ghaemiyeh.com
الهادي إلی الطريقة الوسطی في شرح العروة الوثقی
کتاب الزكاة
الجزء الأول
لمؤلفة المحقق والفقيه المدقق
سماحة آية الله سيد علي محمد دستغيب الحسيني الشيرازي
محرر الرقمي : روح اله قاسمي
فصل في أصناف المستحقّين للزكاة / 17
«الأوّل و الثاني»: الفقير و المسكين ... 17
فرع في معنى الفقير الشرعي ... 19
في أنّه يجوز أن يعطى الفقير أزيد من مقدار مؤونة سنته دفعة ... 32
في أنّ دار السكنى و الخادم و فرس الركوب المحتاج اليها بحسب حاله ولو لعزّه و شرفه لايمنع من اعطاء الزكاة و أخذها ... 37
فيما اذا لم يكن له حرفة ولكن يمكنه تعلّمها من غير مشقّة ... 38
فيما لو اشتغل القادر على الكسب بطلب العلم المانع عنه ... 40
فيما لو شكّ في أنّ ما بيده كافٍ لمؤونة سنته أم لا ... 42
في أنّ المدّعي للفقر ان عرف صدقه أو كذبه عومل به ... 42
في أنّه لو كان له دين على الفقير جاز احتسابه زكاة ... 45
في أنّه لايجب اعلام الفقير أنّ المدفوع اليه زكاة ... 49
فيما لو دفع الزكاة باعتقاد الفقر فبان كون القابض غنيّا ... 51
فيما لو دفع الزكاة الى غنيّ جاهلاً بحرمتها عليه أو متعمّدا ... 57
فيما اذا دفع الزكاة باعتقاد أنّه عادل فبان فقيرا فاسقا ... 59
«الثالث»: العاملون عليها ... 60
«الرابع»: المؤلّفة قلوبهم ... 67
«الخامس»: الرقاب ... 73
الفرع الأوّل في تخيير دفع الزكاة الى المولى أو العبد ... 75
الفرع الثاني فيما اذا ادّعى العبد أنّه مكاتب ... 76
«السادس»: الغارمون ... 81
الفرع الأوّل في أنّ المعتبر في الغارم عجزه عن الأداء ... 83
الفرع الثاني في اشتراط عدم كون الدين مصروفا في المعصية ... 85
الفرع الثالث فيما اذا تاب الغارم الصارف دينه في المعصية ... 87
الفرع الرابع فيما لو شكّ في صرفه في المعصية ... 90
الفرع الخامس فيما لو كان معذورا في الصرف في المعصية ... 92
الفرع السادس فيمن كان دينه مهر زوجته ... 93
في أنّه لا فرق بين أقسام الدين ... 94
فيما اذا كان دينه مؤجّلاً ... 95
فيما لو كان كسوبا يقدر على أداء دينه بالتدريج ... 96
فيما اذا دفع الزكاة الى الغارم فبان بعده أنّ دينه في معصية ... 97
فيما لو ادّعى أنّه مديون ... 98
فيما اذا أخذ من سهم الغارمين ليصرفه في أداء الدين ثمّ صرفه في غيره ... 99
في أنّ المناط هو الصرف في المعصية أو الطاعة لا القصد من حين الاستدانة ... 100
فيما اذا لم يكن الغارم متمكّنا من الأداء حالاًّ و تمكّن بعد حين ... 102
فيما لو كان دين الغارم لمن عليه الزكاة ... 102
فيما لو كان الدين لغير من عليه الزكاة ... 103
فيما اذا كان ديّان الغارم مديونا لمن عليه الزكاة ... 104
فيما لو كان الدين للضمان عن الغير تبرّعا لمصلحة مقتضية لذلك ... 105
فيما لو استدان لاصلاح ذات البين ... 106
«السابع»: سبيل اللّه ... 108
فرع في أنّه هل تعتبر الحاجة في الصرف من هذا السهم؟ ... 113
«الثامن»: ابن السبيل ... 116
الفرع الأوّل في اعتبار عدم كون سفره في معصية ... 120
الفرع الثاني في اعتبار كونه محتاجا الى الزكاة فعلاً ... 121
الفرع الثالث في الدفع اليه قدر الكفاية و اعادة ما فضل ... 122
فيما اذا علم استحقاق شخص للزكاة ولكن لم يعلم من أيّ الأصناف ... 124
فيما اذا نذر أن يعطي زكاته فقيرا معيّنا لجهة راجحة أو مطلقا ... 124
فيما اذا اعتقد وجوب الزكاة عليه فأعطاها فقيرا ثمّ تبيّن له عدم وجوبها عليه ... 126
فصل في أوصاف المستحقّين للزكاة / 129
«الأوّل»: الايمان ... 129
الفرع الأوّل فيما اذا لم يوجد المؤمن و المؤلّفة ... 132
الفرع الثاني في الدفع الى مجهول الحال ... 135
في أنّ الزكاة تعطى من سهم الفقراء لأطفال المؤمنين و مجانينهم ... 135
فرع في كيفيّة الصرف عليهم ... 138
في دفع الزكاة الى السفيه ... 141
في أنّ الصبيّ المتولّد بين المؤمن و غيره يلحق بالمؤمن ... 142
في أنّه لايعطى ابن الزنا من المؤمنين فضلاً عن غيرهم من هذا السهم ... 143
فيما لو أعطى غير المؤمن زكاته أهل نحلته ثمّ استبصر ... 145
في جواز اعطاء الزكاة لعوامّ المؤمنين ... 146
فرع فيما اذا ادّعى الايمان و لم يعلم صدقه و كذبه ... 153
فيما لو اعتقد كونه مؤمنا فأعطاه الزكاة ثمّ تبيّن خلافه ... 154
«الثانى»: أن لايكون ممّن يكون الدفع اليه اعانة على الاثم و اغراءً بالقبيح ... 156
في أنّ الأرجح دفع الزكاة الى الأعدل فالأعدل ... 161
«الثالث»: أن لايكون ممّن تجب نفقته على المزكّي ... 164
الفرع الأوّل في أنّه هل يجوز دفع الزكاة لمن تجب نفقته عليه للتوسعة؟ ... 166
الفرع الثاني في جواز دفع الزكاة اليهم اذا كان عندهم من يجب نفقته عليهم لا عليه ... 171
تنبيه في وجوب نفقة الزوجة الدائمة و قدرها ... 172
في أنّ الممنوع اعطاؤه لواجبي النفقة هو ما كان سهم الفقراء ... 177
في أنّه يجوز لمن تجب نفقته على غيره أن يأخذ الزكاة من غير من تجب عليه ... 177
في دفع الزكاة الى الزوجة المتمتّع بها ... 179
في دفع الزكاة الى الزوجة الدائمة اذا كان سقوط نفقتها من جهة النشوز ... 180
في أنّه يجوز للزوجة دفع زكاتها الى الزوج ... 181
فيما اذا عال بأحد تبرّعا ... 182
في اعطاء الزكاة للأقارب ... 183
في أنّه يجوز للوالد أن يدفع زكاته الى ولده للصرف في مؤونة التزويج ... 184
في أنّه يجوز للمالك دفع الزكاة الى ولده للانفاق على زوجته أو خادمه ... 185
في عدم الفرق فى عدم جواز دفع الزكاة الى من تجب نفقته عليه بين أن يكون قادرا على انفاقه أو عاجزا ... 186
في صرف الزكاة على مملوك الغير اذا لم يكن ذلك الغير باذلاً لنفقته ... 187
«الرابع»: أن لايكون هاشميّا اذا كانت الزكاة من غيره ... 189
الفرع الأوّل في أنّه تحلّ له زكاة الهاشمي ... 192
الفرع الثاني في أنّه تحلّ له مع الاضطرار ... 195
في الصدقات المحرّمة على الهاشمي ... 196
في أنّه يثبت كونه هاشميّا بالبيّنة و الشياع ... 201
في اعطاء زكاة غير الهاشمي لمن تولّد من الهاشمي بالزنا ... 207
فصل في بقيّة أحكام الزكاة / 209
في نقل الزكاة الى الفقيه الجامع للشرائط في زمن الغيبة ... 209
الفرع الأوّل في أنّ الامام يطلب الزكوات اذا كان مبسوط اليد ... 212
الفرع الثاني فيما لو طلبها الامام عليه السلام أو الفقيه ... 214
في البسط على الأصناف الثمانية ... 219
في أنّ الاجهار بدفع الزكاة أفضل من الاسرار به ... 224
فيما اذا قال المالك: أخرجت زكاة مالي، أو: لم يتعلّق بمالي شيء ... 225
في عزل الزكاة و تعيينها في مال مخصوص ... 226
في وجوب الوصيّة بأداء ما عليه من الزكاة اذا أدركته الوفاة قبله ... 228
في جواز أن يعدل بالزكاة الى غير من حضره من الفقراء ... 230
في نقل الزكاة من بلده الى غيره ... 231
الفرع الأوّل في جواز نقل الزكاة من بلده الى غيره مع عدم المستحقّ ... 231
الفرع الثاني في وجوب النقل مع عدم المستحقّ ... 232
الفرع الثالث في مؤونة النقل ... 234
الفرع الرابع في الضمان اذا تلفت ... 236
الفرع الخامس في حكم الضمان فيما لو كان المستحقّ مرجوّ الوجود أو تمكّن منالصرف في سائر المصارف ... 238
في النقل الى بلد آخر مع وجود المستحقّ في البلد ... 242
الفرع الأوّل في أنّه اذا تلفت بالنقل يضمن ... 249
الفرع الثاني في حكم الضمان لو كان النقل باذن الفقيه أو وكالته عنه ... 250
فيما لو كان له مال في غير بلد الزكاة أو نقل مالاً له من بلد الزكاة الى بلد آخر ... 251
في أنّه لو كان المال الذي فيه الزكاة في بلد آخر غير بلده ... 252
فيما اذا قبض الفقيه الزكاة بعنوان الولاية العامّة ... 252
في أجرة الكيّال و الوزّان اذا احتاجت الزكاة الى كيل أو وزن ... 253
فيما اذا تعدّد سبب الاستحقاق في شخص واحد ... 255
في المملوك الذي اشتري من الزكاة فمات و لا وارث له ... 255
في حدّ اعطاء الزكاة للفقراء في طرف القلّة ... 257
في استحباب دعاء الفقيه أو العامل أو الفقير الذي يأخذ الزكاة للمالك ... 262
في أنّه يكره لربّ المال طلب تملّك ما أخرجه في الصدقة الواجبة و المندوبة ... 264
فصل في وقت وجوب اخراج الزكاة / 267
في أنّ المناط في الضمان مع وجود المستحقّ هو التأخير عن الفور العرفي ... 273
في أنّه يشترط في الضمان مع التأخير العلم بوجود المستحقّ ... 274
فيما لو أتلف الزكاة المعزولة أو جميع النصاب متلف ... 275
في عدم جواز تقديم الزكاة قبل وقت الوجوب ... 276
فيما اذا أراد أن يعطي فقيرا شيئا و لم يجئ وقت وجوب الزكاة عليه ... 280
فيما لو أعطاه قرضا فزاد عنده زيادة متّصلة أو منفصلة ... 282
فيما لو كان ما أقرض الفقير في أثناء الحول بعضا من النصاب ... 283
فيما لو استغنى الفقير بعين هذا المال ثمّ حال الحول ... 284
فصل في نيّة القربة و التعيين في الزكاة / 287
في أنّ الزكاة من العبادات ... 287
الفرع الأوّل في اعتبار نيّة القربة في الزكاة ... 288
الفرع الثاني في اعتبار التعيين مع تعدّد ما عليه ... 290
الفرع الثالث في عدم اعتبار نيّة الجنس الذي تخرج منه الزكاة في الجملة ... 291
الفرع الرابع في التعيين بعد الاخراج من غير تعيين ... 292
في التوكيل في أداء الزكاة ... 295
الفرع الأوّل في جواز التوكيل في أداء الزكاة ... 295
الفرع الثاني في وجوب نيّة الزكاة على المالك ... 296
فيما اذا دفع المالك أو وكيله بلا نيّة القربة ... 297
في دفع الزكاة الى الحاكم الشرعي بعنوان الوكالة عن المالك في الأداء ... 298
فيما لو كان له مال غائب - مثلاً - فنوى أنّه ان كان باقيا فهذا زكاته ... 299
فيما لو أخرج عن ماله الغائب زكاة ثمّ بان كونه تالفا ... 300
ختام فيه مسائل متفرّقة / 301
في أنّ استحباب استخراج زكاة مال التجارة و نحوه للصبي و المجنون تكليف للولي ... 301
الفرع الأوّل في استحباب زكاة مال التجارة للصبي و المجنون ... 302
الفرع الثاني فيما لو شكّ الولي في حكم الاخراج ... 305
فيما اذا علم بتعلّق الزكاة بماله و شكّ في أنّه أخرجها أم لا ... 306
الفرع الأوّل فيما اذا شكّ في اخراج الزكاة و العين الزكويّة باقية ... 306
الفرع الثاني فيما اذا كانت العين الزكويّة تالفة ... 308
فيما اذا باع الزرع أو الثمر و شكّ في كون البيع بعد زمان تعلّق الوجوب أو قبله ... 309
فيما اذا مات المالك بعد تعلّق الزكاة ... 310
فيما اذا علم أنّ مورّثه كان مكلّفا باخراج الزكاة و شكّ في أنّه أدّاها أم لا ... 311
الصورة الأولى فيما اذا كانت العين موجودة و شكّ في أداء زكاتها ... 312
الصورة الثانية فيما اذا كانت العين تالفة و احتمل أنّه لم يؤدّ زكاتها ... 313
الصورة الثالثة فيما اذا علم باشتغال ذمّة الميّت و شكّ في الفراغ ... 313
فيما اذا علم اشتغال ذمّته امّا بالخمس أو الزكاة ... 315
فيما اذا علم اجمالاً أنّ حنطته بلغت النصاب أو شعيره و لم يتمكّن من التعيين ... 317
فيما اذا باع النصاب بعد وجوب الزكاة و شرط على المشتري زكاته ... 318
فيما اذا طلب من غيره أن يؤدّي زكاته تبرّعا من ماله ... 319
فيما اذا وكّل غيره في أداء زكاته أو في الايصال الى الفقير ... 320
في عدم وجوب الترتيب في أداء الزكاة بتقديم ما وجب عليه أوّلاً فأوّلاً ... 321
في الزكاة في المزارعة الفاسدة و الصحيحة ... 321
في أنّه يجوز للحاكم الشرعي أن يقترض على الزكاة ... 323
في أنّه لايجوز للفقير و لا للحاكم الشرعي أخذ الزكاة من المالك ثمّ الردّ عليه ... 325
في اشتراط التمكّن من التصرّف فيما يعتبر فيه الحول ... 327
فيما اذا كان له مال مدفون في مكان و نسي موضعه ... 328
في جواز أن يشتري من زكاته من سهم سبيل اللّه كتابا أو قرآنا أو دعاءً و يوقفه، و يجعل التولية بيده أو يد أولاده ... 329
في أنّه اذا كان ممتنعا من أداء الزكاة لايجوز للفقير المقاصّة من ماله ... 330
في أنّه يجوز للفقير أن يوكّل شخصا يقبض له الزكاة ... 332
في عدم جريان الفضوليّة في دفع الزكاة ... 332
فيما اذا وكّل شخصا في اخراج زكاته من ماله أو أعطاه له و قال: «ادفعه الى الفقراء» ... 333
فيما لو كان مال زكويّ مشتركا بين اثنين مثلاً ... 335
فيما اذا بقي من المال الذي تعلّق به الزكاة و الخمس مقدار لايفي بهما ... 337
في أنّه لا مانع من اعطاء الزكاة للسائل بكفّه ... 342
في قصد القربة في الزكاة ... 346
فيما اذا دفع المالك الزكاة الى الحاكم الشرعي ليدفعها للفقراء ... 348
فيما اذا كان المشتغل بتحصيل العلم قادرا على الكسب اذا ترك التحصيل ... 349
فيما اذا لم يكن الفقير المشتغل بتحصيل العلم الراجح شرعا قاصدا للقربة ... 349
زكاة الفطرة / 353
فصل في شرائط وجوبها / 357
«الأوّل»: التكليف ... 357
«الثاني»: عدم الاغماء ... 359
«الثالث»: الحرّيّة ... 361
الفرع الأوّل في وجوب زكاة الفطرة على المكاتب ... 362
الفرع الثاني فيما اذا تحرّر من المملوك شيء ... 364
«الرابع»: الغنى ... 365
في أنّه لايعتبر في الوجوب كونه مالكا مقدار الزكاة زائدا على مؤونة السنة ... 369
في أنّه لايشترط في وجوبها الاسلام ... 370
في استحباب اخراجها للفقير ... 372
في أنّ المدار في وجوب الفطرة ادراك غروب ليلة العيد جامعا للشرائط ... 374
فرع في استحباب الفطرة اذا حصل أحد الشرائط بعد الهلال ... 380
فصل فيمن تجب عنه / 381
في وجوب اخراجها بعد تحقّق شرائطها عن نفسه و عن كلّ من يعوله ... 381
فرع في وجوب الزكاة عن الضيف ... 385
في أنّ كلّ من وجبت فطرته على غيره سقطت عن نفسه ... 388
الفرع الأوّل فيما لو لم يخرج عنه من وجبت عليه عصيانا ... 390
الفرع الثاني فيما لو لم يخرج عنه نسيانا أو كان فقيرا ... 391
في وجوب الفطرة عن الزوجة ... 392
في أنّ من وجب عليه فطرة غيره لايجزيه اخراج ذلك الغير عن نفسه ... 395
في حرمة فطرة غير الهاشمي على الهاشمي ... 396
في عدم الفرق في العيال بين أن يكون حاضرا عنده و في منزله أو لا ... 399
في أنّ المملوك المشترك بين مالكين زكاته عليهما بالنسبة ... 400
الفرع الأوّل فيما لو قاسما في خدمة العبد ... 403
الفرع الثاني في أنّه لايعتبر اتّفاق جنس المخرج من الشريكين ... 404
فيما اذا كان شخص في عيال اثنين ... 405
في وجوب فطرة الرضيع على أبيه ان كان هو المنفق على مرضعته ... 407
في عدم اشتراط كون الانفاق من المال الحلال ... 407
فيما لو ملّك شخصا مالاً هبة أو صلحا أو هديّة و هو أنفقه على نفسه ... 408
فيما اذا نزل عليه نازل قهرا عليه و من غير رضاه و صار ضيفا عنده مدّة ... 409
فيما اذا مات قبل الغروب من ليلة الفطر ... 410
في فطرة المطلّقة ... 411
فيما اذا كان غائبا عن عياله أو كانوا غائبين عنه و شكّ في حياتهم ... 412
فصل في جنسها و قدرها / 413
في أنّ الضابط في الجنس: القوت الغالب لغالب الناس ... 413
فرع فيما هو الأفضل في اخراج الفطرة ... 419
في اشتراط الصحّة في الجنس المخرج ... 421
الاجتزاء بقيمة أحد المذكورات من الدراهم و الدنانير أو غيرهما ... 421
في عدم اجزاء نصف الصاع - مثلاً - من الحنطة الأعلى ... 424
في عدم اجزاء الصاع الملفّق من جنسين ... 425
في أنّ المدار قيمة وقت الاخراج لا وقت الوجوب ... 426
في أنّ الواجب في القدر الصاع عن كلّ رأس من جميع الأجناس ... 428
فرع في أنّه لا فرق بين اللبن و غيره في قدر زكاة الفطرة ... 434
فصل في وقت وجوبها / 439
في أنّ وقت الوجوب هو دخول ليلة العيد، جامعا للشرائط ... 439
الفرع الأوّل في انتهاء وقت زكاة الفطرة ... 443
الفرع الثاني فيما اذا خرج وقتها و لم يؤدّها ... 446
في عدم جواز تقديمها على وقتها في شهر رمضان ... 450
في جواز عزلها في مال مخصوص من الأجناس أو غيرها بقيمتها ... 452
فيما اذا عزلها و أخّر دفعها الى المستحقّ ... 454
في نقلها بعد العزل الى بلد آخر ... 456
في تبديلها اذا عزلها في مال معيّن ... 457
فصل في مصرفها / 459
في أنّ مصرفها هو مصرف زكاة المال ... 459
فرع في أنّه هل يجوز اعطاؤها المخالف؟ ... 461
في جواز تولّي دفعها للمالك مباشرة أو توكيلاً ... 463
في أنّ الأحوط أن لايدفع للفقير أقلّ من صاع الاّ اذا اجتمع جماعة لاتسعهم ذلك ... 464
في جواز اعطاء فقير واحد أزيد من صاع ... 466
في استحباب تقديم الأرحام على غيرهم، ثمّ الجيران ... 468
ملحقات في الصدقات المستحبّة / 471
في استحباب الصدقة المتطوّعة في جميع الأوقات و الحالات ... 471
في استحباب أن يعول الانسان أهل بيت من المسلمين ... 473
في أنّ الصدقة باليد أفضل ... 474
في استحباب افتتاح الليل و النهار بالصدقة ... 475
في أنّ الصدقة في شهر رمضان أكثر ثوابا ... 476
في أنّ الصدقة على ذيالرحم و القرابة أفضل و تستحبّ على من اشتدّت حاجته ... 477
في أنّه ينبغي الصدقة من فاضل مؤونة الرجل و مؤونة عياله ... 478
في أنّه لو قصّر في نفقته أو نفقة من يلزمه مؤونته أثم بالصدقة ... 479
في الصدقة بجميع ماله و ايثار الغير على نفسه ... 482
في استحباب العطاء من غير مسألة و الاستتار من الآخذ ... 483
في استحباب عدم السؤال ... 484
في أنّ المنّ و الأذى يبطل ثواب الصدقة ... 486
في استحباب الصدقة بأطيب المال و أحلّه ... 487
في تأكيد استحباب اصطناع المعروف الى العلويّين و السادة و الصدقة اليهم ... 488
في استحباب الصدقة بشيء من المال عند الخوف عليه ... 490
في استحباب قناعة السائل و دعائه لمن أعطاه ... 491
في عدم جواز وضع المعروف في غير موضعه ... 492
في استحباب الصدقة ولو على غير المؤمن ... 494
و مصارفها ثمانية:
«الأوّل و الثاني»: الفقير و المسكين، و الثاني أسوأ حالاً من الأوّل، و الفقير الشرعي من لايملك مؤونة السنة له و لعياله و الغني الشرعي بخلافه، فمن كان عنده ضيعة أو عقار أو مواشٍ أو نحو ذلك تقوم بكفايته و كفاية عياله في طول السنة لايجوز له أخذ الزكاة، و كذا اذا كان له رأس مال يقوم ربحه بمؤونته، أو كان له من النقد أو الجنس ما يكفيه و عياله و ان كان لسنة واحدة، و أمّا اذا كان أقلّ من مقدار كفاية سنته يجوز له أخذها، و على هذا فلو كان عنده بمقدار الكفاية ونقص عنه بعد صرف بعضه في أثناء السنة يجوز له الأخذ و لايلزم أن يصبر الى آخر السنة حتّى يتمّ ما عنده ففي كلّ وقت ليس عنده مقدار الكفاية المذكورة
يجوز له الأخذ و كذا لايجوز لمن كان ذا صنعة أو كسب يحصّل منهما مقدار مؤونته، و الأحوط عدم أخذ القادر على الاكتساب اذا لم يفعل تكاسلاً.
الشرح:
مصارف الزكاة ثمانية، بنصّ القرآن: «انّما الصدقات للفقراء و المساكين و العاملين عليها و المؤلّفة قلوبهم و في الرقاب و الغارمين و في سبيل اللّه و ابن السبيل فريضة من اللّه و اللّه عليم حكيم»(1)و الاجماع.
قال في الجواهر: «أصناف المستحقّين للزكاة ثمانية بالنصّ و الاجماع في محكي المنتهى تارة، و لا خلاف فيه بين المسلمين أخرى، و باجماع العلماء في التذكرة، بل لعلّ الاجماع ظاهر الغنية أيضا أو صريحها، بل يمكن تحصيله لاتّفاق ما وصل الينا من كتب الأصحاب على الثمانية عدا المصنّف في خصوص هذا الكتاب (الشرائع) فجعلهم سبعة بعدّ الفقراء و المساكين صنفا واحدا، بل لم يحك عن أحد من العامّة ذلك أيضا عدا ما عن مجمع البيان من حكايته عن الجبائي و صاحبي أبي حنيفة. انتهى ملخّصا».(2)
ثمّ انّ الأوّل و الثاني من الأصناف الثمانية هما الفقير و المسكين. فالفقير: الذي لايسأل الناس، و المسكين: الذي هو أجهد منه، الذي يسأل.
دلّ على ذلك صحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما عليهماالسلام أنّه سأله عن الفقير و المسكين؟ فقال:
«الفقير: الذي لايسأل، و المسكين: الذي هو أجهد منه، الذي يسأل».(3)
و صحيحة أبي بصير (يعني ليث بن البختري) قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : قول اللّه عزّوجلّ: «انّما الصدقات للفقراء و المساكين». قال: الفقير: الذي لايسأل الناس، و المسكين أجهد منه، و البائس: أجهدهم. الحديث».(1)
و حكي عن ابن ادريس أنّ الفقير أسوأ حالاً من المسكين، و حكي أيضا عن جماعة من الفقهاء و اللغويّين. و استدلّ لهم ببعض الوجوه الضعيفة في نفسها، فضلاً عن صلاحيّتها لمعارضة الصحيحين.(2)
و المتحقّق أنّ الفقير و المسكين يشتركان في استحقاق الزكاة، و يشملهما من لايملك مؤونة سنته. و لا فائدة مهمّة في تحقيق معناهما لغة و الفرق بينهما و أنّ أيّهما أسوأ حالاً، و قد أجمعوا على ارادة كلّ منهما من الآخر حيث يفرد، و على استحقاقهما من الزكاة، و لم يقعا مجتمعين الاّ في الآية، و انّما تظهر الفائدة في أمور نادرة.
قال في التذكرة: «و لا فائدة للفرق بينهما في هذا الباب؛ لأنّ الزكاة تدفع الى كلّ منهما، و العرب تستعمل كلّ واحد منهما في معنى الآخر. نعم، يحتاج الى الفرق بينهما في باب الوصايا و النذور و غيرهما، و الضابط في الاستحقاق عدم الغنى الشامل لهما».(3)
الفقير الشرعي من لايملك مؤونة سنته و عياله، و الغني الشرعي بخلافه و هذا هو المشهور.
قال في الشرائع: «الفقراء و المساكين، و هم الذين تقصر أموالهم عن مؤونة سنتهم، و قيل: من يقصر ماله عن أحد النصب الزكويّة. انتهى».(1)
و في الجواهر: «فالحدّ المسوّغ لتناول الزكاة في الصنفين عدم الغنى الشامل للمعنيين، فمتى تحقّق استحقّ صاحبه الزكاة بلا خلاف. و عن المنتهى الاعتراف به، كما أنّه اذا تحقّق الغنى أو ما في حكمه حرمت بلا خلاف أيضا، بل قد تواتر أنّها لاتحلّ لغنيّ. نعم، قد اختلف الأصحاب فيما به يتحقّق عدم الغنى، و المشهور بين المتأخّرين من الأصحاب تحقّقه بقصور المال أو ما يقوم مقامه عن مؤونة السنة له و لعياله، فيكون الغني من لم يقصر ماله قوّة أو فعلاً عن ذلك، بل عليه عامّتهم عدا النادر الذي لايعبأ بخلافه، بل نسبه غير واحد الى الشهرة من غير تقييد، و عن آخر نسبته الى محقّقي المذهب، و حكاه في المعتبر عن الشيخ في باب قسم الصدقات للمرسل في المقنعة عن يونس بن عمّار: «سمعت الصادق عليه السلام يقول: تحرم الزكاة على من عنده قوت السنة»».(2)
و الدليل على أنّ الفقير الشرعي من لايملك مؤونة سنته و عياله فعلاً أو قوّة، صحيحة أبي بصير قال:
«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول: يأخذ الزكاة صاحب السبعمائة اذا لم يجد غيره. قلت: فانّ صاحب السبعمائة تجب عليه الزكاة؟ قال: زكاته صدقة على عياله، و لايأخذها الاّ أن يكون اذا اعتمد على السبعمائة أنفدها في أقلّ من سنة، فهذا يأخذها، و لاتحلّ الزكاة لمن كان محترفا و عنده ما تجب فيه الزكاة (أن يأخذ الزكاة)».(3)
و صحيحة معاوية بن وهب قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يكون له ثلاثمائة درهم أو أربعمائة درهم و له عيال و هو يحترف فلايصيب نفقته فيها، أيكبّ فيأكلها و لايأخذ الزكاة، أو يأخذ الزكاة؟ قال: لا، بل ينظر الى فضلها فيقوت بها نفسه و من وسعه ذلك من عياله و يأخذ البقيّة من الزكاة، و يتصرّف بهذه لاينفقها».(1)
و موثّقة سماعة عن أبي عبداللّه قال:
«قد تحلّ الزكاة لصاحب السبعمائة و تحرم على صاحب الخمسين درهما. فقلت له: و كيف يكون هذا؟ قال: اذا كان صاحب السبعمائة له عيال كثير فلو قسّمها بينهم لم تكفه فليعفُ عنها نفسه و ليأخذها لعياله، و أمّا صاحب الخمسين فانّه تحرم عليه اذا كان وحده و هو محترف يعمل بها و هو يصيب منها ما يكفيه ان شاء اللّه».(2)
و موثّقة ثانية لسماعة قال:
«قال: سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الزكاة، هل تصلح لصاحب الدار والخادم؟ فقال: نعم، الاّ أن تكون داره دار غلّة فخرج له من غلّتها دراهم ما يكفيه لنفسه و عياله، فان لم تكن الغلّة تكفيه لنفسه و عياله في طعامهم و كسوتهم و حاجتهم من غير اسراف فقد حلّت له الزكاة، فان كانت غلّتها تكفيهم فلا».(3)
و خبر علي بن اسماعيل الدغشي (المروي عن العلل) قال:
«سألت أبا الحسن عليه السلام عن السائل و عنده قوت يوم، أيحلّ له أن يسأل؟ و ان أعطي شيئا من قبل أن يسأل يحلّ له أن يقبله؟ قال:
يأخذ و عنده قوت شهر ما يكفيه لسنته من الزكاة؛ لأنّها انّما هي من سنة الى سنة».(1)
و في العلل نحوه: «يأخذه و عنده قوت شهر و ما يكفيه لسنة من الزكاة».(2)
و خبر هارون بن حمزة قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : يروى عن النبي صلى الله عليه و آله أنّه قال: لاتحلّ الصدقة لغنيّ و لا لذي مرّة سوي. فقال: لاتصلح لغنيّ. قال: فقلت له: الرجل يكون له ثلاثمائة درهم في بضاعة و له عيال فان أقبل عليها أكلها عياله و لم يكتفوا بربحها؟ قال: فلينظر ما يستفضل منها فليأكله هو و من يسعه ذلك، و ليأخذ لمن لم يسعه من عياله».(3)
و مرسلة يونس بن عمّار قال:
«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول: تحرم الزكاة على من عنده قوت السنة،(و تجب الفطرة على من عنده قوت السنة)(4). الحديث».(5)
و يؤيّد ما تقدّم: قوله عليه السلام في مرسلة حمّاد الطويلة بعد ذكر الزكاة و المصارف الثمانية:
«يقسّم بينهم في مواضعهم بقدر ما يستغنون به في سنتهم بلا ضيق و لا تقتير».(6)
فانّ الظاهر من هذه الروايات أنّ الفقير الشرعي هو من لم يكن عنده قوت سنته، سواء كان عنده ما يكفيه لشهر أو أكثر أو لم يكن له قوت أصلاً. و هذا الذي
1) - وسائل الشيعة 9: 233 / الباب 8 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 7.
2) - علل الشرائع 2: 372.
3) - وسائل الشيعة 9: 239 / الباب 12 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 4.
4) - ما بين القوسين ليس في المصدر. هامش الوسائل
5) - وسائل الشيعة 9: 234 / الباب 8 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 10.
6) - وسائل الشيعة 9: 266 / الباب 28 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 3.
يظهر من الروايات يدور عليه عرف التجّار و الكسبة من أنّهم يحاسبون أموالهم في نهاية سنتهم لكي يعلموا الربح و عدمه و يحاسبون أيضا ما صرف في معيشتهم طول السنة. و الزرّاع أيضا يأخذون قوت سنتهم ممّا يزرعونه من الحنطة و الشعير و غيرهما.
ففي الجواهر: «انّ الفقر لغة و عرفا الحاجة. قال اللّه تعالى: «يا أيّها الناس أنتم الفقراء الى اللّه»(1). و من قصرت أمواله عن كفاية عامه فهو محتاج بل لعلّ المراد من النصوص التي يمرّ عليك بعضها المشتملة على الكفاية و عدمها و نحو ذلك كفاية السنة، و أنّه ترك التعرّض لها في كثير منها لمعلوميّة ذلك ولو بحسب عادة أغلب أفراد الانسان من الاهتمام بأمر قوت السنة، بل النصوص التي ذكرناها فيها اشارة الى تعارف ذلك، و الى معلوميّة كون المراد من اطلاق الكفاية و نحوها ذلك».(2)
و أنت اذا أحطت بما ذكرنا من الروايات و ما يظهر منها عرفت مستند قول الماتن من أنّ من كان عنده ضيعة أو عقار أو مواشٍ أو نحو ذلك تقوم بكفايته و كفاية عياله في طول السنة لايجوز له أخذ الزكاة، و كذا اذا كان له رأس مال يقوم ربحه بمؤونته ... الى آخر ما في المتن. و سيأتي شرح الجملات.
و أمّا القول الثاني المنسوب الى الشيخ و غيره - ان كانت النسبة صحيحة - من أنّ العبرة بملك أحد النصب الزكويّة عينا أو قيمة، فيستدلّ له بما ورد في غير واحد من رواياتنا من أنّ اللّه تعالى «جعل للفقراء في أموال الأغنياء ما يكفيهم»، أو أنّه تعالى «أشرك الفقراء في أموال الأغنياء» و نحو ذلك ممّا تضمّن تعلّق الزكاة في أموال الأغنياء الكاشف عن أنّ الغني هو من يملك أحد النصب الزكويّة. و قد ورد من طرق العامّة أنّه صلى الله عليه و آله قال لمعاذ حين بعثه الى اليمن: «انّك تأتي قوما أهل كتاب
فادعهم الى شهادة أن لا اله الاّ اللّه و أنّ محمّدا رسول اللّه، فان هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أنّ اللّه قد فرض عليهم خمس صلوات في اليوم و الليلة، فان هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أنّ اللّه قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فتردّ على فقرائهم».(1)
و أجيب أوّلاً: انّ هذا أخصّ من المدّعى؛ اذ لو تمّ فمفاده اعتبار ملكيّة العين الزكويّة بشخصها، و المدّعى أعمّ منها و من القيمة.
و ثانيا: لازم ذلك أن يقال لمن لايملك شيئا من الأعيان الزكويّة الاّ أنّه يملك الآلاف من الدور و العقارات و البساتين و نحوها: انّه فقير تصل اليه الزكاة. و أمّا من ملك خمسة أوسق من الشعير مثلاً ممّا لايفي الاّ لقوت أيّام قلائل من سنته فيقال انّه غنيّ لاتحلّ له الزكاة، و هذا كما ترى واضح الفساد. و الظاهر أنّ مفادتلك الروايات أنّ الغنيّ تجب عليه الزكاة اذا كان ما يملكه من الأجناس الزكويّة بشرائطها، لا أنّ من تجب عليه الزكاة غنيّ ليدور صدق الغنى و الفقر مدار ملك النصاب و عدمه.
و بعد أن اتّضح معنى الفقير الشرعي و الغني الشرعي، فنقول توضيحا لما في المتن:
الأوّل: من كان له مال أعدّه للاستفادة من منافعه - من غير أن يكون معدّا للتجارة - كما لو كانت له شياة يستفيد من ألبانها و أصوافها أو دار ينتفع من غلّتها، فان كانت وافية بالمؤونة لاتحلّ له الزكاة و الاّ حلّ التتميم بها، كما نطقت به الموثّقة الثانية لسماعة المتقدّمة، فانّ موردها و ان كان هو الدار المعدّة للايجار و الانتفاع من غلّتها الاّ أنّه لا خصوصيّة لها بمقتضى الفهم العرفي، فيعمّ غيرها من دكّان أو عقار أو خان و نحو ذلك ممّا يحتفظ بعينه و ينتفع من ربحه.
و يؤيّده خبر اسماعيل بن عبدالعزيز عن أبيه قال:
1) - جواهر الكلام 15: 306.
«دخلت أنا و أبو بصير على أبي عبداللّه عليه السلام فقال له أبو بصير: انّ لنا صديقا - الى أن قال: - و له دار تسوى أربعة آلاف درهم، و له جارية، و له غلام يستقي على الجمل كلّ يوم ما بين الدرهمين الى الأربعة سوى علف الجمل، و له عيال، أ له أن يأخذ من الزكاة؟ قال: نعم. قال: و له هذه العروض؟ فقال: يا أبا محمّد، فتأمرني أن آمره ببيع داره و هي عزّه و مسقط رأسه؟ أو (ببيع خادمه الذي يقيه)(1)الحرّ و البرد و يصون وجهه و وجه عياله؟! أو آمره أن يبيع غلامه و جمله و هو(2)معيشته و قوته؟! بل يأخذ الزكاة، فهي له حلال، و لايبيع داره و لاغلامه و لا جمله».(3)
و خبر سعيد بن يسار قال:
«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول: تحلّ الزكاة لصاحب الدار و الخادم؛ لأنّ أبا عبداللّه عليه السلام لم يكن يرى الدار و الخادم شيئا».(4)
الثاني: كان له مال معدّ للتجارة فتبدّلت العين بعين أخرى و لاتبقى محفوظة عنده - كما في الفرض السابق - و حينئذ تارة يكون الربح وافيا بالمؤونة، فهذا لايجوز له أخذ الزكاة؛ لأنّه غنيّ شرعي، و أخرى لايكون الربح وافيا ولو بضميمة الأصل، فيجوز له أخذ الزكاة؛ لأنّه فقير شرعي. و ثالثة يكون رأس المال بمجرّده وافيا بالمؤونة و لم يكن الربح كافيا، فهل يعدّ مثل هذا فقيرا يحلّ له أخذ الزكاة أم لا؟
نسب صاحب الحدائق الى الشيخ و المحقّق في النافع و العلاّمة و غيرهم من
جواز تناول الزكاة لمن كان له مال يتعيّش به أو ضيعة أو دار يستغلّها اذا كانت الغلّة و النماء يعجزان عن كفايته و ان كان بحيث يكفيه رأس المال و ثمن الضيعة أو الدار لكفاية سنته، فانّه لايكلّف بالانفاق من رأس ماله و لا بيع ضيعته و داره بل يأخذ التتمّة من الزكاة.(1)و هو الصحيح.
و يدلّ عليه قوله عليه السلام في صحيحة معاوية بن وهب المتقدّمة:
«لا، بل ينظر الى فضلها فيقوت بها نفسه، و من وسعه ذلك من عياله و يأخذ البقيّة من الزكاة، و يتصرّف بهذه لاينفقها».(2)
فانّه عليه السلام جعل المعيار النظر الى فضل رأس المال و ربحه و أنّه ان لم يف بالمؤونة يأخذ البقيّة من الزكاة، و لاينظر في ذلك الى رأس المال نفسه، و مقتضى الاطلاق عدم الفرق بين صورتي كفافه بالمؤونة و عدمه. مضافا الى أنّه عليه السلام ترك الاستفصال عن أنّ رأس المال - و هو الثلاثمائة أو الأربعمائة في كلام الراوي - هل يكون وافيا بمؤونة السنة أم لا؟ فانّ ذلك يدلّ على اطلاق الحكم و شموله لكلتا الصورتين.
و يؤيّده قوله عليه السلام في خبر هارون بن حمزة المتقدّم:
«فلينظر ما يستفضل منها فليأكله هو و من يسعه ذلك، و ليأخذ لمن لم يسعه من عياله».(3)
الثالث: تكون له حرفة يتعيّش بها، كالبنّاء و النجّار و الخيّاط و نحوهم من أرباب المهن و الحرف، و حكمه أنّ حرفته ان كانت وافية بمؤونة سنته لنفسه و عياله لاتحلّ له الزكاة، و الاّ يحلّ التتميم منها.
و يدلّ عليه صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«سمعته يقول: انّ الصدقة لاتحلّ لمحترف و لا لذي مرّة سويّ قويّ، فتنزّهوا عنها».(1)
و صحيحته الأخرى عنه عليه السلام قال:
«قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: لاتحلّ الصدقة لغنيّ و لا لذي مرّة سويّ و لا لمحترف و لا لقويّ. قلنا: ما معنى هذا؟ قال: لايحلّ له أن يأخذها و هو يقدر على أن يكفّ نفسه عنها».(2)
و قوله عليه السلام في صحيحة أبي بصير المتقدّمة:
«و لاتحلّ الزكاة لمن كان محترفا و عنده ما تجب فيه الزكاة (أن يأخذ الزكاة)(3)».(4)
هذا مضافا الى أنّه من كان ذا حرفة و كانت حرفته وافية بمؤونة سنته لايعدّ في العرف فقيرا، و لو لم تكن كذلك ينطبق عليه عنوان الفقير و يحلّ له أخذ الزكاة.
الرابع: من كان قادرا على الاكتساب ولكنّه يتكاسل عن ذلك، فهل تحلّ له الزكاة نظرا الى حاجته الفعليّة أم لا باعتبار قوّته و قدرته على تحصيل المؤونة.
فليعلم أوّلاً أنّ القدرة على التكسّب و الصنعة الغير اللائقين بحاله ليست مانعة من أخذ الزكاة جزما، فلايكلّف الرفيع ببيع الحطب و الحرث و الكنس و خدمة من دونه في الشرف و أشباه ذلك ممّا فيه مذلّة في العرف و العادة، فانّ ذلك أصعب من بيع خادمه و داره، و قد عرفت في خبر اسماعيل بن عبدالعزيز المتقدّم التصريح بعدم لزومه، مع ما فيه من الحرج المنفي بالكتاب و السنّة. و منه يعلم عدم مانعيّة القدرة على الحرف و الصنائع الشاقّة التي لاتتحمّل في العادة و ان
لم تكن منافية لشأنه، مضافا الى أنّ القدرة على مثل هذه الأمور لاتجعله كالغني، و الاّ فقلّما يوجد فقير في العالم.
انّما الكلام فيمن كان قادرا على الاكتساب اللائق بحاله و لم يكن شاقّا الاّ أنّه لم يفعل و لم يشتغل به تكاسلاً.
قال في الجواهر: «اذا لم يكن محترفا فعلاً الاّ أنّه قابل لاكتساب ذلك فلايخلو من اشكال ينشأ من اختلاف عبارات الأصحاب في المقام؛ لظهور جملة منها في اعتبار كونه محترفا فعلاً، و أخرى في الاكتفاء بقدرته على ذلك - الى أن قال: - فانّقوله عليه السلام في صحيحة زرارة: «انّ الصدقة لا تحلّ لمحترف و لا لذي مرّة سويّ قويّ فتنزّهوا عنها» مشعر بالكراهة لا الحرمة، كما أنّ قوله عليه السلام في صحيحة أخرى لزرارة: «لاتحلّ الصدقة لغنيّ و لا لذي مرّة سويّ و لا لمحترف و لا لقويّ. قلنا: ما معنى هذا؟ قال: لايحلّ له أن يأخذها و هو يقدر على ما يكفّ نفسه عنها» يوافق القول الثاني أي الحرمة، الاّ أنّه يمكن حمل نفي الحلّ في الصحيحة الثانية على الكراهة أيضا، كما أنّ الظاهر من انكاره أنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله قال ذلك جواز تناولها لذي القوّة (مراده من انكاره عليه السلام ) ... مرسلة الصدوق حيث قال: «و قيل للصادق عليه السلام : انّ الناس يروون عن رسول اللّه صلى الله عليه و آله أنّه قال: انّ الصدقة لاتحلّ لغنيّ و لا لذي مرّة سوي؟ فقال: قد قال: لغني، و لم يقل: لذي مرّة سوي»، لكن في الوافي جعل الوجه فيه «انّ ذكر الغني يغني عن ذكر ذي المرّة السوي ... » و هو كما ترى، و الأولى حمله على ما قلنا، فيدلّ على جواز اعطاء ذي القوّة اذا لم يكن محترفا فعلاً. انتهى ملخّصا».(1)
أقول:
و لنذكر الروايات الواردة في المقام حتّى يتّضح الحال، ففي صحيحة زرارة بن
1) - جواهر الكلام 15: 312 - 314.
أعين عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«سمعته يقول: انّ الصدقة لا تحلّ لمحترف و لا لذي مرّة سويّ قويّ فتنزّهوا عنها».(1)
و في صحيحة معاوية بن وهب قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : يروون عن النبي صلى الله عليه و آله أنّ الصدقة لاتحلّ لغنيّو لا لذي مرّة سوي. فقال أبو عبداللّه عليه السلام : لاتصلح لغنيّ».(2)
و في مرسلة الصدوق:
«و قيل للصادق عليه السلام : انّ الناس يروون عن رسول اللّه صلى الله عليه و آله أنّه قال: انّ الصدقة لاتحلّ لغنيّ و لا لذي مرّة سويّ. فقال: قد قال: لغنيّ، و لم يقل: لذي مرّة سويّ».(3)
و في مرسلة أخرى له:
«عن الصادق عليه السلام أنّه قال: قد قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: انّ الصدقة لاتحلّ لغنيّ، و لم يقل: و لا لذي مرّة سويّ».(4)
و في صحيحة زرارة الثانية عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: لاتحلّ الصدقة لغنيّ و لا لذي مرّة سويّ و لا لمحترف و لا لقويّ. قلنا: ما معنى هذا؟ قال: لايحلّ له أن يأخذها و هو يقدر على أن يكفّ نفسه عنها».(5)
و في خبر أبي البختري عن جعفر عن أبيه عن علي عليه السلام أنّه كان يقول:
1) - وسائل الشيعة 9: 231 / الباب 8 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 2.
2) - وسائل الشيعة 9: 231 / الباب 8 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 3.
3) - وسائل الشيعة 9: 232 / الباب 8 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 5.
4) - وسائل الشيعة 9: 233 / الباب 8 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 9.
5) - وسائل الشيعة 9: 233 / الباب 8 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 8 .
«لاتحلّ الصدقة لغنيّ و لا لذي مرّة سويّ».(1)
فانّ الظاهر من صحيحتي زرارة و خبر أبي البختري عدم حلّيّة الزكاة لمن كان قادرا على الكسب و ان لم يكن محترفا فعلاً، كما عليه المشهور، و مستفاد صحيحة معاوية بن وهب و مرسلتي الصدوق عدم حلّيتها لمن كان محترفا فعلاً حتّى يقال انّه غنيّ، كما عليه صاحب الجواهر، ولكنّ التأمّل في الروايات يقتضيالتعارض بين صحيحة زرارة الثانية و مرسلتي الصدوق، و التقدّم للصحيحة و يقوّيها صحيحة زرارة الأولى. و لايرد عليها ما أورده صاحب الجواهر من أنّ التنزّه مشعر بالكراهة؛ لأنّ التنزّه لغة بمعنى الابتعاد و الاجتناب. و لايعارضها أيضا قوله عليه السلام في صحيحة معاوية بن وهب «لاتصلح لغنيّ»؛ لأنّ المحترف المتقاعد عنه تكاسلاً على قسمين: فقسم منه مضى وقت اكتسابه لكونه موقّتا بوقت خاصّ كمن كان شغله الحملداريّة فتهاون و لم يتبادر الى التهيّؤ حتّى تحرّك القافلة، و هو فعلاً فقير لا مال له و ليست له مهنة أخرى، و قسم منه متمكّن من الاكتساب فعلاً الاّ أنّه لم يتلبّس به و لم يشتغل به تكاسلاً فهو غنيّ، و لعلّ اكتفاء الامام عليه السلام بأنّه «لاتصلح لغنيّ» لاخراج القسم الأوّل كما يمكن حمل مرسلتي الصدوق عليه أيضا، كما لعلّه يكون توجيه الوافي. و المتحصّل من الروايات عدم حلّية الزكاة لمن كان ذا حرفة فرغب عنه تكاسلاً. نعم، لو لم يشتغل بالتكسّب و صار فقيرا محتاجا الى ما يقوت به نفسه و عياله يجوز لمن وجب عليه الزكاة أن يعطيه و ان كان الآكل عاصيا بجعل نفسه و عياله عرضة لصرف الزكاة مع قدرته على التنزّه عنها.
قال الشيخ مرتضى الأنصاري: «و لو ترك المحترف الحرفة فاحتاج في زمان لايقدر عليها، كما لو ترك العمل نهارا فاحتاج ليلاً، و كما لو ترك البنّاء عمل البناء في الصيف فاحتاج في الشتاء مع عدم حصول ذلك العمل له في الشتاء فيه
1) - وسائل الشيعة 9: 234 / الباب 8 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 11.
اشكال: من صدق الفقير عليه، و أنّه لايقدر في الحال على ما يكفّ به نفسه عن الزكاة، فيعمّه أدلّة جواز الأخذ. و من صدق المحترف و ذيالمرّة السويّ عليه فيشمله أدلّة المنع، و هو الأقوى؛ لعدم معلوميّة صدق الفقير عليه، و الاّ لصدق على المحبوس الغني، و لم يجعل ابن السبيل قسيما للفقير في الكتاب(1)والسنّة(2). نعم، لابأس بالصرف اليه من سهم سبيل اللّه. لكنّ الانصاف أنّه لو لم ينعقد الاجماع على الخلاف قوي القول بجواز الدفع الى كلّ محتاج في آن حاجته، و ان كان عرض له ذلك في زمان يسير ولو بسوء اختياره كما هو مقتضى العمومات. بل ربّما اختار بعض مشايخنا المعاصرين اعتبار التكسّب الفعلي في تحقّق الغنى، فيعطى القادر على الحرفة و الصنعة اذا لم يشتغل بهما فعلاً باختياره و ان كان حين الاعطاء قادرا، لكنّه خلاف ظاهر النصوص و الفتاوى و ان كان ظاهر بعض العبارات ربّما يوهم اعتبار الفعليّة، و قد استفاضت النصوص بأنّه «لاتحلّ الصدقة لغنيّ و لا لذي مرّة سويّ»، و ان كان في بعض الأخبار أنّ ذيله ليس قول رسول اللّه صلى الله عليه و آله، لكنّ الظاهر كما فهمه غير واحد أنّ المراد عدم الحاجة له لدخوله في الغني، مع أنّه لا دلالة في ذلك على شيء».(3)
و أمّا من عوّد نفسه على التكدّي و انصرف عن الاكتساب و هو يقدر على ذلك، فلايجوز اعطاؤه الزكاة؛ لأنّه غنيّ في الواقع.
قال المحقّق الهمداني: «انّما الاشكال فيمن يقدر على كسب لائق بحاله وافٍ بمؤونته، ولكنّه لم يتعوّد على الاكتساب، ككثير من البطّالين و أهل السؤال و أشباههم ممّن لهم قدرة و قوّة على كثير من الصنائع و الحرف اللائقة بحالهم، ولكنّهم تعوّدوا على التعيّش بأخذ الصدقات و الصبر على الفقر و الفاقة، و تحمّل
ذُلّ السؤال، و تناول وجوه الخيرات و الصدقات و ترك الاكتساب، فانّه يصدق عليهم عرفا اسم الفقير، ولكنّه هو في الواقع غنيّ، أي قادر على أن يكفّ نفسه عنها. و قد أشرنا آنفا الى أنّ هذا المعنى هو المراد بالغني في هذا الباب في مقابلالمحتاج الذي هو معنى الفقير. فالقول بعدم الجواز - كما نسب الى المشهور(1)- هو الأقوى. و ما في الجواهر من دعوى السيرة على دفعها على مثل هذه الأشخاص محلّ نظر، بل منع، و اللّه العالم».(2)
(مسألة 1): لو كان له رأس مال لايقوم ربحه بمؤنته لكن عينه تكفيه لايجب عليه صرفها في مؤونته بل يجوز له ابقاؤه للاتّجار به و أخذ البقيّة من الزكاة، و كذا لو كان صاحب صنعة تقوم آلاتها أو صاحب ضيعة تقوم قيمتها بمؤونته ولكن لايكفيه الحاصل منهما لايجب عليه بيعها و صرف العوض في المؤونة بل يبقيها و يأخذ من الزكاة بقيّة المؤونة.
قد عرفت شرح هذه المسألة لدى التعرّض لمصاديق الفقير في الفروض المتقدّمة.
(مسألة 2): يجوز أن يعطى الفقير أزيد من مقدار مؤونة سنته دفعة فلايلزم الاقتصار على مقدار مؤونة سنة واحدة، و كذا في الكاسب الذي لايفي كسبه بمؤونة سنته، أو صاحب الضيعة التي لايفي حاصلها، أو التاجر الذي لايفي ربح تجارته بمؤونة سنته لايلزم الاقتصار على اعطاء التتمّة، بل يجوز دفع ما يكفيه لسنين، بل يجوز جعله غنيّا عرفيّا و ان كان الأحوط الاقتصار. نعم، لو
أعطاه دفعات لايجوز بعد أن حصل عنده مؤونة السنة أن يعطى شيئا و لو قليلاً مادام كذلك.
الشرح:
ما ذهب اليه الماتن من جواز اعطاء الفقير أزيد من مقدار مؤونة سنته دفعة هو المشهور.
قال في المدارك: «أمّا جواز تناول الزكاة لذي الكسب القاصر عن نفقة السنة له و لعياله فقال العلاّمة في التذكرة: انّه موضع وفاق بين العلماء. و انّما الخلاف في تقدير الأخذ و عدمه، فذهب الأكثر الى أنّه لايتقدّر بقدر، بل يجوز أن يعطى ما يغنيه و يزيد على غناه كغير المكتسب؛ لاطلاق الأمر و الروايات الخاصّة - الى أن قال: - انّ الأجود ما اختاره المصنّف (صاحب الشرائع) و الأكثر من عدم اعتبار هذا الشرط».(1)
و الدليل على قول المشهور روايات:
منها صحيحة سعيد بن غزوان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«تعطيه من الزكاة حتّى تغنيه».(2)
و منها صحيحته الأخرى عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته: كم يعطى الرجل الواحد من الزكاة؟ قال: أعطه من الزكاة حتّى تغنيه».(3)
و منها موثّقة عمّار بن موسى عن أبي عبداللّه عليه السلام :
«أنّه سئل: كم يعطى الرجل من الزكاة؟ قال: قال أبو جعفر عليه السلام : اذا
أعطيت فأغنه».(1)
و منها موثّقة اسحاق بن عمّار عن أبي الحسن موسى عليه السلام قال:
«قلت له: أعطي الرجل من الزكاة ثمانين درهما؟ قال: نعم، و زده. قلت: أعطيه مائة؟ قال: نعم، و أغنه ان قدرت أن تغنيه».(2)
و منها خبر اسحاق بن عمّار قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : أعطي الرجل من الزكاة مائة درهم؟ قال: نعم. قلت: مائتين؟ قال: نعم. قلت: ثلاثمائة؟ قال: نعم. قلت: أربعمائة؟ قال: نعم. قلت: خمسمائة؟ قال: نعم، حتّى تغنيه».(3)
و منها صحيحة أبي بصير قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : انّ شيخا من أصحابنا يقال له عمر، سأل عيسى بن أعين و هو محتاج، فقال له عيسى بن أعين: أما انّ عندي من الزكاة ولكن لاأعطيك منها. فقال له: و لم؟ فقال: لأنّي رأيتك اشتريت لحما و تمرا. فقال: انّما ربحت درهما فاشتريت بدانقين لحما و بدانقين تمرا ثمّ رجعت بدانقين لحاجة. قال: فوضع أبو عبداللّه عليه السلام يده على جبهته ساعةً ثمّ رفع رأسه ثمّ قال: انّ اللّه نظر في أموال الأغنياء ثمّ نظر في الفقراء فجعل في أموال الأغنياء ما يكتفون به و لو لم يكفهم لزادهم، بلى فليعطه ما يأكل و يشرب و يكتسي و يتزوّج و يتصدّق و يحجّ».(4)
الى غير ذلك من النصوص المرخّصة في الاغناء.
و استدلّ للقول الآخر: أنّ الزكاة شرّعت لسدّ فاقة الفقراء و رفع حاجتهم، و هذا لايقتضي استحقاق الفقير منها أزيد من مقدار كفايته بل يقتضي عدمه، و من أين يمكن أن يقال بجواز دفع زكوات البلد التي ربّما تبلغ الألوف و الملايين الى فقير واحد - ولو دفعة واحدة - و جعله من أكبر الأثرياء مع ابقاء سائر الفقراء على حالهم، و كيف هذا يجامع حكمة تشريع الزكاة، فانّ الزكاة انّما شرّعت لعلاج مشكلة الفقر و دفعه عن المجتمع.
و يؤيّده بل يشهد له ما دلّ على أنّ اللّه فرض للفقراء في أموال الأغنياء ما يكتفون به، و لو علم أنّ الذي فرض لهم لايكفيهم، لزادهم، فانّه يستفاد من مثل هذه الأخبار أنّ اللّه تعالى لم يجعل لهم أزيد من مقدار حاجتهم. و يؤيّده أيضا الروايات الواردة في ذيالكسب القاصر، مثل قوله عليه السلام في صحيحة معاوية بن وهب: «و يأخذ البقيّة من الزكاة»(1)، و خبر هارون بن حمزة قال:
«قال: فلينظر ما يستفضل منها فليأكله هو و من يسعه ذلك، و ليأخذ لمن لم يسعه من عياله».(2)
و كذا قوله عليه السلام في موثّقة سماعة:
«اذا كان صاحب السبعمائة له عيال كثير فلو قسّمها بينهم لم تكفه فليعف عنها نفسه و ليأخذها لعياله».(3)
فانّه يستشعر من مثل هذه الأخبار، بل قد يستظهر منها قصر الرخصة على أخذ البقيّة خاصّة. و يؤيّده أيضا ما دلّ على أنّ الفقير الذي عنده قوت شهر أو شهرين له أن يأخذ قوت سنته، معلّلاً ذلك بأنّها من سنة الى سنة، فانّه يفهم منالتعليل المزبور نفي استحقاق ما زاد عن سنة.
مضافا الى ما قد يقال من أنّه لا منافاة بين هذه الروايات الظاهرة أو المشعرة بعدم جواز أخذ ما يزيد على الكفاية، و بين الروايات المتقدّمة التي جعل فيها الاغناء غاية للرخصة، بل هي أيضا مؤيّدة للمطلوب؛ اذ الغنى يتحقّق بدفع ما يكفي لمؤونته، و لذا لايجوز دفع ما زاد على هذا المقدار ثانيا بعد أن دفع اليه أوّلاً بمقدار كفايته، فما زاد على هذا المقدار زائد عن حدّ الاغناء، فلاتدلّ الروايات المزبورة على جوازه، بل تدلّ على عدمه؛ لزيادته عن الحدّ المرخّص فيه.
و الجواب عن استدلالهم أوّلاً: أنّ الظاهر من الغنى في الروايات هو الغنى العرفي و الدليل عليه فهم المشهور و المتفاهم العرفي منها. نعم، انّ المستفاد من قوله عليه السلام «حتّى تغنيه» عرفا ليس دفع زكوات البلد التي ربّما تبلغ الألوف و الملايين لفقير واحد و جعله من أكبر الأثرياء، بل المراد منه اعطاؤه بقدر ما يحتاج اليه من الدار و أثاث البيت و نحوها و ما يكون وسيلة لكسبه، كلّ ذلك على حدّ المتوسّط في المجتمع. و لو كان في البلد فقراء كثيرون و كانت الزكاة قليلة فعلى الحاكم أن يقسّم بينهم على حسب شأنهم، و الكلام هنا في جواز اعطاء الفقير أزيد من كفاية سنته من دون لحاظ خصوصيّة أخرى.
و ثانيا: ما أشار اليه المخالف ممّا ورد من «أنّ اللّه فرض للفقراء في أموال الأغنياء ... »، ففيه: انّه لايستفاد من مثل هذه الأخبار أنّ اللّه تعالى لم يجعل لهم أزيد من مقدار حاجتهم، بل يستفاد من مجموعها أنّه لو كان يعطي كلّ من وجبت عليه الزكاة زكاته، لما وجد فقير؛ لأنّه تعالى عالم بوضع الأحكام و مصالحها.
و ثالثا: ما ذكر من الروايات الواردة في ذيالكسب القاصر من أنّه «يأخذ البقيّة من الزكاة»، و أنّ المستفاد منها قصر الرخصة على أخذ البقيّة خاصّة، ففيه: انّ المورد فيمن كان له كسب و حرفة و له أدوات و رأس مال، و من المعلوم أنّ هذالايكون محتاجا مطلقا، بل محتاج الى مقدار من مؤونته، مضافا الى أنّ الجمع بين هذه الروايات و الأخبار المتقدّمة يقتضي جواز اعطائه حتّى لايحتاج الى الزكاة
أصلاً، و أنّ المراد من أنّه «يأخذ البقيّة» استحباب العفاف و التنزّه منها.
(مسألة 3): دار السكنى و الخادم و فرس الركوب المحتاج اليها بحسب حاله ولو لعزّه و شرفه لايمنع من اعطاء الزكاة و أخذها، بل و لو كانت متعدّدة مع الحاجة اليها، و كذا الثياب و الألبسة الصيفيّة و الشتويّة السفريّة و الحضريّة ولو كانت للتجمّل و أثاث البيت من الفروش و الظروف و سائر ما يحتاج اليه فلايجب بيعها في المؤونة، بل لو كان فاقدا لها مع الحاجة جاز أخذ الزكاة لشرائها، و كذا يجوز أخذها لشراء الدار و الخادم و فرس الركوب و الكتب العلميّة و نحوها مع الحاجة اليها. نعم، لو كان عنده من المذكورات أو بعضها أزيد من مقدار حاجته بحسب حاله وجب صرفه في المؤونة، بل اذا كانت عنده دار تزيد عن حاجته و أمكنه بيع المقدار الزائد منها عن حاجته وجب بيعه، بل لو كانت له دار تندفع حاجته بأقلّ منها قيمة فالأحوط بيعها و شراء الأدون، و كذا في العبد و الجارية و الفرس.
الشرح:
ما ذهب اليه الماتن من جواز اعطاء الزكاة الى من كان له دار السكنى و الخادم و فرس الركوب المحتاج اليها بحسب حاله - الى آخر ما ذكر - هو الصحيح؛ لأنّ مناط أخذ الزكاة الاحتياج الذي لايقدر رفعه الاّ ببيع سائر ما يحتاج اليه من داره و خادمه و غيرهما و قد تقدّم ما يدلّ على ذلك من موثّقة سماعة الثانية(1)و خبراسماعيل بن عبدالعزيز(2)و خبر سعيد بن يسار(3)في ابتداء البحث.
نعم، لو كان عنده من المذكورات أو بعضها أزيد من مقدار حاجته بحسب
حاله وجب صرفه في المؤونة، كما لو كانت عنده دار واسعة تشتمل على عشر غرف و هو يكتفي بثلاث غرف - مثلاً - فيبقى سبع منها فارغة و هو مستغنٍ عنها. و لاينبغي التأمّل في عدم جواز أخذ الزكاة حينئذ؛ لوجود الزائد على مقدار المؤونة الموجب لصيرورته غنيّا شرعيّا، الاّ اذا كان ذلك حرجا و مشقّة له، و موارده مختلفة.
و أمّا لو كانت له دار تندفع حاجته بأقلّ منها قيمة فقد احتاط المصنّف ببيعها و شراء الأدون، و كذا في العبد و الجارية و الفرس. و هذا أيضا يختلف الحال فيه، فاذا كان بحيث يعدّ ذلك زائدا له من غير شكّ و لا تأمّل و لم يكن بيعها و اشتراء الأدون شاقّا له فيجب عليه البيع و عدم الأخذ من الزكاة.
(مسألة 4): اذا كان يقدر على التكسّب لكن ينافي شأنه كما لو كان قادرا على الاحتطاب و الاحتشاش الغير اللائقين بحاله يجوز له أخذ الزكاة، و كذا اذا كان عسرا و مشقّة من جهة كبر أو مرض أو ضعف فلايجب عليه التكسّب حينئذ.
قد تقدّم القول الرابع في أوّل هذا البحث توضيحا لما في المتن من أنّ القدرة على التكسّب و الصنعة الغير اللائقين بحاله و ما ينافي شأنه غير مانعة من أخذ الزكاة، و قلنا بأنّه لايكلّف الرفيع على الاحتطاب و الاحتشاش. و كذا اذا كان عسراو مشقّة له من جهة كبر أو مرض أو ضعف فلايجب عليه التكسّب حينئذ.
(مسألة 5): اذا كان صاحب حرفة و صنعة ولكن لايمكنه الاشتغال بها من جهة فقد الآلات أو عدم الطالب جاز له أخذ الزكاة.
اذ لا أثر لحرفته و صنعته من دون الآلات و لذا يكون فقيرا و يجوز له أخذ الزكاة لمؤونته و تحصيل الآلات.
(مسألة 6): اذا لم يكن له حرفة ولكن يمكنه تعلّمها من غير مشقّة ففي وجوب التعلّم و حرمة أخذ الزكاة بتركه اشكال، و الأحوط التعلّم و ترك الأخذ بعده. نعم، مادام مشتغلاً بالتعلّم لا مانع من أخذها.
الشرح:
اذا لم يكن له حرفة ولكن يمكنه تعلّمها من غير مشقّة في مدّة قليلة فلايجوز له أخذ الزكاة الاّ بمقدار ما كان مشغولاً بالتعلّم، و ذلك لأنّه لايعدّ في العرف فقيرا، بل لو كان تعلّمه منوطا بمضيّ مدّة طويلة من غير مشقّة يشتغل به احتياطا، و مادام مشتغلاً به يجوز له أخذ الزكاة.
(مسألة 7): من لايتمكّن من التكسّب طول السنة الاّ في يوم أو أسبوع مثلاً ولكن يحصل له في ذلك اليوم أو الأسبوع مقدار مؤونة السنة فتركه و بقي طول السنة لايقدر على الاكتساب لايبعد جواز أخذه، و ان قلنا انّه عاصٍ بالترك في ذلك اليوم أو الأسبوع؛ لصدق الفقير عليه حينئذ.
الشرح:
ما ذهب اليه الماتن من جواز أخذ الزكاة لمن فرضه في المسألة صحيح؛ لصدق الفقير عليه، الاّ أنّ العصيان بالترك في ذلك اليوم أو الأسبوع، ففيه اشكال و ان لايبعد القول به من جهة تعرّض نفسه و عياله معرض أخذ الزكاة مع أنّه كان قادرا على أن يتنزّه منه.
(مسألة 8): لو اشتغل القادر على الكسب بطلب العلم المانع عنه يجوز له أخذ الزكاة اذا كان ممّا يجب تعلّمه عينا أو كفاية، و كذا اذا كان ممّا يستحبّ تعلّمه كالتفقّه في الدين اجتهادا أو تقليدا. و ان كان ممّا لايجب و لايستحبّ كالفلسفة و النجوم و الرياضيّات و العروض و الأدبيّة لمن لايريد التفقّه في الدين فلايجوز أخذه.
الشرح:
لو اشتغل القادر على الكسب بطلب العلم المانع عنه يجوز له أخذ الزكاة اذا كان ممّا يجب تعلّمه عينا أو كفاية، و ذلك لوجود المقتضي و هو الفقر و الاحتياج و عدم المانع؛ لأنّه لم يقعد عن التكسّب تكاسلاً بل لاشتغاله بما وجب عليه. و مرادنا هنا بالعلم أعمّ من العلوم الدينيّة و غيرها ممّا يحتاج اليه المجتمع الاسلام ي كالطبّ و غيره. و أمّا لو اشتغل بما يستحبّ تعلّمه كالتفقّه في الدين اجتهادا أو تقليدا، فالظاهر أيضا جواز أخذه الزكاة من سهم الفقراء؛ لاتّحاد مناطه مع السابق منه.
قال في مستند الشيعة: «لو اشتغل بطلب العلم المانع عن الكسب، فان كان العلم ممّا يجب تعلّمه عينا أو كفاية بشرط عدم قيام الغير به، فلا شكّ في جواز أخذ الزكاة؛ لأنّه مانع عن التكسّب، و قد عرفت جواز الأخذ مع المانع. و ان كان ممّا لايجب تعلّمه و لايستحبّ، فلا شكّ في عدم جواز أخذ الزكاة له؛ لصدق المحترف و عدم الدليل على التخصيص. و ان كان يستحبّ - كالتفقّه في الدين تقليدا أو اجتهادا - فظاهر الذخيرة عدم جواز الأخذ، و هو ظاهر حواشي القواعد للشهيد الثاني. و عن التحرير و المنتهى و الدروس و البيان و الروضة و المسالك وحواشي النافع للشهيد الثاني و المهذّب جوازه. و هو الأقرب؛ للأمر به ولو استحبابا، المستلزم لطلب ترك الحرفة المستلزم لجواز أخذ الزكاة، و كذا مقدّمات
علم التفقّه اذا تعلّمه من باب مقدّمته. و لو أمكنه الجمع بين التعلّم و الاحتراف لم يجز الأخذ. انتهى ملخّصا».(1)
الاّ أنّ الشيخ مرتضى الأنصاري لم يرتض بهذا القول، و قال: «و لو كان طلب العلم ممّا يستحبّ في حقّ الطالب فالظاهر أنّه لايسوغ ترك التكسّب، كما في سائر المستحبّات؛ لصدق الغنى و المحترف و القادر على ما يكفّ به نفسه عن الزكاة، و الاذن في طلب العلم بل الأمر الاستحبابي به لايوجب الاذن في ترك التكسّب، بل طلب تركه المستلزم لجواز أخذ الزكاة كما زعمه بعض مشايخنا المعاصرين لا وجه له؛ اذ بعد عمومات تحريم الزكاة على القادر على التكسّب يصير الكسب واجبا لأجل حفظ نفسه و عياله، فلايزاحمه استحباب ذلك؛ لأنّ المستحبّ لايزاحم الواجب اجماعا».(2)
و أجاب عنه المحقّق الهمداني بما خلاصته: «انّ حفظ النفس لايتوقّف على خصوص الاكتساب، فضلاً عن كونه بمقدار يخرجه عن حدّ الفقر. نعم، لو أحرز توقّف حفظ النفس عليه فلا كلام، و أمّا من لم يحرز له ذلك بأن كان عنده في هذا اليوم بمقدار يسدّ به رمقه في يومه و ليلته و احتمل أن يرزقه اللّه تعالى في الغد أيضا مثل ما رزقه في هذا اليوم من حيث لايحتسب، جاز له ترك التكسّب و الاشتغال بالأعمال المباحة، فضلاً عن المستحبّة. و الظاهر من الروايات المتقدّمة نحو قوله عليه السلام في رواية زرارة: «لايحلّ له أن يأخذها و هو يقدر على أن يكفّ نفسه عنها» ناظر الى من يراه العرف بحكم صاحب المال في كفايته بمؤونته، فمثل طلبةالعلم الذين جعلوا شغلهم التحصيل اذا قصر مالهم عن مؤونتهم غير مندرج في موضوع تلك القضيّة عرفا. انتهى ملخّصا».(3)
ثمّ اعلم أنّ الاختلاف في الأكل من سهم الفقراء، و أمّا اعطاؤهم من سهم سبيل اللّه فلا اشكال فيه.
ففي المستند: «نعم، لا مانع من الدفع اليه من سهم سبيل اللّه مع فرض رجحان العلم شرعا، فانّ موضوعه كلّ قربة، و بثّ العلم و نشره و تعليمه و تعلّمه من أظهر مصاديقها و أبرز أفراد الخير و المعروف كما هو ظاهر».(1)
(مسألة 9): لو شكّ في أنّ ما بيده كافٍ لمؤونة سنته أم لا، فمع سبق وجود ما به الكفاية لايجوز الأخذ، و مع سبق العدم و حدوث ما يشكّ في كفايته يجوز؛ عملاً بالأصل في الصورتين.
الشرح:
قد تقدّم أنّه من يملك مؤونة سنته لايجوز له أخذ الزكاة، و أمّا من لايملك مؤونة سنته أصلاً أو بعضها فيجوز له أخذ الزكاة، فان أحرز ذلك وجودا أو عدما فلا كلام، و لو لم يحرز و شكّ في أنّ ما بيده كافٍ لمؤونة سنته أو لا، فان كان سابقا و ابتداء السنة متيقّنا بالكفاية ثمّ حدث الشكّ فيستصحب اليقين السابق فلايجوز له الأخذ، و أمّا ان كان ابتداء السنة متيقّنا بأنّ ما بيده لايكفيه ثمّ حدث ما يشكّ في كفايته فيجوز له أخذ الزكاة؛ لاستصحاب الاحتياج.
(مسألة 10): المدّعي للفقر ان عرف صدقه أو كذبه عومل به، و ان جهل الأمران فمع سبق فقره يعطى من غير يمين و مع سبق الغنى أو الجهل بالحالة السابقة فالأحوط عدم الاعطاء الاّ مع الظنّ بالصدق خصوصا في الصورة الأولى.
1) - مستند العروة 24: 34.
الشرح:
المدّعي للفقر ان عرف صدقه أو كذبه عومل به، فيعطى اذا عرف صدقه، و يمنع اذا عرف كذبه؛ لأنّ العلم حجّة و كاشف عن الواقع.
و أمّا ان جهل الأمران فمع سبق فقره يعطى من غير يمين؛ للاستصحاب و هو حجّة شرعيّة، كما أنّه مع سبق غناه لايعطاه؛ للاستصحاب، الاّ اذا أقام بيّنة على فقره. و أمّا مع الجهل بالحالة السابقة فان لم يكن هناك علامة على كذبه فالظاهر جواز اعطائه، و ذلك لما هو معمول به بين المسلمين و لعلّه السيرة المتداولة بينهم الكاشفة عن زمن الرسول صلى الله عليه و آله و الأئمّة عليهم السلام ، مع أنّه لو لم يكن كذلك و طولب المدّعي بدليل أو يمين على ادّعائه كان موجبا لتضييع الفقراء الذين «يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفّف تعرفهم بسيماهم لايسألون الناس الحافا»(1)، و كان حرجا و مشقّة عليهم و على من يجب عليه الزكاة. مضافا الى الروايات الواردة في المقام المؤيّدة لهذا القول:
منها خبر العرزمي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«جاء رجل الى الحسن و الحسين عليهماالسلام و هما جالسان على الصفا فسألهما فقالا: انّ الصدقة لاتحلّ الاّ في دين موجع أو غرم مفظع(2)أو فقر مدقع(3)، ففيك شيء من هذا؟ قال: نعم. فأعطياه. الحديث».(4)
و منها خبر عامر بن جذاعة قال:
«جاء رجل الى أبي عبداللّه عليه السلام فقال له: يا أبا عبداللّه، قرض الى
ميسرة! فقال له أبو عبداللّه عليه السلام : الى غلّة(1)تدرك؟ فقال الرجل: لا و اللّه! قال: فالى تجارة تؤوب(2)؟ قال: لا و اللّه! قال: فالى عقدة تباع؟ فقال: لا و اللّه! فقال أبو عبداللّه عليه السلام : فأنت ممّن جعل اللّه له في أموالنا حقّا. ثمّ دعا بكيس فيه دراهم فأدخل يده فيه فناوله منه قبضةً ثمّ قال له: اتّق اللّه و لاتسرف و لاتقتر، ولكن بين ذلك قواما، انّ التبذير من الاسراف. قال اللّه عزّوجلّ: «و لاتبذّر تبذيرا»».(3)
و منها خبر علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام قال:
«سألته عن رجل جعل جاريته هديا للكعبة؟ فقال: مر مناديا يقوم على الحجر فينادي: ألا من قصرت به نفقته أو قطع به أو نفد طعامه فليأت فلان بن فلان، و مره أن يعطي أوّلاً فأوّلاً حتّى ينفد ثمن الجارية».(4)
قال في الشرائع: «و لو ادّعى الفقر، فان عرف صدقه أو كذبه عومل بما عُرف منه، و ان جهل الأمران أعطي من غير يمين، سواء كان قويّا أو ضعيفا. و كذا لو كانله أصل مال. و قيل: بل يحلف على تلفه. انتهى».(5)
و في المدارك: «أمّا أنّه يعامل مدّعي الفقر بما يعلم من صدقه و كذبه فلا ريب فيه، فيعطى اذا عرف صدقه، و يمنع اذا عرف كذبه. و أمّا أنّه يجوز اعطاؤه مع جهالة حاله من غير يمين، سواء كان قويّا أو ضعيفا فهو المعروف من مذهب الأصحاب، بل ظاهر المصنّف في المعتبر و العلاّمة في كتبه الثلاثة أنّه موضع وفاق - الى أن قال: - و المسألة محلّ اشكال من اتّفاق الأصحاب ظاهرا على جواز الدفع
الى مدّعي الفقر اذا لم يعلم له أصل مال من غير تكليف له ببيّنة و لا يمين، و ورود بعض الأخبار بذلك، و كون الدعوى موافقة للأصل، و استلزام التكليف باقامة البيّنة على الفقر الحرج و العسر في أكثر الموارد، و من أنّ الشرط اتّصاف المدفوع اليه بأحد الأوصاف الثمانية، فلابدّ من تحقّق الشرط كما في نظائره، و الاحتياط يقتضي عدم الاكتفاء بمجرّد الدعوى الاّ مع عدالة المدّعي أو الظنّ الغالب بصدقه».(1)
و في مصباح الفقيه: «و عمدة ما يصحّ الاعتماد عليه في اثبات المدّعى هي أنّ إخبار الشخص بفقره أو غناه كاخباره بسائر حالاته من الصحّة و المرض معتبر عرفا و شرعا، و الاّ فلا طريق لتعرّف حاجة المحتاجين في الغالب سوى اخبارهم، فلو لم يقبل دعوى الفقر من أهله لتعذّر عليه غالبا اقامة البيّنة عليه أو اثباته بطريق آخر غيرها؛ اذ الاطّلاع على فقر الغير و عدم كونه مالكا لما يفي بمؤونته من غير استكشافه من ظاهر حال مدّعيه أو مقاله في الغالب من قبيل علم الغيب الذي لايعلمه الاّ اللّه. انتهى موضع الحاجة من كلامه».(2)
(مسألة 11): لو كان له دين على الفقير جاز احتسابه زكاة، سواء كان حيّا أو ميّتا. لكن يشترط في الميّت أن لايكون له تركة تفي بدينه، و الاّ لايجوز. نعم، لو كان له تركة لكن لايمكن الاستيفاء منها - لامتناع الورثة أو غيرهم - فالظاهر الجواز.
الشرح:
لو كان له دين على الفقير جاز احتسابه زكاة، و هو ممّا لا خلاف فيه، كما
اعترف به في المدارك(1)و الحدائق(2)و الجواهر.
قال في الجواهر: «و لو كان للمالك دين على الفقير الذي لم يملك قوت سنته أو لم يتمكّن من قضاء دينه جاز أن يقاصّه به من الزكاة بمعنى احتسابه عليه من الزكاة المستحقّة عليه بلا خلاف، كما اعترف به الفاضلان في ظاهر المعتبر و التذكرة و محكي المنتهى، و لا اشكال لأنّه أحد أمواله، و مقبوض للمدفوع اليه، فهو أحد أفراد الايتاء المأمور به».(3)
و يدلّ عليه أخبار:
منها صحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج قال:
«سألت أبا الحسن الأوّل عليه السلام عن دين لي على قوم قد طال حبسه عندهم لايقدرون على قضائه و هم مستوجبون للزكاة، هل لي أن أدعه فأحتسب به عليهم من الزكاة؟ قال: نعم».(4)
و منها خبر عقبة بن خالد عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) قال:
«انّ عثمان بن بهرام قال له: انّي رجل موسر و يجيئني الرجل و يسألني الشيء و ليس هو ابّان زكاتي. فقال له أبو عبداللّه: القرض عندنا بثمانيه عشر و الصدقة بعشرة، و ماذا عليك اذا كنت كما تقول موسرا أعطيته، فاذا كان ابّان زكاتك احتسبت بها من الزكاة، يا عثمان، لاتردّه فانّ ردّه عند اللّه عظيم».(5)
و منها موثّقة سماعة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن الرجل يكون له الدين على رجل فقير يريد أن يعطيه من
الزكاة. فقال: ان كان الفقير عنده وفاء بما كان عليه من دين من عرض من دار أو متاع من متاع البيت أو يعالج عملاً يتقلّب فيها بوجهه فهو يرجو أن يأخذ منه ماله عنده من دينه فلابأس أن يقاصّه بما أراد أن يعطيه من الزكاة أو يحتسب بها فان لم يكن عند الفقير وفاء و لايرجو أن يأخذ منه شيئا فيعطيه من زكاته و لايقاصّه بشيء من الزكاة».(1)
و التفصيل في الموثّقة بين من كان عنده شيء يتمكّن من أداء دينه ولو ببيعه فيجوز المقاصّة أو الاحتساب و بين من لم يكن عنده شيء و لايقاصّه بل يعطيه من الزكاة، محمول على الاستحباب؛ لأنّ دفع الزكاة الى هذا الشخص بالخصوص لايكون واجبا، بل له الدفع الى فقير آخر.
هذا كلّه في الاحتساب عن الحيّ. و أمّا الاحتساب عن الميّت فيدلّ عليهصحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج قال:
«سألت أبا الحسن عليه السلام عن رجل عارف فاضل توفّي و ترك عليه دينا قد ابتلي به لم يكن بمفسد و لا بمسرف و لا معروف بالمسألة، هل يقضى عنه من الزكاة الألف و الألفان؟ قال: نعم».(2)
فاطلاق القضاء بحسب الفهم العرفي يشمل الاحتساب و المقاصّة أيضا، كما يشمل الأداء.
و خبر يونس بن عمّار قال:
«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول: قرض المؤمن غنيمة و تعجيل أجر، ان أيسر قضاك و ان مات قبل ذلك احتسبت به من الزكاة».(3)
و خبر هيثم الصيرفي و غيره عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«القرض الواحد بثمانيه عشر، و ان مات احتسب بها من الزكاة».(1)
و هذا ممّا لا خلاف فيه على الظاهر كما في المصباح، بل في المدارك قال: «اتّفق علماؤنا و أكثر العامّة على أنّه يجوز للمزكّي قضاء الدين عن الغارم من الزكاة بأن يدفعه الى مستحقّه، و مقاصّته بما عليه من الزكاة».(2)
لكن يشترط في الميّت أن لايكون له تركة يفي بدينه، و الاّ لايجوز. و يدلّ عليه صحيحة زرارة قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : رجل حلّت عليه الزكاة و مات أبوه و عليه دين، أيؤّي زكاته في دين أبيه و للابن مال كثير؟ فقال: ان كان أبوهأورثه مالاً ثمّ ظهر عليه دين لم يعلم به يومئذ فيقضيه عنه، قضاه من جميع الميراث و لم يقضه من زكاته، و ان لم يكن أورثه مالاً لم يكن أحد أحقّ بزكاته من دين أبيه، فاذا أدّاها في دين أبيه على هذه الحال أجزأت عنه».(3)
نعم، لو كان له تركة لكن لايمكن الاستيفاء منها - لامتناع الورثة أو غيرهم - فالظاهر الجواز. و هذا مثل ما لو غصبها ثالث أو سرقت، أو لم يتمكّن الدائن من اثباته. و ما استشكل به المحقّق الهمداني(4)من انصراف الأخبار عن مثل ذلك في غير محلّه، و ان استدرك في آخر كلامه بأنّ مستفاد هذه الأخبار عدم الفرق بين الغارم الذي لم يكن له مال أصلاً، أو كان ولكن تعذّر صرفه في دينه كالمغصوب، فمناط الجميع الحاجة الى قضاء دينه من الزكاة.
(مسألة 12): لايجب اعلام الفقير أنّ المدفوع اليه زكاة، بل لو كان ممّن يترفّع و يدخله الحياء منها و هو مستحقّ يستحبّ دفعها اليه على وجه الصلة ظاهرا و الزكاة واقعا، بل لو اقتضت المصلحة التصريح كذبا بعدم كونها زكاة جاز اذا لم يقصد القابض عنوانا آخر غير الزكاة، بل قصد مجرّد التملّك.
الشرح:
لايجب اعلام الفقير أنّ المدفوع اليه زكاة. و يدلّ على ذلك صحيحة أبي بصير قال:
«قلت لأبي جعفر عليه السلام : الرجل من أصحابنا يستحيي أن يأخذ من الزكاةفأعطيه من الزكاة و لاأسمّي له أنّها من الزكاة. فقال: أعطه و لاتسمّ له و لاتذلّ المؤمن».(1)
و الرواية و ان كانت بطريق الكليني ضعيفة لسهل بن زياد، الاّ أنّها صحيحة بطريق الصدوق. و دلالتها على المطلوب واضحة، و لاتعارضها بل لاتنافيها صحيحة محمّد بن مسلم قال:
«قلت لأبي جعفر عليه السلام : الرجل يكون محتاجا فيبعث اليه بالصدقة فلايقبلها على وجه الصدقة يأخذه من ذلك ذمام(2)و استحياء و انقباض فنعطيها ايّاه على غير ذلك الوجه و هي منّا صدقة. فقال: لا، اذا كانت زكاة فله أن يقبلها و ان لم يقبلها على وجه الزكاة فلاتعطها ايّاه. الحديث».(3)
و ذيل الحديث في الكافي هكذا:
«و ما ينبغي له أن يستحيي ممّا فرض اللّه عزّوجلّ، انّما هي فريضة اللّه له فلايستحيي منها».(1)
لأنّ الظاهر أنّ هذه الصحيحة وردت لمنع الاستخفاف بالزكاة؛ فاذا شاع ذلك و استحيى الفقراء من أخذها، يمكن أن يستحيي المعطي من أدائها، و هذا نوع من الاستخفاف بما فرضه اللّه عليه، و لذا قال الامام عليه السلام في ذيلها: «و ما ينبغي له أن يستحيي ممّا فرض اللّه ... ».
و بالجملة من يترفّع و يدخله الحياء منها مثل من كان غنيّا فصار فقيرا فيجوزدفع الزكاة اليه من دون التسمية له بل استحبابه لقوله عليه السلام في الصحيحة الأولى: «أعطه و لاتسمّ له و لاتذلّ المؤمن» بعد عدم كون الأمر للوجوب، و لايبعد كراهة تسميتها بل حرمتها اذا كانت موجبة لاذلال المؤمن. و أمّا التصريح بأنّها صلة كذبا مع كون الكذب حراما فلا مجوّز لارتكابه الاّ اذا بلغت المصلحة حدّ الالزام بحيث يكون أقوى ملاكا من مفسدة الكذب.
بل يمكن أن يقال بأنّه اذا بعث اليه على وجه الزكاة فلم يقبلها فاعطاؤه ايّاها ثانيا على غير ذلك الوجه مشكل، و لعلّه لذلك قال الماتن: «اذا لم يقصد القابض عنوانا آخر غير الزكاة، بل قصد مجرّد التملّك» و ان كان الأظهر خلافه؛ لأنّ الفقير مصرف و لايلزم منه النيّة.
قال المحقّق الهمداني: «و لايجب اعلام الفقير أنّ المدفوع اليه زكاة لحصول اطاعة الأمر بالزكاة بايصالها الى مستحقّها سواء عرف المستحقّ وجهه أم لا. فلو كان ممّن يترفّع عنها و يستحيي من قبولها باسم الزكاة و هو مستحقّ، جاز صرفها اليه على وجه الصلة ظاهرا و الزكاة واقعا بلا خلاف فيه على الظاهر، بل عن ظاهر التذكرة الاجماع عليه. و يشهد له - مضافا الى الأصل - خبر أبي بصير [و قد تقدّم]. ولكن قد ينافيه صحيح محمّد بن مسلم [المتقدّم]، و قد حمل صاحب المدارك
1) - فروع الكافي 3: 555 / باب من تحلّ له الزكاة فيمتنع من أخذها / الحديث 4.
و غيره هذه الرواية على الكراهة. و اعترف في الجواهر بعدم وجدان عامل به بظاهره. ولكن الظاهر أنّ هذه الرواية واردة فيمن يترفّع و يستنكف عن قبول الصدقة، و يردّها اذا علم بكونها صدقة، و حيث انّ له الخيار في قبول الصدقة و عدمه و هو يردّها و لايرضى بقبولها أشكل الالتزام بصحّة الصدقة و حصول الاجزاء بايصالها اليه بوجه آخر على سبيل التلبيس، مع عدم طيب نفسه بقبولها على ما هي عليه، فيمكن ابقاء النهي حينئذ على حقيقته، و الجمع بينها و بين رواية أبي بصير بصرف تلك الرواية الى غير هذه الصورة لو لم نقل بانصرافها فيحدّ ذاتها عنها، كما أنّ كلمات الأصحاب المصرّحين باستحباب ايصالها بصورة الصلة الى المستحيي من أخذها بصورة الزكاة أيضا كذلك. نعم، ان قلنا بعدم كون الكراهة التقديريّة الحاصلة في مثل المقام مانعة عن صيرورتها بالفعل ملكا له بقبضها و الاستيلاء عليها على جهة الملكيّة جهلاً بحقيقتها، اتّجه حمل النهي على الكراهة، و الارشاد الى أولويّة اعطائها لمن تطيب نفسه بقبولها، و يشكر اللّه على ما فرضه له في أموال الأغنياء؛ اذ الالتزام بحرمته تعبّدا مع مخالفته للأصل، و اطلاقات أدلّة الزكاة، و عدم معروفيّة القول به من أحد، لايخلو من اشكال. انتهى ملخّصا».(1)
(مسألة 13): لو دفع الزكاة باعتقاد الفقر فبان كون القابض غنيّا فان كانت العين باقية ارتجعها، و كذا مع تلفها اذا كان القابض عالما بكونها زكاة و ان كان جاهلاً بحرمتها للغني، بخلاف ما اذا كان جاهلاً بكونها زكاة فانّه لا ضمان عليه. و لو تعذّر الارتجاع أو تلفت بلا ضمان أو معه و لم يتمكّن الدافع من أخذ العوض كان ضامنا فعليه الزكاة مرّة أخرى. نعم، لو كان الدافع هو المجتهد أو المأذون منه لا ضمان عليه و لا على المالك الدافع اليه.
1) - مصباح الفقيه 13: 519 - 521.
الشرح:
لو دفع الزكاة باعتقاد الفقر فبان كون القابض غنيّا فان كانت العين باقية استرجعها، سواء كان القابض عالما بأنّها زكاة أو جاهلاً، و سواء كانت الزكاة معزولة و مفروزة أو لم تكن، و ذلك لعدم استحقاق الغني للزكاة و عدم دخولها في ملكه، و أنّها صارت مفروزة بمجرّد الاقباض و النيّة من صاحب المال.
و أمّا لو كانت العين تالفة فتارة كان القابض عالما بأنّها زكاة و أتلفها، فانّه ضامن؛ لعدم كونه مستحقّا لتلك و كان يجب عليه أن يردّها الى صاحبها أو مستحقّها. نعم، لو صار عالما بعد قبضها و حفظها أمانة عنده حتّى يردّها فتلفت من دون تعدٍّ و لا تفريط فلايكون ضامنا. و أخرى صار عالما بعد اتلافها، ففي هذه الصورة يكون ضامنا أيضا، و هذا كما لو تصرّف في ملك شخص بتخيّل أنّه ملكه ثمّ انكشف الخلاف فعليه ردّه الى صاحبه عينا أو قيمة. نعم، لو غرّه الدافع و أعطاها بعنوان الهديّة و نحوها و انكشف أنّها زكاة فالعهدة على من غرّه. هذا حال القابض.
و أمّا المالك فالظاهر أنّه ضامن في جميع الصور المذكورة و لم تبرأ ذمّته من الزكاة؛ لأنّ ابراء ذمّته موقوف على ايصالها الى مستحقّها و لم يتحقّق. هذا على ما اقتضته القاعدة و ما يستفاد من الروايات في الأبواب المختلفة. و أمّا بالنظر الى الأدلّة الخاصّة فالظاهر أنّها موافقة لما مرّ، الاّ أنّه قد استثني ضمان الدافع في مورد طلب و اجتهد ثمّ علم بعد ذلك سوء ما صنع، فحينئذ ان لم يتمكّن من ارجاع المال فلايكون ضامنا.
ففي صحيحة عبيد بن زرارة عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) قال:
«قلت له: رجل عارف أدّى زكاته الى غير أهلها زمانا، هل عليه أن يؤدّيها ثانيةً الى أهلها اذا علمهم؟ قال: نعم. قال: قلت: فان لم يعرف لها أهلاً فلم يؤدّها أو لم يعلم أنّها عليه فعلم بعد ذلك؟ قال:
يؤدّيها الى أهلها لما مضى. قال: قلت له: فانّه لم يعلم أهلها فدفعها الى من ليس هو لها بأهل و قد كان طلب و اجتهد ثمّ علم بعد ذلك سوء ما صنع! قال: ليس عليه أن يؤدّيها مرّة أخرى».(1)
و مثلها صحيحة أخرى لزرارة، غير أنّه قال:
«ان اجتهد فقد برئ و ان قصّر في الاجتهاد في الطلب فلا».(2)
و في صحيحة أبي المغراء عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«انّ اللّه تبارك و تعالى أشرك بين الأغنياء و الفقراء في الأموال فليس لهم أن يصرفوا الى غير شركائهم».(3)
و في مرسلة الحسين بن عثمان عن أبي عبداللّه عليه السلام :
«في رجل يعطي زكاة ماله رجلاً و هو يرى أنّه معسر فوجده موسرا! قال: لايجزئ عنه».(4)
و في صحيحة ابن أبي عمير عن الأحول عن أبي عبداللّه عليه السلام :
«في رجل عجّل زكاة ماله ثمّ أيسر المعطى قبل رأس السنة. قال: يعيد المعطي الزكاة».(5)
فمقتضى الجمع بين هذه الروايات هو الذي قدّمناه من الصور.
قال في الشرائع: «و لو دفعها اليه على أنّه فقير فبان غنيّا ارتجعت مع التمكّن، و ان تعذّر كانت ثابتة في ذمّة الآخذ. و لايلزم الدافع ضمانها، سواء كان الدافع المالك أو الامام أو الساعي. انتهى».(6)
1) - وسائل الشيعة 9: 214 / الباب 2 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 1.
2) - وسائل الشيعة 9: 214 / الباب 2 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 2.
3) - وسائل الشيعة 9: 215 / الباب 2 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 4.
4) - وسائل الشيعة 9: 215 / الباب 2 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 5.
5) - وسائل الشيعة 9: 214 / الباب 2 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 3.
6) - شرائع الاسلام 1: 160.
و في المدارك: «لا ريب في جواز ارتجاعها اذا كان القابض عالما بالحال، و مع تلفها يلزم القابض مثلها أو قيمتها؛ لأنّه و الحال هذه يكون غاصبا محضا فيتعلّق به الضمان. أمّا مع انتفاء العلم فقد قطع المصنّف في المعتبر بعدم جواز الارتجاع؛لأنّ الظاهر أنّها صدقة. و هو جيّد اذا ظهر كونها كذلك. و اختلف كلام العلاّمة في هذه المسألة فقال في المنتهى: «انّه ليس للمالك الرجوع و الحال هذه؛ لأنّ دفعه محتمل للوجوب و التطوّع. و استقرب في التذكرة جواز الاسترجاع؛ لفساد الدفع و لأنّه أبصر بنيّته». و هو جيّد مع بقاء العين و انتفاء القرائن الدالّة على كون المدفوع صدقة. ثمّ بقاؤها في ذمّة الآخذ مع تعذّر الارتجاع فقد تقدّم الكلام فيه، و أمّا أنّه لايلزم الدافع ضمانها اذا تعذّر ارتجاعها (كما في الشرائع) فقال في المنتهى: «انّه لا خلاف فيه بين العلماء ان كان الدافع الامام أو نائبه؛ لأنّ المالك أدّى الواجب و هو الدفع الى الامام أو نائبه فيخرج عن العهدة، و الدافع فعل المأمور به و هو الدفع الى من يظهر منه الفقر؛ اذ الاطّلاع على الباطن متعذّر، و امتثال الأمر يقتضي الاجزاء».
و انّما الخلاف فيما اذا كان الدافع هو المالك، فقال الشيخ في المبسوط و جماعة: انّه لا ضمان عليه أيضا؛ لأنّه دفعها الى من ظاهره الاستحقاق دفعا مشروعا فلم يلزمه الضمان كالامام. و قال المفيد و أبو الصلاح: تجب عليه الاعادة؛ لأنّه دفعها الى غير مستحقّها فلاتقع مجزية كالدين، و لما رواه الشيخ في الصحيح عن الحسين بن عثمان عمّن ذكره عن أبي عبداللّه عليه السلام في رجل يعطي زكاة ماله رجلاً و هو يرى أنّه معسر فوجده موسرا. قال: «لايجزئ عنه».
و استقرب المصنّف في المعتبر و العلاّمة في المنتهى سقوط الضمان مع الاجتهاد و ثبوته بدونه، و استدلاّ على هذا التفصيل بأنّ المالك أمين على الزكاة فيجب عليه الاجتهاد و الاستظهار في دفعها الى مستحقّها، و بما رواه الشيخ في الحسن عن عبيد بن زرارة قال: «قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : رجل عارف أدّى الزكاة الى
غير أهلها زمانا، هل عليه أن يؤدّيها ثانيةً الى أهلها اذا علمهم؟ قال: نعم. قال: قلت: فان لم يعرف لها أهلاً فلم يؤدّها أو لم يعلم أنّها عليه فعلم بعد ذلك؟ قال: يؤدّيهاالى أهلها لما مضى. قال: قلت له: فانّه لم يعلم أهلها فدفعها الى من ليس هو لها بأهل و قد كان طلب و اجتهد ثمّ علم بعد ذلك سوء ما صنع! قال: ليس عليه أن يؤدّيها مرّة أخرى». قال الشيخ رحمه الله في التهذيب: و عن زرارة مثله، غير أنّه قال: «ان اجتهد فقد برئ، و ان قصّر في الاجتهاد و الطلب فلا». و يتوجّه على الأوّل أنّه ان أريد بالاجتهاد القدر المسوّغ لجواز الدفع ولو بسؤال الفقير فلا ريب في اعتباره الاّ أنّ مثل ذلك لايسمّى اجتهادا، و مع ذلك فيرجع هذا التفصيل بهذا الاعتبار الى ما أطلقه الشيخ في المبسوط من انتفاء الضمان مطلقا، و ان أريد به البحث عن حال المستحقّ زيادة على ذلك كما هو المتبادر من لفظ الاجتهاد فهو غير واجب اجماعا على ما نقله جماعة. و على الروايتين انّ موردها خلاف محلّ النزاع، لكنّهما يدلاّن بالفحوى على انتفاء الضمان مع الاجتهاد في محلّ النزاع، أمّا الضمان مع انتفاء الاجتهاد فلا دلالة لهما عليه في المتنازع بوجه. و كيف كان فينبغي القطع بسقوط الضمان مع الاجتهاد؛ لتحقّق الامتثال و فحوى الروايتين، و انّما يحصل التردّد مع استناد الدفع الى مجرّد الدعوى من كون الدفع مشروعا فلايستعقب الاعادة، و من عدم وصول الحقّ الى مستحقّه، و لعلّ الأوّل أرجح».(1)و قال الشيخ مرتضى الأنصاري: «لو دفع زكاته الى شخص فبان أنّه غنيّ، فالكلام تارة يقع في حكم الآخذ، و تارة في حكم الدافع. أمّا الآخذ فان كان عالما بكونها زكاة فهو محرّم عليه، ضامن له، يردّه مع بقائه و قيمته مع تلفه؛ لأنّ التملّك انّما وقع على المال بعنوان أنّه فقير، و المفروض ظهور فساد هذا التمليك المقيّد - الى أن قال: - و كيف كان فلا اشكال في أصل المسألة حتّى فيما اذا كان جاهلاً بالحكم و كان الدافع عالما؛ لأنّ الغرور لايتحقّق بالجهل الحكمي؛ لأنّه تقصير من
1) - مدارك الأحكام 5: 204 - 207.
الجاهل، و مورده في الجهل الموضوعي لتلبيس الغارّ عليه. و ان كان جاهلاً بكونها زكاة، فان كانت العين باقية وجب ردّها و ردّ ما يتبعها؛ لأنّ الآخذ لايملك المدفوع ولو مع الجهل. و أمّا حكم الدافع: فلو كان الدافع هو المالك ففي اجزائه أقوال، ثالثها: التفصيل بين ما اذا اجتهد فأعطى، و بين ما اذا أعطى اعتمادا على مجرّد دعوى الفقر و أصالة عدم المال. و الأقوى هو عدم الاجزاء وفاقا للمحكي عن المفيد و الحلبي؛ لأصالة اشتغال الذمّة، و عموم ما دلّ على أنّها كالدين، مضافا الى مقتضى قاعدة الشركة في العين، و على أنّ الموضوع من الزكاة في غير موضعه بمنزلة العدم، و ما دلّ على وجوب اعادة المخالف زكاته معلّلاً بأنّه لم يضعها في موضعها، مضافا الى خصوص مرسلة الحسين بن عثمان، لكن في حسنة حريز علّق الضمان على التقصير في الاجتهاد في الطلب. و ان كان يمكن توجيهها بأنّها تدلّ على حكم من دفع الى غير الأهل لعدم التمكّن من الأهل. انتهى ملخّصا».(1)ولكن فيه: انّ الظاهر من صحيحة حريز هو الدفع الى غير الأهل جاهلاً، و المراد من غير الأهل هو الأعمّ فيشمل الغني و غير المؤمن.
و لو كان الدافع هو المجتهد أو المأذون منه لا ضمان عليه و لا على المالك الدافع اليه؛ لأنّه أمين و له الولاية، الاّ اذا قصّر في ذلك و دفعها الى من كان غنيّا من غير رعاية المقدّمات.
قال الشيخ مرتضى الأنصاري: «ان كان الدافع هو الامام عليه السلام أو نائبه الخاصّ أو العامّ أو وكيلهم، فالظاهر عدم الضمان؛ لأصالة البراءة، و كونهم مأذونين من المالك الحقيقي، و من طرف الفقراء في هذا الدفع الخاصّ، فلايترتّب على التلف الحاصل من دون تفريط منهم ضمان. انتهى».(2)
و في المصباح: «لا اشكال بل لا خلاف في عدم ضمان الدافع اذا كان الامام عليه السلام
أو الساعي و شبهه من نائبه الخاصّ أو العامّ؛ لأنّ يده يد أمانة و احسان فلايتعقّبه ضمان ما لم يكن هناك تعدٍّ أو تفريط، فقد رخّص شرعا في دفعها الى من ثبت لديه فقره بطريق ظاهري، و قد عمل على وفق تكليفه. فان كان ذلك الشخص فقيرا في الواقع فقد وصل الحقّ الى مستحقّه و الاّ فقد صار مال الفقير لديه بأمر الشارع، الذي هو أقوى من اذن المالك، فهو المطالب به بالفعل، دون من كان في يده سابقا، و خرج منها بلا تعدٍّ و تفريط، فلا مقتضي هيهنا لضمان الدافع بعد أن لم يكن يده يد ضمان، و لم يصدر منه تعدٍّ أو تفريط. انتهى».(1)
(مسألة 14): لو دفع الزكاة الى غنيّ جاهلاً بحرمتها عليه أو متعمّدا، استرجعها مع البقاء، أو عوضها مع التلف و علم القابض. و مع عدم الامكان يكون عليه مرّة أخرى. و لا فرق في ذلك بين الزكاة المعزولة و غيرها، و كذا في المسألة السابقة، و كذا الحال لو بان أنّ المدفوع اليه كافر أو فاسق ان قلنا باشتراط العدالة، أو ممّن تجب نفقته عليه، أو هاشميّ اذا كان الدافع من غير قبيله.
الشرح:
لو دفع الزكاة الى غنيّ عالما بكونه غنيّا سواء كان جاهلاً بحرمتها عليه أو عالما بها أيضا، يجب عليه استردادها اذا كانت العين باقية؛ لأنّه دفعها الى غير مستحقّها، كما مرّ في المسألة السابقة. و أمّا ان كانت العين تالفة فمع علم القابضبأنّه زكاة - سواء علم حكمها أو لم يعلم - يجب على الدافع استردادها و على القابض ردّها فهما ضامنان، فالدافع لدفعها الى غير مستحقّها و القابض لتصرّفه فيما ليس له التصرّف فيه. و لو كان القابض جاهلاً بكونها زكاة فان أعطاها المالك
1) - مصباح الفقيه 13: 522 و 523.
بعنوان أنّها الصلة فانّه ضامن دون القابض؛ لأنّه مغرور يرجع الى الغارّ. و أمّا لو دفعها و لم يقل انّها زكاة فهو ضامن أيضا؛ لتصرّفه فيما ليس له و عدم صدق الغارّ على الدافع. و في الموارد التي كان القابض ضامنا كالمالك لو تعذّر للدافع استردادها يجب عليه الزكاة مرّة أخرى؛ لأنّه دفعها الى من لايستحقّه عالما بكونه غنيّا، و التفصيل الذي مرّ في المسألة من عدم الضمان اذا اجتهد و ضمانه اذا لم يجتهد، لايأتي هنا؛ لعدم اقتضائه التفصيل. و لايرفع الضمان عن الدافع لو كان جاهلاً بالحكم؛ لعدم الدليل عليه و ان كان قاصرا. و هذه الصور جارية فيما لو بان أنّ المدفوع اليه كافر أو فاسق - ان قلنا باشتراط العدالة فيه - أو ممّن تجب عليه نفقته عليه، أو هاشميّ اذا كان الدافع من غير قبيله.
قال في المصباح: «و كذا الكلام فيما لو بان أنّ المدفوع اليه كافر أو فاسق - بناءً على اشتراط العدالة فيه - أو ممّن تجب نفقته، أو هاشميّ و كان الدافع من غير قبيله؛ لاتّحاد الجميع فيما تقدّم من الأدلّة، كما اعترف به في الجواهر. انتهى».(1)
1) - مصباح الفقيه 13: 527.
(مسألة 15): اذا دفع الزكاة باعتقاد أنّه عادل فبان فقيرا فاسقا، أو باعتقاد أنّه عالم فبان جاهلاً، أو زيد فبان عمروا، أو نحو ذلك، صحّ و أجزأ اذا لم يكن على وجه التقييد، بل كان من باب الاشتباه في التطبيق، و لايجوز استرجاعه حينئذ و ان كانت العين باقية، و أمّا اذا كان على وجه التقييد فيجوز كما يجوز نيّتها مجدّدا مع بقاء العين أو تلفها اذا كان ضامنا بأن كان عالما باشتباه الدافع و تقييده.
الشرح:
اذا دفع الزكاة الى الفقير باعتقاد أنّه عادل فبان فاسقا أو باعتقاد أنّه عالم فبان جاهلاً أو باعتقاد أنّه زيد فبان عمروا أو نحو ذلك، فتارة يكون دفعها على وجه التقييد بمعنى أنّه لو لم يكن زيدا لم يعطها عمروا، و أخرى لايكون كذلك بل لو انكشف أنّه عمرو أو جاهل يعطيها.
فعلى الأولى فان كانت العين باقية يجوز له استردادها؛ لأنّ له الولاية ليعطيها من يشاء، كما يجوز له ابقاؤها؛ لأنّه دفعها الى مستحقّها و لايضرّ ذلك الاشتباه بصحّة ايتائه الزكاة. و أخرى كانت العين تالفة، فان كان القابض عالما بقصده فان رجع اليه المالك فعليه عوضها، و ذلك لجواز الرجوع لولايته على دفعها الى من يشاء، و حيث كان القابض عالما بقصده كان ضامنا لو رجع اليه. نعم، لو لم يرجع صحّ ما دفعها؛ لما مرّ. و أمّا على الثانية فلايجوز له الرجوع كما في نظائره؛ لأنّه من باب الاشتباه في التطبيق.
«الثالث»: العاملون عليها، و هم المنصوبون من قبل الامام عليه السلام أو نائبه الخاصّ أو العامّ لأخذ الزكوات و ضبطها و حسابها و ايصالها اليه أو الى الفقراء على حسب اذنه. فانّ العامل يستحقّ منها سهما في مقابل عمله و ان كان غنيّا. و لايلزم استئجاره من الأوّل أو تعيين مقدار له على وجه الجعالة، بل يجوز أيضا أن لايعيّن له و يعطيه بعد ذلك ما يراه. و يشترط فيهم: التكليف بالبلوغ و العقل و الايمان، بل العدالة و الحرّيّة أيضا على الأحوط. نعم، لابأس بالمكاتب. و يشترط أيضا معرفة المسائل المتعلّقة بعملهم اجتهادا أو تقليدا، و أن لايكونوا من بنيهاشم. نعم، يجوز استئجارهم من بيت المال أو غيره، كما يجوز عملهم تبرّعا. و الأقوى عدم سقوط هذا القسم في زمان الغيبة مع بسط يد نائب الامام عليه السلام في بعض الأقطار. نعم، يسقط بالنسبة الى من تصدّى بنفسه لاخراج زكاته و ايصالها الى نائب الامام عليه السلام أو الى الفقراء بنفسه.
الشرح:
الثالث من أصناف المستحقّين للزكاة: العاملون عليها، بنصّ الكتاب و قد قال اللّه تعالى: «انّما الصدقات للفقراء و المساكين و العاملين عليها ... »(1). و قد تقدّم ادّعاء الاجماع من الجواهر على ذلك في ابتداء مبحث الزكاة.
و هم المنصوبون من قبل النبي صلى الله عليه و آله أو الامام عليه السلام ، و ذلك للسيرة و ما ورد من أخبار العامّة أنّ النبي صلى الله عليه و آله نصب معاذا و أنسا و أبيّ بن كعب و سهل بن أبي حثمة.
و يستفاد من مكاتبات علي عليه السلام الى ولاته و عمّاله و غير ولاته أنّ سهل بن حنيف كان عامله على المدينة، و قُثَم بن العبّاس كان عامله بمكّة، و عثمان بن حنيف الأنصاري كان عامله على البصرة و أبا موسى الأشعري و كميل بن زياد وعمر بن أبي سلمة المخزومي و أشعث بن قيس و مصقلة بن هبيرة الشيباني كانوا
1) - التوبة 9: 60.
عامليه على الكوفة و الهيت (و هو بلد بالفرات) و البحرين و آذربيجان و البحرين، و عبداللّه بن عبّاس كان عامله على كور أهواز و فارس و كرمان و غيرهم. و الظاهر أنّ سائر الأئمّة عليهم السلام لم يكن لهم عامل و ذلك لعدم بسط أيديهم عليهم السلام . و كيف كان فلا اشكال كما لا خلاف في أنّ من مصارف الزكاة العاملين عليها، لكن لا مطلق من تصدّى العمل؛ اذ ليس هو وظيفة لكلّ أحد، بل بشرط النصب و الاذن من قبل الامام عليه السلام أو نائبه الخاصّ أو العامّ فانّهم أولياء الفقراء و المساكين و من يكون مصرفا للزكاة، و لايسوغ العمل بغير الاذن المزبور؛ لأنّه تصرّف في ملك الغير بغير اذنه، الاّ اذا كان مأذونا من قبل المالك حيث يجوز له التصدّي بنفسه للعمل، فيجوز أن يأذن لغيره. و أمّا اعطاؤه الأجر من الزكاة فلايجوز، بل يضمن عمله من ماله الشخصي، و سيجيء بحثه.
ثمّ انّ المراد بالعامل من تصدّى لعمل مستند الى الزكاة من تحصينها و تحصيلها بجباية و كتابة و حساب و حفظ و الايصال الى الامام عليه السلام أو نائبه.
قال في الجواهر: «الصنف الثالث من مستحقّي الزكاة كتابا و سنّة و اجماعا بقسميه العاملون عليها و هم عمّال الصدقات، الساعون في تحصينها، و تحصيلها بجباية و ولاية على الجباة و غيرهم من أصناف السعاة أو على بلد الزكاة بحيث تتضمّن الولاية على السعاة، و كتابة و حساب و حفظ و نحو ذلك ممّا له مدخل في التحصيل أو التحصين الى أن تصل الى المستحقّين - الى أن قال: - و كيف كان فلا خلاف بيننا في استحقاق هؤلاء نصيبا منها، خلافا لبعض العامّة فقال: انّ ما يأخذه العامل يكون أجرة و عوضا لا زكاة؛ لأنّه لايعطى الاّ مع العمل، و الزكاة تدفع استحقاقا لا عوضا، و لأنّه يأخذها مع الغنى اجماعا محكيّا عن الخلاف؛ للأصل و ظاهر الآية و الصدقة لاتحلّ لغنيّ، و حكاه في التذكرة عن أبي حنيفة. وفيه: مع أنّه اجتهاد في مقابلة الكتاب و السنّة، انّ توقّف الأخذ على العمل لاينافي الاستحقاق لها بشرط العمل، بل لاينافي أخذها باعتباره لا باعتبار الفقر، و لذا
جازت له مع الغنى كابن السبيل الغني في بلده، و ما ورد في النصوص من أنّ علّة شرعها الفقر لايقتضي اختصاص جهة صرفها فيه. انتهى».(1)
ثمّ انّه قد عرفت من الجواهر عدم الخلاف في أنّ العامل يستحقّ من الزكاة سهما في مقابل عمله و ان كان غنيّا، و لايلزم استئجاره من الأوّل، أو تعيين مقدار له على وجه الجعالة، بل يجوز أيضا أن لايعيّن و يعطيه بعد ذلك ما يراه الامام أو نائبه. و ذلك لصحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قلت له: ما يعطى المصدّق؟ قال: ما يرى الامام، و لايقدّر له شيء».(2)
و الظاهر أنّ قوله عليه السلام «ما يرى الامام» يشمل عدم تعيين شيء من الأوّل كما يشمل استئجاره أو تعيين مقدار له على وجه الجعالة. و المراد من قوله عليهم السلام «و لايقدّر له شيء» أي لم يقدّر للعامل في الشريعة المقدّسة شيء من العشر أو نصف العشر و نحو ذلك، بل هو موكول الى نظر الامام حسبما يرتئيه من المصلحة التي تختلف باختلاف الموارد من حيث زيادة العمل و نقيصته.
ثمّ انّ الماتن قد اعتبر في العامل التكليف بالبلوغ و العقل و الايمان بل العدالة و الحرّيّة أيضا على الأحوط ...
قال في المبسوط: «و اذا أراد الامام أن يولّي رجلاً على الصدقات احتاج أن يجمع ستّ شرائط: البلوغ و العقل و الحرّيّة و الاسلام و الأمانة و الفقه، فان أخلّ بشيء منها لم يجز أن يولّيه. انتهى».(3)
قال في الشرائع: «و يجب أن يستكمل فيهم أربع صفات: التكليف و الايمان و العدالة و الفقه. و لو اقتصر على ما يحتاج اليه منه جاز. و أن لايكون هاشميّا. و في
اعتبار الحرّيّة تردّد. انتهى».(1)
و في المدارك: «لا ريب في اعتبار استجماع العامل لهذه الصفات (التكليف و الايمان و العدالة و الفقه) - الى أن قال: - هذا الشرط (أن لايكون هاشميّا) انّما يعتبر في العامل الذي يأخذ النصيب، لا في مطلق العمالة. انتهى».(2)
أقول:
لم يتعرّض لهذه الشرائط في المقنع و الهداية بالخير و المقنعة و جمل العلم و العمل و الانتصار و الناصريّات و الكافي و النهاية و الجمل و العقود، و انّما تعرّض لها القاضي و ابن حمزة و ابن ادريس، فقال الأوّل في المهذّب: «و يجب أن يعتبر في سائر ما ذكرناه من هؤلاء الاّ المؤلّفة قلوبهم شروط ثلاثة: العدالة و الايمان، و أن لايكون من بنيهاشم و أن يكونوا ممّن لايجب على المكلّف الانفاق عليه مثل الوالدين و الولد و الجدّ و الجدّة و الزوجة و المملوك. انتهى ملخّصا».(3)
و الثاني في الوسيلة: «و يعتبر الايمان في جميع الأصناف الاّ في المؤلّفة، و العدالة الاّ في المؤلّفة و الغزاة، و تحرم الزكاة على بنيهاشم من غيرهم مع تمكّنهم من الخمس. انتهى».(4)
و الثالث أي ابن ادريس في السرائر: «و العامل يعطى مع الغنى و الفقر و لايجوز أن يعطى مع الفسق، و لايكون من بنيهاشم؛ لأنّ عمالة الصدقات حرّمها الرسول صلى الله عليه و آله على بنيهاشم قاطبة. انتهى».(5)
مع أنّهم ذكروا بأنّ العاملين و المؤلّفة قلوبهم و الغزاة قد سقط سهمهم في زمان الغيبة. و كيف كان فقد استدلّ في الجواهر بالنسبة الى التكليف بعدم الخلاف و عدم الاشكال فيه، و بأنّه لاتجوز عمالة الصبي و المجنون ولو باذن وليّهما؛ لأنّها نيابة عن الامام عليه السلام في الولاية على قبض مال الفقراء و حفظه لهم، و هما قاصران عن ذلك، (و بالنسبة الى الايمان) بعدم جواز هذه الولاية لغيره؛ اذ هي غصن من شجرة العهد الذي لايناله الظالمون، مضافا الى عموم ما دلّ على عدم جواز اعطائهم الصدقات، و الى ما حكي من الاجماع في الروضة و المفاتيح على اعتبار العدالة فيهم المعلوم انتفاؤها في غير المؤمن، و الخلاف الآتي في اعتبار العدالة في المستحقّين في غير المقام.(1)
و قد عرفت عدم تعرّض القدماء لشرط التكليف و انّما تعرّض الشيخ في المبسوط و تبعه عليه باقي الفقهاء، و لا دليل عليه من الكتاب و السنّة، و لا الاجماع الكاشف عن رأي الامام، و ما ذكره صاحب الجواهر من «قصور غير البالغ في الولاية على قبض مال الفقراء» ففيه: الظاهر أنّه اذن من الامام، و لا دليل على كونه نيابة عن الامام في الولاية، فيجوز استئجار الصبي باذن الولي اذا كان له قابليّة العمل و كذا المجنون اذا لم يبلغ حدّا يوجب اتلاف المال. و أمّا الايمان و العدالة، فقد استدلّ - مضافا الى ما مرّ في التكليف - بما ورد عن أميرالمؤمنين عليه السلام في صحيحة بريد بن معاوية مخاطبا لمصدّقه:
«فلاتوكّل به الاّ ناصحا شفيقا أمينا حفيظا غير معنف بشيء منها».(2)
و في نهج البلاغة:
«و لاتأمننّ عليها الاّ من تثق بدينه رافقا بمال المسلمين حتّى يوصّله الى وليّهم فيقسمه بينهم و لاتوكّل بها الاّ ناصحا شفيقا و أمينا
حفيظا».(1)
و فيه: انّ الظاهر من كلامه عليه السلام في الروايتين المذكورتين كفاية كونه ثقة و أمينا، أمّا كونه مؤمنا و عادلاً فلا، و لذا قال في مصباح الفقيه: «قد يظهر من كلماتهم التسالم على اعتبار هذه الشرائط (التكليف و الايمان و العدالة و الفقه)، فان تمّ الاجماع عليه كما ادّعي فيما عدا الأخير منها فهو و الاّ فالأظهر اناطته بنظر الوالي، فان كان الامام الأصل فهو أعرف بتكليفه و لا مجال لنا في البحث عن ذلك. و ان كان غيره كالفقيه في زمان الغيبة اذا رأى صبيّا أو فاسقا بصيرا بالأمور، حاذقا بأمر السياسة و الرئاسة و جزم بكونه ناصحا شفيقا أمينا حفيظا و ان كان فاسقا غير متحرّز عن جملة المعاصي الغير المتعلّقة بعمله فلا مانع عن نصبه لجباية الصدقات و ضبطها و كتابتها و غير ذلك ممّا يتعلّق بذلك اذا رأى المصلحة في ذلك. انتهى».(2)
نعم، يجب أن يكون العامل مؤمنا و حرّا اذا أراد الحاكم أن يعطي أجره من الزكاة، و ذلك لصحيحة زرارة و ابن مسلم عن أبي جعفر و أبي عبداللّه عليهماالسلام أنّهما قالا:
«الزكاة لأهل الولاية، قد بيّن اللّه لكم موضعها في كتابه».(3)
و موثّقة اسحاق بن عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«و لايعطى العبد من الزكاة شيئا».(4)
قال في الجواهر: «ينبغي أن يعلم أنّ المراد في المقام و نظائره صيرورته (العبد) عاملاً مندرجا في آية الزكاة، لا أنّه غير قابل لأصل العمل في الزكاة، فانّه
لا اشكال في صحّة استئجاره من بيت المال و تبرّعه لو أذن له سيّده بلا عوض. انتهى».(1)
قال المصنّف: «و يشترط أيضا معرفة المسائل المتعلّقة بعملهم اجتهادا أو تقليدا، و أن لايكونوا من بني هاشم».
أمّا اشتراط معرفة المسائل المتعلّقة بعملهم اجتهادا أو تقليدا فواضح لئلاّ يقع في المعصية لجهله بما هو تكليفه، الاّ أنّه لايجب معرفتها قبل العمل بل يجوز حينه و أن يسأل متى ترد عليه مسألة.
و أمّا عدم كون العامل هاشميّا فيدلّ عليه صحيحة عيس بن القاسم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«انّ أناسا من بنيهاشم أتوا رسول اللّه صلى الله عليه و آله فسألوه أن يستعملهم على صدقات المواشي و قالوا: يكون لنا هذا السهم الذي جعل اللّه عزّوجلّ للعاملين عليها فنحن أولى به. فقال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: يا بني عبدالمطّلب(2)، انّ الصدقة لاتحلّ لي و لا لكم، ولكنّي قد وعدت الشفاعة - الى أن قال: - أتروني مؤثرا عليكم غيركم».(3)
نعم، اذا استأجره الحاكم و جعل أجرته من غير الزكاة فلا اشكال فيه؛ لأنّ الممنوع منه الهاشمي أخذ الزكاة لا كونه عاملاً كما هو ظاهر من الصحيحة و غيرها.
ثمّ قال الماتن أخيرا: «و الأقوى عدم سقوط هذا القسم في زمان الغيبة مع بسط يد نائب الامام عليه السلام في بعض الأقطار».
و ذلك لاطلاق الكتاب و السنّة و لم يكن هناك مخصّص، و لا دليل على أنّ
نصب العامل من وظائف الامام عليه السلام . نعم، يستظهر ذلك من الوسيلة و المهذّب و السرائر حيث قالوا: انّ العاملين و المؤلّفة قلوبهم و الغزاة قد سقط سهمهم في زمان الغيبة، و كأنّهم استنبطوا ذلك من أنّ جعل العامل مخصوص بوليّ الأمر، و بعد أن جعل المعصوم الفقهاء مرجع شيعتهم في الأمور الشرعيّة التي من جملتها ذلك، فلا اشكال فيه.
«الرابع»: المؤلّفة قلوبهم من الكفّار الذين يراد من اعطائهم ألفتهم و ميلهم الى الاسلام ، أو الى معاونة المسلمين في الجهاد مع الكفّار أو الدفاع. و من المؤلّفة قلوبهم: الضعفاء العقول من المسلمين؛ لتقوية اعتقادهم أو لإمالتهم الى المعاونة في الجهاد أو الدفاع.
الشرح:
لا خلاف و لا اشكال بأنّ صنفا من أصناف المستحقّين للزكاة المؤلّفة قلوبهم بنصّ الكتاب و السنّة و اجماع المسلمين، و انّما الخلاف في تشريح موضوعه و اختلفوا الى ثلاثة أقوال من أنّهم الكفّار فقط أو هم مع المسلمين أو ضعفاء الايمانمن المسلمين.
قال العلاّمة في المختلف: «قال ابن الجنيد: «المؤلّفة قلوبهم من أظهر الدين بلسانه، و أعان المسلمين و امامهم بيده، و كان معهم الاّ قلبه» فخصّهم بالمنافقين. و قال الشيخ في المبسوط: «المؤلّفة قلوبهم عندنا هم الكفّار الذين يستمالون بشيء من مال الصدقات الى الاسلام و يتألّفون، ليستعان بهم على قتال أهل الشرك، و لايعرف أصحابنا مؤلّفة أهل الاسلام ». و قال ابن ادريس: «المؤلّفة ضربان: مؤلّفة الكفر و مؤلّفة الاسلام ». و قال شيخنا أبو جعفر: «المؤلّفة ضرب واحد و هم مؤلّفة الكفر، و الأوّل مذهب شيخنا المفيد». قال: «و هو الصحيح؛ لأنّه يعضده ظاهر التنزيل، و عموم الآية، فمن خصّها يحتاج الى دليل». و هو الأقرب.
لنا: عموم كونهم مؤلّفة، و ما رواه زرارة و محمّد بن مسلم أنّهما قالا لأبي عبداللّه عليه السلام : «أرأيت قول اللّه عزّوجلّ - الى أن قال: - سهم المؤلّفة قلوبهم و سهم الرقاب عامّ، و الباقي خاصّ»، و انّما يكون عامّا لو تناول القسمين. انتهى».(1)
و الأظهر أنّ المؤلّفة قلوبهم عامّة شاملة للكفّار و المسلمين، و الدليل على ذلك اطلاق الكتاب و قوله عليه السلام في صحيحة زرارة و محمّد بن مسلم:
«و انّما يعطى من لايعرف ليرغب في الدين فيثبت عليه - الى أن قال: - سهم المؤلّفة قلوبهم و سهم الرقاب عامّ، و الباقي خاصّ».(2)
و اختار في الحدائق اختصاصه بمن ظاهره الاسلام ؛ استنادا الى ما يتراءى من الأخبار الواردة في هذا الباب، فقد عقد في الكافي لذلك بابا فقال: «باب المؤلّفةقلوبهم» و أورد فيه جملة من الأخبار:
منها صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«سألته عن قول اللّه عزّوجلّ «و المؤلّفة قلوبهم». قال: هم قوم وحّدوا اللّه عزّوجلّ و خلعوا عبادة من يعبد من دون اللّه و شهدوا أن لا اله الاّ اللّه و أنّ محمّدا رسول اللّه صلى الله عليه و آله، و هم في ذلك شكّاك في بعض ما جاء به محمّد صلى الله عليه و آله فأمر اللّه عزّوجلّ نبيّه صلى الله عليه و آله أن يتألّفهم بالمال و العطاء لكي يحسن اسلام هم و يثبتوا على دينهم الذي دخلوا فيه و أقرّوا به، و انّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله يوم حنين تألّف رؤساء العرب من قريش و سائر مضر منهم أبو سفيان بن حرب و عيينة بن حصين الفزاريّ و أشباههم من الناس فغضبت الأنصار و اجتمعت
الى سعد بن عبادة فانطلق بهم الى رسول اللّه صلى الله عليه و آله بالجعرانة فقال: يا رسول اللّه، أتأذن لي في الكلام؟ فقال: نعم. فقال: ان كان هذا الأمر من هذه الأموال التي قسمت بين قومك شيئا أنزله اللّه، رضينا، و ان كان غير ذلك لم نرض. قال زرارة: و سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: فقال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: يا معشر الأنصار، أكلّكم على قول سيّدكم سعدٍ؟ فقالوا: سيّدنا اللّه و رسوله! ثمّ قالوا في الثالثة: نحن على مثل قوله و رأيه. قال زرارة: فسمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: فحطّ اللّه نورهم و فرض اللّه للمؤلّفة قلوبهم سهما في القرآن».(1)
و منها خبر زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«المؤلّفة قلوبهم قوم وحّدوا اللّه و خلعوا عبادة (من يعبد) من دوناللّه و لم تدخل المعرفة قلوبهم أنّ محمّدا رسول اللّه، و كان رسول اللّه صلى الله عليه و آله يتألّفهم و يعرّفهم لكيما يعرفوا و يعلّمهم».(2)
و منها مرسلة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«المؤلّفة قلوبهم لم يكونوا قطّ أكثر منهم اليوم».(3)
و منها مرسلة موسى بن بكر قال:
«قال أبو جعفر عليه السلام : ما كانت المؤلّفة قلوبهم قطّ أكثر منهم اليوم، و هم قوم وحّدوا اللّه و خرجوا من الشرك و لم تدخل معرفة محمّد رسول اللّه صلى الله عليه و آله قلوبهم و ما جاء به، فتألّفهم رسول اللّه صلى الله عليه و آله و تألّفهم المؤمنون بعد رسول اللّه صلى الله عليه و آله لكيما يعرفوا».(4)
و منها مرسلة علي بن ابراهيم في تفسيره عن العالم في المؤلّفة قلوبهم، قال:
« ... هم قوم وحّدوا اللّه و خلعوا عبادة من دون اللّه و لم تدخل المعرفة قلوبهم أنّ محمّدا رسول اللّه صلى الله عليه و آله، فكان رسول اللّه صلى الله عليه و آلهيتألّفهم و يعلّمهم و يعرّفهم كيما يعرفوا، فجعل لهم نصيبا في الصدقات لكي يعرفوا و يرغبوا».(1)
و فيه: الظاهر أنّ هذه الأخبار كلّها ترجع الى صحيحة زرارة، و هي واردة في شأن نزول الآية و لا منافاة بين شأن نزول الآية التي نزلت فيمن ظاهره الاسلام و بين من ينطبق عليه ظاهر الآية و ظاهر صحيحة زرارة و محمّد بن مسلم المتقدّمة بأنّهم الكفّار و المسلمون الذين يستمالون الى الجهاد اذا أعطوا شيئا من الزكاة.أضف الى ذلك أنّ الحكم بالتعميم كان مشهورا بين القدماء الذين يبدو أنّهم تلقّوه من الأئمّة عليهم السلام :
ففي المقنعة: «و المؤلّفة قلوبهم، و هم الذين يستمالون و يتألّفون للجهاد و نصرة الاسلام ».(2)
و في النهاية: «و أمّا المؤلّفة فهم الذين يتألّفون و يستمالون الى الجهاد».(3)
و في المراسم: «هم الذين يستمالون لنصرة الدين».(4)
و في المهذّب: «هم الذين يستمالون الى الجهاد».(5)
و في الغنية: «هم الذين يستمالون الى الجهاد بلا خلاف».(6)
و في السرائر: «الذين يتألّفون و يستمالون الى الجهاد، فانّهم يعطون سهما من
الصدقات مع الغنى و الفقر و الكفر و الاسلام و الفسق».(1)
و لذا قال في مصباح الفقيه: «الذي يظهر بالتدبّر في الآثار و الأخبار و كلمات الأصحاب أنّ المؤلّفة قلوبهم الذين جعل لهم نصيبا من الصدقات أعمّ من الجميع، بل يتناول أيضا الكفّار الذين يقصد بتأليف قلوبهم دخولهم في الاسلام ، ولكن لايترتّب على تحقيق ذلك ثمرة مهمّة بعد ما تقرّر من أنّه يجوز للوالي أن يصرف من الزكاة الى مثل هذه الوجوه التي فيها تشييد الدين، و أنّه لايجب التوزيع و البسط على الأصناف، غاية ما في الباب أنّه لو لم يكن الكافر الذي يتألّف قلبه الى الاسلام أو الى الجهاد مندرجا في موضوع المؤلّفة قلوبهم الذين جعللهم هذا السهم - كما زعمه صاحب الحدائق - اندرج ما يصرف اليه بهذا الوجه في سهم سبيل اللّه، كما ستعرف. انتهى».(2)
ثمّ انّهم اختلفوا في سقوط هذا السهم بعد النبي و عدمه و بالأوّل قطع الصدوق في الفقيه و الشيخ في النهاية و القاضي ابن البرّاج في المهذّب و ابن حمزة في الوسيلة و ابن ادريس في السرائر(3).
و قال العلاّمة في المنتهى: «انّه قد يجب الجهاد في حال غيبة الامام عليه السلام ، فاذا احتيج الى التأليف جاز صرف السهم الى أربابه من المؤلّفة. انتهى ملخّصا».(4)
و في المدارك بعد نقله قال: «و لا ريب في قوّة هذا القول؛ تمسّكا بظاهر التنزيل السالم من المعارض. انتهى».(5)
قال في الحدائق: «بقي الكلام في أنّه على تقدير المعنى الذي ذكرناه في بيان المؤلّفة هل يسقط هذا السهم بعده صلى الله عليه و آله أم لا؟ الظاهر من الأخبار المتقدّمة
بالتقريب الذي شرحناه أنّه لا ريب في سقوطه في زمن الغيبة كزماننا هذا و ما قبله و ما بعده الى أن يعجّل اللّه تعالى فرج وليّه، و أمّا في وقت الأئمّة - صلوات اللّه عليهم - فالأخبار و ان دلّت على وجود من يحتاج الى التأليف في زمانهم - صلوات اللّه عليهم - كما قدّمنا الاشارة اليه، الاّ أنّ التأليف لما كان مخصوصا بهم و أيديهم عليهم السلام يومئذ قاصرة عن اقامة الحدود الشرعيّة و تنفيذ الأحكام لغلبة التقيّة - الاّ أن يكون تأليفا بغير الأموال كما أشرنا اليه آنفا - فمن أجل ذلك سقط أيضا.
و يؤيّد ما ذكرناه ما صرّح به شيخنا أمين الاسلام الطبرسي قدس سره في كتاب مجمعالبيان حيث قال: ثمّ اختلف في هذا السهم هل هو ثابت بعد النبي صلى الله عليه و آله أم لا؟ فقال: هو ثابت في كلّ زمان عن الشافعي و اختاره الجبائي و هو المروي عن أبي جعفر عليه السلام الاّ أنّه قال: من شرطه أن يكون هناك امام عادل يتألّفهم به على ذلك. ثمّ نقل القول بالاختصاص بزمانه صلى الله عليه و آله بالتقريب الذي نقله في المدارك عن بعض العامّة و أسنده الى الحسن و الشعبي و أبي حنيفة و أصحابه. و من المحتمل قريبا أنّ اسقاط ابن بابويه سهم المؤلّفة بعده صلى الله عليه و آله انّما هو لما ذكرناه، فانّه لم يتعرّض لبيان معنى المؤلّفة و أنّهم عبارة عن ماذا. انتهى».(1)
1) - الحدائق الناضرة 12: 166.
«الخامس»: الرقاب و هم ثلاثة أصناف:
«الأوّل»: المكاتب العاجز عن أداء مال الكتابة، مطلقا كان أو مشروطا، و الأحوط أن يكون بعد حلول النجم، ففي جواز اعطائه قبل حلوله اشكال، و يتخيّر بين الدفع الى كلّ من المولى و العبد لكن ان دفع الى المولى و اتّفق عجز العبد عن باقي مال الكتابة في المشروط فردّ الى الرقّ يسترجع منه، كما أنّه لو دفعها الى العبد و لم يصرفها في فكّ رقبته لاستغنائه بابراء أو تبرّع أجنبي يسترجع منه. نعم، يجوز الاحتساب حينئذ من باب سهم الفقراء اذا كان فقيرا. و لو ادّعى العبد أنّه مكاتب أو أنّه عاجز فان علم صدقه أو أقام بيّنة قبل قوله و الاّ ففي قبول قوله اشكال. و الأحوط عدم القبول سواء صدّقه المولى أو كذّبه، كما أنّ في قبول قول المولى مع عدم العلم و البيّنة أيضا كذلك، سواء صدّقه العبد أو كذّبه. و يجوز اعطاء المكاتب من سهم الفقراء اذا كان عاجزا عن التكسّب للأداء، و لايشترط اذن المولى في الدفع الى المكاتب، سواء كان من باب الرقاب أو من باب الفقر.
«الثاني»: العبد تحت الشدّة، و المرجع في صدق الشدّة العرف، فيشترى و يعتق، خصوصا اذا كان مؤمنا في يد غير المؤمن.
«الثالث»: مطلق عتق العبد مع عدم وجود المستحقّ للزكاة، و نيّة الزكاة في هذا و السابق عند دفع الثمن الى البائع، و الأحوط الاستمرار بها الى حين الاعتاق.
الشرح:
في المدارك: «ذكر جمع من المفسّرين أنّ الوجه في العدول فيها من «اللام» الى «في» أنّ الأصناف الأربعة الأولى يصرف المال اليهم حتّى يتصرّفوا فيه كيفشاؤوا، و أمّا الأربعة الأخيرة فلايصرف المال اليهم كذلك، بل انّما يصرف في جهات الحاجات المعتبرة في الصفات التي لأجلها استحقّوا الزكاة، ففي الرقاب
يوضع في تخليص رقابهم من الرقّ و الأسر، و في الغارمين يصرف المال الى قضاء ديونهم، و كذا في سبيل اللّه و ابن السبيل.
و قال في الكشّاف: انّما عدل للإيذان بأنّهم أرسخ في استحقاق التصدّق عليهم ممّن سبق؛ لأنّ «في» للوعاء فنبّه به على أنّهم أحقّاء بأن يجعلوا مصبّا للصدقات، و تكرير «في» في قوله: «و في سبيل اللّه و ابن السبيل» فيه فضل ترجيح لهذين على الرقاب و الغارمين. انتهى».(1)
قال في الشرائع: «و هم ثلاثة: المكاتبون، و العبيد الذين تحت الشدّة، و العبد يشترى و يعتق و ان لم يكن في شدّة، لكن بشرط عدم المستحقّ. و روي رابع، و هو من وجبت عليه كفّارة و لم يجد، فانّه يعتق عنه، و فيه تردّد. انتهى».(2)
و استدلّ للصنف الأوّل بمرسلة الصدوق قال:
«سئل الصادق عليه السلام عن مكاتب عجز عن مكاتبته و قد أدّى بعضها؟ قال: يؤدّى عنه من مال الصدقة، انّ اللّه عزّوجلّ يقول في كتابه: «و في الرقاب»».(3)
و الظاهر أنّه لا خلاف فيه.
قال في المدارك: «فهو قول علمائنا و أكثر العامّة؛ لظاهر قوله تعالى: «و في الرقاب». انتهى».(4)
و في الجواهر: «لا خلاف أجده بيننا و بين العامّة، بل الاجماع بقسميه عليه، بل في المرسل المروي عن الصادق عليه السلام أنّه «سئل عن مكاتب ... » و التعليل في الرواية ظاهر في عدم تقييد الحكم بما وقع في السؤال عن تأدية البعض، و لذا أطلق
الأصحاب الحكم في المكاتب من غير فرق بين ذلك و عدمه، بل و لا بين مطلقه و مشروطه. انتهى ملخّصا».(1)
ثمّ انّ المصنّف قال بأنّ «الأحوط أن يكون بعد حلول النجم، ففي جواز اعطائه قبل حلوله اشكال»، و ذلك لظاهر المرسلة و اطلاق الكتاب. ولكن الظاهر ترجيح اطلاق الكتاب و لاتكون المرسلة مقيّدة له؛ لأنّ العجز الوارد فيها من السائل، مضافا الى ما سيأتي من جواز صرف الزكاة لعتق الرقاب مطلقا بلا قيد و لا شرط.
فرعان:
يتخيّر الدافع بين الدفع الى كلّ من المولى و العبد؛ لأنّ المقصود تحرير المكاتب و اعتاقه و هو يحصل بالدفع الى أيّهما شاء، فلو دفع الى المولى فيعتق بعده، و لو دفع الى العبد فيعتق بعد دفعه الى مولاه. و الدليل على هذا التخيير اطلاق الكتاب و السنّة.
و في المدارك: «قال في المنتهى: «و يجوز الدفع الى السيّد باذن المكاتب، و الى المكاتب باذن السيّد و بغير اذنه». و هو حسن، بل لايبعد جواز الدفع الى السيّد بغير اذن المكاتب أيضا؛ لعموم الآية. انتهى».(2)
لكن ان دفع الى المولى و اتّفق عجز العبد عن باقي مال الكتابة في المشروط فردّ الى الرقّ يسترجع منه، كما أنّه لو دفعها الى العبد و لم يصرفها في فكّ رقبته لاستغنائه بابراء أو تبرّع أجنبيّ يسترجع منه؛ لأنّ الدفع كان مقيّدا بالصرف في الفكّ، و التمليك كان مشروطا بالتعقّب بالعتق و قد تخلّف و لم يتحقّق، و
المشروط ينتفي بانتفاء شرطه، و معه لا مناص من الاسترداد.
نعم، يجوز الاحتساب حينئذ (أي اذا صار حرّا و استغنى منها) من باب سهم الفقراء اذا كان فقيرا؛ اذ بعد أن أصبح العبد حرّا و كان فقيرا فحاله حال سائر الفقراء في جواز الدفع اليه من هذا السهم. و هذا بخلاف الصورة السابقة المحكوم فيها بالاسترجاع من المولى، فانّه لايجوز فيها الدفع الى العبد و ان كان فقيرا؛ لما
عرفت من اعتبار الحرّيّة في مستحقّ الزكاة.
قال المحقّق الهمداني: «ثمّ انّ مقتضى ظاهر النصّ و الفتوى أنّ الزكاة التي تصرف في أداء مال الكتابة يتعيّن صرفها في هذا الوجه، سواء أعطيت بيد المولى أو بيد العبد ليفكّ بها رقبته، و لايملكها العبد بقبضها ملكا مطلقا بحيث لو فرض حصول العتق بدونه لبقي المال في ملكه، بل ترتجع منه في مثل الفرض على الأشبه؛ لأنّها لم تصرف في الرقاب، و العبد لايعطى من الزكاة شيئا الاّ في فكاك رقبته. نعم، لو بقي المال عنده أو في ذمّته و كان فقيرا بعد الانعتاق جاز احتسابه عليه حينئذ من سهم الفقراء، كما هو واضح. و قد ظهر بما ذكر أنّه لو صرفه في غيره، و الحال هذه، أي دفع اليه من هذا السهم و لم يكن معه ما يصرفه في الكتابة، ولكن لم يصرفه فيها بل صرفه في غيرها جاز ارتجاعه؛ لأنّه لم يوضع في موضعه. انتهى».(1)
اذا ادّعى العبد أنّه مكاتب، فان علم صدقه أو أقام بيّنة قبل قوله، و في غير ذلك، فان كذّبه السيّد لم يقبل قوله؛ لأنّ الأصل بقاء الرقّيّة، و ان صدّقه السيّد، ففي
1) - مصباح الفقيه 13: 547.
المدارك: «فقد قطع الأصحاب بقبول قوله، و علّله في التذكرة بأصالة العدالة، و بأنّ الحقّ في العبد له، فاذا أقرّ بالكتابة قبل ... و لو لم يعلم حال السيّد من تصديق أو تكذيب امّا لبعده أو لغير ذلك فقد قطع الأكثر بقبول دعواه، و علّله المصنّف في المعتبر و العلاّمة في التذكرة و المنتهى بأنّه مسلم أخبر عن أمر ممكن فيقبل قوله كالفقير، و بأصالة العدالة الثابتة للمسلم. انتهى».(1)
و قد تقدّم في المسألة العاشرة من أنّه اذا ادّعى الفقر و لم يعلم حاله و لم يقم على ما ادّعاه بيّنة فان كانت له حالة سابقة من الفقر أو الغنى عومل بها و الاّ فان كان ظاهر حاله يصدّق دعواه بحيث لم يستقرّ الشكّ فيجوز اعطاؤه.
الثاني من الأصناف الثلاثة للرقاب: العبد تحت الشدّة.
و يدلّ عليه خبر أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن الرجل يجتمع عنده من الزكاة الخمسمائة و الستّمائة يشتري بها نسمةً و يعتقها؟ فقال: اذن يظلم قوما آخرين حقوقهم. ثمّ مكث مليّا ثمّ قال: الاّ أن يكون عبدا مسلما في ضرورة فيشتريه ويعتقه».(2)
قال في الجواهر: «عليه الاجماع المحكي صريحا و ظاهرا مستفيضا المعتضد بالتتبّع. انتهى».(3)
الثالث: مطلق العبد شريطة عدم وجود المستحقّ.
و استدلّ له بموثّقة عبيد بن زرارة قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل أخرج زكاة ماله ألف درهم فلم يجد
موضعا يدفع ذلك اليه فنظر الى مملوك يباع فيمن يريده فاشتراه بتلك الألف الدراهم التي أخرجها من زكاته فأعتقه، هل يجوز ذلك؟ قال: نعم، لابأس بذلك. قلت: فانّه لمّا أن أعتق و صار حرّا اتّجر و احترف فأصاب مالاً ثمّ مات و ليس له وارث، فمن يرثه اذا لم يكن له وارث؟ قال: يرثه الفقراء المؤمنون الذين يستحقّون الزكاة، لأنّه انّما اشتري بمالهم».(1)
و صحيحة أيّوب بن الحرّ قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : مملوك يعرف هذا الأمر الذي نحن عليه، أشتريه من الزكاة و أعتقه؟ قال: فقال: اشتره و أعتقه. قلت: فان هو مات و ترك مالاً؟ قال: فقال: ميراثه لأهل الزكاة، لأنّه اشتري بسهمهم. قال: و في حديث آخر: بمالهم».(2)
ولكن الظاهر من صحيحة أيّوب بن الحرّ جواز شراء العبد مطلقا، أي و انوجد موضعا آخر يدفع ذلك اليه، بل الموثّقة أيضا تدلّ على الاطلاق؛ لأنّ القيد انّما ذكر في كلام السائل دون الامام عليه السلام ليدلّ على الحصر، و من الواضح أنّ المورد لايخصّص الوارد. و الصحيح جواز صرف الزكاة في مطلق الرقاب كما هو ظاهر الآية بل اطلاقها و اطلاق صحيحة أيّوب بن الحرّ. و يؤيّده رواية أبي محمّد الوابشي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سأله بعض أصحابنا عن رجل اشترى أباه من الزكاة زكاة ماله. قال: اشترى خير رقبة، لابأس بذلك».(3)
و لذلك قال في المدارك: «و جوّز العلاّمة في القواعد الاعتاق من الزكاة مطلقا
و شراء الأب منها، و قوّاه ولده في الشرح و نقله عن المفيد و ابن ادريس، و هو جيّد؛ لاطلاق الآية الشريفة، و يؤيّده ما رواه ابن بابويه في كتاب علل الشرائع و الأحكام عن أيّوب بن الحرّ. و ما رواه الكليني عن أبي محمّد الوابشي. انتهى ملخّصا».(1)
ثمّ انّه قال في الشرائع: «و روي رابع، و هو من وجبت عليه كفّارة و لم يجد، فانّه يعتق عنه، و فيه تردّد. انتهى».(2)
و استدلّ على ذلك بما رواه علي بن ابراهيم في تفسيره عن العالم عليه السلام :
«و في الرقاب قوم لزمتهم كفّارات في قتل الخطأ و في الظهار و في الأيمان و في قتل الصيد في الحرم و ليس عندهم ما يكفّرون و هم مؤمنون، فجعل اللّه لهم سهما في الصدقات ليكفّر عنهم».(3)
ولكنّها ضعيفة السند بالارسال، و ضعيفة الدلالة؛ لأنّ مفادها جواز صرف الزكاة في مطلق الكفّارة و ان لم تكن هي العتق كما يفصح عنه قوله: «و في قتل الصيد في الحرم» فانّ من الواضح أنّ كفّارته بدنة لا عتق الرقبة، و لا قائل بهذه التوسعة بالضرورة، فظاهر الرواية لا قائل به، و خصوص العتق لاتدلّ عليه الرواية.
قال في المستند: «مقتضى القاعدة عدم الجواز؛ اذ الظاهر من قوله تعالى «و في الرقاب» و كذلك الأخبار المتضمّنة لهذا السهم هو صرف الزكاة في العتق، و هو يتحقّق بأحد نحوين: امّا بالصرف في العتق مباشرة بأن يشترى بها عبد فتبدّل الزكاة به ثمّ يعتق، و القدر المتيقّن عبد في شدّة كما تقدّم. أو بالصرف في الانعتاق بأن يؤدّى بها مال الكتابة فيترتّب عليه الانعتاق قهرا. و من الواضح أنّ شيئا منهما لاينطبق على محلّ الكلام، ضرورة أنّ الدفع ممّن عليه كفّارة ليشتري به عبدا أو
يعتقه لايعدّ صرفا لا في العتق و لا في الانعتاق، و انّما هو دفع للصرف في الشراء الذي هو مقدّمة للعتق، فهو من صرف الزكاة في الكفّارة لا في الرقاب، نظير دفعها للفقير بشرط أن يشتري بها عبدا و يعتقه. فالمتّجه حينئذ هو التفصيل فيمن عليه الكفّارة بين الفقير و غيره، ففي الأوّل يجوز الدفع له من سهم الفقراء فيصرفها حينئذ فيما يشاء من عتق أو غيره. و في الثاني لايجوز لا من هذا السهم - لفرض كونه غنيّا - و لا من سهم الرقاب؛ لعدم كونه موردا له حسبما عرفت. انتهى».(1)
و ما ذهب اليه من مقتضى القاعدة مطابق لها و لا شوب فيه.
ثمّ انّ نيّة الزكاة في المكاتب عند الاعطاء كما هو الظاهر من الرواية، و أمّا في سائر الأصناف فعند الاعتاق، فانّه الظاهر من الآية و الروايات؛ لأنّ المراد من قوله تعالى «و في الرقاب» هو فكّهم.
1) - مستند العروة 24: 75 و 76.
«السادس»: الغارمون، و هم الذين ركبتهم الديون و عجزوا عن أدائها و ان كانوا مالكين لقوت سنتهم. و يشترط أن لايكون الدين مصروفا في المعصية و الاّ لم يقض من هذا السهم و ان جاز اعطاؤه من سهم الفقراء، سواء تاب عن المعصية أو لم يتب، بناءً على عدم اشترط العدالة في الفقير، و كونه مالكا لقوت سنته لاينافي فقره لأجل وفاء الدين الذي لايفي كسبه أو ما عنده به. و كذا يجوز اعطاؤه من سهم سبيل اللّه، و لو شكّ في أنّه صرفه في المعصية أم لا فالأقوى جواز اعطائه من هذا السهم و ان كان الأحوط خلافه. نعم، لايجوز له الأخذ اذا كان قد صرفه في المعصية. و لو كان معذورا في الصرف في المعصية لجهل أو اضطرار أو نسيان أو نحو ذلك لابأس باعطائه. و كذا لو صرفه فيها في حال عدم التكليف لصغر أو جنون، و لا فرق في الجاهل بين كونه جاهلاً بالموضوع أو الحكم.
الشرح:
السادس من الأصناف الثمانية لمصارف الزكاة الغارمون، و هم الذين ركبتهم الديون و عجزوا عن أدائها. و الدليل على ذلك الكتاب و السنّة و الاجماع. أمّا الكتاب فقوله تعالى: «انّما الصدقات ... و الغارمين»(1). و قد ورد في تفسير علي بن ابراهيم عن العالم عليه السلام :
« ... و الغارمين قوم قد وقعت عليهم ديون أنفقوها في طاعة اللّه من غير اسراف فيجب على الامام أن يقضي عنهم و يفكّهم من مال الصدقات».(2)
و أمّا السنّة فصحيحة زرارة قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : رجل حلّت عليه الزكاة و مات أبوه و عليه دين، أيؤّي زكاته في دين أبيه و للابن مال كثير؟ فقال: ان كان أبوه أورثه مالاً ثمّ ظهر عليه دين لم يعلم به يومئذ فيقضيه عنه، قضاه من جميع الميراث و لم يقضه من زكاته، و ان لم يكن أورثه مالاً لم يكن أحد أحقّ بزكاته من دين أبيه، فاذا أدّاها في دين أبيه على هذه الحال أجزأت عنه».(1)
و موثّقة اسحاق بن عمّار قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل على أبيه دين و لأبيه مؤونة، أيعطي أباه من زكاته يقضي دينه؟ قال: نعم، و من أحقّ من أبيه؟».(2)
و صحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج قال:
«سألت أبا الحسن عليه السلام عن رجل عارف فاضل توفّي و ترك عليه دينا قد ابتلي به لم يكن بمفسد و لا بمسرف و لا معروف بالمسألة، هل يقضى عنه من الزكاة الألف و الألفان؟ قال: نعم».(3)
و صحيحته الثانية قال:
«سألت أبا الحسن الأوّل عليه السلام عن دين لي على قوم قد طال حبسه عندهم لايقدرون على قضائه و هم مستوجبون للزكاة، هل لي أن أدعه فأحتسب به عليهم من الزكاة؟ قال: نعم».(4)
و أمّا الاجماع، ففي المدارك: «استحقاق الغارمين ثابت بالكتاب و السنّة و الاجماع».(5)
1) - وسائل الشيعة 9: 250 / الباب 18 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 1.
2) - وسائل الشيعة 9: 250 / الباب 18 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 2.
3) - وسائل الشيعة 9: 258 / الباب 24 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 2.
4) - وسائل الشيعة 9: 295 / الباب 46 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 2.
5) - مدارك الأحكام 5: 222.
و في المعتبر: «و الغارمون هم المدينون في غير معصية، و لا خلاف في جواز تسليمها الى من هذا شأنه. انتهى».(1)
و في التذكرة: «و الغارمون لهم سهم من الصدقات بالنصّ و الاجماع، و هم المدينون في غير معصية، و لا خلاف في صرف الصدقة الى من هذا سبيله. و لو استدان للمعصية لم يقض عند علمائنا أجمع. انتهى».(2)
فروع:
انّما المعتبر في الغارم الذي يجوز له أخذ الزكاة عجزه عن أداء دينه، و لايعتبر الفقر الشرعي في الدفع من هذا السهم أي و ان كان مالكا لقوت سنته.
أمّا الأوّل فقد دلّت عليه الروايات المتقدّمة فانّها مقيّدة لاطلاق الكتاب.
قال المحقّق الهمداني: «لا خلاف على الظاهر في اشتراط عجز الغارم عن أداء دينه، فلو كان متمكّنا من ذلك عرفا بأن كان عنده ما يفي بديونه و مؤونته، لم يقض عنه؛ لمنافاته لأدلّة شرع الزكاة و كونها موضوعة لسدّ خلّة المحتاجين، لا لصلة الأغنياء. و يشهد له أيضا قوله صلى الله عليه و آله: «لاتحلّ الصدقة لغنيّ» مضافا الى الاجماعاتالمستفيضة على اشتراط العجز في الغارم. انتهى».(3)
و أمّا الثاني فلأنّه لا دليل على أن لايكون مالكا لقوت سنته، بل الظاهر من الروايات و فتوى القدماء و أكثر المتأخّرين أنّ الغارم هو المديون الذي لم يقدر على أدائه، و قد ركبه الدين، و العرف شاهد بأنّ من كان له قوت سنته له و لعياله
و لم يكن له غير ذلك ليؤدّي دينه، كان عاجزا و غير متمكّن من الأداء. نعم، قد روى ابن ادريس في آخر السرائر نقلاً من كتاب المشيخة للحسن بن محبوب، عن أبي أيّوب عن سماعة قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل منّا يكون عنده الشيء يتبلّغ به و عليه دين، أ يطعمه عياله حتّى يأتيه اللّه تعالى بميسرة فيقضي دينه؟ أو يستقرض على ظهره في جدب الزمان و شدّة المكاسب؟ أو يقضي بما عنده دينه و يقبل الصدقة؟ قال: يقضي بما عنده و يقبل الصدقة. الحديث».(1)
ولكنّه مردود لضعف السند؛ لجهالة طريق ابن ادريس الى كتاب المشيخة (كما في المستند)، و عدم الدلالة على المدّعى أي قضاء دينه بما عنده حتّى يصير فقيرا ثمّ يقبل الصدقة؛ اذ الظاهر - كما في المصباح(2)- أنّ محطّ النظر في السؤال هو أنّ من عنده مال محتاج اليه في نفقته و عليه دين، فهل هذا المال - كقوت يومه و ليلته - مستثنى عمّا يجب صرفه في أداء دينه أم لا؟ و على تقدير العدم فهل هو بعد الصرف يندرج في موضوع الفقراء و المساكين الذين يحلّ لهم قبول الصدقة أم عليه تحصيل نفقته بالاستقراض و المكاسب الشديدة؟ فلا دخل له بمسألة أنّههل يجوز له - قبل صرف هذا المال في نفقته أو بعده - أداء دينه من سهم الغارمين؟
ثمّ انّه اذا لم يملك المديون شيئا الاّ أنّه رجل كسوب يتمكّن من قضاء دينه من كسبه، فهل يجوز له أخذ الزكاة أو لايجوز؟ الظاهر التفصيل بين ما اذا كان دينه معجّلاً فيجوز اعطاؤه الزكاة حتّى يؤدّي دينه؛ لأنّه عاجز عن أدائه، و بين ما اذا كان مؤجّلاً يتمكّن من قضاء دينه من كسبه فعليه التكسّب لأدائه.
قد اشترط الفقهاء لجواز اعطاء المديون الزكاة ليؤدّي دينه عدم كون دينه مصروفا في المعصية، و استدلّوا على ذلك بخبر محمّد بن سليمان عن رجل من أهل الجزيرة يكنّى أبا محمّد قال:
«سأل الرضا عليه السلام رجل و أنا أسمع فقال له: جعلت فداك، انّ اللّه عزّوجلّ يقول: «و ان كان ذو عسرة فنظرة الى ميسرة»، أخبرني عن هذه النظرة التي ذكرها اللّه عزّوجلّ في كتابه لها حدّ يعرف اذا صار هذا المعسر اليه لابدّ له من أن ينتظر، و قد أخذ مال هذا الرجل و أنفقه على عياله، و ليس له غلّة ينتظر ادراكها، و لا دين ينتظر محلّه، و لا مال غائب ينتظر قدومه؟ قال: نعم، ينتظر بقدر ما ينتهي خبره الى الامام فيقضي عنه ما عليه من الدين من سهم الغارمين اذا كان أنفقه في طاعة اللّه عزّوجلّ، فان كان أنفقه في معصية اللّه عزّوجلّ فلا شيء له على الامام. قلت: فما لهذا الرجل الذي ائتمنه و هولايعلم فيما أنفقه؟ في طاعة اللّه أم في معصيته؟ قال: يسعى له في ماله فيردّه عليه و هو صاغر».(1)
و خبر صبّاح بن سيابة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: أيّما مؤمن أو مسلم مات و ترك دينا لم يكن في فساد و لا اسراف فعلى الامام أن يقضيه، فان لم يقضه فعليه اثم ذلك؛ انّ اللّه تبارك و تعالى يقول: «انّما الصدقات للفقراء و المساكين.
1) - وسائل الشيعة 18: 336 / الباب 9 من أبواب الدين و القرض / الحديث 3.
الآية» فهو من الغارمين، و له سهم عند الامام، فان حبسه فاثمه عليه».(1)
و خبر علي بن ابراهيم عن العالم عليه السلام (في حديث):
«و الغارمين قوم قد وقعت عليهم ديون أنفقوها في طاعة اللّه من غير اسراف فيجب على الامام أن يقضي عنهم و يفكّهم من مال الصدقات».(2)
و صحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج قال:
«سألت أبا الحسن عليه السلام عن رجل عارف فاضل توفّي و ترك عليه دينا قد ابتلي به، لم يكن بمفسد و لا بمسرف و لا معروف بالمسألة، هل يقضى عنه من الزكاة الألف و الألفان؟ قال: نعم».(3)
و موثّقة حسين بن علوان عن جعفر بن محمّد عن أبيه أنّ عليّا عليه السلام كان يقول:
«يعطى المستدينون من الصدقة و الزكاة دينهم كلّه ما بلغ اذا استدانوافي غير سرف ... الحديث».(4)
و الروايات المذكورة و ان أورد عليها الخدشة في المستند غير الأخيرة الاّ أنّ مجموعها مضافا الى فتوى الأصحاب لاسيّما فتوى القدماء يوجب الاطمئنان بعدم جواز الاعطاء من هذا السهم اذا كان الدين مصروفا في المعصية.
قال في مصباح الفقيه: «و لا فرق على الظاهر بين كون الدين مصروفا في المعصية بأن صرفه في الملاهي و شرب الخمور مثلاً، كما هو المنساق من الروايات المزبورة، و بين كونه حاصلاً بنفس المعصية كأكل أموال الناس ظلما و
1) - أصول الكافي / كتاب الحجّة باب ما يجب من حقّ الامام على الرعيّة / الحديث 7.
2) - وسائل الشيعة 9: 212 / الباب 1 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 7.
3) - وسائل الشيعة 9: 295 / الباب 46 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 1.
4) - وسائل الشيعة 9: 298 / الباب 48 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 2.
عدوانا، الموجب لاستقرار مثله أو قيمته في ذمّته لهم، أو اثبات جنايات عمديّة موجبة لثبوت ديتها عليهم، فانّ هذا القسم من الدين أولى بعدم جواز صرف الزكاة فيه من القسم الأوّل. و يدلّ عليه أيضا مضافا الى ذلك ما عن ابن ادريس في مستطرفات السرائر نقلاً من كتاب محمّد بن علي بن محبوب - في الصحيح - عن عبدالرحمن بن الحجّاج أنّ محمّد بن خالد قال: «سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الصدقات، قال: اقسمها فيمن قال اللّه عزّوجلّ، و لاتعطينّ من سهم الغارمين الذين ينادون بنداء الجاهليّة شيئا. قلت: و ما نداء الجاهليّة؟ قال: هو الرجل يقول: يا بنيفلان، فيقع بينهم القتل و الدماء، فلايؤدّوا ذلك من سهم الغارمين، و لا الذين يغرمون من مهور النساء. و لاأعلمه الاّ قال: و لا الذين لايبالون ما صنعوا في أموال الناس». انتهى».(1)
اذا صرف الغارم ما استقرضه في المعصية و عجز عن أدائه ثمّ تاب فهل يجوز اعطاؤه الزكاة من سهم الغارمين أم لا؟
الظاهر عدم الجواز، و ذلك لاطلاق موثّقة الحسين بن علوان و الروايات الأخرى و ظاهر الفتاوى:
ففي الجواهر: «و لايجوز اعطاؤه معها (مع التوبة) من سهم الغارمين؛ لاطلاق الأدلّة السابقة، خلافا للمحكي عن المصنّف في بعض فتاواه و ظاهره أو صريحه في المعتبر، فجوّز اعطاءه من سهم الغارمين، و احتمله في التذكرة لاطلاق الآية، و
1) - مصباح الفقيه 13: 559.
فيه ما لايخفى. انتهى».(1)
و أمّا اعطاؤه الزكاة من سهم الفقراء اذا عدّ فقيرا فالظاهر جوازه، بل يجوز ذلك و ان لم يتب لو لم نعتبر العدالة، و ذلك لاطلاق الآية و عدم المقيّد، و الظاهر من الموثّقة بناءً على أنّ اطلاق المنع راجع الى سهم الغارم بقرينة قوله عليه السلام «المستدينون»، و لا اطلاق لفتوى الفقهاء أو الاجماع المدّعى؛ لأنّه دليل لبّي كما هو واضح. نعم، لايبعد اطلاق الفقير على من استدان لقوت سنته، فانّه في الحقيقة لايعدّ مالكا لما عليه دين بازائه. و أمّا الاعطاء من سهم سبيل اللّه فسيأتي الكلام فيه.
ففي الجواهر: «و اعتبار التوبة في الاعطاء من سهم الفقراء مبنيّ على ما تعرف ان شاء اللّه من اعتبار العدالة أو اجتناب الكبائر، أمّا على القول بعدمه يعطى و ان لم يتب، بل قيل: و كذا الاعطاء من سهم سبيل اللّه بناءً على تعميمه لكلّ قربة. انتهى».(2)
و للشهيد الثاني في المسالك في هذا الفرع كلام و اشكال، فانّه بعد نقل كلام المحقّق «نعم، لو تاب صرف اليه من سهم الفقراء و جاز أن يقضي» قال: «قد تقدّم أنّ الفقير انّما يعطى بسبب الفقر مؤونة السنة و ان جازت الزيادة دفعة. و قضاء الدين لايدخل في المؤونة. و في المسألة اشكال و هو أنّه مع صرف المال في المعصية ان لم يجز وفاؤه من سهم الغارمين لم يجز من سهم الفقراء و ان تاب؛ لأنّ الدين لايدخل في سهم الفقراء، و الاّ لم يكن الغرم قسيما للفقر بل قسما منه. بل امّا أن يكون التوبة مسوّغة للدفع اليه من سهم الغارمين، أو سهم سبيل اللّه، و امّا أن لايجوز الدفع اليه لوفاء دين المعصية مطلقا. و قد لزم من ذلك احتمالات: عدم الجواز مطلقا؛ اعتبارا بالمعصية المانعة، ذكره العلاّمة حكاية، و الجواز مع التوبة
من سهم الفقراء و هو الذي اختاره الشيخ و تبعه عليه جماعة، و الجواز معها من سهم الغارمين، و اختاره المصنّف في بعض فتاويه، و الجواز معها من سهم سبيل اللّه، و هو متوجّه.
و يمكن حلّ الاشكال بأنّ الفقير و ان لم يعط بسبب الفقر الاّ قوت السنة، لكن اذا دفع اليه ذلك ملكه، و جاز له صرفه حيث شاء فيجوز له صرفه في الدين. انتهى ملخّصا».(1)
و اعترض عليه في الجواهر ب- «أنّ الأصل في ذلك ما دلّ على أنّ الزكاة انّما شرّعت لسدّ الخلّة و دفع الحاجة، و أنّها لاتحلّ لغنيّ، و أنّ اللّه شرّك بين الأغنياء و الفقراء، الى غير ذلك ممّا دلّ على كونها للفقراء، و قد صرّح غير واحد باعتبار الفقر فيهم، بل قد عرفت أنّه معقد الاجماعات المزبورة، فيمكن أن ينقدح من ذلك اعتبار القدرة على قضاء الدين مع مؤونة السنة في الغني، فمن عجز عنهما أوأحدهما فهو فقير، و من ملك ما يقابلهما معا كان غنيّا كما صرّح به الأستاذ في كشفه في تعريف الفقر و الغنى، ضرورة أنّ الحاجة الى وفاء الدين أشدّ من الحاجة الى غيرها من المؤن، مضافا الى صدق الفقير على من ملك قوت سنته و كان عليه أضعافها دينا، و خصوصا اذا كان قد اشتراها به، و لذا يعطى في الخمس و غيره ممّا يشترط فيه الفقر، و دعوى أنّ مثله غنيّ كما ترى، فحينئذ اشتراط الفقر ممّن عرفت في محلّه؛ اذ متى كان عاجزا عن وفاء الدين كلاًّ أو بعضا كان فقيرا و ان ملك قوت سنته، و هو المراد من اشتراط عدم التمكّن من القضاء - الى أن قال: - و مقابلة الغارمين في الآية للفقراء يمكن أن يكون لبيان كون الغرم مصرفا من مصارف الزكاة و ان لم يصدق على الغارم أنّه فقير كالميّت و نحوه. انتهى».(2)
أقول:
ما ذكره صاحب الجواهر من ملاك الفقر و الغنى صحيح الاّ أنّه اذا كان الفقر و الاحتياج لاينفكّ عن الغارم، فاذا منع من الزكاة لصرفه في المعصية فأيّ معنى له من اعطائه الزكاة من سهم الفقراء؟! اللّهمّ الاّ أن يقال بأنّه فرق بين اعطائه للصرف في أداء الدين فهو ممنوع و بين اعطائه لفقره، و ان صرف هو في أداء دينه، و هذا المقدار من التوبيخ من الشارع كافٍ.
لو شكّ في أنّه صرفه في المعصية أو لا، فهل يجوز اعطاؤه ليقضي دينه؟الأقوى جوازه، و ذلك لأنّ الظاهر من موثّقة الحسين بن علوان أنّ الصرف في المعصية مانع من اعطائه الزكاة، و لايجب احراز كون دينه في طاعة اللّه. نعم، في مرسلتي علي بن ابراهيم و محمّد بن سليمان المتقدّمتين قد شرط أوّلاً انفاق الدين في طاعة اللّه ثمّ أردفه بأن لايكون في اسراف و لا في معصية، الاّ أنّهما مرسلتان و لم يفت المشهور بمضمونهما ليكون جابرا لهما، مضافا الى احتمال أن يكون المراد من قوله في مرسلة علي بن ابراهيم «أنفقوها في طاعة اللّه من غير اسراف» هو عدم صرفه في المعصية، و كذا في المرسلة الأخرى ولو بقرينة الموثّقة و فتوى المشهور.
و ربّما يستدلّ لعدم الجواز في صورة الشكّ بما في ذيل رواية محمّد بن سليمان المتقدّمة: « ... قلت: فما لهذا الرجل الذي ائتمنه و هو لايعلم فيما أنفقه؟ في طاعة اللّه أم في معصيته؟ قال: يسعى له في ماله فيردّه عليه و هو صاغر» بناءً على أن يكون المراد أنّه اذا شكّ في صرفه في المعصية لايجوز اعطاؤه الزكاة لأداء دينه و من سهم الغارمين.
ولكنّه يندفع - مضافا الى ضعف السند؛ لمكان الارسال كما تقدّم و لم يعمل بها المشهور ليتوهّم الجبر على القول به - بقصور الدلالة كما نبّه عليه في الحدائق: «لمّا ذكر عليه السلام أنّه انّما يعطيه الامام اذا أنفقه في طاعة اللّه، و أمّا اذا أنفقه في المعصية فلا شيء له رجع له الراوي و قال له: انّ صاحب هذا الدين لا علم له بكونه أنفقه في طاعة أو معصية، أجابه عليه السلام بما معناه أنّ صاحب الدين لا مدخليّة له في ذلك و انّما المرجع فيه الى المستدين، فان كان قد أنفق ما استدانه منه في معصية وجب عليه أن يسعى له فيه و يردّه اليه و هو صاغر. هذا حاصل جوابه عليه السلام . و جهل الانفاق هنا انّما نسب الى صاحب الدين لا الى الامام حتّى يتمّ ما توهّموه من الخبر من أنّه متى جهل الامام وجه الانفاق لم يدفع له من هذا السهم، غاية الأمر انّ الامام عليه السلام للتفصيل الذي ذكره أوّلاً و علم منه الحكم أجمل في الجواب ثانيا اعتمادا على ما قدّمه من التفصيل. انتهى».(1)
و بالجملة انّ الأمر في مورد الشكّ الى المستدين، فان أنفقه في طاعة جاز له الأخذ من هذا السهم و حلّ له ذلك، و ان أنفقه في معصية حرم عليه الأخذ منه. و أمّا الحكم بالنسبة الى وليّ الزكاة فان اطّلع على أحد الأمرين عامله به و ان لم يطّلع و لاسيّما مع كونه مستورا لظاهر غير معروف بالفسق، يدفع اليه بناءً على ظاهر الحال.
قال في الجواهر: «لو جهل في ماذا أنفقه، قيل: - و القائل الشيخ في المحكي عن نهايته - يمنع. و ربّما مال اليه أوّل الشهيدين؛ لخبر محمّد بن سليمان المتقدّم آنفا، و للشكّ في وجود شرط الاستحقاق، و هو الاستدانة في غير معصية، كما هو المفهوم من الأخبار السابقة. فيحصل الشكّ في المشروط، فلاتبرأ الذمّة بالدفع اليه. و قيل - و القائل الأكثر - كما عن التذكرة، بل المشهور: لايمنع، و هو الأشبه بعموم الأدلّة و اطلاقها. و الخبر المزبور - مع احتماله المعلوم حاله من الاقدام على
1) - الحدائق الناضرة 12: 179.
المعاصي و عدم التحرّز عن الفسوق - لا جابر له، بل قد عرفت الشهرة على خلافه. بل منها ينقدح الشكّ في كون ذلك شرطا و ان كان يقتضيه ظاهر النصوص المزبورة، الاّ أنّه لارادة المانعيّة منه و بعد التسليم يمكن تنقيح الشرط بأصالة الصحّة في أفعال المسلم؛ لأنّها من العلم الشرعي و قد بنيت عليه العبادات و المعاملات، مضافا الى معلوميّة العسر في تتبّع مصارف الأموال و التطلّع على ما يخرجه الانسان دائما، خصوصا بالنسبة الى بعض الأفراد في بعض الأوقات، فمن البعيد اشتراط اعطاء الزكاة به. نعم، لو علم هو حال نفسه حرم عليه الأخذ من هذاالسهم، و من ذلك يقوى ارادة المانعيّة ممّا ظاهره الشرطيّة، كما أنّه يقوى في الذهن كون المدار على الانفاق في غير معصية، لا أنّ المدار على الانفاق في الطاعة و ان اقتضاه أيضا ظاهر النصوص المزبورة، الاّ أنّ المراد منها ذلك، خصوصا بملاحظة كلام الأصحاب، فحينئذ لا فرق في الانفاق بين الواجب و المندوب و المكروه و المباح. انتهى».(1)
و لو كان معذورا في الصرف في المعصية لجهل أو اضطرار أو نسيان أو نحو ذلك لابأس باعطائه؛ لظهور الأدلّة في المعصية الفعليّة، و لا معصية كذلك في هذه الموارد. و كذا لو صرفه فيها في حال عدم التكليف لصغر أو جنون، و لا فرق في الجاهل بين كونه جاهلاً بالموضوع أو الحكم.
قال في الجواهر: «و الناسي و الجاهل بالموضوع بل و الحكم مع عدم احتمال المعصية عنده و المجبور و المضطرّ لايدخلون في العصاة، بل و كذا غير المكلّف،
1) - جواهر الكلام 15: 360 و 361.
و الظاهر أنّ المراد من الغرم هنا كلّ ما اشتغلت به الذمّة ولو باتلاف لا خصوص الاستدانات، و في اعتبار الحلول وجهان، ولكن مقتضى اطلاق النصّ و الفتوى عدمه. انتهى».(1)
قد ورد في بعض نصوص الباب استثناء المهور و أنّ الدين لايسدّ من سهم الغارمين اذا كان لأجل المهر:
منها مرسلة العبّاس عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«الامام يقضي عن المؤمنين الديون ماخلا مهور النساء».(2)
و منها رواية محمّد بن خالد قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الصدقات، فقال: اقسمها فيمن قال اللّه عزّوجلّ، و لاتعطينّ من سهم الغارمين الذين ينادون بنداء الجاهليّة شيئا. قلت: و ما نداء الجاهليّة؟ قال: هو الرجل يقول: يا لبني فلان! فيقع بينهما القتل و الدماء فلايؤدّوا ذلك من سهم الغارمين و لا الذين يغرمون من مهور النساء، و لاأعلمه الاّ قال: و لا الذين لايبالون ما صنعوا في أموال الناس».(3)
ولكنّهما ضعيفتان، فالأولى لارسالها، و الثانية لمحمّد بن خالد الذي يروي عنه عبدالرحمن، فانّه لايراد به البرقي المعروف جزما (كما في المستند(4))؛ لأنّه
لم يدرك الكاظم فضلاً عن الصادق عليهماالسلام و المسمّى بهذا الاسم في هذه الطبقة عدّة رجال كلّهم مجهولون. و ما في جامع الرواة من أنّه السري، مع أنّه لا شاهد عليه لم تثبت وثاقته أيضا. اذن فالرواية ضعيفة و لا سبيل للاستناد اليها في الخروج عن الاطلاقات التي مقتضاها جواز الدفع من هذا السهم حتّى عن المهور، فالاستثناءالمزبور لا دليل عليه. نعم، يشترط أن يكون الزوجة طالبة لمهرها و لم يتمكّن الزوج من أدائه.
(مسألة 16): لا فرق بين أقسام الدين من قرض أو ثمن مبيع أو ضمان مال أو عوض صلح أو نحو ذلك، كما لو كان من باب غرامة اتلاف، فلو كان الاتلاف جهلاً أو نسيانا و لم يتمكّن من أداء العوض جاز اعطاؤه من هذا السهم، بخلاف ما لو كان على وجه العمد و العدوان.
الشرح:
ما ذكره الماتن من عدم الفرق بين أقسام الدين صحيح، و الدليل عليه اطلاق الغارم عليها؛ جمعا، و كذا اطلاق الروايات الواردة في جواز اعطاء الزكاة الى من عليه دين التي تقدّم بعضها في أوّل البحث عن الغارم و بعضها الآخر في الفرع الثاني من ذلك البحث. فمن الروايات المطلقة خبر صبّاح بن سيابة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«أيّما مؤمن أو مسلم مات و ترك دينا و لم يكن في فساد و لا اسراف فعلى الامام أن يقضيه. الحديث».(1)
و منها خبر علي بن أبي حمزة عن أبي الحسن موسى عليه السلام قال:
«قلت له: جعلت فداك! رجل قتل رجلاً متعمّدا أو خطأً و عليه دين و
1) - أصول الكافي / كتاب الحجّة باب ما يجب من حقّ الامام ... / الحديث 7.
ليس له مال و أراد أولياؤه أن يهبوا دمه للقاتل. قال: ان وهبوا دمه ضمنوا ديته(1). فقلت: ان هم أرادوا قتله؟ قال: ان قتل عمدا قتلقاتله و أدّى عنه الامام الدين من سهم الغارمين. قلت: فانّه قتل عمدا و صالح أولياؤه قاتله على الدية، فعلى من الدين؟ على أوليائه من الدية أو على امام المسلمين؟ فقال: بل يؤدّوا دينه من ديته التي صالحوا عليها أولياؤه، فانّه أحقّ بديته من غيره».(2)
و منها مرسلة عبّاس عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«الامام يقضي عن المؤمنين الديون ماخلا مهور النساء».(3)
و قد تقدّم آنفا حكم مهور النساء.
فلو كان الاتلاف جهلاً أو نسيانا و لم يتمكّن من أداء العوض جاز اعطاؤه من هذا السهم، بخلاف ما لو كان على وجه العمد و العدوان. و قد تقدّم كلام المحقّق الهمداني في الفرع الثاني من المسألة السابقة فراجع.
(مسألة 17): اذا كان دينه مؤجّلاً فالأحوط عدم الاعطاء من هذا السهم قبل حلول أجله و ان كان الأقوى الجواز.
الشرح:
قد تقدّم أنّ المناط في جواز اعطاء الزكاة من سهم الغارمين هو عدم تمكّن الغارم من أداء دينه، سواء كان دينه مؤجّلاً أو معجّلاً، فلو لم يعلم عدمه فيما اذا كان دينه مؤجّلاً فلايعطى من هذا السهم قبل ذلك. و قد مرّ في صحيحة زرارة قوله عليه السلام :
«لايحلّ له أن يأخذها و هو يقدر على أن يكفّ نفسه عنها».(1)
و في خبر معاوية عن علي بن موسى عليه السلام يقول:
«المغرم اذا تديّن أو استدان في حقّ - الوهم من معاوية - أجّل سنة، فان اتّسع و الاّ قضى عنه الامام من بيت المال».(2)
الظاهر منه أنّه ان تمكّن من أداء الدين لو أجّل فلايقضي عنه الامام من بيت المال و الاّ يقضي عنه.
(مسألة 18): لو كان كسوبا يقدر على أداء دينه بالتدريج، فان كان الديّان مطالبا فالظاهر جواز اعطائه من هذا السهم، و ان لم يكن مطالبا فالأحوط عدم اعطائه.
الشرح:
قد تقدّم في الفرع الأوّل في ابتداء البحث عن الغارمين أنّ الظاهر التفصيل بين ما اذا كان دينه معجّلاً و هو عاجز عن أدائه فيجوز اعطاؤه الزكاة ليقضي دينه، و بين ما اذا كان دينه مؤجّلاً يقدر على أدائه تدريجا فلايجوز.
قال في الجواهر: «لو لم يملك شيئا الاّ أنّه كسوب يتمكّن من قضاء دينه من كسبه فعن نهاية الإحكام احتمال الاعطاء بخلاف الفقير و المسكين؛ لأنّ حاجتهما تتحقّق يوما فيوما، و الكسوب يحصّل في كلّ يوم ما يكفيه، و حاجة الغارم حاصلة في الحال لثبوت الدين في ذمّته، و انّما يقدر على اكتساب ما يقضي به الدين بالتدريج، و احتمال المنع تنزيلاً للقدرة على الكسب منزلة القدرة على المال. انتهى».(3)
و في المستمسك في ذيل قول المصنّف «و ان لم يكن مطالبا فالأحوط عدم اعطائه» قال: «كأنّه لاحتمال انصراف الدليل الى صورة وقوع المديون في ضيق المطالبة، كما قد يشير اليه التعبير ب- «الفكّ» في مرسل القمّي و قول السائل في مرسل محمّد بن سليمان: «و ليس له غلّة ينتظر ادراكها، و لا دين ينتظر محلّه، و لا مال غائب ينتظر قدومه» لكنّه كماترى؛ اذ المراد من الفكّ في المرسل مجرّد فكّ الذمّة و افراغها. و ما في خبر محمّد بن سليمان لايصلح للتقييد؛ لأنّه في السؤال. و لو سلّم لم يفرق بين صورتي المطالبة و عدمها. فالمدار صدق الحاجة و العجز عن الأداء عرفا، فان صدق جاز الصرف و الاّ فلا. انتهى».(1)
(مسألة 19): اذا دفع الزكاة الى الغارم فبان بعده أنّ دينه في معصية ارتجع منه الاّ اذا كان فقيرا فانّه يجوز احتسابه عليه من سهم الفقراء، و كذا اذا تبيّن أنّه غير مديون، و كذا اذا أبرأه الدائن بعد الأخذ لوفاء الدين.
يظهر حال المقام ممّا قدّمناه في المسألة الثالثه عشرة و ما تقدّم في الفرع الثالث من بحث الغارمين و ملخّصه أنّه لو كانت العين باقية ارتجعها. و لو كانت تالفة فان كان القابض عالما فهو ضامن و ان لم يكن عالما و قد غرّه الدافع فهو ضامن دون الآخذ. و أمّا الاحتساب من سهم الفقراء فقد مرّ أنّ الأقوى جوازه.
1) - مستمسك العروة 9: 260.
(مسألة 20): لو ادّعى أنّه مديون فان أقام بيّنة قبل قوله، و الاّ فالأحوط عدم تصديقه و ان صدّقه الغريم، فضلاً عمّا لو كذّبه أو لم يصدّقه.
الشرح:
قال في الشرائع: «لو ادّعى أنّه عليه دينا قبل قوله اذا صدّقه الغريم، و كذا لو تجرّدت دعواه عن التصديق و الانكار، و قيل: لايقبل، و الأوّل أشبه. انتهى».(1)
و في المدارك: «الكلام في هذه المسألة كما تقدّم في دعوى الفقر، بل ربّما كان عدم القبول هنا أولى؛ لأنّ الغرم ممّا يمكن اقامة البيّنة عليه. و قول المصنّف: «و قيل: لايقبل» يحتمل أن يكون المراد به عدم القبول بدون البيّنة أو اليمين، و لم أقف على مصرّح بذلك من الأصحاب. نعم، حكى العلاّمة في التذكرة عن الشافعي أنّه قال: لاتقبل دعوى الغرم الاّ بالبيّنة لأنّه مدّع. و لايخلو من قوّة. و موضع الخلاف الغارم لمصلحة نفسه، أمّا الغارم لمصلحة ذات البين فلاتقبل دعواه الاّ بالبيّنة قولاً واحدا. انتهى».(2)
و في التذكرة: «لو ادّعى الغارم الغرم، فان كان لاصلاح ذات البين فالأمر فيه ظاهر، فاذا علمه الامام دفع اليه، و ان كان لخاصّ نفسه قبل قوله ان صدّقه المالك، و هو أحد وجهي الشافعي؛ لأنّه مسلم أخبر عن أمر ممكن. و في الآخر: لايقبل؛ لجواز التواطؤ. و لو كذّبه لم يقبل قوله؛ لظنّ كذبه. و ان تجرّد عن الأمرين قبل؛ لماتقدّم. و قال الشافعي: لايقبل الاّ بالبيّنة؛ لأنّه مدّع فلايقبل الاّ بالبيّنة. انتهى».(3)و في المصباح: «و لو ادّعى أنّ عليه دينا قبل قوله اذا صدّقه الغريم، فانّه لو لم يقبل قوله ولو مع تصديق الغريم، لأدّى ذلك الى حرمان جلّ أهل الاستحقاق
من هذا السهم، و هو مناف لما يقتضي شرعيّته، فهذا ممّا لاينبغي الاستشكال فيه. و لو تجرّدت دعواه عن التصديق و الانكار فعليه البيّنة و الاّ لم يقبل و قياس مدّعي الغرم على مدّعي الفقر قياس مع الفارق؛ اذ الفقر ممّا لايعرف غالبا الاّ من قبله، و هذا بخلاف الغرم؛ اذ الغالب علم الغريم به و تيسّر اقامة البيّنة عليه. انتهى ملخّصا».(1)
أقول:
مدّعي الغرم ان علم صدقه أو كذبه عومل به؛ لأنّه حجّة، و ان علم حالته السابقة مع ادّعائه استصحب، فانّه حجّة شرعيّة، و أمّا ان جهل الأمران فان لم يكن هناك علامة على كذبه فالظاهر جواز اعطائه، و الدليل على ذلك هو الدليل على ما مرّ في المسألة العاشرة ممّن يدّعي الفقر، بناءً على ما ذكر في الفرع الثالث في البحث عن الغارمين بأنّ الفقر و الاحتياج ملازمان، فالمديون غير المتمكّن محتاج فهو فقير.
(مسألة 21): اذا أخذ من سهم الغارمين ليصرفه في أداء الدين ثمّ صرفه في غيره ارتجع منه.
الشرح:
قال في الشرائع: «و لو صرف الغارم ما دفع اليه من سهم الغارمين في غيرالقضاء ارتجع منه على الأشبه. انتهى».(2)
و في المدارك: «علّله المصنّف في المعتبر بأنّ فيه مخالفة لقصد المالك، ثمّ قال: و قال الشيخ في المبسوط و الجمل: لايرتجع؛ لأنّه ملكه بالقبض فلايحتكم
عليه. و قلنا: ملكه ليصرفه في وجه مخصوص فلايسوّغ له غيره. و هو حسن. انتهى».(1)
و في المصباح: «ارتجع على الأشبه؛ لأنّ للمالك الولاية على صرفه في الأصناف، و قد عيّنه للصرف في قضاء دينه و لم يفعل، و لم يجعل ملكا طلقا له كي يجوز له التصرّف فيه كيفما يشاء. انتهى».(2)
أقول:
تارة يعطى الزكاة لكونه أهلاً لها، فهذا لايرتجع منه، و أخرى يجعلها أمانة عنده ليصرفها في الدين، فان صرفها في غيره يكون ضامنا و ذلك لأنّ للمالك الولاية على الزكاة، مضافا الى ما ورد من صحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج قال:
«سألت أبا الحسن عليه السلام عن الرجل يعطي الرجل الدراهم يقسّمها و يضعها في مواضعها و هو ممّن تحلّ له الصدقة. قال: لابأس أن يأخذ لنفسه كما يعطي غيره. قال: و لايجوز له أن يأخذ اذا أمره أن يضعها في مواضع مسمّاة الاّ باذنه».(3)
(مسألة 22): المناط هو الصرف في المعصية أو الطاعة لا القصد من حينالاستدانة، فلو استدان للطاعة فصرف في المعصية لم يعط من هذا السهم، و في العكس بالعكس.
الشرح:
المناط هو الصرف في المعصية أو الطاعة لا القصد من حين الاستدانة، كما
يقتضيه ظاهر النصوص و الفتاوى. ففي خبر محمّد بن سليمان عن الرضا عليه السلام :
« ... فيقضي عنه ما عليه من الدين من سهم الغارمين اذا كان أنفقه في طاعة اللّه - عزّوجلّ - فان كان أنفقه في معصية اللّه عزّوجلّ فلا شيء له على الامام».(1)
و في خبر القمّي عن العالم عليه السلام :
«و الغارمين قوم قد وقعت عليهم ديون أنفقوها في طاعة اللّه من غير اسراف».(2)
ففي المستند في شرح العروة: «فالعبرة في صدق أحد العنوانين بحال الصرف لا حال الاستدانة لظهور النصوص في ذلك، مضافا الى تسالم الأصحاب على ذلك، و لأجله ترفع اليد عن بعض النصوص لو كان ظاهرا في خلاف ذلك، كقوله في موثّقة الحسين بن علوان « ... اذا استدانوا في غير سرف» حيث ربّما يدّعى ظهوره في مراعاة حال الاستدانة. و فيه: مضافا الى احتمال ارادة الصرف من الظرف، أي صرفوه في غير سرف، انّه لو تمّ الاستظهار لم يكن بدّ من رفع اليد عنه، للتسالم المزبور. انتهى».(3)
(مسألة 23): اذا لم يكن الغارم متمكّنا من الأداء حالاًّ و تمكّن بعد حين كأن يكون له غلّة لم يبلغ أوانها أو دين مؤجّل يحلّ أجله بعد مدّة ففي جواز اعطائه من هذا السهم اشكال و ان كان الأقوى عدم الجواز مع عدم المطالبة من الدائن أو امكان الاستقراض و الوفاء من محلّ آخر ثمّ قضاؤه بعد التمكّن.
الشرح:
قد تقدّم في المسألة السابعه عشرة و الثامنه عشرة أنّ المناط في جواز اعطاء الدين من سهم الغارمين هو صدق كونه محتاجا و عاجزا عن الأداء، سواء كان الدائن مطالبا أو لم يكن، و ما مثّل به الماتن للتمكّن كأن يكون له غلّة يبلغ أوانها بعد حين يصحّ في الجملة و في بعض الموارد، و كذا الاستقراض و الوفاء من محلّ آخر ثمّ قضاؤه بعد التمكّن. ففي المستمسك فى ذيل كلام الماتن « ... و ان كان الأقوى عدم الجواز» قال: «كأنّه لصدق التمكّن و عدم العجز عن الأداء، كما يشير اليه ما في خبر محمّد بن سليمان المتقدّم، من قول السائل «و ليس له غلّة ... » انتهى».(1)
(مسألة 24): لو كان دين الغارم لمن عليه الزكاة جاز له احتسابه عليه زكاة، بل يجوز أن يحتسب ما عنده من الزكاة وفاءً للدين و يأخذها مقاصّة و ان لم يقبضها المديون و لم يوكّل في قبضها، و لايجب اعلام المديون بالاحتساب عليه أو بجعلها وفاءً و أخذها مقاصّة.
الشرح:
قد تقدّم شرح هذه المسألة في المسألة الحاديه عشرة و ما دلّ عليها من الروايات، و هنا نكتفي بذكر كلام بعض الفقهاء الذي لم يأت هناك:
1) - مستمسك العروة 9: 261.
قال في الشرائع: «و لو كان للمالك دين على الفقير جاز أن يقاصّه، و كذا لو كان الغارم ميّتا جاز أن يقضى عنه و أن يقاصّ، و كذا لو كان الدين على من يجب نفقته جاز أن يقضى عنه حيّا أو ميّتا و أن يقاصّ. انتهى».(1)
و في المدارك: «و هذا الحكم - أعني جواز مقاصّة المديون بما عليه من الزكاة - مقطوع به في كلام الأصحاب، بل ظاهر المصنّف في المعتبر و العلاّمة في التذكرة و المنتهى أنّه لا خلاف فيه بين العلماء. انتهى».(2)
و معنى الاحتساب هو أن يجعل المزكّي ماله في ذمّة المديون من الدين بدلاً عمّا عليه من الزكاة، فيحتسب أحدهما مكان الآخر. و بعبارة أخرى جعل ما في ذمّة المديون زكاة من باب القيمة، و ملكا للمديون و يترتّب على ذلك قهرا براءة ذمّته، و قد ثبت في محلّه جواز أداء القيمة.
و معنى المقاصّة و التقاصّ هو أن يفرز و يعزل ما عنده من الزكاة و يجعله للمديون ثمّ يأخذه منه تقاصّا و وفاءً عمّا عليه من الدين.
يدلّ على جواز احتساب الدين من الزكاة و كذا مقاصّته منها اطلاق الغارمين في الآية المباركة مضافا الى صحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج و موثّقة سماعة و غيرهما ممّا مرّ في المسألة الحاديه عشرة.
(مسألة 25): لو كان الدين لغير من عليه الزكاة يجوز له وفاؤه عنه بما عنده منها و لو بدون اطّلاع الغارم.
الشرح:
يدلّ على ذلك مضافا الى اطلاق الغارمين في الآية المباركة النصوص التي
وردت في الحيّ و الميّت، و منها موثّقة اسحاق بن عمّار قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل على أبيه دين و لأبيه مؤونة، أيعطي أباه من زكاته يقضي دينه؟ قال: نعم، و من أحقّ من أبيه».(1)
و منها غيرها ممّا تقدّم في المسألة الحادية عشرة، و مقتضى اطلاقها عدم الفرق بين اطّلاع الغارم و عدمه.
(مسألة 26): لو كان الغارم ممّن تجب نفقته على من عليه الزكاة جاز له اعطاؤه لوفاء دينه أو الوفاء عنه و ان لم يجز اعطاؤه لنفقته.
الشرح:
قال في الشرائع: «و كذا لو كان الدين على من يجب نفقته، جاز أن يقضى عنه حيّا أو ميّتا و أن يقاصّ. انتهى».(2)
و في المدارك: «هذا الحكم مقطوع به في كلام الأصحاب، بل ظاهر المصنّف في المعتبر و العلاّمة في التذكرة و المنتهى أنّه موضع وفاق بين العلماء. انتهى».(3)
و يدلّ على ذلك مضافا الى الاتّفاق المذكور اطلاق الآية و الروايات التي تقدّمت، و سيأتي عدم جواز اعطاء الزكاة لنفقة من تجب عليه نفقته.
(مسألة 27): اذا كان ديّان الغارم مديونا لمن عليه الزكاة جاز له احالته على الغارم ثمّ يحسب عليه، بل يجوز له أن يحسب ما على الديّان وفاءً عمّا في ذمّة الغارم و ان كان الأحوط أن يكون ذلك بعد الاحالة.
الشرح:
ففي الجواهر بعد نقل كلام أستاذه «و لو كان له على الديّان دين جاز له الاحتساب من الزكاة و اسقاط ما على المدين» قال: «و هو كذلك اذا كان حوّله به أو أذن له في احتسابه على جهة الوفاء له عمّا عليه، بل له احتساب ما على الديّان زكاة؛ وفاءً له عمّا له في ذمّة الفقير. انتهى».(1)
و توضيح المسألة مع ذكر المثال هكذا: اذا كان زيد الغارم مديونا لعمرو، و كان عمرو مديونا لخالد الذي عليه الزكاة، فحينئذ يحيل عمرو خالدا على زيد فيصير زيد الغارم مديونا لخالد و هو يحسب ما على زيد من الزكاة و تبرأ ذمّته قهرا. و تقدّم الدليل على ذلك في المسائل السابقة. بل يجوز أن يحسب خالد في المثال المذكور ما على عمرو وفاءً عمّا في ذمّة الغارم الذي يكون زيدا، و الدليل كما مرّ.
(مسألة 28): لو كان الدين للضمان عن الغير تبرّعا لمصلحة مقتضية لذلك مع عدم تمكّنه من الأداء و ان كان قادرا على قوت سنته يجوز الاعطاء من هذا السهم و ان كان المضمون عنه غنيّا.
الشرح:
هذه المسألة كما ذهب اليها الماتن و أتى بها في المسألة السادسة عشرة، و الدليل عليها اطلاق أدلّة جواز اعطاء الزكاة للغارم. نعم، لو كان الدين للضمان عن الغير باذنه و كان المضمون عنه غنيّا لايجوز اعطاؤه من هذا السهم؛ لأنّه يرجع اليه.
قال في المنتهى: «لو ضمن دينا على زيد و كان هو و المضمون عنه موسرين
1) - جواهر الكلام 15: 364 و 365.
لم يؤدّ من سهم الغارم، و ان كانا معسرين جاز الأداء قطعا. و لو كان المضمون عنه موسرا دون الضامن فالأقرب أنّه لايصرف اليه؛ لأنّه يعود النفع الى المضمون عنه و هو موسر. و لو كان العكس فالأقرب الصرف الى الأصيل؛ لأنّه ممكن، و لايصرف الى الضامن؛ لايساره مع امكان الصرف الى الأصيل. انتهى».(1)
(مسألة 29): لو استدان لاصلاح ذات البين كما لو وجد قتيل لايدرى قاتله و كاد أن يقع بسببه الفتنة فاستدان للفصل، فان لم يتمكّن من أدائه جاز الاعطاء من هذا السهم، و كذا لو استدان لتعمير مسجد أو نحو ذلك من المصالح العامّة. و أمّا لو تمكّن من الأداء فمشكل. نعم، لايبعد جواز الاعطاء من سهم سبيل اللّه و ان كان لايخلو عن اشكال أيضا، الاّ اذا كان من قصده حين الاستدانة ذلك.
الشرح:
لو استدان لاصلاح ذات البين فلم يتمكّن من أدائه جاز الاعطاء من سهم الغارمين، و هذا ممّا لا خلاف فيه و قد تقدّم ما يدلّ على ذلك من اطلاق الآية و الروايات. و انّما الخلاف و الاشكال فيما اذا تمكّن من الأداء فهل يجوز أن يعطى من هذا السهم؟ فقد ذهب الشيخ في الخلاف(2)و المبسوط(3)الى جوازه، و كذاالعلاّمة في التذكرة(4)و المنتهى(5)، و ادّعيا عليه الاجماع.
و استدلّوا على ذلك أوّلاً باطلاق الآية، و ثانيا بقوله عليه السلام «لاتحلّ الصدقة لغنيّ الاّ لخمس: غازٍ في سبيل اللّه أو عامل عليها أو غارم»، و ثالثا انّ تحمّله و ضمانه
انّما يقبل اذا كان غنيّا، فأخذه في الحقيقة انّما هو لحاجتنا اليه فلم يعتبر فيه الفقر.
و فيه: انّ اطلاق الآية مقيّد بعدم التمكّن كما تقدّم في أوّل مبحث الغارمين. و الرواية ضعيفة، و أمّا الوجه الثالث فهو في الحقيقة يرجع الى اطلاق الكتاب فقلنا بأنّه مقيّد بعدم التمكّن.
و في المصباح: «و الاستدلال له بعموم الآية الشريفة - بعد تسليم صدق الغارم عرفا و لغة على مطلق المديون و ان كان غنيّا متمكّنا من أداء دينه لا خصوص من علاه الدين، أي صار غالبا عليه - مدفوع بما تقدّمت الاشارة اليه من أنّ المتعيّن صرف اطلاقه - لو لم نقل بانصرافه في حدّ ذاته لأجل المناسبات المغروسة في الذهن - الى المحتاجين في أداء دينهم الى تناول الصدقات. و أمّا الرواية المزبورة فهي غير ثابتة من طرقنا، و الذي ورد من طرقنا أنّه «لاتحلّ الصدقة لغنيّ و لا لمحترف سويّ» من غير استثناء، فلاحظ. انتهى ملخّصا».(1)
أقول:
لو استدان لاصلاح ذات البين مع تمكّنه من الأداء فتارة كان قصده أن يؤدّي دينه من ماله، فعليه ما قصده. و أخرى كان قصده حين الاستدانة و الاعطاء للفصلو نحوه أن يؤدّي دينه من الزكاة، فان كان مجازا من الحاكم الشرعي يجوز أداؤه منها كما هو واضح، و الاّ فلا دليل على ذلك. نعم، يجوز من سهم سبيل اللّه كما ذهب اليه جمع من الفقهاء.
قال المحقّق الهمداني: «أمّا جواز صرفها ابتداءً في اصلاح ذات البين من سهم سبيل اللّه بناءً على شموله لمطلق القربات، فممّا لا اشكال فيه. و أمّا من سهم الغارمين فهو بحسب الظاهر ممّا لا وجه له؛ لانتفاء موضوعه؛ اذ لا غرم هيهنا في الفرض. و أمّا جواز صرفها الى الغني الذي تحمّل دية أو مالاً تالفا لاصلاح ذات
1) - مصباح الفقيه 13: 565 و 566.
البين ففي غاية الاشكال. اللّهمّ الاّ أن يكون تولّيه لهذا الفعل بقصد استيفاء المال من وجوه الصدقات، و قلنا بأنّ له الولاية على ذلك من باب الحسبة كما ليس بالبعيد، فيجوز حينئذ استيفاؤه من سهم سبيل اللّه، بناءً على شموله لمطلق القربات. و أمّا لو كان غرضه من أوّل الأمر الأداء من ماله تبرّعا فالتزم بذلك فلم يؤدّها بعد أو استدان فأدّاها، أشكل ادراجه في أصناف المستحقّين للزكاة. انتهى».(1)
«السابع»: سبيل اللّه، و هو جميع سبل الخير، كبناء القناطر و المدارس و الخانات و المساجد و تعميرها، و تخليص المؤمنين من يد الظالمين و نحو ذلك من المصالح، كاصلاح ذات البين، و دفع وقوع الشرور و الفتن بين المسلمين، و كذا اعانة الحجّاج و الزائرين و اكرام العلماء و المشتغلين مع عدم تمكّنهم من الحجّ و الزيارة و الاشتغال و نحوها من أموالهم، بل الأقوى جواز دفع هذا السهم في كلّ قربة مع عدم تمكّن المدفوع اليه من فعلها بغير الزكاة، بلمع تمكّنه أيضا، لكن مع عدم اقدامه الاّ بهذا الوجه.
الشرح:
قال في المدارك: «أجمع العلماء كافّة على أنّ لسبيل اللّه سهما من الزكاة، و انّما اختلفوا في معناه. فقال الشيخ في النهاية: المراد به الجهاد؛ لأنّ اطلاق السبيل ينصرف اليه. و قال في المبسوط و الخلاف: تدخل فيه الغزاة و معونة الحاجّ و قضاء الدين عن الحيّ و الميّت و بناء القناطر و جميع سبل الخير و المصالح. والى هذا القول ذهب ابن ادريس و المصنّف و سائر المتأخّرين، و هو المعتمد. لنا: انّ السبيل هو الطريق، فاذا أضيف الى اللّه سبحانه كان عبارة عن كلّ ما يكون وسيلة
1) - مصباح الفقيه 13: 565.
الى الثواب فيتناول الجهاد و غيره، و يدلّ عليه صحيحة ابن يقطين و مرسلة علي بن ابراهيم. انتهى ملخّصا».(1)
أقول:
ذهب أكثر الفقهاء الى أنّ المراد من سبيل اللّه مطلق سبل الخير و ادّعى بعضهم الاجماع عليه كالسيّد المرتضى في الانتصار و ابن زهرة في الغنية و الشيخ في الخلاف.
قال السيّد في الانتصار: «و ممّا انفردت به الاماميّة القول بأنّ الزكاة يجوز أن يكفّن منها الموتى و يقضى بها الدين عن الميّت. و باقي الفقهاء يخالفون في ذلك كلّه. و الحجّة لأصحابنا مضافا الى اجماعهم قوله تعالى: «انّما الصدقات للفقراء ... » و معنى سبيل اللّه الطريق الى ثوابه و الوصلة الى التقرّب اليه. و قد روى مخالفونا عن ابن عمر أنّ رجلاً أوصى بماله في سبيل اللّه، فقال ابن عمر: انّالحجّ من سبيل اللّه فاجعلوه فيه. و روي عن النبي صلى الله عليه و آله أنّه قال: الحجّ و العمرة من سبيل اللّه. انتهى ملخّصا».(2)
و في الغنية: «و أمّا سبيل اللّه فالجهاد بلا خلاف، و عندنا أنّه يجوز صرفها فيما عدا ذلك ممّا فيه مصلحة للمسلمين كعمارة الجسور و السبل و في الحجّ و العمرة و تكفين أموات المؤمنين و قضاء ديونهم؛ للاجماع المشار اليه، و لاقتضاء ظاهر الآية له؛ لأنّ سبيل اللّه هو الطريق الى ثوابه و ما أفاد المتقرّب اليه. انتهى».(3)
و في الخلاف: «سبيل اللّه يدخل فيه الغزاة في الجهاد و الحاجّ و قضاء الديون عن الأموات و بناء القناطر و جميع المصالح. و قال أبو حنيفة و الشافعي و مالك: انّه يختصّ المجاهدين. و قال أحمد: سبيل اللّه هو الحجّ، فيصرف ثمن الصدقة
في الحجّ. دليلنا اجماع الفرقة، و أيضا قوله تعالى: «و في سبيل اللّه» فانّه يدخل فيه جميع ذلك؛ لأنّ المصالح من سبيل اللّه. انتهى».(1)
و في الجمل و العقود: «و في سبيل اللّه و هو الجهاد و ما جرى مجراها. انتهى».(2)
و في المهذّب: «و أمّا سبيل اللّه فهو الجهاد و ما فيه صلاح للمسلمين مثل عمارة الجسور و القناطر و ما جرى مجرى ذلك. انتهى».(3)
و في الوسيلة: «و سبيل اللّه الجهاد و الرباط و المصالح و سبيل الخير، و قد سقط اليوم سهم الجهاد و الرباط دون المصالح و سبيل الخير. انتهى».(4)
و في السرائر: «و في سبيل اللّه و هو كلّ ما يصرف في الطريق التي يتوصّل بها الى رضى اللّه و ثوابه، و يدخل في ذلك الجهاد و غيره من جميع أبواب البرّ و القرب الى اللّه تعالى من معونة الحاجّ و الزوّار و تكفين الموتى و بناء المساجد و القناطر و غير ذلك. انتهى».(5)و ذهب المفيد في المقنعة و سلاّر في المراسم و الشيخ في النهاية الى أنّ سبيل اللّه هو الجهاد.
قال في الجواهر: «و في المقنعة و النهاية و المراسم أنّ سبيل اللّه هو الجهاد السائغ خاصّة، و ذهب الأكثر بل المشهور الى أنّه يدخل فيه المصالح كبناء القناطر و الحجّ و مساعدة الزائرين و بناء المساجد و جميع سبل الخير، بل عليه عامّة المتأخّرين، بل في الخلاف و الغنية الاجماع عليه، مضافا الى اقتضاء ذلك؛ اذ السبيل هو الطريق، فاذا أضيف الى اللّه سبحانه كان عبارة عن كلّ ما يكون وسيلة
الى تحصيل رضا اللّه و ثوابه، فيتناول الجهاد و غيره. انتهى ملخّصا».(1)
و الحقّ ما ذهب اليه المشهور، و ذلك لأنّ سبيل اللّه هو الطريق الموصل الى رضا اللّه و ثوابه، و لاينحصر في الجهاد. و يدلّ عليه ما ورد من جواز صرف الزكاة الى من يحجّ بها، كصحيحة علي بن يقطين:
«أنّه قال لأبي الحسن الأوّل عليه السلام : يكون عندي المال من الزكاة أفأحجّ به مواليّ و أقاربي؟ قال: نعم، لابأس».(2)
و صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سأل رجل أبا عبداللّه عليه السلام و أنا جالس فقال: انّي أعطى من الزكاة فأجمعه حتّى أحجّ به؟ قال: نعم، يأجر اللّه من يعطيك».(3)
و صحيحة أخرى لمحمّد بن مسلم:
«أنّه سأل أبا عبداللّه عليه السلام عن الصرورة، أيحجّ من الزكاة؟ قال: نعم».(4)
و صحيحة جميل عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن الصرورة، أيحجّه الرجل من الزكاة؟ قال: نعم».(5)
و مرسلة علي بن ابراهيم في تفسيره عن العالم عليه السلام قال:
«و في سبيل اللّه قوم يخرجون في الجهاد و ليس عندهم ما ينفقون به، أو قوم من المؤمنين ليس عندهم ما يحجّون به، أو في جميع سبل الخير، فعلى الامام عليه السلام أن يعطيهم من مال الصدقات حتّى يقووا على الحجّ و الجهاد».(6)
1) - جواهر الكلام 15: 368.
2) - وسائل الشيعة 9: 290 / الباب 42 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 1.
3) - وسائل الشيعة 9: 291 / الباب 42 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 3.
4) - وسائل الشيعة 9: 290 / الباب 42 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 2.
5) - وسائل الشيعة 9: 291 / الباب 42 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 4.
6) - وسائل الشيعة 9: 212 / الباب 1 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 7.
و معتبرة الحسن بن راشد قال:
«سألت أبا الحسن العسكري عليه السلام عن رجل أوصى بمال في سبيل اللّه؟ قال: سبيل اللّه شيعتنا».(1)
و خبر الحسين بن عمر قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : انّ رجلاً أوصى اليّ بمال في السبيل، فقال لي: اصرفه في الحجّ. قلت: أوصى اليّ في السبيل. قال: اصرفه في الحجّ فانّي لاأعلم سبيلاً من سبله أفضل من الحجّ».(2)
فما هو المستفاد من مجموع هذه الروايات هو الذي ذهب اليه المشهور.و لايعارضها خبر يونس بن يعقوب:
«أنّ رجلاً كان بهمدان ذكر أنّ أباه مات و كان لايعرف هذا الأمر فأوصى بوصيّة عند الموت، و أوصى أن يعطى شيء في سبيل اللّه، فسئل عنه أبو عبداللّه عليه السلام : كيف نفعل، و أخبرناه أنّه كان لايعرف هذا الأمر، فقال: لو أنّ رجلاً أوصى اليّ أن أضع في يهوديّ أو نصرانيّ لوضعته فيهما، انّ اللّه تعالى يقول: «فمن بدّله بعد ما سمعه فانّما اثمه على الذين يبدّلونه» فانظروا الى من يخرج الى هذا الأمر - يعني بعض الثغور - فابعثوا به اليه».(3)
لأنّ المتّبع في باب الوصيّة هو عرف الموصي و قصده، مع امكان أن يكون تخصيص هذا الوجه بالذكر لكونه أحد المصاديق أو أفضلها، لا لتعيّنه بالخصوص ولو عند الموصي.
قال في المدارك: «و اعلم أنّ العلاّمة رحمه الله قال في التذكرة بعد أن ذكر أنّه يدخل في سهم سبيل اللّه معونة الزوّار و الحجيج: «و هل يشترط حاجتهم؟ اشكال، ينشأ من اعتبار الحاجة كغيره من أهل السُهمان، و من اندراج اعانة الغني تحت سبيل الخير». و جزم الشارع باعتبار الحاجة، بل صرّح باعتبار الفقر فقال: و يجب تقييدالمصالح بما لايكون فيه معونة لغنيّ مطلق بحيث لايدخل في شيء من الأصناف الباقية فيشترط في الحاجّ و الزائر الفقر أو كونه ابن سبيل أو ضيفا، و الفرق بينهما حينئذ و بين الفقير أنّ الفقير لايعطى الزكاة ليحجّ بها من جهة كونه فقيرا و يعطى لكونه في سبيل اللّه. و هو مشكل؛ لأنّ فيه تخصيصا لعموم الأدلّة من غير دليل. و المعتمد جواز صرف هذا السهم في كلّ قربة لايتمكّن فاعلها من الاتيان بها بدونه، و انّما صرنا الى هذا التقييد لأنّ الزكاة انّما شرّعت بحسب الظاهر لدفع الحاجة فلاتدفع مع الاستغناء عنها، و مع ذلك فاعتباره محلّ تردّد. انتهى».(1)
و في الجواهر بعد نقل ما ذكره المدارك قال: «هو في محلّه، بل الأقوى عدم اعتباره؛ لاطلاق الأدلّة، و حكمة المشروعيّة لاتصلح للتقييد، و الاّ لاقتضت الصرف في خصوص سدّ الخلّة، و ما ورد من أنّها لاتحلّ الصدقة لغنيّ محمول على ما لاينافي ذلك من ارادة الصدقة عليه على نحو الصدقة على الفقير، بل هو الظاهر منه، و حينئذ لاتكون الصدقة عليه من القرب التي هي سبيل اللّه، كما هو واضح. انتهى».(2)
أقول:
قد تقدّم أنّ معنى سبيل اللّه هو الطريق الموصل الى رضا اللّه و ثوابه، فكلّ مورد يطمأنّ بكونه كذلك يجوز صرف الزكاة فيه من هذا السهم و ان استفاد منه الأغنياء أيضا. فبناء القناطر و المدارس و الخانات و المساجد و نحوها يكون من موارد رضا اللّه و ثوابه فيجوز صرفها فيه فينتفع منها الفقير و الغني. و أمّا دفع الزكاة الى الغني ليحجّ ففيه اشكال. نعم، لو كان بحيث يحتاج الى ارائة شوكة الاسلام وهي منوطة بأن يدفع الزكاة الى الأغنياء ليحجّوا فلابأس بذلك.
قال في المستمسك: «تارة يكون المصرف نفس الشخص من حيث هو، و أخرى نفس العمل المحبوب للّه تعالى، مثل الحجّ و الزيارة و الدعاء، و غير ذلك. فان كان نفس الشخص لم تحلّ للغني، و ان كان نفس الجهة حلّت له. انتهى».(1)
و في المستند: «انّ العبرة بالحاجة الى الصرف في جهة خاصّة من الحجّ أو الجهاد و نحوهما، لا بحاجة المعطى له، كما لو احتاجت البلدة الى المسجد أو القنطرة - مثلاً - أو أنّ المحافظة على بيضة الاسلام استدعت بعث المسلمين الى الحجّ أو الى الدفاع عن بلادهم، فانّه لا عبرة في هذه الموارد بحاجة الأشخاص بل بحاجة الجهة نفسها، فان احتاجت جاز الصرف من سهم سبيل اللّه، و الاّ فلا. انتهى».(2)
و قال في المصباح: «لايخفى عليك أنّ صرف الزكاة في معونة الزوّار و الحجيج و الغزاة يتصوّر على أنحاء:
أحدها: أن يكون ما يصرفه اليهم بمنزلة الأجرة على عملهم، كما لو لم يكن لمن يباشر العمل بنفسه داعٍ الى فعل الحجّ أو الجهاد و نحوه، ولكن رأى المتولّي للصرف المصلحة في ايجاد هذه الأفعال من باب تشييد الدين أو تعظيم الشعائر
أو غير ذلك من المصالح، فبعثهم على الفعل بجعل الأجرة لهم أو بذل النفقة عليهم من الصدقات على أن يعملوا هذا العمل.
الثاني: أن يصرفه فيمن يريد بنفسه الحجّ و الجهاد، فيعينه ببذل الزاد و الراحلة و السلاح و نحوها.
الثالث: ما يصرفه في التسبيلات العامّة من مثل المضايف و السقايات الواقعةفي الطرق التي يأكل و يشرب منها عامّة المستطرقين.
أمّا القسم الأوّل و الثالث فلاينبغي الاستشكال في عدم اشتراط الفقر و الحاجة فيمن يتناوله، فانّ مصرف الزكاة في هذين القسمين في الحقيقة هو نفس تلك المصالح التي صرفت الزكاة فيها، لا خصوص الأشخاص الذين وصل اليهم شيء منها.
و أمّا القسم الثاني الذي هو في الحقيقة صرف الى من يعمل الخيرات لا في نفس عمل الخير و ان كان هذا الصرف أيضا باعتبار كونه اعانة على البرّ و التقوى يعدّ من السبيل، فهذا هو الذي وقع فيه الاشكال على تقدير عدم كون المصروف اليه محتاجا الى تناوله، و الاحتياط فيه ممّا لاينبغي تركه، بل لايبعد الالتزام بشمول «لاتحلّ الصدقة لغنيّ» لمثله، و اللّه العالم. انتهى».(1)
1) - مصباح الفقيه 13: 579 و 580.
«الثامن»: ابن السبيل، و هو المسافر الذي نفدت نفقته أو تلفت راحلته بحيث لايقدر معه على الذهاب و ان كان غنيّا في وطنه بشرط عدم تمكّنه من الاستدانة أو بيع ما يملكه أو نحو ذلك، و بشرط أن لايكون سفره في معصية فيدفع اليه قدر الكفاية اللائقة بحاله من الملبوس و المأكول و المركوب أو ثمنها أو أجرتها الى أن يصل الى بلده بعد قضاء وطره من سفره أو يصل الى محلّ يمكنه تحصيلها بالاستدانة أو البيع أو نحوهما. و لو فضل ممّا أعطي شيء ولو بالتضييق على نفسه أعاده على الأقوى من غير فرق بين النقد و الدابّة و الثياب و نحوها، فيدفعه الى الحاكم و يعلمه بأنّه من الزكاة. و أمّا لو كان في وطنه و أراد انشاء السفر المحتاج اليه و لا قدرة له عليه فليس من ابن السبيل. نعم، لو تلبّس بالسفر على وجه يصدق عليه ذلك يجوز اعطاؤه من هذا السهم. و ان لم يتجدّد نفاد نفقته بل كان أصل ماله قاصرا فلايعطى من هذا السهم قبل أن يصدق عليه اسم ابن السبيل. نعم، لو كان فقيرا يعطى من سهم الفقراء.
الشرح:
الثامن من أصناف المستحقّين للزكاة أبناء السبيل، و هم أبناء الطريق الذين يكونون في الأسفار في غير معصية فيقطع عليهم و يذهب مالهم و ان كانوا أغنياء في أوطانهم، فيعطيهم من الزكاة ما يرتفع به حاجتهم. و الدليل على ذلك الكتاب و السنّة و الاجماع:
فمن الكتاب قوله تعالى: «انّما الصدقات للفقراء ... و في سبيل اللّه و ابن السبيل»(1).
و معنى ابن السبيل هو المنقطع به في السفر، كما في اللغة و كلماتالأصحاب.
1) - التوبة 9: 60.
و من السنّة مرسلة علي بن ابراهيم عن العالم عليه السلام قال:
«و ابن السبيل أبناء الطريق الذين يكونون في الأسفار في طاعة اللّه فيقطع عليهم و يذهب مالهم، فعلى الامام أن يردّهم الى أوطانهم من مال الصدقات».(1)
و أمّا الثالث، ففي المقنعة: «و ابن السبيل و هم المنقطع بهم في الأسفار. و قد جاءت رواية: أنّهم الأضياف، يراد به من أضيف لحاجته الى ذلك و ان كان له في موضع آخر غنىً و يسار، و ذلك راجع الى ما قدّمناه. انتهى».(2)
و في النهاية: «و ابن السبيل و هو المنقطع به، و قيل أيضا: انّه الضيف الذي ينزل بالانسان و يكون محتاجا في الحال و ان كان له يسار في بلده و موطنه. انتهى».(3)
و في الجمل و العقود للشيخ: «و ابن السبيل و هم المنقطع بهم و ان كانوا في بلدهم ذوي يسار. انتهى».(4)
و في المراسم: «و ابن السبيل و هو المنقطع بهم. و قيل: هم الأضياف. انتهى».(5)
و في المهذّب: «فأمّا ابن السبيل فهو المنقطع به و ان كان غنيّا في بلده. و قد ذكر أنّه الضيف الذي ينزل بالانسان و ان كان أيضا غنيّا في بلده. انتهى».(6)
و في فقه القرآن للراوندي: «و ابن السبيل هو المسافر المنقطع به، فانّه يعطى
من الزكاة و ان كان غنيّا في بلده من غير أن يكون دينا عليه. انتهى».(1)
و في الوسيلة: «و ابن السبيل المجتاز بغير بلده المنقطع به غير منشئ للسفر. و قال بعض أصحابنا: الضيف اذا كان فقيرا داخل فيه. انتهى».(2)
و في السرائر: «و ابن السبيل و هو المنقطع به. يقال: المنقطَع (بفتح الطاء) و لايقال المنقطِع (بكسر الطاء) في الأسفار، و يكون محتاجا في الحال و ان كان له يسار في بلده و موطنه. انتهى».(3)
و في المختصر النافع: «و ابن السبيل و هو المنقطع به ولو كان غنيّا في بلده و الضيف، و لو كان سفرهما معصية منعا. انتهى».(4)
و كذا في الشرائع و القواعد و اللمعة و غيرها.
و الظاهر أنّ المراد بالسفر في الرواية و فتوى الأصحاب هو السفر العرفي لا ما يوجب التقصير. فلايقدح عدم قصد المسافة، و لا اقامة العشرة، و لا التردّد ثلاثين يوما، و لا غير ذلك ممّا يمنع من وجوب التقصير و لايمنع من صدق السفر عرفا؛ لاطلاق الآية و الرواية و فتوى الأصحاب.
و لايصدق ابن السبيل على من أراد انشاء السفر المحتاج اليه و لا قدرة له عليه، و قياسه على ناوي الاقامة في بلد ثمّ أراد الخروج منها مع الفارق كما هو واضح. نعم، لابأس بالدفع اليه من سهم سبيل اللّه.
قال في الجواهر: «الثامن: ابن السبيل و هو و ان كان عامّا لمطلق المسافر الاّ أنّالمراد به هنا المنقطع به فعجز عن سفره بذهاب نفقته أو نفادها أو تلف راحلته أو نحو ذلك ممّا لايقدر معه أن يتحرّك. و المقيم عشرا فصاعدا أو متردّدا ثلاثين يوما
أو نحو ذلك ممّا يوجب التمام فغير خارج عن صدق ابن السبيل عرفا و ان انقطع سفره شرعا بالنسبة للقصر و الاتمام، و الافطار و الصيام، ضرورة عدم التنافي بينهما، فما عن ظاهر المبسوط و صريح التذكرة من انقطاع سفره بالنسبة للمقام فلايعط من سهم ابن السبيل واضح الفساد كوضوح فساد دعوى صدقه على من أراد انشاء السفر المحتاج اليه و لا قدرة له، خلافا للمحكي عن الاسكافي و الشهيد في الدروس و اللمعة، ضرورة انسياق المتلبّس له في الاستطراق لا المريد له. انتهى ملخّصا».(1)
ثمّ انّ الأصحاب أضافوا الضيف اذا كان فقيرا الى ابن السبيل، و الظاهر أنّ مرادهم هو ابن السبيل الذي صار ضيفا لاحتياجه مع كونه ذا شأن.
قال في المصباح: «و كذا الضيف اذا كان في سفر و كان محتاجا الى الضيافة، فيجوز أن يطعمه من هذا السهم. و تخصيصه بالذكر مع أنّه من أفراد ابن السبيل الذي يشترط فيه الفقر و الحاجة؛ لوقوع التعرّض له في كلمات الأصحاب و نسبته في كلماتهم الى رواية. و الأصل فيه ما عن المفيد في المقنعة، قال: «و ابن السبيل و هم المنقطع بهم في الأسفار، و قد جاءت رواية أنّهم الأضياف، يراد به من أضيف لحاجة الى ذلك و ان كان له في موضع آخر غنىً و يسار، و ذلك راجع الى ما قدّمناه». ولكن أطلق غير واحد منهم لفظ «الضيف» و قيّده بعضهم بالحاجة دون السفر، و كيف كان فلا دليل على دخول الضيف من حيث هو في ابن السبيل. و الرواية المزبورة - مع ما فيها من الارسال - مجهولة المتن، فلعلّ في متنها ما يشهدبارادة المنقطع في السفر المحتاج الى الضيافة، كما فهمه المفيد رحمه الله فهي على تقدير حجّيّتها أيضا لاتثبت أزيد من ذلك، و اللّه العالم. انتهى».(2)
فروع:
و لابدّ أن يكون سفره مباحا، فلو كان معصية لم يعط. ففي المدارك: «لا خلاف بين العلماء في عدم جواز الدفع الى المسافر من سهم ابن السبيل اذا كان سفره معصية؛ لما في ذلك من الاعانة له على الاثم و العدوان. انتهى».(1)
و الدليل على ذلك هو الاعانة على الاثم و العدوان مضافا الى قوله عليه السلام في المرسلة المتقدّمة: «و ابن السبيل أبناء الطريق الذين يكونون في الأسفار في طاعة اللّه ... » فانّ المراد من الطاعة ما يقابل المعصية و لايختصّ بالواجب أو المندوب، و هو الذي ذهب اليه المشهور، الاّ أنّ صاحب الحدائق قال: «ظاهر الخبر اعتبار كون السفر طاعة و المشهور بين الأصحاب اشتراط الاباحة فلايعطى من كان سفره معصية، و لم أر من قال بمضمون الرواية الاّ ابن الجنيد على ما نقل عنه حيث قيّد الدفع بالمسافرين في طاعة اللّه و المريدين لذلك. و ليس في الباب خبر غير الرواية المذكورة، و المسألة لاتخلو من شوب الاشكال. و ما أجاب به في المختلف عن الرواية المذكورة - من أنّ الطاعة تصدق على المباح بمعنى أنّ فاعله معتقدا لكونه مباحا مطيع في اعتقاده و ايقاعه الفعل على وجهه - لايخفى ما فيه،فانّ الطاعة و المعصية عبارة عن موافقة الأمر و مخالفته و ذلك لايتعلّق بالمباح، و أمّا اعتقاد الاباحة فأمر خارج عن الفعل. انتهى».(2)
و أجاب عنه في المستند بأنّ الظاهر من الطاعة هو العمل الصادر باذن اللّه لا خصوص الصادر عن أمره، و قد ورد «انّ اللّه يحبّ أن يؤخذ برخصه كما يحبّ
أن يؤخذ بعزائمه»(1)الظاهر في أنّ الأخذ بالمرخّص فيه محبوب له تعالى كالأخذ بالمأمور به فهو أيضا طاعة.(2)
ثمّ انّه لو عرضته الحاجة و أصبح ابن السبيل بعد الانتهاء عن المعصية و ارادة الرجوع و العود الى الوطن فلابأس باعطائه الزكاة من هذا السهم سواء تاب أو لم يتب؛ لأنّ سفره في الرجوع لايكون سفر معصية و اطلاق الآية يشمله. نعم، لو كان اعطاؤه تشييدا للظالم و تقريرا له على ظلمه و فسقه، كقطّاع الطرق و الظلمة و نظائرهم من الذين يسعون في الأرض فسادا، فلايجوز دفع الزكاة اليهم.
المدار في استحقاقه من سهم ابن السبيل كونه محتاجا اليه في الحال و ان كان غنيّا في بلده. و لو كان عنده شيء يمكن بيعه بلا مشقّة أو يتمكّن من الاستدانة كذلك لايعطى منه؛ لعدم صدق ابن السبيل المنقطع به عليه.
قال في مصباح الفقيه: «و على هذا التقدير هل يشترط عدم تمكّنه منالاستدانة أو بيع شيء من أمواله مثلاً، كما صرّح به في الجواهر، أم يعتبر عجزه عن التصرّف في أمواله ببيع و نحوه دون الاستدانة، كما قوّاه في المدارك، أم لايعتبر العجز عن شيء منهما؟ كما حكاه في المسالك عن المعتبر، و نفى عنه البُعد. فقال في المسالك: «و هل يشترط عجزه عن الاستدانة على ما في بلده أو عن بيع شيء من ماله فيه و نحوه؟ الظاهر ذلك، ليتحقّق العجز، و لم يعتبره المصنّف في المعتبر، و ليس ببعيد؛ عملاً باطلاق النصّ». و الذي ينبغي أن يقال:
انّه ان كانت الاستدانة أو التصرّف في أمواله بالبيع و نحوه أمرا ميسورا له كأغلب التجّار المعروفين في البلاد النائية، فمثل هذا الشخص لايعدّ من أرباب الحاجة الى الصدقة، بل و لا ابن سبيل في العرف، و بحكمه القويّ السويّ المتمكّن من الاكتساب في الطريق بما يناسب حاله و شأنه. و أمّا لو كانت الاستدانة أو البيع و نحوه أمرا حرجيّا بحيث لايتحمّله الاّ عن الجاء و اضطرار، فلاتكون القدرة عليهما مانعة عن الاستحقاق؛ اذ لايؤثّر مثل هذه القدرة في خروجه عن حدّ الفقر عرفا. انتهى».(1)
يدفع الى ابن السبيل المنقطع به في سفره ما يسدّ به حاجته من الملبوس و المأكول و المركوب اللائقة بحاله أو ثمنها أو أجرتها الى أن يصل الى بلده أو يصل الى محلّ يمكنه تحصيل ما يحتاج اليه في بقيّة سفره حتّى يصل الى وطنه، بعدقضاء وطره من سفره؛ اذ لا دليل على وجوب فسخ ما يريده من سفره اذا كان أمرا عقلائيّا مشروعا بل اطلاق الآية الشريفة و الأخبار التي مرّت يدلّ على جواز الاعطاء له لادامة السفر و قضاء الوطر بالمقدار المتعارف.
نعم، لو فرض أنّ المسافر عزم على طيّ مسافة بعيدة و تحصيل غايات كثيرة يحتاج فيها الى مال كثير خارج عن المتعارف ففي مثله لايعطى أزيد ممّا يردّه الى وطنه؛ لانصراف الآية و الأخبار الى المتعارف.
ثمّ انّه لو فضل ممّا أعطي شيء - ولو بالتضييق على نفسه - أعاده على الأقوى من غير فرق بين النقد و الدابّة و الثياب و نحوها، و ذلك لأنّ ظاهر الدليل رفع
1) - مصباح الفقيه 13: 584.
حاجته من الزكاة لا تمليكه كما في الغارم، فاذا قضيت حاجته فما بقي ممّا أعطي يردّ الى أهله، و هذا هو المشهور و ان كان هناك قولان آخران.
قال في الجواهر: «و لو فضل منه شيء ولو بالتضييق على نفسه أعاده وفاقا للأكثر بل المشهور، تقديرا للضرورة بقدرها و لتشخيص المالك له في المصرف الخاصّ كما هو المفروض، و قد عرفت أنّ قصده مشخّص للمصارف و لو لم نقل بوجوب البسط. و قيل: - و القائل الشيخ في الخلاف - لايعيد. و لا ريب في ضعفه كما سمعته في الغارم و الرقاب، هذا. و في المسالك: «لا فرق أي في وجوب الردّ بين النقدين و الدابّة و المتاع» و كأنّه أشار الى ما عن نهاية الفاضل من أنّه لايستردّ منه الدابّة؛ لأنّه ملكها بالاعطاء، بل عن بعض الحواشي الحاق الثياب و الآلات بها، و لعلّ ذلك لأنّ المزكّي يملّك المستحقّ عين ما دفعه اليه، و المنافع تابعة، و الواجب على المستحقّ ردّ ما زاد من العين على الحاجة، و لا زيادة في هذه الأشياء الاّ في المنافع، و لا أثر لها مع ملكيّة تمام العين. اللّهمّ الاّ أن يلتزم انفساخ ملكه عن العين بمجرّد الاستغناء؛ لأنّ ملكه متزلزل، فهو كالزيادة التي تجدّد الاستغناء عنها. انتهى».(1)
فالمحتملات في المسألة ثلاثة: أحدها ملكيّة ابن السبيل ملكيّة مطلقة كملكيّة الفقراء. ثانيها الملكيّة المتزلزلة المراعاة ببقاء الوصف العنواني كما ذكره في الجواهر و قوّاه في المصباح. ثالثها ملكيّة التصرّف بمقدار يتمكّن من الوصول الى البلد، و الزائد باقٍ على ما كان. و هذا الاحتمال هو الأقوى كما قلنا. نعم، لو كان الزائد بحيث يكون معرضا عنه كالأطعمة و الأشربة و الألبسة و أمثالها فلايجب ردّه، و هو المتفاهم عرفا من الآية و الروايات.
ثمّ انّ المشهور دفع الزائد الى الحاكم؛ لأنّه وليّ أهل الزكاة من الأصناف الثمانية و ان كان يجوز دفعه الى المالك أو وكيله؛ لأنّ ولايته عليها باقية على
1) - جواهر الكلام 15: 376 و 377.
الاحتمال الذي قوّيناه.
قال في الجواهر: «ثمّ انّ الاعادة - كما في الروضة - للمالك أو وكيله، فان تعذّر فالى الحاكم، فان تعذّر صرفه بنفسه الى مستحقّ الزكاة ناويا به عن المالك. و فيه: انّه لا وجه للزوم هذا الترتيب بعد فرض تعيّن المال زكاة بالدفع و القبض، فيجزيه، بل يتعيّن عليه الدفع للحاكم من أوّل الأمر. اللّهمّ الاّ أن يقال ببقاء ولاية المالك عليه، فينبغي اعتبارها مع التمكّن منها. انتهى».(1)
(مسألة 30): اذا علم استحقاق شخص للزكاة ولكن لم يعلم من أيّ الأصناف، يجوز اعطاؤه بقصد الزكاة من غير تعيين الصنف، بل اذا علم استحقاقه من جهتين يجوز اعطاؤه من غير تعيين الجهة.
ما ذهب اليه المصنّف صحيح؛ اذ لا دليل على تعيين الصنف، و الأصل البراءة.فحينئذ يكفي علمه باستحقاقه الزكاة و أنّه مصداق أحد الأصناف الثمانية.
(مسألة 31): اذا نذر أن يعطي زكاته فقيرا معيّنا لجهة راجحة أو مطلقا ينعقد نذره، فان سها فأعطى فقيرا آخر أجزأ، و لايجوز استرداده و ان كانت العين باقية، بل لو كان ملتفتا الى نذره و أعطى غيره متعمّدا أجزأ أيضا و ان كان آثما في مخالفة النذر و تجب عليه الكفّارة، و لايجوز استرداده أيضا؛ لأنّه قد ملك بالقبض.
الشرح:
اذا نذر أن يعطي زكاته فقيرا معيّنا لجهة راجحة ككونه رحما أو عالما ينعقد نذره، و أمّا اذا نذر أن يعطي زكاته فقيرا معيّنا من دون جهة راجحة له فان قلنا بأنّ
1) - جواهر الكلام 15: 377.
النذر باتيان الواجبات مطلقا من دون جهة خاصّة راجحة ينعقد - كما لايبعد القول به؛ لوجود المقتضي و عدم المانع - و الاّ فلاينعقد.
فاذا نذر و انعقد نذره، فان سها فأعطى فقيرا آخر أجزأ فلا اعادة و لا كفّارة. أمّا الاجزاء فلأنّه امتثل الأمر بالزكاة فلا معنى للامتثال ثانيا، و أمّا عدم الكفّارة فلأنّه لم يقع منه الحنث، فانّ الحنث الذي يوجب الكفّارة أمر اختياريّ و الفرض نسيانه و عدم اختياره في اعطائها فردا آخر.
و لايجوز استرداده لأنّ الزكاة قد صدر من أهله و وقع في محلّه فلا موجب لاسترداده.
و لو كان ملتفتا الى نذره و أعطى غيره متعمّدا أجزأ أيضا؛ لما مرّ، الاّ أنّه يكون آثما في مخالفة النذر و تجب عليه الكفّارة، و لايجوز استرداده أيضا؛ لأنّه قد ملك بالقبض.
و ما يقال من أنّ التطبيق على غير المنذور مفوّت للواجب فيكون حراما و مبغوضا فكيف يتحقّق به الامتثال؟ مدفوع بأنّ هنا أمرين: أحدهما اعطاء زكاته الى مستحقّه فقد امتثل، و ثانيهما الوفاء بنذره، و المخالفة للثاني لايوجب الخلاف بالنسبة الى الأوّل.
قال في المستمسك: «انّ الظاهر من النذر في أمثال المقام أنّه راجع الى نذر أن لايفرغ ذمّته الاّ بهذا المصداق، فتفريغ الذمّة بغير المصداق المذكور مخالفة للنذر، فيبطل لكونه محرّما، فلايصحّ عبادة، كما لو نذر أن لايصلّي في الحمّام فصلّى فيه. و حينئذ يجوز له الاسترداد مع بقاء العين، و أمّا مع التلف فجواز الرجوع بالمثل أو القيمة مبنيّ على الضمان و عدم الغرور. انتهى».(1)
و فيه: رجوع النذر الى أن لايفرغ ذمّته ... ادّعاء، بل حقيقة النذر التزام الناذر على نفسه باتيان المنذور فهنا وجوبان: وجوب الزكاة، و الوفاء بالنذر، فاذا امتثل
1) - مستمسك العروة 9: 272.
الأمر بالزكاة و خالف الوفاء فقد فرّغ ذمّته و بقي عليه أثر الحنث.
(مسألة 32): اذا اعتقد وجوب الزكاة عليه فأعطاها فقيرا ثمّ تبيّن له عدم وجوبها عليه جاز له الاسترجاع اذا كانت العين باقية، و أمّا اذا شكّ في وجوبها عليه و عدمه فأعطى احتياطا ثمّ تبيّن له عدمه فالظاهر عدم جواز الاسترجاع و ان كانت العين باقية.
الشرح:
اذا اعتقد وجوب الزكاة عليه فأعطاها فقيرا ثمّ تبيّن عدم وجوبها عليه جاز له الاسترجاع اذا كانت العين باقية، و ذلك لاستكشاف بقاء ملكيّته، و هذا كما لوأعطى شخصا مالاً باعتقاد أنّه مدين له ثمّ انكشف الخلاف. نعم، يجوز له أن ينوي الصدقة الاستحبابيّة فلايسترجعه. و أمّا مع التلف فان كان الفقير عالما بالحال ضمن؛ لقاعدة اليد، و الاّ فلايضمن؛ لأنّه أعطي بلا عوض.
و أمّا اذا شكّ في وجوبها عليه و عدمه فأعطى احتياطا ثمّ تبيّن له عدمه فالظاهر عدم جواز الاسترجاع و ان كانت العين باقية، و ذلك لاعطائه قربة الى اللّه،
و أنّه لو كانت ذمّته مشغولة فقد أعطاها و الاّ فالاعطاء للّه تعالى.
و قد ورد في موثّقة الحسين بن علوان عن جعفر عن أبيه أنّ عليّا عليه السلام كان يقول:
«من تصدّق بصدقة فردّت عليه فلايجوز له أكلها و لايجوز له الاّ انفاقها، انّما منزلتها بمنزلة العتق للّه، فلو أنّ رجلاً أعتق عبدا للّه فردّ ذلك العبد لم يرجع في الأمر الذي جعله للّه، فكذلك لايرجع في الصدقة».(1)
1) - وسائل الشيعة 9: 422 / الباب 24 من أبواب الصدقة / الحديث 1.
و موثّقة عبيد بن زرارة قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يتصدّق بالصدقة، أله أن يرجع في صدقته؟ فقال: ان الصدقة محدثة، انّما كان النحل و الهبة، و لمن وهب أو نحل أن يرجع في هبته حيز أو لم يحز، و لاينبغي لمن أعطى شيئا للّه عزّوجلّ أن يرجع فيه».(1)
1) - وسائل الشيعة 19: 243 / الباب 10 من كتاب الهبات / الحديث 1.
و هي أمور: «الأوّل»: الايمان، فلايعطى للكافر بجميع أقسامه، و لا لمن يعتقد خلاف الحقّ من فرق المسلمين حتّى المستضعفين منهم الاّ من سهم المؤلّفة قلوبهم و سهم سبيل اللّه في الجملة، و مع عدم وجود المؤمن و المؤلّفة و سبيل اللّه يحفظ الى حال التمكّن.
الشرح:
يعتبر في المستحقّين أمور:
الأوّل الايمان، فلايعطى الكافر بجميع أقسامه.
ففي الجواهر: «بلا خلاف معتدّ به بين المسلمين فضلاً عن المؤمنين، بل الاجماع بقسميه عليه، بل المحكي منه متواتر، بل يمكن دعوى كونه من ضروريّات المذهب أو الدين. انتهى».(1)
و يستفاد من النصوص الواردة في المنع من اعطاء المخالف من الزكاة.
1) - جواهر الكلام 15: 377.
و لايعطى لمن يعتقد خلاف الحقّ من فرق المسلمين.
ففي الجواهر: «بلا خلاف أجده فيه بيننا، بل الاجماع بقسميه عليه، بل المحكي منه متواتر كالنصوص خصوصا في المخالفين. انتهى».(1)
و يدلّ عليه بعد الاجماع طائفة من الأخبار:
منها ما ورد في المستبصر من صحّة أعماله السابقة الاّ الزكاة، فانّه يعيدها، كصحيحة بريد بن معاوية العجلي عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) قال:
«كلّ عمل عمله و هو في حال نصبه و ضلالته ثمّ منّ اللّه عليه و عرّفه الولاية فانّه يؤجر عليه الاّ الزكاة فانّه يعيدها لأنّه يضعها في غير مواضعها لأنّها لأهل الولاية، و أمّا الصلاة و الحجّ و الصيام فليس عليه قضاء».(2)
و قوله عليه السلام في صحيحة الفضلاء:
« ... ليس عليه اعادة شيء من ذلك غير الزكاة، لابدّ أن يؤدّيها لأنّه وضع الزكاة في غير موضعها و انّما موضعها أهل الولاية».(3)
و نظيرهما صحيحة ابن أذينة.(4)
و منها ما دلّ على اشتراط الايمان و الولاية في مستحقّ الزكاة، كصحيحة اسماعيل بن سعد الأشعري عن الرضا عليه السلام قال:
«سألته عن الزكاة هل توضع فيمن لايعرف؟ قال: لا، و لا زكاةالفطرة».(5)
و صحيحة علي بن بلال قال:
1) - جواهر الكلام 15: 378.
2) - وسائل الشيعة 9: 216 / الباب 3 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 1.
3) - وسائل الشيعة 9: 216 / الباب 3 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 2.
4) - وسائل الشيعة 9: 217 / الباب 3 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 3.
5) - وسائل الشيعة 9: 221 / الباب 5 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 1.
«كتبت اليه أسأله: هل يجوز أن أدفع زكاة المال و الصدقة الى محتاج غير أصحابي؟ فكتب: لاتعط الصدقة و الزكاة الاّ لأصحابك».(1)
و لاتعطى لغير أهل الايمان و الولاية حتّى المستضعفين منهم؛ لاطلاق النصوص.
نعم، يجوز اعطاؤهم الزكاة من سهم المؤلّفة قلوبهم؛ لأنّه لتأليف قلوب الكفّار فضلاً عن المخالفين الى الاسلام و الايمان. و أمّا سهم سبيل اللّه فان كان نفعه راجعا الى المؤمنين فلابأس به.
قال المحقّق الهمداني: «و الذي يقتضيه التحقيق هو أنّه لا شبهة في خروج المؤلّفة قلوبهم عن المستحقّين الذين يشترط فيهم الايمان، و قد صرّح المصنّف في تفسير المؤلّفة قلوبهم بأنّهم هم الكفّار الذين يستمالون الى الجهاد. فمراده بالمستحقّين هيهنا من عداهم ممّن يستحقّ صرفها اليه لرفع حاجته و سدّ خلّته. و كذا الروايات الدالّة على اشتراط الايمان لاتدلّ الاّ على اشتراطه فيمن يستحقّها لحاجة. و الحصر الوارد فيها من أنّ موضعها أهل الولاية اضافيّ لم يقصد به الاحتراز عن المؤلّفة و العاملين و غيرهم ممّن يصرف اليهم لا من هذا الوجه، بل المقصود بها على ما يتبادر منها بيان انحصار من يستحقّ صرف الزكاة في قضاء حوائجه بالمؤمنين في مقابل أرباب الحاجة من سائر الفرق. و ما دلّ على وجوب اعادة المخالف زكاته على الاطلاق، معلّلاً بأنّه وضعها في غير موضعها فهو جارٍ مجرى الغالب من صرفها الى فقرائهم، أو دفعها الى عامل الصدقات المنصوبمن قبل الجائر، فكما لايعمّ هذا الحكم بمقتضى هذه العلّة ما لو صرفها الى فقراء المؤمنين، فكذلك بالنسبة الى ما لو صرفها الى سائر المصالح التي هي من مصارف الزكاة ممّا لايعقل اتّصافه بالايمان. انتهى».(2)
فرعان:
اذا لم يوجد المؤمن و المؤلّفة و سبيل اللّه يحفظ الى حال التمكّن، و ذلك لما ورد في الروايات من النهي عن اعطاء الزكاة للمخالفين، كما سيأتي.
قال في الجواهر: «فمع عدم المؤمن و عدم مصرف آخر شرعي تحفظ الى حال التمكّن منه، و لاتعطى للمخالف بلا خلاف أجده، بل يمكن تحصيل الاجماع عليه؛ لاطلاق أدلّة المنع و ظهور جملة منها، و صراحة آخر في ذلك. انتهى».(1)
ففي مصباح الفقيه: «و مع عدم المؤمن و تعذّر صرفه في مصرف آخر ممّا يجوز صرف الزكاة فيه كبناء مسجد أو قنطرة و نحوهما تحفظ الى حال التمكّن منه، و لاتعطى المخالف فضلاً عمّن عداهم من الكفّار على المشهور، بل في الجواهر: بلا خلاف أجده، بل يمكن تحصيل الاجماع عليه؛ لاطلاق الروايات الحاصرة موضعها في أهل الولاية، و الناهية عن صرفها الى من عداهم، و خصوص خبر الأوسي. انتهى».(2)
و أمّا الأخبار - مضافا الى ما مرّ - فمنها موثّقة عبداللّه بن أبي يعفور قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : جعلت فداك! ما تقول في الزكاة لمن هي؟ قال: فقال: هي لأصحابك. قال: قلت: فان فضل عنهم؟ قال: فأعد عليهم. قال: قلت: فان فضل عنهم؟ قال: فأعد عليهم. قال: قلت: فان فضل عنهم؟ قال: فأعد عليهم. قال: قلت: فان فضل عنهم؟ قال:
فأعد عليهم. قلت: فنعطي السؤّال منها شيئا؟ قال: فقال: لا و اللّه، الاّ التراب الاّ أن ترحمه، فان رحمته فأعطه كسرة، ثمّ أومأ بيده فوضع ابهامه على أصول أصابعه».(1)
و منها معتبرة عمر بن يزيد قال:
«سألته عن الصدقة على النصّاب و على الزيديّة؟ فقال: لاتصدّق عليهم بشيء و لاتسقهم من الماء ان استطعت. و قال: الزيديّة هم النصّاب».(2)
و منها خبر ابراهيم الأوسي عن الرضا عليه السلام قال:
«سمعت أبي يقول: كنت عند أبي يوما فأتاه رجل فقال: انّي رجل من أهل الري و لي زكاة، فالى من أدفعها؟ فقال: الينا. فقال: أليس الصدقة محرّمة عليكم؟ فقال: بلى، اذا دفعتها الى شيعتنا فقد دفعتها الينا. فقال: انّي لاأعرف لها أحدا. قال: فانتظر بها سنة. فقال: فان لم أصب لها أحدا؟ قال: انتظر بها سنتين حتّى بلغ أربع سنين. ثمّ قال له: ان لم تصب لها أحدا فصرّها صررا و اطرحها في البحر فانّ اللّه عزّوجلّحرّم أموالنا و أموال شيعتنا على عدوّنا».(3)
أقول:
الظاهر أنّ هذه الروايات قد صدرت في زمان حكومة بنيالعبّاس الذين هم قد بالغوا في الظلم و العدوان على أئمّتنا و شيعتهم، و ادّعوا أنّهم «أولوا الأمر» الذين أمر اللّه تعالى بالطاعة لهم و نهى عن مخالفتهم، و علماؤهم أيّدوهم و أفتوا بكفر من خالفهم و أفتوا بأنّهم خلفاء الرسول و المراجع في كلّ شيء و ألزموا الناس
باعطاء الزكاة و سائر الوجوه الشرعيّة لهم، و من المعلوم أنّهم منعوا الشيعة و أهل الولاية عن حقّهم و الناس بتبعيّة ملوكهم و علمائهم أظهروا العداوة و النصب للأئمّة و الشيعة. و لذلك قام الأئمّة عليهم و أنكروا ما ادّعوه و حرّموا اعطاءهم الزكاة من قِبل تابعيهم؛ لأنّه كان موجبا لكسر شوكتهم و تضعيف تابعيهم.
و أمّا أهل السنّة و الجماعة المقيمون في الدول الاسلام يّة في هذه العصور فأكثرهم مستضعفون لم ينكشف الحقّ لهم و ليسوا معاندين للأئمّة المعصومين عليهم السلام ، و لو انكشف لهم الحقّ لم ينكروه بل يتّبعوه، فلذا لايبعد القول بجواز اعطاء الزكاة لهؤلاء المستضعفين. أمّا المعاندون المعروفون بالوهّابيّة فلا.
و يؤيّده خبر يعقوب بن شعيب الحدّاد عن العبد الصالح عليه السلام قال:
«قلت له: الرجل منّا يكون في أرض منقطعة، كيف يصنع بزكاة ماله؟ قال: يضعها في اخوانه و أهل ولايته. قلت: فان لم يحضره منهم فيها أحد؟ قال: يبعث بها اليهم. قلت: فان لم يجد من يحملها اليهم؟ قال: يدفعها الى من لاينصب. قلت: فغيرهم؟ قال: ما لغيرهم الاّ الحجر».(1)
و ما روي عن الحسن العسكري عليه السلام في تفسيره في قوله تعالى: «و أقيموا الصلاة و آتوا الزكاة»(2)قال:
«أقيموا الصلاة باتمام وضوئها و تكبيراتها و قيامها و قراءتها و ركوعها و سجودها و حدودها، و آتوا الزكاة مستحقّها، لاتؤتوها كافرا و لا منافقا و لا ناصبا».(3)
انّ مقتضى ظاهر النصوص و الفتاوى كون الايمان شرطا في الاستحقاق، لا الكفر مانعا عن الدفع كي يجوز البناء على عدمه لدى الشكّ تعويلاً على أصالة عدم حدوث ما يوجبه، فلايجوز الدفع الى مجهول الحال ما لم يكن هناك أصل أو طريق شرعي لاثباته، كادّعائه أو اعترافه بالأمور المعتبرة في الايمان، أو غير ذلك من الطرق المعتبرة شرعا. نعم، يمكن أن يقال بالنسبة الى المخالفين انّ النصب مانع كما تقدّم وجهه في الفرع الأوّل.
(مسألة 1): تعطى الزكاة من سهم الفقراء لأطفال المؤمنين و مجانينهم من غير فرق بين الذكر و الأنثى و الخنثى و لا بين المميّز و غيره، امّا بالتمليك بالدفع الى وليّهم و امّا بالصرف عليهم مباشرة أو بتوسّط أمين ان لم يكن لهم وليّشرعي من الأب و الجدّ و القيّم.
الشرح:
تعطى الزكاة من سهم الفقراء لأطفال المؤمنين، سواء كانوا يتامى أو لا.
قال في المدارك: «هذا الحكم مجمع عليه بين علمائنا و أكثر العامّة. انتهى».(1)
و يدلّ عليه صحيحة أبي بصير قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : الرجل يموت و يترك العيال، أيعطون من الزكاة؟ قال: نعم، حتّى ينشأوا و يبلغوا و يسألوا من أين كانوا يعيشون اذا قطع ذلك عنهم. فقلت: انّهم لايعرفون؟ قال: يحفظ
1) - مدارك الأحكام 5: 240.
فيهم ميّتهم ويحبّب اليهم دين أبيهم فلايلبثوا(1)أن يهتمّوا بدين أبيهم، فاذا بلغوا و عدلوا الى غيركم فلاتعطوهم».(2)
و معتبرة أبي خديجة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«ذرّيّة الرجل المسلم اذا مات يعطون من الزكاة و الفطرة كما كان يعطى أبوهم حتّى يبلغوا، فاذا بلغوا و عرفوا ما كان أبوهم يعرف أعطوا، و ان نصبوا لم يعطوا».(3)
و صحيحة يونس بن يعقوب قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : عيال المسلمين أعطيهم من الزكاة فأشتري لهم منها ثيابا و طعاما و أرى أنّ ذلك خير لهم؟ قال: فقال: لابأس».(4)
و معتبرة عبدالرحمن بن الحجّاج قال:
«قلت لأبي الحسن عليه السلام : رجل مسلم مملوك و مولاه رجل مسلم و له مال يزكّيه و للمملوك ولد صغير حرّ، أيجزي مولاه أن يعطي ابن عبده من الزكاة؟ فقال: لابأس به».(5)
قال في الجواهر: «و تعطى الزكاة أطفال المؤمنين دون أطفال غيرهم، بلا خلاف أجده فيه كما اعترف به بعضهم، بل في المختلف و الروضة و المدارك الاجماع عليه، و هو الحجّة بعد اطلاق الكتاب و السنّة. انتهى».(6)
من غير فرق بين الذكر و الأنثى و الخنثى و لا بين المميّز و غيره؛ لاطلاق
1) - في نسخة: يلبثون. هامش الوسائل
2) - وسائل الشيعة 9: 226 / الباب 6 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 1.
3) - وسائل الشيعة 9: 227 / الباب 6 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 2.
4) - وسائل الشيعة 9: 227 / الباب 6 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 3.
5) - وسائل الشيعة 9: 294 / الباب 45 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 1.
6) - جواهر الكلام 15: 383.
الأدلّة.
و قضيّة اطلاق النصّ و الفتوى جواز الدفع الى أطفال المؤمنين ولو مع فسق آبائهم، كما صرّح به في المدارك و الجواهر و المصباح. و ذلك لأنّ اشتراط العدالة في المستحقّ ان سلّمناه ففي المحلّ القابل لها، لا في الأطفال، و تبعيّة الأطفال لآبائهم في ذلك ممّا لا دليل عليه.
و الشهيد في المسالك و ان استشكل في اعطاء الزكاة لأطفال المؤمنين - ان اعتبر العدالة في المستحقّ - الاّ أنّه أجاب عمّا استشكل بأنّ العلاّمة ادّعى الاجماع على جواز الاعطاء لأولاد المؤمنين و ان اعتبرنا العدالة، فانّه قال في المسالك: «هذا اذا لم نعتبر العدالة في المستحقّ، أمّا لو اعتبرناها أمكن عدم جواز اعطاء الأطفال مطلقا لعدم اتّصافهم بها، و الجواز لأنّ المانع الفسق و هو منفيّ عنهم؛ لأنّه عبارة عن الخروج عن طاعة اللّه فيما دون الكفر و هم غير مخاطبين بالطاعة. ومبنى الاشكال على أنّ العدالة هل هي شرط أو الفسق مانع؟ فعلى الأوّل يحتمل الأوّل للدليل الدالّ على اعتبار العدالة، و لأنّه لو اكتفي بعدم الفسق لزم جواز اعطاء المجهول حاله عند مشترط العدالة؛ لعدم تحقّق المانع فيعمل المقتضي عمله، و هو لايقول به. و يحتمل الثاني حملاً للاشتراط على من يمكن في حقّه ذلك و هو منفيّ في الطفل. و على الثاني يستحقّ الطفل بغير اشكال، و هذا بخلاف أولاد الكفّار؛ لأنّ الايمان شرط في الجملة اجماعا، و الولد تابع لأبيه فيه و في الكفر شرعا، بخلاف الفسق، فيثبت في ولد الفاسق الايمان بحكم التبعيّة دون الفسق. و اعلم أنّ العلاّمة رحمه الله ادّعى في المختلف الاجماع على جواز اعطاء أولاد المؤمنين و ان اعتبرنا العدالة، فينتفي الاشكال و يضعّف القول باشتراط العدالة؛ اذ لايتصوّر في الأطفال مع ثبوت استحقاقهم. انتهى».(1)
و يلحق بأطفال المؤمنين مجانينهم؛ لأنّ الاطلاقات غير قاصرة الشمول لهم. و
1) - مسالك الأفهام 1: 421 و 422.
في المدارك: «و حكم المجنون حكم الطفل»(1)و ادّعى في المستمسك(2)و مستند العروة(3)عدم الخلاف فيه، ولكن في مستند الشيعة: «قيل: حكم المجنون حكم الطفل، فان ثبت الاجماع عليه، و الاّ فمحلّ نظر؛ لعدم كونه عارفا».(4)
و في المستمسك بعد نقل كلام المستند قال: «و هو في محلّه؛ لظهور النصوص المتقدّمة في اختصاصها بالعارف. اللّهمّ الاّ أن يدّعى انصرافها الى من كان موضوعا للتكليف - أعني البالغ العاقل - و في غيرهما يرجع الى الاطلاق. لكن مقتضى ذلك جواز اعطاء مجانين غيرهم أيضا. انتهى».(5)
ولكن الظاهر أنّ مناط جواز اعطاء الزكاة لأطفال المؤمنين موجود فيهم، فانّ الأطفال تبع لآبائهم المؤمنين، و المجانين أيضا تبع لآبائهم، فكما يصدق الشيعة على أطفالهم يصدق على المجانين من أولاد الشيعة. و الظاهر أيضا أنّه لايراد «بالعارف بالأمر» فعليّة المعرفة، بل المراد هو الشيعة في مقابل المخالفين. و يؤيّده صحيحة يونس بن يعقوب المتقدّمة، فانّ المجانين عيال المسلمين.
الظاهر أنّ ما ذهب اليه المصنّف في ذلك من قوله «امّا بالتمليك بالدفع الى وليّهم و امّا بالصرف عليهم مباشرة أو بتوسّط أمين» هو الصحيح، أمّا التمليك بالدفع الى وليّهم فهو القدر المتيقّن من النصّ و الاجماع، فلا اشكال فيه و
لا خلاف، و أمّا الصرف عليهم مباشرة فيدلّ عليه ما ورد من الروايات الواردة بجواز احتساب من عليه الزكاة لو كان دين الغارم له، و قد تقدّم في المسألة الرابعة و العشرين من فصل أصناف المستحقّين للزكاة.
و كذا يجوز صرفها عليهم بتوسّط أمين، سواء كان لهم وليّ شرعيّ من الأب و الجدّ و القيّم أو لم يكن، و يدلّ عليه أيضا صحيحة يونس بن يعقوب المتقدّمة آنفا. و في ذيل كلام المصنّف هنا اشكال.(1)
قال الشيخ مرتضى الأنصاري: «ثمّ انّه هل يجوز للمالك صرف الزكاة للطفل ولو مع وجود الولي، كأن يطعمه في حال جوعه و ان لم يعلم بذلك أبوه؟ الظاهرعدم الجواز من سهم الفقراء؛ لأنّ الظاهر من أدلّة الصرف في هذا الصنف هو تمليكهم ايّاه. نعم، يجوز في سبيل اللّه، و يحتمل الجواز من سهم الفقراء، بدعوى أنّ الظاهر من تلك الأدلّة استحقاقهم للزكاة، لاتملّكهم لها، فالمقصود هو الايصال. انتهى».(2)
و في المصباح بعد نقل كلام الشيخ الأعظم قال: «و هذه الدعوى قريبة جدّا، و ربّما يؤيّده أيضا خبر يونس المتقدّم، مع أنّ ما يظهر منهم من التسالم عليه من عدم حصول الملكيّة للطفل الاّ بقبض الوليّ قابل للمنع، فانّ ما دلّ على سلب أفعال الصبي و أقواله انّما يدلّ عليه في عقوده و ايقاعاته و نظائرها ممّا فيه الزام و التزام بشيء على وجه يترتّب على مخالفته مؤاخذة، لا مطلق أعماله، و لذا قوّينا شرعيّة عباداته، فكذا معاملاته التي لم يكن فيها الزام و التزام، بل مجرّد اكتساب، كحيازة المباحات و تناول الصدقات و نظائرها. انتهى».(3)
و في المدارك: «و اعلم أنّ العلاّمة رحمه الله صرّح في التذكرة بأنّه لايجوز دفع الزكاة
الى الصغير و ان كان مميّزا، و استدلّ عليه بأنّه ليس محلاًّ لاستيفاء ماله من الغرماء، فكذا هنا. ثمّ قال: و لا فرق بين أن يكون يتيما أو غيره، فانّ الدفع الى الوليّ، فان لم يكن له وليّ جاز أن يدفع الى من يقوم بأمره و يعتني بحاله.
و مقتضى كلامه رحمه الله جواز الدفع الى غير وليّ الطفل اذا لم يكن له وليّ، و لابأس به اذا كان مأمونا، بل لايبعد جواز تسليمها الى الطفل بحيث يصرف في وجه يسوغ للوليّ صرفها فيه. و حكم المجنون حكم الطفل. أمّا السفيه فانّه يجوز الدفع اليه و ان حجر عليه الحاكم بعد ذلك. انتهى».(1)
ثمّ انّ صاحب الجواهر قد أصرّ على اعطاء الزكاة للأطفال على الوجه الشرعي و هو الدفع الى وليّهم من الأب أو الجدّ للأب أو الوصي، و ان لم يكن لهم وليّ فإلى الحاكم الشرعي، و استدلّ على ذلك بأنّ الشارع سلب أفعالهم و أقوالهم فلايترتّب ملك لهم على قبضهم.(2)
و فيه أوّلاً: انّ مقتضى الاطلاقات أنّ العبرة في تفريغ الذمّة بوصول المال الى الفقير تمليكا أو صرفا، و لم ينهض أيّ دليل على التخصيص بالأوّل.
و ثانيا: انّه لم تسلب التصرّفات التكوينيّة و الأفعال الخارجيّة عنهم، و لايتوقّف اطعامهم و اكساؤهم و سقيهم الماء و ما شاكلها على الاستئذان من الولي.
(مسألة 2): يجوز دفع الزكاة الى السفيه تمليكا و ان كان يحجر عليه بعد ذلك، كما أنّه يجوز الصرف عليه من سهم سبيل اللّه، بل من سهم الفقراء أيضا على الأظهر من كونه كسائر السهام أعمّ من التمليك و الصرف.
الشرح:
يجوز صرف الزكاة للسفيه من سهم الفقراء اذا كان فقيرا، كما يجوز صرفها للطفل و المجنون، بل يجوز دفعها اليه تمليكا لاختصاص حجره بالتصرّف و لايعمّ التملّك فله القبول و القبض و ان كان يحجر عليه الحاكم بعدما يصير مالكا؛ لأنّه ممنوع من التصرّف الاّ باذن الوليّ كما في سائر أمواله.
قال في المدارك: «أمّا السفيه فانّه يجوز الدفع اليه و ان حجر عليه الحاكم بعد ذلك. انتهى».(1)
و في التذكرة: «حكم المجنون حكم الصبي غير المميّز، أمّا السفيه فانّه يجوز الدفع اليه لكن يحجر عليه الحاكم. انتهى».(2)
و يجوز الصرف عليه من سهم سبيل اللّه على اشكال؛ لأنّه و ان كان معناه الطريق الموصل الى رضى اللّه و ثوابه، الاّ أنّ الظاهر ما كان من ذلك يرجع الى ما فيه نفع للدين أو مصلحة نوعيّة للاسلام و المسلمين، و يؤيّده ذهاب عدّة منهم الى أنّه الجهاد، و كذا ما مثّلوا به من بناء المساجد و القناطر و احجاج الحاجّ و ما شاكل ذلك.
(مسألة 3): الصبيّ المتولّد بين المؤمن و غيره يلحق بالمؤمن خصوصا اذا كان هو الأب. نعم، لو كان الجدّ مؤمنا و الأب غير مؤمن ففيه اشكال، و الأحوط عدم الاعطاء.
الشرح:
قال في التذكرة: «انّما يعطى أطفال المؤمنين لأنّهم بحكم آبائهم، و لايجوز اعطاء أولاد المشركين الحاقا بآبائهم، و كذا أولاد غير المؤمنين. و لو أسلم أحد أبوي الطفل لحق به، سواء الأب و الأمّ، و يأخذ الزكاة حينئذ. انتهى».(1)
قال في الجواهر: «و لو تولّد بين المسلم و الكافر ففي البيان و المسالك مسلم، و مقتضاه عدم الفرق بين كون الأب المسلم أو الأمّ، و لعلّه لدليل التبعيّة لأشرف الأبوين و لو لكون الشرف بالنسبة الى الاسلام و الكفر أتمّ من الرقّيّة بالنسبة للحرّيّة، و كذا الحال في الايمان، و لذا صرّحا أيضا بأنّه لو تولّد بين المؤمن و غيره من الفرق الاسلام يّة جاز اعطاؤه خصوصا اذا كان المؤمن الأب، بل قد يقال بالتبعيّة للجدّ المؤمن و ان كان الأب كافرا على اشكال. انتهى».(2)
و في المسالك: «و لو تولّد بين المؤمن و الكافر تبع الأشرف، و في المتولّد بين المؤمن و غيره من الفرق الاسلام يّة نظر، و الأجود استحقاقه خصوصا اذا كان المؤمن الأب. انتهى».(3)
و في مصباح الفقيه: «و الطفل المتولّد بين المؤمن و المخالف يتبع أباه، فانكان أبوه مؤمنا و أمّه مخالفة جاز اعطاؤه؛ لصدق أولاد المؤمن عليه عرفا و شرعا دون العكس. و المتولّد بين الكافر و المسلم اذا كان أبوه مسلما يتبعه بلا اشكال. و
أمّا ان كان أبوه كافرا و أمّه مسلمة فهل يتبع أمّه في هذا الحكم أيضا كسائر أحكامه؟ وجهان: من خروجه عن مورد الروايات الدالّة على جواز اعطاء أطفال المؤمنين، و من امكان دعوى كفاية العمومات بعد اندراجه في موضوع الفقير عرفا و لحوقه بأمّه في الاسلام شرعا، فليتأمّل. انتهى».(1)
أقول:
ظاهر الروايات الواردة في جواز اعطاء الزكاة من سهم الفقراء لأطفال المؤمنين هو ما اذا كان أبواهم مؤمنين أو كان أبوهم مؤمنا، و أمّا اذا كانت أمّهم مؤمنة دون أبيهم ففي جواز اعطاء الزكاة لهم من هذا السهم اشكال. نعم، لابأس باعطائهم من سهم المؤلّفة قلوبهم كما يعطى غيرهم من المخالفين البالغين.
(مسألة 4): لايعطى ابن الزنا من المؤمنين فضلاً عن غيرهم من هذا السهم.
الشرح:
قال في الجواهر: «و ولد الزنا من المؤمنين كولده من الكافرين لا تبعيّة فيه لأحدهما، بناءً على كونها في النكاح الصحيح، فدفع الزكاة اليه حينئذ مبنيّ على كون الايمان فعلاً أو حكما شرطا فلايعطى، أو أنّ الكفر فعلاً أو حكما مانع فيعطى. انتهى».(2)
و في مصباح الفقيه: «ثمّ انّ المنساق من أولاد الرجل المسلم و ذرّيّته من يلتحق به بنسب صحيح، فولد الزنا خارج عن مورد هذا الحكم. انتهى».(3)
أقول:
الظاهر أنّ ولد الزنا ولد للزاني و المزني بها لغة بل شرعا، الاّ أنّه ممنوع من الارث. ففي رواية الأشعري قال:
«كتب بعض أصحابنا الى أبي جعفر الثاني عليه السلام معي، يسأله عن رجل فجر بامرأة، ثمّ انّه تزوّجها بعد الحمل فجاءت بولد هو أشبه خلق اللّه به، فكتب بخطّه و خاتمه: الولد لغيّة(1)لايورث».(2)
فانّ تعليله عليه السلام لعدم ارث الولد بأنّه لغيّة، دليل على أنّ ولد الزنا ولده، الاّ أنّه ولد غير مشروع و لذا لايورث. و لو كان الشارع نافيا عنه عنوان الولد، لكان أحرى أن يقول: «انّه لايورث لعدم كونه ولدا له» و أن يعلّل بعدم المقتضي لا بوجود المانع، و لذلك نقول بعدم جواز زواج الزاني ولده المؤنّث و عدم جواز زواج المزني بها ولدها المذكّر، بل الظاهر ترتيب جميع أحكام البنوّة من جواز النظر و وجوب الانفاق و حرمة الزواج من أرحامه لو كان ولدا طاهرا؛ لعدم الدليل على الخروج الموضوعي فما خصّص هنا من الأحكام هو الارث فقط. و عليه فلا مانع من اعطائه الزكاة لو كان أبوه مؤمنا، اللّهمّ الاّ أن يدّعى انصراف الأخبار الواردة في جواز اعطاء الزكاة لأطفال المؤمنين عن أولاد الزنا، فتأمّل.
نعم، اذا كان الطفل المزبور مميّزا بحيث أظهر الولاية و أصبح من أفراد الشيعة و ميّز الحقّ و أهله جاز اعطاؤه الزكاة بناءً على امضاء الشارع ما اعتقده كما أمضى أعماله الصحيحة على ما هو الأصحّ؛ لأنّه لم يرد منع من اعطاء الزكاة الى ولد الزنا.
(مسألة 5): لو أعطى غير المؤمن زكاته أهل نحلته ثمّ استبصر أعادها، بخلاف الصلاة و الصوم اذا جاء بهما على وفق مذهبه، بل و كذا الحجّ و ان كان قد ترك منه ركنا عندنا على الأصحّ. نعم، لو كان قد دفع الزكاة الى المؤمن ثمّ استبصر أجزأ، و ان كان الأحوط الاعادة أيضا.
الشرح:
لو أعطى غير المؤمن زكاته أهل نحلته ثمّ استبصر أعادها، و ذلك للنصوص التي تقدّمت في ابتداء هذا الفصل و قلنا بعدم الخلاف في ذلك. بخلاف الصلاة و الصوم اذا جاء بهما على وفق مذهبه، بل و كذا الحجّ، كما تقدّم التصريح بها في تلك النصوص. و ظاهر اطلاقها صحّة حجّه اذا جاء به على وفق مذهبه و ان كان قد ترك منه ركنا عندنا على الأصحّ.
قال في الشرائع: «و لو أعطى مخالف زكاته لأهل نحلته ثمّ استبصر أعاد. انتهى».(1)
و في المدارك: «هذا مذهب الأصحاب لانعلم فيه مخالفا، و يدلّ عليه روايات كصحيحة الفضلاء و صحيحة بريد بن معاوية العجلي. انتهى ملخّصا».(2)
و في الجواهر: «عدم الفرق بين الحجّ و غيره من العبادات، لكن اعتبر في الدروس في سقوطه بالايمان عدم الاخلال بركن مبني على مذهبنا، و لم نجد ما يصلح للفرق بينه و بين غيره من العبادات التي عرفت اعتبار عدم الاخلال بها على مذهبه لا مذهبنا، بل ظاهر الأدلّة أو صريحها عدم الفرق. انتهى».(3)
ثمّ انّه لو كان دفع الزكاة الى المؤمن ثمّ استبصر أجزأ، و ذلك لأنّه وضعها في موضعها و قد لحقه الايمان فلايبقى وجه لعدم الاجزاء. و لايقال بعدم وجود
قصد القربة منه؛ لأنّه يرى الشيعي مبدعا غير أهل؛ لأنّه يقال انّ بعضهم يرى المصرف كلّ مسلم. و بالجملة الظاهر أنّ مناط الأخبار لعدم صحّة ما أعطى من الزكاة الى المخالف و وجوب اعادتها هو اعطاؤها الى غير الشيعة، و لو فرضنا أنّه أعطاها الشيعة فلا وجه لعدم الصحّة و الاعادة.
(مسألة 6): النيّة في دفع الزكاة للطفل و المجنون عند الدفع الى الولي اذا كان على وجه التمليك، و عند الصرف عليهما اذا كان على وجه الصرف.
الشرح:
و ذلك لأنّ وقتي الدفع على وجه التمليك أو الصرف هو زمان تفريغ الذمّة و الاتيان بالزكاة المعتبر فيها القربة.
(مسألة 7): استشكل بعض العلماء في جواز اعطاء الزكاة لعوامّ المؤمنين الذين لايعرفون اللّه الاّ بهذا اللفظ، أو النبي أو الأئمّة كلاًّ أو بعضا أو شيئا من المعارف الخَمس و استقرب عدم الاجزاء، بل ذكر بعض آخر أنّه لايكفي معرفة الأئمّة بأسمائهم، بل لابدّ في كلّ واحد أن يعرف أنّه من هو، و ابن من، فيشترط تعيينه و تمييزه عن غيره، و أن يعرف الترتيب في خلافتهم، و لو لم يعلم أنّه هل يعرف ما يلزم معرفته أم لا، يعتبر الفحص عن حاله، و لايكفي الاقرار الاجمالي بأنّي مسلم مؤمن و اثناعشريّ، و ما ذكروه مشكل جدّا، بل الأقوى كفاية الاقرارالاجمالي و ان لم يعرف أسماءهم أيضا فضلاً عن أسماء آبائهم و الترتيب في خلافتهم، لكن هذا مع العلم بصدقه في دعواه أنّه من المؤمنين الاثني عشريّين، و أمّا اذا كان بمجرّد الدعوى و لم يعلم صدقه و كذبه فيجب الفحص عنه.
الشرح:
قال في الحدائق: «نعم، يبقى الاشكال في جملة من عوامّ الشيعة الضعفة العقول ممّن لايعرفون اللّه سبحانه الاّ بهذه الترجمة حتّى لو سئل عنه: من هو؟ لربّما قال: محمّد أو على، و لايعرف الأئمّة عليهم السلام كملاً و لايعرف شيئا من المعارف الخمس أصلاً فضلاً عن التصديق بها، و الظاهر أنّ مثل هؤلاء لايحكم بايمانهم و ان حكم باسلام هم و اجراء أحكام الاسلام عليهم في الدنيا، و أمّا في الآخرة فهم من المرجين لأمر اللّه امّا يعذّبهم و امّا يتوب عليهم. و في اعطاء هؤلاء من الزكاة اشكال؛ لاشتراط ذلك بالايمان و هو غير ثابت، و ليس كذلك النكاح و الميراث و نحوهما فانّ الشرط فيها الاسلام و هو حاصل. و بالجملة فالأقرب عندي عدم اجزاء اعطائهم. و اللّه العالم. انتهى».(1)
و في مستند الشيعة بعد نقل كلام صاحب الحدائق قال: «و هو كذلك؛ اذ موضع الزكاة من يعرف صاحب هذا الأمر و من كان من أهل الولاية، و من لم يعرف الأئمّة أو واحدا منهم أو النبي صلى الله عليه و آله لايصدق عليه أنّه يعرف صاحب هذا الأمر، و لايعلم أنّه من أهل الولاية و أنّه العارف. بل و كذلك لو عرف الكلّ بأسمائهم فقط - يعني مجرّد اللفظ - و لم يعرف أنّه من هو و ابن من؛ اذ لايصدق عليه أنّه يعرفه و لايتميّز عن غيره. و الحاصل أنّه يشترط معرفته بحيث يعيّنه في شخصه و يميّزه عن غيره. و كذا من لايعرف الترتيب في خلافتهم. و لو لم يعلمأنّه هل يعرف ما يلزم معرفته أم لا، فهل يشترط في الاعطاء الفحص عنه؟ ... انتهى».(2)
أقول:
الظاهر كفاية الاقرار الاجمالي و ان لم يعرف أسماءهم فضلاً عن أسماء آبائهم
و الترتيب في خلافتهم، بل كفاية كونه في بيت المؤمنين و يقال بأنّه جعفري، و ذلك أوّلاً لعدم الفرق بين المسلم و المؤمن في ذلك، فان قلنا بأنّ أحكام الاسلام جارية على عوامّ الشيعة الضعفة العقول كما هو الصحيح و اعترف به صاحب الحدائق، فلا فرق بينها و بين اعطاء الزكاة، فما هو الدليل هناك، يكون هيهنا.
و ثانيا السيرة المستمرّة من أنّه يتعامل مع هؤلاء تعامل الشيعة و أنّ مذهبهم المذهب الجعفري، كما يتعامل مع المخالفين هكذا و ان لم يعلموا و لم يعرفوا مذهبهم بالتفصيل.
و ثالثا الروايات الدالّة على ذلك، كالخبر المروي في تفسير الامام الحسن بن علي العسكري عليه السلام عن آبائه عليهم السلام عن النبي صلى الله عليه و آله (في حديث):
«انّه قيل له: من يستحقّ الزكاة؟ فقال: المستضعفون من شيعة محمّد و آله الذين لم تقو بصائرهم، فأمّا من قويت بصيرته و حسنت بالولاية لأوليائه و البراءة من أعدائه معرفته، فذلك أخوكم في الدين أمسّ بكم رحما من الآباء و الأمّهات. أمّا المخالفون فلاتعطوهم زكاة و لا صدقة، فانّ موالينا و شيعتنا منّا و كلّنا كالجسد الواحد، يحرم على جماعتنا الزكاة و الصدقة، وليكن ما تعطونه اخوانكم المستبصرين من البرّ، و ارفعوهم عن الزكاة و الصدقات، و نزّهوهممن أن تصبّوا عليهم أوساخكم، أيحبّ أحدكم أن يغسل وسخ بدنه ثمّ يصبّه على أخيه؟ انّ وسخ الذنوب أعظم من وسخ البدن، فلاتوسّخوا بها اخوانكم المؤمنين، و لاتقصدوا أيضا بصدقاتكم و زكاتكم المعاندين لآل محمّد المحبّين لأعدائهم، فانّ المتصدّق على أعدائنا كالسارق في حرم ربّنا عزّ و جلّ و حرمي. قيل: يا رسول اللّه، و المستضعفون من المخالفين الجاهلين لا هم في مخالفتنا مستبصرون و لا هم لنا معاندون؟ قال: فيعطى الواحد من الدراهم ما
دون الدرهم، و من الخبز ما دون الرغيف. ثمّ قال: و كلّ معروف بعد ذلك و ما وقيتم به أعراضكم و صنتموها عن ألسنة كلاب الناس كالشعراء و الوقّاعين في الأعراض تكفّونهم فهو محسوب لكم في الصدقات».(1)
قال صاحب الوسائل: «و ما تضمّن منع الشيعة المستبصرين محمول على الاستحباب مع عدم الضرورة بشرط اعطائهم من غير الزكاة أو منها و لايبيّن لهم أنّها زكاة لما مضى و يأتي. انتهى».(2)
و خبر اسماعيل الجعفي قال:
«سألت أبا جعفر عليه السلام عن الدين الذي لايسع العباد جهله، فقال: الدين واسع ولكنّ الخوارج ضيّقوا على أنفسهم من جهلهم. قلت: جعلت فداك، فأحدّثك بديني الذي أنا عليه؟ فقال: بلى. فقلت: أشهد أن لا اله الاّ اللّه و أشهد أنّ محمّدا عبده و رسوله و الاقرار بما جاء من عند اللّه و أتولاّكم و أبرأ من عدوّكم و من ركب رقابكم و تأمّر عليكمو ظلمكم حقّكم. فقال: ما جهلت شيئا! هو و اللّه الذي نحن عليه. قلت: فهل سلم أحد لايعرف هذا الأمر؟ فقال: لا الاّ المستضعفين. قلت: من هم؟ قال: نساؤكم و أولادكم. ثمّ قال: أرأيت أمّ أيمن؟ فانّي أشهد أنّها من أهل الجنّة و ما كانت تعرف ما أنتم عليه».(3)
و في رواية محمّد بن سالم عن أبي جعفر عليه السلام المرويّة في الكافي:
« ... ثمّ بعث اللّه محمّدا صلى الله عليه و آله و هو بمكّة عشر سنين، فلم يمت بمكّة في تلك العشر سنين أحد يشهد أن لا اله الاّ اللّه و أنّ محمّدا صلى الله عليه و آله
رسول اللّه الاّ أدخله اللّه الجنّة باقراره، و هو ايمان التصديق».(1)
قال الشيخ الأعظم: «فانّ الظاهر أنّ حقيقة الايمان التي يخرج الانسان بها عن حدّ الكفر الموجب للخلود في النار لم تتغيّر بعد انتشار الشريعة. نعم، ظهر في الشريعة أمور صارت ضروريّة الثبوت من النبي صلى الله عليه و آله فيعتبر في الاسلام عدم انكارها. لكن هذا لايوجب التغيير، فانّ المقصود أنّه لم يعتبر في الايمان أزيد من التوحيد و التصديق بالنبي صلى الله عليه و آله و بكونه رسولاً صادقا فيما يبلّغ. و ليس المراد معرفة تفاصيل ذلك، و الاّ لم يكن من آمن بمكّة من أهل الجنّة أو كان حقيقة الايمان بعد انتشار الشريعة غيرها في صدر الاسلام . انتهى».(2)
و في رواية سليم بن قيس عن أميرالمؤمنين عليه السلام :
« ... أدنى ما يكون به مؤمنا أن يعرّفه اللّه نفسه فيقرّ له بالربوبيّة و الوحدانيّة، و أن يعرّفه نبيّه فيقرّ له بالنبوّة و بالبلاغة، و أن يعرّفه حجّته في أرضه و شاهده على خلقه فيقرّ له بالطاعة. قال: ياأميرالمؤمنين، و ان جهل جميع الأشياء غير ما وصفت؟ قال: نعم».(3)
و في رواية أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«جعلت فداك، أخبرني عن الدين الذي افترض اللّه تعالى على العباد، ما لايسعهم جهله و لايقبل منهم غيره، ما هو؟ فقال: أعد عليّ، فأعاد عليه، فقال: شهادة أن لا اله الاّ اللّه و أنّ محمّدا رسول اللّه صلى الله عليه و آله و اقام الصلاة و ايتاء الزكاة و حجّ البيت من استطاع اليه سبيلاً و صوم شهر رمضان. ثمّ سكت قليلاً، ثمّ قال: و الولاية، مرّتين - ثمّ قال: - هذا
الذي فرض اللّه على العباد، و لايسأل الربّ العباد يوم القيامة، فيقول: ألاّ زدتني على ما افترضت عليك، ولكن من زاد زاده اللّه، انّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله سنّ سننا حسنة جميلة ينبغي للناس الأخذ بها».(1)
و رواية أبي الجارود قال:
«قلت لأبي جعفر عليه السلام : يابن رسول اللّه،
هل تعرف مودّتي لكم و انقطاعي اليكم و موالاتي ايّاكم؟ قال: فقال: نعم. قال: فقلت: فانّي أسألك مسألة تجيبني فيها فانّي مكفوف البصر قليل المشي و لاأستطيع زيارتكم كلّ حين. قال: هات حاجتك. قلت: أخبرني بدينك الذي تدين اللّه عزّوجلّ به أنت و أهل بيتك لأدين اللّه عزّوجلّ به. قال: ان كنت أقصرت الخطبة فقد أعظمت المسألة و اللّه لأعطينّك ديني و دين آبائي الذي ندين اللّه عزّوجلّ به: شهادة أن لا اله الاّ اللّه و أنّ محمّدا رسول اللّه صلى الله عليه و آله و الاقرار بما جاء بهمن عند اللّه و الولاية لوليّنا و البراءة من عدوّنا و التسليم لأمرنا و انتظار قائمنا و الاجتهاد و الورع».(2)
و قوله عليه السلام في صحيحة أبي اليسع في جواب سؤاله عن دعائم الاسلام :
«شهادة أن لا اله الاّ اللّه و الايمان بأنّ محمّدا صلى الله عليه و آله رسول اللّه و الاقرار بما جاء به من عند اللّه و حقّ في الأموال الزكاة، و الولاية التي أمر اللّه عزّوجلّ بها: ولاية آل محمّد».(3)
و لايخفى أنّ الشيخ رحمه الله ذكر الروايات المذكورة في فرائده ليكون دليلاً على عدم وجوب الاعتقاد بأكثر ممّا جاء في هذه الروايات، و يستفاد من كلامه أيضا ما
تقدّم للتعامل بأنّه مؤمن و لايكون مخالفا.
و قال الشيخ الأعظم في الرسائل: «و يمكن أن يقال: انّ المعتبر هو عدم انكار هذه الأمور و غيرها من الضروريّات، لا وجوب الاعتقاد بها على ما يظهر من بعض الأخبار من أنّ الشاكّ اذا لم يكن جاحدا فليس بكافر. ففي رواية زرارة عن أبي عبداللّه عليه السلام : «لو أنّ العباد اذا جهلوا وقفوا و لم يجحدوا لم يكفروا» و نحوها غيرها. و يؤيّدها ما عن كتاب الغيبة للشيخ قدس سره باسناده عن الصادق عليه السلام : «انّ جماعة يقال لهم الحقّيّة، و هم الذين يقسمون بحقّ علي و لايعرفون حقّه و فضله و هم يدخلون الجنّة». و بالجملة فالقول بأنّه يكفي في الايمان الاعتقاد بوجود الواجب الجامع للكمالات المنزّه عن النقائص و بنبوّة محمّد صلى الله عليه و آله و بامامة الأئمّة عليهم السلام و البراءة من أعدائهم و الاعتقاد بالمعاد الجسماني الذي لاينفكّ غالبا عن الاعتقادات السابقة، غير بعيد، بالنظر الى الأخبار و السيرة المستمرّة. و أمّا التديّن بسائر الضروريّات ففي اشتراطه أو كفاية عدم انكارها أو عدم اشتراطه أيضافلايضرّ انكارها الاّ مع العلم بكونها من الدين، وجوه أقواها الأخير، ثمّ الأوسط. و ما استقربناه فيما يعتبر في الايمان وجدته بعد ذلك في كلام محكيّ عن المحقّق الورع الأردبيلي في شرح الارشاد. انتهى».(1)
و في مستند العروة: «فانّ المعرفة التفصيليّة - و لاسيّما على النهج الذي ذكره في المستند - لم ينهض أيّ دليل على اعتبارها، بل المتراءى من النصوص و المنسبق منها الى الذهن حسب الفهم العرفي أنّ مصرف الزكاة هو من يعدّ من الشيعة في مقابل من يعدّ من المخالفين، و مقتضاه كفاية الاقرار الاجمالي و التحاقه بالمذهب الجعفري، بل يكفينا مجرّد الشكّ و أنّ العبرة هل هي بالمعرفة التفصيليّة أو تكفي الاجماليّة، فيجوز دفع الزكاة لصاحب المعرفة الاجماليّة في هذه الحالة أيضا، و ذلك للزوم الاقتصار في المخصّص المنفصل المجمل الدائر
1) - فرائد الأصول 1: 340 و 341.
بين الأقلّ و الأكثر على المقدار المتيقّن، و هو الفاقد للمعرفة رأسا تفصيلاً و اجمالاً، فمثله خارج عن عمومات الفقير و المسكين الواردة في الكتاب و السنّة. انتهى ملخّصا».(1)
اذا ادّعى أنّه مسلم مؤمن و اثنا عشريّ يقبل منه و يكفي الاقرار الاجمالي لمدّعاه، لكن هذا مع العلم بصدقه في دعواه أنّه من المؤمنين الاثني عشريّين، و أمّا اذا كان بمجرّد الدعوى و لم يعلم صدقه و كذبه فيجب الفحص عنه؛ للزوماحراز الموضوع في ترتيب الحكم عليه. نعم، لو كان في بلد الشيعة أو من عشيرة معروفة بالتشيّع و كان يسلك مسلكهم و يعدّ من زمرتهم فلايجب الفحص عن ادّعائه.
قال في مستند الشيعة: «و لو لم يعلم أنّه هل يعرف ما يلزم معرفته أم لا، فهل يشترط في الاعطاء الفحص عنه؟ الظاهر: نعم، اذا احتمل في حقّه عدم المعرفة، و لايكفي الاقرار الاجمالي بأنّي مسلم مؤمن و اثنا عشري. و لو علمنا أنّه يعرف النبي و الأئمّة بأسمائهم الشريفة و أنسابهم المنيفة و ترتيبهم و أقرّ بما يجب الاقرار به في حقّهم، فهل يجب الفحص عن حاله أنّه هل هو مجرّد اقرار أو مذعن بما يعرف و معتقد له؟ لايجب؛ لأنّه خلاف سيرة العلماء و طبقتهم، و لأنّ معرفة ذلك غير ممكن غالبا؛ اذ قد يحصل اليقين بما لايمكنه بيانه، بل لايمكن أبدا؛ اذ غاية ما يمكن الفحص عنه طلب الدليل عنه، فيمكن أن لايكون مذعنا بمقتضى
1) - مستند العروة 24: 147 و 148.
الدليل و ان تمّت هيئة استدلاله. انتهى».(1)
(مسألة 8): لو اعتقد كونه مؤمنا فأعطاه الزكاة ثمّ تبيّن خلافه فالأقوى عدم الاجزاء.
الشرح:
قد تقدّم نظير ما في هذه المسألة في المسألة الثالثة عشرة من الفصل السابق و قلنا بعدم الاجزاء و ضمان المالك، سواء كانت العين باقية أو تالفة، الاّ اذا تفحّص عن حاله و دفع الزكاة اليه ثمّ تبيّن خلافه، فان كانت العين باقية استرجعها و الاّ كان مجزئا و قد استفدنا ذلك من الروايات الواردة في الباب، و من جملتها صحيحةعبيد بن زرارة عن أبي جعفر عليه السلام (في حديث) قال:
«قلت له: رجل عارف أدّى زكاته الى غير أهلها زمانا - الى أن قال: - قلت له: فانّه لم يعلم أهلها فدفعها الى من ليس هو لها بأهل، و قد كان طلب و اجتهد ثمّ علم بعد ذلك سوء ما صنع. قال: ليس عليه أن يؤدّيها مرّة أخرى».(2)
و نحوها صحيحة زرارة، غير أنّه قال:
«ان اجتهد فقد برئ، و ان قصّر في الاجتهاد في الطلب فلا».(3)
و لم يرتض بذلك بعضهم و من جملتهم الماتن و العلاّمة الخوئي و قد ذهبوا الى عدم الاجزاء مطلقا، فقال في المستند: «انّ الروايتين أجنبيّتان عمّا نحن فيه، فانّهما ناظرتان الى من فحص عن أهل المعرفة فلم يجد فدفع الى غير الأهل عالما بعدم أهليّته لا معتقدا لها، و أنّه استبان له بعد ذلك سوء صنعه و خطأ فعله لا خطأ
الطريق الذي عوّل عليه الذي هو محلّ الكلام، فلا ربط لهما بما نحن فيه. على أنّهما معارضتان في موردهما بنصوص أخر دلّت على عدم جواز الدفع لغير المؤمن حتّى مع الفحص و اليأس عن المؤمن. ففي صحيحة ابن أبي يعفور قال: «قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : جعلت فداك، ما تقول في الزكاة لمن هي؟ قال: فقال: هي لأصحابه. قال: قلت: فان فضل عنهم؟ قال: فأعد عليهم. - الى أن قال: - فقلت: فنعطي السؤّال منها شيئا؟ قال: فقال: لا و اللّه الاّ التراب». انتهى».(1)
و فيه: انّ في قول الراوي «فانّه لم يعلم أهلها فدفعها الى من ليس هولها بأهل» أربعة احتمالات:
أحدها: دفعها الى من يعلم أنّه ليس هو لها بأهل.
ثانيها: دفعها الى من لم يعلم أنّه أهل لها ثمّ علم بأنّه ليس بأهل.
و ثالثها: انّه لم يعلم حكم المسألة فدفعها ثمّ علم سوء ما صنع.
رابعها: طلب و اجتهد و اعتقد أنّه أهل لها ثمّ علم بعد ذلك أنّه ليس بأهل.
فالرجحان للاحتمال الرابع، و ذلك للجمع بين صحيحتي عبيد بن زرارة و زرارة المتقدّمتين آنفا و بين صحيحة ابن أبي يعفور حتّى يرفع التعارض.
1) - مستند العروة 24: 150 و 151.
«الثاني»: أن لايكون ممّن يكون الدفع اليه اعانة على الاثم و اغراءً بالقبيح، فلايجوز لمن يصرفها في المعاصي، خصوصا اذا كان تركه ردعا له عنها، و الأقوى عدم اشتراط العدالة، و لا عدم ارتكاب الكبائر، و لا عدم كونه شارب الخمر فيجوز دفعها الى الفسّاق و مرتكبي الكبائر، و شاربي الخمر بعد كونهم فقراء من أهل الايمان و ان كان الأحوط اشتراطها، بل وردت رواية بالمنع عن اعطائها لشارب الخمر. نعم، يشترط العدالة في العاملين على الأحوط، و لايشترط في المؤلّفة قلوبهم، بل و لا في سهم سبيل اللّه، و لا في الرقاب و ان قلنا باعتبارها في سهم الفقراء.
الشرح:
قد اختلفوا في اعتبار العدالة في المستحقّين للزكاة أو ترك الكبائر فقط أو عدم اعتبارهما.
قال في الشرائع: «الوصف الثاني: العدالة، و قد اعتبرها كثير، و اعتبر آخرون مجانبة الكبائر كالخمر و الزنا دون الصغائر و ان دخل بها في جملة الفسّاق، و الأوّل أحوط. انتهى».(1)
و في المدارك: «القول باعتبار العدالة للشيخ و المرتضى و ابن حمزة و ابن البرّاج و غيرهم، و القول باعتبار مجانبة الكبائر خاصّة لابن الجنيد على ما نقل عنه، و اقتصر ابنا بابويه و سلاّر على اعتبار الايمان و لم يشترطا شيئا من ذلك، و اليه ذهب المصنّف رحمه الله و عامّة المتأخّرين، و هو المعتمد. انتهى».(2)
و الأقوى عدم اشتراط العدالة و لا عدم ارتكاب الكبائر، و لا عدم كونه شاربالخمر فيجوز دفعها الى الفاسق و مرتكب الكبائر و شارب الخمر بعد كونه فقيرا
من أهل الايمان، و ذلك لاطلاق قوله تعالى: «انّما الصدقات للفقراء و المساكين»(1)المتناول للعدل و غيره. و اطلاق قوله عليه السلام في عدّة أخبار معتبرة:
«انّ موضعها أهل الولاية».(2)
و هو يتناول الجميع.
و خصوص صحيحة أحمد بن حمزة قال:
«قلت لأبي الحسن عليه السلام : رجل من مواليك له قرابة كلّهم يقول بك و له زكاة، أ يجوز له أن يعطيهم جميع زكاته؟ قال: نعم».(3)
و خبر اسحاق بن عمّار عن أبي الحسن موسى عليه السلام قال:
«قلت له: لي قرابة أنفق على بعضهم و أفضّل بعضهم على بعض فيأتيني ابّان الزكاة، أفأعطيهم منها؟ قال: مستحقّون لها؟ قلت: نعم. قال: هم أفضل من غيرهم، أعطهم. الحديث».(4)
و خبر علي بن مهزيار عن أبي الحسن عليه السلام قال:
«سألته عن الرجل يضع زكاته كلّها في أهل بيته و هم يتولّونك؟ فقال: نعم».(5)
و خبر أبي خديجة عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) قال:
«لاتعطينّ قرابتك الزكاة كلّها ولكن أعطهم بعضا و اقسم بعضا في سائر المسلمين».(6)
هذا محمول على الاستحباب؛ جمعا بينه و بين سابقه.
1) - التوبة 9: 60.
2) - وسائل الشيعة 9: 216 / الباب 3 من أبواب المستحقّين للزكاة.
3) - وسائل الشيعة 9: 245 / الباب 15 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 1.
4) - وسائل الشيعة 9: 245 / الباب 15 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 2.
5) - وسائل الشيعة 9: 246 / الباب 15 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 3.
6) - وسائل الشيعة 9: 246 / الباب 15 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 4.
و ترك الاستفصال في هذه الأخبار دليل على عدم اشتراط ماعدا الايمان و كونه أهل الولاية.
و استدلّ أيضا لعدم اعتبار العدالة أو مجانبة الكبائر بما مرّ في المسألة السابقة من تفسير الامام عليه السلام من قوله عليه السلام عن آبائه عليهم السلام عن النبي صلى الله عليه و آله (في حديث):
«أنّه قيل له: من يستحقّ الزكاة؟ فقال: المستضعفون من شيعة محمّد و آله الذين لم تقو بصائرهم ... ».(1)
و كذا مرسلة العرزمي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«جاء رجل الى الحسن و الحسين عليهماالسلام و هما جالسان على الصفا فسألهما، فقالا: انّ الصدقة لاتحلّ الاّ في دين موجع أو غرم مفظع أو فقر مدقع، ففيك شيء من هذا؟ قال: نعم. فأعطياه. الحديث».(2)
و استدل لاعتبار العدالة أو مجانبة الكبائر بوجوه:
الأوّل: الاجماع المدّعى في الانتصار و الغنية.
و فيه: انّ المسألة خلافيّة عندهم كما في الخلاف(3)، و قد عرفت عدم تعرّض ابني بابويه و سلاّر الاّ لشرط الايمان و الولاية.
الثانى: قاعدة الشغل و الاحتياط.
و فيه: عدم جريانها مع وجود الاطلاقات و العمومات كما تقدّم. مضافا الى أنّ الأصل الجاري في المقام أصالة عدم اشتراط ما عدا الايمان.
الثالث: الأخبار، فأوّلها معتبرة أبي خديجة عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث):
«و ان لم يكن له عيال و كان وحده فليقسّمها في قوم ليس بهم بأس
أعفّاء عن المسألة لايسألون أحدا شيئا».(1)
بتقريب أنّ المراد من قوله عليه السلام «ليس بهم بأس» العدالة.
و فيه: عدم ظهور تلك الجملة في العدالة، و يؤيّده قوله عليه السلام بعد ذلك: «أعفّاء عن المسألة» الكاشف عن أنّ المراد مجرّد العفاف و عدم السؤال من الناس.
و ثانيها خبر داوود الصرمي قال:
«سألته عن شارب الخمر، يعطى من الزكاة شيئا؟ قال: لا».(2)
و فيه: مضافا الى جهل داوود الصرمي و اضماره و عدم العلم بالمسؤول، انّه يختصّ بشارب الخمر فقط. و الظاهر منه المدمن له، فالتعدّي منه الى مطلق المرتكب بل مطلق المقيم على الكبائر ممنوع. و يمكن أن يقال علّة ذكره عليه السلام شارب الخمر أنّه يصرف ما يجده من المال فيما أدمنه، كما هو الحال في سائر المدمنين، و ليس فقرهم غالبا بالعجز عن قوت السنة بل بالعجز عن ثمن الخمر، و عليه لايكون شارب الخمر من حيث هو ممنوعا بل لصرفه الزكاة في المعصية.
و ثالثها ما في صحيحة بريد بن معاوية عن أبي عبداللّه عليه السلام الواردة في بيان بعث أميرالمؤمنين عليه السلام مصدّقا من الكوفة لجباية زكوات الأنعام من قوله عليه السلام :
«فنقسّمهنّ باذن اللّه على كتاب اللّه و سنّة نبيّه على أولياء اللّه».(3)
و فيه: انّ المراد من أولياء اللّه ما يقابل أعداء اللّه، و من المعلوم أنّ كلّ من قبل امامة أهل البيت عليهم السلام من المسلمين و أحبّهم فهو من أولياء اللّه في مقابل من كانعدوّا لهم و غصب حقّهم أو رضي بغصب حقّهم.
قال في المصباح: «و نسب الى جمهور المتأخّرين أو عامّتهم القول بعدم اعتبار شيء منهما، و هو المحكي عن ابني بابويه و سلاّر حيث لم يتعرّضوا في
مقام بيان الشرائط أزيد من الايمان. و عن الخلاف: انّه مذهب قوم من الأصحاب. و هو الأقوى؛ للاطلاقات، بل العمومات الكثيرة الواردة في مقام البيان التي أصلها آية الصدقة المسوقة لبيان مصرفها، التي يجب الاقتصار في تقييدها على القدر الثابت من اختصاصها بأهل الولاية. و تؤيّدها الروايات الواردة في حكمة شرع الزكاة، و أنّها وضعت لسدّ خلّة الفقراء و المساكين و أبناء السبيل و غيرهم من ذوي الحاجات على وجه لو لم يكن تقصير في أدائها لاستغنى الجميع بها. و من الواضح أنّه لو كانت العدالة شرطا في المستحقّ لتعذّر غالبا على أبناء السبيل في مقام الحاجة اثباتها، مع أنّ الغالب فيهم بل في مطلق الفقراء و المساكين عدم اتّصافهم بالعدالة - الى أن قال: - و لو كانت العدالة شرطا في الاستحقاق للزم منه حرمان جلّ أبناء السبيل و معظم الفقراء عن ذلك، و هو منافٍ لأدلّة شرع الزكاة. انتهى».(1)
نعم، لو علم أنّ الفقير يصرف ما يعطى من الزكاة في المعصية فلايجوز اعطاؤها، و ذلك أوّلاً لصدق التعاون على الاثم و العدوان المنهي في كتاب اللّه.
و ثانيا لما تقدّم من الروايات الناهية عن اعطاء الزكاة لابن السبيل الذي كان سفره سفر معصية و لم يتب.
هذا كلّه في الفقير و المسكين.
و أمّا غيرهما من سائر مصارف الزكاة فلاينبغي التأمّل في عدم اعتبار العدالةفي الغارم و الرقاب و ابن السبيل و سبيل اللّه؛ لاطلاق الأدلّة. و أمّا المؤلّفة قلوبهم فلايعتبر فيها الاسلام ، فضلاً عن العدالة.
و أمّا اعتبارها في العاملين فقد تقدّم البحث عنه في المسألة الخامسه عشرة من الفصل السابق و قلنا بعدم اعتبارها فيهم، الاّ أنّه يجب أن يكون العامل أمينا كما ورد في كلام مولانا أميرالمؤمنين عليه السلام :
1) - مصباح الفقيه 13: 604 و 605.
«فاذا قبضته فلاتوكل به الاّ ناصحا شفيقا أمينا حفيظا».(1)
(مسألة 9): الأرجح دفع الزكاة الى الأعدل فالأعدل، و الأفضل فالأفضل، و الأحوج فالأحوج، و مع تعارض الجهات يلاحظ الأهمّ فالأهمّ المختلف ذلك بحسب المقامات.
الشرح:
قد ورد روايات بترجيح بعض المستحقّين على بعض، كترجيح من لايسأل على من يسأل؛ ففي صحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج قال:
«سألت أبا الحسن الأوّل عليه السلام عن الزكاة يفضّل بعض من يعطى ممّن لايسأل على غيره؟ فقال: نعم، يفضّل الذي لايسأل على الذي يسأل».(2)
و ترجيح من هاجر في الدين و الفقه و العقل على غيرهم؛ ففي خبر عبداللّه بن عجلان السكوني قال:
«قلت لأبي جعفر عليه السلام : انّي ربّما قسّمت الشيء بين أصحابي أصلهمبه، فكيف أعطيهم؟ قال: أعطهم على الهجرة في الدين و الفقه و العقل».(3)
بناءً على أن يكون الشيء يعمّ الزكاة أيضا.
و ترجيح أهل الورع و حملة القرآن؛ ففيما روي عن أميرالمؤمنين عليه السلام من الخبر فيما سأله الرجل اليماني حيث قال:
«يا أميرالمؤمنين، انّي أريد أن أتصدّق بعشرة آلاف، فمن المستحقّ
لذلك يا أميرالمؤمنين؟ فقال أميرالمؤمنين عليه السلام : فرّق ذلك في أهل الورع من حملة القرآن، فما تزكو الصنيعة الاّ عند أمثالهم، فيتقوّون بها على عبادة ربّهم و تلاوة كتابه، فانتهى الرجل الى ما أشار به أميرالمؤمنين عليه السلام ».(1)
و يرجّح ذو الرحم على غيره؛ ففي خبر اسحاق بن عمّار عن أبي الحسن موسى عليه السلام قال:
«قلت له: لي قرابة أنفق على بعضهم و أفضّل بعضهم (على بعض)(2)فيأتيني ابّان الزكاة، أفأعطيهم منها؟ قال: مستحقّون لها؟ قلت: نعم. قال: هم أفضل من غيرهم، أعطهم. الحديث».(3)
و يستحبّ دفع زكاة الأنعام الى المتجمّلين، و زكاة النقدين و الغلاّت الى الفقراء المدقعين؛ ففي صحيحة عبداللّه بن سنان قال:
«قال أبو عبداللّه عليه السلام : انّ صدقة الخفّ و الظلف تدفع الى المتجمّلينمن المسلمين، و أمّا صدقة الذهب و الفضّة و ما كيل بالقفيز ممّا أخرجت الأرض فللفقراء المدقعين(4). قال ابن سنان: قلت: و كيف صار هذا هكذا؟ فقال: لأنّ هؤلاء متجمّلون يستحيون من الناس فيدفع اليهم أجمل الأمرين عند الناس، و كلّ صدقة».(5)
و بازائها صحيحة سليمان بن داوود المنقري عن حفص بن غياث قال:
«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول و سئل عن قسم بيت المال؟ فقال: أهل الاسلام هم أبناء الاسلام أسوّي بينهم في العطاء، و فضائلهم بينهم و
1) - مستدرك الوسائل 7: 114 / الباب 14 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 1.
2) - زيادة من بعض النسخ. هامش الوسائل
3) - وسائل الشيعة 9: 245 / الباب 15 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 2.
4) - المدقَع: الفقير الذي قد لصق بالتراب من الفقر. لسان العرب
5) - وسائل الشيعة 9: 263 / الباب26 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 1.
بين اللّه، أجعلهم كبني رجل واحد لايفضل أحد منهم لفضله و صلاحه في الميراث على آخر ضعيف منقوص. قال: و هذا هو فعل رسول اللّه صلى الله عليه و آله في بدو أمره، و قد قال غيرنا: أقدّمهم في العطاء بما قد فضّلهم اللّه بسوابقهم في الاسلام ، اذا كان بالاسلام قد أصابوا ذلك فأنزلهم على مواريث ذوي الأرحام بعضهم أقرب من بعض، و أوفر نصيبا لقربه من الميّت، و انّما ورثوا برحمهم و كذلك كان عمر يفعله».(1)
و خبر أبي مخنف الأزدي قال:
«أتى أميرالمؤمنين عليه السلام رهط من الشيعة فقالوا: يا أميرالمؤمنين، لو أخرجت هذه الأموال ففرّقتها في هؤلاء الرؤساء و الأشراف و فضّلتهم علينا حتّى اذا استوسقت الأمور عدت الى أفضل ما عوّدك اللّه من القسم بالسويّة و العدل في الرعيّة. فقال أميرالمؤمنين عليه السلام :أتأمرونّي ويحكم أن أطلب النصر بالظلم و الجور فيمن ولّيت عليه من أهل الاسلام ؟ لا و اللّه لايكون ذلك ما سمر السمير(2)و ما رأيت في السماء نجما، و اللّه لو كانت أموالهم ملكي لساويت بينهم، فكيف و انّما هي أموالهم. الحديث».(3)
و يمكن الجمع بينهما بأنّه اذا تصدّى المزكّي بنفسه للتقسيم يستحبّ رعاية المرجّحات، و أمّا اذا تصدّى الامام فعليه التقسيم بالسويّة.
«الثالث»: أن لايكون ممّن تجب نفقته على المزكّي كالأبوين و ان علوا، و الأولاد و ان سفلوا من الذكور أو من الاناث، و الزوجة الدائمة التي لم يسقط وجوب نفقتها بشرط أو غيره من الأسباب الشرعيّة، و المملوك سواء كان آبقا أو مطيعا فلايجوز اعطاء زكاته ايّاهم للانفاق، بل و لا للتوسعة على الأحوط و ان كان لايبعد جوازه اذا لم يكن عنده ما يوسّع به عليهم. نعم، يجوز دفعها اليهم اذا كان عندهم من تجب نفقته عليهم لا عليه كالزوجة للوالد، أو الولد و المملوك لهما مثلاً.
الشرح:
قال في الشرائع: «أن لايكون ممّن تجب نفقته على المالك كالأبوين و ان علوا و الأولاد و ان سفلوا و الزوجة و المملوك. انتهى».(1)
و قال في الجواهر: «بلا خلاف أجده فيه مع القدرة عليها و البذل لها كما اعترف به في السرائر، بل يمكن تحصيل الاجماع عليه، فضلاً عن محكيه في التذكرة و التحرير و فوائد الشرائع و المدارك، بل في المحكي عن المنتهى أنّه قول من يحفظ عنه العلم. انتهى».(2)
و تدلّ عليه روايات:
منها صحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«خمسة لايعطون من الزكاة شيئا: الأب و الأمّ و الولد و المملوك و المرأة، و ذلك أنّهم عياله لازمون له».(3)
و منها موثّقة اسحاق بن عمّار عن أبي الحسن موسى عليه السلام (في حديث) قال:
«قلت: فمن ذا الذي يلزمني من ذوي قرابتي حتّى لاأحتسب الزكاة
عليهم؟ فقال: أبوك و أمّك. قلت: أبي و أمّي؟ قال: الوالدان و الولد».(1)
و منها ما رواه الصدوق في الخصال و العلل بسنده عن عدّة من أصحابنا يرفعونه الى أبي عبداللّه عليه السلام أنّه قال:
«خمسة لايعطون من الزكاة: الولد و الوالدان و المرأة و المملوك؛ لأنّه يجبر على النفقة عليهم».(2)
و منها خبر زيد الشحّام عن أبي عبداللّه عليه السلام قال في الزكاة:
«يعطى منها الأخ و الأخت و العمّ و العمّة و الخال و الخالة، و لايعطى الجدّ و لا الجدّة».(3)
و منها موثّقة أبي خديجة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«لاتعط من الزكاة أحدا ممّن تعول».(4)
و بازائها خبر عمران بن اسماعيل بن عمران القمّي قال:
«كتبت الى أبي الحسن الثالث عليه السلام : انّ لي ولدا رجالاً و نساءً، أفيجوز أن أعطيهم من الزكاة شيئا؟ فكتب عليه السلام : انّ ذلك جائز لك».(5)
و خبر محمّد بن جزّك قال:
«سألت الصادق عليه السلام : أدفع عشر مالي الى ولد ابنتي؟ قال: نعم،لابأس».(6)
لأنّه يحملان على التوسعة - يعني ما زاد على القدر الواجب عليه من الكفاية -
1) - وسائل الشيعة 9: 241 / الباب 13 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 2.
2) - وسائل الشيعة 9: 241 / الباب 13 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 4.
3) - وسائل الشيعة 9: 241 / الباب 13 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 3.
4) - وسائل الشيعة 9: 244 / الباب 14 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 6.
5) - وسائل الشيعة 9: 243 / الباب 14 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 3.
6) - وسائل الشيعة 9: 243 / الباب 14 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 4.
أو غيرها من المحامل في مقام الجمع بينهما و بين ما سبق.
و في مستند الشيعة بعد ذكر الخبرين المذكورين قال: «فلاتنافيان ما مرّ؛ لاحتمال كلّ منهما محامل ... كاحتمال الأولى لزكاة غير نفسه، كزكاة أعطيت ليؤدّيها أهله، أو كانت من غير سهم الفقراء، بل تكون من سهم العامل أو الغارم، أو يعطيهم لغير نفقة أنفسهم، بل لنفقة عيالهم، كالزوجة و المملوك و غير ذلك، أو لمصرف آخر يحتاجون اليه غير النفقة، ككتب العلم أو للتوسعة، أو يكون المزكّي عاجزا عن تمام الواجب من نفقتهم فسئل عن دفع التتمّة من الزكاة ... فانّ كلّ ذلك جائز كما يأتي، و لايثبت من قوله «شيئا» أزيد من بعض هذه. و كاحتمال الثانية لبعض تلك الوجوه و لغير الزكاة بأن أراد أن يتشاور معه في هبة أو وصيّة و لم يكن سؤالاً عن الزكاة أصلاً، فانّه لم تثبت حقيقة للعشر في الزكاة. انتهى».(1)
فرعان:
ما ذكر من عدم جواز اعطاء المنفق زكاته لمن تجب نفقته عليه انّما هو فيما اذا كان الاعطاء في مورد الانفاق الواجب عليه، فهل يجوز الاعطاء لا للانفاق الواجب عليه بل للتوسعة مطلقا أو لايجوز مطلقا الاّ اذا عسر المنفق أو يفصل بينالعمودين و الأولاد و بين الزوجة و المملوك بالجواز في الأوّل و عدمه في الأخير أو يفصل بين ما اذا كان الأخذ للتوسعة فيما اذا كان في معيشة الآخذ فتور بدون الأخذ و بين ما كان للتوسعة الزائدة على النفقة اللائقة التي لو تملّك الآخذ لها أو لثمنها كانت الزكاة محرّمة، بالجواز في الأوّل و عدمه في الأخير كما ذهب اليه الشيخ مرتضى الأنصاري، وجوه، بل أقوال. فالأحوط ان لم يكن أقوى عدم جواز
1) - مستند الشيعة 9: 310.
دفع الزكاة لمن تجب نفقته عليه للتوسعة مطلقا الاّ اذا أعسر المنفق.
و استدلّوا لجواز دفع الزكاة للتوسعة على العيال بروايات.
منها موثّقة أبي خديجة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«لاتعط من الزكاة أحدا ممّن تعول. و قال: اذا كان لرجل خمسمائة درهم و كان عياله كثيرا؟ قال: ليس عليه زكاة، ينفقها على عياله يزيدها في نفقتهم و في كسوتهم و في طعام لم يكونوا يطعمونه، و ان لم يكن له عيال و كان وحده فليقسّمها في قوم ليس بهم بأس أعفّاء عن المسألة لايسألون أحدا شيئا. و قال: لاتعطينّ قرابتك الزكاة كلّها ولكن أعطهم بعضها و اقسم بعضها في سائر المسلمين. و قال: الزكاة تحلّ لصاحب الدار و الخادم و من كان له خمسمائة درهم بعد أن يكون له عيال و يجعل زكاة الخمسمائة زيادة في نفقة عياله يوسّع عليهم».(1)
قال في المستند في شرح العروة: «فانّ هذه الرواية لم يفرض فيها أنّ الخمسمائة كانت معدّة للاتّجار، فلا موجب لحملها على زكاة مال التجارة المندوبة و الدوران بينها و بين التوسعة على العائلة المستحبّة لتكون خارجة عنمحلّ الكلام و ان قيل بذلك؛ اذ لا شاهد عليه بوجه بل ظاهرها أنّ الخمسمائة بقيت عنده حتّى حال عليها الحول و تعلّقت بها الزكاة الواجبة، و قد رخّص عليه السلام في صرفها في توسعة العيال و مزيد الانفاق عليهم. انتهى».(2)
و فيه: انّ الحمل على زكاة مال التجارة المندوبة قويّ؛ للزوم حمل صدر الرواية عليها؛ لأنّه لو كان خمسمائة درهم باقية عنده حتّى حال عليها الحول
تعلّقت بها الزكاة الواجبة، فقوله عليه السلام «ليس عليه زكاة ... » قرينة على أنّها لم تكن باقية عنده. و أمّا ذيله فكأنّه عليه السلام أضرب عن قوله «ليس عليه زكاة ... » و قال: «يجعل زكاة الخمسمائة ... »، فالجمع بين الصدر و الذيل يقتضي الجواز، بمعنى أنّ صاحب الخمسمائة اذا كان كثير العيال يكون مختارا في دفع زكاة مال تجارته على عياله و في عدم احتسابها.
و منها موثّقة سماعة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن الرجل يكون له (ألف درهم)(1)يعمل بها و قد وجب عليه فيها الزكاة و يكون فضله الذي يكسب بماله كفاف عياله لطعامهم و كسوتهم و لايسعه لأدمهم، و انّما هو ما يقوتهم في الطعام و الكسوة؟ قال: فلينظر الى زكاة ماله ذلك فليخرج منها شيئا قلّ أو كثر فيعطيه بعض من تحلّ له الزكاة، و ليعد بما بقي من الزكاة على عياله فليشتر بذلك ادامهم و ما يصلحهم من طعامهم في غير اسراف و لايأكل هو منه، فانّه ربّ فقير أسرف من غنيّ. فقلت: كيف يكون الفقير أسرف من الغني؟ فقال: انّ الغنيّ ينفق ممّا أوتي و الفقير ينفق من غير ما أوتي».(2)
و الظاهر من هذه الموثّقة أنّ الذي عليه من الزكاة ليس زكاة التجارة بل زكاة الدراهم، فكأنّه لم يعمل بتمام ماله الذي هو ألف درهم بل أبقى بعضه من مائتي درهم أو أكثر و قد وجب عليه الزكاة، فجوّز الامام عليه السلام أن يشتري بالزكاة ادامهم و ما يصلحهم مضافا الى الطعام و الكسوة.
ولكن الانصاف أنّ الرواية واردة في المنفق المعسر الذي لايسع ماله لما يحتاج اليه عياله، و لايتمكّن من أن يخرج عياله من الفقر، و لذلك قال عليه السلام في
ذيلها: «فانّه ربّ فقير أسرف من غني».
و منها موثّقة اسحاق بن عمّار قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : رجل له ثمانمائة درهم و لابن له مائتا درهم، و له عشر من العيال، و هو يقوتهم فيها قوتا شديدا و ليس له حرفة بيده، انّما يستبضعها فتغيب عنه الأشهر ثمّ يأكل من فضلها، أترى له اذا حضرت الزكاة أن يخرجها من ماله فيعود بها على عياله يتّسع عليهم بها النفقة؟ قال: نعم، ولكن يخرج منها الشيء الدرهم».(1)
قال في المستند: «و مورد هذه الرواية و ان كان هو المال المعدّ للاستبضاع و الاتّجار ولكنّها غير صريحة بل و لا ظاهرة في ارادة زكاة مال التجارة بالخصوص، بل مقتضى الاطلاق و ترك الاستفصال في قوله عليه السلام «اذا حضرت الزكاة» شموله لحضور الزكاة الواجبة كحلول وقت زكاة الفطرة و قد رخّص عليه السلام في صرفها على العيال للاتّساع و مزيد الانفاق عليهم. انتهى».(2)
و استدلّ أيضا بقصور المقتضي للمنع؛ لاختصاص دليله بالانفاق اللازم،فيبقى غيره تحت اطلاقات الكتاب و السنّة القاضية بجواز الاعطاء لكلّ فقير.
و استشكل عليه في المستند بظهور التعليل الوارد في صحيحة ابن الحجّاج في عموم المنع بحسب الفهم العرفي، حيث يستفاد منه أنّ المناط في المنع كونهم عياله، و أنّه الملزم بالقيام بشؤونهم و التصدّي لأمورهم، و أنّ صرف الزكاة عليهم كصرفها على نفسه، و كأنّه لم يزكّ و لم يعط شيئا، و هذا - كما ترى - يشمل عامّة الانفاقات حتّى المبنيّة على التوسعة، بل أنّ هذا العموم هو المستفاد من وقوع النكرة في سياق النفي في قوله عليه السلام في صدر الصحيحة «خمسة لايعطون من الزكاة
شيئا الخ».(1)
و الظاهر أنّ الاشكال وارد، فعمدة استدلالهم بالروايات المذكورة آنفا، فاذا تمّ دلالتها فتقيّد بها صحيحة ابن الحجّاج أو تفسّرها، الاّ أنّ هنا اشكالاً و هو أنّ التوسعة عليهم هل تكون ممّا يحتاجون اليه بحيث لو لم يعطَوا يصدق عليهم الفقراء، أو لم يصدق و ان كانوا محتاجين؟! فان كان الثاني فكيف يجوز اعطاؤهم الزكاة من سهم الفقراء؟ و ان كان الأوّل فعلى المعيل سدّ فقره و خلّته. و عليه فالأحوط - ان لم يكن أقوى - عدم اعطائهم الزكاة للتوسعة الاّ اذا لم يتمكّن المنفق و كان عاجزا.
و في مستند الشيعة: «لو عجز أحد عن انفاق تمام ما يجب عليه من النفقة لمن تجب عليه نفقته - كما اذا عجز عن ادامه أو اكسائه - يجوز له اتمامه من زكاته، على ما صرّح به جماعة، بل من غير خلاف يوجد كما قيل. لا للأصل و انتفاء المانع؛ لوجود المانع الدافع للأصل من بعض الروايات المتقدّمة، بل لرواية أبي بصير عن الرجل من أصحابنا له ثمانمائة درهم، و هو رجل خفّاف و له عيال كثير، ألهأن يأخذ من الزكاة؟ - الى أن قال: - قلت: فعليه في ماله زكاة تلزمه؟ قال: بلى. قلت: كيف يصنع؟ قال: يتوسّع بها على عياله في طعامهم و كسوتهم. الحديث.
و موثّقتي اسحاق و سماعة - الى أن قال: - يجوز للمالك التوسعة على عياله الواجبي النفقة من زكاته من غير اسراف؛ للروايات المذكورة. و هل هو مخصوص بما اذا عجز المزكّي عن التوسعة، كما في الذخيرة أو يعمّ، كما هو ظاهر جماعة؟ الظاهر هو الأوّل؛ لأنّه الظاهر من مورد الروايات، و شمولها لغيره غير معلوم. انتهى».(2)
و في كتاب الزكاة للشيخ الأعظم: «انّ الظاهر جواز أخذ الزكاة للتوسعة من
المنفق، فضلاً عن غيره اذا كان في معيشته فتور بدون الأخذ لدخوله في سدّ الخلّة، و صدق الفقير على واجب النفقة، و انصراف ما دلّ على المنع بصورة قيام المنفق بالانفاق اللائق. و يؤيّده - بل يدلّ عليه - موثّقة سماعة و اسحاق بن عمّار - الى أن قال: - و أمّا التوسعة الزائدة على النفقة اللائقة التي لو فرض تملّكه لها أو لثمنها كان الزكاة عليه محرّمة، فالظاهر عدم جواز الأخذ من سهم الفقراء، بل مطلقا؛ لحصول الغنى على ما عرفت، خلافا لظاهر جماعة؛ لظاهر صحيحة ابن الحجّاج عن أبي الحسن الأوّل عليه السلام قال: «سألته عن الرجل يكون أبوه أو عمّه أو أخوه يكفيه مؤونته، أيأخذ من الزكاة فيوسّع به ان كان لايوسّعون عليه في كلّ ما يحتاج اليه؟ قال: لابأس».
لكنّ الظاهر منها ارادة التوسعة في مقابلة التضييق، و لو سلّم ظهورها في ارادة الفضل عن النفقة اللائقة فلابدّ أن تحمل على ما ذكرنا؛ لأنّها لاتقاوم العمومات الكثيرة المانعة من اعطاء الغني. ثمّ لو بني على أنّ وجوب الانفاق لايرفع الفقر كماسبق عن جماعة، جاز له الأخذ مطلقا من غير فرق بين أن يكون لأجل الانفاق أو للتوسعة، فافهم. ثمّ لو قلنا بجواز الأخذ للتوسعة فيبقى استثناء الزوجة من جواز الأخذ للتوسعة من المنفق و غيره؛ لانّها تطلب النفقة بعوض بضعها. انتهى ملخّصا».(1)
يجوز دفع الزكاة اليهم اذا كان عندهم من تجب نفقته عليهم لا عليه كالزوجة للوالد أو الولد و المملوك لهما؛ اذ من المعلوم أنّ الواجب على الولد نفقة والديه
1) - كتاب الزكاة: 337 - 339.
من طعامهما و كسوتهما و سكناهما، و أمّا التزويج و نفقة زوجهما فلايجب عليه و كذا الوالد بالنسبة الى ولده، و الدليل على ذلك اطلاقات جواز الدفع لكلّ فقير السليمة عن المقيّد.
قال في المدارك: «لو كان في عائلته من لايجب الانفاق عليه جاز أن يدفع زكاته اليه اجماعا منّا؛ لأنّه داخل في الأصناف المستحقّين و لم يرد في منعه نصّ و لا اجماع. و منع منه بعض العامّة؛ لأنّه ينتفع بدفعها اليه لاستغنائه بها عن مؤونته. و بطلانه ظاهر. انتهى».(1)
تجب على الزوج نفقة الزوجة كتابا و سنّة، فمن الأوّل قوله تعالى: «و على المولود له رزقهنّ و كسوتهنّ بالمعروف»(2)، و «لينفق ذو سعة من سعته و من قدر عليه رزقه فلينفق ممّا آتاه اللّه»(3)، و «عاشروهنّ بالمعروف»(4)، و «الرجال قوّامون على النساء بما فضّل اللّه بعضهم على بعض و بما أنفقوا من أموالهم»(5)، و «فامساك بمعروف أو تسريح باحسان»(6).
و من الثاني فقد وردت روايات بأنّ الواجب على الزوج الانفاق على الزوجة ما يقيم ظهرها أو صلبها مع كسوة يواري عورتها، كصحيحة ربعي بن عبداللّه و
الفضيل بن يسار جميعا عن أبي عبداللّه عليه السلام في قوله تعالى: «و من قدر عليه رزقه فلينفق ممّا آتاه اللّه» قال:
«ان أنفق عليها ما يقيم ظهرها مع كسوة و الاّ فرّق بينهما».(1)
و صحيحة أبي بصير - يعني المرادي - قال:
«سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: من كانت عنده امرأة فلم يكسها ما يواري عورتها و يطعمها ما يقيم صلبها كان حقّا على الامام أن يفرّق بينهما».(2)
و صحيحة جميل بن درّاج قال:
«لايجبر الرجل الاّ على نفقة الأبوين و الولد. قال ابن أبي عمير: قلت لجميل: و المرأة؟ قال: قد روى عنبسة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال: اذا كساها ما يواري عورتها و يطعمها ما يقيم صلبها أقامت معه و الاّ طلّقها. قلت: فهل يجبر على نفقة الأخت؟ فقال: لو أجبر على نفقة الأخت كان ذلك خلاف الرواية».(3)
و موثّقة اسحاق بن عمّار أنّه سأل أبا عبداللّه عليه السلام عن حقّ المرأة على زوجها؟ قال:
«يشبع بطنها و يكسو جثّتها و ان جهلت غفر لها».(4)
و وردت رواية في مقدار نفقة الزوجة و هي مرسلة محمّد بن عيسى عن شهاب بن عبد ربّه قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : ما حقّ المرأة على زوجها؟ قال: يسدّ جوعتها
و يستر عورتها و لايقبّح لهاوجها، فاذا فعل ذلك فقد واللّه أدّى اليها حقّها. قلت: فالدهن؟ قال: غبّا يوم و يوم لا. قلت: فاللحم؟ قال: في كلّ ثلاثة فيكون في الشهر عشر مرّات لا أكثر من ذلك، و الصبغ في كلّ ستّة أشهر و يكسوها في كلّ سنة أربعة أثواب: ثوبين للشتاء و ثوبين للصيف، و لاينبغي أن يقفر (يفرغ) بيته من ثلاثة أشياء: دهن الرأس و الخلّ و الزيت و يقوتهنّ بالمدّ، فانّي أقوت به نفسي و ليقدّر لكلّ انسان منهم قوته، فان شاء أكله و ان شاء وهبه و ان شاء تصدّق به، و لاتكون فاكهة عامّة الاّ أطعم عياله منها و لايدع أن يكون للعبد عندهم فضل في الطعام أن يسنا(1)لهم في ذلك شيء مالم يسناه لهم في سائر الأيّام».(2)
و قد ورد في وجوب نفقة الأبوين و الولد، مضافا الى ما مرّ من صحيحة جميل، صحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«خمسة لايعطون من الزكاة شيئا: الأب و الأمّ و الولد و المملوك و المرأة، و ذلك أنّهم عياله لازمون له».(3)
و صحيحة حريز عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قلت له: من الذي أجبر عليه و تلزمني نفقته؟ قال: الوالدان و الولد و الزوجة».(4)
و صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قلت له: من يلزم الرجل من قرابته ممّن ينفق عليه؟ قال: الوالدان و
الولد و الزوجة».(1)
و الظاهر من الكتاب و السنّة اجمال قدر النفقة، ففي هذه الموارد يرجع الى العرف.
قال العلاّمة في المختلف: «قال الشيخ في المبسوط: «نفقة الزوجات معتبرة بحال الزوج لا بحالها، فان كان موسرا فعليه مدّان في كلّ يوم، و ان كان متوسّطا متجمّلاً فمُدّ و نصف، و ان كان معسرا فقدر المدّ، فالنفقات ثلاثة: نفقة الموسر و المتوسّط و المعسر». و قال في الخلاف: «نفقة الزوجات مقدّرة، و هو مدّ، قدره رطلان و ربع. و استدلّ باجماع الفرقة و أخبارهم». و قال ابن البرّاج: «نفقاتالزوجات تعتبر بحال الزوج، و لاتعتبر بحال الزوجة، و قد ذكر في ذلك أنّه ان كان موسرا كان عليه في كلّ يوم مدّان، و ان كان متوسّطا متجمّلاً فمدّ و نصف، و ان كان معسرا فقدر المدّ». و ابن الجنيد لم يقدّر، بل قال: «و حقّ المرأة على زوجها ما يسدّ جوعتها و يستر عورتها، هذا في الاقتار، و المتوسّط أن يكون يطعمها اللحم في كلّ ثلاثة أيّام». و قال ابن ادريس: نفقة الزوجات عندنا غير مقدّرة بلا خلاف، الاّ من شيخنا أبي جعفر في «مسائل خلافه» فانّه ذهب الى أنّها مقدّرة، و مبلغها مُدّ، و قدره رطلان و ربع، و استدلّ باجماع الفرقة و أخبارهم». و الدليل على أصل المسألة قوله تعالى: «و عاشروهنّ بالمعروف»(2)أي بما يتعارف الناس. و أيضا الأصل براءة الذمّة من التقدير، فمن ادّعى شيئا بعينه فانّه يحتاج الى دليل، و لا دليل عليه من كتاب و لا سنّة و لا اجماع، و الأصل براءة الذمّة. انتهى ملخّصا».(3)
قال في الشرائع: «و أمّا قدر النفقة (في الزوجة) فضابطه القيام بما تحتاج اليه
المرأة من طعام و ادام و كسوة و اسكان و اخدام و آلة الادّهان تبعا لعادة أمثالها من أهل البلد. انتهى».(1)
و في الجواهر: «للأصل و اطلاق الأوامر بالانفاق كتابا و سنّة الذي يرجع في مثله اليها بعد أن لم يكن ثمّ تقدير شرعي - الى أن قال: - و قد تعرّض بعض الأصحاب الى بيان المعتاد من ذلك فأوجبوا فيها أمورا ثمانية: الأوّل الاطعام، و انّما يجب منه سدّ الخلّة أي حاجتها بحسب حالها. و في تقدير الاطعام خلاف، فمنهم من قدّره بمدّ للرفيعة و الوضيعة من الموسر و المعسر، و هو الشيخ فيالمحكي من خلافه محتجّا باجماع الفرقة و أخبارهم. و منهم من لم يقدّره بشيء من ذلك و اقتصر على سدّ الخلّة و هو المشهور شهرة عظيمة. و الثاني الادام، و الثالث الكسوة، و الرابع الفراش، و الخامس آلة الطبخ و الشرب، و السادس آلة التنظيف، و السابع السكنى، و الثامن نفقة الخادمة، فالمتّجه احالة جميع ذلك الى العادة في انفاق الأزواج على الزوجات من حيث الزوجيّة. انتهى ملخّصا».(2)
و في نفقة الأقارب قال: «و لا اشكال في أنّه لا تقدير في النفقة كما لا خلاف أجده فيه هنا، بل عن جماعة الاجماع عليه؛ للأصل و اطلاق الأدلّة، بل الواجب قدر الكفاية من الاطعام و الكسوة و المسكن و ما يحتاج اليه من زيادة الكسوة في الشتاء للتدثّر يقظة و نوما و غير ذلك ممّا يحتاج اليه ممّا جرت العادة بانفاقه مع اعتبار اللائق بحاله في الجميع نحو ما سمعته سابقا في نفقة الزوجة و ان فرّق بينهما بكون المدار هنا على الحاجة، فلو فرض استغناؤه بضيافة و نحوها لم تجب له نفقة بخلاف الزوجة. انتهى».(3)
(مسألة 10): الممنوع اعطاؤه لواجبي النفقة هو ما كان سهم الفقراء و لأجل الفقر، و أمّا من غيره من السهام كسهم العاملين اذا كان منهم أو الغارمين أو المؤلّفة قلوبهم أو سبيل اللّه أو ابن السبيل أو الرقاب اذا كان من أحد المذكورات فلا مانع منه.
الشرح:
ما تقدّم في المسألة السابقة من عدم جواز اعطاء الزكاة لواجبي النفقة، انّما هوما كان من سهم الفقراء و لأجل الفقر، و أمّا من غيره من السهام كسهم العاملين اذا كان منهم أو الغارمين أو غيرهما من الأصناف فيجوز، و ذلك لعموم الأدلّة و عدم ما يخصّصه، و ما ذكر من الروايات المانعة فقد وردت بعنوان الفقر و من سهم الفقراء.
قال في الجواهر: «انّ منع المالك من دفع الزكاة لمن وجبت نفقته عليه انّما هو من سهم الفقراء لا مطلقا. أمّا اذا دخلوا تحت مستحقّي باقي السهام فلا خلاف معتدّ به، كما لا اشكال في جواز الدفع اليهم من المالك و غيره؛ لعموم الأدلّة السالم عن المعارض بعد تنزيل النصوص السابقة على الدفع من سهم الفقراء. و حينئذ فلو كان من تجب نفقته عاملاً جاز أن يأخذ من الزكاة، و كذا الغازي و الغارم و المكاتب و ابن السبيل ... و قد صرّحت النصوص بفكّ رقبة الأب من الزكاة و أنّه خير رقبة و بوفاء دين الأب و أنّه أحقّ من غيره بذلك. انتهى ملخّصا».(1)
(مسألة 11): يجوز لمن تجب نفقته على غيره أن يأخذ الزكاة من غير من تجب عليه اذا لم يكن قادرا على انفاقه أو كان قادرا ولكن لم يكن باذلاً، و أمّا اذا كان باذلاً فيشكل الدفع اليه و ان كان فقيرا كأبناء الأغنياء اذا لم يكن عندهم
1) - جواهر الكلام 15: 405.
شيء، بل لاينبغي الاشكال في عدم جواز الدفع الى زوجة الموسر الباذل، بل لايبعد عدم جوازه مع امكان اجبار الزوج على البذل اذا كان ممتنعا منه، بل الأحوط عدم جواز الدفع اليهم للتوسعة اللائقة بحالهم مع كون من عليه النفقة باذلاً للتوسعة أيضا.
الشرح:
يجوز لمن تجب نفقته على غيره أن يأخذ الزكاة من غير من تجب عليه اذا لم يكن قادرا على انفاقه و كان فقيرا، بل يجوز أخذها ممّن تجب عليه في هذه الحال، و ذلك لوجود المقتضي و هو الفقر و عدم المانع لانصراف قوله عليه السلام «خمسة لايعطون من الزكاة شيئا: الأب و الأمّ و الولد و المملوك و المرأة و ذلك أنّهم عياله لازمون له»(1)عن ذلك؛ لكونه عاجزا و القدرة شرط التكليف، فكما يجوز أخذ الزكاة لقوته يجوز اعطاؤها لعياله، و كذا يجوز أخذهم الزكاة لقوتهم و ما يحتاجون اليه من غيره.
فلو كان المعيل قادرا على الانفاق ولكن لم يكن باذلاً، فيجوز أيضا أن يأخذوا الزكاة من غير من تجب عليه نفقتهم؛ لما مرّ.
و أمّا اذا كان يبذل النفقة على عياله يوما فيوما فلايجوز لهم أخذ الزكاة من غير المعيل، و ذلك لعدم صدق الفقير عليهم. و ذلك واضح؛ فانّه لايقال لأولاد الأغنياء الفقراء مع كونهم غير مالكين لقوت سنتهم، كما لايقال لمن يعمل و يحصل قوته يوما فيوما.
و لا اشكال في عدم جواز دفع الزكاة الى زوجة الموسر الباذل؛ لأنّها غنيّة شأنا، بل الأمر كذلك في الزوج الممتنع من الانفاق اذا أمكن اجباره على البذل؛ لأنّ الزوجة دائنة لنفقتها و معها تصير غنيّة.
1) - وسائل الشيعة 9: 240 / الباب 13 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 1.
و أمّا الدفع للتوسعة فقد تقدّم أنّه اذا عدّ فقيرا بدونها فيجب على المعيل سدّ خلّته، و أمّا ان لم يعدّ فقيرا فيجوز اعطاء الزكاة من سهم غير الفقراء و المساكين اذا صدق عليه ذلك الغير، كسهم سبيل اللّه، سواء كان الاعطاء من المنفق أو من غيره، كما تقدّم في المسألة التاسعة.
(مسألة 12): يجوز دفع الزكاة الى الزوجة المتمتّع بها، سواء كان المعطي هو الزوج أو غيره، و سواء كان للانفاق أو للتوسعة و كذا يجوز دفعها الى الزوجة الدائمة مع سقوط وجوب نفقتها بالشرط أو نحوه. نعم، لو وجبت نفقة المتمتّع بها على الزوج من جهة الشرط أو نحوه لايجوز الدفع اليها مع يسار الزوج.
الشرح:
يجوز دفع الزكاة من سهم الفقراء الى الزوجة المتمتّع بها اذا كانت فقيرة مطلقا، كما في المتن، و ذلك لأنّ نفقة الزوجة المتمتّع بها ليست واجبة على الزوج فتشملها اطلاقات دفع الزكاة الاّ أن يشترط في العقد نفقتها. و كذا يجوز دفع الزكاة الى الزوجة الدائمة مع سقوط نفقتها بالشرط أو نحوه.
قال في المدارك: «يجوز للزوج دفع الزكاة الى زوجته المستمتع بها؛ لسقوط الانفاق، و لظاهر قوله عليه السلام في صحيحة عبدالرحمن: «و ذلك أنّهم عياله لازمون له»، و ربّما قيل بالمنع لاطلاق النصّ، و هو ضعيف. انتهى».(1)
و في مستند الشيعة: «و يجوز دفعها الى المتمتّع بها؛ للأصل و الاطلاقات. و ربّما قيل بالمنع؛ لاطلاق النصّ. و هو ضعيف غايته؛ لأنّ النصّ باعتبار ما اشتمل عليه من التعليل في معنى المقيّد بالدائمة؛ لأنّها العيال اللازم، و هي التي يجبر على نفقتها. نعم، لو شرط أن تكون نفقتها على الزوج منعت؛ لخروجها به عن صدق
1) - مدارك الأحكام 5: 248.
الفقير. انتهى».(1)(مسألة 13): يشكل دفع الزكاة الى الزوجة الدائمة اذا كان سقوط نفقتها من جهة النشوز لتمكّنها من تحصيلها بتركه.
الشرح:
قال في المدارك: «لو كانت الزوجة ناشزا فهل يجوز الدفع اليها مع الفقر أم لا؟ الأصحّ عدم الجواز؛ لأنّها غنيّة بالقدرة على الطاعة في كلّ وقت. و استقرب الشهيد في الدروس الجواز؛ تفريعا على القول بجواز اعطاء الفاسق، و هو ضعيف. و أولى بالمنع المعقود عليها و لمّاتبذل التمكين. انتهى».(2)
و في المعتبر: «لايعطي الزوجة من سهم الفقراء و المسكنة، مطيعة كانت أم عاصية، اجماعا لتمكّنها من النفقة. انتهى».(3)
و يدلّ على المنع مضافا الى كفاية القدرة في صدق الغنى قوله عليه السلام في صحيحة زرارة:
«لايحلّ له أن يأخذها و هو يقدر على أن يكفّ نفسه عنها».(4)
ولكن في الجواهر بعدما حكى عن كاشف الغطاء الجزم بالمنع قال: «لكن لايخلو من اشكال، ضرورة اندراجها في اطلاق الأدلّة و عمومها السالمين عن معارضة ما هنا بعد عدم وجوب الانفاق عليها. و قدرتها على الطاعة لاتدرجها تحت الموضوع المزبور الذي قد عرفت كونه المدار لا غيره مع امكان منع صدق
الغنى عليها بالقدرة المزبورة. انتهى».(1)
و كيف كان فما ذهب اليه الماتن من الاشكال في دفع الزكاة اليها لتمكّنها منتحصيلها بتركه حسن.
(مسألة 14): يجوز للزوجة دفع زكاتها الى الزوج و ان أنفقها عليها، و كذا غيرها ممّن تجب نفقته عليه بسبب من الأسباب الخارجيّة.
الشرح:
قال في المدارك: «يجوز للزوجة أن تدفع زكاتها الى زوجها و ان كان ينفق عليها منها؛ للأصل و انتفاء المانع. و نقل عن ابن بابويه المنع من اعطائه مطلقا، و عن ابن الجنيد الجواز، لكن لاينفق منه عليها و لا على ولدها، و هما ضعيفان. انتهى».(2)
و في الجواهر: «و قد ظهر لك أيضا ممّا ذكرنا أنّه لا اشكال في جواز دفع الزوجة زكاتها للزوج و كذا الأجير و منذور النفقة و ان أنفقها عليهم؛ لاطلاق الأدلّة و عمومها السالمين عن معارضة وجوب الانفاق و غيره، فما عن ابن بابويه من المنع مطلقا حتّى أنّه جعله أحدهما من معقد ما حكاه عن دين الاماميّة في أماليه على ما قيل واضح الضعف، و كذا ما عن ابن الجنيد من الجواز لكن لاينفق عليها منها، بل هو أوضح فسادا من الأوّل كما لايخفى، هذا. انتهى».(3)
أقول:
الظاهر أنّه لا مانع من اعطاء الزوجة زكاتها للزوج ان كان فقيرا؛ لوجود
المقتضي و هو اطلاق الأدلّة و عمومها و عدم ما يقيّدها أو يخصّصها و ان كانينفق عليها منها؛ لأنّها صارت ملكه فينفق منه ما يجب عليه انفاقه.
قال في المختلف: «قال ابن الجنيد: و لابأس أن تعطي الزوجة زوجها من زكاتها، و ينفقها على نفسه و عياله، دونها و دون ولدها منه. و الأولى عندي الجواز. لنا: انّه فقير ملك الزكاة فجاز له انفاقها على عائلته، و من جملتهم الزوجة و ولدها منه. انتهى».(1)
(مسألة 15): اذا عال بأحد تبرّعا جاز له دفع زكاته له، فضلاً عن غيره للانفاق أو التوسعة، من غير فرق بين القريب الذي لايجب نفقته عليه كالأخ و أولاده، و العمّ و الخال و أولادهم، و بين الأجنبي، و من غير فرق بين كونه وارثا له لعدم الولد مثلاً و عدمه.
الشرح:
اذا عال بفقير تبرّعا جاز له دفع زكاته له، و ذلك لأنّ الروايات المتقدّمة المانعة من دفع الزكاة الى من ينفقه اليه هو الذي يجب نفقته عليه، ففي صحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«خمسة لايعطون من الزكاة شيئا: الأب و الأمّ و الولد و المملوك و المرأة، و ذلك أنّهم عياله لازمون له».(2)
و هذه الصحيحة تخصّص عموم قوله عليه السلام في موثّقة أبي خديجة:
«لاتعط من الزكاة أحدا ممّن تعول».(3)
من غير فرق بين القريب الذي لايجب نفقته عليه و بين الأجنبي، و من غير
فرق بين كونه وارثا له لعدم الولد مثلاً و عدمه.
قال في التذكرة: «العيلولة من دون القرابة غير مانعة من الاعطاء عند علمائنا أجمع، و هو قول أكثر العلماء، فلو كان في عائلته من لايجب الانفاق عليه كيتيم أجنبي جاز أن يدفع زكاته اليه؛ لأنّه داخل في الأصناف المستحقّين للزكاة و لم يرد في منعه نصّ و لا اجماع و لا قياس، فلايجوز تخصيصه من العمومات بغير دليل. و عن أحمد رواية بالمنع؛ لأنّه ينتفع بدفعها اليه لاغنائه بها عن مؤونته. و لو سلّم لم يضرّ، فانّه نفع لايسقط واجبا عنه؛ اذ العيلولة ليست واجبة. و لو كان القريب ممّن لاتجب نفقته جاز الدفع اليه بأيّ سبب كان، سواء كان وارثا أو غير وارث، و هو قول أكثر العلماء و أحمد في رواية؛ لقوله عليه السلام : «الصدقة على المسكين صدقة و هي لذي الرحم اثنتان: صدقة و صلة»، فلم يشترط نافلة و لا فريضة، و لم يفرّق بين الوارث و غيره. انتهى».(1)
(مسألة 16): يستحبّ اعطاء الزكاة للأقارب مع حاجتهم و فقرهم و عدم كونهم ممّن تجب نفقتهم عليه، ففي الخبر: أيّ الصدقة أفضل؟ قال صلى الله عليه و آله: على ذي الرحم الكاشح. و في آخر: لا صدقة و ذو رحم محتاج.
الشرح:
يستحبّ اعطاء الزكاة لغير من تجب نفقتهم عليه من الأقارب مع فقرهم، و يدلّ على ذلك روايات:
منها رواية أحمد بن حمزة قال:
«قلت لأبي الحسن عليه السلام : رجل من مواليك له قرابة كلّهم يقول بك و له
1) - تذكرة الفقهاء 5: 268 و 266.
زكاة، أيجوز له أن يعطيهم جميع زكاته؟ قال: نعم».(1)
و منها رواية اسحاق بن عمّار عن أبي الحسن موسى عليه السلام قال:
«قلت له: لي قرابة أنفق على بعضهم و أفضّل بعضهم (على بعض)(2)فيأتيني ابّان الزكاة، أفأعطيهم منها؟ قال: مستحقّون لها؟ قلت: نعم. قال: هم أفضل من غيرهم، أعطهم. الحديث».(3)
و منها رواية علي بن مهزيار عن أبي الحسن عليه السلام قال:
«سألته عن الرجل يضع زكاته كلّها في أهل بيته و هم يتولّونك؟ فقال: نعم».(4)
و منها ما رواه في المقنعة من الخبر قال:
«قال عليه السلام : سئل رسول اللّه صلى الله عليه و آله: أي الصدقة أفضل؟ فقال: على ذيالرحم الكاشح».(5)
(مسألة 17): يجوز للوالد أن يدفع زكاته الى ولده للصرف في مؤونة التزويج و كذا العكس.
الشرح:
قد تقدّم أنّ الواجب على الوالد نفقة ولده اذا كان فقيرا و كذا العكس، أييجب على الولد نفقة والده مع فقره، و حيث لم يبيّن في الروايات مقدار النفقة الواجبة يرجع فيه الى العرف، و مناط العرف في ذلك رفع فقره في صورة تمكّن
1) - وسائل الشيعة 9: 245 / الباب 15 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 1.
2) - زيادة من بعض النسخ. هامش الوسائل
3) - وسائل الشيعة 9: 245 / الباب 15 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 2.
4) - وسائل الشيعة 9: 246 / الباب 15 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 3.
5) - وسائل الشيعة 9: 246 / الباب 15 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 5.
المنفق. فحينئذ و ان كان يمكن أن يقال للولد المحتاج الى التزويج انّه فقير، الاّ أنّ الظاهر من الروايات أنّ النفقة الواجبة على الوالد هي ما يرجع الى طعامه و كسوته و سكناه، فيحتاط بدفعها اليه من سهم سبيل اللّه للصرف في مؤونة التزويج.
ففي المستمسك في ذيل كلام المصنّف: «يجوز للوالد أن يدفع ... » قال: «لاطلاق الأدلّة، و عدم شمول أدلّة المنع لذلك؛ لعدم لزوم نفقة التزويج على المنفق. و حينئذ فان كان التزويج محتاجا اليه فلاينبغي التأمّل في جواز كون الدفع من سهم الفقراء، حتّى لو كان مفاد التعليل في نصوص المنع الاخراج عن عنوان الفقراء، لاختصاصه بغير الفرض، و هو الظاهر من صحيح ابن الحجّاج المتقدّم (في المسألة التاسعة). و ان لم يكن محتاجا اليه فالدفع اليه من سهم الفقراء موقوف على جواز الدفع للتوسعة، الذي تقدّم الكلام فيه. نعم، لاينبغي التأمّل في جواز الدفع من سهم سبيل اللّه؛ لكون التزويج منه. انتهى».(1)
(مسألة 18): يجوز للمالك دفع الزكاة الى ولده للانفاق على زوجته أو خادمه من سهم الفقراء، كما يجوز له دفعه اليه لتحصيل الكتب العلميّة من سهم سبيل اللّه.
الشرح:
يجوز للمالك دفع الزكاة الى ولده للانفاق على زوجته أو خادمه من سهم الفقراء؛ لما تقدّم من أنّ الظاهر من الروايات المانعة من اعطاء الزكاة الى من تجبعليه نفقته انّما هو نفقة نفسه دون من يرجع نفقته اليه، فالواجب على الوالد نفقة نفس الولد، و أمّا زوجته فانّما تجب نفقته على الولد لا على الوالد، فلايجب نفقة زوجة الولد عليه و كذا خادمه، و لذا يجوز دفع الزكاة اليه للانفاق على زوجته. و
1) - مستمسك العروة 9: 298.
كذا يجوز للمالك دفعها الى ولده لتحصيل الكتب العلميّة من سهم سبيل اللّه؛ لأنّه من طرق الوصول الى ثواب الربّ و رضاه و ترجع مصلحته الى العامّة و لايبعد اعطاؤه الزكاة من سهم سبيل اللّه للانفاق على زوجته أو خادمه.
قال في الجواهر: «نعم، لو كان له جهة فقر غير الانفاق كما اذا كان عنده من يعول به أوغير ذلك جاز الدفع اليه؛ لاطلاق الأدلّة السالم عن معارضة نصوص المقام بعد ظهورها بقرينة ما فيها من التعليل في النفقة بل لايبعد - بناءً على عدم تقدير الاعطاء للفقير - جواز الدفع اليه على وجه يستغني به عن الانفاق. انتهى».(1)
(مسألة 19): لا فرق فى عدم جواز دفع الزكاة الى من تجب نفقته عليه بين أن يكون قادرا على انفاقه أو عاجزا كما لا فرق بين أن يكون ذلك من سهم الفقراء أو من سائر السهام فلايجوز الانفاق عليهم من سهم سبيل اللّه أيضا و ان كان يجوز لغير الانفاق، و كذا لا فرق على الظاهر الأحوط بين اتمام ما يجب عليه و بين اعطاء تمامه، و ان حكي عن جماعة أنّه لو عجز عن انفاق تمام ما يجب عليه جاز له اعطاء البقيّة، كما لو عجز عن اكسائهم أو عن ادامهم؛ لاطلاق بعض الأخبار الواردة في التوسعة بدعوى شمولها للتتمّة، لأنّها أيضا نوع من التوسعة لكنّه مشكل فلايترك الاحتياط بترك الاعطاء.
الشرح:
قد ذهب الماتن الى أنّه «لا فرق في عدم جواز دفع الزكاة الى من تجب نفقته عليه بين أن يكون قادرا على انفاقه أو عاجزا» و لعلّه لاطلاق الأدلّة المانعة من دفع الزكاة الى من تجب نفقته عليه.
ولكن فيه: انّ الأدلّة منصرفة عمّا اذا كان عاجزا عن انفاقه، و ذلك لعدم وجود
1) - جواهر الكلام 15: 401.
التكليف، فانّ من شرائط التكليف القدرة. و لا فرق بين أن يكون ذلك من سهم الفقراء أو من سهم سبيل اللّه، و أمّا ان كان عاملاً فأخذ أجرته لذلك فصار غنيّا فلا مانع منه، و كذا الغازي و المؤلّفة قلوبهم.
و أمّا لو كان عاجزا عن اعطاء تمامه فيجوز دفع الزكاة اليه لاتمام نفقته؛ لأنّ الأدلّة - كما تقدّم آنفا - منصرفة عمّا اذا كان عاجزا عن الانفاق، سواء كان العجز عنه بتمامه أو اتمامه، و قد مرّ تفصيل ذلك في المسائل السابقة.
(مسألة 20): يجوز صرف الزكاة على مملوك الغير اذا لم يكن ذلك الغير باذلاً لنفقته امّا لفقره أو لغيره، سواء كان العبد آبقا أو مطيعا.
الشرح:
قال في الجواهر: «و كأنّ المصنّف و غيره ممّن ذكر المملوك في المقام تبعا للنصّ، و الاّ فالأصحّ أنّ المانع فيه الرقّيّة لا وجوب النفقة، و لذا لم يتفاوت الحال بين زكاة المالك و زكاة غيره، بل و لا بين اعسار المولى و يساره في عدم جواز الدفع اليه من سهم الفقراء، و لعلّه لظهور الأدلّة في اعتبار كون المدفوع اليه من هذا السهم قابلاً للملك، خصوصا ما دلّ منها على جواز تصرّف الفقير بما يقبضه من الزكاة كيف يشاء لأنّه ملكه، فضلاً عن قوله تعالى «انّما الصدقات للفقراء» الى آخره. و لذا صرّح غير واحد باعتبار الحرّيّة في أوصاف المستحقّ. نعم، لابأسبالدفع اليه من سهم سبيل اللّه؛ لعدم اعتبار الملك فيه، بل لابأس به حتّى اذا لم يرض المولى مع اضطرار العبد. انتهى».(1)
و الظاهر من هذا الكلام أنّ المانع من دفع الزكاة الى العبد هو رقّيّته و عدم كونه قابلاً للملك من سهم الفقراء؛ لأنّ الظاهر من قوله تعالى «انّما الصدقات
1) - جواهر الكلام 15: 404.
للفقراء ... » أنّ الفقراء يملكون الزكاة.
ولكن فيه: انّ الفقراء يستحقّون الزكاة و قد تقدّم البحث عن ذلك في فصل المستحقّين للزكاة، و لذا يجوز صرف الزكاة الى الفقير بأن يقدَّم اليه طعام يأكله، و كذلك بالنسبة الى العبد. و عليه يجوز صرف الزكاة الى مملوك الغير اذا لم يكن ذلك الغير باذلاً لنفقته امّا لفقره أو لغيره.
و قال الشيخ مرتضى الأنصاري: «لو أريد تسليمه بحيث يخرج عن ملك المزكّي قبل اتلاف العبد له اعتبر اذن السيّد، فيملكه هو أو العبد على الخلاف في مالكيّته. انتهى».(1)
ولكن الظاهر أنّ العبد يملك، الاّ أنّ ملكيّته قاصرة؛ اذ لم تكن له ولاية التصرّف من دون اذن مولاه فهو محجور في ماله.
ففي صحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«ليس في مال المملوك شيء، و لو كان له ألف ألف، و لو احتاج لم يعط من الزكاة شيئا».(2)
نعم، قد منع في هذه الصحيحة من اعطاء الزكاة الى العبد و ان كان محتاجا، ولكنّه محمول على ما اذا كان مولاه باذلاً له نفقته، و ذلك للجمع بينها و بينصحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«خمسة لايعطون من الزكاة شيئا: الأب و الأمّ و الولد و المملوك و المرأة، و ذلك أنّهم عياله لازمون له».(3)
فانّ المستفاد من التعليل ب- «أنّهم عياله لازمون له» أنّ المانع من اعطائهم الزكاة هو العيلولة و أنّه ينفق عليهم. و لو لم ينفق عليهم المعيل لعجزه أو لغير ذلك و
كانوا فقراء، فاطلاق الأدلّة حاكم بجواز اعطائهم الزكاة.
«الرابع»: أن لايكون هاشميّا اذا كانت الزكاة من غيره مع عدم الاضطرار، و لا فرق بين سهم الفقراء و غيره من سائر السهام حتّى سهم العاملين و سبيل اللّه. نعم، لابأس بتصرّفه في الخانات و المدارس و سائر الأوقاف المتّخذة من سهم سبيل اللّه، أمّا زكاة الهاشمي فلابأس بأخذها له من غير فرق بين السهام أيضا حتّى سهم العاملين، فيجوز استعمال الهاشمي على جباية صدقات بني هاشم، و كذا يجوز أخذ زكاة غير الهاشمي له مع الاضطرار اليها و عدم كفاية الخمس و سائر الوجوه، ولكن الأحوط حينئذ الاقتصار على قدر الضرورة يوما فيوما مع الامكان.
الشرح:
في المدارك: «أجمع علماء الاسلام كافّة على أنّ الصدقة المفروضة من غير الهاشمي محرّمة على الهاشمي، حكاه في المنتهى، و النصوص الواردة به من الطرفين مستفيضة، فروى الجمهور عن النبي صلى الله عليه و آله أنّه قال: «الصدقة محرّمة على بني هاشم». انتهى».(1)
و الدليل على حرمة الزكاة على الهاشمي مضافا الى ما ذكر: صحيحة عيص بن القاسم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«انّ أناسا من بني هاشم أتوا رسول اللّه صلى الله عليه و آله فسألوه أن يستعملهم على صدقات المواشي، و قالوا: يكون لنا هذا السهم الذي جعل اللّه عزّوجلّ للعاملين عليها فنحن أولى به. فقال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: يا بني عبدالمطّلب، انّ الصدقة لاتحلّ لي و لا لكم، ولكنّي قد وعدت
1) - مدارك الأحكام 5: 250.
الشفاعة - الى أن قال: - أتروني مؤثرا عليكم غيركم؟!».(1)
و صحيحة محمّد بن مسلم و أبي بصير و زرارة كلّهم عن أبي جعفر و أبي عبداللّه عليهماالسلام قالا:
«قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: انّ الصدقة أوساخ أيدي الناس، و انّ اللّه قد حرّم عليّ منها و من غيرها ما قد حرّمه، و انّ الصدقة لاتحلّ لبني عبدالمطّلب. الحديث».(2)
و صحيحة عبداللّه بن سنان قال:
«لاتحلّ الصدقة لولد العبّاس و لا لنظرائهم من بني هاشم».(3)
و خبر عيسى بن عبداللّه العلوي عن أبيه عن جعفر بن محمّد عليه السلام قال:
«انّ اللّه لا اله الاّ هو لمّا حرّم علينا الصدقة أبدلنا بها الخمس، فالصدقة علينا حرام، و الخمس لنا فريضة، و الكرامة لنا حلال».(4)
و بازائها معتبرة أبي خديجة سالم بن مكرم الجمّال عن أبي عبداللّه عليه السلام أنّه قال:
«أعطوا الزكاة من أرادها من بني هاشم، فانّها تحلّ لهم، وانّما تحرم على النبي صلى الله عليه و آله و على الامام الذي من بعده و على الأئمّة عليهم السلام ».(5)
و الرواية و ان كانت صحيحة من طريق الكليني بل و كذلك الشيخ على الأظهر الاّ أنّها تحمل على الضرورة أو الصدقة المندوبة أو زكاة بعضهم لبعض؛ جمعا بينها و بين ما مرّ و ما يأتي، أو تطرح.
ثمّ انّ الظاهر من الأخبار المتقدّمة و اطلاقها حرمة الزكاة لبني هاشم مطلقا من غير فرق بين السهام مضافا الى تصريح صحيحة العيص المتقدّمة بحرمة سهم
1) - وسائل الشيعة 9: 268 / الباب 29 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 1.
2) - وسائل الشيعة 9: 268 / الباب 29 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 2.
3) - وسائل الشيعة 9: 269 / الباب 29 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 3.
4) - وسائل الشيعة 9: 270 / الباب 29 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 7.
5) - وسائل الشيعة 9: 269 / الباب 29 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 5.
العاملين عليهم الذي هو كالعوض عن العمل، فغيره أولى.
و في الجواهر: «و لا فرق في الحكم المزبور بين السهام كلّها كما صرّح به غير واحد، و هو مقتضى اطلاق الأدلّة حتّى معقد الاجماع منها - الى أن قال: - فما في كشف الأستاذ من التأمّل في حرمة سهم سبيل اللّه عليهم و سهم المؤلّفة و الرقاب - مع فرضهما بارتداد الهاشمي أو كونه من ذرّيّة أبي لهب و لم يكن في سلسلة مسلم، و بتزويجه الأمة و اشتراط رقّيّة الولد عليه على القول به - في غير محلّه. انتهى».(1)
و في المستند: «و الأظهر شمول المنع للجميع، و يستفاد ذلك من النصوص الواردة في الخمس الناطقة بأنّه جعل للهاشميّين عوضا عن الزكاة، معلّلاً في بعضها بأنّها أوساخ ما في أيدي الناس، و ما ورد من أنّ لكلّ محتاج من الصنفين - الهاشمي و غيره - قد شرّع له ما يكفيه، و لولا الكفاية لشرّع أكثر، فانّ مقتضى عموم العلّة و العوضيّة و المقابلة بين الهاشمي و غيره سريان المنع لجميع السهام؛ لاتّحاد المناط و هو تشريفهم - زادهم اللّه عزّا و شرفا - و تكريمهم عن دنسالأوساخ - الى أن قال: - نعم، لابأس بالصرف من سهم المؤلّفة قلوبهم كما لو ارتدّ الهاشمي أو كان من ذرّيّة أبي لهب - مثلاً - و لم يكن في سلسلتهم مسلم. و الوجه فيه: انّ مناط المنع هو التعظيم و التكريم، و الكافر لا حرمة له و من ثمّ لايستحقّ الخمس. انتهى».(2)
ثمّ انّه لابأس بتصرّفه في الخانات و المدارس و سائر الأوقاف المتّخذة من سهم سبيل اللّه، و ذلك لخروجها عن عنوان الزكاة و اندراجها في عنوان الموقوفات، فأدلّة المنع منصرفة عنها و لاتشملها.
ففي الجواهر: «لابأس بالنسبة الى بعض أفراد سهم سبيل اللّه ممّا لايعدّ أنّه
صدقة عليهم، كالتصرّف في بعض الأوقاف العامّة المتّخذة منه و الانتفاع بها و نحو ذلك ممّا جرت السيرة و الطريقة في عدم الفرق فيها بين الهاشمي و غيره و ان كانت متّخذة من الزكاة، مع أنّها في الحقيقة كتناول الهاشمي الزكاة من يد مستحقّها بعد الوصول اليه، فانّه لا اشكال في جواز ذلك له، ضرورة عدم كونها زكاة حينئذ، كما هو واضح. انتهى».(1)
أقول: في استدلاله رحمه الله بالسيرة اشكال؛ لأنّ كاشفيّتها عن طريق الأئمّة لتكون حجّة غير معلومة.
فرعان:
قال في المدارك: «و هذا الحكم أعني جواز تناول الهاشمي زكاة مثله مذهب الأصحاب لاأعلم فيه مخالفا، و عزاه في المنتهى الى علمائنا مؤذنا بدعوى الاجماع عليه. و يدلّ عليه مضافا الى العمومات و عدم صراحة الأخبار المانعة في تناول صدقات بعضهم على بعض روايات كثيرة. انتهى».(2)
و يدلّ على جواز أخذ الهاشمي زكاة الهاشمي روايات معتبرة:
منها صحيحة اسماعيل بن الفضل الهاشمي قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الصدقة التي حرّمت على بني هاشم، ما هي؟ فقال: هي الزكاة. قلت: فتحلّ صدقة بعضهم على بعض؟ قال: نعم».(3)
و منها صحيحة أحمد بن محمّد بن أبي نصر عن الرضا عليه السلام قال:
«سألته عن الصدقة، تحلّ لبني هاشم؟ فقال: لا، ولكن صدقات بعضهم على بعض تحلّ لهم. فقلت: جعلت فداك، اذا خرجت الى مكّة كيف تصنع بهذه المياه المتّصلة بين مكّة و المدينة و عامّتها صدقة؟ قال: سمّ فيها شيئا. قلت: عين ابن بزيع و غيره؟ قال: و هذه لهم».(1)
و منها صحيحة ابن أبي الكرام الجعفري عن أبي عبداللّه عليه السلام أنّه قيل له:
«الصدقة لاتحلّ لبني هاشم؟ فقال أبو عبداللّه عليه السلام : انّما ذلك محرّم علينا من غيرنا، فأمّا بعضنا على بعض فلابأس بذلك».(2)
و منها صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام :
«أنّ فاطمة عليهاالسلام جعلت صدقاتها لبني هاشم و بني المطّلب».(3)
و منها صحيحة القاسم بن سليمان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«انّ صدقات رسول اللّه صلى الله عليه و آله و صدقات علي بن أبي طالب عليه السلام تحلّ لبني هاشم».(4)
و منها موثّقة زرارة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قلت له: صدقات بني هاشم بعضهم على بعض، تحلّ لهم؟ فقال: نعم، صدقة الرسول صلى الله عليه و آله تحلّ لجميع الناس من بني هاشم و غيرهم، و صدقات بعضهم على بعض تحلّ لهم، و لاتحلّ لهم صدقات انسان غريب».(5)
1) - وسائل الشيعة 9: 276 / الباب 32 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 8.
2) - وسائل الشيعة 9: 276 / الباب 32 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 9.
3) - وسائل الشيعة 9: 273 / الباب 32 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 1.
4) - وسائل الشيعة 9: 273 / الباب 32 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 2.
5) - وسائل الشيعة 9: 275 / الباب 32 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 6.
و خبر مفضّل بن صالح عن أبي أسامة زيد الشحّام عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن الصدقة التي حرّمت عليهم، فقال: هي الزكاة المفروضة، و لم يحرّم علينا صدقة بعضنا على بعض».(1)
و مرسلة حمّاد بن عيسى عن العبد الصالح عليه السلام (في حديث طويل) قال:
«و انّما جعل اللّه هذا الخمس خاصّة لهم - يعني بني المطّلب - عوضا لهم من صدقات الناس، تنزيها من اللّه لهم، و لابأس بصدقات بعضهم على بعض».(2)
و في الجواهر: «بلا خلاف أجده فيه بيننا، بل الاجماع بقسميه عليه، بلالمحكي منهما مستفيض كالنصوص - الى أن قال: - و الظاهر أنّه لا فرق في جميع السهام بالنسبة الى بعضهم مع بعض، فلابأس حينئذ باستعمال الهاشمي على صدقات بني هاشم، لكن في الدروس جعله احتمالاً فقال: «و لو تولّى الهاشمي العمالة على قبيله احتمل الجواز». و فيه: انّ المتّجه بملاحظة الأدلّة السابقة الجزم، و انّ احتمال العدم لاطلاق صحيح العيص ضعيف، ضرورة قوّة ما سمعته من النصوص المعتضدة بما عرفت بحيث لايصلح ذلك لمعارضتها، فوجب تنزيله على غير الفرض، كما هو واضح. انتهى».(3)
قال في الشرائع: «و ان لم يتمكّن الهاشمي من كفايته من الخمس جاز له أن يأخذ من الزكاة ولو من غير هاشميّ. و قيل: لايتجاوز قدر الضرورة. انتهى».(1)
و في المدارك: «أمّا جواز تناول الزكاة للهاشميّين مع قصور الخمس عن كفايتهم فقال في المنتهى: «انّ عليه فتوى علمائنا أجمع - الى أن قال: - و اختلف الأصحاب في قدر المأخوذ فقيل: لايتجاوز قدر الضرورة». و هو الأصحّ؛ لرواية زرارة المتقدّمة، و لأنّ المقتضي للمنع قائم و لا دليل على اباحة ما زاد عن قدر الضرورة من نصّ أو اجماع فوجب تحريمه. و فسّر قدر الضرورة بقوت يوم و ليلة. و مقتضى رواية زرارة اعتبار ما دون ذلك. انتهى».(2)
و يدلّ على جواز اعطاء بني هاشم من الزكاة مع اضطرارهم و قصور الخمس عن كفايتهم: موثّقة زرارة عن أبي عبداللّه (في حديث) قال:
«انّه لو كان العدل ما احتاج هاشميّ و لا مطّلبيّ الى صدقة، انّ اللّه جعل لهم في كتابه ما كان فيه سعتهم. ثمّ قال: انّ الرجل اذا لم يجد شيئا حلّت له الميتة، و الصدقة لاتحلّ لأحد منهم الاّ أن لايجد شيئا و يكون ممّن يحلّ له الميتة».(3)
و قد عرفت اختلاف الأصحاب في قدر المأخوذ فبعضهم قال بعدم التجاوز عن قدر الضرورة، و بعضهم قال بأنّ العبرة في الحلّيّة بعدم اعطاء الخمس لهم أوعدم كفايته، سواء أمكن التعيّش بالوجوه الأخر من الصدقات المندوبة و نحوها أم لا. و ظاهر السيّد ادّعاء الاجماع على ذلك. و الظاهر من الدليل اعتبار الضرورة، الاّ
أنّه (كما في المستند) يختلف أمدها باختلاف المقامات، فلا خصوصيّة للتحديد باليوم كما في المتن، بل المدار و الاعتبار باندفاع الاضطرار و هو يختلف باختلاف الموارد.
و في الجواهر بعد نقل كلمات الأصحاب و الاشكال ببعضهم قال: «فالذي يقوى في النظر عدم جواز التناول الاّ مع شدّة الحاجة، و يمكن حمل كلام كثير من الأصحاب على ذلك و ان قصرت عبارتهم عن التأدية، كما يومئ اليه ما في المختلف و غيره من كون الخلاف في جواز تناول مقدار الضرورة أو أنّه لايقدر بقدر، و مقتضاه المفروغيّة من اعتبار كون المسوّغ للتناول حال الضرورة، ولكن الخلاف في المأخوذ حالها. انتهى».(1)
(مسألة 21): المحرّم من صدقات غير الهاشمي عليه انّما هو زكاة المال الواجبة و زكاة الفطرة، و أمّا الزكاة المندوبة و لو زكاة مال التجارة و سائر الصدقات المندوبة فليست محرّمة عليه، بل لاتحرم الصدقات الواجبة ما عدا الزكاتين عليه أيضا كالصدقات المنذورة و الموصى بها للفقراء و الكفّارات و نحوها كالمظالم اذا كان من يدفع عنه من غير الهاشميّين. و أمّا اذا كان المالك المجهول الذي يدفع عنه الصدقة هاشميّا فلا اشكال أصلاً، ولكن الأحوط في الواجبة عدم الدفع اليه، و أحوط منه عدم دفع مطلق الصدقة و لو مندوبة خصوصا مثل زكاة مال التجارة.
الشرح:
قد عرفت أنّ المعتبر في المستحقّ أن لايكون هاشميّا، و أنّه لا خلاف في عدم جواز اعطاء زكاة المال الى الهاشمي و حرمة أخذ الزكاة عليه الاّ في مورد
1) - جواهر الكلام 15: 410 و 411.
الاضطرار كما تقدّم.
انّما الكلام و الخلاف في أنّ الحرام هل هو مطلق الصدقات أو خصوص الزكاة المفروضة؟ و على الأوّل فهل يختصّ بما وجب بعنوان الصدقة نفسها كالكفّارات أو يشمل حتّى الواجب بعنوان آخر من نذر أو وصيّة و نحوهما؟
ففي الجواهر: «ثمّ انّه يظهر من جماعة كالسيّد و الشيخ و المصنّف و الفاضل في جملة من كتبه الحاق جميع الصدقات الواجبة بالزكاة كالكفّارة و نحوها، بل ربّما ظهر من الثلاثة في الانتصار و الخلاف و المعتبر الاجماع عليه، بل صرّح بعضهم بأنّ من ذلك الصدقة الواجبة بالنذر و أخويه، و آخر الصدقة الموصى بها، و ثالث الهدي الواجب، و ربّما كان مقتضى ذلك حرمة ردّ المظالم الواجبة عليهم، ضرورة كونها كالواجبة بالعارض بنذر و وصيّة و نحوهما. انتهى».(1)
و التحقيق أنّ الروايات على طوائف ثلاث:
منها ما دلّ على حرمة مطلق الصدقات على بني هاشم:
كصحيحة محمّد بن مسلم و أبي بصير و زرارة كلّهم عن أبي جعفر و أبي عبداللّه عليه السلام قالا:
«قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: انّ الصدقة أوساخ أيدي الناس، و انّ اللّه قد حرّم عليّ منها و من غيرها ما قد حرّمه، و انّ الصدقة لاتحلّ لبني عبدالمطّلب. الحديث».(2)
و صحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«لاتحلّ الصدقة لولد العبّاس و لا لنظرائهم من بني هاشم».(3)
و رواية ابراهيم الأوسي عن الرضا عليه السلام (في حديث):
«أنّ رجلاً قال لأبيه: أليس الصدقة محرّمة عليكم؟ فقال: بلى».(1)
و قوله عليه السلام عن رسول اللّه صلى الله عليه و آله في صحيفة الرضا عليه السلام من الخبر:
«انّا أهل بيت لاتحلّ لنا الصدقة».(2)
و ما رواه العيّاشي في تفسيره من الخبر عن جعفر بن محمّد عليه السلام قال:
«انّ اللّه لا اله الاّ هو لمّا حرّم علينا الصدقة أبدلنا بها الخمس، فالصدقة علينا حرام و الخمس لنا فريضة و الكرامة لنا حلال».(3)
و منها ما دلّ على أنّ الحرام هو ما كان من الصدقة الواجبة:
كصحيحة جعفر بن ابراهيم الهاشمي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قلت له: أتحلّ الصدقة لبني هاشم؟ فقال: انّما تلك الصدقة الواجبة على الناس لاتحلّ لنا، فأمّا غير ذلك فليس به بأس، و لو كان كذلك ما استطاعوا أن يخرجوا الى مكّة؛ هذه المياه عامّتها صدقة».(4)
فهذه الصحيحة مقيّدة للروايات المتقدّمة من الطائفة الأولى، و تخصّصها بالصدقات الواجبة.
و منها ما دلّ على أنّ الحرام هو الزكاة:
كصحيحة اسماعيل بن الفضل الهاشمي قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الصدقة التي حرّمت على بني هاشم، ما هي؟ فقال: هي الزكاة. قلت: فتحلّ صدقة بعضهم على بعض؟ قال: نعم».(5)
و يؤيّده خبر أبي أسامة زيد الشحّام عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
1) - وسائل الشيعة 9: 269 / الباب 29 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 4.
2) - وسائل الشيعة 9: 270 / الباب 29 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 6.
3) - وسائل الشيعة 9: 270 / الباب 29 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 7.
4) - وسائل الشيعة 9: 272 / الباب 31 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 3.
5) - وسائل الشيعة 9: 274 / الباب 32 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 5.
«سألته عن الصدقة التي حرّمت عليهم؟ فقال: هي الزكاة المفروضة، و لم يحرّم علينا صدقة بعضنا على بعض».(1)
و المراد من الزكاة هو الزكاة المفروضة بقرينة الروايات المتقدّمة. فصحيحة اسماعيل الهاشمي تقيّد أخبار الطائفة الثانية و تخصّصها بالزكاة الواجبة.
فالمتحصّل أنّ الحرام هو الزكاة المفروضة، فلايحرم عليهم الصدقات الواجبة كالكفّارات و ما وجب بنذر و قسيميه، و كذا المظالم بل تحلّ لهم زكاة مال التجارة أيضا، و الصدقات المندوبة. نعم، لو كانت فيها ذلّة و خسّة بحيث تأبى النفوس العالية أخذها فلايبعد أن يقال بحرمتها على آل المصطفى صلى الله عليه و آله، و عليها يحمل ما ورد من أنّه عندما صار أهل الكوفة يناولون الأطفال الذين على المحامل بعض التمر و الخبز و الجوز فصاحت بهم أمّ كلثوم و قالت: «يا أهل الكوفة، انّ الصدقة علينا حرام»، و صارت تأخذ ذلك من أيدي الأطفال و أفواههم و ترمي به الى الأرض.(2)
و كذا ما ورد في نهج البلاغة من قوله عليه السلام :
«أ صلة أم زكاة أم صدقة؟ فذلك محرّم علينا أهل البيت».(3)
ففي الجواهر: «نعم، قد يتوقّف في الصدقة المندوبة بالنسبة الى النبي صلى الله عليه و آله، بل عن التذكرة و ثاني الشهيدين حرمتهاعليه لما فيها من الغضاضة و النقص و تسلّط المتصدّق و علوّ مرتبته على المتصدّق عليه، و أنّ له المنّة عليه، و منصب النبوّة أرفع و أجلّ و أشرف من ذلك، و لقوله عليه السلام : «انّا أهل البيت لاتحلّ لنا الصدقة»، لكن صريح جماعة و ظاهر آخرين الجواز أيضا، بل في المعتبر نسبته الى علمائنا و أكثر أهل العلم؛ للاطلاق، و لعلّ الأوّل أقوى بالنسبة الى بعض أفرادها، كالزكاة
المندوبة التي هي من الأوساخ أيضا، و بعض الصدقات الخسيسة كالتي توضع تحت رؤوس المرضى و نحوها ممّا لايليق بمنصب النبوّة، و الامام عليه السلام كالنبي صلى الله عليه و آله في ذلك، و قولهم عليهم السلام «لو حرمت علينا الصدقة» الى آخره انّما تدلّ على اباحة مثل هذه الصدقات التي هي كالأوقاف العامّة، و لا غضاضة عليهم في التناول منها، لا مطلق الصدقات، فتأمّل جيّدا، و اللّه أعلم. انتهى».(1)
و قد ذهب صاحب الجواهر الى أنّ المحرّم الزكاة المفروضة خاصّة؛ للأخبار التي قدّمناها و ذهاب جماعة من المتأخّرين اليه، كالفاضل في القواعد و المقداد في التنقيح و الكركي في جامعه و ثاني الشهيدين في الروضة و المسالك و سبطه في المدارك، بل قال: «لولا ما يظهر من الاجماع على اعتبار اتّحاد مصرف زكاة المال و زكاة الفطرة بالنسبة الى ذلك لأمكن القول بالجواز في زكاة الفطرة، اقتصارا على المنساق من هذه النصوص من زكاة المال، خصوصا ما ذكر فيه صفة التطهير للمال الشاهد على كون المراد من غيره ذلك أيضا، و كيف كان فالذي يقوى: الجواز مطلقا و ان كان الأحوط خلافه. انتهى».(2)
ثمّ انّ زكاة الفطرة من أقسام الزكاة اذا أطلقت، و هي واجبة و حكمها حكم زكاة الأموال، و الدليل على ذلك صحيحة هشام بن الحكم عن الصادق عليه السلام (في حديث) قال:
«نزلت الزكاة و ليس للناس أموال و انّما كانت الفطرة».(3)
و صحيحة أبي بصير و زرارة جميعا قالا:
«قال أبو عبداللّه عليه السلام : انّ من تمام الصوم اعطاء الزكاة - يعني الفطرة - كما أنّ الصلاة على النبي صلى الله عليه و آله من تمام الصلاة؛ لأنّه من صام و لم يؤدّ
الزكاة فلا صوم له اذا تركها متعمّدا، و لا صلاة له اذا ترك الصلاة على النبي صلى الله عليه و آله، انّ اللّه عزّوجلّ قد بدأ بها قبل الصوم فقال: «قد أفلح من تزكّى و ذكر اسم ربّه فصلّى»».(1)
و خبر اسحاق بن المبارك قال:
«سألت أبا ابراهيم عليه السلام عن صدقة الفطرة، أهي ممّا قال اللّه: «أقيموا الصلاة و آتوا الزكاة»؟ فقال: نعم. الحديث».(2)
(مسألة 22): يثبت كونه هاشميّا بالبيّنة و الشياع و لايكفي مجرّد دعواه، و ان حرم دفع الزكاة اليه مؤاخذة له باقراره، و لو ادّعى أنّه ليس بهاشمي يعطى من الزكاة لا لقبول قوله، بل لأصالة العدم عند الشكّ في كونه منهم أم لا، و لذا يجوز اعطاؤها المجهول النسب كاللقيط.
الشرح:
يدلّ على حجّيّة البيّنة روايات:
منها موثّقة مسعدة بن صدقة، فقد رواها الكليني عن علي بن ابراهيم عن هارون بن مسلم عن مسعدة بن صدقة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سمعته يقول: كلّ شيء هو لك حلال حتّى تعلم أنّه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك، و ذلك مثل الثوب يكون عليك قد اشتريته و هو سرقة، أو المملوك عندك و لعلّه حرّ قد باع نفسه أو خدع فبيع قهرا، أو امرأة تحتك و هي أختك أو رضيعتك، و الأشياء كلّها على هذا حتّى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البيّنة».(3)
و مقتضى الاطلاق عدم الفرق في حجّيّتها بين أن تقوم عند الحاكم أو غيره، كما أنّه صرّح عليه السلام بسريان هذا الحكم في جميع الأشياء التي لها أحكام في الشرع. و المراد من البيّنة هو المعنى المصطلح أعني شهادة العدلين، كما كان هذا اللفظ بهذا المعنى في عصر الأئمّة عليهم السلام و الشاهد له أخبار بابي القضاء و الشهادات و غيرهما.
و منها صحيحة هشام بن سالم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«انّما جعلت البيّنات للنسب و المواريث».(1)
و منها صحيحة منصور بن حازم عن أبي عبداللّه عليه السلام أنّه قال:
«صم لرؤية الهلال و أفطر لرؤيته، فان شهد عندك شاهدان مرضيّان بأنّهما رأياه فاقضه».(2)
و غيرها من الأخبار، بناءً على الغاء الخصوصيّة.
و من جملة الدلائل ما ورد في القرآن في موارد خاصّة بناءً على الغاء الخصوصيّة من حجّيّتها في تلك الموارد، كقوله تعالى في الطلاق: «و أشهدوا ذوي عدل منكم»(3)، و قوله في الوصيّة: «شهادة بينكم اذا حضر أحدكم الموت حين الوصيّة اثنان ذوا عدل منكم»(4).
و أمّا الشياع، فاذا أفاد العلم فلا اشكال في حجّيّته، و في غير ذلك فليس هناك دليل على حجّيّته بحيث تطمئنّ النفس به. نعم، هناك روايات ولكن في سندها أو دلالتها اشكال، كصحيحة حريز قال:
«كانت لاسماعيل بن أبي عبداللّه عليه السلام دنانير و أراد رجل من قريش
أن يخرج الى اليمن، فقال اسماعيل: يا أبه، انّ فلانا يريد الخروج الى اليمن و عندي كذا و كذا دينار، أفترى أن أدفعها اليه يبتاع لى بها بضاعة من اليمن؟ فقال: أبو عبداللّه عليه السلام : يا بنيّ، أما بلغك أنّه يشرب الخمر؟ فقال اسماعيل: هكذا يقول الناس. فقال: يا بنيّ لاتفعل. فعصى اسماعيل أباه و دفع اليه دنانيره فاستهلكها و لم يأته بشيء منها، فخرج اسماعيل و قضى أنّ أبا عبداللّه عليه السلام حجّ و حجّ اسماعيل تلك السنة فجعل يطوف بالبيت و يقول: «اللّهمّ أجرني و أخلف عليّ» فلحقه أبو عبداللّه عليه السلام فهمزه بيده من خلفه و قال له: مه يا بنيّ، فلا واللّه ما لك على اللّه هذا، و لا لك أن يأجرك و لايخلف عليك و قد بلغك أنّه يشرب الخمر فائتمنته. فقال اسماعيل: يا أبه، انّي لم أره يشرب الخمر، انّما سمعت الناس يقولون. فقال: يا بنيّ انّ اللّه عزّوجلّ يقول في كتابه: «يؤمن باللّه و يؤمن للمؤمنين» يقول:يصدّق للّه و يصدّق للمؤمنين، فاذا شهد عندك المؤمنون فصدّقهم و لاتأتمن شارب الخمر، انّ اللّه عزّوجلّ يقول في كتابه: «و لاتؤتوا السفهاء أموالكم» فأيّ سفيه أسفه من شارب الخمر؟ انّ شارب الخمر لايزوّج اذا خطب و لايشفَّع اذا شَفع و لايؤتمن على أمانة، فمن ائتمنه على أمانة فاستهلكها لم يكن للذي ائتمنه على اللّه أن يأجره و لايخلف عليه».(1)
ففيه: انّ الرواية في مقام الارشاد و عدم الائتمان بمن هو في موضع التهمة الاّ اذا اطمأنّت النفس بخطئها، و لم تكن في مقام ترتّب الحكم على ما قاله الناس، كالبيّنة.
و كمرسلة يونس عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
1) - وسائل الشيعة 19: 82 / الباب 6 من كتاب الوديعة / الحديث 1.
«سألته عن البيّنة اذا أقيمت على الحقّ، أيحلّ للقاضي أن يقضي بقول البيّنة (اذا لم يعرفهم من غير مسألة)(1)؟ فقال: خمسة أشياء يجب على الناس أن يأخذوا فيها بظاهر الحكم: الولايات و التناكح و المواريث و الذبائح و الشهادات، فاذا كان ظاهره ظاهرا مأمونا جازت شهادته و لايسأل عن باطنه».(2)
و فيه: انّ السؤال عن البيّنة و جواز اعتماد القاضي على الشهود اذا لم يعرفهم بباطنهم، فمعناه أنّ حسن ظاهره كافٍ في الحكم بأنّه عادل و لايلزم معرفة باطنه، كما أنّه اذا قال الرجل: «هذه زوجتي» فصدّقته و لم يكن هناك مدّعٍ لها فيحكم بظاهر الحال، و كذا بالنسبة الى الولايات و المواريث و الذبائح، فوزان المرسلةوزان موثّقة مسعدة بن صدقة المتقدّمة آنفا، فلايرتبط بالشياع المفسّر بأخبار جمع كثير بمضمون واحد.
قال في الجواهر: «انّ الشياع المسمّى بالتسامع مرّة و بالاستفاضة أخرى، معنى وحداني و ان تعدّدت أفراده بالنسبة الى حصول العلم بمقتضاه و الظنّ المتآخم له و مطلق الظنّ الاّ أنّ الكلّ شياع و تسامع و استفاضة، فمع فرض قيام الدليل على حجّيّته من سيرة أو اجماع أو ظاهر المرسل أو خبر اسماعيل أو غير ذلك لم يختلف الحال في أفراده المزبورة التي من المقطوع عدم مدخليّتها فيه، بل هي في الحقيقة ليست من أفراده، و انّما هي أحوال تقارن بعض أفراده كما نجده بالوجدان بملاحظة أفراده - الى أن قال: - انّ الشياع والتسامع و الاستفاضة على أحوال ثلاثة: أحدها استعمال الشائع المستفيض و اجراء الأحكام عليه، و الثاني القضاء به، و الثالث الشهادة بمقتضاه، أمّا الأوّل فالسيرة و الطريقة المعلومة على أزيد ممّا ذكره الأصحاب فيه، فانّ الناس لازالت تأخذ الفتوى بشياع الاجتهاد، و
تصلّي بشياع العدالة، و تجتنب بشياع الفسق، و غير ذلك ممّا هو في أيدي الناس، و أمّا القضاء به و ان لم يفد العلم فالأولى الاقتصار فيه على السبعة بل الخمسة بل الثلاثة بل النسب خاصّة؛ لأنّه هو المتّفق عليه بين الأصحاب، و أمّا الشهادة به فلاتجوز بحال الاّ في صورة مقارنته للعلم بناءً على الاكتفاء به في الشهادة مطلقا. انتهى».(1)
و لايبعد القول بكفاية الشياع و الشهرة في البلد في مثل الأنساب و الأوقاف و نحوهما من الأمور الممتدّة في عمود الزمان اذا حصل الظنّ المتآخم للعلم و اطمأنّت النفس بعدم التوطئة على ذلك، و لايبعد ادّعاء السيرة العقلائيّة الممضاةعند الشارع على ذلك.
ففي المستمسك: «المشهور ثبوت النسب به. و أنكره بعض اذا لم يفد العلم؛ لعدم الدليل عليه. و دعوى قيام السيرة عليه غير ثابتة. لكنّ الانصاف ثبوت السيرة على الاعتماد على الشياع الموجب للاطمئنان، فالاعتماد عليه حينئذ في محلّه. انتهى ملخّصا».(2)
و في المستند: «المشهور حجّيّة الشياع اذا أفاد الاطمئنان؛ لقيام السيرة العقلائيّة على ذلك، مضافا الى أنّ الاطمئنان في نفسه حجّة عقلائيّة. انتهى ملخّصا».(3)
ثمّ انّه لايكفي مجرّد دعواه بكونه هاشميّا؛ لاحتياجها الى الاثبات كسائر الدعاوي، و مع عدم البيّنة أو الشياع فالأصل عدمه، فلايجوز دفع الخمس اليه؛ لعدم احراز موضوعه.
ففي المستمسك: «للأصل، و لا سيرة على حجّيّتها، كما كانت على حجّيّة
دعواه الفقر. فما عن كشف الغطاء من القبول مع عدم كونه مظنّة الكذب غير ظاهر. انتهى».(1)
و أمّا دفع الزكاة اليه، ففي الجواهر: «لايبعد قبوله الزاما له باقراره، فلاتدفع له الزكاة. انتهى».(2)
الظاهر أنّه لايجوز دفع الزكاة اليه، و ذلك لأنّ:
«اقرار العقلاء على أنفسهم جائز».(3)
و لما روي من أنّ:
«المؤمن أصدق على نفسه من سبعين مؤمنا عليه».(4)
و ما عن الصادق عليه السلام من الخبر:
«لاأقبل شهادة الفاسق الاّ على نفسه».(5)
هذا مضافا الى أنّه السيرة العقلائيّة كمن أقرّ بكونه غنيّا أو مدينا و غير ذلك ممّا هو مذكور في كتاب الاقرار.
و لو ادّعى أنّه ليس بهاشمي قبل قوله و يعطى من الزكاة؛ لأصالة عدم الانتساب الذي يكون المتسالم عليه بينهم.
ففي المستمسك: «فقد حكي عن بعض أنّه نسب الى الأصحاب بناؤهم على العمل بها (أصالة العدم) في جميع أبواب الفقه، من النكاح و الارث و الوصيّة و البيع و الوقف و الديات و غيرها. و في طهارة شيخنا الأعظم رحمه الله في كتاب الحيض أنّ أصالة عدم الانتساب معوّل عليها عند الفقهاء في جميع المقامات. لكنّ حجّيّتها من باب الاستصحاب مبنيّة على جريان الأصل في العدم الأزلي بنحو
مفاد ليس الناقصة، و هو محلّ اشكال و خلاف بين الأعلام. و تقدّم في مبحث المياه التعرّض له. انتهى».(1)
و في مصباح الفقيه: «و لو اشتبه المصداق، فالمرجع أصالة عدم الانتساب، المعوّل عليها لدى العلماء في جميع الموارد التي يشكّ في تحقّق النسبة، بل الاعتماد عليها في مثل ما نحن فيه من الأمور المغروسة في أذهان المتشرّعة، بلالمركوز في أذهان العقلاء قاطبة، و لذا لايعتني أحد باحتمال كونه قرشيّا مع أنّ هذا الاحتمال بالنسبة الى أغلب الأشخاص محقّق بل ربّما يكون مظنونا و مع ذلك لايلتفتون اليه، و يرتّبون آثار خلافه، و هذا ممّا لا شبهة فيه. و انّما الاشكال في تعيين وجه عمل العقلاء و العلماء بهذا الأصل و بنائهم على عدم تحقّق النسبة المشكوكة و ترتيب آثار خلافها. و لايبعد أن يكون منشؤه الغلبة، و حكمة اعتبارها لديهم انسداد باب العلم غالبا. انتهى».(2)
(مسألة 23): يشكل اعطاء زكاة غير الهاشمي لمن تولّد من الهاشمي بالزنا، فالأحوط عدم اعطائه، و كذا الخمس فيقتصر فيه على زكاة الهاشمي.
الشرح:
قال في الجواهر: «الأحوط عدم دفع الزكاة للمتولّد منهم ولو من زنا و ان كان قد يقوى خلافه؛ لعموم الفقراء في مصرف الزكاة، و لم يثبت أنّه هاشميّ بعد الانسياق للمتولّد منهم بغير ذلك، فيبقى مندرجا تحت العموم كمجهول النسب و لو كان كاللقيط المجهول نسبه عنده و عند الناس، و ان كان الأحوط له تجنّب ما عدا زكاة الهاشمي. انتهى».(3)
و في المستند: «الأظهر أنّه ولد الهاشمي لغة و لم يرد في نفيه ولو رواية واحدة ضعيفة، غايته الممنوعيّة من الارث كسائر الموانع من القتل و الكفر و الرقّ، و هي أعمّ من نفي الولديّة، بل ربّما يشهد لثبوتها الشرعي جريان كافّة الأحكام ماعدا الارث كعدم جواز تزويج الزاني بابنته المتولّدة منه، و لا ولد الزنا بأمّه و أخته أوعمّته و نحوها من سائر محارمه، و كذا جواز نظره اليهنّ كجواز نظر الزاني الى ابنته. فالأصحّ جريان تمام الأحكام ماعدا الارث لمكان النصّ. انتهى ملخّصا».(1)
أقول:
الظاهر أنّ ما ذهب اليه المستند مطابق للقاعدة.
1) - مستند العروة 24: 200.
و فيه مسائل:
«الأولى»: الأفضل بل الأحوط نقل الزكاة الى الفقيه الجامع للشرائط في زمن الغيبة سيّما اذا طلبها؛ لأنّه أعرف بمواقعها، لكن الأقوى عدم وجوبه، فيجوز للمالك مباشرة أو بالاستنابة و التوكيل تفريقها على الفقراء و صرفها في مصارفها. نعم، لو طلبها الفقيه على وجه الايجاب بأن يكون هناك ما يقتضي وجوب صرفها في مصرف بحسب الخصوصيّات الموجبة لذلك شرعا و كان مقلّدا له، يجب عليه الدفع اليه من حيث انّه تكليفه الشرعي لا لمجرّد طلبه و ان كان أحوط كما ذكرنا، بخلاف ما اذا طلبها الامام عليه السلام في زمان الحضور فانّه يجب الدفع اليه بمجرّد طلبه من حيث وجوب طاعته في كلّ ما يأمر.
الشرح:قال في الشرائع: «و الأولى حمل ذلك الى الامام. و يتأكّد ذلك الاستحباب في الأموال الظاهرة كالمواشي و الغلاّت، و لو طلبها الامام وجب صرفها اليه.
انتهى».(1)
و في المدارك: «لا ريب في استحباب حملها الى الامام؛ لأنّه أبصر بمواقعها و أعرف بمواضعها، و لما في ذلك من ازالة التهمة عن المالك بمنع الحقّ و تفضيل بعض المستحقّين بمجرّد الميل الطبيعي. و أمّا تأكّد الاستحباب في الأموال الظاهرة فلم أقف على حديث يدلّ عليه بمنطوقه، و لعلّ الوجه فيه ما يتضمّنه من الاعلان بشرائع الاسلام و الاقتداء بالسلف الكرام. و قال المفيد و أبو الصلاح و ابن البرّاج: يجب حملها الى الامام عليه السلام مع ظهوره، و مع غيبته فالى الفقيه المأمون من أهل ولايته. و احتجّ له في المختلف بقوله تعالى: «خذ من أموالهم صدقة» قال: و وجوب الأخذ يستلزم وجوب الدفع. و هو ضعيف جدّا، فانّ المتنازع وجوب الحمل ابتداءً لا وجوب الدفع مع الطلب. و الأصحّ أنّ ذلك على سبيل الاستحباب؛ لاستفاضة الروايات بجواز تولّي المالك لذلك بنفسه و وكيله. انتهى».(2)
أقول:
اذا لم يكن الامام أو نائبه مبسوط اليد فيجوز للمالك تولّي الزكاة بنفسه أو وكيله، و الدليل على ذلك الروايات المستفيضة الواردة في ذلك في الأبواب المختلفة و من جملتها ما ورد في جواز نقل الزكاة أو بعضها من بلد الى آخر، كصحيحة هشام بن الحكم عن أبي عبداللّه عليه السلام :
«في الرجل يعطى الزكاة يقسمها، أله أن يخرج الشيء منها من البلدة التي هو بها الى غيرها؟ فقال: لابأس».(3)
و صحيحة يعقوب بن شعيب الحدّاد عن العبد الصالح عليه السلام قال:
«قلت له: الرجل منّا يكون في أرض منقطعة، كيف يصنع بزكاة ماله؟ قال: يضعها في اخوانه و أهل ولايته. فقلت: فان لم يحضره منهم فيها أحد؟ قال: يبعث بها اليهم. الحديث».(1)
و صحيحة ضريس قال:
«سأل المدائني أبا جعفر عليه السلام فقال: انّ لنا زكاة نخرجها من أموالنا، ففي من نضعها؟ فقال: في أهل ولايتك. فقلت: انّي في بلاد ليس فيها أحد من أوليائك! فقال: ابعث بها الى بلدهم تدفع اليهم. الحديث».(2)
و منها ما ورد فيمن دفع اليه مال يفرّقه في قوم و كان منهم، فيجوز له أن يأخذ لنفسه كأحدهم، كصحيحة سعيد بن يسار قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : الرجل يعطى الزكاة فيقسمها في أصحابه، أيأخذ منها شيئا؟ قال: نعم».(3)
و صحيحة الحسين بن عثمان عن أبي ابراهيم عليه السلام :
«في رجل أعطي مالاً يفرّقه فيمن يحلّ له، أ له أن يأخذ منه شيئا لنفسه و ان لم يسمّ له؟ قال: يأخذ منه لنفسه مثل ما يعطي غيره».(4)
و صحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج قال:
«سألت أبا الحسن عليه السلام عن الرجل يعطي الرجل الدراهم يقسّمها و يضعها في مواضعها و هو ممّن تحلّ له الصدقة؟ قال: لابأس أن يأخذ لنفسه كما يعطي غيره. قال: و لايجوز له أن يأخذ اذا أمره
أن يضعها في مواضع مسمّاة الاّ باذنه».(1)
كلّ ذلك كان في زمن التقيّة و قصور يد الامام عليه السلام حتّى ورد في خبر جابر المروي في العلل امتناع الامام عليه السلام من قبضها. قال:
«أقبل رجل الى أبي جعفر عليه السلام و أنا حاضر، فقال: رحمك اللّه، اقبض منّي هذه الخمسمائة درهم فضعها في مواضعها فانّها زكاة مالي. فقال أبو جعفر عليه السلام : بل خذها أنت فضعها في جيرانك و الأيتام و المساكين و في اخوانك من المسلمين، انّما يكون هذا اذا قام قائمنا، فانّه يقسّم بالسويّة و يعدل في خلق الرحمن، البرّ منهم و الفاجر. الحديث».(2)
فرعان:
انّ الامام اذا كان مبسوط اليد يطلب الزكوات و ينصب العمّال لأخذها، و ذلكلقوله تعالى: «خذ من أموالهم صدقة تطهّرهم و تزكّيهم بها»(3). ففي صحيحة عبداللّه بن سنان قال:
«قال أبو عبداللّه عليه السلام : نزلت آية الزكاة «خذ من أموالهم صدقة تطهّرهم و تزكّيهم بها» في شهر رمضان، فأمر رسول اللّه صلى الله عليه و آله مناديه فنادى في الناس: انّ اللّه تبارك و تعالى قد فرض عليكم الزكاة كما فرض عليكم الصلاة - الى أن قال: - ثمّ لم يعرض لشيء من أموالهم حتّى
حال عليهم الحول من قابل، فصاموا و أفطروا، فأمر مناديه فنادى في المسلمين: أيّها المسلمون، زكّوا أموالكم تقبل صلواتكم. قال: ثمّ وجّه عمّال الصدقة و عمّال الطسوق(1)».(2)
و كان ذلك سيرة رسول اللّه صلى الله عليه و آله، كما ورد في خبر أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام في تفسير قوله تعالى «يا أيّها الذين آمنوا أنفقوا من طيّبات ما كسبتم و ممّا أخرجنا لكم من الأرض و لاتيمّموا الخبيث منه تنفقون»(3)قال:
«كان رسول اللّه صلى الله عليه و آله اذا أمر بالنخل أن يزكّى يجيء قوم بألوان من التمر و هو من أردئ التمر يؤدّونه من زكاتهم تمرا يقال له: الجعرور و المعافارة، قليلة اللحاء عظيمة النوى، و كان بعضهم يجيء بها عن التمر الجيّد، فقال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: لاتخرصوا هاتين التمرتين، و لاتجيئوا منهما بشيء. الحديث».(4)
و كان يفعل ذلك مولانا أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ؛ ففي صحيحة غياث بن ابراهيم عن جعفر عن أبيه عليهماالسلام قال:
«كان علي - صلوات اللّه عليه - اذا بعث مصدّقه قال له: اذا أتيت على ربّ المال فقل: تصدّق رحمك اللّه ممّا أعطاك اللّه، فان ولّى عنك فلاتراجعه».(5)
و قد استقرّت هذه السيرة بحيث انّ الغاصبين لمقام الامامة قبل علي عليه السلام و بعده أيضا ساروا على آثارها و أرسلوا عمّالهم لجباية الصدقات و حاربوا من
1) - الطسوق: جمع طسق، و هو ضريبة توضع على الخراج. و قد تقدّم شرحه في المسألة 15 من فصل زكاة الغلاّت.
2) - وسائل الشيعة 9: 9 / الباب 1 من أبواب ما تجب فيه الزكاة / الحديث 1.
3) - البقرة 2: 267.
4) - وسائل الشيعة 9: 205 / الباب 19 من أبواب زكاة الغلاّت / الحديث 1.
5) - وسائل الشيعة 9: 132 / الباب 14 من أبواب زكاة الأنعام / الحديث 5.
منعها و استحلّوا دماءهم و سمّوهم أهل ردّة و لم ينكر الصحابة عليهم.
و قد يظهر من صحيحة زرارة و محمّد بن مسلم أنّ هذا من منصب الامامة، فانّهما قالا لأبي عبداللّه عليه السلام :
«أرأيت قول اللّه تبارك و تعالى «انّما الصدقات للفقراء و المساكين و العاملين عليها و المؤلّفة قلوبهم و في الرقاب و الغارمين و في سبيل اللّه و ابن السبيل فريضة من اللّه»، أكلّ هؤلاء يعطى و ان (كان لايعرف)(1)؟ فقال: انّ الامام يعطي هؤلاء جميعا؛ لأنّهم يقرّون له بالطاعة. قال زرارة: قلت: فان كانوا لايعرفون؟ فقال: يا زرارة، لو كان يعطى من يعرف دون من لايعرف لم يوجد لها موضع، و انّما يعطى من لايعرف ليرغب في الدين فيثبت عليه، فأمّا اليوم فلاتعطها أنت و أصحابك الاّ من يعرف، فمن وجدت من هؤلاء المسلمين عارفا فأعطه دون الناس. الحديث».(2)
فما هو الظاهر من الروايات المذكورة و نظائرها أنّه لو كان أئمّتنا عليهم السلام مبسوطي الأيدي لجعلوا عمّالاً لجباية الزكوات لادارة شؤون المملكة الاسلام يّة. و لو قيل بأنّ الفقهاء و نائبيهم نيابة عامّة اذا كانوا مبسوطي الأيدي يفعلون ذلك اقتداءً بسيرة الرسول صلى الله عليه و آله و الامام علي بن أبي طالب عليه السلام كان صوابا.
لا اشكال في وجوب الدفع الى الامام عليه السلام اذا طلبها بمجرّد طلبه؛ لوجوب
اطاعته؛ لقوله تعالى: «أطيعوا اللّه و أطيعوا الرسول و أولي الأمر منكم»(1)و حرمة عصيانه، لقوله تعالى: «فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم»(2). و كذا يجب الدفع الى الفقيه لو طلبها على وجه الايجاب بأن أفتى بوجوب دفعها اليه حيث يرى أنّ الولاية عليها له لا للمالك، أو لأجل بعض الخصوصيّات و المناسبات الطارئة كما لو هجم الكفّار فطلبها لصرفها في سبيل اللّه و الدفاع عن الاسلام و المسلمين، و صرفها في المؤلّفة؛ حفظا لبلاد الاسلام عن استيلائهم و ان لم يكن فتواه ثبوت الولاية عليها له، الاّ أنّه في الأوّل لو خالف المقلّد و دفع نفسه لم تبرأ ذمّته، كما في سائر الأحكام، و ذلك لأدلّة وجوب التقليد في الأحكام على غير المجتهد، و في الثاني لو تصدّى بنفسه للصرف في تلك الجهة التي أفتى الفقيه بوجوب الردّ اليه لصرفها فيها، كفى و برأت ذمّته. و أمّا عصيانه فبعيد.
و في المستمسك بعد قول المصنّف «نعم، لو طلبها الفقيه على وجه الايجاب ... يجب عليه الدفع اليه من حيث انّه تكليفه الشرعي» قال: «هذا يتمّ اذا كانت الخصوصيّات موجبة لتولّي الفقيه للقسمة، أمّا لو كانت مقتضية لتعيّن المصرف الخاصّ، فحينئذ يجوز للمالك أن يدفعها الى ذلك المصرف، و يكون بذلك عاملاً بتكليفه، و موافقا لفتوى مقلّده. - و أيضا عند احتياط المصنّف بدفعها الى الفقيه اذا طلبها، قال: - بل جزم به في الجواهر. انتهى».(3)
و قال في مستند العروة: «لايخفى أنّ طلب الفقيه للزكاة على أنحاء:
فتارة يطلبها من أجل أنّ ذلك هو مقتضى رأيه و فتواه، حيث يرى أنّ الولاية عليها له لا للمالك، و لا شكّ في وجوب النقل اليه حينئذ على مقلّديه؛ اذ التوزيع
بلا استئذان منه لايكون مبرئا للذمّة، بل هو اتلاف للمال و موجب للضمان، و عليه الأداء ثانيا؛ لعدم حصول الامتثال.
و أخرى أن لايكون ذلك فتواه ابتداءً فيعتقد ثبوت الولاية للمالك و لايرى وجوب النقل من حيث هو، ولكنّه من أجل بعض الخصوصيّات و المناسبات الطارئة و العناوين الثانويّة يرى الوجوب، كما لو هاجم الكفّار فطلبها لصرفها بتمامها في المؤلّفة حفظا لبلاد الاسلام عن استيلائهم، أو كان العام عام مجاعة فطلبها لحفظ المسلمين من الهلكة، الى غير ذلك من الأسباب الباعثة لطلب الزكاة و صرفها في جهة خاصّة، فحينئذ لا مناص من صرفها في تلك الجهة دون غيرها من المصارف الثمانية، لكنّه لايجب النقل اليه، بل لو تصدّى المالك بنفسه للصرف في تلك الجهة نفسها كفى، و لو سلّم فغايته الاثم لو خالف لا أن يكون العمل باطلاً و غير مبرئ للذمّة؛ اذ المفروض أنّ الوجوب عرضيّ نشأ من داعٍ آخرمع بقاء ولاية المالك على حالها، فلو باشر بنفسه فقد أدّى الواجب و ان عصى أمر الفقيه.
و ثالثة أنّه لايرى وجوب النقل اليه لا بالعنوان الأوّلي و لا الثانوي، الاّ أنّه يطلبها لأن يكون هو المباشر للتوزيع لأسباب دعته اليه بمقتضى ظروفه الخاصّة، و الظاهر عدم وجوب الدفع اليه حينئذ؛ لعدم الدليل على وجوب اطاعة الفقيه فيما عدا ما يرجع الى حكمه أو فتواه، فانّ الثابت انّما هو نفوذ حكمه و حجّيّة فتواه، و لايجب اتّباعه في غير ذينك الموردين.
نعم، يتعيّن ذلك لو كان الطالب هو الامام المعصوم عليه السلام في زمان الحضور؛ لوجوب اطاعته في كافّة أوامره و نواهيه؛ لأجل اقتران طاعته بطاعة اللّه و رسوله، قال تعالى: «أطيعوا اللّه و أطيعوا الرسول و أولي الأمر منكم»(1)و هو أمر آخر
1) - النساء 4: 59.
خارج عن محلّ البحث؛ اذ الكلام في طلب الفقيه دون الامام عليه السلام . انتهى».(1)
قال في الشرائع: «و لو طلبها الامام وجب صرفها اليه، و لو فرّقها المالك و الحال هذه قيل: لايجزئ، و قيل: يجزئ و ان أثم، و الأوّل أشبه. انتهى».(2)
و قال الشهيدان في اللمعة و شرحها: «قيل: و كذا يجب دفعها الى الفقيه الشرعي في حال الغيبة لو طلبها بنفسه أو وكيله؛ لأنّه نائب للامام كالساعي، بل أقوى، و لو خالف المالك و فرّقها بنفسه لم يجز؛ للنهي المفسد للعبادة، و للمالك استعادة العين مع بقائها، أو علم القابض. انتهى».(3)
و في الجواهر: «لكن في شرح الاصبهاني للّمعة لم أظفر بقائل ذلك، و انّماعثرت على القول بوجوب الدفع اليه أو وكيله في الغيبة ابتداءً. بل قال: انّا نمنع كونه كالساعي؛ فانّ الساعي انّما يبلّغ أمر الامام، فاطاعته اطاعة الامام، بخلاف الفقيه، و لايجدي كونه أعلى رتبة و منصبا منه، و لم يعلم أمر منهم - صلوات اللّه عليهم - باطاعة الفقيه في كلّ شيء». قلت: اطلاق أدلّة حكومته خصوصا رواية النصب التي وردت عن صاحب الأمر عليه السلام - روحي له الفداء - يصيّره من أولي الأمر الذين أوجب اللّه علينا طاعتهم. نعم، من المعلوم اختصاصه في كلّ ما له في الشرع مدخليّة حكما أو موضوعا. و دعوى اختصاص ولايته بالأحكام الشرعيّة يدفعها معلوميّة تولّيه كثيرا من الأمور التي لاترجع للأحكام، كحفظه لمال الأطفال و المجانين و الغائبين و غير ذلك ممّا هو محرّر في محلّه، و يمكن تحصيل الاجماع عليه من الفقهاء، فانّهم لايزالون يذكرون ولايته في مقامات عديدة لا دليل عليها سوى الاطلاق الذي ذكرناه المؤيّد بمسيس الحاجة الى ذلك أشدّ من مسيسها في
الأحكام الشرعيّة. انتهى».(1)
و قال الشيخ مرتضى الأنصاري: «فلو طلبها النبي صلى الله عليه و آله أو الامام عليه السلام وجب الدفع اليه؛ لحرمة عصيانهما حتّى فيما لايتعلّق بالواجبات الالهيّة؛ لعموم أدلّة اطاعة الرسول و أولي الأمر، و قوله تعالى: «فليحذر الذين يخالفون عن أمره»(2)، و ما دلّ على حرمة ايذائه. و لو طلبها الفقيه فمقتضى أدلّة النيابة العامّة وجوب الدفع؛ لأنّ منعه ردّ عليه، و الرادّ عليه رادّ على اللّه تعالى - كما في مقبولة عمر بن حنظلة - و لقوله عليه السلام في التوقيع الشريف الوارد في وجوب الرجوع في الوقائع الحادثة الى رواة الأحاديث، قال: «فانّهم حجّتي عليكم و أنا حجّة اللّه». انتهى».(3)
و في المستمسك بعد نقل ما ذكر من كلام الشيخ الأعظم قال: «و فيه: انّ مورد الردّ المحرّم - الذي هو بمنزلة الردّ على اللّه تعالى - هو الحكم في الخصومة، فلايعمّ المقام. و الحوادث الواقعة لاتخلو من اجمال، و المظنون أنّ المراد منها الأمور التي لابدّ من الرجوع فيها الى الامام، فلايشمل المقام. و لاسيّما بملاحظة الحجّيّة المذكورة في الذيل المختصّة بما يكون موردا للاحتجاج و قطع العذر فالتمسّك به على المقام غير ظاهر. و كأنّه لذلك لم يعرف القول بوجوب الدفع عند الطلب من أحد، كما عن الاصبهاني في شرح النافع الاعتراف به. انتهى».(4)
و في مستند الشيعة: «صرّح جماعة منهم الفاضلان و الشهيدان باستحباب الدفع في زمان الغيبة الى الفقيه الجامع للشرائط. و عن الخلاف: الاجماع عليه؛ لفتوى الأعيان و نقل الاجماع و الخروج عن شبهة الخلاف، و لأنّه أبصر بمواقعها و أخبر بمواضعها. - و قال أيضا: - لو طلبها الفقيه لايجب الدفع اليه، الاّ اذا كان
الراجح عنده وجوب الدفع اليه و كان ربّ الزكاة مقلّدا له، و لايجوز له الطلب الحتمي أيضا الاّ مع علمه بوجودها عنده و عدم اقدامه على دفعها بنفسه. انتهى».(1)
«الثانية»: لايجب البسط على الأصناف الثمانية، بل يجوز التخصيص ببعضها، كما لايجب في كلّ صنف البسط على أفراده ان تعدّدت، و لا مراعاة أقلّ الجمع الذي هو الثلاثة، بل يجوز تخصيصها بشخص واحد من صنف واحد، لكن يستحبّ البسط على الأصناف مع سعتها و وجودهم، بل يستحبّ مراعاة الجماعة التي أقلّها ثلاثة في كلّ صنف منهم حتّى ابن السبيل و سبيل اللّه،لكن مع عدم مزاحمة جهة أخرى مقتضية للتخصيص.
الشرح:
قال في الشرائع: «و لو صرفها في صنف واحد جاز، و لو خصّ بها ولو شخصا واحدا من بعض الأصناف جاز أيضا. انتهى».(2)
و في الجواهر: «بلا خلاف أجده فيه بيننا، بل الاجماع بقسميه عليه، بل في التذكرة نسبته الى أكثر أهل العلم، و النصوص فيه مستفيضة أو متواترة. انتهى».(3)
و يدلّ على عدم وجوب البسط طائفة من الأخبار:
منها ما دلّ على عدم وجوب استيعاب المستحقّين بالاعطاء و التسوية، كصحيحة عبدالكريم بن عتبة الهاشمي عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث):
«أنّه قال لعمرو بن عبيد في احتجاجه عليه: ما تقول في الصدقة؟ فقرأ عليه الآية: «انّما الصدقات للفقراء و المساكين و العاملين
عليها» الى آخر الآية. قال: نعم، فكيف تقسمها؟ قال: أقسمها على ثمانية أجزاء فأعطي كلّ جزء من الثمانية جزءا. قال: و ان كان صنف منهم عشرة آلاف و صنف منهم رجلاً واحدا أو رجلين أو ثلاثة جعلت لهذا الواحد ما جعلت للعشرة آلاف؟ قال: نعم. قال: و تجمع صدقات أهل الحضر و أهل البوادي فتجعلهم فيها سواء؟ قال: نعم. قال: فقد خالفت رسول اللّه صلى الله عليه و آله في كلّ ما قلت في سيرته؛ كان رسول اللّه صلى الله عليه و آلهيقسم صدقة أهل البوادي في أهل البوادي، و صدقة أهل الحضر في أهل الحضر، و لايقسمه(1)بينهم بالسويّة، و انّمايقسمه على قدر ما يحضره منهم و ما يرى، و ليس عليه في ذلك شيء مؤقّت موظّف، و انّما يصنع ذلك بما يرى على قدر من يحضره منهم».(2)
و منها ما دلّ على جواز اعطاء الانسان زكاته لأقاربه الذين لايجب عليه نفقتهم، بل يستحبّ تخصيصهم بها أو ببعضها مع الاستحقاق، كصحيحة أحمد بن حمزة قال:
«قلت لأبي الحسن عليه السلام : رجل من مواليك له قرابة كلّهم يقول بك و له زكاة، أيجوز له أن يعطيهم جميع زكاته؟ قال: نعم».(3)
و موثّقة اسحاق بن عمّار عن أبي الحسن موسى عليه السلام قال:
«قلت له: لي قرابة أنفق على بعضهم و أفضّل بعضهم (على بعض)(4)فيأتيني ابّان الزكاة، أفأعطيهم منها؟ قال: مستحقّون لها؟
قلت: نعم. قال: هم أفضل من غيرهم، أعطهم. الحديث».(1)
و خبر علي بن مهزيار عن أبي الحسن عليه السلام قال:
«سألته عن الرجل يضع زكاته كلّها في أهل بيته و هم يتولّونك؟ فقال: نعم».(2)
و منها ما دلّ على جواز قضاء الدين عن الأب و نحوه، كصحيحة زرارة قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : رجل حلّت عليه الزكاة و مات أبوه و عليهدين، أيؤدّي زكاته في دين أبيه و للابن مال كثير؟ فقال: ان كان أبوه أورثه مالاً ثمّ ظهر عليه دين لم يعلم به يومئذ فيقضيه عنه، قضاه من جميع الميراث و لم يقضه من زكاته، و ان لم يكن أورثه مالاً لم يكن أحد أحقّ بزكاته من دين أبيه، فاذا أدّاها في دين أبيه على هذه الحال أجزأت عنه».(3)
فانّ ظاهرها ولو بمقتضى الاطلاق جواز صرف جميع ما عنده في أداء الدين المنافي لوجوب البسط.
و منها ما دلّ على جواز صرف الزكاة في شراء العبيد، كصحيحة أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن الرجل يجتمع عنده من الزكاة الخمسمائة و الستّمائة، يشتري بها نسمة و يعتقها؟ فقال: اذن يظلم قوما آخرين حقوقهم. ثمّ مكث مليّا ثمّ قال: الاّ أن يكون عبدا مسلما في ضرورة فيشتريه و يعتقه».(4)
فانّها ظاهرة في جواز شراء العبد بتمام ما عنده من الزكاة، فلو كان البسط لازما كيف ساغ صرف تمام الزكاة في صنف واحد و هم الرقاب؟ فتأمّل.
و منها ما دلّ على جواز نقل الزكاة الى بلد آخر فيما اذا لم يوجد في بلده من أهل الولاية، كصحيحة أحمد بن حمزة قال:
«سألت أبا الحسن الثالث عليه السلام عن الرجل يخرج زكاته من بلد الى بلد آخر و يصرفها في اخوانه، فهل يجوز ذلك؟ قال: نعم».(1)فظاهرها أنّ النقل لأجل الصرف بتمامها في فقراء المؤمنين من تلك البلدة.
قال في المدارك: «و قال بعض العامّة: تجب قسمة كلّ صنف منها على الأصناف الستّة الموجودين على السواء، و يجعل لكلّ صنف ثلاثة أسهم فصاعدا، و لو لم يوجد الاّ واحدا من ذلك صرف حصّة الصنف اليه؛ لأنّه تعالى جعل الزكاة لهم بلام الملك و عطف بعضهم على بعض بواو التشريك، و ذلك يوجب الاشتراك في الحكم. انتهى».(2)
و فيه أوّلاً: ما قال أبو عبداللّه عليه السلام لعمرو بن عبيد بأنّه مخالف لسيرة رسول اللّه صلى الله عليه و آله كما تقدّم آنفا في صحيحة عبدالكريم بن عتبة الهاشمي.
و ثانيا: ليس اللام على كلّ واحد من الثمانية للملك، مع كون الملك في الرقاب و سبيل اللّه لا معنى له؛ لأنّ الزكاة في الأوّل تؤدّى لفكّ الرقبة و في الثاني
لمصلحة المسلمين.
و ثالثا: لو كان البسط واجبا كما يقول بعضهم لوجب اعطاؤها جميع الفقراء؛ لأنّ الجمع المحلّى باللام يفيد العموم.
و رابعا: كيف نقول بالبسط في زكاة الفطرة التي تشملها الآية أيضا مع قلّتها جدّا، و العمدة الروايات الواردة في تفسير الآية من أهل بيت العصمة عليهم السلام ، فانّهم
أعرف بمرادها ممّن ليس له علم من الكتاب ولو حرفا واحدا؟
و يستحبّ البسط؛ لما في المدارك من «شمول النفع و عموم الفائدة، و لأنّه أقرب الى امتثال ظاهر الآية الشريفة»(1).
و الأولى الاستدلال بصحيحة زرارة قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : و ان كان بالمصر غير واحد؟ قال: فأعطهم انقدرت جميعا. الحديث».(2)
الاّ أنّها تصلح لاثبات الاستحباب في الجملة، و هو البسط على جميع فقراء البلد بالقدر الممكن، لا على الأصناف الثمانية كلّها، و لا على ثلاثة من كلّ طائفة.
«الثالثة»: يستحبّ تخصيص أهل الفضل بزيادة النصيب بمقدار فضله، كما أنّه يستحبّ ترجيح الأقارب و تفضيلهم على الأجانب و أهل الفقه و العقل على غيرهم، و من لايسأل من الفقراء على أهل السؤال، و يستحبّ صرف صدقة المواشي الى أهل التجمّل من الفقراء. لكن هذه جهات موجبة للترجيح في حدّ نفسها، و قد يعارضها أو يزاحمها مرجّحات أخر، فينبغي حينئذ ملاحظة الأهمّ و الأرجح.
قد تقدّم شرح هذه المسألة تفصيلاً في المسألة التاسعة من الفصل السابق فراجع.
«الرابعة»: الاجهار بدفع الزكاة أفضل من الاسرار به، بخلاف الصدقات المندوبة، فانّ الأفضل فيها الاعطاء سرّا.
الشرح:
و الدليل على ما في المتن موثّقة اسحاق بن عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام في قول اللّه عزّوجلّ: «و ان تخفوها و تؤتوها الفقراء فهو خير لكم»، فقال:
«هي سوى الزكاة؛ انّ الزكاة علانية غير سرّ».(1)
و صحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) قال:
«لو أنّ رجلاً حمل الزكاة فأعطاها علانية لم يكن عليه في ذلك عيب».(2)
و خبر أبي بصير يعني ليث بن البختري عن أبي عبداللّه عليه السلام في قوله تعالى:
«انّما الصدقات للفقراء و المساكين» - الى أن قال: -
«فكلّ ما فرض اللّه عليك فاعلانه أفضل من اسراره، و كلّ ما كان تطوّعا فاسراره أفضل من اعلانه، و لو أنّ رجلاً يحمل زكاة ماله على عاتقه فقسّمها علانية كان ذلك حسنا جميلاً».(3)
و مرسلة ابن بكير عن أبي جعفر عليه السلام :
«في قوله عزّوجلّ «ان تبدوا الصدقات فنعمّا هي» قال: يعني الزكاة المفروضة. قال: قلت: «و ان تخفوها و تؤتوها الفقراء»؟ قال: يعني النافلة، انّهم كانوا يستحبّون اظهار الفرائض و كتمان النوافل».(4)
«الخامسة»: اذا قال المالك: أخرجت زكاة مالي، أو: لم يتعلّق بمالي شيء، قبل قوله بلا بيّنة و لا يمين ما لم يعلم كذبه، و مع التهمة لابأس بالتفحّص و التفتيش عنه.
الشرح:
يدلّ على قبول قول المالك بلا بيّنة و لا يمين فيما ادّعاه من اخراج زكاة ماله أو عدم تعلّق الزكاة بماله:
قوله عليه السلام في صحيحة بريد بن معاوية:
«ثمّ قل لهم: يا عباد اللّه، أرسلني اليكم وليّ اللّه لآخذ منكم حقّ اللّه في أموالكم، فهل للّه في أموالكم من حقّ فتؤدّوه الى وليّه؟ فان قال لك قائل: لا، فلاتراجعه».(1)
فانّ اطلاق قوله عليه السلام «فان قال لك قائل: لا، فلاتراجعه» شامل للصورتين؛ لأنّه جواب قوله «فهل للّه في أموالكم من حقّ»؛ فالمراد الحقّ الفعلي، سواء كان في أمواله حقّ فأدّاه أو لم يكن هناك حقّ أصلاً.
و كذا صحيحة غياث بن ابراهيم عن جعفر عن أبيه عليهماالسلام قال:
«كان علي صلوات اللّه عليه اذا بعث مصدّقه قال له: اذا أتيت على ربّ المال فقل: تصدّق رحمك اللّه ممّا أعطاك اللّه، فان ولّى عنك فلاتراجعه».(2)
و الظاهر أنّ ادّعاءه من عدم تعلّق الزكاة بماله مطابق للأصل أي أصالة عدم بلوغ ماله حدّ النصاب أو عدم استجماع الشرائط، فاذا قال: «لم يتعلّق بمالي شيء»فالأصل عدم تعلّق شيء بماله، و كذا اذا قال: «أخرجت زكاة مالي» بناءً على ما
عرفت من ثبوت الولاية للمالك و عدم وجوب نقلها الى الفقيه، فانّ من المعلوم سماع دعوى الولي فيما له الولاية عليه. مضافا الى أنّه اذا قلنا بأنّ المالك الدائن من الفقير يجوز له ابراء ذمّة المدين من الزكاة، فلو قال: «أدّيت زكاة مالي» فلابدّ من قبول قوله؛ لأنّ ذلك لايعلم الاّ من قبله.
و أمّا مع التهمة فلابأس بالتفحّص و التفتيش الاّ اذا كان ذلك موجبا لانتهاك عرضه.
ثمّ اعلم أنّ المصنّف قد ذكر هذه المسألة في فصل زكاة الأنعام في المسألة الخامسه عشرة فراجع.
«السادسة»: يجوز عزل الزكاة و تعيينها في مال مخصوص و ان كان من غير الجنس الذي تعلّقت به، من غير فرق بين وجود المستحقّ و عدمه على الأصحّ و ان كان الأحوط الاقتصار على الصورة الثانية. و حينئذ فتكون في يده أمانة لايضمنها الاّ بالتعدّي أو التفريط، و لايجوز تبديلها بعد العزل.
الشرح:
يجوز عزل الزكاة و تعيينها في مال مخصوص و ان كان من غير الجنس الذي تعلّقت به، و قد تقدّم دليل ذلك و ما يكون فيه من الفروع في المسألة الرابعة و الثلاثين من فصل زكاة الغلاّت.
و الكلام حينئذ في ضمان المعزول فيما لو تلف، فتارة يقع البحث عمّا اذا نقله الى بلد آخر فعرضه التلف فسيأتي البحث حوله عند تعرّض الماتن له في المسألة العاشرة. و أخرى يعزله و يؤخّر دفعه الى المستحقّ مع وجوده الى أن تلف، فانعدّ التأخير تسامحا و تفريطا فلا شبهة في الضمان، و يدلّ عليه قوله عليه السلام في صحيحة زرارة:
«ولكن ان عرف لها أهلاً فعطبت أو فسدت فهو لها ضامن (حتّى
و لايعارضها صحيحة عبيد بن زرارة عن أبي عبداللّه عليه السلام أنّه قال:
«اذا أخرجها من ماله فذهبت و لم يسمّها لأحد فقد برء منها».(3)
لأنّها تحمل على ما اذا لم يوجد هناك مستحقّ أو اذا لم يفرّط و لم يتسامح في ايصالها الى المستحقّ.
و أمّا لو أخّر ايصال الزكاة ليؤدّيها الى قوم خاصّ أو يصرفها في موضع معلوم فتلفت فلا ضمان، و ذلك لصحيحة أبي بصير عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«اذا أخرج الرجل الزكاة من ماله ثمّ سمّاها لقوم فضاعت أو أرسل بها اليهم فضاعت فلا شيء عليه».(4)
و موثّقة يونس بن يعقوب قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : زكاتي تحلّ عليّ في شهر، أيصلح لي أن أحبس منها شيئا مخافة أن يجيأني من يسألني(5)؟ فقال: اذا حال الحول فأخرجها من مالك، لاتخلطها بشيء، ثمّ أعطها كيف شئت. قال: قلت: فان أنا كتبتها و أثبتّها يستقيم لي؟ قال: لايضرّك».(6)
و صحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام :
«أنّه قال في الرجل يخرج زكاته فيقسم بعضها و يبقى بعض يلتمس لها المواضع فيكون بين أوّله و آخره ثلاثة أشهر. قال: لابأس».(7)
1) - في التهذيب: حين أخّرها.
2) - وسائل الشيعة 9: 286 / الباب 39 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 2.
3) - وسائل الشيعة 9: 286 / الباب 39 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 4.
4) - وسائل الشيعة 9: 286 / الباب 39 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 3.
5) - في التهذيب زيادة: يكون عندي عدّة.
6) - وسائل الشيعة 9: 307 / الباب 52 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 2.
7) - وسائل الشيعة 9: 308 / الباب 53 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 1.
قال في المستند: «اذا عزلها و أخّرها في الدفع مع وجود المستحقّ الى أن تلف فان عدّ التأخير تسامحا و تفريطا فلا شبهة في الضمان كما هو واضح. و أمّا اذا لم يكن كذلك بأن كان له غرض عقلائي في التأخير - كانتظار قدوم أحد أقاربه المستحقّين من السفر، أو شراء محلّ معروض للبيع لبناء مسجد أو حسينيّة، و نحو ذلك من الدواعي العقلائيّة الراجحة - فمقتضى القاعدة حينئذ عدم الضمان؛ اذ بعد أن كان العزل جائزا و التأخير سائغا لوجود مرجّح شرعي فلا جرم يكون المعزول أمانة شرعيّة عنده فلايضمن التلف. انتهى».(1)
و أمّا تبديلها بعد العزل فقد تقدّم الكلام فيه في المسألة الرابعة و الثلاثين من فصل زكاة الغلاّت.
«السابعة»: اذا اتّجر بمجموع النصاب قبل أداء الزكاة كان الربح للفقير بالنسبة و الخسارة عليه، و كذا لو اتّجر بما عزله و عيّنه للزكاة.
قد تقدّم شرح هذه المسألة في المسألة الثالثة و الثلاثين من فصل زكاة الغلاّت فراجع.
«الثامنة»: تجب الوصيّة بأداء ما عليه من الزكاة اذا أدركته الوفاة قبله، و كذاالخمس و سائر الحقوق الواجبة. و لو كان الوارث مستحقّا جاز احتسابه عليه، ولكن يستحبّ دفع شيء منه الى غيره.
الشرح:
قال في الشرائع: «و لو أدركته الوفاة أوصى بها وجوبا. انتهى».(2)
و في المدارك: «و لا ريب في وجوب ذلك؛ لتوقّف الواجب عليه، و لعموم الأمر بالوصيّة. و أوجب الشهيد في الدروس مع الوصيّة العزل أيضا و هو أحوط. انتهى».(1)
و في الجواهر: «على وجه تثبت به شرعا كغيرها من الأمانات و الديون بلا خلاف أجده، بل في المدارك: لا ريب فيه؛ لتوقّف الواجب عليه، و لعموم الأمر بالوصيّة، و لكونه كالخائن و المفرط بدون ذلك، بل أوجب الشهيد في الدروس العزل مع ذلك، و لعلّه لكونها كالدين الذي قد غاب صاحبه غيبة منقطعة. انتهى».(2)
أقول:
الدليل عليه مضافا الى ما مرّ حكم العقل و النقل بردّ الأمانات الى أهلها و ردّ الزكاة و كذا الخمس - من الحقوق الماليّة التي تكون في ذمّة صاحب المال - الى أهلها، فلو لم يؤدّها و أدركته الوفاة وجب عليه الوصيّة بأداء ما عليه، و من المعلوم أنّ وجوب الوصيّة طريقيّ لأن يصل المال الى صاحبه و ليس نفسيّا و تعبّديّا محضا بأن يقال انّها واجبة و ان علم بايصال الورثة المال الى أهله.
و لو كان الوارث مستحقّا جاز احتسابه عليه، و ذلك لصحيحة علي بن يقطين قال:
«قلت لأبي الحسن الأوّل عليه السلام : رجل مات و عليه زكاة و أوصى أن تقضى عنه الزكاة و ولده محاويج ان دفعوها أضرّ ذلك بهم ضررا شديدا! فقال: يخرجونها فيعودون بها على أنفسهم و يخرجون منها شيئا فيدفع الى غيرهم».(3)
و ظاهرها جواز الاحتساب و اعطاء ما عليه من الزكاة الى الوارث بعد وفاته و ان كان ممّن يجب نفقته على المورّث و هو في محلّه لانقطاع الوجوب بالموت.
و يستحبّ دفع شيء منه الى غيره؛ جمعا بين هذه الصحيحة التي ظاهرها الوجوب و بين ما دلّ على جواز قضاء الدين عن الأب كموثّقة اسحاق بن عمّار قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل على أبيه دين و لأبيه مؤونته، أيعطي أباه من زكاته يقضي دينه؟ قال: نعم، و من أحقّ من أبيه؟!».(1)
و نظيرها صحيحة زرارة.(2)
و في الجواهر: «و لو كان الورثة محاويج جاز احتسابها عليهم و ان كانوا ممّن تجب نفقتهم على المورّث؛ لانقطاع الوجوب عنه بالموت، الاّ أنّه يستحبّ دفع شيء منها لغيرهم؛ لصحيح علي بن يقطين. انتهى ملخّصا».(3)
«التاسعة»: يجوز أن يعدل بالزكاة الى غير من حضره من الفقراء، خصوصا مع المرجّحات و ان كانون مطالبين. نعم، الأفضل حينئذ الدفع اليهم من باب استحباب قضاء حاجة المؤمن، الاّ اذا زاحمه ما هو أرجح.
الشرح:
يجوز أن يعدل بالزكاة الى غير من حضره من الفقراء؛ للأدلّة التي دلّت على أنّ صرف الزكاة الى الأصناف الثمانية بيد المالك، الاّ أنّ الأفضل حينئذ الدفع اليهم؛ لاستحباب قضاء حاجة المؤمن سواء كانوا مظهرين حاجتهم أو لم يظهروا؛ لأنّ مجرّد حضورهم طلب الحاجة. نعم، اذا زاحمه ما هو أرجح فالأفضل الدفع الى
الأرجح، كما هو واضح.
«العاشرة»: لا اشكال في جواز نقل الزكاة من بلده الى غيره مع عدم وجود المستحقّ فيه، بل يجب ذلك اذا لم يكن مرجوّ الوجود بعد ذلك و لم يتمكّن من الصرف في سائر المصارف، و مؤونة النقل حينئذ من الزكاة. و أمّا مع كونه مرجوّ الوجود فيتخيّر بين النقل و الحفظ الى أن يوجد. و اذا تلفت بالنقل لم يضمن مع عدم الرجاء و عدم التمكّن من الصرف في سائر المصارف. و أمّا معهما فالأحوط الضمان. و لا فرق في النقل بين أن يكون الى البلد القريب أو البعيد مع الاشتراك في ظنّ السلام ة و ان كان الأولى التفريق في القريب ما لم يكن مرجّح للبعيد.
الشرح:
في المسألة فروع:
يجوز نقل الزكاة من بلده الى غيره مع عدم وجود المستحقّ فيه بلا خلاف و لا اشكال، كما في الجواهر(1)، و في التذكرة و المنتهى الاجماع عليه.
قال في التذكرة: «لو لم يجد المستحقّ في بلده جاز النقل اجماعا و لا ضمان؛ لعدم التفريط. انتهى».(2)
و في المنتهى: «لو لم يوجد المستحقّ في بلدها جاز نقلها مع ظنّ السلام ة و لايضمن مع التلف حينئذ بلا خلاف؛ لأنّ الدفع واجب و لايمكن الاّ بالنقل فيكون
جائزا و لايضمن؛ لأنّه تصرّف تصرّفا مشروعا مأذونا فيه. انتهى».(1)
و يدلّ على ذلك صحيحة ضريس قال:
«سأل المدائني أبا جعفر عليه السلام قال: انّ لنا زكاة نخرجها من أموالنا ففيمن نضعها؟ فقال: في أهل ولايتك. فقال: انّي في بلاد ليس فيها أحد من أوليائك. فقال: ابعث بها الى بلدهم تدفع اليهم و لاتدفعها الى قوم اذا دعوتهم غدا الى أمرك لم يجيبوك و كان و اللّه الذبح».(2)
و خبر يعقوب بن شعيب الحدّاد عن العبد الصالح عليه السلام قال:
«قلت له: الرجل منّا يكون في أرض منقطعة، كيف يصنع بزكاة ماله؟ قال: يضعها في اخوانه و أهل ولايته. قلت: فان لم يحضره منهم فيهاأحد؟ قال: يبعث بها اليهم. قلت: فان لم يجد من يحملها اليهم؟ قال: يدفعها الى من لاينصب. قلت: فغيرهم؟ قال: ما لغيرهم الاّ الحجر».(3)
و سيأتي البحث عن جواز النقل مع وجود المستحقّ.
لا شبهة في عدم وجوب النقل اذا تمكّن من الصرف في سائر المصارف، ضرورة جواز الصرف حتّى مع وجود الفقير فضلاً عن عدمه، أو رجاء الوجود، فيجوز الانتظار بل قد عرفت جوازه (في السادسة من فصل بقيّة أحكام الزكاة) حتّى مع وجود المستحقّ، فتكون الزكاة حينئذ أمانة عنده لايضمن الاّ مع التفريط
كما تقدّم.
انّما الكلام مع اليأس من الفقير في البلد و عدم وجود مصرف آخر، فهل يجب النقل حينئذ؟ الظاهر ذلك اذا لم يكن هناك حرج، و كان الطريق آمنا، و ذلك لتوقّف أداء الواجب عليه؛ اذ الظاهر من الأدلّة الأوّليّة من الكتاب و السنّة وجوب اخراج الزكاة و ايصالها الى أربابها، و لايجوز المسامحة و التأخير في ذلك من غير غرض عقلائي كما هو المفروض، فانّه نوع تضييع حقّ على المستحقّ، كما يكون نوع حبس و منع، و هذا الذي قلنا كافٍ للدليل على وجوب النقل و لانحتاج الى التمسّك بصحيحة ضريس حتّى يستشكل فيه - كما في الجواهر(1)- بأنّ الأمر فيمقام توهّم الحظر، أو أنّ المقصود منه المنع من اعطائه لغير الموالي، أو احتمال أن يكون الأمر ارشاديّا، و ان أجاب عنها في المستمسك بأنّه خلاف الظاهر. و ما ظهر من المستند(2)من أنّ الاستدلال لذلك بصحيحة ضريس المتقدّمة في غير محلّه، ففيما ذهب اليه من البيان و البرهان اشكال يظهر بالتأمّل فراجع.
ففي المستمسك في شرح قول المصنّف «بل يجب ذلك اذا لم يكن مرجوّ الوجود بعد ذلك» قال: «امّا لئلاّيلزم تضييع الحقّ على مستحقّه، المعلوم من مذاق الشارع تحريمه، لكنّه لايتمّ في صورة العلم بعدم لزومه، و امّا لتوقّف الأداء الواجب عليه، لكنّه يتوقّف على وجوب الأداء المطلق؛ اذ لو كان الواجب من الأداء ما يقابل الحبس و المنع لم يستدع وجوبه وجوب النقل. انتهى».(3)
ففيه: كما قلنا، اذا لم يجز المسامحة و التأخير من غير غرض عقلائي فصرف حفظه مع امكان النقل الى مكان آخر و ايصالها الى المستحقّ تضييع حقّ للمستحقّ، و على هذا الفرض لا معنى لما استدركه رحمه الله من قوله: «لكنّه لايتمّ في
صورة العلم بعدم لزومه»، كما أنّ مجرّد حفظه على فرض ما تقدّم حبس و منع.
ثمّ قال: «و امّا لصحيح ضريس السابق، الاّ أن يستشكل فيه - كما في الجواهر - «بأنّ الأمر في مقام توهّم الحظر، أو أنّ المقصود منه المنع من اعطائه لغير الموالي». لكن يدفع الثاني: أنّ المتكفّل للمنع من الاعطاء لغير الموالي قوله عليه السلام «و لاتدفعها ... »، كما أنّه يدفع الأوّل أنّه خلاف الظاهر من غير قرينة. و مثله احتمال أن يكون الأمر ارشاديّا؛ لبيان طريق الايصال الى المستحقّ، لا مولويّا تعبّديّا، فانّه أيضا خلاف الظاهر. انتهى».(1)
و ما دفع به اشكال صاحب الجواهر حسن.
و ما استشكل به صاحب المستند من «أنّ الأمر بالنقل في هذه الحالة ارشاد الى طريق يوصل السائل الى مطلوبه، لأنّه حكم تكليفيّ مولويّ ليدلّ على الوجوب، كيف؟! و لو أريد ذلك للزم التقييد باليأس عن الفقير و بتعذّر مصرف آخر، و من البيّن أنّ ذينك التقييدين يستوجبان حمل الصحيحة على الفرد النادر جدّا».(2)
ففيه: انّ الظاهر من الأمر بالبعث الى بلد أهل الولاية هو الحكم التكليفي، و لايلزم التقييد باليأس عن الفقير و بتعذّر مصرف آخر حينئذ؛ لأنّ الظاهر من فرض مسألة السائل ذلك و ما استبعده بعد ذلك ليس ببعيد.
قال في الجواهر: «و أجرة النقل على المالك كما جزم به ثاني الشهيدين في الروضة، و قد يحتمل كونها من الزكاة فيما لا سبيل له الى الايصال فيه الاّ النقل،
خصوصا مع عدم امكان الابقاء أمانة لخوف تلف و نحوه. انتهى».(1)
وجه كونها على المالك أنّ الايتاء و الايصال الى المستحقّ واجب عليه فيجب تحصيل مقدّماته فتكون نظير أجرة الكيل و الوزن.
و استدلّ للقول بكونها من الزكاة تارة بأنّ الصرف لمصلحة المستحقّ، و المالك محسن و ما على المحسنين من سبيل.
و أخرى بأصالة براءة المالك من تحمّل المؤونة.
و ردّ الأولى بعدم الدليل على جواز صرف كلّ ما كان في مصلحة المال ما لم تثبت الولاية للمتصرّف.
و الثانية بأنّه ان أريد به أصالة البراءة عن وجوب الصرف على المالك فهو و ان صحّ لكنّه لايثبت جواز الصرف من الزكاة. و ان أريد به أصالة البراءة عن الضمان لو صرف، فاطلاق ما دلّ على سببيّة الاتلاف للضمان يردّه.
و ثالثة باندراج المقام في الأمور الحسبيّة؛ اذ بعد خروج الزكاة المعزولة عن ملك المالك و القطع من مذاق الشارع بعدم رضائه ببقائها و تعطيلها الى أن يعرضها التلف، بل وجوب ايصالها الى مستحقّها، فلابدّ من القول بتصدّي الايصال على كلّ أحد حسبة، و صرف مقدار منها في سبيل مؤونة النقل باجازة من الحاكم الشرعي ان كان، و الاّ فمن عدول المؤمنين، و لو لم يكن أحد قطعا يكون هو المتولّي و المتصدّق لذلك.
أقول:
الظاهر أنّ ما ذهب اليه المصنّف من كون مؤونة النقل حينئذ من الزكاة جائز حسن، و الدليل عليه هو الوجه الثالث بكونها من الأمور الحسبيّة فباجازة الحاكم الشرعي تؤخذ من الزكاة. و بهذا الاستدلال يفرق المورد عن مسألة أجرة الكيل و
1) - جواهر الكلام 15: 433.
الوزن لو قلنا بأنّها على أرباب الأموال، كأجرة الكيّال و الوزّان في البيع على البائع و ان كان يمكن أن يقال انّها أيضا على أرباب الصدقات؛ لأنّ اللّه تعالى أوجب عليهم قدرا معلوما من الزكاة. فلو قلنا انّ الأجرة تجب عليهم لزدنا على قدر الواجب. مضافا الى ما تقدّم من أنّه تخرج المؤونة من المال الزكوي ثمّ تخرج الزكاة ممّا بقي و أجرة الكيّال و الوزّان من المؤونة.
اذا قلنا بوجوب نقل الزكاة الى بلد آخر لعدم وجود المستحقّ و لم يكن مرجوّ الوجود و لم يتمكّن من الصرف في سائر المصارف و كان الطريق أمنا، فلو تلفت بالنقل لم يضمن، و ذلك لصحيحة محمّد بن مسلم قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : رجل بعث بزكاة ماله لتقسّم فضاعت، هل عليه ضمانها حتّى تقسّم؟ فقال: اذا وجد لها موضعا فلم يدفعها(1)فهو لها ضامن حتّى يدفعها، و ان لم يجد لها من يدفعها اليه فبعث بها الى أهلها فليس عليه ضمان؛ لأنّها قد خرجت من يده، و كذلك الوصي الذي يوصى اليه يكون ضامنا لما دفع اليه اذا وجد ربّه الذي أمر بدفعه اليه، فان لم يجد فليس عليه ضمان».(2)
و الظاهر أنّه لا اشكال و لا خلاف في ذلك.
و أمّا اذا كان المستحقّ مرجوّ الوجود فقال المصنّف بالتخيير بين النقل و الاحتفاظ.
و العلاّمة في الارشاد بعد ما أفتى بحرمة النقل قال: «و يجوز النقل مع عدم المستحقّ و لا ضمان، و لو حفظها حينئذ في البلد حتّى يحضر المستحقّ فلا ضمان. انتهى».(1)
فظاهر عبارته التخيير بين النقل و الاحتفاظ مع كون المستحقّ مرجوّ الوجود.
و في الجواهر بعد نقل كلام العلاّمة قال: «بل قيل: انّه لايظهر خلافه من كلام غيره من الأصحاب و لا من ألفاظ النصوص؛ اذ ليس فيها الاّ نفي الضمان و الجواز و نفي البأس. انتهى».(2)
أقول:
الظاهر التخيير بين النقل و الاحتفاظ و عدم وجوب النقل اذا كان وجود المستحقّ مرجوّا، و ذلك لعدم الدليل على الوجوب، و صحيحة ضريس ظاهرة في صورة اليأس، فلاتشمل ما نحن فيه.
ذكر المفيد رحمه الله عدم جواز النقل مع رجاء قرب وجود المستحقّ، فانّه قال: «و اذا جاء الوقت فعدم صاحب المال عنده مستحقّ الزكاة عزلها من جملة ماله الى أن يجد من يستحقّها من أهل الفقر و الايمان، و ان قدر على اخراجها الى بلد يوجد فيه مستحقّ الزكاة أخرجها و لم ينتظر بها وجود مستحقّها ببلده، الاّ أن يغلب في ظنّه قرب وجوده، و يكون أولى بها ممّن يحمل اليه من أهل الزكاة على ما جاء به الأثر عن آل الرسول عليهم السلام . انتهى».(3)
و وافقه سلاّر رحمه الله فقال: «فاذا دخل وقت الوجوب و لم يحضر مستحقّها فرسم عزلها من ماله الى أن يحضر مستحقّها، فان غلب في ظنّه أنّه لايحضر أخرجها الى بلد يعلم أنّه فيه، فان هلكت في الطريق فلا شيء عليه، و ان أخرجها مع حضوره
فهلكت فعليه الغرامة. انتهى».(1)
و قد تقدّم آنفا أنّ الأظهر التخيير حينئذ؛ لعدم الدليل على ما ذهب اليه.
و لا ضمان في هذه الصورة (أي فيما لو كان المستحقّ مرجوّ الوجود و لم يتمكّن من الصرف في سائر المصارف) لو نقلها الى بلد المستحقّ و تلفت، و ذلك لاطلاق صحيحة محمّد بن مسلم المتقدّمة آنفا، و صحيحة زرارة قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل بعث اليه أخ له زكاته ليقسمها فضاعت؟ فقال: ليس على الرسول و لا على المؤدّي ضمان. قلت: فانّه لم يجد لها أهلاً ففسدت و تغيّرت، أيضمنها؟ قال: لا، ولكن ان عرف لها أهلاً فعطبت أو فسدت فهو لها ضامن (حتّى يخرجها)(2)».(3)
قد احتاط المصنّف فيما اذا كان المستحقّ مرجوّ الوجود أو كان متمكّنا من الصرف في سائر المصارف.
و قال في المستمسك: «كأنّ احتياط المصنّف لاحتمال شمول نصوص الضمان للمورد، كصحيحة محمّد بن مسلم و زرارة المتقدّمتان. - ثمّ قال: - الظاهر شمول النصوص للضمان؛ اذ الموضع و الأهل (في الروايتين) يعمّ الفقراء و سائرالمصارف. و لاسيّما بملاحظة الارتكاز العرفي، فانّ النقل مع وجود المصرف نوع
من التفريط. و لاينافي ذلك التعبير بالدفع في الأوّل (صحيحة ابن مسلم) الذي لايشمل الصرف؛ لأنّ الظاهر منه - بملاحظة الارتكاز العقلائي، و ما في ذيله من حكم الوصيّة - مجرّد صرف المال في موضعه. مع أنّ صحيحة زرارة خالية عنه. نعم، اطلاق نفي الضمان في جملة من النصوص ممّا يبعد تنزيله على صورة تعذّر المصرف كلّيّة لندرته. و حينئذ يتعيّن حمل الصحيحتين على خصوص صورة تعذّر الأداء، كما في بعض الأصناف و ان أمكن الصرف في سبيل اللّه تعالى أو غيره من الأصناف. قيل: و يساعد ذلك ظهور الاجماع - المحكي من التذكرة و المنتهى - على الضمان بمجرّد التمكّن من الأداء، الظاهر في انتفائه مع تعذّر الأداء و ان تمكّن من الصرف. و لعلّ نكتة الفرق بين الأداء و الصرف أنّ الأوّل لايحتاج الى كلفة غالبا، بخلاف الثاني. فتعذّر الأوّل يكون كافيا في نفي الضمان و ان أمكن الثاني. لكن الانصاف أنّ رفع اليد عن ظهور الصحيحتين في توقّف نفي الضمان على تعذّر الصرف، بدعوى لزوم حمل النصوص النافية للضمان على الفرض النادر، غير ظاهر؛ لامكان منع ذلك في ذلك الزمان في جملة من الأمكنة التي تجب فيها الزكاة، فالحكم بالضمان مع امكان الصرف، في محلّه. انتهى».(1)
و أمّا صاحب المستند فلم يرتض بالضمان، و اختار قول صاحب الجواهر بعدم الضمان؛ نظرا الى أنّ الموضوع لنفي الضمان هو النقل مع عدم وجود المستحقّ لا مع عدم وجود مصرف آخر للزكاة، فاطلاقه يشمل المقام. ثمّ في توضيح كلامه قال: «انّ ما يستدلّ به للضمان روايتان:
احداهما صحيحة محمّد بن مسلم المتقدّمة، بدعوى أنّ المراد من الموضعالذي علّق عليه الضمان في قوله «اذا وجد لها موضعا. الخ»، هو المعنى الأعمّ الشامل للمستحقّ و لغيره من سائر المصارف، فكأنّه عليه السلام علّق عدم الضمان على عدم التمكّن من الصرف في شيء من المصارف الثمانية المنفي في الفرض.
1) - مستمسك العروة 9: 324 و 325.
ثانيتهما صحيحة زرارة المتقدّمة، حيث ورد فيها «ولكن ان (اذا) عرف لها أهلاً فعطبت أو فسدت فهو لها ضامن حتّى يخرجها»، حيث علّق الضمان على وجدان الأهل، بدعوى شمول الأهل لمطلق المصرف من غير اختصاص بالمستحقّ، و شيء منهما لايتمّ.
أمّا الأخيرة، مضافا الى ظهور الأهل في الشخص لا في مطلق الصرف كما لايخفى، فموردها - على ما عرفت سابقا - انّما هو التلف عند الوكيل - أي الأخ المبعوث اليه الزكاة، و أنّه يضمن مع وجود الأهل لو أخّر الصرف حتّى تلف و لايضمن مع عدمه - لا عند المالك الناقل بأن يعرضه التلف في الطريق الذي هو محلّ الكلام. فلا علاقة للرواية بالمقام بوجه.
و أمّا الأولى فلقرائن تشهد بارادة المستحقّ من الموضع لا مطلق الصرف:
منها التعبير ب- «التقسيم»، فانّه ظاهر في التوزيع على الفقراء كما لايخفى.
و منها التعبير ب- «الدفع» في قوله «فلم يدفعها اليه»، فانّ الذي يدفع اليه هو الفقير، و لو أريد المعنى الآخر لعبّر بالصرف بدلاً عن الدفع كما لايخفى.
و منها قوله «و ان لم يجد لها من يدفعها اليه» فانّ الموصول ظاهر في ذوي العقول - أي لم يجد شخصا من الفقراء يدفعها اليه - فلايشمل مطلق الصرف. فهى اذن تدلّ على دوران الضمان مدار وجود الفقير و عدمه.
ثمّ أكّد ما ذكره من اناطة عدم الضمان بعدم وجود الفقير في البلد و ان أمكن الصرف في سائر الجهات باطلاق عدّة من الروايات، كمعتبرة أبي بصير عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«اذا أخرج الرجل الزكاة من ماله ثمّ سمّاها لقوم فضاعت أو أرسل بها اليهم فضاعت فلا شيء عليه».(1)
و معتبرة أخرى له قال:
1) - وسائل الشيعة 9: 286 / الباب 39 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 3.
«قلت لأبي جعفر عليه السلام : جعلت فداك، الرجل يبعث بزكاة ماله من أرض الى أرض فيقطع عليه الطريق. فقال: قد أجزأته عنه، و لو كنت أنا لأعدتها».(1)
و معتبرة بكير بن أعين قال:
«سألت أبا جعفر عليه السلام عن الرجل يبعث بزكاته فتسرق أو تضيع. قال: ليس عليه شيء».(2)
أقول:
ما ذهب اليه صاحب المستند من الدليل على عدم الضمان فيما لو نقلها الى بلد آخر لعدم المستحقّ مع امكان الصرف في سائر الجهات، و ان كان متينا و يرجّح على استدلال صاحب المستمسك، الاّ أنّ هنا شيئا يلزم الالتفات اليه، و هو أنّ الأئمّة عليهم السلام لم يكونوا مبسوطي اليد، فلم يكن لهم هناك عامل و لا المؤلّفة قلوبهم، فهم الكفّار الذين كانوا في الثغور؛ لأنّ المملكة الاسلاميّة كانت تحت
سلطة الأمويّين و العبّاسيّين، و في سبيل اللّه الذي كان بمعنى ما ينتفع به العامّة من المساجد و القناطر و ... فهو أيضا كان تحت سلطتهم، فبقي الفقراء و المساكين و الغارمين من أهل الولاية و كذا الرقاب و ابن السبيل. و على هذا لايمكن المساعدة له في التمسّك باطلاق الروايات و ما ذهب اليه من التوضيح للصحيحتين المتقدّمتين؛ لأنّ الظاهر أنّ سائر المصارف لم تكن موجودة في ذلك الزمان لما قلنا؛ فالاحتياط في محلّه.
ثمّ انّه لا فرق في النقل بين أن يكون الى البلد القريب أو البعيد مع الاشتراك في ظنّ السلام ة، و ذلك لاطلاق الأدلّة بعد فقد ما يصلح للتقييد. و سيأتي في المسألة التالية من أنّ الأولى التفريق في القريب ما لم يكن هناك مرجّح للبعيد.
«الحادية عشرة»: الأقوى جواز النقل الى البلد الآخر و لو مع وجود المستحقّ في البلد و ان كان الأحوط عدمه كما أفتى به جماعة. ولكن الظاهر الاجزاء لو نقل على هذا القول أيضا. و ظاهر القائلين بعدم الجواز وجوب التقسيم في بلدها لا في أهلها، فيجوز الدفع في بلدها الى الغرباء و أبناء السبيل. و على القولين اذا تلفت بالنقل يضمن، كما أنّ مؤونة النقل عليه لا من الزكاة. و لو كان النقل باذن الفقيه لم يضمن و ان كان مع وجود المستحقّ في البلد. و كذا - بل و أولى منه - لو وكّله في قبضها عنه بالولاية العامّة، ثمّ أذن له في نقلها.
الشرح:
اختلف الأصحاب في جواز نقل الزكاة من بلد الى آخر مع وجود المستحقّ في البلد. ففي المختلف: «قال الشيخ في الخلاف و المبسوط بعدم الجواز، و في النهاية اكتفى بالضمان، و في الاقتصاد أفتى بالجواز. و قال المفيد في المقنعة بعدم الاجزاء (لو هلكت). و في الوسيلة قال بالكراهة. و قال أبو الصلاح: و أهل المصر أولى من قطّان (مقيم) غيره. و الأقرب عندي جواز النقل على كراهية. انتهى
ملخّصا».(1)
و الأقوى جواز نقل الزكاة الى بلد آخر ولو مع وجود المستحقّ في البلد.
قال في المستمسك: «كما عن جماعة كثيرة، منهم الشيخان و الحلبي و ابنا زهرة و حمزة و العلاّمة و الشهيدان في جملة من كتبهم، بل نسب الى أكثر المتأخّرين. انتهى».(2)
و الدليل على ذلك صحيحة هشام بن الحكم عن أبي عبداللّه عليه السلام :
«في الرجل يعطى الزكاة يقسّمها، أ له أن يخرج الشيء منها من البلدة التي هو بها الى غيرها؟ فقال: لابأس».(3)
و صحيحة أحمد بن حمزة قال:
«سألت أبا الحسن الثالث عليه السلام عن الرجل يخرج زكاته من بلد الى بلد آخر و يصرفها في اخوانه، فهل يجوز ذلك؟ قال: نعم».(4)
و خبر درست بن أبي منصور قال:
«قال أبو عبداللّه عليه السلام في الزكاة يبعث بها الرجل الى بلد غير بلده، قال: لابأس يبعث بالثلث أو الربع».(5)
و استدلّ المخالف بوجوه:
أحدها الاجماع، كما عن التذكرة، فانّه قال: «لايجوز نقل الزكاة عن بلدها مع وجود المستحقّ فيه عند علمائنا أجمع. انتهى».(6)
و فيه: انّ الاجماع لايتحقّق؛ لظهور الخلاف حتّى من العلاّمة في بعض كتبه.
1) - مختلف الشيعة 3: 121 و 122.
2) - مستمسك العروة 9: 325.
3) - وسائل الشيعة 9: 282 / الباب 37 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 1.
4) - وسائل الشيعة 9: 283 / الباب 37 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 4.
5) - وسائل الشيعة 9: 283 / الباب 37 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 2.
6) - تذكرة الفقهاء 5: 341.
قال في المختلف: «و الأقرب عندي جواز النقل على كراهية مع وجود المستحقّ، و يكون صاحب المال ضامنا كما اختاره صاحب الوسيلة. انتهى».(1)
و قال في المنتهى: «قال بعض علمائنا: يحرم نقل الصدقة من بلدها مع وجود المستحقّ فيه. و به قال عمر بن عبدالعزيز و سعيد بن جبير و طاووس و النخعي و مالك و الثوري و أحمد. و قال أبو حنيفة: يجوز، و به قال المفيد من علمائنا، و الشيخ في بعض كتبه، و هو الأقرب عندي، و للشافعي قولان. انتهى».(2)
ثانيها بأنّه معرّض للخطر. قال في المختلف: «احتجّ المانعون بأنّ فيه نوع خطر و تقرير بالزكاة، و تعريضا لاتلافها مع امكان ايصالها الى مستحقّها فيكون حراما. و فيه: انّ المحمول و ان تعرّض للتلف، لكن الزكاة لاتسقط عنه؛ لأنّا نوجب عليه الضمان فاندفع المحذور. انتهى».(3)
مضافا الى أنّ النقل بمجرّده لايلازم الخطر، بل ربّما يكون الاحتفاظ متوقّفا على النقل فيجب، فانّ المالك أمين على الزكاة و يجب عليه حفظ الأمانة عنالمخاطرة، سواء كانت في السفر أم في الحضر، فان كان الخطر في النقل لم يجز و لايسوّغه الضمان، فانّ تعريض الأمانة للمخاطرة غير جائز في نفسه و ان تعهّد ضمانها، و ان كان في البقاء لم يجز البقاء أيضا. و بالجملة بين النقل و الخطر عموم من وجه و لا ملازمة بينهما، فلايصحّ الاستدلال بما هو أخصّ من المدّعى.(4)
ثالثها منافاته للفوريّة. ففي المختلف: «انّ الزكاة ان وجبت على الفور حرم السفر بها، و المقدّم ثابت فالتالي مثله، و الشرطيّة ثابتة ظاهرة؛ اذ في السفر تأخير لها عن الايصال الى المستحقّ، و المقدّم ظاهر الثبوت أيضا؛ لما تقدّم من النهي
عن تأخير الزكاة مع امكان الدفع.
و فيه: نمنع من استلزام السفر التأخير؛ فانّ السفر نفسه شروع في الاخراج، و لايجب على المخرج المسارعة الى الاخراج في أسرع وقت و الاّ حرم عليه القسمة بين الفقراء؛ لامكان ايصالها الى واحد في زمان أقصر، و لمّا كان ذلك باطلاً فكذا الأوّل. انتهى».(1)
و يؤيّده ظهور بعض الأدلّة في جواز التأخير شهرا و أكثر. مضافا الى أنّ النقل لايلازم التأخير، و ربّما يكون الايصال الى المستحقّ أسرع من الأداء في البلد.
رابعها: النصوص المتضمّنة بأنّه لاتحلّ صدقة المهاجرين للأعراب، و لا صدقة الأعراب للمهاجرين، كصحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«لاتحلّ صدقة المهاجرين في الأعراب، و لا صدقة الأعراب في المهاجرين».(2)
و صحيحة عبدالكريم بن عتبة الهاشمي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«كان رسول اللّه صلى الله عليه و آله يقسّم صدقة أهل البوادي في أهل البوادي، و صدقة أهل الحضر في أهل الحضر».(3)
و في مرسلة حمّاد الطويلة:
«و كان رسول اللّه صلى الله عليه و آله يقسّم صدقات البوادي في البوادي و صدقات أهل الحضر في أهل الحضر».(4)
و فيه: انّه أخصّ من المدّعى؛ اذ قد يكون النقل من الأعراب اليهم، و من المهاجرين اليهم، و كذا في البوادي و الحضر، و بعبارة أخرى لاتدلّ هذه
الروايات على حرمة النقل الذي هو المدّعى؛ لامكان العمل بما تضمّنته هذه الروايات مع النقل أيضا.
و في المستند: «انّهما أجنبيّتان عمّا نحن فيه و لا نظر فيهما الى النقل، فانّ موردهما النهي عن دفع صدقة أهل البادية الى الحضري حتّى اذا كان موجودا في البادية و كذلك صدقة الحضري الى البدوي و ان كان موجودا في الحضر، فلا نظر فيهما الى النقل نفسه بحيث يتناول الحكم نقل صدقة أهل البادية الى بادية أخرى مثلها، أو نقل صدقة الحضري الى حضريّ مثله في بلد آخر. فالمستفاد منها لزوم دفع صدقة كلّ صنف من البدوي و الحضري أو الأعراب و المهاجرين الى ما يماثله في الصنف لا ما يقابله، سواء أكان ذلك مقرونا بالنقل أم لا، فلا ارتباط لذلك بمحلّ الكلام لتتحقّق المعارضة بين الطائفتين. و حيث لا قائل باعتبار المماثلة المزبورة فلا جرم يكون الحكم محمولاً على التنزيه من الكراهة أو الاستحباب، كما يفصح عنه ما في ذيل الثانية من قوله عليه السلام «ليس عليه في ذلك شيء موقّف موظّف. انتهى».(1)
و يؤيّد ذلك ارسال النبي صلى الله عليه و آله و الوصي عليه السلام العمّال لجباية الصدقات و ايتائها اليهما.
و نوقش في التأييد و أصل الجواب أنّ الكلام في نقل المالك لا نقل الامام و عمّاله، و بأنّ الثابت من نقل العمّال و المتيقّن منه انّما هو فيما زاد على حاجة أهل المحلّ، و بأنّ المقصود من الأخبار المذكورة صرف كلّ صدقة في بلدها و محلّها لا صرف صدقة البادية في البادية ولو في بادية أخرى و صرف صدقة الحضر ولو في غير هذا الحضر.
خامسها: ما دلّ على الضمان بالنقل مع وجود المستحقّ، كصحيحتي محمّد بن مسلم و زرارة المتقدّمتين، بتقريب أنّ الضمان من لوازم التعدّي و التفريط و
1) - مستند العروة 24: 235.
هما محرّمان بالنسبة الى الأمانات و منها الزكوات.
و فيه: انّ الصحيحتين تدلاّن على الحكم الوضعي أعني الضمان فقط، و الضمان أعمّ من الحرمة؛ اذ من الممكن اجازة الشارع للنقل بشرط الضمان، و هذا أمر عقلائيّ عرفي.
سادسها: قاعدة الشغل و انّها تقتضي تحصيل الفراغ اليقيني، و لايحصل هذا الاّ بالصرف في البلد.
و فيه: عدم جريان قاعدة الشغل بعد اقتضاء الاطلاقات تخيير المالك.
فتحصّل أنّه لا مقيّد لصحيحتي هشام بن الحكم و أحمد بن حمزة فانّهما ناطقتان صريحا بجواز النقل مضافا الى اطلاقات الأمر بالأداء الواردة في الكتاب و السنّة فانّها تشمل الأداء في البلد و خارجه، فانّ تلك الوجوه لاتصلح للتقييد.
و على القول بالتحريم لو نقلت و أعطيت مستحقّها أجزأ بلا خلاف ولا اشكال.
قال في المدارك: «لو قلنا بتحريم النقل فنقلها أجزأته اذا وصلت الى الفقراء عند علمائنا أجمع؛ لصدق الامتثال. و قال بعض العامّة: لايجزيه؛ لأنّه دفعها الى غير من أمر بالدفع اليه فأشبه ما لو دفعها الى غير الأصناف. و هو معلوم البطلان. انتهى».(1)
و في الجواهر: «فلو نقلها أو أوصلها الى المستحقّ أجزأ عند علمائنا أجمع، كما في المدارك و عن الخلاف و المنتهى و التذكرة و المختلف لصدق الامتثال. انتهى».(2)
و الدليل على ذلك امتثال ما أمر به و هو الايصال الى المستحقّ. و قوله عليه السلام في صحيحة محمّد بن مسلم المتقدّمة:
«اذا وجد لها موضعا فلم يدفعها (اليه) فهو لها ضامن حتّى يدفعها».(1)
فجعل غاية الضمان الدفع الى المستحقّ، و أنّ موجب الضمان انّما هو الضياع و رافعه هو الدفع الى المستحقّ حيثما تحقّق و ان كان في غير البلد.
ان قلت: ان كان المستند لتحريم النقل رعاية الفوريّة و حفظ المال من الخطر و التلف فلايخفى أنّه حكم مستقلّ طريقيّ فلايقيّد به اطلاق الآية و الروايات المبيّنة للمصارف الثمانية. بل لو شكّ في التقييد أيضا فالأصل يقتضي العدم؛ اذ التقييد يتوقّف على احراز وحدة الحكم. و ان كان المستند الأخبار التي مرّت في الوجه الرابع فالحكم بالاجزاء مشكل؛ اذ مقتضى الأخبار كون صدقة كلّ بلد أومنطقة لأهل تلك المنطقة و أنّها جعلت لانتفاعهم و سدّ خلاّتهم بها فهي في الحقيقة حقّ جعله اللّه لهم فلايحلّ لغيرهم كما دلّ على ذلك صحيحة الحلبي، قلت: اذا تأمّلت في صحيحة عبدالكريم بن عتبة الهاشمي التي رواها في الكافي تجد أنّ المحاجّة التي وقعت بينه عليه السلام و بين عمرو بن عبيد كانت في الامامة، و منها يكشف عن أنّ على الامام و خليفة رسول اللّه صلى الله عليه و آله رعاية مستحقّي البلد، و لاينقل زكاة أغنيائهم الى بلد آخر مع وجود الفقراء فيهم، فانّهم متوقّعون منه ذلك فيعطيهم حتّى يسدّ خلّتهم، و هذا لاينافيه جواز نقل أحد ممّن عليه الزكاة الى بلد آخر كما في صحيحتي هشام بن الحكم و أحمد بن حمزة.
و احتمل الشهيد في الروضة عدم الاجزاء فقال: «و يجزئ لو نقلها أو أخرجها في غيره على القولين (أي على القول بالاثم و على القول بالعدم)، مع احتمال العدم (أي عدم الاجزاء)؛ للنهي (عن العبادة المفسدة لها) على القول به. انتهى».(2)
و فيه: انّ النهي على تقدير القول بالمنع عن النقل انّما تعلّق به لا بالدفع الى المستحقّ في غير البلد.
ثمّ اعلم أنّ ظاهر القائلين بالمنع هو وجوب التقسيم في بلد المال، لا التقسيم في أهله فيجوز الدفع الى الغرباء و أبناء السبيل في بلد المال؛ لاستدلالهم في ذلك (أي حرمة النقل) كونه منافيا للفوريّة أو تعريضا له للخطر و التلف. بل الظاهر من تقسيم صدقة أهل البوادي فيهم و صدقة أهل الحضر فيهم التقسيم بين الموجودين من الأصناف في البلد في مقابل النقل منهم الى غيرهم.
الفرع فرعان:
و على القولين اذا تلفت بالنقل مع التمكّن من دفعها الى المستحقّ يضمن اجماعا.
ففي المنتهى: «لو نقلها مع وجود المستحقّ ضمن اجماعا؛ لأنّ المستحقّ موجود و الدفع ممكن، فالعدول الى الغير يقتضي وجوب الضمان. انتهى».(1)
و في الجواهر: «فان فعل شيئا من ذلك (النقل الى البلد الآخر مع وجود المستحقّ) أثم و ضمن؛ للتعدّي و للنصوص المتقدّمة في الضمان الذي لم نجد فيه خلافا على كلّ حال. انتهى».(2)
و الدليل على ذلك صحيحة محمّد بن مسلم قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : رجل بعث بزكاة ماله لتقسّم فضاعت، هل عليه ضمانها حتّى تقسّم؟ فقال: اذا وجد لها موضعا فلم يدفعها
(اليه) فهو لها ضامن حتّى يدفعها، و ان لم يجد لها من يدفعها اليه فبعث بها الى أهلها فليس عليه ضمان؛ لأنّها قد خرجت من يده، و كذلك الوصي الذي يوصى اليه يكون ضامنا لما دفع اليه اذا وجد ربّه الذي أمر بدفعه اليه، فان لم يجد فليس عليه ضمان».(1)
و صحيحة زرارة قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل بعث اليه أخ له زكاته ليقسّمهافضاعت. فقال: ليس على الرسول و لا على المؤدّي ضمان. قلت: فانّه لم يجد لها أهلاً ففسدت و تغيّرت، أيضمنها؟ قال: لا، ولكن ان عرف لها أهلاً فعطبت أو فسدت فهو لها ضامن (حتّى يخرجها)(2)».(3)
ثمّ انّ مؤونة النقل على صاحب المال لا من الزكاة؛ اذ الأدلّة التي أقيمت على أنّها من الزكاة لاتجري هنا.
لو وكّله الفقيه أن ينقل ما عليه من الزكاة الى بلد آخر مع وجود المستحقّ في بلده فتلفت فلايضمن، و ذلك لكون الزكاة حينئذ أمانة في يده؛ لأنّه دفعها الى وليّ الفقراء بناءً على ذلك، فليس على الأمين ضمانه الاّ اذا فرّط أو تعدّى. و أمّا مع الاذن منه فمشكل، فالحكم بضمانه أحوط بل أظهر؛ لعدم قصور لأدلّة الضمان في شمولها له. نعم، لو قلنا بأنّ الاذن يتضمّن توكيلاً ضمنيّا كما لايبعد، فلا ضمان.
ففي المستمسك: «انصراف نصوص الضمان عن ذلك محلّ اشكال؛ اذ لايظهر موضوعيّة لاذن الفقيه بعد ما كان المالك مأذونا من قبل الشارع، بل لو منعه الفقيه من النقل جاز له؛ اذ لا دليل على وجوب اطاعته في مثل ذلك، فلا وجه لاقتضائها لنفي الضمان. نعم، لو وكّله على قبضها و ارسالها فتلفت، كانت تالفة بعد الدفع الى الولي العامّ ولو بقبض وكيله، فلا وجه للضمان، كما لو تلفت بعدقبض الفقير. انتهى».(1)
«الثانية عشرة»: لو كان له مال في غير بلد الزكاة أو نقل مالاً له من بلد الزكاة الى بلد آخر، جاز احتسابه زكاة عمّا عليه في بلده ولو مع وجود المستحقّ فيه. و كذا لو كان له دين في ذمّة شخص في بلد آخر جاز احتسابه زكاة. و ليس شيء من هذه من النقل الذي هو محلّ الخلاف في جوازه و عدمه، فلا اشكال في شيء منها.
الشرح:
الظاهر عدم الاشكال في المسألة؛ لأنّ موضوع حرمة النقل على القول بها هو الزكاة و الفرض أنّه لم ينقل الزكاة من بلده الذي كان المستحقّ فيه موجودا الى بلد آخر، بل كان له مال في غير بلد الزكاة، أو نقل مالاً غير الزكاة، أو كان له دين في ذمّة مستحقّ في بلد آخر، ففي هذه الموارد لايكون هناك مانع من جواز احتسابه زكاة عمّا عليه في بلده ولو مع وجود المستحقّ فيه. نعم، لو كانت أدلّة المنع الأخبار التي دلّت على اختصاص زكاة كلّ بلد بمستحقّه يقال بمنع ذلك، ولكنّه قد تقدّم ضعف الدلالة.
قال الشهيد في الروضة: «و أمّا نقل قدر الحقّ بدون النيّة فهو كنقل شيء من
1) - مستمسك العروة 9: 327 و 328.
ماله، فلا شبهة في جوازه مطلقا. فاذا صار في بلد آخر ففي جواز احتسابه على مستحقّيه مع وجودهم في بلده على القول بالمنع نظر: من عدم صدق النقل الموجب للتغرير بالمال، و جواز كون الحكمة نفع المستحقّين بالبلد. و عليه يتفرّع ما لو احتسب القيمة في غير بلده أو المثل من غيره. انتهى».(1)
«الثالثة عشرة»: لو كان المال الذي فيه الزكاة في بلد آخر غير بلده، جاز له نقلها اليه مع الضمان لو تلف، ولكنّ الأفضل صرفها في بلد المال.
الشرح:
لأنّ مورد الاختلاف من جواز النقل و عدمه هو البلد الذي فيه الزكاة، سواء كان هناك بلد صاحب المال أيضا أو لم يكن، و عليه جاز نقلها منه الى بلده مع الضمان لو تلف. و الأفضل صرفها في بلد المال لما نسب الى العلماء كافّة كما في المستمسك.(2)
«الرابعة عشرة»: اذا قبض الفقيه الزكاة بعنوان الولاية العامّة برئت ذمّة المالك و ان تلفت عنده - بتفريط أو بدونه - أو أعطى لغير المستحقّ اشتباها.
الشرح:
اذا قبض الفقيه الزكاة بعنوان الولاية العامّة برئت ذمّة المالك، فكأنّه دفعه الى المستحقّ، و ان تلفت عنده لايضمن، كما لو تلفت عند المستحقّ و ان كان التلف لاعطائها غير المستحقّ خطأً. و أمّا لو تلفت الزكاة عند الفقيه بتفريط منه فيضمن و يسقط عن العدالة؛ لتقصيره عن حفظ الأمانة.
«الخامسة عشرة»: اذا احتاجت الزكاة الى كيل أو وزن كانت أجرة الكيّال و الوزّان على المالك لا من الزكاة.
الشرح:
قال في المبسوط: «و ان احتيج الى كيّال أو وزّان في قبض الصدقة فعلى من تجب؟ قيل: فيه وجهان: أحدهما: على أرباب الأموال؛ لأنّ عليهم أيضا الزكاة كأجرة الكيّال و الوزّان في البيع على البائع. و الآخر أنّه على أرباب الصدقات؛ لأنّ اللّه تعالى أوجب عليهم قدرا معلوما من الزكاة، فلو قلنا: انّ الأجرة تجب عليهم لزدنا على القدر الواجب، و الأوّل أشبه - و بعد صفحة قال: - و أمّا العامل فالامام مخيّر ... و يعطى الحاسب و الوزّان و الكاتب من سهم العاملين. انتهى».(1)
و الظاهر أنّ مراده من الكلام الثاني هو أنّ العامل اذا احتاج الى أجرة الحساب و الوزن و الكتابة لتوزيع الزكوات أو تحويلها الى بيت المال يأخذ الأجرة من سهم العاملين.
و استدلّ العلاّمة لوجوبها على المالك بأنّ «دفع المال واجب على المالك و لايتمّ الاّ بأجرة الكيّال و الوزّان، و ما لايتمّ الواجب الاّ به فهو واجب، و لأنّ أجرة الكيّال و الوزّان على البائع، و أجرة الناقد و وزّان الثمن على المشتري فكذا هنا؛ للاشتراك في العلّة. انتهى».(2)
و استدلّوا على عدم وجوب الأجرة على المالك بأصالة براءة ذمّة المالك من وجوب دفعها، و ظهور أدلّة وجوب الزكاة التي هي بمعنى القدر المخصوص في عدم وجوب غيرها عليه، كما في الجواهر.(3)
و بأنّ جعل سهم للعاملين في باب الزكاة قرينة على أنّ مؤونة الزكاة اعتبرت
على نفسها فيخرج منها مؤونة قبضها و نقلها و حفظها حتّى تصل الى أهلها.
و بأنّ الزكاة أمانة في يد المالك و وجوب أداء الأمانات لايقتضي أزيد من رفع المانع و عدم الحيلولة بينها و بين صاحبها و لاسيّما اذا استلزم الايصال الى صاحبها نفقات كثيرة خارجة عن المتعارف.
و بأنّ الكيل و الوزن لايصالها الى أهلها من جملة سبل الخير فتخرج مؤونتهما منها من سهم سبيل اللّه.
و أجيب عن الأوّل: بأنّه ان أريد به أصالة البراءة عن وجوب الصرف عن المالك فهو و ان صحّ لكنّه لايثبت جواز الصرف من الزكاة. و ان أريد به أصالة البراءة عن الضمان لو صرف، فاطلاق ما دلّ على سببيّة الاتلاف للضمان يردّه.
و عن الثاني: انّ ايجاب الزكاة لايستلزم نفي ايجاب غيرها، فلايلزم الزيادة على الواجب؛ لأنّه أيضا واجب. نعم، انّه زائد على الزكاة، و لا منافاة في ذلك.
و عن الثالث: بأنّه أشبه بالقياس. نعم، انّ العامل اذا احتاج الى أجرة الحساب و الوزن و الكتاب لتقسيمها في المستحقّين أو دفعها الى بيت المال فكانت من سهم العاملين، كما تقدّم في توجيه كلام الشيخ في المبسوط.
و عن الرابع: بأنّه اذا عزلها و أفرزها تكون أمانة في يد المالك، و الفرض أنّه لم يفرزها. اللّهمّ الاّ أن يكون ذلك أي الاحتياج الى الكيل و الوزن بعد الافراز و لتقسيمها على الفقراء. مضافا الى أنّ أداء الأمانات قد يقتضي الايصال الى أهلها.
و عن الخامس: بأنّ المتيقّن من سبيل اللّه بقرينة جعله في عرض سائر المصارف خصوص المصالح العامّة الاجتماعيّة لا كلّ خير، و الاّ لعمّ جميع المصارف الثمانية.
و كيف كان، لايترك الاحتياط باحتساب المالك أجرة الكيل و الوزن من ماله لا من الزكاة؛ لذهاب كثير منهم الى ذلك، و عدم ما تطمئنّ النفس اليه من الدليل.
اللّهمّ الاّ أن يقال بأنّ أجرة الكيل و الوزن كالمؤونة التي تحسب الزكاة بعد
اخراجها.
«السادسة عشرة»: اذا تعدّد سبب الاستحقاق في شخص واحد كأن يكون فقيرا و عاملاً و غارما مثلاً جاز أن يعطى بكلّ سبب نصيبا.
الشرح:
الظاهر أنّه لا اشكال في المسألة؛ لاطلاق الآية و الروايات. و دعوى الانصراف عن صورة الاجتماع بحيث لايتناول الاطلاق لها - كما ترى - لا شاهد عليها.
«السابعة عشرة»: المملوك الذي يشترى من الزكاة اذا مات و لا وارث له ورثه أرباب الزكاة دون الامام عليه السلام ، ولكن الأحوط صرفه في الفقراء فقط.
الشرح:
المملوك الذي يشترى من الزكاة اذا مات و لا وارث له ورثه أرباب الزكاة، و الدليل على ذلك موثّقة عبيد بن زرارة قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل أخرج زكاة ماله ألف درهم فلم يجد موضعا يدفع ذلك اليه، فنظر الى مملوك يباع فيمن يريده فاشتراه بتلك الألف الدراهم التي أخرجها من زكاته فأعتقه، هل يجوز ذلك؟ قال: نعم، لابأس بذلك. قلت: فانّه لمّا أن أعتق و صار حرّا اتّجر و احترف فأصاب مالاً ثمّ مات و ليس له وارث، فمن يرثه اذا لم يكن له وارث؟ قال: يرثه الفقراء المؤمنون الذين يستحقّون الزكاة؛ لأنّه انّما اشتري بمالهم».(1)
و صحيحة أيّوب بن الحرّ أخي أديم بن الحرّ قال:
1) - وسائل الشيعة 9: 292 / الباب 43 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 2.
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : مملوك يعرف هذا الأمر الذي نحن عليه، أشتريه من الزكاة و أعتقه؟ قال: فقال: اشتره و أعتقه. قلت: فان هو مات و ترك مالاً؟ قال: فقال: ميراثه لأهل الزكاة؛ لأنّه اشتري بسهمهم». قال: و في حديث آخر: بمالهم.(1)
و الظاهر من الصحيحة جواز صرف ماله على أرباب الزكاة من الفقراء و غيرهم، و لاينافيها ذكر الفقراء في الموثّقة فانّه من ذكر المورد الأهمّ.
قال في الجواهر: «المملوك الذي يشترى من الزكاة لكونه في شدّة أو مطلقا على البحث السابق اذا مات و لا وارث له عدا الامام عليه السلام و أرباب الزكاة ورثه أرباب الزكاة على المشهور بين الأصحاب نقلاً و تحصيلاً شهرة عظيمة، بل في المعتبر و عن المنتهى نسبته الى المحقّقين تارة و الى علمائنا أخرى مشعرا بالاجماع عليه، بل ربّما ظهر ذلك من الانتصار أيضا. و قيل - و ان كنّا لم نعرف قائله من القدماء، كما اعترف به في البيان - لايرثه أرباب الزكاة، بل يرثه الامام عليه السلام ، الاّ أنّه اختاره من المتأخّرين الفاضل و ولده، و ربّما مال اليه المصنّف في المعتبر و على كلّ حال فالأوّل أظهر؛ للصحيح عن أيّوب بن الحرّ و موثّق عبيد بن زرارة. انتهى ملخّصا».(2)
قال في المنتهى: «العبد المبتاع من مال الزكاة اذا مات و لا وارث له ورثه أرباب الزكاة. ذهب اليه علماؤنا؛ لأنّه اشتري من مال الزكاة فكان في الحقيقة لأربابها. و يؤيّده ما رواه الشيخ عن عبيد بن زرارة ... و هيهنا وجه آخر و هو أن يقال: ميراثهللامام؛ لأنّ الفقراء لايملكونه؛ لأنّه أحد مصارف الزكاة فيكون سائبة. و يقوّي هذا الوجه ضعف الرواية، فانّ في طريقها ابن فضّال و ابن بكير، و هما فطحيّان، غير
أنّ محقّقي علمائنا على العمل بها، فكان أولى. انتهى ملخّصا».(1)
أقول:
الرواية التي ذكرها موثّقة، مضافا الى أنّ هنا صحيحة أيّوب بن الحرّ التي تقدّمت آنفا، فالقول بما عليه محقّقو علمائنا أقوى.
و أمّا قول المصنّف «ولكن الأحوط صرفه في الفقراء فقط» لابأس به؛ لكونه حسنا على كلّ حال، و لعلّه لظاهر قوله عليه السلام في الموثّقة «يرثه الفقراء المؤمنون الذين يستحقّون الزكاة؛ لأنّه انّما اشتري بمالهم». و قلنا انّه من ذكر المورد الأهمّ؛ جمعا بينها و بين صحيحة أيّوب.
«الثامنة عشرة»: قد عرفت سابقا أنّه لايجب الاقتصار في دفع الزكاة على مؤونة السنة، بل يجوز دفع ما يزيد على غناه اذا أعطي دفعة، فلا حدّ لأكثر ما يدفع اليه و ان كان الأحوط الاقتصار على قدر الكفاف خصوصا في المحترف الذي لاتكفيه حرفته. نعم، لو أعطي تدريجا فبلغ مقدار مؤونة السنة حرم عليه أخذ ما زاد للانفاق. و الأقوى أنّه لا حدّ لها في طرف القلّة أيضا، من غير فرق بين زكاة النقدين و غيرهما. ولكن الأحوط عدم النقصان عمّا في النصاب الأوّل من الفضّة في الفضّة، و هو خمسة دراهم، و عمّا في النصاب الأوّل من الذهب في الذهب، و هو نصف دينار. بل الأحوط مراعاة مقدار ذلك في غير النقدين أيضا. و أحوط من ذلك مراعاة ما في أوّل النصاب من كلّ جنس، ففي الغنم و الابللايكون أقلّ من شاة، و في البقر لايكون أقلّ من تبيع. و هكذا في الغلاّت يعطى ما يجب في أوّل حدّ النصاب.
1) - منتهى المطلب 8: 415 و 416.
الشرح:
البحث في هذه المسألة عن شيئين:
الأوّل في حكم دفع الزكاة أكثر من مؤونة السنة، و قد مرّ البحث حول ذلك مستوفى في المسألة الثانية من فصل أصناف المستحقّين فلاحظ.
الثاني في حكم دفعها في طرف القلّة، و قد اختلف فتواهم على ثلاثة أقوال:
قال ابن ادريس: «اختلف أصحابنا في أقلّ ما يعطى الفقير من الزكاة في أوّل دفعة، فقال بعض منهم: أقلّه ما يجب في النصاب الأوّل من سائر أجناس الزكاة. و قال بعض منهم: أخصّه بأوّل نصاب الذهب و الفضّة فحسب. و بعض قال: أقلّه ما يجب في النصاب الثاني من الذهب و الفضّة. و ذهب بعض آخر الى أنّه يجوز أن يعطى من الزكاة الواحد من الفقراء القليل و الكثير، و لايحدّ القليل بحدّ لايجزي غيره، و هو الأقوى، و هو مذهب السيّد المرتضى في الجمل. انتهى».(1)
ففي المختلف: «قال المفيد رحمه الله في المقنعة: «أقلّ ما يعطى الفقير من الصدقة المفروضة خمسة دراهم فصاعدا؛ لأنّها أقلّ ما يجب في الحدّ الأوّل من الزكاة، و ليس لأكثره حدّ مخصوص». و قال السيّد في الانتصار: «ممّا انفردت به الاماميّة القول بأنّه لايعطى الفقير الواحد من الزكاة المفروضة أقلّ من خمسة دراهم ... و حجّتنا على ما ذهبنا اليه اجماع الطائفة و طريقة الاحتياط و براءة الذمّة». و قال الشيخ في النهاية: «أقلّ ما يعطى الفقير من الزكاة خمسة درهم أو نصف دينار و هوأوّل ما يجب في النصاب الأوّل». و قال علي بن بابويه: «و لايجزي في الزكاة أن يعطى أقلّ من نصف دينار». و قال ابنه في المقنع: «يجوز أن يعطى الرجل الواحد الدرهمين و الثلاثة، و لايجوز في الذهب الاّ نصف دينار». و قال السيّد المرتضى في الجمل: «و يجوز أن يعطى من الزكاة الواحد من الفقراء القليل و الكثير». و قال في المسائل المصريّة: «انّ أقلّ ما يجزي من الزكاة درهم؛ للاحتياط
1) - السرائر 1: 463 و 464.
و اجماع الفرقة المحقّة». و قال ابن البرّاج: «أقلّ ما ينبغي دفعه من الزكاة الى مستحقّها هو ما يجب في نصاب واحد». و قال ابن حمزة: «لايجوز أن يعطى المستحقّ من الذهب و الفضّة و المواشي أقلّ من نصاب» ... و قال قوم: «بواجب النصاب الأوّل، و الآخرون بالثاني». و اعلم أنّ كلام السيّد المرتضى في احتجاجه على أنّه لايعطى أقلّ من درهم في المسائل المصريّة، يدلّ على وجوب ذلك، و قول ابني بابويه يدلّ على وجوب اعطاء نصف دينار، و قول سلاّر يشعر بوجوب نصف دينار أو خمسة دراهم. و الأقرب عندي أنّ أقلّ ما يعطى خمسة دراهم على سبيل الاستحباب، و يجوز أن يعطى أقلّ من درهم. انتهى ملخّصا».(1)
و في الجواهر: «أقلّ ما يعطى الفقير ما يجب في النصاب الأوّل من النقدين و هو عشرة قراريط أو خمسة دراهم. و قيل و القائل الاسكافي و سلاّر و غيرهما و المرتضى في المصريّات على ما حكي: أقلّه ما يجب في النصاب الثاني و هو قيراطان أو درهم بل في الأخير الاجماع عليه، و الأوّل أكثر قائلاً كما في المعتبر؛ اذ هو على ما قيل خيرة الشيخين و الصدوقين و المرتضى و ابن زهرة و الحلبي و غيرهم، بل ربّما حكي عن ابن الجنيد أيضا، بل في الانتصار و الغنية الاجماع عليه - الى أن قال: - انّما الكلام في أنّ ذلك على سبيل الوجوب أو الندب، ظاهر جملةمن العبارات الأوّل، بل لعلّه الأكثر، كما أنّه ظاهر معقد اجماعي الغنية و الانتصار، الاّ أنّ الفاضل في التذكرة ادّعى الاجماع على الثاني منزّلاً عليه عبارات المقدّرين، و هو مع أنّه لا مقتضى له خلاف ظاهرهم جميعا - الى أن قال: - نعم، هو التحقيق؛ وفاقا للمرتضى في المحكي من جمله و ابن ادريس و الفاضل في جملة من كتبه و غيرهم من المتأخّرين و متأخّريهم؛ للأصل و اطلاق الأدلّة و الاجماع المحكي في التذكرة، و الروايات. انتهى ملخّصا».(2)
و الأقوى أنّه لا حدّ لها في طرف القلّة. و الدليل على ذلك صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قلت له: ما يعطى المصدّق؟ قال: ما يرى الامام و لايقدّر له شيء».(1)
و لاتعارضها صحيحة أبي ولاّد الحنّاط عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سمعته يقول: لايعطى أحد من الزكاة أقلّ من خمسة دراهم و هو أقلّ ما فرض اللّه عزّوجلّ من الزكاة في أموال المسلمين، فلاتعطوا أحدا (من الزكاة)(2)أقلّ من خمسة دراهم فصاعدا».(3)
لأنّها تحمل على الكراهة؛ جمعا، و يؤيّد هذا الجمع رواية محمّد بن أبي الصهبان قال:
«كتبت الى الصادق عليه السلام : هل يجوز لي يا سيّدي أن أعطي الرجل من اخواني من الزكاة الدرهمين و الثلاثة الدراهم فقد اشتبه ذلك عليّ؟فكتب: ذلك جائز».(4)
و أمّا رواية معاوية بن عمّار و عبداللّه بن بكير جميعا عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قال: لايجوز أن يدفع من الزكاة أقلّ من خمسة دراهم، فانّها أقلّ الزكاة».(5)
بناءً على عدم امكان حمل «لايجوز» على الكراهة، فتطرح؛ لضعف سندها بابراهيم بن اسحاق بن ابراهيم.
و يؤيّد هذا القول باطلاق الأدلّة من الكتاب و السنّة، فانّ امتثال الأمر بالاتيان
1) - وسائل الشيعة 9: 257 / الباب 23 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 3.
2) - ليس في التهذيبين.
3) - وسائل الشيعة 9: 257 / الباب 23 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 2.
4) - وسائل الشيعة 9: 258 / الباب 23 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 5.
5) - وسائل الشيعة 9: 257 / الباب 23 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 4.
يتحقّق بصرفها الى المستحقّين على أيّ وجه كان، و بالأصل أي بأصالة البراءة عن وجوب حدّ محدود في مقام الدفع.
و القول الثاني عن مقنعة المفيد و الشيخ في جملة من كتبه، و المرتضى في الانتصار من أنّه لايعطى الفقراء أقلّ ممّا يجب في النصاب الأوّل و هو خمسة دراهم، و استدلّ له بصحيحة الحنّاط و رواية ابن بكير المتقدّمتين.
و الجواب عنه أنّه تحمل الروايتان على الكراهة؛ جمعا بينهما و بين صحيحة الحلبي.
و القول الثالث من جواز الاقتصار على ما يجب في النصاب الثاني و هو درهم و هو أحد قولي السيّد المرتضى، ففي الجواهر: لم أجد له دليلاً. و يمكن أن يستدلّ له بمكاتبة محمّد بن أبي الصهبان المتقدّمة، و ذكرنا أنّها تؤيّد القول المشهور.
و لم يذكر للقول الرابع عن علي بن بابويه من التحديد بنصف دينار دليل.
ثمّ انّه بعد القول بالتحديد بالخمسة دراهم - منعا أو كراهة - الوارد في صحيحة الحنّاط المتقدّمة، هل يختصّ ذلك بالفضّة أو يعمّ كافّة الأعيان الزكويّة؟
الظاهر الثاني، و ذلك لقوله عليه السلام في صحيحة أبي ولاّد الحنّاط: «و هو أقلّ ما فرض اللّه عزّوجلّ من الزكاة في أموال المسلمين»، فانّه يشمل جميع الأموال الزكويّة من الأنعام الثلاثة و الغلاّت الأربع.
بيان ذلك: ينكشف من الرواية أنّ في زمن الامام عليه السلام كانت قيمة الشاة الواحدة أوّل نصاب الابل و الغنم، و التبيع أوّل نصاب البقر أكثر من خمسة دراهم، بل لعلّه كانت قيمة نصف دينار أوّل نصاب الذهب كذلك، فيصير خمسة دراهم أوّل نصاب الدرهم، أقلّ ما فرض اللّه، و على هذا يشمل قوله عليه السلام المتقدّم جميع الأموال الزكويّة.
«التاسعة عشرة»: يستحبّ للفقيه أو العامل أو الفقير الذي يأخذ الزكاة الدعاء للمالك، بل هو الأحوط بالنسبة الى الفقيه الذي يقبض بالولاية العامّة.
الشرح:
قال في الجواهر: «اذا قبض النبي صلى الله عليه و آله أو الامام عليه السلام الزكاة دعا لصاحبها وجوبا عند جماعة منهم الشيخ في المحكي من مبسوطه، و الفاضلان في المعتبر و الارشاد، و الشهيدان في الدروس و المسالك و غيرهم، بل نسب الى الأكثر، و قيل و القائل الشيخ و الفاضل في غير التذكرة و الارشاد على ما قيل و غيرهما استحبابا، و هو الأشهر عند المصنّف؛ لأصالة عدم الوجوب، و لأنّه لايجب على الفقير اجماعا حكاه في المدارك عن بعضهم، فنائبه أولى، و لأنّ أميرالمؤمنين عليه السلام لم يأمر بذلك ساعيه الذي أنفذه الى بادية الكوفة مع اشتمال وصيّته التي أوصاه بها على كثير من الآداب و السنن. لكن فيه: انّ الأصل لايعارض الدليل، و هو ظاهر الآية، كما أنّ عدم الوجوب على الفقير للاجماع لايقتضي عدمه في النبي صلى الله عليه و آله و الامام عليه السلام و نائبهما، و ترك أميرالمؤمنين عليه السلام تعليمه الساعي أعمّ من عدم الوجوب قطعا، مع أنّه لاينافي وجوبه على النبي صلى الله عليه و آله و الامام عليه السلام . نعم، في المدارك أنّ البحث في وجوب ذلك على النبي صلى الله عليه و آله و الامام عليه السلام و استحبابه خالٍ عن الفائدة، و انّما الكلام في وجوب ذلك و استحبابه على الساعي و الفقيه. لكن فيه منع عدم الفائدة؛ ضرورة اقتضاء الوجوب عليهما الوجوب على غيرهما؛ لأصالة الاشتراك أو للتأسّي. و بذلك ظهر حينئذ أنّ المتّجه الوجوب؛ عملاً بظاهر الأمر بالصلاة عليهم الظاهر في كون المراد منه عند الأخذ. انتهى».(1)
1) - جواهر الكلام 15: 453 و 454.
أقول:
الظاهر أنّ صيغة الأمر تدلّ على الأمر و يستفاد الوجوب منها بدلالة العقل، بمعنى أنّه لو لم تكن قرينة على جواز الترك فالأمر ظاهر في الوجوب و الاّ يدلّ على الاستحباب. و فيما نحن فيه قوله تعالى«انّ صلاتك سكن لهم» قرينة على أنّ «صلّ» للاستحباب. مضافا الى أنّ الظاهر من السكون هو السكون الواقعي و لايحصل الاّ من قبل النبي صلى الله عليه و آله أو الولي.
اللّهمّ الاّ أن يقال بعدم كون ذلك قرينة على الاستحباب و أنّ السكون يحصل من الدعاء و ان كان من الفقيه، فالاحتياط حسن.
ثمّ انّ معنى الصلاة هو الدعاء و يحصل بلفظ الصلاة أو غيره، كما أنّه قد روي عن عبداللّه بن أبي أوفى قال:
«كان اذا أتى أحد بصدقة عند رسول اللّه صلى الله عليه و آله قال صلى الله عليه و آله: اللّهمّ صلّ على آل فلان. فجاء أبي يوما بصدقة عنده، فقال: اللّهمّ صلّ على آل أبي أوفى».(1)
و في رواية أخرى:
«اذا أتى رجل النبي صلى الله عليه و آله بصدقة قال: اللّهمّ صلّ عليه».(2)
فما عن العامّة من عدم الجواز اجتهاد في مقابلة النصّ.
و في المستمسك: «و هل يجب على الفقيه على تقدير القول بالوجوب على النبي صلى الله عليه و آله أو الامام؟ قولان: الوجوب؛ لأصالة الاشتراك و للتأسّي. و العدم؛ لعدمثبوت الاشتراك مطلقا. و لاسيّما بملاحظة التعليل في الآية بأنّ صلاته صلى الله عليه و آله سكن لهم؛ لعدم ثبوت ذلك في الفقيه. و التأسّي لا دليل على وجوبه. و دعوى أنّ ذلك لطف، و اللطف واجب، من غير فرق بين النبي صلى الله عليه و آله و نائبه الخاصّ أو العامّ، غير
ظاهرة. و لو تمّت اقتضت الدعاء في كلّ مورد. كدعوى أنّ ذلك مقتضى ولاية الفقيه؛ اذ اقتضاؤها لمثل ذلك ممنوع جدّا. و أمّا الاستحباب للفقيه فالعمدة فيه الفتوى. انتهى».(1)
«العشرون»: يكره لربّ المال طلب تملّك ما أخرجه في الصدقة الواجبة و المندوبة. نعم، لو أراد الفقير بيعه بعد تقويمه عند من أراد، كان المالك أحقّ به من غيره، و لا كراهة. و كذا لو كان جزءا من حيوان لايمكن للفقير الانتفاع به، و لايشتريه غير المالك، أو يحصل للمالك ضرر بشراء الغير، فانّه تزول الكراهة حينئذ أيضا، كما أنّه لابأس بابقائه في ملكه اذا عاد اليه بميراث و شبهه من المملّكات القهريّة.
الشرح:
في المدارك بعد قول المصنّف «يكره أن يملك ما أخرجه في الصدقة اختيارا، واجبة كانت أو مندوبة» قال: «هذا الحكم مجمع عليه بين الأصحاب، بل قال في المنتهى: انّه لا خلاف فيه بين العلماء، و استدلّ عليه بأنّها طهارة للمال فيكره له شراء طهوره، و بأنّه ربّما استحيى الفقير فيترك المماكسة معه و يكون ذلك وسيلة الى استرجاع بعضها، و ربّما طمع الفقير في غيرها منه فأسقط بعض ثمنها. ثمّ قال: و لو احتاج الى شرائها بأن يكون الفرض جزءا من حيوان لايتمكّن الفقير منالانتفاع به و لايشتريه غير المالك أو يحصل للمالك ضرر بشراء غيره جاز شراؤها و زالت الكراهة اجماعا. انتهى».(2)
أقول:
انّ المسألة بين فقهاء العامّة كانت ذات قولين: فأفتى بعضهم بالتحريم بل البطلان. و أمّا أصحابنا الاماميّة فأفتوا بالكراهة و ادّعي اجماعهم في عدم الحرمة. ولكن ظاهر عبارة الشيخين في المقنعة و النهاية الافتاء بالحرمة.
قال في المقنعة: «و اذا تصدّق الانسان على غيره بدار أو أرض أو ثمرة أو عرض من الأعراض لم يجز له تملّكه منه و لا من غيره بهبة أو صدقة. و لابأس أن يملكه منه بميراثه. انتهى».(1)
و قال في النهاية: «و ما يهبه الانسان لوجه اللّه فلايجوز له الرجوع فيه على حال. و ما تصدّق الانسان به لوجه اللّه فلايجوز له أن يعود اليه بالبيع أو الهبة أو الصدقة، و ان رجع اليه بالميراث كان جائزا. انتهى».(2)
و في السرائر بعدما أفتى بالجواز قال: «و شيخنا قد رجع عمّا قاله في مسائل خلافه. انتهى».(3)
و كيف كان يدلّ على جواز ذلك صحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج عن محمّد بن خالد أنّه سأل أبا عبداللّه عليه السلام عن الصدقة، فقال:
«- الى أن قال: - فاذا أخرجها فليقسمها فيمن يريد، فاذا قامت علىثمن فان أرادها صاحبها فهو أحقّ بها».(4)
و الرواية و ان نوقش في سندها لمحمّد بن خالد حيث يظنّ أنّ المراد به محمّد بن خالد القسّري الذي ولي المدينة و لم يوثّق، الاّ أنّ المسألة متّفق عليها بين الأصحاب عدا ما تقدّم من كلام المفيد و الشيخ، و قد حمل كلامهما على ما
يرجع الى الكراهة. و عليه فلاتعارضها صحيحة منصور بن حازم قال:
«قال أبو عبداللّه عليه السلام : اذا تصدّق الرجل بصدقة لم يحلّ له أن يشتريها و لايستوهبها و لايستردّها الاّ في ميراث».(1)
لأنّها تحمل على الكراهة جمعا، أو تطرح لاعراض الأصحاب عنها.
هذا مضافا الى أنّ الظاهر من الروايات في الباب الحادي عشر و الثاني عشر من كتاب الوقوف و الصدقات في الوسائل(2)، أنّها واردة في الصدقات المستحبّة و هي ناطقة بعدم جواز رجوع صاحبها اذا تصدّق بشيء للّه، و ما في صحيحتي منصور بن حازم في الباب الثاني عشر من كتاب الوقوف و الصدقات من عدم حلّيّة اشترائها فمحمول على الكراهة؛ جمعا بينهما و بين صحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج قال:
«سألت أبا الحسن عليه السلام عن الرجل يتصدّق على ولده و هم صغار بالجارية، ثمّ تعجبه الجارية و هم صغار في عياله، أترى أن يصيبها أو يقوّمها قيمة عدل و يشهد بثمنها عليه أم يدع ذلك كلّه و لايعرض لشيء منها؟ قال: يقوّمها قيمة عدل و يحتسب بثمنها لهم على نفسه و يمسّها».(3)
قد عرفت سابقا أنّ وقت تعلّق الوجوب - فيما يعتبر فيه الحول - حولانه بدخول الشهر الثاني عشر و أنّه يستقرّ الوجوب بذلك و ان احتسب الثاني عشر من الحول الأوّل لا الثاني، و في الغلاّت التسمية، و أنّ وقت وجوب الاخراج في الأوّل هو وقت التعلّق، و في الثاني هو الخرص و الصرم في النخل و الكرم، و التصفية في الحنطة و الشعير. و هل الوجوب بعد تحقّقه فوريّ أو لا؟ أقوال، ثالثها: انّ وجوب الاخراج ولو بالعزل فوريّ، و أمّا الدفع و التسليم فيجوز فيه التأخير، و الأحوط عدم تأخير الدفع مع وجود المستحقّ و امكان الاخراج الاّ لغرض كانتظار مستحقّ معيّن أو الأفضل، فيجوز حينئذ ولو مع عدم العزل الشهرين و الثلاثة، بل الأزيد، و ان كان الأحوط حينئذ العزل ثمّ الانتظارالمذكور، ولكن لو تلفت بالتأخير مع امكان الدفع يضمن.
الشرح:
قد عرفت البحث عن وقت تعلّق الوجوب فيما يعتبر فيه الحول في الشرط الرابع من شرائط وجوب الزكاة في فصل زكاة الأنعام(1)، و حاصله أنّ الراجح من الأقوال و الجمع بين الأخبار تنزيل التلبّس بالشهر الثاني عشر الذي به يتمّ الحول منزلة تمامه بالنسبة الى خصوص تعلّق التكليف بالزكاة مراعى بعدم اختلال سائر الشرائط الى تمام السنة، و فائدته هذا أنّه لو ارتفع بعض الشرائط لا عن اختياره كما لو جنّ أو نقص المال عن النصاب و نحو ذلك سقط الوجوب، الاّ أنّه لايجوز تبديلها و تفويتها باختياره كأن يهبها.
و في الشرط الثالث من شرائطه في زكاة النقدين.(2)
و كذا تقدّم البحث عنه في وقت تعلّق الوجوب في الغلاّت(3)، و قد ذكرنا أنّ وقت وجوب الزكاة في الغلاّت حين صارت حنطة و شعيرا و تمرا و زبيبا؛ للروايات المعتبرة التي نقلناها هناك. و تقدّم في المسألة الثانية أنّ وقت وجوب الاخراج الذي لايجوز تأخيره بحيث لو أخّره كان ضامنا، وقت التصفية في الحنطة و الشعير و في العنب اذا صار زبيبا و في ثمرة النخل اذا يبس و صار تمرا.
و البحث الآن في أنّه هل الوجوب بعد تحقّقه فوريّ أو لا؟
قال في المستمسك: «أصول الأقوال في المسألة ثلاثة: القول بالفوريّة، و القول بعدمها، و التفصيل بين الاخراج ولو بالعزل فيجب فورا، و بين الدفع فلايجب، وعلى القول بالفوريّة فهل هي مع الامكان مطلقا أو عند عدم انتظار الأفضل، أو التعميم - كما في الدروس - أو عند عدم انتظار الأفضل أو الأحوج أو معتاد الطلب - كما عن البيان - أو اذا لم يكن التأخير للتعميم خاصّة، بشرط دفع نصيب
الموجودين فورا، كما عن جملة من كتب العلاّمة - الى أن قال: - و على القول بعدمها فهل هو مطلقا أو الى شهر أو شهرين، كما عن الشيخين، و مال اليه ثاني الشهيدين. انتهى».(1)
أقول:
ينتهي الأقوال في المسألة الى ثمانية، و قد ذكر في المدارك ستّة منها:
الأوّل: ما نسب الى الأكثر من عدم جواز التأخير عن وقت التسليم الاّ لمانع كعدم حضور المال أو المستحقّ أو نحو ذلك. و ذلك لأنّ المستحقّ مطالب بشاهد الحال، فيجب التعجيل كالوديعة و الدين.
الثاني: ما عن نهاية الشيخ من جواز التأخير مع العزل شهرا أو شهرين، فانّه قال: «و اذا حال الحول فعلى الانسان أن يخرج ما يجب عليه على الفور و لايؤخّره. و اذا عزل ما يجب عليه من الزكاة فلابأس أن يفرّقه ما بينه و بين شهر و شهرين و لايجعل ذلك أكثر منه. انتهى ملخّصا».(2)
الثالث: ما عن ابن ادريس في سرائره من جوازه لايثار مستحقّ غير من حضر. فانّه قال: «و اذا حال الحول فعلى الانسان أن يخرج ما يجب عليه اذا حضر المستحقّ، فان أخّر ذلك ايثارا به مستحقّا غير من حضر فلا اثم عليه بغير خلاف الاّ أنّه ان هلك قبل وصوله الى من يريد اعطاءه ايّاه فيجب على ربّ المالالضمان».(3)
الرابع: ما عن الدروس من جوازه لانتظار الأفضل و التعميم. فانّه قال: «يجب دفع الزكاة عند وجوبها، و لايجوز تأخيرها الاّ لعذر كانتظار المستحقّ و حضور المال فيضمن بالتأخير، و كذا الوكيل و الوصي بالتفرقة لها أو لغيرها من الحقوق
الماليّة، و هل يأثم؟ الأقرب نعم، الاّ أن ينتظر بها الأفضل أو التعميم، و روي جواز تأخيرها شهرا أو شهرين، و حمل على العذر».(1)
الخامس: ما عن البيان من جوازه لانتظار الأفضل أو الأحوج أو معتاد الطلب بما لايؤدّي الى الاهمال، فانّه قال: «في وقت الدفع: و هو واجب عند كمال الشرائط على الفور، فلايجوز التأخير الاّ لعذر كعدم التمكّن من المال أو الخوف من الجائر أو انتظار المستحقّ فيضمن مع الامكان، و جوّز الشيخان تأخيرها شهرا أو شهرين ... نعم، له التربّص للأفضل و الأحوج و المعتاد للطلب منه بما لايؤدّي الى الاهمال».(2)
السادس: ما اختاره في الشرائع و المسالك و المدارك من جوازه شهرا أو شهرين اقتراحا فضلاً عمّا يكون للبسط أو لذي المزيّة.
قال في الشرائع: «و لايجوز التأخير الاّ لمانع، أو لانتظار من له قبضها. و اذا عزلها جاز تأخيرها الى شهر أو شهرين».(3)
السابع: ما عن العلاّمة في التذكرة و النهاية و التحرير من جوازه للتعميم بشرط دفع نصيب الموجودين فورا، فانّه قال في التذكرة: «الأقرب أنّ التأخير لطلببسطها على الأصناف الثمانية أو الموجودين منهم عذر مع دفع نصيب الموجودين».(4)
و في نهاية الإحكام: «ولو كثر المستحقّون و أراد التشريك جاز أن يؤخّر اعطاء بعض المستحقّين بقدر ما يعطي غيره».(5)
الثامن: ما عن صاحب الجواهر من جوازه الى ما لاينتهي الى حدّ التهاون، فانّه
قال: «و الظاهر امكان تحصيل الاجماع هنا على عدم ارادة مطلق الطبيعة من الأمر على وجه يكون التكليف هنا على حسب غيرها من الواجبات المطلقة التي وقتها العمر أو الوصول الى حدّ التهاون على اختلاف القولين ... كالقطع بفساد القول بالفوريّة و أنّه لايجوز التأخير مع الامكان مطلقا بحال من الأحوال؛ ضرورة اقتضائه طرح النصوص الكثيرة الدالّة على جواز التأخير. انتهى ملخّصا».(1)
فالظاهر أنّ منشأ اختلاف الأقوال هو اختلاف الأخبار الواردة في ذلك، و يمكن جمعها على طائفتين:
الأولى ما يظهر منه الفوريّة في الاعطاء، كخبر أبي بصير قال:
«قال أبو عبداللّه عليه السلام : اذا أردت أن تعطي زكاتك قبل حلّها بشهر أو شهرين فلابأس، و ليس لك أن تؤخّرها بعد حلّها».(2)
و الخبر ضعيف السند بعلي بن أبي حمزة البطائني الراوي عن أبي بصير. مضافا الى امكان الجمع بينه و بين النصوص المجوّزة بالحمل على الكراهة.
و ما في المستمسك من أنّه يكفي - في عموم المنع - النصوص المتواترة الدالّةعلى عدم جواز حبس الزكاة و منعها عن أهلها(3)، ففيه: انّها أجنبيّة عن المقام؛ اذ الحبس و المنع شيء و التأخير الى وقت آخر لغرض من الأغراض شيء آخر، و لايكاد يصدق عليه مانع الزكاة و حابسها بوجه.
الثانية ما دلّ على جواز التأخير، كصحيحة معاوية بن عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قلت له: الرجل تحلّ عليه الزكاة في شهر رمضان فيؤخّرها الى المحرّم؟ قال: لابأس. قال: قلت: فانّها لاتحلّ عليه الاّ في المحرّم،
فيعجّلها في شهر رمضان؟ قال: لابأس».(1)
و صحيحة حمّاد بن عثمان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«لابأس بتعجيل الزكاة شهرين و تأخيرها شهرين».(2)
و صحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام :
«أنّه قال في الرجل يخرج زكاته فيقسّم بعضها و يبقى بعض يلتمس لها المواضع فيكون بين أوّله و آخره ثلاثة أشهر. قال: لابأس».(3)
و موثّقة يونس بن يعقوب قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : زكاتي تحلّ عليّ في شهر، أيصلح لي أن أحبس منها شيئا مخافة أن يجيئني من يسألني؟ فقال: اذا حال الحول فأخرجها من مالك، لاتخلطها بشيء، ثمّ أعطها كيف شئت. قال: قلت: فان أنا كتبتها و أثبتّها يستقيم لي؟ قال: نعم، لايضرّك».(4)
فانّ ظاهر هذه الصحاح جواز التأخير في الجملة، الاّ أنّه يجب عليه العزل أو كتابته و ثبته، و ذلك للجمع بين موثّقة يونس بن يعقوب المتقدّمة آنفا و صحيحة سعد بن سعد الأشعري عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال:
«سألته عن الرجل تحلّ عليه الزكاة في السنة في ثلاثة أوقات، أيؤخّرها حتّى يدفعها في وقت واحد؟ فقال: متى حلّت أخرجها».(5)
فليعلم أنّه و ان كان ظاهر الأخبار المتقدّمة جواز التأخير ولكن يجب تقييدها بما اذا لم يؤدّ الى التعدّي و التفريط؛ لأنّ الزكاة أمانة بيده، فاذا حضر مستحقّ و
1) - وسائل الشيعة 9: 301 / الباب 49 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 9.
2) - وسائل الشيعة 9: 302 / الباب 49 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 11.
3) - وسائل الشيعة 9: 308 / الباب 53 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 1.
4) - وسائل الشيعة 9: 307 / الباب 52 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 2.
5) - وسائل الشيعة 9: 306 / الباب 52 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 1.
لم يكن ينتظر مستحقّا خاصّا أو غير ذلك من الأمور العقلائيّة، يجب دفعها الى مستحقّها.
هذا كلّه في الحكم التكليفي. و أمّا من حيث الحكم الوضعي - أعني الضمان مع العزل أو بدونه - فلاينبغي الشكّ في عدمه فيما اذا كان التأخير مستندا الى عدم وجود المستحقّ و لم يكن متعدّيا و لا مفرّطا في الحفظ؛ اذ هي أمانة عنده مع العزل، و لا ضمان في الأمانة و قد كان معذورا في التأخير حسب الفرض. و أمّا مع وجوده فالظاهر الضمان و قد تقدّم البحث عن ذلك في الفرع الرابع و الخامس من المسألة العاشرة في الفصل السابق.
(مسألة 1): الظاهر أنّ المناط في الضمان مع وجود المستحقّ هو التأخير عن الفور العرفي، فلو أخّر ساعة أو ساعتين - بل أزيد - فتلفت من غير تفريط فلا ضمان و ان أمكنه الايصال الى المستحقّ من حينه مع عدم كونه حاضراعنده. و أمّا مع حضوره فمشكل، خصوصا اذا كان مطالبا.
الشرح:
اذا كان المستحقّ حاضرا عند من وجبت عليه الزكاة، سواء كان مطالبا أو لم يكن، وجب عليه دفعها اليه فورا، و ان لم يدفع فهو آثم و ضامن؛ لأنّها أمانة عنده فيجب ردّها الى أهلها اذا طالبها، الاّ اذا انتظر الأرجح كما مرّ. و أمّا لو لم يكن حاضرا عنده مع وجوده فان أخّر الدفع الى المستحقّ و تلفت فان كان التأخير لدرجة لم يصدق عليه المسامحة في الايصال فلا ضمان. كما لو تعلّق الوجوب في منتصف الليل فأخّر الدفع الى النهار فتلفت، فانّ التأخير بهذا القدر لاينافي الفوريّة العرفيّة.
(مسألة 2): يشترط في الضمان مع التأخير العلم بوجود المستحقّ، فلو كان موجودا لكنّ المالك لم يعلم به فلا ضمان؛ لأنّه معذور حينئذ في التأخير.
الشرح:
قد تقدّم في صحيحة محمّد بن مسلم قوله عليه السلام :
«اذا وجد لها موضعا فلم يدفعها(1)فهو لها ضامن حتّى يدفعها».(2)
و كذا قوله عليه السلام في صحيحة زرارة:
«ولكن ان عرف لها أهلاً فعطبت أو فسدت فهو لها ضامن حتّى يخرجها».(3)
و قد علّق الضمان في هاتين الصحيحتين على الوجدان و العرفان، و كلاهما منتفٍ فيمن لم يعلم بوجود المستحقّ.
و استشكل في المستند على المصنّف: «من الواضح أنّ المعذوريّة في التأخير لاتنافي الضمان، اذ لم تجعل هي موضوعا لنفيه في شيء من الأدلّة، بل قد صرّح هو بنفسه فيما سبق بالضمان مع وجود المستحقّ و ان ساغ له التأخير شهرا أو شهرين، الكاشف عن أنّ جواز التأخير غير مانع عن الضمان. اذن فلايستقيم التعليل بظاهره. و لايبعد أن يريد به المعذوريّة في عدم الدفع، نظرا الى أنّ الموضوع للضمان في نصوص الباب هو وجدان الأهل كما في صحيحة ابن مسلم، أو معرفة الأهل كما في صحيحة زرارة، لا مجرّد الوجود الواقعي، و كلاهما منتفٍ في مفروض المسألة، فهو لمكان جهله غير واجد للأهل و لا عارف بهفلم يكن قادرا على الدفع و كان معذورا فيه، و لأجله لم يضمن. و ان شئت قلت: انّ الموضوع للضمان عدم الدفع مع التمكّن منه، و حيث لاتمكّن لمكان الجهل
فلا مناص. انتهى».(1)
(مسألة 3): لو أتلف الزكاة المعزولة أو جميع النصاب متلف، فان كان مع عدم التأخير الموجب للضمان يكون الضمان على المتلف فقط، و ان كان مع التأخير المزبور من المالك فكلّ من المالك و الأجنبي ضامن، و للفقيه أو العامل الرجوع على أيّهما شاء. و ان رجع على المالك رجع هو على المتلف، و يجوز له الدفع من ماله ثمّ الرجوع على المتلف.
الشرح:
لو أتلف الزكاة المعزولة أو جميع النصاب متلف فان كان مع عدم التأخير الموجب للضمان - كما لو لم يجد المستحقّ أو وجد و لم يتسامح في الايصال - لم يكن المالك ضامنا؛ لعدم كونه مفرّطا و لامتعدّيا كما دلّ عليه صحيحة زرارة:
«قلت: فانّه لم يجد لها أهلاً ففسدت و تغيّرت، أيضمنها؟ قال: لا».(2)
و يكون الضمان على المتلف فقط؛ لقاعدة من أتلف. و ان كان مع التأخير الموجب للضمان فكلّ من المالك و الأجنبي ضامن، أمّا الأوّل فلكونه مفرّطا، و أمّا الثاني فلكونه متلفا.
و للفقيه أو العامل الرجوع الى أيّهما شاء؛ لكونهما ضامنين. و ان رجع على المالك رجع هو على المتلف؛ لأنّه أتلف ماله. و لو رجع على المتلف لم يرجع هوعلى المالك؛ لأنّه أتلف مال الغير. و يجوز للمالك الدفع من ماله؛ لأنّه ضامن للزكاة ثمّ الرجوع على المتلف؛ لأنّه ضامن لمال المالك.
(مسألة 4): لايجوز تقديم الزكاة قبل وقت الوجوب على الأصحّ، فلو قدّمها كان المال باقيا على ملكه مع بقاء عينه، و يضمن تلفه القابض ان علم بالحال، و للمالك احتسابه جديدا مع بقائه أو احتساب عوضه مع ضمانه و بقاء فقر القابض، و له العدول عنه الى غيره.
الشرح:
قال في الجواهر: «المشهور بين الأصحاب شهرة عظيمة أنّه لايجوز تقديم الزكاة قبل وقت الوجوب، فان آثر ذلك دفع مثلها قرضا و لايكون ذلك زكاة و لايصدق عليها اسم التعجيل، فاذا جاء وقت الوجوب احتسبها زكاة ان شاء، كغيرها من الديون بشرط بقاء المقترض على صفة الاستحقاق، خلافا لابن أبي عقيل و سلاّر، قال الأوّل: «و من أتاه مستحقّ فأعطاه شيئا قبل حلول الحول و أراد أن يحتسب به في زكاته أجزأه ان كان قد مضى من السنة ثلثها الى ما فوق ذلك، و ان كان قد مضى من السنة أقلّ من ثلثها فاحتسب به من زكاته لم يجزئه، بذلك تواترت الأخبار عنهم عليهم السلام ». و قال سلاّر: «و قد ورد الرسم بجواز تقديم الزكاة عند حضور المستحقّ». لكن الثاني لا صراحة في كلامه، بل و لا ظهور معتدّ به، فينحصر الخلاف حينئذ في الأوّل الذي دعاه الى ذلك ما سمعته من دعوى تواتر النصوص اليه، و ان كان ما وصل اليها منها ليس كذلك. انتهى».(1)
أقول:
و الأصحّ أنّه لايجوز تقديم الزكاة قبل وقت الوجوب كما عليه المشهور. و ذلك لصحيحة محمّد الحلبي قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يفيد المال. قال: لايزكّيه حتّى يحول
1) - جواهر الكلام 15: 461.
عليه الحول».(1)
و صحيحة عمر بن يزيد قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : الرجل يكون عنده المال، أيزكّيه اذا مضى نصف السنة؟ فقال: لا، ولكن حتّى يحول عليه الحول و يحلّ عليه، انّه ليس لأحد أن يصلّي صلاة الاّ لوقتها، و كذلك الزكاة، و لايصوم أحد شهر رمضان الاّ في شهره، الاّ قضاءً، و كلّ فريضة انّما تؤدّى اذا حلّت».(2)
و صحيحة زرارة قال:
«قلت لأبي جعفر عليه السلام : أيزكّي الرجل ماله اذا مضى ثلث السنة؟ قال: لا، أيصلّي الأولى قبل الزوال؟».(3)
مضافا الى ما دلّ من النصوص على اعتبار الحول و أنّه لا شيء في المال قبله، كقوله عليه السلام في صحيحة الفضلاء:
«كلّ ما لم يحل عليه الحول عند ربّه فلا شيء عليه فيه، فاذا حال عليه الحول وجب عليه».(4)
و غيرها من النصوص.
و بازاء هذه الروايات ما دلّ على جواز التعجيل، كصحيحة أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث):
«أنّه سأله عن رجل حال عليه الحول و حلّ الشهر الذي كان يزكّي فيه و قد أتى لنصف ماله سنة، و لنصفه الآخر ستّة أشهر. قال: يزكّي
الذي مرّت عليه سنة، و يدع الآخر حتّى تمرّ عليه سنة. قلت: فانّه اشتهى أن يزكّي ذلك. قال: ما أحسن ذلك».(1)
و صحيحة معاوية بن عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قلت له: الرجل تحلّ عليه الزكاة في شهر رمضان فيؤخّرها الى المحرّم؟ قال: لابأس. قال: قلت: فانّها لاتحلّ عليه الاّ في المحرّم، فيعجّلها في شهر رمضان. قال: لابأس».(2)
و صحيحة حمّاد بن عثمان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«لابأس بتعجيل الزكاة شهرين و تأخيرها شهرين».(3)
و خبر أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن الرجل يعجّل زكاته قبل المحلّ. فقال: اذا مضت خمسة (ثمانية) أشهر فلابأس».(4)
الاّ أنّ هذه الروايات تحمل على التقيّة؛ لاعراض الأصحاب عنها و موافقتها لفتوى أكثر فقهاء العامّة.
قال في المغني: «متى وجد سبب وجوب الزكاة و هو النصاب الكامل جازتقديم الزكاة، و بهذا قال الحسن و سعيد بن جبير و الزهري و الأوزاعي و أبو حنيفة و الشافعي و اسحاق و أبو عبيد. و حكي عن الحسن: انّه لايجوز. و به قال ربيعة و مالك و داوود؛ لأنّه روي عن النبي صلى الله عليه و آله أنّه قال: «لاتؤدّى زكاة قبل حلول الحول»، و لأنّ الحول أحد شرطي الزكاة فلم يجز تقديم الزكاة عليه كالنصاب، و لأنّ للزكاة وقتا فلم يجز تقديمها عليه كالصلاة. و لنا: ما روى علي عليه السلام
1) - وسائل الشيعة 9: 300 / الباب 49 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 4.
2) - وسائل الشيعة 9: 301 / الباب 49 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 9.
3) - وسائل الشيعة 9: 302 / الباب 49 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 11.
4) - وسائل الشيعة 9: 302 / الباب 49 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 12.
أنّ العبّاس سأل رسول اللّه صلى الله عليه و آله في تعجيل صدقته قبل أن تحلّ فرخّص له في ذلك، رواه أبو داوود. انتهى».(1)
و قال الشيخ في الخلاف: «لايجوز تقديم الزكاة قبل حلول الحول الاّ على وجه القرض، و اذا حال الحول جاز له أن يحتسب به من الزكاة اذا كان المقترض مستحقّا و المقرض تجب عليه الزكاة. و أمّا الكفّارة فلايجوز تقديمها على الحنث. و قال الشافعي: يجوز تقديم الزكاة قبل الحول و تقديم الكفّارة على الحنث. و قال داوود و أهل الظاهر و ربيعة: لايجوز تقديم شيء منهما قبل وجوبه بحال. و قال أبو حنيفة: يجوز تقديم الزكاة قبل وجوبها و لايجوز تقديم الكفّارة قبل وجوبها. و قال مالك: يجوز تقديم الكفّارة قبل الحنث و لايجوز تعجيل الزكاة قبل الوجوب. دليلنا اجماع الفرقة و أيضا فلا خلاف في أنّه اذا أخرجه وقت وجوبه أنّه تبرأ ذمّته، و ليس على براءة ذمّته اذا أخرجها قبل ذلك دليل و أيضا قول النبي صلى الله عليه و آله و الأئمّة عليهم السلام : «لا زكاة في مال حتّى يحول عليه الحول» يدلّ على ذلك. انتهى ملخّصا».(2)
ثمّ انّه لو قدّم الزكاة على وقت الوجوب كان المال باقيا على ملكه مع بقاء عينه؛ لعدم موجب لخروجها عن ملكه. و لو أتلفها القابض ضمنها مع علمهبالحال و عليه عوضها الاّ أن يكون فقيرا فيحتسب المالك ما عليه من الزكاة عند وقت الوجوب. و لو لم يعلم القابض بالحال فأتلفها لم يضمن؛ لأنّ المالك هو الذي سلّطه على ماله. و قد تقدّم البحث في نظائر المقام ممّا يكون القابض فاقدا لبعض الشرائط كالفقر و نحوه في مطاوي المباحث المتقدّمة عمدتها في فصل أصناف المستحقّين.
(مسألة 5): اذا أراد أن يعطي فقيرا شيئا و لم يجئ وقت وجوب الزكاة عليه يجوز أن يعطيه قرضا، فاذا جاء وقت الوجوب حسبه عليه زكاة بشرط بقائه على صفة الاستحقاق و بقاء الدافع و المال على صفة الوجوب، و لايجب عليه ذلك، بل يجوز مع بقائه على الاستحقاق الأخذ منه و الدفع الى غيره و ان كان الأحوط الاحتساب عليه و عدم الأخذ منه.
الشرح:
قد سبق البحث عن جواز قضاء الدين عن المؤمن من الزكاة و جواز مقاصّته بها من دين عليه حيّا أو ميّتا. و من جملة ما استدلّ به على ذلك صحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج قال:
«سألت أبا الحسن الأوّل عليه السلام عن دين لي على قوم قد طال حبسه عندهم لايقدرون على قضائه و هم مستوجبون للزكاة، هل لي أن أدعه فأحتسب به عليهم من الزكاة؟ قال: نعم».(1)
و لايجب عليه بل يجوز مع بقائه على الاستحقاق الأخذ منه و الدفع الى غيره؛ لعدم الدليل على عدم جواز الأخذ منه، و ما ورد من الروايات من الاحتساب وعدم الردّ يحمل على الجواز و على الترغيب الى القرض مع ضعف سندها كلّها، كخبر يونس بن عمّار قال:
«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول: قرض المؤمن غنيمة و تعجيل أجر، ان أيسر قضاك و ان مات قبل ذلك احتسبت به من الزكاة».(2)
و خبر عثمان بن بهرام(3)قال له:
«انّي رجل موسر و يجيئني الرجل و يسألني الشيء و ليس هو ابّان
زكاتي؟ فقال له أبو عبداللّه: القرض عندنا بثمانيه عشر و الصدقة بعشرة، و ماذا عليك اذا كنت كما تقول موسرا أعطيته، فاذا كان ابّان زكاتك احتسبت بها من الزكاة، يا عثمان لاتردّه؛ فانّ ردّه عند اللّه عظيم».(1)
و خبر هيثم الصيرفي و غيره عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«القرض الواحد بثمانيه عشر، و ان مات احتسب بها من الزكاة».(2)
فالأوّل ضعيف بيونس بن عمّار و ابن السندي، و الثاني بعقبة و بسهل، و أمّا الأخير فبالصيرفي و هو هيثم.
و ان كان الأحوط الاحتساب عليه و عدم الأخذ منه؛ لقوله عليه السلام في خبر عثمان بن بهرام المتقدّم: «يا عثمان لاتردّه، فانّ ردّه عند اللّه عظيم».
(مسألة 6): لو أعطاه قرضا فزاد عنده زيادة متّصلة أو منفصلة فالزيادة له لا للمالك، كما أنّه لو نقص كان النقص عليه، فان خرج عن الاستحقاق أو أراد المالك الدفع الى غيره يستردّ عوضه لا عينه، كما هو مقتضى حكم القرض، بل مع عدم الزيادة أيضا ليس عليه الاّ ردّ المثل أو القيمة.
الشرح:
لو أقرضه شاة ملكها المقترض و يضمن بدله كما هو مقتضى حكم القرض. فان زاد عنده زيادة متّصلة أو منفصلة فالزيادة له لا للمالك، كما أنّه لو نقص كان النقص عليه، فان خرج عن الاستحقاق أو أراد المالك الدفع الى غيره يستردّ عوضه لا عينه و ان كانت العين باقية؛ لأنّ على المقترض ردّ عوضه من المثل أو القيمة يوم الاقتراض. كما أنّه لو لم يزد عنده زيادة ليس عليه الاّ ردّ المثل أو القيمة.
قال في المستمسك: «هذا على المشهور من ملك المقترض بالقبض. و أمّا على ما نسب الى الشيخ رحمه الله في المبسوط و المختلف من عدم حصول الملك به و انّما يملكه بالتصرّف، فالزيادة - مع عدم التصرّف - ملك المقرض؛ لأنّها نماء ملكه. و كذا الكلام في النقصان».
و عند قول المصنّف «فان خرج عن الاستحقاق أو أراد المالك الدفع الى غيره يستردّ عوضه لا عينه، كما هو مقتضى حكم القرض» قال: «من كونه لازما؛ اذ الارتجاع للعين ان كان بعنوان الفسخ فهو خلاف مقتضى لزومه، و ان كان بلا ذلك العنوان فهو خلاف قاعدة السلطنة. و عن الشيخ رحمه الله: جواز الارتجاع؛ لأنّ القرض لايزيد على الهبة. و لأنّه من العقود الجائزة، و لغير ذلك، ممّا هو مذكور، و مضعّف في محلّه. انتهى».(1)
1) - مستمسك العروة 9: 343.
(مسألة 7): لو كان ما أقرض الفقير في أثناء الحول - بقصد الاحتساب عليه بعد حلوله - بعضا من النصاب، و خرج الباقي عن حدّه، سقط الوجوب على الأصحّ؛ لعدم بقائه في ملكه طول الحول. سواء كانت العين باقية عند الفقير أو تالفة، فلا محلّ للاحتساب. نعم، لو أعطاه بعض النصاب أمانة بالقصد المذكور لم يسقط الوجوب، مع بقاء عينه عند الفقير، فله الاحتساب حينئذ بعد حلول الحول اذا بقي على الاستحقاق.
الشرح:
لو كان عنده أربعون شاة فأقرض الفقير في أثناء الحول شاة سقط وجوب الزكاة عنه عند تمام الحول؛ لخروج الباقي و هو تسع و ثلاثون شاة عن حدّ النصاب، و عدم بقائه في ملكه طول الحول، سواء كانت العين باقية عند الفقير أو تالفة. نعم، لو أعطاه بعض النصاب أمانة عنده أثناء الحول و ان كان قصده الاحتساب بعد حلوله، لم يسقط الوجوب مع بقاء عينه عند الفقير؛ لعدم موجب لزوال ملكه عنه فله الاحتساب حينئذ بعد حلول الحول اذا بقي الفقير على الاستحقاق. و أمّا لو كان تالفا من غير تعدّ و لا تفريط سقط الوجوب عنه؛ لعدم ضمان الفقير و عدم بقاء النصاب في ملكه. و كذا لو أتلفه الفقير.
و في المستمسك: «و عن الشيخ رحمه الله الوجوب؛ بناءً منه امّا على أنّ القرض يملك بالتصرّف لا بالقبض، فلم ينثلم النصاب على تقدير بقاء العين عند الفقير. و امّا لبنائه على ثبوت الزكاة في الدين. و المحكي عنه في الخلاف الاستدلال على ذلك بأنّه ثبت أنّ ما يعجله على وجه الدين، و ما يكون كذلك فكأنّه حاصل عندهو جاز له أن يحتسب به؛ لأنّ المال ما نقص عن النصاب، و ظاهره أنّ مبناه الثاني. و كيف كان فهو ضعيف؛ لما تقدّم في محلّه من ضعف المبنى. انتهى».(1)
1) - مستمسك العروة 9: 343 و 344.
(مسألة 8): لو استغنى الفقير - الذي أقرضه بالقصد المذكور - بعين هذا المال ثمّ حال الحول، يجوز الاحتساب عليه؛ لبقائه على صفة الفقر بسبب هذا الدين، و يجوز الاحتساب من سهم الغارمين أيضا. و أمّا لو استغنى بنماء هذا المال أو بارتفاع قيمته اذا كان قيميّا، و قلنا انّ المدار قيمته يوم القرض لا يوم الأداء، لم يجز الاحتساب عليه.
الشرح:
لو أقرض الفقير مقدارا من ماله الزكوي بقصد الاحتساب عليه عند الحول و استغنى بعين هذا المال ثمّ حال الحول جاز له احتساب دينه من الزكاة؛ لأنّه فقير بسبب هذا الدين بحيث لو أدّى دينه من المال الذي أعطي صار فقيرا، و يجوز له الاحتساب من سهم الغارمين، هذا. و لو استغنى بنماء هذا المال بحيث تمكّن من أداء دينه فلايجوز الاحتساب عليه. و كذا الحكم لو استغنى بارتفاع قيمة المال.
خذ لذلك مثالاً: لو أقرضه ثلاث شياه قيمتها عشرون دينارا ثمّ ارتفعت قيمتها و صارت مائتي دينار، فانّ ما ضمن المقترض من القيمة عشرين دينارا حين ملكه للشياه، و ارتفاع القيمة كان في ملكه، فما في ذمّته من هذا المقدار عشرون دينارا، فلو أدّاه بقي له مائة و ثمانون دينارا، فان استغنى بذلك لم يجز للمالك احتساب عشرين دينارا من الزكاة.
ففي المستند: «يبتني ذلك على أنّ العبرة في ضمان القيميّات هل هي بيوم التلف أو بقيمة يوم الأداء أو أعلى القيم؟ و المراد بيوم التلف في المقام هو يومالقرض؛ اذ هو اليوم الذي تتلف فيه العين و تنتقل الى الذمّة بالضمان المسبّب عن عقد القرض. كما أنّ المراد بيوم الأداء هو يوم الاحتساب. فعلى القول الأوّل لا سبيل للاحتساب؛ لوضوح زوال صفة الفقر عند نهاية السنة. و أمّا على القول الثاني فالاحتساب سائغ و واقع في محلّه. و لعلّ الأظهر في المقام هو الأوّل حتّى لو قلنا بالثاني في باب الاتلاف و سائر موارد الضمان؛ اذ بالقرض الموجب
للضمان العقدي يضمن المقترض قيمة العين حين القرض و زمان العقد بلا أيّ موجب لضمان القيمة يوم الأداء، و معه لا مجال للاحتساب في مفروض الكلام. انتهى ملخّصا».(1)
1) - مستند العروة 24: 267 و 268.
الزكاة من العبادات، فيعتبر فيها نيّة القربة و التعيين مع تعدّد ما عليه بأن يكون عليه خمس و زكاة و هو هاشميّ فأعطى هاشميّا، فانّه يجب عليه أن يعيّن أنّه من أيّهما، و كذا لو كان عليه زكاة و كفّارة فانّه يجب التعيين. بل و كذا اذا كان عليه زكاة المال و الفطرة فانّه يجب التعيين على الأحوط، بخلاف ما اذا اتّحد الحقّ الذي عليه فانّه يكفيه الدفع بقصد ما في الذمّة و ان جهل نوعه، بل مع التعدّد أيضا يكفيه التعيين الاجمالي بأن ينوي ما وجب عليه أوّلاً أو ما وجب ثانيا - مثلاً - و لايعتبر نيّة الوجوب و الندب، و كذا لايعتبر أيضا نيّة الجنس الذى تخرج منه الزكاة أنّه من الأنعام أو الغلاّت أو النقدين، من غير فرق بين أن يكون محلّ الوجوب متّحدا أو متعدّدا، بل و من غير فرق بين أن يكون نوع الحقّمتّحدا أو متعدّدا. كما لو كان عنده أربعون من الغنم و خمس من الابل فانّ الحقّ في كلّ منهما شاة، أو كان عنده من أحد النقدين و من الأنعام فلايجب تعيين
شيء من ذلك، سواء كان المدفوع من جنس واحد ممّا عليه أو لا، فيكفي مجرّد قصد كونه زكاة، بل لو كان له مالان متساويان أو مختلفان حاضران أو غائبان أو مختلفان فأخرج الزكاة عن أحدهما من غير تعيين أجزأه و له التعيين بعد ذلك، و لو نوى الزكاة عنهما وزّعت، بل يقوى التوزيع مع نيّة مطلق الزكاة.
الشرح:
هنا فروع:
الزكاة من العبادات فيعتبر فيها قصد القربة، و الدليل على كونها عبادة اقترانها بالصلاة و الحجّ و الصوم التي هي من العبادات قطعا في الروايات المتواترة، كقوله عليه السلام في صحيحة زرارة:
«بني الاسلام على خمسة أشياء: على الصلاة و الزكاة و الحجّ و الصوم و الولاية. الحديث».(1)
مضافا الى اردافها بالولاية التي هي عقد قلبي بينه و بين اللّه تعالى يلازمه الاخلاص بل هو عين الاخلاص و القربة، و لذلك ترى في ذيل الحديث ما معناه أنّ اللّه تعالى لايقبل شيئا من العبادات الاّ بالولاية، فانّه عليه السلام قال:
«أما لو أنّ رجلاً قام ليله و صام نهاره و تصدّق بجميع ماله و حجّ جميع دهره و لم يعرف ولاية وليّ اللّه فيواليه و يكون جميع أعماله بدلالته اليه، ما كان له على اللّه جلّ و عزّ حقّ في ثوابه و لا كان من أهل الايمان. الحديث».(2)
و يمكن أن يستدلّ لذلك بأنّ الزكاة من أقسام الصدقة و عبّر عنها بالصدقة في الكتاب و السنّة. و يظهر من الأخبار أنّ قوام الصدقة بقصد القربة و أنّها عبادة لاتقع الاّ بداعٍ الهي، ففي صحيحة جميل قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : الرجل يتصدّق على بعض ولده بصدقة و هم صغار، أله أن يرجع فيها؟ قال: لا، الصدقة للّه تعالى. الحديث».(1)
و في صحيحة حمّاد بن عثمان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«لا صدقة و لا عتق الاّ ما أريد به وجه اللّه عزّوجلّ».(2)
و عن علي أمير المؤمنين عليه السلام :
«ثمّ انّ الزكاة جعلت مع الصلاة قربانا لأهل الاسلام ، فمن أعطاها طيّب النفس بها فانّها تُجعل له كفّارة، و من النار حجازا و وقاية؛ فلايتبعنّها أحد نفسه، و لايكثرنّ عليها لهفه، فانّ من أعطاها غير طيّب النفس بها يرجو بها ما هو أفضل منها فهو جاهل بالسنّة، مغبون الأجر، ضالّ العمل، طويل الندم».(3)
و قد ورد في الكتاب و السنّة من أنّ اللّه سبحانه هو الذي يباشر بنفسه لأخذالصدقة كقوله تعالى: «هو يقبل التوبة عن عباده و يأخذ الصدقات».(4)
و في صحيحة سالم بن أبي حفصة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«انّ اللّه يقول: ما من شيء الاّ و قد وكّلت به من يقبضه غيري الاّ الصدقة، فانّي أتلقّفها بيدي تلقّفا. الحديث».(5)
اذا تعدّد ما عليه من الحقوق الماليّة و كانت مختلفة النوع من الخمس و الزكاة و الكفّارة يجب عليه التعيين و أنّ ما أدّاه من أيّ نوع، و ذلك لاناطة الامتثال بالاتيان بالمأمور به و هو لايتحصّل الاّ بالقصد، فمن وجب عليه الخمس و الزكاة يجب عليه عند الاعطاء قصدهما على حدة؛ لأنّ الأمر بالخمس غير الأمر بالزكاة، فهما شيئان مختلفان و لايتميّزان الاّ بالقصد. و كذا لو كان عليه زكاة و كفّارة فانّه يجب التعيين. نعم، لو اتّحد الحقّ الذي كان عليه يجوز له قصد امتثال الأمر الذي عليه و أن يعطيه بقصد ما في الذمّة قربة الى اللّه تعالى.
و أمّا اذا تعدّد الحقّ الذي عليه من نوع واحد كما لو كان عليه ثلاث كفّارات لافطاره العمدي في ثلاثة أيّام من شهر رمضان فانّه يكفيه الدفع بقصد ما في الذمّة. و أمّا لو كان عليه كفّارات متعدّدة النوع متّحد مقدارها كما لو كان عليه كفّارة افطار يوم من شهر رمضان عامدا و كفّارة النذر و العهد، يجب عليه التعيين لتعدّد الأوامر الواردة عليه. و مثله ما لو كان عليه زكاة ماليّ و زكاة بدنيّ أي زكاة الفطرةفعليه التعيين.
و في المستمسك عند قول المصنّف «بل و كذا اذا كان عليه زكاة المال و الفطرة، فانّه يجب التعيين على الأحوط» قال: «بل الأقوى؛ لاختلاف حقيقة الواجب، فانّ زكاة الفطرة تغاير زكاة المال ذاتا - لاختصاص الثانية بالغلاّت و عموم الأولى لغيرها - و موردا و سببا و وقتا و أحكاما. و كلّ ذلك كاشف عن اختلاف الخصوصيّات. انتهى».(1)
و في المستند: «ولكنّه لايبعد الاتّحاد و أنّهما فردان من حقيقة واحدة و هي
1) - مستمسك العروة 9: 346.
الصدقة الواجبة و ان تسبّب احداهما عن ملك النصاب و الأخرى عن دخول شهر شوّال، فالتعدّد انّما هو في ناحية السبب دون المسبّب، و معه لا حاجة الى قصد التعيين - الى أن قال: - حال اختلاف السبب في المقام حال اختلاف الأسباب في الأجناس الزكويّة. انتهى».(1)
ولكن فيه: قد يكون اختلاف السبب موجبا لاختلاف المسبّب و يجعلهما ماهيّتين مختلفتين بحيث لايكون بينهما اشتراك الاّ في الاسم، و ما نحن فيه من هذا القبيل.
اذا كان عليه زكاة من الأجناس المختلفة كزكاة الأنعام و الغلاّت و النقدين - مثلاً - لو كان له أربعون شاة و خمسة آبال و أربعون دينارا و ستّون أوسق حنطة وكان قيمة شاة واحدة و عشر الحنطة دينارا، فعليه لكلّ واحد من هذه الأجناس دينار واحد، فاذا أدّى دينارا بلا تعيين سقط زكاة واحدة منها عن ذمّته بلا معيّن؛ لأنّ الزكاة تعلّقت بالأعمّ من العين الزكويّة و مطلق القيمة، فهي في جميع الأجناس الزكويّة التسعة أمر واحد، فتعدّد الأجناس - متّفقة كانت أو مختلفة - من باب تعلّق الأمر بفردين أو أفراد من طبيعة واحدة، نظير تعلّق الأمر بفردين من الصوم القضائي. نعم، اذا كان للفرد بما له من الخصوصيّة أثر يترتّب عليه لم يكن بدّ من تعلّق القصد به و تعيينه في ترتّب الأثر عليه. فلو قلنا بأنّه لايجوز التصرّف في المال الزكوي الاّ بعد التزكية فجواز التصرّف في الباقي من هذه الأجناس منوط بالتعيين أو بأداء أربعة دنانير. و هذا كما لو كان في ذمّته ثلاثة دراهم لزيد درهم
1) - مستند العروة 24: 271.
منها قرضا و درهم اتلافا و درهم بعنوان ضمان الأمانة، فاذا أدّى درهما بلا تعيين فقد أدّى فردا واحدا من ديونه بلا معيّن، و حينئذ لو كان لواحد من هذه الدراهم أثر لم يترتّب عليه أثره الاّ بعد أداء الدراهم كلّها؛ لأنّه لم يعيّن، كما لو اقترض دينارا و جعل شيئا عند المقرض بعنوان الرهن ثمّ اقترض دينارا آخر و جعل شيئا آخر غير الجنس الأوّل رهنا، فاذا أدّى دينارا و لم يعيّن أنّه لأيّهما لم يفكّ أحدهما الاّ اذا تراضيا على واحد منهما معيّنا، أو قلنا بجواز التعيين بعد الدفع كما سيأتي.
توضيح هذا الجزء من المتن:
من غير فرق بين أن يكون محلّ الوجوب (أي الجنس الذي يكون متعلّق الزكاة) متّحدا (مثل أن يكون شاة فقط أو الغلاّت) أو متعدّدا (كما لو كان متعلّق الزكاة شاة و ابلاً، أو شاة و دينارا) بل و من غير فرق بين أن يكون نوع الحقّ متّحدا (كما لو كان عنده أربعون شاة و خمسة آبال، فانّ الحقّ الذي هو الزكاة شاتين) أو متعدّدا (كما لو كان عنده أربعون شاة و أربعون دينارا، فانّ الحقّ الذي عليه شاة و دينار) كما لو كان عنده أربعون من الغنم و خمس من الابل فانّ الحقّ في كلّ منهماشاة (هذا مثال لما لو كان نوع الحقّ متّحدا) أو كان عنده من أحد النقدين و من الأنعام (هذا مثال لما لو كان نوع الحقّ متعدّدا).
لو كان له مالان متساويان أو مختلفان حاضران أو غائبان أو مختلفان فأخرج الزكاة عن أحدهما من غير تعيين أجزأته. فهل له التعيين بعد ذلك و في نظائر المقام أيضا؟ كما اذا كان عليه دينان لشخصين بأن كان عليه لزيد عشرة و لعمرو عشرة و كان شخص واحد وكيلاً منهما في قبض مالهما فأعطاه المديون عشرة من غير قصد تعيين أحدهما ثمّ بعد الاخراج قصد بالمخرج دين زيد مثلاً. و كذا لو
كان عليه دينان لشخص واحد كان أحدهما رهنا فأعطى صاحب الحقّ أحدهما بلا تعيين، ثمّ عيّن ما عليه الرهن ليفكّ رهنه.
فنقول: كلّ ذلك لابأس به ما لم يكن يدفعه الى الفقير في الأولى و مادام باقيا عند الوكيل؛ لبقاء وقت التعيين عرفا و لا مانع منه شرعا. و أمّا لو دفعها الى الفقير و ان لم يصرفها فالتعيين مشكل.
و كذا لو كان عليه صوم يومين من رمضانين فصام يوما من غير تعيين فتعيينه على أنّه من رمضان هذه السنة ليخلص من كفّارته مشكل. و فيما لو كان أجيرا لصلاتين عن شخصين فصلّى صلاة عن أحدهما من غير تعيين فالظاهر أنّه لايتعيّن من أحدهما؛ لأنّ قصد نيابته غير تامّ.
قال في المدارك: «و هل يتخيّر المالك بعد ذلك (أي عدم التعيين حين الدفع) في صرفه الى ما شاء منهما أو يوزّع؟ قولان، ذهب الى الأوّل منهما العلاّمة فيالتذكرة، و الى الثاني الشهيد في البيان. و تظهر الفائدة فيما لو تلف أحد النصابين قبل التمكّن من اخراج الثانية، فعلى الأوّل له صرف المخرج الى أيّهما شاء، فان صرفه الى الباقي برأت ذمّته، و ان صرفه الى التالف أخرج شاة أخرى، و على الثاني يسقط عنه نصف شاة. و يمكن فرض عدم التمكّن من اخراج الثانية مع القدرة على اخراج الأولى بأن لايجد من يستحقّ الاّ واحدة كالغارم و ابن السبيل اذا اندفعت حاجتهما بها. انتهى».(1)
و في الجواهر: «و لو كان له مالان مثلاً متساويان أو مختلفان، حاضران أو غائبان، أو أحدهما حاضر و الآخر غائب فأخرج زكاة و نواها عن أحدهما من غير تعيين أجزأته؛ لاطلاق الأدلّة، و ما تقدّم من عدم الدليل على وجوب تعيين الأفراد التي جمعها أمر واحد. نعم، لو أراد التعيين لم يكن به بأس، لكن في الفرض يحتمل بقاء التخيير له في التعيين بعد الدفع، بل عن الفاضل في التذكرة الجزم به و
1) - مدارك الأحكام 5: 302 و 303.
هو مشكل، و ان ذكروا نظيره في الدين لشخصين اذا قبضه وكيلهما، و الدينين المختلفين في الرهن على أحدهما و عدمه للآخر؛ لأنّه لا دليل على تعيين الأفعال بعد وقوعها، و انّما الثابت تعيّنها بالنيّة المقارنة. اللّهمّ الاّ أن يقال: انّه باقٍ على كلّيّته بعد الدفع كما كان قبله، فله احتسابه على الوجه الذي يريده بعد أن كان له التعيين. انتهى».(1)
و قد عرفت الاشكال في التعيين بعد الدفع الى الفقير، و أشكل من ذلك ما لو كان التعيين بعد الدفع يوجب الضرر للفقير، فالاحتياط في محلّه، و حينئذ فالتوزيع حسن كما مال اليه في البيان و المسالك.
و قال في المستند: «لا دليل على ولايته على هذا التعيين، و يجوز الرجوع الىالقرعة التي هي لكلّ أمر مشكل بناءً على شموله لما لا تعيّن له حتّى في صقع الواقع. انتهى ملخّصا».(2)
(مسألة 1): لا اشكال في أنّه يجوز للمالك التوكيل في أداء الزكاة، كما يجوز له التوكيل في الايصال الى الفقير، و في الأوّل ينوي الوكيل حين الدفع الى الفقير عن المالك. و الأحوط تولّي المالك للنيّة أيضا حين الدفع الى الوكيل، و في الثاني لابدّ من تولّي المالك للنيّة حين الدفع الى الوكيل، و الأحوط استمرارها الى حين دفع الوكيل الى الفقير.
الشرح:
في المسألة فرعان:
يجوز التوكيل في المعاملات بالمعنى الأعمّ، عرفا و شرعا، كما هو مذكور في محلّه، و كذا التوكيل في الحجّ و الصوم و الصلاة بمعنى النيابة الاّ أنّه في الصوم و
الصلاة نيابة عن الميّت و في الحجّ عن الحيّ و الميّت و هو مذكور أيضا في محلّه. و يجوز التوكيل في الأموال في القبض و الاقباض عن الموكّل و هذا ثابت عرفا و لم يرتدع عنه الشرع بل أمضاه، و من جملتها التوكيل في الزكاة في القبض و الاقباض، فانّ العاملين كالوكلاء من جانب الامام في قبض الزكاة، و الوكلاء من جانب المالك في القبض و الاقباض. و هذا ممّا لا اشكال فيه و لا اختلاف.
قال في الشرائع: «و للمالك أن يتولّى تفريق ما وجب عليه بنفسه و بمن يوكّله. انتهى».(1)
و في المدارك: «و لا خلاف بين علماء الاسلام في قبول هذا الفعل للنيابة؛ للأخبار الكثيرة الدالّة عليه. انتهى».(2)
و في الجواهر: «لا خلاف بيننا بل بين المسلمين كافّة في قبول هذا الفعل للنيابة التي استفاضت بها النصوص أو تواترت. انتهى».(1)
اذا أخرج المالك زكاة ماله يجب عليه النيّة، سواء أعطاها بعد ذلك الى الفقير بنفسه أو بوكيله أو غيرهما، و لايلزم النيّة على الوكيل حين الدفع؛ لأنّه وكيل في الايصال و الاقباض و هذا يحصل بأيّ طريق اتّفق ولو كان الموصل صبيّا أو مجنونا أو حيوانا. نعم، ان كان المالك هو الدافع يجب عليه استمرار النيّة ولو ارتكازا.
ففي المستمسك: «أمّا الوكيل في الايصال فليس نائبا عن المالك، و لاتتوقّف صحّة الايصال على قصد النيابة عنه، و لا قصد التقرّب بالأمر المتوجّه؛ اذ الايصال يتحقّق و ان لم يقصد المباشر القربة، بل و ان لم يكن له شعور، كالحيوان و المجنون بل و الريح و غيرها. انتهى».(2)
انّما الكلام فيما اذا كان وكيلاً عن المالك في الاخراج و الدفع، فهل يجب على الوكيل النيّة أو يجب على كليهما أو على المالك فقط؟
الظاهر أنّه يجوز الوكالة و النيابة عن المالك في اخراج الزكاة الاّ أنّه يجب على المالك نيّة الزكاة.
ففي مستند العروة: «و أمّا التوكيل في الأداء، فالذي تقتضيه القواعد لزوم تولّي الموكّل بنفسه أيضا للنيّة؛ لأنّ الموكّل هو المخاطب بأداء الزكاة العباديّة، أمّا الوكيل
فهو غير مخاطب بأداء الزكاة، و انّما هو يمتثل أمر موكّله، و توقّف صحّة الأداء منه نيابة على قصده القربة يحتاج الى دليل مفقود. انتهى ملخّصا».(1)
أقول:
ما ذهب اليه صاحب المستند حسن، فانّ المخاطب بأداء الزكاة العباديّة هو الموكّل، الاّ أنّ الذي يسهّل الخطب أنّ النيّة أمر سهل، فانّ صرف توكيل المالك غيره في اخراج الزكاة و أمره به و بايصالها الى الفقراء و اعطائها ايّاهم نيّة، فانّ البعث و التحريك الى شيء قصد ذلك الشيء، مع علمه بأنّ الزكاة عبادة تحتاج الى القربة فهو كافٍ في قصدها.
(مسألة 2): اذا دفع المالك أو وكيله بلا نيّة القربة، له أن ينوي بعد وصول المال الى الفقير و ان تأخّرت عن الدفع بزمان بشرط بقاء العين في يده أو تلفها مع ضمانه كغيرها من الديون. و أمّا مع تلفها بلا ضمان فلا محلّ للنيّة.
الشرح:
اذا دفع المالك الزكاة الى الفقير رياءً مثلاً بطل عمله و كان اعطاؤه الزكاة بلا نيّة و لايملكها الفقير؛ لأنّه باقٍ على ملك صاحبه، فان كانت العين باقية ينوي القربة وامتثال أمر اللّه تعالى، و كذا لو كان تالفا مع ضمانه كما لو علم الفقير بذلك فانّه من صغريات مسألة احتساب الدين من الزكاة، و أمّا في صورة تلف المال و عدم ضمان الفقير فلا محلّ للنيّة حينئذ و عليه أداء الزكاة ثانيا.
1) - مستند العروة 24: 279.
(مسألة 3): يجوز دفع الزكاة الى الحاكم الشرعي بعنوان الوكالة عن المالك في الأداء، كما يجوز بعنوان الوكالة في الايصال، و يجوز بعنوان أنّه وليّ عامّ على الفقراء، ففي الأوّل يتولّى الحاكم النيّة وكالة حين الدفع الى الفقير، و الأحوط تولّي المالك أيضا حين الدفع الى الحاكم، و في الثاني يكفي نيّة المالك حين الدفع اليه و ابقاؤها مستمرّة الى حين الوصول الى الفقير، و في الثالث أيضا ينوي المالك حين الدفع اليه؛ لأنّ يده حينئذ يد الفقير المولّى عليه.
الشرح:
تقدّم في المسألة الأولى أنّه يعتبر النيّة من المالك سواء دفع الزكاة الى وكيله أو الى الحاكم الشرعي بعنوان الوكالة عن المالك في الأداء أو الوكالة في الايصال أو بعنوان أنّه وليّ عامّ على الفقراء؛ لأنّ المخاطب بأداء الزكاة في جميع هذه الصور هو المالك، أضف الى ذلك أنّ نيّة المالك مستمرّة الى الدفع الى الفقير ولو ارتكازا، و الظاهر أنّه لايحتاج الى ما ذهب اليه المصنّف.
(مسألة 4): اذا أدّى وليّ اليتيم أو المجنون زكاة مالهما يكون هو المتولّي للنيّة.
أي زكاة مال التجارة المحكومة بالاستحباب في مالهما، و أمّا الزكاة الواجبة فهي ساقطة عنهما كما تقدّم في محلّه.
(مسألة 5): اذا أدّى الحاكم الزكاة عن الممتنع يتولّى هو النيّة عنه. و اذاأخذها من الكافر يتولاّها أيضا عند أخذه منه أو عند الدفع الى الفقير عن نفسه لا عن الكافر.
الشرح:
يأخذ الحاكم أعني امام الأصل عليه السلام أو الفقيه الجامع لشرائط الفتوى الزكاة من الممتنع اذا كانا مبسوطي الأيدي من باب الولاية العامّة، أو لأنّه من الأمور الحسبيّة التي لايرضى الشارع بتركها بالنسبة الى الفقيه، و يدفعها الى الفقراء و يتولّى النيّة هو بنفسه على ما تقدّم.
قال المحقّق النراقي: «لو أخذت الزكاة من شخص كرها لاتعتبر نيّته، و المعتبر نيّة الآخذ عند الأخذ و الدفع. و الوجه فيه أنّ الأخذ منه من باب الأمر بالمعروف، فهو أمر واجب على الآخذ ينوي عند الفعل، و أمّا المالك فهو قد ترك ما يجب عليه، و تكون ذمّته مشغولة بحقّ الفقراء، و بعد الأخذ منه كرها تبرأ ذمّته، ولكنّه لم يمتثل ما كان يجب عليه، فهو كمديون اقتصّ منه فهو أثم و برئ. انتهى».(1)
و أمّا أخذ الزكاة من المرتدّ فهو في محلّه و حكمه كالمسلم الممتنع، و أمّا الكافر الذمّي فيكفيه ما يؤخذ منه بعنوان الجزية، و أمّا الحربي فحكمه متردّد بين أن يسلم أو يقتل، كما هو مذكور في محلّه.
(مسألة 6): لو كان له مال غائب - مثلاً - فنوى أنّه ان كان باقيا فهذا زكاته و ان كان تالفا فهو صدقة مستحبّة، صحّ، بخلاف ما لو ردّد في نيّته و لم يعيّن هذا المقدار أيضا فنوى أنّ هذا زكاة واجبة أو صدقة مندوبة، فانّه لايجزئ.
الشرح:
قال في الشرائع: «لو قال: ان كان مالي الغائب باقيا فهذه زكاته و ان كان تالفا فهي نافلة، صحّ. و لا كذا لو قال: أو نافلة. انتهى».(2)
و في المدارك: «الفرق بين المسألتين أنّ الزكاة في المسألة الأولى مجزوم بها على تقدير سلام ة المال، و كذا نيّة النفل على تقدير تلفه، و لا مانع من صحّة ذلك بخلاف الثانية؛ لأنّ الترديد بين كون المدفوع زكاة أو نافلة على تقدير واحد و هو كون الغائب سالما. انتهى».(1)
انّما المهمّ جزمه في أداء الزكاة على تقدير كون ماله باقيا.
(مسألة 7): لو أخرج عن ماله الغائب زكاة ثمّ بان كونه تالفا، فان كان ما أعطاه باقيا، له أن يستردّه، و ان كان تالفا استردّ عوضه اذا كان القابض عالما بالحال، و الاّ فلا.
الشرح:
لأنّه في الصورة الأولى لم يخرج عن ملكه؛ لانكشاف عدم اشتغال ذمّته بالزكاة، فلذا يجوز له أن يستردّه ان كان ما أعطاه باقيا و يستردّ عوضه ان كان تالفا و كان القابض عالما بالحال لكونه ضامنا لعوضه. و أمّا ان كان تالفا و القابض جاهل بالحال فلايجوز له استرداد عوضه؛ لعدم كونه ضامنا له. فانّ مقتضى التسليط المطلق الصادر من المالك لمن هو جاهل بالحال هو عدم الضمان.
1) - مدارك الأحكام 5: 303.
«الأولى»: استحباب استخراج زكاة مال التجارة و نحوه للصبي و المجنون تكليف للولي، و ليس من باب النيابة عن الصبي و المجنون، فالمناط فيه اجتهاد الولي أو تقليده، فلو كان من مذهبه - اجتهادا أو تقليدا - وجوب اخراجها أو استحبابه، ليس للصبي بعد بلوغه معارضته و ان قلّد من يقول بعدم الجواز، كما أنّ الحال كذلك في سائر تصرّفات الولي في مال الصبي أو نفسه من تزويج و نحوه، فلو باع ماله بالعقد الفارسي أو عقد له النكاح بالعقد الفارسي أو نحو ذلك من المسائل الخلافيّة و كان مذهبه الجواز ليس للصبي بعد بلوغه افساده بتقليد من لايرى الصحّة. نعم، لو شكّ الولي - بحسب الاجتهاد أو التقليد - في وجوب الاخراج أو استحبابه أو عدمهما و أراد الاحتياط بالاخراج ففي جوازه اشكال؛ لأنّ الاحتياط فيه معارض بالاحتياط في تصرّف مال الصبي. نعم،لايبعد ذلك اذا كان الاحتياط وجوبيّا. و كذا الحال في غير الزكاة، كمسألة وجوب اخراج الخمس من أرباح التجارة للصبي حيث انّه محلّ للخلاف. و كذا
في سائر التصرّفات في ماله، و المسألة محلّ اشكال، مع أنّها سيّالة.
الشرح:
في المسألة فرعان:
يستحبّ زكاة مال التجارة للصبي و المجنون. و يدلّ عليه الروايات الواردة في الأمر بتزكية مال الطفل:
ففي صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قلت له: في مال اليتيم عليه زكاة؟ فقال: اذا كان موضوعا فليس عليه زكاة، فاذا عملت به فأنت له ضامن و الربح لليتيم».(1)
و في صحيحة زرارة و محمّد بن مسلم أنّهما قالا:
«ليس على مال اليتيم في الدين و المال الصامت شيء، فأمّا الغلاّت فعليها الصدقة واجبة».(2)
و صحيحة يونس بن يعقوب قال:
«أرسلت الى أبي عبداللّه عليه السلام : انّ لي اخوة صغارا، فمتى تجب علىأموالهم الزكاة؟ قال: اذا وجبت عليهم الصلاة وجبت عليهم الزكاة. قلت: فما لم تجب عليهم الصلاة؟ قال: اذا اتّجر به فزكّه».(3)
و صحيحة محمّد بن مسلم قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : هل على مال اليتيم زكاة؟ قال: لا الاّ أن تتّجر به
أو تعمل به».(1)
و صحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : امرأة من أهلنا مختلطة، أعليها زكاة؟ فقال: ان كان عمل به فعليها زكاة، و ان لم يعمل به فلا».(2)
و صحيحة زرارة و بكير عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«ليس على مال اليتيم زكاة الاّ أن يتّجر به، فان اتّجر به ففيه الزكاة. و الربح لليتيم، و على التاجر ضمان المال».(3)
و خبر أبي العطارد الخيّاط قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : مال اليتيم يكون عندي فأتّجر به. فقال: اذا حرّكته فعليك زكاته. قال: قلت: فانّي أحرّكه ثمانية أشهر و أدعه أربعة أشهر. قال: عليك زكاته».(4)
و خبر محمّد بن الفضيل قال:
«سألت أبا الحسن الرضا عليه السلام عن صبيّة صغار لهم مال بيد أبيهم أو أخيهم، هل يجب على مالهم زكاة؟ فقال: لايجب في مالهم زكاةحتّى يعمل به، فاذا عمل به وجبت الزكاة، فأمّا اذا كان موقوفا فلا زكاة عليه».(5)
و خبر موسى بن بكر قال:
«سألت أبا الحسن عليه السلام عن امرأة مصابة و لها مال في يد أخيها، هل
1) - وسائل الشيعة 9: 87 / الباب 2 من أبواب من تجب عليه الزكاة / الحديث 1.
2) - وسائل الشيعة 9: 90 / الباب 3 من أبواب من تجب عليه الزكاة / الحديث 1.
3) - وسائل الشيعة 9: 89 / الباب 2 من أبواب من تجب عليه الزكاة / الحديث 8.
4) - وسائل الشيعة 9: 88 / الباب 2 من أبواب من تجب عليه الزكاة / الحديث 3.
5) - وسائل الشيعة 9: 88 / الباب 2 من أبواب من تجب عليه الزكاة / الحديث 4.
عليه زكاة؟ قال: ان كان أخوها يتّجر به فعليه زكاة».(1)
فانّ الظاهر من هذه الروايات استحباب الزكاة في مال التجارة للصبي و المجنون. و أمّا المتصدّي لاخراجها فالوليّ الشرعي؛ لأنّ تصرّفاتهما غير نافذة.
فاذا كان مال الطفل أو المجنون متعلّقا لحكم الزكاة فأخرجها وليّهما فليس للصبي بعد بلوغه معارضة من أدّاها من الولي أو من بيده المال. نعم، لو بلغ الصبي و قلّد من يقول بعدم وجوب الزكاة أو استحبابها في مال الصبي أو اجتهد فكان نظره عدم الجواز و ضمان الولي في تصرّفاته فيعارض الولي قهرا، فله حقّ المطالبة، و معه يرفع النزاع الى الحاكم الشرعي، و هذا جارٍ في سائر تصرّفات الولي في مال الصبي أو نفسه من تزويج و نحوه، كما لو باع ماله بالعقد الفارسي أو عقد له النكاح بالعقد الفارسي أو نحو ذلك من المسائل الخلافيّة و كان مذهبه الجواز، فعلى الصبي بعد بلوغه افساده بتقليد من لايرى الصحّة أو اجتهد و كان نظره ذلك.
ففي المستند: «انّ الخطاب لم يتعلّق في شيء من الأدلّة بالولي، و انّما تضمّنت مجرّد الاخراج من مال الصبي و أنّها واجبة في ماله أو ثابتة بمقتضى الجمع بين الأدلّة حسبما تقدّم في محلّه، و قد تعدّوا عن اليتيم الذي هو مورد النصّ - أي مطلق الصغير - بالأولويّة القطعيّة. و بما أنّ تصرّفاته كالمجنون غير نافذة و همامسلوبا الارادة شرعا فبطبيعة الحال يكون المتصدّي للاخراج هو الولي، فيكون نائبا عنهما بمقتضى ولايته عليهما، كما هو الحال في سائر التصرّفات من بيع أو تزويج و نحوهما - الى أن قال: - وجوب الاخراج أو استحبابه حكم ظاهري متعلّق بالولي بمقتضى وظيفته الفعليّة الثابتة عن اجتهاد أو تقليد، فلاينافي جواز المعارضة من قبل الصبي بمقتضى ما تعلّقت به من الوظيفة الظاهريّة أيضا. و كذا الحال في التصرّفات الصادرة من الولي التي تكون فاسدة بنظر الصبي. انتهى
1) - وسائل الشيعة 9: 90 / الباب 3 من أبواب من تجب عليه الزكاة / الحديث 2.
ملخّصا».(1)
لو شكّ الولي - بحسب الاجتهاد أو التقليد - في وجوب الاخراج أو استحبابه فلايجوز له الاحتياط؛ لأنّ الأمر و ان كان دائرا بين الوجوب و الحرمة أي حرمة التصرّف في مال الصبي الاّ أنّ أصالة البراءة هناك بالنسبة الى الوجوب حاكمة، فبقي حرمة التصرّف في مال الصبي بلا معارض.
نعم، لو لم يكن موردا لاجراء أصالة البراءة فيكون من موارد التخيير، و ذلك كما يكون شكّه بين الوجوب و الحرمة قبل الفحص و لم يتمكّن من تأخير الواقعة حتّى يتبيّن الحال فهنا يحكم العقل بالتخيير، فيختار أحد الطرفين ثمّ يفحص عن تكليفه. و الظاهر أنّ مراد المصنّف من الاحتياط الوجوبي هو الذي ذكر.
ففي المستمسك في قول المصنّف «نعم، لايبعد ذلك اذا كان الاحتياطوجوبيّا» قال: «كأنّه لأجل كون المورد من قبيل الدوران بين محذورين، الذي يكون موضوع حكم العقل بالتخيير. الاّ أن يقال: انّ الاحتياط في مال اليتيم أهمّ، فيتعيّن في نظر العقل الأخذ به. و كذا مع احتمال الأهمّيّة. انتهى».(2)
و استشكل في المستند بما استدركه السيّد الحكيم، فقال: «انّ الترجيح بالأهمّيّة أو بمحتملها انّما هو من خواصّ باب التزاحم، أمّا المقام فهو داخل في باب التعارض؛ اذ لم يعلم المجعول في الشريعة المقدّسة في هذه الحالة و أنّه الوجوب أو الحرمة، لا أنّ الحكمين ثابتان و المكلّف عاجز عن الجمع في مقام
الامتثال. انتهى».(1)
«الثانية»: اذا علم بتعلّق الزكاة بماله و شكّ في أنّه أخرجها أم لا وجب عليه الاخراج؛ للاستصحاب، الاّ اذا كان الشكّ بالنسبة الى السنين الماضية، فانّ الظاهر جريان قاعدة الشكّ بعد الوقت، أو بعد تجاوز المحلّ هذا، و لو شكّ في أنّه أخرج الزكاة عن مال الصبي في مورد يستحبّ اخراجها - كمال التجارة له - بعد العلم بتعلّقها به، فالظاهر جواز العمل بالاستصحاب؛ لأنّه دليل شرعي، و المفروض أنّ المناط فيه شكّه و يقينه؛ لأنّه المكلّف، لا شكّ الصبي و يقينه، و بعبارة أخرى ليس نائبا عنه.
الشرح:
فرعان:
اذا علم بتعلّق الزكاة بماله و شكّ في أنّه أخرجها أم لا فان كانت العين باقية وجب عليه الاخراج، و ذلك للاستصحاب. و لا فرق بين أن يكون لهذه السنة أو السنوات الماضية لتماميّة أركان الاستصحاب، و لاتجري قاعدة الشكّ بعد الوقت، أو بعد تجاوز المحلّ؛ لأنّ أداء الزكاة ليس له وقت معيّن و ان وجب الفور به و يحرم تأخيره، بمعنى أنّه ليس مثل الصلوات الخمس حتّى تكون قضاءً اذا لم يؤت بها في وقتها، أو مثل الصوم حتّى يكون قضاءً اذا فات محلّه و لم يؤت به. و كذا ليس لأداء الزكاة محلّ ليقال قد تجاوز محلّه و يصدق قوله عليه السلام :
1) - مستند العروة 24: 289.
«اذا خرجت من شيء ثمّ دخلت في غيره فشكّك ليس بشيء».(1)
و ما يقال: يمكن أن يستفاد من مدرك القاعدة أنّ الصحاح الواردة في ذلك ليست في مقام اعمال التعبّد المحض بل اشارة الى ما استقرّت به سيرة العقلاء في جميع أعمالهم من عدم الاعتناء بالشكّ بعد مضيّ الزمان العادي للعمل، و ترتيب الأثر على الشكّ فيها و الالزام باتيانها مع كون الانسان محلاًّ للسهو و النسيان يوجب العسر و الحرج، مدفوع بأنّ هذه الاستفادة من الصحاح تحتاج الى العلم بها، و هو مفقود ممّن طرحها حيث قال: «و يمكن أن يستفاد ... » مع أنّ ايجاب العسر و الحرج دعوى بلا دليل.
ففي المستمسك: «انّ قاعدة الشكّ بعد الوقت مستندها مصحّح زرارة و الفضيل عن أبي جعفر عليه السلام (في حديث): «متى استيقنت أو شككت في وقتفريضة أنّك لم تصلّها أو في وقت فوتها أنّك لم تصلّها صلّيتها، و ان شككت بعدما خرج وقت الفوت و قد دخل حائل فلا اعادة عليك من شكّ حتّى تستيقن، فان استيقنت فعليك أن تصلّيها في أيّ حالة كنت»(2)، و مورده الصلاة، فالتعدّي الى غيرها يحتاج الى عناية غير ظاهرة، مضافا الى كون الزكاة من قبيل الموقّت الذي يفوت بفوات وقته غير ظاهر أيضا. و أمّا قاعدة التجاوز فموضوعها الخروج عن محلّ المشكوك و الدخول في غيره ممّا هو مترتّب عليه، و حصوله في المقام ممنوع. انتهى».(3)
و في المستند: «انّ قاعدة الحيلولة و ان كان موردها الصلاة ولكن لايبعد دعوى اندراجها في قاعدة التجاوز و كونها هي بعينها، ولكنّها لاتجري هنا؛ لاختصاصها بالموقّت، و ليست الزكاة منه، و كذا لاتجري قاعدة التجاوز؛ لأنّه
لم يكن لهذا الواجب أي الزكاة وقت و لا محلّ معيّن. و عليه لا فرق بين السنة الحاليّة و السنين الماضية في وجوب الاخراج لو شكّ فيه؛ عملاً بالاستصحاب ما لم يثبت خلافه بحجّة معتبرة من اطمئنان و نحوه. انتهى ملخّصا».(1)
اذا تلفت العين الزكويّة بحيث كان ضامنا على تقدير عدم أداء الزكاة فشكّ بعد تلفها أنّه قد أدّى زكاة ماله قبل التلف أو لا، فلايجب عليه أداء الزكاة؛ لرجوع شكّهالى أنّ ذمّته مشغولة بأداء الزكاة أو لا، فحينئذ تجري أصالة البراءة عن الضمان؛ للشكّ في تعلّق التكليف الجديد.
و ما يقال من أنّ اشتغال الذمّة مسبّب عن بقاء التكليف الأوّل و الشكّ فيه مسبّب عن الشكّ فيه فلا محيص عن اجراء الأصل في السبب و مقتضاه بقاء التكليف بأداء زكاة العين، و لاينحصر امتثال ذلك في الأداء من نفس العين، مدفوع بأنّ الزكاة تعلّقت بالعين، فاذا أتلفها و لم يؤدّ زكاتها تعلّقت بالذمّة، فاذا شكّ في أنّه أدّاها أو لم يؤدّها فقد شكّ في أنّ الزكاة تعلّقت بذمّته أو لا؛ فالشكّ في تعلّق التكليف الجديد، فمورده البراءة، و أصالة عدم أداء الزكاة لايثبت وقوع الاتلاف حال عدم الأداء ليترتّب عليه الضمان لأنّه مثبت.
ثمّ انّ ما ذكر من الفرعين جارٍ في مال الصبي أيضا لو شكّ في اخراج زكاته في مورد استحبابه، سواء قلنا بنيابة الولي عنه أم كون الخطاب متوجّها اليه بنفسه.
1) - مستند العروة 24: 290 و 291.
«الثالثة»: اذا باع الزرع أو الثمر و شكّ في كون البيع بعد زمان تعلّق الوجوب حتّى يكون الزكاة عليه أو قبله حتّى يكون على المشتري، ليس عليه شيء الاّ اذا كان زمان التعلّق معلوما و زمان البيع مجهولاً، فانّ الأحوط حينئذ اخراجه على اشكال في وجوبه، و كذا الحال بالنسبة الى المشتري اذا شكّ في ذلك، فانّه لايجب عليه شيء الاّ اذا علم زمان البيع و شكّ في تقدّم التعلّق و تأخّره، فانّ الأحوط حينئذ اخراجه، على اشكال في وجوبه.
الشرح:
اذا باع الزرع أو الثمر و شكّ في كون البيع بعد زمان تعلّق الوجوب أو قبله ففيه ثلاث صور:
الأولى أن يكون زمان تعلّق الوجوب و زمان البيع مجهولين، و حينئذ ليس على البائع شيء، و ذلك لأنّ استصحاب عدم تعلّق الوجوب الى زمان البيع معارض باستصحاب عدم البيع الى زمان تعلّق الوجوب، و بعد المعارضة و التساقط يشكّ المكلّف في أنّ ذمّته مشغولة بالزكاة، فالأصل الجاري البراءة.
الثانية أن يكون زمان التعلّق معلوما و زمان البيع مجهولاً، و في هذه الصورة تجب الزكاة على البائع، و ذلك لجريان استصحاب عدم البيع الى زمان التعلّق، فانّه و ان لم يثبت البيع بعد التعلّق الاّ أنّ استصحاب بقاء الملك الى زمان التعلّق يثبت الوجوب، فيجب على البائع الزكاة.
الثالثة أن يكون زمان التعلّق مجهولاً و زمان البيع معلوما، ففي هذه الصورة لاتجب عليه الزكاة، و ذلك لاستصحاب عدم التعلّق الى زمان البيع، فانّه و ان لم يثبت به أنّ التعلّق كان بعد البيع الاّ أنّه أيضا لايثبت عليه الزكاة.
و أمّا المشتري فحيث علم اجمالاً في الصورة الأولى و الثالثة أنّ الزكاة تعلّقتبهذا المال و لم تخرج فيجب عليه اخراج الزكاة و لايرجع الى البائع؛ لعدم الدليل على ضمانه، بل مقتضى أصالة الصحّة في البيع نفوذه حتّى بالنسبة الى مقدار
الزكاة؛ اذ لم يحرز تعلّقها قبل البيع كي يمنع من النفوذ فيه.
«الرابعة»: اذا مات المالك بعد تعلّق الزكاة وجب الاخراج من تركته، و ان مات قبله وجب على من بلغ سهمه النصاب من الورثة، و اذا لم يعلم أنّ الموت كان قبل التعلّق أو بعده لم يجب الاخراج من تركته، و لا على الورثة اذا لم يبلغ نصيب واحد منهم النصاب، الاّ مع العلم بزمان التعلّق و الشكّ في زمان الموت، فانّ الأحوط حينئذ الاخراج على الاشكال المتقدّم. و أمّا اذا بلغ نصيب كلّ منهم النصاب أو نصيب بعضهم فيجب على من بلغ نصيبه منهم؛ للعلم الاجمالي بالتعلّق به، امّا بتكليف الميّت في حياته أو بتكليفه هو بعد موت مورّثه بشرط أن يكون بالغا عاقلاً، و الاّ فلايجب عليه؛ لعدم العلم الاجمالي بالتعلّق حينئذ.
الشرح:
دليل صدر المسألة معلوم و هو العلم بعدم اخراج الزكاة فيما اذا مات بعد تعلّقها، و كذا اذا مات قبل التعلّق و بلغ سهم كلّ منهم أو بعضهم النصاب. و أمّا اذا مات المالك و لم يعلم أنّ الموت كان قبل تعلّق الزكاة أو بعده ففيه ثلاث صور، ففي صورتين منها لايجب اخراج الزكاة من تركته:
احداهما اذا كان وقت التعلّق و زمان الموت كلاهما مجهولي التاريخ، و ذلك لتعارض الاستصحابين و الرجوع الى أصالة البراءة.
ثانيتهما اذا كان وقت التعلّق مجهولاً و زمان الموت معلوما، و ذلك أيضا لاستصحاب عدم التعلّق الى زمان الموت.
و في صورة منها يجب اخراج الزكاة من تركته و هي ما اذا كان وقت التعلّق معلوما و زمان الموت مجهولاً، و ذلك لاستصحاب عدم الموت الى زمان التعلّق.
و في الصورتين الأوّلتين لاتجب الزكاة أيضا على الورثة اذا لم يبلغ نصيب واحد منهم النصاب. و أمّا اذا بلغ نصيب كلّ منهم النصاب أو نصيب بعضهم،
فيجب على من بلغ نصيبه منهم؛ للعلم الاجمالي بالتعلّق به، امّا بتكليف الميّت في حياته أو بتكليفه هو بعد موت مورّثه بشرط أن يكون بالغا عاقلاً، و الاّ فلايجب عليه؛ لعدم العلم الاجمالي بالتعلّق حينئذ.
«الخامسة»: اذا علم أنّ مورّثه كان مكلّفا باخراج الزكاة و شكّ في أنّه أدّاها أم لا، ففي وجوب اخراجه من تركته - لاستصحاب بقاء تكليفه - أو عدم وجوبه - للشكّ في ثبوت التكليف بالنسبة الى الوارث، و استصحاب بقاء تكليف الميّت لاينفع في تكليف الوارث - وجهان، أوجههما الثاني؛ لأنّ تكليف الوارث بالاخراج فرع تكليف الميّت حتّى يتعلّق الحقّ بتركته، و ثبوته فرع شكّ الميّت و اجرائه الاستصحاب، لا شكّ الوارث. و حال الميّت غير معلوم أنّه متيقّن بأحد الطرفين أو شاكّ. و فرق بين ما نحن فيه و ما اذا علم نجاسة يد شخص أو ثوبه سابقا - و هو نائم - و نشكّ في أنّه طهّرهما أم لا، حيث انّ مقتضى الاستصحاب بقاء النجاسة، مع أنّ حال النائم غير معلوم أنّه شاكّ أو متيقّن؛ اذ في هذا المثال لا حاجة الى اثبات التكليف بالاجتناب بالنسبة الى ذلك الشخص النائم، بل يقال: انّ يده كانت نجسة، و الأصل بقاء نجاستها فيجب الاجتناب عنها، بخلاف المقام حيث انّ وجوب الاخراج من التركة فرع ثبوت تكليف الميّت و اشتغال ذمّته بالنسبة اليه من حيث هو. نعم، لو كان المال الذي تعلّق به الزكاة موجودا أمكن أن يقال: الأصل بقاء الزكاة فيه، ففرق بين صورةالشكّ في تعلّق الزكاة بذمّته و عدمه، و الشكّ في أنّ هذا المال الذي كان فيه الزكاة أخرجت زكاته أم لا. هذا كلّه اذا كان الشكّ في مورد لو كان حيّا و كان شاكّا وجب عليه الاخراج، و أمّا اذا كان الشكّ بالنسبة الى الاشتغال بزكاة السنة السابقة أو نحوها - ممّا يجري فيه قاعدة التجاوز و المضيّ و حمل فعله على الصحّة - فلا اشكال. و كذا الحال اذا علم اشتغاله بدين أو كفّارة أو نذر أو خمس
أو نحو ذلك.
الشرح:
في المسألة صور:
اذا علم أنّ مورّثه كان مكلّفا باخراج الزكاة و شكّ في أنّه أدّاها أم لا و كانت العين موجودة فعلى الوارث اخراج الزكاة، و ذلك لاستصحاب عدم الاخراج، فانّه علم بأنّ هذا المال قد تعلّق به الزكاة و شكّ في اخراجها فيستصحب، و لا فرق بين كونه لهذه السنة أو السنين الماضية على ما تقدّم في المسألة الثانية بأنّ قاعدة الحيلولة و التجاوز لاتجريان في المقام؛ لعدم كون الزكاة من الموقّتات و عدم كونها ذات محلّ. نعم، لايجوز التأخير بمقدار يصدق معه التهاون، الاّ أنّ ذلك لايجعلها من الموقّت كييكون الشكّ بعد تجاوز المحلّ أو بعد خروج الوقت.
و أمّا أصالة الصحّة فلم يعلم لها وجه صحيح، الاّ أن يقال انّ الميّت لم يتسامح في أداء الزكاة و لم يرتكب الحرام بل أدّاها امّا من هذا المال أو من مال آخر. ولكنّه خلاف ما هو المقرّر في محلّه من أنّ أصالة الصحّة لها معنيان:
أحدهما مجرّد التنزيه عن القبيح و الحمل على الجائز المشروع من دون ترتيب الآثار عليه و هنا نقول بأنّ الميّت لم يرتكب حراما، و أمّا أن نرتّب عليه الأثر و نقول بأنّه أدّى الزكاة فلا.
ثانيهما الحمل على الصحيح في مقابل الفاسد فيما اذا صدر من المسلم فعل من عقد أو ايقاع فنشكّ في صحّة ما صدر منه، فحينئذ نقول بأنّ الطلاق مثلاً وقع صحيحا، فيجوز نكاح زوجة زيد المطلّقة.
اذا كانت العين تالفة أو منتقلة الى الغير و احتمل أنّه لم يؤدّ زكاتها كييكون مدينا أو ضامنا، ففي هذه الصورة تجري أصالة البراءة للشكّ في كون ذمّة الميّت مشغولة بأداء الزكاة ليكون ضامنا، فانّ موضوع الضمان اتلاف مال الغير و هو غير محرز في المقام بعد احتمال أنّ الميّت قد أدّى الزكاة من نفس العين الزكويّة أو من مال آخر. و أمّا استصحاب عدم الأداء فلايثبت الاتلاف ليترتّب عليه الضمان.
اذا علم أنّ ذمّة المورّث كانت مشغولة بالزكاة سابقا لعدم الأداء من العين جزما، امّا لاتلاف أو لتلف مضمون عليه أو لأجل النقل الى الذمّة باجازة الحاكم الشرعي و نحو ذلك، و شكّ في تفريغ ذمّته بعد ذلك كما في سائر الديون التي يشكّ في أدائها بعد العلم باشتغال الذمّة بها، ذهب المصنّف الى عدم وجوب الزكاة على الورثة؛ لأنّ تكليف الوارث بالاخراج فرع تكليف الميّت حتّى يتعلّق الحقّ بتركته، و ثبوته فرع شكّ الميّت و اجرائه الاستصحاب، لا شكّ الوارث، و حال الميّت غير معلوم أنّه متيقّن بأحد الطرفين أو شاكّ. و فرق بين ما نحن فيه و بين ما اذا علم نجاسة يد شخص أو ثوبه سابقا - و هو نائم - و شكّ في أنّه طهّرهما أم لا؛ فانّ مقتضى الاستصحاب بقاء النجاسة.
و فيه - كما في المستمسك - : ثبوت التكليف واقعا للميّت انّما يتفرّع علىاجتماع شرائطه، و لايتفرّع على يقينه و شكّه، بل الذي يتفرّع عليهما هو التنجّز، بواسطة الاستصحاب أو قاعدة الاشتغال، و لايرتبطان بالتكليف. و على هذا فاذا
علم الوارث باشتغال ذمّة الميّت و شكّ في تفريغ ذمّته جاز له الرجوع الى استصحاب اشتغال ذمّته، فلا فرق من هذه الجهة بين المقام و بين ما لو علم بنجاسة يد شخص أو ثوبه، فيجري الاستصحاب فيهما على نحو واحد.
و بالجملة اذا علم الوارث باشتغال ذمّة المورّث لعدم أدائها تسامحا مع امكانه حتّى أتلفها أو تلفت و احتمل أداءها بعد التلف، فاشتغال ذمّة الميّت بالزكاة معلوم و أداؤها مشكوك فيه فيستصحب اشتغال ذمّته كسائر الديون المعلومة اذا شكّ في أدائها، فلو استدان الميّت من زيد مالاً و نسي أداءه الى أن مات، أو أتلف مال أحد حال نومه و لم يعلم به الى أن مات ولكن علم الوارث و شكّ في أداء الميّت ديونه، ففي جميع ذلك يجب على الوارث افراغ ذمّة الميّت؛ لاستصحاب اشتغال ذمّته و هو كما لو علم بذلك.
و الحاصل أنّ الذي ذهب اليه المصنّف من منعه عن استصحاب اشتغال ذمّة الميّت بالنسبة الى الوارث فيه اشكال، و لعلّه تفطّن لذلك في كتاب الحجّ و أفتى باجراء الاستصحاب فيما اذا علم الوارث اشتغال ذمّة الميّت بالحج و لم يعلم باتيانه، فانّه قال: «نعم، لو كانت الحالة السابقة فيه هي الوجوب، كما اذا علم وجوب الحجّ عليه سابقا و لم يعلم أنّه أتى به أو لا فالظاهر جريان الاستصحاب و الاخراج من الأصل. و دعوى أنّ ذلك موقوف على ثبوت الوجوب عليه و هو فرع شكّه لا شكّ الوصيّ أو الوارث و لايعلم أنّه كان شاكّا حين موته أو عالما بأحد الأمرين، مدفوعة بمنع اعتبار شكّه بل يكفي شكّ الوصي أو الوارث أيضا. و لا فرق في ذلك بين ما اذا أوصى أو لم يوص، فانّ مقتضى أصالة بقاء اشتغال ذمّته بذلك الواجب عدم انتقال ما يقابله من التركة الى الوارث، ولكنّه يشكل على ذلكالأمر في كثير من الموارد؛ لحصول العلم غالبا بأنّ الميّت كان مشغول الذمّة بدين أو خمس أو زكاة أو حجّ أو نحو ذلك، الاّ أن يدفع بالحمل على الصحّة، فانّ ظاهر حال المسلم الاتيان بما وجب عليه، لكنّه مشكل في الواجبات الموسّعة، بل في
غيرها أيضا في غير الموقّتة، فالأحوط في هذه الصورة الاخراج من الأصل». و تفصيل ذلك في كتاب الحجّ.(1)
ثمّ اذا علم اشتغال ذمّته بدين أو كفّارة ماليّة أو نذر كذلك أو خمس أو نحو ذلك فيجري استصحاب اشتغال ذمّته، فعلى الوارث اخراج ما على الميّت ممّا ذكر.
و في المستند: «الظاهر من الأدلّة أنّ الكفّارة حكم تكليفي محض خوطب به المكلّف بشخصه؛ رفعا للحزازة الحاصلة من العمل من غير ثبوت شيء في ذمّته، فانّها واجب الهي متعلّق بالمال و كذلك النذر فهو التزام المكلّف بشيء على نفسه و اللّه تعالى يلزمه بما التزم. انتهى ملخّصا».(2)
و فيه: انّ الظاهر عدم الفرق بينهما و بين الخمس و الزكاة، فانّهما أيضا من الحكم التكليفيّ المتعلّق بالمال، فلانسلّم عدم اشتغال ذمّته.
«السادسة»: اذا علم اشتغال ذمّته امّا بالخمس أو الزكاة وجب عليه اخراجهما، الاّ اذا كان هاشميّا، فانّه يجوز أن يعطي للهاشمي بقصد ما في الذمّة و ان اختلف مقدارهما قلّة و كثرة أخذ بالأقلّ و الأحوط الأكثر.
الشرح:اذا علم اشتغال ذمّته امّا بالخمس أو بالزكاة و اتّحد مقدارهما فتارة كان هاشميّا فحينئذ يجوز أن يعطي الهاشميّ بقصد ما في الذمّة، و ذلك لأنّه ان كان ما في ذمّته الخمس فقد أدّاه الى أهله، و ان كان الزكاة فيجوز اعطاؤها الهاشمي؛ لكونه نفسه هاشميّا، و القصد الاجمالي كافٍ في الامتثال و ان لم يعلم عنوان المأمور به، فانّ
الملاك صدق الامتثال و لا دليل على اعتبار التمييز. و نظيره ما اذا اشتغلت ذمّته لشخص معيّن بمقدار معيّن متردّد بين أن يكون لدينه أو النذر له فيجوز اعطاؤه بقصد ما عليه امتثالاً لما توجّه اليه من الأمر. نعم، لو كان الخمس مشتملاً على سهم الامام عليه السلام فلابدّ من أن يكون اعطاؤه باذن الفقيه.
و أخرى: كان المكلّف غير هاشميّ فيجب عليه اخراجهما و اعطاء كلّ واحد منهما الى أهله؛ للعلم الاجمالي و لأنّ الاشتغال اليقيني يستدعي البراءة اليقينيّة، و يجوز اعطاء مقدار واحد متردّد بين الخمس و الزكاة الى الحاكم الشرعي، و أمّا كيفيّة صرفه فان كان الخمس مشتملاً على سهم الامام عليه السلام فيصرف نصفه الى من كان فقيرا من أهل العلم و نصفه الآخر الذي كان متردّدا بين سهم فقراء السادة و بين سهم الفقراء من غيرهم فيعطى من كان فقيرا من السادة فلم يصل اليه من سهمهم، و ان لم يكن موجودا فتصل النوبة الى القرعة، لتعيين الواقع متردّدا بين شيئين.
و ثالثة: اختلف مقدارهما قلّة و كثرة، فحينئذ أخذ بالأقلّ؛ لانحلال العلم الاجمالي الى الأقلّ الذي هو معلوم تفصيلاً و الشكّ البدوي فحكمه البراءة، و الاحتياط بالأكثر حسن. هذا اذا كان المديون هاشميّا. و اذا كان غير هاشميّ فان أعطى الى الحاكم الشرعي يجزي الأقلّ و الاّ فعليه الاحتياط كما مرّ.
«السابعة»: اذا علم اجمالاً أنّ حنطته بلغت النصاب أو شعيره و لم يتمكّن من التعيين فالظاهر وجوب الاحتياط باخراجهما الاّ اذا أخرج بالقيمة، فانّه يكفيه اخراج قيمة أقلّهما قيمة على اشكال؛ لأنّ الواجب أوّلاً هو العين، و مردّد بينهما اذا كانا موجودين، بل في صورة التلف أيضا؛ لأنّهما مثليّان. و اذا علم أنّ عليه امّا زكاة خمس من الابل أو زكاة أربعين شاة، يكفيه اخراج شاة. و اذا علم أنّ عليه امّا زكاة ثلاثين بقرة أو أربعين شاة وجب الاحتياط الاّ مع التلف، فانّه يكفيه قيمة شاة. و كذا الكلام في نظائر المذكورات.
الشرح:
اذا علم أنّ حنطته بلغت النصاب أو شعيره و لم يتمكّن من التعيين فالظاهر وجوب الاحتياط باخراجهما اذا أراد أن يخرج الزكاة من العين، و يجوز له أن يقوّم كلاًّ منهما و يجعل الواجب فيهما على ذمّته، و لو اختلف قيمتهما يكفيه اخراج أقلّهما قيمة كما مرّ، و قد تقدّم في محلّه جواز ذلك في الأموال الزكويّة، و الاحتياط حسن؛ للخروج عن الاشكال الذي ذكره الماتن.
و اذا علم أنّ عليه زكاة خمس من الابل أو زكاة أربعين شاة يكفيه اخراج شاة؛ لأنّ زكاته الواجبة عليه شاة على التقديرين و لايلزم عليه التعيين من أنّها من الابل
أو من الشاة.
و اذا علم أنّ عليه امّا زكاة ثلاثين بقرة أو أربعين شاة يحتاط باخراجهما، و يجوز له التقويم و جعل القيمة على ذمّته كما مرّ آنفا، و لا فرق في ذلك بين وجود العين و تلفها.
«الثامنة»: اذا كان عليه الزكاة فمات قبل أدائها هل يجوز اعطاؤها من تركته لواجب النفقة عليه حال حياته أم لا؟ اشكال.
الشرح:
اذا كان عليه الزكاة فمات قبل أدائها يجوز اعطاؤها من تركته لواجب النفقة عليه حال حياته؛ لانتفاء الموضوع، ففي صحيحة ابن الحجّاج:
«خمسة لايعطون من الزكاة شيئا: الأب و الأمّ و الولد و المملوك و المرأة، و ذلك أنّهم عياله لازمون له».(1)
فبعد موته لايكون هؤلاء عياله بل كانوا عياله حال حياته. و لا مجال للتمسّك بالاستصحاب بعد انتفاء الموضوع.
و قد ورد جواز ذلك في صحيحة علي بن يقطين قال:
«قلت لأبي الحسن الأوّل عليه السلام : رجل مات و عليه زكاة و أوصى أن تقضى عنه الزكاة، و ولده محاويج ان دفعوها أضرّ ذلك بهم ضررا شديدا. فقال: يخرجونها فيعودون بها على أنفسهم، و يخرجون منها شيئا فيدفع الى غيرهم».(2)
«التاسعة»: اذا باع النصاب بعد وجوب الزكاة و شرط على المشتري زكاته لايبعد الجواز، الاّ اذا قصد كون الزكاة عليه لا أن يكون نائبا عنه فانّه مشكل.
الشرح:
اذا باع النصاب بعد وجوب الزكاة فتارة يشترط على المشتري أن يؤدّي زكاته نيابة عنه فلا اشكال في ذلك، فاذا أدّى الزكاة برئت ذمّة البائع سواء أدّاها من هذا
المال أو من مال آخر.
و أخرى يشترط عليه الأداء من مال آخر لا بعنوان النيابة بل من قبل نفسه، و هذا أيضا صحيح، و يستفاد ذلك من صحيحة عبدالرحمن بن أبي عبداللّه البصري قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : رجل لم يزكّ ابله أو شاءه عامين فباعها، على من اشتراها أن يزكّيها لما مضى؟ قال: نعم، تؤخذ منه زكاتها و يتبع بها البائع أو يؤدّي زكاتها البائع».(1)
و ثالثة يشترط على المشتري الاخراج من نفس العين لا بعنوان النيابة، و لا اشكال في ذلك كما يدلّ عليه الصحيحة.
«العاشرة»: اذا طلب من غيره أن يؤدّي زكاته تبرّعا من ماله جاز و أجزأ عنه، و لايجوز للمتبرّع الرجوع عليه. و أمّا ان طلب و لم يذكر التبرّع فأدّاها عنه من ماله فالظاهر جواز رجوعه عليه بعوضه؛ لقاعدة احترام المال، الاّ اذا علم كونه متبرّعا.
الشرح:
اذا طلب من غيره أن يؤدّي زكاته تبرّعا من ماله جاز، و ذلك لما تقدّم من جواز أداء الزكاة من مال آخر غير ما فيه الزكاة، و ما تقدّم أيضا من جواز تأديتها بواسطة شخص آخر توكيلاً أو نيابة أو تبرّعا، فاذا أدّى الزكاة عن المالك من ماله باذنهتبرّعا أجزأ عنه؛ لوجود قصد امتثال الأمر من المالك و هو الطلب من غيره بأداء الزكاة، و لايجوز للمتبرّع الرجوع عليه؛ لأنّه بنفسه رضي باعطاء ماله من غير عوض، و ليس هنا شيء يدلّ على ضمان الطالب، حتّى لو ادّعى أنّه لم يقصد
1) - وسائل الشيعة 9: 127 / الباب 12 من أبواب زكاة الأنعام / الحديث 1.
باعطاء ماله التبرّع لايقبل منه؛ لأنّ المالك طلب منه صرف ماله زكاة عنه تبرّعا.
و أمّا ان طلب و لم يذكر التبرّع فأدّاها عنه من ماله، فان كان هناك قرينة ظاهرة بأنّ طلبه منه كان تبرّعا أو علم المطلوب عنه أنّ قصد الطالب أداؤها تبرّعا فليس له الرجوع عليه، و الاّ جاز رجوعه عليه بعوضه؛ لجريان السيرة العقلائيّة بأنّ من أمر شخصا بعمل و لم يذكر له أجرا فهو ضامن لعمله، و كذا لو أمره باعطاء شيء الى شخص فهو ضامن لماله.
«الحادية عشرة»: اذا وكّل غيره في أداء زكاته أو في الايصال الى الفقير هل تبرأ ذمّته بمجرّد ذلك، أو يجب العلم بأنّه أدّاها، أو يكفي اخبار الوكيل بالأداء؟ لايبعد جواز الاكتفاء - اذا كان الوكيل عدلاً - بمجرّد الدفع اليه.
الشرح:
اذا وكّل غيره في أداء زكاته أو في الايصال الى الفقير هل تبرأ ذمّته بمجرّد ذلك أو يجب العلم بأنّه أدّاها لأنّ الاشتغال اليقيني يستدعي البراءة اليقينيّة، أو يكفي اخبار الوكيل بالأداء اذا كان عدلاً أو ثقة لحجّيّة اخبار الثقة؟
و الأوجه هو الأوّل اذا كان الوكيل عدلاً أو ثقة، و ذلك لأنّ العقلاء اذا وكّلوا شخصا في أمر و هو ثقة تطمئنّ أنفسهم بأنّه يفعله، و هذا غير مردوع من الشارع بل لعلّه يمكن ادّعاء امضاء الشارع في الأبواب المختلفة المناسبة لما نحن فيه.
«الثانية عشرة»: اذا شكّ في اشتغال ذمّته بالزكاة فأعطى شيئا للفقير و نوى أنّه ان كان عليه الزكاة كان زكاة، و الاّ فان كان عليه مظالم كان منها، و الاّ فان كان على أبيه زكاة كان زكاة له، و الاّ فمظالم له، و ان لم يكن على أبيه شيء فلجدّه ان كان عليه و هكذا، فالظاهر الصحّة.
لكفاية قصد امتثال الأمر اجمالاً و اشارة الى ما هو متعيّن في الواقع.
«الثالثة عشرة»: لايجب الترتيب في أداء الزكاة بتقديم ما وجب عليه أوّلاً فأوّلاً، فلو كان عليه زكاة السنة السابقة و زكاة الحاضرة جاز تقديم الحاضرة بالنيّة. و لو أعطى من غير نيّة التعيين فالظاهر التوزيع.
الشرح:
لايجب الترتيب في أداء الزكاة؛ لاطلاق الأدلّة و عدم التقييد، فلو كان عليه زكاة السنة السابقة و زكاة السنة الحاضرة جاز تقديم الحاضرة بالنيّة. و لو أعطى من غير نيّة التعيين فان لم يقبل الانطباق الاّ على أحدهما كما لو كانت عليه زكاة الذهب في السنة الماضية و زكاة الغنم في الحاضرة فأخرج شاة فينطبق على زكاة الغنم. فلو كان قابلاً للانطباق عليهما معا، كما لو كانت عنده خمسة من الابل و أربعون شاة فأخرج شاة واحدة من غير نيّة التعيين، فالظاهر أنّه كان لأحدهما خاصّة؛ لأنّ المعطي و ان لم يعيّن أحدهما بالخصوص الاّ أنّ المرتكز في ذهنه كون الشاة لأحدهما.
«الرابعة عشرة»: في المزارعة الفاسدة الزكاة مع بلوغ النصاب على صاحبالبذر، و في الصحيحة منها عليهما اذا بلغ نصيب كلّ منهما، و ان بلغ نصيب أحدهما دون الآخر فعليه فقط، و ان لم يبلغ نصيب واحد منهما فلايجب على واحد منهما و ان بلغ المجموع النصاب.
الشرح:
انّ الزكاة على مالك المال الزكوي، فعليه ان كانت المزارعة صحيحة فالنتاج
يقسّم بين المالك و العامل و يملك كلّ منهما بنسبة معيّنة مقرّرة، فاذا بلغ نصيب كلّ منهما النصاب فعليهما الزكاة، و ان بلغ نصيب أحدهما دون الآخر فعليه فقط، و ان لم يبلغ نصيب واحد منهما فلايجب على أحدهما و ان بلغ المجموع النصاب، و ذلك لأنّ الاعتبار بملك كلّ مالك بخصوصه من غير الانضمام بملك شخص آخر. و أمّا ان كانت المزارعة فاسدة فالزكاة على مالك البذر، سواء كان العامل أو المالك أو كلاهما، فان بلغ نتاجه النصاب فعليه الزكاة.
«الخامسة عشرة»: يجوز للحاكم الشرعي أن يقترض على الزكاة و يصرفه في بعض مصارفها، كما اذا كان هناك مفسدة لايمكن دفعها الاّ بصرف مال و لم يكن عنده ما يصرفه فيه، أو كان فقير مضطرّ لايمكنه اعانته و رفع اضطراره الاّ بذلك، أو ابن سبيل كذلك، أو تعمير قنطرة أو مسجد أو نحو ذلك و كان لايمكن تأخيره فحينئذ يستدين على الزكاة و يصرف، و بعد حصولها يؤدّي الدين منها. و اذا أعطى فقيرا من هذا الوجه و صار عند حصول الزكاة غنيّا لايسترجع منه؛ اذ المفروض أنّه أعطاه بعنوان الزكاة، و ليس هذا من باب اقراض الفقير و الاحتساب عليه بعد ذلك؛ اذ في تلك الصورة تشتغل ذمّة الفقير، بخلاف المقام، فانّ الدين على الزكاة، و لايضرّ عدم كون الزكاة ذات ذمّة تشتغل؛ لأنّ هذه الأمور اعتباريّة و العقلاء يصحّحون هذا الاعتبار. و نظيره استدانة متولّي الوقف لتعميره ثمّ الأداء بعد ذلك من نمائه، مع أنّه في الحقيقة راجع الى اشتغال ذمّة أرباب الزكاة - من الفقراء و الغارمين و أبناء السبيل - من حيث هم من مصارفها لا من حيث هم هم، و ذلك مثل ملكيّتهم للزكاة؛ فانّها ملك لنوع المستحقّين، فالدين أيضا على نوعهم من حيث انّهم من مصارفه لا من حيث أنفسهم، و يجوز أن يستدين على نفسه من حيث ولايته على الزكاة و على المستحقّين بقصد الأداء من مالهم، ولكن في الحقيقة هذا أيضا يرجع الى الوجه الأوّل. و هل يجوز لآحاد المالكين اقراض الزكاة قبل أوان وجوبها أو الاستدانة لها على حذو ما ذكرنا في الحاكم؟ وجهان، و يجري جميع ما ذكرنا في الخمس و المظالم و نحوهما.
الشرح:
ملخّص كلام المصنّف في هذه المسألة أنّه يجوز للحاكم الشرعي أن يقترضمالاً من شخص لفقير مضطرّ و ينوي أنّه اذا جمع عنده الزكاة يؤدّي قرضه من الزكاة و كان نيّته أنّ الزكاة مدين لا هو نفسه، و أنّ هذا الذي أعطاه الفقير بعنوان
الزكاة، و لذا لو صار غنيّا عند حصول الزكاة لايستردّ منه؛ لأنّه لم تكن ذمّة الفقير مشغولة بل ذمّة الزكاة، و لايضرّ عدم كون الزكاة ذات ذمّة تشتغل؛ لأنّ هذه الأمور اعتباريّة و العقلاء يصحّحون هذا الاعتبار. و نظيره استدانة متولّي الوقف لعمارته ثمّ الأداء بعد ذلك من نمائه. و هذا الذي قلنا بأنّ ذمّة الزكاة مشغولة راجع في الحقيقة الى اشتغال ذمّة أرباب الزكاة.
ثمّ انّه يجوز للحاكم أن يستدين على نفسه من حيث ولايته على الزكاة و على المستحقّين، بقصد الأداء من مالهم. و في الحقيقة هذا راجع الى الوجه الأوّل. و هل يجوز لآحاد المالكين اقراض الزكاة قبل أوان وجوبها، أو الاستدانة لها على حذو ما ذكرنا في الحاكم؟ وجهان. و يجري جميع ما ذكرنا في الخمس و المظالم و نحوهما.
أقول:
اقتراض الحاكم الشرعي يتصوّر على صور:
فتارة يقترض لما يرجع الى مصالح نفس الزكاة كحفظها و جمعها و نقلها و رعيها و علفها و سقيها و نحو ذلك فيؤدّي من الزكاة ما اقترض، و هذا لا اشكال فيه.
و أخرى يقترض لما يرجع الى مصلحة الفقير أو سائر مصارف الزكاة، و في هذه الصورة قد تكون الزكاة موجودة ولكن في مكان آخر و كان احتياج الحاكم بصرف الزكاة فوريّا، فهنا أيضا لا اشكال فيه، سواء اقترض على نفسه أو على عهدة الزكاة.
و ثالثة كالصورة الثانية الاّ أنّه لاتكون الزكاة موجودة، و هذه على ثلاثة أقسام: فقد يقترض على عهدة الزكاة حيث تكون ذمّة الزكاة مشغولة، أو يقترض على نفسه، و ثالثا يقترض على ذمّة الفقير باذنه أو بدونه.
فعلى الثالث فلا اشكال فيه، فاذا حصل عنده الزكاة يحتسب ما على الفقير من
الزكاة بشرط كونه باقيا على فقره أو لم يتمكّن من أداء دينه ليكون من الغارمين.
و على الثاني فان لم يتمكّن من أداء دينه فيجوز له الأخذ من الزكاة، و لو تمكّن من أداء دينه ولو اقترض بعنوان أنّه وليّ الزكاة فسيأتي.
و على الأوّل فان قلنا برجوع ذلك الى الثاني و أنّه اقترض على نفسه بعنوان وليّ الفقراء و المساكين ليؤدّي دينه بعد ذلك من الزكاة، فالظاهر لا اشكال فيه؛ لأنّ ولايته بهذا المقدار ثابتة.
و أمّا لو اقترض على عهدة الزكاة التي لم تكن موجودة فعندي أنّه لا محصّل له الاّ أن يرجع الى ما قلنا آنفا من كونه على عهدته بعنوان أنّه وليّ الفقراء، فتأمّل.
و لو قلنا برجوعه الى ذمّة الفقراء ففيه اشكال من جهة الشكّ في دائرة ولايته الى هذا الحدّ. و هذه الصور جارية بالنسبة الى آحاد المالكين.
«السادسة عشرة»: لايجوز للفقير و لا للحاكم الشرعي أخذ الزكاة من المالك ثمّ الردّ عليه، المسمّى بالفارسيّة ب- «دست گردان»، أو المصالحة معه بشيء يسير، أو قبول شيء منه بأزيد من قيمته أو نحو ذلك، فانّ كلّ هذه حيل في تفويت حقّ الفقراء. و كذا بالنسبة الى الخمس و المظالم و نحوهما. نعم، لو كان شخص عليه من الزكاة أو المظالم أو نحوهما مبلغ كثير و صار فقيرا لايمكنه أداؤها و أراد أن يتوب الى اللّه تعالى لابأس بتفريغ ذمّته بأحد الوجوه المذكورة. و مع ذلك اذا كان مرجوّ التمكّن بعد ذلك الأولى أن يشترط عليه أداءها بتمامهاعنده.
الشرح:
هنا صور: فتارة يكون المالك غنيّا، فحينئذ لايجوز للحاكم الشرعي ردّ الزكاة عليه بعد الأخذ منه، و ذلك لأنّ على الحاكم رعاية مصلحة الفقراء و الفرض أنّه لم يكن الردّ مصلحة لهم. و أمّا الفقير لو تملّكها ثمّ وهب ماله عن طيب نفسه
فلا اشكال فيه. و أمّا لو أخذها ثمّ ردّها فلايجوز و لايملكها المالك. و في هذه الصورة كما لايجوز الردّ بعد الأخذ لايجوز المصالحة معه بشيء يسير فبالنسبة الى الحاكم فلما مرّ و بالنسبة الى الفقير فلأنّه لم يتملّك كلّه حتّى يصالحه بشيء يسير، و على فرض ذلك لايجوز له المصالحة بالزكاة، و أمّا الهبة بعد التملّك فيجوز. و كذا لايجوز قبول شيء منه بأزيد من قيمته؛ لما مرّ آنفا.
و أخرى يكون المالك فقيرا بعد أن كان غنيّا و على ذمّته زكاة لم يؤدّها و أتلفها و تاب الى اللّه تعالى، فهل يجوز للفقير أو الحاكم تفريغ ذمّته بأخذ الزكاة منه ثمّ الردّ عليه، أو المصالحة معه بشيء يسير أو نحوهما بأن يقال انّ المالك حينئذ بنفسه فقير كسائر الفقراء فيجوز الاحتساب معه؟ وجهان: من أنّه لايكون مخالفا لحكمة التشريع؛ لأنّه ليس في البين الاّ اشتغال ذمّته بلا نفع لأرباب الضرائب، فقد يعلم برضا الشارع بتفريغ ذمّته، و قد يشكّ فيرجع الى الأصل المقتضي للجواز، و لايصدق التفويت للحقوق بعد عدم تمكّن المالك من الأداء. و من أنّه لايجوز للفقير أن يأخذ و يتملّك الاّ مقدار مؤونته و نفقاته المتعارفة، مع أنّ الشرع المبين أنظره الى ميسرة، فمادام لايتمكّن فهو في مهلة شرعا، و اذا تمكّن أدّاها ولو تدريجا، و عليه يجوز للحاكم أن يأخذ منه ثمّ يقرضه له و يمهله حتّى يتمكّن من أدائه ولو تدريجا، و أمّا الأخذ و الردّ عليه ففيه شائبة تضييع الحقوق.
و ثالثة يعلم بأنّ ذمّته مشغولة بالزكاة ولكن لم يعلم مقدارها، فحينئذ يصالح المالك على ما يصلحه، و كذا لو شكّ في اشتغال ذمّته.
ثمّ انّ هذه الصور الثلاث جارية بالنسبة الى الخمس و المظالم و نحوها.
«السابعة عشرة»: اشتراط التمكّن من التصرّف فيما يعتبر فيه الحول كالأنعام و النقدين معلوم، و أمّا فيما لايعتبر فيه كالغلاّت ففيه خلاف و اشكال.
الشرح:
يعتبر في وجوب الزكاة كون العين الزكويّة تحت يده، و التمكّن من التصرّف فيه، سواء كانت ممّا يعتبر فيه الحول كالأنعام و النقدين أو لم تكن كالغلاّت، و الدليل على ذلك مضافا الى الاجماع المدّعى:
صحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«لا صدقة على الدين و لا على المال الغائب عنك حتّى يقع في يديك».(1)
و صحيحة أبي بصير و محمّد بن مسلم جميعا عن أبي جعفر عليه السلام أنّهما قالا له:
«هذه الأرض التي يزارع أهلها، ما ترى فيها؟ فقال: كلّ أرض دفعها اليك السلطان فما حرثته فيها فعليك ممّا أخرج اللّه منها الذي قاطعك عليه، و ليس على جميع ما أخرج اللّه منها العشر، انّما عليك العشر فيما يحصل في يدك بعد مقاسمته لك».(2)
فما استشكله صاحب المدارك(3)بأنّ الدليل منحصر في اطلاق معاقد الاجماعات و غير قطعيّة، في غير محلّه، و قد أجاب عنه صاحب الجواهر(4)بأنّ الدليل على الاطلاق ليس منحصرا في الاجماع بل يظهر ذلك من بعض الأخبار كما عرفت.
«الثامنة عشرة»: اذا كان له مال مدفون في مكان و نسي موضعه بحيث لايمكنه العثور عليه، لايجب فيه الزكاة الاّ بعد العثور و مضيّ الحول من حينه. و أمّا اذا كان في صندوقه مثلاً، لكنّه غافل عنه بالمرّة فلايتمكّن من التصرّف فيه من جهة غفلته، و الاّ فلو التفت اليه أمكنه التصرّف فيه، يجب فيه الزكاة اذا حال عليه الحول، و يجب التكرار اذا حال عليه أحوال فليس هذا من عدم التمكّن الذي هو قادح في وجوب الزكاة.
الشرح:
اذا كان له مال غائب عنه بحيث لايقدر من الوصول اليه لايجب فيه الزكاة. كما دلّ عليه الروايات الواردة في ذلك كصحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«لا صدقة على الدين و لا على المال الغائب عنك حتّى يقع في يديك».(1)
و غيرها ممّا تقدّم في الشرط الخامس من شرائط الوجوب.
و أمّا لو لم يكن غائبا عنه و كان قادرا على التصرّف فيه الاّ أنّه قد غفل عنه و بعد سنة أو سنتين أو أكثر التفت، فعليه اخراج زكاته اذا حال عليه الحول، و يجب التكرار اذا حال عليه أحوال، فليس هذا من عدم التمكّن الذي هو قادح في وجوب الزكاة؛ لأنّ موضوعه عدم التمكّن الذي سببه الغيبة عنه أو فقدانه لا غفلته.و اسراء الحكم منه الى هنا قياس باطل.
1) - وسائل الشيعة 9: 95 / الباب 5 من أبواب من تجب عليه الزكاة / الحديث 6.
«التاسعة عشرة»: اذا نذر أن لايتصرّف في ماله الحاضر شهرا أو شهرين أو أكرهه مكره على عدم التصرّف، أو كان مشروطا عليه في ضمن عقد لازم، ففي منعه من وجوب الزكاة و كونه من عدم التمكّن من التصرّف الذي هو موضوع الحكم اشكال؛ لأنّ القدر المتيقّن منه ما اذا لم يكن المال حاضرا عنده، أو كان حاضرا و كان بحكم الغائب عرفا.
الشرح:
اذا أكرهه مكره على عدم التصرّف في ماله بحيث لم يتمكّن و لم يقدر عليه فلايجب عليه الزكاة كما تقدّم في الشرط الخامس من شرائط وجوب الزكاة. و أمّا اذا نذر أن لايتصرّف في ماله الحاضر شهرا أو شهرين على فرض رجحانه و انعقاد النذر، فانّه لايكون مانعا من تعلّق وجوب الزكاة، و تقدّم في الشرط الخامس أنّ المانع الشرعي ليس كالمانع العقلي هنا، و كذا لو كان عدم التصرّف في ضمن عقد لازم. ثمّ انّ ما تفرّع على النذر بالنسبة الى الزكاة من الفروعات فقد تقدّم في المسألة الثانية عشرة في ابتداء كتاب الزكاة.
«العشرون»: يجوز أن يشتري من زكاته من سهم سبيل اللّه كتابا أو قرآنا أو دعاءً و يوقفه، و يجعل التولية بيده أو يد أولاده. و لو أوقفه على أولاده و غيرهم - ممّن يجب نفقته عليه - فلابأس به أيضا. نعم، لو اشترى خانا أو بستانا و وقفه على من تجب نفقته عليه لصرف نمائه في نفقتهم، ففيه اشكال.
الشرح:
يدلّ على جواز اشتراء القرآن و الدعاء و الكتب الدينيّة من زكاته من سهم سبيل اللّه صدق كونه من سبيل اللّه، و على جواز الوقف لكونه في سبيل اللّه، و على جواز كونه متولّيا أو أولاده بل الوقف على أولاده عدم المانع؛ لأنّه ليس ذلك
صرفا للزكاة في نفقة واجب النفقة. نعم، لايجوز أن يشتري خانا أو بستانا و يوقفه على من تجب نفقته عليه لصرف نمائه في نفقتهم؛ لأنّه من صرف الزكاة في نفقة واجب النفقة، و منافع الزكاة ملحقة بالزكاة.
«الحادية و العشرون»: اذا كان ممتنعا من أداء الزكاة لايجوز للفقير المقاصّة من ماله الاّ باذن الحاكم الشرعي في كلّ مورد.
الشرح:
انّ التقاصّ ممّن كان ممتنعا من أداء الزكاة و ان كان جائزا للحاكم الشرعي كما تقدّم؛ لولايته على أرباب الزكاة و من دائرتها أخذ حقوقهم ممّن في يده و لايدفع الاّ أنّ الفقراء ليس لهم تلك الولاية، و لم يكونوا مالكين من مال الزكاة بشخصهم حتّى يجوز لهم المقاصّة، و انّما يكون ملكهم بعد قبضهم الزكاة.
«الثانية و العشرون»: لايجوز اعطاء الزكاة للفقير من سهم الفقراء للزيارة أو الحجّ أو نحوهما من القرب، و يجوز من سهم سبيل اللّه.
الشرح:
قد تقدّم أنّ الأصناف الثمانية مصارف للزكاة، و لايلزم تقسيط الزكاة عليها و يجوز صرف جميعها على أحدها و على فقير واحد. و اذا أعطى زكاته فقيرا يملكها و يتصرّف فيها بما شاء من الصرف في الحجّ أو الزيارة أو غيرهما. و ليسللمالك أن يشترط عليه بصرفها في الحجّ فقط أو الزيارة فقط؛ لعدم الدليل على ثبوت الولاية له في تعيين الصرف. نعم، لو تعيّن أنّه من سهم سبيل اللّه فالظاهر لزوم صرفه في هذه الجهة.
«الثالثة و العشرون»: يجوز صرف الزكاة من سهم سبيل اللّه في كلّ قربة، حتّى اعطاؤها للظالم لتخليص المؤمنين من شرّه اذا لم يكن دفع شرّه الاّ بهذا.
الشرح:
تقدّم البحث عن مصرف سهم سبيل اللّه و قلنا بأنّه كلّ ما صدق عليه سبيل اللّه - و ما مثّله في المتن من تخليص المؤمن من شرّ الظالم اذا لم يمكن دفع شرّه الاّ بهذا - فهو من سبيل اللّه. و كذا كلّ ما يرجع نفعه الى المجتمع الاسلام ي كبناء المساجد و الطرق و المدارس، و غيرها.
«الرابعة و العشرون»: لو نذر أن يكون نصف ثمر نخله أو كرمه أو نصف حبّ زرعه لشخص بعنوان نذر النتيجة و بلغ ذلك النصاب، وجبت الزكاة على ذلك الشخص أيضا؛ لأنّه مالك له حين تعلّق الوجوب. و أمّا لو كان بعنوان نذر الفعل فلاتجب على ذلك الشخص، و في وجوبها على المالك بالنسبة الى المقدار المنذور اشكال.
الشرح:
قد تقدّم في الفرع الأوّل من المسألة الثانيه عشرة في ابتداء كتاب الزكاة أنّه لايوجب نذر النتيجة أن يخرج المنذور عن ملكه و كذلك نذر الفعل، و لايوجبانانقطاع الحول الاّ أنّه يجب على الناذر الوفاء بنذره، فان وفى فبها و الاّ يجب عليه الزكاة و بقي على ذمّته الوفاء بالنذر. و عليه لم يجب على المنذور له الزكاة قبل الاعطاء و القبض، و لا فرق بينه و بين نذر الفعل.
«الخامسة و العشرون»: يجوز للفقير أن يوكّل شخصا يقبض له الزكاة من أيّ شخص و في أيّ مكان كان، و يجوز للمالك اقباضه ايّاه مع علمه بالحال و تبرأ ذمّته و ان تلفت في يد الوكيل قبل الوصول الى الفقير. و لا مانع من أن يجعل الفقير للوكيل جعلاً على ذلك.
الشرح:
قد تقدّم أنّه يجوز للمالك أن يوكّل شخصا لأداء زكاته أو ايصالها الى المستحقّ، و كذا يجوز للفقير أن يوكّل شخصا يقبض له الزكاة؛ للسيرة العقلائيّة و عدم منعه شرعا بل هو ممضى من الشارع كلّيّة، و يجوز للمالك اقباضه ايّاها مع علمه بالحال؛ لأنّ يد الوكيل يد الموكّل و تبرأ ذمّته بايصالها الى أهلها و ان تلفت في يد الوكيل قبل الوصول الى الفقير؛ لما قلنا. و لا مانع من أن يجعل الفقير للوكيل جعلاً على ذلك؛ لأنّه عمل محترم قابل لأن يجعل له أجرة.
«السادسة و العشرون»: لاتجري الفضوليّة في دفع الزكاة، فلو أعطى فضوليّ زكاة شخص من ماله من غير اذنه فأجاز بعد ذلك لم يصحّ. نعم، لو كان المال باقيا في يد الفقير أو تالفا مع ضمانه - بأن يكون عالما بالحال - يجوز له الاحتساب اذا كان باقيا على فقره.
الشرح:
لو أعطى فضوليّ زكاة شخص من ماله من غير اذنه، فتارة كان من قصده اعطاء الزكاة فحينئذ اذا رضي بعدما سمع كفى و تبرأ ذمّته، سواء كان المال باقيا أو تالفا؛ لأنّ قصده من أداء الزكاة امتثال أمر اللّه تعالى.
و أخرى لم يكن من قصده أداء الزكاة، فحينئذ ان قلنا بصحّة الفضولي فأجاز بعد ذلك صحّ و الاّ فلا.
نعم، لو كان المال باقيا في يد الفقير يجوز له الاحتساب اذا كان باقيا على فقره.
«السابعة و العشرون»: اذا وكّل المالك شخصا في اخراج زكاته من ماله أو أعطاه له و قال: «ادفعه الى الفقراء»، يجوز له الأخذ منه لنفسه ان كان فقيرا مع علمه بأنّ غرضه الايصال الى الفقراء. و أمّا اذا احتمل كون غرضه الدفع الى غيره فلايجوز.
الشرح:
اذا وكّل المالك شخصا لاخراج زكاته من ماله أو أعطاه له و قال: «ادفعه الى الفقراء» فتارة علم الوكيل - ولو من القرائن الحاليّة أو المقاليّة - أنّ مراد المالك تفريغ ذمّته و لم يكن نظره الى شخص خاصّ أو أشخاص خاصّة بل كان مراده الايصال الى الفقراء و ان كان شخص الوكيل، فحينئذ يجوز له الأخذ منه لنفسه ان كان فقيرا.
و أخرى علم الوكيل كذلك بأنّ مراد المالك غير الوكيل أو أشخاص خاصّة، فحينئذ لايجوز له الأخذ منه لنفسه؛ لولاية المالك على الصرف على من شاء، و دلالة ما ورد في صحيحة عبداللّه بن الحجّاج الآتية من قوله عليه السلام : «و لايجوز لهأن يأخذ اذا أمره أن يضعها في مواضع مسمّاة الاّ باذنه».
و ثالثة لم يعلم مقصوده فحينئذ يجوز له أن يأخذ لنفسه مثل ما يعطي غيره، و ذلك للجمع بين صحيحة سعيد بن يسار و صحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج. فالأولى جواز الأخذ مطلقا و الثانية بمقدار ما يعطي غيره. ففي صحيحة سعيد بن يسار قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : الرجل يعطي الزكاة فيقسمها في أصحابه،
أيأخذ منها شيئا؟ قال: نعم».(1)
و في صحيحة أخرى لعبدالرحمن بن الحجّاج قال:
«سألت أبا الحسن عليه السلام عن الرجل يعطي الرجل الدراهم يقسمها و يضعها في مواضعها و هو ممّن تحلّ له الصدقة. قال: لابأس أن يأخذ لنفسه كما يعطي غيره. قال: و لايجوز له أن يأخذ اذا أمره أن يضعها في مواضع مسمّاة الاّ باذنه».(2)
و مثلها صحيحة الحسين بن عثمان عن أبي ابراهيم عليه السلام :
«في رجل أعطي مالاً يفرّقه فيمن يحلّ له، أ له أن يأخذ منه شيئا لنفسه و ان لم يسمّ له؟ قال: يأخذ منه لنفسه مثل ما يعطي غيره».(3)
و لايعارضها صحيحة ثالثة لعبدالرحمن بن الحجّاج قال:
«سألته عن رجل أعطاه رجل مالاً ليقسمه في محاويج أو في مساكين و هو محتاج، أيأخذ منه لنفسه و لايعلمه؟ قال: لايأخذ منه شيئا حتّى يأذن له صاحبه».(4)
لأنّها تحمل - كما حملها الشيخ - على الكراهة، أو على أخذ أكثر ممّا يعطي غيره، و يمكن الحمل على من عيّن له أشخاص فلايجوز أن يتعدّاهم. و يمكن أن يقال - كما في المستند(5)- من أنّ الصحاح المتقدّمة ناظرة الى المال الذي هو خارج عن ملك المالك، و له مصرف معيّن بحسب الجعل الشرعي المعبّر عنه بالحقوق الشرعيّة من زكاة أو خمس أو كفّارة و نحو ذلك، و القرينة على ذلك موجودة فيها، و هذه الصحيحة ناظرة الى من يقسّم ماله الشخصي الذي لايجوز
1) - وسائل الشيعة 9: 287 / الباب 40 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 1.
2) - وسائل الشيعة 9: 288 / الباب 40 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 3.
3) - وسائل الشيعة 9: 288 / الباب 40 من أبواب المستحقّين للزكاة / الحديث 2.
4) - وسائل الشيعة 17: 277 / الباب 84 من أبواب ما يكتسب به / الحديث 3.
5) - مستند العروة 24: 341 و 342.
التصرّف فيه الاّ باذن خاصّ.
«الثامنة و العشرون»: لو قبض الفقير بعنوان الزكاة أربعين شاة دفعة أو تدريجا و بقيت عنده سنة وجب عليه اخراج زكاتها، و هكذا في سائر الأنعام و النقدين.
الشرح:
الدليل على وجوب الزكاة على الفقير الذي قبض أربعين شاة و بقيت عنده سنة هو أنّه بالقبض يصير مالكا فاذا حال عليه الحول و تحقّق باقي شرائط الوجوب يشمله اطلاق أدلّة وجوب الزكاة، و هكذا في سائر الأنعام و النقدين. و أمّا لو قبض الغلاّت و كانت نصابا فلاتجب عليه الزكاة؛ لأنّ الشرط في وجوب زكاة الغلاّت هو تملّكها بالزرع لا بسائر أنواع التملّك.
و لعلّ غرض المصنّف من التعرّض لهذه المسألة و الحكم بوجوب اخراج الزكاة في الأنعام و النقدين اذا تملّكهما بعنوان الزكاة؛ للتنبيه على أنّ ما يملكه بالخمس أو الزكاة لايجب فيه الخمس؛ لعدم صدق الفائدة عليه.
«التاسعة و العشرون»: لو كان مال زكويّ مشتركا بين اثنين مثلاً و كان نصيب كلّ منهما بقدر النصاب فأعطى أحدهما زكاة حصّته من مال آخر أو منه باذن الآخر قبل القسمة ثمّ اقتسماه فان احتمل المزكّي أنّ شريكه يؤدّي زكاته فلا اشكال، و ان علم أنّه لايؤدّي ففيه اشكال من حيث تعلّق الزكاة بالعين فيكون مقدار منها في حصّته.
الشرح:
لو أعطى أحد الشريكين في المال الزكوي زكاة حصّته قبل القسمة ثمّ اقتسماه،
فان احتمل المزكّي أنّ شريكه يؤدّي زكاة نصيبه فلا اشكال؛ اذ يحمل فعل الشريك و مبادرته على القسمة على الصحّة، نظير ما اذا باع حصّته أو وهبها، فانّه يحمل بيعه على الصحّة مع احتمال أدائه الزكاة و كذلك الخمس.
و أمّا اذا علم أنّه لايؤدّي زكاة نصيبه فان قلنا انّ تعلّق الزكاة بالعين على نحو الشركة و الاشاعة ففيه اشكال من حيث انّه اذا قسّماه يكون كلّ من القسمين مشتملاً على جزء من الزكاة، فلو فرضنا أنّ المال الزكوي ثمانون شاة فقسّماه ففي نصيب كلّ منهما يكون نصف شاة من الزكاة و ان ذهب بعض المحشّين الى عدم الاشكال فيه؛ لأنّه و ان كانت الزكاة متعلّقة بالعين الاّ أنّه بعد التقسيم تفرز حصّته المزكّاة عن حصّة شريكه الغير المزكّاة. و بعبارة أخرى انّ الزكاة تتعلّق بحصّة كلّ واحد من الشريكين بما هي ملكه، و بعد افراز حصّة كلّ منهما و تمييز المزكّاة عن غيرها تصير حصّة المزكّي خالية عن تعلّق حقّ المستحقّ، و تصير حصّة غيره محلاًّ له؛ لأنّ حصّة المزكّي بعد الافراز ليست ملكا لغيره و ما هو ملك لغير المزكّيهو ما اختصّ به من حصّته كما لايخفى.
و ان قلنا انّ تعلّقها بالعين على نحو الكلّي في المعيّن فلا اشكال فيه؛ لأنّه مادام مقدار الزكاة من المال الزكوي باقيا عنده يجوز له التصرّف في المال، ففي المثال يجوز له التصرّف في الشياه حتّى يبقى له شاة. فالاشكال الذي ذكره المصنّف جارٍ على القول بالاشاعة الذي لايقول به، و لا اشكال على القول بالكلّي في المعيّن الذي يقول به.
«الثلاثون»: قد مرّ أنّ الكافر مكلّف بالزكاة و لاتصحّ منه و ان كان لو أسلم سقطت عنه، و على هذا فيجوز للحاكم اجباره على الاعطاء له أو أخذها من ماله قهرا عليه و يكون هو المتولّي للنيّة. و ان لم يؤخذ منه حتّى مات كافرا جاز الأخذ من تركته، و ان كان وارثه مسلما وجب عليه، كما أنّه لو اشترى مسلم تمام النصاب منه كان شراؤه بالنسبة الى مقدار الزكاة فضوليّا، و حكمه حكم ما اذا اشترى من المسلم قبل اخراج الزكاة و قد مرّ سابقا.
تقدّم الكلام حول هذه المسألة مستقصى في أوائل كتاب الزكاة في المسألة السادسه عشرة و السابعه عشرة و الثامنه عشرة(1)، فراجع.
«الحادية و الثلاثون»: اذا بقي من المال - الذي تعلّق به الزكاة و الخمس - مقدار لايفي بهما و لم يكن عنده غيره فالظاهر وجوب التوزيع بالنسبة، بخلاف ما اذا كانا في ذمّته و لم يكن عنده ما يفي بهما، فانّه مخيّر بين التوزيع و تقديم أحدهما. و أمّا اذا كان عليه خمس أو زكاة و مع ذلك عليه من دين الناس و الكفّارة و النذر و المظالم و ضاق ماله عن أداء الجميع، فان كانت العين - التي فيها الخمس أو الزكاة - موجودة وجب تقديمهما على البقيّة، و ان لم تكن موجودة فهو مخيّر بين تقديم أيّها شاء، و لايجب التوزيع و ان كان أولى. نعم، اذا مات و كان عليه هذه الأمور و ضاقت التركة وجب التوزيع بالنسبة، كما في غرماء المفلس. و اذا كان عليه حجّ واجب أيضا كان في عرضها.
الشرح:
اذا كان له مال تعلّق به الخمس و الزكاة ففيه صور:
الأولى: تلف مقدار من المال و بقي عنده ما يفي بأداء الخمس و الزكاة،
1) - الهادي كتاب الزكاة 1: 116 - 137.
فحينئذ يجب عليه أداؤهما من نفس المال الذي تعلّق به الخمس و الزكاة أو من غيره، و هذا لا اشكال فيه.
الثانية: بقي من المال الذي تعلّق به الزكاة و الخمس ما لايفي بهما معا، و ان وفى بأحدهما و لم يكن عنده غيره فحينئذ يجب التوزيع؛ لتعلّق حقّ كلّ من أهل الزكاة و الخمس بهما و لا مرجّح لأحدهما.
و يمكن أن يستدلّ لذلك بصحيحة أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام :
«أنّه سئل عن رجل كانت عنده مضاربة و وديعة و أموال أيتام و بضائع و عليه سلف لقوم فهلك و ترك ألف درهم أو أكثر من ذلك، و الذي عليه للناس أكثر ممّا ترك، فقال: يقسم لهؤلاء الذين ذكرت كلّهم على قدر حصصهم أموالهم».(1)
و ناقش في ذلك في المستمسك فقال: «و فيه: انّ كلّ جزء من المال موضوع لكلّ من الحقّين، فحيث لايمكن اعمالهما معا يكون اعمال أحدهما بعينه ترجيحا بلا مرجّح، و لازمه التخيير في اعمال كلّ منهما، فلا موجب للتوزيع، فضلاً عن أن يكون على النسبة. مثلاً اذا كان الخمس عشرة دراهم و الزكاة كذلك و المال عشرة، فاعطاء خمسة لأحدهما و خمسة للآخر اهمال لكلّ من الحقّين في مقدار خمسة، و ليس هو أولى من اهمال أحدهما في عشرة و اعمال الآخر في عشرة، كما أنّه ليس أولى من بقيّة صور التوزيع. اللّهمّ الاّ أن يستفاد أيضا ممّا ورد من النصوص في نظائره. انتهى».(2)
و أجيب بأنّه قدس سره لاحظ نفس الحقّين دون الصاحبين؛ اذ لو لاحظهما لاتّضح أنّ وصول كلّ منهما الى بعض حقّه أولى من حرمان أحدهما بالكلّيّة. و صاحب الحقّ
أحقّ بحفظ الحرمة من نفس الحقّ كما يشهد بذلك الحكم في الغرماء.(1)
و قد التفت السيّد بنفسه و استدرك آخر كلامه بما نبّه به المجيب، و قد ذكرنا رواية من تلك الروايات آنفا.
الثالثة: اذا كان الزكاة و الخمس في ذمّته كما اذا تلف العين التي كانت متعلّقة للخمس و الزكاة و لم يؤدّهما حتّى تلفت و استقرّ الضمان في ذمّته، و لم يكن عنده ما يفي بهما، فالمصنّف ذهب الى «التخيير بين التوزيع (بأيّ نحو شاء) و تقديم أحدهما». و استدلّ له بعدم تعلّق حقّ بالعين و كونه في الذمّة. فيتخيّر الدافع ما في ذمّته بما يريد فيدفع ما يختار دفعه.
و في المستمسك: «اذ لا حقّ في البين ليجيء ما تقدّم، بل ليس الاّ التكليف بالأداء فيتعيّن الرجوع فيه الى قواعد التزاحم. انتهى».(2)
و أجيب بأنّه كيف لايوجد هنا حقّ مع أنّ المفروض اشتغال ذمّته بالخمس و الزكاة نظير سائر الديون المتعلّقة بالذمم؟! و التخيير في المتزاحمين انّما يجري في التكليف المحض كانقاذ الغريقين.(3)
ولكن الظاهر أنّ مراد السيّد الحكيم في المستمسك من قوله «لا حقّ في البين ليجيء ما تقدّم» أنّه لا عين هناك ليتعلّق به الحقّ. و مراده من ذيل كلامه أنّه مكلّف بأداء ما في ذمّته، و حيث انّ تفريغ ذمّته متردّد بين التوزيع و بين تقديم احداهما،و لم يرجّح التوزيع لعدم موجب لتعيينه فيتعيّن التخيير، ولكن الأقوى التوزيع كما في الصورة الثانية و السادسة.
الرابعة: اذا كان عليه خمس أو زكاة و مع ذلك عليه من دين الناس و الكفّارة و النذر و المظالم، و ضاق المال عن أداء الجميع، فان كانت العين التي فيها
الخمس أو الزكاة موجودة وجب تقديمهما على البقيّة لتعلّق الخمس أو الزكاة بالعين الموجودة، و أمّا دين الناس و الكفّارة و النذر و المظالم في الذمّة، فلايزاحم ما في الذمّة من الحقوق مع ما هو متعلّق بالعين من الخمس أو الزكاة، و لا فرق في ذلك أي مع بقاء العين التي فيها الخمس أو الزكاة بين صورتي الحياة و الموت؛ لوحدة المناط.
ثمّ انّه لو لم تكن العين موجودة في هذه الصورة فكالثالثة، فيتعيّن التوزيع.
الخامسة: اذا مات و قد اجتمع عليه الحجّ مع غيره من الحقوق الماليّة من الخمس أو الزكاة أو غيرهما من سائر ديون الناس و ضاقت التركة فحينئذ يقدّم الحجّ على الجميع؛ للنصوص الخاصّة الواردة في المقام:
أمّا تقدّمه على مثل الزكاة فتدلّ عليه صحيحة معاوية بن عمّار قال:
«قلت له عليه السلام : رجل يموت و عليه خمسمائة درهم من الزكاة و عليه حجّة الاسلام و ترك ثلاثمائة درهم فأوصى بحجّة الاسلام و أن يقضى عنه دين الزكاة. قال: يحجّ عنه من أقرب ما يكون، و تخرج البقيّة في الزكاة».(1)
و أمّا تقدّمه على سائر الديون فتدلّ عليه صحيحة بريد العجلي قال:
«سألت أبا جعفر عليه السلام عن رجل خرج حاجّا و معه جمل له و نفقة وزاد فمات في الطريق. قال: ان كان صرورة ثمّ مات في الحرم فقد أجزأ عنه حجّة الاسلام ، و ان كان مات و هو صرورة قبل أن يحرم جعل جمله و زاده و نفقته و ما معه في حجّة الاسلام ، فان فضل من ذلك شيء فهو للورثة ان لم يكن عليه دين. الحديث».(2)
السادسة: اذا مات و قد اجتمعت عليه حقوق الناس من الديون و المظالم و
الزكاة و نحوها غير الحجّ و ضاقت التركة فحينئذ يجب التوزيع على الجميع بمقدار حصصهم، فيكون حاله بعد الممات حال المفلّس مع الغرماء حال الحياة، و الدليل على ذلك ما مرّ في الصورة الثانية في صحيحة أبي بصير حيث سئل الامام عليه السلام عن رجل كانت عنده مضاربة و وديعة و أموال أيتام و بضائع و عليه سلف لقوم فهلك و ترك مالاً لايفي بهم، فقال عليه السلام :
«يقسم لهؤلاء الذين ذكرت كلّهم على قدر حصصهم أموالهم».(1)
1) - وسائل الشيعة 18: 415 / الباب 5 من كتاب الحجر / الحديث 4.
«الثانية و الثلاثون»: الظاهر أنّه لا مانع من اعطاء الزكاة للسائل بكفّه، و كذا في الفطرة، و من منع من ذلك - كالمجلسي رحمه الله في زاد المعاد في باب زكاة الفطرة - لعلّ نظره الى حرمة السؤال و اشتراط العدالة في الفقير، و الاّ فلا دليل عليه بالخصوص، بل قال المحقّق القمّي قدس سره: لم أر من استثناه فيما رأيته من كلمات العلماء سوى المجلسي في زاد المعاد. قال: و لعلّه سهو منه، و كأنّه كان يريد الاحتياط فسهى و ذكره بعنوان الفتوى.
الشرح:
الظاهر أنّه لا مانع من اعطاء الزكاة للسائل بكفّه و كذا في الفطرة، و ذلك لعموم قوله تعالى: «انّما الصدقات للفقراء و المساكين و العاملين عليها و المؤلّفة قلوبهم و في الرقاب و الغارمين و في سبيل اللّه و ابن السبيل»(1)، و دلالة الأخبار كصحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما عليهماالسلام :
«أنّه سأله عن الفقير و المسكين، فقال: الفقير الذي لايسأل، و المسكين الذي هو أجهد منه، الذي يسأل».(2)
و خبر أبي بصير - يعني ليث بن البختري - قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : قول اللّه عزّوجلّ: «انّما الصدقات للفقراء و المساكين». قال: الفقير الذي لايسأل الناس، و المسكين أجهد منه، و البائس أجهدهم. الحديث».(3)
و خبر عبدالرحمن العرزمي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«جاء رجل الى الحسن و الحسين عليهماالسلام و هما جالسان على الصفا فسألهما، فقالا: انّ الصدقة لاتحلّ الاّ في دين موجع أو غرم مفظع أو
فقر مدقع، ففيك شيء من هذا؟ قال: نعم. فأعطياه. الحديث».(1)
و في الخبر عنه عليه السلام :
«و السائلين الذين يتكفّفون و يسألون الصدقات».(2)
و بازائها طائفتان من الأخبار:
فمن الأولى موثّقة ابن أبي يعفور قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : جعلت فداك، ما تقول في الزكاة، لمن هي؟ قال: فقال: هي لأصحابك. قال: قلت: فان فضل عنهم؟ قال: فأعد عليهم. قال: قلت: فان فضل عنهم؟ قال: فأعد عليهم. قال: قلت: فان فضل عنهم؟ قال: فأعد عليهم. قال: قلت: فان فضل عنهم؟ قال: فأعد عليهم. قلت: فنعطي السؤّال منها شيئا؟ قال: فقال: لا و اللّه الاّ التراب الاّ أن ترحمه، فان رحمته فأعطه كسرة، ثمّ أومأ بيده فوضع ابهامه على أصول أصابعه».(3)
و منها قوله عليه السلام في خبر أبي خديجة:
«و ان لم يكن له عيال و كان وحده فليقسّمها في قوم ليس بهم بأس، أعفّاء عن المسألة لايسألون أحدا شيئا».(4)
و الظاهر أنّ المراد من «السؤّال» في الرواية الأولى و «أعفّاء عن المسألة» فيالثانية، أهل الخلاف الذين كان عادتهم السؤال في تلك الأعصار، و هذا اللقب صار لهم كناية و تقيّة.
و من الثانية خبر مالك بن حصين السلولي قال:
«قال أبو عبداللّه عليه السلام : ما من عبد يسأل من غير حاجة فيموت حتّى يحوجه اللّه اليها و يكتب اللّه له بها النار».(1)
و خبر عنبسة بن مصعب عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«من سأل الناس و عنده قوت ثلاثة أيّام لقي اللّه يوم يلقاه و ليس على وجهه لحم».(2)
و الخبر المروي عن عدّة الداعي عن الصادق عليه السلام قال:
«من سأل من غير فقر فكأنّما يأكل الجمر».(3)
و تفسير العيّاشي قال:
«قال أبو عبداللّه عليه السلام : من سأل الناس شيئا و عنده ما يقوته يومه فهو من المسرفين».(4)
و فيه أيضا قال:
«قال أبو عبداللّه عليه السلام : ثلاثة لاينظر اللّه اليهم يوم القيامة و لايزكّيهم و لهم عذاب أليم: الديّوث من الرجال، و الفاحش المتفحّش، و الذي يسأل الناس و في يده ظهر غنى».(5)
و فيه أوّلاً: انّ هذه الأخبار كلّها ضعاف السند.
و ثانيا: انّها واردة فيمن يسأل و هو غنيّ، مع أنّه ورد في القرآن «و أمّا السائل فلاتنهر»، و في صحيحة محمّد بن مسلم قال:
«قال أبو جعفر عليه السلام : أعط السائل و لو كان على ظهر فرس».(6)
1) - وسائل الشيعة 9: 436 / الباب 31 من أبواب الصدقة / الحديث 1.
2) - وسائل الشيعة 9: 437 / الباب 31 من أبواب الصدقة / الحديث 5.
3) - وسائل الشيعة 9: 437 / الباب 31 من أبواب الصدقة / الحديث 6.
4) - وسائل الشيعة 9: 438 / الباب 31 من أبواب الصدقة / الحديث 9.
5) - وسائل الشيعة 9: 438 / الباب 31 من أبواب الصدقة / الحديث 10.
6) - وسائل الشيعة 9: 417 / الباب 22 من أبواب الصدقة / الحديث 1.
و في خبر السكوني عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: لاتقطعوا على السائل مسألته، فلولا أنّ المساكين يكذبون ما أفلح من ردّهم».(1)
و في خبر عاصم الكوفي عن أبي عبداللّه عن أبيه عليهماالسلام قال:
«قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: اذا تصاممت أمّتي عن سائلها و مشت بتبختر حلف ربّي عزّوجلّ بعزّته فقال: و عزّتي و جلالي لأعذّبنّ بعضهم ببعض».(2)
و في المستند: «فالاعتبار بنفس الفقر و لايكون السؤال مانعا، و منع المجلسي رحمه الله عن ذلك غير ظاهر الوجه. نعم، احتمل الماتن أن يكون وجهه حرمة السؤال كما ذهب اليه بعض بضميمة اعتبار العدالة في الفقير؛ اذ عليه يكون فاسقا بل متجاهرا. و فيه: عدم ثبوت حرمة السؤال و لاسيّما اذا كان عن حرج أو اضطرار، و اعتبار العدالة لا دليل عليه بوجه. و أمّا احتمال أن يكون نظره رحمه الله الى أنّ السائل بالكفّ قد اتّخذ السؤال حرفة و شغلاً له فيدخل في عنوان المحترف المنصوص عليه بعدم جواز الدفع اليه، فبعيد جدّا؛ اذ المحترف هو من يكون له عمل و شغل يعيش به و يكفّ بذلك نفسه عن الزكاة و الصدقات، و هذا غير منطبق على من يسأل من الناس الزكاة و الصدقات. انتهى ملخّصا».(3)
«الثالثة و الثلاثون»: الظاهر بناءً على اعتبار العدالة في الفقير عدم جواز أخذه أيضا، لكن ذكر المحقّق القمّي أنّه مختصّ بالاعطاء، بمعنى أنّه لايجوز للمعطي أن يدفع الى غير العادل، و أمّا الآخذ فليس مكلّفا بعدم الأخذ.
الشرح:
الظاهر عدم الفرق بين اشتراط العدالة لو قلنا به، و بين سائر الشرائط. فكما أنّه لايجوز اعطاء الزكاة لمن يجب نفقته عليه كذلك لايجوز لهم أخذ الزكاة منه، و التفكيك بين شرط العدالة و سائر الشرائط غير معلوم. اللّهمّ الاّ أن يقال بأنّ ذلك يوجب تضييق دائرة المستحقّين، و الأمر سهل بعد عدم اعتبار العدالة في الفقير.
«الرابعة و الثلاثون»: لا اشكال في وجوب قصد القربة في الزكاة، و ظاهر كلمات العلماء أنّها شرط في الاجزاء، فلو لم يقصد القربة لم يكن زكاة و لم يجز. و لولا الاجماع أمكن الخدشة فيه. و محلّ الاشكال غير ما اذا كان قاصدا للقربة في العزل، و بعد ذلك نوى الرياء - مثلاً حين دفع ذلك المعزول الى الفقير - فانّ الظاهر اجزاؤه و ان قلنا باعتبار القربة؛ اذ المفروض تحقّقها حين الاخراج و العزل.
الشرح:
قد تقدّم في أوّل الفصل السابق وجوب قصد القربة و قلنا بأنّ الدليل على ذلك هو الكتاب و السنّة و الاجماع. و ذكرنا أنّ النيّة لمن يريد أن يعطي زكاته مرتكزة في قلبه و لايفارقه حتّى يصل الى أهله، هذا.
و أمّا بالنسبة الى العزل فقد تقدّم في المسألة الرابعة و الثلاثين(1)أنّ العزل
1) - الهادي كتاب الزكاة 1: 413.
جائز و يترتّب عليه أحكام كصيرورة المعزول ملكا للمستحقّ و كونه أمانة شرعيّة و عدم ضمانه لو تلف بغير تفريط و جواز التصرّف في الباقي و عدم جواز الابدال الاّ على نحو التبديل بالقيمة لو اقتضى المصلحة، و نماء المعزول تابع للأصل. و عليه فاذا عزله بقصد القربة يكفي ذلك بالنسبة الى ما يعتبر في النيّة.
«الخامسة و الثلاثون»: اذا وكّل شخصا في اخراج زكاته و كان الموكّل قاصدا للقربة و قصد الوكيل الرياء، ففي الاجزاء اشكال. و على عدم الاجزاء يكون الوكيل ضامنا.
الشرح:
قد تقدّم في الفصل السابق أنّ النيّة لازمة لصاحب المال و هي موجودة في ذهنه، سواء وكّل شخصا في الأداء و الايصال أو الايصال فقط. فاذا كان المعتبر نيّة صاحب المال و لم يعتبر قصد الوكيل و نائبه فقصد الوكيل الرياء لغو. و لو قلنا بمقالة المصنّف و قصد الوكيل في الأداء (دون الوكيل في الايصال) الرياء لم تبرأ ذمّة المالك و يضمن الوكيل.
«السادسة و الثلاثون»: اذا دفع المالك الزكاة الى الحاكم الشرعي ليدفعها للفقراء فدفعها لا بقصد القربة، فان كان أخذ الحاكم و دفعه بعنوان الوكالة عن المالك أشكل الاجزاء كما مرّ. و ان كان المالك قاصدا للقربة حين دفعها للحاكم - و ان كان بعنوان الولاية على الفقراء - فلا اشكال في الاجزاء اذا كان المالك قاصدا للقربة بالدفع الى الحاكم، لكن بشرط أن يكون اعطاء الحاكم بعنوان الزكاة. و أمّا اذا كان لتحصيل الرئاسة فهو مشكل، بل الظاهر ضمانه حينئذ و ان كان الآخذ فقيرا.
الشرح:
الظاهر أنّ المعتبر في قصد القربة هو قصد المالك، فاذا دفعها الى الحاكم الشرعي فكأنّه أودعها أمينا ليوصلها الى أهلها من حيث انّه أعرف بمواضعها فلا اعتبار بقصد الحاكم أصلاً، فانّ عليه أداء الأمانة و الايصال الى أهلها، سواء قلنا بأنّ أخذه كان بعنوان الوكالة أو بعنوان الولاية، و عليه اذا كان اعطاؤه لتحصيل الرئاسة فقصده لغو؛ اذ لا اعتبار بقصده.
«السابعة و الثلاثون»: اذا أخذ الحاكم الزكاة من الممتنع كرها يكون هو المتولّي للنيّة، و ظاهر كلماتهم الاجزاء و لايجب على الممتنع بعد ذلك شيء و انّما يكون عليه الاثم من حيث امتناعه، لكنّه لايخلو عن اشكال؛ بناءً على اعتبار قصد القربة؛ اذ قصد الحاكم لاينفعه فيما هو عبادة واجبة عليه.
الشرح:
قد تقدّم في الفصل السابق في المسألة الخامسة أنّ الحاكم يأخذ الزكاة من الممتنع من باب الولاية العامّة أو الأمور الحسبيّة أي ما لايرضى الشارع بتركها، وبعد الأخذ يدفعها الى الفقراء و يتولّى النيّة هو نفسه، و قلنا بأنّه و ان برئت ذمّة
المالك الاّ أنّه لمّا لم يمتثل ما كان يجب عليه فهو آثم فيكون كمديون اقتصّ منه.
«الثامنة و الثلاثون»: اذا كان المشتغل بتحصيل العلم قادرا على الكسب اذا ترك التحصيل، لا مانع من اعطائه من الزكاة اذا كان ذلك العلم ممّا يستحبّ تحصيله، و الاّ فمشكل.
الشرح:
قد تقدّم البحث عن ذلك في المسألة الثامنة في فصل المستحقّين للزكاة و قلنا بأنّه اذا كان تحصيل العلم واجبا أو مستحبّا و كان تحصيله مانعا من الكسب جاز اعطاؤه من الزكاة من سهم الفقراء فضلاً عن سهم سبيل اللّه. و أمّا اذا كان تحصيل ذلك العلم مباحا فضلاً عن كونه مكروها أو حراما فلايجوز ارتزاقه من الزكاة الاّ اذا ترك الكسب و صار بحيث لم يجد سببا لتحصيل ما يقوت لنفسه و لعياله، فحينئذ يجوز اعطاؤه الزكاة كما تقدّم في ابتداء فصل المستحقّين للزكاة.
«التاسعة و الثلاثون»: اذا لم يكن الفقير المشتغل بتحصيل العلم الراجح شرعا قاصدا للقربة لا مانع من اعطائه الزكاة. و أمّا اذا كان قاصدا للرياء أو للرئاسة المحرّمة ففي جواز اعطائه اشكال من حيث كونه اعانة على الحرام.
الشرح:
الظاهر أنّ الحكمة في استحباب تحصيل العلوم الشرعيّة هي ثمرتها المترتّبة عليها و هي معرفة القرآن و الروايات و الأحكام و استحكام العقائد و تبليغ ما أرسل به الرسول صلى الله عليه و آله، فمن اشتغل بالتحصيل و جدّ و اجتهد فعسى اللّه أن يوصلهالى ثمرته و يهديه الى قصد التقرّب. و ليعلم أنّ قصد القربة هو الذي يحرّك الانسان الى شيء للتقرّب به الى اللّه، فمن كان مذهبه الشيعة و اختار تحصيل ما
ينتهي الى شأن من شؤون صاحب الشرع يكون قصده القربة اليه. نعم، يمكن أن يكون محرّك شخص من الشيعة لتحصيل العلم الرياء و مدح الناس أو طلب الرئاسة المحرّمة فحينئذ يشكل اعطاؤه الزكاة؛ للشكّ في استحباب تحصيل العلم بالنسبة اليه كما أنّه لا اشكال في اعطاء الزكاة لمن كان مشتغلاً به و لم يكن قصده الرياء و الرئاسة المحرّمة و ان لم يقصد القربة.
«الأربعون»: حكي عن جماعة عدم صحّة دفع الزكاة في المكان المغصوب نظرا الى أنّه من العبادات فلايجتمع مع الحرام، و لعلّ نظرهم الى غير صورة الاحتساب على الفقير من دين له عليه؛ اذ فيه لايكون تصرّفا في ملك الغير،بل الى صورة الاعطاء و الأخذ، حيث انّهما فعلان خارجيّان، ولكنّه أيضا مشكل، من حيث انّ الاعطاء الخارجي مقدّمة للواجب، و هو الايصال الذي هو أمر انتزاعي معنوي فلايبعد الاجزاء.
الشرح:
لايكون دفع الزكاة الى الفقير في مكان مغصوب تصرّفا في الغصب بل - كما قال الماتن - انّ الأخذ و الاعطاء مقدّمة للواجب، و هو استيلاء الفقير و كون المال بيده الذي هو أمر انتزاعي معنوي.
«الحادية و الأربعون»: لا اشكال في اعتبار التمكّن من التصرّف في وجوب الزكاة فيما يعتبر فيه الحول، كالأنعام و النقدين كما مرّ سابقا. و أمّا ما لايعتبر فيهالحول كالغلاّت فلايعتبر التمكّن من التصرّف فيها قبل حال تعلّق الوجوب بلا اشكال. و كذا لا اشكال في أنّه لايضرّ عدم التمكّن بعده اذا حدث التمكّن بعد ذلك. و انّما الاشكال و الخلاف في اعتباره حال تعلّق الوجوب، و الأظهر عدم اعتباره. فلو غصب زرعه غاصب و بقي مغصوبا الى وقت التعلّق ثمّ رجع
اليه بعد ذلك وجبت زكاته.
قد تقدّم الكلام حول هذه المسألة أكثر من مرّة و عرفت أنّ التمكّن من التصرّف شرط في وجوب الزكاة. و الأظهر وجوب الزكاة فيما عنونه الماتن أخيرا من رجوع الزرع الى المالك بعد غصبه الى وقت التعلّق.
و هي واجبة؛ اجماعا من المسلمين. و من فوائدها أنّها تدفع الموت في تلك السنة عمّن أدّيت عنه. و منها أنّها توجب قبول الصوم، فعن الصادق عليه السلام أنّه قال لوكيله: «اذهب فأعط من عيالنا الفطرة [و عن الرقيق و] أجمعهم و لاتدع منهم أحدا، فانّك ان تركت منهم أحدا (انسانا) تخوّفت عليه الفوت. قلت: و ما الفوت؟ قال عليه السلام : الموت». و عنه عليه السلام : «انّ من تمام الصوم اعطاء الزكاة (يعني الفطرة) كما أنّ الصلاة على النبي صلى الله عليه و آله من تمام الصلاة؛ لأنّه من صام و لم يؤدّ الزكاة فلا صوم له اذا تركها متعمّدا، و لا صلاة له اذا ترك الصلاة على النبي صلى الله عليه و آله. انّ اللّه عزّوجلّ قد بدأ بها قبل الصلاة، و قال: «قد أفلح من تزكّى و ذكر اسم ربّه فصلّى»». و المراد بالزكاة في هذا الخبر هو زكاة الفطرة، كما يستفاد من بعض الأخبار المفسّرة للآية. و الفطرة امّا بمعنى الخلقة، فزكاة الفطرة أي زكاة البدن؛ من حيث انّها تحفظه عن الموت أو تطهّره من الأوساخ، و امّا بمعنى الدين أيزكاة الاسلام و الدين، و امّا بمعنى الافطار؛ لكون وجوبها يوم الفطر. و الكلام في شرائط وجوبها و من تجب عليه و فيمن تجب عنه و في جنسها و في قدرها و في
وقتها و في مصرفها، فهنا فصول.
الشرح:
قال في المدارك: «أجمع العلماء كافّة الاّ من شذّ من العامّة على وجوب زكاة الفطرة، و الأصل فيها الكتاب و السنّة، قال اللّه عزّوجلّ: «قد أفلح من تزكّى و ذكر اسم ربّه فصلّى»(1). و قد نصّ الصادق عليه السلام على أنّ المراد بالزكاة هنا زكاة الفطرة. و أمّا السنّة فمستفيضة جدّا. انتهى ملخّصا».(2)
ففي صحيحة هشام بن الحكم عن الصادق عليه السلام (في حديث) قال:
«نزلت الزكاة و ليس للناس أموال، و انّما كانت الفطرة».(3)
و في صحيحة عمر بن يزيد عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) قال:
«الفطرة واجبة على كلّ من يعول».(4)
و في صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«سألته عمّا يجب على الرجل في أهله من صدقة الفطرة؟ قال: تصدّق عن جميع من تعول. الحديث».(5)
و عن الصدوق:
«و خطب أميرالمؤمنين عليه السلام يوم الفطر فقال: - و ذكر خطبة، منها: -فاذكروا اللّه يذكركم، و ادعوه يستجب لكم، و أدّوا فطرتكم فانّها سنّة نبيّكم، و فريضة واجبة من ربّكم».(6)
1) - الأعلى 87: 14 و 15.
2) - مدارك الأحكام 5: 306.
3) - وسائل الشيعة 9: 317 / الباب 1 من أبواب زكاة الفطرة / الحديث 1.
4) - وسائل الشيعة 9: 317 / الباب 1 من أبواب زكاة الفطرة / الحديث 2.
5) - وسائل الشيعة 9: 317 / الباب 1 من أبواب زكاة الفطرة / الحديث 3.
6) - وسائل الشيعة 9: 318 / الباب 1 من أبواب زكاة الفطرة / الحديث 6.
و في خبر اسحاق بن المبارك قال:
«سألت أبا ابراهيم عليه السلام عن صدقة الفطرة، أهي ممّا قال اللّه: «أقيموا الصلاة و آتوا الزكاة»؟ فقال: نعم. الحديث».(1)
و في خبر أنس قال:
«قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: من صام شهر رمضان و ختمه بصدقة و غدا الى المصلّى بغسل رجع مغفورا له».(2)
و في خبر أبان و غيره عن الصادق جعفر بن محمّد عليهماالسلام قال:
«من ختم صيامه بقول صالح أو عمل صالح تقبّل اللّه منه صيامه. فقيل: يابن رسول اللّه، ما القول الصالح؟ قال: شهادة أن لا اله الاّ اللّه، و العمل الصالح اخراج الفطرة».(3)
فما دلّ من الروايات على وجوب زكاة الفطرة كثير جدّا و سيأتي التعرّض لها في المسائل الآتية.
و هي أمور: «الأوّل»: التكليف، فلاتجب على الصبي و المجنون، و لا على وليّهما أن يؤدّي عنهما من مالهما. بل يقوى سقوطها عنهما بالنسبة الى عيالهما أيضا.
الشرح:
قال في الشرائع: «تجب الفطرة بشروط ثلاثة: الأوّل: التكليف، فلاتجب على الصبي و لا على المجنون. انتهى».(1)
و في المدارك: «هذا قول علمائنا أجمع، حكاه المصنّف في المعتبر و العلاّمة في المنتهى، و يدلّ عليه أنّ غير المكلّف لايتوجّه اليه اطلاق الأمر، و تكليف الولي بذلك منفيّ بالأصل. انتهى ملخّصا».(2)
و يدلّ عليه صحيحة محمّد بن القاسم بن الفضيل قال:
«كتبت الى أبي الحسن الرضا عليه السلام أسأله عن الوصي أيزكّي زكاة الفطرة عن اليتامى اذا كان لهم مال؟ قال: فكتب عليه السلام : لا زكاة على يتيم».(1)
و صحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما عليهماالسلام قال:
«سألته عن مال اليتيم، فقال: ليس فيه زكاة».(2)
و صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«ليس في مال اليتيم زكاة».(3)
و يدلّ عليه أيضا ما ورد عن علي عليه السلام :
«انّ القلم يرفع عن ثلاثة: عن الصبي حتّى يحتلم و عن المجنون حتّى يفيق و عن النائم حتّى يستيقظ».(4)
بناءً على ما هو الحقّ من أنّ المرفوع هو مطلق قلم التشريع الأعمّ من الوضع و التكليف و ان كان يمكن أن يقال: انّ الأمر بالفطرة حكم تكليفيّ متعلّقه مال و لايكون حكما وضعيّا تشتغل به الذمّة كما يكون في زكاة المال، فانّها حقّ متعلّق بنفس العين فلو لم يؤدّها حتّى تلفت كانت دينا في ذمّته لابدّ من الخروج عن عهدته.
ثمّ انّه حيث يكون رفع القلم عن الصبي و المجنون منّة منه تعالى، لايشمل الرفع ما يلزم منه خلاف الامتنان على أشخاص آخرين كاتلاف مال الغير و نحوهمن التغريرات و الضمانات.
ثمّ انّه تسقط زكاة الفطرة عن مال الصبي و المجنون بالنسبة الى عيالهما أيضا،
و ذلك لما مرّ من قوله عليه السلام في صحيحة محمّد بن القاسم بن الفضيل: «لا زكاة على يتيم» و حديث رفع القلم عن الصبي و المجنون. و أمّا ما ورد عن الصدوق:
«أنّه كتب الى أبي الحسن الرضا عليه السلام يسأله عن المملوك يموت عنه مولاه و هو عنه غائب في بلدة أخرى و في يده مال لمولاه و يحضر الفطر، أيزكّي عن نفسه من مال مولاه و قد صار لليتامى؟ قال: نعم».(1)
فضعيف السند. و هذه الرواية و ان نقلها الكليني الاّ أنّه روى عن محمّد بن الحسين الخطّاب و معلوم أنّ بينه و بين الكليني فترة طويلة و لم يدركه الكليني و الرواية مرسلة. و يرد عليها اشكال آخر و هو مخالفتها للأصول و عدم وجود العامل بمضمونها كما صرّح به في الجواهر(2)اذ على فرض الوجوب على الصغير فالمتصدّي للاخراج لابدّ و أن يكون وليّه أو الوصي.
«الثاني»: عدم الاغماء، فلاتجب على من أهلّ شوّال عليه و هو مغمى عليه.
الشرح:
قال في الشرائع: «و لا [تجب] على من أهلّ شوّال و هو مغمى عليه. انتهى».(3)
و في المدارك: «هذا الحكم مقطوع به في كلام الأصحاب و قد ذكره العلاّمة وغيره مجرّدا عن الدليل، و هو مشكل على اطلاقه. نعم، و لو كان الاغماء مستوعبا لوقت الوجوب اتّجه ذلك. انتهى».(4)
و أورد في الجواهر على اشكال صاحب المدارك فقال: «انّ الدليل: الأصل بعد
ظهور الأدلّة في اعتبار حصول الشرائط عند الهلال، فلا عبرة بالبلوغ و الافاقة من الجنون و الاغماء بعده و التوسعة في وقت الأداء لا وقت الوجوب. انتهى ملخّصا».(1)
و في المستند أورد على الجواهر و أيّد المدارك ب- : «أنّه حيث لم يحرز الاجماع فلم يدلّ أيّ دليل على أنّ العبرة بأوّل الوقت، و حينئذ فالاطلاقات محكّمة، فانّ مفادها الوجوب على من كان مفيقا في الوقت و ان كان مغمى عليه أوّلاً، و معه لا مجال للتمسّك بأصالة البراءة، فانّها حجّة حيث لا دليل و كفى بالاطلاق دليلاً. انتهى ملخّصا».(2)
و في الحدائق: «ثمّ اعلم أنّه قد ذكر جملة من المتأخّرين هنا تفريعا على هذا الشرط سقوط الفطرة عمّن أهلّ عليه شوّال و هو مغمى عليه و لم ينقلوا عليه دليلاً. و اعترضهم بعض متأخّري المتأخّرين بأنّه على اطلاقه لايخلو من اشكال. نعم، لو كان الاغماء مستوعبا لوقت الوجوب اتّجه ذلك. انتهى».(3)
أقول:
انّ أحسن ما يمكن أن يقال هنا هو ما أشار اليه الشيخ مرتضى الأنصاري في كتاب الزكاة: «انّ المغمى عليه ليس أهلاً للتكليف، بمعنى عدم تعلّق الحكمالتكليفي به ولو بالقوّة كما يتعلّق بالنائم و الناسي، فالمغمى عليه مقطوع النظر في نظر الشارع في مقام الأحكام التكليفيّة بخلاف أخويه، و يكتفون بذكر قيد العقل أو التكليف في الاحتراز عنه. انتهى».(4)
و عليه انّ المتقدّمين من الفقهاء و ان لم يذكروا المغمى عليه بالخصوص الاّ أنّ
تقييدهم في شرائط وجوب زكاة الفطرة بكمال العقل تنبيه على خروج المغمى عليه أيضا. و حيث انّ الشرائط معتبر وجودها حين تعلّق الوجوب أي عند الهلال فكذلك عدم الاغماء، فكما أنّ من كان مجنونا أو صبيّا أو كافرا عند الهلال رفع عنه الوجوب فكذلك المغمى عليه و ان أفاق بعده.
«الثالث»: الحرّيّة، فلاتجب على المملوك و ان قلنا انّه يملك، سواء كان قنّا أو مدبّرا أو أمّ ولد أو مكاتبا مشروطا أو مطلقا و لم يؤدّ شيئا فتجب فطرتهم على المولى. نعم، لو تحرّر من المملوك شيء وجبت عليه و على المولى بالنسبة مع حصول الشرائط.
الشرح:
و من شرائط وجوب زكاة الفطرة الحرّيّة، فلاتجب على المملوك مطلقا و ان قلنا انّه يملك. و الدليل عليه الاجماع.
قال في الجواهر: «بلا خلاف أجده فيه، بل الاجماع محكيّ عليه مستفيضا ان لم يكن محصّلاً، بل عن المنتهى أنّه مذهب أهل العلم كافّة، الاّ داوود - الى أن قال: - و لايجب عليه و لو قيل يملك لاطلاق معاقد الاجماعات. انتهى ملخّصا».(1)
و يدلّ عليه أيضا ما ورد من عدم وجوب زكاة المال على العبد، كصحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«ليس في مال المملوك شيء و لو كان له ألف ألف، و لو احتاج لم يعط من الزكاة شيئا».(2)
مضافا الى مرسلة محمّد بن محمّد المفيد في المقنعة عن عبدالرحمن بن
الحجّاج عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«تجب الفطرة على كلّ من تجب عليه الزكاة».(1)
المجبور ارسالها بعمل الأصحاب و وحدة المناط.
و يمكن أن يستدلّ على عدم الوجوب عليه أيضا كما في المستند بأنّ الفطرة لو وجبت على العبد، فامّا أن يؤدّيها من مال نفسه أو من مال مولاه، و لا ثالث. و الثاني باطل؛ بداهة عدم جواز التصرّف في مال الغير بدون اذنه. و كذا الأوّل لكونه محجور التصرّف بل لايجوز التصرّف حتّى في مال نفسه؛ للنصّ، و لا شكّ أنّ أدلّة وجوب الفطرة منصرفة عمّن يحرم عليه التصرّف في ماله.
و الدليل على عدم وجوب الزكاة على العبد مطلقا سواء كان قنّا أو مدبّرا أو أمّ ولد، و سواء قلنا انّه يملك أو لا، اطلاق الدليل من الاجماع و الرواية.
فرعان:
ذهب المصنّف الى عدم وجوب زكاة الفطرة على المكاتب أيضا، الاّ أنّ هناك صحيحة علي بن جعفر:
«أنّه سأل أخاه موسى بن جعفر عليهماالسلام عن المكاتب: هل عليه فطرة شهر رمضان أو على من كاتبه؟ و تجوز شهادته؟ قال: الفطرة عليه و لاتجوز شهادته».(2)
و بالنسبة الى ذيلها في الوسائل، قال الصدوق: «هذا على الانكار لا على الاخبار، يريد: كيف تجب عليه الفطرة و لاتجوز شهادته؟ أي شهادته جائزة كما
أنّ الفطرة عليه واجبة».
و عن الجواهر: «و مال اليه (وجوب الزكاة على المكاتب) بعض متأخّري المتأخّرين، بل عن كتاب المكاتب من المبسوط اطلاق نفي فطرة المكاتب المطلق على مولاه، كالمحكي عن ابني ادريس و البرّاج و ان كان لا دلالة فيه على كون الزكاة عليه؛ اذ من المحتمل سقوطها عندهم رأسا. انتهى».(1)
ولكنّه استشكل بأنّ «الخبر المزبور و ان صحّ سنده قاصر عن تقييد ما عرفت، خصوصا بعد معارضته بقول الصادق عليه السلام في مرفوع محمّد بن أحمد بن يحيى «يؤدّي الرجل زكاة الفطرة عن مكاتبه و رقيق امرأته و عبده النصراني و المجوسي و ما أغلق عليه بابه»(2)المنجبر بما سمعت، فلا ريب حينئذ في أنّ الأقوى ما تقدّم. انتهى».(3)
و أورد عليه المستند بأنّ «عمدة المستند كان هو الاجماع الذي هو دليل لبّي،أو محجوريّة العبد الغير الشامل للمقام؛ لعدم منع المكاتب عن التصرّف في ماله قطعا، فلم يكن لدينا أيّ دليل لفظي ليدّعى عدم قبول اطلاقه للتقييد، و على تقدير وجوده فلم نر أيّ مانع من تقييده بمثل هذه الصحيحة، و أمّا ما ذكره من معارضته بمرفوعة محمّد بن أحمد بن يحيى فهي ضعيفة السند بالرفع و دلالة من أجل أنّ موردها المكاتب الذي يعول عليه مولاه بقرينة قوله عليه السلام : «و ما أغلق عليه بابه. انتهى ملخّصا».(4)
أقول:
لو قلنا بعدم الاشكال في دلالة الصحيحة فالجمع بينها و بين قوله عليه السلام في صحيحة عمر بن يزيد:
«الفطرة واجبة على كلّ من يعول من ذكر أو أنثى، صغير أو كبير، حرّ أو مملوك».(1)
يقتضي الحمل على ما اذا كان المكاتب لم يكن معالاً للمولى فحينئذ عليه زكاة الفطرة.
لو تحرّر من المملوك شيء فبالنسبة الى ما لم يتحرّر لم يجب عليه الزكاة بلعلى مولاه؛ لأنّه محجور عن التصرّف في ماله بنسبة جزئه الرقّ، فهو بهذا الجزء معال لمولاه. نعم، لو أذنه مولاه على التصرّف في ماله و كان مؤونته على نفسه فزكاة فطرته عليه. و أمّا بالنسبة الى الجزء الذي تحرّر فان كان مولاه يعوله فعلى مولاه أيضا و ان كان مؤونته بنسبة الحرّيّة على نفسه فزكاة فطرته عليه.
قال في الشرائع: «و لو تحرّر منه شيء وجبت عليه بالنسبة. و لو عاله المولى وجبت عليه دون المملوك. انتهى».(2)
و في المدارك: «أمّا وجوبها على المولى اذا انفرد بمؤونته فظاهر؛ لأنّ العيلولة كافية في الوجوب و ان كانت تبرّعا. و أمّا الوجوب عليه و على المولى بالنسبة مع انتفاء العيلولة، فاستدلّ عليه في المنتهى بأنّ «النصيب المملوك تجب نفقته على مالكه فتكون فطرته لازمة له. و أمّا النصيب الحرّ فلايجب على السيّد أداء الزكاة
عنه؛ لأنّه لاتتعلّق به الرقّيّة، بل تكون زكاته واجبة عليه اذا ملك بجزئه الحرّ ما تجب به الزكاة عملاً بالعموم». و قوّى الشيخ في المبسوط «سقوط الزكاة عنه و عن المولى اذا لم يعله المولى؛ لأنّه ليس بحرّ فيلزمه حكم نفسه، و لا هو مملوك فتجب زكاته على مالكه؛ لأنّه قد تحرّر بعضه، و لا هو في عيلولة مولاه، فتلزمه فطرته، لمكان العيلولة». و لايخلو من قوّة. أمّا على ما ذكره ابن بابويه من وجوب فطرة المكاتب على نفسه و ان لم يتحرّر منه شيء فالوجوب هنا أولى. انتهى».(1)و فيه: انّ بناء العلاّمة و كذا الشيخ في فتواهما على أنّ المملوك من حيث انّه مملوك تجب زكاة فطرته على مولاه و الحال أنّه لا دليل على هذا المبنى، فانّ مبنى الروايات الواردة في المملوك الذي فطرته على مولاه هو العيلولة و أنّ علّة وجوب فطرة المملوك على مولاه لأنّ مولاه يعوله، لا لأنّه مملوكه.
«الرابع»: الغنى، و هو أن يملك قوت سنة له و لعياله زائدا على ما يقابل الدين و مستثنياته فعلاً أو قوّة بأن يكون له كسب يفي بذلك، فلاتجب على الفقير - و هو من لايملك ذلك - و ان كان الأحوط اخراجها اذا كان مالكا لقوت السنة و ان كان عليه دين، بمعنى أنّ الدين لايمنع من وجوب الاخراج و يكفي ملك قوت السنة. بل الأحوط الاخراج اذا كان مالكا عين أحد النصب الزكويّة أو قيمتها و ان لم يكفه لقوت سنته. بل الأحوط اخراجها اذا زاد على مؤونة يومه و ليلته صاع.
الشرح:
و من شرائط وجوب زكاة الفطرة الغنى، فلاتجب على الفقير، و ذلك لروايات:
منها صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
1) - مدارك الأحكام 5: 310.
«سئل عن رجل يأخذ من الزكاة، عليه صدقة الفطرة؟ قال: لا».(1)
بناءً على أنّ المراد منه أخذ الزكاة من حيث الفقر و المسكنة؛ لأنّه الأصل في مصرف الزكاة، فهو المتبادر منها.
و خبر اسحاق بن المبارك قال:
«قلت لأبي ابراهيم عليه السلام : على الرجل المحتاج صدقة الفطرة؟ فقال: ليس عليه فطرة».(2)
و خبر يزيد بن فرقد النهدي قال:
«سألت أبا عبداللّه عن رجل يقبل الزكاة، هل عليه صدقة الفطرة؟ قال:لا».(3)
و خبر اسحاق بن عمّار قال:
«قلت لأبي ابراهيم عليه السلام : على الرجل المحتاج صدقة الفطرة؟ قال: ليس عليه فطرة».(4)
و خبر عبداللّه بن ميمون عن أبي عبداللّه عن أبيه عليهماالسلام (في حديث زكاة الفطرة) قال:
«ليس على من لايجد ما يتصدّق به حرج».(5)
و خبر يزيد بن فرقد قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : على المحتاج صدقة الفطرة؟ فقال: لا».(6)
و خبر يزيد بن فرقد عن أبي عبداللّه عليه السلام أنّه سمعه يقول:
1) - وسائل الشيعة 9: 321 / الباب 2 من أبواب زكاة الفطرة / الحديث 1.
2) - وسائل الشيعة 9: 321 / الباب 2 من أبواب زكاة الفطرة / الحديث 3.
3) - وسائل الشيعة 9: 321 / الباب 2 من أبواب زكاة الفطرة / الحديث 5.
4) - وسائل الشيعة 9: 322 / الباب 2 من أبواب زكاة الفطرة / الحديث 6.
5) - وسائل الشيعة 9: 321 / الباب 2 من أبواب زكاة الفطرة / الحديث 2.
6) - وسائل الشيعة 9: 321 / الباب 2 من أبواب زكاة الفطرة / الحديث 4.
«من أخذ من الزكاة فليس عليه فطرة».(1)
و خبر ابن عمّار:
«انّ أبا عبداللّه عليه السلام قال: لا فطرة على من أخذ الزكاة».(2)
و لايعارضها صحيحة زرارة قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : الفقير الذي يتصدّق عليه، هل عليه صدقة الفطرة؟ فقال: نعم، يعطي ممّا يتصدّق به عليه».(3)
لأنّها تحمل على الاستحباب؛ جمعا.
ثمّ انّ الفقير الشرعي من لايملك مؤونة السنة له و لعياله، و الغني الشرعي بخلافه. و قد تقدّم تفصيل ذلك و مدرك هذا الحكم من الروايات و قلنا بأنّ الظاهر منها أنّ الفقير الشرعي من لم يكن له قوت سنته، سواء كان عنده ما يكفيه لشهر أو أكثر أو لم يكن له قوت أصلاً. و الغني من كان له قوت سنته فعلاً أو قوّة، فمن كان عنده ضيعة أو عقار أو مواشٍ أو نحو ذلك تقوم بكفايته و كفاية عياله في طول السنة لايجوز له أخذ الزكاة و يجب عليه زكاة الفطرة، و كذا اذا كان له رأس مال يقوم ربحه بمؤونته. و كذا من كان ذا صنعة أو كسب يحصل منهما مقدارا يكفيه لقوت سنته له و لعياله.
و أمّا صاحب الدين فان كان بحيث لابدّ له من أداء دينه فعلاً و معه يصير فقيرا لايقدر على مؤونته و مؤونة عياله طول السنة فهو فقير لاتجب عليه الزكاة، و أمّا ان كان له دين و لايقال بأنّه فقير كالتجّار و الكسبة الذين لهم ديون و مع ذلك يقال انّهم أغنياء.
و تقدّم أيضا أنّه قيل: انّ العبرة في الغنى و الفقر ملك أحد النصب الزكويّة عينا
أو قيمة و عدمه، و استدلّ على ذلك بروايات و قلنا انّ مفاد تلك الروايات أنّ الغني تجب عليه الزكاة اذا كان ما يملكه من الأجناس الزكويّة بشرائطها، لا أنّ من تجب عليه الزكاة غنيّ ليدور صدق الغنى و الفقر مدار ملك النصاب و عدمه. و لعلّه لوجود هذا القول احتاط المصنّف بأنّ من كان مالكا لأحد النصب الزكويّة أو قيمتها يجب أن يعطي زكاة الفطرة و ان لم يكفه لقوت سنته.
ثمّ انّ المصنّف احتاط ثالثا و قال: «الأحوط اخراجها اذا زاد على مؤونة يومه و ليلته صاع». و الظاهر أنّ هذا الاحتياط للخروج عمّا نسب الى الاسكافي من أنّهأوجبها على من فضل على مؤونته و مؤونة عياله ليومه و ليلته صاع.
أقول:
ان كان المراد ممّا نسب الى الاسكافي «من فضل على مؤونته و مؤونة عياله كلّ يوم صاع» كمن كان ذا كسب فيكسب في كلّ يوم و يفضل عن مؤونته و مؤونة عياله صاع، فهذا مبنيّ على اعتبار زيادة مقدار الفطرة على قوت السنة في وجوبها على الغني، أو على اعتبار ذلك في خصوص المكتسب كما صرّح به في الدروس حيث قال: «و تجب على المكتسب قوت سنته اذا فضل عنه صاع».(1)
و ان كان المراد «زيادة صاع في اليوم الآخر من شهر رمضان» و ان كان فقيرا في سائر الأيّام، فلم يدلّ عليه دليل، بل الدليل على خلافه كما عرفت.
و في المختلف بعد نقل قول الاسكافي ابن الجنيد حيث قال: «زكاة الفطرة على الغني فرض في ماله يخرجها عن نفسه و سائر من يعول ممّن تجب عليه نفقته، أو من تطوّع بها - الى أن قال: - و على الفقير اذا تُصدّق عليه بما يتجاوز قوت يومه أن يخرج ذلك عنه الى غيره» قال: «لنا: الأصل براءة الذمّة، و لأنّ وضع الزكاة
1) - الدروس 1: 248.
لدفع حاجة الفقير فلايليق ايجابها عليه؛ لمنافاة الغرض. انتهى».(1)
و في الخلاف: «تجب زكاة الفطرة على من ملك نصابا تجب فيه الزكاة أو قيمة نصاب، و به قال أبو حنيفة و أصحابه. و قال الشافعي: اذا فضل صاع عن قوته و قوت عياله و من يمونه يوما و ليلة وجب ذلك عليه، و به قال أبو هريرة و عطاء و الزهري و مالك. و ذهب اليه كثير من أصحابنا. دليلنا: انّ الأصل براءة الذمّة، و قد أجمعنا على أنّ من ذكرناه تلزمه زكاة الفطرة و لا دليل على وجوبها على من قالوه.انتهى».(2)
و في الجواهر: «و ان حكاه في الخلاف عن كثير من علمائنا، الاّ أنّا لم نتحقّقه، بل المتحقّق خلافه. انتهى».(3)
و أنت اذا أحطت بما ذكر ممّا نسب الى ابن الجنيد تجد أنّ الاحتمال المتقدّم من أنّ مراده لايخالف قول المشهور قويّ.
(مسألة 1): لايعتبر في الوجوب كونه مالكا مقدار الزكاة زائدا على مؤونة السنة، فتجب و ان لم يكن له الزيادة على الأقوى و الأحوط.
الشرح:
قد تقدّم أنّ الغني من يملك قوت سنته له و لعياله، و الفقير من لايملك مؤونة السنة له و لعياله، و عليه فمن كان غنيّا يجب عليه زكاة الفطرة؛ لقوله عليه السلام في مرسلة يونس بن عمّار:
«تحرم الزكاة على من عنده قوت السنة، و تجب الفطرة على من
عنده قوت السنة».(1)
و كذا يدلّ عليه اطلاقات الأمر بالزكاة.
و في الجواهر: «مقتضى اطلاق النصّ و الفتوى و معقد الاجماع عدم اشتراط ملك الصاع أو مقدار الفطرة زيادة على ملك مؤونة السنة فعلاً أو قوّة في وجوب الفطرة؛ لاطلاق الأدلّة. خلافا لما في الدروس و البيان و المنتهى و التحرير والتذكرة، و لم نقف لهم جميعا على حجّة معتبرة. نعم، ربّما وجّه ذلك بأنّ الزكاة مواساة فتجب حيث لاتؤدّي الى الفقر، فلو وجبت على من لايملك الزيادة لانقلب فقيرا، و هو كما ترى. انتهى ملخّصا».(2)
و أجيب عن التوجيه الذي أشار اليه صاحب الجواهر، بأنّ الغني المأخوذ في الموضوع انّما هو الغني الملحوظ في حدّ نفسه - أي الغني مع قطع النظر عن تعلّق الحكم - لا حتّى بلحاظه، و هو متحقّق في المقام حسب الفرض.
(مسألة 2): لايشترط في وجوبها الاسلام ، فتجب على الكافر، لكن لايصحّ أداؤها منه، و اذا أسلم بعد الهلال سقط عنه. و أمّا المخالف اذا استبصر بعد الهلال فلاتسقط عنه.
الشرح:
قد تقدّم في أوائل كتاب الزكاة في المسألة السادسه عشرة و السابعه عشرة و الثامنه عشرة و قلنا بأنّ الكافر مكلّف بالفروع و من جملتها الزكاة كما هو مكلّف بالأصول ولكن لايصحّ أداؤها منه، و ذكرنا هناك ما يتفرّع على هذه المسألة و قد ذكرها المصنّف في المسألة الثلاثين في الفصل السابق.
ثمّ انّه اذا أسلم الكافر بعد الهلال سقط عنه، و ذلك لصحيحة معاوية بن عمّار قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن مولود ولد ليلة الفطر، عليه فطرة؟ قال: لا، قد خرج الشهر. و سألته عن يهوديّ أسلم ليلة الفطر، عليه فطرة؟ قال: لا».(1)
و أمّا المخالف اذا استبصر بعد الهلال فلاتسقط عنه؛ لأنّه اذا لم يؤدّها فلا موجب لسقوطها، و اذا أدّاها فللنصوص المعلّلة بأنّه وضعها في غير أهلها، كصحيحة بريد بن معاوية العجلي عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) قال:
«كلّ عمل عمله و هو في حال نصبه و ضلالته ثمّ منّ اللّه عليه و عرّفه الولاية فانّه يؤجر عليه الاّ الزكاة فانّه يعيدها؛ لأنّه يضعها في غير مواضعها. الحديث».(2)
و لقوله عليه السلام في صحيحة الفضلاء:
«لابدّ أن يؤدّيها؛ لأنّه وضع الزكاة في غير موضعها و انّما موضعها أهل الولاية».(3)
(مسألة 3): يعتبر فيها نيّة القربة كما في زكاة المال؛ فهي من العبادات، و لذا لاتصحّ من الكافر.
الشرح:
قد تقدّم في الفصل الأسبق أنّ الزكاة من العبادات فيعتبر فيها نيّة القربة، فلا فرق فيها بين زكاة المال و زكاة الفطرة، و لذا لاتصحّ من الكافر و ان وجبت
عليه، كالزكاة الماليّة و الصلاة و غيرها؛ لما عرفته من أنّ الايمان شرط في صحّة العبادة فضلاً عن الاسلام .
(مسألة 4): يستحبّ للفقير اخراجها أيضا و ان لم يكن عنده الاّ صاع يتصدّق به على عياله، ثمّ يتصدّق به على الأجنبي بعد أن ينتهي الدور. و يجوز أن يتصدّق به على واحد منهم أيضا، و ان كان الأولى و الأحوط الأجنبي و ان كان فيهم صغير أو مجنون يتولّى الولي له الأخذ له و الاعطاء عنه. و ان كان الأولى و الأحوط أن يتملّك الولي لنفسه ثمّ يؤدّي عنهما.
الشرح:
قال في الشرائع: «و يستحبّ للفقير اخراجها، و أقلّ ذلك أن يدير صاعا على عياله ثمّ يتصدّق به. انتهى».(1)
و في المدارك: «أمّا أنّه يستحبّ للفقير اخراجها عن نفسه و عن عياله فقال في المنتهى: انّه مذهب علمائنا أجمع الاّ من شذّ. و قد تقدّم من الأخبار ما يدلّ عليه. و أمّا أنّ أقلّ ما يتأدّى به الاستحباب أن يدير صاعا على عياله ثمّ يتصدّق به فلموثّقة اسحاق بن عمّار. انتهى».(2)
يدلّ على استحباب اخراج الزكاة للفقير - مضافا الى ما مرّ - الجمع بين صحيحة زرارة قال:
«قلت: الفقير الذي يتصدّق عليه هل عليه صدقة الفطرة؟ فقال: نعم، يعطي ممّا يتصدّق به عليه».(3)
و صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سئل عن رجل يأخذ من الزكاة، عليه صدقة الفطرة؟ قال: لا».(1)و يدلّ على استحباب ادارة الصاع على عياله موثّقة اسحاق بن عمّار قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : الرجل لايكون عنده شيء من الفطرة الاّ ما يؤدّي عن نفسه وحدها، أيعطيه غريبا أو يأكل هو و عياله؟ قال: يعطي بعض عياله، ثمّ يعطي الآخر عن نفسه، يتردّدونها فيكون عنهم جميعا فطرة واحدة».(2)
و قال المصنّف تبعا للشهيد الثاني في المسالك: «و ان كان فيهم صغير أو مجنون يتولّى الولي له الأخذ و الاعطاء عنه». و لابأس بذلك اذا لم يكن للصغير أو المجنون قدرة التمييز.
ففي المسالك: «معنى الادارة أن يأخذ صاعا و يدفعه الى أحد عياله المكلّفين ناويا به عن نفسه ثمّ يدفعه الآخذ عن نفسه الى الآخر و هكذا ثمّ يدفعه الأخير الى المستحقّ الأجنبي، و لو دفعه الى أحدهم جاز أيضا بل هو الظاهر من الادارة. و لو كانوا غير مكلّفين أو بعضهم تولّى الولي ذلك عنه، و لايشكل اخراج ما صار ملكه عنه بعد النصّ و ثبوت مثله في الزكاة الماليّة. انتهى».(3)
و في المستند: «انّ الغالب في العوائل تشكيلها من الصغار، و الامام عليه السلام في مقام بيان طريق يوصل الى الاعطاء عن الجميع، فنفس هذا اجازة من صاحب الشرع، فالتشكيك في اطلاقها ممّا لاينبغي الاصغاء اليه. انتهى».(4)
(مسألة 5): يكره تملّك ما دفعه زكاة وجوبا أو ندبا، سواء تملّكه صدقة أو غيرها على ما مرّ في زكاة المال.
الشرح:
قد تقدّم شرح المسألة في المسألة العشرين من فصل بقيّة أحكام الزكاة، و قلنا بكراهة تملّك ما دفعه زكاة وجوبا أو ندبا، سواء تملّكه صدقة أو اشتراءً أو غيرهما؛ جمعا بين الروايات التي كان ظاهرها متنافيا، فراجع.
(مسألة 6): المدار في وجوب الفطرة ادراك غروب ليلة العيد جامعا للشرائط، فلو جنّ أو أغمي عليه أو صار فقيرا قبل الغروب - ولو بلحظة - بل أو مقارنا للغروب، لم تجب عليه. كما أنّه لو اجتمعت الشرائط بعد فقدها قبله أو مقارنا له وجبت، كما لو بلغ الصبي، أو زال جنونه ولو الأدواري، أو أفاق من الاغماء أو ملك ما يصير به غنيّا أو تحرّر و صار غنيّا، أو أسلم الكافر، فانّها تجب عليهم. و لو كان البلوغ أو العقل أو الاسلام مثلاً بعد الغروب لم تجب. نعم، يستحبّ اخراجها اذا كان ذلك بعد الغروب الى ما قبل الزوال من يوم العيد.
الشرح:
قال في الشرائع: «من بلغ قبل الهلال أو أسلم أو زال جنونه أو ملك ما يصير به غنيّا وجبت عليه. انتهى».(1)
و في الجواهر: «بلا خلاف أجده فيه، بل الاجماع بقسميه عليه، و هو الحجّة،مضافا الى صحيح معاوية بن عمّار أو خبره. انتهى».(2)
و يدلّ على ذلك صحيحة معاوية بن عمّار قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن مولود ولد ليلة الفطر، عليه فطرة؟ قال: لا، قد خرج الشهر. و سألته عن يهوديّ أسلم ليلة الفطر، عليه فطرة؟ قال: لا».(1)
و خبر معاوية بن عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام :
«في المولود يولد ليلة الفطر و اليهودي و النصراني يسلم ليلة الفطر، قال: ليس عليهم فطرة، ليس الفطرة الاّ على من أدرك الشهر».(2)
و ناقش في المستند أوّلاً: في دلالة الرواية، بأنّ موردها المولود و من يلحق به، أعني من هداه اللّه من الكفر الى الاسلام ، الذي هو بمثابة الخروج من كتم العدم الى الوجود، فهي ناظرة الى من تولّد في هذه الليلة امّا حقيقة أو حكما، فلا اطلاق في الذيل بالاضافة الى سائر الشرائط.
و ثانيا: سلّمنا الدلالة على العموم الاّ أنّ مفادها لاينطبق على مقالة المشهور؛ اذ قد جعل الاعتبار فيها بادراك الشهر و هو يتحقّق بادراك جزء من الشهر مستمرّة الى أن يهلّ الهلال مع استجماع الشرائط، فلو لم تجتمع كذلك لم ينفع و ان تحقّقت مقارنا للغروب و في أوّل جزء منه؛ لعدم صدق ادراك الشهر عندئذ، الاّ أنّ المشهور يجعلون اعتبار الشرائط مقارنا للغروب، و لايعتبرون تحقّقها في الشهر كما نصّ عليه الماتن و غيره. و عليه فان تمّ الاجماع، و الاّ كفى حصول الشرائط بعد الغروب و بعد حلول الليل، بل الى ما قبل صلاة العيد؛ عملاً بالاطلاقات فيماعدا شرط الحياة و الاسلام ، فانّ اللازم حصولهما لدى الغروب بل قبله ولو بجزء يسير بمقدار ادراك الشهر على ما نطقت به صحيحة معاوية بن عمّار.(3)
و فيه أوّلاً: انّه قد كفانا قوله عليه السلام في صحيحة معاوية بن عمّار المتقدّمة حين سئل عليه السلام عن مولود ولد ليلة الفطر، عليه فطرة؟ قال: «لا، قد خرج الشهر». فانّ هذه الجملة علّة لعدم وجوب الفطرة عليه، فالمستفاد منها أنّ شرط وجوب الفطرة و عدمه حصول الشرائط في الشهر و عدمه فيه، فاذا قلنا بأنّ شرط وجوب الزكاة البلوغ و كمال العقل و الافاقة و الغنى و الاسلام ، فلنا أن نسأل: في أيّ وقت يعتبر حصول هذه الشروط حتّى تجب الزكاة، و أنّ المناط في الحصول هو قبل الهلال أو بعد الهلال الى طلوع الفجر أو الى طلوع الشمس أو الى قبل صلاة العيد، فلو سئل الامام عليه السلام عن أحد هذه الشروط كما سأل معاوية بن عمّار و أجاب عليه السلام بأنّه ان لم يكن ذلك الشرط في شهر رمضان و قبل الهلال لم تجب الزكاة، نستفيد أنّ الحصول لوجوب الزكاة دائر مدار الشهر، فالاشكال بأنّه لعلّ نظر الامام عليه السلام الخروج من كتم العدم الى الوجود حقيقة أو حكما بعيد عن الذهن الساذج.
و ثانيا: بالنسبة الى من تعرّض لهذه المسألة من القدماء:
ففي المختلف: «يظهر من كلامه (الشيخ) في كتبه (النهاية و المبسوط و الخلاف) أنّ مناط الوجوب الهلال، فانّه قال: اذا وهب له عبد، أو ولد له ولد، أو أسلم، أو ملك مالاً قبل الهلال وجبت الزكاة، و ان كان بعده استحبّت الى قبل الزوال. و هذا يشعر بقوله في كتابيه المتقدّمين (الجمل و الاقتصاد). - الى أن قال: - «قال ابن بابويه في كتاب من لايحضره الفقيه: و ان ولد لك مولود يوم الفطر قبل الزوال فادفع عنه الفطرة استحبابا، و ان ولد بعد الزوال فلا فطرة عليه، و كذا الرجلاذا أسلم قبل الزوال أو بعده فعلى هذا، و هذا على الاستحباب و الأخذ بالأفضل، فأمّا الواجب فليست الفطرة الاّ على من أدرك الشهر. روى ذلك علي بن أبي حمزة عن معاوية بن عمّار. انتهى».(1)
و في نهاية الشيخ: «الفطرة واجبة على كلّ حرّ بالغ مالك لما تجب عليه فيه
1) - مختلف الشيعة 3: 167 و 168.
زكاة المال. و يلزمه أن يخرج عنه و عن جميع من يعوله من ولد و والد و زوجة و مملوك و مملوكة، مسلما كان أو ذمّيّا، صغيرا كان أو كبيرا. فان كان لزوجته مملوك في عياله أو يكون عنده ضيف يفطر معه في شهر رمضان وجب عليه أيضا أن يخرج عنهما الفطرة. و ان رزق ولدا في شهر رمضان وجب عليه أيضا أن يخرج عنه. فان ولد المولود ليلة الفطر أو يوم العيد قبل صلاة العيد لم يجب عليه اخراج الفطرة عنه فرضا واجبا و يستحبّ له أن يخرج ندبا و استحبابا، و كذلك من أسلم ليلة الفطر قبل الصلاة يستحبّ له أن يخرج زكاة الفطرة و ليس ذلك بفرض، فان كان اسلام ه قبل ذلك وجب عليه اخراج الفطرة. انتهى».(1)
فالمتحصّل من التأمّل في كلام الشيخ هو أنّ نظره الشريف من وقت الوجوب الذي يعتبر فيه استجماع الشرائط هو عند هلال شوّال.
و في السرائر: «الفطرة واجبة على كلّ مكلّف مالك - قبل استهلال شوّال - أحد الأموال الزكاتيّة - الى أن قال: - و يجب اخراج الفطرة عن الضيف بشرط أن يكون آخر الشهر في ضيافته. انتهى».(2)
و قد ذكر قريبا ممّا ذكر من النهاية.
و أمّا في الشرائع فقال: «تجب الفطرة بشروط ثلاثة: الأوّل: التكليف، فلاتجبعلى الصبي و لا على المجنون و لا على من أهلّ شوّال و هو مغمى عليه - الى أن قال: - من بلغ قبل الهلال أو أسلم أو زال جنونه أو ملك ما يصير به غنيّا وجبت عليه. و لو كان بعد ذلك ما لم يصلّ العيد استحبّت، و كذا التفصيل لو ملك مملوكا أو ولد له. انتهى».(3)
و في اللمعة: «و تجب على البالغ العاقل الحرّ المالك قوت سنته فيخرجها عنه
و عن عياله ولو تبرّعا، و تجب على الكافر و لاتصحّ منه حال كفره، و الاعتبار بالشروط عند الهلال، و تستحبّ لو تجدّد السبب ما بين الهلال الى الزوال. انتهى».(1)
و الظاهر من كلام الشيخ في كتبه و الصدوق و ابن ادريس و كذا المحقّق و الشهيد أنّ الاعتبار لوقت الوجوب هو رؤية الهلال من شوّال، فمن كان مستجمعا للشرائط عنده يجب عليه زكاة الفطرة. و أمّا ابن الجنيد و المفيد في المقنعة و السيّد المرتضى و أبو الصلاح و ابن البرّاج و سلاّر و ابن زهرة، و ان قالوا بأنّ أوّل وقت وجوبها طلوع الفجر من يوم الفطر - على ما نقله في المختلف(2)- و لم يتعرّضوا صريحا لهذه المسألة كما تعرّض صاحب الشرائع و غيره، الاّ أنّه من المحتمل قويّا أنّ مرادهم من وقت الوجوب هو وقت الأداء.
و أمّا قول صاحب المستند بأنّ المشهور يجعلون اعتبار الشرائط مقارنا للغروب، و لايعتبرون تحقّقها في الشهر كما نصّ عليه الماتن و غيره.
ففيه: انّ الظاهر من كلامهم هذا هو رؤية الهلال؛ لأنّه يظهر عند غروب الشمس و غيبوبتها، و لعلّه لذلك قال في المدارك: «أمّا الوجوب مع استكمالالشرائط قبل رؤية الهلال، و المراد به غروب الشمس من ليلة الفطر، كما نصّ عليه في المعتبر، فموضع وفاق بين العلماء. انتهى».(3)
و فيه أيضا: «و كذا يجب اخراج الفطرة عن الولد و المملوك ان حصلت الولادة أو الملك قبل رؤية الهلال، و يستحبّ لو كان قبل الصلاة، يعني انتهاء وقتها، كما نصّ عليه في المعتبر. انتهى».(4)
و ينبغي هنا أن نذكر خلاصة ما أفاد الشيخ الأعظم مرتضى الأنصاري، فانّه قال: «العبرة في وجوب أداء الفطرة على الشخص عن نفسه أو عن غيره باستجماعه الشرائط عند هلال شوّال، فلا عبرة بحدوثها بعده كما لا عبرة باختلالها، فلو كان عند هلال شوّال عبدا أو فقيرا أو ناقصا، أو غير معيل لشخص، لم يجب عليه و ان حدث الشروط بعده. و يدلّ على ذلك مضافا الى الاجماع المدّعى صحيحة معاوية بن عمّار، دلّت على أنّ العلّة في عدم حدوث وجوب الفطرة للمولود هي خروج شهر رمضان. أعمّ من كونه مخرجا أو مخرجا عنه ... فمفاد التعليل أنّه كلّما خرج الشهر فلايحدث تعلّق الفطرة بالشخص، لا وجوب الاخراج و لا وجوب الاخراج عنه ... و الرواية الثانية عن معاوية بن عمّار دلّت على أنّ الوجوب معلّق على ادراك الشهر و لاينفكّ عنه، فمن لم يجب الفطر عليه أو عنه عند ادراك الشهر، أو وجب ثمّ سقط بالاسلام فلايحدث عليه الوجوب بعد ذلك، و الاّ لم يكن الوجوب معلّقا على ادراك الشهر، فمرجع الرواية الى مفاد الصحيحة السابقة الدالّة على أنّ خروج الشهر علّة لعدم حدوث تعلّق الفطرة بمن لم يتعلّق عليه في آخر الشهر. - الى أن قال: - ثمّ اعلم أنّ ما دلّت عليه الروايتان من اناطة وجوب الفطرة بادراك الشهر جامعا للشرائط، الظاهر أنّه غير مبنيّ على توقيت الفطر بهلال شوّال،كما هو أحد القولين في مسألة وقت الفطر، فليس من يقول بأنّ وقتها طلوع الفجر قائلاً باعتبار اجتماع هذه الشرائط في آخر الليل بحيث يدرك جزءا من يوم العيد على الشرائط و ان فقدها عند هلال شوّال، بل هؤلاء قائلون باعتبار اجتماع الشرائط عند الهلال أيضا و ان فقدها بعد ذلك - الى أن قال: - فتحصّل ممّا ذكرنا عدم المنافاة بين الاتّفاق على اعتبار الشروط عند الهلال، و الخلاف في وقت الفطرة، فالكلام هنا في وقت الوجوب، و الخلاف فيما سيأتي في وقت الواجب و هو الاخراج. انتهى ملخّصا».(1)
1) - كتاب الزكاة: 414 - 419.
و لو كان فاقدا لأحد الشرائط و حصل بعد هلال شوّال لم تجب ولكن يستحبّ اخراجها اذا حصل الى ما قبل الزوال من يوم العيد، و ذلك للجمع بين صحيحة معاوية بن عمّار و خبره المتقدّمين و بين ما رواه الصدوق عن محمّد بن مسلم من الخبر عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«سألته عمّا يجب على الرجل في أهله من صدقة الفطرة؟ قال: تصدّق عن جميع من تعول من حرّ أو عبد أو صغير أو كبير من أدرك منهم الصلاة».(1)
و مرسلة الشيخ قال:
«و قد روي أنّه ان ولد قبل الزوال تخرج عنه الفطرة، و كذلك من أسلم قبل الزوال».(2)
قال في الجواهر: «فلو كان البلوغ أو الاسلام أو العقل أو الغنى بعد ذلك أي بعد دخول الليلة ما لم يصلّ العيد استحبّ له اخراج الفطرة كما هو المحكي عن الأكثر؛ للمرسل في التهذيب و خبر محمّد بن مسلم المحمولين على الاستحباب؛ جمعا بينهما و بين ما دلّ على نفي الوجوب من الأصل و الاجماع بقسميه و خبر معاوية بن عمّار، بعد ظهور النصّ و الفتوى في عدم الفرق بين من يدخل في العيال ما بين الغروب و الصلاة أو يسلم كذلك و لا بين من بلغ أو أفاق من الجنون أو غني بعد الفقر، و لذا كان الجواب في خبر معاوية بن عمّار شاملاً للحكمين. انتهى ملخّصا».(3)
يجب اخراجها بعد تحقّق شرائطها عن نفسه و عن كلّ من يعوله حين دخول ليلة الفطر من غير فرق بين واجب النفقة عليه و غيره، و الصغير و الكبير، و الحرّ و المملوك، و المسلم و الكافر، و الأرحام و غيرهم، حتّى المحبوس عنده ولو على وجه محرّم. و كذا تجب عن الضيف بشرط صدق كونه عيالاً له و ان نزل عليه في آخر يوم من رمضان، بل و ان لم يأكل عنده شيئا، لكن بالشرط المذكور و هو صدق العيلولة عليه عند دخول ليلة الفطر بأن يكون بانيا على البقاء عنده مدّة، و مع عدم الصدق تجب على نفسه، لكن الأحوط أن يخرج صاحب المنزل عنه أيضا، حيث انّ بعض العلماء اكتفى في الوجوب عليه مجرّد صدق اسم الضيف، و بعضهم اعتبر كونه عنده تمام الشهر، و بعضهم العشر الأواخر، و بعضهم الليلتين الأخيرتين، فمراعاة الاحتياط أولى. و أمّاالضيف النازل بعد دخول الليلة فلاتجب الزكاة عنه و ان كان مدعوّا قبل ذلك.
الشرح:
قال في الشرائع: «و مع الشروط يخرجها عن نفسه و عن جميع من يعوله، فرضا أو نفلاً، من زوجة و ولد و ما شاكلهما، و ضيف و ما شابهه، صغيرا كان أو كبيرا، حرّا أو عبدا، و مسلما أو كافرا. انتهى».(1)
و في المدارك: «هذا الحكم مجمع عليه بين الأصحاب، بل قال في المنتهى: و يجب أن يخرج الفطرة عن نفسه و من يعوله أي يمونه، ذهب اليه علماؤنا أجمع، و هو قول أكثر أهل العلم الاّ أبا حنيفة، فانّه اعتبر الولاية الكاملة، فمن لا ولاية له عليه لاتجب عليه فطرته. انتهى».(2)
و يدلّ عليه صحيحة عمر بن يزيد قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يكون عنده الضيف من اخوانه فيحضر يوم الفطر، يؤدّي عنه الفطرة؟ فقال: نعم، الفطرة واجبة على كلّ من يعول من ذكر أو أنثى، صغير أو كبير، حرّ أو مملوك».(3)
و صحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«كلّ من ضممت الى عيالك من حرّ أو مملوك فعليك أن تؤدّي الفطرة عنه. الحديث».(4)
و صحيحة صفوان الجمّال قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الفطرة، فقال: على الصغير و الكبير و الحرّو العبد، عن كلّ انسان منهم صاع من حنطة أو صاع من تمر أو صاع من زبيب».(5)
و صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«صدقة الفطرة على كلّ رأس من أهلك، الصغير و الكبير، و الحرّ و المملوك، و الغني و الفقير. الحديث».(1)
و صحيحة ثانية عن الحلبي قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن صدقة الفطرة، فقال: على كلّ من يعول الرجل، على الحرّ و العبد، و الصغير و الكبير، صاع من تمر، أو نصف صاع من برّ، و الصاع أربعة أمداد».(2)
و خبر محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«سألته عمّا يجب على الرجل في أهله من صدقة الفطرة؟ قال: تصدّق عن جميع من تعول من حرّ أو عبد أو صغير أو كبير من أدرك منهم الصلاة».(3)
و غيرها من الأخبار. فاطلاق الروايات شامل للعيلولة السائغة و المحرّمة كالمحبوس ظلما.
ثمّ انّ الظاهر من العيال كلّ من كان نفقته عليه شرعا من الزوجة و الولد و المملوك و الأب و الأمّ الفقيرين و كلّ من ضمّ الى هؤلاء بحيث يقال انّه عياله عرفا، و أمّا غير المذكورين فلايعدّ من عياله عرفا و ان أعطاه مالاً لمعاشه، كطلبةالعلوم الدينيّة الذين يعطيهم المراجع من الأخماس و الزكوات و الصدقات، و كالفقراء الذين يكون معاشهم ممّا أنفق عليهم من المؤسّسات الخيريّة. و كذا كلّ من كان معاشهم على الحكومة الاسلام يّة بنحو من الأنحاء، كطلبة الجامعات و الجنود و المسجونين و غيرهم؛ لأنّه لايقال لهم عرفا عائلة الحكومة و لا أنّ الدولة
معيلهم، و لعلّه الى ذلك أشار صحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج قال:
«سألت أبا الحسن عليه السلام عن رجل ينفق على رجل ليس من عياله الاّ أنّه يتكلّف له نفقته و كسوته، أتكون عليه فطرته؟ قال: لا، انّما تكون فطرته على عياله صدقة دونه. و قال: العيال: الولد و المملوك و الزوجة و أمّ الولد».(1)
و موثّقة اسحاق بن عمّار قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الفطرة - الى أن قال: - و قال: الواجب عليك أن تعطي عن نفسك و أبيك و أمّك و ولدك و امرأتك و خادمك».(2)
قال في المستمسك: «ثمّ انّ الظاهر أنّه يعتبر في العيلولة نحو من التابعيّة و المتبوعيّة، بحيث يعدّ المعال تابعا للمعيل و من متعلّقيه في شؤون معاشه، فلايكفي مجرّد اعطاء المال لشخص، أو اباحته له بمقدار نفقته في صدق كونه عيالاً للمعطي. و لعلّه الى ذلك أشير في صحيح ابن الحجّاج - الى أن قال: - و منه يظهر الوجه في عدم وجوب الفطرة عمّن يدعى للعشاء أو الافطار في الوليمة و ان حضر عند الغروب أو قبله؛ اذ ليس له نحو من التابعيّة بخلاف الضيف النازل في ذلك الوقت، فانّ له ذلك النحو من التابعيّة. و أيضا الضيف يتعهّد به المضيف من جميع جهات المعاش و ليس كذلك المدعوّ، فانّ الداعي انّما يتعهّد بخصوصطعامه و شرابه دون بقيّة الجهات. انتهى».(3)
لا اشكال في وجوب الاخراج عن الضيف كما دلّت عليه صحيحة عمر بن يزيد المتقدّمة، و انّما الكلام في تحديده و بيان المراد من الضيافة المجعولة موضوعا لهذا الحكم.
ففي الجواهر: «عن الشيخ في الخلاف و ابن زهرة في الغنية و السيّد المرتضى في الانتصار: اعتبار الضيافة طول الشهر. و عن المفيد: الاكتفاء بالنصف الأخير. و عن جماعة الاجتزاء بالعشر الأخيرة. و عن الحلّي: الاجتزاء بالليلتين الأخيرتين. و عن العلاّمة: الاجتزاء بالليلة الأخيرة. و عن ابن حمزة و نهاية الشيخ: الاجتزاء بمسمّى الافطار عنده في الشهر. و عن جماعة منهم الشهيد الثاني في المسالك و المحقّق في المعتبر: الاجتزاء بصدق الضيف في جزء من الزمان قبل الهلال. و في محكي المنتهى: اختلف علماؤنا في الضيافة المقتضية لوجوب الفطرة، فقال بعضهم: يشترط ضيافة الشهر كلّه و شرط آخرون ضيافة العشر الأواخر، و اقتصر آخرون على آخر ليلة من الشهر بحيث يهلّ الهلال و هو في ضيافته، و هذا هو الأولى. انتهى ملخّصا».(1)
أقول:
الظاهر أنّ عمدة ما ورد في وجوب الفطرة عن الضيف صحيحة عمر بن يزيد قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يكون عنده الضيف من اخوانه فيحضر يوم الفطر يؤدّي عنه الفطرة؟ فقال: نعم، الفطرة واجبة على
1) - جواهر الكلام 15: 495 و 496.
كلّ من يعول من ذكر أو أنثى، صغير أو كبير، حرّ أو مملوك».(1)
فانّ الظاهر من قول الراوي «الرجل يكون عنده الضيف من اخوانه فيحضر يوم الفطر» أنّ الضيف كان عنده بحيث عدّ من عياله ولو بالانضمام كما تقدّم، فأقلّ المدّة مع ما تقدّم من لزوم استجماع الشرائط عند الهلال و هو وروده قبل هلال شوّال، فحينئذ تجب عنه زكاة فطرته. و عليه لو قدم بعد الهلال لم تجب كما مرّ.
و أمّا صاحب الجواهر فقال بامكان كون قوله عليه السلام «نعم» في الرواية جوابا عن الضيف و يكون ما بعده كلاما مستأنفا، حتّى يكون موضوع حكم الضيف، صرف الضيافة و وجوب فطرته على المضيف من حيث انّه ضيف لا من حيث انّه عياله.
و أجيب بأنّه لو كان الجملة الواقعة بعد «نعم» مستأنفة لكان أحرى أن تصدّر الجملة بواو الاستئناف، و اذ لم تصدّر فظاهرها أنّها في مقام التعليل لقوله عليه السلام «نعم»، و مسوقة لبيان كبرى كلّيّة تنطبق على الصغرى المذكورة في السؤال، و تكون النتيجة أنّ وجوب الاخراج عن الضيف انّما هو لكونه من مصاديق هذه الكلّيّة - أعني وجوب الاخراج عن كلّ من يعول - و لازم ذلك أنّ الضيافة بعنوانها لا موضوعيّة لها.(2)
و اعترض صاحب الجواهر(3)بأنّ الاستدلال لحكم الضيف بالنصوص التي علّق الحكم فيها على العيلولة منوط بكون الضيف مندرجا فيها بقول مطلق. نعم، يصدق العيال مع التقييد في شهر أو نصفه أو ليلة و نحوها الاّ أنّ مدار الحكم، الأوّل لا الثاني.
و أجيب بأنّه اعتراف منه بالصدق الموقّت، و لا ريب أنّ الاعتبار في الاخراج بصدق العيال في خصوص ليلة العيد لا مطلقا، فليس الموضوع الاّ الصدق
الموقّت المتقيّد بهذه الحالة. فيصدق على الضيف أنّه عيال له أو ممّن يعوله في هذه الليلة و ان لم يصدق العيال عليه بقول مطلق، و معه يندرج الضيف في النصوص المذكورة.(1)
ثمّ حيث انّ الظاهر من الصحيحة أنّ المدار في كون فطرة الضيف على المضيف هو العيلولة و صدق كونه معالاً للمضيف، فصدق العيلولة على المدعوّين للدعاء ثمّ الافطار مشكل، فالأصل البراءة.
و قد تقدّم عن المستمسك عدم وجوب الفطرة عمّن يدعى للعشاء أو الافطار في الوليمة و ان حضر عند الغروب أو قبله؛ اذ ليس له نحو من التابعيّة بخلاف الضيف النازل في ذلك الوقت.
و عن الشيخ الأعظم: «انّ المدعوّ الى مكان الداعي ليأكل عنده - الذي يطلق عليه الضيف في عرف العوامّ - قد يشكل فيه الحكم، من جهة صدق كونه ضيفا، و من عدم اندراجه فيمن انضمّ الى العيال؛ اذ المراد الانضمام في العول و هو الانفاق، و صدقه مشكل. انتهى».(2)
و أمّا الأجير المشترط نفقته على المستأجر و ان قال الشيخ مرتضى الأنصاري بأنّه منضمّ الى العيال وفاقا لغير واحد من المعاصرين الاّ أنّ في كونه معالاً للمستأجر فيه اشكال، فعدم وجوب فطرته عليه أقوى، وفاقا للفاضلين و الشهيد في المسالك.
(مسألة 1): اذا ولد له ولد أو ملك مملوكا أو تزوّج بامرأة قبل الغروب من ليلة الفطر أو مقارنا له وجبت الفطرة عنه اذا كان عيالاً له. و كذا غير المذكورين ممّن يكون عيالاً، و ان كان بعده لم تجب. نعم، يستحبّ الاخراج عنه اذا كان ذلك بعده و قبل الزوال من يوم الفطر.
قد تقدّم شرح هذه المسألة آنفا.
(مسألة 2): كلّ من وجبت فطرته على غيره سقطت عن نفسه و ان كان غنيّا و كانت واجبة عليه لو انفرد، و كذا لو كان عيالاً لشخص ثمّ صار وقت الخطاب عيالاً لغيره. و لا فرق في السقوط عن نفسه بين أن يخرج عنه من وجبت عليه أو تركه عصيانا أو نسيانا، لكن الأحوط الاخراج عن نفسه حينئذ. نعم، لو كان المعيل فقيرا و العيال غنيّا فالأقوى وجوبها على نفسه و لو تكلّف المعيل الفقير بالاخراج على الأقوى، و ان كان السقوط حينئذ لايخلو عن وجه.
الشرح:
كلّ من وجبت فطرته على غيره سقطت عن نفسه و ان كان غنيّا و كانت واجبة عليه لو انفرد. و ذلك لصحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«كلّ من ضممت الى عيالك من حرّ أو مملوك فعليك أن تؤدّي الفطرة عنه. الحديث».(1)
و موثّقة اسحاق بن عمّار قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الفطرة - الى أن قال: - و قال: الواجب عليكأن تعطي عن نفسك و أبيك و أمّك و ولدك و امرأتك و خادمك».(2)
و صحيحة عمر بن يزيد قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يكون عنده الضيف من اخوانه فيحضر يوم العيد، يؤدّي عنه الفطرة؟ فقال: نعم، الفطرة واجبة على كلّ من يعول من ذكر أو أنثى، صغير أو كبير، حرّ أو مملوك».(1)
و خبر محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«سألته عمّا يجب على الرجل في أهله من صدقة الفطرة؟ قال: تصدّق عن جميع من تعول من حرّ أو عبد أو صغير أو كبير من أدرك منهم الصلاة».(2)
بتقريب أنّ التكليف بأداء الفطرة واحد و هو على المعيل فقط، و اطلاق هذه الروايات شامل لمن كان غنيّا و كانت واجبة عليه لو انفرد.
قال في الشرائع: «كلّ من وجبت زكاته على غيره سقطت عنه و ان كان لو انفرد وجبت عليه، كالضيف الغني و الزوجة. انتهى».(3)
و قال الشيخ مرتضى الأنصاري: «من وجبت فطرته على غيره بالعيلولة أو وجوب النفقة سقط عنه، بلا خلاف ظاهرا الاّ عن الحلّي من وجوب الفطرة على الضيف و المضيّف، و ردّ بقوله عليه السلام في صحيحة عمر بن يزيد المتقدّمة: «نعم» في جواب السائل عن الضيف حيث قال: «يؤدّي عنه الفطرة»، فانّه ظاهر في وحدة الفطرة، و كون المضيّف كالمتحمّل لها عن الضيف. انتهى ملخّصا».(4)
فرعان:
لو لم يخرج المعيل زكاة الفطرة عن العيال عصيانا لم تجب على المعال زكاة فطرته، و ذلك لوجوه:
الأوّل: اطلاق قوله عليه السلام في صحيحة عمر بن يزيد:
«الفطرة واجبة على كلّ من يعول من ذكر أو أنثى، صغير أو كبير، حرّ أو مملوك».(1)
و الظاهر من هذه الصحيحة أنّ زكاة الفطرة واجبة على المعيل بالأصالة، لا أنّها واجبة على المعال، الاّ أنّ المعيل نائب عنه في أدائها، و لذلك ورد في صحيحة جميل بن درّاج عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«لابأس بأن يعطي الرجل عن عياله و هم غيّب عنه، و يأمرهم فيعطون عنه و هو غائب عنهم».(2)
فبهذه الصحيحة يظهر الفرق بين الأصالة و النيابة.
الثاني: الدليل على كون وجوب الزكاة على المعيل أوّلاً و بالذات و أصالة،مضافا الى ظاهر الروايات المتقدّمة، هو وجوبها على المعيل عن كلّ من كان عائلته من الصغير و الكبير و الحرّ و المملوك و العاقل و المجنون، و من المعلوم أنّ الزكاة لاتجب على غير البالغ و لا على المملوك و لا على المجنون، و معنى النيابة اعطاء النائب ما يجب على المنوب عنه و الفرض عدم وجوبها على الصغير و المملوك و المجنون و الكافر.
الثالث: جواز اعطاء المعيل ما يجب عليه من زكاة عياله السادة الفقراء لو كان هاشميّا و ان كان عياله غير هاشميّ و عدم جواز اعطائه لهم لو لم يكن هاشميّا و ان كان عياله هاشميّا.
ان قلت: انّ مفاد الأدلّة أنّ المعيل مكلّف بدفع الفطرة الثابتة على المعال عنه، فالتكليف يكون بالاسقاط و افراغ ذمّة العيال، قلت: انّه خلاف ظاهر الروايات، و لاسيّما بملاحظة عدم اشتغال الذمّة في جملة من أفراد المعال كالصبي و العبد المصرّح بهما في النصوص.
ان قلت: انّ مقتضى الجمع بين دليل وجوب الفطرة على المعيل و دليل وجوب الفطرة على كلّ مكلّف جامع للشرائط، هو الالتزام بالوجوب الكفائي الذي نتيجته أنّ المعيل لو أدّى سقط عن المعال عنه، و الاّ وجب على المعال نفسه، قلت: هذا أيضا خلاف ظاهر قوله عليه السلام في صحيحة عمر بن يزيد: «الفطرة واجبة على كلّ من يعول»، فانّ اطلاقه يقتضي كون وجوبها على المعيل عينيّا، فانّ هذه الصحيحة مخصّصة لما دلّ على وجوب الفطرة على كلّ مكلّف جامع للشرائط.
لو لم يخرج المعيل عن المعال زكاة فطرته نسيانا أو غفلة أو جاهلاً بالجهل المركّب المعتقد للخلاف، يجب على المعال نفسه اخراج زكاة فطرته، و ذلك لأنّه في حال النسيان و الغفلة و الجهل المعذّر مرفوع عنه التكليف، فاذا كان المعيل غير مكلّف على أداء الفطرة فصارت العمومات سالمة عن المخصّص. و هكذا يكون الحال فيما لو كان المعيل فقيرا و المعال غنيّا، حتّى لو تكلّف المعيل الفقير عن عياله الغني فبراءته عنها مشكلة.
قال الشيخ مرتضى الأنصاري: «لو كان المعيل معسرا و المعال موسرا فالأقوى وجوب الفطرة على المعال؛ لدلالة العمومات السليمة عن المخصّص على الوجوب؛ خلافا للشيخ في المبسوط فأسقطها عن الزوجة الموسرة و قوّاه الفخر في الايضاح لسقوطها عن الزوج بالاعسار و عدم الدليل على تعلّقها بالزوجة. و فيه ما تقدّم آنفا. انتهى ملخّصا».(1)
(مسألة 3): تجب الفطرة عن الزوجة - سواء كانت دائمة أو متعة - مع العيلولة لهما، من غير فرق بين وجوب النفقة عليه أو لا لنشوز أو نحوه. و كذا المملوك و ان لم تجب نفقته عليه. و أمّا مع عدم العيلولة فالأقوى عدم الوجوب عليه و ان كانوا من واجبي النفقة عليه و ان كان الأحوط الاخراج، خصوصا مع وجوب نفقتهم عليه، و حينئذ ففطرة الزوجة على نفسها اذا كانت غنيّة و لم يعلها الزوج و لا غير الزوج أيضا، و أمّا ان عالها أو عال المملوك غير الزوج و المولى فالفطرة عليه مع غناه.
الشرح:
قال في الشرائع: «الزوجة و المملوك تجب الزكاة عنهما و لو لم يكونا في عياله اذا لم يعلهما غيره. و قيل: لاتجب الاّ مع العيلولة، و فيه تردّد. انتهى».(2)
و في المدارك: «أجمع العلماء كافّة على وجوب اخراج الفطرة عن الزوجة و المملوك في الجملة، و صرّح الأكثر بأنّ فطرة الزوجة انّما تجب اذا كانت واجبة النفقة دون الناشز و الصغيرة و غير المدخول بها اذا كانت غير ممكّنة، و هو كذلك، بل لابدّ مع ذلك من حصول العيلولة؛ لأنّ الحكم بالوجوب وقع معلّقا على
العيلولة فينتفي بانتفائها. و قال ابن ادريس: «يجب اخراج الفطرة عن الزوجات مطلقا؛ للاجماع و العموم» و ضعفه ظاهر؛ لمنع الاجماع و العموم. و في المعتبر: «ليس تجب فطرة الاّ عمّن تجب مؤونته أو يتبرّع بها عليه». و أمّا المملوك فقد قطع الأصحاب بوجوب فطرته على المولى مطلقا، و مقتضى الروايات أنّ الفطرة تابعة للعيلولة نفسها لا لوجوبها. انتهى ملخّصا».(1)
و الظاهر من الروايات أنّ وجوب الفطرة على الزوج عن الزوجة و على المالك عن المملوك دائر مدار العيلولة، فان كان الزوج و المالك يعيلان الزوجة و المملوك و كانا تحت عيلولتهما قبل الهلال ففطرتهما عليهما، و الاّ لو كانا معالين لآخر في ذلك الوقت ففطرتهما على ذلك الغير، و كذا لو كان نفقتهما على أنفسهما ففطرتهما عليهما. و الدليل على ذلك قوله عليه السلام في صحيحة عمر بن يزيد:
«الفطرة واجبة على كلّ من يعول من ذكر أو أنثى، صغير أو كبير، حرّ أو مملوك».(2)
ان قلت: اطلاق قوله عليه السلام في موثّقة اسحاق بن عمّار «الواجب عليك أن تعطي عن نفسك و أبيك و أمّك و ولدك و امرأتك و خادمك» يقتضي أن يكون فطرة الزوجة على الزوج من حيث هي زوجته. و كذا اطلاق صحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج قال:
«سألت أبا الحسن الرضا عليه السلام عن رجل ينفق على رجل ليس من عياله الاّ أنّه يتكلّف له نفقته و كسوته، أتكون عليه فطرته؟ قال: لا، انّما تكون فطرته على عياله صدقة دونه. و قال: العيال الولد و المملوك و الزوجة و أمّ الولد».(3)
يقتضي أن يكون فطرة المملوك على المالك من حيث انّه مملوكه لا من جهة العيلولة. قلت: أمّا الموثّقة فبما أنّها تشتمل على الوالد و الولد يمتنع الأخذ باطلاقها؛ لأنّ لازم ذلك وجوب فطرة الأب على الولد من حيث انّه أب، و وجوب فطرة الولد على الأب من حيث انّه ولد، و وجوب فطرتهما عليه من حيث انّهما أبوه و ولده و ان كانا غنيّين و خارجين عن عيلولته فبطلانه ظاهر؛ لمخالفته للنصوص الصحيحة الناطقة بأنّ مناط وجوب فطرة الولد على الأب و بالعكس هو العيلولة، و كذا مخالفته للفتوى. مضافا الى أنّ لازم ذلك أن يجب على كلّ من الوالد و الولد اخراج الفطرة عن الآخر كما يجب عن نفسه؛ لذكرهما معا مع أنّها ليست الاّ فطرة واحدة. فليست الموثّقة الاّ بصدد بيان مصاديق من يعوله الانسان من غير موضوعيّة لشيء من هذه العناوين بوجه. و أمّا الصحيحة فانّها في مقام بيان المائز بين من يجب الانفاق عليه - و هو الزوجة و المملوك و نحوهما - و من لايجب و هو الأجنبي الذي يتكلّف له نفقته من غير أن يكون عيالاً له. و لاتكونالصحيحة في مقام تفسير العيال تعبّدا كي تدلّ على أنّ الزوجة بعنوانها و المملوك بعنوانه تجب فطرتهما على الزوج والمالك و ان لم يعلهما.
(مسألة 4): لو أنفق الولي على الصغير أو المجنون من مالهما سقطت الفطرة عنه و عنهما.
لفقد العيلولة عنه و فقد البلوغ أو العقل عنهما.
(مسألة 5): يجوز التوكيل في دفع الزكاة الى الفقير من مال الموكّل و يتولّى الوكيل النيّة، و الأحوط نيّة الموكّل أيضا على حسب ما مرّ في زكاة المال. و يجوز توكيله في الايصال و يكون المتولّي حينئذ هو نفسه، و يجوز الاذن في الدفع عنه أيضا لا بعنوان الوكالة، و حكمه حكمها، بل يجوز توكيله أو اذنه في الدفع من ماله بقصد الرجوع عليه بالمثل أو القيمة، كما يجوز التبرّع به من ماله باذنه أو لا باذنه، و ان كان الأحوط عدم الاكتفاء في هذه و سابقه.
قد تقدّم الكلام حول هذه المسألة مستقصى في المسألة الأولى من فصل أنّ الزكاة من العبادات.
و أمّا ما أفاده رحمه الله في ذيل كلامه من جواز التبرّع بالدفع من ماله ولو بدون اذنه ففيه اشكال؛ لأنّ الزكاة من العبادات و تحتاج الى قصد القربة و امتثال الأمر و هو لايحصل الاّ من عند المكلّف، سواء أدّاها بنفسه أو بغيره باذنه أو بتوكيله، و لو لم يكن هناك اذن منه فأين القصد؟
(مسألة 6): من وجب عليه فطرة غيره لايجزيه اخراج ذلك الغير عن نفسه، سواء كان غنيّا أو فقيرا و تكلّف بالاخراج، بل لاتكون حينئذ فطرة، حيث انّه غير مكلّف بها. نعم، لو قصد التبرّع بها عنه أجزأه على الأقوى و ان كان الأحوط العدم.
الشرح:
لما عرفت من أنّ الخطاب ورد على المعيل دون العيال، فانّه مأمور بأداء الزكاة دون العيال، و لو أدّاها عن نفسه أو عنه بدون اذنه لم تبرأ ذمّة المعيل؛ لأنّ الزكاةعبادة و تحتاج الى قصد القربة و ليست صرف الدين الذي تبرأ ذمّة المديون بأدائه بأيّ نحو كان و ان لم يلتفت.
(مسألة 7): تحرم فطرة غير الهاشمي على الهاشمي كما في زكاة المال، و تحلّ فطرة الهاشمي على الصنفين. و المدار على المعيل لا العيال، فلو كان العيال هاشميّا دون المعيل لم يجز دفع فطرته الى الهاشمي، و في العكس يجوز.
الشرح:
قد تقدّم في المسألة العشرين من فصل صفات المستحقّين حرمة زكاة غير الهاشمي على الهاشمي و حلّيّة زكاة الهاشمي على الصنفين. و الروايات الواردة و ان كان موردها زكاة المال الاّ أنّ بعضها مطلق، كصحيحة الفضلاء عن أبي جعفر و أبي عبداللّه عليهماالسلام قالا:
«قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: انّ الصدقة أوساخ أيدي الناس، و انّ اللّه قد حرّم عليّ منها و من غيرها ما قد حرّمه، و انّ الصدقة لاتحلّ لبني عبدالمطّلب. الحديث».(1)
و صحيحة عبداللّه بن سنان قال:
«لاتحلّ الصدقة لولد العبّاس و لا لنظرائهم من بني هاشم».(2)
فاطلاقها شامل لزكاة الفطرة و لاسيّما نظرا الى ما في بعض النصوص من أنّ زكاة الفطرة نزلت في القرآن قبل نزول زكاة المال. و بذلك يدفع ما في الجواهرمن قوله: «لولا ما يظهر من الاجماع على اعتبار اتّحاد مصرف زكاة المال و زكاة الفطرة بالنسبة الى ذلك (أي حرمة زكاة غير الهاشمي على الهاشمي) لأمكن القول بالجواز في زكاة الفطرة؛ اقتصارا على المنساق من هذه النصوص من زكاة المال،
خصوصا ما ذكر فيه صفة التطهير للمال الشاهد على كون المراد من غيره ذلك أيضا».(1)
و ما في ذيل كلامه اشارة الى ما نقله قبل ذلك من خبر الشحّام عن الصادق عليه السلام :
«سألته عن الصدقة التي حرّمت عليهم، فقال: هي الصدقة المفروضة المطهّرة للمال».(2)
و فيه: انّ الموجود في الوسائل هكذا:
«سألته عن الصدقة التي حرّمت عليهم، فقال: هي الزكاة المفروضة، و لم يحرّم علينا صدقة بعضنا على بعض».(3)
فهي خالية عن التقييد بالمطهّر للمال كي تختصّ بزكاة المال، مع أنّها ضعيفة السند بمفضّل بن صالح أبي جميلة.
ثمّ انّه بعد أن اتّضح حرمة زكاة فطرة غير الهاشمي على الهاشمي كزكاة المال، نقول: انّ المدار على المعيل لا العيال، و ذلك لما قلنا: انّ المكلّف بأداء الزكاة المعيل لا العيال، فان كان المعيل هاشميّا يجوز أداء زكاة فطرة نفسه و عياله الى الهاشمي و ان كان عياله غير هاشميّ. و أمّا لو كان المعيل غير هاشميّ فلايجوز أداؤها الى الهاشمي و ان كان عياله هاشميّا.
و أمّا صاحب الحدائق فانّه جعل المدار على العيال، فقال: «يبقى الكلام هنا في شيء لم أقف على من تعرّض للتنبيه عليه، و هو أنّه لو كانت الفطرة واجبة على عاميّ لعيلولته جماعة من السادة أو سيّد لعيلولته جماعة من غير السادة فهل الاعتبار هنا في العيال أو المعال، و الذي يقرب عندي هو أنّ الاعتبار بالمعال؛ لأنّه
هو الذي تضاف اليه الزكاة، فيقال: فطرة فلان، و ان وجب اخراجها عنه على غيره لمكان العيلولة، و أضيفت اليه أيضا من هذه الجهة و الاّ فهي أوّلاً و بالذات انّما تضاف الى المعال. انتهى ملخّصا».(1)
و فيه: انّ وجوب الزكاة و التكليف بأدائها وارد على المعيل أوّلاً و بالذات و يكون وجوبه عليه وجوبا عينيّا كما تقدّم. و أمّا اضافة الفطرة الى العيال فيقال: فطرة فلان، فليست موضوعا للحكم، فانّها نظير اضافة الزكاة الى المال أو التجارة أو نحوهما.
و أمّا ما في المستمسك من قوله بوجوبها عليهما على نحو الوجوب الكفائي فقال هنا: «اذا كان أحدهما هاشميّا دون الآخر يصدق أنّها فطرة الهاشمي، كما يصدق أنّها فطرة غير الهاشمي، فلا مجال للرجوع الى الدليلين معا، فيكون المرجع اطلاقات الجواز. اللّهمّ الاّ أن يقال: التعليل بأنّ الزكاة أوساخ أيدي الناس، يناسب كون المدار على المعال به؛ لأنّها فداء عنه، لا عن المعيل. انتهى».(2)
و فيه أوّلاً: قد تقدّم الاشكال في مبناه و قلنا بأنّ زكاة الفطرة على المعيل واجب عيني.
و ثانيا: على فرض كونها كذلك، فمعناه أنّه تسقط بأداء أيّهما بادر في الأداء و هو المدار في ذلك، فان كان المبادر هاشميّا سواء كان المعيل أو المعال فيجوزاعطاؤها الى الهاشمي و ان كان غيره فلايجوز.
(مسألة 8): لا فرق في العيال بين أن يكون حاضرا عنده و في منزله أو منزل آخر أو غائبا عنه، فلو كان له مملوك في بلد آخر لكنّه ينفق على نفسه من مال المولى يجب عليه زكاته. و كذا لو كانت له زوجة أو ولد كذلك، كما أنّه اذا سافر عن عياله و ترك عندهم ما ينفقون به على أنفسهم يجب عليه زكاتهم. نعم، لو كان الغائب في نفقة غيره لم يكن عليه، سواء كان الغير موسرا و مؤدّيا أو لا، و ان كان الأحوط في الزوجة و المملوك اخراجه عنهما مع فقر العائل أو عدم أدائه. و كذا لاتجب عليه اذا لم يكونوا في عياله و لا في عيال غيره، ولكن الأحوط في المملوك و الزوجة ما ذكرنا من الاخراج عنهما حينئذ أيضا.
الشرح:
الدليل على عدم الفرق بين كون العيال حاضرا عنده أو غائبا عنه و كذا عدم الفرق بين كونه حاضرا عند عياله أو غائبا عنه اطلاق الروايات المتقدّمة في وجوب زكاة فطرة العيال على المعيل، مع صدق العيال في الصورتين. مضافا الى خصوص صحيحة جميل بن درّاج عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«لابأس بأن يعطي الرجل عن عياله و هم غيّب عنه، و يأمرهم فيعطون عنه و هو غائب عنهم».(1)
و قد تقدّم أنّ المدار في وجوب زكاة الزوجة على الزوج و المملوك على مالكه هو العيلولة و كونهما عيالاً للزوج و المالك، فلو كان المملوك و الزوجة عند الهلال عيالاً لغير الزوج و المالك لم يجب عليهما زكاتهما، سواء كان الغير موسرا و مؤدّيا أو لا. و كذا لاتجب زكاتهما اذا لم يكونا في عياله و لا في عيال غيره. و أمّا احتياط المصنّف في هاتين الصورتين فلذهاب جمع من الأصحاب الى وجوبزكاة الزوجة على الزوج و زكاة المملوك على مالكه مطلقا؛ لكون المدار في
1) - وسائل الشيعة 9: 366 / الباب 19 من أبواب زكاة الفطرة / الحديث 1.
وجوبها عندهم هو الزوجيّة و المملوكيّة، و قد تقدّم الاشكال فيه. و ممّا ذكرنا اتّضح شرح المسألة الآتية.
(مسألة 9): الغائب عن عياله الذين في نفقته يجوز أن يخرج عنهم، بل يجب، الاّ اذا وكّلهم أن يخرجوا من ماله الذي تركه عندهم، أو أذن لهم في التبرّع عنه.
تقدّم شرح هذه المسألة في المسألة السابقة، و اتّضح ممّا مرّ في المسائل الماضية.
(مسألة 10): المملوك المشترك بين مالكين زكاته عليهما بالنسبة اذا كان في عيالهما معا و كانا موسرين، و مع اعسار أحدهما تسقط و تبقى حصّة الآخر، و مع اعسارهما تسقط عنهما، و ان كان في عيال أحدهما وجبت عليه مع يساره و تسقط عنه و عن الآخر مع اعساره و ان كان الآخر موسرا، لكن الأحوط اخراج حصّته. و ان لم يكن في عيال واحد منهما سقطت عنهما أيضا، ولكن الأحوط الاخراج مع اليسار كما عرفت مرارا. و لا فرق - في كونها عليهما مع العيلولة لهما - بين صورة المهاياة و غيرها و ان كان حصول وقت الوجوب في نوبة أحدهما، فانّ المناط العيلولة المشتركة بينهما بالفرض. و لايعتبر اتّفاق جنس المخرج من الشريكين، فلأحدهما اخراج نصف صاع من شعير و الآخر من حنطة، لكنّ الأولى بل الأحوط الاتّفاق.
الشرح:
قال في الشرائع: «اذا كان العبد بين شريكين فالزكاة عليهما، فان عاله أحدهما
فالزكاة على العائل. انتهى».(1)
و في المدارك: «ما اختاره المصنّف رحمه الله من أنّ العبد المشترك تجب فطرته على مواليه بالحصص، الاّ أن يختصّ أحدهم باعالته فتجب عليه خاصّة، قول أكثر الأصحاب. و قال ابن بابويه: «لا فطرة عليهم الاّ أن يكمل لكلّ واحد منهم رأس تامّ»، استنادا الى رواية ضعيفة السند، الاّ أنّه لايبعد المصير الى ما تضمّنته؛ لمطابقتها لمقتضى الأصل و سلام تها من المعارض. انتهى ملخّصا».(2)
اذا كان المملوك المشترك بين مالكين عيالاً لهما و كانا موسرين، فالزكاة عليهما بالنسبة، و ذلك مضافا الى ذهاب المشهور، اطلاق قوله عليه السلام : «الفطرة واجبة على كلّ من يعول»(3)الشامل لصورتي وحدة المعيل و كثرته، و متى شمل ما اذا تعدّد المعيل تقسّط الزكاة بينهم.
و قد يستدلّ بمكاتبة محمّد بن القاسم بن الفضيل الى أبي الحسن الرضا عليه السلام يسأله عن المملوك يموت عنه مولاه و هو عنه غائب في بلدة أخرى و في يده مال لمولاه و يحضر الفطر:
«أيزكّي عن نفسه من مال مولاه و قد صار لليتامى؟ قال: نعم».(4)
الاّ أنّ فيه أوّلاً: انّها ضعيفة السند.
و ثانيا: ان كان وقع موت المولى بعد الهلال فتكون أجنبيّة عن محلّ الكلام؛ لأنّه كان مملوكا لمولاه و هو واحد و لم يكن مشتركا بين أكثر من واحد، و ان كانقد وقع موته قبل الهلال فحينئذ و ان كان يرتبط بما نحن فيه، الاّ أنّ الاشكال في عدم جواز تصرّفه في مال مواليه اليتامى بدون اذنهم. اللّهمّ الاّ أن يقال انّ هذا اذن
من الشارع الذي هو وليّ الأولياء. و بعد هذين الاحتمالين لايبقى محلّ للاستدلال بها.
و قد يقال: لو تمّ الاطلاق تعيّن الخروج عنه بما رواه الصدوق باسناده عن محمّد بن مسعود العيّاشي عن محمّد بن نصير عن سهل بن زياد عن منصور بن العبّاس عن اسماعيل بن سهل عن حمّاد بن عيسى عن حريز عن زرارة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قلت: عبد بين قوم، عليهم فيه زكاة الفطرة؟ قال: اذا كان لكلّ انسان رأس فعليه أن يؤدّي عنه فطرته، و اذا كان عدّة العبيد و عدّة الموالي سواءً و كانوا جميعا فيهم سواءً، أدّوا زكاتهم لكلّ واحد منهم على قدر حصّته، و ان كان لكلّ انسان منهم أقلّ من رأس فلا شيء عليهم».(1)
و فيه: انّها ضعيفة السند؛ لاشتمالها على عدّة من الضعفاء و المجاهيل كسهل بن زياد و منصور بن العبّاس و اسماعيل بن سهل، و لم تجبر بعمل، و اعتماد الصدوق عليها لايعارض اعراض المشهور.
ثمّ انّه ان كان أحدهما موسرا دون الآخر وجبت على الموسر دون المعسر، و ذلك لاقتضاء التقسيط الدالّ عليه اطلاق قوله عليه السلام «الفطرة واجبة على كلّ من يعول» كما تقدّم، و الفرض أنّ العبد عيال لهما الاّ أنّ أحدهما فاقد لشرط الوجوب فيسقط عنه و الآخر واجد له فعليه الأداء.
1) - وسائل الشيعة 9: 365 / الباب 18 من أبواب زكاة الفطرة / الحديث 1.
فرعان:
لو قاسم المالكان في خدمة العبد بأن يكون شهرا - مثلاً - عند هذا و شهرا عند الآخر أو أقلّ أو أكثر حسبما اتّفقا، فقد ذهب المصنّف الى عدم الفرق في كون الزكاة عليهما مع العيلولة لهما بين صورة المهاياة و غيرها.
و فيه اشكال؛ لما تقدّم من أنّ المدار في وجوب الزكاة على المعيل هو العيلولة عند هلال شوّال بلا فرق بين كون العيال ولده أو أباه أو زوجته أو مملوكه، فعليه يجب زكاة الفطرة على المالك الذي كان العبد في خدمته عند الهلال دون المالك الآخر.
و ما في المتن من «أنّ المناط العيلولة المشتركة بينهما في الفرض» ففيه - كما في المستمسك(1)- انّه مع المهاياة لا اشتراك فيها، بل هي نظير القسمة التي مرجعها الى تمييز الحقوق المشتركة و تعيينها في المعيّن.
و أمّا صاحب الجواهر فقال: «انّ ذلك لايقتضي اختصاصه بوجوب الفطرة، ضرورة عدم صدق اطلاق أنّه من عياله و ان صدق عليه أنّه منهم مقيّدا بذلك الوقت، و المدار على الأوّل لا مطلق العيال ولو بالتقييد. انتهى».(2)
و فيه: انّه قد تقدّم في الضيف و ما استشكل هناك أيضا بمثل ما نحن فيه، و قلنا بأنّ الظاهر من الروايات أنّ المدار في العيلولة عند الهلال و لو كان قبله عياللشخص ثمّ صار عيالاً لآخر عند الهلال فالزكاة على هذا الأخير.
يجوز لأحد الشريكين أن يخرج نصف صاع من شعير و للآخر نصف صاع من حنطة، و ذلك لاطلاق الدليل، فاذا قلنا بأنّ قوله عليه السلام «الفطرة واجبة على كلّ من يعول» شامل لما اذا اتّحد المعيل أو تعدّد، و على فرض الشمول يقتضي التقسيط فكيفيّة التقسيط أيضا مطلقة. و في الجواهر: «عدم اعتبار اتّحاد الجنس في المخرج لاطلاق الأدلّة».(1)
و استشكل في المستمسك ب- «أنّه انّما يتمّ لو جاز التلفيق مع اتّحاد المعيل. أمّا مع عدمه فلا فرق بينه و بين المقام؛ لأنّ الاتّفاق على هذا يكون شرطا في الفطرة مطلقا».(2)
و أجيب(3)باختلاف الملاك، فانّ الاتّحاد انّما كان معتبرا في المعيل الواحد؛ لأجل عدم الدليل على كفاية التلفيق، لا لقيام دليل عليه بالخصوص؛ نظرا الى أنّ مفاد الأدلّة لزوم أداء صاع من حنطة أو شعير أو تمر أو زبيب و نحو ذلك، فلابدّ من صدق صاع واحد من هذه العناوين على ما يؤدّى خارجا، و الملفّق ليس بصاع من شيء منها، فيكفي في عدم الجواز اطلاق الدليل. و أمّا في المقامفمقتضى اطلاق الدليل التوزيع و لايجب على كلّ منهما الاّ نصف الصاع، و لا دليل على لزوم اتّحاده مع ما يدفعه الآخر، و مقتضى الأصل البراءة عنه.
(مسألة 11): اذا كان شخص في عيال اثنين بأن عالاه معا فالحال كما مرّ في المملوك بين شريكين، الاّ في مسألة الاحتياط المذكور فيه. نعم، الاحتياط بالاتّفاق في جنس المخرج جارٍ هنا أيضا، و ربّما يقال بالسقوط عنهما، و قد يقال بالوجوب عليهما كفاية، و الأظهر ما ذكرناه.
الشرح:
اذا كان شخص في عيال اثنين بأن عالاه معا فالحال كما مرّ في المملوك بين شريكين، و ذلك لاطلاق قوله عليه السلام : «الفطرة واجبة على كلّ من يعول» فهو شامل لما اذا تعدّد المعيل أيضا بلا فرق بين كون العيال المشترك عبدا أو حرّا.
ثمّ انّ الاحتياط الذي أشار اليه المصنّف كان في موردين:
أحدهما ما اذا عال العبد أحد المالكين و هو معسر، فذكر أنّ الأحوط اخراج المالك الآخر حصّته اذا كان موسرا و ان لم يكن معيلاً؛ لاحتمال كفاية مجرّد الملكيّة في وجوب الاخراج.
الثاني ما اذا لم يكن في عيال واحد منهما، فذكر أنّ الأحوط حينئذ اخراج المالك مع يساره، لعين ما ذكر.
و هذا الاحتياط لايجري هنا كما استثناه المصنّف؛ لأنّ الموجب له هو الملكيّة المنتفية في محلّ الكلام. و استُشكل على الماتن(1)بأنّه لا معنى لهذا الاستثناء هنا؛ لخروجه عن موضوع هذه المسألة، فانّ الموضوع في تلك المسألة هو المملوك المشترك بين مالكين، و حيث كان قول في وجوب الفطرة على المالك مطلقا لأنّه عليه من جهة كونه مملوكا فاحتاط للخروج عن الخلاف، و الموضوع في هذهالمسألة الحرّ الذي كان في عيال اثنين، و فيه وجه.
1) - مستند العروة 24: 416.
و أمّا احتمال السقوط عنهما بدعوى ظهور الأدلّة في العيلولة المختصّة، فقد عرفت ضعفه و أنّه خلاف اطلاق الأدلّة الشاملة لصورتي وحدة المعيل و تعدّده.
و في المستمسك في ذيل كلام المصنّف «و قد يقال بالوجوب عليهما كفاية» قال: «بدعوى كون المعيل ملحوظا بنحو الطبيعة السارية فيكون كلّ واحد موضوعا للحكم، و لأجل أنّ الفطرة واحدة لاتقبل التعدّد يكون الوجوب الوضعي كفائيّا كما في الأيدي المتعاقبة على مال الغير، فانّ كلّ واحد من ذوي اليد ضامن لذلك المال، و بأداء واحد تفرغ ذمّة الجميع عنه و ان جاز الرجوع من السابق على اللاحق بمناط آخر. لكنّ الظاهر كونه ملحوظا بنحو صرف الوجود، كما هو مقتضى اطلاقه، فينطبق على الفردين كما ينطبق على الفرد الواحد. و مقتضاه التوزيع، فيكون هنا اشتغال واحد لمجموع الذمم الذي لايعقل فيه الاّ التوزيع، كما لو أتلف جماعة مال الغير. انتهى».(1)
و قد عرفت بأنّ اطلاق قوله عليه السلام في صحيحة عمر بن يزيد «الفطرة واجبة على كلّ من يعول» يقتضي كون وجوبها على المعيل بالوجوب العيني، فانّ هذه الصحيحة مخصّصة لما دلّ على وجوب الفطرة على كلّ مكلّف جامع للشرائط. و تقدّم أيضا بأنّ اطلاق الصحيحة كما هو شامل لما اذا كان المعيل متّحدا فهو شامل أيضا للمعيل المتعدّد، فمقتضاه التقسيط.
ثمّ انّ المعيل مكلّف باخراج الزكاة، فان كان واحدا فهو مأمور باخراج صاع، و ان كان متعدّدا فالأمر عليهم بالتقسيط، و لو أدّى أحدهما صاعا لم يسقط عن الآخر الاّ أن يكون مأذونا من قبله في أداء سهمه.
1) - مستمسك العروة 9: 408 و 409.
(مسألة 12): لا اشكال في وجوب فطرة الرضيع على أبيه ان كان هو المنفق على مرضعته، سواء كانت أمّا له أو أجنبيّة، و ان كان المنفق غيره فعليه، و ان كانت النفقة من ماله فلاتجب على أحد. و أمّا الجنين فلا فطرة له الاّ اذا تولّد قبل الغروب. نعم، يستحبّ اخراجها عنه اذا تولّد بعده الى ما قبل الزوال كما مرّ.
الشرح:
من كان له ولد رضيع فتارة يرتضع من لبن أمّه أو أجنبيّة، و أخرى يتغذّى من حليب جافّ. فعلى الأولى ففطرته على من أنفق على مرضعته، سواء كان أباه أو غيره، و على الثانية ففطرته على من يشتري غذاءه، سواء كان أباه أو غيره.
و أمّا الجنين فقد تقدّم أنّه لا فطرة له الاّ اذا تولّد قبل الغروب. نعم، يستحبّ اخراجها عنه اذا تولّد بعده الى ما قبل الزوال.
(مسألة 13): الظاهر عدم اشتراط كون الانفاق من المال الحلال. فلو أنفق على عياله من المال الحرام من غصب أو نحوه وجب عليه زكاتهم.
الشرح:
الدليل على عدم اشتراط كون الانفاق من المال الحلال اطلاق قوله عليه السلام في صحيحة عمر بن يزيد «الفطرة واجبة على كلّ من يعول»، فانّه بعد صدق العيلولة لم يفرق بين كون انفاقه على عياله من المال الحلال أو الحرام. نعم، لو سرق و أنفق من المال المسروق على عياله فذمّته مشغولة بالمثل أو القيمة، كما لو علم عياله ذلك لم يجز له التصرّف فيه الاّ اذا كان مضطرّا فيجوز كأكل الميتة لسدّ الرمق.
(مسألة 14): الظاهر عدم اشتراط صرف عين ما أنفقه أو قيمته بعد صدق العيلولة، فلو أعطى زوجته نفقتها و صرفت غيرها في مصارفها وجب عليه زكاتها، و كذا في غيرها.
الشرح:
تقدّم أنّ المدار في وجوب الزكاة على شخص ينفق من ماله، عن المنفق عليه صدق كونه عيالاً له. و الظاهر أنّه لو أعطى زوجته نفقتها و صرفت غيرها في مصارفها صدق عليها أنّها عائلته فتجب عليه زكاتها.
(مسألة 15): لو ملّك شخصا مالاً هبة أو صلحا أو هديّة و هو أنفقه على نفسه لايجب عليه زكاته؛ لأنّه لايصير عيالاً له بمجرّد ذلك. نعم، لو كان من عياله عرفا و وهبه مثلاً لينفقه على نفسه فالظاهر الوجوب.
الشرح:
الظاهر أنّ التمليك بعنوان الهبة أو الهديّة أو الصلح لايجعل الموهوب له و نحوه عيالاً للمملّك، و المدار صدق كونه عيالاً له كمن كان نفقته واجبة عليه مثل زوجته و ولده أو غيرهما. فلو ملّك ولده - مثلاً - مالاً هبة لينفقه على نفسه يجب عليه زكاة فطرته. نعم، يمكن أن لايكون ممّن تجب عليه نفقته ولكن باعطائه مالاً بعنوان الهبة و نحوها يصدق أنّه عائلته فحينئذ تجب عليه زكاة فطرته، فتأمّل.
(مسألة 16): لو استأجر شخصا و اشترط في ضمن العقد أن تكون نفقته عليه لايبعد وجوب اخراج فطرته. نعم، لو اشترط عليه مقدار نفقته فيعطيه دراهممثلاً ينفق بها على نفسه لم تجب عليه، و المناط الصدق العرفي في عدّه من عياله و عدمه.
الشرح:
لو استأجر شخصا و اشترط في ضمن العقد أن تكون نفقته عليه، فان استأجره لخدمة أهله بحيث يعدّ من عياله ففطرته عليه. و لو اشترط عليه مقدار نفقته فيعطيه عدّة دراهم مثلاً ينفق بها على نفسه لم تجب عليه؛ لعدم صدق كونه عيالاً له و ان كان استأجره لخدمة أهله.
(مسألة 17): اذا نزل عليه نازل قهرا عليه و من غير رضاه و صار ضيفا عنده مدّة، هل تجب عليه فطرته أم لا؟ اشكال. و كذا لو عال شخصا بالاكراه و الجبر من غيره. نعم، في مثل العامل الذي يرسله الظالم لأخذ مال منه فينزل عنده مدّة ظلما و هو مجبور في طعامه و شرابه فالظاهر عدم الوجوب؛ لعدم صدق العيال و لا الضيف عليه.
الشرح:
اذا نزل عليه نازل من غير رضاه و صار ضيفا عنده مدّة، فتارة يكون نزوله قهرا أو ظلما، كما مثّله في المتن من ارسال السلطان الظالم العامل لأخذ مال منه، ففي هذه الصورة لايجب عليه فطرته؛ لعدم صدق العيلولة، فانّ الظاهر من قوله عليه السلام في صحيحة عبداللّه بن سنان:
«كلّ من ضممت الى عيالك من حرّ أو مملوك فعليك أن تؤدّي الفطرة عنه».(1)
تصدّيه لذلك عن الرضا و الاختيار دون القهر و التهديد.
أضف اليه صحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج قال:
«سألت أبا الحسن عليه السلام عن رجل ينفق على رجل ليس من عياله الاّ أنّه
1) - وسائل الشيعة 9: 329 / الباب 5 من أبواب زكاة الفطرة / الحديث 8.
يتكلّف له نفقته و كسوته، أتكون عليه فطرته؟ قال: لا، انّما تكون فطرته على عياله صدقة دونه. و قال: العيال الولد و المملوك و الزوجة و أمّ الولد».(1)
و أخرى يكون ممّن يجب عليه نفقته الاّ أنّه كان كارها لذلك؛ لبخله أو غيره، ففي هذه الصورة يجب عليه نفقته و زكاة فطرته؛ لأنّ كُرهه للانفاق عليه لايخرجه عن عياله و هذا واضح.
(مسألة 18): اذا مات قبل الغروب من ليلة الفطر لم يجب في تركته شيء. و ان مات بعده وجب الاخراج من تركته عنه و عن عياله، و ان كان عليه دين و ضاقت التركة قسّمت عليهما بالنسبة.
الشرح:
قال في الشرائع: «لو مات المولى و عليه دين، فان كان بعد الهلال وجبت زكاة مملوكه في ماله، و ان ضاقت التركة قسّمت على الدين و الفطرة بالحصص. انتهى».(2)
و في المدارك: «الوجه في هذين الحكمين ظاهر، فانّ زكاة الفطرة واجبة في الذمّة فتكون جارية مجرى غيرها من الديون. و في حكم المملوك الزوجة والقريب و المعال تبرّعا. انتهى».(3)
اذا مات قبل الهلال من ليلة الفطر لم يجب في تركته شيء، و ذلك لعدم مجيء وقت الوجوب و لم يتعلّق في ذمّته زكاة الفطرة. و أمّا ان مات بعده وجب الاخراج من تركته عنه و عن عياله، و ذلك لأنّ الزكاة تعلّقت بذمّته، فبحلول الهلال خوطب
بخطاب «آتوا الزكاة»، و لا فرق بينه و بين الصلاة اذا زالت الشمس و مضى من الوقت بقدر ما يتمكّن من أدائها فلم يصلّ فمات، فالصلاة في ذمّته، و هكذا الزكاة في ذمّته، وجب اخراجها من تركته.
ان قلت: انّ وجوب الفطرة تكليف محض و لم يتضمّن الوضع بوجه، فهو واجب الهيّ كسائر التكاليف الصرفة المنوطة بالقدرة و الحياة و الساقطة لدى العجز و الممات من غير أن يستتبع اشتغال الذمّة بتاتا، قلت: ما هو الظاهر المتبادر من الأوامر الماليّة المتوجّهة الى المكلّفين هو الوضع و التكليف معا، و الفرق بينها و بين زكاة المال أنّ زكاة الفطرة ثابتة في الذمّة كالدين، و لذا ان كان عليه دين و ضاقت التركة قسّمت عليهما بالنسبة، و انّ زكاة المال متعلّقة بالعين فقدّمت على الدين.
(مسألة 19): المطلّقة رجعيّا فطرتها على زوجها دون البائن الاّ اذا كانت حاملاً ينفق عليها.
الشرح:
قد تقدّم أنّ زكاة الفطرة واجبة على المعيل عمّن هو عائلته، سواء كانت نفقته واجبة عليه أو لم تكن، و عليه لو كانت المطلّقة تحت عيلولته وجب عليه زكاتها،سواء كانت رجعيّة أو بائنة، الاّ أنّه لو كانت رجعيّة وجب عليه نفقتها مادام في العدّة دون البائنة. نعم، من كان مبناه في وجوب فطرة الزوجة على الزوج، الزوجيّة، يفرق عنده المطلّقة الرجعيّة و البائنة؛ لأنّ الأولى بحكم زوجته دون الثانية. أمّا المصنّف فانّه ممّن كان قائلاً بأنّ وجوب الفطرة على الزوج من حيث عيلولته، و لعلّ نظره من طرح هذه المسألة الى أنّ المطلّقة الرجعيّة زوجة يجب على زوجها نفقتها و هي من عائلته دون البائنة فانّها ليست من عائلته الاّ أن يضمّها اليها.
(مسألة 20): اذا كان غائبا عن عياله أو كانوا غائبين عنه و شكّ في حياتهم فالظاهر وجوب فطرتهم مع احراز العيلولة على فرض الحياة.
الشرح:
اذا كان غائبا عن عياله و ترك عندهم ما ينفقون به على أنفسهم و شكّ في حياتهم عند هلال شوّال يجب عليه فطرتهم لاستصحاب حياتهم. و كذا لو كانوا غائبين عنه و ينفقون على أنفسهم من ماله.
و لو شكّ في العيلولة أيضا مع كونه عياله سابقا فيستصحب كلا جزأيه، كما لو كان مأذونا في صرف نفقته من ماله و شكّ في ذلك مع العلم به سابقا فيستصحب حينئذ في كلّ من الجزأين فيقال: كان الحيّ بوصف كونه عيالاً موجودا، و الآن كما كان، فتجب الفطرة عنه.
و الضابط في الجنس: القوت الغالب لغالب الناس، و هو الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب و الأرز و الاقط و اللبن و الذرة و غيرها. و الأحوط الاقتصار على الأربعة الأولى و ان كان الأقوى ما ذكرناه. بل يكفي الدقيق و الخبز و الماش و العدس، و الأفضل اخراج التمر، ثمّ الزبيب ثمّ القوت الغالب. هذا اذا لم يكن هناك مرجّح من كون غيرها أصلح بحال الفقير و أنفع له، لكنّ الأولى و الأحوط حينئذ دفعها بعنوان القيمة.
الشرح:
قال في المستمسك: «قد اختلفت كلمات الأصحاب في تعيين الجنس اختلافا كثيرا. فعن الصدوقين و العمّاني: الاقتصار على الأربعة الأولى، و عنالاسكافي و الحلبي و الحلّي اضافة الذرة اليها. و في المدارك اضافة الاقط، و في الذخيرة اضافة الأرز و الاقط، و عن المبسوط و الخلاف و غيرهما اضافة الأرز و
الاقط و اللبن. بل عنه: دعوى الاجماع و نفي الخلاف في اجزائها. و عن كثير: انّه القوت الغالب. قال في المعتبر: «و الضابط اخراج ما كان قوتا غالبا كالحنطة و الشعير و التمر و الزبيب و الأرز و الاقط و اللبن، و هو مذهب علمائنا». و قال في المنتهى: «الجنس ما كان قوتا غالبا، كالحنطة و الشعير و التمر و الزبيب و الاقط و اللبن. ذهب اليه علماؤنا أجمع». و كأنّ منشأ ذلك اختلاف النصوص. انتهى».(1)
و لنذكر الروايات الواردة في الباب:
منها صحيحة سعد بن سعد الأشعري عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال:
«سألته عن الفطرة، كم يدفع عن كلّ رأس من الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب؟ قال: صاع بصاع النبي صلى الله عليه و آله».(2)
و منها صحيحة صفوان الجمّال قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الفطرة، فقال: على الصغير و الكبير و الحرّ و العبد عن كلّ انسان منهم صاع من حنطة أو صاع من تمر أو صاع من زبيب».(3)
و منها صحيحة عبداللّه بن ميمون عن أبي عبداللّه عن أبيه عليهماالسلام قال:
«زكاة الفطرة صاع من تمر أو صاع من زبيب أو صاع من شعير أو صاع من اقط، عن كلّ انسان حرّ أو عبد، صغير أو كبير. الحديث».(4)
و منها صحيحة معاوية بن عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«يعطي أصحاب الابل و الغنم و البقر في الفطرة من الاقط صاعا».(5)
و منها مرسلة الصدوق قال:
«و قال أميرالمؤمنين عليه السلام في خطبة العيد يوم الفطر: أدّوا فطرتكم فانّها سنّة نبيّكم، و فريضة واجبة من ربّكم فليؤدّها كلّ امرئ منكم عن عياله كلّهم، ذكرهم و أنثاهم و صغيرهم و كبيرهم و حرّهم و مملوكهم، عن كلّ انسان منهم صاعا من تمر أو صاعا من برّ أو صاعا من شعير».(1)
و منها مرسلة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن صدقة الفطرة؟ قال: - الى أن قال: - عن كلّ انسان صاع من حنطة أو صاع من شعير أو تمر أو زبيب. الحديث».(2)
و منها خبر عبداللّه بن المغيرة عن أبي الحسن الرضا عليه السلام في الفطرة قال:
«تعطى من الحنطة صاع و من الشعير و من الاقط صاع».(3)
و قد ذكر في هذه الروايات المذكورة جواز اعطاء زكاة الفطرة من الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب و الاقط.
و قد أضيف اليها العدس و الذرة و الدقيق و السويق في:
صحيحة محمّد بن مسلم قال:
«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول: الصدقة لمن لايجد الحنطة و الشعيريجزي عنه القمح و العدس و الذرة، نصف صاع من ذلك كلّه أو صاع من تمر أو زبيب».(4)
و خبر حمّاد و بريد و محمّد بن مسلم عن أبي جعفر و أبي عبداللّه عليهماالسلام قالوا:
«سألناهما عليهماالسلام عن زكاة الفطرة؟ قالا: صاع من تمر أو زبيب أو شعير
أو نصف ذلك كلّه حنطة أو دقيق أو سويق أو ذرة أو سلت. الحديث».(1)
و ما ذكر في هاتين الروايتين من نصف صاع بدل صاع يحمل على التقيّة؛ لما سيأتي.
و منها صحيحة زرارة و ابن مسكان جميعا عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«الفطرة على كلّ قوم ممّا يغذّون عيالهم من لبن أو زبيب أو غيره».(2)
و مرسلة يونس عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قلت له: جعلت فداك، هل على أهل البوادي الفطرة؟ قال: فقال: الفطرة على كلّ من اقتات قوتا فعليه أن يؤدّي من ذلك القوت».(3)
و مكاتبة ابراهيم بن محمّد الهمداني قال:
«اختلفت الروايات في الفطرة، فكتبت الى أبي الحسن صاحب العسكر عليه السلام أسأله عن ذلك، فكتب: انّ الفطرة صاع من قوت بلدك على أهل مكّة و اليمن و الطائف و أطراف الشام و اليمامة و البحرينو العراقين و فارس و الأهواز و كرمان تمر، و على أهل أوساط الشام زبيب، و على أهل الجزيرة و الموصل و الجبال كلّها برّ أو شعير، و على أهل طبرستان الأرز، و على أهل خراسان البرّ الاّ أهل مرو و الريّ فعليهم الزبيب، و على أهل مصر البرّ، و من سوى ذلك فعليهم ما غلب قوتهم، و من سكن البوادي من الأعراب فعليهم الاقط و
الفطرة عليك و على الناس كلّهم. الحديث».(1)
و المستفاد من هذه الروايات الثلاث أنّه يجوز اخراج زكاة الفطرة من غالب قوت ذلك البلد. و الظاهر أنّ المكاتبة محمولة على غلبة هذه الأقوات على أهل البلدان المذكورة.
و مقتضى الجمع بين الروايات كلّها جواز اخراج الفطرة من غالب قوت بلد المخرج، و الأحوط الاقتصار على الأربعة؛ لأنّها مذكورة في الروايات المعتبرة و عدم الاختلاف فيها.
قال في التذكرة: «يجوز اخراج ما كان قوتا و ان غاير الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب و اللبن و الاقط مع وجودها و عدمها بالقيمة عند علمائنا. - و قال أيضا: - قد بيّنّا أنّه يجوز اخراج أحد هذه الأجناس المنصوص عليها و ان كان غالب قوت البلد غيرها، عند علمائنا. انتهى».(2)
و قال في مستند العروة ما خلاصته: «انّ الروايات الواردة في جنس زكاة الفطرة مشتملة على ضابطين: الأوّل: أن يكون من الخمسة، أي من الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب و الاقط. الثاني: أنّ العبرة بالقوت الغالب.
و لا ريب في التنافي بين اطلاق الضابطين، فانّ بينهما عموما من وجه؛ اذالقوت الغالب قد لايكون من الخمسة كالعدس و الماش و نحوهما، كما أنّ الخمسة قد لاتكون قوتا غالبا، كالزبيب لأهل العراق، بل الشعير لغالب البلدان. فلابدّ من الجمع بينهما امّا الأخذ بكلّ من الاطلاقين أو الأخذ باطلاق أحدهما دون الآخر، أو يقيّد كلّ منهما بالآخر.
لا سبيل الى الأوّل؛ لعدم حجّيّة الاطلاق مع وجود ما يصلح للتقييد، فيدور الأمر بين الوجهين الآخرين أعني تقييد كلّ من الدليلين بالآخر لتكون النتيجة
لزوم أحد الخمسة بشرط كونه من القوت الغالب، أو الأخذ باطلاق الطائفة الثانية و حمل الطائفة الأولى على المثال. و الظاهر أنّ الثالث هو الأقرب و أنّ الاعتبار بالقوت الغالب، سواء كان من أحد الخمسة أم لا، كما ذهب اليه المشهور. و الدليل عليه أوّلاً: ذكر اللبن في صحيحة زرارة و ابن مسكان المتقدّمة مع أنّه ليس هو من أحد الخمسة، فيعلم أنّه لا خصوصيّة لها و أنّ نصوصها لم تكن في مقام الحصر بل في مقام المثال لمطلق القوت الشامل لمثل اللبن و نحوه. و ثانيا: ذكر الاقط في صحيحة معاوية بن عمّار المتقدّمة لأصحاب الابل و البقر و الغنم، و ذلك لأنّه من قوتهم الغالب؛ لكثرة وجوده لديهم. انتهى ملخّصا».(1)
أقول:
و لقد أجاد فيما ذهب اليه من الجمع بين الروايات، الاّ أنّه يلزم أن يضاف اليه أنّ مقتضى تكرار الغلاّت الأربع في الروايات المعتبرة اجزاء اخراج الفطرة منها و ان لم تكن من القوت الغالب و ان كان يظهر من كلامه الميل الى ذلك، فانّه قال في ذيل كلامه: «فمقتضى الاحتياط حينئذ (يعني ان لم يكن قوت الغالب من الخمسة) اخراج ذلك القوت ان لم يكن من الخمسة، و أحوط منه الجمع بين الأمرين. - وبعد أسطر قال: - و المتحصّل من جميع ما ذكرناه لحدّ الآن أنّ المستفاد من النصوص بعد ضمّ بعضها الى بعض أنّه تجزئ الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب و الاقط و اللبن. انتهى».(2)
ثمّ انّه لو لم يكن من الأربعة و لم يكن غذاءً و ان كان ممّا يحتاج اليه - كالرطب و العنب و البسر و الحصرم و نحوها من المراتب السابقة على التمر و الزبيب - فلايجتزأ بها لعدم التقوّت و التغذّي بها ولو في بعض البلدان. و أولى بعدم
الاجزاء ما يكون مثل السكّر و الملح و الدبس، بل الخضراوات.
أمّا الدقيق فان كان يعطى نفسه بعنوان الزكاة و كان صاعا فهو كافٍ قطعا؛ لعدم احتمال مدخليّة الحنطة بشكلها الخاصّ، فانّ هذا حنطة و ان تغيّرت صورته. و ان كان يعطى بعنوان قيمة الحنطة فلا ضير أن يكون أقلّ من صاع. و تحمل صحيحة عمر بن يزيد على ذلك، فانّه قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام : نعطي الفطرة دقيقا مكان الحنطة؟ قال: لابأس، يكون أجر طحنه بقدر ما بين الحنطة و الدقيق».(1)
و أمّا الخبز فالظاهر اجزاء دفعه بعنوان الزكاة و ان كان وزنه الفعلي صاعا واحدا المستلزم لكون الحنطة المتّخذ هو منها أقلّ من صاع، و ذلك لأنّ الخبز قوت أكثر الناس فصحيحة زرارة و ابن مسكان شاملة له.
ففي التذكرة: «يجوز اخراج الخبز أصلاً؛ لأنّه يقتات به، و لأنّه أنفع، و لأنّ الانتفاع الذاتي - و هو الاغتذاء - انّما يتمّ بصيرورتها خبزا، فكفاية الفقير مؤونة
ذلك أولى. و منع أحمد من ذلك؛ لخروجه عن الكيل و الادّخار. و هو غلط؛ لأنّ الغاية الذاتيّة حاصلة، فلا اعتبار بالأمر العرضي. انتهى».(2)
الأفضل اخراج التمر ثمّ الزبيب و ما كان أنفع للفقير، و ذلك لصحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) في صدقة الفطرة قال:
«و قال: التمر أحبّ ذلك اليّ - يعني الحنطة و الشعير و الزبيب -».(3)
و صحيحة منصور بن حازم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن صدقة الفطرة؟ قال: صاع من تمر - الى أن قال: - و التمر أحبّ اليّ».(1)
و موثّقة اسحاق بن عمّار قال:
«سألت أبا الحسن عليه السلام عن صدقة الفطرة؟ قال: التمر أفضل».(2)
و صحيحة هشام بن الحكم عن الصادق عليه السلام :
«أنّه قال: التمر في الفطرة أفضل من غيره؛ لأنّه أسرع منفعة، و ذلك أنّه اذا وقع في يد صاحبه أكل منه».(3)
فمن التعليل في الرواية يستفاد مساواة الزبيب للتمر في كونه أفضل من غيره و على الأقلّ بعده، و كذا ما كان أصلح بحال الفقير و أنفع له.
ففي المدارك: «اختلف كلام الأصحاب في هذه المسألة، فقال الشيخان و ابنابابويه و ابن أبي عقيل: انّ أفضل ما يخرج التمر. قال الشيخ: ثمّ الزبيب. و قال ابن البرّاج: التمر و الزبيب هو أفضل ما يخرج في الفطرة. و قال الشيخ في الخلاف: المستحبّ ما يغلب على قوت البلد. و استحسنه في المعتبر. و قال سلاّر: الأفضل الأرفع قيمة. و المعتمد الأوّل. انتهى».(4)
(مسألة 1): يشترط في الجنس المخرج كونه صحيحا، فلايجزئ المعيب و يعتبر خلوصه، فلايكفي الممتزج بغيره من جنس آخر أو تراب أو نحوه، الاّ اذا كان الخالص منه بمقدار الصاع أو كان قليلاً يتسامح به.
الشرح:
قال في الجواهر: «الظاهر انسياق الصحيح منها، فلايجزئ المعيب كما نصّ عليه في الدروس، بل و لا الممزوج بما لايتسامح فيه الاّ على جهة القيمة لفقد الاسم المتوقّف عليه الامتثال أو المنساق منه عند الاطلاق، خصوصا مع ملاحظة عدم اجزاء ذات العوار و المريضة في الزكاة الماليّة و ان كان هو من القوت الغالب. انتهى».(1)
ظاهر الروايات الواردة في جنس الفطرة هو ما صدق عليه الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب و غيرها ممّا ذكر، و كذا ما يمكن أن يتقوّت به من دون ضرر أو مشقّة للأكل، و قياسها بما ورد في الزكاة الماليّة من عدم الاجتزاء بالشاة المريضة أو التي فيها عيب أو عوار قياس من دون دليل عليه، و الانصراف المدّعى ادّعاء بلا دليل.
و أمّا الممتزج بغيره فان لم يصدق عليه صاع مثلاً من حنطة فلايجزئ الاّ اذا كان الخالص منه بمقدار الصاع. و أمّا اذا كان المخلوط قليلاً بحيث لايعتنى به و لايصحّ سلب الاسم عنه فلا اشكال فيه.
(مسألة 2): الأقوى الاجتزاء بقيمة أحد المذكورات من الدراهم و الدنانير أو غيرهما من الأجناس الأخر، و على هذا فيجزئ المعيب و الممزوج و نحوهمابعنوان القيمة، و كذا كلّ جنس شكّ في كفايته فانّه يجزئ بعنوان القيمة.
1) - جواهر الكلام 15: 518.
الشرح:
يجزئ قيمة أحد المذكورات من الدراهم و الدنانير، و ذلك لصحيحة محمّد بن اسماعيل بن بزيع قال:
«بعثت الى أبي الحسن الرضا عليه السلام بدراهم لي و لغيري و كتبت اليه أخبره أنّها من فطرة العيال، فكتب بخطّه: قبضت».(1)
و موثّقة اسحاق بن عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«لابأس بالقيمة في الفطرة».(2)
و موثّقته الثانية قال:
«سألت أبا الحسن عليه السلام عن الفطرة، قال: الجيران أحقّ بها، و لابأس أن يعطى قيمة ذلك فضّة».(3)
و موثّقته الثالثة عن أبي عبداللّه عليه السلام مثله و قال:
«و لابأس أن تعطيه قيمتها درهما».(4)
بل يجزئ قيمة أحد المذكورات بغير الدراهم و الدنانير من الأجناس الأخر. و ذلك لاطلاق موثّقة اسحاق بن عمّار حيث قال عليه السلام : «لابأس بالقيمة في الفطرة».
و خبر سليمان بن جعفر المروزي قال:
«سمعته يقول: ان لم تجد من تضع الفطرة فيه فاعزلها تلك الساعة قبل الصلاة، و الصدقة بصاع من تمر، أو قيمته في تلك البلاددراهم».(5)
و صحيحة عمر بن يزيد (في حديث) قال:
1) - وسائل الشيعة 9: 345 / الباب 9 من أبواب زكاة الفطرة / الحديث 1.
2) - وسائل الشيعة 9: 348 / الباب 9 من أبواب زكاة الفطرة / الحديث 9.
3) - وسائل الشيعة 9: 348 / الباب 9 من أبواب زكاة الفطرة / الحديث 10.
4) - وسائل الشيعة 9: 348 / الباب 9 من أبواب زكاة الفطرة / الحديث 11.
5) - وسائل الشيعة 9: 347 / الباب 9 من أبواب زكاة الفطرة / الحديث 7.
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام : نعطي الفطرة دقيقا مكان الحنطة؟ قال: لابأس، يكون أجر طحنه بقدر ما بين الحنطة و الدقيق. و سألته: يعطي الرجل الفطرة دراهم ثمن التمر و الحنطة يكون أنفع لأهل بيت المؤمن؟ قال: لابأس».(1)
بناءً على أن يكون ذكر الدراهم من باب المثال، و النظر الى ما كان أنفع لأهل بيت المؤمن من القيمة.
و مرسلة المفيد قال:
«سئل الصادق عليه السلام عن القيمة مع وجود النوع؟ فقال: لابأس بها».(2)
قال في المختلف: «لا خلاف في جواز اخراج القيمة بسعر الوقت».(3)
و فيه أيضا عن الشيخ في المبسوط: ««يجوز اخراج القيمة عن أحد الأجناس التي قدّمناها، سواء كان الثمن سلعة أو حبّا أو خبزا أو ثيابا أو دراهم أو شيئا له ثمن بقيمة الوقت». و هو الحقّ؛ لعموم الأمر بجواز اخراج القيمة من غير تعيين رواه اسحاق بن عمّار - في الموثّق - عن الصادق عليه السلام قال: «لابأس بالقيمة في الفطرة». و لأنّ المطلوب ليس هو الصاع من أحد الأجناس بعينه و الاّ لما جاز التخطّي الى القيمة، بل الماليّة المشتملة على هذا القدر، و هو ثابت في كلّ قيمة. انتهى ملخّصا».(4)
فاذا ثبت جواز القيمة بغير الدرهم و الدينار من سائر الأجناس فيجزئ المعيب و الممزوج و نحوهما بعنوان القيمة و كذا كلّ جنس شكّ في كفايته، فانّه يجزئ بعنوان القيمة.
(مسألة 3): لايجزئ نصف الصاع - مثلاً - من الحنطة الأعلى و ان كان يسوى صاعا من الأدون أو الشعير مثلاً الاّ اذا كان بعنوان القيمة.
الشرح:
قال في المختلف: «لو كان قيمة صاع الشعير بقدر قيمة نصف صاع من حنطة أو زبيب أو غيرهما من الأجناس فأراد اخراج نصف صاع الحنطة عن صاع الشعير أجزأه اذا قصد اخراج القيمة، و لو لم يقصد اخراج القيمة لم يجزئه أقلّ من صاع حنطة. انتهى».(1)
و قال في الجواهر: «لو أخرج نصف صاع أعلى قيمة يساوي صاعا أدون قيمة منها أو من غيرها فالأصحّ عدم الاجزاء، وفاقا للبيان و المدارك؛ لظهور كون قيمة الأصول من غيرها، خصوصا و ليس في الأدلّة التخيير بين الصاع من كلّ نوع و قيمته حتّى يدّعى ظهوره في تناول القيمة للنوع الآخر. انتهى».(2)
و ما ذهب اليه صاحب الجواهر صحيح؛ لأنّ الظاهر من الروايات الدالّة على اجزاء القيمة أنّ القيمة من غير أحد المذكورات، و لعلّ ذكر الدرهم في أغلبها لذلك.
و على قول صاحب المستند(3)لو ضمّمنا الروايتين و جمعناهما في كلام واحد بأن قال عليه السلام أوّلاً: «الفطرة صاع من حنطة أو شعير أو تمر أو زبيب أو لبن أو أقط»، ثمّ قال بعد ذلك: «و لابأس بالقيمة في الفطرة»، لايشكّ العرف في أنّ القيمة شيء آخر مغاير لتلك المذكورات يساوي في الماليّة مع واحد منها، فاستظهار كون القيمة من غير جنس الفطرة في محلّه.
(مسألة 4): لايجزئ الصاع الملفّق من جنسين بأن يخرج نصف صاع من الحنطة و نصفا من الشعير مثلاً الاّ بعنوان القيمة.
الشرح:
انّ ما يستفاد من الروايات هو وجوب صاع من جنس واحد لكلّ شخص و لايجزئ الصاع الملفّق من جنسين بأن يخرج نصف صاع من الحنطة و نصفا من الشعير مثلاً؛ لأنّه لايصدق عليه صاع من الحنطة و لا صاع من الشعير. نعم، لو كان الملفّق بعنوان القيمة فلا اشكال؛ بناءً على جواز اجزاء القيمة من غير النقدين.
قال في المدارك: «و اعلم أنّ المستفاد من الروايات وجوب اخراج صاع من أحد الأجناس المنصوصة، فلايجزئ اخراج صاع من جنسين، و به قطع الشيخ و جماعة، و قال المصنّف في المعتبر: انّه لايجزئ الاّ على وجه القيمة. و استقرب العلاّمة في المختلف اجزاء ذلك أصالة، و استدلّ عليه بأنّ المطلوب شرعا اخراج الصاع و قد حصل، و ليس تعيين الأجناس معتبرا في نظر الشرع و الاّ لما جاز التخيير فيه. و بأنّه يجوز اخراج الأصوع المختلفة من الشخص الواحد عن جماعة، فكذا الصاع الواحد. و بأنّه اذا أخرج أحد النصفين فقد خرج عن عهدته وسقط عنه نصف الواجب، فيبقى مخيّرا في النصف الآخر؛ لأنّه كان مخيّرا فيه قبل اخراج الأوّل فيستصحب. و يدفع ذلك كلّه تعلّق الأمر باخراج صاع من حنطة أو صاع من شعير أو صاع من تمر أو صاع من زبيب، و الصاع المجتمع من الجنسين لايصدق عليه اسم أحدها، فلايتحقّق به الامتثال. انتهى».(1)
1) - مدارك الأحكام 5: 341 و 342.
(مسألة 5): المدار قيمة وقت الاخراج لا وقت الوجوب، و المعتبر قيمة بلد الاخراج لا وطنه و لا بلد آخر. فلو كان له مال في بلد آخر غير بلده و أراد الاخراج منه كان المناط قيمة ذلك البلد لا قيمة بلده الذي هو فيه.
الشرح:
قال في الشرائع: «لا تقدير في عوض الواجب بل يرجع الى قيمة السوق، و قدّره قوم بدرهم، و آخرون بأربعة دوانيق فضّة، و ليس بمعتمد، و ربّما نزّل على اختلاف الأسعار. انتهى».(1)
و في الجواهر: «المشهور بين الأصحاب أنّه لا تقدير في الشرع بعوض الواجب بل الثابت فيه اطلاق الاجتزاء بالقيمة، و مقتضاه أنّه يرجع فيه الى القيمة السوقيّة عند الاخراج. انتهى ملخّصا».(2)
الظاهر صحّة ما ذهب اليه المشهور من أنّه اذا أراد دفع القيمة بدل زكاة الفطرةيرجع الى القيمة السوقيّة للجنس الذي يريد اعطاءه بعنوان زكاة الفطرة. و ذلك لاطلاق ما ورد في دفع جواز القيمة، فانّ مقتضاه الرجوع الى قيمته السوقيّة في بلد الاخراج، و يجب أن يكون التقويم عند الاخراج لأنّ فراغ ذمّته في ذلك الوقت. و يدلّ عليه مضافا الى ما ذكر خبر سليمان بن جعفر المروزي قال:
«سمعته يقول: ان لم تجد من تضع الفطرة فيه فاعزلها تلك الساعة قبل الصلاة، و الصدقة بصاع من تمر، أو قيمته في تلك البلاد دراهم».(3)
و حكي عن قوم - كما حكاه الشرائع - تقدير القيمة بدرهم، و عن آخرين
بأربعة دوانيق أي ثلثي درهم. و لايبعد أن يكون مستند الأخير مرسلة المفيد، قال:
«و روي أنّ أقلّ القيمة في الرخص ثلثا درهم».(1)
ولكن ارسالها مانع عن الاعتماد عليها. و لعلّها متعلّقة بقيمة الصاع في وقت السؤال عنه.
و أمّا التقدير بدرهم فيستدلّ عليه بقوله عليه السلام في موثّقة اسحاق بن عمّار:
«و لابأس أن تعطيه قيمتها درهما».(2)
فحمله في الوسائل على مساواة الدرهم للقيمة يومئذ أو زيادته لما تقدّم في حديث أيّوب بن نوح.
و في صحيحة أيّوب بن نوح قال:
«كتبت الى أبي الحسن عليه السلام : انّ قوما يسألوني عن الفطرة و يسألوني أن يحملوا قيمتها اليك، و قد بعثت اليك هذا الرجل عام أوّل وسألني أن أسألك فأنسيت ذلك و قد بعثت اليك العام عن كلّ رأس من عياله بدرهم على قيمة تسعة أرطال بدرهم، فرأيك جعلني اللّه فداك في ذلك؟ فكتب عليه السلام : الفطرة قد كثر السؤال عنها و أنا أكره كلّ ما أدّى الى الشهرة، فاقطعوا ذكر ذلك، و اقبض ممّن دفع لها و أمسك عمّن لم يدفع».(3)
فالظاهر صحّة ما حمله في الوسائل و ما أيّده من صحيحة أيّوب بن نوح.
(مسألة 6): لايشترط اتّحاد الجنس الذي يخرج عن نفسه مع الذي يخرج عن عياله، و لا اتّحاد المخرج عنهم بعضهم مع بعض، فيجوز أن يخرج عن نفسه الحنطة و عن عياله الشعير أو بالاختلاف بينهم أو يدفع عن نفسه، أو عن بعضهم، من أحد الأجناس و عن آخر منهم القيمة، أو العكس.
الشرح:
كلّ ذلك لاطلاق الأدلّة و عدم ورود دليل على اعتبار اتّحاد جنس ما يخرج عن نفسه و عن عياله.
و في المدارك عن المختلف: «يجوز اخراج الأصوع المختلفة من الشخص الواحد عن جماعة. انتهى».(1)
و الظاهر منه أنّه لا خلاف في ذلك.
(مسألة 7): الواجب في القدر الصاع عن كلّ رأس من جميع الأجناس حتّى اللبن على الأصحّ و ان ذهب جماعة من العلماء فيه الى كفاية أربعة أرطال. و الصاع أربعة أمداد، و هي تسعة أرطال بالعراقي، فهو ستّمائة و أربعه عشر مثقالاً و ربع مثقال بالمثقال الصيرفي، فيكون بحسب حقّة النجف - التي هي تسعمائة مثقال و ثلاثة و ثلاثون مثقالاً و ثلث مثقال - نصف حقّة و نصف وقيّة و أحد و ثلاثون مثقالاً الاّ مقدار حمّصتين، و بحسب حقّة الاسلام بول - و هي مائتان و ثمانون مثقالاً - حقّتان و ثلاثة أرباع الوقيّة و مثقال و ثلاثة أرباع المثقال، و بحسب المنّ الشاهي - و هو ألف و مائتان و ثمانون مثقالاً - نصف منّ الاّ خمسةو عشرون مثقالاً و ثلاثة أرباع المثقال.
1) - مدارك الأحكام 5: 341.
الشرح:
الواجب في قدر الفطرة الصاع عن كلّ رأس من جميع الأجناس اجماعا.
ففي المدارك: «هذا قول علمائنا و أكثر العامّة».(1)
و في الجواهر: «بلا خلاف أجده فيه بل الاجماع بقسميه عليه».(2)
و قد دلّت عليه جملة من الأخبار:
منها صحيحة سعد بن سعد الأشعري عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال:
«سألته عن الفطرة، كم يدفع عن كلّ رأس من الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب؟ قال: صاع بصاع النبي صلى الله عليه و آله».(3)
و منها صحيحة صفوان الجمّال قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الفطرة، فقال: على الصغير و الكبير و الحرّ و العبد، عن كلّ انسان منهم صاع من حنطة أو صاع من تمر أو صاع من زبيب».(4)
و منها صحيحة عبداللّه بن ميمون عن أبي عبداللّه عن أبيه عليهماالسلام قال:
«زكاة الفطرة صاع من تمر أو صاع من زبيب أو صاع من شعير أو صاع من أقط، عن كلّ انسان حرّ أو عبد، صغير أو كبير. الحديث».(5)
و منها صحيحة محمّد بن عيسى قال:
«كتب اليه ابراهيم بن عقبة يسأله عن الفطرة، كم هي برطل بغداد عن كلّ رأس؟ و هل يجوز اعطاؤها غير مؤمن؟ فكتب اليه: عليك أن تخرج عن نفسك صاعا بصاع النبي صلى الله عليه و آله و عن عيالك أيضا، و
لاينبغي أن تعطي زكاتك الاّ مؤمنا».(1)
و منها صحيحة عبداللّه بن المغيرة عن أبي الحسن الرضا عليه السلام في الفطرة قال:
«تعطى من الحنطة صاع و من الشعير و من الأقط صاع».(2)
و منها صحيحة معاوية بن عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«يعطي أصحاب الابل و الغنم و البقر في الفطرة من الاقط صاعا».(3)
و منها خبر الفضل بن شاذان عن الرضا عليه السلام في كتابه الى المأمون قال:
«زكاة الفطر فريضة على كلّ رأس، صغير أو كبير، حرّ أو عبد، ذكر أو أنثى، من الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب صاع، و هو أربعة أمداد».(4)
و منها خبر الأعمش عن جعفر بن محمّد عليهماالسلام (في حديث شرائع الدين) قال:
«و زكاة الفطرة واجبة على كلّ رأس، صغير أو كبير، حرّ أو عبد، ذكر أو أنثى، أربعة أمداد من الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب و هو صاع تامّ، و لايجوز(5)ذلك أجمع الاّ الى أهل الولاية و المعرفة».(6)
و بازاء هذه الأخبار روايات ناطقة بجواز نصف صاع:
كصحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«صدقة الفطرة على كلّ رأس من أهلك - الى أن قال: - عن كلّ انسان نصف صاع من حنطة أو شعير، أو صاع من تمر أو زبيب لفقراء
1) - وسائل الشيعة 9: 334 / الباب 6 من أبواب زكاة الفطرة / الحديث 6.
2) - وسائل الشيعة 9: 333 / الباب 6 من أبواب زكاة الفطرة / الحديث 3.
3) - وسائل الشيعة 9: 333 / الباب 6 من أبواب زكاة الفطرة / الحديث 2.
4) - وسائل الشيعة 9: 338 / الباب 6 من أبواب زكاة الفطرة / الحديث 18.
5) - في المصدر زيادة: دفع.
6) - وسائل الشيعة 9: 339 / الباب 6 من أبواب زكاة الفطرة / الحديث 20.
المسلمين. الحديث».(1)
و صحيحته الثانية قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن صدقة الفطرة، فقال: على كلّ من يعول الرجل، على الحرّ و العبد، و الصغير و الكبير، صاع من تمر أو نصف صاع من برّ، و الصاع أربعة أمداد».(2)
و صحيحة محمّد بن مسلم قال:
«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول: الصدقة لمن لايجد الحنطة و الشعير يجزئ عنه القمح(3)و العدس و الذرة، نصف صاع من ذلك كلّه، أو صاع من تمر أو زبيب».(4)
و صحيحة الفضلاء عن أبي جعفر و أبي عبداللّه عليهماالسلام (في حديث) قال:
«فان أعطى تمرا فصاع لكلّ رأس، و ان لم يعط فنصف صاع لكلّ رأس من حنطة أو شعير، و الحنطة و الشعير سواء، ما أجزأ عنه الحنطة فالشعير يجزئ عنه».(5)
و صحيحة منصور بن حازم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن صدقة الفطرة، قال: صاع من تمر أو نصف صاع من حنطةأو صاع من شعير، و التمر أحبّ اليّ».(6)
و خبر حمّاد و بريد و محمّد بن مسلم عن أبي جعفر و أبي عبداللّه عليهماالسلام قالوا:
«سألناهما عليهماالسلام عن زكاة الفطرة، قالا: صاع من تمر أو زبيب أو شعير
1) - وسائل الشيعة 9: 336 / الباب 6 من أبواب زكاة الفطرة / الحديث 11.
2) - وسائل الشيعة 9: 336 / الباب 6 من أبواب زكاة الفطرة / الحديث 12.
3) - في نسخة زيادة: و السلت.
4) - وسائل الشيعة 9: 337 / الباب 6 من أبواب زكاة الفطرة / الحديث 13.
5) - وسائل الشيعة 9: 337 / الباب 6 من أبواب زكاة الفطرة / الحديث 14.
6) - وسائل الشيعة 9: 337 / الباب 6 من أبواب زكاة الفطرة / الحديث 15.
أو نصف ذلك كلّه حنطة أو دقيق أو سويق أو ذرة أو سلت عن الصغير و الكبير و الذكر و الأنثى و البالغ و من تعول في ذلك سواء».(1)
و خبر الفضل بن شاذان عن الرضا عليه السلام :
«انّ الفطرة مدّين من حنطة و صاعا من الشعير و التمر و الزبيب».(2)
و مرسلة الحسن بن علي بن شعبة في تحف العقول عن الرضا عليه السلام (في كتابه الى المأمون) قال:
«و زكاة الفطرة فريضة على كلّ رأس من صغير أو كبير، حرّ أو عبد، من الحنطة نصف صاع، و من التمر و الزبيب صاع، و لايجوز أن تعطى غير أهل الولاية لأنّها فريضة».(3)
و مرسلة العيّاشي عن زرارة قال:
«سألت أبا جعفر عليه السلام - و ليس عنده غير ابنه جعفر - عن زكاة الفطرة، فقال: - الى أن قال: - صاعا من تمر عن كلّ انسان، أو نصف صاع من حنطة، و هي الزكاة التي فرضها اللّه على المؤمنين مع الصلاة، على الغني و الفقير منهم. الحديث».(4)
فانّ تلك الروايات تحمل على التقيّة، و ذلك لما ورد من أنّ أوّل من جعل مدّين من الزكاة عثمان:
كصحيحة معاوية بن وهب قال:
«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول في الفطرة: جرت السنّة بصاع من تمر،
أو صاع من زبيب، أو صاع من شعير، فلمّا كان في زمن عثمان و كثرت الحنطة قوّمه الناس فقال: نصف صاع من برّ بصاع من شعير».(1)
و خبر ابراهيم بن أبي يحيى عن أبي عبداللّه عن أبيه عليهماالسلام :
«انّ أوّل من جعل مدّين من الزكاة عدل صاع من تمر عثمان».(2)
و خبر سلمة أبي حفص عن أبي عبداللّه عن أبيه عليهماالسلام قال:
«صدقة الفطرة على كلّ صغير و كبير، حرّ أو عبد، عن كلّ من تعول - يعني من ينفق عليه - صاع من تمر، أو صاع من شعير، أو صاع من زبيب، فلمّا كان زمن عثمان حوّله مدّين من قمح».(3)
و كذا ما ورد من أنّ معاوية خفّف الحنطة:
كصحيحة عبدالرحمن الحذّاء عن أبي عبداللّه عليه السلام :
«أنّه ذكر صدقة الفطرة أنّها على كلّ صغير و كبير من حرّ أو عبد، ذكر أو أنثى، صاع من تمر أو صاع من زبيب أو صاع من شعير أو صاع من ذرة. قال: فلمّا كان زمن معاوية و خصب الناس عدل الناس عنذلك الى نصف صاع من حنطة».(4)
و خبر ياسر القمّي عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال:
«الفطرة صاع من حنطة و صاع من شعير و صاع من تمر و صاع من زبيب، و انّما خفّف الحنطة معاوية».(5)
و يؤيّده مرسلة المحقّق قال:
1) - وسائل الشيعة 9: 335 / الباب 6 من أبواب زكاة الفطرة / الحديث 8.
2) - وسائل الشيعة 9: 334 / الباب 6 من أبواب زكاة الفطرة / الحديث 7.
3) - وسائل الشيعة 9: 335 / الباب 6 من أبواب زكاة الفطرة / الحديث 9.
4) - وسائل الشيعة 9: 335 / الباب 6 من أبواب زكاة الفطرة / الحديث 10.
5) - وسائل الشيعة 9: 334 / الباب 6 من أبواب زكاة الفطرة / الحديث 5.
«روي عن أميرالمؤمنين عليه السلام أنّه سئل عن الفطرة، فقال: صاع من طعام. فقيل: أو نصف صاع؟ فقال: «بئس الاسم الفسوق بعد الايمان»(1)».(2)
قال في التذكرة: «و قدر الفطرة عن كلّ رأس صاع من أحد الأجناس - و به قال مالك و الشافعي و أحمد و اسحاق و أبو سعيد الخدري و الحسن و أبو العالية - لقول أبي سعيد الخدري: كنّا نخرج صاعا من طعام. و من طريق الخاصّة: قول الرضا عليه السلام : «صاع بصاع النبي صلى الله عليه و آله». و قال سعيد بن المسيّب و عطاء و طاووس و مجاهد و عروة بن الزبير و أصحاب الرأي: يجزئ نصف صاع من البرّ - و عن أبي حنيفة في الزبيب روايتان: احداهما صاع، و الأخرى نصف صاع - لما روي عن النبي صلى الله عليه و آله قال: صاع من قمح بين كلّ اثنين. انتهى».(3)
و قد تقدّم عن المدارك و الجواهر الاجماع و عدم الخلاف على أنّ مقدار الفطرة صاع من أحد الأجناس المذكورة في الروايات أو ممّا يتقوّت به.
ففي المتن: «الواجب في القدر الصاع عن كلّ رأس من جميع الأجناس حتّى اللبن على الأصحّ، و ان ذهب جماعة من العلماء فيه الى كفاية أربعة أرطال. و الصاع أربعة أمداد و هي تسعة أرطال بالعراقي».
و في الشرائع: «و الصاع أربعة أمداد، فهي تسعة أرطال بالعراقي. و من اللبن
أربعة أرطال، و فسّره قوم بالمدني. انتهى».(1)
و في المدارك: «أمّا الاجتزاء بأربعة أرطال من اللبن فذكره الشيخ و جمع من الأصحاب، و فسّره الشيخ و أتباعه بالمدني. انتهى ملخّصا».(2)
و في الجواهر في قول المحقّق «و فسّره قوم بالمدني» قال: «وهم الشيخ في المبسوط و المصباح و مختصره و الاقتصاد و ابنا حمزة و ادريس و تبعهم الفاضل في محكي التذكرة و التبصرة. و أربعة أرطال بالمدني تساوي ستّة أرطال بالعراقي. انتهى ملخّصا».(3)
و الظاهر أنّ مستند القول بكفاية أربعة أرطال مرفوعة ابراهيم بن هاشم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سئل عن رجل في البادية لايمكنه الفطرة؟ قال: يتصدّق بأربعة أرطال من لبن».(4)
و الرواية ضعيفة لايمكن الاستدلال بها في مقابل الروايات المعتبرة التي نطقت بأنّ الواجب في مقدار زكاة الفطرة الصاع عن كلّ رأس. مضافا الى ضعف دلالتها أيضا، و لذا قال في الوسائل: «هذا محمول على الاستحباب؛ لأنّ من لايمكنه الفطرة لاتجب عليه، فيجزيه أقلّ من صاع».(5)
و استدلّ أيضا لهذا القول بمكاتبة محمّد بن الريّان قال:
«كتبت الى الرجل أسأله عن الفطرة و زكاتها، كم تؤدّى؟ فكتب: أربعة أرطال بالمدني».(6)
ولكنّها لم يذكر فيها اللبن، و انّما سئل فيها عن مقدار الفطرة بقول مطلق، و حملها عليه بلا شاهد مع احتمال تصحيف الراوي الأمداد بالأرطال؛ اذن فهي معارضة لجميع النصوص الدالّة على أنّ مقدار الفطرة صاع.
و في الجواهر: «انّها غير صالحة للحجّيّة من جهة السند و الدلالة - و تأييده بأنّ اللبن خالٍ عن الغشّ بخلاف التمر و الزبيب اللذين لايخلوان عن النوى و أنّه مستغنٍ عن المؤونة بخلاف الحبوب، فكان ثلثا الصاع يقاوم الصاع تقريبا غير مجدٍ - فلاتكون المرفوعة و المكاتبة صالحتين لتخصيص ما دلّ على اعتبار الصاع من جميع الأنواع، خصوصا خبر علي بن بلال و خبر جعفر بن معروف قال: «كتبت الى أبي بكر الرازي في زكاة الفطرة و سألناه أن يكتب في ذلك الى مولانا يعني علي بن محمّد الهادي عليه السلام ، فكتب: أنّ ذلك قد خرج لعلي بن مهزيار، أنّه يخرج من كلّ شيء التمر و البرّ و غيره صاع، و ليس عندنا بعد جوابه عليا(1)في ذلك اختلاف»(2)، مؤيّدا ذلك بما دلّ على اعتباره بالخصوص في الاقط، كقولالصادق عليه السلام في صحيح معاوية بن عمّار: «يعطي أصحاب الابل و البقر و الغنم في الفطرة من الأقط صاعا» بناءً على أولويّة اللبن منه؛ لأنّه يخرج من جوهره، و يتوقّف يقين البراءة عليه، و بغير ذلك. انتهى ملخّصا».(3)
و أمّا قول الشيخ في الجمل و العقود: «و يجب عليه صاع من أحد الأجناس السبعة: الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب و الأرز و الاقط و اللبن. و الصاع تسعة أرطال بالعراقي من جميع ذلك الاّ اللبن فانّه أربعة أرطال بالمدني أو ستّة أرطال بالعراقي»(4)و نحوه عبارته المحكيّة في المصباح(5).
ففيه: انّه ينافي ما هو المقطوع به نصّا و فتوىً من عدم تفاوت مقدار الصاع في اللبن و غيره، كما في الجواهر.
ثمّ انّ الصاع أربعة أمداد، و هي تسعة أرطال بالعراقي، و قد تقدّم تفصيل ذلك في فصل زكاة الغلاّت.
و هو دخول ليلة العيد، جامعا للشرائط، و يستمرّ الى الزوال لمن لم يصلّ صلاة العيد. و الأحوط عدم تأخيرها عن الصلاة اذا صلاّها فيقدّمها عليها و ان صلّى في أوّل وقتها. و ان خرج وقتها و لم يخرجها فان كان قد عزلها دفعها الى المستحقّ بعنوان الزكاة، و ان لم يعزلها فالأحوط الأقوى عدم سقوطها، بل يؤدّيها بقصد القربة، من غير تعرّض للأداء و القضاء.
الشرح:
قال في الشرائع: «الثالث في وقتها، و تجب بهلال شوّال. انتهى».(1)
و في المدارك: «اختلف الأصحاب في هذه المسألة، فقال الشيخ في الجمل: تجب الفطرة بغروب الشمس من آخر يوم من شهر رمضان. و هو اختيار ابن حمزة، و ابن ادريس. و قال ابن الجنيد: أوّل وقت وجوبها طلوع الفجر الثاني منيوم الفطر. و اختاره المفيد في المقنعة و السيّد المرتضى و أبو الصلاح و ابن
1) - شرائع الاسلام 1: 175.
البرّاج و سلاّر و ابن زهرة و هو المعتمد. انتهى».(1)
و في الجواهر: «تجب الفطرة بادراك هلال شوّال جامعا للشرائط السابقة كما عن جماعة التصريح به منهم الشيخ في الجمل و الاقتصاد و ابناحمزة و ادريس و المصنّف و الفاضل و الشهيدان و غيرهم، بل هو المشهور بين المتأخّرين، بل قد عرفت فيما تقدّم دعوى كونه موضع وفاق بين العلماء في المدارك و شرح الاصبهاني و ان كان فيه انّه خلاف المحكي عن ابن الجنيد و المفيد و المرتضى و الشيخ في النهاية و المبسوط و الخلاف و أبي الصلاح و ابن البرّاج و سلاّر و ابن زهرة من أنّ وقت وجوبها طلوع الفجر من يوم الفطر - الى أن قال: - فمحلّ الخلاف مسألتان: الأولى: في كون الهلال وقت الوجوب أو طلوع الفجر، و الثانية في وقت الاخراج هل هو طلوع الفجر أو وقت الوجوب. انتهى ملخّصا».(2)
قد تقدّم في المسألة السادسة من فصل زكاة الفطرة أنّ وقت وجوبها دخول ليلة العيد جامعا للشرائط، و قلنا بأنّ الدليل على ذلك:
رواية معاوية بن عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام :
«في المولود يولد ليلة الفطر و اليهودي و النصراني يسلم ليلة الفطر، قال: ليس عليهم فطرة، و ليس الفطرة الاّ على من أدرك الشهر».(3)
و صحيحة معاوية بن عمّار قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن مولود ولد ليلة الفطر، عليه فطرة؟ قال: لا، قد خرج الشهر. و سألته عن يهوديّ أسلم ليلة الفطر، عليه فطرة؟قال: لا».(4)
و ناقش فيهما في المستند بأنّ «الأولى ضعيفة السند؛ لوجود علي بن حمزة البطائني فيه، و قاصرة الدلالة؛ لأنّه ليس مفادها الاّ ثبوت الوجوب على من أدرك الشهر في قبال من لم يدرك، فالادراك شرط للوجوب. و أمّا أنّ هذا الواجب متى وقته و ما هو مبدؤه فلاتعرّض فيها لذلك بتاتا، و من الجائز أن يكون الوقت طلوع الفجر مشروطا بادراك الشهر. و أمّا الثانية - أعني صحيحة معاوية بن عمّار - فهي أولى بقصور الدلالة؛ اذ ليس مفادها الاّ نفي الوجوب عمّن لم يكن موجودا في الشهر حقيقة كالمولود، أو حكما كمن أسلم، و لا تعرّض فيها بوجه لاثبات أصل الوجوب فضلاً عن بيان وقته. انتهى ملخّصا».(1)
ولكن فيه: انّ الأولى و ان كانت ضعيفة السند الاّ أنّ دلالتها غير قاصرة، فانّ قوله عليه السلام «و ليس الفطرة الاّ على من أدرك الشهر» يدلّ على أنّ الأمر بالفطرة وارد على من أدرك هلال شوّال و هو مسلم أو مولود، و الأمر ظاهر في الوجوب فانّه رحمه الله جعل ادراكه الشهر شرطا للوجوب، ولكن احتمل أن يكون وقت الوجوب طلوع الفجر مشروطا بادراك الشهر! فلو سلّمنا بأنّ ادراك الشهر شرط للوجوب لابدّ لنا من دخول وقته الاّ أن يكون هناك قرينة على اختلاف وقت الادراك و وقت الوجوب.
و أمّا الجواب عن مناقشته رحمه الله بالنسبة الى الرواية الثانية فقد تقدّم في المسألة السادسة من فصل زكاة الفطرة أنّ مفاد قوله عليه السلام «لا، قد خرج الشهر» أنّ الحصول لوجوب الزكاة و عدمه دائر مدار ادراك الشهر و عدمه، فالعرف يشهد بأنّ مفاد هذا القول ليس نفي الوجوب عمّن لم يكن موجودا في الشهر حقيقة أو حكما فقط بليثبت أصل الوجوب أيضا.
استدلّ في المدارك للقول الآخر بعد اختياره بصحيحة العيص بن القاسم، قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الفطرة، متى هي؟ فقال: قبل الصلاة يوم
1) - مستند العروة 24: 461.
الفطر. قلت: فان بقي منه شيء بعد الصلاة؟ قال: لابأس، نحن نعطي عيالنا منه ثمّ يبقى فنقسّمه».(1)
و فيه: الظاهر أنّ السؤال عن آخر وقت الأداء، و لذا سأل بعد ذلك عمّا لو بقي منه شيء بعد الصلاة. و يؤيّده رواية ابراهيم بن ميمون قال:
«قال أبو عبداللّه عليه السلام : الفطرة ان أعطيت قبل أن تخرج الى العيد فهي فطرة، و ان كانت بعدما تخرج الى العيد فهي صدقة».(2)
مضافا الى ما في المستند من أنّه لا دلالة لها بوجه على كون مبدأ الوقت طلوع الفجر كما هو المدّعى، بل مفادها أنّ مبدأه طلوع الشمس الذي هو أوّل اليوم كما في سائر اطلاقات اليوم مثل يوم المزدلفة و أيّام التشريق و نحوها، فلازم الاستدلال بها الالتزام بأنّ مبدأه طلوع الشمس و لا قائل به.(3)
ثمّ انّ الظاهر من روايتي معاوية بن عمّار المتقدّمتين بل و صحيحة العيص اتّحاد وقتي الوجوب و الاخراج.
قال في الشرائع: «الثالث في وقتها، و تجب بهلال شوّال ... و يجوز اخراجها بعده، و تأخيرها الى قبل صلاة العيد أفضل. انتهى».(4)
قال في الجواهر: «فالأقوى اتّحاد وقتي الاخراج و الوجوب؛ لأنّه الأصل الذىلا معارض له هنا بعدما عرفت من كون المراد من صحيح العيص و غيره بيان الفضل الذي لاينافي وقت الاجزاء، فما في المدارك و غيره - من الاستدلال له بوجوب الاقتصار على المتيقّن و هو طلوع الفجر دون غيره ممّا هو محلّ للشكّ - في غير محلّه، ضرورة عدم الشكّ حينئذ بعد الأصل المزبور الذي هو مع كونه
موافقا للعقل مقتضى ظاهر ما يدلّ على الوجوب. انتهى».(1)
فرعان:
ففي المدارك: «ذهب الأكثر الى أنّ آخر وقتها صلاة العيد، حتّى قال في المنتهى: و لايجوز تأخيرها عن صلاة العيد اختيارا، فان أخّرها أثم، و به قال علماؤنا أجمع - لكنّه قال بعد ذلك بأسطر قليلة: - و الأقرب عندي جواز تأخيرها عن الصلاة و تحريم التأخير عن يوم العيد، و مقتضى ذلك امتداد وقتها الى آخر النهار. و قال ابن الجنيد: أوّل وقت وجوبها طلوع الفجر من يوم الفطر، و آخره زوال الشمس منه. و استقربه العلاّمة في المختلف. انتهى».(2)
و في الجواهر: «انّ الأقوال فيه ثلاثة: الأوّل: التحديد بفعل الصلاة لا وقتها، و هو الذي نسبه في محكي التذكرة الى علمائنا، و في المنتهى اليهم أجمع، و في المدارك الى الأكثر. الثاني: الزوال، و اختاره في الدروس و البيان. الثالث: الى آخر يوم الفطر، و اختاره في المنتهى و مال اليه في المدارك و محكي الذخيرة. انتهىملخّصا».(3)
أقول:
الظاهر أنّ انتهاء وقتها الى ما قبل صلاة العيد، و الدليل على ذلك قوله تعالى: «قد أفلح من تزكّى و ذكر اسم ربّه فصلّى»(4).
و موثّقة اسحاق بن عمّار و غيره قال:
«سألته عن الفطرة، فقال: اذا عزلتها فلايضرّك متى أعطيتها، قبل الصلاة أو بعد الصلاة».(1)
فمفهومها أنّه اذا لم تعزلها فأعطها قبل الصلاة، و ان لم تعطها قبل الصلاة يضرّك.
و صحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) قال:
«و اعطاء الفطرة قبل الصلاة أفضل و بعد الصلاة صدقة».(2)
بناءً على أن يكون قوله عليه السلام «قبل الصلاة أفضل» أفضليّته بالنسبة الى الليل، و قوله عليه السلام «و بعد الصلاة صدقة» دليل على مضيّ وقتها فلاتكون فطرة بل صدقة مندوبة.
و صحيحة العيص بن القاسم قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الفطرة، متى هي؟ فقال: قبل الصلاة يوم الفطر. قلت: فان بقي منه شيء بعد الصلاة؟ قال: لابأس، نحن نعطي عيالنا منه ثمّ يبقى فنقسّمه».(3)
بناءً على أنّ المراد باعطاء العيال عزل الفطرة.
و خبر ابراهيم بن منصور قال:
«قال أبو عبداللّه عليه السلام : الفطرة ان أعطيت قبل أن تخرج الى العيد فهي فطرة، و ان كانت بعدما يخرج(4)الى العيد فهي صدقة».(5)
و ما رواه السيّد بن طاووس من الخبر عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«ينبغي أن يؤدّي الفطرة قبل أن يخرج الناس الى الجبّانة، فان أدّاها بعدما يرجع فانّما هو صدقة و ليست فطرة».(1)
و ما رواه العيّاشي من الخبر عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«أعط الفطرة قبل الصلاة، و هو قول اللّه: «و أقيموا الصلاة و آتوا الزكاة»، و الذي يأخذ الفطرة عليه أن يؤدّي عن نفسه و عن عياله، و ان لم يعطها حتّى ينصرف من صلاته فلايعدّ له فطرة».(2)
و خبر سليمان بن حفص المروزي قال:
«سمعته يقول: ان لم تجد من تضع الفطرة فيه فاعزلها تلك الساعة قبل الصلاة. الحديث».(3)
و مرسلة ابن أبي عمير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«في الفطرة اذا عزلتها و أنت تطلب بها الموضع أو تنتظر بها رجلاً فلابأس به».(4)
فانّ القدر المتيقّن من وقت العزل قبل صلاة العيد.
ثمّ انّ الظاهر من هذه الأخبار عدم الفرق بين من صلّى صلاة العيد و من لم يصلّ، فالمناط اقامة صلاة العيد في المحلّ الذي تقام فيه صلاة الجمعة، و لو كان في مكان لاتقام فيه أو تصلّى في المساجد كلّها كما في بلادنا فالمناط الوقت المحدّد لها، فلو شكّ في زواله يستصحب.
و استدلّ للقول باستمرار وقتها الى الزوال لمن لم يصلّ صلاة العيد بما رواه ابن طاووس من الخبر عن أبي الحسن الأحمسي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«أدّ الفطرة عن كلّ حرّ و مملوك - الى أن قال: - قلت: أقبل الصلاة أو بعدها؟ قال: ان أخرجتها قبل الظهر فهي فطرة، و ان أخرجتها بعد الظهر فهي صدقة، و لاتجزيك. قلت: فأصلّي الفجر و أعزلها فيمكث يوما أو بعض يوم آخر ثمّ أتصدّق بها؟ قال: لابأس، هي فطرة اذا أخرجتها قبل الصلاة. قال: قال: و هي واجبة على كلّ مسلم محتاج أو موسر يقدر على فطرة».(1)
و فيه مع ضعف سنده التهافت بين الصدر و الذيل؛ اذ قد جعل الاعتبار في الصدر بالاخراج قبل الظهر و في الذيل بالاخراج قبل الصلاة. و من ثمّ استقرب في الحدائق(2)أن يكون لفظ «الظهر» سهوا من الراوي أو غلطا من النسّاخ، و أنّ الصواب تبديلها بكلمة «الصلاة».
قال في الشرائع: «فان خرج وقت الصلاة و قد عزلها أخرجها واجبا بنيّة الأداء. انتهى».(3)
و في المدارك: «المراد بالعزل تعيينها في مال بقدرها. و اطلاق عبارات الأصحاب يقتضي جوازه مع وجود المستحقّ و عدمه. - الى أن قال: - لكن مقتضى التوقيت كون الاتيان بها بعد خروج الوقت قضاءً لا أداءً. انتهى».(4)
الظاهر وجوب عزل زكاة الفطرة ان لم يجد من يضع الفطرة فيه قبل الصلاة. و
ذلك لرواية سليمان بن حفص المروزي قال:
«سمعته يقول: ان لم تجد من تضع الفطرة فيه فاعزلها تلك الساعة قبل الصلاة. الحديث».(1)
و الرواية و ان كانت ضعيفة السند الاّ أنّ روايات التوقيت يؤيّدها.
فان عزلها و قد خرج وقتها فليؤدّها أداءً، و ذلك لموثّقة اسحاق بن عمّار قال:
«سألته عن الفطرة؟ فقال: اذا عزلتها فلايضرّك متى أعطيتها، قبل الصلاة أو بعد الصلاة».(2)
و لايجوز المسامحة في الأداء مع وجود المستحقّ الاّ أن ينتظر بها مستحقّا خاصّا، و يدلّ عليه:
مرسلة ابن أبي عمير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«في الفطرة اذا عزلتها و أنت تطلب بها الموضع أو تنتظر بها رجلاًفلابأس به».(3)
و لو أخّرها و تلفت ضمنها لو عدّ مفرّطا كما هو مقتضى القاعدة و سيأتي البحث عنه في المسألة الثالثة من هذا الفصل.
و أمّا لو لم يعزلها و قد خرج وقتها ففيه خلاف:
ففي الشرائع: «و ان لم يكن عزلها قيل: سقطت. و قيل: يأتي بها قضاءً. و قيل: أداءً. و الأوّل أشبه. انتهى».(4)
و في المدارك: «القول بالسقوط للمفيد و ابني بابويه و أبي الصلاح و ابن البرّاج و ابن زهرة مدّعيا عليه الاجماع، و المصنّف في كتبه الثلاثة؛ لأنّها عبادة
موقّتة فات وقتها، فيتوقّف وجوب قضائها على دليل من خارج، و لم يثبت - الى أن قال: - و القول بوجوب الاتيان بها قضاءً للشيخ، و جماعة، و اختاره العلاّمة في جملة من كتبه. انتهى».(1)
و الأظهر أنّه لو لم يعزلها و قد خرج وقتها سقطت، و لو أدّاها بعد ذلك فهي صدقة، و ذلك لصحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) قال:
«و اعطاء الفطرة قبل الصلاة أفضل، و بعد الصلاة صدقة».(2)
و مرسلة العيّاشي في تفسيره عن سالم بن مكرم الجمّال عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«أعط الفطرة قبل الصلاة و هو قول اللّه: «و أقيموا الصلاة و آتوا الزكاة»، و الذي يأخذ الفطرة عليه أن يؤدّي عن نفسه و عن عياله، وان لم يعطها حتّى ينصرف من صلاته فلايعدّ له فطرة».(3)
و مرسلة علي بن موسى بن طاووس عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«ينبغي أن يؤدّي الفطرة قبل أن يخرج الناس الى الجبّانة، فان أدّاها بعدما يرجع فانّما هو صدقة و ليست فطرة».(4)
و يؤيّد القول بالسقوط أنّ القضاء يحتاج الى أمر جديد، و هو مفقود، و الأصل البراءة.
و في المستمسك: «انّ الاستصحاب مقدّم على البراءة. و لاينافيه التوقيت؛ اذ لا مانع من جريان استصحاب وجوب الموقّت بعد خروج الوقت. و دعوى تعدّد الموضوع ممنوعة، كما حرّر في محلّه. مع أنّ التوقيت للأداء لا للمال الذي في
الذمّة، فلا مانع من استصحاب بقائه. انتهى».(1)
و استشكل عليه في المستند: «أمّا أوّلاً فلمنع جريان الاستصحاب في الشبهات الحكميّة و الأحكام الكلّيّة. و ثانيا: انّ الوجوب المحدود بوقت خاصّ ينتفي بانتفاء وقته و ينتهي بانتهاء أمده و لايعقل بقاؤه بعد الوقت، فلا شكّ في ارتفاعه ليجري فيه الاستصحاب، فلو كان ثابتا فهو فرد آخر من الوجوب حدث لموضوع آخر، و من ثمّ لو جرى الاستصحاب فهو من قبيل القسم الثالث من استصحاب الكلّي الذي قد ثبت عدم حجّيّته، فالمرجع أصالة البراءة عن تعلّق الوجوب بعد الوقت هذا، مع أنّ صحيحة عبداللّه بن سنان دلّت على أنّها بعد الوقت صدقة، فانّ المراد بالصدقة هو المستحبّة، و الاّ فالصدقة الواجبة هي الفطرة، و التفصيل قاطع للشركة. انتهى ملخّصا».(2)
و استدلّ العلاّمة في المختلف(3)لوجوب الاتيان بها قضاءً ب- «أنّه لم يأت بالمأمور به، فيبقى في عهدة التكليف الى أن يأتي به، و بأنّ المقتضي للوجوب قائم، و المانع لايصلح للمانعيّة. أمّا الأوّل فبالعموم الدالّ على وجوب اخراج الفطرة عن كلّ رأس صاع. و أمّا الثاني: فلأنّ المانع ليس الاّ خروج وقت الأداء، لكنّه لايصلح للمعارضة؛ اذ خروج الوقت لايسقط الحقّ كالدين و زكاة المال و الخمس. و بصحيحة زرارة عن أبي عبداللّه عليه السلام في رجل أخرج فطرته فعزلها حتّى يجد لها أهلاً، فقال:
«اذا أخرجها من ضمانه فقد برئ، و الاّ فهو ضامن لها حتّى يؤدّيها الى أربابها»(4).
و أجابه في المدارك(1)عن الأوّل بأنّ الأمر بالأداء لايتناول القضاء. و عن الثاني منع وجود المقتضي على الاطلاق؛ لأنّه انّما تعلّق بوقت خاصّ، و قوله «خروج الوقت لايسقط الحقّ ... » قياس محض مع الفارق، فانّ الفطرة من قبيل الواجب الموقّت بخلافها. و عن قوله عليه السلام في الرواية «و الاّ فهو ضامن لها حتّى يؤدّيها» كونه مخاطبا باخراجها و ايصالها الى مستحقّها، لا كونه بحيث يضمن مثلها أو قيمتها مع التلف.
و الظاهر أنّ الرواية بصدد بيان فائدة العزل و عدمه، فلو كان لها اطلاق الى ما بعد الوقت فتقيّد بصحيحة عبداللّه بن سنان.
(مسألة 1): لايجوز تقديمها على وقتها في شهر رمضان على الأحوط، كما لا اشكال في عدم جواز تقديمها على شهر رمضان. نعم، اذا أراد ذلك أعطى الفقير قرضا ثمّ يحسب عند دخول وقتها.
الشرح:
الظاهر أنّه لا اشكال كما لا خلاف في عدم جواز تقديم الفطرة على شهر رمضان بعنوان أنّها فطرة، كما لا اشكال في جواز ذلك بعنوان القرض ثمّ احتساب الدين منها عند دخول وقتها بشرط البقاء على شرائط الاستحقاق كما في زكاة المال، فانّ نصوص الاحتساب من الزكاة مطلقة تعمّ كلتا الزكاتين.
انّما الكلام في تقديمها على وقتها في شهر رمضان:
ففي الشرائع: «و تجب بهلال شوّال، و لايجوز تقديمها قبله الاّ على سبيل القرض على الأظهر. انتهى».(2)
و في المدارك: «هذا هو المشهور بين الأصحاب، ذهب اليه الشيخ في الاقتصاد و المفيد في المقنعة و أبو الصلاح و ابن ادريس و غيرهم؛ لأنّها زكاة الفطرة فلاتجب قبله، و اذا لم تكن واجبة لم يكن الاتيان بها مجزئا. و قال الشيخ في النهاية و المبسوط و الخلاف: يجوز اخراج الفطرة في شهر رمضان من أوّله. و كذا قال ابنا بابويه و اختاره المصنّف في المعتبر و جماعة. انتهى».(1)
و استدلّ من قال بعدم جواز تقديمها في شهر رمضان بعدم اشتغال الذمّة بها حينئذ، فيكون أداؤها أداءً لما لم يجب، و ما ورد في زكاة المال من المنع عن تعجيلها قبل حولان الحول، كما أنّه ليس لأحد أن يصلّي صلاة الاّ لوقتها، ولايصوم أحد شهر رمضان في غير شهره الاّ قضاءً. و كلّ فريضة انّما تؤدّى اذا جاء وقتها.
و استدلّ من قال بجواز التقديم بصحيحة الفضلاء عن أبي جعفر و أبي عبداللّه عليهماالسلام أنّهما قالا:
«على الرجل أن يعطي عن كلّ من يعول، من حرّ و عبد و صغير و كبير، يعطي يوم الفطر فهو أفضل، و هو في سعة أن يعطيها من أوّل يوم يدخل من شهر رمضان الى آخره، فان أعطى تمرا فصاع لكلّ رأس، و ان لم يعط فنصف صاع لكلّ رأس من حنطة أو شعير، و الحنطة و الشعير سواء، ما أجزأ عنه الحنطة فالشعير يجزئ».(2)
و الرواية و ان كانت دلالتها تامّة و سندها معتبرا الاّ أنّها من حيث اشتمالها على ما أجمع الأصحاب على بطلانه، و هو الاجتزاء بنصف صاع من الحنطة، بل مقتضاها اجزاء نصف صاع من الشعير أيضا و هو مخالف لاجماع المسلمين، يشكل العمل بها مع كونها مخالفة للاحتياط، و القول بعدم جواز التقديم ان
لم يكن أقوى فهو أحوط، الاّ على سبيل القرض كما تقدّم في زكاة المال.
(مسألة 2): يجوز عزلها في مال مخصوص من الأجناس أو غيرها بقيمتها، و ينوي حين العزل و ان كان الأحوط تجديدها حين الدفع أيضا. و يجوز عزل أقلّ من مقدارها أيضا، فيلحقه الحكم و تبقى البقيّة غير معزولة على حكمها. و في جواز عزلها في الأزيد بحيث يكون المعزول مشتركا بينه و بين الزكاة وجه، لكن لايخلو عن اشكال. و كذا لو عزلها في مال مشترك بينه و بين غيره مشاعا وان كان ماله بقدرها.
الشرح:
يجوز عزل الزكاة في مال مخصوص من الأجناس؛ لصحيحة زرارة بن أعين عن أبي عبداللّه عليه السلام في رجل أخرج فطرته فعزلها حتّى يجد لها أهلاً، فقال:
«اذا أخرجها من ضمانه فقد برئ و الاّ فهو ضامن لها حتّى يؤدّيها الى أربابها».(1)
و موثّقة اسحاق بن عمّار قال:
«سألته عن الفطرة، فقال: اذا عزلتها فلايضرّك متى أعطيتها، قبل الصلاة أو بعد الصلاة».(2)
و مرسلة ابن أبي عمير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«في الفطرة اذا عزلتها و أنت تطلب بها الموضع أو تنتظر بها رجلاً فلابأس به».(3)
و خبر سليمان بن حفص المروزي قال:
«سمعته يقول: ان لم تجد من تضع الفطرة فيه فاعزلها تلك الساعة قبل الصلاة».(1)
و يجوز أيضا عزلها في مال مخصوص من غير الأجناس بقيمتها؛ لاطلاق الروايات المذكورة و ينوي حين العزل؛ لعدم صدقه مع عدم النيّة و لأنّ «الأعمال بالنيّات»، و «لكلّ امرئ ما نوى».
فهل يجوز عزل أقلّ من مقدارها؟ وجهان: ذهب المصنّف الى جوازه.
و في المسالك: «لو عزل أقلّ منها اختصّ الحكم به. انتهى».(2)
و في الجواهر: «ينبغي أن يكون المدار على صدق العزل عرفا، و يؤيّده أنّ الشارع جعل المكلّف كالولي عن المستحقّ، فأقام ذلك منه مقام قبضه، و حينئذ لم يكن فرق بعد صدق العزل بين الزيادة و النقيصة، كالقبض من المستحقّ. انتهى ملخّصا».(3)
و الظاهر جواز عزل أقلّ من مقدارها لصدق كونه مقدارا من الفطرة، و ما يعيّنه المالك تعيّن، فيلحقه الحكم و تبقى البقيّة غير معزولة على حكمها. فلو خرج الوقت و لم يأت بالبقيّة يعطيها المستحقّ و ان قلنا بوجوب اعطاء صاع أو أزيد للفقير الواحد.
و أمّا عزلها في الأزيد بحيث يكون المعزول مشتركا بينه و بين الزكاة، كما لو أخرج صاعين من العشرة و قصد أن يكون أحدهما فطرة و الآخر المشاع بينهما له، و نحوه ما لو كان مشتركا بين الزكاة و بين شخص آخر، كما لو كان هناك صاعان مشتركان بينه و بين شخص آخر فكان لكلّ منهما صاع فنوى بحصّته الفطرة كما ذكره في المتن.
ففي المسالك: «و في تحقّق العزل مع زيادته عنها احتمال، و يضعّف بتحقّق الشركة و أنّ ذلك يوجب جواز عزلها في جميع ماله و هو غير المعروف من العزل. انتهى».(1)
و أورد عليه في الجواهر بأنّه «لا ريب في عدم صدقه بالعزل في جميع المال ونحوه. أمّا اعتبار عدم الزيادة فيه أصلاً فمحلّ منع، خصوصا مع رفع اليد عن الزيادة، و دعوى اعتبار التشخيص في المعزول على معنى اعتبار عدم الشركة فيه أصلاً واضحة المنع، ضرورة صدق العزل بالمال المشترك بينه و بين غيره، فالأولى تعليق الحكم على ما ذكرنا (و انّ المدار صدق العزل عرفا، فان صدق فبها و الاّ لم يكن عزل)».(2)
أقول:
الظاهر أنّ المال اذا كان بقدر الفطرة فبالنيّة يتعيّن. و أمّا ان كان أزيد منها فبالنيّة لايتعيّن و لايصدق عليه العزل الاّ اذا جعله ممتازا و فرقه عن بقيّة ماله. نعم، لو رفع يده عن البقيّة و جعلها صدقة مستحبّة فانّ المجموع حينئذ منعزل عن ماله و متعلّق بالفقير بعضه بعنوان الفطرة و بعضه بعنوان الصدقة.
(مسألة 3): اذا عزلها و أخّر دفعها الى المستحقّ، فان كان لعدم تمكّنه من الدفع لم يضمن لو تلف، و ان كان مع التمكّن منه ضمن.
الشرح:
قال في الشرائع: «و اذا أخّر دفعها بعد العزل مع الامكان كان ضامنا. و ان كان لا معه لم يضمن. و لايجوز حملها الى بلد آخر مع وجود المستحقّ و يضمن. و
يجوز مع عدمه و لايضمن. انتهى».(1)
و في المدارك: «الوجه في ذلك أنّ الزكاة بعد العزل تصير أمانة في يد المالك،فلايضمنها الاّ بالتعدّي أو التفريط المتحقّق بتأخير الدفع الى المستحقّ مع القدرة عليه؛ لأنّ المستحقّ مطالب بشاهد الحال فيجب التعجيل مع التمكّن منه. و أمّا الحمل الى بلد آخر فانّما يكون محرّما مع وجود المستحقّ؛ لمنافاته الفوريّة الواجبة، و يترتّب عليه الضمان. انتهى ملخّصا».(2)
أقول:
قد تقدّم شرح هذه المسألة و فروعاتها في المسألة العاشرة و الحادية عشرة من فصل بقيّة أحكام الزكاة، و قلنا هناك بأنّه يجوز نقل الزكاة من بلده الى غيره مع
عدم المستحقّ، و لو تلفت من غير تفريط لم يضمن. و أمّا مع وجود المستحقّ فيجب صرفه فيه، و لو أخّر دفعها لغرض عقلائي يجوز، ولو تلف من دون تعدٍّ و لا تفريط لم يضمن. و أمّا لو نقلها الى بلد آخر مع وجود المستحقّ في بلده فتلف فان كان فرّط في حفظه فهو ضامن. و أمّا لو تلف من دون تفريط فقد قلنا هناك بجواز نقله و عدم ضمانه؛ لاطلاق صحيحتي محمّد بن مسلم و زرارة، الاّ أنّ هنا روايتين تدلاّن على عدم جواز نقلها من بلد الى آخر، و سيأتي في المسألة الآتية. و أمّا مقتضى القاعدة فحيث انّها بعد العزل تكون أمانة شرعيّة فلابدّ من ايصالها الى مستحقّيها، فلو أخّرها مع وجود المستحقّ و عدم وجود غرض عقلائي في تأخيره الى حدّ يصدق معه التفريط و تلفت يكون ضامنا، سواء نقلها الى بلد آخر فتلفت أو لم ينقلها.
(مسألة 4): الأقوى جواز نقلها بعد العزل الى بلد آخر ولو مع وجود المستحقّ في بلده، و ان كان يضمن حينئذ مع التلف، و الأحوط عدم النقل الاّمع عدم وجود المستحقّ.
الشرح:
قال في الشرائع: «و لايجوز حملها الى بلد آخر مع وجود المستحقّ و يضمن، و يجوز مع عدمه و لايضمن. انتهى».(1)
و في المدارك: «لايخفى أنّ الحمل انّما يتحقّق مع العزل، و انّما كان محرّما مع وجود المستحقّ؛ لمنافاته الفوريّة الواجبة، و يترتّب عليه الضمان. انتهى».(2)
قد تقدّم في زكاة المال جواز حملها الى بلد آخر مع وجود المستحقّ و الضمان مع التلف، و أشرنا اليه في المسألة السابقة الاّ أنّ هنا روايتين معتبرتين تدلاّن على عدم الجواز:
احداهما صحيحة الفضيل عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«كان جدّي صلى الله عليه و آله يعطي فطرته الضعفة و من لايجد و من لايتولّى. قال: و قال أبو عبداللّه عليه السلام : هي لأهلها الاّ أن لاتجدهم، فان لم تجدهم فلمن لاينصب، و لاتنقل من أرض الى أرض. و قال: الامام يضعها حيث يشاء و يصنع فيها ما رأى».(3)
و ثانيتهما مكاتبة علي بن بلال قال:
«كتبت اليه: هل يجوز أن يكون الرجل في بلدة و رجل آخر من اخوانه في بلدة أخرى يحتاج أن يوجّه له فطرة أم لا؟ فكتب: تقسّم الفطرة على من حضر، و لايوجّه ذلك الى بلدة أخرى و ان لم يجد
موافقا».(1)
و قد حملهما صاحب الوسائل و غيره على الكراهة؛ جمعا بينهما و بين ما ورد في زكاة الأموال من جواز النقل، ولكنّه مشكل؛ لأنّ المعزول أمانة شرعيّة لايجوز التصرّف فيه الاّ بمقدار الدليل، و الدليل ورد في زكاة المال، ولكلّ من زكاة الفطرة و زكاة المال أحكام خاصّة و لايقاس احداهما بالأخرى. فهما و ان كانتا في بعض الأحكام مشتركتين الاّ أنّ الحاق زكاة الفطرة في هذه المسألة بزكاة المال مضافا الى كونه مخالفا للقاعدة فهو مخالف لظاهر الروايتين و لا موجب لرفع اليد عن النهي الوارد فيهما الظاهر في الحرمة بالحمل على الكراهة.
(مسألة 5): الأفضل أداؤها في بلد التكليف بها و ان كان ماله بل و وطنه في بلد آخر. و لو كان له مال في بلد آخر و عيّنها فيه ضمن بنقله عن ذلك البلد الى بلده أو بلد آخر مع وجود المستحقّ فيه.
الشرح:
ظاهر الروايتين المتقدّمتين في المسألة السابقة وجوب أدائها في بلد التكليف بها و ان كان ماله في بلد آخر. نعم، لو عيّنها فيه فظاهر الروايتين عدم جواز نقلها الى بلد آخر مع وجود المستحقّ فيه.
(مسألة 6): اذا عزلها في مال معيّن لايجوز له تبديلها بعد ذلك.
الشرح:ففي المستند: «لو عيّن الفطرة بالعزل ليس له ابدالها بغيرها كما صرّح به في الدروس. و استشكل فيه بعض الأجلّة؛ لأصالة عدم التعيين ما لم يقبضه المستحقّ.
1) - وسائل الشيعة 9: 360 / الباب 15 من أبواب زكاة الفطرة / الحديث 4.
و فيه: انّ المتبادر من العزل صيرورة المعزول - ما عزل له - ملكا لمستحقّه، و لذا صرّح الأصحاب بأنّه أمانة في يده، فجواز التبديل يحتاج الى الدليل و ليس. انتهى».(1)
و في الدروس: «و لو عيّن الماليّة أو الفطرة في مال تعيّن مع عدم المستحقّ، و الأقرب التعيين مع وجوده، فليس له ابداله في الموضعين في وجه. نعم، لو نمى كان له. و روى الكليني عن الباقر عليه السلام : أنّه لو اتّجر بها تبعها ربحها، و لو اتّجر بماله و لمّايعزلها فلها بقسطها و لا وضيعة عليها. انتهى».(2)
أقول:
ظاهر الروايات تعيّن الفطرة بالعزل و التعيين، فليس له ابدالها بغيرها الاّ اذا كان تبديلها لمصلحة المستحقّ و قد تقدّم في المسألة الرابعة و الثلاثين من فصل زكاة الغلاّت تفصيل ذلك و فوائد العزل.
و هو مصرف زكاة المال، لكن يجوز اعطاؤها للمستضعفين من أهل الخلاف عند عدم وجود المؤمنين و ان لم نقل به هناك. و الأحوط الاقتصار على فقراء المؤمنين و مساكينهم، و يجوز صرفها على أطفال المؤمنين أو تمليكها لهم بدفعها على أوليائهم.
الشرح:
قال في الشرائع: «في مصرفها: و هو مصرف زكاة المال. انتهى».(1)
و في المدارك: «هذا الحكم مقطوع به في كلام الأصحاب. و ربّما ظهر من كلام المفيد في المقنعة اختصاص الفطرة بالمساكين. انتهى ملخّصا».(2)
و في المنتهى: «و تصرف الفطرة الى من يستحقّ زكاة المال، و هم ستّة أصناف: الفقراء و المساكين و في الرقاب و الغارمين و في سبيل اللّه و ابن السبيل؛
لأنّها زكاة فتصرف الى من يصرف اليه سائر الزكوات. و لأنّها صدقة فتدخل تحت قوله تعالى: «انّما الصدقات للفقراء ... »(1). انتهى».(2)
و الظاهر أنّ مصرفها هو مصرف زكاة المال، و الدليل على ذلك:
صحيحة هشام بن الحكم عن الصادق عليه السلام (في حديث) قال:
«نزلت الزكاة و ليس للناس أموال، و انّما كانت الفطرة».(3)
و لايعارضها صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«صدقة الفطرة على كلّ رأس من أهلك الصغير و الكبير و الحرّ و المملوك و الغني و الفقير، عن كلّ انسان نصف صاع من حنطة أو شعير أو صاع من تمر أو زبيب لفقراء المسلمين. و قال: التمر أحبّ ذلك اليّ».(4)
لأنّها لاتدلّ على الحصر مع كونها مخالفة للمذهب لاشتمالها على ما لانقول به و هو قدر نصف الصاع عن كلّ انسان.
و كذا خبر الفضيل عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قلت له: لمن تحلّ الفطرة؟ قال: لمن لايجد. الحديث».(5)
و خبر يونس بن يعقوب عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن الفطرة، مَن أهلها الذي يجب لهم؟ قال: من لايجد شيئا».(6)
1) - التوبة 9: 60.
2) - منتهى المطلب 8: 490.
3) - وسائل الشيعة 9: 317 / الباب 1 من أبواب زكاة الفطرة / الحديث 1.
4) - تهذيب الأحكام 4: 68 / الباب 21 / الحديث 217 - و ذيله في الوسائل 9: 349 / الباب 10 من أبواب زكاة الفطرة / الحديث 1.
5) - وسائل الشيعة 9: 358 / الباب 14 من أبواب زكاة الفطرة / الحديث 4.
6) - وسائل الشيعة 9: 358 / الباب 14 من أبواب زكاة الفطرة / الحديث 3.
لأنّهما في صفة الفقير، مع كونهما ضعيفين من حيث السند.
ففي الجواهر: «لايخفى عدم دلالة الأخبار على الحصر بل المراد منها كون الفطرة ينبغي أن تكون لذي الحاجة الشديدة و ربّما كان الوجه في ذكر الفقراء في الصحيحة باعتبار كونه المصرف الأعظم نحو ما ورد في زكاة المال، لا أنّ المراد الاختصاص، بل ربّما يحمل على ذلك عبارة المقنعة، فتخرج المسألة عن الخلاف، قال: «و مستحقّ الفطرة هو من كان على صفات مستحقّ الزكاة من الفقراء أوّلاً ثمّ المعرفة و الايمان». انتهى ملخّصا».(1)
ففي الشرائع: «و لايعطى غير المؤمن أو المستضعف مع عدمه، و يعطى أطفال المؤمنين ولو كان آباؤهم فسّاقا. انتهى».(2)
و في المدارك: «بل الأصحّ عدم جواز اعطائها لغير المؤمن مطلقا. و تعطى أطفال المؤمنين مطلقا؛ لأنّ حكمهم حكم آبائهم فيما يرجع الى الايمان و الكفر لا مطلقا. و الكلام في هذه المسألة كما في زكاة المال. انتهى ملخّصا».(3)يجب اعطاء الفطرة لأهل الولاية، و ان لم يجد فلمن لاينصب من المخالفين. و الدليل على ذلك صحيحة الفضيل عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«كان جدّي صلى الله عليه و آله يعطي فطرته الضعفة و من لايجد و من لايتولّى. قال: و قال أبو عبداللّه عليه السلام : هي لأهلها الاّ أن لاتجدهم، فان لم تجدهم فلمن لاينصب، و لاتنقل من أرض الى أرض. و قال: الامام يضعها حيث
يشاء و يصنع فيها ما رأى».(1)
و مكاتبة (صحيحة) علي بن بلال قال:
«كتبت اليه: هل يجوز أن يكون الرجل في بلدة و رجل آخر من اخوانه في بلدة أخرى يحتاج أن يوجّه له فطرة أم لا؟ فكتب: تقسّم الفطرة على من حضر، و لايوجّه ذلك الى بلدة أخرى و ان لم يجد موافقا».(2)
و موثّقة اسحاق بن عمّار عن أبي ابراهيم عليه السلام قال:
«سألته عن صدقة الفطرة، أعطيها غير أهل ولايتي من فقراء جيراني؟ قال: نعم، الجيران أحقّ بها، لمكان الشهرة».(3)
و صحيحة علي بن يقطين أنّه سأل أبا الحسن الأوّل عليه السلام عن زكاة الفطرة:
«هل يصلح أن تعطى الجيران و الظؤورة(4)ممّن لايعرف و لاينصب؟ فقال: لابأس بذلك اذا كان محتاجا».(5)
و قد تقدّم في فصل أوصاف المستحقّين ما يناسب المقام فراجع.
و في المستمسك بعد ذكر الروايات قال: «و من ذلك يظهر ضعف ما عن المشهور - و عن الانتصار و الغنية: الاجماع عليه - من عدم الجواز (يعني عدم جواز اعطائها المخالف اذا لم يجد مؤمنا)؛ لاطلاق ما دلّ على أنّ الزكاة لأهل الولاية. و لما رواه اسماعيل بن سعد عن الرضا عليه السلام : «سألته عن الزكاة، هل توضع فيمن لايعرف؟ قال: لا، و لا زكاة الفطرة». لكنّ الاجماع موهون بتحقّق الخلاف. و الاطلاق مقيّد. و كذا ما رواه اسماعيل، فيحمل على غير المستضعف، أو مع وجود
1) - وسائل الشيعة 9: 360 / الباب 15 من أبواب زكاة الفطرة / الحديث 3.
2) - وسائل الشيعة 9: 360 / الباب 15 من أبواب زكاة الفطرة / الحديث 4.
3) - وسائل الشيعة 9: 360 / الباب 15 من أبواب زكاة الفطرة / الحديث 2.
4) - الظؤورة: جمع ظئر، و هي المرضعة.
5) - وسائل الشيعة 9: 361 / الباب 15 من أبواب زكاة الفطرة / الحديث 6.
المؤمن. بل ظاهر النصوص المذكورة: جواز اعطائها لغير الناصب من المخالفين و ان لم يكن مستضعفا، اذا لم يوجد المؤمن. انتهى».(1)
و أمّا جواز الصرف على أطفال المؤمنين فقد تقدّم تفصيلاً في المسألة الأولى من فصل أوصاف المستحقّين للزكاة.
(مسألة 1): لايشترط عدالة من يدفع اليه، فيجوز دفعها الى فسّاق المؤمنين. نعم، الأحوط عدم دفعها الى شارب الخمر و المتجاهر بالمعصية، بل الأحوط العدالة أيضا. و لايجوز دفعها الى من يصرفها في المعصية.
قد تقدّم شرح هذه المسألة في «الثاني» من أوصاف المستحقّين للزكاة تفصيلاً، و قلنا بأنّ الأقوى عدم اشتراط العدالة في المستحقّ و لا عدم ارتكاب الكبائر، و لايجوز الدفع الى من يصرفها في المعصية.
(مسألة 2): يجوز للمالك أن يتولّى دفعها مباشرة أو توكيلاً، و الأفضل بلالأحوط أيضا دفعها الى الفقيه الجامع للشرائط و خصوصا مع طلبه لها.
الشرح:
قد تقدّم في زكاة المال (في المسألة الأولى من فصل بقيّة أحكام الزكاة) و قلنا بأنّه يجوز للمالك أن يتولّى دفعها مباشرة أو توكيلاً الاّ اذا طلبها الامام المعصوم عليه السلام ؛ لكونه واجب الاطاعة. و أمّا الفقيه لو طلبها دفعت اليه لو كان فتواه وجوب دفع الزكاة الى الامام أو نائبه حيث يرى أنّ الولاية عليها له لا للمالك، و كان المكلّف مقلّدا له، و كذا لو طلبها للدفاع عن بلاد الاسلام ، أو لصرفها في اطعام المسلمين و حفظهم عن التهلكة في عام المجاعة و أمثال ذلك من العناوين
1) - مستمسك العروة 9: 437.
الثانويّة، و في غير ذينك الموردين ممّا يرجع الى الموضوعات لا الأحكام، فالتعيين بيد المقلّد.
(مسألة 3): الأحوط أن لايدفع للفقير أقلّ من صاع الاّ اذا اجتمع جماعة لاتسعهم ذلك.
الشرح:
قال في الشرائع: «و لايعطى الفقير أقلّ من صاع، الاّ أن يجتمع جماعة لايتّسع لهم. انتهى».(1)
و في المدارك: «هذا هو المشهور بين الأصحاب، حتّى أنّ السيّد المرتضى رضى الله عنه قال في الانتصار: ممّا انفردت به الاماميّة القول بأنّه لايجوز أن يعطى الفقير الواحد أقلّ من صاع، و باقي الفقهاء يخالفون في ذلك. ثمّ استدلّ عليه بالاجماع، وبحصول اليقين ببراءة الذمّة، و حصول الاجزاء بذلك دون غيره. انتهى».(2)
و استدلّ للمشهور بمرسلة الحسين بن سعيد عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«لاتعط أحدا أقلّ من رأس».(3)
و مرسلة أخرى للصدوق قال:
«و في خبر آخر قال: لابأس أن تدفع عن نفسك و عمّن تعول الى واحد، و لايجوز أن تدفع ما يلزم واحدا الى نفسين».(4)
و بحصول اليقين ببراءة الذمّة و حصول الاجزاء بذلك دون غيره. و لايعارضهما خبر اسحاق بن المبارك (في حديث) قال:
«سألت أبا ابراهيم عليه السلام عن صدقة الفطرة يعطيها رجلاً واحدا أو اثنين؟ فقال: تفرّقها أحبّ اليّ. قلت: أعطي الرجل الواحد ثلاثة أصيع و أربعة أصيع؟ قال: نعم».(1)
لأنّه مع ضعفه سندا لايدلّ على جواز دفع أقلّ من صاع، فالظاهر أنّ مراد السائل هو اعطاء ثلاثة أصيع أو أربعة أصيع رجلاً واحدا أو اثنين بقرينة ذيله. فالامام عليه السلام لم ينه عن ذلك الاّ أنّه قال: تفرّقها أحبّ اليّ.
و هذا أحد ما احتمله الشيخ من محتملاته الثلاثة فيه، فانّه قال: «ليس في الخبر تجويز تفريق رأس واحد، فيجوز أن يكون أشار الى من وجبت عليه عدّة أصواع. و الثاني منها: الحمل على التقيّة؛ لأنّ مذهب جميع العامّة يوافق ذلك و لايوافقنا على وجوب اعطاء رأس لرأس. و الثالث: أنّ عند اجتماع المحتاجين و أنلايكون هناك ما يفرّق عليهم يجوز تفريق الرأس الواحد. انتهى ملخّصا».(2)
و الأقوى ما عليه المشهور لما تقدّم و لذهاب القدماء الى ذلك.
ففي المختلف: «قال ابنا بابويه: لايجوز أن يعطى ما يلزم الواحد لاثنين. و نصّ أكثر علمائنا على نحوه حيث قالوا: «أقلّ ما يعطى الفقير صاع واحد. ذكره السيّد المرتضى و ابن الجنيد و الشيخان و سلاّر و ابن ادريس و ابن حمزة و ابن زهرة. - الى أن قال: - و لم أجد لأحد من علمائنا السابقين قولاً يخالف ذلك سوى قول شاذّ للشيخ في التهذيب: انّ ذلك على الاستحباب. - و بعد الاستدلال بالمرسلة قال: - لايقال: هذا الحديث مرسل فلايعمل به؛ لأنّا نقول: الحجّة في قول الفقهاء، فانّه يجري مجرى الاجماع، فاذا تلقّت الأمّة الخبر بالقبول لم يحتج الى سند. انتهى».(3)
و بذلك يندفع ما في الجواهر من «عدم صلاحية المرسلة للحجّيّة، فتحمل على الاستحباب؛ لاطلاق الأدلّة و خصوص خبر اسحاق بن المبارك، و خصوصا مع ملاحظة قول صاحب الشرائع و غيره: «الاّ أن يجتمع جماعة لايتّسع لهم» معلّلين له بأنّ فيه تعميما للنفع، و بأنّ في منع البعض أذيّة المؤمن فجاز التشريك بينهم حينئذ و ان كان نصيب كلّ واحد منهم أقلّ من صاع؛ اذ لايخفى أنّ مثل ذلك لايصلح الخروج به عن الدليل المزبور. فالقول بجواز اعطاء الفقير أقلّ من صاع لايخلو عن قوّة. انتهى ملخّصا».(1)
نعم، أضف الى ما استثناه المحقّق و غيره من الحكم المذكور «ما لو اجتمع جماعة لايتّسع لهم» ما اذا كان منع البعض موجبا لأذيّة المؤمن؛ لأنّ ذلك الحكمليس صرف تعبّد.
(مسألة 4): يجوز أن يعطى فقير واحد أزيد من صاع بل الى حدّ الغنى.
الشرح:
يجوز أن يعطى فقير واحد أزيد من صاع، و ذلك للاطلاقات و الأخبار الخاصّة:
منها مكاتبة علي بن بلال قال:
«كتبت الى الطيّب العسكري عليه السلام : هل يجوز أن يعطى الفطرة عن عيال الرجل و هم عشرة، أقلّ أو أكثر، رجلاً محتاجا موافقا؟ فكتب عليه السلام : نعم، افعل ذلك».(2)
و منها موثّقة اسحاق بن عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«لابأس أن يعطي الرجل الرجل عن رأسين و ثلاثة و أربعة، يعني الفطرة».(1)
و منها ما في ذيل خبر اسحاق بن المبارك:
«قلت: أعطي الرجل الواحد ثلاثة أصيع أو أربعة أصيع؟ قال: نعم».(2)
و منها مرسلة الصدوق قال:
«و في خبر آخر قال: لابأس أن تدفع عن نفسك و عمّن تعول الىواحد. الحديث».(3)
قال في المنتهى: «و يجوز أن يعطى الواحد أصواعا كثيرة بغير خلاف، سواء كانت من دافع واحد أو من جماعة، على التعاقب و دفعة واحدة، ما لم يحصل الغنى في صورة التعاقب؛ لأنّ المقتضي و هو الفقر موجود مع الكثير و القليل. انتهى».(4)
و يجوز أن يعطى فقير واحد الى أن يرفع احتياجه و يزيل فقره؛ لأنّه من حكمة تشريع الزكاة.
(مسألة 5): يستحبّ تقديم الأرحام على غيرهم، ثمّ الجيران، ثمّ أهل العلم و الفضل و المشتغلين، و مع التعارض تلاحظ المرجّحات و الأهمّية.
الشرح:
قد تقدّم شرح هذه المسألة في المسألة التاسعة من فصل أوصاف المستحقّين للزكاة. و يؤكّد في زكاة الفطرة اعطاؤها الجيران. ففي موثّقة اسحاق بن عمّار عن أبي ابراهيم عليه السلام قال:
«سألته عن صدقة الفطرة، أعطيها غير أهل ولايتي من فقراء جيراني؟ قال: نعم، الجيران أحقّ بها، لمكان الشهرة».(1)
و خبر اسحاق بن المبارك (في حديث) قال:
«سألت أبا ابراهيم عليه السلام عن صدقة الفطرة، أعطيها غير أهل الولاية من هذا الجيران؟ قال: نعم، الجيران أحقّ بها».(2)
(مسألة 6): اذا دفعها الى شخص باعتقاد كونه فقيرا فبان خلافه فالحال كما في زكاة المال.
قد تقدّم شرحها في المسألة الثامنة من فصل أوصاف المستحقّين، و في المسألة الثالثة عشرة من فصل أصناف المستحقّين للزكاة. و خلاصته أنّه اذا تفحّص عن حاله و دفع الزكاة اليه ثمّ تبيّن خلافه، فان كانت العين باقية استردّها والاّ كان مجزئا. و أمّا ان لم يتفحّص و دفعها فهو ضامن مطلقا.
(مسألة 7): لايكفي ادّعاء الفقر الاّ مع سبقه أو الظنّ بصدق المدّعي.
قد تقدّم شرح هذه المسألة في المسألة العاشرة من فصل أصناف المستحقّين للزكاة، و قلنا بأنّه ان عرف صدقه أو كذبه عومل بمقتضاه، و ان جهل الأمران فمع سبق فقره يعطى من غير يمين، كما أنّه مع سبق غناه لايعطاه، و مع الجهل بالحالة السابقة فان لم يكن هناك علامة على كذبه فيجوز اعطاؤه الزكاة.
(مسألة 8): تجب نيّة القربة هنا كما في زكاة المال، و كذا يجب التعيين - ولو اجمالاً - مع تعدّد ما عليه. و الظاهر عدم وجوب تعيين من يزكّى عنه. فلو كان عليه أصوع لجماعة يجوز دفعها من غير تعيين أنّ هذا لفلان، و هذا لفلان.
قد تقدّم شرح هذه المسألة في فصل نيّة القربة و التعيين في الزكاة، و قلنا بأنّها من العبادات، كما يجب عليه التعيين لو كان في ذمّته كفّارة و خمس و زكاة و نحوها من الواجبات الماليّة تحقيقا للامتثال. ولكن لايجب عليه تعيين من يزكّى عنه؛ لاطلاق الأدلّة.
و فيه أمور:
«الأوّل»: تستحبّ الصدقة المتطوّعة في جميع الأوقات و الحالات، مع كثرة المال و قلّته و مع الدين. فانّها تدفع البلاء و المرض و ميتة السوء و تكثر المال و تقضي الدين.
الشرح:
يدلّ على استحباب الصدقة آيات كثيرة في القرآن، كقوله تعالى: «ان تقرضوا اللّه قرضا حسنا يضاعفه لكم و يغفر لكم».(1)
و قوله تعالى: «من ذا الذي يقرض اللّه قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة».(2)
و الروايات فيه متواترة:
منها صحيحة غياث بن ابراهيم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«انّ الصدقة تقضي الدين و تخلف بالبركة».(1)
و منها خبر السكوني عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: الصدقة تدفع ميتة السوء».(2)
و منها خبر آخر للسكوني عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«ما أحسن عبد الصدقة في الدنيا الاّ أحسن اللّه الخلافة على ولده من بعده. و قال: حسن الصدقة يقضي الدين و يخلف على البركة».(3)
و منها مرسلة اسحاق بن غالب عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«البرّ و الصدقة ينفيان الفقر و يزيدان في العمر و يدفعان عن سبعين ميتة السوء».(4)
و منها خبر سعد بن طريف عن أبي جعفر عليه السلام في قول اللّه عزّوجلّ: «فأمّا من أعطى و اتّقى، و صدّق بالحسنى» بأنّ اللّه يعطي بالواحدة عشرة الى مائة ألف فمازاد «فسنيسّره لليسرى» قال:
«لايريد شيئا من الخير الاّ يسّره اللّه له. الحديث».(5)
و منها خبر عبدالرحمن بن زيد عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: أرض القيامة نار ما خلا ظلّ المؤمن فانّ صدقتهتظلّه».(6)
و منها خبر السكوني عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
1) - وسائل الشيعة 9: 367 / الباب 1 من أبواب الصدقة / الحديث 1.
2) - وسائل الشيعة 9: 367 / الباب 1 من أبواب الصدقة / الحديث 2.
3) - وسائل الشيعة 9: 367 / الباب 1 من أبواب الصدقة / الحديث 3.
4) - وسائل الشيعة 9: 368 / الباب 1 من أبواب الصدقة / الحديث 4.
5) - وسائل الشيعة 9: 368 / الباب 1 من أبواب الصدقة / الحديث 5.
6) - وسائل الشيعة 9: 369 / الباب 1 من أبواب الصدقة / الحديث 7.
«قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: تصدّقوا، فانّ الصدقة تزيد في المال كثرة، فتصدّقوا رحمكم اللّه».(1)
و منها خبر موسى بن بكر عن أبي الحسن عليه السلام قال:
«استنزلوا الرزق بالصدقة».(2)
و منها خبر عبداللّه بن سنان قال:
«قال أبو عبداللّه عليه السلام : داووا مرضاكم بالصدقة و ادفعوا البلاء بالدعاء، و استنزلوا الرزق بالصدقة، فانّها تفكّ من بين لحيي سبعمائة شيطان. الحديث».(3)
و منها خبر معاذ بن مسلم قال:
«كنت عند أبي عبداللّه عليه السلام فذكروا الوجع، فقال: داووا مرضاكم بالصدقة، و ما على أحدكم أن يتصدّق بقوت يومه؟! انّ ملك الموت يدفع اليه الصكّ(4)بقبض روح العبد فيتصدّق فيقال له: ردّ عليه الصكّ».(5)
«الثاني»: يستحبّ للانسان أن يعول أهل بيت من المسلمين بل يختاره علىالحجّ ندبا و على العتق.
الشرح:
يدلّ عليه خبر أبي بصير عن أبي جعفر عليه السلام قال:
1) - وسائل الشيعة 9: 369 / الباب 1 من أبواب الصدقة / الحديث 8.
2) - وسائل الشيعة 9: 370 / الباب 1 من أبواب الصدقة / الحديث 10.
3) - وسائل الشيعة 9: 374 / الباب 3 من أبواب الصدقة / الحديث 1.
4) - الصكّ: الكتاب، و هو فارسيّ معرّب أصله حكّ. و جمعه الأصُكّ و الصكوك و الصكاك.
5) - وسائل الشيعة 9: 375 / الباب 3 من أبواب الصدقة / الحديث 2.
«لأن أحجّ حجّة أحبّ اليّ من أن أعتق رقبة و رقبة حتّى انتهى الى عشر و مثلها و مثلها حتّى انتهى الى سبعين، و لأن أعول أهل بيت من المسلمين، أُشبع جوعتهم و أكسو عورتهم و أكفّ وجوههم عن الناس، أحبّ اليّ من أن أحجّ حجّة و حجّة حتّى انتهى الى عشر و عشر و مثلها حتّى انتهى الى سبعين».(1)
«الثالث»: الصدقة باليد أفضل، و يزاد التأكيد في المريض.
الشرح:
ففي صحيحة عبداللّه بن سنان قال:
«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول: الصدقة باليد تقي ميتة السوء و تدفع سبعين نوعا من أنواع البلاء، و تفكّ عن لحيي سبعين شيطانا كلّهم يأمره أن: لاتفعل».(2)
و صحيحته الثانية عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سمعته يقول: يستحبّ للمريض أن يعطي السائل بيده، و يأمر السائل أن يدعو له».(3)
و صحيحة محمّد بن عمر بن يزيد قال:
«أخبرت أبا الحسن الرضا عليه السلام أنّي أصبت بابنين و بقي لي بنيّ صغير، فقال: تصدّق عنه. ثمّ قال حين حضر قيامي: مر الصبي فليتصدّق بيده بالكسرة و القبضة و الشيء و ان قلّ، فانّ كلّ شيء يراد به اللّه و
ان قلّ بعد أن تصدق النيّة فيه عظيم. الحديث».(1)
«الرابع»: استحباب افتتاح الليل و النهار بالصدقة، و صدقة السرّ أفضل من العلانية.
الشرح:
يدلّ عليه موثّقة عمرو بن خالد قال:
«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول: انّ صدقة النهار تميث(2)الخطيئة كما يميث الماء الملح، و انّ صدقة الليل تطفئ غضب الربّ».(3)
و موثّقة الحسين بن علوان عن جعفر عن أبيه قال:
«قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: اذا أصبحت فتصدّق بصدقة يذهب عنك نحس ذلك اليوم، و اذا أمسيت فتصدّق بصدقة يذهب عنك نحس تلك الليلة».(4)
و في تفسير فرات بن ابراهيم عن ابن عبّاس في قوله تعالى: «الذين ينفقونأموالهم بالليل و النهار سرّا و علانية» قال:
«نزلت في علي بن أبي طالب عليه السلام خاصّة في دنانير كانت له فتصدّق ببعضها ليلاً و ببعضها نهارا، و ببعضها سرّا و ببعضها علانية».(5)
و عن الصدوق قال:
«كان أميرالمؤمنين عليه السلام يقول: انّ أفضل ما يتوسّل به المتوسّلون
الايمان باللّه - الى أن قال: - و صلة الرحم فانّها مثراة للمال، منسأة في الأجل، و صدقة السرّ فانّها تطفئ الخطيئة و تطفئ غضب اللّه عزّوجلّ، و صنائع المعروف فانّها تدفع ميتة السوء و تقي مصارع الهوان. الحديث».(1)
«الخامس»: الصدقة في رمضان أكثر ثوابا، فيستحبّ الاكثار منها فيه؛ لأنّه شهر شريف تضاعف فيه الحسنات، و كذلك كلّ وقت شريف كالجُمع و الأعياد و بالخصوص أوقات الحاجات.
الشرح:
ففي الخبر عن رسول اللّه صلى الله عليه و آله قال:
«من فطّر فيه - يعني في شهر رمضان - مؤمنا صائما كان له بذلك عند اللّه عتق رقبة و مغفرة لذنوبه فيما مضى. قيل: يا رسول اللّه، ليس كلّنا يقدر على أن يفطّر صائما! فقال: انّ اللّه كريم يعطي هذا الثواب لمن لم يقدر الاّ على مذقة من لبن يفطّر بها صائما، أو شربة من ماء عذبأو تمرات لايقدر على أكثر من ذلك».(2)
و في مرسلة حمّاد عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«من تصدّق في شهر رمضان بصدقة صرف اللّه عنه سبعين نوعا من أنواع البلاء».(3)
و خبر عبداللّه بن سنان قال:
«أتى سائل أبا عبداللّه عليه السلام عشيّة الخميس فسأله فردّه ثمّ التفت الى
جلسائه، فقال: أما انّ عندنا ما نتصدّق عليه، ولكنّ الصدقة يوم الجمعة تضاعف أضعافا».(1)
و في صحيحة عبداللّه بن سليمان قال:
«كان أبو جعفر عليه السلام اذا كان يوم عرفة لم يردّ سائلاً».(2)
و في قوله تعالى: «أو اطعام في يوم ذيمسغبة».(3)
«السادس»: الصدقة على ذيالرحم و القرابة أفضل. و تستحبّ على من اشتدّت حاجته.
الشرح:
ففي قوله تعالى: «يتيما ذا مقربة، أو مسكينا ذا متربة».(4)
و في خبر السكوني عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سئل رسول اللّه صلى الله عليه و آله: أيّ الصدقة أفضل؟ قال: على ذيالرحم الكاشح».(5)
و في صحيحة عمر بن يزيد عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سئل عن الصدقة على من يسأل على الأبواب، أو يمسك ذلك عنهم و يعطيه ذوي قرابته؟ قال: لا، بل يبعث بها الى من بينه و بينه قرابة فهذا أعظم للأجر».(6)
و في الخبر عن الحميري عن صاحب الزمان عليه السلام :
«أنّه كتب اليه يسأله عن الرجل ينوي اخراج شيء من ماله و أن يدفعه الى رجل من اخوانه ثمّ يجد في أقربائه محتاجا، أيصرف ذلك عمّن نواه له الى قرابته؟ فأجاب عليه السلام : يصرفه الى أدناهما و أقربهما من مذهبه، فان ذهب الى قول العالم عليه السلام : لايقبل اللّه الصدقة و ذو رحم محتاج، فليقسّم بين القرابة و بين الذي نوى حتّى يكون قد أخذ بالفضل كلّه».(1)
«السابع»: و انّما ينبغي الصدقة من فاضل مؤونة الرجل و مؤونة عياله.
الشرح:
ففي صحيحة الوليد بن صبيح قال:
«كنت عند أبي عبداللّه عليه السلام فجاءه سائل فأعطاه ثمّ جاءه آخر فأعطاه ثمّ جاءه آخر فأعطاه، ثمّ جاءه آخر، فقال: يسع اللّه عليك. ثمّ قال: انّ رجلاً لو كان له مال يبلغ ثلاثين أو أربعين ألف درهم ثمّ شاء أن لايُبقي منها الاّ وضعها في حقّ لفعل فيبقى لا مال له، فيكون من الثلاثة الذين يردّ دعاؤهم. قلت: من هم؟ قال: أحدهم رجل كان له مال فأنفقه في (غير)(2)وجهه، ثمّ قال: يا ربّ ارزقني، فيقال له: ألم أجعل لك سبيلاً الى طلب الرزق».(3)
و في خبر عبداللّه بن أبان قال:
«سألت أبا الحسن الأوّل عليه السلام عن النفقة على العيال، فقال: ما بين
المكروهين: الاسراف و الاقتار».(1)
و في خبر هشام بن المثنّى قال:
«سأل رجل أبا عبداللّه عليه السلام عن قول اللّه عزّوجلّ «و آتوا حقّه يوم حصاده و لاتسرفوا انّه لايحبّ المسرفين»، فقال: كان فلان بن فلان الأنصاري - سمّاه - و كان له حرث و كان اذا أخذ يتصدّق به و يبقى هو و عياله بغير شيء، فجعل اللّه عزّوجلّ ذلك سرفا».(2)
و في خبر محمّد بن سنان عن أبي الحسن عليه السلام في قول اللّه عزّوجلّ «و كان بين ذلك قواما» قال:
«القوام هو المعروف «على الموسع قدره و على المقتر قدره متاعابالمعروف حقّا على المحسنين» على قدر عياله و مؤونتهم التي هي صلاح له و لهم، و «لايكلّف اللّه نفسا الاّ ما آتيها»».(3)
«الثامن»: و لو قصّر في نفقته أو نفقة من يلزمه مؤونته أثم بالصدقة، و استحباب التوسعة على العيال.
الشرح:
ففي صحيحة هشام بن سالم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«كفى بالمرء اثما أن يضيّع من يعوله».(4)
و في خبر علي بن غراب عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: ملعون ملعون من ألقى كلّه على الناس، ملعون
ملعون من ضيّع من يعول».(1)
و في صحيحة أبي حمزة الثمالي عن علي بن الحسين عليه السلام قال:
«أرضاكم عند اللّه أسبغكم على عياله».(2)
و في صحيحة محمّد بن مسلم قال:
«قال رجل لأبي جعفر عليه السلام : انّ لي ضيعة بالجبل أستغلّها في كلّ سنة ثلاث آلاف درهم، فأنفق على عيالي منها ألفي درهم و أتصدّق منها بألف درهم في كلّ سنة، فقال أبو جعفر عليه السلام : ان كانت الألفان تكفيهم في جميع ما يحتاجون اليه لسنتهم فقد نظرت لنفسك و وفّقتلرشدك و أجريت نفسك في حياتك بمنزلة ما يوصي به الحيّ عند موته».(3)
و في صحيحة معمّر بن خلاّد عن أبي الحسن عليه السلام قال:
«ينبغي للرجل أن يوسّع على عياله كي لايتمنّوا موته، و تلا هذه الآية: «و يطعمون الطعام على حبّه مسكينا و يتيما و أسيرا» قال: الأسير عيال الرجل، ينبغي للرجل اذا زيد في النعمة أن يزيد أسراءه في السعة عليهم. ثمّ قال: انّ فلانا أنعم اللّه عليه بنعمة، فمنعها أسراءه و جعلها عند فلان فذهب اللّه بها. قال معمّر: و كان فلان حاضرا».(4)
و في صحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«كان علي بن الحسين عليه السلام اذا أصبح خرج غاديا في طلب الرزق، فقيل له: يابن رسول اللّه، أين تذهب؟ فقال: أتصدّق لعيالي. قيل له:
أتتصدّق؟ قال: من طلب الحلال فهو من اللّه عزّوجلّ صدقة عليه».(1)
و في خبر ابن أبي نصر عن الرضا عليه السلام قال:
«قال: صاحب النعمة يجب عليه التوسعة عن عياله».(2)
و في خبر ربيع بن يزيد قال:
«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول: اليد العليا خير من اليد السفلى، و ابدأ بمن تعول».(3)
و في خبر عمر بن يزيد عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: انّ المؤمن يأخذ بأدب اللّه عزّوجلّ، اذا وسّع عليه اتّسع و اذا أمسك عليه أمسك».(4)
و في صحيحة معاذ بن كثير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«من سعادة الرجل أن يكون القيّم على عياله».(5)
و في الخبر عن الرضا عليه السلام :
«ينبغي للمؤمن أن ينقص من قوت عياله في الشتاء و يزيد في وقودهم».(6)
1) - فروع الكافي 4: 15 / باب كفاية العيال و التوسّع عليهم / الحديث 11.
2) - فروع الكافي 4: 14 / باب كفاية العيال و التوسّع عليهم / الحديث 5.
3) - فروع الكافي 4: 14 / باب كفاية العيال و التوسّع عليهم / الحديث 4.
4) - فروع الكافي 4: 15 / باب كفاية العيال و التوسّع عليهم / الحديث 12.
5) - فروع الكافي 4: 15 / باب كفاية العيال و التوسّع عليهم / الحديث 13.
6) - فروع الكافي 4: 15 / باب كفاية العيال و التوسّع عليهم / الحديث 14.
«التاسع»: في الصدقة بجميع ماله و ايثار الغير على نفسه.
الشرح:
قال العلاّمة الحلّي: «فان كان الرجل وحده، أو كان له من يمونه و له كفايتهم و كان ذا كسب، فأراد الصدقة بجميع ماله وثوقا منه بحسن التوكّل و السعي في كسبه بقدر كفايته و كفاية من يمونه، كان سائغا؛ لقول النبي صلى الله عليه و آله و قد سئل عن أفضل الصدقة: «جهد من مقلّ الى فقير في السرّ». فان فقد هذان الوصفان في الرجل، كره له التصدّق بجميع ماله؛ لما رواه جابر بن عبداللّه قال: «كنّا عند رسول اللّه صلى الله عليه و آله اذ جاءه رجل بمثل بيضة من ذهب، فقال: يا رسول اللّه، أصبت هذه من معدن فخذها فهي صدقة ما أملك غيرها، فأعرض عنه رسول اللّه صلى الله عليه و آله، ثمّ أتاه من قبل ركنه الأيمن و قال مثل ذلك، فأعرض عنه، ثمّ أتاه من قبل ركنه الأيسر، فأعرض رسول اللّه صلى الله عليه و آله ثمّ أتاه من خلفه، فأخذها رسول اللّه صلى الله عليه و آله فحذفه بها، فلو أصابته لأوجعته، أو لعقرته. و قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: يأتي أحدكم بما يملك ثمّ يقول: هذه صدقة، ثمّ يقعد يستكفّ الناس، خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى». و معنى قوله عليه السلام : «يستكفّ الناس» يتعرّض للصدقة، و يأخذها ببطن كفّه. و لأنّ اخراج جميع المال لايؤمن معه فتنة الفقر، فيذهب ماله، و يبطل أجره، و يصير كلاًّ على الناس. انتهى».(1)
ففي الخبر عن أبي بصير عن أحدهما عليهماالسلام قال:
«قلت له: أيّ الصدقة أفضل؟ قال: جهد المقلّ؛ أما سمعت قول اللّه عزّوجلّ: «و يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة» ترى هيهنا فضلاً».(2)
و موثّقة سماعة قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل ليس عنده الاّ قوت يومه، أيعطف مَن عنده قوت يومه على من ليس عنده شيء، و يعطف من عنده قوت شهر على من دونه، و السنة على نحو ذلك، أم ذلك كلّه الكفاف الذي لايلام عليه؟ فقال: هو أمر انّ أفضلكم فيه أحرصكم على الرغبة و الأثَرة على نفسه، فانّ اللّه عزّوجلّ يقول: «و يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة»، و الأمر الآخر لايلام على الكفاف، و اليد العليا خير من اليد السفلى، و ابدأ بمن تعول».(1)
«العاشر»: يستحبّ العطاء من غير مسألة و الاستتار من الآخذ بحجاب أو ظلمة لئلاّيتعرّض للذلّ و عدم جواز اللوم على الاعطاء.
الشرح:
ففي خبر مسعدة بن صدقة:
«انّ أميرالمؤمنين - صلوات اللّه عليه - بعث الى رجل بخمسة أوساق من تمر البغيبغة(2)و كان الرجل ممّن يرجو نوافله و يؤمّل نائله و رفده و كان لايسأل عليّا و لا غيره شيئا، فقال رجل لأميرالمؤمنين عليه السلام : و اللّه ما سألك فلان و لقد كان يجزئه من الخمسة الأوساق وسق واحد. فقال له أميرالمؤمنين عليه السلام : لا كثّر اللّه فيالمؤمنين ضربك، أعطي أنا و تبخل أنت، للّه أنت، اذا أنا لم أعط الذي يرجوني الاّ من بعد المسألة ثمّ أعطيه بعد المسألة فلم أعطه الاّ ثمن
ما أخذت منه، و ذلك لأنّي عرّضته أن يبذل لي وجهه الذي يعفّره في التراب لربّي و ربّه عند تعبّده له و طلب حوائجه اليه، فمن فعل هذا بأخيه المسلم و قد عرف أنّه موضع لصلته و معروفه فلم يصدّق اللّه عزّوجلّ في دعائه له حيث يتمنّى له الجنّة بلسانه و يبخل عليه بالحطام من ماله، و ذلك أنّ العبد قد يقول في دعائه: اللّهمّ اغفر للمؤمنين و المؤمنات. فاذا دعا لهم بالمغفرة فقد طلب لهم الجنّة، فما أنصف من فعل هذا بالقول و لم يحقّقه بالفعل».(1)
«الحادي عشر»: استحباب عدم السؤال بل يكره و يتأكّد من غير حاجة.
الشرح:
ففي صحيحة أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«جاءت فخذ من الأنصار الى رسول اللّه صلى الله عليه و آله فسلّموا عليه فردّ عليهم السلام ، فقالوا: يا رسول اللّه، لنا اليك حاجة. فقال: هاتوا حاجتكم. قالوا: انّها حاجة عظيمة. فقال: هاتوها، ما هي؟ قالوا: تضمن لنا على ربّك الجنّة. قال: فنكس رسول اللّه صلى الله عليه و آله رأسه ثمّ نكت في الأرض ثمّ رفع رأسه فقال: أفعل ذلك بكم على أن لاتسألوا أحدا شيئا. قال: فكان الرجل منهم يكون في السفر فيسقط سوطه فيكره أن يقوللانسان: ناولنيه؛ فرارا من المسألة، و ينزل فيأخذه، و يكون على المائدة فيكون بعض الجلساء أقرب الى الماء منه، فلايقول: ناولني، حتّى يقوم فيشرب».(2)
و في مرسلة الحسين بن حمّاد عن أبي عبداللّه عليه السلام يقول:
«ايّاكم و سؤال الناس، فانّه ذلّ في الدنيا و فقر تعجّلونه، و حساب طويل يوم القيامة».(1)
و في صحيحة محمّد بن مسلم قال:
«قال أبو جعفر عليه السلام : يا محمّد، لو يعلم السائل ما في المسألة ما سأل أحد أحدا. الحديث».(2)
و في الخبر عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«رحم اللّه عبدا عفّ و تعفّف فكفّ عن المسألة، فانّه يتعجّل الدنيّة في الدنيا و لايغني الناس عنه شيئا. الحديث».(3)
و في الخبر عن جعفر بن محمّد عن آبائه عليهم السلام في وصيّة النبي صلى الله عليه و آله لعلي عليه السلام قال:
«يا علي، لئن أدخل يدي في فم التنّين الى المرفق أحبّ اليّ من أن أسأل من لم يكن ثمّ كان - الى أن قال: - ثمّ قال: يا أبا ذرّ، ايّاك و السؤال، فانّه ذلّ حاضر، و فقر تتعجّله، و فيه حساب طويل يوم القيامة - الى أن قال: - يا أبا ذرّ، لاتسأل بكفّك و ان أتاك شيءفاقبله».(4)
و في الخبر عن أميرالمؤمنين عليه السلام قال:
«اتّبعوا قول رسول اللّه صلى الله عليه و آله فانّه قال: من فتح على نفسه باب مسألة فتح اللّه عليه باب فقر».(5)
1) - وسائل الشيعة 9: 439 / الباب 32 من أبواب الصدقة / الحديث 2.
2) - وسائل الشيعة 9: 438 / الباب 32 من أبواب الصدقة / الحديث 1.
3) - وسائل الشيعة 9: 440 / الباب 32 من أبواب الصدقة / الحديث 5.
4) - وسائل الشيعة 9: 440 / الباب 32 من أبواب الصدقة / الحديث 6.
5) - وسائل الشيعة 9: 437 / الباب 31 من أبواب الصدقة / الحديث 3.
«الثاني عشر»: المنّ و الأذى يبطل ثواب الصدقة.
الشرح:
ففي قوله تعالى: «يا أيّها الذين آمنوا لاتبطلوا صدقاتكم بالمنّ و الأذى كالذي ينفق ماله رئآء الناس و لايؤمن باللّه و اليوم الآخر ... ».(1)
و في موثّقة عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: انّ اللّه كره لي ستّ خصال و كرهتها للأوصياء من ولدي و أتباعهم من بعدي - منها - المنّ بعد الصدقة».(2)
و في الخبر عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«المنّ يهدم الصنيعة».(3)
و في خبر الحسين بن زيد عن الصادق عن آبائه عليهم السلام عن رسول اللّه صلى الله عليه و آله (في حديث المناهي) قال:
«و من اصطنع الى أخيه معروفا فامتنّ به أحبط اللّه عمله، و ثبتوزره، و لم يشكر له سعيه. ثمّ قال عليه السلام : يقول اللّه عزّوجلّ: حرّمت الجنّة على المنّان و البخيل و القتّات و هو النمّام، ألا و من تصدّق بصدقة فله بوزن كلّ درهم مثل جبل أحد من نعيم الجنّة، و من مشى بصدقة الى محتاج كان له كأجر صاحبها من غير أن ينقص من أجره شيء».(4)
«الثالث عشر»: استحباب الصدقة بأطيب المال و أحلّه، و عدم جواز الصدقة بالمال الحرام مع العلم بصاحبه.
الشرح:
ففي الخبر عن أبي عبداللّه عليه السلام في قوله عزّوجلّ: «أنفقوا من طيّبات ما كسبتم»(1)فقال:
«كان القوم قد كسبوا مكاسب سوء في الجاهليّة، فلمّا أسلموا أرادوا أن يخرجوها من أموالهم فيتصدّقوا بها، فأبى اللّه عزّوجلّ أن يخرجوا الاّ من أطيب ما كسبوا».(2)
و في الخبر عن الصادق عليه السلام (في حديث طويل) قال:
«انّ من اتّبع هواه و أعجب برأيه كان كرجل سمعت غثاء العامّة تعظّمه و تصفه فأحببت لقاءه من حيث لايعرفني، فرأيته قد أحدق به خلق كثير من غثاء العامّة، فمازال يراوغهم حتّى فارقهم و لم يقرّ،فتبعته فلم يلبث أن مرّ بخبّاز فتغفّله فأخذ من دكّانه رغيفين مسارقة فتعجّبت منه، ثمّ قلت في نفسي: لعلّه معاملة، ثمّ مرّ بعده بصاحب رمّان فمازال به حتّى تغفّله و أخذ من عنده رمّانتين مسارقة فتعجّبت منه، ثمّ قلت في نفسي: لعلّه معاملة. ثمّ أقول: و ما حاجته اذا الى المسارقة؟! ثمّ لم أزل أتبعه حتّى مرّ بمريض فوضع الرغيفين و الرمّانتين بين يديه - ثمّ ذكر أنّه سأله عن فعله - فقال له: لعلّك جعفر بن محمّد؟ قلت: بلى. فقال لي: فما ينفعك شرف أصلك مع جهلك؟! فقلت: و ما الذي جهلت منه؟ قال: قول اللّه عزّوجلّ: «من
جاء بالحسنة فله عشر أمثالها و من جاء بالسيّئة فلايجزى الاّ مثلها»، و انّي لمّا سرقت الرغيفين كانت سيّئتين، و لمّا سرقت الرمّانتين كانت سيّئتين، فهذه أربع سيّئات، فلمّا تصدّقت بكلّ واحدة منها كان لي أربعون حسنة، فانتقص من أربعين حسنة أربع سيّئات و بقي لي ستّ و ثلاثون حسنة. فقلت له: ثكلتك أمّك، أنت الجاهل بكتاب اللّه، أما سمعت اللّه عزّوجلّ يقول: «انّما يتقبّل اللّه من المتّقين»؟ انّك لمّا سرقت رغيفين كانت سيّئتين، و لمّا سرقت رمّانتين كانت أيضا سيّئتين، و لمّا دفعتهما الى غير صاحبهما بغير أمر صاحبهما كنت انّما أنت أضفت أربع سيّئات الى أربع سيّئات، و لم تضف أربعين حسنة الى أربع سيّئات، فجعل يلاحظني فانصرفت و تركته. قال الصادق عليه السلام : بمثل هذا التأويل القبيح المستكره يضلّون و يضلّون».(1)
«الرابع عشر»: تأكّد استحباب اصطناع المعروف الى العلويّين و السادات و الصدقة اليهم.
الشرح:
ففي الخبر عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: أنا شافع يوم القيامة لأربعة أصناف ولو جاؤوا بذنوب أهل الدنيا: رجل نصر ذرّيّتي، و رجل بذل ماله لذرّيّتي عند الضيق، و رجل أحبّ ذرّيّتي باللسان و القلب، و رجل سعى في
1) - وسائل الشيعة 9: 466 / الباب 46 من أبواب الصدقة / الحديث 6.
حوائج ذرّيّتي اذا طردوا أو شرّدوا».(1)
و في مرسلة الصدوق قال:
«و قال الصادق عليه السلام : اذا كان يوم القيامة نادى منادٍ: أيّها الخلائق أنصتوا، فانّ محمّدا صلى الله عليه و آله يكلّمكم، فتنصت الخلائق فيقوم النبي صلى الله عليه و آله فيقول: يا معشر الخلائق، من كانت له عندي يد أو منّة أو معروف فليقم حتّى أكافئه. فيقولون: بآبائنا و أمّهاتنا و أيّ يد و أيّ منّة و أيّ معروف لنا؟ بل اليد و المنّة و المعروف للّه و لرسوله على جميع الخلائق. فيقول لهم: بلى، من آوى أحدا من أهل بيتي أو برّهم أو كساهم من عُرْي أو أشبع جائعهم فليقم حتّى أكافئه. فيقوم أناس قد فعلوا ذلك، فيأتي النداء من عند اللّه تعالى: يا محمّد يا حبيبي، قد جعلت مكافأتهم اليك فأسكنهم من الجنّة حيث شئت. قال: فيسكنهم في الوسيلة حيث لايحجبون عن محمّد و أهلبيته عليهم السلام ».(2)
و في الخبر عن علي عليه السلام قال:
«قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: أربعة أنا الشفيع لهم يوم القيامة و لو أتوني بذنوب أهل الأرض: معين أهل بيتي، و القاضي لهم حوائجهم عندما اضطرّوا اليه، و المحبّ لهم بقلبه و لسانه، و الدافع عنهم بيده».(3)
و في الخبر عن رسول اللّه صلى الله عليه و آله قال:
«من وصل أحدا من أهل بيتي في دار الدنيا بقيراط كافأته بقنطار».(4)
«الخامس عشر»: استحباب الصدقة بشيء من المال عند الخوف عليه و عزل ما يريد الصدقة به مع عدم الصدقة.
الشرح:
ففي الخبر عن الحسن بن علي العسكري عليه السلام عن آبائه عليهم السلام قال:
«كان الصادق عليه السلام في طريق و معه قوم معهم أموال و ذُكر لهم أنّ بارقة في الطريق يقطعون على الناس، فارتعدت فرائصهم، فقال لهم الصادق عليه السلام : ما لكم؟ قالوا: معنا أموالنا نخاف عليها أن تؤخذ منّا، أفتأخذها منّا؟ فلعلّهم يندفعون عنها اذا رأوا أنّها لك. فقال: و ما يدريكم؟ لعلّهم لايقصدون غيري و لعلّكم تعرضوني بها للتلف. فقالوا: فكيف نصنع؟ ندفنها؟ قال: ذلك أضيع لها، فلعلّ طاريايطري عليها فيأخذها و لعلّكم لاتغدون اليها بعد. فقالوا: كيف نصنع؟ دلّنا! قال: أودعوها من يحفظها و يدفع عنها و يربّيها و يجعل الواحد منها أعظم من الدنيا و ما فيها ثمّ يردّها و يوفّرها عليكم أحوج ما تكونون اليها. قالوا: من ذلك؟ قال: ذاك ربّ العالمين. قالوا: و كيف نودعه؟ قال: تتصدّقون به على ضعفاء المسلمين. قالوا: و أنّى لنا الضعفاء بحضرتنا هذه؟ قال: فاعزموا على أن تتصدّقوا بثلثها ليدفع اللّه عن باقيها من تخافون. قالوا: قد عزمنا. قال: فأنتم في أمان اللّه، فامضوا! فمضوا فظهرت لهم البارقة فخافوا. فقال الصادق عليه السلام : كيف تخافون و أنتم في أمان اللّه عزّوجلّ؟ فتقدّم البارقة و ترجّلوا و قبّلوا يد الصادق عليه السلام و قالوا: رأينا البارحة في منامنا رسول اللّه صلى الله عليه و آله يأمرنا بعرض أنفسنا عليك فنحن بين يديك و نصحبك و هؤلاء لندفع عنهم الأعداء و اللصوص. فقال الصادق عليه السلام : لا حاجة بنا
اليكم، فانّ الذي دفعكم عنّا يدفعهم، فمضوا سالمين و تصدّقوا بالثلث و بورك لهم في تجاراتهم فربحوا للدرهم عشرة، فقالوا: ما أعظم بركة الصادق عليه السلام ! فقال الصادق عليه السلام : قد تعرّفتم البركة في معاملة اللّه عزّوجلّ؟ فدوموا عليها».(1)
«السادس عشر»: استحباب قناعة السائل و دعائه لمن أعطاه، و زيادة اعطاء القانع الشاكر و ردّ غير القانع.
الشرح:
ففي صحيحة مسمع بن عبدالملك قال:
«كنّا عند أبي عبداللّه عليه السلام بمنى و بين يدينا عنب نأكله، فجاء سائل فسأله فأمر له بعنقود فأعطاه، فقال السائل: لا حاجة لي في هذا، ان كان درهم. فقال: يسع اللّه لك. فذهب ثمّ رجع فقال: ردّوا العنقود. فقال: يسع اللّه لك و لم يعطه شيئا فذهب، ثمّ جاء سائل آخر فأخذ أبو عبداللّه عليه السلام ثلاث حبّات عنب فناولها ايّاه فأخذها السائل من يده ثمّ قال: الحمد للّه ربّ العالمين الذي رزقني. فقال أبو عبداللّه عليه السلام : مكانك! فحثا مل ء كفّيه عنبا فناولها ايّاه، فأخذها السائل من يده ثمّ قال: الحمد للّه ربّ العالمين. فقال أبو عبداللّه عليه السلام : مكانك يا غلام، أيّ شيء معك من الدراهم؟ فاذا معه نحو من عشرين درهما فيما حزرناه أو نحوها، فناولها ايّاه فأخذها ثمّ قال: الحمد للّه، هذا منك وحدك لا شريك لك. فقال أبو عبداللّه عليه السلام : مكانك، فخلع قميصا كان
1) - وسائل الشيعة 9: 390 / الباب 10 من أبواب الصدقة / الحديث 1 - عيون أخبارالرضا عليه السلام / الباب 30 / الحديث 9.
عليه فقال: البس هذا. فلبس ثمّ قال: الحمد اللّه الذي كساني و سترني يا أبا عبداللّه - أو قال: جزاك اللّه خيرا، لم يدعُ لأبي عبداللّه عليه السلام الاّ بذا - ثمّ انصرف فذهب. قال: فظننّا أنّه لو لم يدع له لم يزل يعطيه؛ لأنّه كلّما كان يعطيه حمد اللّه أعطاه».(1)
«السابع عشر»: عدم جواز وضع المعروف في غير موضعه.
الشرح:
ففي صحيحة سيف بن عَميرة قال:
«قال أبو عبداللّه عليه السلام لمفضّل بن عمر: يا مفضّل، اذا أردت أن تعلم أشقيّ الرجل أم سعيد، فانظر سيبه و معروفه الى من يصنعه، فان كان يصنعه الى من هو أهله فاعلم أنّه الى خير، و ان كان يصنعه الى غير أهله فاعلم أنّه ليس له عند اللّه خير».(2)
و في خبر أبي مخنف الأزدي قال:
«أتى أميرالمؤمنين - صلوات اللّه عليه - رهط من الشيعة فقالوا: يا أميرالمؤمنين، لو أخرجت هذه الأموال ففرّقتها في هؤلاء الرؤساء و الأشراف و فضّلتهم علينا حتّى اذا استوسقت الأمور عدت الى أفضل ما عوّدك اللّه من القسم بالسويّة و العدل في الرعيّة؟ فقال أميرالمؤمنين عليه السلام : أتأمروني - ويحكم - أن أطلب النصر بالظلم و الجور فيمن وُلّيت عليه من أهل الاسلام ؟ لا واللّه، لايكون ذلك ما سمر السمير و ما رأيت في السماء نجما، و اللّه لو كانت أموالهم مالي
لساويت بينهم، فكيف و انّما هي أموالهم. قال: ثمّ أزم ساكتا طويلاً ثمّ رفع رأسه فقال: من كان فيكم له مال فايّاه و الفساد، فانّ اعطاءه في غير حقّه تبذير و اسراف، و هو يرفع ذكر صاحبه في الناس و يضعه عند اللّه و لم يضع امرؤ ماله في غير حقّه و عند غير أهله الاّ حرّمه اللّه شكرهم و كان لغيره ودّهم، فان بقي معه منهم بقيّة ممّن يظهر الشكر له و يريه النصح فانّما ذلك مَلَق منه و كذب، فان زلّت بصاحبهم النعل ثمّ احتاج الى معونتهم و مكافأتهم فألأم خليل و شرّ خدين، و لم يضع امرؤ ماله في غير حقّه و عند غير أهله الاّ لم يكن لهمن الحظّ فيما أتي الاّ محمدة اللئام و ثناء الأشرار مادام عليه منعما مفضلاً و مقالة الجاهل: ما أجوده، و هو عند اللّه بخيل، فأيّ حظّ أبوَر و أخسر من هذا الحظّ و أيّ فائدة معروف أقلّ من هذا المعروف، فمن كان منكم له مال فليصل به القرابة و ليحسن منه الضيافة و ليفكّ به العاني و الأسير و ابن السبيل، فانّ الفوز بهذه الخصال مكارم الدنيا و شرف الآخرة».(1)
و في خبر اسماعيل بن جابر قال:
«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول: لو أنّ الناس أخذوا ما أمرهم اللّه عزّوجلّ به فأنفقوه فيما نهاهم اللّه عنه ما قبله منهم، ولو أخذوا ما نهاهم اللّه عنه فأنفقوه فيما أمرهم اللّه به ما قبله منهم حتّى يأخذوه من حقّ و ينفقوه في حقّ».(2)
«الثامن عشر»: استحباب الصدقة ولو على غير المؤمن حتّى دوابّ البرّ و البحر، و على الذمّي عند ضرورته كشدّة العطش.
الشرح:
ففي صحيحة هشام بن سالم قال:
«كان أبو عبداللّه عليه السلام اذا أعتم(1)و ذهب من الليل شطره أخذ جرابا فيهخبز و لحم و الدراهم فحمله على عنقه ثمّ ذهب به الى أهل الحاجة من أهل المدينة فقسّمه فيهم و لايعرفونه، فلمّا مضى أبو عبداللّه عليه السلام فقدوا ذلك فعلموا أنّه كان أبا عبداللّه عليه السلام ».(2)
و في خبر معلّى بن خنيس قال:
«خرج أبو عبداللّه عليه السلام في ليلة قد رشّت و هو يريد ظلّة بني ساعدة فأتبعته فاذا هو قد سقط منه شيء فقال: بسم اللّه، اللّهمّ ردّ علينا. قال: فأتيته فسلّمت عليه. قال: فقال: معلّى؟ قلت: نعم، جعلت فداك. فقال لي: التمس بيدك فما وجدت من شيء فادفعه اليّ، فاذا أنا بخبز منتشر كثير فجعلت أدفع اليه ما وجدت فاذا أنا بجراب أعجز عن حمله من خبز. فقلت: جعلت فداك، أحمله على رأسي، فقال: لا، أنا أولى به منك ولكن امض معي. قال: فأتينا ظلّة بني ساعدة فاذا نحن بقوم نيام فجعل يدسّ الرغيف و الرغيفين حتّى أتى على آخرهم ثمّ انصرفنا. فقلت: جعلت فداك، يعرف هؤلاء الحقّ؟ فقال: لو عرفوه لواسيناهم بالدُقّة (و الدقّة هي الملح)؛ انّ اللّه تبارك و تعالى لم يخلق شيئا الاّ و له خازن يخزنه الاّ الصدقة، فانّ الربّ يليها بنفسه و كان
أبي اذا تصدّق بشيء وضعه في يد السائل ثمّ ارتدّه منه فقبّله و شمّه ثمّ ردّه في يد السائل، انّ صدقة الليل تطفئ غضب الربّ و تمحو الذنب العظيم و تهوّن الحساب، و صدقة النهار تثمر المال و تزيد في العمر. انّ عيسى بن مريم عليه السلام لمّا أن مرّ على شاطئ البحر رمى بقرص من قوته في الماء فقال له بعض الحواريّين: يا روح اللّه وكلمته، لم فعلته هذا و انّما هو من قوتك؟ قال: فقال: فعلت هذا لدابّة تأكله من دوابّ الماء و ثوابه عند اللّه عظيم».(1)
و في الخبر عن مصادف قال:
«كنت مع أبي عبداللّه عليه السلام بين مكّة و المدينة فمررنا على رجل في أصل شجرة و قد ألقى بنفسه، فقال: مل بنا الى هذا الرجل فانّي أخاف أن يكون قد أصابه عطش، فملنا اليه فاذا رجل من الفراشين، طويل الشعر، فسأله: أعطشان أنت؟ فقال: نعم. فقال لي: انزل يا مصادف فاسقه، فنزلت فسقيته ثمّ ركبت و سرنا. فقلت: هذا نصرانيّ، أفتتصدّق على نصرانيّ؟ فقال: نعم، اذا كانوا في مثل هذا الحال».(2)
تمّ بعون اللّه تعالى
شرح كتاب الزكاة من العروة الوثقى
بيد أقلّ العباد السيّد على محمّد دستغيب الحسيني
ابن المرحوم السيّد على أكبر
في شهر جمادي الثاني سنة 1427
و صلّى اللّه على محمّد و آله الطاهرين