موجباً لتفريغ ذمّة عمرو عن التكليف المتعلّق به ، كيف وهو أشبه شيء بشرب زيد للدواء ليشفي عمرو من مرضه.
إلّا أنّه قد وردت في المقام روايات خاصة دلّت على الجواز ، وإن كان على خلاف القاعدة. ولا مانع من الالتزام بمثله في الأُمور الاعتبارية ممّا يكون أمرها سعة وضيقاً بيد معتبرها ، فله الاجتزاء بفعل أحد مع تعلّق التكليف بغيره ، وحكمه بتفريغ ذمّة الغير عنه.
وعليه ففي كلّ مورد قام الدليل عليه يؤخذ به ، وإلّا فالمتّبع هو أصالة الإطلاق المقتضي لعدم السقوط بفعل الغير كما عرفت.
وقد قام الدليل على ذلك في النيابة عن الأموات في باب الصلاة والصوم والحج وغيرها من سائر العبادات ، وهي عدّة نصوص كما يلي :
1 - صحيحة معاوية بن عمّار قال «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : أيّ شيء يلحق الرجل بعد موته؟ قال : يلحقه الحج عنه ، والصدقة عنه ، والصوم عنه» (1).
1) الوسائل 2 : 445 / أبواب الاحتضار ب 28 ح 8.
.................................................................................................
2 - صحيحته الأُخرى قال «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : ما يلحق الرجل بعد موته؟ فقال : سنّة سنّها إلى أن قال : والولد الطيّب يدعو لوالديه بعد موتهما ، ويحجّ ويتصدّق ويعتق عنهما ، ويصلّي ويصوم عنهما ، فقلت : أُشركهما في حجّتي؟ قال : نعم» (1).
وفي السند محمد بن إسماعيل المردّد بين الثقة وغيره. إلّا أنّ الذي يروي عنه الكليني (رحمه اللّه) ويروي هو عن الفضل بن شاذان لا يراد به إلّا الثقة.
3 صحيحة عمر بن يزيد قال «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : نصلّي عن الميت؟ فقال : نعم ، حتّى أنّه ليكون في ضيق فيوسع اللّه عليه ذلك الضيق ثمّ يؤتى فيقال له : خفّف عنك هذا الضيق بصلاة فلان أخيك عنك ...» (2).
4 صحيحة علي بن جعفر وقد رواها صاحب الوسائل (رحمه اللّه) بطريق معتبر عن كتابه عن أخيه موسى بن جعفر (عليهما السلام) «قال : سألت أبي جعفر بن محمد (عليهما السلام) عن الرجل هل يصلح له أن يصلّي أو يصوم عن بعض موتاه؟ قال : نعم ، فليصل على ما أحبّ ، ويجعل تلك للميت هو للميت إذا جعل ذلك له» (3).
وقوله (عليه السلام) : «فليصل ...» يمكن أن يكون بتشديد اللّام ويراد به فعل الصلاة ، ويمكن ذلك بالتخفيف من الصلة فيكون أمراً بصلته على ما أحبّ من أنحاء الصلة (4)، سواء أكان ذلك بالصلاة أم بغيرها من العبادات والخيرات.
وكيف ما كان ، فهذه الروايات المعتبرة سنداً يمكن الاستدلال بها للمقام.
وقد روى السيد السند علي بن موسى بن طاوس (قدس سره) في كتابه (غياث سلطان الورى لسكّان الثرى) في هذا الباب روايات كثيرة تشتمل على
.................................................................................................
ما ذكرناه وغيرها ، وهو كثير ، مستقصياً بذلك جميع الأخبار المتعلّقة بالباب.
وقال (قدس سره) في إجازاته : أنّه كتاب لم يكتب مثله ، وقال أيضاً : إنّه اقتصر في الفقه على هذا الكتاب فقط ، تحرّزاً منه عن الفتيا لعظم مسؤوليتها (1). وقد نقلها عنه جماعة من أصحابنا (قدس سرهم) منهم الشهيد في الذكرى (2)والمجلسي في البحار (3)وصاحبا الوسائل والحدائق (4)هذا.
ولكن تلكم الأخبار على كثرتها وجلالة جامعها غير معتبرة ، لضعف أسناد بعضها في حدّ نفسها كالذي يرويه عن علي بن أبي حمزة ، المراد به البطائني لعدم توثيقه. ولتطرّق الخدشة في أسناد جميعها ، نظراً إلى أنّ طريق السيد ابن طاوس (قدس سره) إلى أرباب الكتب والمجامع الحديثية التي يروي عنها غير معلوم لدينا ، حيث إنّه (قدس سره) لم يذكر ذلك ضمن إجازاته ، فلم تعرف الوسائط بينه وبينهم كي ينظر في حالهم من حيث الضعف أو الوثاقة. ومجرّد الاعتبار عنده أو عند من يروي عنه غير كافٍ في الاعتبار عندنا كما لا يخفى.
ولا يبعد أن يكون قد روى ذلك عن كتاب (مدينة العلم) ، فقد ذكر في إجازاته (5)أنّ الكتاب المذكور كان موجوداً عنده حين تصنيفه لكتابة. غير أنّ طريقه إلى ذلك الكتاب أيضاً غير معلوم ، وعليه فتكون الروايات المذكورة بأجمعها ملحقة بالمراسيل حيث لا يمكن الاعتماد عليها.
وكيف ما كان ، ففيما ذكرناه من الأخبار الصحاح غنى وكفاية ، وقد دلّت على جواز النيابة عن الأموات في مطلق العبادات وتفريغ ذممهم عنها ، من دون فرق في ذلك بين الواجبات والمستحبات ، ويترتّب على ذلك صحّة الاستئجار حسبما عرفت.
ولا يجوز الاستئجار ولا التبرّع عن الأحياء في الواجبات (1) وإن كانوا عاجزين عن المباشرة.
(1) لعدم نهوض دليل معتبر على جواز النيابة استئجاراً أو تبرّعاً عن الأحياء في مثل الصلاة ونحوها بعد كونها في نفسها على خلاف القاعدة ، نعم ورد ذلك في بعض الروايات
فمنها : خبر محمّد بن مروان قال «قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : ما يمنع الرجل منكم أن يبرّ والديه حيّين وميّتين يصلّي عنهما ، ويتصدّق عنهما ، ويحجّ عنهما ، ويصوم عنهما ، فيكون الذي صنع لهما وله مثل ذلك ، فيزيده اللّه عزّ وجل ببرّه وصلته خيراً كثيراً» (1).
وهو ضعيف السند من جهة محمّد بن علي ، فانّ الظاهر كونه الصيرفي الكوفي الملقّب بأبي سمينة ، المشهور بالكذب والوضع. وكذا محمّد بن مروان فإنّه مردّد بين الثقة والضعيف ، ولأجل ذلك لا يجدي وقوعه في أسناد كامل الزيارات للترديد المذكور (2).
ومنها : مرسلة أحمد بن فهد في عدة الداعي (3)المتّحدة متناً مع الرواية السابقة إلّا في يسير ، ممّا يوجب الاطمئنان باتّحادهما ، وعليه فيتوجّه على الاستدلال بها مضافاً إلى إرسالها ما عرفت من ضعف السند في الخبر السابق.
1) الوسائل 8 : 276 / أبواب قضاء الصلوات ب 12 ح 1.
2) قد بنى (دام ظله) في المعجم 18 : 53 / 11412 على أنّ المراد بمحمّد بن علي هو غير الصيرفي الملقّب بأبي سمينة ، وهو من رجال الكامل [راجع معجم رجال الحديث 17 : 319 / 11286] كما بنى (دام ظله) أيضاً في 18 : 229 / 11767 على أنّ المراد بمحمّد ابن مروان هو الذهلي الثقة. إذن فتصبح الرواية معتبرة ، إلّا أن يناقش في دلالتها بانصرافها إلى خصوص باب المستحبّات.
3) الوسائل 2 : 444 / أبواب الاحتضار ب 28 ح 5 ، عدّة الداعي : 76.
.................................................................................................
ومنها : رواية علي بن أبي حمزة قال «قلت لأبي إبراهيم (عليه السلام) : أحجّ وأُصلّي وأتصدّق عن الأحياء والأموات من قرابتي وأصحابي؟ قال : نعم ، تصدّق عنه وصلّ عنه ، ولك أجر بصلتك إيّاه» (1).
لكنّها ضعيفة بعلي بن أبي حمزة البطائني ، مضافاً إلى روايتها عن كتاب غياث سلطان الورى لسكّان الثرى ، وقد عرفت آنفاً حال الكتاب المذكور وأنّ رواياته محكومة بالإرسال.
وعلى الجملة : فليس في البين رواية معتبرة يعتمد عليها تدلّ على جواز النيابة عن الأحياء على سبيل العموم بالنسبة إلى الواجبات والمستحبّات ، بعد فرض أنّ الحكم على خلاف القاعدة كما عرفت.
نعم ، قد ثبت ذلك في باب الأُمور الاعتبارية كالوكيل في البيع والإجارة والتزويج والطلاق وغيرها من أبواب العقود والإيقاعات ، وكذا فيما يلحق بالأُمور الاعتبارية كالقبض ، فانّ فعل الوكيل مسند إلى الموكّل إسناداً حقيقياً بمقتضى السيرة العقلائية ، لعدم اعتبار المباشرة في صدق هذه الأُمور وتحقّق عناوينها بوجه الحقيقة بفعل الوكيل كنفس الموكّل.
وأمّا الأُمور التكوينية فلا يكاد يصح الإسناد الحقيقي بمثل ذلك ، فلا يكون أكل زيد أو نومه أكلاً لعمرو أو نوماً له وإن أمر بهما ونواهما عنه. وإذا صحّ الإسناد أحياناً كما في قولهم غلب الأمير أو فتح الأمير البلد أو أنّه انهزم باعتبار غلبة جيشه أو فتحهم أو هزيمتهم ، فهو من باب التوسعة والمجاز.
وعليه ففي مثل الصلاة والصيام ونحوهما من سائر العبادات الواجبة أو المستحبّة التي هي من الأُمور التكوينية لا يكاد يستند الفعل حقيقة إلّا إلى المباشر ، دون غيره من الأحياء وإن نوى المباشر ذلك عنهم. فلا تقبل النيابة بحيث يكون فعل النائب هو فعل المنوب عنه المستتبع ذلك تفريغ ذمّته إلّا فيما قام الدليل عليه بالخصوص ، ولم يقم ذلك في الأحياء إلّا في الحجّ وتوابعه كما
1) الوسائل 8 : 278 / أبواب قضاء الصلوات ب 12 ح 9.
إلّا الحجّ إذا كان مستطيعاً وكان عاجزاً عن المباشرة (1) ، نعم يجوز إتيان المستحبّات وإهداء ثوابها للأحياء كما يجوز ذلك للأموات (2). ويجوز النيابة عن الأحياء في بعض المستحبّات (3).
سنشير إليه.
(1) فقد دلّت النصوص الخاصة على جواز النيابة عن الحيّ في الحجّ الواجب ، وفي بعض أجزائه كالطواف ونحوه لدى عجز الحيّ المنوب عنه عن المباشرة ، وسيجيء الكلام في ذلك في محلّه إن شاء اللّه تعالى (1).
(2) لا ينبغي الإشكال في جواز ذلك في الأحياء فضلاً عن الأموات من دون حاجة إلى النصّ الدالّ عليه بالخصوص ، لعدم كون ذلك من مصاديق الهبة التمليكيّة المصطلحة حتّى تتوقّف صحّة التمليك في مثل المقام على قيام دليل يدلّ عليها بالخصوص ، لوضوح كون الثواب المترتّب على الأعمال من باب التفضّل دون الاستحقاق ، فلا يملك العبد على مولاه شيئاً كي يملّك الغير ذلك.
فمرجع الإهداء إلى الدعاء والطلب من الربّ عزّ وجل إعطاء الثواب المتفضّل به لو شاء ذلك لشخص معيّن حياً كان أو ميتاً بدلاً منه ، وهو تعالى إن شاء استجاب له دعاءه وإلّا فلا ، كما هو الحال في سائر الدعوات. ومعلوم أنّ الدعاء أمر سائغ ومشروع في المقام وغيره. فلا يحتاج الإهداء الذي هو من مصاديق الدعاء حقيقة إلى قيام دليل خاصّ يدلّ عليه.
(3) لعلّ مراده (قدس سره) من بعض المستحبّات الزيارة ، كما دلّ على ذلك ما رواه في كامل الزيارات عن هشام بن سالم في حديث طويل يتضمّن فضل زيارة الحسين (عليه السلام) وتجهيز من ينوب عنه في ذلك (2).
ومورد الرواية وإن كان هو الاستنابة لزيارة الحسين (عليه السلام) إلّا أنّه بالقطع بعدم الفرق بينه وبين سائر المعصومين (عليهم السلام) يحكم بالتعميم في
[1813] مسألة 1 : لا يكفي في تفريغ ذمّة الميّت إتيان العمل وإهداء ثوابه (1) بل لا بدّ إما من النيابة عنه بجعل نفسه نازلاً منزلته ، أو بقصد إتيان (1)ما عليه له ولو لم ينزّل نفسه منزلته (2) ، نظير أداء دين الغير. فالمتبرع بتفريغ ذمّة الميّت له أن ينزّل نفسه منزلته ، وله أن يتبرع بأداء دينه من غير تنزيل ، بل الأجير أيضاً يتصوّر فيه الوجهان ، فلا يلزم أن يجعل نفسه نائباً ، بل يكفي أن يقصد إتيان ما على الميت وأداء دينه الذي لله.
الجميع.
ويؤكّد ذلك ما ورد في زيارة النبيّ (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) من التسليم عليه نيابة عن جميع الأقرباء ثمّ إخبارهم بتبليغه السلام عليه عنهم (2)مع صدقه في ذلك. وهي وإن كانت ضعيفة السند إلّا أنّها تصلح للتأييد بها.
بل يمكن القول بأنّ الحكم في خصوص باب الزيارة على طبق القاعدة من دون حاجة إلى ورود النصّ عليه ، لقيام السيرة العقلائية على ذلك فضلاً عن سيرة المتشرّعة ، فقد جرت العادة على إيفاد من يمثّلهم في المجاملات والمناسبات عند العجز عن المباشرة ، أو لغير ذلك من الموجبات ، وهو شائع ومتعارف عند أهل العرف.
(1) لوضوح عدم كفاية الإتيان بالعمل عن نفسه في تفريغ ذمّة الميّت وإن أهدي إليه ثوابه ، ما لم يستند العمل إليه ويضاف إلى الميّت نفسه. ومجرّد الإهداء المزبور لا يصحّح الإضافة والاستناد بوجه.
(2) ذكر (قدس سره) في بيان حقيقة النيابة وجهين :
.................................................................................................
أحدهما : تنزيل النائب نفسه منزلة المنوب عنه ، فكأنّه هو هو ، وكأنّ فعله هو فعله.
ثانيهما : إضافة العمل إليه والإتيان به بقصد ما ثبت في ذمّته ، نظير التبرّع بأداء الدين.
أمّا الوجه الأوّل : وهو التنزيل ، فإنّما ينفع ويترتّب عليه الأثر إذا صدر ممّن بيده الجعل والاعتبار ، فإنّه مجرّد ادعاء وفرض أمر على خلاف الواقع ، فلا يملكه إلّا من بيده زمام الأُمور ، وهو الشارع الأقدس ، ولا يكاد يصح ذلك من آحاد المكلّفين الذين هم بمعزل عن مقام التشريع ، والمفروض عدم قيام دليل على التنزيل في خصوص المقام.
ثمّ إنّه على تقدير التسليم بتصدّي الشارع للتنزيل في المقام فلازمه أن يكون الفعل الصادر من النائب بذاته بمثابة الفعل الصادر عن المنوب عنه ، من دون حاجة إلى اعتبار قصد النائب ذلك ، بل حتّى وإن كان المباشر للعمل قد قصد الإتيان بالفعل عن نفسه ، فانّ المفروض هو تنزيل نفسه منزلة المنوب عنه فيكون هو هو وفعله فعله. وهو كما ترى ، لا يظنّ الالتزام به من أحد ، بل هو باطل جزماً.
نعم ، ورد نظيره في من سنّ سنّة حسنة أو سيّئة ، وأنّ له أجرها وأجر من عمل بها أو وزرها ووزر من عمل بها ، فيؤجر الإنسان أو يحمل الوزر بمجرّد صدور الفعل المذكور عن غيره ممّن تبعه وإن لم يقصد التابع عنه. لكن ذلك إنّما يرتبط بمقام الجزاء على العمل والثواب والعقاب ، ولا يرتبط بمرحلة استناد العمل نفسه وحصول تفريغ ذمّة الغير به كما هو محلّ الكلام.
وعلى الجملة : إن أُريد تحقّق التنزيل المذكور من قبل الشارع فلا دليل عليه وإن أُريد تحقّقه من قبل المكلّف نفسه فلا يكاد يترتّب عليه الأثر. فالتنزيل بالمعنى المتقدّم لا محصّل له ، اللّهم إلّا أن يرجع ذلك إلى الوجه الثاني.
وأمّا الوجه الثاني : وهو إضافة الفعل وإسناده إلى المنوب عنه والإتيان به بقصد أدائه عنه وبداعي تفريغ ذمّته ، نظير التبرّع بأداء دين الغير ، فهذا في حدّ
.................................................................................................
نفسه وإن كان على خلاف القاعدة ، بلا فرق في ذلك بين باب الدين وغيره من العبادات والتوصّليات ، فانّ الإسناد إلى الغير بمجرّده لا يصيّر العمل عملاً للغير ، بحيث يترتّب عليه تفريغ ذمّته عنه ، إلّا أنّه لا مانع من الالتزام به إذا ساعد عليه الدليل.
ودعوى كون الحكم في باب الدين على طبق القاعدة ، فإنّ المال الذي يدفعه المتبرّع كدينار مثلاً مصداق حقيقي لما اشتغلت به ذمّة المدين ، فيقع هذا العمل مصداقاً للوفاء بالدين قهراً من دون توقّف في ذلك على قيام دليل شرعي عليه. مدفوعة بأنّ الدينار في مفروض المثال إنّما يكون مصداقاً حقيقة لكلّي الدينار ، لا الكلّي المضاف إلى ذمّة المدين الذي هو متعلّق الدين.
وقد ذكرنا في بحث المكاسب (1)أنّ الكلّي بما هو كلّي لا مالية له ، ولا يكاد يملكه أحد ، وإنّما المالية الاعتبارية من العقلاء ثابتة للكلّي عند إضافته إلى ذمّة من تعتبر ذمّته عندهم ، وبهذا الاعتبار صحّ بيعه وشراؤه ، وصحّ بذل الأموال بإزائه ، ووقع متعلّقا لحقّ الدائن وغير ذلك من آثار الملك. وأما مع الغض عن هذه الإضافة فهو كسراب بقيعة ، لا يكاد يبذل بإزائه شيء من المال بتاتاً.
وعلى الجملة : فالدينار في المثال وإن كان مصداقاً للكلّي بما هو كلّي ويكون انطباقه على المدفوع قهريّاً ، لكن هذا الكلّي ليس ممّا تعلّق به الحقّ كي يتّصف الفعل بكونه وفاء للدين ، وإنّما الذي يستحقّه الدائن هو الكلّي المضاف إلى ذمّة المدين ، وهو الذي اشتغلت ذمّته به بواسطة الدين.
ومن الواضح أنّ الدينار المدفوع لا يكون مصداقاً لهذا الكلّي ولو كان قصد الدافع هو الوفاء بما اشتغلت به ذمّة المدين ، لعدم تأثير القصد المذكور في صيرورة المال المدفوع مصداقاً للكلّي بالعنوان المزبور كما لا يخفى.
وكيف ما كان ، فلا ينبغي الإشكال في كون الحكم بتفريغ الذمّة بذلك على خلاف القاعدة كما ذكرناه ، إلّا أنّه بعد قيام الدليل عليه شرعاً ينبغي رفع اليد
1) مصباح الفقاهة 2 : 16.
[1814] مسألة 2 : يعتبر في صحّة عمل الأجير والمتبرّع قصد القربة ، وتحقّقه في المتبرّع لا إشكال فيه ، وأمّا بالنسبة إلى الأجير الذي من نيّته أخذ العوض فربما يستشكل فيه ، بل ربما يقال من هذه الجهة : إنّه لا يعتبر فيه قصد القربة بل يكفي الإتيان بصورة العمل عنه.
لكنّ التحقيق : أنّ أخذ الأُجرة داعٍ (1)لداعي القربة ، كما في صلاة الحاجة وصلاة الاستسقاء ، حيث إنّ الحاجة ونزول المطر داعيان إلى الصلاة مع القربة. ويمكن أن يقال : إنّما يقصد القربة من جهة الوجوب عليه من باب الإجارة. ودعوى أنّ الأمر الإجاري ليس عباديا بل هو توصّلي ، مدفوعة بأنّه تابع للعمل المستأجر عليه ، فهو مشترك بين التوصّلية والتعبّدية (1).
عمّا تقتضيه القاعدة.
والدليل على ذلك في باب الدين إنّما هي السيرة العقلائية ، فقد جرت السيرة على الحكم بالوفاء وتفريغ ذمّة المدين بدفع المتبرّع المال بدلاً عنه. مضافاً إلى النصوص الخاصّة الدالّة عليه المذكورة في محلّها (2).
وأمّا في باب الأعمال من العبادات وغيرها فيدلّ على ذلك الروايات الخاصّة المتقدّم ذكرها (3)الدالّة على صحّة النيابة عن الأموات مطلقاً ، وعن الأحياء في موارد خاصّة على التفصيل المتقدّم ، ولأجل ذلك ينبغي الحكم بتفريغ ذمّة المنوب عنه بفعل النائب ، سواء أكان قد أتى به تبرعاً لأجل حبّه للمنوب عنه أم أتى به وفاءً لعقد الإجارة أو الجعالة أم لغير ذلك من الدواعي.
(1) لا إشكال في صحّة النيابة في باب التوصّليات ، وأمّا العبادات ولا سيما في فرض الإجارة أو الجعالة فربما يستشكل ذلك من وجهين :
.................................................................................................
أحدهما : الإشكال في تمشّي قصد القربة من النائب ، فإنّ العمل العبادي موقوف عليه لا محالة ، وهو موقوف على ثبوت الأمر بالعبادة ، والمفروض أنّه لا أمر بها بالنسبة إلى النائب ، إذ قد لا تكون ذمّته مشغولة بفائتة أصلاً ، أو يكون ما اشتغلت به ذمّته مخالفاً لما ثبت في ذمّة المنوب عنه كما إذا استنيب في الصلاة قصراً مع فرض اشتغال ذمّة النائب بالفائتة تماماً.
وأمّا الأمر المتوجّه إلى المنوب عنه فهو لا يكاد يدعو إلّا من خوطب به وتوجّه إليه وهو المنوب عنه نفسه ، فكيف يقصده النائب الأجنبي عنه ليتقرّب به ، فلا يكاد يتمشّى من النائب قصد القربة المعتبر في باب العبادة ، ولا سيما في موارد الإجارة أو الجعالة حيث كان الداعي والباعث الحقيقي للنائب على العمل إنّما هو أخذ العوض غالباً ، وإن أمكن فرض غيره من الدواعي الفرعيّة كالإحسان إلى الميت أو حبّه له ونحو ذلك أحياناً ، إلّا أنّها اتفاقيّة لا دائمية ، وإنّما الغالب هو أن يكون الداعي أخذ الجعل أو الأُجرة المنافي ذلك لقصد التقرّب بالعمل.
ثانيهما : أنّه كيف يتقرّب المنوب عنه كالميّت بهذا العمل ويثاب على شيء لم يفعله ولا سيما إذا لم يتسبّب هو إليه بوصيّة ونحوها ، مع أنّ التقرّب والثواب من آثار الطاعة المفروض انقطاعها بالموت؟ وأنّه كيف تفرغ ذمّة الميت عمّا اشتغلت به بعمل صادر من غيره ، وأن ليس للإنسان إلّا ما سعى؟
والجواب عن الوجه الأوّل قد ظهر ممّا مرّ ، وملخصه : أنّ النيابة في حدّ نفسها إنّما وقعت متعلّقاً للأمر الاستحبابي النفسي كما هو مقتضى النصوص المتقدّم ذكرها (1). ولا ينبغي الشك في كون الأمر المذكور عباديّاً فيما إذا كان مورد النيابة من العبادات كالصلاة والصيام ونحوهما ، كما أنّه لا بدّ من قصد التقرّب بالأمر المذكور في سقوطه ، وإلّا لم تتحقّق العبادة وبالتالي لم تتحقّق النيابة المأمور بها حسب الفرض.
1) في ص 198 وما بعدها.
.................................................................................................
فعباديّة العمل النيابي تستدعي تعبّدية الأمر المتعلّق به بعنوان النيابة لا محالة ، فلا مناص للنائب من قصد التقرّب بهذا الأمر لكي يتّصف متعلّقه بصفة العبادة التي هي مورد النيابة ، فإنّه بدونه لم تصدر منه العبادة التي تصدّى للنيابة فيها كما هو أوضح من أن يخفى.
فما في بعض الكلمات من أنّ الأمر النيابي توصّلي لا تعبدي فلا يلزم على النائب قصد التقرّب به كلام لا أساس له ، وكيف لا يكون عباديا بعد فرض تعلّقه بما هو عبادة ، ضرورة أنّ مورد النيابة ليس هو ذات الصلاة كيف ما اتفقت ، وإنّما هي على النحو الذي اشتغلت به ذمّة المنوب عنه.
ولا شكّ في اتّصاف ذمّة المنوب عنه بالصلاة المتّصفة بكونها عبادة المتقوّمة بقصد القربة ، فلو لم يقصدها النائب كذلك لم يكن آتياً بما اشتغلت الذمّة به ، ولا كان ممتثلاً للأمر النيابي ، فالصادر عن النائب بما هو نائب إنّما هي الصلاة المقترنة بقصد القربة قطعاً.
ثمّ إنّ الداعي إلى هذا المجموع المركّب من الصلاة وقصد القربة تارة يكون هو استحبابها الذاتي ، نظراً إلى كونه إحساناً إلى الميت وصلة له ، أو لأجل حبّه له وشفقته عليه كالأب بالنسبة إلى الولد أو العكس ، فيتبرّع بالنيابة عنه.
وأُخرى يكون الداعي إليه هو الوفاء بعقد الإجارة كما في الأجير ، حتّى لا يكون أخذ الأُجرة أكلاً للمال بالباطل ، فإنّه وإن كان قد ملكها أي الأُجرة بنفس العقد إلّا أنّ استحقاقه للمطالبة بها على الوجه الشرعي يتوقّف على تسليم العمل المستأجر عليه ، فينتهي ذلك بالأخرة إلى الخوف من اللّه تعالى.
ولذا لو لم يكن مبالياً بأمر الدين لأمكنه المطالبة بالأُجرة ولو باخباره كذباً بإتيانه بالعمل ، حيث لا سبيل للمؤجر إلى الامتناع ، لعدم إمكان الاطّلاع على الحال من غير طريق إخباره حتّى ولو كان قد شاهده يصلّي ، لجواز أن لا يكون قاصداً للقربة أصلاً أو كان قد قصدها عن نفسه لا عن الميت ، فانّ قوام العبادة بالقصد النفسي الذي لا كاشف عنه خارجاً.
فليس الداعي للأجير هو التسلّط على العوض كي ينافي ذلك قصد التقرّب
.................................................................................................
وإنّما الداعي له التسلّط عليه بوجه شرعي ، إذ ما لم يسلّم المعوّض لا يكون له حقّ المطالبة بالعوض ، وكان تصرّفه فيه حراماً. فالداعي بالتالي منتهٍ إلى الخوف من اللّه تعالى ، فيكون الأمر الإجاري مؤكّداً للعبادية لا منافياً لها ومعاضداً لا معارضاً ، كما هو الحال في النذر والشرط ضمن العقد ونحوهما.
ومنه تعرف الحال في الجعالة ، فإنّ العامل وإن كان لا يستحقّ الجعل ، كما أنّه لم يملكه أيضاً إلّا بعد تسليم العمل ، إلّا أنّ الذي يدعوه إلى الإتيان بالعبادة على وجهها مقدّمة لاستلام العوض على الوجه الشرعي إنّما هو الخوف من اللّه تعالى ، حتّى لا يكون تصرّفه فيه من أكل المال بالباطل.
بل قد ذكرنا في بحث المكاسب (1)عند التكلّم في المسألة أنّ هذا مطّرد في كافّة العبادات ، إذ قلّ من يعبده تعالى لكونه أهلاً لها من دون ملاحظة أيّة غاية أُخرى ، إلّا الأوحدي من البشر كمولانا أمير المؤمنين (عليه السلام).
أمّا عامّة الناس فيعبدونه تعالى لدواعٍ أُخرويّة كالخوف من النار أو الطمع في الجنة ، أو دنيويّة كطلب التوسعة في الرزق المترتّبة على صلاة الليل مثلاً ، أو قضاء الحاجة أو الاستسقاء كما في صلاتي الحاجة والاستسقاء ، فانّ الطمع في الأُمور المذكورة يدعو إلى الإتيان بالصلاة بداعٍ قربي ، للعلم بعدم ترتّب الأُمور المذكورة عليها بدون ذلك.
فكما لا يكون مثل ذلك منافياً لعباديّة العمل كذلك الطمع في أخذ العوض في الإجارة أو الجعالة في مفروض الكلام ، لانتهاء ذلك بالأخرة إلى الداعي الإلهي ، وهو الخوف منه تعالى كما عرفت.
وأمّا الإشكال من الجهة الثانية فهو في محلّه ، ولا مدفع عنه بناءً على كون الثواب من باب الاستحقاق ، إذ كيف يعقل أن يعمل شخص ويستحقّ غيره الأجر عليه ويحصل له التقرّب أيضاً بذلك ، لا سيما إذا لم يكن هناك أيّ ارتباط
1) مصباح الفقاهة 1 : 463.
.................................................................................................
بين المثاب وبين العامل حتّى ولو كان ذلك مثل التسبيب بالوصية أو الاستنابة ونحوهما.
لكنّ المبنى باطل جزماً ، فانّ الثواب المترتّب على الأعمال في باب الطاعات والعبادات ليس هو من قبيل العوض والأجر الثابتين في باب المعاملات من العقود والإيقاعات كي يكون المطيع مستحقاً على اللّه ثواب عمله كما يستحقه العامل ، وإنّما هو تفضّل محض ولطف بحت ، فإنّه له الملك وله الأمر ( لا يُسْئَلُ عَمّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ ) (1)فإن شاء تفضّل على عبده المسكين وجعله مشمولاً لعنايته ، وإلّا فلا.
وعليه فلا مانع من تفضّله تعالى على المنوب عنه كالنائب وحصول التقرّب لكليهما. أمّا النائب فلصدور الفعل العبادي منه قاصداً للتقرّب ، وأمّا المنوب عنه فلإضافة النائب العمل إليه وإتيانه من قبله بقصد تفريغ ذمّته ، فانّ هذا المقدار من الإضافة يكفي لكونه أي المنوب عنه مشمولاً للتفضّل وحصول التقرّب من اللّه تعالى كما لا يخفى.
بل ورد في بعض الأخبار : أنّ الكفّار أيضاً ينتفعون بعمل الحي لهم ، وذلك بتخفيف العذاب عنهم (2). ولا محذور في ذلك على مبنى الالتزام بمسلك التفضّل في باب الثواب.
وأمّا الحكم بتفريغ ذمّة الميّت عمّا اشتغلت به ذمّته فهو ممّا يكشف لا محالة عن أنّ اشتغال ذمّته كان من الأوّل مشروطاً بعدم إتيان النائب بالعمل بعد موت المنوب عنه ، فهو في حال الحياة مكلّف بالعمل وتكون ذمّته مشغولة به ولا تبرأ ما لم يأت هو بالعمل ، إلّا أن يأتي به النائب بعد موته.
فتحصّل : أنّ الإشكال في الحكم بالتفريغ مدفوع بالاشتراط ، وأنّ إشكال الثواب مدفوع بالبناء على التفضّل ، وإشكال تنافي القربة مع أخذ العوض
(1815) مسألة 3 : يجب على من عليه واجب من الصلاة أو الصيام أو غيرهما من الواجبات أن يوصي به خصوصاً مثل الزكاة والخمس والمظالم والكفّارات (1)من الواجبات الماليّة (1) ، ويجب على الوصي إخراجها من أصل التركة في الواجبات الماليّة (2)
مدفوع بانتهاء الداعي المذكور بالأخرة إلى الخوف منه تعالى المؤكّد للعبادية كما عرفت كلّ ذلك بما لا مزيد عليه. فاندفع الإشكال في المسألة بحذافيره.
(1) بعد الفراغ عن صحّة النيابة وجواز الاستئجار عليها وتفريغ ذمّة المنوب عنه بعمل النائب كما مرّ كلّ ذلك ، لا ينبغي الإشكال في وجوب التسبيب إليها بالوصية لدى اشتغال الذمّة وعدم التصدّي للتفريغ مباشرة عجزاً أو عصياناً لحكومة العقل بوجوب الخروج عن عهدة التكاليف وتفريغ الذمّة عنها بامتثالها مباشرة في زمان الحياة أو بالتسبيب إلى الإتيان بها بعد الوفاة ، بعد وضوح عدم سقوط ما ثبت في الذمّة بالموت وإن انقطع به التكليف.
إذ لا مانع من اعتبار شيء على الذمّة وبقائه إلى ما بعد الموت ، كما هو الحال في اعتبار الملكيّة للميّت. فوجوب الوصية مطابق للقاعدة من غير حاجة إلى ورود نصّ يدلّ عليه.
ولا فرق في ذلك بين الواجبات الماليّة كالديون والزكوات والأخماس والمظالم والكفّارات ونحوها ، وبين الواجبات البدنيّة كالصوم والصلاة ونحوهما. فتجب الوصيّة في الكلّ بمناط واحد.
(2) من الديون وما يلحق بها ، بلا إشكال فيه كتاباً وسنة ، قال اللّه تعالى
1) (*) في خروج الكفارات عن أصل التركة إشكال بل منر. وكذلك الحج الواجب بالنذر ونحوه.
ومنها الحجّ الواجب (1) ولو بنذر ونحوه.
( مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ ) (1)، حيث قدّم فيها الدين كالوصيّة على الميراث. وقد دلّت النصوص المتظافرة على أنّه يبدأ أوّلاً بتجهيز الميّت فإنّه أولى بماله ، ثمّ الدين ، ثمّ الوصيّة ، ثمّ الميراث (2).
(1) بلا إشكال فيه أيضاً نصاً وفتوى ، سواء أوصى به أم لم يوص ، أُطلق عليه لفظ الدين أم لم يطلق ، كما سيجيء البحث عنه في محلّه إن شاء اللّه تعالى (3).
وأمّا الحجّ الواجب بالنذر ونحوه فهو ملحق بسائر الواجبات في عدم الخروج من الأصل ، نعم قد يظهر من بعض النصوص خروجه منه ، وهي صحيحة مسمع قال «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : كانت لي جارية حبلى فنذرت لله عزّ وجل إن ولدت غلاماً أن أُحِجَّه أو أحجّ عنه ، فقال : إنّ رجلاً نذر لله عزّ وجل في ابن له إن هو أدرك أن يحجّ عنه أو يُحِجَّه ، فمات الأب وأدرك الغلام بعد ، فأتى رسولَ اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) الغلامُ فسأله عن ذلك ، فأمر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) أن يُحَجَّ عنه ممّا ترك أبوه» (4).
ويتوجّه عليه أولاً : أنّ مورد الصحيحة هو نذر الإحجاج ، بأن يحجّ بالغلام أو يبعث من يحجّ عنه إذا كان قوله : «أو أُحجّ عنه» بصيغة باب الإفعال ، أو الجامع بين الإحجاج وبين حجّه بنفسه عنه لو كان من الثلاثي المجرّد ، وعلى
.................................................................................................
التقديرين تكون الرواية أجنبية عن الحجّ الواجب على نفسه بسبب النذر الذي هو محلّ الكلام.
وثانياً : أنّ الرواية معارضة في موردها بصحيحتين دلّتا على الإخراج من الثلث دون الأصل ، وهما :
صحيحة ضريس الكناسي قال : «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل عليه حجّة الإسلام فنذر نذراً في شكر ليحجّنّ به رجلاً ، فمات الذي نذر قبل أن يحجّ حجّة الإسلام ومن قبل أن يفي بنذره الذي نذر ، قال : إن ترك مالاً يحجّ عنه حجّة الإسلام من جميع المال ، وأُخرج من ثلثه ما يحجّ به رجلاً لنذره ، وقد وفى بالنذر ...» (1).
وصحيحة عبد اللّه بن أبي يعفور قال «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : رجل نذر لله إن عافى اللّه ابنه من وجعه ليحجّنّه إلى بيت اللّه الحرام ، فعافى اللّه الابن ومات الأب ، فقال : الحجّة على الأب يؤدّيها عنه بعض ولده ، قلت : هي واجبة على ابنه الذي نذر فيه؟ فقال : هي واجبة على الأب من ثلثه أو يتطوّع ابنه فيحجّ عن أبيه» (2).
وثالثاً : أنّ صحيحة مسمع غير صريحة في الخروج عن الأصل ، بل غايته الإطلاق في قوله (عليه السلام) : «ممّا ترك أبوه» ، فيمكن تقييده بالثلث جمعاً بينها وبين الصحيحتين الصريحتين في ذلك ، فانّ الثلث أيضاً مصداق لما ترك.
ورابعاً : أنّ التصديق بمضمون الصحيحة مشكل جدّاً ، لمخالفته للقواعد المقرّرة ، إذ المفروض هو موت الناذر قبل حصول الشرط المعلّق عليه النذر وهو إدراك الغلام ، المستلزم ذلك انحلال النذر ، فلم يفت منه حال الحياة شيء كي يقضى عنه بعد موته ويقع الكلام في خروجه من الثلث أو الأصل. فعلى تقدير العمل بها لا بدّ وأن يقتصر على موردها ، جموداً في الحكم المخالف
بل وجوب إخراج الصوم والصلاة من الواجبات البدنيّة أيضاً من الأصل لا يخلو عن قوة (1)، لأنّها دين اللّه ، ودين اللّه أحقّ أن يقضى (1).
للقاعدة على مورد النصّ.
(1) وقع الخلاف بينهم في وجوب إخراج المذكورات من الأصل كما اختاره الماتن (قدس سره) وعدمه.
وقد استدلّ للوجوب بأنّها دين ، وكلّ دين لا بدّ وأن يخرج من الأصل. مضافاً إلى رواية الخثعمية الآتية الدالّة على أنّ دين اللّه أحقّ أن يقضى كما أُشير إليه في المتن.
أمّا الصغرى وهو إطلاق الدين على ذلك ففي جملة من النصوص.
منها : ما رواه السيد ابن طاوس (قدس سره) في كتابه غياث سلطان الورى عن حريز عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال «قلت له : رجل عليه دين من صلاة قام يقضيه ، فخاف أن يدركه الصبح ولم يصلّ صلاة ليلته تلك ، قال : يؤخّر القضاء ويصلّي صلاة ليلته تلك» (2).
ويتوجّه عليه : مضافاً إلى قصور السند ، لعدم الاعتداد بروايات هذا الكتاب ، لكونها في حكم المراسيل كما مرّ (3)قصور الدلالة أيضاً ، فإنّ الإطلاق غير وارد في كلام الإمام (عليه السلام) كي يصحّ الاحتجاج به ، وإنّما وقع ذلك في كلام زرارة زعماً منه أنّه بمنزلة الدين أو كونه منه توسّعاً وتجوزاً ولا عبرة بمثله.
ومنها : ما رواه الصدوق (قدس سره) بإسناده عن حماد بن عيسى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في جملة وصايا لقمان لابنه : «يا بنيّ إذا جاء وقت الصلاة
.................................................................................................
فلا تؤخّرها لشيء ، صلّها واسترح منها ، فإنّها دين ...» (1).
ويتوجّه عليه أوّلاً : أنّها ضعيفة السند ، فانّ طريق الصدوق (2)وكذا طريق الكليني (3)والبرقي (4)إلى سليمان بن داود المنقري الواقع في السند ضعيف بالقاسم بن محمّد الأصفهاني ، فإنّه مجهول ولم يوثق ، نعم صحّحه العلامة (قدس سره) (5). لكن الظاهر هو ابتناؤه على مسلكه من أصالة العدالة في كلّ إماميّ لم يرد فيه قدح.
وثانياً : أنّ إطلاق الدين عليه في كلام لقمان لا يثبت المدّعى ، وليس ذلك بحجّة عندنا. ومجرّد حكاية الإمام (عليه السلام) لذلك لا يكشف عن الإمضاء حتّى من هذه الجهة ، نظراً إلى أنّ المقصود هو الاستشهاد بكلامه لإثبات أهميّة الصلاة وحسن المبادرة إليها ، ولا نظر له (عليه السلام) إلى التنزيل المسامحي الوارد في كلامه.
ثم إنّ السيد ابن طاوس (قدس سره) في كتابه المذكور روى الحديث الثاني بعين المتن المزبور (6). فان كان السند هو السند المتقدّم فقد عرفت حاله ، وإن كان غيره فقد سبق أنّ روايات هذا الكتاب بحكم المراسيل وغير صالحة للاعتماد عليها ، وإن كان الأقرب بل المطمأنّ به هو الأوّل. ورواها أيضاً في أمان الأخطار عن محاسن البرقي (7). وقد عرفت ضعفه.
ومنها : ما رواه الصدوق (قدس سره) في معاني الأخبار بإسناده عن محمّد
1) الوسائل 11 : 440 / أبواب آداب السفر إلى الحج وغيره ب 52 ح 1 ، 2 الفقيه 2 : 194 / 884.
2) الفقيه 4 (المشيخة) : 65.
3) الكافي 8 : 348 / 547.
4) كما سيأتي مصدره بعد قليل.
5) الخلاصة : 440 ، الفائدة الثامنة.
6) الوسائل 8 : 282 / أبواب قضاء الصلوات ب 12 ح 26.
7) الوسائل 11 : 440 / أبواب آداب السفر إلى الحج وغيره ب 52 ح 1 ، 2 ، أمان الأخطار : 99 ، المحاسن 2 : 125 / 1348.
.................................................................................................
ابن الحنفيّة في حديث الأذان لمّا اسري بالنبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) إلى السماء : «ثم قال : حيّ على الصلاة ، قال اللّه جلّ جلاله : فرضتها على عبادي وجعلتها لي ديناً ...» (1)بناءً على رواية «ديناً» بفتح الدال ، وإن كان الأولى حينئذ إبدال كلمة «لي» ب- «عليهم» كما لا يخفى.
ويتوجّه عليه : ضعف السند بالإرسال ، فإنّ ابن الحنفيّة لم يكن موجوداً في زمان النبيّ (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) فلا بدّ وأن تكون الرواية مرسلة ، ولم يعلم طريق ابن الحنفية إلى ذلك.
فالمتحصّل : أنّه لم يثبت إطلاق الدين على مثل الصلاة ونحوها من الواجبات البدنية في شيء من الروايات المعتبرة.
وعلى فرض التسليم وثبوت الإطلاق فالكبرى وهي أنّ كلّ ما يطلق عليه الدين يخرج من الأصل ممنوعة ، فإنّ ما يستدلّ به لذلك أحد أمرين :
الأوّل : ما يظهر من المتن من أنّ دَين اللّه أحقّ بالقضاء. وهذه الفقرة مقتطعة من رواية الخثعميّة لما سألت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) فقالت : «إنّ أبي أدرك فريضة الحج شيخاً زمناً لا يستطيع أن يحجّ ، إن حججت عنه أينفعه ذلك؟ فقال لها : أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيتيه أكان ينفعه ذلك؟ قالت : نعم ، قال : فدين اللّه أحقّ بالقضاء» (2).
لكنّ الرواية ضعيفة السند ، فإنّها غير مرويّة من طرقنا. على أنّها قاصرة الدلالة ، إذ ليس مفادها سوى كون دين اللّه أحقّ بالقضاء من سائر الديون اهتماماً بشأن هذا الدين ، وهذا لا يستوجب الخروج من الأصل ، إذ لا دلالة للرواية عليه بوجه.
الثاني : الأدلّة العامّة من الكتاب والسنة الدالّة على أنّ الدين يخرج من
[1816] مسألة 4 : إذا علم أنّ عليه شيئاً من الواجبات المذكورة وجب إخراجها من التركة وإن لم يوص به (1).
الأصل كما مرّ.
ويتوجّه عليه : أنّ تلك الأدلّة خاصّة بالديون المالية بمقتضى مناسبة الحكم والموضوع ، وباعتبار السنخية بين الخارج والمخرج عنه ، فانّ المناسب للإخراج عن تركة الميت قبل التقسيم وما يصحّ استثناؤه من أمواله إنّما هي الديون المالية دون الواجبات البدنية وإن كان قد أُطلق الدين عليها ، إذ لا دليل على أنّ كلّ ما أُطلق عليه لفظ الدين يخرج من الأصل.
فتلخّص من جميع ما مرّ : أنّ الخارج من الأصل إنّما هي الديون فحسب أوصى بها أم لم يوص ، دون سائر الواجبات مثل الصلاة ونحوها ، لمنع صدق الدين عليها أوّلاً ، ومع تسليم الصغرى فالكبرى في حيّز المنع.
بل إنّ الحكم المذكور لا يعمّ مثل النذور والكفّارات ، لعدم كونها من الواجبات المالية وإن احتاجت إلى صرف المال ، فانّ الواجب المالي عبارة عن كون الواجب هو المال ، بحيث تكون الذمّة مشغولة بنفس المال ، كما في مورد الديون.
وأمّا في مورد النذور والكفّارات فالثابت في الذمّة إنّما هو الفعل أعني الإنفاق على الفقراء أو الإعطاء للمنذور له ، غايته أنّ امتثال هذا التكليف يحتاج إلى صرف المال ، كما هو الحال في غالب الواجبات مثل الحج والصوم والوضوء ونحوها. فليس في مواردها سوى التكليف المحض ، دون الحكم الوضعي.
ولو سلّم صدق عنوان الواجب المالي عليها لم يستلزم ذلك وجوب الإخراج من الأصل ، إذ لم يثبت وجوب إخراج كل واجب مالي من الأصل حيث لا دليل على ذلك في غير الدين كما عرفت.
(1) لا شبهة في أنّ كلّ واجب محكوم عليه بالإخراج من أصل التركة
والظاهر أنّ إخباره بكونها عليه يكفي في وجوب الإخراج من التركة (2).
لا يفرق فيه بين صورتي الإيصاء به وعدمه ، فإنّه دين في ذمّته وخروج الدين من الأصل غير موقوف على الوصية.
إلّا أنّ مصداق هذه الكبرى منحصر عندنا في الديون المالية وحجّة الإسلام كما مر آنفاً ، خلافا للماتن حيث عمّم ذلك لجميع الواجبات حتى البدنية كالصلاة والصوم ، وقد عرفت ضعفه.
(2) الحكم في فرض ثبوت اشتغال الذمّة بالعلم أو بطريق علمي ظاهر وأمّا إذا أخبر الميّت بذلك وشكّ في ثبوته لأجل الشك في صدقه فهل يكون إخباره هذا حجّة في حقّ الوارث بحيث يكون ملزماً بالإخراج من الأصل أو لا؟
أمّا في الإخبار عن الدين المالي فلا ينبغي الشك في حجّيته ونفوذه ، فإنّه إقرار بالدين ، وهو بمجرّده كافٍ لإثبات اشتغال الذمّة به. ولذا لو أقرّ بذلك عند المقرّ له وهو الدائن لكان له أن يطالبه بذلك ، ووجب عليه الوفاء به عملاً بإقراره.
وهكذا الحال في الإخبار عن حجّة الإسلام ، حيث إنّه كان مأموراً بأن يبعث أحداً ليحجّ عنه فيما لو كان عاجزاً عن المباشرة بنفسه ، فيكون هذا الإخبار الراجع إلى الإقرار محقّقاً لموضوع الدين أو الحجّ ، المحكوم بالخروج من الأصل.
نعم ، ورد في بعض النصوص أنّه إذا أقرّ بالدين في حال مرضه وكان متّهماً لاحتمال أن يكون ذلك منه احتيالاً لحرمان الورثة من التركة لم ينفذ في الزائد على مقدار الثلث (1). إلّا أنّ هذا بحث آخر أجنبي عن المقام ، وسوف
1) الوسائل 19 : 291 / كتاب الوصايا ب 16 ح 2 وغيره.
[1817] مسألة 5 : إذا أوصى بالصلاة أو الصوم ونحوهما ولم يكن له تركة لا يجب على الوصيّ أو الوارث إخراجه من ماله ولا المباشرة إلّا ما فات منه لعذر (1)من الصلاة والصوم حيث يجب على الوليّ (1) وإن لم يوص بها.
يجيء الكلام حوله في محلّه إن شاء اللّه تعالى (2). فالإقرار في حال الصحّة بالدين ممّا لا إشكال في نفوذه.
وأمّا الإخبار عن غير الديون مثل كونه مشغول الذمّة بقضاء صلوات أو صيام لفترة معينة فلا دليل على حجيّته كي يكون نافذاً على الوارث ، إذ لا يترتّب عليه أثر في حال الحياة ، وإنّما يظهر أثره بعد الموت لو كان صادقاً ، فلم يتحقّق به عنوان الدين في حال الحياة حتّى يجب على الوارث إخراجه من الأصل.
والتمسّك لذلك بما ورد من أنّ «إقرار العقلاء على أنفسهم جائز» فيه :
أوّلاً : أنّ هذه الرواية لم ترد من طرقنا (3)وإن صحّ مضمونها ، وإنّما هي نبويّة حكاها في عوالي اللئالي (4).
وثانياً : أنّ مضمونها غير منطبق على المقام ، فإنّ إقرار العقلاء إنّما يجوز على أنفسهم لا على ورّاثهم. فلا ينفذ ذلك في حقّ الغير.
فالصحيح : أنّ الإخبار بمثل هذه الأُمور لا يكون حجّة ، فلا يجب العمل به.
(1) وهو الولد الأكبر ، فإنّه يجب عليه مباشرته لما فات من والده من الصلاة والصيام ، أوصى بهما أم لا ، كان له مال أم لم يكن ، فانّ هذا حقّ ثابت
1) (*) بل مطلقاً على الأحوط ، بل الأظهر.
2) [لم نعثر عليه].
3) يمكن الاستدلال له بصحيحة محمد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) «... ولا أقبل شهادة الفاسق إلّا على نفسه» الوسائل 27 : 378 / أبواب الشهادات ب 32 ح 4، بعد وضوح التعدّي إلى العادل بالفحوى.
4) المستدرك 16 : 31 / أبواب الإقرار ب 2 ح 1 ، عوالي اللئالي 1 : 223 / 104.
نعم ، الأحوط مباشرة الولد ذكراً كان أو أُنثى (1)مع عدم التركة إذا أوصى بمباشرته لهما وإن لم يكن ممّا يجب على الولي أو أوصى إلى غير الولي ، بشرط أن لا يكون مستلزماً للحرج من جهة كثرته. وأمّا غير الولد ممّن لا يجب عليه إطاعته فلا يجب عليه ، كما لا يجب على الولد أيضاً استئجاره إذا لم يتمكّن من المباشرة أو كان أوصى بالاستئجار عنه لا بمباشرته.
عليه ، وهو من أحكام الوليّ الذي سيجيء البحث عنه إن شاء اللّه تعالى في فصل (قضاء الولي) (2)بخصوصياته ، ومنها البحث عن اختصاص ذلك بما فات عن الوالد لعذر ، أو تعميمه لمطلق الفائت وإن لم يكن لعذر ، وهو أجنبيّ عن فروع الوصيّة المبحوث عنها في المقام.
فالكلام في المسألة إنّما يقع فيما إذا أوصى إلى غير الولد الأكبر كالأجنبي أو إلى الولد الأصغر ، أو إلى الأكبر في غير ما يجب عليه.
أمّا الوصيّة إلى الأجنبي فلا إشكال في عدم نفوذها. وما دلّ من الكتاب والسنة على لزوم العمل بالوصيّة منصرف عن مثلها جزماً ، فإنّ الوصية الملحوظة في موضوع الأدلّة المذكورة كقوله تعالى ( كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ) (3)وقوله تعالى ( مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ ) (4)إنّما هي بالإضافة إلى ما يتركه الميّت ويخلّفه من الأموال وأنّه إذا أوصى بذلك إلى أحد بأن جعل له ولاية التصرّف في ماله وجب عليه العمل على طبق الوصيّة.
والمال الموصى به في الوصية التمليكية ينتقل إلى الموصى له بمجرّد موت الموصي ، لكنّه في الوصية العهدية يكون باقياً على ملك الميّت ، ولا ينتقل عنه
.................................................................................................
إلى ملك الوارث أو غيره ، ولا مانع من قيام الملكيّة بالميّت بعد كونها من الأُمور الاعتبارية ، فليس لأحد التصرّف في ذلك إلّا بإذنه وعلى النحو الذي جعل له ولاية التصرّف فيه ، فيكون عدم جواز تغييره عمّا هو عليه على طبق القاعدة ، لكنّه فيما يرجع إلى أمواله فقط كما عرفت.
وأمّا في غير ذلك كما لو أوصى بأن يقضي عنه زيد جميع صلواته أو يصلّي عليه صلاة الميت أو يطعم أي زيد من ماله الخاص الفقراء كلّ ليلة جمعة ونحو ذلك من الأعمال القائمة بالموصى له فلا دليل على نفوذ مثل هذه الوصيّة بل لا ينبغي الشكّ في عدم وجوب القبول ، فإنّه تصرّف في سلطان الغير بدون حقّ ، فليس له أن يلزم أحداً بعمل لا يرتبط بأمواله ، وهذا من الواضحات. فاذا لم يكن للميّت مال لم تنفذ وصيته بالصلاة والصوم بلا إشكال.
وأمّا الوصية إلى الولد الأكبر في غير ما يجب عليه أو إلى غير الأكبر من سائر أولاده ، والمفروض أنّه لا مال للميّت أصلاً ، فلا ينبغي الإشكال أيضاً في عدم النفوذ فيما إذا كان مورد الوصية من الأُمور المالية كما إذا أوصى ولده بأن يستأجر من ينوب عنه لزيارة الحسين (عليه السلام) كلّ ليلة جمعة ، أو يستأجر من يصلّي عنه أو يصوم أو يحجّ ونحو ذلك ، ضرورة عدم وجوب إطاعة الوالد فيما يرجع إلى المال. فلو أمره بأن يهب أو يتصدّق بماله على أحد لم تجب على الولد إطاعته ، كما لا تجب إطاعته فيما هو أعظم كطلاق زوجته.
إنّما الكلام في نفوذ وصيته في غير الأُمور المالية كما لو أوصى ولده بأن يزور بنفسه الحسين (عليه السلام) ، أو يباشر قضاء ما فات منه من الصلاة والصيام ممّا لم يجب عليه القضاء ، أو يقوم بقضاء ما فات عن جدّه مثلاً ، فهل يجب عليه القبول أو لا؟ احتاط الماتن (قدس سره) في ذلك بالقبول ، نظراً إلى وجوب إطاعة الوالد فيما يرجع إلى الفعل المباشري.
ولكن الظاهر عدم الوجوب ، لعدم الدليل على وجوب الإطاعة بهذا العنوان بل الواجب إنّما هو البرّ في مقابل العقوق بأن يعاشره معاشرة حسنة ويصاحبه
[1818] مسألة 6 : لو أوصى بما يجب عليه من باب الاحتياط وجب إخراجه (1)من الأصل أيضاً (1)
بالمعروف ، قال اللّه تعالى ( وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً ) ... (2)في مقابل المصاحبة بالمنكر ، لا أنّه تجب عليه إطاعتهما على حدّ وجوب إطاعة العبيد لأسيادهم ، لتجب عليه صلاة الليل مثلاً فيما لو أمر بها ، فإنّه لا دليل عليه بوجه.
نعم ، لا ريب في كونه أحوط ، وأحوط منه العمل بكلّ ما أمر حتّى ما يرجع منه إلى الأموال ، بل في استحبابه ، فإنّه إحسان في حقّه وإرضاء له. وقد ورد أنّه إذا أمراك أن تخرج من مالك وأهلك فافعل (3).
وكيف ما كان ، فالظاهر أنّ الوصية غير نافذة مطلقاً ، وأنّه لا يجب العمل بها ، سواء تعلّقت بالأُمور المالية أم بغيرها.
نعم ، ورد أنّه يجب على الولد قبول وصية الوالد (4)، بخلاف الآخرين حيث يمكنهم الردّ. لكنّ ذلك أجنبي عمّا نحن بصدده ، فانّ مورد الحكم المذكور إنّما هو الوصية فيما يرجع إلى أموال الميّت نفسه ، حيث يكون مثل هذه الوصية جائزة في حقّ الآخرين وواجبة في حقّ الولد ، بحيث لا يكون له الامتناع عن قبولها. وأين هذا من الوصية بمال الولد أو فعله المباشري التي هي محلّ الكلام.
فتحصّل : أنّ الأظهر هو عدم نفوذ الوصية بمال الوصي أو بفعله المباشري من دون فرق في ذلك بين الولد وغيره.
(1) فلا فرق في الخروج من الأصل بين الواجبات الثابتة في ذمّة الميّت قطعاً
وأمّا لو أوصى بما يستحبّ عليه من باب الاحتياط وجب العمل به ، لكن يخرج من الثلث (1) ، وكذا لو أوصى بالاستئجار عنه أزيد من عمره فإنّه يجب العمل به والإخراج من الثلث ، لأنه يحتمل أن يكون ذلك من جهة احتماله الخلل في عمل الأجير (2).
وبين ما كان ثبوتها عليه من باب الاحتياط اللزومي.
ولكن الظاهر هو الفرق ، فانّا لو سلّمنا خروج الواجبات من الأصل لكونها ديناً فإنّما يتمّ ذلك فيما ثبت اشتغال ذمّة الميت ، لكي يتحقّق معه عنوان الدين لا في صورة الجهل بالاشتغال ، وإن وجب عليه الاحتياط بحكم العقل من أجل وجود الاحتمال المنجّز ، ضرورة أنّ الاحتياط لا يحقّق عنوان الدين ولا يثبته فلا علم لنا بالوجوب حتّى يثبت بذلك موضوع الدين. فالاحتياط الوجوبي في نظر الميت لا أثر له.
نعم ، لو فرضنا أنّ هذا الاحتياط الوجوبي كان ثابتاً عند الوارث وإن لم يفرض ثبوته عند الميت لاختلافهما في الحكم اجتهاداً أو تقليداً وجب عليه الإخراج من الأصل ، لكفاية احتمال كونه ديناً في ذمّة الميت احتمالاً منجّزاً ، إذ لو لم يخرج وصادف الواقع لعوقب على مخالفته.
وأمّا إذا لم يكن الاحتياط وجوبياً في نظره وإن كان كذلك في نظر الميت فلا يحكم بالخروج من الأصل ، لعدم كون الاحتمال منجّزاً في نظر الوارث على الفرض. وتنجّزه في نظر الميت لا يكاد يحقّق عنوان الدين كما عرفت.
ومنه يظهر الحال في الواجب المالي والحج. وعلى الجملة : الاحتياط اللزومي إنّما يوجب الخروج من الأصل حتّى في الدين المالي وفي الحج فيما إذا كان كذلك بالإضافة إلى الوارث ، دون الميّت بالخصوص.
(1) كما هو ظاهر.
(2) فانّ عمله وإن كان محكوماً بأصالة الصحّة ظاهراً إلّا أنّ وجود الخلل
وأمّا لو علم فراغ ذمّته علماً قطعياً (1) فلا يجب وإن أوصى به ، بل جوازه أيضاً محلّ إشكال (1)(2).
فيه واقعاً أمر محتمل وجداناً ، والاحتياط حسن ، فيكون العمل سائغاً ، فتشمله عمومات الوصية ، كما كان هذا الاحتياط مشروعاً والعمل على طبقه سائغاً في حقّ الميت نفسه حال حياته بأن يقضي جميع صلواته مدى عمرة أو أزيد منه بكثير من باب الاحتياط ، لمجرّد احتمال اشتغال الذمّة الناشئ من احتمال الخلل في عمله.
(1) فهل يجب العمل حينئذ بالوصية؟ ونحوه ما لو أراد أحد قضاء الصلاة عن أحد المعصومين (عليهم السلام) تبرّعاً.
استشكل الماتن (قدس سره) في الجواز فضلاً عن الوجوب ، نظراً إلى أنّ العبادة توقيفية فتحتاج إلى الإذن ، وإنّما قام الدليل على النيابة عن الميّت فيما كانت الذمّة مشغولة قطعاً أو احتمالاً ، وأمّا مع القطع بالعدم كما إذا فرضنا الموت في آخر رمضان السنة الاولى من بلوغه مع فرض استمرار المرض في تمام الشهر كلّه ، فإنّه غير مشغول الذمّة بقضاء الصوم قطعاً ، لاختصاصه بالمتمكّن من القضاء بعد رمضان.
ولذا أجاب الإمام (عليه السلام) عن سؤال القضاء في عين المسألة بقوله : «كيف تقضي عنها شيئاً لم يجعله اللّه عليها» (2). فالمشروعية مشكلة ، بل لم يثبت الجواز فضلاً عن وجوب العمل بالوصية.
(2) قد يستشكل في عبارة المصنف (قدس سره) بأنّ الوجوب وعدمه تابعان للجواز وعدمه ، فاذا جاز وجب وإلّا لم يجب ، فكيف جزم (قدس سره) بعدم الوجوب واستشكل في الجواز ، فإنّه إن كان في المسألة إشكال ففي كليهما
[1819] مسألة 7 : إذا آجر نفسه لصلاة أو صوم أو حجّ فمات قبل الإتيان به فان اشترط المباشرة بطلت الإجارة (1)بالنسبة إلى ما بقي عليه (1) ، وتشتغل ذمّته بمال الإجارة إن قبضه ، فيخرج من تركته.
وإلّا فكذلك ، فما هو الوجه في التفكيك؟
والجواب : أنّ مراده (قدس سره) بالجواز الذي استشكل فيه هو الجواز الواقعي ، أعني مشروعية العمل في حدّ نفسه وبالعنوان الأوّلي ، مع قطع النظر عن عنوان التشريع الطارئ عليه الموجب لحرمته لأجل توقيفية العبادة ، فإنّ العمل وإن كان حراماً بالفعل بملاحظة انطباق عنوان التشريع فلا يجب العمل بالوصية قطعاً ، إلّا أنّ حرمة العمل في نفسه وبحسب الواقع مورد للإشكال ، لعدم قيام دليل عليه ، ولا تنافي بين الأمرين فليتأمّل.
(1) لتعذّر الوفاء بالشرط ، فتبقى ذمّته مشغولة بمال الإجارة بالنسبة إلى الباقي لو قبضه ، فيخرج عن الأصل لو كان له مال ، وإلّا فلا يجب على الورثة كما مرّ (2). هذا هو مختار الماتن (قدس سره).
وربما يورد عليه بعدم الموجب للانفساخ ، بل غاية ما يترتّب على تعذّر الشرط هو التسلّط على الفسخ ، فيثبت للمستأجر خيار تخلّف الشرط كما هو الحال في سائر الشروط حيث لا يترتّب على تخلّفها إلّا الخيار دون البطلان وحينئذ فإن أمضى العقد وجب على الورثة الاستئجار بالنسبة إلى الباقي من صلب المال إن كان له مال كسائر ديونه ، وإلّا فلا ، وإن جاز تفريغ الذمّة من الزكاة أو بالتبرّع على النحو الذي مرّ.
.................................................................................................
وإن فسخ العقد طالب بمال الإجارة كاملاً ، إذ بالفسخ ينحلّ العقد من أوّل الأمر ، فيرجع إلى الورثة بتمام المال ، ويخرج من الأصل ، غايته أنّ المستأجر يلزمه أن يدفع للورثة أُجرة المثل بالمقدار الذي كان الميت قد أتى به من العمل ، كما هو الشأن في كلّ معاملة مفسوخة ، حيث يسترجع العوضان عيناً إن أمكن وإلّا استرجع البدل.
أقول : ليس المقام من موارد تخلّف الشرط الموجب للخيار ، بل من باب تخلّف القيد الموجب لتعذّر المبيع في مورد البيع المستلزم للبطلان ، فانّ الاشتراط يباين التقييد ويغايره ثبوتاً وبحسب اللّب ونفس الأمر ، ولا عبرة في هذا الباب باللفظ كما أشرنا إلى ذلك في بعض المباحث السابقة وبيّناه مستقصى في بحث المكاسب (1).
وتوضيح الكلام : أنّ ما تقع عليه المعاملة كالمبيع أو الثمن قد يكون شخصياً وجزئياً خارجياً كما لو باعه الحنطة المعيّنة على أن تكون من المزرعة الفلانية ، وفي مثله يستحيل التقييد ، أي تقييد المبيع بكونه من تلك المزرعة فإنّ التقييد فرع إمكان الإطلاق ، والموجود الخارجي جزئي حقيقي وفرد معيّن لا إطلاق له كي يصلح للتقييد ، سواء وقع التعبير عنه بالتقييد بأن قال : هذه الحنطة المقيّدة بكذا ... ، أو بلفظ الشرط بأن يقول : بشرط أن تكون ... ، أو على أن تكون ... ، أو بوصف كذا.
فالمبيع حينئذ هو الموجود الخارجي على ما هو عليه ، ولا يعقل تقييده بشيء ، حيث إنّه ليس لهذه العين الشخصية فردان كي يمكن التقييد بأحدهما.
فالذي يتصوّر فيه التقييد إنّما هو الالتزام بالبيع ، دون المبيع نفسه ، لما عرفت من أنّ الإنشاء البيعي إنّما يرد على الموجود الخارجي على ما هو عليه وإنّما يكون التزامه بهذا البيع مشروطاً باتّصاف المبيع بالوصف المعيّن ، ومرجع ذلك إلى اشتراط جعل الخيار على تقدير تخلّف الشرط ، كما هو الحال في باب
1) مصباح الفقاهة 5 : 410 411.
.................................................................................................
اشتراط الأُمور الخارجة عن المبيع كاشتراط الخياطة ، حيث لا يوجب تخلّفها أو تعذّر الوفاء بها إلّا الخيار. فالتقييد في أمثال المقام راجع إلى الاشتراط لا محالة ، ونتيجته جعل الخيار ، من دون فرق بين التعبير عنه بلفظ القيد أو الشرط.
وقد يكون المبيع كلّياً كما لو باعه منّاً من الحنطة مع ذكر الخصوصيات الرافعة للغرر ، واشترط عليه أن تكون من المزرعة الفلانية ، فمرجع هذا الاشتراط إلى تقييد كلّي بحصّة خاصّة من الحنطة ، فالبيع إنّما يرد على هذه الحصّة ، فتكون هي المبيع بخصوصها دون غيرها.
فاذا تخلّف وادّى إلى المشتري غيرها لم يكن ما أداه هو المبيع ، وإنّما يكون أجنبياً عنه ، فان تراضيا على ذلك كان ذلك معاملة جديدة لا وفاء بالبيع الأوّل ، ونتيجة ذلك أنّه لو تعذّر عليه انفسخ العقد ، لكشفه عن عدم سلطنة البائع على المبيع ، فلا مال له كي يبيعه من غيره.
فلو آجر نفسه على أن يحجّ مباشرة عن زيدٍ في هذه السنة فمات في شهر شوال مثلاً انفسخ بذلك عقد الإجارة لا محالة ، لكشف الموت عن عدم كونه مالكاً لحجّ نفسه في هذه السنة حتّى يملّكه لغيره بعقد الإجارة ، فإنّ الإنسان لا يكون مالكاً لأعماله إلّا في حال الحياة ، لا مطلقاً ولو بعد مماته.
وعلى الجملة : ذكر القيد في هذا القسم أي المعاملة على الكلّي لا معنى له سوى تقييد المبيع أو العمل المستأجر عليه ونحوه بحصّة خاصّة ، عبّر عنه بلفظ القيد أو الشرط ، ونتيجته هو الانفساخ عند التعذّر كما عرفت.
والمقام من هذا القسم ، فانّ متعلّق الإجارة إنّما هو العمل في ذمّة الأجير لكن لا على إطلاقه وكلّيته ، بل الحصّة الخاصّة منه وهو الصادر عنه بالمباشرة وبالموت يستكشف أنّه لم يكن مالكاً للمقدار الباقي من العمل وأنّه كان قد ملّك المستأجر ما لم يكن ليملكه ، فكان التمليك بعقد الإجارة في غير محلّه ، ونتيجته انفساخ العقد بالنسبة إلى الباقي بطبيعة الحال.
فهو نظير ما لو آجر داره سنة فانهدمت أثناء السنة ، فكما أنّه يحكم
.................................................................................................
بانفساخ عقد الإجارة بالنسبة إلى المدّة الباقية من الأجل من جهة كشف الانهدام عن عدم كونه مالكاً للمنافع في تلك المدّة حيث لا موضوع لها ، كذلك الحال في المقام بعين المناط ، فانّ التعذّر قد تعلّق بنفس العمل المستأجر عليه فيكون ذلك من قبيل تعذّر المبيع الموجب للخيار. فما ذكره في المتن من الحكم بالبطلان هو الصحيح ، هذا.
ولكن ينبغي تخصيص ذلك بصورة واحدة ، وهي ما إذا مات الأجير قبل انتهاء المدّة التي كان يمكنه إيقاع العمل المستأجر عليه فيها كما لو استأجر لصلاة سنة واحدة ، وكان بإمكانه إيقاع ذلك خلال أربعة أشهر مثلاً ، ولكنّه بعد مضيّ شهرين من زمان العقد والإتيان بنصف العمل مات ، فإنّه يجري فيه ما مرّ من الحكم بالانفساخ بالنسبة إلى الأشهر الستة الباقية ، لكشف الموت عن تعذّر العمل بهذا المقدار ، وعدم كون الأجير مالكاً لمنافع نفسه في هذه المدّة. وكذلك لو استؤجر للحجّ في سنة معيّنة مباشرة فمات في شهر شوال من تلك السنة.
وأمّا إذا كان الوقت واسعاً وأمكنه الإتيان بتمام العمل قبل الموت غير أنّه تسامح وأخّر حتّى عرضه الموت كما لو مات بعد مضيّ أربعة أشهر على زمان الإجارة في المثال الأوّل ، أو أنّه استؤجر للحجّ في خصوص هذه السنة فأخّره إلى القابل ظنا منه بالبقاء فمات بعد أيام الموسم ، فلا موجب للانفساخ في مثل ذلك ، لفرض ثبوت قدرته على تسليم العمل مع فرض سعة الوقت ، فكان مالكاً للعمل بتمامه ، وقد وقعت الإجارة على ما كان يملكه ، فقد ملّك المستأجر ما يملكه وما هو مسلّط عليه ، لا ما لا يملكه كما في الصورة المتقدّمة ، إلّا أنّه باختياره قد تسامح في التسليم فأخّر ولم يسلّم.
وبكلمة اخرى : أنّا إنّما حكمنا بالبطلان في الصورة المتقدّمة لأجل كشف الموت عن عدم ملكية الأجير للعمل المستأجر عليه ، فكان الحكم المذكور لأجل وقوع عقد الإجارة على غير الملك. وهذا بخلاف المقام ، حيث إنّه لا
وإن لم يشترط المباشرة وجب استئجاره من تركته إن كان له تركة (1) ، وإلّا فلا يجب على الورثة ، كما في سائر الديون إذا لم يكن له تركة.
نعم ، يجوز تفريغ ذمّته من باب الزكاة (2) أو نحوها (3) أو تبرّعا (4).
سبيل فيه إلى الكشف المذكور ، إذ الأجير مالك لمنافعه حال الحياة ، والمفروض سعة الوقت لتمام العمل المستأجر عليه ، فقد ورد عقد الإجارة حينئذ على الملك ، فلا مقتضي للحكم بالانفساخ.
والقاعدة تقضي برجوع المستأجر حيث إنّه لم يتسلّم المقدار الباقي من العمل إلى الورثة ومطالبتهم بقيمة العمل الباقي حتّى ولو كانت هناك زيادة في القيمة ، فإنّه مالك لنفس العمل في ذمّة الميّت بعد فرض صحّة الإجارة ، وحيث لا يمكن التسليم فعلاً فلا محالة ينتقل منه إلى البدل وهي القيمة حين الأداء فتخرج قيمة العمل المذكور كسائر الديون الماليّة من أصل التركة إن كانت وإلّا لم يجب ذلك على أحد كما مرّ.
فما ذكره الماتن (قدس سره) من الحكم بالبطلان صحيح ، لكن لا على إطلاقه ، بل على التفصيل الذي عرفت.
(1) لا ينبغي الإشكال في عدم انفساخ العقد حينئذ ، لعدم الموجب له ، بل العمل باق في ذمّته كسائر ديونه ، غايته أنّ الدين هنا إنّما هو نفس العمل وحينئذ فان كان له مال وجب الاستئجار من أصل التركة كما في بقيّة الديون وإلّا لم يجب على الورثة شيء ، لما تقدّم من عدم وجوب تفريغ ذمّة الميّت فيما إذا لم يكن له مال.
(2) كما في سائر الديون ، للنصوص الخاصّة الدالّة على ذلك (1).
(3) كالوقف ونحوه إذا كان مصرفه شاملاً لمثله ومنطبقاً عليه.
(4) كما هو ظاهر.
1) الوسائل 9 : 295 / أبواب المستحقين للزكاة ب 46.
(1820) مسألة 8 : إذا كان عليه الصلاة أو الصوم الاستئجاري ومع ذلك كان عليه فوائت من نفسه ، فان وفت التركة (1)بها فهو ، وإلّا قدّم الاستئجاري لأنّه من قبيل دين الناس (1).
(1) بناء على ما سلكناه من عدم خروج الواجبات من أصل المال لاختصاص ذلك بالدين ، فلا ريب في اختصاص الخارج منه حينئذ بالاستئجاري ، لكونه ديناً في ذمّة الميّت وإن كان من سنخ العمل ، بلا فرق في ذلك بين وفاء التركة بهما وعدمه.
وأمّا على مسلك الماتن (قدس سره) من خروجها أيضاً من الأصل لكونها مصداقاً للدين كسائر الديون فالظاهر هو التقسيط ، وعدم تقديم الاستئجاري.
وتقديم حقّ الناس على حقّ اللّه سبحانه وتعالى عند الدوران وإن كان متيناً كبروياً لكنّه غير منطبق على المقام ، لاختصاصه بباب التزاحم الذي مورده خصوص الأحكام التكليفية ، دون الوضعية كما فيما نحن فيه.
وتوضيح ذلك : أنّ الذمّة إذا اشتغلت بما هو من حقّ اللّه محضاً وبما هو من حقّ الناس كما لو استقرّ عليه الحجّ من السنة الماضية واشتغلت ذمته بالدين أيضاً والمفروض أنّ ماله لا يفي إلّا بأحدهما ، فقد توجّه إليه حينئذ تكليفان أحدهما متعلّق بالحجّ والآخر بأداء الدين ، وبما أنّه لا يتمكّن من الجمع بينهما في مقام الامتثال فلا محالة يقع التزاحم بين التكليفين ، ولا بدّ فيه من الرجوع إلى مرجّحات باب التزاحم التي منها الترجيح بالأهمية قطعاً أو احتمالاً.
ولا ريب في أنّ الدين أهمّ ، إذ أنّه بعد فرض اشتراكه مع الحجّ في أصل الإلزام الإلهي يمتاز بكونه من حقّ الناس ، وهذه المزيّة تستوجب القطع بالأهميّة ، ولا أقل من احتمالها ، فيتقدّم الدين على الحجّ ، ولأجله يحكم بأنّ كلّ ما فيه حقّ الناس يتقدّم على ما هو متمحّض في كونه حقّ اللّه سبحانه وتعالى.
1) (*) مرّ أنّ فوائت نفسه لا تخرج من أصل التركة.
[1821] مسألة 9 : يشترط في الأجير أن يكون عارفاً (1) بأجزاء الصلاة وشرائطها ومنافياتها وأحكام الخلل (1)عن اجتهاد أو تقليد صحيح.
فالكبرى المذكورة وإن كانت تامّة إلّا أنّها تختصّ بالأحكام التكليفية ، ولا تجري في الأحكام الوضعية التي منها المقام ، لعدم تصوّر التزاحم في باب الأحكام الوضعية ، ففي محلّ الكلام لم يتعلّق بالوليّ أو الوصيّ تكليفان لا يمكنه الجمع بينهما في مقام الامتثال حتّى يتحقّق التزاحم ، بل يكون أمر التركة دائراً بين الصرف في الاستئجاري وصرفه في عبادة الميّت الواجبة عليه بالأصالة.
وبكلمة اخرى : أنّ المال لم يعلم حاله وأنّه ما هو مصرفه حسب تعيين الشارع ، ومثل هذا خارج عن باب التزاحم كما لا يخفى. فلا مجال في المقام للترجيح بالأهميّة كي يقتضي ذلك تقديم الاستئجاري ، وإنّما يكون مقتضى القاعدة فيه هو التقسيط جمعاً بين الحقّين. فما ذكره (قدس سره) من تقديم الاستئجاري إنّما يستقيم على مسلكنا لا مطلقاً فلاحظ.
شرائط الأجير :
(1) من الواضح عدم دخل المعرفة في صحّة العمل ، لإمكان صدوره تامّ الأجزاء والشرائط من الجاهل أيضاً كما لو احتاط في الإتيان بالسورة رجاءً مع عدم العلم بجزئيتها. أو أنّه لقوّة حفظه اطمأن من نفسه بعدم ابتلائه بمسائل الشكوك ، أو أنّه تمكّن من قصد القربة مع الشكّ في جزئية شيء مثلاً فصادف الواقع ، فانّ العمل في جميع ذلك محكوم عليه بالصحّة ، لكون وجوب التعلّم طريقياً لا نفسياً كما نبّهنا عليه في مباحث الاجتهاد والتقليد (2).
فالوجه في اعتبار المعرفة إنّما هو عدم إحراز المستأجر فراغ ذمّة المنوب
.................................................................................................
عنه إذا كان الأجير جاهلاً ، لاحتمال فساد عمله المقتضي لوجوب الاستئجار ثانياً تحصيلاً لليقين بالفراغ.
ولا مجال لجريان أصالة الصحّة في المقام ، وذلك لأنّه لم تثبت حجّية الأصل المذكور بدليل لفظي حتّى يستند إلى إطلاقه في موارد الشكّ ، حيث لم يدلّ عليه شيء من النصوص بل المستند في حجيّته هي السيرة والإجماع ، بل الضرورة.
فإنّ من الأُمور الواضحة التي اتفق عليها علماء الإسلام وقامت عليه السيرة القطعية حمل الفعل الصادر من المسلم العارف بالمسائل على الصحّة ، بإلغاء احتمال الفساد الناشئ من احتمال الغفلة أو النسيان أو التعمّد في الإخلال ببعض الأجزاء أو الشرائط ، بلا فرق بين العبادات والمعاملات.
فترى أنّه يقتدى بإمام الجماعة ، ويكتفى بصلاة الغير على الميت ، ويبني الموكّل على صحّة ما صدر من وكيله من بيع أو نكاح أو طلاق إلى غير ذلك ممّا يرجع إلى المعاد أو المعاش ، مع طروء احتمال الفساد في جميع ذلك من جهة الغفلة مثلاً عن النية وهي أمر باطني لا سبيل للعلم بها وغيرها من الأجزاء والشرائط ولكنّهم لا يعبؤون بذلك ، حملاً لفعل المسلم على الصحيح.
بل السيرة قائمة على ذلك حتّى مع الشكّ في معرفة العامل ، حيث إنّه لا يُتصدّى في الحكم بالصحّة لمعرفة حال العامل من حيث علمه بالمسائل وجهله بها. فاذا شاهدوا من يصلّي على الميت وهم لا يعرفونه عالماً بمسائل الصلاة أو جاهلاً بها بنوا على صحّة صلاته ، ولم يبالوا باحتمال الفساد الموجب لعدم سقوط الواجب الكفائي بالعمل المذكور.
وأمّا مع العلم بجهله بها فالسيرة غير جارية حينئذ في الحمل على الصحة بمجرّد احتمال المصادفة الواقعية ، فلا تجري في مثله أصالة الصحّة بالضرورة.
وعلى الجملة : بعد فرض انحصار مستند الأصل المذكور بالدليل اللّبي الذي لا إطلاق له لا بدّ من الاقتصار على المقدار المتيقّن به ، وهو صورة العلم بمعرفته للمسائل وصورة الشكّ في ذلك ، لا مع العلم بجهله بها أيضاً.
(1822) مسألة 10 : الأحوط اشتراط عدالة الأجير (1) وإن كان الأقوى كفاية الاطمئنان بإتيانه على الوجه الصحيح (1)وإن لم يكن عادلا (2).
فما أفاده الماتن (قدس سره) من اشتراط المعرفة في الأجير صحيح ، لكن ينبغي على ضوء ما ذكرناه تبديل العبارة على النحو التالي : يشترط في الأجير أن يكون عارفاً ولو احتمالاً ... ، لما عرفت من أنّ المعتبر عدم العلم بجهله ، لا العلم بمعرفته.
(1) لا دخل للعدالة في صحة العمل ، فانّ التكاليف والأحكام الشرعية تعمّ العادل والفاسق ، ولا اختصاص لها بالأوّل. فالعمل الصادر من كلّ منهما يكون محكوماً بالصحّة إذا كان واجداً للأجزاء والشرائط ولو بمعونة أصالة الصحة كما مرّ.
فاشتراط العدالة في الأجير إنّما هو لعدم حجّية قول الفاسق في إخباره عن الإتيان بالعمل. فلم يحرز فراغ ذمّة المنوب عنه ، فيجب الاستئجار له ثانياً تحصيلاً لليقين بالفراغ ، ولأجل ذلك يكتفى بالعدالة حين الإخبار وإن كان فاسقاً حال العمل أو حين الاستئجار ، دون العكس.
(2) في المقام أمران اختلط أحدهما بالآخر في بعض الكلمات :
أحدهما : أنّه مع حصول الاطمئنان بصدور العمل من الأجير صحيحاً يكتفى به بلا إشكال ، فإنّ الاطمئنان علم عادي وحجّة عقلائية سواء أخبر به الأجير أيضاً أم لا ، فاسقاً كان أم عادلاً ، حيث لا يدور الاعتماد على الاطمئنان مدار الإخبار ، كما لا يختصّ ذلك بالفاسق. فلو استؤجر العادل فمات ولم يخبر ولكن حصل الاطمئنان بإتيانه بالعمل صحيحاً كفى ذلك قطعاً.
ثانيهما : أنّه إذا أخبر الأجير بتحقّق العمل مع عدم حصول الاطمئنان بذلك
1) (*) بل الأقوى كفاية الاطمئنان بأصل الإتيان بالعمل ، وأما صحته فيحكم بها بمقتضى الأصل.
.................................................................................................
فهل تعتبر العدالة في قبول قوله أو لا بل يكتفى بكونه ثقة وإن لم يكن عدلاً؟ الظاهر هو الثاني ، لعدم اختصاص ما دلّ على حجيّة قول الثقة بباب الأحكام بل يعمّ الإخبار عن الموضوعات أيضاً ، ولا سيما في موارد إخبار الشخص عن عمل نفسه كما حقّق ذلك في محلّه (1).
وعلى الجملة : فالاطمئنان بصدور العمل شيء ، والاعتماد على إخبار الثقة شيء آخر.
ومنه تعرف أنّه كان الأولى بالماتن التعبير التالي : وإن كان الأقوى كفاية كونه ثقة. لما قد عرفت من أنّ اعتبار العدالة لأجل التعويل على إخبار الأجير ، لا من جهة دخلها في صحّة العمل. فكان الأنسب بسياق الكلام هو تعميم الأجير المخبر عن العمل للعدل والثقة وإلّا فالاطمئنان بصدور العمل منه صحيحاً غير دائر مدار الإخبار وعدمه ، كما لا يختصّ ذلك بالفاسق كما عرفت.
ثمّ إنّ صاحب الجواهر (قدس سره) (2)أفاد بأنّ الاستقراء وتتبّع الأخبار يشهدان بأنّ كلّ ذي عمل مؤتمن على عمله ، وأنّ قوله فيه حجّة كما يظهر ذلك بملاحظة ما ورد في الجارية المأمورة بتطهير ثوب سيدها ، وكذا إخبار الحجّام بطهارة موضع الحجامة ، وما ورد في القصّابين والجزّارين والقصّارين ونحو ذلك فانّ التدبّر في ذلك بعين الإنصاف ربما يورث القطع بحجّية إخبار كل عامل عن عمله وأنّه مصدّق فيه ، ومن مصاديق هذا الموضوع هو إخبار النائب عن تحقّق الفعل الذي هو مورد الكلام.
ويتوجّه عليه : عدم ثبوت هذه الكليّة بحيث يكون إخبار صاحب العمل بمثابة أخبار ذي اليد عن طهارة ما تحت يده أو نجاسته. وما ذكره من الاستقراء فهو ناقص يختصّ بموارد جزئية معيّنة ، وليس بالاستقراء التام حتّى
(1823) مسألة 11 : في كفاية استئجار غير البالغ ولو بإذن وليّه إشكال ، وإن قلنا بكون عباداته شرعيّة والعلم بإتيانه على الوجه الصحيح ، وإن كان لا يبعد (1). وكذا لو تبرّع عنه مع العلم المذكور (1).
تثبت به الكلّية المدّعاة كما لا يخفى. فلا يمكن الخروج بذلك عن مقتضى القواعد.
وعليه فان كان المخبر وهو الأجير في مفروض الكلام عادلاً أو ثقة كان إخباره عن عمله حجّة ، وإلّا فلا.
(1) استشكل (قدس سره) في كفاية استئجار غير البالغ مع العلم بإتيانه العمل على الوجه الصحيح ، وكذا في تبرّعه ، ثمّ بنى أخيراً على الكفاية بناءً على شرعيّة عباداته ، فإنّه بعد ثبوت الأمر بها في حقّه لا يفرق بين عبادات نفسه وبين ما يأتي به عن غيره.
وقد يقال بالكفاية مطلقاً حتى بناءً على تمرينيّة عباداته وعدم الأمر بها فإنّ النائب إنّما يقصد الأمر المتوجّه إلى المنوب عنه لا إليه نفسه. فعدم مشروعيّة العبادة في حقّ النائب لا يمنع من صحّة نيابته عن غيره ، بل قد لا يمكن توجّه الأمر نحو النائب كما في حجّ غير المستطيع عن المستطيع حجّة الإسلام.
ولكنّ الظاهر هو عدم الكفاية مطلقاً.
أمّا بناءً على التمرينيّة فظاهر ، إذ بعد عدم المشروعية في حقّ الصبيّ وعدم توجّه الأمر نحوه كيف يتّصف العمل المأتي به بالعباديّة الموقوفة على ثبوت الأمر ، فلا يوجب تفريغ ذمّة المنوب عنه.
وقياسه بالحجّ عجيب ، فانّ غير المستطيع وإن لم يتوجّه إليه الأمر لكنّه خصوص الأمر بالحجّ ، لا مطلقاً حتّى مثل الأمر بالنيابة عن الغير في الحجّ. وكم فرق بين الأمرين.
1) (*) فيه إشكال ، بل الأظهر عدم الصحة ، لعدم ثبوت الشرعية في عباداته النيابية ، ومنه يظهر حال تبرّعه.
.................................................................................................
وقد عرفت أنّ المدار في صحّة النيابة تعلّق الأمر بنفس النيابة دون نفس العمل ، وأنّ النائب إنّما يقصد امتثال هذا الأمر المتعلّق به ، وهو المصحّح للنيابية واتّصاف العمل بالعبادية ، دون الأمر المتوجّه إلى المنوب عنه ، حيث تختصّ داعويته بالمنوب عنه المفروض سقوطه بموته ، فلا ربط له بالنائب.
وأمّا بناءً على الشرعيّة كما هو الصحيح فلأنّ مستند هذا القول ليس هو إطلاق الأدلّة الأوّلية ، كيف وهي مختصّة بغير الصبيّ بمقتضى حديث رفع القلم (1). ودعوى أنّ المرفوع خصوص الإلزام فيبقى أصل الخطاب بحاله واضحة الفساد كما لا يخفى. فأدلّة الأحكام برمّتها حتّى مثل الأمر بالنيابة منصرفة عن الصبيّ وخاصّة بالبالغين.
بل المستند هو ما ورد عنهم (عليهم السلام) من أمر الأولياء بأمر الصبيان بالصلاة والصيام (2)بناءً على ما تقرّر في محلّه من أنّ الأمر بالأمر بالشيء أمر بالشيء نفسه (3)، وهذا منصرف إلى ما يأتي به الصبيّ من الصلاة والصيام عن نفسه ، ولا إطلاق له بالإضافة إلى ما ينوب فيهما عن غيره. فلا دليل على ثبوت الأمر بالنسبة إلى عباداته النيابية ، وهو ممّا لا بدّ منه في صحّة النيابة كما عرفت ذلك آنفاً.
وعلى الجملة : أنّ العبادات توقيفية ، يحتاج الحكم بمشروعيتها إلى الأمر ، ولم يثبت ذلك في حقّ الصبيّ إلّا في خصوص عباداته الأصلية دون النيابية. فلا يصح استئجاره كما لا يكتفى بما يأتي به تبرّعاً وإن كان صحيحاً في نفسه ، للشكّ في فراغ ذمّة الميّت بذلك ، ومقتضى إطلاق دليل وجوب التفريغ المتوجّه إلى الوليّ أو الوصيّ عدم الاكتفاء به كما لا يخفى.
ومع الغضّ عن الإطلاق فمقتضى الأصل العملي هو الاشتغال دون البراءة
[1824] مسألة 12 : لا يجوز استئجار ذوي الأعذار (1) خصوصاً من كان صلاته بالإيماء ، أو كان عاجزاً عن القيام ويأتي بالصلاة جالساً ونحوه ، وإن كان ما فات من الميت أيضاً كان كذلك.
للشكّ في تحقّق الفراغ والامتثال بعد العلم بالتكليف.
وقد ذكرنا نظيره في بحث الصلاة على الميّت (1)وقلنا إنّه لا يكتفى بصلاة غير البالغ على الميّت وإن التزمنا بمشروعية عباداته. ولا منافاة بين الأمرين ، فإنّ المشروعية إنّما ثبتت بدليل الأمر بالأمر بالصلاة المنصرف عن مثل هذه الصلاة. فيتمسّك حينئذ بإطلاق الأمر بالصلاة على الميّت المتوجّه إلى البالغين أو بأصالة الاشتغال للشك في سقوط التكليف عنهم بصلاة الصبيّ.
والمتحصّل من جميع ما مرّ : أنّ النائب إنّما يقصد الأمر الاستحبابي العبادي المتوجّه إليه بعنوان النيابة ، وربما يتّصف ذلك بالوجوب بعنوان آخر مثل الإجارة ونحوها ، دون الأمر المتعلّق بالمنوب عنه كما هو ظاهر ، ودون الأمر المتعلّق بذات الفعل بما هو هو ، إذ قد لا يكون الفعل مأموراً به في حقّه أصلاً كما في مثال الحجّ المتقدّم ، وكما لو بلغ الوليّ وهو الولد الأكبر بعد شهر رمضان ومات والده وعليه قضاء شهر رمضان ، فإنّه يجب على الولد حينئذ الصوم عن أبيه مع أنّه لم يكلّف بعدُ بصوم شهر رمضان.
فالعبرة في صحّة النيابة بقصد الأمر المتعلّق بها ، وحيث لم يثبت ذلك في حقّ الصبيّ وإن قلنا بمشروعية عباداته لم يجز استئجاره ، كما لا يكتفى بما أتى به تبرّعا.
(1) فإنّ الفائت عن الميّت هي الصلاة الاختيارية ، فيجب تفريغ ذمّته عمّا اشتغلت به كما اشتغلت ، فلا تجزي الصلاة العذريّة من النائب حتّى ولو كانت هي تكليف الميّت في ظرف الفوت ، كما لو فاتته الصلاة وهو عاجز عن الركوع
1) شرح العروة 9 : 194.
.................................................................................................
أو القيام فكانت وظيفته البدل وهو الإيماء للركوع أو الصلاة جالساً ، فانّ الانتقال إلى البدل كان مختصاً بما إذا أتى بالعمل في ظرفه دون ما إذا لم يتحقّق منه ذلك ، لقصور أدلّة البدليّة عن هذا الفرض. ومن هنا كان الواجب على الميّت نفسه في مقام قضاء ما فاته الإتيان بالصلاة الاختيارية بلا إشكال.
والسرّ في ذلك هو اختلاف التكليف باعتبار حالتي الأداء والفوت ، وأنّه في مقام الأداء يكون المفروض هي الوظيفة الفعليّة من الإتيان بالأجزاء الاختيارية إن أمكن وإلّا فالاضطرارية ، وأمّا مع الفوت ووجوب القضاء فالاعتبار إنّما يكون بما فات من الوظيفة الأوّلية ، أعني الصلاة الاختيارية.
ولا يقدح عدم تعلّق الأمر الفعلي بها في الوقت ، لكفاية التكليف الشأني الاقتضائي في صدق عنوان الفوت كما في النائم والناسي ونحوهما على ما عرفت سابقاً (1).
وعلى الجملة : فحيث إنّ الفائت من الميّت على كلّ تقدير إنّما هي الصلاة الاختيارية ذات الركوع والسجود ... ، كان اللازم في مقام القضاء إمّا بنفسه حال حياته ، أو بالاستئجار عنه بعد موته الإتيان بتلك الصلاة. فلا يجزي استئجار المعذور الذي يومئ للركوع أو السجود.
هذا إذا كان العذر الموجب للانتقال إلى البدل في الأجزاء أو الشرائط ، كما في الأمثلة المتقدمة ممّا كان مركز الاعتبار هو نفس الصلاة كاعتبار الركوع والسجود أو القيام ونحو ذلك ، ففي مثل ذلك كلّه لا يجوز بلا إشكال استئجار العاجز ، للزوم المطابقة مع الفائت في الكيفيّة كما عرفت.
وأمّا العذر الراجع إلى المصلّي نفسه بحيث كان مركز الاعتبار هو المصلّي دون الصلاة فلا يبعد القول في مثل ذلك بكفاية استئجار المعذور ، كما في استئجار العاجز عن الطهارة المائية الآتي بالصلاة مع التيمم ، فانّ المعتبر في الصلاة هي الطهارة الجامعة بين المائية والترابية على ما هو المستفاد من قوله
1) في ص 86.
ولو استأجر القادر فصار عاجزاً وجب عليه التأخير إلى زمان رفع العذر وإن ضاق الوقت انفسخت الإجارة (1)(1).
تعالى ( وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا ) (2).
وأمّا خصوص الوضوء أو الغسل فإنّما يعتبر في المصلّي لدى القدرة على استعمال الماء ، وعند عجزه من ذلك تنتقل وظيفته إلى التيمّم. فالقدرة على الماء أو العجز عنه ممّا لوحظ في ناحية المصلّي كالسفر والحضر ، لا في الصلاة نفسها وإلّا فكلتا الصلاتين واجدتان لشرط الطهارة ، ولا مزيّة لإحداهما على الأُخرى ، وإن كان لا يجوز التعدّي من الماء إلى التراب في فرض التمكّن.
وعليه فالصلاة مع التيمّم الصادرة من الأجير تطابق الصلاة الاختيارية الفائتة عن الميّت في الاشتمال على الشرط وهي الطهارة ، فلا مانع من استئجاره بعد تمكّنه من تفريغ ذمّة المنوب عنه عمّا اشتغلت به من الصلاة بما لها من الأجزاء والشرائط ، وإن كان مصداق الطهور في الأجير مغايراً لما كان ثابتاً في حقّ الميّت ، ولا دليل على قادحيّة المغايرة بهذا المقدار بعد كون التيمّم مصداقاً للطهور حقيقة.
ولعلّ هذا هو السرّ في جواز ائتمام المتوضي أو المغتسل بالمتيمّم مع عدم جواز ذلك عند اختلافهما بحسب وظيفة الركوع أو السجود ، حيث لا يجوز اقتداء المختار بمن يصلّي إيماءً بلا إشكال. والسر فيه : هو ما عرفت من اشتمال كلتا الصلاتين على شرط الطهارة وإن اختلف الإمام والمأموم في مصداقها ، وفي بعض الروايات إشارة إلى ذلك (3).
(1) أمّا وجوب التأخير إلى زمان رفع العذر فظاهر ممّا مرّ ، على إشكال
[1825] مسألة 13 : لو تبرّع العاجز عن القيام مثلاً عن الميّت ففي سقوطه عنه إشكال (1)(1).
[1826] مسألة 14 : لو حصل للأجير سهو أو شكّ يعمل بأحكامه على وفق تقليده أو اجتهاده ، ولا يجب عليه إعادة الصلاة (2).
[1827] مسألة 15 : يجب على الأجير أن يأتي بالصلاة على مقتضى تكليف الميّت اجتهاداً أو تقليداً ، ولا يكفي الإتيان بها على مقتضى تكليف نفسه (2).
تقدّم في القيود المعتبرة في المباشر.
وأمّا الحكم بالانفساخ في ضيق الوقت فهو على إطلاقه غير تامّ ، بل يختصّ ذلك بما إذا لم يمكن إيقاع المستأجر عليه في زمان القدرة والاختيار لعدم سعة الوقت للعمل ، فانّ العجز الطارئ حينئذ يكشف عن عدم ملك الأجير لمنافعه فتنفسخ الإجارة لا محالة ، بخلاف ما إذا كان الوقت واسعاً وكان قد أخّرهُ اختياراً حتّى عجز ، فإنّه لا موجب للحكم بالانفساخ في مثله ، وإنما يرجع إلى الأجير بأجرة المثل ، فيلزمه دفعها وإن فرض الارتفاع في الأُجرة كما عرفت ذلك سابقاً (3)فلاحظ.
(1) بل ينبغي الجزم بالعدم ، كما جزم (قدس سره) بعدم صحة استئجاره في المسألة السابقة ، لوحدة المناط فيهما وهو عدم فراغ ذمّة الميّت عن الفائتة وهي الصلاة الاختيارية بذلك ، من دون فرق بين الأجير والمتبرّع. فالتفكيك بالجزم في أحدهما والاستشكال في الآخر في غير محلّه.
(2) هذه من متفرّعات المسألة التالية ، وهي أنّ العبرة في الصحّة وفي مراعاة
فلو كان يجب عليه تكبير الركوع أو التسبيحات الأربع ثلاثاً أو جلسة الاستراحة اجتهاداً أو تقليداً ، وكان في مذهب الأجير عدم وجوبها يجب عليه الإتيان بها. وأمّا لو انعكس فالأحوط الإتيان بها (1)أيضاً ، لعدم الصحّة عند الأجير على فرض الترك ، ويحتمل الصحّة إذا رضي المستأجر بتركها. ولا ينافي ذلك البطلان في مذهب الأجير إذا كانت المسألة اجتهادية ظنّية ، لعدم العلم بالبطلان ، فيمكن قصد القربة الاحتمالية ، نعم لو علم علماً وجدانياً بالبطلان لم يكف ، لعدم إمكان قصد القربة حينئذ ، ومع ذلك لا يترك الاحتياط (1).
أحكام الصلاة ممّا يرجع إلى السهو والشك وغيرهما هل هي بنظر الأجير أو الميت أو غيرهما ، وليست بمسألة مستقلة ، وسيأتي الكلام عنها مستقصى.
(1) يقع الكلام تارة في المتبرّع ، وأُخرى في الأجير :
إمّا المتبرّع : فلا ريب في كون المدار في تحقّق التبرّع هو الإتيان بصلاة يراها صحيحة وإن لم تكن كذلك بنظر الميت ، إلّا أنّه لا تبرأ بها ذمّة الميّت لو كانت فاسدة بنظره ، فلا يكتفي الوصيّ بها لو أوصى الميّت بالاستئجار عنه ، كما أنّه ليس للوليّ الاكتفاء بها أيضاً حيث لا يراها مفرّغة لذمّة الميّت وإن كانت صحيحة في نظر المتبرّع بها ، إذ لا عبرة بنظر المتبرّع في التفريغ كما لا يخفى.
ولو انعكس الأمر بأن كانت صحيحة بنظر الميّت فاسدة عند المتبرّع فان كان المتبرّع جازماً بالبطلان فلا إشكال في الفساد ، لعدم تمشّي القربة منه حينئذ.
1) (*) بل هو الأقوى إذا كان الإيجار على تفريغ ذمّة الميّت ، وأما إذا كان على نفس العمل فالأظهر صحّته فيما إذا احتملت صحّة العمل واقعاً ، فيجب الإتيان به حينئذ رجاء ، هذا بالإضافة إلى الأجير ، وأمّا الولي فيجب عليه تفريغ ذمّة الميّت بما يراه صحيحاً ولو كان ذلك بالاستئجار ثانياً.
.................................................................................................
وأمّا إذا استند في الحكم بالبطلان إلى اجتهاد أو تقليد مع احتمال الصحّة واقعاً ، فأتى بها مع القربة ولو رجاءً صحّت وحكم حينئذ بفراغ ذمّة الميّت واكتفى الوصيّ بها أيضاً ، بلا حاجة إلى الاستئجار لها ، فانّ المكلّف بالعمل كان هو الميت ، والمفروض صحّته عنده.
وأمّا اكتفاء الوليّ فمشروط بصحّتها عنده ، فإنّه المخاطب بتفريغ ذمّة الميّت وكان اللازم عليه الإتيان بصلاة تكون مصداقاً للتفريغ بنظره ، ولا عبرة حينئذ بنظر الميّت فضلاً عن المتبرّع ، فاذا كان يراها فاسدة وجب عليه الصلاة ثانياً أو الاستئجار لها.
مثلاً إذا فرضنا أنّ رأي الميت اجتهاداً أو تقليداً كان هو الاكتفاء بالتسبيحات الأربع مرّة واحدة فصلّى المتبرّع كذلك ، ولكن الوليّ كان يرى بأحدهما اعتبار الثلاث ، ليس له الاكتفاء بمثل هذه الصلاة ، لأنّه يرى عدم فراغ الذمّة بعد ، والخطاب بالتفريغ كما عرفت متوجّه إليه ، فلا بدّ من تحصيله العلم بالفراغ على حسب اعتقاده ، من دون أن يكون لنظر الميت فضلاً عن المتبرّع أيّ أثر أصلاً ، هذا في المتبرع.
وأمّا الأجير : فقد يكون أجيراً عن المتبرّع ، وأُخرى عن الوصيّ ، وثالثة عن الولي :
1 - الأجير عن المتبرّع : وحكمه حكم المتبرّع ، فاذا كانت صلاته صحيحة بنظره أو المستأجر المتبرّع جاء الكلام المتقدّم فيه حرفاً بحرف.
2 - الأجير عن الوصيّ : ولا ينبغي الشك في أنّ العبرة حينئذ بنظر الميّت فإنّ الوصيّة بنفسها تكون قرينة على ذلك ، حيث إنّ معناها هو أن يؤتى بعمل لو كان الموصي متمكّناً منه لكان قد أتى به ، فيكون الموصى به هو الصحيح عند الموصي ، ولهذه القرينة يجب على الوصيّ أن يستأجر من يراعي نظر الميّت.
نعم ، لا بدّ من صحّة العمل عند الأجير ولو احتمالاً ، إذ مع اعتقاده الفساد
.................................................................................................
لا يتمشّى منه قصد القربة كما مرّ. وعلى الجملة : فالاعتبار بالصحّة في مورد الوصيّة بنظر الموصي ، دون الوصيّ ودون الأجير.
3 الأجير عن الوليّ : ويقع الكلام فيه تارة في وظيفة الأجير ، وأُخرى في وظيفة الوليّ من حيث الاكتفاء بهذا العمل.
أمّا وظيفة الأجير : فقد يفرض كونه أجيراً على مجرّد الصلاة عن الميّت وأُخرى على تفريغ ذمّته.
أمّا إذا كانت الإجارة على النحو الأوّل فلا ريب في استحقاقه الأُجرة إذا أتى بالصلاة الصحيحة بنظره وإن كانت فاسدة بنظر الميّت ، فإنّه إنّما استؤجر للصلاة الصحيحة ، والألفاظ موضوعة للمعاني الواقعية ، فكلّ ما يراه الأجير مصداقاً للصحيح ينطبق عليه العمل المستأجر عليه فيستحقّ الأُجرة بذلك سواء أكان مطابقاً لمذهب الميّت أم لم يكن.
فالعبرة في الوفاء بعقد الإجارة بمراعاة نظره بالإتيان بما يعتقده صحيحاً ، لا نظر الميت. ولا إشكال حينئذ من ناحية الإجارة. وأمّا وظيفة الولي من حيث الاكتفاء بذلك وعدمه فستعرفها.
وإذا كانت الإجارة على النحو الثاني ، بأن كان المستأجر عليه هو عنوان تفريغ الذمّة ، فلا مناص له إذن من الإتيان بعمل يراه مبرئاً لذمّة الميّت ، فان توافق مذهباهما في ذلك فلا كلام ، وإن تخالفا كما لو اعتقد الأجير كفاية التسبيحات الأربع مرّة واحدة وكان الميت يرى اعتبار الثلاث.
فان استند الأجير في اعتقاده إلى الدليل الاجتهادي اجتهاداً أو تقليداً جاز له التعويل على رأيه في الحكم بالتفريغ ، فانّ مفاد الدليل الاجتهادي إنّما هو كون مؤداه هو الحكم الواقعي الثابت في الشريعة على كلّ أحد ومنهم الميت. فيكون من قام عنده مثل ذلك وهو الأجير على الفرض يرى عدم اشتغال ذمّة الميّت بأكثر من التسبيحات الأربع مرّة واحدة ، وأنّها تكون مبرئة لذمّته فلا يكون ملزماً بمراعاة نظر الميّت وهو يرى خطأه في ذلك ، بل يكتفي بالواحدة المحقّقة لعنوان التفريغ.
.................................................................................................
وأمّا إذا كان مستنده في ذلك هو الأصل العملي بأن كان نفي الثلاث عنده بأصالة البراءة عنه ، بناءً منه على جريانها في الأقل والأكثر الارتباطيين ، لا لدليل اجتهادي على النفي ، ولكن الميت كان يذهب إلى الثلاث للدليل الاجتهادي أو للأصل العملي وهو أصالة الاشتغال ، لبنائه على كون المرجع في الأقل والأكثر الارتباطيين هو ذلك ، فمن الواضح حينئذ أنّ الأصل المعتبر عند الأجير ممّا لا يترتب عليه فراغ ذمّة الميّت.
فإنّ غاية ما يترتّب على أصالة البراءة إنّما هو نفي التنجيز عمّن جرت في حقّه وهو الأجير ، لا مطلقاً ، وحيث إنّ الميّت لم يكن يرى ذلك كان التكليف الواقعي متنجّزاً في حقّه ، وعليه فلا قطع بالفراغ إلّا بمراعاة ما هو الصحيح عند الميّت ، فلا تكفي الصحّة بنظر الأجير ، هذا كله في وظيفة الأجير.
وأمّا وظيفة الوليّ : فإن كان يرى صحّة العمل الصادر من الأجير اكتفى به وإن لم يكن صحيحاً عند الميت ، بل ولا عند الأجير أيضاً كما إذا كان الأجير قد أتى به رجاء مع عدم اعتقاده بصحّته ، وإلّا لزمه الإتيان بما يعتقد صحّته أو الاستئجار لذلك.
والوجه فيه : ما عرفت من توجيه الخطاب بالتفريغ إلى الوليّ نفسه ، فإنّه المأمور بالقضاء عن والده ، فتكون العبرة بما يراه مصداقاً للصحيح ومحقّقاً لعنوان التفريغ ، ولا أثر حينئذ لنظر الميّت ولا الأجير.
نعم ، لا يجب عليه قضاء الصلوات التي أتى الميّت بها حال حياته إذا كانت فاقدة لشرط الصحّة بنظر الوليّ بأن كانت فاقدة للسورة ، أو مع الاقتصار على التسبيحات الأربع مرّة واحدة ، وذلك لحديث «لا تعاد الصلاة ...» (1)، وإنّما يختصّ ذلك بما فات الميّت من الصلوات ، حيث يجب عليه قضاؤها على الوجه الصحيح عنده.
وعلى الجملة : يختلف الحال في هذه الموارد حسبما عرفت ، فلا مجال لإطلاق
1) الوسائل 1 : 371 / أبواب الوضوء ب 3 ح 8.
.................................................................................................
القول بأنّ العبرة بنظر الأجير أو الميّت ، إذ قد لا تكون العبرة بهذا ولا بذاك بل بنظر الوليّ فقط كما ذكرناه أخيراً. فاللازم هو التفصيل في المسألة على النحو الذي ذكرناه.
هذا كلّه في فرض العلم باختلاف مذهب الأجير والميّت ، وأمّا مع الشكّ في ذلك كما هو الغالب فلا يجب الفحص ، كما هو المتعارف خارجاً في مقام الاستئجار ، من دون سؤال عن نظر الأجير في الصلاة أو مقدّماتها وكونه مطابقاً لنظر الميّت أو لا ، اعتماداً على أصالة الصحّة بعد فرض كون الأجير ثقة ، فإنّ الأصل مطابقة عمله لما هو الصحيح عند اللّه.
وبما أنّ ذمّة الميّت تكون مشغولة بمثل ذلك أيضاً فيبني لا محالة على المطابقة حملاً لفعل الأجير على الصحّة. فيختصّ محلّ الكلام في المسألة بصورة العلم باختلافهما ، وأمّا مع الجهل به فضلاً عن العلم بالاتفاق فلا كلام أصلاً.
وملخّص ما ذكرناه في المسألة هو : أنّ النائب إمّا أن يكون متبرّعاً ، أو وصيّاً ، أو أجيراً ، أو ولياً.
أمّا المتبرع فلا يعتبر في حقّه سوى الإتيان بالصحيح عنده قطعاً أو ما يكون محتملة رجاءً ، لعدم ثبوت تكليفه بشيء ، فيجوز له الاكتفاء بما يراه صحيحاً ولو رجاءً.
وأمّا الوصيّ فتكليفه العمل على طبق الوصيّة ، وهي ظاهرة في الإتيان بما هو وظيفة الميّت ، فلا عبرة بنظر الوصيّ ، إذ لا شأن له عدا الوساطة في تحقّق العمل على النحو الذي كان الموصي يحقّقه لو كان حياً.
وأمّا الأجير فوظيفته الإتيان بما استؤجر عليه كيف ما كان ، ويعتبر فيه أن لا يكون الأجير جازماً بفساده ، لعدم تمشّي قصد القربة منه حينئذ فيبطل العمل ، فلو كان صحيحاً عنده ولو رجاءً استحقّ الأُجرة ، طابق نظر الوصيّ أو الميّت أم لا ، فإنّ العبرة في صحّة الإجارة بكون العمل قابلاً للإيجار ، فيكفي مجرّد احتمال الصحّة ، إلّا إذا اعتبر في الإجارة كيفيّة خاصة كمراعاة نظر الوصيّ أو الميّت أو نحو ذلك فيجب حينئذ رعايتها عملاً بالشرط.
[1828] مسألة 16 : يجوز استئجار كلّ من الرجل والمرأة للآخر (1). وفي الجهر والإخفات يراعى حال المباشر ، فالرجل يجهر في الجهرية وإن كان نائباً عن المرأة ، والمرأة مخيّرة وإن كانت نائبة عن الرجل.
نعم ، لو كانت الإجارة واقعة على عنوان التفريغ لزم الإتيان بما يكون مبرئاً لذمّة الميّت على التفصيل المتقدّم.
وأمّا الوليّ فحيث يكون مأموراً من قبل اللّه سبحانه بالعمل فلا محالة يلزمه الإتيان بما يعتقد صحته مباشرة أو تسبيباً ، ولا عبرة حينئذ بنظر الميّت ولا الأجير.
(1) هذا منصوص عليه في باب الحجّ (1)، وأمّا غيره من الصلاة والصوم ونحوهما فلم نجد نصّاً صريحاً فيه ، بل مورد أكثر النصوص هو نيابة الرجل عن مثله (2)، إلّا أنّه لا ريب في التعدّي عنه إلى المرأة أيضاً ، لعدم فهم الخصوصية قطعاً ، كما هو الحال في سائر النصوص المتضمّنة للأحكام ، حيث كان السؤال خاصّاً بالرجل كقوله : عن الرجل يحدث في صلاته (3)أو يضحك (4)ونحو ذلك ، ولكن لعدم استظهار بل ولا استشعار الخصوصية يتعدّى منه إلى المرأة بلا إشكال.
على أنّ صحيحة معاوية بن عمار المتقدّمة مطلقة تشمل الرجل والمرأة ، فقد ورد فيها : «والولد الطيب يدعو لوالديه بعد موتهما ويحجّ ويتصدّق ويعتق عنهما ويصلّي ويصوم عنهما ...» (5)، فانّ الولد عامّ يشمل الذكر والأُنثى.
[1829] مسألة 17 : يجوز مع عدم اشتراط الانفراد الإتيان بالصلاة الاستيجارية جماعة (1) إماماً كان الأجير أو مأموماً ، لكن يشكل الاقتداء بمن يصلّي الاستئجاري إلّا إذا علم اشتغال ذمّة من ينوب عنه بتلك الصلاة (2) وذلك لغلبة (1)كون الصلوات الاستيجارية احتياطية.
إذن فلا ينبغي الشكّ في جواز نيابة كلّ من الرجل والمرأة عن الآخر تطوعاً أو استئجاراً ، بل الحكم ممّا تسالم الكلّ عليه.
وعليه فلا بدّ للمصلّي من رعاية حال نفسه من حيث شرائط الصلاة ، دون المنوب عنه ، فالمرأة تستر جميع بدنها ، وتتخيّر بين الجهر والإخفات وإن كان المنوب عنه رجلاً ، كما أنّ الرجل يتعيّن عليه الجهر في الجهرية ، ولا يجوز له لبس الذهب ولا الحرير وإن ناب عن المرأة. فاللازم هو مراعاة المباشر حال نفسه ، فإنّ الشرائط المذكورة عائدة في الحقيقة إلى المصلّي دون الصلاة.
(1) سيأتي في محلّه (2)إن شاء اللّه تعالى صحّة القضاء جماعة إماماً ومأموماً من دون فرق بين القضاء عن نفسه وعن الغير ، وعليه فمع عدم اشتراط الانفراد يجوز الإتيان بالصلاة الاستيجارية جماعة.
(2) إذ يشترط في صحّة الاقتداء بالقاضي عن نفسه أو عن الغير أن يكون القضاء يقينياً ليحرز الأمر به ، فلو كانت صلاة الإمام احتياطية عن نفسه أو عن الغير تبرّعاً أو استئجاراً لم تحرز صحّتها حينئذ ، للشكّ في تعلّق الأمر بها فلعلّها تكون صورة الصلاة دون حقيقتها ، فلا يكفي مثل ذلك لترتيب أحكام الجماعة ، هذا.
[1830] مسألة 18 : يجب على القاضي عن الميت أيضاً مراعاة الترتيب (1)في فوائته مع العلم به ، ومع الجهل يجب اشتراط التكرار المحصّل له ، خصوصاً إذا علم أنّ الميّت كان عالماً بالترتيب (1).
وقد علّل الحكم في المتن بغلبة كون الصلوات الاستيجارية احتياطية.
ولكنّك خبير بأنّ الغلبة وإن كانت مسلّمة ، فإنّ الغالب في باب الاستئجار هو مراعاة الاحتياط في كميّة الصلوات ، إلّا أنّه لا حاجة إلى إثبات كونها احتياطية بالغلبة ، بل مجرّد احتمال كونها احتياطية يكفي في الحكم بالعدم ، لما عرفت من اشتراط الائتمام بإحراز الصحّة في صلاة الإمام ، ومع الشكّ في ثبوت الأمر لا تكون الصحّة محرزة.
وتوهّم الاستناد في صحّتها إلى أصالة الصحّة الجارية في صلاة الإمام ساقط جدّاً ، لما هو المقرّر في محلّه (2)من كون مجرى الأصل المذكور هو الشكّ في انطباق المأمور به على المأتي به خارجاً بعد الفراغ عن ثبوت الأمر ، وأمّا مع الشك في أصل الأمر كما في المقام فلا مجال لإثباته بأصالة الصحّة ، فالأصل المذكور إنّما يتكفّل بإثبات الانطباق ، ولا يتكفّل بإثبات الأمر نفسه.
(1) تعرّض (قدس سره) في هذه المسألة وكذا في المسألة الآتية للترتيب المعتبر في القضاء الذي لا يفرّق فيه بين القضاء عن نفسه والقضاء عن الغير. فيجب على القاضي عن الميّت رعايته أيضاً ، ولأجل ذلك لو كان القاضي اثنين أو أكثر لزم كلا منهما إتمام الدور ، وأن لا يشرع الآخر إلّا بعد ختم الأوّل لا في أثنائه.
[1831] مسألة 19 : إذا استؤجر لفوائت الميّت جماعة يجب أن يعيّن الوقت لكلّ منهم ليحصل الترتيب الواجب ، وأن يعيّن لكلّ منهم أن يبدأ في دوره بالصلاة الفلانية مثل الظهر ، وأن يتمّ اليوم والليلة في دوره ، وأنّه إن لم يتمّ اليوم والليلة بل مضى وقته وهو في الأثناء أن لا يحسب ما أتى به وإلّا لاختلّ الترتيب ، مثلاً إذا صلّى الظهر والعصر فمضى وقته ، أو ترك البقية مع بقاء الوقت ففي اليوم الآخر يبدأ بالظهر ، ولا يحسب ما أتى به من الصلاتين.
[1832] مسألة 20 : لا تفرغ ذمّة الميّت بمجرّد الاستئجار (1) ، بل يتوقّف على الإتيان بالعمل صحيحاً ، فلو علم عدم إتيان الأجير أو أنّه أتى به باطلاً وجب الاستئجار ثانياً ، ويقبل قول الأجير بالإتيان به صحيحاً (2)
إلّا أنّ هذا كلّه مبني على اعتبار الترتيب في القضاء ، وقد عرفت (1)عدم الدليل عليه في غير المترتّبتين بالأصل كالظهرين والعشاءين ، وعليه فلا يجب شيء ممّا ذكره (قدس سره) في المقام وإن كان أحوط.
(1) فإنّ اللازم تفريغ ذمّة الميّت ، وهو لا يتحقّق إلّا بإيقاع الصلاة الصحيحة في الخارج ، والاستئجار مقدّمة له ، لا أنّه بدل عنها كي يكتفى به فلو ترك الأجير الصلاة عصياناً أو لعذر أو أتى بها فاسدة كانت ذمّة الميّت مشغولة بها بعد ، وكذا الحال في الصوم والحجّ وغيرهما.
وعلى الجملة : يحب تفريغ الذمّة بالإتيان بما هو مصداق لما اشتغلت به والاستئجار لا يكون مصداقاً له ليحصل به التفريغ.
(2) إذا كان ثقة وإن لم يكن عدلاً ، لحجيّة خبر الثقة في الموضوعات كالأحكام كما مرّ (2).
بل الظاهر جواز الاكتفاء ما لم يعلم عدمه (1)حملاً لفعله على الصحّة إذا انقضى وقته ، وأمّا إذا مات قبل انقضاء المدّة فيشكل الحال ، والأحوط تجديد استئجار مقدار ما يحتمل بقاؤه من العمل (1).
(1) إذا لم يخبر الأجير بذلك فهل يمكن البناء على الإتيان [به] صحيحاً تمسّكاً بأصالة الصحة؟
فصّل (قدس سره) في ذلك بين ما إذا انقضت المدّة المضروبة للعمل ، وما إذا لم تنقض بعدُ كما إذا استؤجر للنيابة سنة واحدة على أن يأتي بالعمل خلال ثلاثة أشهر فمات النائب أثناء المدّة واحتمل في حقّه البدار والإتيان بتمام العمل ، فاختار في الأوّل البناء على ذلك حملاً لفعل المسلم على الصحيح ، دون الثاني لجواز التأخير في حقّه مع سعة الوقت.
قلت : أصالة الصحّة تأتي بمعنيين :
أحدهما : الحكم بتنزيه المسلم عن الفسق وارتكاب ما هو قبيح وعدم إساءة الظن به ، بدون الالتزام بصدور الفعل الصحيح منه حتّى يترتّب عليه أحكامه الواقعية ، كما إذا تردّد الكلام الصادر منه بين السبّ والسلام ، حيث يبنى حينئذ على عدم صدور الحرام ، لا على تحقّق السلام كي يجب الردّ. ولا شكّ في جريان الأصل بالمعنى المذكور في المقام ، فيبنى على تنزّه الأجير عن ارتكاب القبيح ، وهو عدم الوفاء بعقد الإجارة.
والآخر : الحكم بصحّة العمل وترتيب آثار العمل الصحيح عليه ، وهذا موقوف على إحراز أصل العمل خارجاً وتمحّض الشكّ في صحّته وفساده كما إذا رأينا من يصلّي على الميّت وشككنا في صحّة صلاته ، حيث يبني على الصحّة ولا يعبأ باحتمال بقاء الوجوب الكفائي.
وكذا الحال في سائر تجهيزات الميّت من غسله وكفنه ودفنه ، بل وكذا في
1) (*) فيه إشكال بل منر. نعم لو علم وجود العمل وشك في فساده حمل على الصحة.
[1833] مسألة 21 : لا يجوز للأجير أن يستأجر غيره للعمل (1) إلّا مع إذن المستأجر أو كون الإجارة واقعة على تحصيل العمل أعمّ من المباشرة والتسبيب ، وحينئذ فلا يجوز أن يستأجر بأقلّ من الأُجرة المجعولة له ، إلّا أن يكون آتياً ببعض العمل ولو قليلاً (2)
غير هذا المورد من البيع والنكاح والطلاق وغيرها من الأفعال الصادرة من المسلم ، ومن جملتها فعل الأجير ، فيحمل الجميع على الصحيح ، لكن بعد إحراز أصل العمل. وأمّا مع الشكّ في صدور الفعل كما في المقام فلا مجال لذلك ، حيث لا موضوع للحمل على الصحّة ، فأيّ شيء يحمل عليها؟
وعليه فلا يمكن الحكم بفراغ ذمّة الميّت في محلّ الكلام إلّا بما علم إتيان الأجير به ، من دون فرق بين انقضاء المدّة وعدمه. والتصدّي للتصحيح في الأوّل بقاعدة الحيلولة كما ترى ، لاختصاص دليلها بالموقّتات بالأصالة وبعمل الشخص نفسه. فالتعدّي إلى عمل الغير سيما في الموقّت بالعرض موقوف على دليل مفقود.
(1) فانّ ظاهر الإجارة اعتبار المباشرة ، فلا يكون فعل الغير مصداقاً للعمل المستأجر عليه إلّا إذا رضي به المستأجر الأوّل الراجع ذلك إلى تعويض ما كان يملكه في ذمّة الأجير بفعل الغير ، أو كانت الإجارة واقعة على ذات العمل الأعم من المباشري والتسبيبي.
(2) أو كانت الإجارة الثانية بجنس آخر ، فانّ مقتضى القاعدة وإن كان هو الجواز مطلقاً إلّا أنّ بعض النصوص الواردة في باب الإجارة قد منعت عن مثل ذلك ، فقد ورد في غير واحد من النصوص أنّ «فضل الأجير حرام» (1)، فكأنّه
1) الوسائل 19 : 125 / كتاب الإجارة ب 20 ح 2 5.
[1834] مسألة 22 : إذا تبرّع متبرّع عن الميّت قبل عمل الأجير ففرغت ذمّة الميّت انفسخت الإجارة (1)(1) ، فيرجع المؤجر بالأُجرة أو ببقيتها إن أتى ببعض العمل ،
بحكم الربا.
نعم ، لو أتى الأجير ببعض العمل ولو يسيراً كما لو فصّل الخياط الثوب فاستأجر الغير للخياطة بالأقل ، أو اختلفت الإجارتان في الجنس بأن استؤجر للعمل بالدرهم مثلاً واستأجر غيره بالدينار ، لم يكن به بأس وإن كان الفضل كثيراً ، وذلك للنصّ كما يأتي الكلام حول ذلك مستقصى في بحث الإجارة إن شاء اللّه ، وكأنّه بذلك يخرج عن الشبه بالربا (2).
(1) لعدم قدرة الأجير على التسليم بعد افتراض فراغ ذمّة الميّت بعمل المتبرّع ، وحينئذ فيرجع المستأجر بتمام الأُجرة أو بعضها إذا كان الأجير قد أتى بالبعض.
وهذا على إطلاقه لا يتمّ ، بل الصحيح هو التفصيل في المقام ، فإنّ الإجارة قد تقع على ذات العمل لكن بداعي تفريغ ذمّة الميّت ، وقد تقع على عنوان التفريغ.
أمّا في الأوّل : فلا وجه لانفساخ الإجارة ، لتمكّن الأجير حينئذ من الإتيان بالعمل ، لاحتمال اشتغال ذمّة الميّت بعد التبرّع ، لجواز فساد عمل المتبرّع ولو واقعاً ، فتكون النيابة عن الميّت مشروعة ومحكوماً عليها بالصحّة ، فيكون
1) (*) هذا إذا وقع الإيجار على تفريغ ذمّة الميت ولم يمض زمان يتمكّن الأجير فيه من الإتيان بالعمل ، وإلا لم تنفسخ الإجارة وكانت عليه عندئذ اجرة المثل على تقدير عدم فسخ المستأجر وأما إذ وقع على ذات العمل بداعي التفريغ واحتمل فساد عمل المتبرع واقعاً فلا وجه للانفساخ أصلاً ، حيث إنّ العمل مع هذا الاحتمال مشروع فيجب على الأجير العمل على طبق الإجارة.
2) ولتوضيح المقام لاحظ ما حرّرناه في كتاب الإجارة من مستند العروة : 282.
نعم لو تبرّع متبرّع عن الأجير ملك الأُجرة (1)(1).
الأجير قادراً على التسليم حينئذ ، فما هو الموجب للانفساخ؟ ومن المعلوم أنّ تخلّف الداعي لا يقدح في الصحّة. ففي هذه الصورة وهي الغالبة لا ينبغي الشكّ في عدم الانفساخ.
وأمّا الثاني : أعني به وقوع الإيجار على تفريغ ذمّة الميّت.
فقد يفرض تمكّن الأجير من الإتيان بالعمل قبل التبرّع ولكنّه أخّره باختياره لسعة الوقت فاتفق التبرّع فحصل العجز وتعذّر عليه التسليم بقاءً بعد تمكّنه منه حدوثاً ، وحينئذ فلا مجال أيضاً للانفساخ ، فانّ العجز الطارئ لا يوجبه ، غايته ثبوت الخيار للمستأجر.
فلو أمضى طالبَ الأجيرَ بقيمة ما بقي في ذمّته ، لتعذّر التسليم الموجب للانتقال إلى البدل ، كما هو الحال في البيع ، فلو باع الكلّي وكان قادراً على التسليم فلم يسلّم إلى أن طرأ عليه العجز عنه كان للمشتري خيار تعذّر التسليم ، فيطالبه بقيمة المثل لو أمضى المبيع ، وإلّا رجع بالثمن.
وقد يفرض عجزه عن ذلك حدوثاً وبقاءً كما لو كان مريضاً من الأوّل وبرئ منه بعد حصول التبرّع فلم يكن قادراً على التسليم في شيء من الوقت المحدّد للعمل ، وحينئذ يحكم بانفساخ الإجارة لا محالة ، لكشف العجز عن عدم ملكه المنفعة من الأوّل ، ويرجع المستأجر بنفس الأُجرة.
فالحكم ببطلان العقد يختصّ بهذه الصورة ، ولا يأتي في الصورتين المتقدّمتين. هذا كلّه في التبرّع عن الميّت ، وستعرف بعد هذا حكم التبرّع عن الأجير.
(1) شريطة وقوع الإجارة على ذات العمل الأعمّ من المباشري والتسبيبي فانّ عمل المتبرّع حينئذ مصداق لما في ذمّة الأجير ، فيكون ذلك من قبيل أداء
1) (*) هذا إذا لم تكن الإجارة مقيّدة بالمباشرة.
[1835] مسألة 23 : إذا تبيّن بطلان الإجارة بعد العمل استحقّ الأجير اجرة المثل بعمله ، وكذا إذا فسخت الإجارة من جهة الغبن لأحد الطرفين (1).
دين الغير ، الجائز ببناء العقلاء والنصوص الخاصّة (1). فيستحقّ الأُجرة بعد انطباق ما اشتغلت به الذمّة من الطبيعي على فعل المتبرّع كما هو ظاهر.
وأمّا إذا كانت الإجارة واقعة على العمل المباشري فقط فلا ينفع فعل المتبرّع بالنسبة إلى الأجير ، وإن انتفع الميّت به بفراغ ذمّته ، فتعود الفائدة منه إليه فقط ، وليس للأجير الاكتفاء به.
وفي انفساخ الإجارة حينئذ ما تقدّم في التبرّع عن الميّت ، فيحكم بالانفساخ مع وقوع الإجارة على عنوان التفريغ وعجز الأجير من ذلك حدوثاً وبقاءً ، وبثبوت الخيار مع العجز الطارئ. كما أنّه مع تعلّق الإجارة بالصلاة بداعي التفريغ يحكم بلزوم العقد ، فيجب على الأجير الإتيان بالعمل ثانياً ، لاحتمال الفساد الواقعي في فعل المتبرّع على التفصيل المتقدّم فلاحظ.
(1) إذا انكشف بطلان الإجارة لفقد شرط من شروطها كما إذا كانت المدّة مجهولة ، أو أُكره أحدهما على العقد ، أو انكشف موجب للخيار كالغبن من أحد الطرفين ففسخ صاحبه ، إلى غير ذلك من موجبات الانحلال حدوثاً أو بقاءً فان لم يكن الأجير قد أتى بشيء فلا كلام.
وأمّا إذا كان آتياً بالعمل كلا أو بعضاً استحق من اجرة المثل بمقدار ما عمله وذلك لقاعدة : كلّ ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده. والإجارة من العقود الضمانيّة ، ففاسدها يوجب الضمان بأُجرة المثل كما يوجب صحيحها ضمان المسمّى.
والمستند لهذه القاعدة أنّ المقدم على المعاملة الضمانيّة لم يقدِم على إتلاف ماله أو عمله مجّاناً ، بل بإزاء عوض ، وحيث كان عمله في المقام محترماً استحقّ الأُجرة بإزائه لا محالة.
1) الوسائل 20 : 46 / أبواب مقدمات النكاح وآدابه ب 12 ح 6 وغيره.
[1836] مسألة 24 : إذا آجر نفسه لصلاة أربع ركعات من الزوال من يوم معيّن إلى الغروب فأخّر حتّى بقي من الوقت مقدار أربع ركعات ولم يصلّ صلاة عصر ذلك اليوم ، ففي وجوب صرف الوقت في صلاة نفسه أو الصلاة الاستيجارية إشكال (1)من أهمّية صلاة الوقت ، ومن كون صلاة الغير من قبيل حقّ الناس المقدّم على حقّ اللّه (1).
(1) موضوع البحث هو ما إذا وقعت المزاحمة بين فريضة الوقت وبين واجب آخر مالي ، من دون فرق بين الصلاة الاستيجارية وغيرها ، كما إذا وقعت المزاحمة بين فريضة الوقت وبين الخياطة أو الكتابة ونحوهما لكونه أجيراً على الإتيان بذلك ، وكما إذا كان دين مطالب مزاحم بفريضة الوقت. فلا يختصّ ذلك بما فرضه المصنف (قدس سره) في المتن ، لعموم الملاك.
وكيف كان ، فقد استشكل (قدس سره) في تقديم أحدهما على الآخر من جهة أهميّة فريضة الوقت ، ومن كون الواجب الآخر من حقّ الناس المقدّم على حقّ اللّه تعالى.
ولكن لا مجال لذلك ، بل لا ينبغي التأمّل في تقديم فريضة الوقت ، فإنّ الصلاة عمود الدين (2)وممّا بني عليها الإسلام (3)وهي المائز بين المسلم والكافر (4)، إلى غير ذلك ممّا ورد في أخبار الباب ، الكاشف ذلك عمّا لها من أهميّة بالإضافة إلى سائر الواجبات إلّا النادر منها كحفظ النفس المحترمة وحفظ بيضة الإسلام. فهي مقدّمة على غيرها من الواجبات عند المزاحمة ، ولا تحتمل أهميّة غيرها كي يتردّد في المسألة.
.................................................................................................
وأمّا لزوم تقديم حقّ الناس على حقّ اللّه سبحانه فيختصّ بموارد تساوي الواجبين المتزاحمين في الرتبة مع زيادة أحدهما على الآخر بكونه حقّ الناس كما لو كان مكلّفاً بالحج من السنة السابقة وكان مكلّفاً بأداء الدين أيضاً ، فإنّ هذه المزيّة في مسألة الدين تستوجب أهميّة أحد المتزاحمين بالنسبة إلى الآخر قطعاً أو احتمالاً فيتقدّم.
ولا يتمّ ذلك فيما إذا اختلف المتزاحمان في المرتبة وبحسب الملاك بأن كان أحدهما أهمّ من الآخر مطلقاً حتّى ولو كان الآخر حقّا مالياً كما في المقام ، فإنّ الأهم حينئذ يتقدّم على غيره قطعاً ، ولا مجال فيه للترديد ، فضلاً عن تقديم الحقّ المالي على الحق الإلهي.
وقد يقال بانفساخ الإجارة في مفروض الكلام ، فانّ صحّتها مشروطة بالقدرة على العمل حدوثاً وبقاء. فلو طرأ العجز وتعذّر العمل بقاء ولو لأجل المانع الشرعي الذي هو في حكم المانع العقلي كشف ذلك عن بطلان العقد من أوّل الأمر ، لارتفاع الموضوع ، فلا تصل النوبة إلى المزاحمة حتى يتردّد في التقديم.
وفيه ما لا يخفى ، لعدم الدليل على الاشتراط بالقدرة بقاءً ، وإنّما المعتبر هي القدرة على الفعل حدوثاً فقط ، ليكون مالكاً له حال التمليك ، فلا يكون العجز الطارئ قادحاً في صحّة التمليك ولزومه لا في الإجارة ولا في البيع كما مرّت الإشارة إليه (1).
فالمدار في الصحة حدوثاً وبقاءً على مجرّد القدرة على التسليم حدوثاً ، أي في ظرف التمليك ، حتّى لا يملّك ما لا سلطنة له عليه ، وهو متحقّق في المقام ، لا أنّ الصحة بقاءً تدور مدار القدرة بقاءً ، نعم العجز الطارئ يوجب الانتقال إلى البدل ، فيرجع المستأجر في المقام إلى الأجير بأُجرة المثل ، كما أنّ للأجير أن
1) في ص 254.
[1837] مسألة 25 : إذا انقضى الوقت المضروب للصلاة الاستيجارية ولم يأت بها أو بقي منها بقيّة ، لا يجوز له أن يأتي بها بعد الوقت إلّا بإذن جديد من المستأجر(1).
[1838] مسألة 26 : يجب تعيين الميّت المنوب عنه (2) ، ويكفي الإجمالي ، فلا يجب ذكر اسمه عند العمل ، بل يكفي من قَصَده المستأجر ، أو صاحب المال ، أو نحو ذلك.
[1839] مسألة 27 : إذا لم يعيّن كيفية العمل من حيث الإتيان بالمستحبّات يجب الإتيان على الوجه المتعارف (3).
يطالبه بالمسمّى بمقتضى صحّة الإجارة.
(1) الحكم في كلّ من المستثنى والمستثنى منه ظاهر ، فإنّ الصلاة كلّا أو بعضاً خارج الوقت المضروب للعمل ليست مصداقاً للمستأجر عليه ، فلا يكون وفاء بالعقد إلّا برضا المستأجر ، الراجع إلى إسقاط الشرط وإجراء معاوضة جديدة مع الأجير.
(2) فإنّ الكلّي الذي اشتغلت به الذمّة ممّا لا يتعيّن بدون القصد ، حيث لا تعيّن له واقعاً بغير ذلك ، نعم لا يعتبر التفصيلي كذكر اسمه عند العمل ، بل يكفي الإجمالي والإشارة على نحو يوجب التعيين كالأمثلة المذكورة في المتن.
(3) لانصراف الإطلاق إليه ، الذي هو في قوة الاشتراط ، فيجب القنوت وجلسة الاستراحة بناء على عدم وجوبهما لعدم تعارف الصلاة عندنا بدونهما ، وأمّا الصلاة على النبيّ (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) بعد ذكرى الركوع والسجود فلا تجب ما لم يصرّح بها في العقد ، لعدم التعارف الموجب لانصراف الإطلاق.
(1840) مسألة 28 : إذا نسي بعض المستحبّات التي اشترطت عليه أو بعض الواجبات ممّا عدا الأركان (1) ، فالظاهر نقصان الأُجرة بالنسبة (1)إلّا إذا كان المقصود تفريغ الذمّة على الوجه الصحيح (2).
(1) قد عرفت لزوم الإتيان بالمستحبّات المتعارفة ، نظراً إلى انصراف الإطلاق إليها ، وحيث إنّه أي الانصراف خاصّ بحال الذكر فلا جرم لا يترتّب على نسيانها شيء.
وأمّا الواجبات غير الركنية فهي وإن كانت ملحوظة في عقد الإجارة لا محالة ، لانصرافه إلى العمل الصحيح ، لكنّها لمّا لم تكن ملحوظة على سبيل الاستقلال بل باعتبار الدخل في الصحّة وهو مختصّ بحال الذكر فلا يترتّب على نسيانها شيء أيضاً.
هذا كلّه مع إطلاق العقد ، وأمّا مع التصريح بهما في متنه فان كان على سبيل الجزئية للعمل المستأجر عليه بحيث قوبل كلّ منهما بجزء من الأُجرة تعيّن التقسيط لدى النسيان ، فينقص من الأُجرة بالنسبة ، لمكان تبعّض الصفقة.
وأمّا إذا كان على سبيل الاشتراط فلم يترتّب على نسيانهما ما عدا خيار تخلّف الشرط ، فلو فسخ المستأجر رجع إلى الأجير بأُجرة المسمّى ورجع الأجير إليه بأُجرة المثل.
(2) يعني وقعت الإجارة على عنوان التفريغ بالوجه الصحيح ، وإن لم تكن العبارة وافية بذلك ، وحينئذ فلا موجب للتقسيط ، لحصول التفريغ بعد الحكم بالصحّة في فرض نسيان الجزء غير الركني بطبيعة الحال.
1) (*) الظاهر أنّ متعلّق الإجارة ينصرف إلى الصحيح ، فلا يؤثر نسيان جزء غير ركني في استحقاق الأُجرة شيئاً ، وأما الأجزاء المستحبة فالمتعارف منها وإن كان داخلاً في متعلق الإجارة بحسب الإطلاق إلا أنه منصرف عن صورة النسيان فلا يترتب على نسيانها أثر أيضاً ، نعم إذا أُخذ شيء من الأجزاء الواجبة أو المستحبة في متعلّق الإجارة صريحاً تعين التقسيط ، كما أنه إذا أُخذ فيه شيء منها بنحو الاشتراط كان تخلفه موجباً للخيار.
(1841) مسألة 29 : لو آجر نفسه لصلاة شهر مثلاً فشكّ في أنّ المستأجر عليه صلاة السفر أو الحضر ولم يمكن الاستعلام من المؤجر أيضاً ، فالظاهر وجوب الاحتياط بالجمع (1) ، وكذا لو آجر نفسه لصلاة وشكّ أنّها الصبح أو الظهر مثلاً وجب الإتيان بهما.
(1842) مسألة 30 : إذا علم أنّه كان على الميت فوائت ولم يعلم أنّه أتى بها قبل موته أو لا ، فالأحوط الاستئجار عنه (1)(2).
(1) للعلم الإجمالي بوجوب إحداهما فتجب الموافقة القطعية ، ولا يحصل ذلك إلّا بالاحتياط بالجمع.
(2) بل هو الأقوى ، لاستصحاب عدم الإتيان بها حال الحياة وبقائها في ذمّته ، فيجب على الوليّ المباشرة أو الاستئجار ، أو على الوارث إخراجه من الأصل ، بناءً على خروج الواجبات منه.
وقد يقال بعدم الوجوب ، تارة لأجل أنّ الوليّ أو الوارث إنّما يجب عليه مراعاة التكاليف المنجزة في حقّ الميت لا مطلقاً ، فانّ تكليفه بالعمل يتبع تكليف الميّت ومتفرّع عليه لا محالة ، ولم يعلم بتنجّز التكليف في حقّ الميّت لتفرّعه على ثبوت الشكّ له ليجري الاستصحاب ، ولم يحرز ذلك في حقّه لاحتمال عدم التفاته إليه ما دامت الحياة.
واخرى للبناء على الإتيان به قبل الموت ، استناداً إلى أصالة الصحّة.
وفي كلا الوجهين ما لا يخفى.
أمّا الأوّل : فلأنّ فوائت الميّت تكون موضوعاً لتوجيه الخطاب إلى الوليّ أو الوارث. ولا يناط تنجّز هذا التكليف في حقّ الوليّ أو الوارث بسبق تنجّزه في حق الميت ، كيف وقد يتنجّز ذلك في حقّهما مع العلم بعدم التنجّز في حقّ الميّت كما لو دخل عليه الوقت وهو نائم فمات ، أو أُغمي عليه فأفاق أثناء الوقت
1) (*) بل الأقوى ذلك في موارد يجب الاستئجار فيها على تقدير الفوات.
.................................................................................................
ومات قبل الالتفات ، أو ما إذا قطع الوليّ أو الوارث بالفوت مع عدم التفات الميّت إلى ذلك حتّى مات ، ونحو ذلك.
فالمدار في وجوب القضاء على الوليّ أو وجوب الإخراج على الوارث على فعليّة التكليف وتنجّزه في حقّهما ، سواء أتنجّز على الميّت أم لا ، فمتى ما حصل لهما العلم بالفوت ولو تعبداً ببركة الاستصحاب تنجّز الحكم في حقّهما. وعليه فالاستصحاب إنّما يجري في حقّ الوليّ أو الوارث. فإنّه هو الذي كان على يقين بالفوت وقد شكّ في الإتيان به فيستصحب بقاؤه ، ولا عبرة بجريانه في حقّ الميّت ليمنع منه الشكّ في تحقّق الموضوع في حقّه.
وأمّا الثاني : فلما عرفت فيما سبق (1)من أنّ أصالة الصحّة بمعنى تنزيه المسلم عن القبيح وعدم إساءة الظنّ به وإن كانت جارية في أمثال المقام إلّا أنّها لا أثر لها ، ولا يترتّب عليها أحكام الصحّة الواقعية.
وأمّا الأصل بمعنى الحكم بصحّة العمل الذي هو الموضوع للأثر فهو موقوف على إحراز أصل العمل والشك في صحّته وفساده ، وهو غير محرز في المقام لفرض الشكّ في صدور العمل من الميّت. فلا موضوع للأصل بالمعنى المذكور بل مقتضى الأصل عدم الصدور كما عرفت.
فتحصّل : أنّ الأقوى وجوب الاستئجار عنه. وتوقّف المصنّف (قدس سره) في المسألة واحتياطه في غير محلّه. واللّه سبحانه العالم.
1) في ص 251.
يجب على وليّ الميت (1) رجلاً كان الميت أو امرأة على الأصحّ (1)(2)
(1) بلا إشكال ولا خلاف فيه في الجملة ، وقد قام عليه الإجماع ، وتظافرت به الأخبار. وتفصيل الكلام يستدعي البحث تارة في المقضيّ عنه ، وأُخرى فيما يقضى ، وثالثة في القاضي.
المقضيّ عنه :
(2) المشهور اختصاص ذلك بالرجل ، وعن جماعة منهم المصنّف (قدس سره) التعميم للمرأة أيضاً. ومنشأ الخلاف اختلاف النصوص الواردة ، فإنّ مقتضى بعضها هو التعميم كرواية عبد اللّه بن سنان المحكية عن كتاب غياث سلطان الورى لسكّان الثرى للسيد ابن طاوس (قدس سره) عن الصادق (عليه السلام) «قال : الصلاة التي دخل وقتها قبل أن يموت الميّت يقضي عنه أولى الناس به» (2)، فانّ لفظ الميّت يشمل الرجل والمرأة.
كما أنّ مقتضى بعضها الآخر وهو الأكثر الاختصاص بالرجل ، لوروده
.................................................................................................
فيه كصحيحة حفص بن البختري عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : «في الرجل يموت وعليه صلاة أو صيام ، قال : يقضي عنه أولى الناس بميراثه ، قلت : فان كان أولى الناس به امرأة؟ فقال : لا ، إلّا الرجل» (1).
وقد يستدلّ للمشهور بحمل «الميّت» في رواية ابن سنان على الرجل كما في سائر النصوص ، إمّا لأجل دعوى انصرافه إليه ، أو لأنّه مقتضى الجمع بحمل المطلق على المقيّد.
وكلاهما كما ترى ، أمّا دعوى الانصراف فلا وجه لها بعد اشتراك الذكر والأُنثى في إطلاق اللفظ وصدقه عليهما على حدّ سواء ، وأمّا ارتكاب التقييد فلكونه فرع المعارضة ، ولا تعارض بين المثبتين بعد عدم ثبوت مفهوم القيد ، ولا سيما أنّ التقييد بالرجل مذكور في كلام السائل دون الإمام (عليه السلام). فالإنصاف : أنّ الإطلاق في رواية ابن سنان محكّم ، فلا قصور فيها دلالة.
نعم ، هي ضعيفة السند بالإرسال ، لما أشرنا إليه سابقاً (2)من أنّ روايات الكتاب المذكور بأجمعها ملحقة بالمراسيل. فالمقتضي للتعميم قاصر في نفسه لانحصاره في الرواية المذكورة وهي ضعيفة.
وحيث كان الحكم بوجوب القضاء على الوليّ على خلاف القاعدة لزم الاقتصار فيه على القدر المتيقّن وهو الرجل ، فإنّه مورد النصوص ، وأمّا المرأة فلم يرد فيها ذلك. ولا وجه للتعدّي إليها ، لاحتمال اختصاصه بالرجل ، فينفى وجوب القضاء عنها بالبراءة. فما هو المشهور من الاختصاص هو الصحيح لما عرفت ، لا لما ذكر من الوجهين.
ثم إنّه ربما يستدلّ للتعميم مضافاً إلى إطلاق رواية ابن سنان وقد عرفت الحال فيه بما دلّ من النصوص على وجوب قضاء الوليّ عن المرأة في الصوم بناءً على عدم الفرق ، لعدم القول بالفصل بينهما.
.................................................................................................
وهذا لا بأس به لو تمّت دلالة النصوص في موردها على الوجوب ، لكنّها غير تامة ، فإنّ أقصى ما تدلّ عليه هو الجواز والمشروعية دون الوجوب وعمدتها : صحيحة أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : «سألته عن امرأة مرضت في شهر رمضان أو طمثت أو سافرت فماتت قبل خروج شهر رمضان ، هل يقضى عنها؟ قال : أمّا الطمث والمرض فلا ، وأمّا السفر فنعم» (1)، ونحوها صحيح محمد بن مسلم (2).
وقد استدلّ بها شيخنا الأنصاري (قدس سره) (3)على الوجوب بدعوى وضوح مشروعيّة القضاء عن الغير بحيث لا يكاد يخفى ذلك على أحد ، فضلاً عن مثل أبي حمزة الذي هو من أجلّاء أصحاب الأئمة (عليهم السلام). فليس السؤال إلّا عن الوجوب ، وقد فصّل (عليه السلام) في ذلك بين السفر وغيره وبما أنّه لا يحتمل الوجوب في حقّ غير الوليّ فلا محالة يختصّ الحكم به وبمقتضى عدم القول بالفصل في المسألة يتعدّى من الصوم إلى الصلاة.
وهذا الاستدلال كما ترى من أغرب أنواعه ، ولا سيما من مثله (قدس سره) لورود نظير ذلك في غير واحد من الروايات ممّا لا يقصد به إلّا السؤال عن أصل المشروعيّة جزماً.
والوجه فيه : أنّ المفروض في مورد السؤال في هذه الروايات إنّما هو عروض الموت قبل خروج شهر رمضان ، أي قبل زمان يتمكّن فيه الميّت من قضاء الصوم ، ولا شكّ في أنّ مشروعية القضاء من الوليّ أو غيره حينئذ تكون في غاية الخفاء ، لعدم ثبوته في حقّ الميّت حتّى يقضى عنه ، وكيف يقضي النائب ما لم يكلّف المنوب عنه به لا أداءً لأجل العذر من المرض والسفر والطمث ونحو ذلك ، ولا قضاء لكون ظرفه بعد شهر رمضان ، لقوله تعالى :
حرّا كان أو عبداً (1)
( ... فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ ) (1)، وقد فرض موته قبل خروج الشهر.
بل قد ورد المنع عنه في بعض النصوص معلّلاً بأنّ اللّه لم يجعله ، بعد الإصرار من السائل على القضاء بقوله : «فإنّي أشتهي أن أقضي عنها ، وقد أوصتني بذلك» ، فأجابه (عليه السلام) قائلاً : «كيف تقضي عنها شيئاً لم يجعله اللّه عليها؟ فان اشتهيت أن تصوم لنفسك فصم» (2).
وعلى الجملة : مشروعية القضاء في مفروض المسألة ليست من الواضحات الغنيّة عن السؤال ، وإنّما هي لأجل خفائها كما عرفت بحاجة إلى ذلك وعليه فلا مقتضي لحمل الصحيحة على السؤال عن الوجوب ، بل ينبغي حملها على ظاهرها وهو السؤال عن الجواز وأصل المشروعيّة. فلا تدلّ على وجوب القضاء في موردها ليتعدّى منه إلى غيره بعدم القول بالفصل.
والمتحصّل من جميع ما تقدّم : أنّ ما يستدلّ به للتعميم أمران :
أحدهما : إطلاق رواية ابن سنان. وقد عرفت أنّها ضعيفة السند ، وإن كانت الدلالة على فرض صحّة السند تامّة.
والآخر : استفادة حكم المقام ممّا ورد في الصوم بضميمة عدم القول بالفصل. وقد عرفت أيضاً توقّف ذلك على استفادة الوجوب من النصوص في موردها ، وهي غير ثابتة.
فالأقوى ما هو المشهور من اختصاص الحكم بالرجل وعدم التعميم للمرأة ، عملاً بأصالة البراءة.
(1) كما هو المشهور ، ويقتضيه الإطلاق في صحيحة حفص المتقدّمة (3).
.................................................................................................
وعن بعضهم اختصاصه بالحرّ ، نظراً إلى أنّ المستفاد من الصحيحة كون الموضوع من هو أولى بالميراث لقوله (عليه السلام) : «يقضي عنه أولى الناس بميراثه» ، وبما أنّ الأولى بالعبد هو مولاه ، ولا يجب عليه القضاء عنه بالضرورة ، إذ لم يعهد ذلك من أحد الأئمة (عليهم السلام) ولا من أصحابهم بالنسبة إلى عبيدهم ، فلا محالة يحكم بالاختصاص بالحر.
ويتوجّه عليه : أنّ الحكم لا يدور مدار عنوان الوارث بالفعل ، فإنّه لو كانت العبارة هكذا : يقضي عنه وارثه. لكان لهذه الدعوى وجه ، فيلتزم حينئذ بخروج العبد تخصيصاً ، للإجماع على عدم ثبوت القضاء على وارثه وهو المولى كما ذكر ، لكن العبارة هكذا : «يقضي عنه أولى الناس بميراثه» ، فلم يؤخذ فيها عنوان الوارث ، بل عنوان الأولى بالميراث ، على غرار قوله تعالى ( وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ ) (1).
والمراد به من هو أمسّ الأشخاص بالميّت وأقربهم إليه نسباً ورحماً ، المستتبع لكونه الأولى فعلاً بالميراث من غيره ، وهو الولد الأكبر كما سيأتي لانفراده بالحبوة ولزيادة نصيبه على سائر الورثة غالباً.
فالعبرة بكون الأولوية فعلية لا بكون الإرث فعلياً ، إذ قد لا يكون وارثاً إمّا لانتفاء المال رأساً ، أو لأنّ بإزائه ديناً مستوعباً ، أو لكونه عبداً كما في المقام حيث إنّه بمنزلة من لا مال له ليورث ، لكونه وما في يده لمولاه حيّاً وميّتاً.
وعلى الجملة : لا يدور الحكم مدار الإرث الفعلي ، لانتقاضه طرداً وعكساً فربما يثبت الإرث ولا قضاء كما لو انحصر الوارث في الإمام (عليه السلام) وربما يثبت القضاء ولا إرث كمن لا مال له ، بل الاعتبار كما عرفت بكون الأولوية فعلية.
إذن فالقضاء يجب على من هو أولى من غيره بميراث الميّت وأكثر نصيباً إن كان للميت مال ، ومصداقه في المقام كغيره هو الولد الأكبر. وعدم إرثه من أبيه
1) الأنفال 8 : 75.
أن يقضي عنه ما فاته من الصلاة لعذر (1)من مرض أو سفر أو حيض فيما يجب فيه القضاء (1)
الرق إنّما هو لكونه بمنزلة من لا مال له كما أُشير إليه.
فتحصّل : أنّ الصحيحة كسائر النصوص غير قاصرة الشمول للعبد فلا مناص من الالتزام بالتعميم الذي عليه المشهور ، عملاً بالإطلاق.
(1) خصّ المصنّف (قدس سره) الحكم بما فات لعذر ، ومثّل له بالمرض والسفر والحيض. والتمثيل بذلك لا يخلو عن مسامحة واضحة ، فإنّ السفر والمرض ليسا من الأعذار المسوّغة لترك الصلاة ، غايته أنّ المريض يصلّي على حسب وظيفته من الجلوس أو الاضطجاع أو بالإيماء وهكذا ، كما أنّ المسافر يصلّي قصراً.
وأمّا الحيض فالمستوعب منه للوقت لا يوجب القضاء ، نعم يتّجه التمثيل بالحيض غير المستوعب كما لو حاضت المرأة بعد مضيّ نصف ساعة من الوقت لكونها معذورة في تأخير الصلاة عن أوّل الوقت لترخيص الشارع إيّاها في ذلك ، ولأجل هذا قيّده (قدس سره) بقوله : فيما يجب فيه القضاء. يريد بذلك اختصاص الحكم بما إذا فاجأها الحيض بعد دخول الوقت كما عرفت.
ثمّ إنّ المحكي عن جماعة منهم المحقّق (قدس سره) في بعض رسائله (2)الاختصاص بالفائتة لعذر ، فلا يجب القضاء في الترك العمدي ، وتبعهم المصنّف (قدس سره).
لكنّ الأقوى التعميم لمطلق الفوائت كما هو المشهور ، لإطلاق النصوص.
.................................................................................................
ودعوى الانصراف إلى الفائتة لعذر ، كما ترى ، فإنّ الفائتة لغير عذر ليست بأقلّ ممّا فات لعذر في زمن صدور الروايات ، ولا سيما مع ملاحظة الفوت لأجل الخلل في بعض الأجزاء أو الشرائط. فلا موجب للانصراف أصلاً.
وما يقال من أنّ العامد يستحقّ العقاب فلا يجديه القضاء من الوليّ ، لكونه بمثابة الكفّارة ، وهي بمناسبة الحكم والموضوع تختصّ بالمعذور. فهو وجه استحساني لا يركن إليه لإثبات حكم شرعي ، ولا يقاوم الإطلاق.
كما أنّه لا وجه للاستناد في القول بالاختصاص إلى قوله تعالى ( وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ) (1)لكونه ناظراً إلى العقاب في الآخرة ، فهو أجنبي عن محلّ الكلام ، فإنّه لا مانع من كون فعل الغير الصادر منه بالاختيار ولو عصياناً موضوعاً لتكليف غيره كما في تنجيس المسجد ، حيث يجب التطهير وإن كان التنجيس بفعل الغير عصياناً.
ومقامنا من هذا القبيل ، فانّ فوات الفريضة من الميّت موضوع لتكليف الوليّ بالقضاء عنه ، وهذا لا يفرق فيه بين أن يكون الفوت منه لعذر أو عصياناً لإطلاق النصوص السليمة عمّا يصلح للتقييد.
وعن الحلّي (2)وابن سعيد (3)(قدس سرهما) الاختصاص بما فات في مرض الموت. وليس له وجه ظاهر عدا دعوى انصراف النصوص إلى ذلك. وفيه : ما لا يخفى ، فإنّ صحيحة حفص المتقدّمة (4)وهي العمدة في المقام مطلقة بالإضافة إلى مرض الموت وغيره.
فالأقوى تعميم الحكم لمطلق الفوائت ، من دون فرق بين ما فات لعذر وغيره ، وبين مرض الموت وغيره ، لإطلاق النصوص.
ولم يتمكّن من قضائه (1)(1) ، وإن كان الأحوط قضاء جميع ما عليه.
(1) لدعوى انصراف النصوص إلى ذلك ، كدعوى انصرافها إلى المعذور كما تقدّم.
وفيه : مضافاً إلى منع الانصراف كما مرّ ، أنّه لو تمّ فإنّما يسلّم في من أخّر القضاء تقصيراً ، لإمكان دعوى انصراف النصوص عن مثله ، دون القاصر غير المسامح في ذلك كما لو نام عن صلاة الفجر وكان بانياً على قضائها في نفس اليوم لكن فاجأه الموت عند الزوال مثلاً ، فانّ دعوى الانصراف عن مثله ممنوعة جدّاً كما لا يخفى.
وعلى الجملة : تخصيص الحكم بما إذا لم يتمكّن الميّت من القضاء غير واضح بعد إطلاق النصوص.
بل يمكن القول باختصاص الحكم بصورة تمكّن الميّت من القضاء ، عكس ما أفاده المصنّف (قدس سره) ، فلا يجب القضاء على الوليّ إلّا في فرض تمكّن الميّت من القضاء وتركه له عذراً أو لغير عذر ، والوجه فيه أحد أمرين :
أحدهما : قصور المقتضي للحكم ، فإنّ عمدة الدليل في المسألة كما عرفت إنّما هي صحيحة حفص المتقدّمة (2)، وظاهرها الاختصاص بذلك ، لقوله : «في الرجل يموت وعليه صلاة أو صيام ...» ، فان كلمة «عليه» ظاهرة في اختصاص مورد السؤال بما إذا كان قد ثبت تكليف المنوب عنه بالقضاء ولم يمتثل ، الكاشف عن تمكّنه منه ، لاشتراط التكليف بالقدرة.
فلو فرضنا أنّه نام عن صلاة الفجر ثم فاجأه الموت بعد أن استيقظ فإنّه لا ينطبق عليه حينئذ قوله : «عليه صلاة» ، لعدم توجّه التكليف إليه بحال ، لا حال النوم ولا في حال اليقظة كما هو ظاهر. وهكذا الحال في سائر موارد
وكذا في الصوم لمرض (1) تمكّن من قضائه وأهمل.
العجز ، حيث يكون جميع ذلك خارجاً عن موضوع النصّ ، ومعه لا مقتضي لثبوت القضاء كما لا يخفى.
ثانيهما : التعليل الوارد في صحيحة أبي بصير الآتية ، وهو قوله (عليه السلام) : «فانّ اللّه لم يجعله عليها ...» وقوله : «كيف تقضي عنها شيئاً لم يجعله اللّه عليها» فإنّها وإن وردت في باب الصوم إلّا أن عموم العلّة يستوجب التعدّي عن موردها إلى الصلاة ، ويكون المستفاد منها ضابطة كلّية على طبق القاعدة ، وهي أنّه ما لم يثبت القضاء على الميّت ولم يجعل التكليف به في حقّه فليس على أحد أن يقضيه عنه.
فلو افترضنا الإطلاق في صحيحة حفص لقيّد بهذه الصحيحة لا محالة ، وكانت النتيجة عدم وجوب القضاء على الوليّ إلّا فيما كان الميّت متمكّناً منه فلاحظ.
(1) لا ينبغي الإشكال في اختصاص الوجوب حينئذ بصورة تمكّن الميّت من القضاء وإهماله ، فلا يجب ذلك على الوليّ إذا لم يتمكّن منه إمّا لعدم برء مرضه ، أو لموته قبل خروج شهر رمضان ، ويدلّ عليه صريحاً :
صحيحة أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «سألته عن امرأة مرضت في شهر رمضان وماتت في شوال فأوصتني أن أقضي عنها ، قال : هل برئت من مرضها؟ قلت : لا ، ماتت فيه ، قال : لا يقضى عنها ، فانّ اللّه لم يجعله عليها ...» (1).
وصحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) قال : «سألته عن رجل أدركه رمضان وهو مريض فتوفّي قبل أن يبرأ ، قال : ليس عليه شيء ولكن يقضى عن الذي يبرأ ثم يموت قبل أن يقضي» (2)، ونحوهما غيرهما من
بل وكذا لو فاته من غير المرض من سفر ونحوه (1)وإن لم يتمكّن من قضائه (1)
النصوص المتظافرة الدالّة على الاختصاص بفرض التمكّن.
(1) أمّا السفر فلا إشكال كما لا خلاف في وجوب القضاء على الوليّ ، سواء أتمكّن الميت من القضاء وأهمل أم لا كما لو مات في شهر رمضان.
ويستدل له بجملة من النصوص كصحيحة أبي حمزة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : «سألته عن امرأة مرضت في شهر رمضان أو طمثت أو سافرت فماتت قبل خروج شهر رمضان هل يقضى عنها؟ قال : أمّا الطمث والمرض فلا وأمّا السفر فنعم» (2)، ونحوها صحيحة محمّد بن مسلم (3). لكن تقدّم النظر في دلالتهما على الوجوب في أوّل الفصل فلاحظ (4).
وموثّقة أبي بصير قال : «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل سافر في شهر رمضان فأدركه الموت قبل أن يقضيه ، قال : يقضيه أفضل أهل بيته» (5).
إنّما الكلام في سائر الأعذار ، فهل هي تلحق بالسفر فيقضي مطلقاً كما اختاره المصنّف (قدس سره) في المسألة حيث قال : من سفر ونحوه ، أو أنّها تلحق بالمرض فلا يقضي إلّا مع تمكّن الميّت منه وإهماله؟ وجهان ، بل قولان نسب إلى المشهور الإلحاق بالسفر ، وأنّ الخارج من حكم الأعذار مطلقاً إنّما هو عنوان المرض فقط.
ولكنّه غير وجيه حتّى ولو ثبت ذهاب المشهور إليه ، وذلك فإنّ الأخبار واضحة الدلالة على أنّ المسافر فقط هو العنوان الوحيد الخارج ، وأمّا غيره
.................................................................................................
فلا يجب على الوليّ القضاء إلّا مع ثبوت التكليف به في حقّ الميّت كما يدلّ على ذلك صحيحة أبي بصير المتقدّمة (1).
فانّ التعليل فيها بقوله (عليه السلام) : «فانّ اللّه لم يجعله عليها» يعطينا الضابطة الكلّية في المسألة ، وهي أنّه ما لم يجب القضاء على الميّت لا يجب على وليّه ، فيستفاد من ذلك اختصاص وجوب القضاء بما إذا ثبت ذلك في حقّ الميّت ، وقد خرج عن هذه الكلّية خصوص المسافر كما دلّت عليه النصوص المتقدّمة.
ويدلّ على هذا صراحة صحيحة أبي حمزة الثمالي (رحمه اللّه) المتقدّمة (2)فقد صرّح فيها بإلحاق الطمث بالمرض ، وأوجبت القضاء بقول مطلق في مورد السفر خاصة. فيستفاد منها أنّ التقييد بفرض التمكّن ممّا لا يخصّ المرض ، بل يعمّ غيره أيضاً.
على أنّا لا نحتاج إلى الاستدلال بالروايات المذكورة ، إذ يكفينا في الحكم بعدم وجوب القضاء على الوليّ مع عدم تمكّن الميّت منه قصور المقتضي ، فإنّ العمدة في ذلك إنّما هي صحيحة حفص المتقدّمة (3)، وهي في نفسها قاصرة عن شمول هذا الفرض ، لاختصاصها بفرض وجوب القضاء على الميّت لتمكّنه منه كما يقتضيه قوله : «عليه ...».
فلا تشمل الصحيحة ما إذا لم يجب القضاء عليه لمرض أو سفر أو حيض أو لغير ذلك من الأعذار المانعة عن صحّة الصوم ، وكما إذا التفت إلى الجنابة بعد مضيّ أيّام من شهر رمضان ، فانّ وجوب القضاء عليه يكون مشروطاً ببقائه حياً ، فلو مات في جميع هذه الصور قبل انقضاء شهر رمضان لم يجب القضاء عليه ، حيث لا يصدق في حقّه أنّه عليه ، وإن صدق الفوت ، والموضوع للحكم
والمراد به الولد الأكبر (1) فلا يجب على البنت وإن لم يكن هناك ولد ذكر ، ولا على غير الأكبر من الذكور ، ولا على غير الولد من الأب والأخ والعمّ والخال ونحوهم من الأقارب.
في الرواية هو الأوّل دون الثاني. نعم خرجنا عن هذا الحكم في خصوص السفر بصحيحة أبي حمزة المتقدّمة (1)وغيرها.
(1) كما هو المعروف. والعمدة في المقام هي صحيحة حفص المتقدّمة (2)المشتملة على قوله (عليه السلام) : «يقضي عنه أولى الناس بميراثه» ، وحينئذ فينبغي البحث عن مفادها.
فقد يقال : إنّها تدلّ على اختصاص القاضي بمن يكون الأولى بالإرث فعلاً من بين الموجودين ، وهذا ممّا يختلف حسب اختلاف طبقات الإرث ، فإنّه إن كان للميت أب أو ولد قضى عنه ، وإلّا قضى عنه الأخ والعمّ وهكذا حتّى تصل النوبة إلى المعتِق بالكسر وضامن الجريرة ، بل الإمام (عليه السلام).
فتكون العبرة بالأولوية الفعلية بالإرث بالنسبة إلى الموجودين حال الموت ويختلف مصاديق ذلك ، بل قد يتعدّد الوليّ على هذا كما إذا كان له أولاد أو إخوة أو أعمام أو أولاد الأعمام ، فيجب على جميعهم القضاء.
إلّا أنّ هذا المعنى كما ترى خلاف ظاهر الصحيحة في نفسها ، فانّ المنسبق من كلمة «أولى» في الصحيحة أنّ الوليّ دائماً شخص واحد لا يتعدّد ، كما أنّ ظاهر العموم في «الناس» هو إرادة جميع الناس ممّن خلقهم اللّه عزّ وجل ، الأعمّ من الموجودين منهم وغيرهم ، الأحياء منهم والأموات.
.................................................................................................
وعليه فينحصر الوليّ في الولد الأكبر ، فإنّه الأولى بالميراث بقول مطلق حتّى الأب المتّحد معه في الطبقة ، لكون نصيبه من التركة أكثر منه غالباً ، حيث إنّ للأب السدس والباقي للولد.
وإنّما قيّدنا ذلك بالغالب لما قد يتّفق من زيادة نصيب الأب على نصيب الولد كما لو بلغ أولاد الميّت عشرة ، فإنّ السدس حينئذ وهو سهم الأب يزيد على ما يستحقّ كلّ ولد من باقي التركة ، إلّا أنّ هذا فرض اتفاقيّ نادر ، والغالب بحسب الطبع هو زيادة نصيب الولد على نصيب الأب ، وأمّا النقصان عنه كما في المثال فهو لجهة عارضة نادرة ، هذا.
مضافاً إلى اختصاصه بالحبوة ، فهو يشارك الأبوين وسائر الأولاد في الميراث ، ويزيد عليهم بذلك ، فكان هو الأولى. وبهذا البيان يظهر الوجه في تقدمه على سائر الأولاد ، فيكون تقدّمه على الجميع لأجل الحبوة.
فاتّضح من جميع ما مرّ : أنّ قوله (عليه السلام) : «يقضي عنه أولى الناس بميراثه» ظاهر في إرادة الولد الأكبر فقط.
فان قلت : ورد مثل هذا أيضاً في باب الصلاة على الميّت ، حيث دلّ على أنّ أحق الناس بالصلاة على الميت أولاهم بالميراث. وقد فهم المشهور منه الأب فلما ذا لم يلتزموا بمثله في المقام؟ وكيف صارت الأولوية هناك للأب وهنا للابن؟ وما هو الفارق بين المقامين مع اتّحاد التعبيرين؟
قلت : هذه العبارة غير واردة في شيء من نصوص باب الصلاة على الميّت وإنّما هي مذكورة في كلمات الفقهاء وشائعة على ألسنتهم. ولعلّ المستشكل لاحظ عبائر الفقهاء من دون تفطّن لخلوّ النصوص عنها ، والوارد في النصوص هو : «يصلّي على الجنازة أولى الناس بها» (1).
ومن الواضح الفرق بين التعبيرين ، أي التعبير ب- (أولى الناس بالميراث)
1) الوسائل 3 : 114 / أبواب صلاة الجنازة ب 23 ح 1 ، 2.
.................................................................................................
والتعبير ب- (أولى الناس بالجنازة) ، فإنّ الأولى بالميراث حسبما هو المتعارف عند العقلاء هو ولد الميّت ، بناءً منهم على أنّ كلّ ما يملكه الإنسان فهو لولده وذرّيته من بعده ، وإن كان اللّه سبحانه وتعالى قد جعل للأب أيضاً نصيباً مفروضاً في ذلك. وهذا بخلاف الأولى بالجنازة ، فإنّه بملاك احترام الميّت وتعظيمه يراد به أكبر أقرباء الميت وهو الأب ، فيكون أمر التجهيز راجعاً إليه ومنوطاً به ، فإنّ الأب هو الأصل والميّت فرع منه ، فلذلك كان هو الأولى به دون غيره.
فهناك فرق بين جنازة الميّت وبين ماله ، وبتبعه يختلف مصداق الأولوية المتعلّقة بكلّ منهما حسب اختلاف مناسبة الحكم وموضوعه ، ففي الأوّل يكون مصداق الأولى بالجنازة هو أب الميّت ، وفي الثاني يراد من الأولى بميراثه هو الولد الأكبر ، لمكان الحبوة كما عرفت. وهذا هو السر في تفرقة المشهور بين المقامين ، حيث بنوا على إرادة الأب من الأولى في باب الصلاة والولد في المقام.
وقد يستدلّ لتعيين الولد الأكبر بصحيحة الصفّار قال : «كتبت إلى الأخير (عليه السلام) : رجل مات وعليه قضاء من شهر رمضان عشرة أيّام ، وله وليّان ، هل يجوز لهما أن يقضيا عنه جميعاً ، خمسة أيّام أحد الوليّين وخمسة أيّام الآخر؟ فوقّع (عليه السلام) : يقضي عنه أكبر وليّيه عشرة أيّام ولاءً إن شاء اللّه» (1).
إلّا أنّها لمخالفتها للإجماع بل الضرورة ممّا ينبغي ردّ علمها إلى أهله ، وذلك من جهتين :
إحداهما : نفي مشروعيّة القضاء في حقّ غير الأكبر ، فإنّ السؤال فيها كان عن الجواز دون الوجوب ، وهذا ممّا لم يقل به أحد ، إذ لا إشكال في مشروعيّة القضاء للأجنبي فضلاً عن غير الأكبر من الوليّين.
1) الوسائل 10 : 330 / أبواب أحكام شهر رمضان ب 23 ح 3.
.................................................................................................
ثانيتهما : دلالتها على اعتبار الموالاة في القضاء ، وهذا ممّا لا قائل به أيضاً فإنّها غير معتبرة في حقّ الميّت لو فرضنا مباشرته القضاء ، فضلاً عن الولي.
ولأجل ذلك تكون الرواية غير صالحة للعمل بها ، بل هي مطروحة أو مؤوّلة ، ويردّ علمها إلى أهله ، نعم لا بأس بالأخذ بها من حيث دلالتها على ولاية الولد الأكبر. فالعمدة في المقام هو الاستدلال بصحيحة حفص بالتقريب المتقدّم.
ثم إنّه لا يخفى عليك أنّ ما استظهرناه سابقاً من دلالة صحيحة حفص على أنّ الأولى بالميراث هو الولد الأكبر بالبيان المتقدّم وإن كان صحيحاً في نفسه ، لكن حفصاً نفسه لم يستظهر هذا المعنى كما يشهد به سؤاله الثاني : «فإن كان أولى الناس به امرأة» ، إلا أنّ عدم فهمه لا يضرّ بالاستدلال ، فانّنا إنّما نتعبّد بنقله لا بفهمه ، ونصدّقه في روايته لا في درايته ، وما رواه ظاهر فيما ذكرناه كما عرفت.
ثم إنّا لو تنزلّنا عن ذلك وأنكرنا ظهور الصحيحة فيه فلا ريب في عدم ظهورها في المعنى الآخر أيضاً ، أعني به الأولوية باعتبار طبقات الإرث ، غايته أن تصبح الرواية مجملة ، حيث لم يظهر منها أنّ المراد بالأولى هو شخص واحد معيّن وهو الولد الأكبر كما استظهرناه أو المراد به الطبقة المتعيّنة للإرث بالفعل حسب نظام الطبقات.
ولكنّ الولد الأكبر هو القدر المتيقّن لدخوله على كلّ تقدير ، وأمّا غيره فلم يعلم إرادته ، لفرض إجمال النصّ وتردّده بين المعنيين ، فيرجع في من عداه إلى أصالة البراءة ، للشكّ في التكليف بالنسبة إليهم ، فتكون النتيجة هي اختصاص الحكم بالولد الأكبر.
وبهذا البيان يظهر الحال في موثّقة أبي بصير المتقدّمة (1)حيث قال (عليه
1) في ص 272.
وإن كان الأحوط مع فقد الولد الأكبر قضاء المذكورين على ترتيب الطبقات (1) ، وأحوط منه قضاء الأكبر فالأكبر (2) من الذكور ثمّ الإناث في كلّ طبقة حتّى الزوجين والمعتِق وضامن الجريرة.
[1843] مسألة 1 : إنّما يجب على الوليّ قضاء ما فات عن الأبوين (1)من صلاة نفسهما (3) ، فلا يجب عليه ما وجب عليهما بالاستئجار ، أو على الأب من صلاة أبويه من جهة كونه وليّا.
السلام) : «يقضيه أفضل أهل بيته» ، فانّ كلمة «أفضل» مجمل ولم يعلم المراد منه ، فهل يراد به الأعلم لينطبق على كلّ الطبقات بما فيهم الولد الأصغر أيضاً لإمكان أن يكون أعلم من الأكبر ، أو أنّ المراد به الأقرب من أهل بيت الميّت إليه ، المنطبق على الولد الأكبر فقط كما لعلّه الأقرب؟
(1) رعاية للتفسير الآخر كما سبق ، والاحتياط حسن على كلّ حال.
(2) لصحيحة الصفّار المتقدّمة (2)، بل الأحوط أن تقضي البنت مع عدم وجود الرجل في الطبقة الأُولى كما أفتى به المفيد (قدس سره) (3)، وإن كان ذلك على خلاف صحيحة [حفص بن] البختري (4)من الاختصاص بالرجال.
الاختصاص بما فات من نفسه :
(3) لانصراف الأدلّة إلى ما فات عن الميّت من صلاة نفسه دون مطلق الفائت ، بل الظاهر أنّه ليس في شيء من روايات الباب ما يصلح للإطلاق كي يدّعى انصرافه إلى ما ذكر ، وإنّما هي بأجمعها خاصّة بهذا المورد ، فإنّ العمدة
[1844] مسألة 2 : لا يجب على ولد الولد القضاء عن الميّت (1) إذا كان هو الأكبر حال الموت ، وإن كان هو الأحوط خصوصاً إذا لم يكن للميّت ولد.
فيها إنّما هي صحيحة حفص والموثّقة المتقدّمتان.
والمذكور في الصحيحة (1): «في الرجل يموت وعليه صلاة أو صيام ، قال : يقضي عنه أولى الناس بميراثه» ، وهو كما ترى ظاهر فيما فات عن الميّت من صلاة نفسه أو صيامه ، لقوله (عليه السلام) : «يقضي عنه ...». ولو كان المقضيّ هو ما وجب على الميّت ولو استئجاراً لزم أن يقضي الوليّ عمّن استؤجر الأب له ، لا عن الأب نفسه ، فتختصّ الصحيحة لا محالة بما وجب على الأب أصالة لا مطلقاً.
وكذلك الحال في موثّقة أبي بصير المتقدّمة (2)فإنّها خاصّة بما فات المكلّف من نفسه ، لفرض السؤال فيها عن «رجل سافر في شهر رمضان فأدركه الموت قبل أن يقضيه ...»
وحاصل الكلام : أنّ عدم وجوب قضاء مطلق ما وجب على الميت ولو للاستئجار ونحوه إنّما هو لأجل قصور المقتضي ، لا لوجود المانع وهو الانصراف ، فلاحظ.
(1) وذلك لأنّه مع وجود الولد كما هو المفروض يكون هو الأولى بالميراث كما اقتضاه صحيح حفص المتقدّم ، فلا يجب على غيره.
ومع هذا فقد احتاط الماتن (قدس سره) في وجوب القضاء على ولد الولد الأكبر خصوصاً مع عدم وجود الولد للميّت.
أمّا الاحتياط مع وجود الولد للميّت ففيه ما لا يخفى ، فإنّه حينئذ لا موجب للقضاء على ولد الولد بعد اختصاصه بمقتضى الأخبار المتقدّمة (3)بالولد ، فإنّ
[1845] مسألة 3 : إذا مات أكبر الذكور بعد أحد أبويه لا يجب على غيره من إخوته الأكبر فالأكبر (1).
[1846] مسألة 4 : لا يعتبر في الوليّ أن يكون بالغاً عاقلاً عند الموت (2)
ولد الولد لا يرث الميّت مع وجود الولد فضلاً عن كونه الأولى بالميراث. ومطلق الكبر لا خصوصية فيه.
نعم ، الاحتياط الثاني في محلّه ، فإنّ الأولى بالميراث حينئذ هو ولد الولد فيجب عليه القضاء احتياطاً.
(1) فانّ الظاهر من الأولى بالميراث المفسّر بالولد الأكبر من كان كذلك حال الموت ، فلا دليل على وجوب القضاء على غيره ممّن لا ينطبق عليه العنوان المذكور حاله ، وإن كان قيام الأكبر فالأكبر بذلك هو الأحوط.
(2) فانّ المصرح به في دليل الوجوب أنّه «يقضي عنه أولى الناس بميراثه» وبعد بلوغ الطفل أو بعد الإفاقة يصدق عليه العنوان المذكور ، فيجب عليه القضاء.
وبكلمة اخرى : أنّ وجوب القضاء على من هو أولى الناس بالميراث كسائر التكاليف إنّما يتنجّز عند تحقّق شرائطه التي منها البلوغ والعقل ، فاذا بلغ الصبي أو أفاق المجنون وعقل تنجّز التكليف المذكور في حقّه لا محالة.
وأولى منهما بالحكم من لم يكلّف بذلك لغفلة ونوم ونحوهما ، فإنّه لو استيقظ أو التفت بعد ذلك وجب عليه القضاء بلا ريب.
والحاصل : أنّه لا يعتبر في من يجب القضاء عليه أن يكون مكلّفاً من أوّل زمان الوجوب ، بل يجب ذلك على من صحّ تكليفه به بعد ذلك إذا كان أولى الناس بالميراث.
فيجب على الطفل إذا بلغ ، وعلى المجنون إذا عقل. وإذا مات غير البالغ قبل البلوغ أو المجنون قبل الإفاقة لا يجب على الأكبر بعدهما (1).
[1847] مسألة 5 : إذا كان أحد الأولاد أكبر بالسنّ والآخر بالبلوغ فالوليّ هو الأوّل (2).
[1848] مسألة 6 : لا يعتبر في الوليّ كونه وارثاً ، فيجب على الممنوع من الإرث (1)بالقتل أو الرقّ أو الكفر (3).
(1) لقصور الدليل عن الشمول لمثله كما لا يخفى.
الضابط في الأكبرية :
(2) إذ المصرّح به في أخبار الباب هو وجوب القضاء على أولى الناس بالميّت ، وهو إنّما ينطبق على الأكبر من حيث السنّ لأجل الحبوة ، فيكون المدار على الأكبريّة بحسب السنّ دون البلوغ.
(3) وكأنّه (قدس سره) اعتمد في ذلك على تعابير الفقهاء في كلماتهم ، فقد عبّروا عنه بأنّ القاضي هو الولد الأكبر ، بلا نظر إلى كونه وارثاً.
ولكن هذا لا يتمّ بالنظر إلى الأخبار المتقدّم ذكرها ، فإنّها دلّت على كون القاضي هو الأولى بالميراث ، وهذا كما قلنا (2)إنّما ينطبق على الولد الأكبر من جهة الحبوة وغيرها ، ومن البديهي أنّ القاتل ونحوه ليس بالأولى بالميراث بالفعل ، فلا يجب عليه القضاء بمقتضى تلكم النصوص.
ودعوى أنّ المراد بالأولى هي الأولوية بالاقتضاء وبالطبع الأوّلي مع قطع النظر عن الموانع والعوارض الخارجية ، خلاف الظاهر ، فانّ الظاهر منه هو من كان ينطبق عليه العنوان المذكور بالفعل ، كما هو الحال في نظائره من قولنا :
(1849) مسألة 7 : إذا كان الأكبر خنثى مشكلاً فالوليّ غيره من الذكور (1)(1) وإن كان أصغر ، ولو انحصر في الخنثى لم يجب عليه.
الخمر حرام ، [حيث] يراد به ما كان خمراً بالفعل ، وهنا يراد به الأولى بالميراث فعلاً ، لا ما هو كذلك شأناً واقتضاء. وعليه فيختصّ وجوب القضاء بغير القاتل ونحوه.
(1) فانّ الموضوع في لسان الدليل هو أولى الناس بالميراث ، المنحصر في الولد الأكبر كما مرّ ، ومع الشكّ في ذكوريّة الخنثى تجري في حقّه أصالة العدم فلا يعطى الحبوة ، بل تدفع إلى الذكر الأكبر عدا الخنثى ، ويكون هو الأولى بالميراث. فلا يجب القضاء على الخنثى ، هذا.
ولكنّ الظاهر هو التفصيل بين بلوغ الخنثى بعد موت الأب فيجب عليه القضاء ، وبلوغه قبل ذلك فلا يجب عليه ، والوجه فيه : أنّ الخنثى المشكل بعد تردّده بين الذكر والأُنثى يعلم إجمالاً بكونه مكلّفاً إمّا بتكاليف الرجال أو النساء ، وحيث كانت الأُصول متعارضة فلا محالة كان العلم الإجمالي منجّزاً في حقّه ، فيجب عليه الجمع بين أحكام الرجال والنساء.
وعليه فان كان بلوغه قبل الموت فحيث كان العلم الإجمالي المذكور قد تنجّز في حقّه في أوّل البلوغ ، وقد أثّر أثره كان الموت اللاحق موجباً للشكّ في حدوث تكليف جديد زائداً على ما تنجّز سابقاً بالعلم الإجمالي ، فيتمسّك في نفيه بالبراءة ، فلا يجب عليه القضاء.
وأمّا إذا كان البلوغ بعد موت الأب ، والمفروض عدم اختصاص وجوب
1) (*) ومع ذلك يجب على الخنثى قضاء ما فات عن أبيه إذا كان بلوغه بعد موت أبيه ، نعم إذا قضاه غيره سقط عنه بلا إشكال.
[1850] مسألة 8 : لو اشتبه الأكبر بين الاثنين أو الأزيد لم يجب على واحد منهم (1) ، وإن كان الأحوط التوزيع أو القرعة.
القضاء بالبالغين حين الموت ، وإنّما يعمّ الصبي إذا بلغ بعد ذلك كما سبق ، فلا محالة يعلم إجمالاً حين بلوغه بكونه مكلّفاً بتكاليف الرجال ومن جملتها وجوب القضاء ، أو بتكاليف النساء. ولتعارض الأُصول يتنجّز العلم المذكور فيجب عليه القضاء حينئذ بمقتضى العلم المذكور.
والحاصل : أنّ الفرق بين الصورتين واضح وظاهر ، ففي الأُولى كان العلم الإجمالي منجّزاً قبل الموت وبعده كان الشك في توجّه تكليف جديد ، والبراءة تنفيه. وأمّا في الثانية فكان حين البلوغ يعلم إجمالاً بتوجّه تكاليف ومنها وجوب القضاء ، وكان مقتضاه هو وجوب القضاء عليه لا محالة.
نعم ، لو فرضنا أنّ الأكبر بعد الخنثى أو غيره قضى ما فات عن الأب سقط التكليف به حينئذ عن الخنثى ، لخروج التكليف به عن أطراف العلم الإجمالي لأجل انتفاء الموضوع ، لفراغ ذمّة الميّت حينئذ.
فالصحيح : هو التفصيل بهذا النحو كما أشار إليه سيدنا الأُستاذ (دام ظله) في تعليقته الأنيقة.
(1) فانّ موضوع الحكم وهو الأولى بالميراث المنحصر في الولد الأكبر كما مر (1)ممّا يشكّ في انطباقه على كلّ منهما ، فتجري البراءة في حقّ كلّ واحد منهما. والعلم الإجمالي بوجود الأكبر في البين لا أثر له بعد تردّد التكليف بين شخصين ، وعدم توجّه الخطاب المعلوم بالإجمال إلى شخص واحد ، فلا يصلح للتنجيز ، هذا.
1) في ص 274 وما بعدها.
.................................................................................................
وقد يقال بالوجوب على كلّ منهما ، لأنّ كلّ واحد منهما يشكّ في أكبرية غيره ، والأصل عدمه.
ويتوجّه عليه أوّلاً : أنّ عنوان الولد الأكبر وإن كان مذكوراً في كلمات الفقهاء ، لكنّه ليس موضوعاً للحكم في لسان الروايات ، وإنّما الموضوع فيها هو الأولى بالميراث ، أو أفضل أهل بيته كما عرفت. ولا أصل ينقّح به هذا الموضوع.
وثانياً : لو سلّمنا أنّ الموضوع هو الولد الأكبر فإنّما يتّجه تقرير الأصل لو كان مفهوم الأكبر مركّباً من جزأين : الولادة من الأب وعدم تولّد شخص آخر منه قبله ، فإنّه بعد ضمّ الجزء الثاني الثابت بالاستصحاب إلى الأوّل الثابت بالوجدان يلتئم الموضوع لا محالة ويثبت أنّه الأكبر ، فيجب عليه القضاء. لكنّه ليس كذلك جزماً ، فإنّ الأكبريّة عنوان بسيط منتزع من عدم تولّد غيره قبله. ولا يثبت مثل هذا العنوان البسيط بالأصل.
وثالثاً : لو سلّمنا تركّبه من جزأين وأنّه قد تمّ أركان الاستصحاب لكان ذلك معارضاً بمثله لا محالة ، إذ يجري في حقّ كلّ من الأخوين أو الإخوة استصحابان يختلفان في الأثر :
أحدهما : أصالة عدم تولّد شخص آخر قبله ، وبعد ضمّه إلى تولّده وجداناً من أبيه يحرز أنّه الأكبر ، وأثره وجوب القضاء عليه.
ثانيهما : أصالة عدم تولّد شخص آخر قبل أخيه ، وبعد ضمّه إلى تولّده هو من أبيه وجداناً يحرز به أنّ الأخ هو الأكبر ، وأثره هو وجوب القضاء على الأخ لا عليه. فيتعارض الاستصحابان لا محالة.
فتحصّل : أنّ الأقوى هو عدم الوجوب على واحد منهم كما أفاده في المتن وإن كان الأحوط هو التوزيع أو القرعة كما أفاده (قدس سره).
[1851] مسألة 9 : لو تساوى الولدان في السنّ قسّط القضاء عليهما (1)(1) ويكلّف بالكسر أي ما لا يكون قابلاً للقسمة والتقسيط ، كصلاة واحدة وصوم يوم واحد كلّ منهما على الكفاية ، فلهما أن يوقعاه دفعة واحدة ويحكم بصحّة كلّ منهما وإن كان متّحداً في ذمّة الميت
(1) إذا تساوى الولدان في السنّ كما في التوأمين أو المتولّدين من أُمّين في ساعة واحدة ، فهل يقسّط القضاء عليهما حينئذ ، أو يجب عليهما كفاية ، أو لا يجب على واحد منهما شيء أصلاً؟ وجوه ، بل أقوال :
نسب الأخير إلى الحلّي (رحمه اللّه) (2)استناداً إلى أنّ موضوع الحكم هو الولد الأكبر ، والمفروض هو انتفاؤه بعد تساويهما في السنّ.
وهو ساقط جدّاً ، فانّ الموضوع ليس هو عنوان الأكبر وإن ذكره الفقهاء في كلماتهم كما مرّ مراراً ، بل الموضوع هو الأولى بالميراث الصادق عليهما معاً.
مع أنّ الأكبريّة على تقدير اعتبارها إنّما تلحظ بالإضافة إلى من هو أصغر منه على تقدير وجوده ، لا بالإضافة إلى من يساويه في السنّ ، ولذا لو انحصر الوارث بولد واحد كان هو الوليّ بلا إشكال ، وإن لم يصدق عليه عنوان الأكبر. فليست الأكبرية معتبرة على الإطلاق.
إذن فالمسألة تدور بين القولين الأوّلين. ذهب كثيرون إلى التقسيط ، منهم المصنّف (قدس سره).
.................................................................................................
وقد استدلّ له شيخنا الأنصاري (قدس سره) في رسالته (1)بعد اختياره ذلك : بأنّ دليل وجوب القضاء لمّا كان مجملاً ولم يكن صالحاً لإثبات أحد الأمرين في المقام من التقسيط والوجوب الكفائي كان المرجع حينئذ هو الأصل ، ومقتضاه التقسيط ، فانّ نصف ما في ذمّة الميّت واجب على كلّ من الأخوين على كلّ تقدير ، أي سواء أكان الوجوب كفائياً أم على سبيل التقسيط ، فيكون هذا هو المتيقّن ، وينفى الزائد المشكوك بأصالة البراءة.
وقد فصّل المصنّف (قدس سره) بين ما إذا كان المورد قابلاً للتقسيط فالتزم فيه بذلك ، وبين ما إذا لم يقبله كما إذا اشتغلت ذمّة الميّت بصلاة واحدة أو صوم يوم واحد ، أو استلزم التقسيط الكسر كما فيما إذا اشتغلت ذمّته بصلوات ثلاث أو صوم خمسة أيّام ، فالتزم في مثل ذلك بالوجوب على كلّ منهما كفاية.
ولا يخفى أنّ الجمع بين الأمرين أعني القول بالتقسيط فيما يقبله ، والالتزام بالوجوب الكفائي فيما لا يقبله ممّا يشكل إثباته بالدليل ، بل إثباته بدليل واحد مستحيل كما هو ظاهر ، حيث لا يتكفّل الدليل الواحد بإثبات الوجوب العيني والكفائي معاً.
وكأنّ الوجه فيما ذهب إليه (قدس سره) من الوجوب الكفائي فيما لا يقبل التقسيط هو العلم الخارجي بوجوب تفريغ ذمّة الميّت مطلقاً ، بحيث لا يحتمل اختصاصه بما يقبل التقسيط ، وحينئذ فلا يحتمل انتفاء الوجوب في هذا الفرض كما أنّه لا يحتمل الوجوب العيني على كلّ منهما ، فإنّ الفائتة الواحدة لا تستدعي قضاءين بالضرورة ، فلا محالة ينحصر الوجه المعقول بالوجوب الكفائي.
والأقوى هو القول بالوجوب الكفائي مطلقاً ، بلا فرق بين ما يقبل التقسيط وما لا يقبله ، والوجه فيه : أنّ المستفاد من قوله (عليه السلام) في صحيحة
1) رسائل فقهية : 220.
.................................................................................................
حفص المتقدّمة (1): «يقضي عنه أولى الناس بميراثه» أنّ وجوب القضاء ثابت في حقّ طبيعيّ الوليّ ، الصادق تارة على الواحد كالولد الأكبر وهو الغالب وعلى المتعدّد اخرى كما في المقام.
فموضوع الوجوب هو الطبيعيّ الصادق على الواحد والمتعدّد ، كما أنّ الواجب هو الطبيعيّ الفائت عن الميّت ، أي كلّ فردٍ منه اشتغلت ذمّته به. فيجب قضاء طبيعيّ ما فات على طبيعي الوليّ.
ونتيجة ذلك : الالتزام بالوجوب العيني في فرض وحدة الوليّ والوجوب الكفائي عند تعدّده ، إذ لا تحتمل العينيّة في هذا الفرض ، كيف وأنّ الفائتة الواحدة لا توجب إلّا قضاء واحداً لا قضاءين.
كما لا يحتمل التقسيط أيضاً ، لما عرفت آنفاً من وجوب قضاء الطبيعيّ بمعنى كلّ فردٍ من الفائتة على الوليّ ، فكلّ من الوليّين يجب عليه الإتيان بجميع ما فات الميّت ، فاذا كان قد فاتته صلاتان أو ثلاث صلوات كان الواجب على طبيعيّ الوليّ قضاء كلّ صلاة فاتته ، لا حصّة من ذلك.
كما لا يحتمل السقوط رأساً كما مرّ ، وعليه فلا مناص من الالتزام بالوجوب الكفائي. فيجب عليهما معاً كفاية الإتيان بجميع ما فات الميّت.
فاذا بادر أحدهما إلى ذلك سقط عن الآخر ، من غير فرق بين ما يقبل التقسيط وما لا يقبله ، أو ما يستلزم الكسر وما لا يستلزمه ، لوحدة المناط في الكلّ.
وإذا فرضنا أنّهما أوقعاه دفعة واحدة بأن صاما عنه في يوم واحد أو صلّيا عنه بحيث كان فراغهما منها في زمان واحد كما لو صلّياها جماعة يحكم بصحّة كلتا الصلاتين ، وإن كان ما اشتغلت به ذمّة الميّت واحداً ، كما أشار إليه المصنّف (قدس سره) ، فانّ الوجوب كان ثابتاً في حقّ طبيعيّ الوليّ كما عرفت
1) في ص 264.
ولو كان صوماً من قضاء شهر رمضان لا يجوز لهما الإفطار (1)بعد الزوال (1) والأحوط الكفّارة على كلّ منهما (2)مع الإفطار بعده بناء على وجوبها في القضاء عن الغير أيضاً كما في قضاء نفسه.
وهو كما يصدق على الواحد يصدق على المتعدّد المتحقّق دفعة واحدة.
(1) المعروف بينهم عدم جواز الإفطار بعد الزوال في قضاء شهر رمضان الموسّع ، وأنّه إذا أفطر وجبت عليه الكفّارة ، والمتيقّن منه القضاء عن نفسه وأمّا عن غيره ففيه خلاف تأتي الإشارة إليه في محلّه إن شاء اللّه تعالى (3). وعلى أيّ حال فهل الحكمان يثبتان في المقام أو لا؟
أمّا بالنسبة إلى جواز الإفطار فلا يبعد التفصيل بين صورة الاطمئنان بإتمام الآخر وعدمه ، فيجوز له الإفطار في الأُولى دون الثانية ، فإنّه بعد فرض كون الوجوب كفائياً وحصول الاطمئنان بوجود من به الكفاية وقيامه بالواجب على الوجه الصحيح لا موجب للمنع عن إفطار هذا الشخص ، وهذا بخلاف ما إذا لم يطمئنّ بذلك ، سواء أكان شاكاً في إتمام الآخر أم مطمئناً بعدمه ، فإنّه يشكل الإفطار حينئذ ، بل لا يجوز ، لكونه بمثابة الإخلال بالواجب الكفائي وعصيانه.
وأمّا الكفّارة فلا يبعد القول بوجوبها كفاية ، نظراً إلى أنّها تتبع كيفية وجوب الصوم ، فاذا كان وجوبه بنحو الكفاية كانت الكفارة أيضاً كذلك.
هذا إذا أفطرا دفعة واحدة ، وأمّا إذا كان بينهما سبق ولحوق بأن أفطر أحدهما أوّلاً عصياناً أو لاطمئنانه بإتمام الآخر ، فيمكن القول باختصاص الكفّارة حينئذ بالمتأخّر ، إذ بعد إفطار الأوّل ينقلب الوجوب الكفائي إلى العيني
[1852] مسألة 10 : إذا أوصى الميّت بالاستئجار عنه سقط عن الولّي بشرط الإتيان من الأجير صحيحاً (1).
بالنسبة إليه ، الموجب لاختصاص الكفّارة به.
(1) أمّا جواز مثل هذه الوصيّة ومشروعيّتها فممّا لا إشكال فيه ولا خلاف وقد ادّعي عليه الإجماع. ولا حاجة إلى الاستدلال به ، لكون الحكم طبق القاعدة ، فلا يحتاج إلى إقامة دليل عليه بالخصوص.
وذلك لأنّه بعد الفراغ عن مشروعيّة التبرّع في النيابة عن الأموات كما أسلفنا القول فيه مستقصى في فصل صلاة الاستئجار (1)يكون جواز الاستئجار لمثل هذا العمل السائغ ثابتاً بمقتضى عموم دليل الوفاء بالعقود ، كما أنّ صحّة الوصيّة المتعلّقة بالاستئجار المذكور تكون مشمولة لعمومات نفوذ الوصيّة ، فلا ينبغي التأمّل في المقام في نفوذها.
إنّما الكلام في وجوب القضاء حينئذ على الوليّ ، فقد منعه جماعة منهم شيخنا الأنصاري (قدس سره) في رسالته (2)واستدلّ له :
أوّلاً : بانصراف دليل الوجوب عن صورة الوصيّة. وفيه : ما لا يخفى ، فانّ الموجب للانصراف إن كان هو التنافي بين الأمرين فهو يرجع إلى الوجه الآتي وستعرف ما فيه. وإن كان شيئاً آخر فعليه البيان بعد أن لم يكن مبيّناً بنفسه.
وثانياً : بثبوت المنافاة بين الوجوب على الوليّ وبين نفوذ الوصيّة ، وإذ لا يمكن الجمع بينهما يقدّم الثاني لا محالة.
بيان ذلك : أنّه بعد فرض وجوب العمل بالوصيّة لا يمكن الجمع بينه وبين الوجوب على الوليّ عيناً ، فإنّ الفائتة الواحدة لا تقضى مرّتين ، ولا يجب
.................................................................................................
قضاؤها على شخصين. والحمل على الوجوب الكفائي مخالف لظاهري الدليلين.
وحيث تصل النوبة إلى الأخذ بظاهر أحدهما فلا محالة يتعيّن تقديم الوصيّة لأنّ وجوبها ثابت بالعنوان الثانوي الحاكم على العناوين الأوليّة كما في غير المقام ، فإنّها أحكام طبعيّة اقتضائية لا تنافي بينها وبين الحكم الثابت بالعنوان الثانوي الطارئ ، بل هي محكومة به. وعليه فوجوب القضاء على الوليّ حكم أوّلي اقتضائيّ ، ووجوب العمل بالوصية حكم ثانويّ فعليّ حاكم عليه. ولعله لأجل ذلك حكم (قدس سره) بانصراف الدليل عن مثل المقام.
قلت : الظاهر عدم التنافي بين الأمرين ، وتوضيحه يتوقّف على بيان ما في الوصيّة بالاستئجار من الجهات لنرى بعد ذلك أنّ أيّاً منها تنافي وجوب القضاء على الوليّ ، فنقول : إنّ الثابت في الفرض المذكور عند التحليل أُمور ثلاثة :
أحدها : وجوب الاستئجار على الوصيّ ، ولا ينبغي التأمّل في عدم التنافي بينه وبين وجوب القضاء عيناً على الوليّ ، فإنّهما حكمان لموضوعين ولشخصين أحدهما أجنبي عن الآخر ، ولا معنى حينئذ للحمل على الوجوب الكفائي لا لمجرّد مخالفته لظاهري الدليلين كما ذكره (قدس سره) ، بل لامتناعه في نفسه.
فانّ مورد الوجوب الكفائي ما إذا كان هناك حكم واحد قد تعلّق بطبيعيّ المكلّف ، والمفروض هنا ثبوت حكمين متغايرين موضوعاً ومتعلّقاً ، أحدهما : وجوب الاستئجار الثابت للوصيّ. والآخر : وجوب القضاء للوليّ. ولا ارتباط لأحدهما بالآخر ، فلا منافاة بين الحكمين في هذه المرحلة.
ثانيها : ملكيّة الموصي أو الوصيّ للعمل في ذمّة الأجير. ولا شك أيضاً في عدم منافاتها لوجوب القضاء على الوليّ ، لعدم التنافي بين الحكم التكليفي والوضعي.
ثالثها : وجوب الصلاة على الأجير من باب وجوب تسليم العمل المستأجر
.................................................................................................
عليه الثابت بمقتضى عقد الإجارة ، وإذا كان هناك تنافٍ بين الحكمين فإنّما يكون ذلك في هذه المرحلة ، إذ قد يتوهّم التنافي بين هذا وبين وجوب القضاء على الوليّ ، فإنّ فائتة الميّت لا تقتضي إلّا قضاءها مرّة واحدة ، إذ لا معنى لتفريغ ذمّته مرّتين ، فكيف يمكن الالتزام مع هذا بوجوب القضاء على كلّ من الأجير والوليّ عيناً.
ولا مجال للالتزام حينئذ بالوجوب الكفائي أيضاً ، فإنّ مقتضى عقد الإجارة هو وجوب التسليم على الأجير عيناً ، فإنّه طرف عقد الإيجار ، لا الطبيعي الأعمّ منه ومن الوليّ ، فكيف يمكن أن يكون عمل الوليّ وفاءً بعقد الإجارة مع كونه أجنبياً عنه بالكلّية.
والتحقيق : عدم المنافاة بينهما حتّى في هذه المرحلة ، لاختلاف الحكمين سنخاً ، فانّ الوجوب الثابت على الأجير مطلق غير مشروط بما عدا الشرائط العامّة ، ومنها القدرة على التسليم التي ستعرف حالها.
وهذا بخلاف الوجوب المتعلّق بالوليّ ، فهو مشروط حدوثاً وبقاءً باشتغال ذمّة الميّت بالقضاء ، لكونه مأموراً بتفريغ ذمّته ، الموقوف ذلك على اشتغال الذمّة ، فكما أنّ انتفاء اشتغال الذمّة حدوثاً يوجب انتفاء وجوب القضاء على الوليّ رأساً كذلك فراغ ذمته بقاءً كما لو تبرّع به متبرّع ، أو بادر الأجير إلى ذلك يوجب سقوط الوجوب عن الوليّ بقاءً ، لانعدام الموضوع.
وعلى الجملة : تكليف الوليّ بالقضاء دائر مدار اشتغال ذمّة الميّت به حدوثاً وبقاءً ، ففي كلّ آن زال الاشتغال المذكور سقط الوجوب عن الوليّ أيضاً. وهذا بخلاف الوجوب الثابت في حقّ الأجير بعقد الإجارة ، فإنّه مطلق من هذه الجهة ، كما لا يخفى (1).
وعليه فلا تنافي بين الوجوبين ، لعدم المنافاة بين الواجب المطلق والمشروط
1) هذا وجيه لو كان متعلّق الإجارة ذات العمل لا تفريغ الذمّة ، فينبغي التفصيل ، إلّا أن يكون منصرف كلامه هو الأوّل كما لا يبعد.
.................................................................................................
فيكون المقام أشبه شيء بباب الترتّب ، حيث إنّ وجوب الأهم هناك مطلق ووجوب المهم مشروط بعصيان الأهم ، بلا تعاند بين الوجوبين ، وكذلك الحال فيما نحن فيه ، غايته : أنّ الشرط في المقام ليس هو العصيان بخصوصه ، بل مجرّد عدم إتيان الأجير بالقضاء صحيحاً ، سواء أكان عاصياً بذلك أم كان معذوراً فيه. وهذا هو مراد المصنّف (قدس سره) من اشتراط السقوط عن الوليّ بإتيان الأجير صحيحاً.
ثمّ إنّه لو بادر الوليّ إلى القضاء قبل الأجير فهل يحكم بانفساخ الإجارة؟ فيه تفصيل ، مرّت الإشارة إليه في المسألة الثانية والعشرين من الفصل السابق ومحصّله : أنّ الإجارة قد تقع على ذات العمل ، وأُخرى على عنوان التفريغ.
فعلى الأوّل لا موجب للانفساخ أبداً ، لتمكّن الأجير من الإتيان بالعمل بعد ذلك ولو رجاءً ، لاحتمال الفساد واقعاً في عمل الوليّ لاشتماله على خلل لم يعلم به ، كأن يكون جنباً وهو لا يدري ، حيث يكون العمل من الأجير حينئذ صحيحاً ومشروعاً ، فهو قادر على التسليم عقلاً وشرعاً. ولا يعتبر في الإجارة أكثر من هذا ، فلا موجب للانفساخ ، فيجب عليه القضاء حينئذ رجاءً وفاءً بعقد الإجارة.
وأمّا على الثاني فتارة : لا يتمكّن الأجير من التفريغ أصلاً لا حدوثاً ولا بقاءً ، كما في المرأة حال طمثها إذا بادر الوليّ إلى القضاء خلال هذه الفترة ، لعدم تمكّنها من العمل خلال هذه الفترة للطمث ، ولا بعدها لانتفاء الموضوع فتكون القدرة على التسليم منتفية في حقّها في جميع الآنات المتصوّرة ، وفي مثل ذلك لا ينبغي الشكّ في انفساخ الإجارة بالعجز عن التسليم ، الكاشف عن عدم كون الأجير مالكاً لشيء حتّى يملّكه الغير ، ولا إجارة إلّا في ملك.
وأُخرى : يطرأ العجز عليه بعد فرض تمكّنه من ذلك ، كما لو استؤجر للصلاة خلال شهر مثلاً فتسامح في الإتيان به إلى أن بادر الولي إليه ، فحصل به التفريغ وانتفى به الموضوع بقاءً بعد فرض قدرته عليه حدوثاً ، وحينئذ لا موجب للانفساخ كما في جميع موارد العجز الطارئ ، غايته ثبوت الخيار للمستأجر
[1853] مسألة 11 : يجوز للوليّ أن يستأجر ما عليه من القضاء عن الميّت (1).
فان اختار الفسخ رجع على الأجير بأُجرة المسمّى ، وإن أمضى العقد طالبه بقيمة العمل أي أجرة المثل ، للانتقال إلى البدل بعد تعذّر العين.
(1) مقتضى ظواهر جملة من النصوص الواردة في المقام كصحيح حفص (1)وغيره (2)اعتبار المباشرة في القضاء في حقّ الوليّ ، كما هو الحال في ظاهر كلّ خطاب متوجّه إلى المكلّف ، فانّ مقتضى إطلاقه هو المباشرة وعدم سقوط التكليف بفعل الغير كما حقّق ذلك في محلّه (3).
إلّا أنّه ورد في بعضها إطلاق مشروعيّة العبادة عن الأموات ، الكاشف عن صحّة التبرّع من غير الوليّ ، بل في بعضها التصريح بصحّتها من قبل أخ الميّت فإنّه بعد قيام الدليل على مشروعية التبرّع لكلّ أحد وفراغ ذمّة الميّت به يستكشف منه كون الوجوب المتعلّق بالوليّ مشروطاً حدوثاً وبقاءً باشتغال ذمّة الميّت بالقضاء ، فلا تكليف بعد التفريغ بأداء المتبرّع كما مرّت الإشارة إلى ذلك في المسألة السابقة ، ولأجله ترفع اليد عن ظواهر النصوص الدالّة على المباشرة ، ويحكم بسقوط التكليف بفعل الغير أيضاً.
وعليه فلا مانع من تسبيب الوليّ إلى تصدّي الغير للتفريغ ، إمّا باستدعائه للتبرّع والتماس منه أو باستئجاره لذلك ، لصحّة الفعل الصادر عن الأجير وقدرته عقلاً وشرعاً على التسليم بعد فرض جواز التبرّع منه كما عرفت. ولا يعتبر في صحّة الإجارة أكثر من ذلك ، فتشمله عمومات الإجارة من دون حاجة إلى قيام دليل عليه بالخصوص.
[1854] مسألة 12 : إذا تبرّع بالقضاء عن الميت متبرع سقط القضاء عن الوليّ (1).
فما يظهر من الحلّي (1)وجماعة من عدم السقوط عن الوليّ بذلك لأجل الشكّ فيه ومقتضى الأصل العدم ، كما ترى ، إذ لا ينتهي الأمر إلى الأصل مع فرض قيام الدليل. ومن الواضح أنّه لا معنى لوجوب التفريغ على الوليّ بعد حصوله بفعل الغير المتبرّع بذلك أو الأجير.
نعم ، قد يظهر من مكاتبة الصفّار المتقدّمة لزوم مباشرة الوليّ وعدم السقوط بفعل الغير ، قال : «كتبت إلى الأخير (عليه السلام) : رجل مات وعليه قضاء من شهر رمضان عشرة أيّام ، وله وليّان ، هل يجوز لهما أن يقضيا عنه جميعاً ، خمسة أيّام أحد الوليّين وخمسة أيّام الآخر؟ فوقّع (عليه السلام) : يقضي عنه أكبر وليّيه عشرة أيّام ولاءً إن شاء اللّه تعالى» (2).
لكنّ الصحيحة بظاهرها مطروحة مهجورة ، ولا بدّ من ردّ علمها إلى أهله لدلالتها على عدم مشروعية القضاء من غير الوليّ ، وعلى اعتبار التوالي فيه أيضاً ، وشيء منهما ممّا لا يلتزم به أحد من الأصحاب ، فإنّ محلّ الكلام إنّما هو الوجوب على الوليّ ، وأمّا الجواز وأصل المشروعية فثبوت ذلك في حقّ كل أحد ممّا لا إشكال ولا كلام فيه.
وأمّا التوالي في القضاء فلم يكن معتبراً في قضاء الميّت نفسه لو كان هو المتصدّي لقضاء ما بذمّته في حال حياته ، فكيف يعتبر ذلك في وليّه. فلا مناص من التأويل بحمله على الأفضلية كما ليس ببعيد ، أو ردّ علمها إلى أهله.
(1) وقد ظهر وجهه ممّا مرّ في المسألة السابقة وما مرّ في مطاوي الأبحاث المتقدّمة أيضاً.
[1855] مسألة 13 : يجب على الولي مراعاة الترتيب (1)(1) في قضاء الصلاة وإن جهله وجب عليه الاحتياط بالتكرار.
[1856] مسألة 14 : المناط في الجهر والإخفات على حال الولّي المباشر (2) لا الميّت ، فيجهر في الجهريّة وإن كان القضاء عن الام.
[1857] مسألة 15 : في أحكام الشك والسهو يراعي الوليّ تكليف نفسه (3) اجتهاداً أو تقليداً لا تكليف الميّت ، بخلاف أجزاء الصلاة وشرائطها فإنّه يراعي تكليف الميّت (2)(4).
(1) عرفت سابقاً (3)عدم وجوبه في غير المترتّبتين بالذات كالظهرين والعشاءين من يوم واحد ، فلا حاجة إلى التكرار في صورة الجهل ، وإن كان أحوط.
(2) فإنّهما كاعتبار الساتر وعدم لبس الحرير أو الذهب للرجال من شرائط المصلّي دون الصلاة ، فتكون العبرة بحال النائب المباشر دون المنوب عنه ، فاذا كان رجلاً وجب عليه الجهر في الجهريّة ، وحرم عليه لبس الذهب والحرير ، ولم يجب عليه ستر ما عدا العورتين وإن كان المنوب عنه امرأة. والعكس بالعكس. وهكذا الحال في سائر الأحكام المتعلّقة بالمصلّي.
(3) فإنّ المصلّي وهو الوليّ هو الشاكّ أو الساهي ، فلا بدّ له من مراعاة ما تقتضيه وظيفته في الفرض المذكور اجتهاداً أو تقليداً ، ولا دخل لنظر الميّت في ذلك ، لكون ذلك من أحكام المصلّي دون الصلاة كما مرّ في المسألة السابقة.
(4) قد مرّ الكلام حول الفرع في المسألة الخامسة عشرة من الفصل
وكذا في أصل وجوب القضاء (1)فلو كان مقتضى تقليد الميّت أو اجتهاده وجوب القضاء عليه يجب على الوليّ الإتيان به وإن كان مقتضى مذهبه عدم الوجوب ، وإن كان مقتضى مذهب الميّت عدم الوجوب لا يجب عليه وإن كان واجباً بمقتضى مذهبه ، إلّا إذا علم علماً وجدانياً قطعياً ببطلان مذهب الميّت فيراعي حينئذ تكليف نفسه.
السابق (2)، وقد قلنا هناك : إنّ فوائت الميّت تكون موضوعاً لتوجيه الخطاب بالقضاء إلى الوليّ ، فهو المكلّف بالتفريغ ، ولا بدّ له من الإتيان بعمل يراه هو مصداقاً للتفريغ ويعدّ بنظره امتثالاً للخطاب المفروض ، فلا دخل لنظر الميّت في سقوط الخطاب المتوجّه إلى الوليّ.
فلو اختلفا في أجزاء الصلاة أو شرائطها اجتهاداً أو تقليداً كان المتّبع هو نظر الوليّ نفسه ، وعليه أن يعمل حسب وظيفته ، ولا أثر لنظر غيره. فحكمه (قدس سره) بمراعاة تكليف الميّت لعلّه عجيب.
وأعجب منه ما ذكره (قدس سره) بعد ذلك من كون الاعتبار في أصل وجوب القضاء أيضاً بنظر الميّت ، فلو اختلفا فيه اجتهاداً أو تقليداً كان المتّبع في وجوب القضاء على الوليّ هو رأي الميّت.
وهو كما ترى ممّا لا يمكننا المساعدة عليه بوجه ، فانّ موضوع الخطاب بالقضاء المتوجّه إلى الوليّ إنّما هو فوائت الميّت ، بحيث يصدق أنّ «عليه صلاة» (3)كما مرّ ، والسبيل إلى تشخيص هذا الموضوع إنّما هو نظر من خوطب بالقضاء عنه وهو الوليّ ، دون غيره الأجنبي عن التكليف المذكور.
فمتى ما أحرز الوليّ وبأيّ مقدار أحرز تحقّق الموضوع وثبوت الفوت عن الميّت كان الخطاب المذكور فعلياً في حقّه وإن لم يكن كذلك أصلاً أو بذلك
[1858] مسألة 16 : إذا علم الوليّ أنّ على الميّت فوائت ولكن لا يدري أنّها فاتت لعذر من مرض أو نحوه أو لا لعذر ، لا يجب عليه القضاء (1)(1) ، وكذا إذا شكّ في أصل الفوت وعدمه (2).
[1859] مسألة 17 : المدار في الأكبريّة على التولّد (3) لا على انعقاد النطفة فلو كان أحد الولدين أسبق انعقاداً والآخر أسبق تولداً فالوليّ هو الثاني ، ففي التوأمين الأكبر أوّلهما تولّدا.
المقدار في حقّ الميت. والعكس بالعكس ، ولا أثر لنظر الميّت حينئذ أبداً.
(1) لا أثر لهذا الشكّ بناء على ما عرفت من أنّ الأقوى وجوب القضاء على الوليّ بالنسبة لمطلق فوائت الميّت ، سواء الفائتة لعذر أم لغيره ، نعم على مسلكه (قدس سره) من الاختصاص بما فاته لعذر يكون المرجع في مورد الشكّ أصالة البراءة ، للشكّ في تحقّق موضوع الحكم.
(2) لأصالة البراءة ، فإنّ الموضوع للقضاء إنّما هو صدق عنوان : «يموت وعليه صلاة أو صيام» كما في صحيح حفص ، وهو مساوق (2)لعنوان الفوت ، والمفروض الشكّ في تحقّق العنوان المذكور. وأصالة عدم الإتيان بالعمل في وقته لا تكاد تجدي لإثبات العنوان ، فيدفع بالأصل. مضافاً إلى قاعدة الشكّ بعد خروج الوقت الجارية في حقّ الميّت ، فليتأمّل.
(3) إذ لا أثر لسبق انعقاد النطفة مع التأخّر بحسب التولّد ، فانّ العبرة إنّما هي بسبقه إلى هذا العالم الخارجي ، لكون المناط في الأكبريّة عرفاً هو هذا الاعتبار. وعليه ففي التوأمين تكون الأكبريّة بسبق أحدهما ولادةً ولو بدقائق وإن فرضنا تأخّره انعقاداً.
[1860] مسألة 18 : الظاهر عدم اختصاص ما يجب على الوليّ بالفوائت اليومية ، فلو وجب عليه صلاة بالنذر الموقّت وفاتت منه لعذر وجب على الوليّ قضاؤها (1).
نعم ، يظهر من مرسلة علي بن أحمد بن أشيم عن الصادق (عليه السلام) خلافه ، فقد قال (عليه السلام) : «الذي خرج أخيراً هو أكبر ، أما علمت أنّها حملت بذلك أوّلاً ، وأنّ هذا دخل على ذلك» (1).
ولكنّها أوّلاً : ضعيفة بالإرسال ، نعم إنّ ابن أشيم وإن لم يوثّق صريحاً لكنّه موجود في أسناد كامل الزيارات. فلا مناقشة في سندها من جهته.
وثانياً : أنّ مفادها غير قابل للتصديق ، لانعقاد نطفتي التوأمين في آن واحد لدخول الحيوانين المنويّين في الرحم دفعة واحدة كما هو المحقّق في محلّه. فلا دخول لأحدهما على الآخر.
وثالثاً : مع التسليم أيضاً فالأسبقيّة في انعقاد النطفة بمجرّدها لا تكفي للاتصاف بالأكبرية ما لم يكن هناك سبق في الولادة ، فلو افترضنا أنّه واقع إحدى زوجتيه ثمّ بعد شهر على ذلك واقع الأُخرى فحملتا منه ، ثمّ وضعت الثانية حملها قبل الأُولى بأن وضعته لستة أشهر ، فهل يمكن الالتزام بأكبريّة ولد الزوجة الاولى مع تأخّره عن ولد الثانية بالولادة بشهرين استناداً إلى أسبقيّة انعقاد نطفته؟
وعلى الجملة : الرواية مخدوش فيها من جهات ، ولذلك لا يصحّ التعويل عليها ، بل الصحيح هو ما ذكرناه.
(1) لإطلاق النصّ ، فانّ الموضوع للحكم في صحيحة حفص (2)«الرجل
(1861) مسألة 19 : الظاهر أنّه يكفي في الوجوب على الوليّ إخبار الميّت (1)بأنّ عليه قضاء ما فات لعذر (1).
يموت وعليه صلاة ...» يعمّ كافة الصلوات الواجبة الفائتة من الميّت. ودعوى الانصراف إلى اليومية كما ترى.
نعم ، يختص الحكم بما كان واجباً على الميّت نفسه بالأصالة ، فلا يشمل ما وجب عليه بالاستئجار أو الولاية ، لأنّ المذكور في الصحيحة المشار إليها : «يقضي عنه أولى الناس ...» ، والضمير المجرور عائد إلى الميّت.
فيكون مفادها وجوب القضاء عن الميّت نفسه ، فلا يشمل مورد الفوائت الواجبة بالاستئجار أو الولاية ، فإنّ القضاء في ذلك إنّما يكون عمّن استؤجر له أو عمّن له الولاية عليه ، لا عن الميّت نفسه. فالنصّ بنفسه قاصر الشمول لمثل ذلك ، بلا حاجة إلى دعوى الانصراف.
(1) لا يخفى أنّه لا دليل على اعتبار الإخبار المذكور إلّا من باب الإقرار على النفس ، الذي يختصّ نفوذه بما إذا ترتّب على ذلك أثر في حال الحياة كما في الإقرار بالدين ، فإنّه يوجب إلزامه بالأداء لو طالبه الدائن ، ولو امتنع عنه وجب على الوارث إخراجه من الأصل.
وأمّا في المقام فلا يترتّب على إقراره أيّ أثر حال الحياة ، وإنّما يظهر ذلك بعد الموت وفي تعلّق الوجوب بالوليّ ، فيكون مرجعه إلى الإقرار على شخص آخر لأعلى نفسه. وواضح أنّ إقرار العقلاء نافذ على أنفسهم لا على غيرهم.
نعم ، لو فرضنا الميّت ثقة كان إخباره حجّة بملاك حجيّة خبر الثقة في الموضوعات كالأحكام ، كما لو كان المخبر بذلك ثقة آخر غير الميّت.
1) (*) في كفايته إشكال ، بل منع.
[1862] مسألة 20 : إذا مات في أثناء الوقت بعد مضيّ مقدار الصلاة بحسب حاله قبل أن يصلّي وجب على الوليّ قضاؤها (1).
وعلى الجملة : إخبار الميّت بفوائت نفسه بهذا العنوان لا دليل على حجّيته ما لم يدخل تحت عنوان إخبار الثقة الثابت حجيّته في الموضوعات كالأحكام.
(1) لأنّ موضوع الوجوب على الوليّ ليس هو الفوت عن الميّت كي لا يشمل المقام ، بل صدق «أنّه مات وعليه صلاة أو صيام ...» كما في صحيحة حفص ، وهو صادق في المقام.
والتعبير بالقضاء في النصّ يراد به المعنى اللغوي أعني مطلق الإتيان ، دون المصطلح الخاصّ بالمأتي به خارج الوقت حتّى يتأمّل في شموله للمقام. فدعوى الاختصاص بغير المقام ممّا يثبت فيه القضاء على الميّت اغتراراً بالتعبير المذكور في غير محلّها.
ويؤيّده : رواية ابن سنان الواردة في خصوص المقام عن الصادق (عليه السلام) «قال : الصلاة التي دخل وقتها قبل أن يموت الميّت يقضي عنه أولى الناس به» (1).
لكنّها ضعيفة السند ، لضعف طريق السيد ابن طاوس (قدس سره) في كتاب غياث سلطان الورى ... كما مرّ (2). فلا تصلح إلّا للتأييد.
نعم ، إنّ هنا فرعاً تعرّض له جماعة من الأصحاب ، وهو أنّه هل يجب على الوليّ المبادرة بإيقاع هذه الصلاة في وقتها ، أو أنّ له التأخير إلى خروج الوقت؟
قد يقال بالأول ، فإنّ الوليّ إنّما يتلقّى التكليف المتوجّه إلى الميّت على ما هو
[1863] مسألة 21 : لو لم يكن وليّ أو كان ومات قبل أن يقضي عن الميّت وجب الاستئجار من تركته (1)، وكذا لو تبيّن بطلان ما أتى به (1).
[1864] مسألة 22 : لا يمنع من الوجوب على الوليّ اشتغال ذمّته بفوائت نفسه (2) ،
عليه وبما له من الخصوصيات ، فهو مخاطب بخطاب مماثل للخطاب المتوجّه إلى الميّت ، بلا فرق بينهما إلّا من جهة المباشر ، حيث يكون الولي قد فرض نفسه مقام الميّت ، لتعذّر تصدّي الميّت لذلك بنفسه ، فهذا المقدار من الاختلاف والفرق ممّا لا مناص منه ، وأمّا الإيقاع في الوقت فغير متعذّر ، فيجب على الوليّ مراعاته كما كان ذلك واجباً على الميّت.
ويتوجّه عليه : أنّ تقييد الصلاة بالوقت إنّما كان ثابتاً في حقّ الميّت ، وقد سقط ذلك التكليف بالموت قطعاً ، وإنّما حدث في حقّ الوليّ تكليف آخر جديد ، ولا دليل على التقييد في هذا التكليف الحادث ، حيث لا شاهد على اعتبار المماثلة في جميع الأحكام ، بل مقتضى الإطلاق في صحيحة حفص عدم لزوم مراعاته كما لا يخفى. فالأقوى جواز تأخير الولي القضاء إلى خارج الوقت.
(1) قد مرّ سابقاً أنّ الأقوى عدم وجوب الاستئجار إلّا في صورة الوصيّة ، فلا تخرج من التركة في مفروض المسألة ، لعدم كون الواجبات الإلهية من قبيل الحقوق الماليّة ، فلاحظ ما سبق (2)ولا نعيد.
(2) بلا خلاف فيه ، لإطلاق الأدلّة. ولا يقاس ذلك بالتطوّع ممّن عليه فريضة ، الممنوع منه في الصوم بلا إشكال وفي الصلاة على المشهور ، لوضوح
ويتخيّر في تقديم أيّهما شاء (1).
[1865] مسألة 23 : لا يجب عليه الفور في القضاء عن الميّت وإن كان أولى وأحوط (2).
[1866] مسألة 24 : إذا مات الوليّ بعد الميّت قبل أن يتمكّن من القضاء ففي الانتقال إلى الأكبر بعده إشكال (1)(3).
الفرق بين المقامين كما لا يخفى.
(1) لإطلاق النصّ وقصور أدلّة الترتيب على الشمول للمقام ، بل قد عرفت عدم اعتبار الترتيب في فوائت الوليّ نفسه إلّا في المرتّبتين بالذات ، فضلاً عن اعتباره بينها وبين فوائت الميّت.
(2) لعدم الدليل عليه هنا وإن بنينا على المضايقة في القضاء ، لاختصاص الدليل على القول بها بفوائت نفسه ، فلا يعمّ ما نحن فيه ، فيرجع هنا إلى إطلاق الأدلّة.
ومع الغضّ عنه فالمرجع أصالة البراءة ، وقد عرفت فيما سبق (2)أنّ الأقوى هو المواسعة حتّى في فوائت نفسه ، فضلاً عن المقام.
(3) لا يخفى أنّ استشكاله (قدس سره) ذلك ينافي ما سبق منه طي مسألتين :
الأُولى : ما ذكره (قدس سره) في المسألة الثالثة من أنّه إذا مات أكبر الذكور بعد أبويه لا يجب على إخوته الأكبر فالأكبر ، فانّ الجزم بذلك هناك ينافي الترديد والإشكال هنا.
[1867] مسألة 25 : إذا استأجر الوليّ غيره لما عليه من صلاة الميّت فالظاهر أنّ الأجير يقصد النيابة عن الميّت لا عنه (1).
ويمكن التوفيق بينهما بدعوى إطلاق الكلام في المسألة السابقة من حيث تمكّن الأكبر من القضاء وعدمه ، بخلاف مفروض الكلام في مسألتنا هذه ، فقد قيّد فيها الموت بما قبل تمكّنه من القضاء. وعليه فتحمل المسألة السابقة عملاً بقانون الإطلاق والتقييد على ما لو طرأ الموت بعد تمكّنه من القضاء ومسامحته فيه. فلا منافاة إذن بين الكلامين.
وقد عرفت هناك أيضاً أنّ الصحيح هو ما أفاده (قدس سره) من عدم الانتقال ، لعدم انطباق الموضوع لدليل الحكم على الأكبر بعده.
الثانية : ما ذكره (قدس سره) في المسألة الرابعة من أنّ الولي إذا كان صغيراً أو مجنوناً فمات قبل البلوغ أو الإفاقة لا يجب القضاء على الأكبر بعدهما ، فانّ جزمه (قدس سره) بالحكم هناك ينافي الترديد منه في المقام.
ضرورة أنّ القدرة المفروض انتفاؤها هنا وإن وقع الخلاف في كونها شرطاً لفعلية التكليف أو لتنجّزه إلّا أنّه لم يقع بينهم خلاف في اعتبار البلوغ والعقل في مقام الفعلية ، وعدّهما من شرائط التكليف ، وأنّ القلم مرفوع عن الصبي حتّى يحتلم وعن المجنون حتّى يفيق.
وعليه ففي فرض كون الوليّ صغيراً أو مجنوناً إذا بنينا على عدم الانتقال كما أفاده (قدس سره) واخترناه أيضاً استلزم ذلك القول بعدم الانتقال في فرض عجز الوليّ بالأولوية القطعية ، فإنّ التكليف في الفرض الأوّل غير ثابت في حقّ الوليّ بلا خلاف ، فاذا بنينا على عدم الانتقال منه إلى الأكبر بعده كان القول بعدم الانتقال في مورد الخلاف بطريق أولى كما لا يخفى.
وكيف ما كان فالاستشكال منه (قدس سره) في غير محلّه ، والأقوى عدم الانتقال كما ظهر وجهه ممّا مرّ.
(1) لا يخفى ما في العبارة من القصور والتسامح ، فانّ قصد النيابة عن الميّت
.................................................................................................
ممّا لا إشكال في لزومه على الأجير ، وليس هذا طرفاً للترديد كما قد يعطيه ظاهر العبارة ، ولذلك أشرنا فيما سبق (1)إلى عدم كفاية إهداء الثواب في تحقّق النيابة وتفريغ الذمّة ، وأنّه لا بدّ للنائب من قصد النيابة في فعله عن المنوب عنه والإتيان به من قبله. وواضح أنّ المنوب عنه هو الميّت دون الوليّ ، فلا مناص من قصده النيابة عن الميّت.
والذي يمكن أن يبحث عنه في المقام هو أنّه هل يلزم الأجير زائداً على القصد المذكور ملاحظة الواسطة وهو الوليّ في مقام العمل ، بأن يقصد تفريغ ذمّته أيضاً عن الوجوب المتعلّق به فعلاً أو لا.
والأقوى هو العدم ، لعدم الدليل عليه ، ولا مقتضي له أيضاً ، فإنّ ذمّة الوليّ تفرغ بطبيعة الحال بمجرّد إتيان الأجير بالعمل بلا حاجة إلى قصد التفريغ ، بل إنّه تفرغ ذمّته بفعل المتبرّع أيضاً ولو من دون اطّلاع الوليّ وعدم التسبيب منه ، لما عرفت سابقاً (2)من أنّ الوجوب الثابت في حقّ الوليّ مشروط حدوثاً وبقاءً باشتغال ذمّة الميت ، فمع فراغها بفعل الأجير أو المتبرّع لا تكليف للوليّ ، لأنّ تكليفه إنّما هو بالتفريغ ، ولا تفريغ بعد الفراغ ، فتكون ذمّة الوليّ فارغة بطبيعة الحال من غير احتياج إلى قصده في مقام العمل.
هذا ما أردنا إيراده في القسم الأوّل من هذا الجزء ، ويليه القسم الثاني منه مبتدءاً بفصل (صلاة الجماعة) إن شاء اللّه تعالى ، والحمد لله أوّلاً وآخراً ، وصلّى اللّه على سيدنا محمد وآله الطيّبين الطاهرين.
فهرس الموضوعات
الموضوع / الصفحة
الصلاة
فصل : في صلاة الآيات... 7 - 66
أسباب صلاة الآيات... 7
الأول والثاني : كسوف الشمس وخسوف القمر... 7
الثالث : الزلزلة... 8
الرابع : كل مخوف سماوي... 11
الانكساف ببعض الكواكب الأخرى... 14
وقت صلاة الكسوفين... 15
وقت سائر صلوات الآيات... 21
كيفية صلاة الآيات... 24
الصور التسع لكيفية الصلاة... 34
مشاركة صلاة الآيات لغيرها في الأجزاء والشرائط... 35
القنوتات المستحبة في صلاة الآيات... 36
التكبير عند الهوى للركوع والرفع منه... 37
الشك في ركعتي الصلاة وركوعاتهما... 38
زيادة الركوع في صلاة الآيات ونقصانه... 39
إدراك ركعة أو أقل من وقت الصلاة... 40
قضاء صلاة الكسوفين... 42
قضاء الصلاة في سائر الآيات... 46
حصول الآية في وقت الفريضة... 50
تبين ضيق وقت الفريضة أو الآية أثناء الأخرى... 55
مستحبات صلاة الآيات... 56
الجماعة في صلاة الآيات... 57
السجود للسهو عند تحقق موجباته... 58
طرق ثبوت الكسوف ونحوه من الآيات... 59
اختصاص الصلاة بمن في بلد الآية... 60
سقوط الصلاة عن الحائض والنفساء... 62
تكرار الصلاة بتكرر الآية... 63
تعيين الصلاة إذا اشتغلت الذمة بأكثر من واحدة... 63
اختصاص القضاء في حالة الجهل بالكسوفين بصورة احتراق تمام القرص... 65
فصل : في صلاة القضاء... 67 - 195
مقتضى الأصل العملي عندالشك في وجوب القضاء(هل القضاء بأمرجديد)... 67
قضاء اليومية الفائتة عمدا أو سهوا أو جهلا أو لنوم... 69
التفصيل بين النوم المتعارف وغيره... 72
التفصيل بين النوم الخارج عن حد الاختيار وغيره... 73
قضاء الفائتة حال المرض... 78
قضاء ما فات لأجل ترك جزء عمدا أو لكونه من الأركان... 78
قضاء الصبي بعد البلوغ والمجنون بعد الإفاقة... 84
قضاء الفائتة حال الإغماء المستوعب للوقت... 86
الإغماء عن اختيار... 90
قضاء الصلوات الفائتة حال الكفر... 94
تكليف الكفار بالفروع... 96
سقوط القضاء عن الحائض والنفساء مع استيعاب الوقت... 102
بلوغ الصبي وإفاقة المجنون أو المغمى عليه قبل خروج الوقت... 102
حكم الجنون عن اختيار من حيث القضاء... 105
حكم الحيض والنفاس الاختياريين... 106
قضاء المرتد ما فاته إذا عاد إلى الإسلام... 107
قضاء المخالف الصلاة الفائتة بعد استبصاره... 109
قضاء المخالف الصلاة الفائتة بعد استبصاره... 109
قضاء المخالف ما أتى به مخالفا لمذهبه وإن وافق مذهبنا... 112
حكم ما لو استبصر ثم خالف ثم استبصر... 114
قضاء ما فات حال السكر... 115
حكم فاقد الطهورين... 116
قضاء الجمعة ظهرا لمن تركها حتى خرج وقتها... 120
قضاء الصلوات غير اليومية سوى العيدين... 121
قضاء النافلة المنذورة في وقت معين... 122
جواز قضاء الفرائض في كل وقت... 123
قضاء ما فات حضرا تماما ولو في السفر وبالعكس... 124
حكم الفائتة في أماكن التخيير... 124
حكم الفائتة لو كان أول الوقت حاضرا وآخره مسافرا وبالعكس... 128
استحباب قضاء النوافل... 132
استحباب التصدق لمن عجز عن قضاء النوافل الرواتب... 134
الترتيب في القضاء... 135
الترتيب في قضاء الفوائت غير اليومية... 135
الترتيب في قضاء الفوائت اليومية... 135
الجهل بالسابق واللاحق فواتا... 140
فوات الصلوات الخمس مع الجهل بالسابق واللاحق منها فواتا... 144
فوات صلوات معلومة سفرا وحضرا مع الجهل بالترتيب... 145
تردد الفائتة بين ظهر وعصر... 146
تيقن فوت إحدى الظهرين مع احتمال فوت الأخرى... 146
العلم بفوت اثنتين من الخمس... 151
العلم بفوت ثلاث أو أكثر من الخمس... 153
العلم بفوت صلاة معينة مرات لا يعلم عددها... 154
المواسعة والمضايقة... 160
أدلة القول بالمواسعة... 169
تقديم الفائتة على الحاضرة... 174
التفصيل بين فائتة اليوم وفائتة سائر الأيام... 186
التفصيل بين اشتغال الذمة بفائتة واحدة واشتغالها بفوائت متعددة... 187
إذا كانت عليه فوائت أيام وفاتت منه صلاة ذلك اليوم... 188
استحباب القضاء لمن احتمل فوات صلاة منه... 189
التنفل ممن عليه القضاء... 190
الاستنابة عن الحي في قضاء فوائته... 190
الإتيان بصلاة القضاء جماعة... 191
تأخير ذوي الأعذار قضاء الفوائت إلى زمان ارتفاع العذر... 192
استحباب تمرين الأطفال على قضاء الفوائت... 193
منع الأولياء أطفالهم عن المحرمات... 194
فصل : في صلاة الاستئجار... 196 - 261
الاستئجار للعبادات عن الأموات... 196
النيابة عن الأموات في العبادات... 198
النيابة عن الأحياء في العبادات... 201
جواز إتيان المستحبات وإهداء ثوابها للأحياء والأموات... 203
عدم فراغ ذمة الميت بإتيان العمل وإهداء ثوابه إليه... 204
البحث عن حقيقة النيابة... 204
الإشكالات الواردة على النيابة ودفعها... 207
وجوب الوصية بالواجبات المالية وغيرها... 212
إخراج الواجبات المالية من أصل التركة... 212
هل يجب إخراج الواجبات البدنية من أصل التركة أو الثلث؟... 215
كفاية الإخبار باشتغال ذمته في الإخراج من الأصل... 218
حكم ما لو أوصى إلى الأجنبي بصلاة ونحوها ولم يكن له تركة... 221
حكم ما لو أوصى إلى غير الأكبر من ولده أو الأكبر في غير ما يجب عليه... 222
هل يجوز إخراج الوصية بما يجب عليه احتياطا من الأصل؟... 223
الوصية بالاستئجار عنه أزيد من عمره... 224
موت الأجير قبل إتمام العمل... 226
بحث في حقيقة الاشتراط والتقييد... 227
حكم المسألة فيما لم يشترط على الأجير المباشرة... 230
موت الأجير قبل الإتمام إذا كانت عليه فوائت من نفسه... 231
شرائط الأجير... 232
اشتراط معرفته باجزاء وشرائط العبادة... 232
جريان أصالة الصحة في فعل الأجير وعدمه... 233
اعتبار عدالة الأجير... 234
استئجار غير البالغ للقضاء عن الميت... 236
استئجار ذوي الأعذار... 238
حكم ما لو استأجر القادر فصار عاجزا... 240
تبرع العاجز عن الميت... 241
حكم ما لو حصل للأجير سهو أو شك في عمله... 241
اختلاف النائب مع الميت في الفتوى... 241
استئجار كل من الرجل والمرأة للآخر... 247
مراعاة حال المباشر في شرائط الصلاة لا الميت... 247
إتيان الأجير بالصلاة جماعة... 248
مراعاة القاضي عن الميت الترتيب بين الفوائت... 249
استئجار جماعة لقضاء الفوائت عن الميت... 250
عدم فراغ ذمة الميت بمجرد الاستئجار... 250
حكم مالومات الأجيرقبل انقضاء مدة الإجارة مع احتمال بقاء مقدارمن العمل 251
هل يجوز للأجير استئجار غيره للعمل... 252
التبرع عن الميت قبل عمل الأجير... 253
هل يستحق الأجير الأجرة لو تبرع آخر عنه... 254
انكشاف بطلان الإجارة بعد العمل... 255
التزاحم بين فريضة الوقت وبين ما استؤجر عليه... 256
انقضاء الوقت المضروب للصلاة الاستئجارية قبل الإتيان بها تعيين المنوب عنه ولو إجمالا 258
انصراف الإجارة إلى المتعارف... 258
لو آجر نفسه للصلاة شهرا وشك في أن المستأجر عليه صلاة السفر أوالحضر... 260
إذا كانت على الميت فوائت ولم يعلم إتيانه بها... 260
فصل : في قضاء الولي... 263 - 304
اختصاص القضاء بما إذا كان الميت رجلا... 263
شمول الحكم لما إذا كان الميت عبدا... 266
ما يجب على الولي قضاؤه عن الميت... 268
اختصاص وجوب قضاء الصلاة بما تمكن الميت من قضائه... 270
اختصاص الولي ما فات الميت بسفر ونحوه... 272
ما المراد من الولي... 274
اختصاص وجوب القضاء بما فات عن الميت نفسه... 278
عدم وجوب القضاء على ولد الولد إذا كان هو الأكبر حين الموت... 279
عدم وجوب القضاء على غير الأكبر لو مات الأكبر بعد أبيه... 280
اعتبار بلوغ وعقل الولي حين موت الأب... 280
هل المدار في الأكبرية على السن أو البلوغ... 281
اعتبار كون الولي وارثا... 281
حكم ما لو كان أكبر الأولاد خنثى... 282
اشتباه الأكبر من الأولاد بين اثنين أو أكثر... 283
تساوي الولدين في السن... 285
سقوط القضاء عن الولي إذا أوصى الميت بالاستئجار عنه... 289
استئجار الولي غيره لما عليه من القضاء عن الميت... 293
سقوط القضاء عن الولي بتبرع الغير عن الميت... 294
مراعاة الولي الترتيب في القضاء... 295
المناط في الجهر وأحكام الشك تكليف الولي بخلاف أجزاء الصلاة... 295
هل المدار في أصل وجوب القضاء نظر الميت وتكليفه؟... 296
تردد فوائت الميت بين ما فات لعذر وغيره... 297
المدار في الأكبرية على التولد لا انعقاد النطفة... 297
اختصاص ما يجب على الولي قضاؤه بالصلاة اليومية... 298
كفاية إخبار الميت باشتغال ذمته في وجوب القضاء على الولي... 299
كفاية الولي الصلاة التي مات في أثناء وقتها... 300
الاستئجار من تركة الميت لو لم يكن له ولي أو كان ولم يقض... 301
وجوب القضاء على الولي وإن اشتغلت ذمته بفوائت نفسه... 301
عدم وجوب المبادرة إلى القضاء فورا... 302
إذا استأجر الولي غيره للقضاء فهل يلزم الأجير قصد تفريغ ذمته... 303
فهرس الموضوعات... 305
الصورة