ghaemiyeh.com
الهادي إلی الطريقة الوسطی في شرح العروة الوثقی
المجلد التاسع
کتاب الصلاة
الجزء السادس
لمؤلفة المحقق والفقيه المدقق
سماحة آية الله سيد علي محمد دستغيب الحسيني الشيرازي
محرر الرقمي: روح الله قاسمي
فصل في كيفيّة صلاة الاحتياط / 23
فيما يعتبر في صلاة الاحتياط ... 23
في مراعاة جهة الاستقلال و الجزئيّة في صلاة الاحتياط ... 28
فيما اذا تبيّن قبل صلاة الاحتياط تماميّة الصلاة ... 31
فيما اذا تبيّن بعد الاتيان بصلاة الاحتياط أو في أثنائها تماميّة الصلاة ... 32
فيما اذا تبيّن بعد اتمام الصلاة زيادة ركعة ... 33
فيما اذا تبيّن بعد صلاة الاحتياط نقصان الصلاة ... 34
فيما لو تبيّن بعد صلاة الاحتياط نقص الصلاة أزيد ممّا كان محتملاً ... 35
فيما اذا تبيّن قبل الشروع في صلاة الاحتياط نقصان صلاته ... 36
فيما اذا تبيّن نقصان الصلاة في أثناء صلاة الاحتياط ... 36
فيما لو شكّ في اتيان صلاة الاحتياط بعد العلم بوجوبها عليه ... 40
فيما لو زاد في صلاة الاحتياط ركعة أو ركنا ... 41
فيما لو شكّ في فعل من أفعال صلاة الاحتياط ... 42
فيما لو شكّ في عدد ركعات صلاة الاحتياط ... 43
فيما لو زاد فيها فعلاً من غير الأركان أو نقص ... 44
فيما لو شكّ في شرط أو جزء منها بعد السلام ... 45
فيما اذا نسيها و شرع في نافلة أو قضاء فريضة أو نحو ذلك ... 46
فيما اذا نسي سجدة واحدة أو تشهّدا في صلاة الاحتياط ... 47
فصل في حكم قضاء الأجزاء المنسيّة / 49
فيما اذا ترك سجدة واحدة أو التشهّد ... 49
الفرع الأوّل في نسيان السجدة ... 49
الفرع الثاني في نسيان التشهّد ... 52
الفرع الثالث في نسيان السجدة أو التشهّد في الركعة الأخيرة ... 55
الفرع الرابع فيما لو نسي بعض أجزاء التشهّد ... 56
فيما يشترط في قضاء الأجزاء المنسيّة ... 57
فيما لو فصل بينهما و بين الصلاة بالمنافي ... 57
فيما لو أتى بما يوجب سجود السهو قبل الاتيان بهما أو في أثنائهما ... 59
فيما لو تعدّد نسيان السجدة أو التشهّد ... 60
فيما لو كان عليه قضاؤهما و شكّ في السابق و اللاحق ... 61
فيما اذا شكّ في أنّه نسي أحدهما أم لا ... 61
فيما لو كان عليه صلاة الاحتياط و قضاء السجدة أو التشهّد ... 62
فيما اذا سها عن الذكر أو بعض ما يعتبر فيها ماعدا وضع الجبهة ... 62
في عدم الفرق في وجوب قضاء السجدة بين كونها من الركعتين الأوّلتين و الأخيرتين ... 63
فيما لو كان عليه قضاء أحدهما و شكّ في اتيانه و عدمه ... 64
فيما لو شكّ في أنّ الفائت منه سجدة واحدة أو سجدتان من ركعتين ... 65
فيما لو شكّ في أنّ الفائت منه سجدة أو غيرها من الأجزاء الواجبة ... 65
فيما لو نسي قضاء السجدة أو التشهّد و تذكّر بعد الدخول في نافلة ... 66
فيما لو كان عليه قضاء أحدهما في صلاة الظهر و ضاق وقت العصر ... 66
فصل في موجبات سجود السهو و كيفيّته و أحكامه / 69
«الأوّل»: الكلام سهوا ... 69
الفرع الأوّل في الذكر و الدعاء و القرآن في جميع أحوال الصلاة ... 72
الفرع الثاني فيما يتحقّق به الكلام ... 74
الفرع الثالث فيمن تكلّم ظانّا الخروج من الصلاة أو جاهلاً بكونه كلاما ... 75
«الثاني»: السلام في غير موضعه ساهيا ... 77
«الثالث»: نسيان السجدة الواحدة اذا فات محلّ تداركها ... 80
«الرابع»: نسيان التشهّد مع فوت محلّ تداركه ... 84
«الخامس»: الشكّ بين الأربع و الخمس بعد اكمال السجدتين ... 85
«السادس»: القيام في موضع القعود أو العكس بل لكلّ زيادة و نقيصة ... 86
الفرع الأوّل فيمن قام في موضع القعود أو العكس ... 87
الفرع الثاني في أنّه هل يجب سجود السهو لكلّ زيادة و نقيصة؟ ... 90
في وجوب تكرّر سجود السهو بتكرّر الموجب ... 95
في عدم وجوب تعيين السبب في سجود السهو ... 97
فيما لو سجد للكلام فبان أنّ الموجب غيره ... 99
في وجوب الاتيان بسجود السهو فورا ... 99
فرع فيما لو ترك سجود السهو ... 101
في كيفيّة سجود السهو ... 102
الفرع الأوّل في وجوب النيّة لسجود السهو ... 103
الفرع الثاني في عدم وجوب التكبير فيهما ... 104
الفرع الثالث فيما يعتبر في سجدتي السهو ... 105
الفرع الرابع في وجوب الذكر في سجدتي السهو ... 108
الفرع الخامس في وجوب التشهّد في سجدتي السهو ... 111
فيما لو شكّ في تحقّق موجبه و عدمه ... 115
فيما لو شكّ في اتيانه بعد العلم بوجوبه ... 117
فيما لو اعتقد وجود الموجب ثمّ بعد السلام شكّ فيه ... 118
فيما لو علم بوجود الموجب و شكّ في الأقلّ و الأكثر ... 118
فيما اذا شكّ في فعل من أفعال سجود السهو ... 119
فصل في الشكوك التي لا اعتبار بها و لايلتفت اليها / 121
«الأوّل»: الشكّ بعد تجاوز المحلّ ... 121
«الثاني»: الشكّ بعد الوقت ... 121
«الثالث»: الشكّ بعد السلام الواجب ... 121
«الرابع»: شكّ كثير الشكّ ... 124
الفرع الأوّل في أنّ المراد بالسهو هو الشكّ ... 126
الفرع الثاني في عدم الفرق بين الركن و غيره ... 128
الفرع الثالث فيما لو كثر شكّه في فعل بعينه ... 129
في أنّ المرجع في كثرة الشكّ العرف ... 130
فيما لو شكّ في أنّه حصل له حالة كثرة الشكّ أم لا ... 131
فيما اذا لم يلتفت الى شكّه و ظهر بعد ذلك خلاف ما بنى عليه ... 132
في أنّه لايجوز له الاعتناء بشكّه ... 132
فيما اذا شكّ في أنّ كثرة شكّه مختصّة بالمورد المعيّن الفلاني أو مطلقا ... 133
في أنّه لايجب على كثير الشكّ و غيره ضبط الصلاة بالحصى أو نحو ذلك ... 133
«الخامس»: الشكّ البدوي الزائل بعد التروّي ... 135
«السادس»: شكّ كلّ من الامام و المأموم مع حفظ الآخر ... 136
الفرع الأوّل في عدم اشتراط حصول الظنّ للرجوع ... 140
الفرع الثاني في صحّة الرجوع الى المأموم مطلقا ... 140
الفرع الثالث في أنّ الرجوع فيما كان شكّه متعلّقا بفعل الجميع ... 141
الفرع الرابع في رجوع الشاكّ الى الظانّ ... 142
فيما اذا كان الامام شاكّا و المأمومون مختلفين في الاعتقاد ... 144
فيما اذا كان المأمومون مختلفين بأن يكون بعضهم شاكّا و بعضهم متيقّنا ... 145
فيما اذا كان كلّ من الامام و المأمومين شاكّا ... 146
«السابع»: الشكّ في ركعات النافلة ... 148
الفرع الأوّل في الشكّ في ركعات النافلة ... 148
الفرع الثاني في البناء على الأقلّ في الشكّ في ركعات النوافل ... 151
الفرع الثالث في عدم تغيير حكم الشكّ اذا عرض وصف النفل و الوجوب للفريضة و النافلة ... 151
الفرع الرابع في الشكّ في أفعال النافلة ... 153
الفرع الخامس في نقصان الركن في النافلة ... 154
الفرع السادس في زيادة الركن في النافلة ... 156
في قضاء السجدة المنسيّة و التشهّد المنسي في النافلة ... 157
فيما اذا شكّ في أصل فعل النافلة ... 159
في حكم الظنّ في ركعات النافلة ... 160
فيما اذا اشتغل بالنوافل التي لها كيفيّة خاصّة و نسي تلك الكيفيّة ... 160
في حكم السهو و الشكّ في سائر الصلوات الواجبة ... 161
في أنّ الظنّ المتعلّق بالأفعال يكون كالشكّ أو كاليقين؟ ... 163
الفرع الأوّل في الظنّ المتعلّق بالأفعال ... 164
الفرع الثاني في الظنّ المتعلّق بالشروط ... 167
في تأخير التروّي اذا حدث الشكّ بين الثلاث و الأربع قبل السجدتين ... 168
في وجوب تعلّم ما يعمّ به البلوى من أحكام الشكّ و السهو ... 168
ختام فيه مسائل متفرّقة / 171
فيما اذا شكّ في أنّ ما بيده ظهر أو عصر ... 171
فيما اذا شكّ في أنّ ما بيده مغرب أو عشاء ... 172
فيما اذا علم بعد الصلاة أو في أثنائها أنّه ترك سجدتين من ركعتين ... 173
الفرع الأوّل فيما اذا علم أنّه ترك سجدتين ممّا عدا الأخيرة ... 173
الفرع الثاني فيما اذا علم أنّه ترك سجدتين احداهما من الأخيرة ... 173
الفرع الثالث فيما اذا تردّد في أنّ احداهما من الركعة الأخيرة ... 174
الفرع الرابع فيما اذا تذكّر في الأثناء أنّه ترك سجدتين ... 174
فيما اذا شكّ في أنّ الركعة التي بيده آخر الظهر أو أنّه أتمّها و هذه أوّل العصر ... 176
فيما اذا تذكّر في أثناء العصر أنّه ترك من الظهر ركعة ... 177
فيما اذا صلّى صلاتين ثمّ علم نقصان ركعة من احداهما من غير تعيين ... 179
فيما اذا شكّ في أنّ الركعة التي بيده آخر صلاته أو أولى صلاة الاحتياط ... 180
فيما اذا شكّ في أنّ الركعة التي بيده رابعة المغرب أو أولى العشاء ... 181
فيما اذا شكّ بعد السجدتين بين الاثنتين و الثلاث و علم بعدم اتيان التشهّد ... 182
فيما اذا شكّ في أنّه بعد الركوع من الثالثة أو قبل الركوع من الرابعة ... 183
فيما اذا كان قائما و هو في الركعة الثانية و علم أنّه أتى بركوعين و لايدري أنّه أتى بكليهما في الركعة الأولى أو أتى فيها بواحد و أتى بالآخر في هذه الركعة ... 185
فيما اذا علم أنّه ترك سجدتين ولكن لم يدر أنّهما من ركعة واحدة أو من ركعتين ... 186
فيما اذا علم بعد ما دخل في السجدة الثانية مثلاً أنّه امّا ترك القراءة أو الركوع ... 187
فيما لو علم قبل أن يدخل في الركوع أنّه امّا ترك سجدتين أو ترك القراءة ... 189
الفرع الأوّل فيما اذا كان العلم بالترك قبل القنوت ... 189
الفرع الثاني فيما اذا كان العلم في القنوت ... 189
الفرع الثالث فيما اذا علم بعد القيام الى الثالثة أنّه امّا ترك السجدتين أو التشهّد ... 190
الفرع الرابع فيما اذا علم بعد القيام الى الثالثة أنّه امّا ترك سجدة واحدة أو التشهّد ... 191
الفرع الخامس فيما اذا كان العلم قبل القيام الى الثالثة ... 191
فيما اذا علم بعد القيام الى الثالثة بترك التشهّد و شكّ في أنّه ترك السجدة أيضا أم لا ... 191
فيما اذا علم اجمالاً أنّه أتى بأحد الأمرين من السجدة و التشهّد و شكّ في الآخر ... 192
فيما اذا علم أنّه امّا ترك السجدة من الركعة السابقة أو التشهّد من هذه الركعة ... 193
فيما اذا علم أنّه ترك سجدة امّا من الركعة السابقة أو من هذه الركعة ... 195
فيما اذا علم أنّه امّا ترك جزءا مستحبّا كالقنوت مثلاً أو جزءا واجبا ... 195
فيما اذا صلّى الظهرين و قبل أن يسلّم للعصر علم اجمالاً أنّه امّا ترك ركعة من الظهر و التي بيده رابعة العصر أو أنّ ظهره تامّة و هذه الركعة ثالثة العصر ... 199
فيما اذا علم أنّه صلّى الظهرين ثماني ركعات و قبل السلام من العصر شكّ في أنّه هل صلّى الظهر أربع ركعات فالتي بيده رابعة العصر أو أنّه نقص من الظهر ركعة فسلّم على الثلاث و هذه التي بيده خامسة العصر ... 200
فيما اذا علم أنّه صلّى الظهرين تسع ركعات و لايدري أنّه زاد ركعة في الظهر أو في العصر ... 203
فيما لو أتى بالمغرب ثمّ نسي الاتيان بها فأتى بها ثانيا و علم بزيادة ركعة امّا في الأولى أو الثانية ... 205
فيما اذا شكّ في الركوع و هو قائم ... 206
فيما لو علم نسيان شيء قبل فوات محلّ المنسي و وجب عليه التدارك فنسي حتّى دخل في ركن بعده ثمّ انقلب علمه بالنسيان شكّا ... 206
فيما اذا تيقّن بعد السلام قبل اتيان المنافي عمدا أو سهوا نقصان الصلاة و شكّ في أنّ الناقص ركعة أو ركعتان ... 207
فيما لو تيقّن بعد السلام قبل اتيان المنافي نقصان ركعة ثمّ شكّ في أنّه أتى بها أم لا ... 208
فيما اذا تيقّن بعد القيام الى الركعة التالية أنّه ترك سجدة أو سجدتين أو تشهّدا ثمّ شكّ في أنّه هل رجع و تدارك ثمّ قام، أو هذا القيام هو القيام الأوّل ... 209
في أنّه اذا شكّ في ركن بعد تجاوز المحلّ ثمّ أتى به نسيانا فهل تبطل صلاته من جهة الزيادة الظاهريّة أو لا؟ ... 211
فيما اذا كان في التشهّد فذكر أنّه نسي الركوع و مع ذلك شكّ في السجدتين ... 211
فيما اذا تذكّر بعد القيام أنّه ترك سجدة من الركعة التي قام عنها ... 213
فيما اذا علم بعد القيام نسيان احدى السجدتين و شكّ في الأخرى ... 214
فيما اذا دخل في السجود من الركعة الثانية فشكّ في ركوع هذه الركعة و في السجدتين من الأولى ... 215
في عدم جريان حكم كثير الشكّ في صورة العلم الاجمالي ... 216
فيما اذا علم أنّه امّا ترك سجدة أو زاد ركوعا ... 218
فيما لو علم أنّه امّا ترك سجدة من الأولى أو زاد سجدة في الثانية ... 219
فيما اذا شكّ في أنّه صلّى المغرب و العشاء أم لا قبل أن ينتصف الليل و المفروض أنّه عالم بأنّه لم يصلّ في ذلك اليوم الاّ ثلاث صلوات من دون العلم بتعيينها ... 219
فيما اذا صلّى الظهر و العصر ثمّ علم اجمالاً أنّه شكّ في احداهما بين الاثنتين و الثلاث و بنى على الثلاث و لايدري أنّ الشكّ المذكور في أيّهما كان ... 221
فيما اذا شكّ في أنّه هل ترك الجزء الفلاني عمدا أم لا؟ ... 222
فيما اذا توضّأ و صلّى ثمّ علم أنّه امّا ترك جزءا من وضوئه أو ركنا في صلاته ... 224
فيما لو شكّ في شيء و قد دخل في غيره الذي وقع في غير محلّه ... 225
فيما لو بقي من الوقت أربع ركعات للعصر و عليه صلاة الاحتياط من جهة الشكّ في الظهر ... 226
فيما لو عكس الترتيب الواجب سهوا ... 227
فيما اذا وجب عليه قضاء السجدة المنسيّة أو التشهّد المنسي ثمّ أبطل صلاته أو
انكشف بطلانها ... 227
فرع فيما اذا كان عليه فائتة متردّدة ... 228
فيما اذا شكّ في أنّه هل سجد سجدة واحدة أو اثنتين أو ثلاثا ... 228
فرع فيما اذا علم أنّه امّا سجد سجدة واحدة أو ثلاثا ... 229
فيما اذا ترك جزءا من أجزاء الصلاة من جهة الجهل بوجوبه ... 229
فصل في صلاة العيدين / 231
في حكم صلاة العيدين و شرائطها و كيفيّتها ... 231
الفرع الأوّل في وجوب صلاة العيدين زمان حضور الامام عليه السلام ... 233
الفرع الثاني في صلاة العيدين زمن الغيبة ... 241
الفرع الثالث في أنّه لايشترط فيها زمن الغيبة شرائط الجمعة ... 243
الفرع الرابع في وقت صلاة العيدين ... 244
الفرع الخامس في كيفيّة صلاة العيدين ... 248
الفرع السادس في قنوت صلاة العيدين ... 251
الفرع السابع في الخطبتين للعيدين ... 254
في عدم اشتراط سورة مخصوصة في صلاة العيدين ... 256
في مستحبّات صلاة العيدين: «أحدها»: الجهر بالقراءة للامام و المنفرد ... 257
«الثاني»: رفع اليدين حال التكبيرات ... 258
«الثالث»: الاصحار بها الاّ في مكّة ... 259
«الرابع»: أن يسجد على الأرض دون غيرها ممّا يصحّ السجود عليه ... 260
«الخامس و السادس و السابع و الثامن» ... 260
«التاسع»: أن يفطر في الفطر قبل الصلاة و في الأضحى بعدها ... 261
«العاشر»: التكبيرات في عيد الفطر و الأضحى ... 262
في مكروهات صلاة العيدين: «الأوّل»: الخروج مع السلاح ... 264
«الثاني»: النافلة قبل صلاة العيد و بعدها الى الزوال ... 264
«الثالث»: أن ينقل المنبر الى الصحراء ... 265
«الرابع»: أن يصلّى تحت السقف ... 266
في ترك النساء لهذه الصلاة ... 266
فيما يتحمّله الامام في هذه الصلاة ... 268
فيما اذا أدرك مع الامام بعض التكبيرات ... 269
فيما لو سها عن القراءة أو التكبيرات أو القنوتات ... 270
في عدم الأذان و الاقامة في هذه الصلاة ... 271
فيما اذا اتّفق العيد و الجمعة ... 271
فصل في صلاة ليلة الدفن / 275
في الاستئجار لهذه الصلاة ... 277
فيما اذا صلّى و نسي آيه الكرسي في الركعة الأولى أو القدر في الثانية ... 278
فيما اذا أخذ الأجرة ليصلّي ثمّ نسي فتركها في تلك الليلة ... 279
في جواز الاتيان بهذه الصلاة في أيّ وقت كان من الليل ... 280
فصل في صلاة جعفر عليه السلام / 283
في جواز اتيان صلاة جعفر عليه السلام في كلّ من اليوم و الليلة و الحضر و السفر ... 286
في أنّه لايتعيّن فيها سورة مخصوصة ... 287
في جواز تأخير التسبيحات الى ما بعد الصلاة اذا كان مستعجلاً ... 288
في جواز احتساب هذه الصلاة من نوافل الليل أو النهار أداءً و قضاءً ... 289
في استحباب القنوت فيها في الركعة الثانية من كلّ من الصلاتين ... 291
فيما لو سها عن بعض التسبيحات أو كلّها في محلّ فتذكّر في محلّ آخر ... 292
في استحباب الدعاء بالمأثور في السجدة الثانية من الركعة الرابعة بعد التسبيحات ... 293
فصل في صلاة الغفيلة / 295
فصل في صلاة أوّل الشهر / 297
فصل في صلاة الوصيّة / 299
فصل في صلاة يوم الغدير / 301
فصل في صلاة قضاء الحاجات و كشف المهمّات / 303
فصل في سائر الصلوات المندوبة / 305
فصل في أحكام النوافل / 307
في أنّه يجوز في النوافل اتيان ركعة قائما و ركعة جالسا ... 309
في أنّه اذا أتى بالنافلة جالسا يستحبّ أن يحسب كلّ ركعتين بركعة ... 309
في عدم الفرق في الجلوس بين كيفيّاته ... 311
في جواز الجلوس اذا نذر النافلة مطلقا ... 311
في الأحكام المختصّة بالنوافل ... 313
في أنّ اتيانها في البيت أفضل من اتيانها في المسجد ... 314
فصل في صلاة المسافر / 319
في شروط القصر ... 324
الفرع الأوّل في المسافة ... 324
الفرع الثاني في الملفّقة من الذهاب و الاياب ... 329
الفرع الثالث في اشتراط كون الذهاب أربعة فراسخ ... 335
الفرع الرابع في عدم اعتبار كون التلفيق في يوم ... 336
في مقدار الفرسخ و الميل ... 343
في عدم جواز القصر لو نقصت المسافة عن ثمانية فراسخ و لو يسيرا ... 345
فيما لو شكّ في كون مقصده مسافة شرعيّة أو لا؟! ... 345
فيما يثبت به المسافة ... 346
في وجوب الاختبار أو السؤال عند الشكّ ... 348
فيما اذا تعارضت البيّنتان ... 349
فيما اذا شكّ في مقدار المسافة شرعا ... 350
فيما اذا كان شاكّا في المسافة و مع ذلك قصّر ... 351
فيما لو اعتقد كونه مسافة فقصّر ثمّ ظهر عدمها ... 352
فيما اذا قصد الصبي مسافة ثمّ بلغ في الأثناء ... 353
فيما لو تردّد في أقلّ من أربعة فراسخ ذاهبا و جائيا مرّات حتّى بلغ المجموع ثمانية ... 353
فيما لو كان للبلد طريقان و الأبعد منهما مسافة ... 354
في المسافة المستديرة ... 355
في مبدأ حساب المسافة ... 356
«الشرط الثاني»: قصد قطع المسافة من حين الخروج ... 360
في عدم الاعتبار باتّصال السير مع قصد المسافة ... 363
في عدم اعتبار استقلال المسافر في قصد المسافة ... 365
فرع في استخبار التابع عن المتبوع ... 366
فيما اذا علم التابع بمفارقة المتبوع قبل بلوغ المسافة و لو ملفّقة ... 367
فيما اذا كان التابع عازما على المفارقة مهما أمكن ... 368
فيما اذا اعتقد التابع أنّ متبوعه لم يقصد المسافة و في الأثناء علم أنّه قاصد لها ... 369
فيما اذا كان مكرها على السفر أو مجبورا عليه ... 370
«الثالث»: استمرار قصد المسافة ... 372
في أنّه يكفي في استمرار القصد بقاء قصد النوع ... 373
فيما لو تردّد في الأثناء ثمّ عاد الى الجزم ... 374
في اعادة ما صلاّه قصرا قبل العدول عن قصده ... 378
«الرابع»: أن لايكون من قصده في أوّل السير أو في أثنائه اقامة عشرة أيّام قبل بلوغ الثمانية، و أن لايكون من قصده المرور على وطنه كذلك ... 381
فيما لو كان قاصدا للاقامة أو المرور على الوطن لكن عدل بعد ذلك عن قصده ... 384
«الخامس»: أن لايكون السفر حراما ... 386
فيما اذا كان السفر مستلزما لترك واجب ... 390
فيما اذا ركب دابّة غصبيّة، أو كان المشي في أرض مغصوبة ... 392
في التابع للجائر ... 393
في التابع للجائر المعدّ نفسه لامتثال أوامره ... 395
في السفر للصيد أو للتجارة ... 395
الفرع الأوّل في أنّه هل يحرم الصيد اللهوي؟ ... 398
الفرع الثاني في عدم الفرق بين استمرار ثلاثة أيّام و عدمه ... 399
الفرع الثالث في عدم الفرق بين القريب و البعيد ... 400
الفرع الرابع في عدم الفرق بين البرّ و البحر ... 402
في الراجع من سفر المعصية ... 405
في اشتراط اباحة السفر في الاستدامة ... 406
فيما لو كانت غاية السفر ملفّقة من الطاعة و المعصية ... 408
فيما اذا شكّ في كون السفر معصية أو لا! ... 410
في أنّه هل المدار في الحلّيّة و الحرمة على الواقع أو الاعتقاد أو الظاهر؟ ... 411
في السفر بقصد مجرّد التنزّه ... 415
فيما اذا نذر أن يتمّ الصلاة في يوم معيّن أو يصوم يوما معيّنا ... 415
فيما اذا كان سفره مباحا لكن يقصد الغاية المحرّمة في حواشي الجادّة ... 416
فيما اذا قصد مكانا لغاية محرّمة ... 417
فيما اذا كان السفر في الابتداء معصية فقصد الصوم ثمّ عدل في الأثناء ... 418
في الاتيان بالصوم الندبي في سفر المعصية ... 420
«السادس»: أن لايكون ممّن بيته معه ... 420
«السابع»: أن لايكون ممّن اتّخذ السفر عملاً و شغلاً له ... 422
الفرع الأوّل فيمن كان السفر مقدّمة لشغله ... 424
الفرع الثاني فيمن يتردّد دون المسافة ... 425
الفرع الثالث في عدم الفرق بين من جدّ في سفره و غيره ... 426
الفرع الرابع فيما هو المدار لتحقّق عنوان الشغل ... 430
فيما اذا سافر من شغله السفر سفرا ليس من عمله ... 432
في حكم سفر الحملداريّة ... 433
فيمن كان التردّد الى ما دون المسافة عملاً له ... 434
فيما يعتبر في استمرار من شغله السفر على التمام ... 435
فيما اذا لم يكن شغله و عمله السفر لكن عرض له عارض فسافر أسفارا عديدة ... 441
في السائح الذي لم يتّخذ وطنا من الأرض ... 443
في الراعي الذي ليس له مكان مخصوص ... 443
في التاجر الذي يدور في تجارته ... 444
فيمن سافر معرضا عن وطنه لكنّه لم يتّخذ وطنا غيره ... 444
فيما اذا شكّ في أنّه أقام في منزله أو بلد آخر عشرة أيّام أو أقلّ ... 445
«الثامن»: الوصول الى حدّ الترخّص ... 446
الفرع الأوّل في اختلاف الأقوال في المسألة و مَنشأها ... 448
الفرع الثاني في حدّ الترخّص حال الاياب ... 451
فيما هو المناط في خفاء الجدران ... 455
فيما اذا كان البلد في مكان مرتفع بحيث يرى من بعيد ... 456
فيما هو المناط في خفاء الأذان ... 457
في اعتبار كون الأذان على مرتفع معتاد في أذان ذلك البلد ... 458
في عدم اختصاص اعتبار حدّ الترخّص بالوطن ... 459
فيما اذا شكّ في البلوغ الى حدّ الترخّص ... 462
فيما اذا كان في السفينة فشرع في الصلاة قبل حدّ الترخّص ثمّ في الأثناء وصل اليه ... 463
فيما اذا اعتقد الوصول الى الحدّ فصلّى قصرا ثمّ بان أنّه لم يصل اليه ... 465
فيما اذا سافر من وطنه و جاز عن حدّ الترخّص ثمّ في أثناء الطريق وصل الى ما دونه ... 465
في المسافة الدوريّة حول البلد دون حدّ الترخّص ... 466
فصل في قواطع السفر موضوعا أو حكما / 469
«أحدها»: المرور على الوطن ... 469
فيما اذا أعرض عن وطنه الأصلي أو المستجدّ و توطّن في غيره ... 473
في امكان تعدّد الوطن العرفي ... 478
في تبعيّة الولد لأبويه أو أحدهما في الوطن ... 479
في زوال حكم الوطنيّة بالاعراض و الخروج ... 479
في عدم اشتراط اباحة المكان في الوطن ... 480
فيما اذا تردّد بعد العزم على التوطّن أبدا ... 481
«الثاني» من قواطع السفر: العزم على اقامة عشرة أيّام متواليات في مكان واحد ... 482
الفرع الأوّل فيما اذا قصد اقامة عشرة أيّام ... 483
الفرع الثاني في اعتبار توالي العشرة و الجزم ... 487
الفرع الثالث في اعتبار عشرة أيّام تامّة ... 488
الفرع الرابع في اعتبار وحدة المحلّ ... 490
في عدم اعتبار قصد عدم الخروج عن خطّة سور البلد في نيّة الاقامة ... 492
فيما اذا كان محلّ الاقامة برّيّا قفرا ... 495
في كفاية قصد المقام بمقدار ما قصده الزوج و السيّد للزوجة و العبد ... 496
فيما اذا قصد المقام الى آخر الشهر مثلاً و كان عشرة ... 498
فيما اذا عزم على اقامة العشرة ثمّ عدل عن قصده ... 498
فيما اذا صلّى رباعيّة بتمام بعد العزم على الاقامة لكن مع الغفلة عن اقامته ... 502
في أنّه لايشترط في تحقّق الاقامة كونه مكلّفا بالصلاة ... 503
فيما اذا فاتته الرباعيّة بعد العزم على الاقامة ثمّ عدل عنها بعد الوقت ... 504
في أنّ العدول عن الاقامة قبل الصلاة تماما قاطع لها من حينه ... 506
فيما اذا عزم على الاقامة فنوى الصوم، ثمّ عدل بعد الزوال قبل الصلاة تماما ... 507
في أنّه اذا تمّت العشرة لايحتاج في البقاء على التمام الى اقامة جديدة ... 508
فيما اذا تمّت العشرة أوّلاً و بدا للمقيم الخروج الى ما دون المسافة ... 509
فيما اذا بدا للمقيم السفر ثمّ بدا له العود الى محلّ الاقامة و البقاء عشرة أيّام ... 514
فيما لو دخل في الصلاة بنيّة القصر ثمّ بدا له الاقامة في أثنائها ... 515
في عدم الفرق في ايجاب الاقامة لقطع حكم السفر بين أن تكون محلّلة أو محرّمة ... 516
فيما اذا كان عليه صوم واجب معيّن غير رمضان ... 517
فيما اذا بقي من الوقت أربع ركعات و عليه الظهران ... 519
فيما اذا نوى الاقامة ثمّ عدل عنها و شكّ في أنّ عدوله كان بعد الصلاة تماما أو لا ... 521
فيما اذا علم بعد نيّة الاقامة بصلاة أربع ركعات و العدول عن الاقامة ولكن شكّ في المتقدّم منهما مع الجهل بتاريخهما ... 522
فيما اذا صلّى تماما ثمّ عدل ولكن تبيّن بطلان صلاته ... 524
فيما اذا نوى الاقامة ثمّ عدل عنها بعد خروج وقت الصلاة و شكّ في أنّه هل صلّى في الوقت حال العزم على الاقامة أم لا ... 525
فيما اذا عدل عن الاقامة بعد الاتيان بالسلام الواجب ... 526
فيما اذا اعتقد أنّ رفقاءه قصدوا الاقامة فقصدها ثمّ تبيّن أنّهم لم يقصدوا ... 527
«الثالث» من القواطع: التردّد في البقاء و عدمه ثلاثين يوما ... 528
فيما اذا عزم على الخروج غدا أو بعد غد ثمّ لم يخرج ... 530
في الحاق الشهر الهلالي اذا كان ناقصا بثلاثين يوما ... 531
في كفاية التلفيق في الثلاثين اذا كان تردّده في أثناء اليوم ... 532
في عدم الفرق في مكان التردّد بين أن يكون بلدا أو قرية أو مفازة ... 533
في اشتراط اتّحاد مكان التردّد ... 534
في حكم المتردّد بعد الثلاثين في مسألة الخروج الى ما دون المسافة ... 535
فصل في أحكام صلاة المسافر / 537
فيما اذا دخل عليه الوقت و هو حاضر ثمّ سافر قبل الاتيان بالظهرين ... 540
في الاتيان بنافلة الظهر في حال السفر اذا دخل عليه الوقت و هو مسافر و ترك الاتيان بالظهر حتّى يدخل المنزل من الوطن أو محلّ الاقامة ... 541
فيما لو صلّى المسافر بعد تحقّق شرائط القصر تماما ... 543
الفرع الأوّل فيما لو كان عالما بالحكم و الموضوع ... 544
الفرع الثاني فيما لو كان جاهلاً بالحكم ... 545
الفرع الثالث فيما لو كان عالما بأصل الحكم و جاهلاً ببعض الخصوصيّات ... 547
الفرع الرابع فيما اذا كان ناسيا لسفره أو لحكمه ... 549
في حكم صوم المسافر ... 550
فيما اذا قصّر مَن وظيفته التمام ... 553
فيما اذا كان جاهلاً بأصل الحكم ولكن لم يصلّ في الوقت ... 554
فيما اذا تذكّر الناسي للسفر أو لحكمه في أثناء الصلاة ... 555
فيما لو قصّر المسافر اتّفاقا لا عن قصد ... 557
فيما اذا دخل عليه الوقت و هو حاضر متمكّن من الصلاة و لم يصلّ ثمّ سافر ... 559
فيما اذا فاتت منه الصلاة و كان في أوّل الوقت حاضرا و في آخره مسافرا أو بالعكس ... 564
في كون المسافر مخيّرا بين القصر و التمام في الأماكن الأربعة ... 567
الفرع الأوّل في حدّ التخيير في الحرمين ... 576
الفرع الثاني في حدّ التخيير في الكوفة و الحائر الحسيني عليه السلام ... 578
فيما اذا كان بعض بدن المصلّي داخلاً في أماكن التخيير و بعضه خارجا ... 581
في حكم الصوم في الأماكن الأربعة ... 581
في أنّ التخيير في هذه الأماكن استمراريّ ... 582
فيما يستحبّ أن يقوله عقيب كلّ صلاة مقصورة ... 583
فصل في صلاة الجمعة / 585
في وجوبها ... 585
في شرائطها ... 592
فيمن تجب عليه ... 613
في وقتها ... 619
في اعتبار شرائط الجماعة في الجمعة ... 625
في حكم الأذان الثاني يوم الجمعة ... 626
في حكم المعاملات يوم الجمعة ... 627
في عدم تمكّن المأموم من السجود للزحام ... 629
في بعض مستحبّات صلاة الجمعة ... 632
خاتمة في آداب يوم الجمعة ... 636
كتاب الصلاة
«الجزء السادس»
و جملة من أحكامها مضافا الى ما تقدّم في المسائل السابقة
(مسألة 1): يعتبر في صلاة الاحتياط جميع ما يعتبر في سائر الصلوات من الشرائط، و بعد احرازها ينوي و يكبّر للاحرام و يقرأ فاتحة الكتاب و يركع و يسجد سجدتين و يتشهّد و يسلّم. و ان كانت ركعتين فيتشهّد و يسلّم بعد الركعة الثانية. و ليس فيها أذان و لا اقامة و لا سورة و لا قنوت، و يجب فيها الاخفات في القراءة و ان كانت الصلاة جهريّة حتّى في البسملة على الأحوط و ان كان الأقوى جواز الجهر بها بل استحبابه.
الشرح:
يعتبر في صلاة الاحتياط جميع ما يعتبر في سائر الصلوات من الستر و الاستقبال و الطهارة من الخبث و الحدث و اباحة اللباس و المكان و غيرها من
الشرائط، و ذلك لأنّ صلاة الاحتياط صلاة سواء كانت مستقلّة أو كانت جزءا من الصلاة الأصليّة فهي صلاة على كلّ حال.
و أمّا النيّة فهي شرط العمل، فانّما الأعمال بالنيّات(1)، فالتقرّب منوط بالنيّة، فلكلّ امرئ ما نوى.
و أمّا التكبير فالظاهر أنّه اجماعيّ و ان كان يلوح ممّا حكي عن الراوندي وجود الخلاف فيه ولكن لم يعرف الحاكي. ففي الحدائق: «الظاهر من كلام الأصحاب وجوب تكبيرة الاحرام في صلاة الاحتياط بل كاد أن يكون اتّفاقا بينهم، الاّ أنّ بعض متأخّري أصحابنا نقل عن القطب الراوندي في شرح النهاية الطوسيّة أنّه قال: «من أصحابنا من قال: انّه لو شكّ بين الاثنتين و الأربع أو غيرهما من تلك الأربعة فاذا سلّم، قام ليضيف ما شكّ فيه الى ما يتحقّق، قام بلا تكبيرة الاحرام و لا تجديد نيّة و يكتفي في ذلك بعلمه و ارادته. و يقول: لاتصحّ نيّة متردّدة بين الفريضة و النافلة على الاستئناف و أنّ صلاة واحدة تكفيها نيّة واحدة و ليس في كلامهم ما يدلّ على خلافه. و قيل: ينبغي أن ينوي أنّه يؤدّي ركعات الاحتياط قربة الى اللّه و يكبّر ثمّ يصلّي». و هذا القول و ان لم يشتهر نقله بين الأصحاب الاّ أنّ اطلاق الأخبار المتقدّمة في الأمر بالاحتياط يعضده، فانّ أقصى ما تضمّنته تلك الأخبار أنّه يقوم و يركع ركعة أو ركعتين من قيام أو جلوس، و ليس فيها على تعدّدها و كثرتها تعرّض لذكر تكبيرة الاحرام كما لايخفى على من راجعها مع اشتمالها على قراءة الفاتحة و التشهّد و التسليم، و المقام فيها مقام البيان؛ لأنّها مسوقة لتعليم المكلّفين، فلو كان ذلك واجبا لذكر ولو في بعض كما ذكر غيره ممّا أشرنا اليه. و الذي وقفت عليه من عبائر جملة من المتقدّمين و جلّ المتأخّرين خالٍ من ذكر التكبير أيضا. نعم، روى الشيخ في التهذيب عن زيد الشحّام قال: «سألته عن الرجل يصلّي العصر ستّ ركعات أو خمس ركعات؟ قال: ان استيقن
1) - وسائل الشيعة 1: 49 / الباب 5 من أبواب مقدّمة العبادات / الحديث 10.
أنّه صلّى خمسا أو ستّا فليعد، و ان كان لايدري أزاد أم نقص فليكبّر و هو جالس ثمّ ليركع ركعتين يقرأ فيهما بفاتحة الكتاب في آخر صلاته ثمّ يتشهّد». و حينئذ فيمكن أن تخصّص تلك الأخبار بذلك الخبر. و كيف كان فالاحتياط يقتضي الوقوف على القول المشهور. انتهى ملخّصا».(1)
و الظاهر أنّ المسألة متّفق عليها و لايضرّ بها ما يحكى عن القطب الراوندي من الخلاف، و الظاهر أيضا من الروايات الواردة في صلاة الاحتياط أنّها صلاة مستقلّة و ان كان يجب أن لايفصل بينها و بين الصلاة الأصليّة لتكون متمّمة لها في صورة النقص. ففي صحيحة عبدالرحمن بن سيّابة و أبي العبّاس جميعا عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
« ... و ان اعتدل وهمك فانصرف و صلّ ركعتين و أنت جالس».(2)
و في صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) قال:
«اذا كنت لاتدري ثلاثا صلّيت أم أربعا و لم يذهب وهمك الى شيء فسلّم ثمّ صلّ ركعتين و أنت جالس تقرأ فيهما بأمّ الكتاب. الحديث».(3)
و صحيحة الحلبي الثانية عن أبي عبداللّه عليه السلام أنّه قال:
«اذا لم تدر اثنتين صلّيت أم أربعا و لم يذهب وهمك الى شيء فتشهّد و سلّم ثمّ صلّ ركعتين و أربع سجدات تقرأ فيهما بأمّ الكتاب ثمّ تشهّد و تسلّم، فان كنت انّما صلّيت ركعتين كانتا هاتان تمام الأربع، و ان كنت صلّيت أربعا كانتا هاتان نافلة».(4)
و نظيرها غيرها. فانّ الظاهر من قوله عليه السلام: «انصرف» أو «سلّم» أو «تشهّد و سلّم ثمّ صلّ ركعتين» هو صلاة جديدة مستقلّة فمعلوم أنّ الصلاة المستقلّة يكون أوّلها التكبير و آخرها التسليم، و لذا قال عليه السلام في ذيل الصحيحة الثانية للحلبي: «و ان كنت صلّيت أربعا كانتا هاتان نافلة» أي صلاة مستقلّة يكون ثوابها ثواب نافلة.
و ما نقل صاحب الحدائق عن الراوندي من أنّه «لاتصحّ نيّة متردّدة بين الفريضة و النافلة على الاستئناف و أنّ صلاة واحدة تكفيها نيّة واحدة»، ففي الأوّل: انّ الأخبار مشعرة بتردّد الصلاة بين الفريضة و النافلة مع أنّا ننوي صلاة الاحتياط أو صلاة ركعتين مثلاً لا صلاة متردّدة و ان كان معنى الاحتياط هو ذا. و في الثاني: انّ هذه الصلاة مستقلّة فتحتاج الى نيّة على حدة.
و ما قال صاحب الحدائق في تأييده بخلوّ الروايات من ذكر التكبير ... ففيه: انّ علّة خلوّ الروايات من ذكر التكبير هي عدم الاحتياج الى الذكر بعد وضوح أنّ الصلاة المستقلّة تحتاج الى نيّة و تكبيرة و غيرهما و ما ذكر فيها من القراءة و التشهّد و السلام أو من الركوع و السجود، فتوضيح الواضحات للمنّة على العباد مع أنّ ذكر القراءة لردّ شبهة وجوب التسبيح أو أجزائه.
و أمّا وجوب فاتحة الكتاب، فيدلّ عليه روايات معتبرة:
منها صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) قال:
«اذا كنت لاتدري ثلاثا صلّيت أم أربعا و لم يذهب وهمك الى شيء فسلّم ثمّ صلّ ركعتين و أنت جالس تقرأ فيهما بأمّ الكتاب. الحديث».(1)
و منها صحيحة ابن أبي يعفور قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل لايدري ركعتين صلّى أم أربعا؟ قال: يتشهّد و يسلّم ثمّ يقوم فيصلّي ركعتين و أربع سجدات يقرأ فيهما
1) - وسائل الشيعة 8: 217 / الباب 10 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة / الحديث 5.
بفاتحة الكتاب، ثمّ يتشهّد و يسلّم. الحديث».(1)
و منها صحيحة محمّد بن مسلم قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل صلّى ركعتين فلايدري ركعتين هي أو أربع؟ قال: يسلّم ثمّ يقوم فيصلّي ركعتين بفاتحة الكتاب و يتشهّد و ينصرف و ليس عليه شيء».(2)
و منها موثّقة أبي بصير قال:
«سألته عن رجل صلّى فلم يدر أ في الثالثة هو أم في الرابعة؟ قال: فما ذهب وهمه اليه ان رأى أنّه في الثالثة و في قلبه من الرابعة شيء سلّم بينه و بين نفسه ثمّ صلّى ركعتين يقرأ فيهما بفاتحة الكتاب».(3)
و في الجواهر: «يتعيّن في صلاة الاحتياط الفاتحة كما هو المشهور نقلاً و تحصيلاً شهرة كادت تكون اجماعا لظهور الأدلّة ان لم تكن صراحتها في أنّها صلاة منفردة و لا صلاة الاّ بفاتحة الكتاب، و قيل بالتخيير بين الفاتحة و التسبيح كما عن المفيد و الحلّي خاصّة «لأنّها قائمة مقام ثالثة أو رابعة فيثبت فيها التخيير كما يثبت في المبدل» و ينبغي القطع بفساده لكونه أوّلاً اجتهادا في مقابلة نصّ الأدلّة و ظاهرها، و ثانيا لا تلازم بين جبر صلاة الاحتياط النقصان لو ظهر النقص في الصلاة الأصليّة و بين البدليّة؛ لقيامها مقام ثالثة أو رابعة، و لذا لو ظهر أنّ الأصليّة تامّة تكون نافلة. انتهى ملخّصا».(4)
و عن العلاّمة في المختلف: «الأقرب عندي تعيّن الفاتحة؛ لأنّها صلاة منفردة بنيّة و تكبيرة افتتاح فتجب فيها القراءة؛ لقوله عليه السلام: «لا صلاة الاّ بفاتحة الكتاب»، و
لأنّه أحوط، اذ مع تعيّن الفاتحة يحصل يقين البراءة. انتهى ملخّصا».(1)
ثمّ انّه يظهر من جملة من الروايات أنّ الجزئيّة تراعى في شرعيّتها بمعنى أنّه لابدّ من الاتيان بها على وجه يصلح وقوعها تتمّة للنقص بأن يراعى فيها الشرائط المعتبرة في الأخيرتين من الاخفات بالقراءة كما صرّح في البيان و الدروس و غيرهما؛ لاحراز الصحّة معه على كلّ من التقديرين من النقص و عدمه بخلاف الجهر، و عدم الزيادة على الفاتحة من السورة و القنوت كما نقل في الجواهر عن التذكرة نفي الخلاف فيه من عدم وجوب الزيادة على الفاتحة؛ لعدم توقّف الصحّة في كلّ من التقديرين (أي كونها متمّمة أو نافلة) على السورة، بل قد ينتج فعل السورة فسادا لو ظهر النقص في الصلاة الأصليّة، مضافا الى امكان دعوى ظهور النصوص في عدم السورة و القنوت أيضا بل و غيرهما من الأذان و الاقامة، بل قد يكون فعل الأذان و الاقامة موجبا للبدعة. و لابدّ أيضا من مراعاة الاستقرار و الاستقبال حتّى لو صلّى الفريضة لدى الاشتباه الى جهة وجب أن يصلّي الاحتياط أيضا الى تلك الجهة رعاية للجزئيّة المعتبرة في شرعيّتها كما تقدّم، و تقدّم أيضا أنّ قضيّة كونها صلاة منفردة تحتاج الى التشهّد و التسليم كالتحريم مضافا الى دلالة الأخبار بذلك مع كون التشهّد و التسليم محتاجا اليهما على تقدير النقص أيضا لوقوعهما في الأصل في غير محلّهما على تقديره. فتحصّل أنّه بعد احراز الشرائط المعتبرة في الصلاة ينوي و يكبّر للاحرام و يقرأ فاتحة الكتاب و يركع و يسجد سجدتين و يتشهّد و يسلّم، و ان كان ركعتين فيتشهّد و يسلّم بعد الركعة الثانية.
(مسألة 2): حيث انّ هذه الصلاة مردّدة بين كونها نافلة أو جزءا أو بمنزلة الجزء فيراعى فيها جهة الاستقلال و الجزئيّة، فبملاحظة جهة الاستقلال يعتبر
1) - مختلف الشيعة 2: 409 و 410.
فيها النيّة و تكبيرة الاحرام و قراءة الفاتحة دون التسبيحات الأربع، و بلحاظ جهة الجزئيّة يجب المبادرة اليها بعد الفراغ من الصلاة و عدم الاتيان بالمنافيات بينها و بين الصلاة. و لو أتى ببعض المنافيات فالأحوط اتيانها ثمّ اعادة الصلاة. و لو تكلّم سهوا فالأحوط الاتيان بسجدتي السهو، و الأحوط ترك الاقتداء فيها ولو بصلاة احتياط خصوصا مع اختلاف سبب احتياط الامام و المأموم، و ان كان لايبعد جواز الاقتداء مع اتّحاد السبب، و كون المأموم مقتديا بذلك الامام في أصل الصلاة.
الشرح:
قد تقدّم في المسألة السابقة أنّ صلاة الاحتياط صلاة مستقلّة ولكنّه تجب المبادرة اليها و لايجوز الفصل بينها و بين الصلاة الأصليّة باتيان المنافيات؛ لأنّها و ان كانت مستقلّة لما تقدّم، الاّ أنّها لمّا كانت متمّمة على صورة النقص يجب أن تكون متّصلة بالصلاة الأصليّة، و الدليل على ذلك من الروايات موثّقة عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام أنّه قال له:
«يا عمّار، أجمع لك السهو كلّه في كلمتين، متى ما شككت فخذ بالأكثر، فاذا سلّمت فأتمّ ما ظننت أنّك قد نقصت».(1)
و موثّقة أخرى له قال:
«قال أبو عبداللّه عليه السلام: كلّما دخل عليك من الشكّ في صلاتك فاعمل على الأكثر. قال: فاذا انصرفت فأتمّ ما ظننت أنّك نقصت».(2)
فالظاهر من جملة «فأتمّ» هو وجوب الاتّصال و عدم جواز الفصل بالمنافيات.
و هكذا يشعر بذلك مرسلة ابن أبي عمير عن أبي عبداللّه عليه السلام:
«- الى أن قال: - فان كانت أربع ركعات كانت الركعتان نافلة و الاّ تمّت الأربع».(1)
و صحيحة ابن أبي يعفور قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل لايدري ركعتين صلّى أم أربعا؟ - الى أن قال: - و ان كان صلّى ركعتين كانت هاتان تمام الأربعة، و ان تكلّم فليسجد سجدتي السهو».(2)
فانّ جملة «تمّت الأربع» في الأولى، و جملة «كانت هاتان تمام الأربعة» في الثانية تشعران بعدم جواز الفصل بين صلاة الاحتياط و الصلاة الأصليّة. و نعني بعدم الجواز بطلان الصلاة في صورة الفصل فانّه الظاهر ممّا مرّ ولو بمناسبة الحكم و الموضوع.
و يدلّ أيضا على عدم جواز الفصل بين الصلاتين ذيل صحيحة ابن أبي يعفور حيث قال الامام عليه السلام: « ... و ان تكلّم فليسجد سجدتي السهو»، فانّ الظاهر المتعارف و كذا بمناسبة الحكم و الموضوع هو التكلّم بين الصلاتين، و احتمال أنّ المراد من التكلّم هو التكلّم بين الصلاة الأصليّة أو بين صلاة الاحتياط ضعيف؛ لأنّه لا وجه لتخصيص هذا الحكم من بين أحكام الصلاة بالذكر؛ لأنّ الظاهر أنّ غرض الامام عليه السلامهو التنبيه على عدم فراغ ذمّة الشاكّ عن الصلاة الأصليّة بمجرّد التسليم على الركعة البنائيّة لجواز نقص الصلاة واقعا و هو يكون في الصلاة و التكلّم وقع بينها فيجب عليه سجدتا السهو.
و يدلّ على ذلك أيضا حديث أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا لم تدر أربعا صلّيت أم ركعتين فقم و اركع ركعتين ثمّ سلّم و
اسجد سجدتين و أنت جالس ثمّ سلّم بعدهما».(1)
فانّ الفاء في جملة «فقم و اركع» للتعقيب فيدلّ على وجوب الوصل. و ان قيل: جاز أن يكون التعقيب لوجوب القيام لا للاتمام، فيقال: الظاهر أنّه عليه السلام جعل القيام جزءا فهو يقتضي تعقيب فعله، أو يقال: انّ الفاء للجزاء فالظاهر من الشرط و الجزاء هو وجوب الترتيب و تعقيب الجزاء بلا فصل و يبعد أن يكون ذلك الوجوب تعبّديّا كما لايخفى.
قال فخر المحقّقين محمّد بن الحسن بن يوسف بن المطهّر الحلّي ابن العلاّمة الحلّي: «و اعلم أنّ مبنى هذه المسألة أنّ الاحتياط هل هو جزء أو صلاة برأسه، انحصر أقوال أهل العلم فيه في ثلاثة: الأوّل أنّه صلاة برأسه و هو اختيار ابن ادريس و جماعة لوجوب النيّة و تكبيرة الاحرام و لا شيء من الجزء كذلك. الثاني أنّه تمام للحديث المتقدّم و فيه منع لجواز ارادة المجاز. الثالث أنّه تمام من وجه و صلاة منفردة من وجه و هو اختيار والدي المصنّف ذكره لي مذاكرة جمعا بين الأدلّة و هو الأقوى عندي. انتهى».(2)
و أمّا الاقتداء في صلاة الاحتياط فالأقوى أنّه لايجوز الاقتداء؛ لأنّه امّا أن يكون الشاكّ منفردا من الابتداء أو مقتديا، ففي الصورة الأولى لايجوز؛ لأنّه امّا في الأثناء أو في النافلة و كلاهما لايجوزان، و في الصورة الثانية امّا أن يكون أحدهما شاكّا أو كلاهما، ففي الأولى يرجع أحدهما الى الآخر و في الثانية أيضا لايجوز، سواء كانا متساويين في الشكّ أو متفاوتين لاحتمال كونها نافلة فتكون بدعة.
(مسألة 3): اذا أتى بالمنافي قبل صلاة الاحتياط ثمّ تبيّن له تماميّة الصلاة لاتجب اعادتها.
(مسألة 4): اذا تبيّن قبل صلاة الاحتياط تماميّة الصلاة لايجب الاتيان بالاحتياط.
الشرح:
اذا أتى بالمنافي قبل صلاة الاحتياط ثمّ تبيّن له تماميّة الصلاة لاتجب اعادتها؛ لأنّ الظاهر من الروايات بل صريح بعضها أنّ الأمر بصلاة الاحتياط لايكون تعبّديّا بل هو لاتمام ما ظنّ نقصه من الصلاة كما نطق به موثّقة عمّار من قوله عليه السلام: «فأتمّ ما ظننت أنّك نقصت» و غيرها. و عليه فاذا تبيّن قبل صلاة الاحتياط تماميّة الصلاة لايجب الاتيان بالاحتياط أيضا لعين ما مرّ.
(مسألة 5): اذا تبيّن بعد الاتيان بصلاة الاحتياط تماميّة الصلاة تحسب صلاة الاحتياط نافلة، و ان تبيّن التماميّة في أثناء صلاة الاحتياط جاز قطعها و يجوز اتمامها نافلة و ان كانت ركعة واحدة ضمّ اليها ركعة أخرى.
الشرح:
اذا تبيّن بعد الاتيان بصلاة الاحتياط تماميّة الصلاة تحسب صلاة الاحتياط نافلة، و ذلك لصحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام أنّه قال:
« - الى أن قال: - فان كنت انّما صلّيت ركعتين كانتا هاتان تمام الأربع و ان كنت صلّيت أربعا كانتا هاتان نافلة».(1)
و كذلك صحيحة ابن أبي يعفور.(2)
و عن الصدوق في المقنع عن أبي بصير أنّه روى:
« ... فان كنت صلّيت ثلاثا كانتا هاتان تمام صلاتك، و ان كنت صلّيت
أربعا كانتا هاتان نافلة لك».(1)
و ان تبيّنت التماميّة في أثناء صلاة الاحتياط جاز قطعها؛ لجواز قطع النافلة لعدم الدليل على الحرمة. و يجوز اتمامها نافلة؛ لعدم قصور صحيحتي الحلبي و ابن أبي يعفور عن شمول مثل ذلك؛ لأنّه بعد التبيّن ينكشف أنّ الصلاة الملحقة كانت نافلة من أوّل الأمر و ان كانت ركعة واحدة يضمّ اليها ركعة أخرى، و يجوز له الاكتفاء بها و جعلها قضاءً لصلاة الوتر؛ لعدم قصور الدليل من هذه الجهة أيضا فانّه كما دلّ على الاتيان بها ركعة واحدة لمكان التدارك و رعاية للنقص المحتمل كي تكون جزءا متمّما على هذا التقدير، يدلّ على الاتيان بها نافلة ولو كانت ركعة واحدة اذا انكشفت تماميّة الصلاة.
(مسألة 6): اذا تبيّن بعد اتمام الصلاة قبل الاحتياط أو بعدها أو في أثنائها زيادة ركعة، كما اذا شكّ بين الثلاث و الأربع و الخمس فبنى على الأربع، ثمّ تبيّن كونها خمسا تجب اعادتها مطلقا.
الشرح:
اذا تبيّن بعد اتمام الصلاة زيادة ركعة سواء كان قبل صلاة الاحتياط أو في أثنائها أو بعدها كانت صلاته باطلة فتجب اعادتها، و ذلك لأنّ زيادة الركعة في الصلاة موجبة للبطلان بلا فرق بين العمد و السهو.
قال العلاّمة الخوئي: «و في عبارة العروة بعد بيان الكبرى زيدت في جميع الطبعات كلمة «الخمس» بعد «الأربع». و الظاهر أنّ هذا سهو من قلمه الشريف أو من النسّاخ كما أشرنا اليه في التعليقة. و الصحيح فرض الشكّ بين الثلاث و الأربع كما ذكرنا، لا باضافة الخمس؛ اذ لا ربط له بمحلّ الكلام، فانّ موضع البحث و
1) - وسائل الشيعة 8: 218 / الباب 10 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة / الحديث 8.
الذي يدور عليه الأمر انكشاف الزيادة بعد الصلاة، ففرض كون الخمس طرفا للشكّ أجنبيّ عن هذه الجهة بالكلّيّة. بل ربّما يوجب البطلان في بعض الصور كما لو كان الشكّ المزبور في غير حال القيام، و لو فرض الشكّ في حال القيام وجب عليه الهدم فيرجع الى الشكّ بين الاثنتين و الثلاث و الأربع، فيزول احتمال الخمس. و فرض انكشاف خمس لم يكن محتملاً حال الشكّ تكلّف في تكلّف كما لايخفى. انتهى».(1)
(مسألة 7): اذا تبيّن بعد صلاة الاحتياط نقصان الصلاة فالظاهر عدم وجوب اعادتها و كون صلاة الاحتياط جابرة، مثلاً اذا شكّ بين الثلاث و الأربع فبنى على الأربع ثمّ بعد صلاة الاحتياط تبيّن كونها ثلاثا صحّت و كانت الركعة من قيام أو الركعتان من جلوس عوضا عن الركعة الناقصة.
الشرح:
اذا تبيّن بعد صلاة الاحتياط نقصان الصلاة و كانت صلاة الاحتياط مطابقة لما نقص من الصلاة الأصليّة فصلاته صحيحة فلاتجب اعادتها كما اذا شكّ بين الثلاث و الأربع فبنى على الأربع ثمّ صلّى صلاة الاحتياط ركعة من قيام أو ركعتين من جلوس فانّ صلاة الاحتياط كانت عوضا عن الركعة الناقصة و هذا ظاهر الروايات المتقدّمة و صريح صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
« ... فان كنت انّما صلّيت ركعتين كانتا هاتان تمام الأربع».(2)
و صحيحة ابن أبي يعفور قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام - الى أن قال: - و ان كان صلّى ركعتين كانت
هاتان تمام الأربعة».(1)
و خبر عمّار بن موسى قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام - الى أن قال: - و ان ذكرت أنّك كنت نقصت كان ما صلّيت تمام ما نقصت».(2)
(مسألة 8): لو تبيّن بعد صلاة الاحتياط نقص الصلاة أزيد ممّا كان محتملاً، كما اذا شكّ بين الثلاث و الأربع فبنى على الأربع و صلّى صلاة الاحتياط فتبيّن كونها ركعتين و أنّ الناقص ركعتان، فالظاهر عدم كفاية صلاة الاحتياط بل يجب عليه اعادة الصلاة، و كذا لو تبيّنت الزيادة عمّا كان محتملاً، كما اذا شكّ بين الاثنتين و الأربع فبنى على الأربع و أتى بركعتين للاحتياط فتبيّن كون صلاته ثلاث ركعات. و الحاصل أنّ صلاة الاحتياط انّما تكون جابرة للنقص الذي كان أحد طرفي شكّه. و أمّا اذا تبيّن كون الواقع بخلاف كلّ من طرفي شكّه فلاتكون جابرة.
الشرح:
اذا تبيّن بعد صلاة الاحتياط أنّ نقص الصلاة الأصليّة كان أزيد ممّا أتى به من صلاة الاحتياط كما اذا شكّ بين الثلاث و الأربع فبنى على الأربع و صلّى صلاة الاحتياط فتبيّن كونها ركعتين و أنّ الناقص ركعتان، فهل يجب عليه اعادة الصلاة؟ فالظاهر أنّه يضيف اليها ركعة أخرى فيتشهّد و يسلّم و لا شيء عليه الاّ أربع سجدات السهو لزيادة السلام، و ذلك لأنّ الركعة المأتيّ بها كانت بأمر الشارع فلا مانع من أن يضيف اليها ركعة أخرى، فحالها كحال ما لو انكشف قبل صلاة
الاحتياط نقص الصلاة فانّه يضيف الى الصلاة ركعة فيسجد سجدتي السهو لزيادة السلام، و الظاهر أنّه لا فرق بين أن يكون قد أتى بصلاة الاحتياط بركعة من قيام أو بركعتين من جلوس ولكن لايترك الاحتياط باعادة الصلاة في الثاني. نعم، اذا أتى بالمنافيات بعد السلام و قبل اضافة الركعة فيجب اعادتها؛ لعدم جبران النقص و فوات محلّ الاضافة.
و أمّا لو تبيّنت الزيادة عمّا كان محتملاً كما اذا شكّ بين الاثنتين و الأربع فبنى على الأربع و أتى بركعتين للاحتياط فتبيّن كون صلاته ثلاث ركعات فحينئذ يجب عليه اعادة الصلاة؛ لأنّ الصلاة الأصليّة كانت ناقصة و لم يأت الشاكّ بما ينجبر به ما يطابق النقص فكأنّه زاد ركعة في صلاته فتبطل.
(مسألة 9): اذا تبيّن قبل الشروع في صلاة الاحتياط نقصان صلاته لاتكفي صلاة الاحتياط بل اللازم حينئذ اتمام ما نقص و سجدتا السهو للسلام في غير محلّه اذا لم يأت بالمنافي، و الاّ فاللازم اعادة الصلاة، فحكمه حكم من نقص من صلاته ركعة أو ركعتين، على ما مرّ سابقا.
الشرح:
اذا تبيّن قبل الشروع في صلاة الاحتياط نقصان صلاته فعليه اتمام ما نقص و سجدتا السهو للسلام في غير محلّه اذا لم يأت بالمنافي، و لاتكفي صلاة الاحتياط؛ لقصور أدلّة صلاة الاحتياط عن ذلك بل هي محدودة بما اذا كان الشكّ باقيا.
(مسألة 10): اذا تبيّن نقصان الصلاة في أثناء صلاة الاحتياط، فامّا أن يكون ما بيده من صلاة الاحتياط موافقا لما نقص من الصلاة في الكمّ و الكيف كما في الشكّ بين الثلاث و الأربع اذا اشتغل بركعة قائما و تذكّر في أثنائها كون صلاته ثلاثا، و امّا أن يكون مخالفا له في الكمّ و الكيف كما اذا
اشتغل في الفرض المذكور بركعتين جالسا فتذكّر كونها ثلاثا، و امّا أن يكون موافقا له في الكيف دون الكمّ كما في الشكّ بين الاثنتين و الثلاث و الأربع اذا تذكّر كون صلاته ثلاثا في أثناء الاشتغال بركعتين قائما، و امّا أن يكون بالعكس كما اذا اشتغل في الشكّ المفروض بركعتين جالسا بناءً على جواز تقديمهما و تذكّر كون صلاته ركعتين فيحتمل الغاء صلاة الاحتياط في جميع الصور و الرجوع الى حكم تذكّر نقص الركعة، و يحتمل الاكتفاء باتمام صلاة الاحتياط في جميعها، و يحتمل وجوب اعادة الصلاة في الجميع، و يحتمل التفصيل بين الصور المذكورة، و المسألة محلّ اشكال، فالأحوط الجمع بين المذكورات باتمام ما نقص ثمّ الاتيان بصلاة الاحتياط ثمّ اعادة الصلاة. نعم، اذا تذكّر النقص بين صلاتي الاحتياط في صورة تعدّدها مع فرض كون ما أتى به موافقا لما نقص في الكمّ و الكيف لايبعد الاكتفاء به كما اذا شكّ بين الاثنتين و الثلاث و الأربع و بعد الاتيان بركعتين قائما تبيّن كون صلاته ركعتين.
الشرح:
اذا تبيّن نقصان الصلاة في أثناء صلاة الاحتياط فتارة يكون ما بيده من صلاة الاحتياط موافقا لما نقص من الصلاة الأصليّة في الكمّ و الكيف كما اذا شكّ بين الثلاث و الأربع فبنى على الأربع و تشهّد و سلّم و اشتغل بركعة قائما و تذكّر في أثنائها كون صلاته ثلاثا فهذا يتمّ صلاته و لا شيء عليه؛ لأنّه عمل بما هو وظيفته الشرعيّة و كان ما عمل مطابقا لما نقص و معلوم أنّ أمر الامام عليه السلام بهذا العمل لجبران النقص كما تقدّمت مقالته عليه السلام في ضمن الروايات، فان قيل انّ ذلك فيما لو تذكّر بعد صلاة الاحتياط لا في الأثناء، فانّ موضوع صلاة الاحتياط هو الشكّ بين الركعات، فاذا زال الموضوع زال الحكم و ان كان في الأثناء، فحاله حال من تذكّر قبل الاشتغال بصلاة الاحتياط فكما عليه أن يضيف الى الصلاة ركعة فهذا أيضا
يرفع اليد عن صلاة الاحتياط و يضيف الى الصلاة ركعة كما هو أحد الاحتمالات في المتن، فيقال فيه: انّ الظاهر من الروايات المتقدّمة صلاحيّة صلاة الاحتياط لجبران النقص بمجرّد الشروع فيها، فاذا تذكّر النقص في الأثناء فتصير هذه الركعة كالركعة المضافة فيما اذا كان تذكّر النقص قبل صلاة الاحتياط فأضاف اليها ركعة أخرى بل هي نفسها فلاتكون النيّة و التكبير زائدتين كما تقدّم.
و أخرى يكون ما بيده من صلاة الاحتياط مخالفا لما نقص في الكمّ و الكيف كما اذا اشتغل في الفرض المذكور بركعتين جالسا ففي هذه الصورة لو كان التذكّر قبل الركوع و ان كان بعد القراءة فيقوم و يركع عن قيام فيتمّ الصلاة و لا شيء عليه كما تقدّم، و أمّا ان كان التذكّر بعد الركوع فيشكل الانجبار؛ لأنّ هذه الصلاة تكون لها ركوعان و أربع سجدات. نعم، لو كان تذكّر النقص بعد الركعتين عن جلوس و قبل السلام لم يكن جبرهما لما نقص بعيدا كما مرّت الاشارة اليه الاّ أنّ شمول الروايات لمثل هذا مشكل فيقطع و يستأنف الصلاة. و أمّا احتمال اضافة ركعة الى الصلاة الأصليّة بعد القطع و الاكتفاء بها ضعيفة؛ لأنّ هذا الركوع ان لم يكن مانعا فأتى به حسب الأمر فلايقطع الصلاة، و ان كان مانعا فتبطل الصلاة الأصليّة.
و ثالثة يكون ما بيده من صلاة الاحتياط موافقا لما نقص في الكيف دون الكمّ كما في الشكّ بين الاثنتين و الثلاث و الأربع اذا تذكّر كون صلاته ثلاثا في أثناء الاشتغال بركعتين قائما، ففي هذه الصورة ان تذكّر قبل الركوع في الركعة الثانية فيتشهّد و يسلّم و لا شيء عليه لما قلنا، و أمّا ان دخل في الركوع من الركعة الثانية فتبطل صلاته؛ لأنّه زاد في صلاته ركنا فيستأنف الصلاة.
و رابعة يكون ما بيده من صلاة الاحتياط موافقا لما نقص في الكمّ دون الكيف كما اذا اشتغل في الفرض المذكور بركعتين جالسا بناءً على جواز تقديمهما و تذكّر كون صلاته ركعتين، ففي هذه الصورة أيضا ان لم يكن قد ركع فيقوم و يركع و يسجد ثمّ يقوم للركعة الثانية فيتمّ و لا شيء عليه و الاّ تبطل صلاته و عليه
الاستئناف كما تقدّم.
قال في الجواهر: «أمّا لو تذكّر النقص في أثنائه، فان كان هو المطابق كمّا و كيفا كما لو ذكر نقصان الاثنتين في الشكّ بينهما و الثلاث و الأربع مثلاً في أثناء ركعتي الاحتياط من قيام، أو ذكر نقصان الواحدة في الشكّ بين الثلاث و الأربع في أثناء الركعة الاحتياطيّة من قيام فالأقوى عدم الالتفات و يتمّ احتياطه و تصحّ صلاته، وفاقا لجماعة ان لم يكن المشهور؛ استصحابا لصحّة الصلاة المجبورة و لصحّة الصلاة الاحتياطيّة المؤيّدة بكون الصلاة على ما افتتحت عليه، بل للأمر المقتضي للاجزاء، مضافا الى اطلاق الأدلّة و التعريض المذكور، بل قد يستأنس له بخبر عمّار السابق و بما عرفت من الصحّة مع الذكر بعده، بل لا مانع يتخيّل سوى زيادة التكبير الذي قد عرفت اغتفار الشارع له هنا، بل قد سمعت احتمال أنّها ليست من الزيادة المبطلة، للقصد بها افتتاح صلاة أخرى.
نعم، قد يقال بعدم تعيّن الفاتحة هنا، بل يعود التخيير السابق بينها و بين التسبيح لمضيّ احتمال كونها نافلة المقتضي للالزام بالجامع، للصحّة على التقديرين، و تعيّن كونها جابرة، مع احتماله لبقاء كونها صلاة مستقلّة لاتصحّ بدون الفاتحة، لا أنّها صارت ركعة رابعة جزءا من الصلاة الأولى حقيقة و ان حصل الجبر بها، فتأمّل جيّدا، و خلافا للفاضل و عن غيره فالاستئناف، و هو ضعيف جدّا كما اعترف به في الذخيرة بعد أن ذكره احتمالاً، و بطلان الاحتياط و الرجوع الى حكم تذكّر النصّ احتمالاً آخر، و المختار ثالثا، و اتمام الاحتياط حتّى الركعتين من جلوس في الصورة الأولى مثلاً احتمالاً رابعا و هي عدا المختار منها كما ترى، بل ينبغي القطع بفساد الأخير منها. - الى أن قال: - و كذا يقوى في النظر الصحّة لو تذكّر النقص في أثناء احتياطه المخالف بالكيف دون الكمّ، كما لو ذكر الثلاث في أثناء ركعتي الجلوس؛ لاقامة الشارع ايّاهما مقام ركعة من قيام، فيجري حينئذ هنا ما سمعته، و احتمال البطلان لاختلال النظم هنا مزاحمة للشارع فيما
يرجع أمره اليه، و لا فرق بين سبقهما باحتياط سابق كما في الشكّ بين الاثنتين و الثلاث و الأربع، و عدمه كما في الشكّ بين الثلاث و الأربع، لما سمعته من عدم قدح مثل هذا الفصل بصلاحيّتها للجبر على حسب الذكر بعد الفراغ، بل و لا فرق أيضا بين التذكّر بعد الركوع فيهما أو قبله، و ان حكي عن الذكرى هنا أقربيّة عدم الاعتداد بما فعله من النيّة و التكبيرة و القراءة و وجوب القيام لاتمام الصلاة، لكنّه لا شاهد له، ضرورة اتّحاد دلالة الأدلّة على ما قبل الركوع و بعده.
أمّا المخالف بالكمّ كما لو ذكر الثلاث في أثناء الركعتين من قيام فقد قيل: ان لم يتجاوز القدر المطابق بأن لم يكن قد شرع في الركعة الثانية تشهّد و سلّم و اجتزئ بها، لكن في الذخيرة مع ذلك الاحتمالات الأربعة السابقة فيه، و ان تجاوز فان كان قبل الركوع هدم و كان كالسابق، و الاّ بطل احتياطه و وجب عليه حكم تذكّر النقص، و عن بعضهم مساواته للسابق بعدم الاعتداد بالزائد و ان كان ركنا فيسلّم و يجتزئ، و في الذخيرة ان تجاوز القدر المطابق فان كان قد جلس عقيب الركعة ففيه أوجه: الاكتفاء به و ترك التتمّة، و اتمام الاحتياط بأسره و اتمام الركعتين، و بطلان الصلاة و الرجوع الى حكم تذكّر النقص، و ان لم يجلس عقيب الركعة ففيه الأوجه السابقة، لكن بعضها في الصورة السابقة أقوى منه هنا.
قلت: الاّ أنّ الذي يقوى في النظر القاصر - بعد فساد احتمال كونه احتياطا واحدا قد حكمنا بصحّته الذي ذكرناه سابقا - بطلان الاحتياط مطلقا تجاوز أو لم يتجاوز كما عن الأردبيلي، و الرجوع الى حكم تذكّر النقص. انتهى».(1)
(مسألة 11): لو شكّ في اتيان صلاة الاحتياط بعد العلم بوجوبها عليه، فان كان بعد الوقت لايلتفت اليه و يبني على الاتيان، و ان كان جالسا في مكان الصلاة و لم يأت بالمنافي و لم يدخل في فعل آخر بنى على عدم
1) - جواهر الكلام 12: 373 - 376.
الاتيان، و ان دخل في فعل آخر أو أتى بالمنافي أو حصل الفصل الطويل مع بقاء الوقت فللبناء على الاتيان بها وجه و الأحوط البناء على العدم و الاتيان بها ثمّ اعادة الصلاة.
الشرح:
لو شكّ في اتيان صلاة الاحتياط بعد العلم بوجوبها عليه فان كان بعد الوقت بنى على الاتيان؛ لاطلاق ما دلّ على عدم الالتفات الى الشكّ في الفريضة بعد خروج الوقت، و اذا لم يدرك من الوقت الاّ ركعة فشرع في الصلاة ثمّ شكّ بين الثلاث و الأربع مثلاً فبنى على الأربع فتشهّد و سلّم و بعد ذلك شكّ في الاتيان بركعة الاحتياط فعليه أن يأتي بها ان لم يأت بالمنافي، لعدم جريان قاعدة التجاوز هيهنا.
و أمّا ان كان الشكّ في اتيان صلاة الاحتياط في الوقت فتارة يكون بعد فعل المنافي، و أخرى يكون قبله، فان كان الشكّ بعد فعل المنافي فلايعتني به و يبني على الاتيان بها؛ لقاعدة التجاوز و قوله عليه السلام: «كلّ ما شككت فيه ممّا قد مضى فأمضه كما هو».(1)و كذا لو دخل في فعل آخر. و أمّا ان كان قبل فعل المنافي فعليه أن يأتي بصلاة الاحتياط لقاعدة الاشتغال و الاستصحاب الاّ أن يكون هناك فصل طويل فيلحق بالمنافي.
(مسألة 12): لو زاد فيها ركعة أو ركنا ولو سهوا بطلت و وجب عليه اعادتها ثمّ اعادة الصلاة.
الشرح:
1) - وسائل الشيعة 8: 237 / الباب 23 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة / الحديث 3.
لو زاد في صلاة الاحتياط ركعة أو ركنا ولو سهوا بطلت و ذلك لأنّ هذه الصلاة و ان كانت من جهة مستقلّة الاّ أنّها من جهة أخرى تكون جزءا و متمّمة للصلاة الأصليّة ان كانت ناقصة فيبطلها كلّ ما يبطل الصلاة الأصليّة كما يراعى فيها كلّ ما يراعى في الصلاة الأصليّة، فيجب عليه اعادة الصلاة؛ لأنّها ان كانت ناقصة فقد بطلت لزيادة الركعة أو الركن فيها. و في محكي مفتاح الكرامة: «لعلّه لم يخالف في البطلان أحد».(1)
(مسألة 13): لو شكّ في فعل من أفعالها فان كان في محلّه أتى به، و ان دخل في فعل مرتّب بعده بنى على أنّه أتى به كأصل الصلاة.
الشرح:
لو شكّ في فعل من أفعال صلاة الاحتياط فان كان في محلّه أتى به و ان دخل في فعل مرتّب عليه بنى على الاتيان به؛ لأنّها صلاة سواء كانت متمّمة في صورة نقص الصلاة أو مستقلّة في صورة عدمه فيجري فيها قاعدة التجاوز كما تجري في الصلاة.
(مسألة 14): لو شكّ في أنّه هل شكّ شكّا يوجب صلاة الاحتياط أم لا بنى على عدمه.
الشرح:
لو شكّ في أنّه هل شكّ شكّا يوجب صلاة الاحتياط أم لا؟ فان كان قبل السلام فالمناط حاله الفعليّة، فان كان شاكّا فيعمل على شكّه، و ان لم يكن فيتمّ على يقينه. و أمّا ان كان بعد السلام فان كان على يقين من الاتمام أو النقص فيعمل
1) - مستمسك العروة 7: 515.
على يقينه. مثلاً لو كان متيقّنا بأنّ صلاته هذه كانت ثلاث ركعات فيقوم و يأتي بركعة و يتشهّد و يسلّم.
و أمّا ان كان شاكّا فلايعتني به؛ لأنّه شكّ بعد السلام فتشمله صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي عبداللّه عليه السلام في الرجل يشكّ بعدما ينصرف من صلاته، قال:
«فقال: لايعيد، و لا شيء عليه».(1)
(مسألة 15): لو شكّ في عدد ركعاتها فهل يبني على الأكثر الاّ أن يكون مبطلاً فيبني على الأقلّ أو يبني على الأقلّ مطلقا؟ وجهان، و الأحوط البناء على أحد الوجهين ثمّ اعادتها ثمّ اعادة أصل الصلاة.
الشرح:
لو شكّ في عدد ركعات الاحتياط لايعتني، و الدليل على ذلك صحيحة حفص بن البختري عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«ليس على الامام سهو و لا على من خلف الامام سهو و لا على السهو سهو و لا على الاعادة اعادة».(2)
و ما عن الصدوق باسناده عن ابراهيم بن هاشم في نوادره:
«أنّه سئل أبو عبداللّه عليه السلام - الى أن قال: - قال: ليس على الامام سهو اذا حفظ عليه من خلفه سهوه باتّفاق منهم و ليس على من خلف الامام سهو اذا لم يسه الامام و لا سهو في سهو و ليس في المغرب سهو و لا في الفجر سهو و لا في الركعتين الأوّلتين من كلّ صلاة سهو (و لا سهو في نافلة) فاذا اختلف على الامام من خلفه فعليه و عليهم في
الاحتياط الاعادة و الأخذ بالجزم».(1)
و خبر أبي الهذيل عن أبي عبداللّه عليه السلام في الرجل يتّكل على عدد صاحبته في الطواف أ يجزيه عنها و عن الصبي؟ فقال:
«نعم، ألاترى أنّك تأتمّ بالامام اذا صلّيت خلفه، فهو مثله».(2)
و المراد من السهو في كلامه عليه السلام: «و لا على السهو سهو» هو الشكّ بقرينة قوله عليه السلام في الصحيحة: «ليس على الامام سهو» أي شكّ، فمن المعلوم أنّه اذا سها الامام في الأفعال أو الركعات فزاد أو نقص فله حكمه و عليه الجبران أو يوجب البطلان فيما اذا زاد ركنا أو ركعة. فمعنى كلامه عليه السلام «و لا على السهو سهو»، ليس على ما يوجبه الشكّ حكم الشكّ، فممّا يوجبه الشكّ صلاة الاحتياط فاذا شكّ في صلاة الاحتياط فليس له حكم، و لايعتني به. و المراد أيضا من الشكّ في صلاة الاحتياط هو الشكّ في الركعات بقرينة قوله عليه السلام بعد ذلك فيما رواه الصدوق رحمه الله: «و ليس في المغرب سهو، و لا في الفجر سهو و لا في الركعتين الأوّلتين من كلّ صلاة سهو»، مضافا الى أنّه القدر المتيقّن من الرواية، و يؤيّده ذهاب المشهور الى عدم الاعتناء بالشكّ في عدد ركعات الاحتياط و البناء على الأكثر الاّ أن يكون مبطلاً فيبني على الأقلّ.
(مسألة 16): لو زاد فيها فعلاً من غير الأركان أو نقص فهل عليه سجدتا السهو أو لا؟ وجهان و الأحوط الاتيان بهما.
الشرح:
اذا نقص في صلاة الاحتياط سهوا من غير الأركان فتارة يكون النقص مثل
السجدة الواحدة فيجب قضاؤها بعد السلام اذا كان من الركعة الأولى في الركعتين و مضى محلّ التدارك، و أمّا في الركعة الواحدة أو الركعة الثانية من الركعتين اذا نسي السجدة و تشهّد و سلّم فيسجد السجدة ثمّ يتشهّد و يسلّم ثانيا فيسجد سجدتي السهو لزيادة السلام كأصل الصلاة.
و أخرى يكون النقص مثل القراءة و الذكر و غيرهما و قد جاوز محلّه فيتمّ و لا شيء عليه ان قلنا ذلك في الأصل. و أمّا لو زاد في صلاة الاحتياط من غير الأركان بمثل السجدة الواحدة أو السلام، فهل عليه سجدة السهو و كذا لكلّ زيادة و نقيصة لو قلنا ذلك في الصلاة الأصليّة أو لا؟ و الظاهر أنّه لايجب؛ لموثّقة عمّار
بن موسى قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن السهو، ما تجب فيه سجدتا السهو؟ قال: اذا أردت أن تقعد فقمت أو أردت أن تقوم فقعدت أو أردت أن تقرأ فسبّحت أو أردت أن تسبّح فقرأت فعليك سجدتا السهو و ليس في شيء ممّا يتمّ به الصلاة سهو. الحديث».(1)
(مسألة 17): لو شكّ في شرط أو جزء منها بعد السلام لم يلتفت.
الشرح:
لو شكّ في شرط أو جزء من صلاة الاحتياط بعد السلام لم يلتفت، و ذلك لصحيحة محمّد بن مسلم عن أبي عبداللّه عليه السلام في الرجل يشكّ بعدما ينصرف من صلاته، قال:
«فقال: لايعيد و لا شيء عليه».(2)
و صلاة الاحتياط صلاة امّا جزءا للصلاة الأصليّة أو مستقلّة عنها.
(مسألة 18): اذا نسيها و شرع في نافلة أو قضاء فريضة أو نحو ذلك فتذكّر في أثنائها قطعها و أتى بها ثمّ أعاد الصلاة على الأحوط، و أمّا اذا شرع في صلاة فريضة مرتّبة على الصلاة التي شكّ فيها كما اذا شرع في العصر فتذكّر أنّ عليه صلاة الاحتياط للظهر فان جاز عن محلّ العدول قطعها كما اذا دخل في ركوع الثانية مع كون احتياطه ركعة أو ركوع الثالثة مع كونها ركعتين، و ان لم يجز عن محلّ العدول فيحتمل العدول اليها، لكن الأحوط القطع و الاتيان بها ثمّ اعادة الصلاة.
الشرح:
اذا نسي صلاة الاحتياط و شرع في صلاة بعد الصلاة التي شكّ فيها، كما اذا شرع في العصر فتذكّر أنّ عليه صلاة الاحتياط للظهر فان لم يجز عن محلّ العدول كما اذا كان احتياطه ركعة و لم يدخل في ركوع الثانية فيعدل الى صلاة الاحتياط فيتمّها و لا شيء عليه؛ لأنّه لو تذكّر نقص الصلاة و هو في فريضة بعدها يعدل الى السابقة ان كان محلّ العدول باقيا فكذا ما نحن فيه و لا مانع من هذا العدول كما هو واضح.
و أمّا ان جاز محلّ العدول و دخل في ركوع الركعة الثانية في الفرض المذكور فلايجوز العدول الى الاحتياط قطعا فبقي عليه أمران: القطع و الاتيان بصلاة الاحتياط ثمّ اعادة الصلاة أو القطع و الاتيان بالصلاة الأصليّة أو العدول الى الصلاة الأصليّة أي صلاة الظهر مثلاً لكون المسألة كمن تذكّر في صلاة العصر أنّه لم يصلّ الظهر فيعدل اليها. فالظاهر أنّ الصلاة الأصليّة كانت باطلة لزيادة الركعة أو الركن فيها، كما لو زاد في الأصل، و أمّا العدول فمشكل؛ لأنّه لو تذكّر النقص و الحال هذه كان القول بالعدول بعيدا، فعليه قطع الصلاة و اعادة صلاة الظهر. و ان قلنا
بحرمة القطع مطلقا لا مقيّدا بما اذا كان لعبا، فيعدل الى صلاة الظهر ثمّ يعيدها و يأتي بعدها بصلاة العصر.
و أمّا اذا نسي الاحتياط و شرع في نافلة أو قضاء فريضة ثمّ تذكّر في الأثناء فان كان بعد الدخول في ركوع الركعة الثانية و تجاوز محلّ العدول على فرض كون الاحتياط ركعة فصلاته الأصليّة باطلة؛ لزيادة ركعة أو ركن كما في نفسها فيقطع ما بيده و يستأنف الصلاة. و أمّا ان كان التذكّر قبل تجاوز محلّ العدول فالظاهر أنّه لا مانع من العدول الاّ نيّة النافلة أو القضاء اللتان يمكن أن يقال باختلاف ماهيّتهما و عدم صلاحيّتهما لأن تكونا جزءا للصلاة الأصليّة، ولكن يدفعه أنّه كالخطأ في التطبيق و مع ذلك يحتاط باعادة الصلاة أو القطع و الاستئناف.
(مسألة 19): اذا نسي سجدة واحدة أو تشهّدا فيها قضاهما بعدها على الأحوط.
قد تقدّم الكلام حول هذه المسألة في ذيل المسألة السادسة عشرة المتقدّمة و قلنا بالقضاء الاّ أن يكون في الركعة الأخيرة أو كانت ركعة فيأتي بهما ثمّ يعيد السلام فيأتي بالسجدتين لزيادة السلام.
(مسألة 1): قد عرفت سابقا أنّه اذا ترك سجدة واحدة و لم يتذكّر الاّ بعد الوصول الى حدّ الركوع يجب قضاؤها بعد الصلاة، بل و كذا اذا نسي السجدة الواحدة من الركعة الأخيرة و لم يتذكّر الاّ بعد السلام على الأقوى و كذا اذا نسي التشهّد أو أبعاضه و لم يتذكّر الاّ بعد الدخول في الركوع، بل أو التشهّد الأخير و لم يتذكّر الاّ بعد السلام على الأقوى. و يجب - مضافا الى القضاء - سجدتا السهو أيضا لنسيان كلّ من السجدة و التشهّد.
الشرح:
فروع:
اذا ترك سجدة واحدة سهوا و لم يتذكّر الاّ بعد الوصول الى حدّ الركوع يجب قضاؤها بعد الصلاة. و الدليل على ذلك صحيحة اسماعيل بن جابر عن
أبي عبداللّه عليه السلام في رجل نسي أن يسجد السجدة الثانية حتّى قام فذكر و هو قائم أنّه لم يسجد، قال:
«فليسجد ما لم يركع، فاذا ركع فذكر بعد ركوعه أنّه لم يسجد فليمض على صلاته حتّى يسلّم ثمّ يسجدها فانّها قضاء. قال: و قال أبو عبداللّه عليه السلام: ان شكّ في الركوع بعدما سجد فليمض، و ان شكّ في السجود بعدما قام فليمض. الحديث».(1)
و موثّقة عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) أنّه سأله عن رجل نسي سجدة فذكرها بعدما قام و ركع؟ قال:
«يمضي في صلاته و لايسجد حتّى يسلّم، فاذا سلّم سجد مثل ما فاته. قلت: فان لم يذكر الاّ بعد ذلك؟ قال: يقضي ما فاته اذا ذكره».(2)
و صحيحة أبي بصير قال:
«سألته عمّن نسي أن يسجد سجدة واحدة فذكرها و هو قائم؟ قال: يسجدها اذا ذكرها ما لم يركع، فان كان قد ركع فليمض على صلاته، فاذا انصرف قضاها و ليس عليه سهو».(3)
و خبر علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام قال:
«سألته عن الرجل يذكر أنّ عليه السجدة يريد أن يقضيها و هو راكع في بعض صلاته، كيف يصنع؟ قال: يمضي في صلاته فاذا فرغ سجدها».(4)
و لايعارضها مارواه علي بن اسماعيل عن رجل عن معلّى بن خنيس قال:
«سألت أبا الحسن الماضي عليه السلام في الرجل ينسى السجدة من صلاته؟ قال: اذا ذكرها قبل ركوعه سجدها و بنى على صلاته ثمّ سجد سجدتي السهو بعد انصرافه، و ان ذكرها بعد ركوعه أعاد الصلاة، و نسيان السجدة في الأوّلتين و الأخيرتين سواء».(1)
لأنّ الرواية من حيث السند ضعيفة و من حيث المتن قابلة للجمع بتقريب أنّ السجدة في كلام الراوي: «ينسى السجدة من صلاته» مطلقة يشمل السجدة الواحدة و السجدتين، فبالروايات المتقدّمة يقيّد اطلاق خبر معلّى بن خنيس بالسجدتين، فكأنّه عليه السلام قال: و ان ذكر فوات السجدتين بعد ركوعه أعاد الصلاة.
و لايعارضها أيضا ما رواه البرقي مرفوعا عن جعفر بن بشير قال:
«سئل أحدهم عن رجل ذكر أنّه لم يسجد في الركعتين الأوّلتين الاّ سجدة و هو في التشهّد الأوّل؟ قال: فليسجدها ثمّ ينهض، و اذا ذكره و هو في التشهّد الثاني قبل أن يسلّم فليسجدها ثمّ يسلّم ثمّ يسجد سجدتي السهو».(2)
لأنّ الرواية مرفوعة فهي ضعيفة السند الاّ أنّه رواها المحاسن بطريقين و الطريق الآخر سنده صحيح و قابل للتوجيه بأن نقول: انّ مراد السائل من قوله: «لم يسجد في الركعتين الأوّلتين الاّ سجدة الخ» هو أنّه ذكر في التشهّد عدم الاتيان بسجدة في الركعة الثانية، فقال عليه السلام في جوابه: «فليسجدها» و لم يذكر عليه السلام اعادة التشهّد لمعلوميّتها، و كذا المراد من الجملة الثانية أنّه ذكر نسيان السجدة في التشهّد، فقال عليه السلام: «فليسجدها ثمّ يسلّم» و لم يذكر عليه السلام اعادة التشهّد لمعلوميّتها.
و لاتلزم سجدتا السهو، و ذلك أوّلاً لعدم ذكرهما في الروايات المتقدّمة مع أنّه عليه السلامفي مقام بيان وظيفة من نسي سجدة ثمّ ركع فذكرها، و ثانيا نفيهما في
صحيحة أبي بصير قال:
«سألته عمّن نسي أن يسجد سجدة واحدة فذكرها و هو قائم؟ قال: يسجدها اذا ذكرها ما لم يركع، فان كان قد ركع فليمض على صلاته فاذا انصرف قضاها و ليس عليه سهو».(1)
و أمّا اذا نسي التشهّد لاتخلو حاله من أمرين: فامّا أن يتذكّر قبل أن يركع فليجلس و ليتشهّد و امّا أن يكون تذكّره بعد أن يركع، فليتمّ الصلاة حتّى اذا فرغ فليسلّم و ليسجد سجدتي السهو. و يدلّ على ذلك صحيحة سليمان بن خالد قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل نسي أن يجلس في الركعتين الأوّلتين؟ فقال: ان ذكر قبل أن يركع فليجلس، و ان لم يذكر حتّى يركع فليتمّ الصلاة، حتّى اذا فرغ فليسلّم و ليسجد سجدتي السهو».(2)
و صحيحة ابن أبي يعفور قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يصلّي الركعتين من المكتوبة فلايجلس فيهما حتّى يركع؟ فقال: يتمّ صلاته ثمّ يسلّم و يسجد سجدتي السهو و هو جالس قبل أن يتكلّم».(3)
و موثّقة أبي بصير قال:
«سألته عن الرجل ينسى أن يتشهّد؟ قال: يسجد سجدتين يتشهّد
فيهما».(1)
و خبر الحسن الصيقل عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قلت له: الرجل يصلّي الركعتين من الوتر ثمّ يقوم فينسى التشهّد حتّى يركع، و يذكر و هو راكع. قال: يجلس من ركوعه يتشهّد ثمّ يقوم فيتمّ. قال: قلت: أليس قلت في الفريضة اذا ذكره بعدما ركع مضى في صلاته ثمّ سجد سجدتي السهو بعدما ينصرف يتشهّد فيهما؟ قال: ليس النافلة مثل الفريضة».(2)
و صحيحة الفضيل بن يسار عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«في الرجل يصلّي الركعتين من المكتوبة ثمّ ينسى فيقوم قبل أن يجلس بينهما قال: فليجلس ما لم يركع و قد تمّت صلاته، و ان لم يذكر حتّى ركع فليمض في صلاته، فاذا سلّم سجد سجدتين و هو جالس».(3)
و صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا قمت في الركعتين من ظهر أو غيرها فلم تتشهّد فيهما فذكرت ذلك في الركعة الثالثة قبل أن تركع فاجلس و تشهّد و قم فأتمّ صلاتك، و ان أنت لم تذكر حتّى تركع فامض في صلاتك حتّى تفرغ، فاذا فرغت فاسجد سجدتي السهو بعد التسليم قبل أن تتكلّم».(4)
و أمّا خبر محمّد بن علي الحلبي قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يسهو في الصلاة فينسى التشهّد؟ قال: يرجع فيتشهّد. قلت: أيسجد سجدتي السهو؟ فقال: لا، ليس في هذا سجدتا السهو».(1)
فيحمل على ما اذا ذكر قبل أن يركع.
و لاتعارض ما سبق، موثّقة عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«ان نسي الرجل التشهّد في الصلاة فذكر أنّه قال: «بسم اللّه» فقط فقد جازت صلاته، و ان لم يذكر شيئا من التشهّد أعاد الصلاة».(2)
و كذا رواية علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام قال:
«سألته عن رجل ترك التشهّد حتّى سلّم، كيف يصنع؟ قال: ان ذكر قبل أن يسلّم فليتشهّد و عليه سجدتا السهو، و ان ذكر أنّه قال: «أشهد أن لا اله الاّ اللّه» أو «بسم اللّه» أجزأه في صلاته، و ان لم يتكلّم بقليل و لا كثير حتّى يسلّم أعاد الصلاة».(3)
لأنّه يمكن توجيه الأولى بأنّ المراد من قوله: «فقد جازت صلاته» أي مضت و تمّت و يسلّم ثمّ ليسجد سجدتي السهو، و ان لم يذكر شيئا من التشهّد أعاد الصلاة استحبابا.
و أمّا الثانية فصدرها يحمل على تشهّد الأخيرة و يوجّه ذيلها على ما ذكر في الموثّقة. و ان لم يمكن توجيههما فيطرحان لعدم قدرتهما على المعارضة لما تقدّم من الروايات الصحاح مع ضعف الثانية أيضا.
و لاتنافي ما سبق أيضا صحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا نسيت شيئا من الصلاة ركوعا أو سجودا أو تكبيرا ثمّ ذكرت
فاصنع الذي فاتك سواء (سهوا)».(1)
بناءً على شمول «شيئا» للتشهّد أيضا، لأنّها تحمل على ما اذا ذكرها قبل أن يدخل في ركن بقرينة ذكر الركوع؛ لأنّه اذا دخل في الركن مع كونه ناسيا للركوع فقد بطلت صلاته.
و كذا صحيحة حكم بن حكيم قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل ينسى من صلاته ركعة أو سجدة أو الشيء منها ثمّ يذكر بعد ذلك؟ فقال: يقضي ذلك بعينه. فقلت: أيعيد الصلاة؟ فقال: لا».(2)
بناءً على شمول «أو الشيء منها» للتشهّد.
فمعنى «يقضي» هو يؤدّي، فالصحاح المتقدّمة تقيّد هذه الصحيحة بما اذا تذكّر قبل أن يركع، و تحمل الركعة على الركوع، كما استعملت كذلك، بقرينة «أو سجدة أو الشيء منها».
و أمّا لو نسي سجدة واحدة من الركعة الأخيرة أو نسي التشهّد منها فتذكّر بعد السلام فتارة يكون تذكّره قبل فعل المنافي و ما تبطل الصلاة به مطلقا، فعليه فالظاهر وجوب الاتيان بالسجدة ثمّ التشهّد ثمّ السلام فيما اذا نسي السجدة، و وجوب الاتيان بالتشهّد ثمّ السلام فيما اذا نسي التشهّد، فيسجد أيضا سجدتي السهو لزيادة السلام، و الدليل على ذلك هو الحكم بأنّ السلام وقع في غير محلّه و
لا فرق بين هذا و بين ما لو كان يسلّم في الركعة الثانية من الثلاثيّة أو الرباعيّة ثمّ يتذكّر فانّه كان عليه القيام و الاتمام ثمّ سجود سجدتين لزيادة السلام فهكذا هيهنا، فكأنّه لم يخرج من الصلاة بعد.
و أخرى يكون تذكّره بعد فعل المنافي، سواء كان ممّا تبطل الصلاة به عمدا كالتكلّم، أو عمدا و سهوا كالاستدبار و الحدث فيقضي السجدة الفائتة بعد تحصيل الشرائط فتصحّ صلاته؛ لحديث «لاتعاد». و قد تقدّم في المسألة الثامنه عشرة من فصل الخلل.(1)
لو نسي بعض أجزاء التشهّد أو نسي الصلاة على محمّد و آله أو بعضها فتارة يصدق عليه أنّه نسي التشهّد أو الصلوات كما أنّه قال: «أشهد أن لا اله الاّ اللّه وحده
لا شريك له» و لم يأت ب- «أشهد أنّ محمّدا عبده و رسوله»، أو قال في الصلوات: «اللّهمّ صلّ على محمّد» و لم يأت بآخرها أي «و آل محمّد»، ففي هذه الحال يرجع الاّ أنّه يأتي بتمامها حتّى يصدق الموالاة. و أخرى لم يصدق أنّه نسي التشهّد كما قال: «أشهد أن لا اله الاّ اللّه و أشهد أنّ محمّدا رسول اللّه» و لم يأت بما ورد من صورة التشهّد فانّه يرجع أيضا و يأتي بجميعها؛ لأنّه نسي ما كان واجبا عليه، فكما يجب عليه الاتيان بتمام التشهّد يجب عليه الاتيان بأجزائه، فلو ترك بعض أجزاء التشهّد عمدا بطلت صلاته، و أمّا لو نسي بعض أجزائه يجب تداركها. نعم، لو ذكرها بعدما ركع يمضي في صلاته و يأتي بسجدتي السهو كما يأتي بهما لو نسي الكلّ فذكر بعد الركوع.
1) - الهادي كتاب الصلاة 5: 374.
(مسألة 2): يشترط فيها جميع ما يشترط في سجود الصلاة و تشهّدها من الطهارة و الاستقبال و ستر العورة و نحوها، و كذا الذكر و الشهادتان و الصلاة على محمّد و آل محمّد. و لو نسي بعض أجزاء التشهّد وجب قضاؤه فقط. نعم، لو نسي الصلاة على آل محمّد فالأحوط اعادة الصلاة على محمّد، بأن يقول: «اللّهمّ صلّ على محمّد و آل محمّد»، و لايقتصر على قوله: «و آل محمّد» و ان كان هو المنسي فقط. و يجب فيها نيّة البدليّة عن المنسي، و لايجوز الفصل بينهما و بين الصلاة بالمنافي، كالأجزاء في الصلاة. أمّا الدعاء و الذكر و الفعل القليل و نحو ذلك - ممّا كان جائزا في أثناء الصلاة - فالأقوى جوازه، و الأحوط تركه، و يجب المبادرة اليها بعد السلام، و لايجوز تأخيرهما عن التعقيب و نحوه.
الشرح:
يشترط في قضاء السجدة و سجدتي السهو لنسيان التشهّد جميع ما يشترط في سجود الصلاة و تشهّدها من الطهارة و الاستقبال و ستر العورة و نحوها و كذا الذكر في السجدة، و ذلك لأنّ السجدة المأتيّ بها هي السجدة المنسيّة بعينها الاّ أنّها يؤتى بها في غير موضعها؛ للنصّ، فكما يعتبر الشرائط في السجدة اذا كانت في موضعها فكذلك اذا أتي بها فيما بعد السلام. و هكذا يكون الحكم في سجدتي السهو؛ لأنّهما شهادة و زيادة فتكونان بدلاً للتشهّد المنسي.
(مسألة 3): لو فصل بينهما و بين الصلاة بالمنافي عمدا و سهوا - كالحدث و الاستدبار - فالأحوط استئناف الصلاة بعد اتيانهما و ان كان الأقوى جواز الاكتفاء باتيانهما، و كذا لو تخلّل ما ينافي عمدا و لا سهوا اذا كان عمدا. أمّا اذا وقع سهوا فلابأس.
الشرح:
الظاهر أنّ الاكتفاء باتيانهما أقوى كما في المتن، و ذلك لما أنّ الظاهر من تعبيرهم عليهم السلام عنهما في الروايات بالقضاء كون السجدة و التشهّد المنسيّين واجبين مستقلّين و يؤيّده بل يشهد عليه صحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما عليه السلام في الرجل يفرغ من صلاته و قد نسي التشهّد حتّى ينصرف، فقال:
«ان كان قريبا رجع الى مكانه فتشهّد، و الاّ طلب مكانا نظيفا فتشهّد فيه. و قال: انّما التشهّد سنّة في الصلاة».(1)
و في المستمسك: «لاطلاق دليل القضاء الموافق لأصالة البراءة من قدح المنافي في صحّة القضاء. و دعوى أنّ القضاء جزء من الصلاة جيء به في غير محلّه، فيكون المنافي بينه و بين الصلاة واقعا في أثناء الصلاة فيبطل، و لا مجال للأخذ باطلاق دليل القضاء؛ لقصوره عن اثبات نفي القدح و لا لأصل البراءة؛ اذ لا مجال للأصل مع الدليل، مدفوعة بأنّ جزئيّته من الصلاة خلاف ما دلّ على مفرغيّة التسليم - الى أن قال: - انّما الكلام في أنّ السلام الواقع منه واقع في محلّه و مفرغ له من الصلاة، أو أنّه غير مفرغ و انّما يحصل الفراغ بالجزء المقضي و اذ أنّ الأدلّة تقصر عن اثبات الثاني، فما دلّ على مفرغيّة السلام محكّم، فيكون فعل المنافي بعد التسليم غير قادح، كفعله بعده في سائر المقامات. و يؤيّده موثّقة عمّار: «قلت: فان لم يذكر الاّ بعد ذلك؟ قال عليه السلام: يقضي ما فاته اذا ذكره»(2). و كذا صحيحة محمّد بن مسلم. انتهى ملخّصا».(3)
(مسألة 4): لو أتى بما يوجب سجود السهو قبل الاتيان بهما أو في أثنائهما فالأحوط فعله بعدهما.
الشرح:
اذا نسي سجدة واحدة أو نسي التشهّد فذكر بعد الدخول في الركوع يمضي في صلاته حتّى يتدارك ما فات منه، و لو أتى بما يوجب سجود السهو حينئذ أي حين يمضي في صلاته مثل التكلّم فيجب عليه تدارك ما فات أوّلاً ثمّ الاتيان بسجود السهو؛ لأنّ السجدة المأتيّة بدل السجدة المنسيّة و كذا سجدتي السهو للتشهّد المنسي متضمّنتان لما نسي فكأنّه هو بعد في الصلاة. و أمّا السهو كالتكلّم في قضاء السجدة أو سجدتي السهو للتشهّد المنسي فالأحوط الاتيان بسجود السهو للتكلّم؛ لأنّه كأنّما تكلّم في الصلاة، و ان كان يمكن القول بعدم الوجوب؛ لموثّقة عمّار قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام - الى أن قال: - و ليس في شيء ممّا يتمّ به الصلاة سهو».(1)
(مسألة 5): اذا نسي الذكر أو غيره ممّا يجب، ماعدا وضع الجبهة في سجود الصلاة، لايجب قضاؤه.
الشرح:
لعدم الدليل على قضاء ماعدا وضع الجبهة (أي أصل السجود) من الذكر و غيره، و أصل البراءة جارٍ في المقام.
1) - وسائل الشيعة 8: 250 / الباب 32 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة / الحديث 2.
(مسألة 6): اذا نسي بعض أجزاء التشهّد القضائي و أمكن تداركه فعله، و أمّا اذا لم يمكن كما اذا تذكّره بعد تخلّل المنافي عمدا و سهوا فالأحوط اعادته ثمّ اعادة الصلاة و ان كان الأقوى كفاية اعادته.
قد تقدّم شرح هذه المسألة في المسائل المتقدّمة آنفا، و قد قلنا بوجوب اعادة الصلاة.
(مسألة 7): لو تعدّد نسيان السجدة أو التشهّد أتى بهما واحدة بعد واحدة، و لايشترط التعيين على الأقوى و ان كان أحوط. و الأحوط ملاحظة الترتيب.
الشرح:
لو تعدّد نسيان السجدة أتى بها واحدة بعد واحدة و لايجب التعيين؛ لأنّ المأمور به هو الاتيان بالسجدة فقد أتى بها. و احتاط المصنّف بملاحظة الترتيب لأنّه يحتمل أن يكون الترتيب بين الأجزاء - ولو في الجملة - باقيا و ان كان هذا الاحتمال ضعيفا؛ لأنّ الترتيب قد انتفى بوجود الأجزاء المترتّبة على السجدة المنسيّة، فالاحتياط حسن. و كذلك الحال لو نسي السجدة أوّلاً ثمّ نسي التشهّد ثانيا ففي هذه الحال يحتاط باتيان السجدة أوّلاً ثمّ يأتي بسجود السهو، و ذلك لأنّ تدارك التشهّد يتضمّن الزيادة و ان كان يمكن القول بعدم وجوب الاحتياط؛ لأنّه من المحتمل قويّا أن يكون سجود السهو كلّه بدلاً عن التشهّد المنسي.
(مسألة 8): لو كان عليه قضاء سجدة و قضاء تشهّد فالأحوط تقديم السابق منهما في الفوات على اللاحق، و لو قدّم أحدهما بتخيّل أنّه السابق فظهر كونه لاحقا فالأحوط الاعادة على ما يحصل معه الترتيب و لايجب
اعادة الصلاة معه و ان كان أحوط.
قد اتّضح شرح هذه المسألة في المسألة السابقة.
(مسألة 9): لو كان عليه قضاؤهما و شكّ في السابق و اللاحق احتاط بالتكرار فيأتي بما قدّمه مؤخّرا أيضا، و لايجب معه اعادة الصلاة و ان كان أحوط. و كذا الحال لو علم نسيان أحدهما و لم يعلم المعيّن منهما.
الشرح:
قد تقدّم آنفا من أنّه لايجب الاتيان بالسجدتين بترتيب فوتهما و كذلك السجدة و التشهّد لايجب الترتيب بينهما و ان كان العمل بما في المتن أحوط. ولو علم بنسيان أحدهما و لم يعلم المعيّن منهما أي من السجدة و التشهّد فالواجب عليه الاتيان بهما؛ للعلم الاجمالي، و أيّا منهما أتى به أوّلاً صحّ.
(مسألة 10): اذا شكّ في أنّه نسي أحدهما أم لا لم يلتفت و لا شيء عليه. أمّا اذا علم أنّه نسي أحدهما و شكّ في أنّه هل تذكّر قبل الدخول في الركوع أو قبل السلام و تداركه أم لا فالأحوط القضاء.
الشرح:
اذا شكّ في أنّه نسي السجدة أو نسي التشهّد أم لا فان تجاوز محلّهما لم يلتفت و لا شيء عليه، و أمّا اذا علم أنّه نسي أحدهما و شكّ في التذكّر و التدارك فعليه التدارك، فان كان علمه بذلك قبل الدخول في الركوع فيرجع و يأتي بما نسي، و ان كان بعد الدخول في الركوع فيتمّ و يقضي ما نسي؛ لأنّه علم بنسيان التشهّد أو السجدة و شكّ في اتيانهما، فالاشتغال اليقيني يستدعي البراءة اليقينيّة فلا مورد لقاعدة التجاوز.
(مسألة 11): لو كان عليه صلاة الاحتياط و قضاء السجدة أو التشهّد فالأحوط تقديم الاحتياط و ان كان فوتهما مقدّما على موجبه لكن الأقوى التخيير، و أمّا مع سجود السهو فالأقوى تأخيره عن قضائهما كما يجب تأخيره عن الاحتياط أيضا.
الشرح:
الظاهر أنّ الأقوى تقديم صلاة الاحتياط على قضاء السجدة أو التشهّد؛ لأنّ قضاء السجدة أو التشهّد يكون بعد اتمام الصلاة و من عليه صلاة الاحتياط لم يتمّ الصلاة بعد؛ لاحتمال نقصها. و أمّا تأخير سجود السهو عن قضائهما و عن صلاة الاحتياط فمعلوم.
(مسألة 12): اذا سها عن الذكر أو بعض ما يعتبر فيها ماعدا وضع الجبهة في سجدة القضاء فالظاهر عدم وجوب اعادتها و ان كان أحوط.
الشرح:
اذا سها عن ذكر السجدة أو بعض ما يعتبر فيها ماعدا وضع الجبهة في سجدة الصلاة لايجب عليه التدارك بل لايجوز؛ لأنّ تدارك الذكر أو بعض ما يعتبر فيها منوط بوضع الجبهة و الاتيان بسجدة أخرى الموجب للزيادة في الصلاة، و حيث انّ محلّ تداركه قد فات و لا دليل على قضاء مثل ذلك فلا شيء عليه.
و أمّا السجدة المقضيّة اذا سها فيها عن الذكر أو بعض ما يعتبر فيها فالظاهر وجوب اعادتها؛ لأنّ المانع الذي كان في الصورة الأولى للتدارك و هو الاتيان بسجدة أخرى مفقود هيهنا، و لا دليل على عدم التدارك فما هو مكلّف به لم يأت به كاملاً فالاشتغال اليقيني يستدعي البراءة اليقينيّة. اللّهمّ الاّ أن يقال بأنّه «ليس في
شيء ممّا يتمّ به الصلاة سهو»(1).
(مسألة 13): لايجب الاتيان بالسلام في التشهّد القضائي و ان كان الأحوط في نسيان التشهّد الأخير اتيانه بقصد القربة من غير نيّة الأداء و القضاء مع الاتيان بالسلام بعده كما أنّ الأحوط في نسيان السجدة من الركعة الأخيرة أيضا الاتيان بها بقصد القربة مع الاتيان بالتشهّد و التسليم؛ لاحتمال كون السلام في غير محلّه و وجوب تداركهما بعنوان الجزئيّة للصلاة، و حينئذ فالأحوط سجود السهو أيضا في الصورتين لأجل السلام في غير محلّه.
قد تقدّم شرح هذه المسألة في أوّل الفصل فراجع.
(مسألة 14): لا فرق في وجوب قضاء السجدة و كفايته عن اعادة الصلاة بين كونها من الركعتين الأوّلتين و الأخيرتين لكن الأحوط اذا كانت من الأوّلتين اعادة الصلاة أيضا كما أنّ في نسيان سائر الأجزاء الواجبة منهما أيضا الأحوط استحبابا بعد اتمام الصلاة اعادتها و ان لم يكن ذلك الجزء من الأركان لاحتمال اختصاص اغتفار السهو عمّا عدا الأركان بالركعتين الأخيرتين كما هو مذهب بعض العلماء و ان كان الأقوى كما عرفت عدم الفرق.
الشرح:
قد تقدّم في بحث الخلل أنّ المراد من هذه الجملة في بعض الروايات من أنّه لا سهو في الأوّلتين هو الشكّ في الركعات؛ للقرائن الدالّة على ذلك في تلك
1) - وسائل الشيعة 8: 250 / الباب 32 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة / الحديث 2.
الروايات، فعليه فالاحتياط ليس بواجب الاّ أنّه حسن؛ للخروج عن شبهة خلاف مثل المفيد و الشيخ و ابن أبي عقيل الذين نسب اليهم الذهاب الى القول بأنّ السهو مطلقا في الركعتين الأوّلتين موجب للاعادة.
(مسألة 15): لو اعتقد نسيان السجدة أو التشهّد مع فوت محلّ تداركهما ثمّ بعد الفراغ من الصلاة انقلب اعتقاده شكّا فالظاهر عدم وجوب القضاء.
الشرح:
لو دخل في الركوع و اعتقد نسيان السجدة أو التشهّد فمضى في صلاته حتّى يتدارك ما نسي بعدها فاذا سلّم انقلب اعتقاده شكّا فالظاهر عدم وجوب القضاء عليه؛ لعدم بقاء الموضوع للحكم و هو نسيان السجدة أو التشهّد.
(مسألة 16): لو كان عليه قضاء أحدهما و شكّ في اتيانه و عدمه وجب عليه الاتيان به مادام في وقت الصلاة، بل الأحوط استحبابا ذلك بعد خروج الوقت أيضا.
الشرح:
لو كان عليه قضاء السجدة أو التشهّد و شكّ في اتيانه و عدمه فمادام لم يأت بالمنافي وجب عليه الاتيان سواء كان في وقت الصلاة أو بعد خروج الوقت، و ذلك لأنّ السجدة الفائتة كانت جزءا للصلاة، فكما أنّه يجب عليه الاتيان بأجزاء الصلاة اذا أدرك ركعة من الوقت فكذلك في قضاء السجدة أو التشهّد. و الشكّ هنا لا محلّ له؛ لأنّه علم بنسيان السجدة و اشتغلت ذمّته بقضائها، فمحلّ الاتيان بالقضاء بعد السلام و قبل فعل المنافي، فاذا شكّ فيه أي في فعله نقول بأنّ الاشتغال اليقيني يستدعي البراءة اليقينيّة. نعم، لو أتى بما ينافي الصلاة و يبطلها
عمدا أو سهوا فشكّ في الاتيان و عدمه فتجري قاعدة الفراغ فيحكم بصحّة ما أتى به.
(مسألة 17): لو شكّ في أنّ الفائت منه سجدة واحدة أو سجدتان من ركعتين بنى على الاتّحاد.
الشرح:
لو شكّ في أنّ الفائت منه سجدة واحدة أو سجدتان من ركعتين بنى على الاتّحاد؛ لأنّ ذمّته مشغولة بسجدة واحدة قطعا و يشكّ في تكليفه بسجدة أخرى، فالأصل البراءة. و يمكن أن يقال أيضا بأنّه شكّ في نسيان سجدة أخرى بعد تجاوز المحلّ أو بعد الفراغ من الصلاة، فقاعدة التجاوز أو الفراغ جارية.
(مسألة 18): لو شكّ في أنّ الفائت منه سجدة أو غيرها من الأجزاء الواجبة التي لايجب قضاؤها و ليست ركنا أيضا لم يجب عليه القضاء بل يكفيه سجود السهو.
الشرح:
لو شكّ في أنّ الفائت منه سجدة أو غيرها من الأجزاء الواجبة التي لايجب قضاؤها و ليست ركنا أيضا فالمسألة ذات صور: فان قلنا بأنّ سجود السهو لايجب في كلّ ما زاد أو نقص من الصلاة و لا للسجدة الفائتة، فحينئذ لم يجب عليه القضاء و لا سجود السهو؛ لأنّه يرجع الى الشكّ في التكليف فالأصل البراءة أو الشكّ في نسيان السجدة بعد تجاوز المحلّ فتجري قاعدة التجاوز. و أمّا ان قلنا بوجوب سجود السهو لكلّ زيادة و نقيصة حتّى لقضاء السجدة فحينئذ يجب عليه سجود السهو فقط، و ذلك للعلم بوجوبه عليه دون السجدة. و لو قلنا بأنّ
السجدة الفائتة لايجب فيها سجدة السهو و تجب لكلّ زيادة و نقيصة فحينئذ يجب عليه قضاء السجدة و الاتيان بسجدتي السهو، و ذلك للعلم الاجمالي باشتغال ذمّته باحداهما فلاتبرأ الاّ بالاتيان بهما.
(مسألة 19): لو نسي قضاء السجدة أو التشهّد و تذكّر بعد الدخول في نافلة جاز له قطعها و الاتيان به بل هو الأحوط بل و كذا لو دخل في فريضة.
الشرح:
لو نسي قضاء السجدة أو التشهّد و تذكّر بعد الدخول في نافلة فتارة لم يدخل في الركوع، فيجوز بل يجب قطع النافلة لوجوب قضاء الجزء الفائت بعد السلام من غير فصل. و أخرى تذكّر بعد الدخول في الركوع، فان قلنا بأنّ هذا الجزء هو الذي فاته بعينه و يغايره في تغيير المكان، فصلاته باطلة للفصل بينه و بينها بما يبطلها مطلقا. و ان قلنا بأنّ ذاك واجب مستقلّ و تكليف جديد حادث بعد الصلاة، نظير الأمر المتعلّق بسجدة السهو التي هي عمل مستقلّ، فلايضرّ الفصل بينه و بين الصلاة، فيقضي الجزء المنسي و تصحّ صلاته الاّ أنّه يجب فيه المبادرة لظاهر الدليل. و هكذا يكون الحال في الفريضة.
(مسألة 20): لو كان عليه قضاء أحدهما في صلاة الظهر و ضاق وقت العصر فان أدرك منها ركعة وجب تقديمهما و الاّ وجب تقديم العصر و يقضي الجزء بعدها و لايجب عليه اعادة الصلاة و ان كان أحوط، و كذا الحال لو كان عليه صلاة الاحتياط للظهر و ضاق وقت العصر لكن مع تقديم العصر يحتاط باعادة الظهر أيضا بعد الاتيان باحتياطها.
الشرح:
لو كان عليه قضاء أحدهما من السجدة أو التشهّد في صلاة الظهر و ضاق وقت العصر فان أدرك منها ركعة - لو أتى بما فاته - وجب تقديمه على العصر؛ للزوم تقديم الظهر بتمام أجزائها على العصر و المفروض أنّه لم يفرغ بعد من الظهر لبقاء جزئها الأخير و هو السجدة و يسع الوقت له و للعصر بمقتضى التوسعة التعبّديّة الثابتة بدليل «من أدرك»، و لذا لو بقي من الوقت مقدار خمس ركعات وجب صرف أربع منها للظهر و الركعة الباقية للعصر و هذا ظاهر. هذا مع بقاء وقت العصر ولو بمقدار ركعة، و أمّا لو لزم من التقديم فوات وقت العصر رأسا فالمتعيّن حينئذ تقديم العصر؛ لاختصاص الوقت بها، بمعنى عدم جواز مزاحمة الغير معها. و كذا الحال لو كان عليه صلاة الاحتياط و ضاق وقت العصر.
و الاحتياط المذكور في المتن (أي الجمع بين اعادة الظهر و بين الاتيان بركعة الاحتياط) مبنيّ على التردّد في أنّ صلاة الاحتياط هل هي جزء متمّم على تقدير النقص أو أنّها صلاة مستقلّة؟ فعلى الأوّل تجب الاعادة؛ لعدم احراز براءة الذمّة عن الظهر بعد احتمال نقصها بركعة، و على الثاني لا موجب للاعادة؛ لسقوط الأمر بالظهر و حصول امتثالها و صحّتها على كلّ تقدير، و انّما الواجب حينئذ الاتيان بصلاة الاحتياط فحسب. و أمّا نحن فحيث نختار أنّها جزء متمّم من وجه و صلاة منفردة من وجه جمعا بين الأدلّة فالاحتياط في محلّه.
(مسألة 1): يجب سجود السهو لأمور: «الأوّل»: الكلام سهوا، بغير قرآن و دعاء و ذكر، و يتحقّق بحرفين أو بحرف واحد مفهم في أيّ لغة كان. و لو تكلّم جاهلاً بكونه كلاما بل بتخيّل أنّه قرآن أو ذكر أو دعاء لم يوجب سجدة السهو؛ لأنّه ليس بسهو. و لو تكلّم عامدا بزعم أنّه خارج عن الصلاة يكون موجبا؛ لأنّه باعتبار السهو عن كونه في الصلاة يعدّ سهوا. و أمّا سبق اللسان فلايعدّ سهوا. و أمّا الحرف الخارج، من التنحنح و التأوّه و الأنين الذي عمده لايضرّ فسهوه أيضا لايوجب السجود.
الشرح:
ذهب المشهور الى وجوب سجود السهو للكلام سهوا و هو الصحيح، بل لم ينقل الخلاف الاّ عن الصدوق و والده، و عمدة الدليل على هذا القول صحيحتان: الأولى صحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يتكلّم ناسيا في الصلاة يقول: أقيموا
صفوفكم؟ فقال: يتمّ صلاته ثمّ يسجد سجدتين. الحديث».(1)
و الثانية صحيحة ابن أبي يعفور قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل لايدري ركعتين صلّى أم أربعا؟ قال: يتشهّد و يسلّم ثمّ يقوم فيصلّي ركعتين و أربع سجدات يقرأ فيهما بفاتحة الكتاب ثمّ يتشهّد و يسلّم، و ان كان صلّى أربعا كانت هاتان نافلة، و ان كان صلّى ركعتين كانت هاتان تمام الأربعة، و ان تكلّم فليسجد سجدتي السهو».(2)
و الدليل على القول الثاني صحيحتان أيضا: أولاهما صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام في الرجل يسهو في الركعتين و يتكلّم، فقال:
«يتمّ ما بقي من صلاته تكلّم أو لم يتكلّم و لا شيء عليه».(3)
و ثانيتهما صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام في رجل صلّى ركعتين من المكتوبة فسلّم و هو يرى أنّه قد أتمّ الصلاة و تكلّم ثمّ ذكر أنّه لم يصلّ غير ركعتين. فقال:
«يتمّ ما بقي من صلاته و لا شيء عليه».(4)
و بيان الاستدلال أنّ جملة «و لا شيء عليه» في الصحيحتين يحتمل فيها أحد الأمور الثلاثة: الأوّل عدم الاثم. الثاني عدم وجوب الاعادة. الثالث عدم وجوب سجود السهو. فلا سبيل الى الأوّل؛ لأنّ المفروض أنّ المصلّي تكلّم عن سهو فمنالبعيد جدّا أنّ زرارة أو محمّد بن مسلم لم يعلما عدم العقاب فيما صدر عن سهو فسألاه عليه السلام عن ذلك. و كذا لا سبيل الى الثاني؛ لدلالة قوله عليه السلام: «يتمّ ما بقي من
1) - وسائل الشيعة 8: 206 / الباب 4 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة / الحديث 1.
2) - وسائل الشيعة 8: 219 / الباب 11 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة / الحديث 2.
3) - وسائل الشيعة 8: 200 / الباب 3 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة / الحديث 5.
4) - وسائل الشيعة 8: 200 / الباب 3 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة / الحديث 9.
صلاته» على عدم وجوب الاعادة، فبقي الثالث و هو أنّ معنى «لا شيء عليه» هو عدم وجوب سجود السهو. و القول بأنّه تأكيد لا تأسيس مردود بأنّ الأصل هو التأسيس، فبقرينة هاتين الصحيحتين يحمل الأمر بسجود السهو في الصحيحتين السابقتين على الاستحباب.
ولكن فيه: انّ المراد من قوله عليه السلام: «و لا شيء عليه» هو الاعادة، أي لايجب عليه اعادة الصلاة، فيكون تأكيدا لقوله عليه السلام: «يتمّ ما بقي من صلاته»، فالقرينة على هذا الحمل هو أمره عليه السلام في صحيحتي عبدالرحمن و ابن أبي يعفور بسجود السهو، مع ذهاب المشهور الى الوجوب. و ما قيل بأنّ الحمل على التأسيس في الدوران بينه و بين التأكيد أولى، لا أصل له بعد شيوع استعمالهما.
و قد استدلّ على القول الأوّل مضافا الى ما مرّ من الصحيحتين، بموثّقة عمّار بن موسى قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن السهو، ما تجب فيه سجدتا السهو؟ قال: اذا أردت أن تقعد فقمت أو أردت أن تقوم فقعدت أو أردت أن تقرأ فسبّحت أو أردت أن تسبّح فقرأت فعليك سجدتا السهو و ليس في شيء ممّا يتمّ به الصلاة سهو. و عن الرجل اذا أراد أن يقعد فقام ثمّ ذكر من قبل أن يقدّم شيئا أو يحدث شيئا؟ فقال: ليس عليه سجدتا السهو حتّى يتكلّم بشيء. الخ الحديث».(1)
و بصحيحة سعيد الأعرج قال:
«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول: صلّى رسول اللّه صلى الله عليه و آله ثمّ سلّم في ركعتين، فسأله من خلفه: يا رسول اللّه! أ حدث في الصلاة شيء؟ فقال: و ما ذلك؟ قال: انّما صلّيت ركعتين. فقال: أ كذلك يا ذا اليدين؟ - و كان يدعى ذا الشمالين - فقال: نعم. فبنى على صلاته فأتمّ
1) - وسائل الشيعة 8: 251 / الباب 32 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة / الحديث 2.
الصلاة أربعا - الى أن قال: - و سجد سجدتين لمكان الكلام».(1)
ولكنّه نوقش في الموثّقة بأنّ المراد من قوله عليه السلام: «حتّى يتكلّم بشيء» هو القراءة أو التسبيح بقرينة ما قبله. و أجيب عن هذه المناقشة بأنّ المراد من التكلّم هو ما يعبّر عنه بكلام الآدميّين؛ لعدم معهوديّة اطلاق الكلام على القراءة و التسبيح في شيء من الأخبار. و الظاهر أنّ المراد من التكلّم هو كلام الآدميّين؛ لظهور التكلّم في ذلك فالمناقشة في غير محلّها.
و نوقش في الصحيحة أوّلاً بمخالفتها و أمثالها لأصول المذهب. و ثانيا بمعارضتها في موردها لموثّقة زرارة قال:
«سألت أبا جعفر عليه السلام: هل سجد رسول اللّه صلى الله عليه و آله سجدتي السهو قطّ؟ قال: لا، و لايسجدهما فقيه».(2)
و ثالثا بأنّها حكاية فعل و هو أعمّ من الوجوب. و رابعا بأنّه من المحتمل أن يكون سجوده للسهو من أجل السلام الزائد الواقع في غير محلّه.
ولكن يردّ الرابع بقوله عليه السلام: «و سجد سجدتين لمكان الكلام». و الثالث أيضا بأنّ حكاية فعله صلى الله عليه و آله عن الصادق عليه السلام في مقام التشريع ظاهرة في الوجوب. و الثاني بأنّ قوله عليه السلام: «و لايسجدهما فقيه» مجمل.
فروع:
لابأس بالذكر و الدعاء و القرآن في جميع أحوال الصلاة بلا ريب في ذلك كما في الجواهر. و في الحدائق في مبطلات الصلاة و أنّ الكلام الزائد يعدّ منها قال:
«الكلام بحرفين فصاعدا ممّا ليس بقرآن و لا دعاء، و لا خلاف في ذلك بين الأصحاب، و قد نقل اتّفاقهم على ذلك جمع: منهم الفاضلان و الشهيدان و غيرهم. - و قال أيضا: - قد تقدّم أنّه يستثنى من الكلام المبطل ما اذا كان دعاءً أو ذكرا أو قرآنا. انتهى».(1)
و الدليل على ذلك موثّقة عمّار بن موسى أنّه سأل أبا عبداللّه عليه السلام - الى أن قال: - و عن الرجل و المرأة يكونان في الصلاة فيريدان شيئا أيجوز لهما أن يقولا «سبحان اللّه»؟ قال:
«نعم، و يومئان الى ما يريدان. الخ الحديث».(2)
و صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى عليه السلام قال:
«سألته عن الرجل يكون في صلاته فيستأذن انسان على الباب فيسبّح و يرفع صوته و يسمع جاريته فتأتيه فيريها بيده أنّ على الباب انسانا، هل يقطع ذلك صلاته؟ و ما عليه؟ قال: لابأس، لايقطع بذلك صلاته».(3)
و صحيحة علي بن مهزيار قال:
«سألت أبا جعفر عليه السلام عن الرجل يتكلّم في صلاة الفريضة بكلّ شيء يناجي ربّه؟ قال: نعم».(4)
و صحيحة الحلبي قال:
«قال أبو عبداللّه عليه السلام: كلّ ما ذكرت اللّه عزّوجلّ به و النبي صلى الله عليه و آله فهو من الصلاة. الحديث».(5)
1) - الحدائق الناضرة 9: 17 و 21.
2) - وسائل الشيعة 7: 255 / الباب 9 من أبواب قواطع الصلاة / الحديث 4.
3) - وسائل الشيعة 7: 256 / الباب 9 من أبواب قواطع الصلاة / الحديث 6.
4) - وسائل الشيعة 7: 263 / الباب 13 من أبواب قواطع الصلاة / الحديث 1.
5) - وسائل الشيعة 7: 263 / الباب 13 من أبواب قواطع الصلاة / الحديث 2.
و صحيحة معاوية بن وهب عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته - الى أن قال: - انّ عليّا عليه السلام كان في صلاة الصبح فقرأ ابن الكوّا و هو خلفه: «و لقد أوحي اليك و الى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطنّ عملك و لتكوننّ من الخاسرين»فأنصت علي عليه السلام تعظيما للقرآن حتّى فرغ من الآية ثمّ عاد في قراءته. ثمّ أعاد ابن الكوّا الآية فأنصت علي عليه السلام أيضا ثمّ قرأ. فأعاد ابن الكوّا فأنصت علي عليه السلام ثمّ قال: «فاصبر انّ وعد اللّه حقّ و لايستخفّنّك الذين لايوقنون» ثمّ أتمّ السورة ثمّ ركع. الحديث».(1)
يتحقّق الكلام بحرفين فصاعدا. فعن الجواهر: «بلا خلاف أجده بين الأصحاب بل يمكن تحصيل الاتّفاق عليه منهم، و ربّما كان من معقد صريحه و ظاهره، بل في الحدائق الاجماع عليه، من غير فرق بين المهمل و المستعمل. انتهى».(2)
و بالجملة من تكلّم في الصلاة بحرفين فصاعدا مطلقا أو بحرف مفهم فان كان عن عمد فصلاته باطلة و ان كان عن غير عمد فيسجد سجدتين. و أمّا التأوّه و التنحنح و الأنين فان حصل منها الكلام فكذلك أي تبطل صلاته عن عمد دون السهو، و ان لم يحصل منها الكلام و كانت صوتا فعمده لايضرّ و سهوه لايوجب السجود.
لا فرق في وجوب سجود السهو بين أن يتكلّم ناسيا أو ظانّا الخروج من الصلاة أو جاهلاً بكونه كلاما، فلو تكلّم بتخيّل أنّه ذكر أو قرآن أو دعاء يوجب سجود السهو. و الدليل على ذلك كلّه اطلاق قوله عليه السلام في صحيحة ابن أبي يعفور المتقدّمة:
« ... و ان تكلّم فليسجد سجدتيالسهو».(1)
و لاتعارضها صحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج المتقدّمة أيضا قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يتكلّم ناسيا في الصلاة يقول: أقيموا صفوفكم؟ فقال: يتمّ صلاته ثمّ يسجد سجدتين. الحديث».(2)
لأنّ التقييد بالسهو ورد في كلام السائل و مثله لايدلّ على الاختصاص غايته عدم الدلالة على الاطلاق، لا الدلالة على التخصيص لعدم كون المورد مخصّصا. و هكذا الكلام في موثّقة عمّار بن موسى.
و يمكن أن يستدلّ أيضا لوجوب سجود السهو على من تكلّم ظانّا الخروج من الصلاة بصحيحة سعيد الأعرج لو أغمضنا النظر عن المناقشات الواردة فيها، فانّه صلى الله عليه و آله تكلّم في الأثناء لا عن غفلة و سهو بل ظانّا الخروج من الصلاة.
قال في الحدائق: «و الظاهر أنّه لا فرق في وجوب السجود بين التكلّم في الصلاة ناسيا أو ظانّا الخروج من الصلاة. و يدلّ على ذلك ما رواه في الكافي و التهذيب في الصحيح عن سعيد الأعرج قال: «سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول: صلّى رسول اللّه صلى الله عليه و آله ... الخ ما قال».(3)
قال المحقّق الهمداني: «و لو لا ظهور كلماتهم في عدم الفرق بين التكلّم سهوا في الأثناء و بين التكلّم خطأً بزعم الفراغ لاتّجه الالتزام بالتفصيل لورود الأخبار الآمرة بالسجدتين في الأوّل (أي التكلّم سهوا) و صحيحتي زرارة و محمّد بن مسلم المصرّحتين بأنّه لا شيء عليه في الثاني (أي التكلّم خطأً) كما هو صريح مورد ثانيتهما (أي صحيحة محمّد بن مسلم) و المنساق الى الذهن من أولاهما (أي صحيحة زرارة) فلا معارضة بينهما. نعم، خبر سعيد الأعرج و كذا غيره من الروايات المشتملة على قضيّة سهو النبي صلى الله عليه و آله موردها التكلّم بزعم الفراغ ولكن قد أشرنا الى أنّه لا دلالة فيها على الوجوب حتّى يتحقّق التنافي مضافا الى ما في الاعتماد عليها من الاشكال. انتهى».(1)
ففيه: انّ الدليل على عدم الفرق بين التكلّم سهوا و بين التكلّم خطأً بزعم الفراغ بل التكلّم جاهلاً بكونه كلاما ليس منحصرا في ظهور كلمات الفقهاء في عدم الفرق بل يدلّ عليه أيضا اطلاق قوله عليه السلام في صحيحة ابن أبي يعفور: «و ان تكلّم فليسجد سجدتين» و قد تقدّم أنّ تقييد السؤال بالتكلّم السهوي في صحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج لايخصّص اطلاق كلام الامام عليه السلام في صحيحة ابن أبي يعفور.
و قوله رحمه الله بأنّ صحيحتي زرارة و محمّد بن مسلم المصرّحتين بأنّه «لا شيء عليه» واردتان مورد التكلّم خطأً.
ففيه: انّه قد تقدّم أنّ قوله عليه السلام في صحيحتي زرارة و محمّد بن مسلم بأنّه «لا شيء عليه» راجع الى عدم وجوب الاعادة فيكون تأكيدا لقوله عليه السلام «يتمّ ما بقي من صلاته» فانّ الخبرين ساكتان عن السجود.
و أمّا قوله رحمه الله في صحيحة سعيد الأعرج بأنّه لا دلالة فيها على الوجوب و ان كان موردها التكلّم بزعم الفراغ، ففيه: انّه قد تقدّم بأنّ حكاية فعله صلى الله عليه و آله من جانب
1) - مصباح الفقيه كتاب الصلاة: 590.
الامام الصادق عليه السلام في مقام التشريع ظاهرة في الوجوب.
فتحصّل أنّه يجب سجود السهو للتكلّم السهوي و التكلّم بزعم الخروج عن الصلاة و كذا التكلّم جاهلاً بكونه كلاما أو التكلّم لسبق اللسان. كلّ ذلك لاطلاق قوله عليه السلام في صحيحة ابن أبي يعفور: «و ان تكلّم فليسجد سجدتي السهو».
ان قلت بظهور كلامه عليه السلام في الصحيحة في التكلّم السهوي لأنّه عليه السلام قال: «فليسجد سجدتي السهو» فمعناه: «يسجد من تكلّم سجدتين لأنّه سها»، فغيره من الموارد الثلاثة المذكورة من الظنّ بالخروج أو الجهل أو سبق اللسان ليس من السهو في شيء، فانّ السهو هو الغفلة، قلت أوّلاً: تسمية السجدتين بسجدتي السهو من باب الغلبة؛ لأنّ الغالب يكون التكلّم في الصلاة عن سهو. و ثانيا: ترجع الثلاثة المذكورة من الظنّ بالخروج و غيره الى الغفلة أيضا فانّ الظنّ بالخروج أو الجهل أو سبق اللسان نحو عروض غفلة على الانسان. و ثالثا: انّ الظاهر من السهو هو ما يقابل العمد، فكأنّه قال: «من تكلّم عن غير عمد لايعيد صلاته بل يسجد سجدتين، و أمّا من تكلّم عمدا فليعد» فمعلوم أنّ سبق اللسان و غيره لايكون عن عمد.
«الثاني»: السلام في غير موقعه ساهيا، سواء كان بقصد الخروج كما اذا سلّم بتخيّل تماميّة صلاته أو لا بقصده. و المدار على احدى الصيغتين الأخيرتين، و أمّا «السلام عليك أيّها النبي ... » فلايوجب شيئا من حيث انّه سلام. نعم، يوجبه من حيث انّه زيادة سهويّة، كما أنّ بعض احدى الصيغتين كذلك و ان كان يمكن دعوى ايجاب لفظ «السلام» للصدق، بل قيل: انّ حرفين منه موجب لكنّه مشكل الاّ من حيث الزيادة.
الشرح:
الثاني من موجبات سجدة السهو «السلام» في غير موقعه ساهيا، و اختلف الأصحاب في المسألة على قولين، فالأكثر على الوجوب و هو الأقوى، و ذهب ابن أبي عقيل و الشيخ المفيد و المرتضى و ابن زهرة و سلاّر و ابن حمزة الى عدم الوجوب.
و الدليل على الأوّل أي وجوب سجود السهو للسلام في غير موقعه روايتان: احداهما موثّقة عمّار (في حديث) قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل صلّى ثلاث ركعات و هو يظنّ أنّها أربع فلمّا سلّم ذكر أنّها ثلاث؟ قال: يبني على صلاته متى ما ذكر و يصلّي ركعة و يتشهّد و يسلّم و يسجد سجدتي السهو و قد جازت صلاته».(1)
و الثانية صحيحة العيص قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل نسي ركعة من صلاته حتّى فرغ منها ثمّ ذكر أنّه لم يركع؟ قال: يقوم فيركع و يسجد سجدتين».(2)
فانّ سندها هكذا: محمّد بن الحسن عن عبدالرحمن بن أبي نجران عن صفوان عن العيص.
فقد نوقش في الموثّقة بأنّه يمكن أن يكون سجود السهو لزيادة التشهّد ولكن يردّ بأنّ سجود السهو و ان كان يجب لزيادة التشهّد ولكنّ السائل هنا ذكر في سؤاله السلام و قال: «فلمّا سلّم ... » فجوابه عليه السلام لابدّ و أن يكون مطابقا للسؤال.
ان قلت: لو كان أمره عليه السلام بوجوب سجود السهو للسلام فحيث يجب سجود السهو للتشهّد أيضا كان عليه أن يذكره و يقول مثلاً: يسجد سجدتي السهو مرّة للسلام و مرّة أخرى للتشهّد، قلت: لعلّه عليه السلام اكتفى بأمره سليمان بن خالد و ابن
أبي يعفور بسجود السهو للتشهّد كما سيأتي، و يحتمل أيضا الاكتفاء بسجود السهو مرّة واحدة للسلام و التشهّد أيضا.
و نوقش في صحيحة العيص مضافا الى ما مرّ في الموثّقة بأنّه من المحتمل أن يكون المراد بقوله عليه السلام: «و يسجد سجدتين»، سجدتي الركعة الأخيرة المتداركتين بعد ركوعها. و الجواب عن الأوّل بمثل ما مرّ في الموثّقة، و عن الثاني أوّلاً: انّ الظاهر هو كفاية قوله عليه السلام «فيركع» لاتمام الصلاة فيكون «يسجد سجدتين» لسجود السهو. مع أنّه لو كان عليه السلام بصدد عدّ واجبات الركعة، لكان يقول: «فيركع و يسجد سجدتين و يتشهّد و يسلّم»، أو يقول: «فيركع و يتشهّد و يسلّم». و ثانيا: روى الشيخ الطوسي رحمه الله هذه الرواية أيضا عن الحسين بن سعيد عن صفوان بن يحيى عن العيص بن القاسم قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل نسي ركعة من صلاته حتّى فرغ منها ثمّ ذكر أنّه لم يركع؟ قال: يقوم فيركع و يسجد سجدتي السهو».(1)
فمن المحتمل أن تكون هذه الصحيحة قرينة على أنّ المراد من الأولى هو سجود السهو.
و نوقش أيضا في الروايتين بأنّ صحيحة سعيد الأعرج المذكورة في ابتداء الشرح تنفي السجود للسلام؛ لأنّه عليه السلام حصر سجود النبي صلى الله عليه و آله في مكان الكلام و يظهر من الجمع بين هذه الروايات أنّ أمره عليه السلامبسجود السهو في الروايتين للتشهّد لا للسلام.
ولكنّها تردّ أوّلاً: بما مرّ فيها من مخالفتها لأصول المذهب مضافا الى معارضتها لموثّقة زرارة المتقدّمة في ابتداء المسألة. و ثانيا: هذه الصحيحة تنفي السجود أيضا للتشهّد مع أنّه واجب كما سيأتي. و ثالثا: يحتمل أن يكون المراد من
1) - تهذيب الأحكام 2: 140 / الباب 9 / الحديث 586،44 - وسائل الشيعة 6: 315 / الباب 11 من أبواب الركوع / الحديث 3.
الكلام هو السلام - كما احتمله بعض - أو السلام و الكلام الذي مرّ فيما بينه صلى الله عليه و آله و بين ذي الشمالين. و رابعا: يمكن أن يكون الامام عليه السلام بصدد بيان حكم الكلام كما لعلّه أظهر فكان عليه السلام ساكتا عن حكم السلام و التشهّد فحوّله الى موضع آخر و عليه لا منافاة بينها و بين ما يأتي من وجوب السجود للتشهّد أو ما تقدّم من وجوب السجود للسلام.
فقد ظهر ممّا تقدّم أنّه لا فرق في وجوب السجود للسلام ساهيا بين أن يسلّم بقصد الخروج أو بغيره، و الدليل على عدم الفرق هو عدم تدخّل قصد الخروج في الحكم، بل الحكم للسلام ساهيا.
و أمّا السهو في «السلام عليك أيّها النبي» فلايوجب شيئا؛ لأنّه لايكون من صيغ السلام بل من مستحبّات التشهّد، و لايكون زائدا حتّى يندرج فيما ورد بوجوب السجود لكلّ زيادة و نقيصة؛ لأنّه من ذكر النبي صلى الله عليه و آله و قد ورد في الصحيح «كلّ ما ذكرت اللّه عزّوجلّ به و النبي صلى الله عليه و آله فهو من الصلاة».(1)فحيث انّ عمده لايضرّ فسهوه لايوجب شيئا.
ثمّ انّه لايكون حكم اجزاء السلام حكم الكلّ لعدم صدق السلام المخرج على الجزء و عدم اطلاق دليل سجدة السهو. و أمّا اندراجه فيما ورد بوجوب السجود لكلّ زيادة و نقيصة فسيأتي أنّه مخدوش. نعم، لو صدق على بعض أجزاء صيغة السلام كلام الآدميّين تجب سجدة السهو كما مرّ.
«الثالث»: نسيان السجدة الواحدة اذا فات محلّ تداركها، كما اذا لم يتذكّر الاّ بعد الركوع أو بعد السلام، و أمّا نسيان الذكر فيها أو بعض واجباتها الأخر ماعدا وضع الجبهة فلايوجب الاّ من حيث وجوبه لكلّ نقيصة.
1) - وسائل الشيعة 7: 263 / الباب 13 من أبواب قواطع الصلاة / الحديث 2.
الشرح:
اختلف الفقهاء في وجوب سجدة السهو فيما اذا نسي سجدة واحدة و فات محلّ تداركها مضافا الى قضائها على قولين:
الأوّل: الوجوب، و هو المشهور بل في الجواهر: «شهرة كادت تكون اجماعا».(1)بل نقل عن العلاّمة في المنتهى و التذكرة الاجماع عليه كما في الحدائق و الجواهر أيضا.
الثاني: عدم الوجوب، و هو قول ابن أبي عقيل و ابني بابويه و الشيخ المفيد في المسائل الغريّة على ما في الحدائق نقلاً عن المختلف و هو الأقوى.
فيدلّ على القول الثاني أوّلاً: صحيحة أبي بصير قال:
«سألته عمّن نسي أن يسجد سجدة واحدة فذكرها و هو قائم؟ قال: يسجدها اذا ذكرها ما لم يركع، فان كان قد ركع فليمض على صلاته، فاذا انصرف قضاها و ليس عليه سهو».(2)
و ما قاله الشيخ رحمه الله فيها بأنّها محمولة على أنّه خارج عن حدّ السهو لأنّه قد ذكر ما فاته و قضاه فانّه بعد قاطع لا ساهٍ، ففيه: انّ الظاهر من لفظ «عليه» هو الوجوب، فمعنى «ليس عليه سهو» أنّه لايجب سجود السهو، فاستعمل عليه السلام كلمة السهو و أراد سجود السهو. فعليه لو كان هناك دليل على السجود يحمل على الاستحباب جمعا.
و يؤيّد الصحيحة خبر محمّد بن منصور قال:
«سألته عن الذي ينسى السجدة الثانية من الركعة الثانية أو شكّ فيها؟ فقال: اذا خفت أن لاتكون وضعت وجهك الاّ مرّة واحدة فاذا سلّمت سجدت سجدة واحدة و تضع وجهك مرّة واحدة و ليس
عليك سهو».(1)
و ان قال فيه صاحب الوسائل بأنّ «قضاء السجدة في صورة النسيان واجب و في صورة الشكّ مستحبّ و عدم وجوب سجدتي السهو مخصوص بحال الشكّ، بل ظاهر الجواب الاختصاص بصورة الشكّ و عدم التعرّض لصورة العلم. انتهى». و عليه ففي صحيحة أبي بصير غنىً و كفاية.
و ثانيا: عدم ذكر سجود السهو في صحيحة اسماعيل بن جابر و موثّقة عمّار اللتين وردتا لمن نسي سجدة فذكرها بعد الركوع فقال عليه السلام في الأولى:
«فليمض على صلاته حتّى يسلّم ثمّ يسجدها فانّها قضاء».(2)
و في الثانية قال:
«يمضي في صلاته و لايسجد حتّى يسلّم، فاذا سلّم سجد مثل ما فاته. قلت: فان لم يذكر الاّ بعد ذلك؟ قال: يقضي ما فاته اذا ذكره».(3)
فانّه عليه السلام لم يذكر سجود السهو بعد قضاء السجدة مع كونه في مقام بيان الحكم، فلو كان واجبا لكان تأخير البيان عن وقت الحاجة فيكشف عدم وجوبه مضافا الى أنّ هاتين الروايتين صدرتا عن الصادق عليه السلامو ما أقام المشهور من الدليل على قولهم كان عن الامام موسى الكاظم عليه السلام.
و أمّا الدليل على القول الأوّل فروايات:
منها مرسلة معلّى بن خنيس قال:
«سألت أبا الحسن الماضي عليه السلام في الرجل ينسى السجدة من صلاته؟ قال: اذا ذكرها قبل ركوعه سجدها و بنى على صلاته ثمّ سجد سجدتي السهو بعد انصرافه. و ان ذكرها بعد ركوعه أعاد الصلاة و
نسيان السجدة في الأوّلتين و الأخيرتين سواء».(1)
و منها صحيحة جعفر بن بشير قال:
«سئل أحدهم عن رجل ذكر أنّه لم يسجد في الركعتين الأوّلتين الاّ سجدة و هو في التشهّد الأوّل؟ قال: فليسجدها ثمّ ينهض، و اذا ذكره و هو في التشهّد الثاني قبل أن يسلّم فليسجدها ثمّ يسلّم ثمّ يسجد سجدتي السهو».(2)
و منها مرسلة سفيان بن السمط عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«تسجد سجدتي السهو في كلّ زيادة تدخل عليك أو نقصان».(3)
ولكن تردّ المرسلة أوّلاً بضعف السند لارسالها. و ثانيا بنقل معلّى بن خنيس عن الامام موسى الكاظم عليه السلام مع أنّه قتل في زمن الصادق عليه السلام و ترحّم عليه. و ثالثا بكون الأمر بسجدة السهو لمن ذكر السجدة قبل الركوع، و لعلّه للقيام الزائد، و قد حكم عليه السلام فيمن ذكر السجدة بعد الركوع باعادة الصلاة، و هو مخالف لصحيحة اسماعيل بن جابر و موثّقة عمّار المذكورتين آنفا، و مخالف لقول المشهور.
و يضعّف الصحيحة بأنّه ان كان المراد من التذكّر في التشهّد الثاني هو التذكّر بأنّ السجدة فاتت من هذه الركعة يحتمل أن يكون سجدتا السهو لزيادة التشهّد.
و ان كان المراد من التذكّر في التشهّد الثاني هو التذكّر بأنّ السجدة فاتت منه في الركعتين الأوّلتين فعلى فرض فوت السجدة الواحدة فهو مخالف لما عليه المشهور من وجوب القضاء بعد السلام و معارض لما في صحيحة اسماعيل بن جابر و موثّقة عمّار و صحيحة أبي بصير، فالأحسن ردّ علمها الى أهله.
و أمّا مرسلة سفيان بن السمط ففيها: انّ سندها ضعيف تارة من حيث الارسال
و أخرى من حيث جهالة سفيان. مضافا الى أنّ قدماء الأصحاب لم يفتوا بمضمونها فيضعّف اعتبارها، فعن الجواهر: «انّا لم نعرف قائله (أي من أفتى بمتن المرسلة) صريحا قبل المصنّف (أي المحقّق صاحب الشرائع) بل أطلق في الدروس عدم معرفة قائله و مأخذه كما أنّه أطلق في الذخيرة و الرياض أنّ المشهور عدم الوجوب لذلك من غير تقييد بين المتقدّمين أو غيرهم. الى آخر ما قال رحمه الله».(1)
و ثالثا لو صحّحنا العمل بها يلزم تخصيصها بصحيحة أبي بصير حيث انّ فيها: «و ليس عليه سهو»، فمعنى الجملة كما قلنا: انّه ليس عليه حكم السهو و هو سجدتا السهو، فلا اجمال فيها حتّى نتمسّك بالمرسلة لوجوب سجدتي السهو بعد قضاء السجدة.
ثمّ انّه لايجب سجود السهو لنسيان الذكر في السجدة أو لترك بعض واجباتها الأخر نسيانا، و ذلك للأولويّة، فاذا لم تجب سجدة السهو لترك السجدة نسيانا لم تجب لترك بعضها بطريق أولى. حتّى لو قلنا بوجوب السجود لكلّ نقيصة و زيادة، لتخصيص مرسلة سفيان و ما شابهها بصحيحة أبي بصير.
«الرابع»: نسيان التشهّد مع فوت محلّ تداركه، و الظاهر أنّ نسيان بعض أجزائه أيضا كذلك، كما أنّه موجب للقضاء أيضا كما مرّ.
الشرح:
قد تقدّم (في المسألة الأولى من فصل قضاء الأجزاء المنسيّة) أنّه من نسي التشهّد فالمشهور يوجبون القضاء و سجدتي السهو. و القول الآخر هو الاكتفاء بالتشهّد الذي تشتمل عليه سجدتا السهو و سبق منّا في ذلك الفصل ما دلّ عليه
1) - جواهر الكلام 12: 434.
فملخّصه أنّه كانت هناك روايات صحيحة تدلّ على أنّ من نسي التشهّد في الركعتين الأوّلتين فان ذكر قبل أن يركع فليجلس، و ان لم يذكر حتّى يركع فليتمّ الصلاة حتّى اذا فرغ فليسلّم و ليسجد سجدتي السهو.
و هذا كان مدلول صحيحة سليمان بن خالد و صحيحة ابن أبي يعفور و موثّقة أبي بصير و صحيحة الفضيل و صحيحة الحلبي و خبر الحسن الصيقل.(1)
ثمّ انّه لو نسي بعض أجزاء التشهّد فهو كمن نسي التشهّد كلّه فيجب عليه سجدتا السهو، و ذلك لدلالة موثّقة أبي بصير قال:
«سألته عن الرجل ينسى أن يتشهّد؟ قال: يسجد سجدتين يتشهّد فيهما».(2)
و نحوها صحيحة الحلبي(3)و خبر الحسن الصيقل(4).
فمن نسي بعض التشهّد يصدق عليه أنّه لم يأت بالتشهّد؛ لأنّ التشهّد اسم للشهادتين مع الصلاة على النبي صلى الله عليه و آله، و قد تقدّم تفصيل ذلك أيضا.
«الخامس»: الشكّ بين الأربع و الخمس بعد اكمال السجدتين كما مرّ سابقا.
الشرح:
الخامس من موجبات سجدتي السهو هو الشكّ بين الأربع و الخمس بعد اكمال السجدتين كما مرّ في البحث عن الشكوك الصحيحة، فنقول هيهنا ملخّصا: المشهور أنّه يتمّ صلاته و يسجد سجدتي السهو. و قد وقع الخلاف في موضعين
و أمّا الدليل على قول الصدوق هو ما في الفقه الرضوي عليه السلام و مضمرة زيد الشحّام و كلاهما ضعيفان، كما سبق. و أمّا ما ذهب اليه الشيخ المفيد و سلاّر و غيرهما من عدم وجوب سجدتي السهو، فالروايات الصحيحة حجّة عليهم.
«السادس»: القيام في موضع القعود أو العكس بل لكلّ زيادة و نقيصة لم يذكرها في محلّ التدارك، و أمّا النقيصة مع التدارك فلاتوجب، و الزيادة أعمّ من أن تكون من الأجزاء الواجبة أو المستحبّة، كما اذا قنت في الركعة الأولى مثلاً، أو في غير محلّه من الثانية، و مثل قوله: «بحول اللّه» في غير محلّه لا مثل التكبير أو التسبيح الاّ اذا صدق عليه الزيادة، كما اذا كبّر بقصد تكبير الركوع في غير محلّه، فانّ الظاهر صدق الزيادة عليه، كما أنّ قوله: «سمع اللّه لمن حمده» كذلك. و الحاصل أنّ المدار على صدق الزيادة. و أمّا نقيصة المستحبّات فلاتوجب حتّى مثل القنوت و ان كان الأحوط عدم الترك في مثله اذا كان من عادته الاتيان به دائما، و الأحوط عدم تركه في الشكّ في الزيادة أو النقيصة.
الشرح:
هنا فرعان:
اختلف الأصحاب في وجوب سجدتي السهو على من قام في موضع القعود أو العكس على قولين:
الأوّل وجوبهما.
قال في الحدائق: «صرّح به الصدوق و المرتضى و سلاّر و أبو الصلاح و ابن البرّاج و ابن حمزة و ابن ادريس و العلاّمة. انتهى».(1)
و قال في المختلف: «قال ابن ادريس: ذهب الأكثرون المحقّقون الى وجوب سجدتي السهو في ستّة مواضع: نسيان السجدة و التشهّد، و الكلام ناسيا، و التسليم في غير موضعه، و القعود حالة القيام و بالعكس، و الشكّ بين الأربع و الخمس. انتهى ملخّصا».(2)
و الثاني عدم وجوبهما.
قال في الحدائق: «ذهب اليه الشيخان و الكليني و الشيخ علي بن بابويه و ابن أبي عقيل و ابن الجنيد و المحقّق و ابن عمّه الشيخ نجيب الدين في الجامع و هو اختيار العلاّمة في المنتهى. انتهى».(3)
و الحقّ أنّه لايجب سجود السهو على من قام في موضع القعود و بالعكس. و الدليل على ذلك روايات معتبرة:
منها صحيحة أبي بصير قال:
«سألته عمّن نسي أن يسجد سجدة واحدة فذكرها و هو قائم؟ قال: يسجدها اذا ذكرها ما لم يركع، فان كان قد ركع فليمض على صلاته، فاذا انصرف قضاها و ليس عليه سهو».(1)
فانّ الامام عليه السلام رفع السهو عنه مع أنّه نسي السجدة و قام في موضع القعود فذكرها و لم يركع فرجع فسجد ثمّ قام.
و منها صحيحة سليمان بن خالد قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل نسي أن يجلس في الركعتين الأوّلتين؟ فقال: ان ذكر قبل أن يركع فليجلس، و ان لم يذكر حتّى يركع فليتمّ الصلاة حتّى اذا فرغ فليسلّم و ليسجد سجدتي السهو».(2)
و منها صحيحة ابن أبي يعفور فيما رواه الصدوق رحمه الله قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يصلّي الركعتين من المكتوبة فلايجلس فيهما حتّى يركع؟ فقال: يتمّ صلاته ثمّ يسلّم و يسجد سجدتي السهو و هو جالس قبل أن يتكلّم. - و بسند آخر زاد فيه: - فقال: ان كان ذكر و هو قائم في الثالثة فليجلس».(3)
و منها صحيحة الفضيل بن يسار عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«في الرجل يصلّي الركعتين من المكتوبة ثمّ ينسى فيقوم قبل أن يجلس بينهما قال: فليجلس ما لم يركع و قد تمّت صلاته، و ان لم يذكر حتّى ركع فليمض في صلاته، فاذا سلّم سجد سجدتين و هو
جالس».(1)
و منها صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا قمت في الركعتين من الظهر أو غيرها فلم تتشهّد فيهما فذكرت ذلك في الركعة الثالثة قبل أن تركع فاجلس فتشهّد و قم فأتمّ صلاتك، و ان أنت لم تذكر حتّى تركع فامض في صلاتك حتّى تفرغ، فاذا فرغت فاسجد سجدتي السهو بعد التسليم قبل أن تتكلّم».(2)
و منها خبر محمّد بن علي الحلبي قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يسهو في الصلاة فينسى التشهّد؟ قال: يرجع فيتشهّد. قلت: أيسجد سجدتي السهو؟ فقال: لا، ليس في هذا سجدتا السهو».(3)
ففي هذه الروايات أمر الامام عليه السلام بالجلوس للتشهّد ان ذكر قبل أن يركع و لم يأمر فيها بسجدتي السهو للقيام الزائد. و الخبر الأخير أوضح دلالة الاّ أنّ في سنده محمّد بن سنان الذي اختلفوا في وثاقته و ذهب المفيد الى أنّه ثقة.
و استدلّ على القول الأوّل بصحيحة معاوية بن عمّار قال:
«سألته عن الرجل يسهو فيقوم في حال قعود أو يقعد في حال قيام؟ قال: يسجد سجدتين بعد التسليم و هما المرغمتان ترغمان الشيطان».(4)
سمّيتا بالمرغمتين لأنّ السهو من الشيطان و حيث انّه امتنع من السجود فيسجد
رغما لأنفه.
و بموثّقة عمّار بن موسى قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن السهو، ما تجب فيه سجدتا السهو؟ قال: اذا أردت أن تقعد فقمت أو أردت أن تقوم فقعدت - الى أن قال: - و عن الرجل اذا أراد أن يقعد فقام ثمّ ذكر من قبل أن يقدّم شيئا أو يحدث شيئا؟ فقال: ليس عليه سجدتا السهو حتّى يتكلّم بشيء. الحديث».(1)
و الجواب عن الصحيحة بأنّها تحمل على الاستحباب؛ جمعا بينها و بين الروايات المتقدّمة. و عن الموثّقة بمعارضة صدرها و ذيلها فتطرح أو تحمل على الاستحباب؛ جمعا بينها و بين ما مرّ من الروايات النافية للسجود. و مع ذلك كلّه فالاحتياط بفعلهما حسن؛ لذهاب عدّة من الفحول الى وجوبهما.
اختلف الفقهاء على قولين، فالقول الأوّل - و هو الحقّ - عدم وجوب سجود السهو لكلّ زيادة و نقيصة، و ذهب الى هذا القول أكثر القدماء، بل في الحدائق: «نقل الشيخ في الخلاف عن بعض الأصحاب الوجوب، و قال في الدروس: انّه لم يظفر بقائله و لا بمأخذه. انتهى ملخّصا».(2)
و القول الثاني وجوب سجود السهو لكلّ زيادة و نقيصة و هو كما في الجواهر «خيرة المختلف و التذكرة و التحرير و الارشاد في احتمال و اللمعة و الموجز و
الجعفريّة و الذكرى و فوائد الشرائع و الروضة و المقاصد العليّة و عن الايضاح و الهلاليّة و السهويّة و تعليق النافع و التنقيح و ارشاد الجعفريّة و الغريّة و الدرّة السنيّة و الجواهر المضيئة و ظاهر غاية المراد أو صريحه. انتهى».(1)
و استدلّ على الوجوب بما رواه ابن أبي عمير عن بعض أصحابنا عن سفيان بن السمط عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«تسجد سجدتي السهو في كلّ زيادة تدخل عليك أو نقصان».(2)
و بصحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا لم تدر أربعا صلّيت أم خمسا أم نقصت أم زدت فتشهّد و سلّم و اسجد سجدتين بغير ركوع. الحديث».(3)
بناءً على أنّ المراد تعلّق النقص أو الزيادة بالأفعال دون الركعات، بتقريب أن يكون هكذا: «اذا نقصت فاسجد سجدتين ... و اذا زدت فاسجد سجدتين ... ». أو يكون وجها آخر و هو: «اذا شككت في نقصان سجدة مثلاً أو شككت في ازدياد سجدة حتّى يكون دليلاً لما نحن فيه بالأولويّة.
و بموثّقة عمّار المتقدّمة:
« ... اذا أردت أن تقعد فقمت أو أردت أن تقوم فقعدت أو أردت أن تقرأ فسبّحت أو أردت أن تسبّح فقرأت فعليك سجدتا السهو. الحديث».(4)
و بصحيحة الفضيل بن يسار أنّه سأل أبا عبداللّه عليه السلام عن السهو؟ فقال:
«من حفظ سهوه فأتمّه فليس عليه سجدتا السهو، و انّما السهو على
من لم يدر أ زاد في صلاته أم نقص منها».(1)
و بموثّقة سماعة قال:
«قال: من حفظ سهوه فأتمّه فليس عليه سجدتا السهو، انّما السهو على من لم يدر أ زاد أم نقص منها».(2)
و بصحيحة زرارة قال:
«سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: اذا شكّ أحدكم في صلاته فلم يدر زاد أم نقص فليسجد سجدتين و هو جالس، و سمّاهما رسول اللّه صلى الله عليه و آلهالمرغمتين».(3)
و بصحيحة معاوية بن عمّار المتقدّمة قال:
«سألته عن الرجل يسهو فيقوم في حال قعود أو يقعد في حال قيام؟ قال: يسجد سجدتين بعد التسليم و هما المرغمتان ترغمان الشيطان».(4)
هذه جملة ما استدلّ به على الوجوب، و في الكلّ نظر. أمّا المرسلة فبالارسال و مجهوليّة سفيان بن السمط و ان اشتهر أنّ ابن أبي عمير لايرسل و لايروي الاّ عن ثقة، و كذا قيل بأنّ ابن أبي عمير روى عن سفيان بن السمط في باب الزيّ و التجمّل في الكافي. و الظاهر أنّ هذه الشهرة من ابن أبي عمير و أقرانه في عنوان أصحاب الاجماع نشأت من الكشّي، و الشيخ رحمه الله نقل عنه و اتّبعه عدّة من الفقهاء بعده. و بالغ العلاّمة الخوئي(5)في تخطئة هذه الشهرة و استدلّ عليها بما لا مزيد عليه. الاّ أنّه يمكن أن يقال: اذا نقل ابن أبي عمير عن بعض الأصحاب يبعد
1) - وسائل الشيعة 8: 238 / الباب 23 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة / الحديث 6.
2) - وسائل الشيعة 8: 239 / الباب 23 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة / الحديث 8.
3) - وسائل الشيعة 8: 224 / الباب 14 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة / الحديث 2.
4) - وسائل الشيعة 8: 250 / الباب 32 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة / الحديث 1.
5) - مستند العروة 18: 362.
أن يكونوا ضعفاء عنده و مع ذلك يروي عنهم.
و الشاهد على ذلك أنّ القدماء لم يعملوا بهذه المرسلة و لم يفتوا بوجوب سجود السهو لكلّ زيادة و نقيصة على ما مرّ من الحدائق مع أنّ عمدة الدليل على الوجوب هو هذه المرسلة.
أمّا صحيحة الحلبي ففيها: انّ الاحتمالات الواردة فيها تسقطها عن الاستدلال بها، فيحتمل أن يكون المراد الشكّ في الركعات فمعناها: اذا لم تدر أنقصت ركعة أو زدت ركعة. أو يكون المراد أيضا الشكّ في الركعات ولكن المنظور النقص عن الأربع و الازدياد عن الخمس أي: اذا لم تدر نقصت عن الأربع أم زدت على الخمس فيكون الشكّ بين الثلاث و الستّ. و الاحتمال الثالث أن يعلم اجمالاً بين الازدياد أو النقيصة في فعل، مثلاً يعلم اجمالاً أنّه زاد سجدة في الركعة الثانية أو نقص سجدة في تلك الركعة. فما بين هذه الاحتمالات الثلاث من أين يتعيّن أن يكون مراد الامام عليه السلام من جملة « ... أم نقصت أم زدت» هو اذا نقصت فعلاً أو زدت فعلاً فعليك سجدتا السهو حتّى تكون دليلاً لما نحن فيه؟!
و أمّا موثّقة عمّار فقد مرّ ما فيها من التهافت بين الصدر و الذيل و قلنا بأنّها تطرح أو تحمل على الاستحباب؛ جمعا بين الصدر و الذيل، فراجع.
و أمّا الجواب عن صحيحة الفضيل و موثّقة سماعة و صحيحة زرارة فبأنّها ليست لما نحن فيه بل هي لمن يعلم اجمالاً بأنّه مثلاً زاد سجدة أو نقص و سيأتي الكلام فيها، و لو قلنا بوجوب سجدتي السهو في ذلك فلانتعدّى الى العلم التفصيلي أي اذا علم تفصيلاً بأنّه زاد في صلاته أو علم بأنّه نقص في صلاته لتعدّد المناط.
و أمّا الجواب عن صحيحة معاوية بن عمّار فتقدّم في السادس من موجبات سجود السهو فراجع.
و اعلم أنّه لو كان دليل هذا القول تامّا من حيث السند أو الدلالة لكان يلزم
حمله على الاستحباب؛ للزوم التخصيص المستهجن، و ذلك لأنّ أفعال الصلاة على قسمين: واجباتها و مستحبّاتها. أمّا واجباتها فعلى قسمين: الأركان و غيرها. فالأركان غير مشمولة للمقام كالركوع و السجدتين و التكبير على قول. و غير الأركان كسجدة واحدة و التشهّد و القيام في موضع القعود و بالعكس و القراءة و ذكر الركوع و السجود، فقد تقدّم أنّ الأقوى عدم وجوب سجدتي السهو لزيادتها أو نقصانها. نعم، تجب سجدتا السهو في نسيان التشهّد كما تقدّم.
و الدليل على عدم وجوب سجدتي السهو في خصوص ترك القراءة نسيانا صحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما عليهماالسلام قال:
«انّ اللّه تبارك و تعالى فرض الركوع و السجود و القراءة سنّة فمن ترك القراءة متعمّدا أعاد الصلاة و من نسي القراءة فقد تمّت صلاته و لا شيء عليه».(1)
و نظيرها صحيحة زرارة و صحيحة ثانية لمحمّد بن مسلم و غيرهما في ذلك الباب و في الباب الثامن و العشرين و التاسع و العشرين من أبواب القراءة في الصلاة من وسائل الشيعة.
فاذا كان ترك القراءة نسيانا ليس عليه شيء، ففي زيادتها كذلك. و كذا من ترك الجهر و الاخفات نسيانا فلا شيء عليه كما في صحيحتين لزرارة(2).
و نسيان التسبيحات في الركعتين الأخيرتين ملحق بنسيان القراءة؛ لوحدة المناط.
و أمّا ترك الذكر في الركوع و السجود نسيانا فقد دلّ عليه قوله عليه السلام في صحيحتي عبداللّه القدّاح و علي بن يقطين: «تمّت صلاته» و «لابأس بذلك».(3)
فلايبقى شيء آخر من الواجبات. و أمّا المستحبّات فتنقسم الى القرآن و الذكر و الدعاء. أمّا القرآن و الذكر فاذا لم يكن بأس باخلالهما سهوا في حالة الوجوب لم يكن به بأس باخلالهما في حالة الاستحباب سهوا. و أمّا زيادة الدعاء فليس به بأس قطعا.
(مسألة 2): يجب تكرّره بتكرّر الموجب سواء كان من نوع واحد أو أنواع، و الكلام الواحد موجب واحد و ان طال. نعم، ان تذكّر ثمّ عاد تكرّر، و الصيغ الثلاث للسلام موجب واحد و ان كان الأحوط التعدّد و نقصان التسبيحات الأربع موجب واحد بل، و كذلك زيادتها و ان أتى بها ثلاث مرّات.
الشرح:
قال في الحدائق: «اختلف الأصحاب فيما لو تعدّد الموجب للسجود، فهل يتداخل مطلقا أو لا مطلقا أو التداخل ان تجانس السبب و الاّ فلا؟ أقوال: و الى الأوّل ذهب في المبسوط و جعل التعدّد أحوط، و الى الثاني ذهب العلاّمة في المختلف و جمع من المتأخّرين، و الى الثالث ذهب ابن ادريس. انتهى».(1)
و قال في الجواهر: «الأصحّ عدم التداخل في أسباب السجود، اتّحد الجنس أو اختلف، و هو الذي اختاره التحرير و التذكرة و الذكرى و الدروس و البيان و الموجز و حاشية الألفية للكركي و عن غيرها؛ للأصل و توقّف البراءة اليقينيّة عليه، و لأنّ كلّ واحد سبب تامّ و كذا مع الاجتماع لأنّه لايخرج الحقيقة عن مقتضاها. انتهى ملخّصا».(2)
و الحقّ عدم التداخل، و ذلك أوّلاً لأنّ القاعدة تقتضي تعدّد المسبّب بتعدّد السبب، و الأصل عدم التداخل الاّ ما خرج بالدليل كما في الأغسال. و ثانيا الاشتغال اليقيني يقتضي البراءة اليقينيّة. فما في الحدائق من أنّ الأقرب التداخل مطلقا لما روي عنهم عليهم السلام بأسانيد عديدة «اذا اجتمعت للّه عليك حقوق أجزأك عنها حقّ واحد»(1)، ففيه أوّلاً: انّ ما روي عنهم عليهم السلام يكون هكذا: عن زرارة في الصحيح قال:
«اذا اغتسلت بعد طلوع الفجر أجزأك غسلك ذلك للجنابة و الحجامة(2)و عرفة و النحر و الحلق و الذبح و الزيارة، فاذا اجتمعت عليك حقوق أجزأها عنك غسل واحد. قال: ثمّ قال: و كذلك المرأة يجزيها غسل واحد لجنابتها و احرامها و جمعتها و غسلها من حيضها و عيدها».(3)
و في التهذيب عن زرارة عن أحدهما عليهماالسلام، و نقل ذاك عينا.(4)
فبقرينة قوله عليه السلام بعد حقوق اللّه: «أجزأها عنك غسل واحد» يعلم أنّ المراد من الحقوق هو الأغسال المتعدّدة.
و ثانيا: انّ هذا مخصّص للقاعدة الأوّليّة و نحن نقول به.
فتحصّل أنّه يجب تكرّر السجود بتكرّر الموجب سواء كان من نوع واحد أو أنواع متعدّدة، و الكلام الواحد موجب واحد و ان طال. نعم، ان تذكّر ثمّ عاد تكرّر؛ لتكرّر السهو. و الصيغ الثلاث للسلام موجب واحد؛ لأنّ دليل وجوب السجود للسلام في غير محلّه مطلق يشمل السلام الواحد و الاثنين و الثلاث. و أمّا
التسبيحات الأربع فلا دليل على وجوب سجدتي السهو لها سواء زادت أو نقصت، الاّ على القول بوجوبهما لكلّ زيادة و نقيصة.
(مسألة 3): اذا سها عن سجدة واحدة من الركعة الأولى مثلاً و قام و قرأ الحمد و السورة و قنت و كبّر للركوع فتذكّر قبل أن يدخل في الركوع وجب العود للتدارك، و عليه سجود السهو ستّ مرّات: مرّة لقوله «بحول اللّه» و مرّة للقيام و مرّة للحمد و مرّة للسورة و مرّة للقنوت و مرّة لتكبير الركوع، و هكذا يتكرّر خمس مرّات لو ترك التشهّد و قام و أتى بالتسبيحات و الاستغفار بعدها و كبّر للركوع فتذكّر.
الشرح:
اذا سها عن سجدة واحدة و قام و أتى بما هو وظيفته و كبّر للركوع فتذكّر قبل أن يدخل في الركوع وجب العود للتدارك، و عليه سجود السهو لكلّ زيادة تدخل عليه ان قلنا بوجوب السجود لكلّ زيادة و نقيصة. و من المعلوم أنّ الزيادة تختلف بحسب الموارد، ففيما نحن فيه فعناوين الزيادة: «بحول اللّه» و القيام و الحمد و السورة و القنوت و تكبير الركوع فتصير ستّة. و أما نحن فحيث لم نقل بوجوب السجود لكلّ زيادة و نقصان و لم نقل بوجوبه للقيام ففي فسحة من ذلك فلايجب سجود السهو.
(مسألة 4): لايجب فيه تعيين السبب ولو مع التعدّد، كما أنّه لايجب الترتيب فيه بترتيب أسبابه على الأقوى، أمّا بينه و بين الأجزاء المنسيّة و الركعات الاحتياطيّة فهو مؤخّر عنها كما مرّ.
الشرح:
هل يجب فيهما تعيين السبب أو لا؟
قال في الجواهر: «لايجب فيهما تعيين السبب وفاقا للذخيرة و الكفاية؛ لاطلاق الأدلّة و صدق الامتثال، و خلافا لنهاية الفاضل على ما حكي عنها و الذكرى و تعليقي الارشاد للكركي و ولده فيجب. انتهى».(1)
و الحقّ أنّه لايجب فيهما تعيين السبب؛ لاطلاق الأدلّة و الامتثال، فانّ الظاهر من قوله عليه السلام في صحيحة ابن أبي يعفور: «و ان تكلّم فليسجد سجدتي السهو»(2)، و في موثّقة أبي بصير في نسيان التشهّد: «يسجد سجدتين يتشهّد فيهما»(3)و في صحيحتي ابن سنان و أبي بصير في الشكّ بين الأربع و الخمس: «فاسجد سجدتي السهو»(4)و في صحيحة زرارة: «فليسجد سجدتين و هو جالس»(5)أنّ حقيقة سجدتي السهو فيها واحدة، و لاتقييد فيها. و ذلك مثل الصوم و قضائه حيث لايجب فيه تعيين الأيّام. و هذا بخلاف مثل الظهر و العصر، فانّ التكليف بصلاة الظهر غير التكليف بصلاة العصر فانّ صلاة الظهر يجب أن تكون قبل الاتيان بالعصر فيجب فيهما التعيين. و أمّا في مثل ذلك فالتكلّم و أمثاله ليس قيدا للمكلّف به فعلى الأقلّ من الشكّ فالأصل البراءة.
فاذا لم يجب تعيين السبب لعدم الدليل و لصدق الامتثال لم يفرق بين الاتّحاد في السبب أو التعدّد فيه، و كذا لايجب الترتيب في مرحلة الامتثال لو تعيّن الموجب. نعم، لو نسي جزءا من الصلاة و ارتكب أيضا ما يوجب السجود يجب عليه اتيان الجزء أوّلاً ثمّ سجود السهو، سواء كان نسيان الجزء قبل موجب السجود أو بعده، و ذلك لأنّ الظاهر من الأدلّة أنّ السجود يجب بعد اتمام الصلاة
1) - جواهر الكلام 12: 443.
2) - وسائل الشيعة 8: 219 / الباب 11 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة / الحديث 2.
3) - وسائل الشيعة 6: 403 / الباب 7 من أبواب التشهّد / الحديث 6.
4) - وسائل الشيعة 8: 224 / الباب 14 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة / الحديث 1 و 3.
5) - وسائل الشيعة 8: 224 / الباب 14 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة / الحديث 2.
و هو قبل الاتيان بالجزء المنسي يكون بحكم المصلّي.
(مسألة 5): لو سجد للكلام فبان أنّ الموجب غيره فان كان على وجه التقييد وجبت الاعادة، و ان كان من باب الاشتباه في التطبيق أجزأ.
الشرح:
لو سجد للكلام فبان أنّ الموجب غيره فهل يجب عليه السجود ثانيا أو يكتفي بما أتى به؟ ذهب صاحب العروة الى التفصيل بين أن يكون على وجه التقييد فعليه الاعادة، و بين أن يكون من باب الاشتباه في التطبيق فيجزئ. ولكن الظاهر أنّ وجه التقييد لايقيّد المكلّف به فانّ المكلّف به سجود السهو لما سها. نعم، اذا كان بحيث لو علم أنّ سهوه كان في السلام لم يسجد سجدتي السهو، يمكن أن يقال بالاشكال فيه و ان كان لايبعد القول بسقوط التكليف بما أتى به؛ لصدق الامتثال.
(مسألة 6): يجب الاتيان به فورا، فان أخّر عمدا عصى و لم يسقط بل وجبت المبادرة اليه و هكذا. و لو نسيه أتى به اذا تذكّر و ان مضت أيّام. و لاتجب اعادة الصلاة، بل لو تركه أصلاً لم تبطل على الأقوى.
الشرح:
هل يكون وجوب السجود فورا ففورا بمعنى أنّه ان أخّره عمدا و عصى وجبت المبادرة اليه أو فوريّ فقط، و ان عصى تسقط الفوريّة، أو لايكون فوريّا أصلاً؟ وجوه.
قال في الجواهر: «و يجبان على الفور عرفا كما صرّح به بعضهم، بل قد يشعر ما في شرح المولى الأكبر بالاجماع عليه، كما أنّه في الذخيرة و الكفاية نسب وجوب المبادرة اليهما قبل فعل المنافي للأصحاب مشعرين بدعوى الاجماع
عليه؛ لأنّه المنساق و المتيقّن من الأدلّة، بل لعلّه الظاهر من لفظ «بعد السلام» في بعضها، و «أنت جالس» في آخر، و «بعد السلام و قبل الكلام» في ثالث، و نحو ذلك ممّا هو ظاهر كمال الظهور في ذلك - الى أن قال: - فلو أهملهما عمدا أو نسيهما لم تبطل الصلاة كما هو المشهور بين الأصحاب. انتهى».(1)
و قال في الحدائق: «المشهور بين الأصحاب أنّ وجوب السجدتين المذكورتين فوريّ - الى أن قال: - فانّ المتبادر من كونه بعد السلام و قبل الكلام كما اشتمل عليه بعض الأخبار مع حمل البعديّة على البعديّة القريبة كما هو المتبادر من الاطلاق، هو الفوريّة به. انتهى».(2)
و الظاهر أنّ القول بفوريّة سجود السهو هو الأصحّ، و ذلك لظاهر جملة من النصوص كصحيحة عبداللّه بن سنان:
«اذا كنت لاتدري أربعا صلّيت أم خمسا فاسجد سجدتي السهو بعد تسليمك ... ».(3)
و صحيحة أبي بصير:
«اذا لم تدر خمسا صلّيت أم أربعا فاسجد سجدتي السهو بعد تسليمك و أنت جالس ثمّ سلّم بعدهما».(4)
و صحيحة القدّاح:
«سجدتا السهو بعد التسليم و قبل الكلام».(5)
و الدليل على أنّه ان نسيهما يجب عليه الاتيان بهما متى ذكر: موثّقة عمّار (في حديث) حيث سأل الصادق عليه السلام عن مسائل، منها:
1) - جواهر الكلام 12: 455 - 457.
2) - الحدائق الناضرة 9: 315.
3) - وسائل الشيعة 8: 224 / الباب 14 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة / الحديث 1.
4) - وسائل الشيعة 8: 224 / الباب 14 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة / الحديث 3.
5) - وسائل الشيعة 8: 208 / الباب 5 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة / الحديث 3.
«و عن الرجل اذا سها في الصلاة فينسى أن يسجد سجدتي السهو، قال: يسجدهما متى ذكر».(1)
و لاينافيها ما في ذيل الموثّقة حيث قال:
«و عن الرجل يسهو في صلاته فلا يذكر حتّى يصلّي الفجر، كيف يصنع؟ قال: لايسجد سجدتي السهو حتّى تطلع الشمس و يذهب شعاعها».
لأنّ الروايات الواردة في النهي عن الصلاة بعد الفجر تحمل على التقيّة، و لو لم نقل بهذا الحمل فنقول بعدم الفوريّة في هذا الوقت.
فاذا قلنا بالفوريّة في النسيان نقول بها في العمد أيضا؛ لعدم القائل بالتفصيل بل كأنّه خرق للاجماع كما في الجواهر.
لو أهمل السجود للسهو عمدا و لم يأت بهما أو نسيهما لم تبطل صلاته؛ لعدم الدليل على البطلان بل الدليل على صحّتها و هو ظاهر موثّقة عمّار المتقدّمة آنفا.
قال في الجواهر: «فلو أهملهما عمدا أو نسيهما لم تبطل الصلاة كما هو المشهور بين الأصحاب نقلاً و تحصيلاً، بل لاأجد فيه خلافا الاّ من الشيخ في الخلاف، فقال فيه على ما حكي عنه: هما واجبتان و شرط في صحّة الصلاة كما عن بعض العامّة، و تبعه المولى الأكبر في شرح المفاتيح، بل قيل: انّه قد يظهر من المعتبر موافقته أيضا، و لا ريب في ضعفه؛ للأصل، بناءً على التحقيق من جريانه في العبادة، و ظهور الأدلّة في تماميّة الصلاة، أجزاءً و شرائط، و عدم توقّف
1) - وسائل الشيعة 8: 251 / الباب 32 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة / الحديث 2.
صحّتها بعد على شيء آخر و ان وجب السجدتان ارغاما لأنف الشيطان، و اطلاق ما دلّ على صحّة الصلاة مع الكلام نسيانا أو القيام في محلّ القعود أو غير ذلك من موجبات السجود سجد أو لم يسجد. انتهى».(1)
و قال في الحدائق: «لايقدح تأخيرهما في صحّة الصلاة و يجب الاتيان بهما و ان طالت المدّة. و ذهب جماعة من الأصحاب الى وجوب ايقاعهما في وقت الصلاة التي لزمتا بسببها و لم يذكروا له دليلاً معتمدا، و ظاهر الألفية الاستحباب، و ظاهر أكثر الأصحاب الاتّفاق على أنّه لو أخلّ بالفور أو الوقت أو تكلّم عمدا أو سهوا لاتبطل الصلاة به و لايسقط السجود؛ اذ لا دليل يدلّ على اشتراط صحّة الصلاة به كما تقدّم ذكره، و تدلّ عليه رواية عمّار المتقدّمة و كذا روايته الثانية، الاّ أنّ موردهما النسيان. انتهى ملخّصا».(2)
(مسألة 7): كيفيّته أن ينوي و يضع جبهته على الأرض أو غيرها ممّا يصحّ السجود عليه و يقول: «بسم اللّه و باللّه و صلّى اللّه على محمّد و آله» أو يقول: «بسم اللّه و باللّه اللّهمّ صلّ على محمّد و آل محمّد» أو يقول: «بسم اللّه و باللّه السلام عليك أيّها النبي و رحمة اللّه و بركاته»، ثمّ يرفع رأسه و يسجد مرّة أخرى، و يقول ما ذكر و يتشهّد و يسلّم و يكفي في تسليمه «السلام عليكم». و أمّا التشهّد فمخيّر بين التشهّد المتعارف و التشهّد الخفيف و هو قوله: «أشهد أن لا اله الاّ اللّه، أشهد أنّ محمّدا رسول اللّه، اللّهمّ صلّ على محمّد و آل محمّد»، و الأحوط الاقتصار على الخفيف كما أنّ في تشهّد الصلاة أيضا مخيّر بين القسمين، لكن الأحوط هناك التشهّد المتعارف كما مرّ سابقا، و لايجب التكبير للسجود و ان كان أحوط، كما أنّ الأحوط مراعاة جميع ما
يعتبر في سجود الصلاة فيه من الطهارة من الحدث و الخبث و الستر و الاستقبال و غيرها من الشرائط و الموانع التي للصلاة كالكلام و الضحك في الأثناء و غيرهما فضلاً عمّا يجب في خصوص السجود من الطمأنينة و وضع سائر المساجد و وضع الجبهة على ما يصحّ السجود عليه و الانتصاب مطمئنّا بينهما و ان كان في وجوب ما عدا ما يتوقّف عليه اسم السجود و تعدّده نظر.
الشرح:
هنا فروع:
يجب فيهما النيّة و قصد التقرّب الى اللّه؛ لأنّهما عبادة يؤتى بها بقصد التقرّب الى اللّه و امتثال أمره، و يتعيّن اذا قصد الاتيان بهما.
قال في الجواهر: «أمّا النيّة فقد صرّح بوجوبها الفاضل و غيره بل نسب الى السرائر و أكثر ما تأخّر عنها، بل في المفاتيح أنّه المشهور، بل لاأجد فيه خلافا كما اعترف به في الرياض و ان لم يتعرّض لذكرها المصنّف هنا، و النافع كالفاضل في الارشاد بل قيل: و الصدوق في المقنع و المفيد و الشيخ و السيّد و غيرهم، لا لعدم الوجوب عندهم، ضرورة أنّهما عبادة كما هو الأصل في كلّ مأمور به، و مندرجان تحت عموم أدلّة النيّة، بل لوضوحها و معلوميّته. انتهى ملخّصا».(1)
و أمّا نيّة الأداء و القضاء فلاتجب فيهما؛ لأنّهما ليستا موقّتتين بوقت حتّى تفوتا و تصيرا قضاءً و ان وجبتا فورا. مضافا الى أنّ نيّة الأداء و القضاء في أصل الصلاة أيضا لاتجب لعدم الدليل و صدق الامتثال.
قال في الجواهر: «لايجب التعرّض للأداء و القضاء في سجود السهو، كما
1) - جواهر الكلام 12: 442 و 443.
صرّح به في موضع من الألفية، و ان حكي عنه أنّه قال: «انّه أحوط»، و في المقاصد العليّة: «انّه أجود»، و في الروضة: «انّه أولى»، بل في البيان و حاشية الألفية للكركي و تعليقي الارشاد له و ولده و عن غيرها وجوب التعرّض للأداء و القضاء، و لا ريب في ضعفه؛ اذ التحقيق عندنا عدم وجوب ذلك في أصل الصلاة فضلاً عن السجدتين اللتين يمكن دعوى عدم صحّة ذلك فيهما فضلاً عن وجوبه لكونهما من بعض أحكام السهو في الصلاة. انتهى ملخّصا».(1)
لايجب التكبير في سجدتي السهو؛ لعدم الدليل عليه، لخلوّ التكبير فيما ورد في كيفيّة سجود السهو من الروايات.
و يمكن أن يستدلّ على عدم وجوبه بموثّقة عمّار قال:
«سألته عن سجدتي السهو: هل فيهما تكبير أو تسبيح؟ فقال: لا، انّما هما سجدتان فقط، فان كان الذي سها هو الامام كبّر اذا سجد و اذا رفع رأسه ليعلم من خلفه أنّه قد سها و ليس عليه أن يسبح فيهما و لا فيهما تشهّد بعد السجدتين».(2)
ظاهرها استحباب التكبير للامام للاعلام لا للسجدتين.
قال في الجواهر: «و أمّا التكبير فالأقوى عدم وجوبه؛ للأصل و اطلاق الأدلّة و خصوص الموثّق - الى أن قال: - فما عساه يظهر من المحكي عن المبسوط من الوجوب ضعيف جدّا، كاشكال الفاضل فيه في نهايته على ما حكي عنها، فما في
المفاتيح من أنّ المشهور أنّه ينوي ثمّ يكبّر ثمّ يسجد ثمّ يرفع رأسه ثمّ يسجد الى آخره، من الغرائب ان أراد الوجوب، اذ لم نعرف أحدا صرّح به أو نسب اليه عدا الشيخ كما عرفت، و لذا حكي عن الشهيد في كنز الفوائد أنّ أكثر الأصحاب نصّوا على الذكر فيهما دون القراءة و التكبير الاّ الشيخ، فانّه قال: «اذا أراد أن يسجد استفتح بالتكبير». انتهى ملخّصا».(1)
يجب السجود على الأعضاء السبعة و وضع الجبهة على ما يصحّ السجود عليه و ما يعتبر في الصلاة من الطهارة و الستر و الاستقبال و الطمأنينة.
قال في الجواهر: «و أمّا السجود على الأعضاء السبعة فقد صرّح به في القواعد و غيرها، بل نسب الى المفيد و جمّ غفير ممّن تأخّر عنه، بل في التذكرة و تعليق الارشاد للكركي و ظاهر حاشية الألفية له و عن غيرها وجوب الطمأنينة في السجدتين، بل صرّح في بعضها بوجوبها بينهما أيضا، بل قال المحقّق الثاني و صاحب المدارك و الخراساني و عن غيرهم: «يجب وضع الجبهة على ما يصحّ السجود عليه فيه» بل في الذكرى و الدروس و البيان و اللمعة و الألفية و حاشيتها للكركي و الروضة و عن غيرها أنّه يجب فيهما ما يجب في سجود الصلاة عدا الذكر، فتندرج حينئد الطهارة و غيرها كما نصّ عليه بعضهم، و ليس في شيء من الأدلّة تعرّض لشيء من ذلك، و دعوى اعتبار جميع هذه الأمور في مسمّى السجود واضحة الفساد خصوصا بالنسبة الى البعض. نعم، قد يقال: انّ الذمّة لما اشتغلت به بيقين توقّف العلم ببراءتها على الفرد المتيقّن، بل قد يدّعى أنّه
1) - جواهر الكلام 12: 447 و 448.
المنساق من أمر المصلّي بالسجود لتدارك سهوه؛ اذ الظاهر ارادة السجود الصلاتي. انتهى».(1)
أقول:
يمكن أن يستدلّ على وجوب السجدتين على الأعضاء السبعة و على ما يصحّ السجود عليه، باطلاق ما ورد في السجود و كيفيّته، كصحيحة هشام، فانّه قال لأبي عبداللّه عليه السلام:
«أخبرني عمّا يجوز السجود عليه و عمّا لايجوز! قال: السجود لايجوز الاّ على الأرض أو على ما أنبتت الأرض الاّ ما أكل أو لبس. فقال له: جعلت فداك! ما العلّة في ذلك؟ قال: لأنّ السجود خضوع للّه عزّوجلّ فلاينبغي أن يكون على ما يؤكل و يلبس؛ لأنّ أبناء الدنيا عبيد ما يأكلون و يلبسون، و الساجد في سجوده في عبادة اللّه عزّوجلّ فلاينبغي أن يضع جبهته في سجوده على معبود أبناء الدنيا الذين اغترّوا بغرورها. الحديث».(2)
و صحيحة زرارة قال:
«قال أبو جعفر عليه السلام: قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: السجود على سبعة أعظم: الجبهة و اليدين و الركبتين و الابهامين من الرجلين، و ترغم بأنفك ارغاما، أمّا الفرض فهذه السبعة و أمّا الارغام بالأنف فسنّة من النبي صلى الله عليه و آله».(3)
و صحيحة عبداللّه بن ميمون القدّاح عن جعفر بن محمّد عليه السلام قال:
«يسجد ابن آدم على سبعة أعظم: يديه و رجليه و ركبتيه و
جبهته».(1)
و ادّعاء الانصراف الى الصلاة ممنوع؛ لأنّه بدويّ، مضافا الى أنّ سجدتي السهو لجبران نقص الصلاة، فلابدّ أن يكون حكمها حكم سجدة الصلاة.
و أمّا ما يعتبر في الصلاة من الطهارة و الستر و الاستقبال و الطمأنينة فقد اختلف الفقهاء في اعتبارها في سجدتي السهو.
قال في الجواهر: «فمنهم من ذهب الى وجوبها كالشهيدين في الذكرى و الدروس و البيان و اللمعة و كذا في الألفية و المقاصد و الهلاليّة و الدرّة و النهاية و السرائر، و منهم من اختار عدم الوجوب كالعلاّمة في التحرير و ظاهر المحقّق في الشرائع و جميع من ترك التعرّض للطهارة و الستر و الاستقبال و نحوها في مقام البيان. انتهى ملخّصا».(2)
و الحقّ هو الوجوب، و ذلك مضافا الى ما مرّ آنفا من أنّ سجدتي السهو لجبران نقص الصلاة فلابدّ أن يراعى فيهما ما يراعى في الصلاة.
يستفاد من قوله عليه السلام: «فاسجد سجدتي السهو بعد تسليمك ثمّ سلّم بعدهما»(3)، أو «فليسجد سجدتين و هو جالس ... »(4)أو «فاسجد سجدتي السهو بعد تسليمك و أنت جالس ثمّ سلّم بعدهما»(5)، و كذا من قوله عليه السلام: «سجدتا السهو بعد التسليم و قبل الكلام»(6)أنّ ما يعتبر في أجزاء الصلاة من الطهارة و الستر و الاستقبال و الطمأنينة يعتبر في سجدتي السهو. و المتفاهم عرفا من قوله عليه السلام في صحيحة: «سجدتا السهو بعد التسليم و قبل الكلام» النهي عن فعل المنافي
1) - وسائل الشيعة 6: 345 / الباب 4 من أبواب السجود / الحديث 8.
2) - جواهر الكلام 12: 449.
3) - وسائل الشيعة 8: 224 / الباب 14 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة / الحديث 1.
4) - نفس المصدر: الحديث 2.
5) - نفس المصدر: الحديث 3.
6) - وسائل الشيعة 8: 208 / الباب 5 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة / الحديث 3.
كالكلام و شبهه قبل الاتيان بسجدتي السهو. و من المعلوم أنّه لا خصوصيّة لذكر الكلام الاّ من حيث كونه منافيا و علّة ذكره عليه السلام من بين المنافيات للغلبة و العادة بأنّ المصلّي اذا سلّم و يرى نفسه في حلّ من الصلاة فيتكلّم أو يقوم فيذهب.
و لذا قال عليه السلام مرّة: «بعد تسليمك و أنت جالس» و مرّة أخرى قال عليه السلام: «بعد التسليم و قبل الكلام». و الظاهر أنّ مراده عليه السلام من نحو هذين التعبيرين ابقاء حالة الصلاة الى فعل سجدتي السهو.
و بهذا يردّ القول الثاني (أي عدم الوجوب) و دليلهم باطلاق الأدلّة و أصل البراءة؛ لأنّ مناسبة الحكم و الموضوع تقتضي اعتبار ما هو معتبر في الصلاة من الشرائط، فلا معنى لاطلاق أدلّة سجود السهو حينئذ، و مع وجود الدليل فلا مورد للأصل.
اختلفوا في وجوب الذكر فيهما:
قال في الجواهر: «فالمشهور كما في الذكرى على الوجوب، و القول الآخر عدم الوجوب و هو خيرة المحقّق في المعتبر و النافع و الفاضل في المنتهى و المختلف و الخراساني و ظاهر نهاية الشيخ و المهذّب البارع و الأردبيلي على ما قيل و نفى عنه البعد في المدارك، و كأنّه مال اليه في الرياض و لعلّه الأقوى في النظر. انتهى ملخّصا».(1)
و الحقّ هو الوجوب لما سيأتي. و اختلف القائلون بالوجوب بتعيّن ذكر الخاصّ و عدمه على قولين.
1) - جواهر الكلام 12: 454.
قال في الجواهر: «الأشبه أنّه لايتعيّن كما ذهب اليه المحقّق في الشرائع و العلاّمة في التحرير و الموجز و الذخيرة و المبسوط، و القول الآخر هو التعيين كما هو خيرة الروضة و المقاصد العليّة و المقنع و المقنعة و السرائر و الجملين للسيّد و الشيخ و المراسم و الغنية. انتهى ملخّصا».(1)
و الحقّ تعيّن ذكر خاصّ، و الدليل على ذلك ما رواه الكليني رحمه الله في الصحيح عن الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«تقول في سجدتي السهو: بسم اللّه و باللّه، اللّهمّ صلّ على محمّد و آل محمّد. قال الحلبي: و سمعته مرّة أخرى يقول: بسم اللّه و باللّه، السلام عليك أيّها النبي و رحمة اللّه و بركاته».(2)
و قد نقلها في الوسائل بتغيير في الصلاة على النبي و آله.(3)
و هذه الرواية و ان ذكرها في الفقيه بالنسبة الى الصيغة الأولى هكذا: «بسم اللّه و باللّه و صلّى اللّه على محمّد و آل محمّد».(4)
و ذكرها في التهذيب هكذا:
«بسم اللّه و باللّه و صلّى اللّه على محمّد و على آل محمّد، و سمعته مرّة أخرى يقول فيهما: بسم اللّه و باللّه و السلام عليك أيّها النبي و رحمة اللّه و بركاته».(5)
الاّ أنّ نسخة الكافي أضبط و لذا أفتى به الصدوق في المقنع و قال - كما في المختلف - : «يقول فيهما: بسم اللّه و باللّه، السلام عليك أيّها النبي و رحمة اللّه و بركاته، و ان شئت: بسم اللّه و باللّه، اللّهمّ صلّ على محمّد و آل محمّد. و هكذا قال
المفيد في المقنعة و ابن ادريس في السرائر، و أمّا السيّد المرتضى و سلاّر اختارا الصيغة الأولى و هي: بسم اللّه و باللّه، اللّهمّ صلّ على محمّد و آل محمّد».(1)
فتلخّص أنّه يجب في سجدتي السهو أن يقول: بسم اللّه و باللّه، اللّهمّ صلّ على محمّد و آل محمّد. و ان شاء: بسم اللّه و باللّه، السلام عليك أيّها النبي و رحمة اللّه و بركاته.
و استدلّ على القول بعدم وجوب الذكر أوّلاً بالأصل، و ثانيا بموثّقة عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن سجدتي السهو: هل فيهما تكبير أو تسبيح؟ فقال: لا، انّما هما سجدتان فقط، فان كان الذي سها هو الامام كبّر اذا سجد و اذا رفع رأسه ليعلم من خلفه أنّه قد سها، و ليس عليه أن يسبّح فيهما، و لا فيهما تشهّد بعد السجدتين».(2)
و ثالثا بأنّ قصور ما يمكن استفادة الوجوب منه الذي عمدته صحيح الحلبي للاضطراب في متنه، و مخالفتها للمذهب و هو سهو الامام عليه السلام، و سماع الراوي منه في سجدته الذي لايدلّ على الوجوب بل هو أعمّ.
و رابعا باطلاق الروايات الآمرة بالسجود و بالموجبات المختلفة.
أمّا الجواب عن الأصل فبوجود الدليل و هو صحيحة الحلبي. و أمّا عن الموثّقة أوّلاً فلمعارضتها، فالترجيح للصحيحة، و ثانيا لمخالفة ذيلها الروايات المعتبرة المستفيضة الآمرة بقراءة التشهّد. و ثالثا لامكان توجيهها بأنّ المراد من التكبير في الموثّقة تكبيرة الاحرام، و من التسبيح «سبحان اللّه». و ما يقال في سجود الصلاة فلاينافي الصحيحة التي ورد فيها ذكر خاصّ و لاينافي قوله عليه السلام بعد ذلك: «انّما هما سجدتان فقط» بناءً على أنّه تأكيد لنفي التسبيح و لذا قال عليه السلام في
الذيل: «و ليس عليه أن يسبّح فيهما»، فلفظ «فقط» حصر اضافيّ بقرينة صحيحة الحلبي. كما أنّ مراده عليه السلام في الأخير: «و لا فيهما تشهّد بعد السجدتين» هو التشهّد الطويل يعني مع المستحبّات. أضف الى ذلك كلّه أنّ ما نقل عنه عليه السلام في جواب السائل «انّما هما سجدتان فقط» ظاهر في عدم مشروعيّته الذي لم يقل به أحد.
و أمّا الاشكال على الصحيحة من اضطراب المتن ففيه: انّ الكليني أضبط في نقل الروايات كما هو المشهور، فلا اضطراب فيها، فهو الدليل مع أنّه لا خلاف في الصيغة الثانية و هي «السلام عليك أيّها النبي و رحمة اللّه و بركاته» الاّ من التهذيب التي أوردها بالواو، ولكنّه نفسه قدس سره قد أفتى في المبسوط بحذف الواو و لعلّه لأصحّيّة نسخة الكافي عنده. و قد أفتى أكثر القدماء على ما يطابق في الكافي و قالوا: يقول في السجدتين: «بسم اللّه و باللّه اللّهمّ صلّ على محمّد و آل محمّد»، فان شاء: «بسم اللّه و باللّه، السلام عليك أيّها النبي و رحمة اللّه و بركاته».
و الاشكال بأنّ الصحيحة مخالفة للمذهب لنسبة السهو الى الامام المعصوم عليه السلام، ففيه: انّ السماع أعمّ من استماع قوله عليه السلام أو فعله بل بقرينة الصدر يحمل الذيل على القول لا على الفعل، و بهذا يردّ الاشكال الثاني و هو الترديد في الوجوب؛ لأنّه فعله و الفعل أعمّ من الوجوب.
و الجواب عن الاشكال الأخير فبأنّ الروايات واردة فيما يجب به سجود السهو، و لاتكون بصدد بيان كيفيّته.
اختلفوا في وجوب التشهّد فيهما.
قال في الجواهر: «فالمشهور نقلاً و تحصيلاً وجوبه، بل في التذكرة نسبته الى علمائنا مشعرا بدعوى الاجماع عليه كالذكرى و عن غيرها، بل في المعتبر و عن
المنتهى الاجماع عليه، و هو الحجّة بعد المعتبرة المستفيضة. انتهى».(1)
و العلاّمة في المختلف قائل بالاستحباب فقال: «الأقرب عندي أنّ ذلك كلّه للاستحباب بل الواجب فيه النيّة لا غير. انتهى» و استدلّ عليه بأصالة البراءة و رواية عمّار المتقدّمة.(2)
قال في المدارك: «و يؤيّده انتفاء الأمر بالتسليم في صحيحة الحلبي و الأمر بالتشهّد في صحيحة ابن سنان مع ورودهما في مقام البيان. انتهى ملخّصا».(3)
و الحقّ ما عليه المشهور من وجوب التشهّد في سجدتي السهو، و الدليل عليه الروايات المعتبرة المستفيضة:
منها صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
اذا لم تدر أربعا صلّيت أو خمسا أم نقصت أم زدت فتشهّد و سلّم واسجد سجدتين بغير ركوع و لا قراءة تتشهّد فيهما تشهّدا خفيفا».(4)
و منها موثّقة أبي بصير قال:
«سألته عن الرجل ينسى أن يتشهّد؟ قال: يسجد سجدتين يتشهّد فيهما».(5)
و منها رواية علي بن أبي حمزة قال:
«قال أبو عبداللّه عليه السلام: اذا قمت في الركعتين الأوّلتين و لم تتشهّد فذكرت قبل أن تركع فاقعد فتشهّد، و ان لم تذكر حتّى تركع فامض في صلاتك كما أنت، فاذا انصرفت سجدت سجدتين لا ركوع
فيهما ثمّ تشهّد التشهّد الذي فاتك».(1)
و منها صحيحة علي بن يقطين قال:
«سألت أبا الحسن عليه السلام عن الرجل لايدري كم صلّى: واحدة أو اثنتين أم ثلاثا؟ قال: يبني على الجزم و يسجد سجدتي السهو و يتشهّد تشهّدا خفيفا».(2)
و منها رواية الحسن الصيقل عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«- الى أن قال: - قلت: أليس قلت في الفريضة اذا ذكره بعد ما ركع مضى في صلاته ثمّ سجد سجدتي السهو بعد ما ينصرف يتشهّد فيهما؟ ... ».(3)
و منها خبر سهل بن اليسع عن الرضا عليه السلام أنّه قال:
«يبني على يقينه و يسجد سجدتي السهو بعد التسليم و يتشهّد تشهّدا خفيفا».(4)
و الجواب عن دليل القول الثاني من الأصل و موثّقة عمّار هو أنّ الأصل لا مورد له بعد وجود الدليل الذي رأيته من الأخبار، و أمّا موثّقة عمّار فقد عرفت ما فيها.
ثمّ انّه قد ورد في جملة من الأخبار تقييد التشهّد بالخفيف فهل هو رخصة أو عزيمة؟
قال المحقّق الهمداني في مصباح الفقيه: «الأوجه أنّه رخصة لورود القيد مورد توهّم وجوب الزيادات المتعارفة في تشهّد الصلاة فلايتبادر من الأمر بالتشهّد
1) - وسائل الشيعة 8: 244 / الباب 26 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة / الحديث 2.
2) - وسائل الشيعة 8: 227 / الباب 15 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة / الحديث 6.
3) - وسائل الشيعة 6: 404 / الباب 8 من أبواب التشهّد / الحديث 1.
4) - وسائل الشيعة 8: 223 / الباب 13 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة / الحديث 2.
الخفيف الاّ ارادة بيان أقلّ المجزي فلاينافيه جواز الاتيان بالأكثر. و المراد بالخفيف هو الاقتصار على الواجب منه الخالي من الأذكار الطويلة المستحبّة كما ذكره بعض الأصحاب، أي الشهادتين و الصلاة على النبي و آله عليه و عليهم السلام. و احتمال ارادة الاقتصار على مجرّد الشهادتين من دون الصلاة على النبي صلى الله عليه و آله لعدم اندراجها في اطلاق التشهّد فضلاً عن الخفيف منه، ممّا لاينبغي الالتفات اليه، و لذا لم ينقل الخلاف في الصلاة على النبي صلى الله عليه و آلهعن أحد بل عن المحقّق في المعتبر دعوى الاجماع على وجوبها حيث قال: الواجب السجدتان و الشهادتان و الصلاة على النبي صلى الله عليه و آله باجماع علمائنا. فترك التصريح بها في النصوص و بعض الفتاوى لاندراجها لدى المتشرّعة في مفهوم التشهّد - الى أن قال: - فالأحوط ان لم يكن أقوى هو الاتيان بالصيغة المزبورة التي هي أدنى ما يجزي في تشهّد الصلاة: «أشهد أن لا اله الاّ اللّه وحده لا شريك له، و أشهد أنّ محمّدا عبده و رسوله، اللّهمّ صلّ على محمّد و آل محمّد». انتهى ملخّصا».(1)
و ما قاله رحمه الله هو الحقّ المتين.
و أمّا التسليم فكالتشهّد لم يخالف في وجوبه الاّ قليل كالعلاّمة في المختلف و غيره؛ للأصل و الموثّقة، ولكنّ الدليل يدفع الأصل، و أمّا الموثّقة فمرّ الاشكال فيها. و أمّا الدليل:
فمنها صحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا كنت لاتدري أربعا صلّيت أم خمسا فاسجد سجدتي السهو بعد تسليمك ثمّ سلّم بعدهما».(2)
و منها صحيحة أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا لم تدر خمسا صلّيت أم أربعا فاسجد سجدتي السهو بعد
تسليمك و أنت جالس ثمّ سلّم بعدهما».(1)
و المجزي من السلام قطعا هو «السلام عليكم و رحمة اللّه و بركاته» و هو الظاهر من روايات السلام.
قال المحقّق الهمداني: «أمّا التسليم فالمشهور أيضا وجوبه بل عن المعتبر و المنتهى دعوى الاجماع عليه، و يشهد له صحيحة ابن سنان، و عن العلاّمة في المختلف القول باستحبابه كما في التشهّد، و قوّاه بعض من تأخّر عنه جمعا بين ما دلّ على الوجوب و بين موثّقة عمّار المتقدّمة و غيره ممّا عرفته في التشهّد، و فيه ما عرفت، فالقول بوجوبه كما هو المشهور أقوى. ثمّ انّ المراد من التسليم في النصوص و الفتاوى على الظاهر هو التسليم الذي يخرج به عن الصلاة، بل الظاهر خصوص «السلام عليكم»؛ لما عرفت في مبحث التسليم من أنّ هذا هو الذي ينصرف اليه اطلاق الأمر بالسلام، فالأحوط ان لم يكن أقوى تعيّنه ولكن حكي عن أبي الصلاح أنّه بعد أن أمر بالتشهّد الخفيف بعد رفع الرأس من السجدتين قال: «و ينصرف منهما بالتسليم على محمّد و آله صلى الله عليه و آله» و لم نعرف مستنده فلعلّه لم يقصد تعيّنه بل بيان حصول الانصراف به كصيغة «السلام عليكم» أخذا باطلاق دليله، و فيه ما عرفت من الانصراف. انتهى».(2)
(مسألة 8): لو شكّ في تحقّق موجبه و عدمه لم يجب عليه. نعم، لو شكّ في الزيادة أو النقيصة فالأحوط اتيانه كما مرّ.
الشرح:
اذا شكّ في أنّه هل أتى بما يوجب سجود السهو أم لا، لم يجب عليه سجدتا
السهو؛ للشكّ في التكليف، فالأصل الجاري البراءة. و كذلك لو شكّ في الزيادة أو النقيصة سواء كان في طرف واحد أو في طرفين حتّى يكون هناك العلم الاجمالي باحداهما.
قال في الحدائق: «ذهب المشهور الى عدم وجوب سجدتي السهو للشكّ في الزيادة و النقيصة ولكن العلاّمة في المختلف ذهب الى وجوبهما. قيل: و هو ظاهر ما نقله الشيخ في الخلاف عن بعض الأصحاب و لم يبعد دلالة كلام الصدوق عليه. و مال الى هذا القول الشهيد الثاني في الروض. و كذا قال الشيخ المفيد في الرسالة الغريّة. انتهى ملخّصا».(1)
أقول:
ظاهر كلام العلاّمة في المختلف و المفيد في الرسالة الغريّة في وجوب السجود هنا هو ظاهر صحيحة الفضيل(2)و موثّقة سماعة(3)و صحيحة زرارة التي وردت في الأوّلتين منها: «انّما السهو على من لم يدر أزاد في صلاته أم نقص»، و في الثالثة: «اذا شكّ أحدكم في صلاته فلم يدر زاد أم نقص فليسجد سجدتين ... »(4).
فانظر الى كلامهم نقلاً عن الحدائق: «فعن العلاّمة في المختلف: ... و من شكّ فلايدري زاد أو نقص. و عن ابن بابويه: ... أو لم يدر أ زاد أو نقص. و عن المفيد في الرسالة الغريّة: و ان لم يدر أ زاد سجدة أو نقص سجدة أو زاد ركوعا أو نقص ركوعا و لم يتيقّن ذلك و كان الشكّ له فيه حاصلاً بعد تقضّي وقته و هو في الصلاة
سجد سجدتي السهو. انتهى ملخّصا».(1)
و ظاهر هذه الكلمات هو العلم الاجمالي بين النقيصة أو الزائدة بمعنى أنّه يعلم باتيان موجب سجود السهو اجمالاً الاّ أنّه لم يعلم بالاتيان بالزيادة أو الاتيان بالنقيصة. فهنا أيضا نقول بعدم وجوب السجود، و ذلك أوّلاً لاعراض المشهور، و ثانيا لانحلال العلم الاجمالي بين التفصيلي و الشكّ البدوي، فانّ المصلّي اذا لم يدر في حال كونه جالسا أنّه نقص سجدة حتّى يكون قد أتى بسجدة واحدة، أو زاد سجدة حتّى يكون قد أتى بثلاث سجدات، فهو متيقّن بالاتيان بسجدة و شاكّ في الزائد منها فحيث انّه في المحلّ يجب عليه الاتيان بسجدة أخرى، و ان كان قد تجاوز المحلّ لم يعتن و يبني على الاتيان بما هو تكليفه و يمضي في صلاته فلا شيء عليه. فتحمل الروايات على الاستحباب. و ثالثا لم يبعد أن تكون المعتبرة واردة مورد مرسلة سفيان بن السمط عنه عليه السلام:
«تسجد سجدتي السهو في كلّ زيادة تدخل عليك أو نقصان».(2)
كما فهمه منها من قال بوجوب سجود السهو لكلّ زيادة أو نقيصة.
(مسألة 9): لو شكّ في اتيانه بعد العلم بوجوبه وجب و ان طالت المدّة. نعم، لايبعد البناء على اتيانه بعد خروج وقت الصلاة و ان كان الأحوط عدم تركه خارج الوقت أيضا.
الشرح:
لو شكّ في اتيانه بعد العلم بوجوبه وجب عملاً بقاعدة الاشتغال أو استصحاب عدم الامتثال و ان طالت المدّة بناءً على ما تقدّم في المسألة السادسة
بأنّ من ترك سجود السهو عمدا أو نسيانا لم يسقط عنه. و المصنّف لم يبعّد البناء على اتيانه بعد خروج الوقت الحاقا له بنفس الصلاة نظرا الى كونه من توابعها و متعلّقاتها. فكما أنّ الشكّ في امتثال الصلاة بعد الوقت لايعتنى به، كذلك الشكّ في امتثال سجود السهو لايعتنى به. ولكن الظاهر أنّ سجود السهو ليس من توابع الصلاة، بل هو أمر مستقلّ يؤتى به لجبران نقص وقع في الصلاة و لم يكن موقّتا بوقت و قد مرّ تفصيل ذلك في المسألة السادسة.
(مسألة 10): لو اعتقد وجود الموجب ثمّ بعد السلام شكّ فيه لم يجب عليه.
الشرح:
اذا اعتقد وجود موجب سجود السهو ثمّ بعد السلام شكّ فيه لم يجب عليه، و ذلك لأنّ اشتغال ذمّته دائر مدار بقاء اعتقاده، و المفروض زواله و انقلابه الى الشكّ في وجود موجب سجود السهو، فحكمه حينئذ عدم وجوب السجود عليه؛ للشكّ في اشتغال ذمّته و تكليفه. و يمكن اجراء استصحاب عدم تحقّق موجب سجود السهو أيضا.
(مسألة 11): لو علم بوجود الموجب و شكّ في الأقلّ و الأكثر بنى على الأقلّ.
الشرح:
لأصالة عدم الزائد المشكوك فيه و لرجوع الشكّ في الأكثر الى الشكّ في أصل تحقّق الموجب زائدا على المقدار المتيقّن و قد عرفت أنّ المرجع في مثله أصالة عدم التحقّق.
(مسألة 12): لو علم نسيان جزء و شكّ بعد السلام في أنّه هل تذكّر قبل فوت محلّه و تداركه أم لا فالأحوط اتيانه.
الشرح:
اذا علم بنسيان جزء و شكّ بعد السلام في أنّه هل تذكّر قبل فوت محلّه و تداركه أم لا؟ فتارة يعلم غفلته و مع ذلك يشكّ في استمرار نسيانه الى مضيّ محلّ التدارك ففي هذه الصورة يجب عليه الاتيان بسجود السهو؛ لعدم الدليل على البناء على الاتيان الاّ قاعدة الفراغ أو التجاوز، فهي جارية في مورد لم يعلم الغفلة؛ لقوله عليه السلام في الصحيحة:
«هو حين يتوضّأ أذكر منه حين يشكّ».(1)
و أخرى لم يعلم غفلته، فحينئذ تجري قاعدة الفراغ فيبني على اتيان ما نسي قبل فوت محلّه.
(مسألة 13): اذا شكّ في فعل من أفعاله فان كان في محلّه أتى به و ان تجاوز لم يلتفت.
(مسألة 14): اذا شكّ في أنّه سجد سجدتين أو سجدة واحدة بنى على الأقلّ الاّ اذا دخل في التشهّد، و كذا اذا شكّ في أنّه سجد سجدتين أو ثلاث سجدات. و أمّا ان علم بأنّه زاد سجدة وجب عليه الاعادة كما أنّه اذا علم نقص واحدة أعاد. و لو نسي ذكر السجود و تذكّر بعد الرفع لايبعد عدم وجوب الاعادة و ان كان أحوط.
1) - وسائل الشيعة 1: 471 / الباب 42 من أبواب الوضوء / الحديث 7.
الشرح:
اذا شكّ في فعل من أفعال سجود السهو و أنّه سجد سجدتين مثلاً أو واحدة فان لم يتجاوز و لم يدخل في التشهّد بنى على الأقلّ و سجد سجدة أخرى. و أمّا اذا تجاوز و دخل في التشهّد بنى على اتيان السجدتين، و أمّا الشكّ في الزائد فلايعتني به.
و أمّا اذا علم بأنّه زاد سجدة لم يجب عليه الاعادة كما اذا زاد سجدة في الصلاة، فانّ سجود السهو و ان لم يكن من أجزاء الصلاة الاّ أنّ أحكامها جارية فيه؛ لما تقدّم في بيان كيفيّة سجدتي السهو. و أمّا لو علم بنقص سجدة نسيانا فان تذكّر قبل فعل المنافي فيرجع و يأتي بالسجدة الفائتة ثمّ يتشهّد و يسلّم و لا شيء عليه؛ لقوله عليه السلام: «لا سهو في سهو». و ان تذكّر بعد فعل المنافي فيعيدهما. و لو نسي ذكر السجدتين لايجب عليه الاعادة؛ لما مرّ آنفا في زيادة السجدة.
و هي في مواضع:
«الأوّل»: الشكّ بعد تجاوز المحلّ، و قد مرّ تفصيله.
«الثاني»: الشكّ بعد الوقت سواء كان في الشروط أو الأفعال أو الركعات أو في أصل الاتيان، و قد مرّ الكلام فيه أيضا.
«الثالث»: الشكّ بعد السلام الواجب و هو احدى الصيغتين الأخيرتين، سواء كان في الشرائط أو الأفعال أو الركعات في الرباعيّة أو غيرها بشرط أن يكون أحد طرفي الشكّ الصحّة، فلو شكّ في أنّه صلّى ثلاثا أو أربعا أو خمسا بنى على أنّه صلّى أربعا، و أمّا لو شكّ بين الاثنتين و الخمس و الثلاث و الخمس بطلت؛ لأنّها امّا ناقصة ركعة أو زائدة. نعم، لو شكّ في المغرب بين الثلاث و الخمس أو في الصبح بين الاثنتين و الخمس يبني على الثلاث في الأولى و الاثنتين في الثانية. و لو شكّ بعد السلام في الرباعيّة بين الاثنتين و الثلاث بنى على الثلاث و لاتسقط عنه صلاة الاحتياط؛ لأنّه بعد في الأثناء حيث انّ السلام وقع في غير محلّه فلايتوهّم أنّه يبني على الثلاث و يأتي بالرابعة من غير أن يأتي بصلاة الاحتياط؛ لأنّه مقتضى عدم الاعتبار بالشكّ بعد السلام.
الشرح:
انّ الشكوك التي لايعتبر بها و لايلتفت اليها تقع في مواضع:
الأوّل: الشكّ بعد تجاوز المحلّ، فقد مرّ تفصيله في المسألة العاشرة من فصل الشكّ.(1)
الثاني: الشكّ بعد الوقت سواء كان في الشروط أو الأفعال أو الركعات أو في أصل الاتيان، فقد مرّ الكلام فيه أيضا في المسألة الأولى من فصل الشكّ(2)و قلنا انّ الدليل على ذلك صحيحة الفضيل و زرارة عن أبي جعفر عليه السلام حيث قال فيها:
«و ان شككت بعدما خرج وقت الفوت و قد دخل حائل فلا اعادة عليك من شكّ حتّى تستيقن».(3)
و الصحيحة و ان كانت في أصل الصلاة بقرينة صدرها الاّ أنّها تشمل الشكّ في الشروط و الأفعال و الركعات بتنقيح المناط و هو خروج وقت الفوت و دخول الحائل و هو الوقت الآخر.
الثالث: الشكّ بعد السلام الواجب و هو احدى الصيغتين الأخيرتين سواء كان في الشرائط أو الأفعال أو الركعات في الرباعيّة أو غيرها بشرط أن يكون أحد طرفي الشكّ الصحّة. و الدليل على ذلك صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«كلّ ما شككت فيه ممّا قد مضى فأمضه كما هو».(4)
و موثّقته حيث قال:
«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول: كلّ ما مضى من صلاتك و طهورك
فذكرته تذكّرا فأمضه و لا اعادة عليك فيه».(1)
و صحيحته الثانية قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: رجل شكّ في الوضوء بعدما فرغ من الصلاة. قال: يمضي على صلاته و لايعيد».(2)
و صحيحة اسماعيل بن جابر عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) قال:
« - الى أن قال: - كلّ شيء شكّ فيه ممّا قد جاوزه و دخل في غيره فليمض عليه».(3)
و أمّا لو شكّ في الرباعيّة بين الاثنتين و الخمس أو الثلاث و الخمس بطلت؛ لأنّه امّا زاد ركعة أو نقص. نعم، لو شكّ في المغرب بين الثلاث و الخمس أو في الصبح بين الاثنتين و الخمس يبني على الثلاث في الأولى و الاثنتين في الثانية، و ذلك لاطلاق الروايات المتقدّمة.
و لو شكّ بعد السلام و قبل فعل المنافي في الرباعيّة بين الاثنتين و الثلاث يبني على الثلاث و يأتي بالرابعة و لاتسقط عنه صلاة الاحتياط؛ لأنّه بعد في الأثناء حيث انّ السلام وقع في غير محلّه، فيجب عليه سجدتا السهو بعد صلاة الاحتياط.
«الرابع»: شكّ كثير الشكّ و ان لم يصل الى حدّ الوسواس سواء كان في الركعات أو الأفعال أو الشرائط فيبني على وقوع ما شكّ فيه و ان كان في محلّه الاّ اذا كان مفسدا فيبني على عدم وقوعه، فلو شكّ بين الثلاث و الأربع يبني على الأربع و لو شكّ بين الأربع و الخمس يبني على الأربع أيضا. و ان
شكّ أنّه ركع أم لا، يبني على أنّه ركع، و ان شكّ أنّه ركع ركوعين أم واحدا، بنى على عدم الزيادة. و لو شكّ أنّه صلّى ركعة أو ركعتين بنى على الركعتين، و لو شكّ في الصبح أنّه صلّى ركعتين أو ثلاثا بنى على أنّه صلّى ركعتين و هكذا. و لو كان كثرة شكّه في فعل خاصّ يختصّ الحكم به، فلو شكّ اتّفاقا في غير ذلك الفعل يعمل عمل الشكّ، و كذا لو كان كثير الشكّ بين الواحدة و الاثنتين لم يلتفت في هذا الشكّ و يبني على الاثنتين. و اذا اتّفق أنّه شكّ بين الاثنتين و الثلاث أو بين الثلاث و الأربع وجب عليه عمل الشكّ من البناء و الاتيان بصلاة الاحتياط. و لو كان كثير الشكّ بعد تجاوز المحلّ ممّا لا حكم له دون غيره، فلو اتّفق أنّه شكّ في المحلّ وجب عليه الاعتناء. و لو كان كثرة شكّه في صلاة خاصّة أو الصلاة في مكان خاصّ و نحو ذلك اختصّ الحكم به، و لايتعدّى الى غيره.
الشرح:
قال في الحدائق: «قد صرّح الأصحاب - رضوان اللّه عليهم - من غير خلاف يعرف بأنّه لا حكم للسهو مع الكثرة، لكن ظاهر جملة منهم أنّ المراد بالسهو هنا الشكّ، كما صرّح به في المعتبر و هو ظاهر العلاّمة في المنتهى و التذكرة، و اختاره في المدارك و نقل بعض مشايخنا أنّه مذهب الأكثر و ظاهر آخرين - و منهم الشيخ و ابن زهرة و ابن ادريس و غيرهم، و الظاهر أنّه المشهور - هو العموم للشكّ و السهو و به صرّح شيخنا الشهيد الثاني و غيره و هو الأظهر. انتهى».(1)
و الدليل على عدم اعتبار شكّ كثير الشكّ روايات معتبرة:
منها صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«اذا كثر عليك السهو فامض على صلاتك فانّه يوشك أن يدعك، انّما
1) - الحدائق الناضرة 9: 264.
هو من الشيطان».(1)
و منها صحيحة ابن سنان عن غير واحد عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا كثر عليك السهو فامض في صلاتك».(2)
و منها موثّقة عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام:
«في الرجل يكثر عليه الوهم في الصلاة فيشكّ في الركوع فلايدري أركع أم لا، و يشكّ في السجود فلايدري أسجد أم لا! فقال: لايسجد و لايركع و يمضي في صلاته حتّى يستيقن يقينا. الحديث».(3)
و منها صحيحة زرارة و أبي بصير جميعا قالا:
«قلنا له: الرجل يشكّ كثيرا في صلاته حتّى لايدري كم صلّى و لا ما بقي عليه؟ قال: يعيد. قلنا: فانّه يكثر عليه ذلك، كلّما أعاد شكّ. قال: يمضي في شكّه - ثمّ قال: - لاتعوّدوا الخبيث من أنفسكم نقض الصلاة فتطمعوه فانّ الشيطان خبيث معتاد لما عوّد فليمض أحدكم في الوهم و لايكثرنّ نقض الصلاة فانّه اذا فعل ذلك مرّات لم يعد اليه الشكّ. قال زرارة: ثم قال: انّما يريد الخبيث أن يطاع فاذا عصي لم يعد الى أحدكم».(4)
و منها خبر علي بن أبي حمزة عن رجل صالح عليه السلام قال:
«سألته عن الرجل يشكّ فلايدري واحدة صلّى أو اثنتين أو ثلاثا أو أربعا تلتبس عليه صلاته. قال: كلّ ذا؟ قال: قلت: نعم. قال: فليمض في صلاته و يتعوّذ باللّه من الشيطان فانّه يوشك أن يذهب عنه».(5)
1) - وسائل الشيعة 8: 227 / الباب 16 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة / الحديث 1.
2) - وسائل الشيعة 8: 228 / الباب 16 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة / الحديث 3.
3) - وسائل الشيعة 8: 229 / الباب 16 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة / الحديث 5.
4) - وسائل الشيعة 8: 228 / الباب 16 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة / الحديث 2.
5) - وسائل الشيعة 8: 228 / الباب 16 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة / الحديث 4.
بيان: اعلم أنّ قوله عليه السلام في صحيحة زرارة و أبي بصير: «يعيد» لايخالف قوله: «يمضي في شكّه»؛ لأنّ الأوّل يكون في جواب سؤال الراوي حيث قال: «الرجل يشكّ كثيرا في صلاته حتّى لايدري كم صلّى و لا ما بقي عليه» الذي هو كثرة الشكّ المؤدّية الى أنّه لايدري كم صلّى، كمن شكّ بين الثلاث و الاثنتين فبنى على الثلاث ثمّ شكّ بين الثلاث و الأربع فبنى على الأربع ثمّ شكّ بين الخمس و الأربع فبنى عليه ثمّ لم يدر كم صلّى، فحيث انجرّ شكّه الى ما لم يدر كم صلّى أمره الامام عليه السلام باعادة الصلاة. و الثاني يكون جوابا عن كثير الشكّ حيث سأل الراوي ثانيا بأنّه كلّما أعاد شكّ.
فروع:
الظاهر أنّ المراد من السهو في صحيحتي محمّد بن مسلم و ابن سنان هو الشكّ بقرينة صحيحة زرارة و أبي بصير و موثّقة عمّار.
قال في الحدائق: «قد تقدّمت الاشارة الى الخلاف في أنّ الحكم المذكور هنا هل هو مخصوص بالشكّ أو شامل له و للسهو؟ - الى أن قال: - و الظاهر عندي هو العموم؛ لأنّ أخبار المسألة منها ما ورد بلفظ الشكّ و منها ما ورد بلفظ السهو. و القول بالعموم جامع للعمل بالأخبار كملاً، و أمّا التخصيص بالشكّ فيحتاج الى التأويل في أخبار السهو بالحمل على الشكّ و اخراجه عن ظاهر حقيقته اللغويّة التي هي النسيان و هو يحتاج الى دليل مع أنّه لا ضرورة تلجئ اليه. انتهى».(1)
و فيه: انّ استعمال السهو في الشكّ شائع، و القرينة تعيّنه كما تقدّم. أضف الى ذلك أنّ عدم الاعتناء بالسهو بمعنى النسيان لا معنى له؛ لأنّه ان لم يتذكّر أصلاً
1) - الحدائق الناضرة 9: 267.
فلا حكم له، و ان تذكّر في المحلّ فيتدارك قطعا، و ان لم يكن في المحلّ فيجب الجبران و قد يكون الصلاة باطلة كنسيان الركوع.
و قال المحقّق الهمداني: «و هل المراد بالسهو المأخوذ في هذا الحكم خصوص الشكّ أو الأعمّ منه و من النسيان؟ قولان، صرّح غير واحد بالأوّل بل عن بعض نسبه الى الأكثر و اختار في الحدائق الثاني و نسبه الى ظاهر الشيخ و ابن ادريس و غيرهم بل قال: و الظاهر أنّه هو المشهور، و عن صاحب الذخيرة أيضا أنّه جعل التعميم بالنسبة الى كلمات الأصحاب أظهر و ادّعى أنّه هو أيضا ظاهر النصوص. ولكن فيما استظهره من المشهور نظر، و السهو الوارد في أخبار الباب على الأعمّ أو خصوص النسيان لايخلو من اشكال. كما أومى اليه المحدّث المجلسي فيما نقله عنه في الحدائق حيث حكى عنه أنّه بعد أن اختار حمل الأخبار جميعها على الشكّ قال ما صورته: بل الأصوب أن يقال: شمول لفظ السهو في تلك الأخبار للسهو المقابل للشكّ غير معلوم و ان سلم كونه بحسب أصل اللغة حقيقة فيه؛ اذ كثرة استعماله في المعنى الآخر بلغت حدّا لايمكن فهم أحدهما منه الاّ بالقرينة و شمولها للشكّ معلوم بمعونة الأخبار الصريحة فيشكل الاستدلال على المعنى الآخر بمجرّد الاحتمال مع أنّ حمله عليه يوجب تخصيصات كثيرة تخرجه عن الظهور لو كان ظاهرا فيه؛ اذ لو ترك بعض الركعات و الأفعال سهوا يجب عليه الاتيان به في محلّه اجماعا، و لو ترك ركنا سهوا و فات محلّه تبطل صلاته اجماعا، و لو كان غير ركن يأتي به بعد الصلاة لو كان ممّا يتدارك فلم يبق للتعميم فائدة الاّ سقوط سجود السهو و تحمّل تلك التخصيصات الكثيرة أبعد من حمل السهو على خصوص الشكّ لو كان بعيدا مع أنّ مدلول الروايات المضيّ في الصلاة و هو لاينافي وجوب سجود السهو؛ اذ هو خارج عن الصلاة فظهر أنّ من عمّم النصوص لايحصل له في التعميم فائدة. انتهى».(1)
1) - مصباح الفقيه كتاب الصلاة: 585.
الظاهر من الروايات عدم الفرق فيما يكثر الشكّ فيه بين أن يكون ركنا أو غير ركن و بين أن يكون المحلّ للتدارك باقيا أو لم يكن، و ذلك لاطلاق صحيحة محمّد بن مسلم و ابن سنان و خصوص موثّقة عمّار، كما أنّه لا فرق بين الأفعال و الركعات لما يستفاد من صحيحة زرارة و أبي بصير. و الظاهر أيضا من الروايات هو البناء على الاتيان الاّ أن يكون اتيانه مفسدا فيبني على عدمه، كما أنّ الظاهر منها أيضا في الركعات هو البناء على ما كان يبني عليه اذا لم يكن كثير الشكّ مثلاً اذا شكّ بين الثلاث و الأربع يبني على الأربع و هكذا من دون صلاة الاحتياط كما هو مقتضى مفاد الروايات. و اذا كان أحد طرفي الشكّ فاسدا يبني على الطرف الصحيح كما في الشكّ بين الأربع و الخمس أو الثلاث و الخمس و هكذا. و اطلاق الروايات يشمل الشكوك الصحيحة و الباطلة، فيبني على وقوع ما يحتمل. و أمّا لو كان كلّ واحد من طرفي الشكّ فاسدا كالشكّ بين الستّ و السبع فالصلاة باطلة للانحصار المبطل.
قال في الجواهر: «و ظاهرها كالفتاوى ارادة البناء على وقوع المشكوك فيه و عدم الالتفات للشكّ من عدم الحكم للسهو، بل صرّح به في موثّقة عمّار، و هو المراد بالمضيّ في الصلاة من غير فرق بين الأعداد و الأفعال، و لا بين الشكّ المفسد و غيره، و لا بين الثنائيّة و غيرها. نعم، ذلك كلّه حيث لايؤدّي البناء على الوقوع فسادا، أمّا اذا أدّى الى ذلك كأن يكون الشكّ كثيرا في الأربع و الخمس مثلاً أو زيادة الركوع فانّه حينئذ يبني على الأقلّ كما صرّح به بعضهم، و كأنّه للأصل و لما يظهر من اطلاق الفتوى عدم الحكم له، و من الأدلّة أنّ ذلك تخفيف علىالمكلّف و رغم لأنف الشيطان، فيتعيّن حينئذ البناء على المصحّح هنا. انتهى
ملخّصا».(1)
لو كثر شكّه في فعل بعينه كالركوع مثلاً فهل يعدّ كثير الشكّ بذلك مطلقا فيجري عليه حكمه بالنسبة الى غيره من الأفعال و الركعات أو يقتصر عليه فقط؟ وجهان، ففي الجواهر: «قد اختار أوّلهما في المدارك و الرياض و عن غيرهما، للاطلاق المؤيّد بالتعليل بأنّ ذلك من الشيطان. انتهى».(2)
و الأقوى كما في الجواهر هو الثاني؛ لأنّه المتبادر من النصوص؛ لظهورها في عدم الالتفات الى ما كثر سهوه فيه، و ما ذكر من التعليل للأوّل بأنّ ذلك من الشيطان فهو الدليل المناسب للقول الثاني، و عليه تبقى الأدلّة الأوّليّة لحكم الشكّ بالنسبة الى سائر الأفعال و الركعات بحالها، فلو كان كثرة شكّه في فعل خاصّ يختصّ الحكم به، فلو شكّ اتّفاقا في غير ذلك الفعل يعمل عمل الشكّ، و كذا لو كان كثير الشكّ بين الواحدة و الاثنتين لايلتفت في هذا الشكّ و يبني على الاثنتين، و اذا اتّفق أنّه شكّ بين الاثنتين و الثلاث، أو بين الثلاث و الأربع، وجب عليه عمل الشكّ من البناء و الاتيان بصلاة الاحتياط. ثمّ انّه لو كان كثير الشكّ في الشيء حيث لا حكم له كأن يشكّ في الركوع بعد تجاوز المحلّ أو يشكّ كم صلّى بعد الفراغ و نحو ذلك فانّه لايكون كثير الشكّ لا فيه و لا في غيره، كما في الجواهر.(3)و أمّا اذا اتّفق أنّه شكّ في المحلّ وجب عليه الاعتناء. و لو كان كثرة شكّه في صلاة خاصّة أو الصلاة في مكان خاصّ و نحو ذلك اختصّ الحكم به و لايتعدّى الى غيره.
(مسألة 1): المرجع في كثرة الشكّ العرف، و لايبعد تحقّقه اذا شكّ في صلاة واحدة ثلاث مرّات، أو في كلّ من الصلوات الثلاث مرّة واحدة، و يعتبر في صدقها أن لايكون ذلك من جهة عروض عارض من خوف أو غضب أو همّ أو نحو ذلك ممّا يوجب اغتشاش الحواسّ.
الشرح:
هل المرجع في كثرة الشكّ العرف أو غيره؟
قال في الحدائق: «اختلف الأصحاب فيما تتحقّق به الكثرة الموجبة لسقوط الأحكام في هذا المقام، و ظاهر المشهور بين المتأخّرين و متأخّريهم هو ارجاع ذلك الى العرف، ذهب اليه الفاضلان و الشهيدان و من بعدهم. و قال الشيخ في المبسوط: و أمّا ما لا حكم له ففي اثنيعشر موضعا: من كثر سهوه و تواتر و قيل انّ حدّ ذلك أن يسهو ثلاث مرّات متوالية. قال في المختلف بعد نقل ذلك عنه: و هذا يدلّ على عدم الرضا بهذا القول. و قال ابن ادريس: السهو الذي لا حكم له هو الذي يكثر و يتواتر، و حدّه أن يسهو في شيء واحد أو فريضة واحدة ثلاث مرّات فيسقط بعد ذلك حكمه، أو يسهو في أكثر الخمس فرائض أعني ثلاث صلوات من الخمس كلّ منهنّ قام اليها فسها فيها فيسقط بعد ذلك حكم السهو و لايلتفت الى سهوه في الفريضة الرابعة. و قال ابن حمزة: لا حكم له اذا سها ثلاث مرّات متواليات و أطلق في فريضة أو فرائض. انتهى».(1)
أقول:
قد روى محمّد بن أبي حمزة في الصحيح أنّ الصادق عليه السلام قال:
«اذا كان الرجل ممّن يسهو في كلّ ثلاث فهو ممّن كثر عليه
1) - الحدائق الناضرة 9: 272.
السهو».(1)
الظاهر أنّ الصحيحة بصدد بيان أحد مصاديق كثير الشكّ، و لايكون بصدد بيان انحصار المصداق بذلك، و بناءً عليه فالمرجع في سائر الموارد الى العرف. و أمّا المراد من كلّ ثلاث فالظاهر هو ثلاث صلوات و لم تنكره العبارات المنقولة من القدماء و قد ذهب اليه من بعدهم ممّن تمسّك بالصحيحة. و الحاصل أنّ من شكّ في ثلاث صلوات متواليات فهو ممّن كثر عليه الشكّ فلايعتني في الرابعة. و أمّا اذا شكّ في صلاة واحدة ثلاث مرّات فالمدار العرف، فاذا صدق عليه كثير الشكّ عرفا فهو و الاّ يعمل عمل الشاكّ. و لايبعد في صدقه عرفا. و يعتبر في صدق الكثرة أن لايكون ذلك من جهة عروض عارض و لو كان هناك عارض من خوف أو غضب أو همّ أو نحو ذلك ففي صدق الكثرة تأمّل؛ للشكّ في أنّ الروايات تشمل هذا المورد أم تنحصر في ما كان من الشيطان؟
(مسألة 2): لو شكّ في أنّه حصل له حالة كثرة الشكّ أم لا بنى على عدمه، كما أنّه لو كان كثير الشكّ و شكّ في زوال هذه الحالة بنى على بقائها.
الشرح:
لو شكّ في أنّه حصل له حالة كثرة الشكّ أم لا بنى على عدمه لو كان شكّه في الموضوع و كانت الشبهة موضوعيّة بعد أن كان مفهوم الكثرة معلوما، و ذلك لاستصحاب الحالة السابقة من الكثرة. و كذا لو كان كثير الشكّ و شكّ في زوال هذه الحالة بنى على بقائها، و لو كانت الشبهة مفهوميّة فالمرجع اطلاقات أدلّةالشكوك.
1) - وسائل الشيعة 8: 229 / الباب 16 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة / الحديث 7.
(مسألة 3): اذا لم يلتفت الى شكّه و ظهر بعد ذلك خلاف ما بنى عليه و أنّ مع الشكّ في الفعل الذي بنى على وقوعه لم يكن واقعا، أو أنّ ما بنى على عدم وقوعه كان واقعا يعمل بمقتضى ما ظهر، فان كان تاركا لركن بطلت صلاته، و ان كان تاركا لغير ركن مع فوت محلّ تداركه وجب عليه القضاء فيما فيه القضاء، و سجدتا السهو فيما فيه ذلك، و ان بنى على عدم الزيادة فبان أنّه زاد يعمل بمقتضاه من البطلان أو غيره من سجود السهو.
الشرح:
اذا لم يلتفت كثير الشكّ الى شكّه و ظهر بعد ذلك خلاف ما بنى عليه، فتارة يكون الشكّ في الفعل فبنى على وقوعه و لم يعتن به ثمّ انكشف عدم وقوعه فان كان محلّه باقيا أتى به، و ان تجاوز فان كان ركنا بطلت صلاته و ان لم يكن فيعمل بوظيفته من القضاء أو سجدتي السهو أو كليهما. و أخرى يكون الشكّ في الفعل المبطل كما لو شكّ بين الأربع و الخمس فبنى على الأربع ثمّ انكشف أنّه صلّى خمس ركعات فبطلت صلاته. و كذا لو شكّ في الزيادة فبنى على عدمه فبان أنّه زاد فان كان ركنا بطلت صلاته و ان لم يكن ركنا فيأتي بسجدتي السهو وجوبا أو استحبابا.
(مسألة 4): لايجوز له الاعتناء بشكّه، فلو شكّ في أنّه ركع أو لا، لايجوز له أن يركع و الاّ بطلت الصلاة. نعم، في الشكّ في القراءة أو الذكر اذا اعتنى بشكّه و أتى بالمشكوك فيه بقصد القربة لابأس به ما لم يكن الى حدّ الوسواس.
الشرح:
لايجوز له الاعتناء بشكّه، فلو شكّ أنّه ركع أو لا، لايجوز له أن يركع. و ذلك
للأمر بالمضيّ في قوله عليه السلام في صحيحتي محمّد بن مسلم و ابن سنان:
«اذا كثر عليك السهو فامض في صلاتك».(1)
و الأمر ظاهر في الوجوب. و لو أتى بما شكّ فيه فالظاهر بطلان صلاته؛ لأنّه في حكم الزيادة في الصلاة متعمّدا، كما في المدارك(2). نعم، في الشكّ في القراءة أو الذكر اذا اعتنى بشكّه و أتى بالمشكوك فيه بقصد القربة لابأس به لجواز القرآن و الذكر في الصلاة بقصد القربة كما تقدّم في القراءة، ما لم يكن الى حدّ الوسواس.
(مسألة 5): اذا شكّ في أنّ كثرة شكّه مختصّ بالمورد المعيّن الفلاني أو مطلقا اقتصر على ذلك المورد.
الشرح:
اذا شكّ في أنّ كثرة شكّه مختصّة بالمورد المعيّن الفلاني أو مطلقا، اقتصر على ذلك المورد بناءً على ما تقدّم في الفرع الثالث من هذا الفصل من أنّه لو كثر شكّه في فعل معيّن اقتصر عليه؛ لأنّه المتبادر من النصوص، و فيما نحن فيه يختار المورد المعيّن؛ لأنّه القدر المتيقّن فيرجع في الزائد المشكوك فيه الى استصحاب عدم الكثرة.
(مسألة 6): لايجب على كثير الشكّ و غيره ضبط الصلاة بالحصى أو السبحة أو الخاتم أو نحو ذلك و ان كان أحوط فيمن كثر شكّه.
الشرح:
الظاهر أنّه لايجب على كثير الشكّ و غيره ضبط الصلاة بالحصى أو السبحة أو الخاتم أو نحو ذلك.
قال المحقّق الهمداني: «لايجب على كثير السهو ضبط صلاته بنصب قيّم أو بالحصى أو بالخاتم و نحوه؛ للأصل، مضافا الى اطلاق الأخبار الآمرة بالمضيّ في سهوه، و ما في بعض الأخبار من الأمر بالادراج أو التخفيف لكثير السهو أريد به على الظاهر الارشاد و بيان ما هو الأصلح بحاله لا الالزام. انتهى ملخّصا».(1)
و نحوه قال في الجواهر و أضاف فيه: «حتّى لو علم أنّه يعرض له ذلك في صلاة يريد أن يشرع بها لم يجب عليه ذلك. انتهى».(2)
و مرادهما من الأخبار الآمرة بالادراج أو التخفيف ما رواه في الوسائل في موثّقة عبيداللّه الحلبي قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن السهو فانّه يكثر عليّ. فقال: أدرج صلاتك ادراجا. قلت: فأيّ شيء الادراج؟ قال: ثلاث تسبيحات في الركوع و السجود».(3)
و معتبرة عمران الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام أنّه قال:
«ينبغي تخفيف الصلاة من أجل السهو».(4)
و صحيحة عمر بن يزيد أنّه قال:
«شكوت الى أبي عبداللّه عليه السلام السهو في المغرب، فقال: صلّها بقل هو اللّه أحد و قل يا أيّها الكافرون. ففعلت ذلك فذهب عنّي».(5)
و خبر حبيب الخثعمي قال:
1) - مصباح الفقيه كتاب الصلاة: 586.
2) - جواهر الكلام 12: 421.
3) - وسائل الشيعة 8: 236 / الباب 22 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة / الحديث 3.
4) - وسائل الشيعة 8: 236 / الباب 22 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة / الحديث 2.
5) - وسائل الشيعة 8: 236 / الباب 22 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة / الحديث 1.
«شكوت الى أبي عبداللّه عليه السلام كثرة السهو في الصلاة، فقال: أحص صلاتك بالحصى، أو قال: احفظها بالحصى».(1)
و خبر حبيب بن المعلّى أنّه سأل أبا عبداللّه عليه السلام فقال له:
«انّي رجل كثير السهو فما أحفظ صلاتي الاّ بخاتمي أحوّله من مكان الى مكان. فقال: لابأس به».(2)
و خبر عبداللّه بن المغيرة عنه عليه السلام أنّه قال:
«لابأس أن يعدّ الرجل صلاته بخاتمه أو بحصى يأخذ بيده فيعدّ به».(3)
و الظاهر من هذه الأخبار كما استفاد المحقّق الهمداني و صاحب الجواهر و غيرهما الارشاد و بيان علاج السهو.
«الخامس»: الشكّ البدوي الزائل بعد التروّي سواء تبدّل باليقين بأحد الطرفين أو بالظنّ المعتبر أو بشكّ آخر.
الشرح:
قد تقدّم في مبحث الشكوك أنّ أحكامها من البطلان أو البناء مترتّبة على عنوان الشكّ حدوثا و بقاءً، فلا أثر لمجرّد الشكّ الاّ لدى استقراره و بقائه. فلو زال و تبدّل بخلافه من يقين أو ظنّ معتبر أو شكّ آخر لحقه حكم المبدّل اليه و ارتفع الحكم الأوّل بارتفاع موضوعه. و هذا من غير فرق بين البدوي و غيره؛ لوحدة المناط. و قلنا في المسألة الرابعة في ذلك المبحث - تبعا للمصنّف - انّه يجب التروّي و أقمنا الدليل عليه فراجع.
«السادس»: شكّ كلّ من الامام و المأموم مع حفظ الآخر فانّه يرجع الشاكّ منهما الى الحافظ، لكن في خصوص الركعات لا في الأفعال حتّى في عدد السجدتين، و لايشترط في البناء على حفظ الآخر حصول الظنّ للشاكّ فيرجع و ان كان باقيا على شكّه على الأقوى، و لا فرق في المأموم بين كونه رجلاً أو امرأة، عادلاً أو فاسقا، واحدا أو متعدّدا، و الظانّ منهما أيضا يرجع الى المتيقّن، و الشاكّ لايرجع الى الظانّ اذا لم يحصل له الظنّ.
الشرح:
الظاهر أنّه لا خلاف في رجوع كلّ من الامام و المأموم اذا شكّ الى الآخر مع حفظه.
قال في الجواهر: «و كذا لايلتفت اذا سها أي شكّ المأموم الى شكّه لكن ليس له البناء حينئذ على الأقلّ أو الأكثر بل عوّل على صلاة الامام و كذا لا شكّ على الامام اذا حفظ عليه من خلفه، بلا خلاف أجده في كلّ من الحكمين، بل في المدارك نسبته الى قطع الأصحاب مشعرا بدعوى الاجماع عليه. انتهى».(1)
و في الحدائق: «لا خلاف بين الأصحاب - رضوان اللّه عليهم - في رجوع كلّ من الامام و المأموم الى الآخر لو شكّ و حفظ عليه الآخر، و هو مقطوع به في كلامهم كما نقله غير واحد من المتأخّرين. انتهى».(2)
و ليعلم أنّ الاجماع حاصل اذا كان الشكّ في عدد الركعات ولكن اذا كان الشكّ في الأفعال فموضع خلاف. فعن المحقّق الهمداني: «الثاني من الموارد التي أشكل فيها الأمر هو أنّ هذا الحكم هل هو مخصوص بعدد الركعات أم يعمّ الأفعال، ففي الجواهر قال ما لفظه: «و يظهر من صاحب المدارك بل هو المنقول
عن جدّه أيضا بل ربّما تبعه عليه بعض من تأخّر عنه أنّه لا فرق في الحكم بين الأفعال و الركعات بل نسبه في المدارك الى الأصحاب و هو لايخلو من تأمّل؛ للشكّ في شمول الأدلّة له. انتهى». و هو في محلّه، فانّ عمدة الدليل عليه هي الاجماع و الأخبار المزبورة. أمّا الاجماع فلم يتحقّق بالنسبة الى محلّ الكلام، و أمّا الأخبار فهي أيضا لاتخلو من قصور. انتهى موضع الحاجة من كلامه».(1)
ولكن في الحدائق: «لا خلاف في رجوع كلّ من الامام و المأموم عند عروض الشكّ الى الآخر مع حفظه له في الجملة سواء كان الشكّ في الركعات أو في الأفعال. انتهى».(2)
و العمدة الرجوع الى الأخبار حتّى تنكشف الحال، فهي على طائفتين: احداهما تختصّ بالركعات:
منها صحيحة علي بن جعفر عن أخيه قال:
«سألته عن الرجل يصلّي خلف الامام لايدري كم صلّى، هل عليه سهو؟ قال: لا».(3)
و منها ما رواه الصدوق رحمه الله باسناده عن ابراهيم بن هاشم في نوادره أنّه سئل أبو عبداللّه عليه السلام عن امام يصلّي بأربع نفر أو بخمس فيسبّح اثنان على أنّهم صلّوا ثلاثا و يسبّح ثلاثة على أنّهم صلّوا أربعا يقولون هؤلاء: قوموا، و يقول هؤلاء: اقعدوا، و الامام مائل مع أحدهما أو معتدل الوهم فما يجب عليهم؟ قال:
«ليس على الامام سهو اذا حفظ عليه من خلفه سهوه باتّفاق منهم و ليس على من خلف الامام سهو اذا لم يسه الامام و لا سهو في سهو و ليس في المغرب سهو و لا في الفجر سهو و لا في الركعتين الأوّلتين
من كلّ صلاة سهو و لا سهو في نافلة، فاذا اختلف على الامام من خلفه فعليه و عليهم في الاحتياط الاعادة و الأخذ بالجزم».(1)
و منها ما رواه الشيخ عن ابن مسكان عن أبي الهذيل عن أبي عبداللّه عليه السلام في الرجل يتّكل على عدد صاحبته في الطواف أ يجزيه عنها و عن الصبي؟ فقال:
«نعم، ألاترى أنّك تأتمّ بالامام اذا صلّيت خلفه فهو مثله».(2)
ثانيتهما ما يشمل الركعات و الأفعال باطلاقها، فهي صحيحة حفص بن البختري عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«ليس على الامام سهو و لا على من خلف الامام سهو، و لا على السهو سهو، و لا على الاعادة اعادة».(3)
و خبر محمّد بن سهل عن الرضا عليه السلام قال:
«الامام يحمل أوهام من خلفه الاّ تكبيرة الافتتاح».(4)
و استشكل المحقّق الهمداني في الصحيحة حيث قال: « ... فهي في حدّ ذاتها متشابهة و غاية ما يمكن استفادته منها ببعض القرائن الداخليّة و الخارجيّة انّما هو أراده للشكّ في الركعات كما عرفته في المسألة السابقة. و أمّا ماعداها و هي مرسلة يونس [التي رواها الصدوق باسناده عن ابراهيم بن هاشم] و صحيحة علي بن جعفر فموردهما الشكّ في الركعات، و الجواب الوارد في المرسلة و ان كان مطلقا فالعبرة باطلاقه لا بخصوصيّة المورد ولكن ذكره في عداد الأمثلة التي لم يرد منها الاّ الشكّ في عدد الركعات يصرفه عن الظهور في العموم. اللّهمّ الاّ أن يدّعى أنّه يفهم من تعليق نفي السهو على الامام بكون من خلفه حافظا عليه سهوه، أنّ مناط
1) - وسائل الشيعة 8: 241 / الباب 24 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة / الحديث 8.
2) - وسائل الشيعة 8: 242 / الباب 24 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة / الحديث 9.
3) - فروع الكافي 3: 349 / الباب 209 باب من شكّ في صلاته ... / الحديث 7.
4) - وسائل الشيعة 8: 240 / الباب 24 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة / الحديث 2.
هذا الحكم قيام حفظ المأمومين مقام حفظ الامام و كذا حفظ الامام مقام حفظ المأمومين فيما يتّبعونه من غير فرق بين الركعات و أجزائها أو يقال بأنّه يستفاد من ذلك حكم الأجزاء بالأولويّة كاستفادة اعتبار الظنّ في أفعال الصلاة ممّا دلّ عليه في عدد الركعات، و الانصاف أنّه لا بعد في شيء من الدعويين. انتهى».(1)
و الحقّ رجوع كلّ من الامام و المأموم عند عروض الشكّ الى الآخر مع حفظه له في الأفعال أيضا كما يرجع في الركعات، و ذلك لاطلاق صحيحة حفص بن البختري، و كذا اطلاق جواب الامام في المرسلة. و لايرد على الأولى ممّا أورد عليه المحقّق المزبور من التشابه و غايتها الحمل على الركعات بالقرائن؛ لأنّ صدر الصحيحة ليس فيه اجمال و لايسري اجمال الذيل الى الصدر. هذا اذا كان مراده رحمه الله من الاجمال هكذا، و أمّا لو كان مراد المحقّق المذكور من التشابه و الاجمال نفس صدر الصحيحة حيث قال الامام عليه السلام: «ليس على الامام سهو و لا على من خلف الامام سهو» حيث لم يبيّن عليه السلام علّته التي هي حفظ الآخر و الرجوع اليه، فهذا أيضا مندفع بذكرها في المرسلة.
فالمتحصّل أنّ ما استدركه أخيرا من الدعويين من أنّ مناط الحكم قيام حفظ المأمومين مقام حفظ الامام فيما يتّبعونه من غير فرق بين الركعات و أجزائها و كذا المستفاد من حكم الركعات حكم الأجزاء بالأولويّة كاستفادة اعتبار الظنّ في أفعال الصلاة ممّا دلّ عليه في عدد الركعات وجيه.
ان قلت بأنّ السهو في هذه النصوص التي هي بلسان واحد لايراد منه الاّ الشكّ في الركعات خاصّة، فهذه الكلمة في حدّ نفسها منصرفة اليه، فلا تعرّض فيها لحكم الشكّ في الأفعال، قلت بأنّ لفظ السهو استعمل في هذه النصوص في ذات الشكّ، الاّ أنّه في بعض فقرات المرسلة يراد منه الشكّ في الركعات للقرينة، و لايستلزم من هذا أن يكون المراد من السهو في مثل صحيحة حفص أو بقيّة
1) - مصباح الفقيه كتاب الصلاة: 579.
الفقرات من المرسلة هو الشكّ في الركعات؛ لأنّه لم يصل من الاستعمال في الركعات بحدّ يحتاج الى القرينة المعيّنة اذا كان المراد منه الشكّ في الأفعال.
هنا فروع:
لايشترط في البناء على حفظ الآخر حصول الظنّ للشاكّ فيرجع اليه و ان كان باقيا على شكّه على الأقوى، و ذلك لاطلاق صحيحة حفص و كذا اطلاق جواب الامام عليه السلام في المرسلة.
قال في الجواهر: «و كذا يستفاد من اطلاق النصّ و الفتوى أنّه لا فرق في ذلك بين حصول الظنّ و عدمه، بل يؤيّده أيضا ذكرهم هذا الحكم بالخصوص، و الاّ فلو كان المدار على حصول الظنّ لم يكن لذلك مزيّة، فانّه ان حصل من غير المأموم أو غير الامام اكتفى به أيضا كما صرّح به بعضهم؛ لما تقدّم سابقا من جواز الاعتماد عليه في أعداد الركعات غير مقيّد بسبب خاصّ. انتهى».(1)
لا فرق في المأموم بين كونه رجلاً أو امرأة عادلاً أو فاسقا واحدا أو متعدّدا، كلّ ذلك لاطلاق صحيحة حفص بن البختري التي فيه: «ليس على الامام سهو و لا على من خلف الامام سهو». فقال المحقّق الهمداني: «و مقتضى اطلاق النصّ و الفتوى عدم الفرق بين كون المأموم متّحدا أو متعدّدا، ذكرا أو أنثى، عدلاً أو
1) - جواهر الكلام 12: 405.
فاسقا، بل عن الدرّة نسبة الأخير الى الأصحاب بل مقتضى عموم النصّ شموله للصبيّ المميّز بناءً على شرعيّة عبادته، و الاستشكال فيه بكونه من الأفراد الخفيّة و عدم قبول خبره يدفعه مضافا الى امكان منع الخفاء، بأنّ شمول النصّ له بالعموم اللغوي لا بالاطلاق كي يضرّه الخفاء - الى أن قال: - و المتبادر من اطلاق نفي السهو عن الامام أو المأموم في صحيحة حفص انّما هو ارادته مع حفظ الآخر سواء كان الآخر واحدا أم متعدّدا، رجلاً أم امرأة، كبيرا أم صغيرا. انتهى موضع الحاجة من كلامه رحمه الله».(1)
عدم اعتبار شكّ كلّ من الامام و المأموم مع حفظ الآخر، فيما كان شكّه متعلّقا بفعل الجميع بحيث يكون حفظ أحدهما أمارة على فعل الآخر، و أمّا لو كان مستقلاًّ بشكّه كما لو احتمل تخلّفه عن الامام فيما شكّ فيه فعليه العمل بوظيفته من حيث هو، سواء كان في عدد الركعات أو أجزائها فلو شكّ في عدد ركعاته لأجل الشكّ في لحوقه بثانية الامام أو ثالثته مثلاً أو شكّ في الركوع مثلاً قبل تجاوز المحلّ أو شكّ في الأذكار التي ليس فعله تابعا لفعل الامام مع علمه بفعل الامام عمل بموجب شكّه؛ أخذا بعموم أدلّة الشكوك السليمة عن ورود دليل حاكم عليها؛ لأنّ المستفاد من الروايات هو أنّ المسوّغ لرجوع الشاكّ منهما الى الحافظ باعتبار أنّ حفظ أحدهما أمارة و طريق الى احراز عمل الآخر، و ليس مبتنيا على التعبّد المحض.
1) - مصباح الفقيه كتاب الصلاة: 577 و 578.
لم يختلف أحد في رجوع الشاكّ من الامام أو المأموم الى الآخر اذا كان متيقّنا؛ لأنّه القدر المتيقّن من الاجماع و الظاهر من الرواية، فانّ معنى السهو في صحيحة حفص من قوله عليه السلام «ليس على الامام سهو و لا على من خلف الامام سهو» هو الشكّ بقرينة صحيحة علي بن جعفر عن أخيه قال:
«سألته عن الرجل يصلّي خلف الامام لايدري كم صلّى، هل عليه سهو؟ قال: لا».(1)
فانّ الرجل يشكّ في عدد الركعات فيرجع الى الامام اذا حفظها، و كذا بقرينة مرسلة ابراهيم بن هاشم(2)، كما أنّ الظاهر من لفظ «حفظ» في قوله عليه السلام في المرسلة: «ليس على الامام سهو اذا حفظ عليه من خلفه سهوه باتّفاق (بايقان)» و كذا الظاهر من جملة «اذا لم يسه الامام» من قوله عليه السلام في المرسلة: «و ليس على من خلف الامام سهو اذا لم يسه الامام» هو اليقين، خصوصا اذا قلنا بأصحّيّة نسخة الكافي حيث كان فيها «بايقان» من نسخة الفقيه فانّ فيها «باتّفاق».
و انّما الكلام و الاختلاف في رجوع الظانّ الى المتيقّن و في رجوع الظانّ الى الظانّ و في رجوع الشاكّ الى الظانّ. و الظاهر أنّه لايرجع الظانّ الى الآخر سواء كان الآخر متيقّنا أو ظانّا، و ذلك أوّلاً لاستعمال السهو في الشكّ كما تقدّم، و ثانيا لأنّ الظنّ في الركعات حجّة شرعيّة كما تقدّم في المسألة الخامسة في فصل الشكّ في الركعات فراجع و عليه لو ظنّ الامام أو المأموم فلايرجع أحدهما الى الآخر سواء كان الآخر متيقّنا أو ظانّا بل يعمل بظنّه.
و أمّا لو كان شاكّا و الآخر ظانّا فهل يرجع الشاكّ الى الظانّ؟ الظاهر أنّ الشاكّ منهما يرجع الى الآخر الظانّ؛ لأنّ الظنّ في الركعات حجّة شرعيّة و قد جعله الشارع هنا كاشفا و طريقا للواقع و ليس مجرّد تعبّد حتّى يشكّ في أنّ حجّيّته لنفس الظانّ فقط أو الأعمّ منه.
و ذهب صاحب العروة الى أنّ الظانّ يرجع الى المتيقّن و الشاكّ لايرجع الى الظانّ، و استدلّ على رجوع الظانّ الى المتيقّن أوّلاً باطلاق صحيحة حفص المتقدّمة بتقريب أنّ «السهو» يطلق على الشكّ و الظنّ معا.
ولكن فيه أوّلاً: انّ السهو استعمل في الشكّ بقرينة صحيحة علي بن جعفر و مرسلة ابراهيم بن هاشم.
و ثانيا: السهو لغة بمعنى النسيان و الغفلة فاستعماله في الشكّ يكون مجازا شائعا؛ لأنّ الشكّ مسبّب عن الغفلة فيصحّ استعمال السبب في المسبّب.
و ثالثا: الشكّ هو تساوي الطرفين و الظنّ رجحان أحد الأطراف و هما مخالفان فيشكل استعمال السهو في معنيين مخالفين في استعمال واحد.
و استدلّ ثانيا بمرسلة ابراهيم بن هاشم حيث قال الراوي: «و الامام مائل مع أحدهما»(1)فيكشف عن أنّ الامام ظانّ فأمر المعصوم برجوعه الى المتيقّن من المأمومين.
ولكن فيه: انّ المعصوم لم يعيّن بتفصيل السائل، بل أعطى ضابطة و هي رجوع الساهي الى الحافظ و المتيقّن منهما، و قد قلنا انّ السهو استعمل في الشكّ.
و استدلّ ثالثا بما رواه محمّد بن سهل عن الرضا عليه السلام(2)بأنّ الامام يحفظ أوهام من خلفه الاّ تكبيرة الافتتاح، و الأوهام أعمّ من الشكّ و الظنّ.
ولكن فيه: انّ المراد من الوهم هو الشكّ ولو بقرينة صحيحة حفص.
و استدلّ على عدم رجوع الشاكّ الى الظانّ، بأنّ الشكّ و الظنّ من وادٍ واحد. و فيه ما تقدّم من أنّ معنى السهو هو الغفلة و استعمل في مسبّبها أي الشكّ مجازا استعمال السبب في المسبّب، و الظنّ حجّة شرعيّة في الركعات و الأفعال فيرجع اليه كما يرجع الى اليقين.
قال في الجواهر: «الثالثة: رجوع الشاكّ الى الظانّ، و قد عرفت الاشكال فيه أيضا و ان كان قد يقوى رجوعه، الاّ أنّ الاحتياط لاينبغي تركه. انتهى».(1)
(مسألة 7): اذا كان الامام شاكّا و المأمومون مختلفين في الاعتقاد لم يرجع اليهم الاّ اذا حصل له الظنّ من الرجوع الى احدى الفرقتين.
الشرح:
اذا كان الامام شاكّا و المأمومون مختلفين في الاعتقاد لم يرجع اليهم، و ذلك أوّلاً للتعارض و التساقط؛ لأنّه لم يرجّح طائفة من المأمومين المعتقدين بأنّ هذه الركعة مثلاً تكون ركعة ثالثة على الطائفة الأخرى منهم المعتقدين بأنّها الرابعة.
و ثانيا للمرسلة حيث قال الامام عليه السلام في آخرها: «فعليه و عليهم في الاحتياط و الاعادة الأخذ بالجزم» بناءً على ما في أكثر نسخ الفقيه، فيكون المعنى حينئذ أنّ على الامام و المأمومين في صورة اختلافهم أن يعمل كلّ منهم على ما يقتضيه شكّه أو يقينه من الاحتياط أو الاعادة حتّى يحصل له الجزم ببراءة الذمّة. و هذا هو الموافق للقواعد الشرعيّة، و كذا على النسخة الأخرى و هي «فاذا اختلف على الامام من خلفه فعليه و عليهم في الاحتياط الاعادة و الأخذ بالجزم»؛ لأنّ الظاهر منها أنّ على الجميع في صورة اختلاف المأمومين خلف الامام و لاسيّما في مخالفة الامام لكلّ من الفريقين الاعادة. نعم، اذا حصل للامام الظنّ من الرجوع
1) - جواهر الكلام 12: 407.
الى أحد الفريقين فعليه الرجوع؛ لأنّه حجّة شرعيّة كما مرّ سابقا.
قال في الحدائق: «الرابعة أن يكون الامام شاكّا و المأمومون موقنين مع اختلافهم كما هو المفروض في مرسلة يونس، و المشهور في كلام الأصحاب وجوب انفراد كلّ منهم و العمل بما يقتضيه شكّه أو يقينه؛ اذ لايمكن رجوع المأمومين مع يقينهم الى شكّ الامام، و لا رجوع الامام الى أحد اليقينين؛ لأنّه ترجيح من غير مرجّح. انتهى».(1)
(مسألة 8): اذا كان الامام شاكّا و المأمومون مختلفين بأن يكون بعضهم شاكّا و بعضهم متيقّنا رجع الامام الى المتيقّن منهم و رجع الشاكّ منهم الى الامام لكن الأحوط اعادتهم الصلاة اذا لم يحصل لهم الظنّ و ان حصل للامام.
الشرح:
اذا كان الامام شاكّا و المأمومون مختلفين بأن يكون بعضهم شاكّا و بعضهم متيقّنا رجع الامام الى المتيقّن منهم و رجع الشاكّ منهم الى الامام، و ذلك لأنّه اذا رجع الامام الشاكّ الى بعض المأمومين المتيقّنين فقد رجع الى من حفظ خلفه فلا شكّ له حكما فيصلح لرجوع البعض الآخر اليه.
و استشكل في رجوع البعض الآخر باشكالين:
أحدهما: مخالفة مرسلة ابراهيم بن هاشم؛ لأنّه قال عليه السلام فيها: «ليس على الامام سهو اذا حفظ عليه من خلفه سهوه باتّفاق منهم».
ولكن فيه أوّلاً: انّ النسخة الأخرى «بايقان منهم» بدل «باتّفاق منهم» و عليها لاتخالف المرسلة الرجوع. و ثانيا: انّ المراد من «باتّفاق منهم» هو أن لايكونوا
1) - الحدائق الناضرة 9: 250.
مختلفين في الاعتقاد كما تقدّم في المسألة السابقة و ذلك بقرينة سؤال الراوي.
و ثانيهما: لو جوّزنا رجوع البعض الآخر الشاكّ الى الامام بعد رجوعه يلزم أن تكون الصحيحة موجدة للموضوع بعد أن كانت متكفّلة للحكم. و بيان ذلك أنّ الصحيحة بالجعل الأوّلي تصحّح رجوع الامام الى المأموم المتيقّن، و لو جاز رجوع البعض الآخر الى الامام لكان يستلزم الجعل الثانوي فلايكون هناك الاّ جعل واحد.
ولكن فيه أوّلاً: انّ العرف لايرى هيهنا أيّ مخالفة و لايرى استلزام الجعل الثانوي. و ثانيا: اذا قلنا بأنّ الامام عليه السلام أعطى ضابطة لالغاء الشكّ من الامام اذا حفظ من خلفه و بالعكس فلابدّ أن يعلم أنّ هذه الضابطة لكلّ الجماعات في أيّ زمان و مكان، فاذا كان كذلك فهل تُرى جماعة يكون كلّ واحد من مأموميها متيقّنا اذا كان امامهم شاكّا الاّ اذا كانت الجماعة متشكّلة من اثنين؟ فهل تكون هذه الضابطة الاّ لفرد نادر؟ فاذا علم أنّ الامام عليه السلام أعطى هذه الضابطة للجماعات كلّها فيعلم أنّ هذا الاشكال غير وارد.
قال في الحدائق: «الثانية عشرة: شكّ الامام و بعض المأمومين مختلفين في الشكّ أو متّفقين مع يقين بعض المأمومين، و الأشهر الأظهر رجوع الامام الى الموقن من المأمومين و رجوع الشاكّ من المأمومين الى الامام. انتهى».(1)
(مسألة 9): اذا كان كلّ من الامام و المأمومين شاكّا، فان كان شكّهم متّحدا كما اذا شكّ الجميع بين الثلاث و الأربع عمل كلّ منهم عمل ذلك الشكّ، و ان اختلف شكّه مع شكّهم فان لم يكن بين الشكّين قدر مشترك كما اذا شكّ الامام بين الاثنتين و الثلاث، و المأمومون بين الأربع و الخمس يعمل كلّ منهما على شاكلته، و ان كان بينهما قدر مشترك كما اذا شكّ
1) - الحدائق الناضرة 9: 252.
أحدهما بين الاثنتين و الثلاث و الآخر بين الثلاث و الأربع يحتمل رجوعهما الى ذلك القدر المشترك؛ لأنّ كلاًّ منهما نافٍ للطرف الآخر من شكّ الآخر، لكن الأحوط اعادة الصلاة بعد اتمامها، و اذا اختلف شكّ الامام مع المأمومين و كان المأمومون أيضا مختلفين في الشكّ، لكن كان بين شكّ الامام و بعض المأمومين قدر مشترك يحتمل رجوعهما الى ذلك القدر المشترك، ثمّ رجوع البعض الآخر الى الامام لكن الأحوط مع ذلك اعادة الصلاة أيضا بل الأحوط في جميع صور أصل المسألة اعادة الصلاة الاّ اذا حصل الظنّ من رجوع أحدهما الى الآخر.
الشرح:
و لنبيّن بعض فقرات المسألة:
قال المصنّف: «فان لم يكن بين الشكّين قدر مشترك ... يعمل كلّ منهما على شاكلته» و ذلك لعلم كلّ منهما بخطأ الآخر، فلا مجال لرجوعه اليه.
قال: «و ان كان بينهما قدر مشترك ... يحتمل رجوعهما الى ذلك القدر المشترك؛ لأنّ كلاًّ منهما نافٍ للطرف الآخر من شكّ الآخر».
قال في المستمسك: «يعنى: انّ كلاًّ منهما حافظ في مورد شكّ الآخر؛ لأنّ الشاكّ بين الثلاث و الأربع حافظ لوجود الثلاث شاكّ في وجود الأربع و عدمها، و الشاكّ بين الاثنتين و الثلاث حافظ لعدم الرابعة و شاكّ في وجود الثالثة و عدمها فيرجع كلّ منهما في مورد شكّه الى حفظ الآخر. و دعوى انصراف أدلّة المقام عن مثل ذلك ممنوعة، و لاسيّما بملاحظة الارتكاز العرفي، فيكون المقام نظير ما لو كان الامام شاكّا في الأفعال و حافظا للركعات و المأموم بالعكس، فانّه لاينبغي التأمّل في رجوع كلّ منهما الى الآخر، بناءً على رجوع الشاكّ في الأفعال الى
الآخر. انتهى».(1)
ولكن الظاهر أنّ ما أشار اليه من الانصراف لا منع منه. بل الظاهر انصراف الأدلّة عن كلّ ما في هذه المسألة من الفروع و على كلّ من الامام و المأموم العمل بشكّه.
«السابع»: الشكّ في ركعات النافلة سواء كانت ركعة كصلاة الوتر أو ركعتين كسائر النوافل أو رباعيّة كصلاة الأعرابي فيتخيّر عند الشكّ بين البناء على الأقلّ أو الأكثر الاّ أن يكون الأكثر مفسدا فيبني على الأقلّ، و الأفضل هو البناء على الأقلّ مطلقا. و لو عرض وصف النفل للفريضة كالمعادة و الاعادة للاحتياط الاستحبابي و التبرّع بالقضاء عن الغير لم يلحقها حكم النفل، و لو عرض وصف الوجوب للنافلة لم يلحقها حكم الفريضة بل المدار على الأصل. و أمّا الشكّ في أفعال النافلة فحكمه حكم الشكّ في أفعال الفريضة فان كان في المحلّ أتى به، و ان كان بعد الدخول في الغير لم يلتفت، و نقصان الركن مبطل لها كالفريضة بخلاف زيادته فانّها لاتوجب البطلان على الأقوى و على هذا فلو نسي فعلاً من أفعالها تداركه و ان دخل في ركن بعده، سواء كان المنسي ركنا أو غيره.
الشرح:
فروع:
و من جملة الموارد التي لا اعتبار بالشكّ فيها النوافل، و الشاكّ فيها مخيّر بين
1) - مستمسك العروة 7: 578.
البناء على الأقلّ أو الأكثر، و الظاهر أنّ هذا الحكم و البناء على التخيير اجماعي.
قال في الجواهر: «من شكّ في عدد النافلة بنى على الأكثر أو الأقلّ مخيّرا بينهما كما صرّح به جماعة، بل في المصابيح و عن المعتبر الاجماع عليه، و في الرياض اجماعا و في مفتاح الكرامة عن الأمالي عدّ من دين الاماميّة أن لا سهو في النافلة، فمن سها فيها بنى على ما شاء، و عن ظاهر التهذيب الاجماع عليه أيضا، حيث قال: «عندنا». و عن المنتهى الاجماع عليه. انتهى ملخّصا».(1)
و استدلّ على ذلك بصحيحة محمّد بن مسلم قال:
«سألته عن السهو في النافلة؟ فقال: ليس عليك شيء».(2)
و الظاهر من السهو في الصحيحة هو الشكّ لاستعمال السهو في الشكّ كما تقدّم، و عليه فمعناها: اذا شككت في ركعات النافلة فليس عليك شيء ممّا كان عليك اذا شككت في الفريضة من البناء على الأكثر و صلاة الاحتياط فينتج أنّ الأمر اليك من البناء على الأكثر أو الأقلّ أي أنّك مخيّر فيها، و هذا هو المشهور بل ادّعي عليه الاجماع كما تقدّم في الجواهر.
و استدلّ أيضا بمرسلة ابراهيم بن هاشم المتقدّمة حيث قال الامام عليه السلام: «لا سهو في نافلة». و استشكل فيها أوّلاً بالضعف في السند، و ثانيا باجمال الدلالة حيث انّ جملة «و لا سهو في نافلة» بعد جملات بعضها تدلّ على عدم الاعتناء و الرجوع الى الغير كشكّ الامام مع حفظ من خلفه و بالعكس، و بعضها تدلّ على البطلان كالسهو في الفجر و المغرب و الأوّلتين من الرباعيّة، و بعضها مجملة كجملة «و لا سهو في سهو» فتصير قوله عليه السلام: «و لا سهو في نافلة» مجملاً، و غايتها دلالتها على البناء على الأكثر ككثير الشكّ.
ولكن الاشكال غير وارد: أمّا من حيث السند فهي و ان كانت مرسلة الاّ أنّ
الفقهاء عملوا بها؛ لأنّ عدم اعتبار شكّ الامام و المأموم منوط بحفظ الآخر و لم يذكر الاّ في المرسلة فضعف السند منجبر. و أمّا الدلالة فمعنى الجملات كلّها واحد و هو رفع الشكّ موضوعا و البناء على أنّه ليس هناك شكّ الاّ أنّ القرينة قائمة بأنّ معنى قوله عليه السلام «ليس في المغرب سهو و لا في الفجر سهو ... »(1)هو البطلان، و الاجمال في جملة «و لا سهو في سهو» يكون من ناحية «في سهو»، و الاّ ليس «و لا سهو ... » مجملاً، و عليه فمعنى «و لا سهو في نافلة» هو أنّ من شكّ في النافلة فكأنّه لم يشكّ، فالنتيجة التخيير من حيث البناء على الأقلّ أو الأكثر.
فتحصّل أنّ الشاكّ في عدد الركعات في النوافل مخيّر بين البناء على الأقلّ أو الأكثر فتصحّ صلاته سواء كانت ركعة كصلاة الوتر أو ركعتين كسائر النوافل أو أربع ركعات كصلاة الأعرابي، الاّ أنّه وردت رواية باعادة الوتر و هي صحيحة العلاء قال:
«سألته عن الرجل يشكّ في الفجر؟ قال: يعيد. قلت: المغرب؟ قال: نعم، و الوتر و الجمعة، من غير أن أسأله».(2)
يمكن أن يقال فيه بأنّ الشكّ في الوتر موجب للاعادة اذا كانت واجبة بالنذر و شبهه، بقرينة ذكرها في الفرائض، ولكن فيه: انّه احتمال يساوي احتمال استثناء الوتر و ان لم تكن واجبة. و الصحيح أن يقال: يخصّص صحيحة محمّد بن مسلم بهذه الصحيحة و انّ الشكّ في النوافل لا اعتبار به الاّ الشكّ في الوتر، الاّ أنّه حيث يكون هناك اجماع بعدم اعتبار الشكّ في النوافل كلّها حتّى الوتر فتحمل على استحباب الاعادة.
قال في الحدائق: «و أمّا ما ورد في بعض الأخبار من الاعادة بالشكّ في الوتر
فحمله الأصحاب على الاستحباب دون البطلان. انتهى».(1)
الأفضل في الشكّ في ركعات النوافل البناء على الأقلّ.
قال في الجواهر: «كما صرّح به غير واحد بل في الرياض لا خلاف فيه يظهر، بل قد يظهر من الذخيرة و عن غيرها الاجماع عليه، بل في المدارك: لا ريب فيه، بل في المصابيح و عن المعتبر الاجماع عليه صريحا. انتهى».(2)
و الدليل عليه أوّلاً: اليقين بالأقلّ و لاينقض اليقين بالشكّ فخرجت الفرائض من هذه القاعدة بالروايات الواردة في الشكوك فبقيت النوافل بحالها الاّ أنّها أيضا خرجت شرطيّة صحّتها بصحيحة محمّد بن مسلم التي نتيجتها التخيير ولكنّ العمل بالاستصحاب باقٍ لا مانع منه.
و ثانيا: لما روي أنّه اذا سها في النافلة بنى على الأقلّ.(3)
و ثالثا: الاجماع المدّعى عن غير واحد كما مرّ عن الجواهر.
اذا عرض وصف النفل و الوجوب للفريضة و النافلة
فنقول: اذا عرض وصف النفل للفريضة لاتتغيّر الفريضة عمّا لها من أحكام
الشكّ، و ذلك لعدم شمول صحيحة محمّد بن مسلم لها؛ لأنّ المراد من النافلة في قوله عليه السلام في الرواية: «قال: سألته عن السهو في النافلة؟ فقال: ليس عليك شيء»(1)هو الرواتب و ما كان منها ذات سبب و المبتدأة و لاتطلق على الفريضة و ان عرضها وصف الاستحباب، فما يتبرّع بها المتبرّع عن الميّت من الصلوات المفروضات أو يعيدها جماعة بعد أن صلاّها فرادى أو يعيدها استحبابا، كلّ ذلك يطلق عليها فريضة و ان عرضها وصف الاستحباب و لايقال انّها نافلة فاذا شكّ في ركعاتها يلزم عليه العمل بشكّه. و أمّا صلاة الطواف المستحبّ فهي نافلة بالأصالة. و أمّا اذا كانت الصلاة مستحبّة بالأصالة و عرضها وصف الوجوب كما اذا نذر أن لايترك نافلة الليل، فهل يشملها أحكام الفريضة أو تكون باقية على ما كانت؟ الظاهر أنّ النوافل الأصليّة لاتتغيّر عمّا كانت لها من الأحكام حتّى جواز اتيانها جالسا و على المركب في السفر الاّ اذا كان متعلّق نذره كيفيّة خاصّة كأن ينذر الاتيان بالنوافل قائما.
و الدليل على عدم التغيير أوّلاً هو عدم الدليل على التغيير، فما كان هناك من الدليل في النذر و العهد و القسم هو قوله عليه السلام: «و ما جعلته للّه فف به»(2)، فاللازم على الناذر و قسيميه هو الوفاء بالنذر و العهد و القسم.
و ثانيا أنّ الأحكام واردة على العنوان و عنوان النافلة في المنذورة باقٍ فالأحكام كذلك.
اختلفوا في حكم الشكّ في أفعال النافلة فذهب بعض - كصاحب الرياض و مجمع البرهان - الى أنّ الشكّ في أفعال النافلة كعددها لم يلتفت اليه و يبنى على اتيانها و ان كان في المحلّ، و آخرون - كما في الجواهر و وفاقا للمدارك و الروض و فوائد الشرائع - الى أنّ حكم الشكّ في أفعال النافلة حكم الفريضة فيتدارك مع بقاء المحلّ و لايلتفت اليه مع خروجه. و استدلّ على الأوّل بعموم صحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما عليهما السلام قال:
««سألته عن السهو في النافلة؟ فقال: ليس عليك شيء».(1)
و بعموم خبر رواه في دعائم الاسلام عن جعفر بن محمّد عليهماالسلام أنّه سئل عن السهو في النافلة، قال:
«لا شيء عليه؛ لأنّه يتطوّع في النافلة بركعة أو بسجدة أو بما شاء».(2)
و في المقنع للصدوق:
«و اعلم أنّه لا سهو في النافلة».(3)
ففي الرياض: «و عموم السهو في الصحيح و غيره يشمل الشكّ في الأفعال أيضا مطلقا، أركانا كانت أو غيرها، كان الشكّ قبل تجاوز محلّها أو بعده، خلافا للروض و المدارك فخصّاه بالأعداد، و لا وجه له بعد عموم اللفظ، مع امكان استفادة الحكم فيها من الحكم بنفي الشكّ في العدد بطريق أولى. انتهى ملخّصا».(4)
و استدلّ على الثاني بأنّ ظهور لفظ السهو في الشكّ في الركعات ولو بمقتضى الانصراف الناشئ من كثرة استعمال السهو في لسان الأخبار في ذلك يمنع الأخذ بالاطلاق، و لأجله لايمكن الاستناد الى هذه الصحيحة في مقابل ما دلّ على لزوم الاعتناء بالشكّ في المحلّ.
و يمكن اختيار القول الأوّل و دفع الايراد بمنع الأخذ بالاطلاق، بأنّ السهو استعمل في الشكّ مطلقا الاّ أنّ القرينة قائمة بأنّ المراد هو الشكّ في الركعات، بل
كثر الاستعمال فيها، ولكن لايجعله بحيث يتبادر الركعات منه بدون القرينة.
ولكن الأصحّ القول الثاني؛ لحكومة عمومات الشكّ و السهو الاّ ما خرج بالدليل، و الخروج منها بالنسبة الى الأفعال في النوافل متردّد فيه؛ لعدم احراز اطلاق الروايات الواردة في النوافل.
هل تبطل النافلة بنقصان الركن سهوا؟ فالأكثر على البطلان و الدليل على ذلك اطلاق الروايات مثل اطلاق صحيحة زرارة:
«لاتعاد الصلاة الاّ من خمسة: الطهور و الوقت و القبلة و الركوع و السجود».(1)
و اطلاق صحيحة منصور بن حازم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن رجل صلّى فذكر أنّه زاد سجدة؟ قال: لايعيد صلاة منسجدة و يعيدها من ركعة».(2)
و القول الآخر عدم البطلان، و ذلك لصحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما عليهما السلام قال:
«سألته عن السهو في النافلة؟ فقال: ليس عليك شيء».(1)
بناءً على أنّ السهو يشمل النسيان و الشكّ كليهما.
و الصحيح هو البطلان اذا لم يمكن تدارك المنسي كما لو نسي الركوع من الركعة الأولى فسجد سجدتين ثمّ دخل في الركعة الثانية فهذه الصلاة باطلة؛ لأنّه لو تدارك للزم ازدياد ركعة و هي مبطلة و الاّ لزم أن تكون النافلة ثلاث ركعات مع كونها ركعتين الاّ الوتر و صلاة الأعرابي. نعم، لو كان محلّ التدارك باقيا كما لو نسي الركوع فسجد سجدة ثمّ تذكّر فيأتي بالركوع فيسجد ثانيا. فاعلم أنّه ليس الحكم بتدارك المنسي من الرجوع لدى الامكان أو البطلان عند عدمه من آثار السهو و أحكامه ليرتفع في النافلة، و انّما هو من مقتضيات بقاء الأمر الأوّل حيث لم يؤت بالمأمور به على وجهه.
في الجواهر: «قد يتسلّق [و يمكن أن يستظهر] من صحيح محمّد بن مسلم الى عدم قادحيّة نقصان الركن أيضا نسيانا و لم يذكره الاّ بعد تمام النافلة بحيث لايسعه التدارك أبدا و ان لم أجد أحدا صرّح به، بل في الدروس و المدارك و عن فوائد الشرائع و الروض و مجمع البرهان و غيرها ما يقتضي البطلان كما هو صريح الموجز و لابأس به؛ لأنّه الموافق للاحتياط المطلوب في العبادة التوقيفيّة. انتهى».(2)
هل تبطل النافلة بزيادة الركن سهوا، كما أنّه لا اشكال في عدم البطلان بزيادة ماعدا الأركان سهوا؟
ذهب الأكثر الى عدم البطلان كما هو صريح الموجز و ظاهر الدروس، و ذهب بعض آخر الى البطلان كصاحب المدارك و الروض (على ما في الجواهر(1)). و الصحيح هو عدم البطلان، و الدليل على ذلك صحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما عليهماالسلام قال:
«سألته عن السهو في النافلة؟ فقال: ليس عليك شيء».(2)
بناءً على أنّ السهو يشمل النسيان و الشكّ كليهما، فقوله عليه السلام: «ليس عليك شيء» يراد به نفي أحكام السهو الثابتة في الفريضة عن النافلة التي منها البطلان بزيادة الأركان و أنّ السهو لايوجب الزاما و لم ينشأ حكم من قبله.
و من جملة ما يستدلّ به على عدم قدح زيادة الأركان صحيحة زرارة و بكير ابني أعين عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«اذا استيقن أنّه زاد في صلاته المكتوبة ركعة لم يعتدّ بها، و استقبل صلاته استقبالاً».(3)
فقيد «المكتوبة» في الصحيحة احترازيّ و معناه أنّ الزيادة قادحة في الصلاة المكتوبة و لا غير، و الاّ كان القيد لغوا. فبهذه الصحيحة يقيّد اطلاق صحيحة أبي بصير أو موثّقته:
«من زاد في صلاته فعليه الاعادة».(1)
و يؤيّد صحيحة زرارة و بكير ابني أعين ما ورد من النهي عن تلاوة آية العزيمة معلّلاً بأنّ السجود زيادة في الفريضة، و ما ورد أيضا في صلاة المسافر من أنّه متى زاد أعاد معلّلاً بأنّها فرض اللّه.
(مسألة 10): لايجب قضاء السجدة المنسيّة و التشهّد المنسي في النافلة كما لايجب سجود السهو لموجباته فيها.
الشرح:
لايجب أي لايشترط في صحّة النافلة قضاء السجدة المنسيّة اذا فات محلّ تداركها، و الدليل على ذلك صحيحة محمّد بن مسلم المتقدّمة عن أحدهما عليهماالسلام قال:
«سألته عن السهو في النافلة؟ فقال: ليس عليك شيء».(2)
بناءً على أنّ السهو يراد به النسيان الشامل للشكّ و الغفلة أيضا، و معنى قوله عليه السلام«ليس عليك شيء»: ليس عليك أحكام السهو في النافلة كما كان عليك أحكامه في الفريضة. ففي الفريضة اذا نسي السجدة يجب عليه قضاؤها و أمّا في النافلة فلايجب، و كذا التشهّد.
قال في الجواهر: «ينبغي الجزم بنفي مشروعيّة قضاء ما يقضى في الفريضة فيها من السجدة و التشهّد المنسيّين بل يتداركهما مع الامكان، و لايلتفت مع عدمه، كما اذا تخلّل ما يخرج به عن كونه مصلّيا ولو لطول الزمان من الفراغ، بناءًعلى اختلاف الفريضة و النافلة في امكان التدارك المنسي للخبرين السابقين.
انتهى موضع الحاجة».(1)
و مراده من الخبرين هو خبر الصيقل و صحيحة الحلبي، فالأوّل عن الصادق عليه السلامفي الرجل يصلّي الركعتين من الوتر ثمّ يقوم فينسى التشهّد حتّى يركع فيذكر و هو راكع، قال:
«يجلس من ركوعه يتشهّد ثمّ يقوم فيتمّ. قال: قلت: أليس قلت في الفريضة اذا ذكره بعد ما ركع مضى في صلاته ثمّ سجد سجدتي السهو بعد ما ينصرف يتشهّد فيهما؟ قال: ليس النافلة مثل الفريضة».(2)
و الثاني صحيحة الحلبي قال:
«سألته عن رجل سها في ركعتين من النافلة فلم يجلس بينهما حتّى قام فركع في الثالثة؟ فقال: يدع ركعة و يجلس و يتشهّد و يسلّم ثمّ يستأنف الصلاة بعد».(3)
و كذا لايجب أي لايشترط في صحّة صلاة النافلة الاتيان بسجود السهو اذا ارتكب في الصلاة ما يوجبه، و الدليل عليه صحيحة محمّد بن مسلم المتقدّمة آنفا.
قال في الجواهر: «نعم، ينبغي الجزم بنفي سجدتي السهو لما يوجبها كما صرّح به في المنتهى و المدارك و غيرهما، بل هو بعض معاقد الاجماعات السابقة، بل في الرياض عن ظاهر الأوّل و صريح الخلاف نفي الخلاف فيه، بل هو مندرج في نفي السهو في الصحيح و غيره بناءً على ارادة الأعمّ من الشكّ منه على
معنى نفي الموجب بالفتح. انتهى».(1)
(مسألة 11): اذا شكّ في النافلة بين الاثنتين و الثلاث فبنى على الاثنتين ثمّ تبيّن كونها ثلاثا بطلت و استحبّ اعادتها، بل تجب اذا كانت واجبة بالعرض.
الشرح:
اذا تبيّن أنّه صلّى النافلة ثلاثا بطلت فتستحبّ اعادتها بل تجب اذا كانت واجبة بالعرض كما اذا كانت منذورة. و الدليل على البطلان هو أنّ النافلة في أصل التشريع ركعتان ركعتان الاّ الوتر و صلاة الأعرابي، فاذا زاد عليها ركعة توقّفت صحّتها على قيام الدليل و حيث هو مفقود في المقام فلم يكن ما أتى به مأمورا به.
(مسألة 12): اذا شكّ في أصل فعلها بنى على العدم الاّ اذا كانت موقّتة و خرج وقتها.
الشرح:
اذا شكّ في أصل فعل النافلة فان لم تكن موقّتة بوقت خاصّ يبني على العدم. و أمّا في الموقّتة فان لم يكن لها القضاء فلا كلام فيها فانّ وقتها قد فات و لا جبران لها. و ان كان لها القضاء كما في النوافل المرتّبة فالأصل الحاكم هنا الاتيان و ذلك لأنّ موضوع القضاء هو الفوت و الأصل عدمه، و أمّا أصل عدم اتيان النافلة فيوقتها فلايثبت الفوت؛ لعدم حجّيّة الأصول المثبتة. و تدلّ عليه أيضا صحيحة زرارة و الفضيل عن أبي جعفر عليه السلام (في حديث) قال:
«متى استيقنت أو شككت في وقت فريضة أنّك لم تصلّها، أو في
1) - جواهر الكلام 12: 430.
وقت فوتها أنّك لم تصلّها صلّيتها، و ان شككت بعدما خرج وقت الفوت و قد دخل حائل فلا اعادة عليك من شكّ حتّى تستيقن، فان استيقنت فعليك أن تصلّيها في أيّ حالة كنت».(1)
(مسألة 13): الظاهر أنّ الظنّ في ركعات النافلة حكمه حكم الشكّ في التخيير بين البناء على الأقلّ أو الأكثر، و ان كان الأحوط العمل بالظنّ ما لم يكن موجبا للبطلان.
الشرح:
قد تقدّم في المسألة الخامسة من فصل الشكّ في الركعات أنّ حكم الظنّ في الركعات حكم اليقين، و استدلّ على ذلك بصحيحة عبدالرحمن بن أبي سيّابة و أبي العبّاس(2)و غيرها من الصحاح مضافا الى الشهرة العظيمة كادت أن تكون اجماعا كما ادّعاه غير واحد، فراجع. فباطلاق الروايات نحكم في النافلة بأنّ الظنّ في ركعاتها مثل اليقين.
(مسألة 14): النوافل التي لها كيفيّة خاصّة أو سورة مخصوصة أو دعاء مخصوص كصلاة الغفيلة و صلاة ليلة الدفن و صلاة ليلة عيد الفطر اذا اشتغل بها و نسي تلك الكيفيّة فان أمكن الرجوع و التدارك رجع و تدارك و ان استلزم زيادة الركن؛ لما عرفت من اغتفارها في النوافل، و ان لم يمكن أعادها؛ لأنّ الصلاة و ان صحّت الاّ أنّها لاتكون تلك الصلاة المخصوصة، و ان نسي بعض التسبيحات في صلاة جعفر قضاه متى تذكّر.
الشرح:
اذا اشتغل بالنوافل التي لها كيفيّة خاصّة و نسي تلك الكيفيّة و لم يمكن الرجوع و التدارك أعادها و ان صحّت الصلاة. و أمّا الصحّة فلأنّها صلاة فهي خير موضوع، و الاشكال بأنّه لم يقصدها بهذه الكيفيّة بل بكيفيّة خاصّة مدفوع بأنّ الصلاة قد قصدت ضمنا، و أمّا الاعادة فلأنّها لم تؤت بالكيفيّة الخاصّة. و ان نسي بعض التسبيحات في صلاة جعفر قضاه رجاءً متى تذكّر، و ذلك لرواية أبان قال:
«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول: من كان مستعجلاً يصلّي صلاة جعفر مجرّدة ثمّ يقضي التسبيح و هو ذاهب في حوائجه».(1)
فيقال بأنّه اذا جاز تركه عمدا و الاتيان به بعد الصلاة فاذا نسي جاز قضاؤه بطريق أولى. و ما رواه في الاحتجاج من التوقيع عن صاحب الزمان عليه السلام في جواب مسائل الحميري حيث سأله عن صلاة جعفر:
«اذا سها في التسبيح في قيام أو قعود أو ركوع أو سجود و ذكره في حالة أخرى قد صار فيها من هذه الصلاة، هل يعيد ما فاته من ذلك التسبيح في الحالة التي ذكره أم يتجاوز في صلاته؟ التوقيع: اذا سها في حالة من ذلك ثمّ ذكر في حالة أخرى قضى ما فاته في الحالة التي ذكره».(2)
ولكنّ الروايتين ضعيفتان، و لذا قلنا قضاه رجاءً.
(مسألة 15): ما ذكر من أحكام السهو و الشكّ و الظنّ يجري في جميع الصلوات الواجبة أداءً و قضاءً من الآيات و الجمعة و العيدين و صلاة الطواف، فيجب فيها سجدة السهو لموجباتها و قضاء السجدة المنسيّة و
التشهّد المنسي، و تبطل بنقصان الركن و زيادته لا بغير الركن، و الشكّ في ركعاتها موجب للبطلان لأنّها ثنائيّة.
الشرح:
الشكّ في ركعات صلاة الجمعة و الآيات و العيدين و صلاة الطواف موجب للبطلان؛ لأنّها ركعتان، و قد ورد في موثّقة سماعة قال:
«سألته عن السهو في صلاة الغداة؟ قال: اذا لم تدر واحدة صلّيت أم اثنتين فأعد الصلاة من أوّلها، و الجمعة أيضا اذا سها فيها الامام فعليه أن يعيد الصلاة لأنّها ركعتان. الحديث».(1)
و كذا تدلّ على البطلان الروايات الدالّة على أنّ الشكّ في الركعتين الأوّلتين من الرباعيّة موجب للبطلان.
و الدليل على جريان أحكام الظنّ و أحكام السهو - من سجدة السهو لموجباتها، و قضاء السجدة المنسيّة و التشهّد المنسي في سائر الصلوات الواجبة هو الدلائل الواردة في الصلوات اليوميّة؛ لأنّ المناط في كلتيهما واحد، و القطع حاصل بعدم خصوصيّة المورد مع عدم القول بالفصل، مضافا الى أنّ ما دلّ على قضاء السجدة المنسيّة و التشهّد المنسي المتضمّن للتفصيل بين كون التذكّر قبل الدخول في الركوع أو بعده و أنّه يرجع في الأوّل و يقضي في الثاني، مطلق الصلاة من غير اختصاص باليوميّة.
و الدليل على بطلان الصلاة بنقصان الركن هو قوله عليه السلام في الصحيحة:
«لاتعاد الصلاة الاّ من خمسة: الطهور و الوقت و القبلة و الركوع و السجود».(2)
فانّها لمطلق الصلاة.
و ما دلّ على بطلان الصلاة اليوميّة اذا زاد فيها الركن هو الدليل على بطلان مطلق الصلاة بازدياد الركن.
(مسألة 16): قد عرفت سابقا أنّ الظنّ المتعلّق بالركعات في حكم اليقين من غير فرق بين الركعتين الأوّلتين و الأخيرتين و من غير فرق بين أن يكون موجبا للصحّة أو البطلان كما اذا ظنّ الخمس في الشكّ بين الأربع و الخمس أو الثلاث و الخمس. و أمّا الظنّ المتعلّق بالأفعال ففي كونه كالشكّ أو كاليقين اشكال فاللازم مراعاة الاحتياط، و تظهر الثمرة فيما اذا ظنّ بالاتيان و هو في المحلّ أو ظنّ بعدم الاتيان بعد الدخول في الغير، و أمّا الظنّ بعدم الاتيان و هو في المحلّ أو الظنّ بالاتيان بعد الدخول في الغير فلايتفاوت الحال في كونه كالشكّ أو كاليقين؛ اذ على التقديرين يجب الاتيان به في الأوّل و يجب المضيّ في الثاني و حينئذ فنقول: ان كان المشكوك قراءة أو ذكرا أو دعاءً يتحقّق الاحتياط باتيانه بقصد القربة، و ان كان من الأفعال فالاحتياط فيه أن يعمل بالظنّ ثمّ يعيد الصلاة، مثلاً اذا شكّ في أنّه سجد سجدة واحدة أو اثنتين و هو جالس لم يدخل في التشهّد أو القيام و ظنّ الاثنتين يبني على ذلك و يتمّ الصلاة ثمّ يحتاط باعادتها، و كذا اذا دخل في القيام أو التشهّد و ظنّ أنّها واحدة يرجع و يأتي بأخرى و يتمّ الصلاة ثمّ يعيدها، و هكذا في سائر الأفعال، و له أن لايعمل بالظنّ، بل يجري عليه حكم الشكّ و يتمّ الصلاة ثمّ يعيدها. و أمّا الظنّ المتعلّق بالشروط و تحقّقها فلايكون معتبرا الاّ في القبلة و الوقت في الجملة. نعم، لايبعد اعتبار شهادة العدلين فيها و كذا في الأفعال و الركعات و ان كانت الكلّيّة لاتخلو عن اشكال.
الشرح:
فرعان:
قد تقدّم في شرح المسألة الخامسة من فصل الشكوك أنّ الظنّ المتعلّق بالركعات في حكم اليقين من غير فرق بين الركعتين الأوّلتين و الأخيرتين و من غير فرق بين أن يكون موجبا للصحّة أو البطلان كما مثّل به في المتن. و مرّ الدليل على حجّيّة الظنّ في الركعات اذا كان متعلّقه صحيحا كما اذا ظنّ الثلاث أو الأربع في الشكّ بين الثلاث و الأربع، و أمّا الدليل على حجّيّة الظنّ اذا كان متعلّقه باطلاً فصحيحة صفوان عن أبي الحسن عليه السلام قال:
«ان كنت لاتدري كم صلّيت و لم يقع وهمك على شيء فأعد الصلاة».(1)
فالمنطوق هو بطلان الصلاة في الشكّ في الركعات مطلقا ولكن يقيّد اطلاق الصحيحة بما دلّ على صحّة بعض الشكوك كما تقدّم، فالمدار في اعادة الصلاة في المنطوق هو الشكّ، و أنّ الشكّ مادام موجودا لايصحّ المضيّ عليه الاّ في المقيّدات على ما علّم الامام عليه السلام طريقا ينتهي الى الاطمئنان بصحّة الصلاة و يخرج من الشكّ كما في موثّقة عمّار قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن شيء من السهو في الصلاة، فقال: ألاأعلّمك شيئا اذا فعلته ثمّ ذكرت أنّك أتممت أو نقصت لم يكن عليك شيء؟ قلت: بلى. قال: اذا سهوت فابن على الأكثر فاذا فرغت و سلّمت فقم فصلّ ما ظننت أنّك نقصت، فان كنت قد أتممت
1) - وسائل الشيعة 8: 225 / الباب 15 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة / الحديث 1.
لم يكن عليك في هذه شيء، و ان ذكرت أنّك كنت نقصت كان ما صلّيت تمام ما نقصت».(1)
و أمّا في مفهوم صحيحة صفوان فالمدار هو الظنّ و أنّ الظنّ معتبر في نظر الشارع و عليه فان انتهى الظنّ الى صورة تصحّ الصلاة معها فلايعيد الصلاة كما هو الغالب، و أمّا ان انجرّ الى صورة تبطل الصلاة معها فلا وجه لعدم الاعادة، و عليه فيندفع ما يقال بأنّ مفهوم الصحيحة لايشمل الظنّ بالبطلان؛ لأنّ مفهومها هو: اذا وقع وهمك على شيء فلاتعد الصلاة، و هذا لا معنى له في صورة بطلان الصلاة؛ لأنّ النظر في حجّيّة الظنّ كما قلنا.
أمّا اعتبار الظنّ في الأفعال وجودا و عدما فقد اختلف فيه الفقهاء. فذهب بعضهم الى الاعتبار و الحجّيّة. ففي الجواهر: «فهو ظاهر المصنّف و الارشاد و الألفية و اللمعة و صريح الروضة و الدرّة، بل هو المنقول عن الوسيلة و السرائر و جمل العلم و الذكرى و الجعفريّة و شرحيها و فوائد الشرائع و المسالك و المقاصد و النجيبيّة و عن ظاهر الجمل و العقود و الاشارة و الهلاليّة و الميسيّة بل عن المحقّق الثاني أنّه لا خلاف فيه. و يدلّ عليه - مضافا الى اطلاق بعض ما تقدّم من الأدلّة - الأولويّة المستفادة من الاكتفاء به في الركعات. انتهى موضع الحاجة من كلامه».(2)
و ظاهر الحدائق التأمّل و التوقّف فقال: «بقي الكلام في أنّه هل المراد بالشكّ في هذه المسألة ما هو عبارة عن تساوي الطرفين خاصّة أو ما يشمل الظنّ أيضا؟ ظاهر كلام الأصحاب الأوّل من غير خلاف يعرف و ظاهر النصوص في الشكّ في تجاوز المحلّ و عدمه هو الثاني و هو المؤيّد بكلام أهل اللغة. فانّ قولهم عليهم السلام في
جملة من تلك الأخبار: «شكّ فلم يدر سجد أم لم يسجد»(1)يعني لم يعلم سجد أم لا، و هو شامل لظنّ السجود، فانّ عدم العلم أعمّ من أن يكون متردّدا أو مرجّحا لأحدهما ترجيحا لايبلغ حدّ العلم و هو الظنّ عندهم، و أصرح من ذلك كلّه قولهم عليهم السلام في بعض تلك الأخبار كرواية أبي بصير قال: «سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل شكّ فلم يدر سجدة سجد أم سجدتين؟ قال: يسجد حتّى يستيقن أنّهما سجدتان»(2)و المسألة محلّ اشكال. انتهى موضع الحاجة من كلامه رحمه الله».(3)
أقول:
الظاهر عدم اعتبار الظنّ في الأفعال، و الدليل عليه - مضافا الى ما قاله صاحب الحدائق من دلالة ظاهر بعض النصوص - هو صحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما عليهماالسلام في الذي يذكر أنّه لم يكبّر في أوّل صلاته، فقال:
«اذا استيقن أنّه لم يكبّر فليعد، ولكن كيف يستيقن؟!».(4)
فنظر الامام عليه السلام باليقين بعنوان أنّه صفة خاصّة لا ما يشمل الظنّ.
و كذا صحيحة أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا أيقن الرجل أنّه ترك ركعة من الصلاة و قد سجد سجدتين و ترك الركوع استأنف الصلاة».(5)
و أمّا دليل المخالف من دعوى الفحوى و الأولويّة القطعيّة ممّا دلّ على حجّيّةالظنّ في الركعات ففيه: انّه ليس بمثابة يكون دليلاً، بل هو استحسان في مقابل الدليل. نعم، لو لم يكن هناك دليل كان لذلك وجه.
1) - وسائل الشيعة 6: 368 و 369 / الباب 15 من أبواب السجود / الحديث 1 و 2 و 3 و 6.
2) - وسائل الشيعة 6: 368 / الباب 15 من أبواب السجود / الحديث 3.
3) - الحدائق الناضرة 9: 160.
4) - وسائل الشيعة 6: 13 / الباب 2 من أبواب تكبيرة الاحرام / الحديث 2.
5) - وسائل الشيعة 6: 313 / الباب 10 من أبواب الركوع / الحديث 3.
فاستندوا أيضا للقول باعتبار الظنّ في الأفعال بالشهرة و عدم الخلاف و النبويّين. أمّا الشهرة ففيها: انّها ليست بحجّة، و أمّا عدم الخلاف فادّعاه المحقّق و ليس كما قال رحمه الله؛ لذهاب جمّ غفير الى خلافه. و أمّا النبويّان فالأوّل:
«اذا شكّ أحدكم في صلاته فلينظر أحرى ذلك الى الصواب فليبن عليه».(1)
و الثاني:
«اذا شكّ أحدكم في صلاته فليتحرّ الصواب».(2)
بدعوى انجبار ضعفها بعمل المشهور، ففيه: انّه لم يعلم استناد المشهور اليهما. و ما ذهب اليه المصنّف من الاحتياط لاينبغي تركه.
قد تقدّم في بحث أحكام القبلة(3)أنّ شهادة العدلين بل عدل واحد بل من كان ثقة يعتبر قولهم في الموضوعات كما يعتبر في الأحكام و عبّرنا عنه بما يقوم مقام العلم، فقول الثقة فيما يتعلّق بالشروط و الركعات و الأفعال معتبر؛ لأنّه قائم مقام اليقين. و أمّا الظنّ فحيث انّه لايغني من الحقّ شيئا ففيما اعتبره الشارع يعتبر كما في الوقت و القبلة في الجملة و تقدّم الدليل عليه في بحثهما(4)و كما في الركعات من الصلاة دون الأفعال و قد سبق آنفا.
(مسألة 17): اذا حدث الشكّ بين الثلاث و الأربع قبل السجدتين أو بينهما أو في السجدة الثانية يجوز له تأخير التروّي الى وقت العمل بالشكّ و هو ما بعد الرفع من السجدة الثانية.
الشرح:
قد تقدّم في المسألة الرابعة من فصل الشكوك أنّ التروّي لاستقرار الشكّ واجب الاّ أنّ مقداره عرفيّ و يختلف باختلاف الموارد، فالتروّي في الصلاة حاصل بعد حدوث الشكّ بقليل و يمكن أن يقال انّ هذا المقدار من التروّي في الصلاة قهريّ و عليه فلايبقى موضوع لهذه المسألة و نظائرها. و لو قلنا - كما قال صاحب العروة - بالتأخير الى وقت العمل بالشكّ في الشكّ بين الثلاث و الأربع فلابأس به؛ لعدم ترتّب الأثر عليه.
(مسألة 18): يجب تعلّم ما يعمّ به البلوى من أحكام الشكّ و السهو، بل قد يقال ببطلان صلاة من لايعرفها، لكن الظاهر عدم الوجوب اذا كان مطمئنّا بعدم عروضها له، كما أنّ بطلان الصلاة انّما يكون اذا كان متزلزلاً بحيث لايمكنه قصد القربة، أو اتّفق له الشكّ أو السهو و لم يعمل بمقتضى ما ورد من حكمه، و أمّا لو بنى على أحد المحتملين أو المحتملات من حكمه و طابق الواقع مع فرض حصول قصد القربة منه صحّ، مثلاً اذا شكّ في فعل شيء و هو في محلّه و لم يعلم حكمه لكن بنى على عدم الاتيان فأتى به أو بعد التجاوز و بنى على الاتيان و مضى صحّ عمله اذا كان بانيا على أن يسأل بعد الفراغ عن حكمه و الاعادة اذا خالف، كما أنّ من كان عارفا بحكمه و نسي في الأثناء أو اتّفق له شكّ أو سهو نادر الوقوع يجوز له أن يبني على أحد المحتملات في نظره بانيا على السؤال و الاعادة مع المخالفة لفتوى مجتهده.
الشرح:
يجب على المكلّف تعلّم أحكام دينه حتّى يمكن له العمل بها، و الدليل على ذلك هو أنّ الحكمة في ارسال الرسل أن يعلّموا الناس الكتاب، و كذا أمر اللّه تعالى
عباده بالسؤال من أهل الذكر عمّا كانوا لايعلمون فقال جلّ شأنه: «فاسألوا أهل الذكر ان كنتم لاتعلمون»(1). و من جملة أحكام دينه أحكام الشكّ و السهو ممّا يعمّ به البلوى.
و أمّا مسألة عقاب الجاهل و بطلان أعماله، فحيث انّ وجوب التعلّم ليس نفسيّا فعقاب الجاهل ليس على ترك التعلّم بل على ترك العمل، فان كان تركه التعلّم أو تركه العمل لم يكن عن تقصير لم يعاقب كالجاهل القاصر. و أمّا الجاهل المقصّر فان كان عمله مطابقا للواقع و لو اتّفاقا لم يعاقب أيضا. و لو صدق عليه المتجرّي كان مستحقّا للذمّ فقط. و أمّا صحّة عمل الجاهل مطلقا ففي العبادات ان تمشّى منه قصد القربة و لم نقل بلزوم الجزم في النيّة كما هو الحقّ لعدم الدليل عليه بل عمل ما هو عامل برجاء المطلوبيّة و طابق الواقع فيصحّ أعماله، و كذا في غير العبادات. هذا اذا وجد الواقع بعلم وجداني. و أمّا لو كان العلم بالواقع متعذّرا فعليه أن يتفحّص عن حاله اجتهادا أو تقليدا، فلو كان مقلّده حين العمل و حين الرجوع واحدا فيرجع اليه و كذا لو كان متعدّدا و لم تختلف فتواهما في ذلك. و لو كانا متعدّدين و اختلفت فتواهما في الصحّة و الفساد فعليه الرجوع الى المجتهد الثاني؛ لأنّه الحجّة له حينئذ لما في ذمّته من القضاء ان كان عمله فاسدا و عدمه ان كان صحيحا.
1) - النحل 16: 43.
(مسألة 1): اذا شكّ في أنّ ما بيده ظهر أو عصر فان كان قد صلّى الظهر بطل ما بيده و ان كان لم يصلّها أو شكّ في أنّه صلاّها أو لا عدل به اليها.
الشرح:
اذا شكّ في أنّ ما بيده ظهر أو عصر فان لم يصلّ الظهر عدل به الى الظهر ثمّ يصلّي العصر فانّ هذا العدول فيما اذا لم يأت بصلاة الظهر يكون حقيقيّا ولكن فيما اذا شكّ في أنّه صلّى الظهر أو لا، يكون تقديريّا بمعنى أنّه ان لم يصلّ الظهر فما بيده يكون ظهرا و ان كان قد صلاّها فتصحّ الأولى و تبطل الثانية. و أمّا بالنسبة الى أنّه يشكّ في أنّ ما بيده نواه بعنوان الظهر أو نواه بعنوان العصر فلايضرّ بالعدول؛ لأنّه ان نوى الظهر فهو ظهر فنيّة العدول لايغيّره عمّا كان عليه، و ان نوى العصر فنيّة العدول يجعله ظهرا من أوّل الصلاة.
هذا فيما اذا كان لم يصلّ الظهر أو يشكّ في أنّه صلاّها أو لا. و أمّا الصورة الثانية و هو فيما اذا علم أنّ الظهر قد صلاّها الاّ أنّه يشكّ في أنّ ما بيده ظهر أو
عصر و أنّه من أوّل الصلاة نوى الظهر أو العصر ففي هذه الحالة يبطل ما بيده فيستأنف الصلاة؛ لأنّ ما يمتاز به صلاة الظهر عن العصر هو النيّة و لكلّ منهما ماهيّة على حدة، و لو خلت الظهر أو العصر عن النيّة، لم تكن الأولى ظهرا و لا الثانية عصرا.
و أمّا حديث التجاوز: «انّما الشكّ اذا كنت في شيء لم تجزه»(1)فاذا جاوزت فابنِ على الصحّة و أمضه كما هو؛ لقوله عليه السلام:
«كلّ ما مضى من صلاتك و طهورك فذكرته تذكّرا فأمضه، و لا اعادة عليك فيه».(2)
فلاينفع فيما نحن فيه، و ذلك لأنّ الصلاة مشكوك فيها فالقاعدة تجري في الصلاة المحرزة لا الصلاة المشكوكة.
(مسألة 2): اذا شكّ في أنّ ما بيده مغرب أو عشاء فمع علمه باتيان المغرب بطل و مع علمه بعدم الاتيان بها أو الشكّ فيه عدل بنيّته اليها ان لم يدخل في ركوع الرابعة و الاّ بطل أيضا.
الشرح:
ممّا ذكرناه في المسألة السابقة تظهر الحال في هذه المسألة. نعم، تفترق هذه الصورة عن مثلها في المسألة السابقة فيما اذا دخل في ركوع الركعة الرابعة فعرضه الشكّ في أنّ ما بيده مغرب أو عشاء مع العلم بعدم الاتيان بالمغرب أو الشكّ في ذلك، فانّه تبطل صلاته لفوات محلّ العدول فيرفع اليد عمّا بيده فيأتي بالمغرب ثمّ العشاء.
(مسألة 3): اذا علم بعد الصلاة أو في أثنائها أنّه ترك سجدتين من ركعتين سواء كانتا من الأوّلتين أو الأخيرتين صحّت و عليه قضاؤهما و سجدتا السهو مرّتين و كذا ان لم يدر أنّهما من أيّ الركعات بعد العلم بأنّهما من الركعتين.
الشرح:
في المسألة فروع:
اذا علم بعد الصلاة أنّه ترك سجدتين من ركعتين ممّا عدا الركعة الأخيرة صحّت صلاته و عليه قضاؤهما و لاتجب سجدتا السهو و قد مرّ البحث عن ذلك و عن عدم وجوب سجدتي السهو في فصل قضاء الأجزاء المنسيّة. و الدليل على صحّة الصلاة اذا ترك سجدتين من ركعتين هو اطلاق الدليل على صحّة الصلاة اذا ترك سجدة واحدة من ركعة.
اذا علم أنّه ترك سجدتين احداهما من الركعة الأخيرة و ثانيتهما من غيرها فعليه أن يأتي بالسجدة الأخيرة أوّلاً ثمّ يقضي السجدة المنسيّة من ركعة أخرى ثمّ يسجد سجدتي السهو لزيادة السلام. و ذلك لما قلنا في فصل قضاء الأجزاء المنسيّة من أنّ السلام وقع في غير محلّه و لم يخرج بعد من الصلاة و قلنا بأنّه لا فرق في ذلك بين وقوع السلام في الركعة الثانية من الثلاثيّة أو الرباعيّة سهوا و بين وقوعه في الركعة الأخيرة مع ترك السجدة أو التشهّد فكما أنّه يجب عليه رفع اليد عن السلام في الأولى كذلك يجب عليه رفع اليد عنه في الثانية، و يأتي
بالسجدة أو التشهّد و السلام ثمّ يسجد سجدتي السهو للسلام الزائد. هذا اذا لم يفعل المنافي بما يوجب بطلان الصلاة و الاّ كشف عن وقوع السلام في محلّه و يقضي السجدتين اللتين تركهما من ركعتين و ذلك لحديث «لاتعاد الصلاة الاّ من خمسة: الطهور و الوقت و القبلة و الركوع و السجود»(1)و كذا حديث «لاتعاد الصلاة من سجدة و انّما تعاد من ركعة»(2)و قد مرّ البحث عن ذلك أيضا في المسألة الثالثة من فصل قضاء الأجزاء المنسيّة.
اذا علم بعد السلام أنّه ترك سجدتين و علم أنّ احداهما من غير الركعة الأخيرة ولكن تردّد في أنّ الثانية تركت من الركعة الأخيرة أو من غيرها، فان كانت من الركعة الأخيرة يجب عليه اتيانها أوّلاً بعد رفع اليد عن التشهّد و السلام ثمّ يقضي الثانية ثمّ يسجد سجدتي السهو. و ان كانت من غير الركعة الأخيرة فيجب عليه قضاؤهما. فحينئذ فعليه أن يأتي باحداهما بقصد ما في الذمّة الأعمّ من الرجوع و القضاء ثمّ يتشهّد و يسلّم ثمّ يقضي الأخرى ثمّ يسجد سجدتي السهو للسلام ان كان زائدا.
اذا تذكّر في أثناء الصلاة أنّه ترك سجدتين من ركعتين فالصور المتصوّرة
ثلاث: فتارة يعلم أنّه تركهما من غير الركعة التي هو فيها، فيقضي السجدتين بعد الصلاة. و أخرى يعلم أنّه ترك احداهما من هذه الركعة فان لم يدخل في الركن يأتي بها و يقضي الأخرى، و ان دخل في الركن قضاهما بعد الصلاة. و ثالثة يعلم أنّ احداهما تركت من غير هذه الركعة و أخرى متردّدة فيه بين هذه و غيرها فالصور المتصوّرة هنا أيضا ثلاث: فتارة يكون في المحلّ فيأتي بها؛ لرجوع شكّه الى أنّه سجد سجدتين أو واحدة. و أخرى قد دخل في الركن فيقضي بعد الصلاة. و ثالثة قد جاوز المحلّ و لم يدخل في الركن. فيمكن أن يقال باجراء قاعدة التجاوز لرجوع شكّه الى أنّه هل سجد السجدتين في هذه الركعة أو سجد سجدة واحدة، فباجراء قاعدة التجاوز يثبت أنّه سجد سجدتين، الاّ أنّه معارض بقاعدة التجاوز بالنسبة الى السجدة الأخرى. فلا بدّ من الرجوع الى الاستصحاب أو البراءة و الاشتغال. أمّا استصحاب عدم السجدة في هذه الركعة معارض باستصحاب عدمها في الركعة السابقة، فلا مانع من اجراء قاعدة الاشتغال بالنسبة الى السجدة في هذه الركعة و اجراء البراءة بالنسبة الى السجدة الأخرى.
(مسألة 4): اذا كان في الركعة الرابعة مثلاً و شكّ في أنّ شكّه السابق بين الاثنتين و الثلاث كان قبل اكمال السجدتين أو بعدهما بنى على الثاني كما أنّه كذلك اذا شكّ بعد الصلاة.
الشرح:
اذا كان في الركعة الرابعة البنائيّة و شكّ في أنّ شكّه السابق بين الاثنتين و الثلاث كان قبل اكمال السجدتين أو بعدهما بنى على أنّه كان بعدهما كما أنّه كذلك اذا شكّ بعد الصلاة، و ذلك لاستصحاب عدم عروض الشكّ قبل اكمال السجدتين. فاذا ثبت أنّه لم يكن الشكّ قبل اكمال السجدتين فلم تبطل صلاته لحفظ الركعتين الأوليين من الشكّ، فيكون الوهم في الركعتين الأخيرتين، و حيث
يعلم أنّ هذه الركعة هي الركعة الرابعة البنائيّة فقد أحرز أنّ الركعة السابقة كانت متردّدة بين الاثنتين و الثلاث. و الظاهر أنّ هذا الحكم جارٍ فيما اذا كان الشكّ بعد الصلاة.
(مسألة 5): اذا شكّ في أنّ الركعة التي بيده آخر الظهر أو أنّه أتمّها و هذه أوّل العصر جعلها آخر الظهر.
الشرح:
اذا شكّ في الركعة التي بيده أنّها آخر الظهر أو أنّه أتمّها و هذه أوّل العصر فيجعلها آخر الظهر، و ذلك لأنّه يشكّ حينئذ في اتمام الظهر، فكما يجب عليه العدول الى الظهر فيما اذا شكّ في أصل اتيان الظهر حين يصلّي العصر فكذلك فيما نحن فيه يجب عليه جعل هذه الركعة آخر الظهر ثمّ الاتيان بالعصر. و أمّا جهة وجوب العدول الى الظهر هي اشتغال الذمّة بصلاة الظهر؛ لأنّ الأصل الحاكم هو استصحاب عدم الاتيان بها. فلو انكشف أنّ الركعة التي بيده كانت آخر الظهر فبها و نعم، و أمّا لو انكشف بعد العدول و الاتيان بالعصر أنّ الركعة التي بنى على أنّها آخر الظهر كانت أوّل العصر، فالعدول باطل و الركعة تصير لغوا و الصلاتان صحيحتان.
(مسألة 6): اذا شكّ في العشاء بين الثلاث و الأربع و تذكّر أنّه سها عن المغرب بطلت صلاته و ان كان الأحوط اتمامها عشاءً و الاتيان بالاحتياط ثمّ اعادتها بعد الاتيان بالمغرب.
الشرح:
اذا شكّ في العشاء بين الثلاث و الأربع و تذكّر أنّه سها عن المغرب بطلت
صلاته و ذلك لأنّه اذا تذكّر بأنّه لم يأت بصلاة المغرب فعليه العدول فاذا عدل اليها فحيث انّ الشكّ في ركعات صلاة المغرب مبطل فصلاته تبطل فيلزم استئناف المغرب ثمّ العشاء بعده.
(مسألة 7): اذا تذكّر في أثناء العصر أنّه ترك من الظهر ركعة قطعها و أتمّ الظهر ثمّ أعاد الصلاتين، و يحتمل العدول الى الظهر بجعل ما بيده رابعة لها اذا لم يدخل في ركوع الثانية ثمّ اعادة الصلاتين، و كذا اذا تذكّر في أثناء العشاء أنّه ترك من المغرب ركعة.
الشرح:
اذا تذكّر في أثناء العصر أنّه ترك من الظهر ركعة أو ركعتين و لم يدخل في ركوع الثانية ان ترك ركعة أو ركوع الثالثة ان ترك ركعتين، فعليه جعل هذه الركعة أو الركعتين من تمام الظهر ثمّ الاتيان بالعصر. و ذلك لعدم المانع من العدول الاّ زيادة التكبير لكونه ركنا و زيادته موجبة لازدياد الركن في الصلاة الذي يكون مبطلاً عمدا و سهوا كنقصانه، و المانع الثاني هو نيّة الخلاف.
فنقول: انّ زيادة التكبير سهوا لاتكون مبطلة للصلاة؛ لعدم ورود نصّ في ذلك، و الاجماع المدّعى حيث انّه مدركيّ لايكون كاشفا عن قول الامام عليه السلام؛ لأنّ دليلهم على البطلان الاجماع على كونها ركنا، و الأمر باستئناف الصلاة لمن زاد في صلاته، و قاعدة الشغل.
و فيه: انّ الاجماع على كونه ركنا لايستلزم البطلان الاّ اذا فسّر الركن بما تقدح زيادته عمدا و سهوا كنقيصته، لكنّه غير ثابت و ان نسب الى المشهور؛ لأنّهم فسّروا الركن بما تبطل الصلاة بالاخلال به عمدا و سهوا، و الظاهر أنّ الاخلال هو الترك. و أمّا الابطال لمن زاد في صلاته، فانّ ذلك للعمد لا للسهو الذي ورد فيه عدم الاعادة و هو: «لاتعاد الصلاة ... ». و قاعدة الشغل يدفعها حديث «لاتعاد».
فتحصّل أنّ زيادة التكبير سهوا لاتكون مانعة.
و أمّا نيّة الخلاف فسهوها أيضا لايكون مانعا و قد دلّ عليه حديث «لاتعاد» و خصوص ما ورد في نظير المقام كصحيحة معاوية قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل قام في الصلاة المكتوبة فسها فظنّ أنّها نافلة أو قام في النافلة فظنّ أنّها مكتوبة؟ قال: هي على ما افتتح الصلاة عليه».(1)
و يؤيّده التوقيع المروي عن الاحتجاج عن محمّد بن عبداللّه بن جعفر الحميري عن صاحب الزمان عليه السلام أنّه كتب اليه يسأله عن رجل صلّى الظهر و دخل في صلاة العصر فلمّا صلّى من صلاة العصر ركعتين استيقن أنّه صلّى الظهر ركعتين، كيف يصنع؟ فأجاب:
«ان كان أحدث بين الصلاتين حادثة يقطع بها الصلاة أعاد الصلاتين، و ان لم يكن أحدث حادثة جعل الركعتين الأخيرتين تتمّة لصلاة الظهر و صلّى العصر بعد ذلك».(2)
و الرواية و ان كانت ضعيفة الاّ أنّها تصلح للتأييد كما قلنا. و المراد من الركعتين الأخيرتين هو عين ما سأله الراوي من أنّه «صلّى من صلاة العصر ركعتين» و التعبير بالأخيرتين لأنّهما تكونان أخيرتين للظهر واقعا. و ما قد يحمل من ارادة الركعتين الأخيرتين للعصر اللتين لم يصلّهما و جعلهما للظهر فبعيد.
و أمّا اذا صلّى من العصر ركعة ثمّ تذكّر أنّه ترك من الظهر ركعة و قد دخل في ركوع الركعة الثانية فحيث انّه لم يمكن له العدول الى الظهر و جعل الركعة التي صلاّها ظهرا يكشف عن بطلان الصلاتين.
(مسألة 8): اذا صلّى صلاتين ثمّ علم نقصان ركعة أو ركعتين من احداهما من غير تعيين فان كان قبل الاتيان بالمنافي ضمّ الى الثانية ما يحتمل من النقص ثمّ أعاد الأولى فقط بعد الاتيان بسجدتي السهو لأجل السلام احتياطا، و ان كان بعد الاتيان بالمنافي فان اختلفتا في العدد أعادهما و الاّ أتى بصلاة واحدة بقصد ما في الذمّة.
الشرح:
اذا صلّى صلاتين ثمّ علم بنقصان ركعة أو ركعتين من احداهما من غير تعيين فتارة يكون بعد الاتيان بالمنافي سواء كان آتيا بالمنافي بعد الأولى أيضا أم لم يكن. و أخرى قبل الاتيان بالمنافي. ففي الأولى فحيث يعلم اجمالاً بنقصان احدى الصلاتين و لا مورد للضمّ أيضا فعليه اعادة الصلاتين ان اختلفتا في العدد كالمغرب و العشاء، و ان كانتا متساويتين كالظهر و العصر فيأتي بصلاة واحدة بقصد ما في الذمّة، فان كان النقص في العصر فقد أتى به و ان كان النقص في الظهر فقد أتى به أيضا، و يسقط وجوب الترتيب؛ لأنّه يكون في حال الذكر لا السهو و الغفلة. و يمكن أن يقال بأنّه لو كان النقص في صلاة الظهر و كانت صلاة العصر تامّة تحتسب صلاة العصر ظهرا؛ لأنّها «أربع مكان أربع» كما في الخبر، فحينئذ يأتي بأربع ركعات بنيّة العصر؛ لأنّه ان كان النقص في العصر فقد أتى بها و ان كان النقص في الظهر فتحتسب العصر التي قد صلاّها ظهرا فبقي عليه صلاة العصر و قد صلاّها.
و أمّا الثانية و هو فيما اذا لم يأت بالمنافي بعد الصلاتين فيجوز له إمّا الاتيان بالمنافي حتّى يرجع الى الصورة الأولى فيأتي بأربع ركعات ان كانتا متساويتين أو يعيدهما ان كانتا مختلفتين فلايصدق هنا قطع الصلاة لعدم احراز عنوان الصلاة؛ لأنّه يحتمل أن تكون الصلاة الثانية تامّة، و أمّا استصحاب بقائه في الصلاة و عدم الخروج عنها ففيه: انّه لايثبت عنوان القطع فانّ المحرّم هو عنوان القطع. و إمّا ضمّركعة الى الثانية و اعادة الأولى. أمّا اعادة الأولى فلقاعدة الاشتغال و أمّا ضمّ
الركعة فلاحتمال نقص الثانية. فاذا أعاد الأولى و ضمّ ركعة الى الثانية فيعلم ببراءة ذمّته؛ لأنّه ان كان النقص في الأولى فقد أعادها و ان كان النقص في الثانية فقد أتى بما يتمّها. و أمّا سجدتا السهو للسلام الزائد فلاتجبان للبراءة.
(مسألة 9): اذا شكّ بين الاثنتين و الثلاث أو غيره من الشكوك الصحيحة ثمّ شكّ في أنّ الركعة التي بيده آخر صلاته أو أولى صلاة الاحتياط جعلها آخر صلاته و أتمّ ثمّ أعاد الصلاة احتياطا بعد الاتيان بصلاة الاحتياط.
الشرح:
اذا شكّ بين الاثنتين و الثلاث أو غيره من الشكوك الصحيحة ثمّ شكّ في أنّ الركعة التي بيده آخر صلاته أو أوّل صلاة الاحتياط، فعليه أن يجعل الركعة التي بيده آخر صلاته ثمّ يصلّي صلاة الاحتياط. و ذلك لقاعدة الاشتغال فانّه يشكّ في أنّ ما كان عليه من أربع ركعات من صلاة الظهر مثلاً هل أتى بها أو أنّه لم يأت الاّ بثلاث ركعات فالاشتغال اليقيني يستدعي البراءة اليقينيّة، فاذا جعل الركعة المذكورة آخر صلاته و سلّم فيصلّي صلاة الاحتياط أيضا لقاعدة الاشتغال. فلايجب عليه اعادة الصلاة و ذلك لأنّه لو كان النقص في الصلاة فقد أتمّها و أتى بصلاة الاحتياط بعد ذلك، و لو لم يكن في الصلاة نقص و كانت ما بيده من الركعة صلاة الاحتياط فحيث انّه تشهّد و سلّم صارت الركعة بعنوان صلاة الاحتياط و ما أتى به ثانيا كان لغوا و لا ضير. و أمّا نيّة الخلاف بمعنى أنّه نوى أن تكون هذه الركعة آخر صلاته فلا اشكال لما تقدّم في المسألة السابعة.
و هنا فرضان آخران:
الأوّل: اذا شكّ بين الاثنتين و الأربع ثمّ شكّ في أنّ الركعة التي بيده آخر صلاته أو آخر صلاة الاحتياط، فعليه أن يجعلها آخر صلاته ثمّ يصلّي صلاة
الاحتياط و لايجب عليه اعادة الصلاة و ذلك لأنّه لو كان النقص في الصلاة الأصليّة فقد أتى به ثمّ أتى بصلاة الاحتياط، و لو لم يكن هناك نقص فيحتسب ما أتى به من صلاة الاحتياط و ما صلاّها بعنوان الاحتياط ثانيا يصير لغوا.
و أمّا الفرض الثاني و هو ما اذا شكّ بين الاثنتين و الأربع ثمّ شكّ في أنّ ما بيده من الركعة هل هي آخر الصلاة أو أوّل صلاة الاحتياط، فعليه أيضا أن يجعلها آخر صلاته ثمّ يأتي بصلاة الاحتياط. كلّ ذلك لقاعدة الاشتغال.
ان قلت بأنّه لو كان النقص في صلاة الاحتياط و كانت الصلاة الأصليّة تامّة فقد فصل بين الصلاة الأصليّة و بين صلاة الاحتياط بالركعة التي أتى بها، فعليه اعادة الصلاة حتّى تبرأ ذمّته، قلت: انّ اجراء قاعدة الاشتغال يجعل الركعة آخر الصلاة و ينفي صلاة الاحتياط تعبّدا، فلاتجري قاعدة التجاوز؛ لأنّ ورودها في الجزء الآخر مشكوك فيه. فتحصّل أنّه لايجب الاعادة في الفروض الثلاثة.
(مسألة 10): اذا شكّ في أنّ الركعة التي بيده رابعة المغرب أو أنّه سلّم على الثلاث و هذه أولى العشاء. فان كان بعد الركوع بطلت و وجب عليه اعادة المغرب، و ان كان قبله يجعلها من المغرب و يجلس و يتشهّد و يسلّم ثمّ يسجد سجدتي السهو لكلّ زيادة من قوله «بحول اللّه» و للقيام و للتسبيحات احتياطا و ان كان في وجوبها اشكال من حيث عدم علمه بحصول الزيادة في المغرب.
الشرح:
اذا شكّ في أنّ الركعة التي بيده رابعة المغرب أو أنّه سلّم على الثلاث و هذه أولى العشاء، فللمسألة صورتان:
الصورة الأولى: اذا عرضه الشكّ قبل الدخول في ركوع الركعة الرابعة فعليه أن يجعل هذه الصلاة التي يصلّيها مغربا فيجلس و يتشهّد و يسلّم ثمّ يقوم و
يستأنف العشاء و لايجب عليه سجدتا السهو، كما تقدّم في محلّه.
الصورة الثانية: اذا عرضه الشكّ بعد الدخول في الركوع فيبطل ما بيده من الصلاة و عليه اعادة صلاتي المغرب و العشاء: أمّا العشاء فلقاعدة الاشتغال فانّ الشروع فيها مشكوك فيه، و أمّا المغرب فلعدم امكان تصحيحها.
و ما قيل في تصحيحها باجراء قاعدة الفراغ و التجاوز بتقريب أنّ من يرى نفسه مدبرا للقبلة بعد الصلاة فيشكّ في التشهّد و السلام فلايعتني فتجري قاعدة الفراغ و التجاوز فكذا ما نحن فيه فمن يرى نفسه في ركوع الركعة الرابعة فقد تجاوز و دخل فيما يدخل فيه من كان فارغا من صلاة المغرب، فعليه أن يبني على صحّة صلاة المغرب و يستأنف العشاء. ففيه: انّ الفراغ من الصلاة لم يحرز بخلاف من يرى نفسه مدبرا للقبلة، فانّ فراغه من الصلاة محرز في الجملة.
(مسألة 11): اذا شكّ و هو جالس بعد السجدتين بين الاثنتين و الثلاث و علم بعدم اتيان التشهّد في هذه الصلاة فلا اشكال في أنّه يجب عليه أن يبني على الثلاث لكن هل عليه أن يتشهّد أم لا؟ وجهان لايبعد عدم الوجوب بل وجوب قضائه بعد الفراغ امّا لأنّه مقتضى البناء على الثلاث، و امّا لأنّه لايعلم بقاء محلّ التشهّد من حيث انّ محلّه الركعة الثانية و كونه فيها مشكوك بل محكوم بالعدم. و أمّا لو شكّ و هو قائم بين الثلاث و الأربع مع علمه بعدم الاتيان بالتشهّد في الثانية فحكمه المضيّ و القضاء بعد السلام؛ لأنّ الشكّ بعد تجاوز محلّه.
الشرح:
اذا شكّ بين الاثنتين و الثلاث و هو جالس بعد السجدتين و علم بعدم اتيان التشهّد في هذه الصلاة، فلا اشكال في أنّه يجب عليه أن يبني على الثلاث؛ لاطلاق النصّ الوارد فيمن شكّ بين الاثنتين و الثلاث، فاذا بنى على الثلاث فصارت
الركعة التي هو جالس بعد سجدتيها ثالثة فيجري عليه أحكام الركعة الثالثة و من جملتها مضيّ محلّ التشهّد فعليه سجدتا السهو لنسيان التشهّد بعد الصلاة.
و كذا يكون حكم ما لو شكّ و هو قائم بين الثلاث و الأربع مع علمه بعدم الاتيان بالتشهّد في الثانية، فحكمه المضيّ و القضاء بعد السلام؛ لأنّ الشكّ بعد تجاوز محلّه.
(مسألة 12): اذا شكّ في أنّه بعد الركوع من الثالثة أو قبل الركوع من الرابعة بنى على الثاني؛ لأنّه شاكّ بين الثلاث و الأربع و يجب عليه الركوع؛ لأنّه شاكّ فيه مع بقاء محلّه و أيضا هو مقتضى البناء على الأربع في هذه الصورة. و أمّا لو انعكس بأن كان شاكّا في أنّه قبل الركوع من الثالثة أو بعده من الرابعة فيحتمل وجوب البناء على الأربع بعد الركوع فلايركع بل يسجد و يتمّ و ذلك لأنّ مقتضى البناء على الأكثر البناء عليه من حيث انّه أحد طرفي شكّه و طرف الشكّ الأربع بعد الركوع لكن لايبعد بطلان صلاته؛ لأنّه شاكّ في الركوع من هذه الركعة و محلّه باقٍ فيجب عليه أن يركع و معه يعلم اجمالاً أنّه امّا زاد ركوعا أو نقص ركعة فلايمكن اتمام الصلاة مع البناء على الأربع و الاتيان بالركوع مع هذا العلم الاجمالي.
الشرح:
اذا كان قائما و كان شاكّا بين الثلاث و الأربع و يعلم أيضا ان كانت هذه الركعة ثالثة فقيامه يكون بعد الركوع، و أمّا ان كانت رابعة فقيامه يكون قبل الركوع، فالظاهر أنّ صلاته باطلة، و ذلك لأنّ الظاهر من أدلّة الشكوك الصحيحة لزوم كون أحد طرفي الشكّ قابلاً للجبر بصلاة الاحتياط، و الطرف الآخر منه قابلاً للكمال و لم يحتمل فيه بطلان، ففيما نحن فيه لو بنى على الأربع فركع فأتمّ الصلاة ثمّ أتى بصلاة الاحتياط، لم يطابق المأتي به بأدلّة الشكوك الصحيحة على ما قلناه، و ذلك
لأنّه لو كانت الركعة التي بيده ثالثة واقعا لم تكن صلاة الاحتياط جابرة لها؛ لأنّه قد زاد فيها ركوعا و هكذا الحال في عكس الصورة فاذا كان قائما و كان شاكّا بين الثلاث و الأربع و يعلم أيضا ان كانت هذه الركعة ثالثة فالقيام يكون قبل الركوع و ان كانت رابعة فالقيام بعد الركوع، فاذا بنى على الأربع فامّا أن يأتي بالركوع لبقاء محلّه أو لايأتي. ففي كلا الموردين تبطل الصلاة؛ لأنّه لو لم يأت بالركوع فأتمّ الصلاة و أتى بصلاة الاحتياط، فلو كانت الركعة البنائيّة ثالثة واقعا تبطل صلاته؛ لأنّه و ان كانت صلاة الاحتياط جابرة من جهة الركعة الاّ أنّه على الفرض نقص ركوع تلك الركعة فلاتجبرها صلاة الاحتياط. و أمّا لو أتى بالركوع فسلّم ثمّ صلّى صلاة الاحتياط فتبطل صلاته أيضا؛ لأنّه لو كانت الركعة البنائيّة رابعة فقد زاد فيها ركوعا فلايكون أحد طرفي الشكّ تامّا.
و يمكن أن يقال كما هو مبنى صاحب العروة بأنّه في الصورة الأولى يبني على الأربع و تصير الركعة البنائيّة كالواقعيّة فيترتّب عليها آثارها و من جملتها الاتيان بالركوع للشكّ فيها و المحلّ باقٍ و حينئذ يرفع احتمال زيادة الركوع لو كانت ثالثة بالأصل الغير المعارض له، كما أنّه لو بنى في الصورة الثانية على الأربع فيصير الركعة البنائيّة كالواقعيّة و يترتّب عليها آثارها و من جملتها عدم الاتيان بالركوع لأنّه أتى به على الفرض لو كانت رابعة، و احتمال عدم اتيانه لو كانت ثالثة يدفع بقاعدة التجاوز التي لم يكن لها معارض على البناء. و أمّا لو أتى بالركوع لقاعدة الاشتغال لأنّه في المحلّ فيشكل صحّة صلاته؛ لأنّه لو كانت الركعة البنائيّة نازلة منزلة الواقعيّة و حيث فرض الاتيان بالركوع فاتيانه ثانيا موجب لازدياد الركوع في الركعة فتبطل، و الترجيح للأوّل لما قلنا من ظهور أدلّة الشكوك الصحيحة في لزوم أن يكون أحد طرفي الشكّ قابلاً للجبر بصلاة الاحتياط، و الطرف الآخر قابلاً للكمال و الصحّة و لم يطابق هذا للمسألة فتبطل الصلاة، و الاحتياط حسن في كلّ حال.
(مسألة 13): اذا كان قائما و هو في الركعة الثانية من الصلاة و علم أنّه أتى في هذه الصلاة بركوعين و لايدري أنّه أتى بكليهما في الركعة الأولى حتّى تكون الصلاة باطلة أو أتى فيها بواحد و أتى بالآخر في هذه الركعة فالظاهر بطلان الصلاة؛ لأنّه شاكّ في ركوع هذه الركعة و محلّه باقٍ فيجب عليه أن يركع مع أنّه اذا ركع يعلم بزيادة ركوع في صلاته و لايجوز له أن لايركع مع بقاء محلّه فلايمكنه تصحيح الصلاة
الشرح:
اذا كان قائما و هو في الركعة الثانية من الصلاة و علم أنّه أتى في هذه الصلاة بركوعين و لايدري أنّه أتى بكليهما في الركعة الأولى حتّى تكون الصلاة باطلة أو أتى فيها بواحد و أتى بالآخر في هذه الركعة فالظاهر صحّة الصلاة و ذلك لاجراء قاعدة التجاوز بالنسبة الى صحّة الركعة الأولى فينحلّ العلم الاجمالي تعبّدا، و لايقال بأنّ اجراء قاعدة التجاوز بالنسبة الى صحّة الركعة الأولى لايثبت أنّه أتى بالآخر في هذه الركعة؛ لأنّه يقال اذا علمنا بالعلم الاجمالي بركوعين في هاتين الركعتين و ثبت بالأصل بأنّ أحدهما فقط وقع في الركعة الأولى علمنا بالتفصيل تعبّدا أنّ ثانيهما وقع في الركعة الثانية.
و أمّا توجيه المصنّف في بطلان الصلاة بأنّه شاكّ في ركوع هذه الركعة و محلّه باقٍ فيجب عليه أن يركع مع أنّه اذا ركع يعلم بزيادة ركوع في صلاته و لايجوز له أن لايركع مع بقاء محلّه فلايمكنه تصحيح الصلاة، ففيه: انّه اذا جرت قاعدة التجاوز في الركعة الماضية فثبت تعبّدا أنّ الركعة الماضية كان لها ركوع واحد فيعلم تفصيلاً أنّ الركوع الآخر وقع في هذه الركعة فلايبقى محلّ لقاعدة الاشتغال فتصحّ صلاته.
(مسألة 14): اذا علم بعد الفراغ من الصلاة أنّه ترك سجدتين ولكن لم يدر أنّهما من ركعة واحدة أو من ركعتين وجب عليه الاعادة ولكن الأحوط قضاء السجدة مرّتين و كذا سجود السهو مرّتين أوّلاً ثمّ الاعادة، و كذا يجب الاعادة اذا كان ذلك في أثناء الصلاة، و الأحوط اتمام الصلاة و قضاء كلّ منهما و سجود السهو مرّتين ثمّ الاعادة.
الشرح:
اذا علم بعد الفراغ من الصلاة و الاتيان بالمنافي أنّه ترك سجدتين ولكن لم يدر أنّهما من ركعة واحدة حتّى تبطل صلاته أو من ركعتين ليجب عليه قضاء السجدة مرّتين، فحينئذ ترجع المسألة لدى التحليل الى علمه بترك السجدة الأولى من الركعة الأولى أو الثانية و دار علمه بين ترك السجدة الثانية من الركعة المتروكة
سجدتها الأولى و السجدة الثانية من الركعة التي فعل سجدتها الأولى، فان أجرى قاعدة التجاوز بالنسبة الى السجدة الثانية من الركعة المتروكة سجدتها الأولى للشكّ فيه و تجاوز محلّه فقد علم تفصيلاً بترك السجدتين من ركعتين فتصحّ صلاته، و ان أجراها بالنسبة الى السجدة الثانية من الركعة التي فعل سجدتها الأولى فقد علم تفصيلاً بترك السجدتين من ركعة فتبطل صلاته الاّ أنّ اجراء القاعدة بالنسبة الى السجدة الثانية من الركعة التي فعل سجدتها الأولى لا أثر له؛ لأنّ نتيجته
البطلان و الحال أنّ قاعدة التجاوز وضعت لصحّة الصلاة و اجزائها. و أمّا اجراؤها بالنسبة الى السجدة الثانية من الركعة المتروكة سجدتها الأولى فله أثر و هو صحّة الصلاة، و هذا موجب لترجيح جريانها بالنسبة الى السجدة الثانية من الركعة التي فعل سجدتها الأولى، فاذا أجرينا قاعدة التجاوز فنقول بصحّة الصلاة و قضاء سجدتين لركعتين مختلفتين.
و أمّا دليل الماتن لحكمه باعادة الصلاة أوّلاً و الاحتياط بقضاء السجدتين فلظنّه بعدم اجراء قاعدة التجاوز أبدا للتعارض و عدم المرجّح فيتساقطان فتصل
النوبة الى الاستصحاب، فاجراء الاستصحاب في احدى الركعتين ممّا علم بترك السجدة الأولى منها موجب للبطلان فيعيد الصلاة كما أنّ اجراءه في الأخرى موجب للقضاء.
(مسألة 15): ان علم بعد ما دخل في السجدة الثانية مثلاً أنّه امّا ترك القراءة أو الركوع، أو أنّه امّا ترك سجدة من الركعة السابقة أو ركوع هذه الركعة وجب عليه الاعادة لكن الأحوط هنا أيضا اتمام الصلاة و سجدتا السهو في الفرض الأوّل و قضاء السجدة مع سجدتي السهو في الفرض الثاني ثمّ الاعادة، و لو كان ذلك بعد الفراغ من الصلاة فكذلك.
الشرح:
اذا كان في السجدة الثانية و علم اجمالاً بأنّه امّا ترك ركوعا من هذه الركعة أو ترك سجدة من الركعة السابقة، أو أنّه امّا ترك ركوعا من هذه الركعة أو ترك القراءة منها، ففي المثالين لم يكن له الرجوع لتدارك الركوع لدخوله في الركن أي السجدة الثانية. و أمّا اجراء قاعدة التجاوز بالنسبة الى الركوع فلابأس به، كما تقدّم في المسألة السابقة؛ لأنّ له أثرا و هو صحّة الصلاة. و أمّا اعمالها في الطرف الآخر أيضا يخالف العلم الاجمالي، و فيه فقط و هو السجدة مثلاً دون الركوع يوجب بطلان الصلاة؛ لأنّ اجراءها في الطرف موجب لاثبات ترك الركوع. فالترجيح لاجرائها في الطرف الذي يوجب صحّة الصلاة و هو الركوع. و بالنسبة الى السجدة نستصحب عدم اتيانها فيجب قضاؤها.
و أمّا الماتن فالظاهر أنّه أجرى القاعدة في الطرفين فوقع التعارض بينهما، و بعد التساقط علم اجمالاً امّا بوجوب الاعادة لو كان المتروك هو الركوع، أو بوجوب القضاء أو سجود السهو لو كان هو السجدة أو القراءة، فلا بدّ من الجمع بينهما عملاً بالعلم الاجمالي ولكن حيث انّه ينحلّ العلم الاجمالي لقاعدة
الاشتغال في الركوع و البراءة بالنسبة الى السجدة أو سجود السهو فلاتجب عليه الاّ الاعادة و ان كان الأحوط ضمّ الآخرين رعاية للاحتمال الآخر.
و فيه: انّ التحقيق عدم المعارضة كما قلنا.
هذا اذا كان شكّه بعد الورود في السجدة الثانية، و أمّا ان دخل في السجدة الأولى فعرض له الشكّ بين ترك الركوع أو سجدة، و بين ترك الركوع أو القراءة فهنا أيضا تجري قاعدة التجاوز بالنسبة الى الركوع بلا معارض كما قلنا في سابقه و يجري استصحاب عدم الاتيان بالسجدة أو القراءة بالنسبة اليهما فيتمّ صلاته ثمّ يقضي السجدة أو يسجد سجدتي السهو؛ لترك القراءة ان قلنا بهما لكلّ زيادة و نقيصة. و قد يقال بالرجوع و تدارك السجدة أو القراءة ثمّ الركوع ثمّ الاتيان بالسجدة و اتمام الصلاة، و ذلك لعدم الورود في الركن و بقاء المحلّ السهوي و استصحاب عدم الاتيان بالركوع و السجدة أو القراءة، و لا اشكال بوجود العلم الاجمالي بازدياد السجدة أو الركوع أو بزيادة القراءة أو الركوع؛ لأنّه اذا عمل بتكليفه الشرعي و هو الاستصحاب فلايشكّ في ازدياد الركوع و لكن فيه: انّ الظاهر من الروايات الواردة في وجوب الرجوع لأمثال المقام أي الدخول في واجب غير ركني أنّها لنسيان واجب عينا و عن علم تفصيلي، لا في مثل ما نحن فيه الذي يكون في ترك أحد أطراف العلم الاجمالي شكّ. و حيث لا دليل على رجوعه تجري قاعدة التجاوز في ناحية الركوع؛ لرجحانه على اجرائها بالنسبة الى السجدة أو القراءة فتصحّ الصلاة و يجري استصحاب العدم بالنسبة الى السجدة أو القراءة فيقضي السجدة بعد الصلاة أو يسجد سجدتي السهو لترك القراءة ان قلنا بهما لكلّ زيادة و نقيصة.
(مسألة 16): لو علم قبل أن يدخل في الركوع أنّه امّا ترك سجدتين من الركعة السابقة أو ترك القراءة وجب عليه العود لتداركهما و الاتمام ثمّ الاعادة، و يحتمل الاكتفاء بالاتيان بالقراءة و الاتمام من غير لزوم الاعادة اذا كان ذلك بعد الاتيان بالقنوت بدعوى أنّ وجوب القراءة عليه معلوم؛ لأنّه امّا تركها أو ترك السجدتين فعلى التقديرين يجب الاتيان بها و يكون الشكّ بالنسبة الى السجدتين بعد الدخول في الغير الذي هو القنوت و كذا الحال لو علم بعد القيام الى الثالثة أنّه امّا ترك السجدتين أو التشهّد، أو ترك سجدة واحدة أو التشهّد، و أمّا لو كان قبل القيام فيتعيّن الاتيان بهما مع الاحتياط بالاعادة.
الشرح:
هيهنا فروع:
اذا لم يدخل في القنوت بعد فعلم أنّه امّا ترك القراءة أو السجدتين من الركعة السابقة فعليه أن يأتي بالقراءة؛ لبقاء محلّها و تجري قاعدة التجاوز بالنسبة الى السجدتين.
اذا دخل في القنوت و لمّايركع فعلم أنّه امّا ترك القراءة أو السجدتين من الركعة السابقة فعليه أن يأتي بالقراءة و تجري قاعدة التجاوز بالنسبة الى السجدتين كما اذا كان قبل القنوت، و ذلك لأنّه يعلم تفصيلاً - مضافا الى علمه
الاجمالي - بأنّ القراءة تركت امّا بنفسها و امّا لعدم الاتيان بالسجدتين، فوجود القنوت كعدمه.
و أمّا مستند فتوى الماتن بالعود والتدارك ثمّ الاتمام والاعادة، هو مقتضى أصالة عدم الاتيان بشيء منهما بعد سقوط قاعدة التجاوز الجارية في الطرفين بالمعارضة، فاذا رجع و أتى بسجدتين ثمّ القيام و القراءة، يتولّد من ذلك العلم الاجمالي بزيادة السجدتين أو بوجوب سجدتي السهو فلايجري فيهما أصالة عدم الزيادة لمخالفتها للعلم الاجمالي، فتصل النوبة الى قاعدة الاشتغال بالنسبة الى الاعادة و البراءة بالنسبة الى سجدتي السهو، و أمّا اتمامه الصلاة فلعلّه للتفصّي عن شبهة حرمة القطع. ففيه: انّ الأرجح ما أفاده ثانيا من لزوم القراءة و اجراء قاعدة التجاوز بالنسبة الى السجدتين فتصحّ صلاته، و ذلك لما تقدّم.
اذا علم بعد القيام بترك سجدتين أو التشهّد فعليه أن يجلس؛ لأنّه يعلم تفصيلاً بترك أحد الواجبين فقيامه لغو، فاذا جلس فعليه السجدتان و التشهّد معا؛ لوجود المحلّ بالنسبة اليهما، فيتولّد حينئذ العلم الاجمالي بزيادة السجدتين أو التشهّد و حيث لا ثمرة لزيادة التشهّد و لاتجب سجدتا السهو فالأصل الجاري بالنسبة الى السجدتين و هو عدم زيادتهما يكون بلا معارض فتصحّ صلاته. نعم، لو قلنا بوجوب سجدتي السهو لكلّ زيادة و نقيصة فحيث انّ أصل عدم الزيادة في جانب السجدتين يعارض بمثله في جانب التشهّد فتصل النوبة الى اجراء قاعدة الاشتغال بالنسبة الى اعادة الصلاة؛ لاحتمال زيادة السجدتين و بطلان الصلاة، فتجب الاعادة، و اجراء أصل البراءة بالنسبة الى وجوب سجدتي السهو للتشهّد.
اذا كان قائما في الركعة الثالثة و يعلم اجمالاً بترك سجدة واحدة أو التشهّد في الركعة الثانية فيجب عليه الجلوس؛ لأنّه يعلم تفصيلاً بترك أحد الواجبين فقيامه لغو، فاذا جلس يجب عليه السجدة و التشهّد للمحلّ فيقوم و يتمّ صلاته و يسجد سجدتي السهو للقيام و سجدتين لزيادة التشهّد ان قلنا بوجوبهما لكلّ زيادة و نقيصة أو زيادة السجدة، و أمّا ان لم نقل بوجوب سجدتي السهو لكلّ زيادة و نقيصة فالأصل الجاري بالنسبة الى السجدة و هو عدم زيادتها يكون بلا معارض فيجب عليه سجدتا السهو للقيام فقط.
اذا كان جالسا و علم اجمالاً بتركه سجدة واحدة أو التشهّد فحاله كالفرع الرابع الاّ أنّه لايجب عليه سجدتا السهو بناءً على عدم وجوبهما لكلّ زيادة و نقيصة كما هو الحقّ.
(مسألة 17): اذا علم بعد القيام الى الثالثة أنّه ترك التشهّد و شكّ في أنّه ترك السجدة أيضا أم لا، يحتمل أن يقال يكفي الاتيان بالتشهّد؛ لأنّ الشكّ بالنسبة الى السجدة بعد الدخول في الغير الذي هو القيام فلا اعتناء به و الأحوط الاعادة بعد الاتمام، سواء أتى بهما أو بالتشهّد فقط.
الشرح:
اذا علم بعد القيام الى الثالثة أنّه ترك التشهّد و شكّ في أنّه ترك السجدة أيضا أم لا، فعليه أن يجلس لتدارك التشهّد فقيامه لم يكن قياما شرعيّا فلم يترتّب عليه الآثار و من جملتها عدم الاعتناء بالشكّ في الجزء الذي قبله فلايكون الشكّ في ترك السجدة شكّا بعد تجاوز المحلّ، بل في المحلّ، فيجب أن يسجد و يتشهّد و يتمّ صلاته فيسجد سجدتي السهو للقيام على القول الآخر.
و أمّا ما استند به صاحب العروة في عدم الاعتناء بالشكّ بالنسبة الى السجدة و هو الدخول في الغير الذي هو القيام فكأنّه رأى أنّ لأدلّة التجاوز اطلاقا، ولكنّه ممنوع؛ لأنّ الظاهر من قوله عليه السلام: «اذا خرجت من شيء ثمّ دخلت في غيره فشكّك ليس بشيء»(1)هو الخروج ممّا كان جزءا للصلاة و الدخول الى ما كان جزءا للصلاة، فالمراد من الغير هو الجزء الصلاتي، لا الجزء الذي ليس بجزء حقيقة. و أمّا دليله في الاحتياط بالاعادة في صورة الاتيان بالسجدة و التشهّد فهو الاتيان بالزيادة العمديّة بناءً على أنّ المراد بالغير هو الجزء الحقيقي فلا بدّ له من عدم الاعتناء بالشكّ، و في صورة عدم الاتيان بالسجدة هو ترك السجدة عمدا بناءً على أنّ المراد بالغير هو مطلق الغير الشامل للجزء الحقيقي و غيره.
(مسألة 18): اذا علم اجمالاً أنّه أتى بأحد الأمرين من السجدة و التشهّد من غير تعيين و شكّ في الآخر فان كان بعد الدخول في القيام لم يعتن بشكّه، و ان كان قبله يجب عليه الاتيان بهما؛ لأنّه شاكّ في كلّ منهما مع بقاء المحلّ و لايجب الاعادة بعد الاتمام و ان كان أحوط.
الشرح:
اذا علم اجمالاً بأنّه أتى بأحد الأمرين من السجدة أو التشهّد من غير تعيين و
1) - وسائل الشيعة 8: 237 / الباب 23 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة / الحديث 1.
شكّ في الآخر، فتارة يكون في حال القيام و أخرى قبل القيام و في حال الجلوس، ففي الأولى لم يعتن بشكّه لقاعدة التجاوز و صحّت صلاته. و أمّا في الثانية فعليه أن يأتي بهما أي السجدة و التشهّد؛ لأنّ المحلّ باقٍ بالنسبة الى كلّ واحد منهما. و قد يقال فيه ببطلان صلاته في الصورة الثانية؛ لأنّه يتولّد له العلم الاجمالي بزيادة السجدة عمدا أو سجود السهو، فزيادة السجدة عمدا لاحتمال الاتيان بالسجدة واقعا، و سجود السهو لاحتمال ترك السجدة و الاتيان بالتشهّد في غير محلّه. فاذا علم بزيادة السجدة عمدا أو سجود السهو فتجري قاعدة الاشتغال بالنسبة الى اعادة الصلاة و أصالة البراءة بالنسبة الى سجود السهو. ولكن يقال فيه: انّه اذا أتى بهما بأمر من الشارع لكونه في المحلّ فلا معنى لزيادة السجدة عامدا، مضافا الى عدم وجوب سجود السهو للتشهّد الزائد عندنا.
(مسألة 19): اذا علم أنّه امّا ترك السجدة من الركعة السابقة أو التشهّد من هذه الركعة فان كان جالسا و لم يدخل في القيام أتى بالتشهّد و أتمّ الصلاة و ليس عليه شيء، و ان كان حال النهوض الى القيام أو بعد الدخول فيه مضى و أتمّ الصلاة و أتى بقضاء كلّ منهما مع سجدتي السهو، و الأحوط اعادة الصلاة أيضا و يحتمل وجوب العود لتدارك التشهّد و الاتمام و قضاء السجدة فقط مع سجود السهو و عليه أيضا الأحوط الاعادة أيضا.
الشرح:
اذا علم أنّه امّا ترك السجدة من الركعة السابقة أو التشهّد من هذه الركعة فتارة يكون جالسا و لم يدخل في القيام فحينئذ أتى بالتشهّد و أتمّ الصلاة و ليس عليه شيء؛ لأنّ شكّه بالنسبة الى التشهّد شكّ في المحلّ فيجب الاتيان بالتشهّد، فاذا أتى بالتشهّد فينحلّ علمه الاجمالي فيشكّ في السجدة و هو بعد المحلّ فتجري قاعدة التجاوز فتصحّ صلاته.
و أخرى دخل في القيام فحيث انّه تجاوز عن محلّ التشهّد تجري قاعدة التجاوز الاّ أنّها معارضة بقاعدة التجاوز بالنسبة الى السجدة؛ لأنّ محلّها أيضا قد مضى و لا ترجيح لأحدهما على الآخر فبعد التساقط تصل النوبة الى استصحاب عدم الاتيان بالسجدة و التشهّد فيرجع و يتدارك التشهّد و يتمّ صلاته ثمّ يقضي السجدة.
و الماتن رحمه الله أفتى ابتداءً بالمضيّ و اتمام الصلاة و قضاء كلّ من السجدة و التشهّد و سجدتي السهو، و الظاهر أنّ مستنده لتلك الفتوى هو عدم تنجّز العلم الاجمالي لعدم فعليّة أحد طرفيه فانّ الطرف الذي هو الشكّ في التشهّد يكون فعليّا؛ لأنّه ان كان المتروك التشهّد فيجب عليه الرجوع فعلاً ليتدارك، و أمّا ان كان المتروك السجدة فلايجب عليه السجدة فعلاً بل قضاؤه بعد حين، فعليه تجري قاعدة التجاوز في جانب التشهّد لفعليّته دون السجدة لعدم فعليّتها، فاذا أتمّ الصلاة يعلم اجمالاً باشتغال ذمّته امّا بقضاء السجدة أو قضاء التشهّد و سجدتي السهو لأحدهما فيأتي بقضائهما و سجدتي السهو. و احتاط أخيرا باعادة الصلاة؛ لاحتمال تعارض قاعدة التجاوز الجارية في الطرفين و تساقطهما و اجراء استصحاب العدم بالنسبة الى التشهّد و السجدة الموجب لترك التشهّد عمدا؛ لأنّه لم يأت بالتشهّد بل أتمّ الصلاة. ولكن الاشكال فيما أفاده قدس سره بأنّ أطراف العلم الاجمالي تكون فعليّة فانّه بالنسبة الى التشهّد فمعلوم، أمّا بالنسبة الى السجدة فذمّته مشغولة الآن بقضاء السجدة. و ما قلناه هو الأظهر.
و ثالثة شرع في القيام و في حال النهوض علم بأنّه امّا ترك التشهّد من هذه الركعة أو السجدة من الركعة السابقة فهذه أيضا ملحقة بالصورة الأولى؛ لأنّه لم يدخل في الغير الذي هو الجزء الشرعي بل دخل في مقدّمته و الدليل على ذلك صحيحة عبدالرحمن بن أبي عبداللّه قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: رجل رفع رأسه عن السجود فشكّ قبل
أن يستوي جالسا فلم يدر أسجد أم لم يسجد؟ قال: يسجد. قلت: فرجل نهض من سجوده فشكّ قبل أن يستوي قائما فلم يدر أسجد أم لم يسجد؟ قال: يسجد».(1)
فحينئذ يجلس و يتشهّد و يتمّ الصلاة و ليس عليه شيء كما قلنا في الصورة الأولى.
(مسألة 20): اذا علم أنّه ترك سجدة امّا من الركعة السابقة أو من هذه الركعة فان كان قبل الدخول في التشهّد أو قبل النهوض الى القيام أو في أثناء النهوض قبل الدخول فيه وجب عليه العود اليها لبقاء المحلّ و لا شيء عليه؛ لأنّه بالنسبة الى الركعة السابقة شكّ بعد تجاوز المحلّ. و ان كان بعد الدخول في التشهّد أو في القيام مضى و أتمّ الصلاة و أتى بقضاء السجدة و سجدتي السهو، و يحتمل وجوب العود لتدارك السجدة من هذه الركعة و الاتمام و قضاء السجدة مع سجود السهو، و الأحوط على التقديرين اعادة الصلاة أيضا.
شرح هذه المسألة كشرح المسألة السابقة عينا فراجع.
(مسألة 21): اذا علم أنّه امّا ترك جزءا مستحبّا كالقنوت مثلاً أو جزءا واجبا سواء كان ركنا أو غيره من الأجزاء التي لها قضاء كالسجدة و التشهّد أو من الأجزاء التي يجب سجود السهو لأجل نقصها صحّت صلاته ولا شيء عليه و كذا لو علم أنّه امّا ترك الجهر و الاخفات في موضعهما أو بعض الأفعال الواجبة المذكورة لعدم الأثر لترك الجهر و الاخفات فيكون الشكّ
1) - وسائل الشيعة 6: 369 / الباب 15 من أبواب السجود / الحديث 6.
بالنسبة الى الطرف الآخر بحكم الشكّ البدوي.
الشرح:
اذا علم أنّه امّا ترك واجبا سواء كان ركنا أم غيره من الأجزاء التي لها قضاء كالسجدة و التشهّد أو من الأجزاء التي يجب سجود السهو لأجل نقصها، و امّا ترك مستحبّا لايكون في تركه سهوا أثر أو ترك واجبا كذلك كالجهر أو الاخفات و قد جاوز المحلّ و دخل في غيره صحّت صلاته و لا شيء عليه لأنّ الشكّ بالنسبة الى الطرف الآخر بحكم الشكّ البدوي.
بيان ذلك أنّ أطراف العلم الاجمالي يكون منجّزا اذا كان كلّ واحد من أطرافه ذا أثر كما اذا علم امّا بنجاسة هذا الاناء أو ذاك الاناء، و أمّا اذا لم يكن بعض أطراف العلم الاجمالي ذا أثر لم يكن منجّزا كما اذا علم بنجاسة هذا الاناء أو الاناء الذي يكون في بيت فلان و لم يكن باختياره و مبتلى به ففي هذه الحال لم يكن العلم الاجمالي منجّزا بل يكون الشكّ بالنسبة الى هذا الاناء شكّا بدويّا فتجري قاعدة الطهارة بالنسبة اليها من غير معارض، و ما نحن فيه من قبيل الصورة الثانية و قد تقدّم حكمها.
(مسألة 22): لا اشكال في بطلان الفريضة اذا علم اجمالاً أنّه امّا زاد فيها ركنا أو نقص ركنا، و أمّا في النافلة فلاتكون باطلة؛ لأنّ زيادة الركن فيها مغتفرة و النقصان مشكوك. نعم لو علم أنّه امّا نقص فيها ركوعا أو سجدتين بطلت، و لو علم اجمالاً أنّه امّا نقص فيها ركوعا مثلاً أو سجدة واحدة أو ركوعا أو تشهّدا أو نحو ذلك ممّا ليس بركن لم يحكم باعادتها؛ لأنّ نقصان ما عدا الركن فيها لا أثر له من بطلان أو قضاء أو سجود سهو فيكون احتمال نقص الركن كالشكّ البدوي.
الشرح:
لا اشكال في بطلان الفريضة اذا علم اجمالاً أنّه امّا زاد ركنا أو نقص ركنا سواء كان بعد الصلاة أو كان في أثنائها. و أمّا في النافلة فاذا علم اجمالاً أنّه امّا زاد ركنا أو نقص ركنا بعد الصلاة لاتكون صلاته باطلة؛ لأنّ العلم الاجمالي لايكون منجّزا لعدم الأثر لأحد أطراف العلم الاجمالي و هو زيادة الركن، فانّ زيادة الركن في النافلة سهوا مغتفرة و بالنسبة الى الطرف الآخر تجري قاعدة التجاوز. نعم، لو علم أنّه نقص ركوعا أو سجدتين من النافلة بطلت صلاته؛ لأنّه حينئذ كالفريضة ولم يغتفر في النافلة نقص الركن سهوا. و أمّا اذا علم بعد النافلة أو في أثنائها أنّه امّا نقص سجدة أو ركوعا بحيث كان أحد أطراف العلم الاجمالي الشكّ في الاتيان بواجب غير ركني، فصلاته هذه صحيحة؛ لأنّ أحد أطراف علمه الاجمالي لم يكن ذا أثر فانّ ترك واجب غير ركني سهوا في النافلة ليس مبطلاً.
(مسألة 23): اذا تذكّر و هو في السجدة أو بعدها من الركعة الثانية مثلاً أنّه ترك سجدة من الركعة الأولى و ترك أيضا ركوع هذه الركعة جعل السجدة التي أتى بها للركعة الأولى و قام و قرأ و قنت و أتمّ صلاته، و كذا لو علم أنّه ترك سجدتين من الأولى و هو في السجدة الثانية من الثانية فيجعلهما للأولى و يقوم الى الركعة الثانية، و ان تذكّر بين السجدتين سجد أخرى بقصد الركعة الأولى و يتمّ، و هكذا بالنسبة الى سائر الركعات اذا تذكّر بعد الدخول في السجدة من الركعة التالية أنّه ترك السجدة من السابقة و ركوع هذه الركعة، ولكن الأحوط في جميع هذه الصور اعادة الصلاة بعد الاتمام.
الشرح:
اذا شرع في الفريضة مثلاً صلاة الظهر فكبّر و قرأ و ركع و جلس فنسي السجدتين أو سجدة واحدة فقام و قرأ و قنت و غفل عن الركوع فجلس و سجد
ثمّ تذكّر في السجدة الأولى أو بعدها أو في السجدة الثانية أو بعدها أنّه ترك من الركعة الأولى السجدتين أو سجدة واحدة جعل هذه السجدة أو السجدتين من الأولى و يقوم و يقرأ و يركع و يتمّ صلاته و يسجد سجدتي السهو للقيام. و أمّا اذا تذكّر في السجدة الثانية أو بعدها أنّه ترك الركوع و قد ترك من الأولى سجدة يقوم و يركع و يسجد و يتمّ الصلاة و يسجد بعد الصلاة سجدتي السهو لزيادة السجدة. والدليل على ما قلنا هو وجود المحلّ؛ لأنّه لم يدخل بعد في الركوع فكما أنّه لو تذكّر في حال القيام نسيان السجدتين أو سجدة واحدة فكان عليه أن يجلس و يأتي بما ترك ثمّ يقوم و يتمّ صلاته و هكذا فيما نحن فيه. و لايضرّ اتيانه السجدة بقصد الركعة الثانية؛ لأنّ الركعات و الأجزاء لايغيّرها قصد الخلاف سهوا عمّا هي عليها، فلو كان في الركعة الثانية فقصد سهوا و غفلة أنّها الأولى أو الثالثة لايغيّر الركعة عمّا هي عليه من الثانية. نعم، لو فعل ذلك عمدا كان من التشريع المحرّم.
فتلخّص أنّه اذا تذكّر بعد الدخول في السجدة من الركعة التالية - سواء كانت الثانية أو الثالثة أو الرابعة - أنّه ترك السجدة من السابقة و ركوع هذه الركعة يجعلها أي السجدة للسابقة و يقوم للركعة التالية و يقرأ أو يسبّح و يركع و يتمّ صلاته و يسجد سجدتي السهو على تكليفه ممّا زاد أو نقص.
(مسألة 24): اذا صلّى الظهر و العصر و علم بعد السلام نقصان احدى الصلاتين ركعة فان كان بعد الاتيان بالمنافي عمدا و سهوا أتى بصلاة واحدة بقصد ما في الذمّة، و ان كان قبل ذلك قام فأضاف الى الثانية ركعة ثمّ سجد للسهو عن السلام في غير المحلّ ثمّ أعاد الأولى، بل الأحوط أن لاينوي الأولى بل يصلّي أربع ركعات بقصد ما في الذمّة؛ لاحتمال كون الثانية على فرض كونها تامّة محسوبة ظهرا.
(مسألة 25): اذا صلّى المغرب و العشاء ثمّ علم بعد السلام من العشاء أنّه
نقص من احدى الصلاتين ركعة فان كان بعد الاتيان بالمنافي عمدا و سهوا وجب عليه اعادتهما، و ان كان قبل ذلك قام فأضاف الى العشاء ركعة ثمّ يسجد سجدتي السهو ثمّ يعيد المغرب.
قد تقدّم شرح هاتين المسألتين في المسألة الثامنة.
(مسألة 26): اذا صلّى الظهرين و قبل أن يسلّم للعصر علم اجمالاً أنّه امّا ترك ركعة من الظهر و التي بيده رابعة العصر أو أنّ ظهره تامّة و هذه الركعة ثالثة العصر فبالنسبة الى الظهر شكّ بعد الفراغ و مقتضى القاعدة البناء على كونها تامّة، و بالنسبة الى العصر شكّ بين الثلاث و الأربع و مقتضى البناء على الأكثر الحكم بأنّ ما بيده رابعتها و الاتيان بصلاة الاحتياط بعد اتمامها الاّ أنّه لايمكن اعمال القاعدتين معا؛ لأنّ الظهر ان كانت تامّة فلايكون ما بيده رابعة، و ان كان ما بيده رابعة فلايكون الظهر تامّة فيجب اعادة الصلاتين؛ لعدم الترجيح في اعمال احدى القاعدتين. نعم، الأحوط الاتيان بركعة أخرى للعصر ثمّ اعادة الصلاتين؛ لاحتمال كون قاعدة الفراغ من باب الأمارات. و كذا الحال في العشاءين اذا علم أنّه امّا صلّى المغرب ركعتين و ما بيده رابعة العشاء أو صلاّها ثلاث ركعات، و ما بيده ثالثة العشاء.
الشرح:
اذا علم اجمالاً قبل السلام في صلاة العصر أنّه امّا نقص ركعة من الظهر و هذه الركعة التي بيده رابعة العصر أو كانت صلاة الظهر تامّة و هذه الركعة ثالثة العصر، فانّه علم تفصيلاً باتيان سبع ركعات، فعليه اختيار أحد هذين الأمرين لصحّة صلاته: امّا أن يعدل بصلاة العصر الى الظهر و يسلّم ثمّ يصلّي صلاة العصر، فحينئذ ان كانت صلاة الظهر باطلة لنقص ركعة فيها فهذه الصلاة التي تكون تامّة
عدلت الى الظهر و ان كانت صلاة الظهر تامّة فالعدول لغو و العصر باطل فيأتي بالعصر ثانيا. و امّا أن يجري قاعدة الفراغ بالنسبة الى الظهر فيشكّ في صلاة العصر بين الثلاث و الأربع فيبني على الأربع فيتمّ و يأتي بصلاة الاحتياط، فاذا أجرى قاعدة الفراغ بالنسبة الى الظهر فصلاة الظهر تكون صحيحة شرعا الاّ أنّه حيث لايلزم من صحّته شرعا نقص صلاة العصر فالشكّ بالنسبة اليها صحيح، و ذلك لأنّ مثبتات الأمارات (على فرض كون قاعدة الفراغ أمارة) لاتكون حجّة في جميع الموارد بل دائرة مدار سعة الدليل و ضيقه.
(مسألة 27): لو علم أنّه صلّى الظهرين ثماني ركعات ولكن لم يدر أنّه صلّى كلاًّ منهما أربع ركعات أو نقص من احداهما ركعة و زاد في الأخرى بنى على أنّه صلّى كلاًّ منهما أربع ركعات عملاً بقاعدة عدم اعتبار الشكّ بعد السلام، و كذا اذا علم أنّه صلّى العشاءين سبع ركعات و شكّ بعد السلام في أنّه صلّى المغرب ثلاثة و العشاء أربعة أو نقص من احداهما و زاد في الأخرى فيبني على صحّتهما.
شرح هذه المسألة واضح، و الدليل كما قاله الماتن.
(مسألة 28): اذا علم أنّه صلّى الظهرين ثماني ركعات و قبل السلام من العصر شكّ في أنّه هل صلّى الظهر أربع ركعات فالتي بيده رابعة العصر أو أنّه نقص من الظهر ركعة فسلّم على الثلاث و هذه التي بيده خامسة العصر فبالنسبة الى الظهر شكّ بعد السلام و بالنسبة الى العصر شكّ بين الأربع و الخمس فيحكم بصحّة الصلاتين؛ اذ لا مانع من اجراء القاعدتين، فبالنسبة الى الظهر يجري قاعدة الفراغ و الشكّ بعد السلام فيبني على أنّه سلّم على أربع، و بالنسبة الى العصر يجري حكم الشكّ بين الأربع و الخمس فيبني
على الأربع اذا كان بعد اكمال السجدتين فيتشهّد و يسلّم ثمّ يسجد سجدتي السهو، و كذا الحال في العشاءين اذا علم قبل السلام من العشاء أنّه صلّى سبع ركعات و شكّ في أنّه سلّم من المغرب على ثلاث فالتي بيده رابعة العشاء أو سلّم على الاثنتين فالتي بيده خامسة العشاء فانّه يحكم بصحّة الصلاتين و اجراء القاعدتين.
الشرح:
اذا كان في صلاة العصر و كان قبل السلام و علم أنّه صلّى ثماني ركعات ولكن شكّ في أنّه صلّى الظهر أربع ركعات حتّى يكون في الركعة الرابعة من العصر أو صلاّها ثلاث ركعات حتّى يكون في الركعة الخامسة من العصر، فصور المسألة ثلاث:
الأولى: أن يكون بعد اكمال السجدتين فحينئذ تجري قاعدة الفراغ بالنسبة الى الظهر، و أمّا العصر فيشكّ فيها بين الأربع و الخمس بعد اكمال السجدتين فيبني على الأربع و يسلّم و يسجد سجدتي السهو فتصحّ الصلاتان.
الثانية: أن يكون في حال القيام فبالنسبة الى الظهر تجري قاعدة الفراغ، و أمّا بالنسبة الى العصر فيهدم القيام فيجلس و يرجع شكّه من الأربع و الخمس الى الثلاث و الأربع فيكون حكم المسألة حينئذ حكم المسألة السادسة و العشرين بعد اجراء قاعدة الفراغ فيبني على الأربع فيسلّم و يحتاط بركعة من قيام.
و ما قيل من عدم اجراء قاعدة الشكّ لأنّه علم حينئذ (أي بعد هدم القيام) باتيان سبع ركعات فان كان النقص في العصر فتجبره صلاة الاحتياط، و أمّا لو كانت صلاة العصر تامّة فعليه الاتيان بصلاة الظهر و هذا مخالف لقوله عليه السلام في موثّقة عمّار: « ... فان كنت قد أتممت لم يكن عليك في هذه شيء»(1)بل عليه
1) - وسائل الشيعة 8: 213 / الباب 8 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة / الحديث 3.
شيء، مدفوع بأنّ اجراء قاعدة الفراغ في صلاة الظهر يجعلها صحيحة شرعا، فعليه ان كانت صلاة العصر تامّة فليس عليه شيء.
الثالثة: أن يكون في حال الركوع فعرضه الشكّ فحينئذ كانت صلاة العصر باطلة.
(مسألة 29): لو انعكس الفرض السابق بأن شكّ - بعد العلم بأنّه صلّى الظهرين ثماني ركعات قبل السلام من العصر - في أنّه صلّى الظهر أربع فالتي بيده رابعة العصر، أو صلاّها خمسا فالتي بيده ثالثة العصر، فبالنسبة الى الظهر شكّ بعد السلام و بالنسبة الى العصر شكّ بين الثلاث و الأربع، و لا وجه لاعمال قاعدة الشكّ بين الثلاث و الأربع في العصر؛ لأنّه ان صلّى الظهر أربعا فعصره أيضا أربع فلا محلّ لصلاة الاحتياط، و ان صلّى الظهر خمسا فلا وجه للبناء على الأربع في العصر و صلاة الاحتياط، فمقتضى القاعدة اعادة الصلاتين. نعم، لو عدل بالعصر الى الظهر و أتى بركعة أخرى و أتمّها يحصل له العلم بتحقّق ظهر صحيحة مردّدة بين الأولى - ان كان في الواقع سلّم فيها على الأربع - و بين الثانية المعدول بها اليها ان كان سلّم فيها على الخمس، و كذا الحال في العشاءين اذا شكّ بعد العلم بأنّه صلّى سبع ركعات قبل السلام من العشاء في أنّه سلّم في المغرب على الثلاث حتّى يكون ما بيده رابعة العشاء أو على الأربع حتّى يكون ما بيده ثالثتها. و هنا أيضا اذا عدل الى المغرب و أتمّها يحصل له العلم بتحقّق مغرب صحيحة امّا الأولى أو الثانية المعدول اليها، و كونه شاكّا بين الثلاث و الأربع مع أنّ الشكّ في المغرب مبطل لايضرّ بالعدول؛ لأنّ في هذه الصورة يحصل العلم بصحّتها مردّدة بين هذه و الأولى فلايكتفي بهذه فقط حتّى يقال انّ الشكّ فيركعاتها يضرّ بصحّتها.
الشرح:
اذا شكّ قبل السلام من العصر بعد العلم بأنّه صلّى الظهرين ثماني ركعات في أنّه صلّى الظهر أربعا أو صلاّها خمسا فبالنسبة الى الظهر تجري قاعدة الفراغ و تصحّ، و أمّا بالنسبة الى العصر فالشكّ فيها يكون بين الثلاث و الأربع؛ لأنّه ان صلّى الظهر خمسا يكون العصر ثلاثا و ان صلاّها أربعا يكون العصر أربعا، و حينئذ يبني على الأربع و يسلّم ثمّ يأتي بصلاة الاحتياط ركعة من قيام و تصحّ صلاته. و ما قال في المتن بأنّه لا وجه لاعمال قاعدة الشكّ بين الثلاث و الأربع لأنّه ان صلّى الظهر أربعا فعصره أيضا أربع الى آخر ما قال، ففيه: انّه بعد اجراء قاعدة الفراغ بالنسبة الى الظهر صحّت صلاة الظهر شرعا فلا معنى لهذا التوجيه فاذا بنى صلاة العصر على الأربع و سلّم و أتى بركعة الاحتياط فان كانت صلاة العصر ناقصة فتكون الاحتياط منجبرة، و ان كانت صلاة العصر تامّة فصلاة الاحتياط نافلة و لا شيء عليه.
(مسألة 30): اذا علم أنّه صلّى الظهرين تسع ركعات و لايدري أنّه زاد ركعة في الظهر أو في العصر فان كان بعد السلام من العصر وجب عليه اتيان صلاة أربع ركعات بقصد ما في الذمّة، و ان كان قبل السلام فبالنسبة الى الظهر يكون من الشكّ بعد السلام و بالنسبة الى العصر من الشكّ بين الأربع و الخمس و لايمكن اعمال الحكمين لكن لو كان بعد اكمال السجدتين و عدل الى الظهر و أتمّ الصلاة و سجد للسهو يحصل له اليقين بظهر صحيحة، امّا الأولى أو الثانية.
الشرح:
اذا علم أنّه صلّى الظهرين تسع ركعات و لايدري أنّه زاد ركعة في الظهر أو في العصر فان كان بعد السلام من العصر وجب عليه اتيان صلاة أربع ركعات بقصد
العصر؛ لأنّه ان كانت الزيادة في العصر فهي باطلة فبقي على ذمّته صلاة العصر، و ان كانت الزيادة في صلاة الظهر فصلاة العصر الصحيحة تقع مكان الظهر كما في الرواية الصحيحة: «أربع مكان أربع» فبقي على ذمّته صلاة العصر. و يجوز له أن يأتي بأربع ركعات بقصد ما في الذمّة فان كانت الزيادة في العصر فهي مكانها و ان كانت الزيادة في الظهر فتحسب هذه الأربع للظهر بناءً على سقوط الترتيب في حال السهو كما هو الحقّ.
و أمّا ان كان قبل أن يسلّم و بعد اكمال السجدتين فبالنسبة الى الظهر تجري قاعدة الفراغ، و أمّا بالنسبة الى العصر و ان كان الشكّ فيها من الشكّ بين الأربع و
الخمس بعد اكمال السجدتين الاّ أنّه بعد البناء على الأربع و الاتمام يعلم اجمالاً ببطلان احدى الصلاتين امّا الظهر أو العصر؛ لزيادة ركعة في احداهما و حيث يكون اجراء قاعدة الشكّ موجبا للمخالفة مع العلم التفصيلي و هو اتيان تسع ركعات فلايمكن اجراؤها و عليه الاتيان بصلاة العصر ثانيا. نعم، يجوز له أن يعدل بالعصر الى الظهر فيتمّها ثمّ يستأنف العصر حتّى يستيقن باتيان الظهر، و لايلزم له سجود السهو.
و أمّا ان كان في حال القيام و علم باتيان الظهرين تسع ركعات و أنّه زاد ركعة امّا في صلاة الظهر أو في صلاة العصر، فحينئذ تجري قاعدة الفراغ بالنسبة الى الظهر، و أمّا بالنسبة الى العصر فيجلس فيرجع شكّه الى الثلاث و الأربع فيبني على الأربع فيتمّ صلاته و يأتي بركعة الاحتياط، و في هذه الحال ان كان العصر ثلاثا فتجبرها صلاة الاحتياط، و ان كان تامّا فصلاة الاحتياط تحسب نافلة و هنا لايضرّ اجراء الحكمين مع العلم التفصيلي الذي هو العلم بفعل تسع ركعات؛ لأنّ الظهر قد صحّت بقاعدة الفراغ و العصر أيضا تصحّ باجراء قاعدة الشكّ. و أمّا ان كان في الركوع فيبطل الصلاة فتكون كالصورة الأولى.
(مسألة31): اذا علم أنّه صلّى العشاءين ثماني ركعات و لايدري أنّه زاد الركعة الزائدة في المغرب أو في العشاء وجب اعادتهما، سواء كان الشكّ بعد السلام من العشاء أو قبله.
الشرح:
الظاهر أنّ ما ذهب اليه الماتن من وجوب اعادتهما صحيح؛ لعدم طريق لتصحيح كلتيهما أو احداهما.
(مسألة 32): لو أتى بالمغرب ثمّ نسي الاتيان بها بأن اعتقد عدم الاتيان أو شكّ فيه فأتى بها ثانيا و تذكّر قبل السلام أنّه كان آتيا بها، ولكن علم بزيادة ركعة امّا في الأولى أو الثانية، له أن يتمّ الثانية و يكتفي بها؛ لحصول العلم بالاتيان بها امّا أوّلاً أو ثانيا، و لايضرّه كونه شاكّا في الثانية بين الثلاث و الأربع مع أنّ الشكّ في ركعات المغرب موجب للبطلان؛ لما عرفت سابقا من أنّ ذلك اذا لم يكن هناك طرف آخر يحصل معه اليقين بالاتيان صحيحا، و كذا الحال اذا أتى بالصبح ثمّ نسي و أتى بها ثانيا و علم بالزيادة امّا في الأولى أو الثانية.
الشرح:
اذا أتى بالمغرب ثمّ نسي الاتيان بها و أتى بها ثانيا و تذكّر قبل السلام أنّه كان آتيا بها ولكن علم بزيادة ركعة امّا في الأولى أو في الثانية، فيجوز له اجراء قاعدة الفراغ بالنسبة الى الأولى و يرفع اليد عن الثانية و يأتي بالعشاء، أو يتمّ صلاة المغرب الثانية رجاءً. و لايرد أنّه على هذا يلزم الشكّ بين الثلاث و الأربع في المغرب الثانية فتبطل، فكيف يجعلها صلاة صحيحة؛ لأنّه اذا لم يكن هناك طرف آخر يحصل معه اليقين بالاتيان صحيحة كما قال المصنّف. و كذا الحال بالنسبة
الى صلاة الصبح.
(مسألة 33): اذا شكّ في الركوع و هو قائم وجب عليه الاتيان به فلو نسي حتّى دخل في السجود فهل يجري عليه حكم الشكّ بعد تجاوز المحلّ أم لا؟ الظاهر عدم الجريان؛ لأنّ الشكّ السابق باقٍ و كان قبل تجاوز المحلّ. و هكذا لو شكّ في السجود قبل أن يدخل في التشهّد ثمّ دخل فيه نسيانا و هكذا.
الشرح:
اذا شكّ في الركوع و هو قائم وجب عليه الاتيان به بلا اشكال. و أمّا لو نسي ما كان يجب عليه حتّى دخل في السجود فعليه أيضا أن يرجع و يأتي بالركوع؛ لأنّ السجدة المأتي بها وقعت في غير محلّها و كأنّه لم يتجاوز بعد، و لايجري عليه حكم الشكّ بعد تجاوز المحلّ؛ لأنّ قاعدة التجاوز لاتكون تعبّدا صرفا بل فيها نحو من الكاشفيّة؛ لأنّ الامام عليه السلام قال: «هو حين يتوضّأ أذكر منه حين يشكّ» و عليه فصرف الدخول في الغير مع الشكّ لايكون تجاوزا بل الدخول في الغير مع كون الشكّ حادثا حينه. و لو تذكّر بعد الدخول في السجدة الثانية فصلاته باطلة.
(مسألة 34): لو علم نسيان شيء قبل فوات محلّ المنسي و وجب عليه التدارك فنسي حتّى دخل في ركن بعده ثمّ انقلب علمه بالنسيان شكّا يمكن اجراء قاعدة الشكّ بعد تجاوز المحلّ، و الحكم بالصحّة ان كان ذلك الشيء ركنا، و الحكم بعدم وجوب القضاء و سجدتي السهو فيما يجب فيه ذلك، لكن الأحوط مع الاتمام اعادة الصلاة اذا كان ركنا و القضاء و سجدتا السهو في مثل السجدة و التشهّد و سجدتا السهو فيما يجب في تركه السجود.
الشرح:
لو علم نسيان شيء قبل فوات محلّ المنسي و وجب عليه التدارك فنسي حتّى دخل في ركن أو غير ركن بعده ثمّ انقلب علمه بالنسيان شكّا فعليه اجراء قاعدة الشكّ بعد تجاوز المحلّ و الحكم بالصحّة و عدم وجوب القضاء و سجدتي السهو فيما يجب فيه ذلك؛ لأنّ منجّزيّة العلم دائرة مدار حدوثه و بقائه فالعلم كاشف ما لم يزل فاذا زال، زالت كاشفيّته.
(مسألة 35): اذا اعتقد نقصان السجدة أو التشهّد ممّا يجب قضاؤه أو ترك ما يوجب سجود السهو في أثناء الصلاة ثمّ تبدّل اعتقاده بالشكّ في الأثناء أو بعد الصلاة قبل الاتيان به سقط وجوبه، و كذا اذا اعتقد بعد السلام نقصان ركعة أو غيرها ثمّ زال اعتقاده.
الشرح:
اذا اعتقد نقصان السجدة أو التشهّد ممّا يجب قضاؤه أو اعتقد ترك ما يوجب سجود السهو في أثناء الصلاة ثمّ تبدّل اعتقاده بالشكّ في الأثناء أو بعد السلام و قبل الاتيان به سقط وجوبه و ذلك - كما قلنا - لأنّ منجّزيّة العلم دائرة مدار حدوثه و بقائه فلو زال العلم زالت كاشفيّته و منجّزيّته. و هكذا الحال اذا اعتقد بعد السلام نقصان ركعة أو غيرها ثمّ زال اعتقاده قبل الاتيان بها.
(مسألة 36) :اذا تيقّن بعد السلام قبل اتيان المنافي عمدا أو سهوا نقصان الصلاة و شكّ في أنّ الناقص ركعة أو ركعتان فالظاهر أنّه يجري عليه حكم الشكّ بين الاثنتين و الثلاث فيبني على الأكثر و يأتي بالقدر المتيقّن نقصانه و هو ركعة أخرى و يأتي بصلاة احتياطيّة، و كذا اذا تيقّن نقصان ركعة و بعد الشروع فيها شكّ في ركعة أخرى، و على هذا فاذا كان مثل ذلك في صلاة
المغرب والصبح يحكم ببطلانهما و يحتمل جريان حكم الشكّ بعد السلام بالنسبة الى الركعة المشكوكة فيأتي بركعة واحدة من دون الاتيان بصلاة الاحتياط و عليه فلاتبطل الصبح و المغرب أيضا بمثل ذلك و يكون كمن علم نقصان ركعة فقط.
الشرح:
اذا تيقّن بعد السلام قبل اتيان المنافي عمدا أو سهوا نقصان الصلاة و شكّ في أنّ الناقص ركعة أو ركعتان فتارة يكون الشكّ في الرباعيّة و أخرى في الثلاثيّة و الثنائيّة ففي الأولى فعليه أن يأتي بركعة موصولة فيسلّم ثمّ يأتي بركعة مفصولة و يسجد سجدتي السهو للسلام الزائد. و الدليل على ذلك أنّه يقطع بأنّ صلاته لم تتمّ بعد و أنّه في الصلاة؛ لأنّه لم يأت بركعة قطعا و انّما الشكّ في الاتيان بركعة أخرى فحيث يكون قاطعا بعدم الاتيان بركعة فيكون في الركعة الثالثة و حيث يشكّ في الاتيان بالركعة الأخرى يحتمل أن يكون في الركعة الثانية فيكون شاكّا بين الاثنتين و الثلاث فيبني على الثلاث و يقوم و يصلّي ركعة موصولة فيسلّم ثمّ يحتاط بركعة فيسلّم ثمّ يسجد سجدتي السهو. و أمّا ان كان في الثلاثيّة فحيث انّ الشكّ في الركعات في الثلاثيّة مبطل فصلاته باطلة. و أمّا الشكّ في الثنائيّة فلا مورد له؛ لأنّ مرجعه الى احتمال عدم الشروع في الصلاة الاّ أن يكون بحيث قد علم الاتيان بتكبيرة الاحرام و القراءة فحينئذ تبطل صلاته؛ لأنّ الشكّ في الثنائيّة أيضا مبطل.
(مسألة 37): لو تيقّن بعد السلام قبل اتيان المنافي نقصان ركعة ثمّ شكّ في أنّه أتى بها أم لا ففي وجوب الاتيان بها لأصالة عدمه أو جريان حكم الشكّ في الركعات عليه وجهان و الأوجه الثاني، و أمّا احتمال جريان حكم الشكّ بعد السلام عليه فلا وجه له؛ لأنّ الشكّ بعد السلام لايعتنى به اذا تعلّق
بما في الصلاة و بما قبل السلام، و هذا متعلّق بما وجب بعد السلام.
الشرح:
لو تيقّن بعد السلام قبل اتيان المنافي نقصان ركعة ثمّ شكّ في أنّه أتى بها أم لا، يجب الاتيان بها لأصالة عدمه. و أمّا جريان حكم الشكّ في الركعات فلا وجه له؛ لأنّه كان متيقّنا بعدم اتيانه، و الشكّ الحادث راجع الى اتيان ما كان متيقّنا بعدمه.
كما لا وجه لجريان حكم الشكّ بعد السلام لما ذكره المصنّف.
(مسألة 38): اذا علم أنّ ما بيده رابعة و يأتي به بهذا العنوان لكن لايدري أنّها رابعة واقعيّة أو رابعة بنائيّة و أنّه شكّ سابقا بين الاثنتين و الثلاث فبنى على الثلاث فتكون هذه رابعة بعد البناء على الثلاث، فهل يجب عليه صلاة الاحتياط لأنّه و ان كان عالما بأنّها رابعة في الظاهر الاّ أنّه شاكّ من حيث الواقع فعلاً بين الثلاث و الأربع أو لايجب لأصالة عدم شكّ سابق و المفروض أنّه عالم بأنّها رابعته فعلاً؟ وجهان، و الأوجه الأوّل.
الشرح:
اذا علم أنّ ما بيده رابعة لكن لايدري أنّها رابعة واقعيّة أو رابعة بنائيّة و أنّه شكّ سابقا مثلاً بين الاثنتين و الثلاث فبنى على الثلاث فتكون هذه رابعة بعد البناء على الثلاث أم لم يكن شكّ سابقا فهل يجب عليه صلاة الاحتياط؟ الظاهر أنّه يجب عليه صلاة الاحتياط؛ لكونه شاكّا فعلاً بين الثلاث و الأربع و المناط حاله الفعليّة، و لا أثر لأصالة عدم الشكّ السابق فالمبنى حاله الفعليّة.
(مسألة 39): اذا تيقّن بعد القيام الى الركعة التالية أنّه ترك سجدة أو سجدتين أو تشهّدا ثمّ شكّ في أنّه هل رجع و تدارك ثمّ قام، أو هذا القيام هو
القيام الأوّل، فالظاهر وجوب العود الى التدارك؛ لأصالة عدم الاتيان بها بعد تحقّق الوجوب، و احتمال جريان حكم الشكّ بعد تجاوز المحلّ؛ لأنّ المفروض أنّه فعلاً شاكّ و تجاوز عن محلّ الشكّ لا وجه له؛ لأنّ الشكّ انّما حدث بعد تعلّق الوجوب مع كونه في المحلّ بالنسبة الى النسيان و لم يتحقّق التجاوز بالنسبة الى هذا الواجب.
الشرح:
اذا تيقّن بعد القيام الى الركعة التالية أنّه ترك سجدة أو سجدتين أو تشهّدا ثمّ شكّ في أنّه هل رجع و تدارك ثمّ قام أو هذا القيام هو القيام الأوّل، فالظاهر وجوب العود الى التدارك؛ لأصالة عدم الاتيان بها بعد تحقّق الوجوب و لا وجه لاجراء قاعدة التجاوز؛ لأنّه - كما قال الماتن - انّ الشكّ حدث بعد تعلّق الوجوب.
(مسألة 40): اذا شكّ بين الثلاث و الأربع مثلاً فبنى على الأربع ثمّ أتى بركعة أخرى سهوا، فهل تبطل صلاته من جهة زيادة الركعة أم يجري عليه حكم الشكّ بين الأربع و الخمس؟ وجهان، و الأوجه الأوّل.
الشرح:
اذا شكّ بين الثلاث و الأربع مثلاً فبنى على الأربع ثمّ أتى بركعة أخرى سهوا، فان تذكّر في القيام فلا كلام في صحّة صلاته فانّه يجب عليه هدم القيام و اتمامه بعنوان الأربع ثمّ الاتيان بصلاة الاحتياط سواء قلنا بأنّه شاكّ بين الثلاث و الأربع أو قلنا باجراء حكم الشكّ بين الأربع و الخمس و هذا واضح.
و أمّا ان تذكّر الزيادة في الركوع أو في السجدة و قبل اكمال السجدتين فتبطل صلاته على الفرضين؛ لأنّه لو قلنا ببقاء الشكّ بين الثلاث و الأربع فقد زاد في صلاته ركنا، و ان قلنا باجراء حكم الشكّ بين الأربع و الخمس فصلاته باطلة
أيضا؛ لعدم حكم للشكّ بين الأربع و الخمس قبل اكمال السجدتين الاّ البطلان بمقتضى صحيحة صفوان.
و أمّا ان كان بعد اكمال السجدتين فالأظهر حينئذ بطلان صلاته أيضا و ذلك لأنّه كان شاكّا بين الثلاث و الأربع فكان واجبا عليه البناء على الأربع شرعا فهذا الحكم الظاهري نازل منزلة الحكم الواقعي فالركعة البنائيّة نازلة منزلة الركعة الواقعيّة فلو زاد فيها ركعة تكون مشمولة لاطلاق قوله عليه السلام: «من زاد في صلاته فعليه الاعادة».
(مسألة 41): اذا شكّ في ركن بعد تجاوز المحلّ ثمّ أتى به نسيانا فهل تبطل صلاته من جهة الزيادة الظاهريّة أو لا من جهة عدم العلم بها بحسب الواقع؟ وجهان و الأحوط الاتمام و الاعادة.
الشرح:
اذا شكّ في ركن بعد تجاوز المحلّ ثمّ أتى به نسيانا تبطل صلاته؛ لجريان قاعدة التجاوز فيحكم شرعا باتيان ما شكّ فيه فاذا أتى به نسيانا فقد زاد ركنا في صلاته فيشمله حديث: «لاتعاد الصلاة الاّ من خمسة: الطهور و الوقت و القبلة و الركوع و السجود» و غيره من النصوص الواردة في ذلك. و ما قيل من عدم العلم بالواقع فلعلّه لم يزد ركنا في صلاته واقعا، مدفوع بأنّ الظاهر نازل منزلة الواقع كما قلنا في المسألة السابقة.
(مسألة 42): اذا كان في التشهّد فذكر أنّه نسي الركوع و مع ذلك شكّ في السجدتين أيضا ففي بطلان الصلاة - من حيث انّه بمقتضى قاعدة التجاوز محكوم بأنّه أتى بالسجدتين فلا محلّ لتدارك الركوع - أو عدمه - امّا لعدم شمول قاعدة التجاوز في مورد يلزم من اجرائها بطلان الصلاة و امّا لعدم
احراز الدخول في ركن آخر و مجرّد الحكم بالمضيّ لايثبت الاتيان - وجهان و الأوجه الثاني، و يحتمل الفرق بين سبق تذكّر النسيان و بين سبق الشكّ في السجدتين، و الأحوط العود الى التدارك ثمّ الاتيان بالسجدتين و اتمام الصلاة ثمّ الاعادة، بل لايترك هذا الاحتياط.
الشرح:
اذا كان في التشهّد فذكر أنّه نسي الركوع و مع ذلك شكّ في السجدتين أيضا فعليه تدارك الركوع ثمّ الاتيان بالسجدتين و اعادة التشهّد فتصحّ صلاته و ذلك لعدم اجراء قاعدة التجاوز بالنسبة الى السجدتين؛ لعدم شمولها في مورد يلزم من اجرائها بطلان الصلاة، فالأصل الجاري هنا بالنسبة الى السجدتين هو استصحاب العدم و لا فرق في ذلك بين سبق تذكّر النسيان و بين سبق الشكّ في السجدتين.
(مسألة 43): اذا شكّ بين الثلاث و الأربع مثلاً و علم أنّه على فرض الثلاث ترك ركنا أو ما يوجب القضاء أو ما يوجب سجود السهو لا اشكال في البناء على الأربع و عدم وجوب شيء عليه و هو واضح، و كذا اذا علم أنّه على فرض الأربع ترك ما يوجب القضاء أو ما يوجب سجود السهو؛ لعدم احراز ذلك بمجرّد التعبّد بالبناء على الأربع، و أمّا اذا علم أنّه على فرض الأربع ترك ركنا أو غيره ممّا يوجب بطلان الصلاة فالأقوى بطلان صلاته لا لاستلزام البناء على الأربع ذلك؛ لأنّه لايثبت ذلك بل للعلم الاجمالي بنقصان الركعة أو ترك الركن مثلاً فلايمكن البناء على الأربع حينئذ.
الشرح:
اذا شكّ بين الثلاث و الأربع مثلاً و علم أنّه على فرض الثلاث ترك ما يوجب القضاء أو ما يوجب سجود السهو فيبني حينئذ على الأربع فيتمّ صلاته و يأتي
بركعة الاحتياط فقط و لايجب عليه شيء سوى ذلك؛ لأنّه اذا بنى على الأربع فانتفى فرض الثلاث و كذا ما كان يجب على تقدير كون الركعة ثالثة. و هكذا الحال اذا علم أنّه على فرض الأربع ترك ما يوجب القضاء أو ما يوجب سجود السهو فانّه يبني على الأربع و يتمّ صلاته و يأتي بركعة الاحتياط و لا شى ء عليه؛ لأنّ البناء على الأربع تعبّدا لايثبت ترك ما يوجب القضاء أو سجود السهو.
و أمّا اذا علم أنّه على فرض الثلاث أو على فرض الأربع ترك ركنا فالظاهر بطلان صلاته و ذلك لأنّه كما قلنا وجه تشريع صلاة الاحتياط هو جبران النقص على تقدير نقص الصلاة من ناحية نقص الركعة فقط فيجب أن تكون الصلاة من غير هذه الناحية صحيحة، و على تقدير التمام تكون صلاة الاحتياط نافلة، ففي المقام لاينطبق هذا الوجه على كلا الفرضين. أمّا على الفرض الأوّل و ترك الركن على تقدير الثلاث فاذا بنى على الأربع فأتمّ صلاته و أتى بركعة الاحتياط فان كانت صلاته تامّة فلا كلام و أمّا ان كانت ناقصة فلاتكون صلاة الاحتياط جابرة؛ لأنّ جابريّتها منوطة بأن لايكون في الصلاة نقص من غير ناحية الركعة مع أنّه يحتمل نقص الركن في الصلاة. و أمّا على الفرض الثاني و هو ترك الركن على تقدير كون الصلاة أربعا فاذا بنى على الأربع فأتمّ صلاته و أتى بركعة الاحتياط فان كانت صلاته ناقصة فهذه الركعة جابرة لها، و أمّا ان كانت تامّة من ناحية الركعة فلاتكون تامّة من ناحية الاتيان بالركن؛ لأنّه يحتمل ترك الركن فيها فتكون باطلة.
(مسألة 44): اذا تذكّر بعد القيام أنّه ترك سجدة من الركعة التي قام عنها فان أتى بالجلوس بين السجدتين ثمّ نسي السجدة الثانية يجوز له الانحناء الى السجود من غير جلوس، و ان لم يجلس أصلاً وجب عليه الجلوس ثمّ السجود. و ان جلس بقصد الاستراحة و الجلوس بعد السجدتين ففي كفايته عن الجلوس بينهما و عدمها وجهان، الأوجه الأوّل، و لايضرّ نيّة الخلاف
لكن الأحوط الثاني فيجلس ثمّ يسجد.
الشرح:
اذا تذكّر بعد القيام أنّه ترك سجدة من الركعة التي قام عنها فان جلس بين السجدتين فيجوز له الانحناء الى السجدة؛ لسقوط التكليف بالجلوس بين السجدتين، و لو جلس بعد السجدة بتخيّل أنّها السجدة الثانية فهل يكون كافيا عن الجلوس بين السجدتين؟ الظاهر كفاية ذلك و ان قلنا بأنّ الجلوس بعد السجدتين مستحبّ و ذلك لأنّ قصده الاتيان بالتكليف الواقعي فاشتبه عليه فقصد الجلوس بعد السجدة مع أنّه كان من الجلوس بين السجدتين فالاشتباه في التطبيق لايضرّ.
و ما قيل من أنّه ان قلنا باستحباب الجلوس بعد السجدتين يجب عليه الاتيان بجلسة الاستراحة؛ لأنّ المستحبّات في الصلاة لاتكون أجزاء الصلاة، هذا أوّلاً. و ثانيا عنوان المستحبّ غير عنوان الوجوب، ففيه أوّلاً: انّ المستحبّات أجزاء الصلاة كما دلّ عليه اطلاق صحيحة عبداللّه بن سنان الواردة في صلاة المعصوم و كذا ما ورد من قوله عليه السلام في عدّ أجزاء الصلاة. و ثانيا: قصد المصلّي بجلوسه ما كان مكلّفا به و حيث تخيّل أنّ هذه السجدة كانت ثانية قصد الجلوس بعد السجدة و لم يكن قصده مقيّدا بهذا و ان انكشف الخلاف و هذا لايضرّ بتكليفه و براءة ذمّته.
و أمّا ان لم يجلس بعد السجدة فعليه الرجوع و الجلوس ثمّ السجدة؛ لأنّ تكليفه بالجلوس لم يسقط و لم يدلّ دليل على سقوطه حينئذ.
(مسألة 45): اذا علم بعد القيام أو الدخول في التشهّد نسيان احدى السجدتين و شكّ في الأخرى فهل يجب عليه اتيانهما لأنّه اذا رجع الى تدارك المعلوم يعود محلّ المشكوك أيضا، أو يجري بالنسبة الى المشكوك حكم الشكّ بعد تجاوز المحلّ؟ وجهان أوجههما الأوّل و الأحوط اعادة الصلاة أيضا.
الشرح:
اذا علم بعد القيام أو الدخول في التشهّد نسيان احدى السجدتين و شكّ في الأخرى يجب عليه العود و الاتيان بالسجدتين كلتيهما و ذلك لأنّ القيام أو التشهّد كان لغوا و لم يكن جزءا واقعيّا حتّى يصدق أنّه دخل في الغير، فلاتجري قاعدة التجاوز بالنسبة الى السجدة الأخرى المشكوك في فعلها.
(مسألة 46): اذا شكّ بين الثلاث و الأربع مثلاً و بعد السلام قبل الشروع في صلاة الاحتياط علم أنّها كانت أربعا ثمّ عاد شكّه فهل يجب عليه صلاة الاحتياط؛ لعود الموجب و هو الشكّ أو لا؛ لسقوط التكليف عنه حين العلم و الشكّ بعده شكّ بعد الفراغ؟ وجهان و الأحوط الأوّل.
الشرح:
اذا شكّ بين الثلاث و الأربع مثلاً و بعد السلام قبل الشروع في صلاة الاحتياط علم أنّها كانت أربعا ثمّ عاد شكّه فيصلّي صلاة الاحتياط؛ لأنّ العرف يرى أنّ الشكّ الفعلي من استمرار الشكّ السابق و أنّ العلم الذي زال لم يكن علما واقعا و لهذه العلّة نقول بعدم قصور اطلاق أدلّة الشكّ بين الثلاث و الأربع كييشمل ما نحن فيه.
و ما قيل من أنّ الشكّ السابق زال بالعلم و الشكّ الحادث هو الشكّ بعد السلام و تجري قاعدة الفراغ، ففيه: ما مرّ من أنّ العلم الزائل لم يكن علما واقعا.
(مسألة 47): اذا دخل في السجود من الركعة الثانية فشكّ في ركوع هذه الركعة و في السجدتين من الأولى ففي البناء على اتيانها من حيث انّه شكّ بعد تجاوز المحلّ أو الحكم بالبطلان لأوله الى الشكّ بين الواحدة و الاثنتين وجهان و الأوجه الأوّل. و على هذا فلو فرض الشكّ بين الاثنتين و الثلاث
بعد اكمال السجدتين مع الشكّ في ركوع الركعة التي بيده و في السجدتين من السابقة لايرجع الى الشكّ بين الواحدة و الاثنتين حتّى تبطل الصلاة بل هو من الشكّ بين الاثنتين و الثلاث بعد الاكمال. نعم، لو علم بتركهما مع الشكّ المذكور يرجع الى الشكّ بين الواحدة و الاثنتين؛ لأنّه عالم حينئذ باحتساب ركعتيه بركعة.
الشرح:
اذا دخل في السجود من الركعة الثانية فشكّ في ركوع هذه الركعة و في السجدتين من الأولى فلا مانع من اجراء قاعدة التجاوز اذا علم القيام، ففي حال القيام تجري قاعدة التجاوز بالنسبة الى السجدتين و في حال السجدة تجري قاعدة التجاوز بالنسبة الى الركوع، و عليه لايؤول الى الشكّ بين الواحدة و الاثنتين؛ لأنّ ركوع الركعة الأولى أحرز بالوجدان و سجدتيها بالأصل و ركوع الركعة الثانية أحرز بالأصل و سجدتيها بالوجدان و على هذا لو شكّ بين الاثنتين و الثلاث بعد اكمال السجدتين مع الشكّ في ركوع الركعة التي بيده و في السجدتين من السابقة فانّه تجري قاعدة التجاوز بالنسبة الى السجدتين من السابقة و بالنسبة الى الركوع من هذه الركعة و لايرجع شكّه الى الشكّ بين الواحدة و الاثنتين.
(مسألة 48): لايجري حكم كثير الشكّ في صورة العلم الاجمالي، فلو علم ترك أحد الشيئين اجمالاً من غير تعيين يجب عليه مراعاته و ان كان شاكّا بالنسبة الى كلّ منهما، كما لو علم حال القيام أنّه امّا ترك التشهّد أو السجدة أو علم اجمالاً أنّه امّا ترك الركوع أو القراءة و هكذا، أو علم بعد الدخول في الركوع أنّه امّا ترك سجدة واحدة أو تشهّدا فيعمل في كلّ واحد من هذه الفروض حكم العلم الاجمالي المتعلّق به كما في غير كثير الشكّ.
الشرح:
لايجري حكم كثير الشكّ في صورة العلم الاجمالي؛ لأنّه و ان كان شاكّا بالنسبة الى كلّ منهما الاّ أنّه يعلم اجمالاً بوقوع أحدهما فعدم الاعتناء بالشكّ ينتهي الى العلم بالمخالفة. فلو علم بعد الدخول في الركوع أنّه امّا ترك سجدة واحدة من الركعة التي قام عنها أو من الركعة السابقة فعليه قضاء سجدة واحدة و لايجري حكم كثير الشكّ؛ لمنجّزيّة العلم الاجمالي كالعلم التفصيلي. نعم، لو لم يكن أثر لأحد طرفي العلم الاجمالي فيجري حكم كثير الشكّ بالنسبة الى الطرف الآخر كما لو علم حال الركوع أنّه امّا ترك القراءة أو سجدة واحدة ولم نقل بسجود السهو لكلّ نقيصة و زيادة فحيث لا أثر لترك القراءة فيجري حكم كثير الشكّ بالنسبة الى السجدة فلايجب قضاء السجدة عليه.
(مسألة 49): لو اعتقد أنّه قرأ السورة مثلاً و شكّ في قراءة الحمد فبنى على أنّه قرأها؛ لتجاوز محلّه ثمّ بعد الدخول في القنوت تذكّر أنّه لم يقرأ السورة فالظاهر وجوب قراءة الحمد أيضا؛ لأنّ شكّه الفعلي و ان كان بعد تجاوز المحلّ بالنسبة الى الحمد الاّ أنّه هو الشكّ الأوّل الذي كان في الواقع قبل تجاوز المحلّ، و حكمه الاعتناء به و العود الى الاتيان بما شكّ فيه.
الشرح:
لو اعتقد أنّه قرأ السورة مثلاً و شكّ في قراءة الحمد فبنى على أنّه قرأها لتجاوز محلّه ثمّ بعد الدخول في القنوت تذكّر أنّه لم يقرأ السورة فحينئذ يجب عليه قراءة الحمد؛ لأنّه بعد التذكّر بعدم قراءته السورة كشف عن أنّ اجراءه قاعدة التجاوز كان لغوا و أنّه لم يكن موردا لقاعدة التجاوز.
(مسألة 50): اذا علم أنّه امّا ترك سجدة أو زاد ركوعا فالأحوط قضاء السجدة و سجدتا السهو ثمّ اعادة الصلاة، ولكن لايبعد جواز الاكتفاء بالقضاء و سجدتا السهو عملاً بأصالة عدم الاتيان بالسجدة و عدم زيادة الركوع.
الشرح:
اذا علم أنّه امّا ترك سجدة أو زاد ركوعا فان كان بعد الصلاة فعليه قضاء السجدة و ذلك لأحد الوجهين:
إمّا لجريان أصل عدم الزيادة بالنسبة الى الركوع و عدم الاتيان بالسجدة بالنسبة الى السجدة ان قلنا بعدم اجراء قاعدة الفراغ؛ للتعارض.
و إمّا لاجراء قاعدة الفراغ بالنسبة الى الركوع و قاعدة الاشتغال بالنسبة الى السجدة، ببيان أنّ اجراء قاعدة الفراغ بالنسبة الى كليهما أي زيادة الركوع و ترك السجدة يكون مخالفا للعلم الاجمالي فيتعارضان، و أمّا اجراء القاعدة بالنسبة الى زيادة الركوع فيكون مرجّحا؛ لأنّ اجراءها بالنسبة الى ترك السجدة يكون بلا أثر؛ لأنّ الالتزام بزيادة الركوع بناءً على العلم الاجمالي موجب لبطلان الصلاة. و أمّا اجراؤها بالنسبة الى زيادة الركوع فيكون ذاأثر و هو صحّة الصلاة فنلتزم بالبناء على عدم اتيان السجدة للعلم الاجمالي فيقضي السجدة المتروكة. و الوجه الثاني أرجح و يفترق مع الأوّل في بعض الموارد. و أمّا ان كان أثناء الصلاة فان علم أنّه امّا ترك سجدة أو زاد ركوعا من هذه الركعة فعليه ما قلنا فيما اذا علم بعد الصلاة. و أمّا لو علم بترك سجدة من الركعة التي قام عنها أو زيادة الركوع من الركعة السابقة فتجري أصالة عدم زيادة الركوع و يرفع اليد من القيام و يجلس و يسجد السجدة فيسجد سجدتي السهو بعد الصلاة؛ للقيام في غير محلّه.
(مسألة 51): لو علم أنّه امّا ترك سجدة من الأولى أو زاد سجدة في الثانية وجب عليه قضاء السجدة و الاتيان بسجدتي السهو مرّة واحدة بقصد ما في الذمّة من كونهما للنقيصة أو للزيادة.
الشرح:
لو علم أنّه امّا ترك سجدة من الأولى أو زاد سجدة في الثانية وجب عليه قضاء السجدة؛ لأنّ الأصل الجاري بالنسبة الى السجدة بعد عدم اجراء قاعدة التجاوز بالنسبة الى كلتيهما لمخالفتها للعلم الاجمالي و عدم الترجيح، هو عدم زيادة السجدة فيبقى على ذمّته قضاء السجدة. نعم، لو قلنا بعدم جريان قاعدة التجاوز بالنسبة الى زيادة السجدة لأنّ تشريع القاعدة للشكّ في الوجود، فاجراء قاعدة التجاوز بالنسبة الى ترك السجدة يكون بلا معارض فيسجد سجدتي السهو لزيادة السجدة.
(مسألة 52): لو علم أنّه امّا ترك سجدة أو تشهّدا وجب الاتيان بقضائهما و سجدة السهو مرّة.
الشرح:
لو علم أنّه امّا ترك سجدة أو تشهّدا وجب الاتيان بقضاء السجدة و سجدتي السهو لترك التشهّد، و ذلك لتحصيل الفراغ بعد عدم اجراء قاعدة التجاوز بالنسبة اليهما؛ لمخالفتها للعلم الاجمالي و عدم الترجيح بالنسبة الى أحدهما.
(مسألة 53): اذا شكّ في أنّه صلّى المغرب و العشاء أم لا قبل أن ينتصف الليل و المفروض أنّه عالم بأنّه لم يصلّ في ذلك اليوم الاّ ثلاث صلوات من دون العلم بتعيينها فيحتمل أن يكون الصلاتان الباقيتان المغرب و العشاء، و يحتمل أن يكون آتيا بهما و نسي اثنتين من صلوات النهار، وجب عليه الاتيان
بالمغرب و العشاء فقط؛ لأنّ الشكّ بالنسبة الى صلوات النهار بعد الوقت، و بالنسبة اليهما في وقتهما، و لو علم أنّه لم يصلّ في ذلك اليوم الاّ صلاتين أضاف الى المغرب و العشاء قضاء ثنائيّة و رباعيّة، و كذا ان علم أنّه لم يصلّ الاّ صلاة واحدة.
الشرح:
اذا شكّ في أنّه صلّى المغرب و العشاء أم لا قبل أن ينتصف الليل و المفروض أنّه عالم بأنّه لم يصلّ في ذلك اليوم الاّ ثلاث صلوات من دون العلم بتعيينها فيحتمل أن تكون الصلاتان الباقيتان المغرب و العشاء، و يحتمل أن يكون آتيا بهما و نسي اثنتين من صلوات النهار فيجب عليه الاتيان بصلاتي المغرب و العشاء و لا شيء عليه بعده، و ذلك لأنّ الشكّ بالنسبة الى المغرب و العشاء شكّ في الوقت فقاعدة الاشتغال محكّمة هنا، و أمّا بالنسبة الى الصبح و الظهرين يكون من الشكّ بعد الوقت فتشمله أصالة البراءة. و لو علم أنّه لم يصلّ في ذلك اليوم الاّ صلاتين فعليه الاتيان بصلاتي المغرب و العشاء و صلاة الصبح قضاءً و صلاة رباعيّة قضاءً بقصد ما في الذمّة و ذلك لأنّ الشكّ بالنسبة الى العشاءين يكون من الشكّ في الوقت فيأتي بهما لقاعدة الاشتغال و صحيحة زرارة، فبقي عليه صلاة واحدة من النهار المتردّدة بين الصبح و الظهرين فعليه الاتيان بقضاء الصبح و صلاة رباعيّة متردّدة بين الظهر و العصر بقصد ما في الذمّة؛ تحصيلاً للبراءة.
و لو علم أنّه لم يصلّ الاّ صلاة واحدة فيجب عليه الاتيان بالعشاءين لما قلنا و قضاء الصبح و قضاء الظهرين؛ تحصيلاً للبراءة، و ذلك لأنّه اذا أتى بالعشاءين بقي عليه صلاتان فكما يحتمل أن تكونا الصبح و احدى الظهرين يحتمل أن تكونا الظهرين فيأتي بثلاث صلوات.
(مسألة 54): اذا صلّى الظهر و العصر ثمّ علم اجمالاً أنّه شكّ في احداهما بين الاثنتين و الثلاث و بنى على الثلاث و لايدري أنّ الشكّ المذكور في أيّهما كان، يحتاط باتيان صلاة الاحتياط و اعادة صلاة واحدة بقصد ما في الذمّة.
الشرح:
اذا صلّى الظهر و العصر ثمّ علم اجمالاً أنّه شكّ في احداهما بين الاثنتين و الثلاث و بنى على الثلاث و لايدري أنّ الشكّ المذكور في أيّهما كان، فان كان بعد الاتيان بالمنافي فيأتي برباعيّة بقصد ما في الذمّة أو العصر و لا شيء عليه و ذلك لبطلان احدى الصلاتين؛ لعدم امكان الاتيان بصلاة الاحتياط للفصل بينها و بين الأولى بالثانية ان كان الشكّ في الأولى و بالمنافي ان كان الشكّ في الثانية. و أمّا ان كان العلم الاجمالي قبل المنافي فيتخيّر بين الاتيان بصلاة الاحتياط و صلاة رباعيّة بقصد ما في الذمّة أو العصر، و بين الاتيان بالمنافي و صلاة رباعيّة بقصد ما في الذمّة أو العصر، و ذلك لعدم حرمة القطع هنا و ان كان الشكّ في الثانية؛ لأنّ الحرمة للصلاة الصحيحة القطعيّة لا لما كانت متردّدا فيها.
(مسألة 55): اذا علم اجمالاً أنّه امّا زاد قراءة أو نقصها يكفيه سجدتا السهو مرّة، و كذا اذا علم أنّه امّا زاد التسبيحات الأربع أو نقصها.
الشرح:
اذا علم اجمالاً بعد الصلاة أو بعد الدخول في الركن أنّه امّا زاد قراءة أو نقصها فليس عليه شيء؛ بناءً على عدم وجوب سجدتي السهو لكلّ نقيصة و زيادة، و هكذا اذا علم أنّه زاد التسبيحات الأربع أو نقصها.
(مسألة 56):اذا شكّ في أنّه هل ترك الجزء الفلاني عمدا أم لا فمع بقاء محلّ الشكّ لا اشكال في وجوب الاتيان به، و أمّا مع تجاوزه فهل تجري قاعدة الشكّ بعد التجاوز أم لا؛ لانصراف أخبارها عن هذه الصورة خصوصا بملاحظة قوله: «كان حين العمل أذكر»؟ وجهان، و الأحوط الاتيان ثمّ الاعادة.
الشرح:
اذا شكّ في أنّه هل ترك الجزء الفلاني عمدا أم لا؟ فالشكّ في أصل الترك و أنّه ان ترك كان عن عمد. فان كان في المحلّ يجب عليه الاتيان بالجزء. و أمّا ان تجاوز و دخل في غيره فهل تجري قاعدة التجاوز هنا أو كانت مخصوصة بما اذا شكّ في الترك عن سهو؛ لقوله عليه السلام «هو حين يتوضّأ أذكر منه حين يشكّ»؟
قد يقال بانصراف أخبار قاعدة التجاوز عن هذه الصورة، ولكن فيه: انّ الانصراف مدفوع بوجود المطلقات و عدم الدليل على ذلك. و يمكن أن يقال بتقييد المطلقات بموثّقة ابن بكير حيث نقل عنه عليه السلام«هو حين يتوضّأ أذكر منه حين يشكّ».(1)ولكن فيه: انّ هذا القيد غالبيّ و لايكون احترازيّا. فالأظهر أنّ المطلقات لا قصور فيها أن تشمل ما نحن فيه فانّ قوله عليه السلام في موثّقة ابن أبي يعفور: «اذا شككت في شيء من الوضوء و قد دخلت في غيره فليس شكّك بشيء، انّما الشكّ اذا كنت في شيء لم تجزه»(2)مطلق يشمل ما كان مبدأ الشكّ سهوا و ما كان مبدؤه عن عمد.
و لو قلنا بعدم شمول قاعدة التجاوز فيما يحتمل ترك الجزء عامدا فهل يجب عليه الرجوع و التدارك لاستصحاب عدم الاتيان بالجزء، أو لايجب بل تبطل
الصلاة، أو يحتاط بالرجوع و الاعادة؟ الظاهر عدم وجوب الرجوع؛ لعدم الأمر بذلك؛ لأنّه ان فعله فقد سقط الأمر به و ان لم يفعله عمدا فالرجوع موجب لزيادة الجزء الذي بعده و هو فيه عامد. فعليه امّا رفع اليد عن الصلاة و الاستئناف أو اتمامه و الاستئناف ان كان الوقت باقيا و في صورة ضيق الوقت يقطع الصلاة و يستأنف؛ لأنّ حرمة قطع الصلاة مخصوصة بالصلاة الصحيحة لا ما كانت محتملة بالبطلان. هذا فيما اذا كان أصل الترك مشكوكا فيه.
و أمّا اذا كان أصل الترك معلوما ولكنّه يشكّ في تركه عامدا أو ناسيا فحينئذ تارة يكون بعد الدخول في الركن و أخرى قبل الدخول. فان كان بعد الدخول في الركن فهو على قسمين فالأوّل لايكون هناك أثر لما علم تركه من قضاء و سجدتي السهو لو كان تركه سهوا، كالقراءة، ففي هذا القسم تكون قاعدة التجاوز بالنسبة الى الترك العمدي بلا معارض، فتجري القاعدة فتصحّ صلاته. و الثاني فيما له أثر للمتروك المعلوم اذا كان تركه عن سهو، كالسجدة، فانّ في تركها يجب القضاء فحينئذ لاتجري قاعدة التجاوز في كليهما أي عدم الترك عن عمد و عدم الترك عن سهو؛ للمعارضة؛ لمخالفتهما مع العلم الاجمالي ولكن يرجّح اجراء القاعدة في جانب الترك العمدي؛ لأنّ الصلاة على فرضه باطلة فتجري القاعدة بالنسبة اليه فيبقى على ذمّته قضاء السجدة.
و يمكن أن يقال انّ أصالة البراءة بالنسبة الى قضاء السجدة تعارض قاعدة التجاوز الجارية بالنسبة الى الترك العمدي فتتساقطان فتصل النوبة الى قاعدة الاشتغال بالنسبة الى أصل الصلاة فيجب رفع اليد عن هذه الصلاة و يستأنف، أو يتمّها و يستأنف. و لكن فيه: انّ أصالة البراءة متأخّرة عن القاعدة رتبة؛ لأنّ قاعدة التجاوز أمارة أو قريبة منها.
و أمّا ان كان قبل الدخول في الركن فهو أيضا على قسمين فقد يكون للمتروك أثر لو تركه ساهيا و قد لايكون. فان لم يكن له أثر كما لو علم بترك القراءة اذا دخل
في السورة و لكن شكّ في أنّه كان عن عمد أو سهو فحينئذ تجري قاعدة التجاوز بالنسبة الى الترك العمدي؛ لترجيحه فيثبت له الترك عن سهو للعلم الاجمالي فيرجع و يتدارك فتصحّ صلاته. و أمّا ان كان له أثر لو تركه سهوا كالسجدة، ففي هذا القسم أيضا تجري قاعدة التجاوز بالنسبة الى الترك العمدي لترجيحها فيثبت في ذمّته السجدة فيرجع و يتدارك فتصحّ صلاته.
(مسألة 57): اذا توضّأ و صلّى ثمّ علم أنّه امّا ترك جزءا من وضوئه أو ركنا في صلاته فالأحوط اعادة الوضوء ثمّ الصلاة، ولكن لايبعد جريان قاعدة الشكّ بعد الفراغ في الوضوء؛ لأنّها لاتجري في الصلاة حتّى يحصل التعارض، و ذلك للعلم ببطلان الصلاة على كلّ حال.
الشرح:
اذا توضّأ و صلّى ثمّ علم أنّه امّا ترك جزءا من وضوئه أو ركنا في صلاته، فيجب عليه اعادة الصلاة دون الوضوء؛ لأنّه علم تفصيلاً ببطلان صلاته امّا لترك جزء من وضوئه أو لترك ركن في صلاته. و أمّا شكّه بالنسبة الى ترك جزء من وضوئه فيكون من الشكّ البدوي فتجري قاعدة الفراغ بلا معارض لها فيصحّ وضوؤه.
(مسألة 58): لو كان مشغولاً بالتشهّد أو بعد الفراغ منه و شكّ في أنّه صلّى ركعتين و أنّ التشهّد في محلّه، أو ثلاث ركعات و أنّه في غير محلّه، يجري حكم الشكّ بين الاثنتين و الثلاث و ليس عليه سجدتا السهو لزيادة التشهّد؛ لأنّها غير معلومة و ان كان الأحوط الاتيان بها أيضا بعد صلاة الاحتياط.
الشرح:
لو كان مشغولاً بالتشهّد أو بعد الفراغ منه و شكّ في أنّه صلّى ركعتين و أنّ التشهّد في محلّه أو ثلاث ركعات و أنّه في غير محلّه يجري عليه حكم الشكّ بين الاثنتين و الثلاث، و أمّا سجدة السهو لزيادة التشهّد فلاتجب؛ لعدم الدليل. ولو قلنا بوجوبها بناءً على وجوبها لكلّ زيادة و نقيصة فهل تجب هنا أم لا؟ فالأظهر أنّه لاتجب؛ لأنّ البناء على الثلاث لايثبت ما يلزمه عقلاً. نعم، لو بنى على الثلاث فأتمّها أربع ركعات فنسي السلام فقام لصلاة الاحتياط فان دخل في الركوع كانت صلاته باطلة؛ لأنّ البناء التنزيلي نازل منزلة الواقعي فزاد ركعة في الصلاة فهي باطلة.
(مسألة 59): لو شكّ في شيء و قد دخل في غيره الذي وقع في غير محلّه كما لو شكّ في السجدة من الركعة الأولى أو الثالثة و دخل في التشهّد أو شكّ في السجدة من الركعة الثانية و قد قام قبل أن يتشهّد فالظاهر البناء على الاتيان و أنّ الغير أعمّ من الذي وقع في محلّه أو كان زيادة في غير المحلّ، ولكن الأحوط مع ذلك اعادة الصلاة أيضا.
الشرح:
لو شكّ في شيء و قد دخل في غيره الذي وقع في غير محلّه كما لو شكّ في السجدة من الركعة الأولى أو الثالثة و دخل في التشهّد الذي وقع في غير محلّه سهوا أو شكّ في السجدة من الركعة الثانية و قد قام قبل أن يتشهّد فالظاهر وجوب الرجوع و التدارك و لاتجري قاعدة التجاوز؛ لأنّ الظاهر من الغير في قوله عليه السلام في صحيحة زرارة: «اذا خرجت من شيء ثمّ دخلت في غيره فشكّك ليس بشيء»(1)
1) - وسائل الشيعة 8: 237 / الباب 23 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة / الحديث 1.
هو الجزء الشرعي الذي وقع في محلّه. و ما قيل من اطلاق الغير الشامل للأعمّ ممّا وقع في محلّه أو في غير محلّه، ففيه: انّ في الاطلاق شكّا؛ لعدم احراز أنّ الامام عليه السلام كان في مقام بيان التجاوز بأيّ نحو حصل.
(مسألة 60): لو بقي من الوقت أربع ركعات للعصر و عليه صلاة الاحتياط من جهة الشكّ في الظهر فلا اشكال في مزاحمتها للعصر مادام يبقى لها من الوقت ركعة، بل و كذا لو كان عليه قضاء السجدة أو التشهّد، و أمّا لو كان عليه سجدتا السهو فهل يكون كذلك أو لا؟ وجهان: من أنّهما من متعلّقات الظهر، و من أنّ وجوبهما استقلاليّ و ليستا جزءا أو شرطا لصحّة الظهر، و مراعاة الوقت للعصر أهمّ فتقدّم العصر ثمّ يؤتى بهما بعدها و يحتمل التخيير.
الشرح:
لو بقي من الوقت أربع ركعات للعصر و عليه صلاة الاحتياط من جهة الشكّ في الظهر فلا اشكال في مزاحمتها للعصر مادام يبقى لها من الوقت ركعة بل و كذا لو كان عليه قضاء السجدة أو التشهّد. و أمّا لو كان عليه سجدتا السهو فهل يكون كذلك؟ وجهان كما عليه الماتن و الأحوط رعاية الوقت و تأخير سجدتي السهو.
(مسألة 61): لو قرأ في الصلاة شيئا بتخيّل أنّه ذكر أو دعاء أو قرآن ثمّ تبيّن أنّه كلام الآدمي فالأحوط سجدتا السهو لكن الظاهر عدم وجوبهما؛ لأنّهما انّما تجبان عند السهو، و ليس المذكور من باب السهو كما أنّ الظاهر عدم وجوبهما في سبق اللسان الى شيء، و كذا اذا قرأ شيئا غلطا من جهةالاعراب أو المادّة و مخارج الحروف.
الشرح:
الظاهر وجوب سجدتي السهو لما يتكلّم به في الصلاة و لم يكن ذكرا أو دعاءً أو قرآنا و ان لم يكن عن سهو بل عن جهل أو سبق لسان؛ لأنّ أمر سجود السهو ليس دائرا مدار التكلّم السهوي بل ما لم يكن عن عمد. و الدليل على ذلك اطلاق الروايات، كما تقدّم في الفرع الثالث من المسألة الأولى من فصل موجبات سجود السهو.
(مسألة 62): لايجب سجود السهو فيما لو عكس الترتيب الواجب سهوا كما اذا قدّم السورة على الحمد و تذكّر في الركوع فانّه لم يزد شيئا و لم ينقص و ان كان الأحوط الاتيان معه لاحتمال كونه من باب نقص السورة، بل مرّة أخرى لاحتمال كون السورة المقدّمة على الحمد من الزيادة.
الشرح:
لو عكس الترتيب الواجب سهوا كما اذا قدّم السورة على الحمد و تذكّر في الركوع يجب عليه سجدتا السهو مرّتين ان قلنا بوجوبهما لكلّ زيادة و نقيصة، مرّة لتركه السورة فانّه لم يأت بالسورة؛ لأنّ موضع السورة بعد الحمد، و مرّة لزيادة السورة، فانّ السورة التي أتى بها قبل الحمد تكون زائدة.
(مسألة 63): اذا وجب عليه قضاء السجدة المنسيّة أو التشهّد المنسي ثمّ أبطل صلاته أو انكشف بطلانها سقط وجوبه؛ لأنّه انّما يجب في الصلاة الصحيحة، و أمّا لو أوجد ما يوجب سجود السهو ثمّ أبطل صلاته فالأحوط اتيانه و ان كان الأقوى سقوط وجوبه أيضا، و كذا اذا انكشف بطلان صلاته، و على هذا فاذا صلّى ثمّ أعادها احتياطا وجوبا أو ندبا و علم بعد ذلك وجود سبب سجدتي السهو في كلّ منهما يكفيه اتيانهما مرّة واحدة، و كذا اذا كان
عليه فائتة مردّدة بين صلاتين أو ثلاث مثلاً فاحتاط باتيان صلاتين أو ثلاث صلوات ثمّ علم تحقّق سبب السجود في كلّ منها فانّه يكفيه الاتيان به مرّة بقصد الفائتة الواقعيّة و ان كان الأحوط التكرار بعدد الصلوات.
الشرح:
اذا وجب عليه قضاء السجدة المنسيّة أو التشهّد المنسي ثمّ أبطل صلاته أو انكشف بطلانها لم يجب عليه و سقط وجوبه و ذلك لأنّ قضاء السجدة أو التشهّد لجبران ما فات من الصلاة فاذا أبطلها أو انكشف بطلانها لم يبق موضوع للجبران.
كذلك ما لو أوجد ما يوجب سجود السهو ثمّ أبطل الصلاة أو انكشف بطلانها و ذلك لقوله عليه السلام: «فاذا سلّم يسجد سجدتي السهو» فالسجدة تكون بعد السلام الواقع آخر الصلاة الصحيحة. مع أنّها كما قلنا سابقا لها نحو جبران للصلاة و ان كان أثرها ارغام أنف الشيطان أيضا.
اذا صلّى ثمّ أعادها احتياطا أو ندبا ثمّ علم بعد ذلك وجود سبب سجدتي السهو في كلّ منهما يجب عليه سجدة السهو مرّة واحدة؛ لأنّ المكلّف به هو احدى الصلاتين، و كذا اذا كان عليه فائتة متردّدة بين صلاتين أو ثلاث صلوات ثمّ علم تحقّق سجود السهو في كلّ منهما يكفيه الاتيان به مرّة بقصد الفائتة الواقعيّة.
(مسألة 64): اذا شكّ في أنّه هل سجد سجدة واحدة أو اثنتين أو ثلاثا فان لم يتجاوز محلّها بنى على واحدة و أتى بأخرى، و ان تجاوز بنى على الاثنتين و لا شيء عليه عملاً بأصالة عدم الزيادة. و أمّا ان علم أنّه امّا سجد
واحدة أو ثلاثا وجب عليه أخرى ما لم يدخل في الركوع و الاّ قضاها بعد الصلاة و سجد للسهو.
الشرح:
اذا شكّ في أنّه هل سجد سجدة واحدة أو اثنتين أو ثلاثا فان لم يتجاوز محلّها بنى على واحدة و أتى بأخرى و ذلك لقاعدة الاشتغال بالنسبة الى السجدة الثانية و أصالة عدم الزيادة بالنسبة الى الاثنتين و الثلاث. و ان تجاوز بنى على الاثنتين و لا شيء عليه و ذلك لقاعدة التجاوز بالنسبة الى الشكّ في السجدة الثانية و عملاً بأصالة عدم الزيادة بالنسبة الى الثالثة.
ان علم أنّه امّا سجد سجدة واحدة أو ثلاثا فان كان في المحلّ سجد سجدة أخرى و لا شيء عليه و ذلك لقاعدة الاشتغال بالنسبة الى السجدة الثانية أو الاستصحاب، و أصالة عدم الزيادة بالنسبة الى الثالثة. و أمّا ان تجاوز عن المحلّ و دخل في الركوع فتجري قاعدة التجاوز بالنسبة الى الثانية و يسجد سجدتي السهو و لاتعارضها أصالة عدم الزيادة؛ لأنّها مبنيّة على وجوب سجود السهو لكلّ زيادة و نقيصة. و قد استقصى البحث عن هذا الفرع، و نقّحه في المستند(1).
(مسألة 65): اذا ترك جزءا من أجزاء الصلاة من جهة الجهل بوجوبه أعاد الصلاة على الأحوط و ان لم يكن من الأركان. نعم، لو كان الترك مع الجهل بوجوبه مستندا الى النسيان بأن كان بانيا على الاتيان به باعتقاد استحبابه
1) - مستند العروة 19: 302.
فنسي و تركه فالظاهر عدم البطلان، و عدم وجوب الاعادة اذا لم يكن من الأركان.
الشرح:
اذا ترك جزءا من أجزاء الصلاة نسيانا و ان كان جاهلاً بوجوبه ولكن كان بانيا على الاتيان به باعتقاد استحبابه فالظاهر عدم بطلان الصلاة ان لم يكن ذلك الجزء من الأركان؛ لعدم القصور في شمول حديث «لاتعاد ... » له، و كذا الروايات التي وردت في عدم قدح ترك الجزء اذا نسيه. و أمّا ان كان جاهلاً بالجزء فقد يكون جهله عن تقصير و قد يكون عن قصور، فان كان تركه الجزء عن جهل و كان مقصّرا فصلاته باطلة و ذلك لانصراف حديث «لاتعاد ... » عن مثل ذلك، و الاّ كان مخالفا لوضع الأحكام، بل لتبليغ الرسالة، بمعنى أنّ الرسل قد أرسلوا ليعلّموا الناس ما جهلوه، فاذا لم يتعلّم الناس منهم و لم يسألوا أهل الذكر فقد أهملوا ما أنعم اللّه عليهم من بعث الرسل، فعليه يجب على الناس التعلّم كما يجب على الرسل التبليغ، و من المعلوم أنّ وجوب تعلّم الأحكام مقدّميّ للعمل و يدلّ على ذلك الوجوب: العقل و الشرع فلو لم يتعلّم المرء أحكام دينه و قصّر في ذلك و لم يعمل أو عمل عن طريق غير صحيح لم يكن معذورا و يعذّب بتركه ما كان وجب عليه. و أمّا ان كان تركه الجزء عن جهل و لم يكن مقصّرا بل كان جاهلاً قاصرا كمن كان معتقدا عدم وجوب شيء و لم يكن مقصّرا في اعتقاده و بعد العمل تذكّر ما اشتبه عليه، فعمله صحيح؛ لقوله صلى الله عليه و آله: «الناس في سعة ما لايعلمون» و «رفع عن أمّتي تسعة ... و ما لايعلمون» فبعد خروج الجاهل المقصّر يبقى في الرواية الجاهل القاصر بناءً على أنّ معنى «رفع ما لايعلمون» هو رفع الآثار المترتّبة عليه كالقضاء و الاعادة. مضافا الى أنّ حديث «لاتعاد» غير قاصر الشمول لهذا الجزء المتروك من الجاهل القاصر.
و هما الفطر و الأضحى، و هي كانت واجبة في زمان حضور الامام عليه السلام مع اجتماع شرائط وجوب الجمعة، و في زمان الغيبة مستحبّة جماعة و فرادى، و لايشترط فيها شرائط الجمعة، و ان كانت بالجماعة فلايعتبر فيها العدد من الخمسة أو السبعة، و لا بعد فرسخ بين الجماعتين و نحو ذلك. و وقتها من طلوع الشمس الى الزوال، و لا قضاء لها لو فاتت، و يستحبّ تأخيرها الى أن ترتفع الشمس، و في عيد الفطر يستحبّ تأخيرها أزيد بمقدار الافطار و اخراج الفطرة، و هي ركعتان يقرأ في الأولى منهما الحمد و سورة، و يكبّر خمس تكبيرات عقيب كلّ تكبيرة قنوت، ثمّ يكبّر للركوع و يركع و يسجد، ثمّ يقوم للثانية و فيها بعد الحمد و سورة يكبّر أربع تكبيرات، و يقنت بعد كلّ منها، ثمّ يكبّر للركوع و يتمّ الصلاة، فمجموع التكبيرات فيها اثنتاعشرة: سبع تكبيرات في الأولى، و هي تكبيرة الاحرام، و خمس للقنوت، و واحدة للركوع، و في الثانية خمس تكبيرات: أربعة للقنوت، و واحدة
للركوع، و الأظهر وجوب القنوتات و تكبيراتها، و يجوز في القنوتات كلّ ما جرى على اللسان من ذكر و دعاء كما في سائر الصلوات، و ان كان الأفضل الدعاء المأثور، و الأولى أن يقول في كلّ منها: «اللّهمّ أهل الكبرياء و العظمة و أهل الجود و الجبروت و أهل العفو و الرحمة و أهل التقوى و المغفرة، أسألك بحقّ هذا اليوم الذي جعلته للمسلمين عيدا و لمحمّد صلّى اللّه عليه و آله ذخرا و شرفا و كرامة و مزيدا أن تصلّي على محمّد و آل محمّد و أن تدخلني في كلّ خير أدخلت فيه محمّدا و آل محمّد، و أن تخرجني من كلّ سوء أخرجت منه محمّدا و آل محمّد صلواتك عليه و عليهم، اللّهمّ انّي أسألك خير ما سألك به عبادك الصالحون و أعوذ بك ممّا استعاذ منه عبادك المخلصون»، و يأتي بخطبتين بعد الصلاة مثل ما يؤتى بهما في صلاة الجمعة، و محلّهما هنا بعد الصلاة بخلاف الجمعة، فانّهما قبلها، و لايجوز اتيانهما هنا قبل الصلاة، و يجوز تركهما في زمان الغيبة و ان كانت الصلاة بجماعة، و لايجب الحضور عندهما و لا الاصغاء اليهما، و ينبغي أن يذكر في خطبة عيد الفطر ما يتعلّق بزكاة الفطرة من الشروط و القدر و الوقت لاخراجها، و في خطبة الأضحى ما يتعلّق بالأضحيّة.
الشرح:
العيدان هما اليومان المعروفان، مفرده عيد، و ياؤه منقلبة عن واو؛ لأنّه مأخوذ من العود، امّا لكثرة عوائد اللّه تعالى فيه على عباده، و امّا لعود السرور و الرحمة
بعوده. و الجمع أعياد على غير قياس؛ لأنّ حقّ الجمع ردّ الشيء الى أصله. قيل: و انّما فعلوا ذلك للزوم الياء في مفرده، أو للفرق بين جمعه و بين جمع عود الخشب.(1)
1) - مدارك الأحكام 4: 92.
فروع:
قال في الشرائع: «و هي واجبة مع وجود الامام عليه السلام بالشروط المعتبرة في الجمعة. انتهى».(1)
و قال في المدارك: «أجمع علماؤنا كافّة على وجوب صلاة العيدين على الأعيان على ما نقله جماعة منهم المصنّف و العلاّمة في جملة من كتبه. و الأصل في وجوبها - قبل الاجماع - الكتاب و السنّة. قال اللّه تعالى: «قد أفلح من تزكّى و ذكر اسم ربّه فصلّى»(2)، و ذكر جمع من المفسّرين أنّ المراد بالزكاة و الصلاة زكاة الفطرة و صلاة العيد و هو مرويّ عن الصادق عليه السلام أيضا. و قال تعالى: «فصلّ لربّك و انحر»، قيل: هي صلاة العيد و نحر البُدن للأضحيّة. و روى الشيخ و ابن بابويه في الصحيح عن جميل قال: «سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن التكبير في العيدين؟ قال: سبع و خمس. و قال: صلاة العيدين فريضة».(3)و عن أبي أسامة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال: «صلاة العيدين فريضة و صلاة الكسوف فريضة».(4)و عن أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال: «اذا أردت الشخوص في يوم عيد فانفجر الصبح و أنت بالبلد فلاتخرج حتّى تشهد ذلك».(5)و قد قطع المصنّف و غيره من الأصحاب بأنّ شروط هذه الصلاة شروط الجمعة، و قد تقدّم أنّها خمسة: الأوّل: السلطان العادل أو من نصبه للصلاة، و ظاهر العلاّمة في المنتهى اتّفاق الأصحاب
على اعتبار هذا الشرط، و احتجّ بصحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: «ليس فييوم الفطر و الأضحى أذان و لا اقامة - الى أن قال: - و من لم يصلّ مع امام في جماعة فلا صلاة له و لا قضاء عليه».(1)و صحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما عليهماالسلام قال: «سألته عن الصلاة يوم الفطر و الأضحى؟ فقال: ليس صلاة الاّ مع امام».(2)و رواية معمّر بن يحيى عن أبي جعفر عليه السلام قال: «لا صلاة يوم الفطر و الأضحى الاّ مع امام».(3)و عندي في هذا الاستدلال نظر؛ اذ الظاهر أنّ المراد بالامام هنا امام الجماعة لا امام الأصل عليه السلام، كما يظهر من تنكير الامام و لفظ الجماعة. و قوله عليه السلام في صحيحة ابن سنان: «من لم يشهد جماعة الناس في العيدين فليغتسل و ليتطيّب بما وجد، و ليصلّ في بيته وحده كما يصلّي في جماعة».(4)و في موثّقة سماعة: «لا صلاة في العيدين الاّ مع الامام، فان صلّيت وحدك فلابأس».(5)قال جدّي قدس سره في روض الجنان: و لا مدخل للفقيه حال الغيبة في وجوبها في ظاهر الأصحاب و ان كان ما في الجمعة من الدليل قد يتمشّى هنا الاّ أنّه قد يحتاج الى القائل، و لعلّ السرّ في عدم وجوبها حال الغيبة مطلقا بخلاف الجمعة أنّ الواجب الثابت في الجمعة انّما هو التخييري كما مرّ. أمّا العيني فهو منتفٍ بالاجماع، و التخييري في العيد غير متصوّر؛ اذ ليس معها فرد آخر يخيّر بينها و بينه، فلو وجبت لوجبت عينا و هو خلاف الاجماع. قلت: الظاهر أنّه أراد بالدليل ما ذكروه في الجمعة من أنّ الفقيه منصوب من قبله عموما فكان كالنائب الخاصّ. و قد بيّنّا ضعفه فيما سبق، و أمّا ما ذكره من السرّ فكلام ظاهري؛ اذ لا منافاة بين كون الوجوب في الجمعة تخييريّا و في العيد عينيّا اذا اقتضته الأدلّة. و
1) - فروع الكافي 3: 455 / الباب 254 صلاة العيدين ... / الحديث 1.
2) - وسائل الشيعة 7: 421 / الباب 2 من أبواب صلاة العيد / الحديث 4.
3) - وسائل الشيعة 7: 423 / الباب 2 من أبواب صلاة العيد / الحديث 11.
4) - وسائل الشيعة 7: 424 / الباب 3 من أبواب صلاة العيد / الحديث 1.
5) - وسائل الشيعة 7: 421 / الباب 2 من أبواب صلاة العيد / الحديث 5.
بالجملة فتخصيص الأدلّة الدالّة على الوجوب بمثل هذه الروايات لايخلو من اشكال. و ما ادّعوه من الاجماع فغير صالح للتخصيص أيضا؛ لما بيّنّاه غير مرّة من أنّ الاجماع انّما يكون حجّة مع العلم القطعي بدخول قول الامام عليه السلام في أقوال المجمعين و هو غير متحقّق هنا. و مع ذلك فالخروج عن كلام الأصحاب مشكل و اتّباعهم بغير دليل أشكل. انتهى».(1)
و الظاهر أنّ صلاة العيدين واجبة مع حضور امام الأصل عليه السلام أو نائبه الخاصّ و لايجب في زمان الغيبة و ان أقامها الفقيه الجامع للشرائط. و ذلك لما هو ظاهر من الروايات التي ذكرها في المدارك و فتوى القدماء و المتأخّرين. و نذكر كلماتهم عن الينابيع ليتّضح ذلك:
ففي فقه الرضا عليه السلام: «فانّ صلاة العيدين مع الامام مفروضة و لاتكون الاّ بامام و بخطبة. انتهى».(2)
و في المقنع: «اعلم أنّ صلاة العيدين ركعتان في الفطر و الأضحى، ليس قبلهما و لا بعدهما شيء، و لايصلّيان الاّ مع امام في جماعة، و من لم يدرك مع الامام في جماعة فلا صلاة له و لا قضاء عليه. انتهى».(3)
و في المقنعة: «و هذه الصلاة فرض لازم لجميع من لزمته الجمعة على شرط حضور الامام، و سنّة على الانفراد عند عدم حضور الامام. انتهى».(4)
و في جمل العلم و العمل للسيّد المرتضى: «صلاة العيدين فرض على كلّ من تكاملت له شرائط الجمعة التي ذكرناها، و هما سنّة للمنفرد عند اختلال تلك الشروط. انتهى».(5)
و قال في صلاة الجمعة: «صلاة الجمعة فرض لازم مع حضور الامام العادل. انتهى».(1)
و في الناصريّات للسيّد: «الذي يذهب اليه أصحابنا في صلاة العيدين أنّها فرض على الأعيان و تكامل الشروط التي تلزم معها صلاة الجمعة من حضور السلطان العادل. انتهى».(2)
و في الكافي لأبي الصلاح الحلبي: «صلاة يوم الفطر و يوم الأضحى واجبة بشرط تكامل شروط الجمعة لها على كلّ من تجب عليه الجمعة. انتهى».(3)
و في صلاة الجمعة قال: «لاتنعقد الجمعة الاّ بامام الملّة أو منصوب من قبله أو بمن يتكامل له صفات امام الجماعة عند تعذّر الأمرين. انتهى».(4)
و في النهاية: «صلاة العيدين فريضة بشرط وجود الامام العادل أو وجود من نصبه الامام للصلاة بالناس، و تلزم صلاة العيدين كلّ من تلزمه جمعة. انتهى».(5)
و في المراسم: «شرط وجوب صلاة العيدين شرط وجوب صلاة الجمعة الاّ أنّها سنّة مؤكّدة للمنفرد بخلاف الجمعة. انتهى».(6)
و في صلاة الجمعة قال: «صلاة الجمعة فرض مع حضور امام الأصل أو من يقيمه. انتهى».(7)
و في المهذّب: «هذه الصلاة تجب على من تجب عليه صلاة الجمعة و تسقط
عمّن تسقط عنه صلاة الجمعة و شروطها شروطها. انتهى».(1)
و في صلاة الجمعة قال: «و الشروط التي ذكرناها ... و يحضر الامام العادل أو من نصبه أو من جرى مجراه. انتهى».(2)
و في الوسيلة لابن حمزة: «شروط وجوب صلاة العيد شروط وجوب صلاة الجمعة. انتهى».(3)
و في صلاة الجمعة قال: «و يحتاج في الانعقاد الى أربعة شروط: حضور السلطان العادل أو من نصبه لذلك ... انتهى».(4)
و في السرائر: «صلاة العيدين فريضة بتكامل الشروط التي ذكرناها في لزوم الجمعة من حضور السلطان العادل ... انتهى».(5)
و في صلاة الجمعة قال: «صلاة الجمعة فريضة على من لم يكن معذورا بما سنذكره من الأعذار بشروط: أحدها حضور الامام العادل أو من نصبه للصلاة ... انتهى».(6)
و في المختصر النافع: «و منها صلاة العيدين، و هي واجبة جماعة بشروط الجمعة. انتهى».(7)
و في صلاة الجمعة قال: «و الشروط خمسة: الأوّل: السلطان العادل. انتهى».(8)
و في القواعد: «شرائط العيدين هي شرائط الجمعة. انتهى».(9)
و في صلاة الجمعة قال: «الشرائط ... السلطان العادل أو من يأمره. انتهى».(1)
و ما هو الظاهر من تلك العبارات أنّ الشرط في وجوب صلاة العيدين حضور الامام العدل أي المعصوم أو المنصوب من قبله.
قال في الجواهر: «لا ريب في أصل الوجوب. نعم، هو مع وجود الامام عليه السلام بالشرائط المعتبرة في الجمعة بلا خلاف أجده فيه فيما عدا الخطبة، بل في جامع المقاصد «أنّه اتّفاقيّ للأصحاب». و في الانتصار: «الاجماع على وجوبهما على كلّ من وجبت عليه صلاة الجمعة و بتلك الشروط». و نحوه عن الناصريّة. و في الخلاف: «الاجماع على أنّها فرض على الأعيان و لاتسقط الاّ عمّن تسقط عنه الجمعة». و فيه أيضا: «العدد شرط في وجوب صلاة العيد، و كذلك جميع شرائط الجمعة. دليلنا اجماع الفرقة، و أيضا فاذا ثبت أنّه فرض وجب اعتبار العدد فيها؛ لأنّ كلّ من قال بذلك اعتبر العدد و ليس في الأمّة من فرّق بينهما». و في المعتبر: «صلاة العيدين فريضة على الأعيان مع شرائط الجمعة و هو مذهب علمائنا أجمع». و فيه أيضا: «و يشترط في وجوبها شروط الجمعة؛ لأنّ النبي صلى الله عليه و آله صلاّها مع شرائط الجمعة، فيقف الوجوب على صورة فعله، و لأنّ كلّ من قال بوجوبها على الأعيان اشترط ذلك» الى آخره. قيل: و نحوه التذكرة و نهاية الأحكام، و عن المنتهى: «لا خلاف فيه بين علمائنا». مضافا الى قول الصادق عليه السلام في صحيح الحلبي في العيدين: «اذا كان القوم خمسة أو سبعة فانّهم يجمعون الصلاة كما يصنعون يوم الجمعة»، و الى المعتبرة المستفيضة القريبة من التواتر بل المتواترة في اعتبار الامام و الجماعة فيها، و جملة منها و ان نكّرت الامام و قابلت الجماعة بالواحدة بحيث يستشعر منها كون المراد من الامام فيها مطلق امام الجماعة لكنجملة أخرى منها عرّفته باللام، فيظهر أنّ المقصود فيها من التنكير ليس ما ذكر و الاّ لما عرّف، و حينئذ فيحمل على ما هو عند الاطلاق و التجرّد عن القرينة متبادر
1) - نفس المصدر: 924.
و مقابلة الوحدة بالجماعة ليس فيها ذلك الاشعار المعتدّ به، سيّما على القول بمنع اعتبار الجماعة فيها مع فقد الشرائط، مع أنّه على تقدير تسليمه معارض بظاهر الموثّق عن الصادق عليه السلام بل صريحه: «قلت له: متى تذبح؟ قال: اذا انصرف الامام. قلت: فاذا كنت في أرض ليس فيها امام فأصلّي بهم جماعة؟ فقال: اذا استقلّت الشمس. و قال: لابأس أن تصلّي وحدك، و لا صلاة الاّ مع امام» على أنّك قد عرفت في الجمعة ما يظهر منه أنّ المراد بالامام في أمثال هذه المقامات المعصوم عليه السلام أو نائبه، فلاحظ و تأمّل. كما أنّك عرفت ما يقضي باشتراطه في الجمعة و العيد من دعاء الصحيفة السجّاديّة و غيره، بل قد عرفت ما يقضي باتّحاد الجمعة و العيد، و أنّه اعتبر ما اعتبر في الأولى لأنّها عيد، و أنّه لاتّحادهما استغنى بحضور العيد عنها عند اجتماعهما كما ستعرف أيضا، بل لايخفى ظهور الصحيح: «قال الناس لأميرالمؤمنين عليه السلام: لو أمرت من يصلّي بضعفاء الناس يوم العيد في المسجد! قال: أكره أن أستنّ سنّة لم يستنّها رسول اللّه صلى الله عليه و آله». و في الرياض و نحوه المروي في البحار عن كتاب عاصم بن حميد عن محمّد بن مسلم عن الصادق عليه السلام، و عن كتاب المجالس عن رفاعة عنه عليه السلام، و خبر محمّد بن مسلم عن الباقر عليه السلام في أنّ صلاة العيد بنصب الامام و اذنه و الاّ لما استأذنوه، كما أنّه لايخفى ظهورها في اعتبار الوحدة فيها على حسب ما سمعته في الجمعة، مضافا الى الاجماع المزبور على ذلك، فما عن تذكرة الفاضل و نهايته من التوقّف فيه بل كأنّه مال اليه في المدارك لايخلو من نظر. انتهى».(1)
و قال في صلاة الجمعة: «ثمّ الجمعة لاتجب أو لاتصحّ الاّ بشروط: الأوّل: السلطان العادل أو من نصبه بالخصوص لها خاصّة أو مع غيرها من مناصبه، فبدونهما تسقط عينا أو مشروعيّة على اختلاف القولين المشتركين في عدم وجوب عقدها حينئذ عينا بلا خلاف أجده بين الأساطين من علماء المؤمنين بل
1) - جواهر الكلام 11: 333 - 335.
المسلمين عدا الشافعي فلم يعتبرهما، بل هو من ضروريّات فقه الاماميّة ان لم يكن مذهبهم، بل يعرفه المخالف لهم منهم كما نسبه جماعة منهم اليهم على ما قيل فضلاً عن المؤالف. قال في الخلاف: «من شرط انعقاد الجمعة الامام أو من يأمره الامام بذلك من قاضٍ أو أمير و نحو ذلك، و متى أقيمت بغير أمره لم تصحّ - الى أن قال: - فان قيل: أليس قد رويتم فيما مضى من كتبكم أنّه يجوز لأهل القرايا و السواد و المؤمنين اذا اجتمعوا العدد الذين تنعقد بهم أن يصلّوا الجمعة، قلنا: ذلك مأذون فيه مرغب فيه، فجرى ذلك مجرى أن ينصب الامام من يصلّي بهم، و أيضا عليه اجماع الفرقة، فانّهم لايختلفون أنّ من شرط الجمعة الامام أو من أمره. و روى محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال: «يجب الجمعة على سبعة» الى آخر الخبر. و أيضا فانّه اجماع، فانّه من عهد النبي صلى الله عليه و آله الى وقتنا هذا ما أقام الجمعة الاّ الخلفاء و الأمراء و من ولي الصلاة، فعلم أنّ ذلك من اجماع أهل الأعصار، ولو انعقدت بالرعيّة لصلّوها كذلك» و هي كما ترى صريحة في نفي العينيّة بدونهما، فلايضرّ احتمالها الوجوب التخييري أو توقّف المشروعيّة على ذلك و ان كان الظاهر ارادته الأوّل؛ لأنّ مثله يعبّر عنه بالجواز، و لأنّه الظاهر من باقي كتبه، ففي المحكي عن مبسوطه أنّه اشترط في أوّل الباب السلطان العادل أو من يأمره، ثمّ قال بعد ذلك: «و لابأس أن يجتمع المؤمنون في زمان الغيبة بحيث لا ضرر عليهم فيصلّون بخطبتين، فان لم يتمكّنوا من الخطبة صلّوا جماعة ظهرا أربع ركعات». و في نهايته باب الجمعة و أحكامها: «الاجتماع في صلاة الجماعة فريضة اذا حصلت شرائطه، و من شرائطه أن يكون هناك امام عادل أو من نصبه الامام للصلاة بالناس - الى أن قال في آخر الباب: - و لابأس أن يجتمع المؤمنون في زمان الغيبة بحيث لا ضرر عليهم فيصلّوا جماعة بخطبتين، فان لم يتمكّن من الخطبة جاز لهم أن يصلّوا جماعة لكنّهم يصلّون أربع ركعات». و قال في باب الأمر بالمعروف منها أيضا: «و يجوز لفقهاء الحقّ أن يجمعوا بالناس الصلوات كلّها و صلاة الجمعة و
العيدين و يخطبون الخطبتين، و يصلّون بهم صلاة الكسوف ما لم يخافوا في ذلك ضررا، فان خافوا في ذلك الضرر لم يجز لهم التعرّض لذلك على حال» و لايخفى صراحة كلامه في نفي الوجوب العيني عقدا و ظهوره في نفيه اجتماعا بانتفاء الشرط المزبور. انتهى».(1)
فقد تحصّل أنّ صلاة العيدين في زمان حضور الامام اذا اجتمع باقي الشرائط واجبة.
تستحبّ صلاة العيدين جماعة في زمن الغيبة لموثّقة سماعة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قلت له: متى يذبح؟ قال: اذا انصرف الامام. قلت: فاذا كنت في أرض ليس فيها امام فأصلّي بهم جماعة؟ فقال: اذا استقلّت الشمس. و قال: لابأس أن تصلّي وحدك، و لا صلاة الاّ مع امام».(2)
فانّ مقتضى التقرير مشروعيّة الجماعة فيها. مضافا الى الاجماع المدّعى في كلمات غير واحد.
و في المستند: «بل قد استقرّ عليه عمل جمهور الاماميّة خلفا عن سلف بمثابة قد يدّعى أنّه لولا ما دلّ من الأخبار على جواز اتيانها فرادى لكانت مظنّة كون الجماعة مأخوذة في قوام ماهيّتها سيّما بعد ملاحظة جريان السنّة في أصل شرعها على فعلها جماعة. و بذلك يخرج عن العمومات الناهية عن الجماعة في النوافل
لو سلّم شمولها لمثل المقام ممّا كان فريضة في الأصل. فما في الحدائق من أنّا لم نقف لما ذكره الأصحاب من الاستحباب جماعة مع اختلال بعض شروط الوجوب على دليل و كذا ما عن بعض الأجلّة من التشكيك في ذلك و المنع عن الاتيان بها كذلك الاّ رجاءً، غير واضح. انتهى».(1)
و الدليل على استحباب صلاة العيدين فرادى صحيحة عبداللّه بن سنان قال:
«من لم يشهد جماعة الناس في العيدين فليغتسل و ليتطيّب بما وجد، و ليصلّ في بيته وحده كما يصلّي في جماعة».(2)
و صحيحة الحلبي قال:
«سئل أبو عبداللّه عليه السلام عن الرجل لايخرج في يوم الفطر و الأضحى، أعليه صلاة وحده؟ فقال: نعم».(3)
و صحيحة منصور عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«مرض أبي يوم الأضحى فصلّى في بيته ركعتين ثمّ ضحّى».(4)
و ما رواه ابن طاووس في الخبر عن الصادق عليه السلام أنّه سئل عن صلاة الأضحى و الفطر، فقال:
«صلّهما ركعتين في جماعة و غير جماعة».(5)
و موثّقة سماعة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«لا صلاة في العيدين الاّ مع الامام، فان صلّيت وحدك فلابأس. الحديث».(6)
1) - مستند العروة 19: 311 و 312.
2) - وسائل الشيعة 7: 424 / الباب 3 من أبواب صلاة العيد / الحديث 1.
3) - وسائل الشيعة 7: 424 / الباب 3 من أبواب صلاة العيد / الحديث 2.
4) - وسائل الشيعة 7: 425 / الباب 3 من أبواب صلاة العيد / الحديث 3.
5) - وسائل الشيعة 7: 425 / الباب 3 من أبواب صلاة العيد / الحديث 4.
6) - وسائل الشيعة 7: 421 / الباب 2 من أبواب صلاة العيد / الحديث 5.
و موثّقته الثانية عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قلت له: متى يذبح؟ قال: اذا انصرف الامام. قلت: فاذا كنت في أرض ليس فيها امام فأصلّي بهم جماعة؟ فقال: اذا استقلّت الشمس. و قال: لابأس أن تصلّي وحدك، و لا صلاة الاّ مع امام».(1)
و لايعارضها خبر هارون بن حمزة الغنوي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«الخروج يوم الفطر و يوم الأضحى الى الجبّانة حسن لمن استطاع الخروج اليها. فقلت: أرأيت ان كان مريضا لايستطيع أن يخرج، أيصلّي في بيته؟ قال: لا».(2)
لأنّه مع ضعف سنده يحمل على نفي الوجوب؛ جمعا بينه و بين صحيحة منصور المتقدّمة في مورده. و قد تقدّم فتوى الأصحاب في أنّها سنّة على الانفراد عند عدم حضور الامام.
و لايشترط فيها شرائط الجمعة، و ان كانت بالجماعة فلايعتبر فيها العدد من الخمسة أو السبعة، و لا بعد فرسخ بين الجماعتين و نحو ذلك. و ذلك لظهور كلمات الأصحاب التي تقدّمت في أنّ تلك الشرائط، شرائط الوجوب و مع حضور الامام المعصوم عليه السلام لا الاستحباب.
قال في مستند الشيعة: «اعلم أنّه لا شكّ في اشتراطها عند وجوبها بشرائط و اناختلفوا فيها، فمنهم من صرّح باشتراطها بشرائط الجمعة، و منهم من نقص عنها.
و كذا لا شكّ في عدم وجوبها - على القول به - على من لاتجب عليه الجمعة كلاًّ أو بعضا. و لسقوط القول بوجوبها في هذه الأزمان عندنا لا فائدة مهمّة في التعرّض لذلك. و أمّا استحبابها جماعة أو فرادى، فظاهر الأكثر عدم اشتراطها صحّة أو استحبابا بهذه الشروط، بل تستحبّ بلا قيد، و على كلّ مكلّف تصحّ منه الصلاة. و يدلّ عليه الأصل، لا أصل العدم - كما قيل - لأنّه مع الاشتراط، بل الأصل الاطلاقي. و هو في الانفراد ظاهر؛ لاطلاق أخباره. و أمّا الجماعة و ان لم يكن ما يدلّ عليها من الأخبار مطلقة الاّ أنّ فتوى الأكثر و الاجماع المنقول مطلقان، بل و كذا رواية الحلبي بالنسبة الى غير العدد. فلاينبغي الريب في عدم اشتراط غير العدد، لا في الصحّة و لا في الاستحباب. بل في عدم اشتراطه أيضا؛ لاطلاق الأوّلين و ان كان ظاهر بعض المتأخّرين اشتراطه مع الاستحباب في الجماعة أيضا. انتهى».(1)
ابتداء وقتها من طلوع الشمس؛ لصحيحة زرارة قال:
«قال أبو جعفر عليه السلام: ليس يوم الفطر و الأضحى أذان و لا اقامة، أذانهما طلوع الشمس، اذا طلعت خرجوا. الحديث».(2)
و مضمرة سماعة قال:
«سألته عن الغدوّ الى المصلّى في الفطر و الأضحى؟ فقال: بعد طلوع الشمس».(3)
و موثّقته عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قلت له: متى يذبح؟ قال: اذا انصرف الامام. قلت: فاذا كنت في أرض ليس فيها امام، فأصلّي بهم جماعة؟ فقال: اذا استقلّت الشمس. و قال: لابأس أن تصلّي وحدك، و لا صلاة الاّ مع امام».(1)
و انتهاؤها الزوال؛ لصحيحة محمّد بن قيس عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«اذا شهد عند الامام شاهدان أنّهما رأيا الهلال منذ ثلاثين يوما أمر الامام بالافطار ذلك اليوم اذا كانا شهدا قبل زوال الشمس، فان شهدا بعد زوال الشمس أمر الامام بافطار ذلك اليوم و أخّر الصلاة الى الغد فصلّى بهم».(2)
قال في المستند: «فانّها واضحة الدلالة بقرينة المقابلة على امتداد الوقت الى الزوال. و ما احتمله في الحدائق من كون جملة «و أخّر الصلاة الى الغد» مستأنفة لا معطوفة على الجملة الجزائيّة لتكون النتيجة لزوم التأخير الى الغد على التقديرين في غاية البعد؛ للزوم لغويّة التفصيل حينئذ بين ما قبل الزوال و ما بعده كما لايخفى. نعم، مورد الصحيحة حال الضرورة، فلاتدلّ على جواز التأخير الى الزوال لدى الاختيار، الاّ أن يدّعى القطع بعدم الفرق و الغاء خصوصيّة المورد، أو يعوّل على الاجماع المدّعى في كلمات غير واحد، حيث لم يرد في المقام نصّ آخر. انتهى».(3)
و في مستند الشيعة: «مبدأ وقتها طلوع الشمس من يوم العيد، و منتهاه زوالها فيه، وفاقا للمشهور، بل في الذخيرة: انّ الظاهر أنّه اتّفاقي. و نقل فيه اتّفاقهم عليه عن النهاية أيضا، بل في شرح القواعد و عن التذكرة: الاجماع عليهما. و عن المنتهى على الثاني. أمّا الأوّل فللاطلاقات المقتضية لصحّة فعلها في أيّ وقت
كان، خرج قبل الطلوع بالاجماع فبقي الباقي؛ أو لأنّ مقتضى اضافة الصلاة الى يوم العيد في الأخبار المتضمّنة لانتسابها اليه - و ليس المراد الاّ نسبة الفعل فيه - وقوعها فيه، و الأصل عدم توقيت آخر، خرج ما بين الطلوعين امّا بالاجماع، أو لعدم صدق المبدأ عرفا الاّ بطلوع الشمس. خلافا للمحكي عن النهاية و المبسوط و الاقتصاد و الكافي و الغنية و الوسيلة و الاصباح و السرائر، فقالوا: وقتها انبساط الشمس و ارتفاعها؛ للأصل، و الاستصحاب. و يندفعان بالاطلاق - الى أن قال: - و أمّا الثاني فلمثل ما مرّ أيضا، مضافا الى الاستصحاب، باخراج ما بعد الزوال و قطع الاستصحاب فيه بالاجماع. بل الى الاجماع؛ لعدم قدح مخالفة من سيأتي فيه. انتهى».(1)
و في المدارك: «أجمع الأصحاب على أنّ وقت صلاة العيدين من طلوع الشمس الى الزوال، حكاه العلاّمة رحمه الله في النهاية، و مستنده حسنة زرارة قال: «قال أبو جعفر عليه السلام: «ليس في الفطر و الأضحى أذان و لا اقامة، أذانهما طلوع الشمس، اذا طلعت خرجوا». و موثّقة سماعة قال: «سألته عن الغدوّ الى المصلّى في الفطر و الأضحى؟ فقال: بعد طلوع الشمس». و قال الشيخ في المبسوط: «وقت صلاة العيد اذا طلعت الشمس و ارتفعت و انبسطت». و هو أحوط، و مقتضى الروايتين أنّ وقت الخروج الى المصلّى بعد طلوع الشمس. و قال المفيد: «انّه يخرج قبل طلوعها، فاذا طلعت صبر هنيئة ثمّ صلّى». و احتجّ له في المختلف بما فيه من المباكرة الى فعل الطاعة، و عارضه بأنّ التعقيب في المساجد الى طلوع الشمس عبادة. و يستحبّ تأخير صلاة العيد في الفطر شيئا عن الأضحى باجماع العلماء؛ لاستحباب الافطار في الفطر قبل خروجه، بخلاف الأضحى، فانّ الأفضل أن يكون افطاره على شيء ممّا يضحّى به بعد الصلاة، و لأنّ الأفضل اخراج الفطرة قبل الصلاة فاستحبّ تأخير الصلاة ليتّسع الوقت لذلك، و في الأضحى تقديمها
1) - مستند الشيعة 6: 179 - 180.
ليضحّي بعدها، فانّ وقتها بعد الصلاة. انتهى».(1)
و من فاتته صلاة العيد في وقتها فليس عليه قضاء؛ لصحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«من لم يصلّ مع الامام في جماعة يوم العيد فلا صلاة له و لا قضاء عليه».(2)
و صحيحته الثانية قال:
«قال أبو جعفر عليه السلام: ليس يوم الفطر و الأضحى أذان و لا اقامة - الى أن قال: - و من لم يصلّ مع امام في جماعة فلا صلاة له و لا قضاء عليه».(3)
و في المدارك بعد ذكر ما في الشرائع حيث قال: «و لو فاتت لم تقض» قال: «اطلاق العبارة يقتضي عدم الفرق في الصلاة بين كونها فرضا أو نفلاً، و في الفوات بين أن يكون عمدا أو نسيانا. و بهذا التعميم صرّح في التذكرة و قال: انّ سقوط القضاء مذهب أكثر الأصحاب. و قال الشيخ في التهذيب: من فاتته الصلاة يوم العيد لايجب عليه القضاء و يجوز له أن يصلّي ان شاء ركعتين و ان شاء أربعا من غير أن يقصد بها القضاء. و قال ابن ادريس: يستحبّ قضاؤها. و قال ابن حمزة: «اذا فاتت لايلزم قضاؤها الاّ اذا وصل في حال الخطبة و جلس مستمعا لها». و قال ابن الجنيد: «من فاتته و لحق الخطبتين صلاّها أربعا مفصولات»، يعني بتسليمتين. و نحوه قال علي بن بابويه الاّ أنّه قال: «يصلّيها بتسليمة». و الأصحّ السقوط مطلقا. لنا: انّ القضاء فرض مستأنف فيتوقّف على الدلالة و لا دلالة، و يؤيّده صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: «و من لم يصلّ مع الامام في جماعة
يوم العيد فلا صلاة له و لا قضاء عليه». احتجّ القائلون بأنّها تقضى أربعا بما رواه أبو البختري عن جعفر عن أبيه عن آبائه عليهم السلام قال: «من فاتته صلاة العيد فليصلّ أربعا». و الجواب أوّلاً بالطعن في السند. و ثانيا بمنع الدلالة، فانّ الأربع لايتعيّن كونها قضاءً. انتهى».(1)
يدلّ على الكيفيّة المذكورة في المتن صحيحة يعقوب بن يقطين قال:
«سألت العبد الصالح عليه السلام عن التكبير في العيدين، أ قبل القراءة أو بعدها؟ و كم عدد التكبير في الأولى و في الثانية، و الدعاء بينهما؟ و هل فيهما قنوت أم لا؟ فقال: تكبير العيدين للصلاة قبل الخطبة، تكبّر تكبيرة تفتح بها الصلاة، ثمّ تقرأ و تكبّر خمسا، و تدعو بينها، ثمّ تكبّر أخرى و تركع بها، فذلك سبع تكبيرات بالذي افتتح بها، ثمّ تكبّر في الثانية خمسا، فيقوم يقرأ ثمّ يكبّر أربعا و يدعو بينهنّ، ثمّ يركع بالتكبيرة(2)الخامسة».(3)
قال في المدارك: «أجمع الأصحاب على وجوب قراءة سورة مع الحمد، و أنّه لايتعيّن في ذلك سورة مخصوصة، قاله في التذكرة، و اختلفوا في الأفضل، فقال الشيخ في الخلاف و المفيد و السيّد المرتضى و أبو الصلاح و ابن البرّاج و ابن زهرة: انّه الشمس في الأولى و الغاشية في الثانية. و عليه دلّت صحيحة جميل، الاّ أنّه قال فيها: «و سألته: ما يقرأ فيها؟ فقال: «و الشمس و ضحاها»، «و هل أتاك
حديث الغاشية»، و أشباههما». و قال في المبسوط و النهاية: «يقرأ في الأولى الأعلى، و في الثانية الشمس». و هو قول ابن بابويه في المقنع و من لايحضره الفقيه. و رواه اسماعيل بن جابر عن الباقر عليه السلام الاّ أنّ في الطريق أحمد بن عبداللّه القروي، و لايحضرني الآن حاله، فالعمل على الأوّل لصحّة مستنده. انتهى».(1)
اختلف الأصحاب في أنّ التكبيرات التسع هل هي واجبة أو مستحبّة؟
قال في المدارك: «قال الأكثر كالسيّد المرتضى و ابن الجنيد و أبي الصلاح و ابن ادريس بالوجوب، و هو الأصحّ؛ للتأسّي و ظاهر الأمر. و قال المفيد في المقنعة: «من أخلّ بالتكبيرات التسع لم يكن مأثوما الاّ أنّه يكون تاركا سنّة و مهملاً فضيلة». و هو يعطي استحباب التكبير الزائد. و استدلّ عليه في التهذيب بصحيحة زرارة قال: «انّ عبدالملك بن أعين سأل أبا جعفر عليه السلام عن الصلاة في العيدين؟ فقال: الصلاة فيهما سواء، يكبّر الامام تكبيرة الصلاة قائما كما يصنع في الفريضة، ثمّ يزيد في الركعة الأولى ثلاث تكبيرات، و في الأخرى ثلاثا، سوى تكبيرة الصلاة و الركوع و السجود، ان شاء ثلاثا و خمسا، و ان شاء خمسا و سبعا بعد أن يلحق ذلك الى وتر». قال الشيخ رحمه الله: «ألا ترى أنّه جوّز الاقتصار على الثلاث تكبيرات و على الخمس تكبيرات، و هذا يدلّ على أنّ الاخلال بها لايضرّ الصلاة». و أجاب عنها في الاستبصار و عمّا في معناها بالحمل على التقيّة، لموافقتها لمذهب كثير من العامّة، قال: و لسنا نعمل به، و اجماع الفرقة المحقّة على ما قدّمناه. انتهى».(2)
أقول:
الأظهر كون التكبيرات الزائدة خمسا في الأولى و أربعا في الثانية كما هو
المشهور. و في مستند الشيعة: «بل عليه الاجماع عن الانتصار و الاستبصار و الناصريّات و الخلاف و السرائر و المختلف؛ للمعتبرة المستفيضة كمرسلة ابن المغيرة و صحيحة الشحّام: عن التكبير في العيدين، قال: «سبع و خمس». و صحيحة جميل عن التكبير في العيدين: قال: «سبع و خمس». و صحيحة معاوية بن عمّار قال: «سألته عن صلاة العيدين؟ فقال: ركعتان ليس قبلهما و لا بعدهما شيء، و ليس فيهما أذان و لا اقامة، تكبّر فيهما اثنتي عشرة تكبيرة، تبدأ فتكبّر و تفتتح الصلاة ثمّ تقرأ فاتحة الكتاب ثمّ تقرأ «و الشمس و ضحاها»، ثمّ تكبّر خمس تكبيرات، ثمّ تكبّر و تركع فتكون تركع بالسابعة و تسجد سجدتين، ثمّ يقوم فيقرأ فاتحة الكتاب و «هل أتاك حديث الغاشية» ثمّ يكبّر أربع تكبيرات و تسجد سجدتين، و تتشهّد و تسلّم، قال: و كذلك صنع رسول اللّه صلى الله عليه و آله. الحديث». و صحيحة الكناني، و رواية علي بن أبي حمزة و سليمان بن خالد و أبي بصير و صحيحة يعقوب بن يقطين (التي تقدّمت) و رواية اسماعيل الجعفي و محمّد. خلافا للمحكي عن الصدوقين و العمّاني، فجعلوا التكبير الزائد سبع تكبيرات. انتهى ملخّصا».(1)
أقول:
الظاهر أنّ التكبيرات الزائدة شرط بمعنى أنّ صلاة العيدين متشكّلة من هذه التكبيرات، كما أنّه لايبعد أن يقال: انّ الاختلاف في كونها مستحبّة أو واجبة يرجع الى أصل الصلاة الذي يكون في زمن الحضور واجبا و في زمن الغيبة مستحبّا، و هكذا يكون الأمر في الدعاء بينها.
1) - مستند الشيعة 6: 187 - 189.
قال في المدارك: «اختلف الأصحاب في القنوت بعد التكبيرات الزائدة. فقال المرتضى و أكثر الأصحاب: انّه واجب؛ للأمر به في روايتي يعقوب بن يقطين و اسماعيل بن جابر. و قال الشيخ في الخلاف: انّه مستحبّ؛ لأنّ الأصل براءة الذمّة من الوجوب. و جوابه أنّ الأصل يصار الى خلافه لدليل، و قد بيّنّاه. و قد يقال: انّ هاتين الروايتين لاتنهضان حجّة في اثبات حكم مخالف؛ للأصل (خصوصا) مع معارضتهما بعدّة أخبار واردة في مقام البيان خالية من ذكر القنوت. - ثمّ قال: - الأقوى أنّه لايتعيّن في القنوت لفظ مخصوص؛ لاختلاف الروايات في تعيينه، و لما رواه محمّد بن مسلم في الصحيح عن أحدهما عليهماالسلام قال: «سألته عن الكلام الذي يتكلّم به فيما بين التكبيرتين في العيدين؟ فقال: ما شئت من الكلام الحسن». و ربّما ظهر من كلام أبي الصلاح وجوب الدعاء بالمرسوم. و هو ضعيف. انتهى».(1)
و يجوز في القنوتات كلّ ما جرى على اللسان من ذكر و دعاء كما في سائر الصلوات، و ذلك لصحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما عليهماالسلام قال:
«سألته عن الكلام الذي يتكلّم به في ما بين التكبيرتين في العيدين؟ قال: ما شئت من الكلام الحسن».(2)
و الأفضل الدعاء بالمأثور، كما ورد في صحيحة محمّد بن عيسى بن أبي منصور عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«تقول بين كلّ تكبيرتين في صلاة العيدين: اللّهمّ أهل الكبرياء و
العظمة و أهل الجود و الجبروت و أهل العفو و الرحمة و أهل التقوى و المغفرة، أسألك في هذا اليوم الذي جعلته للمسلمين عيدا، و لمحمّد صلّى اللّه عليه و آله ذخرا و مزيدا، أن تصلّي على محمّد و آل محمّد كأفضل ما صلّيت على عبد من عبادك، و صلّ على ملائكتك و رسلك، و اغفر للمؤمنين و المؤمنات و المسلمين و المسلمات، الأحياء منهم و الأموات، اللّهمّ انّي أسألك خير ما سألك عبادك المرسلون، و أعوذ بك من شرّ ما عاذ بك منه عبادك المرسلون».(1)
و صحيحة جابر عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«كان أميرالمؤمنين عليه السلام اذا كبّر في العيدين قال بين كلّ تكبيرتين: أشهد أن لا اله الاّ اللّه وحده لا شريك له، و أشهد أنّ محمّدا عبده و رسوله صلى الله عليه و آله، اللّهمّ أهل الكبرياء، و ذكر الدعاء الى آخره مثله».(2)
و خبر بشر بن سعيد عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«تقول في دعاء العيدين بين كلّ تكبيرتين: اللّه ربّي أبدا، و الاسلام ديني أبدا، و محمّد نبيّي أبدا، و القرآن كتابي أبدا، و الكعبة قبلتي أبدا، و عليّ وليّي أبدا، و الأوصياء أئمّتي أبدا، و تسمّيهم الى آخرهم، و لا أحد الاّ اللّه».(3)
و صحيحة أبي الصباح قال:
«قال: سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن التكبير في العيدين؟ فقال: اثنتا عشرة: سبعة في الأولى، و خمسة في الأخيرة، فاذا قمت الى الصلاة فكبّر
واحدة، تقول: أشهد أن لا اله الاّ اللّه وحده لا شريك له، و أشهد أنّ محمّدا عبده و رسوله، اللّهمّ أنت أهل الكبرياء و العظمة، و أهل الجود و الجبروت، و أهل القدرة و السلطان و العزّة، أسألك في هذا اليوم الذي جعلته للمسلمين عيدا، و لمحمّد صلى الله عليه و آله ذخرا و مزيدا، أسألك أن تصلّي على محمّد و آل محمّد و أن تصلّي على ملائكتك المقرّبين و أنبيائك المرسلين و أن تغفر لنا و لجميع المؤمنين و المؤمنات و المسلمين و المسلمات الأحياء منهم و الأموات، اللّهمّ انّي أسألك من خير ما سألك به عبادك المرسلون و أعوذ بك من شرّ ما عاذ به عبادك المخلصون، اللّه أكبر أوّل كلّ شيء و آخره و بديع كلّ شيء و منتهاه و عالم كلّ شيء و معاده و مصير كلّ شيء اليه و مردّه، مدبّر الأمور و باعث من في القبور، قابل الأعمال و مبدئ الخفيّات، معلن السرائر، اللّه أكبر عظيم الملكوت شديد الجبروت حيّ لايموت، دائمٌ لايزول، اذا قضى أمرا فانّما يقول له كن فيكون، اللّه أكبر خشعت لك الأصوات و عنت لك الوجوه و حارت دونك الأبصار و كلّت الألسن عن عظمتك و النواصي كلّها بيدك و مقادير الأمور كلّها اليك لايقضي فيها غيرك و لايتمّ منها شيء دونك، اللّه أكبر أحاط بكلّ شيء حفظك و قهر كلّ شيء عزّك و نفذ كلّ شيء أمرك و قام كلّ شيء بك و تواضع كلّ شيء لعظمتك و ذلّ كلّ شيء لعزّتك و استسلم كلّ شيء لقدرتك و خضع كلّ شيء لملكك، اللّه أكبر. و تقرأ الحمد و «سبّح اسم ربّك الأعلى» و تكبّر السابعة و تركع و تسجد و تقوم و تقرأ الحمد و «الشمس و ضحيها»و تقول: اللّه أكبر أشهد أن لا اله الاّ اللّه وحده لا شريك له و أنّ محمّدا عبده و رسوله، اللّهمّ أنت أهل الكبرياء، تتمّه كلّه، كما قلته أوّل التكبير
يكون هذا القول في كلّ تكبيرة حتّى تتمّ خمس تكبيرات».(1)
يؤتى بالخطبتين للعيدين مثل ما يؤتى بهما في صلاة الجمعة. و محلّهما هنا بعد الصلاة بخلاف الجمعة فانّهما قبلها. و لايجوز اتيانهما هنا قبل الصلاة، و يجوز تركهما في زمن الغيبة و ان كانت الصلاة بجماعة. و الدليل على ذلك روايات:
منها صحيحة معاوية قال:
«سألته عن صلاة العيدين؟ فقال: ركعتان - الى أن قال: - و الخطبة بعد الصلاة، و انّما أحدث الخطبة قبل الصلاة عثمان، و اذا خطب الامام فليقعد بين الخطبتين قليلاً، و ينبغي للامام أن يلبس يوم العيدين بردا و يعتمّ، شاتيا كان أو قائظا. الحديث».(2)
و منها صحيحة محمّد عن أحدهما عليهماالسلام في صلاة العيدين قال:
«الصلاة قبل الخطبتين [و التكبير(3)] بعد القراءة سبع في الأولى و خمس في الأخيرة، و كان أوّل من أحدثها بعد الخطبة عثمان لمّا أحدث أحداثه، كان اذا فرغ من الصلاة قام الناس ليرجعوا، فلمّا رأى ذلك قدّم الخطبتين و احتبس الناس للصلاة».(4)
و خبر الفضل بن شاذان عن الرضا عليه السلام قال:
«انّما جعلت الخطبة في يوم الجمعة في أوّل الصلاة، و جعلت في العيدين بعد الصلاة؛ لأنّ الجمعة أمر دائم، و يكون في الشهور و السنة كثيرا، و اذا كثر على الناس ملّوا و تركوا و لم يقيموا عليه و تفرّقوا عنه، و العيد انّما(1)هو في السنة مرّتين، و هو أعظم من الجمعة، و الزحام فيه أكثر، و الناس فيه أرغب، فان تفرّق بعض الناس بقي عامتهم».(2)
قال في الشرائع: «الخطبتان في العيدين بعد الصلاة و تقديمهما بدعة. انتهى».(3)
و في المدارك: «هذا الحكم مجمع عليه بين الأصحاب، بل قال في المنتهى: انّه لايعرف فيه خلافا الاّ من بنيأميّة. و أخبارنا به مستفيضة - الى أن قال: - و لم يتعرّض المصنّف رحمه الله في هذا الكتاب لبيان حال الخطبتين من حيث الوجوب أو الاستحباب، و نقل عنه في المعتبر أنّه جزم بالاستحباب و ادّعى عليه الاجماع. و قال العلاّمة في جملة من كتبه بالوجوب، و احتجّ عليه في التذكرة بورود الأمر بهما، و هو حقيقة في الوجوب. و كأنّه أراد بالأمر ما يستفاد من الجمل الخبريّة، فانّا لم نقف في ذلك على أمر صريح، و المسألة محلّ تردّد. و كيف كان فيجب القطع بسقوطهما مع الانفراد للأصل السالم من المعارض. انتهى».(4)
و في الشرائع: «و لايجب استماعهما بل يستحبّ. انتهى».(5)
و في المدارك: «هذا الحكم مجمع عليه بين المسلمين، حكاه في التذكرة و المنتهى، مع تصريحه في الكتابين بوجوب الخطبتين. و هو دليل قويّ على
الاستحباب. و روى العامّة عن عبداللّه بن السائب قال: «شهدت مع رسول اللّه صلى الله عليه و آله صلاة العيد فلمّا قضى الصلاة قال: انّا نخطب فمن أحبّ أن يجلس للخطبة فليجلس، و من أحبّ أن يذهب فليذهب». انتهى».(1)
(مسألة 1): لايشترط في هذه الصلاة سورة مخصوصة، بل يجزي كلّ سورة. نعم، الأفضل أن يقرأ في الركعة الأولى سورة الشمس، و في الثانية سورة الغاشية، أو يقرأ في الأولى سورة سبّح اسم، و في الثانية سورة الشمس.
الشرح:
يدلّ على ما في المتن روايات:
منها صحيحة جميل قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن التكبير في العيدين؟ قال: سبع و خمس. و قال: صلاة العيدين فريضة. و سألته: ما يقرأ فيهما؟ قال: «الشمس و ضحاها» و «هل أتاك حديث الغاشية» و أشباههما».(2)
و منها صحيحة معاوية بن عمّار قال:
«سألته عن صلاة العيدين؟ فقال: ركعتان ليس قبلهما و لا بعدهما شيء، و ليس فيهما أذان و لا اقامة، تكبّر فيهما اثنتي عشرة تكبيرة، تبدأ فتكبّر و تفتتح الصلاة، ثمّ تقرأ فاتحة الكتاب، ثمّ تقرأ «و الشمس و ضحاها»، ثمّ تكبّر خمس تكبيرات، ثمّ تكبّر و تركع فتكون تركع بالسابعة و تسجد سجدتين، ثمّ يقوم فيقرأ فاتحة
الكتاب و «هل أتاك حديث الغاشية» ثمّ يكبّر أربع تكبيرات و تسجد سجدتين، و تتشهّد (و تسلّم)(1). قال: و كذلك صنع رسول اللّه صلى الله عليه و آله. الحديث».(2)
و منها خبر اسماعيل الجعفي عن أبي جعفر عليه السلام في صلاة العيدين قال:
«يكبّر واحدة يفتتح بها الصلاة، ثمّ يقرأ أمّ الكتاب و سورة، ثمّ يكبّر خمسا يقنت بينهنّ، ثمّ يكبّر واحدة و يركع بها، ثمّ يقوم فيقرأ أمّ الكتاب و سورة، يقرأ في الأولى «سبّح اسم ربّك الأعلى» و في الثانية «و الشمس و ضحاها»، ثمّ يكبّر أربعا و يقنت بينهنّ ثمّ يركع بالخامسة».(3)
و منها قوله عليه السلام في خبر أبي الصباح:
« ... و تقرأ الحمد و «سبّح اسم ربّك الأعلى» و تكبّر السابعة و تركع و تسجد و تقوم و تقرأ الحمد و «الشمس و ضحاها»».(4)
(مسألة 2): يستحبّ فيها أمور: «أحدها»: الجهر بالقراءة للامام و المنفرد.
الشرح:
لصحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سمعته يقول: كان رسول اللّه صلى الله عليه و آله يعتمّ في العيدين شاتيا كان أو قائظا، و يلبس درعه، و كذلك ينبغي للامام، و يجهر بالقراءة كما
يجهر في الجمعة».(1)
و موثّقة الحسين بن علوان عن جعفر عن أبيه عن علي عليه السلام قال:
«كان رسول اللّه صلى الله عليه و آله يكبّر في العيدين و الاستسقاء في الأولى سبعا و في الثانية خمسا، و يصلّي قبل الخطبة، و يجهر بالقراءة».(2)
فانّ فعل المعصوم عليه السلام سيّما مع الاستمرار عليه كما يقتضيه التعبير بكلمة «كان» كاشف عن الرجحان و الاستحباب. و لاينافيه اخفاض الصوت و عدم الجهر المحكي عنه في صحيحة محمّد بن قيس عن أبي جعفر عليه السلام:
«انّه كان اذا صلّى بالناس صلاة فطر أو أضحى خفض من صوته يسمع من يليه، لايجهر بالقرآن. الحديث».(3)
فانّ المراد به عدم العلوّ بقرينة قوله: «يسمع من يليه» كما أوعز اليه صاحب الوسائل.
«الثاني»: رفع اليدين حال التكبيرات.
الشرح:
لرواية يونس قال:
«سألته عن تكبير العيدين أيرفع يده مع كلّ تكبيرة أم يجزيه أن يرفع يديه في أوّل التكبير؟ فقال: يرفع مع كلّ تكبيرة».(4)
و يمكن الاستئناس ببعض الروايات الناطقة باستحباب رفع اليد في كافّة الصلوات، كصحيحة معاوية بن عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام - في وصيّة النبي صلى الله عليه و آله
لعلي عليه السلام - قال:
«و عليك برفع يديك في صلاتك و تقليبهما».(1)
و في خبر زرارة:
«قال أبو عبداللّه عليه السلام: رفعك يديك في الصلاة زينها».(2)
«الثالث»: الاصحار بها الاّ في مكّة فانّه يستحبّ الاتيان بها في المسجد الحرام.
الشرح:
يستحبّ الاصحار بها لطائفة من النصوص التي منها معتبرة علي بن رئاب عن أبي بصير - يعني ليث المرادي - عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«لاينبغي أن تصلّي صلاة العيدين في مسجد مسقّف و لا في بيت، انّما تصلّي في الصحراء أو في مكان بارز».(3)
و صحيحة معاوية بن عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام:
«أنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله كان يخرج حتّى ينظر الى آفاق السماء، و قال: لاتصلّينّ يومئذ على بساط و لا بارية».(4)
و انّما يستحبّ الاتيان بها في المسجد الحرام لأهل مكّة؛ لموثّقة حفص بن غياث عن جعفر بن محمّد عن أبيه قال:
«السنّة على أهل الأمصار أن يبرزوا من أمصارهم في العيدين الاّ أهل
مكّة فانّهم يصلّون في المسجد الحرام».(1)
«الرابع»: أن يسجد على الأرض دون غيرها ممّا يصحّ السجود عليه.
الشرح:
لصحيح الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام عن أبيه عليه السلام:
«أنّه كان اذا خرج يوم الفطر و الأضحى أبى أن يؤتى بطنفسة يصلّي عليها و يقول: هذا يوم كان رسول اللّه صلى الله عليه و آله يخرج فيه حتّى يبرز لآفاق السماء ثمّ يضع جبهته على الأرض».(2)
و صحيح الفضيل بن يسار عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«أتي أبي بالخمرة يوم الفطر فأمر بردّها، ثمّ قال: هذا يوم كان رسول اللّه صلى الله عليه و آله يحبّ أن ينظر الى آفاق السماء و يضع وجهه على الأرض».(3)
بل ربّما يظهر من صحيحة معاوية بن عمّار المتقدّمة استحباب مباشرة الأرض في جميع الحالات من غير اختصاص بمسجد الجبهة.
قال في الحدائق: «و قلّ من نبّه على هذا الحكم من أصحابنا. انتهى».(4)
«الخامس»: أن يخرج اليها راجلاً حافيا مع السكينة و الوقار. «السادس»:الغسل قبلها. «السابع»: أن يكون لابسا عمامة بيضاء. «الثامن»: أن يشمّر ثوبه الى ساقه.
الشرح:
يدلّ على استحباب ذلك كلّه حديث خروج الامام الرضا عليه السلام بطلب من المأمون الى صلاة العيد، ففي معتبرة ياسر الخادم (في حديث طويل):
«فلمّا طلعت الشمس قام عليه السلام فاغتسل و تعمّم بعمامة بيضاء من قطن ... ثمّ أخذ بيده عكازا ثمّ خرج ... و هو حافٍ قد شمّر سراويله الى نصف الساق و عليه ثياب مشمّرة. الحديث».(1)
و السند معتبر كما عرفت، فانّ ياسرا الخادم من رجال تفسير القمّي.
«التاسع»: أن يفطر في الفطر قبل الصلاة بالتمر و أن يأكل من لحم الأضحيّة في الأضحى بعدها.
الشرح:
الدليل على الافطار قبل الصلاة في الفطر هو صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«لاتخرج يوم الفطر حتّى تطعم شيئا، و لاتأكل يوم الأضحى شيئا الاّ من هديك و أضحيّتك، و ان لم تقوَ فمعذور».(2)
و نحوها غيرها، المحمول على الندب اجماعا.
و على الافطار بالتمر في الفطر هو خبر علي بن محمّد النوفلي قال:
«قلت لأبي الحسن عليه السلام: انّي أفطرت يوم الفطر على طين و تمر، فقال لي: جمعت بركة و سنّة».(3)
و على الافطار بالأضحيّة في الأضحى هو صحيحة زرارة المتقدّمة، مضافا الى
صحيحته الأخرى.(1)
و ليكن الافطار في الأضحى بعد الصلاة؛ لمعتبرة جرّاح المدائني عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«ليطعم يوم الفطر قبل أن يصلّي، و لايطعم يوم الأضحى حتّى ينصرف الامام».(2)
«العاشر»: التكبيرات عقيب أربع صلوات في عيد الفطر، أوّلها المغرب من ليلة العيد، و رابعها صلاة العيد، و عقيب عشر صلوات في الأضحى ان لم يكن بمنى، أوّلها ظهر يوم العيد، و عاشرها صبح اليوم الثانيعشر، و ان كان بمنى فعقيب خمس عشر صلاة، أوّلها ظهر يوم العيد، و آخرها صبح اليوم الثالث عشر، و كيفيّة التكبير في الفطر أن يقول: «اللّه أكبر اللّه أكبر، لا اله الاّ اللّه و اللّه أكبر، اللّه أكبر و للّه الحمد، اللّه أكبر على ما هدانا» و في الأضحى يزيد على ذلك: «اللّه أكبر على ما رزقنا من بهيمة الأنعام، و الحمد للّه على ما أبلانا».
الشرح:
يستحبّ التكبيرات على المشهور، بل عن غير واحد دعوى الاجماع عليه، خلافا للمحكي عن ظاهر السيّد المرتضى في الانتصار من القول بالوجوب(3). و يستدلّ للمشهور برواية سعيد النقّاش قال:
«قال أبو عبداللّه عليه السلام لي: أما انّ في الفطر تكبيرا ولكنّه مسنون. قال: قلت: و أين هو؟ قال: في ليلة الفطر في المغرب و العشاء الآخرة و في صلاة الفجر و في صلاة العيد ثمّ يقطع. قال: قلت: كيف أقول؟
قال: تقول: «اللّه أكبر اللّه أكبر(1)، لا اله الاّ اللّه و اللّه أكبر، اللّه أكبر و للّه الحمد، اللّه أكبر على ما هدانا» و هو قول اللّه عزّوجلّ: «و لتكملوا العدّة» يعني الصيام «و لتكبّروا اللّه على ما هداكم»».(2)
و بصحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى عليه السلام قال:
«سألته عن التكبير أيّام التشريق أ واجب هو أم لا؟ قال: يستحبّ، فان نسي فليس عليه شيء».(3)
و هو صريح في الاستحباب، و لأجله يحمل الوجوب فيما تضمّنته النصوص التي منها موثّقة عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن التكبير؟ فقال: واجب في دبر كلّ صلاة فريضة أو نافلة أيّام التشريق».(4)
على تأكيد الاستحباب.
و قد دلّ على التفصيل بين من كان بمنى و بين غيره في العدد غير واحد من النصوص التي منها صحيحة زرارة قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: التكبير في أيّام التشريق في دبر الصلوات. فقال: التكبير بمنى في دبر خمس عشرة صلاة، و في سائر الأمصار في دبر عشر صلوات. الحديث».(5)
و يدلّ على كيفيّة التكبير المذكور في المتن في الأضحى صحيحة معاوية بن عمّار قال عليه السلام فيها:
«تقول: اللّه أكبر اللّه أكبر، لا اله الاّ اللّه و اللّه أكبر، اللّه أكبر و للّه الحمد،
1) - في نسخة زيادة «اللّه أكبر» ثالثة.
2) - وسائل الشيعة 7: 455 / الباب 20 من أبواب صلاة العيد / الحديث 2.
3) - وسائل الشيعة 7: 461 / الباب 21 من أبواب صلاة العيد / الحديث 10.
4) - وسائل الشيعة 7: 462 / الباب 21 من أبواب صلاة العيد / الحديث 12.
5) - وسائل الشيعة 7: 458 / الباب 21 من أبواب صلاة العيد / الحديث 2.
اللّه أكبر على ما هدانا، اللّه أكبر على ما رزقنا من بهيمة الأنعام، و الحمد للّه على ما أبلانا».(1)
(مسألة 3): يكره فيها أمور: «الأوّل»: الخروج مع السلاح الاّ في حال الخوف.
الشرح:
لمعتبرة السكوني عن جعفر عن أبيه قال:
«نهى النبي صلى الله عليه و آله أن يخرج السلاح في العيدين الاّ أن يكون عدوّ حاضر».(4)
المحمولة على الكراهة؛ للاجماع على عدم الحرمة.
«الثاني»: النافلة قبل صلاة العيد و بعدها الى الزوال الاّ في مدينة الرسول صلى الله عليه و آلهفانّه يستحبّ صلاة ركعتين في مسجدها قبل الخروج الى الصلاة.
الشرح:
تكره النافلة قبل صلاة العيد و بعدها الى الزوال؛ لصحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام:
«قال: صلاة العيدين مع الامام سنّة، و ليس (قبلهما و لا بعدهما)(1)صلاة ذلك اليوم (الاّ)(2)الزوال».(3)
و نحوها صحيحته الأخرى عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«لاتقضي وتر ليلتك ان كان فاتك حتّى تصلّي الزوال في يوم العيدين».(4)
و لاتكره النافلة قبل صلاة العيد في مدينة الرسول صلى الله عليه و آله بل تستحبّ صلاة ركعتين في مسجدها قبل الخروج الى الصلاة؛ لخبر محمّد بن الفضل الهاشمي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«ركعتان من السنّة ليس تصلّيان في موضع الاّ في المدينة. قال: تصلّى في مسجد الرسول صلى الله عليه و آله في العيد قبل أن يخرج الى المصلّى، ليس ذلك الاّ بالمدينة؛ لأنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آلهفعله».(5)
«الثالث»: أن ينقل المنبر الى الصحراء بل يستحبّ أن يعمل هناك منبر من الطين.
الشرح:
لصحيحة اسماعيل بن جابر عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) في صلاة العيدين:
1) - في التهذيب و الاستبصار: «قبلها و لا بعدها».
2) - هكذا في الوسائل المطبوع حديثا. و الصحيح كما في مصادر الحديث من الفقيه 1: 506 / الحديث1454 و الاستبصار (1: 443 / الحديث1712) و التهذيب (3: 122 / 292) «الى» بدل «الاّ».
3) - وسائل الشيعة 7: 419 / الباب 1 من أبواب صلاة العيد / الحديث 2.
4) - وسائل الشيعة 7: 430 / الباب 7 من أبواب صلاة العيد / الحديث 9.
5) - وسائل الشيعة 7: 430 / الباب 7 من أبواب صلاة العيد / الحديث 10.
«ليس فيهما منبر، المنبر لايحوّل من موضعه، ولكن يُصنع للامام شيء شبه المنبر من طين فيقوم عليه فيخطب للناس ثمّ ينزل».(1)
قال في مصباح الفقيه: «و يحتمل قويّا كون النهي عن نقل المنبر لكونه وقفا للمسجد، لا لكونه من حيث هو مكروها. انتهى».(2)
و كيف كان فيكفي في الكراهة الاجماع المدّعى عليها.
«الرابع»: أن يصلّى تحت السقف.
ففي صحيحة علي بن رئاب عن أبي بصير - يعني ليث المرادي - عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«لاينبغي أن تصلّي صلاة العيدين في مسجد مسقّف و لا في بيت، انّما تصلّي في الصحراء أو في مكان بارز».(3)
(مسألة 4): الأولى بل الأحوط ترك النساء لهذه الصلاة الاّ العجائز.
الشرح:
يجوز خروج النساء في العيد للصلاة، و يكره خروج ذوات الهيئات و الجمال؛ جمعا بين طائفتين من الأخبار:
فمن الأولى: صحيحة عبداللّه بن سنان (عن أبي عبداللّه عليه السلام)(4)قال:
«انّما رخّص رسول اللّه صلى الله عليه و آله للنساء العواتق في الخروج في العيدين
و ما رواه محمّد بن مكّي الشهيد (في الذكرى) في الصحيح قال:
«روى ابن أبي عمير عن جماعة منهم حمّاد بن عثمان و هشام بن سالم عن الصادق عليه السلام أنّه قال: لابأس بأن يخرج النساء بالعيدين للتعرّض للرزق».(3)
و قال: و روى أبو اسحاق ابراهيم الثقفي في كتابه باسناده عن علي عليه السلام أنّه قال:
«لاتحبسوا النساء من الخروج الى العيدين فهو عليهنّ واجب».(4)
قال صاحب الوسائل بعد هذه الرواية: «هذا محمول على الاستحباب لما سبق، أو على أنّ لهنّ ميلاً شديدا الى ذلك فهو عندهنّ كالواجب».
و خبر علي بن جعفر عن أخيه موسى عليه السلام قال:
«سألته عن النساء هل عليهنّ من صلاة العيدين و الجمعة ما على الرجال؟ قال: نعم».(5)
قال صاحب الوسائل بعد هذه الرواية: «هذا محمول على حال الحضور، أو على الاستحباب لما مرّ، و يأتي ما يدلّ على المقصود في آداب النكاح».
و من الثانية: موثّقة عمّار بن موسى عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قلت له: هل يؤمّ الرجل بأهله في صلاة العيدين في السطح أو في بيت؟ قال: لايؤمّ بهنّ، و لايخرجن، و ليس على النساء خروج. و قال: أقلّوا لهنّ من الهيئة(6)حتّى لايسألن الخروج».(7)
1) - في المصدر: للتعرّض. هامش الوسائل
2) - وسائل الشيعة 7: 471 / الباب 28 من أبواب صلاة العيد / الحديث 1.
3) - وسائل الشيعة 7: 472 / الباب 28 من أبواب صلاة العيد / الحديث 4.
4) - وسائل الشيعة 7: 472 / الباب 28 من أبواب صلاة العيد / الحديث 5.
5) - وسائل الشيعة 7: 473 / الباب 28 من أبواب صلاة العيد / الحديث 6.
6) - الهيئة: اللباس و الزيّ و التجمّل. لسان العرب
7) - وسائل الشيعة 7: 471 / الباب 28 من أبواب صلاة العيد / الحديث 2.
و خبر محمّد بن شريح قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن خروج النساء في العيدين؟ فقال: لا، الاّ العجوز عليها منقلاها، يعني الخفّين».(1)
(مسألة 5): لايتحمّل الامام في هذه الصلاة ماعدا القراءة من الأذكار و التكبيرات و القنوتات كما في سائر الصلوات.
الشرح:
اذ التحمّل الذي مرجعه الى السقوط بفعل الغير يحتاج الى الدليل، و حيث لا دليل فيما عدا القراءة فمقتضى الأصل عدمه، بل الاطلاقات تدفعه بل انّ عدم تحمّل الامام للقنوت في اليوميّة يدلّ على عدمه في المقام بطريق أولى. فما عن الشهيد في الذكرى من احتمال التحمّل غير سديد. نعم، لاتعتبر المطابقة في الأذكار و الأدعية، فله اختيار ما شاء و ان لم يختره الامام، على ما هو الشأن في كلّ ما لم يتحمّله عنه في مطلق الجماعات.
(مسألة 6): اذا شكّ في التكبيرات و القنوتات بنى على الأقلّ، و لو تبيّن بعد ذلك أنّه كان آتيا بها لاتبطل صلاته.
لو شكّ في عدد التكبير بنى على الأقلّ؛ لأنّه المتيقّن، و لو ذكر بعد فعله أنّه كان قد أتى به لم يضرّ؛ لعدم ركنيّته، و كذا الشكّ في القنوت.
1) - وسائل الشيعة 7: 472 / الباب 28 من أبواب صلاة العيد / الحديث 3.
(مسألة 7): اذا أدرك مع الامام بعض التكبيرات يتابعه فيه، و يأتي بالبقيّة بعد ذلك و يلحقه في الركوع، و يكفيه أن يقول بعد كلّ تكبيرة: «سبحان اللّه و الحمد للّه»، و اذا لم يمهله فالأحوط الانفراد و ان كان يحتمل كفاية الاتيان بالتكبيرات ولاءً و ان لم يمهله أيضا أن يترك و يتابعه في الركوع، كما يحتمل أن يجوز لحوقه اذا أدركه و هو راكع، لكنّه مشكل؛ لعدم الدليل على تحمّل الامام لما عدا القراءة.
الشرح:
اذا أدرك مع الامام بعض التكبيرات يتابعه فيه و يأتي بالبقيّة بعد ذلك و يلحقه في الركوع؛ لوضوح عدم اخلال الفصل اليسير بالمتابعة المعتبرة في الجماعة بعد فرض الالتحاق في الركوع. و يكفيه أن يقول بعد كلّ تكبيرة: «سبحان اللّه و الحمد للّه» لما تقدّم من كفاية مطلق الذكر. و اذا لم يمهله فالأحوط الانفراد؛ لعدم الدليل على رفع اليد عن مطلق الذكر المفروض كونه شرطا لماهيّة صلاة العيدين. و ما ذكره المصنّف من احتمال كفاية الاتيان بالتكبيرات ولاءً مشكل و كذا جواز لحوقه اذا أدركه و هو راكع؛ لعدم الدليل على تحمّل الامام لما عدا القراءة و جواز الجماعة موقوف على كونها صلاة العيد و هي لاتتحقّق الاّ بالتكبيرات و الدعاء أو الذكر بينها.
قال في المدارك: «لو أدرك بعض التكبيرات مع الامام دخل معه، فاذا ركع الامام أتى بالتكبير و القنوت مخفّفا ان أمكن و لحق به، و الاّ قضاه بعد التسليم عند
الشيخ و من قال بمقالته. و سقط عند المصنّف. و يحتمل المنع من الاقتداء اذا علم التخلّف عن الامام بما يعتدّ به، اذ الأصل عدم سقوط فرض مكلّف بفعل آخر الاّ فيما دلّ الدليل عليه. انتهى».(1)
1) - مدارك الأحكام 4: 110.
(مسألة 8): لو سها عن القراءة أو التكبيرات أو القنوتات كلاًّ أو بعضا لم تبطل صلاته. نعم، لو سها عن الركوع أو السجدتين أو تكبيرة الاحرام بطلت.
الشرح:
قال في المدارك: «لو نسي التكبيرات أو بعضها حتّى ركع مضى في صلاته و لا شيء عليه؛ لأنّها ليست أركانا، و لعموم قوله عليه السلام في صحيحة زرارة: «لاتعاد الصلاة الاّ من خمسة: الطهور و الوقت و القبلة و الركوع و السجود». و هل تقضى بعد الصلاة؟ أثبته الشيخ، لقوله عليه السلام في صحيحة ابن سنان: «اذا نسيت شيئا من الصلاة، ركوعا أو سجودا أو تكبيرا ثمّ ذكرت فاصنع الذي فاتك سهوا». و نفاه المصنّف في المعتبر و من تأخّر عنه؛ لأنّه ذكر تجاوز محلّه فيسقط للأصل السالم من المعارض. انتهى».(1)
و الظاهر عدم وجوب قضاء الأجزاء المنسيّة. نعم، لو قال قائل بوجوب صلاة العيدين في زمن الغيبة يلزمه الحكم بوجوب قضاء الأجزاء المنسيّة؛ لعدم الفرق بينها و بين سائر الصلوات الواجبة.
(مسألة 9): اذا أتى بموجب سجود السهو فالأحوط اتيانه، و ان كان عدم وجوبه في صورة استحباب الصلاة كما في زمان الغيبة لايخلو عن قوّة و كذا الحال في قضاء التشهّد المنسي أو السجدة المنسيّة.
تقدّم في المسألة السابقة بيانها.
1) - مدارك الأحكام 4: 109 و 110.
(مسألة 10): ليس في هذه الصلاة أذان و لا اقامة. نعم، يستحبّ أن يقول المؤذّن: «الصلاة» ثلاثا.
الشرح:
و الدليل على ما في المتن صحيحة اسماعيل بن جابر عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قلت له: أرأيت صلاة العيدين، هل فيهما أذان و اقامة؟ قال: ليس فيهما أذان و لا اقامة، ولكن ينادى: الصلاة، ثلاث مرّات. الحديث».(1)
و غيرها من الروايات التي أوردها في ذلك الباب.
(مسألة 11): اذا اتّفق العيد و الجمعة فمن حضر العيد و كان نائيا عن البلد كان بالخيار بين العود الى أهله و البقاء لحضور الجمعة.
الشرح:
قال في الشرائع: «الثانية: اذا اتّفق عيد و جمعة، فمن حضر العيد كان بالخيار في حضور الجمعة. و على الامام أن يعلمهم ذلك في خطبته. و قيل: الترخيص مختصّ بمن كان نائيا عن البلد، كأهل السواد دفعا لمشقّة العود، و هو الأشبه. انتهى».(2)
و قال في المدارك: «اختلف الأصحاب في هذه المسألة، فقال الشيخ رحمه الله في جملة من كتبه: «اذا اجتمع عيد و جمعة تخيّر من صلّى العيد في حضور الجمعة و عدمه. و نحوه قال المفيد في المقنعة. و رواه ابن بابويه في كتابه، و اختاره ابن ادريس. و قال ابن الجنيد في ظاهر كلامه باختصاص الترخّص بمن كان قاصي
المنزل. و قال أبو الصلاح: و قد وردت الرواية اذا اجتمع عيد و جمعة أنّ المكلّف مخيّر في حضور أيّهما شاء، و الظاهر من المسألة وجوب عقد الصلاتين وحضورهما على من خوطب بذلك. و نحوه قال ابن البرّاج و ابن زهرة و المعتمد الأوّل. لنا ما رواه ابن بابويه في الصحيح عن الحلبي أنّه سأل أبا عبداللّه عليه السلام عن الفطر و الأضحى اذا اجتمعا يوم الجمعة، فقال: «اجتمعا في زمان علي عليه السلام فقال: من شاء أن يأتي الجمعة فليأت، و من قعد فلايضرّه و ليصلّ الظهر». و هي مع صحّة سندها و صراحتها في المطلوب مؤيّدة بالأصل و عمل الأصحاب. احتجّ ابن الجنيد على ما نقل عنه بما رواه اسحاق بن عمّار عن جعفر عن أبيه: «انّ علي بن أبي طالب عليه السلامكان يقول: اذا اجتمع عيدان للناس في يوم واحد فانّه ينبغي للامام أن يقول للناس في خطبته الأولى: انّه قد اجتمع لكم عيدان فأنا أصلّيهما جميعا، فمن كان مكانه قاصيا فأحبّ أن ينصرف عن الآخر فقد أذنت له». و نحوه روى أبان بن عثمان عن سلمة عن أبي عبداللّه عليه السلام. و الجواب - بعد تسليم السند - منع الدلالة على اختصاص الرخصة بالنائي، فانّ استحباب اذن الامام في الخطبة للنائي في عدم الحضور لايقتضي وجوب الحضور على غيره. احتجّ القائلون بوجوب الصلاتين بأنّ دليل الحضور فيهما قطعيّ، و خبر الواحد المتضمّن لسقوط الجمعة و الحال هذه انّما يفيد الظنّ، فلايعارض القطع. و أجاب عنه في الذكرى بأنّ الخبر المتلقّى بالقبول المعمول عليه عند معظم الأصحاب في قوّة المتواتر فيلحق بالقطعي، و بأنّ نفي الحرج و العسر يدلّ على ذلك أيضا، فيكون الخبر معتضدا بالكتاب العزيز. هذا كلامه رحمه الله. و فيه بحث طويل ليس هذا محلّه. و قد قطع (جمع من الأصحاب منهم المرتضى في المصباح) بوجوب الحضور على الامام، فان اجتمع معه العدد صلّى الجمعة، و الاّ سقطت و صلّى الظهر و ربّما ظهر من كلام الشيخ في الخلاف تخيير الامام أيضا. و لابأس به. انتهى».(1)
1) - مدارك الأحكام 4: 118 - 120.
أقول:
اذا اجتمع عيد و جمعة كان من حضر العيد مخيّرا في حضور الجمعة؛ لصحيحة الحلبي المتقدّمة، و يستحبّ للامام اعلامهم ذلك، فيقول للناس في خطبته الأولى: «انّه قد اجتمع لكم عيدان فأنا أصلّيهما جميعا، فمن كان مكانه قاصيا فأحبّ أن ينصرف عن الآخر فقد أذنت له»، كما في موثّقة اسحاق بن عمّار(1). و عليه الحضور فان اجتمعوا فليصلّ الجمعة و الاّ فلا.
1) - وسائل الشيعة 7: 448 / الباب 15 من أبواب صلاة العيد / الحديث 3.
و هي ركعتان يقرأ في الأولى بعد الحمد آيه الكرسي الى «هم فيها خالدون»، و في الثانية بعد الحمد سورة القدر عشر مرّات، و يقول بعد السلام: «اللّهمّ صلّ على محمّد و آل محمّد و ابعث ثوابها الى قبر فلان» و يسمّي الميّت، ففي مرسلة الكفعمي و موجز ابن فهد قال النبي صلى الله عليه و آله: «لايأتي على الميّت أشدّ من أوّل ليلة فارحموا موتاكم بالصدقة فان لم تجدوا فليصلّ أحدكم: يقرأ في الأولى الحمد و آيه الكرسي، و في الثانية الحمد و القدر عشرا، فاذا سلّم قال: «اللّهمّ صلّ على محمّد و آل محمّد، و ابعث ثوابها الى قبر فلان» فانّه تعالى يبعث من ساعته ألف ملك الى قبره مع كلّ ملك ثوب و حلّة». و مقتضى هذه الرواية أنّ الصلاة بعد عدم وجدان ما يتصدّق به، فالأولى الجمع بين الأمرين مع الامكان و ظاهرها أيضا كفاية صلاة واحدة، فينبغي أن لايقصد الخصوصيّة في اتيان أربعين بل يؤتى بقصد الرجاء أو بقصد اهداء الثواب.
الشرح:
قال في الحدائق: «العاشرة: صلاة هديّة الميّت ليلة الدفن و هذه الصلاة لم نظفر بها في كتب الأخبار مسندة عن أحد الأئمّة الأبرار - صلوات اللّه عليهم - و انّما رواها الكفعمي في مصباحه من كتاب الموجز لابن فهد و هو نقلها عن النبي صلى الله عليه و آله قال: «قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: لايأتي على الميّت أشدّ من أوّل ليلة فارحموا موتاكم بالصدقة فان لم تجدوا فليصلّ أحدكم ركعتين: يقرأ في الأولى الحمد و آيه الكرسي، و في الثانية الحمد و القدر عشرا، فاذا سلّم قال: اللّهمّ صلّ على محمّد و آل محمّد و ابعث ثوابهما الى قبر فلان. فانّه تعالى يبعث من ساعته ألف ملك الى قبره مع كلّ ملك ثوب و حلّة ... الخبر». قال: و في رواية أخرى: «يقرأ بعد الحمد التوحيد مرّتين في الأولى و في الثانية بعد الحمد التكاثر عشرا ثمّ الدعاء المذكور»، ثمّ نقل الكفعمي عن والده رواية ثالثة مثل الرواية الثانية لكن بزيادة آيه الكرسي مرّة في الركعة الأولى. و روى هذه الصلاة السيّد رضيالدين بن طاووس في كتاب فلاح السائل عن حذيفة بن اليمان عن النبي صلى الله عليه و آله بالرواية الثانية. و أمّا ما اشتهر الآن بين الناس من استحباب أربعين رجلاً يصلّون هذه الصلاة ليلة الدفن فلم أقف له على مستند و لا قول معتمد. و الذي يقرب عندي أنّ أخبار هذه الصلاة انّما هي من روايات العامّة و اليه يشير كلام بعض مشايخنا المعاصرين حيث قال: و هذه الصلاة و ان لم يظهر كونها مرويّة من طريق أهل البيت عليهم السلام لكن يعضدها ما ورد من الأخبار الدالّة على انتفاع الميّت من الأعمال الصالحة بفعل غيره و على التأكيد في ذلك، و هي متفرّقة في أبواب الوقوف و الصدقات و الصلاة و الحجّ و الصوم و الجنائز، ثمّ ذكر من ذلك ما رواه الصدوق في الصحيح عن عمر بن يزيد الثقة الجليل قال: «قلت لأبي عبداللّه عليه السلام نصلّي عن الميّت؟ فقال: نعم، حتّى أنّه ليكون في ضيق فيوسّع اللّه عليه ذلك الضيق، ثمّ يؤتى فيقال له:
خفّف عنك هذا الضيق بصلاة فلان أخيك عنك ... »(1)ثمّ نقل جملة من الأخبار التي من هذا الباب و ستأتي ان شاء اللّه تعالى في باب القضاء عن الميّت. انتهى».(2)
أقول: الظاهر أنّ آية الكرسي آية واحدة و هي من «اللّه لا اله الاّ هو» الى «و هو العليّ العظيم»(3)كما في مجمع البحرين و مجمع البيان و أمالي الطوسي و البحار بل و في ثواب الأعمال. نعم، في الوسائل (في يوم المباهلة) عن الصادق عليه السلام أنّه قال:
«من صلّى في هذا اليوم، يعني الرابع و العشرين من ذيالحجّة، ركعتين قبل الزوال بنصف ساعة شكرا للّه على ما منّ به عليه و خصّه به، يقرأ في كلّ ركعة أمّ الكتاب مرّة واحدة و عشر مرّات «قل هو اللّه أحد» و عشر مرّات آية الكرسي الى قوله: «هم فيها خالدون»و عشر مرّات «انّا أنزلناه في ليلة القدر» عدلت عند اللّه مائة ألف حجّة، و مائة ألف عمرة، و لم يسأل اللّه تعالى حاجة من حوائج الدنيا و الآخرة الاّ قضاها له كائنة ما كانت، ان شاء اللّه».(4)
فكلّ مورد لم يصرّح فيه بضمّ الآيتين و منه المقام يجوز الاكتفاء بالآية الأولى.
(مسألة 1): لابأس بالاستئجار لهذه الصلاة و اعطاء الأجرة، و ان كانالأولى للمستأجر الاعطاء بقصد التبرّع أو الصدقة و للموجر الاتيان تبرّعا و بقصد الاحسان الى الميّت.
الشرح:
و ذلك لأنّها عمل ينتفع به الميّت فلابأس بالاستئجار لها و اعطاء الأجرة لها.
(مسألة 2): لابأس باتيان شخص واحد أزيد من واحدة بقصد اهداء الثواب اذا كان متبرّعا، أو اذا أذن له المستأجر. و أمّا اذا أعطى دراهم للأربعين فاللازم استئجار أربعين الاّ اذا أذن المستأجر، و لايلزم مع اعطاء الأجرة اجراء صيغة الاجارة، بل يكفي اعطاؤها بقصد أن يصلّي.
الشرح:
لابأس باتيان شخص واحد أزيد من واحدة؛ لأنّها بمثابة الصدقة و الصدقة احسان، و لا حدّ لها، فمن ثمّ ساغ التكرار فيها مع الأجرة أو بدونها، فاذا أعطى دراهم للأربعين فاللازم استئجار أربعين، لأنّ جواز التصرّف في مال الغير موقوف على اذنه. و لايلزم مع اعطاء الأجرة اجراء صيغة الاجارة، بل يكفي اعطاؤها بقصد أن يصلّي؛ لجريان المعاطاة في الاجارة كغيرها من المعاملات بمقتضى القاعدة.
(مسألة 3): اذا صلّى و نسي آيه الكرسي في الركعة الأولى أو القدر في الثانية أو قرأ القدر أقلّ من العشرة نسيانا فصلاته صحيحة لكن لايجزئ عن هذه الصلاة، فان كان أجيرا وجب عليه الاعادة.
الشرح:
اذا صلّى و نسي شيئا كان دخيلاً في ماهيّتها كما في المتن فصلاته صحيحة لكن لاتجزئ عن هذه الصلاة؛ لعدم انطباق ما اعتبر فيها عليها حسب الفرض. فان كان أجيرا وجب عليه الاعادة؛ خروجا عن عهدة الاجارة التي يجب الوفاء بها.
(مسألة 4): اذا أخذ الأجرة ليصلّي ثمّ نسي فتركها في تلك الليلة يجب عليه ردّها الى المعطي أو الاستئذان منه لأن يصلّي فيما بعد ذلك بقصد اهداء الثواب، ولو لم يتمكّن من ذلك فان علم برضاه بأن يصلّي هديّة أو يعمل عملاً آخر أتى بها و الاّ تصدّق بها عن صاحب المال.
الشرح:
اذا أخذ الأجرة ليصلّي فتركها في تلك الليلة نسيانا يجب عليه ردّها الى المعطي لانفساخ الاجارة بتعذّر التسليم، أو الاستئذان منه ليصلّي بعد ذلك بقصد اهداء الثواب لتبديل حقّه بحقّ آخر. و لو لم يتمكّن من ذلك فان علم برضاه بأن يصلّي هديّة أو يعمل عملاً آخر أتى بها و الاّ تصدّق بها عن صاحب المال و يحتاط بالرجوع الى الحاكم الشرعي الذي هو وليّ الغائب، سواء كانت العين باقية أو تالفة.
و في المستند عند قول المصنّف «و لو لم يتمكّن من ذلك ... » قال: «هذا فيما اذا كانت الأجرة بعينها باقية، حيث انّ جواز التصرّف في العين الشخصيّة غير منوط بأكثر من العلم بالرضا، و أمّا اذا كانت تالفة فبما أنّها تنتقل حينئذ الى الذمّة فلا جرم تفتقر الى معاوضة جديدة بينها و بين العمل الكذائي، و ان كانت نتيجتها الاسقاط و الابراء. و حيث انّ هذه المعاوضة كغيرها تتوقّف على الاعتبار و الانشاء، و لايكفي مجرّد العلم بالرضا، و لا سبيل للوصول الى المالك حسب الفرض، فلا جرم يراجع فيه الحاكم الشرعي الذي هو وليّ الغائب. هذا على المسلك المشهور، و أمّا على المختار فيرجع اليه في مصرف قيمة العمل. انتهى».(1)
1) - مستند العروة 19: 348 و 349.
(مسألة 5): اذا لم يدفن الميّت الاّ بعد مدّة كما اذا نقل الى أحد المشاهد فالظاهر أنّ الصلاة تؤخّر الى ليلة الدفن و ان كان الأولى أن يؤتى بها في أوّل ليلة بعد الموت.
الشرح:
الظاهر أنّ الليلة في الرواية منطبقة على أوّل ليلة بعد الموت، فانّ ذكر القبر نازل منزلة الغالب و مثله غير صالح للتقييد. نعم، الاحتياط بالتكرار اذا لم يدفن الاّ بعد مدّة حسن و لاينبغي تركه اذا كان أجيرا.
(مسألة 6): عن الكفعمي رحمه الله أنّه بعد أن ذكر في كيفيّة هذه الصلاة ما ذكر قال: «و في رواية أخرى بعد الحمد: التوحيد مرّتين في الأولى. و في الثانية بعد الحمد «ألهيكم التكاثر» عشرا، ثمّ الدعاء المذكور»، و على هذا فلو جمع بين الصلاتين بأن يأتي اثنتين بالكيفيّتين كان أولى.
ما ذكره الماتن من الجمع بين الصلاتين بأن يأتي اثنتين بالكيفيّتين، حسن.
(مسألة 7): الظاهر جواز الاتيان بهذه الصلاة في أيّ وقت كان من الليل، لكن الأولى التعجيل بها بعد العشاءين، و الأقوى جواز الاتيان بها بينهما بل قبلهما أيضا، بناءً على المختار من جواز التطوّع لمن عليه فريضة. هذا اذا لم يجب عليه بالنذر أو الاجارة أو نحوهما و الاّ فلا اشكال.
الشرح:
فدليل جواز الاتيان بهذه الصلاة في أيّ وقت كان من الليل هو اطلاق الليل الوارد في المرسلة. و الأولى التعجيل بها لاستحباب المسارعة في الخيرات و التعجيل في رفع الشدّة عن الميّت الذي هو الملاك في تشريع هذه الصلاة
بموجب النصّ. و الأقوى جواز الاتيان بها بين صلاة المغرب و العشاء بل قبلهما أيضا؛ بناءً على المختار من جواز التطوّع لمن عليه فريضة، كما تقدّم البحث حوله في المسألة السادسة عشرة من فصل أوقات الرواتب. هذا اذا لم يجب عليه بالنذر أو الاجارة أو نحوهما، و الاّ فلا اشكال لخروجها حينئذ عن عنوان التطوّع.
و تسمّى صلاة التسبيح و صلاة الحبوة، و هي من المستحبّات الأكيدة، و مشهورة بين العامّة و الخاصّة، و الأخبار متواترة فيها. فعن أبي بصير عن الصادق عليه السلام أنّه قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله لجعفر: «ألا أمنحك؟ ألا أعطيك؟ ألا أحبوك؟ فقال له جعفر: بلى يا رسول اللّه. قال: فظنّ الناس أنّه يعطيه ذهبا و فضّة، فتشرّف الناس لذلك، فقال له: انّي أعطيك شيئا ان أنت صنعته كلّ يوم كان خيرا لك من الدنيا و ما فيها، فان صنعته بين يومين غفر لك ما بينهما، أو كلّ جمعة أو كلّ شهر أو كلّ سنة غفر لك ما بينهما». و في خبر آخر قال: «ألا أمنحك؟ ألا أعطيك؟ ألا أحبوك؟ ألاأعلّمك صلاة اذا أنت صلّيتها لو كنت فررت من الزحف و كان عليك مثل رمل عالج و زبد البحر ذنوبا غفرت لك؟ قال: بلى يا رسول اللّه». و الظاهر أنّه حباه ايّاها يوم قدومه من سفره، و قد بشّر ذلك اليوم بفتح خيبر فقال صلى الله عليه و آله: «و اللّه ما أدري بأيّهما أنا أشدّ سرورا: بقدوم جعفر أو بفتح خيبر؟! فلم يلبث أن جاء جعفر فوثب رسول اللّه صلى الله عليه و آله فالتزمه و قبّل ما بين عينيه، ثمّ قال: ألا أمنحك الخ». و هي أربع ركعات بتسليمتين، يقرأ في كلّ منها الحمد و سورة، ثمّ يقول: سبحان اللّه و الحمد للّه و لا اله الاّ اللّه و
اللّه أكبر خمس عشرة مرّة، و كذا يقول في الركوع عشر مرّات، و بعد رفع الرأس منه عشر مرّات، و في السجدة الأولى عشر مرّات، و بعد الرفع منها عشر مرّات، و كذا في السجدة الثانية عشر مرّات، و بعد الرفع منها عشر مرّات، ففي كلّ ركعة خمس و سبعون مرّة، و مجموعها ثلاثمائة تسبيحة.
الشرح:
تسمّى صلاة التسبيح لكثرة التسبيح فيها، و صلاة الحبوة لقوله صلى الله عليه و آله في الرواية: «ألا أحبوك». و الأخبار متواترة فيها، فأنهاها في الحدائق الى تسعه عشر حديثا، و فيها الصحيحة و الموثّقة، فمن جملتها صحيحة أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله لجعفر: يا جعفر، ألا أمنحك؟ ألا أعطيك؟ ألا أحبوك؟ فقال له جعفر: بلى يا رسول اللّه. قال: فظنّ الناس أن يعطيه ذهبا أو فضّة فتشرّف الناس لذلك، فقال له: انّي أعطيك شيئا ان أنت صنعته في كلّ يوم كان خيرا لك من الدنيا و ما فيها، و ان صنعته بين يومين غفر اللّه لك ما بينهما، أو كلّ جمعة، أو كلّ شهر، أو كلّ سنة غفر لك ما بينهما: تصلّي أربع ركعات، تبتدئ فتقرأ و تقول اذا فرغت: سبحان اللّه و الحمد للّه و لا اله الاّ اللّه و اللّه أكبر، تقول ذلك خمس عشرة مرّة بعد القراءة، فاذا ركعت قلته عشر مرّات، فاذا رفعت رأسك من الركوع قلته عشر مرّات، فاذا سجدت قلته عشر مرّات، فاذا رفعت رأسك من السجود فقل بين السجدتين عشر مرّات، فاذا سجدت الثانية فقل عشر مرّات، فاذا رفعت رأسك من السجدة الثانية قلت عشر مرّات و أنت قاعد قبل أن تقوم، فذلك خمس و سبعون تسبيحة في كلّ ركعة، ثلاثمائة تسبيحة في أربع ركعات، ألف و مائتا تسبيحة و تهليلة و تكبيرة و تحميدة، ان شئت
صلّيتها بالنهار، و ان شئت صلّيتها بالليل».(1)
و منها خبر أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله لجعفر بن أبي طالب: يا جعفر، ألا أمنحك؟ ألا أعطيك؟ ألا أحبوك؟ ألاأعلّمك صلاة اذا أنت صلّيتها لو كنت فررت من الزحف و كان عليك مثل رمل عالج و زبد البحر ذنوبا غفرت لك؟ قال: بلى يا رسول اللّه. قال: تصلّي أربع ركعات اذا شئت، ان شئت كلّ ليلة، و ان شئت كلّ يوم، و ان شئت فمن جمعة الى جمعة، و ان شئت فمن شهر الى شهر، و ان شئت فمن سنة الى سنة، تفتتح الصلاة ثمّ تكبّر خمس عشرة مرّة تقول: اللّه أكبر و سبحان اللّه و الحمد للّه و لا اله الاّ اللّه، ثمّ تقرأ الفاتحة و سورة و تركع فتقولهنّ في ركوعك عشر مرّات، ثمّ ترفع رأسك من الركوع فتقولهنّ عشر مرّات، و تخرّ ساجدا فتقولهنّ عشر مرّات في سجودك، ثمّ ترفع رأسك من السجود فتقولهنّ عشر مرّات، ثمّ تخرّ ساجدا فتقولهنّ عشر مرّات، ثمّ ترفع رأسك من السجود فتقولهنّ عشر مرّات، ثمّ تنهض فتقولهنّ خمس عشرة مرّة، ثمّ تقرأ الفاتحة و سورة، ثمّ تركع فتقولهنّ عشر مرّات، ثمّ ترفع رأسك من الركوع فتقولهنّ عشر مرّات، ثمّ تخرّ ساجدا فتقولهنّ عشر مرّات، ثمّ ترفع رأسك من السجود فتقولهنّ عشر مرّات، ثمّ تسجد فتقولهنّ عشر مرّات، ثمّ ترفع رأسك من السجود فتقولهنّ عشر مرّات، ثمّ تتشهّد و تسلّم، ثمّتقوم فتصلّي ركعتين أخراوين تصنع فيهما مثل ذلك، ثمّ تسلّم. قال أبو جعفر عليه السلام: فذلك خمس و سبعون مرّة، في كلّ ركعة ثلاثمائة تسبيحة يكون ثلاثمائة مرّة في الأربع ركعات ألف و مائتا تسبيحة،
1) - وسائل الشيعة 8: 49 / الباب 1 من أبواب صلاة جعفر / الحديث 1.
يضاعفها اللّه عزّوجلّ، و يكتب لك بها اثنتا عشرة ألف حسنة، الحسنة منها مثل جبل أحد و أعظم».(1)
(مسألة 1): يجوز اتيان هذه الصلاة في كلّ من اليوم و الليلة، و لا فرق بين الحضر و السفر، و أفضل أوقاته يوم الجمعة حين ارتفاع الشمس و يتأكّد اتيانها في ليلة النصف من شعبان.
الشرح:
يدلّ على الأمر الأوّل في المسألة صحيحة ذريح عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«ان شئت صلّ صلاة التسبيح بالليل، و ان شئت بالنهار، و ان شئت في السفر، و ان شئت جعلتها من نوافلك، و ان شئت جعلتها من قضاء صلاة».(2)
و على الثاني رواية الحميري عن صاحب الزمان عليه السلام أنّه كتب اليه فسأله عن صلاة جعفر بن أبي طالب عليه السلام:
«في أيّ أوقاتها أفضل أن تصلّى فيه؟ و هل فيها قنوت؟ و ان كان، ففي أيّ ركعة منها؟ فأجاب عليه السلام: أفضل أوقاتها صدر النهار من يوم الجمعة، ثمّ في أيّ الأيّام شئت، و أيّ وقت صلّيتها من ليل أو نهار فهو جائز، و القنوت فيها مرّتان: في الثانية قبل الركوع و في الرابعة بعد الركوع. و سأله عن صلاة جعفر في السفر، هل يجوز أن تصلّى أم لا؟ فأجاب: يجوز ذلك».(3)
و على الثالث رواية ابن فضّال عن أبيه قال:
«سألت علي بن موسى الرضا عليه السلام عن ليلة النصف من شعبان؟ فقال: هي ليلة يعتق اللّه فيها الرقاب من النار، و يغفر فيها الذنوب الكبار. قلت: فهل فيها صلاة زيادة على صلاة سائر الليالي؟ فقال: ليس فيها شيء موظّف ولكن ان أحببت أن تتطوّع فيها بشيء فعليك بصلاة جعفر بن أبي طالب عليه السلام، و أكثر فيها من ذكر اللّه و الاستغفار و الدعاء، فانّ أبي عليه السلام كان يقول: الدعاء فيها مستجاب. قلت: انّ الناس يقولون: انّها ليلة الصكاك؟ قال: تلك ليلة القدر في شهر رمضان».(1)
(مسألة 2): لايتعيّن فيها سورة مخصوصة، لكن الأفضل أن يقرأ في الركعة الأولى «اذا زلزلت»و في الثانية «و العاديات» و في الثالثة «اذا جاء نصر اللّه»و في الرابعة «قل هو اللّه أحد».
الشرح:
أمّا أنّها لايتعيّن فيها سورة مخصوصة، فلاطلاق الروايات و من جملتها ما تقدّم. و ما ذكر في المتن من قراءة السور المخصوصة، فيدلّ عليه رواية ابراهيم بن عبدالحميد عن أبي الحسن عليه السلام قال:
«تقرأ في الأولى «اذا زلزلت» و في الثانية «و العاديات» و الثالثة «اذا جاء نصر اللّه» و الرابعة «قل هو اللّه أحد». قلت: فما ثوابها؟ قال: لو كان عليه مثل رمل عالج ذنوبا غفر اللّه له. ثمّ نظر اليّ فقال: انّما ذلك لك و لأصحابك».(2)
و قد ذكر غيرها من السور في خبر عبداللّه بن المغيرة أنّ الصادق عليه السلام قال:
«اقرأ في صلاة جعفر بقل هو اللّه أحد، و قل يا أيّها الكافرون».(1)
و خبر ابراهيم بن أبي البلاد قال:
«قلت لأبي الحسن موسى بن جعفر عليه السلام: أيّ شيء لمن صلّى صلاة جعفر؟ قال: لو كان عليه مثل رمل عالج و زبد البحر ذنوبا لغفرها اللّه له. قال: قلت: هذه لنا؟ قال: فلمن هي الاّ لكم خاصّة؟! قلت: فأيّ شيء أقرأ فيها؟ و قلت: اعترض القرآن؟ قال: لا، اقرأ فيها «اذا زلزلت»و «اذا جاء نصر اللّه» و «انّا أنزلناه في ليلة القدر» و «قل هو اللّه أحد»».(2)
(مسألة 3): يجوز تأخير التسبيحات الى ما بعد الصلاة اذا كان مستعجلاً، كما يجوز التفريق بين الصلاتين اذا كان له حاجة ضروريّة بأن يأتي بركعتين ثمّ بعد قضاء تلك الحاجة يأتي بركعتين أخريين.
الشرح:
يدلّ على الأمر الأوّل خبر أبان قال:
«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول: من كان مستعجلاً يصلّي صلاة جعفر مجرّدة ثمّ يقضي التسبيح و هو ذاهب في حوائجه».(3)
و خبر أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا كنت مستعجلاً فصلّ صلاة جعفر مجرّدة ثمّ اقض التسبيح».(4)
و على الثاني خبر علي بن الريّان أنّه قال:
«كتبت الى الماضي الأخير عليه السلام أسأله عن رجل صلّى صلاة جعفر عليه السلام ركعتين ثمّ تعجّله عن الركعتين الأخيرتين حاجة، أيقطع ذلك لحادث يحدث؟ أيجوز له أن يتمّها اذا فرغ من حاجته و ان قام عن مجلسه؟ أم لايحتسب بذلك الاّ أن يستأنف الصلاة و يصلّي الأربع الركعات كلّها في مقام واحد؟ فكتب عليه السلام: بل ان قطعه عن ذلك أمر لا بدّ له منه فليقطع ثمّ ليرجع فليبن على ما بقي منها، ان شاء اللّه».(1)
(مسألة 4): يجوز احتساب هذه الصلاة من نوافل الليل أو النهار أداءً و قضاءً، فعن الصادق عليه السلام: «صلّ صلاة جعفر أيّ وقت شئت من ليل أو نهار و ان شئت حسبتها من نوافل الليل، و ان شئت حسبتها من نوافل النهار حسب لك من نوافلك و تحسب لك صلاة جعفر». و المراد من الاحتساب تداخلهما فينوي بالصلاة كونها نافلة و صلاة جعفر، و يحتمل أنّه ينوي صلاة جعفر و يجتزئ بها عن النافلة، و يحتمل أنّه ينوي النافلة و يأتي بها بكيفيّة صلاة جعفر فيثاب ثوابها أيضا. و هل يجوز اتيان الفريضة بهذه الكيفيّة أو لا؟ قولان، لايبعد الجواز على الاحتمال الأخير دون الأوّلين، و دعوى أنّه تغيير لهيئة الفريضة و العبادات توقيفيّة مدفوعة بمنع ذلك بعد جواز كلّ ذكر و دعاء في الفريضة، و مع ذلك الأحوط الترك.
الشرح:
يدلّ على جواز احتساب هذه الصلاة من النوافل روايات:
منها صحيحة ذريح عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«ان شئت صلّ صلاة التسبيح بالليل، و ان شئت بالنهار، و ان شئت
1) - وسائل الشيعة 8: 59 / الباب 6 من أبواب صلاة جعفر / الحديث 1.
في السفر، و ان شئت جعلتها من نوافلك، و ان شئت جعلتها من قضاء صلاة».(1)
و منها صحيحته الثانية قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن صلاة جعفر، أحتسب بها من نافلتي؟ فقال: ما شئت من ليل أو نهار».(2)
و منها صحيحته الثالثة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«تصلّيها بالليل (و تصلّيها بالنهار)(3)و تصلّيها في السفر بالليل و النهار، و ان شئت فاجعلها من نوافلك».(4)
و منها خبر أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«صلّ صلاة جعفر في أيّ وقت شئت من ليل أو نهار، و ان شئت حسبتها من نوافل الليل، و ان شئت حسبتها من نوافل النهار، و تحسب لك من نوافلك و تحسب لك من صلاة جعفر».(5)
فالظاهر من احتساب شيئين بعمل واحد الوارد في لسان النصّ هو قصد العنوانين معا و الاجتزاء عنهما بفعل واحد، لا أن يكون أحدهما مجزئا عن الآخر قهرا و من غير تعلّق القصد به حين العمل.
و أمّا جواز اتيان الفريضة بهذه الكيفيّة، فلايبعد أن يقال بجوازه؛ لما ورد في صحيحة الحلبي من أنّ «كلّ ما ذكرت اللّه عزّوجلّ به و النبي صلى الله عليه و آله فهو من الصلاة»(6)و ان كان الاحتياط الترك و ذلك لما في الجواهر من «أنّ الذكر و الدعاء
1) - وسائل الشيعة 8: 57 / الباب 5 من أبواب صلاة جعفر / الحديث 1.
2) - وسائل الشيعة 8: 58 / الباب 5 من أبواب صلاة جعفر / الحديث 2.
3) - ما بين القوسين ليس في المصدر. هامش الوسائل
4) - وسائل الشيعة 8: 58 / الباب 5 من أبواب صلاة جعفر / الحديث 3.
5) - وسائل الشيعة 8: 58 / الباب 5 من أبواب صلاة جعفر / الحديث 5.
6) - وسائل الشيعة 6: 327 / الباب 20 من أبواب الركوع / الحديث 4.
و ان ساغ في الفريضة لكنّه مشروط بعدم كونه بمثابة يستوجب تغيير الهيئة كما في المقام، و من ثمّ لو قرأ سورة البقرة بين السجدتين أو قبل الهويّ للسجود لم تصحّ صلاته. فالاشكال من ناحية التغيير لا من مجرّد الذكر ليجاب بما ذكر. انتهى ملخّصا».(1)
أضف اليه أنّ هذه الكيفيّة في الفريضة غير مأنوسة عند المتشرّعة.
(مسألة 5): يستحبّ القنوت فيها في الركعة الثانية من كلّ من الصلاتين؛ للعمومات و خصوص بعض النصوص.
الشرح:
يستحبّ القنوت فيها في الركعة الثانية بعد الفراغ من التسبيح و قبل الركوع، على النهج المتعارف في سائر الصلوات. و يدلّ على ذلك الروايات الواردة في تعيين محلّ القنوت بالنسبة الى الصلوات كلّها، كصحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«القنوت في كلّ صلاة في الركعة الثانية قبل الركوع».(2)
و خصوص خبر رجاء بن أبي الضحّاك عن الرضا عليه السلام:
«أنّه كان يصلّي صلاة جعفر أربع ركعات يسلّم في كلّ ركعتين و يقنت في كلّ ركعتين في الثانية قبل الركوع و بعد التسبيح».(3)
(مسألة 6): لو سها عن بعض التسبيحات أو كلّها في محلّ فتذكّر في المحلّ الآخر يأتي به مضافا الى وظيفته، و ان لم يتذكّر الاّ بعد الصلاة قضاه بعدها.
الشرح:
يدلّ على صدر المسألة التوقيع المروي عن الاحتجاج قال:
«ممّا ورد من صاحب الزمان الى محمّد بن عبداللّه بن جعفر الحميري في جواب مسائله حيث سأله عن صلاة جعفر: اذا سها في التسبيح في قيام أو قعود أو ركوع أو سجود و ذكره في حالة أخرى قد صار فيها من هذه الصلاة، هل يعيد ما فاته من ذلك التسبيح في الحالة التي ذكره، أم يتجاوز في صلاته؟ التوقيع: اذا سها في حالة من ذلك ثمّ ذكر في حالة أخرى قضى ما فاته في الحالة التي ذكره».(1)
و على ذيلها اطلاق التوقيع.
(مسألة 7): الأحوط عدم الاكتفاء بالتسبيحات عن ذكر الركوع و السجود، بل يأتي به أيضا قبلها أو بعدها.
الشرح:
قال في الجواهر: «هل تكون [التسبيحات] عوض الذكر أو هي بعده؟ الأحوط الثاني، بل قد يومئ اليه عدم التصريح بالعوضيّة في نصوص المسألة، بل قد يومئ اليه زيادة على ذلك ما دلّ على قضاء الذكر بعد الصلاة للمستعجل، اذ من المستبعد بل الممتنع تجرّد الركوع هناك عن الذكر، مع أنّ ظاهر هذين الخبرين تأخّر التسبيح خاصّة للاستعجال من دون مخالفة أخرى للكيفيّة، و معارضة ذلك
1) - وسائل الشيعة 8: 61 / الباب 9 من أبواب صلاة جعفر / الحديث 1.
باشتماله على ذكر العدد خاصّة من غير تعرّض لذكر الركوع مع قابليّة هذا الذكر للبدليّة يدفعها احتمال الاتّكال على المعلوميّة، كما يرشد اليه الاقتصار على العدد فيما هو من المعلوم عدم سقوطه به كالتشهّد و الاستغفار بين السجدتين و التكبير للركوع و السجود و الرفع منهما و التسميع و نحو ذلك، و احتمال الالتزام بسقوط ماعدا الأوّل أيضا مع أنّ الأوّل كافٍ في الارشاد المزبور واضح المنع. انتهى».(1)
و الظاهر أنّ التسبيحات تكون مضافة الى ما يتشكّل منه مسمّى الصلاة، فاحتياط الماتن في محلّه.
(مسألة 8): يستحبّ أن يقول في السجدة الثانية من الركعة الرابعة بعد التسبيحات: «يا من لبس العزّ و الوقار، يا من تعطّف بالمجد و تكّرم به، يا من لاينبغي التسبيح الاّ له، يا من أحصى كلّ شيء علمه، يا ذا النعمة و الطول، يا ذا المنّ و الفضل، يا ذا القدرة و الكرم، أسألك بمعاقد العزّ من عرشك و بمنتهى الرحمة من كتابك و باسمك الأعظم الأعلى، و بكلماتك التامّات أن تصلّي على محمّد و آل محمّد، و أن تفعل بي كذا و كذا» و يذكر حاجاته.
الشرح:
يستحبّ أن يقول في السجدة الثانية بما ورد في خبر أبي سعيد المدائني قال:
«قال لي أبو عبداللّه عليه السلام ألاأعلّمك شيئا تقوله في صلاة جعفر؟ فقلت: بلى. فقال: اذا كنت في آخر سجدة من الأربع ركعات فقل اذا فرغت من تسبيحك: سبحان من لبس العزّ و الوقار، سبحان من تعطّف بالمجد و تكرّم به، سبحان من لاينبغي التسبيح الاّ له، سبحان من أحصى كلّ شيء علمه، سبحان ذي المنّ و النعم، سبحان ذي القدرة
1) - جواهر الكلام 12: 204.
و الأمر، اللّهمّ انّي أسألك بمعاقد العزّ من عرشك و منتهى الرحمة من كتابك و اسمك الأعظم و كلماتك التامّة التي تمّت صدقا و عدلاً، صلّ على محمّد و أهل بيته، و افعل بي كذا و كذا».(1)
و مرفوعة ابن محبوب قال:
«قال: تقول في آخر ركعة من صلاة جعفر: يا من لبس العزّ و الوقار، يا من تعطّف بالمجد و تكرّم به، يا من لاينبغي التسبيح الاّ له، يا من أحصى كلّ شيء علمه، يا ذا النعمة و الطول، يا ذا المنّ و الفضل، يا ذا القدرة و الكرم، أسألك بمعاقد العزّ من عرشك و منتهى الرحمة من كتابك و باسمك الأعظم الأعلى و كلماتك التامّة أن تصلّي على محمّد و آل محمّد و أن تفعل بي كذا و كذا».(2)
و هي ركعتان بين المغرب و العشاء يقرأ في الأولى بعد الحمد: «و ذا النون اذ ذهب مغاضبا فظنّ أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا اله الاّ أنت سبحانك انّي كنت من الظالمين * فاستجبنا له و نجّيناه من الغمّ و كذلك ننجي المؤمنين»(1)، و في الثانية بعد الحمد: «و عنده مفاتح الغيب لايعلمها الاّ هو و يعلم ما في البرّ و البحر و ما تسقط من ورقة الاّ يعلمها، و لا حبّة في ظلمات الأرض و لا رطب و لا يابس الاّ في كتاب مبين»(2)، ثمّ يرفع يديه و يقول: «اللّهمّ انّي أسألك بمفاتح الغيب التي لايعلمها الاّ أنت أن تصلّي على محمّد و آل محمّد و أن تفعل بي كذا و كذا» و يذكر حاجاته، ثمّ يقول: «اللّهمّ أنت وليّ نعمتي و القادر على طلبتي تعلم حاجتي فأسألك بحقّ محمّد و آله عليه و عليهم السلام لمّا قضيتها لي» و يسأل حاجاته. و الظاهر أنّها غير نافلة المغرب، و لايجب جعلها منها بناءً على المختار من جواز النافلة لمن عليه فريضة.
قد تقدّم شرح صلاة الغفيلة في المجلّد الأوّل من كتاب الصلاة فراجع.
يستحبّ في اليوم الأوّل من كلّ شهر أن يصلّي ركعتين: يقرأ في الأولى بعد الحمد «قل هو اللّه»ثلاثين مرّة، و في الثانية بعد الحمد «انّا أنزلناه» ثلاثين مرّة، ثمّ يتصدّق بما تيسّر، فيشتري سلامة تمام الشهر بهذا، و يستحبّ أن يقرأ بعد الصلاة هذه الآيات: «بسم اللّه الرحمن الرحيم * و ما من دابّة في الأرض الاّ على اللّه رزقها و يعلم مستقرّها و مستودعها كلّ في كتاب مبين * بسم اللّه الرحمن الرحيم * و ان يمسسك اللّه بضرّ فلا كاشف له الاّ هو و ان يردك بخير فلا رادّ لفضله يصيب به من يشاء من عباده و هو الغفور الرحيم * بسم اللّه الرحمن الرحيم * سيجعل اللّه بعد عسر يسرا * ما شاء اللّه لا قوّة الاّ باللّه حسبنا اللّه و نعم الوكيل * و أفوّض أمري الى اللّه انّ اللّه بصير بالعباد * لا اله الاّ أنت سبحانك انّي كنت من الظالمين * ربّ انّي لما أنزلت اليّ من خير فقير * ربّ لاتذرني فردا و أنت خير الوارثين». و يجوز الاتيان بها في تمام اليوم، و ليس لها وقت معيّن.
الشرح:
يدلّ على استحباب صلاة أوّل الشهر و كيفيّتها ما رواه الشيخ في المصباح باسناده عن الحسن بن عليّ الوشّاء قال:
«كان أبو جعفر محمّد بن عليّ الرضا عليه السلام اذا دخل شهر جديد يصلّي في أوّل يوم منه ركعتين يقرأ في أوّل ركعة الحمد مرّة و «قل هو اللّه أحد» لكلّ يوم الى آخره، و في الثانية الحمد و «انّا أنزلناه في ليلة القدر» مثل ذلك و يتصدّق بما يتسهّل، يشتري به سلامة ذلك الشهر كلّه».(1)
و الدليل على استحباب قراءة الآيات المذكورة في المتن رواية السيّد بن طاووس(2)، ولكن المذكور في النصّ بعد كلمة «الرحيم» و قبل البسملة الثالثة هذه الزيادة: «و ان يمسسك اللّه بضرّ فلا كاشف له الاّ هو و ان يمسسك بخير فهو على كلّ شيء قدير».
و يجوز الاتيان بها في تمام اليوم و عدم تعيين وقت لها؛ لاطلاق النصّ.
و هي ركعتان بين العشاءين، يقرأ في الأولى الحمد و «اذا زلزلت الأرض»ثلاث عشرة مرّة، و في الثانية الحمد و «قل هو اللّه أحد» خمس عشرة مرّة، فعن الصادق عليه السلام عن رسول اللّه صلى الله عليه و آله قال: «أوصيكم بركعتين بين العشاءين - الى أن قال: - فان فعل ذلك كلّ شهر كان من المؤمنين، فان فعل في كلّ سنة كان من المحسنين، فان فعل ذلك في كلّ جمعة كان من المخلصين، فان فعل ذلك في كلّ ليلة زاحمني في الجنّة و لم يحص ثوابه الاّ اللّه تعالى».
كما رواه الشيخ في المصباح مرسلاً عنه عليه السلام عن أبيه عن آبائه عن رسول اللّه صلى الله عليه و آله أنّه قال الى آخر ما في المتن. و رواه في الوسائل(1)مع اختلاف يسير. و قد تقدّم البحث حولها أيضا في أوائل كتاب الصلاة في فصل أعداد الفرائض و نوافلها.(2)
و هو الثامن عشر من ذيالحجّة، و هي ركعتان يقرأ في كلّ ركعة سورة الحمد و عشر مرّات «قل هو اللّه أحد»، و عشر مرّات آية الكرسي، و عشر مرّات «انّا أنزلناه»، ففي خبر علي بن الحسين العبدي عن الصادق عليه السلام: «من صلّى فيه - أي في يوم الغدير - ركعتين، يغتسِل عند زوال الشمس من قبل أن تزول مقدار نصف ساعة يسأل اللّه عزّوجلّ، يقرأ في كلّ ركعة سورة الحمد مرّة و عشر مرّات «قل هو اللّه أحد»، و عشر مرّات آية الكرسي، و عشر مرّات «انّا أنزلناه» عدلت عند اللّه عزّوجلّ مائة ألف حجّة و مائة ألف عمرة، و ما سأل اللّه عزّوجلّ حاجة من حوائج الدنيا و حوائج الآخرة الاّ قضيت له كائنة ما كانت الحاجة. و ان فاتتك الركعتان قضيتها بعد ذلك». و ذكر بعض العلماء أنّه يخرج الى خارج المصر، و أنّه يؤتى بها جماعة، و أنّه يخطب الامام خطبة مقصورة على حمد اللّه و الثناء و الصلاة على محمّد و آله و التنبيه على عظم حرمة هذا اليوم. لكن لا دليل على ما ذكره و قد مرّ الاشكال في اتيانها جماعة في باب صلاة الجماعة.
الشرح:
قد روى الشيخ في التهذيب خبر علي بن الحسين العبدي(1)و روى نحوه في المصباح عن أبي هارون العبدي(2)و كذا عن زياد بن محمّد، و حيث انّ سند الكلّ مخدوش كما لايخفى فمن ثمّ كان الحكم مبنيّا على قاعدة التسامح.
و أمّا ذكر الخروج الى خارج المصر و الاتيان بها جماعة الى آخره، فقد نسب الى أبي الصلاح على ما حكاه في الحدائق(3)عن المختلف.
قال في الحدائق: «اعلم أنّه نقل في المختلف عن أبي الصلاح أنّه قال في صفة صلاة الغدير: و من وكيد السنّة الاقتداء برسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم في يوم الغدير و هو الثامن عشر من ذيالحجّة الحرام بالخروج الى ظاهر المصر و عقد الصلاة قبل أن تزول الشمس بنصف ساعة لمن تتكامل له صفات امامة الجماعة بركعتين، يقرأ في كلّ ركعة منهما الحمد و سورة الاخلاص عشرا و سورة القدر عشرا و آيه الكرسي عشرا و يقتدي به المؤتمّون و اذا سلّم دعا بدعاء هذا اليوم و من صلّى خلفه، و ليصعد المنبر قبل الصلاة فيخطب خطبة مقصورة على حمد اللّه و الثناء عليه و الصلاة على محمّد و آله الطاهرين و التنبيه على عظم حرمة يومه و ما أوجب اللّه فيه من امامة أميرالمؤمنين عليه السلام و الحثّ على امتثال أمر اللّه سبحانه و رسوله، و لايبرح أحد من المأمومين و الامام يخطب فاذا انقضت الخطبة تصافحوا و تهانأوا و تفرّقوا. انتهى».(4)
و قد تقدّم البحث في الاشكال باتيانها جماعة في فصل صلاة الجماعة.(5)
و قد وردت بكيفيّات: منها ما قيل: انّه مجرّب مرارا و هو ما رواه زياد القندي عن عبدالرحيم القصير عن أبي عبداللّه عليه السلام: «اذا نزل بك أمر فافزع الى رسول اللّه صلى الله عليه و آله و صلّ ركعتين تهديهما الى رسول اللّه صلى الله عليه و آله. قلت: كيف أصنع؟ قال: تغتسل و تصلّي ركعتين تستفتح بهما افتتاح الفريضة و تشهّد تشهّد الفريضة، فاذا فرغت من التشهّد و سلّمت قلت: اللّهمّ أنت السلام و منك السلام و اليك يرجع السلام، اللّهمّ صلّ على محمّد و آل محمّد و بلّغ روح محمّد صلى الله عليه و آلهمنّي السلام و أرواح الأئمّة الصالحين سلامي و اردد عليّ منهم السلام، و السلام عليهم و رحمة اللّه و بركاته، اللّهمّ انّ هاتين الركعتين هديّة منّي الى رسول اللّه فأثبني عليهما ما أمّلت و رجوت فيك و في رسولك يا وليّ المؤمنين، ثمّ تخرّ ساجدا و تقول: يا حيّ يا قيّوم، يا حيّ لايموت، يا حيّ لا اله الاّ أنت، يا ذا الجلال و الاكرام، يا أرحم الراحمين، أربعين مرّة، ثمّ ضع خدّك الأيمن فتقولها أربعين مرّة، ثمّ ضع خدّك الأيسر فتقولها أربعين مرّة، ثمّ ترفع رأسك و تمدّ يدك فتقول أربعين مرّة، ثمّ تردّ يدك الى رقبتك و
تلوذ بسبّابتك و تقول ذلك أربعين مرّة، ثمّ خذ لحيتك بيدك اليسرى و ابك أو تباك و قل: يا محمّد يا رسول اللّه أشكو الى اللّه و اليك حاجتي و الى أهل بيتك الراشدين حاجتي و بكم أتوجّه الى اللّه في حاجتي. ثمّ تسجد و تقول: يا اللّه يا اللّه ... (حتّى ينقطع نفسك) صلّ على محمّد و آل محمّد و افعل بي كذا و كذا. قال أبو عبداللّه عليه السلام: فأنا الضامن على اللّه عزّوجلّ أن لايبرح حتّى تقضى حاجته».(1)
انّ الكيفيّات الواردة لهذه الصلاة كثيرة مذكورة في كتب الأدعية و غيرها كالبحار و نحوه من المجامع.(2)
الصلوات المستحبّة كثيرة، و هي أقسام:
منها نوافل الفرائض اليوميّة، و مجموعها ثلاث و عشرون ركعة بناءً على احتساب ركعتي الوتيرة بواحدة. و منها نافلة الليل احدى عشرة ركعة. و منها الصلوات المستحبّة في أوقات مخصوصة كنوافل شهر رمضان و نوافل شهر رجب و شهر شعبان و نحوها و كصلاة الغدير و الغفيلة و الوصيّة و أمثالها. و منها الصلوات التي لها أسباب كصلاة الزيارة، و تحيّة المسجد و صلاة الشكر و نحوها. و منها الصلوات المستحبّة لغايات مخصوصة كصلاة الاستسقاء، و صلاة طلب قضاء الحاجة، و صلاة كشف المهمّات، و صلاة طلب الرزق، و صلاة طلب الذكاء و جودة الذهن و نحوها. و منها الصلوات المعيّنة المخصوصة بدون سبب و غاية و وقت كصلاة جعفر، و صلاة رسول اللّه، و صلاة أميرالمؤمنين، و صلاة فاطمة، و صلاة سائر الأئمّة عليهم السلام. و منها النوافل المبتدأة، فانّ كلّ وقت و زمان يسع صلاة ركعتين يستحبّ اتيانها. و بعض المذكورات بل أغلبها لها كيفيّات مخصوصة مذكورة في محلّها.
أمّا نوافل الفرائض اليوميّة، فقد تقدّم البحث فيها و فيما بعدها في المجلّد الأوّل من كتاب الصلاة في فصل أعداد الفرائض و نوافلها، و أمّا باقي الصلوات فهي مذكورة في كتب الأدعية، سيّما ما وضع لأعمال الشهور الثلاثة.
جميع الصلوات المندوبة يجوز اتيانها جالسا اختيارا و كذا ماشيا و راكبا و في المحمل و السفينة، لكن اتيانها قائما أفضل حتّى الوتيرة و ان كان الأحوط الجلوس فيها، و في جواز اتيانها نائما مستلقيا أو مضطجعا في حال الاختيار اشكال.
الشرح:
تقدّم شرح ذلك في الفرع الرابع عشر و في المسألة الرابعة من فصل أعداد الفرائض و نوافلها(1). انّما الكلام في جواز اتيان النوافل مستلقيا أو مضطجعا.
قال في الجواهر: «ثمّ انّ ظاهر المصنّف و غيره ممّن اقتصر على الجلوس عدم جواز غيره من الاستلقاء و الاضطجاع و نحوهما اختيارا، بل هو صريح الشهيد و غيره، بل ظاهر الاقتصار في نقل الخلاف في ذلك من غير واحد عدا العلاّمة في النهاية فأجازه، عدمه من غيره للأصل الذي لايقطعه ما يستدلّ به للفاضل من أنّ الكيفيّة تابعة للأصل فلايجب، و النبوي «من صلّى نائما فله نصف أجر القاعد» اذ
1) - الهادي كتاب الصلاة 1: 70 و 89.
الأوّل كما ترى، ضرورة أنّ المراد بالوجوب المعنى الشرطي كالطهارة، و أمّا الثاني فهو ليس من طريقنا، فلايتمسّك به لاثبات مثل هذا الحكم المخالف لأصالة التوقيف في العبادة، لكن قد يقال بجريان دليل التسامح في كيفيّة العبادة كأصلها، فيكفي حينئذ في اثباته فتوى مثل الفاضل المزبور و الخبر المذكور و ان لم يكن من طريقنا، و فحوى النصوص الواردة في جواز فعلها حال الجلوس و المشي و على الراحلة و نحو ذلك ممّا يومئ الى أنّ المراد وجودها في الخارج على أيّ حال يكون، و خصوص خبر أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال: «صلّ في العشرين من شهر رمضان ثمانيا بعد المغرب و اثنتيعشرة ركعة بعد العتمة - الى أن قال: - قلت: جعلت فداك، فان لم أقو قائما؟ قال: فجالسا. قلت: فان لم أقو جالسا؟ قال: فصلّ و أنت مستلقٍ على فراشك»(1). و من المعلوم ارادة الضعف في الجملة عن الأداء جالسا من نفي القوّة كما يومئ اليه تعليق فعلها جالسا على ذلك ممّا علم عدم اشتراطه به، فتأمّل جيّدا. انتهى».(2)
أقول:
فالظاهر عدم جوازه لتوقيفيّة العبادة و عدم ورود جواز ذلك عن المعصوم، و لذلك أفتى الشهيد و غيره بعدم الجواز كما في الجواهر، و لايثبت الجواز بما ورد في النبوي «من صلّى نائما فله نصف أجر القاعد»؛ لأنّه ليس من طريقنا فلايتمسّك به لاثبات مثل هذا الحكم المخالف لأصالة التوقيف في العبادة. و ما أشار اليه صاحب الجواهر من «جريان دليل التسامح في كيفيّة العبادة كأصلها ... » ففيه اشكال؛ لوجود المانع هنا و هو توقيفيّة العبادة. و ما أشار اليه ثانيا من رواية أبي بصير فالظاهر أنّه في غير حال الاختيار.
فالمتحصّل أنّ في جواز اتيان النوافل مستلقيا أو مضطجعا في حال الاختيار اشكال.
(مسألة 1): يجوز في النوافل اتيان ركعة قائما و ركعة جالسا، بل يجوز اتيان بعض الركعة جالسا و بعضها قائما.
الشرح:
للاطلاق في دليل جواز الجلوس، كالقيام فيها، و منه تظهر الحال فيما بعده.
قال في الجواهر: «و لو اقتصر على ذلك (أي التلفيق من القيام و القعود) في احدى الركعتين لم يبعد جوازه مع نقصان ربع الأجر أو أزيد منه بيسير بناءً على نقصان الملفّقة عن الركعة التي يقام فيها قياما. نعم، هو ربع لا غير لو صلّى ركعة من قيام و أخرى من جلوس لو قلنا بجوازه كما هو الظاهر، لعدم الفرق في الجلوس في النافلة بين الجميع و البعض، بل هو ظاهر دليل الجواز، و قد يقال بالمنع؛ لعدم التوظيف، و الأوّل أولى، لكن ليس له التضعيف للركعة الباقية في هذا و نحوه؛ لاقتضائه التسليم على الركعة الواحدة المنافي للتثنية في النوافل. انتهى».(1)
(مسألة 2): يستحبّ اذا أتى بالنافلة جالسا أن يحسب كلّ ركعتين بركعة، مثلاً اذا جلس في نافلة الصبح يأتي بأربع ركعات بتسليمتين، و هكذا.
الشرح:
قال في الجواهر: «و كذا لا ريب في أنّه ان جعل كلّ ركعتين من جلوس مفصولتين مكان ركعة من قيام كان أفضل من الصلاة جالسا ركعة ركعة قطعا، بل
1) - جواهر الكلام 12: 222.
لاأجد فيه خلافا أيضا للنصوص: منها خبر ابن مسلم: «سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل يكسل أو يضعف فيصلّي التطوّع جالسا؟ قال: يضعف ركعتين بركعة». و صحيح الصيقل قال: «قال لي أبو عبداللّه عليه السلام: اذا صلّى الرجل جالسا و هو يستطيع القيام فليضعف». و خبر علي بن جعفر عن أخيه عليه السلام المروي عن كتابه، قال: «سألته عن المريض اذا كان لايستطيع القيام؟ قال: يصلّي النافلة و هو جالس و يحتسب كلّ ركعتين بركعة، و أمّا الفريضة فيحتسب كلّ ركعة بركعة». انتهى».(1)
و قد تقدّم شرح ذلك في المسألة الرابعة من فصل أعداد الفرائض و نوافلها.(2)
(مسألة 3): اذا صلّى جالسا و أبقى من السورة آية أو آيتين فقام و أتمّها و ركع عن قيام يحسب له صلاة القائم، و لايحتاج حينئذ الى احتساب ركعتين بركعة.
الشرح:
قال في الجواهر: «فقد يساوي التضعيف المزبور في الفضل أو يفضل عليه، بل هو كصلاة القائم تلفيق كلّ ركعة من القيام و القعود بمعنى أنّه يقرأ القراءة مثلاً و هو جالس فاذا أراد أن يختمها قام فركع، كما في صحيح زرارة: «قلت لأبي جعفر عليه السلام: الرجل يصلّي و هو قاعد فيقرأ السورة، فاذا أراد أن يختمها قام فركع بآخرها. قال: صلاته صلاة القائم». و في صحيح حمّاد عن أبي الحسن عليه السلام: «فاذا كنت في آخر السورة فقم فأتمّها و اركع فتلك يحتسب لك بصلاة القائم». و في خبره الآخر أو صحيحه عن الصادق عليه السلام: «فاذا بقي من السورة آيتان فقم فأتمّ ما
بقي و اركع و اسجد فذلك صلاة القائم». انتهى».(1)
(مسألة 4): لا فرق في الجلوس بين كيفيّاته، فهو مخيّر بين أنواعها حتّى مدّ الرجلين. نعم، الأولى أن يجلس متربّعا و يثنّي رجليه حال الركوع، و هو أن ينصب فخذيه و ساقيه من غير اقعاء، اذ هو مكروه، و هو أن يعتمد بصدور قدميه على الأرض و يجلس على عقبيه، و كذا يكره الجلوس بمثل اقعاء الكلب.
الشرح:
لا فرق في الجلوس بين كيفيّاته لاطلاق الأخبار.
قال في الجواهر: «ثمّ انّ اطلاق أكثر النصوص و الفتاوى يقتضي التخيير في الجلوس بين جميع كيفيّاته، بل في بعضها نفي البأس عن التربّع و مدّ الرجلين و أنّ ذلك واسع، و في آخر: «عن الصلاة في المحمل، فقال: صلّ متربّعا و ممدود الرجلين و كيف أمكنك». نعم، يكره الاقعاء و هو كما قيل: أن يعتمد بصدور قدميه على الأرض و يجلس على عقبيه كما يفعله العامّة؛ للصحيح: «ايّاك و القعود على قدميك فتتأذّى بذلك». و كذا اقعاء الكلب؛ للنهي عنه. انتهى».(2)
و قد تقدّم البحث عنه في المسألة الحادية و الثلاثين من فصل القيام.(3)
(مسألة 5): اذا نذر النافلة مطلقا يجوز له الجلوس فيها، و اذا نذرها جالسا فالظاهر انعقاد نذره. و كون القيام أفضل لايوجب فوات الرجحان في الصلاة جالسا، غايته أنّها أقلّ ثوابا، لكنّه لايخلو عن اشكال.
الشرح:
اذا نذر النافلة مطلقا يجوز له الجلوس فيها؛ لأنّ الوفاء يتحقّق بمطلق الصلاة و ان كان جالسا، و اذا نذرها جالسا فتارة لم يكن متعلّق النذر تخصيص الطبيعة و تضييقها به، فالظاهر انعقاد نذره، بل بعنوان أنّها فرد من الصلاة فهذا لا اشكال فيه، فكأنّه نذر النافلة مطلقا. و أخرى يكون متعلّق النذر تخصيص الطبيعة و تضييقها به فيمكن أن يقال فيه اشكال لاحتمال اعتبار الرجحان بقول مطلق. نعم، لو كان بحيث يستلزم تحريم الصلاة قائما فلاينعقد.
قال في الجواهر: «ثمّ انّه يستفاد من التأمّل فيما ذكرنا أنّ معنى جواز الجلوس في النافلة استحباب هذه الكيفيّة من الصلاة أيضا و ان كان الصنف القيامي أفضل منه، لكن هو صنف مستقلّ برأسه راجح بالنسبة الى تركه مرجوح بالنسبة الى غيره، بل هو بالنسبة الى أفراده مختلف المرتبة في الفضيلة أيضا كما عرفته سابقا، فمن نذر الصلاة جالسا حينئذ انعقد نذره كما في الذكرى و عن غيرها، و لعلّه لعموم الأمر بالوفاء به، و كون الصلاة جالسا مرجوحة بالنسبة الى الصلاة قائما لايقضي ببطلان النذر بعد أن كان هذا الفرد راجحا في نفسه أيضا. انتهى».(1)
(مسألة 6): النوافل كلّها ركعتان لايجوز الزيادة عليهما و لا النقيصة الاّ في صلاة الأعرابي و الوتر.
تقدّم البحث حول هذه المسألة مستوفى في المسألة الأولى من فصل أعداد الفرائض.(2)
(مسألة 7): تختصّ النوافل بأحكام:
منها: جواز الجلوس و المشي فيها اختيارا كما مرّ. و منها: عدم وجوب السورة فيها الاّ بعض الصلوات المخصوصة بكيفيّات مخصوصة. و منها: جواز الاكتفاء ببعض السورة فيها. و منها: جواز قراءة أزيد من سورة من غير اشكال. و منها: جواز قراءة العزائم فيها. و منها: جواز العدول فيها من سورة الى أخرى مطلقا.
قد تقدّم الكلام حول هذه الأحكام في المسألة الخامسة و السادسة و العاشرة و الثامنه عشرة من فصل القراءة في المجلّد الثالث من كتاب الصلاة.(1)
و منها: عدم بطلانها بزيادة الركن سهوا. و منها: عدم بطلانها بالشكّ بين الركعات، بل يتخيّر بين البناء على الأقلّ أو على الأكثر. و منها: أنّه لايجب لها سجود السهو و لا قضاء السجدة و التشهّد المنسيّين و لا صلاة الاحتياط.
تقدّم الكلام حول هذا و ما تقدّمه من أحكام السهو و الشكّ في الموضع السابع من الشكوك التي لا اعتبار بها.
و منها: لا اشكال في جواز اتيانها في جوف الكعبة أو سطحها.
مرّ البحث حول هذا في المسألة الثلاثين من فصل مكان المصلّي.(2)
و منها: أنّه لايشرع فيها الجماعة الاّ في صلاة الاستسقاء و على قول في
صلاة الغدير.
كما تقدّم في المسألة الثانية من فصل الجماعة.(1)
و منها: جواز قطعها اختيارا.
كما تقدّم في فصل قطع الصلاة.(2)
و منها: أنّ اتيانها في البيت أفضل من اتيانها في المسجد الاّ ما يختصّ به على ما هو المشهور و ان كان في اطلاقه اشكال.
الشرح:
قد حقّق صاحب الجواهر حول هذا الفرع بما يغنينا عن البحث حوله، و لنذكر تحقيقه تتميما للفائدة:
قال في الجواهر: «و أمّا النافلة فالمشهور بين الأصحاب نقلاً في الكفاية و عن غيرها و تحصيلاً أنّها بالعكس من الفريضة، بمعنى أفضليّة صلاتها في البيت مثلاً من المسجد، بل في المعتبر و المنتهى نسبته الى فتوى علمائنا مشعرين بدعوى الاجماع عليه؛ للنبوي: «أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته الاّ المكتوبة» و لأنّها أبلغ في الاخلاص و أبعد من الرياء و وساوس الشيطان، و لقول الصادق عليه السلام في خبر الفضيل: «انّ البيوت التي يصلّى فيها بالليل بتلاوة القرآن تضيء لأهل السماء كما تضيء نجوم السماء لأهل الأرض»، و لقول النبي صلى الله عليه و آله في وصيّته المرويّة عن المجالس باسناده بعدما ذكر فضل الصلاة في المسجد الحرام و مسجده صلى الله عليه و آله: «و أفضل من هذا كلّه صلاة يصلّيها الرجل في بيته حيث لايراه الاّ اللّه عزّوجلّ يطلب
بها وجه اللّه - الى أن قال: - يا أبا ذرّ، انّ الصلاة النافلة تفضل في السرّ على العلانية كفضل الفريضة على النافلة»؛ اذ لا ريب في أنّها في البيت أخفى منها في المسجد الذي هو محلّ المتردّدين. و منه حينئذ ينقدح الاستدلال بكلّ ما دلّ على استحباب التستّر بها و التخفّي الذي يشهد له في الجملة مضافا الى اعتبار آية السرّ في الصدقة و نصوصها و للأمر باتّخاذ المسجد في البيت و الحثّ عليه، بل في خبر ابن بكير عن الصادق عليه السلام: «كان عليّ عليه السلام قد اتّخذ بيتا في داره ليس بالكبير و لا بالصغير فكان اذا أراد أن يصلّي من آخر الليل أخذ معه صبيّا لايحتشم منه، ثمّ يذهب الى ذلك البيت فيصلّي»، و لخبر زيد بن ثابت: «انّه جاء رجال يصلّون بصلاة رسول اللّه صلى الله عليه و آله فخرج مغضبا و أمرهم أن يصلّوا النوافل في بيوتهم»، و لأنّ الاجتماع للنوافل في المساجد من فعل العامّة التي جعل اللّه الرشد في خلافها».
أقول: فيه انّ الروايات كلّها ضعيفة و الاجماع يكون مدركيّا و لذا استدرك رحمه الله بقوله: «لكن قد يشكل ذلك كلّه بما دلّ على فضل المساجد و بركتها، و أنّها محلّ الاجابة و القبول، و بيوت اللّه في الأرض، و أحبّ البقاع اليه، بل و باطلاق ما دلّ على فضل الصلاة فيها الشامل للفرض و النفل، بل في سياق بعضها ما يؤكّد ارادة ذلك و بخصوص مرسل ابن أبي عمير السابق قريبا، و صحيح معاوية بن وهب عن الصادق عليه السلام: «انّ النبي صلى الله عليه و آله كان يصلّي صلاة الليل في المسجد» الظاهر في أنّ ذلك عادته و ديدنه، و لا قائل بالفصل بين صلاة الليل و غيرها في المرجوحيّة، بل المحكي عن ابن ادريس أنّ صلاة الليل خاصّة في البيت أفضل من المسجد و لا دليل واضح عليه. نعم، الذي صرّح به الفاضل و الشهيدان و المحقّق الثاني و حكي عن غيرهم أنّ جهة الرجحان فيها آكد، و لعلّه لما سمعته من فعل أميرالمؤمنين عليه السلام و غيره، لكن هذا الصحيح شاهد بخلافهم باعتبار ظهوره في اعتياده صلى الله عليه و آله فعلها في المسجد، بل لعلّ الظاهر كون عادته صلاة نوافل الفرائض فيه أيضا، بل قد يقال باندراجها في المكتوبة في النبويّ السابق باعتبار كونها من مقدّماتها و مسنوناتها و
خبر هارون بن خارجة عنه عليه السلام: «انّ النافلة في مسجد الكوفة لتعدل خمسمائة صلاة»، بل في خبر عبداللّه بن يحيى الكاهلي عنه عليه السلامأيضا: «انّها فيه تعدل عمرة مبرورة» و نحوه غيره، بل في خبر أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر عليه السلام: «انّها في المساجد الأربعة: المسجد الحرام و مسجد الرسول صلى الله عليه و آله و مسجد بيت المقدس و مسجد الكوفة تعدل عمرة» و لا قائل بالفصل. بل قد يشعر صحيح ابن عمّار بكون النافلة كالفريضة في التضاعف في المسجد الحرام، قال: «سألت الصادق عليه السلام: كم أصلّي؟ فقال: صلّ ثمان ركعات عند زوال الشمس، فانّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله قال: الصلاة في مسجدي كألف في غيره الاّ المسجد الحرام، فانّ الصلاة في المسجد الحرام تعدل ألف صلاة في مسجدي». و من هنا مال في المدارك كما عن مجمع البرهان الى مساواتها الفريضة في رجحان فعلها في المسجد بعد أن حكاه عن جدّه في بعض تحقيقاته و تبعه بعض من تأخّر عنه، و ربما يؤيّده زيادة على ما سمعت قصور أدلّة المشهور عن افادة المطلوب؛ اذ هي بين غير معتبر السند - و كون الحكم استحبابيّا يتسامح فيه لايجدي فيما نحن فيه ممّا كان المقابل أيضا حكما استحبابيّا، فانّه يكون حينئذ معارضا بمثله - و بين غير دالّ على المطلوب كالنصوص الدالّة على استحباب التستّر بها؛ اذ هي - مع أنّها من المعلوم كون الحكمة فيها التخلّص عن الرياء و نحوه من وساوس الشيطان - خارجة عن المطلب ضرورة كون البحث في رجحانها في المسجد و عدمه من حيث المسجديّة و غيرها مع قطع النظر عن الجهات الخارجيّة التي هي ليست بمستحيلة الانفكاك عقلاً و عرفا. و يمكن معارضتها أيضا بما في الطرف المقابل من رجاء اقتداء الناس به و رغبتهم في الفعل كما يومئ اليه استحباب الجهر بها في الليل، و الأمر بإخبار أخيك المؤمن و قول «قد رزق اللّه ذلك اذا سألك: هل قمت الليلة أو صمت؟» على أنّه ربما تكون في المسجد أستر من غيره. و بالجملة الجهات و الاعتبارات في البيوت و المساجد مختلفة أشدّ اختلاف بملاحظة
اختلاف الأشخاص و المساجد و البيوت و النوافل و الأزمنة، و لعلّه لذا كان المستفاد من بعض الأخبار استحبابها في المنزل، و من آخر في المسجد؛ اذ لكلّ خصوصيّة أو مزيّة داخليّة أي لاحقة له بالذات غير مستقلّة، كرجحان كون البيت ممّا يصلّى فيه في الليل، و خارجيّة أي ممكنة الاستقلال و ان اجتمعت معه في الوجود الخارجي ككونها سرّا مثلاً و أبعد من الرياء، و ان كان بمعونة فتوى الأصحاب و ظاهر الاجماعين السابقين و ظهور بعض النصوص السابقة في شدّة محبّة اللّه ارادة الذكر في المنزل سرّا و غير ذلك يمكن ترجيح مراعاة مزيّة الأوّل على الثاني ان لم تعاضده مزيّة أخرى خارجة عن المسجديّة أو داخليّة كمسجديّة خاصّة و نحوها، و الاّ فمعها قد ترجّح مراعاة جهة المسجديّة على المنزل بمراتب. انتهى».(1)
1) - جواهر الكلام 14: 145 - 148.
لا اشكال في وجوب القصر على المسافر مع اجتماع الشرائط الآتية باسقاط الركعتين الأخيرتين من الرباعيّات، و أمّا الصبح و المغرب فلا قصر فيهما.
الشرح:
لا اشكال في وجوب القصر على المسافر مع اجتماع الشرائط باجماع فقهاء الشيعة بل ضرورة من المذهب.(1)و الدليل على ذلك الروايات المعتبرة الوارد بعضها في تفسير آية «و اذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة ... »(2):
منها صحيحة زرارة و محمّد بن مسلم أنّهما قالا:
«قلنا لأبي جعفر عليه السلام: ما تقول في الصلاة في السفر، كيف هي؟ و كم هي؟ فقال: انّ اللّه عزّوجلّ يقول: «و اذا ضربتم في الأرض فليس
عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة» فصار التقصير في السفر واجبا كوجوب التمام في الحضر. قالا: قلنا له: انّما قال اللّه عزّوجلّ: «فليس عليكم جناح» و لم يقل: افعلوا، فكيف أوجب ذلك؟ فقال عليه السلام: أو ليس قد قال اللّه عزّوجلّ في الصفا و المروة: «فمن حجّ البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطّوّف بهما»ألاترون أنّ الطواف بهما واجب مفروض؛ لأنّ اللّه عزّوجلّ ذكره في كتابه و صنعه نبيّه صلى الله عليه و آله، و كذلك التقصير في السفر شيء صنعه النبي صلى الله عليه و آله و ذكره اللّه في كتابه. الحديث».(1)
و منها صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«سمّى رسول اللّه صلى الله عليه و آله قوما صاموا حين أفطر و قصّر عصاة و قال: هم العصاة الى يوم القيامة، و انّا لنعرف أبناءهم و أبناء أبنائهم الى يومنا هذا».(2)
و منها صحيحة ثانية لزرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«قلت له: صلاة الخوف و صلاة السفر تقصّران جميعا؟ قال: نعم. الحديث».(3)
و منها ما رواه الصدوق مرسلاً قال:
«و قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: من صلّى في السفر أربعا فأنا الى اللّه منه بريء».(4)
و منها ما رواه الصدوق مرسلاً أيضا قال:
«و قال الصادق عليه السلام: المتمّم في السفر كالمقصّر في الحضر».(1)
و منها خبر أبان بن تغلب عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: خيار أمّتي الذين اذا سافروا أفطروا و قصّروا. الحديث».(2)
و منها مرسلة ابن أبي عمير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سمعته يقول: قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: انّ اللّه عزّوجلّ تصدّق على مرضى أمّتي و مسافريها بالتقصير و الافطار، أيسرّ أحدكم اذا تصدّق بصدقة أن تردّ عليه؟».(3)
و منها خبر السكوني عن جعفر عن آبائه عليهم السلام عن رسول اللّه صلى الله عليه و آله قال:
«انّ اللّه عزّوجلّ أهدى اليّ و الى أمّتي هديّة لم يهدها الى أحد من الأمم كرامة من اللّه لنا، قالوا: و ما ذاك يا رسول اللّه؟ قال: الافطار في السفر و التقصير في الصلاة، فمن لم يفعل ذلك فقد ردّ على اللّه عزّوجلّ هديّته».(4)
و منها خبر الفضل بن شاذان عن الرضا عليه السلام قال:
«و انّما قصرت الصلاة في السفر لأنّ الصلاة المفروضة أوّلاً انّما هي عشر ركعات، و السبع انّما زيدت فيها بعد، فخفّف اللّه عنه تلك الزيادة لموضع سفره و تعبه و نصبه و اشتغاله بأمر نفسه و ظعنه و اقامته، لئلاّ يشتغل عمّا لا بدّ له منه من معيشته، رحمة من اللّه و تعطّفا عليه الاّ صلاة المغرب فانّها لم تقصّر؛ لأنّها صلاة مقصورة في
الأصل».(1)
و منها خبر عيسى بن عبداللّه الهاشمي عن أبيه عن جدّه عن علي بن أبي طالب عليه السلام قال:
«قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: خياركم الذين اذا سافروا قصّروا و أفطروا».(2)
و منها مرفوعة محمّد بن احمد بن يحيى عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«من صلّى في سفره أربع ركعات فأنا الى اللّه منه بريء».(3)
أمّا العامّة فقد اختلف أقوالهم. قال النووي: «فرع في مذاهب العلماء في القصر و الاتمام: قد ذكرنا أنّ مذهبنا أنّ القصر و الاتمام جائزان و أنّ القصر أفضل من الاتمام و بهذا قال عثمان بن عفّان و سعد بن أبي وقّاص و عائشة و آخرون - الى أن قال: - و هو مذهب أكثر العلماء. و قال أبو حنيفة و الثوري و آخرون: «القصر واجب». قال البغوي: «و هذا قول أكثر العلماء» و ليس كما قال. انتهى ملخّصا».(4)
و الروايات الواردة في صحيح مسلم تدلّ على وجوب القصر:
منها ثلاث روايات نقلها عروة بن زبير عن عائشة زوجة النبي صلى الله عليه و آله أنّها قالت:
«فرضت الصلاة ركعتين ركعتين، في الحضر و السفر. فأقرّت صلاة السفر و زيد في صلاة الحضر».(5)
و منها روايتان نقلهما ابن عبّاس، قال:
«فرض اللّه الصلاة على لسان نبيّكم صلى الله عليه و آله في الحضر أربعا، و في السفر ركعتين، و في الخوف ركعة».(6)
و منها روايات نقلها بأسناد مختلفة عن ابن عمر و يعلى بن أميّة و انس بن مالك و غيرهم أنّهم نقلوا عن رسول اللّه صلى الله عليه و آله بأنّ الصلاة في السفر ركعتان.(1)
و قد تصدّى «النووي» في تأويل الروايات و تفسير آية السفر بما لايغنى منه شيئا، و نحن نحتجّ عليه مضافا الى الروايات الواردة في صحيح مسلم، بما ورد عن أهل بيت النبوّة و هم أهل البيت و أدرى بما في البيت، كما تقدّم.
و أمّا معنى القصر في السفر فهو اسقاط الركعتين الأخيرتين من الرباعيّات و أمّا الصبح و المغرب فلا قصر فيهما. و الدليل على ذلك صحيحة حذيفة بن منصور عن أبي جعفر و أبي عبداللّه عليهماالسلام أنّهما قالا:
«الصلاة في السفر ركعتان ليس قبلهما و لا بعدهما شيء».(2)
و صحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«الصلاة في السفر ركعتان ليس قبلهما و لا بعدهما شيء الاّ المغرب ثلاث».(3)
و صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«عشر ركعات: ركعتان من الظهر، و ركعتان من العصر و ركعتا الصبح و ركعتا المغرب و ركعتا العشاء الآخرة، لايجوز الوهم فيهنّ - الى أن قال: - فزاد رسول اللّه صلى الله عليه و آله في صلاة المقيم غير المسافر ركعتين في الظهر و العصر و العشاء الآخرة، و ركعة في المغرب للمقيم و المسافر».(4)
و أمّا شروط القصر فأمور: «الأوّل»: المسافة و هي ثمانية فراسخ امتداديّة ذهابا أو ايابا، أو ملفّقة من الذهاب و الاياب اذا كان الذهاب أربعة أو أزيد بل مطلقا على الأقوى و ان كان الذهاب فرسخا و الاياب سبعة و ان كان الأحوط في صورة كون الذهاب أقلّ من أربعة مع كون المجموع ثمانية الجمع، و الأقوى عدم اعتبار كون الذهاب و الاياب في يوم واحد أو ليلة واحدة أو في الملفّق منهما مع اتّصال ايابه بذهابه و عدم قطعه بمبيت ليلة فصاعدا في الأثناء، بل اذا كان من قصده الذهاب و الاياب و لو بعد تسعة أيّام يجب عليه القصر، فالثمانية الملفّقة كالممتدّة في ايجاب القصر الاّ اذا كان قاصدا للاقامة عشرة أيّام في المقصد أو غيره، أو حصل أحد القواطع الأخر، فكما أنّه اذا بات في أثناء الممتدّة ليلة أو ليالي لايضرّ في سفره فكذا في الملفّقة فيقصّر و يفطر، ولكن مع ذلك الجمع بين القصر و التمام و الصوم و قضائه في صورة عدم الرجوع ليومه أو ليلته أحوط. و لو كان من قصده الذهاب و الاياب ولكن كان متردّدا في الاقامة في الأثناء عشرة أيّام و عدمها لم يقصّر، كما أنّ الأمر في الامتداديّة أيضا كذلك.
الشرح:
فروع:
لا اشكال في كون المسافة شرطا في الجملة.
قال في مصباح الفقيه: «بلا خلاف فيه بين الفريقين على ما صرّح به شيخنا المرتضى رحمه الله و غيره عدا ما حكي عن داوود الظاهري من أنّه لم يعتبرها بمعنى أنّه لم يجعلها محدودة بحدّ بل اكتفى بحصول مسمّى السفر قليلاً كان أم كثيرا.
انتهى».(1)
و قال في الجواهر: «بلا خلاف فيه بيننا بل و بين سائر المسلمين، بل هو ان لم يكن ضروريّا عندهم فهو مجمع عليه بينهم، و كتابهم ناطق به، كما أنّ سنّتهم متواترة فيه و داوود الظاهري و ان لم يعتبر مقدارا مخصوصا في المسافة لكن اعتبر الضرب في الأرض قليلاً كان أو كثيرا. انتهى».(2)
و المسافة ثمانية فراسخ امتداديّة ذهابا أو ايابا كما يدلّ عليها روايات بعضها معتبرة:
منها صحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) قال:
«قلت له: كم أدنى ما يقصّر فيه الصلاة؟ قال: جرت السنّة ببياض يوم. فقلت له: انّ بياض يوم يختلف، يسير الرجل خمسه عشر فرسخا في يوم و يسير الآخر أربعة فراسخ و خمسة فراسخ في يوم. قال: فقال: انّه ليس الى ذلك ينظر، أما رأيت سير هذه الأميال بين مكّة و المدينة، ثمّ أومأ بيده، أربعة و عشرين ميلاً يكون ثمانية فراسخ».(3)
و منها صحيحة عبداللّه بن يحيى الكاهلي أنّه سمع الصادق عليه السلام يقول في التقصير في الصلاة:
«بريد في بريد أربعة و عشرون ميلاً. ثمّ قال: كان أبي عليه السلام يقول: انّ التقصير لم يوضع على البغلة السفواء(4)و الدابّة الناجية(5)، و انّما
وضع على سير القطار».(1)
و المراد أنّ ما ورد من تحديد المسافة بمسير يوم مخصوص بسير القطار؛ قاله صاحب الوسائل و هو الحقّ.
و منها صحيحة ابن أبي عمير عن أبي أيّوب عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن التقصير؟ قال: فقال: في بريدين أو بياض يوم».(2)
و منها صحيحة أبي بصير قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: في كم يقصّر الرجل؟ قال: في بياض يوم أو بريدين».(3)
و منها موثّقة سماعة قال:
«سألته عن المسافر، في كم يقصّر الصلاة؟ فقال: في مسيرة يوم و ذلك بريدان و هما ثمانية فراسخ. الحديث».(4)
و منها موثّقة أخرى لسماعة قال:
«سألته عن المسافر، في كم يقصّر الصلاة؟ فقال: في مسيرة يوم و هي ثمانية فراسخ».(5)
و منها موثّقة عيص بن القاسم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال في التقصير:
«حدّه أربعة و عشرون ميلاً».(6)
و منها صحيحة علي بن يقطين قال:
«سألت أبا الحسن الأوّل عليه السلام عن الرجل يخرج في سفره و هو في
1) - وسائل الشيعة 8: 452 / الباب 1 من أبواب صلاة المسافر / الحديث 3.
2) - وسائل الشيعة 8: 453 / الباب 1 من أبواب صلاة المسافر / الحديث 7.
3) - وسائل الشيعة 8: 454 / الباب 1 من أبواب صلاة المسافر / الحديث 11.
4) - وسائل الشيعة 8: 453 / الباب 1 من أبواب صلاة المسافر / الحديث 8.
5) - وسائل الشيعة 8: 454 / الباب 1 من أبواب صلاة المسافر / الحديث 13.
6) - وسائل الشيعة 8: 454 / الباب 1 من أبواب صلاة المسافر / الحديث 14.
مسيرة يوم؟ قال: يجب عليه التقصير في مسيرة يوم و ان كان يدور في عمله».(1)
و منها خبر الفضل بن شاذان عن الرضا عليه السلام أنّه سمعه يقول:
«انّما وجب التقصير في ثمانية فراسخ لا أقلّ من ذلك و لا أكثر؛ لأنّ ثمانية فراسخ مسيرة يوم للعامّة و القوافل و الأثقال، فوجب التقصير في مسيرة يوم، و لو لم يجب في مسيرة يوم لما وجب في مسيرة ألف سنة، و ذلك لأنّ كلّ يوم يكون بعد هذا اليوم فانّما هو نظير هذا اليوم، فلو لم يجب في هذا اليوم لما يجب في نظيره اذ كان نظيره مثله لا فرق بينهما».(2)
و منها خبر محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام عن أبيه عن النبي صلى الله عليه و آله قال:
«التقصير يجب في بريدين».(3)
و بازائها أخبار تنافي ما تقدّم فتحمل على بعض المحامل جمعا:
فمنها صحيحة زكريّا بن آدم أنّه سأل أبا الحسن الرضا عليه السلام عن التقصير:
«في كم يقصّر الرجل اذا كان في ضياع أهل بيته و أمره جائز فيها، يسير في الضياع يومين و ليلتين و ثلاثة أيّام و لياليهنّ؟ فكتب: التقصير في مسير يوم و ليلة».(4)
هذه الصحيحة محمولة على من يسير في يوم و ليلة ثمانية فراسخ، و يمكن أن يكون الواو بمعنى «أو»، و الاّ تحمل على التقيّة.
و منها خبر أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«لابأس للمسافر أن يتمّ الصلاة في سفره مسيرة يومين».(1)
فهذا أيضا يحمل على من يسير في اليومين ثمانية فراسخ أو يحمل على التقيّة.
و منها صحيحة البزنطي عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال:
«سألته عن الرجل يريد السفر، في كم يقصّر؟ فقال: في ثلاثة برد».(2)
و منها خبر سويد بن غفلة عن علي عليه السلام و عمر و أبي بكر و ابن عبّاس أنّهم قالوا:
«لا تقصَّر في أقلّ من ثلاث».(3)
فهذان الخبران يحملان على التقيّة جمعا.
مذهب العامّة: قال النووي في المجموع: «و لايجوز القصر الاّ في مسيرة يومين و هو أربعة برد كلّ بريد أربعة فراسخ فذلك ستّه عشر فرسخا لما روي عن ابن عمر و ابن عبّاس «كانا يصلّيان ركعتين و يفطران في أربعة برد فما فوق ذلك» و سأل عطاءُ ابنَ عبّاس «أأقصر الى عرفة؟ فقال: لا. فقال: الى منى؟ فقال لا، لكن الى جدّة و عسفان و الطائف». قال مالك: بين مكّة و الطائف و جدّة و عسفان أربعة برد، و لأنّ في هذا القدر تتكرّر مشقّة الشدّ و الترحال و فيما دونه لاتتكرّر قال الشافعي: و أحبّ أن لايقصّر في أقلّ من ثلاثة أيّام، و انّما استحبّ ذلك ليخرج من الخلاف؛ لأنّ أبا حنيفة لايبيح القصر الاّ في ثلاثة أيّام. انتهى».(4)
و قال في موضع آخر: «و قال الأوزاعي و آخرون: «يقصّر في مسيرة يوم تامّ». قال ابن المنذر: «و به أقول». و قال داوود: «يقصّر في طويل السفر و قصيره».
انتهى».(1)
قال الجزيري: «يشترط لصحّة قصر الصلاة شروط: منها أن يكون السفر مسافة تبلغ ستّه عشر فرسخا ذهابا فقط. و الفرسخ ثلاثة أميال، و الميل ستّة آلاف ذراع بذراع اليد، و هذه المسافة تساوي ثمانين كيلو و نصف كيلو و مائة و أربعين مترا - مسيرة يوم و ليلة بسير الابل المحملة بالأثقال سيرا معتادا - و تقدير المسافة بهذا متّفق عليه بين الأئمّة الثلاثة ما عدا الحنفيّة. انتهى».(2)
اذا أراد أن يذهب بريدا و يجيء بريدا حتّى يكون ذهابه و مجيؤه ثمانية فراسخ فيقصّر، و الدليل على ذلك مضافا الى أنّه لا خلاف ظاهرا الاّ من بعض كما سيمرّ عليك، روايات:
منها صحيحة معاوية بن وهب قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: أدنى ما يقصّر فيه المسافر الصلاة؟ قال: بريد ذاهبا و بريد جائيا».(3)
و منها صحيحة زرارة بن أعين قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن التقصير؟ فقال: بريد ذاهب و بريد جائي».(4)
و منها موثّقة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«سألته عن التقصير؟ قال: في بريد. قال: قلت: بريد؟ قال: انّه اذا ذهب بريدا و رجع بريدا فقد شغل يومه».(1)
و منها مرسلة الصدوق، قال:
«و كان رسول اللّه صلى الله عليه و آله اذا أتى ذبابا قصّر و ذباب على بريد، و انّما فعل ذلك لأنّه اذا رجع كان سفره بريدين ثمانية فراسخ».(2)
و منها خبر الفضل بن شاذان عن الرضا عليه السلام قال:
«انّما وجبت الجمعة على من يكون على فرسخين لا أكثر من ذلك؛ لأنّ ما تقصّر فيه الصلاة بريدان ذاهبا أو بريد ذاهبا و بريد جائيا، و البريد أربعة فراسخ، فوجبت الجمعة على من هو على نصف البريد الذي يجب فيه التقصير، و ذلك لأنّه يجيء فرسخين و يذهب فرسخين و ذلك أربعة فراسخ و هو نصف طريق المسافر».(3)
و منها خبر الحسن بن علي بن شعبة في تحف العقول عن الرضا عليه السلام في كتابه الى المأمون قال:
«و التقصير في أربعة فراسخ، بريد ذاهبا و بريد جائيا اثنيعشر ميلاً، و اذا قصّرت أفطرت».(4)
و منها خبر سليمان بن حفص المروزي قال:
«قال الفقيه عليه السلام: التقصير في الصلاة بريدان، أو بريد ذاهبا و جائيا. الخ الحديث».(5)
و منها مرسلة ابراهيم بن هاشم عن رجل عن صفوان عن الرضا عليه السلام (في
1) - وسائل الشيعة 8: 459 / الباب 2 من أبواب صلاة المسافر / الحديث 9.
2) - وسائل الشيعة 8: 461 / الباب 2 من أبواب صلاة المسافر / الحديث 15.
3) - وسائل الشيعة 8: 462 / الباب 2 من أبواب صلاة المسافر / الحديث 18.
4) - وسائل الشيعة 8: 462 / الباب 2 من أبواب صلاة المسافر / الحديث 19.
5) - وسائل الشيعة 8: 457 / الباب 2 من أبواب صلاة المسافر / الحديث 4.
حديث) أنّه سأله عن رجل خرج من بغداد فبلغ النهروان و هي أربعة فراسخ من بغداد، قال:
«لو أنّه خرج من منزله يريد النهروان ذاهبا و جائيا لكان عليه أن ينوي من الليل سفرا و الافطار. الخ الحديث».(1)
و هيهنا روايات ناطقة بأنّ التقصير في بريد فظاهرها و ان كان مخالفا لما مرّ الاّ أنّ المراد منها واضح و هو البريد ذاهبا و البريد جائيا و الشاهد عليه موثّقة محمّد بن مسلم المتقدّمة.
و أمّا الروايات فمنها صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«التقصير في بريد و البريد أربعة فراسخ».(2)
و منها صحيحة زيد الشحّام قال:
«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول: يقصّر الرجل الصلاة في مسيرة اثنيعشر ميلاً».(3)
و منها صحيحة اسماعيل بن الفضل قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن التقصير؟ فقال: في أربعة فراسخ».(4)
و منها صحيحة ثانية لزرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«التقصير (في السفر)(5)في بريد و البريد أربعة فراسخ».(6)
و منها صحيحة ابن أبي عمير عن أبي أيّوب قال:
1) - وسائل الشيعة 8: 458 / الباب 2 من أبواب صلاة المسافر / الحديث 8.
2) - وسائل الشيعة 8: 456 / الباب 2 من أبواب صلاة المسافر / الحديث 1.
3) - وسائل الشيعة 8: 456 / الباب 2 من أبواب صلاة المسافر / الحديث 3.
4) - وسائل الشيعة 8: 457 / الباب 2 من أبواب صلاة المسافر / الحديث 5.
5) - كتب المصنّف في الأصل على ما بين القوسين علامة نسخة. هامش الوسائل
6) - وسائل الشيعة 8: 459 / الباب 2 من أبواب صلاة المسافر / الحديث 10.
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: أدنى ما يقصّر فيه المسافر؟ فقال: بريد».(1)
و منها خبر أبي الجارود قال:
«قلت لأبي جعفر عليه السلام: في كم التقصير؟ فقال: في بريد».(2)
فمفاد هذه الروايات مبنيّ على الغالب من أنّ المسافر يريد الرجوع الى منزله و الشاهد على ذلك موثّقة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«سألته عن التقصير؟ قال: في بريد. قال: قلت: بريد؟ قال: انّه اذا ذهب بريدا و رجع بريدا فقد شغل يومه».(3)
فالمسألة بالنظر الى الروايات واضحة، فبقي أقوال الفقهاء.
قال المحقّق الهمداني: «بلا خلاف معتدّ به في خصوص الفرض أي فيما لو أراد الرجوع ليومه بل عن الأمالي أنّه من دين الاماميّة و عن الشيخ في كتابي الأخبار القول بالتخيير بين القصر و الاتمام، و عن ابن أبي عقيل تعيين التقصير من آل الرسول. انتهى ملخّصا».(4)
و في الجواهر قال: «و لو كانت المسافة أربعة فراسخ أو خمسة فصاعدا الى ما دون الثمانية و قصدها و أراد العود ليومه فقد كمل مسير يوم بذهابه ببريد و ايابه ببريد و وجب القصر حينئذ بلا خلاف معتدّ به أجد فيه، بل عن الأمالي أنّه من دين الاماميّة، بل نصّ عليه أكثر الأعيان من الأصحاب ان لم يكن جميعهم، بل هو ظاهر الجميع عدا الشيخ في كتابي الأخبار اللذين لم يعدّ الاستبصار منهما للفتوى فخيّر بينهما فيهما، و الاّ فقد نصّ على تعيين القصر في غير موضع من مبسوطه ونهايته، و ما في الذكرى من حكاية التخيير عن المبسوط و كتاب الصدوق و كذا ما
في الروضة من نسبة التخيير الى جماعة لم نتحقّقه، فالظاهر انحصار الخلاف في كتابي الشيخين مع أنّه يحتمل ارادة التخيير لمن لم يرد الرجوع ليومه كما هو المشهور بين قدماء الأصحاب على ما ستعرف. انتهى ملخّصا».(1)
هذا، فالمسألة كما قلنا لا اشكال فيها من جهة الروايات التي تقدّمت و هناك روايات أخر وارد أغلبها في الرحيل من مكّة الى عرفات دالّة على تعيين القصر لمن سافر بريدا و رجع بريدا:
فمنها صحيحة معاوية بن عمّار أنّه قال لأبي عبداللّه عليه السلام:
«انّ أهل مكّة يتمّون الصلاة بعرفات! فقال: ويلهم أو ويحهم، و أيّ سفر أشدّ منه؟! لا، لاتتمّ».(2)
و منها صحيحة أخرى لمعاوية بن عمّار مثل الأولى الاّ أنّه قال عليه السلام في آخرها: «لاتتمّوا».(3)
و منها صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«من قدم قبل التروية بعشرة أيّام وجب عليه اتمام الصلاة و هو بمنزلة أهل مكّة، فاذا خرج الى منى وجب عليه التقصير، فاذا زار البيت أتمّ الصلاة، و عليه اتمام الصلاة اذا رجع الى منى حتّى ينفر».(4)
و منها صحيحة ثالثة لمعاوية بن عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«أهل مكّة اذا زاروا البيت و دخلوا منازلهم ثمّ رجعوا الى منى أتمّوا الصلاة، و ان لم يدخلوا منازلهم قصّروا».(5)
1) - جواهر الكلام 14: 206.
2) - وسائل الشيعة 8: 463 / الباب 3 من أبواب صلاة المسافر / الحديث 1.
3) - وسائل الشيعة 8: 463 / الباب 3 من أبواب صلاة المسافر / الحديث 2.
4) - وسائل الشيعة 8: 464 / الباب 3 من أبواب صلاة المسافر / الحديث 3.
5) - وسائل الشيعة 8: 464 / الباب 3 من أبواب صلاة المسافر / الحديث 4.
و منها موثّقة اسحاق بن عمّار قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: في كم التقصير؟ فقال: في بريد، ويحهم كأنّهم لم يحجّوا مع رسول اللّه صلى الله عليه و آله فقصّروا».(1)
و منها موثّقة معاوية بن عمّار قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: في كم أقصّر الصلاة؟ فقال: في بريد، ألا ترى أنّ أهل مكّة اذا خرجوا الى عرفة كان عليهم التقصير».(2)
و منها صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«حجّ النبي صلى الله عليه و آله فأقام بمنى ثلاثا يصلّي ركعتين، ثمّ صنع ذلك أبو بكر و صنع ذلك عمر ثمّ صنع ذلك عثمان ستّ سنين ثمّ أكملها عثمان أربعا فصلّى الظهر أربعا ثمّ تمارض ليشدّ بذلك بدعته، فقال للمؤذّن: اذهب الى عليّ عليه السلام فقل له فليصلّ بالناس العصر. فأتى المؤذّن عليّا عليه السلام فقال له: انّ أميرالمؤمنين يأمرك أن تصلّي بالناس العصر. فقال: اذ(3)لاأصلّي الاّ ركعتين كما صلّى رسول اللّه صلى الله عليه و آله فذهب المؤذّن فأخبر عثمان بما قال عليّ عليه السلام. فقال: اذهب اليه و قل له: انّك لست من هذا في شيء، اذهب فصلّ كما تؤمر. فقال عليّ عليه السلام: لا واللّه لاأفعل. فخرج عثمان فصلّى بهم أربعا. فلمّا كان في خلافة معاوية و اجتمع الناس عليه و قتل أميرالمؤمنين عليه السلامحجّ معاوية فصلّى بالناس بمنى ركعتين الظهر ثمّ سلّم، فنظرت بنو أميّة بعضهم الى بعض و ثقيف و من كان من شيعة عثمان ثمّ قالوا: قدقضى على صاحبكم و خالف و أشمت به عدوّه. فقاموا فدخلوا عليه
فقالوا: أ تدري ما صنعت؟ ما زدت على أن قضيت على صاحبنا و أشمتّ به عدوّه و رغبت عن صنيعه و سنّته. فقال: ويلكم! أماتعلمون أنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آلهصلّى في هذا المكان ركعتين و أبو بكر و عمر و صلّى صاحبكم ستّ سنين كذلك؟! فتأمرونّي أن أدع سنّة رسول اللّه صلى الله عليه و آله و ما صنع أبو بكر و عمر و عثمان قبل أن يحدث؟! فقالوا: لا واللّه، ما نرضى عنك الاّ بذلك. قال: فأقبلوا فانّي مشفّعكم و راجع الى سنّة صاحبكم. فصلّى العصر أربعا، فلم يزل الخلفاء و الأمراء على ذلك الى اليوم».(1)
هل يشترط فيمن سافر ملفّقة أن يكون ذهابه أربعة فراسخ حتّى يجب عليه القصر أو لايشترط؟ و بعد ذلك لو قلنا بالاشتراط هل يشترط ذلك في الاياب أيضا؟
الظاهر أنّه يشترط في القصر أن يكون ذهابه أربعة فما زاد و كذلك ايابه أربعة فما زاد، و ذلك للروايات الواردة في التلفيق التي تقدّمت فكلّها ناطقة بأنّه يقصّر اذا ذهب بريدا و رجع بريدا. و أمّا الروايات التي قد اكتفى فيها الامام عليه السلام بذكر البريد للذهاب فقط فقد قلنا بأنّ الاياب مقدّر في كلامه عليه السلامبشهادة باقي الروايات.
و استدلّوا على كفاية كون المجموع ثمانية باطلاق ما ورد في تعيين المسافة بأنّها ثمانية فراسخ و بموثّقة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«سألته عن التقصير؟ قال: في بريد. قال: قلت: بريد؟ قال: انّه اذا
1) - وسائل الشيعة 8: 465 / الباب 3 من أبواب صلاة المسافر / الحديث 9.
ذهب بريدا و رجع بريدا فقد شغل يومه».(1)
بتقريب أنّ المناط شغل يومه في السفر، ولكنّه يجاب عن الأوّل بأنّ الظاهر من الروايات المشار اليها بل صريح بعضها هو السفر الامتدادي و ليس لها اطلاق حتّى يشمل الملفّق، و لو كان لها اطلاق يقيّد اطلاقها في السفر الملفّق بروايات الأربعة. و عن الثاني بأنّ الظاهر من قوله عليه السلام: «فقد شغل يومه» ليس التقييد حتّى يكون المراد لزوم كون الذهاب و الاياب في يوم بل تنظير بمثل الثمانية فكأنّه عليه السلام يقول كما يكفي في السفر الامتدادي مسيرة يوم فكذلك هنا، و عليه فكما لايلزم في السفر الامتدادي أن يكون الثمانية في بياض يوم فكذلك ما نحن فيه.
هل يعتبر في السفر الملفّق أن يكون الاياب و الذهاب في يوم واحد أو لا؟
في المسألة أقوال:
قال العلاّمة في المختلف: «حدّ المسافة التي يجب فيها التقصير بريدان ثمانية فراسخ، لايجوز في أقلّ منها الاّ أن يقصد أربعة فراسخ و يرجع من يومه. فان لم يرجع من يومه و قصد أربعة فما زاد، قال المفيد: يتخيّر في قصر الصلاة و الصوم. و قال الشيخ: يتخيّر في اتمام الصلاة و قصرها، و لايجوز القصر في الصوم. و السيّد المرتضى رحمه الله لم يعتبر ذلك و أوجب الاتمام في الصلاة و الصوم، و هو اختيار ابن ادريس و الظاهر من كلام ابن البرّاج. و قال ابن أبي عقيل: كلّ سفر كان مبلغه بريدين و هو ثمانية فراسخ أو بريدا ذاهبا و جائيا و هو أربعة فراسخ، في يوم واحد أو ما دون عشرة أيّام، فعلى من سافره عند آل الرسول عليهم السلاماذا خلّف
1) - وسائل الشيعة 8: 459 / الباب 2 من أبواب صلاة المسافر / الحديث 9.
حيطان مصره أو قريته وراء ظهره و غاب عنه منها صوت الأذان، أن يصلّي صلاة السفر ركعتين. و حدّ ابن الجنيد مسير يوم للماشي و راكب السفينة. و قال سلاّر: و ان كانت المسافة أربعة فراسخ و كان راجعا من يومه قصّر واجبا، و ان كان من غده فهو مخيّر في التقصير و الاتمام. و هو قول ابني بابويه. انتهى».(1)
و الحقّ ما ذهب اليه ابن أبي عقيل. و الدليل على ذلك أوّلاً الروايات المتقدّمة الواردة في الذهاب الى عرفة فانّها آمرة بالتقصير و بعضها تنكر ما عليه العامّة بمخالفتهم لما سنّه رسول اللّه صلى الله عليه و آله من تقصير الصلاة اذا حجّ و ذهب الى عرفة، فقال عليه السلام:
«ويحهم كأنّهم لم يحجّوا مع رسول اللّه صلى الله عليه و آله فقصّروا».(2)
مع أنّ الحجّاج اذا ذهبوا الى عرفة لم يرجعوا في يومهم. و ما قيل من أنّ أخبار عرفات معرض عنها بين الأصحاب لعدم التزامهم بمضمونها من الحكم بالقصر فتسقط عن الحجّيّة، فلايصغى اليه بعد كثرتها و فيها صحاح متظافرة، بل ادّعى بعضهم تواترها اجمالاً بحيث يقطع بصدور بعضها عن المعصوم، و بعد اباء الحمل على التقيّة؛ لمخالفتها لسنّتهم، مع أنّ الأصحاب لم يعرضوا عن تلك الأخبار بل حملوها على الوجوب التخييري؛ لزعم المعارضة بينها و بين أخبار التمام، فرفعوا اليد عن اطلاقها لا عن أصلها.
و ثانيا اطلاق الروايات الواردة من الأمر بالتقصير اذا ذهب أربعة و رجع أربعة. و استدلّوا على وجوب التمام اذا لم يرد الرجوع من يومه أو ليلته بأمور:
الأوّل: باستصحاب التمام فانّ المكلّف قبل الخروج الى ما دون الثمانية يجب عليه الاتمام فكذا بعده، عملاً بالاستصحاب.
بيان هذا الدليل: الأصل الأوّلي للمكلّف بالنسبة الى الصلاة هو الصلاة
السبع عشرة ركعة فخرج عن هذا الأصل اذا سافر ثمانية فراسخ امتداديّة أو ذهب بريدا و رجع بريدا ليومه فيبقى الباقي في الأصل. و ما قيل من اطلاق الروايات الملفّقة، مدفوع بعدم الاطلاق امّا بادّعاء الانصراف في حدّ نفسها الى الرجوع ليومه، أو تقييدها بموثّقة محمّد بن مسلم حيث قال عليه السلام: «اذا ذهب بريدا و رجع بريدا فقد شغل يومه».
و ماقيل من ظهور الروايات الواردة في عرفة في الأعمّ من الرجوع ليومه، مدفوع بتعارضها مع الروايات الملفّقة فتساقطان و يرجع الى الأصل.
و الجواب أنّ موثّقة محمّد بن مسلم لاتكون مقيّدة للروايات الملفّقة فانّ قوله عليه السلامفيها: «فقد شغل يومه» ليس للتقييد بل للتنظير كما قلنا في الفرع الثالث، و عليه فانّ الروايات الواردة في عرفة مؤكّدة أو مفسّرة للروايات الملفّقة، و أمّا الاستصحاب فلا مورد له بعد وجود الدليل.
الثاني: موثّقة عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن الرجل يخرج في حاجة فيسير خمسة فراسخ أو ستّة فراسخ فيأتي قرية فينزل فيها ثمّ يخرج منها فيسير خمسة فراسخ أخرى أو ستّة فراسخ لايجوز ذلك، ثمّ ينزل في ذلك الموضع؟ قال: لايكون مسافرا حتّى يسير من منزله أو قريته ثمانية فراسخ، فليتمّ الصلاة».(1)
قالوا: انّ العادة قاضية برجوع هذا الشخص الخارج لحاجة ما دون العشرة و عدم قصده للاقامة و مقتضى الاطلاق لزوم التمام سواء رجع في يومه أو في غير يومه، و المتيقّن خروجه عن الاطلاق بمقتضى النصوص المتقدّمة هو الأوّل أي اذا رجع في يومه فيبقى الثاني مشمولاً للاطلاق.
الجواب: قد تقدّم أنّ الروايات الواردة في التقصير فيمن ذهب بريدا و رجع
1) - وسائل الشيعة 8: 469 / الباب 4 من أبواب صلاة المسافر / الحديث 3.
بريدا مطلقة تشمل الراجع ليومه أو لغير يومه قبل عشرة أيّام و لم تكن موثّقة محمّد بن مسلم مقيّدة لها، و كذا الروايات الواردة في عرفة كالنصّ في التقصير لمن قصد بريدا ذاهبا و بريدا راجعا و ان لم يرجع ليومه، و عليه تحمل موثّقة عمّار فيمن خرج لحاجة و لم يقصد مسيرة ثمانية فراسخ في الابتداء بل قصد خمسة فراسخ أو ستّة فراسخ ثمّ بدا له أن يسير خمسة فراسخ أخرى بل لعلّها ظاهرة في ذلك.
الثالث: خبر عبدالرحمن بن الحجّاج عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن التقصير في الصلاة فقلت له: انّ لي ضيعة قريبة من الكوفة و هي بمنزلة القادسيّة من الكوفة فربّما عرضت لي حاجة أنتفع بها أو يضرّني القعود عنها في رمضان فأكره الخروج اليها لأنّي لاأدري أصوم أو أفطر؟ فقال لي: فاخرج و أتمّ الصلاة و صم فانّي قد رأيت القادسيّة. الحديث».(1)
فانّ المسافة بين القادسيّة و الكوفة خمسه عشر ميلاً، أي خمسة فراسخ، و من البعيد جدّا أن يريد السائل الرجوع ليومه و بما أنّ له حاجة فيرجع لا محالة عند قضائها بعد يومين و نحو ذلك بطبيعة الحال، فيكون موردها ما اذا خرج الى ما دون المسافة قاصدا الرجوع لغير يومه و ما قبل عشرة أيّام كما هو محلّ الكلام، و قد حكم عليه السلام بالتمام فتعارض ما دلّ على لزوم التقصير حينئذ من أخبار عرفات و غيرها فيرجع بعد التعارض الى أصالة التمام.
و الجواب أوّلاً أنّه معارض لموثّقة ابن بكير في مورده فانّه قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن القادسيّة أخرج اليها، أتمّ الصلاة أم أقصّر؟ قال: و كم هي؟ قلت: هي التي رأيت، قال: قصّر».(2)
فالموثّقة مطلقة من حيث الرجوع في يومه أو غيره من الأيّام قبل عشرة أيّام، فتعارض خبر عبدالرحمن.
ان قلت: نجمع بين الروايتين فنحمل الموثّقة على ما اذا قصد الرجوع ليومه و خبر عبدالرحمن على ما اذا لم يقصد الرجوع ليومه بل بعد يومين و ثلاثة أيّام الى ما قبل العشرة كما هو الظاهر منه، فيرفع التعارض بينهما، قلت: هذا أوّل الكلام و لا شاهد لهذا الجمع بل بقرينة الروايات الواردة في عرفة و اطلاق الروايات الواردة في المسافة التلفيقيّة يحمل خبر عبدالرحمن بن الحجّاج على ما اذا أراد اقامة عشرة أيّام في ضيعته أو على ما اذا كانت ضيعته وطنه، هذا أوّلاً.
و ثانيا: لو كان خبر عبدالرحمن بن الحجّاج دالاًّ على الاتمام اذا لم يرد الرجوع ليومه و كان صحيحا من جهة السند فتعارض الروايات الواردة في مسيرة مكّة الى عرفة، الاّ أنّه لايتساقطان حتّى يرجع الى الأصل بل يحمل على التخيير.
بيان ذلك: انّ أخبار عرفة آمرة بتعيّن القصر و ان رجع لغير يومه و موثّقة عمّار و خبر عبدالرحمن بن الحجّاج آمران بتعيّن الاتمام ان لم يرد الرجوع في يومه فكلتا الطائفتين تدلاّن على الوجوب بالمطابقة و على التعيين باللزوم، ففي مقام الجمع يزول التعيين من كلّ منهما بدلالة الآخر فيبقى التخيير.
فاعلم أنّ هذا الوجه يكون دليلاً أيضا للقائلين بالتخيير الاّ أنّ الاشكال فيه بناءً على صحّة هذا الجمع في نفسه من جهة أخرى لايمكن المساعدة عليه فيما نحن فيه؛ لأنّ أخبار عرفات غير قابلة للتوجيه و الحمل على التخيير فانّ قوله عليه السلام: «ويلهم أو ويحهم، و أيّ سفر أشدّ منه؟! لا، لاتتمّ»(1)و كذا قوله عليه السلام: «ويحهم كأنّهم لم يحجّوا مع رسول اللّه صلى الله عليه و آله فقصّروا»(2)كالنصّ في تعيّن القصر بعد أنّهمكانوا حجّاجا فلم يرجعوا من يومهم.
و من جملة ما استدلّ القائلون بالتخيير ما في فقه الرضا عليه السلام:
«و ان سافرت الى موضع مقدار أربعة فراسخ و لم ترد الرجوع من يومك، أنت (فأنت خ ل) بالخيار: فان شئت تمّمت (أتممت خ ل)، و ان شئت قصّرت، و ان كان سفرك دون أربعة فراسخ فالتمام عليك واجب».(1)
و فيه: انّ فقه الرضا عليه السلام لم يعلم مستنده و أنّه كتاب فقهي أو روائي.
و استدلّوا ثالثا بأنّ أخبار التلفيقيّة تعارض أخبار ثمانية فراسخ.
بيان ذلك: انّ الأخبار التي تدلّ على أنّ التقصير في مسيرة يوم أو بريدين أو ثمانية فراسخ قد عيّنت حدّ القصر في ذلك، و حينئذ فما دلّ على أنّ التقصير في أربعة ذاهبا و أربعة جائيا يخالفها، فان حملت الطائفة الثانية على التخيير يرفع التنافي من البين.
ولكن فيه أوّلاً: انّه لاتعارض بين الطائفتين من الأخبار بل الروايات التلفيقيّة تكون شارحة و مفسّرة لروايات ثمانية فراسخ فكأنّه قال عليه السلام: «التقصير في السفر يكون في ثمانية فراسخ امتداديّة أو ثمانية فراسخ تلفيقيّة».
و ثانيا: لو كان هذا الحمل جاريا فلا بدّ من الالتزام بذلك حتّى فيما لو رجع من يومه مع أنّ القائلين بالتخيير لايقولون بهذا.
و ثالثا: انّ أخبار عرفات آبية عن هذا الحمل جدّا، فكيف يحمل قوله عليه السلام: «ويلهم أو ويحهم، و أيّ سفر أشدّ منه؟! لا، لاتتمّ» على التخيير و هذا واضح.
انّما الكلام في صحيحة عمران بن محمّد قال:
«قلت لأبي جعفر الثاني عليه السلام: جعلت فداك، انّ لي ضيعة على خمسه عشر ميلاً خمسة فراسخ فربّما خرجت اليها فأقيم فيها ثلاثة أيّام أو خمسة أيّام أو سبعة أيّام، فأتمّ الصلاة أم أقصّر؟ فقال: قصّر
1) - مستدرك الوسائل 6: 529 / الباب 3 من أبواب صلاة المسافر / الحديث 2.
في الطريق و أتمّ في الضيعة».(1)
فهذه الصحيحة يُردّ علمها الى أهله؛ لأنّه ان كان يجب لمن لم يرجع ليومه اذا ذهب بريدا أن يتمّ صلاته فلا فرق بين الطريق و الاقامة في الضيعة. و ان كان يجب عليه القصر لا فرق أيضا بينهما. اللّهمّ الاّ أن يحمل الاتمام في الضيعة على التقيّة، بناءً على أنّ الطريق ليس بمرأى المخالفين غالبا بخلاف الاقامة في الضيعة. نعم، لو قلنا بتماميّة استدلال القائلين بالتخيير يمكن أن تحمل الصحيحة على التخيير و أنّ الأفضل في الطريق القصر، الاّ أنّه قلنا بعدم تماميّة ما استدلّ القائلون بالتخيير بالوجوه الثلاثة المتقدّمة.
و أمّا ما نسب الى الشيخ و ابن حمزه كما في الجواهر(2)من التفصيل بين الصلاة و الصوم حيث قالا بالتخيير في الصلاة دون الصوم فانّه لايجوز له الافطار، فيمكن أن يستدلّ على قولهما بأنّ الذاهب بريدا اذا لم يرجع من يومه فليس سفره حقيقيّا فلايجوز له الافطار و القصر الاّ أنّ الدليل قائم بالنسبة الى الصلاة فانّه يجوز له التقصير أيضا، و الملازمة بين الصوم و الصلاة تكون فيما اذا وجب القصر تعيينا أو وجب التمام تعيينا.
ولكن فيه: انّ الروايات التلفيقيّة صريحة في السفر الحقيقي، و الملازمة موجودة.
و أمّا ما نسب الى الكليني رحمه الله من وجوب القصر اذا سافر بريدا و ان لم يرجع و استدلّ له بما ورد من مثل صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: «التقصير في بريد و البريد أربعة فراسخ»(3)، ففيه ما تقدّم من أنّ مفاد هذه الروايات مبنيّ على الغالب من أنّ من ذهب بريدا من منزله رجع من يومه أو بعد أيّام مضافا الى ما
يؤيّده من موثّقة محمّد بن مسلم.
قال صاحب الجواهر: «ليس مراده (الكليني) كفاية الأربع في التقصير مطلقا حتّى اذا لم يرد الرجوع أصلاً لا ليومه و لا لغير يومه، فانّ الظاهر الاتّفاق على وجوب التمام في مثل الفرض - الى أن قال: - و اطلاق القصر في الأربعة منزّل على الغالب من ارادة الرجوع كما يومئ اليه الموثّق السابق. انتهى ملخّصا».(1)
(مسألة 1): الفرسخ ثلاثة أميال، و الميل أربعة آلاف ذراع بذراع اليد الذي طوله أربع و عشرون اصبعا، كلّ اصبع عرض سبع شعيرات، كلّ شعيرة عرض سبع شعرات من أوسط شعر البرذون.
الشرح:
الفرسخ ثلاثة أميال و ذلك لصحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج عن أبي عبداللّه عليه السلام(في حديث) قال:
«- الى أن قال: - أما رأيت سير هذه الأميال بين مكّة و المدينة ثمّ أومأ بيده أربعة و عشرين ميلاً يكون ثمانية فراسخ».(2)
فاذا تساوى ثمانية فراسخ أربعة و عشرين ميلاً، فيساوي الفرسخ ثلاثة أميال.
قال في الجواهر: «و أمّا الميل فأربعة آلاف ذراع بذراع اليد من لدن المرفق الى طرف الاصبع الوسطى من مستوي الخلقة الذي طوله أربع و عشرون اصبعا تعويلاً على المشهور بين العلماء من الناس بل في المدارك نسبته الى قطع الأصحاب، كما عن غيرها أنّه لا خلاف فيه بينهم يعرف، و قد نصّ عليه المسعودي في كتاب مروج الذهب على ما حكاه عنه في السرائر. انتهى».(3)
و اعلم أنّ مقدار الميل لم يأت في شيء من الروايات الاّ في مرسلة ابن أبي عمير عن الصادق عليه السلام:
«انّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله جعل حدّ الأميال من ظلّ عير الى ظلّ وعير و هما جبلان بالمدينة. الحديث».(1)
و مرسلة محمّد بن يحيى الخرّاز (الخزّاز) عن الصادق عليه السلام عن رسول اللّه صلى الله عليه و آله قال (في جواب السائل عن البريد):
«ما بين ظلّ عير الى فيء وعير - الى أن قال: - فذرعوا ما بين ظلّ عير الى فيء وعير ثمّ جزّأوه على اثنيعشر ميلاً فكانت ثلاثة آلاف و خمسمائة ذراع كلّ ميل الخ. الحديث».(2)
و في مرسلة الصدوق رحمه الله:
«- الى أن قال: - فكان كلّ ميل ألفا و خمسمائة ذراع و هو أربعة فراسخ».(3)
و مرسلة محمّد بن يحيى مضافا الى ضعفها تخالف مرسلة الصدوق، فكما قلنا لم يأت تحديد الميل في شيء من الروايات المعتبرة، و الذي حدّه المعصوم عليه السلامللتقصير هو مسير يوم أو ثمانية فراسخ أو بريدين أو أربعة و عشرين ميلاً فمن هذه التعابير يعلم أنّ الفرسخ و البريد و الميل كانت معلومة عند الناس من زمن الرسول صلى الله عليه و آله الى زمن الصادق عليه السلام بل الرضا عليه السلام و اذا لم يعيّن الشارع مقدار الفرسخ و البريد و الميل فيكشف أنّه أرجعه الى العرف، و الظاهر أنّ ما هو المعروف و المشهور عند العرف هو الذي كان في زمن الأئمّة عليهم السلام فهو المتّبع،فمقياس المسافة في زمننا هذا هو المتر و الكيلومتر، فما قاله العرف في تحديد
الفرسخ بكيلومتر أو ما وضعت الحكومة من العلامات في تحديد الطرق يعمل بها حتّى يعلم الاشتباه.
(مسألة 2): لو نقصت المسافة عن ثمانية فراسخ و لو يسيرا لايجوز القصر فهي مبنيّة على التحقيق لا المسامحة العرفيّة. نعم، لايضرّ اختلاف الأذرع المتوسّطة في الجملة كما هو الحال في جميع التحديدات الشرعيّة.
الشرح:
اذا تعيّنت الطرق بالموازين المحقّقة كالمتر و الكيلومتر فلو نقصت المسافة عن ثمانية فراسخ و لو يسيرا بحيث لم يقل العرف بتماميّة المسافة لايجوز القصر، فهي مبنيّة على التحقيق لا المسامحة العرفيّة.
(مسألة 3): لو شكّ في كون مقصده مسافة شرعيّة أو لا، بقي على التمام على الأقوى بل و كذا لو ظنّ كونها مسافة.
الشرح:
اذا قصد أن يسافر الى محلّ فيشكّ في أنّه يكون ثمانية فراسخ أو لا، بقي على التمام؛ لأنّ موضوع القصر هو السير الى ثمانية فراسخ فما لم يحرز الموضوع لم يكن الحكم. فالظنّ أيضا لايعتبر؛ لأنّه لايغني من الحقّ شيئا، الاّ الظنّ المعتبر، كالظنّ الحاصل من البيّنة.
قال في مستند الشيعة: «و مع الشكّ يتمّ بلا خلاف، عملاً بالأصل، لا أصل عدم بلوغ المسافة؛ لأنّ القصر تابع لقصدها، و المسافة المقصودة لايعلم مقدارها، و لايجري فيها أصل، بل أصل وجوب الاتمام و استصحابه حتّى يعلم وجوب القصر أو جوازه، و استصحاب مشروعيّة الاتمام لو شكّ في بلوغ حدّ مسافة
الوجوب - الى أن قال: - و هل يقوم الظنّ ببلوغ المسافة مقام العلم؟ ظاهر الدليل: لا، ولو كان حاصلاً من شهادة العدل بل العدلين؛ لأنّ الأصل حرمة العمل بالظنّ و عدم حجّيّته، الاّ ما قام عليه الدليل، و لا دليل على اعتبار العدل أو العدلين في خصوص المورد أو كلّيّا. انتهى».(1)
و فيه: انّ العدلين بل العدل الواحد بل الثقة يقوم مقام العلم و قد مرّ الدليل على ذلك في مطاوي أبحاثنا.
(مسألة 4): تثبت المسافة بالعلم الحاصل من الاختبار و بالشياع المفيد للعلم، و بالبيّنة الشرعيّة، و في ثبوتها بالعدل الواحد اشكال، فلايترك الاحتياط بالجمع.
الشرح:
تثبت المسافة بالعلم الحاصل من الاختبار و بالشياع المفيد للعلم؛ لأنّ العلم كاشف عن الواقع و كاشفيّته ذاتيّة فبالعلم يحرز الموضوع فاذا أحرز الموضوع فالحكم ثابت له. و كذا تثبت المسافة بالبيّنة الشرعيّة كالعدلين فدليل اعتبارها عامّ كما تقدّم في بحث الأوقات. و كذا تثبت بالعدل الواحد بل الثقة و ذلك لما قلنا في بحث أوقات الصلاة من أنّ الروايات الدالّة على اعتبار خبر الثقة لاينحصر اعتبارها في الأحكام فانّ الروايات المذكورة مطلقة تشمل الموضوعات أيضا. و ان قيل: انّها وردت في الأحكام، قلنا: تشمل الموضوعات بالأولويّة. و ان كان دليل اعتبار خبر الثقة هو العرف و بناء العقلاء فانّه لم يفرق بين الأحكام و الموضوعات فيعمل بمطلق خبر الثقة في كلا الموردين.
قال في الجواهر: «ثمّ لا ريب في توقّف القصر على العلم ببلوغ المقصد مسافة
1) - مستند الشيعة 8: 211 و 212.
و لو بالشياع المفيد للنفس الاطمئنان الذي يجري مجرى اليقين الخالص عن الاحتمال قريبه و بعيده عند الناس، و لعلّه لذا عطفه غير واحد من الأصحاب على العلم، و الاّ فاحتمال الاكتفاء به و ان لم يفد ذلك بل كان مفاده الظنّ لا دليل عليه، بل ظاهر حصر المواضع المعتبر فيها الشياع في غيرها خلافه، و ما في الروض من احتمال العمل هنا بمطلق الظنّ القوي لأنّه مناط العمل في كثير من العبادات لا شاهد له، كاستظهاره أيضا أنّ الشياع المتاخم للعلم بمنزلة البيّنة، بل ربّما كان أقوى، فيجوز التعويل عليه عند الجهل، الاّ أن يريد ما ذكرناه. نعم، تقوم البيّنة مقام العلم بلا خلاف معتدّ به أجده فيه؛ لعدم اشتراط قبولها بالتداعي بين يدي الحاكم كما لايخفى على المتتبّع لكلمات الأصحاب في المقام و غيره. فما عن الذخيرة من التوقّف في ذلك في غير محلّه، بل في الذكرى و الروض احتمال الاكتفاء بالعدل الواحد، و مال اليه بعض علماء العصر؛ لاطلاق أدلّته، و قبوله في الأعظم من ذلك، و عدم كون ما نحن فيه من باب الشهادة، و هو لايخلو من قوّة و ان كان ظاهر اعتبار الأصحاب البيّنة ينفيه. انتهى».(1)
و قال المحقّق الهمداني: «يشترط في التقصير العلم بالمسافة أي الوثوق و الاطمئنان الذي يطلق عليه العلم في العادة فلايكفي الظنّ و ان حصل من الشياع على الأشبه؛ للأصل. و ما عن الروض من احتمال العمل هنا بمطلق الظنّ القويّ لأنّه مناط العمل في كثير من العبادات فهو مجرّد احتمال لم يساعد عليه دليل و أمّا البيّنة فالأقوى قبولها كما في غيره من الموضوعات الخارجيّة التي تثبت بها فانّ المتتبّع فيما دلّ على اعتبار البيّنة اذا أمعن النظر فيها لايكاد يرتاب في عدم مدخليّة خصوصيّات الموارد في ذلك بل قد يقوى في النظر قبول قول العدل الواحد بل مطلق الثقة كما يظهر وجهه ممّا حقّقناه في مبحث النجاسات من كتاب الطهارة. و هل يثبت بالشياع؟ قال شيخنا المرتضى رحمه الله: «الأظهر اعتبار الشياع هنا و
1) - جواهر الكلام 14: 204 و 205.
ان احتمل منعه بناءً على الأصل». انتهى».(1)
(مسألة 5): الأقوى عند الشكّ وجوب الاختبار أو السؤال لتحصيل البيّنة أو الشياع المفيد للعلم الاّ اذا كان مستلزما للحرج.
الشرح:
اذا شكّ في المسافة و أنّ مسيره هذا يكون ثمانية فراسخ أو لا، فهل يجب الفحص أم لايجب؟ فالظاهر أنّ الموضوعات تختلف، فبعضها يكون مثل تقدير المال للحجّ و الخمس و الزكاة بمعنى أنّه لايعلم أنّ ماله هذا يبلغ حدّا يجب فيه الخمس أو الزكاة أو الحجّ أو لايجب؟ ففي مثلها لا معنى لعدم وجوب الفحص و الاّ ينتهي الى تعطيل الحقوق غالبا فيجب عليه المحاسبة و الفحص عن ذلك. و بعضها قد ورد فيها النهي التنزيهي عن الفحص كما في باب النكاح و الرضاع و المعاملات. و في بعضها وردت روايات يستفاد منها المسامحة من الشارع كالطهارة و النجاسة. و في بعضها يحكم العقل بوجوب الفحص لعظم خطره كالشكّ في أنّ ذلك الغذاء مهلك أو لا؟ و بعضها يزول الشكّ عنها بسهولة كمن كان نائما فانتبه و شكّ في طلوع الشمس و عدمه فانّه لو فتح عينيه و نظر يزول عنه الشكّ و ان غمض عينيه لم يكن معذورا. و الظاهر أنّ ما نحن فيه من هذا القبيل فمن شكّ في المسافة فلم يسأل الخبير أو لم ينظر الى العلامات المنصوبة و أمثال ذلك لم يكن معذورا، الاّ اذا كان سؤاله و فحصه مستلزما للحرج.
قال في مستند الشيعة: «و في وجوب الاعتبار حين الشكّ و عدمه وجهان، نظرا الى وجوب تحصيل البراءة اليقينيّة الموقوف عليه، و الى أنّ الواجب عليه التقصير بشرط العلم لا مطلقا، فيكون الواجب عليه مشروطا، و لايجب تحصيل
1) - مصباح الفقيه كتاب الصلاة: 724.
مقدّمة الواجب المشروط، و الحاصل أنّ الذمّة مشغولة قبل العلم بالتمام و قد حصلت البراءة به. و الحقّ هو الأوّل مع الامكان؛ لشهادة العرف بارادة الفحص في مثل ذلك، كما مرّ بيانه في مسألة الاجتناب عن الاستقبال في آداب الخلوة. و لو عصى و ترك الاعتبار لم تجز له الصلاة؛ لأنّ المفهوم عرفا وجوب تأخير الصلاة عن الفحص، الى أن تركه حتّى ضاق الوقت عنه فيصلّي تماما؛ للأصل المذكور. انتهى».(1)
و قال في الجواهر: «في وجوب الاعتبار عليه وجهان: من أصل البراءة و من توقّف الامتثال عليه، و لعلّ الأقوى وجوب ما لا عسر و لا حرج فيه و ضرر كالسؤال و غيره عليه. انتهى».(2)
(مسألة 6): اذا تعارض البيّنتان فالأقوى سقوطهما و وجوب التمام، و ان كان الأحوط الجمع.
الشرح:
قال المحقّق الهمداني: «و لو تعارضت البيّنتان فهل تقدّم بيّنة الاثبات أو النفي أو التخيير أو التساقط و الرجوع الى أصالة التمام وجوه بل أقوال: فعن المحقّق في الشرائع و الشهيد في الذكرى الأوّل لأنّ شهادة النفي غير مسموعة (فانّ غايتها عدم العلم به و تقدّم بيّنة الاثبات لكشفها عن الواقع) ولكن فيه: انّ بيّنة النفي أيضا يرجع الى الاثبات فيتعارضان فالتخيير غير وجيه لأنّه ليس اعتبار البيّنة من باب السببيّة المحضة كي يتّجه الحكم بالتخيير، فالأشبه الحكم بتساقطهما و الرجوع الى الأصل. انتهى ملخّصا».(3)
فالحقّ كما قاله المحقّق الهمداني من الحكم بتساقط البيّنتين اذا تعارضتا ثمّ الرجوع الى الأصل؛ لعدم الدليل على الترجيح لاحداهما على الأخرى.
قال في الجواهر: «و لو تعارض البيّنتان ففي الذكرى و عن المصنّف تقديم بيّنة الاثبات؛ لأنّ شهادة النفي غير مسموعة، و فيه: انّ كلاًّ منهما مثبت لو فرض استنادهما الى الاعتبار مثلاً، كما لو قال أحدهما اعتبرتها فوجدتها ثمانية، و الآخر سبعة، فلايبعد مع فقد الترجيح التخيير أو الاحتياط أو الرجوع الى أصل التمام، و لعلّه الأقوى، اذ هو حينئذ كالشاكّ الذي فرضه التمام بلا خلاف أجده فيه كما اعترف به في الرياض لا التخيير و ان أوهمه كلام المقدّس البغدادي للأصل. انتهى».(1)
(مسألة 7): اذا شكّ في مقدار المسافة شرعا وجب عليه الاحتياط بالجمع الاّ اذا كان مجتهدا و كان ذلك بعد الفحص عن حكمه فانّ الأصل هو التمام.
الشرح:
اذا شكّ في حكم من أحكام المسافة كما اذا قصد أن يذهب خمسة فراسخ و يرجع ثلاثة فراسخ فلايدري أيقصّر أو يتمّ فعليه العمل بالاحتياط أو الاجتهاد ان كان من أهله أو التقليد ان لم يكن مجتهدا فلايجوز للعامّي الرجوع الى الأصل من عنده. نعم، لو كان مجتهدا يجب الفحص عن دليله فان لم يجد دليلاً يرجع الى الأصل و هو هنا استصحاب التمام.
قال في المستمسك: «و الوجه في وجوب الاحتياط مع ما عرفت من أصالةالتمام هو ما تحرّر في محلّه من وجوب الفحص، و عدم جواز الرجوع الى
1) - جواهر الكلام 14: 205.
الأصول اللفظيّة و العمليّة في الشبهات الحكميّة قبل الفحص عن الحجّة، فيجب على العامّي الرجوع الى المجتهد، و على المجتهد الرجوع الى الأدلّة، و قبل ذلك يجب الاحتياط الذي هو مفاد قاعدة الاشتغال عقلاً. نعم، يجوز للمجتهد - بعد الفحص عمّا يوجب القصر و عدم عثوره عليه - الرجوع الى أصالة التمام. أمّا العامّي فليس له الرجوع اليها؛ لأنّه وظيفة المجتهد؛ لقدرته على الفحص. و عجز العامّي عنه. نعم، لو شكّ بنحو الشبهة الموضوعيّة رجع اليها؛ لأنّها وظيفته حينئذ بمقتضى فتوى مجتهده، و عدم اشتراط جواز الرجوع اليها بالفحص. انتهى».(1)
(مسألة 8): اذا كان شاكّا في المسافة و مع ذلك قصّر لم يجزئ بل وجب عليه الاعادة تماما. نعم، لو ظهر بعد ذلك كونه مسافة أجزأ اذا حصل منه قصد القربة مع الشكّ المفروض، و مع ذلك الأحوط الاعادة أيضا.
الشرح:
اذا كان شاكّا في المسافة و مع ذلك قصّر، فان بقي على شكّه أو انكشف عدم المسافة لم يجزئ و وجب عليه الاعادة، ففي الأوّل لتخلّفه عن الحكم الظاهري و هو التمام للاستصحاب، و في الثاني لتخلّفه عن الحكم الواقعي. و لو انكشفت المسافة بعد أن صلّى قصرا فان قلنا بوجوب الجزم في النيّة فيعيدها، و ان لم نقل به كما هو الحقّ لعدم الدليل عليه صحّت صلاته؛ لاتيانه المأمور به.
قال في المستمسك: «اذا كان شاكّا في المسافة و مع ذلك قصّر لم يجزئ بل وجب عليه الاعادة تماما لأصالة التمام المقتضية لوجوب التمام. و مع الغضّ عن ذلك فمقتضى قاعدة الاشتغال عدم الاكتفاء بالقصر المأتيّ به، للشكّ في الامتثال به. نعم، لو ظهر بعد ذلك كونه مسافة أجزأ كما في الجواهر و غيرها؛ لمطابقة
1) - مستمسك العروة 8: 20.
العمل للواقع الموجبة للاجزاء اذا حصل منه قصد القربة مع الشكّ المفروض؛ لما عرفت من عدم اعتبار الجزم بالنيّة. انتهى».(1)
(مسألة 9): لو اعتقد كونه مسافة فقصّر ثمّ ظهر عدمها وجبت الاعادة، و كذا لو اعتقد عدم كونه مسافة فأتمّ ثمّ ظهر كونه مسافة فانّه يجب عليه الاعادة.
الشرح:
لو اعتقد كونه مسافة فقصّر ثمّ ظهر عدمها وجبت الاعادة؛ لأنّ الأحكام على الواقع لا على التخيّل أو الاعتقاد الغير المطابق للواقع الاّ في موضع دلّ الدليل على الاجزاء و هو مفقود هنا. و كذا لو اعتقد عدم كونه مسافة فأتمّ ثمّ ظهر كونه مسافة فانّه يجب عليه الاعادة؛ لما مرّ آنفا.
(مسألة 10): لو شكّ في كونه مسافة أو اعتقد العدم ثمّ بان في أثناء السير كونه مسافة يقصّر و ان لم يكن الباقي مسافة.
الشرح:
لو قصد مكانا معيّنا على ثمانية فراسخ أو أكثر و هو شاكّ في كون المسير اليه مسافة شرعيّة أو اعتقد عدمها ثمّ بان له في أثناء السير أنّ ذلك المكان يقع على المسافة الشرعيّة يقصّر و ان لم يكن الباقي مسافة، و ذلك لأنّ وجوب القصر وضع على الثمانية الواقعة في الخارج لا على عنوان الثمانية حتّى يقال بأنّه لم يكن قاصدا للمسافة.
قال في الجواهر: «و لو ظهر في أثناء السير أنّ المقصد مسافة قصّر وان لم يكن
1) - مستمسك العروة 8: 20 و 21.
الباقي مسافة؛ لتحقّق المقتضي من قصد المسافة، و عدم اعتبار سبق العلم بها، فليس هو كالمتردّد في السفر الذي لم يتحقّق منه قصد أصلاً، وان احتمله في الروض، لكنّه ضعيف جدّا كما اعترف به هو. انتهى».(1)
(مسألة 11): اذا قصد الصبي مسافة ثمّ بلغ في الأثناء وجب عليه القصر و ان لم يكن الباقي مسافة، و كذا يقصّر اذا أراد التطوّع بالصلاة مع عدم بلوغه، و المجنون الذي يحصل منه القصد اذا قصد مسافة ثمّ أفاق في الأثناء يقصّر، و أمّا اذا كان بحيث لايحصل منه القصد فالمدار بلوغ المسافة من حين افاقته.
الشرح:
اذا قصد الصبي مسافة ثمّ بلغ في الأثناء وجب عليه القصر و ان لم يكن الباقي مسافة و ذلك لأنّ حكم الصلاة في المسافة الشرعيّة هو القصر سواء كانت الصلاة واجبة عليه كالبالغ العاقل أو لم يكن بل كان مستحبّا كالصبي، و نتيجة ذلك هو وجوب القصر على من بلغ في أثناء المسافة و قصدها من الابتداء. و كذا المجنون الذي يحصل منه القصد اذا قصد المسافة ثمّ أفاق في الأثناء فانّه يقصّر. و أمّا اذا كان بحيث لايحصل منه القصد فالمدار بلوغ المسافة من حين افاقته.
(مسألة 12): لو تردّد في أقلّ من أربعة فراسخ ذاهبا و جائيا مرّات حتّى بلغ المجموع ثمانية لم يقصّر ففي التلفيق لا بدّ أن يكون المجموع من ذهاب واحد و اياب واحد ثمانية.
الشرح:
1) - جواهر الكلام 14: 205.
لو تردّد في أقلّ من أربعة فراسخ ذاهبا و جائيا مرّات حتّى بلغ المجموع ثمانية فراسخ لم يقصّر؛ لأنّ المراد من المسافة التلفيقيّة التي تكون بحكم الامتداديّة الواردة في النصوص، هو ذهاب واحد و اياب واحد، حتّى يكون المجموع ثمانية فراسخ. أمّا التردّد المذكور فلا دليل عليه فيجب التمام.
قال في الجواهر: «و لو تردّد يوما في أقلّ من أربعة كثلاثة فراسخ أو أقلّ أو أكثر ذاهبا و جائيا و عائدا لم يجز له القصر اجماعا و ان كان ذلك من نيّته اذا وصل في تردّده الى حيث يسمع الأذان و يرى الجدران؛ لانقطاع المسافة حينئذ، بل و ان لم يصل، بلا خلاف أجده فيه عدا ما في التحرير من التقصير على اشكال و قد رجع عنه لأصالة التمام و عدم صدق المسافر على كثير من أفراده و ظهور الأدلّة في حصر المسافة بالبريدين أو خصوص البريد ذاهبا و جائيا، و التعليل بشغل اليوم لم يرد منه التسرية بحيث يشمل التردّد في نصف الميل أو ربعه قطعا، و الاّ كان معارضا بغيره ممّا دلّ على أنّ أقلّ المسافة بريد من النصوص الكثيرة المعتضدة بالفتاوى. انتهى».(1)
(مسألة 13): لو كان للبلد طريقان و الأبعد منهما مسافة فان سلك الأبعد قصّر و ان سلك الأقرب لم يقصّر الاّ اذا كان أربعة أو أقلّ و أراد الرجوع من الأربعة.
الشرح:
لو كان للبلد طريقان و كان الأبعد منهما مسافة فان سلك الأبعد قصّر لأنّه سافر مسافة شرعيّة، و ان سلك الأقرب لم يقصّر لأنّه لم يقصد المسافة. نعم، اذا سلك الأقرب و كان أربعة أو أقلّ من أربعة و أراد الرجوع من الطريق الأبعد الذي كان
1) - جواهر الكلام 14: 228 و 229.
مسافة فيقصّر فانّه قصد المسافة في الرجوع و هو ثمانية فراسخ و لاينافي ما قلنا من أنّه يجب أن يكون الذهاب و الاياب كلّ واحد منهما أربعة فراسخ أو أكثر؛ لأنّ ذلك فيما كان الذهاب أو الاياب أقلّ من ثمانية فراسخ. و أمّا اذا كان الذهاب أو الاياب ثمانية فلايحتاج الى التلفيق حتّى يقال بالشرط المذكور فانّ روايات ثمانية فراسخ في الامتداديّة تشملها.
قال في الجواهر: «و لو كان للبلد طريقان و الأبعد منهما مسافة فسلك الأبعد قصّر اجماعا و نصوصا ان كان لداعٍ غير الترخّص، بل الظاهر ذلك أيضا و ان كان سلوكه له ميلاً الى الرخصة بلا خلاف أجده من غير ابن البرّاج؛ لعدم حرمته، و لاطلاق الأدلّة أو عمومها، و احتمال أنّه كاللاهي بسفره للصيد - اذ قطع هذه الزيادة لا لداعٍ كقطع تمام المسافة كذلك، و كلاهما لهو، بل قد يشكّ في صدق المسافر عليه، فانّ الهائم على وجهه قاصدا للبريد و الرجوع ليومه لايعدّ مسافرا - يدفعه عدم اندراجه فيه عرفا، بل الفرق بينهما عنده من الواضحات، اذ الفرض وجود الداعي له في البلاد الاّ أنّه سلك الأبعد للترخّص، على أنّا نمنع عدم صدق السفر مع فرض عدم الداعي الاّ الترخّص، اذ هو مقصد صحيح عند العقلاء، و ربّما تمسّ الحاجة اليه في بعض الأوقات، و كذا احتمال الشكّ في شمول الأدلّة للفرض، فيبقى على أصل التمام؛ لمنع الشكّ، خصوصا مع ملاحظة اعتضاد الاطلاقات باطلاق جملة من الفتاوى و صريح أخرى. انتهى».(1)
(مسألة 14): في المسافة المستديرة الذهاب فيها الوصول الى المقصد و الاياب منه الى البلد، و على المختار يكفي كون المجموع مسافة مطلقا و ان لم يكن الى المقصد أربعة، و على القول الآخر يعتبر أن يكون من مبدأ السير اليه أربعة مع كون المجموع بقدر المسافة.
1) - جواهر الكلام 14: 229.
الشرح:
لايلزم أن يكون الأسفار الامتداديّة على خطّ مستقيم بل المراد من قوله عليه السلام: «[التقصير] في مسيرة يوم و ذلك بريدان و هما ثمانية فراسخ» هو الخروج من مدينته الى مقصد أو محلّ آخر تكون المسافة بينهما ثمانية فراسخ، و من المعلوم أنّ الطرق لم تكن سابقا و لا حاليّا كلّها على خطّ مستقيم بل تختلف و كان بعض الطرق في الجبال بنحو الدوران و المسافر يدور في الطريق حتّى يصل الى رأس الجبل ثمّ ينزل بحيث كان صعوده و نزوله ثمانية فراسخ و لو كان طريقا مستقيما من الابتداء الى الانتهاء لكان مثلاً فرسخا أو فرسخين، فانّ السفر في مثل هذه الطرق يعدّ سفرا امتداديّا شرعيّا. و عليه لو خرج من بلده و بعد عنه و سار في طريق دوري أو معوّج مقداره ثمانية فراسخ ثمّ وصل الى قرب محلّ الخروج فهو مسافر و سفره شرعيّ اذا قصد من الابتداء السير في هذا الطريق. و لايلزم كون الذهاب أربعة و الاياب أربعة؛ لأنّ سفره هذا يعدّ امتداديّا عرفا. نعم لو كان بحيث يعدّ سفره عرفا تلفيقيّا يلزم ذلك، كمن سافر الى مقصد في حاجة و قضاها ثمّ رجع و كان سفره دوريّا الاّ أنّه كان بحيث يعدّ عند العرف ذاهبا و جائيا فيشترط أن يكون ذهابه أربعة و ايابه أربعة كما سبق.
(مسألة 15): مبدأ حساب المسافة سور البلد أو آخر البيوت فيما لا سور فيه في البلدان الصغار و المتوسّطات، و آخر المحلّة في البلدان الكبار الخارقة للعادة، و الأحوط مع عدم بلوغ المسافة من آخر البلد الجمع و ان كانت مسافة اذا لوحظ آخر المحلّة.
الشرح:
قال المحقّق الهمداني: «مبدأ اعتبار المسافة من آخر بلده على ما صرّح به غير واحد بل المشهور على ما نسب اليهم و ربّما قيّدوه بما اذا لم يكن خارق المعتاد و
الاّ فآخر محلّته و نسب الى الصدوق القول بأنّه من منزله. فما عليه المشهور هو الأقوى؛ لأنّ المنساق من الأمر بالتقصير في بريدين أو ثمانية فراسخ انّما هو ارادته على النهج المعهود لدى العرف في تحديد المنازل بالفراسخ و الأميال و العرف لايلتفتون في تحديداتهم الاّ الى البعد الواقع بين البلد الذي يخرج منه و يدخل فيه و يشهد له قوله عليه السلام في صحيحة زرارة و محمّد بن مسلم المتقدّمة: «و قد سافر رسول اللّه صلى الله عليه و آله الى ذيخشب و هي مسيرة يوم من المدينة يكون اليها بريدان أربعة و عشرون ميلاً فقصّر و أفطر فصارت سنّة». و كذا قوله عليه السلام في موثّقة عمّار: «لايكون مسافرا حتّى يسير من منزله أو قريته ثمانية فراسخ». و أمّا البلاد الواسعة الخارجة عن المعتاد التي تكون المسافة الواقعة فيها بنفسها ملحوظة لدى العرف بحيث يقولون من محلّة كذا الى محلّة كذا فرسخ أو نصف فرسخ فلا، بل العبرة فيها بالخروج من محلّته كما صرّح به غير واحد، فما استشكله في الجواهر في مثل هذه البلاد بناءً منه على عدم اندراجه في موضوع المسافر عرفا ما لم يخرج عن البلد لايخلو من نظر. انتهى ملخّصا».(1)
و الظاهر أنّه لا فرق بين البلاد الصغيرة و البلاد الواسعة الخارجة عن المعتاد فالمعيار في ابتداء السفر هو الخروج من البلد كما في صحيحة زرارة و محمّد بن مسلم أنّهما قالا:
«قلنا لأبي جعفر عليه السلام - الى أن قال: - و قد سافر رسول اللّه صلى الله عليه و آله الى ذيخشب و هي مسيرة يوم من المدينة يكون اليها بريدان - أربعة و عشرون ميلاً - فقصّر و أفطر. الحديث».(2)
و لايخالف العرف في ذلك فلايقول لمن قصد السفر مسافرا الاّ اذا خرج من
المدينة و ان كانت واسعة خارجة عن المعتاد كطهران مثلاً في يومنا هذا. و أمّا ما قاله رحمه الله من «أنّ العرف يقولون من محلّة كذا الى محلّة كذا فرسخ أو نصف فرسخ» فلايرتبط بصدق المسافر، بل الصدق دائر مدار الخروج من المدينة.
و قال صاحب الجواهر: «أمّا البلاد العظيمة المتّسعة فقد صرّح غير واحد بأنّ مبدأ التقدير فيها الخروج عن المحلّة نفسها؛ لأنّه به يتحقّق اسم السفر، ولكنّه لايخلو من تأمّل. انتهى ملخّصا».(1)
و قال في الحدائق: «و أمّا لو كانت البلاد كبيرة متّسعة - قالوا: و هي التي اتّسعت خطّتها بحيث تخرج عن العادة - فانّهم جعلوا لكلّ محلّة منها حكم نفسها بالنسبة الى تقدير مسافة الترخّص التي هي عبارة عن خفاء الأذان و الجدران عند السفر منها، فقالوا: انّ الاعتبار في خفاء الأذان و الجدران الموجب للتقصير مبدؤه من آخر خطّة البلد الاّ أن تكون متّسعة على الوجه المذكور فالمعتبر جدران آخر المحلّة، و كذا أذان مسجد المحلّة. و لم نظفر لهم في هذا الفرق و التفصيل و لا في اعتبار المحلّة بدليل يعتمد عليه و لم يصرّح أحد منهم بالدليل على ذلك و كأنّه أمر مسلّم بينهم، بل ربّما دلّت ظواهر الأخبار المتقدّمة على ردّه نظرا الى اطلاقها أو عمومها. و يعضد ذلك أيضا موثّقة غياث بن ابراهيم عن الصادق عن أبيه الباقر عليهماالسلام: «انّه كان يقصّر الصلاة حين يخرج من الكوفة في أوّل صلاة تحضره». و التقريب فيها أنّه لا ريب أنّ الكوفة كانت من البلدان العظام المتّسعة و الخبر دلّ على أنّه انّما يقصّر الصلاة بعد الخروج منها، و الخروج منها و ان كان بحسب ما يتراءى في بادئ النظر مجملاً الاّ أنّك بمعونة ما عرفت سابقا من أنّ حدود البلد عبارة عمّا ينتهي الى محلّ الترخّص فالمراد بالخروج منها حينئذ هو الوصول الى ذلك المكان، و لو كان الحكم كما ذكروه من الاعتبار بالمحلّة في البلاد المتّسعة و الحال أنّ هذه البلاد كذلك لما أخّر التقصير الى الخروج منها و لما علّق الحكم بها
1) - جواهر الكلام 14: 203 و 204.
بل ينبغي أن يعلّقه بالمحلّة. و روى البرقي في المحاسن في الصحيح عن حمّاد بن عثمان عن رجل عن أبي عبداللّه عليه السلام قال: «المسافر يقصّر حتّى يدخل المصر». و التقريب فيه كما تقدّم من أنّ المراد بدخول المصر الوصول الى أوّل حدوده و هو تجاوز محلّ الترخّص داخلاً، فانّه لمّا كانت حدود البلد منتهية الى المكان المشار اليه فبدخولها يصدق دخول المصر كما هو ظاهر، و من الظاهر أنّ لفظ المصر انّما يطلق على البلدان المتّسعة دون القرى و البلدان الصغار، و لذا قالوا للكوفة و البصرة «المصرين» كما وقع في الأخبار و كلام أهل اللغة، و كثيرا ما تراهم في كلامهم سيّما في باب صلاة الجمعة يقابلون بين الأمصار و القرى، و لو كان الأمر كما يدّعونه من الاعتبار بالمحلّة في البلاد المتّسعة لم يجعل هنا غاية التقصير ما ذكرناه بل غايته باعتبار المحلّة و سماع أذانها أو رؤية جدرانها. على أنّ اللازم ممّا ذكروه هنا أنّه لو عزم على الاقامة في البلاد المتّسعة فالواجب مراعاة المحلّة، بمعنى أنّ ما صرّحوا به في حكم من أقام عشرة في بلد خاصّ - من أنّه لايجوز له تجاوز محلّ الترخّص منه و أنّه متى نوى ذلك في أصل نيّة الاقامة بطلت نيّته - يجري في المحلّة، فعلى هذا لايجوز له الخروج الى سائر المحاليل الخارجة عن هذا المقدار بالنسبة الى محلّته، و هو مع كونه لم يصرّحوا به في تلك المسألة موجب للحرج في منع المسافر المقيم من التردّد في البلد لقضاء حوائجه و مطالبه كما هو الغالب الذي عليه كافّة الناس، مع أنّه لم يظهر له أثر و لا خبر في الأخبار سيّما مع عموم البلوى به مضافا الى أصالة براءة الذمّة منه. و بالجملة فانّ ما صرّحوا به هنا من هذا التفصيل لايخلو من الاشكال كما عرفت، و اللّه العالم. انتهى».(1)
و لقد أجاد فيما ذهب اليه، فنقلناه بطوله.
هذا اذا كان للبلد سور. و أمّا لو لم يكن له سور فابتداء الخروج من آخر البيوت
1) - الحدائق الناضرة 11: 378 - 380.
و لو كان منزله في الصحاري كالخيام فابتداء الخروج من منزله اذا لم يكن الخيام متّصلة بحيث صارت كمجموعة واحدة و الاّ فمن آخر الخيام. و يشهد لذلك موثّقة عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) قال:
«لايكون مسافرا حتّى يسير من منزله أو قريته ثمانية فراسخ، فليتمّ الصلاة».(1)
«الشرط الثاني»: قصد قطع المسافة من حين الخروج، فلو قصد أقلّ منها و بعد الوصول الى المقصد قصد مقدارا آخر يكون مع الأوّل مسافة لم يقصّر. نعم، لو كان ذلك المقدار مع ضمّ العود مسافة قصّر من ذلك الوقت بشرط أن يكون عازما على العود، و كذا لايقصّر من لايدري أيّ مقدار يقطع كما لو طلب عبدا آبقا أو بعيرا شاردا. أو قصد الصيد و لم يدر أنّه يقطع مسافة أو لا. نعم، يقصّر في العود اذا كان مسافة، بل في الذهاب اذا كان مع العود بقدر المسافة و ان لم يكن أربعة، كأن يقصد في الأثناء أن يذهب ثلاثة فراسخ و المفروض أنّ العود يكون خمسة أو أزيد، و كذا لايقصّر لو خرج ينتظر رفقة ان تيسّروا سافر معهم و الاّ فلا، أو علّق سفره على حصول مطلب في الأثناء قبل بلوغ الأربعة ان حصل يسافر و الاّ فلا. نعم، لو اطمأنّ بتيسّر الرفقة أو حصول المطلب بحيث يتحقّق معه العزم على المسافة قصّر بخروجه عن محلّ الترخّص.
الشرح:
من شروط القصر قصد قطع المسافة من حين الخروج، اجماعا بقسميه كما في الجواهر و غيره و يدلّ عليه موثّق عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
1) - وسائل الشيعة 8: 469 / الباب 4 من أبواب صلاة المسافر / الحديث 3.
«سألته عن الرجل يخرج في حاجة فيسير خمسة فراسخ أو ستّة فراسخ فيأتي قرية فينزل فيها ثمّ يخرج منها فيسير خمسة فراسخ أخرى أو ستّة فراسخ لايجوز ذلك، ثمّ ينزل في ذلك الموضع؟ قال: لايكون مسافرا حتّى يسير من منزله أو قريته ثمانية فراسخ، فليتمّ الصلاة».(1)
بناءً على أن يكون المراد أنّ الرجل لم يقصد المسافة من الأوّل.
و صحيحة أبي ولاّد قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: انّي كنت خرجت من الكوفة في سفينة الى قصر ابن هبيرة و هو من الكوفة على نحو من عشرين فرسخا في الماء، فسرت يومي ذلك أقصّر الصلاة ثمّ بدا لي في الليل الرجوع الى الكوفة فلم أدر أصلّي في رجوعي بتقصير أم بتمام، و كيف كان ينبغي أن أصنع؟ فقال: ان كنت سرت في يومك الذي خرجت فيه بريدا فكان عليك حين رجعت أن تصلّي بالتقصير؛ لأنّك كنت مسافرا الى أن تصير الى منزلك. قال: و ان كنت لم تسر في يومك الذي خرجت فيه بريدا فانّ عليك أن تقضي كلّ صلاة صلّيتها في يومك ذلك بالتقصير بتمام من قبل تؤمّ(2)من مكانك ذلك؛ لأنّك لم تبلغ الموضع الذي يجوز فيه التقصير حتّى رجعت، فوجب عليك قضاء ما قصّرت، و عليك اذا رجعت أن تتمّ الصلاة حتّى تصير الى منزلك».(3)
و يؤيّده خبر صفوان قال:
«سألت الرضا عليه السلام عن رجل خرج من بغداد يريد أن يلحق رجلاً على رأس ميل فلم يزل يتبعه حتّى بلغ النهروان و هي أربعة فراسخ من بغداد، أيفطر اذا أراد الرجوع و يقصّر؟ قال: لايقصّر و لايفطر؛ لأنّه خرج من منزله و ليس يريد السفر ثمانية فراسخ، انّما خرج يريد أن يلحق صاحبه في بعض الطريق فتمادى به السير الى الموضع الذي بلغه، و لو أنّه خرج من منزله يريد النهروان ذاهبا و جائيا لكان عليه أن ينوي من الليل سفرا و الافطار، فان هو أصبح و لم ينو السفر فبدا له بعد أن أصبح في السفر قصّر و لم يفطر يومه ذلك».(1)
و اعلم أنّه لا تعارض بين صحيحة أبي ولاّد المتقدّمة و بين صحيحة زرارة قال:
«سألت جعفرا عليه السلام عن الرجل يخرج مع القوم في السفر يريده فدخل عليه الوقت و قد خرج من القرية على فرسخين فصلّوا و انصرف بعضهم في حاجة فلم يقض له الخروج، ما يصنع بالصلاة التي كان صلاّها ركعتين؟ قال: تمّت صلاته و لايعيد».(2)
و ذلك لأنّ الصحيحة في مقام بيان حكم صلاة صلاّها قصرا اذا رجع عن قصده و لم يذهب أربعة فراسخ و هذه مسألة أخرى لاترتبط بما نحن فيه و سيأتي الكلام فيه.
و حاصل هذه الروايات و ما تقدّمت أنّه يعتبر قصد المسافة، فلو لم يكن من قصده طيّ ثمانية فراسخ أو أربعة فراسخ ذاهبا و جائيا لم يقصّر كما لو طلب غارما. نعم، لو كان رجوعه مسافة أو قصد في الأثناء و كان ما بقي الى المقصد أربعة أو أكثر و أراد الرجوع قبل تمام العشرة قصّر.
قال في الشرائع: «الشرط الثاني: قصد المسافة، فلو قصد ما دون المسافة ثمّ تجدّد له رأي فقصد أخرى لم يقصّر و لو زاد المجموع على مسافة التقصير. فان عاد و قد كملت المسافة فمازاد قصّر. و كذا لو طلب دابّة شذت (شردت خ ل) أو غريما أو آبقا. و لو خرج ينتظر رفقة ان تيسّروا سافر معهم، فان كان على حدّ مسافة قصّر في سفره و في موضع توقّفه. و ان كان دونها أتمّ حتّى يتيسّر له الرفقة و يسافر. انتهى».(1)
و قال في المدارك: «أجمع العلماء كافّة على أنّه يعتبر في التقصير قصد المسافة، فلو قصد دون المسافة ثمّ قصد ما دونها لم يقصّر في ذهابه و لو قطع أضعاف المسافة، و كذا لو خرج غير ناوٍ للمسافة و ان بلغ مسافات. انتهى».(2)
(مسألة 16): مع قصد المسافة لايعتبر اتّصال السير، فيقصّر و ان كان من قصده أن يقطع الثمانية في أيّام و ان كان ذلك اختيارا لا لضرورة من عدوّ أو برد أو انتظار رفيق أو نحو ذلك. نعم، لو كان بحيث لايصدق عليه اسم السفر لم يقصّر كما اذا قطع في كلّ يوم شيئا يسيرا جدّا للتنزّه أو نحوه، و الأحوط في هذه الصورة أيضا الجمع.
الشرح:
مع قصد المسافة لايعتبر اتّصال السير فيقصّر و ان كان من قصده أن يقطع الثمانية في أيّام و ذلك لاطلاق الروايات الدالّة على أنّ من يسافر الى ثمانية فراسخ قصّر و كذا من يذهب بريدا و يجيء بريدا قصّر و لم يقيّد باتّصال السير مضافا الى ما كان يحدث غالبا في الأزمنة الماضية من موانع كبرد أو عدوّ أو
نحوهما و لم يكن للمسافر حيلة الاّ المكث الى رفع المانع و بالجملة يدلّ اطلاق الروايات على عدم اعتبار اتّصال السير كما لو كان من قصده أن يقطع الثمانية في أيّام اختيارا، و هذا لا اشكال فيه. انّما الكلام فيما اذا قطع في كلّ يوم شيئا يسيرا فهل يقصّر اذا كان من قصده المسافة أو لا؟
فتارة يكون قطعه المسافة هكذا لمانع في الطريق كالسفر في البحر بالسفينة الشراعيّة عندما تهبّ الرياح على خلاف المقصد، أو كمن سافر بالسيّارة و نفد في الطريق وقود سيّارته و اضطرّ الى شراء الوقود أو لنقص في بدنه.
و أخرى يكون قطعه المسافة هكذا للتنزّه و نحوه، فيمكن أن يدّعى أنّ الروايات منصرفة عنه؛ لأنّ الامام عليه السلام كان بصدد بيان ما هو متعارف بين الناس من السير و السفر من بلد أو قرية الى بلد آخر و قرية أخرى، ففي هذه الصورة أي صورة الشكّ في أنّ المورد المذكور يكون مصداقا و مشمولاً للروايات أو لا، فالأصل عدم شمولها له فيجب التمام. فالمعيار هو صدق المسافر عليه عرفا لا لغة فمتى شكّ فيه يتمّ. و الظاهر أنّ من قطع الثمانية في خلال ستّه عشر يوما، كلّ يوم يسير نصف فرسخ يبعد القول بأنّه مسافر عرفا.
قال المحقّق الهمداني: «انّ الشروط الستّة المذكورة في المتن انّما هي شروط في سببيّة السفر للتقصير فيعتبر في تحقّق موضوع الحكم اندراجه في مسمّى المسافر عرفا، فلو اجتمع هذه الشرائط في مورد و لم يندرج في مسمّى هذا الاسم لايتحقّق سبب التقصير كما لو كان خارج بلدة الى عشرين فرسخا مكان مشتمل على أشجار و أنهار فقصد التنزّه في ذلك المكان مدّة شهر أو شهرين مستقصيا في سيره و تنزّهه جميع حدوده فانّ هذا و ان كان من مبدأ سيره قاصدا لأن يسير عشرين فرسخا ولكن لا على وجه يسمّى مسافرا الى منتهى هذه المسافة بل متنزّها في طولها فكان مجموع تلك المسافة بجملتها يعدّ حينئذ مقصدا له فلايلاحظ جزؤه الآخر الذى ينتهي اليه سيره مستقلاًّ كي يقال انّه سافر الى هذا
المكان الذي يبلغ المسافة، فلاحظ. انتهى».(1)
قال في الجواهر: «ثمّ لا فرق مع ثبوت المسافة بالمساحة بين قطعها في يوم أو أقلّ و ان كثر؛ للصدق، الاّ أن يتمادى فيه بما يخرجه عن صدق اسم المسافر، كما اذا قطع في كلّ يوم مرمى سهم للتنزّه و نحوه و ان كان القصد البلوغ الى المقصد، فيتمّ كما في الذكرى؛ للشكّ في شمول الأدلّة له، فيبقى استصحاب التمام سالما. نعم، لو لم يخرجه ذلك عن اسم المسافر بأن كان ذلك لصعوبة المسير مثلاً كما اذا كان السير في الماء على خلاف مجراه قصّر. انتهى».(2)
(مسألة 17): لايعتبر في قصد المسافة أن يكون مستقلاًّ، بل يكفي و لو كان من جهة التبعيّة للغير لوجوب الطاعة كالزوجة و العبد، أو قهرا كالأسير و المكره و نحوهما، أو اختيارا كالخادم و نحوه بشرط العلم بكون قصد المتبوع مسافة، فلو لم يعلم بذلك بقي على التمام، و يجب الاستخبار مع الامكان. نعم، في وجوب الاخبار على المتبوع اشكال، و ان كان الظاهر عدم الوجوب.
الشرح:
لايعتبر في قصد المسافة أن يكون مستقلاًّ بل يكفي و لو كان من جهة التبعيّة للغير لوجوب الطاعة كالزوجة و العبد أو قهرا كالأسير و المكره و نحوهما أو اختيارا كالخادم و نحوه بشرط العلم بكون قصد المتبوع مسافة، و ذلك لوجود الشرط الثاني لوجوب القصر و هو قصد قطع المسافة، و هو يحصل بمجرّد العلم بالمقصد و ان لم يكن سفره عن اختيار. و لو لم يعلم ذلك بقي على التمام و ان كان
قصد المتبوع قطع المسافة، فحاله حينئذ حال طالب الصيد و الضالّة فهو لايقصّر في الطريق لعدم قصده قطع المسافة و لو بلغ صدفة ثمانية فراسخ. و لايقال بوجوب القصر اذا كان قصد المتبوع قطع المسافة و ان لم يعلم التابع و ذلك كمن قصد محلاًّ معيّنا كان مسيره ثمانية فراسخ و الحال أنّه يظنّه سبعة فراسخ فهو مسافر. فانّه يقال: انّ قياس ما نحن فيه بمن قصد محلاًّ معيّنا يكون مسيره ثمانية فراسخ و هو يتخيّل سبعة فراسخ، مع الفارق؛ لأنّ القاصد الى مكان معلوم يقصد المسافة واقعا، و أمّا من كان تابعا و لم يعلم المقصد فلم يكن له قصد أصلاً.
ان قلت: انّه قصد ما قصده المتبوع، قلت: يكون قصده معلّقا فكأنّه قصد قطع المسافة ان كان المتبوع قصده، و قصد عدم قطع المسافة ان لم يكن المتبوع قاصدا له، و النتيجة أنّ التابع ليس له قصد جازم بل لم يكن له قصد.
اذا لم يعلم التابع بما قصده المتبوع فهل يجب الاستخبار عنه أو لا؟ قد تقدّم البحث عنه في المسألة الخامسة و قلنا بأنّ استخباره لو كان سهلاً بحيث لو لم يسأل لم يقل له شاكّ يجب عليه الاستخبار و الاّ فلا. و أمّا المتبوع فلايجب عليه الاخبار؛ لعدم الدليل عليه.
قال في الجواهر: «ثمّ لا فرق في اعتبار قصد المسافة في الترخّص بين التابع و غيره، سواء كانت التبعيّة لوجوب الطاعة كالزوجة و العبد و الولد أو لا، بل كانت اختياريّة كالخادم و نحوه ممّن لا ولاية شرعيّة للمتبوع عليه أو قهريّة كالأسير و المكره و نحوهما ممّن أخذ ظلما، لاطلاق الأدلّة نصّا و فتوىً، و ما في الدروس و غيرها من أنّه يكفي قصد المتبوع عن قصد التابع يراد منه كفاية ذلك بعد بناء التابع على التبعيّة و اناطة مقصده بمقصد متبوعه و معرفته به، فانّه حينئذ يتحقّق
قصده المسافة بذلك، لاأنّه يكفي و ان لم يكن التابع قاصدا له كما لو عزم على مفارقة متبوعه؛ لعدم الدليل بالخصوص، بل ظاهر الأدلّة خلافه، حتّى لو كان التابع ممّن يجب عليه اطاعة المتبوع كالعبد و الزوجة، فانّهما لو كان من نيّتهما الاباق و النشوز قبل بلوغ المسافة لم يترخّصا. انتهى».(1)
و قال في موضع آخر منه: «نعم يعتبر علم التابع بقصد المتبوع مسافة كما صرّح به في الذكرى و الروض و مجمع البرهان و غيرها كي يتحقّق قصده الى ذلك عند الانحلال، أمّا لو جهله و احتمل كون مقصد المتبوع غير مسافة لم يترخّص؛ لعدم حصول الشرط، اذ اناطة قصده بقصد متبوعه مع فرض الجهل به و احتمال كونه غير مسافة لاتجدي في تحقّقه و في صدق كونه قاصد مسافة، و الاّ لصدق على طالب الآبق و نحوه الذي في علم اللّه أنّه لايصيبه حتّى يقطع مسافات أنّه قاصد مسافة ممّا هو معلوم البطلان، فحينئذ يتمّ و ان قطع مسافات؛ اذ قد عرفت أنّ تبيّن كون قصد المتبوع مسافة بعد ذلك لايوجب القصر حال الجهل و لا حال العلم؛ لأنّ الشرط قصد المسافة ابتداءً، و في وجوب تعرّف قصد المتبوع بالسؤال عنه و نحوه و عدمه وجهان، مقتضى الأصول الثاني كما أنّ مقتضاها أيضا عدم وجوب الاخبار و التعريف على المتبوع حتّى لو سئل و استخبر. انتهى».(2)
(مسألة 18): اذا علم التابع بمفارقة المتبوع قبل بلوغ المسافة و لو ملفّقة بقي على التمام، بل لو ظنّ ذلك فكذلك. نعم، لو شكّ في ذلك فالظاهر القصر خصوصا لو ظنّ العدم لكن الأحوط في صورة الظنّ بالمفارقة و الشكّ فيها الجمع.
الشرح:
اذا علم التابع بمفارقة المتبوع قبل بلوغ المسافة و لو ملفّقة بقي على التمام؛ لعدم وجود الشرط الثاني للتقصير و هو قصد قطع المسافة و كذا لو شكّ؛ لأنّه لم يكن له قصد فعلي، و الظنّ بعدم المفارقة ملحق بالشكّ لأنّه لايغني من الحقّ شيئا. نعم، لو احتمل المفارقة بما لايضرّ بالاطمئنان كاحتمال سدّ الطريق أو البرد أو اللصّ و غيرها ممّا قد يتّفق فلايعتني بها بل يبقى على القصر.
قال في الجواهر: «عن نهاية العلاّمة: « انّهما متى احتملا العتق و الطلاق قبل بلوغ المسافة و عزما على الرجوع بحصولهما أتمّا» و قرّبه الشهيد ان حصلت أمارة لذلك و تبعه في مجمع البرهان و الرياض، قال في الذكرى: «و الاّ فالظاهر البناء على بقاء الاستيلاء و عدم دفعه بالاحتمال البعيد» و ان كان ضعف الأوّل واضحا، ضرورة عدم منافاة مثل هذا الاحتمال لقصد المسافة فعلاً، كما أنّه لاينافي الاستدامة على العمل في سائر ما تعتبر فيه من العبادات، فمن صام ناويا للصوم و عازما عليه لم يقدح في صحّة صومه بناؤه من أوّل الأمر على القطع عند عروض المانع منه، و لا تردّده في حصول المبطل قهرا له. انتهى».(1)
(مسألة 19): اذا كان التابع عازما على المفارقة مهما أمكنه أو معلّقا لها على حصول أمر كالعتق أو الطلاق و نحوهما فمع العلم بعدم الامكان و عدم حصول المعلّق عليه يقصّر، و أمّا مع ظنّه فالأحوط الجمع و ان كان الظاهر التمام، بل و كذا مع الاحتمال الاّ اذا كان بعيدا غايته بحيث لاينافي صدق قصد المسافة، و مع ذلك أيضا لايترك الاحتياط.
الشرح:
1) - جواهر الكلام 14: 237 و 238.
اذا كان التابع عازما على المفارقة مهما أمكنه أو معلّقا لها على حصول أمر كالعتق أو الطلاق و نحوهما فمع العلم بعدم الامكان و عدم حصول المعلّق عليه يقصّر؛ لوجود ما هو مناط القصر أي قصد قطع المسافة. و أمّا اذا علم المفارقة أو حصول المعلّق عليه فيجب عليه التمام لعدم وجود الشرط الثاني للقصر أي قصد قطع المسافة و كذا اذا شكّ أو ظنّ؛ لنفس الدليل.
قال المحقّق الهمداني: «لا فرق في اعتبار قصد المسافة بين التابع و غيره سواء كانت التبعيّة واجبة كما في الزوجة و العبد أم غير واجبة، اختياريّة كانت كالخادم أم اضطراريّة كالأسير و المكره و نحوهما ممّا أخذ ظلما، فان علموا قصد المتبوع و جزمه على قطع المسافة فان كانوا عازمين على متابعته ولو كرها قصّروا، و أمّا ان لم يكونوا عازمين على المتابعة بل على الرجوع مهما تيسّر لهم ذلك بعتق أو طلاق أو اباق أو نشوز و احتملوا ذلك فعن ظاهر جماعة وجوب التقصير عليهم مطلقا؛ لعدم الاعتناء بمثل هذا الاحتمال المخالف للأصل، بل ربّما يظهر من المحكي عن المنتهى عدم الخلاف فيه الاّ من الشافعي. انتهى».(1)
(مسألة 20): اذا اعتقد التابع أنّ متبوعه لم يقصد المسافة أو شكّ في ذلك، و في الأثناء علم أنّه قاصد لها فالظاهر وجوب القصر عليه و ان لم يكن الباقي مسافة؛ لأنّه اذا قصد ما قصده متبوعه فقد قصد المسافة واقعا، فهو كما لو قصد بلدا معيّنا و اعتقد عدم بلوغه مسافة فبان في الأثناء أنّه مسافة، و مع ذلك فالأحوط الجمع.
الشرح:
اذا اعتقد التابع أنّ متبوعه لم يقصد المسافة أو شكّ في ذلك، و في الأثناء علم
1) - مصباح الفقيه كتاب الصلاة: 732 و 733.
أنّه قاصد لها، فان كان الباقي مسافة أو كان الباقي أربعة و يريد الرجوع فيقصّر، ولكن اذا لم يكن الباقي مسافة أو لم يكن أربعة اذا أراد الرجوع فعليه التمام.
قال في مستند العروة: «بل الظاهر وجوب التمام ما لم يكن الباقي مسافة، و قياسه بما لو قصد بلدا معيّنا كالحلّة معتقدا عدم بلوغه مسافة غير واضح كما مرّ التعرّض له و لكلام الشهيد في المسألة السابعة عشرة لتعلّق القصد بواقع الثمانية فراسخ في المقيس عليه قصدا منجّزا من غير تعليق على شيء و ان كان هو جاهلاً به. و أمّا في المقام فقصد المسافة معلّق على قصد المتبوع و منوط به و دائر مداره و ليس قصدا فعليّا على سبيل الاطلاق كما في المثال، فهو من قبيل تردّد المقصد بين مسافات مختلفة، نظير تردّد مكان الضالّة بين أمكنة عديدة متردّدة بين القريبة و البعيدة، الذي عرفت أنّ مثله مانع من وجوب التقصير. فكما أنّ طالب الضالّة قاصد للمسافة على تقدير الحاجة، فكذا التابع قاصد لها على تقدير قصد المتبوع كما هو ظاهر. انتهى».(1)
(مسألة 21): لا اشكال في وجوب القصر اذا كان مكرها على السفر أو مجبورا عليه، و أمّا اذا أُركب على الدابّة أو ألقي في السفينة من دون اختياره بأن لم يكن له حركة سيريّة، ففي وجوب القصر ولو مع العلم بالايصال الى المسافة اشكال و ان كان لايخلو عن قوّة.
الشرح:
اذا أكره على السفر الشرعي سواء كان مثل الأسير التابع أو أوعد على العقوبة ان لم يسافر فعليه التقصير لحصول قصد قطع المسافة منه، و كذا لو اضطرّ كمن سافر لعلاج مريضه أو لبيع متاعه. و أمّا لو أجبر على المسافة بحيث سلب عنه
1) - مستند العروة 20: 63 و 64.
الاختيار كما لو ألقي في السفينة أو أركب على الدابّة فالظاهر أنّه يقصّر أيضا لتمشّي قصد قطع المسافة منه و هو علمه بطيّ المسافة. و ما يدّعى بانصراف الأخبار عنه، لا دليل عليه.
قال في مستند العروة: «انّما الكلام في الصورة الرابعة و هي ما اذا لم يكن السير باختياره أبدا، كما لو أخذ و شدّت يداه و رجلاه مثلاً و ألقي في السفينة و نحوها، فهل يحكم عليه أيضا بالقصر، أو أنّه محكوم بالتمام لانتفاء الارادة و سلب الاختيار؟ الظاهر هو الأوّل؛ لاطلاق الأدلّة الشامل لصورتي الاختيار و عدمه، بعدالتلبّس بمجرّد القصد و ان لم يستند الى الاختيار، مثل قوله تعالى: «فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدّة من أيّام أُخر»(1)بضميمة ما ثبت من الخارج من الملازمة بين الافطار و التقصير، و نحوه النصوص الدالّة على لزوم التقصير في بريدين أو بريد ذاهبا و راجعا، أو مسيرة يوم أو بياض النهار، فانّها مطلقة من حيث الاختيار و عدمه. بل لو كنّا نحن و هذه المطلقات لحكمنا بكفاية قطع المسافة كيف ما اتّفق و لولا عن قصد، الاّ أنّه قد ثبت من الخارج تقييده بالقصد، فبهذا المقدار نرفع اليد عن الاطلاق. و أمّا الزائد عليه - أعني تقييد القصد بصدوره عن اختيار - فمدفوع بأصالة الاطلاق بعد خلوّ دليل التقييد عن اعتناق هذه الخصوصيّة. انتهى».(2)
«الثالث»: استمرار قصد المسافة فلو عدل عنه قبل بلوغ الأربعة أو تردّد أتمّ، و كذا اذا كان بعد بلوغ الأربعة لكن كان عازما على عدم العود، أو كان متردّدا في أصل العود و عدمه، أو كان عازما على العود لكن بعد نيّة الاقامة هناك عشرة أيّام، و أمّا اذا كان عازما على العود من غير نيّة الاقامة عشرة أيّام فيبقى على القصر و ان لم يرجع ليومه، بل وان بقي متردّدا الى ثلاثين يوما. نعم، بعد الثلاثين متردّدا يتمّ.
الشرح:
الثالث من شروط القصر: استمرار قصد المسافة، فلو عدل عنه قبل بلوغ الأربعة أتمّ، و ذلك لصحيحة أبي ولاّد المتقدّمة قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: انّي كنت خرجت من الكوفة في سفينة الى قصر ابن هبيرة و هو من الكوفة على نحو من عشرين فرسخا في الماء، فسرت يومي ذلك أقصّر الصلاة ثمّ بدا لي في الليل الرجوع الى الكوفة، فلم أدر أصلّي في رجوعي بتقصير أم بتمام، و كيف كان ينبغي أن أصنع؟ فقال: ان كنت سرت في يومك الذي خرجت فيه بريدا فكان عليك حين رجعت أن تصلّي بالتقصير؛ لأنّك كنت مسافرا الى أن تصير الى منزلك، قال: و ان كنت لم تسر في يومك الذي خرجت فيه بريدا فانّ عليك أن تقضي كلّ صلاة صلّيتها في يومك ذلك بالتقصير بتمام من قبل تؤمّ(1)من مكانك ذلك، لأنّك لم تبلغ الموضع الذي يجوز فيه التقصير حتّى رجعت فوجب عليك قضاء ما قصّرت، و عليك اذا رجعت أن تتمّ الصلاة حتّى تصير الى
1) - في المصدر: من قبل أن تريم. هامش الوسائل
منزلك».(1)
فهذه الصحيحة تدلّ على الشرط الثالث بوضوح، فانّ قوله عليه السلام: «ان كنت سرت في يومك الذي خرجت فيه بريدا فكان عليك حين رجعت أن تصلّي بالتقصير» أقوى شاهد على المطلوب فانّه عليه السلاماستدلّ على لزوم القصر بقوله عليه السلام: «لأنّك كنت مسافرا الى أن تصير الى منزلك». و استدلّ أيضا على التمام ان لم يسر في يومه الذى خرج فيه بريدا بقوله عليه السلام: «لأنّك لم تبلغ الموضع الذي يجوز فيه التقصير حتّى رجعت».
قال صاحب الحدائق: «الثالث من الشروط المتقدّمة استمرار القصد المذكور يعني أن يكون قصد المسافة مستمرّا الى انتهائها و تمامها، فلو عدل قبل بلوغ ذلك أو تردّد في السفر كمنتظر الرفقة و نحوه وجب عليه الاتمام و ان سار مسافة أو أزيد بهذه الكيفيّة الاّ اذا قصد العود فيما يصير به مجموع الذهاب و الاياب مسافة فانّه يقصّر. و يدلّ عليه صحيحة أبي ولاّد و رواية اسحاق بن عمّار. انتهى ملخّصا».(2)
(مسألة 22): يكفي في استمرار القصد بقاء قصد النوع و ان عدل عن الشخص، كما لو قصد السفر الى مكان مخصوص فعدل عنه الى آخر يبلغ ما مضى و ما بقي اليه مسافة، فانّه يقصّر حينئذ على الأصحّ، كما أنّه يقصّر لو كان من أوّل سفره قاصدا للنوع دون الشخص، فلو قصد أحد المكانين المشتركين في بعض الطريق و لم يعيّن من الأوّل أحدهما بل أوكل التعيينالى ما بعد الوصول الى آخر الحدّ المشترك كفى في وجوب القصر.
الشرح:
يكفي في استمرار القصد بقاء قصد النوع و ان عدل عن الشخص، كما لو قصد السفر الى مكان مخصوص فعدل عنه الى آخر يبلغ ما مضى و ما بقي اليه مسافة فانّه يقصّر و ذلك لاطلاق ما دلّ على أنّ القصر في مسافة ثمانية فراسخ و أنّه يلزم أن يكون من قصده قطع المسافة اذا خرج من منزله أو قريته الى أن يبلغها، و ليس في الروايات بقاء قصد النوع ان قصد النوع من الأوّل أو بقاء قصد الشخص ان قصد الشخص من الأوّل بل يجب عليه القصر اذا أراد أن يذهب مسيرة ثمانية فراسخ مطلقا. و عليه نقول: لو قصد أحد المكانين المشتركين في بعض الطريق و لم يعيّن من الأوّل أحدهما بل أوكل الى ما بعد الوصول الى آخر الحدّ المشترك كفى في وجوب القصر. و كذا لو قصد أن يذهب بريدا من طريق خاصّ و يرجع بريدا هكذا فعدل في رجوعه عمّا قصد و رجع عن طريق آخر كان بريدا كفى في وجوب القصر.
(مسألة 23): لو تردّد في الأثناء ثمّ عاد الى الجزم فامّا أن يكون قبل قطع شيء من الطريق أو بعده، ففي الصورة الأولى يبقى على القصر اذا كان ما بقي مسافة ولو ملفّقة، و كذا ان لم يكن مسافة في وجه لكنّه مشكل، فلايترك الاحتياط بالجمع، و أمّا في الصورة الثانية فان كان ما بقي مسافة و لو ملفّقة يقصّر أيضا و الاّ فيبقى على التمام. نعم، لو كان ما قطعه حال الجزم أوّلاً مع ما بقي بعد العود الى الجزم بعد اسقاط ما تخلّل بينهما ممّا قطعه حال التردّد مسافة ففي العود الى التقصير وجه لكنّه مشكل، فلايترك الاحتياط بالجمع.
الشرح:
قال المحقّق الهمداني: «الثالثة: لو قصد مسافة ثمّ تردّد في أثنائها ثمّ عاد الى الجزم فهل يعتبر كون الباقي بنفسه مسافة أم يكفي بلوغها بضمّه الى السابق؟
وجهان: من ذهاب حكم ما قطعه بالتردّد فانّه يجب عليه حينئذ التمام كما وقع التصريح به في خبر اسحاق بن عمّار المتقدّم. و من أنّ هذا لايقتضي سقوط ما قطعه عن الاعتبار، بل ذهاب حكمه بعروض التردّد، فاذا عاد الى الجزم زال أثر تردّده. و هذا هو الأظهر كما جزم به في الجواهر و غيره؛ اذ لا دليل على اعتبار استمرار القصد بحيث لايتخلّل في أثنائه تردّد بل مقتضى اطلاقات أدلّة التقصير في بريدين خلافه. و يدلّ عليه أيضا اطلاق قوله في ذيل خبر اسحاق: «فاذا مضوا فليقصّروا». و لو قطع شيئا من الطريق مع التردّد ففي الجواهر قوّى الاكتفاء ببلوغ ما قطعه حال الجزم و ما بقي مسافة و اسقاط ما تخلّل بينها ممّا قطعه حال التردّد. و ربّما يظهر من شيخنا المرتضى رحمه الله أيضا الميل اليه حيث قال: و لو قطع شيئا مع التردّد فلايبعد عدم احتسابه في الضمّ مع احتمال الاحتساب. و لكن قد عرفت آنفا قوّة هذا الاحتمال ولكن فيما اذا كان ما قطعه حال التردّد واقعا بعنوان جزئيّته من هذه المسافة كما لو سلكه بقصد أن لايتخلّف عن رفيقه على تقدير استقرار عزمه على المسير لا لغرض آخر كتحصيل ماء و نحوه. و أمّا في هذه الصورة أو في صورة العزم على ترك السفر و قطع بعض المسافة لغرض آخر ثمّ عوده الى قصده فقد يقوى عدم الاحتساب؛ اذ المنساق من خبر صفوان بل و كذا رواية عمّار كون مجموع المسافة صادرا عن قصد قطعها. انتهى موضع الحاجة من كلامه رحمه الله».(1)
و أنت اذا لاحظت علمت أنّ الذي ذهب اليه المحقّق المزبور هو الحقّ المتين، فانّ من سافر ثلاثة فراسخ مثلاً ثمّ تردّد سواء قام أو ذهب متردّدا ثمّ جزم و كان مسيره بعد الجزم خمسة فراسخ فيصير مع الضمّ الى السابق ثمانية فراسخ فانّه يقصّر؛ لكونه مسافرا، و الدليل على ذلك وجود المقتضي و عدم المانع، فالمقتضي للضمّ هو اطلاق الروايات و عدم ما يقيّد ذلك الاطلاق، فاذا سئل
1) - مصباح الفقيه كتاب الصلاة: 732.
الامام عليه السلام عن التقصير فقال عليه السلام: «في بياض يوم أو بريدين»(1)، فما يفهم منه العرف هو طيّ الطريق الذي كان شائعا في زمانهم عليهم السلام الذي قلّما يتّفق خلوّه عن وجود المانع من اللصّ و الضلال و البرد و غير ذلك ممّا كان موجبا للتردّد في السير ثمّ يزول المانع فيجزم. و يؤيّد تلك الاطلاقات ما رواه اسحاق بن عمّار قال:
«سألت أبا الحسن عليه السلام عن قوم خرجوا في سفر فلمّا انتهوا الى الموضع الذي يجب عليهم فيه التقصير قصّروا من الصلاة، فلمّا صاروا على فرسخين أو على ثلاثة فراسخ أو (على خ ل) أربعة تخلّف عنهم رجل لايستقيم لهم سفرهم الاّ به فأقاموا ينتظرون مجيئه اليهم و هم لايستقيم لهم السفر الاّ بمجيئه اليهم فأقاموا على ذلك أيّاما لايدرون هل يمضون في سفرهم أو ينصرفون، هل ينبغي لهم أن يتمّوا الصلاة أم يقيموا على تقصيرهم؟ قال: ان كانوا بلغوا مسيرة أربعة فراسخ فليقيموا على تقصيرهم أ قاموا أم انصرفوا، و ان كانوا ساروا أقلّ من أربعة فراسخ فليتمّوا الصلاة، قاموا أو انصرفوا، فاذا مضوا فليقصّروا».(2)
و رواه الصدوق في العلل و زاد:
«قال: ثمّ قال: هل تدري كيف صار هكذا؟ قلت: لا. قال: لأنّ التقصير في بريدين و لايكون التقصير في أقلّ من ذلك، فاذا كانوا قد ساروا بريدا و أرادوا أن ينصرفوا كانوا قد سافروا سفر التقصير، و ان كانوا سارو أقلّ من ذلك لم يكن لهم الاّ اتمام الصلاة. قلت: أليس قد بلغوا الموضع الذي لايسمعون فيه أذان مصرهم الذي خرجوا منه؟ قال: بلى، انّما قصّروا في ذلك الموضع لأنّهم لم يشكّوا في مسيرهم و انّ
السير يجدّ بهم، فلمّا جاءت العلّة في مقامهم دون البريد صاروا هكذا».(1)
نعم، مادام متردّدا سواء كان سائرا أو غير سائر يتمّ صلاته فاذا جزم في السير قصّر. و الظاهر أنّ المسافة التي طواها متردّدا فان كان بقصد أن لايتخلّف عن الرفقة على تقدير استقرار عزمه على المسير فتحتسب و الاّ فلا، و هو كما قاله المحقّق الهمداني فيما ذكرنا من كلامه.
قال في الجواهر: «و لو خرج ينتظر رفقة ان تيسّروا سافر معهم فان كان ما أراد انتظارهم فيه على حدّ مسافة قصّر في سفره و موضع توقّفه لتحقّق القصد الى مسافة فيه، و ان كان دونها أتمّ حتّى يتيسّر له الرفقة و يسافر لكن يجب ارادة الأعمّ من التلفيقيّة من المسافة في المتن لو أردنا تنزيله على المختار، كما أنّه ظاهر أو صريح في أنّ الحكم المذكور اذا لم يكن جازما بمجيء الرفقة أو عازما على السفر بدونهم، و الاّ قصّر بمجرّد خروجه عن محلّ الترخّص ما لم ينو اقامة عشرة أيّام، أو يمضي له ثلاثون يوما متردّدا، و في الحاق الظنّ بمجيئهم بالجزم به وجهان، أقواهما عدم الترخّص؛ للأصل، كالظنّ في السفر بدونهم، خلافا للذكرى فجعل غلبة الظنّ بذلك كالجزم، و لو تيسّر له الرفقة فعزم على السفر اعتبر في جواز الترخّص له بلوغ ما بقي من الذي أراد قطعه مع الرفيق مسافة؛ لعدم اعتبار ما قطعه أوّلاً حال خلوّه عن الجزم بقصد المسافة، فلايضمّ حينئذ اليه، بل هو كقطع طالب الآبق و نحوه. نعم، لو قصد مسافة ثمّ تردّد في أثنائها و لم يقطع بعد التردّد شيئا ثمّ عاد الى الجزم رجع الى الترخّص و ان صلّى تماما أيّاما و اكتفى ببلوغ ما قطعه و ما بقي مسافة؛ لتناول الأدلّة حينئذ له، بل الظاهر عدم احتياجه الى الضرب في الأرض؛ لأنّه ليس سفرا جديدا، بل هو رجوع عين القصد الأوّل. أمّا لو قطع حال التردّد جملة ثمّ رجع الى الجزم احتمل اعتبار بلوغ ما بقي مسافة في ترخّصه؛
1) - وسائل الشيعة 8: 466 / الباب 3 من أبواب صلاة المسافر / الحديث 11.
لذهاب حكم ما قطعه أوّلاً بالتردّد و لو في بعضه، و يحتمل و لعلّه الأقوى الاكتفاء ببلوغ ما قطعه حال الجزم و ما بقي مسافة، و اسقاط ما تخلّل بينهما ممّا قطعه حال التردّد، أو العزم على الرجوع. و أمّا احتمال الاكتفاء ببلوغ المجموع مسافة حتّى ما قطعه حال التردّد لرجوع القصد الأوّل الذي كان سببا في القصر فضعيف جدّا كما هو واضح. انتهى».(1)
و قد تقدّم ما في ذيل كلامه: «و أمّا احتمال الاكتفاء ... »، و قلنا: انّ المسافة التي طواها متردّدا بقصد ... الى آخر ما ذكر».
(مسألة 24): ما صلاّه قصرا قبل العدول عن قصده لايجب اعادته في الوقت فضلاً عن قضائه خارجه.
الشرح:
ما صلاّه قصرا قبل العدول عن قصده لايجب عليه اعادته في الوقت فضلاً عن قضائه خارجه؛ لصحيحة زرارة قال:
«سألت جعفرا عليه السلام عن الرجل يخرج مع القوم في السفر يريده فدخل عليه الوقت و قد خرج من القرية على فرسخين فصلّوا و انصرف بعضهم في حاجة فلم يقض له الخروج، ما يصنع بالصلاة التي كان صلاّها ركعتين؟ قال: تمّت صلاته و لايعيد».(2)
ولكن تعارضها صحيحة أبي ولاّد المتقدّمة مرارا فانّه عليه السلام قال في ذيله:
«و ان كنت لم تسر في يومك الذي خرجت فيه بريدا فانّ عليك أن تقضي كلّ صلاة صلّيتها في يومك ذلك بالتقصير بتمام من قبل
تؤمّ(1)من مكانك ذلك، لأنّك لم تبلغ الموضع الذي يجوز فيه التقصير حتّى رجعت فوجب عليك قضاء ما قصّرت، و عليك اذا رجعت أن تتمّ الصلاة حتّى تصير الى منزلك».(2)
فيحمل قوله عليه السلام: «فانّ عليك أن تقضي كلّ صلاة صلّيتها في يومك ... فوجب عليك قضاء ما قصّرت» على ما اذا صلاّها قصرا بعد نيّة الرجوع جمعا.
قال في المدارك: «و لو كان قد صلّى قصرا قبل الرجوع أو التردّد فالأظهر أنّه لايعيد مطلقا؛ لأنّه صلّى صلاة مأمورا بها فكانت مجزئة، و لما رواه ابن بابويه في الصحيح عن زرارة - الى أن قال: - و قال الشيخ في الاستبصار: يعيد مع بقاء الوقت، و استدلّ بما رواه عن سليمان بن حفص المروزي عن الكاظم عليه السلام أنّه قال: «و ان كان قد قصّر ثمّ رجع عن نيّته أعاد الصلاة» و هي ضعيفة بجهالة الراوي، و لو صحّت لوجب حملها على الاستحباب جمعا بين الأدلّة. انتهى».(3)
و قال في الحدائق: «لو صلّى بعد سفره قبل الرجوع عن نيّته أو التردّد فيها قصرا فهل تجب عليه الاعادة متى رجع أو تردّد أم لا؟ المشهور الثاني لأنّه صلّى صلاة مأمورا بها شرعا و قضيّة امتثال الأمر الاجزاء. - الى أن قال: - قال في المدارك بعد نقل رواية المروزي: «و هي ضعيفة بجهالة الراوي، و لو صحّت لوجب حملها على الاستحباب». أقول: و يعضد هذه الرواية صحيحة أبي ولاّد المتقدّمة، و العجب منه قدس سره حيث لم يقف عليها في المقام مع تضمّنها لجملة من هذه الأحكام. و قد نقلها بعض من تأخّر عنه من مشايخنا المحقّقين و حملها على الاستحباب أيضا، و لايخفى ما فيه لما اشتملت عليه الرواية من الصراحة في الحكم المذكور كقوله عليه السلام: «فانّ عليك أن تقضي كلّ صلاة صلّيتها في يومك ذلك بالتقصير بتمام
من قبل أن تريم - أي تبرح - من مكانك» فانّ التأكيد في القضاء فورا بتقديمه على اليوميّة - كما ينادي به ظاهر الخبر، و هو الذي اخترناه في مسألة القضاء كما تقدّم من وجوب الفوريّة به، مفرّعا عليه الوجوب بقوله: «وجب عليك» - لايلائم الاستحباب، و ظاهرها أنّ صحّة الصلاة قصرا قبل بلوغ المسافة و قبل الرجوع عن القصد كأنّها مراعاة بعدم الرجوع الى أن يبلغ المسافة. و ربّما حملت على أنّ المقتضي هو ما صلاّه قصرا في حال الرجوع فقط بقرينة أنّ السؤال فيها عن حال الرجوع كما أشار اليه الوالد - عطّر اللّه مرقده - في بعض حواشيه. و فيه: انّ الظاهر من الخبر أنّ ذلك حكم كلّي بالنسبة الى الرجوع عن القصد قبل بلوغ البريد و بعده و لا اختصاص له بالسؤال. و يؤيّده ما ذكره في المنتقى من أنّ قوله عليه السلام «من قبل أن تريم» أنّ معناه من قبل أن تنثني عن السفر من المكان الذي بدا فيه الرجوع. و كيف كان فالمسألة لاتخلو من شوب الاشكال، و الاحتياط فيها لازم على كلّ حال و ان كان ما دلّت عليه صحيحة زرارة هو الأوفق بمقتضى القواعد الشرعيّة، الاّ أنّ هذه الرواية مع ما هي عليه من الصحّة و الصراحة منافية لذلك، و لايحضرني الآن لها محمل تحمل عليه، و بعض مشايخنا المحقّقين من متأخّري المتأخّرين احتمل حمل هذه الرواية و رواية المروزي على التقيّة، و اللّه العالم. انتهى».(1)
و قد تقدّم حمل الصحيحة على ما اذا صلاّها قصرا بعد نيّة الرجوع جمعا، و هو كما احتمله والده في بعض حواشيه.
1) - الحدائق الناضرة 11: 310 - 312.
«الرابع»: أن لايكون من قصده في أوّل السير أو في أثنائه اقامة عشرة أيّام قبل بلوغ الثمانية، و أن لايكون من قصده المرور على وطنه كذلك و الاّ أتمّ لأنّ الاقامة قاطعة لحكم السفر و الوصول الى الوطن قاطع لنفسه، فلو كان من قصده ذلك من حين الشروع أو بعده لم يكن قاصدا للمسافة، و كذا يتمّ لو كان متردّدا في نيّة الاقامة أو المرور على الوطن قبل بلوغ الثمانية. نعم، لو لم يكن ذلك من قصده و لا متردّدا فيه الاّ أنّه يحتمل عروض مقتضٍ لذلك في الأثناء لم يناف عزمه على المسافة فيقصّر، نظير ما اذا كان عازما على المسافة الاّ أنّه لو عرض في الأثناء مانع من لصّ أو عدوّ أو مرض أو نحو ذلك يرجع، و يحتمل عروض ذلك، فانّه لايضرّ بعزمه و قصده.
الشرح:
الرابع من شرائط القصر أن لايكون من قصده في أوّل السير أو في أثنائه اقامة عشرة أيّام قبل بلوغ الثمانية و أن لايكون من قصده المرور على وطنه كذلك و الاّ أتمّ، و الدليل على ذلك مضافا الى عدم الخلاف في ذلك بل الاجماع كما في الجواهر، الروايات الدالّة على الاتمام لمن أراد أن يقيم عشرة أيّام في بلدة كصحيحة منصور بن حازم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سمعته يقول: اذا أتيت بلدة فأزمعت المقام عشرة أيّام فأتمّ الصلاة. الحديث».(1)
و غيرها. و كذا من أراد أن يمرّ على وطنه كصحيحة اسماعيل بن بزيع عن أبي الحسن عليه السلام قال:
«سألته عن الرجل يقصّر في ضيعته؟ فقال: لابأس ما لم ينو مقام
1) - وسائل الشيعة 8: 499 / الباب 15 من أبواب صلاة المسافر / الحديث 4.
عشرة أيّام الاّ أن يكون له فيها منزل يستوطنه. الحديث».(1)
و المستفاد من هذه الروايات هو أنّ المرور على الوطن أو اقامة عشرة أيّام قاطع للسفر موضوعا في الأوّل و حكما أو موضوعا في الثاني على الاختلاف، و يفهم من هذا وضوحا أنّه لا معنى لقصد الثمانية الذي هو شرط للتقصير لمن قصد من أوّل سيره أو في أثنائه أن يمرّ على وطنه أو يقيم عشرة أيّام في مكان. فقوله عليه السلام في موثّقة عمّار:
«لايكون مسافرا حتّى يسير من منزله أو قريته ثمانية فراسخ، فليتمّ الصلاة».(2)
يدلّ على أنّ سفره يتمّ اذا مرّ على منزله أو قريته كما قد ابتدأ من هناك.
و يؤيّد ما استفيد من الروايات، مرسلة ابن بكير عن أبي عبداللّه عليه السلام في الرجل يخرج من منزله يريد منزلاً له آخر أو ضيعة له أخرى؟ قال:
«ان كان بينه و بين منزله أو ضيعته التي يؤمّ بريدان قصّر، و ان كان دون ذلك أتمّ».(3)
و كذلك اذا جمع الامام عليه السلام في كلامه في صحيحة ابن بزيع المتقدّمة آنفا بين المرور على وطنه و بين اقامة عشرة أيّام في مكان يفهم أنّ محلّ الاقامة نازل منزلة وطنه.
ثمّ اعلم أنّ قصد اقامة عشرة أيّام قاطع لحكم السفر لا لنفسه، و ذلك لأنّه بحكم الوطن و بمنزلته لا عينه. و دلّ على ذلك صريحا صحيحة زرارة عنأبي جعفر عليه السلام قال:
«من قدم قبل التروية بعشرة أيّام وجب عليه اتمام الصلاة و هو
بمنزلة أهل مكّة، فاذا خرج الى منى وجب عليه التقصير».(1)
و في خبر اسحاق بن عمّار قال:
«سألت أبا الحسن عليه السلام عن أهل مكّة اذا زاروا، عليهم اتمام الصلاة؟ قال: نعم، و المقيم بمكّة الى شهر بمنزلتهم».(2)
ثمّ انّه لو عزم على المسافة و بعد التجاوز عن حدّ الترخّص صار متردّدا في نيّة الاقامة أو المرور على الوطن أثناء المسافة لم يقطع السفر لأنّ القاطع هو العزم على الاقامة لا التردّد. نعم، لو كان متردّدا من الابتداء في الاقامة يضرّ بقصده المسافة، و ان كان يمكن أن يقال فيه أيضا عدم كون تردّده هذا قاطعا لأنّ القاطع هو العزم على الاقامة. و لايبعد أن يفرق بين التردّد في الاقامة و يقال بعدم كونه قاطعا و بين التردّد بالمرور على الوطن بكونه قاطعا و ان كان الأظهر عدم الفرق.
قال المحقّق الهمداني: «و أمّا التردّد فيها (اقامة عشرة أيّام) أو في نيّتها فلا أثر له شرعا، فمن خرج من منزله و هو يريد أن يسير ثمانية فراسخ فقد وجب عليه التقصير ما لم يُجمع على أن يقيم عشرة أيّام في مكان أو يمضي عليه ثلاثون يوما لا مع الجزم، فالمدار في التقصير على قصد المسافة مجرّدا عن العزم على الاقامة في أثنائها لا مقرونا بالعزم على عدمها كي يكون التردّد في الاقامة منافيا لتحقّق شرط التقصير، و ليس اتّصال المسافة و وحدتها شرطا متأصّلاً اعتبره الشارع قيدا في ماهيّة المسافة التي اعتبر قصدها، بل هو منتزع من قاطعيّة نيّة الاقامة التي يتوقّف قاطعيّتها على تحقّقها لا التردّد فيها. كيف و لو كان التردّد في الاقامة مانعا عن حصول القصد المعتبر في التقصير لكان حصوله في الأثناء كعروض التردّد في أصل السفر قبل بلوغ المسافة مانعا عن استمرار القصر مع أنّه لو تردّد عند رأس فرسخين مثلاً في أن يعزم في ذلك المكان على أن يقيم عشرة بل شهرا أو
شهرين لا أثر لهذا التردّد في رجوعه عن التقصير ما لم يتحقّق العزم على الاقامة أو يمضي عليه ثلاثون يوما مع أنّه حال تردّده ليس عازما على قطع مسافة متّصلة لو لم يكن الباقي بنفسه مسافة، بل و ان كان فانّ هذا غير مجدٍ في التقصير؛ لأنّه يشترط في التقصير أن يكون حال تلبّسه بصلاة مقصورة يرى نفسه متلبّسا بسفر جامع لشرائط التقصير، و لذا لو تردّد في ذلك المكان في أصل السفر أو في العود الى وطنه وجب عليه الاتمام، و هذا بخلاف ما لو تردّد في نيّة الاقامة، كما هو واضح. و أمّا المرور بالوطن فحيث انّه قاطع للسفر حقيقة فلايبعد أن يقال: انّ التردّد فيه كالتردّد في الرجوع الى منزله مانع عن أصل التقصير و عن استمراره، فلو تردّد عند رأس فرسخين في المرور الى وطنه فهو كما لو تردّد في العود الى منزله في عدم جواز القصر له حال تردّده، ولكن مع ذلك قد يقوى في النظر خلافه، ولكن فيما اذا كان الوطن خارجا عن طريق مقصده الذي أراد من منزله المسافرة اليه؛ لأنّ هذا التردّد لايرفع صدق قولنا: انّه خرج من منزله بقصد المسافرة الى المكان الفلاني البالغ حدّ التقصير. غاية الأمر انّه تردّد في أن يحدث في أثناء المسافة ما يقطعها و يجعلها سفرين و قد أشرنا الى أنّ هذا غير قادح؛ اذ لا دليل على اشتراط قصد ايجاد المسافة بصفة الاتّصال بل على قصد السفر مجرّدا عن قصد قطعه بالمرور بوطنه أو باقامة العشرة. انتهى».(1)
(مسألة 25): لو كان حين الشروع في السفر أو في أثنائه قاصدا للاقامة أو المرور على الوطن قبل بلوغ الثمانية لكن عدل بعد ذلك عن قصده أو كان متردّدا في ذلك و عدل عن ترديده الى الجزم بعدم الأمرين، فان كان ما بقي بعد العدول مسافة في نفسه أو مع التلفيق بضمّ الاياب قصّر و الاّ فلا، فلو كان ما بقي بعد العدول الى المقصد أربعة فراسخ و كان عازما على العود و لو
1) - مصباح الفقيه كتاب الصلاة: 736.
لغير يومه قصّر في الذهاب و المقصد و الاياب، بل و كذا لو كان أقلّ من أربعة، بل و لو كان فرسخا فكذلك على الأقوى من وجوب القصر في كلّ تلفيق من الذهاب و الاياب و عدم اعتبار كون الذهاب أربعة أو أزيد كما مرّ.
الشرح:
لو كان حين الشروع في السفر أو في أثنائه قاصدا للاقامة أو المرور على الوطن قبل بلوغ الثمانية لكن عدل بعد ذلك عن قصده فان كان ما بقي بعد العدول مسافة فيقصّر، سواء كان ثمانية فراسخ أو أربعة فراسخ اذا أراد الرجوع ولو لغير يومه، و أمّا لو كان ما بقي بعد العدول ثلاثة فراسخ و أراد أن يرجع خمسة فراسخ حتّى يصير المجموع ثمانية فراسخ فلايقصّر؛ لأنّه كما سبق يشترط في السفر التلفيقي أن لايكون كلّ من الذهاب و الاياب أقلّ من أربعة فراسخ.
(مسألة 26): لو لم يكن من نيّته في أوّل السفر الاقامة أو المرور على الوطن و قطع مقدارا من المسافة ثمّ بدا له ذلك قبل بلوغ الثمانية ثمّ عدل عمّا بدا له و عزم على عدم الأمرين فهل يضمّ ما مضى الى ما بقي اذا لم يكن ما بقي بعد العدول عمّا بدا له مسافة فيقصّر اذا كان المجموع مسافة و لو بعد اسقاط ما تخلّل بين العزم الأوّل و العزم الثاني اذا كان قطع بين العزمين شيئا؟ اشكال، خصوصا في صورة التخلّل فلايترك الاحتياط بالجمع نظير ما مرّ في الشرط الثالث.
الشرح:
قد تقدّم في شرح المسألة الثالثة و العشرين قولنا بأنّه يضمّ ما بقي الى ما مضى فان كان المجموع مسافة قصّر، فراجع.
«الخامس» من الشروط: أن لايكون السفر حراما و الاّ لم يقصّر، سواء كان نفسه حراما كالفرار من الزحف و اباق العبد و سفر الزوجة بدون اذن الزوج في غير الواجب و سفر الولد مع نهي الوالدين في غير الواجب، و كما اذا كان السفر مضرّا لبدنه، و كما اذا نذر عدم السفر مع رجحان تركه و نحو ذلك، أو كان غايته أمرا محرّما كما اذا سافر لقتل نفس محترمة أو للسرقة أو للزنا أو لاعانة ظالم أو لأخذ مال الناس ظلما و نحو ذلك. و أمّا اذا لم يكن لأجل المعصية لكن تتّفق في أثنائه مثل الغيبة و شرب الخمر و الزنا و نحو ذلك ممّا ليس غاية للسفر، فلايوجب التمام بل يجب معه القصر و الافطار.
الشرح:
الخامس من شروط القصر: أن لايكون السفر حراما و الاّ لم يقصّر و الدليل على ذلك مضافا الى الاجماع المدّعى روايات:
منها صحيحة عمّار بن مروان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سمعته يقول: من سافر قصّر و أفطر الاّ أن يكون رجلاً سفره الى صيد أو في معصية اللّه أو رسولاً لمن يعصي اللّه، أو في طلب عدوّ أو شحناء أو سعاية أو ضرر على قوم من المسلمين».(1)
و منها موثّقة سماعة قال:
«سألته عن المسافر - الى أن قال: - و من سافر قصّر الصلاة و أفطر الاّ أن يكون رجلاً مشيّعا لسلطان جائر أو خرج الى صيد أو الى قرية له تكون مسيرة يوم يبيت الى أهله لايقصّر و لايفطر».(2)
ففي الوسائل: «حكم القرية محمول على عدم بلوغ المسافة، أو على الاتمام
في أهله».(1)
و منها موثّقة عبيد بن زرارة قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يخرج الى الصيد، أيقصّر أو يتمّ؟ قال: يتمّ؛ لأنّه ليس بمسير حقّ».(2)
و منها مرسلة ابن أبي عمير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«لايفطر الرجل في شهر رمضان الاّ في سبيل حقّ».(3)
و منها صحيحة حمّاد بن عثمان عن أبي عبداللّه عليه السلام في قول اللّه عزّوجلّ:
«فمن اضطرّ غير باغٍ و لا عادٍ» قال:
«الباغي: باغي الصيد، و العادي: السارق، و ليس لهما أن يأكلا الميتة اذا اضطرّا اليها، هي عليهما حرام، ليس هي عليهما كما هي على المسلمين، و ليس لهما أن يقصّرا في الصلاة».(4)
و منها خبر أبي سعيد الخراساني قال:
«دخل رجلان على أبي الحسن الرضا عليه السلام بخراسان فسألاه عن التقصير؟ فقال لأحدهما: وجب عليك التقصير لأنّك قصدتني، و قال للآخر: وجب عليك التمام لأنّك قصدت السلطان».(5)
و منها خبر اسماعيل بن أبي زياد عن جعفر عن أبيه عليهماالسلام قال:
«سبعة لايقصّرون الصلاة - الى أن قال: - و الرجل يطلب الصيد يريد به لهو الدنيا، و المحارب الذي يقطع السبيل».(6)
1) - نفس المصدر.
2) - وسائل الشيعة 8: 479 / الباب 9 من أبواب صلاة المسافر / الحديث 4.
3) - وسائل الشيعة 8: 476 / الباب 8 من أبواب صلاة المسافر / الحديث 1.
4) - وسائل الشيعة 8: 476 / الباب 8 من أبواب صلاة المسافر / الحديث 2.
5) - وسائل الشيعة 8: 478 / الباب 8 من أبواب صلاة المسافر / الحديث 6.
6) - وسائل الشيعة 8: 477 / الباب 8 من أبواب صلاة المسافر / الحديث 5.
و منها صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«سألته عمّن يخرج عن أهله بالصقورة و البزاة و الكلاب يتنزّه الليلتين و الثلاثة، هل يقصّر من صلاته أم لايقصّر؟ قال: انّما خرج في لهو، لايقصّر. الحديث».(1)
و اعلم أنّ السفر الحرام على قسمين: أحدهما ما كان بنفسه حراما و الثاني ما كان مقدّمة للحرام. ففي كلا السفرين لايجوز التقصير و الافطار، و دلّ على عدم التقصير و وجوب التمام مطلقا صحيحة عمّار بن مروان المتقدّمة، فانّها من حيث السند صحيحة؛ لأنّ المراد من عمّار بن مروان هو اليشكري الثقة لا الكلبي المجهول، و أمّا من حيث الدلالة فلا اشكال فيها فانّ قوله عليه السلام: «من سافر قصّر و أفطر الاّ أن يكون رجلاً سفره الى صيد أو في معصية اللّه» يشمل القسمين، فيكون نظير قوله عليه السلام: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» أي لا طاعة في عمل يكون ذلك العمل معصية الخالق.
و كذا موثّقة عبيد بن زرارة المتقدّمة حيث نقل عن الامام عليه السلام في علّة التقصير في الصيد اللهوي بأنّه «ليس بمسير حقّ»، فالسفر الذي ليس بمسير حقّ لايقصّر فيه، و كذا مرسلة ابن أبي عمير. و يدلّ على الثاني ذيل صحيحة عمّار بن مروان حيث قال الامام عليه السلام: «أو رسولاً لمن يعصي اللّه أو في طلب عدوّ أو شحناء أو سعاية أو ضرر على قوم من المسلمين».
و كذا موثّقة سماعة المتقدّمة حيث نقل عن الامام عليه السلام: «الاّ أن يكون رجلاً مشيّعا لسلطان جائر» و كذا خبر أبي سعيد الخراساني المذكور آنفا حيث قال الامام عليه السلامللآخر: «وجب عليك التمام لأنّك قصدت السلطان».
أمّا بعض مصاديق السفر الذي هو محرّم في نفسه كما مثّل به الماتن فكالفرار من الزحف، و سفر الزوجة اذا كان موجبا لتضييع حقّ الزوج، و كذا اذا نهاها عن
1) - وسائل الشيعة 8: 478 / الباب 9 من أبواب صلاة المسافر / الحديث 1.
سفر غير واجب، و سفر الولد اذا نهاه والداه عنه و كان موجبا لايذائهما و لم يكن واجبا، و اذا كان مضرّا لبدنه ضررا يعتني به العقلاء، و اذا نذر عدم السفر و كان راجحا، الى غير ذلك.
و أمّا ما كان مقدّمة للحرام فكالسفر لقتل نفس محترمة أو للسرقة أو للزنا أو لاعانة الظالم أو لأخذ مال الناس ظلما أو للسعاية الى غير ذلك.
و أمّا اذا لم يكن سفره لأجل المعصية ولكن صدر منه معاصٍ حينه كالغيبة و شرب الخمر و الزنا و نحوها ممّا لم يكن غاية للسفر فيقصّر و يفطر.
قال في الجواهر: «الشرط الرابع من شرائط القصر أن يكون السفر سائغا و لغير الصيد، واجبا كان كحجّة الاسلام، أو مندوبا كزيارة النبي صلى الله عليه و آله و الأئمّة عليهم السلام، أو مباحا كالأسفار للمتاجر، أو مكروها كبعض الأسفار لها أيضا، فانّه لا ريب في القصر حينئذ نصّا و فتوىً و لو كان السفر معصية لم يقصّر كاتّباع الجائر و صيد اللهو بلا خلاف معتدّ به أجده فيه، بل هو مجمع عليه تحصيلاً و نقلاً مستفيضا كالنصوص - الى أن قال: - و لا فرق في المستفاد من النصوص و معاقد الاجماعات التي يشهد لها ظاهر الفتاوى بين العصيان بنفس السفر كالفرار من الزحف و اباق العبد و هرب المديون مع القدرة على الأداء و الزوجة للنشوز، بناءً على حرمة المذكورات بالخصوص عليهم لا من جهة وجوب ما ينافيها عليهم، و بين العصيان في السفر لغايته، ضمّ اليها طاعة أو لا. اللّهمّ الاّ أن يكون المقصد الأصلي الذي ينسب السفر له الطاعة، مع احتمال الاكتفاء بمطلق ضمّ المعصية على أيّ وجه يكون على اشكال، و بالجملة فالمراد تحريم السفر لغايته كالسفر لقطع الطريق أو لنيل المظالم من السلطان و نحو ذلك ممّا هو مصرّح به في النصوص، بل لاتعرّض فيها على الظاهر لغيره، فالمناقشة حينئذ في ذلك بأنّ مقدّمة المحرّم غير محرّمة فلايعدّ السفر الذي غايته المعصية حينئذ محرّما ضعيفة جدّا، بل هي اجتهاد في مقابلة النصّ بل النصوص؛ اذ مع امكان منع عدم الحرمة و تخرّج هذه
النصوص شاهدا عليه، يدفعها أنّ الاتمام معلّق على كون السفر للمعصية، سواء كان هو معصية أو لا كما هو واضح. انتهى».(1)
و قال في موضع آخر منه: «ثمّ من المعلوم أنّ المدار على كون السفر سفر معصية لا على مطلق حصول المعصية حال السفر، فشرب الخمر حينئذ و فعل الزنا و نحوهما حاله لاتقدح في الترخّص؛ لاطلاق الأدلّة من غير معارض، ضرورة عدم تأديته الى حرمة السفر نفسه. انتهى».(2)
(مسألة 27): اذا كان السفر مستلزما لترك واجب كما اذا كان مديونا و سافر مع مطالبة الديّان و امكان الأداء في الحضر دون السفر و نحو ذلك فهل يوجب التمام أم لا؟ الأقوى التفصيل بين ما اذا كان لأجل التوصّل الى ترك الواجب أو لم يكن كذلك، ففي الأوّل يجب التمام دون الثاني، لكن الأحوط الجمع في الثاني.
الشرح:
اذا كان السفر مستلزما لترك واجب كما اذا كان مديونا و سافر مع مطالبة الديّان و امكان الأداء في الحضر دون السفر و نحو ذلك فان كان سفره بقصد التوصّل الى ترك الواجب يتمّ و الاّ يقصّر، و ذلك لأنّ السفر الذي يستلزم ترك واجب ليس بمسير حقّ و كلّ سفر لم يكن بمسير حقّ يتمّ كما في موثّقة عبيد بن زرارة قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يخرج الى الصيد، أ يقصّر أو يتمّ؟ قال: يتمّ؛ لأنّه ليس بمسير حقّ».(3)
و انّما قيّدنا السفر بكونه بقصد التوصّل الى ترك الواجب؛ لأنّ ذات السفر
لايكون محرّما بل العناوين الملحقة بها يحرّمه، و من المعلوم أنّ العناوين على قسمين، فبعضها يحصل بصرف وجودها من غير تدخّل نيّة كنشوز الزوجة و اباق العبد و الفرار من الزحف و غيرها، و بعضها لايحصل الاّ بالقصد مثل ما نحن فيه، و لذا نقول بوجوب القصر اذا قصد أداء دينه ولكن غفل و سافر.
قال المحقّق الهمداني: «نعم، لو قصد بسفره الفرار عن ذلك التكليف [الواجب ]اندرج في موضوع هذا الحكم (سفر المعصية) حيث انّ الفرار من التكليف بذاته أمر قبيح لدى العقل و العقلاء مع اندراجه في الغالب فيما كان لغاية محرّمة كما هو واضح. انتهى».(1)
و قال في الحدائق: «و بالجملة فانّ المفهوم من الأخبار المتقدّمة كما عرفت هو دوران التحريم مدار النيّة و القصد بذلك السفر، فان قصد به أمرا محرّما كالفرار من الزحف و الهرب من غريمه مع امكان الوفاء أو النشوز و الاباق أو قصد غاية محرّمة مترتبّة عليه كالأمثلة المتقدّمة ثبت التحريم و وجب الاتمام، و أمّا لو استلزم ترك واجب و لم يخطر بباله أو خطر بباله ولكن لم يتعلّق به القصد فانّه لايتعلّق به التحريم. نعم، لو كان هو المقصود من السفر و تعلّقت به النيّة و قد ثبت تحريمه في حدّ ذاته أو باعتبار غايته فلا اشكال في ما ذكروه من وجوب الاتمام. انتهى».(2)
(مسألة 28): اذا كان السفر مباحا لكن ركب دابّة غصبيّة، أو كان المشي في أرض مغصوبة فالأقوى فيه القصر و ان كان الأحوط الجمع.
الشرح:
اذا كان السفر مباحا لكن ركب دابّة غصبيّة أو مشى في أرض مغصوبة فالأقوى فيه القصر و ذلك لانصراف أخبار الباب عن مثل ذلك، فانّ العرف لايقول لهذا السفر المباح «انّه ليس بمسير حقّ» أو «في معصية اللّه»، فهذا كالذي يسافر بالسيّارة و فيها أجنبيّة ينظر اليها دائما فهل يتأمّل أحد في التقصير في سفره هذا؟ و كذا ما نحن فيه.
قال المحقّق الهمداني: «قد أشرنا الى أنّ المدار على اطلاق كون السفر سفر معصية أو لغاية محرّمة لا على مطلق حصول المعصية حال السفر فشرب الخمر و فعل الفاحشة و نحوها حاله من غير أن يكون غاية له غير قادح في الترخّص ضرورة عدم تأدية مثل هذه الأفعال الى حرمة السفر نفسه. و أمّا لو حصلت المعصية بنفس السفر ولكن لا من حيث كونه سفرا بل من جهة أخرى ملازمة له كما لو استصحب مال الغير أو لبس ثوبا مغصوبا أو ركب دابّة مغصوبة فسافر فانّه يتحقّق بسفره التصرّف في مال الغير فيصدق حينئذ على الحركات الخاصّة الصادرة منه التي يتقوّم بها مفهوم المسافرة أنّه تصرّف في مال الغير و أنّه محرّم، فمن هنا قد يقوى في النظر وجوب الاتمام عليه لصدق كون سفره الذي هو عبارة عن الحركات الخاصة الصادرة منه في معصية اللّه تعالى كما جزم به في الجواهر في ظاهر كلامه حتّى التزم به فيما اذا كان نعل دابّته مغصوبة حيث انّه يؤدّي الى حرمة قطعه للمسافة، ولكن الأقوى خلافه، فانّ شيئا من المذكورات لايؤثّر في اتّصاف السفر من حيث هو بكونه سفر معصية بل و لا بكونه مسير باطل. أمّا الدابّة المغصوبة و نظائرها فالتصرّف فيها من مقدّمات تباعده عن أهله و وطنه و قطعه للمسافة الذي هو فعل قائم بنفس المسافر متقوّم به مفهوم سفره فحرمتها غير
مؤثّرة في حرمة سفره خصوصا مع عدم انحصار مقدّمته في الحرام. و أمّا ما استصحبه من المغصوب من لباس أو محمول و نحوه فالتصرّف فيه يحصل بلبسه و حمله و نقله من هذا المكان الى ذلك المكان. أمّا ما عدا الأخير فحرمته كحرمة النظر الى الأجنبيّة، أجنبيّ عن مفهوم السفر. و أمّا الأخير أي نقل المغصوب من هذا المكان الى ذلك المكان و ان كان بواسطة الحركات الخاصّة المؤثّرة في بعده عن بلده و انتقاله من هذا المكان الى ذلك المكان الاّ أنّ مفهوم السفر بحسب الظاهر معنى منتزع من انتقال شخص المسافر من هذا المكان الى ذلك المكان بواسطة الخطوات الصادرة منه فتلك الخطوات أسباب لنقل جثّته و ما معها من الثياب و غيرها من هذا المكان الى ذلك المكان فيتولّد من تلك الخطوات فعلان: أحدهما نقل جثّته الذي ينتزع منه مفهوم المسافرة و هو في حدّ ذاته فعل سائغ، و الآخر نقل مال الغير الذي هو حرام فسفره من حيث هو ليس بحرام. و ان أبيت الاّ عن كون السفر أو المسير المتّصف بكونه حقّا أو باطلاً اسما لخصوص هذه الحركات المسمّاة بالمشي الذي يتحقّق به التصرّف في المغصوب، قلت: ان سلّمنا ذلك فندّعي انصراف اطلاق السفر في معصية اللّه أو مسير باطل عن مثله جزما. نعم، لو سلك طريقا مغصوبا اتّجه الالتزام بحرمة سفره و وجوب الاتمام عليه، فانّ قطعه لهذه المسافة من حيث هو حرام بشهادة العرف، و اللّه العالم. انتهى».(1)
(مسألة 29): التابع للجائر اذا كان مجبورا أو مكرها على ذلك أو كان قصده دفع مظلمة أو نحوها من الأغراض الصحيحة المباحة أو الراجحة قصّر، و أمّا اذا لم يكن كذلك بأن كان مختارا و كانت تبعيّته اعانة للجائر في جوره وجب عليه التمام. و ان كان سفر الجائر طاعة، فانّ التابع حينئذ يتمّ، مع
1) - مصباح الفقيه كتاب الصلاة: 741 و 742.
أنّ المتبوع يقصّر.
الشرح:
التابع للجائر اذا كان مجبورا أو مكرها قصّر. نعم، لو تابع الجائر في الاعانة على قتل مسلم من غير حقّ فكان سفره في معصية فيتمّ؛ لأنّه لا تقيّة في الدماء و ان قتل. أمّا اذا كان قصده دفع مظلمة أو نحوه من الأغراض الصحيحة الراجحة أو المباحة و لم تزد تبعيّته من شوكة الظالم أو كان مصلحة دفع ظلمه أهمّ من مفسدة ازدياد شوكته فيقصّر.
و أمّا اذا لم يكن التابع للجائر كذلك و كانت تبعيّته موجبة لازدياد شوكته وجب عليه التمام. و حينئذ يمكن أن يكون سفر الجائر طاعة كما في سفر الحجّ و سفر التابع معصية؛ لاستلزام تقوية الجائر.
قال في الجواهر: «و المراد بتبعيّة الجائر في كلام المحقّق «و لو كان معصية لم يقصّر كاتّباع الجائر و صيد اللهو» و غيره، تبعيّته في جوره اختيارا. أمّا من تبعه لغرض تعلّق له به من دفع مظلمة و نحوها أو كان مكرها في اتّباعه فلايتمّ في سفره قطعا؛ لعدم معصيته بهذا السفر فيندرج حينئذ في اطلاق تلك الأدلّة. نعم، لو كان معدّا نفسه لطاعته و امتثال أوامره في جور أو غيره كالجندي لم يبعد عدم ترخّصه في سفره المعدّ نفسه فيه لذلك، حتّى لو كان قصد الجائر في ذلك السفر طاعة من زيارة أو حجّ أو نحوهما، فيترخّص حينئذ هو دون جنده؛ لأنّه سفر طاعته بالنسبة اليه بخلافهم، ضرورة حرمة تبعيّتهم، بل قد يقال بحرمة سفر التابع لو أرسله الجائر في أمر مباح من حيث انّ قطعه هذه المسافة بأمر الجائر و باستعداد امتثال أوامره كائنة ما كانت التي هذا منها محرّم عليه و ان كان هو في حدّ ذاته مباحا، و اللّه أعلم. انتهى».(1)
1) - جواهر الكلام 14: 268.
و في ذيل كلامه رحمه الله: «بل قد يقال بحرمة سفر التابع لو أرسله الجائر في أمر مباح ... » اشكال يأتي في المسألة التالية.
(مسألة 30): التابع للجائر المعدّ نفسه لامتثال أوامره لو أمره بالسفر فسافر امتثالاً لأمره، فان عدّ سفره اعانة للظالم في ظلمه كان حراما و وجب عليه التمام و ان كان من حيث هو مع قطع النظر عن كونه اعانة مباحا، و الأحوط الجمع، و أمّا اذا لم يعدّ اعانة على الظلم فالواجب عليه القصر.
الشرح:
التابع للجائر المعدّ نفسه لامتثال أوامره لو أمره بالسفر فسافر امتثالاً لأمره، فان عدّ سفره اعانة لظلمه، مثل ما لو حكم بحكم جوري كقتل النفوس المحقونة دماؤهم أو نهب أموال الأشخاص المحفوظة أموالهم و أمر من يتبعه بايصال هذا الحكم الى البلد الفلاني لتنفيذه فمثل هذا السفر معصية و حرام فيتمّ حينئذ. و أمّا ان لم يكن كذلك بل أمره بالسفر لشراء بضائع أو أمره بالحجّ عنه أو نحوهما فيقصّر.
(مسألة 31): اذا سافر للصيد، فان كان لقوته و قوت عياله قصّر، بل و كذا لو كان للتجارة و ان كان الأحوط فيه الجمع. و ان كان لهوا كما يستعمله أبناء الدنيا وجب عليه التمام. و لا فرق بين صيد البرّ و البحر كما لا فرق بعد فرض كونه سفرا بين كونه دائرا حول البلد، و بين التباعد عنه، و بين استمراره ثلاثة أيّام و عدمه على الأصحّ.
الشرح:اذا سافر للصيد فتارة يكون لهوا، و أخرى لقوته و قوت عياله، و ثالثة للتجارة.
أمّا القسم الأوّل فيجب فيه التمام اجماعا كما ادّعاه جماعة. و يدلّ عليه روايات:
منها صحيحة عمّار بن مروان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سمعته يقول: من سافر قصّر و أفطر الاّ أن يكون رجلاً سفره الى صيد أو في معصية اللّه الخ. الحديث».(1)
و منها صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«سألته عمّن يخرج عن أهله بالصقورة و البزاة و الكلاب يتنزّه الليلتين و الثلاثة، هل يقصّر من صلاته أم لايقصّر؟ قال: انّما خرج في لهو، لايقصّر. الحديث».(2)
فانّ صحيحة زرارة تقيّد اطلاق صحيحة عمّار بن مروان، و كذا تفسّر موثّقة عبيد بن زرارة قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يخرج الى الصيد، أيقصّر أو يتمّ؟ قال: يتمّ؛ لأنّه ليس بمسير حقّ».(3)
و منها خبر ابن بكير قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يتصيّد اليوم و اليومين و الثلاثة، أيقصّر الصلاة؟ قال: لا الاّ أن يشيّع الرجل أخاه في الدين، فانّ الصيد مسير باطل لاتقصّر الصلاة فيه. و قال: يقصّر اذا شيّع أخاه».(4)
و منها خبر اسماعيل بن أبي زياد عن جعفر عن أبيه عليه السلام قال:
«سبعة لايقصّرون الصلاة: - الى أن قال: - و الرجل يطلب الصيد يريد
به لهو الدنيا، و المحارب الذي يقطع السبيل».(1)
و منها صحيحة حمّاد بن عثمان عن أبي عبداللّه عليه السلام في قول اللّه عزّوجلّ: «فمن اضطرّ غير باغٍ و لا عادٍ» قال:
«الباغي: باغي الصيد، والعادي: السارق، و ليس لهما أن يأكلا الميتة اذا اضطرّا اليها، هي عليهما حرام، ليس هي عليهما كما هي على المسلمين، و ليس لهما أن يقصّرا في الصلاة».(2)
فالمتحصّل من الروايات المتقدّمة - بعد حمل مطلقاتها على المقيّدات - عدم جواز التقصير اذا سافر للصيد لهوا.
قال في المنتهى: «فروع: الأوّل: لو سافر للّهو و التنزّه بالصيد بطرا لم يقصّر. ذهب اليه علماؤنا أجمع، و هو قول أحمد في احدى الروايتين. و قال الشافعي و أبو حنيفة: يترخّص. لنا: انّ اللهو حرام، فالتقصير اعانة له على القبيح، و لأنّ الرخصة وصلة الى تحصيل المصلحة، و لا مصلحة في اللهو. و ما رواه الشيخ عن زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: «سألته عمّن يخرج من أهله بالصقورة و البزاة و الكلاب يتنزّه الليلة و الليلتين و الثلاث، هل يقصّر من صلاته أم لا؟ فقال: لايقصّر، انّما يخرج في لهو». و ما رواه عن ابن بكير قال: «سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يتصيّد اليوم و اليومين و الثلاثة، أيقصّر الصلاة؟ قال: لا، الاّ أن يشيّع الرجل أخاه في الدين فانّ التصيّد مسير باطل لاتقصّر الصلاة فيه. و قال: يقصّر اذا شيّع أخاه». الثاني: لو تصيّد للقوت له أو لعياله قصّر اجماعا منّا؛ لأنّه مشروع فوجب التقصير. و لما رواه الشيخ عن عمران بن محمّد بن عمران القمّي عن بعض أصحابنا عن أبي عبداللّه عليه السلام قال: «قلت له: الرجل يخرج الى الصيد مسيرة يوم أو يومين، يقصّر أو يتمّ؟ فقال: ان خرج لقوته و قوت عياله فليفطر و ليقصّر، و ان خرج لطلب
الفضول فلا، و لا كرامة». الثالث: لو كان الصيد للتجارة، قال الشيخ: «يقصّر صلاته و يتمّ صومه». و الحقّ عندي خلافه، و أنّ الواجب عليه التقصير فيهما. لنا: انّه سفر سائغ اجماعا. و لأنّه أباح له قصر الصلاة فيجب عليه الافطار. و لما رواه الشيخ في الموثّق عن سماعة قال: «قال: و من سافر قصّر الصلاة و أفطر». و ما رواه في الصحيح عن معاوية بن وهب عن أبي عبداللّه عليه السلام قال: «هما واحد، اذا قصّرت أفطرت و اذا أفطرت قصّرت. انتهى».(1)
فروع:
قال في الجواهر: «ثمّ انّ ظاهر المتن كصريح غيره كون التمام في السفر لصيد اللهو لأنّه معصية، فهو حينئذ من السفر للمعصية، و لعلّه لأنّ الصيد من الملاهي. انتهى».(2)
و الظاهر أنّه كذلك؛ لدلالة موثّقة عبيد بن زرارة المتقدّمة عليها، قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يخرج الى الصيد، أ يقصّر أو يتمّ؟ قال: يتمّ؛ لأنّه ليس بمسير حقّ».(3)
فانّ مراده عليه السلام من عدم الحقّ هو الباطل، كما في خبر ابن بكير المتقدّم فانّه عليه السلام قال: «فانّ الصيد مسير باطل»، فيفهم من تقابل الحقّ و الباطل أنّ معنى قوله عليه السلام: «ليس بمسير حقّ» هو حرمة الصيد اللهوي، و يؤكّده عطف الامام عليه السلام الصيد على ما كان حراما أو عطف المعصية على الصيد في الروايات المتقدّمة كموثّقة سماعة
قال:
«سألته عن المسافر - الى أن قال: - و من سافر قصّر الصلاة و أفطر الاّ أن يكون رجلاً مشيّعا لسلطان جائر أو خرج الى صيد. الخ الحديث».(1)
و صحيحة عمّار بن مروان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سمعته يقول: من سافر قصّر و أفطر الاّ أن يكون رجلاً سفره الى صيد أو في معصية اللّه. الخ الحديث».(2)
و خبر اسماعيل بن أبي زياد عن جعفر عن أبيه عليه السلام قال:
«سبعة لايقصّرون الصلاة - الى أن قال: - و الرجل يطلب الصيد يريد به لهو الدنيا، و المحارب الذي يقطع السبيل».(3)
و صحيحة حمّاد بن عثمان عن أبي عبداللّه عليه السلام في قول اللّه عزّوجلّ: «فمن اضطرّ غير باغٍ و لا عادٍ» قال:
«الباغي: باغي الصيد، و العادي: السارق، و ليس لهما أن يأكلا الميتة اذا اضطرّا اليها، هي عليهما حرام، ليس هي عليهما كما هي على المسلمين، و ليس لهما أن يقصّرا في الصلاة».(4)
لا فرق في عدم التقصير في السفر للصيد اللهوي بين استمرار ثلاثة أيّام أو
عدمه و ذلك لاطلاق الروايات المتقدّمة أي صحيحة عمّار بن مروان و صحيحة زرارة و موثّقة عبيد بن زرارة و صحيحة حمّاد بن عثمان و خبر ابن بكير و خبر اسماعيل بن أبي زياد و موثّقة سماعة. نعم، في مرسلة الحسن بن محبوب عن أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«ليس على صاحب الصيد تقصير ثلاثة أيّام، و اذا جاوز الثلاثة لزمه».(1)
و الرواية ضعيفة فانّها مرسلة، مع امكان توجيهها بأنّ السلاطين و الحكّام و ما شابههما لم يخرجوا الى الصيد أكثر من ثلاثة أيّام فكان الواجب عليهم التمام، ولكن التجّار الذين كان صيدهم للتجارة فكان توقّفهم غالبا أكثر من ثلاثة أيّام فاللازم عليهم القصر. و يؤكّد هذا التوجيه، سؤال زرارة من الباقر عليه السلام عمّن يخرج عن أهله بالصقورة و البزاة و الكلاب يتنزّه الليلتين و الثلاثة، و قد تقدّم في صحيحته و كذا خبر ابن بكير، و مرسلة عمران بن محمّد بن عمران القمّي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قلت له: الرجل يخرج الى الصيد مسيرة يوم أو يومين (أو ثلاثة). الخ الحديث».(2)
لا فرق في وجوب التمام بين أن يكون قرب البلد أو بعيدا عنه اذا كان سفره مسافة، و ما قد يتراءى من بعض الروايات قابل للتوجيه؛ للجمع بينها و بين
غيرها. ففي صحيحة صفوان عن عبداللّه قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يتصيّد؟ فقال: ان كان يدور حوله فلايقصّر، و ان كان تجاوز الوقت فليقصّر».(1)
و صحيحة العيص بن القاسم أنّه سأل الصادق عليه السلام عن الرجل يتصيّد؟ فقال:
«ان كان يدور حوله فلايقصّر، و ان كان تجاوز الوقت فليقصّر».(2)
فتحمل الروايتان على ما اذا كان الرجل يتصيّد لقوته أو للتجارة، ففي هذه الحال ان لم يخرج بقصد المسافة و كان يدور حول البلد فلايقصّر، و ان قصد المسافة و تجاوز حدّ الترخّص فليقصّر. فمعنى الوقت هنا الحدّ أي حدّ الترخّص.
و أمّا خبر أحمد بن محمّد السيّاري عن بعض أهل العسكر قال:
«خرج عن أبي الحسن عليه السلام أنّ صاحب الصيد يقصّر مادام على الجادّة، فاذا عدل عن الجادّة أتمّ، فاذا رجع اليها قصّر».(3)
فيحمل على ما اذا قصد المسافة و لم يرد الصيد، و في أثناء السفر أراد أن يتصيّد للّهو فعدل عن الجادّة فانّه في هذه الحال كمن عزم على الرجوع أو تردّد، فيتمّ كما يتمّ المتردّد، فاذا تاب و رجع الى الجادّة قصّر ان كان ما بقي مع ضمّ ما سبق مسافة، كما في نظيره.
قال في الجواهر: «و كذا لا فرق في جميع أفراد الصيد السابقة بعد احراز قصد المسافة بين كونه دائرا حول المدينة أو تباعد عنها، و لا بين استمرار دورانه ثلاثة أيّام أو أقلّ؛ لاطلاق الأدلّة، فما عن ابن الجنيد - من أنّ المتصيّد ماشيا اذا كان دائرا حول المدينة غير مجاوز حدّ التقصير لم يقصّر يومين، فان تجاوز الحدّ و استمرّ به دورانه ثلاثة أيّام قصّر بعدها - ضعيف جدّا، و خبرا صفوان و العيص عن
الصادق عليه السلام عن الرجل يتصيّد، فقال: «ان كان يدور حوله فلايقصّر، و ان كان تجاوز الوقت فليقصّر» محمولان على صيد القوت و تجاوز حدّ الرخصة من الوقت فيه، و على قصد السير المعتبر في التقصير، كما أنّه يجب حمل خبر أبي بصير عن الصادق عليه السلام: «ليس على صاحب الصيد تقصير ثلاثة أيّام، و اذا جاوز الثلاثة لزمه» على التقيّة كما قيل، أو غيرها ممّا لاينافي النصوص المعمول عليها التي لايجوز الخروج عنها بمثل ذلك القاصر سندا و دلالة و اعتضادا كما هو واضح. انتهى».(1)
و لا فرق في وجوب اتمام الصلاة في السفر الذي يتصيّد للّهو بين البرّ و البحر؛ لاطلاق الروايات و لوجود المناط في كليهما.
قال في الجواهر: «و لا فرق في جميع ذلك بين صيد البرّ و البحر؛ لاطلاق النصوص و الفتاوى، اللّهمّ الاّ أن يدّعى انصرافه الى المعهود المتعارف بين الملوك و أولاد الدنيا من صيد الأوّل بالبزاة و الكلاب، و منه يتّجه الاحتياط في الثاني، بل و الأوّل أيضا اذا لم يكن بالطريق المزبور بل بالبندق و نحوه، فتأمّل. انتهى».(2)
القسم الثاني من الصيد: هو الصيد لقوته أو قوت عياله فانّه حلال و السفر لذلك مباح فيقصّر فيه و يفطر.
قال في الجواهر: «لو كان الصيد لقوته و قوت عياله قصّر بلا خلاف أجده، بل هو مجمع عليه نقلاً ان لم يكن تحصيلاً لاطلاق الأدلّة السالم عن المعارض هنا
بعد ظهور تلك النصوص حتّى المطلق منها في غيره. و خصوص مرسل ابن أبي عمير المتقدّم الذي هو كالمسند، و غيره. انتهى».(1)
و يدلّ عليه من القرآن الكريم: «و اذا حللتم فاصطادوا»(2)، و كذا قوله عزّوجلّ: «و حرّم عليكم صيد البرّ مادمتم حُرُما».(3)
و من الروايات: مفهوم ما مرّ من الراويات التي تدلّ على عدم التقصير اذا كان السفر للصيد اللهوي، و كذا تدلّ على الجواز، العلّة التي من أجلها صار الصيد اللهوي حراما. و تؤيّده رواية عمران بن محمّد بن عمران القمّي عن بعض أصحابنا عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قلت له: الرجل يخرج الى الصيد مسيرة يوم أو يومين يقصّر(4)أو يتمّ؟ فقال: ان خرج لقوته و قوت عياله فليفطر و ليقصّر، و ان خرج لطلب الفضول فلا، و لا كرامة».(5)
القسم الثالث من الصيد: الصيد للتجارة، فقد اختلفوا فيه على قولين: فذهب أكثر المتأخّرين و بعض القدماء الى تقصير الصلاة و افطار الصوم، و أمّا أكثر القدماء فذهبوا الى التفصيل بين الصلاة فيتمّ و الصوم فيفطر.
قال العلاّمة رحمه الله في المختلف: «قال الشيخ في النهاية: «لو كان الصيد للتجارة وجب عليه التقصير في الصوم و التمام في الصلاة». و هو اختيار المفيد و علي بن بابويه و ابن البرّاج و ابن حمزة و ابن ادريس. و قال ابن ادريس: «روى أصحابنا بأجمعهم أنّه يتمّ الصلاة و يفطر الصوم، و كلّ سفر أوجب التقصير في الصوم وجب تقصير الصلاة فيه الاّ هذه المسألة فحسب؛ للاجماع عليها». و هذا يدلّ
على أنّه يعتقد ذلك. و أوجب السيّد المرتضى و ابن أبي عقيل و سلاّر: «التقصير على من كان سفره طاعة و مباحا، و لم يفصّلوا الصيد و غيره». و الأقرب عندي وجوب التقصير - الى أن قال: - احتجّ الشيخ بما رواه ابن بكير قال: «سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يتصيّد اليوم و اليومين و الثلاثة، أيقصّر الصلاة؟ قال: لا، الاّ أن يشيّع الرجل أخاه في الدين، فانّ الصيد مسير باطل لاتقصّر الصلاة فيه».(1)و بموثّقة عبيد بن زرارة قال: «سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يخرج الى الصيد، أيقصّر أو يتمّ؟ قال: يتمّ؛ لأنّه ليس بمسير حقّ».(2)و بمرسلة ابن عمران القمّي: «- الى أن قال: - أيقصّر أو يتمّ؟ فقال: ان خرج لقوته و قوت عياله فليفطر و ليقصّر، و ان خرج لطلب الفضول فلا، و لا كرامة».(3)انتهى ملخّصا».(4)
و الظاهر أنّ مراد ابن ادريس من قوله: «روى أصحابنا بأجمعهم أنّه يتمّ الصلاة و يفطر الصوم» هو هذه الروايات التي استدلّ بها الشيخ رحمه الله بنقل العلاّمة رحمه الله، ولكن لاتدلّ الروايات على التفصيل الذي قالوا به. فانّ العلّة المذكورة في الروايات بأنّ التصيّد «مسير باطل» أو «لأنّه ليس بمسير حقّ» أو «و لا كرامة» تنطبق على الصيد اللهوي دون الصيد للتجارة. هذا أوّلاً.
و ثانيا لم يتعرّض في الروايات المذكورة لتقصير الصوم بل اكتفي فيها بتقصير الصلاة، فبضميمة ما ورد في صحيحة معاوية بن وهب: «اذا قصّرت أفطرت، و اذا أفطرت قصّرت»(5)يتمّ ما عليه مشهور المتأخّرين من قصر الصلاة و افطار الصوم.
و في مصباح الفقيه بعد نقل الآراء في المسألة و استدلالاتهم قال: «و الذي
1) - وسائل الشيعة 8: 480 / الباب 9 من أبواب صلاة المسافر / الحديث 7.
2) - وسائل الشيعة 8: 479 / الباب 9 من أبواب صلاة المسافر / الحديث 4.
3) - وسائل الشيعة 8: 480 / الباب 9 من أبواب صلاة المسافر / الحديث 5.
4) - مختلف الشيعة 2: 521 و 524.
5) - وسائل الشيعة 8: 503 / الباب 15 من أبواب صلاة المسافر / الحديث 17.
يقتضيه الانصاف أنّ شيئا من المذكورات و ان لم ينهض حجّة لاثبات حكم شرعي الاّ أنّه قد يحصل من مجموعها الظنّ القوي باستنادهم في هذا الحكم الى رواية واصلة اليهم صالحة للاستناد اليها أي جامعة لشرائط الحجّيّة فيشكل الحكم بخلافه الاّ أنّ ارتكاب التخصيص في عمومات أدلّة التقصير و خصوص الصحيح المتقدّم الدالّ على عدم انفكاك الافطار عن التقصير بمثل هذا الظنّ الذي لم يدلّ دليل على اعتباره أشكل، و لعلّه لذا قال المصنّف رحمه الله: «و فيه تردّد» فالاحتياط بالجمع بين القصر و الاتمام ممّا لاينبغي تركه و ان كان ما اشتهر بين المتأخّرين من القول بالتقصير أشير بالقواعد، و اللّه العالم. انتهى».(1)
(مسألة 32): الراجع من سفر المعصية ان كان بعد التوبة يقصّر و ان كان مع عدم التوبة فلايبعد وجوب التمام عليه؛ لكون العود جزءا من سفر المعصية، لكنّ الأحوط الجمع حينئذ.
الشرح:
الراجع من سفر المعصية ان كان بعد التوبة يقصّر بلا اشكال؛ لرفع المانع لحكم القصر. و أمّا ان لم يتب فكذلك يقصّر؛ لانتفاء الموضوع للتمام في السفر و هو المعصية. و ما قيل بأنّ رجوعه من سفر المعصية جزء من سفر المعصية، مدفوع بأنّ الحكم دائر مدار الموضوع فالراجع من سفر المعصية الذي كان مقصده وطنه مثلاً لايريد المعصية حينئذ فلايكون سفره و لا غاية سفره معصية.
قال المحقّق الهمداني: «مقتضى اطلاق النصوص و الفتاوى عدم الترخّص في سفر المعصية مطلقا حتّى في الاياب و رجوعه الى أهله اذا عدّ عرفا رجوعه من تتمّة سفره الذي قصد به الصيد أو السرقة أو تشييع السلطان مثلاً كما صرّح به
1) - مصباح الفقيه كتاب الصلاة: 744.
المحقّق القمّي رحمه الله في أجوبة مسائله. و أمّا لو استقلّ رجوعه بالملاحظة عرفا كما لو ارتدع في أثناء الطريق عن قصده فرجع أو ندم على عمله و تاب ثمّ رجع الى غير ذلك من الفروض التي يلاحظ رجوعه فيها لدى العرف مسافة مستقلّة فيراعى حينئذ ما يقتضيه هو بنفسه من التقصير ان كان بالغا حدّه كما لايخفى. انتهى».(1)
و قال في المستمسك: «و فيه منع ظاهر؛ لاختلافهما موضوعا و عنوانا، و لذا نفى في الجواهر الاشكال في الترخّص في العود. الاّ أن يكون قصد به المعصية أيضا. انتهى».(2)
(مسألة 33): اباحة السفر كما أنّها شرط في الابتداء شرط في الاستدامة أيضا، فلو كان ابتداء سفره مباحا فقصد المعصية في الأثناء انقطع ترخّصه و وجب عليه الاتمام و ان كان قد قطع مسافات، و لو لم يقطع بقدر المسافة صحّ ما صلاّه قصرا، فهو كما لو عدل عن السفر و قد صلّى قبل عدوله قصرا حيث ذكرنا سابقا أنّه لايجب اعادتها. و أمّا لو كان ابتداء سفره معصية فعدل في الأثناء الى الطاعة فان كان الباقي مسافة فلا اشكال في القصر و ان كانت ملفّقة من الذهاب و الاياب بل و ان لم يكن الذهاب أربعة على الأقوى. و أمّا اذا لم يكن مسافة و لو ملفّقة فالأحوط الجمع بين القصر و التمام و ان كان الأقوى القصر بعد كون مجموع ما نواه بقدر المسافة و لو ملفّقة، فانّ المدار على حال العصيان و الطاعة فمادام عاصيا يتمّ و مادام مطيعا يقصّر من غير نظر الى كون البقيّة مسافة أو لا.
الشرح:
اباحة السفر كما أنّها شرط في الابتداء شرط في الاستدامة أيضا فلو كان ابتداء سفره مباحا فقصد المعصية في الأثناء انقطع ترخّصه و وجب عليه الاتمام وان كان قد قطع مسافات، و ذلك لأنّه انقلب الموضوع، فموضوع القصر هو السفر المباح و موضوع التمام هو سفر المعصية. و لو قصد السفر المباح فاذا جاوز الحدّ صلّى بعض الصلوات اليوميّة قصرا ثمّ عدل فقصد المعصية في الأثناء و لم يقطع مسافة فانّه لايعيد صلاته و ان كان الوقت باقيا، و ذلك لما قلنا في المسألة الرابعة و العشرين من دلالة صحيحة زرارة قال:
«سألت جعفرا عليه السلام عن الرجل يخرج مع القوم في السفر يريده فدخل عليه الوقت و قد خرج من القرية على فرسخين فصلّوا و انصرف بعضهم في حاجة فلم يقض له الخروج، ما يصنع بالصلاة التي كان صلاّها ركعتين؟ قال: تمّت صلاته و لايعيد».(1)
و أمّا لو كان ابتداء سفره معصية فعدل في الأثناء الى الطاعة فان كان الباقي مسافة فلا اشكال في القصر و كذا لو كان ملفّقا بحيث كان ذهابه بعد الرجوع الى الطاعة أربعة فراسخ و ايابه أيضا أربعة فراسخ أو أزيد، فانّه أيضا يقصّر.
و أمّا لو لم يكن الباقي مسافة و لم يكن أربعة فراسخ حتّى يكون مع ايابه ثمانية فراسخ فيتمّ صلاته؛ لفقدان موضوع القصر و هو المسافة ولو ملفّقة، و لايضمّ ما سبق الى الباقي؛ لأنّ ما سبق لم يكن مقتضيا بنفسه للتقصير و لا لأن يلحق به، فانّه ليس بمسير حقّ فلم يعتبر شرعا.
قال في مصباح الفقيه: «لا فرق في وجوب الاتمام في سفر المعصية بين الابتداء و الاستمرار، فلو خرج بقصد الطاعة ثمّ عدل الى قصد المعصية أتمّ و ان كان ما قطعه بقصد الطاعة بالغا حدّ المسافة، فانّه متى عدل الى قصد المعصية صار سفره في معصية اللّه تعالى فوجب عليه التمام. و توهّم أنّ السفر المباح الصادر منه
1) - وسائل الشيعة 8: 521 / الباب 23 من أبواب صلاة المسافر / الحديث 1.
كان صدوره منه سببا لوجوب التقصير الى أن يحصل القاطع و ما قطعه على وجه المعصية غايته أن يكون وجوده كعدمه في عدم تتميم المسافة به لو احتيج الى التتميم كما أنّه لايوجب القصر لو كان بنفسه مسافة فهو غير مؤثّر في رفع وجوب التقصير الثابت بسبب سابق، مدفوع بأنّ ما دلّ على التقصير في السفر قد خصّص بما دلّ على وجوب الاتمام في السفر الغير السائغ. لايقال انّ المنساق من الأخبار المزبورة ما لو كان خروجه من منزله بقصد الحرام فلايتناول ما لو عدل الى قصده في الأثناء ولكنّا نلتزم به للاجماع، و القدر المتيقّن من معقده هو ما لو كان عدوله اليه قبل بلوغ المسافة؛ لأنّا نقول بعد الغضّ عن أنّ كلمات المجمعين كالنصّ في ارادة الأعمّ: انّ الأخبار بواسطة ما فيها من التعليل و المناسبة بين الحكم و موضوعه أيضا كالنصّ في ذلك كما لايخفى على المتأمّل. انتهى».(1)
و قال في موضع آخر منه: «و قد ظهر بما ذكرنا الحكم في صورة العكس أيضا أي فيما لو سافر من منزله بقصد الحرام ثمّ عدل في الأثناء الى قصد الطاعة من أنّه لايكفي في ثبوت التقصير له مجرّد عدوله عن قصد الحرام بل يعتبر تلبّسه بالسير لغاية محلّلة و يعتبر فيه أيضا كون الباقي مسافة بلا خلاف فيه على الظاهر - الى أن قال: - و كيف كان فلا خلاف بينهم على الظاهر في عدم كفاية كونه بانضمامه الى ما قطعه بوجه غير سائغ مسافة لعدم الاعتداد بما قطعه بهذا الوجه شرعا لكونه فاقدا لشرط التقصير فهو بمنزلة ما لو قطعه بلا قصد كما سيأتي تحقيقه ان شاء اللّه. انتهى».(2)
(مسألة 34): لو كانت غاية السفر ملفّقة من الطاعة و المعصية فمع استقلال داعي المعصية لا اشكال في وجوب التمام، سواء كان داعي الطاعة
أيضا مستقلاًّ أو تبعا، و أمّا اذا كان داعي الطاعة مستقلاًّ و داعي المعصية تبعا، أو كان بالاشتراك ففي المسألة وجوه، و الأحوط الجمع، و ان كان لايبعد وجوب التمام خصوصا في صورة الاشتراك بحيث لولا اجتماعهما لايسافر.
الشرح:
لو كانت غاية السفر ملفّقة من الطاعة و المعصية فمع استقلال داعي المعصية لا اشكال في وجوب التمام، سواء كان داعي الطاعة أيضا مستقلاًّ أو تبعا، و ذلك لشمول الروايات الدالّة على وجوب التمام لمن كان سفره معصية أو غاية للمعصية أو ملفّقا من الطاعة و المعصية مع استقلال داعي المعصية. كما لو كان من عزمه ارتكاب بعض المعاصي و كان بحيث لو لم يكن شيء آخر يحرّكه، لسافر لذلك البعض. و أمّا لو كانت غاية السفر طاعة و هي التي يبعثه و يحرّكه بحيث لولا تلك الطاعة لم يسافر ولكن يكون في قصده أن يرتكب بعض المعاصي، و هذا كمن سافر للتجارة و سفره منبعث منها الاّ أنّه يكون مسرورا بارتكاب المعصية في هذا السفر، فان كان جازما على المعصية فيشمله الروايات و يصدق أنّ سفره هذا سفر في معصية اللّه و أنّه ليس بمسير حقّ. و أمّا لو تردّد في الارتكاب فلاتشمله فيقصّر.
و لو كانت غاية السفر طاعة و معصية بنحو الاشتراك، كمن سافر للتجارة و للمعصية و كان كلتاهما يبعثانه بنحو العلّة المشتركة بحيث لو لم يكن احداهما لم يسافر، فهذا أيضا يتمّ صلاته و لايفطر صيامه لصدق سفره هذا سفر المعصية، و أنّه ليس بمسير حقّ، فيشمله الروايات.
و في المستمسك عند قول المصنّف: «ففي المسألة وجوه» قال: «أحدها: وجوب القصر، بدعوى ظهور نصوص سفر المعصية فيما اذا كان داعي المعصية صالحا للعلّيّة بالاستقلال. و ثانيها: وجوب التمام لما يأتي. و ثالثها: التفصيل بين صورة الاشتراك في الداعويّة، فيجب التمام، و كون داعي المعصية تابعا، فيجب
القصر. بدعوى ظهور النصوص في كون المراد من سفر المعصية ما يكون للحرام دخل فيه، بحيث لولاه لم يكن. انتهى».(1)
و فيه عند قول المصنّف: «و ان كان لايبعد وجوب التمام» قال: «لأنّه يكفي في كونه سفرا في معصية كونه سائرا بقصد المعصية، بلا فرق بين الصور المذكورة. انتهى».(2)
(مسألة 35): اذا شكّ في كون السفر معصية أو لا مع كون الشبهة موضوعيّة فالأصل الاباحة الاّ اذا كانت الحالة السابقة هي الحرمة، أو كان هناك أصل موضوعيّ كما اذا كانت الحلّيّة مشروطة بأمر وجودي كاذن المولى و كان مسبوقا بالعدم، أو كان الشكّ في الاباحة و العدم من جهة الشكّ في حرمة الغاية و عدمها و كان الأصل فيها الحرمة.
الشرح:
اذا شكّ في كون السفر معصية أو لا مع كون الشبهة موضوعيّة فالأصل الاباحة. مثاله ما لو شكّ في أنّ هذا السفر موجب لايذاء والديه أو لا فيبني على الاباحة؛ لعدم الخلاف في أنّ الأصل الجاري في الشبهات الموضوعيّة الاباحة حتّى من الأخباريّين القائلين بالتحريم في الشبهات الحكميّة الدائر أمرها بين الاباحة و التحريم، الاّ فيما كان مثل الخمس و الزكاة و الحجّ ممّا يهتمّ به الشارع و المسامحة فيه موجبة لتضييع الحقوق، فمن شكّ أنّ عليه الخمس أو الزكاة أو كان مستطيعا فيجب عليه الفحص عن ماله الاّ اذا كان حرجيّا. نعم، لو كانت الحالة السابقة هي الحرمة فيعمل بها، كما لو سافر للفرار من الزحف و بعد مدّة شكّ في أنّ الزحف
انتهى حتّى يكون سفره جائزا أو لم ينتهِ حتّى يكون منهيّا، فيستصحب الحرمة، و كذا لو كان هناك أصل موضوعي كما لو كانت الحلّيّة مشروطة بأمر وجودي كاذن المولى أو الزوج، فاذا شكّ في اذن مولاه أو زوجها فالأصل عدم الاذن، و كذا لو كان مسبوقا بعدم الاذن فيستصحب عدم اذنهما فيخرج الموضوع عن الشبهة. فأصل الموضوع حاكم على أصالة الاباحة.
و أمّا اذا شكّ في كون السفر معصية أو لا مع كون الشبهة تحريميّة فمثاله ما لو شكّ في أنّ اباحة السفر منوطة باذن الوالدين أي كانت الحلّيّة مشروطة باذنهما أو كانت الحرمة مشروطة بعدم نهيهما، أو التفصيل بين ما لو كان السفر موجبا لايذائهما فيحرم و لو لم يكن كذلك فلايحرم، فحينئذ يجب عليه الاجتهاد أو التقليد أو العمل بالاحتياط، و لو تركها فالاشتغال اليقيني يستدعي البراءة اليقينيّة.
(مسألة 36): هل المدار في الحلّيّة و الحرمة على الواقع أو الاعتقاد أو الظاهر من جهة الأصول؟ اشكال، فلو اعتقد كون السفر حراما بتخيّل أنّ الغاية محرّمة فبان خلافه، كما اذا سافر لقتل شخص بتخيّل أنّه محقون الدم فبان كونه مهدور الدم، فهل يجب عليه اعادة ما صلاّه تماما أو لا؟ و لو لم يصلّ و صارت قضاءً فهل يقضيها قصرا أو تماما؟ وجهان، و الأحوط الجمع و ان كان لايبعد كون المدار على الواقع اذا لم نقل بحرمة التجرّي، و على الاعتقاد ان قلنا بها، و كذا لو كان مقتضى الأصل العملي الحرمة، و كان الواقع خلافه أو العكس فهل المناط ما هو في الواقع أو مقتضى الأصل بعد كشف الخلاف؟ وجهان، و الأحوط الجمع، و ان كان لايبعد كون المناط هو الظاهر الذي اقتضاه الأصل اباحة أو حرمة.
الشرح:
هل المدار في الحلّيّة و الحرمة على الواقع أو الاعتقاد أو الظاهر من جهة الأصول؟ فتارة يمكن أن يقال: انّ حلّيّة السفر و حرمته على الواقع كما في أصل المسافة فمن تخيّل أنّ سفره مسافة فصلّى قصرا ثمّ تبيّن الخلاف يجب عليه الاعادة أو القضاء تامّا فكذا ما نحن فيه. و أخرى يمكن أن نقول بأنّ مدارها الاعتقاد؛ لأنّ الاباحة و الحرمة دائرتان مدار قصده فان كان قصده من السفر معصية يتمّ و ان لم يكن كذلك يقصّر، و قصده هذا يرجع الى اعتقاده. و ثالثة لقائل أن يقول: انّه اذا كان يجري هناك أصل كأصل الاباحة و الاستصحاب فمدار الحلّيّة و الحرمة على الظاهر.
و الحقّ أنّ حرمة السفر دائرة مدار ما هو الواقع و العلم به، فاذا كان غاية سفره معصية واقعا و علم بها صار سفره هذا معصية فيجب عليه التمام؛ لأنّ الظاهر من قوله عليه السلام في صحيحة عمّار بن مروان:
«من سافر قصّر و أفطر الاّ أن يكون رجلاً سفره الى صيد أو في معصية اللّه. الحديث».(1)
شيئان: معصية اللّه واقعا، و كون الرجل مكلّفا أي منجّزا في حقّه، و لايكون كذلك حتّى يكون عالما بكون سفره هذا معصية اللّه، فاذا فقد أحد هذين لايصدق عليه قوله عليه السلام: «الاّ أن يكون رجلاً سفره الى صيد أو في معصية اللّه» فمن كان سفره معصية واقعا و هو يعتقد اباحته فيجب عليه التقصير فاذا انكشف خلافه لايعيد. و كذا لو اعتقد كون سفره معصية و كان مباحا واقعا فان صلّى تماما ثمّ التفت يعيدها قصرا. اللّهمّ الاّ أن يقال بحرمة التجرّي.
و في المستمسك في شرح قول المصنّف: «و ان كان لايبعد كون المدار على الواقع اذا لم نقل بحرمة التجرّي، و على الاعتقاد ان قلنا بها» قال: «فانّه الظاهر من كلمات الأصحاب، حيث جعلوا الاباحة شرطا للسفر، كشرط بلوغ المسافة
1) - وسائل الشيعة 8: 476 / الباب 8 من أبواب صلاة المسافر / الحديث 3.
بريدين، الظاهر في كونها شرطا واقعيّا، لا قصديّا بل ظاهر النصوص أيضا؛ لما ذكر. و مجرّد كون السفر المأخوذ شرطا للترخّص قصديّا لا خارجيّا، لاينافي ذلك اذا ساعدته الأدلّة، و لذا لانقول بذلك في البلوغ بريدين، فانّ جميع ما ذكر فيه التمام من أنواع سفر المعصية في النصوص كان محرّما واقعيّا، لا قصديّا اعتقاديّا. و دعوى أنّ ظاهر قوله عليه السلام: «في معصية اللّه، أو رسولاً لمن يعصي اللّه» كون ذلك بنظر المكلّف، ممنوعة، بل الظاهر كون المراد منه السفر في الحرام، و لو بنحو الرسالة اليه. - الى أن قال: - هذا اذا لم نقل بحرمة التجرّي. أمّا لو قلنا بها فاللازم البناء على التمام مع اعتقاد الحرمة أيضا؛ لتحقّق الحرمة للسفر بالفرض، و لو كانت من أجل التجرّي. و اعتبار الحرمة بالعنوان الأوّلي لا ملزم به. و حينئذ تكون نتيجة ذلك الاكتفاء في نفي الترخّص باحدى الحرمتين: الأوّليّة الواقعيّة، و الثانويّة الناشئة من التجرّي، لا أنّه يكون المدار على الاعتقاد لا غير، كما يظهر من المتن. انتهى».(1)
و أمّا لو اقتضى الأصل الاباحة أو الحرمة كأصل الاباحة أو استصحاب الحرمة فما ذهب اليه في المستمسك قويّ، فانّه قال: «أمّا اباحة فظاهر، فانّا و ان لم نقل بثبوت حكم ظاهري في قبال الحكم الواقعي، لكن لا بدّ لنا من القول بالترخيص الشرعي في فعل الحرام، اذا كان الأصل يقتضي الحلّ. و حينئذ يكون السفر سائغا و مرخّصا فيه شرعا حقيقة. و أمّا حرمة فينبغي ابتناؤه على ما سبق من القول بحرمة التجرّي و عدمها. اذ على الأوّل يكون السفر محرّما شرعا بعنوان التجرّي و ان كان حلالاً بالعنوان الواقعي الأوّلي. و على الثاني يكون حلالاً لا غير، فيجب فيه القصر واقعا. فاجراء أصل الاباحة و أصل الحرمة على نحو واحد - كما في المتن - غير ظاهر. هذا و يمكن أن يقال: انّ مورد النصوص، و المستفاد منها: كون الموضوع هو الحرام الواقعي، لا ما يشمل الحرام من جهة التجرّي. و غاية ما
1) - مستمسك العروة 8: 59 و 60.
يدّعى: انصرافه الى صورة تنجّز ذلك الحرام على المكلّف. و هذا هو الأقرب. و لاسيّما و أنّ البناء على حرمة التجرّي شرعا بعيد جدّا، اذ غاية ما يمكن الالتزام به هو ايجابه لاستحقاق العقاب، كالمعصية الحقيقيّة. فتأمّل جيّدا. و اللّه العالم. انتهى».(1)
(مسألة 37): اذا كانت الغاية المحرّمة في أثناء الطريق لكن كان السفر اليها مستلزما لقطع مقدار آخر من المسافة فالظاهر أنّ المجموع يعدّ من سفر المعصية بخلاف ما اذا لم يستلزم.
الشرح:
اذا كانت الغاية المحرّمة في أثناء الطريق لكن كان السفر اليها مستلزما لقطع مقدار آخر من المسافة، فهذا يتصوّر على وجهين: فتارة يكون السفر الزائد مقدّمة للمعصية، كما لو أراد السفر من شيراز الى اصفهان لارتكاب محرّم هناك ولكن المواصلات(2)تحمله أوّلاً الى طهران ثمّ الى اصفهان فالظاهر أنّ المجموع يعدّ من سفر المعصية. و أخرى أراد السفر من شيراز الى اصفهان لارتكاب محرّم هناك و المواصلات تحمله الى اصفهان ولكن اذا وصل الى اصفهان خاف من الحكومة فسافر الى طهران و كان من قصده أن يرجع الى اصفهان للمعصية بعد أيّام، فهذا السفر أي السفر من اصفهان الى طهران ليس سفر معصية.
(مسألة 38): السفر بقصد مجرّد التنزّه ليس بحرام و لايوجب التمام.
الشرح:
السفر بقصد مجرّد التنزّه ليس بحرام؛ لعدم الدليل على الحرمة و لايوجب التمام، بل يقصّر؛ لاطلاقات أدلّة القصر بعد أن كان السفر سائغا و الحكم مورد للاجماع، بل السيرة القطعيّة كما في الجواهر.
قال في الجواهر: «يستفاد من النصوص والفتاوى عدم الحرمة مضافا الى الأصل و السيرة القطعيّة. انتهى ملخّصا».(1)
(مسألة 39): اذا نذر أن يتمّ الصلاة في يوم معيّن أو يصوم يوما معيّنا وجب عليه الاقامة، و لو سافر وجب عليه القصر على ما مرّ من أنّ السفر المستلزم لترك واجب لايوجب التمام الاّ اذا كان بقصد التوصّل الى ترك الواجب، و الأحوط الجمع.
الشرح:
اذا نذر أن يتمّ الصلاة في يوم معيّن أو يصوم يوما معيّنا فهل يجب عليه الاقامة لو كان مسافرا أو يحرم عليه السفر لو كان حاضرا؟ فبالنسبة الى الصوم لايجب عليه الاقامة و لايحرم السفر و ذلك لصحيحة علي بن مهزيار (في حديث) قال:
«كتبت اليه - يعني الى أبي الحسن عليه السلام - يا سيّدي! رجل نذر أن يصوم يوما من الجمعة دائما ما بقي، فوافق ذلك اليوم يوم عيد فطر أو أضحى أو أيّام التشريق أو سفر أو مرض، هل عليه صوم ذلك اليوم أو قضاؤه؟ و كيف يصنع يا سيّدي؟ فكتب اليه: قد وضع اللّه عنه
1) - جواهر الكلام 14: 264.
الصيام في هذه الأيّام كلّها، و يصوم يوما بدل يوم ان شاء اللّه».(1)
و أمّا بالنسبة الى الصلاة بأن ينذر اتمام الصلاة في يوم معيّن فالظاهر عدم انعقاد نذره؛ لأنّه لا رجحان في الاتمام و القصر حتّى ينعقد النذر؛ لأنّه ان كان حاضرا فالواجب عليه التمام و ان كان مسافرا فلا معنى لاتمام الصلاة.
(مسألة 40): اذا كان سفره مباحا لكن يقصد الغاية المحرّمة في حواشي الجادّة فيخرج عنها لمحرّم و يرجع الى الجادّة، فان كان السفر لهذا الغرض كان محرّما موجبا للتمام. و ان لم يكن لذلك و انّما يعرض له قصد ذلك في الأثناء فمادام خارجا عن الجادّة يتمّ و مادام عليها يقصّر، كما أنّه اذا كان السفر لغاية محرّمة و في أثنائه يخرج عن الجادّة و يقطع المسافة أو أقلّ لغرض آخر صحيح يقصّر مادام خارجا و الأحوط الجمع في الصورتين.
الشرح:
اذا قصد مسافة أو أكثر و كان سفره مباحا لكن قصد الغاية المحرّمة في حواشي الجادّة فخرج عنها لمحرّم و رجع الى الجادّة فان كان السفر لهذا الغرض كان محرّما موجبا للتمام؛ لأنّ سفره هذا سفر معصية. و ان لم يكن لذلك و انّما عرض له قصد ذلك في الأثناء فمادام خارجا عن الجادّة يتمّ، سواء كان سفره خارج الجادّة مسافة أم لا؛ لأنّ مسيره هذا ليس بحقّ. و أمّا اذا رجع الى الجادّة يقصّر سواء كان ما بقي مسافة أم لا - لو كان الباقي مع ما سبق مسافة - لأنّ مسيره هذا حقّ و قابل للضمّ الى ما سبق، فانّ الحكم و ان كان تابعا للموضوع و قد انقطعالمسير الذي كان حقّا بخروجه عن الجادّة الاّ أنّ انقطاعه ليس كانقطاع قصد الاقامة عشرة أيّام في مكان فانّ قصد الاقامة في مكان كالوطن يمحو أثر السفر
1) - وسائل الشيعة 23: 310 / الباب 10 من كتاب النذر و العهد / الحديث 1.
شرعا و يجعل السفر بعد الاقامة سفرا جديدا بخلاف ما نحن فيه؛ فانّ عروض المسير الذي ليس بحقّ في أثناء السفر لايوجب انقطاع السفر و لايصيّر ما سبق من سفره الحقّ غير قابل للالحاق الى ما بعده، فالظاهر من الأدلّة هو الذي ذكرناه.
(مسألة 41): اذا قصد مكانا لغاية محرّمة فبعد الوصول الى المقصد قبل حصول الغرض يتمّ، و أمّا بعده فحاله حال العود عن سفر المعصية في أنّه لو تاب يقصّر، و لو لم يتب يمكن القول بوجوب التمام لعدّ المجموع سفرا واحدا، و الأحوط الجمع هنا و ان قلنا بوجوب القصر في العود و بدعوى عدم عدّه مسافرا قبل أن يشرع في العود.
الشرح:
اذا قصد مكانا لغاية محرّمة فبعد الوصول الى المقصد و قبل حصول الغرض يتمّ صلاته كما يتمّ حين سفره و قبل الوصول. و أمّا بعد حصول الغرض فلو تاب عن المعصية و عاد و كان عوده مسافة يقصّر و كذا لو لم يتب؛ لأنّ عوده بقصد الوطن ليس بمسير باطل. و أمّا الزمان الذي كان بعد حصول الغرض و لم يسر بعد فالظاهر أنّه ملحق بسفر المعصية، فيجب التمام عليه الى أن يشرع في العود فيقصّر.
(مسألة 42): اذا كان السفر لغاية لكن عرض في أثناء الطريق قطع مقدار من المسافة لغرض محرّم منضمّا الى الغرض الأوّل، فالظاهر وجوب التمام في ذلك المقدار من المسافة؛ لكون الغاية في ذلك المقدار ملفّقة من الطاعة و المعصية، و الأحوط الجمع خصوصا اذا لم يكن الباقي مسافة.
الشرح:
اذا كان السفر لغاية مباحة ثمّ عرض له في أثناء الطريق قطع مقدار من المسافة لغرض محرّم منضمّا الى الغرض السابق، فهذا يتمّ؛ لعدّ سفره هذا من سفر المعصية.
(مسألة 43): اذا كان السفر في الابتداء معصية فقصد الصوم ثمّ عدل في الأثناء الى الطاعة فان كان العدول قبل الزوال وجب الافطار، و ان كان بعده ففي صحّة الصوم و وجوب اتمامه اذا كان في شهر رمضان مثلاً وجهان، و الأحوط الاتمام و القضاء، و لو انعكس بأن كان طاعة في الابتداء و عدل الى المعصية في الأثناء فان لم يأت بالمفطر و كان قبل الزوال صحّ صومه، و الأحوط قضاؤه أيضا، و ان كان بعد الاتيان بالمفطر أو بعد الزوال بطل، و الأحوط امساك بقيّة النهار تأدّبا ان كان من شهر رمضان.
الشرح:
اذا كان السفر في الابتداء معصية فقصد الصوم ثمّ عدل في الأثناء الى الطاعة فان كان العدول قبل الزوال و كان سفره بعد العدول مسافة و لو ملفّقة وجب الافطار كما يجب القصر في الصلاة. و ان كان بعد الزوال فالظاهر اتمام صومه و صحّته؛ لأنّ السفر الذي كان قبل العدول لم يكن سائغا. فهو كأن لم يكن فكأنّه سافر من وطنه بعد الزوال فهذا ليس قياسا.
قال في المستند: «انّما الكلام فيما اذا كان العدول المزبور بعد الزوال، فانّ في الافطار و عدمه حينئذ تردّدا ينشأ من محكوميّة الصوم بالصحّة لدى الزوال؛ لفقد قيد الاباحة وقتئذ، الدخيل في موضوع السفر، فحصوله بعدئذ بمنزلة الخروج الى السفر بعد الزوال، المحكوم باتمام الصوم بلا اشكال و ان وجب التقصير في الصلاة؛ لانتفاء الملازمة بين التقصير و الافطار في خصوص هذا المورد بمقتضى النصوص. و من أنّ الظاهر من تلك النصوص احداث السفر وانشاؤه من البلد بعد
الزوال، فهو حكم للحاضر الذي خرج الى السفر. و مجرّد كونه محكوما بالتمام و لو في السفر لايجعله بمنزلة الحاضر في الوطن. فالحاق المقام بما لو سافر ابتداءً بعدالزوال قياس لانقول به، فاللازم حينئذ الحكم بالافطار عملاً بعموم ثبوته لكلّ مسافر، المعتضد بما دلّ على الملازمة المذكورة و أنّه كلّما قصّرت أفطرت. و على الجملة: فالتردّد بين هذين الوجهين من غير ترجيح أوجب الاشكال في المسألة، و لأجله كان مقتضى الاحتياط اللازم الجمع بين الاتمام و القضاء كما ذكره في المتن، و ان كانت دعوى الالحاق المزبور غير بعيدة، بل لعلّها مظنونة. و كيف ما كان، فالاحتياط حسن في محلّه، و لاينبغي تركه. انتهى».(1)
و لو انعكس بأن كان سفره طاعة في الابتداء و عدل الى المعصية في الأثناء، فان لم يأت بالمفطر و كان قبل الزوال ففي صحّة صومه اشكال، فالاحتياط بالصوم و القضاء لايترك، و ان كان بعد الاتيان بالمفطر أو بعد الزوال بطل صومه كما هو واضح.
قال في المستند: «انّما الكلام فيما لو عدل قبل الزوال و لم يتناول المفطر، فانّ في صحّة الصوم حينئذ تأمّلاً، من أنّ العدول الى الحرام بمنزلة الوصول الى المنزل قبل الزوال، اذ به ينعدم قيد الاباحة المعتبر في الترخّص أو في موضوعه على الخلاف المتقدّم، فيجب عليه حينئذ تجديد النيّة و اتمام الصوم كما هو الحال في الراجع الى بلده قبل الزوال. و من أنّ الصوم الشرعي هو الامساك في مجموع النهار المسبوق بالنيّة قبل طلوع الفجر، و الاكتفاء بتجديدها قبل الزوال مخالف للقاعدة، فيقتصر فيه على مقدار قيام النصّ، و مورده المسافر الذي يصل بلده أو محلّ اقامته قبل زوال الشمس. و التعدّي عنه الى المقام قياس لانقول به. فلا دليل على جواز التجديد فيما نحن فيه، و مقتضى عموم منع الصيام في السفر البقاء على الافطار. و لأجل التردّد بين هذين الوجهين كان مقتضى الاحتياط اللازم
1) - مستند العروة 20: 146 و 147.
الجمع بين الصيام و القضاء. انتهى».(1)
(مسألة 44): يجوز في سفر المعصية الاتيان بالصوم الندبي، و لايسقط عنه الجمعة و لا نوافل النهار و الوتيرة، فيجري عليه حكم الحاضر.
الشرح:
و ذلك لظهور ما دلّ على سقوط الصوم والجمعه والنوافل عن المسافر في السفر الشرعي و هو الذي يشترط فيه أمور منها اباحة السفر، فمن كان سفره معصية لايشمله الترخيص في هذه الأحكام. و يؤيّده خبر أبي يحيى الحنّاط قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن صلاة النافلة بالنهار في السفر؟ فقال: يابنيّ، لو صلحت النافلة في السفر تمّت الفريضة».(2)
«السادس» من الشرائط: أن لايكون ممّن بيته معه كأهل البوادي من العرب و العجم الذين لا مسكن لهم معيّنا بل يدورون في البراري و ينزلون في محلّ العشب و الكلاء و مواضع القطر و اجتماع الماء لعدم صدق المسافر عليهم. نعم، لو سافروا لمقصد آخر من حجّ أو زيارة أو نحوهما قصّروا، و لو سافر أحدهم لاختيار منزل أو لطلب محلّ القطر أو العشب و كان مسافة ففي وجوب القصر أو التمام عليه اشكال، فلايترك الاحتياط بالجمع.
الشرح:
السادس من الشرائط: أن لايكون ممّن بيته معه كأهل البوادي من العرب و العجم الذين لا مسكن لهم معيّنا بل يدورون في البراري و ينزلون في محلّ العشب و الكلاء و مواضع القطر و اجتماع الماء. و الدليل على ذلك أوّلاً: الاجماع و أنّه لا خلاف فيه في الجملة و ان كان الأصحاب يلحقون هذا الشرط بالشرط السابع الذي يأتي بعد هذا و هو من كان السفر شغله.
و ثانيا: موثّقة اسحاق بن عمّار قال:
«سألته عن الملاّحين و الأعراب، هل عليهم تقصير؟ قال: لا، بيوتهم معهم».(1)
و مرسلة سليمان بن جعفر الجعفري عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«الأعراب لايقصّرون و ذلك أنّ منازلهم معهم».(2)
قال العلاّمة في المنتهى: «مسألة: و يشترط أن لايكون ممّن يلزمه الاتمام في السفر - الى أن قال: - الملاّح الذي سفينته بيته و أهله فيها لايقصّر. و هو قول أحمد. و قال الشافعي: يقصّر. لنا: ما تقدّم. و لأنّه غير ظاعن عن منزله فلايترخّص كالمقيم. احتجّ الشافعي بقوله صلى الله عليه و آله: «انّ اللّه وضع عن المسافر الصوم و شطر الصلاة» و هذا عامّ. و الجواب: المراد به النازح عن أهله. انتهى».(3)
و قال في التذكرة: «الذي أهله معه و سفينته منزله لايقصّر - و به قال أحمد - لأنّه مقيم في مسكنه و ماله، فأشبه ما اذا كان في بيته. و قال الشافعي: «يقصّر لقوله صلى الله عليه و آله: «انّ اللّه وضع عن المسافر الصوم و شطر الصلاة».انتهى».(4)
نعم، لو سافروا لمقصد آخر من حجّ أو زيارة أو نحوهما فان كان بيوتهم معهم
يتمّون و الاّ فلا.
و لو سافر أحدهم لاختيار منزل أو لطلب محلّ القطر أو العشب و كان مسافة فان صدق أنّ بيته معه كما لو سافر و خيامه من ورائه تحمل بمسافة يسيرة فيتمّ، و أمّا ان لم يصدق كما لو سافر و بيته و من كان من عشيرته مستقرّ في مكان حتّى يرجع و يخبرهم بمحلّ العشب، فيقصّر.
«السابع»: أن لايكون ممّن اتّخذ السفر عملاً و شغلاً له كالمكاري و الجمّال و الملاّح و الساعي و الراعي و نحوهم، فانّ هؤلاء يتمّون الصلاة و الصوم في سفرهم الذي هو عمل لهم و ان استعملوه لأنفسهم كحمل المكاري متاعه أو أهله من مكان الى مكان آخر. و لا فرق بين من كان عنده بعض الدوابّ يكريها الى الأماكن القريبة من بلاده فكراها الى غير ذلك من البلدان البعيدة و غيره، و كذا لا فرق بين من جدّ في سفره بأن جعل المنزلين منزلاً واحدا و بين من لم يكن كذلك، و المدار على صدق اتّخاذ السفر عملاً له عرفا و لو كان في سفرة واحدة لطولها و تكرّر ذلك منه من مكان غير بلده الى مكان آخر، فلايعتبر تحقّق الكثرة بتعدّد السفر ثلاث مرّات أو مرّتين، فمع الصدق في أثناء السفر الواحد أيضا يلحق الحكم و هو وجوب الاتمام. نعم، اذا لم يتحقّق الصدق الاّ بالتعدّد يعتبر ذلك.
الشرح:
السابع من شرائط التقصير أن لايكون ممّن اتّخذ السفر شغلاً و عملاً له كالمكاري و الجمّال و الملاّح و الساعي و الراعي و نحوهم، فانّ هؤلاء يتمّون صلاتهم و يصومون في السفر. و الدليل على ذلك مضافا الى عدم الخلاف في ذلك في الجملة روايات:
منها صحيحة زرارة قال:
«قال أبو جعفر عليه السلام: أربعة قد يجب عليهم التمام، في سفر كانوا أو حضر: المكاري و الكريّ و الراعي و الاشتقان، لأنّه عملهم».(1)
و منها صحيحة هشام بن الحكم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«المكاري و الجمّال الذي يختلف و ليس له مقام يتمّ الصلاة و يصوم شهر رمضان».(2)
و منها صحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما عليهماالسلام قال:
«ليس على الملاّحين في سفينتهم تقصير، و لا على المكاري و الجمّال».(3)
و منها صحيحة محمّد بن مسلم الثانية عن أحدهما عليهماالسلام قال:
«ليس على الملاّحين في سفينتهم تقصير و لا على المكاريين و لا على الجمّالين».(4)
و منها صحيحة اسماعيل بن أبي زياد عن جعفر عن أبيه عليه السلام قال:
«سبعة لايقصّرون الصلاة: الجابي الذي يدور في جبايته، و الأمير الذي يدور في امارته، و التاجر الذي يدور في تجارته من سوق الى سوق، و الراعي، و البدوي الذي يطلب مواضع القطر و منبت الشجر، و الرجل الذي يطلب الصيد يريد به لهو الدنيا، و المحارب الذي يقطع السبيل».(5)
1) - وسائل الشيعة 8: 485 / الباب 11 من أبواب صلاة المسافر / الحديث 2.
2) - وسائل الشيعة 8: 484 / الباب 11 من أبواب صلاة المسافر / الحديث 1.
3) - وسائل الشيعة 8: 485 / الباب 11 من أبواب صلاة المسافر / الحديث 4.
4) - وسائل الشيعة 8: 486 / الباب 11 من أبواب صلاة المسافر / الحديث 8.
5) - وسائل الشيعة 8: 486 / الباب 11 من أبواب صلاة المسافر / الحديث 9.
هيهنافروع:
الظاهر من الأخبار المتقدّمة آنفا هو وجوب التمام لمن كان السفر شغلاً له كالمكاري و الجمّال و الكريّ أو كان السفر مقدّمة لشغله ولكن ذُكر في الخبر من ليس كذلك كالراعي و الاشتقان الذي هو بمعنى «دشتبان» و كذا الجابي و الأمير و التاجر، فانّهم لم يكن السفر شغلاً لهم الاّ أنّه عليه السلام سمّاهم بعنوانهم.
انّما الكلام في التعدّي عمّن ذكر في الأخبار بعنوانهم الى غيرهم ممّن ليس شغله و عمله السفر الاّ أنّ السفر مقدّمة لشغله. يمكن أن يقال بعدم التعدّي؛ لأنّ الامام عليه السلام علّل عدم التقصير في صحيحة زرارة بالنسبة الى المكاري و الكريّ و الراعي و الاشتقان بأنّ السفر عملهم و ليس لنا التجاوز الى مثل الطبيب و المعلّم و غيرهما ممّن يكون شغله في السفر لا أنّ شغله السفر. ولكنّ الظاهر أنّ التأمّل في الرواية يعطي بأنّ الراعي و الاشتقان و الجابي و الأمير و التاجر الذين يدورون في شغلهم لايكون السفر أيضا شغلهم، بل شغلهم في السفر. نعم، انّ المكاري و الجمّال اللذين يحملان المسافر كلّ يوم من وطنهما الى بلد آخر واقع على رأس ثمانية فراسخ ثمّ يرجعان، لم يكن لهما شغل آخر، ولكنّ الراعي و الاشتقان اللذين يخرجان كلّ يوم من وطنهما الى ثمانية فراسخ أو أربعة و يرجعان الليل فلهما شغل آخر و هو الرعي و الاشتقان مضافا الى السير و السفر و هكذا الجابي و التاجر و الأمير، فعليه من كان مثل هؤلاء كالطبيب أو المعلّم الذي يختلف بين وطنه الى مكان آخر أو من مكان الى آخر يكون بينهما أربعة فراسخ يتمّ اذا لم يكن له اقامة في وطنه أو مكان آخر عشرة أيّام.
و لو أنكرت ذلك و قلت بأنّ العرف يفرّق بين من كان مثل المكاري و الملاّح و بين من كان مثل الراعي و التاجر فالأوّلان يكون
السفر عملهما، و الآخران يكونالسفر مقدّمة لعملهما و حيث انّ الامام عليه السلام قال في علّة اتمامهم الصلاة: «لأنّه عملهم» فالضابطة الكلّيّة لعدم التقصير في السفر هو من كان شغله السفر أو ممّن سمّاه الامام عليه السلام بعنوانه، قلت: انّ الامام عليه السلام حيث جمع بين الأربعة (المكاري و الكريّ و الراعي و الاشتقان) و قال: «لأنّه عملهم» مع أنّ السفر ليس مهنة لاثنين منهم فنعلم بوضوح أنّه عليه السلام وسّع موضوع حكم التمام و جعله شاملاً لسفر كان مقدّمة للعمل من دون أن يقتصر على ما كان بنفسه عملاً.
لا فرق في سفر المكاري و الملاّح و غيرهما بين السفر البعيد و القريب كما سيأتي. انّما الكلام فيمن يكري دابّته أو نفسه و يختلف بين البلد و نواحيه ممّا دون المسافة و لو ملفّقة فهذا لو اتّفق السفر له في المسافة الشرعيّة لايتمّ؛ لأنّ المراد من قوله عليه السلام في صحيحة زرارة: «أربعة قد يجب عليهم التمام، في سفر كانوا أو حضر: المكاري و الكريّ و الراعي و الاشتقان، لأنّه عملهم» هو كون السفر الشرعي عملهم بحيث يتّفق لهم السفر كثيرا، و لايشمل مثل ما مرّ آنفا و ان صدق عليه المكاري و الكريّ و الراعي، و تحمل على هذا موثّقة اسحاق بن عمّار عن أبي ابراهيم عليه السلام قال:
«سألته عن المكاريين الذين يكرون الدوابّ و قلت: يختلفون كلّ أيّام، كلّما جاءهم شيء اختلفوا؟ فقال: عليهم التقصير اذا سافروا».(1)
و كذا موثّقته الثانية قال:
1) - وسائل الشيعة 8: 488 / الباب 12 من أبواب صلاة المسافر / الحديث 3.
«سألت أبا ابراهيم عليه السلام عن الذين يكرون الدوابّ يختلفون كلّ الأيّام، أعليهم التقصير اذا كانوا في سفر؟ قال: نعم».(1)
هل هناك فرق بين من جدّ في سفره و بين من لم يجدّ؟ و هل يكون معنى جدّ في سفره، جعل المنزلين منزلاً؟
هناك روايات نذكرها أوّلاً:
منها صحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما عليهماالسلام قال:
«المكاري و الجمّال اذا جدّ بهما المسير فليقصّرا».(2)
و منها صحيحة الفضل بن عبد الملك قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن المكارين الذي يختلفون؟ فقال: اذا جدّوا السير فليقصّروا».(3)
و منها صحيحة علي بن جعفر في كتابه عن أخيه قال:
«سألته عن المكاريين الذين يختلفون الى النيل، هل عليهم تمام الصلاة؟ قال: اذا كان مختلفهم فليصوموا و ليتمّوا الصلاة الاّ أن يجدّ بهم السير فليفطروا و ليقصّروا».(4)
و منها مرسلة عمران بن محمّد الأشعري عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«الجمّال و المكاري اذا جدّ بهما السير فليقصّرا فيما بين المنزلين و
يتمّا في المنزل».(1)
و منها مرسلة محمّد بن يعقوب قال:
«و في رواية أخرى: المكاري اذا جدّ به السير فليقصّر. قال: و معنى جدّ به السير جعل المنزلين منزلاً».(2)
فالصحيحتان الأوّلتان قد نقلهما الشيخ رحمه الله في التهذيب و الاستبصار، ففي الأوّل بعد نقلهما قال: «فالوجه في هذين الخبرين ما ذكره محمّد بن يعقوب الكليني رحمه اللهقال: «هذا محمول على من يجعل المنزلين منزلاً فيقصّر في الطريق و يتمّ في المنزل، و الذي يكشف عن ذلك ما رواه عمران بن محمّد بن عمران الأشعري عن بعض أصحابنا يرفعه الى أبي عبداللّه عليه السلام قال: «الجمّال و المكاري اذا جدّ بهما السير فليقصّرا فيما بين المنزلين و يتمّا في المنزل»». انتهى».(3)
و بعين ما ذكر في التهذيب ذكره في الاستبصار.(4)
و أمّا في الكافي فلم يأت بصحيحتي محمّد بن مسلم و الفضل بن عبد الملك الاّ أنّه بعد نقل صحيحة أخرى لمحمّد بن مسلم عن أحدهما عليهماالسلام قال:
«ليس على الملاّحين في سفينتهم تقصير، و لا على المكاري و الجمّال».
قال: «و في رواية أخرى: «المكاري اذا جدّ به السير فليقصّر». قال: و معنى جدّ به السير يجعل منزلين منزلاً. انتهى».(5)
و أمّا في الفقيه فلم يأت بشيء الاّ أنّه قال:
«قال الصادق عليه السلام: الجمّال و المكاري اذا جدّ بهما السير قصّرا فيما
بين المنزلين و أتمّا في المنزلين».(1)
و معنى الجدّ بالسير: الاسراع فيه و الاهتمام بشأنه. يقال: جدّ بسيره، اذا اجتهد فيه.(2)
أقول:
يشكل العمل بالروايات لأنّه أوّلاً لم يأت الكليني و لا الصدوق رحمهماالله في كتابيهما بشيء من الروايات التي أتى بها الشيخ في التهذيب و الاستبصار، الاّ المرسلة التي تقدّم نقلها آنفا.
و ثانيا: لم يعمل بها القدماء الاّ الشيخ في التهذيب و الاستبصار.
ففي الجواهر بعد نقل الروايات و نقل كلام الشهيد في الذكرى و العلاّمة في المختلف و الشهيد الثاني في الروض من التوجيهات حولها، قال: «فيجب حينئذ طرحها؛ لعدم ظهور عامل بها من الطائفة عدا ما يظهر من الشيخ في التهذيب و الاستبصار. - الى أن قال: - و ربّما مال اليه أو الى ما يقرب منه سيّد المدارك و المقدّس البغدادي، و لعلّه لأنّه مقتضى الجمع بين الاطلاق و التقييد، و لما يلاقونه في الفرض من شدّة الجهد و التعب المناسبين لشرعيّة القصر، و لانصراف تلك الاطلاقات الى السير المتعارف - الى أن قال: - فامّا أن تطرح جميعها لقصورها بسبب الاعراض (أي اعراض الأصحاب) عن تقييد تلك الاطلاقات الممنوع انصرافها الى غيره (أي الممنوع انصراف تلك الاطلاقات الى السير المتعارف)، أو تحمل على ما ذكرناه أوّلاً من انشائهم السفر الذي لايدخل في عملهم و صنعتهم عرفا بتقريب ارادة اتّصال السفر كسفر الحجّ و نحوه من الجدّ فيها كما عن الذكرى و ان كان بعيدا جدّا. انتهى».(3)
و ثالثا: قد ورد التوجيهات المختلفة حول الروايات كما في المستند(1):
منها ما عن الشيخ و الكليني من حمل ذلك على ما اذا أسرع في السير فجعل المنزلين منزلاً فسار سيرا غير عادي، و لأجله وقع في جدّ و جهد. ففيه من المخالفة لاطلاق الصحاح المتقدّمة ما لايخفى.
و منها ما عن الشهيد في الذكرى من الحمل تارة على ما لو أنشأ المكاري و الجمّال سفرا غير صنعتهما كالحجّ مثلاً، و أخرى على ما اذاكانت المكاراة فيما دون المسافة و يكون جدّ السير بمعنى قصد المسافة. ففي كلا الحملين من المخالفة لظاهر الروايات ممّا لايخفى.
و منها ما عن الشهيد الثاني في الروض من الحمل على المكاري أوّل اشتغاله بالمكاراة فيقصد المسافة قبل تحقّق الكثرة، و لأجله يجهد عليه السير و يتعب. ففيه مثل سابقه.
و منها ما عن العلاّمة قدس سره من الحمل على ما لو قصد المكاري اقامة عشرة أيّام نظرا الى أنّه بعد هذه الفترة المستوجبة للاعتياد على الراحة يصعب عليه المسير بعدئذ، فيجدّ به السير لو بدأ به. ففيه من المخالفة ما تكون أظهر من غيره.
و رابعا: ما في المستند من أنّه لو كان القصر ثابتا للجمّال و المكاري اللذين يجدّ بهما السير لشاع و اشتهر بين الأصحاب، مع أنّه ممّا كان محلّ الابتلاء فكيف لم يكن قائل به الى زمان صاحب المدارك و الحدائق و صاحب المنتقى و المعالم و الذخيرة و المفاتيح.
فتحصّل أنّ الروايات المتقدّمة مجملة و معرض عنها فيردّ علمها اليهم عليهم السلام. فنقول: لا فرق في وجوب التمام لمن كان شغله السفر بين من جدّ به السير و بينمن لم يكن كذلك.
1) - مستند العروة 20: 158 و 159.
هل المدار لتحقّق عنوان شغل السفر حتّى يتمّ صلاته و صيامه على العرف أو على التكرار، فان كان الثاني فهل يكفي مرّتين أو ثلاث مرّات؟
فاعلم أنّ عبارات الأصحاب في تأدية هذا الشرط مختلفة: فمنهم من عبّر بمثل ما فهمناه من الروايات، بأن لايكون السفر شغله. و منهم من عبّر بأن لايكون كثير السفر. و منهم من عبّر بأن لايكون سفره أكثر من حضره كما نسب الى المفيد و السيّدين و سلاّر و الشيخ في النهاية و المبسوط و الحلّي في السرائر و المحقّق في شرائعه و نافعه و العلاّمة في أكثر كتبه كالتذكرة و الارشاد و القواعد و التحرير و الشهيد الأوّل في الدروس الى غير ذلك من المتأخّرين كما حكاه المحقّق الهمداني رحمه الله و قال: «هذا قول كثير منهم بل أكثرهم بل المشهور. و عن عدّة منهم تعليق الحكم بالاتمام على أصناف خاصّة ممّن وقع التصريح به في الأخبار المزبورة، فعن الصدوق في المقنع و الأمالي تعليقه على خمسة: المكاري و الكريّ و الاشتقان و الراعي و الملاّح. انتهى».(1)
الى غير ذلك ممّا نقله رحمه الله في كتاب الصلاة منه.
فحينئذ نقول بأنّ العرف هو الفارق الوحيد لتمييز من يكون السفر شغله عمّن لايكون كذلك، كما أنّ العرف هو المرجع لتحقّق ما عليه سائر الأقوال و هذا واضح.
انّما الكلام في تشخيص ما عليه العرف. فنقول: لا ريب في بعض مصاديق المسألة فمنها: المكاري و الجمّال و الكريّ و الراعي و الاشتقان و غيرهم اذا اختلفوا بين مصرين في مسافة شرعيّة قصيرة كمن يتردّد بين أربعة فراسخ فما
1) - مصباح الفقيه كتاب الصلاة: 745.
فوقها كلّ يوم مرّة أو مرّتين أو مرّات فهؤلاء يصدق عليهم أنّ السفر عملهم و شغلهم كما يصدق عليهم عنوان المكاري و الراعي و غيرهما. و بعد ذلك فنقول أيضا: من اتّخذ السفر عملاً لنفسه على النحو الذي مرّ الاّ أنّه لم يتكرّر منه فهل يكون أوّل سفره محكوما بهذا العنوان حتّى يتمّ الصلاة و يصوم؟ الظاهر ذلك اذا كان من قصده اتّخاذ السفر عملاً لنفسه، فانّه اذا شرع في السفر فالعرف يحكم بأنّه السائق و المكاري، كما أنّه يحكم بأنّ شغله و عمله السفر بشرط أن يتداوم على السفر و كان هذا الشرط هو الشرط المتأخّر. هذا هو المورد الأوّل.
و من هذا يعلم المورد الثاني و هو من قصد أن يتّخذ السفر شغلاً لنفسه و شرع الاّ أنّ سفره الأوّل كان طويلاً بحيث كان أيّاما أو أشهرا في سفره هذا، فحكمه أيضا كسابقه.
قال المحقّق الهمداني: «الخامس: قد عرفت أنّ المدار في وجوب الاتمام ليس على صدق عنوان كثير السفر و لا على اطلاق اسم المكاري أو الجمّال أو غير ذلك من الألفاظ الواردة في النصوص و الفتاوى بل على أن يصدق عليه أنّ السفر عمله و لايتوقّف صدق هذا العنوان بل و لا صدق اسم المكاري و شبهه على أن يكون مسبوقا بتكرّر صدور الفعل منه مرّة بعد أخرى بل على اتّخاذه حرفة له بتهيئة أسبابه و تلبّسه بالفعل بمقدار يعتدّ به في العرف فمن اشترى دوابّا و استعملها في المكاراة بقصد التحرّف بها و المواظبة عليها صدق عليه أنّه صار مكاريا و اندرج فيمن عمله السفر ولكنّك ستعرف أنّ هذا بمجرّده لايكفي في وجوب الاتمام عليه بل قد يشترط بأن لايكون سفره المتلبّس به بالفعل مسبوقا باقامة العشرة. انتهى».(1)
و المقدّس الأردبيلي بعد نقل أخبار الباب قال: «فالذي يستفاد منها عدم التقصير على من يصدق عليه اسم المكاري و الكريّ و الملاّح و الراعي و
1) - مصباح الفقيه كتاب الصلاة: 747.
الاشتقان، من غير اعتبار شيء من كثرة السفر و عدده - الى أن قال: - فكلّ من يصدق عليه أحد هذه الأسماء يجب عليه التمام. نعم، قد يستفاد من العلّة المذكورة في صحيحة زرارة التمام على كلّ من كان عمله السفر مثلهم، و ذلك غير بعيد، فمدار التمام على التسمية و العمل، لعلّ الأصحاب أخذوا كثرة السفر، و زيادته، من العمل، فانّ المراد ليس الدوام، بل الأكثر و الأغلب و هو قريب، لكن لا بالمعنى الذي ذكروه من ثلاث سفرات أو سفرين على التفصيل المذكور، فانّه لايفهم، بل صدق كون عمله ذلك، مثل المكاري. انتهى».(1)
و الفرق بين هذا و سابقه أنّ المورد الأوّل اذا رجع عن قصده و لم يذهب في السفر الثاني كشف أنّ سفره السابق أيضا لم يكن موضوعا لحكم التمام، بخلاف المورد الثاني، فانّه اذا كان قصده من أوّل الأمر أن يكري دابّته في هذا السفر الطويل فانّ العرف يحكم بأنّ السفر عمله و أنّه مكارٍ في هذه المدّة.
(مسألة 45): اذا سافر المكاري و نحوه ممّن شغله السفر سفرا ليس من عمله كما اذا سافر للحجّ أو الزيارة يقصّر. نعم، لو حجّ أو زار لكن من حيث انّه عمله كما اذا كرى دابّته للحجّ أو الزيارة و حجّ أو زار بالتبع أتمّ.
الشرح:
اذا سافر المكاري و نحوه ممّن شغله السفر سفرا ليس من عمله كما اذا سافر للحجّ أو للزيارة و لم يكن سائقا و لا مكاريا بل كان كأحد من المسافرين الذين ذهبوا لفريضة الحجّ أو الزيارة فيقصّر كما يقصّرون؛ لأنّه لم يتّخذ السفر هذا شغلاً لنفسه و لم يكن مكاريا بالطبع. نعم، لو حجّ أو زار مع كونه سائقا و مكاريا بمعنى أنّه كرى دابّته للحجّ أو الزيارة و حجّ هو أيضا أو زار بالتبع أتمّ؛ لأنّ السفر هذا كان
1) - مجمع الفائدة و البرهان 3: 389 و 390.
شغلاً له.
قال المحقّق الهمداني: «الثالث: من كان عمله السفر كالمكاري و نحوه اذا أنشأ سفرا آخر من حجّ أو زيارة أو غير ذلك ممّا لا ربط له بعمله، فهل يقصّر في ذلك السفر؟ وجهان بل قولان، أوجههما ذلك؛ اذ المنساق من التعليل بأنّه عملهم بل المتبادر من اطلاقات الأدلّة أيضا انّما هو ارادة بيان الحكم لدى تلبّسه بالسفر الذي يعدّ حال تلبّسه به كونه مشغولاً بعمله ولو بغير صنفه ممّا ليس من شأنه الاشتغال به لا مطلق السفر بحيث يعمّ ما لا ربط له بعمله كما يؤيّده بل يشهد له قوله عليه السلام في خبر علي بن جعفر المتقدّم: «أصحاب السفن يتمّون الصلاة في سفنهم». و في صحيحة محمّد بن مسلم: «ليس على الملاّحين في سفينتهم تقصير». انتهى».(1)
(مسألة 46): الظاهر وجوب القصر على الحملداريّة الذين يستعملون السفر في خصوص أشهر الحجّ، بخلاف من كان متّخذا ذلك عملاً له في تمام السنة كالذين يكرون دوابّهم من الأمكنة البعيدة ذهابا و ايابا على وجه يستغرق ذلك تمام السنة أو معظمها فانّه يتمّ حينئذ.
الشرح:
الحملدار الذي يستعمل السفر في خصوص أشهر الحجّ فان استغرق عمله تمام السنة أو معظمها أو بعضها بحيث يصدق اتّخاذ السفر شغلاً لنفسه عرفا و لو في بعض أيّام السنة فيتمّ و الاّ فيقصّر، كما اذا طال سفره شهرا.
قال المحقّق الهمداني: «الأوّل: يعتبر في اتّصافه بكون السفر عمله اتّخاذه حرفة و صنعة له كالمكاري و شبهه، فلايكفي في ذلك صدور أسفار متتابعة متوالية منه من باب الاتّفاق و ان بلغ ما بلغ ما لم يتّخذه حرفة له بحيث يصدق عليه
1) - مصباح الفقيه كتاب الصلاة: 746.
أنّه عمله كما صرّح به بعض متأخّري أصحابنا، و يكفي في وجوب الاتمام على الظاهر اتّخاذه حرفة له ولو في بعض السنة، كما لو كان عمله في الصيف مثلاً الحياكة و في الشتاء المكاراة فانّه حال تلبّسه بعمل المكاراة في الزمان الذي يعدّ هذا الفعل شغله و عمله يتمّ، كما يشهد له مضافا الى عموم التعليل عدّ الاشتقان في عداد من يجب عليهم الاتمام معلّلاً بأنّه عمله مع أنّ تلبّسه بهذا العمل عادة مخصوص بأوقات معيّنة. انتهى».(1)
و لو شكّ في مورد في صدق اتّخاذ السفر عملاً له عرفا لم يحكم له بالتمام؛ لأنّ الحكم تابع للموضوع، فاذا تحقّق الموضوع قطعا فحكم التمام ثابت له و الاّ فلا.
(مسألة 47): من كان شغله المكاراة في الصيف دون الشتاء أو بالعكس، الظاهر وجوب التمام عليه، ولكن الأحوط الجمع.
الشرح:
من كان شغله المكاراة في الصيف دون الشتاء أو بالعكس فعليه التمام؛ لأنّه يصدق عليه عرفا أنّه اتّخذ السفر شغلاً لنفسه في الصيف.
(مسألة 48): من كان التردّد الى ما دون المسافة عملاً له كالحطّاب و نحوه قصّر اذا سافر و لو للاحتطاب الاّ اذا كان يصدق عليه المسافر عرفا، و ان لم يكن بحدّ المسافة الشرعيّة فانّه يمكن أن يقال بوجوب التمام عليه اذا سافر بحدّ المسافة خصوصا فيما هو شغله من الاحتطاب مثلاً.
الشرح:
1) - مصباح الفقيه كتاب الصلاة: 745.
من كان التردّد الى ما دون المسافة عملاً له كالحطّاب و نحوه قصّر اذا سافر ولو للاحتطاب؛ لأنّ المناط فيمن اتّخذ السفر شغلاً لنفسه حتّى يكون حكمه التمام هو التردّد في السفر الشرعي، و أمّا التردّد الى ما دون المسافة فلا أثر له شرعا و ان صدق عرفا على هذا الحطّاب المتردّد الى ما دون المسافة المسافر.
قال المحقّق الهمداني: «الثاني: المنساق من الفتاوى و النصوص الدالّة على وجوب الاتمام على من كان عمله السفر ارادة السفر البالغ حدّ المسافة الذي لولا العمليّة لكان مقتضيا للتقصير فمن كان عنده بعض الدوابّ و استعملها في الاحتطاب أو نقل الجصّ و الآجر من مسافة فرسخ أو فرسخين خارج عن موضوع هذه الأدلّة. انتهى».(1)
(مسألة 49): يعتبر في استمرار من شغله السفر على التمام أن لايقيم في بلده أو غيره عشرة أيّام، و الاّ انقطع حكم عمليّة السفر و عاد الى القصر في السفرة الأولى خاصّة دون الثانية فضلاً عن الثالثة و ان كان الأحوط الجمع فيها. و لا فرق في الحكم المزبور بين المكاري و الملاّح و الساعي و غيرهم ممّن عمله السفر. أمّا اذا أقام أقلّ من عشرة أيّام بقي على التمام و ان كان الأحوط مع اقامة الخمسة الجمع. و لا فرق في الاقامة في بلده عشرة بين أن تكون منويّة أو لا، بل و كذا في غير بلده أيضا، فمجرّد البقاء عشرة يوجب العود الى القصر، ولكن الأحوط مع الاقامة في غير بلده بلا نيّة، الجمع في السفر الأوّل بين القصر و التمام.
الشرح:
هل يعتبر في استمرار من شغله السفر على التمام أن لايقيم في بلده أو غيره
1) - مصباح الفقيه كتاب الصلاة: 746.
عشرة أيّام؟
قال في البدر الزاهر: «قد عرفت أنّ من شرائط القصر أن لايكون المسافر كثير السفر مع اختلاف التعبيرات الواقعة في كلماتهم عن هذا الشرط، و اعتبار هذا الشرط اجمالاً مجمع عليه بين الأصحاب. نعم، لم يذكره ابن أبي عقيل و الصدوق في المقنع. ثمّ انّ كثيرا من المتعرّضين لهذا الشرط ذكروا أنّه ان أقام في بلده عشرة أيّام انقطع حكم الكثرة و وجب القصر في السفر الذي بعدها، و ادّعى بعضهم عليه الاجماع، ولكن في المعتبر أنّ دعوى الاجماع في مثل هذه الأمور غلط، و لم يتعرّض لهذا الفرع في المقنعة و المقنع و الهداية و الانتصار و المراسم و الكافي و الغنية. و قال الشيخ في النهاية بعد ذكر المكاري و نظائره: «هؤلاء كلّهم لايجوز لهم التقصير ما لم يكن لهم في بلدهم مقام عشرة أيّام. فان كان لهم في بلدهم مقام عشرة أيّام وجب عليهم التقصير. و ان كان مقامهم في بلدهم خمسة أيّام قصّروا بالنهار و تمّموا الصلاة بالليل. انتهى». و بالجملة قد تعرّض كثير منهم لكون اقامة العشر في البلد قاطعة لحكم الكثرة، و أمّا الاقامة في غير بلده فالظاهر أنّه لم يتعرّض لقاطعيّتها أحد الى زمن المحقّق. نعم، ألحق المحقّق و العلاّمة و من تأخّر عنهما باقامة العشرة في بلده العشرة المنويّة في غيره، و اكتفى بعضهم بمطلق العشرة. انتهى».(1)
و استدلّوا على أنّ اقامة العشرة في بلده أو غير بلده موجبة لأن يقصّر المكاري و غيره ممّن شغله السفر، في السفر الذي يسافر بعد الاقامة بروايات:
منها مرسلة يونس بن عبدالرحمن عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن حدّ المكاري الذي يصوم و يتمّ؟ قال: أيّما مكارٍ أقام في منزله أو في البلد الذي يدخله أقلّ من مقام عشرة أيّام وجب عليه الصيام و التمام أبدا، و ان كان مقامه في منزله أو في البلد الذي
1) - البدر الزاهر: 135.
يدخله أكثر من عشرة أيّام فعليه التقصير و الافطار».(1)
و منها صحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«المكاري اذا لم يستقرّ في منزله الاّ خمسة أيّام أو أقلّ قصّر في سفره بالنهار و أتمّ صلاة الليل، و عليه صوم شهر رمضان، و ان كان له مقام في البلد الذي يذهب اليه عشرة أيّام أو أكثر و ينصرف الى منزله و يكون له مقام عشرة أيّام أو أكثر قصّر في سفره و أفطر».(2)
و منها خبر عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام، مثل الصحيحة، الاّ أنّه أسقط قوله: «و ينصرف الى منزله و يكون له مقام عشرة أيّام أو أكثر».(3)
و منها صحيحة هشام بن الحكم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«المكاري و الجمّال الذي يختلف و ليس له مقام يتمّ الصلاة و يصوم شهر رمضان».(4)
و أشكل على الأخيرة بأنّ المراد من قوله عليه السلام: «و ليس له مقام» هو الذي قاله عليه السلام قبل ذلك أي «يختلف»، يعني المكاري أو الجمّال الذي يختلف و يتردّد في سفره و ليس له مقرّ و لا مقام في قبال من كان له مكان مستقرّ و يسافر بعض الأوقات، و عليه لاترتبط هذه الصحيحة بما نحن فيه.
و نوقش في المرسلة بضعف السند بعد تماميّة دلالتها، و أجيب بأنّ يونس بن عبدالرحمن من أصحاب الاجماع فلايضرّ ارسالها بعد كونه ممّن يوثق بنقله و أنّه لايروي الاّ عن ثقة. مضافا الى وجود صحيحة عبداللّه بن سنان بطريق الصدوق رحمه الله. و لا ضير أنّ الصحيحة مشتملة على صدر لم يعمل به الاّ الشيخ، فانّ صدرها تحمل
على التقيّة.
و استشكل صاحب الحدائق أوّلاً برواية عبداللّه بن سنان المرويّة بطريق الشيخ فقال: «و أنت خبير بأنّ هذه الرواية مع ضعف سندها - المانع من قيامها بمعارضة الأخبار المتكاثرة الصحيحة الصريحة في وجوب الاتمام، و اشتمالها على ما لايقول به أحد من الأصحاب من وجوب التقصير باقامة أقلّ من خمسة الصادق على اليوم أو اليومين - غير دالّة على ما يدّعونه. أمّا أوّلاً: فلأنّ موردها المكاري و لهذا احتمل المحقّق في المعتبر اختصاص الحكم بالمكاري. و أمّا ثانيا: فانّها تضمّنت اقامة العشرة في البلد الذي يذهب اليه و المدّعى اقامة العشرة في بلده. و أمّا ثالثا: فانّ ظاهر الخبر المذكور أنّه اذا كان له ارادة الاقامة في البلد الذي يذهب اليه قصّر في سفره اليه، و اللازم من ذلك التقصير قبل الاقامة بل بمجرّد العزم عليها، و جميع ذلك خارج عمّا يقولون به. انتهى ملخّصا».(1)
و استشكل ثانيا بصحيحة عبداللّه بن سنان المرويّة بطريق الصدوق: «زيادة على ما تقدّم، اعتبار اقامة العشرة في منزله مضافة الى العشرة التي في بلد الاقامة. و ظاهر الخبر ترتّب القصر على الاقامتين و لا قائل به بل هو أشدّ اشكالاً. انتهى».(2)
و استشكل ثالثا بمرسلة يونس بن عبدالرحمن «بضعف السند و بأنّها تضمّنت الرجوع الى التقصير بالاقامة في غير بلده أيضا و الحال أنّ المتقدّمين من الذين تعرّضوا بالمسألة خصّوها ببلده - الى أن قال: - و ممّا يؤيّد الاشكال أيضا عدم دلالة شيء من الروايات المذكورة على تعيين وقت الرجوع الى التمام بعد التقصير بالاقامة، و اختلاف الأصحاب في كونه بعد الثانية أو الثالثة - الى أن قال: - و كيف كان فملخّص الكلام في المسألة أنّ ما عدا المكاري يجب عليه البقاء على التمام كما اقتضته الروايات المستفيضة المتقدّمة، و لا معارض لها؛ اذ مورد هذه
الأخبار انّما هو المكاري، و أمّا المكاري الذي هو محلّ الاشكال و اختلاف الروايات في هذا المجال فانّ الواجب عليه الاحتياط بعد اقامة العشرة في منزله أو بلد الاقامة بالجمع بين القصر و الاتمام الى ثلاث سفرات. انتهى ملخّصا».(1)
و استشكل المحقّق الهمداني في المسألة تفصيلاً و نحن نشير الى رؤوس مطالبه فانّه قال: «انّما الاشكال في مواقع: الأوّل: في التفصيل بين بلده و غيره في اعتبار النيّة و عدمه كما هو المشهور فانّ مقتضى النصّ عدم اعتبارها مطلقا. و ما قيل من دعوى الاجماع، أو أنّ العشرة الغير المنويّة في غير بلده سفر أيضا فلا اعتبار بها مردود بعدم حجّيّة الاجماع المنقول و بمنع كون الاعتبار لما ذكر بل هو تعبّدي. الثاني: اذا وجب التقصير و الافطار على كثير السفر باقامة العشرة فهل هو في السفرة الأولى خاصّة فيتمّ في الثانية أم يقصّر في الثانية أيضا فلايعود حكمه أي الاتمام و الصيام الاّ في الثالثة. الثالث: انّ الروايات الدالّة على وجوب التقصير بعد اقامة العشرة مختصّة بالمكاري و من هنا قد يقوى ما قيل من أنّ ذلك مختصّ بالمكاري - الى أن قال: - فما ذهب اليه المشهور من كون الاقامة رافعة لحكم كثرة السفر فيمن عمله السفر مطلقا لعلّه أقوى ولكن الاحتياط بالجمع بين القصر و الاتمام في غير مورد النصّ ممّا لاينبغي تركه. انتهى ملخّصا».(2)
أقول:
المسألة في غاية الاشكال بجهات:
أوّلاً: لم يتعرّض القدماء لها الاّ الشيخ في النهاية بقوله: «هؤلاء كلّهم لايجوز لهم التقصير ما لم يكن لهم في بلدهم مقام عشرة أيّام. فان كان لهم في بلدهم مقام عشرة أيّام وجب عليهم التقصير. و ان كان مقامهم في بلدهم خمسة أيّام قصّروا
بالنهار و تمّموا الصلاة بالليل. انتهى».(1)
و القاضي ابن البرّاج في المهذّب بقوله: « ... و لايجوز لأحد منهم التقصير الاّ أن يقيم في بلده عشرة أيّام، فان أقام ذلك قصّر، و ان كان مقامه خمسة أيّام قصّر بالنهار و تمّم بالليل. انتهى».(2)
و قال ابن ادريس في السرائر: «و لايجوز التقصير للمكاري و الملاّح و الراعي و البدوي اذا طلب القطر و النبت، فان أقام في موضع عشرة أيّام، فهذا يجب عليه التقصير اذا سافر عن موضعه سفرا يوجب التقصير. انتهى».(3)
و ثانيا خصّ الأوّلان الاقامة في بلده و مع ذلك لم يعيّنوا رحمهم الله أنّ وقت التقصير الى متى يدوم.
و ثالثا مضافا الى الاشكالات الواردة من صاحب الحدائق و المحقّق الهمداني يورد: انّه ان طال السفر من المكاري بعد اقامة العشرة يجب عليه التقصير أو يفصّل. و الظاهر أنّ لسان هذه الروايات هو لسان صحيحة هشام بن الحكم المتقدّمة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«المكاري و الجمّال الذي يختلف و ليس له مقام يتمّ الصلاة و يصوم شهر رمضان».(4)
ففي الصحيحة يعيّن الامام عليه السلام حدّ المكاري فيقول هو الذي يختلف و يتردّد بين بلده و بلد آخر و ليس دأبه و عادته المقام في مدينته فاذا كان دأبه و عادته المقام فليس بمكار و لا جمّال. فتأمّل ذيل صحيحة عبداللّه بن سنان تجده مفسّرا و مؤكّدا لصحيحة هشام بن الحكم، ففيها قال الامام عليه السلام:
«و ان كان له مقام في البلد الذي يذهب اليه عشرة أيّام أو أكثر و ينصرف الى منزله و يكون له مقام عشرة أيّام أو أكثر قصّر في سفره و أفطر».(1)
و الظاهر أنّ المرسلة أيضا دالّة على ما يدلّ عليه الصحيحتان، فعليه لايبقى هناك دليل غير فتوى المشهور، و من المعلوم أنّ دليلهم لفتواهم هو هذه الروايات المذكورة. فمقتضى القاعدة أنّه ان لم يصدق على المكاري باقامته عشرة أيّام في محلّ أنّه مكارٍ فعليه التقصير حتّى يرجع اليه التسمية، و الظاهر عدم زوال التسمية بمجرّد اقامته عشرة أيّام، و عليه فالاحتياط بالنسبة الى السفر الأوّل بالجمع لايترك، و حدّ السفر الأوّل موكول الى العرف و يختلف في هذا الزمان بالنسبة الى المراكب.
(مسألة 50): اذا لم يكن شغله و عمله السفر لكن عرض له عارض فسافر أسفارا عديدة لايلحقه حكم وجوب التمام، سواء كان كلّ سفرة بعد سابقها اتّفاقيّا، أو كان من الأوّل قاصدا لأسفار عديدة، فلو كان له طعام أو شيء آخر في بعض مزارعه أو بعض القرى و أراد أن يجلبه الى البلد فسافر ثلاث مرّات أو أزيد بدوابّه أو بدوابّ الغير لايجب عليه التمام، و كذا اذا أراد أن ينتقل من مكان الى مكان فاحتاج الى أسفار متعدّدة في حمل أثقاله و أحماله.
الشرح:
قد عرفت أنّ الذي يجب عليه التمام في السفر هو من كان شغله و عمله السفر كالمكاري و الجمّال و السائق و الملاّح و نحوهم، فانّه يتمّ حتّى في سفره الأوّل ان كان عازما على الاختلاف و التردّد بين البلدين بعنوان أنّه عمله، و ليس المناط
1) - وسائل الشيعة 8: 489 / الباب 12 من أبواب صلاة المسافر / الحديث 5.
كثرة السفر أو أكثريّته من الحضر. و عليه لو عرض له عارض فسافر أسفارا عديدة لايلحقه حكم وجوب التمام، سواء كان كلّ سفرة بعد سابقتها اتّفاقيّة، أو كان من الأوّل قاصدا لأسفار عديدة. فمثاله كما في المتن.
(مسألة 51): لايعتبر فيمن شغله السفر اتّحاد كيفيّات و خصوصيّات أسفاره من حيث الطول و القصر، و من حيث الحمولة، و من حيث نوع الشغل، فلو كان يسافر الى الأمكنة القريبة فسافر الى البعيدة، أو كانت دوابّه الحمير فبدّل بالبغال أو الجمال، أو كان مكاريا فصار ملاّحا أو بالعكس يلحقه الحكم و ان أعرض عن أحد النوعين الى الآخر أو لفّق من النوعين. نعم، لو كان شغله المكاراة فاتّفق أنّه ركب السفينة للزيارة أو بالعكس قصّر؛ لأنّه سفر في غير عمله، بخلاف ما ذكرنا أوّلاً، فانّه مشتغل بعمل السفر. غاية الأمر أنّه تبدّل خصوصيّة الشغل الى خصوصيّة أخرى، فالمناط هو الاشتغال بالسفر و ان اختلف نوعه.
الشرح:
بعد ما عرفت من أنّ من كان شغله و عمله السفر يتمّ الصلاة و يصوم، فمادام يصدق عليه أنّ شغله السفر فله حكمه بلا فرق بين خصوصيّات السفر و كيفيّاته من حيث الطول و القصر و من حيث الحمولة و من حيث نوع الشغل، فلو صار المكاري ملاّحا أو بالعكس لم يضرّ في الموضوع اذا صدق عليه أنّ شغله السفر.
(مسألة 52): السائح في الأرض الذي لم يتّخذ وطنا منها يتمّ، و الأحوط الجمع.
الشرح:
لأنّ الظاهر من الروايات الواردة في أنّ المكاري و الجمّال و الملاّح يتمّون في السفر و يصومون، هو من كان السفر شغله، سواء كان الاشتغال بالآبال و السيّارة و السفينة أو لم يكن، كالسائح، و سواء كان له وطن أو لم يكن. و كذا يستفاد ذلك ممّا ورد في الأعراب و أهل البوادي من الحكم بالتمام معلّلاً بأنّ بيوتهم معهم، فانّ المفهوم عرفا من هذا الكلام أنّ المستند في التمام عدم استيطانهم مكانا معيّنا و كونهم في الرحلات دائما، و هذا المعنى متحقّق في السائح في الأرض الذي لم يتّخذ وطنا منها.
(مسألة 53): الراعي الذي ليس له مكان مخصوص يتمّ.
الشرح:
الراعي الذي يذهب بالأنعام الى المسافة الشرعيّة ليرعاها و يجيء بها كلّ يوم أو في أكثر الأيّام يتمّ صلاته و يصوم، و ذلك لقوله عليه السلام في صحيحة زرارة:
«أربعة قد يجب عليهم التمام في سفر كانوا أو حضر: المكاري و الكريّ و الراعي و الاشتقان؛ لأنّه عملهم».(1)
و مقتضى الاطلاق عدم الفرق بين أن يكون رعيه في جهة خاصّة، أو في جهات عديدة؛ لصدق الاشتغال بالرعي و أنّ السفر عمله في كلتا الصورتين. نعم، لو كان رعيه فيما دون المسافة فاتّفق خروجه الى حدّ المسافة فانّه يجب عليه التقصير كسائر المسافرين؛ لعدم كون مثله ممّن شغله السفر.
1) - وسائل الشيعة 8: 485 / الباب 11 من أبواب صلاة المسافر / الحديث 2.
(مسألة 54): التاجر الذي يدور في تجارته يتمّ.
قد تقدّم قوله عليه السلام في رواية اسماعيل بن أبي زياد:
«سبعة لايقصّرون الصلاة: الجابي الذي يدور في جبايته، و الأمير الذي يدور في امارته، و التاجر الذي يدور في تجارته من سوق الى سوق، و الراعي، و البدوي الذي يطلب مواضع القطر و منبت الشجر، و الرجل الذي يطلب الصيد يريد به لهو الدنيا، و المحارب الذي يقطع السبيل».(1)
(مسألة 55): من سافر معرضا عن وطنه لكنّه لم يتّخذ وطنا غيره يقصّر.
الشرح:
من سافر معرضا عن وطنه لكنّه لم يتّخذ وطنا غيره فتارة يريد أن يكون سائحا فهذا يتمّ كما تقدّم في المسألة الثانية و الخمسين. و أخرى يريد أن يتّخذ وطنا آخر ولكن لم يتيسّر بعد، فهذا يقصّر؛ لأنّه لم يتّخذ السفر شغلاً، و لا بدّ أن يكون مراده من المسألة الصورة الثانية؛ لصدق عنوان المسافر عليه بالضرورة و عدم اندراجه في أحد العناوين الموجبة للتمام من كون بيته معه أو عمله السفر، فحاله كحال سائر المسافرين المحكوم عليهم بوجوب القصر.
قال في المستمسك: « ... لعموم وجوب القصر على المسافر، مع عدم دخوله فيمن بيته معه، و لا فيمن عمله السفر. نعم، اذا كان بانيا على عدم التوطّن في مكان بعينه، فانّه يمكن أن يكون داخلاً فيمن بيته معه؛ لأنّ منازل سفره في نظره كمنزل وطنه، فيكون نظير السائح. بل يمكن القول بوجوب التمام عليه و ان كان متردّدا في التوطّن و عدمه؛ لاختصاص أدلّة الترخّص بغيره ممّن كان له وطن يسافر عنه
1) - وسائل الشيعة 8: 486 / الباب 11 من أبواب صلاة المسافر / الحديث 9.
و يرجع اليه، فتأمّل جيّدا. انتهى».(1)
(مسألة 56): من كان في أرض واسعة قد اتّخذها مقرّا الاّ أنّه كلّ سنة مثلاً في مكان منها، يقصّر اذا سافر عن مقرّ سنته.
الشرح:
من كان في أرض واسعة تستوعب عشرة فراسخ في عشرة قد اتّخذها مقرّا له الاّ أنّه يسكن كلّ سنة في ناحية منها فينتقل بعد السنة من شمالها الى جنوبها أو من شرقها الى غربها، فهو مسافر فيقصّر حين سفره، و ذلك لأنّ موضوع حكم القصر من سافر الى مسافة من وطنه أو منزله و مقرّه و ان لم يتّخذه وطنا دائميّا.
قال في المستمسك: « ... لأنّه يكون ذا أوطان متعدّدة بتعدّد السنين، فاذا سافر عن مقرّ سنته فقد سافر عن وطنه. و لا اشكال حينئذ في وجوب القصر عليه اذا صدق أنّ له وطنا، لكن الاشكال في صدق الوطن بمجرّد القصد، لاعتبار الدوام في التوطّن، و لايكفي توطّن سنة في صدقه، كما سيأتي. و الأولى الحاقه بالأعراب الذين بيوتهم معهم، فان كانوا في بيوتهم أتمّوا، و اذا فارقوها قصّروا. انتهى».(2)
(مسألة 57): اذا شكّ في أنّه أقام في منزله أو بلد آخر عشرة أيّام أو أقلّ بقي على التمام.
الشرح:
بناءً على أنّ اقامة العشرة في وطنه أو في غير وطنه مع نيّة الاقامة قاطعة لحكم التمام فيمن حكمه التمام كالمكاري و غيره، فمتى شكّ في أنّه أقام في منزله أو
بلد آخر عشرة أيّام أو أقلّ فكأنّه شكّ في قاطعيّة حكم التمام فالأصل عدم كونها قاطعة فيستصحب حكم التمام.
قال في المستمسك: «هذا ظاهر، بناءً على أنّ الاقامة عشرة انّما أوجبت القصر؛ لارتفاع موضوع عمليّة السفر، اذ الشكّ حينئذ يرجع الى الشكّ في بقاء عمليّة السفر و ارتفاعها فتستصحب. و كذا لو كان عدم الاقامة عشرة قيدا شرعيّا لوجوب التمام على المكاري اذا كان الشكّ في أوّل الاقامة مع العلم بآخرها، كما لو علم أنّه خرج يوم الجمعة من البلد و شكّ في أنّه دخله قبل تسعة أيّام أو عشرة، اذ لا مجال لاستصحاب الاقامة حينئذ، اذ الأصل عدمها. أمّا اذا كان الشكّ في آخرها، كما لو علم أنّه دخل البلد يوم الجمعة و شكّ في أنّه خرج منه بعد تسعة أو عشرة، كما لو كان في يوم الاثنين مسافرا و شكّ في أنّه خرج اليوم أو أمس، فقد يشكل الحكم بوجوب التمام عليه حينئذ؛ لامكان استصحاب الاقامة في اليوم العاشر، فيثبت به موضوع القصر و هو تمام العشرة؛ لأنّ الموضوع يكون مجموع الاقامات المتّصلة في الأيّام العشرة، فاذا أحرز منها تسعة بالعلم، و العاشر بالأصل، يكون من قبيل الموضوع المركّب المحرز بعضه بالوجدان و بعضه بالأصل، فيترتّب عليه الأثر. انتهى».(1)
«الثامن»: الوصول الى حدّ الترخّص، و هو المكان الذي يتوارى عنه جدران بيوت البلد و يخفى عنه أذانه، و يكفي تحقّق أحدهما مع عدم العلم بعدم تحقّق الآخر. و أمّا مع العلم بعدم تحقّقه فالأحوط اجتماعهما، بل الأحوط مراعاة اجتماعهما مطلقا، فلو تحقّق أحدهما دون الآخر امّا يجمع بين القصر و التمام، و امّا يؤخّر الصلاة الى أن يتحقّق الآخر. و في العود عن السفر أيضا ينقطع حكم القصر اذا وصل الى حدّ الترخّص من وطنه أو محلّ
1) - مستمسك العروة 8: 87 و 88.
اقامته و ان كان الأحوط تأخير الصلاة الى الدخول في منزله، أو الجمع بين القصر و التمام اذا صلّى قبله بعد الوصول الى الحدّ.
الشرح:
الشرط الثامن لوجوب القصر لمن أراد المسافة: الوصول الى حدّ الترخّص. و معنى حدّ الترخّص هو الوصول الى المكان الذي يتوارى عنه جدران بيوت البلد و يخفى عنه أذانه. و أمّا كفاية أحدهما أو لزوم الجمع فسيأتي البحث عنه. و لنذكر قبل ذلك الروايات الواردة في الباب:
منها صحيحة محمّد بن مسلم قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: الرجل يريد السفر(1)، متى يقصّر؟ قال: اذا توارى من البيوت. الحديث».(2)
و منها صحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن التقصير؟ قال: اذا كنت في الموضع الذي تسمع فيه الأذان فأتمّ، و اذا كنت في الموضع الذي لاتسمع فيه الأذان فقصّر، و اذا قدمت من سفرك فمثل ذلك».(3)
و منها صحيحة حمّاد بن عثمان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا سمع الأذان أتمّ المسافر».(4)
و منها مرسلة حمّاد عن أبي عبداللّه عليه السلام في الرجل يخرج مسافرا قال:
«يقصّر اذا خرج من البيوت».(5)
1) - في نسخة من التهذيب زيادة «فيخرج». هامش الوسائل
2) - وسائل الشيعة 8: 470 / الباب 6 من أبواب صلاة المسافر / الحديث 1.
3) - وسائل الشيعة 8: 472 / الباب 6 من أبواب صلاة المسافر / الحديث 3.
4) - وسائل الشيعة 8: 473 / الباب 6 من أبواب صلاة المسافر / الحديث 7.
5) - وسائل الشيعة 8: 473 / الباب 6 من أبواب صلاة المسافر / الحديث 9.
و منها مرسلة الصدوق قال:
«روي عن أبي عبداللّه عليه السلام أنّه قال: اذا خرجت من منزلك فقصّر الى أن تعود اليه».(1)
و منها موثّقة علي بن يقطين عن أبي الحسن موسى عليه السلام في الرجل يسافر في شهر رمضان، أيفطر في منزله؟ قال:
«اذا حدّث نفسه في الليل بالسفر أفطر اذا خرج من منزله. الحديث».(2)
فرعان:
قال المحقّق الهمداني: «الأشهر بل المشهور بين القدماء بل مطلقا على ما ادّعاه بعض، كفاية حصول أحدهما في وجوب التقصير. و عن كثير من المتأخّرين بل ربّما نسب الى أكثرهم تبعا للمحكي عن السيّد و الشيخ في الخلاف اعتبارهما معا، و عن المقنع اعتبار خصوص الأوّل، و عن المفيد و الديلمي و الحلّي خصوص الثاني، و نسب الى والد الصدوق أنّه لم يعتبر حدّ الترخّص بل أوجب التقصير بمجرّد الخروج من منزله. انتهى ملخّصا».(3)
و قال الصدوق: «و يجب التقصير على الرجل اذا توارى من البيوت.انتهى».(4)
و قال السيّد المرتضى: «و ابتداء وجوبه عليه من حيث يغيب عنه أذان مصره و يتوارى عنه أبيات مدينته. انتهى».(1)
و قال الحلبي في الكافي: «و يلزم التقصير لمكلّفه اذا غاب عنه أذان مصره. انتهى».(2)
و قال الشيخ في النهاية: «و لايجوز التقصير للمسافر الاّ اذا توارى عنه جدران بلده و خفي عليه أذان مصره. انتهى».(3)
و قال الديلمي (سلاّر) في المراسم: «و ابتداء وجوب التقصير من حيث يغيب عنه أذان مصره. انتهى».(4)
و قال القاضي ابن البرّاج في المهذّب: «و من سافر سفرا يلزمه فيه التقصير فلايجوز له ذلك حتّى يخفى عليه أذان مصره أو يتوارى عنه جدران مدينته. انتهى».(5)
و غيرها من الأقول.
و منشأ اختلاف الأقوال هو اختلاف الروايات، فدليل ما عليه والد الصدوق مرسلتا حمّاد و الصدوق و موثّقة علي بن يقطين، الاّ أنّ العمل بظاهر الموثّقة و المرسلتين يوجب طرح الروايات المعتبرة المتقدّمة التي عمل بها المشهور بل جميع الفقهاء الاّ والد الصدوق رحمه الله مضافا الى أنّ المرسلتين و الموثّقة قابلة للتوجيه و الحمل على أنّ المراد من الخروج من منزله هو الخروج الى حدّ لايسمع الأذان أو تخفى الجدران.
و منشأ سائر الأقوال هو صحيحة محمّد بن مسلم و صحيحتا عبداللّه بن سنان
و حمّاد بن عثمان و غيرها، فبعضهم رأى التعارض بين صحيحة محمّد بن مسلم و بين صحيحتي ابن سنان و حمّاد و غيرهما فرجّح الصحيحتين فقال بأنّ حدّ الترخّص هو عدم سماع الأذان. و بعضهم جمع بين الطائفتين من الروايات بالتصرّف في ظهورهما في الاستقلال بالسبّبيّة المستفادة من اطلاق كلّ منهما، فأفتى بأنّ حدّ الترخّص هو خفاء الجدران و عدم سماع الأذان. و بعضهم جمع بينهما بالتصرّف في ظهورهما في الانحصار بالسببيّة المستفادة من اطلاق كلّ منهما، فأفتى بأنّ حدّ الترخّص هو خفاء الجدران أو عدم سماع الأذان.
أقول:
الظاهر أنّه لا تنافي بين الروايات المعتبرة المتقدّمة؛ لأنّ قوله عليه السلام في صحيحة محمّد بن مسلم «اذا توارى من البيوت» انّما هو بمعنى اذا بعد المسافر بالضرب في الأرض على وجه لايراه أهل البيوت، كما في الحدائق، فقال: «و المراد بالتواري عن البيوت أي من أهل البيوت بتقدير مضاف كما في قوله عزّوجلّ: «و اسأل القرية ... »(1)أي أهل القرية. هذا هو ظاهر اللفظ و به يقرب مقتضى هذا الخبر و نحوه من خبر خفاء الجدران، فانّ تواري المسافر عن أهل البلد و خفاء الأذان متقاربان و لايضرّ التفاوت اليسير، فانّ مدار أمثال هذه الأمور في الشرع على التقريب كما هو كذلك عرفا و تبادرا. و أمّا ما ذكره الأصحاب - من حمل الخبر على خفاء البيوت عن المسافر حملاً لقوله عليه السلام «اذا توارى من البيوت» على معنى تواري البيوت عنه - فمع كونه خلاف ظاهر اللفظ المذكور لايخفى ما فيه من التفاوت الفاحش بين العلامتين المذكورتين، فانّه بعد أن يخفى عليه سماع الأذان لايخفى عليه جدران البلد الاّ بعد مسافة زائدة كما هو ظاهر لمن تأمّل. انتهى».(2)
قال في الحدائق: «قد اختلفوا أيضا في حكم الاياب، فظاهر القولين المشهورين - من اعتبار التخيير بين خفاء الأذان و خفاء الجدران كما هو المشهور بين المتقدّمين أو اعتبارهما معا كما هو المشهور بين المتأخّرين - هو كون ذلك في الذهاب و الاياب، الاّ أنّ المرتضى الذي هو أحد القائلين بالقول المشهور بين المتأخّرين ذهب هنا الى ما ذهب اليه الشيخ علي بن بابويه و ابن الجنيد من القول بالتقصير الى المنزل، و قد عرفت الاختلاف في الذهاب بين مذهب المرتضى و الشيخ المذكور. انتهى».(1)
ثم بعد نقل فتوى صاحب الشرائع و المدارك من الاختلاف بين الذهاب من الاكتفاء بأحد الأمرين و الاياب بوجوب التقصير حتّى يسمع الأذان فقط، قال: «و الأظهر عندي بالنسبة الى الذهاب ما تقدّم من التخيير؛ عملاً بالروايتين المتقدّمتين و جمعا بينهما بذلك، و أمّا في الاياب فهو ما ذهب اليه الشيخ علي بن بابويه و من تبعه. انتهى».(2)
ثمّ ذكر ما هو دليل قوله من الروايات.
و الروايات الواردة في حكم الاياب على طائفتين: ففي احداهما علّق انتهاء القصر على سماع الأذان كصحيحة عبداللّه بن سنان المتقدّمة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن التقصير؟ قال: اذا كنت في الموضع الذي تسمع فيه الأذان فأتمّ، و اذا كنت في الموضع الذي لاتسمع فيه الأذان فقصّر، و اذا
قدمت من سفرك فمثل ذلك».(1)
و صحيحة حمّاد بن عثمان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا سمع الأذان أتمّ المسافر».(2)
فانّه عليه السلام علّق اتمام الصلاة للمسافر على سماع الأذان سواء كان في الذهاب أو في الاياب.
و أمّا الطائفة الثانية فجعل فيها حدّ الاتمام و التقصير دخول المنزل و عدمه. فمنها صحيحة معاوية بن عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«أهل مكّة اذا زاروا البيت و دخلوا منازلهم ثمّ رجعوا الى منى أتمّوا الصلاة، و ان لم يدخلوا منازلهم قصّروا».(3)
و صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«انّ أهل مكّة اذا خرجوا حجّاجا قصّروا، و اذا زاروا و رجعوا الى منازلهم أتمّوا».(4)
و موثّقة عبداللّه بن بكير قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يكون بالبصرة و هو من أهل الكوفة له بها دار و منزل فيمرّ بالكوفة و انّما هو مجتاز لايريد المقام الاّ بقدر ما يتجهّز يوما أو يومين؟ قال: يقيم في جانب المصر و يقصّر. قلت: فان دخل أهله؟ قال: عليه التمام».(5)
و نظيرها صحيحة علي بن رئاب في قرب الاسناد.(6)
1) - وسائل الشيعة 8: 472 / الباب 6 من أبواب صلاة المسافر / الحديث 3.
2) - وسائل الشيعة 8: 473 / الباب 6 من أبواب صلاة المسافر / الحديث 7.
3) - وسائل الشيعة 8: 464 / الباب 3 من أبواب صلاة المسافر / الحديث 4.
4) - وسائل الشيعة 8: 465 / الباب 3 من أبواب صلاة المسافر / الحديث 8.
5) - وسائل الشيعة 8: 474 / الباب 7 من أبواب صلاة المسافر / الحديث 2.
6) - وسائل الشيعة 8: 475 / الباب 7 من أبواب صلاة المسافر / الحديث 6.
و موثّقة اسحاق بن عمّار عن أبي ابراهيم عليه السلام قال:
«سألته عن الرجل يكون مسافرا ثمّ يقدم فيدخل بيوت الكوفة، أيتمّ الصلاة أم يكون مقصّرا حتّى يدخل أهله؟ قال: بل يكون مقصّرا حتّى يدخل أهله».(1)
و صحيحة العيص بن القاسم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«لايزال المسافر مقصّرا حتّى يدخل بيته».(2)
و مرسلة الصدوق قال:
«روي عن أبي عبداللّه عليه السلام أنّه قال: اذا خرجت من منزلك فقصّر الى أن تعود اليه».(3)
و في المستمسك: «و تكلّف غير واحد توجيه النصوص المذكورة بنحو لاتنافي الأوّل، منهم شيخ الطائفة فحمل دخول الأهل و المنزل على وصول محلّ الترخّص. و في الوسائل [قال:] هو جيّد؛ لأنّ هذه النصوص ظاهرة، و تلك النصوص نصّ. انتهى».(4)
أقول:
الظاهر أنّ الروايات الواردة في تعيين حدّ القصر في ابتداء السفر و انتهائه ليست تعبّديّة بل ارشاديّة الى ما هو المعروف عند العرف من أنّ قاصد السفر مادام في وطنه لايصدق عليه المسافر الاّ مجازا و باعتبار قصده، و حينما يشيّعونه من منزله يذهبون معه الى آخر البلد الذي يقال له «بوّابة البلد» و يقفون عنده وينظرون اليه حتّى يتوارى منهم، فيرجعون و يقولون ذهب بالسلامة. هذا في
الذهاب، و كذلك تكون الحال في الاياب، فاذا علم أهله و أصدقاؤه موعد رجوعه من السفر ذهبوا الى آخر البلد و وقفوا و انتظروا وروده فاذا ظهر من البعيد و رأوه و رآهم قالوا: رجع الى وطنه بالسلامة.
فانظر الى صحيحة محمّد بن مسلم قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: الرجل يريد السفر(1)، متى يقصّر؟ قال: اذا توارى من البيوت. الحديث».(2)
و الى صحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن التقصير؟ قال: اذا كنت في الموضع الذي تسمع فيه الأذان فأتمّ، و اذا كنت في الموضع الذي لاتسمع فيه الأذان فقصّر، و اذا قدمت من سفرك فمثل ذلك».(3)
فعليه لا فرق في ذلك بين الذهاب و الاياب من أنّ مناط القصر في الأوّل عدم سماع الأذان أو تواريه من البيوت كما أنّ مناط التمام في الثاني سماع الأذان أو ظهور البيوت.
و أمّا بالنسبة الى الطائفة الثانية من الروايات فقد أجاب عنها العلاّمة الخوئي فقال: «انّ هذه الروايات معارضة لصحيحة ابن سنان المتقدّمة المصرّحة باعتبار حدّ الترخّص في الاياب كالذهاب، و لا بدّ من ترجيحها على تلك الروايات بالرغم من كثرتها و صحّة أسانيد جملة منها. أمّا أوّلاً: فلأنّ هذه الأخبار مقطوعة البطلان في أنفسها حتّى مع قطع النظر عن المعارضة، ضرورة أنّ التقصير خاصّ بالمسافر، و لايعمّ غيره ممّن لم يتلبّس بهذا العنوان، و لا شكّ أنّ المسافر لدى رجوعه عن السفر يخرج من هذا العنوان بمجرّد دخوله البلد، سواء أ دخل منزل
هأم لا، اذ الاعتبار في السفر بالسير من البلد الى البلد لا من البيت الى البيت، فكيف يمكن الالتزام بما تضمّنته هذه الأخبار من التقصير حتّى بعد دخول البلد، المستلزم للخروج عن عنوان السفر و لاسيّما بعد المكث فيه يوما أو يومين الى أن يدخل أهله كما تضمّنه بعضها و هل هذا الاّ الحكم بالتقصير لغير المسافر المقطوع بطلانه. فلا مناص من طرح هذه الروايات، أو حملها على التقيّة؛ لموافقتها للعامّة كما احتمله صاحب الوسائل. فهي ساقطة عن درجة الاعتبار في أنفسها. و ثانيا: مع الغضّ عمّا ذكر فالترجيح مع صحيحة ابن سنان؛ لموافقتها مع السنّة القطعيّة، و هي العمومات الدالّة على وجوب التمام على كلّ مكلّف، المقتصر في الخروج عنها على المقدار المتيقّن و هو المسافر، و مخالفة هذه لها. فلاينبغي التأمّل في تقدّم الصحيحة عليها. انتهى».(1)
(مسألة 58): المناط في خفاء الجدران، خفاء جدران البيوت لا خفاء الأعلام و القباب و المنارات، بل و لا خفاء سور البلد اذا كان له سور، و يكفي خفاء صورها و أشكالها و ان لم يخف أشباحها.
الشرح:
قد تقدّم في المسألة السابقة أنّ المستفاد من روايات حدّ الترخّص تواري البيوت من المسافر و فسّرناها بأنّ المراد من البيوت هو أهل البيوت، و بناءً عليه فمناط حدّ الترخّص خفاء أهلها عن نظر المسافر، و من المعلوم أنّ صدق التواري و الخفاء موكول الى العرف، و الظاهر أنّه اذا اختفى صورهم و أشكالهم صدق الخفاء و ان لم يختفِ أشباحهم. و هكذا الحال لو كان المناط خفاء جدران البيوت فانّه يكفي خفاء صورها و أشكالها و ان لم يخف أشباحها.
1) - مستند العروة 20: 202 و 203.
قال في مستند الشيعة: «قد أشرنا أنّ المراد خفاء البيت من حيث انّه بيت، و المتبادر منه خفاء الهيأة و الصورة و عدم تمييز البيوت و أوصافها بعضها عن بعض، و أنّه مقتضى الأصل. و كذا المراد خفاء الأذان من حيث انّه أذان و عدم تمييز فصول الأذان. فلا عبرة بسواد المدينة و شبحها و لا بأعلام البلد و مناراتها و قبابها و بساتينها و أشجارها. انتهى».(1)
(مسألة 59): اذا كان البلد في مكان مرتفع بحيث يرى من بعيد يقدّر كونه في الموضع المستوي، كما أنّه اذا كان في موضع منخفض يخفى بيسير من السير أو كان هناك حائل يمنع عن رؤيته كذلك يقدّر في الموضع المستوي، و كذا اذا كانت البيوت على خلاف المعتاد من حيث العلوّ أو الانخفاض فانّها تردّ اليه، لكنّ الأحوط خفاؤها مطلقا. و كذا اذا كانت على مكان مرتفع فانّ الأحوط خفاؤها مطلقا.
الشرح:
اذا كان المناط بالنسبة الى الجدران خفاء صورها و أشكالها فلا فرق بين كونه في مكان مرتفع أو في موضع مستوٍ. و كذا لا فرق بين كون البيوت على خلاف المعتاد أو كونها على المعتاد. نعم، اذا كانت في موضع منخفض يخفى بيسير من السير أو كان هناك مانع يمنع من رؤيته، يقدّر كونه في موضع مستوٍ.
قال في مستند الشيعة: «المراد بالتواري عن البيوت أو تواريها عنه التواري من جهة البعد و السير في الأرض، لا التواري كيف اتّفق و لو لأجل حائل أو وهدة و ان ترى بعده كما توهّم؛ لأنّه المتبادر منه في المقام، لأنّ المراد بيان قاعدة كلّيّة و وضع ضابطة جليّة يترتّب عليها حكم التقصير و التمام، و الحائل الذي قد يكون وقد لايكون و
1) - مستند الشيعة 8: 296 و 297.
قد يقرب و قد يبعد فلايصلح لأن يكون ضابطا كلّيّا، و كذا خفاء الأذان. انتهى».(1)
(مسألة 60): اذا لم يكن هناك بيوت و لا جدران، يعتبر التقدير. نعم، في بيوت الأعراب و نحوهم ممّن لا جدران لبيوتهم يكفي خفاؤها و لايحتاج الى تقدير الجدران.
قد تقدّم أنّ المناط في حدّ الترخّص هو خفاء أهل البيوت، و بناءً عليه فلا فرق في ذلك بين أن يكون هناك بيوت أو لا، و كذا الحال في بيوت الأعراب. نعم، لو لم يكن هناك انسان يعتبر التقدير.
(مسألة 61): الظاهر في خفاء الأذان كفاية عدم تميّز فصوله و ان كان الأحوط اعتبار خفاء مطلق الصوت حتّى المتردّد بين كونه أذانا أو غيره، فضلاً عن المتميّز كونه أذانا مع عدم تميّز فصوله.
الشرح:
الظاهر كفاية عدم سماع الأذان، فاذا سمع الصوت و لم يميّز أنّه أذان أو غيره فقد بلغ حدّ الترخّص، و ذلك لظهور الروايات في ذلك، فالمراد من قوله عليه السلام في صحيحة حمّاد بن عثمان «اذا سمع الأذان أتمّ المسافر»(2)عدم سماع ما يصدق عليه الأذان، و لا اعتبار بمجرّد الصوت، كما لا اعتبار بتمييز الفصول.
(مسألة 62): الظاهر عدم اعتبار كون الأذان في آخر البلد في ناحية المسافر في البلاد الصغيرة و المتوسّطة، بل المدار أذانها، و ان كان في وسط البلد على مأذنة مرتفعة. نعم، في البلاد الكبيرة يعتبر كونه في أواخر البلد من ناحية المسافر.
الشرح:
الظاهر أنّ هذه الضابطة لقرى و بلاد المسلمين المعتاد عندهم الأذان في الأوقات الثلاثة. و من المعلوم أنّ عدد المؤذّنين لاعلام الوقت في القرى الصغيرة جدّا قليل و يتضاعف عددهم بنسبة توسعة القرى و البلاد، و حينئذ فالمدار سماع الأذان من هذه القرية أو البلد فلا فرق بين كون البلد صغيرا أو كبيرا.
(مسألة 63): يعتبر كون الأذان على مرتفع معتاد في أذان ذلك البلد ولو منارة غير خارجة عن المتعارف في العلوّ.
الشرح:
يعتبر كون الأذان على مرتفع كما كان في عصر الأئمّة المعصومين عليهم السلام، و ما صار متعارفا في عصرنا من المآذن الرفيعة فلا اعتبار بها كما لا اعتبار بما يستعمل من الآلات الصوتيّة.
(مسألة 64): المدار في عين الرائي و أذن السامع على المتوسّط في الرؤية و السماع، في الهواء الخالي عن الغبار و الريح و نحوهما من الموانع عن الرؤية أو السماع، فغير المتوسّط يرجع اليه، كما أنّ الصوت الخارق في العلوّ يردّ الى المعتاد المتوسّط.
و هو كما قال المصنّف، فانّ المتّبع في التقديرات الشرعيّة التي لها مراتب مختلفة، هو الحدّ الوسط بين الافراط و التفريط.
(مسألة 65): الأقوى عدم اختصاص اعتبار حدّ الترخّص بالوطن فيجري في محلّ الاقامة أيضا بل و في المكان الذي بقي فيه ثلاثين يوما متردّدا، و كما لا فرق في الوطن بين ابتداء السفر و العود عنه في اعتبار حدّ الترخّص، كذلك في محلّ الاقامة، فلو وصل في سفره الى حدّ الترخّص من مكان عزم على الاقامة فيه ينقطع حكم السفر و يجب عليه أن يتمّ و ان كان الأحوط التأخير الى الوصول الى المنزل كما في الوطن. نعم، لايعتبر حدّ الترخّص في غير الثلاثة كما اذا ذهب لطلب الغريم أو الآبق بدون قصد المسافة ثمّ في الأثناء قصدها فانّه يكفي فيه الضرب في الأرض.
الشرح:
هل يختصّ اعتبار حدّ الترخّص بالوطن أو يجري في محلّ الاقامة أيضا؟
ففي مفتاح الكرامة قال: «هل يشترط تجاوز الحدّين في ناوي الاقامة، أو يقصّر بمجرّد خروجه؟ قولان، ذكرهما في نفائح الأفكار، و استوضح أوّلهما و وافقه سبطه و هو خيرة السرائر و كشف الالتباس و الذخيرة و ظاهر التذكرة و الذكرى و هو الذي يستفاد من كلام الأكثر من مواضع بل هو صريح كلامهم في مسألة ناوي الاقامة في بلد حيث ذكروا أنّه لايضرّه التردّد في نواحيها ما لم يبلغ محلّ الترخّص. فقد ذكروا ذلك هناك متسالمين عليه، و الأخبار منطبقة الدلالة عليه فلا اشكال فيه. و من ذلك يفهم الحال في الدخول من جهة النصّ و الفتوى.
انتهى».(1)
أقول:
الظاهر أنّه كما أنّ المدينة شاملة للبيوت و الطرق الموجودة فيها كذلك شاملة لما حولها الى مقدار ما يظهر البيوت و يسمع الأصوات، و لذا يقال لمن خرج من المصر و بعد عن البيوت ولكنّه لم يتوار منها: انّه في المدينة. و الضابطة التي أعطاها الامام عليه السلامفيمن قصد السفر و المسافة، لحكم القصر، و فيمن يرجع لانتهاء حكم القصر، هي بمعنى الخروج من المدينة و الضرب في الأرض أو الدخول و المقام بها. فبعد هذا المقال يتّضح أنّ صحيحة محمّد بن مسلم و عبداللّه بن سنان و غيرهما تكون بصدد بيان ما هو المتعارف من عدّ أطراف البلد، من البلد، من دون فرق بين الوطن و غيره، فمن أقام في مدينة عشرة أيّام فكأنّه مقيم فيها الى ما يظهر البيوت و يسمع الأذان، فيتمّ صلاته، فاذا خرج من المدينة بقصد المسافة يقصّر اذا خرج منها كاملاً و هو يحصل بعدم سماع الأذان أو التواري من البيوت. و كذا من أقام في مدينة ثلاثين يوما متردّدا فانّه يتمّ صلاته حتّى يخرج منها بقصد المسافة كسابقه أي بلغ حدّا لم يسمع الأذان أو توارى من البيوت.
بناءً على هذا فما قيل من انصراف الأخبار الى الوطن فلو سلّم فانصرافه بدويّ. و يؤيّده ما ورد في بعض الروايات من أنّ المقيم عشرة أيّام في بلد يُعدّ بمنزلة أهل ذلك البلد. ففي صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«من قدم قبل التروية بعشرة أيّام وجب عليه اتمام الصلاة و هو بمنزلة أهل مكّة، فاذا خرج الى منى وجب عليه التقصير، فاذا زارالبيت أتمّ الصلاة، و عليه اتمام الصلاة اذا رجع الى منى حتّى
1) - مفتاح الكرامة 3: 551.
ينفر».(1)
فالمراد من قوله عليه السلام: «فاذا خرج الى منى وجب عليه التقصير» هو الخروج الى منى ثمّ الى عرفات للوقوف هناك ثمّ الرجوع الى المشعر و المنى فيصير مسافة.
و أمّا قوله عليه السلام في ذيل الصحيحة: «فاذا زار البيت أتمّ الصلاة ... » فيوجّه بأنّه أراد اقامة عشرة أيّام ثانيا. فالمستفاد من الرواية أنّ من قصد اقامة عشرة أيّام في بلده فليس بمسافر شرعا، فقد أخرجه الشارع عن موضوع المسافر.
فتحصّل أنّ المقيم بمدينة عشرة أيّام يتمّ الصلاة الى أن يخرج منها بقصد المسافة فيقصّر اذا لم يسمع الأذان أو توارى من الجدران؛ لأنّه قبل ذلك كان في محلّ الاقامة، و لذا قال صاحب مفتاح الكرامة: «انّ الأكثر ذكروا أنّه لايضرّه التردّد في نواحيها ما لم يبلغ حدّ الترخّص. انتهى ملخّصا».(2)
و هكذا الحال اذا دخل مدينة و قصد اقامة عشرة أيّام أو أكثر فانّه بمجرّد الوصول الى حدّ يسمع منه الأذان أو يظهر البيوت يتمّ صلاته، بعين ما ذكر من الدليل في الخروج.
و لو أقام في مدينة ثلاثين يوما متردّدا فيتمّ صلاته الى أن يخرج منها بحيث لايسمع الأذان أو يتوارى من البيوت، و ذلك لموثّق اسحاق بن عمّار قال:
«سألت أبا الحسن عليه السلام عن أهل مكّة اذا زاروا، عليهم اتمام الصلاة؟ قال: نعم، و المقيم بمكّة الى شهر بمنزلتهم».(3)
و كذا ما ورد من الروايات من أنّ من أقام في محلّ ثلاثين يوما متردّدا يتمّصلاته و يصوم.
(مسألة 66): اذا شكّ في البلوغ الى حدّ الترخّص بنى على عدمه فيبقى على التمام في الذهاب و على القصر في الاياب.
الشرح:
اذا شكّ في البلوغ الى حدّ الترخّص بنى على عدمه فيبقى على التمام في الذهاب و على القصر في الاياب، و ذلك للاستصحاب؛ فانّ من خرج من بلده بقصد المسافة اذا شكّ في البلوغ الى حدّ الترخّص فقد يشكّ في أنّه خرج من المدينة أو لم يخرج بعد؟ و يكون شاكّا في أنّ موضوع القصر و هو السفر حصل أو لم يحصل و موضوع التمام باقٍ؟ فحينئذ يستصحب عدم الخروج و عدم حصول موضوع القصر و هو السفر و يستصحب البقاء في المدينة و أنّ موضوع التمام باقٍ. و كذلك الحال اذا رجع من السفر و اقترب من بلده فيقصّر؛ عملاً بالاستصحاب. انّما الكلام فيما اذا ابتلى الاستصحاب بالعلم الاجمالي فالصور المتصوّرة هنا ثلاث:
الأولى: لو علم عند شكّه في الذهاب بابتلائه بنفس هذا الشكّ في الاياب فيتعارض الاستصحابان و يتساقطان؛ بناءً على عدم الفرق في تنجيز العلم الاجمالي بين الدفعي و التدريجي، فلا مناص حينئذ من أحد الأمرين: امّا الجمع أو تأخير الصلاة الى بلوغ الحدّ الجزمي؛ رعاية للعلم الاجمالي المزبور بعد سقوط الاستصحابين بالمعارضة، الاّ أنّ المبنى باطل لعدم تنجّز العلم الاجمالي اذا كان تدريجيّا فيستصحب عدم بلوغ الحدّ و يأتي بصلاته تامّا.
الثانية: لو شكّ في الذهاب و حصل له نفس ذلك الشكّ في الاياب و كان الوقت باقيا كما لو صلّى الظهر تماما في الذهاب و صلّى العصر قصرا في الاياب فحينئذ يعلم اجمالاً ببطلان احدى الصلاتين، فالأصل الجاري في المقام الاشتغال، و لا مجال لتصحيح الظهر بقاعدة التجاوز؛ لوضوح اختصاصها بالشكّ في الصحّة المستند الى فعل المكلّف من احتمال ترك جزء أو شرط أو الاتيان
بمانع دون ما هو خارج عن اختياره، فيعيد الظهر قصرا و يأتي بالعصر قصرا و تماما.
الثالثة: الصورة الثانية مع فرض خروج الوقت، كما لو كان رجوعه في الليل فكان شكّه بالنسبة الى العشاءين، و المفروض أنّه صلّى الظهرين في ذهابه تماما عملاً بالاستصحاب، فالمحكّم هيهنا أيضا قاعدة الاشتغال؛ لتعارض الاستصحابين بالعلم الاجمالي ببطلان الظهرين أو العشاءين، فلايكون هناك شيء نتمسّك به لصحّة الظهرين حتّى ينحلّ العلم الاجمالي، فيجري الاستصحاب لصحّة العشاءين الاّ على قول من ذهب الى صحّة الصلاة اذا أتمّ في موضع القصر لعذر من الأعذار من جهل أو نسيان متعلّق ببعض خصوصيّات الحكم أو موضوعه ثمّ انكشف الخلاف خارج الوقت، فلايجب عليه القضاء. و أمّا نحن فحيث لانقول بذلك فيجب على المكلّف تأخير الصلاة حتّى يرفع الشكّ ان أمكن، و الاّ يأتي بالعشاءين قصرا و تماما حتّى يعلم بالبراءة. و أمّا بالنسبة الى الظهرين فيأتي بهما قصرا قضاءً مضافا الى اتيانهما تماما. نعم، يمكن أن يقال بأنّ القضاء بأمر جديد و موضوعه الفوت، فحيث لم يحرز الفوت لاحتمال صحّة ما أتى به فالأصل الجاري بالنسبة الى الظهرين البراءة.
(مسألة 67): اذا كان في السفينة أو العَرَبة فشرع في الصلاة قبل حدّ الترخّص بنيّة التمام ثمّ في الأثناء وصل اليه، فان كان قبل الدخول في قيام الركعة الثالثة أتمّها قصرا و صحّت، بل و كذا اذا دخل فيه قبل الدخول في الركوع. و ان كان بعده فيحتمل وجوب الاتمام لأنّ الصلاة على ما افتتحت، لكنّه مشكل، فلايترك الاحتياط بالاعادة قصرا أيضا. و اذا شرع في الصلاة في حال العود قبل الوصول الى الحدّ بنيّة القصر ثمّ في الأثناء وصل اليه أتمّها تماما و صحّت. و الأحوط - في وجه - اتمامها قصرا ثمّ اعادتها تماما.
الشرح:
اذا كان في السفينة أو غيرها فشرع في الصلاة قبل حدّ الترخّص بنيّة التمام كما هو تكليفه ثمّ في الأثناء وصل اليه فان كان قبل الدخول في قيام الركعة الثالثة أتمّها قصرا و صحّت؛ لأنّ الواجب عليه الآن هو القصر و أنّه في حال الامتثال و لم يسقط التكليف عنه بعد، فبانقلاب الموضوع انقلب الحكم، فحاله كحال من قصد اقامة عشرة أيّام في بلد فشرع في رباعيّة فصلّى منها ركعتين فتبدّل قصده و رجع عن الاقامة فانّه يتمّها قصرا؛ لتبدّل الموضوع.
و أمّا ما قيل من أنّ الصلاة على ما افتتحت، فالروايات الواردة في ذلك ناظرة - بشهادة موردها - الى التخلّف في النيّة و أجنبيّة عن التبدّل في الموضوع، فمن شرع في الصلاة مثلاً بنيّة الفريضة فسها و أتمّها بنيّة النافلة فانّ صلاته هذه تكون
على ما افتتحت، فانّ ذلك من باب الاشتباه و الخطأ في التطبيق.
و هكذا الحال لو شرع في الصلاة قبل حدّ الترخّص بنيّة التمام ثمّ في الأثناء وصل اليه و كان بعد الدخول في قيام الركعة الثالثة و لم يدخل بعد في الركوع، فانّ قيامه هذا زائد فيهدم القيام و يجلس و يتمّ الصلاة و يسجد سجدتي السهو لزيادة القيام. و الدليل عليه هو الدليل على سابقه. و لايضرّ الدخول في القيام لاتمامها قصرا كما لايضرّ الدخول في القيام لمن نوى الاقامة ثمّ رجع عن قصده، لاتمامها قصرا. فكلاهما من باب واحد. و ان كان بعد الوصول الى ركوعها فالظاهر بطلان صلاته من جهة انكشاف عدم كونها تكليفه الفعلي و عدم التمكّن من اتمامها. هذا كلّه في الذهاب.
و أمّا في الاياب فهو كالذهاب أيضا، فمن شرع في الصلاة قصرا قبل البلوغ الى حدّ الترخّص فبلغ اليه و هو في حال الصلاة فيتمّها تامّا؛ لتبدّل موضوع القصر (و هو السفر) الى التمام (و هو الحضر).
(مسألة 68): اذا اعتقد الوصول الى الحدّ فصلّى قصرا ثمّ بان أنّه لم يصل اليه وجبت الاعادة أو القضاء تماما، و كذا في العود اذا صلّى تماما باعتقاد الوصول فبان عدمه وجبت الاعادة أو القضاء قصرا، و في عكس الصورتين بأن اعتقد عدم الوصول فبان الخلاف ينعكس الحكم فيجب الاعادة قصرا في الأولى و تماما في الثانية.
الشرح:
اذا اعتقد الوصول الى الحدّ فصلّى قصرا ثمّ بان أنّه لم يصل اليه فهو على قسمين: فتارة يكون الانكشاف في ذلك المكان فيعيد صلاته تماما ان كان الوقت باقيا و الاّ يقضيها تماما، و ذلك لعدم الاتيان بالمأمور به. و أخرى يكون الانكشاف بعدما وصل الى الحدّ، و حينئذ فان كان الوقت باقيا يعيد قصرا و الاّ يقضي كذلك؛ لعدم الدليل على اجزاء ما أتى به تماما. و كذا في العود اذا صلّى تماما باعتقاد الوصول فبان عدمه وجبت الاعادة أو القضاء قصرا ان كان الانكشاف قبل الوصول. و أمّا ان كان بعد الوصول فان كان الوقت باقيا يعيد تماما. و لو لم يكن الوقت باقيا فان كان آخر الوقت في الوطن يقضي تماما و الاّ يقضي قصرا. و في عكس الصورتين بأن صلّى تماما باعتقاد عدم الوصول فبان الخلاف فينعكس الحكم.
(مسألة 69): اذا سافر من وطنه و جاز عن حدّ الترخّص ثمّ في أثناء الطريق وصل الى ما دونه، امّا لاعوجاج الطريق أو لأمر آخر، كما اذا رجع لقضاء حاجة أو نحو ذلك، فمادام هناك يجب عليه التمام. و اذا جاز عنه بعد ذلك وجب عليه القصر اذا كان الباقي مسافة. و أمّا اذا سافر من محلّ الاقامة و جاز عن الحدّ ثمّ وصل الى ما دونه أو رجع في الأثناء لقضاء حاجة بقي
على التقصير. و اذا صلّى في الصورة الأولى بعد الخروج عن حدّ الترخّص قصرا ثمّ وصل الى ما دونه فان كان بعد بلوغ المسافة فلا اشكال في صحّة صلاته، و أمّا ان كان قبل ذلك فالأحوط وجوب الاعادة و ان كان يحتمل الاجزاء الحاقا له بما لو صلّى ثمّ بدا له في السفر قبل بلوغ المسافة.
الشرح:
اذا سافر من وطنه و جاز عن حدّ الترخّص ثمّ في أثناء الطريق وصل الى ما دونه، امّا لاعوجاج الطريق أو لأمر آخر، كما اذا رجع لقضاء حاجة فمادام هناك يجب عليه التمام. و ذلك لما تقدّم في الشرط الثامن من شرائط القصر: أنّ المسافر مادام لم يصل الى حدّ الترخّص و لم يخف عليه الأذان و البيوت فهو في وطنه، فاذا وصل الى ما دونه في أثناء الطريق فرجع الى وطنه فعليه الصلاة تماما. و اذا جاز عنه بعد ذلك وجب عليه القصر اذا كان الباقي مسافة. و كذا اذا سافر من محلّ الاقامة و جاز عن الحدّ ثمّ وصل الى ما دونه، أو رجع في الأثناء لقضاء حاجة فعليه الصلاة تماما؛ لأنّه - كما قلنا - انّ محلّ الاقامة بحكم الوطن بالنسبة الى حدّ الترخّص، و ذلك لأنّه بمجرّد خروجه و تجاوزه عن الحدّ لم يقطع علاقته عن ذلك المحلّ الاّ اذا تحقّق السفر و الفرض أنّه لم يتحقّق. و اذا صلّى في الصورة الأولى بعد الخروج عن حدّ الترخّص قصرا ثمّ وصل الى ما دونه، فان كان بعد بلوغ المسافة فلا اشكال في صحّة صلاته. و أمّا ان كان قبل ذلك فيلحق بما لو صلّى ثمّ انصرف عن السفر قبل بلوغ المسافة.
(مسألة 70): في المسافة الدوريّة حول البلد دون حدّ الترخّص في تمام الدور أو بعضه ممّا لم يكن الباقي قبله أو بعده مسافة يتمّ الصلاة.
الشرح:
في المسألة صور:
فتارة: يدور حول البلد دون حدّ الترخّص في تمام الدور، فحينئذ يتعيّن عليه التمام و ان كان سيره ثمانية فراسخ؛ لعدم صدق المسافر عليه، فانّه بمنزلة السير ثمانية فراسخ في داخل البلد.
و أخرى: يدور حول البلد خارج حدّ الترخّص، و في هذه الصورة فان كان سيره ثمانية فراسخ امتداديّة أو تلفيقيّة يقصّر؛ لصدق المسافر عليه كما تقدّم، و ان كان دون ذلك فلايقصّر.
و ثالثة: يدور حول البلد خارج حدّ الترخّص ولكنّه مرّ بالحدّ في بعض الدور و أثنائه، فانّه بمنزلة الرجوع اليه و قد تقدّم حكمه في المسألة السابقة و قلنا بقطع سفره.
و هي أمور: «أحدها»: الوطن، فانّ المرور عليه قاطع للسفر و موجب للتمام مادام فيه أو فيما دون حدّ الترخّص منه و يحتاج في العود الى القصر بعده الى قصد مسافة جديدة و لو ملفّقة مع التجاوز عن حدّ الترخّص، و المراد به المكان الذي اتّخذه مسكنا و مقرّا له دائما، بلدا كان أو قرية أو غيرهما، سواء كان مسكنا لأبيه و أمّه و مسقط رأسه، أو غيره ممّا استجدّه، و لايعتبر فيه بعد الاتّخاذ المزبور حصول ملك له فيه. نعم، يعتبر فيه الاقامة فيه بمقدار يصدق عليه عرفا أنّه وطنه. و الظاهر أنّ الصدق المزبور يختلف بحسب الأشخاص و الخصوصيّات، فربّما يصدق بالاقامة فيه بعد القصد المزبور شهرا أو أقلّ، فلايشترط الاقامة ستّة أشهر و ان كان أحوط، فقبله يجمع بين القصر و التمام اذا لم ينو اقامة عشرة أيّام.
الشرح:
الظاهر أنّه لا خلاف في أنّ المرور على الوطن قاطع للسفر و موجب للتمام مادام فيه، أو فيما دون حدّ الترخّص منه.
قال في المدارك: «لا خلاف بين الأصحاب في أنّ كلاًّ من هذين الأمرين (اقامة العشر و الوصول الى الوطن) قاطع للسفر. انتهى».(1)
و يدلّ عليه صحيحة حمّاد بن عثمان عن أبي عبداللّه عليه السلام في الرجل يسافر فيمرّ بالمنزل له في الطريق، يتمّ الصلاة أم يقصّر؟ قال:
«يقصّر، انّما هو المنزل الذي توطّنه».(2)
و صحيحة اسماعيل بن فضل قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يسافر من أرض الى أرض و انّما ينزل قراه و ضيعته؟ قال: اذا نزلت قراك و أرضك فأتمّ الصلاة، و اذا كنت في غير أرضك فقصّر».(3)
و صحيحة علي بن يقطين قال:
«قلت لأبي الحسن الأوّل عليه السلام: الرجل يتّخذ المنزل فيمرّ به، أيتمّ أم يقصّر؟ قال: كلّ منزل لاتستوطنه فليس لك بمنزل و ليس لك أن تتمّ فيه».(4)
و عليه يحتاج في العود الى القصر بعد المرور على الوطن الى قصد مسافة جديدة ولو ملفّقة مع التجاوز عن حدّ الترخّص.
و الوطن أي المكان الذي أقام فيه و سكن، على ثلاثة أقسام:
الأوّل: المكان الذي ولد فيه و نشأ و كان مولد أبيه و أمّه و لم يكن غريبا فهذا يسمّى بالوطن الأصلي و مسقط الرأس.
الثاني: المكان الذي اتّخذه وطنا له غير مولده و مولد آبائه، فهذا يسمّى بالوطن
الاتّخاذي.
الثالث: الوطن الشرعي، و هو المكان الذي كان له ملك فيه و أقام ستّة أشهر فمازاد ثمّ تركه فسيأتي الكلام في هذا القسم.
فهل يشترط في الوطن الاتّخاذي أن يكون من نيّته الاقامة فيه مادام حيّا أو يكفي أن ينوي اقامة مدّة طويلة، أو كان مقيما مدّة طويلة و ان لم يكن ناويا من الأوّل.
اختلف الآراء و الأقوال في الوطن و حقيقته. و لقد أجاد آية اللّه المحقّق أستاذ بعض فقهاء العصر الحاضر السيّد حسين البروجردي رحمه الله مع اختصاره، فانّه قال: «الظاهر أنّ انتزاع مفهوم الوطنيّة عن مكان ليس بلحاظ الاعتبارات و الحالات السابقة من كون المكان محلاًّ لولادة الشخص أو مسكنا لآبائه و أجداده أو مقرّا لأبويه حين ولادته و نحو ذلك، و لا بلحاظ الاعتبارات و الحالات اللاحقة ككونه عازما على الاقامة فيه الى حين موته أو الى أمد بعيد، و بالجملة، ليس انتزاع مفهوم الوطنيّة عن مكان بلحاظ الحالات و الاضافات السابقة أو اللاحقة بل هي مفهوم تحكي عن علقة و اضافة فعليّة بين الشخص و المكان المخصوص بحسب الوضع الفعلي لهذا الشخص حيث انّ كلّ شخص يختار بحسب طبعه و ميله بلدا من البلاد لاقامته و اقامة أهله و أولاده و يوجد بينه و بين هذا البلد علقة خاصّة بحيث لو خلّي و طبعه يكون باقيا في هذا المكان و يكون خروجه منه أمرا طارئا ناشئا من المزعجات و القواسر الطارئة و يرجع اليه بحسب طبعه بعد ما ارتفع القواسر فهذا البلد يسمّى عرفا بالوطن. و بعبارة أخرى: الوطن عبارة عمّا هو المقرّ الفعلي للشخص بحسب وضعه الفعلي بحيث لولا طروّ المزعجات و القواسر أعني الحوائج الداعية الى السفر لكان مستقرّا فيه غير خارج منه و آية ذلك رجوعه اليه بحسب طبعه و عادته بعد ما أخذ حظّه من سفره و ارتفع حاجته فيه، و هذا من غير فرق بين أن يكون اختياره لهذا البلد من جهة كونه محلاًّ لاقامة آبائه
و أقاربه أو لكونه بلدا مناسبا لشغله و حرفته أو لكون مائه و هوائه ملائمين لمزاجه أو لكون سيرة أهله و أخلاقهم مناسبة لروحه أو لكونه محلاًّ لما هو طالبه من كسب العلوم و الآداب أو لغير ذلك من الجهات، و سواء كان له في هذا البلد ملك أو منزل مملوك أو غيرمملوك أو لم يكن بل كان من سكّان المدارس أو المساجد و المعابر، و سواء كان من قصده البقاء في هذا البلد الى أن يموت فيه أو لم يقصد ذلك بل لم يلتفت اليه أصلاً، بل يمكن أن يقال بعدم اضرار التوقيت أيضا في صدق الوطن اذا كان قاصدا للاقامة فيه مدّة مديدة اقامة سائر الناس في منازلهم من جهة اقتضاء وضعه الفعلي لذلك، فالطلاّب المجتمعون في مجامع الحوزات العلميّة المقيمون فيها عشرين سنة أو أزيد ربّما يعدّون متوطّنين في تلك المجامع العلميّة و ان لم يكن من قصدهم البقاء فيها دائما، و التاجر الذي ارتحل عن مسقط رأسه الى بلد آخر و صار فيه مشتغلاً بشغله و تجارته و اتّخذ فيه دارا لاقامته و اقامة أهله ربّما يعدّ هذا البلد وطنا له و ان كان من قصده أن يرجع في آخر عمره الى مسقط رأسه، و هكذا. و بالجملة، لايلاحظ في انتزاع عنوان الوطن الاعتبارات و الاضافات السابقة أو اللاحقة بل الاضافة الفعليّة بين الشخص و مقرّه، فما هو المقرّ الفعلي للشخص بحيث يبقى فيه لو خلّي و طبعه يسمّى وطنا له. انتهى».(1)
ثمّ انّه يعتبر فيما اتّخذه وطنا الاقامة فيه بمقدار يصدق عليه عرفا أنّه وطنه، و الظاهر أنّ الصدق المزبور يختلف بحسب الأشخاص و الخصوصيّات، فربّما يصدق بالاقامة فيه بعد القصد المزبور شهرا أو أقلّ بل يوما، كمن اشترى في هذه الأيّام دارا أو دكّانا و نقل أثاثه أو كتبه و اشتغل بالتجارة أو الدرس و التدريس و نحو ذلك ممّا هو من لوازم البقاء و شؤون الاستيطان.
نعم، لاتكفي نيّة الاقامة من دون الاقامة، فمن قصد التوطّن من دون اتّخاذالسكنى لم يصدق عليه أنّه اتّخذ
1) - البدر الزاهر: 144 - 146.
وطنا كما هو واضح. نعم، لايعتبر فيمن اتّخذ مكانا وطنا لنفسه أن يكون له دار بل يكفي في صدق ذلك ولو كان مستأجرا أو غيره.
(مسألة 1): اذا أعرض عن وطنه الأصلي أو المستجدّ و توطّن في غيره، فان لم يكن له فيه ملك أصلاً، أو كان و لم يكن قابلاً للسكنى، كما اذا كان له فيه نخلة أو نحوها، أو كان قابلاً له ولكن لم يسكن فيه ستّة أشهر بقصد التوطّن الأبدي، يزول عنه حكم الوطنيّة، فلايوجب المرور عليه قطع حكم السفر. و أمّا اذا كان له فيه ملك قد سكن فيه بعد اتّخاذه وطنا له دائما ستّة أشهر، فالمشهور على أنّه بحكم الوطن العرفي و ان أعرض عنه الى غيره، و يسمّونه بالوطن الشرعي و يوجبون عليه التمام اذا مرّ عليه مادام بقاء ملكه فيه، لكن الأقوى عدم جريان حكم الوطن عليه بعد الاعراض، فالوطن الشرعي غير ثابت و ان كان الأحوط الجمع بين اجراء حكم الوطن و غيره عليه، فيجمع فيه بين القصر و التمام اذا مرّ عليه و لم ينو اقامة عشرة أيّام، بل الأحوط الجمع اذا كان له نخلة أو نحوها ممّا هو غير قابل للسكنى و بقي فيه بقصد التوطّن ستّة أشهر، بل و كذا اذا لم يكن سكناه بقصد التوطّن، بل بقصد التجارة مثلاً.
الشرح:
الوطن الشرعي على المشهور هو المكان الذي له فيه ملك و سكن فيه ستّة أشهر.
قال العلاّمة في التذكرة: «لو كان في أثناء المسافة له ملك قد استوطنه ستّة أشهر، انقطع سفره بوصوله اليه، و وجب عليه الاتمام فيه عند علمائنا، سواء عزم على الاقامة فيه أو لا؛ لأنّ حاله فيه يشبه حال المقيمين، و لصحيحة محمّد بن
اسماعيل بن بزيع، و لأنّه بلد اقامته، فلايعدّ فيه مسافرا. انتهى ملخّصا».(1)
و قال في الشرائع: «و الوطن الذي يتمّ فيه هو كلّ موضع له فيه ملك قد استوطنه ستّة أشهر فصاعدا متوالية كانت أو مفترقة. انتهى».(2)
و قال في المدارك: «اطلاق العبارة يقتضي عدم الفرق في الملك بين المنزل و غيره، و بهذا التعميم جزم العلاّمة و من تأخّر عنه حتّى صرّحوا بالاكتفاء في ذلك بالشجرة الواحدة، و استدلّوا عليه بموثّقة عمّار، و الأصحّ اعتبار المنزل خاصّة كما هو ظاهر اختيار الشيخ في النهاية و ابن بابويه و ابن البرّاج و أبي الصلاح، و المصنّف في النافع؛ لاناطة الحكم به في الأخبار الصحيحة، و يدلّ عليه صريحا صحيحة محمّد بن اسماعيل بن بزيع. انتهى ملخّصا».(3)
و عمدة الدليل عليه صحيحة محمّد بن اسماعيل بن بزيع عن أبي الحسن عليه السلام قال:
«سألته عن الرجل يقصّر في ضيعته؟ فقال: لابأس ما لم ينو مقام عشرة أيّام الاّ أن يكون له فيها منزل يستوطنه. فقلت: ما الاستيطان؟ فقال: أن يكون له فيها منزل يقيم فيه ستّة أشهر، فاذا كان كذلك يتمّ فيها متى دخلها».(4)
فانّه و ان كان بعض الروايات المعتبرة تخالفها في بادئ الأمر ولكنّها تكون موافقة لها في الواقع، و عليك بالتأمّل و الدقّة.
و الظاهر من هذه الصحيحة أنّ من كان له ضيعة لها مسافة يذهب اليها و يقيم فيها أيّاما ثمّ يرجع، و قد تكرّر منه ذلك حتّى توطّن بها و أقام ستّة أشهر، فاذا سافر
اليها بعد ذلك أو قصد مكانا آخر و مرّ بها أتمّ صلاته.
و الأخبار الواردة في المقام على طائفتين: احداهما مطلقة قابلة للتقييد. و ثانيتهما بظاهرها تخالف الصحيحة الاّ أنّها قابلة للتوجيه و الجمع.
فمن الطائفة الأولى موثّقة عبدالرحمن بن الحجّاج قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: الرجل له الضياع بعضها قريب من بعض فيخرج فيطوف فيها، أيتمّ أم يقصّر؟ قال: يتمّ».(1)
و منها صحيحة عمران بن محمّد قال:
«قلت لأبي جعفر الثاني عليه السلام: جعلت فداك، انّ لي ضيعة على خمسه عشر ميلاً خمسة فراسخ، فربّما خرجت اليها فأقيم فيها ثلاثة أيّام أو خمسة أيّام أو سبعة أيّام، فأتمّ الصلاة أم أقصّر؟ فقال: قصّر في الطريق و أتمّ في الضيعة».(2)
و منها صحيحة البزنطي قال:
«سألت الرضا عليه السلام عن الرجل يخرج الى ضيعته و يقيم اليوم و اليومين و الثلاثة، أيقصّر أم يتمّ؟ قال: يتمّ الصلاة كلّما أتى ضيعة من ضياعه».(3)
و منها صحيحة أخرى للبزنطي قال:
«سألت الرضا عليه السلام عن الرجل يخرج الى الضيعة فيقيم اليوم و اليومين و الثلاثة، يتمّ أم يقصّر؟ قال: يتمّ فيها».(4)
و منها خبر موسى بن الخزرج قال:
«قلت لأبي الحسن عليه السلام: أخرج الى ضيعتي و من منزلي اليها اثناعشر فرسخا، أتمّ الصلاة أم أقصّر؟ فقال: أتمّ».(1)
و من الطائفة الثانية صحيحة سعد بن أبي خلف قال:
«سأل علي بن يقطين أبا الحسن الأوّل عليه السلام عن الدار تكون للرجل بمصر أو الضيعة فيمرّ بها؟ قال: ان كان ممّا قد سكنه أتمّ فيه الصلاة، و ان كان ممّا لم يسكنه فليقصّر».(2)
و منها صحيحة علي بن يقطين قال:
«قلت لأبي الحسن الأوّل عليه السلام: انّ لي ضياعا و منازل بين القرية و القريتين (الفرسخ و)(3)الفرسخان و الثلاثة؟ فقال: كلّ منزل من منازلك لاتستوطنه فعليك فيه التقصير».(4)
و منها صحيحة حمّاد بن عثمان عن أبي عبداللّه عليه السلام في الرجل يسافر فيمرّ بالمنزل له في الطريق، يتمّ الصلاة أم يقصّر؟ قال:
«يقصّر، انّما هو المنزل الذي توطّنه».(5)
و منها صحيحة ثانية لعلي بن يقطين قال:
«سألت أبا الحسن الأوّل عليه السلام عن رجل يمرّ ببعض الأمصار و له بالمصر دار و ليس المصر وطنه، أيتمّ صلاته أم يقصّر؟ قال: يقصّر الصلاة، و الضياع مثل ذلك اذا مرّ بها».(6)
و تقريب الاستدلال لعدم التخالف بين الطائفتين المذكورتين من الروايات و
1) - وسائل الشيعة 8: 496 / الباب 14 من أبواب صلاة المسافر / الحديث 15.
2) - وسائل الشيعة 8: 494 / الباب 14 من أبواب صلاة المسافر / الحديث 9.
3) - ما بين القوسين ليس في المصدر، و قد كتب عليها المصنّف علامة «نسخة». هامش الوسائل
4) - وسائل الشيعة 8: 494 / الباب 14 من أبواب صلاة المسافر / الحديث 10.
5) - وسائل الشيعة 8: 493 / الباب 14 من أبواب صلاة المسافر / الحديث 8.
6) - وسائل الشيعة 8: 493 / الباب 14 من أبواب صلاة المسافر / الحديث 7.
بين صحيحة ابن بزيع أنّ الطائفة الثانية تقيّد الطائفة الأولى منها بأنّ تمام الصلاة انّما تكون في الدار أو المنزل الذي قد استوطنه، و صحيحة ابن بزيع تقيّد النتيجة فتصير هكذا: يتمّ المسافر صلاته و يصوم عندما يمرّ بمنزل استوطنه و كان قد أقام فيه ستّة أشهر.
قال في الجواهر: «و على كلّ حال فالوطن ما عرفت أو كلّ موضع يكون له فيه ملك قد استوطنه فيما مضى من الزمان ستّة أشهر فصاعدا كما هو المشهور نقلاً و تحصيلاً، بل لا خلاف فيه الاّ من نادر، بل في الروض و عن التذكرة الاجماع عليه، و هو الحجّة، مضافا الى استفادته أيضا من مجموع النصوص كالمستفيضة الدالّة على التمام اذا مرّ بقرية أو ضيعة بعد تقييدها بغيرها من النصوص التي اعتبرت في الاتمام كون الضيعة و القرية وطنا له، و الاّ قصّر ما لم ينو مقام عشرة أيّام المعتضدة بفتوى الأصحاب عدا ابن الجنيد - الى أن قال: - كما أنّه لا ريب في تنزيل اطلاق تلك النصوص على التقييد المزبور المذكور في عدّة من المعتبرة أيضا، ففي صحيح ابن يقطين: «قلت لأبي الحسن الأوّل عليه السلام: الرجل يتّخذ المنزل فيمرّ به، أيتمّ أم يقصّر؟ قال: كلّ منزل لاتستوطنه فليس لك بمنزل، و ليس لك أن تتمّ فيه» و نحوه صحيحه الآخر، و في صحيح الحلبي عن الصادق عليه السلام في الرجل يسافر فيمرّ بالمنزل له في الطريق، يتمّ الصلاة أم يقصّر؟ قال: «يقصّر، انّما هو المنزل الذي توطّنه»، و في صحيح ابن أبي خلف قال: «سأل علي بن يقطين أبا الحسن الأوّل عليه السلام عن الدار تكون للرجل بمصر أو الضيعة فيمرّ بها؟ قال: ان كان ممّا قد سكنه أتمّ فيه الصلاة، و ان كان ممّا لم يسكنه فليقصّر» الى غير ذلك، بل في بعضها اطلاق الأمر بالتقصير و ان وجب تنزيلها أيضا على ما في هذه الصحاح كالمستفيضة الأولى لاشتراكهما في عدم القائل أو ندرته؛ اذ قد عرفت أنّ الأولى لم يحك العمل بها الاّ عن ابن الجنيد. و أمّا الثانية فعن ظاهر ابن البرّاج في المهذّب خاصّة، فلاحظ. لكنّ المراد من الاستيطان في هذه الصحاح الاقامة ستّة أشهر كما صرّح به
في صحيح ابن بزيع عن أبي الحسن الرضا عليه السلام: «سألته عن الرجل يقصّر في ضيعته؟ فقال: لابأس ما لم ينو مقام عشرة أيّام الاّ أن يكون له فيها منزل يستوطنه. فقلت: ما الاستيطان؟ فقال: أن يكون له فيها منزل يقيم فيه ستّة أشهر، فاذا كان كذلك يتمّ فيها متى دخلها». فمن مجموع هذه النصوص يستفاد الاتمام بحصول الشرطين المزبورين؛ أمّا الملك فمن اللام في الصحيح المزبور و غيره، و الاضافات في غيرها المنساق منهما الملكيّة الى الذهن، و أمّا الاستيطان ستّة أشهر فمن الصحيح أيضا كاستفادة أصل الاستيطان بدون التقييد من النصوص السابقة و غيرها. انتهى».(1)
(مسألة 2): قد عرفت عدم ثبوت الوطن الشرعي و أنّه منحصر في العرفي، فنقول: يمكن تعدّد الوطن العرفي بأن يكون له منزلان في بلدين أو قريتين من قصده السكنى فيهما أبدا في كلّ منهما مقدارا من السنة بأن يكون له زوجتان مثلاً كلّ واحدة في بلدة يكون عند كلّ واحدة ستّة أشهر أو بالاختلاف، بل يمكن الثلاثة أيضا، بل لايبعد الأزيد أيضا.
الشرح:
قد عرفت ثبوت الوطن الشرعي و أنّه لاينحصر في العرفي، فنقول: يمكن تعدّد الوطن العرفي بأن يكون له منزلان في بلدين أو قريتين من قصده السكنى في كلّ منهما مقدارا من السنة. و الدليل عليه اطلاق صحيحة حمّاد بن عثمان عن أبي عبداللّه عليه السلام في الرجل يسافر فيمرّ بالمنزل له في الطريق، يتمّ الصلاة أم يقصّر؟ قال:
1) - جواهر الكلام 14: 247 - 249.
«يقصّر، انّما هو المنزل الذي توطّنه».(1)
(مسألة 3): لايبعد أن يكون الولد تابعا لأبويه أو أحدهما في الوطن ما لم يعرض بعد بلوغه عن مقرّهما، و ان لم يلتفت بعد بلوغه الى التوطّن فيه أبدا فيعدّ وطنهما وطنا له أيضا الاّ اذا قصد الاعراض عنه، سواء كان وطنا أصليّا لهما و محلاًّ لتولّده أو وطنا مستجدّا لهما، كما اذا أعرضا عن وطنهما الأصلي و اتّخذا مكانا آخر وطنا لهما و هو معهما قبل بلوغه ثمّ صار بالغا. و أمّا اذا أتيا بلدة أو قرية و توطّنا فيها و هو معهما مع كونه بالغا فلايصدق وطنا له الاّ مع قصده بنفسه.
الشرح:
تبعيّة الولد لأبويه في المسكن عرفيّ، فانّه في الوطن الأصلي تابع لهما فوطنهما وطنه. و ان كان غافلاً غير ملتفت فانّ مسقط رأسه و مسقط رأس أبويه وطنه عرفا. و أمّا في الوطن الاتّخاذي فان لم يكن مميّزا و لم يستقلّ عنهما فهو تابع لهما، و أمّا ان كان مستقلاًّ و يقدر أن يعيش مستقلاًّ فالوطن الاتّخاذي له تابع لقصده التوطّن، سواء بلغ أم لم يبلغ، و هكذا الحال في الاعراض عن قسميه.
(مسألة 4): يزول حكم الوطنيّة بالاعراض و الخروج و ان لم يتّخذ بعد وطنا آخر، فيمكن أن يكون بلا وطن مدّة مديدة.
الشرح:
يزول حكم الوطنيّة بالاعراض و الخروج بأن قصد أن يترك سكناه في ذلك المكان و خرج، فان لم يكن له هناك ملك فلا كلام في صدق الاعراض. و أمّا ان
1) - وسائل الشيعة 8: 493 / الباب 14 من أبواب صلاة المسافر / الحديث 8.
كان له هناك ملك فان اشترى ملكا آخر أو استأجر في مكان آخر و قصد التوطّن فيه و لم يقصد العود الى المكان الأوّل فيصدق الاعراض أيضا. و أمّا ان لم يشتر ملكا آخر أو لم يستأجر و لم يكن بصدد بيع ملكه في ذلك المكان الأوّل فصدق الاعراض مشكل، فالموارد مختلفة في صدق الاعراض و عدمه، فالمرجع هو العرف.
(مسألة 5): لايشترط في الوطن اباحة المكان الذي فيه، فلو غصب دارا في بلد و أراد السكنى فيها أبدا يكون وطنا له، و كذا اذا كان بقاؤه في بلد حراما عليه من جهة كونه قاصدا لارتكاب حرام، أو كان منهيّا عنه من أحد والديه أو نحو ذلك.
الشرح:
لايشترط في الوطن اباحة المكان الذي هو فيه، و ذلك لاطلاق صحيحة حمّاد بن عثمان عن أبي عبداللّه عليه السلام في الرجل يسافر فيمرّ بالمنزل له في الطريق، يتمّ الصلاة أم يقصّر؟ قال:
«يقصّر، انّما هو المنزل الذي توطّنه».(1)
الذي لامقيّد له.
فلو غصب دارا في بلد و أراد السكنى فيها أبدا يصدق عرفا أنّه وطن له. و كذا اذا كان بقاؤه في بلد حراما عليه من جهة كونه قاصدا لارتكاب حرام، أو كان منهيّا عنه من قبل أحد والديه بحيث يكون مخالفته له موجبة لايذائه، أو نحو ذلك.
1) - وسائل الشيعة 8: 493 / الباب 14 من أبواب صلاة المسافر / الحديث 8.
(مسألة 6): اذا تردّد بعد العزم على التوطّن أبدا فان كان قبل أن يصدق عليه الوطن عرفا بأن لم يبق في ذلك المكان بمقدار الصدق فلا اشكال في زوال الحكم و ان لم يتحقّق الخروج و الاعراض، بل و كذا ان كان بعد الصدق في الوطن المستجدّ. و أمّا في الوطن الأصلي اذا تردّد في البقاء فيه و عدمه ففي زوال حكمه قبل الخروج و الاعراض اشكال؛ لاحتمال صدق الوطنيّة ما لم يعزم على العدم، فالأحوط الجمع بين الحكمين.
الشرح:
اذا صدق عليه أنّه اتّخذ وطنا في بلد كذا، فلا فرق بالنسبة الى الاعراض بين الوطن الأصلي و الوطن الاتّخاذي، فان أعرض عن وطنه يزول حكم الوطنيّة، و ان تردّد لم يزل، سواء كان الوطن وطنه الأصلي أو الاتّخاذي. و قد تقدّم أنّ من قصد أن يسكن في مكان فمادام لم يصدق عرفا أنّه وطنه لم يكن وطنه، فعليه فان تردّد فليس هناك حكم جديد و هو زوال حكم الوطنيّة؛ لأنّه لم يوجد موضوعه حتّى يزول حكمه.
(مسألة 7): ظاهر كلمات العلماء - رضوان اللّه عليهم - اعتبار قصد التوطّن أبدا في صدق الوطن العرفي، فلايكفي العزم على السكنى الى مدّة مديدة كثلاثين سنة أو أزيد، لكنّه مشكل، فلايبعد الصدق العرفي بمثل ذلك، و الأحوط في مثله اجراء الحكمين بمراعاة الاحتياط.
الشرح:
لا خلاف و لا اشكال في صدق الوطن العرفي اذا قصد التوطّن في مكان دائما.
انّما الكلام في صدقه اذا عزم على السكنى لمدّة طويلة كثلاثين سنة أو أزيد، فالظاهر أنّه تابع للصدق العرفي و ذلك لأنّ الاقامة في مكان لم يحدّ بحدّ في صدق
الوطن في الروايات، فالمرجع في هذه الموارد هو الصدق العرفي، فمن قصد الاقامة في مكان لمدّة طويلة كثلاثين سنة أو أزيد يصدق عرفا أنّ ذلك المكان وطنه، و لو شكّ في الصدق العرفي لم يحكم عليه الوطن و لم يجر عليه أحكامه. و قد تقدّم معنى الوطن في ابتداء هذا الفصل فراجع.
«الثاني» من قواطع السفر: العزم على اقامة عشرة أيّام متواليات في مكان واحد من بلد أو قرية أو مثل بيوت الأعراب أو فلاة من الأرض، أو العلم بذلك و ان كان لا عن اختيار، و لايكفي الظنّ بالبقاء فضلاً عن الشكّ، و الليالي المتوسّطة داخلة بخلاف الليلة الأولى و الأخيرة، فيكفي عشرة أيّام و تسع ليال، و يكفي تلفيق اليوم المنكسر من يوم آخر على الأصحّ، فلو نوى المقام عند الزوال من اليوم الأوّل الى الزوال من اليوم الحاديعشر كفى، و يجب عليه الاتمام و ان كان الأحوط الجمع، و يشترط وحدة محلّ الاقامة، فلو قصد الاقامة في أمكنة متعدّدة عشرة أيّام لم ينقطع حكم السفر كأن عزم على الاقامة في النجف و الكوفة أو في الكاظمين و بغداد، أو عزم على الاقامة في رستاق من قرية الى قرية من غير عزم على الاقامة في واحدة منها عشرة أيّام، و لايضرّ بوحدة المحلّ فصل مثل الشطّ بعد كون المجموع بلدا واحدا كجانبي الحلّة و بغداد و نحوهما، و لو كان البلد خارجا عن المتعارف في الكبر فاللازم قصد الاقامة في المحلّة منه اذا كانت المحلاّت منفصلة، بخلاف ما اذا كانت متّصلة الاّ اذا كان كبيرا جدّا بحيث لايصدق وحدة المحلّ و كان كنيّة الاقامة في رستاق مشتمل على القرى مثل قسطنطنيّة و نحوها.
الشرح:
فروع:
اذا قصد المسافر اقامة عشرة أيّام في مكان فعليه التمام.
قال العلاّمة في المنتهى: «لو نوى المسافر الاقامة في غير بلده عشرة أيّام أتمّ، و لو نوى دون ذلك قصّر. ذهب اليه علماؤنا أجمع، و نقله الجمهور عن الباقر و الصادق عليهماالسلام. وهو قول الحسن بن صالح بن حيّ، غير أنّ السيّد المرتضى رحمه الله روى عنه أيضا أنّه «لو جاء المسافر الى بلده مجتازا منطلقا في سفره قصّر، الاّ أن ينوي المقام عشرا». فاعتبر العشرة في بلده و غير بلده، و نحن لانعتبر ذلك، فانّه متى جاء الى بلده أتمّ؛ لانقطاع سفره، سواء نوى المقام عشرا أو لا. انتهى».(1)
و تدلّ عليه روايات:
منها صحيحة علي بن جعفر عن أبي الحسن عليه السلام قال:
«سألته عن الرجل يدركه شهر رمضان في السفر فيقيم الأيّام في المكان، عليه صوم؟ قال: لا، حتّى يجمع على مقام عشرة أيّام، و اذا أجمع على مقام عشرة أيّام صام و أتمّ الصلاة. قال: و سألته عن الرجل يكون عليه أيّام من شهر رمضان و هو مسافر، يقضي اذا أقام في المكان؟ قال: لا، حتّى يجمع على مقام عشرة أيّام».(2)
و منها صحيحة منصور بن حازم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سمعته يقول: اذا أتيت بلدة فأزمعت المقام عشرة أيّام فأتمّ الصلاة. الحديث».(3)
و منها صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«قلت له: أرأيت من قدم بلدة، الى متى ينبغي له أن يكون مقصّرا؟ و متى ينبغي له أن يتمّ؟ فقال: اذا دخلت أرضا فأيقنت أنّ لك بها مقام عشرة أيّام فأتمّ الصلاة. الحديث».(1)
و منها صحيحته الثانية عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«من قدم قبل التروية بعشرة أيّام وجب عليه اتمام الصلاة و هو بمنزلة أهل مكّة، فاذا خرج الى منى وجب عليه التقصير. الحديث».(2)
و منها صحيحة أبي أيّوب قال:
«سأل محمّد بن مسلم أبا عبداللّه عليه السلام - و أنا أسمع - عن المسافر، ان حدّث نفسه باقامة عشرة أيّام؟ قال: فليتمّ الصلاة. الحديث».(3)
و منها صحيحة أبي بصير قال:
«قال أبو عبداللّه عليه السلام: اذا عزم الرجل أن يقيم عشرا فعليه اتمام الصلاة. الحديث».(4)
و منها صحيحة معاوية بن وهب عن أبي عبداللّه عليه السلام أنّه قال:
«اذا دخلت بلدا و أنت تريد المقام عشرة أيّام فأتمّ الصلاة حين تقدم، و ان أردت المقام دون العشرة فقصّر. الحديث».(5)
و منها صحيحة ابن بزيع عن أبي الحسن عليه السلام قال:
«سألته عن الرجل يقصّر في ضيعته؟ فقال: لابأس ما لم ينو مقام
1) - وسائل الشيعة 8: 500 / الباب 15 من أبواب صلاة المسافر / الحديث 9.
2) - وسائل الشيعة 8: 501 / الباب 15 من أبواب صلاة المسافر / الحديث 10.
3) - وسائل الشيعة 8: 501 / الباب 15 من أبواب صلاة المسافر / الحديث 12.
4) - وسائل الشيعة 8: 502 / الباب 15 من أبواب صلاة المسافر / الحديث 13.
5) - وسائل الشيعة 8: 503 / الباب 15 من أبواب صلاة المسافر / الحديث 17.
عشرة أيّام. الحديث».(1)
و منها خبر أبي بصير قال:
«اذا قدمت أرضا و أنت تريد أن تقيم بها عشرة أيّام فصم و أتمّ، و ان كنت تريد أن تقيم أقلّ من عشرة أيّام فأفطر ما بينك و بين شهر، فاذا بلغ الشهر فأتمّ الصلاة و الصيام و ان قلت: أرتحل غدوة».(2)
و منها خبر عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«من أتى ضيعته ثمّ لم يرد المقام عشرة أيّام قصّر، و ان أراد المقام عشرة أيّام أتمّ الصلاة».(3)
و منها خبر موسى بن حمزة بن بزيع قال:
«قلت لأبي الحسن عليه السلام: جعلت فداك، انّ لي ضيعة دون بغداد، فأخرج من الكوفة أريد بغداد فأقيم في تلك الضيعة، أقصّر أو أتمّ؟ فقال: ان لم تنو المقام عشرة أيّام فقصّر».(4)
و منها خبر محمّد بن مسلم قال:
«سألته عن المسافر يقدم الأرض؟ فقال: ان حدّثته نفسه أن يقيم عشرا فليتمّ، و ان قال: اليوم أخرج أو غدا أخرج، و لايدري، فليقصّر ما بينه و بين شهر، فان مضى شهر فليتمّ، و لايتمّ في أقلّ من عشرة الاّ بمكّة و المدينة، و ان أقام بمكّة و المدينة خمسا فليتمّ».(5)
و منها خبر رجاء بن أبي الضحّاك:
«أنّه صحب الرضا عليه السلام من المدينة الى مرو و كان اذا أقام ببلدة عشرة
1) - وسائل الشيعة 8: 500 / الباب 15 من أبواب صلاة المسافر / الحديث 8.
2) - وسائل الشيعة 8: 498 / الباب 15 من أبواب صلاة المسافر / الحديث 3.
3) - وسائل الشيعة 8: 499 / الباب 15 من أبواب صلاة المسافر / الحديث 6.
4) - وسائل الشيعة 8: 499 / الباب 15 من أبواب صلاة المسافر / الحديث 7.
5) - وسائل الشيعة 8: 502 / الباب 15 من أبواب صلاة المسافر / الحديث 16.
أيّام صائما لايفطر، فاذا جنّ الليل بدأ بالصلاة قبل الافطار. الحديث».(1)
و منها خبر سويد بن غفلة عن علي عليه السلام قال:
«اذا كنت مسافرا ثمّ مررت ببلدة تريد أن تقيم بها عشرة أيّام فأتمّ الصلاة، و ان كنت تريد أن تقيم بها أقلّ من عشرة فقصّر، و ان قدمت و أنت تقول: أسير غدا أو بعد غد، حتّى تتمّ على شهر فأكمل الصلاة».(2)
و تدلّ صحيحة زرارة الأولى على أنّ المسافر اذا أيقن مقام عشرة أيّام يتمّ الصلاة و ان لم يكن عن اختياره بل كان مجبورا بالاقامة.
قال المحقّق الهمداني: «المراد بنيّة الاقامة ليس خصوص العزم الناشئ عن اختيار المكلّف بل مطلق الجزم بالبقاء ولو بأسباب قهريّة خارجة عن اختياره، فالتعبير بالنيّة و نحوها ممّا يعتبر في تحقّق مفهومها الاختيار في النصوص و الفتاوى للجري مجرى الغالب من كونه باختياره و الاّ فالمدار على ما عرفت، كما يفصح عن ذلك مضافا الى وضوحه قوله عليه السلام في صحيحة زرارة: «اذا دخلت أرضا فأيقنت أنّ لك بها مقام عشرة أيّام. الحديث» كما أنّ ما في هذه الصحيحة من اطلاق الأرض شاهد على أنّ ما في غيرها من الروايات التي وقع فيها تخصيص البلد أو الضيعة و نحوها بالذكر جارٍ مجرى التمثيل و الاّ فلا مدخليّة لخصوصيّة شيء منها في ذلك، و لايعتبر في حصول الجزم المعتبر في هذا الباب كالجزم بقطع المسافة المعتبر في ثبوت التقصير اليقين بتحقّقه على الاطلاق بل بمقتضى عزمه الحاصل بالفعل أو بحسب الأسباب الخارجيّة المقتضية له و ان احتمل في نفسه تجدّد ما يوجب انفساخ عزمه أو زوال الأسباب المقتضية لذلك، فالمدار
على أن يجد الانسان نفسه بالفعل بانيا الى البقاء عشرة أيّام أو واثقا بأنّه يبقى الى تلك المدّة ولو اضطرارا لو لم يتجدّد ما يقتضي خلافه. و احتمال تجدّد ما يقتضي الخلاف لمخالفته للأصل غير مانع عن صدق حصول العزم أو الجزم المعتبر في هذا الباب. انتهى».(1)
يشترط في اتمام الصلاة للمسافر اذا أقام في مكان عشرة أيّام أن تكون العشرة متواليات و أن يكون جازما في اقامة عشرة أيّام.
أمّا الأوّل فهو الظاهر من الروايات، فمن أقام خمسة في مكان ثمّ ذهب و بعد يومين رجع فأقام خمسة أخرى يقصّر فيهما.
و أمّا الثاني فيدلّ عليه كلمات «حتّى يجمع» و «فأزمعت» و «و تريد» و «فأيقنت» و «أردت» و «مالم ينو» الواردة في الصحاح المتقدّمة الدالّة على التيقّن، فلايكفي الظنّ بالبقاء فضلاً عن الشكّ.
قال في مستند الشيعة: « المراد بنيّة الاقامة تحقّق قصد المقام في نفسه، كما دلّت عليه الأخبار المتقدّمة، و على هذا فيدخل من نوى الاقامة اقتراحا، أو علّقها على قضاء حاجة يعلم عادة توقّف انقضائها على العشرة، أو على شرط فوجد الشرط، ولكنّه يقصّر قبل وجوده. و بالجملة المناط ارادة الاقامة، و هي تحصل بأحد الأمرين: الأوّل: قصد الاقامة الى حصول وصف، بشرط العلم بعدم حصوله قبل العشرة عادة. و لايكفي الظنّ هنا؛ لعدم صدق قصد العشرة. و ثانيهما: قصد الاقامة الى خصوص العشرة فصاعدا. و لا بدّ هنا من عدم الالتفات الى احتمال
1) - مصباح الفقيه كتاب الصلاة: 753.
حصول المانع، أو الالتفات اليه مع ظنّ عدم حصوله و لو بالاستصحاب، في المانع الغير الموجود. و أمّا المانع الموجود فلا بدّ مع الالتفات اليه من العلم بارتفاعه، و لايكفي الظنّ به، و كذا وجود المقتضي. كلّ ذلك لدوران الصدق العرفي مداره، فمن دخل بلدا و أراد اقامة عشرة يتمّ ولو كان بحيث لو بلغ خبر موت والده أو زوجته لايقيم؛ لأنّ أمثال ذلك لايضرّ في صدق القصد و العزم العرفيّين، و الاّ لم يكن مقام يتمّ فيه لاقامة العشرة. - ثم قال أيضا: - لاشكّ في اشتراط التوالي في الأيّام العشرة لتحقّق اقامة عشرة أيّام؛ لأنّه المتبادر بل هو اتّفاقي. فلو أقام خمسة ثمّ خرج و سافر أيّاما ثمّ أقام خمسة أخرى لم يكن كافيا اجماعا، و يجب أن تكون أيّام الاقامة في بلد متتالية. انتهى».(1)
يشترط في وجوب التمام للمسافر أن يقيم عشرة أيّام تامّة من أوّل طلوع الشمس من اليوم الأوّل الى غروبها من اليوم العاشر، و الليالي المتوسّطة داخلة بخلاف الليلة الأولى و الأخيرة. فيدلّ على الأوّل (أي العشرة الكاملة) ظاهر قوله عليه السلام في الروايات المتقدّمة: «حتّى يجمع على مقام عشرة أيّام» و كذا قوله عليه السلام في صحيحة معاوية بن وهب: «و ان أردت المقام دون العشرة فقصّر». و على الثاني استعمال «اليوم» في القرآن و السنّة و العرف لوقت معيّن أوّله طلوع الشمس و آخره غروبها.
و لو دخل في أثناء يوم و خرج أثناء يوم آخر ففي احتسابهما أربعة أوجه بل أقوال:
1) - مستند الشيعة 8: 245 و 246.
قال في مستند الشيعة: «الأوّل: عدم احتسابهما مطلقا لا يوما و لا يومين، و اشتراط عشرة تامّة غيرهما، اختاره في المدارك. و الثاني: احتسابهما يوما واحدا بالتلفيق، استقربه في الذكرى و روض الجنان و البحار و بعض مشايخنا. و الثالث: احتسابهما يومين مطلقا، فيتمّ العشرة بهما و بثمانية أخرى، يظهر من بعضهم القول به. الرابع: احتسابهما يومين ان دخل قبل الزوال كثيرا و خرج بعده كذلك، و لو عكس أو دخل و خرج عند الزوال فيسقطهما أو يلفّق. و الحقّ هو الأوّل؛ لأنّ اليوم حقيقة في ذلك الزمان الممتدّ المتّصل تامّا، و لايصدق على نصف من يوم و نصف من آخر أو غير معلوم صدقه عليه، فما لم يتحقّق هذا الزمان الممتدّ عشر مرّات لم يعلم صدق عشرة أيّام. و التلفيق مطلقا أو احتساب الناقص كذلك خلاف الأصل و الحقيقة، فيحتاج الى دليل. و مستند المخالفين و دفعه ظاهر، و أقوى اعتمادهم على الصدق العرفي الممنوع جدّا. انتهى».(1)
و الحقّ هو القول الثاني أي احتسابهما يوما واحدا بالتلفيق؛ للصدق العرفي، و ما ادّعاه العلاّمة النراقي رحمه الله من المنع ممنوع؛ لعدم الدليل على خلافه.
قال المحقّق الهمداني: «و هل يجزي الملفّق كما لو نوى الاقامة من ظهر هذا اليوم الى ظهر اليوم الحاديعشر أم يعتبر عشرة أيّام تامّة كاملة من غير تكسير و تلفيق، فلايحتسب يومي الدخول و الخروج من العدد اذا لم يكونا من أوّل الطلوع؟ وجهان بل قولان، أظهرهما و أشهرهما بل المشهور - كما ادّعاه بعض - الأوّل و اختار في المدارك الثاني فقال ما لفظه: «و في الاجتزاء باليوم الملفّق من يومي الدخول و الخروج وجهان، أظهرهما العدم؛ لأنّ نصفي اليومين لايسمّى يوما، فلايتحقّق اقامة العشرة التامّة بذلك. انتهى». و اعترض عليه شيخنا المرتضى رحمه الله بقوله: «و هو و ان كان تصديقا للحقيقة الاّ أنّه تكذيب للعرف حيث يفهمون من مثل المقام ارادة المقدار كما في التحديد بالأشهر. انتهى» و هو حسن
1) - مستند الشيعة 8: 257 و 258.
كما يتّضح ذلك بمراجعة العرف في باب الاجارات و الخيارات و غير ذلك من الموارد التي تقدّر في العرف و الشرع بالأيّام و الشهور، ولكن الاحتياط بالجمع بين القصر و الاتمام لدى ارادة التلفيق ممّا لاينبغي تركه. انتهى».(1)
يشترط وحدة محلّ الاقامة في وجوب التمام للمسافر الذي قصد اقامة عشرة أيّام في محلّ، فالدليل عليها الروايات المتقدّمة:
منها صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«قلت له: أرأيت من قدم بلدة، الى متى ينبغي له أن يكون مقصّرا؟ و متى ينبغي له أن يتمّ؟ فقال: اذا دخلت أرضا فأيقنت أنّ لك بها مقام عشرة أيّام فأتمّ الصلاة، و ان لم تدر ما مقامك بها تقول: غدا أخرج أو بعد غد فقصّر. الحديث».(2)
و صحيحة معاوية بن وهب عن أبي عبداللّه عليه السلام أنّه قال:
«اذا دخلت بلدا و أنت تريد المقام عشرة أيّام فأتمّ الصلاة حين تقدم، و ان أردت المقام دون العشرة فقصّر. الحديث».(3)
فظاهر هاتين الصحيحتين أنّ الاقامة التي توجب اتمام الصلاة هي اقامة عشرة أيّام في بلد واحد لا بلدين أو أرض واحدة لا أرضين فمرجع مناط وحدة المحلّ هو العرف، فمن نزل في دار من بلد و قصد اقامة عشرة أيّام ثمّ ذهب الى أسواق ذلك البلد أو شوارعه أو حدائقه الواقعة فيه لم يكن ذهابه و ايابه هذا مخالفا لاقامته
في البلد عند العرف و ان كان البلد كبيرا، كما أنّه اذا نزل في قرية قريبة من ثلاث قرى و كانت الأربع محلاًّ واحدا في نظر العرف، فلايضرّ وقوفه في كلّ منها خلال العشرة بقصد الاقامة.
قال في مستند الشيعة: «اختلفوا في أنّه يشترط في تحقّق الاقامة في موضع عدم الخروج منه أصلاً أو لا، بل لايضرّ فيه الخروج عنه في زمان يسير؟ و لو سلّم اشتراط عدم الخروج منه فهل يشترط عدم الخروج عن حدّ ترخّصه، أو عدم البلوغ حدّ المسافة؟ و الحاصل أنّه لا شكّ في تعليق الحكم على اقامة العشرة المتتالية في بلد. انّما الكلام في معنى الاقامة في بلد. فقيل: معناها أن لايخرج عن محلّ الاقامة الى حدّ الترخّص فما فوقه، كما عن الشهيدين. و قيل: أن لايخرج الى المسافة فما فوقها، فلايضرّ فيها أن يخرج الى ما دون المسافة مع رجوعه ليومه و ليلته، كما عن فخر المحقّقين. و قيل: يناط ذلك الى العرف، فيشترط فيه انتفاء ما يضرّ عرفا باقامة البلد عرفا، و لايشترط غير ذلك كما ذهب اليه جمع من أفاضل المتأخّرين. دليل الأوّل: أنّ معنى الاقامة في البلد أن لايخرج عن حدود ذلك البلد، و المستفاد من الأخبار أنّ الحدود الشرعيّة لكلّ بلد منتهى سماع أذانها و رؤية بيوتها و جدرانها، و هو الذي يحصل به الترخّص من جميع أطرافها، فمادام يكون فيما دون حدّ الترخّص يكون في البلد، و اذا تجاوز عنه يكون خارجا عنه - الى أن قال: - و يرد عليه: منع كون الحدود لبلد هو حدّ الترخّص. و اعتباره في كلّ من الخروج و الدخول من السفر لايستلزم اعتباره في معنى الاقامة أو البلد أو الموضع، فانّه أمر شرعي لا مدخل له في أمر عرفي مستفاد من اللفظ المترتّب عليه الحكم الشرعي - الى أن قال: - دليل الثاني: أنّ الاقامة انّما تنقطع بالسفر الشرعي، و السفر الى ما دون المسافة ليس سفرا شرعيّا فلايقدح في اتّصال الاقامة. و بعبارة أخرى: المراد بالاقامة ترك السفر، فلاينافي قصد ما دون المسافة فيه. انتهى».(1)
1) - مستند الشيعة 8: 246 - 249.
(مسألة 8): لايعتبر في نيّة الاقامة قصد عدم الخروج عن خطّة سور البلد على الأصحّ، بل لو قصد حال نيّتها الخروج الى بعض بساتينها و مزارعها و نحوها من حدودها ممّا لاينافي صدق اسم الاقامة في البلد عرفا جرى عليه حكم المقيم حتّى اذا كان من نيّته الخروج عن حدّ الترخّص، بل الى ما دون الأربعة اذا كان قاصدا للعود عن قريب بحيث لايخرج عن صدق الاقامة في ذلك المكان عرفا، كما اذا كان من نيّته الخروج نهارا و الرجوع قبل الليل.
الشرح:
لايعتبر في نيّة الاقامة قصد عدم الخروج عن خطّة سور البلد، بل لو قصد حال نيّتها الخروج الى بعض بساتينها و مزارعها و نحوها من حدودها ممّا لاينافي صدق اسم الاقامة في البلد عرفا جرى عليه حكم المقيم.
و أمّا الخروج عن حدّ الترخّص الى ما دون المسافة، سواء كان عازما على الخروج حال نيّة الاقامة أو لم يكن، فلايضرّ بقصده الاقامة اذا كان مدّته قليلة، و لايخرج عن صدق الاقامة في ذلك المكان عرفا، و ذلك لأنّه عندما لم يبيّن في الروايات الواردة في الاقامة حدّها و لم يشر فيها الامام عليه السلام بأنّ الخروج الى ما دون المسافة يضرّ بقصد الاقامة أو لايضرّ، و أنّ عدم نيّة الخروج الى ما دونها حين قصد الاقامة معتبر في القصد أو لا، بل أطلق و قال: «اذا دخلت بلدا و أنت تريد المقام عشرة أيّام فأتمّ الصلاة حين تقدم»(1)، فحكم اتمام الصلاة دائر مدار اقامته عشرة أيّام في بلد أو مكان، فمتى صدق أنّه يريد الاقامة عشرة أيّام يتمّ و الاّ فلا. فالمرجع في تعيين ذلك هو العرف، و العرف قائل بأنّ الخروج الى ما دونالمسافة لايضرّ في صدق الاقامة. و يؤيّد ما ذكرناه قوله عليه السلام في صحيحة زرارة:
1) - وسائل الشيعة 8: 503 / الباب 15 من أبواب صلاة المسافر / الحديث 17.
«و ان لم تدر ما مقامك بها تقول: غدا أخرج أو بعد غد، فقصّر ما بينك و بين أن يمضي شهر، فاذا تمّ لك شهر فأتمّ الصلاة و ان أردت أن تخرج من ساعتك».(1)
فالمقصود من قوله عليه السلام: «غدا أخرج أو بعد غد» هو الخروج بقصد المسافة. فيظهر منها و من غيرها أنّ الاقامة الواردة في الروايات انّما هي في مقابل السفر و الخروج الى المسافة. و لايكون معناها البقاء بدون الخروج عن البلد أو عن حدّ الترخّص الى ما دون المسافة.
قال العلاّمة في التذكرة: «لو عزم العشرة في غير بلده ثمّ خرج الى ما دون المسافة عازما على العود و الاقامة، أتمّ، ذاهبا و عائدا و في البلد، و ان لم يعزم قصّر. انتهى».(2)
قال المحقّق الهمداني: «و الذي يقتضيه التحقيق هو أنّ اطلاق أهل العرف على من حلّ في بلد شهرا مثلاً و ان خرج عن حدوده أحيانا لتشييع جنازة أو حيازة حطب أو تحصيل طعام أو شراب و نحوها مع العود الى مقرّه لنومه و استقراره أنّه أقام في هذه المدّة في ذلك البلد ليس من باب المسامحة في المصداق و عدم الاعتداد بهذا الخروج كما في التراب الممتزج بالحنطة على ما يشهد به الوجدان. و انّما مبناه المسامحة في لفظ الاقامة و عدم ارادتهم منها الاّ الاقامة العرفيّة فلايتبادر من اطلاقها في مثل هذه الموارد الاّ ذلك كما اعترف به غير واحد من المتأخّرين، فتقييدها بما دون حدّ الترخّص على هذا لايخلو من اشكال؛ اذ العرف لايتقيّدون بهذا القيد بل قد لايرون الخروج الى ما دون المسافة مع الرجوع ليومه أو ليلته منافيا لذلك، بل قد لايكون الخروج الى المسافة أيضا في مثل هذه الأعصار عند قطعها بسكّة الحديد المتعارفة في هذه الأزمنة في مدّة
يسيرة منافيا له كما يشهد بذلك ملاحظة حال الاقامة في البلاد المتجدّدة في هذه الأعصار في وسط البحر التي تعارف نقل أطعمتها و أمتعتها من البرّ الذي بينه و بينها مسافة بالمراكب الدخانيّة في مدّة يسيرة بحيث صار البرّ بواسطة هذه الأسباب بمنزلة السوق لها، فانّ من سافر الى بعض تلك البلاد ما لم يرتحل عنها يقال له عرفا انّه أقام بذلك البلد في هذه المدّة و ان جرت عادته بأن يخرج كلّ يوم الى البرّ و يشتري طعامه و شرابه، ولكن لايجدي هذا الصدق في اجراء حكم اقامة العشرة على مثل هذه الاقامة لا لمجرّد دعوى الاجماع على أنّ الخروج الى المسافة مطلقا مبطل للاقامة أو أنّ المتبادر من النصوص الآمرة بالاتمام في المكان الذي عزم على أن يقيم فيه عشرة أيّام هو أن لايسافر عن ذلك المكان في خلال العشرة؛ لامكان الخدشة في الاجماع و الانسباق المزبور بخروج مثل الفرض لعدم تعارف مثل هذا السفر الغير المخلّ بصدق الاقامة عرفا في الأعصار السابقة عن موردهما، بل لعدم معهوديّة مثل هذه الاقامة المتخلّلة بسفر غير مخلّ بصدقها في تلك الأعصار أيضا كي يتناولها اطلاق لفظها فيرجع في حكمها الى عموم ما دلّ على التقصير في السفر المقتصر في تخصيصها على القدر المتيقّن ممّا يستفاد من نصوص الاقامة، ولكن الحكم مع ذلك لايخلو من تردّد، كما أنّ الجزم بعدم قادحيّة الخروج الى ما دون المسافة في الفرض السابق مع مخالفته للمشهور لايخلو من اشكال، فلاينبغي ترك الاحتياط بالجمع بين القصر و الاتمام في جميع صور الخروج عن حدّ الترخّص الغير المنافي للصدق العرفي، سواء كان ذلك من نيّته في الابتداء أم بدا له قصده في الأثناء ما لم يصلّ صلاة تامّة، و الاّ فستعرف حكمه، و اللّه العالم. انتهى».(1)
1) - مصباح الفقيه كتاب الصلاة: 755.
(مسألة 9): اذا كان محلّ الاقامة برّيّة قفراء لايجب التضييق في دائرة المقام، كما لايجوز التوسيع كثيرا بحيث يخرج عن صدق وحدة المحلّ، فالمدار على صدق الوحدة عرفا. و بعد ذلك لاينافي الخروج عن ذلك المحلّ الى أطرافه بقصد العود اليه و ان كان الى الخارج عن حدّ الترخّص بل الى ما دون الأربعة، كما ذكرنا في البلد. فجواز نيّة الخروج الى ما دون الأربعة لايوجب جواز توسيع محلّ الاقامة كثيرا، فلايجوز جعل محلّها مجموع ما دون الأربعة، بل يؤخذ على المتعارف و ان كان يجوز التردّد الى ما دون الأربعة على وجه يصدق الاقامة فيه.
الشرح:
اذا كان محلّ الاقامة برّيّا قفرا فحدوده دائر مدار صدق وحدة المحلّ عرفا، و بعد ذلك يجوز له الخروج عن حدّ الترخّص بل الى ما دون الأربعة كما تقدّم في المسألة السابقة.
(مسألة 10): اذا علَّق الاقامة على أمر مشكوك الحصول لايكفي، بل و كذا لو كان مظنون الحصول، فانّه ينافي العزم على البقاء المعتبر فيها. نعم، لو كان عازما على البقاء لكن احتمل حدوث المانع لايضرّ.
الشرح:
اذا علّق الاقامة على أمر مشكوك الحصول لايكفي، بل و كذا لو كان مظنون الحصول، و ذلك لقوله عليه السلامفي صحيحة زرارة:
«اذا دخلت أرضا فأيقنت أنّ لك بها مقام عشرة أيّام فأتمّ الصلاة، و ان لم تدر ما مقامك بها تقول: غدا أخرج أو بعد غد، فقصّر ما بينك و
بين أن يمضي شهر».(1)
نعم، لو كان عازما على البقاء لكن احتمل حدوث المانع لايضرّ اذا كان العرف لايرى منافاة بينه و بين اليقين و العزم على الاقامة.
(مسألة 11): المجبور على الاقامة عشرا و المكره عليها يجب عليه التمام و ان كان من نيّته الخروج على فرض رفع الجبر و الاكراه، لكن بشرط أن يكون عالما بعدم ارتفاعهما و بقائه عشرة أيّام.
الشرح:
و ذلك لما تقدّم في المسألة السابقة من أنّ اليقين باقامة عشرة أيّام في مكان كافٍ للحكم باتمام الصلاة و ان لم يكن له رغبة و ميل في الاقامة.
(مسألة 12): لاتصحّ نيّة الاقامة في بيوت الأعراب و نحوهم ما لم يطمئنّ بعدم الرحيل عشرة أيّام الاّ اذا عزم على المكث بعد رحلتهم الى تمام العشرة.
الشرح:
و ذلك لما عرفت من أنّ حكم اتمام الصلاة منوط باليقين على اقامة عشرة أيّام، فلو لم يطمئنّ بعدم رحلتهم الى تمام العشرة لاتصحّ نيّة الاقامة منه الاّ اذا عزم على المكث بعد رحلتهم الى تمام العشرة.
(مسألة 13): الزوجة و العبد اذا قصدا المقام بمقدار ما قصده الزوج و السيّد و المفروض أنّهما قصدا العشرة لايبعد كفايته في تحقّق الاقامة بالنسبة
1) - وسائل الشيعة 8: 500 / الباب 15 من أبواب صلاة المسافر / الحديث 9.
اليهما و ان لم يعلما حين القصد أنّ مقصد الزوج و السيّد هو العشرة. نعم، قبل العلم بذلك عليهما التقصير، و يجب عليهما التمام بعد الاطّلاع و ان لم يبق الاّ يومين أو ثلاثة. فالظاهر وجوب الاعادة أو القضاء عليهما بالنسبة الى ما مضى ممّا صلّيا قصرا، و كذا الحال اذا قصد المقام بمقدار ما قصده رفقاؤه و كان مقصدهم العشرة. فالقصد الاجمالي كافٍ في تحقّق الاقامة، لكنّ الأحوط الجمع في الصورتين بل لايترك الاحتياط.
الشرح:
الزوجة و العبد اذا قصدا المقام بمقدار ما قصده الزوج و السيّد و لم يعلما أنّهما قصدا العشرة، لايتحقّق منهما قصد الاقامة، و ذلك لما تقدّم من أنّ تحقّقه دائر مدار اليقين بالاقامة، و في الصورة المذكورة ليس لهما اليقين، بل الشكّ أو الظنّ اللذان لا اعتبار بهما كما عرفت. و لا فرق في ذلك بين استمرار عدم علمهما الى أن يمضي ثلاثون يوما، أو الاطّلاع على قصد الزوج و السيّد في الأثناء؛ لأنّ الفرض أنّ الزوجة و العبد لم يقصدا الاقامة عشرة أيّام. نعم، لو كان من قصد الزوج و السيّد بقاء عشرة أيّام و اطّلع عليه الزوجة و العبد يتمّان صلاتهما. و عليه لايمكن المساعدة على ما ذهب اليه المصنّف من أنّه يجب عليهما التمام بعد الاطّلاع و ان لم يبق الاّ يومين أو ثلاثة، و ما حكم بأنّ الظاهر وجوب الاعادة أو القضاء عليهما بالنسبة الى ما مضى ممّا صلّيا قصرا. و لعلّ حكمه ذلك لأنّهما بحسب الواقع كانا مكلّفين بالتمام من أوّل الأمر و ان كانا معذورين في تركه لجهلهما، و صلّيا قصرا للحكم الظاهري بمقتضى الاستصحاب.
و فيه: انّ الزوجة و العبد عملا بما كلّفا عليه واقعا و هو القصر؛ لكونهما غير راغبين باقامة العشرة، فلايجب عليهما قضاء ما صلّيا قصرا، فاذا اطّلعا و لم يبق عشرة بعد الاطّلاع وجب عليهما القصر.
(مسألة 14): اذا قصد المقام الى آخر الشهر مثلاً و كان عشرة كفى و ان لم يكن عالما به حين القصد بل و ان كان عالما بالخلاف، لكنّ الأحوط في هذه المسألة أيضا الجمع بين القصر و التمام بعد العلم بالحال لاحتمال اعتبار العلم حين القصد.
الشرح:
اذا قصد المقام الى آخر الشهر مثلاً و كان عشرة، فتارة علم كون هذا الزمان عشرة أيّام، فعليه اتمام الصلاة و الصوم؛ لأنّه تيقّن باقامته عشرة أيّام و عزم عليها. و أخرى لم يعلم بذلك. و ثالثة علم بالخلاف. ففي هاتين الصورتين يجب عليه القصر؛ لعدم كونه عازما على اقامة عشرة و ان كان الزمان عشرة أيّام، لأنّ الظاهر من الروايات اعتبار قصد الاقامة عشرة أيّام تفصيلاً. فما ذهب اليه الماتن لايمكن المساعدة عليه.
(مسألة 15): اذا عزم على اقامة العشرة ثمّ عدل عن قصده، فان كان صلّى مع العزم المذكور رباعيّة بتمام بقي على التمام مادام في ذلك المكان. و ان لم يصلّ أصلاً، أو صلّى مثل الصبح و المغرب، أو شرع في الرباعيّة لكن لم يتمّها و ان دخل في ركوع الركعة الثالثة رجع الى القصر. و كذا لو أتى بغير الفريضة الرباعيّة ممّا لايجوز فعله للمسافر كالنوافل و الصوم و نحوهما، فانّه يرجع الى القصر مع العدول. نعم، الأولى الاحتياط مع الصوم اذا كان العدول عن قصده بعد الزوال. و كذا لو كان العدول في أثناء الرباعيّة بعد الدخول في ركوع الركعة الثالثة، بل بعد القيام اليها و ان لم يركع بعد.
الشرح:
اذا عزم على اقامة العشرة ثمّ عدل عن قصده فان كان صلّى مع العزم المذكور
رباعيّة بتمام بقي على التمام مادام في ذلك المكان و الاّ رجع الى القصر، و ذلك لصحيحة أبي ولاّد الحنّاط قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: انّي كنت نويت حين دخلت المدينة أن أقيم بها عشرة أيّام (و أتمّ الصلاة ثمّ بدا لي بعد أن أقيم بها)(1)، فما ترى لي؟ أتمّ أم أقصّر؟ فقال: ان كنت دخلت المدينة و صلّيت بها فريضة واحدة بتمام فليس لك أن تقصّر حتّى تخرج منها، و ان كنت حين دخلتها على نيّتك التمام فلم تصلّ فيها صلاة فريضة واحدة بتمام حتّى بدا لك أن لاتقيم فأنت في تلك الحال بالخيار، ان شئت فانو المقام عشرا و أتمّ، و ان لم تنو المقام فقصّر ما بينك و بين شهر، فاذا مضى لك شهر فأتمّ الصلاة».(2)
و لايخالف الصحيحة الاّ خبر حمزة بن عبداللّه الجعفري قال:
«لمّا أن نفرت من منى نويت المقام بمكّة، فأتممت الصلاة حتّى جاءني خبر من المنزل فلم أجد بدّا من المصير الى المنزل و لم أدر أتمّ أم أقصّر، و أبو الحسن عليه السلاميومئذ بمكّة، فأتيته فقصصت عليه القصّة، فقال لي: ارجع الى التقصير».(3)
ولكنّ الخبر ضعيف سنده مع أنّه لم يعمل به، مضافا الى أنّه قابل للتوجيه كما عن الشيخ و الشهيد و صاحب الوسائل.
قال في الوسائل: «حمله الشيخ على أنّه يرجع الى التقصير اذا سافر لا قبله و جوّز حمله على الاتمام في النوافل لا الفرائض، و حمله الشهيد في الذكرى على أنّه أتمّ بمكّة قبل نيّة الاقامة بعدها ذاهلاً عنها لما يأتي من التخيير فيها بين القصر و
التمام، و يمكن الحمل على قصد اقامة دون العشرة. انتهى».(1)
و الظاهر أنّه لا خلاف و لا اشكال في المسألة.
قال في الجواهر: «و لو نوى الاقامة ثمّ بدا له فعدل عنها قبل أن يصلّي فريضة تماما رجع الى التقصير؛ لأصالته التي ينبغي الاقتصار في الخروج عنها على المتيقّن الذي هو غير المفروض قطعا، خصوصا بعد ملاحظة نفي الخلاف فيه من الرياض و عن الذخيرة و الحدائق، بل الاجماع من المدارك و عن المصابيح عليه و على أنّه لو صلّى صلاة واحدة بنيّة الاتمام لم يرجع كنفي الخلاف فيه أيضا، بل في الرياض أنّ عليه الاجماع في عبارة جماعة، بل لايبعد تحصيل الاجماع عليه؛ لأنّه كما في مفتاح الكرامة لم يختلف فيه اثنان، مضافا الى الصحيح عن أبي ولاّد الحنّاط. نعم، قيل: قد يظهر الخلاف في الأوّل من المبسوط حيث اكتفى في ظاهر بعض عباراته بالنيّة، الاّ أنّه يجب تنزيله على الصلاة تماما بعدها بقرينة تصريحه بعد ذلك بعين ما في المتن، على أنّه على تقدير خلافه محجوج بما عرفت، فلايلتفت اليه، كما أنّه لايلتفت أيضا الى خبر الجعفري المتضمّن للأمر بالعود الى التقصير بعد الصلاة تماما؛ لأنّه مخالف للصحيح المجمع على العمل به في ذلك الذي قد أمرنا بطرح المعارض له. انتهى».(2)
انّما الكلام في بعض فروعات المسألة:
منها: انّ الظاهر في الصحيحة من قوله عليه السلام: «و صلّيت بها فريضة واحدة بتمام» هو الصلاة التي تصير مقصورة للمسافر أي الرباعيّة، فعليه لو صلّى الصبح أو المغرب ثمّ عدل يجب عليه العدول الى التقصير.
و منها: لو صلّى النوافل أو صام ثمّ عدل بعد الدخول في وقت الظهر و لم يصلّ صلاة فريضة تامّة فهو أيضا يعدل الى التقصير؛ لأنّه لم يصلّ فريضة واحدة بتمام.
و منها: لو شرع في رباعيّة و قبل الدخول في ركوع الركعة الثالثة عدل عن نيّته، فحينئذ يجلس و يتمّها قصرا و لايضرّ زيادة القيام؛ لأنّه لم يأت بها عمدا بل حسب تكليفه و بعد العدول تبدّل تكليفه. و أمّا لو دخل في ركوع الركعة الثالثة ثمّ عدل عن نيّته فحيث انّه لم يأت بفريضة واحدة بتمام، فيرجع الى القصر، و أمّا صلاته هذه فحيث لم يكن لها محلّ للعدول الى القصر فيستأنفها.
قال في الجواهر: «انّما الكلام في ارادة الكناية بالصلاة تماما فيه عن مطلق الشروع في عمل مشروط صحّته بالاقامة من صلاة نافلة أو الدخول في صوم و نحوهما، أو أنّه كناية عن ذلك، لكن اذا أتمّ (تمّ خ ل) أو وصل فيه الى حدّ لايجوز له ابطاله لو كان مقيما كالصوم بعد الزوال، أو ليس كناية عن شيء من ذلك، بل المدار على خصوص اكمال الفريضة تماما حتّى أنّه لايجدي فيه لو وصل في الفريضة الى ركوع الثالثة أو الرابعة أو قبل التسليم ثمّ عدل عن الاقامة وجوه بل أقوال، أقواها وفاقا للمدارك و الرياض و غيرهما الأخير ان لم يثبت اجماع على خلافه، و الظاهر أنّه كذلك و ان حكاه عليه العلاّمة الطباطبائي في ظاهر مصابيحه أو صريحها، لكنّه محلّ للنظر بل للمنع، فيتعيّن القول به حينئذ؛ لاطلاق الصحيح المزبور الحاكم على اطلاق ما دلّ على كفاية نيّة الاقامة لو كان. و دعوى ارادة ما سمعت من الصلاة تماما فيه يدفعها أنّه لا شاهد لها بعد حرمة القياس من اجماع أو فهم عرفي أو غيرهما. انتهى».(1)
و قال في مصباح الفقيه: «و لو دخل في الصلاة بعد أن نوى الاقامة بنيّة التمام ثمّ بدا له في الأثناء، فالأظهر بطلان اقامته و ان كان قبل التسليم، فضلاً عمّا لو كان في الأوليين اللتين يتمكّن معهما من التقصير؛ اذ المنساق من الصحيحة الدالّة على لزوم حكم الاقامة بفعل الصلاة تامّة انّما هو فيما لو كان رجوعه عن قصده بعد أداء الصلاة تامّة لا في أثنائها كما اعترف به غير واحد. و هل يجب عليه اتمام هذه
1) - جواهر الكلام 14: 322.
الصلاة التي تلبّس بها بنيّة التمام مطلقا أم يجب قطعها و استئنافها قصرا كذلك أو يفصل بين ما لو كان رجوعه قبل أن يقوم للثالثة و بعده، فيقصّر في الأوّل و يتمّ في الثاني أو بين ما لو كان قبل دخوله في ركوع الثالثة فيقصّر و بعده فيستأنف أو يتمّ؟ وجوه، بل أقوال، و سيأتي التعرّض لتحقيق ما هو الحقّ منها عند تعرّض المصنّف (صاحب الشرائع) له ان شاء اللّه. انتهى».(1)
(مسألة 16): اذا صلّى رباعيّة بتمام بعد العزم على الاقامة لكن مع الغفلة عن اقامته ثمّ عدل فالظاهر كفايته في البقاء على التمام، و كذا لو صلاّها تماما لشرف البقعة كمواطن التخيير ولو مع الغفلة عن الاقامة و ان كان الأحوط الجمع بعد العدول حينئذ، و كذا في الصورة الأولى.
الشرح:
اذا صلّى رباعيّة بتمام بعد العزم على الاقامة لكن مع الغفلة عن اقامته ثمّ عدل فالظاهر كفايته في البقاء على التمام، و ذلك أوّلاً لاطلاق صحيحة أبي ولاّد و وجود الغفلة غالبا. و ثانيا لوجود العزم على الاقامة ارتكازا و هو كافٍ كما في نظائر المقام من صلاة الجماعة و غيرها. و كذا لو صلاّها تماما لشرف البقعة كمواطن التخيير ولو مع الغفلة عن الاقامة؛ لاطلاق الصحيحة الشامل للمورد. اللّهمّ الاّ أن يقال: انّ قوله عليه السلامفي الصحيحة: «ان شئت فانو المقام عشرا و أتمّ» مشعر بكون التمام لنيّة المقام لا لشرف البقعة و المكان، و هو الصحيح.
قال في الجواهر: «بل ربّما قيل بعدم اعتباره لو وقع التمام منه ذاهلاً غير ملاحظ نيّة الاقامة و ان كان لايخلو من نظر؛ بناءً على عدم وجوب اعادة مثل هذه الصلاة عليه؛ لأنّه بنيّة الاقامة صار بمنزلة من وجب عليه الاتمام لنفسه، و لايجب
1) - مصباح الفقيه كتاب الصلاة: 758.
عليه ملاحظة السبب. و من ذلك ينقدح النظر أيضا في بعض الصور السابقة. اللّهمّ الاّ أن يقال: انّه و ان لم تجب عليه لكن الكلام في تحقّق شرط تأثير الاقامة بحيث لايرجع الى التقصير لو رجع عنها، و كونه مجرّد وقوع الصلاة تماما صحيحة و ان لم يلاحظ السبب أوّل البحث، لكنّه كماترى، فتأمّل. انتهى».(1)
(مسألة 17): لايشترط في تحقّق الاقامة كونه مكلّفا بالصلاة. فلو نوى الاقامة و هو غير بالغ ثمّ بلغ في أثناء العشرة وجب عليه التمام في بقيّة الأيّام، و اذا أراد التطوّع بالصلاة قبل البلوغ يصلّي تماما، و كذا اذا نواها و هو مجنون اذا كان ممّن يتحقّق منه القصد، أو نواها حال الاقامة ثمّ جنّ ثمّ أفاق. و كذا اذا كانت حائضا حال النيّة فانّها تصلّي ما بقي بعد الطهر من العشرة تماما، بل اذا كانت حائضا تمام العشرة يجب عليها التمام ما لم تنشئ سفرا.
الشرح:
لايشترط في تحقّق الاقامة كونه مكلّفا بالصلاة كغير البالغ و الحائض، فلو نوى الاقامة و هو غير بالغ ثمّ بلغ في أثناء العشرة وجب عليه التمام بقيّة الأيّام، و كذا اذا كانت حائضا حال النيّة فانّها تصلّي ما بقي بعد الطهر من العشرة تماما. و ذلك لاطلاق الروايات، فالمعصوم عليه السلام في مقام اعطاء الضابطة لكلّ مسلم قصد اقامة عشرة و يتمشّى منه القصد أي العزم و الارادة و ان لم يكن مكلّفا.
قال في الجواهر: «بقي شيء و هو أنّ الظاهر كون ذلك كلّه في الرجوع قبل العشرة، أمّا اذا أتمّها و لم يكن قد صلّى تماما لعذر مسقط للتكليف بالقضاء كالحيض مثلاً فقد يقال بوجوب التمام عليه و ان لم يكن من نيّته اقامة عشرة أيّام، بصدق اقامة العشرة منويّة الموجب للتمام، و اعتبار فعل الصلاة تماما انّما هو في
1) - جواهر الكلام 14: 326.
الرجوع قبلها، و ان كان قد يحتمل ذلك حتّى لو أقام العشرة أيضا، فتأمّل جيّدا و اللّه العالم. انتهى».(1)
و قد قلنا بأنّ اطلاق الروايات حاكم بأنّ من قصد اقامة عشرة أيّام يكون كالحاضر في وطنه، فاذا تمّت العشرة و لم يصلّ و لم يصم فيها ثمّ أراد أن يصلّي أو يصوم فعليه الصلاة تماما و الصوم و ان لم ينو عشرة أخرى.
(مسألة 18): اذا فاتته الرباعيّة بعد العزم على الاقامة ثمّ عدل عنها بعد الوقت فان كانت ممّا يجب قضاؤها و أتى بالقضاء تماما ثمّ عدل، فالظاهر كفايته في البقاء على التمام. و أمّا ان عدل قبل اتيان قضائها أيضا فالظاهر العود الى القصر و عدم كفاية استقرار القضاء عليه تماما و ان كان الأحوط الجمع حينئذ مادام لم يخرج. و ان كانت ممّا لايجب قضاؤه كما اذا فاتت لأجل الحيض أو النفاس ثمّ عدلت عن النيّة قبل اتيان صلاة تامّة رجعت الى القصر، فلايكفي مضيّ وقت الصلاة في البقاء على التمام.
الشرح:
اذا فاتته الرباعيّة بعد العزم على الاقامة ثمّ عدل عنها بعد الوقت فان كانت ممّا يجب قضاؤها و أتى بالقضاء تماما ثمّ عدل، فالظاهر كفايته في البقاء على التمام، و ذلك لاطلاق صحيحة أبي ولاّد حيث قال عليه السلام:
«ان كنت دخلت المدينة و صلّيت بها فريضة واحدة بتمام فليس لك أن تقصّر حتّى تخرج منها».(2)
فان كان هناك انصراف، فالانصراف بدويّ. و ما قيل من أنّ موضوع التمام بعد
العدول عن الاقامة هو الاتيان برباعيّة حاضرة، ففيه: انّ موضوع التمام - و هو الاتيان بفريضة واحدة بتمام مطلقا - و ان كان ينصرف الى الأدائيّة ابتداءً الاّ أنّه للغلبة.
قال المحقّق الهمداني: «و المنساق ممّا في هذه الصحيحة من قوله عليه السلام: «و صلّيت صلاة فريضة بتمام» هو الفريضة التامّة المأتيّ بها كذلك من حيث كونه ناويا للاقامة، فلايكفي الفريضة الغير المقصودة و لا قضاء التامّة الاّ أن يكون قضاء ما فاتته حين كونه ناويا للاقامة، كما لو نوى الاقامة في الظهر فنسي صلاتها ثمّ ذكرها في الليل و قضاها تامّة ثمّ عدل عن قصده، فانّ الظاهر كفايتها في لزوم حكم الاقامة؛ لعموم النصّ، و انصرافه الى الحاضرة ان سلّم فبدويّ. انتهى».(1)
و أمّا ان عدل قبل اتيان قضائها أيضا فالظاهر العود الى القصر؛ لأنّه لم يأت ب- : «فريضة واحدة بتمام»، و كذلك الحال ان كانت ممّا لايجب قضاؤها، كما اذا فاتت لأجل الحيض أو النفاس ثمّ عدلت عن النيّة قبل اتيان صلاة تامّة، فانّها أيضا ترجع الى القصر؛ لظاهر صحيحة أبي ولاّد.
قال في الجواهر: «نعم، لاينبغي التأمّل في الرجوع الى القصر لو لم يصلّ حتّى خرج الوقت لعذر مسقط للقضاء كما في الاغماء و الجنون و الحيض المستوعبة للوقت لعدم تأثير نيّة الاقامة حينئذ، و لذا نفى الاشكال عنه بعضهم، و نسبه الى الأصحاب آخر، بل في مفتاح الكرامة أنّهم حكموا بالرجوع قولاً واحدا، و منه يعلم حينئذ قصور اطلاق ما دلّ على تحقّق الاقامة بالعزم و النيّة عن تناول مثل ذلك، فتأمّل جيّدا. انتهى».(2)
و قال المحقّق الهمداني: «و لو نوى الاقامة و ترك الصلاة عمدا أو نسيانا حتّى خرج وقتها ثمّ بدا له قبل قضائها فالظاهر تأثير البداء في بطلان اقامته، كما صرّح به
غير واحد لما عرفت من تعليق الحكم المخالف للأصل في ظاهر النصّ بفعل الصلاة تامّة لا بمضيّ وقتها خلافا للمحكيّ عن آخرين، فاكتفوا بخروج الوقت في العامد و تردّدوا في الناسي، و هو تعدٍّ عن ظاهر النصّ بلا دليل كما عرفت. انتهى».(1)
(مسألة 19): العدول عن الاقامة قبل الصلاة تماما قاطع لها من حينه و ليس كاشفا عن عدم تحقّقها من الأوّل. فلو فاتته حال العزم عليها صلاة أو صلوات أيّام ثمّ عدل قبل أن يصلّي صلاة واحدة بتمام يجب عليه قضاؤها تماما. و كذا اذا صام يوما أو أيّاما حال العزم عليها ثمّ عدل قبل أن يصلّي صلاة واحدة بتمام فصيامه صحيح. نعم، لايجوز له الصوم بعد العدول؛ لأنّ المفروض انقطاع الاقامة بعده.
الشرح:
العدول عن الاقامة قبل الصلاة تماما قاطع لها من حينه و ليس كاشفا عن عدم تحقّقها من الأوّل، و ذلك لأنّ قصد الاقامة قاطع لحكم السفر و تكليفه أن يصلّي تماما، سواء أتى بها في وقتها أو في خارج وقتها، فالعدول عن الاقامة ليس كاشفا عن عدم تحقّقها من الأوّل؛ لعدم الدليل، بل الدليل على خلافه، و هو ظاهر روايات من عزم على اقامة عشرة أيّام.
قال المحقّق الهمداني: «و يجب قضاؤها على التمام؛ لأنّها فاتت كذلك، خلافا للمحكيّ عن المنتهى فأوجب قضاءها قصرا، فلعلّه يرى كشف البداء عن بطلان اقامته من أصله. و فيه: انّ ظاهر النصوص و الفتاوى سببيّة نيّة الاقامة لوجوب الاتمام مادام بقائها، فهو مادام كونه ناويا للاقامة مكلّف بالاتمام و الصيام
1) - مصباح الفقيه كتاب الصلاة: 758.
كالحاضر. و فعل صلاة تامّة موجب لبقاء هذا الحكم و عدم ارتفاعه بزوال قصده مادام في ذلك المكان لا أنّه مؤثّر في صحّة النيّة و سببيّتها لوجوب الاتمام كما تقدّم تحقيقه آنفا. انتهى».(1)
(مسألة 20): لا فرق في العدول عن قصد الاقامة بين أن يعزم على عدمها أو يتردّد فيها في أنّه لو كان بعد الصلاة تماما بقي على التمام، و لو كان قبله رجع الى القصر.
الشرح:
لا فرق في العدول عن قصد الاقامة بين أن يعزم على عدمها أو يتردّد فيها في أنّه لو كان بعد الصلاة تماما بقي على التمام، و لو كان قبله رجع الى القصر. و الدليل على ذلك قوله عليه السلام في ذيل صحيحة أبي ولاّد المتقدّمة:
«و ان كنت حين دخلتها على نيّتك التمام فلم تصلّ فيها صلاة فريضة واحدة بتمام حتّى بدا لك أن لاتقيم، فأنت في تلك الحال بالخيار، ان شئت فانو المقام عشرا و أتمّ، و ان لم تنو المقام فقصّر ما بينك و بين شهر، فاذا مضى لك شهر فأتمّ الصلاة».(2)
فاذا لم ينو المقام عشرا فهو متردّد قهرا الى ما بينه و بين شهر فيقصّر حتّى يمضي له شهر فيتمّ صلاته حينئذ.
(مسألة 21): اذا عزم على الاقامة فنوى الصوم، ثمّ عدل بعد الزوال قبل الصلاة تماما، رجع الى القصر في صلاته. لكن صوم ذلك اليوم صحيح؛ لما
عرفت من أنّ العدول قاطع من حينه، لا كاشف، فهو كمن صام ثمّ سافر بعد الزوال.
الشرح:
اذا عزم على الاقامة فنوى الصوم، ثمّ عدل بعد الزوال قبل أن يصلّي فريضة واحدة بتمام، رجع الى القصر في صلاته ولكن صوم ذلك اليوم صحيح، و ذلك لأنّه الى بعد الزوال كان بحكم الحاضر فيشمله قوله عليه السلام في صحيح ابن مسلم:
«اذا سافر الرجل في شهر رمضان فخرج بعد نصف النهار فعليه صيام ذلك اليوم ... ».(1)
قال في المدارك: «و ألحق العلاّمة في جملة من كتبه بالصلاة الشروع في الصوم الواجب المشروط بالحضر؛ لوجود أثر النيّة. و قوّاه جدّي قدس سره في روض الجنان، لكنّه قيّده بما اذا زالت الشمس قبل الرجوع عن تلك النيّة. انتهى».(2)
(مسألة 22): اذا تمّت العشرة لايحتاج في البقاء على التمام الى اقامة جديدة، بل اذا تحقّقت باتيان رباعيّة تامّة كذلك، فمادام لم ينشئ سفرا جديدا يبقى على التمام.
الشرح:
اذا عزم على اقامة عشرة أيّام و صلّى فريضة واحدة بتمام فمادام لم ينشئ سفرا جديدا يبقى على التمام؛ لصحيحة أبي ولاّد المتقدّمة، سواء عدل عن نيّته بعد الصلاة تماما أو لم يعدل، و سواء تمّت العشرة أو لم تتمّ، فاذا تمّت العشرة لايحتاج في البقاء على التمام الى اقامة جديدة كما هو واضح كمال الوضوح.
قال في المستمسك: «أمّا في الأوّل فلاطلاق ما دلّ على أنّ نيّة الاقامة موجبة للتمام. و أمّا في الثاني فللتصريح في صحيح أبي ولاّد بوجوب الاتمام حتّى يخرج. انتهى».(1)
(مسألة 23): كما أنّ الاقامة موجبة للصلاة تماما و لوجوب أو جواز الصوم، كذلك موجبة لاستحباب النوافل الساقطة حال السفر، و لوجوب الجمعة و نحو ذلك من أحكام الحضر.
الشرح:
اذا عزم على اقامة عشرة أيّام و لم يعدل أو صلّى فريضة واحدة بتمام و ان عدل بعدها فهو بحكم الحاضر، فكما يجب عليه التمام في الفرائض التي صارت مقصورة بالسفر، يستحبّ له الاتيان بنوافلها، و كذا يجب عليه صلاة الجمعة ان قلنا بوجوبها عينا و الاّ تجب تخييرا.
(مسألة 24): اذا تحقّقت الاقامة و تمّت العشرة أوّلاً و بدا للمقيم الخروج الى ما دون المسافة ولو ملفّقة فللمسألة صور:
«الأولى»: أن يكون عازما على العود الى محلّ الاقامة و استئناف اقامة عشرة أخرى، و حكمه وجوب التمام في الذهاب و المقصد و الاياب و محلّ الاقامة الأولى، و كذا اذا كان عازما على الاقامة في غير محلّ الاقامة الأولى مع عدم كون ما بينهما مسافة.
«الثانية»: أن يكون عازما على عدم العود الى محلّ الاقامة، و حكمه وجوب القصر اذا كان ما بقي من محلّ اقامته الى مقصده مسافة، أو كان
1) - مستمسك العروة 8: 131.
مجموع ما بقي مع العود الى بلده أو بلد آخر مسافة ولو كان ما بقي أقلّ من أربعة على الأقوى من كفاية التلفيق ولو كان الذهاب أقلّ من أربعة.
الشرح:
اذا عزم على اقامة عشرة أيّام و صلّى فريضة واحدة بتمام و تمّت العشرة أو لم تتمّ و عزم على الخروج الى ما دون المسافة، فللمسألة صور نذكرها على ما رتّبه المتن:
الأولى: أن يكون عازما على العود الى محلّ الاقامة و استئناف اقامة عشرة أخرى، و حكمه وجوب التمام في الذهاب و المقصد و الاياب و محلّ الاقامة الأولى، و كذا اذا كان عازما على الاقامة في غير محلّ الاقامة الأولى مع عدم كون ماvبينهما مسافة، و ذلك لما تضمّنته صحيحة أبي ولاّد المتقدّمة من أنّ من نوى الاقامة و صلّى فريضة واحدة بتمام يجب عليه التمام حتّى يخرج؛ بناءً على ما عرفت من ظهور الغاية (حتّى يخرج) في ارادة الخروج السفري، لا مطلق الخروج عن البلد، و ان خرج الى ما دون المسافة.
قال المحقّق الهمداني: «اذا عزم المسافر على الاقامة في غير بلده عشرة أيّام و صلّى صلاة تامّة ثمّ خرج عنه الى ما دون المسافة فان عزم على العود و الاقامة أي اقامة عشرة مستأنفة أتمّ ذاهبا و عائدا و في البلد، بلا خلاف يعتدى به فيه، بل اجماعا مستفيضا نقله ان لم يكن متواترا؛ لانقطاع سفره الأوّل بنيّة الاقامة و عدم حدوث سبب آخر موجب للتقصير أي عدم حدوث قصد قطع مسافة غير متخلّلة بالاقامة. و من هنا يظهر أنّه لا فرق بين أن ينوي العشرة الثانية في بلد الاقامة و غيرها ممّا هو دون المسافة و لا بين تعليق اقامتها على وصوله الى ذلك المكان أو بعد تردّده اليه أو الى غيره ممّا هو دون المسافة أو مرارا لاشتراك الجميع في المقتضي كما صرّح به بعض. و ربّما نسب الى بعض المتأخّرين القول بالتقصير بالخروج عن محل الاقامة مطلقا، سواء عزم على العود و الاقامة أم لم يعزم على
شيء منهما. و وافقه بعض أفاضل العصر؛ بناءً منه على أنّ نيّة الاقامة قاطعة لحكم السفر بمعنى أنّها موجبة للاتمام في المقام لا لنفس السفر حتّى لاينضمّ الواقع بعدها الى ما قبلها؛ لعدم الدليل على ذلك، بل مقتضى عمومات القصر في السفر و ظاهر اطلاق صحيحة أبي ولاّد المتقدّمة في مسألة من رجع عن نيّة الاقامة بعد أن صلّى صلاة تامّة، وجوبه بمجرّد الخروج. و فيه بعد الغضّ عن مخالفته للاجماع على قاطعيّة الاقامة للسفر و احتياج العود الى التقصير الى قطع مسافة جديدة كما ادّعاه غير واحد: ما عرفت في محلّه من دلالة صحيحة زرارة الواردة فيمن قدم قبل التروية بعشرة أيّام على ذلك، بل هي بملاحظة التفريع الواقع من الاتمام بمكّة و منى كالنصّ في ذلك الاّ أنّه قد يقال بمخالفة هذه الفقرة بظاهرها للاجماع فيشكل الاعتماد عليها. انتهى».(1)
الثانية: أن يكون عازما على عدم العود الى محلّ الاقامة، فذكر المصنّف رحمه الله وجوب القصر اذا كان ما بقي من محلّ اقامته الى مقصده مسافة، و هذا خلاف فرض المسألة من أنّه بدا للمقيم الخروج الى ما دون المسافة، فلعلّه سهو من قلمه الشريف.
«الثالثة»: أن يكون عازما على العود الى محلّ الاقامة من دون قصد اقامة مستأنفة، لكن من حيث انّه منزل من منازله في سفره الجديد، و حكمه وجوب القصر أيضا في الذهاب و المقصد و محلّ الاقامة.
الشرح:
اذا أقام عشرة أيّام في محلّ ثمّ عزم على السفر الشرعي ولكنّه يريد أن يخرج من محلّ اقامته الى ما دون الأربعة ثمّ يرجع الى محلّ اقامته من دون قصد اقامة
1) - مصباح الفقيه كتاب الصلاة: 765 و 766.
مستأنفة بل من حيث انّه منزل من منازله فالظاهر أنّ حكمه القصر في الذهاب و المقصد و محلّ الاقامة ان صدق أنّه مسافر عرفا اذا خرج من محلّ الاقامة. كمن خرج من مشهد الرضا عليه السلام بعد اقامة عشرة أيّام بقصد طهران الاّ أنّ السيّارة التي ركبها ذهبت الى مكان يبعد عن محلّ اقامته فرسخين لحمل المسافرين ثمّ رجعت الى مشهد الرضا عليه السلام ولكن لم تتوقّف و كان من دأبها عدم التوقّف، فهو مسافر و يقصّر صلاته كما مرّ.
نعم، اذا ذهبت السيّارة الى مكان يبعد عن مشهد الرضا عليه السلام مثلاً فرسخين لتحمل بعض المسافرين ثمّ رجعت لتحمل الآخرين و كان ابتداء سفر السيّارة لمن كان في المشهد هو نفس المشهد ولكن هذا الشخص الذي أقام عشرة أيّام في المشهد و عزم على الخروج منها الى طهران ذهب مع السيّارة للزيارة أو السياحة أو غيرهما ليرجع معها و يقيم ساعات أو أكثر و بعدما حملت السيّارة ما بقي من المسافرين يذهب معها الى طهران، فهو يتمّ في الذهاب و الاياب و محلّ الاقامة؛ لعدم صدق الخروج الى السفر بالنسبة اليه.
«الرابعة»: أن يكون عازما على العود اليه من حيث انّه محلّ اقامته بأن لايكون حين الخروج معرضا عنه بل أراد قضاء حاجة في خارجه و العود اليه ثمّ انشاء السفر منه ولو بعد يومين أو يوم بل أو أقلّ، و الأقوى في هذه الصورة البقاء على التمام في الذهاب و المقصد و الاياب و محلّ الاقامة ما لم ينشئ سفرا، و ان كان الأحوط الجمع في الجميع خصوصا في الاياب و محلّ الاقامة.
الشرح:
قد اتّضح شرح هذه الصورة في ذيل الصورة السابقة.
قال في المستند: «فلم يخرج معرضا، بل لقضاء حاجة و بعده يعود و يبقى
يوما أو يومين بحيث يكون هذا البقاء متمّما للاقامة السابقة و جزءا منها، ثمّ بعد ذلك ينشئ السفر منه. و لا ريب حينئذ في البقاء على التمام في الذهاب و الاياب و المقصد و محلّ الاقامة كما أفاده في المتن ما لم ينشئ سفرا جديدا؛ لأنّه و ان كان بانيا على السفر الاّ أنّه بانٍ عليه بعد العود الى محلّ الاقامة لا من هذا الحين، فلايكون خروجه هذا خروجا سفريّا، فلو خرج و ان بات ليلة أو ليلتين ثمّ رجع يقال بحسب الصدق العرفي انّه رجع الى محلّ الاقامة لاستكمال اقامته، و انّما ينشئ السفر بعد ذلك. فلا مناص من الاتمام في جميع تلك الحالات؛ اذ لا قصر الاّ مع قصد السفر فعلاً، المنفيّ حسب الفرض. انتهى».(1)
«الخامسة»: أن يكون عازما على العود الى محلّ الاقامة لكن مع التردّد في الاقامة بعد العود و عدمها، و حكمه أيضا وجوب التمام، و الأحوط الجمع كالصورة الرابعة.
الشرح:
اذا خرج من محلّ الاقامة الى ما دون المسافة ولكن لم يقصد انشاء سفر جديد و عزم على العود الى محلّ الاقامة مع التردّد في الاقامة بعد العود و عدمها فحكمه أيضا وجوب التمام؛ لأنّه لم يخرج الى السفر الشرعي الذي يكون غاية لاتمام الصلاة في صحيحة أبي ولاّد.
«السادسة»: أن يكون عازما على العود مع الذهول عن الاقامة و عدمها، و حكمه أيضا وجوب التمام، و الأحوط الجمع كالسابقة.
قد اتّضح شرح هذه الصورة من سابقتها.
1) - مستند العروة 20: 305.
«السابعة»: أن يكون متردّدا في العود و عدمه أو ذاهلاً عنه، و لايترك الاحتياط بالجمع فيه في الذهاب و المقصد و الاياب و محلّ الاقامة اذا عاد اليه الى أن يعزم على الاقامة أو ينشئ السفر، و لا فرق في الصور التي قلنا فيها بوجوب التمام بين أن يرجع الى محلّ الاقامة في يومه أو ليلته أو بعد أيّام. هذا كلّه اذا بدا له الخروج الى ما دون المسافة بعد العشرة أو في أثنائها بعد تحقّق الاقامة. و أمّا اذا كان من عزمه الخروج في حال نيّة الاقامة فقد مرّ أنّه ان كان من قصده الخروج و العود عمّا قريب و في ذلك اليوم من غير أن يبيت خارجا عن محلّ الاقامة فلايضرّ بقصد اقامته و يتحقّق معه، فيكون حاله بعد ذلك حال من بدا له. و أمّا ان كان من قصده الخروج الى ما دون المسافة في ابتداء نيّته مع البيتوتة هناك ليلة أو أزيد، فيشكل معه تحقّق الاقامة. و الأحوط الجمع من الأوّل الى الآخر الاّ اذا نوى الاقامة بدون القصد المذكور جديدا أو يخرج مسافرا.
الشرح:
قد مرّ أنّه ان خرج الى ما دون المسافة بعد قصد اقامة عشرة أيّام و اتيان فريضة واحدة يتمّ صلاته حتّى ينشئ السفر الشرعي، سواء كان عازما على العود أو الاقامة أو كان متردّدا بينهما أو ذاهلاً عنهما.
و أمّا اذا كان عازما على الخروج الى ما دون المسافة حين قصد الاقامة فقد سبق حكمه أيضا و قلنا بأنّه ان لم يضرّ مقدار ذهابه و ايابه بالاقامة عرفا فحكمه التمام و الاّ يقصّر.
(مسألة 25): اذا بدا للمقيم السفر ثمّ بدا له العود الى محلّ الاقامة و البقاء عشرة أيّام، فان كان ذلك بعد بلوغ أربعة فراسخ قصّر في الذهاب و المقصد و العود، و ان كان قبله فيقصّر حال الخروج بعد التجاوز عن حدّ الترخّص
الى حال العزم على العود، و يتمّ عند العزم عليه، و لايجب عليه قضاء ما صلّى قصرا. و أمّا اذا بدا له العود بدون اقامة جديدة بقي على القصر حتّى في محلّ الاقامة؛ لأنّ المفروض الاعراض عنه، و كذا لو ردّته الريح أو رجع لقضاء حاجة كما مرّ سابقا.
الشرح:
اذا خرج المقيم عن محلّ الاقامة بقصد المسافة فبلغ أربعة فراسخ ثمّ بدا له العود الى محلّ الاقامة و البقاء عشرة أيّام فهو يقصّر في الذهاب و المقصد و الاياب حتّى يرجع الى محلّ الاقامة فيتمّ، و كذا اذا خرج بقصد المسافة فلم يبلغ أربعة فراسخ فبدا له العود الى محلّ الاقامة و البقاء عشرة أيّام. و أمّا اذا بدا له العود الى محلّ الاقامة بدون قصد اقامة جديدة فالظاهر رجوع حكمه الى الصورة الثالثة و الرابعة من المسألة السابقة.
(مسألة 26): لو دخل في الصلاة بنيّة القصر ثمّ بدا له الاقامة في أثنائها أتمّها و أجزأت. و لو نوى الاقامة و دخل في الصلاة بنيّة التمام فبدا له السفر، فان كان قبل الدخول في الركعة الثالثة أتمّها قصرا و اجتزأ بها، و ان كان بعده بطلت و رجع الى القصر مادام لم يخرج و ان كان الأحوط اتمامها تماما و اعادتها قصرا، و الجمع بين القصر و الاتمام ما لم يسافر، كما مرّ.
الشرح:
لو دخل في الصلاة بنيّة القصر ثمّ بدا له الاقامة في أثنائها أتمّها و أجزأت، و ذلك أوّلاً لتبدّل الموضوع، فاذا دخل في الصلاة بنيّة القصر كان مسافرا فحكمه أن يأتي بالصلاة مقصورة و في أثناء الصلاة صار حاضرا لقصده اقامة عشرة أيّام فحكمه أن يتمّ صلاته تامّا. و ثانيا لصحيحة علي بن يقطين:
«أنّه سأل أبا الحسن عليه السلامعن الرجل يخرج في السفر(1)ثم يبدو له في الاقامة و هو في الصلاة؟ قال: يتمّ اذا بدت له الاقامة».(2)
و رواية محمّد بن سهل عن أبيه قال:
«سألت أبا الحسن عليه السلام عن الرجل يخرج في سفر(3)تبدو له الاقامة و هو في صلاته، أيتمّ أم يقصّر؟ قال: يتمّ اذا بدت له الاقامة».(4)
و لو نوى الاقامة و دخل في الصلاة بنيّة التمام ثمّ بدا له السفر أثناء الصلاة فان كان قبل الدخول في ركوع الركعة الثالثة يتمّها قصرا، و أمّا ان كان بعد الدخول في ركوع الركعة الثالثة فيقطع صلاته و يستأنفها قصرا، و قد تقدّم تفصيل ذلك في المسألة الخامسه عشرة. ثمّ انّ جملة «مادام لم يخرج» المذكورة في المتن من سهو القلم أو غلط النسّاخ، و وجهه ظاهر.
(مسألة 27): لا فرق في ايجاب الاقامة لقطع حكم السفر و اتمام الصلاة بين أن تكون محلّلة أو محرّمة، كما اذا قصد الاقامة لغاية محرّمة من قتل مؤمن أو سرقة ماله أو نحو ذلك كما اذا نهاه عنها والده أو سيّده أو لم يرض بها زوجها.
الشرح:
لا فرق في ايجاب الاقامة لقطع حكم السفر و اتمام الصلاة بين أن تكون اقامته محلّلة أو محرّمة، فالاقامة المحرّمة كمن قصد الاقامة لغاية محرّمة من قتل مؤمن أو سرقة ماله أو نحو ذلك. و الدليل عليه أوّلاً: اطلاق ما ورد فيمن أقام عشرة أيّام
في محلّ فعليه اتمام الصلاة. و ثانيا: اذا كانت صلاته تامّة في الاقامة المحلّلة ففي المحرّمة بطريق أولى؛ لأنّ العاصي لايكون محلاًّ للاحسان، و القصر منّة و احسان.
(مسألة 28): اذا كان عليه صوم واجب معيّن غير رمضان كالنذر أو الاستئجار أو نحوهما وجب عليه الاقامة مع الامكان.
الشرح:
اذا كان عليه صوم واجب معيّن غير رمضان و كان مسافرا فان كان نذرا فلايجب عليه الاقامة، و ذلك لصحيحة علي بن مهزيار (في حديث) قال:
«كتبت اليه - يعني الى أبي الحسن عليه السلام - : يا سيّدي! رجل نذر أن يصوم يوما من الجمعة دائما ما بقي، فوافق ذلك اليوم يوم عيد فطر أو أضحى أو أيّام التشريق أو سفر أو مرض، هل عليه صوم ذلك اليوم أو قضاؤه؟ و كيف يصنع يا سيّدي؟ فكتب اليه: قد وضع اللّه عنه الصيام في هذه الأيّام كلّها، و يصوم يوما بدل يوم ان شاء اللّه. و كتب اليه يسأله: يا سيّدي! رجل نذر أن يصوم يوما فوقع ذلك اليوم على أهله، ما عليه من الكفّارة؟ فكتب اليه: يصوم يوما بدل يوم، و تحرير رقبة مؤمنة».(1)
و صحيحة زرارة قال:
«انّ أمّي كانت جعلت عليها نذرا نذرت للّه في بعض ولدها في شيء كانت تخافه عليه، أن تصوم ذلك اليوم الذي يقدم فيه عليها، فخرجت معنا الى مكّة، فأشكل علينا صيامها في السفر، فلم ندرِ تصوم أو تفطر، فسألت أبا جعفر عليه السلام عن ذلك فقال: لاتصوم في
1) - وسائل الشيعة 23: 310 / الباب 10 من كتاب النذر و العهد / الحديث 1.
السفر، انّ اللّه قد وضع عنها حقّه في السفر و تصوم هي ما جعلت على نفسها؟ فقلت له: فماذا ان قدمت ان تركت ذلك؟ قال: لا، انّي أخاف أن ترى في ولدها الذي نذرت فيه بعض ما تكره».(1)
توضيح بعض جملات الصحيحة:
قوله: «أن تصوم ذلك اليوم الذي يقدم فيه عليها» يعني: انّ أمّه نذرت أن تصوم جميع أيّام عمرها ما بقيت منذ اليوم الذي يقدم عليها ولده.
قوله عليه السلام: «لاتصوم في السفر، انّ اللّه قد وضع عنها حقّه في السفر و تصوم هي ما جعلت على نفسها» يعني: لايجب عليها الصوم في السفر؛ لأنّ صوم شهر رمضان مع كونه واجبا من اللّه تعالى ساقط، فكيف بالصوم الذي لم يوجبه اللّه تعالى؟ فانّه يسقط بطريق أولى.
و قوله عليه السلام: «و تصوم هي ما جعلت على نفسها» استفهام انكارٍ بحذف همزة الاستفهام.
قوله: «فماذا ان قدمت ان تركت ذلك» يعني: ما ترى اذا رجعت أمّي الى بلدها أن تترك الصوم في بلدها أيضا؛ لأنّها نذرت أن تصوم ما بقيت. قال عليه السلام: «لايجوز لها ذلك». فمفهوم قوله عليه السلام في الصحيحة الأولى: «قد وضع اللّه عنه الصيام في هذه الأيّام كلّها» أنّ الصيام لايجوز في السفر كما لايجوز في عيد فطر و أضحى و أيّام التشريق و المرض، فهذه قاعدة كلّيّة، أي عدم جواز الصوم في السفر، سواء كان أوجب على نفسه بالنذر أو العهد أو القسم أو باستئجار أو شرط في ضمن عقد لازم، ففي كلّ ذلك لايجوز الصوم في السفر.
و أمّا وجوب الاقامة للاتيان بصوم ما جعل على نفسه، فالظاهر من الصحيحتين عدم الوجوب كما أنّ الظاهر منهما جواز السفر، كما في صوم شهر
1) - وسائل الشيعة 23: 313 / الباب 13 من كتاب النذر و العهد / الحديث 2.
رمضان المجعول من قبل اللّه تعالى ابتداءً. و أمّا الصوم الاستئجاري و ما التزم به في ضمن عقد لازم فقد يقال بوجوب الاقامة و عدم جواز السفر؛ لأنّهما متعلّقان بحقّ الغير و ملك له و لايلحق بالنذر و شبهه ممّا أوجبه على نفسه، و ذلك لأنّ مقتضى القواعد الأوّليّة هو عدم جواز السفر و وجوب الاقامة للمسافر؛ لأنّ الحضر شرط لوجود الواجب و صحّته لا لوجوبه، فيجب تحصيل الشرط الواجب بحكم العقل بعد فرض اطلاق الوجوب، و قد خصّص هذه القاعدة بالصحيحة في مورد النذر و شبهه و بقي مثل الاستئجار و نحوه تحتها.
فالأقوى أنّه يجب عليه الاقامة؛ لأداء ما استقرّ على ذمّته من الصوم المعيّن بالاستئجار أو الشرط في ضمن عقد لازم في اليوم المعيّن، و ذلك لوجوب تحصيل شرط الواجب و هو الحضور للصوم، و كذا لايجوز له السفر في اليوم الذي تعيّن صومه بالاستئجار أو الشرط في ضمن عقد لازم. و الصحيحتان المتقدّمتان لاتفيدان أكثر من عدم جواز الصوم في السفر، و أمّا جواز السفر فبدليل خارج عنهما بالنسبة الى صوم شهر رمضان. و حيث انّ الامام عليه السلام قايس بين صوم شهر رمضان و ما التزم على نفسه بنذر و شبهه، فبهذا التساوي نقول بجواز السفر للناذر اذا صادف سفره لما نذر من الصوم في اليوم المعيّن، و أمّا غير النذر و شبهه فلا.
(مسألة 29): اذا بقي من الوقت أربع ركعات و عليه الظهران ففي جواز الاقامة اذا كان مسافرا و عدمه من حيث استلزامه تفويت الظهر و صيرورتها قضاءا اشكال، فالأحوط عدم نيّة الاقامة مع عدم الضرورة. نعم، لو كان حاضرا و كان الحال كذلك لايجب عليه السفر لادراك الصلاتين في الوقت.
الشرح:
اذا بقي من الوقت أربع ركعات و عليه الظهران و كان حاضرا فهل يجب عليه السفر لادراك الصلاتين في الوقت أو لا؟ الظاهر أنّه لايجب، و ذلك لأنّ حكمه الفعلي هو التمام؛ لوجود موضوعه الذي هو الحضور، و لايجب عليه تبديل الموضوع؛ لعدم الدليل على ذلك.
و أمّا اذا كان مسافرا و قد بقي من الوقت أربع ركعات و عليه الظهران فهل يجوز له الاقامة من حيث استلزامه تفويت الظهر و صيرورتها قضاءا؟ ففيه صورتان:
الأولى: أن يكون بحيث قد عزم على الاقامة قبل أن يدخل المحلّ المقصود، ففي هذه الحال قد استقرّ عليه الاقامة فيتمّ صلاته فلايرتبط تفويت الظهر بها كما هو واضح.
الثانية: لم يعزم على الاقامة قبل الوصول، فاذا لم يبق من الوقت الاّ بمقدار أربع ركعات فهل يجوز له العزم على الاقامة مع عدم كونها ضروريّا؟ الظاهر عدم الجواز؛ لتفويت الموضوع الذي يوجب التفويت الواجب. نعم، اذا عصى و أقام فعليه صلاة العصر.
قال في المستمسك: «انّ التفويت المحرّم ترك الواجب في ظرف الفراغ عن وجوبه، و لايشمل ترك تبديل الواجب، الذي يقدر عليه المكلّف بواجب لايقدر عليه؛ لعدم الدليل على حرمة مثل ذلك، و الأصل البراءة. و لأجل ذلك لم يجب السفر في الفرض الآتي؛ اذ لا فرق بين الفريضتين في ذلك. انتهى».(1)
و في المستند قال: «فالظاهر أنّه لاينبغي الاستشكال في عدم الجواز، و لا وجه لتوقّف الماتن عن الفتوى؛ لفعليّة الأمر بالظهرين قصرا بفعليّة موضوعه و هو السفر، و تحقّق التكليف و تنجّزه و التمكّن من الامتثال، و معه كيف يسوغ له تفويت الغرض الملزم باعدام الموضوع و افنائه؟ و هل هذا الاّ من التعجيز
1) - مستمسك العروة 8: 143.
الاختياري عن امتثال التكليف الفعلي، الذي لاريب في قبحه بحكم العقل؟ و على الجملة: كم فرق بين التصدّي لاحداث التكليف بايجاد الموضوع الذي هو مورد الفرع الأوّل، و بين التصدّي لتفويته و تعجيز نفسه باعدام الموضوع الذي هو مورد الفرع الثاني. فلايلزم الأوّل؛ لعدم المقتضي له، فلا موجب للسفر، و لايجوز الثاني؛ لكونه من التفويت المحرّم، فلاتجوز الاقامة الاّ لضرورة، و بذلك يظهر لك الفرق بين الفرعين. انتهى».(1)
(مسألة 30): اذا نوى الاقامة ثمّ عدل عنها و شكّ في أنّ عدوله كان بعد الصلاة تماما حتّى يبقى على التمام أو لا، بنى على عدمها، فيرجع الى القصر.
الشرح:
اذا نوى الاقامة ثمّ عدل عنها و شكّ في أنّ عدوله كان بعد الصلاة تماما حتّى يبقى على التمام أم لا حتّى يقصّر، فقد ذهب الماتن الى البناء على عدم الصلاة تماما فيرجع الى القصر.
و استدلّ له في المستمسك: «بأصالة عدم الصلاة تماما، فيثبت موضوع وجوب القصر بكلا جزأيه: أحدهما بالوجدان و هو العدول، و الثاني بالأصل و هو عدم الصلاة تماما. انتهى».(2)
و قال في المستند: «كما لو كان شكّه المزبور قبل ساعة من الغروب مثلاً، فيعلم بعدوله عن نيّة الاقامة و لم يدر أنّه هل أتى بفريضة الوقت فعدل، و لا محالة قد أتى بها تامّة جريا على نيّة الاقامة، أو أنّه لم يصلّ بعد؟ فانّ مقتضى
الاستصحاب أو قاعدة الاشتغال لزوم الاتيان بفريضة الوقت، فيثبت بهذا الأصل عدم الاتيان بالصلاة تماما، و بعد ضمّه الى العدول المحرز بالوجدان يتشكّل موضوع وجوب القصر بكلا جزأيه، فيرجع الى القصر في صاحبة الوقت و غيرها. انتهى».(1)
أقول: تارة يكون الشكّ في الاتيان بالصلاة تماما بعد العلم بالعدول، و الحكم و الدليل كما في المستمسك. و أخرى يكون الشكّ في التقدّم و التأخّر بعد العلم بهما، و هي المسألة الآتية.
(مسألة 31): اذا علم بعد نيّة الاقامة بصلاة أربع ركعات و العدول عن الاقامة ولكن شكّ في المتقدّم منهما مع الجهل بتاريخهما رجع الى القصر مع البناء على صحّة الصلاة؛ لأنّ الشرط في البقاء على التمام وقوع الصلاة تماما حال العزم على الاقامة و هو مشكوك.
الشرح:
اذا علم بعد نيّة الاقامة بصلاة أربع ركعات و العدول عن الاقامة ولكن شكّ في المتقدّم منهما مع الجهل بتاريخهما، يبني على التمام، و ذلك لأنّ موضوع التمام هو نيّة الاقامة فقد أحرز، الاّ أنّه متزلزل مشروط بعدم عدوله، فاذا أتى بصلاة أربع ركعات استقرّ، فلايضرّه العدول بعد ذلك، فاليقين السابق هو نيّة الاقامة، و الشكّ اللاحق هو العدول قبل الصلاة، فلاينقض اليقين بالشكّ.
ان قلت: استصحاب نيّة الاقامة لايثبت أنّ العدول وقع بعد الصلاة الاّ على الأصل المثبت، قلت: - كما في المستند(2)- انّ موضوع الحكم بالبقاء على التمام
هو كونه ناويا للاقامة و آتيا بصلاة تامّة فهو مركّب من ذات جزأين، فالاتيان بالصلاة التامّة محرز بالوجدان، و الجزء الآخر أي عدم العدول عن نيّة الاقامة الى زمان الاتيان بالصلاة محرز بالأصل، و نتيجته الحكم بالبقاء على التمام، و بصحّة الصلاة السابقة من غير حاجة الى قاعدة الفراغ. فأين هذا من الأصل المثبت؟
ان قلت: يعارض هذا الاستصحاب باستصحاب عدم وقوع الصلاة تماما حال العزم على الاقامة الى زمان العدول، قلت: لايترتّب على هذا الاستصحاب أثر؛ اذ لايثبت به وقوع هذه الصلاة بعد العدول الاّ على القول بالأصل المثبت، فهذا الاستصحاب بنفسه لا أثر له الاّ بضميمة الاثبات و لانقول به.
و في المستمسك: «هذا، و يمكن أن يقال: انّ موضوع وجوب التمام على من عدل عن نيّة الاقامة، هو نيّة الاقامة مع الصلاة تماما، فاذا ثبتت صحّت الصلاة بأصالة الصحّة فقد تحقّق موضوعه. و عدم العدول قبل الصلاة تماما، لا دخل له في وجوب التمام، الاّ من حيث اقتضائه صحّة الصلاة، لا أنّه شرط آخر في قبال الصلاة تماما صحيحة. فليس الشرط في وجوب التمام الاّ صحّة الصلاة تماما و يمكن اثبات ذلك بأصل الصحّة. انتهى».(1)
و أمّا المصنّف فقد ذهب الى «صحّة الصلاة و الرجوع الى القصر»، و من المعلوم عدم امكان الجمع بينهما، و لذلك قال في المستمسك: «هذا يوجب المخالفة القطعيّة للعلم الاجمالي بالتكليف؛ لأنّه ان كان العدول بعد الصلاة تماما وجب عليه البقاء على التمام. و ان كان قبلها وجب عليه الاعادة لما مضى و القصر لما يأتي، فالبناء على صحّة الصلاة، و الرجوع الى القصر مخالفة قطعيّة للتكليف المعلوم بالاجمال. انتهى».(2)
و أيضا قال المصنّف في الاستدلال على الحكم بالقصر: «لأنّ الشرط في البقاء
على التمام وقوع الصلاة تماما حال العزم على الاقامة و هو مشكوك».
و أجاب عنه في المستمسك ب- : «أنّ أصالة عدم وقوع الصلاة تماما الى حين العدول التي تكون علّة للرجوع الى القصر، معارضة بأصالة عدم وقوع العدول الى حين الصلاة تماما. انتهى ملخّصا».(1)
و لكنّه تقدّم آنفا بأنّ موضوع الحكم كما يستفاد من صحيحة أبي ولاّد هو كونه ناويا للاقامة و آتيا بصلاة تامّة، و هو مركّب من ذات جزأين، فأحد الجزأين محرز بالوجدان و الجزء الآخر بالأصل فيثبت موضوع حكم التمام.
(مسألة 32): اذا صلّى تماما ثمّ عدل ولكن تبيّن بطلان صلاته رجع الى القصر و كان كمن لم يصلّ. نعم، اذا صلّى بنيّة التمام و بعد السلام شكّ في أنّه سلّم على الأربع أو على الاثنتين أو الثلاث بنى على أنّه سلّم على الأربع، و يكفيه في البقاء على حكم التمام اذا عدل عن الاقامة بعدها.
الشرح:
اذا صلّى تماما ثمّ عدل ولكن تبيّن بطلان صلاته رجع الى القصر و كان كمن لم يصلّ؛ لأنّ الظاهر من الصحيحة المتقدّمة لأبي ولاّد(2)أنّ المراد من «فريضة واحدة بتمام» هو الصلاة الصحيحة لا الباطلة. نعم، لايعتبر أن تكون الصحّة محرزة وجدانا، بل يكفي تعبّدا من أجل قاعدة الفراغ. فلو شكّ بعد السلام في أنّه سلّم على الأربع أو على الاثنتين أو على الثلاث بنى على أنّه سلّم على الأربع و يكفيه في البقاء على حكم التمام اذا عدل عن الاقامة بعدها.
(مسألة 33): اذا نوى الاقامة ثمّ عدل عنها بعد خروج وقت الصلاة و شكّ في أنّه هل صلّى في الوقت حال العزم على الاقامة أم لا؟! بنى على أنّه صلّى، لكن في كفايته في البقاء على حكم التمام اشكال و ان كان لايخلو من قوّة، خصوصا اذا بنينا على أنّ قاعدة الشكّ بعد الفراغ أو بعد الوقت انّما هي من باب الأمارات لا الأصول العمليّة.
الشرح:
اذا نوى الاقامة ثمّ عدل عنها بعد خروج وقت الصلاة و شكّ في أنّه صلّى في الوقت حال العزم على الاقامة أم لا؟! بنى على أنّه صلّى؛ و ذلك لصحيحة زرارة و الفضيل حيث قال عليه السلام:
«و ان شككت بعد ما خرج وقت الفوت و قد دخل حائل فلا اعادة عليك من شكّ حتّى تستيقن».(1)
و الظاهر أنّ الصحيحة لم تكن ناظرة الى نفي القضاء فقط بل الى اتيان الصلاة في الوقت، فانّ قوله عليه السلام«من شكّ» في عبارة «فلا اعادة عليك من شكّ» ناظر الى أنّه لايعتني بالشكّ فيبني على أنّه صلّى فعليه فاجراء قاعدة الحيلولة و الشكّ بعد الوقت كافٍ للحكم بالتمام مادام لم يخرج.
و في المستمسك في وجه قول المصنّف: «لكن في كفايته في البقاء على حكم التمام اشكال» قال: «لاحتمال اختصاص دليل قاعدة الشكّ بعد خروج الوقت - و هو صحيح زرارة و الفضيل - بنفي الاعادة؛ للاقتصار فيه على ذلك، قال عليه السلام: «و ان شككت بعد ما خرج وقت الفوت و قد دخل حائل فلا اعادة عليك من شكّ حتّى تستيقن ... ». لكن لايبعد أن يكون ذكر نفي الاعادة لأجل كونه أحد الآثار المترتّبة على الوجود، لا لخصوصيّة فيه. و اذا رجعت القاعدة المذكورة الى
1) - وسائل الشيعة 4: 282 / الباب 60 من أبواب المواقيت / الحديث 1.
قاعدة التجاوز فالأمر أظهر؛ لما عرفت في أوائل مبحث الخلل، من صلاحيّة القاعدة المذكورة لاثبات الوجود المطلق بلحاظ جميع الآثار. انتهى».(1)
(مسألة 34): اذا عدل عن الاقامة بعد الاتيان بالسلام الواجب و قبل الاتيان بالسلام الأخير الذي هو مستحبّ فالظاهر كفايته في البقاء على حكم التمام و في تحقّق الاقامة. و كذا لو كان عدوله قبل الاتيان بسجدتي السهو اذا كانتا عليه، بل و كذا لو كان قبل الاتيان بقضاء الأجزاء المنسيّة كالسجدة و التشهّد المنسيّين، بل و كذا لو كان قبل الاتيان بصلاة الاحتياط أو في أثنائها اذا شكّ في الركعات و ان كان الأحوط فيه الجمع بل و في الأجزاء المنسيّة.
الشرح:
اذا عدل عن الاقامة بعد الاتيان بالسلام الواجب و قبل الاتيان بالسلام الأخير الذي هو مستحبّ فالظاهر كفايته في البقاء على حكم التمام وفي تحقّق الاقامة؛ لأنّه خرج عن الصلاة بالاتيان بالسلام الواجب، و لذا لو جاء بالمبطل من حدث أو غيره لم يبطل صلاته، و كذا لو كان عدوله قبل الاتيان بسجدتي السهو اذا كانتا عليه و ذلك للاتيان بفريضة واحدة تامّة و لو لم يأت بسجدتي السهو بعد. و كذا لو كان قبل الاتيان بقضاء الأجزاء المنسيّة كالسجدة و التشهّد المنسيّين، و ذلك لصدق الاتيان بفريضة واحدة تامّة. نعم، لو قلنا بأنّ قضاء الأجزاء المنسيّة هو عين الأجزاء لا أنّها يتبدّل موضعها فيشكل الحكم باتمام الصلاة بل لانقول بالاتمام. و أمّا لو كان العدول قبل الاتيان بصلاة الاحتياط أو في أثنائها، اذا شكّ مثلاً في الثلاث و الأربع و بنى على الأربع و سلّم، فالظاهر أنّه لم يكف؛ لعدم اليقين بالاتيان بفريضة واحدة تامّة.
1) - مستمسك العروة 8: 145 و 146.
و استشكل المستمسك بقول المصنّف: «بل و كذا لو كان قبل الاتيان بصلاة الاحتياط ... » و قال: «هذا غير ظاهر؛ لأنّ احتمال نقص الركعة أو الأكثر موجب لاحتمال عدم صدق التمام. و منه يظهر أنّه لايجب عليه صلاة الاحتياط، بل يجب عليه الاستئناف قصرا، كما لو عدل قبل السلام. و الظاهر أنّه لا فرق في ذلك بين البناء على كون التسليم على الصلاة المشكوكة تسليما على نقص غير مخرج، كما استظهرناه، و بين البناء على كونه مخرجا؛ لأجل البناء على انقلاب التكليف بصلاتين، على ما يظهر من جماعة؛ اذ المراد من الصلاة بتمام - على هذا المعنى - هو تمام الصلاتين، فتأمّل جيّدا. انتهى».(1)
(مسألة 35): اذا اعتقد أنّ رفقاءه قصدوا الاقامة فقصدها ثمّ تبيّن أنّهم لم يقصدوا، فهل يبقى على التمام أو لا؟ فيه صورتان: احداهما: أن يكون قصده مقيّدا بقصدهم. الثانية: أن يكون اعتقاده داعيا له الى القصد من غير أن يكون مقيّدا بقصدهم، ففي الأولى يرجع الى التقصير و في الثانية يبقى على التمام، و الأحوط الجمع في الصورتين.
الشرح:
اذا اعتقد أنّ رفقاءه قصدوا الاقامة فقصدها ثمّ تبيّن أنّهم لم يقصدوا، يبقى على التمام ان صلّى صلاة تامّة، سواء كان اعتقاده داعيا له الى القصد من غير أن يكون مقيّدا بقصدهم كمن قصد اقامة عشرة أيّام بقصد التجارة أو غيرها ثمّ تبيّن عدم امكان التجارة فانّه يبقى على التمام، أو كان اعتقاده مقيّدا بقصدهم بحيث يكون اقامته معلولة لاقامتهم. و ذلك لأنّ الموضوع لاتمام الصلاة هو قصد اقامة عشرة أيّام فقد حصل و ان تبيّن بعد ذلك أنّهم لم يقصدوا، و الاشكال بأنّه عدل عن
1) - مستمسك العروة 8: 147.
قصده بعد التبيّن مدفوع بأنّه صلّى صلاة تامّة.
«الثالث» من القواطع: التردّد في البقاء و عدمه ثلاثين يوما اذا كان بعد بلوغ المسافة. و أمّا اذا كان قبل بلوغها فحكمه التمام حين التردّد؛ لرجوعه الى التردّد في المسافرة و عدمها. ففي الصورة الأولى اذا بقي في مكان متردّدا في البقاء و الذهاب أو في البقاء و العود الى محلّه يقصّر الى ثلاثين يوما ثمّ بعده يتمّ مادام في ذلك المكان، و يكون بمنزلة من نوى الاقامة عشرة أيّام، سواء أقام فيه قليلاً أو كثيرا حتّى اذا كان بمقدار صلاة واحدة.
الشرح:
الثالث من القواطع: التردّد في البقاء و عدمه ثلاثين يوما اذا كان بعد بلوغ المسافة، فانّه يقصّر الى ثلاثين يوما ثمّ بعده يتمّ مادام في ذلك المكان، و يكون بمنزلة من نوى الاقامة عشرة أيّام، سواء أقام فيه قليلاً أو كثيرا حتّى اذا كان بمقدار صلاة واحدة. و الدليل على ذلك روايات:
منها صحيحة أبي ولاّد الحنّاط عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) قال:
«ان شئت فانو المقام عشرا، و ان لم تنو المقام فقصّر ما بينك و بين شهر، فاذا مضى لك شهر فأتمّ الصلاة».(1)
و منها صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام (في حديث) فقال:
«اذا دخلت أرضا فأيقنت أنّ لك بها مقام عشرة أيّام فأتمّ الصلاة، و ان لم تدر ما مقامك بها تقول: غدا أخرج أو بعد غد، فقصّر ما بينك و بين أن يمضي شهر، فاذا تمّ لك شهر فأتمّ الصلاة و ان أردت
1) - وسائل الشيعة 8: 499 / الباب 15 من أبواب صلاة المسافر / الحديث 5.
أن تخرج من ساعتك».(1)
و منها صحيحة أبي أيّوب قال:
«سأل محمّد بن مسلم أبا عبداللّه عليه السلام - و أنا أسمع - عن المسافر، ان حدّث نفسه باقامة عشرة أيّام؟ قال: فليتمّ الصلاة، فان لم يدر ما يقيم يوما أو أكثر فليعدّ ثلاثين يوما ثمّ ليتمّ و ان كان أقام يوما أو صلاة واحدة».(2)
و منها صحيحة معاوية بن وهب عن أبي عبداللّه عليه السلام أنّه قال:
«اذا دخلت بلدا و أنت تريد المقام عشرة أيّام فأتمّ الصلاة حين تقدم، و ان أردت المقام دون العشرة فقصّر، و ان أقمت تقول: غدا أخرج و بعد غد، و لم تجمع على عشرة فقصّر ما بينك و بين شهر. فاذا تمّ الشهر فأتمّ الصلاة. قال: قلت: ان دخلت بلدا أوّل يوم من شهر رمضان و لست أريد أن أقيم عشرا؟ قال: قصّر و أفطر. قلت: فان مكثت كذلك أقول: غدا و بعد غد، فأفطر الشهر كلّه و أقصّر؟ قال: نعم، هذا(3)واحد، اذا قصّرت أفطرت، و اذا أفطرت قصّرت».(4)
و منها غيرها.
قال في الجواهر: «و ان كان المسافر قد تردّد عزمه و هو في البلاد مثلاً فلم يعلممتى خروجه غدا أو بعد غد قصّر ما بينه و بين شهر ثمّ يتمّ و لو صلاة واحدة بلا خلاف صريح أجده بين القدماء و المتأخّرين كما اعترف به في الرياض، بل
في المدارك و عن الخلاف و ظاهر المنتهى و الذخيرة الاجماع عليه، و هو الحجّة في قطع الأصل، و اطلاق أدلّة القصر في المسافر، مضافا الى المعتبرة المستفيضة ان لم تكن متواترة الصريحة في ذلك. انتهى».(1)
(مسألة 36): يلحق بالتردّد ما اذا عزم على الخروج غدا أو بعد غد ثمّ لم يخرج و هكذا، الى أن مضى ثلاثون يوما، حتّى اذا عزم على الاقامة تسعة أيّام مثلاً، ثمّ بعدها عزم على اقامة تسعة أخرى، و هكذا، فيقصّر الى ثلاثين يوما، ثمّ يتمّ ولو لم يبق الاّ مقدار صلاة واحدة.
الشرح:
يلحق بالتردّد ما اذا عزم على الخروج غدا أو بعد غد ثمّ لم يخرج و هكذا، الى أن يمضي ثلاثون يوما، حتّى اذا عزم على الاقامة تسعة أيّام مثلاً ثمّ بعدها عزم على اقامة تسعة أيّام أخرى و هكذا، فيقصّر الى ثلاثين يوما ثمّ يتمّ و لو لم يبق الاّ مقدار صلاة واحدة.
و الدليل على ذلك ظاهر الروايات المتقدّمة التي تدلّ على أنّ الموضوع لاتمام الصلاة للمسافر هو اقامة عشرة أيّام بحيث أراد أن يقيم عشرة أيّام. و أمّا اذا لم يرد الاقامة فيقصّر في حال التردّد حتّى يمضي ثلاثون يوما، و لا فرق في تردّده بين أن يقول: غدا أخرج أو بعد غد، كما هو ظاهر صحيحة زرارة و صحيحة أبي بصير المتقدّمتين، أو يقول: أخرج بعد تسعة أيّام أو أقلّ، و بعد مضيّ تسعة أيّام يقول: أخرج بعد تسعة أيّام، و هكذا، كما هو ظاهر صحيحة معاوية بن وهب المتقدّمة حيث قال عليه السلام: «و ان أردت المقام دون العشرة فقصّر».
1) - جواهر الكلام 14: 315.
(مسألة 37): في الحاق الشهر الهلالي اذا كان ناقصا بثلاثين يوما اذا كان تردّده في أوّل الشهر وجه لايخلو عن قوّة و ان كان الأحوط عدم الاكتفاء به.
الشرح:
اذا كان المسافر متردّدا في الاقامة من أوّل يوم من أوّل الشهر الى أن مضى شهر تامّ و كان الشهر تسعة و عشرين يوما فبعد مضيّ الشهر يعني اذا رأى هلال الشهر الآتي يتمّ، و ذلك لدلالة الروايات المتقدّمة التي كان فيها مثل قوله عليه السلام في صحيحة أبي بصير:
«فليقصّر ما بينه و بين شهر، فان أقام بذلك البلد أكثر من شهر فليتمّ الصلاة».(1)
و أمّا ان لم يكن تردّده من أوّل يوم من أوّل الشهر بل بعد ذلك فعليه أن يعدّ ثلاثين يوما كما في صحيحة أبي أيّوب (في حديث) قال:
«سأل محمّد بن مسلم أبا عبداللّه عليه السلام - الى أن قال: - قال: فليتمّ الصلاة، فان لم يدر ما يقيم يوما أو أكثر فليعدّ ثلاثين يوما ثمّ ليتمّ و ان كان أقام يوما أو صلاة واحدة».(2)
و ان قلت: قلّ ما يتّفق أن يكون تردّد المسافر ينطبق على أوّل يوم من أوّل الشهر، فلماذا كرّر الامام كلمة «الشهر»؟ قلت: اصطلاح الشهر بين الناس هو ثلاثون يوما مضافا الى أنّ الغالب في شهور السنة هو ثلاثون يوما.
قال في الجواهر: «ثمّ انّ تعليق الحكم في المتن على الشهر هو الموجود في أكثر النصوص و بعض الفتاوى، بل قيل: الأكثر، كالمقنع و جمل العلم و المبسوط و الخلاف و المراسم و الوسيلة و السرائر و المنتهى و البيان و غيرها، و عبّر في
النافع بالثلاثين يوما كغيره من العبارات، بل حكي عن النهاية و أكثر كتب المتأخّرين، بل صرّح الفاضل بأنّ العبرة بها لا بما بين الهلالين و ان نقص عنها، و تبعه غيره. انتهى».(1)
و قال في الحدائق: «المقام الثالث: في مضيّ ثلاثين يوما متردّدا، و لا خلاف بينهم في وجوب الاتمام عليه بعد المدّة المذكورة، و قد مضت الأخبار الدالّة عليه في صدر المقام الأوّل، الاّ أنّ في بعضها التحديد بثلاثين يوما و في بعضها بالشهر، و يظهر الفرق فيما اذا كان مبدأ التردّد أوّل الشهر الهلالي فانّه يكتفي به و ان ظهر نقصانه عن الثلاثين بناءً على رواية الشهر، و الظاهر أنّه كذلك أيضا بمقتضى كلام الأصحاب و يشكل حينئذ باعتبار رواية الثلاثين الاّ أن تحمل على غير الصورة المذكورة من حصول التردّد في أثناء الشهر كما هو الأغلب. انتهى».(2)
(مسألة 38): يكفي في الثلاثين التلفيق اذا كان تردّده في أثناء اليوم كما مرّ في اقامة العشرة و ان كان الأحوط عدم الاكتفاء و مراعاة الاحتياط.
الشرح:
يكفي في الثلاثين التلفيق اذا كان تردّده في أثناء اليوم كما مرّ في اقامة العشرة، و ذلك لأنّ الغالب في المسافرين المتردّدين في الاقامة في مكان يكون ابتداء تردّدهم في أثناء اليوم و قلّما يتّفق أن يكون ابتداء تردّدهم في أوّل اليوم يعني عند طلوع الشمس، و باقتضاء هذا الغالب و اطلاق الروايات نقول باكتفاء التلفيق.
قال في المستند: «اذ المستفاد من ظواهر الأدلّة بمقتضى الفهم العرفي كون الاعتبار بمقدار اليوم الحاصل مع الانكسار و التلفيق، لا خصوص ما بين طلوع
الفجر أو الشمس و غروبها. فلو تردّد لدى الزوال من اليوم الأوّل و استمرّ الى زوال اليوم الحادي و الثلاثين صدق عليه عرفا أنّه تردّد ثلاثين يوما بضمّ النصف الأوّل الى الأخير الذي يتشكّل منه اليوم الكامل، كما مرّ نظيره في اقامة العشرة فيتمّ فيما بعد الزوال من ذلك اليوم، و هذا واضح. انتهى».(1)
(مسألة 39): لا فرق في مكان التردّد بين أن يكون بلدا أو قرية أو مفازة.
الشرح:
لا فرق في مكان التردّد بين أن يكون بلدا أو قرية أو مفازة، و ذلك لاطلاق الروايات المتقدّمة فيشمل كلّ مكان حصل فيه التردّد و ان كان سهلاً أو جبلاً.
قال في الجواهر: «و لا فرق على الظاهر في محلّ التردّد بين البلد و القرية و نحوهما و بين المفازة كما صرّح به بعضهم، بل هو صريح الأكثر أو الجميع في منتظر الرفقة على رأس المسافة أو دونها فوق محلّ الترخّص مع جزمه بالسفر، فضلاً عن اطلاق المتن و نحوه، و عدّه فردا مساوقا للاقامة كالنصوص. فما في الدروس و اللمعة من التقييد بالمصر منزّل على ارادة مطلق المكان المعيّن، كتنزيل ما عساه ينساق من النصوص من كون المحلّ غير المفازة بقرينة ذكر الخروج و الدخول و نحوهما على الغالب أو المثال لا الشرطيّة، بل لعلّ الثاني هو المتعيّن بقرينة فهم الأصحاب، فلا جهة حينئذ لما يقال من أنّه بعد تنزيل ما في النصوص على الغالب تبقى صورة المفازة حينئذ على مقتضى أصالة القصر و اطلاق أدلّته مع احتمال كون المراد من التنزيل على الغالب الغاء خصوص المفازة و العمل على مقتضى ذلك الاطلاق المقيّد به، فتأمّل. فالمسافر حينئذ الذي عرض له في أثناء سفره ما يقتضي تعطيله من عدوّ و غيره حتّى مضى عليه الثلاثون متوقّع
1) - مستند العروة 20: 345 و 346.
ازواله كما يتّفق في طريق الحجّ في مثل زماننا يتمّ و لايقصّر، الاّ أنّه و مع ذلك فالاحتياط الذي ذكرناه في محلّ الاقامة آتٍ هنا أيضا. انتهى».(1)
(مسألة 40): يشترط اتّحاد مكان التردّد، فلو كان بعض الثلاثين في مكان و بعضه في مكان آخر لم يقطع حكم السفر، و كذا لو كان مشتغلاً بالسير و هو متردّد فانّه يبقى على القصر اذا قطع المسافة. و لايضرّ بوحدة المكان اذا خرج عن محلّ تردّده الى مكان آخر - ولو ما دون المسافة - بقصد العود اليه عمّا قريب اذا كان بحيث يصدق عرفا أنّه كان متردّدا في ذلك المكان ثلاثين يوما، كما اذا كان متردّدا في النجف و خرج منه الى الكوفة لزيارة مسلم أو لصلاة ركعتين في مسجد الكوفة و العود اليه في ذلك اليوم أو في ليلته بل أو بعد ذلك اليوم.
الشرح:
يشترط اتّحاد مكان التردّد في اتمام الصلاة بعد عدّ ثلاثين يوما، فلو كان بعض الثلاثين في مكان و بعضه في مكان آخر لم يقطع حكم السفر. نعم، لو خرج عن محلّ التردّد الى ما دون المسافة بمقدار يسير بحيث يصدق عرفا أنّه كان متردّدا في مكان واحد ثلاثين يوما لم يضرّ.
قال في الجواهر: «و هل يعتبر الوحدة في محلّ التردّد بحيث يقدح فيه الخروج عنه الى ما كان دون المسافة عنه حتّى لو كان من قصده الرجوع ليومه أو ليلته؟ أشكال، أقواه ذلك؛ اقتصارا على المتيقّن أيضا، الاّ أنّه لايقدح فيه مطلق الخروج حتّى لمحلّ الترخّص و نحوه ممّا لاينافي صدق اسم الوحدة عرفا، و مثله
1) - جواهر الكلام 14: 319 و 320.
البلاد المتّسعة على حسب ما سمعته في نيّة الاقامة. انتهى».(1)
(مسألة 41): حكم المتردّد بعد الثلاثين كحكم المقيم في مسألة الخروج الى ما دون المسافة مع قصد العود اليه في أنّه يتمّ ذهابا و في المقصد و الاياب و محلّ التردّد اذا كان قاصدا للعود اليه من حيث انّه محلّ تردّده، و في القصر بالخروج اذا أعرض عنه و كان العود اليه من حيث كونه منزلاً له في سفره الجديد، و غير ذلك من الصور التي ذكرناها.
الشرح:
قد تقدّم حكم من أقام عشرة أيّام في محلّ ثمّ خرج الى ما دون المسافة مع قصد العود اليه في المسألة الرابعة و العشرين مفصّلاً، فحكم من كان متردّدا في البقاء و عدمه ثلاثين يوما فيتمّ بعده كحكم المقيم عشرة أيّام في مسألة الخروج الى ما دون المسافة مع قصد العود اليه، فانّه يتمّ ذهابا و في المقصد و الاياب و محلّ التردّد اذا كان قاصدا اليه من حيث انّه محلّ تردّده، و يقصّر اذا خرج بقصد المسافة الاّ أنّه يعود بعد قطع فرسخين مثلاً ولكن لايقصد الوقوف بل من حيث انّه منزل من منازله، في سفره الجديد. و قد تقدّم في تلك المسألة فروع أخرى تناسب هذه المسألة فراجع.
قال في المستمسك: «اذ بعد ما عرفت من البناء على قاطعيّة التردّد للسفر و أنّه كالاقامة عشرة، لا بدّ أن يجري فيه الكلام المتقدّم في الخروج الى ما دون المسافة، بعد نيّة الاقامة على نسق واحد. نعم، لو بني على عدم قاطعيّته وجب القصربمجرّد الخروج عن ذلك المكان و لو مع عدم الاعراض عنه، بناءً على كون
1) - نفس المصدر: 320.
المرجع في المقام عموم وجوب القصر على المسافر، كما هو الظاهر. انتهى».(1)
(مسألة 42): اذا تردّد في مكان تسعة و عشرين يوما أو أقلّ، ثمّ سار الى مكان آخر و تردّد فيه كذلك و هكذا، بقي على القصر مادام كذلك الاّ اذا نوى الاقامة في مكان أو بقي متردّدا ثلاثين يوما في مكان واحد.
لعدم الدليل على وجوب التمام، للخروج عن عموم وجوب القصر، فالعموم المذكور محكّم.
(مسألة 43): المتردّد ثلاثين يوما اذا أنشأ سفرا بقدر المسافة لايقصّر الاّ بعد الخروج عن حدّ الترخّص، كالمقيم، كما عرفت سابقا.
و قد تقدّم شرح ذلك في المسألة الخامسة و الستّين في مبحث حدّ الترخّص.
1) - مستمسك العروة 8: 153.
مضافا الى ما مرّ في طيّ المسائل السابقة، قد عرفت أنّه يسقط بعد تحقّق الشرائط المذكورة من الرباعيّات ركعتان، كما أنّه تسقط النوافل النهاريّة أي نافلة الظهرين بل و نافلة العشاء و هي الوتيرة أيضا على الأقوى، و كذا يسقط الصوم الواجب عزيمة بل المستحبّ أيضا الاّ في بعض المواضع المستثناة. فيجب عليه القصر في الرباعيّات فيما عدا الأماكن الأربعة، و لايجوز له الاتيان بالنوافل النهاريّة، بل و لا الوتيرة الاّ بعنوان الرجاء و احتمال المطلوبيّة لمكان الخلاف في سقوطها و عدمه، و لاتسقط نافلة الصبح و المغرب و لا صلاة الليل، كما لا اشكال في أنّه يجوز الاتيان بغير الرواتب من الصلوات المستحبّة.
الشرح:
قد عرفت في أوّل صلاة المسافر أنّه يسقط بعد تحقّق الشرائط المذكورة من الرباعيّات ركعتان، فمن جملة الدلائل التي أقمناها، قوله عليه السلام في صحيحة زرارة و
محمّد بن مسلم:
«فصار التقصير في السفر واجبا كوجوب التمام في الحضر».(1)
قال في الجواهر: «و أمّا البحث في القصر نفسه فلا ريب في أنّه في محلّه من الرباعيّة مثلاً عزيمة لا رخصة بلا خلاف، بل هو مجمع عليه نقلاً و تحصيلاً، بل لعلّه من الضروريّات، و النصوص ظاهرة و صريحة فيه، سيّما صحيح زرارة و الحلبي المشتمل على التصريح بارادة الوجوب من رفع الجناح في الآية مستدلاًّ عليه بآية الحجّ، فلا جهة حينئذ للبحث في ذلك. انتهى».(2)
كما أنّه تسقط النوافل النهاريّة أي نافلة الظهرين؛ للاجماع و الروايات الكثيرة التي تقدّمت، فمنها صحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما عليهماالسلام قال:
«سألته عن الصلاة تطوّعا في السفر؟ قال: لاتصلّ قبل الركعتين و لابعدهما شيئا نهارا».(3)
بل و تسقط نافلة العشاء و هي الوتيرة أيضا؛ لاقتضاء بعض النصوص كصحيحة أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«الصلاة في السفر ركعتان ليس قبلهما و لا بعدهما شيء الاّ المغرب، فانّ بعدها أربع ركعات لاتدعهنّ في سفر و لا حضر. الحديث».(4)
و هو المشهور بل ادّعى بعض كالحلّي رحمه الله الاجماع عليه(5)الاّ أنّ الشيخ رحمه الله في النهاية ذهب الى جواز فعلها(6)لخبر الفضل بن شاذان عن الرضا عليه السلام(في حديث) قال:
«و انّما صارت العتمة مقصورة و ليس نترك ركعتيها؛ لأنّ الركعتين ليستا من الخمسين، و انّما هي زيادة في الخمسين تطوّعا ليتمّ بهما بدل كلّ ركعة من الفريضة ركعتين من التطوّع».(1)
و كذا يسقط الصوم الواجب عزيمة بل المستحبّ أيضا كما تقدّم، و يأتي في كتاب الصوم مفصّلاً. و من جملة ما يدلّ على ذلك قوله عليه السلام في صحيحة معاوية بن وهب:
«اذا قصّرت أفطرت و اذا أفطرت قصّرت».(2)
و لاتسقط نافلة الصبح و المغرب و لا صلاة الليل؛ لدلالة النصوص على ذلك.
منها صحيحة أبي بصير المتقدّمة آنفا عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«الصلاة في السفر ركعتان ليس قبلهما و لا بعدهما شيء الاّ المغرب، فانّ بعدها أربع ركعات لاتدعهنّ في سفر و لا حضر، و ليس عليك قضاء صلاة النهار، و صلّ صلاة الليل و اقضه».(3)
و في خبر رجاء بن أبي الضحّاك عن الرضا عليه السلام:
«أنّه ... لايدع صلاة الليل و الشفع و الوتر و ركعتي الفجر في سفر و لا حضر، و كان لايصلّي من نوافل النهار في السفر شيئا».(4)
و لا اشكال في أنّه يجوز الاتيان بغير الرواتب من الصلوات المستحبّة؛ لاطلاق أدلّة الصلوات المستحبّة و عدم ورود دليل على المنع من ذلك.
(مسألة 1): اذا دخل عليه الوقت و هو حاضر ثمّ سافر قبل الاتيان بالظهرين يجوز له الاتيان بنافلتهما سفرا و ان كان يصلّيهما قصرا، و ان تركها في الوقت يجوز له قضاؤها.
الشرح:
قد أفتى الماتن بجواز اتيان نافلة الظهرين سفرا اذا دخل عليه الوقت و هو حاضر ثمّ سافر قبل الاتيان بالظهرين، و الظاهر أنّ دليله موثّقة عمّار بن موسى عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سئل عن الرجل اذا زالت الشمس و هو في منزله ثمّ يخرج في سفر؟ فقال: يبدأ بالزوال فيصلّيها، ثمّ يصلّي الأولى بتقصير ركعتين؛ لأنّه خرج من منزله قبل أن تحضر الأولى. و سئل: فان خرج بعدما حضرت الأولى؟ قال: يصلّي الأولى أربع ركعات، ثمّ يصلّي بعد النوافل ثمان ركعات؛ لأنّه خرج من منزله بعدما حضرت الأولى، فاذا حضرت العصر صلّى العصر بتقصير و هي ركعتان؛ لأنّه خرج في السفر قبل أن تحضر العصر».(1)
و الرواية و ان كانت موثّقة من حيث السند و تامّة من حيث الدلالة الاّ أنّ فيها اشكالين - أوردهما في المستند -(2):
الأوّل: لتضمّنها عدم دخول وقت الظهرين بمجرّد الزوال، و هو مخالف للروايات المستفيضة وردت بأنّه اذا زالت الشمس دخل الوقتان الاّ أنّ هذه قبل هذه، و مخالف لما التزم به الفقهاء أيضا.
و الثاني: قد علّق اعتبار القصر و الاتمام في هذه الرواية بالسفر أو الحضور في
وقت الوجوب مع أنّ الظاهر من الأخبار و كذلك فتوى الفقهاء أنّ الاعتبار بوقت الأداء.
قال في المستمسك: «انّ في جواز العمل بالموثّقة - مع ابتناء الحكم فيها على كون العبرة بحال الوجوب، و على عدم دخول وقت الظهر بمجرّد الزوال - اشكالاً. و لاسيّما مع مخالفته لعموم سقوط نافلة المقصورة. و لذا اختار في المدارك العدم، حيث قيّد جواز الاتيان بها في السفر بصورة فعل الفريضة تماما في الحضر. و ان قال في الجواهر: «فيه نظر»، و لم يتعرّض لوجهه. اللّهمّ الاّ أن يكون مراده صورة فوات وقت النافلة. اذ حينئذ يكون عموم ما دلّ على قضائها محكّما، لكنّ الظاهر أنّ كلام المدارك لايختصّ بذلك. و كيف كان فالانصاف يقتضي جواز العمل بالموثّق؛ لأنّه من قسم الحجّة. و لم يثبت اعراض منهم يوجب وهنه، فلا مانع من تخصيصه لعمومات السقوط، كما لا مانع من التفكيك بين دلالته في الحجّيّة، فتأمّل. انتهى».(1)
و فيه أوّلاً: ما أورد على نفسه في صدر كلامه من الاشكال. و ثانيا: ما تقدّم من كلام صاحب المستند من الاشكال. و عليه لايمكن المساعدة في العمل بالموثّقة.
(مسألة 2): لايبعد جواز الاتيان بنافلة الظهر في حال السفر اذا دخل عليه الوقت و هو مسافر و ترك الاتيان بالظهر حتّى يدخل المنزل من الوطن أو محلّ الاقامة، و كذا اذا صلّى الظهر في السفر ركعتين و ترك العصر الى أن يدخل المنزل لايبعد جواز الاتيان بنافلتها في حال السفر، و كذا لايبعدجواز الاتيان بالوتيرة في حال السفر اذا صلّى العشاء أربعا في الحضر ثمّ سافر، فانّه اذا تمّت الفريضة صلحت نافلتها.
1) - مستمسك العروة 8: 157.
الشرح:
لم يستبعد المصنّف جواز الاتيان بنافلة الظهر في حال السفر اذا دخل عليه الوقت و هو مسافر و ترك الاتيان بالظهر حتّى يدخل المنزل من الوطن أو محلّ الاقامة، و كذا الحال في جانب العصر و العشاء. و الظاهر أنّ مستنده خبر أبي يحيى الحنّاط قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن صلاة النافلة بالنهار في السفر؟ فقال: يا بنيّ، لو صلحت النافلة في السفر تمّت الفريضة».(1)
ولكن دلالة الرواية مضافا الى ضعف سندها (لجهالة أبي يحيى الحنّاط) على خلاف المطلوب أدلّ؛ لأنّه عليه السلام بصدد بيان عدم مشروعيّة النافلة في السفر؛ لأنّ السفر يسقط من الفريضة ركعتين فتصير مقصورة، و أين هذا ممّا ذهب اليه المصنّف.
و في المستمسك: «هذا أيضا خلاف اطلاق ما دلّ على سقوط نافلة المقصورة؛ اذ المفروض أنّه في السفر وظيفته القصر، و مقتضى الاطلاق المتقدّم سقوط نافلتها. و مجرّد كونه في الواقع يصلّيها تماما بعد الوصول الى وطنه لايوجب انقلاب تكليفه فعلاً، و انّما يوجب انقلاب تكليفه بعد ذلك، فيلحقه حينئذ حكم النافلة، لا فعلاً. و كذا الحال في الفرض اللاحق. انتهى».(2)
ثمّ انّه في شرح كلام المصنّف: «فانّه اذا تمّت الفريضة صلحت نافلتها» قال:«كأنّه اشارة الى ما في الخبر عن أبي يحيى الحنّاط: «سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن صلاة النافلة بالنهار في السفر؟ فقال: يا بنيّ، لو صلحت النافلة في السفر تمّت الفريضة». ولكنّه يدلّ على أنّه مهما لاتتمّ الفريضة في سفر لاتشرع النافلة فيه. و اذ أنّ السفر في الفرض لاتتمّ فيه الفريضة، فيجب أن لاتشرع فيه النافلة. لا أنّه اذا صلّيت
الفريضة تماما، في حضر أو سفر، جاز الاتيان بنافلتها و لو سفرا ليدلّ على مشروعيّة النافلة في المقام. انتهى».(1)
(مسألة 3): لو صلّى المسافر بعد تحقّق شرائط القصر تماما، فامّا أن يكون عالما بالحكم و الموضوع أو جاهلاً بهما أو بأحدهما أو ناسيا، فان كان عالما بالحكم و الموضوع عامدا في غير الأماكن الأربعة بطلت صلاته و وجب عليه الاعادة في الوقت و القضاء في خارجه. و ان كان جاهلاً بأصل الحكم و أنّ حكم المسافر التقصير لم يجب عليه الاعادة فضلاً عن القضاء. و أمّا ان كان عالما بأصل الحكم و جاهلاً ببعض الخصوصيّات مثل أنّ السفر الى أربعة فراسخ مع قصد الرجوع يوجب القصر، أو أنّ المسافة ثمانية، أو أنّ كثير السفر اذا أقام في بلده أو غيره عشرة أيّام يقصّر في السفر الأوّل، أو أنّ العاصي بسفره اذا رجع الى الطاعة يقصّر، و نحو ذلك، و أتمّ، وجب عليه الاعادة في الوقت و القضاء في خارجه. و كذا اذا كان عالما بالحكم جاهلاً بالموضوع كما اذا تخيّل عدم كون مقصده مسافة مع كونه مسافة فانّه لو أتمّ وجب عليه الاعادة أو القضاء، و أمّا اذا كان ناسيا لسفره أو أنّ حكم السفر القصر فأتمّ، فان تذكّر في الوقت وجب عليه الاعادة، و ان لم يعد وجب عليهالقضاء في خارج الوقت، و ان تذكّر بعد خروج الوقت لايجب عليه القضاء. و أمّا اذا لم يكن ناسيا للسفر و لا لحكمه و مع ذلك أتمّ صلاته ناسيا وجب عليه الاعادة و القضاء.
الشرح:
لو صلّى المسافر بعد تحقّق شرائط القصر تماما فيتصوّر هيهنا فروع:
1) - مستمسك العروة 8: 158.
لو كان عالما بالحكم و الموضوع عامدا في غير الأماكن الأربعة فتبطل صلاته و تلزم الاعادة في الوقت و القضاء في خارجه، و يستدلّ على ذلك بجملة من النصوص:
منها صحيحة زرارة و محمّد بن مسلم قالا:
«قلنا لأبي جعفر عليه السلام: رجل صلّى في السفر أربعا، أيعيد أم لا؟ قال: ان كان قُرأت عليه آية التقصير و فسّرت له فصلّى أربعا أعاد، و ان لم يكن قرأت عليه و لم يعلمها فلا اعادة عليه».(1)
و منها صحيحة الحلبي قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: صلّيت الظهر أربع ركعات و أنا في سفر. قال: أَعِدْ».(2)
و منها خبر الأعمش عن جعفر بن محمّد عليه السلام (في حديث شرائع الدين) قال:
«و التقصير في ثمانية فراسخ و هو بريدان، و اذا قصّرت أفطرت، و من لم يقصّر في السفر لم تجز صلاته؛ لأنّه قد زاد في فرض اللّه عزّوجلّ».(3)
و لاتعارضها صحيحة العيص بن القاسم قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل صلّى و هو مسافر فأتمّ الصلاة؟ قال:
ان كان في وقت فليعد، و ان كان الوقت قد مضى فلا».(1)
لأنّ الصحيحة تحمل على النسيان؛ لصحيحة أبي أيّوب عن أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن الرجل ينسى فيصلّي في السفر أربع ركعات؟ قال: ان ذكر في ذلك اليوم فليعد، و ان لم يذكر حتّى يمضي ذلك اليوم فلا اعادة عليه».(2)
قال في الجواهر: «و اذا تعيّن القصر على المسافر فأتمّ عالما عامدا أعاد على كلّ حال في الوقت و خارجه بلا خلاف أجده بل عن الغنية و الدروس و المدارك و عن الانتصار و التذكرة و شرح الأستاذ الأكبر و ظاهر المنتهى و النجيبيّة و الذخيرة الاجماع عليه؛ لعدم صدق الامتثال، اذ القصر عزيمة كما عرفت. انتهى».(3)
لو كان جاهلاً بأصل الحكم و أنّ حكم المسافر التقصير لم تجب عليه الاعادة فضلاً عن القضاء. و يدلّ على ذلك صحيحة زرارة و محمّد بن مسلم المتقدّمة. و الظاهر أنّ المسألة لا خلاف فيها الاّ من العمّاني، فانّه قال بوجوب الاعادة مطلقا؛ نظرا الى أنّ صحيحة زرارة معارضة بصحيحة العيص المتقدّمة المثبتة للاعادة في الوقت بالعموم من وجه؛ اذ الأولى مطلقة من حيث الوقت و خارجه مقيّدة بالجهل، على العكس من الثانية فانّها مطلقة من حيث الجهل و عدمه مقيّدة الاعادة
بالوقت لا خارجه، فمن صلّى جاهلاً بأصل الحكم فلصحيحة زرارة و محمّد بن مسلم لاتجب الاعادة، و أمّا صحيحة العيص تقول بالوجوب فتعارضان، و بعد التساقط يرجع الى عموم مبطليّة الزيادة المعتضدة بصحيحة الحلبي، فانّه قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: صلّيت الظهر أربع ركعات و أنا في سفر. قال: أعد».(1)
ولكن فيه: انّ صحيحة العيص ظاهرة في النسيان - كما قلنا - و لاتعارض صحيحة زرارة و محمّد بن مسلم. و أمّا صحيحة الحلبي فامّا تحمل على صورة النسيان اذا انكشف في الوقت، أو على صورة العلم و العمد.
قال في الجواهر: «و لو كان قد أتمّ صلاته جاهلاً بأنّ حكم المسافر التقصير فلا اعادة ولو كان الوقت باقيا؛ للصحيح السابق (صحيح زرارة و محمّد بن مسلم) وفاقا للأكثر كما في المدارك و غيرها، بل المشهور كما في الروض و غيره، بل فيالرياض: «انّ عليه الاجماع في الجملة في ظاهر بعض العبارات» بل حكى المقدّس البغدادي الاجماع عليه صريحا، و ربّما يؤيّده معروفيّة استثناء هذه المسألة و مسألة الجهر و الاخفات من عدم معذوريّة الجاهل - الى أن قال: - و كيف كان فلاينبغي التأمّل في الحكم المزبور بعد ما عرفت، فما في الغنية و عن الاسكافي و أبي الصلاح - من الاعادة في الوقت دون خارجه، بل في الأوّل الاجماع عليه؛ لقاعدة عدم معذوريّة الجاهل التي يجب الخروج عنها بعد تسليم شمولها لما نحن فيه بما عرفت، و لاطلاق الأمر بها في بعض المعتبرة التي ستسمعها في الناسي. و في الصحيح و مرويّ الخصال السابقين الذي يجب الخروج عنه أيضا بما مرّ، بناءً على كون التعارض بينهما بالعموم و الخصوص المطلق، بل و على كونه من وجه؛ لوضوح رجحانه عليه بالشهرة العظيمة و غيرها التي منها، و من غيرها يعلم ما في دعوى الاجماع السابق - في غاية الضعف.
1) - وسائل الشيعة 8: 507 / الباب 17 من أبواب صلاة المسافر / الحديث 6.
انتهى».(1)
و أمّا ان كان عالما بأصل الحكم و جاهلاً ببعض الخصوصيّات مثل أنّ السفر الى أربعة فراسخ مع قصد الرجوع يوجب القصر، أو أنّ المسافة ثمانية، أو أنّ كثير السفر اذا أقام في بلده أو غيره عشرة أيّام يقصّر في السفر الأوّل، أو أنّ العاصي بسفره اذا رجع الى الطاعة يقصّر، و نحو ذلك، و أتمّ وجب عليه الاعادة في الوقتو القضاء في خارجه. و ذلك لظاهر صحيحة زرارة و محمّد بن مسلم المتقدّمة. حيث انّ المراد بالتفسير التذكّر بأنّ «لا جناح» في الآية ليس لجواز الترك بل يكون للوجوب، فعليه فمن يعلم بأصل الحكم و بأنّ المسافر يقصّر في السفر ولكنّه صلّى أربعا لجهله ببعض الخصوصيّات فهو يعيد، و ذلك لاطلاق «أعاد» في الصحيحة الذي لم يكن قاصرا عن أن يشمل ما نحن فيه. و كذا اطلاق صحيحة الحلبي المتقدّمة.
فيخرج حكم من كان جاهلاً بأصل الحكم بتقييدها بصحيحة زرارة و محمّد بن مسلم، و يبقى الباقي تحتها، و من جملة ما بقي من كان جاهلاً ببعض خصوصيّات المسألة فأتمّ عوض القصر، فعليه الاعادة. و كذا اذا كان عالما بالحكم جاهلاً بالموضوع كما اذا تخيّل عدم كون مقصده مسافة مع كونه مسافة، فانّه لو أتمّ وجب عليه الاعادة أو القضاء؛ لما مرّ آنفا.
قال في الجواهر: «و الأحوط بل الأقوى الاقتصار فيما خالف تلك القاعدة المحكي عليها الاجماع في كلام الرضي و الرسّي و الموافقة لظاهر الأدلّة على
1) - جواهر الكلام 14: 343 و 344.
المتيقّن، و هو جهل القصر من أصله كما هو ظاهر الصحيح المزبور بل و الفتاوى على ما اعترف به في الروض، و عن الحدائق أنّه المشهور، و في الكفاية أنّه أنسب بالقواعد، و عن الذخيرة و شرح الأستاذ التصريح باختياره، دون الجهل ببعض الخصوصيّات كمن جهل انقطاع كثرة السفر باقامة العشرة فأتمّ، أو انقطاع سفر المعصية بقصد الطاعة في أثنائه أو نحو ذلك، لكن توقّف في المدارك كما عن نهاية الأحكام، بل عن مجمع البرهان التصريح بالتسوية بين الجميع في الحكم، و لعلّه للاشتراك في العذر المسوّغ لذلك، و هو الجهل، و لقوله عليه السلام في الصحيح المزبور: «و فسّرت له» اذ قد يقال باندراج ذلك كلّه في غير المفسّر الذي يعذر فيه بمقتضى المفهوم. بل قد يندرج فيه أيضا الجاهل بكون المسافة الموجبة للقصرالثمانية أو الأربعة مع الرجوع ليومه و نحو ذلك، الاّ أنّه لا ريب في أنّ الأحوط ان لم يكن الأقوى الأوّل. انتهى».(1)
و قال في مستند الشيعة: «هل الحكم يختصّ بالجاهل بوجوب التقصير عن أصله أو يتعدّى الى الجاهل ببعض أحكام السفر ككثير السفر المنقطع كثرة سفره بالاقامة أو العاصي بسفره الراجع عن العصيان في الأثناء و نحوهما؟ الظاهر: الأوّل؛ وفاقا لأكثر من صرّح بالمسألة؛ للأصل، و اختصاص الصحيحة به، بل دلالة عموم قوله: «ان كان قُرأت عليه ... » على الاعادة في غير الجاهل بالأصل. و بذلك يخصّ عموم الجهالة لو قلنا به في صحيحة ليث و الرضوي، مع أنّ الرضوي ضعيف غير مجبور في المورد. فتوقّف الفاضل في النهاية لا وجه له، و كذا ما نقله في الحدائق عن بعض مشايخه المحقّقين في شرحه على المفاتيح من معذوريّة الجاهل في جميع ما يتعلّق بالقصر و الاتمام؛ لعدم الدليل. و الاشتراك في العلّة و هو الجهل يضعّف بعدم معلوميّة كونه فقط علّة، و لذا لايعذرونه في غير المورد.
1) - جواهر الكلام 14: 345 و 346.
انتهى».(1)
اذا كان ناسيا لسفره أو لحكمه فأتمّ فان تذكّر في الوقت وجب عليه الاعادة، و ان لم يعد وجب عليه القضاء في خارج الوقت، و ان تذكّر بعد خروج الوقت لايجب عليه القضاء، و ذلك لصحيحة أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن الرجل ينسى فيصلّي في السفر أربع ركعات؟ قال: ان ذكر في ذلك اليوم فليعد، و ان لم يذكر حتّى يمضي ذلك اليوم فلا اعادة عليه».(2)
و كذا صحيحة العيص بن القاسم قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل صلّى و هو مسافر فأتمّ الصلاة؟ قال: ان كان في وقت فليعد، و ان كان الوقت قد مضى فلا».(3)
قال في الجواهر: «و أمّا ان كان ناسيا أعاد في الوقت، و لايقضي ان خرج الوقت كما هو المشهور، بل في الرياض أنّ عليه عامّة من تأخّر، بل عن كشف الرموز لاأعلم فيه مخالفا الاّ ابن أبي عقيل، بل في السرائر و ظاهر الغنية و عن الخلاف و الانتصار و ظاهر المعتبر و التذكرة الاجماع عليه، بل في الأوّل أنّ الأخبار به متواترة، و عليه العمل و الفتوى من فقهاء آل الرسول - عليهم الصلاة و السلام - و هو الحجّة بعد شهادة التتبّع له في الجملة، مضافا الى القاعدة بالنسبة الى الوقت، و عدم صدق اسم الفوات بالنسبة الى خارجه، و خبر أبي بصير عن
الصادق عليه السلام المنجبر بعد تسليم احتياجه بما عرفت بالنسبة اليهما معا «سألته عن الرجل ينسى فيصلّي في السفر أربع ركعات؟ قال: ان ذكر في ذلك اليوم فليعد و ان لم يذكر حتّى يمضي ذلك اليوم فلا». و الظاهر الكناية عن الوقت باليوم، كما يومئ اليه مضافا الى الفتاوى صحيح العيص المنزّل على الناسي قطعا، مع أنّه يكفينا اطلاقه بحيث يشمل ما نحن فيه، قال: «سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل صلّى و هو مسافر فأتمّ الصلاة؟ قال: ان كان في وقت فليعد، و ان كان الوقت قد مضى فلا». فما عن الصدوق و والده و العمّاني و الشيخ في المبسوط و قوّاه في الدروس علىالقول بوجوب التسليم بل عن ظاهر المنتهى التوقّف من جهته - من القول بالاعادة مطلقا للأصل فيهما، و اطلاق الأمر بالاعادة في الصحيح السابق اللذين يجب الخروج عن أوّلهما و تقييد الثاني منهما بما هنا - ضعيف جدّا. انتهى».(1)
و أمّا اذا لم يكن ناسيا للسفر و لا لحكمه و مع ذلك أتمّ صلاته غافلاً وجب عليه الاعادة و القضاء. و ذلك لاطلاق صحيحة الحلبي المتقدّمة(2)و كذا صحيحة زرارة و محمّد بن مسلم المتقدّمة(3)و اطلاق «من زاد في صلاته فعليه الاعادة».
(مسألة 4): حكم الصوم فيما ذكر حكم الصلاة، فيبطل مع العلم و العمد، و يصحّ مع الجهل بأصل الحكم دون الجهل بالخصوصيّات و دون الجهل بالموضوع.
الشرح:
حكم الصوم فيما ذكر حكم الصلاة، فيبطل مع العلم و العمد، و ذلك لقوله
تعالى: «فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدّة من أيّام أُخر»(1).
و لصحيحة عيص بن القاسم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا خرج الرجل في شهر رمضان مسافرا أفطر. الحديث».(2)
و صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«سمّى رسول اللّه صلى الله عليه و آله قوما صاموا حين أفطر و قصّر عصاة.الحديث».(3)
و صحيحة معاوية بن عمّار قال:
«سمعته يقول: اذا صام الرجل رمضان في السفر لم يجزه و عليه الاعادة».(4)
و أمّا من كان جاهلاً بأصل الحكم فيصحّ منه، و ذلك لصحيحة عبدالرحمن بن أبي عبداللّه عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن رجل صام شهر رمضان في السفر؟ فقال: ان كان لم يبلغه أنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله نهى عن ذلك فليس عليه القضاء و قد أجزأ عنه الصوم».(5)
و صحيحة الحلبي قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: رجل صام في السفر! فقال: ان كان بلغه أنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آلهنهى عن ذلك فعليه القضاء، و ان لم يكن بلغه فلا شيء عليه».(6)
1) - البقرة 2: 184.
2) - وسائل الشيعة 10: 176 / الباب 1 من أبواب من يصحّ منه الصوم / الحديث 7.
3) - وسائل الشيعة 10: 174 / الباب 1 من أبواب من يصحّ منه الصوم / الحديث 3.
4) - وسائل الشيعة 10: 179 / الباب 2 من أبواب من يصحّ منه الصوم / الحديث 1.
5) - وسائل الشيعة 10: 179 / الباب 2 من أبواب من يصحّ منه الصوم / الحديث 2.
6) - وسائل الشيعة 10: 179 / الباب 2 من أبواب من يصحّ منه الصوم / الحديث 3.
قال في الجواهر: «و لايبعد الحاق الصوم بالصلاة كما نصّ عليه في الدروس، و يقتضيه استدلال الشريف البغدادي على حكم الجاهل بالنسبة الى الصلاة بصحيح ليث «اذا سافر الرجل في شهر رمضان أفطر، و ان صام بجهالة لم يقضه» الذي هو الحجّة على ما نحن فيه، و يؤيّده في الجملة تلازم القصر و الافطار و الصيام و التمام و أنّهما سواء، و ان كان لايخلو من تأمّل ما، لقاعدة عدم معذوريّةالجاهل التي اقتصر في الاستثناء منها على المسألتين، اللّهمّ الاّ أن يريدوا بالقصر و الاتمام ما يشمل الافطار و الصيام، و لعلّه يأتي في الصوم تمام البحث فيه ان شاء اللّه. انتهى».(1)
و أمّا من كان عالما بأصل الحكم و جاهلاً بخصوصيّات الحكم أو بالموضوع فعليه الاعادة أو القضاء، و ذلك لصحيحتي عبدالرحمن بن أبي عبداللّه و الحلبي المتقدّمتين آنفا. و لاتعارضهما صحيحة عيص بن القاسم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«من صام في السفر بجهالة لم يقضه».(2)
و صحيحة ليث المرادي (أبي بصير) عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا سافر الرجل في شهر رمضان أفطر، و ان صامه بجهالة لم يقضه».(3)
لأنّ المراد منهما هو الجهالة بأصل الحكم بقرينة صحيحتي عبدالرحمن و الحلبي.
قال في المستمسك: «اجماعا. و يدلّ عليه صحيح عبدالرحمن البصري عن أبي عبداللّه عليه السلام: «سألته عن رجل صام شهر رمضان في السفر؟ فقال عليه السلام: ان كان لم يبلغه أنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله نهى عن ذلك فليس عليه القضاء، و قد أجزأ عنه الصوم».
و صحيح الحلبي: «قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: رجل صام في السفر! فقال عليه السلام: ان كان بلغه أنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله نهى عن ذلك فعليه القضاء، و ان لم يكن بلغه فلا شيء عليه». و صحيح العيص عنه عليه السلام: «من صام في السفر بجهالة لم يقضه». و في صحيح ليث: «و ان صامه بجهالة لم يقضه». و مقتضى اطلاق الأخيرين - كما أشرنااليه سابقا - عدم الفرق بين الجهل بالحكم، و الجهل بالخصوصيّات و الجهل بالموضوع. لكن يعارضه في الأخير اطلاق صحيح الحلبي و نحوه، الظاهر في اعتبار الجهل بأصل الحكم شرطا في الصحّة، فيقدّم عليه للأخصّيّة. و لو سلّم التساوي و عدم الترجيح في الظهور فالمرجع اطلاق ما دلّ على بطلان الصوم في السفر. و أمّا الجهل بالخصوصيّات فقد يدّعى عدم بلوغ النهي فيه، فلايجب القضاء معه. لكن الانصاف منع ذلك، و أنّ المراد من بلوغ النهي العلم بأصل الحكم، فيجري فيه ما ذكرنا في الجاهل بالموضوع بعينه. انتهى».(1)
(مسألة 5): اذا قصّر من وظيفته التمام بطلت صلاته في جميع الموارد الاّ في المقيم المقصّر للجهل بأنّ حكمه التمام.
الشرح:
اذا قصّر من وظيفته التمام بطلت صلاته في جميع الموارد، و ذلك لعدم الاتيان بالمأمور به على ما هو عليه و عدم الدليل على الاجزاء. نعم، اذا أقام عشرة أيّام في مكان و جهل بأنّ حكمه التمام فقصّر فلايعيد صلاته؛ لصحيحة منصور بن حازم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سمعته يقول: اذا أتيت بلدة فأزمعت المقام عشرة أيّام فأتمّ الصلاة،
1) - مستمسك العروة 8: 166.
فان تركه رجل جاهلاً فليس عليه اعادة».(1)
قال في مستند الشيعة: «لو صلّى من فرضه التمام قصرا جهلاً أعاد وجوبا وقتا و خارجا؛ لعدم صدق الامتثال. و نسب في الحدائق الى بعض مشايخه القولبالصحّة و بالمعذوريّة هنا مطلقا أيضا؛ لصحيحة منصور: «اذا أتيت بلدة فأزمعت المقام عشرة أيّام فأتمّ الصلاة، فان تركه رجل جاهلاً فليس عليه اعادة». و صحيحة محمّد بن اسحاق عن امرأة كانت معنا في السفر و كانت تصلّي المغرب ركعتين ذاهبة و جائية، قال: «ليس عليها قضاء» أو: «اعادة» على اختلاف الروايات. و لايخفى أنّ الثانية - مع اختصاصها بصلاة المغرب - شاذّة كما صرّح به الشيخ و لم ينقل القول بمدلولها عن متقدّم و لا متأخّر، و نسبة الذخيرة القول بمعذوريّة المقصّر في موضع التمام الى الجامع غير ثابت فطرحها أو تأويلها لازم. و أمّا الأولى و ان عمل بمدلولها صاحب الجامع كما في الحدائق و استوجهه بعينه، و استحسن العمل بها في موردها في الذخيرة، الاّ أنّها مخصوصة بما لو قصّر جهلاً بعد نيّة الاقامة الموجبة للتمام، فالتعدّي الى غير هذه الصورة لا وجه له. نعم، لا بأس في العمل بها في هذه الصورة المخصوصة؛ لعدم وجود معارض لها. و الأحوط القضاء حينئذ أيضا؛ لعدم نسبة القول بمضمونها الى غير من ذكر. انتهى».(2)
(مسألة 6): اذا كان جاهلاً بأصل الحكم ولكن لم يصلّ في الوقت وجب عليه القصر في القضاء بعد العلم به وان كان لو أتمّ في الوقت كان صحيحا، فصحّة التمام منه ليس لأجل أنّه تكليفه بل من باب الاغتفار، فلاينافي ما ذكرناه قوله: «اقض ما فات كما فات»، ففي الحقيقة الفائت منه هو القصر لا ا
لتمام، و كذا الكلام في الناسي للسفر أو لحكمه فانّه لو لم يصلّ أصلاً عصيانا أو لعذر وجب عليه القضاء قصرا.الشرح:
اذا كان جاهلاً بأصل الحكم و لم يصلّ في الوقت فان لم ينكشف و بقي على جهله فقضاها خارج الوقت تماما ثمّ انكشف فلا شيء عليه؛ لاطلاق صحيحة زرارة و محمّد بن مسلم(1)المتقدّمة الشاملة لما اذا أتى بها في الوقت أو خارجه تماما جاهلاً بأصل الحكم. أمّا اذا انكشف و قد انقضى الوقت فعليه القصر في القضاء، و ذلك لأنّ الصلاة المأمور بها للمسافر هي ركعتان الاّ المغرب خرج عمّا كلّف به حال الجهل اذا أتى بها تماما و بقي الباقي.
و كذلك الحال لو نسي أنّه في السفر أو أنّ حكم السفر القصر فأتمّ و لم يتذكّر حتّى انقضى الوقت فليس عليه القضاء؛ بالدليل السابق. و أمّا ان نسي و لم يأت بالصلاة حتّى خرج الوقت و تذكّر بعد الوقت فعليه القصر لما مرّ.
(مسألة 7): اذا تذكّر الناسي للسفر أو لحكمه في أثناء الصلاة فان كان قبل الدخول في ركوع الركعة الثالثة أتمّ الصلاة قصرا و اجتزأ بها و لايضرّ كونه ناويا من الأوّل للتمام؛ لأنّه من باب الداعي و الاشتباه في المصداق لا التقييد فيكفي قصد الصلاة و القربة بها، و ان تذكّر بعد ذلك بطلت و وجب عليه الاعادة مع سعة الوقت و لو بادراك ركعة من الوقت، بل و كذا لو تذكّر بعد الصلاة تماما و قد بقي من الوقت مقدار ركعة فانّه يجب عليه اعادتها قصرا، و كذا الحال في الجاهل بأنّ مقصده مسافة اذا شرع في الصلاة بنيّة التمام ثمّ علم بذلك، أو الجاهل بخصوصيّات الحكم اذا نوى التمام ثمّ علم في الأثناء
1) - وسائل الشيعة 8: 506 / الباب 17 من أبواب صلاة المسافر / الحديث 4.
أنّ حكمه القصر، بل الظاهر أنّ حكم من كان وظيفته التمام اذا شرع فيالصلاة بنيّة القصر جهلاً ثمّ تذكّر في الأثناء العدول الى التمام، و لايضرّه أنّه نوى من الأوّل ركعتين مع أنّ الواجب عليه أربع ركعات، لما ذكر من كفاية قصد الصلاة متقرّبا و ان تخيّل أنّ الواجب هو القصر؛ لأنّه من باب الاشتباه في التطبيق و المصداق لا التقييد، فالمقيم الجاهل بأنّ وظيفته التمام اذا قصد القصر ثمّ علم في الأثناء يعدل الى التمام و يجتزئ به، لكنّ الأحوط الاتمام و الاعادة بل الأحوط في الفرض الأوّل أيضا الاعادة قصرا بعد الاتمام قصرا.
الشرح:
اذا تذكّر الناسي للسفر أو لحكمه في أثناء الصلاة يعدل بنيّته الى القصر فيتمّ صلاته، و ان قام للركعة الثالثة يهدم قيامه و يجلس ويتمّ و لايضرّ كونه ناويا من الأوّل التمام، فانّ القصر و الاتمام ليسا ماهيّتين مختلفتين، فالظهر المقصورة هي صلاة الظهر التي صارت مقصورة ركعتاها. و أمّا ان تذكّر بعد الدخول في ركوع الركعة الثالثة فتبطل صلاته هذه مطلقا أي و ان خرج الوقت، و ذلك لأنّ الناسي المعذور هو الذي تذكّر بعد الوقت و بعد الصلاة فانّه الظاهر من الروايات الماضية في الفرع الرابع من المسألة الثالثة، فعليه ان كان الوقت باقيا ولو ركعة يصلّيها أداءً و الاّ يقضي قصرا.
و كذا الحال في الجاهل بأصل الحكم، فان تذكّر في الأثناء بعد الدخول في ركوع الركعة الثالثة بطلت صلاته؛ لأنّ المغتفر من الجاهل هو الذي علم بعد الصلاة، و أمّا حين الصلاة فلا، فيعيد صلاته قصرا ان كان الوقت باقيا و الاّ يقضي قصرا، و لايضرّ كونه ناويا من الأوّل للتمام كما قلنا. و كذا الحال فيمن كان وظيفته التمام فدخل في الصلاة بنيّة القصر جاهلاً بالحكم، كمن أراد اقامة عشرة أيّام في مكان فلم يعلم بأنّ وظيفته التمام فشرع في الصلاة قصرا فعلم أثناء الصلاة، فانّهيبدّل نيّته تماما فيتمّ و تصحّ صلاته.
قال في مفتاح الكرامة: «الناسي اذا ذكر في أثناء الصلاة و أمكنه العدول الى القصر عدل و صحّت صلاته؛ لأنّ زيادة غير الركن سهوا لاتضرّ، و ان دخل في الركوع استأنف. و كذا الحال في صورة الجهل فيما اذا دخل في الركوع، فانّه يستأنف و ان لم يدخل فيه فيحتمل أنّه يهدم القيام و تصحّ الصلاة؛ لأنّه لو أتمّ الصلاة أربعا كان معذورا فهنا أولى، و يحتمل عدم معذوريّته؛ لأنّه زاد في صلاته قياما عمدا و جهلاً؛ لأنّ الجاهل عامد غير معذور، فليتأمّل. انتهى».(1)
(مسألة 8): لو قصّر المسافر اتّفاقا لا عن قصد فالظاهر صحّة صلاته و ان كان الأحوط الاعادة، بل و كذا لو كان جاهلاً بأنّ وظيفته القصر فنوى التمام لكنّه قصّر سهوا، و الاحتياط بالاعادة في هذه الصورة آكد و أشدّ.
الشرح:
قال في الشرائع: «لو قصّر المسافر اتّفاقا لم تصحّ و أعاد قصرا. انتهى».(2)
و قال في المدارك: «فسّرت هذه العبارة بوجوه: أحدها: أن يقصّر قاصد المسافة غير عالم بوجوب القصر، فانّه يجب عليه الاعادة؛ لأنّه صلّى صلاة يعتقد فسادها، فيجب اعادتها قصرا. الثاني: أن يعلم وجوب القصر لكن جهل المسافة فقصّر، فاتّفق بلوغ المسافة، فانّه يعيد قصرا؛ لأنّه صلّى صلاة منهيّا عنها، فكانت فاسدة و وجب اعادتها في الوقت و قضاؤها في خارجه. و هل يجب الاتمام في القضاء أو التقصير؟ يحتمل قويّا الاتمام، لأنّها فاتت و قد كان فرضه التمامفليقضها كما فاتته. و يحتمل التقصير؛ لأنّه مسافر في الحقيقة و انّما منعه من التقصير جهل المسافة و قد علمها. و قوّى الشهيد في الذكرى الأوّل ثمّ قال: «و هذا
مطّرد فيما لوترك المسافر الصلاة أو نسيها و لم يكن عالما بالمسافة، ثمّ تبيّن المسافة بعد خروج الوقت، فانّ في قضائها قصرا أو تماما الوجهين». الثالث: أن يعلم وجوب القصر و بلوغ المسافة ولكن نوى الصلاة تماما ناسيا، ثمّ سلّم على الركعتين ناسيا، ثمّ ذكر، فانّه يعيد قصرا؛ لمخالفته لما يجب عليه من ترك نيّة التمام. و استقرب الشهيد في الذكرى الاجزاء؛ لأنّه أتى بما هو فرضه في الواقع، و بلغو نيّة الاتمام. انتهى».(1)
أقول:
الظاهر أنّ الوجه الأوّل من الوجوه التي أشار اليها في المدارك صحيح، و أنّ صلاة من أتى بها و هو يعتقد فسادها باطلة و ان كان في الواقع مأمورا بها، الاّ أنّه لم يأت بها بقصد المأمور به و لم يكن له قصد القربة أصلاً على الفرض.
و أمّا الوجه الثاني و هو أن يعلم وجوب القصر لكن جهل المسافة، مثلاً كان مقصده معيّنا و كان مسافة فلم يعلم فقصّر ثمّ علم بما هو الواقع، فان قصّر معتقدا فساد صلاته فيكون كالأوّل. و أمّا ان قصّر غفلة أي سلّم في الركعة الثانية بتوهّم أنّها رابعة ثمّ تبيّن أنّ سفره كان مسافة فصلاته هذه صحيحة؛ لأنّ قصده كان امتثال الأمر و الاتيان بالمأمور به و قد أتى به الاّ أنّه أخطأ في تطبيق نيّته فلايضرّه ذلك؛ بناءً على أنّ القصر و التمام ليسا ماهيّتين مختلفتين. فعليه فما ذهب اليه في المدارك بأنّه صلّى صلاة منهيّا عنها غير وجيه.
و أمّا الوجه الثالث بأن يعلم وجوب القصر و بلوغ المسافة ولكن نوى الصلاةتماما ناسيا ثمّ سلّم على الركعتين ثمّ ذكر، فصلاته هذه أيضا صحيحة بل أولى بالصحّة من الوجه الثاني؛ لأنّه قد أتى بالمأمور به، غايته أنّه أخطأ في التطبيق، فما استقربه الشهيد في الذكرى من الاجزاء وجيه.
1) - مدارك الأحكام 4: 476.
(مسألة 9): اذا دخل عليه الوقت و هو حاضر متمكّن من الصلاة و لم يصلّ ثمّ سافر وجب عليه القصر، و لو دخل عليه الوقت و هو مسافر فلم يصلّ حتّى دخل المنزل من الوطن أو محلّ الاقامة أو حدّ الترخّص منهما أتمّ، فالمدار على حال الأداء لا حال الوجوب و التعلّق، لكن الأحوط في المقامين الجمع.
الشرح:
اذا دخل عليه الوقت و هو حاضر متمكّن من الصلاة و لم يصلّ ثمّ سافر وجب عليه القصر، و لو دخل عليه الوقت و هو مسافر فلم يصلّ حتّى دخل المنزل من الوطن أو محلّ الاقامة أو حدّ الترخّص منهما أتمّ، فالمدار على حال الأداء لا حال الوجوب و التعلّق. و الدليل على ذلك:
صحيحة محمّد بن مسلم (في حديث) قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: الرجل يريد السفر فيخرج حين تزول الشمس! فقال: اذا خرجت فصلّ ركعتين».(1)
و صحيحة اسماعيل بن جابر قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: يدخل عليّ وقت الصلاة و أنا في السفر فلاأصلّي حتّى أدخل أهلي! فقال: صلّ و أتمّ الصلاة. قلت: فدخلعليّ وقت الصلاة و أنا في أهلي أريد السفر فلاأصلّي حتّى أخرج! فقال: فصلّ و قصّر، فان لم تفعل فقد خالفت واللّه رسول اللّه صلى الله عليه و آله».(2)
و صحيحة العيص بن القاسم قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يدخل عليه وقت الصلاة في السفر ثمّ يدخل بيته قبل أن يصلّيها؟ قال: يصلّيها أربعا. و قال: لايزال يقصّر حتّى يدخل بيته».(1)
و الروايات الآتية المعارضة للصحاح المتقدّمة آنفا تحمل على التقيّة أو تطرح:
فالأولى منها صحيحة محمّد بن مسلم قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يدخل من سفره و قد دخل وقت الصلاة و هو في الطريق؟ فقال: يصلّي ركعتين، و ان خرج الى سفره و قد دخل وقت الصلاة فليصلّ أربعا».(2)
و الشاهد للحمل على التقيّة قوله عليه السلام في ذيل صحيحة اسماعيل بن جابر المتقدّمة: «فان لم تفعل فقد خالفت واللّه رسول اللّه صلى الله عليه و آله» فكأنّه تعريض على العامّة الذين يتمّون في السفر. و أمّا الشاهد على الطرح فلترجيح الطائفة الأولى من الروايات بموافقتها لاطلاق الروايات الواردة في أنّ المسافر يقصّر، سواء كان أوّل الوقت في الوطن أو لم يكن، و أنّ الحاضر يتمّ، سواء كان أوّل الوقت في الحضر أو لم يكن. و احتمال ارادة المسافر حال الوجوب من ذلك الاطلاق لاينبغي أن يصغى اليه؛ للقطع بانصراف قولهم عليهم السلام: «الحاضر يتمّ و المسافر يقصّر» الىارادة الحضور و السفر حال أداء الصلاة؛ لتحقّق الموضوع الذي رتّب الشارع الحكمين عليه، بل هو حقيقة في نحو ذلك، فلو أريد منه من كان حاضرا أو مسافرا في الزمن السابق على زمن صدور الفعل كان مجازا قطعا كما هو واضح.
و يرجّح الطائفة الأولى من الروايات ذهاب كثير من المتأخّرين و عدّة من المتقدّمين كالشيخ المفيد و السيّد المرتضى و الشيخ في موضع من المبسوط
و التهذيب على ما حكي عنهم، كما في الجواهر(1)، الى أنّ الاعتبار في تقصير الصلاة للمسافر بحال الأداء، بل في ظاهر السرائر أو صريحها الاجماع عليه، كما في الجواهر أيضا. و أمّا انّ الاعتبار في الاتمام للحاضر بحال الوجوب ففي السرائر: «انّه لم يذهب الى ذلك أحد، و لم يقل به فقيه و لا مصنّف ذكره في كتابه لا منّا و لا من مخالفينا».(2)
لكن يدلّ عليه بعض النصوص السابقة كصحيحة محمّد بن مسلم الثانية المتقدّمة، الاّ أنّه يجب تأويلها ب- «أنّه دخل وقت الصلاة في الطريق و هو يريد الصلاة في الطريق و لمّا يدخل في منزله» كما أنّ التأويل في الفقرة الثانية هكذا: «أراد الخروج الى سفره و قد دخل وقت الصلاة و هو بعد لم يخرج فليصلّ أربعا»، و ان لم يمكن تأويلها فترفع اليد عنها و تطرح؛ لما قلنا من وجوه الترجيح للطائفة الأولى و لما سبق، و عليه فلايبقى وجه لما نسب الى الصدوق في المقنع و العمّاني و اختاره الفاضل في المختلف و الارشاد و الشهيدان في الدروس و ظاهر الروض من أنّه اذا دخل الوقت و هو حاضر ثمّ سافر و الوقت باقٍ يتمّ؛ بناءً على اعتبار وقت الوجوب.
و الثانية منها صحيحة منصور بن حازم قال:
«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول: اذا كان في سفر فدخل عليه وقت الصلاة قبل أن يدخل أهله فسار حتّى يدخل أهله فان شاء قصّر، و ان شاء أتمّ، و الاتمام أحبّ اليّ».(3)
ففيها أوّلاً: انّ الرواية لم يعمل بموردها أحد حتّى الشيخ فانّه رحمه الله ذهب في نهايته الى التخيير مطلقا أي فيما اذا كان في سفره فدخل عليه وقت الصلاة و
لم يصلّ حتّى يدخل أهله، و فيما اذا كان في الحضر فدخل عليه وقت الصلاة و لم يصلّ حتّى خرج، فانّه يتخيّر في الموردين بين القصر و الاتمام. ولكن لم يكن دليل على قول الشيخ الاّ الجمع بين الطائفتين من الروايات اذا لم يكن هناك ترجيح، و قد عرفت وجود الترجيح.
و ثانيا: مخالفة صحيحة اسماعيل بن جابر المتقدّمة بالصراحة لهذا التخيير، فانّه عليه السلام قال: «فان لم تفعل فقد خالفت واللّه رسول اللّه صلى الله عليه و آله» بناءً على أن يرجع قوله عليه السلام الى الفقرتين المذكورتين، و ان رجع الى الفقرة الأخيرة فقط فلم يعمل أحد بصحيحة منصور بن حازم في موردها كما قلنا.
فيجب حينئذ تأويلها بأن يقال: اذا كان في سفره فدخل عليه وقت الصلاة قبل أن يدخل أهله فسار حتّى دخل أهله فان شاء قصّر في السفر ثمّ يدخل أهله بعد ذلك، و ان شاء يدخل أهله فيتمّ، و الاتمام أحبّ. أو حملها على التقيّة؛ لأنّه مذهب بعض العامّة، كما في الجواهر. أو طرحها لمخالفتها لصحيحة اسماعيل بن جابر و صحيحة العيص و اعراض الأصحاب عنها.
و الثالثة منها موثّقة اسحاق بن عمّار قال:
«سمعت أبا الحسن عليه السلام يقول في الرجل يقدم من سفره في وقتالصلاة، فقال: ان كان لايخاف فوت الوقت فليتمّ، و ان كان يخاف خروج الوقت فليقصّر».(1)
و نظيرها خبر الحكم بن مسكين، عن رجل عن أبي عبداللّه عليه السلام في الرجل يقدم من سفر في وقت الصلاة فقال:
«ان كان لايخاف خروج الوقت فليتمّ و ان كان يخاف خروج الوقت فليقصّر».(2)
ولكن فيها: انّ معنى الرواية: إن وسع الوقت للدخول فليدخل و يتمّ، و الاّ فليصلّ قصرا قبل الدخول و هو مسافر. و الشاهد على ذلك صحيحة ابن مسلم عن أحدهما عليهماالسلام في الرجل يقدم من الغيبة فيدخل عليه وقت الصلاة، فقال:
«ان كان لايخاف أن يخرج الوقت فليدخل فليتمّ، و ان كان يخاف أن يخرج الوقت قبل أن يدخل فليصلّ و ليقصّر».(1)
فهما على خلاف المطلوب أدلّ. فتحصّل أنّ العبرة في القصر و التمام بحال الأداء لا حال تعلّق الوجوب.
و في المدارك بعد نقل ما في الشرائع حيث قال: «و لو دخل الوقت و هو حاضر ثمّ سافر و الوقت باقٍ، قيل: يتمّ بناءً على وقت الوجوب. و قيل: يقصّر اعتبارا بحال الأداء. و قيل: يتخيّر. و قيل: يتمّ مع السعة و يقصّر مع الضيق، و التقصير أشبه»، قال: «الأصحّ ما اختاره المصنّف من وجوب التقصير مطلقا، تمسّكا بعموم ما دلّ على وجوب التقصير في السفر، و خصوص صحيحة اسماعيل بن جابر قال: «قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: يدخل عليّ وقت الصلاة و أنا فيالسفر، فلاأصلّي حتّى أدخل أهلي. فقال: صلّ و أتمّ الصلاة. قلت: فدخل عليّ وقت الصلاة و أنا في أهلي أريد السفر، فلاأصلّي حتّى أخرج. فقال: فصلّ و قصّر، فان لم تفعل فقد خالفت رسول اللّه صلى الله عليه و آله». قال المصنّف في المعتبر: و هذه الرواية أشهر و أظهر في العمل. و القول بوجوب الاتمام لابن بابويه في المقنع، و ابن أبي عقيل. و اختاره العلاّمة في المختلف، و استدلّ عليه بوجوه ضعيفة. انتهى».(2)
و بعد قول الشرائع: «و كذا الخلاف لو دخل الوقت و هو مسافر فحضر و الوقت باقٍ، و الاتمام هنا أشبه» قال: «الأصحّ ما اختاره المصنّف هنا أيضا، تمسّكا بعموم ما دلّ على وجوب الاتمام في الحضر، و خصوص صحيحة اسماعيل بن
جابر المتقدّمة. و تدلّ عليه أيضا صحيحة العيص بن القاسم، قال: «سألت أبا عبداللّه عليه السلامعن الرجل يدخل عليه وقت الصلاة في السفر ثمّ يدخل بيته قبل أن يصلّي؟ قال: يصلّيها أربعا». و القول بالتفصيل بسعة الوقت و ضيقه للشيخ في كتابي الأخبار، لرواية اسحاق بن عمّار. و القول بالتخيير هنا لابن الجنيد، و نقل عن الشيخ أيضا، و احتمله في كتابي الأخبار و استدلّ بما رواه عن منصور بن حازم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال: «سمعته يقول: اذا كان في سفر و دخل عليه وقت الصلاة قبل أن يدخل أهله، فسار حتّى دخل أهله، فان شاء قصّر و ان شاء أتمّ». و في الروايتين ضعف من حيث السند. و حكى الشهيدان أنّ في المسألة قولاً بالتقصير مطلقا، و لم نعرف قائله. انتهى».(1)
(مسألة 10): اذا فاتت منه الصلاة و كان في أوّل الوقت حاضرا و في آخره مسافرا أو بالعكس فالأقوى أنّه مخيّر بين القضاء قصرا أو تماما؛ لأنّهفاتت منه الصلاة في مجموع الوقت، و المفروض أنّه كان مكلّفا في بعضه بالقصر و في بعضه بالتمام، ولكن الأحوط مراعاة حال الفوت و هو آخر الوقت، و أحوط منه الجمع بين القصر و التمام.
الشرح:
اذا فاتت منه الصلاة و كان في أوّل الوقت حاضرا و في آخره مسافرا يجب عليه القضاء قصرا. و ان كان في أوّل الوقت مسافرا و في آخره حاضرا يجب عليه القضاء تماما، و الدليل على ذلك صحيحة زرارة قال:
«قلت له: رجل فاتته صلاة من صلاة السفر فذكرها في الحضر. قال: يقضي ما فاته كما فاته، ان كانت صلاة السفر أدّاها في الحضر مثلها،
1) - مدارك الأحكام 4: 478 و 479.
و ان كانت صلاة الحضر فليقض في السفر صلاة الحضر كما فاتته».(1)
و صحيحة ثانية لزرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«اذا نسي الرجل صلاة أو صلاّها بغير طهور و هو مقيم أو مسافر فذكرها فليقض الذي وجب عليه، لايزيد على ذلك و لاينقص منه، من نسي أربعا فليقض أربعا(2)مسافرا كان أو مقيما، و ان نسي ركعتين صلّى ركعتين اذا ذكر، مسافرا كان أو مقيما».(3)
و موثّقة عمّار قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن المسافر يمرض و لايقدر أن يصلّيالمكتوبة؟ قال: يقضي اذا قام مثل صلاة المسافر بالتقصير».(4)
و لايعارضها صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام:
«أنّه سئل عن رجل دخل وقت الصلاة و هو في السفر فأخّر الصلاة حتّى قدم فهو يريد [أن] يصلّيها اذا قدم الى أهله، فنسي حين قدم الى أهله أن يصلّيها حتّى ذهب وقتها؟ قال: يصلّيها ركعتين صلاة المسافر؛ لأنّ الوقت دخل و هو مسافر، كان ينبغي له أن يصلّي عند ذلك».(5)
لأنّ هذه الصحيحة ملحقة بالروايات التي تجعل العبرة بحال الوجوب لا حال الأداء لمكان العلّة، و قد تقدّم الجواب عنها في المسألة السابقة. مضافا الى أنّه يمكن توجيه الرواية بأنّ المراد من ذهاب وقتها هو ذهاب وقت الفضيلة، فانّ
1) - وسائل الشيعة 8: 268 / الباب 6 من أبواب قضاء الصلوات / الحديث 1.
2) - في الفقيه زيادة: حين يذكرها. هامش الوسائل
3) - وسائل الشيعة 8: 269 / الباب 6 من أبواب قضاء الصلوات / الحديث 4.
4) - وسائل الشيعة 8: 269 / الباب 6 من أبواب قضاء الصلوات / الحديث 5.
5) - وسائل الشيعة 8: 513 / الباب 21 من أبواب صلاة المسافر / الحديث 3.
الاستعمال كذلك في الروايات ليس بشاذّ و لعلّه لذلك قال عليه السلام: «يصلّيها ركعتين صلاة المسافر» و لم يقل «يقضيها»، و عليه لاتكون الرواية واردة مورد من كان مسافرا أوّل الوقت و كان حاضرا آخره فلم يصلّ في مجموع الوقت حتّى فاتت الصلاة. و القول بأنّ الاعتبار في القضاء بحال فوات الصلاة لا بحال وجوبها هو المشهور.
قال في الشرائع: «الاعتبار في القضاء بحال فوات الصلاة لا بحال وجوبها، فاذا فاتت قصرا قضيت كذلك. و قيل: الاعتبار في القضاء بحال الوجوب. و الأوّل أشبه. انتهى».(1)
و قال في الجواهر: «قيل - و القائل الاسكافي فيما حكي عنه، و الحلّي فيالسرائر حاكيا له عن ابن بابويه في رسالته، و المرتضى في مصباحه، و المفيد في بعض أقواله، و الشيخ في مبسوطه، بل قال: انّه الموافق للأدلّة و اجماع أصحابنا - : «الاعتبار في القضاء بحال الوجوب» و ان اعتبر جميعهم أو بعضهم في فعلها في الوقت حال الأداء لا حال الوجوب، و الأوّل أشبه بأصول المذهب و عمومات القضاء، كقوله عليه السلام: «من فاتته فريضة فليقضها كما فاتته» و غيره، اذ لا ريب في أنّ الفائت للمكلّف ما وجب عليه في آخر الأحوال؛ لأنّه هو الذي استقرّ عليه الخطاب به لا ما وجب عليه في الحال الأوّل و قد سقط عنه و انتقل الى غيره. انتهى».(2)
(مسألة 11): الأقوى كون المسافر مخيّرا بين القصر و التمام في الأماكن الأربعة، و هي المسجد الحرام و مسجد النبي صلى الله عليه و آله، و مسجد الكوفة، و الحائر
الحسيني عليه السلام، بل التمام هو الأفضل و ان كان الأحوط هو القصر، و ما ذكرنا هو القدر المتيقّن، و الاّ فلايبعد كون المدار على البلدان الأربعة، و هي مكّة و المدينة و الكوفة و كربلاء، لكن لاينبغي ترك الاحتياط خصوصا في الأخيرتين. و لايلحق بها سائر المشاهد، و الأحوط في المساجد الثلاثة الاقتصار على الأصلي منها دون الزيادات الحادثة في بعضها. نعم، لا فرق فيها بين السطوح و الصحن و المواضع المنخفضة منها، كما أنّ الأحوط في الحائر الاقتصار على ما حول الضريح المبارك.
الشرح:
قال في المدارك: «اختلف الأصحاب في هذه المسألة، فذهب الأكثر الى التخيير في هذه المواطن بين القصر و الاتمام و أنّ الاتمام أفضل، و عزاه في المعتبر الى الثلاثة و أتباعهم. و قال ابن بابويه: يقصّر ما لم ينو المقام عشرة، و الأفضل أن ينوي المقام بها ليوقع صلاته تماما. و قال السيّد المرتضى في الجمل: لا تقصير في مكّة و مسجد النبي صلى الله عليه و آله و مشاهد الأئمّة القائمين مقامه عليهم السلام. و هذه العبارة تعطي منع التقصير. و المعتمد الأوّل. انتهى».(1)
أقول: الأقوى كون المسافر مخيّرا بين القصر و التمام في الأماكن الأربعة، و هي مسجد الحرام و مسجد النبي صلى الله عليه و آله و مسجد الكوفة و الحائر الحسيني عليه السلام. و الدليل على ذلك بالنسبة الى مكّة و المدينة روايات معتبرة:
منها صحيحة علي بن يقطين عن أبي الحسن عليه السلام في الصلاة بمكّة قال:
«من شاء أتمّ و من شاء قصّر».(2)
و منها صحيحة ثانية لعلي بن يقطين قال:
«سألت أبا ابراهيم عن التقصير بمكّة؟ فقال: أتمّ و ليس بواجب الاّ أنّي أحبّ لك ما أحبّ لنفسي».(1)
و منها صحيحة الحسين بن المختار عن أبي ابراهيم عليه السلام قال:
«قلت له: انّا اذا دخلنا مكّة و المدينة نتمّ أو نقصّر؟ قال: ان قصّرت فذلك، و ان أتممت فهو خير تزداد».(2)
و منها خبر عمران بن حمران قال:
«قلت لأبي الحسن عليه السلام: أقصّر في المسجد الحرام أو أتمّ؟ قال: ان قصّرت فلك، و ان أتممت فهو خير، و زيادة الخير خير».(3)
و منها خبر صالح بن عبداللّه الخثعمي قال:
«كتبت الى أبي الحسن موسى عليه السلام أسأله عن الصلاة في المسجدين، أقصّر أم أتمّ؟ فكتب عليه السلاماليّ: أيّ ذلك فعلت فلا بأس. قال: فسألت أبا الحسن الرضا عليه السلام عنها مشافهة، فأجابني بمثل ما أجابني أبوه الاّ أنّه قال في الصلاة: قصّر».(4)
و لاينافيها صحيحة مسمع عن أبي ابراهيم عليه السلام قال:
«كان أبي يرى لهذين الحرمين ما لايراه لغيرهما و يقول: انّ الاتمام فيهما من الأمر المذخور».(5)
و صحيحة معاوية بن عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام:
«انّ من (الأمر خ ل) المذخور الاتمام في الحرمين».(6)
1) - وسائل الشيعة 8: 529 / الباب 25 من أبواب صلاة المسافر / الحديث 19.
2) - وسائل الشيعة 8: 529 / الباب 25 من أبواب صلاة المسافر / الحديث 16.
3) - وسائل الشيعة 8: 526 / الباب 25 من أبواب صلاة المسافر / الحديث 11.
4) - وسائل الشيعة 8: 532 / الباب 25 من أبواب صلاة المسافر / الحديث 28.
5) - وسائل الشيعة 8: 524 / الباب 25 من أبواب صلاة المسافر / الحديث 2.
6) - وسائل الشيعة 8: 530 / الباب 25 من أبواب صلاة المسافر / الحديث 20.
و صحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن التمام بمكّة و المدينة؟ فقال: أتمّ و ان لم تصلّ فيهما الاّ صلاة واحدة».(1)
و صحيحة عثمان بن عيسى قال:
«سألت أبا الحسن عليه السلام عن اتمام الصلاة و الصيام في الحرمين؟ فقال: أتمّها و لو صلاة واحدة».(2)
و موثّقة زياد بن مروان قال:
«سألت أبا ابراهيم عليه السلام عن اتمام الصلاة في الحرمين؟ فقال: أحبّ لك ما أحبّ لنفسي؛ أتمّ الصلاة».(3)
و خبر قائد الحنّاط عن أبي الحسن الماضي عليه السلام قال:
«سألته عن الصلاة في الحرمين؟ فقال: أتمّ و لو مررت به مارّا».(4)
و خبر عمر بن رياح قال:
«قلت لأبي الحسن عليه السلام: أقدم مكّة، أتمّ أو أقصّر؟ قال: أتمّ».(5)
لأنّه يحمل الأمر بالاتمام في الطائفة الثانية منهما على الاستحباب، و الدليل على ذلك الحمل - مضافا الى نفس الروايات من الطائفة الأولى - صحيحة ثانية لعلي بن يقطين قال:
«سألت أبا ابراهيم عليه السلام عن التقصير بمكّة؟ قال: أتمّ و ليس بواجب. الخ الحديث».(6)
1) - وسائل الشيعة 8: 525 / الباب 25 من أبواب صلاة المسافر / الحديث 5.
2) - وسائل الشيعة 8: 529 / الباب 25 من أبواب صلاة المسافر / الحديث 17.
3) - وسائل الشيعة 8: 530 / الباب 25 من أبواب صلاة المسافر / الحديث 21.
4) - وسائل الشيعة 8: 532 / الباب 25 من أبواب صلاة المسافر / الحديث 31.
5) - وسائل الشيعة 8: 526 / الباب 25 من أبواب صلاة المسافر / الحديث 8.
6) - وسائل الشيعة 8: 529 / الباب 25 من أبواب صلاة المسافر / الحديث 19.
و صحيحة علي بن مهزيار قال:
«كتبت الى أبي جعفر الثاني عليه السلام: الرواية قد اختلفت عن آبائك عليهم السلام في الاتمام و التقصير للصلاة في الحرمين، فمنها أن يأمر بتتميم الصلاة و لو صلاة واحدة، و منها أن يأمر بتقصير الصلاة ما لم ينو مقام عشرة أيّام، و لم أزل على الاتمام فيهما الى أن صدرنا من حجّنا في عامنا هذا، فانّ فقهاء أصحابنا أشاروا عليّ بالتقصير اذا كنت لا أنويمقام عشرة، و قد ضقت بذلك حتّى أعرف رأيك. فكتب بخطّه عليه السلام: قد علمت يرحمك اللّه فضل الصلاة في الحرمين على غيرهما، فأنا أحبّ لك اذا دخلتهما أن تقصّر و تكثر فيهما من الصلاة. فقلت له بعد ذلك بسنتين مشافهة: انّي كتبت اليك بكذا فأجبت بكذا، فقال: نعم. فقلت: أيّ شيء تعني بالحرمين؟ فقال: مكّة و المدينة».(1)
فلنذكر حينئذ الروايات التي رواها معاوية بن وهب و غيره ممّا تشعر بوجوب التقصير و بيانها:
منها صحيحة معاوية بن وهب قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: مكّة و المدينة كسائر البلدان؟ قال: نعم. قلت: روى عنك بعض أصحابنا أنّك قلت لهم: أتمّوا بالمدينة لخمس. فقال: انّ أصحابكم هؤلاء كانوا يقدمون فيخرجون من المسجد عند الصلاة فكرهت ذلك لهم فلهذا قلته».(2)
و منها صحيحته الثانية قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن التقصير في الحرمين و التمام؟ فقال: لاتتمّ حتّى تجمع على مقام عشرة أيّام. فقلت: انّ أصحابنا رووا عنك أنّك
أمرتهم بالتمام. فقال: انّ أصحابك كانوا يدخلون المسجد فيصلّون و يأخذون نعالهم و يخرجون و الناس يستقبلونهم يدخلون المسجد للصلاة فأمرتهم بالتمام».(1)
فالظاهر أنّ مراده عليه السلام من مساواة مكّة و المدينة مع سائر البلدان انّما يكونبالنسبة الى القصر و الاتمام، و لذلك قال عليه السلام في الثانية في جواب الراوي حين سأل عن التقصير في الحرمين: «لاتتمّ حتّى تجمع على مقام عشرة أيّام»، فلايكون بين هاتين الروايتين و روايات التخيير منافات.
و لعلّ سبب عدم قوله عليه السلام بالتخيير هو التقيّة لوجود المخالف في محضره عليه السلام أو عدم كون شيوعه صلاحا في ذلك الزمان. و يقرّب الاحتمال الأوّل أنّ معاوية بن عمّار روى في الصحيح عن أبي عبداللّه عليه السلام:
«انّ من (الأمر خ ل) المذخور الاتمام في الحرمين».(2)
و الاحتمال الثاني صحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج قال:
«قلت لأبي الحسن عليه السلام: انّ هشاما روى عنك أنّك أمرته بالتمام في الحرمين و ذلك من أجل الناس؟ قال: لا، كنت أنا و من مضى من آبائي اذا وردنا مكّة أتممنا الصلاة و استترنا من الناس».(3)
و لو كان القصر واجبا عينيّا الاّ مع الاقامة، لكان ينبغي أن يقول الامام عليه السلام: «اقتدوا بهم و سلّموا في التشهّد الأوّل اخفاتا ثمّ قوموا معهم و صلّوا معهم ركعتين من صلاة أخرى و اخرجوا من المسجد اذا تمّت صلاتهم».
و منها صحيحة محمّد بن اسماعيل بن بزيع قال:
«سألت الرضا عليه السلام عن الصلاة بمكّة والمدينة، تقصير أو تمام؟ فقال:
قصّر ما لم تعزم على مقام عشرة أيّام».(1)
و منها خبر محمّد بن ابراهيم الحصيني قال:
«استأمرت أبا جعفر عليه السلام في الاتمام و التقصير. قال: اذا دخلتالحرمين فانو عشرة أيّام و أتمّ الصلاة. فقلت له: انّي أقدم مكّة قبل التروية بيوم أو بيومين أو ثلاثة. قال: إنوِ مقام عشرة أيّام و أتمّ الصلاة».(2)
و منها رواية علي بن حديد قال:
«سألت الرضا عليه السلام فقلت: انّ أصحابنا اختلفوا في الحرمين، فبعضهم يقصّر و بعضهم يتمّ، و أنا ممّن يتمّ على رواية أصحابنا في التمام، و ذكرت عبداللّه بن جندب أنّه كان يتمّ. فقال: رحم اللّه ابن جندب! ثمّ قال لي: لايكون الاتمام الاّ أن تجمع على اقامة عشرة أيّام، و صلّ النوافل ما شئت. قال ابن حديد: و كان محبّتي أن يأمرني بالاتمام».(3)
فنقول في بيانها: أوّلاً انّ الأمر بالقصر في هذه الروايات ما لم تنو على اقامة عشرة أيّام، فهو كما قال الشيخ في تهذيبه: «انّما توجّه الى من لم يعزم على اقامة عشرة أيّام اذا اعتقد وجوب الاتمام فيهما، و نحن لم نقل انّ الاتمام فيهما واجب، بل انّما قلناه على جهة الأفضل و الأولى، ألا ترى أنّ خبر علي بن حديد عن الرضا عليه السلامتضمّن أنّه لمّا ذكر له عبداللّه بن جندب و أنّه كان ممّن يتمّ ترحّم عليه الرضا عليه السلام، فلو كان أمره بالتقصير على جهة الوجوب لم يترحّم عليه لأنّه مخالف له، ثمّ بيّن علي بن حديد أيضا ذلك في آخر الخبر، لأنّه قال: «و كان محبّتي أن يأمرني بالاتمام»، فبيّن أنّه طلب الوجوب فلم يأمره بذلك؛ لأنّ أوامرهم عليهم السلام
على الوجوب و لم يقل يندبني اليه. انتهى».(1)
و أمّا بالنسبة الى الكوفة و الحائر الحسيني عليه السلام فلنذكر أوّلاً الرواياتالواردة فيهما:
فمنها صحيحة حمّاد بن عيسى عن أبي عبداللّه عليه السلام أنّه قال:
«من مخزون علم اللّه الاتمام في أربعة مواطن: حرم اللّه و حرم رسوله صلى الله عليه و آله و حرم أمير المؤمنين عليه السلام و حرم الحسين بن علي عليه السلام».(2)
و منها خبر زياد القندي قال:
«قال أبو الحسن عليه السلام: يا زياد، أحبّ لك ما أحبّ لنفسي و أكره لك ما أكره لنفسي؛ أتمّ الصلاة في الحرمين و بالكوفة و عند قبر الحسين عليه السلام».(3)
و منها خبر عبدالحميد خادم اسماعيل بن جعفر عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«تتمّ الصلاة في أربعة مواطن: في المسجد الحرام، و مسجد الرسول صلى الله عليه و آله، و مسجد الكوفة، و حرم الحسين عليه السلام».(4)
و منها مرسلة ابراهيم بن أبي البلاد عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«تتمّ الصلاة في ثلاثة مواطن: في المسجد الحرام و مسجد الرسول عليه السلام و عند قبر الحسين عليه السلام».(5)
و منها مرسلة حذيفة بن منصور عن أبي عبداللّه عليه السلام يقول:
«تتمّ الصلاة في المسجد الحرام و مسجد الرسول و مسجد الكوفة و
1) - تهذيب الأحكام 5: 381 / الباب 26 من الزيادات في فقه الحجّ ... / ذيل الحديث 1483،129.
2) - وسائل الشيعة 8: 524 / الباب 25 من أبواب صلاة المسافر / الحديث 1.
3) - وسائل الشيعة 8: 527 / الباب 25 من أبواب صلاة المسافر / الحديث 13.
4) - وسائل الشيعة 8: 528 / الباب 25 من أبواب صلاة المسافر / الحديث 14.
5) - وسائل الشيعة 8: 530 / الباب 25 من أبواب صلاة المسافر / الحديث 22.
حرم الحسين».(1)
و منها خبر أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سمعته يقول: تتمّ الصلاة في أربعة مواطن: في المسجد الحرام و مسجد الرسول عليه السلام و مسجد الكوفة و حرم الحسين عليه السلام».(2)
و منها مرسلة الصدوق قال:
«قال الصادق عليه السلام: من الأمر المذخور اتمام الصلاة في أربعة مواطن: مكّة و المدينة و مسجد الكوفة و حائر الحسين عليه السلام».(3)
و منها مرسلة حمّاد بن عيسى عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«من الأمر المذخور اتمام الصلاة في أربعة مواطن: بمكّة و المدينة و مسجد الكوفة و الحائر».(4)
و منها خبر عمرو بن مرزوق قال:
«سألت أبا الحسن عليه السلام عن الصلاة في الحرمين و عند قبر الحسين عليه السلام؟ قال: أتمّ الصلاة فيهم».(5)
و منها خبر أبي شبل قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: أزور قبر الحسين؟ قال: قال: زر الطيّب و أتمّ الصلاة عنده. قلت: أتمّ الصلاة؟ قال: أتمّ. قلت: بعض أصحابنا يرى التقصير! قال: انّما يفعل ذلك الضعفة».(6)
و تقريب الاستدلال للتخيير بهذه الروايات مع ملاحظة الروايات المتقدّمة
1) - وسائل الشيعة 8: 530 / الباب 25 من أبواب صلاة المسافر / الحديث 23.
2) - وسائل الشيعة 8: 531 / الباب 25 من أبواب صلاة المسافر / الحديث 25.
3) - وسائل الشيعة 8: 531 / الباب 25 من أبواب صلاة المسافر / الحديث 26.
4) - وسائل الشيعة 8: 532 / الباب 25 من أبواب صلاة المسافر / الحديث 29.
5) - وسائل الشيعة 8: 532 / الباب 25 من أبواب صلاة المسافر / الحديث 30.
6) - وسائل الشيعة 8: 527 / الباب 25 من أبواب صلاة المسافر / الحديث 12.
وجوه:
منها أنّ في بعضها قال عليه السلام: «من الأمر المذخور اتمام الصلاة في أربعة مواطن».فالظاهر من الأمر المذخور اختصاص ذلك بالشيعة لفضلهم على غيرهم بازدياد الصلاة فيها، و لذلك قال عليه السلام في صحيحة الحسين بن مختار و خبر عمران بن حمران: «و ان أتممت فهو خير ... ».
و منها قوله عليه السلام في خبر زياد القندي: «يا زياد، أحبّ لك ما أحبّ لنفسي ... » فانّه نظير قوله عليه السلام في الصحيحة الثانية لعلي بن يقطين: «أتمّ و ليس بواجب الاّ أنّي أحبّ لك ما أحبّ لنفسي».
و منها قوله عليه السلام في خبر أبي شبل: «انّما يفعل ذلك الضعفة» أي التقصير، فلم يمنع عن التقصير.
و منها بعد ما قلنا بأنّ الأمر بالاتمام في مكّة و المدينة من حيث انّه أفضل الأفراد و لم يناف التخيير فاذا ضمّ اليهما الكوفة و الحائر الحسيني عليه السلام و أمر بالاتمام فيكون حكمهما أيضا كحكم الحرمين.
و منها ذهاب المشهور الى التخيير بين القصر والاتمام مع أفضليّة الاتمام، بل لم ينقل الخلاف هنا الاّ عن الصدوق و المرتضى و ابن الجنيد، ففي الحدائق قال: «فالأوّل ذهب الى مساواة هذه المواضع الأربعة لغيرها من البلدان التي يتحقّق السفر اليها في وجوب التقصير ما لم ينقطع سفره بأحد القواطع المتقدّمة الاّ أنّه جعل الأفضل له نيّة المقام فيها و الصلاة تماما. و أمّا المرتضى و ابن الجنيد فظاهر كلاميهما المنع من التقصير في هذه المواضع الأربعة و ألحقا بها في ذلك أيضا المشاهد المشرّفة، و الضرائح المنوّرة. انتهى ملخّصا».(1)
1) - الحدائق الناضرة 11: 404.
فرعان:
اختلف كلام الأصحاب في الحرمين الشريفين في أنّه البلد في كلّ منهما أو المسجد كذلك أو الحرم؟
ففي الحدائق: «المشهور الأوّل، و ذهب ابن ادريس الى الثاني فخصّ الحكم بالمسجدين و هو مختار العلاّمة في المختلف و الشهيدين في اللمعة و شرحها و الروض، و ظاهر كلام الشيخ في التهذيب. انتهى».(1)
و ظاهر الأخبار ما عليه المشهور و ما فيه التعبير عن مكّة و المدينة بالحرمين يحمل على البلدين، و ذلك لما في ذيل صحيحة علي بن مهزيار «و أيّ شيء تعني بالحرمين؟ فقال: مكّة و المدينة».(2)
و يؤيّده ما ورد عن الصادق عليه السلامفي الخبر أنّه قال:
«مكّة حرم اللّه و حرم رسوله صلى الله عليه و آله و حرم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ... و المدينة حرم اللّه و حرم رسوله صلى الله عليه و آله و حرم علي بن أبي طالب عليه السلام ... و الكوفة حرم اللّه و حرم رسوله صلى الله عليه و آله و حرم علي بن أبي طالب عليه السلام».(3)
و خبر عاصم بن عبدالواحد قال:
«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول: مكّة حرم اللّه و المدينة حرم محمّد صلى الله عليه و آله و الكوفة حرم علي بن أبي طالب عليه السلام، انّ عليّا عليه السلام حرّم من الكوفة ما
حرّم ابراهيم عليه السلام من مكّة و ما حرّم محمّد صلى الله عليه و آلهمن المدينة».(1)
و أمّا القول بالاقتصار على المسجدين كما ذهب اليه جمع ممّن قدّمنا ذكرهم و غيرهم فعلّلوه بكون الحكم على خلاف الأصل و الخروج عن العهدة بالقصر حاصلاً اجماعا؛ اذ غاية الحكم بالاتمام التخيير، فالقصر في البلدين مجزئ اجماعا على التقديرين بخلاف الاتمام.
و فيه: ان كان القول بالاقتصار على المسجدين على وجه الاحتياط فانّه حسن على كلّ حال و لا ضير، و أمّا ان كان على التعيين و الحكم بعدم اجزاء ما خرج عنهما فلازمه اطراح تلك الأخبار الكثيرة المتقدّمة مع صحّة جملة منها و صراحتها و الاعتماد عليها في أصل المسألة و ضعف سند ما دلّ على اعتبار المسجدين باصطلاحهم.
و ما في المختلف من حمل الروايات الدالّة على الاتمام في الحرمين على نفس المسجدين، ففيه: انّه يبعد حمل أخبار البلدين بلفظ مكّة و المدينة على المسجدين.
و يؤيّد الحمل على البلد - زيادة على ما تقدّم لكن بالنسبة الى مكّة - ما ورد في بعض أخبار الاعتكاف من أنّ البلد كلّه في حكم المسجد، كصحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«المعتكف بمكّة يصلّي في أيّ بيوتها شاء، سواء عليه صلّى في المسجد أو في بيوتها».(2)
و صحيحته الثانية عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سمعته يقول: المعتكف بمكّة يصلّي في أيّ بيوتها شاء، سواء عليه صلّى في المسجد أو في بيوتها - الى أن قال: - و لايصلّي المعتكف
في بيت غير المسجد الذي اعتكف فيه الاّ بمكّة فانّه يعتكف بمكّة حيث شاء لأنّها كلّها حرم اللّه. الحديث».(1)
ثمّ المراد من البلدين هو اللذان صدق عليهما مكّة و المدينة؛ لأنّ الأخبار الواردة في ذلك أغلبها صدر من الامام موسى بن جعفر و الامام علي بن موسى الرضا و الامام محمّد بن علي الجواد عليهم السلام و هم أطلقوا لفظ مكّة و المدينة من غير تقييد بزمن الرسول صلى الله عليه و آله مع سعتهما يقينا في زمنهم بالنسبة الى زمن الرسول صلى الله عليه و آله.
و قد اختلف أيضا في محلّ الاتمام هنا - أي الكوفة و الحائر الحسيني عليه السلام - هل هو مختصّ بالمسجد و أطراف المرقد المطهّر أو يعمّ البلدين؟
ففي الحدائق نقل عن الشيخ و المحقّق: «انّ التخيير ثابت في البلدان الأربعة حتّى الحائر الحسيني عليه السلام. انتهى».(2)
فالأخبار الواردة في ذلك كلّها ضعيفة الاّ صحيحة حمّاد بن عيسى المتقدّم ذكرها، فانّ فيها:
«من مخزون علم اللّه الاتمام في أربعة مواطن: حرم اللّه و حرم رسوله صلى الله عليه و آله و حرم أمير المؤمنين عليه السلام و حرم الحسين بن علي عليه السلام».(3)
و المراد من حرم اللّه و حرم رسوله صلى الله عليه و آله هو مكّة و المدينة و كذا المراد من حرم أمير المؤمنين عليه السلام و حرم الحسين بن علي عليه السلام هو الكوفة و كربلاء، و ذلك للجمع بين صحيحة علي بن مهزيار و صحيحة حمّاد بن عيسي. و لايضرّ بما قلنا
صدور أحد الخبرين عن الجواد عليه السلام و الآخر عن الصادق عليه السلام؛ لأنّ كلامهم واحد.
و يؤيّده أنّ العرف يرى الزائر الوارد الى مكّة المكرّمة و المدينة و كربلاء مدفن الحسين بن علي عليه السلامفي ملاذ اللّه تعالى و رسوله صلى الله عليه و آله و الحسين بن علي عليه السلامو ان لم يكن في المسجد أو عند الضريح، و كذلك يرى الزائر للمدينة و مكّة و كربلاء و كذا الكوفة احتراما و فضلاً لايراهما لسائر البلدان كما عبّر بذلك في الروايات المتقدّمة.
قال في المدارك: «و ينبغي التنبيه لأمور: «الأوّل»: المستفاد من الأخبار الكثيرة جواز الاتمام في مكّة و المدينة و ان وقعت الصلاة خارج المسجدين. و به قطع الشيخ و المصنّف و أكثر الأصحاب. و أمّا مسجد الكوفة و الحائر، فالروايات المعتبرة الواردة بالاتمام فيهما انّما وردت بلفظ حرم أمير المؤمنين عليه السلامو حرم الحسين عليه السلام كما نقلناها. و في هذا اللفظ اجمال، لكن قال المصنّف في المعتبر: انّه ينبغي تنزيل حرم أميرالمؤمنين عليه السلام على مسجد الكوفة خاصّة أخذا بالمتيقّن، و لم يتعرّض لحرم الحسين عليه السلام، و ينبغي اختصاصه بالحائر أيضا لما ذكره. و يؤيّد هذا الاختصاص ما رواه ابن بابويه مرسلاً، عن الصادق عليه السلامأنّه قال: «من الأمر المذخور اتمام الصلاة في أربعة مواطن: بمكّة و المدينة و مسجد الكوفة و حائرالحسين عليه السلام». و قال ابن ادريس: و يستحبّ الاتمام في أربعة مواطن في السفر: في نفس المسجد الحرام و في نفس مسجد المدينة و مسجد الكوفة و الحائر. و عمّم الشيخ في كتابي الأخبار الحكم في البلدان الثلاثة و الحائر. و حكى الشهيد في الذكرى عن المصنّف رحمه الله أنّه حكم في كتاب له في السفر بالتخيير في البلدان الأربعة حتّى في الحائر المقدّس؛ لورود الحديث بحرم الحسين عليه السلام و قدّر بخمسة فراسخ و بأربعة فراسخ. و هو جيّد ان ثبت اطلاق الحرم على ما ذكره في نصّ يعتدّ به(1)و المعتمد ما ذكرناه أوّلاً. و ذكر ابن ادريس أنّ المراد بالحائر ما دار سور
1) - في نسختين: على ما ذكره حقيقة و المعتمد ... هامش المدارك
المشهد و المسجد عليه، قال: لأنّ ذلك هو الحائر حقيقة؛ لأنّ الحائر في لسان العرب الموضع المطمئنّ الذي يحار فيه الماء. و ذكر الشهيد في الذكرى أنّ في هذا الموضع حار الماء لما أمر المتوكّل باطلاقه على قبر الحسين عليه السلام ليعفيه، فكان لايبلغه.
«الثاني»: الحكم بالتخيير للمسافر انّما وقع في الصلاة خاصّة. أمّا الصوم فلايشرع في هذه الأماكن قطعا تمسّكا بمقتضى الأدلّة المتضمّنة لوجوب الافطار على المسافر السالمة من المعارض.
«الثالث»: صرّح المصنّف في المعتبر بأنّه لايعتبر في الصلاة الواقعة في هذه الأماكن التعرّض لنيّة القصر و لا الاتمام، و أنّه لايتعيّن أحدهما بالنيّة. فيجوز لمن نوى الاتمام الاقتصار على الركعتين، و لمن نوى التقصير الاتمام. و هو حسن.
«الرابع»: الأظهر جواز الاتمام في هذه الأماكن و ان كانت الذمّة مشغولة بواجب. و نقل العلاّمة عن والده أنّه كان يمنع ذلك مع اشتغال الذمّة. و هو ضعيف.
«الخامس»: لو ضاق الوقت الاّ عن أربع فالأظهر وجوب القصر فيهما لتقع الصلاتان في الوقت. و يحتمل جواز الاتمام في العصر لعموم: «من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة»، و يضعّف بأنّ ذلك و ان تحقّق به ادراك الصلاة الاّ أنّه لايجوز تعمّده اختيارا، لاقتضائه تأخير الصلاة عن وقتها المعيّن لها شرعا. و احتمل بعض الأصحاب جواز الاتيان بالعصر تماما في الوقت و قضاء الظهر، لاختصاص العصر من آخر الوقت بمقدار أدائها. و هو أضعف ممّا قبله.
«السادس»: ألحق ابن الجنيد و المرتضى بهذه الأماكن جميع مشاهد الأئمّة عليهم السلام. قال في الذكرى: و لم نقف لهما في مأخذ في ذلك، و القياس عندنا باطل. انتهى».(1)
1) - مدارك الأحكام 4: 468 - 471.
(مسألة 12): اذا كان بعض بدن المصلّي داخلاً في أماكن التخيير و بعضه خارجا، لايجوز له التمام. نعم، لا بأس بالوقوف منتهى أحدها اذا كان يتأخّر حال الركوع و السجود بحيث يكون تمام بدنه داخلاً حالهما.
الشرح:
اذا قلنا بثبوت التخيير في البلدان الأربعة فلا معنى لهذه المسألة. نعم، تعنون هكذا: اذا كان المصلّي خارج البلد لايجوز له التمام و لو شكّ يستصحب حالته السابقة. و أمّا لو قلنا بأنّ التخيير منحصر في المسجدين و مسجد الكوفة و الحرم الحسيني عليه السلام، فالأمر كما قاله الماتن أي اذا كان بعض بدن المصلّي داخلاً فيها و بعضه خارجا لايجوز له التمام؛ لخروجه عن منصرف الأدلّة.
(مسألة 13): لايلحق الصوم بالصلاة في التخيير المزبور، فلايصحّ له الصوم فيها الاّ اذا نوى الاقامة أو بقي متردّدا ثلاثين يوما.
الشرح:
لايلحق الصوم بالصلاة في التخيير المزبور؛ لأنّ النصّ الوارد في التخيير وارد مورد الصلاة فقط فيبقى الصوم على ما كان عليه من عدم جوازه في السفر.
و كذا يدلّ عليه صحيحة عثمان بن عيسى قال:
«سألت أبا الحسن عليه السلام عن اتمام الصلاة و الصيام في الحرمين؟ فقال: أتمّها ولو صلاة واحدة».(1)
و صحيحة البزنطي قال:
«سألت أبا الحسن عليه السلام عن الصيام بمكّة و المدينة و نحن في سفر؟
1) - وسائل الشيعة 8: 529 / الباب 25 من أبواب صلاة المسافر / الحديث 17.
قال: أ فريضة؟ فقلت: لا، ولكنّه تطوّع كما يتطوّع بالصلاة. فقال: تقول: اليوم و غدا؟ فقلت: نعم. فقال: لاتصم».(1)
و تقريب الاستدلال بهما ففي الأولى أضرب الامام عليه السلام عن الصيام الظاهر منه لعدم جريان الحكم فيه. و في الثانية انّ المنع عن التطوّع مستلزم للمنع عن الفريضة بطريق أولى. و لايتوهّم جواز ذلك استنادا الى صحيحة معاوية بن وهب عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) قال:
«قلت: ان دخلت بلدا أوّل يوم من شهر رمضان و لست أريد أن أقيم عشرا؟ قال: قصّر و أفطر. قلت: فان مكثت كذلك أقول: غدا و بعد غد، فأفطر الشهر كلّه و أقصّر؟ قال: نعم، هذا (هما) واحد، اذاقصّرت أفطرت و اذا أفطرت قصّرت».(2)
يمكن أن يكون المراد بقوله عليه السلام: «اذا قصّرت أفطرت ... » القصر على الحتم كما هو الغالب. و يمكن أن يكون المراد التلازم بين البابين في موضوع السفر الشرعي للقصر، و أنّ المسافة الشرعيّة المأخوذة موضوعا للقصر هي بنفسها موضوع للافطار. و عليه فالرواية أجنبيّة عمّا نحن فيه.
(مسألة 14): التخيير في هذه الأماكن استمراريّ فيجوز له التمام مع شروعه في الصلاة بقصد القصر و بالعكس، ما لم يتجاوز محلّ العدول، بل لا بأس بأن ينوي الصلاة من غير تعيين أحد الأمرين من الأوّل، بل لو نوى القصر فأتمّ غفلة أو بالعكس فالظاهر الصحّة.
الشرح:
التخيير في هذه الأماكن استمراري، فيجوز له التمام مع شروعه في الصلاة بقصد القصر و بالعكس ما لم يتجاوز محلّ العدول، و ذلك لاطلاق أدلّة التخيير و أنّ القصر و الاتمام طبيعة واحدة و ليس الاختلاف الاّ بحسب الكيفيّة، و لذا لا بأس أن ينوي الصلاة من غير تعيين أحد الأمرين من الأوّل، بل لو نوى القصر فأتمّ غفلة أو بالعكس فالظاهر الصحّة.
(مسألة 15): يستحبّ أن يقول عقيب كلّ صلاة مقصورة ثلاثين مرّة: «سبحان اللّه و الحمد للّه و لا اله الاّ اللّه و اللّه أكبر». و هذا و ان كان يستحبّ من حيث التعقيب عقيب كلّ فريضة حتّى غير المقصورة الاّ أنّه يتأكّد عقيب المقصورات، بل الأولى تكرارها مرّتين مرّة من باب التعقيب و مرّة من حيث بدليّتها عن الركعتين الساقطتين.
الشرح:
و يستحبّ أن يقول عقيب كلّ فريضة مقصورة ثلاثين مرّة: «سبحان اللّه و الحمد للّه و لا اله الاّ اللّه و اللّه أكبر» جبرا للنقصان العارض للفريضة بلا خلاف ظاهر؛ لخبر سليمان المروزي قال:
«قال الفقيه العسكري عليه السلام: يجب على المسافر أن يقول في دبر كلّصلاة يقصّر فيها: «سبحان اللّه و الحمد للّه و لا اله الاّ اللّه و اللّه أكبر»
ثلاثين مرّة لتمام الصلاة».(1)
اذ هو و ان كان مشتملاً على لفظ الوجوب الاّ أنّه لمّا لم يقل به أحد و كان الخبر ضعيف السند اتّجه حمله على ارادة مطلق الثبوت أو تأكّد الاستحباب منه، على أنّه يمكن منع كون لفظ الوجوب حقيقة في المعنى المصطلح بحيث يحمل عليه اذا ورد في الكتاب و السنّة.
ثمّ انّه لا ريب في ظهور النصّ كالمتن في اختصاص المقصورة بذلك، لكن قيل: انّه روي استحبابها عقيب كلّ فريضة، فيكون استحبابها هنا آكد و لا بأس به، و هل يتداخل الجبر و التعقيب أم يستحبّ التكرار؟ وجهان، و التكرار أولى، و الأمر سهل.
1) - وسائل الشيعة 8: 523 / الباب 24 من أبواب صلاة المسافر / الحديث 1.
لما لم يبحث المحقّق النحرير سيّد محمّد كاظم اليزدي قدس سره عن أحكام صلاة الجمعة شرحنا ما عنونه الامام الخميني قدس سره من مسائلها في «تحرير الوسيلة».
(مسألة 1): تجب صلاة الجمعة في هذه الأعصار مخيّرا بينها و بين صلاة الظهر، و الجمعة أفضل و الظهر أحوط، و أحوط من ذلك الجمع بينهما، فمن صلّى الجمعة سقطت عنه صلاة الظهر على الأقوى لكن الأحوط الاتيان بالظهر بعدها، و هي ركعتان.
الشرح:
لا اشكال و لا كلام في وجوب صلاة الجمعة بالوجوب العيني في زمن الامام المعصوم عليه السلام اذا أقامها أو نصب من يقيمها، و يدلّ عليه الكتاب و السنّة و الاجماع.
فمن الأوّل قوله تعالى: «يا أيّها الذين آمنوا اذا نودي للصلاة من يوم
الجمعة فاسعوا الى ذكر اللّه و ذروا البيع»(1)، و المراد بالذكر هنا الخطبة و صلاة الجمعة، تسمية للشيء باسم أشرف أجزائه.
و من الثاني روايات مستفيضة بل تكاد تكون متواترة من الكثرة كما سترد عليك ان شاء اللّه.
و من الثالث ما قاله في المدارك: «أجمع العلماء كافّة على وجوب صلاة الجمعة».(2)
و ما قاله في مجمع الفائدة: «لا شكّ و لا ريب في وجوبها في الجملة، بل هو ضروريّ لايحتاج الى الاستدلال».(3)
و ما عن العلاّمة رحمه الله من أنّه: «أجمع المسلمون كافّة على وجوب صلاة الجمعة».(4)
انّما الكلام في وجوبها في زمن غيبته عليه السلام: فقال في الشرائع: «اذا لم يكن الامام موجودا و لا من نصبه للصلاة و أمكن الاجتماع و الخطبتان، قيل: يستحبّ أن يصلّي جمعة، و قيل: لايجوز. و الأوّل أظهر».(5)
و في المدارك: «المراد باستحباب الجمعة كونها أفضل الفردين الواجبين، لا كونها مندوبة؛ لأنّها متى صحّت أجزأت عن الظهر باجماع العلماء، و المندوب لايجزئ عن الواجب قطعا. و هذا القول اختيار الشيخ في المبسوط و الخلاف و جمع من الأصحاب».(6)
و في المختلف: «اختلفوا في جواز صلاة الجمعة و عدمه، فقال السيّدالمرتضى: «لا جمعة الاّ مع امام عادل و من نصبه الامام العادل، فاذا عدم صلّيت الظهر أربع ركعات» و هو يشعر بعدم التسويغ حال الغيبة. و قال سلاّر: «و لفقهاء
الطائفة أن يصلّوا بالناس في الأعياد و الاستسقاء، فأمّا الجمع فلا». و هو اختيار ابن ادريس. و قال الشيخ في الخلاف: «من شرط انعقاد الجمعة الامام أو من يأمره الامام بذلك من قاضٍ أو أمير و نحو ذلك و متى أقيمت الجمعة بغير أمره لم تصحّ». و الأقرب الجواز. انتهى ملخّصا».(1)
أقول:
الأقوى أنّ صلاة الجمعة في زمن الغيبة لاتجب عينا بل تجب تخييرا.
و الدليل على عدم وجوبها عينا روايات:
منها صحيحتا زرارة بن أعين عن أبي جعفر الباقر عليه السلام قال:
«صلاة الجمعة فريضة، و الاجتماع اليها فريضة مع الامام، فان ترك رجل من غير علّة ثلاث جمع فقد ترك ثلاث فرائض، و لايدع ثلاث فرائض من غير علّة الاّ منافق».(2)
و منها صحيحته الثالثة قال:
«كان أبو جعفر عليه السلام يقول: لاتكون الخطبة و الجمعة و صلاة ركعتين على أقلّ من خمسة رهط، الامام و أربعة».(3)
و منها صحيحته الرابعة قال:
«قلت لأبي جعفر عليه السلام: على من تجب صلاة الجمعة؟ قال: تجب علىسبعة نفر من المسلمين، و لا جمعة لأقلّ من خمسة من المسلمين أحدهم الامام فاذا اجتمع سبعة و لم يخافوا أمّهم بعضهم و خطبهم».(4)
و منها موثّقة سماعة قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الصلاة يوم الجمعة؟ فقال: أمّا مع الامام فركعتان و أمّا من يصلّي وحده فهي أربع ركعات بمنزلة الظهر، يعني اذا كان امام يخطب فان لم يكن امام يخطب فهي أربع ركعات و ان صلّوا جماعة».(1)
و تقريب الاستدلال بهذه الروايات من وجوه:
الوجه الأوّل: لفظ الامام في هذه الروايات، فانّ المراد منه هو الامام المعصوم عليه السلام، و القرينة على ذلك أوّلاً: قوله عليه السلام في الصحيحة الأولى و الثانية: «و الاجتماع اليها فريضة مع الامام»، و لو كان المراد من الامام امام الجماعة لكان ينبغي أن يقال: «و لاينعقد بدون الجماعة». و ثانيا: قوله عليه السلام: «مع الامام» فانّ كلمة «مع» تدلّ على المعيّة الخاصّة و هو حضور الامام عليه السلام و اقامته.
الوجه الثاني: تأكيده عليه السلام بأنّ «صلاة الجمعة فريضة من فرائض اللّه» و أنّه «لايدع ثلاث فرائض من غير علّة الاّ منافق» فيستفاد منه أنّ اقامتها مخصوصة بالامام المعصوم عليه السلام و أنّها من مناصبه و أنّه يجب عليه اقامتها في زمن بسط يده من جهة أنّه هو الحاكم الاسلامي العادل، و لذا لم ترد رواية أنّ الحسين و ابنه علي بن الحسين عليهماالسلام قد أقاما صلاة الجمعة أو حرّضوا أتباعهم باقامتها، بل لم يرد أنّ الصادقين عليهماالسلام أقاما صلاة الجمعة بل وردت روايات في عدم اقامتها كصحيحةزرارة قال:
«حثّنا أبو عبداللّه عليه السلام على صلاة الجمعة حتّى ظننت أنّه يريد أن نأتيه، فقلت: نغدو عليك؟ فقال: لا، انّما عنيت عندكم».(2)
و موثّقة عبدالملك عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«قال: مثلك يهلك و لم يصلّ فريضة فرضها اللّه، قال: قلت: كيف أصنع؟ قال: صلّوا جماعة، يعني صلاة الجمعة».(1)
الوجه الثالث: انّ الخلفاء من بني أميّة و بني العبّاس قد اهتمّوا أشدّ اهتمام باقامتها بأنفسهم أو بمن نصبوه، و كانت عندهم من مناصبهم المخصوصة لهم و لذلك قد منعوا اقامتها من الأئمّة المعصومين عليهم السلام و شيعتهم أشدّ المنع كما قد يظهر ذلك من قوله عليه السلام في الصحيحة الرابعة المتقدّمة لزرارة: «فاذا اجتمع سبعة و لم يخافوا أمّهم بعضهم و خطبهم».
قال في الرياض: «في النبوي المشهور المنجبر بالعمل: «أربع الى الولاة: الفيء و الحدود و الصدقات و الجمعة». و في آخر: «انّ الجمعة و الحكومة لامام المسلمين»، و في الصحيفة السجّاديّة: «اللّهمّ انّ هذا المقام مقام لخلفائك و أصفيائك و مواضع أمنائك في الدرجة الرفيعة التي اختصصتهم بها قد ابتزّوها و أنت المقدّر لذلك - الى قوله عليه السلام - حتّى عاد صفوتك و خلفاؤك مغلوبين مقهورين مبتزّين يرون حكمك مبدّلاً و كتابك منبوذا - الى قوله عليه السلام - و عجّل الفرج و الروح و النصرة و التمكين و التأييد لهم». و في الموثّق عن الصلاة الجمعة فقال: «أمّا مع الامام فركعتان و أمّا لمن صلّى وحده فهي أربع ركعات و ان صلّوا جماعة». و هوظاهر بل صريح في أنّ المراد بامام الجمعة امام الأصل لا امام الجماعة و الاّ فصلاة الأربع ركعات جماعة يستلزمه، فلا معنى لقوله: «أمّا مع الامام فركعتان»».(2)
و أمّا وجوبها التخييري فنقول: قد تقدّم أنّ اقامة الجمعة من مناصب الامامة و قد أذنوا عليهم السلام لشيعتهم أن يقيموها اذا لم يخافوا و اجتمع الشرائط، كما يظهر ذلك من صحيحة زرارة المتقدّمة قال:
«حثّنا أبو عبداللّه عليه السلام على صلاة الجمعة حتّى ظننت أنّه يريد أن نأتيه، فقلت: نغدو عليك؟ فقال: لا، انّما عنيت عندكم».
و موثّقة عبدالملك عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«قال: مثلك يهلك و لم يصلّ فريضة فرضها اللّه، قال: قلت: كيف أصنع؟ قال: صلّوا جماعة، يعني صلاة الجمعة».(1)
و صحيحة ثانية لزرارة قال:
«قلت لأبي جعفر عليه السلام: على من تجب صلاة الجمعة؟ قال: تجب على سبعة نفر من المسلمين و لا جمعة لأقلّ من خمسة من المسلمين أحدهم الامام فاذا اجتمع سبعة و لم يخافوا أمّهم بعضهم و خطبهم».(2)
و تقريب الاستدلال بهذه الروايات أنّه بعد عدم كونها واجبة عينا، فتخيّر بينها و بين صلاة الظهر بمعنى أنّ هذه الروايات واردة في بيان مشروعيّتها اذا لم يكن بامامة المعصوم عليه السلام و أنّه ان أقاموها تكون مجزئة عن صلاة الظهر. و أمّا وجوبها العيني فلايستفاد من هذه الروايات كما أنّه لايستفاد منها وجوب الحضور فيهم انأقيمت.
(مسألة 2): من ائتمّ بامام في الجمعة جاز الاقتداء به في العصر، لكن لو أراد الاحتياط أعاد الظهرين بعد الائتمام الاّ اذا احتاط الامام بعد صلاة الجمعة قبل العصر بأداء الظهر و كذا المأموم فيجوز الاقتداء به في العصر و يحصل به الاحتياط.
و ذلك لما تقدّم من أنّ صلاة الجمعة واجبة تخييرا بينها و بين صلاة الظهر، فاذا ائتمّ بامام في الجمعة جاز الاقتداء به في العصر، الاّ أنّ الاحتياط على ما في المتن في محلّه.
(مسألة 3): يجوز الاقتداء في الظهر الاحتياطي فاذا صلّوا الجمعة جاز لهم صلاة الظهر جماعة احتياطا، و لو ائتمّ بمن يصلّيها احتياطا من لم يصلّ الجمعة لايجوز له الاكتفاء بها، بل تجب عليه اعادة الظهر.
الشرح:
صدر المسألة كما في المتن. و أمّا ذيلها أي لو ائتمّ بمن يصلّي صلاة الظهر احتياطا من لم يصلّ الجمعة فالاكتفاء بها مشكل؛ لأنّه لم يعلم كون صلاة الامام هي صلاة الظهر واقعا فلعلّه سقطت عنه بصلاة الجمعة، و لذلك فالأحوط بل الأقوى اعادة الظهر.
و هي أمور: «الأوّل» العدد، و أقلّه خمسة نفر أحدهم الامام، فلاتجب و لاتنعقد بأقلّ منها. و قيل: أقلّه سبعة نفر، و الأشبه ما ذكرناه فلو اجتمع سبعة نفر و ما فوق تكون الجمعة آكد في الفضل.
الشرح:
قال في المدارك: «لا خلاف بين علماء الاسلام في اشتراط العدد في صحّة الجمعة، و انّما الخلاف في أقلّه و للأصحاب فيه قولان: أحدهما - و هو اختيار المفيد و السيّد المرتضى و ابن الجنيد و ابن ادريس و أكثر الأصحاب - : انّه خمسة نفر أحدهم الامام، اقتصارا في تقييد الآية الشريفة على موضع الوفاق، و تمسّكا بمقتضى الأخبار الصحيحة الدالّة على ذلك. و ثانيهما: انّه سبعة في الوجوب العيني و خمسة في الوجوب التخييري. ذهب اليه الشيخ رحمه الله في جملة من كتبه و ابن البرّاج و ابن زهرة جمعا بين الأخبار المتضمّنة لاعتبار الخمسة و بين ما دلّ على اعتبار السبعة. انتهى ملخّصا».(1)
و في الجواهر: «الشرط الثاني: العدد اجماعا بقسميه و نصوصا. نعم، لايعتبر فيه أزيد من سبعة أحدهم الامام و لايكفي فيه الأقلّ من خمسة اجماعا في المقامين بقسميه و نصوصا. و اختلفوا في تعيينه و لعلّ السبعة أشبه؛ لأنّه هو الذي تجتمع به نصوص المقام مفهوما و منطوقا. انتهى ملخّصا».(2)
أقول: الظاهر أنّ أقلّ عدد يجزئ في اقامة صلاة الجمعة خمسة، و ذلك لصحيحة زرارة قال:
«كان أبو جعفر عليه السلام يقول: لاتكون الخطبة و الجمعة و صلاة ركعتين على أقلّ من خمسة رهط، الامام و أربعة».(1)
و صحيحة أبي بصير عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«لاتكون جماعة بأقلّ من خمسة».(2)
و صحيحة منصور بن حازم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«يجمّع القوم يوم الجمعة اذا كانوا خمسة فما زادوا، فان كانوا أقلّ من خمسة فلا جمعة لهم و الجمعة واجبة على كلّ واحد. الحديث».(3)
و صحيحة محمّد بن مسلم عن محمّد بن علي عن أبيه عن جدّه عن النبي صلى الله عليه و آله في الجمعة قال:
«اذا اجتمع خمسة أحدهم الامام فلهم أن يجمّعوا».(4)
و صحيحة الفضل بن عبدالملك قال:
«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول: اذا كان قوم في قرية صلّوا (الجمعة)(5)أربع ركعات، فان كان لهم من يخطب لهم جمّعوا اذا كانوا خمس نفر، و انّما جعلت ركعتين لمكان الخطبتين».(6)
و لاتعارضها صحيحة أبي العبّاس عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«أدنى ما يجزئ في الجمعة سبعة أو خمسة أدناه».(7)
1) - وسائل الشيعة 7: 303 / الباب 2 من أبواب صلاة الجمعة / الحديث 2.
2) - وسائل الشيعة 7: 304 / الباب 2 من أبواب صلاة الجمعة / الحديث 5.
3) - وسائل الشيعة 7: 304 / الباب 2 من أبواب صلاة الجمعة / الحديث 7.
4) - وسائل الشيعة 7: 306 / الباب 2 من أبواب صلاة الجمعة / الحديث 11.
5) - ما بين القوسين ليس في التهذيب. هامش الوسائل
6) - وسائل الشيعة 7: 304 / الباب 2 من أبواب صلاة الجمعة / الحديث 6.
7) - وسائل الشيعة 7: 303 / الباب 2 من أبواب صلاة الجمعة / الحديث 1.
و صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال في صلاة العيدين:
«اذا كان القوم خمسة أو سبعة فانّهم يجمّعون الصلاة كما يصنعون يوم الجمعة».(1)
و صحيحة زرارة قال:
«قلت لأبي جعفر عليه السلام: على من تجب الجمعة؟ قال: تجب على سبعة نفر من المسلمين، و لا جمعة لأقلّ من خمسة من المسلمين أحدهم الامام فاذا اجتمع سبعة و لم يخافوا أمّهم بعضهم و خطبهم».(2)
و صحيحة عمر بن يزيد عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا كانوا سبعة يوم الجمعة فليصلّوا في جماعة - الى أن قال: - و ليقعد قعدة بين الخطبتين. الحديث».(3)
لأنّها تحمل على الأفضل أو التأكيد، و الشاهد على هذا الجمع صحيحتا أبي العبّاس و الحلبي بل و صحيحة زرارة.
«الثاني»: الخطبتان و هما واجبتان كأصل الصلاة، و لاتنعقد الجمعة بدونهما.
الدليل على وجوبهما ما سيأتي من الروايات، من جعل الخطبتين في صلاة الجمعة بمنزلة ركعتين من الصلاة.
«الثالث»: الجماعة فلاتصحّ الجمعة فرادى.
الشرح:
لاتصحّ صلاة الجمعة فرادى، و الدليل عليه - مضافا الى الروايات المتظافرة(1)- عدم الخلاف فيه.
قال في المدارك: «أجمع العلماء كافّة على اشتراط الجماعة في الجمعة، فلايصحّ الانفراد بها».(2)
و في الجواهر: «فلاتصحّ ابتداءً فرادى اجماعا من المسلمين فضلاً عن المؤمنين كما اعترف به في المعتبر و التذكرة و المنتهى و الذكرى على ما حكي عن بعضها و نصوصا».(3)
«الرابع»: أن لايكون هناك جمعة أخرى و بينهما دون ثلاثة أميال، فاذا كان بينهما ثلاثة أميال صحّتا جميعا، و الميزان هو البعد بين الجمعتين لا البلدين اللذين ينعقد فيهما الجمعة، فجازت اقامة جمعات في بلاد كبيرة تكون طولها فراسخ.
الشرح:
يدلّ على ذلك صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«يكون بين الجماعتين ثلاثة أميال، يعني لاتكون جمعة الاّ فيما بينه و بين ثلاثة أميال و ليس تكون جمعة الاّ بخطبة. قال: فاذا كان بين الجماعتين في الجمعة ثلاثة أميال فلابأس أن يجمّع هؤلاء و يجمّع هؤلاء».(1)
و صحيحته الأخرى عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«تجب الجمعة على من كان منها على فرسخين، و معنى ذلك أنّه اذا كان امام عادل. و قال: اذا كان بين الجماعتين ثلاثة أميال فلابأس أن يجمّع هؤلاء و يجمّع هؤلاء و لايكون بين الجماعتين أقلّ من ثلاثة أميال».(2)
قال في المدارك: «أجمع علماؤنا على اعتبار وحدة الجمعة، بمعنى أنّه لايجوز اقامة جمعتين بينهما أقلّ من فرسخ سواء كانتا في مصر واحد أو مصرين، و سواء فصل بينهما نهر عظيم كدجلة أم لا».(3)
و الميزان هو البعد بين الجمعتين لا البلدين اللذين ينعقد فيهما الجمعة،فتجوز اقامة جمعات كثيرة في البلاد الكبيرة يكون طولها فراسخ كما في المتن. و الدليل عليه اطلاق الروايات.
ثمّ انّه قد ذكر جماعة من الشرائط وجود امام الأصل:
قال في الشرائع: «ثمّ الجمعة لاتجب الاّ بشروط: الأوّل: السلطان العادل أو من نصبه».(1)
و قال العلاّمة في القواعد: «الشرط الثاني: السلطان العادل أو من يأمره».(2)
و قال المحقّق الثاني في شرحه: «يشترط لوجوب الجمعة السلطان العادل و هو الامام المعصوم أو نائبه عموما أو في صلاة الجمعة باجماعنا، و لأنّ النبي صلى الله عليه و آله كان يعيّن لامامة الجمعة - و كذا الخلفاء بعده - كما يعيّن للقضاء. و كما لايصحّ أن ينصب الانسان نفسه قاضيا من دون اذن الامام، كذا امامة الجمعة».(3)
و قال في المدارك: «انّ من ادّعى الاجماع على اشتراط الامام أو نائبه فانّما أراد اعتبار ذلك في الوجوب العيني، أو مع حضور الامام عليه السلام لا مطلقا. و ممّن صرّح بذلك الشيخ رحمه الله في الخلاف، فانّه قال - بعد أن اشترط في الجمعة اذن الامام أو نائبه و نقل فيه الاجماع - : «فان قيل: أليس قد رويتم فيما مضى من كتبكم أنّه يجوز لأهل القرايا و السواد من المؤمنين اذا اجتمع العدد الذي تنعقد بهم أن يصلّوا جمعة؟ قلنا: ذلك مأذون فيه مرغّب فيه فجرى ذلك مجرى أن ينصب الامام من يصلّي بهم».
و قال الشهيد رحمه الله في الذكرى - بعد أن ادّعى الاجماع على اشتراط ذلك - : «هذا مع حضور الامام عليه السلام و أمّا مع غيبته كهذا الزمان ففي انعقادها قولان، أصحّها - و بهقال معظم الأصحاب - الجواز اذا أمكن الاجتماع و الخطبتان - ثمّ قال: - و يعلّل بأمرين:
أحدهما: انّ الاذن حاصل من الأئمّة الماضين فهو كالاذن من امام الوقت.
و الثاني: انّ الاذن انّما يعتبر مع امكانه أمّا مع عدمه فيسقط اعتباره و يبقى عموم القرآن خاليا عن المعارض. قال: و التعليلان حسنان، و الاعتماد على الثاني». و من هنا يعلم أنّ ما اعتمده المحقّق الشيخ علي رحمه الله من الاجماع على اشتراط الامام أو نائبه حتّى منع من فعلها في زمن الغيبة بدون الفقيه الذي هو نائب على العموم غير جيّد. و اللّه تعالى أعلم بحقائق أحكامه. انتهى ملخّصا».(1)
أقول: قد تقدّم منّا الكلام فيه ابتداء البحث و قلنا بأنّ الجمعة في الغيبة واجبة تخييرا فلانعيد.
(مسألة 1): لو اجتمع خمسة نفر للجمعة فتفرّقوا في أثناء الخطبة أو بعدها قبل الصلاة و لم يعودوا و لم يكن هناك عدد بقدر النصاب تعيّن على كلّ صلاة الظهر.
الشرح:
الدليل على حكم المسألة أنّ من شرائط انعقاد الجمعة العدد و هو اجتماع خمسة نفر، فاذا تفرّقوا في أثناء الخطبة أو بعدها قبل الصلاة و لم يعودوا و لم يكن هناك عدد بقدر النصاب تعيّن على كلّ من بقي صلاة الظهر لفقد واحد من الشرائط، فاذا فقد الشرط فقد المشروط.
(مسألة 2): لو تفرّقوا في أثناء الخطبة ثمّ عادوا فان كان تفرّقهم بعد تحقّق مسمّى الواجب فالظاهر عدم وجوب اعادتها و لو طالت المدّة، كما أنّه كذلك لو تفرّقوا بعدها فعادوا. و ان كان قبل تحقّق الواجب منها فان كان التفرّق للانصراف عن الجمعة فالأحوط استئنافها مطلقا، وان كان لعذر كمطر
1) - مدارك الأحكام 4: 25 و 26.
مثلاً، فان طالت المدّة بمقدار أضرّ بالوحدة العرفيّة فالظاهر وجوب الاستئناف و الاّ بنوا عليها و صحّت.
الشرح:
لو تفرّقوا في أثناء الخطبة و طالت المدّة بحيث لم يصدق اجتماع خمسة نفر و أضرّ بالوحدة العرفيّة، فان عادوا يجب اعادة الخطبة سواء تحقّق مسمّى الواجب قبل التفرّق أو لا. و سواء كان التفرّق للانصراف أو لعذر أم لا. و الدليل عليه اتّصال الخطبة بالصلاة مع اجتماع العدد.
(مسألة 3): لو انصرف بعضهم قبل الاتيان بمسمّى الواجب و رجع من غير فصل طويل فان سكت الامام في غيبته اشتغل بها من حيث سكت و ان أدامها و لم يسمعها الغائب أعاد من حيث غاب و لم يدركها. و ان لم يرجع الاّ بعد فصل طويل يضرّ بوحدة الخطبة عرفا أعادها و ان لم يرجع و جاء آخر يجب استئنافها مطلقا.
قد تقدّم أنّه يجب اعادة الخطبة مطلقا ان طالت المدّة بحيث أضرّ تفرّقهم بالوحدة العرفيّة و اتّصال الخطبة بالصلاة مع اجتماع العدد.
(مسألة 4): لو زاد العدد على نصاب الجمعة لايضرّ مفارقة بعضهم مطلقا بعد بقاء مقدار النصاب.
الشرح:
لو زاد العدد على النصاب المعتبر في الجمعة لايضرّ مفارقة بعضهم مطلقا بعد بقاء مقدار النصاب؛ لوجود المقتضي و فقد المانع.
(مسألة 5): ان دخل الامام في الصلاة و انفضّ الباقون قبل تكبيرهم و لم يبق الاّ الامام فالظاهر عدم انعقاد الجمعة. و هل له العدول الى الظهر أو يجوز اتمامها ظهرا من غير نيّة العدول بل تكون ظهرا بعد عدم انعقاد الجمعة فيتمّها أربع ركعات؟ فيه اشكال، و الأحوط نيّة العدول و اتمامها ثمّ الاتيان بالظهر و أحوط منه اتمامها جمعة ثمّ الاتيان بالظهر و ان كان الأقرب بطلانها فيجوز رفع اليد عنها و الاتيان بالظهر.
الشرح:
ان دخل الامام في الصلاة و انفضّ الباقون قبل تكبيرهم و لم يبق الاّ الامام أو أقلّ من أربعة نفر فلاتنعقد الجمعة، و يجب على الامام العدول الى الظهر و اتمامها أربع ركعات؛ لأنّه كما يجب حصول الشرط في الابتداء يجب بقاؤه في الاستدامة، لظاهر الروايات.
(مسألة 6): ان دخل العدد أي أربعة نفر مع الامام في صلاة الجمعة و لو بالتكبير وجب الاتمام و لو لم يبق الاّ واحد على قول معروف، و الأشبه بطلانها سواء بقي الامام و انفضّ الباقون أو بعضهم أو انفضّ الامام و بقيالباقون أو بعضهم و سواء صلّوا ركعة أو أقلّ، لكن لاينبغي ترك الاحتياط بالاتمام جمعة ثمّ الاتيان بالظهر. نعم، لايبعد الصحّة جمعة اذا انفضّ بعض في أخيرة الركعة بل بعد ركوعها، و الاحتياط باتيان الظهر مع ذلك بعدها لاينبغي تركه.
الشرح:
قد تقدّم أنّ حصول العدد المذكور واجب ابتداءً و استدامة الى آخر الصلاة؛ لاطلاق الروايات و لو انفضّوا أثناء الصلاة بحيث لم يبق العدد يجب على الباقين
العدول الى الظهر، و لو سلّموا أو بعضهم قبل الامام فالظاهر أنّه لايضرّ بالصلاة.
(مسألة 7): يجب في كلّ من الخطبتين التحميد و يعقّبه بالثناء عليه تعالى على الأحوط. و الأحوط أن يكون التحميد بلفظ الجلالة و ان كان الأقوى جوازه بكلّ ما يعدّ حمدا له تعالى، و الصلاة على النبي صلى الله عليه و آله على الأحوط في الخطبة الأولى و على الأقوى في الثانية، و الايصاء بتقوى اللّه تعالى في الأولى على الأقوى و في الثانية على الأحوط، و قراءة سورة خفيفة في الأولى على الأقوى و في الثانية على الأحوط. و الأحوط الأولى في الثانية الصلاة على أئمّة المسلمين عليهم السلام بعد الصلاة على النبي صلى الله عليه و آله و الاستغفار للمؤمنين و المؤمنات. و الأولى اختيار بعض الخطب المنسوبة الى أميرالمؤمنين عليه السلام أو المأثورة عن أهل البيت عليهم السلام.
الشرح:
و يجب في كلّ واحدة منهما الحمد للّه و الصلاة على النبي و آله عليهم السلام و الوعظ و قراءة سورة خفيفة.
يدلّ على ذلك صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام في خطبة يوم الجمعة:
«و ذكر خطبة مشتملة على حمد اللّه و الثناء عليه و الوصيّة بتقوى اللّه و الوعظ - الى أن قال: - و اقرأ سورة من القرآن و ادع ربّك و صلّ على النبي صلى الله عليه و آله و ادع للمؤمنين و المؤمنات ثمّ تجلس قدر ما يمكن هنيهة ثمّ تقوم و تقول: - و ذكر الخطبة الثانية و هي مشتملة على حمد اللّه و الثناء عليه و الوصيّة بتقوى اللّه و الصلاة على محمّد و آله و الأمر بتسمية الأئمّة عليهم السلام الى آخرهم و الدعاء بتعجيل الفرج الى أن قال: - و
يكون آخر كلامه: «انّ اللّه يأمر بالعدل و الاحسان. الآية»».(1)
و موثّقة سماعة (في حديث) قال:
«قال أبو عبداللّه عليه السلام: يخطب - يعني امام الجمعة - و هو قائم يحمد اللّه و يثني عليه ثمّ يوصي بتقوى اللّه، ثمّ يقرأ سورة من القرآن صغيرة ثمّ يجلس، ثمّ يقوم فيحمد اللّه و يثني عليه و يصلّي على محمّد صلى الله عليه و آله و على أئمّة المسلمين و يستغفر للمؤمنين و المؤمنات فاذا فرغ من هذا أقام المؤذّن فصلّى بالناس ركعتين يقرأ في الأولى بسورة الجمعة و في الثانية بسورة المنافقين».(2)
قد اشتمل الروايتان في الخطبة الأولى على حمد اللّه و الثناء عليه و الوصيّة بتقوى اللّه و قراءة سورة من القرآن و في الثانية أيضا حمد اللّه و الثناء عليه و
الصلاة على محمّد و آله و الدعاء. و يحتاط بأن يزيد في الأولى الوعظ و الدعاء للمؤمنين و المؤمنات و الصلاة على محمّد و آله؛ لمكان ذكرها في الصحيحة، وفي الثانية الوصيّة بالتقوى و الدعاء بتعجيل الفرج و الاستغفار للمؤمنين و المؤمنات.
قال في المدارك: «أجمع الأصحاب على أنّ الخطبتين شرط في انعقاد الجمعة، و عليه العامّة الاّ من شذّ و قد روي عن الصادق عليه السلامبعدّة طرق أنّه قال: «و انّما جعلت ركعتين لمكان الخطبتين» - الى أن قال: - يكفي الاتيان بالتحميد كيف اتّفق و لاينحصر الوعظ في لفظ خاصّ و الأقرب الاجتزاء بالآية المشتملة على الوعظ و لايجب الترتيب و ان كان أحوط، و لايجزئ أن تكون الخطبة بغير العربيّة. انتهى ملخّصا».(3)
و الأولى - كما في المتن - اختيار بعض الخطب المنسوبة الى أميرالمؤمنين عليه السلام أو المأثورة عن أهل البيت عليهم السلام للتأسّي.
(مسألة 8): الأحوط اتيان الحمد و الصلاة في الخطبة الأولى بالعربي و ان كان الخطيب و المستمع غير عربي، و أمّا الوعظ و الايصاء بتقوى اللّه تعالى فالأقوى جوازه بغيره، بل الأحوط أن يكون الوعظ و نحو من ذكر مصالح المسلمين بلغة المستمعين و ان كانوا مختلطين يجمع بين اللغات. نعم، لو كان العدد أكثر من النصاب جاز الاكتفاء بلغة النصاب لكن الأحوط أن يعظهم بلغتهم.
الشرح:
و في المسالك: «و يتعيّن الحمد للّه و الصلاة بلفظهما و لاينحصر الوعظ في لفظ بل يجزئ كلّ ما اشتمل على الوصيّة بتقوى اللّه و الحثّ على الطاعات والتحذير من المعاصي و الاغترار بالدنيا و ما شاكل ذلك و لايجب الجمع بين ما ذكر و لا تطويل الوعظ بل لو قال: أطيعوا اللّه و اتّقوه، كفى. و يجب الترتيب بين هذه الأجزاء فيقدّم الحمد ثمّ الصلاة ثمّ الوعظ ثمّ القراءة فلو خالف أعاد على ما يحصل معه الترتيب و كونها بالعربيّة للتأسّي فلايجزئ الترجمة اختيارا. نعم، لو لم يفهم العدد العربيّة فالظاهر اجزاؤها بغيرها».(1)
أقول: الظاهر وجوب كون الحمد و الصلاة على النبي صلى الله عليه و آله بالعربيّة و ان كان الخطيب و المستمعون من غير العرب؛ لظاهر الروايات، و كذا قراءة سورة من القرآن. و أمّا الوعظ و الايصاء بتقوى اللّه تعالى فالأقوى جوازه بغيرها بل الأحوط أن يكون بلغة المستمعين؛ لعدم الفائدة فيه اذا لم يعرفوا لغته.
1) - مسالك الأفهام 1: 237.
(مسألة 9): ينبغي للامام الخطيب أن يذكر في ضمن خطبته ما هو مصالح المسلمين في دينهم و دنياهم و يخبرهم بما جرى في بلاد المسلمين و غيرها من الأحوال التي لهم فيها المضرّة أو المنفعة، و ما يحتاج المسلمون اليه في المعاش و المعاد و الأمور السياسيّة و الاقتصاديّة ممّا هي دخيلة في استقلالهم و كيانهم و كيفيّة معاملتهم مع سائر الملل و التحذير عن تدخّل الدول الظالمة المستعمرة في أمورهم سيّما السياسيّة و الاقتصاديّة المنجرّ الى استعمارهم و استثمارهم و بالجملة الجمعة و خطبتاها من المواقف العظيمة للمسلمين كسائر المواقف العظيمة مثل الحجّ و المواقف التي فيه و العيدين و غيرها، و مع الأسف أغفل المسلمون عن الوظائف المهمّة السياسيّة فيها و في غيرها من المواقف السياسيّة الاسلاميّة فالاسلام دين السياسة بشؤونها يظهر لمن له أدنى تدبّر في أحكامه الحكوميّة و السياسيّة والاجتماعيّة و الاقتصاديّة، فمن توهّم أنّ الدين منفكّ عن السياسة فهو جاهل لم يعرف الاسلام و لا السياسة.
الشرح:
الأمر بالنسبة الى الخطبة كما في المتن، و كما قاله المصنّف من أنّ دين الاسلام حاوٍ لجميع مصالح المسلمين في أمور معاشهم و معادهم و سياستهم و اقتصادهم و نظامهم و ما يمكن أن ينجرّ الى ركودهم من المفاسد، فمن توهّم أنّ الدين منفكّ عن السياسة فهو جاهل لم يعرف الاسلام و لا السياسة.
(مسألة 10): يجوز ايقاع الخطبتين قبل زوال الشمس بحيث اذا فرغ منهما زالت، و الأحوط ايقاعهما عند الزوال.
الشرح:
الدليل على جواز ايقاعها قبل الزوال في الظلّ الأوّل صحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«كان رسول اللّه صلى الله عليه و آله يصلّي الجمعة حين تزول الشمس قدر شراك و يخطب في الظلّ الأوّل، فيقول جبرئيل: يا محمّد، قد زالت الشمس فأنزل فصلّ و انّما جعلت الجمعة ركعتين من أجل الخطبتين فهي صلاة حتّى ينزل الامام».(1)
ولكن رعاية الاحتياط بالاقتصار على مواقع الضرورة كشدّة الحرارة، حسن بل لايترك لذهاب جمع من الفقهاء الى عدم جوازه كالسيّد المرتضى في المصباح و ابن أبي عقيل و أبي الصلاح، على ما في المدارك.(2)
(مسألة 11): يجب أن تكون الخطبتان قبل صلاة الجمعة فلو بدأ بالصلاة تبطل و تجب الصلاة بعدهما لو بقي الوقت، و الظاهر عدم وجوب اعادتهما اذا كان الاتيان جهلاً أو سهوا، فيأتي بالصلاة بعدهما و لو قيل بعدم وجوب اعادة الصلاة أيضا اذا كان التقديم عن غير عمد و علم، لكان له وجه.
الشرح:
يدلّ على وجوب تقديم الخطبة صحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«كان رسول اللّه صلى الله عليه و آله يصلّي الجمعة حين تزول الشمس قدر شراك و
يخطب في الظلّ الأوّل فيقول جبرئيل: يا محمّد، قد زالت الشمس فأنزل فصلّ. الحديث».(1)
و ما رواه أبو مريم عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«سألته عن خطبة رسول اللّه صلى الله عليه و آله، أ قبل الصلاة أو بعدها؟ قال: قبل الصلاة ثمّ يصلّي».(2)
ثمّ لو بدأ بالصلاة تبطل و تجب الصلاة بعدهما لو بقي الوقت سواء كان البدأة بالصلاة عن عمد أو جهل أو سهو؛ لاطلاق الروايات و يبعد أن يشمل هذا الجهل أو السهو حديث الرفع و حديث لاتعاد؛ لأنّ الخطبة بمنزلة ركن الصلاة كما تقدّم أنّ الخطبتين عوض عن ركعتين.
(مسألة 12): يجب أن يكون الخطيب قائما وقت ايراد الخطبة، و يجب وحدة الخطيب و الامام، فلو عجز الخطيب عن القيام خطب غيره و أمّهم الذي خطبهم و لو لم يكن غير العاجز فالظاهر الانتقال الى الظهر. نعم، لو كانت الجمعة واجبة عينا خطبهم العاجز عن القيام جالسا و الأحوط الاتيان بالظهر بعد الجمعة و يجب الفصل بين الخطبتين بجلسة خفيفة.
الشرح:
يجب أن يكون الخطيب قائما وقت ايراد الخطبة مع القدرة و يجب الفصلبين الخطبتين بجلسة خفيفة.
يدلّ على ذلك صحيحة عمر بن يزيد عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) قال:
«و ليقعد قعدة بين الخطبتين».(3)
و صحيحة أبي بصير:
«أنّه سئل عن الجمعة كيف يخطب الامام؟ قال: يخطب قائما، انّ اللّه يقول: «و تركوك قائما»».(1)
و صحيحة معاوية بن وهب (في حديث) عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
« ... الخطبة و هو قائم خطبتان يجلس بينهما جلسة لايتكلّم فيها قدر ما يكون فصل ما بين الخطبتين».(2)
و لو لم يقدر الخطيب على القيام حين ايراد الخطبة خطب غيره، و لو لم يكن غير العاجز فالظاهر الانتقال الى الظهر الاّ اذا كانت الجمعة واجبة عينا - كما في المتن - فخطبهم العاجز عن القيام جالسا و الاحتياط حسن على كلّ حال.
(مسألة 13): الأحوط لو لم يكن أقوى وجوب رفع الصوت في الخطبة بحيث سمع العدد بل الظاهر عدم جواز الاخفات بها، بل لا اشكال في عدم جواز اخفات الوعظ و الايصاء و ينبغي أن يرفع صوته بحيث يسمع الحضّار بل هو أحوط، أو يخطب بواسطة السمّاعات اذا كان الجماعة كثيرة لابلاغ الوعظ و الترغيب و الترهيب و المسائل المهتمّ بها.
الشرح:
و يجب أن يرفع صوته بحيث يسمع العدد المعتبر فصاعدا؛ لأنّ الغرض من الخطبة لايصلح بدون الاسماع. و ينبغي أن يرفع صوته بحيث يسمع الحضّار كلّهم و لو بواسطة السمّاعات اذا كان الجماعة كثيرة؛ لابلاغ الوعظ و الترغيب و الترهيب و المسائل المهتمّ بها.
(مسألة 14): الأحوط بل الأوجه وجوب الاصغاء الى الخطبة، بل الأحوط الانصات وترك الكلام فيها و ان كان الأقوى كراهته. نعم، لو كان التكلّم موجبا لترك الاستماع و فوات فائدة الخطبة لزم تركه، و الأحوط الأولى استقبال المستمعين الامام حال الخطبة و عدم الالتفات زائدا على مقدار الجواز في الصلاة، و طهارة الامام حال الخطبة عن الحدث و الخبث و كذا المستمعين و الأحوط الأولى للامام أن لايتكلّم بين الخطبة بما لايرجع الى الخطابة و لابأس بالتكلّم بعد الخطبتين الى الدخول في الصلاة و ينبغي أن يكون الخطيب بليغا مراعيا لمقتضيات الأحوال بالعبارات الفصيحة الخالية عن التعقيد عارفا بما جرى على المسلمين في الأقطار سيّما قطره، عالما بمصالح الاسلام و المسلمين، شجاعا لايلومه في اللّه لومة لائم، صريحا في اظهار الحقّ و ابطال الباطل حسب المقتضيات و الظروف مراعيا لما يوجب تأثير كلامه في النفوس من مواظبة أوقات الصلوات و التلبّس بزيّ الصالحين و الأولياء و أن يكون أعماله موافقا لمواعظه و ترهيبه و ترغيبه و أن يجتنب عمّا يوجب وهنه و وهن كلامه حتّى كثرة الكلام و المزاح و ما لايعني، كلّ ذلك اخلاصا للّه تعالى و اعراضا عن حبّ الدنيا و الرئاسة - فانّه رأس كلّ خطيئة - ليكون لكلامه تأثير في النفوس، و يستحبّ له أن يتعمّم في الشتاء و الصيف و يتردّى ببرد يمني أو عدني و يتزيّن و يلبس أنظف ثيابه متطيّبا على وقار و سكينة و أن يسلّم اذا صعد المنبر و استقبل الناس بوجهه و يستقبلونهبوجوههم، و أن يعتمد على شيء من قوس أو عصىً أو سيف، و أن يجلس على المنبر أمام الخطبة حتّى يفرغ المؤذّنون.
الشرح:
أمّا الطهارة حين الخطبة فيمكن أن يقال باشتراطها؛ لصحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«انّما جعلت الجمعة ركعتين من أجل الخطبتين فهي صلاة حتّى ينزل الامام».(1)
و الظاهر من هذه المماثلة بعد عدمها من جميع الجهات، هي المماثلة في الطهارة بل لعلّه تكون منحصرة بها، هذا مضافا الى لزوم التأسّي بالنبي صلى الله عليه و آله، فلزوم الطهارة للامام و المأموم حين ايراد الخطبة ان لم يكن أقوى فهو أحوط.
و الأحوط - ان لم يكن أقوى - لزوم الاصغاء الى الخطبة و ترك التكلّم حينها.
قال في المدارك: «ذهب الأكثر الى وجوب الانصات؛ لأنّ فائدة الخطبة انّما تتمّ بذلك، و قال الشيخ في المبسوط: «انّه مستحبّ» و اختاره في المعتبر؛ لأنّ الوجوب منفي بالأصل و لا معارض. و الجواب: انّ المعارض موجود و هو انتفاء فائدة الخطبة بدون الاستماع، و لو تكلّم لاتبطل الصلاة و لا الخطبة بالكلام و ان كان منهيّا؛ لأنّه خارج عن العبادة. انتهى ملخّصا».(2)
ففي صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا خطب الامام يوم الجمعة فلاينبغي لأحد أن يتكلّم حتّى يفرغ الامام من خطبته، فاذا فرغ الامام من الخطبتين تكلّم ما بينه و بينأن يقام للصلاة، فان سمع القراءة أو لم يسمع أجزأه».(3)
و في مرسلة الصدوق قال:
«قال أميرالمؤمنين عليه السلام: لا كلام و الامام يخطب، و لا التفات الاّ كما يحلّ في الصلاة، و انّما جعلت الجمعة ركعتين من أجل الخطبتين، جعلتا مكان الركعتين الأخيرتين فهما صلاة حتّى ينزل الامام».(4)
ثمّ انّه يستحبّ أن يعتمّ الامام شتاء و صيفا و أن يتردّى ببرد و أن يتوكّأ وقت الخطبة على قوس أو عصىً و أن يسلّم على الناس عند صعود المنبر.
ففي موثّقة سماعة قال:
«قال أبو عبداللّه عليه السلام: ينبغي للامام الذي يخطب بالناس يوم الجمعة أن يلبس عمامة في الشتاء و الصيف و يتردّى ببرد يمنيّة أو عدني. الحديث».(1)
و في صحيحة عمر بن يزيد عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا كانوا سبعة يوم الجمعة فيلصلّوا في جماعة، و ليلبس البرد و العمامة و يتوكّأ على قوس أو عصا».(2)
و في مرسلة عمرو بن جميع عن علي عليه السلام قال:
«من السنّة اذا صعد الامام المنبر أن يسلّم اذا استقبل الناس».(3)
ثمّ ينبغي أن يكون الخطيب بليغا مراعيا لمقتضيات الأحوال بالعبارات الفصيحة - الى آخر ما قاله في المتن - و ذلك يستفاد من مصلحة اقامة الجمعة و أنّهمن وظائف رؤساء الأمّة و مختصّات الامام و لذلك يستحبّ أن يكون متّصفا بتلك الصفات، بل الأحوط ذلك و الاّ لم يترتّب على اقامتها فائدة كثيرة.
(مسألة 15): قد مرّ اعتبار الفاصلة بين الجمعتين بثلاثة أميال، فان أقيمت جمعتان دون الحدّ المعتبر فان اقترنتا بطلتا جميعا، و ان سبقت احداهما و لو بتكبيرة الاحرام بطلت المتأخّرة سواء كان المصلّون عالمين بسبق جمعة أم لا، و صحّت المتقدّمة سواء علم المصلّون بلحوق جمعة أم لا، و الميزان في الصحّة تقدّم الصلاة لا الخطبة، فلو تقدّم احدى الجمعتين في الخطبة و الأخرى في الصلاة بطلت المتأخّرة في الشروع في الصلاة.
الشرح:
فان اقترنتا بطلتا؛ لامتناع الحكم بصحّتهما و لا أولويّة لأحدهما، فلم يبق الاّ الحكم ببطلانهما معا. و يتحقّق الاقتران بتساويهما في التكبير. و ان سبقت احداهما و لو بتكبيرة الاحرام بطلت المتأخّرة. و لو لم يتحقّق السابقة أعادا ظهرا كما عليه أكثر الأصحاب على ما في المدارك.(1)
و في الجواهر: «أن لايكون هناك جمعة أخرى و بينهما دون ثلاثة أميال اجماعا محصّلاً و منقولاً مستفيضا أو متواترا و نصوصا. فان اتّفقتا أي اقترن الجمعتان بطلتا قطعا كما عن جماعة بل لا خلاف معتدّ به أجده فيه. انتهى ملخّصا».(2)
ثمّ انّ الظاهر من الروايات حيث اشترطت المسافة المعيّنة بين الجمعتين بثلاثة أميال أنّه اذا لم تكن تلك المسافة لم تحصل جمعة سواء كان عن علم أو جهل فاذا تقارنتا بطلتا، فان سبقت احداهما بطلت المتأخّرة، و الاعتبار بالتقارن و السبقة بالصلاة، و ابتداؤها بتكبيرة الاحرام، لا الخطبتان؛ لما يظهر من الروايات.
(مسألة 16): الأحوط عند ارادة اقامة جمعة في محلّ احراز أن لا جمعه هناك - دون الحدّ المقرّر - مقارنة لها أو منعقدة قبلها، و ان كان الأشبه جواز الانعقاد و صحّة الجمعة ما لم يحرز انعقاد جمعة أخرى مقارنة لها أو متقدّمة عليها بل الظاهر جواز الانعقاد لو علم بانعقاد أخرى و شكّ في مقارنتها أو سبقها.
الشرح:
عند ارادة اقامة جمعة في محلّ، تارة يشكّ في اقامة جمعة أخرى دون ثلاثة أميال ففي هذه الصورة تجوز اقامتها؛ لأنّ الظاهر من الروايات عدم جواز اقامة الجمعة اذا أحرز انعقاد جمعة أخرى دون الحدّ المذكور.
و أخرى يعلم بانعقاد جمعة أخرى و شكّ في مقارنتها أو سبقها، فالظاهر شمول روايات المنع لهذه الصورة، الاّ أن يعلم بانعقاد جمعة أخرى بعد الصلاة و شكّ في المقارنة فلاتبطل لأصالة الصحّة و قاعدة الفراغ.
(مسألة 17): لو علموا بعد الفراغ من الصلاة بعقد جمعة أخرى و احتمل كلّ من الجماعتين السبق و اللحوق فالظاهر عدم وجوب الاعادة عليهما لا جمعة و لا ظهرا و ان كان الوجوب أحوط، و يجب على الجماعة التي لم يحضروا الجمعتين اذا أرادوا اقامة جمعة ثالثة احراز بطلان الجمعتين المتقدّمتين، و مع احتمال صحّة احداهما لايجوز اقامة جمعة أخرى.
الشرح:
قد تقدّم في المسألة السابقة حكم صور هذه المسألة. و أمّا بالنسبة الى اقامة جمعة ثالثة للجماعة التي لم يحضروا الجمعتين فيجب عليهم احراز بطلانالجمعتين المتقدّمتين و مع احتمال صحّة احداهما لايجوز اقامة جمعة أخرى.
(مسألة 1): يشترط في وجوبها أمور: التكليف و الذكورة و الحرّيّة و الحضر و السلامة من العمى و المرض و أن لايكون شيخا كبيرا و أن لايكون بينه و بين محلّ اقامة الجمعة أزيد من فرسخين، فهؤلاء لايجب عليهم السعي الى الجمعة لو قلنا بالوجوب التعييني، و لاتجب عليهم و لو كان الحضور لهم غير حرجي و لا مشقّة فيه.
الشرح:
أمّا من تجب عليه فهي لاتجب الاّ بشروط سبعة: التكليف و الذكورة و الحرّيّة و الحضر و السلامة من العمى و المرض و العرج، و أن لايكون همّا و لا بينه و بين الجمعة أزيد من فرسخين.
يدلّ على ذلك صحيحة زرارة بن أعين عن أبي جعفر الباقر عليه السلام قال:
«انّما فرض اللّه عزّوجلّ على الناس من الجمعة الى الجمعة خمسا و ثلاثين صلاة منها صلاة واحدة فرضها اللّه عزّوجلّ في جماعة و هي الجمعة و وضعها عن تسعة: عن الصغير و الكبير و المجنون و المسافر و العبد و المرأة و المريض و الأعمى و من كان على رأس فرسخين».(1)
و صحيحة أبي بصير و محمّد بن مسلم جميعا عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«انّ اللّه عزّوجلّ فرض في كلّ سبعة أيّام خمسا و ثلاثين صلاة، منها صلاة واجبة على كلّ مسلم أن يشهدها الاّ خمسة: المريض والمملوك و المسافر و المرأة و الصبي».(2)
(مسألة 2): كلّ هؤلاء اذا اتّفق منهم الحضور أو تكلّفوه صحّت منهم و أجزأت عن الظهر، و كذا كلّ من رخّص له في تركها لمانع من مطر أو برد شديد أو فقد رجل و نحوه ممّا يكون الحضور معه حرجا عليه. نعم، لاتصحّ من المجنون و صحّت صلاة الصبي، و أمّا اكمال العدد به فلايجوز و كذا لاتنعقد بالصبيان فقط.
الشرح:
قال في الشرائع: «و كلّ هؤلاء اذا تكلّفوا الحضور وجبت عليهم الجمعة و انعقدت بهم سوى من خرج عن التكليف و المرأة. و في العبد تردّد».(1)
و في المدارك: «انّ من لايلزمه الجمعة اذا حضرها جاز له فعلها تبعا و أجزأته عن الظهر، و هذا الحكم مقطوع به في كلام الأصحاب، بل قال في المنتهى: «لا خلاف في أنّ العبد و المسافر اذا صلّيا الجمعة أجزأتهما عن الظهر»».(2)
أقول:
لعلّ المستند في ذلك رواية حفص بن غياث قال:
«سمعت بعض مواليهم سأل ابن أبي ليلى عن الجمعة، هل تجب على المرأة و العبد و المسافر؟ فقال: لا، قال: فان حضر واحد منهم الجمعة مع الامام فصلاّها هل تجزيه تلك الصلاة عن الظهر يومه؟قال: نعم، قال: و كيف يجزي ما لم يفرضه اللّه عليه عمّا فرضه اللّه عليه - الى أن قال: - فما كان عند ابن أبي ليلى فيها جواب و طلب اليه أن يفسّرها له فأبى، ثمّ سألته أنا عن ذلك ففسّرها لي فقال: الجواب
عن ذلك: انّ اللّه عزّوجلّ فرض على جميع المؤمنين و المؤمنات و رخّص للمرأة و المسافر و العبد أن لايأتوها، فلمّا حضروا سقطت الرخصة و لزمهم الفرض الأوّل. فمن أجل ذلك أجزأ عنهم، فقلت: عمّن هذا؟ قال: عن مولانا أبي عبداللّه عليه السلام».(1)
و أمّا بالنسبة الى المجنون فالأمر واضح، فلايصحّ منه لعدم انعقاد القصد له. و أمّا بالنسبة الى الصبي فقد مرّ مرارا شرعيّة عباداته فيصحّ منه. فلاينعقد العدد به و لاتنعقد الجمعة بالصبيان فقط؛ لظاهر الرواية.
(مسألة 3): يجوز للمسافر حضور الجمعة و تنعقد به و تجزيه عن الظهر لكن لو أراد المسافرون اقامتها من غير تبعيّة للحاضرين لاتنعقد منهم و تجب عليهم صلاة الظهر، و لو قصدوا الاقامة جازت لهم اقامتها و لايجوز أن يكون المسافر مكمّلاً للعدد.
الشرح:
يجوز للمسافر حضور الجمعة و تجزيه عن الظهر كما تقدّم في رواية حفص بن غياث. لكن لو أراد المسافرون اقامتها من غير تبعيّة للحاضرين لاتنعقد بهم لسقوطها عنهم، و تجب عليهم صلاة الظهر و لو قصدوا الاقامة جازت لهم اقامتها لخروجهم عن حكم المسافر، و لايجوز أن يكون المسافر مكمّلاً للعدد.
1) - وسائل الشيعة 7: 337 / الباب 18 من أبواب صلاة الجمعة / الحديث 1.
(مسألة 4): يجوز للمرأة الدخول في صلاة الجمعة، و تصحّ منها و تجزيها عن الظهر ان كان عدد الجمعة أي خمسة نفر رجالاً، و أمّا اقامتها للنساء أو كونها من جملة الخمسة فلاتجوز، و لاتنعقد الاّ بالرجال.
الشرح:
يجوز للمرأة الدخول في صلاة الجمعة، و تصحّ منها و تجزيها عن الظهر و ذلك لرواية حفص بن غياث المتقدّمة و ينجبر ضعف سندها بعمل المشهور مضافا الى صحيحة أبي همّام عن أبي الحسن عليه السلام قال:
«اذا صلّت المرأة في المسجد مع الامام يوم الجمعة، الجمعة ركعتين فقد نقصت صلاتها و ان صلّت في المسجد أربعا نقصت صلاتها، لتصلّ في بيتها أربعا أفضل».(1)
قال في المدارك: «المشهور بين الأصحاب أنّ من لايجب عليه السعي الى الجمعة يجب عليه الصلاة مع الحضور».(2)
و أمّا امامتها للنساء أو كونها من جملة الخمسة فلاتجوز، و لاتنعقد الاّ بالرجال.
قال في المدارك: «أطبقوا الأصحاب على عدم انعقاد الجمعة بالمرأة بمعنى عدم احتسابها من العدد».(3)
(مسألة 5): تجب الجمعة على أهل القرى و السواد كما تجب على أهل المدن و الأمصار مع استكمال الشرائط، و كذا تجب على ساكني الخيم والبوادي اذا كانوا قاطنين فيها.
الشرح:
تجب الجمعة على أهل القرى و السواد كما تجب على أهل المدن و الأمصار مع استكمال الشرائط و يلحق بهم ساكنو الخيم و البوادي اذا كانوا قاطنين فيها؛ لتنقيح المناط.
و الدليل على المسألة صحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما عليهماالسلام قال:
«سألته عن أناس في قرية هل يصلّون الجمعة جماعة؟ قال: نعم، و يصلّون أربعا اذا لم يكن من يخطب».(1)
و صحيحة الفضل بن عبدالملك قال:
«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول: اذا كان قوم في قرية صلّوا الجمعة أربع ركعات، فان كان لهم من يخطب بهم جمّعوا اذا كانوا خمس نفر و انّما جعلت ركعتين لمكان الخطبتين».(2)
و لاتعارضهما رواية طلحة بن زيد عن جعفر عن أبيه عن علي عليه السلام قال:
«لا جمعة الاّ في مصر تقام فيه الحدود».(3)
و رواية حفص بن غياث عن جعفر عن أبيه قال:
«ليس على أهل القرى جمعة و لا خروج في العيدين».(4)
لأنّهما تحملان على التقيّة.
(مسألة 6): تصحّ الجمعة من الخنثى المشكل، و لايصحّ جعله اماما أو مكمّلاً للعدد، فلو لم يكمل الاّ به لاتنعقد الجمعة و تجب الظهر.
الشرح:
تصحّ الجمعة من الخنثى المشكل؛ لأنّه لو كانت امرأة تصحّ منها. و لايصحّ جعله اماما أو مكمّلاً للعدد؛ لأنّهما للرجل و لايحرز كون الخنثى رجلاً. و لو لم يكمل الاّ به لاتنعقد الجمعة و تجب الظهر.
(مسألة 1): يدخل وقتها بزوال الشمس، فاذا زالت فقد وجبت، فاذا فرغ الامام من الخطبتين عند الزوال فشرع فيها صحّت، و أمّا آخر وقتها بحيث تفوت بمضيّه ففيه خلاف و اشكال، و الأحوط عدم التأخير عن الأوائل العرفيّة من الزوال و اذا أخّرت عن ذلك فالأحوط اختيار الظهر و ان لايبعد امتداده الى قدمين من فيء المتعارف من الناس.
الشرح:
ابتداء وقت صلاة الجمعة زوال الشمس فتجب بزواله؛ لصحيحة ربعي بن عبداللّه و فضيل بن يسار عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«انّ من الأشياء أشياء موسّعة و أشياء مضيّقة فالصلاة ممّا وسّع فيه، تقدّم مرّة و تؤخّر أخرى، و الجمعة ممّا ضيّق فيها فانّ وقتها يوم الجمعة ساعة تزول و وقت العصر فيها وقت الظهر في غيرها».(1)
و صحيحة ابن مسكان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قال: وقت صلاة الجمعة عند الزوال، و وقت العصر يوم الجمعة وقت صلاة الظهر في غير يوم الجمعة و يستحبّ التكبير بها».(2)
و صحيحة زرارة قال:
«سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: انّ من الأمور أمورا مضيّقة و أموراموسّعة و انّ الوقت وقتان و الصلاة ممّا فيه السعة فربّما عجّل رسول اللّه صلى الله عليه و آله و ربّما أخّر الاّ صلاة الجمعة فانّ صلاة الجمعة من
الأمر المضيّق انّما لها وقت واحد حين تزول و وقت العصر يوم الجمعة وقت الظهر في سائر الأيّام».(1)
و أمّا انتهاء وقتها فقال في المدارك: «انّ وقت صلاة الجمعة يخرج بصيرورة ظلّ كلّ شيء مثله. و هو اختيار أكثر الأصحاب، بل قال في المنتهى: «انّه مذهب علمائنا أجمع» و قال الشهيد رحمه الله في الذكرى: «و لم نقف على حجّة الاّ أنّ النبي صلى الله عليه و آله كان يصلّي في هذا الوقت». و قال أبو الصلاح: «اذا مضى مقدار الأذان و الخطبة و الركعتي الجمعة فقد فاتت و لزم أداؤها ظهرا». انتهى ملخّصا».(2)
و في المسالك: «هذا هو المشهور و مستنده غير واضح، و الذي يناسب أصولنا و ذهب اليه جماعة من أصحابنا امتداد وقتها بامتداد وقت الظهر؛ تحقيقا للبدليّة و لأصالة البقاء. و العمل على المشهور».(3)
أقول:
اذا كان ابتداء وقت صلاة الجمعة حين تزول الشمس فانتهاؤه مضيّ زمان يمكن فيه الفراغ منها مع أداء الخطبتين و مندوباتهما الواردة في الروايات و قراءة السورتين الواردتين في المأثور و رعاية حال المأمومين. و هو موافق للروايات الواردة فاذا كان ابتداء وقتها حين تزول الشمس فيكون انتهاؤه ساعة تمضي من زوال الشمس كما في مرسلة الصدوق عن أبي جعفر عليه السلام أنّه قال:
«أوّل وقت الجمعة ساعة تزول الشمس الى أن تمضي ساعة. الحديث».(4)
و لعلّ قول المحقّق و الأكثر بأنّ خروج وقتها اذا صار ظلّ كلّ شيء مثله كان
مفاد قوله عليه السلام في صحيحتي فضيل و زرارة: «و وقت العصر فيها وقت الظهر في غيرها». و كذا صحيحة ابن مسكان؛ حيث انّ آخر وقت الظهر في غير الجمعة هو ما اذا صار ظلّ كلّ شيء مثله.
(مسألة 2): لايجوز اطالة الخطبة بمقدار يفوت وقت الجمعة اذا كان الوجوب تعيينيّا، فلو فعل أثم و وجبت صلاة الظهر كما تجب الظهر في الفرض على التخيير أيضا، و ليس للجمعة قضاء بفوات وقتها.
الشرح:
قد تقدّم في المسألة السابقة أنّ آخر وقت صلاة الجمعة آخر وقت الظهر في غير الجمعة و هو ما اذا صار ظلّ كلّ شيء مثله، و الأحوط عدم تأخيرها ساعة تمضي من زوال الشمس. و عليه لايجوز اطالة الخطبة بمقدار يفوت وقت الصلاة سواء كان تعيينيّا أو تخييريّا، فلو فعل مضت صلاة الجمعة و تجب الظهر و قد أثم لو كان الوجوب عينيّا و أطال الخطبة عمدا.
(مسألة 3): لو دخلوا في الجمعة فخرج وقتها فان أدركوا منها ركعة في الوقت صحّت، و الاّ بطلت على الأشبه و الأحوط الاتمام جمعة ثمّ الاتيان بالظهر و لو تعمّدوا الى بقاء الوقت بمقدار ركعة فان قلنا بوجوبها تعيينا أثمواو صحّت صلاتهم و ان قلنا بالتخيير كما هو الأقوى فالأحوط اختيار الظهر بل لايترك الاحتياط باتيان الظهر في الفرض الأوّل أيضا مع القول بالتخيير.
الشرح:
فلو خرج الوقت و هو فيها فان صدق أنّها وقعت في الوقت بأن يكون مقدار يسير منه خارج الوقت فتكون جمعة، و الاّ ففيه اشكال و كذا في الشكّ فيحتاط
باتيان صلاة الظهر، و لو قيل بأنّه اذا أدرك من الوقت ركعة فكمن أدرك الوقت كان حسنا.
قال المحقّق: «و لو خرج الوقت و هو فيها أتمّها جمعة اماما كان أو مأموما».(1)و قال في المدارك: «اطلاق العبارة يقتضي وجوب اكمالها بمجرّد التلبّس بها في الوقت و لو بالتكبير، و به صرّح الشيخ رحمه الله و جماعة. و احتجّ عليه في المعتبر «بأنّ الوجوب يتحقّق باستكمال الشرائط فيجب اتمامها» و يتوجّه عليه أنّ التكليف بفعل موقّت يستدعي زمانا يسعه؛ لامتناع التكليف بالمحال و لايشرع فعله في خارجه الاّ أن يثبت من الشارع شرعيّة فعله خارج الوقت، و من ثمّ اعتبر العلاّمة و من تأخّر عنه ادراك الركعة في الوقت كاليوميّة؛ لعموم قوله عليه السلام: «من أدرك ركعة فكمن أدرك الوقت كلّه»، و هو أولى».(2)
(مسألة 4): لو تيقّن أنّ الوقت يتّسع لأقلّ الواجب من الخطبتين و ركعتين خفيفتين تخيّر بين الجمعة و الظهر، و لو تيقّن بعدم الاتّساع لذلك تعيّن الظهر، و لو شكّ في بقاء الوقت صحّت و لو انكشف بعد عدم الاتّساع حتّى لركعة يأتي بالظهر، و لو علم مقدار الوقت و شكّ في اتّساعه لها يجوزالدخول فيها فان اتّسع صحّت. و الاّ يأتي بالظهر، و الأحوط اختيار الظهر بل لايترك في الفرع السابق من الاتّساع لركعة.
الشرح:
لو تيقّن أنّ الوقت يتّسع لأقلّ الواجب من الخطبتين و ركعتين خفيفتين تخيّر بين الجمعة و الظهر، و لو تيقّن بعدم الاتّساع لذلك تعيّن الظهر؛ لأنّ العلم كاشف عن الواقع فاذا علم بضيق الوقت عن اقامة الجمعة فكأنّه فات الوقت فلا موضوع
لها. و لو شكّ في بقاء الوقت يجوز الاقامة للاستصحاب و بقاء الوقت، و لو انكشف بعدُ عدم الاتّساع - بمقدار تقدّم في المسألة السابقة - يأتي بالظهر؛ لأنّ الجمعة وقعت في غير وقتها و لاتقع بدلاً عن الظهر و لا قضاء لها. و لو علم مقدار الوقت و شكّ في اتّساعه لها يجوز الدخول فيها فان اتّسع صحّت و الاّ يأتي بالظهر. و ذلك - أي جواز الدخول مع الشكّ في اتّساع الوقت لها - لكفاية الامتثال الاحتمالي.
(مسألة 5): لو صلّى الامام بالعدد المعتبر في اتّساع الوقت و لم يحضر المأموم من غير العدد الخطبة و أوّل الصلاة ولكنّه أدرك مع الامام ركعة صلّى جمعة ركعة مع الامام و أضاف ركعة أخرى منفردا و صحّت صلاته، و آخر ادراك الركعة ادراك الامام في الركوع فلو ركع و الامام لم ينهض الى القيام صحّت صلاته، و الأفضل لمن لم يدرك تكبيرة الركوع الاتيان بالظهر أربع ركعات و لو كبّر و ركع ثمّ شكّ في أنّ الامام كان راكعا و أدرك ركوعه أو لا لم تقع صلاته جمعة، و هل تبطل أو تصحّ و يجب الاتمام ظهرا؟ فيه اشكال، و الأحوط اتمامها ظهرا ثمّ اعادتها.
الشرح:
اذا لم يحضر الخطبة و الركعة الأولى من صلاة الجمعة و أدرك الامام في الثانية قبل الركوع صلّى جمعة. و لو أدرك الامام راكعا في الثانية فهي الظهر أربعا.
يدلّ على ذلك صحيحة الفضل بن عبدالملك عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا أدرك الرجل ركعة فقد أدرك الجمعة و ان فاتته فليصلّ أربعا».(1)
و صحيحة الحلبي قال:
1) - وسائل الشيعة 7: 345 / الباب 26 من أبواب صلاة الجمعة / الحديث 2.
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عمّن لم يدرك الخطبة يوم الجمعة. قال: يصلّي ركعتين فان فاتته الصلاة فلم يدركها فليصلّ أربعا، و قال: اذا أدركت الامام قبل أن يركع الركعة الأخيرة فقد أدركت الصلاة و ان أنت أدركته بعد ما ركع فهي الظهر أربع».(1)
و صحيحة أخرى للحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام أنّه قال:
«اذا أدركت الامام قبل أن يركع الركعة الأخيرة فقد أدركت الصلاة و ان أدركته بعد ما ركع فهي أربع بمنزلة الظهر».(2)
و لاتعارضها صحيحة ابن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال
«الجمعة لاتكون الاّ لمن أدرك الخطبتين».(3)
لأنّها تحمل على نفي الكمال دون الاجزاء كما حملها الشيخ كذلك، على ما في الوسائل.
و الظاهر أنّ الروايات المتقدّمة مخصّصة بالنسبة الى الروايات الدالّة علىادراك الركعة بادراك الامام راكعا كصحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام أنّه قال:
«اذا أدركت الامام و قد ركع فكبّرت و ركعت قبل أن يرفع رأسه فقد أدركت الركعة، وان رفع رأسه فقد فاتتك الركعة».(4)
قال في المدارك: «يمكن العمل بمضمونها و اختصاص الجمعة بهذا الحكم و ان كانت الركعة تدرك في غيرها بادراك الامام في الركوع، أو تأويلها بما يوافق المشهور بأن يحمل قوله: «و قد ركع» على أنّه قد رفع رأسه من الركوع و لعلّ هذا أولى».(5)
1) - وسائل الشيعة 7: 345 / الباب 26 من أبواب صلاة الجمعة / الحديث 3.
2) - وسائل الشيعة 7: 345 / الباب 26 من أبواب صلاة الجمعة / الحديث 1.
3) - وسائل الشيعة 7: 346 / الباب 26 من أبواب صلاة الجمعة / الحديث 7.
4) - وسائل الشيعة 8: 382 / الباب 45 من أبواب صلاة الجماعة / الحديث 2.
5) - مدارك الأحكام 4: 20.
بل الأوّل أولى، بل لعلّ الثاني توجيه بعيد كما عرفت آنفا من صحيحتي الحلبي فانّ قوله عليه السلام: «و ان أدركته بعد ما ركع فهي أربع» نصّ في أنّ الامام في الركوع.
«الأوّل»: شرائط الجماعة في غير الجمعة معتبرة في الجمعة أيضا من عدم الحائل و عدم علوّ موقف الامام و عدم التباعد و غيرها. و كذا شرائط الامام في الجمعة هي الشرائط في امام الجماعة من العقل و الايمان و طهارة المولد و العدالة. نعم، لايصحّ في الجمعة امامة الصبيان و لا النساء و ان قلنا بجوازها لمثلهما في غيرها.
الشرح:
و أمّا الامام فيعتبر فيه ما يعتبر في امام الجماعة من الشرائط بعينها، و هو البلوغ و العقل و الايمان و العدالة و طهارة المولد و الذكورة، و قد ذكرناها تفصيلاً في بحث صلاة الجماعة فراجع.
قال في الشرائع: «يعتبر في امام الجمعة كمال العقل و الايمان و العدالة و طهارة المولد و الذكورة».(1)
نعم، لايجوز أن يكون الصبي امام الجمعة و لا المرأة و لا المسافر، كما تقدّم في شرائط صلاة الجمعة.
1) - شرائع الاسلام 1: 87.
«الثاني»: الأذان الثاني يوم الجمعة بدعة محرّمة، و هو الأذان الذي يأتي المخالفون به بعد الأذان الموظّف، و قد يطلق عليه الأذان الثالث، و لعلّه باعتبار كونه ثالث الأذان و الاقامة أو ثالث الأذان للاعلام و الأذان للصلاة أو ثالث باعتبار أذان الصبح و الظهر، و الظاهر أنّه غير الأذان للعصر.
الشرح:
قال في الشرائع: «الأذان الثاني يوم الجمعة بدعة و قيل: مكروه. و الأوّل أشبه».(1)
قال في المدارك: «اختلف الأصحاب في الأذان الثاني يوم الجمعة، فقال الشيخ في المبسوط و المحقّق في المعتبر: انّه مكروه. و قال ابن ادريس: انّه محرّم. و به قال عامّة المتأخّرين؛ لأنّ الاتّفاق واقع على أنّ النبي صلى الله عليه و آله لم يفعله و لا أمر بفعله و اذا لم تثبت مشروعيّته كان بدعة، كالأذان للنافلة؛ لأنّ العبادات انّما تستفاد من التوقيف. و قد روي أنّ أوّل من فعل ذلك عثمان».(2)
أقول:
ما ذهب اليه في المدارك هو الصحيح، فالأذان الثاني المعبّر عنه بالأذان الثالث في رواية حفص بن غياث بدعة حيث قال عليه السلام:
«الأذان الثالث يوم الجمعة بدعة».(3)
و الظاهر أنّه غير الأذان للعصر، و ما تقدّم في الجزء الثاني من كتاب الصلاة(4)كان في موارد الأذان للعصر.
«الثالث»: لايحرم البيع و لا غيره من المعاملات يوم الجمعة بعد الأذان في أعصارنا ممّا لاتجب الجمعة فيها تعيينا.
الشرح:
و أمّا القول في البيع من حيث انّه أمر بتركه في الكتاب بقوله تعالى: «يا أيّها الذين آمنوا اذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا الى ذكر اللّه و ذروا البيع»(1)فنقول بحرمته في وقت صلاة الجمعة اذا انجرّ الى تركها و أمّا بطلانه فلا.
اللّهمّ الاّ أن يقال: انّ الأمر هنا للارشاد الى السعي للصلاة بدليل قوله تعالى بعده: «ذلكم خير لكم ان كنتم تعلمون» الاّ أن يكون هناك اجماع كما قال في المدارك: «أجمع العلماء كافّة على تحريم البيع بعد النداء للجمعة، قاله في التذكرة».(2)
و مستند الاجماع المحكي معلوم، و هو الآية الشريفة المذكورة.
و أمّا سائر المعاملات و سائر الأعمال التي ينجرّ فعلها الى ترك الصلاة فحرمتها ترجع الى أنّه هل تكون مقدّمة الحرام محرّمة أم لا؟ و سيأتي الكلام عنه عند الكلام في السفر.
أمّا السفر فقال في الشرائع: «اذا زالت الشمس لم يجز السفر لتعيّن الجمعة، و يكره بعد طلوع الفجر».(3)
و قال في المدارك: «أجمع علماؤنا و أكثر العامّة على أنّه لايجوز لمن وجبتعليه الجمعة انشاء السفر بعد الزوال قبل أن يصلّيها، حكى ذلك العلاّمة في التذكرة و المنتهى، و يمكن أن يستدلّ على ذلك بفحوى قوله تعالى: «و ذروا البيع» اذ
الظاهر أنّ النهي عن البيع انّما وقع لمنافاته السعي الى الجمعة فيكون السفر المنافي كذلك. انتهى ملخّصا».(1)
أقول:
اذا وجبت الجمعة عليه فلايجوز تركها، فهل يوجب حرمة كلّ فعل يكون مقدّمة لترك صلاة الجمعة؟ فهذا مبني على القول بأنّ مقدّمة الحرام حرام أو على القول بأنّ الأمر بالشيء يستلزم النهي عن ضدّه الخاصّ، و القول بكليهما محلّ تأمّل بل اشكال.
فلهذا نقول بأنّ من ترك واجبا فقد عصى و فعل حراما و أمّا الأفعال التي فعلها حين ترك الواجب فلانقول بحرمتها. و هيهنا لو لم يكن اجماع لانقول بحرمة السفر و ان ترك واجبا، الاّ أن يقال بأنّ فعل السفر عين ترك الجمعة، فالاحتياط في محلّه.
و كذا حكم سائر المعاملات - ما عدا البيع - و سائر الأعمال التي ينجرّ فعلها الى ترك الجمعة.
1) - مدارك الأحكام 4: 59 و 60.
«الرابع»: لو لم يتمكّن المأموم لزحام و نحوه من السجود مع الامام في الركعة الأولى التي أدرك ركوعها معه فان أمكنه السجود و اللحاق به قبل الركوع أو فيه فعل و صحّت جمعته، و ان لم يمكنه ذلك لم يتابعه في الركوع بل اقتصر على متابعته في السجدتين، و نوى بهما للأولى فيكمل له ركعة مع الامام ثمّ يأتي بركعة ثانية لنفسه و قد تمّت صلاته و ان نوى بهما الثانية قيل: يحذفهما و يسجد للأولى و يأتي بالركعة الثانية و صحّت صلاته، و هو مروي. و قيل: تبطل الصلاة و يحتمل جعلهما للأولى اذا كانت نيّته للثانية لغفلة أو جهل و أتى بالركعة الثانية كالفرض الأوّل، و المسألة لاتخلو من اشكال فالأحوط الاتمام بحذفهما و السجدة للأولى و الاتيان بالظهر، و كذا لو نوى بهما التبعيّة للامام.
الشرح:
قال في المدارك: «لو زوحم عن الركوع و السجود صبر حتّى يتمكّن منهما ثمّ يلتحق، روى ذلك ابن بابويه في الصحيح عن عبدالرحمن بن الحجّاج عن الصادق عليه السلام. و لو زوحم عن الركعتين و لم يمكنه الالتحاق حتّى سجد الامام احتمل اتمامها ظهرا، و هو خيرة المحقّق في المعتبر و يحتمل اتمامها جمعة؛ لما تقدّم من أنّ الجماعة انّما تعتبر ابتداءً لا استدامة. و لعلّه الأظهر».(1)
قال في الشرائع: «اذا لم يتمكّن المأموم من السجود مع الامام في الأولى فان أمكنه السجود و اللحاق به قبل الركوع صحّ و الاّ اقتصر على متابعته في السجدتين و ينوي بهما الأولى فان نوى بهما الثانية قيل: تبطل الصلاة و قيل: يحذفهما و يسجد للأولى و يتمّ بثانية و الأوّل أظهر».(2)
أقول:
اذا لم يتمكّن المأموم من السجود بتمامه مع الامام في الأولى التي أدرك ركوعها معه انتظر و لم يسجد على الظهر - كما عن قوم من العامّة - فان أمكنه السجود بعد قيام الامام و اللحاق به قبل الركوع فعل و صحّ جمعته بلا خلاف أجده فيه بل يمكن تحصيل الاجماع عليه، بل عن كشف اللثام دعوى الاتّفاق عليه - كما في الجواهر - و لايقدح ذلك في صلاته للحاجة و الضرورة، فلابأس عليه حينئذ في فوات المتابعة للعذر الذي هو كالنسيان أو أعظم منه.
و الاّ يمكنه ذلك حتّى سجد الامام للثانية اقتصر على متابعته في السجدتين من دون ركوع اجماعا على ما نقله في الجواهر عن نهاية الأحكام، فلو تابعه بالركوع بطلت صلاته للزيادة.
فيسجد معه السجدتين و ينوي بهما للأولى ثم يأتي بركعة ثانية لنفسه و صحّت جمعته عندنا بلا خلاف فيه بيننا، بل نقل في الجواهر عن الذكرى و المحكي عن المنتهى و المعتبر و التنقيح الاجماع عليه. فان نوى بهما الثانية قيل - و القائل الشيخ في النهاية و القاضي في المهذّب على ما حكي عنهما و المصنّف في باقي كتبه على ما حكي عن بعضها و الفاضل في القواعد و غيرهم - : تبطل الصلاة لأنّه ان اكتفى بهما للأولى و أتى بالركعة الثانية تامّة خالف نيّته، و انّما الأعمال بالنيّات، و ان ألغاهما و أتى بسجدتين غيرهما للأولى و أتى بركعة أخرى تامّة زاد في الصلاة ركنا، و ان اكتفى بهما و لم يأت بعدهما الاّ بالتشهّد و التسليم نقص من الركعة الأولى السجدتين و من الثانية ما قبلهما.
و قيل - و القائل المرتضى في المصباح و الشيخ في المبسوط و الخلاف ويحيى بن سعيد في الجامع و غيرهم على ما حكي عنهم - : لاتبطل بل يحذفهما و يسجد للأولى و يتمّ الثانية بل في محكي الخلاف الاجماع عليه، يستدلّ على ذلك بقول أبي عبداللّه عليه السلام في خبر حفص بن غياث:
«و ان كان لم ينو السجدتين في الركعة الأولى لم تجز عنه الأولى و الثانية، و عليه أن يسجد سجدتين و ينوي أنّهما للركعة الأولى، و عليه بعد ذلك ركعة تامّة يسجد فيها»(1)
ولكن الأوّل أظهر لما عرفت، و لقصور الخبر بالضعف و عدم الصراحة، اذ يجوز أن يكون قوله عليه السلام: «و عليه أن يسجد الخ» مستأنفا بمعنى أنّه كان عليه أن ينويها للأولى، فاذا لم ينوهما لها بطلت صلاته.
و في الجواهر: «لكن في الذكرى: «ليس ببعيد العمل بهذه الرواية، لاشتهارها بين الأصحاب، و عدم وجود ما ينافيها، و زيادة السجود مغتفرة في المأموم كما لو سجد قبل امامه، و هذا التخصيص يخرج الروايات الدالّة على الابطال عن الدلالة، و أمّا ضعف الراوي فلايضرّ مع الاشتهار، على أنّ الشيخ قال في الفهرست: انّ كتاب حفص يعتمد عليه». و فيه: أنّه لا شهرة محققّة تصلح جابرة على وجه يكون هذا الخبر مخصصّا لما دل على البطلان بالزيادة التي هي غير مغتفرة في المأموم أيضا، بل في الرياض تارة أنّ القائل به نادر، و أخرى أنّ الشهرة على خلافه ظاهرة، و منه يعلم وهن الاجماع المزبور، و في المحكي عن المبسوط أنّ في البطلان رواية، فهي حينئذ منافية للخبر المزبور، بل لعلّها أرجح منه باعتضادها بالأخبار الدالّة على الابطال بالزيادة في الفريضة المعتضدة بعد العمل بالقاعدة الاعتباريّة في وجه، فالمتّجه حينئذ البطلان كما عرفت».(2)
و في المسالك: «و لو أطلق فالظاهر الصحّة و انصرافهما الى الأولى حملاً للإ طلاق على ما في ذمّته، فانّه لايجب لكلّ فعل من أفعال الصلاة نيّة و ان كان المصلّي مسبوقا. و قيل: يبطل كما لو نواهما للثانية».(3)
و قد عرفت أنّ الأظهر البطلان وفاقا للمحقّق و صاحب الجواهر و غيرهما.
«الخامس»: صلاة الجمعة ركعتان و كيفيّتها كصلاة الصبح و يستحبّ فيها الجهر بالقراءة، و قراءة الجمعة في الأولى و المنافقين في الثانية و فيها قنوتان أحدهما قبل ركوع الركعة الأولى و ثانيهما بعد ركوع الثانية، و قد مرّ بعض أحكامها في الشرائط و الموانع و القواطع و الخلل و الشكّ و السهو و غيرها ما تقدّمت في كتاب الطهارة و الصلاة.
الشرح:
انّ الجمعة ركعتان كالصبح يسقط معهما الظهر و يستحبّ فيهما الجهر.
قال في المدارك: «هذان الحكمان - أي كون الجمعة ركعتين و سقوط الظهر بها - اجماعيّان بين العلماء كافّة، قاله في المعتبر و المنتهى. أمّا أنّهما ركعتان فيدلّ عليه فعل النبي صلى الله عليه و آله و الأئمّة عليهم السلام و الأخبار المتواترة».(1)
ففي صحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) قال:
«انّما جعلت الجمعة ركعتين من أجل الخطبتين، فهي صلاة حتّى ينزل الامام».(2)
و في موثّقة سماعة قال:
«سألته عن القنوت في الجمعة. - الى أن قال: - قال: انّما صلاة الجمعة مع الامام ركعتان، فمن صلّى مع غير امام وحده فهي أربع ركعات بمنزلة الظهر. الحديث».(3)
فالظاهر من هذه الروايات و غيرها سقوط الظهر بصلاة ركعتين للجمعة.
و يستحبّ فيهما الجهر؛ لصحيحة محمّد بن مسلم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن صلاة الجمعة في السفر قال: يصنعون كما يصنعون في الظهر و لايجهر الامام فيها بالقراءة و انّما يجهر اذا كانت خطبة».(1)
و الدليل على عدم وجوبه صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام قال:
«سألته عن الرجل يصلّي من الفريضة ما يجهر فيه بالقراءة هل عليه أن لايجهر؟ قال: ان شاء جهر و ان شاء لم يفعل».(2)
بناءً على أنّ المراد من الفرائض غير الصلوات اليوميّة، فانّ القراءة في صلاة الصبح و المغرب و العشاء يجهر بها بالنصّ.
قال في المدارك: «استحباب الجهر في القراءة في صلاة الجمعة مجمع عليه بين الأصحاب، بل في المعتبر: «انّه لايختلف فيه أهل العلم» و قد قطع الأصحاب بعدم وجوب الجهر في هذه الصلاة. و عن العلاّمة: «لم أقف على قول للأصحاب في الوجوب و عدمه، و الأصل عدمه. انتهى ملخّصا».(3)
«الأولى»: يجوز لمن يصلّي الجمعة خلف من لايقتدى به أن يقدّم ظهره على الجمعة و أن يؤخّرها.
ففي صحيحة زرارة قال:
«قلت لأبي جعفر عليه السلام: انّ أناسا رووا عن أميرالمؤمنين عليه السلام أنّه صلّى أربع ركعات بعد الجمعة لم يفصل بينهنّ بتسليم؟ فقال: يا زرارة، انّ أميرالمؤمنين عليه السلام صلّى خلف فاسق فلمّا سلّم و انصرف قام أميرالمؤمنين عليه السلام فصلّى أربع ركعات لم يفصل بينهنّ بتسليم، فقال له رجل الى جنبه: يا أبا الحسن، صلّيت أربع ركعات لم تفصل بينهنّ، فقال: انّها أربع ركعات مشبّهات فسكت، فواللّه ما عقل ما قال له».(1)
«الثانية»: يستحبّ الدعاء يوم الجمعة ما بين فراغ الخطيب و استواء الصفوف و في آخر ساعة منه.
ففي صحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«الساعة التي يستجاب فيها الدعاء يوم الجمعة ما بين فراغ الامام من الخطبة الى أن يستوي الناس في الصفوف و ساعة أخرى من آخر النهار الى غروب الشمس».(2)
و في صحيحة معاوية بن عمّار قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: الساعة التي في يوم الجمعة التي لايدعو فيها مؤمن الاّ استجيب له؟ قال: نعم، اذا خرج الامام، قلت: انّ الاماميعجّل و يؤخّر، قال: اذا زاغت الشمس».(3)
«الثالثة»: من سقطت عنه الجمعة يجوز له أن يصلّي الظهر في أوّل وقتها و لايجب عليه تأخيرها حتّى تفوت الجمعة بل لايستحبّ؛ لأنّ المرأة و المسافر و غيرهما ممّن سقطت عنه الجمعة ففرضهم صلاة الظهر فيجوز لهم أن يصلّوا الظهر في أوّل وقتها، و لا دليل على وجوب التأخير حتّى تفوت الجمعة، بل لا دليل على استحبابه أيضا، بل دليل استحباب الصلاة في أوّل وقتها يشمل هذا المورد أيضا.
و لو ارتفع عنه العذر بعد أن صلّى الظهر لم تجب عليه الجمعة لعدم وجوب فريضتين عليه، كما اذا صلّى الظهر في السفر و وصل الى وطنه حين صلاة الجمعة.
و أمّا آداب الجمعة فقال في الشرائع: «فالغسل و التنفّل بعشرين ركعة ستّ عند انبساط الشمس و ستّ عند ارتفاعها و ستّ قبل الزوال و ركعتان عند الزوال، و لو أخّر النافلة بعد الزوال جاز، و أفضل من ذلك تقديمها، فان صلّى بين الفريضتين ستّ ركعات من النافلة جاز».(1)
قد سبق الكلام في الغسل في باب الطهارة.
و أمّا التنفّل بعشرين ركعة و ترتيبها فقد وردت به روايات:
منها صحيحة الفضل بن شاذان عن الرضا عليه السلام قال:
«انّما زيد في صلاة السنّة يوم الجمعة أبع ركعات تعظيما لذلك اليوم و تفرقة بينه و بين سائر الأيّام».(2)
و منها صحيحة سعد بن سعد الأشعري عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال:
«سألته عن الصلاة يوم الجمعة، كم ركعة هي قبل الزوال؟ قال: ستّ ركعات بكرة و ستّ بعد ذلك، اثنتا عشرة ركعة و ستّ ركعات بعد ذلك ثماني عشرة ركعة و ركعتان بعد الزوال، فهذه عشرون ركعة و ركعتان بعد العصر فهذه ثنتان و عشرون ركعة».(3)
و منها صحيحة الحسين بن علي بن يقطين عن أبيه قال:
«سألت أبا الحسن عليه السلام عن النافلة التي تصلّى يوم الجمعة وقتالفريضة، قبل الجمعة أفضل أو بعدها؟ قال: قبل الصلاة».(4)
و مفاد الروايات المذكورة بالنسبة الى الترتيب هو الذي قال المحقّق في الشرائع بأفضليّته.
و الدليل على جواز أن يصلّي ستّ ركعات من النافلة بين الفريضتين صحيحة أحمد بن محمّد بن أبي نصر قال:
«سألت أبا الحسن عليه السلام عن التطوّع يوم الجمعة؟ قال: ستّ ركعات في صدر النهار و ستّ ركعات قبل الزوال و ركعتان اذا زالت و ستّ ركعات بعد الجمعة فذلك عشرون ركعة سوى الفريضة».(1)
و يجوز أن يصلّي بين الفريضتين ثماني ركعات؛ لصحيحة سليمان بن خالد قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: النافلة يوم الجمعة؟ قال: ستّ ركعات قبل زوال الشمس و ركعتان عند زوالها و القراءة في الأولى بالجمعة و في الثانية بالمنافقين و بعد الفريضة ثماني ركعات».(2)
و يستحبّ السبق الى المسجد و المباكرة اليه يوم الجمعة.
ففي صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«اذا كان يوم الجمعة نزل الملائكة المقرّبون معهم قراطيس من فضّة و أقلام من ذهب فيجلسون على أبواب المسجد على كراسي من نور فيكتبون الناس على منازلهم الأوّل و الثاني حتّى يخرج الامام، فاذا خرج الامام طووا صحفهم و لايهبطون في شيء من الأيّام الاّيوم الجمعة يعني الملائكة المقرّبين».(3)
قال في الشرائع: «و أن يباكر المضي الى المسجد الأعظم بعد أن يحلق رأسه و
يقصّ أظفاره و يأخذ من شاربه و أن يكون على سكينة و وقار متطيّبا لابسا أفضل ثيابه و أن يدعو أمام توجّهه».(1)
أقول:
أمّا استحباب حلق الرأس يوم الجمعة فلم أقف على أثر عليه و لعلّه لكونه من النظافة.
و أمّا قصّ الأظفار و أخذ الشارب و غسل الرأس بالخطمي فقد ورد بها روايات من جملتها صحيحة محمّد بن طلحة قال:
«قال أبو عبداللّه عليه السلام: تقليم الأظفار و قصّ الشارب و غسل الرأس بالخطمي كلّ جمعة ينفي الفقر و يزيد في الرزق».(2)
و في صحيحة معمّر بن خلاّد عن أبي الحسن عليه السلام قال:
«لاينبغي للرجل أن يدع الطيب في كلّ يوم، فان لم يقدر عليه فيوم و يوم لا، فان لم يقدر ففي كلّ جمعة و لايدع».(3)
و في صحيحة هشام بن الحكم قال:
«قال أبو عبداللّه عليه السلام: ليتزيّن أحدكم يوم الجمعة فيغتسل و يتطيّب و يسرّح لحيته و يلبس أنظف ثيابه و ليتهيّأ للجمعة و ليكن عليه في ذلك اليوم السكينة و الوقار و ليحسن عبادة ربّه و ليفعل الخير مااستطاع فانّ اللّه يطّلع الى الأرض ليضاعف الحسنات».(4)
الى هنا انتهى مباحث الصلاة من العروة الوثقى
مع ما ألحقنا بها من مباحث صلاة الجمعة من تحرير الوسيلة
و فرغنا من المراجعة و استئناف النظر في الجزء السادس منه
في شهر رمضان المبارك عام 1432 الهجري
و الحمد للّه أوّلاً و آخرا، و الصلاة و السلام على
رسوله المنتجب و آله الطيّبين الطاهرين.
سيّد عليمحمّد دستغيب الحسيني
ابن سيّد علي أكبر