ghaemiyeh.com
سرشناسه : خوئی، سیدابوالقاسم، 1278 - 1371.
عنوان قراردادی : عروهالوثقی . شرح
عنوان و نام پديدآور : التنقیح في شرحالعروة الوثقی/ [محمدکاظمبن عبدالعظیم یزدی]؛ تقریرا لابحاث ابوالقاسم الموسوی الخوئی؛ تالیف علی الغروی.
مشخصات نشر : قم: موسسه احیاء آثارالامامالخوئی (قدسسره)؛ [بیجا]: التوحید للنشر، 1418ق.= 1998م.= 1377 -
مشخصات ظاهری : ج.
فروست : موسوعه الامام الخوئی.
شابک : ج.1 964-6084-03-6 : ؛ ج. 2، چاپ دوم 964-6084-10-9 : ؛ ج.٬3چاپ سوم 964-6084-05-2 : ؛ ج.٬4 چاپ سوم 964-6084-04-4 : ؛ ج. 5، چاپ سوم 964-6084-08- 7 : ؛ ج.6 964-6084-17-6 : ؛ ج.7 964-6084-19-2 : ؛ ج.8 964-6084-18-4 : ؛ ج.9 964-6084-21-4 : ؛ ج.10 964-6084-20-6 :
يادداشت : عربی.
يادداشت : ج.1 - 10(چاپ سوم: 1428ق.= 2007م.= 1386 ).
يادداشت : ج. 1، 7 ، 9 ، 10 کتاب حاضر توسط موسسه احیاء آثارالامامالخوئی (قدسسره) منتشر شده است.
یادداشت : کتابنامه..
مندرجات : ج. 1. التقلید.- ج. 2، 4 ، 6 ، 7 و 9. الطهاره
موضوع : یزدی، سیدمحمدکاظم بن عبدالعظیم، 1247؟ - 1338؟ ق . عروهالوثقی -- نقد و تفسیر
موضوع : فقه جعفری -- قرن 14
شناسه افزوده : غروی، علی، 1280 - 1376.
شناسه افزوده : یزدی، سیدمحمد کاظم بن عبدالعظیم، 1247؟ - 1338؟ ق . عروهالوثقی. شرح
شناسه افزوده : موسسه احیاء آثار الامام الخوئی (ره)
رده بندی کنگره : BP183/5/ی4ع4021373 1377
رده بندی دیویی : 297/342
شماره کتابشناسی ملی : م78-8589
المحرّر الرّقمي: محمّد علي ملك محمّد
اطلاعات رکورد کتابشناسی : فهرست قبلی
المؤلف: الشيخ علي الغروي
الناشر: مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي قدّس سرّه
الطبعة: 0
الموضوع : الفقه
تاريخ النشر : 0 ه.ق
ISBN (ردمك): 964-6048-21-4
المكتبة الإسلامية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَی سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ
وَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَی أَعْدَائِهِم أَجْمَعِينَ
مِنَ الآنِ إِلَی قِيَامِ يَومِ الدِّينْ
التَّنْقِيحُ فِي شَرْحِ العُرْوَةِ الوُثْقَی
التَّنْقِيحُ فِي شَرْحِ العُرْوَةِ الوُثْقَی
تقرير الإبحاث
الأستاذ الأعظم سماحة آية اللّه العظمی السيد أبوالقاسم الموسوي الخوئي قدس سره
«1317 - 1413 ه»
الطهارة
تأليف آية اللّه الشهيد الشيخ ميرزا علي الغروي قدس سره
طبعة منقحة
مؤسسة الخوئي الإسلامية
جميع الحقوق محفوظة ومسجّلة لمؤسسة الخوئي الإسلامية
الجزء التاسع
الناشر: مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي قدس سره
(مؤسسة الخوئي الإسلامية)
هاتف: 2932264 251 98+ - 1530367 912 98+
تاريخ الطبع: 1430 ه ، 2009 م
المطبعة: نينوي
الطبعة: الرابعة
عدد النسخ: 1000 دورة
4 - 21 - 6084 - 964 : ISBN
Email:info@alkhoei.net
www.alkhoei.com
www.alkhoei.net
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسّلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، محمد وآله وأوصيائه الطيبين الطاهرين.
وبعد، فهذا هو الجزء السابع من كتابنا «التنقيح» في شرح العروة الوثق، وقد وفقنا اللّه للشروع وطبعه، ونسأله تعالى أن يوفقنا لاتمامه وإكمال بقية أجزائه، فإنّه خير موفق ومعين.
يجب تغسيله ثلاثة أغسال :
الأوّل : بماء السِّدر ، الثاني : بماء الكافور ، الثالث : بالماء القراح.
فصل في كيفيّة غسل الميِّت
(1) الكلام في ذلك يقع من جهات أربعة :
الجهة الاولى : في أن غسل الميِّت هل يعتبر فيه التعدّد بأن يغسل ثلاثة أغسال أو أنّ الواجب فيه هو الغسل الواحد؟
المعروف والمتسالم عليه بين الأصحاب هو التعدّد وقد نسب إلى سلاّر القول بوجوب الغسل الواحد (1)إلاّ أنّه مضافاً إلى شذوذه وكونه خلاف المتسالم عليه بين الأصحاب ممّا لا يمكن الالتزام به ، لأنّ الأخبار الواردة في الباب مصرحة بلزوم التعدّد في غسل الميِّت ، ومعه لا مجال لدعوى عدم اعتبار التعدّد أو إجراء البراءة عن وجوب الزائد على الواحد ، فإنّه مع الأدلّة الاجتهاديّة الدالّة على وجوب التعدّد لا مجال للأصل العملي.
وقد يستدل على ما ذهب إليه سلاّر بما ورد في الباب الواحد والثلاثين من أبواب غسل الميِّت (2)من أنّ الميِّت إذا كان جنباً يغسل غسلاً واحداً ، بدعوى أنّ الميِّت
المجنب إذا وجب فيه الغسل الواحد فيكفي الواحد في الميِّت غير المجنب بطريق أولى فلا يعتبر في تغسيله شيء زائد عليه.
وفيه : أنّ الظاهر من الرواية أن غسل الجنابة وغسل الميِّت يتداخلان في الميِّت المجنب ولا يجب أن يغسل مرّة للجنابة ومرّة للموت ، وليست فيها دلالة على أنّ الواجب في غسل الميِّت هو الغسل الواحد لا المتعدّد ، وهذا ظاهر من الرواية بوضوح.
وأُخرى يستدل له بما ورد في الباب الثالث من أبواب غسل الميِّت من أن غسل الميِّت كغسل الجنابة فكما أنّه واحد فكذلك غسل الميِّت أيضاً واحد (1).
ويدفعه : أنّ الظاهر من التشبيه إنّما هو التشبيه في الكيفيّة ، وأنّه كما يعتبر في غسل الجنابة غسل الرأس أوّلاً ثمّ الجانب الأيمن ثمّ الأيسر ، فكذلك الحال في غسل الميِّت وليست دالّة على التشبيه في الكميّة والعدد ، هذا.
ثمّ لو سلمنا دلالة الروايتين على ما ادّعاه سلاّر فلا كلام في أن دلالتهما بالإطلاق فلا بدّ من تقييدهما بالأخبار المصرّحة بلزوم التعدّد.
الجهة الثانية : في اعتبار الخليط وعدمه ، المعروف بين الأصحاب قدسسرهم هو اعتبار المزج بالسدر والكافور ، وأنّ الميِّت يغسل أوّلاً بماء السدر وأُخرى بماء الكافور وثالثة بالماء القراح.
وعن ابني حمزة (2)وسعيد (3): عدم اعتبار الخليطين ، إلاّ أنّه ممّا لا يمكن المصير إليه ، لدلالة الأخبار المعتبرة على الخلط بالسدر في الغسلة الأُولى وبالكافور في الثانية.
نعم ، ورد في بعض الأخبار أنّ الميِّت يغسل بالماء والحُرُض أي الأشنان ثمّ بماء وكافور ثمّ بالماء القراح ، ومقتضى إطلاقها وسكوتها عن اعتبار الغسل بالسدر في مقام البيان عدم اعتبار الخلط به ، إلاّ أنّه لا بدّ من تقييده بما دلّ على اعتبار أن يكون الغسل في المرّة الأُولى بالسدر ، ففي صحيحة يعقوب بن يقطين قال : « سألت العبد الصالح عليهالسلام عن غسل الميِّت أفيه وضوء الصلاة أم لا؟ فقال : غسل الميِّت تبدأ بمرافقه فيغسل بالحرض ثمّ يغسل وجهه ورأسه بالسدر ... » (1)ولا ينافي الأمر بتغسيل الميِّت بماء الحرض وجوب التغسيل بالسدر والكافور ، فهما ممّا لا بدّ منه في الخليط ، وليكن التغسيل بالحرض مأموراً به أيضاً.
وفي موثقة عمار بن موسى الساباطي بعد الأمر بالتغسيل بالسدر « وإن غسلت رأسه ولحيته بالخطمي فلا بأس » (2)ولا يدل هذا على الغسل بالخطمي بدلاً عن الغسل بالسدر ، بل هو دفع لما قد يتوهّم من عدم جواز خلط الخطمي بالسدر في التغسيل بماء السدر كما هو المرسوم اليوم حيث يخلطون شيئاً من الخطمي في السدر فدفعه عليهالسلام بأنّه لا بأس بخلط الخطمي في السدر أو بالتغسيل بالخطمي مستقلا ، فلا يوجب هذا الكلام خللاً في وجوب الغسل بالسدر.
وأمّا الغسل بالحرض فيحمل على الاستحباب ، وقد ورد ذلك في غير تلكم الروايات المتقدمة ففي بعضها : « تبدأ بمرافقه فيغسل بالحرض » وفي آخر : « أمرني أبو عبد اللّه عليهالسلام أن أعصر بطنه ثمّ أوضيه بالأشنان » (3)وذلك لصراحة الأخبار الواردة في المقام في وجوب التغسيل بالسدر والكافور والماء القراح ، وهي مع كونها واردة في مقام البيان ساكتة عن اعتبار الغسل بالأشنان.
1) الوسائل 2 : 483 / أبواب غسل الميِّت ب 2 ح 7.
2) الوسائل 2 / 484 / أبواب غسل الميِّت ب 2 ح 10.
3) الوسائل 2 : 484 / أبواب غسل الميِّت ب 2 ح 8 ، والمنقول هنا في الوسائل موافق للإستبصار [ 1 : 207 / 729 ] ويأتي في 493 / ب 6 ح 6 وفيه : ثمّ أوضيه ثمّ أغسله بالأشنان ... ، وهو الموافق لما في التهذيب [ 1 : 303 / 882 ].
ويجب على هذا الترتيب ، ولو خولف أُعيد على وجه يحصل الترتيب (1) وكيفيّة كل من الأغسال المذكورة كما ذكر في الجنابة (2)
(1) الجهة الثالثة : في اعتبار الترتيب بين الأغسال وعدمه.
المعروف المشهور بينهم أنّ الميِّت لا بدّ أن يغسل أوّلاً بماء السدر وأُخرى بماء الكافور وثالثة بماء القراح.
وقد نسب إلى ابن حمزة عدم اعتبار الترتيب بينها (1).
وفيه : أن بعض الأخبار الواردة في المقام وإن كانت مطلقة (2)حيث دلّت على أنّ الميِّت يغسل ثلاثة أغسال ، مرّة بالسدر ومرّة بالماء يطرح فيه الكافور ومرّة بالماء القراح ، ولا دلالة لها على الترتيب ، إلاّ أن مقتضى جملة أُخرى من الأخبار المعتبرة الواردة في المقام هو اعتبار الترتيب بين الأغسال ، ففي صحيحة ابن مسكان عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال : « سألته عن غسل الميِّت ، فقال : اغسله بماء وسدر ثمّ اغسله على أثر ذلك غسلة اخرى بماء وكافور وذريرة إن كانت واغسله الثالثة بماء قراح » (3)وفي حسنة الحلبي « ... ثمّ تبدأ بكفيه ورأسه ثلاث مرّات بالسدر ... فإذا فرغت من غسله بالسدر فاغسله مرّة أُخرى بماء وكافور ... ثمّ اغسله بماء بحت غسلة أُخرى » (4)وغيرهما من الروايات الظاهرة بل المصرحة باعتبار الترتيب بين الأغسال ، ولا موجب لرفع اليد عنها بوجه.
(2) الجهة الرابعة : في كيفيّة تغسيل الميِّت.
فيجب أوّلاً غسل الرأس والرقبة وبعده الطرف الأيمن وبعده الأيسر ، والعورة تنصف أو تغسل مع كل من الطرفين ، وكذا السرة.
المعروف بل المتسالم عليه بين الأصحاب أن ترتيبه هو الترتيب المتقدم في غسل الجنابة ، فيغسل رأس الميِّت أوّلاً ، ثمّ جانبه الأيمن ثمّ الأيسر.
وتدل عليه موثقة عمّار عن أبي عبد اللّه عليهالسلام « ... ثمّ تبدأ فتغسل الرأس واللحية بسدر حتّى تنقيه ثمّ تبدأ بشقه الأيمن ثمّ بشقه الأيسر ... » (1).
ومصححة الحلبي : « ... ثمّ تبدأ بكفيه ورأسه ثلاث مرّات بالسدر ثمّ سائر جسده وابدأ بشقه الأيمن » (2)إلى غير ذلك من الروايات (3).
نعم ، ورد فيما رواه يونس عنهم عليهمالسلام ما ظاهره أنّ الميِّت ينصّف في التغسيل من رأسه نصفين ، فيغسل أحد النصفين من رأسه إلى قدمه تارة ، والنصف الآخر إلى القدم تارة أُخرى حيث ورد فيها :
« إذا أردت غسل الميِّت فضعه على المغتسل مستقبل القبلة ، فإن كان عليه قميص فاخرج يده من القميص واجمع قميصه على عورته وارفعه عن رجليه إلى فوق الركبة وإن لم يكن عليه قميص فألق على عورته خرقة واعمد إلى السدر فصيّره في طشت وصب عليه الماء ، واضربه بيدك حتّى ترتفع رغوته واعزل الرغوة في شيء وصب الآخر في الإجانة الّتي فيها الماء ، ثمّ اغسل يديه ثلاث مرّات كما يغسل الإنسان من الجنابة إلى نصف الذراع ، ثمّ اغسل فرجه ونقّه ، ثمّ اغسل رأسه بالرغوة ، وبالغ في ذلك واجتهد أن لا يدخل الماء منخريه ومسامعه ، ثمّ أضجعه على جانبه الأيسر وصبّ الماء من نصف رأسه إلى قدميه ثلاث مرّات ، وأدلك بدنه دلكاً رفيقاً وكذلك ظهره وبطنه ، ثمّ أضجعه على جانبه الأيمن وافعل به مثل ذلك ... » إلخ (4).
ذلك لأن قوله « ثمّ اغسل رأسه بالرغوة » ليس من الغسل المعتبر في الاغتسال حتّى يقال إنّ الرواية دلّت على الترتيب حيث أمرت بغسل الرأس أوّلاً ثمّ الجانبين فإنّ الرغوة ممّا لا يمكن الغسل به ، إذ يعتبر في الغسل أن يكون ما به الغسل ماءً أو مائعاً آخر فلا يتحقق الغسل بغير المائعات. والرغوة ليست بماء وإنّما يتحقق بها المسح لا الغسل ، فغسل الرأس بالرغوة مقدمة للغسل الواجب في التغسيل وليس معدوداً من أجزائه ، وبعد ذلك إذا لاحظت الرواية ترى أنّها دلّت على أنّ الميِّت ينصّف في التغسيل نصفين من رأسه إلى قدمه ، ويغسل مرّتين : مرّة هذا الجانب وأُخرى ذاك الجانب.
وكأنّ المحقق الهمداني قدسسره سلّم دلالة الرواية على ذلك إلاّ أنّه لم يلتزم بمضمونها من جهة أنّها مخالفة للظواهر وجملة من النصوص وفتاوى الأصحاب (1)هذا.
وقد يناقش في الرواية سنداً ويعبّر عنها بالمرسلة ، نظراً إلى أن إبراهيم بن هاشم يرويه عن رجاله عن يونس ، إلاّ أنّ الظاهر عدم المناقشة في سندها ، لأنّ التعبير بالرجال كالتعبير بعدّة من أصحابنا ظاهر في كون الرواية مروية عن جماعة وجملة منهم معتد بها ، لعدم صحّة مثل هذا التعبير إذا كانت مروية عن واحد أو اثنين أو ثلاث.
ومن البعيد جدّاً أن لا يكون بين الجمع والرجال من لا يوثق بروايته ، إذ لو كان الأمر كذلك لأسند الرواية إلى شخص معيّن أو رمز إليه على نحو يدل على عدم ثبوت الرواية عند الأصحاب كقوله عن بعض أصحابنا ونحوه ، فالرواية من حيث السند لا خدشة فيها.
وإنّما الكلام في دلالتها ، وذلك لأنّ الغسل بالرغوة كالغسل بالتراب والصابون فكما أنّ الغسل به عبارة عن مسح اليد أو غيرها بالصابون أو التراب أوّلاً ثمّ صبّ
1) مصباح الفقيه ( الطّهارة ) : 379 السطر 34.
الماء عليه وإلاّ كان مسحاً لا غسلاً ، فكذلك الحال في الغسل بالرغوة ، فإن معناه مسح الرأس بها أوّلاً ثمّ صبّ الماء عليه وغسله به ، فالغسل بالرغوة غسل بالماء.
ويدلُّ على ذلك ما ذكره عليهالسلام بعد ذلك بقوله « وبالغ في ذلك واجتهد أن لا يدخل الماء منخريه ومسامعه » إذ لو لم يكن هناك ماء فما معنى أمره بالمبالغة في التحفظ عن دخول الماء منخريه أو مسامعه ، وعليه فالغسل بالرغوة يكفي في غسل الرأس بالماء.
ثمّ إنّ الماء الّذي يصبّه على الرأس بعد المسح بالرغوة هو ماء السدر ، إذ ليس في مفروض الرواية ماء غيره ، وذلك لقوله عليهالسلام « واعمد إلى السدر فصيره في طشت وصب عليه الماء واضربه بيدك حتّى ترتفع رغوته واعزل الرغوة في شيء وصب الآخر في الإجانة الّتي فيها الماء » وهذا هو ماء السدر وبه يغسل رأسه. وقوله بعد ذلك : « ثمّ أضجعه على جانبه الأيسر وصب الماء من نصف رأسه ... » فهو شروع في غسل الجانب الأيمن والأيسر.
وقوله : « من نصف رأسه » أيضاً لا ينافي ما ذكرناه ، لأنّه إنّما ينافيه إذا أُريد بالنصف النصف الطولي من الرأس وهو قد غسل ولا حاجة إلى تغسيله ثانياً ، إلاّ أن من المحتمل أن يراد به النصف العرضي من اذنه إلى اذنه مثلاً وذلك من باب المقدمة العلميّة في غسل الرقبة ، لأنّ الرأس هو ما فوق الرقبة فلو أُريد به تغسيل الرقبة على نحو يحصل العلم به لا مناص من أن يدخل شيئاً من الرأس في غسل كل من النصفين من باب المقدمة العلميّة ، فيدخل من كل جانب مقداراً من الرأس إلى الاذن أو فوقه ليحصل الجزم بتحقق الغسل في الجانبين.
فلو أبيت عن ذلك وقلت إنّه خلاف الظاهر من الرواية فنبقي تنصيف الرأس على ظاهره من النصف الطولي فيحمل ذلك على الاستحباب ، فيستحب بعد غسل الرأس عند غسل كل جانب غسل نصف الرأس معه ثانياً ، وهذا ممّا لا محذور فيه.
فتحصل : أنّ الرواية دلّت على غسل الرأس بماء السدر أوّلاً ثمّ الجانب الأيمن والأيسر.
ويدلُّ على ذلك : مضافاً إلى ما تقدم تصريحه عليهالسلام في الغسل بالكافور بغسل الرأس أوّلاً حيث قال : « ثمّ اغسل رأسه ثمّ أضجعه على جنبه الأيسر واغسل جنبه الأيمن وظهره وبطنه ، ثمّ أضجعه على جنبه الأيمن واغسل جنبه الأيسر ... ».
وأصرح من الجميع قوله عليهالسلام في التغسيل بالماء القراح « واغسله بماء قراح كما غسلته في المرّتين الأوّلتين » أعني الغسل بالسدر والغسل بالكافور ، والوجه في صراحته : أنّه لو لم تكن المرّتان المتقدمتان بكيفيّة واحدة بأن تكون الغسلة الأُولى كالثانية لم يكن معنى لقوله « واغسله بماء قراح كما غسلته في المرّتين الأولتين » فلا بدّ من اتحادهما في الكيفيّة كي يشبه الثالث بهما.
فالإنصاف أنّ الرواية لا إشعار فيها فضلاً عن الدلالة على غسل نصف الرأس مع الجانب الأيمن ونصفه الآخر مع الأيسر.
تتمة : قد ذكرنا أنّ الواجب في غسل الميِّت هو الأغسال الثلاثة أعني الغسل بماء السدر وماء الكافور والماء القراح ولا يعتبر فيه شيء زائد على ذلك.
وقد ورد في بعض الأخبار الأمر بغسل النصف الأيمن من الرأس واللحية أوّلاً ثمّ غسل النصف الأيسر من الرأس واللحية ثانياً في غسل الرأس ، كما في رواية الكاهلي حيث قال : « ثمّ تبدأ فتغسل الرأس واللحية بسدر حتّى تنقيه ثمّ تبدأ بشقه الأيمن ثمّ بشقه الأيسر » (1).
وفي بعضها الآخر الأمر بالنضح على صدر الميِّت وركبتيه حيث قال في موثقة عمّار : « ثمّ تنضح على صدره وركبتيه من الماء ... » (2).
1) الوسائل 2 : 481 / أبواب غسل الميِّت ب 2 ح 5. ولا يخفى عدم ورود هذه الجملة في رواية الكاهلي بل إنّما وردت في رواية عمّار المرويّة في الوسائل 2 : 484 / أبواب غسل الميِّت ب 2 ح 10 والوارد في رواية الكاهلي هو هذه الجملة « ثمّ تحوّل إلى رأسه وابدأ بشقه الأيمن من لحيته ورأسه ثمّ ثن بشقّه الأيسر ».
2) الوسائل 2 : 484 / أبواب غسل الميِّت ب 2 ح 10.
ولا يكفي الارتماس على الأحوط (1)في الأغسال الثلاثة مع التمكّن من الترتيب .
وفي ثالث : الأمر بغسل كفي الميِّت كما في حسنة الحلبي حيث قال : « ثمّ تبدأ بكفيه ورأسه » (2).
وفي بعض آخر : الأمر بغسل مرافقه وميامنه كما في صحيحة يعقوب بن يقطين ومصححة الفضل بن عبد الملك (3).
والصحيح عدم اعتبار شيء من ذلك في غسل الميِّت ، غاية الأمر أن تحمل هذه الأوامر على الاستحباب ، وذلك لأن غسل الميِّت من الأُمور الّتي يبتلى بها كثيراً ، إذ لا يوجد بلد متعارف إلاّ ويموت فيه إنسان في كل يوم ، ولو كانت الأُمور المذكورة واجبة في غسل الميِّت لظهرت وشاعت وكانت من الأُمور المعلومة عند المسلمين. مع أنّه ممّا لم يقل فقيه بوجوبها ، والسيرة قائمة على عدم وجوب تلك الأُمور. إذن لا يعتبر في غسل الميِّت إلاّ الأغسال الثلاثة كما مرّ.
(1) كما هو المشهور ، نظراً إلى أنّ الأخبار الواردة في غسل الميِّت كلّها اشتملت على الأمر بالترتيب وغسل الرأس أوّلاً ثمّ الجانبين.
وعن جماعة : كفاية الارتماس عن الترتيب ، بدعوى أنّ الأخبار الآمرة بالترتيب ناظرة إلى الغسل بالماء القليل ، وقد ورد في الأخبار أن غسل الميِّت كغسل الجنابة (4)فكما أنّ الارتماس يكفي في الجنابة فكذلك يكفي في غسل الميِّت قضاءً للتشبيه والتنزيل.
بل غسل الميِّت هو بنفسه غسل الجنابة لا أنّه شيء آخر ، لما ورد من أنّ الميِّت تخرج عنه النطفة الّتي خلق منها حين موته ، وبه يكون الميِّت جنباً ، وغسله هو غسل الجنابة بعينه (1)، وغسل الجنابة على قسمين : ترتيبي وارتماسي ، ومن ثمة قوى شيخنا الأنصاري قدسسره جواز التغسيل بالارتماس (2).
والصحيح هو ما ذهب إليه المشهور ، لأن كيفيّة غسل الجنابة هو الاغتسال ترتيباً على الكيفيّة المتقدمة في محلِّها ، حيث أمر في الأخبار بغسل الرأس أوّلاً ثمّ الجانب الأيمن ثمّ الجانب الأيسر أو من غير ترتيب بين الجانبين على الخلاف. وأمّا الغسل الارتماسي فهو مسقط للترتيب ومجزئ عنه ، لا أنّه المأمور به أو فرد منه في غسل الجنابة ، ومن ثمة ورد : « أنّ الجنب إذا ارتمس في الماء ارتماسة واحدة أجزأه ذلك » (3). فإنّ الأجزاء يحتاج إلى شيء يجزئ عنه وهو الغسل الترتيبي ، فوزانه وزان الجماعة المسقطة للقراءة الواجبة في الصلاة ، ومقتضى التشبيه والتنزيل أن غسل الميِّت كغسل الجنابة يجب أن يكون ترتيبياً ، وأمّا أن ما يجزئ عنه في غسل الجنابة يجزئ عنه في غسل الميِّت أيضاً ، فهو محتاج إلى الدليل ، فإنّ الأخبار الواردة في غسل الميِّت كلّها تدل على الترتيب كما مرّ ، ولم يرد في شيء منها ما يدل على كفاية الارتماس من المتمكّن منه ، لوجود كر من الماء عندهم أو لكونهم قرب الغدران والنقيع أو في شطوط البحار والأنهار ، ولا سيما بلحاظ قوله عليهالسلام « لو أن رجلاً جنباً ارتمس ... أجزأه ذلك » (4)فإنّه أثبت الإجزاء على الارتماس الاختياري الصادر عن نفس الجنب وثبوت ذلك في ارتماس الغير للميت أي الارتماس غير الاختياري يتوقّف على دلالة الدليل وهو مفقود ، والتشبيه إنّما هو في كيفيّة التغسيل لا من جميع الجهات وإلاّ فقد اعتبر في غسل الميِّت الخليط والتعدّد وغيرهما ممّا لا يعتبر في الجنابة قطعاً.
نعم ، يجوز في كل غسل رمس كل من الأعضاء الثلاثة مع مراعاة الترتيب في الماء الكثير (1).
[876] مسألة 1 : الأحوط إزالة النجاسة (1)عن جميع جسده قبل الشروع في الغسل (2).
(1) ولا يعتبر فيه الغسل بالصب ، وذلك لإطلاق الأخبار وعدم تقييدها بغير الغسل الارتماسي مع التمكّن منه لوجود الكر عندهم أو لكونهم في أطراف البحار والأنهار أو النقيع والغدران.
ثمّ إنّه إذا تعذر الغسل ترتيباً فهل يجب تغسيل الميِّت ارتماساً؟
مقتضى ما صنعه الماتن قدسسره من عدم الجزم بتعين الترتيب عند التمكّن منه ، بل اختياره من باب الاحتياط ، تعين الارتماس عند تعذر الترتيب ، لأنّ الواجب حينئذ أحدهما كما في غسل الجنابة وإنّما اخترنا الترتيب للاحتياط ، فإذا تعذّر تعين الارتماس لا محالة.
وأمّا على ما ذكرناه من اشتراط الترتيب في غسل الميِّت فلا مناص من التيمم والاحتياط بالتغسيل ارتماساً ، وذلك لما ذكرناه غير مرّة من أنّ الأوامر الواردة في الإرشاد إلى الجزئية أو الشرطية غير مختصّة بحال القدرة والتمكّن ، ولازم الشرطية المطلقة سقوط الأمر بالغسل عند تعذّر الشرط وهو الغسل الترتيبي فتنتهي النوبة إلى التيمم ، إلاّ أنّه يحتاط بالتغسيل الارتماسي لئلاّ يفوته التغسيل ، فالاحتياط في الغسل الارتماسي لا الغسل الترتيبي كما ذكره الماتن عند التمكّن منه.
(2) هل يعتبر في غسل الميِّت تطهير جميع جسده من النجاسات ، أو يكفي تطهير
1) (*) الحكم فيه كما تقدّم في الوضوء وسائر الأغسال [ في فصل شرائط الوضوء ، الشرط الثاني ، وفي المسألة 666 ].
كل عضو سابقاً على تغسيله وإن كانت بقية أعضائه باقية على نجاستها ، أو لا يعتبر سبق الطهارة على الغسل ، بل يكفي صب الماء للغسل والتطهير ويكفي ذلك عن الحدث والخبث ، بناءً على طهارة الغسالة كما في الغسلة المتعقبة بطهارة المحل؟.
الصحيح هو الأخير كما ذكرناه في الوضوء وغسل الجنابة (1)إذ أن تحصيل الإجماع التعبّدي على اعتبار سبق الطهارة غير ممكن من كلمات الأصحاب قدسسرهم لاختلافها وتشتتها ، بل لا يكاد يمكن تحصيل الشهرة منها في المسألة ، فلا مناص من الرجوع إلى النصوص الواردة في المسألة. وإذا راجعنا النصوص ظهر أن اعتبار الطهارة سابقاً على الغسل لا دليل عليه ، فانّ الأمر بغسل الفرج أو اليدين وإن ورد في الأخبار إلاّ أنّه من جهة استحباب ذلك تعبّداً ، وليس مستنداً إلى نجاسة الموضع واعتبار تطهيره في غسل الميِّت ، وذلك لإطلاق الأمر بالغسل ولو مع طهارة الفرج وغيره.
والّذي يدلّنا على ذلك ورود الأمر بغسل تلك المواضع في الغسلة الثانية والثالثة أعني الغسل بماء الكافور والقراح مع أنّه لو كان من جهة التطهير فقد فرض تطهيرها في الغسلة الأُولى كما عرفت ، فلا وجه له سوى استحباب ذلك تعبّداً.
كما ورد الأمر فيها بإزالة عين النجاسة الخارجية عن جسد الميِّت وتنقيته ولو بغير الماء كما في موثقة عمار : « ويكون على يديك خرقة تنقي بها دبره » (2)وفي معتبرة يونس : « ثمّ اغسل فرجه ونقّه » وقوله فيها : « فان خرج منه شيء فانقه » (3)والوجه في اعتبار ذلك واضح ، وهو أنّه لو كانت على جسده عين نجاسة خارجية تنجس بها الماء ، والماء المتنجس بعين خارجية غير الميِّت لا يكفي في تغسيله ، ولكن لا دلالة له على اعتبار تطهير البدن عن النجاسة الخارجية ، وإنّما يدل على إزالة العين ولو بالخرقة ونحوها.
وإن كان الأقوى كفاية إزالتها عن كل عضو قبل الشروع فيه.
ونظيره ما دلّ على أنّ المقتول في معصية اللّه يغسل منه الدم (1)فإنّه من جهة عدم تنجّس ماء الغسل بالنجاسة الخارجية غير الميِّت ، لا لأجل اعتبار الطهارة في صحّة الغسل.
إذن لا دليل على اعتبار سبق الطهارة على غسل الميِّت ، بل مقتضى إطلاقات الأمر بالغسل كفاية الصب مرّة واحدة للتطهير والتغسيل ، أي في رفع الحدث والخبث معاً.
والّذي يدلّنا على ذلك : أنّ الميِّت غير قابل للتطهير من النجاسات الخارجية بحسب المرتكز في أذهان المتشرعة ، لأنّ الميِّت بنفسه من الأعيان النجسة ، والعين النجسة لا تنفك عنها النجاسة بالغسل لدى العرف ، وإن كان ذلك أمراً ممكناً عقلاً بأن تكون هناك نجاستان عرضية قابلة الارتفاع بالتطهير ، وذاتية لا تزول بالغسل ، إلاّ أن ذلك غير معهود في أذهان العامّة ، والمرتكز في أذهانهم أنّ العين النجسة غير قابلة للتطهير من النجاسة الخارجية.
وهذا ممّا يستأنس به لما ذكرناه ، وهو موجب لحمل ما ورد من الأمر بالغسل في يد الميِّت أو فرجه أو غيرهما على الاستحباب التعبّدي لا لتطهير المحل ، فلا دليل على اعتبار سبق الطهارة على الغسل ، بل الدليل دلّ على عدم اعتباره وهو الارتكاز المتشرعي ، ومقتضى الإطلاقات حينئذ كفاية الاجتزاء بالصبة الواحدة في رفع الحدث والخبث معاً كما ذكرناه في الوضوء وغسل الجنابة (2)نعم ، هذا مبني على القول بطهارة الغسالة ، لأنّها لو كانت نجسة استلزمت تنجّس الأجزاء المتأخِّرة عن محل الغسل ، وبه يتنجّس ماء الغسل ولا يكفي في التغسيل.
[877] مسألة 2 : يعتبر في كل من السدر والكافور أن لا يكون في طرف الكثرة بمقدار يوجب إضافته وخروجه عن الإطلاق (1)
(1) الكلام في هذه المسألة يقع من جهات :
الجهة الأُولى : هل يعتبر إطلاق الماء في الغسلتين الأوّلتين أو يجوز أن يكون مضافاً لكثرة السدر والكافور؟
المعروف بينهم اشتراط الإطلاق فيهما ، وعن بعضهم جواز كون الماء مضافاً فيهما لأنّ الغسل حقيقة هو الغسل الثالث وهو الّذي اعتبر فيه أن يكون بالماء القراح والغسلتان الأوّلتان مقدمة للغسل ، ولا بأس بكون الغسل فيهما بالمضاف.
والصحيح ما ذهب إليه المشهور ، ويدلُّ عليه ما ورد في صحيحتي ابن مسكان وسليمان بن خالد من أنّ الميِّت يغسل بماء وسدر ثمّ يغسل بماء وكافور (1)وفي صحيحة يعقوب بن يقطين : « ثمّ يفاض عليه الماء ثلاث مرّات ... ، ويجعل في الماء شيء من السدر وشيء من الكافور » (2)ودلالتها على اعتبار الإطلاق في الغسلتين الأوّلتين ظاهرة.
وفي قبال تلك الأخبار رواية الحلبي وصحيحته حيث ورد فيهما : « أنّ الميِّت يغسل ثلاث غسلات ، مرّة بالسدر » (3)أو أنّه « تبدأ بكفيه ورأسه ثلاث مرّات بالسدر » (4)
وفي موثقة عمار : « فتغسل الرأس واللحية بسدر حتّى تنقيه » (1)وظاهرها اعتبار كون الماء في الغسلتين على نحو يصدق عليه أنّه غسل بالسدر.
وفيه : أنّ الغسل بالسدر أمر لا معنى له ، لما مرّ من أنّ الغسل إنّما يتحقق بالماء أو بغيره من المائعات المزيلة للأثر ، ولا معنى للغسل بالجامد إلاّ الاستعانة به في الغسل نظير الغسل بالصابون والتراب ، فيمسح به الشيء أوّلاً ثمّ يصب الماء عليه ، وهذا الصب هو الغسل. وأمّا المسح بالتراب أو الصابون أو الأشنان أو السدر قبل ذلك فهو استعانة به في الغسل ، لا أنّه غسل حقيقة ، فلا دلالة في تلك الروايات على اعتبار كون الغسلتين بالسدر والمضاف.
وهي نظير معتبرة يونس الدالّة على غسل رأس الميِّت بالرغوة (2)حيث تقدم أنّ المراد به هو المسح بالرغوة أوّلاً ثمّ صب الماء عليه ، والغسل هو الصب ، والمسح بالرغوة أو غيرها محمول على الاستحباب.
نعم ، لو كنّا نحن وهذه الأخبار لقلنا باعتبار غسل الميِّت بالسدر ، بأن يمسح السدر على بدنه أوّلاً ثمّ يزال بالماء كما هو المتعارف في الغسل بالسدر في الأحياء ، إلاّ أنّ الأخبار المتقدمة دلّتنا على أنّ الغسلة الاولى لا بدّ أن تكون بالماء المطلق الّذي فيه السدر ، والثانية بماء فيه كافور ، فلا يعتبر فيه المسح بالسدر ثمّ غسله.
وفي رواية الكاهلي أنّه « يغسل بماء السدر وماء الكافور » (3)وظاهرها اعتبار الإضافة في الغسلتين.
ويردّه : أنّ الرواية ضعيفة السند بمحمّد بن سنان وغير تامّة الدلالة على المدّعى لجواز أن يراد بماء السدر هو الماء المطلق الّذي فيه شيء من السدر وإن لم يبلغ مرتبة الإضافة ، غاية الأمر أن تكون الرواية مطلقة ودالّة على جواز الغسل بالماء المضاف
إلى السدر والماء المطلق الّذي فيه شيء من السدر ، فيقيد بالأخبار المتقدمة الدالّة على اعتبار الإطلاق في الماء في الغسلتين الأوّلتين.
الجهة الثانية : في مقدار الخليط من السدر والكافور.
مقتضى الأخبار الواردة في أنّ الميِّت يغسل بماء وسدر وبماء وكافور ، أنّ المعتبر في الغسلتين صدق الغسل بالماء والكافور أو بالماء والسدر ، ولا يجزئ المقدار القليل الّذي لا يصدق معه الغسل بالماء والسدر ، ولا يشترط فيهما كيفيّة أو كميّة خاصّة.
وقد نسب إلى المفيد قدسسره اعتبار كون السدر رطلاً ، وعن ابن البراج اعتبار أن يكون رطلاً ونصف رطل (1)كما نسب إليهما اعتبار كون الكافور نصف مثقال (2)ولم يظهر أن مرادهما هو المثقال الشرعي الّذي هو ثمانية عشر حبّة ، أو المثقال الصيرفي الّذي هو أربعة وعشرون حبّة.
وكيف كان لا دليل على شيء من التقديرين ، بل المدار على صدق الغسل بالماء والسدر وبالماء والكافور.
نعم ، ورد في موثقة عمار تقدير الكافور بنصف حبّة (3)، وفي معتبرة يونس بالحبّات (4)وفي رواية مغيرة مؤذن بني عدي أنّه غسل علي بن أبي طالب عليهالسلام رسول اللّه صلىاللّهعليهوآلهوسلم بدأه بالسدر والثانية بثلاثة مثاقيل من كافور (5).
1) نسبه إليهما في الجواهر 4 : 126 وراجع المقنعة : 74 والمهذّب 1 : 56.
2) نسبه إلى المفيد في الجواهر 4 : 130 وراجع المقنعة : 75 وأمّا النسبة إلى ابن البراج فلم تثبت ولعلّه اشتبه على المصنّف بابن سعيد كما نسبه إليه في الجواهر.
3) الوسائل 2 : 484 / أبواب غسل الميِّت ب 2 ح 10.
4) الوسائل 2 : 480 / أبواب غسل الميِّت ب 2 ح 3.
5) الوسائل 2 : 485 / أبواب غسل الميِّت ب 2 ح 11.
وفي طرف القلّة يعتبر أن يكون بمقدار يصدق أنّه مخلوط بالسدر أو الكافور.
ولكن فعله عليهالسلام لا يمكن الاستدلال به على الوجوب ، لإمكان أن يكون ذلك من جهة الأكملية وكونه أرقى مراتب التغسيل.
وأمّا الروايتان الأُوليان فهما كذلك أيضاً ، لأنّ الحبّة أو الحبّات ليس لها كم معين في الخارج ، لأنّ الكافور قطعات ، والحبّة من القطعة الكبيرة أكثر من الحبّة من القطعة الصغيرة ، فالحبّة مختلفة الحكم ولا تعيين لكمها في الأخبار.
كما أنّه لا تعيين للماء الّذي تجعل فيه تلك الحبّة ، فإنّه لو كانت الحبّة بمقدار خاص كافية في صدق الغسل بالماء والكافور في كم معين من الماء كالكر مثلاً ، لكان المعتبر في صدق هذا العنوان عند كون الماء مثلي الأوّل كالكرين إلقاء حبّتين من الكافور ، كما أنّ الماء لو زاد على المثلين لا بدّ من زيادة الكافور أيضاً ، وإلاّ لم يصدق أنّ الغسل غسل بالماء والكافور لاستهلاك الكافور وانعدامه عند قلّته وكثرة الماء. وحيث لا تعيين لكم الحبّة ولا للماء الملقى فيه الحبّة ، فلا يمكن الاعتماد على شيء من الروايتين لإجمالها من هذه الجهة.
ودعوى : إنّ الحبّة نصف مثقال فتنطبق الموثقة على مسلك المفيد وابن البرّاج قدسسرهما.
مندفعة : بأنّه لا دليل عليه ، إذ يمكن أن تكون الحبّة مثقالاً أو أقل أو أكثر ، فلا يعتبر في كم الخليطين وكيفيّته شيء سوى صدق الغسل بالماء والسدر وبالماء والكافور.
وقد نسب إلى جماعة من المتقدمين أو أكثرهم اعتبار كون الكافور خاماً ، أي غير مطبوخ ، لأنّه على قسمين ، قطعات ، وناعم (1)يطبخ ثمّ يجمد.
ويدفعه : إطلاق الأخبار ، لصدق الغسل بالماء والكافور مع الطبخ أيضاً ، لأنّ
1) وهو صغاره الّتي يقع في التراب ثمّ يؤخذ فيطبخ.
وفي الماء القراح يعتبر صدق الخلوص منهما ، وقدّر بعضهم السدر برطل والكافور بنصف مثقال تقريباً ، لكن المناط ما ذكرنا.
المطبوخ كغيره كافور حقيقة.
ودعوى : أنّ المطبوخ منه يتنجس ، لأنّه يطبخ بلبن الخنزيرة ليشتد بياضه ، أو أنّ الطابخ كافر فتصيبه يده أو رجله أو غيرهما من أعضاء بدنه فيتنجس.
مندفعة بعدم ثبوت شيء من ذلك ، إذ من أين نحرز أنّه مطبوخ بلبن الخنزيرة أو أصابته يد الكافر أو رجله مثلاً ، بل حاله حال الأشياء المجلوبة من بلاد الكفار الّتي لا يعلم إصابة الكفار لها باليد أو بغيرها.
الجهة الثالثة : هل يعتبر الخلوص في الماء القراح بنحو العزيمة أو أنّه رخصة في قبال اعتبار الخليط في الغسلتين الأوّلتين ، فيجوز أن يكون الماء مخلوطاً بشيء من السدر والكافور في الغسلة الثالثة أيضاً؟.
المعروف لزوم كون الماء في الغسلة الثالثة خالصاً من الخليطين ، وهذا هو الصحيح وتدلّ عليه الأخبار الواردة في أنّ الميِّت يغسل مرّة بالماء والسدر وثانية بالماء والكافور وثالثة بالماء القراح (1)فانّ التقييد بالقراح كالتقييد بالسدر والكافور ، فكما أنّهما لزوميين ولا يجزئ فاقدهما ، فكذلك الحال في القراح فلا يجزئ الماء المخلوط بالسدر أو الكافور في الغسلة الثالثة.
ويؤيّده بل يدل عليه ما ورد في معتبرة يونس : « ثمّ اغسل يديك إلى المرفقين والآنية وصب فيه ماء القراح » (2)لدلالتها على اعتبار خلوص الماء في الغسلة الثالثة من السدر والكافور ، حيث أمر بغسل يديه والآنية لئلاّ يبقى فيهما من الخليطين ما
[878] مسألة 3 : لا يجب مع غسل الميِّت الوضوء قبله أو بعده وإن كان مستحبّاً ، والأولى أن يكون قبله (1).
يضر بالخلوص في الماء في الغسلة الثالثة.
وهل يعتبر الخلوص من غير الخليطين بحيث لو كان الماء مخلوطاً بشيء من السكر أو التراب لم يصح التغسيل به؟
الصحيح عدمه ، لأنّ الأخبار المقيدة للماء بالقراح في المرّة الثالثة بقرينة التقييد في الأوليتين بالسدر والكافور ، ظاهرة في إرادة الخلوص من الخليطين لا في إرادة الخلوص مطلقاً حتّى من غيرهما ، كيف ولا يوجد الخالص من الماء في تلك الأزمنة ، بل في الأزمنة المتأخّرة الّتي أدركناها إلاّ نادراً لاختلاطه بالطين على الأقل ، فلا بأس بالتغسيل بماء الشط ونحوه من المياه المخلوطة بالطين أو بغيره ممّا لا يخرجه عن الإطلاق.
وقد ورد في رواية معاوية بن عمار الأمر بطرح سبع ورقات سدر في الماء القراح (1)وكذا في رواية عبد اللّه بن عبيد مقيّداً بالصحاح حيث قال : « ثمّ بالماء القراح يطرح فيه سبع ورقات صحاح من ورق السدر في الماء » (2)وظاهرهما الوجوب ، ولا يوجب ذلك خروج الماء عن الإطلاق والخلوص ، فإنّه إنّما يوجبه إذا امتزج واختلط مع الماء ، والورق لا يختلط معه.
إلاّ أنّه لا بدّ من حملهما على الاستحباب ، لما عرفت من نظائره من أنّ الحكم في المسائل الّتي يكثر الابتلاء بها لو كان موجوداً لاشتهر ، ومع عدمه يستكشف عدم ثبوته في الواقع ، فالوجوب غير محتمل ولا بدّ من حملهما على الاستحباب.
(1) يقع الكلام في هذه المسألة من جهات :
الجهة الأُولى : هل أنّ الوضوء مع غسل الميِّت واجب أو غير واجب؟
المعروف بينهم عدم الوجوب ، ونسب إلى المفيد وابن البرّاج وأبي الصلاح وجوبه (1)استناداً إلى الأخبار الآمرة بالوضوء في غسل الميِّت منها : صحيحة حريز عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال : « الميِّت يبدأ بفرجه ثمّ يوضأ وضوء الصلاة ... » (2)وليس بإزائها رواية صريحة في نفي الوجوب ، ولو كنّا نحن وهذه الأخبار لالتزمنا بوجوب الوضوء في غسل الميِّت إلاّ أن هناك وجوهاً تمنعنا عن حملها على الوجوب.
منها : ما قدّمناه من أنّ الحكم في مثل غسل الميِّت الّذي يبتلى به كثيراً لو كان لبان واشتهر ، ولم ينحصر قائله بثلاثة أشخاص كما في المقام - ، والسيرة جارية على خلاف ذلك ، فلا يمكن الالتزام بوجوب الوضوء في غسل الميِّت.
ومنها : المطلقات الدالّة على أنّه « أيّ وضوء أنقى من الغسل » (3)فان غسل الميِّت أيضاً غسل فلا تصل النوبة معه إلى الوضوء ، وإنّما خرجنا عنها في غسل الاستحاضة حيث يجب فيها الوضوء مع الغسل.
ومنها : سكوت الأخبار البيانية عن وجوب الوضوء ، هذه صحيحة ابن مسكان سئل فيها عن غسل الميِّت فأجاب عليهالسلام : « اغسله بماء وسدر » (4)من دون تعرّض لوجوب الوضوء مع ورودها في مقام البيان ، فالسكوت في ذلك المقام دليل على عدم اعتبار الوضوء في غسل الميِّت ، وإلاّ كان السكوت إخلالاً لما هو المعتبر في الواجب.
1) نسبه إليهما في الجواهر 4 : 135 وراجع المقنعة : 79 والمهذب 1 : 59 وعبارتهما ليست صريحة في ذلك كما قاله صاحب الجواهر ، وأمّا النسبة إلى الحلبي فحكاها صاحب الجواهر عن كشف اللّثام وأيضاً نسبه إليه في الحدائق 3 : 444 وراجع الكافي في الفقه : 134.
2) الوسائل 2 : 491 / أبواب غسل الميت ب 6 ح 1.
3) الوسائل 2 : 244 / أبواب الجنابة ب 33 ، 246 / ب 34 خصوصاً ح 4.
4) الوسائل 2 : 479 / أبواب غسل الميِّت ب 2 ح 1.
ومنها : صحيحة يعقوب بن يقطين قال : « سألت العبد الصالح عليهالسلام عن غسل الميِّت أفيه وضوء الصلاة أم لا؟ فقال : غسل الميِّت تبدأ بمرافقه فتغسل بالحرض ... » (1). فإنّ السؤال فيها عن وجوب الوضوء في غسل الميِّت ، والإمام عليهالسلام أجابه بشيء آخر ، فلو كان واجباً لأجاب بقوله نعم ، فعدم الجواب عنه والإجابة بشيء آخر كالصريح في عدم اعتبار الوضوء في غسل الميِّت.
ومنها : أن غسل الميِّت كغسل الجنابة ولا يعتبر الوضوء في غسل الجنابة. ومقتضى هذه الوجوه عدم وجوب الوضوء في غسل الميِّت بوجه.
الجهة الثانية : هل يستحب الوضوء في غسل الميِّت أو لا دليل على مشروعيته؟
المعروف بينهم هو الاستحباب ، وقد قوى في الحدائق عدم مشروعيته (2)والوجه في الحكم باستحبابه هو الأمر بالوضوء في أخبار غسل الميِّت المتقدمة ، فإن مقتضى الجمع بينها وبين الوجوه المتقدمة النافية لوجوبه من المطلقات وغيرها ، رفع اليد عن ظهورها في الوجوب بحملها على الاستحباب.
والعامّة وإن نسب إليهم الوضوء في غسل الميِّت إلاّ أنّه لا وجه لحمل الأخبار الآمرة بالوضوء على التقية ، لأنّ الحمل على التقية إنّما هو في صورة المعارضة ولا معارضة في المقام ، لوجود الجمع الدلالي ، وهو رفع اليد عن ظهور الأخبار الآمرة في الوجوب وحملها على الاستحباب.
وأمّا ما ذكره صاحب الحدائق قدسسره من أنّ الحمل على التقيّة غير موقوف على المعارضة ، بل ذكر في مقدّماته أنّ الحمل على التقيّة غير موقوف على القول به من المخالفين ، لدلالة الأخبار على أنّهم عليهمالسلام ألقوا الخلاف بين الناس حقناً
لدماء الشيعة وتحفظاً عليهم (1)، فممّا لا يصغي إليه ، لحجية الظهور والسند ، وهي تقتضي العمل بالرواية إلاّ أن يكون لها معارض وتنتهي النوبة إلى الترجيح بموافقة العامّة ومخالفتهم ، ليحمل الموافق على التقيّة ويؤخذ بالمخالف.
فالصحيح استحباب الوضوء في غسل الميِّت ، ولا سيما على مسلكنا من أنّ الوجوب والاستحباب خارجان عن المداليل اللّفظية والصيغ ، وإنّما يستفادان من وجود القرينة على الترخيص وعدمها ، فالحاكم بالوجوب أو الاستحباب هو العقل فإنّه في المقام نرى القرينة على الترخيص موجودة وهي الوجوه المتقدِّمة المستدل بها على عدم الوجوب ، فالعقل ينتزع الاستحباب من ذلك لا محالة.
الجهة الثالثة : هل الاستحباب يختص بما قبل الغسل أو أنّه مستحب قبله وبعده؟.
قد يقال : بعدم مشروعية الوضوء بعد التغسيل ، لأنّ الأخبار الآمرة به مشتملة على كلمة « ثمّ يوضأ الميِّت ثمّ يغسل رأسه ووجهه » ففي رواية معاوية بن عمار قال : « أمرني أبو عبد اللّه عليهالسلام أن أعصر بطنه ثمّ أُوضيه بالأشنان ثمّ أغسل رأسه بالسدر ولحييه ... » (2)وهي تدل على التراخي فلا دليل على مشروعية الوضوء بعد التغسيل.
هذا ، ولكن يمكن القول باستحباب الوضوء مطلقاً ولو بعد التغسيل ، وذلك للمطلقات الدالّة على أن كل غسل معه وضوء إلاّ غسل الجنابة ، وأنّ الجنابة ليس قبلها ولا بعدها وضوء (3).
وأمّا هذه الأخبار الدالّة على التقييد بكون الوضوء قبل التغسيل فلا تنافي بينها وبين الأخبار المطلقة ليحمل على المقيد ، فان حمل المطلق على المقيد إنّما هو من جهة التنافي بينهما ، لدلالة المقيد على الإلزام بالتقييد ، والمطلق ينفيه ومن ثمة حمل المطلق على المقيد في الواجبات. وأمّا في غير الإلزاميات فلا تنافي بينهما كي يحتاج إلى الحمل ، إذ لا إلزام في المقيد ، بل يؤخذ بكلا الدليلين ويحمل المقيد على أفضل الأفراد ومن هنا ذكر الماتن قدسسره أنّ الوضوء مستحب وإن كان الأولى أن يكون قبل الغسل ، هذا.
والصحيح عدم استحباب الوضوء بعد غسل الميِّت ، وذلك لأنّه يتوقف على أمرين لا نلتزم بشيء منهما.
أحدهما : أن يقال باستحباب العمل الّذي بلغ فيه الثواب ، والالتزام بالتسامح في أدلّة السنن بالمعاملة مع الرواية الضعيفة معاملة الرواية المعتبرة ، أو القول بأن مراسيل ابن أبي عمير كمسانيده في الاعتبار ، لأنّه لا يروي ولا يرسل إلاّ عن ثقة.
وثانيهما : أنّ الرواية الضعيفة تقتضي استحباب العمل ولو كانت معارضة بما يدل على عدم استحبابه ، وذلك تمسّكاً بإطلاق أخبار من بلغ ، لدلالتها على استحباب العمل الّذي بلغ فيه الثواب عن النبيّ صلىاللّهعليهوآلهوسلم عارضتها رواية أُخرى أم لم تعارضها ، وذلك لاحتمال أن تكون الرواية الدالّة على الاستحباب مطابقة للواقع. إذن يمكننا في المقام الحكم باستحباب الوضوء بعد غسل الميِّت للرواية المتقدِّمة الدالّة على أن في كل غسل وضوءاً إلاّ الجنابة ، وإن كانت ضعيفة بالإرسال لأن ابن أبي عمير يرويها عن حماد بن عثمان أو غيره ، ومعارضة بصحيحة سليمان بن خالد عن أبي جعفر عليهالسلام قال : « الوضوء بعد الغسل بدعة » (1)فان كل بدعة ضلالة ، والضلالة في النار.
إلاّ أنّ شيئاً من الأمرين المتقدمين بل الأُمور الثلاثة لم يثبت بدليل ، لعدم دلالة
1) الوسائل 2 : 245 / أبواب الجنابة ب 33 ح 9.
[879] مسألة 4 : ليس لماء غسل الميِّت حد (1) بل المناط كونه بمقدار يفي بالواجبات أو مع المستحبّات. نعم ، في بعض الأخبار أنّ النبيّ صلىاللّهعليهوآله أوصى إلى أمير المؤمنين عليهالسلام أن يغسله بست قرب ، والتأسي به صلىاللّهعليهوآله حسن مستحسن.
أخبار من بلغ على استحباب العمل الّذي بلغ فيه الثواب عند عدم كونها معارضة فضلاً عمّا إذا كانت معارضة. كما أن مراسيل ابن أبي عمير كمراسيل غيره لا يمكن الاعتماد عليها في الاستدلال.
إذن مقتضى الأخبار الواردة في المقام استحباب الوضوء قبل غسل الميِّت لا بعده.
نعم ، لا بأس بالإتيان بالتوضؤ بعد الغسل إذا لم يوضأ الميِّت قبل التغسيل رجاءً لعدم حرمة الوضوء بعد الغسل ذاتاً ، وإنّما يكون بدعة فيما إذا أتى بعنوان الأمر من استحباب أو وجوب ، ولا دلالة في الصحيحة المتقدمة على حرمته عند الإتيان به رجاءً لاحتمال الاستحباب واقعاً.
(1) لصحيحة الصفار : « كتب إلى أبي محمّد عليهالسلام في الماء الّذي يغسل به الميِّت كم حدّه؟ فوقّع عليهالسلام : حد غسل الميِّت ، يغسل حتّى يطهر إن شاء اللّه » (1).
رواها المشايخ الثلاثة عن الصفار ، وأسنادهم إليه صحيحة ، وقال الصدوق : هذا التوقيع في جملة توقيعاته عليهالسلام عندي بخطه عليهالسلام في صحيفة (2)وهي صريحة في أن ماء الغسل لا حدّ له ، فيختلف باختلاف الأموات من الصغر والكبر ووساخة الميِّت ونظافته.
[880] مسألة 5 : إذا تعذّر أحد الخليطين سقط اعتباره واكتفي بالماء القراح (1)بدله ويأتي بالأخيرين. وإن تعذّر كلاهما سقطا وغسل بالقراح ثلاثة أغسال (1).
نعم ، في رواية ابن البختري عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال : « قال رسول اللّه صلىاللّهعليهوآلهوسلم لعلي عليهالسلام : يا علي إذا أنا مت فغسلني بسبع قرب من بئر غرس » (2)، إلاّ أنّ الوصية ليست لها دلالة على الوجوب ، لجواز أن يكون ذلك أفضل ، ولا سيما بلحاظ التقييد بكون الماء من بئر غرس ، لعدم وجوبه قطعاً.
نعم ، في رواية فضيل سكّرة قال : « قلت لأبي عبد اللّه عليهالسلام : جعلت فداك هل للماء الّذي يغسل به الميِّت حد محدود؟ قال : إنّ رسول اللّه صلىاللّهعليهوآلهوسلم قال لعلي عليهالسلام إذا أنا متّ فاستق لي سبع ( ست ) قرب من ماء بئر غرس فاغسلني وكفني وحنطني ... » (3)وهي تدل على التحديد بسبع أو ست قرب ، لأنّه عليهالسلام بصدد الجواب عن الحد في الماء الّذي يغسل به الميِّت ، فذكر وصيّة النبيّ صلىاللّهعليهوآلهوسلم ودلالته على التحديد ظاهرة.
إلاّ أنّها ضعيفة السند بفضيل سكّرة أو ابن سكّرة كما في بعض الأخبار لعدم ثبوت وثاقته أو مدحه ، وغاية ما يمكن القول في حقّه أنّه إمامي وحسب ، فالصحيح أنّ ماء غسل الميِّت لا حدّ له.
(1) إذا تعذّر الغسل بماء السدر أو بماء الكافور أو القراح هل يسقط وجوب
1) (*) الأحوط عند تعذّر أحد الخليطين أو كليهما أن يجمع بين التيمم والتغسيل بالماء القراح بدل المتعذّر ، كما أنّ الأحوط عند تعذّر الماء القراح أن يجمع بين التيمم والتغسيل بماء السدر أو الكافور بدل التغسيل بالماء القراح.
2) الوسائل 2 : 536 / أبواب غسل الميِّت ب 28 ح 1.
3) الوسائل 2 : 537 / أبواب غسل الميِّت ب 28 ح 2.
التغسيل عن المكلّفين وينتقل الأمر إلى التيمم؟ أو أنّ الساقط هو المتعذّر من الأغسال وتجب الغسلتان أو الغسل الآخر غير المتعذّر؟
المعروف بل المتسالم عليه بين الأصحاب وجوب الغسلين غير المتعذّرين وسقوط الغسل المتعذّر فقط.
وهذا لا لقاعدة الميسور كما قد يتوهّم وذلك لأنّها لم تثبت بدليل ، والأخبار (1)المستدل بها على تلك القاعدة نبوية أو علوية ضعاف ، كما لا يمكن العمل بها في المقام نظراً إلى أنّ المشهور عملوا بها في هذه المسألة ، وذلك لأنّ الرواية الضعيفة إن قلنا بانجبار ضعفها بعمل المشهور على طبقها فلا بدّ من العمل على طبقها في جميع الموارد ، وإن لم تنجبر الرواية الضعيفة بالعمل لا يمكن العمل بها مطلقاً. وأمّا العمل بها في مورد ، لأنّ المشهور عملوا بها في ذلك المورد دون المورد الآخر فهو تقليد من المشهور وليس من الاستدلال والاستنباط في شيء.
بل الوجه في ذلك : أنّ الأغسال الثلاثة واجبات مستقلّة لا ربط لأحدها بالآخر وإن كانت النتيجة واحدة من جميعها وهي الطهور إلاّ أنّها واجبات متعددة ، لا أنّ الواجب واحد وهي أجزاؤه.
وقد صرّح بذلك صاحب الجواهر قدسسره عند التكلم على أن غسل الميِّت كغسل الجنابة ، حيث ذكر أن كل واحد من الأغسال الثلاثة كغسل الجنابة (2)، مع أن هذا لم يرد في رواية وإنّما استفاده من الرواية لبنائه على أنّ الواجب متعدد وهو الأغسال الثلاثة وكل منها كغسل الجنابة.
وما استفاده هو الصحيح فهي واجبات متعددة ، إذن لو تعذّر واحد منها أو اثنان لم يكن وجه لسقوط الآخر عن الوجوب.
وهذا نظير ما ذكرناه وذكره المشهور أيضاً في الاستحاضة المتوسطة من أنّه
يجب فيها الغسل والوضوء إلاّ أنّه لا يحتمل أن يكون المأمور به هو المجموع ، ويكون كل من الغسل والوضوء جزءاً من الواجب بحيث لو تعذّر الغسل سقط الوضوء أيضاً عن الوجوب وبالعكس ، أو لو شكّ في وضوئه بعد ما دخل في الغسل أو بالعكس لا يمكنه إجراء قاعدة الفراغ في السابق المشكوك نظراً إلى أنّه عمل واحد ولا تجري قاعدة الفراغ فيه ، لعدم الفراغ من العمل ، كما وجّه شيخنا الأنصاري قدسسره بذلك أي بكون الوضوء مثلاً عملاً واحداً قول المشهور في عدم جريان القاعدة في الطهارات الثلاثة (1).
فإن كلّ ذلك غير محتمل ، بل الغسل والوضوء واجبان مستقلاّن لا ربط لأحدهما بالآخر وإن كانت النتيجة واحدة وهي تحقق الطهارة ، وكيف كان فالأغسال واجبات متعددة ، وبهذا يمتاز غسل الميِّت عن باقي الأغسال ، حيث إنّ الواجب فيها شيء واحد ، وفي غسل الميِّت الواجب متعدد.
وقد ورد في بعض الروايات « يغسل الميِّت ثلاث غسلات » كما في رواية الحلبي (2)وإن كانت الرواية ضعيفة ، وورد في صحيحة سليمان بن خالد أنّه يغسل الميِّت مرّة بماء وسدر ... وأُخرى بماء وكافور (3)، وهذا يدلّنا على أنّ الأغسال واجبات متعددة فلا وجه لسقوط الجميع عن الوجوب عند تعذّر واحد منها أو اثنين ، هذا كلّه فيما إذا تعذّر واحد من الأغسال.
ثمّ إذا تعذّر شرط أحدها كما لو تعذّر السدر أو الكافور مع التمكّن من الغسل بالماء ، أو تعذّر الماء القراح مع التمكّن من التغسيل بماء السدر أو غيره فهل يجب
الغسل بالماء القراح مثلاً عند تعذّر ماء السدر أو يسقط الأمر بالغسل رأساً ، وينتقل إلى التيمم بدلاً عن الغسل بماء السدر المتعذّر؟
المشهور وجوب الغسل بالماء القراح عند تعذّر الخليط ، إلاّ أنّ الصحيح عدم وجوب الغسل حينئذ والانتقال إلى التيمم ، وذلك لأنّ الحكم بوجوب الغسل بالماء القراح حينئذ إمّا أن يستند إلى قاعدة الميسور أو إلى الاستصحاب ، ولا يتم شيء منهما.
أمّا قاعدة الميسور ، فلمّا أشرنا إليه من عدم ثبوتها بدليل. على أنّا لو قلنا بتمامية القاعدة لا يمكن التمسّك بها في أمثال المقام ممّا يعدّ الميسور مغايراً مع المعسور لا ميسوراً منه. وهذا نظير ما إذا أوجب المولى إكرام الهاشمي مثلاً ، فتعذّر فأكرم غير الهاشمي ، لأنّه ميسور لذلك المعسور لاشتراكهما في الإنسانية ، مع أنّهما متباينان عند العرف ، كيف ولا يستدلّون بها على وجوب الأجزاء الممكنة من الغسل عند تعذّر بعض أجزائه ، كما إذا فرضنا أنّ الماء في الغسل لا يفي إلاّ بثلاثة أخماس الميِّت أو بتسعة أعشاره ، فإنّهم لا يلتزمون بوجوب الغسل في ثلاثة أخماس أو تسعة أعشار الميِّت بدعوى أنّه ميسور من الغسل المتعذّر.
مع أنّ الأجزاء أولى بالتمسّك فيها بالقاعدة من الشروط ، لأن في تعذّر الشرط كما في المقام قد يقال : إنّ فاقد الشرط مغاير لواجده ، لأن أحدهما بشرط شيء والآخر بشرط لا ، ولا تكون الماهية بشرط لا ميسوراً من الماهية بشرط شيء وإنّما هما متغايران فلا مجال فيه للتمسّك بالقاعدة. وهذه المناقشة لا تأتي في الأجزاء ، إذ يمكن أن يقال : إن معظم الأجزاء ممكنة وتعدّ ميسوراً من الواجب المعسور عند العرف ومع هذا لم يلتزموا بوجوب الغسل في الأجزاء الممكنة فما ظنّك بالمشروط عند تعذّر شرطه كما في المقام.
وأمّا الاستصحاب ، بدعوى أنّ الغسل عند التمكّن من الخليط كان واجباً قطعاً وإذا تعذّر الخليط وشككنا في بقائه على الوجوب نستصحب وجوبه ونقول إنّه الآن
كما كان.
وفيه : ما تعرّضنا له في استصحاب الوجوب عند تعذّر بعض أجزاء المركب ، وهو أنّه من الأصل الجاري في الأحكام ، ولا نلتزم بجريانه في الشبهات الحكمية كما ذكرنا غير مرّة.
ثمّ على تقدير القول بجريانه في الأحكام أيضاً لا مجال له في مثل المقام ، فيما إذا تعذّر الخليط قبل موت الميِّت إذ ليس هناك حالة سابقة ، فانّ الغسل لم يجب في زمان ليستصحب وجوبه ، بل من الأوّل يشك في وجوبه وعدمه.
اللّهمّ إلاّ أن يستصحب معلّقاً بأن يقال : لو كان الميِّت قد مات في حال التمكّن من الخليط كان الغسل واجباً لوجوب الغسل بالخليط وأنّه الآن كما كان.
وفيه : أنّ الاستصحاب التعليقي لا يجري في الأحكام فضلاً عن الموضوعات كما في المقام.
وأمّا إذا تعذّر الخليط بعد الموت فالغسل وإن علمنا بوجوبه حينئذ إلاّ أنّه لا مجال لاستصحابه بعد تعذّر الخليط لارتفاع موضوعه ، فانّ الواجب هو الغسل بماء السدر ولم يبق سدر ليجب التغسيل به ، ومع ارتفاع الموضوع لا مجال للاستصحاب. وهو نظير ما إذا خلط الماء بالسدر واشتغل بالتغسيل وأُهرق في أثنائه ، أفيمكن استصحاب وجوب التغسيل حينئذ والحكم بوجوب التغسيل في الباقي بالماء القراح؟ ومن الظاهر أنّه لا يجري الاستصحاب المذكور لارتفاع موضوعه وهو السدر.
فالمتحصل : أن مقتضى القاعدة عدم وجوب التغسيل بالماء القراح حينئذ ، بل يجب التيمم بدلاً عنه ، إلاّ أنّ المشهور لما بنوا على وجوب الغسل بالماء القراح فنجمع بين التيمم والغسل بالماء القراح تحفظاً على فتوى المشهور ، وإن كانت القاعدة تقتضي عدم وجوب الغسل كما عرفت.
ومن هذا يظهر الحال عند تعذّر الكافور أو الماء القراح ، فان مقتضى القاعدة فيهما سقوط الغسل والانتقال إلى التيمم ، إلاّ أنّه يجمع بينه وبين الغسل بالماء القراح عند
تعذّر الكافور أو بينه وبين الغسل بماء السدر أو ماء الكافور عند تعذّر القراح للاحتياط ، هذا.
وقد استدلّ في الجواهر على مذهب المشهور بما ورد في المحرم من أنّه إذا مات غسل بالماء القراح بدلاً عن الغسل بالكافور (1)، بضميمة ما دلّ على أنّ المتعذّر عقلاً كالمتعذّر شرعاً ، بتقريب أنّ الانتقال إلى الغسل بالماء القراح إنّما هو من جهة تعذّر الغسل بالكافور ، لأنّ المحرم حال حياته يحرم عليه استعمال الكافور فكذا حال مماته بتنزيل الشارع ، وحيث إنّ المتعذّر العقلي كالمتعذّر الشرعي فنتعدى عن المحرم إلى كل مورد تعذّر فيه الغسل بالكافور ونحوه عقلاً (2).
وأورد عليه شيخنا الأنصاري قدسسره بأنّ الثابت أنّ المتعذّر شرعاً كالمتعذّر عقلاً دون العكس (3).
والّذي ينبغي أن يقال في المقام : إنّ الحكم إذا ترتب على عنوان التعذّر لم يفرق في ترتبه بين التعذّر الشرعي والعقلي ، فما ثبت للتعذّر العقلي يثبت للشرعي أيضاً وبالعكس ، فلو ورد أنّ الصلاة قائماً إذا حرمت فتصلّي قاعداً ، معناه أنّ الشارع إذا سدّ عليك الطريق إلى الصلاة قائماً فصلّ جالساً ، ولا فرق فيه بين الانسداد العقلي والشرعي ، فما أورده شيخنا الأنصاري قدسسره على صاحب الجواهر قدسسره لا يمكن المساعدة عليه.
وأمّا إذا لم يترتب الحكم على عنوان التعذّر وإنّما ورد على مورد التعذّر كما في المقام حيث دلّت الرواية على أنّ المحرم يغسل بالقراح بدلاً عن الغسل بالكافور ولم يعلل ذلك بأنّه لتعذر التغسيل بالكافور ، كما أنّ الحكم لم يرد على عنوان التعذّر بأن
ونوى بالأوّل ما هو بدل السدر ، وبالثاني ما هو بدل الكافور (1).
يقول إذا تعذّر الغسل بالكافور وجب الغسل بالقراح ، وإنّما ورد الحكم على التغسيل بالماء القراح بدلاً عن الكافور في المحرم ، نعم هو مورد التعذّر ، فكأن الشارع نزّل المحرم الميِّت منزلة المحرم الحي في حرمة استعمال الكافور عليه ، فلا يمكننا التعدّي عنه إلى غيره ، فإنّه في الحقيقة تخصيص في الأدلّة الدالّة على أنّ الميِّت يغسل ثلاثاً بالسدر والكافور والقراح. حيث دلّ على أنّ المحرم لا يغسل بالكافور بل يغسل بالماء القراح. ومعه كيف يمكننا التعدِّي عنه إلى موارد تعذّر السدر أو الكافور مع عدم دلالة الدليل عليه.
فالصحيح ما ذكرناه من أن مقتضى القاعدة الانتقال إلى التيمم بدلاً عن الخليط وإن كان الأحوط الجمع بين التيمم وبين الغسل بالماء القراح خروجاً عن مخالفة المشهور.
(1) كما ذكره المحقق الثاني (1)قدسسره لمراعاة الترتيب الواجب بين الغسلات لأنّ المؤخر لو قدّم وجب إعادته ، ولأجله لا بدّ أن ينوي البدلية عن الأوّل في الغسل الأوّل وعن الثاني في الغسل الثاني.
وقد ناقش فيه صاحب الجواهر قدسسره بقوله : فيه تأمّل ، بل منع (2)وما ذكره قدسسره هو الصحيح ، إذ ليس للبدلية عين ولا أثر في المقام ، فإنّ البدلية إنّما هي فيما إذا كان المأمور به المتعذّر شيئاً والبدل شيئاً آخر ، فإنّه عند تعدّد المتعذّر المأمور به يجب قصد البدلية كما أُفيد ، نظير ما إذا وجب على المكلّف الغسل والوضوء فتعذّرا ، فإنّه ينوي في بدليهما من التيممين البدلية عن الغسل أو الوضوء ، وإلاّ لم يتميز
[881] مسألة 6 : إذا تعذّر الماء ييمم ثلاثة تيممات بدلاً عن الأغسال على الترتيب (1).
أنّ التيمم المأتي به بدل عن أيّهما.
وأمّا في المقام فلا ، وذلك لأن وجوب الغسل بالماء القراح بدلاً عن الغسل بالسدر والكافور إنّما يثبت بقاعدة الميسور والاستصحاب ، ومقتضاهما أنّ الغسل بالماء القراح عين الواجب الأوّل لا أنّه بدله ، فكأنّ الواجب مركب من أمرين وجزأين : الغسل بالماء القراح والخلط بالسدر أو الكافور ، أو من الشرط والمشروط ، وقد تعذّر أحد الجزأين أو الشرط وسقط عن الوجوب وبقي الجزء الآخر أو المشروط على وجوبه ، لا أنّ الغسل بالقراح بدل عن الواجب بل هو عين الواجب الأوّل فلا يجب قصد البدلية وإن كان أحوط.
(1) الكلام في هذه المسألة يقع في مقامين :
أحدهما : في أنّ الغسل بالماء إذا تعذّر ولم يمكن تغسيل الميِّت بالماء والسدر وبالماء والكافور وبالماء القراح هل ينتقل الأمر إلى التيمم أو يدفن من غير غسل ، كما إذا لم يكن عنده مماثل ولو من الكتابي ولا محرم ، فإنّه يدفن من دون غسل كما تقدّم.
وثانيهما : بعد ثبوت أنّ الوظيفة حينئذ وجوب التيمم يقع الكلام في أنّ الواجب تيمم واحد بدلاً عن الجميع أو ثلاثة تيممات.
هل ينتقل الأمر إلى التيمم؟ أمّا المقام الأوّل : فالمشهور بل المتسالم عليه بينهم وجوب التيمم ، وقد استدلّ عليه بوجوه.
منها : الإجماع ، وفيه : أنّ المطمأن به أو المظنون أو المحتمل استناد المجمعين في ذلك
إلى أحد الوجوه الآتية فلا يكون الإجماع تعبّدياً كاشفاً عن قول المعصوم عليهالسلام.
ومنها : رواية زيد بن علي عن آبائه عليهمالسلام عن علي عليهالسلام « قال : إنّ قوماً أتوا رسول اللّه صلىاللّهعليهوآلهوسلم فقالوا : يا رسول اللّه مات صاحب لنا وهو مجدور فان غسلناه انسلخ ، فقال صلىاللّهعليهوآلهوسلم : يمموه » (1).
وهذه الرواية وإن كانت بحسب الدلالة ظاهرة إلاّ أنّها ضعيفة السند.
ومنها : المطلقات الدالّة على أنّ التراب أو التيمم أحد الطهورين (2)فان مقتضاها كفاية التيمم عن الغسل في المقام.
وقد ناقش فيها صاحب الجواهر قدسسره بوجهين :
أحدهما : أنّ المستفاد من المطلقات أنّ التيمم أحد الطهورين ويكفي عن الماء ، وأمّا أنّه يكفي عن السدر والكافور فلم يدلّنا عليه دليل.
وثانيهما : أنّ الأخبار إنّما دلّت على أنّ التيمم يكفي في رفع الحدث ، وأمّا أنّه يكفي في رفع الخبث والحدث فلا يكاد يستفاد من الأخبار ، وغسل الميِّت إنّما كان موجباً لرفع الحدث والخبث فلا يكون التيمم بدلاً عن مثله (3).
ولا يمكن المساعدة على شيء من المناقشتين :
أمّا الاولى : فلأن ما ذكره إنّما يتم لو كان الواجب هو الغسل بالسدر والكافور أو بالماء المضاف بهما ، وظاهر الأخبار أنّ التيمم أحد الطهورين فهو بدل عن الماء لا عن السدر والكافور. وليس الأمر كذلك ، بل الواجب هو الغسل بالماء المطلق وغاية الأمر أنّه يشترط أن يلقى فيه قليل من السدر والكافور بحيث لا يخرج الماء عن إطلاقه ، والتيمم بدل عن المأمور به ، والسدر والكافور من خصوصياته لا أنّهما
المأمور به.
وهو نظير ما إذا أمر بالغسل من ماء البئر فإنّه إذا تعذّر قام التيمم مقامه ، ولا يتوهّم أنّه كان مقيّداً ومتخصّصاً بخصوصية البئر ، والتيمم لا يكون بدلاً عن البئر.
وأمّا المناقشة الثانية : فتندفع بأنّه إن أراد بذلك أنّ التيمم لا يوجب رفع الخبث فهو متين إلاّ أنّه أجنبي عمّا نحن فيه.
وإن أراد أنّه لا يكون بدلاً عن الغسل الرافع للحدث الّذي يكفي في رفع الخبث أيضاً ، ففيه أنّه خلاف المطلقات الّتي تدل على بدلية التيمم عن الغسل الرافع للحدث لا بشرط (1)فسواء كان رافعاً للخبث أيضاً أم لم يكن ، فيقوم التيمم مقام ذلك الغسل في رفع الحدث وإن لم يوجب ارتفاع خبثه.
ويؤيّده ما دلّ على أن غسل الميِّت هو غسل الجنابة لخروج النطفة منه حال موته (2)ولا إشكال أنّ التيمم يقوم مقام غسل الجنابة.
والإنصاف أن هذا الوجه متين ، وبه نحكم بوجوب التيمم عند تعذّر الغسل بالماء.
ومنها : صحيحة عبد الرّحمن بن أبي نجران المروية في الفقيه عن أبي الحسن موسى عليهالسلام : « ثلاثة نفر كانوا في سفر أحدهم جنب والثاني ميت ، والثالث على غير وضوء ، وحضرت الصلاة ومعهم من الماء قدر ما يكفي أحدهم ، مَن يأخذ الماء وكيف يصنعون؟ قال عليهالسلام : يغتسل الجنب ويدفن الميِّت بتيمم ، ويتيمم الّذي هو على غير وضوء ، لأن غسل الجنابة فريضة وغسل الميِّت سنّة والتيمم للآخر جائز » (3). حيث دلّت على أنّ الميِّت عند عدم التمكّن من تغسيله يدفن بالتيمم.
وقد استدلّ صاحب المدارك قدسسره بعين هذه الرواية على عدم وجوب التيمم حينئذ ، ولكن أسندها إلى عبد الرّحمن بن الحجاج ونقلها بدون لفظة « بتيمم »
بعد قوله عليهالسلام « يدفن الميِّت » (1).
وقد أورد عليه في الحدائق أنّ الراوي للرواية في كتب الحديث عبد الرّحمن بن أبي نجران لا عبد الرّحمن بن الحجاج ، نعم لا أثر للاختلاف فيه لاعتبار كليهما (2).
وتوصيف صاحب المدارك لها بالصحّة وإن كان صحيحاً إلاّ أنّ الصحيح هو رواية الفقيه ، وهي مشتملة على لفظة « بتيمم » بعد « يدفن الميِّت » وهي تدل على خلاف مقصوده.
نعم ، رواها الشيخ في التهذيب بدون لفظة « بتيمم » (3)إلاّ أنّها ضعيفة من جهة اشتمالها على محمّد بن عيسى وهو مردد بين الثقة والضعيف ، ومن جهة إرسالها ، فان عبد الرّحمن يرويها عن رجل حدّثه ، هذا.
ولكن صاحب الوسائل رواها عن الفقيه والتهذيب مشتملة على لفظة « بتيمم » حيث قال بعد نقل الرواية عن الفقيه : ونقله محمّد بن الحسن بإسناده إلى الصفار نحوه. إذ لو كانت رواية التهذيب غير مشتملة على تلك اللّفظة لأشار إليه كما هو دأبه في الكتاب ، ولا سيما في الاختلافات الّتي تختلف الأحكام بها ، وحيث إن له طريقاً صحيحاً إلى التهذيب فبنقله يثبت أن نسخة التهذيب مشتملة على تلك الكلمة.
إلاّ أن صاحب الحدائق قدسسره وغيره يروون عن التهذيب من دون كلمة « بتيمم » ومعه يدخل المقام في اختلاف النسخ فلا يثبت أن رواية الشيخ أيّهما ، فلا تشملها أدلّة اعتبار الخبر ، فإن باخبار كل واحد من الرواة وإن كان يثبت موضوع وخبر أعني خبر الراوي الآخر فيشمله أدلّة الاعتبار ، إلاّ أنّه يتم إلى الشيخ ، وأمّا هو فلا يعلم أنّه أخبر عن أي شيء حتّى يشمله أدلّة الاعتبار ، فلا يمكننا الاعتماد على رواية الشيخ ولو بناءً على صحّة سندها كما إذا عملنا بالمراسيل ، وبنينا على أن محمّد
ابن عيسى العبيدي موثق كما هو الصحيح ، وذلك لعدم ثبوت رواية الشيخ.
ومعه يبقى صحيح الفقيه المشتمل على لفظة « بتيمم » سليماً عن المعارض.
ولا يتوهّم أنّها معارضة برواية الشيخ ، وذلك لأنّا قد نطمئن بأن للشيخ روايتين : إحداهما مشتملة على لفظة « بتيمم » والأُخرى غير مشتملة عليها ، فيقع التعارض بين رواية الفقيه وإحدى روايتي الشيخ المشتملة على لفظة « بتيمم » وبين روايته الأُخرى الفاقدة لتلك اللّفظة ، لدلالتها على وجوب دفن الميِّت بلا تيمم ، ودلالة الروايتين الأوّلتين على وجوب دفنه بالتيمم.
وذلك غير محتمل في المقام ، لأن للشيخ رواية واحدة فقط ، ولا ندري أنّها مشتملة على تلك اللّفظة أو فاقدة لها ، ومع عدم ثبوت رواية الشيخ وأنّها أيّ شيء ، لا تشملها أدلّة الاعتبار ، فلا تعارض رواية الفقيه ، هذا كلّه في رواية الشيخ.
بل يمكن أن يقال : إنّ رواية الفقيه أيضاً لم يثبت اشتمالها على لفظة « بتيمم » وذلك لأن صاحب الوسائل والحدائق وغيرهما وإن نقلا الرواية مشتملة على تلك اللّفظة ، إلاّ أن صاحبي الوافي (1)والمنتقى (2)نقلا الرواية عن الفقيه فاقدة للكلمة ، بل وكذلك العلاّمة المجلسي قدسسره في نسخة الفقيه المصحّحة بتصحيحه الموجودة عندنا فإنّها أيضاً فاقدة للفظة « بتيمم ».
ومقتضى نقل هذين أو هؤلاء الثقات ، أن نسخ الفقيه كانت فاقدة لكلمة « بتيمم » فتكون رواية الفقيه كرواية التهذيب مرددة بين اشتمالها على الكلمة وعدمه ، فلا تثبت رواية الفقيه أنّها أيّ شيء ، فلا تشملها أدلّة الاعتبار.
ودعوى : أنّ الأمر إذا دار بين النقيصة والزيادة تؤخذ بالزيادة ، لأنّ الغالب هو السهو والاشتباه بنقل الرواية مع إسقاط لفظة أو أقل أو أكثر ، وأمّا الاشتباه والسهو
بإضافة لفظة أو أكثر فهو نادر.
مندفعة بأن غاية ما يترتب على ذلك هو الظن باشتمال الرواية على لفظة « بتيمم » فسقطت منها ، والظن لا أثر له شرعاً ، بل المظنون عدم اشتمال الرواية على تلك الكلمة كما يؤيّده سياق التعليل الوارد فيها ، لأنّ التيمم لو كان جائزاً للميت أيضاً لكان الأولى أن يقول عليهالسلام والتيمم لهما جائز ، ولم يكن وجه لقوله عليهالسلام « والتيمم للآخر جائز » أي للمحدث بالأصغر ، إلاّ أن هذا الظن كسابقه لا يمكن الاعتماد عليه.
نعم ، لم يظهر معنى صحيح للتعليل الوارد فيها ، وذلك لأن قوله عليهالسلام « لأنّ الغسل من الجنابة فريضة وغسل الميِّت سنّة » إن أُريد منه أن غسل الجنابة واجب فلا أثر له ، لأن غسل الميِّت أيضاً واجب.
وإن أُريد منه أن غسل الجنابة ممّا ثبت وجوبه بالكتاب دون غسل الميِّت ، فإنّه ثبت وجوبه من السنّة ، فهو صحيح لقوله تعالى ( ... وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا ... ) (1)المفسّر بالاغتسال ، وقوله تعالى ( ... وَلا جُنُباً إِلاّ عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا ... ) (2)وقد ورد الفرض والسنّة بهذا المعنى في بعض الروايات ، كالأخبار الواردة في إعادة الصلاة من الركوع والسجود والطهور والقبلة دون التشهّد ونحوه ، حيث ورد فيها أنّ الركوع والسجود والطهور والقبلة فرض والتشهّد سنّة (3).
إلاّ أنّ الوضوء للمحدث بالأصغر أيضاً فرض ثبت بالكتاب لقوله تعالى ( ... إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ ... ) (4).
والّذي أظن أن صاحب المدارك قدسسره نقل الرواية عن الفقيه غير مشتملة
على لفظة « بتيمم » كصاحبي الوافي والمنتقى ، وإن اشتبه في إسنادها إلى عبد الرّحمن بن الحجاج ولم يسندها إلى عبد الرّحمن بن أبي نجران ، وذلك لأنّه وصف الرواية بالصحّة ، ولا يكاد يخفى عليه صحّة الرواية وضعفها ، ولا نحتمل في حقّه أن يروي الرواية عن الشيخ مع إرسالها ويعبّر عنها بالصحّة ، كيف وهو من فرسان ميدان الرجال ولا يخفى عليه مثله (1).
فتحصل : أنّ الرواية لا يمكن الاستدلال بها على وجوب دفن الميِّت بالتيمم ولا على وجوب دفن الميِّت من غير تيمم ، هذا.
وقد يستدل على وجوب دفنه بالتيمم كما في الجواهر (2)برواية التفليسي : « سألت أبا الحسن عليهالسلام عن ميت وجنب اجتمعا ومعهما ما يكفي أحدهما أيّهما يغتسل؟ قال عليهالسلام : إذا اجتمعت سنّة وفريضة بدئ بالفرض » (3).
وفيه : أنّها لا تدل على وجوب دفن الميِّت بالتيمم ، وإنّما تدل على أنّه لا بدّ من الابتداء بالفرض ، وأمّا أنّه يدفن الميِّت مع التيمم فلا ، على أن سندها ضعيف بالتفليسي.
ورواية الحسين بن النضر الأرمني قال : « سألت أبا الحسن الرضا عليهالسلام عن القوم يكونون في السفر فيموت منهم ميت ومعهم جنب ومعهم ماء قليل قدر ما يكفي أحدهما ، أيّهما يبدأ به؟ قال : يغتسل الجنب ويدفن (4)الميِّت ، لأنّ هذا فريضة وهذا سنّة » (5).
وفيه : أنّها أيضاً لا تدل على وجوب دفن الميِّت بالتيمم أو بدونه إلاّ بالإطلاق وسندها ضعيف بالحسين بن النضر الأرمني لعدم توثيقه ولا مدحه.
1) وقد نقل خارج البحث عن بعض الطلبة أن صاحب المدارك نقل الرواية في بحث التيمم عن الفقيه وراجعناه ورأينا الأمر كما نقله وعليه فنقله عنه هو المتعيّن [ راجع المدارك 2 : 251 ].
2) الجواهر 5 : 256 / كتاب التيمم.
3) الوسائل 3 : 376 / أبواب التيمم ب 18 ح 3.
4) وفي التهذيب 1 : 110 / 287 ، والاستبصار 1 : 102 / 331 « ويترك ».
5) الوسائل 3 : 376 / أبواب التيمم ب 18 ح 4.
والأحوط تيمّم آخر بقصد بدليّة المجموع ، وإن نوى في التيمم الثالث ما في الذمّة من بدلية الجميع أو خصوص الماء القراح كفى في الاحتياط (1).
وأمّا المقام الثاني : وهو أنّ الواجب هل هو تيمم واحد بدلاً عن الجميع ، أو أنّ الواجب ثلاثة تيممات؟
المشهور بينهم هو الأوّل ، نظراً إلى أنّ الأغسال وإن كانت متعدِّدة إلاّ أنّ الأثر المترتب عليها واحد وهو حصول الطهارة للميت ، فإذا تعذّرت وجب التيمم بدلاً عنها وحيث أنّ الأثر واحد فلا يجب بدلاً عنها إلاّ تيمم واحد.
وعن العلاّمة (2)والمحقق الثاني (3)قدسسرهما وجوب ثلاثة تيممات لتعدّد الواجب ، وهذا هو الصحيح ، وذلك لأن ما ذكره المشهور من وجوب تيمم واحد نظراً إلى وحدة الأثر منتقض بما إذا وجب على المكلّف ضمّ الوضوء إلى الغسل كما في غير غسل الجنابة أو ضمّ الغسل إلى الوضوء كما في الاستحاضة المتوسطة فإنّ الأثر المترتب عليهما شيء واحد وهو حصول الطهارة للمكلّف ، إلاّ أنّه إذا تعذّر على المكلّف وجب عليه تيممان بدلاً عن الجميع ، فانّ المشهور لا يلتزم بذلك في مثله بل يلتزمون بوجوب التيمم بدلاً عن الغسل تارة وبدلاً عن الوضوء تارة أُخرى ، كما أنّه إذا وجد ماء بمقدار أحدهما يأتي به ويتيمم بدلاً عن الآخر.
وحل ذلك : أنّ الأثر المترتب عليهما وإن كان واحداً كما ذكر المشهور ، إلاّ أن كلاًّ من الغسل والوضوء مأمور به في نفسه ،
وقد استفدنا من أدلّة البدلية أنّ التيمم بدل عن الغسل والوضوء فمع تعذّرهما تنتهي النوبة إلى بدلهما ، فتيمم بدل عن الغسل وتيمم
آخر بدل عن الوضوء.
والأمر في المقام كذلك ، لأنّ الواجب متعدد وهو كل واحد من الأغسال ، ومن ثمة ورد في بعض الأخبار أنّ الواجب في غسل الميِّت ثلاثة أغسال (1)وفاقاً لصاحب الجواهر قدسسره حيث عبّر بلفظة « كل » بقوله : « إن كل واحد من الأغسال الثلاثة كغسل الجنابة » (2)ومع تعدد الواجب لا بدّ من تعدد التيمم بدلاً عن الأغسال المتعذرة ، هذا.
بل يمكن أن يقال : إن ما ذكره المشهور من أن أثر الأغسال واحد وهو حصول الطهارة فبدلها تيمم واحد لو تمّ ، فإنّما يتم على مسلكهم من أنّ الطهارة مترتبة على الغسل والوضوء والتيمم ، وتلك محصلات للطهارة وأسباب لها ، ومن هنا ذهبوا إلى عدم جريان البراءة عند الشك في اعتبار شيء في الغسل والوضوء والتيمم ، نظراً إلى أنّ المأمور به أمر بسيط وهو الطهارة ولا شك فيه ، وإنّما الشك في المحصّل ومعه لا بدّ من الاحتياط.
وبهذا علل شيخنا الأنصاري قدسسره عدم جريان قاعدة التجاوز في تلك الأُمور ، بدعوى أنّ الطهارة شيء واحد لا يتحقق التجاوز فيها عند الشك في الأثناء (3).
وأمّا بناءً على ما سلكناه من أنّ الطهارة هي نفس الوضوء أو الغسل ، فإنّه اعتبر نوراً في الأخبار أو نوراً على نور (4)، لا أنّها شيء آخر يترتب عليها ، وقد ورد في صحيحة زرارة « وهو على وضوء » (5)وفي جملة من الأخبار أنّ الوضوء ينقضه كذا ولا ينقضه كذا (6)ومن الظاهر أنّ الكون على الشيء أو انتقاضه إنّما يتصوّر فيما إذا كان
1) الوسائل 2 : 479 / أبواب غسل الميِّت ب 2 ح 1 ، 2 وغيرهما.
2) لاحظ الجواهر 4 : 133 ولكن لم يعبّر بلفظة ( كل ) إلاّ أن عبارته دالّة عليه.
3) فرائد الأُصول 2 : 713.
4) الوسائل 1 : 377 / أبواب الوضوء ب 8 ح 8.
5) الوسائل 1 : 245 / أبواب نواقض الوضوء ب 1 ح 1.
6) الوسائل 1 : 245 256 / أبواب نواقض الوضوء ب 1 3.
[882] مسألة 7 : إذا لم يكن عنده من الماء إلاّ بمقدار غسل واحد فان لم يكن عنده الخليطان أو كان كلاهما أو السدر فقط صرف ذلك (1)الماء في الغسل الأوّل. ويأتي بالتيمم بدلاً عن كل من الآخرين على الترتيب ، ويحتمل التخيير في الصورتين الأُوليين في صرفه في كل من الثلاثة في الأُولى ، وفي كل من الاولى والثاني في الثانية. وإن كان عنده الكافور فقط فيحتمل أن يكون الحكم كذلك ويحتمل أن يجب صرف ذلك الماء (2)في الغسل الثاني مع الكافور ، ويأتي بالتيمم
له وجود ودوام ، ومن هنا بنينا على أنّ الطهارة هي نفس تلكم الأفعال وفاقاً لتعبير الأصحاب : الطهارات الثلاثة ، ويعنون بها الوضوء والغسل والتيمم.
فعليه الطهارة متعدِّدة في المقام ، فانّ الواجب قد يكون طهارة واحدة كما في الوضوء ، وقد يكون طهارتين كالغسل والوضوء كما في الاستحاضة المتوسطة وغير الجنابة من الأغسال على غير مسلكنا ، وقد يكون طهارات ثلاثاً كما في المقام ، فانّ الواجب ثلاثة أغسال للميت أي ثلاث طهارات ومع التعذّر يجب التيمم ثلاث مرّات.
نعم ، الأحوط خروجاً عن الخلاف أن ينوي في التيمم الثالث البدلية من المجموع أو عن الغسل بالقراح أي على ما هو الواجب واقعاً لأنّه بذلك يجزم بالامتثال ، إذ الواجب إن كان هو التيمم الواحد بدلاً عن الجميع فقد أتى به ، وإن كان هو التيممات المتعدِّدة فقد أتى بها على الفرض ، ومن ثمة ذكر الماتن : « وإن نوى في التيمم الثالث ما في الذمّة من بدلية الجميع أو خصوص الماء القراح كفى في الاحتياط » وظاهره أن طريق الاحتياط منحصر بذلك ، إلاّ أنّه لا ينحصر به ، لأنّه لو نوى البدلية عن الجميع أو عن أحد الأغسال في غير التيمم الثالث ، أيضاً يتحقق الاحتياط ، كما لو
بدل الأوّل والثالث ، فييممه أوّلاً ثمّ يغسله بماء الكافور ثمّ ييممه بدل القراح (1).
نوى ذلك في التيمم الثاني أو الأوّل مع فرض الإتيان بالباقي بعد ذلك.
(1) ذكر للمسألة صوراً أربعة :
الأُولى : ما إذا تعذّر الخليطان.
الثانية : ما إذا أمكن السدر دون الكافور.
الثالثة : عكس الصورة الثانية.
الرابعة : ما إذا أمكن الخليطان.
فقد ذكر قدسسره أنّ المتعيّن صرف الماء بدلاً عن الغسل بالسدر ، ثمّ يأتي بالتيمم بدلاً عن الغسل بالكافور والقراح ، وبعده احتمل التخيير بين صرفه في الغسل الأوّل وصرفه في الغسل الثاني أو الثالث ، وقد التزم جمع من الأصحاب بهذا التخيير.
وعن الشهيد (1)والمحقق (2)الثانيين قدسسرهما تعين صرفه في الغسل الأوّل ، وذلك نظراً إلى الترتيب المعتبر بين الأغسال ولزوم الإتيان بالثاني بعد الأوّل والثالث بعد الثاني ، وإذا صرفه في الأوّل ينطبق عليه فاقد الماء فيجوز له التيمم بدلاً عن الثاني والثالث.
والصحيح لا هذا ولا ذاك لا التخيير ولا تعين الأوّل بل اللاّزم هو الصرف في الغسل الأخير أعني الغسل بالماء القراح وذلك لأنّا إن قلنا بأنّ الأغسال الثلاثة بمنزلة الغسل الواحد وله أثر واحد وهو الطهارة ، والغسل الأوّل جزء والثاني جزء
آخر والثالث جزء ثالث ، غاية الأمر يتميّز هذا الغسل عن باقي الأغسال بأنّه يعتبر فيه غسل الرأس ثلاث مرّات بالسدر والكافور والقراح ، وكذا الجانب الأيمن يعتبر غسله ثلاثاً ، وكذا الجانب الأيسر يعتبر فيه الغسل ثلاثاً على الترتيب المذكور في محلِّه ، وقد قوّاه صاحب الجواهر (1)وشيخنا الأنصاري (2)والمحقق الهمداني (3)وغيرهم فمقتضى القاعدة عدم وجوب الغسل أصلاً والانتقال إلى التيمم لتعذّر جزء أو جزأين من المأمور به فيسقط. ولا يلتزمون بجريان قاعدة الميسور في أجزاء الغسل الواحد كما إذا فرضنا أنّ الجنب لا يتمكّن إلاّ من غسل ثلثي بدنه ، فإنّه لم يتوهّم أحد وجوبه وكفايته عن التيمم.
وكذا الحال فيما نحن فيه ، كما إذا لم يف ماء السدر إلاّ بنصف الميِّت أو ثلثيه لا يلتزمون بوجوب هذا الميسور وإغنائه عن التيمم ، إذن لا يجب الغسل في المقام أصلاً حتّى نتكلّم في أنّه يجب صرف الماء في الأوّل أو يتخيّر حينئذ ، فلا موضوع لهذا البحث أصلاً.
ثمّ لو تنازلنا عن ذلك وقلنا بجريان القاعدة ووجوب الغسل حينئذ لأنّه ميسور من المعسور فرضاً ، فلما ذا يجب التيمم معه ، فانّ الغسل الواحد قد تحقق الميسور منه ولا معنى لوجوب التيمم بدلاً عن الجزء المعسور ، لأنّ التيمم بدل عن الغسل والطهور ولا بدلية له عن جزء الغسل أو الوضوء ، فالجمع بين الغسل والتيمم غير صحيح ، بل اللاّزم على هذا القول سقوط الغسل والانتقال إلى التيمم.
وأمّا إن قلنا بتعدد الواجب وأن كل غسل من الثلاثة غسل مأمور به مستقلا ويترتب عليه الطهارة مستقلا ، نعم الطهارة المطلقة للميت تتوقف على إكمال الثلاث كما هو الصحيح ، فهو مورد للأقوال من التخيير أو تعين الأوّل أو الأخير ، لأنّه إذا تعذّر شرط لا يستتبع هذا سقوط شرط آخر عن الوجوب ، كما إذا لم يتمكّن من
التستّر في الصلاة فإنّه لا يسقط به شرطية الاستقبال وبالعكس ، فالتكلّم في المسألة يبتني على تعدّد المأمور به.
إذا عرفت هذا فنقول : الصحيح تعين الصرف في الغسل الأخير ، لأنّ المدرك في وجوب الغسل بالقراح عند تعذّر الغسل بالسدر أو الكافور منحصر بقاعدة الميسور كما مرّ وهي غير تامّة في نفسها ، ولا تنطبق على المقام ، لأنّ الغسل بالقراح مغاير للغسل بالسدر ، لا أنّه ميسور من المعسور ، نظير ما إذا وجب إكرام العالم فتعذّر وأكرم الرجل الجاهل بدعوى أنّه ميسور من المعسور ، لأنّه يعد مغايراً للمعسور لا ميسوراً منه. إذن لا بدّ عند تعذّر الغسل بالسدر أو الكافور من الانتقال إلى التيمم بدلاً عنهما.
وأمّا الغسل الثالث فبما أنّه ممكن للمكلّف فيجب الإتيان به بنفسه ، هذا.
ثمّ لو تنازلنا عن ذلك وبنينا على تمامية القاعدة وانطباقها على المقام فالأمر كما ذكرنا أيضاً ، وذلك لعدم دلالة الدليل على جواز تفويت الواجب إبقاءً لميسور الواجب المتعذّر ، فلا مسوغ لترك الغسل بالقراح إبقاءً للميسور من الغسل بالسدر المتعذّر على الفرض. بل مقتضى قاعدة الميسور خلافه ، لأنّها تقتضي الإتيان بالواجب الميسور وهو الغسل بالقراح وعدم سقوطه بتعذّر الواجبين الأوّلين.
نعم ، الأحوط أن يأتي بتيممين بعد الغسل بالقراح خروجاً عن شبهة الخلاف وتحصيلاً للجزم بالامتثال ، لأنّ الواجب لو كان ما ذكرناه من صرف الماء في الأخير فقد أتى به ، كما أنّه لو كان الواجب صرفه في الأوّل والتيمم للأخيرين فقد أتى به أيضاً.
وهي ما إذا أمكن السدر وتعذّر الكافور ، فلا يجوز حينئذ صرف الماء في الغسل الثاني أي في الغسل بالكافور لقاعدة الميسور ، وذلك لعين ما تقدم من عدم تمامية القاعدة في نفسها وعدم انطباقها في المقام ، بل وعدم جواز تفويت الواجب إبقاءً
للميسور من المعسور ولو بناءً على تمامية القاعدة ، فالمتعيّن صرفه إمّا في الغسل بالسدر الممكن وإمّا في الغسل بالقراح.
ولكن الصحيح صرفه في خصوص الغسل بالسدر ، وذلك لأنّ الأخبار الواردة في المقام لاشتمالها على كلمة « ثمّ » دلّتنا على اعتبار الترتيب في الأغسال ، فيعتبر في صحّة الغسل بالكافور أو القراح أن يتأخّرا عن الغسل بالسدر بحيث لو أتى بهما قبله عصياناً أو نسياناً وقعا باطلين ، وإن كان الغسل بالسدر صحيحاً ، نظير اعتبار الترتيب في العصر بالإضافة إلى الظهر ، وحيث إنّ السدر موجود فيجب صرف الماء فيه بمقتضى الأخبار ، وبعده يكون المكلّف فاقداً للماء فيجوز له التيمم بدلاً عن الكافور والقراح.
وبعبارة اخرى : المسوغ للتيمم أحد أمرين : إمّا الفقدان الحقيقي الوجداني ، أو الفقدان التعبّدي كما إذا كان متمكّناً من الماء عقلاً إلاّ أنّ الشارع منعه عن التصرف فيه لأنه مغصوب أو موجب لهلاكته ، فانّ الممتنع شرعاً كالممتنع عقلاً ، وليس شيء منهما متحققاً بالإضافة إلى الغسل بالسدر ، أمّا الوجدان فظاهر ، لأنّه متمكّن منه على الفرض لوجود الماء والسدر ، وأمّا التعبّد فلعدم دلالة الدليل على وجوب صرف الماء في الثالث ، إذ المشهور إنّما يقول بالتخيير لا بتعين صرفه في الأخير حتّى يحرم استعماله في الأوّل ، فهو متمكّن منه تعبّداً ووجداناً فلا يسوغ له التيمم بدلاً عن الغسل بماء السدر ، بل لا بدّ من أن يأتي به بنفسه ، وبعده يصدق عليه أنّه فاقد الماء حقيقة فيجوز له التيمم بدلاً عن الغسل بالكافور والقراح.
وهذا نظير المستحاضة القليلة الّتي يجب أن تتوضأ لكل صلاة ، فإنّها إذا لم تتمكّن من الوضوء إلاّ لإحدى الصلاتين كالظهر والعصر لم يجز لها التيمم لصلاة الظهر وإبقاء الماء لصلاة العصر ، لما تقدم من أنّ المسوّغ للتيمم إمّا هو الفقدان الحقيقي أو التعبّدي وليس في المقام شيء منهما ، فيتعيّن صرفه في الوضوء للظهر وبعد ذلك يجوز لها أن تتيمم للعصر ، لأنّها فاقدة للماء حقيقة.
وهي ما إذا أمكن الكافور دون السدر فهل يتخيّر بين صرف الماء في الغسل بالكافور وصرفه في الغسل بالقراح ، بعد سقوط الغسل بالسدر للتعذّر ووصول النوبة فيه إلى التيمم؟
فقد ظهر ممّا قدّمناه في الصورتين المتقدمتين تعين صرف الماء في الغسل بالكافور مع التيمم قبله بدلاً عن الغسل بالسدر وبعده بدلاً عن الغسل بالقراح ، وذلك لما تقدّم من عدم جريان قاعدة الميسور في نفسها ، وعدم انطباقها في المقام لو جرت لمغايرة الغسل بالماء مع الغسل بالسدر وعدم كونه ميسوراً منه ، فينتقل الأمر في الغسل بالسدر إلى التيمم لتعذّره ، وبما أنّ الغسل بالكافور متمكّن منه في حقّه لوجود الماء مع الكافور فيجب صرفه فيه ، إذ لا مسوغ للتيمم بدلاً عنه ، فانّ المسوغ إمّا هو الفقدان الحقيقي وهو ظاهر الانتفاء ، وإمّا هو الفقدان التعبّدي فلعدم الدليل على وجوب صرفه في الغسل بالقراح ، لأنّ المخالف يدّعي التخيير لا التعيين فيجوز معه صرف الماء في الغسل بالكافور ، وغسل الميِّت إذا جاز وجب ، وبعده يكون المكلّف فاقداً للماء حقيقة فيسوغ له التيمم بدلاً عن القراح.
وهي ما إذا أمكن كلا الخليطين ، فالمحتمل فيها ابتداءً هو التخيير بين الأغسال الثلاثة للتمكّن من أحدها وإن لم يتعرّض الماتن له وإنّما تعرّض للتخيير بين الغسلين إلاّ أنّ الصحيح وجوب صرفه في الغسل بالسدر ، لأنّه متمكّن منه وجداناً وهو واضح ، وتعبّداً لعدم احتمال تعين الثاني والثالث فيجوز صرفه في الأوّل ، وقد عرفت أنّ غسل الميِّت إذا جاز وجب ، وبعده ينتقل إلى التيمم في الغسل بالكافور والقراح ، لعدم التمكّن منهما عقلا.
[883] مسألة 8 : إذا كان الميِّت مجروحاً أو محروقاً أو مجدوراً أو نحو ذلك ممّا يخاف معه تناثر جلده ييمم كما في صورة فقد الماء ثلاثة تيممات (1).
وما ذكرناه في هذه الصورة يبتني على تعدّد الواجب في غسل الميِّت ، وأمّا إذا قلنا بأنّ الواجب هو أمر واحد فقد عرفت أن مقتضى القاعدة حينئذ هو سقوط الغسل ، وقاعدة الميسور لا تجري في أجزاء الغسل الواحد لما مرّ.
وما ذكرناه في الصور المتقدمة بناءً على تعدّد الواجب المأمور به فهو يبتني على أمرين:
أحدهما : عدم جريان قاعدة الميسور في المقام ، إمّا لعدم تماميتها في نفسها أو لعدم انطباقها عليه ، لعدم كون الغسل بالقراح ميسوراً من المأمور به المعسور ، أو لأنّ تفويت الواجب لإدراك الميسور من الواجب الآخر غير جائز ولا تشمله القاعدة.
وثانيهما : أن أمر الماء إذا دار صرفه بين أمرين مترتبين لا يجوز صرفه في الأخير مع التمكّن من الصرف في الأوّل ، بلا فرق في ذلك بين المقام وغيره كما في المستحاضة.
ولا يقاس هذا بما إذا دار الأمر بين الإتيان بجزء من الواجب أو جزء آخر ، فإنّه يجب الإتيان بالأخير دون الأوّل عند بعضهم إذا كان أهم ، أو لا يجب شيء منهما للتعارض عندنا.
هذا كلّه فيما إذا أمكن واحد من الأغسال الثلاثة ، ومنه يظهر الحال فيما إذا أمكن اثنان منها وتعذّر واحد : إمّا الأوّل والثاني أو الثاني والثالث أو الأوّل مع الثالث ، فإنّه يأتي بالمتمكّن منه وينتقل في المتعذّر إلى التيمم على النحو المتقدم في المسألة.
(1) ظهر الحال في هذه المسألة ممّا ذكرناه في المسألة السادسة ، وهي ما إذا تعذّر الماء عقلا ، وذلك لأن المتعذّر شرعاً كالمتعذّر عقلا فينتقل الأمر معه إلى التيمم مرّة واحدة أو متعدداً على الخلاف المتقدم ، لعموم أدلّة البدلية بدلية التراب عن الماء.
[884] مسألة 9 : إذا كان الميِّت محرماً لا يجعل الكافور في ماء غسله في الغسل الثاني (1) إلاّ أن يكون موته بعد طواف الحج (1)أو العمرة
كما تقدّم في تلك المسألة بيان الأدلّة الّتي استدلّ بها على وجوب التيمم حينئذ ومنها رواية زيد بن علي عليهماالسلام فليراجع.
(1) المسألة متسالم عليها بينهم ولم ينقل فيها خلاف من أحد ، وتدل عليه جملة متضافرة من النصوص فيها الصحاح والموثقة وغيرهما (2)وهذا تخصيص في أدلّة وجوب تغسيل الميِّت ثلاثاً أحدها الكافور ، بلا فرق في ذلك بين الإحرام في الحج للتمتّع أو القرآن أو المفرد ، ولا بين العمرة المفردة أو عمرة التمتع. وهذا ممّا لا إشكال فيه.
وإنّما الكلام في الاستثناء من الاستثناء وهو ما يأتي في المسألة الآتية.
(2) ذكره جمع كثير ، والكلام في مدركه ، لأن مقتضى إطلاق الروايات عدم الفرق في المحرم بين أن يموت قبل الطواف أو بعده ، ولم يرد في خصوص المحرم الميِّت بعد الطواف رواية تدل على وجوب تغسيله بالكافور ، ومن ثمة استشكل في ذلك صاحب الحدائق قدسسره حيث قال : والمسألة محل توقف ، وإن مال إلى الجواز بقوله : وإن كان ما اختاره في النهاية لا يخلو عن قرب (3).
والّذي ينبغي أن يقال : إنّ المتفاهم عرفاً من الأخبار الواردة في المقام أنّ تحريم
تغسيل المحرم الميِّت بالكافور إنّما هو من جهة إحرامه قبل الموت ، وإلاّ فالموت لا خصوصية له في التحريم قطعاً ، فالشارع قد أجرى عليه أحكام الإحرام بعد الموت كما كانت تجري عليه قبل الموت.
وهذا هو الّذي تقتضيه مناسبة الحكم والموضوع ، لأنّه لو كانت المناسبة بينهما قرينة عرفية في مورد فالمقام أولى بذلك ، لأنّ المناسبة فيه من أظهر أنحاء المناسبات لأنّ المحرم يحرم عليه استعمال الطيب حياً فكذلك بعد الموت بمقتضى الروايات.
ويؤكّده النبوي الدال على أنّ المحرم الميِّت لا يغسل بالكافور لأنّه يحشر يوم القيامة ملبياً (1).
وعليه فالاستثناء من الاستثناء في محلِّه ، لاختصاص الحكم حينئذ بالمحرم الميِّت الّذي كان يحرم عليه استعمال الطيب ، وأمّا إذا مات بعد الخروج من إحرامه فلا مانع من تغسيله بالكافور ، للمطلقات الدالّة على وجوب تغسيل الميِّت به ، فهذا المقدار ممّا لا ينبغي الشبهة فيه ، وإنّما الكلام فيما يخرج به عن الإحرام.
أمّا في الحج : فقد ذكر الماتن قدسسره أنّه لا بأس بتغسيله بالكافور لو مات بعد الطواف.
ولكن الصحيح ما ذهب إليه المشهور ، من أنّ الخروج عن الإحرام في الحج إنّما هو بالسعي بين الصفا والمروة الّذي أُطلق عليه الطواف في بعض الأخبار ، وذلك لأنّ الأخبار الواردة فيما يتحلل به عن إحرام الحج مختلفة ، فقد دلّت بعضها على أنّه يخرج عنه بطواف النِّساء (2)وآخر على أنّه يخرج عنه بالطواف (3)، وثالث دلّ على أنّه يخرج عنه بالسعي (4)، والطائفة الاولى تحمل على الطواف ، للأخبار الدالّة على أنّ
1) المستدرك 2 : 177 / أبواب غسل الميِّت ب 13 ح 5 ، 6.
2) الوسائل 14 : 232 / أبواب الحلق والتقصير ب 13 ح 1 ، 2 ، وفي ص 249 / أبواب زيارة البيت ب 4 وغيره.
3) راجع الوسائل 14 : 232 / أبواب الحلق والتقصير ب 13 ح 1 ، 2 ، 249 / أبواب زيارة البيت ب 4.
4) راجع الوسائل 14 : 232 / أبواب الحلق والتقصير ب 13 ح 1 ، 2 ، 249 / أبواب زيارة البيت ب 4.
وكذلك لا يحنط بالكافور (1) بل لا يقرب إليه طيب آخر.
[885] مسألة 10 : إذا ارتفع العذر عن الغسل أو عن خلط الخليطين أو أحدهما بعد التيمم أو بعد الغسل بالقراح قبل الدفن تجب الإعادة (2).
التحلّل بالطواف ، والثانية تحمل على السعي ، لما دلّ على أنّ التحلل بالسعي ولو بإرادة طبيعي الطواف منه الصادق على السعي ، لأنّه طواف أيضاً بهذا المعنى ، وهذا هو المشهور بين الأصحاب ، والمظنون بل المطمأن به أنّ الماتن لا يرى التحليل بالطواف وإنّما ذهب إليه بعض.
وهل صلاة الطواف داخلة أم لا؟ فيه كلام. وعليه فالصحيح أن يقال : إلاّ أن يكون موته بعد سعي الحج ، والظاهر أنّه اشتباه أو غفلة من الماتن أو المحشين.
وأمّا في العمرة ففيها اشتباه ثانٍ ، وذلك لأنّ التحليل عن إحرامها يحصل بالتقصير تارة وبالحلق أُخرى في العمرة المفردة ، وبالتقصير فقط في عمرة التمتع ولا يحصل الإحلال فيها بالطواف فراجع.
(1) لقوله عليهالسلام في جملة من الروايات « لا يمسّ الطيب » أو « ولا يقربه طيب » (1)بل صرّح بعدم جواز التحنيط بالطيب في جملة من الأخبار (2)فراجع.
(2) لأنّ المدرك في وجوب تيمم الميِّت حينئذ إمّا رواية زيد الدالّة على أنّ المجدور إذا مات ييمم (3)، ولا يتحقق في موردها ارتفاع العذر بعد التيمم ، وإمّا المطلقات الدالّة على بدلية التيمم أو التراب عن الماء كما هو الصحيح وهي إنّما تدل على
وكذا بعد الدفن إذا اتّفق خروجه بعده على الأحوط (1)(1)
البدلية في صورة فقدان الماء ، ومن الظاهر أنّ المراد به ليس هو الفقدان آناً ما أو ساعة أو ساعتين ، بل المراد به الفقدان في جميع أزمنة الواجب ووقته ، فإذا يمم الميِّت ثمّ وجد الماء أو الخليطان أو أحدهما قبل أن يدفن كشف عن عدم كون التيمم مأموراً به واقعاً ، لعدم تحقق شرطه وإن كان اعتقد فقدانه أو اعتمد على الاستصحاب أو البيّنة ونحوها ، إلاّ أنّ الأمر الخيالي أو الظاهري لا يجزي عن المأمور به الواقعي بوجه فتجب الإعادة في مفروض الكلام.
(1) إذا اتّفق خروج الميِّت بزلزلة أو نحوها ، والكلام في هذه المسألة يقع في صورتين :
إحداهما : ما إذا ارتفع العذر في زمان لا يجوز تأخير الدفن إليه ، كما إذا وجد الماء بعد الدفن بعشرة أيّام ، لعدم جواز التأخير في الدفن إلى عشرة أيّام.
ثانيتهما : ما إذا ارتفع العذر في وقت يجوز التأخير في الدفن إليه.
أمّا الصورة الاولى : فلا ينبغي الإشكال في عدم وجوب الإعادة ، لأن عدم ارتفاع العذر إلى وقتٍ لا يجوز تأخير الدفن إليه يكشف عن أنّ الأمر بالتيمم كان أمراً واقعياً ، لتحقق شرطه وهو فقدان الماء مثلاً إلى زمان [ لا ] يجوز التأخير إليه وقد امتثله المكلّف على الفرض فلا موجب للإعادة ، فإن ظرف التغسيل الواجب أو بدله إنّما هو قبل الدفن الأوّل ، لما دلّ على أنّ الميِّت يغسل ويكفن ويصلّى عليه ويدفن والمفروض عدم التمكّن من التغسيل في ذلك الوقت ، وأمّا الدفن الثاني فهو إنّما يجب بأمر آخر غير الأمر الأوّل ، ولم يقم دليل على وجوب التغسيل قبل الدفن الثاني أيضاً ، ومع الشك فالمرجع هو البراءة لا المطلقات ، لأنّها إنّما تدل على وجوب
1) (*) بل على الأقوى ، كما أنّ الأظهر وجوب النبش إذا لم يستلزم الهتك.
التغسيل قبل الدفن الأوّل لا الثاني كما مرّ.
وقد يستدل على عدم وجوب الإعادة حينئذ بوجوب الفورية في الدفن الثاني لأنّه على القول بها ينافي التغسيل.
وفيه : أنّ الفورية على القول بها لم تثبت بدليل لفظي يمكن التمسُّك بإطلاقه وإنّما ثبتت بالإجماع وهو دليل لبي يقتصر فيه على المقدار المتيقن وهو غير صورة وجوب التغسيل قبل الدفن.
على أن معنى الفورية عدم جواز المسامحة في الإتيان بالمأمور به ، وأمّا عدم جواز الإتيان بما يجب الإتيان به فلا ، لعدم كونه منافياً للفورية في الامتثال ، فالصحيح في الاستدلال على عدم وجوب الإعادة ما ذكرناه.
وأمّا الصورة الثانية : فالصحيح فيها وجوب الإعادة ، لأن وجدان الماء وارتفاع العذر في زمان جاز التأخير إليه في الدفن يكشف عن كون التيمم غير مأمور به بالأمر الواقعي لعدم تحقق شرطه ، واعتقاد الفقدان أو قيام البيّنة عليه أو الاعتماد فيه على الأصل لا يوجب الإجزاء ، لأنّ الأمر التخيلي أو الظاهري لا يقتضي الإجزاء كما مرّ.
بل لو تمكّن المكلّف في مفروض الكلام من التغسيل المأمور به قبل خروجه عن قبره لا يبعد القول بجواز النبش لإعادة التغسيل ، وذلك لكشف ذلك عن عدم كون التيمم مأموراً به بالأمر الواقعي ، فالدفن قد وقع قبل التغسيل المأمور به فينبش القبر ويعاد على الميِّت غسله.
ودعوى أنّ النبش محرم ، والتمكّن بعد الدفن يكشف عن كون التيمم مأموراً به واقعاً ، لعدم التمكّن من الماء إلى وقت الدفن وعدم جواز إخراجه من قبره.
مندفعة بأنّ النبش لم يقم دليل على حرمته سوى الإجماع المستند إلى حرمة هتك المؤمن ، لأن حرمة المؤمن ميتاً كحرمته حياً. والأدلّة اللبية يقتصر فيها على المورد المتيقن ، وهو ما إذا كان الدفن بعد الغسل المأمور به ، لا ما إذا وقع قبله فلا مانع من نبش القبر محافظاً على احترام المؤمن وتغسيله.
بل قد التزم المشهور بجواز النبش فيما إذا ظهر أنّ الغسل لم يقع على الوجه الصحيح
[886] مسألة 11 : يجب أن يكون التيمم بيد الحيّ لا بيد الميِّت (1)
كما إذا كان بالماء النجس أو غير ذلك ممّا يوجب بطلان التغسيل ، وكذلك الحال في الإخلال بالكفن. نعم ، لا يجوز النبش للإخلال بالصلاة كما يأتي في محلِّه (1).
وكيف كان ، فالنبش في هذه الصورة لا يبعد جوازه وإن كان يظهر من الماتن في المقام عدم الجواز ، لأنّه تعرّض لوجوب إعادة الغسل إذا اتفق خروج الميِّت من قبره فان ظاهره عدم جواز إخراجه بالاختيار للتغسيل ، ولكنّه تعرض للمسألة في الكلام على النبش ولم يبن على أحد الطرفين ، بل استشكل في المسألة.
(1) مقتضى الاحتياط الجمع بين التيمم بيد الميِّت والحيّ ، إلاّ أنّ الأقوى وجوبه بيد الميِّت ، لأنّ المدرك إن كان رواية زيد بن علي فقد ورد فيها « يمموه » (2)والتيمم قائم بالميت. وكذا لو كان المدرك هو المطلقات الدالّة على أنّ التيمم أو التراب أحد الطهورين (3)لأنّ التيمم متقوم بضرب اليدين على الأرض فلا يتحقق بدونه ، فلا بدّ من أن يضرب يدي الميِّت على الأرض وإلاّ فلو ضرب الحيّ يديه على الأرض ومسح بهما وجه الميِّت لم يتحقق من الميِّت.
لا إشكال ولا خلاف في أنّ الوضوء والغسل والتيمم يعتبر فيها المباشرة فلا يكفي فعل الغير فيها مع تمكّن المكلّف من المباشرة لها بنفسه.
وأمّا إذا عجز المكلّف عن المباشرة فيسقط اعتبارها فيوضئه أو يغسله الغير ، لأنّ الوضوء والغسل ليسا إلاّ عبارة عن إجراء الماء على البدن أو أعضاء الوضوء ، وهذا
يتحقق بفعل الغير أيضاً ، وقد ورد في بعض الأخبار أنّ الصادق عليهالسلام كان به وجع شديد فأمر الغلمان أن يصبّوا الماء على بدنه في الاغتسال (1)هذا كلّه في الغسل والوضوء.
وأمّا التيمم فهو كالغسل والوضوء أيضاً ، فإذا لم يتمكّن المكلّف من مباشرته سقطت ووجب أن ييممه الغير ، بأن يأخذ الغير بيدي العاجز ويضربهما على وجه الأرض ثمّ يمسح بهما وجهه ويديه ، لا أن يضرب الغير بيديه على الأرض ، وذلك لأنّ التيمم يتقوم بضرب اليدين على الأرض فلا يتحقق التيمم من العاجز إلاّ بضرب يديه على الأرض ، وحيث إنّه عاجز عن ذلك بالمباشرة فيوجد الغير ضرب يدي العاجز على الأرض فيه.
بل عن صاحب الجواهر دعوى الإجماع عليه حيث قال : لم أقف على قائل بغيره (2).
نعم ، إذا عجز المكلّف عن ذلك أيضاً ولم يمكن أن يضرب الغير بيدي العاجز على الأرض لليبس أو لغيره من الأُمور سقط اعتبار ضرب اليدين ، ووجب على الغير أن يضرب بيديه على الأرض ويمسح بهما على وجه العاجز ويديه. فالواجب أوّلاً هو المباشرة ، ومع التعذّر يقوم الغير به مع وجوب ضرب يدي العاجز على الأرض ، ومع العجز عنه يسقط اعتباره أيضاً ويجب على الغير ضرب يديه على الأرض ولا ينتقل من مرتبة إلى دونها إلاّ بالعجز عنها.
والدليل على وجوب ضرب الغير يديه على الأرض في المرتبة الثالثة ، هو أنّا لا نحتمل سقوط التكليف بالصلاة عن العاجز عن التيمم ، وذلك لعدم كونه فاقداً للطهورين الماء والتراب لوجود التراب عنده ، وغاية الأمر لا يمكنه أن يضرب يديه على الأرض ولو بواسطة الغير ، فيجب على الغير أن يحصّل له الطهور بضرب يديه على وجه الأرض ثمّ يمسح بهما وجه العاجز ويديه ، فالحكم على طبق القاعدة
وإن كان الأحوط (1)تيمم آخر بيد الميِّت إن أمكن ، والأقوى كفاية ضربة واحدة للوجه واليدين وإن كان الأحوط التعدد (1).
وممّا تقتضيه أدلّة بدلية التيمم من دون حاجة فيه إلى نص بالحصوص ، هذا كلّه في العاجز الحيّ.
وأمّا الميِّت ، فالأمر فيه كما عرفت ، لأنّه الّذي تقتضيه القاعدة وأدلّة البدلية ، نعم المشهور القائلون بوجوب ضرب الغير يدي العاجز على الأرض في العاجز الحي مع التمكّن منه يلتزمون في المقام بأنّ الحي يضرب يديه على الأرض ويمسح بهما وجه الميِّت ويديه.
لكن عرفت أنّ الصحيح وجوب ضرب يدي الميِّت على الأرض مع الإمكان ، نعم الأحوط هو الجمع بين التيمم بضرب الحي يديه على الأرض وبين التيمم بضرب يدي الميِّت عليها ، انتهى التوضيح.
وقد يقال : إنّ التيمم بدل عن الغسل ، فكما أنّ الغسل واجب على الحيّ دون الميِّت فكذلك التيمم واجب على الحي دون الميِّت.
ويندفع بأنّ الغسل إنّما يقع على الميِّت لأنّه الّذي يغسل بدنه ، غاية الأمر بالمباشرة من الحي ، وهذا لا يقتضي أن يكون بدله وهو التيمم قائماً بالحي. بل يقتضي أن يكون التيمم كالغسل قائماً بالميت بمباشرة الحي ، إذن يجب أن يكون التيمم بيد الميِّت لا بيد الحي.
بل لعل القائل بكون التيمم واجباً على الحي نظر إلى أنّ الميِّت تيبست يداه ولا يمكن أن يضرب بهما على الأرض ، والأمر حينئذ كما ذكر لا بدّ من أن يكون التيمم بيد الحي إلاّ أنّه إذا أمكن بيد الميِّت وجب ، كما مرّ أنّ الاحتياط يقتضي الجمع.
(1) كما يأتي في محلِّه.
1) (*) هذا الاحتياط لا يترك.
[887] مسألة 12 : الميِّت المغسّل بالقراح لفقد الخليطين أو أحدهما ، أو الميمم لفقد الماء أو نحوه من الأعذار لا يجب الغسل بمسه (1)(1) وإن كان أحوط.
وهي أُمور (2) :
الأوّل : نيّة القربة على ما مرّ في باب الوضوء.
(1) بل يجب الغسل بمسّه إذا كان الميِّت ميمماً ، لما تقدم في مبحث غسل مسّ الميِّت (2)من أنّه يصدق أنّ الميِّت مسّه قبل التغسيل فيجب الغسل بمسّه.
وما دلّ على بدلية التيمم مقام الغسل إنّما يقتضي قيامه مقام الغسل وحسب ، وأمّا كونه كالغسل بالإضافة إلى سائر الواجبات والأحكام أيضاً فلا ، فليراجع.
نعم ، إذا غسل الميِّت بالقراح بدلاً عن الغسل بالخليط وقلنا بصحّته لم يجب الغسل بمسّه ، لأنّه يصدق عليه أنّه مسّ بعد التغسيل المأمور به.
فصل في شرائط الغسل
(2) الشرائط المذكورة في المقام هي الشرائط المتقدمة المعتبرة في الوضوء وغسل الجنابة وغيرهما ، كاعتبار النيّة لكونه عبادة ، واعتبار طهارة الماء واعتبار طهارة البدن ، وتخليل الشعر لوصول الماء إلى البشرة على خلاف الوضوء ، وإباحة الماء لعدم
الثاني : طهارة الماء.
الثالث : إزالة النجاسة (1)عن كل عضو قبل الشروع في غسله ، بل الأحوط إزالتها عن جميع الأعضاء قبل الشروع في أصل الغسل ، كما مرّ سابقاً.
الرابع : إزالة الحواجب والموانع عن وصول الماء إلى البشرة ، وتخليل الشعر والفحص عن المانع إذا شكّ في وجوده.
الخامس : إباحة الماء وظرفه (2)ومصبه ومجرى غسالته ومحل الغسل والسدة والفضاء الّذي فيه جسد الميِّت وإباحة السدر والكافور. وإذا جهل بغصبية أحد المذكورات أو نسيها وعلم بعد الغسل لا تجب إعادته. بخلاف الشروط السابقة فإن فقدها يوجب الإعادة وإن لم يكن عن علم وعمد (1).
إمكان التقرب بالمعصية والمبغوض ، وغير ذلك من الشروط ، نعم يزيد في هذا الغسل اشتراط الإباحة في الخليطين أيضاً ، لأنّهما كالماء دخيلان في غسل الميِّت.
(1) ما أفاده قدسسره إنّما يتم في نسيان الغصبية فيما إذا كان النسيان معذّراً ، كما في نسيان غير الغاصب الغصب ، وذلك لحديث الرفع (3)وغيره ممّا دلّ على ارتفاع الحكم الواقعي في موارد النسيان ، فإنّه مع عدم حرمة التصرف في الماء مثلاً لا مانع من التغسيل والتقرّب به.
نعم ، إذا لم يكن النسيان معذّراً كما في نسيان الغاصب ، لأنّه مكلّف بالاجتناب عمّا غصبه حتّى في حالة النسيان ، إذ أنّه وإن كان التكليف ممتنعاً حينئذ ، إلاّ أنّه امتناع
[888] مسألة 1 : يجوز تغسيل الميِّت من وراء الثياب ولو كان المغسل مماثلاً بل قيل : إنّه أفضل ، ولكن الظاهر كما قيل (1)أنّ الأفضل التجرّد في غير العورة مع المماثلة (1).
بالاختيار ولا ينافي الاختيار ، لأن عجزه مستند إلى قدرته واختياره ، وحديث الرفع لا يقتضي رفعه حينئذ ، لأنّه إنّما ورد للامتنان ولا امتنان في رفع الحرمة عن تصرفات الغاصب ، لأنّه إتلاف لمال الناس وإضرار بهم ، بل لعل الأكثر في الغاصب ذلك ، حيث إنّه ينسى ما اغتصبه من أموال الناس بعد الغصب.
وأمّا في موارد الجهل بالغصبية فلا يتم ما أفاده قدسسره ، وذلك لبقاء الحرمة الواقعية بحالها كما ذكرناه في بحث الوضوء (2)، والمحرّم لا يكون مصداقاً للواجب والمبغوض لا يتقرّب به وإن كان المكلّف معذوراً في عمله ظاهراً.
نعم ، هذا إنّما هو في الماء في الوضوء وسائر الأغسال ، وكذا الخليطان في المقام ، لأن حكمهما حكم الماء ، وأمّا في المكان والفضاء والسدة والإناء وغيرها فلا مانع من التغسيل بها عند الجهل بحرمتها ، والسر فيه : أنّ المأمور به هو الغسلتان والمسحتان أو صبّ الماء على البدن فقط ، والمفروض إباحته لإباحة الماء على الفرض ، وإنّما المحرم هو التصرّف في المكان والسدة والفضاء والإناء ونحوها وهي أُمور خارجة عن المأمور به. وإنّما لم نقل بصحّة الغسل والوضوء مع العلم بحرمة المذكورات للتزاحم بين الإتيان بالواجب وارتكاب الحرام ، فإذا جهلنا بحرمتها لم تكن مزاحمة بين وجوب الوضوء أو الغسل وحرمة تلك الأُمور ، لعدم فعليتها فيقع الغسل والوضوء صحيحاً لا محالة.
(1) لا إشكال في جواز تغسيل الميِّت مجرّداً أو من وراء الثياب ، وإنّما الكلام في أنّ المستحب هو التغسيل مجرّداً والتغسيل من وراء الثوب أمر جائز كما ذهب إليه المشهور
أو أنّ المستحب هو التغسيل من وراء الثياب والتغسيل مجرّداً جائز كما التزم به جماعة ، أو أنّه لا هذا ولا ذاك بل يتخيّر بين الأمرين كما عن المحقق الثاني (1)؟
ومنشأ الخلاف بينهم في المسألة أنّه ورد في رواية يونس المتقدمة الأمر بالتغسيل مجرداً حيث قال : « فان كان عليه قميص فأخرج يده من القميص واجمع قميصه على عورته » (2).
وورد في جملة من الصحاح الأمر بتغسيله من فوق الثياب :
منها : صحيحة يعقوب بن يقطين « ولا يغسلن إلاّ في قميص يدخل رجل يده ويصب عليه من فوقه » (3).
ومنها : صحيحة ابن مسكان (4)وصحيحة سليمان بن خالد (5)، فوقع الكلام في أنّ الأمر بالتغسيل مجرّداً محمول على الاستحباب في رواية يونس والأمر بالتغسيل من وراء الثياب في تلك الصحاح محمول على الجواز ، أو أنّ الأمر بالعكس.
قد يقال بأن رواية يونس لا يمكن أن تعارض الصحاح المتقدمة لضعفها بالإرسال ، فيتعيّن القول باستحباب التغسيل من وراء الثياب.
ويردّه : أنّ رواية يونس لا تندرج تحت المراسيل ، لأنّ إبراهيم بن هاشم إنّما يرويها عن رجاله ، وهو كرواية الكليني عن عدّة من أصحابنا أو الرواية عن غير واحد ، وقد مرّ غير مرّة أنّ مثل ذلك لا يعد من المراسيل ، لدلالة هذا التعبير على أنّ الرواية رواها الجميع أو عدّة منهم أو جماعة كثيرة ، ومن ثمة لم يسند الرواية إلى راوٍ بخصوصه ، ومن المطمأن به أن رجال إبراهيم بن هاشم أو عدّة من أصحابنا أو غير واحد من الأصحاب مشتمل على الثقات ، ولا يمكن عادة أن يكون الجميع غير موثقين فالرواية لا إشكال فيها من حيث السند ، إذن لا بدّ من تحقيق المستحب منهما.
والصحيح كما التزم به صاحب الحدائق (1)قدسسره أن نلتزم باستحباب التغسيل من وراء الثياب ، وذلك لأن معتبرة يونس الآمرة بالتغسيل مجرّداً وصحيحة يعقوب بن يقطين الآمرة بالتغسيل من وراء الثياب مطلقتان ، وصحيحتي ابن مسكان وسليمان بن خالد مقيّدتان بالاستطاعة حيث ورد فيهما « إن استطعت أن يكون عليه قميص فغسّله من تحته » (2)أو « فيغسل من تحت القميص » (3).
إذن يمكننا الجمع بين الصحيحة المتقدمة ومعتبرة يونس بهاتين الصحيحتين ، فيكون المأمور به هو التغسيل من تحت الثياب على تقدير التمكّن منه وإلاّ فيغسل مجرّداً. فصحيحة ابن يقطين محمولة على صورة التمكّن ومعتبرة يونس على صورة عدم الاستطاعة من التغسيل وراء الثياب.
والمراد بالاستطاعة هو التمكّن العرفي ، وكلا الأمرين كثير الوقوع ، فانّ الميِّت قد يكون مسبوقاً بالمرض وتطول مدّته ويكون بدنه وسخاً لا يمكن للغاسل تغسيله من وراء الثياب عرفاً فيغسله مجرّداً. وإذا أمكنه غسله من وراء الثياب فليس عدم الاستطاعة من التغسيل وراء الثياب أمراً نادراً ، ومعه يتعين القول باستحباب التغسيل من وراء الثياب لو أمكن دون العكس ودون التخيير ، للأمر به مع التمكّن منه فلا تخيير في البين.
ثمّ إن ثوب الميِّت وإن كان يتنجس إذا كان على بدنه عند التغسيل إلاّ أنّه يطهر بالتبع من دون حاجة إلى عصره أو غسله ثانياً ، وذلك للأمر بالتغسيل مع الثوب إمّا على تمام بدنه وإمّا على عورته من دون إشارة إلى لزوم غسل القميص أو الخرقة وعصرهما ، وإن كان العصر وإخراج الغسالة معتبراً في تطهيرهما على تقدير عدم كونهما على بدن الميِّت.
[889] مسألة 2 : يجزئ غسل الميِّت عن الجنابة والحيض (1) بمعنى أنّه لو مات جنباً أو حائضاً لا يحتاج إلى غسلهما ، بل يجب غسل الميِّت فقط ، بل ولا رجحان في ذلك وإن حكي عن العلاّمة قدسسره رجحانه.
(1) لأنّه مقتضى القاعدة من غير حاجة فيه إلى الدليل ، وذلك لما قدّمناه (1)من أن غسل الجنابة والحيض وغيرهما من الأغسال ليست بواجب نفسي وإنّما يجب من جهة اشتراط الطهارة في الصلاة ، بل ولم يقل أحد بالوجوب النفسي في غير الجنابة نعم فيها قول بالوجوب النفسي وقد عرفت اندفاعه ، لضعف الرواية المستدل بها عليه.
وحيث إنّ الميِّت غير مكلّف بالصلاة فلا يجب عليه الغسل من الجنابة أو غيرها بل لو قلنا بأنّها واجبات نفسية لا يجب في المقام ، لأنّ الميِّت لا يكلّف بشيء.
فلا يجب على الحي سوى تغسيله بغسل الميِّت ، بل ولا يجب عليه تغسيله من الجنابة على تقدير حدوثها بعد تغسيله كما لو قاربه أحد بعد تغسيله ، وذلك لعدم الدليل عليه.
فلا يقاس المقام بالتداخل في الحي ، كما إذا كان جنباً ومسّ الميِّت أو هما مع الحيض وهكذا ، فانّ الواجب عليه أغسال متعددة بتعدد أسبابها فلا يمكن القول بالتداخل إلاّ أن يقوم دليل عليه كما ورد « إذا اجتمعت عليك حقوق أجزأها عنك غسل واحد » (2).
فالمتحصل : أن مقتضى القاعدة عدم وجوب التغسيل زائداً على غسل الميِّت من دون حاجة فيه إلى الدليل ، هذا.
وقد ورد في جملة من الروايات ما ربما يشعر بوجوب التغسيل زائداً على غسل
الميِّت وهي أربع روايات عن العيص :
اثنان منها لا يمكن الاستدلال بهما على هذا المدّعى بوجه ، لاشتمالهما على أنّه « إذا مات الميِّت وهو جنب غسل غسلاً واحداً ثمّ اغتسل بعد ذلك » (1)أو « يغسل غسلة واحدة بماء ثمّ يغتسل بعد ذلك » (2). وذلك لأنّ الأمر بالاغتسال ثانياً متوجّه إلى الغاسل من جهة مسّ الميِّت ، ولا يتوهّم دلالته على وجوب تغسيل الميِّت ثانياً من الجنابة أو الحيض أو غيرهما.
وثالثتها : ما رواه سعيد بن محمّد الكوفي عن محمّد بن أبي حمزة عن عيص قال : « قلت لأبي عبد اللّه عليهالسلام : الرجل يموت وهو جنب ، قال : يغسل من الجنابة ثمّ يغسل بعد غسل الميِّت » (3).
وظاهرها أنّ الميِّت يغسل ثلاثاً ، تارة : من الجنابة قبل غسل الميِّت ، وأُخرى : من غسل الميِّت ، وثالثة : بعد غسل الميِّت ، وهذا ممّا لا معنى له ، لأن غايته أن يجب غسلان للجنابة ولغسل الميِّت ، وأمّا الأغسال الثلاثة فلا معنى له في مفروض الرواية.
والّذي يمكن أن تفسّر به الرواية أن يقال : إن معنى قوله « يغسل من الجنابة » مشدّداً أو مخفّفاً أي يغسل من المني ، لأنّه قد تطلق عليه الجنابة نظراً إلى أنّه سبب لها كما في بعض الأخبار « أصاب ثوبي الجنابة » فليراجع (4).
ومعه يكون المأمور به غسل الميِّت والاغتسال بعده للغاسل من جهة مسّ الميِّت هذا.
على أن سندها ضعيف بسعيد بن محمّد الكوفي لعدم توثيقه.
ورابعتها : ما رواه عن أبي عبد اللّه عليهالسلام عن أبيه عليهالسلام في حديث
[890] مسألة 3 : لا يشترط في غسل الميِّت أن يكون بعد برده (1) وإن كان أحوط (2).
قال : « إذا مات الميِّت وهو جنب غسل غسلاً واحداً ثمّ يغسل بعد ذلك » (1).
وهذا أيضاً محمول على ما حملنا عليه رواياته الثلاثة المتقدمة ، أي يغسل غسل الميِّت لا زائداً عليه ، لقوله « غسلاً واحداً ثمّ يغسل » أي يغتسل من المس ، هذا مضافاً إلى ضعف سندها بالإرسال.
إذن لا يجب في مفروض المسألة إلاّ غسل واحد وهو غسل الميِّت دون الجنابة أو غيرها ، بل لا رجحان للتغسيل من أجلها ، لعدم دلالة الدليل عليه ولو بناءً على التسامح في أدلّة السنن ، إذ لم تثبت دلالة الرواية على الأمر بالتغسيل ثانياً للجنابة أو الحيض أو غيرهما ، لاحتمال إرادة الغسل من مسّ الميِّت كما مرّ.
فما حكي عن العلاّمة كما في المتن من رجحان ذلك (2)ممّا لا موجب له.
(1) لإطلاق ما دلّ على أنّ الميِّت لا بدّ من تغسيله فلا فرق بين أن يكون بعد برده أو قبله.
ودعوى : أنّ الحرارة ملحقة بالحياة لأنّها من شؤونها وتوابعها ، مندفعة بأنّ الأحكام المترتبة على الميِّت إنّما ترتبت على الموت ، سواء أكان بحرارته أم لم يكن كالتوارث ، لأنّه إذا مات الميِّت فمات ولد من أولاده قبل برد المورّث لا إشكال في أنّه ينتقل ماله إلى ولده ومنه إلى وارثه ، فلا فرق في وجوب تغسيله بين أن يكون قبل برده أو بعده. نعم ، المس قبل البرد لا يوجب الغسل كما مرّ.
(2) ولو لاحتمال كون الحرارة ملحقة بالحياة في الواقع.
[891] مسألة 4 : النظر إلى عورة الميِّت حرام (1) لكن لا يوجب بطلان الغسل إذا كان في حاله (2).
[892] مسألة 5 : إذا دفن الميِّت بلا غسل جاز بل وجب نبشه لتغسيله أو تيممه
(1) لإطلاق ما دلّ على أن عورة المؤمن على المؤمن حرام (1)فانّ الميِّت وإن كان بحسب الدقّة جماداً إلاّ أنّه بالنظر العرفي هو الحي السابق ، بل يشمله إطلاق قوله تعالى ( قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ ... وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ ... ) (2)لدلالتهما على أنّ المؤمن مأمور بغض البصر عن النظر إلى العورة مطلقاً ، بلا فرق في ذلك بين عورة الحي والميِّت ، وكذلك المؤمنة.
مضافاً إلى الأخبار الواردة في المقام الآمرة بأن يجعل على عورة الميِّت خرقة (3)لأنّها بنفسها كافية في إثبات المدّعى ، إذ لولا حرمة النظر إلى عورته لا وجه للأمر بجعل الخرقة عليها.
(2) لأنّه تكليف تحريمي مستقل لا ربط له بصحّة الغسل وعدمها ، وهو نظير ما إذا ارتكب عملاً محرماً حال تغسيله فإنّه لا يوجب بطلان تغسيله. وبعبارة اخرى عدم النظر إلى العورة ليس من شرائط صحّة الغسل ليبطل عند الإخلال به.
(3) لإطلاق ما دلّ على وجوب تغسيل الميِّت وتكفينه ، فإنّه غير قاصر الشمول
وكذا إذا ترك بعض الأغسال ولو سهواً ، أو تبين بطلانها أو بطلان بعضها. وكذا إذا دفن بلا تكفين أو مع الكفن الغصبي (1) وأمّا إذا لم يصلِّ عليه أو تبين بطلانها فلا يجوز نبشه لأجلها ، بل يصلّى على قبره (2).
للتغسيل والتكفين بعد الدفن غير المأمور به.
ودعوى انصراف الأدلّة إلى ما قبل الدفن والميِّت قد دفن في المقام.
مندفعة بأنّ الأدلّة دلّت على وجوب التغسيل والتكفين قبل الدفن المأمور به ، وأمّا الدفن غير المأمور به كما في المقام فلا موجب لاختصاص الأدلّة بما قبله ، بل إطلاقها شامل لما بعده أيضاً من غير انصرافها إلى ما قبله ، فالمقتضي لوجوب التغسيل والتكفين بعد الدفن غير المأمور به موجود.
وأمّا ما يتوهّم أن يكون مانعاً عنه وهو حرمة النبش حيث يتوهّم أن وجوبهما حينئذ يزاحم الحرمة ، ففيه : أن حرمة النبش لم تثبت بدليل لفظي يمكن التمسُّك بإطلاقه ، وإنّما ثبتت بالإجماع ، والمقدار المتيقن منه ما إذا كان الدفن مأموراً به ، وفي المقام لا إجماع على حرمة النبش بوجه ، لذهاب جملة كثيرة إلى جوازه ، بل وجوبه ، بل لو كان دليل لفظي على حرمته كان الأمر كذلك ، لاختصاصه بما إذا كان الدفن صحيحاً شرعياً أي كان مأموراً به ولا يشمل الدفن غير المأمور به.
(1) لما عرفت ، فان حال التكفين حال التغسيل ، وكذلك الحال فيما إذا يمم الميِّت فدفن ووجد الماء بعد الدفن بزمان يجوز تأخير الغسل إليه ، فإنّه يكشف عن بطلان التيمم فيجب نبش القبر وتغسيله.
(2) فانّ الصلاة على الميِّت وإن وجبت قبل الدفن ولكنّه إذا دفن الميِّت من دون صلاة اشتباهاً أو لمانع من حر أو برد شديدين ونحو ذلك صلِّي عليه وهو في قبره
[893] مسألة 6 : لا يجوز أخذ الأُجرة على تغسيل الميِّت بل لو كان داعيه على التغسيل أخذ الأُجرة على وجه ينافي قصد القربة بطل الغسل أيضاً (1).
للأخبار الدالّة على ذلك (1).
(1) الكلام في هذه المسألة يقع من جهات :
الاولى : لا تنافي بين كون العمل واجباً أي غير مرخص في تركه وبين أخذ الأُجرة عليه ، بلا فرق في ذلك بين الواجب الكفائي والعيني والتعييني والتخييري كما شرحناه في بحث أخذ الأُجرة على الواجبات (2).
الثانية : عبادية العمل الأعم من المستحب والواجب لا تنافي أخذ الأُجرة عليه بأن يكون أخذ الأُجرة داعياً إلى إتيان العمل بقصد القربة ، وذلك لأن انتهاء الداعي القربي إلى شيء من الدواعي الأخر دنيوية كانت أو أُخروية ضروري لا مناص عنه.
لأنّ إتيان العبادة بداعي أنّ اللّه أهل للعبادة مع قطع النظر عن الطمع في الجنّة أو الخوف من النار أو التخلّص من الفقر كما في صلاة اللّيل أو غير ذلك من الدواعي والأغراض الأُخروية أو الدنيوية ، لا نتصوّر صدوره إلاّ من الأئمة المعصومين عليهمالسلام ولا نعقل ذلك من الأشخاص العاديين بوجه. فترى أنّه يصلّي صلاة اللّيل لئلاّ يبتلي بالفقر في حياته ، أو يأتي بالفرائض لئلاّ يعذّب بالنار أو لكي يدخل الجنّة أو لغير ذلك من الآثار المترتبة على العبادات ، فكون قصد القربة بداع آخر هو في طول الداعي القربي غير مانع عن صحّة العبادة.
نعم ، لو كان داعيه هو القربة وكان الداعي على الغسل بقصد القربة أخذ الأُجرة صحّ الغسل ، لكن مع ذلك أخذ الأُجرة حرام إلاّ إذا كان في قبال المقدمات غير الواجبة فإنّه لا بأس به حينئذ.
بل الأمر الإجاري مؤكّد للعبادية ، وذلك لأنّ العمل لا يصدر بداعي أخذ الأُجرة عليه لعدم ترتب العمل عليه ، إذ يمكنه أن يأخذ الأُجرة ولا يأتي بالعمل في الخارج أصلاً ، ولو لم يكن له مناص [ إلاّ ] من الإتيان بالعمل كما في تغسيل الميِّت لأنّه بمرأى من المستأجر فيمكنه الإتيان بالعمل على وجه الفساد بأن يبقي مقداراً قليلاً من بدنه بدون غسل أو بغير ذلك من أنحاء الإفساد والإخلال.
كما أنّ العمل لا يصدر بداعي استحقاق الأُجرة ، لعدم الترتب بينهما ، فان استحقاق الأُجرة في عقد الإجارة يترتب على العقد ، إذ بتحقق العقد يستحق الأجير الأُجرة سواء عمل في الخارج أم لم يعمل ، غاية الأمر إذا لم يعمل وانقضت مدّة الإجارة تولد للمستأجر حق فسخ العقد فيطالبه بعين الأُجرة إن كانت موجودة أو ببدلها مثلاً أو قيمة إذا كانت تالفة ، فالاستحقاق يترتب على العقد لا على العمل. نعم ، استحقاق المطالبة بالأُجرة وعدم جواز تأخيره للمالك المستأجر يترتب على العمل ، لأنّ الأجير قبل العمل لا يستحق المطالبة بالأُجرة من المستأجر ويجوز له أن لا يدفعه إليه ، فلو أتى بالعمل بغاية توليد الحق الشرعي له في مطالبة المستأجر بالأُجرة وأن لا يجوز للمستأجر تأخيرها فهو صحيح ، إلاّ أنّه إتيان للعمل بقصد القربة والداعي القربي وليس من الإتيان بداعي أمرٍ آخر.
فالمتحصل : أنّ الإتيان بالعمل بداعي الأخذ الخارجي أو بداعي الأخذ الملكي أي صيرورة الأجر ملكاً له غير صحيح ، لأنّ الأخذ الخارجي والملكية لا يترتبان على العمل ، والأخذ بمعنى جواز المطالبة وحرمة الإبطاء في دفعها غاية مترتبة على العمل إلاّ أنّه داعٍ قربي ، وليس من الإتيان بالعمل بداعي أمر آخر.
إذن ينحصر الداعي إلى الإتيان بالعمل على الوجه الصحيح بالأمر والوجوب
[894] مسألة 7 : إذا كان السدر أو الكافور قليلاً جدّاً بأن لم يكن بقدر الكفاية فالأحوط خلط المقدار الميسور وعدم سقوطه بالمعسور (1).
الناشئين من عقد الإيجار ، حيث يجب عليه شرعاً الإتيان بالعمل وفاءً لعقد الإجارة فالأمر الإجاري مؤكّد للإتيان بالعمل بقصد القربة لا أنّه منافٍ له.
ودعوى أنّ الأُجرة لا يمكن أن تكون داعياً إلى الداعي ، لاستناد العمل معه إلى الداعي الآخر كأخذ الأُجرة مثلاً فلا بدّ من إتيان العمل بداعي إباحة الأُجرة له نظير الإتيان بطواف النِّساء بداعي حلية النِّساء له أو حلية الرّجال عليها ، مندفعة بأن حلية النِّساء أو الرّجال وإن كانت مترتبة على طواف النِّساء ، وما أُفيد صحيح في الطواف إلاّ أنّه ليس بتام في الإجارة ، لأن حلية التصرف في الأُجرة مترتبة على العقد لا على العمل ، فانّ العقد بتماميته يوجب حلية التصرف في مال الإجارة سواء أتى الأجير بالعمل أم لم يأت به ، وغاية الأمر أنّه إذا لم يأت به وانقضت المدّة كان للمستأجر فسخ الإجارة والمطالبة باسترجاع الأُجرة بعينها أو ببدلها ، والغرض أنّ الحلية ليست غاية للعمل بوجه.
الجهة الثالثة : لا يجوز أخذ الأُجرة على التغسيل ، وهذا لا لأنّه واجب والوجوب ينافي أخذ الأُجرة عليه ، ولا لأنّه عبادي والعبادة تنافي أخذ الأُجرة عليها ، بل لما علمناه خارجاً من أنّ الغسل واجب مجاني وهو حق للميت على الأحياء لا بدّ من أن يصدر مجاناً ، نظير الأُجرة على الإتيان بفريضة الوقت مثلاً ، فأخذ الأُجرة على التغسيل حرام ، اللّهمّ إلاّ أن يأخذها على المقدمات أو الخصوصيات الخارجة عن التغسيل المأمور به كالتغسيل بخصوص هذا الماء أو في مكان خاص ونحوهما.
(1) هذا الاحتياط يبتني على تمامية قاعدة الميسور في نفسها وعلى صحّة انطباقها على المقام ، وقد تقدم أن قاعدة الميسور غير صحيحة صغرىً وكبرى.
[895] مسألة 8 : إذا تنجس بدن الميِّت بعد الغسل أو في أثنائه بخروج نجاسة أو نجاسة خارجة لا يجب معه إعادة الغسل.
بل وكذا لو خرج منه بول أو مني ، وإن كان الأحوط في صورة كونهما في الأثناء إعادته (1).
أمّا بحسب الكبرى فلعدم تمامية أدلّتها.
وأمّا بحسب الصغرى ، فلأنّ الواجب هو الغسل بماء السدر أو الكافور ، لا الماء الّذي فيه شيء قليل منهما جدّاً بحيث لا يكون بمقدار الكفاية ، إذ لا يصدق عليه أنّه ميسور ذلك المعسور بل هو شيء آخر مباين مع المأمور به.
(1) الكلام في هذه المسألة يقع من جهات :
الاولى : أن بدن الميِّت أو كفنه إذا تنجس بنجاسة خارجة من الميِّت أو بنجاسة خارجية هل يجب غسلها وإزالتها عن الميِّت أو لا يجب؟.
الصحيح وجوب تطهير بدن الميِّت وكفنه من النجاسة الطارئة من الخارج أو الخارجة من الميِّت ثمّ دفنه طاهر البدن والكفن ، وذلك لموثقة روح بن عبد الرحيم عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال : « إن بدا من الميِّت شيء بعد غسله فاغسل الّذي بدا منه ولا تعد الغسل » (1)فإنّ الرواية وإن كانت واردة في خصوص النجاسة الخارجة من الميِّت ، إلاّ أنّه من جهة الغالب ، وإلاّ فلا فرق بينها وبين النجاسة الخارجية قطعاً ، فمقتضى الموثقة وجوب تطهير البدن من النجاسات.
والظاهر أنّ الرواية موثقة ، لأن غالب بن عثمان الواقع في سندها وإن كان اسماً لجماعة من الرواة بعض موثق وبعض ضعيف ، إلاّ أنّ الظاهر أنّه غالب الموثق ، لأنّ الشيخ ذكر أن غير الموثق ممّن يروي عن أبي عبد اللّه عليهالسلام وأنّ الموثق لا
1) الوسائل 2 : 542 / أبواب غسل الميِّت ب 32 ح 1.
يروي عن الأئمة بلا واسطة (1)وهو في السند كذلك.
وقد عبّر عنها بالموثقة في الحدائق (2)والجواهر (3)وغيرهما. والوجه في كونها موثقة أن غالب بن عثمان الواقع في سندها الظاهر أنّه هو غالب المنقري الثقة وتوضيحه : أنّ الشيخ قدسسره ذكر شخصين مسمين بغالب بن عثمان أحدهما الشاعر والآخر المنقري وعدّهما من أصحاب الصادق عليهالسلام (4).
وذكر النجاشي أن غالب بن عثمان الشاعر زيدي والمنقري ثقة (5).
ثمّ تعرّض الشيخ قدسسره لثالث مسمى بهذا الاسم في أصحاب الكاظم عليهالسلام وقال : إنّه واقفي (6). وظاهره انّه شخص ثالث مسمى بهذا الاسم غير الشاعر والمنقري ، لما عرفت من أن أحدهما زيدي بشهادة النجاشي والآخر عدل إمامي فيكون الواقفي شخصاً ثالثاً.
ويحتمل أن يكون المراد به هو أحد الأولين : الشاعر أو المنقري وغاية الأمر أنّ النجاشي يعتقد بأن أحدهما زيدي والشيخ يعتقد وقفه.
ثمّ تعرّض الشيخ لغالب رابع ممّن لم يرو عنهم عليهمالسلام وذكر له طريقين : أحدهما حسن بن علي بن فضال والآخر غيره كما في الفهرست (7)وهذا غالب رابع لو كان سابقه ثالثاً وإلاّ فهو ثالث من المسمين بغالب. والشيخ لم يوثق واحداً منهم وإنّما النجاشي وثق المنقري كما مرّ.
وذكر في ترجمة روح بن عبد الرحيم : روى عنه غالب بن عثمان (8). والظاهر أنّ
المراد به ليس إلاّ أحد الأولين الشاعر أو المنقري وليس مردداً بين الأربعة أو الثلاثة ، وذلك لأنّ النجاشي لم يتعرّض لمن سمي بهذا الاسم إلاّ للشاعر والمنقري فكيف يعرف روح بن عبد الرحيم ويميّزه بمن لم يتعرّض له أصلاً.
ثمّ الظاهر أنّ المراد به هو المنقري الثقة ، لأنّ النجاشي ذكر أن له كتاباً يرويه عنه جماعة ، فهو المشهور بين الرواة دون الشاعر حيث لم ينقل من يروي عنه أصلاً وإنّما ذكر النجاشي أن له أحاديث مجموعة.
فحيث إنّ المشهور هو المنقري وهو الّذي يروي عنه جماعة يكون هو الراوي عن روح بن عبد الرحيم دون غيره ، إذ لم يتعرّضوا أن له رواية يرويها عنه الرواة ، ومن هنا قلنا إنّ الظاهر كون الرواية موثقة.
ويؤيّدها رواية الكاهلي والحسين بن المختار (1)والوجه في عدّها مؤيّدة أن في سندها محمّد بن سنان ، هذا كلّه في البدن.
وأمّا وجوب غسل الكفن من النجاسات فلرواية عبد اللّه بن يحيى الكاهلي عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال : « إذا خرج من منخر الميِّت الدم أو الشيء بعد الغسل وأصاب العمامة أو الكفن قرض ( منه ) بالمقراض » (2). ولما عن أبي عبد اللّه عليهالسلام من أنّه « إذا خرج من الميِّت شيء بعد ما يكفن فأصاب الكفن قرض منه » (3).
وهاتان الروايتان وإن كانتا ضعيفتين على طريق الكليني لوجود سهل بن زياد في سند الاولى ولإرسال الثانية ، إلاّ أنّهما بحسب طريق الشيخ معتبرتان ، لأنّ الشيخ روى أُولاهما بإسناده عن أحمد بن محمّد بن عيسى عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر عن عبد اللّه الكاهلي وهو سند صحيح ، وثانيتهما رواها عن علي بن الحسين عن محمّد ابن أحمد بن علي عن أبي طالب عبد اللّه بن الصلت عن ابن أبي عمير وأحمد بن محمّد
عن غير واحد من أصحابنا.
ومحمّد بن أحمد بن علي هو شيخ والد الصدوق وهو الّذي أثنى عليه الصدوق (1)بأنّه من الزّهاد والعبّاد وغير ذلك ممّا هو فوق التوثيق ، فلا إشكال في الروايتين من حيث السند ، فلا حاجة إلى دعوى انجبارهما بعمل الأصحاب كما عن بعضهم كما أن دلالتهما على المدعى واضحة وإنّما أُمر بالقرض فيهما ، لأنّه أسهل من التطهير وإلاّ فلا خصوصية له غير التطهير بوجه.
الجهة الثانية : إذا خرج من الميِّت شيء من النجاسات الخبثية كالدم لا الحدثية من بول أو غائط أو مني أو أصابه من الخارج فهل يجب إعادة الغسل عليه؟.
الصحيح عدم وجوب إعادته ويكفينا أصالة البراءة عن وجوبها مع قطع النظر عن الدليل والمطلقات الدالّة على أنّ الميِّت يغسل أغسالاً ثلاثة ، لإطلاقها من حيث خروج شيء من النجاسات قبلها أو بعدها أو أثناءها.
بل يمكن الاستدلال على عدم الوجوب بموثقة روح المتقدمة بالتقريب الآتي في الجهة الثالثة.
الجهة الثالثة : إذا خرج من الميِّت شيء من النجاسات الحدثية من بول أو غائط أو مني فهل يجب إعادة الغسل؟
قد يقال بوجوب الإعادة حينئذ ، إلاّ أنّ الصحيح وفاقاً للمشهور عدم وجوب الإعادة ، ويدلُّ عليه موثقة روح بن عبد الرحيم (2)حيث دلّت على أنّ الميِّت إذا بدا
منه شيء غسل الّذي بدا منه ولا يعاد الغسل ، مؤيّدة برواية الكاهلي والحسين بن المختار (1).
كما تقتضيه المطلقات الآمرة بالغسل ثلاثاً (2)فان مقتضى إطلاقها عدم الفرق في ذلك بين خروج نجاسة منه بعد ذلك وعدمه.
وقد يستدل عليه برواية يونس (3)وموثقة عمّار (4)المتقدِّمتين الدالّتين على أنّ الميِّت يغمز أو يمسح بطنه رفيقاً فان خرج منه شيء فانقه ثمّ اغسله ، حيث دلّتا على عدم وجوب الإعادة بخروج شيء من الميِّت حينئذ.
والاستدلال بهاتين الروايتين إنّما يتم في مورد واحد ولا يتم على نحو الإطلاق لأن موردهما ما إذا خرج شيء من الميِّت بين الغسلين الأوّلين والثالث ، وأمّا لو خرج بين الأوّل والثاني أو في أثناء غسل واحد فلا دلالة لهما على عدم وجوب الإعادة بسببه ، فإنّه عليهالسلام بعد الأمر بتغسيله بالكافور قال « ... فان خرج منه شيء فانقه ثمّ اغسل ... » (5)وهذا كما ترى يختص بما ذكرناه.
نعم ، لو بنينا على أنّ الواجب في غسل الميِّت شيء واحد وكل واحد من الأغسال جزء من المأمور به المركب كغسل الرأس بالإضافة إلى غسل الجنابة مثلاً كما قوّاه صاحب الجواهر قدسسره (6)لأمكن الاستدلال بهما على عدم وجوب الإعادة فيما لو خرجت النجاسة في أثناء الغسل لأنّه موردهما حينئذ ، إلاّ أن إثبات ذلك مشكل كما تقدّم (7)، لأن كل واحد من الأغسال واجب بحياله واستقلاله.
ومعه يمكن الاستدلال بموثقة روح المتقدمة على عدم وجوب الإعادة لو خرجت نجاسة بين الأوّل والثاني أو بينه وبين الثالث إذ يصدق أنّه بدا بعد الغسل ، لما تقدّم من أن كل واحد من الأغسال الثلاثة غسل ميت كما تقدم.
وأمّا النجاسة الخارجة في أثناء الغسل الواحد فلا ، بل يمكن الاستدلال بموثقة روح على وجوب الإعادة فيما لو خرجت النجاسة قبل تمامية الغسل ، وذلك لأنّ الإمام عليهالسلام قيّد الحكم بعدم وجوب الإعادة بما إذا خرج منه شيء بعد الغسل ، فانّ التقييد بالبعدية يدل بمفهوم الوصف على أن نفي الوجوب مختص بصورة خروج النجاسة بعد الغسل ، فلو خرجت قبله في أثنائه وجب إعادة الغسل وهذا استدلال بمفهوم الوصف كما عرفت.
ولا يستدل بمفهوم الشرط فيها في قوله عليهالسلام « إن بدا » لأن مفهومه إذا لم يبد منه شيء ، وهو سالبة بانتفاء موضوعها ، وأمّا مفهوم الوصف فقد قوينا في محلِّه (1)أنّ الإتيان به في الكلام يدل على اختصاص الحكم بواجد القيد والوصف وإلاّ لكان أخذه في الكلام لغواً لا محالة.
ولا يمكن الجواب عن ذلك بأن موثقة عمار ورواية يونس المتقدمتين تدلاّن على عدم وجوب الإعادة ، فنخرج بهما عمّا يقتضيه مفهوم الوصف في موثقة روح ، وذلك لما تقدم من أن موردهما ما إذا خرجت النجاسة بين الغسل الثاني والثالث ، وكلامنا فيما لو خرجت في أثناء غسل واحد ، فالروايتان أجنبيتان عمّا يدل المفهوم على وجوب الإعادة فيه.
والصحيح في الجواب عن هذا المفهوم : أنّ التقييد ببعد الغسل في الموثقة إنّما هو من جهة كون الحكم الوارد فيها خاصّاً به ، فانّ الحكم إنّما ترتب على عدم الإعادة
1) راجع محاضرات في أُصول الفقه 5 : 133.
والإعادة هي الوجود الثاني للشيء ، فلا مناص من أن يتحقق الغسل أوّلاً ثمّ يحكم بوجوب إعادته أو عدمه إذا خرجت نجاسة حينئذ ، إذ لا مورد لهذا الحكم قبل تحقق الغسل ، وليس التقييد من جهة وجوب الإعادة فيما لو خرجت في الأثناء ، نعم الإعادة في باب الصلاة تستعمل كثيراً في الوجود الأوّل أيضاً ، فترى أنّه ورد : إذا تكلّم في صلاته أعادها (1)أو : لو أحدث في صلاته أعادها (2)إلاّ أنّه في الحقيقة من الاستعمال في الوجود الثاني ، وذلك لما ذكرناه في بحث الصحيح والأعم (3)من أنّ الصلاة اسم للتكبيرة والطهور والركوع والسجود ، فقد تكون الركعة الواحدة مصداقاً للصلاة ، فلو صلّى بعد الإتيان بالركعة الواحدة كانت إعادة للصلاة ووجوداً ثانياً لها لا محالة.
وعلى الجملة : قد تستعمل الإعادة في الوجود الأوّل إلاّ أن معناها هو الوجود الثاني للشيء ، وحيث إنّ الحكم مترتب على عدمها في الموثقة ، ولا معنى لها قبل الوجود فقد قيّد فيها ب- « بعد الغسل » إذ لا إعادة قبله ، لا أنّ النجاسة لو وقعت في أثنائه وجبت فيه الإعادة ، وعليه فلا دليل على وجوب الإعادة فيما لو خرجت في الأثناء ، ومقتضى أصالة البراءة عدم وجوب الغسل ثانياً ، كما أن مقتضى الإطلاقات أنّ الواجب هو الأغسال الثلاثة ، خرجت نجاسة في أثنائها أو بين الأوّل والثاني أو الثالث والثاني أم لم تخرج ، هذا.
وقد يستدل على وجوب الإعادة فيما لو خرجت النجاسة في الأثناء بالأخبار المستفيضة الدالّة على أن غسل الميِّت كغسل الجنابة أو أنّه غسل الجنابة (4)فكما أن خروج النجاسة الحدثية في أثناء الغسل أي غسل الجنابة موجب للإعادة كذلك في غسل الميِّت.
خصوصاً إذا كان في أثناء الغسل بالقراح (1) نعم ، يجب إزالة تلك النجاسة عن جسده ولو كان بعد وضعه في القبر (2) إذا أمكن بلا مشقّة ولا هتك.
وفيه : أنّ الظاهر المستفاد من تلكم الأخبار أن كيفية غسل الميِّت مثل كيفية غسل الجنابة ، لا أنّ الأحكام المترتبة على غسل الجنابة مترتبة على غسل الميِّت أيضاً ، فإنّ المكث في المساجد لا يجوز قبل غسل الجنابة للجنب وليس الأمر كذلك في الميِّت ، إذ يجوز أن يوضع في المساجد قبل التغسيل ، ولا يحتمل المنع عنه بدعوى أنّه جنب أو أنّه لم يغسل وهو كالجنب قبل الغسل. وفي غسل الجنابة إذا كان الخارج في الأثناء هو المني فلا إشكال في وجوب الإعادة ، ولو كان الخارج هو البول أو الغائط أو النوم فوجوب الإعادة حينئذ وإن كان مورد الكلام إلاّ أنّا قوينا وجوبها حينئذ. ولكن في غسل الميِّت لا تجب الإعادة خرجت النجاسة بعده أو في أثنائه.
(1) لاحتمال أن يكون الغسلان الأوّلان كالمعدّ والمقدّمة ويكون الغسل المطهّر هو الأخير.
(2) وذلك لإطلاق موثقة روح بن عبد الرحيم المتقدِّمة (1)والروايتين المتقدِّمتين (2)عن طريق الشيخ الواردتين في الكفن ، ولا وجه لتقييد وجوب الإزالة بما إذا كان قبل وضعه في القبر. نعم ، هذا فيما إذا وضع في قبره ولم يقبر أي لم يجعل عليه التراب فان مقتضى إطلاق الروايات التخيير فيه بين الغسل والقرض إذا كان المتنجس هو الكفن.
وأمّا ما عن بعضهم من اعتبار القرض إذا كان في القبر والغسل إذا لم يوضع فيه فلا وجه له ، لأنّه جمع تبرعي لا شاهد له.
[896] مسألة 9 : اللوح أو السرير الّذي يغسل الميِّت عليه لا يجب غسله بعد كل غسل من الأغسال الثلاثة (1) نعم ، الأحوط غسله لميت آخر ، وإن كان الأقوى طهارته بالتبع ، وكذا الحال في الخرقة الموضوعة عليه فإنّها أيضاً تطهر بالتبع ، والأحوط غسلها.
وأمّا إذا جعل عليه التراب وقبر ثمّ علم بخروج ما ينجس بدنه أو كفنه لم يجب تطهيره لحرمة النبش ، بل التنجس بعد ما قبر الميِّت أمر غالبي ، لأنّه بعد تلاشي بعض أعضائه يخرج منه الدم وغيره فينجس به جسده أو كفنه لا محالة.
(1) بل لا فائدة في غسل السرير أو اللوح بعد الغسلة الأُولى والثانية ، فانّ طهارة المواضع الأُخرى أو نجاستها ليست لها مدخلية في صحّة التغسيل وبطلانه ، وأمّا الموضع الّذي يوضع عليه الميِّت فهو يتنجس بمجرد وضعه فيه ، فالتطهير بعد كل غسلة من الغسلتين لغو لا أثر له ، فلا ثمرة في البحث عن كون السرير يطهر بالتبع أو لا يطهر.
نعم ، بعد الغسلة الثالثة تظهر الثمرة للحكم بطهارة السرير بالتبعية وعدمه ، لأنّه لو كان محكوماً بالطهارة جاز أن يعامل معه معاملة الأشياء الطاهرة وإلاّ فلا بدّ من تطهيره.
والصحيح طهارة السرير وغيره ممّا يستعمل في تطهير الميِّت وتغسيله بالتبع ، وذلك لسكوت الأخبار الواردة في وجوب تغسيل الميِّت عن التعرّض لوجوب تطهير السرير أو غيره ممّا لا بدّ منه في التغسيل ، وهذا يدلّنا على حصول الطهارة له بالتبع كما تقدمت الإشارة إليه في بحث المطهرات (1).
1) شرح العروة 4 : 213.
وهي أُمور :
الأوّل : أن يجعل على مكانٍ عالٍ من سرير أو دكّة أو غيرها ، والأولى وضعه على ساجة وهي : السرير المتخذ من شجر مخصوص في الهند ، وبعده مطلق السرير وبعده المكان العالي مثل الدكّة ، وينبغي أن يكون مكان رأسه أعلى من مكان رجليه.
الثاني : أن يوضع مستقبل القبلة كحالة الاحتضار بل هو أحوط.
الثالث : أن ينزع قميصه من طرف رجليه وإن استلزم فتقه ، بشرط الاذن من الوارث البالغ الرشيد ، والأولى أن يجعل هذا ساتراً لعورته.
الرابع : أن يكون تحت الظلال من سقف أو خيمة والأولى الأوّل.
الخامس : أن يحفر حفيرة لغسالته.
السادس : أن يكون عارياً مستور العورة.
السابع : ستر عورته وإن كان الغاسل والحاضرون ممّن يجوز لهم النظر إليها.
الثامن : تليين أصابعه برفق ، بل وكذا جميع مفاصله إن لم يتعسر وإلاّ تركت بحالها.
التاسع : غسل يديه قبل التغسيل إلى نصف الذراع في كل غسل ثلاث مرّات والأولى أن يكون في الأوّل بماء السدر ، وفي الثاني بماء الكافور ، وفي الثالث بالقراح.
العاشر : غسل رأسه برغوة السدر أو الخطمي مع المحافظة على عدم دخوله في اذنه أو أنفه.
الحادي عشر : غسل فرجيه بالسدر أو الأشنان ثلاث مرّات قبل التغسيل. والأولى أن يلف الغاسل على يده اليسرى خرقة ويغسل فرجه.
الثاني عشر : مسح بطنه برفق في الغسلين الأوّلين إلاّ إذا كانت امرأة حاملاً مات ولدها في بطنها.
الثالث عشر : أن يبدأ في كل من الأغسال الثلاثة بالطرف الأيمن من رأسه.
الرابع عشر : أن يقف الغاسل إلى جانبه الأيمن.
الخامس عشر : غسل الغاسل يديه إلى المرفقين بل إلى المنكبين ثلاث مرّات في كل من الأغسال الثلاثة.
السادس عشر : أن يمسح بدنه عند التغسيل بيده لزيادة الاستظهار إلاّ أن يخاف سقوط شيء من أجزاء بدنه فيكتفي بصبّ الماء عليه.
السابع عشر : أن يكون ماء غسله ست قرب.
الثامن عشر : تنشيفه بعد الفراغ بثوب نظيف أو نحوه.
التاسع عشر : أن يوضأ قبل كل من الغسلين الأوّلين وضوء الصلاة مضافاً إلى غسل يديه إلى نصف الذراع.
العشرون : أن يغسل كل عضو من الأعضاء الثلاثة في كل غسل من الأغسال الثلاثة ثلاث مرّات.
الحادي والعشرون : إن كان الغاسل يباشر تكفينه فليغسل رجليه إلى الركبتين.
الثاني والعشرون : أن يكون الغاسل مشغولاً بذكر اللّه والاستغفار عند التغسيل ، والأولى أن يقول مكرراً : « رب عفوك عفوك » أو يقول : « اللّهمّ هذا بدن عبدك المؤمن وقد أخرجت روحه من بدنه وفرقت بينهما فعفوك عفوك » خصوصاً وقت تقليبه.
الثالث والعشرون : أن لا يظهر عيباً في بدنه إذا رآه.
الأوّل : إقعاده حال الغسل.
الثاني : جعل الغاسل إيّاه بين رجليه.
الثالث : حلق رأسه أو عانته.
الرابع : نتف شعر إبطيه.
الخامس : قص شاربه.
السادس : قص أظفاره ، بل الأحوط تركه وترك الثلاثة قبله.
السابع : ترجيل شعره.
الثامن : تخليل ظفره.
التاسع : غسله بالماء الحار بالنار أو مطلقاً إلاّ مع الاضطرار.
العاشر : التخطي عليه حين التغسيل.
الحادي عشر : إرسال غسالته إلى بيت الخلاء بل إلى البالوعة ، بل يستحب أن يحفر لها بالخصوص حفيرة كما مرّ.
الثاني عشر : مسح بطنه إذا كانت حاملاً.
[897] مسألة 1 : إذا سقط من بدن الميِّت شيء من جلد أو شعر أو ظفر أو سن يجعل معه في كفنه (1)) ويدفن ، بل يستفاد من بعض الأخبار استحباب حفظ السن الساقط ليدفن معه كالخبر الّذي ورد : إن سناً من أسنان الباقر عليهالسلام سقط فأخذه وقال : الحمد لله ، ثمّ أعطاه للصادق عليهالسلام وقال :
1) () على الأحوط.
ادفنه معي في قبري.
[898] مسألة 2 : إذا كان الميِّت غير مختون لا يجوز أن يختن بعد موته.
[899] مسألة 3 : لا يجوز تحنيط المحرم بالكافور ولا جعله في ماء غسله كما مرّ ، إلاّ أن يكون موته بعد الطواف (1)للحج أو العمرة.
يجب تكفينه بالوجوب الكفائي (1) رجلاً كان أو امرأة (2) أو خنثى (3) أو صغيراً (4).
فصل في تكفين الميِّت
(1) لا إشكال في وجوب التكفين في الشريعة المقدّسة والأخبار في ذلك مستفيضة (2)ولم يقع خلاف فيه من أحد ، وإنّما الاختلاف في بعض الخصوصيات.
(2) للإطلاق والتصريح بهما في بعض الأخبار (3).
(3) لأنّها ليست طبيعة ثالثة وإنّما هي امرأة أو رجل وقد عرفت حكمهما.
(4) لما تقدّم (4)في البحث عن وجوب غسل الميِّت من أنّ السقط إذا استوت خلقته يجب تغسيله وتكفينه ولحده ، وأنّه إذا تمّ له ستّة أشهر فهو تام ، وللمطلقات الدالّة على أنّ الميِّت يغسل ويكفن ، فانّ الميِّت يشمل الصبي أيضاً.
بثلاث قطعات (1) :
(1) هذا هو المعروف بين الأصحاب وقد نسب الخلاف فيها إلى سلاّر حيث ذهب إلى كفاية قطعة واحدة (1).
ويدلُّ على ما ذهب إليه المشهور جملة من النصوص الدالّة على أنّ الكفن ثلاث قطعات (2)ولا دليل على ما ذهب إليه سلاّر إلاّ ما نقله الشيخ في تهذيبه عن زرارة « إنّما الكفن المفروض ثلاثة أثواب أو ثوب تام ، لا أقل منه يوارى فيه جسده كلّه ، فما زاد فهو سنّة » (3).
وظاهرها التخيير بين الأقل والأكثر ، فان واحداً من الثلاثة لا بدّ أن يكون تامّاً شاملاً لجميع جسد الميِّت ، فيكون معنى الرواية أنّ الواجب في الكفن ثلاثة قطعات إحداها شاملة لجميع جسده أو ثوب واحد شامل لتمام جسده. والتخيير بين الأقل والأكثر غير معقول ، نعم لو بنى القائل بوجوب قطعة واحدة على كفاية القطعات الثلاث بأن تلف كل قطعة على قطعة من الميِّت ، كان للتخيير وجهاً في الرواية ، فإنّه يرجع إلى التخيير بين أن يكفن الميِّت بقطعة واحدة تشمل جميع جسد الميِّت ، وبين التكفين بالقطع المتعددة بأن يكفن كل قطعة منه بقطعة من الثوب ، إلاّ أنّ القائل بعدم وجوب التعدد لا يرى جواز التكفين بالقطع المتعددة بدلاً عن القطعة التامّة.
على أنّ الرواية معارضة برواية الكليني (4)الّتي عطفت « ثوب تام » بالواو لا بأو ولا بأس بعطف الواو حينئذ ، لأنّه من عطف الخاص على العام كعطف النخل والرمان
على الفاكهة في قوله تعالى ( فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمّانٌ ) (1)بل عن بعض نسخ التهذيب أيضاً روايتها بالعطف بالواو ، وعن بعض نسخه الأُخرى إسقاط « أو ثوب ».
ومعه لا يمكننا الاعتماد على نسخة التهذيب المروية بالعطف ب- « أو » فانّ الكليني أضبط ونسخ التهذيب مختلفة فلا يثبت أنّ المروي أي شيء. مضافاً إلى عدم معقولية التخيير بين الأقل والأكثر.
وعلى الجملة : أن نُسخ التهذيب على ما يظهر من الحدائق (2)على قسمين :
أحدهما : ما لا يشتمل على شيء من العاطف والثوب وهي هكذا « إنّما الكفن المفروض ثلاثة أثواب تام لا أقل منه ... ».
وثانيهما : ما نقله (3)عن شيخنا البهائي في الحبل المتين من كونه كالكافي أي مع العطف بالواو فهي هكذا « إنّما الكفن المفروض ثلاثة أثواب وثوب تام لا أقل منه ... » واحتمل في هذه النسخة أن يكون الواو بمعنى أو ، لا أن من نسخه ما يشتمل على « أو ».
وأمّا ما يظهر من الوافي (4)فهو أن نسخ التهذيب على أقسام ثلاثة :
منها : ما سقط فيه العاطف والثوب.
ومنها : ما اشتمل على العطف بالواو مثل الكافي.
ومنها : ما اشتمل على العطف بأو ، وهذا الأخير هو الّذي ذكرنا عدم ثبوته.
وأمّا ما في بعض الكلمات من نقل إسقاط العاطف كلية عن أكثر نسخ التهذيب فهو ممّا لا أساس له. على أنّه لا معنى له في نفسه ، إذ ما معنى « المفروض ثلاثة أثواب ثوب تام ».
فالمتحصل : أنّ الواجب في الكفن ثلاثة أثواب كما ذكره المشهور.
الاولى : المئزر (1)
(1) المعروف بينهم أنّ الأجزاء الثلاثة من الكفن هي المئزر والقميص والإزار وأنّ المئزر يجب أن يكون من السرة إلى الركبة والأفضل من الصدر إلى القدم والقميص يجب أن يكون من المنكبين إلى نصف الساق والأفضل إلى القدم ، والإزار ثوب يغطي تمام البدن.
وذكر بعضهم (1)أن كون قطعات الكفن بتلك الكيفيّة الّتي ذكرها المشهور بأن يكون المئزر من السرة إلى الركبة لا مستند له من الأخبار ، وإنّما الموجود فيها ثوبان وقميص أو ثلاثة أثواب ، والمتبادر منها أن تكون أثواباً شاملة لتمام البدن ، إلاّ أنّا علمنا أن أحدها القميص ، إمّا قميصه الّذي كان يصلّي فيه حال الحياة كما ورد في بعض الأخبار وأنّه أحب (2)أو مطلق القميص ، فلا يجب أن يكون شاملاً لتمام البدن ، وأمّا الآخران فلا بدّ أن يكونا شاملين لتمام البدن ، فما هو المعروف من كون أحدها المئزر وهو ما يستر به ما بين الركبة والسرة ممّا لا وجه له ، هذا.
والصحيح ما ذكره المشهور في المقام ، وذلك لأنّ المئزر كما ذكروه وإن لم يرد في الأخبار إلاّ أنّه ورد فيها الإزار ، وظاهر إطلاق الفقهاء الإزار في مقابل المئزر في قطعات الكفن وإرادتهم منه الثوب الشامل لتمام البدن ، أنّ الإزار متى أُطلق في الأخبار إنّما هو بهذا المعنى المذكور.
إلاّ أنّ الصحيح أنّ الإزار هو ما يشد به من الوسط أي السرة إلى الركبة أو القدم فهو بمعنى المئزر في كلماتهم وهو المعبّر عنه بالوزرة عند الاصطلاح فان هذا هو معناه لغة فإنّه من الأزر بمعنى الظهر كما في قوله تعالى ( اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي ) (3)
والازر بالضم موضع الإزار من الحقوين مقابل السرة ، ويطلق على كل ما سترك ، ومنه إطلاقه على الدار لأنّها ساترة للإنسان عن الغير ، وعلى المرأة لكونها ساترة الرجل عن الفحشاء ، وعلى الملكة النفسانية فيقال : العفاف إزاره أي ساتره من المعايب والمعاصي. وظني أنّه أُطلق على تلك الأُمور بالتبع ، لأنّها كالوزرة ممّا يتستر به ، لا أنّها من معاني الإزار وإنّما اختص بالمئزر والوزرة ، لأنّ العورة أوّل ما يريد الإنسان ستره ولا يرضى بكشفه للغير.
وعليه فالإزار محمول على معناه اللغوي وهو المئزر في كلماتهم. وفي الروايات الواردة في ستر العورة في الحمام ما يدل على ذلك بوضوح كرواية حنان بن سدير (1)وكذا فيما ورد في ثوبي الإحرام من أنّه إزار وغيره (2).
وبهذا يندفع الاشكال عن المشهور في تفسيرهم المئزر وأنّه ما يشد على الوسط من السرة إلى الركبتين ، لأنّ المئزر وإن لم يرد في الأخبار إلاّ أنّ الإزار بمعنى المئزر.
فالكفن هو الإزار بمعنى المئزر والقميص ، والثوب أي التام الشامل لتمام البدن - ، وهذا الّذي ذكره المشهور يستفاد من الأخبار الواردة في المقام بوضوح ونحن نتعرّض إلى الأخبار المعتبرة منها.
معتبرة يونس عنهم عليهمالسلام قال : « في تحنيط الميِّت وتكفينه ، قال : ابسط الحبرة بسطاً وهي الثوب الشامل لتمام البدن ثمّ ابسط عليها الإزار ثمّ ابسط القميص عليه وتردّ مقدم القميص عليه ... » (3)، وقد مرّ أن نظائر ذلك من الأخبار لا يعامل معها معاملة المراسيل ، لأنّها مروية عن علي بن إبراهيم عن رجاله عن يونس.
ومنها : موثقة عمار عن أبي عبد اللّه عليهالسلام أنّه سئل عن الميِّت ، فذكر حديثاً يقول فيه : « ثمّ تكفنه ، تبدأ وتجعل على مقعدته شيئاً من القطن وذريرة تضم فخذيه ضمّاً شديداً ، وجمر ثيابه بثلاثة أعواد ، ثمّ تبدأ فتبسط اللفافة طولاً اللفافة والحبرة بمعنى واحد ثمّ تذر عليها من الذريرة ثمّ الإزار طولاً حتّى يغطي الصدر والرجلين ... » (1).
ومنها : صحيحة عبد اللّه بن سنان قال : « قلت لأبي عبد اللّه عليهالسلام كيف أصنع بالكفن؟ قال : تأخذ خرقة فتشد بها على مقعدته ورجليه ، قلت : فالإزار؟ قال : لا ، إنّها لا تعدّ شيئاً إنّما تصنع لتضم ما هناك لئلاّ يخرج منه شيء وما يصنع من القطن أفضل ... » (2)حيث تعجب عبد اللّه بن سنان من أمره بأخذ الخرقة لشد مقعدته تخيلاً أنّ ذلك لستر عورته فقال : إنّ الإزار هو الساتر لها فلا حاجة إلى الخرقة ، فأجابه عليهالسلام بأنّ الخرقة ليست من الكفن ولا لستر العورة ، بل للتحفظ من خروج شيء منه ، فتدل على أنّ الإزار إنّما هو المئزر الّذي يشدّ من السرة إلى الركبتين.
ومنها : صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليهالسلام قال : « يكفن الرجل في ثلاثة أثواب ، والمرأة إذا كانت عظيمة في خمسة : درع ، ومنطق ، وخمار ولفافتين » (3)وهي وإن لم تدل على أنّ الكفن في الرجال أيّ شيء إلاّ أنّا علمنا خارجاً أن زيادة الكفن في المرأة عن الرجال إنّما هو الخمار واللفافة الثانية ، فيبقى للرجال ثلاثة : الدرع وهو القميص وقد يطلق على القميص المصنوع من الحديد ، والمنطق بمعنى ما يشد به من الوسط أي المئزر وبهذا الاعتبار تطلق المنطقة ومنطقة البروج بتخيّل الدائرة في الفلك كالمنطقة واللفافة وهي الحبرة أي الثوب التام لتمام البدن ، فالأخبار الواردة في المقام يستفاد منها ما ذكره المشهور بوضوح ، هذا كلّه في الأخبار المعتبرة وأمّا غيرها فكثيرة لا حاجة إلى التعرّض لها.
وتدل على ذلك مضافاً إلى ما ذكرناه من أنّه معنى الإزار لغة واستظهرناه من الأخبار المتقدمة السيرة العملية الجارية على ذلك ، إذ من البعيد أن تكون هذه السيرة على خلاف الحكم الثابت في الشريعة المقدسة ، فهذا يكشف عن أنّ المراد بما ورد في الأخبار هو المئزر ، وذلك لأنّ الحكم لو كان على خلاف ذلك لاشتهر وبان لأنّ المسألة ممّا تعم بها البلوى في كل زمان ومكان ولا يكاد يخفى حكمها على أحد ولم ينحصر المخالف فيها بصاحب المدارك وتلميذه الأمين الأسترآبادي كما في الحدائق (1)ولم تظهر المخالفة في عصرهما بل ظهرت من الابتداء.
فتحصل : أن ما ذكره صاحب المدارك من كون الكفن ثوبين وقميصاً غير متعين ، فهل هو جائز بأن يكفن الميِّت بدلاً عن المئزر ثوباً شاملاً؟
الصحيح عدم جوازه أيضاً ، فإنّ الوارد في جملة من الأخبار وإن كان مطلق الثوب إلاّ أنّ الأخبار المتقدمة الّتي استظهرنا منها كون أحد الأكفان مئزراً ولا سيما ما دلّ على أنّ الكفن في المرأة العظيمة خمسة ، درع ومنطقة ... فإنّها صريحة في إرادة المئزر لأنّ المنطقة ما يشد به من الوسط ظاهرة في تعينه ، ولا مسوغ لرفع اليد عن ظهورها في التعين بوجه.
فما أفاده صاحب المدارك غير مشروع في نفسه فضلاً عن تعينه ، والمتعين ما ذكره المشهور من كون الكفن الأوّل هو المئزر.
وأمّا القميص فهل هو متعيّن أو يجوز أن يلبس الميِّت بدله ثوباً شاملاً؟.
ظاهر كلام المدارك هو الجواز ، لأنّه جمع بين ما دلّ على أنّ الأكفان ثلاثة أثواب وما دلّ على أنّها ثوبان وقميص ، فيحمل على التخيير بين الثوب والقميص ، ولما دلّ على التخيير في ذلك من النصوص وهي روايتان :
إحداهما : ما رواه الصدوق قدسسره عن موسى بن جعفر عليهالسلام « أنّه سئل عن الميِّت يموت أيكفن في ثلاثة أثواب بغير قميص؟ قال : لا بأس بذلك
1) نقله في الحدائق 4 : 3 وراجع المدارك 2 : 94.
والقميص أحب إليّ » (1).
وثانيتهما : ما رواه محمد بن سهل عن أبيه قال : « سألت أبا الحسن عليهالسلام عن الثياب التي يصلِّي فيها الرّجل ويصوم أيُكفّن فيها؟ قال : أُحبّ ذلك الكفن ، يعني قميصاً ، قلت : يدرج في ثلاثة أثواب؟ قال : لا بأس به ، والقميص أحبّ إليّ » (2).
وفيه : أن مقتضى القاعدة حمل المطلق على المقيّد لا الجمع بينهما بالتخيير ، حيث إن ما دلّ على أنّ الأكفان ثلاثة أثواب مطلق فيحمل على ما دلّ على أن أحدها قميص.
وأمّا الروايتان ، فالأُولى منهما ضعيفة بالإرسال ، على أنّه لم يعلم كونها رواية أصلاً ، لاحتمال أن يشير الصدوق بها إلى ما ورد في ذيل الرواية الثانية عن موسى بن جعفر عليهالسلام لاتحادهما في المضمون.
وأمّا الرواية الثانية فهي ضعيفة أيضاً ، لأن محمّد بن سهل لم يوثق ولم يمدح. على أن دلالتها قاصرة ، إذ أن قوله عليهالسلام « والقميص أحب إليّ » بمعنى أنّ القميص الّذي كان الميِّت يصلّي فيه ويصوم أحب من القميص الّذي ليس كذلك ، أو القميص المصنوع من الأكفان ، لا أنّه أحب من الثوب لتدل على التخيير بين الثوب والقميص وكون الثاني أفضل.
نعم ، دلالة المرسلة على المدّعى ممّا لا إشكال فيها إلاّ أن سندها ضعيف ، هذا كلّه في القميص.
وأمّا الإزار فلم يستشكل أحد في تعينه بمعنى الثوب التام حتّى صاحب المدارك لأن هذا الثوب وإن لم يرد في الأخبار بعنوان الإزار لما تقدّم من أنّه بمعنى المئزر ، إلاّ أنّه ورد بعنوان اللفافة والثوب الشامل ونحوهما.
فتحصل : أنّ المئزر والقميص والإزار بمعنى الثوب الشامل واجبات متعينة في التكفين.
ويجب أن يكون من السرّة إلى الرّكبة والأفضل من الصّدر إلى القدم (1).
الثانية : القميص. ويجب أن يكون من المنكبين (2) إلى نصف السّاق (3) والأفضل إلى القدم.
(1) وحكي عن بعضهم الاجتزاء بما يصدق عليه المئزر عرفاً وإن كان ممّا دون السرة وفوق الركبة ، لعدم ورود التحديد بذلك في الأخبار ، هذا.
والصحيح هو ما ذكره المشهور ، وذلك لما تقدّم من أنّ الإزار إنّما هو مأخوذ من الأزر الّذي هو بمعنى الظهر ، والازر الّذي بمعنى محل عقد المئزر من الحقوين المحاذي للسرة ، فلو كان ممّا دون السرة لم يصدق عليه الإزار لغة.
وأمّا من حيث المنتهي فكونه إلى الركبة وإن لم يرد في شيء من الأدلّة إلاّ أنّ الظاهر يقتضي اعتباره ، لما تقدّم من أنّ الإزار أُخذ في مفهومه التستر والإنسان بعد ستر عورتيه يهتم بطبعه بستر ما بين السرة والركبة ، فترى الجالس عارياً يواظب على التستر فيما بينهما ، فكأنّ الكشف عمّا فوق الركبتين ينافي الوقار والأُبّهة والشرف والاتزار بهذا المقدار هو المتعارف في مطلق الاتزار وفي خصوص باب الإحرام ، وكيف كان فما ذكروه قدسسرهم لو لم يكن أقوى فهو أحوط.
(2) لا خلاف في القميص من حيث المبدإ ، فإنّ القميص إنّما يلبس من المنكبين فلو كان قميص ملبوس ممّا دونهما لما صدق عليه القميص إلاّ مجازاً ، والقميص المعتبر في الأكفان وإن لم يكن قميصاً إلاّ أنّه مشابه له فلا كلام في حدّه وابتدائه من المنكبين.
(3) أو إلى القدم ، وهذا لم يقم عليه دليل إلاّ كونه هو المتعارف في القميص العربي إلاّ أنّه لا يقتضي تعين ذلك بعد صدق القميص حقيقة على ما هو أقصر من ذلك.
الثالثة : الإزار ، ويجب أن يغطي تمام البدن (1) والأحوط أن يكون في الطول بحيث يمكن أن يشدّ طرفاه (2) وفي العرض بحيث يوضع أحد جانبيه على الآخر (3) والأحوط أن لا يحسب الزائد على القدر الواجب على الصغار من الورثة وإن أوصى به أن يحسب من الثلث (4)
(1) كما دلّت عليه النصوص فيما تقدم.
(2) المطمأن به لو لم يكن متيقناً أنّه أراد بالشد : شد طرفي الثوب في نفسه ، بأن يكون طويلاً بمقدار يمكن شدّه بنفسه من طرف الرأس والقدم ، وهذا ممّا لم يقم عليه دليل لكنّه قد التزم به بعضهم فلذا جعله أحوط.
وأمّا لو أُريد به الشد بالعلاج أي بغير الكفن كالخيط ونحوه فلا إشكال في وجوبه ، لا أنّه أحوط ، لأن معنى الكفن ما يستر الميِّت ، ومع عدم شدّه من طرف الرأس أو القدم لا يكون الكفن ساتراً لتمامه.
(3) هذا لا دليل عليه ، فانّ الثوب لا بدّ أن يكون بحيث يدرج فيه الميِّت بإزاره وقميصه ، وهذا يتحقق فيما إذا كان عرضه بحيث يصل أحد جانبيه إلى الجانب الآخر ويشد بخيط أو بغيره ، ولا يلزم أن يكون بحيث يقع أحدهما على الآخر.
(4) يأتي في المسألة 19 أنّ القدر الواجب من الكفن يخرج من أصل التركة وأنّه مقدّم على الديون والوصايا ، لأنّ الميِّت أولى بتركته من غيره ، وأمّا المستحب منه فإنّما يخرج من الثلث مع الوصية وإلاّ فيؤخذ من حصّة الكبار بإجازتهم ولا يؤخذ من حصّة الصغار. والمقدار الزائد احتياطاً كالمستحب يؤخذ من الثلث مع الوصية وإلاّ فمن حصّة الكبار بإجازتهم من دون أن يؤخذ من حصّة الصغار.
وإن لم يتمكّن من ثلاث قطعات يكتفى بالمقدور (1)(1)
(1) ما تقدم كلّه فيما إذا كانت الأكفان الثلاثة ممكنة ومقدورة ، وأمّا إذا لم يمكن واحد منها أو اثنان فهل يجب التكفين بالممكن والمقدور منها أو لا يجب؟.
ذهب صاحب المدارك قدسسره إلى عدم الوجوب لسقوط الأمر عن الكل والمركب ، بتعذّر بعض أجزائه (2).
وذهب جمع إلى الوجوب لقاعدة الميسور ، بل ذكر المحقق الهمداني قدسسره أنّ المورد من أظهر موارد صدق الميسور من المأمور به المعسور (3)أو الاستصحاب بدعوى أنّ التكفين بذلك المقدور كان متصفاً بالوجوب عند التمكّن من الجميع ، فإذا تعذّر الكل وشككنا في سقوط الوجوب عن المقدار الممكن منه نستصحب وجوبه.
ولا يتم شيء من ذلك ، أمّا قاعدة الميسور فلما ذكرناه مراراً من عدم تماميتها في نفسها لضعف الأخبار المستدل بها على تلك القاعدة (4).
وأمّا الاستصحاب فهو أفحش ، إذ لا موضوع حتّى يستصحب ، فانّ المتيقن هو الوجوب الضمني عند التمكّن من الكل وهو مرتفع قطعاً ، والمشكوك فيه هو الوجوب النفسي الاستقلالي ولا حالة سابقة له.
ودعوى : أنّ الاستصحاب يجري في الطبيعي الجامع بين القسمين ، غير مسموعة إذ لا يصدق على رفع اليد عن اليقين السابق عند الشك نقض اليقين بالشك ، لأنّ المتيقن وهو الوجوب الضمني قد ارتفع قطعاً. هذا على أنّه من الأصل الجاري في الأحكام ولا نقول بجريان الاستصحاب فيها.
1) (*) على الأحوط فيه وفيما بعده.
2) لاحظ المدارك 2 : 95 وفيه : ( يجزئ عند الضرورة قطعة ، لأنّ الضرورة تجوّز دفنه بغير كفن فبعضه أولى ). ولعلّ المراد به صاحب الحدائق كما حكى عنه هذا القول الهمداني في مصباحه ، راجع الحدائق 4 : 14.
3) مصباح الفقيه ( الطّهارة ) : 392 السطر 24.
4) عوالي اللّئالي 4 : 58.
وإن دار الأمر بين واحدة من الثلاث تجعل إزاراً (1)
هذا فيما إذا تجدد العجز بعد الموت ، وأمّا لو كان التعذّر سابقاً على الموت فلا وجوب ليستصحب إلاّ على نحو التعليق بأن يقال : لو كان الميِّت قد مات عند التمكّن من الأكفان كان التكفين بهذا الجزء واجباً والآن كما كان ، ولا نلتزم بالاستصحاب التعليقي بوجه.
والصحيح في المقام أن يقال بما ذكرناه في الأغسال (1)وحاصله : أنّ المستفاد من الأخبار الواردة في التكفين أنّ الواجب انحلالي ، وأنّ التكفين بكل قطعة من القطعات واجب بحياله ، وفي بعض الأخبار أنّ التكفين بالثوبين والتكفين بالقميص كذا (2)، وهو يدل على أن كلاًّ منها تكفين مستقل فإذا تعذّر بعضها فلا موجب لسقوط الآخر عن الوجوب.
(1) إذا كانت هناك قطعة يمكن أن تجعل إزاراً ويمكن جعلها قميصاً أو مئزراً هل يتخيّر في صرفها بين واحد من الثلاث؟ أو يتعيّن صرفها في الإزار وإن لم يمكن ففي القميص؟
تختلف المسألة باختلاف المدرك في الحكم بوجوب التكفين الممكن من الثلاث ، فان كان المدرك فيه ما قدمناه من أن مقتضى الأخبار الواردة في المقام هو الانحلال وكون كل قطعة من الثلاث واجباً مستقلا ، فيدخل المقام في كبرى التزاحم للعلم بوجوب الأكفان الثلاثة في الشريعة المقدسة إلاّ أنّه لا يتمكّن من الجميع وإنّما يتمكّن من أحدها ، فيقع التزاحم بين صرفه في الإزار أو القميص أو المئزر ، وحيث إن احتمال الأهميّة مرجح في باب المتزاحمين ، فلا بدّ من الحكم بصرفه في الإزار لاحتمال أهميّته بالوجدان ، وعلى تقدير عدم التمكّن منه فيصرف في القميص.
وإن لم يمكن فثوباً ، وإن لم يمكن إلاّ مقدار ستر العورة تعين (1) ، وإن دار بين القُبل والدُّبر يقدِّم الأوّل (2).
وأمّا إذا كان المدرك قاعدة الميسور أو الاستصحاب أو الإجماع والعمدة منها الأوّل والأخير دون الثاني فالحكم المجعول أوّلاً ، أعني وجوب المجموع المركب ، قد ارتفع بالتعذّر ، والحكم الثابت بهما حكم جديد لا ندري أنّه مجعول على الإزار أو على القميص أو على المئزر ، فنشك في الجعل فيكون المقام حينئذ من دوران الأمر بين التعيين والتخيير ، للعلم بأنّه مجعول إمّا على خصوص الإزار أو على الأعم منه ومن القميص ، أو على خصوص القميص أو على الأعم منه ومن المئزر ، وقد ذكرنا في محلِّه (1)أن احتمال التعيين حينئذ يندفع بالبراءة ونحكم بالتخيير.
(1) إذا لم يوجد شيء من الأكفان وتمكّن المكلّف من ستر عورة الميِّت وحسب فهل يجب سترها؟
لا دليل على وجوب ستر العورة إلاّ ما رواه الصدوق قدسسره في العلل عن الفضل بن شاذان : « أنّه روي عن الرضا عليهالسلام إنّما أُمر أن يكفن الميِّت ليلقى ربّه ( عزّ وجلّ ) طاهر الجسد ولئلاّ تبدو عورته لمن يحمله أو يدفنه » (2)إلاّ أنّها ضعيفة السند ، لأن في طريق الصدوق إلى الفضل عبد الواحد بن عبدوس ، وهو وإن كان من مشايخ الإجازة إلاّ أنّه لم يرد في حقّه توثيق ولا مدح ، ومن هنا كان الحكم بوجوب ستر العورة مبنياً على الاحتياط.
(2) ثمّ لو قلنا بوجوب ستر العورة احتياطاً أو فتوى ولم يف الساتر بكليهما بل إنّما
[900] مسألة 1 : لا يعتبر في التكفين قصد القربة وإن كان أحوط (1).
[901] مسألة 2 : الأحوط في كل من القطعات أن يكون وحده ساتراً لما تحته فلا يكتفى بما يكون حاكياً له وإن حصل الستر بالمجموع (2).
كان بمقدار القبل أو الدبر فهل يتعيّن صرفه في القبل أو يتخيّر المكلّف بينهما؟
ذكر الماتن قدسسره أنّه يتعيّن صرفه في القبل ، والوجه في ذلك : هو احتمال الأهميّة في القبل ولو من جهة أنّ الدبر مستور في الجملة بأليتين.
(1) وذلك لأنّ الأخبار الواردة في المقام لم يدل شيء منها على أنّ التكفين عبادي ومع الشك في كونه عباديا أو توصّلياً يرجع إلى إطلاق الدليل أو البراءة من لزوم قصد التقرّب كما ذكرناه في مبحث التعبّدي والتوصلي (1)وحيث إنّه يحتمل التعبديّة في التكفين احتاط الماتن قدسسره بقوله « وإن كان أحوط » إلاّ أنه إذا كفّنه لا بقصد القربة لا يجب أن يكفِّنه ثانياً ، لما تقدّم من أن التكفين توصّلي ولم يقم دليل على اعتبار قصد القربة فيه ، فالإتيان به مسقط للأمر به وإن لم يقصد التقرّب به.
(2) ذكر قدسسره اعتبار كون الأكفان الثلاثة ساترة لبدن الميِّت بأجمعها ، كما ذكر اعتبار كون كل منها ساتراً أي بحيث لا يرى جسد الميِّت تحته.
أمّا وجه اعتبار كون المجموع ساتراً فيكفينا في ذلك صحيحة محمّد بن مسلم وزرارة على رواية الكليني (2)وصحيحة زرارة على رواية الشيخ (3)عن أبي جعفر عليهالسلام : « إنّما الكفن المفروض ثلاث أثواب أو ثوب تام ( وثوب ) أو بإسقاط
نعم ، لا يبعد كفاية ما يكون ساتراً من جهة طليه بالنشاء ونحوه لا بنفسه (1) وإن كان الأحوط كونه كذلك بنفسه.
[902] مسألة 3 : لا يجوز التكفين بجلد الميتة (2) ولا بالمغصوب (3).
وثوب لا أقل منه يواري فيه جسده » فاعتبار الستر والمواراة في مجموع الكفن ممّا لا مفرّ عنه.
وأمّا وجه اعتبار كون كل قطعة من القطعات ساترة ، فلما قدّمناه من أنّ الواجب انحلالي ، وكل من المئزر والقميص والإزار كفن واجب باستقلاله وقد أُخذ في مفهوم الكفن الستر والمواراة ، فيقال : كفّن الخبزة في الملّة أي الرماد الحار واراها بها ، وهو نوع من طبخ الخبز ، وكفّن الجمر بالرماد أي غطاه به ، ومعه يعتبر أن يكون كل من المئزر والقميص والإزار ساتراً وموارياً للجسد.
(1) إذ لا يعتبر في الكفن أن يكون ساتراً بنفسه فلو كان ستره من جهة النشاء كفى في الامتثال.
واحتمال أنّ الستر حينئذ بالنشاء لا بالكفن ، مندفع بأنّ النشاء ليس له وجود مستقل غير وجود الكفن ليستند الستر إليه ، وإنّما يستند الستر إلى الكفن المشتمل على النشاء ، ومن هنا لم يحتمل أحد عدم كفاية مثله في الساتر الصلاتي الّذي يجب أن يكون ثوباً ، نظراً إلى أنّ الساتر هو النشاء ، ولا وجه له سوى ما ذكرنا من أنّ الكفن هو الساتر ولو لاشتماله على النشاء ، لا أنّ الساتر هو النشاء.
(2) لما استفدناه من اعتبار الطهارة في الكفن حتّى أنّه لو تنجّس بعد تكفينه وجب غسله أو قرضه ، فإذا كانت النجاسة العرضية مانعة عن التكفين فالنجاسة الذاتيّة مانعة عن صحّة التكفين بطريق أولى.
(3) لحرمة كل فعل متعلّق بالمغصوب ومنه تكفين الميِّت به ، وقد ذكرنا في محلِّه أن
أمثال المقام ليس من موارد اجتماع الأمر والنهي ، فإنّ الحرمة إذا كانت ناشئة من الموضوع كما في المقام وفي الوضوء بماء مغصوب فهو من النهي عن العبادة أو الواجب ، وهذا بخلاف ما إذا كان مكان الوضوء غصبياً فإنّه من موارد الاجتماع. وعليه لا يجوز التكفين بالمغصوب سواء قلنا بجواز الاجتماع أم لم نقل ، بل لو كفن به وجب نزعه وردّه إلى مالكه.
بل لو علم ذلك بعد الدفن وجب نبشه إن أمكن ، فإنّ التكفين به كلا تكفين فلا مناص من تكفينه ثانياً بعد نزع المغصوب منه امتثالاً للأمر بالتكفين.
وقد يتوهّم كما توهّم أنّ التكفين واجب توصلي ولا يعتبر في سقوطه قصد التقرّب ، إذن لا مانع من الحكم بسقوط الأمر به بالتكفين بالمغصوب وإن كان ذلك عصياناً ومحرماً على المكلّف لوجوب ردّه إلى مالكه.
ويندفع بأنّ الواجب التوصّلي إنّما يفترق عن التعبّدي بعدم اعتبار قصد القربة والإضافة إلى اللّه تعالى في الإتيان به ، ومن ثمة يتحقق الامتثال في التوصليات بمجرّد الإتيان بها. وهذا بخلاف الواجب التعبّدي إذ يعتبر فيه قصد التقرّب والإضافة إلى اللّه سبحانه إمّا شرعاً كما على مسلكنا (1)وإمّا عقلاً كما ذكره صاحب الكفاية (2)فلو أتى به من دون ذلك لم يسقط أمره ولم يكن امتثالاً له ، ولا فرق بينهما زائداً على ذلك. وإذا كان العمل محرماً في نفسه كما في المقام لا يعقل أن يحصل به الامتثال بلا فرق في ذلك بين التوصّلي والتعبّدي ، وذلك لعدم إمكان أن يكون المحرم مصداقاً للواجب ، وليس معنى التوصّلي أنّ الحرام يمكن أن يكون مصداقاً للواجب.
نعم ، في المقدّمات الخارجيّة عن الواجب أي المقدمات الّتي نعلم بعدم مدخليتها في الواجب لو أتى بها في ضمن أمر حرام لم يضر ذلك بالامتثال كما إذا ركب دابة مغصوبة ومشى بها إلى الحج فإنّه لا يمنع عن صحّة حجّه ، وذلك لخروج المقدّمة عن
ولو في حال الاضطرار (1)(1) ولو كفن بالمغصوب وجب نزعه بعد الدفن أيضاً.
الواجب وعدم كون المقدمة واجبة حتّى بالوجوب الغيري على مسلكنا. نعم ، هي متصفة به على المشهور ، إلاّ أنّ الوجوب الغيري لا يترتب عليه أثر في المقام ، ومنه تطهير الثوب الّذي هو مقدمة للصلاة فإنّه أمر يتحقق بالماء المغصوب أيضاً ، إذ لا يشترط في التطهير إباحة الماء إلاّ أنّه أمر خارج عن المأمور به كما هو ظاهر. وأمّا الواجب فيستحيل أن ينطبق على الحرام بلا فرق في ذلك بين التعبّدي والتوصّلي.
نعم ، لا مانع من الالتزام بسقوط الواجب التوصّلي بالمحرم إذا قام عليه دليل ولكنّه لا دليل عليه في المقام. وقد ذكرنا في محله أنّ المبغوضية والحرمة إذا كانتا ناشئتين من قبل الموضوع كما في المقام وفي التوضؤ بماء مغصوب يكون العمل بنفسه وعنوانه متعلّقاً للنهي ، وهو من النهي في العبادة وليس من بحث اجتماع الأمر والنهي ليبتني الحكم بالفساد على القول بالامتناع وتقديم جانب النهي.
إذن يتم ما ذكره الماتن قدسسره من عدم جواز التكفين بالمغصوب ولو في حال الاضطرار أي فيما إذا لم يوجد كفن آخر غيره وذلك لوضوح أنّ ذلك لا يسوّغ التصرّف في المغصوب بل يدفن عارياً حينئذ.
(1) إن كان ذلك راجعاً إلى خصوص التكفين بالمغصوب فقد عرفت صحّته ، وأمّا لو كان راجعاً إلى كل من التكفين بالمغصوب والميتة فلنا مطالبة الماتن بالدليل على عدم جواز التكفين بالميتة عند الاضطرار ، وذلك لأنّه قدسسره يرى جواز الانتفاع بالميتة فيما لا يشترط فيه الطهارة ، ويأتي منه قدسسره أن اشتراط الطهارة في الكفن مختص بصورة التمكّن والاختيار. إذن لا مانع من التكفين بالميتة عند عدم التمكّن من غيرها. اللّهمّ إلاّ بناءً على عدم جواز الانتفاع بالميتة مطلقاً وهو على خلاف مسلكه.
1) (*) هذا في المغصوب وأمّا في جلد الميتة فالأحوط وجوباً التكفين به.
[903] مسألة 4 : لا يجوز اختياراً التكفين بالنجس (1) حتّى لو كانت النجاسة بما عفي عنها في الصلاة على الأحوط (1).
كما أنّه يلزمه تقييد الميتة بالنجسة ، لأنّ الميتة الطاهرة كجلد السمكة الميتة إذا كان كبيراً يسع الميِّت لا مانع من التكفين به ، إذ أن مطلق الميتة وإن كانت مانعة من الصلاة إلاّ أنّه للتمسّك ببعض الإطلاقات (2)هناك ، وأمّا في المقام فلم يرد فيه أيّ دليل لفظي ليمكن التمسُّك بإطلاقه فلا مانع من التكفين بالميتة الطاهرة.
(1) لما تقدّم (3)من الروايتين الدالّتين على أن كفن الميِّت إذا تنجّس بما يخرج من الميِّت وجب قرضه أو غسله ، فإذا لم يجز التكفين بالنجس بحسب البقاء فلا يجوز بحسب الحدوث أيضاً لعدم الفرق بينهما.
(2) والوجه في هذا الاحتياط : أن ما دلّ على اعتبار الطهارة في الكفن وهو الروايتان المتقدِّمتان (4)لا إطلاق له حتّى يشمل النجاسة المعفو عنها في الصلاة وذلك لأنّهما وردتا فيما يخرج من الميِّت ، وهما فيه وإن كانتا مطلقتين وشاملتين للدم المعفو عنه في الصلاة إلاّ أنّا نحتمل أن يكون للدم الخارج منه خصوصية ، لأنّه من أجزاء الميتة ومن ثمة لا يمكننا التعدّي عن موردهما إلى غيره إذا كان ممّا يعفى عنه في الصلاة.
ولا بالحرير الخالص (1).
نعم ، نتعدّى عنه إلى غيره في غير المعفو عنه في الصلاة للقطع بعدم الفرق بينهما ، فما في كلام المحقق الهمداني (1)قدسسره وغيره من التمسُّك بالإطلاق ممّا لا نرى له وجهاً معقولاً.
نعم ، الفتاوى مطلقة حيث ذكروا عدم جواز التكفين بالمتنجس ولم يستثنوا منه ما إذا كانت النجاسة معفواً عنها في الصلاة ، ومن ثمة احتاط الماتن في المسألة.
(1) وقد استدلّوا على ذلك بوجوه :
منها : الاستصحاب ، لأنّ الميِّت حال حياته كان يحرم عليه لبس الحرير فيحرم أن يلبس به بعد الممات أيضاً بالاستصحاب ، نعم هذا يختص بالرجال لعدم حرمة لبس الحرير على النِّساء.
وفيه أوّلاً : أنّه من الاستصحاب في الأحكام ولا نقول به.
وثانياً : عدم بقاء الموضوع ، وذلك لأنّ الميِّت حال الحياة كان يحرم عليه لبس الحرير بالمباشرة وكان يحرم على غيره أن يلبسه ذلك ، لأنّ التسبيب إلى الحرام محرم على ما بيناه مراراً من أنّ العرف لا يفرق بين التسبيب والمباشرة ، فإذا حرم شيء على المكلّف بالمباشرة يستفاد منه حرمته بالتسبيب. إلاّ أن حرمة التسبيب متفرّعة على حرمة المباشرة ، فإذا مات المكلّف وسقطت عنه الحرمة بالمباشرة فمن أين تستفاد حرمة التسبيب ، إذ الميِّت جماد لا يكلف بشيء فكيف يحكم بحرمة إلباسه الحرير من جهة التسبيب إلى الحرام ، فالاستصحاب ساقط في المقام.
وقد يستدل عليه بالإجماع ، ويندفع بأنّ الإجماع في أمثال المقام لا يمكن التشبّث
1) مصباح الفقيه ( الطّهارة ) : 393 السطر 10.
به للاطمئنان ولا أقل من الاحتمال باعتمادهم فيه على أحد الوجوه المستدل بها في المسألة ومعه لا يعتمد عليه بوجه.
وثالثاً : يستدل عليه برواية محمّد بن مسلم عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال : « قال أمير المؤمنين عليهالسلام : لا تجمروا الأكفان ولا تمسحوا موتاكم بالطيب إلاّ بالكافور فانّ الميِّت بمنزلة المحرم » (1). فإنّها نزّلت الميِّت منزلة المحرم ، ومقتضى عموم التنزيل عدم جواز تلبيسه الحرير ، لأنّ المحرم يحرم عليه لبس الحرير ، بضميمة ما ذكره بعضهم من وجوب أن يكون ما يحرم فيه من جنس ما يصلّى فيه.
ويردّه : أنّ التنزيل في الرواية يحتمل قريباً أن يكون من جهة حرمة الطيب فحسب ، لا أنّ التنزيل من جميع الجهات ، فانّ المحرم يحرم عليه تغطية رأسه ورجليه بالجورب أو الخف ونحوهما ، ورمسه في الماء ، وهذا لا تحرم على الميِّت قطعاً ، هذا.
مضافاً إلى أنّها معارضة بما دلّ على أنّ المحرم إذا مات فهو كالمحل سوى أنّه لا يقرب منه الطيب (2)فكيف بمن لم يكن محرماً قبل الموت ، بل الرواية في موردها غير معمول بها ، لعدم حرمة قرب الطيب من الميِّت بل هو أمر مكروه.
على أن سندها ضعيف بمحمّد بن سنان وأحمد بن محمّد الكوفي وابن جمهور وأبيه أي جمهور نفسه ، لأنّه مهمل ، وقد وردت في طريق آخر للصدوق وهو ضعيف أيضاً لوجود القاسم بن يحيى وجده الحسن بن راشد فيه ، وهما ضعيفان (3)والحسن هو مولى المنصور ، الضعيف بقرينة رواية القاسم عنه.
ورابعاً : يستدل عليه بما عن الفقه الرضوي (4)ودعائم الإسلام (5)من النهي عن التكفين في ثوب إبريسم.
ويدفعهما : أنّ الاولى لم يثبت كونها رواية أصلاً ، والثانية مرسلة لا يمكن الاعتماد عليها.
وخامساً : يستدل عليه بجملة من الروايات الناهية عن التكفين بكسوة الكعبة وثوبها ولا وجه له سوى كونها من الحرير.
منها : رواية مروان بن عبد الملك قال : « سألت أبا الحسن عليهالسلام عن رجل اشترى من كسوة الكعبة فقضى ببعض ( ببعضه ) حاجته وبقي بعضه في يده هل يصلح بيعه؟ قال : يبيع ما أراد ويهب ما لم يرده ويستنفع به ويطلب بركته ، قلت : أيكفن به الميِّت؟ قال : لا » (1).
ومنها : رواية حسين بن عمارة عن أبي جعفر عليهالسلام قال : « سألته عن رجل اشترى من كسوة البيت شيئاً هل يكفن به الميِّت قال : لا » (2).
ومنها : رواية عبد الملك بن عتبة الهاشمي قال : « سألت أبا الحسن موسى عليهالسلام عن رجل اشترى من كسوة البيت شيئاً هل يكفن فيه الميِّت؟ قال : لا » (3).
ويردّه : أنّ هذه الأخبار ضعيفة السند بأجمعها ، أمّا الرواية الاولى فلأنها مرسلة وفي سندها مروان بن عبد الملك وهو مهمل.
وأمّا الثانية : فلوجود أبي مالك الجهني والحسين بن عمارة في سندها وهما غير موثقين.
وأمّا الثالثة : فلوجود عبد الملك بن عتبة الهاشمي حيث لم يثبت توثيقه ويعبّر عنه باللّهبي نسبة إلى أبي لهب.
هذا كلّه بالإضافة إلى أنّه لم يثبت أنّ كسوة الكعبة حرير دائماً ، والظاهر أنّ النهي عن جعلها كفناً من أجل احترامها ، لأنّه معرض التنجس بما يخرج من الميِّت وهو ينافي الاحترام.
وسادساً : يستدل عليه بما رواه الحسن بن راشد وهو العمدة ، قال : « سألته عن ثياب تعمل بالبصرة على عمل العصب ( القصب ) اليماني من قز وقطن هل يصلح أن يكفن فيها الموتى؟ قال : إذا كان القطن أكثر من القز فلا بأس » (1)حيث دلّت على عدم جواز جعل الكفن من الحرير المحض أو الممزوج منه ومن غيره إذا كان القز أكثر.
وقد يناقش في الاستدلال بها من جهتين :
إحداهما : أنّ مدلولها عدم جواز التكفين بالممزوج من الحرير وغيره حتّى إذا كانا متساويين ، وهذا ممّا لم يلتزم به الأصحاب ، بل عن بعضهم أنّه لم يعثر على قائل بعدم جواز التكفين به أصلاً ، فالرواية قد أعرض عنها الأصحاب وبذلك تسقط عن الاعتبار.
ويمكن الجواب عنها بأنّهم (2)أفتوا بعدم جواز التكفين بالممزوج من الحرير وغيره إذا كانا متساويين ، إلاّ أن فتاواهم في عدم جواز التكفين بالحرير مطلقة فتشمل ما إذا كان الحرير مساوياً لغيره ، فلم يعلم أنّ الرواية معرض عنها ، ولأجل إطلاق كلماتهم احتاط الماتن قدسسره لزومياً في المسألة السادسة في عدم جواز التكفين بالحرير الممزوج إذا كان مساوياً ، فالإعراض غير ثابت.
على أنّه لا يضر الرواية عدم إفتائهم على طبقها ولا يسقطها ذلك عن الاعتبار ، بل لا بدّ من الالتزام بمضمونها وليكن هذا من مختصّات الكفن.
وثانيتهما : أنّ الحسن بن راشد مردد بين الثقة والضعيف ولم يظهر أنّه من هو.
ويدفعه : أنّ الظاهر بحسب القرائن أنّه حسن بن راشد الثقة وهو البغدادي مولى آل المهلب الّذي وثقه الشيخ وعدّه من رجال الجواد والهادي عليهماالسلام (3)وله
روايات عديدة عن العسكري عليهالسلام ويروي عنه محمّد بن عيسى ، منها : ما رواه في الوصية في سبيل اللّه حيث روى في الكافي والتهذيب والفقيه عنه عن العسكري أنّه يصرف في الشيعة أو الحج. ومنها : روايته عنه في الإرث للأرحام. وحيث إنّ الراوي عنه في المقام هو محمّد بن عيسى فلا نحتمل أن يكون الحسن الضعيف الّذي هو مولى بني العباس المعبّر عنه بمولى المنصور الّذي كان وزيراً لهارون من الشيعة ، وذلك لأنّه من أصحاب الصادق عليهالسلام وقد أدرك الكاظم عليهالسلام على ما هو منقول في ترجمته (1)والراوي عنه حفيده القاسم بن يحيى.
وعليه لا يتردد الحسن في هذه الرواية بين البغدادي وبين مولى المنصور (2)وإنّما هو مردّد بين البغدادي الثقة وبين الثالث الّذي عبّر عنه النجاشي بالطفاويّ وضعّفه (3)وفي رجال المامقاني الطغاوي (4)وفي قاموس الرجال (5)أنّ الصحيح هو الطفاويّ ، ويروي عنه علي بن إسماعيل السندي الّذي هو من أصحاب الرضا عليهالسلام.
ولكن الظاهر أنّ الرجل هو الثقة ، لما أشرنا إليه من روايته متكرراً عن العسكري عليهالسلام يرويها عنه محمّد بن عيسى ، وبهذه القرينة ينصرف حسن بن راشد إلى الثقة حيث يرويها عنه محمّد بن عيسى ، وبذلك تتصف الرواية بالوثاقة لا محالة.
نعم ، يبقى هنا شيء ، وهو أنّ الرجاليين لم يعدّوا الرجل من أصحاب العسكري عليهالسلام ومعه كيف يمكننا قبول روايته عنه.
والجواب عن ذلك : أنّه يحتمل أن يكون ذلك غفلة من أهل الرجال ، كما يحتمل أن يراد بالعسكري هو الهادي عليهالسلام لأنّه كثيراً يطلق العسكري على الحسن العسكري عليهالسلام لكن قد يطلق على الهادي عليهالسلام أيضاً.
وإن كان الميِّت طفلاً أو امرأة (1) ولا بالمذهّب ولا بما لا يؤكل لحمه (1)جلداً كان أو شعراً أو وبراً (2).
ويدلُّ عليه أنّ الرواية المتقدمة عن الرجل الّتي قلنا إنّها مروية في الكافي والتهذيب والفقيه عنه عن العسكري (2)رواها الصدوق عنه عن أبي الحسن العسكري على ما في الوافي (3)- ، ومن الظاهر أنّه الهادي عليهالسلام. وقد تقدم أنّ الرجل عدّوه من أصحاب الهادي عليهالسلام فلا إشكال في سند الرواية وبها نحكم بعدم جواز التكفين بالحرير الممزوج إذا كان مساوياً مع الخليط ، فضلاً عن الحرير الخالص فلا يجوز التكفين به بطريق أولى.
وأمّا الإضمار فلا يضر بصحّة الرواية بعد وثاقة حسن بن راشد ، لعلو مقامه وجلالته المقتضي لعدم نقله إلاّ عن الإمام عليهالسلام.
(1) أي وإن لم يكن الميِّت ممّن يحرم عليه لبس الحرير في حياته ، وذلك لإطلاق رواية الحسن بن راشد المتقدمة ، لأنّ الموضوع فيها هو الموتى وهو صادق على الصغير والكبير والرّجال والنِّساء.
(2) لا دليل على عدم جواز التكفين بالمذهّب ولا بما لا يؤكل لحمه سوى دعوى أنّ الكفن يعتبر فيه كونه ممّا تجوز الصلاة فيه ، والمذهّب وما لا يؤكل لحمه لا تجوز فيهما الصلاة ، للإجماع ولرواية محمّد ابن مسلم المتقدِّمة (4). بضميمة أن ثوبي الإحرام
والأحوط أن لا يكون من جلد المأكول (1) ،
يعتبر فيهما أن يكونا ممّا يجوز فيه الصلاة.
والإجماع المستدل به هو إجماع منقول لا يمكن الاعتماد عليه مع الاطمئنان ولا أقل من الظن بعدم تحقق إجماع في المسألة.
والرواية تقدم ضعفها وأنّها معارضة بما دلّ على أنّ المحرم إذا مات فهو كالمحل (1).
على أن كون ثوبي الإحرام ممّا يجوز فيه الصلاة مبني على الاحتياط ولم يقم دليل قطعي على اعتباره.
إذن فالحكم في المسألة يبتني على الاحتياط ولو لأجل الخروج عن مخالفة الإجماع المدّعى.
وممّا ذكرناه في المذهّب وغير مأكول اللّحم يظهر الحال في التكفين بأجزاء الميتة الطاهرة كجلد السمك الكبير فإنّه لا دليل على عدم جوازه ، إذ لم يثبت اعتبار أن يكون الكفن ممّا يجوز فيه الصلاة حتّى يمنع عن جلد الميتة الطاهرة لعدم جواز
الصلاة فيها.
فالحكم فيها كالمذهّب وأجزاء ما لا يؤكل لحمه مبني على الاحتياط.
(1) لما عن بعضهم من أنّ الجلد لا يصدق عليه الثوب ، ويعتبر في الكفن أن يصدق عليه كونه ثوباً.
وفيه : أنّ الجلد من الملبوسات في البلاد العربية ونحوها ومن جملة مصادقيها الفرو.
نعم ، لبس الجلد بمعنى الستر به لا بمعنى جعله ثوباً ، لما قدّمنا من أنّ اللّبس أعم من الثوب ، إذ يصدق أن زيداً لبس الخاتم مع أنّ الخاتم ليس بثوب.
والّذي يدلّنا على ذلك : أن أحداً لم يستشكل في جعل الجلد ساتراً في الصلاة ، مع
1) الوسائل 2 : 503 / أبواب غسل الميِّت ب 13.
وأمّا من وبره وشعره فلا بأس وإن كان الأحوط فيهما أيضاً المنع (1)
أنّ الساتر الصلاتي يعتبر فيه كونه ثوباً كما دلّت عليه الرواية الواردة في سفينة غرقت حيث ورد فيها إنّ المكلّف إن وجد ثوباً يصلّي فيه وإلاّ فيتستر في الصلاة بالحشيش ونحوه (1).
وكذا لم يستشكلوا في شمول الثوب للجلد في الحبوة الّتي تشمل أثواب الميِّت ويدخل الفرو فيها من غير شبهة.
فهذا الحكم مبني على الاحتياط ولو للخروج عن مخالفة من ذهب إلى أنّ الجلد ليس بثوب.
(1) احتاط قدسسره في جعل الكفن من وبر المأكول وشعره ، والاحتياط فيه استحباباً لا بأس به ، لما ورد في موثقة عمار : « الكفن يكون برداً فان لم يكن برداً فاجعله كلّه قطناً » (2)فدلّت على عدم جعل الكفن صوفاً أو شعراً ، وأمّا وجوباً فلا ، وذلك لما ورد من أفضلية التكفين بثوب الميِّت أو ردائه الّذي كان يصلّي فيه ، فانّ الثوب والرداء إلى قريب عصرنا كان ينسج من الصوف ، ومعه تحمل الرواية على الاستحباب.
بل في نفس الرواية ما يدل على عدم وجوب جعل الكفن قطناً ، لأنّها دلّت على أنّ الكفن يكون برداً وإذا لم يكن فالقطن ، لا أنّ القطن واجب من الابتداء.
والبرد على ما في بعض كتب اللّغة كالمنجد : ثوب يتّخذ من الصوف (3)إذن فتدلّ
الرواية على أنّه إذا لم يكن برد كما في الوافي (1)، أو برداً كما في غيره : أي لم يكن الكفن برداً وهو الثوب الشامل من الصوف يجعل الكفن كلّه قطناً حتّى الثوب الشامل والعمامة وغيرهما.
حاصل ما ذكرناه في الجواب عن هذه الرواية أنّ الأمر بجعل الكفن كلّه قطناً محمول على الاستحباب ، وذلك لجريان السيرة على التكفين بغيره ، فلو كان التكفين بالقطن واجباً لبان واشتهر.
على أنّه ورد في بعض الروايات استحباب تكفين الميِّت بثوبه أو ردائه اللّذين كان يصلِّي فيهما (2)، والرداء والثوب إلى قريب عصرنا كانا ينسجان من الصوف.
على أن أهل البوادي لا يوجد عندهم القطن إلاّ قليلاً. وفي بعض الأخبار أنّه عليهالسلام أوصى أن يدفن في الثوبين الشطويين له (3). والثوب المعد للشتاء يتّخذ من الصوف.
على أنّ الرواية لعلّها على خلاف المطلوب أدل حيث لم توجب التكفين بالقطن من الابتداء بل علّقت جعله من القطن على فقدان البرد ، فيعلم منه أن جعل الكفن من القطن ليس بواجب أوّلاً.
وقد فسّر صاحب المنجد البرد بما يتّخذ من الصوف ، فتكون الرواية صريحة فيما ادّعيناه من عدم وجوب التكفين بالقطن ، إلاّ أنّا راجعنا قواميس اللّغة الوسيعة مثل لسان العرب وتاج العروس ولم نعثر على هذا التفسير ، ولا ندري من أين جاء صاحب المنجد بهذا التفسير للبرد ، نعم في اللسان فسّر البردة بما يتّخذ من الصوف (4)وهي غير البرد ، والظاهر اشتباه الأمر على صاحب المنجد.
تتمّة الكلام : وقد ورد في رواية يونس بن يعقوب عن أبي الحسن الأوّل عليهالسلام أنّه قال : « كفنت أبي في ثوبين شطويين كان يحرم فيهما وفي قميص من قمصه وفي عمامة كان لعليّ بن الحسين عليهماالسلام وفي برد اشتريته بأربعين ديناراً لو كان اليوم لساوى أربعمائة دينار » (1).
وقال الشيخ في الاستبصار بعد إيراد الرواية ما ملخّصه : أنّ الرواية تدل على جواز التكفين بغير القطن ، ومن ثمة تحمل على ما إذا لم يوجد هناك قطن أو على أنّه حكاية فعل من الإمام ، ويجوز أن يكون ذلك مختصّاً بهم عليهمالسلام فلا يعمل بمضمون الرواية في غيرهم (2).
وقال في الوافي إيراداً على الشيخ : وليت شعري ما في هذا الخبر يدل على تقديم غير القطن ، فان كان البرد غير قطن فالأخبار مملوءة بذكر البرد في جملة الكفن وتقديمه على غيره فينبغي حمل أفضلية القطن بغير الفوقاني ، وإن كان الشطوي يكون من غير القطن البتة ، فنحن لا نعلم ذلك وهو أعلم بذلك (3).
وقد فسر « شطا » في الوافي بأنّه قرية بمصر تنسب إليها الثِّياب الشطوية.
وقال في أقرب الموارد في مادّة شطو شطاة : بلدة تنسج فيه ثياب الكتان (4).
والصحيح أن ما ذكره الشيخ من دلالة الرواية على جواز جعل الكفن من غير القطن هو الصحيح ، لما عرفت من أنّ الثوب الشطوي هو الّذي ينسج في شطاة من الكتان وهو غير القطن ، والّذي يسهل الخطب أنّ الرواية في سندها سهل بن زياد وقد ناقشنا فيه مراراً (5)، هذا.
ثمّ لو شككنا في ذلك واحتملنا أن يكون التكفين بالقطن متعيّناً فنرجع إلى البراءة
وأمّا في حال الاضطرار فيجوز بالجميع (1)
وذلك لدوران الأمر بين التعيين والتخيير حينئذ ، إذ نحتمل أن يكون الواجب هو التكفين بالأعم من القطن وغيره كما نحتمل أن يكون الواجب خصوص التكفين بالقطن ، وقد بيّنا في محلِّه (1)أن مقتضى البراءة عدم تعين ما يحتمل تعينه.
(1) سوى المغصوب كما تقدّم (2)، لأنّ التصرّف في مال الغير محرم مطلقاً والاضطرار وانحصار الكفن في المغصوب لا يسوّغ التصرف في مال الغير ، وكذلك الميتة إن قلنا بعدم جواز الانتفاعات غير المتوقفة على الطهارة منها.
ثمّ إنّ الكلام في هذه المسألة يقع في مقامين :
أحدهما : في أنّ الكفن إذا كان منحصراً بالنجس فقط أو بالحرير فقط أو بغيرهما من المذكورات المتقدمة فهل يجوز التكفين به أو لا يجوز؟
ثانيهما : أنّه بعد البناء على الجواز في المقام الأوّل إذا دار الأمر بين التكفين بالنجس أو بالحرير أو بينه وبين غيره من الأُمور المتقدمة فهل يتقدم بعضها على بعض أو يتخيّر المكلّف ، أو أن له حكماً آخر؟ وهذه صورة التزاحم وهي تأتي في مسألة مستقلّة بعد ذلك (3)إن شاء اللّه.
الصورة الأُولى : إذا كان الكفن منحصراً بالنجس فهل يجب التكفين به؟ ذهب الماتن إلى الجواز وهو الصحيح.
وقد يقال بعدم الجواز ، وذلك لأنّ الدليل الدال على اعتبار الطهارة في الكفن
مطلق ، فإذا انضمّ إلى المطلقات الدالّة على أنّ الكفن أثواب ثلاثة (1)فينتج اعتبار الطهارة فيها مطلقاً ، بلا فرق في ذلك بين صورتي الاضطرار وغيرها ، ومعه إذا لم يتمكّن المكلّف من الكفن الطاهر سقط الأمر بالتكفين من الابتداء ، لأنّه مقتضى إطلاق الدليل المقيّد.
وكذلك الحال فيما إذا انحصر الكفن بالحرير ، لأن رواية الحسن بن راشد (2)الّتي دلّت على اعتبار عدم كون الكفن حريراً محضاً ، أو عدم كون أكثره قزاً ، أو كون القز مساوياً مع القطن ، مطلقة تشمل حالة الاضطرار وغيره ، ومقتضاها سقوط الأمر بالتكفين عند الاضطرار لتعذّر المقيّد بتعذّر قيده ، فلا يجوز التكفين بالنجس أو الحرير عند انحصار الكفن بهما.
وأمّا ما ورد من أنّ التكفين لأجل ستر عورة الميِّت (3)أو أنّه لأجل احترام الميِّت ، لأن حرمته ميتاً كحرمته حياً (4)فيستفاد منهما أن ستر بدن الميِّت مطلوب بنحو الإطلاق ، فيندفع بأن شيئاً من ذلك لا يقتضي الجعل والتشريع ولا يدل على أنّ التكفين غير المشروع احترام للمؤمن أو أنّه مطلوب للشارع ، لما عرفت من إطلاق دليل المقيّد.
وحيث إن قاعدة الميسور لا تجري في المقام ، لأنّ العمل بها على مسلكهم يتوقف على أن تكون مجبورة بالعمل على طبقها ولم يعمل بها في المقام ، فلا مناص من الحكم بسقوط الأمر بالتكفين في تلك المقامات.
ويرد عليه : أن ما دلّ على اعتبار الطهارة في الكفن منحصر بالروايتين الآمرتين بقرض الكفن إذا تنجّس بما يخرج من الميِّت (5)وهما غير ظاهرتين في الشرطية بوجه.
بل نحتمل أن يكون تطهير الكفن واجباً نفسياً على حدة بأن يكون من قبيل الواجب في الواجب فيجب عند التمكّن منها ويسقط عند الاضطرار وعدم التمكّن لا أنّه شرط للكفن بحيث لو تعذّر سقط الأمر بالتكفين رأساً ولم يكن التكفين مأموراً به حينئذ.
ومع ظهور الرواية في ذلك أو احتماله لا يمكن الحكم بإطلاق دليل التقييد ، إذ لم يثبت التقييد حتّى يتمسّك بإطلاقه ، ومع عدم ثبوت التقييد على وجه الإطلاق تبقى المطلقات الآمرة بتكفين الميِّت بالأثواب الثلاثة بحالها ، ومقتضاها وجوب التكفين بالنجس كغيره.
الصورة الثانية : إذا انحصر الكفن بالحرير فالأمر كما ذكرناه في النجس ، والوجه فيه : أنّ الوارد في رواية حسن بن راشد الدالّة على اعتبار عدم التكفين بالحرير هو نفي البأس عن التكفين بما يكون القطن فيه أكثر من قزه ، ومفهومها ثبوت البأس فيما إذا لم يكن كذلك كما إذا كان حريراً خالصاً أو كان حريراً مساوياً لقطنه ، والبأس حينئذ يحتمل أمرين في نفسه :
أحدهما : أن يكون البأس بمعنى الحرمة التكليفية وأنّ التكفين بالحرير الخالص أو ما يكون حريره مساوياً لقطنه ، محرم شرعي كبقية المحرمات الثابتة في الشرع.
وثانيهما : أن يراد من البأس الحرمة الوضعية بمعنى أنّ التكفين بالحرير ليس مصداقاً للامتثال ولا ينطبق عليه الكفن المأمور به.
والأوّل لا يمكن الالتزام به ، إذ لم يذهب أحد إلى حرمة تلبيس الحرير على الميِّت فإن غاية ما هناك أن لا يكون ذلك مجزئاً عن المأمور به أمّا أنّه من أحد المحرمات فلا.
إذن لا بدّ من حمل البأس على البأس الوضعي ، وأنّ التكفين بالحرير ليس بمصداق للمأمور به ولا يكون امتثالاً للأمر بالكفن ، وهذا كما ترى إنّما يتصوّر فيما إذا كان هناك أمر بالكفن إذ يصح حينئذ أن يقال : إنّ التكفين بالحرير ليس بمصداق وامتثال لذاك
الأمر ، وهذا منحصر بما إذا كان المكلّف متمكّناً من التكفين بغير الحرير ولم يكن الكفن منحصراً بالحرير ، وأمّا إذا انحصر الكفن بالحرير فلا معنى لهذا الكلام ولا يصح القول بأنّ التكفين بالحرير ليس مصداقاً للامتثال والمأمور به ، لأنّ الأمر لا يخلو حينئذ من أحد أمرين : إمّا أن يسقط الأمر بالتكفين عند ما ينحصر الكفن بالحرير كما لو كان الكفن مشروطاً بغير الحرير على الإطلاق. وإمّا أن يكون التكفين بالحرير مأموراً به بنفسه كما إذا لم يكن الكفن مشروطاً بغيره ، وعلى كلا التقديرين لا مجال للقول بأنّ التكفين بالحرير ليس بمصداقٍ للأمر والامتثال ، لأنّه على الأوّل لا أمر أصلاً حتّى يكون ذلك مصداقاً له ، وعلى الثاني مأمور به بنفسه كما عرفت.
ومن هذا يظهر أن رواية حسن بن راشد (1)وهي الّتي دلّت على اشتراط كون الكفن من غير الحرير ليست ناظرة إلى صورة الاضطرار وإنّما هي مختصّة بصورة التمكّن من التكفين بغير الحرير.
ومعه لا محذور من التمسّك بالمطلقات الدالّة على أنّ الكفن أثواب ثلاثة وهي شاملة للحرير عند الاضطرار.
ولعلّه إلى ذلك نظر شيخنا الأنصاري قدسسره فيما ذكره من أن أدلّة اشتراط كون الكفن من غير الحرير منصرفة إلى صورة التمكّن من غير الحرير (2).
الصورة الثالثة : إذا انحصر الكفن بجلد غير مأكول اللحم أو بالمذهّب أو بجلد ما يؤكل لحمه أو وبره أو شعره ، فلا ينبغي الشبهة في جواز التكفين بها عند الاضطرار لأنّ المنع عن التكفين بها مستند إلى الاحتياط ، والاحتياط إنّما هو عند التمكّن من التكفين بغيرها.
وأمّا عند الانحصار بها فلا معنى للاحتياط بالدفن عارياً ، بل الاحتياط يقتضي التكفين بتلك الأُمور عند الاضطرار إليها وعدم التمكّن من غيرها. هذا كلّه في المقام الأوّل.
[904] مسألة 5 : إذا دار الأمر في حال الاضطرار (1)بين جلد المأكول وأحد المذكورات يقدّم الجلد على الجميع (1).
قد ذكر الماتن قدسسره صوراً للمسألة ففرض تارة : الاضطرار إلى جلد المأكول وأحد المذكورات المتقدمة ، فحكم فيه بتقديم الجلد على الجميع.
وأُخرى : فرض الدوران بين الحرير والنجس أو بينه وبين أجزاء غير المأكول فلم يستبعد فيه تقديم النجس وإن استشكل فيه.
وثالثة : فرض الدوران بين الحرير وما لا يؤكل ، فحكم فيه بتقديم الحرير وإن استشكل في صورة الدوران بين الحرير وجلد ما لا يؤكل.
ورابعة : فرض الدوران بين جلد غير المأكول وسائر أجزائه ، فحكم بتقديم سائر أجزائه.
والّذي ينبغي أن يقال في المقام على وجه يظهر الحال منه في الصور المذكورة في المتن أن للمسألة صوراً :
الاولى : ما إذا دار الأمر بين التكفين بالنجس وبين غيره من الأُمور المتقدمة كالحرير والمذهّب.
الثانية : ما إذا دار الأمر بين الحرير وغيره من المذكورات ما عدا النجس لدخوله في الصورة الأُولى.
الثالثة : ما إذا دار الأمر بين غير الحرير وغير النجس من المذكورات.
1) (*) إذا دار الأمر بين المتنجس وبقيّة المذكورات فالأحوط الجمر. وإذا دار بين الحرير وغير المتنجس قدّم الثاني ، وفي غيرهما من الصور لا يبعد التخيير.
وإذا دار بين النجس والحرير ، أو بينه وبين أجزاء غير المأكول لا يبعد تقديم النجس وإن كان لا يخلو عن إشكال. وإذا دار بين الحرير وغير المأكول يقدّم الحرير وإن كان لا يخلو عن إشكال في صورة الدوران بين الحرير وجلد غير المأكول. وإذا دار بين جلد غير المأكول وسائر أجزائه يقدّم سائر الأجزاء.
أمّا الصورة الأُولى : فالظاهر وجوب الجمع بين التكفين بالنجس والتكفين بغيره من الحرير أو سائر الأُمور المتقدمة ، وذلك للعلم الإجمالي بوجوب التكفين بالنجس أو بغيره من الأُمور المتقدمة. وهذا العلم الإجمالي إنّما نشأ ممّا ذكرناه في الروايتين الآمرتين بقرض ما تنجّس من الكفن (1)، لأنّا إن استظهرنا منهما شرطية الطهارة في الكفن وهي شرطية مطلقة فيجب التكفين بغير النجس لا محالة ولا يجوز التكفين به ولو عند الاضطرار ، فإذا لم يجز التكفين به انحصر التكفين بالحرير أو بغيره ، وقد بنينا على جواز التكفين به عند الاضطرار فيتعيّن التكفين بالحرير أو غيره.
وإن استظهرنا أنّ الطهارة واجبة على وجه الاستقلالية والنفسية ، لاحتمال أن يكون من قبيل الواجب في الواجب ، فالساقط عند تعذّر الطهارة هو الأمر بها دون الأمر بالتكفين ، فيجب التكفين بالنجس لأنّه مشمول للمطلقات.
وإذا شككنا في ذلك فنعلم إجمالاً أنّ التكفين إمّا أن يجب حصوله بالنجس وإمّا يجب حصوله بغير النجس ، ومقتضى العلم الإجمالي حينئذ هو الجمع بين الأمرين.
وأمّا الصورة الثانية : وهي ما إذا دار الأمر بين الحرير وبين غير النجس فالظاهر تعين التكفين بغير الحرير ، وذلك لإطلاق رواية حسن بن راشد الدالّة على اعتبار كون الكفن من غير الحرير عند التمكّن من غيره (2)والمفروض في المقام التمكّن من التكفين بغير الحرير فيجب ولا يجوز التكفين بالحرير.
وأمّا الصورة الثالثة : وهي ما إذا دار الأمر بين غير الحرير وغير النجس
[905] مسألة 6 : يجوز التكفين بالحرير غير الخالص (1) بشرط أن يكون الخليط أزيد من الإبريسم على الأحوط (2).
فالصحيح هو التخيير بينهما ، بلا فرق في ذلك بين أن نحتمل التعيين في كل منهما كما في المذهّب وما لا يؤكل لحمه إذا احتملنا تعين التكفين بالأوّل كما احتملناه في الثاني وبين أن نحتمل التعيين في أحدهما ، وذلك لما ذكرناه في محلِّه (1)من أنّه إذا دار الأمر بين التعيين والتخيير يدفع احتمال التعيين بالبراءة ، وبه يثبت التخيير بينهما بعد العلم بوجوب التكفين قطعاً وعدم التعين في أحدهما.
بل لا تصل النوبة إلى الأصل العملي حينئذ ، لوجود المطلقات الدالّة على أنّ الكفن ثلاثة أثواب وهي تشمل كل واحد منهما ، وإنّما خرجنا عن إطلاقها عند التمكّن من الكفن المأمور به بالإجماع أو بغيره ، حيث قلنا بعدم جواز التكفين بالمذهّب أو ما لا يؤكل لحمه حينئذ ، وأمّا عند دوران الأمر بينهما فلا مقيّد للإطلاق ، ومقتضاه التخيير بين التكفين بهذا أو بذاك.
(1) دون ما إذا كان الحرير محضاً أو كان أكثر أو مساوياً للخليط ، ولا يقاس المقام بجواز الصلاة في الحرير الممتزج حتّى إذا كان الحرير أكثر وذلك لأنّ الدليل دلّ في باب الصلاة على المنع عن الصلاة في الحرير المحض (2)فإذا كان مخلوطاً بغيره ولو كان الحرير أكثر لم يكن حريراً محضاً فتجوز الصلاة فيه. اللّهمّ إلاّ أن يكون الحرير أكثر بمقدار يصير الخليط مستهلكاً في الحرير ، لقلّة الخليط ويصدق عليه الحرير المحض. وهذا بخلاف المقام لدلالة الرواية (3)على البأس فيما إذا لم يكن الخليط أكثر.
(2) الاحتياط لزومي ، وذلك لمعتبرة الحسن بن راشد الدالّة على جواز التكفين بالممتزج مع الحرير إذا كان غير الحرير أكثر (4).
[906] مسألة 7 : إذا تنجّس الكفن بنجاسة خارجة أو بالخروج من الميِّت وجب إزالتها (1) ولو بعد الوضع في القبر بغسل أو بقرض إذا لم يفسد الكفن وإذا لم يمكن وجب تبديله مع الإمكان (2).
[907] مسألة 8 : كفن الزوجة على زوجها (3)
(1) كما تقدّم تفصيله في بحث غسل الميِّت (1).
(2) قد تقدّم هذا أيضاً ، وزاد في المقام التقييد بما إذا لم يفسد القرض الكفن ، والوجه في هذا الاشتراط أنّ الكفن قد أُخذ في مفهومه الستر فلو فرضنا أنّ القرض بمقدارٍ يخرج الكفن عن كونه ساتراً ، فلا يصدق على الباقي الكفن ، لم تشمله الرواية الآمرة بالقرض ، ولا إطلاق في الرواية ليشمله ، إذ لا كفن حينئذ.
(3) والدليل عليه روايتان :
إحداهما : موثقة السكوني عن جعفر عن آبائه عليهمالسلام « إنّ أمير المؤمنين عليهالسلام قال : على الزوج كفن امرأته إذا ماتت » (2)وهي من حيث السند معتبرة لتوثيق الشيخ في عدّته للسكوني (3)فلا مانع من الاستدلال بها ، ودلالتها على المدّعى ظاهرة.
وما عن السيِّد في المدارك من توصيف الرواية بالضعف (4)لا يمكن المساعدة عليه لما عرفت من اعتبارها ، نعم هي موثقة وليست بصحيحة ، لأنّ السكوني أموي وغير إمامي إلاّ أنّه موثق.
ثانيتهما : ما رواه الصدوق بطريقه الصحيح عن ابن محبوب عن عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال : « ثمن الكفن من جميع المال. وقال : كفن المرأة على زوجها إذا ماتت » (1).
استدلّ بها صاحب المدارك على أن كفن الزوجة على زوجها.
وقد أورد عليه في الحدائق بأنّ التتمّة ليست من الرواية وإنّما هي من كلام الصدوق فتكون مرسلة كما هو دأب الصدوق ، إذ أنّه كثيراً ما يرسل الروايات عنهم عليهمالسلام فيقول : قال الصادق عليهالسلام أو قال الباقر عليهالسلام. وقد اشتبه الأمر على صاحب المدارك وحسبها من الرواية المسندة. ويؤيّده أنّ الكليني والشيخ رويا هذه الرواية من دون زيادة. ثمّ استشكل على جماعة كشيخنا البهائي وصاحب الوسائل وغيرهم حيث نقلوا الرواية عن الفقيه بالسند المذكور هكذا : « قال : كفن الزوجة على زوجها إذا ماتت » من دون نقل الجملة السابقة عليها ولكنّه في كتاب الوصيّة من الوسائل (2)نقل الرواية عن الصدوق مرسلة وهو من المناقضة في الكلام (3)فكأن نظره اختلف في البابين ، فبنى تارة على كونها مسندة وتارة على أنّها مرسلة إلاّ أنّه مناقضة ظاهرة ، لأنّها إن كانت مسندة فليست بمرسلة ، وإن كانت مرسلة فليست بمسندة. مع أنّه ليس للصدوق إلاّ رواية واحدة.
وذكر أنّهم تبعوا في ذلك صاحب المدارك الّذي اشتبه الأمر عليه ، فالرواية مرسلة ولا أقل من احتمال كون الزيادة من كلام الصدوق ومعه لا يمكن الاعتماد عليها (4)هذه خلاصة ما أورده في المقام.
والظاهر أن ما فهمه صاحب المدارك والوسائل وشيخنا البهائي (1)وغيرهم هو الصحيح ، لأنّ الزيادة لو لم تكن من الرواية الصحيحة وكانت مرسلة أُخرى لم يحتج إلى ذكر العاطف « وقال » بل كان يلزمه أن يقول « قال » من غير عاطف كما هو دأبه في كتابه حيث يقول : « قال الصادق عليهالسلام » أو « قال أبو الحسن عليهالسلام » وهكذا. فذكرها مع العاطف عقيب الجملة السابقة ظاهر في أنّه من الرواية الصحيحة كما فهمه الأعلام.
ولا ينافي ذلك نقل الكليني والشيخ (2)إيّاها من دون الزيادة ، إذ كثيراً ما تنقل الرواية عن بعض الرواة فاقدة لجملة وتروى عن آخر مشتملة على جملة زائدة ، ولا يدل هذا على أنّ الزيادة من كلام الصدوق وأنّها رواية مرسلة.
ومن المحتمل أن يكون الطريق الّذي وصلت الرواية به إلى الكليني والشيخ لم يصل إليه مع الجملة الزائدة. والّذي يسهل الخطب أنّ المستند لا ينحصر بهذه الرواية لاعتبار رواية السكوني عندنا وإن كانت هذه الرواية معتبرة أيضاً وقابلة للاستدلال بها كما ذكرنا.
تتميم : ذكرنا أن صاحب المدارك والوسائل وشيخنا البهائي وغيرهم ( قدس اللّه أسرارهم ) ذهبوا إلى أنّ الجملة الثانية من الرواية ، لكن ناقش فيه صاحب الحدائق وذكر أنّها رواية مستقلّة مرسلة واستظهره شيخنا الأنصاري (3)وكذا السيِّد البروجردي في جامع الروايات (4).
إلاّ أنّ الصحيح هو ما فهمه صاحبا المدارك والوسائل ، فانّا قد تتبّعنا كتاب من لا يحضره الفقيه فرأينا أن عادة مؤلفه جرت على ذكر الرواية الاولى من دون عاطف وذكر الرواية الثانية بعاطف ، مثلاً يقول : سأل سليمان بن خالد أبا عبد اللّه عليهالسلام ...
وبعد ذلك يقول : وقال الصادق عليهالسلام (1)، أو سأل أبو بصير أبا عبد اللّه عليهالسلام عن الرجل. وبعد ذلك يقول : وقال الصادق عليهالسلام (2)أو يقول : وسئل الصادق عليهالسلام عن المشوّهين ... ثمّ يقول : وقال الصادق عليهالسلام (3)وهكذا.
وعليه ففي المقام يحتمل أن يكون قوله : « وقال : كفن المرأة على زوجها إذا ماتت » معطوفاً على « قال : ثمن الكفن من جميع المال » فهما رواية واحدة ، كما يحتمل كونها معطوفة على أصل الرواية فتكون الرواية مستقلّة مرسلة ، فكلا الاحتمالين وارد في المقام ، إلاّ أن قرب قوله « وقال ... » من الجملة الأُولى ظاهر في أنّهما رواية واحدة كما فهمه صاحب المدارك وغيره.
بل قد جرت عادة الصدوق قدسسره في كتابه على عدم عطف الرواية المرسلة على المسندة كما في المقام حيث إنّه روى الرواية مسندة ثمّ قال « وقال : كفن المرأة » حيث لا يعهد مثل ذلك في كتابه ، بل هو أمر غير مناسب في نفسه ، فمن عطف « وقال » من غير إسناده إلى الإمام عليهالسلام على الجملة السابقة المسندة إلى الإمام عليهالسلام نستكشف أنّهما رواية واحدة.
ثمّ إنّ هذه الرواية وإن حكم بصحّتها صاحب المدارك قدسسره (4)إلاّ أنّ الحكم بالصحّة مورد للمناقشة (5)، وذلك لأنّ الرواية يرويها الصدوق بطريقه عن ابن محبوب ، وفي طريقه إليه محمّد بن موسى [ بن ] المتوكل وقد وثقه العلاّمة (6)وتبعه في ذلك من تبعه ، وحيث إنّ الفاصل بين العلاّمة والرواة طويل والزمان كثير فلا يمكننا الاعتماد على توثيقات العلاّمة قدسسره.
ولو مع يسارها (1)
نعم ، ذكر النوري (1)قدسسره أنّ الرجل أو الطريق متفق على وثاقته ، إلاّ أنّه اجتهاد ونظر منه ، ومعه لا يمكننا الاعتماد على الرواية بوجه (2).
(1) لإطلاق الروايتين ، ولا ينافي ذلك ما ورد في جملة من الروايات من أنّ الكفن يخرج من أصل المال مقدّماً على الدين والوصية والإرث نظراً إلى أنّه يدل على أن كفن الزوجة يخرج من أصل مالها إذا كان لها يسار (3).
والوجه في عدم المنافاة : أن ما دلّ على أن كفن الزوجة على زوجها أخص مطلقاً من تلك الطائفة ومعه لا بدّ من تخصيص خروج الكفن من أصل المال بغير الزوجة لأنّ كفنها على زوجها.
وهذا من غير فرق بين أن تكون الجملة الثانية في رواية الصدوق جزءاً من الرواية أم لم تكن ، لأنّ المدار إنّما هو على النسبة بين الطائفتين ، كانتا متصلتين أم منفصلتين.
على أنا لو أغمضنا النظر عن كون النسبة عموماً مطلقاً وفرضناهما متباينتين أيضاً يلزمنا تقديم ما دلّ على أنّ الكفن يخرج من المال (4)على تلكم الطائفة ، إذ لو عكسنا الأمر وعملنا بتلك الطائفة للزم حمل (5)الروايتين على أن كفن الزوجة على زوجها بما إذا لم يكن للزوجة مال ولو بمقدار الكفن ، وهذا نادر في نادر ، وإطلاق الكلام المطلق وإرادة الفرد النادر منه مستهجن جدّاً فلا يمكن حملهما على تلك الصورة النادرة.
1) خاتمة مستدرك الوسائل 4 (22) : 247.
2) وقد رجع عن ذلك ( دام ظلّه ) واستظهر في المعجم 18 : 299 أنّ محمّد بن موسى بن المتوكل ثقة يعتمد عليه فليلاحظ.
3) الوسائل 3 : 53 / أبواب التكفين ب 31 ، 19 : 328 331 / كتاب الوصايا ب 27 ، 28 وغيرها.
4) لعلّ الصحيح : حمل الروايتين الدالّتين على أنّ كفن الزّوجة على زوجها على ما إذا ....
5) الصحيح أن يُقال : الزوج بدل « المال ».
من غير فرق بين كونها كبيرة أو صغيرة (1) أو مجنونة أو عاقلة ، حرّة أو أمة (2) مدخولة أو غير مدخولة ، دائمة أو منقطعة ، مطيعة أو ناشزة (1)(3).
(1) الحكم في الصغيرة وغير المدخول بها ممّا لا شبهة فيه ، لعدم تقييد الروايتين (2)بالكبر أو بالدخول ، فاطلاقهما بالإضافة إلى الصغيرة وغير المدخول بها ممّا لا مناقشة فيه.
(2) لإطلاق الدليل أيضاً ، ولا ينافيه ما دلّ على أنّ المملوكة والابن لا يستحقان الزكاة ، لأنّهما عيال للمالك والوالد (3)كما يأتي (4)عند التكلّم في أن كفن المملوكة على مالكها ، وذلك لأن كون المملوكة عيالاً إنّما هو ما دام لم تتزوج ، وأمّا مع كونها زوجة للغير فهي عيال لزوجها لا لمالكها فتشملها إطلاق الروايتين.
(3) وذلك لإطلاق النص ، لا لأجل وجوب النفقة على الزوجة ليقال إنّ الناشزة والمنقطعة غير واجبتي النفقة ، بل إن ما دلّ (5)على وجوب إنفاق الزوج على زوجته من أن عليه أن يكسو عورتها ويقيم ظهرها في الدائمة والمطيعة ، قاصر الشمول لما بعد الحياة ، لاختصاصه بحال الحياة ، فإذا ماتت انقطعت الزوجية وسقط وجوب الإنفاق عليها. ومن هنا أي من أجل انقطاع الزوجية جاز أن يتزوّج بالخامسة أو بأُخت الزوجة المتوفّاة ، إذ لا تجب العدّة على الزوج وإنّما تجب على الزوجة إلاّ في مورد واحد حيث تجب فيه العدّة على الزوج للنص ، وهو ما إذا كانت الزوجة منقطعة فإنّه بعد انقضاء مدّتها أو هبتها لا يجوز له أن يتزوّج بأُختها حتّى تنقضي عدّتها ، هذا.
بل وكذا المطلقة الرجعية دون البائنة (1).
ولكن يمكن المناقشة في الحكم بوجوب كون كفن الناشزة أو المنقطعة على الزوج بما ورد فيهما من أنّ الناشزة والمنقطعة لا يجب على الزوج الإنفاق عليهما وليس لهما على الزوج شيء (1)فإنّه ليس بقاصر الشمول لما بعد الحياة.
ولو أغمضنا عن ذلك وفرضناهما متعارضين (2)فلا بدّ من الحكم بتساقطهما والرجوع إلى أصل البراءة أو إطلاق ما دلّ على أنّ الكفن يخرج من أصل المال فلا يجب على الزوج على كلا الحالين.
وتدل هذه الروايات أيضاً على أنّه لا يجب على الزوج الإنفاق على الناشزة والمنقطعة ، فكأنه لا حساب بينهما بوجه فلا يجب عليه كفنهما ، ولعلّ من توقف في المسألة أو جزم بعدم وجوب كفن الناشزة والمنقطعة على الزوج نظر إلى ما ذكرناه.
(1) استدلّ على ذلك بأنّ المطلّقة الرجعية زوجة ، وحيث إنّ التنزيل عام فيمكننا الحكم بترتيب جميع آثار الزوجية على المطلّقة الرجعية الّتي منها كون كفنها على زوجها. نعم ، المطلّقة بالطلاق البائن خارجة عن هذا الحكم ، لانقطاع العصمة بينهما كما في بعض الأخبار (3).
وفيه : أن كون المطلّقة الرجعية زوجة لم يثبت في شيء من الروايات صحيحها وسقيمها ، وإنّما هو من كلمات الفقهاء قدسسرهم وقد اعترف بذلك في الحدائق في كتاب النكاح وذكر أنّ الجملة لا رواية لها (4)فليراجع.
وكذا في الزّوج لا فرق بين الصغير والكبير والعاقل والمجنون فيعطي الولي من مال المولى عليه.
ومع ذلك فالحكم كما ذكروا ، وأن كفن المطلّقة الرجعية على زوجها ، والوجه فيه هو أنّ المطلّقة الرجعية زوجة حقيقة لا أنّها منزلة منزلتها ، فانّ الطلاق وإن أنشأه الزوج فعلاً إلاّ أنّه لا يترتب عليه الأثر عند الشارع إلاّ بعد انقضاء عدّتها ، كما أنّ الملكية الّتي ينشئها المتبايعان بالفعل في بيع الصرف والسلم لا يترتّب الأثر عليها شرعاً إلاّ بعد القبض والإقباض. وكذلك الحال في الهبة ، بناءً على ما هو المشهور الصحيح من توقف الملكية فيها على القبض. وكذا الحال في البيع الفضولي بناءً على أنّ الإجازة ناقلة. ورجوع الزوج في تلك المدّة رجوع عمّا أنشأه ، لا أنّه رجوع في الزوجية بمعنى أنّها زالت ثمّ عادت برجوعه.
والوجه في كونها زوجة حقيقة قوله عليهالسلام : « إذا انقضت عدّتها فقد بانت منه » (1)ويكون مفهومها : إذا لم تنقض عدّتها فإنّها لم تبن بعد منه. فهي في زمن العدّة زوجة حقيقة ، ومن ثمة لو جامعها زوجها بقصد الزِّنا وكونها أجنبية عنه كان هذا رجوعاً ومصداقاً للرجعة ولا يكون من الزِّنا ، ومعه يكون كفنها على زوجها لا محالة.
(1) استدلّ على ذلك بإطلاق معتبرة السكوني (2)أو بكلتي روايتيه (3)لعدم تقييدهما بما إذا كان الزوج كبيراً.
وفيه : أنّ الأخبار الواردة في رفع القلم عن الصبي حتّى يحتلم وعن المجنون حتّى يفيق (4)ظاهرة في أنّ المرفوع عن الصبي مطلق قلم التشريع والقانون ، وأنّه مرفوع
القلم من جميع الجهات الأعم من الوضع والتكليف ، لدلالتها على أن قلم القانون لم يجر في حقّه ، فدعوى اختصاصه بالتكليفيات بلا موجب وخلاف إطلاقها. ومقتضى تلك الأخبار أنّ الصبي لا تكليف في حقّه ولا وضع.
نعم ، خرجنا عن إطلاقها في بعض الموارد من جهة الدليل الخارجي كباب الضمان عند إتلاف الصبي مال الغير حيث حكمنا بضمان الصبي ، للعلم بأن مال المسلم لا يذهب هدراً ، ولإطلاق ما دلّ على أن من أتلف مال غيره فهو له ضامن (1).
وكذا حال الجنابة الّتي موضوعها دخول الحشفة أو نزول المني ، فإذا تحقق دخول الحشفة في الصبي تحققت الجنابة في حقّه واطئاً كان أم موطوءاً ، ووجب عليه الاغتسال بعد بلوغه.
وكذا حال النائم الّذي يحتلم في منامه فإنّه لا يكلّف بغسل الجنابة إلاّ إذا استيقظ.
وعلى الجملة : لا فرق في هذه الموارد بين الصبي وغيره ، وأمّا في غيرها فمقتضى أخبار الرفع المذكورة عدم كون الصبي مشمولاً لشيء من القوانين التكليفية أو الوضعية. وعليه فما ورد في المعتبرة من أن كفن المرأة على زوجها إذا ماتت (2)وإن كان ظاهره الوضع ، لما بيّناه من أنّ المتعلق للفظة على قد يكون من الأفعال كقولك : من فعل كذا فعليه أن يعيد صلاته ، وظاهره التكليف. وقد يكون المتعلّق من غير الأفعال أي من الجوامد كقوله : على اليد ما أخذت أي المال المأخوذ ، وحيث لا يمكن التعلّق في الجوامد فيقدّر مثل كائن أو ثابت ، أي المال المأخوذ ثابت على اليد ، وظاهره الوضع.
والمقام من هذا القبيل لقوله في المعتبرة « على الزوج كفن امرأته » أي ثابت عليه وتقدير إعطاؤه أو إخراجه عليه خلاف الظاهر لا يمكن المصير إليه ، إلاّ أن مقتضى إطلاق الخبر المتقدِّم أنّ الصبي لا تكليف في حقّه ولا وضع فلا يكون إطلاق معتبرة السكوني شاملاً له ، هذا.
ثمّ لو سلمنا اختصاص خبر الرفع برفع التكليف فقط فيشمل النص المعتبر « على الزوج كفن امرأته » الصبي بحسب إطلاقه ، فنقول : ما فائدة هذا الإطلاق والشمول فإنّ الصبي ما دام لم يبلغ لا تتوجّه إليه التكاليف بوجه ومنها تكليفه بإخراج الكفن لزوجته الّتي ماتت.
وقد يدعى كما في المتن أنّ الولي هو الّذي يخرج الكفن من مال الصبي كما هو الحال في سائر ديونه وضماناته ، فإنّه لا يكلف الصبي بإخراجها ما دام صبياً ، بل وليه الّذي يؤدّي ديونه وضماناته ويخرج ذمّة الصبي منها.
لكن التحقيق أنّ الولي غير مكلّف أيضاً ، وذلك لأنّه لا يقاس المقام بسائر الديون والضمانات الّتي هي ثابتة على ذمّة الصبي إلى الأبد ولا تفرغ ذمّته إلاّ بأدائها ، فلا محذور في تصدي الولي بإفراغ ذمّته قبل البلوغ ، إذ أنّ فيه مصلحة الإفراغ ، ولا أقل من أنّه ليست فيه مفسدة بعد لزوم إخراج الدّين من مال الصبي شرعاً فلا ضرر عليه.
وأمّا في المقام فليس للولي إخراج الكفن لزوجة الصبي لأنّه ضرر على الصبي وليس ثبوت الكفن على الزوج يعني كونه ديناً للزوجة عليه بحيث لو لم يكفنها وصل الكفن إلى ورثة الزوجة ، بل هو تكليف مالي خاص بمعنى أنّه يجب عليه إخراج هذا المقدار من ماله ليصرف في كفن زوجته وحسب ، بحيث لو انتفى موضوع الكفن سقط عن ذمّة الزوج ، كما لو بذله شخص آخر أو عصى الزوج فدفنها عارية فتلاشت أجزاؤها ، فإنّه يسقط الأمر بالتكفين حينئذ.
فالأمر بإخراج الزوج الكفن تكليف مالي مؤقت يسقط بعد ذلك ولا يبقى إلى الأبد كما في بقية الديون ، فأية مصلحة في تصدي الولي لإخراج الكفن من مال الصغير بل فيه الضرر والمفسدة ، لأنّه لو لم يخرجه لسقط عن الصبي بعد مدّة قليلة. إذن لا فائدة في جعل الحكم شاملاً للزوج الصغير ، ومع عدم الفائدة يكون جعله على نحو الإطلاق الشامل للصبي لغواً لا أثر له.
[908] مسألة 9 : يشترط في كون كفن الزوجة على الزوج أُمور :
أحدها : يساره (1)بأن يكون له ما يفي به أو ببعضه زائداً عن مستثنيات الدين ، وإلاّ فهو أو البعض الباقي في مالها (1).
(1) دليلهم على هذا الشرط ما دلّ على أنّ المعسر ينظر إلى ميسرة (2)وأنّ الدار والخادم وأمثالهما مستثنيات من الدين (3).
وفيه : ما أشرنا إليه آنفاً من أن كون الكفن على الزوج ليس من قبيل الديون ، وإنّما هو تكليف فعلي فوري يسقط بعد مدّة ، ولا معنى في مثله للقول بوجوب إنظاره ومطالبته بالكفن بعد سنة مثلاً.
وما دلّ على إنظار المعسر واستثناء الدار والخادم ظاهر الاختصاص بالديون المستمرّة في الذمّة إلى أن تؤدى ، وظاهر الدلالة على عدم جواز مطالبته بالدين إلى زمان التمكّن واليسار ولا يباع لأجلها الدار والخادم وأمثالهما.
وهذا لا يأتي في المقام كذلك. إذن فإطلاق قوله « على الزوج كفن امرأته إذا ماتت » هو المحكّم بلا فرق بين يسار الزوج وإعساره ، فإذا لم يكن موسراً بالمعنى الّذي ذكره الماتن قدسسره وجب أن يستقرض أو يبيع خادمه أو داره أو غيرهما ممّا يملكه امتثالاً لهذا التكليف الفوري.
اللّهمّ إلاّ أن يكون بيعه للخادم أو الدار حرجاً في حقّه أي لا يمكن التعيش من دون خادم إلاّ بالمشقة والحرج فينتفي وجوب بيعه بدليل نفي الحرج ، وإلاّ فيجب بيعه وتحصيل الكفن بمقتضى إطلاق المعتبرة ولو كان عسراً غير حرجي.
الثاني : عدم تقارن موتهما (1).
الثالث : عدم محجوريّة الزّوج قبل موتها بسبب الفلس (2).
الرابع : أن لا يتعلّق به حق الغير من رهن أو غيره.
الخامس : عدم تعيينها الكفن بالوصية (3).
[909] مسألة 10 : كفن المحلّلة على سيِّدها لا المحلّل له (4).
(1) لأنّ المعتبرة فرضت زوجاً بعد المرأة ودلّت على أن كفنها على زوجها ، فمع عدم بقاء الزوج بعدها وموته مقارناً لموتها لا موضوع للرواية بوجه ، بمعنى أنّها دلّت على وجود زوج مفروض الوجود ، ومع موته لا زوج ليكون الكفن ثابتاً عليه.
(2) اشتراط عدم الحجر على الزوج بفلس أو رهن متفرع على اشتراط اليسار في الزوج وقد عرفت المنع فيه ، ومعه إذا كان الزوج محجوراً بفلس أو رهن وجب أن يستقرض ويحصّل به الكفن لزوجته.
(3) الظاهر أن مراده هو ما إذا عمل بوصيتها وكفنت بما أوصت به ، ومن الظاهر عدم كون الكفن على الزوج حينئذ ، لأنّه نظير ما إذا تبرّع متبرّع بكفنها ، ولا إشكال في سقوط الكفن بذلك عن الزوج ، فانّ الكفن إنّما يكون على الزوج فيما إذا كانت عارية غير مكفنة ، وأمّا مع التكفين فلا معنى لكون الكفن عليه ، لا أن مراده سقوط الكفن عن الزوج بمجرّد الوصية وإن لم يعمل بها في الخارج ، لوضوح أن مجرّد الوصية لا يسقط لزوم الكفن عليه.
(4) هذا ينحل إلى قضيتين : إيجابية وسلبية.
أمّا الإيجابية فهي كون الكفن للمحلّلة على سيِّدها وسيأتي الكلام عليه عن قريب.
وأمّا السلبية فهي عدم كون كفنها على المحلل له ، وذلك لوضوح أنّ المحلل له ليس
[910] مسألة 11 : إذا مات الزّوج بعد الزّوجة وكان له ما يساوي كفن أحدهما قدّم عليها (1) حتّى لو كان وضع عليها فينزع منها (2).
بزوج وإنّما التحليل من فروع ملك اليمين ، لأنّ الحلية به أي كما ثبت الحل في حق المالك كذلك ثبت لمن حللها له فهو ليس بمالك ولا زوج فلا يكون كفنها عليه.
(1) لما مرّ من أنّ الكفن يخرج من أصل التركة مقدّماً على باقي الحقوق والديون والوصايا والإرث ، وهذا فيما إذا لم يكن للزوج مال يفي بكفنها وكفنه معاً ، وإلاّ فتكفن هي ويكفن هو.
(2) أي فيما إذا ماتت الزوجة وكفنت بكفن الزوج فمات الزوج قبل دفن الزوجة ولم يكن له كفن آخر.
والوجه في جواز نزعه عنها أو وجوبه : أنّ الكفن لا يخرج من ملك الزوج بتكفينها بل هو باق في ملكه ، وإنّما ثبت عليه طبيعي الكفن ولم يثبت عليه الفرد وشخص الكفن.
ولا يقاس هذا بباب الديون المتعلّقة بالذمم حيث يتشخّص في الفرد المدفوع للدائن ، لأنّ التعيين والتشخيص إنّما يتحقق برضا الطرفين وكأنّه عقد جديد. وأمّا في المقام فلا موجب للتعيين ، بل الفرد باق على ملك الزوج.
والّذي يدل على ذلك أمران :
أحدهما : أن للزوج حق تبديل الكفن بعد تكفين زوجته به ، فلو كان ما كفّنها به ملكاً لها لم يجز للزوج تعويضه بوجه.
وثانيهما : أنّ الزوجة المتوفاة لو ذهب بها السيل بعد تكفينها وبقي كفنها أو أكلها السبع وبقي كفنها لا إشكال في رجوع الكفن إلى الزوج ولا ينتقل إلى ورثتها كما
سيتعرّض له الماتن عن قريب ولا وجه لذلك إلاّ كون الكفن باقياً على ملك الزوج ولمّا لم يكن للزوج كفن فينزع عنها ويكفن به الزوج ، فما أفاده الماتن قدسسره على طبق القاعدة.
على أنّ لنا مناقشة أُخرى في المقام وهي : أنّ الرواية الدالّة على أن كفن المرأة على زوجها ليست مشكّلة أي معربة فيحتمل أن تكون الرواية دالّة على أنّ التكفين على الزوج لا الكفن ، بأن تقرأ « الكفن » بسكون الفاء الّذي هو بمعنى التكفين ، لا الكفن بفتح الفاء الّذي هو اسم لما يلبس به الميِّت. وعليه فتدل الرواية على الحكم التكليفي وأنّ التكفين واجب على الزوج ، من دون أن تدل على الوضع وكون الكفن على ذمّة الزوج بأن يكون ملكاً أو متعلّقاً لحق الزوجة ، هذا.
وقد يقال : إن صدر رواية الفقيه « ثمن الكفن من جميع المال » (1)قرينة على أنّ المراد بالكفن في الجملة الثانية مفتوح الفاء لا ساكنها ، لأنّه في الجملة الأُولى مفتوح الفاء إذ لا يحتمل فيه السكون فإنّه لا ثمن للكفن بالسكون أي التكفين ، وإنّما الثمن للكفن بالفتح.
ويندفع بأن هاتين الجملتين لم تردا في رواية واحدة لتحتمل قرينية الاولى للثانية وإنّما هما روايتان نقلهما عبد اللّه بن سنان بطريق واحد وقد صدرت إحداهما في زمان والأُخرى في زمان آخر ، وإنّما الراوي جمعهما في النقل فهو من الجمع في الرواية لا المروي. وكان هذا كثيراً قبل تبويب الأحاديث ، فإنّ الراوي ينقل حكماً من باب الصلاة وآخر من باب الصوم وثالثاً لباب ثالث بقوله : وقال ... وقال ... وإنّما قطعت للتبويب.
وأُخرى يقال : إن وصول الروايات إلى الصدوق كان بالقراءة لا بالكتابة ، والقراءة كانت واحدة لا معنى للتردّد فيها.
1) الوسائل 3 : 53 / أبواب التكفين ب 31 ح 1. الفقيه 4 : 143 / 490.
وفيه : أنّا لو سلمنا أن رواية الصدوق لتلك الأخبار بأجمعها كانت على نحو القراءة فلا إشكال في أنّ الرواية وصلت منه إلينا بالكتابة لا مردّدة بين احتمالي القراءة والكتابة.
وثالثاً يقال : إن أمر اللفظ إذا دار بين أن يكون اسم عين أو مصدر يتعيّن كونه اسم عين. وأجاب عنه ( دام ظلّه ) بأنّه من المضحكات فإنّه لم يقم عليه أيّ برهان (1)هذا.
ثمّ ذكر ( دام ظلّه ) : أنّا تتبّعنا الأخبار لنرى أنّ الكفن بالسكون هل هو مستعمل فيها أو لم يستعمل إلاّ بالفتح ، ورأينا أن ما يحتمل فيه الوجهان أي يمكن قراءته بالفتح كما يصح بالسكون كثير.
وقد استعمل اللفظ في خصوص الكفن بالسكون بمعنى التكفين في جملة من الأخبار ، منها : ما ورد في الوسائل في الباب الأوّل من أبواب الأغسال من قوله عليهالسلام « فإنّه أمرني بغسله وكفنه ودفنه وذا سنة » (2)وما ورد في الباب الثاني عشر من تلك الأبواب من قوله : قال : « سألته عن السقط إذا استوت خلقته يجب عليه الغسل واللّحد والكفن؟ قال : نعم » (3)وما ورد في وصيّة النبيّ صلىاللّهعليهوآلهوسلم لعليّ عليهالسلام من قوله : « إذا أنا مت فاستق لي ستّ قرب من ماء بئر غرس فاغسلني وكفني وحنطني فإذا فرغت من غسلي وكفني وتحنيطي فخذ بمجامع كفني وأجلسني » (4). فإنّه في تلك الموارد مستعمل بالسكون إذ لا معنى لقراءته بالفتح.
إذن ففي المقام يحتمل القراءة على وجهين ، فإذا قرئت بالفتح يكون الثابت على ذمّة الزوج عين الكفن ، وإذا قرئت بالسكون يكون الواجب هو التكفين وتحصيل الكفن يكون مقدمة للامتثال ، وبه تصير الرواية مجملة فلا يمكن الحكم بإخراجه من مال الزوج الصغير إذا ماتت زوجته تمسُّكاً بالإطلاق. ومعه إذا مات ولم يكن له كفن لا إشكال في لزوم نزعه عنها وتكفين الزوج به لأنّه ملكه.
إلاّ إذا كان بعد الدفن (1).
[911] مسألة 12 : إذا تبرّع بكفنها متبرّع سقط عن الزّوج (2).
[912] مسألة 13 : كفن غير الزّوجة من أقارب الشخص ليس عليه وإن كان ممّن يجب نفقته عليه بل في مال الميِّت وإن لم يكن له مال يدفن عارياً (1)(3).
وبهذا يتّضح عدم كون الصبي أو المجنون مشمولاً للرواية لرفع القلم عنهما وعدم تكليفهما.
بل على هذا لو ماتت الزوجة ثمّ مات الزوج قبل تكفينها لم يجب تكفينها من ماله وإن كان موسراً ، لسقوط التكليف عنه بموته.
نعم ، لو قرأناه بفتح الفاء كانت الرواية ظاهرة في الوضع ، لأنّ المتعلّق للجار ليس من قبيل الأفعال ، كما أن كلمة « على » ظاهرة في كون المال على ذمّة المتصرّف في قوله « على اليد ما أخذت » وكذلك الحال في المقام.
(1) إمّا لعدم جواز النبش إلاّ في موارد مستثناة وليس منها المقام ، وإمّا لأنّ قوله عليهالسلام « على الزوج كفن امرأته إذا ماتت » يقتضي تكفينها وبعد تحققه وحصول الامتثال يحتاج إرجاع الكفن إلى الزوج إلى دليل.
(2) لأنّ اللاّزم هو تكفينها ، وهذا يتحقق إذا كانت عارية غير مكفنة ، وأمّا إذا كفنت فيسقط عن الزوج التكفين لا محالة ، إذ لا موضوع له.
(3) وعن العلاّمة قدسسره وجوبه على من تجب نفقته عليه (2)ولم يستبعده المحقق الهمداني قدسسره نظراً إلى الاستصحاب حيث قال : فلا مانع من الالتزام
بالوجوب فيهم في سائر واجبي النفقة بمقتضى الاستصحاب ، بتقريب أنّ الميِّت كانت نفقته واجبة عليه قبل الممات والآن كما كان للأصل (1).
وفيه أوّلاً : أنّه من الاستصحاب في الشبهات الحكمية ولا نقول به.
وثانياً : أن ما دلّ على وجوب النفقة يختص بحال الحياة ولا يشمل لوازمه بعد الممات ، فان ظاهر النفقة هو ما يحتاج إليه الإنسان في حياته من المأكل والملبس والمسكن فلا تشمل المئونة اللاّزمة بعد الموت فلا موضوع حتّى يستصحب حكمه لما بعد الممات.
وعليه لا دليل على وجوب الكفن على الرجل في غير الزوجة وإن كان ممّن تجب نفقته عليه.
بل مقتضى ما دلّ على أنّ الكفن يخرج من أصل التركة (2)أن كفن كل أحد يخرج من مال نفسه هذا.
لكن لا يبعد القول بوجوبه عليه إذا كان الميِّت ممّن تجب نفقته عليه ولم يكن له مال ، وذلك لأن صحيحة عبد الرّحمن الواردة في المنع عن إعطاء الزكاة إلى الزوجة والأبوين والولد والمملوكة ونحوهم معلّلاً بأنّهم عياله ويلازمونه (3)مطلقة تشمل المصارف اللاّزمة لهم في حال الحياة وبعده ، لأنّه معنى كونهم عيالاً له أي معول عليهم وكون مصارفهم عليه ، ولا سيما بملاحظة قوله « لازمون له » أي لا ينفكون عنه فإنّه يشمل ما بعد الحياة كما يشمل حال الحياة ، فلو احتاجوا إلى نفقة بعد الموت وجب عليه القيام بها ، وهذا لو لم يكن أقوى فلا أقل من كونه أحوط.
ومعه لا مجال لقوله في المتن : وإن لم يكن له مال يدفن عارياً ، لأنّه خلاف الاحتياط لو لم يكن خلاف النص.
[913] مسألة 14 : لا يخرج الكفن عن ملك الزّوج بتكفين المرأة فلو أكلها السبع أو ذهب بها السيل وبقي الكفن رجع إليه ولو كان بعد دفنها (1).
[914] مسألة 15 : إذا كان الزّوج معسراً كان كفنها في تركتها (2) فلو أيسر بعد ذلك ليس للورثة مطالبة قيمته (3).
(1) أمّا بناءً على قراءة الكفن بسكون الفاء ، فلأنّ الواجب على الزوج هو التكفين وحسب من دون أن يكون عين الكفن ملكاً للزوجة ، وأمّا بناءً على قراءته بالفتح فلما قدّمناه من أنّه وإن كان ظاهراً في الوضع إلاّ أن غاية ما يستفاد منه أن ملك الزوجة هو طبيعي الكفن لا الفرد منه ، وتعيين الزوج للكفن الّذي يدفعه لتكفينها به لا يوجب التشخيص وصيرورة الكفن الخارجي ملكاً لها ، فالكفن باقٍ على ملك الزوج ، فإذا أكل السبع جسد الزوجة أو ذهب السيل به فيرجع الكفن إلى مالكه لا محالة ، إذ لا موضوع ليلزم تكفينه أو إعطاؤه الكفن.
(2) هذا على مسلكه قدسسره صحيح ، وكذلك إذا كان حرجياً على الزوج وإلاّ فيجب تحصيل الكفن على الزوج لزوجته على ما سبق بيانه مفصّلاً.
(3) ذكر بعضهم في وجهه أنّ الكفن لو سلمنا كونه ملكاً للزوجة لا ينتقل إلى الورثة ، لأن ما دلّ على أنّ الميِّت إن ترك خيراً ينتقل إلى ورثته والأقربين ، مختص بما إذا كان المال ملكاً للميت في حال الحياة ، وأمّا ما يصل إليه بعد الموت فلا دليل على انتقاله إلى الورثة ، إذ لا يصدق عليه ترك خيراً. وأمّا انتقال الدية إلى الورثة فقد ثبت بالنص الخاص وإلاّ فمقتضى القاعدة عدم الانتقال لما ذكرنا.
وفيه : أنّ الانتقال إلى الورثة لا يختص بالأموال الّتي ملكها الميِّت في حياته ، بل يعمها والأموال المنتقلة إليه بعد موته كالدية وغيرها.
والوجه في ذلك : أن مثله وإن لم يصدق عليه ما تركه الميِّت إلاّ أنّ التعليل الوارد في ذيل النص الدال على انتقال الدية إلى ورثة الميِّت يدلّنا على أن مطلق مال الميِّت ينتقل إلى ورثته ، حيث علل بأنّ الدية مال الميِّت فهي لورثته. والنص موثقة إسحاق ابن عمار عن جعفر أنّ رسول اللّه صلىاللّهعليهوآلهوسلم قال : « إذا قبلت دية العمد فصارت مالاً فهي ميراث كسائر الأموال » (1)فان قوله صلىاللّهعليهوآلهوسلم « فصارت مالاً فهي ميراث ... » صغرى وكبرى ، وهذا يدل على أن كلّ ما يصل إلى الميِّت يكون كسائر أمواله ويكون ميراثاً ، هذا.
على أن قوله تعالى ( وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللّهِ ) (2)يدل على ذلك مع قطع النظر عن التعليل ، وذلك لأنّ الدية مال للميت وهذا لا إشكال فيه وحينئذ فماذا يصنع به ، فانّ الميِّت لا يمكنه التصرّف فيه ، فلا بدّ إمّا أن يعطى للأجنبي وإمّا أن يعطى للورثة أو يبقى معطلاً. لا وجه للأخير ، ومقتضى قوله تعالى ( وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ ) أنّه لا بدّ من إعطائه للورثة لا إلى الأجنبي.
فالصحيح في وجه ما ذكره الماتن قدسسره أن يقال : إنّه بناءً على قراءة الكفن بالسكون لا شبهة في أنّه لا موجب لكون الكفن مالاً للزوجة حتّى ينتقل إلى ورثتها ويطالبون الزوج بالكفن في مفروض المسألة.
وأمّا بناءً على قراءة الكفن بالفتح ، فلأن ما يلزم على الزوج هو إعطاء الكفن بما هو كفن للزوجة لا ذات الكفن ، فمع تكفين الزوجة من مالها أو من مال شخص آخر أو دفنها عارية أو ذهاب السيل بها أو غير ذلك لا يلزمه شيء أي المال المصروف في الكفن لأنّها قد كفنت ولا معنى للكفن بعد الكفن فقد انعدم الموضوع ، ولم تشتغل
[915] مسألة 16 : إذا كفّنها الزّوج فسرقه سارق وجب عليه مرّة أُخرى (1) بل وكذا إذا كان بعد الدفن على الأحوط.
ذمّة الزوج بأصل المال ليطالب به حينئذ ، وإنّما كان يلزمه إعطاء الكفن بعنوان كونه كفناً وهو غير متحقق في المقام.
(1) لأنّ الواجب على الزوج هو كفن الزوجة حدوثاً وبقاءً ولا يكفي الحدوث فقط ، لأنّه بعد ما سرق كفنها هي زوجة ، وعلى زوجها كفنها ، أو يجب عليه أن يكفنها ، وهذا ممّا لا إشكال فيه.
وإنّما الكلام فيما إذا سرق كفنها بعد الدفن فهل يجب على زوجها أن يكفنها ثانياً أو لا يلزمه ذلك على قرائتي الفتح والسكون؟
قد يقال بوجوبه للاستصحاب ، لأنّها كانت واجبة الكفن قبل أن تدفن والأصل أن تكون الآن كما كانت.
وفيه أوّلاً : أنّه من الاستصحاب في الشبهات الحكمية ولا نقول به.
وثانياً : أنّ المأمور به وضعاً أو تكليفاً على الخلاف إنّما هو الكفن قبل الدفن وقد امتثل الزوج وسقط الأمر لأنّها قد كفنها الزوج ودفنت ، وأمّا الكفن بعد الدفن فهو مشكوك الوجوب أو الثبوت من الابتداء فلا حالة سابقة كي تستصحب. اللّهمّ إلاّ على نحو التعليق بأن يقال : إنّ الزوجة المدفونة على الفرض لو كان سرق كفنها قبل دفنها لوجب على زوجها أو ثبت عليه كفنها ، والأصل يقتضي أنّها بعد الدفن كذلك والاستصحاب التعليقي لا حجية فيه ، نعم هو أحوط.
ولا ينافيه حرمة النبش لأجل تكفينها ، وذلك لأن حرمته إنّما ثبتت بالإجماع مراعاة لاحترام الميِّت وعدم هتكه بالنبش ، ومن الظاهر أنّ النبش للتكفين نوع احترام للميت وليس هتكاً بوجه فلا يشمل الوجه لمثله.
[916] مسألة 17 : ما عدا الكفن من مؤن تجهيز الزوجة ليس على الزوج على الأقوى (1)وإن كان أحوط (1).
(1) إذا كان للزوجة مال يفي بسائر المؤن لتجهيزها فالأمر كما أفاده قدسسره لأن مقتضى معتبرة السكوني وزرارة الآتيتين (2)الدالّتين على خروج الكفن من أصل المال مقدّماً على ديونه ووصاياه وورثته ، أنّ كفن كل أحد وسائر مؤن تجهيزه على ماله. وسنبين أن ذكر الكفن فيهما من باب المثال ، فكون الكفن أو غيره من المؤن من مال شخص آخر خلاف القاعدة.
إلاّ أنّا خرجنا عن ذلك في خصوص الكفن لمعتبرة السكوني والصدوق المتقدِّمتين (3)وغير الكفن لم يقم دليل على لزومه على الزوج. وحمل الكفن فيهما على المثال يحتاج إلى دليل ، لأن معنى الكفن ظاهر ولا يطلق على سائر المؤن ولا دليل عليه ، بخلاف الكفن في المعتبرتين الآتيتين لزرارة والسكوني لوجود القرينة فيهما على حمل الكفن على المثال.
وأمّا إذا لم يكن للزوجة مال يفي بتجهيزها فلا يبعد الحكم بوجوب سائر مؤن التجهيز على الزوج ، لصحيحة عبد الرّحمن المتقدِّمة (4)الدالّة على أنّ الزوجة والأُم والأب والابن والمملوك لا يعطى لهم الزكاة ، لأنّهم عيال الرجل ويلازمونه. فان معنى العيال وكونهم لازمين له ، أنّهم لازمون له في مؤنهم ومصارفهم ، وأن معونتهم على ذمّته وهو متعهّد بها ، كما هو معنى كون شخص عيالاً لآخر ، تقول : عال أهله أي :
[917] مسألة 18 : كفن المملوك على سيِّده (1) وكذا سائر مؤن تجهيزه إلاّ إذا كانت مملوكة مزوّجة فعلى زوجها كما مرّ. ولا فرق بين أقسام المملوك (2) وفي المبعّض يبعّض (3) وفي المشترك يشترك (4).
قام بمعيشتهم ومصارفهم ، وكونهم لازمين له لا يختص بحال الحياة فيجب عليه القيام بجميع مؤن تجهيز الزوجة إذا لم يكن لها مال يفي بذلك.
(1) وهذا لا لأجل الإجماع ، ولا لأن منافعه ملك لسيِّده ومعه يستقل العقل بكون مؤن تجهيزه على السيِّد كما ذكره المحقق الهمداني قدسسره (1)وذلك لعدم الملازمة بين كون منافعه لسيِّده وبين وجوب تجهيزه على السيِّد ، بل إذا مات يكون حكمه حكم باقي الأموات وغير واجب التجهيز على السيِّد. على أن هذا ليست له كلية ، إذ قد ينتقل العبد إلى السيِّد مسلوب المنفعة فلا تكون منافعه راجعة إلى السيِّد مع وجوب تجهيزه على سيِّده.
بل للصحيحة المتقدِّمة (2)الدالّة على أنّ المملوك عيال ولازم له بالتقريب المتقدِّم بلا فرق بين أن يكون للعبد مال وافٍ بالتجهيز أو لم يكن ، لأنّه إذا كان له مال ينتقل بعد موته إلى مولاه ، فأمواله ومنافعه راجعتان إليه بالأخرة.
(2) للإطلاق.
(3) لأنّه عيال لسيِّده في المقدار غير المحرر منه ، فيكون تجهيزه عليه بنسبة المقدار الّذي لم يتحرّر منه.
(4) لأنّه عيال للشريكين ولازم لهما لا لأحدهما ، فيكون مؤن تجهيزه عليهما.
[918] مسألة 19 : القدر الواجب من الكفن يؤخذ من أصل التركة في غير الزّوجة والمملوك مقدّماً على الديون والوصايا. وكذا القدر الواجب من سائر المؤن من السدر والكافور وماء الغسل وقيمة الأرض ، بل وما يؤخذ من الدفن في الأرض المباحة وأُجرة الحمال والحفّار ونحوها في صورة الحاجة إلى المال (1).
(1) أمّا بالإضافة إلى الكفن فلا ينبغي الإشكال فيما أفاده ، لرواية السكوني الدالّة على أنّ الكفن أوّل شيء يبدأ به من أصل التركة مقدّماً على الدّين والوصيّة والميراث (1). ورواية زرارة الدالّة على أن ثمن الكفن يؤخذ من أصل التركة مقدّماً على الدّين (2). وأمّا الوصية والإرث فتأخرهما معلوم من الخارج.
وفي سند رواية زرارة معاذ على طريق الكليني وقد وقع الكلام في ضعفه ووثاقته ولكن الظاهر وثاقته إذ وثّقه الشيخ المفيد قدسسره في الإرشاد (3). على أنّها على طريق الشيخ والصدوق مروية عن علي بن رئاب عن زرارة من دون توسط معاذ ، ومعه لا شبهة في اعتبار الرواية وإن لم نبن على وثاقة معاذ (4).
وأمّا بالإضافة إلى سائر المؤن فالكلام يقع في مدرك ذلك حيث لم يرد فيه نص.
والظاهر أنّ المسألة متسالم عليها بينهم وأنّها إنّما تخرج من أصل التركة مقدّمة على الديون والوصايا والميراث.
1) الوسائل 19 : 329 / كتاب الوصايا ب 28 ح 1.
2) الوسائل 19 : 328 / كتاب الوصايا ب 27 ح 2.
3) الإرشاد 2 : 216 / في النصّ على إمامة موسى بن جعفر عليهالسلام.
4) الظاهر زيادة كلمة عن معاذ في الكافي 7 : 23 / 2 كما أنّه غير موجود في الوافي 24 : 155 فإنّه لم تثبت رواية علي بن رئاب عنه وروايته عن زرارة في شيء من الروايات.
مضافاً إلى السيرة الجارية عليه ، حيث إن من البعيد بل لا نستعهد شخصاً مات ولم يخلف ديوناً في ذمّته ، ومعه لم ير التوقف في تجهيزه نظراً إلى أنّه مديون لا يمكن إخراج مئونة تجهيزه من ماله ، بل نراهم يقدمون على تجهيزه ودفنه من دون توقف على ذلك.
ويدلُّ عليه : مضافاً إلى التسالم والسيرة : الأخبار الآمرة بالغسل والكفن والتحنيط والتجهيز والدفن ، لورودها في مقام البيان وقد سكتت عن بيان مورد تلك المؤن وأنّها من مال الميِّت أو من أموال المسلمين ، وحيث لا يحتمل أن تكون المئونة في أموال المسلمين ، لما يأتي من عدم وجوب بذل الكفن أو غيره من لوازم تجهيز الميِّت على المسلمين وإنّما الواجب عليهم هو العمل لا بذل المال وإن كان بذل الكفن أمراً مستحبّاً ، يتعيّن أن يكون من مال نفسه إذا كان له مال.
وهذا يستفاد أيضاً من سكوت الأخبار البيانية ، وبهذه القرينة لا بدّ من حمل الكفن الوارد في المعتبرتين على المثال.
وظني أنّهم عليهمالسلام إنّما اقتصروا على ذكر الكفن من جهة عدم توقف تجهيز الميِّت في عصورهم عليهمالسلام على المال سوى الكفن. فانّ الماء كان مباحاً لا يبذل بإزائه المال ولا سيما في القرى والبوادي ، وكذا الأراضي كانت مباحة لا يؤخذ عليها المال ، وأمّا السدر والكافور فقليل ، ولم يبق إلاّ الكفن فقد كان يؤخذ عليه مال معتد به ، ولذا خصّوه عليهمالسلام بالذكر ، وإلاّ فالكفن وغيره من المؤن تخرج من أصل التركة.
وتدلّ عليه موثقة الفضل قال : « سألت أبا الحسن موسى عليهالسلام فقلت له : ما ترى في رجل من أصحابنا يموت ولم يترك ما يكفن به أشتري له كفنه من الزكاة؟ فقال : أعط عياله من الزكاة قدر ما يجهزونه فيكونون هم الّذين يجهزونه. قلت : فان لم يكن له ولد ولا أحد يقوم بأمره فأُجهزه أنا من الزكاة؟ قال : كان أبي يقول : إنّ حرمة بدن المؤمن ميتاً كحرمته حيّاً ، فوار بدنه وعورته وجهّزه وكفّنه وحنّطه
وأمّا الزائد عن القدر الواجب في جميع ذلك فموقوف على إجازة الكبار من الورثة في حصّتهم ، إلاّ مع وصيّة الميِّت بالزائد مع خروجه من الثلث ، أو وصيّته بالثلث من دون تعيين المصرف كلاًّ أو بعضاً فيجوز صرفه في الزائد من القدر الواجب (1).
واحتسب بذلك من الزكاة وشيع جنازته » (1)حيث دلّت على وجوب تجهيز الميِّت من الكفن وغيره من الزكاة إذا لم يكن له مال.
والسؤال وإن كان عن خصوص الكفن ، لكن جوابه عليهالسلام صريح في الأعم من الكفن وما سواه من لوازم التجهيز. ومن الظاهر أنّ المؤن اللاّزمة في التجهيز لو كانت لا تخرج من مال الميِّت من الابتداء ، فلا بدّ من أن تصرف من الزكاة ، مع أنّ الصحيحة مصرحة بأنّه إنّما يصرف له من الزكاة إذا لم يكن للميت مال ، وأمّا إذا كان له مال فلا مناص من إخراجه من أصل ماله.
فالإنصاف أنّه لا إشكال في أنّ الكفن وغيره من لوازم التجهيز لا بدّ من إخراجها من أصل المال مقدّماً على الدين والوصية والميراث.
(1) تعرض قدسسره هنا وفي المسألة الآتية لمستحبّات الكفن ، وفصّل فيهما بين الأُمور المستحبّة في الكفن مستقلّة كالعمامة مثلاً لأنّها خارجة من الكفن كما في الأخبار (2)إلاّ أنّها مستحبّة في نفسها ، وقد جزم فيها بعدم خروجها من أصل المال.
[919] مسألة 20 : الأحوط الاقتصار في القدر الواجب على ما هو أقل قيمة فلو أرادوا ما هو أغلى قيمة يحتاج الزائد إلى إمضاء الكبار في حصّتهم وكذا في سائر المؤن ، فلو كان هناك مكان مباح لا يحتاج إلى بذل مال أو يحتاج إلى قليل لا يجوز اختيار الأرض الّتي مصرفها أزيد إلاّ بامضائهم ، إلاّ أن يكون ما هو الأقل قيمة أو مصرفاً هتكاً لحرمة الميِّت فحينئذ لا يبعد خروجه من أصل التركة. وكذا بالنسبة إلى مستحبّات الكفن ، فلو فرضنا أنّ الاقتصار على أقل الواجب هتك لحرمة الميِّت يؤخذ المستحبّات أيضاً من أصل التركة.
وبين ما إذا كان المستحب خصوصية في فرد الواجب تجعله أفضل الأفراد مثل كون الكفن قطناً أو برداً أو حبرة وغيرها ، وقد حكم بعدم إخراجها من أصل المال احتياطاً.
والوجه في هذا التفصيل هو أنّ القسم الثاني من المستحبّات قد يقال فيه كما تعرّض له شيخنا الأنصاري قدسسره (1)أنّ الأمر بالكفن إنّما تعلّق بالطبيعي الجامع بين الأفراد الدانية والراجحة. وأمر تطبيق الطبيعي على أفراده بيد الولي ، فله تطبيقه على الفرد الأفضل أو غيره ، فيجوز له اختيار الفرد الأفضل ويحسب من أصل التركة.
ولكن شيخنا الأنصاري قدسسره لم يرتض ذلك وأورد عليه : بأنّ المأمور به هو الجامع بين الفاضل والداني لا خصوص الفرد الفاضل ولا مسوّغ للولي أن يطبقه على خصوص الفاضل من الأفراد. مع أنّه إضرار على الديان والورثة ، ومن هنا احتاط الماتن قدسسره في القسم الثاني من المستحبّات. وأمّا القسم الأوّل من المستحبّات وهو الّذي له وجود مستقل فقد جزم الماتن بعدم خروجها من أصل
1) كتاب الطّهارة : 310 السطر 25 / في تكفين الأموات.
التركة ، هذا.
والصحيح أن يقال : إنّ الأمر بالتكفين في الأخبار إنّما يدل على وجوب التكفين المتعارف وأنّه الّذي يخرج من أصل التركة ، لا أنّ الخارج من أصل التركة شيء والكفن المتعارف شيء آخر ، وليس المأمور به خصوص الفرد الداني من الكفن. والكفن المتعارف هو الّذي يخرج من الزكاة إذا لم يكن للميت مال ، ولا يجب إخراج الفرد الداني من الزكاة ، فلو كان للميت مال وجب إخراج ثمن الكفن المتعارف منه وهذا هو الحد المتوسط بين الإفراط والتفريط ، فلا يجب اختيار ما هو أقل أفراد الكفن بحسب القيمة ، كما لا يجوز الإسراف والتبذير فيه ، بل يخرج منه الكفن المتعارف اللاّئق بشأنه.
هذا إذا لم يكن اختيار المتعارف وعدم التكفين بالأفضل هتكاً وإلاّ فيجب إخراج الأفضل ، كما لو كان من الأشراف أو العلماء ونحوهم ، وذلك لأنّه هو الواجب إخراجه من الزكاة على تقدير عدم المال للميت ، فإذا كان له مال لا بدّ من إخراج ذلك من أصل تركته ، هذا كلّه في القسم الثاني من المستحبّات.
وأمّا القسم الأوّل من المستحبّات وهو ما كان له وجود مستقل ، فمن الظاهر أنّ الأمر بالكفن لا يشمله لخروجه عن الكفن ، اللّهمّ إلاّ أن يكون تركه هتكاً للميت فيجب حينئذ ويخرج من أصل التركة لوجهين :
أحدهما : ما مرّ من سكوت الأخبار الآمرة به عن تعيين ما يخرج منه ، فيدور الأمر بين أن يخرج من مال المسلمين وبين أن يخرج من ماله ، وذلك لفرض لزومه وأنّه لا بد منه ، لأن حرمة المؤمن ميتاً كحرمته حياً ، والأوّل ليس بلازم كما مرّ فيتعيّن إخراجه من التركة.
وثانيهما : موثقة الفضل المتقدِّمة (1)الدالّة على أن مثل ذلك المستحب يخرج من
1) في ص 139.
[920] مسألة 21 : إذا كان تركة الميِّت متعلّقاً لحق الغير مثل حق الغرماء في الفلس وحق الرهانة وحق الجناية ففي تقديمه أو تقديم الكفن إشكال (1)فلا يترك مراعاة الاحتياط (1).
الزكاة إذا لم يكن للميت مال ، لأنّه اللاّئق بشأنه ، وإذا كان له مال لا بدّ من إخراجه من ماله.
(1) الأقوال في المسألة متعددة ، من تقديم الكفن على تلك الحقوق مطلقاً ومن عدمه كذلك. والتفصيل بين حقّي الرهانة والغرماء وبين حقّ الجناية بتقديم الأخير على الكفن دون الأوّلين.
والصحيح في المسألة أن يقال : إن حق الرهانة وحق الديان وإن كان متعلّقاً بعين المال إلاّ أنّه ليس إلاّ مقدمة لإيصال الدين إلى صاحبه أو إلى أهله وليس حقاً جديداً وقد بنينا على تقديم الكفن على الدين وغيره وعلى خروجه من أصل التركة قبل الدين والوصية والميراث.
وأمّا حقّ الجناية ، فإن كانت الجناية عمدية فلولي المجني عليه كما في القتل الخيار بين الاقتصاص من العبد وبين استرقاقه ، وإذا كانت خطائه فلولي العبد الجاني أي مالكه أن يدفع الدية أو يعطي نفس العبد الجاني إلى ولي المجني عليه.
وعلى كلتا الصورتين إذا أمكن بيع العبد الجاني في الخارج ولو مع تصريح المالك بأنّه في معرض القصاص أو الاسترقاق للغير ، وأنّ المشتري لا بدّ أن يدفع الدية إلى ولي المجني عليه ، فلا مانع من صرف ثمنه في شراء الكفن ، لأنّه مال الميِّت على الفرض
1) (*) أظهره تقديم الكفن على حق الغرماء وحقّ الرهانة ، وأمّا في حقّ الجناية فإن أمكن البيع مع بقاء الحق فلا إشكال وإلاّ قدّم حقّ الجناية.
[921] مسألة 22 : إذا لم يكن للميت تركة بمقدار الكفن فالظاهر عدم وجوبه على المسلمين ، لأنّ الواجب الكفائي هو التكفين لا إعطاء الكفن (1) لكنّه أحوط.
ولم يخرج عن ملكه بالجناية. وإذا لم يمكن بيعه والحال هذه ولم يقدم أحد على شرائه فلا موضوع ولا مال ليصرف في الكفن.
فالصحيح أن إدراج حقّ الجناية في ضمن الحقوق المتعلّقة لمال الميِّت في غير محلِّه لأنّه على أحد التقديرين لا مانع من صرف ثمنه في الكفن ، وعلى التقدير الآخر لا موضوع ليصرف أو لا يصرف.
(1) بمعنى أنّ الواجب على المسلمين إنّما هو إلباس الميِّت الكفن لا بذله ، والمسألة متسالم عليها بينهم ، وإنّما الكلام في مدرك ذلك وأنّه لماذا لا يجب على المسلمين بذل الكفن؟
فقد يستدل عليه بالإجماع على عدم وجوبه.
وفيه : ما قدّمناه مراراً من أنّه إذا علم أو ظنّ أو احتمل استناده إلى شيء من الأدلّة المذكورة في المسألة لا يمكن الاعتماد عليه ، لعدم كونه إجماعاً تعبّدياً بوجه.
وأُخرى يستدل بما ورد من أنّ الكفن يخرج من أصل التركة (1)الدال على أن كفن كل ميت في مال نفسه ، فإنّه بالإضافة إلى ما دلّ على وجوب التكفين على المسلمين مقيّد ، ومقتضى قانون الإطلاق والتقييد تقييد الأوامر الواردة في التكفين بما إذا كان
1) الوسائل 3 : 53 / أبواب التكفين ب 31 ، 19 : 328 331 / كتاب الوصايا ب 27 ، 28 وغيرها.
الكفن من مال الميِّت نفسه ، فالواجب هو التكفين من مال الميِّت لا أنّ التكفين واجب عليهم مطلقاً ولو من مال أنفسهم.
وفيه : أن ما دلّ على أنّ الكفن يخرج من أصل التركة إنّما يدل على أن كفن كل ميت إنّما هو في مال نفسه فيما إذا كان له مال ، ولا مانع من تقييد الأوامر الواردة في التكفين بذلك إذا كان للميت مال ولا دلالة في شيء منهما على أنّه إذا لم يكن للميت مال يكفن به ولكن أُخذ من الزكاة أو تبرّع به متبرّع أو اشتري من مال الوقف لذلك ، لم يجب على المسلمين التكفين به كما هو مقتضى التقييد حتّى يدل على أنّه إذا لم يكن له مال لم يجب على المسلمين التكفين حتّى يحتمل وجوب بذله.
وثالثة يستدل على ذلك برواية سعد بن طريف « من كفّن مؤمناً كان كمن ضمن كسوته إلى يوم القيامة » (1)لدلالتها على أنّ التكفين وبذل الكفن أمر مستحب لا أنّه واجب ، لأن قوله عليهالسلام : « كمن ضمن كسوته » يناسب الاستحباب دون الوجوب ، فتدل الرواية على عدم وجوب بذله.
وفيه : أنّ الرواية ضعيفة السند بسعد ، لأنّ الشيخ وإن ذكر أنّ له روايات صحيحة (2)إلاّ أنّ النجاشي قال : إن رواياته تعرف وتنكر (3)وضعّفه ابن الغضائري صريحاً (4)فما ذكره الشيخ معارض بما ذكره النجاشي وابن الغضائري فلا يمكن الاعتماد على رواياته (5).
وأمّا ما في كلام المحقق الهمداني قدسسره وغيره من توصيف الرواية بالصحيحة (6). فالظاهر أنّهم تبعوا في ذلك صاحب الحدائق قدسسره حيث قال :
فروى الكليني في الصحيح عن سعد بن طريف عن الباقر عليهالسلام ثمّ ساق الحديث (1)إلاّ أن هذا التعبير لا يدل على صحّة الرواية ولا على توثيق سعد ، لأنّه كما يظهر بالمراجعة إلى كتاب الحدائق قد يعبّر عن الرواية بالصحيحة ويقول : صحيحة زرارة عن أبي عبد اللّه عليهالسلام مثلاً ، ومعنى هذا أن رواتها إلى الإمام الصادق عليهالسلام إماميون ثقاة ، أو عدول ، وقد يعبّر عن الرواية بقوله مثلاً روى الكليني أو الشيخ في الصحيح عن فلان ويذكر اسم راوٍ من الرواة ، ومعنى هذا تصحيح السند من الشيخ أو الكليني إلى هذا الراوي وحسب ، وأمّا من هذا الراوي إلى الامام فلا تعرّض لحاله منه. والأمر في المقام كذلك.
وكيف كان فالرواية ضعيفة السند لا يمكن الاستناد إليها ، هذا أوّلاً.
ثمّ لو أغمضنا عن ذلك فالرواية قاصرة الدلالة على المدّعى ، لأنّ الوارد في الخبر هو التكفين « من كفن مؤمناً » ومعناه من ألبسه الكفن ، ولا دلالة فيه على استحباب بذل الكفن لأن « كفن » لا يستعمل بمعنى بذل الكفن.
وثالثاً : لو أغمضنا عن ذلك وبنينا على أنّ الوارد في الرواية هو بذل الكفن إلاّ أنّه لا منافاة بين استحباب بذل الكفن على كل واحد واحد من المكلفين وبين وجوبه الكفائي على جميع المسلمين ، وقد ورد نظيره في الغسل الواجب كفاية حيث قال عليهالسلام : « من غسل مؤمناً غسله اللّه من ذنوبه كيوم ولدته أُمّه » (2)فلا تنافي بين الوجوب الكفائي والاستحباب.
ورابعة يستدل عليه بموثقة الفضل المتقدِّمة (3)حيث دلّت على جواز شراء الكفن من الزكاة ، إذ لو كان بذل الكفن واجباً على جميع المسلمين لم يجب أخذه من الزكاة ولم تصل النوبة إليها.
وفيه : أنّ الرواية وإن كانت معتبرة من حيث السند وموثقة ، لكنّها قاصرة الدلالة على المدّعى ، لأنّها دلّت على أخذ الكفن من مال الزكاة فيما إذا وجدت زكاة ، وأمّا إذا لم توجد الزكاة فلا دلالة لها على أنّ الميِّت يدفن عارياً ولا يجب على المسلمين بذل الكفن.
إلى هنا تحصل أنّه لا يتم شيء من الوجوه والأدلّة المذكورة في المسألة ، وحينئذ ما المانع من الحكم بوجوب بذل الكفن على المسلمين لأمرهم بالتكفين ، فيكون بذل الكفن مقدمة للواجب وهي واجبة عقلاً أو شرعاً.
فالصحيح أن يستدل على عدم وجوب بذل الكفن بحديث لا ضرر (1)وذلك لأنّ التكفين الواجب كثيراً ما لا يكون ضرريّاً على المسلمين ، إمّا لأنّ الميِّت له مال يفي بكفنه ، أو لاشترائه من الزكاة أو من الوقف إذا وجد وقف لشراء الأكفان ، أو من المتبرّع لأنّهم لا يدفنون الميِّت عارياً على الأكثر.
وقد يكون ضرريّاً وهو نادر كما إذا لم يكن للميت مال ولا وجدت زكاة ولا وقف ولا متبرّع ، ولا مانع من الحكم بعدم وجوب بذل الكفن وعدم وجوب التكفين بما دلّ على نفي الضرر في الشريعة المقدّسة.
وبهذا يندفع ما ربما يتوهّم من أن حديث لا ضرر لا يجري في المقام ، لأنّ الأحكام الشرعية المبنية على الضرر كالخمس والزكاة أو المستلزمة له كالحج ممّا لا ترتفع بالحديث ، والأمر في المقام كذلك ، والوجه في الاندفاع ما عرفت من أنّ التكفين لم يجعل ضرريّاً في الشريعة المقدسة ولا أنّه مستلزم للضرر كثيراً ، لأنّه كثيراً ما لا يكون ضرريّاً ، فالنسبة بين الضرر والتكفين نسبة العموم من وجه ومورد اجتماعهما نادر كما تقدّم.
1) التهذيب 7 : 146 / 651 ، 164 / 727 وغيرهما.
وإذا كان هناك من سهم سبيل اللّه من الزكاة فالأحوط صرفه فيه ، والأولى بل الأحوط أن يعطى لورثته (1)(1) حتّى يكفنوه من مالهم إذا كان تكفين الغير لميتهم صعباً عليهم.
[922] مسألة 23 : تكفين المُحرم كغيره فلا بأس بتغطية رأسه ووجهه فليس حالهما حال الطيب في حرمة تقريبه إلى الميِّت المحرم (2).
(1) وهو في محله ، لما تقدّم من الأمر به في موثقة الفضل المتقدمة حيث قال : « أعط عياله من الزكاة قدر ما يجهزونه فيكونون هم الّذين يجهزونه » (2)، ولو كانت الورثة متمكّنين ولا يستحقّون الزكاة ، وإنّما لا يبذلون الكفن لبخلهم ، وذلك احترام لهم حتّى لا يلزم هتكهم أو عيبهم من قيام الغير بتكفين ميتهم. نعم ، هذا غير واجب ، لأنّ السؤال والجواب في الموثقة ناظران إلى الجواز لا إلى الوجوب.
(2) وهذا كلّه للأخبار المعتبرة الدالّة على ذلك وأنّ الميِّت المحرم يغطّى رأسه أو وجهه أو يخمّر كما في بعض الأخبار (3).
ومع ذلك ذهب السيِّد المرتضى (4)إلى عدم جواز تغطية رأس المحرم ووجهه واستدلّ عليه بما عن ابن عباس من أن محرماً وقعت به ناقته فذكر ذلك للنبي صلىاللّهعليهوآلهوسلم فقال : اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبين ولا تمسّوه طيباً ولا
تخمروا رأسه ... » (1).
وفيه : أنّها رواية واردة من طرق العامّة ولم تثبت من طرقنا. على أنّها معارضة بأخبارنا المعتبرة الدالّة على أنّه يغطى رأسه ووجهه.
واستدلّ أيضاً بمرسلة الصدوق قدسسره عن الصادق عليهالسلام أنّه قال : « من مات محرماً بعثه اللّه ملبِّياً » (2).
وفيه : أنّها ضعيفة بالإرسال. على أنّها أجنبية عمّا نحن بصدده ، إذ بعثه يوم القيامة ملبّياً لا ينافي وجوب تغطية رأسه ووجهه ، وكلامنا في أنّ التغطية واجبة أم ليست بواجبة ، سواء بعثه اللّه ملبياً أم لم يبعثه ملبياً.
وفي الحدائق (3)نقل عن العلاّمة أنّه نقل عن ابن أبي عقيل أنّه ذهب إلى عدم جواز تغطية رأس المحرم ووجهه ، مستدلاًّ عليه بأن تغطية الرأس والوجه لا تجتمع مع تحريم قرب الطيب منه ، لأنّه إن كان بحكم المحرم وجب أن لا يغطى وجهه ورأسه ، وإن لم يكن كذلك جاز قرب الطيب منه ، وحيث إنّ الثاني ثابت فالأوّل منتفٍ.
وهذا أشبه شيء بالاجتهاد في مقابل النص بل هو هو بعينه ، لأنّا إنّما التزمنا بعدم قرب الطيب منه للتعبّد ، لا لأنّه كالمحرم ، كما أنّا نلتزم بوجوب تغطية رأسه ووجهه للإطلاقات الآمرة بالتكفين.
وقد ذكر صاحب الحدائق قدسسره أنّ السيِّد وابن أبي عقيل يحتمل عدم وقوفهما على الأخبار المعتبرة الواردة في أنّ الميِّت لا يفرّق في أحكامه بين المحرم والمحل هذا.
وهي أُمور :
أحدها : العمامة للرجل ، ويكفي فيها المسمّى طولاً وعرضاً ، والأولى أن تكون بمقدار يدار على رأسه ويجعل طرفاها تحت حنكه على صدره ، الأيمن على الأيسر والأيسر على الأيمن من الصدر.
الثاني : المقنعة للمرأة بدل العمامة ، ويكفي فيها أيضاً المسمّى.
الثالث : لفافة لثدييها يشدّان بها إلى ظهرها.
الرابع : خرقة يعصب بها وسطه رجلاً كان أو امرأة.
ثمّ إنّا عثرنا في الفقه الرضوي كما في المستدرك (1)على النهي عن تغطية رأس المحرم ووجهه ، كما وجدنا فيه ما يدل على أنّ المحرم الميِّت أيضاً يغطى وجهه ورأسه وهذان كلامان متناقضان ، ولعلّه ممّا يدل على عدم استناد الكتاب إلى الرضا عليهالسلام.
كما ورد عدم تغطية رأس المحرم ووجهه ، في دعائم الإسلام (2)والجعفريات (3).
إلاّ أن روايات دعائم الإسلام مراسيل ، وروايات الجعفريات قد ناقشنا في اعتبارها سابقاً ، والغرض أنّ الرواية لا تنحصر بما عن ابن عباس ومرسلة الصدوق إلاّ أنّها جميعاً من الضعاف ولا يمكن الاستدلال بها على شيء.
الخامس : خرقة أُخرى للفخذين تلف عليهما ، والأولى أن يكون طولها ثلاثة أذرع ونصفاً ، وعرضها شبراً أو أزيد ، تشدّ من الحقوين ثمّ تلف على فخذيه لفاً شديداً على وجه لا يظهر منهما شيء إلى الركبتين ، ثمّ يخرج رأسها من تحت رجليه إلى الجانب الأيمن.
السادس : لفافة أُخرى فوق اللفافة الواجبة ، والأولى كونها برداً يمانياً ، بل يستحب لفافة ثالثة أيضاً خصوصاً في الامرأة.
السابع : أن يجعل شيء من القطن أو نحوه بين رجليه بحيث يستر العورتين ويوضع عليه شيء من الحنوط ، وإن خيف خروج شيء من دبره يجعل فيه شيء من القطن ، وكذا لو خيف خروج الدم من منخريه. وكذا بالنسبة إلى قبل الامرأة وكذا ما أشبه ذلك.
وهي أيضاً أُمور :
الأوّل : إجادة الكفن ، فانّ الأموات يتباهون يوم القيامة بأكفانهم ويحشرون بها ، وقد كفن موسى بن جعفر عليهالسلام بكفن قيمته ألفا دينار ، وكان تمام القرآن مكتوباً عليه.
الثاني : أن يكون من القطن.
الثالث : أن يكون أبيض. بل يكره المصبوغ ما عدا الحبرة ففي بعض الأخبار : أن رسول اللّه صلىاللّهعليهوآلهوسلم كفن في حبرة حمراء.
الرابع : أن يكون من خالص المال وطهوره لا من المشتبهات.
الخامس : أن يكون من الثوب الّذي أحرم فيه أو صلّى فيه.
السادس : أن يلقى عليه شيء من الكافور والذريرة وهي على ما قيل حب يشبه حبّ الحنطة له ريح طيب إذا دُقّ ، وتسمّى الآن قمحة ، ولعلّها كانت تسمّى بالذريرة سابقاً. ولا يبعد استحباب التبرّك بتربة قبر الحسين عليهالسلام ومسحه بالضريح المقدس أو بضرائح سائر الأئمة عليهمالسلام بعد غسله بماء الفرات أو بماء زمزم.
السابع : أن يجعل طرف الأيمن من اللفافة على أيسر الميِّت والأيسر منها على أيمنه.
الثامن : أن يخاط الكفن بخيوطه إذا احتاج إلى خياطة.
التاسع : أن يكون المباشر للتكفين على طهارة من الحدث وإن كان هو الغاسل له ، فيستحب أن يغسل يديه إلى المرفقين بل المنكبين ثلاث مرّات ، ويغسل رجليه إلى الركبتين. والأولى أن يغسل كلّما تنجس من بدنه وأن يغتسل غسل المس قبل التكفين.
العاشر : أن يكتب على حاشية جميع قطع الكفن من الواجب والمستحب حتّى العمامة اسمه واسم أبيه ، بأن يكتب : فلان بن فلان يشهد أن لا إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له وأنّ محمّداً صلىاللّهعليهوآلهوسلم رسول اللّه وأنّ علياً والحسن والحسين وعلياً ومحمّداً وجعفراً وموسى وعليّاً ومحمّداً وعليّاً والحسن والحجّة القائم ( عجّل اللّه فرجه ) أولياء اللّه وأوصياء رسول اللّه صلىاللّهعليهوآلهوسلم وأئمتي وأنّ البعث والثواب والعقاب حق.
الحادي عشر : أن يكتب على كفنه تمام القرآن ودعاء جوشن الصغير والكبير ، ويستحب كتابة الأخير في جام بكافور أو مسك ثمّ غسله ورشه على الكفن ، فعن أبي عبد اللّه الحسين ( صلوات اللّه عليه ) : أوصاني أبي بحفظ هذا الدُّعاء وتعظيمه وأن أكتبه على كفنه وأن أُعلمه أهلي. ويستحب أيضاً أن يكتب عليه البيتان
اللّذان كتبهما أمير المؤمنين عليهالسلام على كفن سلمان رحمهاللّه وهما :
وفدتُ على الكريم بغير زاد *** من الحسنات والقلب السليم
وحمل الزاد أقبح كل شيء *** إذا كان الوفود على الكريم
ويناسب أيضاً كتابة السند المعروف المسمّى بسلسلة الذهب وهو : « حدّثنا محمّد بن موسى المتوكل ، قال : حدّثنا علي بن إبراهيم عن أبي يوسف بن عقيل عن إسحاق بن راهويه قال : لمّا وافى أبو الحسن الرضا عليهالسلام نيشابور وأراد أن يرتحل إلى المأمون اجتمع عليه أصحاب الحديث فقالوا : يا ابن رسول اللّه صلىاللّهعليهوآلهوسلم تدخل علينا ولا تحدّثنا بحديث فنستفيده منك وقد كان قعد في العمارية ، فأطلع رأسه فقال عليهالسلام : سمعت أبي موسى بن جعفر عليهالسلام يقول : سمعت أبي جعفر بن محمّد عليهالسلام يقول : سمعت أبي محمّد بن علي عليهالسلام يقول : سمعت أبي علي بن الحسين عليهالسلام يقول : سمعت أبي الحسين بن علي عليهالسلام يقول : سمعت أبي ( أمير المؤمنين ) علي بن أبي طالب عليهالسلام يقول : سمعت رسول اللّه صلىاللّهعليهوآلهوسلم يقول : سمعت جبرائيل يقول : سمعت اللّه عزّ وجلّ يقول : لا إله إلاّ اللّه حصني فمن دخل حصني أمن من عذابي » فلمّا مرّت الراحلة نادى « أمّا بشروطها وأنا من شروطها ». وإن كتب السند الآخر أيضاً فأحسن وهو : « حدّثنا أحمد بن الحسن القطّان قال : حدّثنا عبد الكريم بن محمّد الحسيني قال : حدّثنا محمّد بن إبراهيم الرازي ، قال : حدّثنا عبد اللّه بن يحيى الأهوازي قال : حدّثني أبو الحسن علي بن عمرو ، قال : حدّثنا الحسن بن محمّد بن جمهور ، قال : حدّثني علي بن بلال عن علي بن موسى الرضا عليهماالسلام عن موسى بن جعفر عليهالسلام عن جعفر بن محمّد عليهالسلام عن محمّد بن علي عليهالسلام عن علي بن الحسين عليهالسلام عن الحسين بن علي عليهالسلام عن علي بن أبي طالب ( عليه
السلام ) عن رسول اللّه صلىاللّهعليهوآلهوسلم عن جبرائيل عن ميكائيل عن إسرافيل عليهمالسلام عن اللوح والقلم قال : يقول اللّه عزّ وجلّ : « ولاية علي ابن أبي طالب حصني فمن دخل حصني أمن من ناري » وإذا كتب على فصّ الخاتم العقيق الشهادتان وأسماء الأئمة عليهمالسلام والإقرار بإمامتهم كان حسناً ، بل يحسن كتابة كل ما يرجى منه النفع من غير أن يقصد الورود. والأولى أن يكتب الأدعية المذكورة بتربة قبر الحسين عليهالسلام أو يجعل في المداد شيء منها أو بتربة سائر الأئمة ، ويجوز أن يكتب بالطين وبالماء بل بالإصبع من غير مداد.
الثاني عشر : أن يهيئ كفنه قبل موته ، وكذا السدر والكافور ففي الحديث « من هيأ كفنه لم يكتب من الغافلين ، وكلّما نظر إليه كتبت له حسنة ».
الثالث عشر : أن يجعل الميِّت حال التكفين مستقبل القبلة مثل حال الاحتضار أو بنحو حال الصلاة.
تتمة : إذا لم تكتب الأدعية المذكورة والقرآن على الكفن بل على وصلة اخرى وجعلت على صدره أو فوق رأسه للأمن من التلويث كان أحسن.
وهي أُمور :
أحدها : قطعه بالحديد.
الثاني : عمل الأكمام والزرور له إذا كان جديداً ولو كفن في قميصه الملبوس له حال حياته قطع أزراره ولا بأس بأكمامه.
الثالث : بلّ الخيوط الّتي يخاط بها بريقه.
الرابع : تبخيره بدخان الأشياء الطيبة الريح بل تطييبه ولو بغير البخور. نعم يستحب تطييبه بالكافور والذريرة كما مرّ.
الخامس : كونه أسود.
السادس : أن يكتب عليه بالسواد.
السابع : كونه من الكتان ولو ممزوجاً.
الثامن : كونه ممزوجاً بالإبريسم ، بل الأحوط تركه إلاّ أن يكون خليطه أكثر.
التاسع : المماكسة في شرائه.
العاشر : جعل عمامته بلا حنك.
الحادي عشر : كونه وسخاً غير نظيف.
الثاني عشر : كونه مخيطاً ، بل يستحب كون كل قطعة منه وصلة واحدة بلا خياطة على ما ذكره بعض العلماء ، ولا بأس به.
وهو مسح الكافور على بدن الميِّت (1)
فصل في الحنوط
(1) الحنوط كالوقود والسحور بمعنى ما يحنّط به ، والتحنيط في اللّغة بمعنى استعمال ما يمنع عن الفساد ، كافوراً كان أم غيره (1)وأمّا بحسب الاصطلاح عند الفقهاء فهو استعمال الكافور وحسب ، وذلك لأنّ الروايات فسّرته بذلك.
والكلام في ذلك يقع في جهات :
الاولى : في وجوب التحنيط ، لا إشكال في كونه من الواجبات لدلالة الأخبار
1) المنجد : 158 مادّة حَنَط.
يجب مسحه على المساجد السبعة وهي الجبهة واليدان والركبتان وإبهاما الرجلين ويستحب إضافة طرف الأنف إليها أيضاً ، بل هو الأحوط.
المعتبرة عليه (1)نعم ، نسب التوقف في وجوبه إلى الأردبيلي قدسسره (2)ولم نلاحظ كلامه ، وإلى المراسم (3).
إلاّ أنّ النسبة إلى المراسم في غير محلها ، لأنّه ذكر أوّلاً واجبات التجهيز ثمّ تعرض لأقسام الميِّت من الصغير والكبير وغيرهما ، ثمّ تعرض للمستحبّات وذكر في جملتها استحباب التحنيط بثلاثة عشر درهماً من الكافور ، فتوهّم منه أنّ التحنيط مستحب عنده.
مع أن كلامه لا يدل إلاّ على استحباب التحنيط بذاك المقدار من الكافور ، ولا دلالة فيه على استحباب أصل التحنيط. وكيف كان فلا إشكال في وجوبه.
والأخبار الآمرة به ليست قاصرة الدلالة على وجوبه ولا قاصرة السند.
نعم ، قد يتوهّم أن اختلافها في بيان مواضع التحنيط حيث ورد في بعضها : أن مواضعه هي مواضع السجود ، وفي آخر : أنّها جميع مسامعه ، وفي ثالث : جميع مفاصله ، وفي رابع : غير ذلك من المواضع دليل على الاستحباب.
ويردّه : أنّ الاختلاف في مواضع التحنيط إنّما يدل على الاستحباب فيما اختصّ به كل واحد من الأخبار ، وأمّا بالإضافة إلى المقدار المشترك بين جميع هذه الأخبار فليس فيها اختلاف بوجه ، ولا موجب لحملها على الاستحباب فيه وهو المساجد فالزائد عليها محمول على الاستحباب.
ويدلّنا على وجوبه في المساجد موثقة عبد الرّحمن بن أبي عبد اللّه قال : « سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن الحنوط للميت؟ فقال : اجعله في مساجده » (4). وبها
والأحوط أن يكون المسح باليد بل بالراحة.
نحمل الزائد على المساجد على الاستحباب.
الجهة الثانية : في تفسير المساجد ، المراد بها هو المواضع السبعة من الجبهة والركبتين والكفين وإصبعي الرجلين ، فلو قلنا بوجوب الإرغام في الصلاة فهو واجب مستقل آخر لا يدخل في مواضع السجود.
نعم ، ورد في رواية الفقه الرضوي (1)والدعائم الأمر بجعل الكافور على أنف الميِّت (2).
إلاّ أنّهما ممّا لا يمكن الاستدلال بهما ، لإرسال الثانية وعدم ثبوت كون الأُولى رواية فضلاً عن اعتبارها.
ثمّ إنّا لو اعتمدنا عليهما وقلنا بأنّ الأنف من المساجد فظاهرهما أنّه كغيره من مواضع السجود ممّا يجعل الكافور على ظاهره ، لكن عن المحقق الهمداني قدسسره أنّه يجعل الكافور في داخل الأنف (3)وهو ممّا لا وجه له.
الجهة الثالثة : في أنّ الواجب هو وضع الكافور على تلكم المواضع أو أنّه يمسح به تلكم المواضع أو كلاهما معاً؟ الصحيح هو وجوبهما ، لاشتمال بعض الأخبار على جعل الكافور (4)وبعضها على المسح (5)فاذا قيدنا الوضع بالمسح والمسح بالوضع أنتج وجوب كلا الأمرين في التحنيط.
وأمّا بقاء أثر الكافور في تلكم المواضع فلعله ممّا لا يحتاج إلى دليل ، وذلك لأنّه
1) لم نعثر عليه.
2) راجع المستدرك 2 : 220 / أبواب الكفن ب 13 ح 2.
3) مصباح الفقيه ( الطّهارة ) : 395 السطر 6.
4) كموثقة عمّار وصحيحة حمران وموثقة سماعة وغيرها المرويّة في الوسائل 3 : 33 / أبواب التكفين ب 14 ح 4 ، 5 وب 15 ح 2.
5) كصحيحة الحلبي وصحيحة زرارة المرويتين في الوسائل 3 : 32 / أبواب التكفين ب 14 ح 1 وص 37 / ب 16 ح 6.
لازم جعل الكافور المسحوق كما في بعض الأخبار (1)عليها ، إذ أنّه ليس كجعل شيء جامد على الموضع لئلاّ يبقى منه أثر على المحل بعد رفعه ، ولا يختلف هذا باختلاف المواضع.
نعم ، ورد في رواية يونس الأمر بجعل الكافور على جبهة الميِّت والأمر بمسحه على مفاصله (2)، وربّما توهّم من ذلك أنّ الجعل واجب في الجبهة والمسح واجب في غيرها ، إلاّ أنّ الرواية ذكرت بعد ذلك عطفاً على المسح بالكافور : « وفي رأسه وفي عنقه ومنكبيه ومرافقه وفي كل مفصل من مفاصله ... » وكأنّه تفسير لما ذكره أوّلاً من الأمر بالمسح بالكافور على جميع مفاصله. وهذا ظاهر في أنّ الألفاظ ليست من الإمام عليهالسلام وإنّما هي من الراوي ذكرها تفسيراً للحكم الّذي سمعه من الإمام عليهالسلام ومن هنا نرى أنّ الرواية لا تخلو عن اضطراب في ألفاظها ، فمرّة تعدّى المسح فيها ب- « على » وأُخرى ب- « في » ووقع التكرار فيها ، إلى غير ذلك ممّا يبعد كون الألفاظ من الإمام عليهالسلام.
والّذي يدلّنا على ذلك : أنّ الرواية مروية عنهم عليهمالسلام لا عن إمام معيّن قال في الكافي : عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن رجاله عن يونس عنهم عليهمالسلام قال : ... (3)إذ لو كان المراد هو الأئمة عليهمالسلام للزم أن يقول : قالوا فقوله : قال ظاهر في أنّ القائل هو يونس يروي الحكم الّذي سمعه عنهم ومن ثمة قد تعدى المسح فيها مرّة بعلى وأُخرى بفي. إذن لا يمكن الاستدلال بتلك الألفاظ ولا بدّ من الرجوع إلى بقيّة الأخبار ، وقد عرفت دلالتها على وجوب كلا الأمرين من الوضع والمسح من غير فرق بين موضع وموضع.
الجهة الرابعة : في الماسح ، احتاط الماتن أوّلاً بأن يكون المسح باليد ، ثمّ ترقي وقال بل بالراحة ، وما صنعه أوّلاً فهو في مورده ، لأنّ المسح في اللّغة إذا استعمل
بالباء كما إذا قيل : مسح به فيراد منه المسح باليد ، فإذا قيل : مسح رأسه بالدهن فمعناه أنّه مسح رأسه الدهن بيده ، فاليد مأخوذة في مفهوم المسح عند تعديته بالباء.
نعم ، إذا استعمل المسح من دون تعديته بشيء فهو بمعنى الإزالة ، فإذا قيل : مسح الكتابة والخط ، فمعناه أنّه أزاله ، فهذا الاحتياط في مورده.
وأمّا ما صنعه ثانياً ، بأن يكون المسح بباطن اليد وبالراحة فهو أيضاً لا بأس به لكنّه ليس في مرتبة الاحتياط الأوّل ، لأن كون المسح بمعنى المسح بباطن اليد وبالراحة لم يذكره إلاّ بعضهم كما في أقرب الموارد (1)على أنّ المسح باليد لا يراد منه عادة سوى المسح بباطن اليد لا بظاهرها.
الأُمور الّتي يدعي استحبابها في الحنوط إمّا أن يدل على استحبابها دليل معتبر فلا إشكال في استحبابها حينئذ ، كما في استحباب التحنيط للمفاصل لوروده في جملة من الروايات المعتبرة (2).
وإمّا أن يدل على استحبابها رواية ضعيفة فالقول باستحبابها حينئذ يتوقف على القول بالتسامح في أدلّة السنن وتمامية أخبار من بلغ ، إلاّ أن ذلك إنّما هو فيما إذا لم تكن الرواية معارضة ، ومع التعارض فلا يمكن ثبوت الاستحباب بتلكم الروايات ، لأنّها لو دلّت فإنّما تدل على استحباب ما بلغ فيه الثواب ، وأمّا ما بلغ فيه الثواب وعدمه فهو غير مشمول لها بوجه ، وهذا كما في بصره ومسامعه ومنخريه حيث نهي عنه في معتبرة يونس (3)وغيرها ، كما أمر به في معتبرة زرارة (4)وعبد اللّه بن سنان (5)وموثقة عمّار (6).
ولا يبعد استحباب (1) مسح إبطيه (2) ولبته (3) ومغابنه (4)
(1) إن أراد بذلك الاستحباب في مجموع ما ذكره فهو كما ذكره. وأمّا إن أراد الاستحباب في كل واحد واحد منها فالتعبير ب- « لا يبعد » في غير محلِّه ، لأنّ الاستحباب في المفاصل ثابت جزماً ولا معنى لنفي البعد عنه.
(2) لأنّهما المقدار المتيقن من المغابن الواردة في مرسلة (1)يونس (2)على ما في التهذيب (3)حيث ورد فيها « وامسح بالكافور على جميع مغابنه » لأنّ المراد بالمغابن إمّا جميع المواضع الوسخة أو خصوص الإبطين.
(3) وهي موضع القلادة ، ويدلُّ على ذلك ما ورد في استحباب جعل الحنوط في الصدر فان موضع القلادة من الصدر كما في حسنة الحلبي (4)وورد ذلك أيضاً في رواية الكاهلي وحسين بن المختار (5).
(4) الظاهر أنّه اعتمد في ذلك على تفسير المغابن بالمواضع الوسخة ، وهو الصحيح إذ لو كان المراد منها خصوص الإبطين لقال : واجعله في مغبنيه ، فانّ المغابن جمع مغبن وليس في الميِّت إلاّ إبطان ومغبنان لا مغابن ، وعليه فتشمل المغابن لباطن الإبطين ومنتهى الفخذين ، بل وباطن القدمين وغيرها من المواضع الّتي تجتمع الأوساخ فيها.
ذكرنا أنّ المستند في الحكم باستحباب التحنيط في الإبطين والمغابن هو ما رواه
ومفاصله (1)وباطن قدميه (2) وكفّيه (1)
الشيخ قدسسره فان في بعض نسخ التهذيب « المغابن » وذكرنا أنّ القدر المتيقن من المغابن هو الإبط ، واستشهدنا على عدم اختصاصها بالإبطين بأنّه لو كان المراد بها خصوص الإبطين للزم أن يقول : مغبنان ، إذ ليس للميت إلاّ إبطين.
إلاّ أنّه بعد المراجعة ظهر أن صاحب الوسائل نقل الرواية عن الشيخ بلفظ المفاصل بدل المغابن ، وكذلك صاحبا الوافي (2)والحدائق (3). إذن لم تثبت نسخة المغابن لنستدل بها ، نعم في الطبع الأوّل للتهذيب قد كتب فوق لفظ المفاصل المغابن إلاّ أنّه لا تثبت به الرواية ، بل الظاهر أنّه المفاصل كما نقله في الوسائل والوافي والحدائق وغيرها.
ومعه لا يمكن الحكم باستحباب التحنيط في الإبطين وغيرهما ممّا استدللنا بتلك النسخة الّتي لم تثبت على استحباب التحنيط فيها.
(1) كما تقدّم ، لورود الأمر به في جملة من الأخبار المعتبرة (4).
(2) لما تقدّم من إمكان إدراجهما في المغابن ، مضافاً إلى ورودهما في رواية الكاهلي وابن المختار.
(3) أي ظاهر الكفين ، ولعلّه سقط من القلم أو أنّه قدسسره اعتمد في ذلك على الظهور ، لأن باطن الكفين من المساجد الّتي يجب التحنيط فيها ، فإذا عدت الكفّان فيما يستحب التحنيط فيه كان ظاهراً في إرادة ظاهرهما.
ويدلُّ عليه موثقة سماعة على إحدى النسختين حيث ورد فيها : « ويجعل شيئاً من الحنوط على مسامعه ومساجده وشيئاً على ظهر الكفين ( الكفن ) » (5).
بل كل موضع من بدنه فيه رائحة كريهة (1) ويشترط أن يكون بعد الغسل أو التيمم فلا يجوز قبله (2). نعم ، يجوز قبل التكفين وبعده وفي أثنائه (3) والأولى أن يكون قبله (4)
(1) وذلك لأنّ المغابن كما تقدم هي المواضع الّتي يجتمع فيها الوسخ وهي مثيرة للرائحة الكريهة فإنّها تنشأ من الوسخ.
(2) كما يستفاد من النصوص.
(3) هل يعتبر في التحنيط أن يكون قبل التكفين أو بعده أو أنّ المكلّف مخيّر في ذلك؟
حكي عن الصدوق أنّ التحنيط بعد التكفين (1).
والصحيح هو التخيير قبل التكفين وبعده وفي أثنائه ، إذ لم يقم دليل على اعتبار كونه قبله أو بعده ، بل لو ورد التقييد في رواية صحيحة السند وتامّة الدلالة على وجوبه لم نكن نلتزم به ، لأنّ المسألة ممّا تعم به البلوى ولو كان التقييد بالبعدية أو القبلية واجباً في التحنيط لظهر وبان واشتهر ، ومن عدم اشتهاره نستكشف عدم الوجوب كما ذكرناه في جملة من الموارد.
(4) لعلّه اعتمد في ذلك على صحيح زرارة ومعتبرة يونس حيث ورد في الصحيح « إذا جففت الميِّت عمدت إلى الكافور فمسحت به » (2)وفي المعتبرة « ابسط الحبرة بسطاً ثمّ ابسط عليها الإزار ثمّ ابسط القميص عليه ... ثمّ اعمد إلى كافور مسحوق ... ثمّ يحمل فيوضع على قميصه » (3).
ويشترط في الكافور أن يكون طاهراً (1)
ولكن الصحيح هو التخيير ، ولا أولويّة في كون التحنيط قبل التكفين ، فإنّ الصحيحة دلّت على أن يكون التحنيط بعد الغسل والتجفيف وأمّا أنّه قبل التكفين أو بعده فهي ساكتة عن بيانه.
وأمّا المعتبرة فهي وإن كانت بحسب السند معتبرة لما قدّمناه من أن أمثال هذه الأخبار خارجة عن المراسيل ، لأن علي بن إبراهيم يرويها عن أبيه وأبوه إبراهيم بن هاشم عن رجاله ، ولا يخلو رجاله عن الثقات على الأقل لو لم يكونوا جميعاً من الثقات. كما أنّها بحسب الدلالة ظاهرة ، إلاّ أنّه لا يحتمل أن يكون ما تضمنته المعتبرة واجباً في التحنيط ، لأنّها اشتملت على بسط الحبرة والقميص والإزار في مكان آخر ثمّ حمل الميِّت ووضعه عليه ، وهذا غير واجب قطعاً ، لجواز تكفين الميِّت وهو في موضعه ولا يجب حمله وتكفينه في مكان آخر بوجه ، هذا كلّه.
مضافاً إلى موثقة سماعة « إذا كفنت الميِّت فذر على كل ثوب شيئاً من ذريرة وكافور » (1)فتدل على أنّ التحنيط إنّما هو بعد التكفين أو في أثنائه فلا يكون التحنيط قبل التكفين ، وعليه فالمكلف مخيّر بين تحنيط الميِّت قبل التكفين أو أثناءه أو بعده.
(1) لم نجد بعد التتبع من تعرض لاشتراط الطهارة في كافور التحنيط ولم يرد اعتبارها في دليل ، والعجيب دعوى الإجماع على اعتبارها في الكافور ، إذ مع عدم تعرضهم لذلك كيف تكون المسألة إجماعية.
نعم ، لا بأس بالاستدلال على اعتبارها بالارتكاز ، وذلك لأنّ الشارع اعتبر الطهارة في الكفن وأوجب قرضه إذا تنجس ، وكذا في بدن الميِّت حيث أمر بغسله إذا تنجس ، ومن ذلك يطمأن بأنّ الشارع لا يرضى بوجود النجس مع الميِّت فلا بدّ من أن يبعد عنه.
1) الوسائل 3 : 35 / أبواب التكفين ب 15 ح 1.
مباحاً (1) جديداً (2) فلا يجزئ العتيق الّذي زال ريحه ، وأن يكون مسحوقاً (3).
[923] مسألة 1 : لا فرق في وجوب الحنوط بين الصغير والكبير والأُنثى والخنثى والذّكر والحرّ والعبد (4).
(1) لأنّ المغصوب لا يجوز التصرف فيه ولا يمكن أن يكون الحرام مأموراً به على ما أسلفناه في الكفن وماء الغسل.
(2) لأنّ الحنوط كما سبق ما يحنّط به ، والتحنيط هو استعمال ما يمنع الفساد وليس هذا إلاّ الكافور المشتمل على الريح ، إذ أن فاقد الريح بحكم التراب لا يكون مانعاً عن الفساد أبداً ، فان رائحته هي المانعة عن الفساد أو المكروبات على ما هو الشائع في هذه الأعصار.
مضافاً إلى أن ذلك ممّا تقتضيه الروايات نفسها الّتي أمرت بالكافور ، لأنّه طيب على ما يستفاد من الروايات ، ومع زوال الرائحة لا يبقى موضوع الطيب ليحنط به.
(3) كما ورد في معتبرة يونس (1)مضافاً إلى أنّه ممّا يقتضيه نفس المسح به حيث عرفت أنّ الواجب ليس هو مجرّد جعل الكافور بل جعله ومسحه ، ومعنى مسح الكافور هو مسحه على المساجد السبعة باليد كمسحها بالماء ، وهذا لا يتحقق إلاّ مع السحق ، فان غير المسحوق لا يمكن مسحه على البدن باليد. على أنّه لا بدّ من بقاء أثره على تلك المواضع وهذا لا يتحقق إلاّ في المسحوق.
(4) للإطلاق ، ولما صرّح بالتسوية بين الرجل والمرأة في بعض الروايات المعتبرة (2).
نعم لا يجوز تحنيط المحرم قبل إتيانه بالطواف كما مرّ (1)(1) ولا يلحق به الّتي في العدّة (2) ولا المعتكف وإن كان يحرم عليهما استعمال الطيب حال الحياة.
[924] مسألة 2 : لا يعتبر في التحنيط قصد القربة (3) فيجوز أن يباشره الصبي (2)المميز أيضاً (4).
(1) تكلّمنا على هذه المسألة سابقاً (3)وقلنا إنّ التحلل من إحرام العمرة يتحقق بالتقصير ومن إحرام الحج بالسعي وهو قبل ذلك محرم ، سواء مات حال الطواف أم قبله. فاللاّزم أن يقال إنّه لا يجوز تحنيطه قبل إتيانه بالسعي لا الطواف ، لما دلّ على أن من مات محرماً لا يجوز قرب الطيب منه (4)، والكافور من الطيب.
(2) أي عدّة الوفاة ، لأنّ المتوفى عنها زوجها وإن كان يحرم عليها استعمال الطيب إلاّ أنّه يختص بحال الحياة ويرتفع بموتها.
(3) لأن اعتبار قصد التقرب في العمل يحتاج إلى دليل ، ولم يقم دليل على اعتباره في الحنوط ، ولا يقاس ذلك بالتغسيل والصلاة على الميِّت ، لدلالة الدليل فيهما على اعتبار قصد القربة في الواجب دون المقام.
(4) هذا تفريع على عدم اعتبار قصد التقرب في التحنيط ، وفيه إشكال من جهتين :
الاولى : أنّ الواجب الّذي لم يعتبر فيه قصد التقرب لو كان يسقط بفعل الغير بمعنى عدم اعتبار المباشرة لم يفرق الحال فيه بين أن يأتي به الصبي المميز أو غيره أو
[925] مسألة 3 : يكفي في مقدار كافور الحنوط المسمّى (1)
المجنون ، أو تحقق بغير ذلك من الأسباب الخارجة عن الاختيار ، فإنّه إذا أتى به الصبي غير المميز أو المجنون أجزأ ذلك في مقام الامتثال ، فلا وجه لتخصيص الاجتزاء بما إذا باشره الصبي المميز كما ذكر في المتن.
الثانية : أنّه لا ملازمة بين كون الواجب توصلياً وبين عدم اعتبار المباشرة في سقوطه ، لأنّ النسبة بينهما عموم من وجه ، فقد يكون الواجب تعبّدياً ولا تعتبر فيه المباشرة كما في الزكاة فإن إخراجها واجب تعبّدي مع أنّه لو أخرجها غير المالك بأمر منه على ما عندنا أو مطلقاً على المشهور أجزأ ذلك عن المأمور به.
وقد يكون الواجب توصلياً ولا يسقط بفعل الغير ، بل تعتبر فيه المباشرة مثل رد السلام فإنّه واجب توصلي ولا يسقط إلاّ برد من وجب عليه رد السلام فان ردّ غيره لا يسقطه عن ذمّته ، فلا ملازمة بين كون الواجب توصلياً وكونه ساقطاً من دون المباشرة.
نعم ، قد تقوم القرينة الخارجية على أنّ الغرض من إيجاب العمل ليس إلاّ تحقّقه ووجوده في الخارج بأيّة كيفيّة كانت وحينئذ نلتزم بسقوطه بفعل الغير ولكنّه لأجل القرينة لا لأجل أنّه توصلي ، وعليه فالظاهر عدم الاجتزاء في المقام بفعل غير المكلّفين ولا يسقط التحنيط بفعل الصبي ولا غيره عن ذمّة المكلّفين وإن كان واجباً توصّلياً ، لما دلّ على أنّ القلم مرفوع عن الصبي والمجنون (1).
(1) لإطلاق الأخبار وعدم ورود تحديد وتقدير معين في شيء من النصوص المعتبرة. نعم ، ورد في الفقه الرضوي (2)ومرسلة ابن أبي نجران (3): « إن أقل ما يجزئ في
والأفضل أن يكون ثلاثة عشر درهماً وثلث ، تصير بحسب المثاقيل الصيرفية سبع مثاقيل وحمصتين إلاّ خمس
الحنوط مثقال ». وفي مرسلة أُخرى لابن أبي نجران (1)وفي الفقه الرضوي (2)أيضاً : « إن أقل ما يجزئ من الكافور للميت مثقال ونصف ». وفي رواية الكاهلي والحسين ابن المختار أن مقداره أربعة مثاقيل (3). وفي مرفوعة علي بن إبراهيم أنّ مقداره ثلاثة عشر درهماً وثلث (4).
وهذه بأجمعها ضعيفة السند ، لكونها بين مرسلة ومرفوعة وما لم تثبت كونه رواية أو ضعيفة كرواية الكاهلي لوجود محمّد بن سنان في سندها فلا تثبت هذه المقادير بتلكم الأخبار.
على أن في رواية الكاهلي دلالة على عدم الوجوب حيث ورد فيها : « القصد من ذلك أربعة مثاقيل » والقصد بمعنى المتوسط ولا دلالة فيه على الوجوب.
وأمّا استحباب تلكم المقادير فلا يمكن إثباته بها لضعفها ، اللّهمّ إلاّ أن نقول بالتسامح في أدلّة السنن ولا نقول به.
وأمّا الاستدلال عليه بما ورد من أن تحنيط رسول اللّه صلىاللّهعليهوآلهوسلم كان ثلاثة عشر درهماً وثلثاً (5)لأن فيه تأسياً به صلىاللّهعليهوآلهوسلم ، فيرد عليه أنّ الرواية الدالّة على ذلك ضعيفة فلا يثبت بها موضوع التأسي ليستحب ، نعم لا بأس بالعمل على ما أفتى به الأصحاب من كونه مثقالاً ثمّ مثقالاً ونصفاً ، ثمّ أربعة مثاقيل ثمّ ثلاثة عشر درهماً وثلثاً ، من باب الرجاء دون الاستحباب.
الحمصة (1)(1).
والأقوى أن هذا المقدار لخصوص الحنوط ، لا له وللغسل ، وأقل الفضل مثقال شرعي والأفضل منه أربعة دراهم ، والأفضل منه أربعة مثاقيل شرعية.
[926] مسألة 4 : إذا لم يتمكّن من الكافور سقط وجوب الحنوط ولا يقوم مقامه طيب آخر (2) ،
(1) الظاهر أنّه من الاشتباه في الحساب فإن ثلاثة عشر درهماً وثلثاً إنّما هي سبع مثاقيل فقط لا أزيد منها ، وذلك لأنّها أربعون ثلثاً ، إذ العشرة إذا ضربت بالثلاث صار الحاصل ثلاثين ، وحاصل ضرب الثلاث في الثلاثة تسعة ، فالمجموع تسعة وثلاثون ، ويضاف إليه الثلث الأخير في ثلاثة عشر درهماً وثلثاً يبلغ المجموع أربعين ثلثاً ، وهي ثمانية وعشرون مثقالاً ، لأنّه الحاصل من ضرب السبعة بالأربعة ، فإنّهم ذكروا أن كل عشرة دراهم سبعة مثاقيل شرعية فيكون في الأربعين أثلاث : أربعة سبعات إلاّ ثلاث ، فإذا ضرب الأربعة بالسبعة حصل ثمانية وعشرون ثلثاً.
إذن يكون ذلك بحسب المثقال سبعاً لا أزيد ، إذ كل عشرة دراهم مثقال شرعي كما ذكروه وكل مثقال صيرفي يزيد على المثقال الشرعي بالربع ، فلو نقصنا من ثمانية وعشرين ثلثاً ربعها وهو ما به التفاوت بين المثقال الشرعي والصيرفي بقي واحد وعشرون ثلثاً وهي لو قسّمت إلى ثلاث لأنّها واحد وعشرون ثلث صار سبع مثاقيل بالتمام ، وأمّا بحسب المثقال الصيرفي فهي تسعة مثاقيل إلاّ ربع.
(2) لعدم الدليل عليه ، واعتبار الكافور في التحنيط ليس لأجل أنّه طيب محض ليقوم مقامه سائر أفراد الطيب ، بل من أجل أنّه حنوط أي يمنع عن الفساد وهذا
1) (*) بل سبعة مثاقيل بلا زيادة.
نعم يجوز تطييبه بالذريرة (1) لكنّها ليست من الحنوط ، وأمّا تطييبه بالمسك والعنبر والعود ونحوها ولو بمزجها بالكافور فمكروه (2) بل الأحوط تركه (1).
لا يأتي في غير الكافور من أفراد الطيب.
(1) للنص المعتبر (2)إلاّ أنّ الكلام في موضوعها فإنّه محل الاختلاف ، وعلى تقدير ثبوت معناها أنّها أيّ شيء كما إذا قلنا إنّها نبات معين يدق ويذر على الميِّت يستحب تطييب الميِّت بها.
(2) استدلّ على ذلك بجملة من الروايات لا تخلو من ضعف في السند أو الدلالة أو في كليهما :
منها : مرسلة ابن أبي عمير عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال : « لا يجمر الكفن » (3).
وهي ضعيفة السند بإرسالها ، لما تقدّم مراراً من أن ابن أبي عمير أو غيره قد يروي عن الضعيف ونحتمل أن يكون مراده ببعض الأصحاب هو ذاك الضعيف ، فلا وجه لما يقال من أن مراسيله كمسانيده.
على أنّها ضعيفة دلالة ، لأنّ التجمير عبارة عن جعل شيء في النار للتبخير أي لأن يبخر به الميِّت أو غيره وتقريب النار من الميِّت منهي عنه في بعض الأخبار وهذا أخص من المدّعى وهو قرب الطيب منه.
إذ لا دلالة لها على أن قرب الطيب منه بغير واسطة النار مكروه أيضاً أو منهي عنه.
ومنها : رواية محمّد بن مسلم عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال : قال أمير المؤمنين عليهالسلام : « لا تجمروا الأكفان ولا تمسحوا موتاكم بالطيب إلاّ بالكافور ... » (4).
وهي من حيث الدلالة ظاهرة ، ولكنّها ضعيفة من حيث السند ، لأنّها مروية بطريقين : الكليني (1)والصدوق (2)وهي على طريق الكليني تشتمل على جماعة من الضعاف ، وعلى طريق الصدوق تشتمل على القاسم بن يحيى وجدّه الحسن بن راشد وكلاهما ضعيف كما مرّ في بعض الأبحاث السابقة.
ومنها : رواية يعقوب بن يزيد عن عدّة من أصحابنا عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال : « لا يسخن للميت الماء ، ولا تعجل له النار ولا يحنّط بمسك » (3).
وهي ضعيفة السند لوجود سهل بن زياد ، كما أن دلالتها قاصرة على المدّعى لأنّها إنّما نهت عن التحنيط بالمسك وهذا عنوان آخر ، فانّ التحنيط لا بدّ أن يكون بالكافور فحسب.
وأمّا إذا حنط بالكافور وبعده وضع عليه شيء من الطيب فلا يستفاد منها عدم جوازه بوجه.
ومنها : رواية داود بن سرحان قال : « قال أبو عبد اللّه عليهالسلام لي في كفن أبي عبيدة الحذاء : إنّما الحنوط الكافور ... » (4).
وهي من حيث الدلالة كسابقتها إذ الكلام إنّما هو في قرب الطيب من الميِّت لا في التحنيط بغير الكافور ، ولا دلالة لها على عدم جواز قرب الطيب منه بعد تحنيطه بالكافور.
وأمّا من حيث السند فهي ضعيفة أيضاً ، لأن في سندها بطريق الكليني صالح بن السندي وهو ضعيف (5)وفي طريق الشيخ إلى محمّد بن الحسين بن أبي الخطاب ضعف (6)ولا يمكن الاعتماد على الرواية بوجه ، فما في بعض الكلمات من توصيف
الرواية بالصحيحة ممّا لا وجه له.
ومنها : رواية أُخرى لداود بن سرحان حيث ورد فيها « واعلم أنّ الحنوط هو الكافور » (1).
ويرد عليها من حيث الدلالة ما تقدم في غيرها ، ومن حيث السند وجود محمّد بن سنان وهو ضعيف.
ومنها : رواية دعائم الإسلام الدالّة على النهي عن أن يحنط الميِّت بالطيب أو يقرب منه ذلك (2).
ولكنّها ضعيفة السند بالإرسال وإن كان مؤلفه جليل القدر كما ذكرناه مراراً. على أنّ التحنيط مغاير لتقريب الطيب من الميِّت كما مرّ.
ومنها : رواية الفقه الرضوي : وروى أنّه لا يقرب الميِّت من الطيب شيئاً (3). وهي من حيث الدلالة ظاهرة إلاّ أنّها لم تثبت كونها رواية فضلاً عن اعتبارها.
فتحصل : أن ما استدلّ به من الأخبار بين مرسلة وضعيفة لا يمكن الاعتماد عليها في الحكم بالكراهة فضلاً عن عدم الجواز ، فلا موجب للاحتياط فضلاً عن أن يكون الاحتياط لزومياً. نعم ، بناءً على التسامح في أدلّة السنن وتسريته إلى المكروهات لا بأس بالحكم بكراهة قرب الطيب من الميِّت ، إلاّ أنّا لا نلتزم به كما مرّ.
وممّا يدلّنا على جواز قرب الطيب من الميِّت ما ورد في جملة من الأخبار المعتبرة وغيرها من أنّ الميِّت المحرم وغير المحرم سيان إلاّ في أنّ المحرم لا يقرب منه طيب غير الكافور (4). لدلالتها على أن غير المحرم يجوز أن يقرب منه الطيب وإلاّ لم يكن فرق بين المحرم والمحل حتّى من هذه الجهة ، مع أنّ الأخبار مصرحة بالفرق بينهما من هذه الجهة.
[927] مسألة 5 : يكره إدخال الكافور في عين الميِّت أو أنفه أو أُذنه (1).
[928] مسألة 6 : إذا زاد الكافور يوضع على صدره (2).
[929] مسألة 7 : يستحب سحق الكافور باليد لا بالهاون.
[930] مسألة 8 : يكره وضع الكافور على النعش.
[931] مسألة 9 : يستحب خلط الكافور بشيء من تربة الحسين عليهالسلام لكن لا يمسح به المواضع المنافية للاحترام.
[932] مسألة 10 : يكره إتباع النعش بالمجمرة ، وكذا في حال الغسل.
[933] مسألة 11 : يبدأ في التحنيط (1)بالجبهة ، وفي سائر المساجد مخيّر.
[934] مسألة 12 : إذا دار الأمر بين وضع الكافور في ماء الغسل أو يصرف في التحنيط يقدّم الأوّل (3).
(1) للنص الوارد على ذلك في بعض الأخبار (2).
(2) قد ذكر الفقهاء أنّ الكافور إذا زاد على المساجد يوضع على الصدر ، وذكره الماتن قدسسره على وجه الإطلاق ، وظاهره أنّه إذا زاد على المساجد وغيرها من المواضع المستحب تحنيطها يوضع على الصدر ، وهذا ممّا لم نقف له على دليل سوى ما في الفقه الرضوي : « وتلقي ما بقي على صدره وفي وسط راحته » (3)بعد بيان مسح المساجد والمفاصل وغيرها من المواضع. فعلى ذلك كان اللاّزم على الماتن إضافة الراحتين على الصدر لوروده في الفقه الرضوي الّذي هو المستند لحكمه.
(3) وذلك لما ذكرناه في الأغسال الثلاثة الواجبة في غسل الميِّت (4)وقلنا إنّه إذا لم
وإذا دار في الحنوط بين الجبهة وسائر المواضع تُقدّم الجبهة (1)(1).
يتمكّن إلاّ من الماء في واحد أو اثنين منها تعين أن يصرفه في الأوّل منها ويتيمم في الثاني أو الأخير ، وذلك لأنّه في الأوّل متمكّن من الماء فلا مسوّغ له للتيمم بدلاً عن الغسل ، وهذا بخلاف ما إذا عمل بوظيفته وصرف الماء في التغسيل فإنّه في الثاني أو الثالث إذا لم يتمكّن من الماء يسقط عنه الأمر بالتغسيل لعجزه فتصل النوبة إلى التيمم كما مرّ.
وبما أنّ المكلّف في المقام متمكّن من التغسيل والكافور على الفرض فلا يجوز له ترك ذلك إبقاءً للكافور للتحنيط ، بل لا بدّ من أن يصرفه في الغسل الواجب لتمكّنه منه ، وإذا انتهى الأمر إلى التحنيط ولم يجد المكلّف الكافور سقط عنه الأمر به للعجز.
وهذا لا يختص بالمقام بل الأمر كذلك في كل واجبين لا يتمكّن المكلّف إلاّ من أحدهما ، فإنّ الأوّل واجب التقديم حينئذ وفي الثاني إمّا أن يسقط الوجوب للعجز رأساً وإمّا أن ينتقل إلى بدله.
ومن هنا لو لم يتمكّن في شهر رمضان إلاّ من صيام خمسة عشر يوماً ليس له الإفطار في الأيّام الأُول إبقاءً لقدرته إلى الأيّام المتأخرة ، بل يجب عليه الصوم في النصف الأوّل ، وإذا صرف قدرته في النصف الأوّل فهو عاجز في النصف الثاني فيسقط عنه الأمر بالصوم ويجوز له أن يفطر لا محالة.
(1) لا دليل على تقديم الجبهة في التحنيط عند التمكّن من تحنيط جميع المواضع ، فإنّ الأدلّة مطلقة ولا فرق فيها بين الجبهة وغيرها ، فإذا دار الأمر في التحنيط بينها وبين غيرها لم يكن معين للجبهة بوجه. فالحكم بتحنيط الجبهة أوّلاً عند التمكّن من التحنيط في سائر المواضع وعدمه مبني على الاحتياط.
1) (*) على الأحوط الأولى.
من المستحبّات الأكيدة عند الشيعة وضعهما مع الميِّت صغيراً أو كبيراً ، ذكراً أو أُنثى ، محسناً أو مسيئاً ، كان ممن يخاف عليه من عذاب القبر أو لا ، ففي الخبر : « إنّ الجريدة تنفع المؤمن والكافر والمحسن والمسيء وما دامت رطبة يرفع عن الميِّت عذاب القبر » وفي آخر : « إنّ النبيّ صلىاللّهعليهوآلهوسلم مرّ على قبر يعذّب صاحبه فطلب جريدة فشقها نصفين فوضع أحدهما فوق رأسه والأُخرى عند رجله وقال : يخفف عنه العذاب ما داما رطبين » وفي بعض الأخبار أنّ آدم عليهالسلام أوصى بوضع جريدتين في كفنه لُانسه ، وكان هذا معمولاً به بين الأنبياء وترك في زمان الجاهلية فأحياه النبيّ صلىاللّهعليهوآلهوسلم.
[935] مسألة 1 : الأولى أن تكونا من النخل وإن لم يتيسر فمن السدر ، وإلاّ فمن الخلاف أو الرمان وإلاّ فكل عود رطب.
[936] مسألة 2 : الجريدة اليابسة لا تكفي.
[937] مسألة 3 : الأولى أن تكون في الطول بمقدار ذراع وإن كان يجزي الأقل والأكثر. وفي الغلظ كل ما كان أغلظ أحسن من حيث بطء يبسه.
[938] مسألة 4 : الأولى في كيفيّة وضعهما أن يوضع إحداهما في جانبه الأيمن من عند الترقوة إلى ما بلغت ملصقة ببدنه ، والأُخرى في جانبه الأيسر من عند الترقوة فوق القميص تحت اللفافة إلى ما بلغت. وفي بعض الأخبار أن يوضع إحداهما تحت إبطه الأيمن ، والأُخرى بين ركبتيه بحيث يكون نصفها يصل إلى الساق ونصفها إلى الفخذ. وفي بعض آخر : يوضع كلتاهما في جنبه الأيمن ، والظاهر تحقّق الاستحباب بمطلق الوضع معه في قبره.
[939] مسألة 5 : لو تركت الجريدة لنسيانٍ ونحوه جعلت فوق قبره.
[940] مسألة 6 : لو لم تكن إلاّ واحدة جعلت في جانبه الأيمن.
[941] مسألة 7 : الأولى أن يكتب عليهما اسم الميِّت واسم أبيه وأنّه يشهد أن لا إله إلاّ اللّه وأنّ محمّداً رسول اللّه صلىاللّهعليهوآلهوسلم وأنّ الأئمة من بعده أوصياؤه ويذكر أسماءهم واحداً بعد واحد.
يُستحب لأولياء الميِّت إعلام المؤمنين بموت المؤمن ليحضروا جنازته والصّلاة عليه والاستغفار له. ويستحب للمؤمنين المبادرة إلى ذلك ، وفي الخبر : « إنّه لو دعي إلى وليمة وإلى حضور جنازة قدّم حضورها ، لأنّه مذكر للآخرة كما أنّ الوليمة مذكرة للدنيا » وليس للتشييع حد معيّن ، والأولى أن يكون إلى الدفن ودونه إلى الصلاة عليه والأخبار في فضله كثيرة ففي بعضها : « أوّل تحفة للمؤمن في قبره غفرانه وغفران من شيعة » وفي بعضها : « من شيّع مؤمناً لكل قدم يكتب له مائة ألف حسنة ويُمحى عنه مائة ألف سيّئة ويُرفع له مائة ألف درجة وإن صلّى عليه يُشيعه حين موته مائة ألف ملك يستغفرون له إلى أن يُبعث » وفي آخر : « من مشى مع جنازة حتّى صلّى عليها له قيراط من الأجر وإن صبر إلى دفنه له قيراطان والقيراط مقدار جبل أُحد » وفي بعض الأخبار : يُؤجر بمقدار ما مشى معها.
أحدها : أن يقول إذا نظر إلى الجنازة : « ( إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ ) ، اللّه أكبر ، ( هذا ما وَعَدَنَا اللّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللّهُ وَرَسُولُهُ ) ، اللّهمّ زدنا إيماناً وتسليماً ، الحمد لله
الّذي تعزّز بالقدرة وقهر العباد بالموت » وهذا لا يختص بالمشيع ، بل يُستحب لكل من نظر إلى الجنازة كما أنّه يُستحب له مطلقاً أن يقول : « الحمد لله الّذي لم يجعلني من السواد المخترم ».
الثاني : أن يقول حين حمل الجنازة : « بسم اللّه وباللّه وصلّى اللّه على محمّد وآل محمّد اللّهمّ اغفر للمؤمنين والمؤمنات ».
الثالث : أن يمشي ، بل يكره الركوب إلاّ لعذر. نعم ، لا يكره في الرجوع.
الرابع : أن يحملوها على أكتافهم لا على الحيوان إلاّ لعذر كبعد المسافة.
الخامس : أن يكون المشيع خاشعاً متفكراً متصوراً أنّه هو المحمول ويسأل الرجوع إلى الدُّنيا فأُجيب.
السادس : أن يمشي خلف الجنازة أو طرفيها ولا يمشي قدامها ، والأوّل أفضل من الثاني. والظاهر كراهة الثالث خصوصاً في جنازة غير المؤمن.
السابع : أن يلقى عليها ثوب غير مزين.
الثامن : أن يكون حاملوها أربعة.
التاسع : تربيع الشخص الواحد بمعنى حمله جوانبها الأربعة. والأولى الابتداء بيمين الميِّت يضعه على عاتقه الأيمن ثمّ مؤخرها على عاتقه الأيمن ثمّ مؤخرها الأيسر على عاتقه الأيسر ثمّ ينتقل إلى المقدم الأيسر واضعاً له على العاتق الأيسر يدور عليها.
العاشر : أن يكون صاحب المصيبة حافياً واضعاً رداءه أو يغيِّر زيّه على وجه آخر بحيث يعلم أنّه صاحب المصيبة.
أحدها : الضحك واللّعب واللّهو.
الثاني : وضع الرداء من غير صاحب المصيبة.
الثالث : الكلام بغير الذِّكر والدُّعاء والاستغفار حتّى ورد المنع عن السلام على المشيع.
الرابع : تشييع النِّساء الجنازة وإن كانت للنِّساء.
الخامس : الإسراع في المشي على وجه ينافي الرفق بالميت ولا سيما إذا كان بالعدو ، بل ينبغي الوسط في المشي.
السادس : ضرب اليد عن الفخذ أو على الأُخرى.
السابع : أن يقول المصاب أو غيره : « ارفقوا به ، أو استغفروا له ، أو ترحّموا عليه » وكذا قول : « قفوا به ».
الثامن : إتباعها بالنار ولو مجمرة إلاّ في اللّيل فلا يكره المصباح.
التاسع : القيام عند مرورها إن كان جالساً إلاّ إذا كان الميِّت كافراً لئلاّ يعلو على المسلم.
العاشر : قيل : ينبغي أن يمنع الكافر والمنافق والفاسق من التشييع.
إلى هنا نختم الكلام في هذا الجزء من الكتاب
حامدين مصلِّين ونسأل اللّه العلي القدير التوفيق لإتمام بقيّة أجزائه
فإنّه خير موفِّق ومعين.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام علی خاتم الأنبياء والمرسلين محمد وآله الطيبين الطاهرين.
وبعد فهذا هو الجزء التّاسع من کتابنا «التنقيح» في شرح العروة الوثقی، وقد وفّقنا الله للشروع في طبعه، ونسأله تعالی أن يوفقنا لإتمامه وإکمال بقيّة أجزائه، فإنّه خير موفّق ومعين.
شوال المکرّم 1409
يجب الصّلاة على كل مسلم ، من غير فرق بين العادل والفاسق والشّهيد وغيرهم حتى المرتكب للكبائر ، بل ولو قتل نفسه عمداً .
فصل في الصّلاة على الميِّت
(1) الكلام في هذه المسألة يقع من جهات :
الجهة الأُولى : المعروف بين الأصحاب وجوب الصلاة على كل مسلم ، من غير فرق بين العادل والفاسق حتى المرتكب للكبائر بل القاتل نفسه عمداً ، كما لا فرق بين المؤمن والمخالف ، لكن نسب الخلاف في ذلك إلى جملة من المتقدمين حيث قصروا الحكم على المؤمن دون المخالف ، وقواه كاشف اللثام (1)، وذكر في المدارك أنه غير بعيد (2).
وفيه : أن المناقشة في وجوب الصلاة على المخالفين إن كانت مستندة إلى عدم إسلامهم وإلى كونهم كفرة كما ذهب إليه بعضهم ورأى أن معاملة الإسلام معهم إنما هو من باب التقية إلى أن يظهر القائم ( عجل اللّه فرجه ) وإلاّ فإنهم محكومون بالكفر حقيقة ففيه : أنّا ذكرنا في محله أن الإسلام لا يعتبر فيه الإيمان ، وإنما تترتب أحكام الإسلام على مجرّد إظهار الشهادتين ، وبذلك حقنت الدماء وجرت المواريث وجاز النكاح (3)فلا فرق بين المؤمن والمخالف من هذه الجهة. على أنهم لو كانوا كفرة فلما ذا
وجب تغسيلهم ، فان الكافر لا يغسل ولا يكفن وحاله حال الحيوانات ، فاما أن نلتزم بوجوب الصلاة في حقهم لإسلامهم أو نلتزم بعدم وجوب التغسيل للمخالفين لكفرهم.
وإن كانت المناقشة مستندة إلى عدم دليل صالح للاستدلال به وللتمسك بإطلاقه بالإضافة إلى المخالفين كما ربما يلوح من كلمات بعضهم ، ففيه : أن هناك جملة كثيرة من المطلقات تدلنا على أن كل ميت تجب الصلاة عليه من دون تقييده بالمؤمن ولا بالمسلم ، ومقتضى إطلاقها وجوبها حتى على الكافر ، وإنما الخروج عن ذلك يحتاج إلى دليل. وهذه الأخبار فيها المعتبرة والضعيفة ، ولا يبعد بلوغها مرتبة التواتر وإن كانت المعتبرة منها كثيرة في نفسها.
والغرض أن الدليل لا ينحصر في روايتين إحداهما معتبرة والأُخرى ضعيفة لنحتاج إلى دعوى انجبار ضعفها بعملهم كما ذكره المحقق الهمداني قدسسره (1)وغيره. وإليك جملة من الأخبار :
منها : موثقة أبي مريم الأنصاري عن الصادق عليهالسلام أنه قال : « الشهيد إذا كان به رمق غسل وكفن وحنط وصلِّي عليه ، وإن لم يكن به رمق كفن في أثوابه » (2).
والوجه في كونها موثقة أن في طريق الصدوق إلى أبي مريم أبانَ بن عثمان ، وهو موثق. وقد دلتنا على أن غير الشهيد أي الذي كان به رمق تجب عليه الصلاة والتغسيل والتكفين والتحنيط ، وإنما خرج الشهيد عنه ، ولا نحتمل أن يكون للموت في المعركة دخل في ثبوت الحكم ، بأن يكون وجوب الصلاة أو الدّفن أو الكفن مختصاً بالمقتول في المعركة غير شهيد.
ومنها : صحيحة أبان بن تغلب قال : « سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن الذي يقتل في سبيل اللّه أيغسل ويكفن ويحنط؟ قال : يدفن كما هو في ثيابه إلاّ أن يكون به
رمق ، فان كان به رمق ثم مات فإنه يغسل ويكفن ويحنط ويصلى عليه ... » (1)بعين التقريب المتقدِّم ، لدلالتها على أن غير الشهيد لا بدّ من تغسيله وتكفينه والصلاة عليه.
ومنها : صحيحة علي بن جعفر أنه « سأل أخاه موسى بن جعفر عليهماالسلام عن الرجل يأكله السبع أو الطير فتبقى عظامه بغير لحم كيف يصنع به؟ قال : يغسل ويكفن ويصلى عليه ويدفن » (2)فان طريق الصدوق إلى علي بن جعفر صحيح ، وقد دلّت على أن مطلق الميِّت يجب تغسيله وتكفينه والصلاة عليه مؤمناً كان أو مخالفا.
ومنها : صحيحة الفضيل بن عثمان الأعور عن الصادق عن أبيه عليهماالسلام : « في الرجل يقتل فيوجد رأسه في قبيلة ووسطه وصدره ويداه في قبيلة والباقي منه في قبيلة ، قال : ديته على من وجد في قبيلته صدره ويداه والصلاة عليه » (3).
وقد قدمنا أن الموجود في السند وإن كان هو الفضل بن عثمان ولكن ذكر في طريق الصدوق إلى الرجل الفضيل بن عثمان ، والأمر سهل ، ولعلّه قد يعبّر عنه بهذا تارة وأُخرى بذاك.
ومنها : صحيحة خالد بن ماد القلانسي عن أبي جعفر عليهالسلام قال : « سألته عن رجل يأكله السبع أو الطير فتبقى عظامه بغير لحم كيف يصنع به؟ قال : يغسل ويكفن ويصلى عليه ويدفن ، فاذا كان الميِّت نصفين صلِّي على النصف الذي فيه قلبه » (4).
ومنها : موثقة طلحة بن زيد عن أبي عبد اللّه عليهالسلام أنه قال : « لا يصلى على عضو رجل أو يد أو رأس منفرداً ، فاذا كان البدن فصل عليه وإن كان ناقصاً من الرأس واليد والرجل » (5).
ولا إشكال في سندها إلاّ من جهة طلحة بن زيد ، حيث ذكروا أنه ضعيف ، إلاّ أن الشيخ ذكر أن كتابه معتمد عليه بين الأصحاب (1)وهو توثيق للرجل ، ومنه يظهر أن ضعفه إنما كان في عقيدته وإيمانه لا في وثاقته ورواياته.
ومنها : موثقته الأُخرى عن أبي عبد اللّه عن أبيه عليهماالسلام قال : « صل على من مات من أهل القبلة وحسابه على اللّه » (2)وقد عرفت وثاقة الرجل فلا إشكال في سندها.
ومنها : صحيحة أو حسنة محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليهالسلام قال : « إذا قتل قتيل فلم يوجد إلاّ لحم بلا عظم لم يصل عليه ، وإن وجد عظم بلا لحم صلِّي عليه » (3)صلاة الجنائز.
وممّا استدلّوا به على وجوب الصلاة على المؤمن والمخالف رواية السكوني عن جعفر عن أبيه عن آبائه عليهمالسلام قال « قال رسول اللّه صلىاللّهعليهوآله : صلّوا على المرجوم من أُمتي وعلى القاتل نفسه ، لا تَدَعوا أحداً من أُمّتي بلا صلاة » (4).
والغرض من التعرض لهذه الرواية أن صاحب الوسائل رواها عن محمد بن سعيد عن غزوان السكوني ، والشيخ في التهذيب عن محمد بن سعيد عن غزوان عن السكوني (5).
وذكر الأردبيلي قدسسره في جامع الرواة أن كلا النسختين غلط والصحيح محمد بن سعيد بن غزوان عن السكوني ، وذلك بقرينة أن محمد بن سعيد بن غزوان كثيراً ما يروي عن السكوني ، على أنه ليس من المعنونين بالسكوني من يسمى بغزوان (6).
وما ذكره قدسسره هو الصحيح ، لأن الشيخ رواها في الاستبصار عن محمد بن سعيد بن غزوان عن السكوني (1)، وكأن الأردبيلي لم يراجع الاستبصار وإلاّ لاستشهد به على ما استنبطه ، نعم الرواية ضعيفة بمحمد بن سعيد.
ومنها : غير ذلك من الأخبار المعتبرة التي لا يبعد تواترها ، وبهذا يظهر صحّة ما ذهب إليه المشهور من عدم الفرق في وجوب الصلاة على الميِّت بين الموافق والمخالف.
الجهة الثانية : هل يجب تحنيط الشهيد أو لا يجب تحنيطه كما لا يجب تغسيله ولا تكفينه؟
قد يبدو من تعرض الفقهاء لحكم الشهيد في بابي التغسيل والتكفين ومن استثنائهم إياه عن وجوبهما وعدم تعرضهم له في باب التحنيط وعدم استثنائهم إياه عن وجوبه أن الشهيد يجب تحنيطه.
إلاّ أن الأمر ليس كذلك ، فان الشهيد لا يجب تحنيطه كما لا يجب تغسيله وتكفينه وذلك لما استفدناه من الأخبار الواردة في الشهيد من أن التحنيط يلازم التكفين فمتى وجب التكفين وجب التحنيط ، وحيث إن الشهيد لا يجب تكفينه فلا يجب تحنيطه أيضاً.
ففي موثقة أبي مريم الأنصاري (2): « الشهيد إذا كان به رمق غسل وكفن وحنط وصلِّي عليه ، وإن لم يكن به رمق كفن في أثوابه » حيث دلت على أن التحنيط إنما هو فيما إذا وجب تكفين الميِّت كما إذا لم يكن شهيداً أو قد أدركه المسلمون وبه رمق ، وأما إذا وجب أن يدفن بثيابه ولم يجب تكفينه لم يجب تحنيطه أيضاً.
بل صرح في صحيحة زرارة أو حسنته بأن الشهيد لا يحنط ، حيث ورد فيها : « قلت له : كيف رأيت الشهيد يدفن بدمائه؟ قال : نعم في ثيابه بدمائه ولا يحنط ولا يغسل ويدفن كما هو » (3).
نعم إذا جرّد الشهيد عن ثيابه ووجب أن يكفن نلتزم فيه بوجوب التحنيط للمطلقات الآمرة به ، فان موضوع عدم وجوب التحنيط هو الذي يدفن بثيابه ، فاذا جرّدت ثياب الشهيد ولم يدفن بثيابه انتفى موضوع عدم الوجوب ووجب تحنيطه للمطلقات.
الجهة الثالثة : ورد في بعض الأخبار ما ظاهره أن الشهيد لا تجب الصلاة عليه كما لا يجب له التغسيل والتكفين والتحنيط ، وهي رواية عمار : « إنّ علياً عليهالسلام لم يغسل عمار بن ياسر ولا هاشم بن عتبة المرقال ودفنهما في ثيابهما ولم يصل عليهما » (1)وأوّلها صاحب الوسائل قدسسره بأن عليّاً عليهالسلام لم يصل عليهما ، ولعلّه كان صلّى عليهما غيره فلا دلالة لها على عدم وجوب الصلاة على الشهيد.
وذكر بعضهم أنها من مفتريات العامّة على عليّ عليهالسلام لأنه كيف يترك الصلاة عليهما مع أنها واجبة على الشهيد؟!
والإنصاف أن ظاهر الرواية يدل على عدم وجوب الصلاة على الشهيد ، لبعد أن تكون واردة لبيان القصة ولمجرّد التأريخ فحسب وأن علياً لم يصل عليهما ، إلاّ أنها ضعيفة سنداً وإن رويت بعدة طرق إلاّ أن جميعها في سندها مسعدة بن صدقة (2)وهو ضعيف فلا يمكن الاعتماد عليها ، بل قد ورد في بعض الأخبار أن الشهيد يصلّى عليه وأن رسول اللّه صلىاللّهعليهوآله صلّى على حمزة (3)فليراجع.
الجهة الرابعة : روى صاحب الوسائل في الباب الثالث عشر من صلاة الجماعة عن زيد بن علي عن آبائه عن علي عليهالسلام قال : « الأغلف لا يؤم القوم وإن كان أقرأهم ، لأنه ضيع من السنة أعظمها ، ولا تقبل له شهادة ولا يصلى عليه إلاّ أن يكون ترك ذلك خوفاً على نفسه » (4).
ومقتضى ظاهرها عدم وجوب الصلاة على الأغلف ، إلاّ أن الرواية ضعيفة السند بالحسين بن علوان وغيره فلا يمكن الاعتماد عليها في قبال المطلقات الدالّة على وجوب صلاة الأموات على كل مسلم.
الجهة الخامسة : روى في الوسائل في كتاب الأشربة المحرمة روايتين تدلان بظاهرهما على أن شارب الخمر لا يصلى عليه :
إحداهما : ما عن أبي بصير عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال « قال رسول اللّه صلىاللّهعليهوآله : لا أُصلِّي على غريق خمر » (1).
وثانيتهما : موثقة عمار قال : « سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن الرجل يكون مسلماً عارفاً إلاّ أنه يشرب المسكر هذا النبيذ ، فقال : يا عمار إن مات فلا تصل عليه » (2)ولا دلالة في شيء منهما على عدم جواز الصلاة على شارب الخمر.
أما الرواية الاولى فلأن الوارد فيها « غريق خمر » بفتح الغين وكسرها لأنهما بمعنى واحد ، غاية الأمر أن الماء إذا أحاط به فمات فيقال له غريق بالفتح وإن لم يمت فهو غريق بالكسر وهذا لا يصح إطلاقه إلاّ على من كان مدمن الخمرة ومستمرّاً على شربها على الدوام بحيث صح أن يقال إنه غريق في الخمر ، وهذا غير شارب الخمر كما لا يخفى.
على أنها لا تدل إلاّ على أن رسول اللّه صلىاللّهعليهوآله كان لا يصلِّي عليه ولعله لأجل مبغوضيته عند اللّه ، ولم تدل على نهي الناس عن الصلاة عليه ، مضافاً إلى أنها ضعيفة السند بمحرز فلا يمكن الاعتماد عليها بوجه.
وأما الرواية الثانية فهي من حيث السند موثقة ، لأن طريق الشيخ إلى عمار صحيح ، إلاّ أن دلالتها قاصرة ، لأن نهي شخص عن المباشرة والتصدي للواجب الكفائي لا يدل على سقوطه عن ذمة الجميع ، ولعله إنما أراد أن لا يقوم عمار بذلك الواجب الكفائي لما فيه من الحزازة.
ولا تجوز على الكافر بأقسامه حتى المرتد فطريّاً (1) أو مليّاً مات بلا توبة (2).
على أنّا لو سلمنا دلالتها عليه فهي معارضة بما هو أقوى منها دلالة وسنداً ، وهو صحيحة هشام بن سالم عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال « قلت له : شارب الخمر والزاني والسارق يصلى عليهم إذا ماتوا؟ فقال : نعم » (1)فإنها صريحة في الجواز وصحيحة السند ، غاية الأمر أن نحمل الموثقة على الكراهة جمعاً بين الروايتين. هذا تمام الكلام في الجهات التي ينبغي التعرض لها في المقام.
(1) لقوله تعالى ( وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ ) (2).
وموثقة عمار عن أبي عبد اللّه عليهالسلام : « أنه سئل عن النصراني يكون في السفر وهو مع المسلمين فيموت ، قال : لا يغسله مسلم ولا كرامة ولا يدفنه ولا يقوم على قبره وإن كان أباه » (3). وهي وإن كانت واردة في النصراني إلاّ أنها تدل على ثبوت الحكم في غيره من فرق الكفار كالمجوسي واليهودي والملحد والمشرك وغيرها بالأولوية ، لأن النصراني أقل خبثاً وكفراً من غيره فاذا ثبت الحكم في حقه ثبت في غيره بالأولوية.
والمرتد داخل في أقسام الكفار ومشمول لهذا الحكم ، هذا كله. مضافاً إلى السيرة القطعية الجارية على عدم إقامة الصلاة على الكفار مطلقاً نصرانياً كان أو غيره.
(2) ظاهر ذلك أنه راجع إلى المرتد عن ملة وأنه إذا تاب قبل أن يموت يصلى عليه وتجري عليه بقية أحكام المسلمين ، وهذا بخلاف المرتد عن فطرة فإنه تاب أم لم يتب لا يُصلّى عليه.
ولا تجب على أطفال المسلمين إلاّ إذا بلغوا ست سنين (1)
وفيه : أنّا قدمنا أن الفطري كالملي تقبل توبته ويعامل معه معاملة المسلمين ، ولا ينافي هذا وجوب قتله وبينونة زوجته وانتقال أمواله إلى ورثته ، فهو ميت تعبداً ولا تقبل توبته من هذه الجهات وتقبل في غيرها ، وبهذا صرح الماتن في التكلم عن مطهرية الإسلام وقبول توبته وعدمه (1)، ومعه لا وجه لهذا التقييد إلاّ أن نرجعه إلى المرتد بكلا قسميه وأنه لو تاب قبل موته صلِّي عليه.
(1) هذا هو المعروف والمشهور بل ادعي عليه الإجماع. وعن ابن الجنيد وجوب الصلاة على المستهل من الأطفال (2)أي على كل طفل ولد حياً ، وهذا موافق للعامة لأنهم ملتزمون به. وعن ابن أبي عقيل عدم وجوبها إلاّ إذا بلغ (3)، وإليه مال في الوافي حيث ذكر أن الصلاة إنما تجب على الميِّت الطفل فيما إذا كان الطفل وجبت عليه الصلاة في حياته وتستحب إذا كانت الصلاة مستحبة عليه ، كما إذا عقل الصلاة وكان له ست سنين ، ولا تشرع إذا لم تكن الصلاة مشروعة عليه كما إذا كان الطفل أقل من ست سنين (4)، هذه هي أقوال المسألة.
ويدلّ على القول المعروف صحيحة زرارة وعبد اللّه الحلبي عن أبي عبد اللّه عليهالسلام : « أنه سئل عن الصلاة على الصبي متى يصلى عليه؟ قال : إذا عقل الصلاة قلت : متى تجب الصلاة عليه؟ فقال : إذا كان ابن ست سنين ، والصيام إذا أطاقه » (5). فان قوله : « إذا عقل الصلاة » وإن كان لا يدل على التحديد بحسب الزمان وإنما يدل
على التحديد بما إذا عقل الصلاة ، إلاّ أن قوله في الجواب عن الزمان الذي تجب الصلاة عليه : « إذا كان ابن ست سنين » يدلنا على أن عقل الصلاة إنما يبدأ بست سنين ، إذ لا معنى للأمر عليه بالصلاة وهو لا يعقل الصلاة.
نعم مقتضى إطلاق تلك الجملة « إذا عقل الصلاة » أن الطفل إذا عقل الصلاة وهو ابن خمس سنين لا بدّ من الصلاة على جنازته ، فإن النسبة بينهما عموم من وجه ، إذ قد يكون الطفل ذكيا يعقل الصلاة قبل الست وقد يكون غبياً لا يعقلها بعد السبع وقد يعقلها ابن ست سنين ، إلاّ أنه لا بدّ من تقييدها بما إذا كان له ست سنين بمقتضى الصحيحة الثانية له الواردة في موت ابنٍ لأبي جعفر عليهالسلام حيث ورد فيها : « أما إنه لم يكن يصلى على مثل هذا ، وكان ابن ثلاث سنين ، كان علي عليهالسلام يأمر به فيدفن ولا يصلى عليه ولكن الناس صنعوا شيئاً فنحن نصنع مثله ، قال قلت : فمتى تجب عليه الصلاة؟ فقال : إذا عقل الصلاة وكان ابن ست سنين » (1).
فان قوله : « وكان ابن ست سنين » إما عطف تفسير وبيان للجملة السابقة عليه إذا قلنا إن عقل الصلاة لا يتحقق إلاّ في ست سنين ، وإمّا تقييد لإطلاقها إذا عقل الصلاة ، حيث يمكن تحققه قبل الست وفي الست فنقيده بما إذا كان عقلها وهو ابن ست سنين لا قبلها ، كما أنه بذلك نقيد إطلاق الصحيحة الأُولى.
واحتمال أن قوله في الصحيحة الثانية : « فمتى تجب الصلاة عليه » (2)معناه : متى تجب على نفس الصبي الصلاة وليس معناه السؤال عن الزمان الذي تجب فيه الصلاة على جنازته ، ساقط لأن كلمة الفاء في قوله « فمتى » كالصريح في أن السؤال إنما هو عن الزمان الذي تجب فيه الصلاة على جنازته ، وذلك لأنه عليهالسلام قبل ذلك نفى وجوبها على الطفل الذي له ثلاث سنين فسأله الراوي تفريعاً على ذلك عن الزمان الذي تجب فيه الصلاة على جنازة الطفل فأجاب عليهالسلام : « إذا عقل ... ».
وهناك صحيحة ثالثة رواها محمد بن مسلم : « في الصبي متى يصلى عليه؟ قال : إذا
عقل الصلاة ، قلت : متى يعقل الصلاة وتجب عليه؟ قال : لِست سنين » (1)كذا في الحدائق (2)، وعليه فهي صريحة فيما ادعاه المشهور في المقام وتدل على أن عقل الصلاة يلازم ست سنين.
إلاّ أنها في الوسائل والتهذيب رويت من دون لفظة « عليه » هكذا : « متى يصلِّي؟ قال : إذا عقل ... » (3). وعليه فالصحيحة خارجة عن محل الكلام ، والظاهر أن الاشتباه من صاحب الحدائق قدسسره فان التهذيب والوسائل خاليان عن لفظة ( عليه ) بل لو كانت الرواية كما ينقلها في الحدائق لوجب أن يذكرها صاحب الوسائل في باب الصلاة على الموتى الأطفال ، ولم يكن مناسباً نقلها في باب استحباب أمر الصبيان بالصلاة.
وكيف كان ، فالصحيحة غير صريحة في مدعى المشهور إلاّ أنها مع ذلك تدل على الملازمة بين عقل الصبي وست سنين ، ويمكن أن يقيد بها الصحيحة المتقدمة.
كما أنه بذلك يظهر المراد مما ورد في صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى عليهالسلام قال : « سألته عن الصبي أيصلّى عليه إذا مات وهو ابن خمس سنين؟ قال : إذا عقل الصلاة فصلّ عليه » (4). فان معناها على ما ذكرناه أن الصلاة على الطفل الميِّت إنما تجب إذا عقل الصلاة بأن يتم له ست سنين ، وحيث إن الطفل الذي له خمس سنين لم يعقل الصلاة فلا تجب الصلاة على جنازته ، هذا كله فيما سلكه المشهور.
وأما ما ذهب إليه ابن الجنيد فتدل عليه جملة من الأخبار المعتبرة الدالّة على الأمر بالصلاة على الطفل إذا تولد حيّاً (5)، إلاّ أنها معارضة بالأخبار المتقدمة الدالّة على أنها إنما تجب فيما إذا بلغ ست سنين ، وما ورد في أن الصلاة لا تجب على الطفل وإنما
صنعه الإمام عليهالسلام مراعاة لما صنعه الناس أو كراهية أن يقولوا إن الشيعة أو بني هاشم لا يصلون على أطفالهم ، وإلاّ فإن النبي صلىاللّهعليهوآله لم يصل على ولده حين مات ، وعلي عليهالسلام لم يكن صلّى على الطفل.
فما ذهب إليه ابن الجنيد مما لا دليل عليه ، فان الأخبار الدالّة على ما ذهب إليه لا بدّ من حملها على الاستحباب جمعاً بينها وبين ما تقدم من الأخبار الدالّة على أن وجوب الصلاة على الطفل منوط بما إذا عقل الصلاة حال حياته ، أو أن تحمل على التقية ، لدلالة جملة من الأخبار المشار إليها على أن الإمام عليهالسلام صلّى على ولده تقية ولئلاّ يقول الناس إنهم لا يصلون على أطفالهم (1).
نعم في رواية قدامة بن زائدة قال : « سمعت أبا جعفر عليهالسلام يقول : إن رسول اللّه صلىاللّهعليهوآله صلّى على ابنه إبراهيم فكبّر عليه خمساً » (2)وهي معارضة لما دلّ على أن النبي صلىاللّهعليهوآله لم يصلّ على ولده (3)وما تقدم من أن علياً عليهالسلام لم يكن يصلِّي على الطفل الذي لم يبلغ ست سنين (4).
وتوقف في الحدائق في التوفيق بينهما نظراً إلى أن الرواية لا يمكن حملها على التقية لاشتمالها على أن النبي صلىاللّهعليهوآله كبّر عليه خمساً ، والعامّة لا تقول به (5).
إلاّ أن الصحيح عدم صلاحيتها لمعارضة الأخبار الدالّة على أن النبي صلىاللّهعليهوآله لم يصل على ولده وأن علياً عليهالسلام لم يصل على الطفل ، وذلك لضعفها بقدامة بن زائدة ، فهل الأخبار الدالّة على أن الطفل إذا ولد حياً تجب الصلاة على جنازته محمولة على الاستحباب أو على التقية؟
ذهب في الحدائق إلى الثاني ، نظراً إلى أن ما دلّ على أنه عليهالسلام إنما صلّى على
ولده لئلاّ يقول الناس إنهم لا يصلّون على أطفالهم صريحة في التقيّة (1). إلاّ أن الظاهر أنها محمولة على الاستحباب ، ولا ينافي ذلك صدور الصلاة عنه تقيّة ، لأن غاية ما هناك أن تكون الصلاة على المتولد حيّاً مستحبّة بالعنوان الثانوي ، لأنه كما ذكره المحقق الهمداني قدسسره (2)لا مانع من أن يكون شيء محكوماً بحكم بعنوانه الأولي ويكون محكوماً بحكم آخر بملاحظة العنوان الثانوي ، ومعه لا مانع من أن تكون الصلاة على الطفل مستحبة ويكون الداعي إلى تشريع هذا الحكم وجعله ملاحظة ما يصنعه الناس لئلاّ يشنع على الشيعة بأنهم لا يصلون على أطفالهم. هذا كله فيما ذهب إليه ابن الجنيد.
وأما ما ذهب إليه ابن أبي عقيل ومال إليه الكاشاني قدسسرهما من عدم وجوب الصلاة على الطفل قبل بلوغه فلم يقم دليل عليه. وليس مستنده رواية هشام التي ورد فيها : « إنما يجب أن يصلّى على من وجبت عليه الصلاة والحدود ولا يصلى على من لم تجب عليه الصلاة ولا الحدود » (3)لأن في سندها حسين الحرسوسي أو الجرجوسي كما في الوسائل أو الحسين المرجوس كما في التهذيب (4)، وهو مهمل لم يتعرّضوا لحاله في الرجال فالرواية غير قابلة للاعتماد عليها.
وإنما مستنده رواية عمار عن أبي عبد اللّه عليهالسلام : « سئل عن المولود ما لم يجر عليه القلم هل يصلى عليه؟ قال : لا ، إنما الصلاة على الرجل والمرأة إذا جرى عليهما القلم » (5)وقوله : « إذا جرى ... » إما توضيح للرجل والمرأة وتفسير لهما ، وإما
بمعنى أن لا يكونا مجنونين ، والثاني غير محتمل لوجوب صلاة الميِّت على المجنون أيضاً.
وقد عبّر عنها في الحدائق بالموثقة (1)، والأمر كما أفاده بناء على نسخة التهذيب (2)، وكذلك في الوافي (3)، لأنها رويت فيهما عن محمد بن أحمد عن أحمد بن الحسن عن عمرو بن سعيد عن مصدق بن صدقة عن عمار ، وطريق الشيخ إلى محمد ابن أحمد بن يحيى صحيح كما أن الرواة موثقون. ولكنها في الوسائل المطبوع قديماً وحديثاً مروية عن أحمد بن محمد بن يحيى ، وعليه تكون الرواية ضعيفة لأن طريق الشيخ إلى أحمد بن محمد بن يحيى ضعيف ، كما أنه هو بنفسه غير موثق ، والمظنون هو ما في نسخة التهذيب ، لكنه مجرّد ظن لا اعتبار به لتردّد النسخة بين الأمرين ، ومعه لا يمكن الاعتماد على الرواية بوجه.
تتمّة : ذكرنا أن رواية عمار قد نقلت في الطبعة الأخيرة وطبعة عين الدولة من الوسائل عن أحمد بن محمد بن يحيى عن أحمد بن الحسن ، وفي التهذيب والوافي عن محمد بن أحمد بن يحيى ، وبنينا على أن النسخة متعددة فلا يمكن الحكم باعتبار الرواية ، إلاّ أنه بعد المراجعة إلى ترجمة رجال السند ظهر أن الصحيح هو ما في التهذيب والوافي دون ما في الوسائل ، وذلك لأن أحمد بن محمد بن يحيى لا يمكنه الرواية عن أحمد بن الحسن بن علي.
وذلك لأن أحمد بن الحسن توفي سنة مائتين وستين وروى ابن أبي جيد عن أحمد ابن محمد بن يحيى في سنة خمسة وخمسين وثلاثمائة ، والفاصل بين التأريخين خمس وتسعين سنة ، ولا بدّ أن يكون أحمد حينما يروي عنه ابن أبي جيد قابلاً للرواية عنه ولنفرض أن عمره حينئذ خمس عشرة سنة ، فإذا أُضيف ذلك إلى خمس وتسعين يكون المجموع مائة وعشر سنوات ، ولازمه أن يكون أحمد بن محمد بن يحيى من
المعمرين ، وهذا ليس معروفاً في ترجمته فلا يمكن أن يروي عن أحمد بن الحسن بن علي فالنسخة مغلوطة ، والصحيح ما في الوافي والتهذيب.
ويؤيده ما حكي عن نسختين من الوسائل المطبوعة وبعض النسخ الخطية منها من موافقتها لما في التهذيب والوافي ، وعليه فالرواية موثقة ، وتكون نسخة الوسائل في طبع عين الدولة والطبعة الأخيرة مغلوطة ، هذا كلّه بحسب السند.
وأما بحسب الدلالة فأيضاً للمناقشة فيها مجال ، لأن ظاهر السؤال فيها هو السؤال عن أصل جواز الصلاة على المولود ومشروعيتها ، والإمام عليهالسلام أجابه بقوله « لا » حيث نفى مشروعية الصلاة على الطفل قبل البلوغ ، وقوله : « إنما الصلاة على الرجل والمرأة » شاهد عليه ، لأنه لم يقل إنما يجب أو يستحب عليهما ، وإنما أثبت عليهما أصل الصلاة ، ودل على نفيه عن غيرهما.
وعليه فيعارض هذه الموثقة جميع الأخبار المتقدمة البالغة حد التواتر والدالّة على مشروعية الصلاة على الطفل قبل البلوغ وجوباً أو استحباباً ، ولا وجه لحمل الرواية على نفي الوجوب بعد ظهورها في نفي الجواز والمشروعية ، ومعه لا بدّ من رد علم الرواية إلى أهلها.
فما ذهب إليه ابن أبي عقيل ومال إليه المحدث الكاشاني وزعمه جمعاً بين الأخبار وأن الصلاة إذا كانت واجبة على الطفل تجب وإذا كانت مستحبة استحبت وإذا لم تشرع كما هو قبل بلوغه ست سنين لم تشرع ، مما لا أساس له ، وما ذهب إليه المشهور هو الصحيح.
وأما ما حكي عن العلاّمة قدسسره من حمل الموثقة على بلوغ ست سنين بدعوى أن الصبي حينئذ يجري عليه القلم ، وكذلك الصبية ، لأنه أعم من قلم الوجوب والاستحباب ، والصبي والصبية تستحب الصلاة عليهما عند بلوغهما ست سنين (1)
1) التذكرة 2 : 25 مسألة 177. المختلف 2 : 308 مسألة 193.
نعم تستحب (1)على من كان عمره أقل من ست سنين وإن كان مات حين تولده بشرط أن يتولد حياً ، وإن تولد ميتاً فلا تستحب أيضاً (1).
ويلحق بالمسلم في وجوب الصلاة عليه من وجد ميتاً في بلاد المسلمين ، وكذا لقيط دار الإسلام بل دار الكفر إذا وجد فيها مسلم يحتمل كونه منه (2).
ففيه : أنه ليس جمعاً بين الروايات ، فان المذكور في صدر الموثقة أن الصلاة إنما تجب على الرجل والمرأة ، ولا يصدق هذان العنوانان على من بلغ ست سنين ، فطرح الرواية أولى من حملها على ما ذكره قدسسره.
فالمتحصّل : أن الرواية موثقة سنداً وغير قابلة للتصديق دلالة ، لكونها معارضة مع أخبار بلغت حد التواتر ، فلا بدّ من رد علمها إلى أهلها.
(1) لصحيحة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه عليهالسلام : « لا يصلّى على المنفوس وهو المولود الذي لم يستهل ولم يصح ولم يورث من الدية ولا من غيرها وإذا استهل فصل عليه وورّثه » (2)حيث دلت على الملازمة بين توارثه ووجوب الصلاة عليه فلا تشرع الصلاة على المولود الذي لم يستهل.
(2) والوجه في ذلك أن التقابل بين الإسلام والكفر تقابل العدم والملكة ، فيعتبر في الكفر الاتصاف بعدم الإسلام ، وليس مطلق عدم الإسلام وعدم الاعتقاد باللّه والنبوة والمعاد كفراً ، نظير البصر والعمى. وليس التقابل بينهما تقابل السلب والإيجاب ليحكم بكفر من لم يتصف بالإسلام وإن لم يتصف بالكفر ، فمن لم يتصف بالكفر وليس فيه اعتقاد بالمبادي الكافرة وإن لم يكن مسلماً لكن لا يصدق عليه الكافر أيضاً ، ومع الشك في الاتصاف بعدم الإسلام يجري استصحاب عدم الاتصاف به لأنه أمر
[942] مسألة 1 : يشترط في صحّة الصلاة أن يكون المصلي مؤمناً (1) وأن يكون مأذوناً من الولي على التفصيل الذي مرّ (1)سابقاً فلا تصح من غير إذنه (2) جماعة كانت أو فرادى.
[943] مسألة 2 : الأقوى صحّة صلاة الصبي المميز لكن في إجزائها عن المكلفين البالغين إشكال (2)(3).
وجودي مسبوق بالعدم ، فيحكم بعدم كونه كافراً فيشمله إطلاق ما دل على وجوب تغسيل الموتى والصلاة عليهم ، وإنما خرج عن إطلاقه الكافر والمفروض عدم كونه كافراً بالاستصحاب ، كما تقدّم في التغسيل (3)وغيره.
(1) للأخبار الدالّة على عدم مقبولية عمل غير المؤمن (4)فإنّها كما تدل على عدم كفاية عمل المخالف في مقام الامتثال كذلك تقتضي عدم كفايته في الإجزاء فلا يجزئ عمله عن المكلفين ، وفي بعضها : إن اللّه سبحانه شانئ أو يشنأ عمل المخالف أي يبغضه فلا يقع مقبولاً امتثالاً وإجزاء.
(2) تقدّم تفصيل الكلام في الاستجازة من الولي في باب الولاية في بحوث غسل الأموات فراجع (5).
(3) تقدّم منه قدسسره تقريب كفاية عمل الصبي المميز وإجزائه إذا وقع
[944] مسألة 3 : يشترط أن تكون بعد الغسل والتكفين (1)
صحيحاً إلاّ أنه استشكل في المقام في إجزائه وهذا هو الصحيح ، لما قدّمناه من أن ما دلّ على مشروعية عبادات الصبي لا يدل على كونها مجزئة عن المكلفين ، بل مقتضى إطلاق الدليل وجوبها عليهم أتى بها الصبي أم لم يأت بها ، وعلى تقدير عدم الإطلاق في البين فمقتضى قاعدة الاشتغال عدم جواز الاكتفاء بعمل الصبي (1).
(1) أما كون التكفين بعد الغسل فقد تقدم الكلام فيه في بحث التكفين وذكرنا أن التغسيل مقدم على التكفين.
وأما كون الصلاة بعد التكفين وقبل الدّفن فلأن الأخبار الواردة في الشهيد من أنه إذا أدركه المسلمون وبه رمق غسل وكفن وصُلِّي عليه ويدفن (2)وهكذا ما ورد في أكيل السبع ونحوه من أنه « يغسل ويكفن ويُصلّى عليه ويدفن » (3)وإن لم تكن لها دلالة على كون الصلاة مترتبة على الكفن وترتب الدّفن على الصلاة ، لأنه إنما عطف بالواو وهي لا تدل على الترتيب ، إلاّ أن الإمام عليهالسلام في تلك الأخبار كان في مقام البيان ، وقد ذكر في جميعها الكفن عقيب الغسل والصلاة عقيب الكفن وذكر الدّفن في الأخير ، وهذا يدلنا على كونها أُموراً مترتبة ، إذ لولاه لذكر الصلاة مثلاً متقدمة على الكفن في بعضها ، هذا.
على أنّا استفدنا من الأخبار أن الدّفن آخر ما يجب من الأفعال في التجهيز كما يأتي بيانه ، كما أنّا استفدنا أن الكفن متقدّم على الدّفن وأنه قبل الصلاة ، ونتيجة ذلك العلم بأن الصلاة إنما هي بعد الكفن وقبل الدّفن فلا تجوز الصلاة بعد الدّفن إلاّ في
مورد نسيانها قبل الدّفن.
ويدلُّ على ذلك ارتكاز تقدم الصلاة على الدّفن وعقيب التكفين في أذهان المتشرعة ، لما ورد في موثقة عمار بن موسى قال « قلت لأبي عبد اللّه عليهالسلام : ما تقول في قوم كانوا في سفر لهم يمشون على ساحل البحر ، فاذا هم برجل ميت عريان قد لفظه البحر وهم عراة وليس عليهم إلاّ إزار ، كيف يصلون عليه وهو عريان وليس معهم فضل ثوب يكفنونه ( به )؟ قال : يحفر له ويوضع في لحده ويوضع اللبن على عورته فيستر عورته باللبن وبالحجر ، ثم يصلى عليه ثم يدفن ، قلت : فلا يصلى عليه إذا دفن؟ فقال : لا يصلى على الميِّت بعد ما يدفن ، ولا يصلّى عليه حتى توارى عورته » (1).
فإنها مضافاً إلى دلالتها على كون الصلاة قبل الدّفن تدلنا على أن الصلاة بعد التكفين أمر مرتكز عند المتشرعة ، والإمام عليهالسلام قررهم على هذا الارتكاز إذ لولا ذلك لم يكن وجه للسؤال عن كيفية الصلاة على الميِّت في الرواية بوجه ، فإن الصلاة عليه كالصلاة على غيره من الأموات ، ولا ميز بينه وبين غيره إلاّ في أنه غير مكفن فسألوا عن أنه كيف يصلى عليه وهو غير مكفن.
واحتمال أن يكون السؤال من جهة كونه مكشوف العورة فيقع نظرهم عليه ومن ثمة سألوا عن كيفية الصلاة عليه ، مندفع بأنه يمكن أن يصلى عليه مع غض البصر وعدم النظر إلى عورته ، أو بجعل لبن عليها خارج القبر فلا يكون هذا منشأ للسؤال.
ثم إن ممّا ينبغي التنبيه عليه أن الرواية نقلها الشيخ مرتين ، فتارة بإسناده عن ابن أبي نصر البزنطي عن هارون بن مسلم وأُخرى عن البزنطي عن مروان بن مسلم (2)وكذلك في الوسائل ، والرجلان كلاهما موثقان ، إلاّ أن واقع الأمر أن المروي عنه هو مروان بن مسلم لا هارون ، وذلك :
فلا تجزئ قبلهما ولو في أثناء التكفين عمداً كان أو جهلاً أو سهواً (1)
أوّلاً : لبعد أن ينقل البزنطي رواية واحدة بعين ألفاظها عن شخصين.
وثانياً : أن هارون من أصحاب العسكري عليهالسلام والبزنطي من أصحاب الرضا عليهالسلام فكيف يمكنه الرواية عن هارون؟ فيتعين أن يكون المروي عنه هو مروان.
وممّا يشهد على ما ذكرناه أن البزنطي لم يذكر كونه راوياً عن هارون ، وأن ابن فضال يروي عن مروان من دون شبهة ، وابن فضال والبزنطي في طبقة واحدة لأن الفاصل بين موتيهما بضع شهور أي أقل من سنة فيمكن أن يروي البزنطي عن مروان أيضاً.
ويؤكِّده أن الكليني رواها بإسناده عن مروان لا هارون.
والذي يسهل الخطب أن الرواية بهذا الطريق صح أم لم يصح يغنينا عنها روايتها بطريق الصدوق ، حيث رواها بإسناده عن عمار بن موسى من دون توسط هارون أو مروان (1)، وطريقه إلى عمار معتبر.
(1) تقدّم أن الصلاة يعتبر وقوعها عقيب التكفين ، فلو فرضنا أنه قدم الصلاة على التكفين جهلاً أو نسياناً أو أتى بها في أثناء التكفين فهل تجب إعادتها بعد التكفين أو لا تجب بل يكفي ما أتى به جهلاً أو نسياناً؟
الصحيح وجوب الإعادة بعد التكفين ، وذلك أما في صورة الجهل سواء كان في الشبهات الموضوعية أو الحكمية فلأن الحكم الواقعي في موارد الجهل باقٍ بحاله ، وما أتى به إنما كان مأموراً به بالأمر الظاهري ، وقد تقدم مراراً أن الأحكام الظاهرية غير مجزئة عن الأحكام الواقعية فلا بدّ من إعادة الصلاة بعد التكفين. وأما حديث لا تعاد فهو مختص بصلاة ذات ركوع وذات سجود ولا يأتي فيما لا ركوع ولا سجود فيه.
1) الفقيه 1 : 104 / 482.
وأمّا في موارد النسيان فقد يقال بعدم وجوب الإعادة بعد التكفين ، نظراً إلى أن التكليف يرتفع في موارد النسيان واقعاً ، لاستحالة تكليف الناسي والغافل حين نسيانه ، وبعد ما ارتفع عنه الأمر بالصلاة واقعاً حال نسيانه يحتاج عوده بعد الارتفاع وبعد التكفين إلى دليل عليه ، بل مقتضى حديث رفع النسيان عدم وجوب الإعادة في المقام.
ويرد عليه : أن الناسي وإن لم يمكن تكليفه حال نسيانه إلاّ أنه في المقام لا يقتضي رفع الحكم الواقعي لنحتاج في عوده إلى دليل ، وذلك لأن ما تعلق به التكليف لم يتعلق النسيان به وما تعلق به النسيان لم يتعلق التكليف به.
والسر في ذلك : أن المكلف به هو الطبيعي الجامع بين الأفراد الطولية والعرضية بين التكفين والدّفن ، وهذا مما لم يتعلق به النسيان لتوجّه المكلف إلى وجوبه ، وإنما تعلق النسيان بالفرد وما أتى به قبل التكفين ، والفرد لم يتعلق به التكليف بوجه ، ومعه إذا التفت بعد التكفين إلى أنه قد صلّى قبله فمقتضى إطلاق ما دل على وجوب الصلاة على الميِّت بعد التكفين وجوب الإعادة لا محالة.
وهذا نظير ما لو غفل المكلف عن وجوب صلاة الظهر في ساعة ، فإنه لا يمكن أن يقال إن التكليف بصلاة الظهر قد ارتفع عن المكلف بنسيانه وبعد تلك الساعة لو التفت لم تجب عليه الصلاة إذ لا دليل على عود التكليف بعد الارتفاع. ولا وجه له سوى أن ما تعلق به النسيان ليس إلاّ فرداً من أفراد الصلاة ، وهو ليس بمتعلق التكليف ليرتفع بنسيانه ، وإنما المتعلق هو الجامع بين أفرادها الطولية والعرضية وهو مما لم يتعلق النسيان به.
ومن هنا قلنا إن مقتضى القاعدة الأولية وجوب الإعادة عند نسيان جزء أو شرط من الصلاة ، لأن ما تعلق به النسيان غير مأمور به والمأمور به هو الطبيعي الجامع بين أفرادها الطولية والعرضية بين المبدأ والمنتهى كالزوال والمغرب مثلاً ، فاذا التفت إلى الحال بعد ذلك الفرد وجبت عليه الإعادة والإتيان بالطبيعي المأمور به بجميع ما يعتبر فيه من القيود والأجزاء.
نعم لا نلتزم في تلك الموارد بوجوب الإعادة بمقتضى حديث لا تعاد وإن كانت
نعم لو تعذّر الغسل والتيمّم أو التكفين أو كلاهما لا تسقط الصلاة (1) فإن كان مستور العورة فيصلّى عليه وإلاّ يوضع في القبر ويغطى عورته بشيء من التراب أو غيره ويصلّى عليه (2)
القاعدة الأولية مقتضية للإعادة. ومعه لا نحتاج في المقام إلى إقامة الدليل على عود التكليف بصلاة الميِّت بعد الارتفاع ، لأن التكليف باقٍ بحاله ولم يرتفع ليحتاج إلى العود.
(1) وذلك لعدم كون الصلاة مقيدة بالغسل والتكفين حتى في حال الاضطرار وإنما هي مقيدة بهما عند الاختيار ، ولا يستفاد ذلك من شيء حتى ما ورد في الشهيد وأكيل السبع (1)ونحوهما من أنهما يغسلان ويكفنان ويصلّى عليهما فيدفنان ، لأن الأمر بالصلاة بعد التغسيل والتكفين إنما هو عند التمكّن من الغسل والكفن ، وأما عند عدم التمكن منهما وسقوط الأمر بهما فالأمر باق بحاله.
ويدلنا على ذلك نفس الموثقة المتقدمة ، حيث دلت على وجوب الصلاة على الميِّت وإن لم يجب تكفينه لعدم التمكن منه ، كما يجب دفنه وذلك للقطع بأن بدن الميِّت لا يجوز أن يبقى في الخارج لتأكله السباع ولا يدفن لأنه لا كفن له أو لم يمكن تكفينه ، فتدلّنا على أن كل واحد من تلك الأُمور واجب مستقل في نفسه وإنما يتقيد بسابقه فيما إذا كان السابق ممكناً لا عند تعذره.
(2) إذا فرضنا أن الميِّت لم يمكن تكفينه لعدم التمكّن من الكفن ، فإن كان مستور العورة في نفسه فيصلي عليه خارج القبر كالصلاة على غيره من الأموات ، وأما إذا
1) تقدّمت في بداية مسألة 3 فليراجع.
ووضعه في القبر على نحو وضعه خارجه للصلاة (1) ثم بعد الصلاة يوضع على كيفية الدّفن.
[945] مسألة 4 : إذا لم يمكن الدّفن لا يسقط سائر الواجبات من الغسل والتكفين والصلاة. والحاصل كل ما يتعذّر يسقط وكل ما يمكن يثبت ، فلو وجد في الفلاة ميت ولم يمكن غسله ولا تكفينه ولا دفنه يصلّى عليه ويخلّى وإن أمكن دفنه يدفن (2).
كان مكشوف العورة فمقتضى الموثقة المتقدِّمة (1)أنه يجب وضعه في الحفيرة وستر عورته بلبن وتراب ويصلى عليه وهو في قبره.
وهل يجوز أن يستر عورته باللبن والتراب خارج الحفيرة ويصلى عليه فيما إذا كان مكشوف العورة في نفسه؟ ذهب بعضهم إلى الجواز ، والصحيح عدمه وذلك لاختصاص النص بما إذا وضع في الحفيرة ، وكأنه نوع تجليل للميِّت لئلاّ يكون بدنه خارج القبر عارياً حال الصلاة عليه.
(1) بمعنى أنه تجب مراعاة شروط الصلاة في حقه لإطلاق أدلتها ككونه مستلقياً ورجلاه إلى الشمال ونحوهما ، ولا نظر للموثقة إلى عدم وجوبها حينئذ وإنما نظرها إلى أن الميِّت يستر عورته بشيء ويصلى عليه في قبره.
(2) قد عرفت فيما سبق أن الصلاة متأخرة عن الكفن ، وأما بالإضافة إلى الدّفن فلا شبهة في أنه لا تجوز بعد الدّفن لموثقة عمار المتقدمة المصرحة بأن الصلاة غير جائزة بعد الدّفن ، وفي بعض الأخبار إنه لو كان جائزاً جاز في حق النبي صلىاللّهعليهوآله (2).
[946] مسألة 5 : يجوز أن يصلِّي على الميِّت أشخاص متعدِّدون فرادى في زمان واحد وكذا يجوز تعدّد الجماعة ، وينوي كل منهم الوجوب (1)ما لم يفرغ منها أحد ، وإلاّ نوى بالبقية الاستحباب ، ولكن لا يلزم قصد الوجوب والاستحباب بل يكفي قصد القربة مطلقاً (1).
ثم إنه إذا لم يمكن الدّفن لعذر فهل تجب الصلاة والتكفين أو لا تجب؟ ذكر الماتن قدسسره أنها تجب ولا تسقط سائر الواجبات ، وذلك لأن الدّفن يجب وقوعه بعد الصلاة والتكفين للتسالم وللأخبار المشتملة على ذكر الدّفن عقيبها وإن لم يذكر مترتباً حتى في الموثقة المتقدمة ، حيث دلت على أن الميِّت لا يصلّى عليه بعد ما يدفن فالدّفن هو الذي يقع بعد الصلاة.
وأما أن الصلاة مشروطة بأن تقع قبل الدّفن ليترتب عليه عدم وجوبها إذا لم يقع الدّفن بعدها فهو مما لا يمكن استفادته من الأخبار ، وعليه فكل واحد من التجهيزات واجب مستقل في نفسه لا يسقط أحدها بتعذر الآخر ، لإطلاق أدلته بلا حاجة في إيجاب المقدور منها إلى التشبث بقاعدة الميسور.
(1) بنى الماتن قدسسره على الجواز لوجوب الصلاة على كل واحد من المكلفين كفاية قبل إتيان أحد منهم وإتمامها ، وينوي كل منهم الوجوب ما لم يفرغ منها أحد. وتفصيل الكلام في ذلك أن للمسألة صوراً ثلاثاً :
الاولى : ما إذا علم الثاني فرادى أو جماعة أن الأوّل لا يتم صلاته قبل إتمامه بل هذا يتمها قبل أن يتم الأوّل.
ولا إشكال في هذه الصورة في أن الثاني يجوز أن ينوي الوجوب ، لبقاء الوجوب الكفائي وعدم سقوطه قبل إتمامه الصلاة لأنه يتمها قبل أن يتمها الأوّل ، وإنما السقوط يستند إلى فعل الثاني فله أن ينوي الوجوب من الابتداء.
1) (*) لا تجوز نيّة الوجوب مع العلم أو الاطمئنان بفراغ غيره قبله كما مرّ.
[947] مسألة 6 : قد مرّ (1)سابقاً أنه إذا وجد بعض الميِّت (1) ، فان كان مشتملاً على الصدر أو كان الصدر وحده بل أو كان بعض الصدر المشتمل على القلب أو كان عظم الصدر بلا لحم وجب الصلاة عليه ، وإلاّ فلا ، نعم الأحوط الصلاة على العضو التام من الميِّت وإن كان عظماً كاليد والرجل ونحوهما وإن كان الأقوى خلافه ، وعلى هذا فان وجد عضواً تاماً وصلّى عليه ثمّ وجد آخر فالظاهر الاحتياط بالصلاة عليه أيضاً إن كان غير الصدر أو بعضه مع القلب وإلاّ وجبت (2).
الثانية : ما إذا علم الثاني أنّ الأوّل يتم صلاته قبل أن يتمّها هو أو علم أن ثالثاً يشرع في الصلاة ويتمها قبله.
ولا يجوز له حينئذ أن ينوي الوجوب من الابتداء ، لأن الواجب الكفائي يسقط عن وجوبه في أثناء صلاته فلا تقع الأجزاء البعدية على صفة الوجوب ، وحيث إن الواجب ارتباطي فمع عدم كون بعض الأجزاء واجباً لا يمكنه نية الوجوب من الابتداء.
الثالثة : ما إذا شك في أن الأوّل يتمها قبله أو أنه يتمها قبل الأوّل.
ويجوز فيها أن يأتي بها بنية الوجوب لاستصحاب عدم تحقق المسقط قبل فراغه من الصلاة. ومما بيناه يظهر أن ما أفاده الماتن من نية كل منهم الوجوب ما لم يفرغ منها أحد وإلاّ نوى بالبقية الاستحباب مما لا يمكن المساعدة عليه.
(1) قد أسلفنا أن الصلاة على أعضاء الميِّت غير واجبة إلاّ أن يكون صدراً مشتملاً على القلب على تفصيل قد تقدّم (2).
(2) إذا بنينا على وجوب الصلاة على كل عضو تام فتوًى أو احتياطاً لا بدّ من
[948] مسألة 7 : يجب أن تكون الصلاة قبل الدّفن (1).
[949] مسألة 8 : إذا تعدّد الأولياء في مرتبة واحدة وجب الاستئذان من الجميع على الأحوط (2)
إعادتها إذا صلّى على عضو أو أعضاء ثم وجد آخر ، لأنه موضوع جديد.
نعم إذا كانت هناك أعضاء مجتمعة كفت الصلاة عليها مرة واحدة ، وأما إذا صلّى ثم وجد عضواً آخر فلا مناص من إعادة الصلاة عليه إن فتوًى ففتوى وإن احتياطاً فاحتياطاً.
(1) لما تقدم من موثقة عمار وغيرها مما دل على أن الميِّت يغسل ويكفن ويصلى عليه ويدفن على التقريب المتقدم ، ولكن لا بمعنى أن الصلاة يشترط فيها كونها قبل الدّفن بحيث لو لم يمكن الدّفن في مورد لم تجب الصلاة على الميِّت ، بل بمعنى أن الصلاة لا يجوز تأخيرها عن الدّفن كما مر.
(2) أما أصل ثبوت الولاية فقد تكلمنا فيه مفصلاً في بحث الأولياء في فروع غسل الميِّت (1)، وقد تقدم منه قدسسره هناك الفتوى بوجوب الاستئذان من الجميع عند التعدد ، وفي المقام ذكره على نحو الاحتياط ، وهما كلامان متهافتان.
والاستئذان من الجميع هو الصحيح لما دل على أن أولاهم بميراثه أولاهم بالصلاة عليه ، ومن الظاهر أن الولدين مثلاً كلاهما أولى بميراثه ، فالولاية ثابتة للمجموع لا لكل واحد واحد فلا مناص من الاستئذان من كليهما.
1) شرح العروة 8 : 280.
ويجوز لكل منهم (1)الصلاة من غير الاستئذان من الآخرين (1) ، بل يجوز أن يقتدى بكل واحد منهم مع فرض أهليتهم جماعة (2).
(1) ذكر قدسسره أنه يجوز إذا تعدّد الأولياء لكل منهم أن يصلِّي على الميِّت بدون استئذان من الآخر.
ولعل نظره قدسسره من ذلك إلى أن ما دل على أن الولي متقدم على غيره كقوله : أولاهم بميراثه أولاهم بالصلاة عليه (2)ناظر إلى غير الولي وأن الولي مقدم وأولى من غير الولي وأولى بالصلاة عليه ، وأما بالإضافة إلى نفس الأولياء فلا نظر له بوجه ، فلا يدل على أن أياً منهم مقدم على غيره وأياً منهم متأخر ، نظير قوله تعالى ( وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللّهِ ) (3)حيث إنه ينظر إلى غير اولي الأرحام ، ويدلُّ على أنهم يرثون من الميِّت دون غيرهم ، وأما أن أياً منهم يرث أو لا يرث فلا يستفاد منها بوجه.
إذن لم يستفد من أدلة الولاية تقدم بعض الأولياء على بعض آخر وتوقف صلاة بعضهم على إذن الآخر.
وفيه : ما تقدم من أن الولاية قد ثبتت للمجموع فلا بدّ إما أن يصلِّي المجموع على الميِّت أو يصلِّي واحد بإذن المجموع ، فأحد الأولياء لا يمكنه الصلاة على الميِّت بدون استئذان المجموع الباقي.
(2) إذا بنينا على جواز صلاة كل واحد من الأولياء بدون استئذان الآخرين فهل يصح لثالث أجنبي أن يقتدي به أو لا يصح؟
[950] مسألة 9 : إذا كان الولي امرأة يجوز لها المباشرة (1) ، من غير فرق بين أن يكون الميِّت رجلاً أو امرأة ، ويجوز لها الإذن للغير كالرجل من غير فرق.
ذكر قدسسره جوازه ، وهو الصحيح ، وذلك لأن اقتداء الأجنبي به مؤكد للولاية لا أنه مزاحم ومعارض لها ، وذلك لأن صلاة الميِّت حينئذ ليست صلاة مستقلة حتى يتوهم كونها معارضة لولاية الولي ، وإنما هي صلاة تبعية متابعة لصلاة الولي التي بنينا على جوازها من دون استئذان الآخرين فلا وجه لعدم جوازها.
(1) لأنه مقتضى إطلاقات الأخبار الدالّة على أن الميِّت يغسل ويكفن ويصلى عليه فيدفن ، فلا تشترط المماثلة إلاّ في التغسيل ، مضافاً إلى صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليهالسلام « قلت : المرأة تؤم النساء؟ قال : لا ، إلاّ على الميِّت إذا لم يكن أحد أولى منها ... » (1).
ومقتضى الشرطية في الصحيحة أنه إذا كان هناك من هو أولى منها لا يجوز لها الصلاة على الميِّت ، وهو كذلك ، إذ لا يجوز الصلاة لغير الولي مع وجود الولي ، اللّهمّ إلاّ أن يأذن الولي لها.
وعدم جواز صلاتها على الميِّت حتى مع الإذن منه مما لا يمكن استفادته من الصحيحة ، فكما أن الرجل يمكنه الصلاة على المرأة كذلك المرأة يمكنها أن تصلي على الرجل.
1) الوسائل 3 : 117 / أبواب صلاة الجنازة ب 25 ح 1.
[951] مسألة 10 : إذا أوصى الميِّت بأن يصلِّي عليه شخص معيّن فالظاهر وجوب إذن الولي له ، والأحوط له الاستئذان من الولي ، ولا يسقط اعتبار إذنه (1)بسبب الوصيّة وإن قلنا بنفوذها ووجوب العمل بها (1).
(1) يقع الكلام في هذه المسألة من جهات :
الاولى : في أصل نفوذ الوصية ، وقد تقدم في مبحث أولياء الميِّت أن الميِّت أولى بنفسه من غيره ، وإنما جعل الولي ولياً مراعاة لحق الميِّت فلا مانع من وصيته في تلك الأُمور (2)، فلا يتوهم أنها من وظائف الأحياء ولا تنفذ الوصية فيما هو راجع إلى غيره ، لما عرفت من كونها حقوقاً راجعة إلى الميِّت ، والميِّت أولى بنفسه من غيره.
الثانية : هل يمكن الولي منع الموصى له بالصلاة على الميِّت عن ذلك؟ الصحيح لا لأنه من فروع نفوذ الوصية ، فإنها مع نفوذها لا يمكن لغيره المنع عنها ، لعدم جواز تبديل الوصية وتغييرها ( فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ ) (3).
الثالثة : هل يجب على من أوصى الميِّت إليه أن يستأذن من الولي؟ الصحيح عدم الوجوب ، لأن الاستئذان من الولي إنما هو فيما يجوز أن يتصدى له الولي في نفسه أو يرخص لغيره ، وأما ما لا يجوز له التصدي له فلا موجب للاستئذان منه في ذلك ، نعم لا بأس بالاستئذان منه احتياطاً.
ثم إنه قد يتوهم التنافي بين قول الماتن : والأحوط له الاستئذان من الولي ، وبين قوله المتصل به : ولا يسقط اعتبار إذنه بسبب الوصية ، فإن الأوّل احتياط ، ومعناه أنه يمكن أن لا يجب الاستئذان من الولي كما اخترناه ، والثاني فتوى بوجوب الاستئذان منه وهما لا يجتمعان.
[952] مسألة 11 : يستحب إتيان الصلاة جماعة (1)
ولكنه مندفع بأنّا إن قرأناه « ولا يسقط » بالرفع يكون قوله : الأحوط ... قرينة على أن المراد عدم السقوط احتياطاً لا فتوى ، وإن قرأناه بالنصب بتقدير أن : وأن لا يسقط ، عطفاً على الاستئذان فالأمر ظاهر ، لأن معناه أن الأحوط أن لا يسقط اعتبار إذنه ، فلا مناقضة في الكلام.
(1) كما يجوز إتيانها فرادى ، وذلك للإطلاقات ، ولأن الجماعة لو كانت معتبرة في صلاة الميِّت كصلاة الجمعة ونحوها لانتشر ذلك وذاع لكثرة الابتلاء بها مع أنه لم نقف على قائل بوجوبها.
وأما الدليل على مشروعية الجماعة فيها فهو سيرة الأئمة والمتشرعة ، حيث كانوا يصلون على الأموات جماعة ، وما ورد في غير واحد من الأخبار من أن المأموم إذا أدرك الإمام بعد التكبيرة الأُولى فعل كذا وكذا (1).
وهل الجماعة مستحبة في صلاة الميِّت أو أنها كالصلاة فرادى؟ لم نقف على رواية تدلنا على استحبابها في المقام. ويمكن الاستدلال على استحبابها مضافاً إلى الإجماع المدعى على مشروعيتها بالارتكاز ، لأن الجماعة بعد ما كانت مشروعة فهي مستحبة بالارتكاز عند المتشرعة.
نعم لا يمكن الاستدلال على استحبابها في صلاة الجنائز بما ورد من استحباب الصلاة جماعة وأنها كأربعة وعشرين صلاة منفردة أو خمسة وعشرين ، وفي بعضها إنها تعادل ثواب أربعة وعشرين صلاة فرادى وهي أيضاً صلاة واحدة فيكون ثوابها معادلاً لثواب أربعة وعشرين صلاة فرادى (2)، وإنما لا يمكن الاستدلال بها في المقام
والأحوط بل الأظهر اعتبار اجتماع شرائط الإمامة فيه من البلوغ والعقل والإيمان والعدالة (1)وكونه رجلاً للرجال وأن لا يكون ولد زنا (1)
لأنها وردت في الجماعة في الصلاة ولا صلاة إلاّ بطهور ، وصلاة الميِّت ليست بصلاة حقيقية لعدم اعتبار الطهور والركوع والسجود فيها.
(1) لا ينبغي الشبهة في اعتبار الإيمان في الإمام في صلاة الجنائز ، لأن عمل المخالف باطل وغير مقبول ، ولا معنى للائتمام في العمل الباطل بوجه وإن لم يتعرض الماتن قدسسره له.
وأما بقيّة الشرائط المذكورة فظاهر كلام السيد بحر العلوم في منظومته عدم اعتبار شيء منها في إمام صلاة الميِّت سوى الإيمان (2). إلاّ أن الصحيح اعتبار البلوغ والعقل وطهارة المولد.
أما اعتبار العقل وطهارة المولد فلما ورد من أن خمساً لا يؤمّون الناس على كل حال : المجنون وولد الزنا ... (3)، وكأن الثاني لخسته وعدم قابليته للإمامة ، والائتمام مطلق لا يختص بالإمامة في الفرائض والصلوات.
وأما البلوغ فلأن الصبي إن بنينا على عدم مشروعية عباداته فواضح أن الائتمام في العمل الباطل ممّا لا معنى له ، وأما إذا بنينا على مشروعيتها كما هو الصحيح فأيضاً لا يجوز الائتمام به ، لعدم مشروعية الجماعة في غير الفرائض إلاّ في موارد خاصة كصلاة الاستسقاء والعيدين بناء على عدم وجوبها ونحوهما ، وصلاة الصبي على الميِّت نافلة وليست بواجبة وفريضة ، فلا يجوز الائتمام بالصبي في صلاة الميِّت.
بل الأحوط اجتماع شرائط الجماعة أيضاً من عدم الحائل ، وعدم علو مكان الإمام وعدم كونه جالساً مع قيام المأمومين ، وعدم البعد بين المأمومين والإمام وبعضهم مع بعض.
[953] مسألة 12 : لا يتحمل الإمام في الصلاة على الميِّت شيئاً عن المأمومين (1).
[954] مسألة 13 : يجوز في الجماعة أن يقصد الإمام وكل واحد من المأمومين الوجوب (2) لعدم سقوطه ما لم يتم واحد منهم.
وأمّا العدالة فلا تعتبر في إمام صلاة الجنائز ، وذلك لإطلاق ما دل على وجوب صلاة الجنائز وعدم قيام الدليل على اعتبارها في المقام. وأما النواهي الواردة عن الصلاة خلف من لا يوثق بدينه (1)فهي جميعها مختصة بالجماعة في الصلاة ، وقد تقدم أن صلاة الميِّت ليست بصلاة حقيقة ، فعدم اشتراط العدالة في صلاة الجنائز من باب التخصص لا التخصيص فيما دل على اعتبار العدالة في الإمام.
ومن هذا يظهر عدم اعتبار بقية الشرائط المعتبرة في نفس صلاة الجماعة من عدم الحائل ، وعدم علو الإمام عن مكان المأموم زائداً على شبر واحد ، وعدم كون الفصل بين الإمام والمأموم وبعض المأمومين مع بعض آخر زائداً على المقدار المذكور في فروع صلاة الجماعة وهو متر واحد ، لاختصاصها بالجماعة في الصلاة ، وصلاة الميِّت ليست بصلاة حقيقية.
(1) لوضوح أن التحمل إنما هو في قراءة الفاتحة والسورة وهما مختصتان بالصلاة وغير مطلوبتين في صلاة الجنائز ، ولم يقم دليل على التحمل في غيرهما.
(2) لما تقدم من وجوب صلاة الجنائز على كل واحد كفاية ولا يسقط إلاّ بعد إتمامها ، ومعه يجوز قصد الوجوب لكل واحد من الإمام والمأموم إذا علم بأنه يتمها
1) الوسائل 8 : 309 / أبواب صلاة الجماعة ب 10 ، 11 ، 12.
[955] مسألة 14 : يجوز أن تؤم المرأة جماعة النِّساء ، والأولى بل الأحوط أن تقوم في صفهنّ ولا تتقدّم عليهنّ (1).
قبل صاحبه أو شك في ذلك ، ولا يجوز له قصد الوجوب إذا علم بأن الآخر سيتمها قبله على التفصيل المتقدم في المسألة الخامسة.
(1) الكلام في هذه المسألة يقع من جهتين :
الجهة الاولى : في أصل مشروعية إمامة المرأة للنساء ، وهذا مما لا ينبغي الشبهة فيه لصحيحة زرارة عن أبي جعفر عليهالسلام « قلت : المرأة تؤم النساء؟ قال عليهالسلام : لا ، إلاّ على الميِّت إذا لم يكن أحد أولى منها ، تقوم وسطهنّ في الصف معهنّ فتكبّر ويكبّرن » (1)وهي مروية بعدّة طرق :
منها : ما هو صحيح من غير كلام ، وهو الذي رواه الشيخ بإسناده عن أحمد بن محمد عن عبد الرحمن بن أبي نجران عن حريز عن زرارة (2).
ومنها : ما هو صحيح على الأظهر ، وهو الذي رواه محمد بن علي بن الحسين بإسناده عن زرارة (3)، لأن في طريق الصدوق إليه ابن عبيد ، وقد بينا وثاقته وإن ذهب جماعة إلى ضعفه ، فالطريق صحيح على مختارنا.
ومنها : ما هو ضعيف وهو ما رواه الشيخ بإسناده عن محمد بن مسعود العياشي (4).
وهناك روايات اخرى غير هذه الصحيحة لكنها ضعاف ، وقد تقدم أن دلالتها
على المدعى ممّا لا ينبغي الشبهة فيه ، لدلالتها على جواز إمامة المرأة وهو المسئول عنه فيها ، لا تعيينها لينافيه قوله عليهالسلام : « إذا لم يكن أحد أولى منها ».
الجهة الثانية : في كيفية إمامتها وأنها هل تجب أن تقف المرأة الإمام في وسطهنّ وفي صفّهنّ بحيث لو تقدمتهنّ بطلت جماعتها ، أو أنه يجوز أن تتقدّم عليهنّ كما في الرجال وإنما يستحب أن تقف في صفّهنّ ، أو يكره تقدمها عليهنّ؟
ذكروا أن المعروف هو الأخير وأن تقدمها عليهن مكروه أو يستحب لها الوقوف في صفهنّ لا أنه لازم في جماعتها ، بل قيل إنه لم يعثر على قائل بالخلاف تصريحاً وذلك حملاً للأمر الوارد في الصحيحة على الاستحباب أو النهي عن تقدّمها عليهنّ كما في بعض الأخبار (1)على الكراهة.
والكلام يقع في وجه ذلك وأنه لماذا حملوا الأمر في الصحيحة على الاستحباب أو النهي عن تقدمها عليهن على الكراهة؟
وقد ذكر المحقق الهمداني قدسسره (2)في وجه ذلك أمرين :
أحدهما : ما حاصله : أن الأمر بالوقوف في صفهن إنما ورد في مورد توهم الحظر لتخيل أن تلك الجماعة كجماعة الرجال لا بدّ من وقوف الإمام فيها متقدِّماً على المأمومين ، والأمر الوارد عند توهم الحظر لا يدل على الوجوب ، كما أن النهي عن تقدّمها عليهنّ ورد في مقام توهم الوجوب وهو ظاهر في غير الحرمة.
وهذا مما لا يمكن المساعدة عليه :
أمّا أولاً : لأن السؤال في الصحيحة إنما هو عن أصل مشروعية إمامة المرأة وعدمها وهي إنما وردت لبيان مشروعيتها ، وإنما تعرضت لكيفيتها تفضلاً منه وامتناناً ، ومعه لا مجال للقول بأن الأمر بالوقوف في صفهنّ ورد في مقام توهم الحظر ، لأنه لم يسأل عن كيفية الصلاة أصلاً ليتوهّم الحظر أو الوجوب ، بل ليس هناك إلاّ الجهل بالمشروعية
وكيفية إمامتها ، فلا ملزم لصرف ظاهر الأمر والنهي بحملهما على الاستحباب والكراهة.
وثانياً : أنّا ذكرنا مراراً أن تلك الأوامر والنواهي ليست ظاهرة في النفسية والمولوية لتحمل على الجواز في مورد توهم الحظر ، وإنما هي ظاهرة في الإرشاد إلى الشرطية والمانعية ، وعليه فالصحيحة تدل على شرطية وقوف المرأة في صف النساء فتبطل جماعتها بالإخلال بها.
وثالثاً : لو سلمنا كونها أوامر نفسية وأنها واردة في مورد توهم الحظر فغاية ما يترتّب عليه دلالتها على الجواز ، ولا يكاد يستفاد منها الاستحباب والكراهة بوجه فيحتاج في إثباتهما إلى دلالة دليل آخر وهو مفقود.
وثانيهما : أن الصحيحة محمولة على الكراهة في صدرها ، حيث نفت مشروعية إمامة المرأة في غير صلاة الأموات مع العلم خارجاً بجواز إمامتها في سائر الفرائض فصدرها محمول على الكراهة.
وقوله عليهالسلام : « تقوم وسطهن » ناظر إلى كيفية إمامتها في صلاة الأموات وأنها لا تغاير كيفيتها المعتبرة في الفرائض ، وحيث إن تقدمها على المأمومات في الفرائض ليس بواجب فليكن الحال في جماعتها في صلاة الأموات أيضاً كذلك ، بمعنى أن تقدمها عليهن ليس بواجب.
ويرد على هذا الوجه : أن الصحيحة بصدرها نفت مشروعية الجماعة في الفرائض بالإضافة إلى المرأة ، ومعه كيف يمكن أن يقال : إن قوله عليهالسلام بعد ذلك : « تقوم وسطهنّ في الصف معهنّ » ناظر إلى أن الجماعة في سائر الفرائض ليست مغايرة بحسب الكيفية مع الجماعة في صلاة الميِّت ، بل ظاهره أن الإمام عليهالسلام بصدد بيان ما هو الشرط في الجماعة المشروعة منها وهي الجماعة في صلاة الأموات فحسب.
ويرد عليه ثانياً : أنّا لو فرضنا أنه ناظر إلى ما أفاده فننقل الكلام إلى إمامتها في باقي الفرائض فنقول : إن مقتضى الأمر بالوقوف في صفهن أو النهي عن تقدمها عليهن شرطية ذلك في صحّة جماعتها مطلقاً ، فما الدليل على استحباب ذلك أو كراهة تقدمها عليهنّ في سائر الفرائض؟
[956] مسألة 15 : يجوز صلاة العُراة على الميِّت فرادى وجماعة ، ومع الجماعة يقوم الإمام في الصف كما في جماعة النِّساء فلا يتقدّم ولا يتبرّز ، ويجب عليهم ستر عورتهم ولو بأيديهم ، وإذا لم يمكن يصلّون جلوساً (1)(1).
فالمتحصل : أن مقتضى الصحيحة أنّ وقوفها في صف النساء شرط في صحّة الجماعة ولا دليل على استحبابه أو كراهة التقدم.
ودعوى : أن الدليل على ذلك هو الإجماع والتسالم على عدم الوجوب في إمامة المرأة ، مندفعة بأن تحصيل الإجماع في هذه المسألة في غاية الصعوبة ، ولا سيما بملاحظة ما حكي عن الفاضل الهندي في كشف اللثام من نقل القول بالوجوب عن كثير (2).
بقي في المقام المطلقات الدالّة على لزوم تقدم الإمام على المأمومين في الجماعة ، ولا إشكال في شمولها للمقام.
وقد ذكر المحقق الهمداني قدسسره أن بالقرينتين المتقدمتين تتقدّم المطلقات على ما دلّ على خلافها في صلاة الأموات.
وفيه : أن المطلق كيف يتقدم على المقيد ، بل الأمر معكوس ، ولا مناص من تقييد المطلقات بتلك الصحيحة ، وحاصله : أن الجماعة في الأموات تمتاز عن بقية الجماعات في كونها مشروطة بعدم تقدّم الإمام على المأمومات.
(1) الكلام في هذه المسألة يقع من جهات :
الاولى : في مشروعية صلاة العراة على الميِّت ، وهذه مما لا شبهة فيها لعدم اشتراط صلاة الميِّت بالتستر ، لما تقدم من أن الشرائط المعتبرة في الفرائض غير معتبرة في صلاة الأموات بوجه.
وثانياً : أنّا لو سلمنا أن ستر العورة معتبر في صلاة الأموات أيضاً كغيرها فلا شبهة في اختصاص اعتباره في الفرائض بصورة التمكن منه فيسقط اعتباره لدى العجز عنه ولا يزيد الفرع على الأصل ، وصلاة الأموات كذلك لا يعتبر فيها التستر عند العجز عنه كما في العراة.
الثانية : إذا أمن العراة من الناظر المحترم بأن يكونوا جميعاً فاقدي البصر أو كائنين في الظلمة أو غضوا من أبصارهم عما سواهم أو تستروا بأيديهم أو نحو ذلك جاز لهم أن يصلوا على الميِّت جماعة كما يجوز لهم الصلاة فرادى.
وأما إذا لم يأمنوا من الناظر المحترم بوجه من الوجوه فلا يمكن الحكم بمشروعية الجماعة في حقهم مطلقاً حتى مع الجلوس كما في المتن وذلك لمنافاة الجماعة مع القيام المعتبر في صلاة الميِّت كما يأتي عن قريب ، والجماعة المنافية للشرط الواجب لا دليل على مشروعيتها بوجه ، وقد تقدم أنه لا إطلاق في الأدلة الدالّة على مشروعية الجماعة في صلاة الأموات ليصح التمسك بإطلاقه في المقام ، وإنما استفدنا مشروعيتها ممّا ورد في الأحكام كما تقدّم ، بل لا بدّ في هذه الصورة من الصلاة على الميِّت فرادى.
الجهة الثالثة : إذا لم يمكن الصلاة على الميِّت فرادى أيضاً مع التستر لعدم الأمن من الناظر المحترم تقع المزاحمة بين ما دل على اعتبار القيام في صلاة الأموات وبين ما دل على اعتبار التستر ، وحيث إن وجوب التستر أقوى من شرطية القيام في الصلاة فلا مناص من الحكم بسقوط شرطية القيام حينئذ ووجوب الصلاة جالساً ، وحينئذ لا يفرق بين الفرادى والجماعة ، لأن الجماعة حينئذ لا تنافي الشرط الواجب ، لأن سقوط شرطيته مستند إلى التزاحم لا إلى الجماعة فيصلون فرادى أو جماعة عن جلوس.
فما أفاده الماتن قدسسره من أنه إذا لم يمكن التستر صلوا عن جلوس لا يمكن
[957] مسألة 16 : في الجماعة من غير النساء والعُراة الأولى أن يتقدّم الإمام ويكون المأمومون خلفه ، بل يكره وقوفهم إلى جنبه ولو كان المأموم واحداً (1).
المساعدة على إطلاقه ، بل لا بدّ من التفصيل بما قدّمناه.
الجهة الرابعة : أن في صورة مشروعية الجماعة لا بدّ من أن يتقدّم الإمام على المأمومين حسب المطلقات الدالّة على ذلك.
ودعوى : أنه حينئذ يقف في صف المأمومين مثل إمامة المرأة للنساء ، مندفعة بأنه قول من غير دليل يدل عليه ، إذ لا يوجد عليه أي دليل حتى رواية ضعيفة ، وإنما ورد ذلك في إمامة المرأة فقط كما تقدّم.
(1) بعد ما ثبتت مشروعية الجماعة في صلاة الأموات فكيفيتها مثل كيفية الجماعة في باقي الصلوات لأن كلتيهما جماعة ، فلو كان بينهما مغايرة في الكيفية لوجب التنبيه عليه. ويدلنا على ذلك ما ورد في إمامة المرأة في صلاة الميِّت ، حيث دلّ على أنها تقف في صفهن ولا تتقدّم عليهنّ (1)فكأنه دل على أنها تمتاز عن بقية الجماعات بذلك.
وعليه فحيث إنهم ذكروا أن الأفضل فيما إذا كان المأموم واحداً أن يقف عن يمين الإمام لا خلفه ، لما ورد في الأخبار (2)من التأخر بمقدار قليل تحقيقاً للجماعة ، أو أنه يكره أن يقف خلفه فلا بدّ في المقام من الالتزام بذلك إذا كان المأموم واحداً فيكره له الوقوف خلفه أو يستحب له الوقوف عن يمينه ، بل على ما ذكرناه في فروع صلاة
[958] مسألة 17 : إذا اقتدت المرأة بالرجل يستحب أن تقف خلفه وإذا كان هناك صفوف الرجال وقفت خلفهم (1) وإذا كانت حائض بين النساء وقفت في صف وحدها (2).
الجماعة من لزوم الوقوف عن اليمين عند وحدة المأموم وعدم كفاية الوقوف خلفه (1)لا يشرع له الوقوف خلف الإمام في صلاة الجنائز إذا كان واحداً.
ولم يرد في المقام ما يدلنا على امتياز الجماعة في صلاة الأموات بقيام المأموم الواحد خلف الإمام سوى رواية اليسع بن عبد اللّه على رواية الكليني (2)، وقاسم بن عبد اللّه على طريق الشيخ (3)، وإن كان يظهر من الوسائل أن الرواية على كلا الطريقين من اليسع.
نعم الرواية واحدة في المضمون وبقية السند وإنما يختلفان في اليسع وقاسم ، وهي بكلا طريقيهما ضعيفة لعدم توثيق الرجلين ، ومعه تبقى الإطلاقات الدالّة على أن المأموم إذا كان واحداً يقف عن يمين الإمام بحالها وشاملة للمقام.
(1) لما تقدّم مكرّراً من اتحاد الجماعة في صلاة الأموات مع الجماعة في باقي الفرائض بعد مشروعيتها.
(2) أما أصل جواز صلاتها على الميِّت فلأجل عدم اشتراطها بالطهارة الحدثية والخبثية ، وأما وقوفها صفاً وحدها وعدم وقوفها معهن في صفهن فلأجل جملة من الأخبار الدالّة على ذلك (4)وفيها صحيحة وموثقة وغيرهما.
[959] مسألة 18 : يجوز في صلاة الميِّت العدول من إمام إلى إمام (1)في الأثناء (1). ويجوز قطعها أيضاً اختياراً (2).
(1) لم نقف على مستند له في ذلك ، فإنه بعد ما شرع في الجماعة فتحتاج مشروعية دخوله في جماعة ثانية إلى دليل والأصل عدم مشروعيتها ، وذلك لأن مشروعية الجماعة وكفايتها على خلاف القاعدة فتحتاج إلى دليل ، والدليل إنما دل على مشروعيتها في الجماعات المتعارفة ، وأما الجماعة في نصف الصلاة بإمام ثم في نصفها الآخر بإمام آخر فهو مما لا دليل على مشروعيته.
وليست هذه من الكيفيات لتكون الجماعة في المقام تابعة للجماعة في غيرها ، وإنما هي حكم آخر غير كيفية الجماعة لا بدّ فيه من دليل ، نعم يجوز هذا في الفرائض إذا حدث بالإمام حدث ، وفي المقام لم تثبت مشروعيته فلا يمكن الاجتزاء بها ، اللّهمّ إلاّ إذا كانت واجدة للشرائط لتقع انفراداً ، لما يأتي من جواز قطع تلك الصّلاة (2).
(2) بلا فرق في ذلك بين هذه الصلاة وباقي الصلوات والعبادات ، فان الفرد المأتي به لم يتعلق به تكليف ليكون واجباً ويحرم قطعه بناء على حرمة قطع المأمور به ، وإنما هو فرد الواجب وله أن يرفع اليد عنه ويأتي بفرد آخر غيره كما هو الحال في جميع الواجبات الموسعة ، نعم لا يجوز رفع اليد عنه في المضيق لاستلزامه تفويت الواجب كما في الصلاة آخر الوقت ونحوها ، كما لا يجوز القطع بعد الشروع في الحج وإن كان فاسداً.
وقد ذكروا عدم جواز القطع في الصلاة أيضاً لقوله تعالى : ( وَلا تُبْطِلُوا
كما يجوز العدول عن الجماعة إلى الانفراد (1)
أَعْمالَكُمْ ) (1)إلاّ أن في دلالته على المدعى ما لا يخفى على الفطن ، لأنه إنما يدل على أن العمل بعد ما تحقق صحيحاً في الخارج لا يجوز قلبه باطلاً بالإحباط ، نظير قوله تعالى ( لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى ) (2)ولا يستفاد منها حرمة رفع اليد عن العمل قبل تحققه في الخارج ، على أنه يستلزم تخصيص الأكثر وهو مستهجن ، وكيف كان فلا مانع من القطع في المقام.
وأما ما ورد من أن أولها التكبيرة وآخرها التسليمة (3)حيث ذكروا أنها تدل على أن الكلام يحرم بعد التكبيرة ولا يحل إلاّ بعد التسليمة ، فهو على تقدير دلالته على ذلك يختصّ بالصلوات ذات الركوع والسجود بقرينة ذكر التسليمة فيه ، ولا يشمل ما يسمّى صلاة تسامحاً مثل المقام ، فله أن يقطع صلاته ليشرع فيها من الابتداء أو لئلاّ يصلِّي أصلاً.
(1) لأن حرمة رفع اليد عن الجماعة بعد الشروع فيها تكليف لا نعلم بتوجهه إلينا ، ومقتضى البراءة عدمه ، فجواز العدول على طبق القاعدة ، وهذا لا يختص بالمقام بل يجوز في سائر الجماعات أيضاً.
نعم إذا كان بانياً على العدول من الابتداء لم يجز هذا في المقام وغيره ، لأن العدول إنما جاز وثبتت مشروعيته في الجماعة المشروعة ، ومرجع هذا البناء من الابتداء إلى أنه يريد الجماعة والائتمام في ركعة أو في تكبيرة مثلاً ، والجماعة في غير الصلاة التامة لم تثبت مشروعيتها ليجوز فيها العدول.
لكن بشرط أن لا يكون بعيداً عن الجنازة بما يضر (1) ولا يكون بينه وبينها حائل ولا يخرج عن المحاذاة لها.
[960] مسألة 19 : إذا كبّر قبل الإمام في التكبير الأوّل له أن ينفرد وله أن يقطع (2) ويجدده مع الإمام ، وإذا كبّر قبله فيما عدا الأوّل له أن ينوي الانفراد وأن يصبر حتى يكبّر الإمام فيقرأ معه الدعاء ، لكن الأحوط إعادة التكبير بعد ما كبّر الإمام ، لأنه لا يبعد اشتراط تأخّر المأموم عن الإمام في كل تكبيرة أو مقارنته معه وبطلان الجماعة مع التقدّم وإن لم تبطل الصلاة (3).
(1) بأن يكون جامعاً للشرائط من القرب والمحاذاة مع الميِّت ونحوهما ، وإلاّ فلا تصح صلاته منفردة ليجوز له العدول من الجماعة إلى الانفراد.
(2) إذا كان هذا في التكبيرة الأُولى دار أمره بين أن يتمها منفردة وبين أن يقطع ويرفع يده عنها ثم يشرع جماعة أو فرادى ، ولا يمكن تتميمها جماعة إذ لا جماعة حينئذ ، لأنه لا معنى للجماعة مع عدم كون الإمام مصلياً ، والمفروض أن المأموم كبّر والإمام لم يدخل في الصلاة فهو منفرد. والعدول من الانفراد إلى الجماعة يحتاج إلى دليل يدل على مشروعيته ولا دليل عليه في المقام ، فليس له أن يصبر إلى أن يلحق الإمام فيتابعه في التكبير الثاني.
وقياس ذلك بالعدول من جماعة إلى جماعة ممّا لم يظهر لنا وجهه ، فإن المسألتين من واديين وإحداهما غير الأُخرى ، حيث إن هناك جماعة باقية بحالها وإنما الاختلاف في شخص الإمام ، وأما في المقام فلا جماعة ابتداء ليجوز له العدول إلى الجماعة ، وإنما كانت صلاته فرادى لعدم دخول الإمام في الصلاة ، فالمقايسة في غير محلّها.
(3) قد يكون تكبيره فيما عدا الأوّل قبل الإمام ناشئاً عن سهو وقد يكون مستنداً
إلى العمد والاختيار.
أمّا إذا كبّر قبله سهواً فالصحيح عدم بطلان صلاته بل ولا جماعته بذلك ، لعدم الدليل على كونه موجباً للبطلان ، والأصل عدم بطلانها به فوجوده كالعدم لا يترتب عليه أثر. ويؤيده أن المأموم لو ركع قبل الإمام سهواً لم تبطل بذلك صلاته ولا جماعته بل وجوده كالعدم فيرفع رأسه ثم يركع مع الإمام ، فإذا لم يكن الركوع الذي أتى به سهواً موجباً لبطلان الصلاة والجماعة فلا تكون التكبيرة المأتي بها سهواً مبطلة للصلاة والجماعة بطريق أولى.
وأمّا إذا كبّر قبله عمداً فالصحيح أنه ينفرد بذلك عن الجماعة وترتفع جماعته وذلك لما دلّت عليه الأدلة الواردة في المقام من أن صلاة الميِّت تشتمل على خمس تكبيرات ، فلو فرضنا في المقام عدم بطلان جماعته ووجب أن يكبّر مع الإمام بعد ذلك كانت تكبيراته ستة ، وعدم احتساب التكبيرة المأتي بها عمداً من التكبيرات يحتاج إلى دليل ، لعدم قصورها عن كونها فرداً للمأمور به ، وحصول الامتثال بها قهري فلا وجه لعدم سقوط الأمر به.
وأمّا ما رواه الحميري عن علي بن جعفر أنه سأل أخاه عليهالسلام عن الرجل يصلِّي له أن يكبّر قبل الإمام؟ قال عليهالسلام : « لا يكبِّر إلاّ مع الإمام ، فإن كبّر قبله أعاد التكبير » (1)وقد أوردها في صلاة الجنائز ، وذكر صاحب الوسائل قدسسره أن الظاهر أن علي بن جعفر أوردها في صلاة الجنائز (2)فلا يمكن الاستدلال بها لضعف سندها ودلالتها :
أمّا في سندها فالضعف لوجود عبد اللّه بن الحسن فيها ، وهو وإن كان شريفاً بحسب النسب إلاّ أنّا لم نعثر له على توثيق في الرجال ، فلا يمكننا الاعتماد على روايته.
وأمّا بحسب الدلالة فلقوله : عن الرجل يصلِّي ... ، فإنها واردة في الصلاة ، وليست صلاة الأموات صلاة حقيقة ، إذ لا صلاة إلاّ بطهور ولا يعتبر الطهور في صلاة الأموات
[961] مسألة 20 : إذا حضر الشخص في أثناء صلاة الإمام له أن يدخل في الجماعة فيكبِّر بعد تكبير الإمام الثاني أو الثالث مثلاً ويجعله أوّل صلاته وأوّل تكبيراته فيأتي بعده بالشهادتين (1)
فهي غير شاملة لصلاة الأموات.
وأما إيراد علي بن جعفر أو الحميري للرواية في صلاة الجنائز فهو مبني على استنباطه ، بمعنى أنه اجتهاد منه ولو بتوهم شمولها للمقام بحسب الإطلاق.
(1) للبحث في المسألة جهات :
الاولى : لا إشكال في أن الجماعة في صلاة الأموات غير مشروطة بحضورها من الابتداء ، بل لو حضرها المكلف بعد تكبير الإمام الثاني أو الثالث أيضاً جاز له الدخول فيها ، وذلك لعدّة روايات فيها الصحاح وغيرها (1).
الثانية : في محل الدخول. هل لا بدّ من أن يصبر حتى يكبِّر الإمام فيدخل معه في الصلاة أو يجوز له الدخول فيها والإمام مشغول بالدعاء؟
الصحيح هو الثاني. وقد يقال : إن المدرك فيه الإجماع ولا يستفاد ذلك من النصوص.
وفيه : أن صحيحة العيص لا مانع من الاستدلال بها في المقام ، بل هي صريحة في ذلك ، قال : « سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن الرجل يدرك من الصلاة على الميِّت تكبيرة ، قال عليهالسلام : يتم ما بقي » (2). لدلالتها على جواز الدخول في الجماعة فيما إذا أدرك الإمام بعد التكبيرة الرابعة وقبل الخامسة ، فلو فرضنا أن دخوله في الجماعة مشروط بتكبير الإمام لم يمكنه الدخول فيها في مفروض الرواية ، لأنه بعد
التكبيرة الخامسة لا تبقى جماعة ولا صلاة ليدخل فيها المأموم ، فهي كالصريحة في جواز دخول المأموم فيها عند قراءة الإمام.
الثالثة : هل يقتصر المصلي حينئذٍ بما أدركه مع الإمام أو يجب عليه قضاء ما فاته بعد إتمام الإمام؟
ورد في جملة كثيرة من الأخبار أنه يقضي ما فاته بعد الصلاة كصحيحة العيص المتقدِّمة وصحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه عليهالسلام : « إذا أدرك الرجل التكبيرة والتكبيرتين من الصلاة على الميِّت فليقض ما بقي متتابعاً » (1).
وورد في رواية إسحاق بن عمار الموثقة سنداً لاشتماله على غياث بن كلوب وهو ممّن وثّقه الشيخ في العدّة (2)عن أبي عبد اللّه عن أبيه عليهماالسلام « أن عليّاً عليهالسلام كان يقول : لا يقضى ما سبق من تكبير الجنائز » (3)وظاهرها نفي مشروعية القضاء.
ولأجل تعارضهما يرفع اليد عن ظاهر الثانية بصراحة الطائفة الأُولى ويجمع بينهما بحمل الثانية على نفي القضاء وجوباً وحمل الاولى على أنها تقضى جوازاً أو استحباباً.
وأما لو ناقشنا في هذا الجمع نظراً إلى أن كلتيهما واردتان في القضاء وقد أثبتته إحداهما ونفته الأُخرى فلا يمكن الجمع بينهما بما ذكر ، فلا مناص من الأخذ بالطائفة الأُولى وحمل الثانية على التقيّة لموافقتها لما ذهب إليه ابن عمر (4).
الرابعة : بناء على وجوب القضاء أو جوازه فهل يقضي ما فاته من الأدعية والتكبيرات معاً أو يقضي التكبيرات فقط؟
مقتضى النصوص الواردة في المقام أنه يقضي التكبيرات دون الأدعية ، لما تقدم في صحيحة الحلبي من قوله عليهالسلام : « إذا أدرك الرجل التكبيرة والتكبيرتين من
وهكذا على الترتيب بعد كل تكبيرة من الإمام يكبّر ويأتي بوظيفته من الدعاء وإذا فرغ الإمام يأتي بالبقيّة فرادى وإن كان مخفّفاً ، وإن لم يمهلوه أتى ببقيّة التكبيرات ولاء من غير دعاء ، ويجوز إتمامها خلف الجنازة إن أمكن الاستقبال وسائر الشرائط.
الصلاة على الميِّت فليقض ما بقي متتابعاً » لظهورها في إرادة قضاء ما بقي من التكبيرات. مضافاً إلى قوله « متتابعاً » الظاهر فيما ذكرناه ، إذ مع الأدعية لا تقع التكبيرات متتابعة ، وقد صرح بالباقي من التكبيرات في بعضها.
ولا ينافي ذلك ما ورد في صحيحة علي بن جعفر عليهالسلام من أنه يتم ما بقي من التكبيرات مخففة ويبادر إلى رفع الجنازة (1)لأن ظاهر التخفيف في التكبيرات إرادة التكبيرات من دون الأدعية ، وإلاّ فلا معنى للتخفيف في نفس التكبيرة.
الجهة الخامسة : إذا لم يتمكن المصلي من إتمام التكبيرات بعد فراغ الإمام لرفع الجنازة وعدم إمهاله ، فهل له أن يقضي التكبيرات خلف الجنازة ماشياً؟
ورد في روايتين إحداهما مرسل القلانسي أن « الرجل يدرك مع الإمام في الجنازة تكبيرة أو تكبيرتين ، فقال عليهالسلام : يتم التكبير وهو يمشي معها ، فان لم يدرك التكبير كبّر عند القبر ، فان كان أدركهم وقد دفن كبّر على القبر » (2).
وثانيتهما رواية عمرو بن شمر (3)وهي قريبة من الأُولى ، إلاّ أنهما ضعيفتان بعمرو ابن شمر وبإرسال الاولى ، فلا يمكن الحكم بوجوب ذلك أو استحبابه إلاّ بناء على التسامح في أدلّة السنن.
وهي أن يأتي بخمس تكبيرات (1)
فصل في كيفية صلاة الميِّت
(1) لا إشكال في أن صلاة الميِّت عندنا إنما هي بخمس تكبيرات ، وقد دلت على ذلك جملة من الروايات فيها الصحاح وغيرها ، كصحيحة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه عليهالسلام : « التكبير على الميِّت خمس تكبيرات » (1)وغيرها.
وفي بعضها أن النبيّ صلىاللّهعليهوآله كان يصلِّي بأربع تكبيرات تارة وبخمس اخرى (2).
وورد شرح ذلك في بعض الأخبار الأُخر بمضمون أن كل تكبيرة رمز إلى أصل ومبدأ من المبادي الإسلامية من الصوم والصلاة والزكاة والحج والولاية ، ولأجله كان يصلِّي بأربع تكبيرات على المنافقين المنكرين للولاية وبخمس تكبيرات على المؤمنين (3). هذا كله في رواياتنا.
وأما روايات العامة فقد اختلفت في ذلك ، ففي بعضها أن النبي صلىاللّهعليهوآلهوسلم كان يصلِّي بست أو سبع تكبيرات (4)وفي بعضها الآخر أن عمر جمع أصحابه
1) الوسائل 3 : 74 / أبواب صلاة الجنازة ب 5 ح 6.
2) الوسائل 3 : 72 / أبواب صلاة الجنازة ب 5 ح 1 وغيره.
3) الوسائل 3 : 77 / أبواب صلاة الجنازة ب 5 ح 16 ، 17 ، 18.
4) راجع شرح صحيح مسلم للنووي بهامش إرشاد الساري 4 : 284 وبدائع الصنائع 1 : 312 وفي الأخير : أنّ الروايات اختلفت في فعل رسول اللّه صلىاللّهعليهوآلهوسلم فرُوي عنه الخمس والسبع والتسع ونحو من ذلك.
واستقرّ رأيه على أن يصلِّي على الميِّت بأربع تكبيرات (1)وكأنه لولايته على الإسلام والمسلمين.
وكيف كان ، فكونها خمس تكبيرات مما لا إشكال فيه عندنا ، فلو نقص منها تكبيرة بطلت لانتفاء المركب بانتفاء بعض أجزائه. ولا يشملها حديث لا تعاد لاختصاصه بصلاة ذات ركوع وسجود وطهور.
وأمّا إذا زاد عليها فان كان سهواً فلا يكون موجباً لبطلانها ، لأنها زيادة بعد انتهاء العمل ، والزيادة بعد العمل لا توجب البطلان. وأمّا إذا كانت الزيادة عمدية فالصحيح أنها أيضاً لا توجب البطلان ، لكونها زيادة بعد العمل لانتهاء الصلاة بعد الخمس اللّهمّ إلاّ أن يرجع إلى التشريع في أصل العمل بأن يبني من الابتداء على أنها ست تكبيرات فيأتي بها بهذا البناء والتشريع ، وإلاّ فلو بنى على أن يأتي بالزائد بعد الخمس فهو لا يوجب بطلانها.
وهل تستحب الزيادة في التكبير إذا كان الميِّت من أهل الفضل والسداد؟ ربما يقال بالجواز ، وقد نسب ذلك إلى جماعة ، إلاّ أن الصحيح عدم جواز الزيادة ولو بعنوان الجزء الاستحبابي بأن يكون جزءاً ومعتبراً في التشخص لا في أصل العمل ، وذلك لأن ما استدل به على الجواز ضعيف إما سنداً وإما دلالة ، لكونه مبتلى بالمعارض أو لغيره من الوجوه ، وإما من كلتا الجهتين ، وإليك نصها :
منها : صحيحة زرارة أو حسنته عن أبي جعفر عليهالسلام في حديث : « إن رسول اللّه صلىاللّهعليهوآلهوسلم صلّى على حمزة سبعين صلاة وكبّر عليه سبعين تكبيرة » (2).
والمراد بسبعين صلاة ليس هو سبعين صلاة الميِّت بل المراد بها الدعاء ، إذ لا يعقل
سبعون صلاة مع التكبير بسبعين تكبيرة ، لأن في كل صلاة يعتبر خمس تكبيرات ومضروب الخمس في سبعين ثلاثمائة وخمسون تكبيرة ، فلا يمكن سبعون صلاة بهذا المقدار من التكبيرات.
ولا دلالة لها على جواز التكبير سبعين مرة ، وذلك لأن المراد بالرواية ليس هو أن النبي صلىاللّهعليهوآلهوسلم كبّر سبعين مرّة في صلاة واحدة ، بل إنه صلىاللّهعليهوآلهوسلم صلّى على حمزة بخمس تكبيرات ، ثم بعدها جاؤوا بشهيد ثان ولم ترفع جنازة حمزة وصلّى عليه بخمس أيضاً ، ثم جاؤوا بثالث وجنازة حمزة لم ترفع وهكذا إلى أن أصاب حمزة سبعين تكبيرة كما ورد في رواية عيون أخبار الرضا عليهالسلام فراجع (1).
ونظيره ما صنعه علي عليهالسلام في صلاته على سهل بن حنيف حيث ورد في رواية أبي بصير عن أبي جعفر عليهالسلام قال : « كبّر رسول اللّه صلىاللّهعليهوآلهوسلم على حمزة سبعين تكبيرة وكبّر علي عليهالسلام عندكم على سهل بن حنيف خمساً وعشرين تكبيرة ، قال : كبّر خمساً خمساً كلما أدركه الناس قالوا : يا أمير المؤمنين لم ندرك الصلاة على سهل فيضعه فيكبّر عليه خمساً حتى انتهى إلى قبره خمس مرات » (2).
والجزم بذلك أو احتمال إرادته من الرواية يمنع عن الاستدلال بها على استحباب الزيادة في التكبير.
ومنها : ما عن أمالي الصدوق عن ابن عباس « أن النبي صلىاللّهعليهوآلهوسلم صلّى على فاطمة بنت أسد أُم أمير المؤمنين عليهالسلام صلاة لم يصل على أحد قبلها مثل تلك الصلاة ، ثم كبّر عليها أربعين تكبيرة فقال له عمار : لِمَ كبّرت عليها أربعين تكبيرة يا رسول اللّه؟ قال : نعم يا عمار التفتّ عن يميني فنظرت إلى أربعين
صفاً من الملائكة فكبّرت لكل صف تكبيرة » (1).
وهي ضعيفة السند بأبي الحسن العبدي لأنه مهمل ، وفي السند جعفر بن محمد بن سرور وهو أيضاً لم يوثق وإن كان من مشايخ الصدوق قدسسره. وعباية بن ربعي يمكن الاعتماد عليه لأنه ورد في حقه أنه من خواص أصحاب أمير المؤمنين عليهالسلام وهو موجب للاعتماد عليه ، وابن عباس مختلف فيه كما هو معروف. والسند مذكور في باب 26 من أبواب التكفين فليراجع (2).
ومنها : رواية الحسن بن زيد قال : « كبّر علي بن أبي طالب عليهالسلام على سهل بن حنيف سبع تكبيرات وكان بدرياً وقال : لو كبّرت عليه سبعين لكان أهلاً » (3).
وهي ضعيفة السند بأحمد بن عبد اللّه العلوي وعلي بن الحسن الحسيني وحسن بن زيد ، ومعارضة بصحيحة أو حسنة الحلبي عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال : « كبّر أمير المؤمنين عليهالسلام على سهل بن حنيف وكان بدرياً خمس تكبيرات » (4).
ومنها : رواية جابر قال : « سألت أبا جعفر عليهالسلام عن التكبير على الجنازة هل فيه شيء مؤقت؟ فقال : لا ، كبّر رسول اللّه صلىاللّهعليهوآلهوسلم أحد عشر وتسعاً وسبعاً وخمساً وستاً وأربعاً » (5)وهي ضعيفة بعمرو بن شمر ومعارضة بما دلّ على وجوب التكبير بخمس.
ومنها : رواية عقبة عن جعفر قال : « سئل جعفر عليهالسلام عن التكبير على الجنائز ، فقال : ذلك إلى أهل الميِّت ما شاؤوا كبّروا ... » (6)وهي ضعيفة السند بعقبة.
1) الوسائل 3 : 82 / أبواب صلاة الجنازة ب 6 ح 8 ، أمالي الصدوق : 258 / 14.
2) الوسائل 3 : 48 / أبواب التكفين ب 26 ح 2.
3) الوسائل 3 : 84 / أبواب صلاة الجنازة ب 6 ح 12.
4) الوسائل 3 : 80 / أبواب صلاة الجنازة ب 6 ح 1.
5) الوسائل 3 : 85 / أبواب صلاة الجنازة ب 6 ح 17.
6) الوسائل 3 : 86 / أبواب صلاة الجنازة ب 6 ح 18.
ومنها : رواية أبي حمزة عن أبي جعفر عليهالسلام في حديث طويل : « إن آدم لما مات .... وقد كان يكبّر على أهل بدر تسعاً وسبعاً » (1)وهي ضعيفة بمحمد بن الفضيل ومعارضة بما دل على أنه عليهالسلام صلّى على سهل بن حنيف بخمس وأنه كان بدرياً.
ومنها : رواية على بن موسى بن طاوس عن عيسى بن المستفاد عن أبي الحسن موسى بن جعفر ... ثم قال : « يا علي كن أنت وفاطمة والحسن والحسين وكبّروا خمساً وسبعين تكبيرة وكبّر خمساً وانصرف » (2).
وهي ضعيفة السند بعيسى بن المستفاد وبمجهولية طريق ابن طاوس إليه لأن بينهما وسائط ، وباحتمال أن يكون ذلك من مختصات النبي صلىاللّهعليهوآلهوسلم.
ومنها : رواية سعد بن هبة اللّه الراوندي في قصص الأنبياء عن أبي حمزة عن علي ابن الحسين عليهالسلام في حديث وفاة آدم عليهالسلام قال : « فخرج هبة اللّه وصلّى عليه وكبّر عليه خمساً وسبعين تكبيرة ، سبعين لآدم وخمسة لأولاده » (3).
وهي ضعيفة لمجهولية طريقه إلى ابن بابويه ، ولو صحت فإنما كانت مختصة بتلك الشريعة ولا يمكن إسراؤها إلى شريعتنا ، وهي معارضة بما دل على أنه كبّر عليه ثلاثين تكبيرة وأن السنة فينا خمس تكبيرات كما ورد في رواية أُخرى لأبي حمزة.
ومنها : رواية فضيل بن يسار عن أبي جعفر عليهالسلام وهي بمضمون سابقتها (4).
يأتي بالشهادتين بعد الاولى (1)والصلاة على النبي صلىاللّهعليهوآلهوسلم بعد الثانية والدعاء للمؤمنين والمؤمنات بعد الثالثة والدعاء للميت بعد الرابعة ثم يكبّر الخامسة وينصرف ، فيجزي أن يقول بعد نية القربة وتعيين الميِّت ولو إجمالاً : « اللّه أكبر ، أشهد أن لا إله إلاّ اللّه ، وأنّ محمداً رسول اللّه ، اللّه أكبر ، اللّهمّ صل على محمد وآل محمد ، اللّه أكبر ، اللّهمّ اغفر للمؤمنين والمؤمنات ، اللّه أكبر اللّهمّ اغفر لهذا الميِّت ، اللّه أكبر » (1).
(1) ذكر المحقق في شرائعه أن الواجب في الصلاة على الميِّت إنما هو التكبير خمساً ولا يجب الدعاء بعدها وفي أثنائها وإنما هو أمر مستحب (2). ولا نعرف له موافقاً في ذلك لا من أصحابنا ولا من العامّة ، وهو متفرد في ذلك.
وذهب صاحب الحدائق إلى أن الواجب هو أصل الدعاء لا على الكيفية المتعارفة بين المسلمين ، ونسبه إلى جماعة وإلى ابن الجنيد (3).
والقول الثالث هو المعروف والمشهور ، بل ادعي عليه الإجماع وهو وجوب الدعاء على الكيفية المتعارفة اليوم ، أعني وجوب الشهادتين بعد التكبيرة الأُولى والصلاة على النبيّ صلىاللّهعليهوآلهوسلم وآله بعد الثانية والدعاء للمؤمنين بعد الثالثة والدعاء للميت بعد الرابعة.
أمّا ما ذهب إليه المحقق قدسسره فقد استدل له بوجوه :
منها : أصالة البراءة عن وجوب الدعاء ، لأنه شك في التكليف الزائد فينفى بالبراءة.
ومنها : إطلاق الأخبار الدالّة على أن صلاة الميِّت خمس تكبيرات وأن النبي صلىاللّهعليهوآلهوسلم كان إذا صلّى بخمس علم أن الميِّت مؤمن وإذا صلّى بأربع علم أنه منافق ، حيث إنها مطلقة لم تقيد التكبيرات فيها بالدعاء ، فاذا شككنا في وجوبه فندفعه بالإطلاق.
ومنها : أن الأخبار الآمرة بالدعاء مختلفة ، ولا يوجد اثنان منها ضعيفين أو معتبرين متحدين في المدلول ، فلو كان الدعاء واجباً كالتكبير لم تختلف الأخبار في المفاد وهذا آية الاستحباب.
ويرد عليها : أما أصالة البراءة فإن المورد وإن كان في نفسه مجرى لها ، لأنه من الشك في التكليف إلاّ أنها متوقفة على الشك ولا شك عندنا في وجوب الدعاء للأخبار الدالّة عليه كما سيتضح.
وأمّا الإطلاق ففيه : أن الأخبار الواردة في المقام إنما هي ناظرة إلى بيان أن الواجب من التكبيرات هو خمس في قبال العامة التي تقول بأن الواجب منها أربع تكبيرات وليس لها نظر إلى أنها هل يعتبر معها دعاء أم لا يعتبر ، فلا إطلاق في الأخبار حتى يتمسّك به. هذا على أنّا لو سلمنا إطلاقها لم يمكن الاستدلال بها كالسابق البراءة لأنه إنما يمكن التمسك به عند الشك ولا شك لنا في طروء المقيد لها ، للأخبار الدالّة على التقييد ، ومع المقيد لا مجال للتمسك بالإطلاق.
وأمّا اختلاف الروايات فهو وإن كان كذلك إلاّ أنه إنما يدل على أن الدعاء الوارد في هذه الرواية ليس واجباً معيناً وكذا الدعاء الوارد في الرواية الأُخرى للمعارضة ، وأما أنه ليس بواجب أصلاً فلا.
بل لا بدّ من الالتزام بوجوب الدعاء مخيراً ، وأن الواجب هو الجامع المنطبق على كل واحد من الأدعية الواردة ، وذلك لما ذكرناه من أن للأمر ظهورين : ظهور في الوجوب وظهور في التعيين ، فاذا جاءنا دليلان على وجوب شيئين وعلمنا أن كليهما غير واجب وإنما الواجب أحدهما فلا مناص من رفع اليد عن ظهور الدليلين في التعيين والالتزام بوجوب أحدهما مخيراً.
ويؤيِّد ما ذكرناه من وجوب أصل الدعاء في صلاة الميِّت رواية أبي بصير : « كنت عند أبي عبد اللّه عليهالسلام جالساً فدخل رجل فسأله عن التكبير على الجنازة فقال عليهالسلام : خمس تكبيرات ، ثم دخل آخر فسأله عن الصلاة على الجنازة فقال عليهالسلام : أربع صلوات ، فقال الأوّل : جعلت فداك سألتك فقلت خمساً وسألك هذا فقلت أربعاً ، فقال عليهالسلام : إنك سألتني عن التكبير وسألني هذا عن الصلاة ، ثم قال عليهالسلام : إنها خمس تكبيرات بينهن أربع صلوات » (1).
وهي صريحة في أن صلاة الميِّت يعتبر فيها الدعاء زائداً على التكبيرات الخمسة.
ورواية الفضل عن الرضا عليهالسلام : « إنما أُمروا بالصلاة على الميِّت ليشفعوا له وليدعوا له بالمغفرة » (2)حيث دلت على اعتبار الدعاء فيها.
كما يدل على ما ذكرناه صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم ومعمر بن يحيى وإسماعيل الجعفي عن أبي جعفر عليهالسلام قال : « ليس في الصلاة على الميِّت قراءة ولا دعاء مؤقت ، تدعو بما بدا لك » (3)وذلك لما ذكرناه في مفهوم الوصف من أن له مفهوماً غير المفهوم المدعى للقيود ، بمعنى أنه إذا ورد : أكرم الرجل العالم ، لم يدل ذلك على أن الرجل العادل غير واجب الإكرام ، إذ لا يستفاد منه العلية المنحصرة ، بل يمكن أن يدلنا دليل ثان على أن العدالة علة أُخرى للإكرام.
إلاّ أنه يدل على أن للعالمية مدخلية في ترتب الحكم على موضوعه وأن وجوب الإكرام لم يترتّب على طبيعي الرجل ، بل على الحصة الخاصة منه وهو المقيد بالعلم وإلاّ لكان أخذه في لسان الدليل لغواً محضاً.
وعلى هذا يتبيّن أن نفي الوجوب في الصحيحة إنما ترتب على الدعاء المؤقت أي
المعين ، وأما أصل الدعاء فلم ينف وجوبه فيها ، فيستفاد منها أن أصل الدعاء واجب في صلاة الأموات لا محالة.
ويدلُّ على وجوب الدعاء في صلاة الميِّت أيضاً موثقة يونس الدالّة على أنها تكبير وتسبيح وتحميد وتهليل (1)فدلّت على وجوب الدعاء زائداً على التكبير ، نعم استفدنا من الأخبار الواردة في المقام أن الجمع بين التسبيح والتحميد والتهليل ليس بواجب بل يكفي بعضها.
ويدلُّ على ذلك أيضاً ما ورد من الدعاء على الميِّت إذا كان منافقاً وللميت إذا كان مؤمناً غير منافق (2)، لدلالته على وجوب الدعاء في صلاة الميِّت بتلك الكيفية ، أعني الدعاء عليه إذا كان منافقاً والدعاء له إذا لم يكن منافقاً ، هذا كلّه.
على أن الدعاء لو لم يكن معتبراً في صلاة الأموات لم يصح إطلاق الصلاة عليها ولو مجازاً ، لأن التكبير ليس بصلاة أصلاً ، كما أنه لا يصح إضافتها إلى الميِّت ، إذ مجرّد التكبير لا معنى لإضافته إلى الميِّت أو غيره ، فلا يصح القول : الصلاة على الميِّت ، إلاّ أن يشتمل على الدعاء للميت ، فالدعاء له مقوم للصلاة عليه ، فما ذهب إليه المحقق ممّا لا وجه له.
وأما ما ذهب إليه المشهور من اعتبار الدعاء على الكيفية المتعارفة الدارجة اليوم فهو ممّا لم يرد فيه رواية سوى رواية أُمّ سلمة والدة محمد بن مهاجر ، قالت : « سمعت أبا عبد اللّه عليهالسلام يقول : كان رسول اللّه صلىاللّهعليهوآلهوسلم إذا صلّى على ميت كبّر وتشهّد ثم كبّر وصلّى على الأنبياء ودعا ثم كبّر ودعا للمؤمنين ثم كبّر الرابعة ودعا للميت ثم كبّر الخامسة وانصرف » (3).
إلاّ أنها غير قابلة للاستدلال بها من وجوه :
الأوّل : أنها إنما وردت لبيان أن التكبير الواجب في صلاة الميِّت خمس لا أربع لأنّ أُمّ سلمة ابتلت بامرأة من المنافقات في طريق مكة واستشكلت عليها بأنكم تخالفون المسلمين في جميع الأُمور حتى الصلاة على الميِّت فإنها أربع تكبيرات والشيعة تصلي بخمس ، وأُم سلمة حكت ذلك إلى الصادق عليهالسلام وهو في مقام رد تلك الدعوى استشهد بسنة رسول اللّه صلىاللّهعليهوآلهوسلم وفعله ، فلا نظر لها إلى أن الدعاء واجب فيها على تلك الكيفية.
الثاني : أنها حكاية فعل والفعل لا يدل على الوجوب.
الثالث : أنها مخالفة لما عليه المشهور ولا تنطبق عليه ، وذلك لاشتمالها على أنه بعد التكبيرة الأُولى تشهّد ، أي شهد بوحدانية اللّه سبحانه ، ولا دلالة لها على أنه شهد الشهادتين كما يعتبره المشهور ، واشتملت على أنه صلىاللّهعليهوآلهوسلم بعد التكبيرة الثانية صلّى على الأنبياء ودعا مع أن المشهور يقولون بلزوم الصلاة على خصوص نبينا صلىاللّهعليهوآلهوسلم من دون دعاء أو صلاة على الأنبياء ليشمل نبينا ضمناً ، نعم اشتملت الرواية على الصلاة على محمد وآله ( صلوات اللّه عليهم ) على مرسلة الصدوق (1)إلاّ أنها أيضاً ضعيفة بالإرسال.
الرابع : أنها ضعيفة سنداً ، لعدم ثبوت وثاقة أُم سلمة وإن كانت مؤمنة. وتعبير الجواهر عنها بصحيحة محمد بن مهاجر (2)لا دلالة فيه على صحّة الرواية سنداً ، لأنه لم يقل صحيحة أُم سلمة وإنما قال : صحيحة محمد بن مهاجر ، ومعناه أن الرواية إلى محمد بن مهاجر صحيحة وثبت شرعاً أنه قد أخبر عن امه ، وساكت عن صحتها بالإضافة إلى امه.
يبقى القول الثاني وهو وجوب الدعاء في صلاة الميِّت لكن لا على الكيفية المتداولة اليوم فتفصيل الكلام فيه :
أن الأخبار الواردة في الدعاء فيها مختلفة باختلاف الأدعية الواردة فيها كيفاً وكمّاً ولا بدّ فيها من الالتزام بأحد أمرين :
أحدهما : أن يلتزم بالتخيير بين الأدعية الواردة في الروايات وأنه إذا دعا بواحد مما ورد فيها أجزأه. وهذا هو الذي تقتضيه القاعدة الأولية ، لأنه إذا ورد دليلان ودل كل واحد منهما على وجوب شيء وعلمنا خارجاً بعدم وجوبهما معاً فلا مناص من الالتزام بوجوب أحدهما على نحو التخيير.
إلاّ أنه في خصوص المقام غير ممكن لما ورد في صحيحة جماعة من الأعاظم كزرارة ومحمد بن مسلم أنه ليس في صلاة الميِّت دعاء مؤقت (1). والقول بوجوب واحد مما ورد في الأخبار على نحو التخيير التزام بوجوب دعاء معين ومحدود والصحيحة صرحت بأنه ليس فيها دعاء مؤقت ومحدد بل يدعو بما بدا له.
وثانيهما : وهو المتعين ، أن يؤخذ بالقدر المشترك بين الأخبار الواردة أعني ما اشتملت عليه الأخبار كلّها ، وأما الزائد عليه فيدفع وجوبه بالروايات الفاقدة له. والمقدار المشترك الذي تشتمل عليه الأخبار كلها هو الصلاة على النبي والدعاء للميت وحسب مع مراعاة الترتيب بينهما بتقديم الأوّل على الثاني ولو بأن يصلِّي على النبي بعد التكبيرة الأُولى ويدعو للميت بعد الرابعة ، والزائد عليهما مدفوع بالأخبار الفاقدة له.
وأمّا تطبيق الأخبار على ذلك فهو يتوقف على التعرض لكل واحد من الأخبار على حدة.
ففي صحيحة أو حسنة زرارة عن أبي عبد اللّه عليهالسلام في الصلاة على الميِّت
1) تقدّمت قريباً.
قال : تكبّر ثم تصلِّي على النبيّ صلىاللّهعليهوآلهوسلم ثم تقول : اللّهمّ عبدك ابن عبدك ابن أمتك لا أعلم منه إلاّ خيراً وأنت أعلم به منّا ، اللّهمّ إن كان محسناً فزد في إحسانه ( حسناته ) وإن كان مسيئاً فاغفر له .... ، ثمّ تكبّر الثانية وتقول : اللّهمّ إن كان زاكياً فزكّه وإن كان خاطئاً فاغفر له ، ثم تكبّر الثالثة وتقول : اللّهمّ لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده ، ثم تكبّر الرابعة وتقول : اللّهمّ اكتبه عندك في عليين واخلف على عقبه .... ثم كبّر الخامسة وانصرف (1).
وهذه الصحيحة قد اشتملت على أُمور ثلاثة : الصلاة على النبي والدعاء للميت والدعاء لنفس المصلي ، والأوّلان هما القدر المشترك بين الأخبار كما سيتّضح ، والثالث أمر زائد يدفع وجوبه ببقية الأخبار الفاقدة له.
وأما صحيحة الحلبي أو حسنته عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال : « تكبّر ثم تشهد ثم تقول : إنّا لله وإنّا إليه راجعون ، الحمد لله رب العالمين رب الموت والحياة صلّ على محمد وأهل بيته ، جزى اللّه عنّا محمداً خير الجزاء بما صنع بأُمته وبما بلغ من رسالات ربه ، ثم تقول : اللّهمّ عبدك ... ، ثم تكبّر الثانية وتقول مثل ما قلت حتى تفرغ من خمس تكبيرات » (2)فهي قد اشتملت على الشهادة وعلى الصلاة على النبيّ وعلى الدعاء للميت ، والأخيران يؤخذ بهما لاشتراك الأخبار فيهما ، والتشهد سواء حملناه على الشهادتين أو على خصوص الشهادة بالوحدانية يدفع وجوبه ببقية الأخبار الفاقدة له كصحيح زرارة المتقدم.
ومنها : صحيحة أبي ولاد قال : « سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن التكبير على الميِّت؟ فقال : خمس ، تقول في أوّلهنّ : أشهد أن لا إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له اللّهمّ صلِّ على محمّد وآل محمّد ، ثم تقول : اللّهمّ إنّ هذا المسجّى .... » (3)وهي قد اشتملت على الشهادة بالوحدانية والصلاة على النبيّ وآله والدّعاء للميت ، وحالها حال سابقتها.
ومنها : موثقة سماعة في حديث قال : « سألته عن الصلاة على الميِّت فقال : خمس تكبيرات ، تقول إذا كبّرت : أشهد أن لا إله إلاّ اللّه .... » (1)وهذه الموثقة اشتملت على جميع ما اعتبره المشهور في صلاة الميِّت ولكن لا على تلك الكيفية المعروفة ، إلاّ أن الصلاة على محمد وآل محمد والدعاء للميت لا بدّ من أخذهما لكونهما من القدر المشترك بين جميع الأخبار ، والزائد عليهما من الشهادتين والدعاء للمؤمنين يدفع وجوبه ببقية الأخبار الفاقدة لهما. هذا كله في الأخبار المعتبرة.
وأما الأخبار الضعاف فربما يحتمل من رواية إسماعيل بن عبد الخالق بن عبد ربه عن أبي عبد اللّه عليهالسلام : « في الصلاة على الجنائز تقول : اللّهمّ أنت خلقت هذه النفس وأنت أمتّها ، تعلم سرها وعلانيتها ، أتيناك شافعين فيها شفعاء ، اللّهمّ ولها ما تولت واحشرها مع من أحبت » (2)عدم وجوب الصلاة على النبيّ فيها.
غير أنه يندفع بضعف سند الرواية لوجود أحمد بن عبد الرّحيم ( الرّحمن ) أبي الصخر فإنه مهمل في الرجال ، وبعدم دلالة الرواية على عدم وجوب الصلاة على النبي لأنها إنما تدل على وجوب الدعاء المذكور فيها ، ولا تدل على عدم وجوب غيره حيث قال : « تقول » ، ويدلُّ على ذلك عدم اشتمالها على وجوب التكبيرات الخمس فلاحظ.
وأما رواية كليب الأسدي قال : « سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن التكبير على الميِّت؟ فقال بيده خمساً ، قلت : كيف أقول إذا صليت عليه؟ قال تقول : اللّهمّ عبدك احتاج إلى رحمتك وأنت غني عن عذابه .... » (3)فهي وإن كانت تدل على عدم وجوب الصلاة على النبي صلىاللّهعليهوآلهوسلم إلاّ أنها ضعيفة السند بكليب الأسدي لعدم توثيقه ، نعم ورد في رواية أبي أُسامة السؤال منه عليهالسلام عن أن كليباً إذا
والأولى أن يقول بعد التكبيرة الأُولى : « أشهد أن لا إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له إلهاً واحداً أحداً صمداً فرداً حيّاً قيّوماً دائماً أبداً لم يتّخذ صاحبةً ولا ولداً وأشهد أنّ محمّداً عبده ورسوله ، أرسله بالهدي ودين الحق ليظهره على الدِّين كله ولو كره المشركون » وبعد الثانية : « اللّهمّ صلِّ على محمّد وآل محمّد ، وبارك على محمّد وآل محمّد ، وارحم محمّداً وآل محمّد ، أفضل ما صلّيت وباركت وترحّمت على إبراهيم وآل إبراهيم إنّك حميد مجيد ، وصلِّ على جميع الأنبياء والمرسلين » وبعد الثالثة : « اللّهمّ اغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات ، تابع اللّهمّ بيننا وبينهم بالخيرات إنك على كل شيء قدير » وبعد الرابعة : « اللّهمّ إنّ هذا المسجّى قدّامنا عبدك وابن عبدك وابن أمتك نزل بك وأنت خير منزول به ، اللّهمّ إنّك قبضت روحه إليك وقد احتاج إلى رحمتك وأنت غني عن عذابه ، اللّهمّ إنّا لا نعلم منه إلاّ خيراً وأنت أعلم به منّا ، اللّهمّ إن كان محسناً فزد في إحسانه وإن كان مسيئاً فتجاوز عن سيئاته واغفر لنا وله ، اللّهمّ احشره مع من يتولاّه ويحبّه وأبعده ممّن يتبرّأ منه ويبغضه ، اللّهمّ ألحقه بنبيِّك وعرف بينه وبينه ، وارحمنا إذا توفيتنا يا إله العالمين ، اللّهمّ اكتبه عندك في أعلى عليين واخلف على عقبه في الغابرين واجعله من رفقاء محمد وآله الطاهرين وارحمه وإيّانا برحمتك يا أرحم الراحمين ». والأولى أن يقول بعد الفراغ من الصلاة : ( رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النّارِ ) وإن كان الميِّت امرأة يقول بدل قوله « هذا المسجّى ... » إلى آخره : « هذه المسجّاة قدّامنا أمتك وابنة عبدك وابنة أمتك » وأتى بسائر الضمائر مؤنّثاً.
جاءه خبر عنكم سلّم فمدحه عليهالسلام بتسليمه لأخبارهم الواصلة إليه (1).
1) رجال الكشي : 329 ، معجم رجال الحديث 15 : 125.
إلاّ أنها لا تدل على أن ذلك هو كليب الأسدي الراوي لهذه الرواية (1)، نعم روى هو ما يفيد مدحه عنه عليهالسلام إلاّ أن الراوي لها إنما هو كليب الأسدي نفسه (2)فلا يمكن الاعتماد على روايته.
وفي رواية علي بن سويد عن الرضا عليهالسلام قال : « في الصلاة على الجنائز تقرأ في الأُولى بأُمّ الكتاب وفي الثانية تصلِّي على النبيّ وآله وتدعو في الثالثة للمؤمنين والمؤمنات وتدعو في الرابعة لميتك والخامسة تنصرف بها » (3)وهي ضعيفة بحمزة بن بزيع عمّ محمّد بن إسماعيل بن بزيع.
وفي رواية إسماعيل بن همام عن أبي الحسن عليهالسلام قال « قال أبو عبد اللّه عليهالسلام : صلّى رسول اللّه صلىاللّهعليهوآلهوسلم على جنازة ... » (4)وهي ضعيفة السند بإبراهيم بن مهزيار لأنه محل كلام.
وفي رواية يونس عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال « قال : الصلاة على الجنائز ... » (5)وهي ضعيفة بالحسين بن أحمد ، وفي نسخة الوسائل ( الحسن بن أحمد المنقري عن يونس ) وهو غلط ، لأن الموجود في الرجال الحسين بن أحمد المنقري لا الحسن (6).
فالمتحصل إلى هنا : أن الواجب في الصلاة على الميِّت غير التكبيرات أمران : أحدهما : الصلاة على النبيّ صلىاللّهعليهوآلهوسلم. وثانيهما : الدعاء للميت.
1) وقد جعل ذلك مؤكداً في معجم الرجال 15 : 124 بعد ما وثق الرجل بوجوده في أسناد كامل الزيارات.
2) المصدر السابق.
3) الوسائل 3 : 64 / أبواب صلاة الجنازة ب 2 ح 8.
4) الوسائل 3 : 64 / أبواب صلاة الجنازة ب 2 ح 9. وقد وقع إبراهيم بن مهزيار في أسانيد كامل الزيارات ولأجله وثقه ( دام ظله ) في المعجم 1 : 280 فراجع.
5) الوسائل 3 : 65 / أبواب صلاة الجنازة ب 2 ح 10.
6) ووقوع الرجل في أسناد تفسير علي بن إبراهيم غير موجب للحكم بوثاقته بعد كونه معارضاً بتضعيف النجاشي [ رجال النجاشي : 53 / 118 ] فلاحظ.
وإن كان الميِّت مستضعفاً يقول بعد التكبيرة الرابعة : « اللّهمّ اغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم ، ربنا وأدخلهم جنات عدنٍ التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم إنك أنت العزيز الحكيم »
والأولى كما أشرنا إليه في التعليقة أن يجمع بين الأدعية بعد كل تكبيرة ، لما ورد في موثقة سماعة من الأمر بالشهادتين والصلاة على محمد وآله والدعاء للمؤمنين والدعاء للميت ، وقال : « فان قطع عليك التكبيرة الثانية أي قطعها الإمام بأن كبّر قبله فلا يضرّك ، تقول : اللّهمّ هذا عبدك ابن عبدك وابن أمتك ... » إلى آخر الحديث (1).
ثمّ إنّ المستفاد ممّا دلّ على التتابع في التكبيرات إذا رفعت الجنازة من محلِّها أن التتابع والتعاقب بين التكبيرات ليس جائزاً عند إبقاء الجنازة في محلِّها ، وعليه فلا يجوز الاتصال والتعاقب بينها في الصلاة على الميِّت ، بل لا بدّ من الفصل بينها بالصلاة على الميِّت (2)بعد واحدة منها والدعاء للميت بعد الأُخرى والتسبيح والتهليل والتحميد بعد الأُخريين حسبما يستفاد من موثقة يونس الدالّة على أن صلاة الميِّت تكبير وتسبيح وتهليل وتحميد (3)، وعلى الجملة لا بدّ من الإتيان بشيء من ذلك بعد كل تكبيرة.
هذا كلّه في الصلاة على المؤمن ، ويبقى الكلام في الصلاة على المستضعف ومن لم يعلم مذهبه والمخالف.
أما المستضعف وهو الذي لا يعاند الإسلام والحق وإنما لم يلتزم به لقصور فيه بحيث لو بيّن له الحق لقبله ، وهذا يتفق كثيراً في العجزة والنساء وعامّة القاصرين فالصحيح أن الصلاة عليه إنما هي بخمس تكبيرات ، وذلك لإطلاق ما دل على أن
صلاة الميِّت خمس تكبيرات (1)، ولا نعرف من يصرح بذلك من الأصحاب ولا من صرح بخلافه.
نعم قد يتوهّم أن ما رواه إسماعيل بن سعد الأشعري عن أبي الحسن الرضا عليهالسلام قال : « سألته عن الصلاة على الميِّت فقال : أما المؤمن فخمس تكبيرات وأما المنافق فأربع ولا سلام فيها » (2)يدل على أن التكبيرات الخمسة منحصرة بالصلاة على المؤمن ، ولما لم يكن المستضعف بمؤمن فلا تجب خمس تكبيرات في الصلاة عليه.
ويندفع بأن الرواية لا دلالة لها على ذلك ، لأن المؤمن في الرواية مقابل المنافق لا مقابل المستضعف ، فكما أنه ليس بمؤمن كذلك ليس بمنافق ، فالرواية غير شاملة لحكمه فتبقى الإطلاقات شاملة له من دون مزاحم. على أنها ضعيفة السند ، لأن طريق الشيخ إلى أحمد بن محمد بن عيسى قد ذكر مقسطاً ، ولم يعلم أن هذه الرواية من الجملة التي رواها بطريقه الصحيح أو من الجملة التي رواها عنه بطريق غير صحيح لاشتماله على أحمد بن محمد بن يحيى (3)، فالرواية غير صحيحة وإن عبّر عنها في الحدائق بالصحيحة (4)، ولعلّه من جهة وثاقة أحمد بن محمد بن يحيى عنده ، وعليه لا خدشة في صحّة طريق الشيخ إلى الرجل.
نعم ورد في جملة روايات معتبرة أن النبيّ صلىاللّهعليهوآلهوسلم كان إذا صلّى على ميت بأربع تكبيرات اتهم الميِّت بالنفاق وإذا صلّى على ميت بخمس عرف أنه مؤمن (5)، وظاهرها أن الخمس تختص بالمؤمن.
إلاّ أنّ الصحيح عدم دلالتها على ذلك ، لأن المؤمن فيها في قبال المنافق ، وهي تدل على أن الأربع تكبيرات من مختصات المنافق ، ولم يعلم دلالتها على أن الخمس من
1) الوسائل 3 : 72 / أبواب صلاة الجنازة ب 5.
2) الوسائل 3 : 74 / أبواب صلاة الجنازة ب 5 ح 5 ، 91 / ب 9 ح 1.
3) وقد تبدل رأي الأُستاذ في طريق الشيخ إلى روايات أحمد بن محمد بن عيسى والتزم بصحّة الطريق من وجه آخر. راجع المعجم 3 : 88 ترجمة أحمد بن محمد بن عيسى.
4) الحدائق 10 : 420.
5) الوسائل 3 : 72 / أبواب صلاة الجنازة ب 5 ح 1 ، 18 ، 25.
مختصات المؤمن لينفى وجوبه عن المستضعف هذا ، بل لولا التسالم على أن المخالف يصلى عليه بأربع تكبيرات أمكننا المناقشة في أصل هذا الحكم ، وذلك لأن المنافق الذي كان يصلِّي عليه النبي صلىاللّهعليهوآلهوسلم بأربع هو الذي لم يكن مسلماً باطناً وإنما كان يظهر الإسلام كذباً ، لقوله تعالى ( وَاللّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ ) (1)وقوله تعالى ( وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ ) (2)وأين هذا من المنافق في عصر الأئمة وفي ألسنة الأخبار ، إذ المنافق فيهما بمعنى المسلم المنكر للولاية.
ولكن الموجود في كلماتهم أن المنافق بمعنى المنكر للولاية يصلى عليه بأربع تكبيرات مستدلاً عليه بروايتين :
إحداهما : ما رواه الصدوق عن الحسين بن النضر ، قال « قال الرضا عليهالسلام : ما العلة في التكبير على الميِّت خمس تكبيرات؟ قال : رووا أنها اشتقت من خمس صلوات ، فقال : هذا ظاهر الحديث فأما في وجه آخر فان اللّه فرض على العباد خمس فرائض : الصلاة والزكاة والصوم والحج والولاية ، فجعل للميت من كل فريضة تكبيرة واحدة فمن قبل الولاية كبّر خمساً ومن لم يقبل الولاية كبّر أربعاً ، فمن أجل ذلك تكبّرون خمساً ومن خالفكم يكبّر أربعاً » (3).
وثانيتهما : ما رواه أبو بصير قال « قلت لأبي عبد اللّه عليهالسلام : لأي علة ( شيء ) تكبّر على الميِّت خمس تكبيرات ويكبّر مخالفونا بأربع تكبيرات؟ قال : لأن الدعائم التي بني عليها الإسلام خمس : الصلاة والزكاة والصوم والحج والولاية لنا أهل البيت ، فجعل اللّه للميت من كل دعامة تكبيرة ، وإنكم أقررتم بالخمس كلها وأقر مخالفوكم بأربع وأنكروا واحدة ، فمن ذلك يكبّرون على موتاهم أربع تكبيرات وتكبّرون خمساً » (4)فان المصرح به في الروايتين أن المخالف يكبّر في صلاته بأربع
تكبيرات والمؤمن بخمس تكبيرات.
والجواب عن هذا الاستدلال : أن الروايتين دلتا على حكم المصلي وأنه لو كان مؤمناً فيكبّر خمس تكبيرات ولو كان مخالفاً فأربع ، ولا تدل على حكم الميِّت ولا تتعرّض له وأنه إذا كان مؤمناً أو مخالفاً يصلى عليه بأية كيفية.
على أن سند الروايتين ضعيف ، أما الأُولى : فلتردد الحسين بن النضر بين شخصين كلاهما غير موثق ، وإن سها المامقاني قدسسره ولم يتعرض للحسين بن النضر أصلاً.
وأمّا الثانية : فلوجود علي بن أحمد الذي هو شيخ الصدوق ، ومحمد بن أبي عبد اللّه نعم لو كان هو في أول السند لحكمنا بوثاقته لأنه حينئذ « محمد بن محمد » الموثق دون ما إذا كان في وسطه كما في المقام و « موسى بن عمران » و « الحسين بن يزيد » الذي هو النوفلي ، نعم « علي بن أبي حمزة البطائني » موثق وإن كان خبيثاً قد أكل أموال الإمام عليهالسلام (1).
فالمتحصل : أن المستضعف يصلى عليه بخمس تكبيرات.
وأمّا الدعاء في الصلاة على المستضعف فقد أطبقت الأخبار وهي بين صحيحة وموثقة على أن في الصلاة على المستضعف يدعى للمؤمنين لا للميت (2)وبهذا تفترق الصلاة على الميِّت المؤمن من الصلاة على المستضعف ، ففي الأُولى يصلِّي على النبي صلىاللّهعليهوآلهوسلم ويدعو للميت ، وفي الثانية يصلِّي على النبي صلىاللّهعليهوآلهوسلم ويدعو للمؤمنين.
وأمّا الصلاة على المخالف فقد ذهب صاحب الحدائق قدسسره إلى عدم
1) هذا كلّه ما أفاده ( دام ظلّه ) لدى البحث ، غير أنه عدل عن ذلك أخيراً فبنى على ضعف البطائني [ المعجم 12 : 234 ] ووثاقة محمد بن أبي عبد اللّه النوفلي [ المعجم 7 : 122 ] وابن عمران [ المعجم 20 : 66 ] ويظهر الوجه في ذلك كله بالمراجعة إلى معجم الرجال عند التعرض لترجمتهم.
2) الوسائل 3 : 67 / أبواب صلاة الجنازة ب 3.
وجوب الصلاة عليه كالكافر ، ونسبه إلى بعضهم (1)، وهذا يبتني على مسلكه من كفر المخالفين وإنما أُمرنا بالمعاشرة معهم تقية.
وهذا ممّا لا يمكن المساعدة عليه ، لما قدّمناه في محلِّه من أن المخالف مسلم محكوم بالطهارة ويترتب عليه ما يترتب على المسلم من الآثار التي منها وجوب الصلاة عليه بخمس تكبيرات (2).
والظاهر من كلمات الأكثرين وجوب خمس تكبيرات في الصلاة عليه ، وهذا الظهور في كلام العلاّمة في قواعده قوي بل كاد يكون صريحاً ، حيث إنه بعد ما بيّن أن صلاة الميِّت خمس تكبيرات قال : وتقول بعد الاولى كذا وبعد الثانية كذا ... وتقول بعد الرابعة كذا إن كان مؤمناً ، وكذا إن كان مخالفاً ، ثم تكبّر الخامسة فتنصرف (3). بل صرح به الصدوق في هدايته (4)، بل ادعي عليه الإجماع في كلمات بعضهم ، ولكن ذهب المحقق قدسسره إلى وجوب أربع تكبيرات في الصلاة على المخالف (5)، ولعلّ هذا هو المشهور فيما بين من تأخر عنه. وذهب بعضهم إلى التخيير بين التكبير عليه بأربع أو بخمس.
والصحيح من هذه الأقوال هو الأوّل الموافق لظاهر إطلاق الأكثرين ، وذلك للمطلقات الدالّة على أن الصلاة على الميِّت خمس تكبيرات كالصحيحة الواردة في صلاة هبة اللّه بن آدم على أبيه آدم عليهالسلام (6)حيث ورد في ذيلها أن الصلاة بخمس تكبيرات سنة جارية في ولد آدم إلى يوم القيامة ، وتخصيص المخالف يحتاج إلى دليل مخصص ولا دليل عليه إلاّ أمران ، كلاهما لا يمكن المساعدة عليهما.
أحدهما : الأخبار الواردة في أن الصلاة على المؤمن خمس تكبيرات وعلى المنافق أربع (1)، وهي وإن كان بعضها صحيحاً ومعتبراً إلاّ أنّا قدمنا عدم دلالتها على وجوب الأربع في المخالف ، لأن المنافق غير المخالف ، فان المنافق هو المضمر للكفر والمظهر للإسلام كذباً ، والمخالف مسلم وغير مضمر للكفر إلاّ أنه لا يعتقد بالولاية ، وأين أحدهما من الآخر؟
وثانيهما : ما رواه الشيخ عن أحمد بن محمد بن عيسى وقد اشتملت على أن المؤمن يصلّى عليه بخمس والمنافق بأربع (2)وهي ظاهرة في المدعى لو خليت ونفسها لكونها صادرة عن الإمام الرضا عليهالسلام والمنافق في عصره في مقابل المؤمن المعتقد بالولاية وظاهره المخالف.
إلاّ أنها أيضاً غير صالحة للاستدلال بها ، لأنها بملاحظة ما في قبالها من الروايات المتقدِّمة التي قلنا إن المراد بالمنافق فيها غير المخالف جزماً لا بدّ من حملها على غير المخالف. ويعضده الشهرة المنعقدة بين الأصحاب على العمل بالمطلقات المتقدمة وعدم الفرق في ذلك بين الشيعة والمخالفين. على أنّا قد ناقشنا في سندها ، لأن طريق الشيخ إلى أحمد بن محمد بن عيسى قد ذكر متبعضاً ولا يدري أن ما يرويه من الأخبار التي رواها عنه بطريقه الصحيح أو مما رواه عنه بطريقه الضعيف.
فالمتحصل : أن الصلاة على المخالف كالصلاة على المؤمن من حيث وجوب التكبير خمساً.
وأمّا من حيث الدعاء فيختلفان حيث يدعى على الميِّت المخالف ويدعى له في المؤمن ، وذلك لأن المخالف غير المستضعف الذي قدمنا حكمه إما معاند أو جاهل
مقصِّر وكلاهما عدو اللّه ، وقد ورد في صحيحة الحلبي الأمر بالدعاء على الميِّت إذا كان عدو اللّه (1)، والمخالف لو لم يكن مبغضاً لأهل البيت عليهمالسلام إلاّ أنه بالأخرة يبغض عدو عدو أهل البيت فهو عدو اللّه ، فتشمله الصحيحة كما عرفت.
على أنه ورد الدعاء على الميِّت إذا كان جاحداً للحق ، ولا إشكال في صدق هذا العنوان على المخالف ، إذ لا يعتبر في الجحد إلاّ إنكار الحق علم به أم لم يعلم.
ولأن الدعاء للميت مختص بالمؤمن ، لما ورد في الميِّت الذي لا يعلم مذهبه من تعليق الدعاء له على كونه مؤمناً بقوله : اللّهمّ إن كان مؤمناً فكذا (2)فلو لم يكن الدعاء للميت مخصوصاً بالمؤمن لم يكن لهذا التعليق وجه ، فالمخالف لا يجوز الدعاء له.
وأما الصلاة على المنافق وهو الذي لا يعتقد بالإسلام واقعاً إلاّ أنه يلتزم به ظاهراً ولا يبرز مخالفته لقواعده وأحكامه بحسب العمل ، وقد كان كثيراً في زمان النبيّ صلىاللّهعليهوآلهوسلم فلا ينبغي الشبهة في أن الصلاة عليه بأربع تكبيرات ، لجملة من الصحاح وغيرها.
وأما إطلاق كلمات الأصحاب كالصدوق (3)وابن زهرة (4)حيث ذكروا أن الصلاة على الميِّت خمس تكبيرات وتقول بعد التكبيرة الأُولى كذا ... وبعد الرابعة تدعو للميت إن كان مؤمناً وتدعو عليه إن كان منافقاً وتكبّر الخامسة وتنصرف ، فلا يحتمل إرادتهم من المنافق هذا المعنى ، بل المراد به في كلماتهم هو المنافق بمعنى المخالف الذي قدّمنا حكمه ، وذلك لوجود الأخبار المعتبرة الدالّة على أن المنافق يصلى عليه بأربع تكبيرات.
وإن كان مجهول الحال يقول : « اللّهمّ إن كان يحب الخير وأهله فاغفر له وارحمه وتجاوز عنه ». وإن كان طفلاً يقول : « اللّهمّ اجعله لأبويه ولنا سلفاً وفرطاً وأجرا » (1).
وأما من لا يعرف مذهبه وحاله فالظاهر وجوب التكبير عليه بخمس ، وذلك للإطلاقات وللأصل ، حيث إنها دلت على أن الصلاة على الميِّت خمس تكبيرات ، ولم يخرج عنها سوى المنافق ، ولا يدري أن مجهول الحال منافق ، ومقتضى الأصل عدم كونه منافقاً فيجب التكبير عليه بخمس.
وأما من حيث الدعاء فيختلف عن المؤمن في أن الدعاء له لا بدّ أن يكون معلقاً بأن يدعى له على تقدير كونه مؤمناً ، وذلك لما ورد من أن الميِّت المجهول حاله يدعى له معلقاً كقوله : اللّهمّ إن كان مؤمناً فكذا ، وإن كان مخالفاً فكذا.
وأما الدعاء للمؤمنين فمقتضى جملة من الروايات وإن كان أنه يدعو للمؤمنين في الصلاة على من لا يعرف حاله ، إلاّ أن مقتضى صحيحة الحلبي التي فصلت بين المستضعف ومن لا يعرف حاله وأنه يدعى في الصلاة عليه للمؤمنين دون من لا يعرف حاله (1)عدم جواز الدعاء المخصوص بالمؤمنين في الصلاة على الميِّت الذي لا يعرف حاله.
فقد تحصل : أن الواجب في التكبير هو الخمس مطلقاً إلاّ في المنافق ، نعم تختلف الأدعية باختلاف الميِّت من كونه مؤمناً أو مستضعفاً أو غير ذلك.
(1) بقي الكلام في الصلاة على الطفل ، وهل يجب فيها الدعاء أم لا؟ لا إشكال في أن الأوامر الواردة بالدعاء للميت لا تشمل الصبي ، لأنها تضمنت الدعاء وطلب
1) الوسائل 3 : 68 / أبواب صلاة الجنازة ب 3 ح 4.
المغفرة له والتجاوز عن معاصيه وسيئاته ، والطفل ليس عنده سيئات ولا معاصي لكونه غير مكلف بشيء.
والصحيح أن يدعى في الصلاة على الطفل بما يدعى به في المستضعف من الدعاء للمؤمنين ، وقد تقدم أن الدعاء مقوم لصلاة الميِّت ولا صلاة من دونه.
نعم ورد في رواية زيد بن علي عن آبائه عن علي عليهالسلام في الصلاة على الطفل أنه كان يقول : « اللّهمّ اجعله لأبويه ولنا سلفاً وفرطاً وأجراً » (1)، إلاّ أنها ضعيفة السند وغير قابلة للاعتماد عليها من جهة المنبه بن عبد اللّه لعدم توثيقه في الرجال ، هذا.
ولكن التأمل يقضي بصحتها ، وذلك لأن المنبه بن عبد اللّه وإن لم يوثق صريحاً في الرجال إلاّ أن النجاشي ذكر أنه صحيح الحديث (2)وهذا توثيق منه له بل فوقه. ولا يقاس هذا بمثل قول الصدوق في أوائل من لا يحضره الفقيه : إن ما أُورده في كتابي حجّة بيني وبين ربِّي (3)، فإنه فرق بين أن يقال : الرواية صحيحة كما في قول الصدوق وبين أن يقال : الراوي صحيح الحديث ، فإن الأوّل يحتمل الاجتهاد أي بأن تكون الرواية صحيحة في نظره وهذا بخلاف الثاني ، فإن كون راوٍ صحيح الحديث إنما يكون فيما إذا كان ثقة في إخباره.
ثم إن معنى الرواية الصحيحة عندهم هو كونها حجة شرعية وليس بمعنى كون الراوي فيها عدلاً إمامياً ، فإنه اصطلاح حديث نشأ عند تقسيم الرواية ، وعليه فالمنبه ابن عبد اللّه لا بأس بروايته.
وأمّا الحسين بن علوان الواقع في سند الرواية فقد ذكره الشيخ (4)والنجاشي (5)وله
[962] مسألة 1 : لا يجوز أقل من خمس تكبيرات إلاّ للتقية أو كون الميِّت منافقاً وإن نقص سهواً بطلت ووجب الإعادة إذا فاتت الموالاة ، وإلاّ أتمّها (1).
[963] مسألة 2 : لا يلزم الاقتصار في الأدعية بين التكبيرات على المأثور (2)
كتاب ، فإنهما لا يذكران من الرواة إلاّ من له كتاب ، فما في رجال النجاشي من أن الحسين بن علوان ليس له كتاب فهو من غلط النسخة والصحيح هو الحسن ، فإنه لو لم يكن له كتاب لم يورده النجاشي في كتابه ، على أنه صرح بعد فصل غير طويل أن للحسين كتاباً مختلطاً رواياته.
ثم إن النجاشي ذكر عند ترجمته : أن الحسين بن علوان عامي وأخوه الحسن ثقة. ووقع الكلام بينهم في أن « ثقة » خبر لقوله : « وأخوه » أو يرجع إلى الحسين بن علوان المترجم أو أنها مجملة؟ وظاهر العبارة هو الأوّل. إلاّ أنه وثقه ابن عقدة حيث قال : وأخوه الحسن أوثق منه (1). فإنه أفعل التفضيل فيدل على أن الحسين ثقة أيضاً غاية الأمر أن الحسن أوثق ، فلا إشكال في سند الرواية من هذه الجهة أيضاً.
وأمّا عمرو بن خالد فقد وثقه ابن فضال (2)، وحيث إن بني فضال موثقون فنعتمد على توثيقاتهم.
وأمّا زيد بن علي بن الحسين فهو من الجلالة بمكان ، فلا مناقشة في الرواية بحسب السند ، إلاّ أنها قاصرة الدلالة على المراد لاشتمالها على حكاية فعل الإمام عليهالسلام ولا دلالة فيه على الوجوب.
(1) لأنه مقتضى القاعدة فتبطل بترك شيء ممّا يعتبر فيها. ولا يمكن تصحيحها بقاعدة لا تعاد ، لاختصاصها بصلاة ذات ركوع وسجود ، فلا بدّ من إعادتها إلاّ أن لا تفوت الموالاة فيتمها حينئذ بالإتيان بالتكبيرة الخامسة مثلاً.
(2) لما تقدّم من أنه ليس في صلاة الميِّت دعاء مؤقت فيجوز له أن يدعو بما شاء
بل يجوز كل دعاء بشرط اشتمال الأوّل على الشهادتين والثاني على الصلاة على محمد وآله والثالث على الدعاء للمؤمنين والمؤمنات بالغفران وفي الرابع على الدعاء للميت ، ويجوز قراءة آيات القرآن والأدعية الأُخر ما دامت صورة الصلاة محفوظة.
[964] مسألة 3 : يجب العربية في الأدعية بالقدر الواجب (1) وفيما زاد عليه يجوز الدعاء بالفارسية ونحوها.
[965] مسألة 4 : ليس في صلاة الميِّت أذان ولا إقامة (2) ولا قراءة الفاتحة (3)
نعم لا بدّ من التحفظ على الصلاة على النبي صلىاللّهعليهوآلهوسلم والدعاء للميت على مسلكنا وعلى الأُمور المعتبرة عند الماتن ، إلاّ أن له أن يأتي بهما بأي كيفية أراد ، إذ لا دعاء مؤقت في صلاة الميِّت.
(1) لأن الأخبار المشتملة على الأدعية (1)وإن كانت مختلفة إلاّ أنها بأجمعها مشتركة في كون الأدعية بالعربية ، فالعربية معتبرة في صلاة الميِّت ، نعم هذا في المقدار الواجب ، وأما الزائد عليه فهو مخير بين الدعاء بالعربية وغيرها من الألفاظ لأنه على كل حال تهليل وتسبيح وتكبير.
(2) لاختصاصهما بالفرائض ، ولا يجوزان في غيرها من الصلوات فضلاً عمّا نحن فيه الذي هو ليس بصلاة.
(3) لعدم اشتمال الأخبار لها فيجوز الإتيان بها بعنوان القرآن لا بعنوان القراءة المعتبرة في الصلاة ، نعم وردت القراءة في صلاة الميِّت في روايتين ضعيفتين :
إحداهما : ما عن الشيخ بسنده عن أحمد بن محمد بن عيسى ، وقد تقدم ضعف هذا السند (2).
ولا الرّكوع والسّجود (1) والقنوت (2) والتشهّد (3) والسّلام (4) ولا التكبيرات الافتتاحية وأدعيتها ، وإن أتى بشيء من ذلك بعنوان التشريع كان بدعة وحراما.
وثانيتهما : ما رواه عن عبد اللّه بن ميمون وهو عن جعفر بن محمد بن عبد اللّه (1). كذا في الوسائل ، والصحيح عبيد اللّه ، وهو لم يوثق في الرجال.
على أنّا لو أغمضنا عن سندها فهي وسابقتها لأجل كونهما في مقابل الأخبار الواردة في صلاة الجنائز وهي ساكتة عن بيان وجوب الفاتحة فيها مع كونها بصدد البيان لا بدّ من حملها على التقية ونحوها ، ولا يمكن الاعتماد عليها في الحكم بوجوب قراءة الفاتحة في صلاة الأموات بوجه.
(1) وقد صرح بذلك في بعض الروايات وأنه لا سجود ولا ركوع فيها وأنها ليست إلاّ تهليلاً أو تكبيراً أو تحميداً.
(2) لعدم وروده في شيء من الروايات ، نعم لا بأس برفع اليدين للدعاء ، وإنما لا يجوز الإتيان به بعنوان القنوت المعتبر في الصلاة.
(3) الظاهر المطمأن به أن الماتن قدسسره أراد التشهد في الصلاة أعني الجلوس بالكيفية المعتبرة في الصلاة ، وهو غير معتبر في صلاة الأموات ، إذ لا دليل عليه لعدم وروده في الأخبار.
وأمّا أصل التشهد فهو معتبر فيها على ما يراه الماتن كما تقدّم.
(4) لا يعتبر فيها السلام لعدم وروده في الأخبار ، نعم ورد في بعض الموثقات كموثقتي سماعة وعمار « وإذا فرغت سلمت عن يمينك » (2)و « تسلم » (3)إلاّ أنها محمولة على التقيّة لموافقتها العامّة ، أو محمولة على السلام المستحب عند التوديع كما حمله عليه صاحب الوسائل قدسسره.
وناقش صاحب الوافي في حملها على التقية نظراً إلى أنهما اشتملتا على الأمر بالتكبيرات الخمسة وهو على خلاف التقية ، لأن العامة إنما يرون صلاة الميِّت أربع تكبيرات ومعه كيف يمكن حملهما على التقية (1).
وفيه : أن العامة بأجمعهم لم يكونوا ملتزمين بكونها أربع تكبيرات في تلكم العصور ، بل كان فيهم من يلتزم بالتخيير بين الأربع والخمس نظراً لما رواه من أن النبيّ صلىاللّهعليهوآلهوسلم كان قد يصلِّي بأربع وأُخرى بخمس تكبيرات (2)نعم صار القول بالأربع مشهوراً ومتسالماً عليه بينهم بعد حصر المذاهب في الأربعة. إذن فلا تكون الرواية الآمرة بخمس تكبيرات منافية للتقية ، لاحتمال اختياره عليهالسلام الخمس عملاً بالتخيير ، هذا. على أنه يمكن أن تكون الرواية الواحدة ببعض جملاتها موافقة للعامة وببعضها الآخر مخالفة لهم فيعامل مع الأُولى معاملة الموافق للعامّة دون الثانية ، هذا.
وممّا ينبغي الإشارة إليه أنّا ذكرنا سابقاً (3)أن التكبيرات الخمسة مقومة لصلاة الميِّت إلاّ أنه إذا زاد عليها سهواً فلا ينبغي الإشكال في عدم بطلانها بذلك ، إذ لا دليل على أن الزيادة مانعة عن الصلاة. وما ورد من أن من زاد في صلاته استقبل صلاته استقبالاً (4)فهو مختص بالصلوات ذات الركوع والسجود.
ومن هنا يظهر أنه لو زاد على الخمس عمداً لا تبطل صلاته أيضاً لعدم الدليل عليه ، نعم إذا نوى الزيادة من الابتداء وقصد الإتيان بصلاة ذات ست تكبيرات بطلت ، إذ لا أمر بصلاة ذات ست تكبيرات فلا تتحقق منه نية الصلاة ، وأمّا إذا قصده في الأثناء ولا سيما بعد الخامسة فلا ينبغي الشبهة حينئذ في صحّة الصلاة.
[966] مسألة 5 : إذا لم يعلم أن الميِّت رجل أو امرأة يجوز أن يأتي بالضمائر مذكرة بلحاظ الشخص والنعش والبدن وأن يأتي بها مؤنثة بلحاظ الجثة والجنازة ، بل مع المعلومية أيضاً يجوز ذلك (1) ولو أتى بالضمائر على الخلاف جهلاً أو نسياناً (2) لا باللحاظين المذكورين فالظاهر عدم بطلان الصلاة.
[967] مسألة 6 : إذا شك في التكبيرات بين الأقل والأكثر بنى على الأقل (3).
(1) باعتبار الجسد والجثة.
(2) كما إذا كان عالماً بأنه رجل أو امرأة إلاّ أنه نسي فلا مانع من أن يحكم بتخييره وذلك لأنه إذا أرجع الضمير المؤنث إلى المذكر فهو من الاشتباه في التطبيق ، كما إذا قال يا عمرو بدلاً من قوله يا زيد عند الخطأ ، فإنه لا يعد غلطاً حينئذ ، والخطأ في التطبيق غير مانع عن الصحّة.
(3) لم يتعرّض للشك في الدعاء ، وحاصله : أنه إذا شك في الدعاء الثاني كالدعاء للميت أنه أتى بالدعاء السابق عليه في التكبيرة المتقدمة أم لم يأت به ، لا مانع من الحكم بصحّة الصلاة والإتيان بالدعاء بقاعدة التجاوز ، لعدم اختصاصها بباب الصلاة وإن أصر عليه شيخنا الأُستاذ قدسسره وذكر أن عدم جريانها في الطهارات الثلاث من باب التخصّص لا التخصيص لاختصاص القاعدة بالصلاة (1)، إلاّ أنّا ذكرنا عدم اختصاص أدلّتها بباب الصلاة (2)فلا مانع من التمسك بها عند الشك في الإتيان بالدعاء.
نعم لو كان مشغولاً بالدعاء بعد الثانية أو بعد الثالثة فشك في إتيان الاولى في الأوّل أو الثانية في الثاني بنى على الإتيان وإن كان الاحتياط أولى (1).
[968] مسألة 7 : يجوز أن يقرأ الأدعية في الكتاب خصوصاً إذا لم يكن حافظاً لها (1).
وأما الشك في التكبيرات فقد ذكر الماتن قدسسره أنه يبني على الأقل بالاستصحاب إلاّ أنه إذا كان مشغولاً بالدعاء بعد الثانية أو بعد الثالثة فشك في إتيان التكبيرة الاولى في الأوّل أو الثانية في الثاني لا مانع من البناء على الإتيان بها لقاعدة التجاوز وإن كان الاحتياط أولى.
إلاّ أن إجراء قاعدة التجاوز في المقام مبني على أن يكون للأدعية محل مقرر شرعي ليصدق التجاوز عند التجاوز عنه ، وعلى تقدير القول بالمحل تجري القاعدة في التكبيرة الأُولى إذا شك فيها بعد الدخول في الدعاء عقيبها فلا حاجة إلى التقييد المذكور في المتن : نعم لو كان مشغولاً بالدعاء بعد الثانية ، هذا.
ولكن الصحيح أن الأدعية ليس لها محل مقرر شرعاً ، فلو رأى نفسه يصلِّي على النبي صلىاللّهعليهوآلهوسلم ليس له البناء على تحقق التكبيرة الثانية ، لعدم كون محلها بعد التكبيرة الثانية ، بل يجوز الإتيان بالصلاة على النبي وآله بعد الأُولى أيضاً وهكذا.
(1) لعدم اشتراط كونها مقروءة عن ظهر القلب ، وهو ظاهر.
1) (*) هذا الاحتياط لا يترك.
وهي أُمور :
الأوّل : أن يوضع الميِّت مستلقيا.
الثاني : أن يكون رأسه إلى يمين المصلي ورجله إلى يساره (1).
الثالث : أن يكون المصلي خلفه محاذياً له لا أن يكون في أحد طرفيه إلاّ إذا طال صف المأمومين.
فصل في شرائط صلاة الميِّت
(1) ويدلُّ على هذين الشرطين موثقة عمار عن أبي عبد اللّه عليهالسلام في حديث « أنه سئل عمّن صلِّي عليه فلما سلم الإمام فإذا الميِّت مقلوب ، رجلاه إلى موضع رأسه ، قال : يسوّى وتعاد الصلاة عليه وإن كان قد حمل ما لم يدفن ، فان دفن فقد مضت الصلاة عليه ، ولا يصلّى عليه وهو مدفون » (1).
أمّا دلالتها على اعتبار كون رأس الميِّت إلى يمين المصلي ورجلاه إلى يساره فهي ظاهرة.
وأمّا دلالتها على اعتبار كون الميِّت مستلقياً فلأنه الوضع المتعارف المعهود عند وضع رأس الميِّت إلى اليمين ورجليه إلى اليسار. على أنه يمكن الاستدلال عليه بما ورد في الصلاة على العاري من وضعه في قبره وستر عورته بلبن ونحوه (2)، فإنه لو جاز جعل الميِّت على وجهه بأن يكون ظاهراً عند المشاهدة والرؤية لم يحتج إلى ستر
الرابع : أن يكون الميِّت حاضراً فلا تصح على الغائب وإن كان حاضراً في البلد (1).
عورته باللبن والتراب ، بل جسده كان يستر عورته وأما دبره فتستره الأليتان.
وكذا لو جاز جعله على يمينه أو يساره في قبره فلا ترى معه عورته ، ومن ذلك يستكشف اعتبار كون الميِّت على قفاه هذا ، مضافاً إلى أن المسألة مورد التسالم بين الأصحاب.
(1) ويدلُّ عليه وعلى ما تقدمه بالإضافة إلى أن المسألة متسالم عليها عندهم ما ورد في صحيحة أبي ولاد من قوله في الدعاء : « اللّهمّ إن هذا المسجّى قدامنا عبدك » (1)فيعلم منه أن الميِّت لا بدّ من كونه قدّام الإمام ولا بدّ من كونه حاضراً.
وكذا يستفاد هذا ممّا ورد في كيفية وضع الميِّت إذا تعدّد وكان البعض رجلاً والبعض امرأة حيث إن المرأة توضع محاذية لركبتي الميِّت الرجل (2)، فيدل ذلك على أنه لا يجوز أن يجعل خلف المصلي كما تراه العامة ، وكذلك تدل على أن الميِّت لا بدّ أن يكون حاضراً.
وأما ما ورد من أن رسول اللّه صلىاللّهعليهوآلهوسلم صلّى على النجاشي عند ما سمع بموته وارتفعت الجبال وسطحت الأرض حتى رآه النبيّ (3)فهي ضعيفة السند لا يمكن الاستدلال بها. على أنها معارضة بما ورد عن زرارة أو محمد بن مسلم من أن النبيّ صلىاللّهعليهوآلهوسلم لم يصلّ على النجاشي بل دعا له (4).
الخامس : أن لا يكون بينهما حائل كستر أو جدار (1) ولا يضر كون الميِّت في التابوت ونحوه.
السادس : أن لا يكون بينهما بعد مفرط على وجه لا يصدق الوقوف عنده إلاّ في المأموم مع اتصال الصفوف.
السابع : أن لا يكون أحدهما أعلى من الآخر علواً مفرطا (2).
الثامن : استقبال المصلِّي القبلة (3).
ويستفاد أيضاً اعتبار ذلك مما ورد من أن علياً عليهالسلام كان يدخل عشرة عشرة للصلاة على النبي (1)فإنه لو جازت الصلاة على الميِّت من بعيد لم يحتج إلى ذلك ، بل جاز لكل أحد أن يصلِّي على النبي ولو في بيته أو غيره من المواضع.
(1) بحيث يمنع عن صدق الحضور عنده دون مثل التابوت والساتر ونحوهما ، إذ معه يصدق أن الميِّت حاضر عنده.
(2) علواً لا يصدق معه الكون عنده ، وأما المقدار غير المانع عن صدقه كشبر أو شبرين فلا يضرها.
(3) هذه المسألة متسالم عليها بين الأصحاب ، وتدل عليه صحيحة داود بن القاسم أبي هاشم الجعفري الواردة في المصلوب وكيفية الصلاة عليه « .... إن كان وجه المصلوب إلى القبلة فقم على منكبه الأيمن ، وإن كان قفاه إلى القبلة فقم على منكبه الأيسر فإن ما بين المشرق والمغرب قبلة ، وإن كان منكبه الأيسر إلى القبلة فقم على منكبه الأيمن ، وإن كان منكبه الأيمن إلى القبلة فقم على منكبه الأيسر ، وكيف كان منحرفاً فلا تزائلن مناكبه وليكن وجهك إلى ما بين المشرق والمغرب ولا تستقبله ولا تستدبره البتة » (2)حيث دلّت على أن الاستقبال معتبر في الصلاة على الأموات ، وحيث
التاسع : أن يكون قائما (1).
إنه غير ممكن في مفروض الحديث اتسعت القبلة بالإضافة إليه وكان ما بين المشرق والمغرب قبلة.
والوجه في عدم التمكن من الاستقبال فيها أن المكلف وإن كان يتمكن من الاستقبال عقلاً كما إذا قام خلف المصلوب الذي وجهه إلى القبلة إلاّ أنه غير متمكن منه شرعاً ، لاعتبار أن يكون الإمام مستقبلاً لمنكب المصلوب ومعه لا يتمكن من الاستقبال شرعاً.
ودعوى أن الرواية أعرض عنها الأصحاب لعدم ذكرهم لها في مصنفاتهم في كيفية الصلاة على المصلوب ، مندفعة بأن مضمون الرواية وهو اتساع جهة القبلة عند عدم التمكن من القبلة وإجزاء ما بين المشرق والمغرب ممّا لم يعرض عنه الأصحاب وإنما لم يتعرضوا له لا أنّهم أعرضوا عنه.
ويدلُّ عليه أيضاً ما رواه الحلبي قال : « سألته عن الرجل والمرأة يصلّى عليهما ، قال : يكون الرجل بين يدي المرأة ممّا يلي القبلة فيكون رأس المرأة عند وركي الرجل مما يلي يساره ويكون رأسها أيضاً ممّا يلي يسار الإمام ورأس الرجل ممّا يلي يمين الإمام » (1)حيث دلّت على اعتبار القبلة في الصلاة على الميِّت.
ونظيرها رواية أُخرى وهي ما رواه عمرو بن شمر عن جابر عن أبي جعفر عليهالسلام قال « قلت : أرأيت إن فاتني تكبيرة أو أكثر ، قال : تقضي ما فاتك ، قلت : استقبل القبلة؟ قال : بلى وأنت تتبع الجنازة » (2).
(1) وهذا الشرط متسالم عليه بينهم أيضاً ، وتدل عليه الصحيحة المتقدِّمة (3)الدالّة
على أنه يقوم قبال المنكب الأيمن أو الأيسر ، فيستفاد منها اعتبار القيام في الصلاة على الميِّت.
ثم إن هذا الشرط كسابقه يختصّان بحال التمكن لأنه القدر المتيقن من التسالم ولم تدلّنا الأخبار إلاّ على اعتباره في مَن يتمكّن منهما ، وعليه فلو صلّى على ميت قاعداً أو إلى غير القبلة لعجز ثم تجددت له القدرة على الصلاة قائماً أو مستقبلاً أو وجد شخص يتمكن من الشرطين ، أو أنه كان هناك شخصان أحدهما متمكن من القيام والاستقبال دون الآخر فلو صلّى العاجز فصلاته جائزة أو لا؟ وعلى تقدير صحتها هل تجزئ عن الصلاة التامّة أو لا تجزئ؟
وهذان فرعان يتعرض لهما الماتن في الفروع الآتية إلاّ أنّا نتعرّض لهما في المقام.
أمّا إذا كان هناك شخصان أحدهما عاجز عن القيام والاستقبال والآخر متمكن منهما فالصحيح عدم جوازها للفاقد ، لأن التكليف إنما يترتب على الطبيعي الجامع بين الأفراد لا على خصوص العاجز أو غيره ، فصلاة العاجز غير مأمور بها في نفسها.
ثم لو أتى بها العاجز فاقدة للقيام أو الاستقبال رجاء لا دليل على كونها مجزئة وموجبة لسقوط التكليف عن القادر عليهما ، لعدم كونها مصداقاً للمأمور به ، بل لا بدّ من إتيان المكلف القادر عليهما بما لها من شروط.
وأمّا الفرع الأوّل فقد ذكر المحقق الهمداني أنه بعد تجدد القدرة له أو حضور شخص قادر على الاستقبال والقيام إذا شك في وجوب الإعادة وعدمه فهو شك في التكليف ندفعه بالبراءة (1).
إلاّ أن الصحيح خلافه وفاقاً للماتن قدسسره حيث ذهب إلى وجوب إعادة الصلاة حينئذ وذلك لقاعدة الاشتغال ، لأنه بتجدّد القدرة أو بحضور شخص قادر يستكشف عدم كون المأتي به مأموراً به من الابتداء ، إذن مقتضى قاعدة الاشتغال لزوم إعادتها.
1) مصباح الفقيه ( كتاب الصلاة ) : 503 السطر 25.
العاشر : تعيين الميِّت على وجه يرفع الإبهام ولو بأن ينوي الميِّت الحاضر أو ما عيّنه الإمام (1).
الحادي عشر : قصد القربة (2).
الثاني عشر : إباحة المكان (1)(3).
الثالث عشر : الموالاة بين التكبيرات والأدعية على وجه لا تمحى صورة الصلاة (4).
(1) لأن من مقوّمات صلاة الميِّت الدعاء للميت ولا معنى لدعاء المردد ، لأن المردد لا وجود له ليدعى له فلا مناص من تعيين الميِّت ولو بأن ينوي الميِّت الحاضر أو ما عيّنه الإمام.
(2) لأنها من العبادات وهي تحتاج إلى قصد القربة والإضافة إلى اللّه سبحانه نحو إضافة.
(3) هذا لم يقم عليه دليل ، لأن حرمة التصرّف تمنع عن صحّة العبادة فيما إذا كانتا متحدتين ولا اتحاد بينهما في المقام ، لأن صلاة الميِّت ليست إلاّ جملة من التكبيرات والأذكار ، والتكلم في المكان المغصوب لا يعدّ تصرّفاً فيه كما لا يخفى. وهكذا الأمر في الصلوات المفروضة فيما إذا كانت السجدة واقعة على محل مباح ، نعم لو كانت السجدة على أرض مغصوبة بطلت ، إذ أُخذ في مفهوم السجدة الاعتماد على الأرض ، ومع حرمته لا تقع السجدة مصداقاً للمأمور به.
(4) إنما تعتبر الموالاة لتعدّ الأشياء المتشتة شيئاً واحداً لدى العرف للتتابع ، فلا يجزئ ما إذا كبّر ثم اشتغل بشيء كالمطالعة ثم كبّر ثانية بعد مدة.
1) (*) على الأحوط.
الرابع عشر : الاستقرار بمعنى عدم الاضطراب على وجه لا يصدق معه القيام بل الأحوط كونه بمعنى ما يعتبر في قيام الصلوات الأُخر (1).
الخامس عشر : أن تكون الصلاة بعد التغسيل والتكفين والحنوط كما مرّ سابقا (2).
السادس عشر : أن يكون مستور العورة إن تعذّر الكفن ولو بنحو حجر أو لبنة (3).
السابع عشر : إذن الولي.
[969] مسألة 1 : لا يعتبر في صلاة الميِّت الطهارة من الحدث والخبث وإباحة اللباس وستر العورة (4) وإن كان الأحوط اعتبار جميع شرائط الصلاة حتى صفات الساتر من عدم كونه حريراً أو ذهباً أو من أجزاء ما لا يؤكل لحمه ، وكذا الأحوط (1)مراعاة ترك الموانع للصلاة كالتكلم والضحك والالتفات عن القبلة.
(1) قسم الاستقرار إلى قسمين :
أحدهما : الاستقرار في مقابل الاضطراب كالطفرة على وجه لا يصدق عليه القيام وهذا لا يجزئ في الصلاة.
وثانيهما : الاستقرار بمعنى ما يعتبر في قيام الصلوات المفروضة ، وذكر أن اعتباره في المقام أحوط ، إلاّ أن الصحيح عدم اعتباره في المقام ، لأن دليله في الفرائض هو الإجماع وهو مختص بها.
(2) وتقدّم وجهه.
(3) تقدّم أيضاً وجهه.
(4) إذ لم يقم على اعتبارها دليل ، وإنما اعتبرت في الصلاة الحقيقية كما التزم بذلك بحر العلوم قدسسره في منظومته في غير حلية المكان (2).
[970] مسألة 2 : إذا لم يتمكّن من الصلاة قائماً أصلاً يجوز أن يصلِّي جالساً (1)وإذا دار الأمر بين القيام بلا استقرار والجلوس مع الاستقرار يقدّم القيام (2) وإذا دار بين الصلاة ماشياً أو جالساً يقدّم الجلوس (1)إن خيف على الميِّت من الفساد مثلاً ، وإلاّ فالأحوط الجمع (3).
(1) لما تقدّم من أن اعتباره يختص بحال الاختيار ويسقط عند التعذر ، إذ لا دلالة في دليله على اعتباره مطلقاً ، مضافاً إلى القطع بأن الميِّت لا يدفن بلا صلاة لأجل تعذر القيام أو الاستقبال في المصلي.
(2) لأن الاستقرار إنما اعتبرناه في الصلوات الحقيقية بالإجماع ، وفي صلاة الميِّت نقول بالاستقرار احتياطاً إلحاقاً لها بالصلوات الحقيقية وإلاّ فلا دليل على اعتباره في المقام ، كما أنه في الصلوات الحقيقية مختص بما إذا لم يكن مزاحماً بشرط أو جزء آخر ومع استلزامه ترك شيء منهما لا يشمله الإجماع.
(3) تقديم الجلوس يبتني على القول بالأخذ بما يحتمل تعينه عند دوران الأمر بين التعيين والتخيير ، فان الجلوس محتمل التعيين لأنه التزم به بعضهم.
لكن ذكرنا في محله أن مقتضى القاعدة هو التخيير ، لجريان البراءة عن تعين ما يحتمل تعينه (2). وفي المقام يتخيّر بين الأمرين بين الصلاة جالساً والميِّت قدامه وبين الصلاة ماشياً وهو قائم من غير أن يكون الميِّت قدامه لأن مقتضى إطلاق ما دل على اعتبار القيام هو أن القيام معتبر سواء تمكن من الوقوف أم لم يتمكن ، كما أن مقتضى ما دلّ على اعتبار وقوف المصلي خلف الميِّت محاذياً له أنه معتبر مطلقاً سواء تمكّن من القيام أم لم يتمكن فيتساقطان وينتج التخيير المذكور.
[971] مسألة 3 : إذا لم يمكن الاستقبال أصلاً سقط (1) وإن اشتبه صلّى إلى أربع جهات (1)إلاّ إذا خيف عليه الفساد فيتخير ، وإن كان بعض الجهات مظنوناً صلّى إليه وإن كان الأحوط الأربع (2).
(1) لما تقدّم من اختصاص شرطيته بحال التمكّن (2).
(2) يقع الكلام في هذه المسألة من جهتين :
الجهة الأُولى : ما إذا كان بعض الجهات مظنون القبلة. ولا ينبغي الإشكال في تعين الجهة المظنونة حينئذ ، لأن ما دل على اعتبار الظن بالقبلة وهو صحيحة زرارة : « يجزئ التحري أبداً إذا لم يعلم أين وجه القبلة » (3)غير مختص بالصلاة الحقيقية ، بل يعم صلاة الميِّت والذبح وغيرهما ممّا يشترط فيه استقبال القبلة.
الجهة الثانية : ما إذا لم يكن بعض الجهات مظنون القبلة. وقد أفتى الماتن قدسسره حينئذ أنه يصلِّي إلى أربع جهات ، والوجه في ذلك أُمور :
منها : العلم الإجمالي.
ومنها : رواية الخراش عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال « قلت : جعلت فداك إن هؤلاء المخالفين علينا يقولون إذا أطبقت السماء علينا أو أظلمت فلم نعرف السماء كنّا وأنتم سواء في الاجتهاد ، فقال : ليس كما يقولون ، إذا كان ذلك فليصل لأربع وجوه » (4).
ومنها المرسلتان : روي : « المتحيِّر يصلِّي إلى أربع جوانب » (5)وروى في مَن لا يهتدي إلى القبلة في مفازة أن يصلِّي إلى أربعة جوانب (6).
1) (*) تجزئ الصلاة إلى ثلاث جهات على أن يكون الفصل بينها على حد سواء ، بل لا تبعد كفاية الصلاة إلى جهة واحدة.
2) تقدّم في ص 258.
3) الوسائل 4 : 307 / أبواب القبلة ب 6 ح 1.
4) الوسائل 4 : 311 / أبواب القبلة ب 8 ح 5.
5) الوسائل 4 : 310 / أبواب القبلة ب 8 ح 4.
6) الوسائل 4 : 310 / أبواب القبلة ب 8 ح 1.
[972] مسألة 4 : إذا كان الميِّت في مكان مغصوب والمصلِّي في مكان مباح صحّت الصلاة (1).
[973] مسألة 5 : إذا صلّى على ميتين بصلاة واحدة وكان مأذوناً من ولي أحدهما دون الآخر أجزأ بالنسبة إلى المأذون فيه دون الآخر (1)(2).
ولا يتم شيء من الوجوه ، وذلك لأن المرسلتين لضعفهما لا يمكن الاعتماد عليهما ورواية خراش ضعيفة السند بخراش ومن قبله. مضافاً إلى ضعف دلالتها ، فإنها تقتضي أن المكلف إذا تحرى واجتهد لا يعمل بظنه ، بل يصلِّي إلى أربع جهات مع أنّا نلتزم بوجوبها إلى ما ظن كونه قبلة حينئذ من دون أن نوجب الصلاة إلى أربع جهات.
وأمّا العلم الإجمالي فهو وإن كان يقتضي الاحتياط إلاّ أن الصلاة إلى أربع جهات غير لازمة ، وذلك لأن الدائرة الفلكية إذا قسمت إلى ثلاث قطع اشتملت كل قطعة منها على ما بين المشرق والمغرب ، والصلاة إلى ما بينهما عند عدم التمكن من القبلة كافٍ في الصلاة.
هذا كلّه حسبما تقتضيه القاعدة ، وإلاّ فمقتضى صحيحة زرارة الثانية الدالّة على أن المتحيِّر يكتفي بالصلاة إلى جهة واحدة (2)كفاية الصلاة مرة واحدة ، ولا يحتمل أن يكون المتحير في الصحيحة تصحيف المتحري ، لقوله بعد ذلك : « أبداً أين ما توجه إذا لم يعلم أين وجه القبلة » فإن المتحري إنما يتوجه إلى ما ظن كونه قبلة ولا يصدق في حقه : أين ما توجّه. ثم لو قلنا بوجوب الصلاة إلى أربع جهات إلاّ أنه لم يتمكن منها ولو خوفاً على الجنازة من الفساد فيكفيه الصلاة إلى جهة واحدة من غير ريب.
(1) لأن الإباحة على تقدير اعتبارها في صلاة الميِّت إنما هي شرط معتبر في صلاة المصلِّي ومكانه لئلاّ تقع صلاته باطلة ، وأما كون الميِّت في محل مغصوب فلا يضر بصحّة صلاته.
(2) هذا منه قدسسره مبني على اعتبار إذن الولي في الصلاة على الميِّت ، وقد
[974] مسألة 6 : إذا تبيّن بعد الصلاة أن الميِّت كان مكبوباً وجب الإعادة بعد جعله مستلقياً على قفاه (1).
[975] مسألة 7 : إذا لم يصل على الميِّت حتى دفن يصلّى على قبره ، وكذا إذا تبيّن بعد الدّفن بطلان الصلاة من جهة من الجهات (2).
تقدّم منّا تفصيل الكلام في ذلك في بحث الأولياء في غسل الأموات (1).
(1) لعدم كون الصلاة حينئذ واجدة للشرائط فتبطل وتجب إعادتها واجدة لما يعتبر فيها.
(2) الكلام في هذه المسألة يقع من جهتين :
إحداهما : أن من لم يدرك الصلاة على الميِّت حتى دفن يعني صلِّي عليه قبل الدّفن ولكنه لم يصل عليه بشخصه فلا محالة تكون صلاته على قبره مستحبة في حقه على تقدير الجواز ، فهل يجوز (2)له الصلاة على قبره أو يستحب أو يكره؟ يأتي الكلام عليه في الفروع المقبلة إن شاء اللّه (3).
وثانيتهما : إذا دفن الميِّت ولم يصل عليه أو صلِّي عليه بصلاة فاسدة فهل تجب الصلاة على قبره أو لا تجب؟
ذهب المحقق (4)والعلاّمة (5)وصاحب المدارك (6)إلى عدم الوجوب. والصحيح وجوب
الصلاة على قبره ، وذلك لأن مقتضى الإطلاقات وجوب الصلاة على كل ميت ، وإنما قيدناه بأن يكون قبل الدّفن عند التمكن والاختيار.
وتوضيحه : أن مقتضى صحيحة هشام بن سالم عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال : « لا بأس أن يصلِّي الرجل على الميِّت بعد الدّفن » (1)جواز الصلاة على الميِّت بعد الدّفن ومشروعيتها ، وإذا جازت وجبت بمقتضى المطلقات الآمرة بالصلاة.
ويؤيده رواية مالك مولى الحكم عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال : « إذا فاتتك الصلاة على الميِّت حتى يدفن فلا بأس بالصلاة عليه وقد دفن » (2). والوجه في جعلها مؤيدة عدم توثيق مالك مولى الحكم. ونظيرها رواية أُخرى (3).
إلاّ أنه قد يتوهم أنها معارضة بجملة من الأخبار ، وهو الذي دعا المحقق والعلاّمة وصاحب المدارك أن يذهبوا إلى عدم الوجوب.
منها : ما رواه محمد بن مسلم أو زرارة قال : « الصلاة على الميِّت بعد ما يدفن إنما هو الدعاء ، قال قلت : فالنجاشي لم يصل عليه النبي صلىاللّهعليهوآلهوسلم؟ فقال : لا ، إنما دعا له » (4). وهذه الرواية على تقدير حجيتها شارحة لصحيحة هشام المتقدمة.
إلاّ أنها ضعيفة السند بنوح بن شعيب الظاهر كونه الخراساني بقرينة رواية ابن هاشم عنه. على أن دلالتها قاصرة على المدعى ، لأن ظاهرها إرادة الصلاة بعد الدّفن فيما إذا صلِّي على الميِّت قبل الدّفن بقرينة قضية النجاشي ، فإنه كان قد صلِّي عليه قبل دفنه وأراد النبي صلىاللّهعليهوآلهوسلم أن يصلِّي عليه بعد دفنه ، وهذا خارج عما نحن فيه ، لأن كلامنا فيما إذا لم يصل على الميِّت قبل دفنه.
كذا ذكر أوّلاً ثم أفاد : أن الرواية لا تعارض الصحيحة وإنما تدل على جواز الدعاء
على الميِّت بعد ما دفن ، والصلاة في الصحيحة إنما هي بمعناها لا بمعنى الدعاء ، لعدم احتمال حرمة الدعاء للميت بعد ما دفن حتى ينفى عنه البأس ، فهي كالصريحة في إرادة الصلاة المتعارفة على الميِّت ولا يمكن حملها على الدعاء فلا معارضة بينهما.
ومنها : ما رواه جعفر بن عيسى قال : « قدم أبو عبد اللّه عليهالسلام مكة فسألني عن عبد اللّه بن أعين فقلت : مات ، قال : مات؟ قلت : نعم ، قال : فانطلق بنا إلى قبره حتى نصلِّي عليه ، قلت : نعم ، فقال : لا ، ولكن نصلِّي عليه ههنا فرفع يده يدعو واجتهد في الدعاء وترحم عليه » (1).
وهي كالرواية السابقة ضعيفة سنداً بالحسين بن موسى ، ودلالة لعين ما تقدم في السابقة فإن عبد اللّه بن أعين قد صلِّي عليه ودفن لا محالة.
ومنها : رواية يونس بن ظبيان عن أبي عبد اللّه عليهالسلام عن أبيه قال : « نهى رسول اللّه صلىاللّهعليهوآلهوسلم أن يصلى على قبر أو يقعد عليه أو يبنى عليه أو يتكأ عليه » (2).
وفيه : مضافاً إلى ضعف سندها بزياد بن مروان قصور دلالتها على المدعى ، فان الظاهر إرادة الصلاة على القبر وجعله مصلى لا الصلاة على الميِّت بعد دفنه ، وهو مكروه لا محالة.
ومنها : ما رواه محمد بن أسلم عن رجل من أهل الجزيرة قال « قلت للرضا عليهالسلام : يصلّى على المدفون بعد ما يدفن؟ قال : لا ، لو جاز لأحد لجاز لرسول اللّه صلىاللّهعليهوآلهوسلم ، قال : بل لا يصلى على المدفون بعد ما يدفن ولا على العريان » (3)ولكنها ضعيفة السند من جهات فلاحظ.
ومنها : موثقة عمار عن أبي عبد اللّه عليهالسلام أنه قال في حديث : « ولا يصلى
عليه وهو مدفون » (1).
وهذه الرواية معتبرة من حيث السند ، إلاّ أن دلالتها على المدعى قاصرة ، وذلك لورودها في ذيل الرواية المتقدمة الواردة في الصلاة على الميِّت المقلوب وأنه إذا صلِّي عليه وهو مقلوب تعاد الصلاة عليه ، وإن كان قد حمل ودفن فقد مضت الصلاة عليه وهو مدفون ، أي بعد ما صلِّي عليه قبل دفنه. وهذا أجنبي عما نحن فيه من الصلاة على الميِّت بعد دفنه بلا صلاة عليه قبل ذلك ، وإنما نشأ توهم المعارضة منها من تقطيع صاحب الوسائل حيث روى الجملة الأخيرة في المقام وروى تمامها في بابه (2)ويستفاد منها أن المقلوب إذا صلِّي عليه وكان مقلوباً ثم دفن لا تجب إعادة الصلاة عليه ثانياً.
ومنها : موثقة عمار بن موسى قال « قلت لأبي عبد اللّه عليهالسلام : ما تقول في قوم كانوا في سفر لهم يمشون على ساحل البحر فاذا هم برجل ميت عريان قد لفظه البحر وهم عراة وليس عليهم إلاّ إزار كيف يصلون عليه وهو عريان وليس معهم فضل ثوب يكفنونه ( به )؟ قال : يحفر له ويوضع في لحده ويوضع اللبن على عورته فيستر عورته باللبن وبالحجر ثم يصلى عليه ثم يدفن ، قلت : فلا يصلى عليه إذا دفن؟ فقال : لا يصلى على الميِّت بعد ما يدفن ولا يصلى عليه وهو عريان » (3).
ولا إشكال فيها من حيث السند ، إلاّ أنها قاصرة الدلالة على المدعى ، لأنها ناظرة إلى بيان الشرطية وأن الصلاة يشترط وقوعها بعد الغسل والكفن وقبل الدّفن ، ولا نظر لها إلى أنه إذا دفن من غير صلاة لا يصلى عليه وهو في قبره.
فلا دلالة في شيء من هذه الروايات على خلاف صحيحة هشام ولا معارض لها.
ثم لو تنازلنا عن ذلك وفرضناهما متعارضين فنرجع إلى ما تقتضيه المطلقات
الدالّة على وجوب الصلاة على كل ميت ومنه من دفن من دون الصلاة عليه ، فإنه كغيره من الأموات لا يحتمل استثناؤه عن حكمه.
ثم إن مقتضى إطلاق كلام الماتن قدسسره في المقام وتصريحه فيما يأتي من الفروع أن بطلان الصلاة إذا استند إلى انقلاب الميِّت وكون رجليه موضع رأسه وبالعكس يوجب الصلاة على قبره أيضاً.
وفيه : أن مقتضى الموثقة المتقدمة الواردة في الصلاة على الميِّت المقلوب أنه إنما تجب إعادتها فيما إذا لم يدفن ، وأما إذا دفن فلا تجب الصلاة عليه بعد دفنه ، فما صلِّي عليه أجزأه ولو كان مقلوباً على الفرض ، وكأنه شرط ذكرى. فهذا الفرد من الصلاة الفاسدة مستثنى عن بقية الصلوات الفاسدة.
ثم إن صاحب الجواهر قدسسره ذكر أن من لم يصل عليه قبل أن يدفن وجبت الصلاة عليه بعد دفنه وفي قبره بلا فرق في ذلك بين استناد ذلك إلى النسيان والغفلة أو إلى العمد (1).
وفيه : أن مقتضى ما دل على أن الصلاة قبل الدّفن والأمر بها قبله هو اشتراط الدّفن بكونه واقعاً بعد الصلاة على الميِّت لكون تلك الأوامر إرشادية ، فإذا لم يصل عليه عمداً فدفن فهو دفن غير مأمور به فلا بدّ من أن ينبش الميِّت ويصلّى عليه ثم يدفن.
وعلى الجملة : إن الاحتمالات في المسألة ثلاثة (2):
أحدها : أن يخرج الميِّت من قبره ويصلى عليه وهو خارج القبر ، لعدم جواز الصلاة عليه وهو مدفون. وهذا مجرّد احتمال لم يلتزم به أحد فهو ساقط.
وثانيها : ما ذهب إليه المحقق في المعتبر (3)ونسب إلى العلاّمة في بعض كتبه (4).
[976] مسألة 8 : إذا صلّى على القبر ثم خرج الميِّت من قبره بوجه من الوجوه فالأحوط إعادة الصلاة عليه (1).
وثالثها : ما ذهب إليه المشهور من وجوب الصلاة عليه وهو في قبره ، لعدم الدليل على جواز إخراجه من القبر. وهذا هو الصحيح للصحيحة المتقدمة ، ومن هنا ذكر صاحب الجواهر قدسسره أن المسألة لا شبهة فيها ، وهو كما أفاده. هذا كله في الجهة الثانية.
وأما الجهة الأُولى فحيث لم يدلنا دليل على استحباب الصلاة على الميِّت ثانياً بعد ما صلِّي عليه ودفن فلا يجوز الإتيان بها ثانياً بعنوان الأمر والاستحباب ، نعم لا بأس بالإتيان بها رجاء ، لذهاب الأصحاب إلى جوازها وإن قيل إنها أقل ثواباً وإنها مكروهة.
(1) إذا بنينا على أن الصلاة على الميِّت إنما تجب خارج القبر لعدم جواز الصلاة عليه وهو في قبره أو سقوط الصلاة حينئذ ثم خرج الميِّت من قبره بوجه من الوجوه فلا إشكال في وجوب الصلاة عليه ، لأنه ميت لم يصل عليه وهو خارج القبر. وأما إذا بنينا على وجوب الصلاة عليه وهو في قبره كما هو المشهور المنصور فهل تجب الصلاة عليه ثانياً إذا خرج عن قبره بوجه من الوجوه أو لا تجب؟
تبتني هذه المسألة على أن جواز الصلاة عليه وهو في قبره هل هو حكم واقعي اضطراري ، أو هو حكم ظاهري وأن الميِّت ما دام في قبره تجوز الصلاة عليه وهو في قبره وبالاستصحاب أو بالاعتقاد أثبتنا أنه لا يخرج عن قبره وصلينا عليه.
بناء على الأوّل لا تجب الصلاة عليه ثانياً ، لإجزاء الإتيان بالمأمور به الاضطراري عن الواقعي ، لأنه مأمور به واقعاً ولا يصلى عليه مرتين.
وبناء على الثاني يجب إعادتها ، لعدم كون الحكم الظاهري أو الخيالي مجزئاً عن الحكم الواقعي.
[977] مسألة 9 : يجوز التيمّم لصلاة الجنازة وإن تمكّن من الماء (1)، وإن كان الأحوط الاقتصار على صورة عدم التمكن من الوضوء أو الغسل أو صورة خوف فوت الصلاة منه (1).
والظاهر من قوله عليهالسلام في الصحيحة : لا بأس من أن يصلّى على الميِّت وهو في قبره (2)هو الجواز الواقعي ، لما قدّمناه من أن مقتضى الجمع بينها وبين ما دل على أن الصلاة يشترط كونها قبل الدّفن ، أن الدفن إذا كان مشروعاً كما إذا كان قبل الصلاة نسياناً أو غفلة لا عمداً جازت الصلاة على الميِّت وهو في قبره.
ومعه إذا خرج عن قبره بسبب من الأسباب لا تجب الصلاة عليه ثانياً ، إذ لا يصلّى على ميت مرّتين ، فتكون هذه الصورة مقيدة لما دل على اشتراط كون الصلاة قبل الدّفن ، نعم لا بأس بإعادة الصلاة حينئذ احتياطاً كما ورد في المتن.
(1) قدمنا أن صلاة الجنازة ليست بصلاة ذات ركوع وسجود ومن ثم لا يشترط فيها الطهارة من الحدث الأكبر فضلاً عن الحدث الأصغر ، ويجوز للجنب والحائض أن يصليا على الميِّت إلاّ أن كونها مع الطهارة أحب.
وقد ورد في النص : أن من خاف فوت صلاة الجنازة له أن يتيمم (3)بدلاً عن الغسل أو الوضوء كما أن من كان معذوراً ولا يتمكن من الماء يجوز له التيمّم بدلاً عنهما ، لأنه طهارة في حقه والصلاة مع الطهارة أحب. وأما من لا يخاف فوت الصلاة ولا أنه غير متمكن من الماء فلم يثبت استحباب التيمّم في حقه ، نعم لا بأس بالتيمّم رجاء.
[978] مسألة 10 : الأحوط (1)ترك التكلّم في أثناء الصلاة على الميِّت وإن كان لا يبعد عدم البطلان به (1).
[979] مسألة 11 : مع وجود مَن يقدر على الصلاة قائماً في إجزاء صلاة العاجز عن القيام جالساً إشكال ، بل صحّتها أيضاً محل إشكال (2).
وقد يتوهم أن مضمرة سماعة قال : « سألته عن رجل مرّت به جنازة وهو على غير وضوء كيف يصنع؟ قال : يضرب بيديه على حائط اللبن فيتيمّم به » (2)تدل على استحباب التيمّم لصلاة الجنائز وإن لم يخف فوت الصلاة أو لم يكن معذوراً من الماء حيث لم تقيد التيمّم بشيء من ذلك.
ويدفعه : إن الجنازة في المضمرة فرضت كونها مارة لا واقفة ، وسؤاله بعد ذلك بقوله : « كيف يصنع » يدلنا على أنه يخاف فوت الصلاة عليها ، وإلاّ لم يكن وجه لسؤاله هذا ، فإنه يصنع كما يصنع بقية الناس.
(1) لم يقم دليل على أن التكلم مبطل للصلاة على الميِّت ، لأنها ليست صلاة ذات ركوع وسجود ، نعم يشترط أن لا يكون التكلم على نحو يقطع الهيئة الاتصالية للصلاة ، إذ لكل مركب هيئة فإذا كان التكلم قاطعاً لهيئتها فلا محالة يوجب البطلان وإن كان الأحوط ترك التكلم في أثنائها مطلقا.
(2) قد قدّمنا الكلام في هذه المسألة في شرطية قيام المصلي على الميِّت وذكرنا الوجه فيه وهو أن المكلف هو الطبيعي دون الفرد ، ومع وجود فرد يتمكّن من القيام أو الاستقبال أو غيرهما من الشرائط المعتبرة في الواجب لا تكون صلاة العاجز
[980] مسألة 12 : إذا صلّى عليه العاجز عن القيام جالساً باعتقاد عدم وجود مَن يتمكّن من القيام ثم تبين وجوده فالظاهر وجوب الإعادة ، بل وكذا إذا لم يكن موجوداً من الأوّل لكن وجد بعد الفراغ من الصلاة ، وكذا إذا عجز القادر القائم في أثناء الصلاة فتمّمها جالساً فإنّها لا تجزئ عن القادر ، فيجب عليه الإتيان بها قائماً (1).
[981] مسألة 13 : إذا شك في أن غيره صلّى عليه أم لا بنى على عدمها (2) وإن علم بها وشكّ في صحّتها وعدمها حمل على الصحّة (3) وإن كان من صلّى عليه فاسقاً ، نعم لو علم بفسادها وجب الإعادة وإن كان المصلِّي معتقداً للصحّة وقاطعاً بها (4).
[982] مسألة 14 : إذا صلّى أحد عليه معتقداً بصحّتها بحسب تقليده أو اجتهاده لا يجب على من يعتقد (1)فسادها بحسب تقليده أو اجتهاده نعم لو علم علماً قطعيّاً ببطلانها وجب عليه إتيانها وإن كان المصلِّي أيضاً قاطعاً بصحّتها (5).
مجزئة. وأيضاً الاعتقاد والتخيل لا يوجبان الإجزاء ، فمع وجود من يتمكّن من الصلاة التامة لا يمكن الاكتفاء بصلاة الفرد العاجز كما هو ظاهر.
(1) ظهر حكم هذه المسألة ممّا قدّمناه (2)، فلا حاجة إلى إعادته.
(2) للاستصحاب ، أو بنى على وجوبها لقاعدة الاشتغال.
(3) لأصالة الصحّة الجارية عليها السيرة القطعية المستمرة.
(4) كما يأتي إن شاء اللّه.
(5) قد يرى الآخر بطلان تلك الصلاة على الميِّت الصادرة من المصلّي بالعلم
[983] مسألة 15 : المصلوب بحكم الشرع لا يصلّى عليه قبل الإنزال ، بل يصلّى عليه بعد ثلاثة أيام بعد ما ينزل ، وكذا إذا لم يكن بحكم الشرع لكن يجب إنزاله فوراً والصلاة عليه ، ولو لم يمكن إنزاله يصلّى عليه وهو مصلوب مع مراعاة الشرائط بقدر الإمكان (1).
الوجداني ولا إشكال حينئذ في وجوبها عليه ثانياً ، لعلمه بالتكليف وعدم سقوطه عن ذمّته بعمل المصلّي.
وقد يرى بطلانها باجتهاد أو تقليد كما لو صلّى عليها وتكلّم المصلِّي في أثنائها لاعتقاده عدم كون التكلّم مبطلاً لها ، والآخر يعتقد كونه مبطلاً لها باجتهاد أو تقليد فهل يجوز له الاجتزاء بتلك الصلاة؟
وهذه المسألة وإن عنونت في المقام إلاّ أنها سارية في كل واجب كفائي يأتي به الفاعل صحيحاً في نظره وهو باطل عند الآخر بحسب اجتهاده أو تقليده ، وكذلك الحال في غير الواجب كما لو طهر المسجد بماء قليل ملاقٍ النجس باعتقاد أن القليل كالكثير لا ينفعل بالملاقاة ، أو أنه غسل الميِّت بذاك الماء أو ذبح ذبيحة بآلة غير حديدية كالصفر والنحاس باعتقاد أن الحديد لا خصوصية له مع أن الآخر يرى نجاسة القليل بالملاقاة أو اشتراط الذبح الشرعي بآلة الحديد وهكذا.
والصحيح عدم جواز الاجتزاء بفعل الغير حينئذ ، وذلك لأن التكليف قد تنجز في حقه بعلمه ، وعمل العامل لا يسقط الأمر عنه لبطلان عمل الغير عنده أو عند مجتهده ، ولعدم دلالة الدليل على كفايته إذا كان صحيحاً عنده ، فلا بدّ من إعادة الصلاة على الميِّت في المقام ، كما ولا بدّ من غسل المسجد أو الميِّت ثانياً والاجتناب عن الذبيحة في المثال.
(1) ما أفاده قدسسره في المصلوب الذي لم يصلب بحكم الشرع متين ، فإنه
لا بدّ من إنزاله فوراً ثم الصلاة عليه لو أمكن ، وإلاّ صلِّي عليه وهو مصلوب كما ورد في حق زيد رحمهاللّه (1).
وأما المصلوب بحكم الشرع فما أفاده من إنزاله بعد ثلاثة أيام والصلاة عليه وإن كان مشهوراً إلاّ أنه لا يمكن المساعدة عليه ، لأن الأخبار الواردة فيه ضعيفة الإسناد ونقل صاحب الوسائل قدسسره في أبواب حد المحارب ثلاث روايات تدل على ذلك :
الاولى : قال أبو عبد اللّه عليهالسلام : « إن أمير المؤمنين عليهالسلام صلب رجلاً بالحيرة ثلاثة أيام ثم أنزله في اليوم الرابع فصلى عليه ودفنه » (2)وهي ضعيفة بالنوفلي (3).
والثانية : « أن رسول اللّه قال : لا تدعوا المصلوب بعد ثلاثة أيام حتى ينزل ويدفن » (4)وهي أيضاً ضعيفة بالنوفلي الموجود في طرقها.
والثالثة : ما رواه الصدوق مرسلاً « قال الصادق عليهالسلام : المصلوب ينزل عن الخشبة بعد ثلاثة أيام ... » (5)وهي ضعيفة لإرسالها.
ونقل في الوسائل في باب التاسع والأربعين من أبواب الاحتضار رواية رابعة عن أبي عبد اللّه قال « قال رسول اللّه صلىاللّهعليهوآلهوسلم : لا تقروا المصلوب بعد ثلاثة أيام حتى ينزل ويدفن » (6)، وهي أيضاً ضعيفة السند بموسى بن عيسى الذي لم يوثق وبمحمد بن ميسر الضعيف أو المردّد بين الثقة والضعيف.
1) الوسائل 3 : 130 / أبواب صلاة الجنازة ب 35 ح 1.
2) الوسائل 28 : 319 / أبواب حد المحارب ب 5 ح 1.
3) تبدل رأيه ( دام ظله ) فبنى على وثاقة النوفلي ، راجع المعجم [ 7 : 122 ] ليظهر لك الحال.
4) الوسائل 28 : 319 / أبواب حد المحارب ب 5 ح 2.
5) الوسائل 28 : 319 / أبواب حد المحارب ب 5 ح 3 ، الفقيه 4 : 48 / 166.
6) الوسائل 2 : 476 / أبواب الاحتضار ب 49 ح 1. هذا وقد تبدل رأيه ( دام ظله ) فبنى على وثاقة محمد بن ميسر على ما أفاد في المعجم 18 : 6. فالضعف من جهة موسى بن عيسى فقط.
[984] مسألة 16 : يجوز تكرار الصلاة على الميِّت سواء اتحد المصلي أو تعدد ، لكنّه مكروه (1)
إذن لا يجوز تأخير إنزال الجنازة عن الخشبة ، لأنه هتك للمؤمن وهو حرام ، وإنما يجوز بمقدار دلالة الدليل وهو صلبه ، والغرض منه الموت فاذا تحقق الغرض وجب إنزاله والصلاة عليه ودفنه.
(1) الأخبار الواردة في جواز تكرار الصلاة على قسمين :
القسم الأوّل : هو حكاية فعل النبي صلىاللّهعليهوآلهوسلم أو الوصي عليهالسلام وأنه صلّى على حمزة سبعين صلاة وكبّر عليه سبعين تكبيرة (1)أي أربع عشرة صلاة ، وكبّر أمير المؤمنين عليهالسلام على سهل بن حنيف وكان بدرياً خمساً وعشرين تكبيرة (2)أي خمس صلوات.
ولا يمكن الاستدلال بها على جواز تكرار الصلاة في غير موردها ، لأن الفعل إنما يدل على المشروعية في مورده ولا سيما بملاحظة التعليل بأنه كان بدرياً ، وكذا ما ورد من أن النبيّ صلىاللّهعليهوآلهوسلم صلّى عليه جماعة كثيرة فلاحظ (3)، إذ لعل ذلك من الخصوصيات للبدريين أو للنبيّ صلىاللّهعليهوآلهوسلم.
القسم الثاني : هو أخبار تدل على جواز التكرار ، إلاّ أنها ضعيفة الإسناد لا يمكن الاعتماد عليها في شيء. وإليك تلكم الأخبار :
منها : ما عن عمار الساباطي عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال : « الميِّت يصلى عليه ما لم يوار بالتراب وإن كان قد صلِّي عليه » (4).
ومنها : ما عن يونس بن يعقوب عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال : « سألته عن الجنازة لم أُدركها حتى بلغت القبر أُصلِّي عليها؟ قال : إن أدركتها قبل أن تدفن فإن شئت فصل عليها » (1).
وهاتان الروايتان ضعيفتان ، لأن في طريق الشيخ إلى علي بن الحسن بن فضال : ابن الزبير وهو ضعيف (2).
ومنها : ما رواه في الوسائل عن عمرو بن شمر عن أبي عبد اللّه عليهالسلام في حديث : « إن رسول اللّه صلىاللّهعليهوآلهوسلم خرج على جنازة امرأة من بني النجار فصلّى عليها فوجد الحفَرة لم يمكنوا فوضعوا الجنازة فلم يجيء قوم ( أقوام ) إلاّ قال لهم : صلّوا عليها » (3).
وهي ضعيفة بعمرو بن شمر لعدم توثيقه ، بل قيل إنه كان وضّاعاً. على أن الرواية بهذا الإسناد عن أبي عبد اللّه عليهالسلام لم نعثر عليها ، والموجود في الاستبصار بهذا السند إنما هو عن أبي جعفر عليهالسلام لا عن أبي عبد اللّه عليهالسلام (4)كما أنها رويت في أحكام الميِّت من التهذيب عن عمرو بن شمر (5)لا بهذا الإسناد ، ولعلّه سهو من القلم.
هذا على أن هناك عدة من الروايات المعتبرة دلت على نفي المشروعية.
منها : موثقة الحسين بن علوان عن جعفر عن أبيه عليهماالسلام : « إن رسول اللّه صلىاللّهعليهوآلهوسلم صلّى على جنازة فلما فرغ منها جاء قوم لم يكونوا أدركوها فكلّموا رسول اللّه صلىاللّهعليهوآلهوسلم أن يعيد الصلاة عليها فقال : قد قضيت
1) الوسائل 3 : 86 / أبواب صلاة الجنازة ب 6 ح 20.
2) الحديثان معتبران ، فان طريق النجاشي رحمهاللّه يصحح طريق الشيخ إلى علي بن الحسن ابن فضال كما أفاده في أصل الكبرى في المعجم [ 1 : 78 ] ذيل المقدّمة الرابعة من المدخل.
3) الوسائل 3 : 87 / أبواب صلاة الجنازة ب 6 ح 22.
4) الاستبصار 1 : 484 / 1877.
5) التهذيب 3 : 325 / 1012.
إلاّ إذا كان الميِّت من أهل العلم والشرف والتقوى (1).
الصلاة عليها ولكن ادعوا لها » (1)فان الحسين بن علوان موثق كما ورد في ترجمة أخيه الحسن ، حيث ذكروا أنه أوثق من أخيه (2)فدلّ على وثاقة الحسين.
ومنها : موثقة إسحاق بن عمار عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال : « إن رسول اللّه صلىاللّهعليهوآلهوسلم صلّى على جنازة فلما فرغ جاء قوم فقالوا : فاتتنا الصلاة عليها ، فقال : إن الجنازة لا يصلى عليها مرتين ، ادعوا لها وقولوا خيراً » (3).
ومع ذلك فقد ذكر المحقق الهمداني قدسسره : أن الطائفة الدالّة على نفي الجواز ضعيفة السند ، ومقتضى الجمع بينها وبين ما دل على الجواز هو الحكم بجواز التكرار على كراهة (4).
ولكنك عرفت أن الأمر بالعكس والطائفة الدالّة على الجواز ضعيفة السند ومعه لا يمكن الحكم بالجواز ، بل الأمر كذلك حتى لو بنينا على أن الطائفة المانعة ضعيفة أيضاً ، وذلك لأن المشروعية على خلاف القاعدة وتحتاج إلى دليل ، حيث إن العبادات توقيفية فهي محتاجة إلى المجوز.
إذن فإن تم إجماع هناك على المشروعية فهو وإلاّ فلا يجوز التكرار بمقتضى الأخبار والقاعدة ، نعم لما كان المشهور هو الجواز لا بأس بالتكرار رجاء.
(1) كما يستفاد من فعل علي عليهالسلام وتكراره الصلاة على سهل بن حنيف البدري.
[985] مسألة 17 : يجب أن تكون الصلاة قبل الدّفن (1) فلا يجوز التأخير إلى ما بعده ، نعم لو دفن قبل الصلاة عصياناً أو نسياناً أو لعذر آخر أو تبين كونها فاسدة ولو لكونه حال الصلاة عليه مقلوباً (1)لا يجوز نبشه لأجل الصلاة بل يصلّى على قبره مراعياً للشرائط من الاستقبال وغيره وإن كان بعد يوم وليلة بل وأزيد أيضاً إلاّ أن يكون بعد ما تلاشى ولم يصدق عليه الشخص الميِّت فحينئذ يسقط الوجوب ، وإذا برز بعد الصلاة عليه بنبش أو غيره فالأحوط إعادة الصلاة عليه.
(1) تقدّمت هذه المسألة (2)وذكرنا أن الميِّت إذا دفن من دون صلاة نسياناً أو اشتباهاً صلِّي على قبره ، وزاد قدسسره هنا التسوية في وجوب الصلاة على قبره بين العصيان والنسيان. وهو ممنوع ، لاشتراط وقوع الدّفن بعد الصلاة ، فالدّفن عمداً قبلها كلا دفن وهو دفن غير مشروع فلا بدّ معه من النبش والصلاة عليه ثم الدّفن.
ولا ينافي ذلك حرمة النبش ، لأنها ثبتت بالإجماع ، وتختص بما إذا كان الدّفن مشروعاً ، وإلاّ فلو دفن من غير غسل لا إشكال في جواز النبش لتغسيله ثم دفنه.
كما أنه زاد قوله : ولو لكونه حال الصلاة عليه مقلوباً. لما قدمناه من أنه إذا انكشف بعد الدّفن أن الميِّت كان مقلوباً لا تجب الصلاة عليه ثانياً للموثقة المتقدِّمة (3).
(2) ذكره بعضهم ، وعن بعضٍ ثلاثة أيام ، إلاّ أن شيئاً من ذلك لا دليل عليه ، بل المدار على صدق الصلاة على الميِّت ، فاذا كان الجسد باقياً ولم يكن متلاشياً وجبت الصلاة عليه ، وإذا تلاشى وانعدم فلا تجب.
[986] مسألة 18 : الميِّت المصلّى عليه قبل الدّفن يجوز الصلاة على قبره (1)أيضاً ما لم يمض أزيد من يوم وليلة (1)
(1) إن قلنا بعدم جواز تكرار الصلاة على الميِّت قبل الدّفن كما بنينا عليه فلا إشكال في عدم جواز الصلاة ثانياً وثالثاً إلى يوم وليلة بعد الدّفن ، لأنها إذا لم تجز قبل الدّفن فعدم جوازها بعد الدّفن بطريق أولى.
وإن قلنا بجواز تكرارها قبل الدّفن فالظاهر أن تكررها بعد الدّفن ليس بجائز وذلك لأن الصحيحة الدالّة على أنه لا بأس بالصلاة على الميِّت وهو في قبره (2)غاية ما تدلّ عليه أن الصلاة لا يشترط كونها واقعة قبل الدّفن بل تجوز بعده أيضاً. كما أن الرواية الأُخرى الدالّة على أنه لا يجوز الصلاة على الميِّت وهو في قبره (3)تدل على الاشتراط وأن الصلاة لا بدّ أن تقع قبل الدّفن.
ولم يفرض في الصحيحة أن الميِّت قد صلِّي عليه ، فلا يستفاد منها أن الميِّت الذي صلِّي عليه مرّة يجوز أن يصلّى عليه بعد دفنه أيضاً ، وحيث إن العبادات توقيفية فلا مناص من التماس دليل يدلّ على الجواز وهو مفقود.
والذي يؤيد ما ذكرناه قضيّة النبيّ صلىاللّهعليهوآلهوسلم لأنه لو جازت الصلاة مكرّرة على الميِّت بعد دفنه لجاز هذا في حق النبيّ صلىاللّهعليهوآلهوسلم ولم يؤخر دفنه ثلاثة أيام ليصلِّي عليه المسلمون عشرة عشرة قبل دفنه ، هذا.
ثم لو تنازلنا عن ذلك وسلمنا جواز التكرار بعد الدّفن فلا دليل على التقييد بيوم وليلة ، بل لازم ذلك جواز تكرارها ما دام الميِّت لم يتلاش ولو بعد سنين متمادية ، وهذا أمر مستنكر عادة.
وإذا مضى أزيد من ذلك فالأحوط الترك (1).
[987] مسألة 19 : يجوز الصلاة على الميِّت في جميع الأوقات بلا كراهة حتى في الأوقات التي يكره النافلة فيها عند المشهور (2) من غير فرق بين أن يكون الصلاة على الميِّت واجبة أو مستحبة.
(1) إذا أتى بها بعنوان المشروعية ، وإن أتى بها رجاء فلا بأس ولا إشكال.
(2) لأنها ليست بصلاة ذات ركوع وسجود وإنما هي دعاء ولا وقت معين للدعاء ولا يكره في شيء من الأوقات ، هذا بحسب القاعدة.
وأما بحسب الأخبار فقد ورد ذلك في جملة من الروايات :
منها : ما عن عبد اللّه بن علي الحلبي عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال : « لا بأس بالصلاة على الجنائز حين تغيب الشمس وحين تطلع ، إنما هو استغفار » (1).
ومنها : ما عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليهالسلام قال : « يصلى على الجنازة في كل ساعة ، إنها ليست بصلاة ركوع وسجود ، وإنما يكره الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها التي فيها الخشوع والركوع والسجود ، لأنها تغرب بين قرني شيطان وتطلع بين قرني شيطان » (2).
وهما روايتان معتبرتان. ويأتي إن شاء اللّه في مبحث الصلاة (3)معنى قوله عليهالسلام : « تغرب بين قرني شيطان وتطلع ... ».
ومنها : موثقة الحسن بن محمد بن سماعة عن غير واحد عن أبان عن محمد بن مسلم قال : « سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام هل يمنعك شيء من هذه الساعات عن
[988] مسألة 20 : يستحب المبادرة إلى الصلاة على الميِّت وإن كان في وقت فضيلة (1)الفريضة ، ولكن لا يبعد ترجيح تقديم وقت الفضيلة مع ضيقه (1)
الصلاة على الجنائز؟ فقال : لا » (2).
ومنها : ما رواه الصدوق في العيون والعلل بإسناده عن الفضل بن شاذان عن الرضا عليهالسلام قال : « إنما جوزنا الصلاة على الميِّت قبل المغرب ... » (3).
نعم ورد في رواية عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال : « تكره الصلاة على الجنائز حين تصفر الشمس وحين تطلع » (4). وحملها الشيخ على التقية (5)، وحملها بعض على الكراهة وأقلية الثواب ، إلاّ أنها ضعيفة السند بوجود القاسم بن محمد الجوهري في طريقها فلا تعارض الأخبار المعتبرة المتقدمة ، ولا نحتاج إلى حملها على التقية أو الكراهة أو نحوهما.
(1) ورد في هذه المسألة روايات :
منها : ما رواه هارون بن حمزة عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال : « إذا دخل وقت صلاة مكتوبة فابدأ بها قبل الصلاة على الميِّت إلاّ أن يكون الميِّت مبطوناً أو نفساء أو نحو ذلك » (6)أي يخاف عليه من الفساد بوجه ما. وهي ضعيفة بيزيد بن إسحاق
1) (*) استحباب تقديمها على الفريضة في وقت فضيلتها وعلى القضاء لا يخلو من إشكال.
2) الوسائل 3 : 109 / أبواب صلاة الجنازة ب 20 ح 3.
3) الوسائل 3 : 109 / أبواب صلاة الجنازة ب 20 ح 4 ، عيون أخبار الرضا : 2 : 115 ، علل الشرائع : 268 / 9.
4) الوسائل 3 : 109 / أبواب صلاة الجنازة ب 20 ح 5. والقاسم بن محمد الجوهري موجود في أسناد كامل الزيارات ، ولأجله عدل ( دام ظله ) في [ المعجم 15 : 51 ] عما أفاده في المقام وبنى على وثاقة الرجل.
5) التهذيب 3 : 321 / 1000.
6) الوسائل 3 : 123 / أبواب صلاة الجنازة ب 31 ح 1.
شعر ، اللّهمّ إلاّ أن نعتمد على توثيق العلاّمة (1)ونحن لا نعتمد عليه (2).
ومنها : ما عن جابر قال « قلت لأبي الحسن ( جعفر ) عليهالسلام : إذا حضرت الصلاة على الجنازة في وقت مكتوبة فبأيهما أبدأ؟ فقال : عجل الميِّت إلى قبره إلاّ أن تخاف أن تفوت وقت الفريضة ، ولا تنتظر بالصلاة على الجنازة طلوع الشمس ولا غروبها » (3)وهي ضعيفة السند بعمرو بن شمر.
ومنها : ما عن علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليهالسلام قال : « سألته عن صلاة الجنائز إذا احمرت الشمس أي عند الغروب لبقاء الحمرة حينئذ أتصلح أو لا؟ قال : لا صلاة في وقت صلاة ، وقال : إذا وجبت الشمس فصل المغرب ثم صل على الجنائز » (4). وهي ضعيفة السند من جهة عدم اعتمادنا على طريق الشيخ إلى أحمد بن محمد بن عيسى كما تقدم غير مرة أو من جهة عبد اللّه بن الحسن في طريقها الثاني.
وهي تدل على أن صلاة الميِّت متأخرة عن فريضة الوقت ، ومن هنا يظهر أن ما ذكره في المتن من أنه لا يبعد ترجيح تقديم وقت الفضيلة مع ضيقه ، ممّا لا دليل عليه.
والوجه في عدم الاعتماد على طريق الشيخ إلى أحمد بن محمد بن عيسى هو أن طريق الشيخ إلى نوادر أحمد بن محمد بن عيسى وإن كان صحيحاً إلاّ أنه ذكر في المشيخة (5)طرقه إلى أحمد بن محمد بن عيسى متقسطة حيث قال : ومن جملة ما رويته عن أحمد بن محمد بن عيسى بهذا السند. وهو طريق صحيح ، ثم قال : ومن جملة ما ذكرته عن أحمد بن محمد بن عيسى ما رويته بهذا الإسناد عن محمد بن علي ابن محبوب عن أحمد بن محمد. ومراده بهذا الإسناد ما ذكره قبل ذلك بلا فصل : وما
ذكرته في هذا الكتاب عن محمد بن علي بن محبوب فقد أخبرني به الحسين بن عبيد اللّه يعني الغضائري عن أحمد بن محمد بن يحيى العطار عن أبيه محمد بن يحيى عن محمد بن علي بن محبوب.
وحيث إنه طريق ضعيف ، لعدم توثيق أحمد بن محمد بن يحيى وإن كان من الأجلاء ومن ثمة نتعامل معه معاملة الضعيف فلا يمكننا الاعتماد على ما يرويه الشيخ عن أحمد بن محمد بن عيسى ، لاحتمال أن يكون ما يرويه عن الرجل هو ما رواه عنه بطريقه الضعيف.
إلاّ أنّا راجعنا الفهرست (1)فوجدنا أن للشيخ إلى محمد بن علي بن محبوب طرقاً ثلاثة :
أحدها : ما قدّمنا نقله عن المشيخة بعينه ، وهو ضعيف.
وثانيها : ما ذكره بقوله : وأخبرنا بها أي بجميع كتبه ورواياته أيضاً جماعة عن أبي المفضل عن ابن بطة عنه. وهذا أيضاً ضعيف بأبي المفضل.
وثالثها : ما ذكره بقوله : وأخبرنا بها أيضاً جماعة عن محمد بن علي بن الحسين عن أبيه ومحمد بن الحسن عن أحمد بن إدريس عنه. وهذا طريق صحيح ، وبهذا نبني على صحّة طريق الشيخ إلى كل من محمد بن علي بن محبوب وأحمد بن محمد بن عيسى ونحكم بصحّة الرواية في المقام ، كما عبّر عنها بالصحيحة صاحب الحدائق (2)وغيره. وهي تدل على أن صلاة الميِّت إنما هي متأخرة عن فريضة الوقت ، هذا كلّه في مزاحمة صلاة الميِّت مع فضيلة الوقت.
وأما إذا زاحمت النافلة فذكر الماتن قدسسره أولوية تقديمها على النافلة ، لكنه إن أراد من النافلة النوافل المبتدأة فلا إشكال في أنها نافلة مستحبة وصلاة الميِّت فريضة واجبة فتتقدّم عليها ، لأن الفريضة تتقدم على النافلة. وإن أراد منها النوافل المرتبة اليومية فلا وجه للحكم بتقديم صلاة الميِّت عليها لأنها متقدِّمة على الفرائض
وقد ورد إنما جعل الذراع والذراعان لمكان النافلة ، وقد بينا أن الفريضة تتقدّم على صلاة الميِّت ومعه تكون النافلة المقدمة على الفريضة مقدمة على صلاة الميِّت أيضاً.
وأمّا تقديمها على قضاء الفريضة فقد ذكر الماتن قدسسره أولوية تقديمها على القضاء. ولا وجه له ، لأن كلا منهما فريضة واجبة لا وجه لأولوية تقديم إحداهما على الأُخرى ، وكلامنا في سعة الوقت طبعاً من كلا الصلاتين.
بل يمكن القول بتقدّم القضاء على صلاة الميِّت ، لأن القضاء في سعة الوقت يتقدم على فريضة الوقت وهي متقدمة على صلاة الميِّت ، والمتقدم على المتقدم على شيء متقدم على ذلك الشيء.
وأمّا إذا زاحمت صلاة الميِّت مع الفريضة فهذه على وجوه ثلاثة :
الأوّل : أن يضيق وقت صلاة الميِّت دون الفريضة لحرارة الهواء أو للخوف من العدو أو لغير ذلك من الوجوه. ولا إشكال في تقدم صلاة الميِّت على الفريضة حينئذ.
الثاني : أن يضيق وقت الفريضة دون صلاة الميِّت. ولا إشكال في تقدم الفريضة على صلاة الميِّت حينئذ.
الثالث : ما إذا كان الضيق من الناحيتين لأن الجنازة لو تأخّرت تلاشت مثلاً والفريضة لو تأخرت ذهب وقتها. وفي هذه الصورة قد يفرض التزاحم بين الفريضة وصلاة الميِّت دون الدّفن ، لإمكانه في أي وقت أُريد الدّفن أو أن غيره يدفن وهو يشتغل بالفريضة. وأُخرى يفرض التزاحم بين الفريضة والدّفن.
أمّا الفرض الأوّل : فإن تمكّن من إدراك ركعة واحدة من الفريضة في وقتها قدم صلاة الميِّت ، فانّ مَن أدرك ركعة من الوقت فقد أدرك الوقت كله.
وأمّا إذا لم يتمكن من ذلك فيقع التزاحم بين الصلاة على الميِّت والأجزاء الاختيارية من الصلاة دون الأجزاء الاضطرارية منها بأن يومئ للركوع والسجود ويترك السورة وهكذا ، فيتعيّن تقديم الصلاة على الميِّت ويكتفى بالأجزاء الاضطرارية من الصلاة لأنه مضطر إلى ترك الركوع والسجود ، وإلى الإيماء لهما من جهة عدم إمكان التأخير في صلاة الميِّت.
كما أن الأولى تقديمها على النافلة وعلى قضاء الفريضة ويجب تقديمها على الفريضة فضلاً عن النافلة في سعة الوقت إذا خيف على الميِّت من الفساد ، ويجب تأخيرها عن الفريضة مع ضيق وقتها وعدم الخوف على الميِّت ، وإذا خيف عليه مع ضيق وقت الفريضة تقدم الفريضة ويصلى عليه بعد الدّفن ، وإذا خيف عليه من تأخير الدّفن مع ضيق وقت الفريضة يقدم الدّفن وتقضى الفريضة (1)، وإن أمكن أن يصلِّي الفريضة مومئاً صلّى ولكن لا يترك القضاء أيضاً
نعم ذكر الماتن قدسسره أنه يقضي الصلاة خارج الوقت ، ولكنه أمر لا ملزم له وإن كان أحوط ، وهذا فيما إذا كانت المزاحمة بين أصل صلاة الميِّت وبين الفريضة.
وأما إذا كانت المزاحمة بين الفريضة وبين الصلاة على الميِّت قبل دفنه لا أصلها فالمزاحمة حينئذ إنما هي بين الأجزاء الاختيارية من الصلاة وبين شرط صلاة الميِّت وهو أن يكون قبل الدّفن ، ومعه لا يمكن الحكم بتقديم صلاة الميِّت وشرطها على الفريضة ، بل الأجزاء الاختيارية من الفريضة مقدمة على شرط صلاة الميِّت لأهميتها ، لأنها عماد الدين ومعه يتعيّن الصلاة على قبره بعد دفنه.
وأمّا إذا فرضنا أن ذلك غير ممكن أيضاً : إمّا أن يصلِّي على الميِّت وإما أن يأتي بالفريضة ، فلا مناص من تقديم الفريضة ودفن الميِّت ثم الصلاة على قبره ، فإن فريضة الصلاة من أركان الدين ومما بني عليه الإسلام وهي عماد الدين فلا يتقدم عليها مثل صلاة الميِّت ، هذا كله إذا كان التزاحم بين صلاة الميِّت وصلاة الفريضة.
وأما الفرض الثاني : وهو التزاحم بين الفريضة والدّفن لأن الجنازة لو تأخّرت أكلتها السباع أو سرقت أو غرقت أو أُحرقت أو نحو ذلك ، والفريضة لو تأخرت انقضى وقتها ، فيأتي فيه ما تقدم في الفرض الأوّل ، أي أنه إن تمكن من إدراك ركعة واحدة من الفريضة في وقتها وجب تقديم الدّفن ، لأن من أدرك من الصلاة ركعة فقد أدرك الصلاة.
1) (*) في إطلاقه إشكال بل منع.
[989] مسألة 21 : لا يجوز على الأحوط (1)إتيان صلاة الميِّت في أثناء الفريضة وإن لم تكن ماحية لصورتها ، كما إذا اقتصر على التكبيرات وأقلّ الواجبات من الأدعية في حال القنوت مثلا (1).
وإذا لم يتمكّن من ذلك فيقع التزاحم بين الدّفن وبين الأجزاء الاختيارية من الصلاة فتنتقل النوبة إلى الاكتفاء بالأجزاء الاضطرارية من الصلاة مع تقديم الدّفن.
وإذا لم يتمكّن من ذلك فقد ذكر الماتن قدسسره أن الدّفن يقدّم على صلاة الفريضة فيأتي بها قضاء.
وهذا لا يمكن المساعدة عليه على نحو الإطلاق ، لأنه إنما يصح فيما إذا كان الميِّت من الأكابر والأعاظم من أهل الدين بحيث لو سرقت جنازته مثلاً ولم يدفن انهتك الدين وكان هتكاً للإسلام فيتقدّم الدّفن على الصلاة لأهميته. وأما الأشخاص العاديون الذين لا يلزم هتك الدين من عدم دفنهم فلا يمكن تقديمه على الصلاة مع أنها ممّا بني عليه الإسلام ومن أركان الدين ، ومن ثمة كتبنا في التعليقة : في إطلاقه إشكال بل منع.
(1) لا إشكال في عدم الجواز إذا كانت ماحية لصورة الفريضة ، لأنه وإن لم يكن منصوصاً إلاّ أن للصلاة صورة وهيئة خاصة بالارتكاز ، وإذا كان الإتيان بصلاة الميِّت ماحياً لها فلا يجوز الإتيان بها نظير الفصل الطويل بين أجزائها.
وأمّا إذا لم تكن ماحية لصورة الفريضة كما إذا أتى بالتكبيرات سريعاً واقتصر على أقل الواجب من الدعاء فلا مانع من الإتيان بها في أثناء الفريضة ، ولا دليل على عدم جواز الإتيان بها في أثناء الفريضة ، كما أن الفريضة لا مانع من الإتيان بصلاة
1) (*) وإن كان الجواز غير بعيد.
[990] مسألة 22 : إذا كان هناك ميِّتان يجوز أن يصلِّي على كل واحد منهما منفرداً ، ويجوز التشريك بينهما في الصلاة فيصلِّي صلاة واحدة عليهما وإن كانا مختلفين في الوجوب والاستحباب ، وبعد التكبير الرابع يأتي بضمير التثنية (1) ، هذا إذا لم يخف عليهما أو على أحدهما من الفساد ، وإلاّ وجب التشريك أو تقديم من يخاف فساده.
[991] مسألة 23 : إذا حضر في أثناء الصلاة على الميِّت ميت آخر يتخيّر المصلِّي بين وجوه (2) : الأوّل : أن يتم الصلاة على الأوّل ثم يأتي بالصلاة على الثاني.
الميِّت في أثنائها (1)، لأنها ليست إلاّ دعاءً وتهليلاً وتسبيحاً ، نظير الإتيان بصلاة الآيات في أثناء الفريضة وبالعكس.
(1) قد وردت النصوص في ذلك (2)واعتبر الترتيب بين الجنائز في بعضها وأن جنازة الرجل تتقدم على جنازة المرأة وأنها توضع في مقابل ألية الرجل وهكذا على نحو الدرج ويقوم المصلي في وسطها.
إلاّ أن صحيحة هشام بن سالم دلت على عدم اعتبار الترتب بينهما بوجه ، « لا بأس أن يقدّم الرجل وتؤخّر المرأة ويؤخّر الرجل وتقدّم المرأة » (3).
(2) ذكر الماتن قدسسره فيه وجوهاً :
الثاني : قطع الصلاة واستئنافها بنحو التشريك.
الثالث : التشريك في التكبيرات الباقية وإتيان الدعاء لكل منهما بما يخصه والإتيان ببقية الصلاة للثاني بعد تمام صلاة الأوّل
الأوّل : أن يتم الصلاة على الاولى ثم يستأنفها للثانية. وهذا على طبق القاعدة ، إذ لا ملزم للقطع والتشريك ، فيتمها ثم يصلِّي للجنازة الثانية.
الثاني : أن يقطع صلاته على الاولى ويستأنفها لهما معاً من الابتداء ، لعدم الدليل على حرمة قطعها ، فلو قلنا بها فإنما هي في صلاة ذات ركوع وسجود ، فله قطعها واستئناف صلاة الميِّت لهما معاً أو لكل منهما منفرداً ولو بتقديم الثانية على الاولى.
الثالث : أن يشرك الثانية مع الاولى في التكبيرات الباقية مع مراعاة الدعاء لكل منهما في التكبيرات ، فاذا تمّت الخامسة يأتي ببقية التكبيرات للثانية.
وهذا هو الذي يستفاد من النص الوارد في المقام وهو صحيحة علي بن جعفر عن أخيه عليهالسلام قال : « سألته عن قوم كبّروا على جنازة تكبيرة أو اثنتين ووضعت معها اخرى كيف يصنعون؟ قال : إن شاؤوا تركوا الاولى حتى يفرغوا من التكبير على الأخيرة وإن شاؤوا رفعوا الاولى وأتموا ما بقي على الأخيرة ، كل ذلك لا بأس به » (1).
وذكر في الوسائل أنه استدل بها جماعة على التخيير بين قطع الصلاة على الاولى واستئنافها عليهما وبين إكمال الصلاة على الاولى وإفراد الثانية بصلاة ثانية ، وهذا كما ذكره الشهيد (2)أمر لا يمكن استفادته من الصحيحة كما هو ظاهر.
واحتمل في الوسائل أن يراد من التكبير هنا مجموع التكبير على الجنازتين أي التكبيرات العشرة بمعنى أنهم يتمون الاولى ويستأنفون صلاة الأُخرى ويتخيرون في رفع الاولى وتركها.
مثلاً إذا حضر قبل التكبير الثالث يكبّر ويأتي بوظيفة صلاة الأوّل وهي الدعاء للمؤمنين والمؤمنات وبالشهادتين لصلاة الميِّت الثاني ، وبعد التكبير الرابع يأتي بالدعاء للميت الأوّل وبالصلاة على النبيّ صلىاللّهعليهوآلهوسلم للميت الثاني وبعد الخامسة تتم صلاة الأوّل ويأتي للثاني بوظيفة التكبير الثالث وهكذا يتم بقية صلاته ، ويتخير في تقديم وظيفة الميِّت الأوّل أو الثاني بعد كل تكبير مشترك هذا مع عدم الخوف على واحد منهما (1) ، وأما إذا خيف على الأوّل يتعيّن الوجه الأوّل ، وإذا خيف على الثاني يتعيّن الوجه الثاني أو تقديم الصلاة على الثاني بعد القطع ، وإذا خيف عليهما معاً (2) يلاحظ قلّة الزمان في القطع والتشريك بالنسبة
وفيه : أن الإمام عليهالسلام عبّر بقوله « وأتموا » ولم يقل : واستأنفوا. وهذا يدل على إرادة ما ذكرناه من التشريك في التكبيرات الباقية مع مراعاة الدعاء لكل منهما بحسب التكبيرات ثم بعد الخامسة لهم أن يرفعوا الجنازة الأُولى ولهم أن يبقوها حتى تنتهي تكبيرات الجنازة الثانية.
(1) والوجه فيما أفاده واضح لا يحتاج إلى البيان.
(2) وتوضيحه : أن التشريك قد يوجب طول الزمان بالإضافة إلى الميِّتين كما إذا وضعت الجنازة الثانية قبل التكبيرة الثانية ، فإنه حينئذ لو شركهما من الثانية إلى آخر التكبيرات لاستلزم هذا أن يأتي بستة أدعية : الثلاثة الباقية والثلاثة للميت الثاني يأتي بهما مع الثلاثة له ، ومع الدعاء الأوّل بعد التكبيرة الأُولى تصير الأدعية سبعة وهذا بخلاف ما لو قطعها وصلّى لهما فإنه يستلزم خمسة أدعية بعد التكبيرات واحد لما قطعه وأربعة لما استأنفه من الصلاة ، وكذلك الحال بالإضافة إلى الميِّت الثاني ومعه يتعيّن القطع دون التشريك.
وقد يكون القطع موجباً لطول الزمان دون التشريك (1)وهذا كما إذا وضعت الجنازة
1) لعلّ المناسب : وقد يكون التشريك موجباً لطول الزّمان بالإضافة إلى الثاني.
إليهما إن أمكن ، وإلاّ فالأحوط عدم القطع (1).
الثانية بعد الدعاء الثاني ، فإنه لو أراد القطع للزم أن تتأخّر الجنازة الأُولى بمقدار ستة أدعية : الأربعة المستأنفة والدعاءان المتقدِّمان ، وهذا بخلاف ما لو شركهما فإنه بالإضافة إلى كل من الميِّتين يستلزم التأخر بمقدار ستة أدعية ، وحينئذ يتعيّن القطع.
وقد يكون التشريك أقل زماناً بالإضافة إلى أحدهما والقطع بالإضافة إلى الآخر كما إذا وضعت الجنازة الثانية بعد الدعاء الثالث ، فان القطع أقل زماناً بالإضافة إلى الميِّت الثاني فإنه يستلزم التأخير بمقدار أربعة أدعية ولكنه بالإضافة إلى الميِّت الأوّل يوجب التأخر بمقدار سبعة أدعية : الأربعة المستأنفة والثلاثة المتقدمة ، والتشريك أقل زماناً بالإضافة إلى الميِّت الأوّل لاستلزامه التأخر بمقدار خمسة أدعية.
(1) لعلّ نظره قدسسره إلى الترجيح بالأسبقية في الزمان ، فانّ القطع موجب للتأخّر في الجنازة الأُولى ، والأسبقية في الزمان وإن كنّا نلتزم بكونها مرجحة إلاّ أن موردها ما إذا كانت الأسبقية في الامتثال ، كما إذا وجب عليه صوم هذا اليوم واليوم الثاني ولم يقدر على كليهما ، فإنه لو صام هذا اليوم عجز عجزاً وجدانياً عن الصوم في اليوم الثاني فلا يمكن تكليفه به فيسقط ، وأما لو أراد صوم اليوم الثاني وترك الصوم في هذا اليوم فهو ترك مستند إلى العمد والاختيار وهو حرام ، ومن هنا كان الصوم الأسبق في الزمان متعيناً في حقه.
وهذا بخلاف المقام أعني ما إذا كان أحدهما أسبق في الوجوب على الآخر كما إذا مات الأوّل قبل الثاني أو كان أسبق بحسب الإرادة ، فان الأسبقية لا تكون مرجحة حينئذ ، بل يتخير المكلف حينئذ بين الأمرين ، فله أن يقطع ويستأنف الصلاة لهما وله أن يشركهما في الصلاة.
وهي أُمور :
الأوّل : أن يكون المصلي على طهارة من الوضوء أو الغسل أو التيمّم ، وقد مرّ جواز التيمّم مع وجدان الماء أيضاً إن خاف فوت الصلاة لو أراد الوضوء بل مطلقاً (1).
الثاني : أن يقف الإمام والمنفرد عند وسط الرّجل بل مطلق الذّكر ، وعند صدر المرأة بل مطلق الأُنثى ، ويتخير في الخنثى. ولو شرّك بين الذّكر والأُنثى في الصلاة جعل وسط الرّجل في قبال صدر المرأة ليدرك الاستحباب بالنسبة إلى كل منهما.
الثالث : أن يكون المصلِّي حافياً ، بل يكره الصلاة بالحذاء ، دون مثل الخف والجورب.
الرابع : رفع اليدين عند التكبير الأوّل بل عند الجميع على الأقوى.
الخامس : أن يقف قريباً من الجنازة بحيث لو هبّت الريح وصل ثوبه إليها.
السادس : أن يرفع الإمام صوته بالتكبيرات بل الأدعية أيضاً ، وأن يسرّ المأموم.
السابع : اختيار المواضع المعتادة للصلاة التي هي مظان الاجتماع وكثرة المصلين.
الثامن : أن لا توقع في المساجد ، فإنّه مكروه عدا مسجد الحرام.
التاسع : أن تكون بالجماعة ، وإن كان يكفي المنفرد ولو امرأة.
1) (*) مرّ أن الأحوط عند عدم خوف فوت الصلاة الإتيان به رجاء.
العاشر : أن يقف المأموم خلف الإمام وإن كان واحداً بخلاف اليومية ، حيث يستحب وقوفه (1)إن كان واحداً إلى جنبه.
الحادي عشر : الاجتهاد في الدعاء للميت والمؤمنين.
الثاني عشر : أن يقول قبل الصلاة : « الصلاة » ثلاث مرات.
الثالث عشر : أن تقف الحائض إذا كانت مع الجماعة في صف وحدها.
الرابع عشر : رفع اليدين عند الدعاء على الميِّت بعد التكبير الرابع على قول بعض العلماء ، لكنه مشكل إن كان بقصد الخصوصية والورود.
[992] مسألة 1 : إذا اجتمعت جنازات فالأولى الصلاة على كل واحد منفرداً وإن أراد التشريك فهو على وجهين :
الأوّل : أن يوضع الجميع قدام المصلي مع المحاذاة ، والأولى مع اجتماع الرجل والمرأة جعل الرجل أقرب إلى المصلي حراً كان أو عبداً ، كما أنه لو اجتمع الحر والعبد جعل الحر أقرب إليه ، ولو اجتمع الطفل مع المرأة جعل الطفل أقرب إليه إذا كان ابن ست سنين وكان حرّا ، ولو كانوا متساوين في الصفات لا بأس بالترجيح بالفضيلة ونحوها من الصفات الدينية ، ومع التساوي فالقرعة ، وكل هذا على الأولوية لا الوجوب ، فيجوز بأي وجه اتفق.
الثاني : أن يجعل الجميع صفاً واحداً ويقوم المصلِّي وسط الصف ، بأن يجعل رأس كلٍّ عند ألية الآخر شبه الدرج ، ويراعي في الدعاء لهم بعد التكبير الرابع تثنية الضمير أو جمعه وتذكيره وتأنيثه ، ويجوز التذكير في الجميع بلحاظ لفظ الميِّت ، كما أنه يجوز التأنيث بلحاظ الجنازة.
1) (*) بل هو الأحوط على ما سيجيء.
يجب كفاية دفن الميِّت بمعنى مواراته في الأرض بحيث يؤمن على جسده من السباع ومن إيذاء ريحه للناس (1)
فصل في الدّفن
(1) الكلام في ذلك يقع من جهات :
الاولى : في وجوبه ، ولا إشكال في وجوب الدّفن شرعاً. ويكفي فيه التسالم من المسلمين قاطبة وعدم نقل الخلاف في المسألة ، مضافاً إلى ما ورد في الشهيد من أنه إذا أدركه المسلمون وبه رمق غسل وكفن ثم صلي عليه فيدفن (1)وما ورد في السقط من أنه إذا كان تاماً غسل وكفن ودفن (2)، وما ورد في الأعضاء الموجودة من بدن الميِّت من أنها تغسل وتكفن ثم يصلى عليها فتدفن (3)إلى غير ذلك من الأخبار.
الثانية : في مقدار الحفر. الدّفن والإقبار الواردان في الأخبار بمعنى واحد ، والمراد منهما مواراة الميِّت على وجه الإطلاق ، فإنه إذا حفر بمقدار شبر وجعل عليه التراب بهذا المقدار أو بمقدار شبرين وإن كان يستر جسد الميِّت إلاّ أنه ستر ومواراة من جهة النظر فقط ، وليس ستراً ومواراة من جهة انتشار رائحته وأكل السباع إياه. والظاهر
ولا يجوز وضعه في بناء أو في تابوت ولو من حجر بحيث يؤمن من الأمرين مع القدرة على الدّفن تحت الأرض ، نعم مع عدم الإمكان لا بأس بهما ، والأقوى كفاية (1)مجرّد المواراة في الأرض بحيث يؤمن من الأمرين من جهة عدم وجود السباع أو عدم وجود الإنسان هناك ، لكن الأحوط كون الحفيرة على الوجه المذكور وإن كان الأمن حاصلاً بدونه.
من الدّفن والإقبار هو المواراة المطلقة من جميع الجهات ، وهذا لا يتحقق إلاّ بحفر الأرض مقدار متر أو مترين على اختلاف الأراضي.
فما ذكره صاحب الجواهر قدسسره من أنه لا دليل على لزوم الحفر بذلك المقدار بل اللازم هو مطلق المواراة الصادق على ما إذا كان الحفر بمقدار شبر واحد (2)مما لا يمكن المساعدة عليه ، فان المعتبر هو المواراة المطلقة لا مطلق المواراة ، فقد أُخذ في مفهومها الحفر بمقدار يستر بدن الميِّت من حيث النظر وانتشار الرائحة وأكل السبع ، وهذا لا يحصل إلاّ بحفر مقدار متر أو مترين ونحو ذلك.
الثالثة : الظاهر من الدّفن والإقبار هو الدّفن في باطن الأرض بأن يكون الجسد تحت الأرض. ولا يصدق شيء منهما بجعل الميِّت في بناء فوق الأرض ولو مع فرض العلم ببقائه إلى الأبد وعدم صيرورته خراباً ، أو بثقب الحجر العظيم وجعل الميِّت فيه وسدّه وإن كانت نتيجته هي نتيجة الإقبار ، بل لا بدّ أن يحفر له حفيرة في الأرض ويكون تحت الأرض أيضاً.
اللّهمّ إلاّ أن تكون الأرض صلبة لا يمكن حفرها فإنه لا بدّ من جعله في بناء أو نحو ذلك مما يستر بدنه ، وهذا لا لقاعدة الميسور ، لعدم تماميتها ، بل للعلم الخارجي
[993] مسألة 1 : يجب كون الدّفن مستقبل القبلة (1)
بأن الشارع لا يرضى بهتك المؤمن وإهانته بجعله عرضة لأكل السباع إياه أو انتشار رائحته ، فإن حرمة المؤمن ميتاً كحرمته حياً.
الجهة الرابعة : هل المعتبر هي المواراة الفعلية أو الشأنية بحيث لو فرضنا مورداً لا يوجد فيه إنسان ليتأذى من رائحة الميِّت ولا سبع ليخرجه من قبره ويفترسه فيكفي ستر جسد الميِّت بمقدار شبر واحد؟
الصحيح اعتبار المواراة الفعلية ، وهي تختلف باختلاف الأماكن ، ففي الأماكن التي يوجد فيها الإنسان والسبع لا تتحقق المواراة الفعلية إلاّ بحفر الأرض مقدار متر أو مترين ونحوهما ، وفيما لا يوجد فيه شيء منهما يكفي الحفر بمقدار شبر فإنه مواراة فعلية بالإضافة إلى ذلك المكان حقيقة.
وبعبارة اخرى : لا بدّ أن تكون المواراة حقيقية لا فرضية ، بأن يقال : اللاّزم هو دفنه على نحو لو وجد إنسان أو سبع كان بدن الميِّت مستوراً من جميع الجهات والمواراة بمقدار شبر في الأماكن التي لا يوجد فيها إنسان أو سبع مواراة حقيقية وإن كان الأحوط أن يحفر بمقدار متر أو مترين.
(1) وليس مستنده التسالم ولا روايتي الدعائم (1)والرضوي (2)بل مستنده صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال : « كان البراء بن المعرور الأنصاري بالمدينة ورسول اللّه صلىاللّهعليهوآلهوسلم بمكة وأنه حضره الموت وكان
على جنبه الأيمن (1) بحيث يكون رأسه (1)إلى المغرب ورجله إلى المشرق (2)
رسول اللّه صلىاللّهعليهوآلهوسلم والمسلمون يصلون إلى بيت المقدس فأوصى البراء أن يجعل وجهه إلى رسول اللّه صلىاللّهعليهوآلهوسلم وإلى القبلة ... فنزل به الكتاب وجرت به السنة » (2)، لدلالتها على أن الشارع المقدس أمضى تلك الوصية وصار معمولاً بها بين المسلمين.
(1) استدل عليه بالتسالم وروايتي الدعائم والفقه الرضوي (3). ولكن الصحيح أن يستدل عليه بصحيحة محمد بن عيسى اليقطيني عن يعقوب بن يقطين قال : « سألت أبا الحسن الرضا عليهالسلام عن الميِّت كيف يوضع على المغتسل ، موجهاً وجهه نحو القبلة أو يوضع على يمينه ووجهه نحو القبلة؟ قال : يوضع كيف تيسر ، فاذا طهر وضع كما يوضع في قبره » (4).
فهي تدل على أن للوضع في القبر كيفية خاصّة ، وإلاّ فلا معنى لقوله : « كما يوضع في قبره » وبما أن السيرة الخارجية جرت على دفنه ووضعه في القبر على جانبه الأيمن ولم يرد في الأخبار ردع عنها فنعلم أن الكيفية المعتبرة شرعاً في الدّفن هي تلكم الكيفية الدارجة عند المتدينين.
(2) في عبارة الماتن قدسسره هنا وفي بحث صلاة الجنائز اشتباه ظاهر ، فان ما
وكذا في الجسد بلا رأس ، بل في الرأس بلا جسد بل في الصدر وحده (1)، بل في كل جزء يمكن فيه ذلك (1).
[994] مسألة 2 : إذا مات ميت في السفينة (2) فإن أمكن التأخير ليدفن في
إفادة إنما يتم إذا كانت القبلة في طرف الجنوب كما في بلادنا ونحوها ، إلاّ أن القبلة لا يلزم أن تكون في طرف الجنوب دائماً ، بل قد تكون في طرف الشمال فلا بدّ أن يكون رأس الميِّت إلى المشرق ورجله إلى المغرب ، وقد تكون في المشرق فلا بدّ أن يكون رأسه إلى الجنوب ورجلاه إلى الشمال ، وقد تكون القبلة في طرف المغرب فتعكس هيئة الدّفن.
وهذا وإن كان تصويره في سائر البلاد يحتاج إلى التأمل اليسير إلاّ أنه في مكة نفسها بمكان من الوضوح ، لأن البيت زاده اللّه شرفاً قد أُحيط بالبلد ، فقد يدفن الميِّت في طرف الجنوب وأُخرى في طرف الشمال وثالثة في طرف المشرق ورابعة في طرف المغرب.
(1) يعني : ما ذكرناه من وجوب دفن الميِّت على يمينه مستقبل القبلة يأتي في أعضاء الميِّت أيضاً ، والأمر كما أفاده ، لما استفدناه من الصحيحة المتقدمة من أن للدفن هيئة خاصة بلا فرق في ذلك بين دفن الميِّت التام ودفن الأعضاء.
(2) الكلام في هذه المسألة يقع في جهات.
الاولى : أن الاستقبال المعتبر في دفن الميِّت هل يعتبر في إلقاء الميِّت في البحر؟
الصحيح عدم اعتبار الاستقبال حينئذ ، لأن الصحيحة إنما دلت على اعتباره في الدّفن ، والإلقاء في البحر ليس بدفن وإنما هو بدل عنه ، ولم يقم دليل على اعتبار
1) (*) على الأحوط فيه وفيما بعده.
الأرض بلا عسر وجب ذلك ، وإن لم يمكن لخوف فساده أو لمنع مانع يغسّل ويكفّن ويحنّط ويصلّى عليه ويوضع في خابية ويوكأ رأسها ويلقى في البحر مستقبل القبلة على الأحوط ، وإن كان الأقوى عدم وجوب الاستقبال ، أو يثقل الميِّت بحجر أو نحوه بوضعه في رجله ويلقى في البحر كذلك ، والأحوط (1)مع الإمكان اختيار الوجه الأوّل ، وكذا إذا خيف على الميِّت من نبش العدو قبره وتمثيله.
الاستقبال في البدل أيضاً ، نعم الوجه الاعتباري يساعد الاشتراط في البدل أيضاً ، إلاّ أنه غير قابل للاعتماد عليه.
الثانية : هل المكلف مخير بين جعل الميِّت في خابية وسد رأسها وإلقائها في البحر وبين تثقيل الميِّت بحجر أو نحوه وإلقائه فيه فيما إذا مات في السفينة لعدم إمكان الإقبار فيها لأنها ليست بأرض ، أو أن المتعين هو الأوّل فحسب؟
الذي دلّت عليه صحيحة أيوب بن الحر قال : « سئل أبو عبد اللّه عليهالسلام عن رجل مات وهو في السفينة في البحر كيف يصنع به؟ قال : يوضع في خابية ويوكأ رأسها وتطرح في الماء » (2)تعيّن الأوّل فقط ، لأنها ظاهرة في ذلك ، ولا موجب لرفع اليد عن ظهورها بوجه.
نعم المشهور بينهم هو التخيير ، ولا مستند لهم سوى الجمع بين الصحيحة وبين الأخبار الآمرة بتثقيل الميِّت وإلقائه في الماء.
منها : رواية أبي البختري وهب بن وهب عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال « قال أمير المؤمنين عليهالسلام : إذا مات الميِّت في البحر غسل وكفن وحنط ثم يصلى
عليه ثم يوثق في رجليه حجر ويرمى به في الماء » (1).
وقد رواها الصدوق بعينها مرسلة (2)كما رواها الحميري عن السندي بن محمد عن أبي البختري (3). وهي بجميع طرقها ضعيفة السند ، لوجود وهب بن وهب الذي قيل في حقه : أنه أكذب أهل البرية.
ومنها : مرسلة أبان عن رجل عن أبي عبد اللّه عليهالسلام أنه قال : « في الرجل يموت مع القوم في البحر ، فقال : يغسل ويكفن ويصلى عليه ويثقل ويرمى في البحر » (4)وهي مرسلة. ويحتمل أن يكون المراد بالرجل فيها هو وهب بن وهب الراوي للرواية السابقة.
ومنها : مرفوعة سهل بن زياد رفعه عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال : « إذا مات الرجل في السفينة ولم يقدر على الشط ، قال : يكفن ويحنط في ثوب ( ويصلى عليه ) ويلقى في الماء » (5).
ومنها : ما في الفقه الرضوي : « وإن مات في سفينة فاغسله وكفنه وثقّل رجليه وألقه في البحر » (6)وهي لم يثبت كونها رواية فضلاً عن كونها معتبرة ، ومعه لا وجه للاستدلال بها على ما ذهب إليه المشهور ، لضعفها وعدم صلاحيتها لمعارضة الصحيحة المتقدمة الدالّة على تعين وضع الميِّت في خابية وإلقائه في البحر.
وقد علل المحقق الهمداني قدسسره الاستدلال بتلكم الروايات بأنها مستفيضة الرواية (7).
وفيه : أن الرواية المستفيضة هي التي توجب أقل مراتب الاطمئنان بصدورها عن المعصوم عليهالسلام ، ومع انحصار الرواية في ثلاث أو أربع وكلها ضعاف كيف تكون الرواية مستفيضة وموجبة للاطمئنان بصدورها؟
نعم إذا لم توجد خابية ولم يتمكن المكلف منها يتعين تثقيل الميِّت بحجر أو حديد وإلقاؤه في البحر. وهذا لا يستند إلى تلكم الروايات الضعيفة ، بل لأنه مقتضى القاعدة ، للعلم الخارجي بأن الشارع لا يرضى بإهانة المؤمن أو أكله الحيوانات ، فهو أقل مراتب الستر والحفظ حينئذ ، وعليه فيكون التثقيل في طول الوضع في الخابية لا أنه في عرضه كما هو المشهور.
الجهة الثالثة : في أن وجوب الوضع في الخابية بالكيفية المتقدمة هل يختص بما إذا لم يمكن دفنه في الأرض كالشاطئ ، أو يعمه وما إذا كان الدّفن في الأرض ممكناً للمكلفين؟ نسب إلى المفيد في المقنعة (1)وإلى المحقق في المعتبر (2)الجواز أخذاً بإطلاق الصحيحة.
وهذه النسبة على تقدير صحّتها وإمكان استفادتها من كلامهما قدسسرهما لا يمكن المساعدة عليها ، وهذا لا لأجل انصراف الصحيحة إلى صورة العجز وعدم التمكن من الدّفن كما قيل بل لأن في نفس الصحيحة قرينة على الاختصاص وهي قوله : « كيف يصنع به » فإنها ظاهرة في عدم إمكان إيصاله إلى الأرض ودفنه ، وإلاّ فمع إمكانه لا وجه لقوله في السؤال : « كيف يصنع به » فإنه نظير السؤال عن أن الميِّت إذا مات في بيته كيف يصنع به ، فإنه يصنع به كما يصنع بسائر الموتى.
وعليه أي بناء على الاختصاص لا يجوز الإلقاء في البحر إذا أمكن دفنه في الأرض أو في شاطئ البحر ولو بعد تأخير ساعة أو يوم مع الأمن من طروء الفساد على الميِّت حينئذ.
الجهة الرابعة : إذا مات الميِّت في غير السفينة والبحر ولم يمكن دفنه في الأرض لمنع الحكومة أو منع ظالم آخر أو لصلابة الأرض أو نحو ذلك فهل يجب إلقاؤه في البحر حينئذ ، أو أن ذلك يختص بمن مات في البحر والسفينة؟
الصحيح وجوب ذلك ، لأنه الذي تقتضيه القاعدة ، لأن حرمة المؤمن ميتاً كحرمته حيّاً ، ولا يرضى الشارع باهانته أو باحراقه أو بأكل السباع إيّاه ، والميسور من التحفّظ عليه حينئذ هو إلقاؤه في البحر وإن كان موته في خارج البحر.
ويؤيده ما ورد في حق زيد عليهالسلام في رواية سليمان بن خالد قال : « سألني أبو عبد اللّه فقال : ما دعاكم إلى الموضع الذي وضعتم فيه عمي زيداً إلى أن قال كم إلى الفرات من الموضع الذي وضعتموه فيه؟ فقلت : قذفة حجر ، فقال : سبحان اللّه أفلا كنتم أوقرتموه حديداً وقذفتموه في الفرات وكان أفضل » (1).
وهي ضعيفة بأبي المستهل لتردده بين الممدوح والضعيف. والمراد بيحيى الحلبي هو يحيى بن عمران الثقة.
وفي مرسلة ابن أبي عمير عن رجل ذكره عن سليمان بن خالد قال « قال لي أبو عبد اللّه عليهالسلام : كيف صنعتم بعمي زيد؟ قلت : إنهم كانوا يحرسونه فلمّا شف الناس أخذنا جثته وقذفناه في حرف أي في طرف على شاطئ الفرات ، فلمّا أصبحوا جالت الخيل يطلبونه فوجدوه فأحرقوه ، فقال : ألا أوقرتموه حديداً أو ألقيتموه في الفرات ، صلّى اللّه عليه ولعن اللّه قاتله » (2)ويحتمل اتحاد الروايتين وكون الاختلاف لفظيّاً فقط.
[995] مسألة 3 : إذا ماتت كافرة كتابية أو غير كتابية ومات في بطنها ولد من مسلم (1) بنكاح أو شبهة أو ملك يمين تدفن مستدبرة للقبلة على جانبها الأيسر على وجه يكون الولد في بطنها مستقبلاً ، والأحوط العمل بذلك في مطلق الجنين ولو لم تلج الروح فيه ، بل لا يخلو عن قوّة.
الجهة الخامسة : إذا مات الميِّت في البحر إلاّ أنه أمكن دفنه في الأرض ولو بتأخير ساعة أو أكثر إذا لم يخف على الميِّت بطروء الفساد عليه لا يجوز إلقاؤه في البحر ، وقد علم ذلك مما أسلفناه فلاحظ.
(1) كما إذا كان للمسلم أمه كافرة فاستولدها ثم ماتت الأمة والولد في بطنها ، فلا وجه لاحتمال وجوب إخراج الولد عن بطن امه ليغسل ويكفن ويدفن ، إذ لا دليل على وجوب الإخراج من بطن الام.
وأمّا الغسل والكفن فهما واجبان في المولود الخارجي وليسا واجبين في الولد الذي لم يتولد ، وإنما منعوا عن دفن الولد بسبب دفن امه نظراً إلى الإجماع على عدم جواز دفن الكافر أو الكافرة في مقابر المسلمين.
ولكن هذا الإجماع على تقدير تحققه يمكن التخلّص عنه بدفنها والولد في بطنها في غير مقابر المسلمين والكفار بأن تدفن في موضع ثالث غيرهما.
على أن الوجه في هذا التسالم هو احترام المسلمين بأن لا يدفن في مقابرهم من هو محكوم بالكفر ، ولا ينافي هذا دفن الكافرة بتبع الولد المحكوم بالإسلام ، فإنها كالوعاء له نظير التابوت ، بل هذا مؤيد لاحترام المسلم حيث إنه يدفن كافر بتبع المسلم احتراماً له.
[996] مسألة 4 : لا يعتبر في الدّفن قصد القربة ، بل يكفي دفن الصبي إذا علم أنه أتى به بشرائطه ولو علم أنه ما قصد القربة (1).
ويؤيِّد ذلك رواية أحمد بن أشيم عن يونس قال : « سألت الرضا عليهالسلام عن الرجل تكون له الجارية اليهودية والنصرانية فيواقعها فتحمل ثم يدعوها إلى أن تسلم فتأبى عليه فدنا ولادتها فماتت وهي تطلق والولد في بطنها ومات الولد ، أيدفن معها على النصرانية أو يخرج منها ويدفن على فطرة الإسلام؟ فكتب عليهالسلام : يدفن معها » (1).
وعن المحقق في المعتبر أن الرواية ضعيفة السند بأحمد بن أشيم ، لأنه قد ضعفه الشيخ والنجاشي قدسسرهما فلا يمكن الاعتماد عليها (2)هذا.
والرواية وإن كانت ضعيفة السند إلاّ أن المنشأ في ضعفها أن أحمد بن أشيم مهمل في الرجال ولم يتعرّضوا لحاله ، فهو مجهول الحال لا يصح الاعتماد على روايته.
وأمّا ما أفاده قدسسره من أن المنشأ هو تضعيف الشيخ والنجاشي قدسسرهما إياه فالظاهر أنه من سهو القلم ، لأنه لا يوجد للرجل ذكر في كتب الرجال قبل المحقق قدسسره ولم يتعرض الشيخ والنجاشي لحاله وضعفه ، وإنما ذكره من ذكره بعد المحقق قدسسره أخذاً منه. فالمتحصل : أن الرواية غير صالحة للاستدلال بها وإنما تصلح للتأييد كما ذكرناه.
(1) قدّمنا في الحنوط أن كون الواجب توصلياً معناه عدم اعتبار قصد القربة في امتثاله (3)، وهذا أمر غير سقوط الواجب بفعل الآخر ، فان الواجب التوصّلي ليس
[997] مسألة 5 : إذا خيف على الميِّت من إخراج السبع إياه وجب إحكام القبر بما يوجب حفظه من القير والآجر ونحو ذلك (1). كما أن في السفينة إذا أريد إلقاؤه في البحر لا بدّ من اختيار مكان مأمون من بلع حيوانات البحر إياه بمجرد الإلقاء (2).
بحيث يسقط بفعل الغير ، كما مثلنا بجواب السلام ، فإنه توصّلي لا يعتبر في سقوطه قصد الامتثال إلاّ أنه لا يسقط برد غير الذي سلّم عليه ، بل لا بدّ من رده بنفسه على من سلّم عليه.
بل قد يكون الواجب تعبدياً ولكنه يسقط بفعل الغير كما في قضاء العبادات عن الميِّت ، فإنه واجب على الولد الأكبر أو الولي إلاّ أن الغير إذا قضى عنه سقط عن ذمة الميِّت.
فالسقوط بفعل الغير أمر محتاج إلى الدليل ولا يلازم التوصلية بوجه. ومن هنا قلنا : إن الصبي إذا حنط الميِّت لم يسقط ذلك عن المكلفين.
نعم لا يبعد أن يقال في الدّفن بالسقوط نظراً إلى أن الغرض من دفن الميِّت ستره ومواراته ، فإنه إذا حصل ذلك ولو بزلزال أو فعل صبي أو مجنون لم يجب ثانياً على المكلفين أن ينبشوا قبره ويخرجوه ثم يدفنوه ، فان الدّفن بمعنى المواراة كما مرّ.
(1) ظهر الوجه في ذلك مما قدمناه في معنى المواراة ، وذكرنا أن الواجب هو المواراة المطلقة لا مطلق المواراة ، وهذا لا يحصل في المكان الذي يخاف فيه من إخراج السبع إياه إلاّ بأحكام القبر بما يوجب حفظه من الجص والآجر والقير ونحو ذلك.
(2) هذا مبني على العلم الخارجي بأن الغرض من إلقاء الميِّت في البحر إنما هو حفظه بالمقدار المتيسر منه على ما قدمنا ، وهذا الغرض ينافيه الإلقاء في محل يبتلعه فيه الحيوان بمجرّد الإلقاء فوراً.
[998] مسألة 6 : مئونة الإلقاء في البحر من الحجر أو الحديد الذي يثقل به أو الخابية التي يوضع فيها تخرج من أصل التركة وكذا في الآجر والقير والساروج في موضع الحاجة إليها (1).
[999] مسألة 7 : يشترط في الدّفن أيضاً إذن الولي كالصلاة وغيرها (2).
[1000] مسألة 8 : إذا اشتبهت القبلة يعمل بالظن (3) ومع عدمه أيضاً يسقط
ويمكن استفادة ذلك ممّا رواه الصدوق بإسناده عن الفضل بن شاذان (1)، إلاّ أنها ضعيفة لضعف طريق الصدوق إلى الفضل ، وإنما تصلح للتأييد.
بل لا يبعد استفادته من الصحيحة الآمرة بجعل الميِّت في خابية وسدها ثم إلقائها في البحر (2)لأنّ الغرض من ذلك ليس إلاّ التحفظ على الميِّت من ابتلاع الحيوانات إيّاه ، فيلزم مراعاة ذلك بالمقدار المتيسر منه ، وقد تقدم أن جعله في الخابية هو المتعيّن على الأقوى والأحوط.
(1) وقد قدّمنا في مباحث التكفين (3)أن الكفن وسائر المؤن تخرج من أصل التركة وكذلك الخابية وغيرها مما يحتاج إليه في دفن الميِّت أو بدله إلقائه في البحر.
(2) قدّمنا أن إذن الولي غير معتبر في الدّفن ونحوه ، وإنما لا تجوز مزاحمته فراجع مبحث الأولياء في غسل الميِّت (4).
(3) لأن صحيحة زرارة الدالّة على إجزاء التحرِّي أبداً إذا لم يعلم أين وجه
وجوب الاستقبال إن لم يمكن تحصيل العلم ولو بالتأخير على وجه لا يضر بالميِّت ولا بالمباشرين.
[1001] مسألة 9 : الأحوط (1)إجراء أحكام المسلم على الطفل المتولد من الزنا من الطرفين إذا كانا مسلمين أو كان أحدهما مسلماً (1) ، وأمّا إذا كان الزنا من أحد الطرفين وكان الطرف الآخر مسلماً فلا إشكال في جريان أحكام المسلم عليه.
القبلة (2)لا تختص بالصلاة ، بل تدل على حجية الظن بالقبلة في جميع ما يشترط فيه القبلة كما في الدّفن والذبح والصلاة وغيرها. والمراد بالتحرِّي هو الأخذ بالأرجح والأولى وهو الظن عند اشتباه القبلة.
نعم هذا إنما هو فيما إذا لم يمكن تحصيل العلم بالقبلة ولو بالتأخير إذا لم يضر بالميِّت وإلاّ وجب التأخير ولم يكف الظن بالقبلة في شيء ممّا يعتبر فيه القبلة ، لأنه إنما يكفي فيما إذا استوعب الجهل تمام الوقت ولا يكفي الاشتباه والجهل وقتاً ما أبداً.
(1) إذ لم يرد في النصوص أن ولد الزنا ليس بولد ، وإنما ورد نفي التوارث وعدم إرثه وحسب (3)كما ورد ذلك في القاتل (4)، وهو تخصيص في أدلّة الإرث ، ولا يدلّ على نفي الولدية بوجه.
إذن فهو ولد للمسلم ولا بدّ من دفنه ، فان الولد لغة هو من تكوّن من ماء رجل أو امرأة وهذا متحقق في المقام ، كما أن الولد عرفاً كذلك ، وحيث لم يرد في الشرع نفي الولدية عن ولد الزنا فهو ولد لغة وعرفاً وشرعاً.
[1002] مسألة 10 : لا يجوز دفن المسلم في مقبرة الكفار (1) ، كما لا يجوز العكس أيضاً ، نعم إذا اشتبه المسلم والكافر
يجوز دفنهما في مقبرة المسلمين ، وإذا دفن أحدهما في مقبرة الآخرين يجوز النبش ، أما الكافر فلعدم الحرمة له ، وأما المسلم فلأن مقتضى احترامه عدم كونه مع الكفار (2).
[1003] مسألة 11 : لا يجوز دفن المسلم في مثل المزبلة والبالوعة (3) ونحوهما ممّا هو هتك لحرمته.
بل لا مناص من أن يكون ولد الزنا ولداً حقيقة ، فإن البنت المتولدة من الزنا لا يجوز للزاني أن يتزوّج بها ولا يفتي به أحد ، كما أن الولد من الزنا لا يجوز له الزواج بامه. فولد الزنا ولد حقيقة ، وبما أنه ولد لمسلم فيجب دفنه.
نعم إذا اشتبه الأمر ولم يعلم أن الولد مستند إلى الزنا أو إلى الفراش يحكم بلحوقه بالفراش وليس بالزنا ، وهذا أمر آخر ، لأن كلامنا إنما هو فيما علم استناد الولد إلى الزنا.
(1) لأنه توهين للمسلم ، وفي العكس الأمر كذلك ، لأن الكافر رجس ودفن الرجس في مقابر المسلمين وهن لهم ، واحترام المؤمن ميتاً كحرمته حياً.
(2) بمعنى أن النبش إنما حرم لأجل احترام المسلم ، ونبش قبر المسلم لأجل رفع التوهين عنه احترام له لا أنه توهين له.
(3) وكذا غير ذلك من الأماكن التي تعد توهيناً للمسلم ، لما تقدم من أن حرمة المؤمن ميتاً كحرمته حيا.
[1004] مسألة 12 : لا يجوز الدّفن في المكان المغصوب (1) وكذا في الأراضي الموقوفة لغير الدّفن ، فلا يجوز الدّفن في المساجد والمدارس ونحوهما (2)
(1) والوجه في ذلك ظاهر ، لأنه تصرّف في مال الغير من دون إذنه وهو حرام.
(2) كالحسينيات. والوجه فيما أفاده في مثل المدارس والحسينيات وغيرهما من الأراضي الموقوفة لغير الدّفن أن الوقف تمليك للكلي أو الجهة ، كالوقف على العلماء أو السادات أو الفقراء فإنه تمليك للكلي ، وكالوقف لأجل صرفه في جهة خاصة كسبيل اللّه أو جهة أُخرى وهو تمليك للجهة ، غاية الأمر أن الملكية ليست طلقة.
ومن الظاهر أن الدّفن في ملك الغير طلقاً كان أو غير طلق ليس سائغاً ، لأن الوقوف حسبما يوقفها أهلها ، وحيث إن الواقف لم يوقفه للدفن فيكون الدّفن فيه كالدّفن في الأرض المغصوبة وهو حرام.
وأما المساجد فقد ذكرنا في بحث المكاسب أن الوقف في المساجد تحرير لرقبة الأرض نظير التحرير للعبد ، فكما أن العبد يحرّر من العبودية كذلك الأرض إذا جعلت مسجداً لأجل عبادة اللّه تكون محرّرة وحرّة عن المملوكية (1)، ولعلّه إليه أشار سبحانه بقوله ( وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلّهِ ) (2)بناء على أن المراد بالمساجد فيها هو الأماكن المجعولة مسجداً لا مساجد الإنسان من الجبهة وغيرها.
ولا بدّ فيه من مراعاة الجهة التي لأجلها حررت الأرض وهي جهة العبادة لله سبحانه ، فلا يجوز التصرف في المساجد في غير تلكم الجهة مثل الدّفن ، نعم قامت السيرة على جواز التصرف في المساجد بما لا يكون مزاحماً للعبادة كالجلوس والنوم فيها وإن كان مكروهاً ، وبما أن الدّفن فيها لم يقم دليل على جوازه فلا بدّ من الحكم بعدم جوازه.
كما لا يجوز (1)الدّفن في قبر الغير قبل اندراس ميّته (1).
بل يمكن أن يقال : إن الدّفن في المساجد مزاحم للعبادة فيها ، لأن الصلاة على القبر مكروهة ، وجعل المسجد مدفناً يوجب منقصة فيه وهي تنافي العبادة التي لأجلها جعلت الأرض مسجداً ، كما أن الدّفن إذا كثر كرهت الصلاة فيه ، لأنها من الصلاة بين القبور وهي مكروهة ، نعم لو دفن في المسجد على نحو لا يصدق عليه عنوان القبر كما إذا دفن فيه بفرسخ من قعر الأرض لم يكن به بأس.
وما يقال من أن المساجد مساجد من تخوم الأرض إلى عنان السماء فهو مما لم يثبت بدليل ، نعم ورد ذلك في الكعبة وأنها كذلك من تخوم الأرض إلى عنان السماء (2)، إلاّ أنه ضعيف ، فهذا المعنى لم يثبت بدليل معتبر في البيت الحرام فضلاً عن المساجد.
(1) سيتضح الوجه في ذلك في ضمن المسألة الآتية فلاحظ.
المعروف بينهم كراهة حمل الميِّتين : الرجل والمرأة على سرير واحد. وقد استدل عليه بالمرسلة الناهية عن ذلك ، إلاّ أن الرواية مما لم يثبت لها أصل ، على أن الرواية لو كانت موجودة لا يمكن الاعتماد عليها لإرسالها.
نعم ورد في صحيحة محمد بن الحسن الصفار قال : « كتبت إلى أبي محمد عليهالسلام : أيجوز أن يجعل الميِّتين على جنازة واحدة في موضع الحاجة وقلة الناس ، وإن كان الميِّتان رجلاً وامرأة يحملان على سرير واحد ويصلى عليهما؟ فوقع عليهالسلام : لا يحمل الرجل مع المرأة على سرير واحد » (3)وهي من حيث الدلالة والسند ظاهرة لا إشكال فيها.
وأما دفن الميِّتين في قبر واحد فقد استدلوا على كراهته بتلك الرواية ، لأن حمل الميِّتين على سرير واحد إذا كان مكروهاً لدى الشارع مع كون المدة مدة الاجتماع والاقتران قليلة فيكون دفنهما في محل واحد مكروهاً بطريق أولى ، لأن المدة فيه طويلة.
وفيه : أن الرواية أخص من المدعى ، لاختصاصها بما إذا كان أحد الميِّتين رجلاً والآخر امرأة ، فلا يستفاد منها الكراهة فيما إذا كان الميِّتان كلاهما رجل أو كلاهما امرأة.
على أن حملهما في السرير الواحد يستلزم عادة اتصال أحدهما بالآخر بل كون أحدهما فوق الآخر وفيه من الحزازة ما لا يخفى ، وهذا بخلاف ما إذا دفنا في قبر واحد ، لعدم اتصال أحدهما بالآخر ولا كونه فوق الآخر ، بل يجعل أحدهما بجنب الآخر ويفصل بينهما بالتراب. هذا كله فيما إذا دفناهما مرة واحدة.
وأما إذا كان أحدهما مدفوناً سابقاً وأُريد دفن الآخر منه بعد ذلك فقد قالوا بحرمته واستدلّوا عليه بوجوه :
منها : أن ذلك يستلزم نبش القبر وهو حرام.
وأورد عليه في المدارك (1)وغيره بأن النبش لازم أعمّ ، وكلامنا إنما هو في جواز الدّفن في القبر بما هو كذلك لا من جهة استلزامه النبش ، كما إذا انفتح القبر بزلزال ونحوه أو جاز نبشه كما إذا ظهر أن الميِّت دفن من دون غسل مثلاً ، فهذا الوجه لا يرجع إلى محصل.
على أن صاحب الذخيرة (2)ناقش في شمول الإجماع القائم على حرمة النبش للمقام لأنه دليل لبِّي ويقتصر فيه على المقدار المتيقن وهو غير صورة النبش لأجل دفن ميت آخر.
ومنها : أن الميِّت أحق بالقبر بدفنه فيه فالدّفن الثاني تصرف فيما هو حق الغير وهو غير جائز.
وفيه : أنه لم يقم دليل على أن القبر حق للميت ، وإنما الثابت جواز دفنه فيه وكونه قبراً له ، وأما أنه حقه بحيث يمنع عن جواز دفن الغير عنده فهو محتاج إلى الدليل.
ومنها : ما رواه الشيخ بإسناده عن أحمد بن محمد بن عيسى عن محمد بن سنان عن أبي الجارود عن الأصبغ بن نباتة ، قال « قال أمير المؤمنين عليهالسلام : من جدّد قبراً أو مثل مثالاً فقد خرج عن ( من ) الإسلام » (1)، لدلالتها على أن جعل القبر قبراً الذي هو معنى « جدد » محرم وخروج من الإسلام.
وفيه : أن الرواية غير قابلة للاستدلال بها سنداً ودلالة :
أمّا سنداً فلأن طريق الشيخ إلى أحمد بن محمد بن عيسى وإن كان صحيحاً كما مرّ (2)إلاّ أن محمد بن سنان ضعيف لا يمكن الاعتماد عليه. على أن السند يحتوي على أبي الجارود وهو زياد بن المنذر رئيس الفرقة الجارودية الذي عبّر عنه الباقر عليهالسلام بسرحوب ، وسرحوب اسم شيطان أعمى يسكن البحر ، وأبو الجارود كان أعمى أيضاً ، وقد ذكر الكشي أنه كان مكفوفاً أعمى ، أعمى القلب (3)، وقد ورد أنه كذّاب ملعون ، فلا يمكن الاعتماد على روايته (4).
وأمّا من حيث الدلالة فلأنه لم يثبت أن لفظ الرواية هل هو « جدد » أو « حدد » بمعنى جعل القبر كقبور العامّة محدّداً ، أي مع التسنيم كما ورد في رواية سعد بن عبد اللّه (5). وعن المفيد قدسسره (6)أنه « خدد » أي نبش ، أو أنه « حدث » أي جعل القبر قبراً ، ومع عدم ثبوت أن لفظة الرواية أي شيء هي لا يمكن الاستدلال بها بوجه.
[1005] مسألة 13 : يجب دفن الأجزاء المبانة من الميِّت حتى الشعر والسن والظفر (1)، وأما السن والظفر من الحي فلا يجب دفنهما وإن كان معهما شيء يسير من اللّحم ، نعم يستحب دفنهما ، بل يستحب حفظهما حتى يدفنا معه ، كما يظهر من وصيّة مولانا الباقر للصادق عليهماالسلام. وعن أمير المؤمنين عليهالسلام أن النبيّ ( صلوات اللّه عليه وآله ) أمر بدفن أربعة : الشعر والسن والظفر والدم ، وعن عائشة عن النبيّ صلىاللّهعليهوآلهوسلم : أنه أمر بدفن سبعة أشياء : الأربعة المذكورة والحيض والمشيمة والعلقة (1).
على أن الحكم الوارد في الرواية أعني الخروج عن الإسلام لا يناسب شيئاً من هذه المعاني ، لعدم احتمال أن يكون تجديد القبر أو غيره من المعاني المتقدمة موجباً للخروج عن الإسلام ، أي كونه معصية بمثابة الكفر.
ولا يبعد أن يقال : إن معنى « جدد » أحدث قبراً زائداً على القبور ، بأن يكون كناية عن قتل شخص وإيجاد قبر له بسببه زائداً على القبور ، فان قتل النفس المحترمة من المعاصي المغلظة ، وهو يناسب الحكم بالخروج من الإسلام الوارد في الرواية.
(1) لا ينبغي الإشكال في عدم وجوب دفن الشعر والظفر والسن ونحوها ممّا لا تحله الحياة إذا كانت منفصلة عن الحي. ويدلُّ على ذلك مضافاً إلى عدم قيام الدليل على الوجوب السيرة المستمرّة الجارية على عدم دفن الشعر المنفصل عن الحي عند الحلق والتنوير ونحوهما.
وقد ورد في بعض الأخبار أن شعر النبي صلىاللّهعليهوآلهوسلم كان مجزوزاً مدّة (2)، نعم ورد الأمر بدفن السن والظفر من الحي معه في جملة من الأخبار رواها في
الوسائل في الباب السابع والسبعين من آداب الحمام (1)، إلاّ أنها ضعيفة السند ، ومن أجل ذلك يبتني الحكم باستحباب الدّفن فيهما على التسامح في أدلة السنن.
وأما الشعر والسن ونحوهما من الميِّت فالمعروف بينهم وجوب دفنها. وعن الذخيرة إنه مما لم يعلم فيه خلاف (2)، وعن التذكرة دعوى الإجماع عليه (3)، وإن كان يحتمل أن يكون الإجماع راجعاً إلى استحباب جعله في الكفن لا إلى وجوب دفنه والدليل على ذلك بعد الإجماع لو تم إجماع مع عدم احتمال كون الإجماع تعبدياً في المسألة أحد أمرين :
أحدهما : استصحاب كونه واجب الدّفن قبل أن ينفصل عن الميِّت.
وفيه : مضافاً إلى أنه من الاستصحاب الجاري في الشبهة الحكمية وقد بينّا مراراً (4)عدم جريانه في الأحكام ، أن الاستصحاب غير جارٍ في المقام ، لأن كونه واجب الدّفن قبل الانفصال إنما هو من جهة وجوب دفن الميِّت بما له من التوابع ، وكون الشعر ونحوه من توابعه ، فاذا انفصل فلا يعد تابعاً للميت ، فلا يجري فيه الاستصحاب بل يتوقف الحكم بوجوب الدّفن فيه على دليل.
وثانيهما : مرسلة ابن أبي عمير عن أبي عبد اللّه عليهالسلام : « وقال : لا يمس من الميِّت شعر ولا ظفر ، وإن سقط منه شيء فاجعله في كفنه » (5)وهي ضعيفة بإرسالها.
ودعوى : أن ابن أبي عمير لا يرسل إلاّ عن ثقة ، مندفعة بما تقدم مراراً من أنّا علمنا أن ابن أبي عمير قد روى عن الضعيف في موارد ، على أن هذه الدعوى اجتهاد من الشيخ قدسسره حيث ذكر أنه علم من حال صفوان وابن أبي عمير أنهما لا يرويان ولا يرسلان إلاّ عن ثقة (6)، وهذا اجتهاد منه ( قدس اللّه نفسه ) وقد علم هو
[1006] مسألة 14 : إذا مات شخص في البئر ولم يمكن إخراجه يجب أن يسد ويجعل قبراً له (1).
[1007] مسألة 15 : إذا مات الجنين في بطن الحامل وخيف عليها من بقائه وجب التوصّل إلى إخراجه بالأرفق فالأرفق (2) ولو بتقطيعه قطعة قطعة ، ويجب أن يكون المباشر النساء أو زوجها ، ومع عدمهما فالمحارم من الرجال ، فان تعذر فالأجانب حفظاً لنفسها المحترمة.
بذلك باجتهاده لا أنهما أخبرا بذلك.
ونظيرها موثقة عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه عليهالسلام وفيها : « لا يمس منه شيء اغسله وادفنه » (1)وهي أيضاً غير قابلة للاستدلال بها على هذا المدعى ، لأنه مبني على أن يكون الضمير في قوله عليهالسلام : « اغسله وادفنه » راجعاً إلى الظفر أو الشعر ، وهو ممنوع ، لأنه راجع إلى الميِّت وأن الواجب دفنه وغسله لا قص ظفره وشعره.
(1) لأنه أمر ميسور ، وأما مقدّماته من التغسيل والتحنيط والتكفين فتسقط للتعذّر ومعه لا بدّ من الصلاة على قبره.
(2) هذه المسألة على طبق القاعدة ، لأن المرأة واجبة الحفظ لوجوب حفظ النفس المحترمة فلا مناص من إخراج الولد من بطنها ، ولا يحتاج في ذلك إلى النص.
نعم إن الذي يتصدّى لذلك لا بدّ أن يكون هو الزوج أو النساء أو محارمها ، ولا يجب ذلك على الزّوج وإن كان متمكِّناً من إخراج الولد ، وذلك لجواز مباشرة النساء للتوليد ، وذلك لجريان السيرة على تصدِّي النساء والقوابل لولادة المرأة ونحوها وإن
1) الوسائل 2 : 500 / أبواب غسل الميِّت ب 11 ح 3.
ولو ماتت الحامل وكان الجنين حياً وجب إخراجه ولو بشق بطنها (1)
كان فيه النظر إلى العورة أو لمسها لكنه مستثنى عما دل على حرمتهما.
وعلى تقدير عدم الزوج والنساء فيتصدّى للإخراج محارمها وإن استلزم الإخراج النظر إلى العورة أو لمسها ، وعلى تقدير عدم المحارم يتصدّى له الأجنبي ، كل ذلك لوجوب حفظ النفس المحترمة كما مرّ.
وقد يستدلّ على ذلك برواية وهب بن وهب حيث ورد فيها : « في المرأة يموت في بطنها الولد فيتخوّف عليها؟ قال : لا بأس بأن يدخل الرجل يده فيقطعه ويخرجه » (1)بل قد يؤخذ بإطلاق الرجل في الرواية ويستدلّ به على جواز مباشرة الأجنبي للإخراج ولو مع التمكّن من الزوج أو النساء أو المحارم.
وفيه : أن الرواية ضعيفة السند بوهب بن وهب ، وهو الذي عبّر عنه بأكذب أهل البرية. على أنها ليست بصدد البيان من حيث تصدِّي الرجال الأجانب للإخراج ، وإنما تعرّضت للرجل لأنه المتمكِّن من إخراج الولد قطعة قطعة على الأغلب.
(1) هذه المسألة كسابقتها على طبق القاعدة ، وذلك لوجوب حفظ النفس المحترمة عن التلف ، ولا يحتاج فيها أيضاً إلى النص ، ومع ذلك قد وردت فيها جملة من الروايات :
منها : مرسلة ابن أبي عمير عن بعض أصحابه عن أبي عبد اللّه عليهالسلام : « في المرأة تموت ويتحرّك الولد في بطنها أيشق بطنها ويخرج الولد؟ قال فقال : نعم ، ويخاط بطنها » (2).
فيشق جنبها الأيسر (1)(1) ويخرج الطفل ثم يخاط (2) وتدفن
ومنها : ما عن علي بن يقطين قال : « سألت العبد الصالح عليهالسلام عن المرأة تموت وولدها في بطنها؟ قال : شق ( يشق ) بطنها ويخرج ولدها » (2).
ومنها : رواية وهب بن وهب المتقدمة حيث ورد في صدرها : « إذا ماتت المرأة وفي بطنها ولد يتحرّك يشق بطنها ويخرج الولد » وغير ذلك من الروايات التي أوردها في الوسائل (3).
(1) الأخبار الآمرة بالشق مطلقة ولا مقيد للشق بالجانب الأيسر ، ولا دليل عليه سوى الفقه الرضوي حيث صرح به فيه (4)، إلاّ أنه لم يثبت كونه رواية فضلاً عن اعتبارها.
وكون الولد في الجانب الأيسر بحسب القواعد الطبّية لو صح ذلك أمر تكويني لا ربط له بالحكم الشرعي ، فلا مانع من شق جنبها الأيمن مثلاً حسب إطلاق الروايات وإن كان الشق من الجانب الأيسر أحوط.
(2) لم يرد الأمر بالخياطة إلاّ في مرسلة ابن أبي عمير المتقدّمة ، وهي لإرسالها غير قابلة للاعتماد عليها ، نعم يمكن القول بوجوبه لأنه مقدّمة لتغسيل المرأة ، إذ مع شق بطنها لا يمكن تغسيلها.
وعليه لو فرضنا عدم وجوب التغسيل في حقها لفقدان الماء مثلاً أو لغير ذلك من الوجوه لا تجب خياطة موضع الشق وإن كانت الخياطة أحوط.
ولا فرق في ذلك بين رجاء حياة الطفل بعد الإخراج وعدمه (1) ، ولو خيف مع حياتهما على كل منهما انتظر حتى يقضي (2).
(1) نسب الاشتراط بصورة رجاء الحياة في الطفل بعد إخراجه إلى أبي حنيفة (1). ولكن الصحيح عدم الاشتراط ، لإطلاق الروايات ولأن حفظ النفس المحترمة واجب على نحو الإطلاق بلا فرق بين قصر حياته وطولها ، فان كل حي تنقضي حياته ، غاية الأمر تكون حياة بعضهم أطول من حياة الآخر.
(2) بأن علم أن كليهما لا يبقيان على قيد الحياة بل يموت أحدهما لا محالة إلاّ أنه لو أُخرج الولد خيف عليه من الموت ولو لم يخرج الولد خيف على امه ، فلا يمكن ترجيح إحدى النفسين المحترمتين على الأُخرى فلا بدّ من انتظار أمر اللّه سبحانه ، فاذا مات أحدهما وجب التحفظ على الآخر. هذا بالإضافة إلى الثالث الذي يريد إخراج الولد.
وأما الام فهل يجوز لها أن تقتل ولدها في بطنها تحفظاً على حياتها أو لا يجوز؟
التحقيق أن المقام يدخل تحت كبرى التزاحم ، لوجوب حفظ النفس المحترمة على الام ، فيجب عليها أن تتحفظ على نفسها كما يجب عليها أن تحفظ ولدها ، وحيث لا تتمكّن الام من امتثال كلا الأمرين فيدخل بذلك تحت كبرى المتزاحمين ، وبما أن التحفّظ على ولدها وصبرها لموتها أمر عسري حرجي في حقها فيرتفع الأمر بالتحفّظ على حياة ولدها ، وبذلك لا يبعد أن يقال بجواز قتلها ولدها تحفّظاً على حياتها ، غاية الأمر أن امتثال هذا الواجب يتوقف على مقدّمة محرمة وهي قتلها لولدها ، فالمقام من التزاحم بين وجوب ذيها وحرمة المقدّمة فيتقدّم الوجوب في ذي المقدّمة على الحرمة في المقدّمة كما هو الحال في جملة من المقامات. وهذه المسألة لم أر مَن تعرّض لها في الرسائل العملية فضلاً عن الكتب الاستدلالية.
1) المغني 2 : 414.
تقدّم أنه لو خيف مع حياتهما على كل منهما انتظر حتى يقضى ، وذلك لأن تركه ترجيح لأحدهما على الآخر مع حرمة كل منهما لكونهما مسلمين أو مؤمنين ، فلا يجوز لثالث أن يتحفظ على أحدهما بإتلاف الآخر.
لأن المقدّمة إذا كانت محرمة لم يمكن تقديم الوجوب في ذي المقدّمة على الحرمة في المقدّمة فإنّ حفظ النفس الواجب في أحدهما يتوقف على المقدّمة المحرمة وهي إتلاف الآخر ، وهذا ليس بجائز إلاّ فيما إذا كان الوجوب في ذي المقدّمة من الأهمية بمرتبة أزال الحرمة عن المقدّمة الحرام ، كما هو كذلك في توقف إنقاذ النفس المحترمة على التصرّف في أرض الغير من دون إذنه.
وأما في أمثال المقام ممّا لم تثبت الأهمية في ذي المقدّمة لتساوي الحكمين أو عدم كون الوجوب أهم ، كما إذا توقّف حفظ المال المحترم على إتلاف مال محترم آخر فلا مرخص في ارتكاب المقدّمة المحرمة لأجل امتثال الأمر بذي المقدّمة ، بل لا بدّ من انتظار قضاء اللّه سبحانه وأن الام تموت حتى يتحفّظ على الولد بإخراجه من بطنها أو أن الولد يموت حتى يتحفّظ على الأُم بإخراجه كما تقدّم ، هذا كله بالإضافة إلى الثالث.
وأمّا وظيفة الأُم في نفسها وأنه هل يجوز لها أن تقتل ولدها تحفظاً على حياتها أو لا يجوز لها ذلك؟ الظاهر أنه لا مانع للُام من التحفظ على حياتها بأن تقتل ولدها والسر في ذلك ما ذكرناه في محلِّه من أن الضرر إذا توجّه إلى أحد شخصين لا يجب على أحدهما تحمّل الضّرر حتى لا يتضرّر الآخر (1)، لأن التحمّل عسر وحرج فلا يكون مأموراً به ، وفي المقام لا يجب على الام أن تتحمّل الضرر بأن تصبر حتى تموت تحفّظاً على حياة ولدها ، لأنه عسر فلا يجب ذلك على الام ، ولعلّه من فروع قاعدة دفع المفسدة أولى من جلب المصلحة ، فلا بأس في أن تتحفّظ الام على حياتها ولو بقتل ولدها ، هذا كلّه في الاستدراك.
1) لاحظ مصباح الأُصول 2 : 563.
وهي أُمور :
الأوّل : أن يكون عمق القبر إلى الترقوة أو إلى قامة ، ويحتمل كراهة الأزيد.
الثاني : أن يجعل له لَحد مما يلي القبلة في الأرض الصلبة بأن يحفر بقدر بدن الميِّت في الطول والعرض وبمقدار ما يمكن جلوس الميِّت فيه في العمق ، ويشق في الأرض الرخوة وسط القبر شبه النهر فيوضع فيه الميِّت ويسقف عليه.
الثالث : أن يدفن في المقبرة القريبة على ما ذكره بعض العلماء إلاّ أن يكون في البعيدة مزيّة بأن كانت مقبرة للصلحاء أو كان الزائرون هناك أزيد.
الرابع : أن توضع الجنازة دون القبر بذراعين أو ثلاثة أو أزيد من ذلك ، ثم ينقل قليلاً ويوضع ثم ينقل قليلاً ويوضع ثم ينقل في الثالثة مترسلاً ليأخذ الميِّت أهبته ، بل يكره أن يدخل في القبر دفعة فان للقبر أهوالاً عظيمة.
الخامس : إن كان الميِّت رجلاً يوضع في الدفعة الأخيرة بحيث يكون رأسه عند ما يلي رجلي الميِّت في القبر ثم يدخل في القبر طولاً من طرف رأسه أي يدخل رأسه أولاً ، وإن كان امرأة توضع في طرف القبلة ثم تدخل عرضا.
السادس : أن يغطى القبر بثوب عند إدخال المرأة.
السابع : أن يسلّ من نعشه سلاًّ فيرسل إلى القبر برفق.
الثامن : الدعاء عند السل من النعش بأن يقول : « بسم اللّه وباللّه وعلى ملة رسول اللّه صلىاللّهعليهوآلهوسلم اللّهمّ إلى رحمتك لا إلى عذابك ، اللّهمّ افسح له في قبره ، ولقّنه حجته ، وثبّته بالقول الثابت ، وقنا وإياه عذاب القبر »
وعند معاينة القبر : « اللّهمّ اجعله روضة من رياض الجنة ، ولا تجعله حفرة من حفر النار » وعند الوضع في القبر يقول : « اللّهمّ عبدك وابن عبدك وابن أمتك نزل بك وأنت خير منزول به » وبعد الوضع فيه يقول : « اللّهمّ جاف الأرض عن جنبيه ، وصاعد عمله ، ولقّه منك رضواناً » وعند وضعه في اللَّحد يقول :
« بسم اللّه وباللّه وعلى ملّة رسول اللّه صلىاللّهعليهوآلهوسلم » ثم يقرأ فاتحة الكتاب وآية الكرسي والمعوذتين وقل هو اللّه أحد ويقول : « أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم » وما دام مشتغلاً بالتشريج يقول : « اللّهمّ صِل وحدته ، وآنس وحشته ، وآمن روعته ، وأسكنه من رحمتك رحمة تغنيه بها عن رحمة من سواك فإنما رحمتك للظالمين » وعند الخروج من القبر يقول : « ( إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ ) اللّهمّ ارفع درجته في عليين ، واخلف على عقبه في الغابرين ، وعندك نحتسبه يا ربّ العالمين » وعند إهالة التراب عليه يقول : « ( إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ ) ، اللّهمّ جاف الأرض عن جنبيه ، واصعد إليك بروحه ، ولقّه منك رضواناً ، وأسكن قبره من رحمتك ما تغنيه به عن رحمة من سواك » وأيضاً يقول : « إيماناً بك وتصديقاً ببعثك ، ( هذا ما وَعَدَنَا اللّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللّهُ وَرَسُولُهُ ) ، اللّهمّ زدنا إيماناً وتسليماً ».
التاسع : أن تحلّ عقد الكفن بعد الوضع في القبر ، ويبدأ من طرف الرأس.
العاشر : أن يحسر عن وجهه ويجعل خده على الأرض ويعمل له وسادة من تراب.
الحادي عشر : أن يسند ظهره بلبنة أو مدرة لئلاّ يستلقي على قفاه.
الثاني عشر : جعل مقدار لبنة من تربة الحسين عليهالسلام تلقاء وجهه بحيث لا تصل إليها النجاسة بعد الانفجار.
الثالث عشر : تلقينه بعد الوضع في اللحد قبل الستر باللبن ، بأن يضرب بيده
على منكبه الأيمن ويضع يده اليسرى على منكبه الأيسر بقوة ويدني فمه من اذنه ويحركه تحريكاً شديداً ثم يقول : « يا فلان بن فلان اسمع افهم » ثلاث مرات : « اللّه ربك ، ومحمّد نبيك ، والإسلام دينك ، والقرآن كتابك ، وعليّ إمامك ، والحسن إمامك ... إلى آخر الأئمة عليهمالسلام أفهمت يا فلان » ، ويعيد عليه هذا التلقين ثلاث مرات ثم يقول : « ثبتك اللّه بالقول الثابت ، هداك اللّه إلى صراط مستقيم ، عرّف اللّه بينك وبين أوليائك في مستقر من رحمته ، اللّهمّ جاف الأرض عن جنبيه واصعد بروحه إليك ولقّه منك برهاناً ، اللّهمّ عفوك عفوك ».
وأجمع كلمة في التلقين أن يقول : « اسمع افهم يا فلان بن فلان » ثلاث مرّات ذاكراً اسمه واسم أبيه ، ثم يقول : « هل أنت على العهد الذي فارقتنا عليه من شهادة أن لا إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له ، وأن محمّداً صلىاللّهعليهوآله عبده ورسوله وسيد النبيين وخاتم المرسلين ، وأن علياً أمير المؤمنين وسيد الوصيين وإمام افترض اللّه طاعته على العالمين ، وأن الحسن والحسين وعليّ بن الحسين ومحمّد بن عليّ وجعفر بن محمّد وموسى بن جعفر وعليّ بن موسى ومحمّد بن عليّ وعليّ بن محمّد والحسن بن عليّ والقائم الحجة المهدي ( صلوات اللّه عليهم ) أئمة المؤمنين وحجج اللّه على الخلق أجمعين ، وأئمتك أئمة هدى بك أبرار. يا فلان بن فلان إذا أتاك الملكان المقربان رسولين من عند اللّه تبارك وتعالى وسألاك عن ربك وعن نبيك وعن دينك وعن كتابك وعن قبلتك وعن أئمتك فلا تخف ولا تحزن وقل في جوابهما : اللّه ربِّي ، ومحمّد صلىاللّهعليهوآله نبيِّي ، والإسلام ديني ، والقرآن كتابي ، والكعبة قبلتي ، وأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب إمامي والحسن بن عليّ المجتبى إمامي ، والحسين بن عليّ الشهيد بكربلاء إمامي ، وعليّ زين العابدين إمامي ، ومحمّد الباقر إمامي ، وجعفر الصادق إمامي ، وموسى الكاظم إمامي ، وعليّ الرضا إمامي ، ومحمّد الجواد إمامي ، وعليّ الهادي إمامي
والحسن العسكري إمامي ، والحجة المنتظر إمامي ، هؤلاء صلوات اللّه عليهم أجمعين أئمتي وسادتي وقادتي وشفعائي ، بهم أتولى ومن أعدائهم أتبرأ في الدنيا والآخرة. ثم اعلم يا فلان بن فلان أن اللّه تبارك وتعالى نعم الرب ، وأن محمّداً صلىاللّهعليهوآله نعم الرسول ، وأن عليّ بن أبي طالب وأولاده المعصومين الأئمة الاثني عشر نعم الأئمة ، وأن ما جاء به محمّد صلىاللّهعليهوآله حق ، وأن الموت حق ، وسؤال منكر ونكير في القبر حق ، والبعث حق ، والنشور حق والصراط حق ، والميزان حق ، وتطاير الكتب حق ، وأن الجنة حق ، والنار حق وأن الساعة آتية لا ريب فيها ، وأن اللّه يبعث من في القبور » ثم يقول : « أفهمت يا فلان » ، وفي الحديث أنه يقول : فهمت. ثم يقول : « ثبّتك اللّه بالقول الثابت وهداك اللّه إلى صراط مستقيم ، عرّف اللّه بينك وبين أوليائك في مستقر من رحمته » ، ثم يقول : « اللّهمّ جاف الأرض عن جنبيه ، واصعد بروحه إليك ، ولقّه منك برهاناً ، اللّهمّ عفوك عفوك » ، والأولى أن يلقّن بما ذكر من العربي وبلسان الميِّت أيضاً إن كان غير عربي.
الرابع عشر : أن يسدّ اللّحد باللبن لحفظ الميِّت من وقوع التراب عليه والأولى الابتداء من طرف رأسه ، وإن أحكمت اللبن بالطين كان أحسن.
الخامس عشر : أن يخرج المباشر من طرف الرجلين ، فإنه باب القبر.
السادس عشر : أن يكون من يضعه في القبر على طهارة مكشوف الرأس نازعاً عمامته ورداءه ونعليه بل وخفّيه إلاّ لضرورة.
السابع عشر : أن يهيل غير ذي الرحم ممن حضر التراب عليه بظهر الكف قائلاً : « إنّا لله وإنّا إليه راجعون » على ما مر.
الثامن عشر : أن يكون المباشر لوضع المرأة في القبر محارمها أو زوجها ومع عدمهم فأرحامها ، وإلاّ فالأجانب ، ولا يبعد أن يكون الأولى بالنسبة إلى الرجلِ
الأجانبَ.
التاسع عشر : رفع القبر عن الأرض بمقدار أربع أصابع مضمومة أو مفرجة.
العشرون : تربيع القبر بمعنى كونه ذا أربع زوايا قائمة ، وتسطيحه ، ويكره تسنيمه بل تركه أحوط.
الحادي والعشرون : أن يجعل على القبر علامة.
الثاني والعشرون : أن يرشّ عليه الماء ، والأولى أن يستقبل القبلة ويبتدئ بالرش من عند الرأس إلى الرجل ثم يدور به على القبر حتى يرجع إلى الرأس ثم يرشّ على الوسط ما يفضل من الماء. ولا يبعد استحباب الرشّ إلى أربعين يوماً أو أربعين شهراً.
الثالث والعشرون : أن يضع الحاضرون بعد الرشّ أصابعهم مفرجات على القبر بحيث يبقى أثرها ، والأولى أن يكون مستقبل القبلة ومن طرف رأس الميِّت واستحباب الوضع المذكور آكد بالنسبة إلى من لم يصلّ على الميِّت ، وإذا كان الميِّت هاشمياً فالأولى أن يكون الوضع على وجه يكون أثر الأصابع أزيد بأن يزيد في غمز اليد ، ويستحب أن يقول حين الوضع : « بسم اللّه ختمتك من الشيطان أن يدخلك » وأيضاً يستحب أن يقرأ مستقبلاً للقبلة سبع مرات إنّا أنزلناه ، وأن يستغفر له ويقول : « اللّهمّ جاف الأرض عن جنبيه ، واصعد إليك روحه ، ولقّه منك رضواناً ، وأسكن قبره من رحمتك ما تغنيه به عن رحمة من سواك » أو يقول : « اللّهمّ ارحم غربته ، وصِل وحدته ، وآنس وحشته ، وآمن روعته ، وأفض عليه من رحمتك ، وأسكن إليه من برد عفوك وسعة غفرانك ورحمتك ما يستغني بها عن رحمة من سواك ، واحشره مع من كان يتولاّه » ، ولا تختص هذه الكيفية بهذه الحالة ، بل يستحب عند زيارة كل مؤمن قراءة إنّا أنزلناه سبع مرات وطلب المغفرة وقراءة الدعاء المذكور.
الرابع والعشرون : أن يلقنه الولي أو من يأذن له تلقيناً آخر بعد تمام الدّفن ورجوع الحاضرين بصوت عال بنحو ما ذكر ، فان هذا التلقين يوجب عدم سؤال النكيرين منه ، فالتلقين يستحب في ثلاثة مواضع : حال الاحتضار وبعد الوضع في القبر وبعد الدّفن ورجوع الحاضرين ، وبعضهم ذكر استحبابه بعد التكفين أيضاً. ويستحب الاستقبال حال التلقين ، وينبغي في التلقين بعد الدّفن وضع الفم عند الرأس وقبض القبر بالكفين.
الخامس والعشرون : أن يكتب اسم الميِّت على القبر أو على لوح أو حجر وينصب عند رأسه.
السادس والعشرون : أن يجعل في فمه فصّ عقيق مكتوب عليه : « لا إله إلاّ اللّه ربي ، محمّد نبيّي ، عليّ والحسن والحسين إلى آخر الأئمة أئمتي ».
السابع والعشرون : أن يوضع على قبره شيء من الحصى على ما ذكره بعضهم والأولى كونها حمرا.
الثامن والعشرون : تعزية المصاب وتسليته قبل الدّفن وبعده ، والثاني أفضل والمرجع فيها إلى العرف ، ويكفي في ثوابها رؤية المصاب إياه ، ولا حدّ لزمانها ولو أدّت إلى تجديد حزن قد نسي كان تركها أولى. ويجوز الجلوس للتعزية ولا حد له أيضاً ، وحدّه بعضهم بيومين أو ثلاثة ، وبعضهم على أن الأزيد من يوم مكروه ، ولكن إن كان الجلوس بقصد قراءة القرآن والدعاء لا يبعد رجحانه.
التاسع والعشرون : إرسال الطعام إلى أهل الميِّت ثلاثة أيام ، ويكره الأكل عندهم ، وفي خبر : أنه عمل أهل الجاهلية.
الثلاثون : شهادة أربعين أو خمسين من المؤمنين للميت بخير بأن يقولوا : « اللّهمّ إنّا لا نعلم منه إلاّ خيراً وأنت أعلم به منّا ».
الواحد والثلاثون : البكاء على المؤمن.
الثاني والثلاثون : أن يسلّي صاحب المصيبة نفسه بتذكر موت النبي صلىاللّهعليهوآلهوسلم فإنه أعظم المصائب.
الثالث والثلاثون : الصبر على المصيبة والاحتساب والتأسي بالأنبياء والأوصياء والصلحاء خصوصاً في موت الأولاد.
الرابع والثلاثون : قول ( إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ ) كلما تذكر.
الخامس والثلاثون : زيارة قبور المؤمنين والسلام عليهم ، يقول : « السلام عليكم يا أهل الديار ... إلخ » وقراءة القرآن وطلب الرحمة والمغفرة لهم ، ويتأكد في يوم الاثنين والخميس خصوصاً عصره وصبيحة السبت للرجال والنساء بشرط عدم الجزع والصبر.
ويستحب أن يقول : « السلام على أهل الديار من المؤمنين ، رحم اللّه المتقدمين منكم والمتأخرين ، وإنّا إن شاء اللّه بكم لاحقون ».
ويستحب للزائر أن يضع يده على القبر وأن يكون مستقبلاً وأن يقرأ « إنّا أنزلناه » سبع مرات.
ويستحب أيضاً قراءة الحمد والمعوذتين وآية الكرسي كل منها ثلاث مرات والأولى أن يكون جالساً مستقبل القبلة ويجوز قائماً.
ويستحب أيضاً قراءة « يس » ويستحب أيضاً أن يقول : « بسم اللّه الرّحمن الرّحيم السّلام على أهل لا إله إلاّ اللّه ، من أهل لا إله إلاّ اللّه ، يا أهل لا إله إلاّ اللّه ، كيف وجدتم قول لا إله إلاّ اللّه من لا إله إلاّ اللّه ، يا لا إله إلاّ اللّه بحق لا إله إلاّ اللّه اغفر لمن قال لا إله إلاّ اللّه ، واحشرنا في زمرة من قال لا إله إلاّ اللّه ، محمّد رسول اللّه عليّ وليّ اللّه ».
السادس والثلاثون : طلب الحاجة عند قبر الوالدين.
السابع والثلاثون : إحكام بناء القبر.
الثامن والثلاثون : دفن الأقارب متقاربين.
التاسع والثلاثون : التحميد والاسترجاع وسؤال الخلف عند موت الولد.
الأربعون : صلاة الهدية ليلة الدّفن وهي على رواية ركعتان يقرأ في الأُولى الحمد وآية الكرسي وفي الثانية الحمد والقدر عشر مرات ، ويقول بعد الصلاة : « اللّهمّ صلِّ على محمّد وآل محمّد ، وابعث ثوابها إلى قبر فلان ».
وفي رواية أُخرى في الركعة الأُولى الحمد وقل هو اللّه أحد مرتين وفي الثانية الحمد والتكاثر عشر مرات ، وإن أتى بالكيفيتين كان أولى.
وتكفي صلاة واحدة من شخص واحد ، وإتيان أربعين أولى لكن لا بقصد الورود والخصوصية ، كما أنه يجوز التعدد من شخص واحد بقصد إهداء الثواب والأحوط قراءة آية الكرسي إلى ( هُمْ فِيها خالِدُونَ ) .
والظاهر أن وقته تمام الليل وإن كان الأولى أوله بعد العشاء ولو أتى بغير الكيفية المذكورة سهواً أعاد ولو كان بترك آية من إنّا أنزلناه وآية من آية الكرسي ، ولو نسي من أخذ الأجرة عليها فتركها أو ترك شيئاً منها وجب عليه ردها إلى صاحبها ، وإن لم يعرفه تصدق بها عن صاحبها ، وإن علم برضاه أتى بالصلاة في وقت آخر وأهدى ثوابها إلى الميِّت لا بقصد الورود.
[1008] مسألة 1 : إذا نقل الميِّت إلى مكان آخر كالعتبات أو أخِّر الدّفن إلى مدّة فصلاة ليلة الدّفن تؤخر إلى ليلة الدّفن.
[1009] مسألة 2 : لا فرق في استحباب التعزية لأهل المصيبة بين الرجال والنساء حتى الشابات منهن متحرزاً عما تكون به الفتنة ، ولا بأس بتعزية أهل الذمّة مع الاحتراز عن الدعاء لهم بالأجر إلاّ مع مصلحة تقتضي ذلك.
[1010] مسألة 3 : يستحب الوصية بمال لطعام مأتمه بعد موته.
وهي أيضاً أُمور :
الأوّل : دفن ميتين في قبر واحد بل قيل بحرمته مطلقاً ، وقيل بحرمته مع كون أحدهما امرأة أجنبية ، والأقوى الجواز مطلقاً مع الكراهة ، نعم الأحوط الترك إلاّ لضرورة ، ومعها الأولى جعل حائل بينهما ، وكذا يكره حمل جنازة الرجل والمرأة على سرير واحد ، والأحوط تركه أيضاً (1).
الثاني : فرش القبر بالساج ونحوه من الآجر والحجر إلاّ إذا كانت الأرض ندية ، وأما فرش ظهر القبر بالآجر ونحوه فلا بأس به ، كما أن فرشه بمثل حصير وقطيفة لا بأس به وإن قيل بكراهته أيضا.
الثالث : نزول الأب في قبر ولده خوفاً من جزعه وفوات أجره ، بل إذا خيف من ذلك في سائر الأرحام أيضاً يكون مكروهاً ، بل قد يقال بكراهة نزول الأرحام مطلقاً إلاّ الزوج في قبر زوجته والمحرم في قبر محارمه.
الرابع : أن يهيل ذو الرحم على رحمه التراب ، فإنه يورث قساوة القلب.
الخامس : سدّ القبر بتراب غير ترابه ، وكذا تطيينه بغير ترابه ، فإنه ثقل على الميِّت.
فصل في مكروهات الدّفن
(1) تقدّم الكلام في ذلك في المسألة الثانية عشرة من مسائل الدّفن مفصّلاً فلاحظ.
السادس : تجصيصه أو تطيينه لغير ضرورة وإمكان الإحكام المندوب بدونه والقدر المتيقن من الكراهة إنما هو بالنسبة إلى باطن القبر لا ظاهره وإن قيل بالإطلاق.
السابع : تجديد القبر بعد اندراسه إلاّ قبور الأنبياء والأوصياء والصلحاء والعلماء.
الثامن : تسنيمه ، بل الأحوط تركه (1).
(1) لا إشكال في أن تربيع القبر وتسطيحه مستحب في الشريعة المقدسة ، لورود الأمر به في جملة من الروايات (1)، كما أن تسنيم القبر مكروه لأنه شعار أهل الخلاف.
وقد وقع الكلام في حرمته ، واستدل عليها بالنهي عن التسنيم في الفقه الرضوي (2)إلاّ أنه لا يمكن الاعتماد عليه كما تقدم غير مرة.
وبرواية أبي الجارود عن الأصبغ بن نباتة قال « قال أمير المؤمنين عليهالسلام : من حدّد قبراً ... » (3)بناء على أن النسخة الصحيحة « حدد » أي جعل القبر محدداً وعلى وجه التسنيم.
لكن تقدّم (4)أن سند الرواية ضعيف ، لورود الذم في أبي الجارود فقد ورد أنه كذاب وأنه كافر ، كما أن متنها لم يثبت لتردده بين احتمالات ونسخ متعدِّدة.
واستدل عليها بالأخبار الآمرة بتربيع القبر ، لأنه إذا وجب حرم خلافه وهو التسنيم :
التاسع : البناء عليه عدا قبور من ذكر ، والظاهر عدم كراهة الدّفن تحت البناء والسقف.
منها : رواية السكوني عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال « قال أمير المؤمنين عليهالسلام : بعثني رسول اللّه صلىاللّهعليهوآلهوسلم إلى المدينة فقال : لا تدع صورة إلاّ محوتها ولا قبراً إلاّ سويته ولا كلباً إلاّ قتلته » (1)أي جعلت القبر على غير صورة التسنيم والتحديد. لكن الرواية ضعيفة لأن في سندها النوفلي عن السكوني (2)فلا يمكن الاستدلال بها على الحرمة ، بل غاية الأمر أن يستدل بها على الكراهة بناء على التسامح في أدلّة السنن.
ومنها : رواية جابر بن يزيد عن أبي جعفر عليهالسلام قال : « ما على أحدكم إذا دفن ميته وسوى عليه وانصرف عن قبره أن يتخلف عند قبره ثم يقول ... » (3)أي لماذا لا يتخلف أحد أرحام الميِّت عند قبره ليلقنه الشهادتين ، حيث جعلت تسوية القبر مفروغاً عنها عند الأمر بالتخلف عند قبر الميِّت.
وفيه : أن الرواية ضعيفة السند بعمرو بن شمر وغيره.
كما أن دلالتها على المدعى قاصرة ، لأن المراد بالتسوية فيها هو إتمام الدّفن والقبر لا التسوية في مقابل التسنيم ، بل التسوية بهذا المعنى تستعمل اليوم أيضاً فتقول للطعام المطبوخ إنه مستوي أي تام الطبخ.
ومنها : صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليهالسلام في حديث : قال : « وإذا حثي عليه التراب وسوى قبره فضع كفك على قبره ... » (4)، وهي وإن كانت معتبرة سنداً إلاّ أنها قاصرة الدلالة على المدعى ، لأن التسوية بمعنى الإتمام لا بمعنى التربيع ، لعدم مناسبته مع حث التراب عليه.
العاشر : اتخاذ المقبرة مسجداً إلاّ مقبرة الأنبياء والأئمة عليهمالسلام والعلماء.
الحادي عشر : المقام على القبور إلاّ الأنبياء عليهمالسلام والأئمة عليهمالسلام.
الثاني عشر : الجلوس على القبر.
الثالث عشر : البول والغائط في المقابر.
الرابع عشر : الضحك في المقابر.
الخامس عشر : الدّفن في الدور.
السادس عشر : تنجيس القبور وتكثيفها بما يوجب هتك حرمة الميِّت.
السابع عشر : المشي على القبر من غير ضرورة.
الثامن عشر : الاتّكاء على القبر.
التاسع عشر : إنزال الميِّت في القبر بغتة من غير أن توضع الجنازة قريباً منه
ومنها : رواية محمد بن مسلم قال : « سألت أحدهما عليهماالسلام عن الميِّت فقال : تسله من قبل الرجلين وتلزق القبر بالأرض إلاّ قدر أربع أصابع مفرجات تربع قبره » (1).
وهي ضعيفة السند بسهل بن زياد على طريق الكليني (2)، على أن متنها ليس ثابتاً إذ نقلت الرواية « وترفع قبره » بدلاً عن « تربع قبره » ، إلى غير ذلك من الروايات (3). والمتحصل : أن التسنيم لا دليل على حرمته وإن كان الأحوط تركه كما في المتن.
ثم ترفع وتوضع في دفعات كما مر.
العشرون : رفع القبر عن الأرض أزيد من أربع أصابع مفرجات.
الحادي والعشرون : نقل الميِّت من بلد موته إلى بلد آخر (1) إلاّ إلى المشاهد المشرّفة والأماكن المقدّسة والمواضع المحترمة كالنقل من عرفات إلى مكة والنقل
(1) الكلام في هذه المسألة إنما هو في جواز نقل الميِّت في نفسه مع قطع النظر عما قد يستلزمه من النبش أو فساد الميِّت وتعفنه. والكلام يقع في جهات :
الجهة الاولى : أن نقل الميِّت بما هو نقل إلى الأماكن المتبركة أو غير المتبركة أمر سائغ ، وقد ادعى الإجماع على جوازه على كراهة جماعة كالمحقق (1)والعلاّمة (2)والشهيد (3)والمحقق الكركي (4).
وهذا الإجماع إن تمّ فهو وإلاّ فمقتضى القاعدة جواز النقل من دون كراهة ، وذلك للإطلاقات حيث إن ما دلّ على وجوب الدّفن لم يقيد ببلد الموت ومكانه.
وقد استدلّ على الكراهة بعد الإجماع المتقدِّم برواية الدعائم عن علي عليهالسلام : « أنه رفع إليه أن رجلاً مات بالرستاق فحملوه إلى الكوفة فأنهكهم عقوبة وقال : ادفنوا الأجساد في مصارعها ، ولا تفعلوا فعل اليهود تنقل موتاهم إلى بيت المقدس ... إلخ » (5).
إلى النجف فان الدّفن فيه يدفع عذاب القبر وسؤال الملكين ، وإلى كربلاء والكاظمية وسائر قبور الأئمة بل إلى مقابر العلماء والصّلحاء ، بل لا يبعد استحباب النقل من بعض المشاهد إلى آخر لبعض المرجّحات الشرعية.
وفيه : أن روايات دعائم الإسلام ضعيفة لإرسالها فلا يمكن الاعتماد عليها في الكراهة إلاّ بناء على التسامح في أدلّة السنن والمكروهات.
واستدل بالأخبار الآمرة بالتعجيل في تجهيز الميِّت ودفنه وأنه لو مات أول النهار استحب أن يدفن قبل الزوال لتكون قيلولته في قبره. وقد عقد في الوسائل لذلك باباً نقل فيه عدة روايات (1).
والوجه في الاستدلال بها أن استحباب التعجيل في الدّفن يستلزم كراهة النقل لأن فيه تأخيراً في الدّفن. ولكن الروايات المذكورة بأجمعها ضعيفة السند فلا يثبت بها استحباب التعجيل فضلاً عن كراهة النقل والتأخير.
نعم يمكن الاستدلال على استحباب التعجيل بقوله تعالى ( فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ ) (2)وقوله تعالى ( وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ) (3)حيث دلّتا على استحباب التعجيل والمسارعة في كل ما هو مأمور به شرعاً.
إلاّ أن استحباب التعجيل في الدّفن لا يقتضي كراهة النقل ، فإن التأخير موجب لعدم العمل بالاستحباب لا أنه ارتكاب للمكروه. على أن النقل لا يلازم التأخير ، بل قد يكون الدّفن موجباً لترك المسارعة والتعجيل في الدّفن بخلاف النقل ، كما إذا كان الهواء بارداً غايته أو حارّاً غايته بحيث لا يمكن الحفر إلاّ في مدة طويلة أو لم يكن هناك آلة الحفر موجودة ولكن يمكن النقل إلى بلد ثان بالوسائط المستحدثة السريعة
ودفنه في زمان قريب.
فالمتحصل : أنه لم تثبت كراهة في النقل بوجه فهو أمر سائغ من دون كراهة. وهذا الحكم لا يفرق فيه بين النقل إلى الأماكن القريبة والبعيدة كما هو ظاهر.
الجهة الثانية : النقل إلى الأماكن المتبركة كالمشاهد المشرفة وغيرها من الأماكن التي يتقرّب بالدّفن فيها إلى اللّه سبحانه جائز بل مستحب ، كالنقل إلى بيوت النبيّ صلىاللّهعليهوآلهوسلم كالمعصومة عليهاالسلام وغيرها من قبور الأئمة وبناتهم ، أو النقل إلى قبر عالم من العلماء أو سيد من السادات للتوسّل بهم والاستشفاع بقبورهم ، بل عن المحقق في المعتبر أنه مذهب علمائنا خاصّة ، وعليه عمل الأصحاب من زمن الأئمة عليهمالسلام إلى الآن وهو مشهور بينهم لا يتناكرونه (1).
ولا كراهة فيه بوجه ، لأن المدرك في الكراهة إن كان هو الإجماع المدعى فلا إجماع في النقل إلى الأماكن المتبركة ، وإن كان المدرك هو استحباب المسارعة إلى الخيرات فالنقل إلى المشاهد المشرفة وما بحكمها هي عين المسارعة إلى الخيرات لأنه توسل واستشفاع بهم عليهمالسلام ، نعم لو تمت رواية الدعائم من حيث السند لدلّت على مبغوضية النقل ولو إلى الأماكن المتبركة ، لدلالتها على ذم نقل الموتى إلى بيت المقدس كما عرفت ، إلاّ أنها مرسلة لا يمكن الاعتماد عليها.
ويؤيد ما ذكرناه رواية علي بن سليمان قال : « كتبت إليه أسأله عن الميِّت يموت بعرفات يدفن بعرفات أو ينقل إلى الحرم فأيهما أفضل؟ فكتب : يحمل إلى الحرم ويدفن فهو أفضل » (2).
والمروي عن إرشاد الديلمي وفرحة الغري من قضية اليماني الحامل لجنازة أبيه فقال له علي عليهالسلام : لِمَ لا دفنته في أرضكم؟ قال أوصى بذلك ، فقال له : ادفن
فقام فدفنه في الغري (1)فإنه يدل على التقرير منه عليهالسلام لذلك.
والمتحصل : أن نقل الميِّت إلى المشاهد المشرفة وما بحكمها لا كراهة فيه سواء أوصى الميِّت بذلك أم لم يوص به ، هذا.
وعن الشهيد قدسسره التفصيل بين الشهيد فلا بدّ أن يدفن في مصرعه وبين غيره فلا مانع من نقله إلى غير بلد الموت (2). وهذا التفصيل لم يظهر له مستند في الأخبار ، وهو قدسسره اعتمد في ذلك على رواية الدعائم المتقدمة ، وقد عرفت ضعفها لإرسالها. فلا فرق بين الشهيد وغيره ، فان نقل الميِّت إلى المشاهد المشرفة للتوسّل بهم عليهمالسلام والاستشفاع والتبرك راجح كما تقدّم.
الجهة الثالثة : فيما إذا استلزم نقل الميِّت تغيراً فيه ، وهذا على قسمين وصورتين :
الصورة الاولى : أن يكون التغير مستنداً إلى اختيار المكلف كتقطيع الميِّت.
الصورة الثانية : ما إذا لم يستند التغير إلى اختياره بل تغير الميِّت وأنتن لحرارة الهواء أو طول المدة ونحوهما.
أمّا الصورة الاولى : فلا نعرف من يفتي بجواز النقل المستلزم للتغير الصادر عن الاختيار من الأصحاب سوى الشيخ الكبير حيث نسب إليه القول بجواز النقل وإن استلزم التقطيع وجعل الميِّت إرباً (3). واستدل على ذلك بوجوه :
منها : أصالة الإباحة ، لعدم العلم بحرمة النقل المستلزم لتقطيع الميِّت والأصل إباحته.
ومنها : إطلاقات كلمات الأصحاب حيث ذكروا أن النقل من بلد الموت إلى غيره
والظاهر عدم الفرق في جواز النقل بين كونه قبل الدّفن أو بعده ، ومن قال بحرمة الثاني فمراده ما إذا استلزم النبش ، وإلاّ فلو فرض خروج الميِّت عن قبره بعد دفنه بسبب من سبع أو ظالم أو صبي أو نحو ذلك لا مانع من جواز نقله إلى المشاهد مثلاً
جائز على كراهة ما لم يستلزم التقطيع إلاّ إلى المشاهد المشرفة ، حيث لم يقيدوا ذلك بما إذا لم يستلزم التقطيع الاختياري.
ومنها : إطلاق ما دل على جواز النقل كرواية اليماني المتقدمة ، على أن الميِّت في تلك المدّة [ التي ] ينقل فيها من اليمن إلى الغري يتغير عادة ، فبذلك لا بدّ من الحكم بجواز التقطيع للنقل إلى المشاهد المشرفة.
وهذا مما لا يعد هتكاً للميت بل هو كرامة له ، فإن الإحياء قد تقطع بعض أعضائهم لأجل مصلحة تقتضي التقطيع من دون أن يعد ذلك هتكاً له ، هذا.
ولا يمكن المساعدة على شيء من ذلك. أما قضية الأصل فلأن تقطيع الميِّت في نفسه محرم ، بل فيه الدية ، وفي قطع الرأس دية كاملة ، ومعه كيف يمكن دعوى أن الأصل إباحة التقطيع لدى النقل بل هو أمر محرم.
وأما إطلاق كلمات الأصحاب ففيه : أن استثناء المشاهد المشرفة إنما يرجع إلى إفتائهم بكراهة النقل ، بمعنى أن النقل مكروه إلاّ إذا كان النقل إلى المشاهد المشرفة لا أنه استثناء من حرمة النقل المستلزم للتقطيع الاختياري.
وأما إطلاق أدلة النقل فليس لنا دليل يعتمد عليه في النقل يكون مطلقاً بالإضافة إلى استلزامه التقطيع الاختياري ، وإنما قلنا بجواز النقل لعدم قيام الدليل على حرمته كما تقدم ، ورجحانه في النقل إلى المشاهد من جهة أنه توسل واستشفاع بهم عليهمالسلام. ورواية اليماني ضعيفة كما عرفت.
على أن النقل لو كان له دليل معتمد عليه لم يمكن التمسك بإطلاقه بالإضافة إلى النقل المستلزم للتقطيع الاختياري ، وذلك لأن الدليل إنما ينظر إلى إثبات الجواز أو
ثم لا يبعد جواز النقل إلى المشاهد المشرفة وإن استلزم فساد الميِّت إذا لم يوجب أذية المسلمين ، فان من تمسك بهم فاز ، ومن أتاهم فقد نجا ، ومن لجأ إليهم أمن ومن اعتصم بهم فقد اعتصم باللّه تعالى ، والمتوسل بهم غير خائب صلوات اللّه عليهم أجمعين.
الرجحان للنقل بعنوانه لا من جهة العناوين الأُخرى كاستلزامه التقطيع المحرم ، نظير ما دلّ على استحباب أكل الرمان ، حيث لا يمكن التمسك بإطلاقه لإثبات استحباب أكله وإن كان الرمان مال الغير من دون إذنه ، فإنه يدل على استحباب أكل الرمان بعنوانه الأولي لا بعنوان كونه مغصوباً محرماً.
وأمّا دعوى أن التقطيع للنقل إلى المشاهد المشرفة لا يعد هتكاً بل هو كرامة له فتندفع بأن الهتك أمر عرفي ، ولا ينبغي التردد في أن تقطيع بدن الميِّت يعد عند العرف هتكاً للميت. ولا يقاس ذلك بتقطيع بعض الأعضاء حال الحياة ، والفارق هو النظر العرفي كما بيناه.
فالمتحصل : أن النقل إذا كان مستلزماً للتغير في الميِّت بفعل المكلف واختياره محكوم بحرمته.
وأمّا الصورة الثانية : وهي ما إذا كان النقل يستلزم التغير في الميِّت لكن لا بفعل المكلف بل لحرارة الهواء أو لطول المدة ونحوهما فقد ذكر الماتن قدسسره أن النقل جائز حينئذ ما لم تنتشر رائحته على نحو يوجب أذية المسلمين.
وذهب صاحب الجواهر (1)إلى حرمته واستدلّ عليها بوجوه :
الأوّل : أن ذلك هتك للميِّت وهتك لحرمته وإن لم تنتشر رائحته في الخارج.
ويدفعه : أن إبقاء الميِّت مدّة ينتن في تلك المدّة إنما يعد هتكاً إذا لم يقصد به النقل
1) الجواهر 4 : 348.
إلى مكان يناسبه ، وإلاّ فهو كرامة للميت واحترام له لدى العرف ، فيختلف ذلك باختلاف ما يقصد من النقل عرفاً ، فاذا كان المقصود به هو الدّفن في الأمكنة الشريفة له فلا يعد عرفاً هتكاً بل هو نوع احترام وتجليل له ، ولا سيما إذا لم تظهر رائحته إلى الخارج ، فانّ الميِّت ينتن لا محالة إما تحت الأرض أو فوقها.
الثاني : أن الحكمة في الأمر بدفن الميِّت إنما هي عدم انتشار رائحته خارج القبر فالنقل المستلزم لانتشار رائحته منافٍ للحكمة الداعية إلى الأمر به وهو أمر غير جائز.
والجواب عنه : أن الحكمة في الأمر بالدّفن وإن كانت تلك إلاّ أن الكلام في تلك الحكمة هل هي علة تامة لوجوب الدّفن أو أنها حكمة من الحكم النوعية التي تدعو إلى جعل الوجوب؟
ولا ينبغي توهم كونها العلة التامة لوجوب الدّفن ، وإلاّ لزم الالتزام بعدم وجوب الدّفن فيما إذا أمكن إبقاء الميِّت في الخارج على نحو لا يطرأ عليه النتن والفساد كما في زماننا هذا ، بل في الأزمنة المتقدِّمة أيضاً حيث كانوا يحفظون الميِّت بالدواء من غير أن يفسد أو ينتن ، وكذا فيما إذا كانت الأرض على وجه لا تمنع عن انتشار رائحة الميِّت بدفنه ، مع أنّ الدّفن واجب في كلتا الصورتين من غير نكير.
وهذا يدلنا على أن عدم انتشار الرائحة حكمة نوعية داعية إلى جعل وجوب الدّفن ، وبما أنه مطلق حيث لم يقيد بما إذا انتشرت رائحة الميِّت وتغير أم لم تنتشر ولم يتغير فلا بدّ من الالتزام بوجوب الدّفن في كلتا الصورتين.
الثالث : أن تأخير الدّفن عن الغسل والصلاة والتجهيز إذا كان مستلزماً لطروء الفساد على الميِّت أمر غير جائز ، فإنه لا بدّ حينئذ من تقديم الدّفن من غير غسل ثم يصلّى على قبره ، فاذا لم يجز التأخير المستلزم لطروء الفساد بالإضافة إلى الواجب كالغسل والصلاة فلا يجوز تأخيره بالإضافة إلى الأمر المستحب وهو النقل إلى المشاهد المشرفة بطريق أولى.
والجواب عن ذلك : أن عدم جواز تأخير الدّفن في مفروض المسألة أمر لم يرد في نص ولم يقم عليه إجماع تعبّدي ، وإنما أفتى به جماعة ، نعم لا إشكال في جواز الدّفن قبل التغسيل والصلاة عليه حينئذ وأما حرمة تأخيره فلا ، فاذا لم يعد إبقاؤه وتأخيره المستلزم لطروء الفساد عليه إهانة في حقه كما لا يعد فلا يمكننا الحكم بحرمة النقل.
نعم قد يتوهم أن ما دل على الأمر بالدّفن عام زماني ويدلّ على وجوب الدّفن في كل آنٍ ، ومن ثمة لو خرج الميِّت عن قبره بسبب من الأسباب وجب دفنه ثانياً ، وإنما خرجنا عن عمومه بمقدار التغسيل والصلاة عليه ونحوهما ، وأمّا بالإضافة إلى النقل فلا ، فمقتضى العموم أو الإطلاق الزماني في دليل الدّفن عدم جواز النقل حينئذ.
وفيه : أن هذا الوجه لو تمّ لاستلزم الحكم بوجوب الدّفن وعدم جواز تأخيره حتى فيما نقطع بعدم طروء الفساد على الميِّت لو بقي ساعة أو ساعتين لبرودة الهواء ، كما يستلزم عدم جواز النقل إلى المشاهد المشرفة حتى إذا لم يستلزم طروء الفساد عليه مع أنه ممّا لا يمكن الالتزام به.
وهذا الوجه أيضاً ساقط ، وسره أنّ ما دلّ على وجوب الدّفن كقوله عليهالسلام : « يغسل ويكفن ثم يصلى عليه فيدفن » ليس له إطلاق زماني بوجه ، وإنما يدلّ على وجوب الدّفن كوجوب غيره من الأُمور اللاّزمة في التجهيز.
وعليه فالصحيح ما أفاده الماتن قدسسره من جواز النقل ، بل رجحانه إلى المشاهد المشرفة وإن كان ذلك مستلزماً لطروء الفساد على الميِّت لا باختيار المكلف.
قد يقع الكلام في حرمة النبش وجوازه بما هو نقل وتحويل للميت من قبر إلى قبر كما إذا أخرجه السيل أو الزلزال أو نبش قبره عصياناً ونحو ذلك ، وأُخرى من حيث كون النقل ذا مقدمة محرمة وهي النبش. وفي الحقيقة يقع الكلام في حرمة النبش لنقل الميِّت وعدم حرمته.
الصورة الأُولى : إذا كان النقل والتحويل من قبر إلى قبر آخر أو إلى بلد آخر إهانة للميت وهتكاً له فلا إشكال في حرمة نقله ، لأن حرمة المؤمن ميتاً كحرمته حياً.
وأمّا إذا لم يعد هتكاً له فهو كالنقل قبل الدّفن ، فان قلنا بجوازه كما هو الصحيح فهو أيضاً جائز ، وإن منعنا عنه فهو أيضاً ممنوع ، وحيث ذكرنا أن نقل الموتى أمر جائز بل راجح إذا كان النقل إلى المشاهد المشرفة فلا مناص من الحكم بجوازه أيضاً في المقام إذا كان النقل لمصلحة الميِّت ، بل وكذلك الحال فيما إذا لم يكن فيه مصلحة راجحة وكان النقل وعدمه متساويين ، وإن كان ظاهر كلام ابن الجنيد اختصاص الجواز بما إذا كان النقل مصلحة للميت (1).
ثم إن الظاهر جواز التحويل من دون كراهة وإن ذهب ابن حمزة إلى كراهته (2)وذلك لعدم دلالة الدليل على كراهة النقل بعد النبش ، نعم لو تم ما تقدم من دعوى وجوب الدّفن على نحو العموم الأزماني وأن الخارج عنه هو زمان التغسيل والتكفين والصلاة دون غيره لم يجز النقل إلى قبر آخر أو بلد آخر لاستلزامه البطء والتأخير بخلاف إقباره في قبره الأوّل.
إلاّ أنّا قدمنا أنه لا دليل يدل على وجوب الدّفن بنحو العموم الأزماني ، وإنما الدليل يدل على وجوب الدّفن وحسب ، ونحن أيضاً ندفن الميِّت ثانياً ، ولا تقييد فيه بأن يكون في قبره السابق أو في قبرٍ غيره ، هذا كله في النقل بعد النبش بما هو نقل.
الصورة الثانية : هي النقل المحرم مقدمته وهي النبش ، فان كان النقل بنبشه موجباً لإهانة الميِّت أو لم يكن صلاحاً للميت فلا ينبغي الإشكال في حرمته لحرمة النبش حينئذ.
وأما إذا لم تعد إهانة للميت وكان صلاحاً له كما إذا نبش لكي ينقل إلى الأعتاب المقدّسة والمتبركة فالمشهور بينهم عدم الجواز ، واختاره صاحب الجواهر ( قدس
سره ) (1)بل عن السرائر إنه بدعة وحرام (2)، لكن ذهب جملة من المحققين إلى الجواز كالمحقق والشهيد الثانيين (3)، وهذا هو الأظهر.
وذلك لأن المستند في المنع إن كان هو الإجماع على حرمة النبش إلاّ في صور مستثناة وليس منها المقام فتبقى تحت إطلاق معقد الإجماع كما عن صاحب الجواهر ففيه : أن الإجماع على حرمة النبش ليس إجماعاً تعبدياً ولو في غير المقام ، وإنما هو من أجل كون النبش وكشف الميِّت بعد تغيره ونتن رائحته إهانة له وليس من جهة الإجماع التعبدي ، على أنه لا يمكن دعوى الإجماع في المقام مع ذهاب المحقق والشهيد الثانيين إلى الجواز.
وإن كان المستند أن النبش لأجل النقل توهين للميت وهتك له ، ففيه : أن النبش لأجل النقل إلى المشاهد المشرفة أو المكان المناسب للميت تعظيم له وإكرام له ولا يعد ذلك توهيناً بوجه.
ودعوى أن ذلك بدعة محرمة كما عن السرائر غير مسموعة ، لأن غاية ما هناك عدم وقوع النقل بعد النبش في عصرهم عليهمالسلام لا أنه كان بدعة ، ومتى كان ذلك محرماً ليكون بدعة؟ وأما العموم الأزماني في أدلّة وجوب الدّفن فهو غير ثابت كما تقدّم. فالظاهر أن النبش لأجل النقل إلى الأماكن المتبركة أو المناسبة للميت أمر جائز لا محذور فيه.
ثم إن ذلك لا يفرق فيه بين إيصاء الميِّت به وعدمه ، لأنّا إن قلنا بالجواز لم يكن فرق فيه بين صورتي الوصية وعدمها ، وإن قلنا بالحرمة فالأمر أيضاً كذلك ، لأن الوصية إنما تكون نافذة في الأُمور المباحة ، ضرورة أن الوصية لا تقلب الحرمة إلى الجواز.
[1011] مسألة 1 : يجوز البكاء على الميِّت (1) ولو كان مع الصوت ، بل قد يكون راجحاً كما إذا كان مسكِّناً للحزن وحرقة القلب بشرط أن لا يكون منافياً للرضا بقضاء اللّه ، ولا فرق بين الرّحم وغيره ، بل قد مر استحباب البكاء على المؤمن ، بل يستفاد من بعض الأخبار جواز البكاء على الأليف الضال.
فما ربما يظهر من الماتن قدسسره من اختصاص الجواز بما إذا أوصى الميِّت بذلك وسيأتي في استثنائه الثاني عشر من حرمة النبش مما لا وجه له ، نعم يمكن أن يقال : إن المقتضي لحرمة النبش قاصر في صورة الوصية ، لأن مدركها الإجماع وهو دليل لبِّي يقتصر فيه على المورد المتيقن وهو غير صورة الوصية بالنقل ، وأما مع الوصيّة به فلم ينعقد إجماع على حرمته ، والظاهر أن نظر الماتن قدسسره إلى ذلك.
بقي الكلام فيما إذا أوصى الميِّت بأن لا يدفن مدة ويبقى وديعة وأمانة ويدفن بعد ذلك في الأماكن المتبركة أو غيرها فهل هذه الوصية نافذة أم لا؟
ذهب بعضهم إلى ذلك كشيخنا الأُستاذ قدسسره في تعليقته على المتن ، لكن الظاهر عدم نفوذها لأنها وصية على خلاف ظاهر الأوامر الواردة في الدّفن ، لأن ظاهرها هو وجوب الدّفن المتعارف بعد الغسل والتكفين والصلاة ، فبقاؤه مدة من دون دفن أمر غير جائز ، والوصية لا تقلب الحرمة إلى الجواز ، فالدّفن ثم النبش والنقل أولى وأحوط من الإيصاء بجعله وديعة ونقله بعد ذلك.
(1) والوجه في ذلك أُمور :
الأوّل : الأصل ، فإن كل ما لم يقم دليل على حرمته في الشريعة المقدسة فهو محكوم بالحلية ، ولم يدلّنا دليل على حرمة البكاء على الميِّت.
الثاني : السيرة المستمرة المتصلة بزمان المعصومين عليهمالسلام ولم يردعوا عنها بوجه ، فلو كان البكاء على الميِّت محرماً لانتشرت حرمته ووصلت إلينا متواترة
والخبر الذي ينقل من أن الميِّت يعذب ببكاء أهله ضعيف منافٍ لقوله تعالى ( وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ) وأما البكاء المشتمل على الجزع وعدم الصبر فجائز ما لم يكن مقروناً بعدم الرضا بقضاء اللّه ، نعم يوجب حبط الأجر ، ولا يبعد كراهته.
لكثرة الابتلاء بالأموات والبكاء عليهم.
الثالث : الأخبار الواردة في أن النبي صلىاللّهعليهوآلهوسلم بكى على إبراهيم وقال : « تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول ما يسخط الرب » ، وبكى صلىاللّهعليهوآلهوسلم أيضاً على جعفر بن أبي طالب وزيد بن حارثة ، وكذلك بكت الصديقة عليهاالسلام على رقية بنت رسول اللّه صلىاللّهعليهوآلهوسلم وعلى أبيها ( صلوات اللّه عليه وآله ) وبكى علي بن الحسين عليهالسلام على شهداء الطف مدّة مديدة ، بل عدّت الصدِّيقة الطاهرة وزين العابدين عليهماالسلام من البكّائين الخمسة لكثرة بكائهما (1)، بل ورد الأمر بالبكاء عند وجدان الوجد على الميِّت في رواية الصيقل فراجع (2).
نعم ورد في حسنة معاوية بن وهب عن أبي عبد اللّه عليهالسلام « كل الجزع والبكاء مكروه ما سوى الجزع والبكاء لقتل الحسين عليهالسلام » (3).
إلاّ أنه في مقابل السيرة والأخبار لا بدّ من تأويل الكراهة فيها بحملها على كون البكاء مكروهاً عرفياً لعدم مناسبته مع الوقار والعظمة والمنزلة ومن ثمة لم ير بعض الأعاظم قدسسرهم باكياً على ولده المقتول لدى الناس وقالوا : إنه كان يبكي عليه في الخلوات في داره لا أنه مكروه شرعي ، أو يحمل على أن مجموع الجزع والبكاء مكروه ، فان الجزع غير مرغوب فيه شرعاً إلاّ على أبي عبد اللّه الحسين عليهالسلام.
[1012] مسألة 2 : يجوز النّوح على الميِّت بالنظم والنثر ما لم يتضمّن الكذب (1)
وقد روت العامّة كما في صحيحي البخاري ومسلم - (1)النهي عن البكاء على الميِّت لأن الميِّت يعذب ببكاء أهله.
وهي مضافاً إلى ضعف سندها ليست قابلة للتصديق ولا بدّ من ضربها على الجدار ، لمخالفتها صريح الكتاب قال تعالى ( وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ) (2)فإنه بعيد عن العدل الإلهي أن يعذب الميِّت ببكاء شخص آخر وفعل غير الميِّت وإن ارتكب أعظم المحرمات ، أو تؤوَّل الرواية بأن الميِّت يتأذّى عند بكاء أهله كما كان يتأذّى ببكائهم حال حياته لا أنه يعذّب من قبل اللّه سبحانه. إذن فالبكاء على الميِّت سائغ من دون كراهة.
(1) للأصل والسيرة كما تقدم في المسألة السابقة ، ولأن النياحة لو كانت محرمة لوصلت إلينا حرمتها بالتواتر ، بل ورد أن فاطمة الزهراء ( سلام اللّه عليها ) ناحت على أبيها صلىاللّهعليهوآلهوسلم (3)وأوصى الباقر الصادق عليهماالسلام بأن يقيم عليه النياحة في منى عشر سنوات (4).
نعم ورد في بعض الأخبار كراهة أن تشارط النائحة أُجرتها من الابتداء ، وورد الأمر بأن تقبل ما يعطى لها بعد العمل (5)وهو أمر آخر. وما دل عليه ضعيف السند
واستحبابه يبتني على التسامح في أدلة السنن ، بل ورد في بعضها جواز أخذ الأُجرة على نياحتها ، فلو كانت النياحة محرمة لم يجز أن تأخذ عليها الأُجرة بوجه.
نعم ذهب ابن حمزة (1)والشيخ (2)قدسسرهما إلى حرمة النياحة ، وادعى الشيخ الإجماع عليها في مبسوطه (3)، إلاّ أن هذه الدعوى غير قابلة التصديق منه قدسسره حيث إن جواز النياحة ممّا يلتزم به المشهور فكيف يقوم معه الإجماع على حرمتها. ولعلّه أراد بالنياحة النياحة المرسومة عند العرب ، ولا إشكال في حرمتها لاشتمالها على الكذب ، حيث كانوا يصفون الميِّت بأوصاف غير واجد لها في حياته ككونه شجاعاً أو كريماً سخياً مع أنه جبان أو بخيل ، وهو كذب حرام.
نعم ورد النهي عن النياحة في جملة من الأخبار ، ففي رواية جابر عن أبي جعفر عليهالسلام قال « قلت له : ما الجزع؟ قال : أشد الجزع الصراخ بالويل والعويل ولطم الوجه والصدر وجز الشعر من النواصي ، ومن أقام النواحة فقد ترك الصبر وأخذ في غير طريقه » (4)إلاّ أنها ضعيفة السند بأبي جميلة مفضل بن عمر على طريق وبه وبسهل بن زياد على طريق آخر.
وفي مرسلة الصدوق قال : من ألفاظ رسول اللّه صلىاللّهعليهوآلهوسلم الموجزة التي لم يسبق إليها : « النياحة من عمل الجاهلية » (5)وهي مضافاً إلى ضعف سندها قابلة الحمل على إرادة النياحة الباطلة المرسومة عند العرب بمناسبة قوله : « من عمل الجاهلية » أي بحسب مناسبة الحكم والموضوع ، إلى غير ذلك من الأخبار الضعاف (6)فراجع.
وما لم يكن مشتملاً على الويل والثبور (1) لكن يكره في الليل ، ويجوز أخذ الأُجرة عليه إذا لم يكن بالباطل ، لكن الأولى أن لا يشترط أوّلا.
فتحصل : أن النياحة الصحيحة أمر جائز ولم تثبت كراهتها فضلاً عن حرمتها ما لم تشتمل على الكذب ونحوه ، فما عنون به الباب في الوسائل من كراهة النياحة ليس صحيحاً ، فإن الكراهة كالحرمة حكم شرعي يحتاج إلى دليل ولا دليل عليها.
(1) ذكروا أن الدعاء بالويل والثبور محرم منهي عنه لجملة من الأخبار كما عن مشكاة الأنوار نقلاً عن كتاب المحاسن عن الصادق عليهالسلام : « في قول اللّه عزّ وجلّ ( وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ ) المعروف أن لا يشققن جيباً ولا يلطمن وجهاً ولا يدعون ويلاً » (1)، وما ورد في وصية النبي صلىاللّهعليهوآلهوسلم لفاطمة عليهاالسلام : « إذا أنا متّ فلا تخمشي عليَّ وجهاً ... ولا تنادي بالويل ... » (2)وقوله صلىاللّهعليهوآلهوسلم لها حين قتل جعفر بن أبي طالب : « لا تدعي بذُل ولا ثكل ... » (3).
بل ورد اللعن على الداعية بالويل والثبور في بعض الروايات كما عن أبي أمامة : « أن رسول اللّه صلىاللّهعليهوآلهوسلم لعن الخامشة وجهها والشاقة جيبها والداعية بالويل والثبور » (4).
إلاّ أن تلك الأخبار لضعف سندها لا يمكن الاعتماد عليها والحكم بحرمة الدعاء بالويل والثبور ، بل هو أمر جائز ما لم يكن مستنداً إلى عدم الرضا بقضاء اللّه سبحانه لأنه أمر محرم.
[1013] مسألة 3 : لا يجوز اللّطم والخدش (1) وجزّ الشعر (2) ، بل والصراخ الخارج عن حدّ الاعتدال على الأحوط (3)
(1) وهذا كسابقه ، وإن ورد النهي عنه في بعض الأخبار ولعن الخامشة وجهها في رواية أبي أمامة ، وعن دعائم الإسلام عن جعفر بن محمد أنه أوصى عند ما احتضر فقال : « لا يلطمن عليَّ خداً ولا يشققن عليَّ جيباً ، فما من امرأة تشق جيبها إلاّ صدع لها في جهنم صدع كلما زادت زيدت » (1).
إلاّ أن الأخبار لضعف أسنادها لا يمكن الاعتماد عليها في الحكم بالحرمة بوجه.
(2) ورد النهي عن ذلك في رواية خالد بن سدير (2)وقد أثبت فيها الكفارة على جز الشعر ونتفه أيضاً ، إلاّ أن خالداً هذا ضعيف لعدم توثيقه ، بل ذكر الشيخ حسين آل عصفور أن الصدوق ذكر أن كتاب خالد بن سدير موضوع منه أو من غيره (3)ومعه لا يمكن الحكم بحرمة الجز فضلاً عن إثبات الكفارة فيه.
(3) ورد في خبر الحسن الصيقل عن أبي عبد اللّه عليهالسلام أنه قال : « لا ينبغي الصياح على الميِّت ولا شق الثياب » (4)وأُورد على الاستدلال به أن كلمة « لا ينبغي »
1) المستدرك 2 : 456 / أبواب الدّفن ب 72 ح 2 ، دعائم الإسلام 1 : 226.
2) الوسائل 22 : 402 / أبواب الكفّارات ب 31 ح 1 ، وقد استبعد سيِّدنا الأُستاذ موضوعية كتابه. راجع [ المعجم 8 : 72 ] ترجمة خالد بن سدير.
3) عيون الحقائق الناظرة 2 : 312.
4) الوسائل 3 : 273 / أبواب الدّفن ب 84 ح 2 ، وفيه امرأة الحسن الصيقل ، وفي السند سهل ابن زياد أيضاً.
وكذا لا يجوز شق الثوب على غير الأب والأخ والأحوط تركه فيهما أيضا (1).
ظاهرة في الكراهة أو في استحباب الترك لا في الحرمة.
ولكن قدّمنا نحن أن الكلمة ظاهرة في الحرمة ، لأن معنى « لا ينبغي » لا يتيسّر ولا يتمكّن ، على ما استشهدنا عليه باستعمالها بهذا المعنى في موارد في الكتاب ، وإن لم ير استعمالها بصيغة الماضي وإنما يستعمل المضارع فقط ، ومعنى عدم التيسر شرعاً ليس هو إلاّ الحرمة ، فلا محذور في الاستدلال بالرواية من هذه الجهة ، نعم لا مجال للاستدلال بها من جهة ضعف سندها بالحسن الصيقل.
(1) وعن الحلبي (1)حرمة الشق مطلقاً ، وعن بعض جوازه للنساء دون الرجال وعن ثالث جوازه في الأقارب من أب وأُم وأخ وأُخت ونحوها دون غيرهم. والمعروف عدم جوازه إلاّ في موردين :
أحدهما : شق الولد على أبيه.
وثانيهما : شق الأخ على أخيه.
وقد استدل على الحرمة أوّلاً : بأن الشق إظهار للسخط على قضاء اللّه سبحانه ومناف للرضا به فيحرم.
وفيه : أن بين الشق والسخط عموماً وخصوصاً من وجه ، فإنه قد لا يشق ثوبه على الميِّت لكونه ثميناً ومحبوباً لديه إلاّ أنه ساخط لقضائه جدّاً ، وقد يشق ثوبه مع الرضا بقضاء اللّه سبحانه ، وقد يجتمعان ، وكلامنا في حرمة الشق في نفسه.
وثانياً : بأن ذلك تضييع للمال وهو تبذير محرم.
وفيه : أنه إذا كان له غرض عقلائي في شق ثوبه لم يعد من التبذير المحرم ، فإن الإنسان قد يريد إظهار تأثره في موت أقربائه أو صديقه ، وإظهار ذلك قد يكون
1) لم نجده في كتابه ، ولعلّه الحلِّي في السرائر 1 : 172 كما نقل عنه في الحدائق 4 : 151.
بضرب اليد على اليد وأُخرى بشق الجيب ، فلا محذور فيه من هذه الجهة.
وثالثاً : بالأخبار الناهية عن ذلك ، وقد تقدم بعضها كرواية امرأة الحسن الصيقل إلاّ أنها ضعيفة السند كما تقدم ، والعمدة منها على ما صرح به المحقق الهمداني قدسسره (1)حيث قال : أوثقها في النفس ما حكي عن المبسوط ، حيث إن الشيخ قدسسره ذكر فيه أن شق الجيب محرم إلاّ في موت الأب للابن وفي موت الأخ للأخ وبه رواية (2). وقد أخذ المتأخِّرون ذلك عن الشيخ وجعلوه مرسلة له واستدلّوا بها في كتبهم.
إلاّ أنه لم يعلم أن الشيخ أراد بذلك غير الأخبار المتقدمة الدالّة على النهي عن شق الثياب ، هذا من حيث إثبات الحرمة.
وأما استثناؤه فمن المطمأن به أنه أراد من ذلك ما ورد في الإمام العسكري عليهالسلام من أنه شق جيبه في موت أبيه ( سلام اللّه عليهما ) واعترض عليه بأنه فعل لم ير من إمام من الأئمة عليهمالسلام فأجابه بقوله : يا أحمق ما لك وذاك ، قد شق موسى على هارون (3).
فدلّتنا هذه الأخبار على جواز شق الولد على والده لأنه أمر صنعه العسكري عليهالسلام كما دلتنا على جوازه للأخ في موت أخيه لأنه عليهالسلام استشهد بفعل موسى في موت أخيه هارون.
وفيه : أن هذه الروايات المجوزة والمانعة (4)ضعيفة السند ولا يمكن الاعتماد عليها.
نعم استثنى الأصحاب من حرمة تلك الأُمور الإتيان بها في حق الأئمة والحسين عليهمالسلام مستندين فيه إلى ما فعلته الفاطميات على الحسين بن علي من لطم الخد وشق الجيب كما ورد في رواية خالد بن سدير (5).
[1014] مسألة 4 : في جز المرأة شعرها في المصيبة كفارة شهر رمضان (1)وفي نتفه كفّارة اليمين ، وكذا في خدشها وجهها (1).
[1015] مسألة 5 : في شق الرجل ثوبه في موت زوجته أو ولده كفارة اليمين وهي إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام.
[1016] مسألة 6 : يحرم نبش قبر المؤمن وإن كان طفلاً أو مجنوناً (2)
وهذا لا يمكن المساعدة عليه ، لأنها على تقدير حرمتها مطلقة. والرواية الدالّة على صدورها من الفاطميات ضعيفة السند ولا يمكن الاعتماد عليها ، والذي يسهل الخطب أنها أفعال لم تثبت حرمتها مطلقاً. إذن لا مانع شرعاً من الإتيان بها في مصايب الأئمة الطاهرين عليهمالسلام وغير الأئمة.
(1) كذا ذكره المشهور ، ولكنه لم يرد بذلك رواية ولو كانت ضعيفة السند ، وإنما ورد ذلك في خبر خالد بن سدير (2)إلاّ أنه أثبت الكفارة مع إدماء الوجه المخدوش لا مطلقاً. والمشهور أعرف بما قالوا.
(2) قد استدل على حرمة النبش بوجوه :
الأوّل : الإجماع ، كما عن جماعة ، وعن بعضهم دعوى إجماع المسلمين عليه وكونه معروفاً لدى المتشرعة قديماً وحديثاً.
وفيه : أن الإجماع المدعى ليس إجماعاً تعبدياً وإنما هو مدركي ولو احتمالاً ، فلا بدّ
من ملاحظة ذلك المدرك ولا موقع للإجماع حينئذ.
الثاني : أن النبش مثلة بالميِّت وهتك له ، وحرمة المؤمن ميتاً كحرمته حياً.
وفيه : أن النسبة بين النبش المدعى حرمته وبين الهتك عموم من وجه ، فان النبش لا يعد هتكاً في جملة من الموارد كما سيتضح ، وعلى هذا الوجه تكون جملة من الموارد المستثناة خارجة عن حرمة النبش خروجاً تخصصياً لا تخصيصياً ، وهذا كما إذا دفن في أرض مغصوبة فلا يكون نبشه حينئذ موجباً للهتك من الابتداء ، فلم يكن النبش متصفاً بالحرمة ليكون استثناؤه تخصيصاً بل هو خروج تخصصي ، وكذا إذا دفن في أرض لا تناسب الميِّت ونبش ليدفن في أرض تناسبه أو لينقل إلى العتبات المقدسة ليدفن فيها.
الثالث : ما ذكره بعض الأعاظم من أن الدّفن كما يجب حدوثاً كذلك يجب بحسب البقاء ، لعدم احتمال أن يكون الواجب مجرد دفنه آناً ما ثم يجوز إبقاؤه من غير دفن بل الواجب إنما هو ستره وإقباره مطلقاً حدوثاً وبقاء.
وفيه : أن الأمر وإن كان كذلك إلاّ أن ذلك لا ينافي جواز النبش ، لأن المدعى ليس هو إخراج الميِّت عن القبر وإبقاءه من غير دفن وإنما ينبش ليدفن ثانياً ، فالدّفن حدوثاً وبقاء متحقق وإنما ينبش ويخرج من قبره آناً أو ساعة مثلاً.
نعم لو تمت الدعوى المتقدمة من أن أدلة الدّفن لها عموم أزماني يقتضي وجوب الدّفن في كل آن آن كان نبشه وإخراج الميِّت من قبره ولو آناً ما محرماً ، لأنه مخالف للدفن الواجب في كل آن ، إلاّ أنّا قدمنا أنّا لم نجد في أدلة الدّفن ما يكون له عموم أزماني بوجه ، لأنها إنما تدل على وجوب الدّفن وحسب من دون دلالة على العموم الأزماني.
وعليه فالمدار في حرمة النبش على صدق الهتك والتوهين ، وفي أي مورد لم يلزم من نبشه هتك جاز النبش لا محالة.
إلاّ مع العلم باندراسه وصيرورته تراباً (1) ولا يكفي الظن به (2). وإن بقي عظماً فان كان صلباً ففي جواز نبشه إشكال (3) وأما مع كونه مجرد صورة بحيث يصير تراباً بأدنى حركة فالظاهر جوازه (4) ، نعم لا يجوز نبش قبور الشهداء والعلماء والصلحاء وأولاد الأئمة عليهمالسلام ولو بعد الاندراس وإن طالت المدّة (5)
(1) لعدم كون النبش حينئذ من نبش قبر المؤمن ، إذ لا مؤمن وإنما هو تراب ، نعم كان مؤمن فيه سابقاً. ولا يلزم من النبش هتك بوجه ، بل قد يكون موضع واحد قبراً لأشخاص كثيرين لاندراس الأوّل ودفن الثاني فيه بعد ذلك وكذا الثالث بعد اندراس الثاني ، وقد ورد أن كل قطعة من قطعات الأرض بدن إنسان ، أي الأعم من المسلم والكافر وقد اندرس وصار تراباً.
(2) وإنما يجوز إذا ثبت الاندراس بالعلم الوجداني أو البينة الشرعية ، وليس الظن بحجة شرعاً.
(3) والوجه في الإشكال صدق عنوان المؤمن عليه ، لعدم اندراسه ولعدم تلاشي عظامه.
(4) لأنه صورة البدن وإلاّ فهو في الحقيقة تراب ، ولا يصدق على نبشه نبش قبر المؤمن.
(5) لصدق الهتك على نبشها ولو بعد الاندراس وإن لم يكن ميت ، لأن المدار في حرمة النبش على صدق الهتك ولا دليل على حرمته في نفسه ، وقد لا يحرم النبش وإن ظهر به الميِّت كما إذا فتح باب السرداب لجعل ميت آخر فيه فظهر جسد الميِّت الموجود فيه ، فإنه نبش غير محرم لعدم الهتك على المؤمن ، هذا كله إذا علمنا بالاندراس وعدمه.
وأما إذا شككنا في الاندراس فهل يجوز النبش حينئذ؟ الصحيح عدم جوازه
سيما المتخذ منها مزاراً أو مستجاراً ، والظاهر توقف صدق النبش على بروز جسد الميِّت ، فلو أُخرج بعض تراب القبر وحفر من دون أن يظهر جسده لا يكون من النبش المحرم ، والأولى الإناطة بالعرف وهتك الحرمة. وكذا لا يصدق النبش إذا كان الميِّت في سرداب وفتح بابه لوضع ميت آخر خصوصاً إذا لم يظهر جسد الميِّت ، وكذا إذا كان الميِّت موضوعاً على وجه الأرض وبني عليه بناء لعدم إمكان الدّفن أو باعتقاد جوازه أو عصياناً فإنّ إخراجه لا يكون من النبش وكذا إذا كان في تابوت من صخرة أو نحوها.
[1017] مسألة 7 : يستثني من حرمة النبش موارد :
الأوّل : إذا دفن في المكان المغصوب عدواناً أو جهلاً أو نسياناً فإنه يجب نبشه مع عدم رضا المالك ببقائه (1)
وهذا لا للاستصحاب التعبّدي بأن يقال كان الميِّت ولم يندرس سابقاً والأصل أنه الآن كذلك ، وذلك لعدم ترتب الأثر الشرعي على الاندراس أو عدمه في نفسه ، وإنما الأثر لما يلازمه عادة من استلزام النبش الهتك وعدمه ، بل لتحقق موضوع الحرمة بالوجدان كما إذا علمنا بعدم الاندراس ، وذلك لأن الهتك كما يصدق عند العلم بالاندراس (1) كذلك يتحقق عرفاً عند الاحتمال ، فان النبش مع احتمال عدم اندراسه هتك عرفاً فيحرم النبش.
(1) لعدم كون الدّفن حينئذ دفناً مأموراً به شرعاً ، لأن الواجب إنما هو الدّفن في الأرض المباحة فإذا دفن في الأرض المغصوبة وجب إخراجه منها ، لحرمة إبقائه فيها مع عدم رضا المالك به ، ولا يتحقق الهتك بإخراجه.
وليس المقام من موارد تزاحم حق الميِّت والمالك ، إذ لا حق للميت لعدم كون
الدّفن دفناً مأموراً به ، ومقتضى حق المالك إخراجه من أرضه حينئذ.
وهل يجب على المالك قبول القيمة إذا بذلت له؟ الصحيح عدم الوجوب ، لأنه لا يجب عليه إيجاد الموضوع وهو الدّفن المأمور به بأن يرضى بدفنه في أرضه ليكون الدّفن مأموراً به ويحرم نبشه لكونه هتكاً حينئذ ، ومع عدم كون الدّفن مأموراً به يجوز للمالك أن لا يرضى ببقاء الميِّت في أرضه ولا يقبل الثمن ، لأنه مقتضى كون الناس مسلّطين على أموالهم ، هذا إذا كان هناك موضع ثانٍ صالح لدفن الميِّت فيه.
وأمّا إذا انحصرت الأرض المدفون فيها بدون رضا المالك به فلا يجوز نبشه وإخراجه منها لغير المالك ، لأنه إنما كان جائزاً في الصورة الأُولى مقدمة للدفن الواجب ، ومع انحصار الأرض بتلك الأرض وعدم وجود مدفن آخر قابل له لا يجب الدّفن لعدم كونه مقدوراً ، ومع عدم وجوبه لا موجب للنبش فالنبش على غير المالك محرم.
وأما المالك فهو من موارد تزاحم حق الميِّت وحق المالك. أما المالك فلأجل كونه مسلطاً على ماله ولا يجوز التصرف فيه إلاّ بإذنه ، وأما الميِّت فلأجل وجوب دفنه وعدم رضا الشارع ببقائه من غير دفن لتنهتك حرمته وتأكله السباع وتخرج
رائحته ونتنه ، فلو أُخرج من قبره بقي بلا دفن لانحصار الأرض بتلك الأرض.
والصحيح عدم جواز النبش للمالك أيضاً ، لما أشرنا إليه من أن الشارع لا يرضى ببقاء الميِّت بلا دفن لتأكله السباع أو ينتن وتهتك حرمته. ويكفي في ذلك إطلاقات أدلة الدّفن ، لأنه واجب على المكلفين الذين منهم المالك فلا يجوز له النبش لأنه خلاف الدّفن الواجب عليه.
ولا يقاس هذا بالكفن الذي قلنا بعدم وجوب بذله على المؤمنين إذا لم يكن للميت مال يشترى به الكفن ، إذ الواجب على المكلفين إنما هو الكفْن لا الكفَن ، فاذا لم يوجد كفَن يدفن عارياً ، فان الدّفن عارياً لا يوجب الهتك عليه إذ لا يبقى الكفَن إلاّ أياماً معدودة ، وهذا بخلاف الدّفن في مفروض الكلام ، فإنه واجب وموجب لبذل الأرض لانحصار المدفن بها ، فإنه لو أخرجه من أرضه لبقي الميِّت بلا دفن وأكلته السباع وانتشرت رائحته ونتنه وأوجب ذلك هتكه وهو حرام.
وأمّا حديث « لا ضرر » فهو غير جارٍ في المقام حتى يترتب عليه جواز إخراج الميِّت من أرضه ، كما لو أدخله الجائر في ملكه من دون اختياره حياً ، فان المالك يجوز له إخراجه من أرضه حينئذ فليكن الأمر بعد موته كذلك. والوجه في عدم جريانه :
أوّلاً : أن ذلك لا يوجب ضرراً على المالك إما لبذل ثمن الأرض له إذا كان هناك باذل له ، وإما لأنه لا يوجب نقصاً في أرضه ، إذ لا منافاة بين أن يدفن الميِّت في أرضه وبين جواز الانتفاع بأرضه كما كان ينتفع بها قبل الدّفن.
وثانياً : أن قاعدة « لا ضرر » إنما شرعت للامتنان ، فاذا لزم من جريانها في مورد خلاف الامتنان على غيره فلا مقتضي لجريانها ، والأمر في المقام كذلك ، لأنها لو جرت في حق المالك لتضرره ببقاء الميِّت في أرضه لأوجب ذلك خلاف الامتنان على الميِّت لاستلزامه بقاء الميِّت بلا دفن لتأكله السباع وتهتك حرمته وهو أيضاً من أفراد المسلمين. وعلى هذا لا يجوز للمالك إخراج الميِّت من أرضه ، هذا بحسب البقاء.
ومنه يظهر الحال في الحدوث كما لو لم يكن من الابتداء أرض صالحة للدفن سوى تلك الأرض ولو بإجبار الظالم على دفنه فيها وعدم ترخيصه الدّفن في غيرها ، فإنه يجب أن يدفن ابتداءً وحدوثاً في تلك الأرض لعين ما تقدم.
ثم إن ما ذكرناه من جواز النبش إذا دفن في أرض الغير من دون رضاه لا يختص بما إذا كانت الأرض ملكاً للغير ، بل يأتي فيما إذا كانت منفعتها ملكاً للغير كما لو كانت الأرض مستأجرة لأحد ولم يرض المستأجر بدفن الميِّت فيها ، فان الدّفن فيها تصرف في المنفعة من دون رضا مالكها ، هذا كله فيما إذا كان الدّفن محرماً حدوثاً.
وأما إذا كان الدّفن محرماً بقاء إلاّ أنه بحسب الحدوث كان جائزاً فهل يجوز النبش حينئذ أو لا يجوز؟ فيه كلام ، وتوضيح ذلك أن في المسألة صوراً :
الأُولى : ما إذا دفن الميِّت في أرض الغير غفلة واشتباهاً أو نسياناً أو جهلاً بالغصبية وبعد ذلك التفت إلى أنها ملك الغير وهو غير راض بالدّفن فيها. مال صاحب الجواهر قدسسره في هذه الصورة إلى أن حكم البقاء حكم الحدوث
وحيث إنه كان سائغاً فهو سائغ بقاء فلا يجوز نبشه حينئذ ، ولكنه احتاط بدفع القيمة للمالك وإرضائه بالدّفن (1)وكأنه للجمع بين الحقين.
ولكن الصحيح هو جواز النبش حينئذ ، لأن الدّفن كان بحسب الواقع محرماً لأنه في ملك الغير من غير رضاه ، والحرمة الواقعية لا تنقلب عما هي عليه بالجهل والاشتباه ، غاية الأمر أن لا يعاقب الدافن لأنه معذور بسبب الجهل أو الغفلة ، وهذا أمر آخر أجنبي عن بقاء الميِّت في أرض الغير ، وحيث إن الدّفن لم يكن مأموراً به واقعاً فلا مانع من النبش مقدمة للدفن الواجب وهو الدّفن في الأرض المباحة ، هذا كلّه في صورة الجهل بالغصبية.
وأمّا إذا نسي الغصبية فدفن الميِّت فيها فلا يأتي فيه ما ذكرناه عند الجهل بالغصبية ، لأن الجهل لا يرفع الحرمة الواقعية كما مر ، والنسيان موجب لسقوط الحرمة واقعاً وكون الدّفن مباحاً واقعاً ، ومعه يقع مصداقاً للمأمور به فيسقط به الأمر بالدّفن ، فلا يبقى مقتض ومسوغ لإباحة النبش ، لأنّا إنما أجزنا النبش مقدّمة للدفن المأمور به فيما إذا كان غير مأمور به ، وفي المقام حيث كان الدّفن مصداقاً للمأمور به فلا مرخص في النبش بوجه.
نعم هذا إذا كان ناسي الغصبية غير الغاصب للأرض ، فلو كان الغاصب هو الناسي فنسيانه غير رافع للحرمة الواقعية ، لأنه من الامتناع بالاختيار ، والحرمة حينئذ هي الحرمة السابقة على النسيان ، حيث حرم عليه جميع التصرفات فيما غصبه إلى آخر تصرفاته ، والامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار ، وهذا بخلاف ما إذا كان الناسي شخصاً غير الغاصب.
وكيف كان ، فرق واضح بين الجهل والنسيان على ما فصلناه عند التكلّم عن التوضؤ من الماء المغصوب ، حيث قلنا إنه محرم واقعاً عند الجهل بالغصبية والوضوء باطل لا محالة ، وأمّا عند النسيان فهو أمر محلّل واقعاً ، لسقوط الحرمة عنه واقعاً وكونه مصداقاً للمأمور به وقابلاً للتقرّب به ، فان مجرّد المبغوضية الواقعية لا تمنع من التقرّب
1) لاحظ الجواهر 4 : 355.
به بعد ترخيص الشارع فيه واقعاً (1).
ثم إن هذا كله بالإضافة إلى غير مالك الأرض من سائر المكلفين ، وذلك لسقوط الواجب الكفائي بالدّفن في الأرض المغصوبة نسياناً فلا مرخص لهم في نبشه ودفنه في موضع مباح.
وأمّا بالإضافة إلى نفس المالك فلا يبعد جواز النبش حتى إذا دفن الميِّت في أرضه نسياناً ، وذلك لأنه من تزاحم الحقين ، حيث إن نبشه يوجب هتكه فرضاً ، فحق حرمة الميِّت يقتضي عدم جواز النبش ، مع أن تركه وإبقاءه في قبره ينافي حق المالك لتضرّره بذلك لدخول النقص على أرضه ولو لأجل كونه موجباً للخوف من القبر والميِّت ، ونحن لو لم نرجح الحق الراجع إلى الحي ولم نناقش في أن النبش لأجل كون الأرض مغصوبة ليست هتكاً له فالحقان متساويان ويتساقطان ، ويبقى عموم تسلط الناس على أموالهم بحاله وهو يقتضي جواز إخراج الميِّت من قبره ودفنه في أرض أُخرى مباحة.
وبهذا ظهر أن الميِّت كما يجوز نبشه عند دفنه في الأرض المغصوبة عمداً وعلماً بالغصبية كذلك يجوز نبشه إذا دفن فيها جهلاً أو نسياناً ، إلاّ أن ذلك بملاكين ، فإنه عند العلم أو الجهل بالغصبية بملاك عدم كون الدّفن مأموراً به واقعاً فينبش مقدمة للدفن المأمور به ، ولا يفرق فيه بين المالك وغيره ، وأمّا عند النسيان فبملاك تزاحم الحقين وعموم « الناس مسلّطون على أموالهم » (2)ومن ثمة يختص الجواز بالمالك دون غيره من المكلّفين ، لكون الدّفن مأموراً به واقعاً وموجباً لسقوط الواجب الكفائي عنهم.
الصورة الثانية : ما إذا كان الدّفن في أرض الغير جائزاً ظاهراً وواقعاً بحسب الحدوث ، لعدم تمكن المالك من إظهار عدم الرضا حينئذ شرعاً لكنه أظهر عدم الرضا بدفن الميِّت في أرضه بحسب البقاء ، كما لو استأجر أحد أرضاً لخصوص دفن الأموات فيها أو لعموم التصرّفات التي يشاؤها ومنها دفن الميِّت فيها فدفن ميتاً في هذه الأرض لجوازه بالإجارة إلاّ أن المالك بعد انقضاء الإجارة أظهر عدم رضاه بدفنه فيها.
والصحيح في هذه الصورة عدم جواز النبش لا للمالك ولا لغيره ، ذلك لأنّا إنما جوزنا النبش لعدم كون الدّفن مأموراً به فينبش مقدمة للدفن الواجب ، وفي مفروضنا حيث إن الدّفن سائغ ومصداق للمأمور به وقد سقط به الأمر بالدّفن فلا مقتضي ولا مسوغ لنبش القبر حينئذ.
ودعوى أن ذلك موجب لتضرّر المالك ، مندفعة بأنه هو الذي أقدم على هذا الضرر حيث آجر أرضه للدفن خاصّة أو لما يعمه.
وقد يقال في هذه الصورة إن إجارة الأرض للدفن أو لما يعمه يقتضي بحسب الارتكاز جواز الدّفن فيها بقاء أيضاً ، وهو من الشرط في ضمن العقد ارتكازاً. وهذه الدعوى ليست بعيدة فيما إذا علم المؤجر والمستأجر بما ذكرناه من عدم جواز النبش لا للمالك ولا لغيره حينئذ وكانا ملتفتين إليه ، وأما إذا كانا جاهلين أو غافلين عنه فلا إذ لا اشتراط حينئذ بوجه ، والشرط الارتكازي الذي يثبت مطلقاً ولو مع غفلة المتبايعين إنما هو الشرط الذي يكون ثابتاً عند العقلاء كما في خيار الغبن ، فإنه ثابت للمتعاقدين ولو مع غفلتهما ، وفي أمثال المقام حيث ثبت الشرط شرعاً لا عند العقلاء فلا يثبت إلاّ مع الالتفات.
الصورة الثالثة : ما إذا جاز الدّفن في أرض الغير بإذن من المالك إلاّ أنه ندم بعد الدّفن وأظهر عدم رضاه بحسب البقاء.
ذكر المحقق الهمداني قدسسره أن النبش محرم حينئذ لأنه منافٍ لحق الميِّت حيث ثبت له حق الدّفن في تلك الأرض بإجازة المالك فإخراجه منها بعد ذلك ينافي حق الميِّت ، وذكر أن من هذا القبيل ما إذا أجاز له في غرس شجر له في أرضه أو لأن يصلِّي في داره وبعد الغرس والدخول في الصلاة أظهر عدم رضاه ببقاء شجرة أو صلاته فيها ، فإنه لا يجب القلع وقطع الصلاة حينئذ لثبوت الحق لهما في الغرس والصلاة بإجازة المالك ، فاظهاره عدم الرضا بذلك ينافي ذلك الحق ، وذكر قدسسره أن عدم الجواز في المقام أظهر من المثالين المذكورين في كلامه (1).
1) مصباح الفقيه ( الطّهارة ) : 428 السطر 33.
وكذا إذا كان كفنه مغصوباً (1) أو دفن معه مال مغصوب ، بل لو دفن معه ماله المنتقل بعد موته إلى الوارث (2) فيجوز نبشه لإخراجه (3)
وفيه : أنه لم يقم دليل على ثبوت حق للميت أو للغارس والمصلي بإجازة المالك وإنما هو إباحة محضة ، وحيث إنها ليست بلازمة فله الرجوع فيما أباحه لغيره ، فلا يكون إخراج الميِّت أو قلع الشجرة أو قطع الصلاة منافياً للحق.
وقد تقدم في كلام صاحب الجواهر قدسسره أن حكم الدّفن بحسب البقاء هو حكمه بحسب الحدوث ، وحيث إنه كان سائغاً ابتداء وبحسب الحدوث فيكون سائغاً بقاء أيضاً (1). وقد تقدّم أنه لا ملازمة بين الأمرين بوجه.
نعم في خصوص الدّفن الأمر كما أفاده ، فلا يجوز النبش في مفروض المسألة لكن لا لما ذكراه ، بل لما قدمناه من أن جواز النبش إنما هو فيما إذا كان الدّفن محرماً وغير مأمور به فيجوز النبش مقدمة لإيجاد الدّفن الواجب ، وحيث إن الدّفن في مفروض المسألة كان سائغاً ومصداقاً للمأمور به وقد سقط به الأمر بالدّفن فلا مسوغ حينئذ للنبش لا للمالك ولا لغيره ، وإلاّ فلا حق للميِّت ولا للمصلِّي ولا للغارس بوجه ، ولا مانع من قلع الشجرة فيما إذا لم يرض المالك بها بقاء ، وكذلك لا مانع من قطع الصلاة لعدم حرمته حينئذ ، إذ الدليل على حرمته هو الإجماع وهو لا يشمل ما إذا لم يرض المالك بإتمام الصلاة.
(1) فإن الكفن حينئذ محرم وليس كفناً مأموراً به ، فكأن الميِّت دفن من دون كفن فينبش مقدّمة للكفن المأمور به ، إلى آخر ما ذكرناه في الدّفن في الأرض المغصوبة.
(2) لأنه مال الوارث ، وحكمه حكم مال غيره من الملاك.
(3) والسر في ذلك أنه من تزاحم الحقّين ، حق الميِّت لفرض أن النبش هتك في
1) تقدّم في ص 354 355.
حقه وحق المالك لأن ترك النبش موجب لتضرره وذهاب ماله ، ونحن لو لم نرجح حق الحي ولم نناقش في أن النبش لأخذ المال لا يصدق عليه الهتك عرفاً فالحقان متساويان فيتساقطان ، ويبقى عموم « الناس مسلطون على أموالهم » بحاله وهو يقتضي جواز النبش كما تقدم في مسألة الدّفن في الأرض المغصوبة ، وهذا مما لا ينبغي التأمل فيه.
وإنما الكلام في أن النبش جائز في مطلق المال المدفون مع الميِّت ولو كان قليلاً وفي مطلق الميِّت ولو كان قبر معصوم عليهالسلام أو من يأتي تلوه من العلماء العظماء ونحوهم ، أو يختص بالمال المعتد به لدى العقلاء وبغير المعصوم وشبهه؟
الصحيح هو الثاني ، فإن المال القليل لا يحتمل جواز النبش له وهتك الميِّت لأجل إخراج فلس ونحوه مما لا يعتد به العقلاء ، فحق الميِّت أقوى من حق المالك بلا كلام كما أن القبر إذا كان قبر معصوم لم يجز نبشه ولو لأجل مال معتد به لدى العقلاء ، لأنه هتك في حقه.
نعم ورد في رواية المغيرة بن شعبة أنه دفن مع النبي صلىاللّهعليهوآلهوسلم خاتمه ثم نبش قبره صلىاللّهعليهوآلهوسلم وأخرج الخاتم وأنه كان يفتخر بذلك لأنه آخر من عهد عهداً بالنبي صلىاللّهعليهوآلهوسلم (1)إلاّ أن الرواية ضعيفة السند ، وهي مكذوبة ومروية من طرق العامة ، وراويها المغيرة من أعداء أمير المؤمنين عليهالسلام فلا يمكن الاعتداد بها ، إذ حكي أنه لم يكن حاضراً عند دفن النبي صلىاللّهعليهوآلهوسلم. على أن ظاهرها أنه دفن خاتمه معه صلىاللّهعليهوآلهوسلم عمداً ، والدّفن العمدي لا نرخص فيه النبش حتى في غير النبي صلىاللّهعليهوآلهوسلم لأنه الذي أقدم على تضرره بدفنه مع الميِّت فكيف بقبر النبي صلىاللّهعليهوآلهوسلم.
1) السيرة الحلبية 3 : 495 ، المهذب 1 : 145.
نعم لو أوصى بدفن دعاء أو قرآن أو خاتم معه لا يجوز نبشه لأخذه (1) بل لو ظهر بوجه من الوجوه لا يجوز أخذه (2) كما لا يجوز عدم العمل بوصيّته من الأوّل.
الثاني : إذا كان مدفوناً بلا غسل أو بلا كفن أو تبين بطلان غسله أو كون كفنه على غير الوجه الشرعي كما إذا كان من جلد الميتة أو غير المأكول أو حريراً (3) فيجوز نبشه لتدارك ذلك ما لم يكن موجباً لهتكه ، وأما إذا دفن بالتيمّم لفقد الماء فوجد الماء بعد دفنه أو كفن بالحرير لتعذّر غيره (4) ففي جواز نبشه إشكال (5).
(1) إذا كانت الوصية نافذة.
(2) بل تجب إعادته معه عملاً بالوصيّة النافذة.
(3) والجامع أن يدفن الميِّت بلا غسل أو بلا كفن صحيح مأمور به شرعاً ، إما لعدم الغسل أو الكفن أصلاً أو لكون غسله أو كفنه على الوجه الباطل ، كما إذا غسله من غير الخليطين أو كفنه بالحرير ونحو ذلك ، فان الدّفن في هذه الصور دفن باطل وغير مأمور به شرعاً ، فلا مانع من النبش مقدمة للدفن الصحيح بأن يغسل أو يكفن صحيحاً ثم يدفن ، فان النبش حينئذ لا يعد هتكاً للميت كما هو حال النبش لو كان لغرض صحيح عند العقلاء.
(4) بأن يكون الميِّت قد غسل أو كفن غسلاً أو كفناً عذريا ، بأن يغسل بالماء القراح بدلاً عن الخليطين لتعذّرهما ، أو يمم الميِّت بدلاً عن الغسل لفقد الماء ، أو كفن بالحرير لتعذر القطن وغيره ثم بعد الدّفن تمكن من الغسل والكفن الاختياريين.
(5) ولكنّه قدسسره يظهر منه في المسألة العاشرة من كيفية غسل الميِّت عدم جواز النبش حالئذٍ ، حيث ذكر أنه إذا ارتفع العذر عن الغسل أو عن خلط الخليطين أو أحدهما بعد التيمّم أو بعد الغسل بالقراح قبل الدّفن تجب الإعادة ، وكذا بعد الدّفن إذا اتفق خروجه على الأحوط ، حيث قيد الجواز أو الوجوب بما إذا خرج الميِّت من
وأمّا إذا دفن بلا صلاة أو تبيّن بطلانها فلا يجوز النبش لأجلها بل يصلّى على قبره (1) ، ومثل ترك الغسل في جواز النبش ما لو وضع في القبر على غير القبلة ولو جهلاً أو نسيانا.
قبره بسيل أو زلزال ونحوهما ، وظاهره عدم جواز النبش لأجل الغسل أو الكفن في مفروض المسألة بالاختيار.
ولكن الصحيح كما قدّمناه (1)هو التفصيل بين ما إذا كان التمكّن من الغسل أو الكفن الاختياريين قبل مضي المدّة التي يمكن تأخير الدّفن إليها وبين ما إذا كان التمكن منهما بعد مضي المدّة ، مثلاً لو أمكن تأخير الدّفن إلى أربع وعشرين ساعة لمساعدة الهواء وعدم طروء الفساد عليه وقد غسل أو كفن بالغسل أو الكفن العذري ودفن ثم طرأ التمكّن من الغسل والكفن الاختياريين قبل مضي أربع وعشرين ساعة ، فيكشف ذلك عن كون الغسل والكفن العذريين غير مأمور بهما شرعاً بالأمر الاضطراري وإنما كانا مأموراً بهما بالأمر الخيالي أو الظاهري لو استند إلى استصحاب بقاء العذر أو قامت البينة على بقائه ، ولا يجزئ شيء منهما عن المأمور به الواقعي ، ومعه لا بدّ من الحكم بوجوب النبش مقدمة للغسل أو الكفن المأمور به.
وأمّا إذا طرأ التمكن بعد مضي تلك المدّة فلا يجوز النبش ، لأن الغسل والكفن حينئذ كانا مأموراً بهما بالأمر الواقعي الاضطراري ، وهو مجزئ عن الواجب الواقعي المتعذّر ولو كانا مع العلم بطروء التمكّن من الاختياريين بعد تلك المدّة ، فإنه لا يجوز تأخير الدّفن عن تلك المدّة حينئذ ، ويجب تجهيزه بالغسل أو الكفن الاضطراريين فالدّفن كالغسل والكفن مأمور به وصحيح ، ومعه لا مسوغ للنبش بوجه ، وهذا التفصيل هو الصحيح.
(1) قدّمنا أن ترك الصلاة على الميِّت قبل الدّفن إذا كان مستنداً إلى العصيان
1) في شرح العروة 9 : 51.
الثالث : إذا توقّف إثبات حق من الحقوق على رؤية جسده (1).
الرابع : لدفن بعض أجزائه المُبانة (1)منه معه لكن الأولى دفنه معه على وجه لا يظهر جسده (2).
والتعمّد فلا بدّ من النبش والصلاة عليه ، وإذا كان مستنداً إلى الجهل أو النسيان فلا بدّ من الصلاة على قبره ولا يجوز النبش حينئذ للنص الدالّ عليه (2).
(1) ليست المسألة منصوصة ، وإنما الوجه في جواز النبش هو تزاحم الحقين : حق الميِّت فان من حق المؤمن أن لا يهان ولا يهتك ، وحق الحي في حقن دمه أو حفظ ماله ونحوهما. ولو قلنا بأن النبش هتك ولم نرجح حق الحي على حق الميِّت فهما متساويان فيتساقطان ونرجع إلى ما دل على وجوب حفظ النفس المحترمة أو المال المحترم وهكذا.
(2) لم نعثر على ما يدل على وجوب دفن الأجزاء المبانة من الميِّت معه ، وإنما دلت الأخبار على وجوب دفنها وحسب وأما دفنها مع الميِّت فلا ، بل بعض الأجزاء كالشعر والظفر والسن لا دليل على وجوب دفنها أصلاً. إذن لا مسوغ للنبش ، بل الأولى أن يحفر القبر بمقدار ويدفن الجزء المبان من الميِّت فيه من دون أن ينبش ويظهر جسد الميِّت.
الخامس : إذا دفن في مقبرة لا يناسبه كما إذا دفن في مقبرة الكفّار أو دفن معه كافر أو دفن في مزبلة أو بالوعة أو نحو ذلك من الأمكنة الموجبة لهتك حرمته (1).
السادس : لنقله إلى المشاهد المشرّفة والأماكن المعظّمة على الأقوى وإن لم يوص بذلك ، وإن كان الأحوط الترك مع عدم الوصيّة (2).
السابع : إذا كان موضوعاً في تابوت ودفن كذلك (3) فإنه لا يصدق عليه النبش حيث لا يظهر جسده ، والأولى مع إرادة النقل إلى المشاهد اختيار هذه الكيفية ، فإنه خالٍ عن الإشكال أو أقل إشكالا.
(1) تقدّم الكلام في النبش لأجل ما هو صلاح الميِّت (1). ويظهر الوجه في المسألة ممّا ذكرناه هناك ، لأن النبش إنما يحرم لئلاّ تهتك حرمة الميِّت ، ولا هتك في نبشه لأجل دفنه في مكان يناسبه ، بل هو تجليل وتعظيم له فيجوز نبشه لذلك كما يجوز نبشه لنقله إلى المشاهد المشرفة ، نعم بين الأمرين فرق وهو أن جواز النبش لنقله إلى المشاهد من جهة أنه لمصلحة الميِّت وتعظيمه وفي المقام جواز النبش لرفع الهتك والتوهين عن الميِّت.
(2) وقد تقدّم (2)وأوضحنا أن النبش لنقله إلى العتبات المشرفة مما لا شبهة في جوازه بل رجحانه وإن لم يوص الميِّت به.
(3) لعدم النبش وظهور جسد الميِّت حينئذ.
الثامن : إذا دفن بغير إذن الولي (1)(1).
التاسع : إذا أوصى بدفنه في مكان معين وخولف عصياناً أو جهلاً أو نسيانا.
العاشر : إذا دعت ضرورة إلى النبش أو عارضه أمر راجح أهم.
الحادي عشر : إذا خيف عليه من سبع أو سيل أو عدو.
الثاني عشر : إذا أوصى بنبشه ونقله بعد مدة إلى الأماكن المشرفة ، بل يمكن أن يقال بجوازه في كل مورد يكون هناك رجحان شرعي من جهة من الجهات ولم يكن موجباً لهتك حرمته أو لأذية الناس ، وذلك لعدم وجود دليل واضح على حرمة النّبش إلاّ الإجماع وهو أمر لبي والقدر المتيقن منه غير هذه الموارد ، لكن مع ذلك لا يخلو عن إشكال (2).
(1) بناء على اشتراط إذن الولي في الدّفن والكفن ونحوهما من التجهيزات. لكنّا أسلفنا في محله انه لا دليل على هذا الاشتراط ، وإنما الثابت عدم جواز مزاحمة الولي فيما أراد فعله من التجهيز ، وأما كون إذنه شرطاً فلا دليل عليه (2).
إذن لا موجب ولا مرخص للنبش حينئذ ، لأن الدّفن وقع على الوجه المأمور به.
(2) هذه المسألة مستدركة ، لأنه قد ذكر قدسسره سابقاً (3)أن النبش لأجل النقل جائز في نفسه وإن لم يوص به الميِّت ، وعليه فيجوز النبش للنقل إذا كان أوصى بدفنه في مشهد مقدّس بعد نقله إليه بطريق أولى. ولكن للمحقق النائيني قدسسره تعليقة على المتن في هذه المسألة يستشكل فيها في نفوذ الوصية بالنبش والنقل وهذا منه قدسسره عجيب ، لأنه أمضى ما ذكره الماتن قدسسره سابقاً من
[1018] مسألة 8 : يجوز تخريب آثار القبور التي علم اندراس ميتها (1)
أن الأقوى جواز النبش للنقل إلى المشاهد المشرفة ، ومع جوازه كيف يتوجه الإشكال في نفوذ الوصية به؟
نعم لو قلنا بأن النبش للنقل بدعة محرمة كما ذكره الحلي في سرائره (1)لم تصح الوصية به ، لأنها لا تكون مشرعة بوجه ولا تقلب الحرام إلى الجواز ، ولعل في تعليقته قدسسره سقطاً واللّه العالم بالحال.
(1) تعرّض قدسسره لحكم تخريب آثار القبور بمناسبة التكلم في نبشها. وتفصيل الكلام في ذلك : أن القبور التي علم اندراس ميتها إذا لم يعد التخريب هتكاً للميت وكان ملكاً للمخرب بإرث أو بغيره فلا ينبغي الإشكال في جواز تخريبها لأن للمالك حق التصرف في ملكه ما يشاء ولا موجب لحرمة التخريب حينئذ.
كما أن الأمر كذلك فيما إذا كانت الأرض موقوفة للمسلمين وأراد المسلم تخريب آثار القبور الواقعة فيها لكي يدفن فيها ميتاً ، لأن المفروض عدم كون التخريب هتكاً للميت ، والأرض وقف لجميع المسلمين ولهم أن ينتفعوا منها أنحاء الانتفاعات التي منها دفن موتاهم ، والمفروض أن الميِّت المدفون فيها قد اندرس ، فليس هو قبراً للمؤمن فعلاً ليحرم نبشه ودفن الآخر فيه وإنما كان قبراً لمؤمن سابقاً.
وكذلك الحال فيما إذا كانت الأرض مباحة وانحصرت الأرض بها ، بل وكذلك فيما إذا لم يكن حاجة إلى تلك الأرض لوجود أرض أُخرى قابلة للدفن فيها ، لعين ما عرفت ، وإن كان الماتن احتاط في هذه الصورة وحكم بعدم التخريب مع عدم الحاجة نظراً إلى احتمال ثبوت حق للميت في تلك الأرض حينئذ ويكون التخريب منافياً لحقه.
وفيه : أن هذا الاحتمال مما لا موجب له ، إذ لا دليل على أن للميت حقاً في الأرض المدفون فيها بوجه.
1) السرائر 1 : 170.
ما عدا ما ذكر من قبور العلماء والصلحاء وأولاد الأئمة عليهمالسلام (1) سيما إذا كانت في المقبرة الموقوفة للمسلمين مع حاجتهم ، وكذا في الأراضي المباحة ، ولكن الأحوط عدم التخريب مع عدم الحاجة خصوصاً في المباحة وغير الموقوفة.
[1019] مسألة 9 : إذا لم يعلم أنه قبر مؤمن أو كافر فالأحوط عدم نبشه مع عدم العلم باندراسه أو كونه في مقبرة الكفار (2).
فالمتحصل : أنه لا مانع من تخريب آثار القبور في جميع تلك الصور مع الاندراس وعدم كونه هتكاً للميت ، كما أنه لا إشكال في حرمته إذا عد هتكاً له كما في تخريب قبور أبناء الأئمة عليهمالسلام والعلماء الصالحين وغيرهم.
(1) لأنه هتك ، وحرمة المؤمن ميتاً كحرمته حياً.
(2) إذا شك في أن القبر هل هو قبر مؤمن ليحرم نبشه أو أنه للكافر ليجوز نبشه فهل (1)يجوز النبش حينئذ تمسّكاً بالبراءة ، نظير ما إذا شككنا في ذلك في الغسل والكفن والصلاة ، حيث ذكرنا (2)أن الأحكام المذكورة إنما ترتّبت على مطلق الميِّت وإنما خرج عنه عنوان الكافر ، والإسلام والكفر من قبيل الأعدام والملكات وهما أمران وجوديّان إذ الكفر عبارة عن الاتصاف بعدم الإسلام لا أنه عدم الإسلام وحسب فإذا شككنا في كفر الميِّت نستصحب عدم اتصافه بعدم الإسلام باستصحاب العدم الأزلي وبه نبني على أن الميِّت ممن يجب تغسيله وتكفينه. أو أن المقام مغاير للغسل والكفن والصلاة فمن لم يحرز إيمانه لم يحرم نبش قبره؟
الصحيح هو الأخير ، لأن حرمة نبش القبر ثبتت بالإجماع ، وقد تقدم أن مدركه هو حرمة الإهانة والهتك ، وموضوع تلك الحرمة هو المؤمن ، ومن شك في إيمانه
[1020] مسألة 10 : إذا دفن الميِّت في ملك الغير بغير رضاه لا يجب عليه الرضا ببقائه ولو كان بالعوض (1) ، وإن كان الدّفن بغير العدوان من جهل أو نسيان فله أن يطالب بالنبش أو يباشره ، وكذا إذا دفن مال للغير مع الميِّت ، لكن الأولى بل الأحوط قبول العوض أو الأعراض (2).
[1021] مسألة 11 : إذا أذن في دفن ميت في ملكه لا يجوز له أن يرجع في إذنه بعد الدّفن (3) سواء كان مع العوض أو بدونه ، لأنه المقدم على ذلك فيشمله دليل حرمة النبش ، وهذا بخلاف ما إذا أذن في الصلاة في داره فإنّه يجوز له الرجوع في أثناء الصلاة ويجب على المصلِّي قطعها في سعة الوقت ، فإن حرمة القطع إنما هي بالنسبة إلى المصلِّي فقط بخلاف حرمة النبش ، فإنه لا فرق فيه بين المباشر وغيره
يستصحب عدم اتصافه بالإيمان ، وبذلك يجوز هتكه ونبش قبره ، ومعه لا وجه لما أفاده الماتن قدسسره من الاحتياط.
(1) لما تقدّم (1)من أنه لا يجب عليه إيجاد الموضوع أي الدّفن المأمور به برضاه بالبقاء ليحرم نبشه.
(2) تقدّم حكم الدّفن في أرض الغير جهلاً أو نسياناً (2)فلا حاجة لإعادته ، وكذا تقدّم حكم ما إذا دفن مال الغير مع الميِّت (3).
(3) لما علّله به الماتن قدسسره وقد قدمناه. وقدمنا الفرق بين الإذن في دفن الميِّت في ملكه وبين الإذن في الصلاة في داره.
ففي الأوّل إذا أذن المالك بالدّفن وكان الدّفن مصداقاً للمأمور به حرم على الغير
نعم له الرجوع عن إذنه بعد الوضع في القبر قبل أن يسدّ بالتراب ، هذا إذا لم يكن الإذن في عقد لازم ، وإلاّ فليس له الرجوع مطلقا (1).
[1022] مسألة 12 : إذا خرج الميِّت المدفون في ملك الغير باذنه بنبش نابش أو سيل أو سبع أو نحو ذلك لا يجب عليه الرضا والإذن بدفنه ثانياً في ذلك المكان (2) بل له الرجوع عن إذنه إلاّ إذا كان لازماً عليه بعقد لازم.
[1023] مسألة 13 : إذا دفن في مكان مباح فخرج بأحد المذكورات لا يجب دفنه ثانياً في ذلك المكان (3) بل يجوز أن يدفن في مكان آخر ، والأحوط الاستئذان من الولي في الدّفن الثاني أيضاً (4) ، نعم إذا كان عظماً مجرّداً أو نحو ذلك لا يبعد عدم اعتبار إذنه (5) وإن كان أحوط مع إمكانه.
نبشه ، ومن جملة المحكومين بحرمة النبش نفس مالك الأرض فلا يجوز له نبشه.
وهذا بخلاف حرمة قطع الفريضة فإنها مختصّة بالمصلِّي دون المالك ، فيجوز للمالك الرجوع عن إذنه إلاّ أن يكون الإذن فيه مشروطاً في عقد لازم فلا يجوز له الرجوع بل يكون لازماً عليه.
(1) بل يكون الإذن في الدّفن لازماً عليه بالاشتراط في ضمن عقد لازم.
(2) لأنه موضوع ودفن جديد غير الدّفن الذي أذن فيه فيحق له أن لا يأذن في الدّفن في ملكه أصلاً ، اللّهمّ إلاّ أن يكون الإذن فيه لازماً عليه بالاشتراط في ضمن عقد لازم ، ومنه يظهر عدم وجوب دفنه ثانياً في الموضع المدفون فيه أولاً ، لأنه موضوع جديد ويجوز أن يدفن في مكان آخر.
(3) لما تقدّم من أنه موضوع جديد ولا موجب لتعين دفنه في ذلك المكان.
(4) بل المتعين ذلك بناء على لزوم الاستئذان من الولي في الدّفن ، فإنه دفن جديد فيعتبر فيه ما يعتبر في الدّفن لا محالة.
(5) إذ لا ميت ليعتبر في دفنه إذن الولي ، وإنما هي عظام مجردة ولا يصدق الميِّت على العظم.
[1024] مسألة 14 : يكره إخفاء موت إنسان من أولاده وأقربائه إلاّ إذا كان هناك جهة رجحان فيه.
[1025] مسألة 15 : من الأمكنة التي يستحب الدّفن فيها ويجوز النقل إليها الحرم ، ومكّة أرجح من سائر مواضعه ، وفي بعض الأخبار أن الدّفن في الحرم يوجب الأمن من الفزع الأكبر ، وفي بعضها استحباب نقل الميِّت من عرفات إلى مكة المعظمة.
[1026] مسألة 16 : ينبغي للمؤمن إعداد قبر لنفسه سواء كان في حال المرض أو الصحّة ، ويرجح أن يدخل قبره ويقرأ القرآن فيه.
[1027] مسألة 17 : يستحب بذل الأرض لدفن المؤمن (1)، كما يستحب بذل الكفن له وإن كان غنياً ، ففي الخبر : « مَن كفّن مؤمناً كان كمن ضمن كسوته إلى يوم القيامة ».
(1) وذلك لما رواه في الوسائل عن فرحة الغري للسيد عبد الكريم بن طاوس عن كتاب فضل الكوفة عن عقبة بن خالد أن عليّاً عليهالسلام اشترى من الدهاقين ما بين النجف والكوفة والحيرة أو الخورنق والكوفة بأربعين ألف درهم وسئل عن وجهه مع أن تلك الأرض غير صالحة للزراعة فقال عليهالسلام : سمعت النبيّ صلىاللّهعليهوآلهوسلم يقول : « يدفن في تلك الأراضي سبعون ألف ميت كلّهم يدخلون الجنة ويحشرون من غير حساب ، وأردت أن يكون ذلك في ملكي » (1).
وهذه الرواية ضعيفة السند والدلالة ، أما السند فلإرساله ، لأن ابن طاوس يرويها عن كتاب فضل الكوفة وطريقه إليه مجهول غير معلوم.
1) الوسائل 3 : 161 / أبواب الدّفن ب 12 ح 1 ، فرحة الغري : 29 ، فضل الكوفة وفضل أهلها : 41 / 6. هذا والموجود في المصادر : عقبة بن علقمة.
[1028] مسألة 18 : يستحب المباشرة لحفر قبر المؤمن ، ففي الخبر : « مَن حفر لمؤمن قبراً كان كمن بوّأه بيتاً موافقاً إلى يوم القيامة ».
[1029] مسألة 19 : يستحب مباشرة غسل الميِّت ، ففي الخبر : « كان فيما ناجى به موسى عليهالسلام ربّه قال : يا رب ما لمن غسل الموتى؟ فقال : أغسله من ذنوبه كما ولدته أُمّه ».
[1030] مسألة 20 : يستحب للإنسان إعداد الكفن وجعله في بيته وتكرار النظر إليه ، ففي الحديث : قال رسول اللّه صلىاللّهعليهوآلهوسلم : « إذا أعدّ الرجل كفنه كان مأجوراً كلّما نظر إليه » وفي خبر آخر : « لم يكتب من الغافلين وكان مأجوراً كلّما نظر إليه ».
وأمّا الدلالة فلأنها إنما تدل على استحباب بذل الأرض لدفن المؤمن الذي علم أنه من أهل الجنة ، وأما من لا يعلم أنه من أهل الجنة فلا ، ولعل للمؤمن المعلوم كونه من أهل الجنة خصوصية في ذلك. مضافاً إلى مناقشة أُخرى في الرواية وهي أن تلك الجماعة لا يمكن أن يكونوا مدفونين في ملكه عليهالسلام بوصف كونه ملكاً له لأنه يحتاج إلى مدّة طويلة ، وهي تخرج عن ملكه عليهالسلام وتنتقل إلى ورثته نعم يمكن أن يكون ذلك بوصية منه عليهالسلام بأن تبقى تلك الأراضي في ملكه ويدفن فيها الأموات ، إلاّ أن نفوذ تلك الوصية يتوقف على أن يكون له عليهالسلام من المال ضعفاه لتكون تلك الأراضي ثلثاً من أمواله عليهالسلام ومن المعلوم أنه لم يكن مالكاً من حطام الدنيا إلاّ أقل القليل ، نعم يمكن أن يكون المال الموصى به خارجاً من أصل ماله برضا من الورثة ، ومن الظاهر أن ورثته عليهالسلام بالطبيعة يرضون بوصيّته ( سلام اللّه عليه ). وكيف كان ، فيستفاد من تلك الرواية أن المال الموصى به يبقى على ملك الموصي ، ولا محذور في أن يكون الميِّت مالكاً بوجه.
فهرس الموضوعات
الطهارة
فصل في كيفية تغسيل الميت... 1
اعتبار التعدد في غسل الميت... 1
اعتبار الخليط في غسل الميت... 2
اعتبار الترتيب بين الأغسال... 4
كيفية تغسيل الميت... 4
تغسيل الميت ارتماسا... 9
حكم تعذر تغسيل الميت غسلا ترتيبيا... 11
إزالة النجاسة عن بدن الميت قبل غسله... 11
اعتبار إطلاق الماء في الغسلتين الأولتين... 14
في مقدار الخليط من السدر والكافور... 16
اعتبار الخلوص من الخليط وغيره في الغسل الثالث... 18
الوضوء ماء غسل الميت... 19
تحديد ماء غسل الميت... 24
حكم تعذر واحد من الأغسال... 25
حكم تعذر السدر أو الكافور... 27
حكم تعذر الماء وانتقال الفرض إلى التيمم... 32
صور كفاية الماء الغسل واحد... 41
إذا كان الميت مجروحا أو نحوه... 47
حكم تغسيل الميت المحرم بالكافور... 48
حكم ارتفاع العذر عن الغسل أو الخليط بعد التيمم... 50
هل التيمم لا بد أن يقع بيد الحي؟... 53
حكم مس الميت التيمم بد الغسل... 56
فصل في شرائط غسل الميت... 56
اشتراط الغسل بما اشترط به الوضوء... 56
الغسل بالمغصوب نسيانا أو جهلا... 57
الكلام في استحباب التغسيل مجردا أو من وراء الثياب... 58
إجزاء غسل الميت عن الجنابة والحيض... 61
عدم اشتراط غسل الميت بما بعد البرد... 63
النظر إلى عورة الميت... 64
حكم الدفن بلا تغسيل... 64
حكم تبين بطلان الغسل أو عدم الكفن أو الكفن بالمغصوب... 65
حكم الدفن بلا صلاة عليه... 65
الأجرة على التغسيل... 66
حكم تنجيس بدن الميت أو كفنه... 69
إعادة الغسل لخروج الخبث والحدث... 72
خروج النجاسة بعد وضع الميت في القبر... 76
طهارة الآلات بالتبع... 77
فصل مستحبات ومكروهات غسل الميت... 78
فصل في تكفين الميت... 81
عمومية وجوب التكفين للذكر والأنثى والخنثى والصغير... 81
وجوب التكفين بثلاث قطعات... 82
خلاف صاحب المدارك في وجوب المئزر... 84
تحديد المئزر... 89
حد القميص... 89
حد الإزار... 90
حكم تعذر بعض قطعات الكفن... 91
دوران الأمر بين واحدة من قطعات الكفن... 92
حكم تعذر الكفن إلا بمقدار ستر العورة... 93
دوران الأمر بين ستر القبل أو الدبر... 93
التكفين بدون قصد القربة... 94
اعتبار كون الأكفان ساترة لبدن الميت... 94
التكفين بجلد الميتة... 95
التكفين بالمغصوب... 95
التكفين بالنجس ولو بما عفي عنه في الصلاة... 98
التكفين بالحرير... 99
التكفين بالمذهب أو بما لا يؤكل لحمه... 104
التكفين بجلد المأكول لحمه أو وبره أو شعره... 105
حمل ما دل على التكفين بالقطن على الاستحباب... 106
حكم انحصار الكفن في النجس... 109
حكم انحصار الكفن في الحرير... 111
حكم انحصار الكفن بجلد غير مأكول اللحم أو بالمذهب... 112
دوران الأمر بين التكفين بالنجس وغيره... 112
دوران الأمر بين التكفين بغير النجس وغير الحرير... 114
التكفين بالحرير غير الخالص... 115
تنجس الكفن... 116
كفن الزوجة... 116
ثبوت الكفن على الزوج حتى مع يسار الزوجة... 120
التسوية بين أقسام الزوجة في الحكم... 121
تعميم الحكم للمطلقة الرجعية... 122
التسوية بين أقسام الزوج في الحكم... 123
شروط تحمل الزوج كفن الزوجة... 126
كفن المحللة على سيدها... 127
دوران الأمر بين تكفين الزوج أو الزوجة... 128
مناقشة جديدة حول رواية كفن الزوجة على الزوج... 129
تبرع الأجنبي بكفن الزوجة... 131
كفن غير الزوجة من الأقارب... 131
عدم خروج الكفن عن ملك الزوج بالتكفين... 133
خروج الكفن من تركة الزوجة مع اعسار الزوج... 133
إذا كفنت الزوجة من مالها ثم أيسر الزوج المعسر... 133
إذا كفنها الزوج فسرق الكفن... 135
حكم سائر المؤن عدا الكفن... 136
كفن المملوك على سيده... 137
حكم المملوك المبعض والمشترك... 137
خروج الكفن وغيره من الأصل مقدما على الديون... 138
عدم خروج المستحبات من التهجير من الأصل... 140
حكم تقديم الكفن على الدين وحق الجناية... 143
الكلام في وجوب بذل الكفن لمن لا كفن له... 144
الكلام في وجوب تغطية رأس المحرم ووجهه ، أو حرمتها... 148
فصل في مستحبات الكفن ومكروهاته... 150
فصل في الحنوط... 155
الاستدلال على وجوب التحنيط... 155
تفسير المساجد... 157
وجوب كون المسح باليد... 158
مستحبات الحنوط... 159
محل التحنيط... 162
شروط الكافور... 163
تحنيط المحرم... 165
قصد القربة في التحنيط... 165
تحنيط الصبي الميت... 165
مقدار الحنوط... 166
حكم تعذر الكافور... 168
تطييب الميت بالمسك والعنبر والعود... 169
إدخال الكافور في عين الميت أو أنفه أو أذنه... 172
وضع الزائد من الكافور على صدر الميت... 172
دوران الأمر بين استعمال الكافور في الغسل أو التحنيط... 172
دوران الأمر بين تحنيط الجبهة أو سائر المواضع... 173
فصل في الجريدتين... 174
فصل في التشييع وآدابه... 175
فصل في الصلاة على الميت... 178
الصلاة على المخالف... 178
تحنيط الشهيد... 182
الصلاة على الشهيد... 183
الصلاة على الأغلف... 183
الصلاة على شارب الكافر... 185
حكم الصلاة على الكافر... 185
حكم الصلاة على الطفل... 186
حكم الصلاة على المولود ميتا... 193
اشتراط الإيمان في الصلاة... 194
حكم صلاة الصبي المميز... 194
اشتراط تأخر الصلاة عن التكفين... 195
حكم تقديم الصلاة على الكفن... 197
هل تسقط الصلاة بتعذر ما قبلها... 199
الوظيفة عند تعذر الكفن... 199
عدم سقوط سائر الواجبات بتعذر الدفن... 200
تعدد الصلاة على الميت... 201
حكم الصلاة إذا عثر على بعض الميت... 202
اعتبار الاستئذان من جميع الأولياء... 203
حكم ما إذا كان الولي امرأة... 205
تعيين الميت من يصلي عليه... 206
مشروعية صلاة الميت جماعة... 207
شروط الإمام في صلاة الميت... 208
إمامة المرأة للنساء في صلاة الميت... 210
كيفية صلاة العراة على الميت... 213
هل يشترط تأخر المأمومين في صلاة الميت... 215
تأخر المرأة عن الرجل في الجماعة على الميت... 216
العدول من إمام إلى آخر أثناء الجماعة... 217
حكم قطع صلاة الميت... 217
حكم العدول من الجماعة إلى الانفراد... 218
تكبير المأموم قبل الإمام... 219
التحاق المأموم في أثناء الصلاة... 221
فصل في كيفية صلاة الميت... 224
حكم الزيادة في التكبير... 225
وجوب الدعاء في الصلاة على الميت وكيفيته... 229
كيفية الصلاة على المستضعفين... 239
كيفية الصلاة على المخالفين... 242
كيفية الصلاة على المنافق... 245
كيفية الصلاة على مجهول الحال... 246
كيفية الدعاء في الصلاة على الطفل... 246
حكم النقصان في الصلاة سهوا... 248
عدم اعتبار الفاتحة والركوع ونحوهما في صلاة الميت... 249
حكم الشك في ذكورية الميت... 252
حكم الشك في الدعاء... 252
حكم الشك في التكبيرات... 253
فصل في شرائط صلاة الميت... 254
الأول : كون الميت مستلقيا... 254
الثاني : كون رأسه إلى يمين المصلي... 254
الثالث : كون المصلي خلف الميت محاذيا له... 254
الرابع : حضور الميت... 255
الخامس : عدم الحائل بين المصلي والميت... 256
السادس : أن لا يكون بينهما بعد مفرط... 256
السابع : أن لا يكون أحدهما أعلى من الآخر علوا مفرطا... 256
الثامن : استقبال المصلي... 256
التاسع : قيام المصلي... 257
العاشر : تعيين الميت... 259
الحادي عشر : قصد القربة... 259
الثاني عشر : إباحة المكان... 259
الثالث عشر : الموالاة... 259
الرابع عشر : الاستقرار... 260
الخامس عشر : تأخر الصلاة عن الغسل والكفن... 260
السادس عشر : ستر عورة الميت إذا تعذر الكفن... 260
السابع عشر : إذن الولي... 260
دوران الأمر بين الصلاة قائما بلا استقرار والجلوس مستقرا... 261
حكم الصلاة عند اشتباه القبلة... 262
حكم الصلاة إذا كان الميت في مكان مغصوب دون المصلي... 263
حكم نسيان الصلاة أو تبين فسادها بعد الدفن... 264
هل تجب إعادة الصلاة لو صلي على قبره ثم خرج منه؟... 269
التيمم لصلاة الميت... 270
التكلم أثناء الصلاة... 271
اعتقاد بطلان صلاة الغير... 272
حكم المصلوب... 273
تكرار الصلاة على الميت... 275
حكم الصلاة لو تركها قبل الدفن عمدا... 278
الصلاة على قبر الميت إذا صلي عليه قبل الدفن... 279
جواز إتيان الصلاة في جميع الأوقات... 280
استحباب التعجيل بالصلاة... 281
حكم الصلاة على الميت أثناء الفريضة وبالعكس... 286
حضور جنازة ثانية أثناء الصلاة على أخرى... 287
فصل في آداب الصلاة على الميت... 291
فصل في الدفن... 293
مقدار الحفر... 293
اعتبار المواراة الفعلية لا الشأنية... 295
اشتراط دفن الميت على جنبه الأيمن مستقبلا القبلة... 295
حكم الموت في السفينة... 297
تعذر دفن من مات في البر... 301
حكم الجنين من مسلم إذا مات في بطن كافرة... 302
عدم اعتبار قصد القربة في الدفن... 303
الوظيفة عند الخوف من دفنه تحت الأرض... 304
حكم الدفن عند اشتباه القبلة... 305
حكم الطفل المتولد من الزنا... 306
الأماكن التي لا يجوز دفن المسلم فيها... 307
حكم حمل الميتين على سرير واحد... 309
دفن الميتين في قبر واحد... 310
حكم الإجزاء المبانة من الميت... 312
موت الجنين في بطن الحامل... 314
موت الحامل دون الجنين... 315
كيفية إخراج الجنين الحي من بطن الحامل الميتة... 316
الخوف على حياة الحامل وجنينها ودوران الأمر بين حياتيهما... 317
فصل في المستحبات قبل الدفن وحينه وبعده... 319
فصل في مكروهات الدفن... 327
حكم تسنيم القبر... 328
نقل الميت إلى بلد آخر... 331
حكم نقل الميت بعد نبش قبره... 338
البكاء على الميت... 341
النوح على الميت... 343
اللطم وجز الشعر على الميت... 346
حكم شق الثوب على الميت... 347
نبش قبر المؤمن... 349
الموارد المستثناة من حرمة النبش... 352
الأول : الدفن في المكان المغصوب... 352
النبش لإخراج المال المدفون مع الميت... 358
الثاني : الدفن بلا غسل أو كفن أو تبين كونهما باطلين... 360
الثالث : توقف إثبات الحق على رؤية الجسد... 362
الرابع : دفن بعض الأجزاء المبانة من الميت... 362
الخامس : الدفن في مكان لا يناسبه... 363
السادس : النقل إلى المشاهد والأماكن المعظمة... 363
السابع : إذا كان موضوعا في تابوت ثم دفن... 363
الثامن : الدفن بغير إذن الولي... 364
التاسع : مخالفة وصية الميت في مكان الدفن... 364
العاشر : مزاحمة أمر أهم... 364
الحادي عشر : الخوف من بقاء الميت في ذلك المكان... 364
الثاني عشر : الوصية بنبش قبره ونقله إلى الأماكن المشرفة... 364
حكم تخريب القبور... 365
حكم النبش لو تردد القبر بين كونه لمؤمن أو كافر... 366
هل يجوز الرجوع في الأذن في الدفن؟... 367
حكم دفن الميت في قبر ثان لو خرج من قبره... 368
استحباب بذل الأرض للدفن... 369
فهرس الموضوعات... 373
الصورة