ghaemiyeh.com
الهادي إلی الطريقة الوسطی في شرح العروة الوثقی
المجلد الثامن
کتاب الصلاة
الجزء الخامس
لمؤلفة المحقق والفقيه المدقق
سماحة آية الله سيد علي محمد دستغيب الحسيني الشيرازي
محرر الرقمي: روح الله قاسمي
فصل في الجماعة / 21
في فضل صلاة الجماعة و دلائل استحبابها ... 21
الفرع الأوّل في أنّ الجماعة من المستحبّات الأكيدة ... 24
الفرع الثاني في تأكيد استحباب الجماعة في الصبح و العشاءين ... 27
الفرع الثالث في استحباب الصلاة في المسجد ... 28
الفرع الرابع في مشروعيّة قضاء اليوميّة بالجماعة ... 31
الفرع الخامس في استحباب الجماعة في الفرائض كلّها ... 33
في موارد وجوب الجماعة ... 34
فرع فيما اذا نذر أن يصلّي اليوميّة بالجماعة ... 36
في موارد لاتشرع فيها الجماعة ... 37
الفرع الأوّل في الجماعة في النافلة الواجبة بنذر و شبهه و صلاة الغدير ... 43
الفرع الثاني في استثناء صلاة الاستسقاء و العيدين ... 44
في الاقتداء في كلّ من الصلوات اليوميّة بمن يصلّي الأخرى ... 46
الفرع الأوّل في ائتمام المفترض بالمفترض ... 46
الفرع الثاني في اقتداء المسافر بالحاضر و العكس ... 48
الفرع الثالث في اقتداء المعيد صلاته بمن لم يصلّ و العكس ... 49
الفرع الرابع في أنّه يجوز الجماعة لمن يعيد صلاته احتياطا ... 52
في الاقتداء في اليوميّة بصلاة الطواف و العكس ... 54
في الاقتداء في اليوميّة بصلاة الاحتياط و العكس ... 55
في اقتداء مصلّي اليوميّة أو الطواف بمصلّي الآيات أو العيدين أو صلاة الأموات ... 57
في أقلّ عدد تنعقد به الجماعة ... 59
في أنّه هل يشترط في انعقاد الجماعة نيّة الجماعة و الامامة للامام أو لا ... 62
فرع في وجوب وحدة الامام ... 64
فيما لو شكّ في أنّه نوى الائتمام أم لا ... 65
فيما اذا نوى الاقتداء بشخص فبان أنّه شخص آخر ... 67
فيما اذا صلّى اثنان و بعد الفراغ عُلم أنّ كلاًّ منهما نوى الامامة أو الائتمام للآخر ... 70
في حكم نقل النيّة من امام الى امام آخر ... 71
فرع في نقل النيّة من امام الى امام آخر اختيارا ... 76
في العدول من الائتمام الى الانفراد ... 78
فيما اذا نوى الانفراد بعد قراءة الامام قبل الدخول في الركوع ... 81
في العدول الى الانفراد لو ائتمّ بالامام في الركوع ... 83
في العود الى الائتمام بعد العدول منه الى الانفراد ... 83
في اعتبار قصد القربة في صحّة الجماعة ... 84
فيما اذا نوى الاقتداء بمن يصلّي صلاة لايجوز الاقتداء فيها ... 86
في مواضع يجوز فيها الدخول في الجماعة ... 86
الفرع الأوّل في ادراك الصلاة جماعة بادراك الركوع ... 87
الفرع الثاني في اعتبار اجتماعهما في قوس الركوع ... 90
الفرع الثالث فيما اذا اقتدى في أوّل الصلاة و لم يدرك الركوع ... 92
فيما لو ركع بتخيّل ادراك الامام راكعا و لم يدركه ... 94
فيما لو نوى و كبّر فرفع الامام رأسه قبل أن يركع ... 96
في أنّه هل يجوز له الدخول اذا أدرك الامام و هو في التشهّد الأخير أو لا؟ ... 100
فيما اذا حضر الجماعة فرأى الامام راكعا و خاف أن يفوته ركوع الامام ان التحق بالصفّ ... 102
فصل في شروط الجماعة/109
«الأوّل»: أن لايكون بين الامام و المأموم حائل يمنع من مشاهدته ... 109
الفرع الأوّل فيما اذا لم يكن الحائل مانعا من المشاهدة ... 111
الفرع الثاني في اغتفار الحائل اذا ائتمّت المرأة بالرجل ... 113
«الثاني»: أن لايكون موقف الامام أعلى من موقف المأمومين ... 114
«الثالث»: أن لايتباعد المأموم عن الامام بما يكون كثيرا في العادة ... 117
«الرابع»: أن لايتقدّم المأموم على الامام في الموقف ... 123
الفرع الأوّل فيما لو تقدّم المأموم على الامام ... 124
الفرع الثاني في مساواة موقف المأموم و الامام ... 127
في الحائل القصير الغير المانع من المشاهدة ... 133
فيما اذا كان الحائل ذا ثقب يتحقّق معه المشاهدة ... 134
فيما اذا كان الحائل زجاجا يحكى من ورائه ... 135
في الحائل الشبّاك ... 136
في حيلولة المأمومين بعضهم لبعض ... 136
فيما لو كان الامام في محراب داخل في جدار ... 138
في الاقتداء بين الأسطوانات ... 140
فيما لو تجدّد الحائل في الأثناء ... 140
فيما لو دخل في الجماعة مع وجود الحائل جاهلاً به ... 142
في الحائل الغير المستقرّ ... 142
فيما لو شكّ في حدوث الحائل في الأثناء ... 143
فيما اذا تمّت صلاة الصفّ المتقدّم و كانوا جالسين ... 144
في الثوب الرقيق الذي يُرى من ورائه الشبح ... 145
فيما لو تجدّد البعد في أثناء الصلاة ... 146
فيما اذا انتهت صلاة الصفّ المتقدّم لكونهم مقصّرين أو عدلوا الى الانفراد ... 146
فيما اذا علم بطلان صلاة الصفّ المتقدّم ... 147
في الفصل بالصبي المميّز ... 148
فيما اذا تقدّم المأموم على الامام في أثناء الصلاة ... 150
في الجماعة بالاستدارة حول الكعبة ... 150
فصل في أحكام الجماعة/153
في قراءة المأموم في الجماعة ... 153
الفرع الأوّل في قراءة المأموم في الركعتين الأوليين ... 154
الفرع الثاني في قراءة المأموم في الركعتين الأخيرتين ... 163
فيما اذا سمع بعض قراءة الامام ... 167
فيما اذا قرأ بتخيّل أنّ المسموع غير صوت الامام فبان أنّه للامام ... 169
فيما اذا شكّ في السماع و عدمه ... 169
في حكم الطمأنينة و المبادرة الى القيام حال قراءة الامام ... 170
في عدم جواز تقدّم المأموم على الامام في الأفعال ... 171
في أنّ وجوب المتابعة ليس شرطا في الصحّة ... 175
فيما اذا رفع رأسه من الركوع أو السجود قبل الامام ... 177
فيما لو عاد الى الركوع للمتابعة فرفع الامام رأسه قبله ... 181
فيما اذا ركع أو سجد قبل الامام ... 183
في متابعة الامام في الأقوال ... 184
فيما لو أحرم قبل الامام ... 189
في اتيان ذكر الركوع و السجود أزيد من الامام ... 190
فيما اذا ركع المأموم ثمّ رأى الامام يقنت في غير محلّه ... 191
فيما يتحمّله الامام عن المأموم من أفعال الصلاة ... 192
فرع فيما اذا لم يمهله الامام للقراءة ... 196
فيما اذا أدرك الامام في الركعة الثانية ... 198
فيما هو المراد بعدم امهال الامام المجوّز لترك السورة ... 201
فيما اذا اعتقد المأموم امهال الامام له في قراءته فقرأها و لم يدرك ركوعه ... 202
في كيفيّة القراءة خلف الامام من الجهر و الاخفات ... 203
في حكم تشهّد المأموم المسبوق بركعة ... 204
في حكم قراءة المأموم اذا أدرك الامام في الأخيرتين ... 205
فيما اذا حضر المأموم الجماعة و لم يدر أنّ الامام في الأوليين أو الأخيرتين ... 206
فيما اذا تخيّل أنّ الامام في الأوليين فترك القراءة فبان خلافه ... 207
فيما اذا كان مشتغلاً بالصلاة منفردا فأقيمت الجماعة ... 208
الفرع الأوّل فيما اذا كان مشتغلاً بالنافلة فأقيمت الجماعة ... 208
الفرع الثاني فيما اذا كان مشتغلاً بالفريضة منفردا فأقيمت الجماعة ... 211
في الاتيان بالتكبيرات الستّ للمأموم قبل تحريم الامام ... 213
في اقتداء أحد المجتهدين أو المقلّدين أو المختلفين بالآخر ... 214
فيما اذا علم المأموم بطلان صلاة الامام قبل الاقتداء ... 217
فيما اذا رأى المأموم في ثوب الامام أو بدنه نجاسة ... 217
فيما اذا تبيّن بعد الصلاة بطلان صلاة الامام ... 218
فيما اذا نسي الامام شيئا من واجبات الصلاة و لم يعلم به المأموم ... 224
فيما اذا تبيّن للامام بطلان صلاته ... 227
في الاقتداء بامام يرى نفسه مجتهدا و ليس بمجتهد ... 228
فيما اذا دخل الامام في الصلاة معتقدا دخول الوقت و المأموم معتقد عدمه ... 229
فصل في شرائط امام الجماعة/231
في امامة القاعد للقاعدين، و المضطجع لمثله و الجالس للمضطجع ... 245
في امامة المتيمّم للمتوضّئ و ذيالجبيرة لغيره ... 246
فرع في امامة المستحاضة و المسلوس و مستصحب النجاسة من جهة العذر ... 248
في الاقتداء بمن لايحسن القراءة في غير المحلّ الذي يتحمّلها الامام عن المأموم ... 249
في الاقتداء بمن لايتمكّن من كمال الافصاح بالحروف ... 250
في امامة الأخرس لغيره ... 251
في امامة المرأة ... 252
في امامة غير البالغ ... 254
في امامة الأجذم و الأبرص و المحدود و الأعرابي ... 255
الفرع الأوّل في امامة الأجذم و الأبرص ... 255
الفرع الثاني في امامة المحدود بالحدّ الشرعي بعد التوبة ... 256
الفرع الثالث في امامة الأعرابي بالمهاجرين ... 257
في العدالة ... 259
في المعصية الكبيرة ... 270
فيما اذا شهد عدلان بعدالة شخص ... 275
فيما اذا أخبر جماعة غير معلومين بالعدالة، بعدالة الامام ... 275
في امامة من يعرف نفسه بعدم العدالة ... 276
فيمن هو أولى بالامامة ... 277
فيما اذا تشاحّ الأئمّة رغبة في ثواب الامامة ... 281
الفرع الأوّل في التشاحّ الصحيح ... 282
الفرع الثاني في تشاحّ المأمومين في انتخاب الامام ... 283
الفرع الثالث فيمن كان أحقّ بالتقدّم عند التشاحّ ... 283
فيمن تكره امامته ... 290
فصل في مستحبّات الجماعة و مكروهاتها/295
في المستحبّات: «الأوّل»: وقوف المأموم عن يمين الامام ... 295
الفرع الأوّل في كيفيّة وقوف المأموم ان كان رجلاً ... 296
الفرع الثاني في كيفيّة وقوف المأموم ان كان امرأة ... 299
الفرع الثالث في جماعة النساء بامامة المرأة ... 301
«الثاني»: أن يقف الامام في وسط الصفّ ... 302
«الثالث»: أن يكون في الصفّ الأوّل أهل الفضل ... 302
«الرابع»: الوقوف في القرب من الامام ... 303
«الخامس»: الوقوف في ميامن الصفوف ... 303
«السادس»: اقامة الصفوف و اعتدالها ... 304
«السابع»: تقارب الصفوف ... 304
«الثامن»: أن يصلّي الامام بصلاة أضعف من خلفه ... 304
«التاسع»: أن يشتغل المأموم المسبوق بالتسبيح اذا أكمل القراءة قبل ركوع الامام ... 306
«العاشر»: أن لايقوم الامام من مقامه بعد التسليم ... 307
«الحادي عشر»: أن يُسمع الامام من خلفه القراءة الجهريّة و الأذكار ... 309
«الثاني عشر»: أن يطيل الامام ركوعه اذا أحسّ بدخول شخص ... 310
«الثالث عشر»: أن يقول المأموم: «الحمد للّه ربّ العالمين» عند فراغ الامام من الفاتحة ... 311
«الرابع عشر»: قيام المأمومين عند قول المؤذّن: «قد قامت الصلاة» ... 311
في المكروهات: «الأوّل»: وقوف المأموم وحده في صفّ وحده ... 312
«الثاني»: التنفّل بعد قول المؤذّن: «قد قامت الصلاة» ... 312
«الثالث»: تخصيص الامام نفسه بالدعاء ... 313
«الرابع»: التكلّم بعد قول المؤذّن: «قد قامت الصلاة» ... 313
«الخامس»: اسماع المأموم الامام ما يقوله ... 314
«السادس»: ائتمام الحاضر بالمسافر و العكس ... 314
في انتظار كلّ من المأموم و الامام، الآخر بأن لايسلّم حتّى يتمّ صلاته ... 315
فيما اذا شكّ المأموم أنّه سجد مع الامام السجدتين أو واحدة ... 317
فيما اذا اقتدى المغرب بعشاء الامام و شكّ أنّه في الرابعة أو الثالثة ... 317
فيما اذا رأى من عادل كبيرة ... 318
في أنّه هل يصحّ الاقتداء بالامام عند الجهل بكون صلاته يوميّة أو نافلة؟ ... 318
في القدر المغتفر من زيادة الركوع للمتابعة ... 319
فيما اذا كان الامام يصلّي أداءً أو قضاءً و المأموم منحصرا بمن يصلّي احتياطيّا ... 320
فرع فيما اذا كانت الصلاة باستصحاب الطهارة ... 321
فيما اذا فرغ الامام من الصلاة و المأموم في التشهّد أو في السلام الأوّل ... 322
في جواز القيام بعد السجدة الثانية من رابعة الامام، للمأموم المسبوق بركعة ... 322
في أنّه هل يجب على المأموم أن يصغي الى قراءة الامام؟ ... 324
فيما اذا عرف الامام بالعدالة ثمّ شكّ في حدوث فسقه ... 326
في تقدّم المأموم الى الصفّ السابق أو تأخّره الى اللاحق مع ضيق الصفّ ... 326
في أفضليّة انتظار الجماعة من الصلاة في أوّل الوقت منفردا ... 328
في الجماعة في السفينة و بطون الأودية ... 332
في أفضليّة اختيار الامامة على الاقتداء ... 333
في الاقتداء بالعبد ... 334
في تمكين الصبيان من الصفّ الأوّل ... 335
فيما اذا صلّى منفردا أو جماعة و احتمل فيها خللاً في الواقع ... 335
الفرع الأوّل في اعادة الصلاة فرادى مع عدم احتمال الخلل ... 339
الفرع الثاني في استحباب الجماعة لرجلين صلّيا منفردين ... 339
فيما اذا ظهر بعد اعادة الصلاة جماعة بطلان الصلاة الأولى ... 340
في كيفيّة نيّة الوجه في الصلاة المعادة ... 340
فصل في الخلل الواقع في الصلاة/341
في أقسام الخلل ... 341
في الخلل العمدي ... 342
فيما اذا حصل الاخلال بزيادة أو نقصان جهلاً بالحكم ... 344
في عدم الفرق في البطلان بالزيادة العمديّة بين مواضعها ... 348
فيما اذا أخلّ بالطهارة الحدثيّة ساهيا ... 350
فيما اذا صلّى قبل دخول الوقت ساهيا ... 350
فيما اذا أخلّ بالطهارة الخبثيّة ساهيا ... 350
فيما اذا أخلّ بستر العورة سهوا ... 351
فيما اذا أخلّ بشرائط المكان سهوا ... 351
فيما اذا سجد على ما لايصحّ السجود عليه سهوا ... 352
فيما اذا زاد ركنا أو واجبا غير ركن في الصلاة سهوا ... 352
الفرع الأوّل فيما اذا زاد ركعة سهوا ... 353
الفرع الثاني فيما اذا زاد الركوع سهوا ... 358
الفرع الثالث فيما لو زاد سجدتين سهوا ... 359
الفرع الرابع فيما لو زاد تكبيرة الاحرام سهوا ... 359
الفرع الخامس فيما اذا زاد غير ما ذكر من الأجزاء سهوا ... 360
فيما يستثنى من بطلان الصلاة بزيادة الركعة ... 360
فيما اذا سها عن الركوع حتّى دخل في السجدة الثانية ... 361
فيما لو نسي السجدتين و لم يتذكّر الاّ بعد الدخول في الركوع من الركعة التالية ... 364
الفرع الأوّل فيما اذا نسي السجدتين و ذكر قبل الركوع ... 365
الفرع الثاني فيما اذا نسي السجدتين و ذكر بعد الركوع ... 366
الفرع الثالث فيما لو نسي السجدتين من الركعة الأخيرة حتّى سلّم ... 366
فيما لو نسي النيّة أو تكبيرة الاحرام ... 368
فيما لو نسي الركعة الأخيرة فذكرها بعد التشهّد ... 369
فيما لو نسي ماعدا الأركان من أجزاء الصلاة ... 374
الفرع الأوّل في نسيان ماعدا الأركان غير السجدة الواحدة و التشهّد ... 376
الفرع الثاني في نسيان السجدة الواحدة ... 376
الفرع الثالث في نسيان التشهّد ... 379
الفرع الرابع فيما يتحقّق به فوت محلّ التدارك ... 385
فيما لو كان المنسي الجهر أو الاخفات ... 388
فصل في الشكّ/391
فيما اذا شكّ في أنّه هل صلّى أم لا؟ ... 391
الفرع الأوّل فيما اذا شكّ في أنّه هل صلّى أم لا؟ ... 392
الفرع الثاني فيما لو علم أنّه صلّى العصر و لم يدر أنّه صلّى الظهر أم لا؟ ... 393
فيما اذا شكّ في فعل الصلاة و قد بقي من الوقت مقدار ركعة ... 396
فيما لو ظنّ فعل الصلاة ... 397
فيما اذا شكّ في بقاء الوقت و عدمه ... 397
فيما اذا علم أنّه صلّى احدى الصلاتين من الظهر و العصر أو المغرب و العشاء ... 398
فيما اذا شكّ في الصلاة في أثناء الوقت و نسي الاتيان بها ... 399
في حكم كثير الشكّ في الاتيان بالصلاة و عدمه ... 400
فيما اذا شكّ في بعض شرائط الصلاة ... 402
فيما اذا شكّ في شيء من أفعال الصلاة ... 402
الفرع الأوّل فيما اذا كان الشكّ قبل الدخول في الغير ... 403
الفرع الثاني فيما لو شكّ بعد الدخول في الغير ... 405
الفرع الثالث في بيان المراد من الغير ... 407
الفرع الرابع في الفرق في الغير بين الجزء و مقدّمته ... 408
الفرع الخامس في عدم الفرق بين الأوّلتين و الأخيرتين ... 409
الفرع السادس في أنّ الغير أعمّ من الأجزاء الواجبة و المستحبّة ... 410
الفرع السابع في أنّ الأمر بالتجاوز عزيمة ... 410
في جريان قاعدة التجاوز في غير صلاة المختار ... 411
فيما لو شكّ في صحّة ما أتى به و فساده ... 412
فيما اذا شكّ في فعل قبل دخوله في الغير فأتى به ثمّ تبيّن أنّه كان آتيا به ... 413
فيما اذا شكّ في التسليم ... 414
فرع فيما اذا أحدث قبل التسليم ... 414
فيما اذا شكّ المأموم في أنّه كبّر للاحرام أم لا ... 415
فيما اذا شكّ و هو في فعل في أنّه هل شكّ في بعض الأفعال المتقدّمة أو لا؟ ... 416
فصل في الشكّ في الركعات/419
في الشكوك المبطلة: «الأوّل و الثاني»: الشكّ في الصلاة الثنائيّة و الثلاثيّة ... 419
«الثالث»: الشكّ بين الواحدة و الأزيد ... 423
«الرابع»: الشكّ بين الاثنتين و الأزيد قبل اكمال السجدتين ... 426
«الخامس»: الشكّ بين الاثنتين و الخمس أو الأزيد و ان كان بعد الاكمال ... 429
«السادس و السابع و الثامن» ... 433
في الشكوك الصحيحة: «الأوّل»: الشكّ بين الاثنتين و الثلاث بعد اكمال السجدتين ... 433
«الثاني»: الشكّ بين الثلاث و الأربع ... 436
«الثالث»: الشكّ بين الاثنتين و الأربع بعد الاكمال ... 439
«الرابع»: الشكّ بين الاثنتين و الثلاث و الأربع بعد الاكمال ... 442
«الخامس»: الشكّ بين الأربع و الخمس بعد اكمال السجدتين ... 446
«السادس و السابع و الثامن و التاسع» ... 448
في رعاية الاحتياط في الصور التسع من الشكوك الموجبة للبطلان ... 450
في التروّي و التأمّل بعد حدوث الشكّ ... 451
في حكم الظنّ بالركعات ... 454
في الشكوك المعتبر فيها اكمال السجدتين، اذا شكّ مع ذلك في اتيان السجدتين ... 458
فيما اذا شكّ بين الثلاث و الأربع و مع ذلك علم حال القيام أنّه ترك سجدة ... 459
في انقلاب الشكّ الى الظنّ أو شكّ آخر ... 460
فيما لو تردّد في أنّ الحاصل له ظنّ أو شكّ ... 460
الفرع الأوّل فيما لو تردّد في أنّ الحاصل له ظنّ أو شكّ ... 461
الفرع الثاني فيما اذا تردّد في حالته السابقة ... 461
فيما لو شكّ في أنّ شكّه السابق كان موجبا للبطلان أو للبناء ... 463
فيما لو شكّ بعد الفراغ من الصلاة أنّ شكّه هل كان موجبا للركعة أو الركعتين؟ ... 463
فيما لو علم بعد الفراغ من الصلاة أنّه طرأ له الشكّ في الأثناء لكن لم يدر كيفيّته ... 464
فيما اذا عرض له أحد الشكوك و لم يعلم حكمه ... 465
فيما لو انقلب شكّه بعد الفراغ من الصلاة الى شكّ آخر ... 466
فيما اذا شكّ بين الثلاث و الأربع ثمّ بعد الفراغ انقلب الى الثلاث و الخمس ... 468
فيما اذا بنى على الثلاث ثمّ شكّ بين الثلاث البنائي و الأربع ... 469
فيما اذا شكّ بين الاثنتين و الثلاث و الأربع ثمّ ظنّ عدم الأربع ... 470
فيما اذا عرض أحد الشكوك الصحيحة للمصلّي جالسا ... 471
في أنّه هل يجوز في الشكوك الصحيحة قطع الصلاة و استئنافها أو لا؟ ... 473
الفرع الأوّل في قطع الصلاة في الشكوك الصحيحة ... 473
الفرع الثاني فيما لو استأنف قبل الاتيان بالمنافي في الأثناء ... 474
الفرع الثالث فيما لو استأنف الصلاة بعد الاتمام ... 474
فيما اذا غفل عن الشكّ في الشكوك الباطلة و أتمّ الصلاة ... 475
فيما اذا شكّ بين الواحدة و الاثنتين مثلاً و هو في حال من الصلاة و علم أنّه اذا انتقل الى الحالة الأخرى يتبيّن له الحال ... 476
فيما لو كان المسافر في أحد مواطن التخيير فنوى بصلاته القصر و شكّ في الركعات ... 478
فيما لو أتمّ الصلاة على ما هو وظيفته ثمّ مات قبل الاتيان بصلاة الاحتياط ... 479
كتاب الصلاة
«الجزء الخامس»
و هي من المستحبّات الأكيدة في جميع الفرائض، خصوصا اليوميّة منها و خصوصا في الأدائيّة، و لاسيّما في الصبح و العشاءين، و خصوصا لجيران المسجد أو من يسمع النداء، و قد ورد في فضلها و ذمّ تاركها من ضروب التأكيدات ما كاد يلحقها بالواجبات، ففي الصحيح: «الصلاة في جماعة تفضل على صلاة الفذّ أي الفرد بأربع و عشرين درجة»(1)، و في رواية زرارة: «قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: ما يروي الناس أنّ الصلاة في جماعة أفضل من صلاة الرجل وحده بخمس و عشرين، فقال عليه السلام: صدقوا. فقلت: الرجلان
1) - وسائل الشيعة 8: 285/ الباب 1 من أبواب صلاة الجماعة/ الحديث 1.
يكونان جماعة؟ قال عليه السلام: نعم، و يقوم الرجل عن يمين الامام».(1)و في رواية محمّد بن عُمارة قال: «أرسلت الى الرضا عليه السلام أسأله عن الرجل يصلّي المكتوبة وحده في مسجد الكوفة أفضل أو صلاته مع جماعة؟ فقال عليه السلام: الصلاة في جماعة أفضل».(2)مع أنّه ورد «أنّ الصلاة في مسجد الكوفة تعدل ألف صلاة»(3)، و في بعض الأخبار «ألفين»، بل في خبر: «قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: أتاني جبرئيل مع سبعين ألف ملك بعد صلاة الظهر، فقال: يا محمّد، انّ ربّك يقرؤك السلام و أهدى اليك هديّتين لم يهدهما الى نبيّ قبلك. قلت: ما الهديّتان؟ قال: الوتر ثلاث ركعات، و الصلاة الخمس في جماعة. قلت: يا جبرئيل و ما لأمّتي في الجماعة؟ قال: يا محمّد، اذا كانا اثنين كتب اللّه لكلّ واحد بكلّ ركعة مائة و خمسين صلاة، و اذا كانوا ثلاثة كتب اللّه لكلّ واحد منهم بكلّ ركعة ستّمائة صلاة، و اذا كانوا أربعة كتب اللّه لكلّ واحد بكلّ ركعة ألفا و مائتي صلاة، و اذا كانوا خمسة كتب اللّه لكلّ واحد بكلّ ركعة ألفين و أربعمائة صلاة، و اذا كانوا ستّة كتب اللّه لكلّ واحد منهم بكلّ ركعة أربعة آلاف و ثمانمائة صلاة، و اذا كانوا سبعة كتب اللّه لكلّ واحد منهم بكلّ ركعة تسعة آلاف و ستّمائة صلاة، و اذا كانوا ثمانية كتب اللّه تعالى لكلّ واحد منهم بكلّ ركعة تسعه عشر ألفا و مائتي صلاة، و اذا كانوا تسعة كتب اللّه تعالى لكلّ واحد منهم بكلّ ركعة ستّة و ثلاثين ألفا و أربعمائة صلاة، و اذا كانوا عشرةكتب اللّه تعالى لكلّ واحد بكلّ ركعة سبعين ألفا و ألفين و ثمانمائة صلاة، فان زادوا على العشرة فلو صارت السموات كلّها قرطاسا و البحار مدادا و
الأشجار أقلاما و الثقلان مع الملائكة كتّابا لم يقدروا أن يكتبوا ثواب ركعة واحدة. يا محمّد! تكبيرة يدركها المؤمن مع الامام خير له من ستّين ألف حجّة و عمرة، و خير من الدنيا و ما فيها بسبعين ألف مرّة، و ركعة يصلّيها المؤمن مع الامام خير من مائة ألف دينار يتصدّق بها على المساكين، و سجدة يسجدها المؤمن مع الامام في جماعة خير من عتق مائة رقبة».(1)و عن الصادق عليه السلام: «الصلاة خلف العالم بألف ركعة، و خلف القرشي بمائة».(2)و لايخفى أنّه اذا تعدّد جهات الفضل تضاعف الأجر، فاذا كانت في مسجد السوق الذي تكون الصلاة فيه باثنتي عشرة صلاة(3)يتضاعف بمقداره، و اذا كانت في مسجد القبيلة الذي تكون الصلاة فيه بخمسة و عشرين فكذلك، و اذا كانت في المسجد الجامع الذي تكون الصلاة فيه بمائة يتضاعف بقدره، و كذا اذا كانت في مسجد الكوفة الذي بألف أو كانت عند علي عليه السلام الذي فيه بمائتي ألف، و اذا كانت خلف العالم أو السيّد فأفضل، و ان كانت خلف العالم السيّد فأفضل و كلّما كان الامام أوثق و أورع و أفضل فأفضل و اذا كان المأمومون ذوو فضل فتكون أفضل، و كلّما كان المأمومون أكثر كان الأجر أزيد، و لايجوز تركها رغبة عنها أو استخفافا بها، ففي الخبر: «لا صلاة لمن لايصلّي في المسجد الاّ من علّة»(4)، و «لا غيبة لمن صلّى في بيته و رغب عن جماعتنا»(5)، و «من رغب عن جماعة المسلمين وجب على المسلمين غيبته و سقطت بينهم عدالته و وجب هجرانه و اذا دفع الى امام المسلمين أنذره و حذّره، فان حضر جماعة
1) - مستدرك الوسائل 6: 443 / الباب 1 من أبواب صلاة الجماعة / الحديث 3.
2) - بحار الأنوار 85: 5 / الباب 1 في فضل الجماعة / الحديث 6.
3) - وسائل الشيعة 5: 290 / الباب 64 من أبواب أحكام المساجد / الحديث 2.
4) - وسائل الشيعة 8: 293 / الباب 2 من أبواب صلاة الجماعة / الحديث 8.
5) - بحار الأنوار 80: 354 / الباب 8 في فضل المساجد ... / الحديث 7.
المسلمين و الاّ أحرق عليه بيته».(1)و في آخر «أنّ أميرالمؤمنين عليه السلام بلغه أنّ قوما لايحضرون الصلاة في المسجد فخطب فقال: انّ قوما لايحضرون الصلاة معنا في مساجدنا فلايؤاكلونا و لايشاربونا و لايشاورونا و لايناكحونا، أو يحضروا معنا صلاتنا جماعة، و انّي لأوشك بنار تشعل في دورهم فأحرقها عليهم أو ينتهون. قال: فامتنع المسلمون من مؤاكلتهم و مشاربتهم و مناكحتهم حتّى حضروا لجماعة المسلمين». الى غير ذلك من الأخبار الكثيرة، فمقتضى الايمان عدم الترك من غير عذر سيّما مع الاستمرار عليه، فانّه كما ورد «لايمنع الشيطان من شيء من العبادات منعها»، و يعرض عليهم الشبهات من جهة العدالة و نحوها حيث لايمكنهم انكارها؛ لأنّ فضلها من ضروريّات الدين.
الشرح:
هنا فروع:
الجماعة مستحبّة في الفرائض كلّها، و يؤكّد استحبابها في الصلوات المرتّبة.
قال في التذكرة: «الجماعة مشروعة في الصلوات المفروضة اليوميّة بغير خلاف بين العلماء كافّة، و هي من جملة شعائر الاسلام و علاماته. و الأصل فيه قوله تعالى: «و اذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك»(2). و داوم النبي صلى الله عليه و آله على اقامتها حضرا و سفرا، و كذا أوصياؤه. و لم يزل المسلمون
يواظبون عليها بلا خلاف. انتهى».(1)
و قال في المدارك: «و أمّا تأكّد الاستحباب في الصلاة المرتّبة - و هي اليوميّة - فهو من ضروريّات الدين. قال اللّه عزّوجلّ: «و أقيموا الصلاة و آتوا الزكاة و اركعوا مع الراكعين»(2). انتهى».(3)
و أمّا الروايات التي وردت في فضل الجماعة و تأكيد استحبابها في الفرائض - مضافا الى ما نقله المصنّف - فكثيرة:
منها خبر الحسين بن زيد عن الصادق عن آبائه (في حديث المناهي) قال:
«قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: و من مشى الى مسجد يطلب فيه الجماعة كان له بكلّ خطوة سبعون ألف حسنة، و يرفع له من الدرجات مثل ذلك، فان مات و هو على ذلك وكّل اللّه به سبعين ألف ملك يعودونه في قبره و يبشّرونه و يؤنسونه في وحدته و يستغفرون له حتّى يبعث».(4)
و منها خبر أنس بن محمّد - في وصيّة النبي صلى الله عليه و آله لعلي عليه السلام - قال:
«ثلاث درجات: - منها - المشي بالليل و النهار الى الجماعات».(5)
و منها خبر الفضل بن شاذان عن الرضا عليه السلام قال:
«انّما جعلت الجماعة لئلاّيكون الاخلاص و التوحيد و الاسلام و العبادة للّه الاّ ظاهرا مكشوفا مشهورا؛ لأنّ في اظهاره حجة على أهلالشرق و الغرب للّه وحده، و ليكون المنافق و المستخفّ مؤدّيا لما أقرّ به، يظهر الاسلام و المراقبة، و ليكون شهادات الناس بالاسلام
بعضهم لبعض جائزة ممكنة، مع ما فيه من المساعدة على البرّ و التقوى، و الزجر عن كثير من معاصي اللّه عزّوجلّ».(1)
و منها مرسلة الصدوق قال:
«قال عليه السلام: من صلّى الصلوات الخمس جماعة فظنّوا به كلّ خير».(2)
و منها في الخبر:
«جاء نفر من اليهود الى رسول اللّه صلى الله عليه و آله فسأله أعلمهم عن مسائل فأجابه عليه السلام - الى أن قال: - أمّا الجماعة فانّ صفوف أمّتي كصفوف الملائكة و الركعة في الجماعة أربع و عشرون ركعة، كلّ ركعة أحبّ الى اللّه عزّوجلّ من عبادة أربعين سنة، فأمّا يوم الجمعة فيجمع اللّه فيه الأوّلين و الآخرين للحساب، فما من مؤمن مشى الى الجماعة الاّ خفّف اللّه عليه أهوال يوم القيامة، ثمّ يأمر به الى الجنّة».(3)
و منها ما نقله الشهيد الثاني الشيخ زين الدين: «الجماعة مستحبّة في الفريضة مطلقا متأكّدة في اليوميّة حتّى أنّ الصلاة الواحدة منها تعدل خمسا أو سبعا و عشرين صلاة مع غير العالم، و معه ألفا. و لو وقعت في مسجد تضاعف بمضروب عدده في عددها، ففي الجامع مع غير العالم ألفان و سبعمائة و معه مائة ألف».(4)
قال في التذكرة: «الجماعة مشروعة في الصلوات المفروضة اليوميّة بغير خلاف بين العلماء كافّة، و هي من جملة شعائر الاسلام و علاماته. و في الجماعة فضل كثير، و ليست فرض عين في شيء من الصلوات الخمس، بل في الجمعة و
العيدين خاصّة مع حصول الشرائط، عند علمائنا أجمع - و به قال الشافعي و أبو حنيفة و مالك و الثوري - و قال الأوزاعي و أحمد و أبو ثور و داوود و ابن المنذر: الجماعة فرض على الأعيان و ليست شرطا فيها، و ليست الجماعة فرض كفاية في شيء من الصلوات عند علمائنا أجمع و به قال أبو حنيفة و أكثر الشافعيّة. و قال الشافعي: انّها فرض كفاية، و دليله دالّ على شدّة الاستحباب لا الوجوب، و بناءً عليه لو أنّ أهل البلد تركوها لم يأثموا و لم يقاتلوا - و هو أحد قولي الشافعيّة - . انتهى ملخّصا».(1)
يدلّ على تأكيد استحباب الجماعة في الصبح و العشاءين روايات:
منها صحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سمعته يقول: صلّى رسول اللّه صلى الله عليه و آله الفجر فأقبل بوجهه على أصحابه فسأل عن أناس يسمّيهم بأسمائهم، فقال: هل حضروا الصلاة؟ فقالوا: لا يا رسول اللّه. فقال: أ غيّب هم؟ قالوا: لا. فقال: أما انّه ليس من صلاة أشدّ على المنافقين من هذه الصلاة و العشاء، و لو علموا أيّ فضل فيهما لأتوهما و لو حبوا».(2)
و منها مرسلة الصدوق قال:
«قال الصادق عليه السلام: من صلّى الغداة و العشاء الآخرة في جماعة فهو في ذمّة اللّه عزّوجلّ، و من ظلمه فانّما يظلم اللّه، و من حقّره فانّما
يحقّر اللّه عزّوجلّ».(1)
و منها خبر أبي بصير عن الصادق عليه السلام عن آبائه عليهم السلام قال:
«قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: من صلّى المغرب و العشاء الآخرة و صلاة الغداة في المسجد في جماعة فكأنّما أحيى الليل كلّه».(2)
و منها في الخبر عن علي عليه السلام قال:
«قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: من صلّى ركعتين قبل صلاة الغداة و ركعتي الغداة في جماعة وفت صلاته يومئذ في صلاة الأبرار و كتب يومئذ في وفد المتّقين».(3)
و منها في الخبر عن أبي جعفر محمّد بن علي عليهماالسلام أنّه قال:
«قام علي عليه السلام الليل كلّه فلمّا انشقّ عمود الصبح صلّى الفجر و خفق برأسه فلمّا صلّى رسول اللّه صلى الله عليه و آله الغداة لم يره فأتى فاطمة عليهاالسلام فقال: أي بنيّة! ما بال ابن عمّك لم يشهد معنا صلاة الغداة؟ فأخبرته الخبر فقال: ما فاته من صلاة الغداة في جماعة أفضل من قيام ليله كلّه، فانتبه علي عليه السلام لكلام رسول اللّه صلى الله عليه و آله، فقال له: يا علي، انّ من صلّى الغداة في جماعة فكأنّما قام الليل كلّه راكعا و ساجدا. الخبر».(4)
و يستحبّ لجيران المسجد الصلاة في المسجد؛ لقوله عليه السلام في الخبر:
«لا صلاة لمن لايشهد الصلاة من جيران المسجد الاّ مريض أو مشغول».(1)
و كذا لمن سمع النداء؛ لقوله عليه السلام في الصحيح:
«من سمع النداء فلم يجبه من غير علّة فلا صلاة له».(2)
ثمّ انّه وردت أخبار تنهى مؤكّدة عن تركها:
منها معتبرة عبداللّه بن أبي يعفور عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: لا صلاة لمن لايصلّي في المسجد مع المسلمين الاّ من علّة. و قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: لا غيبة الاّ لمن صلّى في بيته و رغب عن جماعتنا و من رغب عن جماعة المسلمين وجب على المسلمين غيبته و سقطت بينهم عدالته و وجب هجرانه و اذا رفع الى امام المسلمين أنذره و حذّره، فان حضر جماعة المسلمين و الاّ أحرق عليه بيته».(3)
و منها رواية عبداللّه بن أبي يعفور أيضا عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«همّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله باحراق قوم في منازلهم كانوا يصلّون في منازلهم و لايصلّون الجماعة فأتاه رجل أعمى فقال: يا رسول اللّه، انّي ضرير البصر و ربّما أسمع النداء و لاأجد من يقودني الى الجماعة و الصلاة معك، فقال له النبي صلى الله عليه و آله: شدّ من منزلك الى المسجد حبلاً و احضر الجماعة».(4)
و منها صحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سمعته يقول: انّ أناسا كانوا على عهد رسول اللّه صلى الله عليه و آله أبطؤوا عن الصلاة في المسجد، فقال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: ليوشك قوم يدعون الصلاة في المسجد أن نأمر بحطب فيوضع على أبوابهم فتوقد عليهم نار فتحرق عليهم بيوتهم».(1)
فانّ هذه الروايات و ان كانت تشعر أو تظهر منها الحرمة الاّ أنّها تحمل على الكراهة؛ للجمع بينها و بين صحيحة زرارة و الفضيل قالا:
«قلنا له: الصلاة في جماعة فريضة هي؟ فقال: الصلوات فريضة و ليس الاجتماع بمفروض في الصلوات كلّها ولكنّها سنّة من تركها رغبة عنها و عن جماعة المؤمنين من غير علّة فلا صلاة له».(2)
مضافا الى أنّه لم يعهد من أحد من فقهاء الشيعة القول بالوجوب. و يحتمل قويّا الحمل على الحضور مع المعصوم؛ لأنّه اذا أقام النبي أو الوصي الجماعة فمن لم يحضرها من دون شغل و لا علّة فكأنّه أعرض و استخفّ و لايكون هذا الاّ ممّن اتّخذ دينه لهوا و لعبا فيستحقّ التأديب.
قال في مستند الشيعة: «ثمّ المستفاد من كثير من هذه الأخبار و ان كان وجوبها و حرمة تركها كما عن أكثر العامّة فانّ منهم من فرضها على الأعيان و منهم من قال انّها فرض كفاية في الصلوات الخمس الاّ أنّه لم يقل به أحد من علمائنا و أجمعوا على عدم وجوبها و به صرفت تلك الأخبار عن ظواهرها. مضافا الى التصريح به في صحيحة زرارة و الفضيل، و لايمكن حمل السنّة فيها على ما لم يثبت من الكتاب؛ لثبوت الجماعة به، و كذا في صحيحة محمّد بن مسلم حيث جعل الشغل عذرا (فانّه نقل عنه عليه السلام: «لا صلاة لمن لايشهد الصلاة من جيران المسجد الاّ مريض أو مشغول») و لايترك الواجب بالشغل. فالأخبار المذكورة محمولة على
تأكّد الاستحباب و شدّته، أو على من تركها استخفافا كما يشعر به التقييد بالرغبة عنه في جملة منها. و تحمل تارة على الجماعة الواجبة و أخرى على الحضور مع المعصوم. انتهى ملخّصا».(1)
و قال في الجواهر: «ظاهر هذه الأخبار لايلائم الكراهة، ضرورة عدم استحقاق العقاب المؤجّل على عدم فعلها فضلاً عن المعجّل فوجب حملها على ارادة الترك حتّى الواجب منها كالجمعة في زمان المعصوم عليه السلام أو على ارادة الترك رغبة عن جماعة المسلمين كالمنافقين، جمعا بينها و بين صحيح زرارة و الفضيل، و الاجماع بل الضرورة من المذهب على عدم وجوبها لا كفاية و لا عينا. انتهى ملخّصا».(2)
تجوز الجماعة في قضاء اليوميّة؛ لموثّقة اسحاق بن عمّار قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: تقام الصلاة و قد صلّيت؟ فقال: صلّ و اجعلها لما فات».(3)
و قوله عليه السلام في الخبر:
«و ان ذكرها مع امام في صلاة المغرب أتمّها بركعة ثمّ صلّى المغرب ثمّ صلّى العتمة بعدها، و ان كان صلّى العتمة وحده فصلّى منها ركعتين ثمّ ذكر أنّه نسي المغرب أتمّها بركعة فتكون صلاته للمغرب
ثلاث ركعات ثمّ يصلّي العتمة بعد ذلك».(1)
و خبر زرارة عن أبي جعفر عليه السلام في رجل دخل مع قوم و لم يكن صلّى هو الظهر و القوم يصلّون العصر يصلّي معهم، قال:
«يجعل صلاته التي صلّى معهم الظهر و يصلّي هو بعد العصر».(2)
و يدلّ على ذلك أيضا أحاديث الجماعة بالعموم و الاطلاق.
قال المحقّق الهمداني: «بل قضيّة اطلاق الأخبار الواردة في الحثّ على الجماعة و فضيلتها، شمولها للفوائت أيضا. اللّهمّ الاّ أن يدّعى انصرافها الى الحواضر كما ليس بالبعيد ولكن مع ذلك لايبعد دعوى استفادة شرعيّتها في الفوائت أيضا من ذلك لما تقدّمت الاشارة اليه غير مرّة من أنّ المستفاد من أدلّة القضاء انّما هو مطلوبيّة الصلاة المأمور بها في الوقت بعينها لدى فوتها في الوقت في خارجه فيلحقها جميع الأحكام الثابتة لها من حيث هي التي منها جواز فعلها جماعة من غير حاجة الى ورود دليل فيه في خصوص القضاء مع أنّه على الظاهر ممّا لا خلاف فيه، بل عن ظاهر الذكرى دعوى اجماع المسلمين عليه. انتهى ملخّصا».(3)
و من جملة الدلائل على مشروعيّة الجماعة في صلاة القضاء اطلاق صحيحة زرارة و الفضيل قالا:
«قلنا له: الصلاة في جماعة فريضة هي؟ فقال: الصلوات فريضة و ليس الاجتماع بمفروض في الصلوات كلّها، ولكنّها سنّة من تركهارغبة عنها و عن جماعة المؤمنين من غير علّة فلا صلاة له».(4)
فاطلاق قوله عليه السلام «ولكنّها سنّة» أي الصلوات كلّها سنّة يشمل القضاء أيضا.
قال في الشرائع: «الجماعة مستحبّة في الفرائض كلّها. انتهى».(1)
و قال في المدارك: «أمّا استحباب الجماعة في الفرائض كلّها فقال في المنتهى: انّه مذهب علمائنا أجمع. و يندرج في الفرائض: اليوميّة و غيرها، المؤدّاة و المقضيّة حتّى المنذورة. و صلاة الاحتياط و ركعتا الطواف. و في استفادة هذا التعميم من الأخبار نظر. انتهى».(2)
و قال في الذكرى: «محلّ الجماعة الصلوات الخمس المفروضة. و باقي الفرائض - حتّى المنذورة - عندنا. و الأداء بالقضاء و بالعكس عندنا، و وافقونا على الجماعة في القضاء؛ لأنّ النبي صلى الله عليه و آله صلّى بأصحابه الصبح قضاء، كما سلف. انتهى».(3)
و قال في الجواهر: «الجماعة مستحبّة في الفرائض الحواضر اليوميّة كلّها، بل و الفوائت، بل و غير اليوميّة من الفرائض عند علمائنا كما في المنتهى حتّى المنذورة عندنا كما في الذكرى ذاكرا بعده ما يظهر منه ارادة الاماميّة من ضمير الجمع بل ينبغي القطع به بالنسبة الى صلاة الكسوف بل و غيره من الآيات؛ لصراحة بعض أدلّتها السابقة في ذلك. أمّا غيرها من المنذورة و ركعتي الطواف و الاحتياط فان ثبت اجماع على مشروعيّة الجماعة فيها بالخصوص فهو، و الاّ كان للنظر فيه مجال كما اعترف به في الرياض بل و غيره؛ للشكّ في ارادتها من اطلاق أدلّة
المقام ان لم يكن ظاهرها العدم. انتهى ملخّصا».(1)
أقول:
أمكن التمسّك باطلاق صحيحة زرارة و الفضيل المذكورة في الفرع السابق؛ لاثبات المشروعيّة في غير الصلوات اليوميّة من سائر الفرائض كصلاة الآيات، و ان كنّا في غنىً عن التمسّك به؛ لورود الروايات الخاصّة الدالّة على مشروعيّة الجماعة فيها. و أمّا صلاة الطواف فاطلاق الصحيحة شامل لها و ان أشكل بعدم معهوديّتها فيها عند المتشرّعة بل المسلمين قاطبة و لم ينقل عن النبي صلى الله عليه و آله و لا المعصومين عليهم السلام و لا عن أحد من أصحابهم اقامتها جماعة مع تأكيد استحباب الجماعة. و لعلّه كان لضيق المحلّ و المزاحمة.
قال في مستند الشيعة: «تستحبّ في الفرائض كلّها، ذهب اليه علماؤنا أجمع كما عن الأخير: و لاسيّما في الفرائض اليوميّة. و هو كالصريح في التعميم للجميع حتّى المنذورة و صلاة الاحتياط و ركعتي الطواف أداءً أو قضاءً. و بالتعميم للمنذورة و القضاء صرّح في روض الجنان و الذكرى بل يفهم من الأخير كونه اجماعيّا بيننا، و هذا القدر كافٍ في اثبات التعميم لكون المقام مقام الاستحباب - الى أن قال: - فالاشكال في التعميم مطلقا أو في خصوص صلاة الاحتياط و ركعتي الطواف - كما في المدارك و الذخيرة و الحدائق - غير جيّد. انتهى».(2)
و سيأتي الكلام في صلاة الاحتياط و المنذورة.
(مسألة 1): تجب الجماعة في الجمعة و تشترط في صحّتها، و كذا العيدين مع اجتماع شرائط الوجوب، و كذا اذا ضاق الوقت عن تعلّم القراءة
لمن لايحسنها مع قدرته على التعلّم. و أمّا اذا كان عاجزا عنه أصلاً فلايجب عليه حضور الجماعة و ان كان أحوط. و قد تجب بالنذر و العهد و اليمين، ولكن لو خالف صحّت الصلاة و ان كان متعمّدا و وجبت حينئذ عليه الكفّارة. و الظاهر وجوبها أيضا اذا كان ترك الوسواس موقوفا عليها و كذا اذا ضاق الوقت عن ادراك الركعة بأن كان هناك امام في حال الركوع بل و كذا اذا كان بطيئا في القراءة في ضيق الوقت، بل لايبعد وجوبها بأمر أحد الوالدين.
الشرح:
الجماعة شرط في الجمعة و البحث عنها و عن صلاة العيدين موكول الى محلّه.
و أمّا وجوب الجماعة اذا ضاق الوقت عن تعلّم القراءة لمن لايحسنها مع قدرته على التعلّم فقد تقدّم البحث عنه تفصيلاً في المسألة الثانية و الثلاثين من فصل القراءة(1)و خلاصته: يجب على المصلّي القراءة في الصلاة فاذا لم يعلمها وجب عليه التعلّم لعدم التمكّن من الامتثال الاّ به، و لو كان هناك طريق لأداء المأمور به كالائتمام وجب تخييرا، و لو انحصر كما في ضيق الوقت وجب تعيينا، و لا فرق في ذلك بين كونه قاصرا في التعلّم أو مقصّرا. و أمّا صحيحة عبداللّه بن سنان قال:
«قال أبو عبداللّه عليه السلام: انّ اللّه فرض من الصلاة الركوع و السجود، ألاترى لو أنّ رجلاً دخل في الاسلام لايحسن أن يقرأ القرآن أجزأه أن يكبّر و يسبّح و يصلّي».(2)
فلا اطلاق لها؛ لأنّ الامام عليه السلام كان بصدد بيان ما هو مقوّم للصلاة بحيث لو عدم
نفسه أو بدله عمدا أو سهوا أو جهلاً لم تكن الصلاة موجودة و لم يكن بصدد بيان اجزاء التكبير و التسبيح عن القراءة الاّ في الجملة، كمن لم يحسن الفاتحة و لا غيرها من القرآن و لم يمكنه التعلّم لضيق الوقت و لا الائتمام. و لايجري هنا أصالة البراءة لأنّ مجراها الشكّ في التكليف، و التكليف هنا محرز و هو الاتيان بالقراءة بنفسه أو بما يكون كنفسه و هو الائتمام. نعم، من لايقدر الاّ على الملحون أو تبديل بعض الحروف و لايستطيع أن يتعلّم أو يكون كالأخرس حيث لايقدر الاّ على تحريك اللسان و العقد بالجنان و الاشارة باصبعه، أجزأه ذلك و لايجب عليه الائتمام؛ لاطلاق صحيحة عبداللّه بن سنان و أصالة البراءة.
اذا نذر أن يصلّي اليوميّة جميعها أو بعضها بالجماعة، تجب عليه لرجحان متعلّق النذر فيشمله عموم أدلّة الوفاء بالنذر. ولكن لو خالف و صلّى فرادى صحّت صلاته و ان كان متعمّدا، و ذلك أوّلاً لأنّ الوفاء بالنذر واجب لا أنّ الجماعة تصير واجبة، فانّ الناذر لو صلّى منفردا و لم يف بنذره فقد أدّى ما عليه من الصلاة اليوميّة و لم يعاقب من جهة عدم الاتيان بالصلاة بل يعاقب من جهة عدم الوفاء بالنذر.
و ثانيا: انّ أدلّة الوفاء بالنذر لم تقيّد أدلّة مطلقات الصلاة حتّى يكون تكليفه متعيّنا في الجماعة؛ لعدم التنافي بينهما. نعم، لو كان الأمر بالشيء مقتضيا للنهي عن ضدّه و كان الأمر بالوفاء بالنذر يعني الجماعة مقتضيا للنهي عن ضدّها و هو الفرادى، كانت صلاته فرادى باطلة، ولكنّه ليس كذلك.
و ثالثا: لو قلنا بأنّ الأمر بالوفاء بالنذر هو الأمر بالجماعة فيما نحن فيه، و أنّ المطلقات تقيّد بأدلّة النذر، أو أنّ الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضدّه، فنقول
أيضا بصحّة الصلاة فرادى و ذلك للترتّب، فاذا ترك الجماعة و صلّى منفردا كان الملاك موجودا فصلاته صحيحة، فهذا نظير وجوب الصلاة في سعة الوقت و وجوب الازالة من المسجد فلو ترك الازالة و صلّى لم تكن صلاته باطلة.
و أمّا قضيّة السلطنة و استفادة ذلك من «اللام» في «للّه عليّ» - كما في المستمسك - و أنّ الظرف مستقرّ يرجع الى تعيين ما في الذمّة من صلاة الجماعة، فلو صلّى فرادى فقد فوّت متعلّق حقّ اللّه سبحانه فيحرم و اذا حرمت الصلاة بطلت. ففيه: انّ مفاد صيغة النذر ليس اثبات حقّ للّه تعالى، بل هو مجرّد الالتزام بالمنذور، و يكون معنى «للّه عليّ كذا»: التزمت للّه عليّ بكذا، فتكون اللام متعلّقة ب- «التزمت» و الظرف لغو، فليس هناك ما يقتضي ثبوت حقّ له تعالى، فلا موجب لبطلان الصلاة لو أتى بها حينئذ فرادى.
(مسألة 2): لاتشرع الجماعة في شيء من النوافل الأصليّة و ان وجبت بالعارض بنذر أو نحوه حتّى صلاة الغدير على الأقوى الاّ في صلاة الاستسقاء. نعم، لابأس بها فيما صار نفلاً بالعارض كصلاة العيدين مع عدم اجتماع شرائط الوجوب، و الصلاة المعادة جماعة، و الفريضة المتبرّع بها عن الغير، و المأتي بها من جهة الاحتياط الاستحبابي.
الشرح:
قال في الجواهر: «لاتجوز الجماعة في شيء من النوافل على المشهور بين الأصحاب نقلاً و تحصيلاً بل في الذكرى نسبته الى ظاهر المتأخّرين بل في المنتهى و التذكرة و عن كنزالعرفان الاجماع عليه، بل يظهر من السرائر في صلاة العيد أنّه من المسلّمات؛ للنصوص المستفيضة. انتهى».(1)
1) - جواهر الكلام 13: 140.
و قال في مستند الشيعة: «لاتجوز الجماعة في غير ما ثبت استثناؤه من النوافل، بالاجماع المحقّق و المحكي عن المنتهى و التذكرة و كنزالعرفان؛ له و للأصل، و للمستفيضة من النصوص - الى أن قال: - و النصوص المستفيضة المانعة عن الاجتماع في النافلة بالليل في شهر رمضان مطلقا الشاملة لكلّ النوافل، منها صحيحة الفضلاء: «انّ الصلاة بالليل في شهر رمضان النافلة في جماعة بدعة» و أخصّيّتها عن المدّعى تجبر بعدم القول بالفصل، فانّ التجويز لو كان لكان امّا في مطلق النوافل سوى التراويح، أو في مجرّد الاستسقاء و الغدير. و أمّا المنع في النوافل الليليّة من رمضان و التجويز في البواقي فاحداث قول ثالث. انتهى».(1)
و الدليل على عدم مشروعيّة الجماعة في شيء من النوافل الأصليّة النصوص المستفيضة:
منها صحيحة زرارة و محمّد بن مسلم و الفضيل التي هي في أعلى درجة الصحّة سألوا أبا جعفر الباقر و أبا عبداللّه الصادق عليهماالسلام عن الصلاة في شهر رمضان نافلة بالليل في جماعة؟ فقالا:
«انّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله كان اذا صلّى العشاء الآخرة انصرف الى منزله ثمّ يخرج من آخر الليل الى المسجد فيقوم فيصلّي، فخرج في أوّل ليلة من شهر رمضان ليصلّي كما كان يصلّي فاصطفّ الناس خلفه فهرب منهم الى بيته و تركهم، ففعلوا ذلك ثلاث ليال فقام في اليوم الثالث على منبره فحمد اللّه و أثنى عليه ثمّ قال: أيّها الناس! انّ الصلاة بالليل في شهر رمضان من النافلة في جماعة بدعة، و صلاة الضحى بدعة، ألا فلاتجمعوا ليلاً في شهر رمضان لصلاة الليل، و لاتصلّوا صلاةالضحى فانّ تلك معصية، ألا و انّ كلّ بدعة ضلالة و كلّ ضلالة سبيلها الى النار، ثمّ نزل و هو يقول: قليل في سنّة خير من كثير في
1) - مستند الشيعة 8: 14 و 15.
بدعة».(1)
و منها موثّقة عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن الصلاة في رمضان في المساجد؟ فقال: لمّا قدم أميرالمؤمنين عليه السلامالكوفة أمر الحسن بن علي أن ينادي في الناس: لا صلاة في شهر رمضان في المساجد جماعة، فنادى في الناس الحسن بن علي عليه السلام بما أمره به أميرالمؤمنين عليه السلام، فلمّا سمع الناس مقالة الحسن بن علي عليه السلام صاحوا: واعمراه! واعمراه!، فلمّا رجع الحسن الى أميرالمؤمنين عليه السلام قال له: ما هذا الصوت؟ قال: يا أميرالمؤمنين عليه السلام، الناس يصيحون: واعمراه، واعمراه. فقال أميرالمؤمنين عليه السلام: قل لهم صلّوا».(2)
و منها حسنة سليم بن قيس الهلالي قال:
«خطب أميرالمؤمنين عليه السلام فحمد اللّه و أثنى عليه ثمّ صلّى على النبي صلى الله عليه و آله ثمّ قال: ألا انّ أخوف ما أخاف عليكم خلّتان: اتّباع الهوى و طول الأمل - الى أن قال: - قد عملت الولاة قبلي أعمالاً خالفوا فيها رسول اللّه صلى الله عليه و آله متعمّدين لخلافه فاتقين (ناقضين) لعهده، مغيّرين لسنّته، و لو حملت الناس على تركها لتفرّق عنّي جندي حتّى أبقى وحدي أو قليل من شيعتي - الى أن قال: - واللّه لقد أمرت الناس أن لايجتمعوا في شهر رمضان الاّ في فريضة و أعلمتهم أنّ اجتماعهم في النوافل بدعة، فتنادى بعض عسكري ممّن يقاتل معي: «يا أهل الاسلام غيّرت سنّة عمر، ينهانا عن الصلاة في شهر رمضان تطوّعا»
و قد خفت أن يثوروا في ناحية جانب عسكري. الحديث».(1)
و منها صحيحة محمّد بن ادريس في آخر السرائر نقلاً من كتاب أبي القاسم جعفر بن محمّد بن قولويه.(2)
و الظاهر من الحسنة من قوله عليه السلام «و أعلمتهم أنّ اجتماعهم في النوافل بدعة» أنّ البدعة مطلق النوافل بالجماعة.
بل قد يظهر من صحيحة الفضلاء و موثّقة عمّار ذلك؛ لأنّ الظاهر منهما عدم معهوديّة الاجتماع في غيرهما مع أنّه لايبعد أن يكون ذكر شهر رمضان بعنوان أنّه فرد من العامّ. و يؤيّده خبر محمّد بن سليمان عن جماعة قال:
«و سألت الرضا عليه السلام عن هذا الحديث فأخبرني به. و قال هؤلاء جميعا: سألنا عن الصلاة في شهر رمضان كيف هي؟ و كيف فعل رسول اللّه صلى الله عليه و آله؟ فقالوا جميعا: انّه لمّا دخلت أوّل ليلة من شهر رمضان صلّى رسول اللّه صلى الله عليه و آله المغرب ثمّ صلّى أربع ركعات التي كان يصلّيهنّ بعد المغرب في كلّ ليلة ثمّ صلّى ثماني ركعات، فلمّا صلّى العشاء الآخرة و صلّى الركعتين اللتين كان يصلّيهما بعد العشاء الآخرة و هو جالس في كلّ ليلة قام فصلّى اثنتيعشرة ركعة ثمّ دخل بيته فلمّا رأى ذلك الناس و نظروا الى رسول اللّه صلى الله عليه و آله و قد زاد في الصلاة حين دخل شهر رمضان سألوه عن ذلك فأخبرهم أنّ هذه الصلاة صلّيتها لفضل شهر رمضان على الشهور، فلمّا كان من الليل قام يصلّي فاصطفّ الناس خلفه فانصرف اليهم فقال: أيّها الناس، انّهذه الصلاة نافلة و لن نجتمع للنافلة، فليصلّ كلّ رجل منكم وحده و ليقل ما علّمه اللّه من كتابه، و اعلموا أنّه لا جماعة في نافلة، فافترق
الناس فصلّى كلّ واحد منهم على حياله لنفسه. الخ».(1)
و يؤيّده أيضا ما رواه في الخصال عن الأعمش عن جعفر بن محمّد عليهماالسلام (في حديث شرائع الدين) قال:
«و لايصلّى التطوّع في جماعة؛ لأنّ ذلك بدعة و كلّ بدعة ضلالة و كلّ ضلالة في النار».(2)
و ما رواه في العيون عن الرضا عليه السلام قال:
«لايجوز أن يصلّى تطوّع في جماعة؛ لأنّ ذلك بدعة و كلّ بدعة ضلالة و كلّ ضلالة في النار».(3)
و ما يظهر من صاحب المدارك و الذخيرة من التوقّف و التردّد في هذا الحكم بل الميل الى عدمه في غير محلّه قطعا، فصاحب المدارك بعد نقل كلام الذكرى بأنّه «لو صلّى مفترض خلف متنفّل نافلة مبتدأة أو قضاءً لنافلة، أو صلّى متنفّل بالراتبة خلف المفترض، أو متنفّل براتبة خلف راتبة أو غيرها من النوافل فظاهر المتأخّرين المنع»، قال: «و هذا الكلام يؤذن بأنّ المنع ليس اجماعيّا - و الذي ألجأه الى ذلك قصور سند بعض الأخبار و قصور دلالة بعض آخر و ورود بعض الأخبار الصحيحة الدالّة على الجواز كصحيح عبدالرحمن بن أبي عبداللّه عن الصادق عليه السلام أنّه قال: «صلّ بأهلك في رمضان الفريضة و النافلة فانّي أفعله». و صحيحة هشام بن سالم سأل أبا عبداللّه عليه السلام عن المرأة تؤمّ النساء، فقال: «تؤمّهنّ في النافلة، فأمّا المكتوبة فلا» و نحوه غيره. ثمّ قال: - و من هنا يظهر أنّ ما ذهب اليه بعض الأصحاب من استحباب الجماعة في صلاة الغدير جيّد و ان لم يرد فيها نصّ على الخصوص، مع أنّ العلاّمة نقل في التذكرة عن أبي الصلاح أنّه روى استحباب
الجماعة فيها و لم نقف على ما ذكره. انتهى ملخّصا».(1)
قال صاحب الجواهر في جوابه: «و هو من غرائب الكلام لابتنائه أوّلاً على الاعراض عن المشهور بل المجمع عليه كما عرفت، و الركون الى خلافه بأنّه ليس باجماعي عند الشهيد، مع أنّه على تقديره لاينافي كونه كذلك عند غيره. و ثانيا على الطعن في دليل المختار بما ذكر ممّا عرفت سقوطه في الغاية، مع توجّه بعض الطعن المزبور الى صحيحه الذي ألجأه الى مثل ذلك بلا صراحة فيه بمطلوبه، بل هو موافق للتقيّة كالتفصيل في صحيحه الآخر المعرض عنه بين الأصحاب. انتهى».(2)
و الجواب عن صاحب المدارك أوّلاً: أنّ هناك صحيحة الفضلاء و موثّقة عمّار و حسنة سليم و خبر محمّد بن سليمان مع الروايتين المرويّتين في الخصال و العيون، فمن حيث السند لا غبار فيها، و أمّا من حيث الدلالة فموثّقة عمّار و حسنة سليم و كذا خبر سليمان و الروايتان بعده فصريحة في العموم أي عدم جواز الجماعة في النافلة مطلقا مع أنّ الصحيحة أيضا تدلّ على مطلق النافلة من حيث انّه لا خصوصيّة لها في نافلة شهر رمضان و النهي ان كان فيها بالخصوص لمكان الاتّفاق و تهيّؤ الناس، و لم يتّفق ذلك في سائر النوافل. و أمّا الجواب عن صحيحة عبدالرحمن عن أبي عبداللّه عليه السلام قال: «صلّ بأهلك في رمضان الفريضة و النافلة فانّي أفعله»، فيتوجّه عليها أنّ «الباء» في «بأهلك» بمعنى «عند»، فيكون المراد: صلّ عند أهلك و في دارك لا في المسجد؛ لكونهم صائمين في شهر رمضان و بانتظار حلول وقت الافطار فكان الأولى حينئذ الصلاة عندهم - نافلة و فريضة - دفعا للانتظار و حذرا من التأخير.
و أمّا صحيحة هشام و كذا صحيحة الحلبي و صحيحة سليمان بن خالد
الواردة في جواز امامة النساء في النافلة ففيها: انّها معارضة للمستفيضة المتقدّمة حيث انّ المستفيضة يمنع من النافلة جماعة مطلقا بالنسبة الى الرجال و النساء؛ لعدم القول بالفصل، و هذه الصحاح أيضا تجيز مطلقا فيتعارضان، فالتقدّم للمستفيضة لموافقتها للمشهور و مخالفتها للعامّة.
فرعان:
قد ينذر الناذر بنذره أن يصلّي النافلة جماعة فهذا لاينعقد نذره؛ لأنّ المنذور غير مشروع. و قد ينذر النافلة بأن يلتزم على نفسه أن لايترك نافلة الليل دائما أو موقّتا فهذا ينعقد نذره. و الكلام هنا أنّه هل يجوز أن يأتي بهذه النافلة المنذورة جماعة أم لا؟ فالأقوى أنّه لايجوز و ذلك لأنّ صيغة النذر لايغيّر المنذور عمّا هو عليه من الطبيعة فانّ صلاة النافلة نافلة ولكنّها يجب عليه اتيانها لمكان النذر، و لذا نقول انّه وجب عليه نافلة الليل و حيث يصدق عليها النافلة فيشملها عمومات منع الجماعة بالنسبة الى النافلة.
و أمّا صلاة الغدير، ففي الجواهر: «ظاهر المفيد في مقنعته استحباب صلاة الغدير جماعة و اختاره في اللمعة و فوائد الشرائع للمحقّق الثاني و حاشية الارشاد لولده و عن الغنية و الاشارة و التقي و المجلسي و تلميذه أبي الحسن، بل عن مجمع البرهان أنّه المشهور، و أنّه ليس ببعيد، بل عن ايضاح النافع أنّ عمل الشيعة على ذلك لكن لا دليل عليه أصلاً فضلاً عن أن يصلح لمعارضة ذلك الدليل سوى ما في التذكرة من أنّ التقي نسبه الى الرواية، و ما في المقنعة من حكاية ما وقع للنبي صلى الله عليه و آلهيوم الغدير و منه أنّه أمر أن ينادى الصلاة جامعة، فاجتمعوا و صلّوا ركعتين ثمّ رقى المنبر، و ما في الروضة من التعليل بأنّه عيد، و الآخر كما ترى و
سابقه لايجوز التعويل عليه هنا و ان قلنا بالتسامح في دليل المستحبّ لكن حيث لايعارضه ما يقتضي الحرمة، و دعوى أنّ دليل الحرمة لايزيد على حرمة التشريع التي لاتمنع من التسامح في دليل المستحبّ يدفعها وضوح الفرق بين الأمرين خصوصا في المقام. هذا، و لعلّ في خلوّ كلام الأكثر عن ذكر الجماعة عند ذكرهم ايّاها في الصلوات المسنونة زيادة ظهور في عدم مشروعيّتها فيها، خصوصا مع كون ذلك المقام معدّا لذكر كلّ ما فيه زيادة للفضل، فلاحظ. انتهى».(1)
أقول:
ان قلنا بأنّ أحاديث من بلغ للارشاد الى ما حكم به العقل من حسن الانقياد و أنّ من بلغه ثواب في عمل عن النبي صلى الله عليه و آله ففعله فهو يحكي عن انقياده و اطاعته لأمر اللّه تعالى و رسوله، فلعلّ اللّه تبارك و تعالى يعامله بفضله و يعطيه الثواب و الأجر فلايحكم باستحباب العمل، فلاتجوز الجماعة في صلاة الغدير؛ لضعف الرواية و حاكميّة مطلقات عدم جواز الجماعة في النافلة، الاّ اذا فعله رجاءً؛ لأنّ الظاهر من أدلّة المنع التشريع، لا الحرمة الذاتيّة. نعم، من قال بأنّ أحاديث من بلغ تنزّل الرواية الضعيفة منزلة الصحيحة فتكون حجّة، يقول هنا باستثناء صلاة الغدير و أنّها تستحبّ فيها الجماعة.
يدلّ على استحباب صلاة الاستسقاء مضافا الى الاجماع، النصوص كصحيحة هشام بن الحكم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن صلاة الاستسقاء؟ فقال: مثل صلاة العيدين، يقرأ فيها و
1) - نفس المصدر.
يكبّر فيها(كما يقرأ و يكبّر فيها)، يخرج الامام فيبرز الى مكان نظيف في سكينة و وقار و خشوع و مسكنة، و يبرز معه الناس، فيحمد اللّه و يمجّده و يثني عليه و يجتهد في الدعاء و يكثر من التسبيح و التهليل و التكبير، و يصلّي مثل صلاة العيدين ركعتين في دعاء و مسألة و اجتهاد، فاذا سلّم الامام قلّب ثوبه و جعل الجانب الذي على المنكب الأيمن على المنكب الأيسر، و الذي على الأيسر على الأيمن، فانّ النبي صلى الله عليه و آله كذلك صنع».(1)
و يستثنى من حرمة الجماعة في النوافل أيضا، العيدان مع اختلال شرائط الوجوب.
قال في الجواهر: «قد يقال انّه لاينبغي استثناء العيدين من ذلك و ان قلنا بصحّة الجماعة فيها؛ لعدم اندراجها في دليل النافلة بعد ظهورها في ارادة الأصليّة منها لا ما كانت فرضا سابقا. انتهى».(2)
فالمتبادر من النافلة التي نهي عن الجماعة فيها ما كانت بالأصل، و لايشمل ما عرضه النفل كالعيدين، و كالمعادة لادراك الجماعة أو التبرّعيّة عن الميّت و نحوهما.
و قال في الجواهر: «يظهر من الحلّي أنّه لاينبغي استثناء التجميع في صلاة اليوميّة استحبابا كالمعادة لادراك جماعة و التبرّعيّة عن الميّت و نحوهما من حرمته في النافلة؛ اذ هي أولى من العيدين بعدم الشمول، و ان كان قد يظهر من بعضهم التوقّف فيه حتّى لو عرض الوجوب باستئجار و نذر و نحوهما، الاّ أنّه في غير محلّه. انتهى ملخّصا».(3)
(مسألة 3): يجوز الاقتداء في كلّ من الصلوات اليوميّة بمن يصلّي الأخرى أيّا منها كانت و ان اختلفا في الجهر و الاخفات و الأداء و القضاء و القصر و التمام بل و الوجوب و الندب، فيجوز اقتداء مصلّي الصبح أو المغرب أو العشاء بمصلّي الظهر أو العصر و كذا العكس. و يجوز اقتداء المؤدّي بالقاضي و العكس و المسافر بالحاضر و العكس. و المعيد صلاته بمن لم يصلّ و العكس، و الذي يعيد صلاته احتياطا استحبابيّا أو وجوبيّا بمن يصلّي وجوبا. نعم، يشكل اقتداء من يصلّي وجوبا بمن يعيد احتياطا ولو كان وجوبيّا، بل يشكل اقتداء المحتاط بالمحتاط الاّ اذا كان احتياطهما من جهة واحدة.
الشرح:
فروع:
قال في الشرائع: «و يجوز أن يأتمّ المفترض بالمفترض و ان اختلف الفرضان. انتهى».(1)
و قال في المدارك: «هذا هو المعروف من مذهب الأصحاب، بل قال العلاّمة في المنتهى انّه قول علمائنا أجمع، و استدلّ عليه بأنّ المباينة بين صلاة الفرض و النفل مع الاتّحاد - كالظهر اذا صلاّها مرّة ثانية - أكثر من المباينة بين الظهر و العصرالواجبتين، و قد صحّ الائتمام في الأوّل فيصحّ في الثاني. انتهى».(2)
يجوز ائتمام المفترض بالمفترض و ان اختلف الفرضان و كذا لو اختلفا أداءً و
قضاءً، و الدليل على ذلك روايات:
منها صحيحة حمّاد بن عثمان قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل امام قوم فصلّى(1)العصر و هي لهم الظهر؟ فقال: أجزأت عنه و أجزأت عنهم».(2)
و منها موثّقة أبي بصير قال:
«سألته عن رجل صلّى مع قوم و هو يرى أنّها الأولى و كانت العصر؟ قال: فليجعلها الأولى و ليصلّ العصر».(3)
و منها صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«اذا صلّى المسافر خلف قوم حضور فليتمّ صلاته ركعتين و يسلّم، و ان صلّى معهم الظهر فليجعل الأوّلتين الظهر و الأخيرتين العصر».(4)
و منها صحيحة عبدالرحمن بن أبي عبداللّه قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل نسي صلاة حتّى دخل وقت صلاة أخرى؟ فقال: اذا نسي الصلاة أو نام عنها صلّى حين يذكرها، فاذا ذكرها و هو في صلاة بدأ بالتي نسي، و ان ذكرها مع امام في صلاة المغرب أتمّها بركعة ثمّ صلّى المغرب ثمّ صلّى العتمة بعدها. الحديث».(5)
و منها موثّقة اسحاق بن عمّار قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: تقام الصلاة و قد صلّيت؟ فقال: صلّ و اجعلها
1) - في المصدر: يؤمّ بقوم فيصلّي.
2) - وسائل الشيعة 8: 398 / الباب 53 من أبواب صلاة الجماعة / الحديث 1.
3) - وسائل الشيعة 8: 399 / الباب 53 من أبواب صلاة الجماعة / الحديث 4.
4) - وسائل الشيعة 8: 329 / الباب 18 من أبواب صلاة الجماعة / الحديث 1.
5) - وسائل الشيعة 4: 291 / الباب 63 من أبواب المواقيت / الحديث 2.
لما فات».(1)
يجوز اقتداء المسافر بالحاضر و العكس، و الدليل عليه - مضافا الى ما تقدّم في الفرع الأوّل من صحيحة محمّد بن مسلم - صحيحة حمّاد بن عثمان قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن المسافر يصلّي خلف المقيم؟ قال: يصلّي ركعتين و يمضي حيث شاء».(2)
و صحيحة عبداللّه بن مسكان و محمّد بن نعمان الأحول عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا دخل المسافر مع أقوام حاضرين في صلاتهم فان كانت الأولى فليجعل الفريضة في الركعتين الأوّلتين، و ان كانت العصر فليجعل الأوّلتين نافلة و الأخيرتين فريضة».(3)
و مرسلة ابن أبي عمير عن أحدهما عليهماالسلام في مسافر أدرك الامام و دخل معه فى صلاة الظهر، قال:
«فليجعل الأوّلتين الظهر و الأخيرتين السبحة، و ان كانت صلاة العصر جعل الأوّلتين السبحة و الأخيرتين العصر».(4)
يجوز اعادة المنفرد صلاته اذا وجد جماعة اماما كان أو مأموما. يدلّ على الثاني صحيحة هشام بن سالم عن أبي عبداللّه عليه السلام أنّه قال في الرجل يصلّي الصلاة وحده ثمّ يجد جماعة، قال:
«يصلّي معهم و يجعلها الفريضة ان شاء».(1)
و صحيحة حفص بن البختري عن أبي عبداللّه عليه السلام في الرجل يصلّي الصلاة وحده ثمّ يجد جماعة، قال:
«يصلّي معهم و يجعلها الفريضة».(2)
و موثّقة عمّار قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يصلّي الفريضة ثمّ يجد قوما يصلّون جماعة، أيجوز له أن يعيد الصلاة معهم؟ قال: نعم، و هو أفضل. قلت: فان لم يفعل؟ قال: ليس به بأس».(3)
و خبر أبي بصير قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: أصلّي ثمّ أدخل المسجد فتقام الصلاة و قد صلّيت؟ فقال: صلّ معهم، يختار اللّه أحبّهما اليه».(4)
و على الأوّل صحيحة محمّد بن اسماعيل بن بزيع قال:
«كتبت الى أبي الحسن عليه السلام: انّي أحضر المساجد مع جيرتي و غيرهم فيأمرونني بالصلاة بهم و قد صلّيت قبل أن آتيهم، و ربّما صلّى
خلفي من يقتدي بصلاتي و المستضعف و الجاهل فأكره أن أتقدّم و قد صلّيت لحال من يصلّي بصلاتي ممّن سمّيت لك، فمرني في ذلك بأمرك أنتهي اليه و أعمل به ان شاء اللّه. فكتب عليه السلام: صلّ بهم».(1)
و صحيحة يعقوب بن يقطين قال:
«قلت لأبي الحسن عليه السلام: جعلت فداك! تحضر صلاة الظهر فلانقدر أن ننزل في الوقت حتّى ينزلوا فننزل معهم فنصلّي، ثمّ يقومون فيسرعون فنقوم فنصلّي العصر و نريهم كأنّا نركع(2)ثمّ ينزلون للعصر فيقدّمونا، فنصلّي بهم؟ فقال: صلّ بهم لا صلّى اللّه عليهم».(3)
و خبر داوود قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل يكون مؤذّن مسجد في المصر و امامه، فاذا كان يوم الجمعة صلّى العصر في وقتها، كيف يصنع بمسجده؟ قال: صلّ العصر في وقتها، فاذا كان ذلك الوقت الذي يؤذّن فيه أهل المصر فأذّن و صلّ بهم في الوقت الذي يصلّي بهم فيه أهل مصرك».(4)
و مرسلة الصدوق قال:
«و قال رجل للصادق عليه السلام: أصلّي في أهلي ثمّ أخرج الى المسجد فيقدّموني؟ فقال: تقدّم لا عليك و صلّ بهم».(5)
و في مرسلة أخرى له قال:
1) - وسائل الشيعة 8: 401 / الباب 54 من أبواب صلاة الجماعة / الحديث 5.
2) - أي كأنّا نصلّي نافلة - و هي ركعتان بعد الظهر عند المخالفين - و ننويها عصرا.
3) - وسائل الشيعة 8: 402 / الباب 54 من أبواب صلاة الجماعة / الحديث 6.
4) - وسائل الشيعة 8: 402 / الباب 54 من أبواب صلاة الجماعة / الحديث 7.
5) - وسائل الشيعة 8: 401 / الباب 54 من أبواب صلاة الجماعة / الحديث 3.
«و روي أنّه يحسب له أفضلهما و أتمّهما».(1)
قال في الجواهر: «و يجوز أن يأتمّ المفترض بالمفترض و ان اختلف الفرضان عددا كالقصر و التمام، و نوعا كالظهر و العصر و المغرب و العشاء، و صنفا كالأداء و القضاء؛ للنصوص المعمول بها بين معظم الأصحاب، بل لاأجد خلافا في شيء من ذلك سوى ما يحكى عن والد الصدوق من منع اقتداء المسافر بالحاضر و العكس، و عن الصدوق رحمه الله من منع اقتداء مصلّي العصر بمصلّي الظهر الاّ أن يتوهّمها العصر ثمّ يعلم أنّها كانت الظهر، و هما بعد الاغضاء عن ثبوتهما عنهما خصوصا ما عن الصدوق رحمه الله نادران شاذّان كما اعترف به في الرياض و المفاتيح، بل لاأعلم مأخذا لقول الصدوق رحمه الله كما اعترف به في الذكرى و البيان أيضا؛ اذ ليس الاّ ما قيل من أنّ العصر لايصحّ الاّ بعد الظهر، فلو صلاّها خلف من يصلّي الظهر فكأنّه قد صلّى العصر مع الظهر مع أنّها بعدها، و هو كما ترى ضعيف جدّا، ضرورة ترتّب عصر المصلّي على ظهر نفسه لا على ظهر امامه، على أنّه ان تمّ يقتضي المنع أيضا في العكس و في العشاء و المغرب. و من صحيح علي بن جعفر سأل أخاه عليه السلام عن امام كان في الظهر فقامت امرأة بحياله تصلّي معه و هي تحسب أنّها العصر، هل يفسد ذلك على القوم؟ و ما حال المرأة في صلاتها معهم و قد كانت صلّت الظهر؟ قال: «لايفسد ذلك على القوم و تعيد المرأة صلاتها». وهو - مع أنّه منافٍ لما ذكره الصدوق و موافق للتقيّة، بل في الوسائل لأشهر مذاهب العامّة - محتمل لكون الأمر بالاعادة فيه للمحاذاة و التقدّم على الرجال المذكورين فيه حتّى على القول بكراهتهما؛ اذ لعلّ الاعادة للايقاع على الوجه الأكمل، نحو الأمر باعادة الجمعة لمن صلاّها بغير الجمعة و المنافقين و غيره ... نعم، في الكافي أنّه في حديث: «فان علم أنّهم في صلاة العصر و لم يكن صلّى الأولى فلايدخل معهم» لكنّه مع ارساله و اعراض المشهور نقلاً و تحصيلاً عنه
1) - وسائل الشيعة 8: 401 / الباب 54 من أبواب صلاة الجماعة / الحديث 4.
يجوز لمن يعيد صلاته احتياطا - استحبابيّا أو وجوبيّا - أن يقتدي بمن يصلّي وجوبا، و الدليل عليه فحوى الروايات المتقدّمة، بتقريب أنّه اذا جازت اعادة الصلاة جماعة فيمن صلّى فرادى و لم يحتمل فيها خللاً، فجواز الاعادة بالنسبة الى من احتمل في صلاته خللاً أولى.
و كذا يجوز عكسه أي اقتداء المفترض بمن يعيد صلاته؛ لاطلاق الأدلّة و عموماتها.
قال في مستند الشيعة: «يجوز اقتداء المفترض بالمتنفّل كائتمام من لم يصلّ بمعيد الصلاة، و عكسه كاقتداء الصبي بالبالغ و معيد الصلاة بمن لم يصلّ، بلا خلاف فيهما كما صرّح به غير واحد، بل بالاجماع صرّح في الخلاف و المنتهى، و تدلّ عليهما العمومات السليمة عن المعارض، بل النصوص المذكورة في مواضعها. انتهى».(2)
و قال في الرياض: «و أمّا اقتداء المتنفّل بالمفترض فلا خلاف فيه بين العلماء، كما لا خلاف في العكس عندنا، و قد صرّح بالاجماعين في المنتهى. و في الخلاف باجماعنا خاصّة فيهما. و سيأتي من النصوص ما يدلّ عليهما قريبا ان
شاء اللّه تعالى، مضافا الى الأصل و العمومات السليمة هنا عن المعارض أصلاً. كلّ هذا مع توافقهما نظما. و أمّا مع العدم فلايجوز الاقتداء في أحدهما بالآخر اجماعا، فلايقتدي في الخمس - مثلاً - بصلاة الجنازة و الكسوفين و العيدين، و لا العكس؛ لعدم امكان المتابعة المشترطة نصّا و فتوىً. انتهى».(1)
و قال العلاّمة في المنتهى: «يجوز اقتداء المتنفّل بالمفترض و بالعكس، و المفترض بمثله و المتنفّل بمثله في مواضع سبقت. أمّا اقتداء المتنفّل بالمفترض فلانعرف فيه خلافا بين أحد من أهل العلم - الى أن قال: - و أمّا اقتداء المفترض بالمتنفّل فانّه جائز عندها. انتهى».(2)
و قال في الخلاف: «يجوز للمفترض أن يأتمّ بالمتنفّل و للمتنفّل أن يقتدي بالمفترض مع اختلاف نيّتهما - الى أن قال: - دليلنا اجماع الفرقة فانّهم لايختلفون في ذلك. انتهى».(3)
و قال في الجواهر: «و يجوز أن يأتمّ المتنفّل باعادة صلاته احتياطا مندوبا أو قضاءً كذلك أو لارادة الجماعة أو كان صبيّا أو تبرّعا عن ميّت بالمفترض للأصل فيها، أو في بعضها، واطلاق الأدلّة. انتهى».(4)
و في موضع آخر منه قال: «و أمّا المفترض بالمتنفّل فلا خلاف فيه أيضا نقلاً و تحصيلاً، بل في الخلاف و ظاهر التذكرة و المنتهى الاجماع عليه، و النصوص بعد الأصل و الاطلاقات دالّة على بعض صوره، و هي اقتداء المؤدّي فرضه بمن أعاد تحصيلاً لفضيلة الجماعة، و أمّا باقي الصور كاقتداء مصلّي اليوميّة أداءً أو قضاءً بالمتبرّع عن غيره أو المحتاط، فلم أجد بها نصّا بالخصوص، لكنّه مقتضى اطلاق
الأدلّة. انتهى ملخّصا».(1)
و قال المحقّق الهمداني: «متى شرعت له اعادة فريضة صحّ له فعلها جماعة اماما كان أو مأموما. نعم، اذا كان اعادة الامام من باب الاحتياط أو كانت ثابتة بدليل ضعيف من باب المسامحة فانّ الائتمام بمثل هذه الصلاة لايخلو من اشكال؛ اذ على تقدير عدم مصادفة الاحتياط للواقع و عدم كون ما ورد فيه الأمر بالاعادة لايكون المأتي به صلاة واقعيّة بل هي صورة صلاة. انتهى ملخّصا».(2)
أقول:
الظاهر أنّه اذا صلّى فرادى و احتمل خللاً في صلاته فقصد أن يكون اماما في صلاته فالروايات المتقدّمة يشملها أيضا بالفحوى. نعم، اذا صلّى جماعة و احتمل خللاً فان كان هناك أمر بالاعادة فقصد ذلك الأمر يجوز الاقتداء به.
و ممّا ذكرنا يظهر الحكم في اقتداء المحتاط بالمحتاط.
(مسألة 4): يجوز الاقتداء في اليوميّة - أيّا منها كانت، أداءً أو قضاءً - بصلاة الطواف كما يجوز العكس.
الشرح:
يمكن أن يقال بجواز الاقتداء في اليوميّة بصلاة الطواف و بالعكس باطلاق صحيحة زرارة و الفضيل قالا:
«قلنا له: الصلاة في جماعة فريضة هي؟ فقال: الصلوات فريضة و ليس الاجتماع بمفروض في الصلوات كلّها ولكنّها سنّة».(3)
و كذا اطلاق معقد الاجماع على عدم اعتبار تساوي الفرضين، مع عدم تنصيصهم على المنع في المقام، بل مع تنصيص بعض على الجواز، من دون تعرّض لخلاف فيه، و ان كان صاحب الجواهر تأمّل فيه و قال: «أمّا الائتمام في ركعتي الطواف الواجب باليوميّة و بالعكس فغير بعيد كما نصّ على أوّلهما في البيان و ان كان هو أيضا لايخلو من تأمّل باعتبار توقيفيّة العبادة و قصور الاطلاقات عن تناول مثله، بل و عبارات الأصحاب التي قد يدّعى الاجماع عليها، لاحتمال ارادة القضيّة المهملة منها. انتهى».(1)
فالعمدة في الاشكال عدم معهوديّة ذلك من المسلمين و لم ينقل أنّ النبي الأكرم صلى الله عليه و آله أو أحدا من الأئمّة عليهم السلام قد فعلوا ذلك و لو كانت الجماعة في صلاة الطواف خاصّة، فضلاً عن الاقتداء في اليوميّة بصلاة الطواف، فالاحتياط بترك الجماعة في صلاة الطواف مطلقا في محلّه، الاّ رجاءً و البناء على الاعادة.
(مسألة 5): لايجوز الاقتداء في اليوميّة بصلاة الاحتياط في الشكوك، و الأحوط ترك العكس أيضا و ان كان لايبعد الجواز بل الأحوط ترك الاقتداء فيها و لو بمثلها من صلاة الاحتياط حتّى اذا كان جهة الاحتياط متّحدة، و ان كان لايبعد الجواز في خصوص صورة الاتّحاد، كما اذا كان الشكّ الموجب للاحتياط مشتركا بين الامام و المأموم.
الشرح:
قال في الجواهر: «و في الدروس: «الأقرب المنع من الاقتداء في صلاة الاحتياط و بها الاّ في الشكّ المشترك بين الامام و المأموم» و لعلّه لأنّها معرضةللنفل و الاتمام فينبغي ملاحظة الصحيح على كلّ منهما، لكن فيه أوّلاً: انّه لا فرق
1) - جواهر الكلام 13: 243.
في ذلك بين الشكّ المشترك و غيره، و ثانيا: انّه لايقدح احتمال النفل بعد أن كانت واجبة في الظاهر لاأقلّ من أن تكون كالنافلة المنذورة بناءً على صحّة الائتمام فيها و بها، فالأولى التمسّك له بالشكّ في تناول اطلاقات الجماعة له التي لم تسق لمثل ذلك و ان كان فيه تأمّل. انتهى».(1)
و أمّا المحقّق الهمداني فانّه بعد الاشكال في جواز الاقتداء في صلاة الطواف قال: «و أشكل منه تجويزها في صلاة الاحتياط المردّد أمرها من حيث هي بين كونها مكمّلة للفريضة أو نافلة و وجوبها عليه بالفعل في الظاهر غير مجدٍ في استفادة شرعيّة الجماعة فيها من اطلاق النصّ و الفتوى؛ اذ المنساق الى الذهن من الاطلاق ما كانت مفروضة بالذات لا لعارض كما أنّ المنساق ممّا دلّ على حرمة الجماعة في النافلة ما كانت نافلة كذلك فعروض وصف الوجوب لها بنذر و شبهه غير موجب لتبدّل حكمها خلافا لصريح بعض من تجويزه الجماعة في النافلة المنذورة و شبهها نظرا الى اتّصافها فعلاً بالوجوب فيعمّها الاطلاقات و فيه ما عرفت. انتهى».(2)
أقول:
الظاهر عدم جواز الاقتداء فيها باليوميّة و بالعكس، للشكّ في شمول الاطلاقات لها، مضافا الى الشكّ في كونها متمّمة للفريضة أو تكون نافلة. و كذا الاقتداء في صلاة الاحتياط بمثلها؛ لعدم احراز شمول الأدلّة لها و ان كان الاقتداء من أوّل الصلاة و كان شكّ الامام و المأموم متشابها مثل أن يكون شكّهما بين الثلاث و الأربع.
(مسألة 6): لايجوز اقتداء مصلّي اليوميّة أو الطواف بمصلّي الآيات أو العيدين أو صلاة الأموات، و كذا لايجوز العكس، كما أنّه لايجوز اقتداء كلّ من الثلاثة بالآخر.
الشرح:
لايجوز اقتداء مصلّي اليوميّة أو الطواف بمصلّي الآيات أو العيدين أو صلاة الأموات، و ذلك أوّلاً لعدم الدليل و انصراف الاطلاقات عن مثل ذلك قطعا. و ثانيا و لكلّ من تلك الصلوات كيفيّة خاصّة لها، و النظم في احداها غير النظم في الأخرى فكيف يقتدي من يصلّي اليوميّة التي في كلّ ركعة منها ركوع واحد بمصلّي الآيات التي في كلّ ركعة منها خمسة ركوعات، أو بصلاة الأموات التي ليس لها ركوع و سجود، أو العيدين اللذين في كلّ ركعة منهما عدّة قنوتات، فلا معنى للجماعة و الاقتداء في مثل ذلك.
قال في الجواهر: «أمّا مع اختلاف النظم كاليوميّة و الجنائز و الكسوف و العيدين فلا خلاف أجده بين الأصحاب في عدم مشروعيّة الجماعة فيها، بل في كلام بعضهم دعوى الاجماع عليه بل لعلّه من بديهيّات المذهب أو الدين كما قيل، لا لعدم امكان المتابعة؛ اذ يمكن بنيّة الانفراد عند محلّ الاختلاف، أو الانتظار
الى محلّ الاجتماع، أو الائتمام بالركوع العاشر مثلاً من صلاة الكسوف كما عن النجيبيّة احتماله، و أحد قولي الشافعي جوازه حتّى في صلاة الجنازة، بل لأنّ العبادة توقيفيّة و لم يثبت مثل ذلك فيها، بل لعلّ الثابت خلافه، و الاطلاقات واضحة القصور عن التناول لمثله، كوضوح قصورها عن تناول مثل الائتمام في صلاة العيدين بالاستسقاء المتوافقين في النظم و بالعكس حتّى لو نذر و ان كان الاجتماع مشروعا فيها الاّ أنّه فيها نفسها لا في المتخالفين. انتهى».(1)
1) - جواهر الكلام 13: 243.
و عن المحقّق الهمداني: «ثمّ لايخفى عليك أنّه يعتبر في صحّة الجماعة لدى اختلاف الفريضتين موافقتها في الكيفيّة فلايصحّ الاقتداء مع اختلاف النظم كالاقتداء في اليوميّة بالآيات و الجنائز و نحوهما أو عكسه بلا خلاف فيه على الظاهر كما يظهر ادّعاؤه من بعض لعدم تمكّنه من المتابعة؛ لأنّه ان تابع الامام في أفعاله انمحى صورة صلاة المأموم و ان تخلّف عنه في موضع الاختلاف انتفى حقيقة الائتمام عرفا. و أمّا ما قيل من امكان المتابعة بنيّة الانفراد عند محلّ الاختلاف أو الانتظار الى محلّ الاجتماع و الائتمام بالركوع العاشر مثلاً من صلاة الكسوف كما عن النجيبيّة احتماله و عن أحد قولي الشافعي جوازه حتّى في صلاة الجنازة، ففيه: انّ شيئا منهما ليس من حقيقة الائتمام في صلاته من شيء. أمّا الأخير فواضح فانّ من اقتدى في صبحه بكسوف الامام مثلاً و تخلّف عنه في ركوعاته ممّا عدا الخامس و العاشر لايصدق عليه أنّه مقتدٍ به في هذا الفعل كما لايخفى، و أمّا الأوّل فهو مقتدٍ به في جزء من الصلاة و هو مخالف للمشروع اذ المشروع هو أن يقتدي في صلاته بصلاة الامام لا في كلّ جزء جزء من أجزائها بحياله - الى أن قال: - فيكفي في المنع عنه أصالة عدم المشروعيّة كما أنّ هذا هي عمدة المستند للمنع عن الاقتداء في الفريضة بالاستسقاء و نحوه أو عكسه أو الاستسقاء بالعيدين أو بصلاة الغدير بناءً على شرعيّة الجماعة فيها أو عكسه و لايصحّ الرجوع الى البراءة لنفي اعتبار ما يشكّ في شرطيّته؛ اذ الجماعة من حيث هي ليست عبادة مستقلّة، و ليست مغايرة بالذات لصلاة المنفرد بل الجماعة كيفيّة في الصلاة اعتبرها الشارع موجبة لتأكّد مطلوبيّتها و رتّب عليها أحكام خاصّة من سقوط القراءة و نظائرها فيجب الاقتصار على القدر المتيقّن في رفع اليد عمّا يقتضيه عموم «لا صلاة الاّ بفاتحة الكتاب» و نحوه و اللّه العالم. انتهى ملخّصا».(1)
1) - مصباح الفقيه كتاب الصلاة: 660 و 661.
(مسألة 7): الأحوط عدم اقتداء مصلّي العيدين بمصلّي الاستسقاء، و كذا العكس و ان اتّفقا في النظم.
قد تقدّم دليل ذلك في المسألة السابقة فلانعيد.
(مسألة 8): أقلّ عدد تنعقد به الجماعة - في غير الجمعة و العيدين - اثنان: أحدهما الامام، سواء كان المأموم رجلاً أو امرأة بل و صبيّا مميّزا على الأقوى، و أمّا في الجمعة و العيدين فلاتنعقد الاّ بخمسة أحدهم الامام.
الشرح:
قال في الجواهر: «و أقلّ ما تنعقد الجماعة المندوبة باثنين، الامام أحدهما بلا خلاف أجده فيه كما اعترف به في المنتهى و الرياض و المفاتيح، بل في التذكرة و عن كشف الالتباس الاجماع عليه، بل عن المنتهى عليه فقهاء الأمصار، فلايشترط حينئذ في حصولها الزيادة على ذلك اجماعا كما عن نهاية الأحكام، و ان كان لفظ الجماعة حقيقة في الثلاثة فصاعدا عندنا، لكنّ المدار هنا على حصول الصلاة جماعة شرعيّة يترتّب عليها ما ذكر لها من الأحكام لا صدق اسم الجماعة، و هو متحقّق بمطلق الضمّ و الاجتماع المتحقّق في ضمن الاثنين قطعا؛ لما عرفت. انتهى».(1)
و يدلّ على انعقاد الجماعة باثنين أحدهما الامام: صحيحة زرارة (في حديث) قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: الرجلان يكونان جماعة؟ فقال: نعم، و يقوم الرجل عن يمين الامام».(2)
و خبر محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام أنّه سأل عن الرجلين يصلّيان جماعة؟ قال:
«نعم، يجعله عن يمينه».(1)
و في الخبر عن عيون الأخبار عن الرضا عليه السلام عن آبائه عن النبي صلى الله عليه و آله قال:
«الاثنان فما فوقهما جماعة».(2)
سواء كان المأموم رجلاً كما مرّ أو امرأة كما في خبر الحسن الصيقل عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته: كم أقلّ ما تكون الجماعة؟ قال: رجل و امرأة».(3)
و خبر محمّد بن يوسف عن أبيه قال:
«سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: انّ الجُهَني أتى النبي صلى الله عليه و آله فقال: يا رسول اللّه، انّي أكون في البادية و معي أهلي و ولدي و غلمتي، فأؤذّن و أقيم و أصلّي بهم، أفجماعة نحن؟ فقال: نعم. فقال: يا رسول اللّه، فانّ الغلمة يتبعون قطر السماء و أبقى أنا و أهلي و ولدي، فأؤذّن و أقيم و أصلّي بهم، أفجماعة نحن؟ فقال: نعم. فقال: يا رسول اللّه، فانّ ولدي يتفرّقون في الماشية فأبقى أنا و أهلي، فأؤذّن و أقيم و أصلّي بهم، أفجماعة نحن؟ فقال: نعم. فقال: يا رسول اللّه، انّ المرأة تذهب في مصلحتها فأبقى أنا وحدي، فأؤذّن و أقيم و أصلّي، أفجماعة أنا؟ فقال: نعم، المؤمن وحده جماعة».(4)
الصورة الأخيرة جماعة مجازيّة لا حقيقيّة، و المراد أنّ ثوابه يضاعف بالأذان و
الاقامة و ارادة الجماعة فكأنّه وحده جماعة.
و صحيحة الفضيل عن أبي جعفر عليه السلام أنّه قال:
«المرأة تصلّي خلف زوجها الفريضة و التطوّع و تأتمّ به في الصلاة».(1)
و صحيحة الفضيل بن يسار قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: أصلّي المكتوبة بأمّ علي؟ قال: نعم، تكون عن يمينك يكون سجودها بحذاء قدميك».(2)
و مرسلة عبداللّه بن بكير عن بعض أصحابنا عن أبي عبداللّه عليه السلام في الرجل يؤمّ المرأة؟ قال: «نعم، تكون خلفه».(3)
و خبر أبي العبّاس قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يؤمّ المرأة في بيته؟ فقال: نعم، تقوم وراءه».(4)
ثمّ انّه يدلّ على جواز الجماعة و صحّتها اذا كان المأموم صبيّا مميّزا: خبر أبي البختري عن جعفر عليه السلام قال:
«انّ عليّا عليه السلام قال: الصبي عن يمين الرجل في الصلاة اذا ضبط الصفّ جماعة، و المريض القاعد عن يمين الصبي جماعة».(5)
و خبر ابراهيم بن ميمون عن الصادق عليه السلام في الرجل يؤمّ النساء ليس معهنّ رجل في الفريضة؟ قال:
1) - وسائل الشيعة 8: 332 / الباب 19 من أبواب صلاة الجماعة / الحديث 1.
2) - وسائل الشيعة 8: 332 / الباب 19 من أبواب صلاة الجماعة / الحديث 2.
3) - وسائل الشيعة 8: 332 / الباب 19 من أبواب صلاة الجماعة / الحديث 4.
4) - وسائل الشيعة 8: 333 / الباب 19 من أبواب صلاة الجماعة / الحديث 5.
5) - وسائل الشيعة 8: 298 / الباب 4 من أبواب صلاة الجماعة / الحديث 8.
«نعم، و ان كان معه صبي فليقم الى جانبه».(1)
قال في الجواهر: «ثمّ لا فرق بين الذكور و الاناث في الحكم المزبور و لو مع التفريق فيما يصحّ منه كالخناثى؛ لاطلاق الأدلّة و صراحة بعضها في بعض، بل في خبر أبي البختري انعقادها بالرجل و الصبي، و به صرّح غير واحد، بل يشمله اطلاق الأدلّة السابقة بناءً على شرعيّة عبادة الصبي التي يشهد لها الخبر المزبور، الاّ أن يدّعى انعقادها بذلك حتّى لو قيل بالتمرين كما صرّح به في الذخيرة تبعا للمحكي عن الروض و مجمع البرهان؛ لاطلاق الأدلّة و خصوص الخبر، و هو لايخلو من وجه. انتهى ملخّصا».(2)
(مسألة 9): لايشترط في انعقاد الجماعة في غير الجمعة و العيدين نيّة الامام الجماعة و الامامة، فلو لم ينوها مع اقتداء غيره به تحقّقت الجماعة، سواء كان الامام ملتفتا لاقتداء الغير به أم لا. نعم، حصول الثواب في حقّه موقوف على نيّة الامامة. و أمّا المأموم فلابدّ له من نيّة الائتمام فلو لم ينوه لم تتحقّق الجماعة في حقّه و ان تابعه في الأقوال و الأفعال. و حينئذ فان أتى بجميع ما يجب على المنفرد صحّت صلاته و الاّ فلا. و كذا يجب وحدة الامام فلو نوى الاقتداء باثنين و لو كانا متقارنين في الأقوال و الأفعال لم تصحّ جماعة، و تصحّ فرادى ان أتى بما يجب على المنفرد و لم يقصد التشريع. و يجب عليه تعيين الامام بالاسم أو الوصف أو الاشارة الذهنيّة أو الخارجيّة، فيكفي التعيين الاجمالي كنيّة الاقتداء بهذا الحاضر، أو بمن يجهر في صلاته مثلاً من الأئمّة الموجودين أو نحو ذلك، و لو نوى الاقتداء بأحدهذين أو أحد هذه الجماعة لم تصحّ جماعة و ان كان من قصده تعيين
أحدهما بعد ذلك في الأثناء أو بعد الفراغ.
الشرح:
حقيقة الاقتداء التي تستفاد من الروايات عبارة عن ربط معنوي بين المأموم و الامام فهي منوطة بالقصد، و لو كان خاليا من القصد و النيّة لم يكن هناك اقتداء و لذا من تابع أفعال صلاته لأفعال صلاة شخص حتّى يسلم من الوسوسة و الشكّ لم يكن مقتديا، و كذا من صادف له هذه المتابعة. و المهمّ في تحقّق الجماعة نيّة الاقتداء من قِبل المأموم و ان لم يكن الامام ملتفتا، بل لو صلّى بنيّة الانفراد مع علمه بأنّ من خلفه يأتمّ به صحّ عند علمائنا على ما في محكي التذكرة؛ لأنّ أفعال الامام مساوية لأفعال المنفرد في الكيفيّة و الأحكام فلا وجه لاعتبار تمييز أحدهما عن الآخر، و لذلك ورد في الرواية عن أبي عبداللّه عليه السلام عن أبيه قال:
«قال أميرالمؤمنين عليه السلام في رجلين اختلفا فقال أحدهما: كنت امامك، و قال الآخر: أنا كنت امامك، فقال: صلاتهما تامّة. قلت: فان قال كلّ واحد منهما: كنت أئتمّ بك، قال: صلاتهما فاسدة و ليستأنفا».(1)
قال في الجواهر: «و لابدّ في صحّة الجماعة للمأموم و جريان أحكامها عليه من نيّة الائتمام بلا خلاف نقلاً و تحصيلاً، بل هو مجمع عليه كذلك، بل في المنتهى أنّه قول كلّ من يحفظ عنه العلم؛ اذ من أصول المذهب و قواعده توقّف العبادات على النيّات، فلو لم ينوه حينئذ كان منفردا كما صرّح به غير واحد من الأصحاب كالفاضل في التذكرة و الشهيدين و غيرهم، بل لاأجد فيه خلافا، و لاتبطل صلاته الاّ بما تبطل به صلاة المنفرد. انتهى».(2)
و لو نوى الاقتداء باثنين و لو كانا متقارنين في الأقوال و الأفعال لم تصحّ ان لم يراع شرط الانفراد، بلا خلاف فيه و لعلّه من القطعيّات المتسالم عليها فيما بينهم، و انّه لم يعهد من المعصومين عليهم السلام و أصحابهم ذلك أي الاقتداء باثنين فعلاً أو قولاً. و بناءً عليه لابدّ له أن يعيّن الامام في نيّته لو كان أكثر من واحد و يحصل
التعيين بالاسم أو الوصف أو الاشارة الذهنيّة أو الخارجيّة كما مثّل به الماتن.
قال في الجواهر: «و كذا لا خلاف نقلاً و تحصيلاً في لابدّيّة القصد الى امام متّحد معيّن بالاسم أو بالاشارة أو بالصفة أو بغيرها، بل يكفي القصد الذهني بعد احراز جامعيّته لشرائط الامامة في صحّة الصلاة جماعة، بل كأنّه مجمع عليه؛ لأصالة عدم ترتّب أحكامها من سقوط القراءة و نحوها بعد الشكّ في تناول الاطلاقات أو القطع بالعدم؛ لعدم المعهوديّة، بل معهوديّة الخلاف. فلو كان بين يديه اثنان و نوى الائتمام بهما أو بأحدهما و لم يعيّن لم تنعقد صلاته قطعا؛ لعدم ثبوت مقتضى الصحّة في النصوص و الفتاوى. و الترديد في المصداق كالترديد في المفهوم كما لو قصد الصلاة خلف زيد أو العالم منهما و لم يعرف أنّ هذا زيد أو هذا، و أنّ هذا عالم أو هذا. انتهى ملخّصا».(1)
1) - نفس المصدر: 233.
(مسألة 10): لايجوز الاقتداء بالمأموم فيشترط أن لايكون امامه مأموما لغيره.
لعدم المعهوديّة، و الشكّ في تناول الاطلاقات له، و الأصل عدم المشروعيّة.
قال في الجواهر: «ضرورة عدم جواز الائتمام بالمأموم كما حكي في التذكرة و الذكرى الاجماع عليه. انتهى».(1)
(مسألة 11): لو شكّ في أنّه نوى الائتمام أم لا بنى على العدم و أتمّ منفردا، و ان علم أنّه قام بنيّة الدخول في الجماعة. نعم، لو ظهر عليه أحوال الائتمام - كالانصات و نحوه - فالأقوى عدم الالتفات و لحوق أحكام الجماعة و ان كان الأحوط الاتمام منفردا. و أمّا اذا كان ناويا للجماعة و رأى نفسه مقتديا و شكّ في أنّه من أوّل الصلاة نوى الانفراد أو الجماعة فالأمر أسهل.
الشرح:
النيّة للفعل هي القصد اليه الذي يوجب تحريك الأعضاء نحوه فمن قصد أن يصلّي بالجماعة و خرج الى المسجد فهو ناوٍ و قاصد و عازم على اقامة الجماعة و الائتمام بالامام المعيّن و عليه لو علم أنّه كبّر للصلاة و شكّ في الائتمام فشكّه ليس بشيء؛ لاستصحاب الارادة السابقة ان لم يحتمل انفساخ عزمه السابق حين دخوله في الصلاة و ان كان مشغولاً بالقراءة فانّه يحمل على الخطأ و السهو. و أمّا ان احتمل انفساخ عزمه السابق حين دخوله في الصلاة فلا اشكال أيضا في جريان الاستصحاب و ان كان مشغولاً بالقراءة فانّه يحمل على الخطأ، مع أنّ قاعدة التجاوز في الفرعين جارية. نعم، من خرج من بيته بقصد الصلاة في
1) - نفس المصدر: 237.
المسجد و كان من عادته عدم الالتزام بالجماعة و أنّه كان قد يصلّي جماعة و قد يصلّي فرادى، فهذا ان شكّ في الائتمام فالأصل عدمه الاّ اذا ظهر منه حالة الاقتداء من كونه في الصفّ و كان صامتا في الجهريّة أو مسبّحا في الاخفاتيّة، و يتابع الامام في أفعاله.
قال المحقّق الهمداني: «و لو شكّ في أنّه هل نوى الائتمام أم لا بنى على عدمه الاّ أن يكون مشغولاً بأفعال الجماعة مثل التسبيح في الاخفاتيّة و الانصات في الجهريّة و متابعته للامام في القنوت و سائر أفعاله فلايلتفت حينئذ الى شكّه؛ لكونه شكّا في الشيء بعد تجاوز محلّه. و يكفي في حصول نيّة الائتمام دخوله في المسجد مثلاً بقصد الجماعة و قيامه اليها و ان لم يلتفت حين تلبّسه بالصلاة الى وجه عمله لما عرفت في مبحث النيّة من كفاية الداعي الباقي في النفس المسمّى في عرف الفقهاء بالاستدامة الحكميّة التي هي من أثر الارادة السابقة المقتضية لايقاع الفعل تدريجا على حسب ما أراده في صحّة العبادة فلو قام الى الصلاة بهذا العزم ثمّ وجد نفسه حال تلبّسه بالصلاة مشغولاً بوظيفة المنفرد كالقراءة و نحوها، فان لم يحتمل انفساخ عزمه السابق حين دخوله في الصلاة بنى على ما قام اليه و لايعتدّ بما يفعله من وظيفة المنفرد، و ان احتمل ذلك فهل يبني على كونه جامعا أو منفردا؟ وجهان، من أصالة عدم انفساخ عزمه المستلزم لصدور هذا الفعل منه خطأً أو بارادة غير منافية لقصد الجماعة، و من أصالة عدم صدور وظيفة المنفرد منه خطأً و عدم كونه بارادة أخرى غير منافية لنيّة الجماعة، للأصل و الظاهر. و لعلّ الأوّل أقوى؛ اذ لايثبت بأصالة عدم الخطأ انفساخ عزمه السابق حتّى يرفع اليد عن أثره، ولكن الأحوط تجديد نيّة الانفراد و اتمام صلاته كذلك ان جوّزناها اختيارا كما هو المختار، أو تجديد نيّة الاقتداء ان قلنا بجوازه للمنفرد و الاّ فاتمام صلاته مأموما ثمّ الاعادة. انتهى».(1)
1) - مصباح الفقيه كتاب الصلاة: 658.
(مسألة 12): اذا نوى الاقتداء بشخص على أنّه زيد فبان أنّه عمرو فان لم يكن عمرو عادلاً بطلت جماعته و صلاته أيضا اذا ترك القراءة أو أتى بما يخالف صلاة المنفرد، و الاّ صحّت على الأقوى، و ان التفت في الأثناء و لم يقع منه ما ينافي صلاة المنفرد أتمّ منفردا. و ان كان عمرو أيضا عادلاً ففي المسألة صورتان: احداهما أن يكون قصده الاقتداء بزيد و تخيّل أنّ الحاضر هو زيد، و في هذه الصورة تبطل جماعته و صلاته أيضا ان خالفت صلاة المنفرد. الثانية أن يكون قصده الاقتداء بهذا الحاضر، ولكن تخيّل أنّه زيد فبان أنّه عمرو، و في هذه الصورة الأقوى صحّة جماعته و صلاته، فالمناط ما قصده لا ما تخيّله من باب الاشتباه في التطبيق.
الشرح:
قال في المدارك: «و لابدّ من نيّة الائتمام و القصد الى امام معيّن، بالاسم أو الصفة أو بكونه هذا الحاضر و ان لم يعلم باسمه أو صفته اذا علم استجماعه لشرائط الامامة. و لو نوى الاقتداء بالحاضر على أنّه زيد فبان عمروا ففي ترجيح الاشارة على الاسم فيصحّ، أو العكس فيبطل، نظر. انتهى».(1)
و قال في التذكرة: «و لو عيّن بغير وصف كونه الامام الحاضر فأخطأ بطلت صلاته؛ لأنّه لم ينو الاقتداء بهذا المصلّي، و ما نواه لم يقع له؛ لعدم امكانه، فبطلت صلاته. و كذا البحث لو عيّن الميّت في صلاة الجنازة و أخطأ فانّه يجب عليه اعادة الصلاة عليه. انتهى».(2)
و قال في مستند الشيعة: «و لو اقتدى بمعيّن جامع للشرائط على أنّه زيد فبانأنّه عمرو، ففي الروضة: البطلان، و في الذخيرة: الصحّة، و في الحدائق: التردّد. و
الوجه: التفصيل بأنّه ان نوى الاقتداء و المتابعة لهذا الحاضر و ان ظنّ أنّه زيد من غير قصد زيد و لهذا الحاضر الذي هو زيد، صحّ الائتمام؛ للمطلقات، و عدم ثبوت ايجاب هذا الاختلاف للفساد. و ان نوى الاقتداء بزيد و ان ظنّ أنّه الحاضر لم يصحّ؛ لأنّ من اقتدى به لم يتابعه و من تابعه لم يقتد به. و لو شكّ في أثناء الصلاة أو بعدها فيما نوى من هذه الأقسام صحّت صلاته؛ للشكّ في تحقّق ما يجب عليه بعد الانتقال عن المحلّ. انتهى».(1)
أقول:
لو نوى الاقتداء بمعيّن جامع للشرائط على أنّه زيد العادل فبان أنّه عمرو الفاسق فالجماعة باطلة ولكنّها صحيحة فرادى ان لم يفعل ما كان عمده و سهوه موجبا للبطلان كزيادة الركوع. و الدليل على بطلان الجماعة دون الفرادى أنّ الجماعة و الفرادى ليستا طبيعتين مختلفتين بل هما طبيعة واحدة فان عرض عليها الاجتماع مع شرائط خاصّة تكون جماعة. و لذا نقول: انّ الصلاة فرادى ليست لها نيّة الاّ نيّة الصلاة لا الصلاة المقيّدة بالفرادى، فاذا لم تكن جماعة فهي فرادى. و فيما نحن فيه حيث كان بعض شرائطها مفقودا أي العدالة للامام فالجماعة باطلة، و أمّا نفس الصلاة فصحيحة؛ لأنّ المصلّي أتى بما هو تكليفه الاّ أنّه ترك القراءة و هذا لايضرّ لما سيأتي من صحّة صلاة من اقتدى بمعيّن بتخيّل أنّه عادل فانكشف أنّه كان يهوديّا و لقاعدة «لاتعاد الصلاة الاّ من خمسة ... » فهي شاملة للغفلة و السهو و الجهل دون العمد، فهذا ترك القراءة لجهله أو غفلته بعدم وجود العدالة. نعم، لو أتى بما هو مبطل للصلاة مطلقا و لو عن سهو فصلاته باطلة كما تقدّم. و أمّا لو اقتدى بزيد العادل فانكشف أنّه عمرو العادل فصلاته صحيحة؛ لأنّها جامعة للشرائط، فانّ المصلّي اقتدى بهذا الحاضر العادل فلايضرّ خطأه هذا
1) - مستند الشيعة 8: 22.
بنيّة الاقتداء و الجماعة. و القول بأنّ ما نواه لم يقع و ما وقع لم ينوه لايجري هنا؛ لأنّ شرائط الجماعة موجودة و من جملتها نيّة الاقتداء.
قال المحقّق الهمداني: «قد صرّح في الجواهر ب- «عدم الفرق في ذلك بين ظهور ذلك بعد الفراغ أو في الأثناء؛ اذ نيّة الانفراد هنا كعدمها؛ لعدم وقوع ما نواه و عدم نيّة ما وقع عنه و فائدة التعيين التوصّل به الى الواقع لا أنّه يكفي و ان خالف الواقع» و صرّح بالبطلان غير واحد بل ربّما يظهر من كلماتهم التسالم عليه. أقول: ان تمّ اجماعهم عليه فهو و الاّ فللنظر فيه مجال كما اعترف به شيخنا المرتضى رحمه الله. أمّا أوّلاً: فانّهم اعترفوا بأنّه لو اقتدى بهذا الحاضر معتقدا أنّه زيد فبان أنّه عمرو لم يقدح ذلك في صحّة اقتدائه لكون مقتداه متعيّنا لديه بالاشارة، و اعتقاد كونه زيدا لايخرجه عن كونه بعينه مقصودا بالاقتداء فحينئذ نقول: انّ ما نحن فيه لا محالة يؤوّل الى ذلك لما أشرنا اليه آنفا من أنّ الائتمام علاقة خارجيّة لايعقل تعلّقه بمفهوم زيد بل بالشخص الخارجي الذي اعتقده زيدا و هو هذا الحاضر فاعتقاد صدق عنوان زيد على هذا الحاضر سبب لقصد الائتمام بهذا الشخص الحاضر بعينه لا غير. و الحاصل أنّ الائتمام لايتعلّق قصده الاّ بهذا الشخص الخارجي الحاضر بين يدي المصلّين المربوطة أفعالهم بفعله. و ثانيا: سلّمنا عدم مدخليّة وصف الحضور فيما تعلّق به قصد الاقتداء، و انّما المقصود الاقتداء بزيد من حيث هو المتصادق على هذا الحاضر بزعمه ولكن نقول انّه اذا اعتقد أنّ زيدا هو هذا الشخص الحاضر فقد قصد الاقتداء بزيد أوّلاً و بالذات و قصد الاقتداء بهذا الشخص ثانيا و بالعرض فان قصد ايقاع فعل على عنوان يستتبع قصد ايقاعه على عنوان آخر صادق عليه باعتقاد الفاعل، فانّ من قصد اهانة زيد من حيث هو مع علمه بأنّه ابن عمرو فأهان ابن عمرو فيصدق أنّه قصد اهانة ابن عمرو و لو من حيث انّه زيد لا من حيث هو، فاذا تبيّن أنّ ابن عمرو لم يكن زيدا يصدق أنّه أهانه عن قصد و مثل هذا القصد التبعي كافٍ في صحّة الاقتداء؛ اذ لا دليل على اعتبار
أزيد من ذلك كما صرّح بذلك كلّه شيخنا المرتضى أعلى اللّه مقامه. و ثالثا: سلّمنا ذلك كلّه ولكن الدليل المزبور لايستدعي الاّ فساد القدوة لا بطلان أصل الصلاة فالوجه اجراء أحكام المنفرد عليه لما عرفت في مبحث النيّة من أنّ الجماعة و الفرادى ليستا ماهيّتين مختلفتين بالنوع حتّى يتوقّف تمييز كلّ منهما عن الأخرى بالقصد بل هي كيفيّة خاصّة اعتبرها الشارع موجبة لتأكّد مطلوبيّة الصلاة الواجبة عليه من حيث هو و يلحقها أحكام خاصّة تبعا لتلك الخصوصيّة فلو أخلّ بها فاتته الجماعة دون أصل الصلاة الاّ أن يخلّ بشيء من واجباتها. انتهى موضع الحاجة».(1)
(مسألة 13): اذا صلّى اثنان و بعد الفراغ علم أنّ نيّة كلّ منهما الامامة للآخر صحّت صلاتهما. أمّا لو علم أنّ نيّة كلّ منهما الائتمام بالآخر استأنف كلّ منهما الصلاة اذا كانت مخالفة لصلاة المنفرد. و لو شكّا فيما أضمراه فالأحوط الاستئناف و ان كان الأقوى الصحّة اذا كان الشكّ بعد الفراغ أو قبله مع نيّة الانفراد بعد الشكّ.
الشرح:
الدليل على هذه المسألة خبر السكوني عن أبي عبداللّه عليه السلام عن أبيه قال:
«قال أميرالمؤمنين عليه السلام في رجلين اختلفا فقال أحدهما: كنت امامك، و قال الآخر: أنا كنت امامك، فقال: صلاتهما تامّة. قلت: فان قال كلّ واحد منهما: كنت أئتمّ بك؟ قال: صلاتهما فاسدة وليستأنفا».(2)
و الظاهر عدم الفرق بين اقترانهما في النيّة أو افتراقهما لاطلاق الخبر و
الفتوى. و أمّا ان شكّا فيما أضمراه و كان الشكّ بعد الفراغ فتصحّ صلاتهما؛ لقاعدة الفراغ، و كذا لو نويا الانفراد بعد الشكّ؛ لقاعدة التجاوز.
قال في الجواهر: «و لو صلّى اثنان فقال كلّ منهما: كنت اماما، صحّت صلاتهما بلا خلاف أجده فيه، بل في ظاهر الروض و الرياض الاجماع عليه، بل هو صريح المنتهى؛ لمساواة صلاة الامام صلاة المنفرد من كلّ وجه في القراءة و غيرها، و نيّة الامامة ليست منوّعة بل هي كنيّة المسجديّة بخلاف نيّة المأموميّة لاختصاصها بأحكام كثيرة و لخبر السكوني المعمول به هنا بين الأصحاب كما اعترف به غير واحد - الى أن قال: - أمّا لو قال كلّ منهما: كنت مأموما بحيث علم صحّة قولهما لم تصحّ صلاتهما بلا خلاف أجده فيه، بل ظاهر جماعة الاجماع، بل هو صريح التذكرة للاخلال بالقراءة و للخبر المتقدّم المنجبر ضعفه بعمل الأصحاب. انتهى».(1)
(مسألة 14): الأقوى و الأحوط عدم نقل نيّته من امام الى امام آخر اختيارا، و ان كان الآخر أفضل و أرجح. نعم، لو عرض للامام ما يمنعه من اتمام صلاته من موت أو جنون أو اغماء أو صدور حدث بل ولو لتذكّر حدث سابق جاز للمأمومين تقديم امام آخر و اتمام الصلاة معه. بل الأقوى ذلك لو عرض له ما يمنعه من اتمامها مختارا كما لو صار فرضه الجلوس حيث لايجوز البقاء على الاقتداء به؛ لما يأتي من عدم جواز ائتمام القائم بالقاعد.
الشرح:
لو عرض للامام ما يمنعه من اتمام صلاته، جاز للمأمومين تقديم امام آخر و
1) - جواهر الكلام 13: 237.
اتمام الصلاة معه. و الدليل على ذلك روايات:
منها صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام أنّه سئل عن رجل أمّ قوما فصلّى بهم ركعة ثمّ مات، قال:
«يقدّمون رجلاً آخر فيعتدّ بالركعة و يطرحون الميّت خلفهم و يغتسل من مسّه».(1)
و منها صحيحة علي بن جعفر أنّه سأل أخاه موسى بن جعفر عليه السلام عن الامام أحدث فانصرف و لم يقدّم أحدا، ما حال القوم؟ قال:
«لا صلاة لهم الاّ بامام، فليقدم بعضهم فليتمّ بهم ما بقي منها و قد تمّت صلاتهم».(2)
و منها صحيحة عبداللّه بن سنان عن الصادق عليه السلام في امام قدّم مسبوقا بركعة، قال:
«اذا أتمّ صلاة القوم بهم فليومِ اليهم يمينا و شمالاً فلينصرفوا ثمّ ليكمل هو ما فاته من صلاته».(3)
و منها صحيحة جميل بن درّاج عن الصادق عليه السلام في رجل أمّ قوما على غير وضوء فانصرف و قدّم رجلاً و لم يدر المقدّم ما صلّى الامام قبله، قال: «يذكّره من خلفه».(4)
و منها صحيحة معاوية بن عمّار قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يأتي المسجد و هم في الصلاة و قد سبقه الامام بركعة أو أكثر فيعتلّ الامام فيأخذ بيده و يكون أدنى
القوم اليه فيقدّمه؟ فقال: يتمّ صلاة القوم ثمّ يجلس حتّى اذا فرغوا من التشهّد أومأ اليهم بيده عن اليمين و الشمال، و كان الذي أومأ اليهم بيده التسليم و انقضاء صلاتهم، و أتمّ هو ما كان فاته أو بقي عليه».(1)
و منها صحيحة زرارة أنّه قال:
«قلت لأبي جعفر عليه السلام: رجل دخل مع قوم في صلاتهم و هو لاينويها صلاة، و أحدث امامهم و أخذ بيد ذلك الرجل فقدّمه فصلّى بهم، أيجزؤهم صلاتهم بصلاته و هو لاينويها صلاة؟ فقال: لاينبغي للرجل أن يدخل مع قوم في صلاتهم و هو لاينويها صلاة بل ينبغي له أن ينويها».(2)
و منها خبر طلحة بن زيد عن جعفر عن أبيه عليهماالسلام قال:
«سألته عن رجل أمّ قوما فأصابه رعاف بعدما صلّى ركعة أو ركعتين (فقدّم رجلاً ممّن قد فاته) ركعة أو ركعتان؟ قال: يتمّ بهم الصلاة ثمّ يقدّم رجلاً فيسلّم بهم و يقوم هو فيتمّ بقيّة صلاته».(3)
و منها مرسلة الصدوق قال:
«و قال أميرالمؤمنين عليه السلام: ما كان من امام تقدّم في الصلاة و هو جنب ناسيا أو أحدث حدثا أو رعف رعافا أو أزّا (أذىً) في بطنه فليجعل ثوبه على أنفه ثمّ لينصرف و ليأخذ بيد رجل فليصلّ مكانه، ثمّ ليتوضّأ و ليتمّ ما سبقه به من الصلاة، و ان كان جنبا فليغتسل و ليصلّ
الصلاة كلّها».(1)
أقول:
يستفاد من هذه الأحاديث أنّه اذا عرض للامام عارض لايستطيع اتمام الصلاة سواء كان شرعيّا كحدوث الحدث أو التذكّر بسبقه ونحوه ممّا يقطع الصلاة، أو غيره كما لو أصابه مرض لابدّ له أن يقطع صلاته أو يتمّه جالسا و مضطجعا، و سواء كان متمكّنا من أن يأخذ بيد رجل فيقدّمه أو لم يكن كما لو مات أو أغمي عليه أو جنّ، فيجوز للمأمومين أن يقدّموا رجلاً منهم و يتمّوا صلاتهم به، أو يتقدّم بعضهم. ثمّ انّه لايجب على الامام الاستنابة بل تستحبّ؛ جمعا بين الروايات المتقدّمة و بين صحيحة زرارة عن أحدهما عليهماالسلام قال:
«سألته عن رجل صلّى بقوم ركعتين ثمّ أخبرهم أنّه ليس على وضوء؟ قال: يتمّ القوم صلاتهم، فانّه ليس على الامام ضمان».(2)
كما أنّه لايجب على المأمومين تقديم رجل منهم أو تقدّم أحدهم و اتمام الصلاة بهم، بل يستحبّ و ذلك للجمع بين هذه الصحيحة المذكورة آنفا و بين صحيحة علي بن جعفر المتقدّمة.
و يجوز تقديم من سبقه الامام؛ لصحيحة معاوية بن عمّار المتقدّمة و ان كان يكره لصحيحة سليمان بن خالد قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل يؤمّ القوم فيحدث و يقدّم رجلاً قد سبق بركعة، كيف يصنع؟ فقال: لايقدّم رجلاً قد سبق بركعة، ولكنيأخذ بيد غيره فيقدّمه».(3)
بل يجوز أن يقدّم رجلاً لم يصلّ معهم كما هو ظاهر صحيحة معاوية بن عمّار
و صريح صحيحة زرارة المتقدّمتين.
قال في التذكرة: «لو أحدث الامام أو أغمي عليه أو مات أو مرض، قدّم هو أو المأمومون من يتمّ بهم الصلاة، استحبابا لا وجوبا، عند علمائنا أجمع - و به قال مالك و أبو حنيفة و الثوري و أحمد و اسحاق و أبو ثور و الشافعي في الجديد - يكره أن يستنيب المسبوق. و يجوز أن يستنيب المنفرد و السابق، فان استنابه جاز أن يستنيب ثانيا. و لا فرق في جواز الاستخلاف بين أن يكون الامام قد سبقه الحدث أو أحدث عمدا. و استخلاف الامام ليس بشرط، فلو تقدّم بعض المأمومين بنفسه و أتمّ الصلاة جاز. و لو استخلف اثنين حتّى يصلّي مع كلّ واحد منهما بعض الناس، جاز في غير الجمعة. انتهى ملخّصا».(1)
و قال في الجواهر: «و اذا مات الامام أو أغمي عليه في الأثناء استنيب من يتمّ الصلاة بهم، بلا خلاف معتدّ به أجده، بل بالاجماع في الموت صرّح جماعة، بل في التذكرة ذلك أيضا فيه مع الاغماء، بل عن الذكرى و غيرها الاجماع في مطلق العذر الشامل للموت و غيره، و ان كنت لم أجد ذلك فيها، الاّ أنّ ظاهر الأصحاب عدم التوقّف فيه و في كلّ عذر مساوٍ للموت من جنون و نحوه، و ان كان لا تصريح في النصوص الاّ بالموت الاّ أنّ الظاهر الغاء الخصوصيّة و لو بمعونة الاتّفاق المزبور ... كما أنّ الظاهر أيضا عدم ارادة الشرطيّة من قوله عليه السلام في صحيح الحلبي «يقدّمون» بحيث لايجزي لو تقدّم بعضهم من غير تقديم منهم، بل هو أحد الأفراد أيضا، بل الظاهر أيضا عدم اعتبار كون المقدّم بعضهم ... و كذا اذا عرض للامام ضرورة بأن سبقه الحدث أو الرعاف أو الأذى في بطنه أو ذكر أنّه كان على غير طهارة أو تمّت صلاته لسفر جاز أن يستنيب عنه من يتمّ الصلاة بالمأمومين بلا خلاف أجده في شيء من هذه الأعذار، بل في الذكرى: «يجوز الاستخلاف عند علمائنا أجمع اذا أحدث أو عرض له مانع». و في التذكرة:
1) - تذكرة الفقهاء 4: 320 و 321.
«الاجماع على المرض و الحدث»، بل في الرياض: «انّه بالاجماع على ذلك صرّح جماعة» و مع ذلك فالنصوص بها مستفيضة حدّ الاستفاضة ان لم تكن متواترة. انتهى ملخّصا».(1)
و قال في موضع آخر منه: «و اطلاق كثير كالفتاوى يقتضي عدم الفرق في النائب بين المأموم و الأجنبي كما صرّح به بعضهم، بل كاد يكون صريح صحيح جميل و خبر زرارة - الى أن قال: - كما أنّه لاينبغي التوقّف في أنّه للمأمومين تقديم من يشاؤون اذا لم يقدّم الامام لهم من يأتمّون به، بل لبعضهم أن يتقدّم و ان لم يقدّمه أحد - الى أن قال: - بل لهم أن لايأتمّوا بمن قدّمه لهم فيقدّمون غيره و يتمّون صلاتهم، كما أنّ لهم اتمام صلاتهم فرادى من غير ائتمام حتّى لو قلنا بعدم جواز نيّة الانفراد اختيارا. انتهى».(2)
قال في التذكرة: «يجوز أن يحرم مأموما ثمّ يصير اماما في موضع الاستخلاف، أو اذا نوى مفارقة الامام ثمّ ائتمّ به غيره، و كذا لو نقل نيّته الى الائتمام بامام آخر. و لو أدرك نفسان بعض الصلاة أو ائتمّ بالمسافر مقيمان، فسلّم الامام، جاز أن يأتمّ أحدهما بصاحبه. و لو نوى الامام الائتمام بغيره لم تصحّ. انتهى ملخّصا».(3)
قال في مستند الشيعة: «هل يجوز عدول المنفرد الى الائتمام في أثناء الصلاة؟ فيه قولان، أقربهما العدم وفاقا للذخيرة؛ لعدم ثبوت التعبّد بمثله، و استصحاب الشغل المتقدّم. و جوّزه الشيخ في الخلاف مدّعيا عليه الاجماع، و نفى عنه البأس
في التذكرة.
لو كان يصلّي مع جماعة فحضرت طائفة أخرى يصلّون جماعة، فهل يجوز له أن يخرج نفسه من متابعة امامه و يوصل صلاته بصلاة الامام الآخر؟ فيه وجهان، أقربهما العدم؛ لما ذكر. و استوجه في التذكرة الجواز.
لو زادت صلاة المأموم عن الامام بأن كان حاضرا أو مسبوقا، فهل يجوز اقتداؤه في التتمّة بأحد المؤتمّين أو منفرد أو امام آخر؟ فيه الوجهان. و الترك أحوط بل الأقرب؛ لما مرّ. انتهى».(1)
أقول:
ما تقدّم من الروايات من جواز نقل النيّة من ائتمام امام عرض له عارض يمنعه من اتمام الصلاة يختصّ بمورده. و أمّا نقل النيّة من الائتمام بامام آخر اختيارا و من دون أن يعرض للامام الأوّل عارض فلا دليل عليه، فاذا فعل ذلك نشكّ في ترتّب أحكام الجماعة عليه فالأصل عدمه. و لاتكون هناك وحدة المناط كما هو واضح. و كذلك لايجوز عدول المنفرد الى الائتمام؛ لأنّ الثابت من الروايات الواردة في مشروعيّة الجماعة و فضلها التي لها آثار يكون لمن اقتدى من أوّل صلاته و في مثل المورد الأصل عدم ترتّب تلك الآثار عليه؛ لعدم احراز الموضوع. و أمّا لو زادت صلاة المأموم عن الامام بأن كان حاضرا أو مسبوقا، فلايبعد أن يقال بجواز اقتدائه بأحد المؤتمّين أو منفرد أو امام آخر بعد المفارقة عنه لقرب وجود المناط فيه و الترك أحوط.
قال في المستمسك: «الأقوى و الأحوط عدم نقل نيّته من امام الى امام آخر اختيارا و ان كان الآخر أفضل و أرجح؛ لأصالة عدم مشروعيّته. و لا اطلاق يرجع اليه في اثباتها، بل اطلاق أدلّة الأحكام الأوّليّة ينفيها. و ذهب بعض الى الجواز و
1) - مستند الشيعة 8: 164.
استدلّ له بالاستصحاب و بالنصوص الواردة في جواز نقل النيّة اذا عرض للامام ما يمنعه من اتمام صلاته؛ لالغاء خصوصيّة موردها. و فيه: فانّ اليقين السابق انّما كان في جواز الائتمام بالثاني في ابتداء الصلاة و هو غير مشكوك، و المشكوك الذي هو الائتمام به في الأثناء لم يكن له متيقّن سابق. و أمّا الغاء خصوصيّة مورد النصوص فغير ظاهر، اذ لايساعده ارتكاز عرفي و لا غيره. انتهى ملخّصا».(1)
(مسألة 15): لايجوز للمنفرد العدول الى الائتمام في الأثناء.
تقدّم شرح هذه المسألة في المسألة السابقة.
(مسألة 16): يجوز العدول من الائتمام الى الانفراد و لو اختيارا في جميع أحوال الصلاة على الأقوى و ان كان ذلك من نيّته في أوّل الصلاة لكنّ الأحوط عدم العدول الاّ لضرورة و لو دنيويّة خصوصا في الصورة الثانية.
الشرح:
قال العلاّمة في المختلف: «جوّز الشيخ في الخلاف نقل النيّة من الجماعة الى الانفراد، و أنّ من سبق الامام في ركوعه أو سجوده و تمّم صلاته و نوى مفارقته صحّت صلاته لعذر و غيره. و في المبسوط: من فارق الامام لغير عذر بطلت صلاته، و ان فارقه لعذر و تمّم صلاته صحّت صلاته، و لاتجب عليه اعادتها. و الأقرب الأوّل. انتهى».(2)
و قال في التذكرة: «يجوز للمأموم أن ينقل نيّته من الائتمام الى الانفراد لعذر كان أو لغيره، عند علمائنا - و هو أحد قولي الشافعي - لأنّ النبي صلى الله عليه و آله صلّى بطائفة
يوم ذات الرقاع ركعة، ثمّ خرجت من صلاته و أتمّت منفردة. و قال أبو حنيفة و مالك: تبطل صلاته، سواء كان لعذر أو لا، لقوله عليه السلام «انّما جعل الامام ليؤتمّ به فلاتختلفوا عليه» و نحن نقول بموجبه مادام في المتابعة. انتهى ملخّصا».(1)
و قال في الجواهر: «فانّ المختار عندنا أنّه ان نوى الانفراد في الجماعة المندوبة جاز مطلقا لعذر كان أو لا، وفاقا للأكثر، بل المشهور بين الأصحاب نقلاً و تحصيلاً، بل في المدارك و الحدائق أنّه المعروف من كلام الأصحاب، بل في الرياض نفي ظهور الخلاف فيه الاّ من المبسوط، بل في ظاهر المنتهى أو صريحه و التذكرة و عن صريح نهاية الأحكام و ارشاد الجعفريّة الاجماع عليه، بل لعلّه كما قيل ظاهر الخلاف أو صريحه أيضا، و هو الحجّة بعد اعتضاده بالأصل، و باطلاق ما دلّ على جواز التسليم قبل الامام، و باستصحاب بقاء جواز الانفراد له، و بظهور الأدلّة في استحباب الجماعة ابتداءً و استدامة. انتهى».(2)
أقول:
الظاهر جواز نيّة الانفراد لعذر كان أو لا، و ان كان من قصده ذلك قبل الائتمام، و الدليل عليه - كما أشار اليه صاحب الجواهر - أوّلاً: الشهرة العظيمة كادت تكون اجماعيّة.
و ثانيا: اطلاق ما دلّ على جواز التسليم قبل الامام كاطلاق صحيحة أبي المغراء عن أبي عبداللّه عليه السلام في الرجل يصلّي خلف امام فسلّم قبل الامام، قال: «ليس بذلك بأس».(3)
و صحيحة أخرى له قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يكون خلف الامام فيسهو فيسلّم
قبل أن يسلّم الامام؟ قال: لابأس».(1)
و صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام في الرجل يكون خلف الامام فيطيل الامام التشهّد؟ فقال:
«يسلّم من خلفه و يمضي لحاجته ان أحبّ».(2)
و صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام قال:
«سألته عن الرجل يكون خلف الامام فيطوّل الامام بالتشهّد فيأخذ الرجل البول أو يتخوّف على شيء يفوت، أو يعرض له وجع، كيف يصنع؟ قال: يتشهّد هو و ينصرف و يدع الامام».(3)
و ثالثا: انّ الظاهر من الأدلّة الواردة في استحباب الجماعة ابتداءً، استحبابها استدامة.
و رابعا: انّ الائتمام انّما يفيد الفضيلة فتبطل بفواته دون الصحّة.
و قال في المدارك: «لايلزم من عدم وجوب الجماعة ابتداءً، عدم وجوبها استدامة، و أنّ نيّة الائتمام كما تفيد الفضيلة كذا تفيد صحّة الصلاة على هذا الوجه، فيجب فواتها بنيّة المفارقة و الانفراد الى أن يأتي بها على وجه آخر معلوم من الشرع. انتهى».(4)
و فيه: انّ الجماعة مندوبة، و لاتجب المندوبة بالشروع عندهم الاّ الحجّ بالاجماع. و انّ الجماعة ليست من الأوصاف المقوّمة المنوّعة، و تكون كالمسجديّة، و ثبوت بعض الأحكام لها لايستلزم كونها مقوّمة منوّعة لها فلايوجب المفارقة عنها ابطال الصلاة.
قال المحقّق الهمداني: «فان نوى الانفراد في الجماعة المندوبة جاز مطلقا لعذر كان أو غيره على الأظهر الأشهر بل المشهور بل عن غير واحد دعوى الاجماع عليه للأصل. فانّ مقتضى الأصل في المستحبّ جواز رفع اليد عنه و عدم صيرورته واجبا بالشروع فيه. و توهّم كون الجماعة من مقوّمات الصلاة التي أتى بها بهذا القصد فالعدول عنها الى الفرادى كالعدول من العصر الى الظهر أو النافلة الى الفريضة على خلاف الأصل يقتصر فيه على مورد الثبوت، مدفوع بما مرّت الاشارة اليه مرارا من أنّ الأظهر كونها من قبيل الخصوصيّات الموجبة لتأكّد مطلوبيّة الفرد كايقاع الصلاة في المسجد و نحوه فلايوجب الاخلال بها أو رفع اليد عنها خللاً في أصل الصلاة كما هو مقتضى الأصل. انتهى».(1)
و قال في المسالك: «و اعلم أنّ المفارقة جائزة في جميع أحوال الصلاة و لايشترط الدخول معه في ركن فلو أدركه في أثناء القراءة و فارقه قبل الركوع صحّ و سقطت عنه القراءة، لكن لايدرك بذلك ثواب الجماعة، كما يدركه لو دخل معه قبل التسليم، بل الأولى لمن يريد ذلك ترك الائتمام ابتداءً ليسلم من خلاف الشيخ رحمه الله، و لايخفى أنّ ذلك حيث لايجب الجماعة، و الاّ لم يجز الانفراد اختيارا. انتهى».(2)
(مسألة 17): اذا نوى الانفراد بعد قراءة الامام قبل الدخول في الركوع لايجب عليه القراءة بل لو كان في أثناء القراءة يكفيه بعد نيّة الانفراد قراءة ما بقي منها و ان كان الأحوط استئنافها خصوصا اذا كان في الأثناء.
الشرح:
قال في المدارك: «و اعلم أنّه متى سوّغنا للمأموم الانفراد عن الامام، وجب عليه اتمام الصلاة، فان فارقه قبل القراءة قرأ لنفسه، و ان كان بعدها اجتزأ بها و ركع، و ان كان في أثنائها قرأ من موضع القطع، و أوجب الشارح الابتداء من أوّل السورة التي حصل القطع في أثنائها، و استوجه الشهيد في الذكرى الاستئناف مطلقا؛ لأنّه في محلّ القراءة، و قد نوى الانفراد، و لعلّه أحوط. انتهى».(1)
و قال في المسالك: «ثمّ ان فارق قبل القراءة قرأ لنفسه أو بعدها اجتزأ بها و في أثنائها أعاد السورة التي فارق فيها، و يحتمل قويّا الاجتزاء بالقراءة من موضع القطع و استوجه في الذكرى وجوب استئناف القراءة في الموضعين لكونه لم يقرأ و هو في محلّ القراءة. انتهى».(2)
أقول:
ان فارق الامام و نوى الانفراد قبل القراءة قرأ لنفسه؛ لأنّه لم يسقط عنه القراءة بقراءة الامام، و لو كان نيّة الانفراد بعد قراءة الامام اجتزأ بها لسقوطها عنه بقراءة
الامام و هو من أحكام الجماعة. و لو نوى الانفراد في أثنائها يقرأها من موضع القطع لسقوط هذا المقدار بقراءة الامام، فانّ سقوطها غير معلّق على اتمامها.
قال في الجواهر: «ثمّ انّ الظاهر - اذا نوى الانفراد - جريان حكم المنفرد عليه من محلّ نيّته، حتّى لو كان في أثناء قراءة الحمد أو السورة وجب عليه اتمامهما خاصّة لا استئنافهما من الأوّل و لا سقوطهما من رأس كما صرّح به جماعة، بل لعلّه كذلك في أثناء الكلمة الواحدة فضلاً عن غيرها، الاّ أنّ الانصاف أنّ للتأمّل فيه بل و فيما هو بمنزلة الواحدة مجالاً، و الدليل على ذلك اطلاق أدلّة ضمان الامام قراءة المأموم - الى أن قال: - الظاهر جواز نيّة الانفراد في جميع أحوال الصلاة، و
لايشترط الدخول معه في ركن، فلو أدركه في أثناء القراءة و فارق قبل الركوع صحّ. انتهى ملخّصا».(1)
(مسألة 18): اذا أدرك الامام راكعا يجوز له الائتمام و الركوع معه ثمّ العدول الى الانفراد اختيارا، و ان كان الأحوط ترك العدول حينئذ خصوصا اذا كان ذلك من نيّته أوّلاً.
و ذلك لما تقدّم في المسألة السابقة، فانّ دليل جواز الانفراد أثناء الجماعة و مفارقة الامام يشمل مورد المسألة بل شامل لما عنونه في الجواهر من أنّه لو أدركه في أثناء القراءة و فارق قبل الركوع صحّ.
(مسألة 19): اذا نوى الانفراد بعد قراءة الامام و تمّ صلاته فنوى الاقتداء به في صلاة أخرى قبل أن يركع الامام في تلك الركعة أو حال كونه في الركوع في تلك الركعة جاز ولكنّه خلاف الاحتياط.
قد تقدّم أنّ من أحكام الجماعة سقوط القراءة عن المأموم و لو كانت في بعض القراءة، و بناءً عليه لو نوى الانفراد بعد قراءة الامام و أتمّ صلاته فنوى الاقتداء به في صلاة أخرى في الركوع أو قبل أن يركع الامام في تلك الركعة جاز، كما لو كان في الركعة الثانية فاشتغل الامام بالقنوت و طال حتّى أتمّ المأموم صلاته
و اقتدى به قبل أن يركع.
(مسألة 20): لو نوى الانفراد في الأثناء لايجوز له العود الى الائتمام. نعم، لو تردّد في الانفراد و عدمه ثمّ عزم على عدم الانفراد صحّ بل لايبعد جواز
1) - جواهر الكلام 14: 27 و 28.
العود اذا كان بعد نيّة الانفراد بلا فصل، و ان كان الأحوط عدم العود مطلقا.
قد تقدّم في المسألة الرابعه عشرة عدم جواز نقل نيّة من كان يصلّي فرادى الى الائتمام؛ لأنّ الثابت من الروايات الواردة في فضل الجماعة التي لها آثار يكون لمن اقتدى من أوّل الصلاة، و أمّا لو نقل نيّته من الفرادى الى الائتمام أثناء الصلاة فلايجوز للأصل. نعم، لو تردّد ثمّ عزم على ما كان من نيّة الجماعة صحّت جماعته، و أمّا اذا نوى الانفراد ثمّ نوى الجماعة بلا فصل فالعود الى الجماعة مشكل.
(مسألة 21): لو شكّ في أنّه عدل الى الانفراد أم لا بنى على عدمه.
لأصالة عدم العدول الى الانفراد و بقاء الجماعة.
(مسألة 22): لايعتبر في صحّة الجماعة قصد القربة من حيث الجماعة، بل يكفي قصد القربة في أصل الصلاة فلو كان قصد الامام من الجماعة الجاه أو مطلب آخر دنيوي ولكن كان قاصدا للقربة في أصل الصلاة صحّ، و كذا اذا كان قصد المأموم من الجماعة سهولة الأمر عليه، أو الفرار من الوسوسة، أو الشكّ أو من تعب تعلّم القراءة أو نحو ذلك من الأغراض الدنيويّة صحّت صلاته، مع كونه قاصدا للقربة فيها. نعم، لايترتّب ثواب الجماعة الاّ بقصد القربة فيها.
الشرح:
قال في مستند الشيعة: «لو قصد بالائتمام جاها أو مالاً أو كان مكرها فيه فالظاهر الاجماع على عدم الثواب. و هل تصحّ صلاته و صلاة المأمومين اذا اطّلعوا على قصده؟ الظاهر نعم اذا قصد بأصل صلاته القربة؛ لكون الجماعة
خارجة عن الصلاة بالمرّة. انتهى ملخّصا».(1)
أقول:
الظاهر أنّ هناك فرقا بين ما لو قصد الامام أو المأموم من الجماعة سهولة الأمر عليه أو الفرار من الوسوسة و الشكّ أو غيرهما و بين ما لو كان من قصدهما الجاه و نحوه. ففي الأوّل تصحّ الصلاة و الجماعة؛ لأنّ الأمور المذكورة لاتنافي قصد القربة بالنسبة الى أصل الصلاة بل بالنسبة الى الجماعة؛ لأنّ داعيهما الى الجماعة هو الفضل و الثواب و امتثال الأمر و تلك الأمور تزيدهما شوقا، و لايتصوّر أن يكون داعيهما الى الجماعة سهولة الأمر و الفرار من الوسوسة و أمثال ذلك خاصّة؛ لعلمهما بالحكم و ما يترتّب عليه من الآثار. و أمّا الثاني فالحقّ بطلان الجماعة و بطلان الصلاة و ذلك لعدم التفاوت بين قصد الجاه و قصد الرياء، فكما أنّ قصد الرياء موجب لبطلان الجماعة و الصلاة سواء كان من الامام أو المأموم فكذلك قصد الجاه، و قد تقدّم دليل كون الرياء مبطلاً للعبادات في بحث نيّة الصلاة.(2)
قال في المستمسك: «قد يشكل بأنّ قصد الجاه من الجماعة عين قصد الرياء بها. و قد تقدّم أنّ قصد الرياء بالجماعة راجع الى قصده بالصلاة جماعة فتبطل به الصلاة. و فيه: انّ قصد الامام الجاه بالجماعة تارة من حيث الاتيان بها على وجه القربة و امتثالاً للأمر، و أخرى من حيث كونه موضع الوثوق بين المأمومين و اعتقادهم صلاحيّته للامامة. و الرياء في الثاني ليس بحرام شرعا و ان كان من الصفات الذميمة، فتحريمه تحريم أخلاقي لا شرعي. نعم، الأوّل حرام، لكنّ الظاهر من المتن ارادة الصورة الثانية. انتهى».(3)
و فيه: الظاهر عدم الفرق بين الصورتين في رجوعهما الى الرياء، فكما تبطل صلاة من قصد بالجماعة القربة الى الناس و لم يكن داعيه امتثال أمر اللّه تعالى، تبطل أيضا صلاة من قصد بالجماعة وثوق الناس به و رجوعهم اليه في أمورهم، اماما كان أو مأموما.
(مسألة 23): اذا نوى الاقتداء بمن يصلّي صلاة لايجوز الاقتداء فيها - سهوا أو جهلاً - كما اذا كانت نافلة أو صلاة الآيات مثلاً، فان تذكّر قبل الاتيان بما ينافي صلاة المنفرد عدل الى الانفراد و صحّت، و كذا تصحّ اذا تذكّر بعد الفراغ و لم تخالف صلاة المنفرد و الاّ بطلت.
الشرح:
اذا نوى الاقتداء بمن يصلّي صلاة لايجوز الاقتداء فيها، كما اذا كانت نافلة أو صلاة الآيات مثلاً، فتارة كان عالما عامدا، و أخرى كان جاهلاً أو ناسيا.
ففي الأولى فان أتى بما ينافي صلاة المنفرد كترك القراءة بطلت صلاته، و ان لم يأت بما ينافيها صحّت الاّ أنّه قد فعل حراما للتشريع. اللّهمّ الاّ اذا عدّ متمرّدا و مستهزءا بذلك فتبطل صلاته لمنافاتهما للعبوديّة.
و في الثانية فان أتى بما يوجب بطلان الصلاة مطلقا كزيادة الركوع أو السجدتين للتبعيّة بطلت صلاته؛ لزيادة الركن من غير مجوّز. و أمّا لو لم يأت بذلك صحّت صلاته وان ترك القراءة سواء كان تذكّره بعد الصلاة أو أثناءها، و ذلك لحديث «لاتعاد» الشامل له. فاذا تذكّر في الأثناء أتمّ صلاته فرادى و لايلزم العدول؛ لأنّه لم تكن جماعة. نعم، لو تذكّر بعد القراءة و قبل الركوع أعادها.
(مسألة 24): اذا لم يدرك الامام الاّ في الركوع أو أدركه في أوّل الركعة أو في أثنائها أو قبل الركوع فلم يدخل في الصلاة الى أن ركع، جاز له الدخول
معه و تحسب له ركعة، و هو منتهى ما تدرك به الركعة في ابتداء الجماعة على الأقوى، بشرط أن يصل الى حدّ الركوع قبل رفع الامام رأسه، و ان كان بعد فراغه من الذكر على الأقوى فلايدركها اذا أدركه بعد رفع رأسه، بل و كذا لو وصل المأموم الى الركوع بعد شروع الامام في رفع الرأس، و ان لم يخرج بعد عن حدّه على الأحوط، و بالجملة ادراك الركعة في ابتداء الجماعة يتوقّف على ادراك ركوع الامام قبل الشروع في رفع رأسه، و أمّا في الركعات الأخر فلايضرّ عدم ادراك الركوع مع الامام بأن ركع بعد رفع رأسه، بل بعد دخوله في السجود أيضا. هذا اذا دخل في الجماعة بعد ركوع الامام، و أمّا اذا دخل فيها من أوّل الركعة أو أثنائها و اتّفق أنّه تأخّر عن الامام في الركوع فالظاهر صحّة صلاته و جماعته، فما هو المشهور من أنّه لابدّ من ادراك ركوع الامام في الركعة الأولى للمأموم في ابتداء الجماعة و الاّ لم تحسب له ركعة مختصّ بما اذا دخل في الجماعة في حال ركوع الامام أو قبله بعد تمام القراءة لا فيما اذا دخل فيها من أوّل الركعة أو أثنائها و ان صرّح بعضهم بالتعميم، ولكن الأحوط الاتمام حينئذ و الاعادة.
الشرح:
في المسألة فروع:
من أدرك الامام راكعا فقد أدرك الركعة و ان لم يدرك تكبيرة الركوع، و به قال السيّد المرتضى في جمل العلم و العمل و اختاره ابن ادريس و ابن الجنيد . و أمّا الشيخ فقد قال في النهاية: «و من لحق تكبيرة الركوع فقد أدرك تلك الركعة، فان
لم يلحقها فقد فاتته»، و به قال ابن البرّاج.(1)
و الأقوى الأوّل أي ادراك الركعة بادراك الامام راكعا، و ذلك لصحيحة سليمان بن خالد عن أبي عبداللّه عليه السلام أنّه قال في الرجل اذا أدرك الامام و هو راكع و كبّر الرجل و هو مقيم صلبه ثمّ ركع قبل أن يرفع الامام رأسه: «فقد أدرك الركعة».(2)
و صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام أنّه قال:
«اذا أدركت الامام و قد ركع فكبّرت و ركعت قبل أن يرفع الامام رأسه فقد أدركت الركعة، و ان رفع رأسه قبل أن تركع فقد فاتتك الركعة».(3)
و خبر زيد الشحّام أنّه سأل أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل انتهى الى الامام و هو راكع؟ قال:
«اذا كبّر و أقام صلبه ثمّ ركع فقد أدرك».(4)
بيان: هذا الخبر قد نقله في الوسائل عن الفقيه هكذا: «و باسناده عن أبي أسامة يعني زيد الشحّام». و الظاهر أنّه غلط؛ لأنّ الصدوق قد رواه في الفقيه هكذا: «و روى أبو أسامة أنّه سأله عن رجل ... ».(5)و من المعلوم أنّ أبا أسامة هو مفضّل بن صالح و لم يوثّق.
و خبر معاوية بن ميسرة عن أبي عبداللّه عليه السلام أنّه قال:
«اذا جاء الرجل مبادرا و الامام راكع أجزأته تكبيرة واحدة لدخولهفي الصلاة و الركوع».(6)
1) - مختلف الشيعة 2: 504 و 505.
2) - وسائل الشيعة 8: 382 / الباب 45 من أبواب صلاة الجماعة / الحديث 1.
3) - وسائل الشيعة 8: 382 / الباب 45 من أبواب صلاة الجماعة / الحديث 2.
4) - وسائل الشيعة 8: 383 / الباب 45 من أبواب صلاة الجماعة / الحديث 3.
5) - من لايحضره الفقيه 1: 389 / الحديث 1151.
6) - وسائل الشيعة 8: 383 / الباب 45 من أبواب صلاة الجماعة / الحديث 4.
بيان: هذا الخبر قد نقله الصدوق في الفقيه عن معاوية بن شريح(1)و هو لم يوثّق و كذا معاوية بن ميسرة.
و خبر الحميري عن صاحب الزمان عليه السلام أنّه كتب اليه يسأله عن الرجل يلحق الامام و هو راكع فيركع معه و يحتسب بتلك الركعة، فانّ بعض أصحابنا قال: ان لم يسمع تكبيرة الركوع فليس له أن يعتدّ بتلك الركعة؟ فأجاب عليه السلام:
«اذا لحق مع الامام من تسبيح الركوع تسبيحة واحدة اعتدّ بتلك الركعة و ان لم يسمع تكبيرة الركوع».(2)
احتجّ الشيخ بروايات يرجع كلّها الى محمّد بن مسلم:
منها ما رواه في التهذيب في الصحيح عن الحسين بن سعيد عن النضر عن عاصم عن محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«اذا أدركت التكبيرة قبل أن يركع الامام فقد أدركت الصلاة».(3)
و منها ما رواه في التهذيب عن ابن أبي عمير عن جميل بن درّاج عن محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«قال لي: ان لم تدرك القوم قبل أن يكبّر الامام للركعة فلاتدخل معهم في تلك الركعة».(4)
و منها ما رواه فيه أيضا عن صفوان عن العلاء عن محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«لاتعتدّ بالركعة التي لم تشهد تكبيرها مع الامام».(5)
و منها ما رواه في الكافي عن محمّد بن اسماعيل عن الفضل بن شاذان عن ابن
1) - من لايحضره الفقيه 1: 407 / الحديث 1216.
2) - وسائل الشيعة 8: 383 / الباب 45 من أبواب صلاة الجماعة / الحديث 5.
3) - وسائل الشيعة 8: 381 / الباب 44 من أبواب صلاة الجماعة / الحديث 1.
4) - وسائل الشيعة 8: 381 / الباب 44 من أبواب صلاة الجماعة / الحديث 2.
5) - وسائل الشيعة 8: 381 / الباب 44 من أبواب صلاة الجماعة / الحديث 3.
أبي عمير عن جميل بن درّاج عن محمّد بن مسلم قال:
«قال أبو عبداللّه عليه السلام: اذا لم تدرك تكبيرة الركوع فلاتدخل في تلك الركعة».(1)
و فيه أوّلاً: هذه الروايات و ان كانت من جهة السند معتبرة الاّ أنّ كلّها يرجع الى محمّد بن مسلم و الترجيح للطائفة الأولى.
و ثانيا: انّهما قابلتان للجمع بحمل الطائفة الثانية على الكراهة.
قال في الجواهر: «تدرك الصلاة جماعة و تحتسب له ركعة بادراك تكبيرة الركوع اجماعا محصّلاً و مستفيضا ان لم يكن متواترا كالنصوص. و كذا تدرك بادراك الامام راكعا على الأشبه الأشهر، بل لاأجد فيه خلافا بين المتأخّرين كما اعترف به في الذكرى و الرياض، فنسباه فيهما اليهم، بل نسبه في السرائر الى المرتضى و من عدا الشيخ الى الأصحاب بل في الغنية نفي الخلاف عنه مطلقا، بل الشيخ نفسه حكى عليه الاجماع في الخلاف مكرّرا؛ للنصوص المعتبرة المستفيضة جدّا ان لم تكن متواترة. بل في السرائر أنّها كذلك - الى أن قال: - فما في نهاية الشيخ و عن تهذيبه و استبصاره و المفيد و القاضي - من اشتراط الادراك بادراك تكبيرة الركوع - ضعيف؛ لقصور ما استدلّوا به عن معارضة ما تقدّم من الروايات المعتبرة. انتهى ملخّصا».(2)
قال في الحدائق: «اعلم أنّه قد صرّح جملة من الأصحاب بأنّ المعتبر على
تقدير القول المشهور في ادراك الركعة حال الركوع هو اجتماعهما في قوس الراكع بحيث يكبّر و يركع و يجتمع في ذلك الحدّ، و عليه تدلّ صحيحة سليمان بن خالد و صحيحة الحلبي المتقدّمتان. و هل يقدح فيه شروع الامام في الرفع مع عدم تجاوز ذلك الحدّ؟ وجهان. و اشترط العلاّمة في التذكرة ذكر المأموم قبل رفع الامام، و الدليل على ما ذكره خبر الحميري عن صاحب الزمان (عجّل اللّه تعالى فرجه). انتهى ملخّصا».(1)
قال العلاّمة في التذكرة: «اذا اجتمع مع الامام في الركوع أدرك الركعة، فان رفع الامام رأسه مع ركوع المأموم فان اجتمعا في قدر الاجزاء من الركوع و هو أن يكون رفع و لم يجاوز حدّ الركوع الجائز - و هو بلوغ يديه الى ركبتيه - فأدركه المأموم في ذلك و ذكر بقدر الواجب أجزأه، و ان أدرك دون ذلك لم يجزئه. انتهى».(2)
و الظاهر كفاية اجتماعهما في قوس الركوع بحيث يكبّر و يجتمع في ذلك كما دلّ عليه صحيحتا سليمان بن خالد و الحلبي، فاطلاق قوله عليه السلام في صحيحة الحلبي المتقدّمة «اذا أدركت الامام و قد ركع فكبّرت و ركعت قبل أن يرفع الامام رأسه فقد أدركت الركعة» يشمل ما لو لم يدرك ذكر الركوع، و ما في خبر الحميري من قوله عليه السلام من ادراكه «تسبيح الركوع تسبيحة واحدة» مضافا الى ضعف الخبر يحمل على الاطمئنان بادراك الامام حال الركوع.
قال في الجواهر: «ثمّ انّه لا فرق على المختار في تحقّق الادراك بادراك الركوع بين ادراك الذكر معه أو لا؛ لاطلاق الأدلّة السابقة، فما عن التذكرة - من اشتراط ذكر المأموم قبل رفع الامام رأسه، و لعلّه لتوقّف صدق ادراك الركوع عليه، و مفهوم المروي عن الحميري - ضعيف جدّا، ضرورة منع الأوّل و قصور الثاني عن تقييد
الصحاح السابقة المعتضدة باطلاق الفتاوى و معقد الاجماع. انتهى ملخّصا».(1)
و أمّا لو وصل المأموم الى حدّ الركوع بعد شروع الامام في رفع الرأس و ان لم يخرج عن حدّه فالأوجه عدم دركه حال الركوع، و ذلك لأنّ الظاهر من قوله عليه السلام في صحيحة الحلبي «اذا أدركت الامام و قد ركع فكبّرت و ركعت قبل أن يرفع الامام رأسه فقد أدركت الامام» عدم صدق ادراكه الامام قبل أن يرفع رأسه، بل يصدق أنّه كبّر و ركع حين رفع الامام رأسه. و يؤيّده قوله عليه السلام في خبر الحميري «اذا لحق مع الامام من تسبيح الركوع تسبيحة واحدة اعتدّ بتلك الركعة» بناءً على أنّ المناط ادراكه الامام في الركوع بقدر تسبيحة واحدة.
قال في المدارك: «انّ المعتبر اجتماعهما في حدّ الراكع، و هل يقدح فيه شروع الامام في الرفع مع عدم تجاوز حدّه؟ فيه وجهان، أظهرهما أنّه كذلك؛ لأنّه المستفاد من الأخبار المتقدّمة. و اعتبر العلاّمة في التذكرة ذكر المأموم قبل رفع الامام. و لم نقف على مأخذه. انتهى».(2)
اذا دخل في الجماعة من أوّل الصلاة و اتّفق أنّه تأخّر عن الامام في الركوع فالظاهر صحّة صلاته و جماعته، و ذلك لصحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج عن أبي الحسن عليه السلام في رجل صلّى في جماعة يوم الجمعة فلمّا ركع الامام ألجأه الناس الى جدار أو أسطوانة فلم يقدر على أن يركع، و لايسجد حتّى رفع القوم رؤوسهم، أيركع ثمّ يسجد و يلحق بالصفّ و قد قام القوم أم كيف يصنع؟ قال:
«يركع و يسجد ثمّ يقوم في الصفّ لابأس بذلك».(1)
و صحيحة أخرى لعبد الرحمن عن أبي الحسن عليه السلام قال:
«سألته عن الرجل يصلّي مع امام يقتدي به، فركع الامام و سها الرجل و هو خلفه لم يركع حتّى رفع الامام رأسه و انحطّ للسجود، أيركع ثمّ يلحق بالامام و القوم في سجودهم أو كيف يصنع؟ قال: يركع ثمّ ينحطّ و يتمّ صلاته معهم و لا شيء عليه».(2)
و خبر عبدالرحمن بن الحجّاج قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يكون في المسجد امّا في يوم جمعة و امّا في غير ذلك من الأيّام، فيزحمه الناس امّا الى حائط و امّا الى أسطوانة، فلايقدر على أن يركع و لايسجد حتّى رفع الناس رؤوسهم، فهل يجوز له أن يركع و يسجد وحده ثمّ يستوي مع الناس في الصفّ؟ فقال: نعم، لابأس بذلك».(3)
فبعد القطع بعدم الخصوصيّة لصلاة الجمعة يستفاد من هذه الروايات أوّلاً: أنّه لابأس بعدم ادراك الركوع بل مع السجود في الركعة الأولى اذا كان مقتديا من أوّل الركعة، و كانت العلّة في عدم ادراكه الزحام أو النسيان و نحو ذلك.
و ثانيا: اذا اتّفق التأخّر عن الامام في الركوع في سائر الركعات لم يكن به بأس بالأولويّة.
قال في التذكرة: «لو زوحم عن الركوع و السجود في الأولى، صبر حتّى يتمكّن منهما ثمّ يلتحق، و هي رواية عبدالرحمن بن الحجّاج عن الصادق عليه السلام. انتهى».(4)
(مسألة 25): لو ركع بتخيّل ادراك الامام راكعا و لم يدرك بطلت صلاته بل و كذا لو شكّ في ادراكه و عدمه، و الأحوط في صورة الشكّ الاتمام و الاعادة أو العدول الى النافلة و الاتمام، ثمّ اللحوق في الركعة الأخرى.
الشرح:
لو ركع بتخيّل ادراك الامام راكعا و لم يدرك صحّت صلاته فرادى و ذلك لأنّ الظاهر من قوله عليه السلام في صحيحة الحلبي «اذا أدركت الامام و قد ركع فكبّرت و ركعت قبل أن يرفع الامام رأسه فقد أدركت الركعة، و ان رفع رأسه قبل أن تركع فقد فاتتك الركعة»(1)هو درك الركعة مع الامام و صحّة الجماعة أو فوتها مع الامام و بطلان الجماعة، لا بطلان أصل الصلاة، و يشهد لذلك صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«اذا أدركت التكبيرة قبل أن يركع الامام فقد أدركت الصلاة».(2)
و من المعلوم أنّ المراد بقوله عليه السلام «فقد أدركت الصلاة» ادراكها مع الامام؛ لأنّ عدم ادراك التكبير لايوجب بطلان الصلاة، و لذلك قال عليه السلام في الصحيحتين الأخريين لمحمّد بن مسلم: «لاتدخل معهم في تلك الركعة».(3)
كما أنّ المراد بقوله عليه السلام في صحيحته الثالثة: «لاتعتدّ بالركعة التي لم تشهد تكبيرها مع الامام»(4)ذلك. فالمتحصّل صحّة صلاته فرادى فبعد ذكر الركوع يرفع رأسه و يتمّ الصلاة، و لايضرّه ترك القراءة؛ لأنّه كبّر و هوى برجاء ادراك ركوع الامام و كان فعله هذا باذن الشارع، فلا قصور لحديث «لاتعاد الصلاة الاّ من خمسة ... » أن يشمله.
و في المستمسك في ذيل قول المصنّف «و لم يدرك بطلت صلاته» قال: «لزيادة الركن التي لم يثبت اغتفارها - ثمّ استشكل و قال: - انّ زيادة الركن مبنيّة على عدم سقوط القراءة؛ اذ لو بني على سقوطها - لحديث «لاتعاد ... » و نحوه ممّا دلّ على اغتفار نقص القراءة - فالركوع في محلّه. و لا موجب للبطلان سواه. نعم، يختصّ ذلك بمورد يعذر فيه بترك القراءة و الهوي الى الركوع. انتهى».(1)
و قال العلاّمة الخوئي: «لا ضير في تركه القراءة؛ لعدم قصور حديث «لاتعاد» عن شمول مثله ممّا كان الترك العمدي عن عذر، فانّ المأموم - لأجل اعتقاده الالتحاق المستلزم لضمان الامام - قد ترك القراءة فكان معذورا في الترك لا محالة - ثمّ انّه رحمه اللهأيّد ما ذهب اليه المصنّف من بطلان الصلاة و قال: - الاّ أنّه ينافيه الأخبار المتقدّمة الحاكمة بفوات الركعة و عدم ادراكها لو لم يدرك الركوع، المساوق لعدم الاعتداد بها و فرضها بحكم العدم حينئذ. فانّ قوله عليه السلام في صحيحة الحلبي «فاتتك الركعة» صريح في فوات الركعة، و انّها ملحقة بالعدم فكيف يمكن الاعتداد بها و احتسابها من الصلاة، و لو فرادى. انتهى ملخّصا».(2)
و فيه: انّ المراد ب- «ادراك الركعة» في صورة ادراكه الركوع و «فوتها» في صورة عدم ادراكه الركوع هو ادراك الركعة مع الامام و فوتها مع الامام لا بطلان الصلاة و لذلك قال في صحيحتي محمّد بن مسلم: «لاتدخل معهم في تلك الركعة».
ثمّ انّه لو شكّ في ادراك الركوع فان كان بعد رفع رأسه من الركوع فلا اعتبار به؛ لقاعدة التجاوز، و أمّا ان لم يرفع رأسه من الركوع فيبني على عدم الادراك فيتمّها فرادى؛ لأنّ المستفاد من صحيحتي سليمان بن خالد و الحلبي احراز الادراك. و أمّا استصحاب عدم رفع الامام رأسه الى حين ركوع المأموم لايثبت ادراكه ركوع الامام الاّ على الأصل المثبت الذي لم تثبت حجّيّته. مضافا الى أنّه معارض
باستصحاب عدم ادراكه ركوع الامام حين رفع الامام رأسه.
قال المحقّق الهمداني: «لو كبّر و ركع ثمّ شكّ في أنّ الامام هل كان راكعا أو رافعا رأسه فان كان شكّه بعد فراغه من الركوع لم يلتفت الى شكّه كما عرفته في مباحث الخلل، و ان كان قبله بنى على عدم الادراك كما هو المشهور على ما نسب اليهم بل عن المنتهى دعوى الاجماع عليه؛ للأصل و قاعدة الاشتغال، و لايجديه استصحاب بقاء الامام راكعا الى حين ركوع المأموم أو أصالة عدم رفع رأسه الى هذا الحين فانّه لايثبت بذلك ادراكه الامام راكعا؛ لأنّه من اللوازم العقليّة الغير المترتّبة على المستصحبات الاّ على القول بحجّيّة الأصول المثبتة و هو خلاف التحقيق - الى أن قال: - فالعبرة في صحّة الصلاة بتحقّق هذا المفهوم. انتهى».(1)
(مسألة 26): الأحوط عدم الدخول الاّ مع الاطمئنان بادراك ركوع الامام و ان كان الأقوى جوازه مع الاحتمال، و حينئذ فان أدرك صحّت و الاّ بطلت.
يجوز أن يدخل في الركوع برجاء ادراكه ركوع الامام، فان أدرك صحّت الجماعة و ان لم يدرك صحّت صلاته فرادى، و ذلك لعدم اعتبار الجزم في النيّة.
(مسألة 27): لو نوى و كبّر فرفع الامام رأسه قبل أن يركع أو قبل أن يصل الى حدّ الركوع لزمه الانفراد أو انتظار الامام قائما الى الركعة الأخرى فيجعلها الأولى له الاّ اذا أبطأ الامام بحيث يلزم الخروج عن صدق الاقتداء. و لو علم قبل أن يكبّر للاحرام عدم ادراك ركوع الامام لايبعد جواز دخوله و انتظاره الى قيام الامام للركعة الثانية، مع عدم فصل يوجب فوات صدق القدوة، و ان كان الأحوط عدمه.
1) - مصباح الفقيه كتاب الصلاة: 627.
الشرح:
لو نوى و كبّر فرفع الامام رأسه قبل أن يركع لزمه الانفراد أو انتظار الامام قائما الى الركعة الأخرى فيجعلها الأولى، أمّا الانفراد فلا اشكال فيه لما قد سبق من جواز الانفراد في الأثناء، و أمّا الثاني فلموثّقة عمّار قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل أدرك الامام و هو جالس بعد الركعتين؟ قال: يفتتح الصلاة و لايقعد مع الامام حتّى يقوم».(1)
قال الشيخ عبدالكريم الحائري أستاذ الامام الخميني: «من كبّر بقصد ادراك ركوع الامام باعتقاد الادراك أو رجاءً - كما قلنا - ثمّ رفع الامام رأسه يتخيّر بين قصد الانفراد و الصبر الى الركعة الأخرى. هكذا يظهر من كلماتهم. أمّا قصد الانفراد بعد قصد الجماعة فهو مطابق للقاعدة كما أسلفنا خصوصا في هذه الموارد التي لم يأت بشيء من وظيفة الجماعة، و أمّا البقاء على القدوة الى الركعة الأخرى فان كان المستند صدق الجماعة عرفا، ففيه: انّ الاكتفاء بالصدق العرفي لهذا المفهوم مبني على ثبوت الاطلاق في أدلّة الجماعة و فيه منع و ان كان لدليل خاصّ فلم أر مستندا خاصّا. نعم، روى عمّار قال: «سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل أدرك الامام و هو جالس بعد الركعتين؟ قال عليه السلام: يصحّ الصلاة و لايقعد مع الامام حتّى يقوم» و هي على فرض الصحّة مختصّة بالمورد الخاصّ و لاتشمل المقام و يمكن أن يستظهر البقاء على القدوة الى الركعة الأخرى من الأخبار الواردة في المسألة الآتية (و هي تكون في أنّه لو أدرك الامام بعد رفع الرأس من الركوع، يستحبّ له أن يكبّر و يدخل معه في السجود عند أكثر العلماء ولكن لايعتدّ بالركعة اجماعا). انتهى».(2)
أقول:
الرواية المرويّة عن عمّار موثّقة لابأس بالعمل بها، و الدلالة تامّة يظهر منها حكم ما نحن فيه، و استظهار البقاء على القدوة الى الركعة الأخرى من هذه الموثّقة أوضح من استظهارها من الأخبار الأخر. و لابأس بالاشارة اليها حتّى يتبيّن الحال، فمنها صحيحة محمّد بن مسلم قال:
«قلت له: متى يكون يدرك الصلاة مع الامام؟ قال: اذا أدرك الامام و هو في السجدة الأخيرة من صلاته فهو مدرك لفضل الصلاة مع الامام».(1)
و منها خبر المعلّى بن خنيس عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا سبقك الامام بركعة فأدركته و قد رفع رأسه فاسجد معه و لاتعتدّ بها».(2)
و منها موثّقة عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن الرجل يدرك الامام و هو قاعد يتشهّد و ليس خلفه الاّ رجل واحد عن يمينه؟ قال: لايتقدّم الامام و لايتأخّر الرجل، ولكن يقعد الذي يدخل معه خلف الامام، فاذا سلّم الامام قام الرجل فأتمّ صلاته».(3)
و منها موثّقة أخرى لعمّار قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل أدرك الامام و هو جالس بعد الركعتين؟ قال: يفتتح الصلاة و لايقعد مع الامام حتّى يقوم».(4)
و منها خبر عبدالرحمن عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) قال:
«اذا وجدت الامام ساجدا فاثبت مكانك حتّى يرفع رأسه، و ان كان قاعدا قعدت، و ان كان قائما قمت».(1)
و منها خبر معاوية بن شريح عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا جاء الرجل مبادرا و الامام راكع أجزأته تكبيرة واحدة لدخوله في الصلاة و الركوع، و من أدرك الامام و هو ساجد كبّر و سجد معه و لم يعتدّ بها، و من أدرك الامام و هو في الركعة الأخيرة فقد أدرك فضل الجماعة، و من أدركه و قد رفع رأسه من السجدة الأخيرة و هو في التشهّد فقد أدرك الجماعة و ليس عليه أذان و لا اقامة، و من أدركه و قد سلّم فعليه الأذان و الاقامة».(2)
و منها خبر أبي هريرة قال:
«قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: اذا جئتم الى الصلاة و نحن في السجود فاسجدوا و لاتعدّوها شيئا، و من أدرك الركعة فقد أدرك الصلاة».(3)
فيستفاد من الروايات المذكورة أنّ من أدرك الامام و هو ساجد جاز له أن يكبّر و يسجد معه و لايعتدّ بها ثمّ يقوم و يستأنف الصلاة سواء كان في الركعة الأخيرة أو الركعات الأخر، و ان أدرك الامام و هو في التشهّد يجوز له أن يكبّر و يجلس معه ثمّ يقوم فيتمّ صلاته من غير استئناف سواء كان في الركعة الأخيرة أو الثانية.
قال العلاّمة الخوئي: «انّ موثّقتي عمّار صريحتان في الاعتداد بالتكبيرة السابقة و عدم الحاجة الى استئنافها. و لايعارضهما ما رواه في الفقيه عن عبداللّه بن المغيرة قال: «كان منصور بن حازم يقول: اذا أتيت الامام و هو جالس قد صلّى
ركعتين فكبّر ثمّ اجلس، فاذا قمت فكبّر»؛ لأنّه من الجائز أن يكون ما قاله منصور بن حازم في هذه الرواية هو فتواه كما هو الظاهر. و لا أقلّ من الشكّ، و لم تثبت الرواية عن المعصوم كي تعارضهما. انتهى ملخّصا».(1)
ثمّ انّه اتّضح دليل قول المصنّف في ذيل المسألة «و لو علم قبل أن يكبّر للاحرام عدم ادراك ركوع الامام لايبعد جواز دخوله و انتظاره الى قيام الامام للركعة الثانية»، و الاحتياط بترك ذلك حسن.
(مسألة 28): اذا أدرك الامام و هو في التشهّد الأخير يجوز له الدخول معه، بأن ينوي و يكبّر ثمّ يجلس معه و يتشهّد، فاذا سلّم الامام فيقوم فيصلّي من غير استئناف للنيّة و التكبير، و يحصل له بذلك فضل الجماعة و ان لم يحصل له ركعة.
(مسألة 29): اذا أدرك الامام في السجدة الأولى أو الثانية من الركعة الأخيرة و أراد ادراك فضل الجماعة نوى و كبّر و سجد معه السجدة أو السجدتين و تشهّد ثمّ يقوم - بعد تسليم الامام - و يستأنف الصلاة. و لايكتفي بتلك النيّة و التكبير، ولكن الأحوط اتمام الأولى بالتكبير الأوّل، ثمّ الاستئناف بالاعادة.
الشرح:
قد اتّضح حكم هاتين المسألتين من المسألة السابعة و العشرين، و لنكتف هنا بذكر فتوى الشرائع و شرحه عن المدارك.
قال في الشرائع: «اذا أدرك الامام بعد رفعه من [ الركعة] الأخيرة كبّر و سجد معه، فاذا سلّم قام فاستأنف بتكبير مستأنف. و قيل: بنى على التكبير الأوّل، و
1) - مستند العروة 17: 123 و 124.
الأوّل أشبه. و لو أدركه بعد رفع رأسه من السجدة الأخيرة كبّر و جلس معه، فاذا سلّم قام فاستقبل، و لايحتاج الى استئناف تكبير. انتهى».(1)
و قال في المدارك: «للمأموم بالنظر الى وقت دخوله مع الامام أحوال: الحالة الأولى: أن يدركه قبل الركوع، فيحتسب بتلك الركعة اجماعا. الحالة الثانية: أن يدركه في حال ركوعه، و الأصحّ ادراك الركعة بذلك؛ للأخبار الكثيرة الدالّة عليه، فيكبّر المأموم تكبيرة للافتتاح، و أخرى مستحبّة للركوع، ثمّ يركع. قال في المنتهى: و لو خاف الفوات أجزأته تكبيرة الافتتاح عن تكبيرة الركوع اجماعا. الحالة الثالثة: أن يدركه بعد رفع رأسه من الركوع، و لا خلاف في فوات الركعة بذلك، لكن استحبّ أكثر علمائنا للمأموم التكبير و متابعة الامام في السجدتين و ان لم يعتدّ بهما. و اختلفوا في وجوب استئناف النيّة و تكبيرة الاحرام بعد ذلك، فقال الشيخ: لايجب؛ لأنّ زيادة الركن مغتفرة في متابعة الامام. و قطع أكثر الأصحاب بالوجوب؛ لأنّ زيادة السجدتين مبطلة للصلاة، و لقوله عليه السلام في رواية معلّى بن خنيس: «اذا سبقك الامام بركعة و أدركته و قد رفع رأسه، فاسجد معه و لاتعتدّ بها» و هي غير صريحة في وجوب الاستئناف. و يظهر من العلاّمة في المختلف التوقّف في هذا الحكم من أصله؛ للنهي عن الدخول في الركعة عند فوات تكبيرها في رواية محمّد بن مسلم الصحيحة عن الباقر عليه السلام. و هو في محلّه، لا لما ذكره من النهي فانّه محمول على الكراهة، بل لعدم ثبوت التعبّد بذلك. الحالة الرابعة: أن يدركه و قد سجد سجدة واحدة، و حكمه كالسابق، فعلى المشهور يكبّر و يسجد معه الأخرى، و يستأنف التكبير على الأوجه؛ لأنّ الزيادة عمدا مبطلة و ان لم تكن ركنا. الحالة الخامسة: أن يدركه بعد رفع رأسه من السجدة الأخيرة، و قد قطع المصنّف و غيره بأنّه يكبّر و يجلس معه، فاذا سلّم الامام قام و
1) - شرائع الاسلام 1: 126.
أتمّ صلاته، و لايحتاج الى استئناف التكبير. انتهى ملخّصا».(1)
و قد حقّق العلاّمة الخوئي في الروايات الواردة في هاتين المسألتين تحقيقا أنيقا في سندها و دلالتها، و قال في مضامين كلامه: «لو سلّمنا اعتبار سند النصوص المتقدّمة و بنينا على جواز الائتمام في مفروض الكلام (أي في السجدتين) فهل يلزمه استئناف التكبير بعد القيام أم لا؟ فيه خلاف، و منشؤه اختلافهم في كيفيّة الاستظهار من الأخبار و تعيين مرجع الضمير في قوله عليه السلام: «لاتعتدّ بها» الواردة في رواية معلّى بن خنيس و «لم يعتدّ بها» في رواية معاوية بن شريح و أنّ ضمير التأنيث هل يعود الى الصلاة كي يدلّ على الغائها و عدم الاعتناء بها الملازم لاستئناف التكبير، أو أنّه يعود الى السجدة ليكون الملغى هي وحدها دون أصل الصلاة فلا حاجة الى الاستئناف. ثمّ استظهر أنّ الضمير يرجع الى السجدة؛ لعدم سبق ذكر الركعة و لا الصلاة في رواية معاوية. - ثمّ قال أخيرا: - الأقوى الاجتزاء بالتكبيرة الأولى و عدم الحاجة الى الاستئناف. انتهى ملخّصا».(2)
و يمكن أن يقال فيما استظهره رحمه الله أوّلاً: يحتمل عود الضمير الى الركعة كما احتمله غير واحد. و ثانيا: يحتمل أن يكون المراد من عدم الاعتداد هو عدم الاعتداد بالسجدة و التكبير و النيّة. و ثالثا: ما أشار اليه صاحب المدارك «عدم ثبوت التعبّد بذلك»؛ لضعف أغلب الروايات. و رابعا: مستفاد كلّها بعد التأمّل و النظر عدم الاجتزاء بالتكبيرة الأولى.
(مسألة 30): اذا حضر المأموم الجماعة فرأى الامام راكعا و خافأن يرفع الامام رأسه ان التحق بالصفّ نوى و كبّر في موضعه و ركع ثمّ مشى في ركوعه أو بعده أو في سجوده أو بعده، أو بين السجدتين أو بعدهما، أو
حال القيام للثانية الى الصفّ، سواء كان لطلب المكان الأفضل أو للفرار عن كراهة الوقوف في صفّ وحده أو لغير ذلك، و سواء كان المشي الى الأمام أو الخلف أو أحد الجانبين بشرط أن لايستلزم الانحراف عن القبلة، و أن لايكون هناك مانع آخر من حائل أو علوّ أو نحو ذلك. نعم، لايضرّ البعد الذي لايغتفر حال الاختيار على الأقوى اذا صدق معه القدوة و ان كان الأحوط اعتبار عدمه أيضا، و الأقوى عدم وجوب جرّ الرجلين حال المشي، بل له المشي متخطّيا على وجه لاتنمحي صورة الصلاة، و الأحوط ترك الاشتغال بالقراءة و الذكر الواجب أو غيره ممّا يعتبر فيه الطمأنينة حاله و لا فرق في ذلك بين المسجد و غيره.
الشرح:
قال في الشرائع: «اذا دخل و الامام راكع و خاف فوت الركوع ركع، و يجوز أن يمشي في ركوعه حتّى يلحق بالصفّ. انتهى».(1)
و لنذكر الروايات الواردة في الباب حتّى يتبيّن الحال، فمنها صحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما عليهماالسلام أنّه سئل عن الرجل يدخل المسجد فيخاف أن تفوته الركعة، فقال:
«يركع قبل أن يبلغ القوم و يمشي و هو راكع حتّى يبلغهم».(2)
و منها صحيحة معاوية بن وهب قال:
«رأيت أبا عبداللّه عليه السلام يوما و قد دخل المسجد الحرام لصلاة العصر فلمّا كان دون الصفوف ركعوا فركع وحده ثمّ سجد السجدتين ثمّ قام فمضى حتّى لحق الصفوف».(3)
و منها صحيحة عبدالرحمن بن أبي عبداللّه قال:
«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول: اذا دخلت المسجد و الامام راكع فظننت أنّك ان مشيت اليه رفع رأسه قبل أن تدركه فكبّر و اركع، فاذا رفع رأسه فاسجد مكانك، فاذا قام فالحق بالصفّ، فاذا جلس فاجلس مكانك، فاذا قام فالحق بالصفّ».(1)
و منها موثّقة اسحاق بن عمّار قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: أدخل المسجد و قد ركع الامام فأركع بركوعه و أنا وحدي و أسجد فاذا رفعت رأسي، أيّ شيء أصنع؟ فقال: قم فاذهب اليهم، فان كانوا قياما فقم معهم، و ان كانوا جلوسا فاجلس معهم».(2)
و منها صحيحة محمّد بن مسلم قال:
«قلت له: الرجل يتأخّر و هو في الصلاة؟ قال: لا. قلت: فيتقدّم؟ قال: نعم، ماشيا الى القبلة».(3)
و منها مرسلة الصدوق:
«و روي أنّه يمشي في الصلاة يجرّ رجليه و لايتخطّى».(4)
يستفاد من هذه الروايات أمور:
الأوّل: اذا دخل و الامام راكع و خاف فوت الركوع كبّر و ركع و ان كان بينه و بين الصفوف أمتار، و ذلك لقوله عليه السلام في صحيحة محمّد بن مسلم: «يركع قبلأن يبلغ القوم و يمشي». و كذا قوله عليه السلام في صحيحة عبدالرحمن: « ... ان مشيت اليه
رفع رأسه» فانّ الظاهر من عدم بلوغ القوم أنّ البعد بينه و بينهم يكون أكثر من خطوة و كذا المشي، فانّ المشي يستعمل فيما كان بينه و بين القوم خطوات لا خطوة واحدة. فبناءً عليه فقد أجاز الامام عليه السلام في هذا المورد أن يكون البعد بينه و بين الصفوف أكثر ممّا لايتخطّى و أنّه لابأس به. و ما ذهب اليه بعض بأنّ المراد من هذه الروايات أنّه اذا خاف أن يرفع الامام رأسه قبل أن يركع فيجوز له أن يركع خلف الصفوف وحده ثمّ يلحق، و أنّه لايستثنى اعتبار عدم البعد أكثر من خطوة، خلاف ظاهر الروايات كما هو واضح.
قال العلاّمة الخوئي: «فلاينبغي الترديد في قصر النظر في هذه النصوص على الاستثناء من أدلّة مانعيّة التباعد، فيكون حملها على الاستثناء من كراهة الانفراد بالصفّ بعيدا عن مساقها جدّا و ان نسب القول به الى المشهور. انتهى».(1)
نعم، الظاهر انصراف النصوص عن البعد الفاحش كمقدار مائة متر أو أكثر مثلاً و يجب أن يكون العرف حاكما بوحدة الجماعة، غير أنّ بعض أفرادها متأخّر عن الصفوف، و لذلك قال المصنّف: «لايضرّ البعد الذي لايغتفر حال الاختيار على الأقوى اذا صدق معه القدوة».
الثاني: يجوز المشي حين الركوع و بعده حين الهوي الى السجدة و بعد السجدتين حين يقوم الى أن يلحق بالصفّ سواء كان لطلب المكان الأفضل أو للفرار من كراهة الوقوف في صفّ واحد، أو لازالة البعد الغير المغتفر شرعا، و سواء كان المشي الى الأمام أو أحد الجانبين أو الخلف، بشرط أن لايلزم الانحراف عن القبلة. و لايجب الفور بالالحاق الاّ أنّه لايمشي حين الذكر الواجب؛ للجمع بين جواز المشي و وجوب الطمأنينة حينه. نعم، لو أراد المشي حين الذكر المستحبّ فيأتي به بقصد القربة المطلقة لا الورود. و لايجب أن يجرّ قدميه؛ لاطلاق الروايات و ضعف المرسلة.
1) - مستند العروة 17: 134.
الثالث: عدم اغتفار غير البعد فلايجوز الاقتداء اذا كان هناك مانع آخر من حائل أو علوّ أو نحو ذلك.
قال المحقّق الهمداني: «انّ سوق الصحيحتين الأوليين (صحيحة محمّد بن مسلم و عبدالرحمن) يشهد بكونهما مسوقتين لبيان عدم مانعيّة البعد في مثل الفرض عن الدخول في الصلاة بنيّة الائتمام ثمّ اللحوق بالقوم في أثناء الركوع أو بعد الرفع من السجدتين فلهما نوع حكومة على ما دلّ على اعتبار الاجتماع في الجماعة خصوصا على القول باعتبار أن لايكون الفصل في الجماعة بأكثر ممّا يتخطّى فانّ الصحيحتين كالنصّ في ارادة الأكثر من ذلك. و أمّا ماعداه من الموانع كالحائل و أسفليّة المكان و نحوهما فلاينسبق الى الذهن ملحوظيّتها في هذه الأخبار و انّما المتبادر منها ارادة بعده عن الجماعة لا غير، فهي منصرفة عن صورة وجود سائر الموانع. انتهى».(1)
قال في الجواهر: «اذا دخل طالب الجماعة مسجدا مثلاً و رأى أنّ الامام راكع و خاف فوت الركوع ان مشى حتّى يلحق بالصفّ نوى و كبّر و ركع في مكانه بناءً على ما قدّمنا سابقا من ادراك الركعة بادراك الركوع و يجوز له أن يمشي حينئذ في ركوعه حتّى يلحق بالصفّ، بلا خلاف صريح أجده في شيء من ذلك كما اعترف به غير واحد، بل ربّما استظهر من التذكرة الاجماع عليه، بل في الخلاف و المنتهى دعواه صريحا عليه، بل قد يستفاد من نسبته الى رواية الأصحاب في الذكرى ذلك أيضا لصحيح ابن مسلم. كما أنّي لم أجد خلافا في جواز سجوده مكانه ثمّ اذا قام الى الثانية التحق بالصفّ بل ظاهر المنتهى الاجماع عليه؛ لصحيح عبدالرحمن بن أبي عبداللّه و خبر اسحاق بن عمّار - الى أن قال: - لكن ينبغي تقييده بما اذا لم يكن حال الذكر في الركوع، كما في الدروس و الروض و المسالك و عن الميسيّة، و حال القراءة في القيام؛ لمنافاته حينئذ الطمأنينة المعتبرة فيهما، و تقييده أيضا بما
1) - مصباح الفقيه كتاب الصلاة: 692.
اذا لم يستلزم الانحراف عن القبلة كما في الذخيرة و عن المجمع، بل في حواشي الشهيد أنّه نقله الفخر عن والده فيرجع القهقرى حينئذ لو احتاج الى الاستدبار مثلاً، و تقييده أيضا بما اذا لم يكن بعد و نحوه يمنع من الائتمام كما في التذكرة و الذكرى و البيان و الروض و المسالك و جامع المقاصد و تعليق النافع و عن التنقيح و الهلاليّة و فوائد الشرائع و الجعفريّة و شرحيها و الميسيّة و غيرها، و الاّ لم يجز له الائتمام، بل ظاهر بعض مشايخنا اتّفاق الأصحاب عليه و أنّ مقصودهم هنا بذكر الحكم المزبور الاستثناء من كراهة انفراد الانسان بالصفّ وحده لا الاستثناء من التباعد و نحوه ممّا يمنع من الائتمام. و ربّما يؤيّده ما في الخلاف و عن البيان و كأنّه ظاهر المبسوط و التحرير و التذكرة و نهاية الأحكام - الى أن قال: - و ان كان اطلاق الأدلّة يقتضي جواز الائتمام و ان كان بعيدا يمتنع ائتمامه اختيارا كما أنّ اطلاق الأدلّة و الفتاوى يقتضي جواز المشي حال الذكر و القراءة، و تقييده بدليل الطمأنينة ليس بأولى من العكس. نعم، لا وثوق في الاطلاق المزبور بالنسبة للجواز مع الحائل أو السفل أو استدبار القبلة و نحو ذلك، و مثله البعد الكثير جدّا المستلزم للمشي الكثير كذلك - الى أن قال: - لكن و مع ذلك كلّه فالأحوط ما هو المشهور على الظاهر. ثمّ انّ ظاهر النصّ و الفتوى و ان كان اختصاص الحكم في موضع يصدق معه الدخول كالمسجد الاّ أنّ الذي يقوى في النظر شمول الحكم للصحراء و نحوها أيضا، كما أنّ ظاهر النصّ و الفتوى عدم اعتبار كيفيّة خاصّة في المشي المأمور به للالتحاق. لكن في الدروس و النفليّة و الفوائد المليّة و الروض و الذخيرة و عن غيرها يستحبّ له أن يجرّ رجليه و لابأس به، أمّا الوجوب - كما هو ظاهر الموجز و جامع المقاصد و المسالك و تعليق النافع و الغرية و فوائد الشرائع - فضعفه واضح؛ اذ دعوى محو غير هذه الكيفيّة للصلاة ممنوعة، و اللّه أعلم. انتهى كلامه رحمه الله ملخّصا».(1)
1) - جواهر الكلام 14: 12 - 17.
يشترط في الجماعة مضافا الى ما مرّ في المسائل المتقدّمة أمور: «أحدها»: أن لايكون بين الامام و المأموم حائل يمنع عن مشاهدته و كذا بين بعض المأمومين مع الآخر ممّن يكون واسطة في اتّصاله بالامام كمن فى صفّه من طرف الامام أو قدّامه اذا لم يكن في صفّه من يتّصل بالامام. فلو كان حائل ولو في بعض أحوال الصلاة من قيام أو قعود أو ركوع أو سجود بطلت الجماعة من غير فرق في الحائل بين كونه جدارا أو غيره ولو شخص انسان لم يكن مأموما. نعم، انّما يعتبر ذلك اذا كان المأموم رجلاً، أمّا المرأة فلا بأس بالحائل بينها و بين الامام أو غيره من المأمومين مع كون الامام رجلاً بشرط أن تتمكّن من المتابعة بأن تكون عالمة بأحوال الامام من القيام و الركوع و السجود و نحوها، مع أنّ الأحوط فيها أيضا عدم الحائل. هذا و أمّا اذا كان الامام امرأة أيضا فالحكم كما في الرجل.
الشرح:
المستند في ذلك ما رواه المشايخ الثلاثة في الصحيح عن زرارة عن
أبي جعفر عليه السلام، ففي الكافي عن زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«ان صلّى قوم و بينهم و بين الامام ما لايتخطّى فليس ذلك الامام لهم بامام و أيّ صفّ كان أهله يصلّون بصلاة امام و بينهم و بين الصفّ الذي يتقدّمهم قدر ما لايتخطّى فليس تلك لهم، فان كان بينهم سترة أو جدار فليست تلك لهم بصلاة الاّ من كان من حيال الباب. قال: و قال: هذه المقاصير(1)لم يكن في زمان أحد من الناس و انّما أحدثها الجبّارون ليست لمن صلّى خلفها مقتديا بصلاة من فيها صلاة. قال: و قال أبو جعفر عليه السلام: ينبغي أن يكون الصفوف تامّة متواصلة بعضها الى بعض لايكون بين صفّين ما لايتخطّى، يكون قدر ذلك مسقط جسد الانسان».(2)
و قد نقلها في الوسائل عن الفقيه بتقديم قوله عليه السلام في ذيلها «ينبغي أن يكون الصفوف ... » في روايتين.(3)
و في التهذيب(4)و الفقيه(5)بعين ما في الكافي مع اختلاف يسير من غير تأثير في المعنى. و في الوسائل نقلها في الباب الثاني و الستّين من أبواب صلاة الجماعة (الحديث الثاني).
الظاهر أنّ الحديث يبيّن شرطين من شروط الجماعة:
الأوّل: أن لايكون البعد بين الامام و المأموم أكثر من خطوة، و كذا بين هذا الصفّ و بين الصفّ الذي يتقدّمه، و لذلك قال عليه السلام في ذيله: «ينبغي أن يكون الصفوف متواصلة بعضها الى بعض لايكون بين صفّين ما لايتخطّى، يكون قدر
ذلك مسقط جسد الانسان».
الثاني: أن لايكون بين الامام و المأموم حجاب مثل الجدار و السترة، و لذلك قال عليه السلام: «و هذه المقاصير ... » و هو اشارة الى ما ابتدعه معاوية بن أبي سفيان، حيث كان يختفي في المحراب و يسدّ الباب خلفه.
قال في المدارك: «أجمع علماؤنا و أكثر العامّة على أنّه يشترط في الجماعة عدم التباعد بين الامام و المأموم الاّ مع اتّصال الصفوف. و انّما الخلاف في حدّه. فذهب الأكثر الى أنّ المرجع فيه الى العادة - الى أن قال: - قال أبو الصلاح و ابن زهرة: لايجوز أن يكون بين الصفّين من المسافة ما لايتخطّى. انتهى».(1)
فرعان:
الظاهر أنّه يستفاد من قوله عليه السلام «فان كان بينهم سترة أو جدار» أنّ المراد من السترة و الجدار المانع الذي يمنع المأمومين عن مشاهدة الامام، و عن مشاهدة من يشاهد الامام و لو بوسائط، و أمّا لو لم يكن مانعا عن المشاهدة كالشبّاك و الزجاجة لايضرّ بالجماعة. و الشاهد على ذلك قوله عليه السلام بعد ذلك «و هذه المقاصير لم يكن في زمان أحد من الناس و انّما أحدثها الجبّارون ليست لمن صلّى خلفها مقتديا بصلاة من فيها صلاة». فانّ المقاصير جمع مقصورة و هو المحراب الداخل في الجدار كالدار له باب و قد أحدثها معاوية و من بعده لحفظ نفسه من الأعداء. و لو كان مراد الامام عليه السلام مطلق الحائل و المانع من الاستطراق لكان تعبيره بالحائل أجود.
قال في الجواهر: «و لاتصحّ مع حائل بين الامام و المأموم يمنع المشاهدة
1) - مدارك الأحكام 4: 322.
جدارا كان أو غيره بغير خلاف أجده، بل الظاهر أنّه اجماعي كما في الذخيرة، بل هو كذلك في صريح الخلاف و المنتهى و المدارك و عن ارشاد الجعفريّة و المصابيح و ظاهر الذكرى و عن المعتبر و الغرية حيث نسب فيها الى علمائنا؛ لأنّه خلاف المعهود من الجماعة التي يمكن دعوى وجوب الاحتياط فيها باعتبار توقيفيّتها و عدم وضوح استفادة حكمها من الاطلاقات الغير المساقة لبيان كيفيّتها، و لصحيح زرارة. فما في خبر ابن الجهم «سألت الرضا عليه السلام عن الرجل يصلّي بالقوم في مكان ضيق و يكون بينهم و بينه ستر، أيجوز أن يصلّي بهم؟ قال: نعم» يجب حمله على غير المانع من المشاهدة أو التقيّة أو غير ذلك، على أنّ الموجود فيما حضرني من نسخة الوافي بالشين المعجمة و الباء الموحّدة. نعم، حكى هو في بيانه عن بعض النسخ السين المهملة و التاء المثنّاة من فوق و احتمل تصحيفه. انتهى».(1)
و قال في مصباح الفقيه: «ثمّ انّ الظاهر كما نبّه عليه شيخنا المرتضى رحمه الله أنّ ما في الصحيح من جعل الجدار مقابلاً للسترة انّما هو باعتبار ذات الساتر بمعنى أنّ الساتر قد يكون جدارا و قد يكون غيره لا باعتبار أصل الستر كي يكون الجدار بنفسه من حيث هو مناطا للحكم سواء تحقّق به الستر أم لا فيعتبر في مانعيّة الجدار أيضا كالسترة الستر و المنع عن المشاهدة. فالجدار المصنوع من الزجاج الغير المانع عن مشاهدة ما وراءه غير مانع عن الائتمام و هكذا الكلام في الشبابيك المانعة عن الاستطراق دون المشاهدة فهي غير مانعة عن جواز الائتمام كما نسب الى معظم الأصحاب. انتهى ملخّصا».(2)
و قال في الجواهر: «قد يقوى في النظر عدم قدحه لو كان شبّاكا مانعا للاستطراق دون المشاهدة، وفاقا للسرائر و الذكرى و الدروس و البيان و الموجز
و المسالك، بل هو المشهور كما في الذخيرة و الكفاية و الرياض، بل لم أجد فيه خلافا الاّ من الشيخ في الخلاف فلم يجوّزه، و السيّد في الغنية، فلا حجّة لهما سوى الاجماع المدّعى في الخلاف على الظاهر و الغنية كذلك الذي لم يثبت وفاق أحد من العلماء فيه، بل صريح من تأخّر عنهما خلافه. انتهى ملخّصا».(1)
قال في الشرائع: «و لاتصحّ مع حائل بين الامام و المأموم يمنع المشاهدة الاّ أن يكون المأموم امرأة. انتهى».(2)
و قال في الجواهر: «يصحّ و لو مع الحائل من جدار و غيره، بل لاأجد فيه خلافا بينهم كما اعترف به بعضهم الاّ من الحلّي فجعلها كالرجل في الفساد بعد اعترافه بورود رخصة لها في ذلك، و لا ريب في ضعفه. انتهى».(3)
و تدلّ على ذلك موثّقة عمّار قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يصلّي بالقوم و خلفه دار و فيها نساء، هل يجوز لهنّ أن يصلّين خلفه؟ قال: نعم، ان كان الامام أسفل منهنّ. قلت: فانّ بينهنّ و بينه حائطا أو طريقا؟ فقال: لابأس».(4)
و بها يرتكب التخصيص في صحيحة زرارة المتقدّمة المانعة من وجود الحائل بين الامام و المأموم، و كذا بين المأمومين أنفسهم، و هذا الاستثناء مختصّ بما اذا كان الامام رجلاً و المأموم امرأة، و أمّا اذا كان الامام أيضا امرأة فعموم
الصحيحة يشمله.
قال العلاّمة في التذكرة: «يجوز أن تصلّي المرأة من وراء الجدار مقتدية بالامام و ان لم تشاهده و لا من يشاهده، عند علمائنا، لموثّقة عمّار، و لأنّ المرأة عورة، و
الجماعة مطلوبة للشارع، فتجمع بين الصيانة و طلب الفضيلة. و لا فرق بين الحسناء الشابّة و الشوهاء العجوز. و لم يفرّق الجمهور بين الرجال و النساء في المنع و الجواز. انتهى».(1)
ثمّ انّ جواز الحائل بين المرأة و الامام اذا كان رجلاً مختصّ بمورد تتمكّن من المتابعة بأن تكون عالمة بأحوال الامام من القيام و الركوع و السجود و نحوها.
«الثاني»: أن لايكون موقف الامام أعلى من موقف المأمومين علوّا معتدّا به دفعيّا كالأبنية و نحوها لا انحداريّا على الأصحّ من غير فرق بين المأموم الأعمى و البصير و الرجل و المرأة و لابأس بغير المعتدّ به ممّا هو دون الشبر و لا بالعلوّ الانحداري حيث يكون العلوّ فيه تدريجيّا على وجه لاينافي صدق انبساط الأرض. و أمّا اذا كان مثل الجبل فالأحوط ملاحظة قدر الشبر فيه. و لابأس بعلوّ المأموم على الامام و لو بكثير.
الشرح:
الشرط الثاني أن لايكون موقف الامام أعلى من موقف المأمومين علوّا معتدّا به. و الدليل على ذلك موثّقة عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن الرجل يصلّي بقوم و هم في موضع أسفل من موضعه الذي يصلّي فيه؟ فقال: ان كان الامام على شبه الدكّان أو على موضع أرفع من موضعهم لم تجز صلاتهم، فان كان أرفع منهم بقدر اصبع أو
1) - تذكرة الفقهاء 4: 259.
أكثر أو أقلّ اذا كان الارتفاع ببطن مسيل، فان كان أرضا مبسوطة أو كان في موضع منها ارتفاع فقام الامام في الموضع المرتفع و قام من خلفه أسفل منه و الأرض مبسوطة الاّ أنّهم في موضع منحدر؟ قال: لابأس. قال: و سئل: فان قام الامام أسفل من موضع من يصلّي خلفه؟ قال: لابأس. و قال: ان كان الرجل فوق بيت أو غير ذلك دكّانا كان أو غيره و كان الامام يصلّي على الأرض أسفل منه جاز للرجل أن يصلّي خلفه و يقتدي بصلاته و ان كان أرفع منه بشيء كثير».(1)
الظاهر من هذه الرواية بوضوح أنّه يجوز أن يكون المأموم في موضع أرفع من الامام، فوق بيت أو دكّان أو غير ذلك، و لايجوز أن يصلّي بقوم و هم في موضع أسفل من موضعه الذي يصلّي فيه، الاّ أن يكون أرفع منهم بقدر اصبع أو أكثر. و بناءً عليه لاتكون الموثّقة مضطربة المتن كما أشار اليه صاحب المدارك، و لايكون سنده ضعيفا.
قال في المدارك: «و هذه الرواية ضعيفة السند، متهافتة المتن، قاصرة الدلالة، فلايسوغ التعويل عليها في اثبات حكم مخالف للأصل و من ثمّ تردّد فيه المصنّف رحمه الله، و ذهب الشيخ في الخلاف الى كراهة كون الامام أعلى من المأموم بما يعتدّ به كالأبنية و هو متّجه. أمّا علوّ المأموم فقد قطع الأصحاب بجوازه، و أسنده في المنتهى الى علمائنا مؤذنا بدعوى الاجماع عليه، و احتجّ عليه باطلاق الأمر، و موثّقة عمّار المتقدّمة. انتهى».(2)
و لايعارضها خبر محمّد بن عبداللّه عن الرضا عليه السلام قال:
«سألته عن الامام يصلّي في موضع و الذين خلفه يصلّون في موضع أسفل منه؟ أو يصلّي في موضع و الذين خلفه في موضع أرفع منه؟
فقال: يكون مكانهم مستويا. الحديث».(1)
لأنّه مع ضعف سنده يحمل على استحباب استواء مكان الامام و المأموم؛ جمعا بينه و بين موثّقة عمّار المتقدّمة و موثّقته الثانية قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يصلّي بالقوم و خلفه دار فيها نساء، هل يجوز لهنّ أن يصلّين خلفه؟ قال: نعم، ان كان الامام أسفل منهنّ. الحديث».(2)
و صحيحة علي بن جعفر في كتابه عن أخيه موسى عليه السلام قال:
«و سألته عن الرجل، هل يحلّ له أن يصلّي خلف الامام فوق دكّان؟ قال: اذا كان مع القوم في الصفّ فلابأس».(3)
قال في التذكرة: «الشرط الخامس: عدم علوّ الامام على موضع المأموم بالمعتدّ به، فلو صلّى الامام على موضع أرفع من موضع المأموم بما يعتدّ به، بطلت صلاة المأموم، عند علمائنا، سواء أراد تعليمهم أو لا - الى أن قال: - و قال مالك و الأوزاعي و أصحاب الرأي انّه مكروه - و هو قول الشيخ في الخلاف - لحديث عمّار و حذيفة (على طريق العامّة) و هو يدلّ على المنع و النهي، و ظاهرهما التحريم. - الى أن قال: - لو كان العلوّ يسيرا، جاز اجماعا، و هل يتقدّر بشبر أو بما لايتخطّى؟ الأقرب الثاني. انتهى».(4)
أقول:
قوله «ما لايتخطّى» اشارة الى صحيحة زرارة المتقدّمة. و فيه: انّه للبعد بين الامام و المأموم كما سبق لا للعلوّ بينهما. و قوله «يتقدّر بشبر» اشارة الى ما في
نسخة التهذيب من موثّقة عمّار المتقدّمة، و لابأس به؛ لأنّ قوله عليه السلام بما رواه في الكافي «فان كان أرفع منهم بقدر اصبع أو أكثر أو أقلّ» فانّ التقدير بشبر يوافق قوله عليه السلام«بقدر اصبع أو أكثر».
ثمّ انّه لا فرق في عدم جواز علوّ الامام على المأموم بين المأموم الأعمى و البصير و الرجل و المرأة؛ لاطلاق النصّ و عدم المقيّد. و كما أنّه لابأس بالعلوّ الغير المعتدّ به لابأس بالعلوّ الانحداري حيث يكون فيه العلوّ تدريجيّا على وجه لاينافي صدق انبساط الأرض، و ذلك لقوله عليه السلام في موثّقة عمّار المتقدّمة آنفا «لابأس» في جواب سؤال الراوي «أو كان في موضع منها ارتفاع فقام الامام في الموضع المرتفع و قام من خلفه أسفل منه و الأرض مبسوطة الاّ أنّهم في موضع منحدر؟».
قال المحقّق الهمداني: «يجوز أن يقف الامام على علوّ من أرض منحدرة بلا خلاف فيه على الظاهر بل عن بعض دعوى الاجماع عليه ولكن ينبغي تقييده بما اذا لم يكن الانحدار شبيها بالتسنيم بل على وجه لم تخرج الأرض به عن صدق كونها أرضا مبسوطة عرفا؛ اذ لا مخصّص لعموم ما دلّ على المنع عدا ما في ذيل الموثّقة المزبورة، و هي تدلّ على نفي البأس اذا كانا في أرض مبسوطة. انتهى ملخّصا».(1)
«الثالث»: أن لايتباعد المأموم عن الامام بما يكون كثيرا في العادة الاّ اذا كان في صفّ متّصل بعضه ببعض حتّى ينتهي الى القريب، أو كان في صفّ ليس بينه و بين الصفّ المتقدّم البعد المزبور و هكذا حتّى ينتهي الى القريب، و الأحوط احتياطا لايترك أن لايكون بين موقف الامام و مسجد المأموم أو بين موقف السابق و مسجد اللاحق أزيد من مقدار الخطوة التي تملأ الفرج،
1) - مصباح الفقيه كتاب الصلاة: 633.
و أحوط من ذلك مراعاة الخطوة المتعارفة، و الأفضل بل الأحوط أيضا أن لايكون بين الموقفين أزيد من مقدار جسد الانسان اذا سجد، بأن يكون مسجد اللاحق وراء موقف السابق بلا فصل.
الشرح:
لايجوز أن يتباعد المأموم عن الامام بما لايتخطّى بمعنى أن لايكون بين موقف الامام و مسجد المأموم أكثر من خطوة، و يدلّ على ذلك ما رواه في الكافي عن زرارة بسند صحيح عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«ان صلّى قوم و بينهم و بين الامام ما لايتخطّى فليس ذلك الامام لهم بامام، و أيّ صفّ كان أهله يصلّون بصلاة امام و بينهم و بين الصفّ الذي يتقدّمهم قدر ما لايتخطّى فليس تلك لهم - الى أن قال: - و قال أبو جعفر عليه السلام: ينبغي أن يكون الصفوف تامّة متواصلة بعضها الى بعض، لايكون بين صفّين ما لايتخطّى، يكون قدر ذلك مسقط جسد الانسان».(1)
و نقلها في الوسائل بتمامها عن الفقيه في روايتين و ابتدأ بقوله عليه السلام: «ينبغي أن يكون الصفوف تامّة متواصلة».(2)
هل يكون مراد الامام عليه السلام من قوله «ما لايتخطّى» في الفقرة الأولى، هو البعد بين موقف الامام و مسجد المأموم، أو يكون مراده من ذلك البعد الواقع بين موقف الامام و موقف المأموم و هكذا بين موقف الصفّ الأوّل و موقف الصفّ الثاني؟ ليس مراد الامام الاحتمال الثاني قطعا، بل مراده عليه السلام هو الاحتمال الأوّل؛ بناءً على أنّ معنى قوله عليه السلام «فليس ذلك الامام لهم بامام» و «فليس تلك لهم» بطلان
الصلاة. و ذلك أوّلاً: أنّ صلاة الجماعة و ان كانت أحكامها و شرائطها توقيفيّة، الاّ أنّ صدق الجماعة عرفا ممضاة عند الشارع، بمعنى أنّ طائفة من المسلمين لو اجتمعوا ليصلّوا بصلاة الامام و يتابعونه، فانّك ترى البعد أكثر من شبر بين مسجد المأموم و موقف الامام و كذا بين مسجد الصفّ التالي و موقف الصفّ القادم و مع ذلك يصدق الجماعة عرفا بل الظاهر أنّ ذلك بمرآهم و لاينكرون.
و ثانيا: قامة أكثر الأفراد تكون أطول من متر و نصف فيصير مسقط جسده من موقفه الى موقف الامام أكثر ممّا لايتخطّى و لايفتي أحد من الفقهاء ببطلان صلاته.
و ثالثا: في هذه الرواية قد لوحظ البعد الجائز بين أفراد الصفّ الأوّل؛ لأنّ هذا أيضا في مظنّة السؤال بأنّ البعد الجائز أيّ مقدار هو حتّى يبطل صلاته لو صار أكثر من ذلك؟ و هل يمكن أن يقال انّ قوله عليه السلام «ما لايتخطّى» لايشمل الفصول الواقعة بين الأفراد الذين هم في الصفّ الأوّل أو الصفوف المتأخّرة التي تكون اتّصالهم بالصفّ المتقدّم بأفرادهم؟ و هل يفتي أحد ببطلان صلاة من كان اتّصاله بالامام من جانب و قطع أحد من المأمومين من ذلك الجانب صلاته و ذهب فصار البعد أقلّ ممّا لايتخطّى؟
و رابعا: ذيل كلام المعصوم على ما في الكافي يكون قرينة على أنّ المراد من صدر الرواية البعد الواقع بين مسجد المأموم و موقف الامام و كذا ما بين الصفوف؛ لأنّه عليه السلام قال: «ينبغي أن يكون الصفوف تامّة متواصلة» بمعنى أن لايكون بين الأفراد الموجودين في الصفّ الأوّل و غيره مكان خالٍ يمكن أن يقوم فيه شخص واحد، و الحال أنّ المستفاد من الروايات بل الاجماع و السيرة القطعيّة أنّ ذلك البعد لايضرّ بالجماعة، فيكشف أنّ ذلك مستحبّ.
و خامسا: كان محطّ نظره عليه السلام الى ما ابتدعه العامّة من عدم البأس بالبعد الحاصل بين الصفوف.
قال في التذكرة: «سوّغ الشافعي التباعد بين الصفوف في المسجد بأزيد من ثلاثمائة ذراع فاذا كان الصفّ الأوّل في ابتداء المسجد جاز أن يكون الصفّ التالي في آخره على ثلاثمائة ذراع؛ لأنّ المسجد لايحسب فصلاً. انتهى ملخّصا».(1)
و قال أيضا: «الشرط الثالث: الاجتماع في الموقف، فلايجوز تباعد المأموم عن الامام بما لم تجر العادة به، و يسمّى كثيرا الاّ مع اتّصال الصفوف به، عند علمائنا، و هو قول أكثر العلماء. انتهى».(2)
و قال أيضا: «القرب و البعد المرجع بهما الى العادة عندنا - و به قال أحمد - لعدم التنصيص شرعا، فيصرف الى العرف كالاحراز و غيره. و قدّر الشافعي البعد بما يزيد على ثلاثمائة ذراع، و القرب بها و بما دونها. - الى أن قال: - و قال المرتضى: «ينبغي أن يكون بين الصفّين قدر مسقط الجسد، فان تجاوز ذلك الى القدر الذي لايتخطّى لم يجز للرواية» و الظاهر الكراهة. و لو وقف صفّ خلف الامام على حدّ ثلاثمائة ذراع عند الشافعي و على أبعد مراتب القرب عندنا، و صفّ آخر خلفهم على النسبة و هكذا، صحّت صلاتهم اجماعا، و يجعل كلّ صفّ مع الذي خلفه كالامام مع المأموم. و لو وقف على يمين الصفّ قوم بينهما حدّ القرب، أو على يسارهم، و اقتدوا بالامام، جاز، و يكون ذلك حدّ القرب بين المأمومين، كما هو حدّ القرب بين الصفّين. - و قال أيضا: - يستحبّ قرب الصفّ من الامام و قد قدّره الباقر عليه السلام بمسقط الجسد استحبابا. - و قال أيضا: - حيلولة النهر و الطريق بين الامام و المأموم لاتمنع الجماعة مع انتفاء البعد، عند أكثر علمائنا، سواء كان النهر ممّا يتخطّى أو لا. انتهى».(3)
و يؤيّد ما ذكرنا بل يدلّ عليه أيضا موثّقة عمّار قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يصلّي بالقوم و خلفه دار و فيها نساء، هل يجوز لهنّ أن يصلّين خلفه؟ قال: نعم، ان كان الامام أسفل منهنّ. قلت: فانّ بينهنّ و بينه حائطا أو طريقا؟ فقال: لابأس».(1)
بتقريب أنّ الحائط أو الطريق اللذين ذكرا في الموثّقة يكونان قريبين من الخطوة في الأغلب. و كذا يؤيّده بل يدلّ عليه صحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«أقلّ ما يكون بينك و بين القبلة مربض عنز و أكثر ما يكون مربض (مربط) فرس».(2)
بناءً على أن يكون المراد من القبلة هو ما يكون مقابلاً للمأموم الذي هو الامام أو الصفّ الذي قبله المتقدّم.
كلام صاحب الجواهر: «و لايجوز تباعد المأموم عن الامام بما يكون كثيرا في العادة اذا لم يكن بينهما صفوف متّصلة لا تباعد بينها كذلك على المشهور بين الأصحاب نقلاً و تحصيلاً شهرة كادت تكون اجماعا، بل هو كذلك في ظاهر التذكرة للأصل بل الأصول بعد توقيفيّة الجماعة و قصور اطلاقها عن تناوله مثل ذلك؛ لعدم معهوديّته بل معهوديّة خلافه و ان نسب الخلاف الى الشيخ في المبسوط و الخلاف ولكنّ الظاهر خلافه. فاذا لم يكثر البعد في العادة بل كان الثابت ضدّه و هو القرب فظاهر المشهور بل صريحهم نقلاً و تحصيلاً الصحّة و ان كان لايتخطّى، بل في الرياض كاد يكون اجماعا، بل ظاهر التذكرة حيث قال: «عندنا الاجماع عليه» بل عن ارشاد الجعفريّة لايضرّ البعد المفرط مع اتّصال الصفوف اذا كان بين كلّ صفّين القرب العرفي اجماعا؛ لاطلاق أدلّة الجماعة، و ما
ورد فيها(1)من الأمر بالوقوف خلف الامام و نحوه، و اطلاق ما دلّ على جواز الائتمام مع اعتراض الطريق و النهر بل و الحائط في المرأة من معقد الاجماع و الموثّق(2)السابقين و نحوهما، خصوصا مع غلبة كون ذلك ممّا لايتخطّى و للأخبار الآمرة بالائتمام عند خوف رفع الامام رأسه من الركوع ثمّ اللحوق بعد ذلك بالصفّ في الركعة الثانية أو في أثناء الركوع، و لعدم التحديد شرعا للبعد المشترط عدمه في الجماعة في معقد اجماع المدارك و مصابيح الأنوار للأستاذ و رياض الفاضل و ظاهر التذكرة، و مفهوم بعض الأدلّة السابقة، فيرجع في تحديده كغيره الى العرف و العادة، لكن لابدّ من ملاحظة الاجتماع في الصلاة، فكلّ ما عدّ في عرف المتشرّعة و عادتهم أنّه بعيد بالنظر الى جماعة الصلاة بطل و كلّما عدّ أنّه قريب صحّ. و ما يقال: انّ ذلك كلّه جيّد لو أنّ الأدلّة خلت عن التعرّض لبيان التحديد و ليس؛ اذ في صحيح زرارة و صحيح عبداللّه بن سنان بيان التحديد بما لايتخطّى و بمربض عنز و فرس، مع تأييدهما بأنّ الجماعة توقيفيّة، و الثابت منها ذلك لا أزيد، فالأصل عدم البراءة و عدم سقوط القراءة و غيرها من أحكام الجماعة في غير المتيقّن، و ليسا من الشواذّ، بل عمل بهما ابن زهرة في الغنية مدّعيا الاجماع عليه و الاشارة و المدارك و المفاتيح و الحدائق و غيرها، بل حكي عن السيّد و ظاهر الكليني و الصدوق أيضا، فيقال في دفعه بقوّة الظنّ بارادة الفضيلة و الاستحباب من الصحيح المذكور بل و الكراهة مع التباعد بما لايتخطّى. و لقد أجاد الحلّي في سرائره بقوله: «و ينبغي أن يكون بين كلّ صفّين قدر مسقط الانسان أو مربض عنز اذا سجد، فان تجاوز ذلك الى القدر الذي لايتخطّى كانمكروها شديد الكراهية حتّى أنّه قد ورد بلفظ «لاتجوز» الى آخره، خصوصا مع ملاحظة الشهرة العظيمة بين الأصحاب التي كادت تكون اجماعا، بل هي كذلك
في ظاهر معقد اجماع ارشاد الجعفريّة المتقدّم و غيرها، و اعراضهم عن هذا الصحيح مع أنّه بمرأى منهم و مسمع و بين أيديهم، بل قد استدلّوا ببعضه بحيث لايحتمل خفاؤه عليهم. فمن القدماء العاملين بهذه الصحيحة هو الحلبي و ابن زهرة، و الكليني و الصدوق لم يصرّحا بالعمل بها، و السيّد المرتضى قال بعدم الجواز فيما تجاوز عمّا لايتخطّى الذي يحمل على الكراهة كما يحمل على ذلك ما عن النهاية و المبسوط و المراسم و الوسيلة و البيان و الهلاليّة. لكن و مع ذلك كلّه فالأحوط و الأفضل مراعاة ما لايتخطّى بالخطوة المتعارفة ملاحظا فيه موقف المصلّي لا مسجده كي يتحقّق التواصل. انتهى ملخّصا».(1)
«الرابع»: أن لايتقدّم المأموم على الامام في الموقف، فلو تقدّم في الابتداء أو الأثناء بطلت صلاته ان بقي على نيّة الائتمام، و الأحوط تأخّره عنه و ان كان الأقوى جواز المساواة و لابأس بعد تقدّم الامام في الموقف أو المساواة معه بزيادة المأموم على الامام في ركوعه و سجوده لطول قامته و نحوه و ان كان الأحوط مراعاة عدم التقدّم في جميع الأحوال حتّى في الركوع و السجود و الجلوس، و المدار على الصدق العرفي.
الشرح:
قال في الشرائع: «و لايجوز أن يقف المأموم قدّام الامام. انتهى».(2)
و قال في المدارك: «هذا قول علمائنا أجمع، و وافقنا عليه أكثر العامّة؛ لأنّ المنقول من فعل النبي صلى الله عليه و آله و الأئمّة عليهم السلام امّا تقدّم الامام أو تساوي الموقفين، فيكون الاتيان بخلافه خروجا عن المشروع، و لأنّ المأموم يحتاج مع التقدّم الى استعلام
حال الامام بالالتفات الى ما وراءه، و ذلك مبطل. انتهى».(1)
قال العلاّمة في التذكرة: «الشرط الثاني: عدم تقدّم المأموم على الامام، فان صلّى قدّامه بطلت صلاته، سواء كان متقدّما عند التحريم أو تقدّم في خلالها، عند علمائنا أجمع - و به قال أبو حنيفة و أحمد و الشافعي في الجديد - لقوله عليه السلام«انّما جعل الامام اماما ليؤتمّ به»، و لأنّ النبي صلى الله عليه و آله فعل ما قلناه، و كذا الصحابة و التابعون، و لأنّه يحتاج في الاقتداء و المتابعة الى الالتفات الى ورائه. و قال مالك و اسحاق و أبو ثور و الشافعي في القديم: تصحّ؛ لأنّ مخالفة الموقف لاتبطل الصلاة، كما لو وقف على يسار الامام. و الفرق أنّه موقف لبعض المأمومين كالعراة و النساء. انتهى ملخّصا».(2)
و الظاهر أنّه لا اشكال و لا خلاف في عدم جواز تقدّم المأموم على الامام و أنّ شرط الجماعة تقدّم الامام. و مستند هذا الاتّفاق و التسالم السيرة القطعيّة بين المسلمين المتّصلة بالنبي صلى الله عليه و آله و الأئمّة المعصومين عليهم السلام و يستفاد هذا الشرط من الروايات الواردة في الأبواب المتعدّدة من صلاة الجماعة، بالأخصّ من الروايات الآمرة بتقديم رجل اذا عرض للامام عارض لايتمكّن من اتمام الصلاة.
فرعان:
لو تقدّم المأموم على الامام عالما عامدا و زاد في صلاته بقصد التبعيّة أو ترك القراءة كذلك، كانت صلاته باطلة بلا اشكال؛ لعدم الجماعة و لايجري أحكام الجماعة على هذه الصلاة. و لو تقدّم سهوا أو جهلاً بالموضوع أو الحكم فحينئذ
لو زاد ركنا بطلت صلاته؛ لعدم الدليل على الصحّة. و أمّا لو زاد سجدة بقصد التبعيّة أو ترك القراءة سهوا أو جهلاً فلايكون حديث «لاتعاد» قاصر الشمول عنه، و لايكون هناك دليل حاكم على الحديث، فانّ الدليل على البطلان الاجماع و مستندهم في ذلك السيرة، و من البعيد جدّا دلالة السيرة على بطلان الصلاة مطلقا، و أن يكون تقدّم الامام على المأموم شرطا لصحّة الصلاة مطلقا. سلّمنا ولكن قاعدة «لاتعاد» ناطقة بعدم اعادة الصلاة لو ترك واجبا غير ركن أو زاد ساهيا أو جاهلاً مطلقا، أي و ان لم يكن في جماعة. نعم، يمكن أن يقال ببطلان الجماعة؛ لأنّ الظاهر من الدليل أنّ تقدّم الامام في الجماعة شرط واقعي بمعنى أنّ الجماعة تكون دائرة مدار هذا الشرط، و أمّا بطلان الصلاة فلا.
قال في مصباح الفقيه: «ثمّ انّ مقتضى اطلاق كلمات الأصحاب في فتاويهم و معاقد اجماعاتهم المحكيّة كاطلاق الخبرين الواردين في العاري اللذين اعترفنا بظهورهما في شرطيّة التأخّر في الجملة كون عدم تقدّم المأموم على الامام شرطا واقعيّا لا علميّا، فلو أخلّ به ولو سهوا بطلت قدوته بلا اشكال فيه لدى استمراره على ذلك - الى أن قال: - و ربّما استظهر من المشهور القول ببطلان أصل الصلاة مع التقدّم لا خصوص الجماعة، و فيه تأمّل و كيف كان فالأقوى ما عرفت، و اللّه العالم. انتهى».(1)
و لو عاد الى موقفه فهل القدوة باقية أو تحتاج الى نيّة جديدة - ان جوّزنا التجديد لمن صار منفردا و يريد الاقتداء ثانيا - أم يفصّل بين العمد و السهو ففي الأوّل تتوقّف على التجديد دون الثاني؟ وجوه أومأ اليها الشهيد في الذكرى حيث قال: «الرابع: لو تقدّم المأموم في أثناء الصلاة متعمّدا على الامام فالظاهر أنّه يصير منفردا؛ لاخلاله بالشرط. و يحتمل أن يراعى باستمراره أو عوده الى موقفه، فان عاد أعاد نيّة الاقتداء. و لو تقدّم غلطا أو سهوا ثمّ عاد الى موقفه فالظاهر بقاء
1) - مصباح الفقيه كتاب الصلاة: 655.
القدوة؛ للحرج. و لو جدّد نيّة الاقتداء هنا كان حسنا. و كذا الحكم لو تقدّمت سفينة المأموم على سفينة الامام، فلو استصحب نيّة الائتمام بعد التقدّم بطلت صلاته. و قال الشيخ في الخلاف: لاتبطل؛ لعدم الدليل. انتهى».(1)
أقول:
لو عاد الى موقفه ففي صورة العمد ان لم يخلّ بواجب للمتابعة فلايبعد القول بتجديد النيّة ان جوّزناها للمنفرد و قد سبق أنّ الأظهر عدم الجواز، و كذا في صورة السهو و الجهل ان لم يخلّ بالركن.
قال في مصباح الفقيه: «و الأحوط ان لم يكن أقوى في كلتا الصورتين امّا اتمام صلاته منفردا أو اعادة نيّة الاقتداء ان جوّزناها بعد الانفراد. و أمّا ما استدلّ [ الشهيد في الذكرى] به لبقاء القدوة مع السهو من الحرج فلم يتّضح وجهه، و ما ذكره في ذيل كلامه من الحكم ببطلان صلاته لو استصحب نيّة الائتمام مع التقدّم ينبغي تقييده بما لو أخلّ بوظيفة المنفرد من ترك قراءة أو زيادة ركن و نحوه للمتابعة و الاّ فالحقّ أنّ مجرّد هذه النيّة غير مؤثّر في البطلان لما حقّقناه في مبحث النيّة من أنّ الجماعة ليست من الفصول المنوّعة لماهيّة الصلاة في مقابل الفرادى بل هي خصوصيّة موجبة لتأكّد مطلوبيّة الطبيعة و لحوق أحكام خاصّة بها فلايكون قصدها منافيا لقصد أصل الطبيعة بل متوقّف عليه، و لايتوقّف وقوعها فرادى على قصد حصولها كذلك بل على عدم قصد الجماعة أو عدم سلامتها له فمتى لم تصحّ جماعة وقعت بنفسها فرادى و ان لم يقصدها كذلك ما لم يخلّ بشيء ممّا يعتبر فيها حال الانفراد. و لعلّ ما حكاه عن الشيخ من الحكم بعدم البطلان أريد به في مثل هذا الفرض لا مطلقا، فليتأمّل. انتهى».(2)
و ما حقّقه قدس سره في ماهيّة الجماعة و أنّ وقوع الصلاة فرادى يتوقّف على عدم قصد الجماعة أو عدم سلامتها له، حقّ.
قال في الجواهر: «ذهب المشهور الى جواز مساواة المأموم للامام مطلقا كما هو ظاهر عبارات الأصحاب كالقواعد و المنتهى و غيرهما بل هو صريح التذكرة و الذكرى و البيان و ظاهر الدروس و الروض و غيرها بل في المدارك و المفاتيح نسبته الى الأكثر، بل في الروض و عن المسالك و غيرها نسبته الى الشهرة بل في الرياض لا خلاف فيه الاّ من الحلّي، بل في التذكرة الاجماع عليه. انتهى».(1)
و ذهب صاحب الحدائق الى وجوب المساواة اذا كان المأموم واحدا و وجوب تأخّرهم اذا كانوا أكثر. فلننقل تفصيل كلام صاحب الحدائق فقال: «و أمّا الحكم الثاني أعني قيام المأموم اذا كان واحدا عن يمين الامام فهو ممّا لا خلاف في رجحانه بين الأصحاب (رضوان اللّه عليهم)، و ان كان المأموم أكثر من واحد وقفوا خلف الامام. و استندوا في هذا التفصيل الى ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمّد بن مسلم عن أحدهما عليهماالسلام قال: «الرجلان يؤمّ أحدهما صاحبه يقوم عن يمينه فان كانوا أكثر من ذلك قاموا خلفه». و بالجملة فانّه لا خلاف في أفضليّة قيام الرجل وحده عن يمين الامام. انّما الخلاف في وجوبه و استحبابه و المشهور أنّ ذلك على جهة الفضل و الاستحباب. قال في المنتهى: «و هذا الموقف سنّة فلو خالف بأن وقف الواحد على يسار الامام أو خلفه لم تبطل صلاته عند علمائنا أجمع. و نقل في المختلف عن ابن الجنيد القول بالبطلان مع المخالفة». قال في
1) - جواهر الكلام 13: 223.
المدارك: «و هو ضعيف». و لاأعرف لما ذكره الأصحاب من الاستحباب هنا مستندا سوى الاجماع الذي ادّعاه في المنتهى، و لاأعرف لحكم السيّد بضعف قول ابن الجنيد وجها مع عدم الدليل على خلافه و قيام الأدلّة و تكاثرها على ما نقلوه عنه، و هم انّما استندوا في هذا التفصيل الى صحيحة محمّد بن مسلم المتقدّمة بأنّه ان كان واحدا قام عن يمين الامام و ان كانوا أكثر قاموا خلفه، و هي ان لم تدلّ على ما ذهب اليه ابن الجنيد كما هو الظاهر منها فلاتدلّ على خلافه، و بالجملة فانّها أعمّ من ذلك فلا دلالة فيها على كون ذلك على جهة الاستحباب بوجه، و جميع ما حضرني من روايات هذه المسألة على كثرتها و تعدّدها لا اشارة في شيء منها فضلاً عن الدلالة الى الاستحباب بل المتبادر من سياقها و اتّفاقها على الحكم المذكور انّما هو الوجوب؛ لأنّ العبادات كمّيّة و كيفيّة صحّة و بطلانا مبنيّة على التوقيف، فما ثبت عن صاحب الشرع وجب الحكم بصحّته و ما لم يثبت عنه فلا مساغ للحكم بصحّته بمجرّد التخرّص و الظنّ، و الذي ثبت عنه كما ستقف عليه ان شاء اللّه تعالى انّما هو ما ذكرناه. وها أنا أسوق لك ما وقفت عليه من أخبار المسألة، فمنها صحيحة محمّد بن مسلم المتقدّمة(1)و صحيحة زرارة المتقدّمة(2)في صدر المسألة و رواية أبي البختري المتقدّمة(3)أيضا. و منها ما رواه في الكافي عن محمّد بن يحيى عن أحمد بن محمّد قال: «ذكر الحسين يعني ابن سعيد أنّه أمر من يسأله عن رجل صلّى الى جانب رجل فقام عن يساره و هو لايعلم ثمّ علم وهو في صلاته كيف يصنع؟ قال: يحوّله عن يمينه». و ما رواه في الكافي في الصحيح عن ابراهيم بن ميمون عن أبي عبداللّه عليه السلامفي الرجل يؤمّ النساء ليس معهنّ رجل في الفريضة؟ قال: «نعم، و ان كان معه صبيّ فليقم الى
جانبه». و ما رواه في الفقيه في الصحيح عن محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام أنّه سئل عن الرجل يؤمّ الرجلين؟ قال: «يتقدّمهما و لايقوم بينهما. و عن الرجلين يصلّيان جماعة؟ قال: نعم، يجعله عن يمينه». و ما رواه الشيخ في التهذيب عن الحسين بن يسار المدائني: «أنّه سمع من يسأل الرضا عليه السلام عن رجل صلّى الى جانب رجل فقام عن يساره و هو لايعلم كيف يصنع ثمّ علم و هو في الصلاة؟ قال: يحوّله عن يمينه». و ما رواه في كتاب العلل بسنده فيه عن أحمد بن رباط عن أبي عبداللّه عليه السلام قال: «قلت له: لأيّ علّة اذا صلّى اثنان صار التابع عن يمين المتبوع؟ قال: لأنّه امامه و طاعة للمتبوع و أنّ اللّه جعل أصحاب اليمين المطيعين، فلهذه العلّة يقوم عن يمين الامام دون يساره». و ما رواه في كتاب قرب الاسناد عن الحسين بن ظريف عن الحسين بن علوان عن جعفر عن أبيه عن علي عليهم السلامأنّه كان يقول: «المرأة خلف الرجل صفّ و لايكون الرجل خلف الرجل صفّا، انّما يكون الرجل الى جنب الرجل عن يمينه». و ما رواه فيه أيضا عن السندي بن محمّد عن أبي البختري عن جعفر بن محمّد عن أبيه عن علي عليهم السلام قال: «رجلان صفّ فاذا كانوا ثلاثة تقدّم الامام». و روى الصدوق في كتاب المجالس في الصحيح الى محمّد بن عمر الجرجاني قال: «قال الصادق عليه السلام: للّه أوّل جماعة كانت انّ رسول اللّه صلى الله عليه و آلهكان يصلّي و أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلاممعه اذ مرّ أبو طالب و جعفر معه فقال: يا بنيّ صلّ جناح ابن عمّك، فلمّا أحسّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله تقدّمهما و انصرف أبو طالب مسرورا. الحديث». و قال في كتاب الفقه الرضوي: «يؤمّ الرجلين أحدهما صاحبه يكون عن يمينه فاذا كانوا أكثر من ذلك قاموا خلفه». هذا ما حضرني من أخبار المسألة المذكورة و هي كما ترى متطابقة الدلالة متعاضدة المقالة على أنّ الحكم في الاثنين هو قيام المأموم عن يمين الامام و الحكم في الأكثر التأخّر، و الخروج عنه من غير دليل و لا نصّ خروج عن المشروع. نعم، لو كان هنا دليل معارض لهذه الأخبار لتمّ لهم حملها على الاستحباب الاّ أنّه ليس
كذلك. و غاية ما استدلّ به العلاّمة في المختلف للقول المشهور ما رواه أبو الصباح في الصحيح قال: «سألت أبا عبداللّه عليه السلامعن الرجل يقوم في الصفّ وحده فقال: لابأس، انّما يبدو واحد بعد واحد». فانّ الظاهر منه انّما هو قيام المأموم وحده في صفّ مع امتلاء الصفوف و عدم وجود مكان له فيها فانّه يقوم وحده كما ورد في صحيحة سعيد الأعرج، قال: «سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يدخل المسجد ليصلّي مع الامام فيجد الصفّ متضايقا بأهله فيقوم وحده حتّى يفرغ الامام من الصلاة، أيجوز ذلك له؟ قال: نعم، لابأس». و في موثّقة سعيد الأعرج أيضا قال: «سألت أباعبداللّه عليه السلامعن الرجل يأتي الصلاة فلايجد في الصفّ مقاما أيقوم وحده حتّى يفرغ من صلاته؟ قال: نعم، لابأس، يقوم بحذاء الامام». انتهى موضع الحاجة من كلامه».(1)
أقول:
أكثر الروايات التي ذكرها صاحب الحدائق ضعيفة سندا أو دلالة. نعم، هناك صحيحتا محمّد بن مسلم و زرارة، ففي الأولى قال عليه السلام:
« ... يقوم عن يمينه فان كانوا أكثر من ذلك قاموا خلفه».(2)
و في الثانية قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: الرجلان يكونان جماعة؟ فقال: نعم، و يقوم الرجل عن يمين الامام».(3)
و هاتان الصحيحتان مع سائر الروايات تحمل على الاستحباب جمعا بينها و بين صحيحة سعيد الأعرج قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يدخل المسجد ليصلّي مع الامام
فيجد الصفّ متضايقا بأهله فيقوم وحده حتّى يفرغ الامام من الصلاة، أيجوز ذلك له؟ قال: نعم، لابأس به».(1)
و ذلك أوّلاً: أنّ الامام عليه السلام أمضى قيام الرجل وحده خلف امام الجماعة حتّى يفرغ من الصلاة بناءً على عدم الفرق بين هذا المورد و بين ما لو كان رجلان فقام أحدهما وراء الآخر و اقتدى به. و يستفاد من موثّقة سعيد الأعرج قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يأتي الصلاة فلايجد في الصفّ مقاما، أيقوم وحده حتّى يفرغ من صلاته؟ قال: نعم، لابأس، يقوم بحذاء الامام».(2)
أفضليّة قيام الرجل بحذاء الامام من أن يقوم آخر الصفّ وحده.
و ثانيا: الظاهر أنّه سأل عن تشكيل الصفّ بنفسه فهداه الامام عليه السلام بأنّه يقوم بحذاء الامام و من المعلوم أنّه لو كان التأخّر و القيام خلف الامام واجبا اذا كانوا أكثر من واحد لم يجوّز الامام ذلك. و ما ذهب اليه مستند العروة من استثناء المورد لايرجّح على القول باستحباب الوقوف بحذاء الامام ان كان وحده و خلفه ان كانوا أكثر.
و كذا صحيحة أبي الصباح قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يقوم في الصفّ وحده؟ فقال: لابأس، انّما يبدو واحد بعد واحد».(3)
و الظاهر منها جواز قيام الرجل الواحد خلف الامام، و لو كان واجبا أن يقوم بحذاء الامام لم يكن فرق بين الابتداء و الأثناء. هذه و أمثالها تدلّ على عدم الوجوب. و القول بوجوب التأخّر اذا كانوا أكثر الاّ في موارد، خلاف الظاهر. و مع
ذلك كلّه الاحتياط حسن.
قال في المدارك: «يجوز مساواة الامام و المأموم في الموقف، و به قطع الأصحاب، و حكى فيه العلاّمة في التذكرة الاجماع. و نقل عن ظاهر ابن ادريس أنّه اعتبر تأخّر المأموم و لم يكتف بالتساوي. و هو مدفوع بالأصل السالم من المعارض، و صحيحة محمّد بن مسلم و حسنة زرارة. انتهى ملخّصا».(1)
و قال في التذكرة: «الأفضل تأخّر المأموم عن الامام في الموقف، و ليس شرطا؛ لتحصّل صورة التقدّم، فان ساواه صحّ اجماعا. انتهى».(2)
و قال في مستند الشيعة: «و لايجب تأخّره عنه، على الحقّ المشهور، بل عن التذكرة الاجماع عليه؛ للأصل و الاطلاقات، و رواية السكوني المتقدّمة المصرّحة بصحّة صلاة كلّ من الشخصين الناويين أنّه امام، فانّ مع اشتراط التأخّر لايتصوّر ذلك. و صحيحة محمّد: «الرجلان يؤمّ أحدهما صاحبه يقوم عن يمينه، فان كانوا أكثر من ذلك قاموا خلفه» و غيرها ممّا يدلّ على استحباب وقوف المأموم الواحد عن يمين الامام، فانّ القيام عن اليمين أعمّ من التساوي. و لاينافيه جزؤها الآخر المتضمّن لقيام الأكثر من الواحد خلفه. انتهى ملخّصا».(3)
ثمّ انّه لو قلنا بجواز قيام المأموم بحذاء الامام، فاطلاق النصّ و فتوى الأصحاب يقتضي تساوي موقف الامام و المأموم و ان تقدّم رأس المأموم على الامام في الركوع أو السجود لكونه أطول.
قال في مستند الشيعة: «و لايضرّ تقدّم رأسه حالتي الركوع و السجود لطول قامته و استطالته في حال السجود، أو الأعقاب خاصّة أو الأصابع أو الركبتين أو الأليتين كذلك، أو تقدّم البطن أو الصدر. خلافا لجماعة، منهم الذكرى و البيان و
الدروس و الروضة، فاعتبروا الأعقاب خاصّة. و لأخرى، منهم النهاية و المسالك و روض الجنان، فاعتبروا الأعقاب و الأصابع معا من غير التفات الى غيرهما. و لا دليل على شيء منهما و ان كان الأخير أقرب الى العرف. انتهى».(1)
أقول:
و في المدارك و الجواهر و غيرهما قالوا بأنّ المرجع في التقدّم المبطل الى العرف، و هو الأوجه.
(مسألة 1): لابأس بالحائل القصير الذي لايمنع من المشاهدة في أحوال الصلاة و ان كان مانعا منها حال السجود كمقدار الشبر بل أزيد أيضا. نعم، اذا كان مانعا حال الجلوس فيه اشكال لايترك معه الاحتياط.
الشرح:
قد تقدّم أنّ دليل المسألة هو قوله عليه السلام في صحيحة زرارة:
«فان كان بينهم سترة أو جدار فليست تلك لهم بصلاة الاّ من كان من حيال الباب».(2)
فالمانع للجماعة الستر أو الجدار بين المأموم و الامام و بين الصفوف، فالمرجع في كون شيء سترا أو جدارا العرف، فلو شكّ العرف في صدقهما لم يكن مانعا. و الظاهر أنّ الشيء الواقع بين الامام و المأموم أو الواقع بين الصفوف بمقدار الشبر أو أزيد لايصدق عليه الجدار و الستر، و يؤيّده قوله عليه السلامفي الصحيحة المذكورة آنفا «هذه المقاصير ... أحدثها الجبّارون» و لايبعد أن يقال بقرينة هذه الجملة انّ المانع هو الستر أو الجدار الذي يكون واقعا بين الامام و
المأموم بحيث يمنع من المشاهدة حتّى في حال القيام، الاّ أنّ الاحتياط في محلّه.
قال العلاّمة في التذكرة: «لو كان الحائل قصيرا يمنع حالة الجلوس خاصّة من المشاهدة فالأقرب الجواز. انتهى».(1)
و قال في الجواهر: «أمّا اذا كان الحائل قصيرا لايمنع المشاهدة فلا خلاف بل و لا اشكال في عدم قادحيّته. نعم، قد يتوقّف فيما لو منعها حال الجلوس مثلاً دون القيام لقصره كما عن المصابيح؛ لصدق السترة و الجدار، و توقيفيّة الجماعة، مع أنّ الذي صرّح به الفاضل و الشهيدان و الكركي و ولده و أبو العبّاس و المقداد و الخراساني و عن غيرهم عدم قدحه أيضا، بل لاأجد فيه خلافا و لا اشكالاً ممّن عدا من عرفت بينهم، و لعلّه كذلك؛ لعدم الشكّ في شمول اطلاق الجماعة له، و عدم ارادة ما يشمله من السترة و الجدار. انتهى».(2)
(مسألة 2): اذا كان الحائل ممّا يتحقّق معه المشاهدة حال الركوع لثقب في وسطه مثلاً، أو حال القيام لثقب في أعلاه، أو حال الهوي الى السجود لثقب في أسفله فالأحوط و الأقوى فيه عدم الجواز، بل و كذا لو كان في الجميع لصدق الحائل معه أيضا.
الشرح:
انّ ما مثّل به المصنّف يكون مانعا؛ لأنّ دليل شرطيّة عدم المانع بين الامام و المأموم قوله عليه السلام في صحيحة زرارة «فان كان بينهم سترة أو جدار فليست تلك لهم بصلاة» فيصدق على الحائل المذكور أنّه جدار، و لو قلنا بأنّ المراد من الستر و الجدار هو الذي يمنع من المشاهدة فكذلك يصدق عليه أنّه مانع من المشاهدة؛
لأنّ العرف لايرى ذلك الثقب كافيا للمشاهدة.
(مسألة 3): اذا كان الحائل زجاجا يحكى من ورائه فالأقوى عدم جوازه؛ للصدق.
الشرح:
قد تقدّم في المسألة السابقة أنّ دليل عدم شرطيّة المانع قوله عليه السلام في صحيحة زرارة «فان كان بينهم سترة أو جدار ... » فحينئذ يصدق على الحائل الذي صنع من الزجاج الجدار الاّ أنّه من الزجاج. نعم، لو قلنا بأنّ المراد من الجدار و الستر هو ما يمنع من المشاهدة فالجدار الذي صنع من الزجاج لايكون مانعا، و الحقّ أنّ المراد من الجدار بقرينة الستر ما يمنع من المشاهدة و القرينة الأخرى قوله عليه السلام: «هذه المقاصير ... أحدثها الجبّارون»، و قد تقدّم أنّ المقاصير جمع المقصورة و هي المحراب الداخل في الجدار و قد تقدّم في الفرع الأوّل في الشرط الأوّل من شرائط الجماعة ما يفيد لهذه المسألة.
(مسألة 4): لابأس بالظلمة و الغبار و نحوهما و لاتعدّ من الحائل و كذا النهر و الطريق اذا لم يكن فيهما بعد ممنوع في الجماعة.
الشرح:
انّ المستفاد من قوله عليه السلام في صحيحة زرارة المتقدّمة «فان كان بينهم سترة أو جدار ... » أنّ المانع في الجماعة الجسم الذي يمنع من المشاهدة فبناءً عليه كما لايكون مطلق الشيء - و ان لم يمنع من مشاهدة الامام - مانعا كذلك لايكون مطلق ما يمنع عن المشاهدة مانعا و ان لم يكن جسما كالظلمة و الغبار، فخصوصيّة الجدار و السترة محفوظة الاّ أنّها مقيّدة بما يمنع من المشاهدة. و أمّا النهر و
الطريق فلايكونان مانعين اذا لم يكن فيهما ما لايتخطّى.
قال في الجواهر: «و ليست الظلمة من الحائل قطعا، بل و لا الطريق و لا النهر وفاقا للأكثر كما في المنتهى، بل المشهور كما في الذخيرة؛ لمنع الشكّ في شمول الأدلّة لمثله، و استصحاب الصحّة قبل اعتراض الطريق و النهر، خلافا للمحكي عن أبي الصلاح في الأخير، و استجوده في المدارك ان أرادا ما لايتخطّى منه. انتهى».(1)
قال في المدارك: «منع أبو الصلاح و ابن زهرة من حيلولة النهر بين الامام و المأموم، فان أرادا به ما لايمكن تخطّيه من ذلك كان جيّدا؛ لاطلاق صحيحة زرارة المتقدّمة، و ان لم يعتبرا فيه هذا القيد طولبا بالدليل على الاطلاق. انتهى».(2)
(مسألة 5): الشبّاك لايعدّ من الحائل و ان كان الأحوط الاجتناب معه خصوصا مع ضيق الثقب بل المنع في هذه الصورة لايخلو عن قوّة لصدق الحائل معه.
اذا كان مناط الحائل الذي يمنع من المشاهدة كما مرّ مرارا فالشبّاك لايعدّ من الحائل. نعم، لو كان ثقبه ضيقا بحيث لايمكن مشاهدة ورائه الاّ بالتدقيق ففيه اشكال، و مانعيّته لاتخلو من قوّة.
(مسألة 6): لايقدح حيلولة المأمومين بعضهم لبعض و ان كان أهل الصفّ المتقدّم الحائل لم يدخلوا في الصلاة اذا كانوا متهيّئين لها.
الشرح:
لايقدح حيلولة المأمومين بعضهم لبعض، أمّا في الأثناء فللنصوص الواردة في الجماعة و خصوص صحيحة زرارة المتقدّمة. و كذا في الابتداء و ان كان أهل الصفّ المتقدّم الحائل لم يدخلوا في الصلاة اذا كانوا متهيّئين لها، و ذلك للسيرة القطعيّة من المسلمين المتّصلة الى الوصي و النبي صلى الله عليه و آله، فلو توقّف الدخول على دخولهم و لوحظ الترتيب بين الصفوف في الافتتاح لأشكل الاقتداء في الجماعات الكبيرة؛ لعدم سعة الوقت مع أنّ الجماعات الكبيرة منعقدة خلفا عن سلف.
قال العلاّمة الخوئي: «قد حكي أنّ أميرالمؤمنين عليه السلام كان يصلّي بالناس في مسجد الكوفة الذي كان أكبر ممّا هو عليه الآن بكثير، و كان المسجد مليئا من المأمومين البالغ عددهم ما يقرب من ثلاثين ألفا و كلّهم بمرأى منه عليه السلام، فلو توقّف افتتاح اللاحق على السابق أو من هو واسطة الاتّصال لأشكل اقتداء الأكثر منهم؛ اذ لايسع الزمان مراعاة هذا الشرط بالنسبة الى الجميع. فيعلم من ذلك أنّ مجرّد التهيّؤ كافٍ في الصحّة. فلا مجال للترديد أو البناء على عدم الاكتفاء كما عن بعضهم. انتهى».(1)
(مسألة 7): لايقدح عدم مشاهدة بعض أهل الصفّ الأوّل أو أكثره للامام اذا كان ذلك من جهة استطالة الصفّ، و لا أطوليّة الصفّ الثاني - مثلاً - من الأوّل.
و ذلك لأنّ المانع في الرواية الجدار و الستر بالمعنى الذي تقدّم، فعدم مشاهدة أهل الصفّ الأوّل أو أكثره للامام من جهة استطالة الصفّ لايكون مانعا و كذا اذا كان أطوليّة الصفّ الثاني من الأوّل تمنع من مشاهدة الامام أو من يشاهده.
1) - مستند العروة 17: 176.
(مسألة 8): لو كان الامام في محراب داخل في جدار و نحوه لايصحّ اقتداء من على اليمين أو اليسار ممّن يحول الحائط بينه و بين الامام، و يصحّ اقتداء من يكون مقابلاً للباب؛ لعدم الحائل بالنسبة اليه، بل و كذا من على جانبيه ممّن لايرى الامام لكن مع اتّصال الصفّ على الأقوى و ان كان الأحوط العدم، و كذا الحال اذا زادت الصفوف الى باب المسجد فاقتدى من في خارج المسجد مقابلاً للباب و وقف الصفّ من جانبيه، فانّ الأقوى صحّة صلاة الجميع و ان كان الأحوط العدم بالنسبة الى الجانبين.
الشرح:
لو كان الامام في محراب داخل في جدار و نحوه فلا اشكال في بطلان صلاة من بحذاء جدار المحراب بحيث يكون الجدار حائلاً بينه و بين الامام، كما لا اشكال في صحّة صلاة من كان مقابلاً للباب؛ لعدم الحائل بالنسبة اليه. انّما الكلام في صحّة صلاة من يقف على جانبيه ممّن لايرى الامام مع اتّصال الصفّ. فالمشهور صحّة صلاتهم و هو الحقّ؛ لأنّهم يشاهدون من يشاهد الامام و هذا كافٍ في صحّة الجماعة. و كذلك لو وقف المأموم خارج المسجد بحذاء الباب و هو مفتوح بحيث يشاهد المأمومين في المسجد صحّت صلاته، و لو صلّى قوم عن يمينه و شماله صحّت صلاتهم؛ لأنّهم يرون من يرى الامام.
قال في التذكرة: «لو وقف الامام في بيت و بابه مفتوح فوقف مأموم خارجا بحذاء الباب بحيث يرى الامام أو بعض المأمومين صحّت صلاته. و كذا ان صلّى قوم عن يمينه أو شماله أو من ورائه، صحّت صلاتهم و ان لم يشاهدوا من في البيت؛ لأنّهم يرون هذا و هو يرى الامام أو المأمومين في البيت. انتهى».(1)
و قال أيضا: «لو وقف الامام في المحراب الداخل في الحائط، فانّ صلاة من
1) - تذكرة الفقهاء 4: 258.
خلفه صحيحة؛ لأنّهم يشاهدونه، و كذا باقي الصفوف التي من وراء الصفّ الأوّل. أمّا من على يمين الامام و يساره فان حال بينهم و بين الامام حائل لم تصحّ صلاتهم، و الاّ صحّت؛ لقول الصادق عليه السلام: «لابأس بوقوف الامام في المحراب». انتهى».(1)
قال في الحدائق: «و توقّف في الذخيرة نظرا الى قوله عليه السلام في صحيحة زرارة «فان كان بينهم سترة أو جدار فليست تلك لهم بصلاة الاّ من كان من حيال الباب. قال: و قال: هذه المقاصير لم يكن في زمان أحد من الناس و انّما أحدثها الجبّارون، ليست لمن صلّى خلفها مقتديا بصلاة من فيها صلاة»(2)فانّه قال: «ظاهر قوله عليه السلام«الاّ من كان من حيال الباب» قصر الصحّة على صلاة من كان بحيال الباب. و جعل بعضهم هذا الحصر اضافيّا بالنسبة الى الصفّ الذي يتقدّمه عن يمين الباب و يساره. و فيه عدول عن الظاهر يحتاج الى دليل. انتهى».(3)
ولكن الظاهر أنّ الامام عليه السلام كان بصدد بيان بطلان صلاة من اقتدى بالامام من وراء الجدار و صحّة صلاة من كان من حيال الباب؛ لأنّه يشاهد الامام. و أمّا الذين قاموا خلفه و على جانبيه فلا اشكال في صلاتهم؛ لأنّهم يشاهدون من يشاهد الامام، كالصفّ الذي يشاهد الصفّ المتقدّم و هو يشاهد الامام من دون واسطة. و لذلك أشكل على كلامه صاحب الحدائق و قال: «و اللازم من هذا أنّه لو استطال الصفّ الأوّل على وجه لايرى من في طرفيه الامامَ فانّه يلزم بطلان صلاتهم، حيث انّهم لايشاهدون الامام و مشاهدة من على الجنب يمينا و يسارا غير كافية، و لاأظنّ هذا القائل يلتزمه - الى أن قال: - و نحوهما أيضا وقوف بعض المأمومين خلف الأساطين بحيث انّ الأسطوانة في قبلته فهو لايرى من قدّامه من المأمومين
و انّما يرى من على يمينه و يساره. انتهى».(1)
(مسألة 9): لايصحّ اقتداء من بين الأسطوانات مع وجود الحائل بينه و بين من تقدّمه الاّ اذا كان متّصلاً بمن لم تحلّ الأسطوانة بينهم، كما أنّه يصحّ اذا لم يتّصل بمن لا حائل له لكن لم يكن بينه و بين من تقدّمه حائل مانع.
الشرح:
قد اتّضح حكم هذه المسألة ممّا تقدّم في المسألة السابقة و أنّ من كان بينه و بين من تقدّمه حائل من الأسطوانة و لم يكن متّصلاً بالامام من جانب فصلاته باطلة، و أمّا لو كان متّصلاً و لو من جانب واحد صحّ اقتداؤه و لا خصوصيّة للأسطوانة في هذا الحكم. هذا، مضافا الى صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«لاأرى بالصفوف بين الأساطين بأسا».(2)
قال في التذكرة: «لو صلّى بين الأساطين، فان اتّصلت الصفوف به أو شاهد الامام أو بعض المأمومين، صحّت صلاته؛ لقول الصادق عليه السلام: «لاأرى بالصفوف بين الأساطين بأسا». انتهى».(3)
(مسألة 10): لو تجدّد الحائل في الأثناء فالأقوى بطلان الجماعة و يصير منفردا.
الشرح:
اطلاق قوله عليه السلام في صحيحة زرارة «فان كان بينهم سترة أو جدار فليست تلك لهم بصلاة» يقتضي عدم الفرق بين كون الحائل من ابتداء الصلاة أو في الأثناء.
قال المحقّق الهمداني: «ظاهر النصّ و الفتوى كون عدم الحيلولة و كذا عدم البعد الوارد في النصّ شرطا في صحّة الائتمام من حيث هو فمادام مأموما يجب أن لايكون بينه و بين الامام حائل فهو شرط ابتداءً و استدامة. ولكن قد يقال بأنّ هذا ظهور بدوي و الاّ فالتأمّل الصادق يشهد بعدم دلالتها على اعتباره استمرارا؛ لأنّ قوله عليه السلام «فليست تلك لهم بصلاة» اشارة الى الصلاة التي صلّيت مع الستر و الحائل و هي ظاهرة في المجموع و الحكم ببطلان الصلاة التي صلّيت تمامها مع الحائل لايستلزم الحكم ببطلان أبعاضها اذا وقعت كذلك أو ببطلان الكلّ اذا وقع البعض كذلك. و فيه: انّ قوله عليه السلام «فليست تلك لهم بصلاة» لايصلح رافعا للظهور الذي ادّعي كونه بدويّا لوقوعه جزاءً عن الشرط الذي نشأ منه هذا الظهور؛ اذ المشار اليه بتلك هي الصلاة التي أخلّ بشرطها الذي تكفّل الشرطيّة لبيانه، و حيث انّ الشرطيّة ظاهرة في الاطلاق و كونها قضيّة طبيعيّة مقتضاها صدق الجزاء عند حصول مسمّى الشرط، و من المعلوم أنّ القوم الذين يصلّون بصلاة امام من أوّل تلبّسهم بالصلاة بنيّة الائتمام الى أن يفرغوا منها يصدق عليهم أنّهم يصلّون بصلاة هذا الامام فاذا حصل في شيء من هذه المدّة الفصل بما لايتخطّى أو وجود حائل بينهم صدق عليهم حال حصوله أنّهم يصلّون بصلاة هذا الامام و بينهم الفصل أو الحائل فمقتضى اطلاق القضيّة أنّ هذا الامام في هذا الحين ليس لهم بامام و لا هذه الصلاة لهم بصلاة فلاينبغي الاستشكال في اعتبار عدم الحيلولة في صحّة الاقتداء مطلقا. انتهى».(1)
و قد ذكرنا كلامه رحمه الله بطوله؛ لافادته هذا المعنى بأحسن وجه، و يتّضح منه المسائل الآتية أيضا.
1) - مصباح الفقيه كتاب الصلاة: 631.
(مسألة 11): لو دخل في الصلاة مع وجود الحائل جاهلاً به لعمىً أو نحوه لم تصحّ جماعة فان التفت قبل أن يعمل ما ينافي صلاة المنفرد أتمّ منفردا و الاّ بطلت.
الشرح:
لو دخل في الصلاة مع وجود الحائل جاهلاً به لعمىً أو نحوه لم تصحّ جماعة؛ لأنّ الشرائط المذكورة المتقدّمة واقعيّة لا علميّة كما هو الظاهر من الروايات. و أمّا بطلان الصلاة و ان كان اطلاق صحيحة زرارة المتقدّمة «فان كان بينهم سترة أو جدار فليست تلك لهم بصلاة» ذلك ولكن حيث انّ حديث «لاتعاد الصلاة الاّ من خمسة: الطهور و الوقت و القبلة و الركوع و السجود» يكون حاكما على الصحيحة، فاذا ترك القراءة مع وجود الحائل جهلاً أو غفلة أو لعمىً فان التفت و كان التدارك ممكنا يتدارك، و أمّا لو مضى وقت التدارك فتصحّ صلاته. نعم، لو ازداد ركنا للتبعيّة و الحال هذه بطلت صلاته لعقد المستثنى من حديث «لاتعاد». فتحمل قوله عليه السلام «فليست تلك لهم بصلاة» على حالة العلم و العمد، أو على أن يكون المراد من الصلاة، الصلاة التي قصدوها أي الصلاة جماعة، جمعا بينه و بين الحديث.
(مسألة 12): لابأس بالحائل الغير المستقرّ كمرور شخص من انسان أو حيوان أو غير ذلك. نعم، اذا اتّصلت المارّة لايجوز و ان كانوا غير مستقرّين؛ لاستقرار المنع حينئذ.
الشرح:
قد اتّضح من المسألة العاشرة أنّ اطلاق قوله عليه السلام في صحيحة زرارة يقتضي
بطلان الصلاة مطلقا اذا ائتمّ بالامام مع وجود الحائل سواء كان من أوّل الصلاة أو في الأثناء، و يلحق بالحائل مرور المارّة متّصلاً، و أمّا لو كان الحائل غير مستقرّ كمرور شخص من انسان أو حيوان أو غير ذلك فلابأس به؛ لعدم كونه مصداقا للصحيحة و انصرافها عنه.
قال المحقّق الهمداني: «قد لايعتدّ بحيلولة بعض الأشياء التي لا اعتداد بزمانه عرفا كمرور شخص انساني بين يديه مانع عن مشاهدة الامام حاله فانّه لايفهم قادحيّة مثله من قوله عليه السلام «فان كان بينهم سترة أو جدار». انتهى».(1)
(مسألة 13): لو شكّ في حدوث الحائل في الأثناء بنى على عدمه، و كذا لو شكّ قبل الدخول في الصلاة في حدوثه بعد سبق عدمه، و أمّا لو شكّ في وجوده و عدمه مع عدم سبق العدم فالظاهر عدم جواز الدخول الاّ مع الاطمئنان بعدمه.
الشرح:
لو شكّ في حدوث الحائل في الأثناء بنى على عدمه و كذا لو شكّ قبل الدخول في الصلاة في حدوثه بعد سبق عدمه و ذلك للاستصحاب. و أمّا لو شكّ في وجوده و عدمه مع عدم سبق العدم فذهب صاحب العروة الى أنّ الظاهر عدم جواز الدخول الاّ مع الاطمئنان بعدمه، ولكن الظاهر جواز الدخول لأصالة البراءة. و بيان ذلك أنّ الشكّ في المانع امّا في الموضوع و امّا في الحكم، ففي الأوّل قد يكون لسان الدليل بحيث يفهم منه أنّ حيثيّة الوجود مانعة لا أنّ احراز عدم المانع شرط، كما أنّ ظاهر قوله عليه السلام «فان كان بينهم سترة أو جدار فليست تلك لهم بصلاة» هو ذلك، فاذا وجد سترة أو جدار لم تتحقّق الجماعة فحيث انّ العلم
1) - نفس المصدر: 632.
طريق الى الواقع فاذا علمنا بوجود الستر أو الجدار لاتجوز الصلاة و الاّ جازت. و أمّا ان لم يظهر من الدليل أنّ المانع هل هو حيثيّة الوجود أو أنّ الشرط احراز عدم المانع؟ فيرجع الأمر الى أنّ الصلاة مقيّدة بعدم المانع أو أنّها مطلقة، فالشكّ في ذلك يرجع الى الشكّ في التكليف الزائد، فالشبهة حكميّة، و الأصل الجاري هنا البراءة، و لا فرق في ذلك بين أن يكون سبب الشكّ في الحكم هو عدم النصّ أو اجماله أو تعارض النصّين. فاتّضح بذلك ما كان الشكّ في المانع من جهة الحكم.
(مسألة 14): اذا كان الحائل ممّا لايمنع عن المشاهدة حال القيام ولكن يمنع عنها حال الركوع أو حال الجلوس و المفروض زواله حال الركوع أو الجلوس هل يجوز معه الدخول في الصلاة؟ فيه وجهان، و الأحوط كونه مانعا من الأوّل، و كذا العكس لصدق وجود الحائل بينه و بين الامام.
ذهب المصنّف الى أنّ في المسألة وجهين ثمّ احتاط بكونه مانعا لاحتمال صدق وجود الحائل؛ لأنّه لو صدق واقعا لكان ينبغي الافتاء بمانعيّته. و على أيّ حال قد تقدّم أنّ مناط مانعيّة الستر و الجدار هو عدم مشاهدة المأموم الامام أو المأمومين الذين يشاهدون الامام، و أمّا لو كانت المشاهدة حاصلة حين القيام و الركوع أو حال الجلوس فلايصدق الحائل بهذا المعنى.
(مسألة 15): اذا تمّت صلاة الصفّ المتقدّم و كانوا جالسين في مكانهم أشكل بالنسبة الى الصفّ المتأخّر؛ لكونهم حينئذ حائلين غير مصلّين. نعم، اذا قاموا بعد الاتمام بلا فصل و دخلوا مع الامام في صلاة أخرى لايبعد بقاء قدوة المتأخّرين.
تقدّم أنّ ملاك المانعيّة عدم رؤية المأموم الامام أو عدم رؤية الصفّ المتأخّر
الصفّ المتقدّم، و انّ الفرض في المسألة عدم كون الصفّ المتقدّم مانعا عن المشاهدة، فلا اشكال في صلاتهم من هذه الجهة، انّما الاشكال في البعد الغير المجاز. نعم، لو كان الصفّ المتقدّم مانعا عن المشاهدة فتبطل صلاة الصفّ المتأخّر جماعة، الاّ اذا قاموا بعد الاتمام بلا فصل و دخلوا مع الامام في صلاة أخرى لما تقدّم من أنّ المانع الذي لم يكن مستقرّا ليس بمانع، و يرفع الاشكال في البعد الحاصل أيضا.
(مسألة 16): الثوب الرقيق الذي يرى الشبح من ورائه حائل لايجوز معه الاقتداء.
بناءً على التفسير الذي سبق من السترة و الجدار و أنّ المناط عدم مشاهدة الامام أو من يشاهد الامام من المأمومين لا اشكال في الثوب الرقيق الذي يرى الشبح من ورائه، الاّ أنّ الاحتياط في محلّه.
(مسألة 17): اذا كان أهل الصفوف اللاحقة غير الصفّ الأوّل متفرّقين بأن كان بين بعضهم مع البعض فصل أزيد من الخطوة التي تملأ الفرج فان لم يكن قدّامهم من ليس بينهم و بينه البعد المانع و لم يكن الى جانبهم أيضا متّصلاً بهم من ليس بينه و بين من تقدّمه البعد المانع لم يصحّ اقتداؤهم و الاّ صحّ. و أمّا الصفّ الأوّل فلابدّ فيه من عدم الفصل بين أهله فمعه لايصحّ اقتداء من بعد عن الامام أو عن المأموم من طرف الامام بالبعد المانع.
قد اتّضح شرح هذه المسألة بعد ما عرفت أنّ البعد المانع من الاقتداء هو ما لايتخطّى بين الامام و المأموم، أو بين المأمومين سواء كان من الصفّ الواحد أو كان بين الصفوف. و قد عرفت أيضا أنّ البعد المذكور انّما يكون مانعا لو لم يتّصل
المأموم بالامام أو بالمأمومين الاّ من هذه الناحية، و أمّا لو اتّصل من ناحية أخرى فالجماعة كائنة، كما هو مفاد صحيحة زرارة المتقدّمة و فتوى الأصحاب.
(مسألة 18): لو تجدّد البعد في أثناء الصلاة بطلت الجماعة و صار منفردا و ان لم يلتفت و بقي على نيّة الاقتداء فان أتى بما ينافي صلاة المنفرد من زيادة ركوع مثلاً للمتابعة أو نحو ذلك بطلت صلاته و الاّ صحّت.
اطلب شرح هذه المسألة من المسألة العاشرة و الحادية عشرة؛ لعدم الفرق بين البعد و الحائل فمناطهما واحد.
(مسألة 19): اذا انتهت صلاة الصفّ المتقدّم من جهة كونهم مقصّرين أو عدلوا الى الانفراد فالأقوى بطلان اقتداء المتأخّر للبعد، الاّ اذا عاد المتقدّم الى الجماعة بلا فصل، كما أنّ الأمر كذلك من جهة الحيلولة أيضا على ما مرّ.
اذا عاد المتقدّم الى الجماعة بلا فصل لايضرّ بالجماعة؛ لأنّ البعد المانع هو الذي استقرّ كما مرّ في الحائل، و أمّا لو لم يعيدوا فتبطل الجماعة؛ لحدوث المانع، و حينئذ ينفرد الصفّ المتأخّر.
(مسألة 20): الفصل لعدم دخول الصفّ المتقدّم في الصلاة لايضرّ بعد كونهم متهيّئين للجماعة، فيجوز لأهل الصفّ المتأخّر الاحرام قبل احرام المتقدّم و ان كان الأحوط خلافه كما أنّ الأمر كذلك من حيث الحيلولة على ما سبق.
تقدّم شرح المسألة في المسألة السادسة، فلانعيد.
(مسألة 21): اذا علم بطلان صلاة الصفّ المتقدّم تبطل جماعة المتأخّر من جهة الفصل أو الحيلولة و ان كانوا غير ملتفتين للبطلان. نعم، مع الجهل بحالهم تحمل على الصحّة و لايضرّ، كما لايضرّ فصلهم اذا كانت صلاتهم صحيحة بحسب تقليدهم و ان كانت باطلة بحسب تقليد الصفّ المتأخّر.
الشرح:
لا اشكال في بطلان الجماعة بالنسبة الى الصفّ المتأخّر اذا علم بطلان صلاة الصفّ المتقدّم، من جهة الفصل أو الحيلولة بينه و بين الامام. و لو لم يعلم الصفّ المتأخّر بطلان صلاة الصفّ المتقدّم تحمل على الصحّة و لايجب الفحص؛ للسيرة، فيترتّب عليه آثار الصحّة التي منها عدم كونه فصلاً و لا حائلاً. انّما الكلام فيما اذا كانت صلاة الصفّ المتقدّم صحيحة بنظرهم تقليدا أو اجتهادا و باطلة بنظر الصفّ المتأخّر. فالماتن ذهب الى الصحّة، ولكن الظاهر أنّه لا فرق في ذلك بين الامام و الصفّ المتقدّم في ذلك، فكما لو كان صلاة الامام صحيحة عنده اجتهادا أو تقليدا باطلة عند المأموم لايجوز له الاقتداء، كذلك ما نحن فيه فانّه لايجوز للصفّ المتأخّر ادامة القدوة أو الاقتداء اذا كانت صلاة الصفّ المتقدّم باطلة عندهم.
و ما قيل للاستدلال بالصحّة «بالسيرة القطعيّة القائمة على الجواز بمجرّد احتمال الصحّة الواقعيّة المتّصلة بزمن المعصومين عليهم السلام بل قد كانت الجماعات تنعقد خلف مولانا أميرالمؤمنين عليه السلام مع القطع ببطلان صلاة الكثير منهم لفقدهم شرط الولاية الدخيل في الصحّة قطعا، بل هي من أعظم الشرائط مضافا الى عدم رعايتهم للأجزاء و الشرائط، و الموانع المقرّرة عند الخاصّة لتلقّيهم الأحكام عن أسلافهم من خلفاء الجور و متابعتهم لهم، و مع ذلك كان تابعوه عليه السلام من الخاصّة يصلّون بصلاتهم و لم يعهد عن أحدهم تقيّده باشغال الصفوف المتقدّمة كما لايخفى. فيعلم من ذلك أنّ مجرّد صحّة الصلاة بنظر الصفّ المتقدّم كافٍ في
صحّة قدوة المتأخّرين و ان كانت باطلة بنظرهم»(1)، ففيه موارد للنظر:
منها: ان كان المراد من قوله: «السيرة القطعيّة القائمة على الجواز ... » بالنسبة الى الجماعات المتشكّلة من الخاصّة و العامّة مع كون امامهم من الخاصّة، فادّعاء الاتّصال بزمن المعصومين عليهم السلام لم يثبت بل الظاهر أنّ الجماعات المنعقدة بعد السبطين الشهيدين الامامين الهمامين الحسن و الحسين عليهماالسلام كانت بامامة العامّة. و ان كان المراد جماعات العامّة ففيه: انّ الخاصّة يدخلون في جماعتهم لتوصية الباقرين عليهماالسلام، و أمّا الاقتداء بهم مع وجود الموانع و عدم الشرائط ففيه اختلاف.
و منها: انّ قوله رحمه الله «قد كانت الجماعات تنعقد خلف مولانا أميرالمؤمنين عليه السلام مع القطع ببطلان صلاة الكثير منهم لفقدهم شرط الولاية ... » فيستفاد منه الالتزام بصحّة الجماعة مع العلم ببطلان صلاة الصفوف المتقدّمة مع أنّه لم يلتزم بذلك قطعا. سلّمنا بطلان صلاة المعاندين لعلي عليه السلام من الخوارج الاّ أنّ الظاهر أنّهم لم يحضروا الجماعة المنعقدة بامامة علي عليه السلام و أصحابه الخواصّ بعد الخروج عليه. و أمّا بطلان صلاة المستضعفين منهم ففيه تأمّل.
و منها: قوله رحمه الله «مضافا الى عدم رعايتهم ... »، ففيه: انّ تخلّفهم للأجزاء و الشرائط و الموانع المقرّرة في ذلك الزمان كان قليلاً لقرب عهدهم بزمن النبي الأكرم صلى الله عليه و آله و في مبطليّة ذلك القليل الصلاة اشكال.
(مسألة 22): لايضرّ الفصل بالصبي المميّز ما لم يعلم بطلان صلاته.
الشرح:
اذا قلنا بشرعيّة عبادات الصبي كما هو الحقّ و تقدّم الدليل عليه، فلايضرّ الفصل بالصبي المميّز الاّ اذا علم بطلان صلاته فلا فرق حينئذ بينه و بين البالغين
1) - مستند العروة 17: 191.
الذين تقدّم أنّه مع الجهل بحالهم تحمل على الصحّة. و أمّا لو قلنا بأنّ عبادات الصبي تمرينيّة بمعنى أنّ صلاته ليست بصلاة فهي صورة الصلاة فيضرّ الفصل به. و لايمكن الاستدلال بخبر أبي البختري عن جعفر عن أبيه عليهماالسلام أنّ عليّا عليه السلام قال:
«الصبي عن يمين الرجل في الصلاة اذا ضبط الصفّ جماعة، و المريض القاعد عن يمين الصبي جماعة».(1)
و خبر عبداللّه بن مسكان قال:
«بعثت اليه بمسألة في مسائل ابراهيم فدفعها الى ابن سدير فسأل عنها و ابراهيم بن ميمون جالس، عن الرجل يؤمّ النساء؟ فقال: نعم. فقلت: سله عنهنّ اذا كان معهنّ غلمان لم يدركوا، أيقومون معهنّ في الصفّ؟ أم يتقدّمونهنّ؟ فقال: لا، بل يتقدّمونهنّ و ان كانوا عبيدا».(2)
لضعفها سندا بأبي البختري و هو وهب بن وهب، و محمّد بن سنان، و دلالة؛ لأنّه يمكن أن يكونا دليلين على شرعيّة عبادته.
(مسألة 23): اذا شكّ في حدوث البعد في الأثناء بنى على عدمه، و ان شكّ في تحقّقه من الأوّل وجب احراز عدمه الاّ أن يكون مسبوقا بالقرب كما اذا كان قريبا من الامام الذي يريد أن يأتمّ به فشكّ في أنّه تقدّم عن مكانه أم لا.
تقدّم في المسألة الثالثة عشرة حكم ما لو شكّ في حدوث الحائل في الأثناء و دليله، و كلتا المسألتين من وادٍ واحد.
(مسألة 24): اذا تقدّم المأموم على الامام في أثناء الصلاة سهوا أو جهلاً أو اضطرارا صار منفردا و لايجوز له تجديد الاقتداء. نعم، لو عاد بلا فصل لايبعد بقاء قدوته.
الشرح:
اذا تقدّم المأموم على الامام في أثناء الصلاة سهوا أو جهلاً أو اضطرارا بطلت جماعته و صار منفردا؛ لأنّ تقدّم الامام على المأموم شرط واقعي. و لو عاد بلا فصل فهل يكون قدوته باقية؟ لم يبعّد المصنّف ذلك و لعلّه لوحدة المناط بينه و بين الشرط الأوّل و الثاني أي عدم الحائل و البعد، ولكن الظاهر الفرق بينه و بينهما، فانّه لو تجدّد الحائل أو البعد في الأثناء فزال بلا فصل يصدق بقاء الجماعة و القدوة عرفا، و أمّا تقدّم المأموم على الامام فيضرّ بالوحدة و ان عاد بلا فصل. و مع ذلك لايبعد القول ببقاء قدوته حينئذ للشكّ في مانعيّته فالأصل الجاري البراءة كما سبق.
(مسألة 25): يجوز على الأقوى الجماعة بالاستدارة حول الكعبة و الأحوط عدم تقدّم المأموم على الامام بحسب الدائرة، و أحوط منه عدم أقربيّته مع ذلك الى الكعبة، و أحوط من ذلك تقدّم الامام بحسب الدائرة و أقربيّته مع ذلك الى الكعبة.
الشرح:
قال في المدارك: «اختلف الأصحاب في جواز استدارة المأمومين في المسجد الحرام حول الكعبة، فجوّزه ابن الجنيد بشرط أن لايكون المأموم أقرب الى الكعبة من الامام. و به قطع في الذكرى محتجّا بالاجماع عليه عملاً في كلّ الأعصار السالفة. و منعه العلاّمة في جملة من كتبه، و أوجب وقوف المأموم خلف
الامام أو الى أحد جانبيه كما في غير المسجد الحرام. و استدلّ بأنّ المأموم مع الاستدارة اذا لم يكن واقفا في جهة الامام يكون واقفا بين يديه فتبطل صلاته. و لم أقف في ذلك على رواية من طرق الأصحاب. و المسألة محلّ تردّد، و لا ريب أنّ الوقوف في جهة الامام أولى و أحوط. انتهى ملخّصا».(1)
استدلّ المجوّزون بالاطلاقات بعد انصراف دليل المنع عن التقدّم على الامام عن مثله و ثبوت السيرة عليه في عصر المعصومين عليهم السلام من دون نكير منهم، كما أشار اليه في الذكرى، و الأصل، و الاجماع. و استدلّ المانعون بما دلّ على تأخّر المأموم عن الامام أو مساواته له، و بأصالة الاشتغال، و ردّوا دليل المثبتون بأنّ الاطلاق منصرف عن هذه الصورة، و السيرة غير ثابتة، و الأصل لا مجال له بعد وجود الدليل، و الاجماع غير محقّق. و الأظهر جواز الاستدارة؛ لأنّ العرف يتسامح في ذلك التقدّم و كأنّه لم يتقدّم على الامام و لذلك نقول بانصراف دليل المنع عن التقدّم على الامام عن مثله، و ثبوت السيرة عليه في عصر المعصومين عليهم السلاممن دون نكير منهم غير منكر. نعم، الاحتياط بعدم أقربيّة المأموم الى الكعبة بالنسبة الى الامام لايترك.
1) - مدارك الأحكام 4: 331 و 332.
(مسألة 1): الأحوط ترك المأموم القراءة في الركعتين الأوليين من الاخفاتيّة اذا كان فيهما مع الامام، و ان كان الأقوى الجواز مع الكراهة. و يستحبّ مع الترك أن يشتغل بالتسبيح و التحميد و الصلاة على محمّد و آله. و أمّا في الأوليين من الجهريّة فان سمع صوت الامام و لو همهمته وجب عليه ترك القراءة، بل الأحوط و الأولى الانصات و ان كان الأقوى جواز الاشتغال بالذكر و نحوه. و أمّا اذا لم يسمع حتّى الهمهمة جاز له القراءة بل الاستحباب قويّ، لكنّ الأحوط القراءة بقصد القربة المطلقة لا بنيّة الجزئيّة و ان كان الأقوى الجواز بقصد الجزئيّة أيضا. و أمّا في الأخيرتين من الاخفاتيّة أو الجهريّة فهو كالمنفرد في وجوب القراءة أو التسبيحات مخيّرا بينهما سواء قرأ الامام فيهما أو أتى بالتسبيحات سمع قراءته أو لم يسمع.
الشرح:
في المسألة فرعان:
قال في الشرائع: «و يكره أن يقرأ المأموم خلف الامام، الاّ اذا كانت الصلاة جهريّة ثمّ لايسمع و لا همهمة. و قيل: يحرم. و قيل: يستحبّ أن يقرأ الحمد فيما لايجهر فيه، و الأوّل أشبه. انتهى».(1)
و قال في المدارك: «اختلف الأصحاب في هذه المسألة على أقوال منتشرة حتّى ذكر جدّي قدس سره في روض الجنان أنّه لم يقف في الفقه على خلاف في مسألة يبلغ ما في هذه المسألة من الأقوال، و ليس في التعرّض لها كثير فائدة لضعف أدلّتها. و الأصحّ تحريم القراءة على المأموم مطلقا الاّ اذا كانت الصلاة جهريّة و لم يسمع و لا همهمة، فانّه تستحبّ له القراءة حينئذ. انتهى».(2)
و قال في المختلف: «قال الشيخ في النهاية: اذا تقدّم من هو بشرائط الامامة فلاتقرأنّ خلفه جهريّة أو اخفاتيّة. و نحوه في المبسوط. و قال السيّد المرتضى: لايقرأ المأموم خلف المؤتمّ في الأوّلتين في جميع الصلوات من ذوات الجهر و الاخفات. و قال الصدوق أبو جعفر بن بابويه: و اعلم أنّ على القوم في الأوّلتين أن يستمعوا الى قراءة الامام و ان كان في صلاة لايجهر فيها سبّحوا موضع القراءة. و قال سلاّر في قسم المندوب: و أن لايقرأ المأموم خلف الامام و روي أنّ ترك القراءة خلف الامام واجب. و ابن حمزة جعل الانصات لقراءة الامام واجبا اذا سمع. و قال ابن ادريس: اختلف الرواية في القراءة خلف الامام الموثوق به،
فروي أنّه لا قراءة على المأموم في جميع الركعات و الصلوات سواء كانت جهريّة أو اخفاتيّة و هي أظهر الروايات و التي تقتضيها أصول المذهب؛ لأنّ الامام ضامن للقراءة بلا خلاف. و قال أبو الصلاح: و لايقرأ خلفه في الأوّلتين من كلّ صلاة و لا في الغداة الاّ أن يكون بحيث لايسمع قراءته و لا صوته فيما يجهر فيه فيقرأ. انتهى ملخّصا».(1)
و الأظهر عدم جواز القراءة للمأموم مطلقا الاّ اذا كانت الصلاة جهريّة و لم يسمع، و الدليل على ذلك روايات:
منها صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام أنّه قال:
«اذا صلّيت خلف امام تأتمّ به فلاتقرأ خلفه، سمعت قراءته أم لم تسمع الاّ أن تكون صلاة يجهر فيها بالقراءة و لم تسمع فاقرأ».(2)
و منها صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«ان كنت خلف امام فلاتقرأنّ شيئا في الأوّلتين و أنصت لقراءته. الحديث».(3)
و منها صحيحة زرارة و محمّد بن مسلم قالا:
«قال أبو جعفر عليه السلام: كان أميرالمؤمنين عليه السلام يقول: من قرأ خلف امام يأتمّ به فمات بعث على غير الفطرة».(4)
و منها صحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الصلاة خلف الامام، أقرأ خلفه؟ فقال: أمّا الصلاة التي لايجهر فيها بالقراءة فانّ ذلك جعل اليه فلاتقرأ خلفه، و
أمّا الصلاة التي يجهر فيها فانّما أمر بالجهر لينصت من خلفه، فان سمعت فأنصت و ان لم تسمع فاقرأ».(1)
و منها صحيحة زرارة عن أحدهما عليهماالسلام قال:
«اذا كنت خلف امام تأتمّ به فأنصت و سبّح في نفسك».(2)
و منها صحيحة قتيبة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا كنت خلف امام ترتضي به في صلاة يجهر فيها بالقراءة فلم تسمع قراءته فاقرأ أنت لنفسك، و ان كنت تسمع الهمهمة فلاتقرأ».(3)
و منها صحيحة سليمان بن خالد قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: أيقرأ الرجل في الأولى و العصر خلف الامام و هو لايعلم أنّه يقرأ؟ فقال: لاينبغي له أن يقرأ، يكله الى الامام».(4)
و منها صحيحة ابن سنان - يعني عبداللّه - عن أبي عبداللّه عليه السلام:
«اذا كنت خلف الامام في صلاة لايجهر فيها بالقراءة حتّى يفرغ و كان الرجل مأمونا على القرآن فلاتقرأ خلفه في الأوّلتين. و قال: يجزيك التسبيح في الأخيرتين. الحديث».(5)
و منها موثّقة سماعة (في حديث) قال:
«سألته عن الرجل يؤمّ الناس فيسمعون صوته و لايفقهون ما يقول؟ فقال: اذا سمع صوته فهو يجزيه، و اذا لم يسمع صوته قرأ لنفسه».(6)
1) - وسائل الشيعة 8: 356 / الباب 31 من أبواب صلاة الجماعة / الحديث 5.
2) - وسائل الشيعة 8: 357 / الباب 31 من أبواب صلاة الجماعة / الحديث 6.
3) - وسائل الشيعة 8: 357 / الباب 31 من أبواب صلاة الجماعة / الحديث 7.
4) - وسائل الشيعة 8: 357 / الباب 31 من أبواب صلاة الجماعة / الحديث 8.
5) - وسائل الشيعة 8: 357 / الباب 31 من أبواب صلاة الجماعة / الحديث 9.
6) - وسائل الشيعة 8: 358 / الباب 31 من أبواب صلاة الجماعة / الحديث 10.
و منها صحيحة الحلبي الثانية عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا صلّيت خلف امام تأتمّ به فلاتقرأ خلفه، سمعت قراءته أو لم تسمع».(1)
و منها موثّقة يونس بن يعقوب قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الصلاة خلف من أرتضي به، أقرأ خلفه؟ قال: من رضيت به فلاتقرأ خلفه».(2)
و منها خبر علي بن جعفر عن أخيه عليه السلام:
«سألته عن الرجل يكون خلف الامام يجهر بالقراءة و هو يقتدي به، هل له أن يقرأ من خلفه؟ قال: لا، ولكن يقتدي به».(3)
و منها صحيحة عمر بن يزيد أنّه سأل أبا عبداللّه عليه السلام عن امام لابأس به في جميع أموره عارف غير أنّه يسمع أبويه الكلام الغليظ الذي يغيظهما، أقرأ خلفه؟ قال:
«لاتقرأ خلفه ما لم يكن عاقّا قاطعا».(4)
و منها صحيحة بكر بن محمّد الأزدي عن أبي عبداللّه عليه السلام أنّه قال:
«انّي أكره للمرء أن يصلّي خلف الامام صلاة لايجهر فيها بالقراءة فيقوم كأنّه حمار. قال: قلت: جعلت فداك! فيصنع ماذا؟ قال: يسبّح».(5)
و بازائها صحيحة الحسن بن علي بن يقطين عن أخيه عن أبيه (في حديث)قال:
1) - وسائل الشيعة 8: 358 / الباب 31 من أبواب صلاة الجماعة / الحديث 12.
2) - وسائل الشيعة 8: 359 / الباب 31 من أبواب صلاة الجماعة / الحديث 14.
3) - وسائل الشيعة 8: 359 / الباب 31 من أبواب صلاة الجماعة / الحديث 16.
4) - وسائل الشيعة 8: 313 / الباب 11 من أبواب صلاة الجماعة / الحديث 1.
5) - وسائل الشيعة 8: 360 / الباب 32 من أبواب صلاة الجماعة / الحديث 1.
«سألت أبا الحسن عليه السلام عن الركعتين اللتين يصمت فيهما الامام، أيقرأ فيهما بالحمد و هو امام يقتدى به؟ فقال: ان قرأت فلابأس، و ان سكتّ فلابأس».(1)
و خبر عمرو بن الربيع البصرى عن جعفر بن محمّد عليهماالسلام:
«أنّه سئل عن القراءة خلف الامام، فقال:اذا كنت خلف الامام تولاّه و تثق به فانّه يجزيك قراءته، و ان أحببت أن تقرأ فاقرأ فيما تخافت فيه، فاذا جهر فأنصت، قال اللّه تعالى: «و أنصتوا لعلّكم ترحمون». الحديث».(2)
ففيه: أمّا الخبر فانّه ضعيف السند لاشتماله على جمع من الضعفاء و المجاهيل. و أمّا الصحيحة فيشكل بأنّه ان كان المراد ب- «الركعتين اللتين يصمت فيهما الامام» هو الركعتين في الصلاة الاخفاتيّة، فكان ينبغي أن يقول: «الركعتين في الصلاة التي يصمت فيهما الامام» و لذلك يحتمل أن يكون مراد السائل: الركعتين الأخيرتين من الصلوات الرباعيّة و الثلاثيّة، فحينئذ يكون قوله عليه السلام في ذيل الحديث «ان قرأت فلابأس، و ان سكتّ فلابأس» أي ان قرأت الحمد فلابأس و ان سكتّ عن الحمد و قرأت التسبيحات فلابأس، و يؤكّد هذا الاحتمال قول السائل «أيقرأ فيهما بالحمد»؛ لأنّه ان كان مراده منها الركعتين الأوّلتين لكان ينبغي أن يقول: «أيقرأ فيهما». و مع هذا الاحتمال لايمكن الاستدلال بها لجواز القراءة في الركعتين الأوّلتين من الصلاة الاخفاتيّة حتّى تقيّد الروايات المتقدّمة.
قال المحدّث البحراني في الحدائق: «و الذي ظهر لي من الأخبار هو تحريم القراءة خلف الامام في الأوّلتين جهريّة كانت الصلاة أو اخفاتيّة، الاّ اذا كانت صلاة
جهريّة و لم يسمع المأموم قراءة الامام و لو همهمة فانّه يستحبّ له القراءة في هذه الحال. انتهى».(1)
و قال في موضع آخر منه: «فاعلم أنّي لاأعرف لما ذهب اليه المحقّق و غيره من القول بكراهة القراءة مطلقا وجها يعتمد عليه و لا دليلاً يرجع اليه - الى أن قال: - و من هنا يعلم أنّ منشأ هذا الاختلاف و كثرة هذا الخلاف انّما هو من حيث عدم تتبّع الأخبار و التأمّل فيها بعين الفكر و الاعتبار، و الاّ فمن أعطى التأمّل فيها حقّه فانّه لايخفى عليه صحّة ما ذكرناه و وضوح ما أوضحناه. انتهى».(2)
ثمّ انّ صاحب العروة ذهب الى جواز القراءة مع الكراهة في الركعتين الأوّلتين من الاخفاتيّة كما ذهب اليه صاحب الجواهر و عدّة من المتأخّرين كالمحقّق في النافع و المعتبر و الشهيد في الدروس و البيان و كذا ذهب المحقّق الهمداني في مصباح الفقيه مستدلاًّ بصحيحة سليمان بن خالد قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: أيقرأ الرجل في الأولى و العصر خلف الامام و هو لايعلم أنّه يقرأ؟ فقال: لاينبغي له أن يقرأ، يكله الى الامام».(3)
بتقريب أنّ «ظهور «لاينبغي» في الكراهة أقوى من ظهور تلك الأخبار في الحرمة. و بهذه الصحيحة و كذا خبر عمرو بن الربيع المتقدّم؛ لقوله عليه السلام فيه: «و ان أحببت أن تقرأ فاقرأ فيما تخافت فيه». و استدلّ أيضا أنّه لايستفاد من النهي المتعلّق بما هو واجب لولا النهي أزيد من الرخصة في تركه لا لزومه فلايستفاد من نهي المأموم عن القراءة خلف الامام أزيد من سقوط التكليف بالقراءة عنه و أمّا حرمتها عليه فلا. و أشكل على نفسه بأنّ اللازم من سقوط التكليف سقوط الأمر الالزامي المتعلّق بالقراءة عنه و لم يثبت أمر آخر يقتضي جوازها فمقتضى
الأصل عدم شرعيّتها له. و دفعه بأنّ المستفاد من التلويحات الواقعة في الأخبار سقوطها عن المأموم لا لفقد المقتضي بل لاجتزائه بفعل الامام و ايكال أمره اليه فمقتضى الأصل حينئذ كون ذلك رخصة له لا عزيمة. انتهى ملخّصا».(1)
و فيه أوّلاً: انّ مبنى الاستدلال بالصحيحة على ظهور كلمة «لاينبغي» في الكراهة و هو في حيّز المنع كما قال في مستند العروة: «فانّ لفظ «ينبغي» و ان كان ظاهرا في الرجحان و الاستحباب، لكن كلمة «لاينبغي» غير ظاهرة في الكراهة، فانّها و ان كانت كذلك في الاصطلاح الحادث بين المتأخّرين لكنّها في لسان الأخبار ظاهرة فيما هي عليه من المعنى اللغوي، أي لايتيسّر و لايجوز المساوق للمنع و عدم الامكان، و منه قوله تعالى: «لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر»(2)أي يمتنع و لايتيسّر لها ذلك. و عليه فالصحيحة ظاهرة في التحريم، و ملحقة بالروايات السابقة الدالّة على المنع لا أنّها معارضة لها. و مع التنزّل فلا أقلّ من عدم ظهورها في الكراهة، بل في الجامع بينها و بين الحرمة، و حيث لا قرينة في المقام على التعيين فيحكم عليها بالاجماع فتسقط عن الاستدلال. انتهى».(3)
و ثانيا: انّ في الصحيحة اشكالاً آخر في قوله «و هو لايعلم أنّه يقرأ» تفطّن به المحقّق المذكور ب- «أنّه يحتمل أن يكون لايعلم كناية عن لحوق المأموم به في حال اشتبه عليه أنّه في الأوليين أو الأخيرتين فيكون المقصود بالسؤال معرفة حكم المأموم المسبوق الذي لايعلم أنّ الامام في أيّ ركعة حتّى يعمل بوظيفته. انتهى ملخّصا».(4)
و أمّا خبر عمرو بن الربيع فقد تقدّم ضعف سنده.
و ثالثا: كيف تنكر الحرمة مع أنّ النهي ظاهر في الحرمة و قد ورد النهي في ستّة من الصحاح المتقدّمة بقوله عليه السلام «فلاتقرأ» و في صحيحة زرارة يؤكّد بقوله عليه السلام «فلاتقرأنّ». مضافا الى قول أميرالمؤمنين عليه السلام في صحيحة زرارة و محمّد بن مسلم المتقدّمة: «من قرأ خلف امام يأتمّ به فمات بعث على غير الفطرة».
ثمّ انّ المنهي هو القراءة بقصد الجزئيّة، و أمّا لو قرأ بقصد القرآنيّة فلا اشكال، كما أنّه يستحبّ أن يشتغل بالتسبيح و التحميد و الصلاة على محمّد و آله. و الدليل على ذلك صحيحة بكر بن محمّد الأزدي عن أبي عبداللّه عليه السلام أنّه قال:
«انّي أكره للمرء أن يصلّي خلف الامام صلاة لايجهر فيها بالقراءة فيقوم كأنّه حمار. قال: قلت: جعلت فداك! فيصنع ماذا؟ قال: يسبّح».(1)
و صحيحة حريز عن زرارة عن أحدهما عليهماالسلام قال:
«اذا كنت خلف امام تأتمّ به فأنصت و سبّح في نفسك».(2)
و صحيحة علي بن جعفر عن أخيه عليه السلام قال:
«سألته عن رجل يصلّي خلف امام يقتدي به في الظهر و العصر، يقرأ؟ قال: لا ولكن يسبّح و يحمد ربّه و يصلّي على نبيّه صلى الله عليه و آله».(3)
و صحيحة سالم أبي خديجة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا كنت امام قوم فعليك أن تقرأ في الركعتين الأوّلتين و على الذين خلفك أن يقولوا: سبحان اللّه و الحمد للّه و لا اله الاّ اللّه و اللّه أكبر، و هم قيام. الحديث».(4)
قال في الجواهر: «و يستحبّ له التسبيح بل يكره له السكوت؛ لصحيح بكر بن محمّد الأزدي و خبر علي بن جعفر و اطلاق صدر خبر أبي خديجه. بل ربّما كان ظاهر المحكي عن المقنع تعيين التسبيح الاّ أنّه في غاية الضعف بعد الأصل و ظاهر الصحيح الأوّل، و امكان تحصيل الاجماع على عدمه، بل لعلّه نفسه أيضا لم يرده و ان عبّر بعبارة بعض هذه الأخبار كما هي عادته. انتهى ملخّصا».(1)
و أمّا اذا لم يسمع المأموم القراءة حتّى الهمهمة في الركعتين الأوليين من الجهريّة فتجوز القراءة، و الدليل عليه الروايات المتقدّمة آنفا:
منها قوله عليه السلام في صحيحة الحلبي:
«الاّ أن تكون صلاة يجهر فيها بالقراءة و لم تسمع فاقرأ».(2)
و منها قوله عليه السلام في صحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج:
«فان سمعت فأنصت و ان لم تسمع فاقرأ».(3)
و منها صحيحة علي بن يقطين قال:
«سألت أبا الحسن الأوّل عليه السلام عن الرجل يصلّي خلف امام يقتدي به في صلاة يجهر فيها بالقراءة فلايسمع القراءة؟ قال: لابأس ان صمت و ان قرأ».(4)
و منها صحيحة قتيبة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا كنت خلف امام ترتضي به في صلاة يجهر فيها بالقراءة فلم تسمع قراءته فاقرأ أنت لنفسك، و ان كنت تسمع الهمهمة فلاتقرأ».(5)
1) - جواهر الكلام 13: 183 و 184.
2) - وسائل الشيعة 8: 355 / الباب 31 من أبواب صلاة الجماعة / الحديث 1.
3) - وسائل الشيعة 8: 356 / الباب 31 من أبواب صلاة الجماعة / الحديث 5.
4) - وسائل الشيعة 8: 358 / الباب 31 من أبواب صلاة الجماعة / الحديث 11.
5) - وسائل الشيعة 8: 357 / الباب 31 من أبواب صلاة الجماعة / الحديث 7.
و منها موثّقة سماعة (في حديث) قال:
«سألته عن الرجل يؤمّ الناس فيسمعون صوته و لايفقهون ما يقول؟ فقال: اذا سمع صوته فهو يجزيه، و اذا لم يسمع صوته قرأ لنفسه».(1)
قال في الجواهر: «و أمّا اذا لم يسمع حتّى الهمهمة فتجوز في الجملة القراءة بلا خلاف أجده بين الأصحاب، بل و لا حكي عن أحد منهم عدا الحلّي، مع أنّه لا صراحة في عبارته في السرائر بذلك بل و لا ظهور، و لايبعد أنّه وهم من الحاكي. نعم، ظاهر جماعة من الأصحاب كالشيخ في المبسوط و النهاية و المصنّف في النافع و المرتضى و أبي الصلاح و ابن حمزة و علي بن أبي الفضل الحلبي فيما حكي عنهم وجوب القراءة، اقتصارا على المتيقّن ممّا خرج من الأصل، و عموم ما دلّ على وجوبها، و عملاً بالأمر في المعتبرة المستفيضة، و صريح المختلف و التذكرة و المنتهى و التحرير و البيان و اللمعة و الموجز و الهلاليّة و الجعفريّة و غيرها الاستحباب، جمعا بين ما اشتمل على الأمر من المعتبرة و بين ما دلّ على جواز الفعل و الترك كصحيح علي بن يقطين «سألت أبا الحسن الأوّل عليه السلام عن الرجل يصلّي خلف امام يقتدي به في صلاة يجهر فيها بالقراءة فلايسمع القراءة؟ قال: لابأس ان صمت و ان قرأ» مؤيّدا بما دلّ على ضمان الامام القراءة من المعتبرة و غيرها. انتهى».(2)
و أمّا في الركعتين الأخيرتين من الاخفاتيّة أو الجهريّة فهو كالمنفرد في
وجوب القراءة أو التسبيحات مخيّرا بينهما سواء قرأ الامام فيهما أو أتى بالتسبيحات، سمع قراءته أم لم يسمع. و الدليل على ذلك الجمع بين طائفتين من الأخبار:
احداهما ظاهرة في تعيين القراءة على الامام و التسبيح على المأموم كصحيحة معاوية بن عمّار قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن القراءة خلف الامام في الركعتين الأخيرتين؟ فقال: الامام يقرأ بفاتحة الكتاب و من خلفه يسبّح، فاذا كنت وحدك فاقرأ فيهما و ان شئت فسبّح».(1)
و خبر جميل بن درّاج قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عمّا يقرأ الامام في الركعتين في آخر الصلاة؟ فقال: بفاتحة الكتاب، و لايقرأ الذين خلفه، و يقرأ الرجل فيهما اذا صلّى وحده بفاتحة الكتاب».(2)
و بالنسبة الى الامام خاصّة صحيحة منصور بن حازم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا كنت اماما فاقرأ في الركعتين الأخيرتين بفاتحة الكتاب، و ان كنت وحدك فيسعك فعلت أو لم تفعل».(3)
و بالنسبة الى المأموم خاصّة صحيحة ابن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«ان كنت خلف الامام في صلاة لايجهر فيها بالقراءة حتّى يفرغ و كان الرجل مأمونا على القرآن فلاتقرأ خلفه في الأوّلتين. و قال: يجزيك التسبيح في الأخيرتين. قلت: أيّ شيء تقول أنت؟ قال: أقرأ
فاتحة الكتاب».(1)
و صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«ان كنت خلف امام فلا تقرأنّ شيئا في الأوّلتين و أنصت لقراءته، و لاتقرأنّ شيئا في الأخيرتين، فانّ اللّه عزّوجلّ يقول للمؤمنين: «و اذا قرئ القرآن - يعني في الفريضة خلف الامام - فاستمعوا له و أنصتوا لعلّكم ترحمون» فالأخيرتان تبعا للأوّلتين».(2)
و ثانيتهما ظاهرة في تعيين التسبيح على الامام و القراءة على المأموم، كصحيحة سالم أبي خديجة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا كنت امام قوم فعليك أن تقرأ في الركعتين الأوّلتين و على الذين خلفك أن يقولوا: سبحان اللّه و الحمد للّه و لا اله الاّ اللّه و اللّه أكبر و هم قيام، فاذا كان في الركعتين الأخيرتين فعلى الذين خلفك أن يقرؤوا فاتحة الكتاب، و على الامام أن يسبّح مثل ما يسبّح القوم في الركعتين الأخيرتين».(3)
و بالنسبة الى الامام خاصّة صحيحة ثانية لزرارة عن أبي جعفر عليه السلام أنّه قال:
«لاتقرأنّ في الركعتين الأخيرتين من الأربع الركعات المفروضات شيئا، اماما كنت أو غير امام. قال: قلت: فما أقول فيهما؟ فقال: اذا كنت اماما أو وحدك فقل: «سبحان اللّه و الحمد للّه و لا اله الاّ اللّه» ثلاث مرّات تكمله تسع تسبيحات ثمّ تكبّر و تركع».(4)
و يجمع بين هاتين الطائفتين بطرح ظاهر كلّ منهما بظاهر الأخرى فينتج
الجواز بالمعنى الأعمّ في كلّ منهما، فالنتيجة هي التخيير بالنسبة الى كلّ من الامام و المأموم.
و يمكن أن يقال بمعارضة الطائفتين ثمّ التساقط و الرجوع الى عمومات التسبيح في الركعتين الأخيرتين مطلقا كما ذهبنا اليه في البحث عن القراءة في الصلاة في المسألة الثانية من فصل الركعات الأخيرة.(1)الاّ أنّ الظاهر أولويّة الجمع الذي اخترنا هنا.
قال المحقّق الهمداني: «و أمّا حكم المأموم في الأخيرتين من الاخفاتيّة و الجهريّة فقد اختلفت فيه كلمات الأصحاب غاية الاختلاف فعن الحلّي أنّه لا شيء عليه في الأخيرتين من كلّ صلاة جهريّة كانت أم اخفاتيّة لا القراءة و لا التسبيح و أنّ سقوطهما عنه عزيمة. و عن ظاهر غير واحد من القدماء أيضا القول بسقوطهما ولكن على سبيل الجواز لا اللزوم و اختاره صريحا بعض متأخّري المتأخّرين. و عن ظاهر غير واحد القول بحرمة خصوص القراءة مطلقا أو في خصوص الجهريّة مع استحباب التسبيح أو لزومه. و صرّح غير واحد بعدم السقوط و بقاء حكم المنفرد من التخيير بين القراءة و التسبيح و هذا لايخلو من قوّة ولكن الأولى له بل الأحوط اختيار التسبيح كما أنّ الأولى للامام اختيار القراءة و هما بالنسبة الى المنفرد على السواء على ما استفدناه من الجمع بين الأخبار على ما شرحناه في مبحث القراءة خلافا لما هو المشهور بين المتأخّرين من أفضليّة التسبيح؛ للجمع، فراجع. انتهى».(2)
(مسألة 2): لا فرق في عدم السماع بين أن يكون من جهة البعد أو من جهة كون المأموم أصمّ أو من جهة كثرة الأصوات أو نحو ذلك.
الشرح:
و الدليل على ذلك اطلاق حسنة قتيبة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا كنت خلف امام ترتضي به في صلاة يجهر فيها بالقراءة فلم تسمع قراءته فاقرأ أنت لنفسك، و ان كنت تسمع الهمهمة فلاتقرأ».(1)
فعدم السماع قد يكون للبعد بين المأموم و الامام و قد يكون لمانع خارجي كالضوضاء و قد يكون لضعف في صوت الامام أو ضعف سماع المأموم أو صممه. فلايمكن ادّعاء الانصراف الى البعد خاصّة كما هو واضح.
فعن مصباح الفقيه: «مقتضى اطلاق النصّ و الفتوى بل صريح بعض عدم الفرق في عدم السماع بين كونه لبعد الامام المأموم و غيره من الموانع كصمم فيه أو مزاحمة أصوات تزاحم صوت الامام و نحوهما و اللّه العالم».(2)
(مسألة 3): اذا سمع بعض قراءة الامام فالأحوط الترك مطلقا.
الشرح:
ما يستفاد من قول الامام عليه السلام في حسنة قتيبة « ... فلم تسمع قراءته فاقرأ أنت لنفسك و ان كنت تسمع الهمهمة فلاتقرأ» تعليق الحكم أي القراءة و عدمها على السماع و عدمه، فالمناط في حرمة القراءة سماع قراءة الامام ولو همهمة فمادام يسمع لايقرأ فاذا لم يسمع يقرأ فعليه لو شرع في القراءة فقرأ بعضها فسمع يقطعها و لو لم يسمعها ثانية يقرأ و هكذا و القراءة بعد قطع الصوت تكون من حيث قطعها لظهور الحسنة، فانّ الظاهر من قوله عليه السلام «فاقرأ أنت لنفسك» أي من
أوّل الفاتحة الى آخرها. نعم، لايجب اتمامها سواء كان عدم الاتمام اختيارا أو اضطرارا كما أنّه يجوز أن يقرأ من وسط الفاتحة أو يكرّر آية و آيتين؛ لأنّ القراءة مستحبّة.
فعن مصباح الفقيه: «لو سمع بعض قراءة الامام دون بعض فهل الراجح في حقّ المأموم القراءة مطلقا أو تركها كذلك أو القراءة في حال عدم السماع و الانصات عند السماع وجوه من امكان دعوى انصراف الأخبار الناهية عن القراءة مع السماع الى سماع الكلّ فعند انتفائه يثبت مطلوبيّة القراءة أخذا بمفهوم تلك الأخبار المصرّح به في جملة منها و من قبول هذه الدعوى للمنع خصوصا بالنسبة الى ما علّق فيه النهي على سماع الهمهمة الذي لايكون في الغالب الاّ كذلك فلايبعد أن يدّعى أنّ المنساق من ذلك مطلوبيّة الترك على الاطلاق لدى السماع في الجملة بحيث يعمّ الفرض بل و كذا من مثل صحيحة الحلبي التي ورد فيها النهي عن القراءة خلف الامام الاّ في صلاة يجهر فيها و لم تسمع؛ اذ لايبعد أن يقال بانصراف الاستثناء الى صورة عدم السماع رأسا، و من عدم الاعتناء بمثل هذه الدعاوي و الأخذ بظهور الشرطيّة في سببيّة السماع لمطلوبيّة الانصات على الاطلاق و عدمه للقراءة كذلك و هذا هو الأشبه، فعلى هذا لو سمع من أوّل الفاتحة الى نصفها دون النصف الأخير أو بالعكس اجتزأ بما سمع و قرأ ما لم يسمع ولكن قد يشكل ذلك فيما اذا حصل منه الاخلال بالترتيب و نظم الآي كما لو قرأ مثلاً الآية الأولى من الفاتحة ثمّ سمع أنّ الامام يقرأ الخامسة مثلاً ثمّ خفي عليه صوت الامام فهل يقرأ حينئذ من حيث قطع قراءته أو من حيث خفي عليه صوت الامام وجهان لايخلو أوّلهما من قوّة بناءً على وجوب القراءة عليه على تقدير عدم السماع؛ اذ الواجب عليه القراءة المعتبرة في الصلاة المراعى فيها الترتيب فيجب رعايته مع الامكان. و أمّا على المختار من الاستحباب فالأمر موسّع عليه؛ اذ كما أنّ له ترك القراءة رأسا كذلك الاكتفاء بالبعض و الاتيان من
الموضع الذي خفي عليه صوت الامام أو من موضع القطع ولكن الأحوط أن لايقصد على الأوّل التوظيف بل القربة المطلقة و اللّه العالم. انتهى كلامه رحمه الله».(1)
و قال صاحب الجواهر: «و لو كان يسمع بعض القراءة في الجهريّة دون البعض ففي الحاقه بالمسموع تماما أو عدمه كذلك أو كلّ منهما بكلّ منهما وجوه لايخلو أخيرها من قوّة، كما أنّه يقوى هذا أيضا في باقي الصلوات التي لم يجب فيها جهر و لا اخفات كصلوات الآيات و العيدين و نحوهما، فينصت حيث يسمع و يقرأ حيث لايسمع نحو ما سمعته من الوجوب و الحرمة و الكراهة. و يقوى في النظر أيضا جريان حكم السماع في الجهريّة على من كان سمعه خارقا للعادة، فيسمع ما لايسمعه غيره، بل و جريان حكم غير السامع على من كان ذلك بعرض كصمم و نحوه؛ لظهور الأخبار أنّ السماع و عدمه في الجهريّة هو المدار. انتهى كلامه رحمه الله».(2)
(مسألة 4): اذا قرأ بتخيّل أنّ المسموع غير صوت الامام ثمّ تبيّن أنّه صوته لاتبطل صلاته و كذا اذا قرأ سهوا في الجهريّة.
و ذلك لأنّ حديث «لاتعاد» غير قاصر الشمول له، كما يشمله لو قرأ سهوا أو جهلاً بالحكم.
(مسألة 5): اذا شكّ في السماع و عدمه أو أنّ المسموع صوت الامام أو غيره فالأحوط الترك و ان كان الأقوى الجواز.
الشرح:
كما لو كان مبتلىً بخشخشة في أذنه فسمع صوتا فشكّ أنّه من الداخل أم من الخارج فبالنتيجة يشكّ في أصل السماع، أو علم به فسمع صوتا من الخارج و شكّ في أنّه صوت الامام أو غيره، و بالجملة لو كان يسمع ابتداءً صوت الامام ثمّ شكّ في انقطاعه لايجوز له القراءة؛ للاستصحاب، كما لو لم يسمع ابتداءً ثمّ سمع صوتا و شكّ في أنّه صوت الامام فيجوز له القراءة؛ للاستصحاب. و أمّا لو لم يكن له حالة سابقة فلايجوز له القراءة؛ لأنّ الظاهر من الروايات حرمة القراءة الاّ اذا أحرز عدم سماع صوت قراءة الامام و لو همهمة.
(مسألة 6): لايجب على المأموم الطمأنينة حال قراءة الامام و ان كان الأحوط ذلك، و كذا لايجب المبادرة الى القيام حال قراءته فيجوز أن يطيل سجوده و يقوم بعد أن يقرأ الامام في الركعة الثانية بعض الحمد.
الشرح:
لايجب على المأموم الطمأنينة حال قراءة الامام؛ لأنّ دليلها ان كان الاجماع فالقدر المتيقّن منه كونه منفردا و قارئا لنفسه و ان كان هو الدليل اللفظي كما ورد في الاقامة من قوله عليه السلام «و ليتمكّن في الاقامة كما يتمكّن في الصلاة». و ما ورد في المشي حال الصلاة من قوله عليه السلام «يكفّ عن القراءة حال المشي» فالظاهر منه أيضا كذلك أي اذا كان نفسه قارئا، لا مع سقوطها و ضمان الامام لها كما في المقام. و لا دليل على التنزيل و كون قراءة الامام بمنزلة قراءة نفسه فيعتبر حينه ما يعتبر حين كونه قارئا، فالأصل الحاكم البراءة.
ثمّ انّه لاتجب المبادرة الى القيام حال قراءته، و ذلك لأنّ القيام حال القراءة واجب اذا كان القارئ نفسه، فلا موضوع للوجوب مع السقوط و ضمان الامام. و عليه فلا مانع من اطالة السجود و القيام بعد قراءة الامام بعض الحمد، الاّ أنّه تجب المتابعة فلايؤخّره حتّى لاتصدق المتابعة فيصير منفردا أو آثما على الخلاف
الآتي من أنّ وجوب المتابعة نفسيّ أو شرطيّ.
(مسألة 7): لايجوز أن يتقدّم المأموم على الامام في الأفعال، بل يجب متابعته بمعنى مقارنته أو تأخّره عنه تأخّرا غير فاحش. و لايجوز التأخّر الفاحش.
الشرح:
قال في المدارك في شرح قول المحقّق «و تجب متابعة الامام»: «هذا الحكم مجمع عليه بين الأصحاب، بل قال في المعتبر: تجب متابعة الامام في أفعال الصلاة، و عليه اتّفاق العلماء. و استدلّ عليه بما روي عن النبي صلى الله عليه و آله أنّه قال: «انّما جعل الامام اماما ليؤتمّ به، فاذا ركع فاركعوا و اذا سجد فاسجدوا». انتهى».(1)
و قال في التذكرة: «يجب أن يتابع امامه في أفعال الصلاة؛ لقوله عليه السلام «انّما جعل الامام اماما ليؤتمّ به»، و روي عنه عليه السلام: «أما يخشى اللّه الذي يرفع رأسه و الامام ساجد أن يحوّل اللّه رأسه رأس حمار»، و لأنّه تابع له، فلايسبقه. و به قال الشافعي. انتهى».(2)
أقول:
لايجوز أن يتقدّم المأموم الامام في الأفعال، و الدليل على ذلك مضافا الى أنّه مجمع عليه بين الأصحاب قوله صلى الله عليه و آله: «انّما جعل الامام اماما ليؤتمّ به ... »(3)فانّ الرواية و ان كان سندها ضعيفا الاّ أنّ مضمونها مطابق لحقيقة صلاة الجماعة، فانّ المأموميّة و الاقتداء تتقوّمان عرفا بتبعيّة المأموم امامه في كلّ ما يفعل، فالتقدّم
عليه في الأفعال منافٍ لصدق هذا العنوان. هذا، و قد ورد روايات في الأبواب المختلفة من صلاة الجماعة يطمئنّ بها النفس بوجوب متابعة الامام في أفعال الصلاة، مثل ما ورد فيمن رفع رأسه من السجود أو الركوع قبل الامام سهوا، كصحيحة فضيل بن يسار أنّه سأل أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل صلّى مع امام يأتمّ به ثمّ رفع رأسه من السجود قبل أن يرفع الامام رأسه من السجود؟ قال: «فليسجد».(1)
و صحيحة علي بن يقطين قال:
«سألت أبا الحسن عليه السلام عن الرجل يركع مع الامام يقتدي به ثمّ يرفع رأسه قبل الامام؟ قال: يعيد ركوعه معه».(2)
و ما ورد فيمن ركع أو سجد قبل الامام سهوا كموثّقة ابن فضّال قال:
«كتبت الى أبي الحسن الرضا عليه السلام في الرجل كان خلف امام يأتمّ به فيركع قبل أن يركع الامام و هو يظنّ أنّ الامام قد ركع، فلمّا رآه لم يركع رفع رأسه ثمّ أعاد ركوعه مع الامام، أيفسد ذلك عليه صلاته أم تجوز تلك الركعة؟ فكتب عليه السلام: تتمّ صلاته، و لاتفسد بما صنع صلاته».(3)
و ما ورد من الأمر بالجلوس حين التشهّد في المأموم المسبوق، كصحيحة عبدالرحمن بن أبي عبداللّه عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا سبقك الامام بركعة جلست في الثانية لك و الثالثة له حتّى تعتدل الصفوف قياما».(4)
و من الأمر بالانتظار و الاشتغال بالتسبيح ما اذا فرغ المأموم عن القراءة - عندما
يقرأ - قبل أن يفرغ الامام عنها، كموثّقة زرارة قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: أكون مع الامام فأفرغ من القراءة قبل أن يفرغ؟ قال: ابق آية و مجّد اللّه و أثن عليه، فاذا فرغ فاقرأ الآية و اركع».(1)
و أمّا المقارنة فالظاهر أنّ الجماعة صادقة مع مقارنة أفعال صلاة المأموم لأفعال صلاة الامام، و أنّ القدر المتيقّن من الاجماع هو قدح تقدّم المأموم عن الامام في الأفعال، و أنّ النبويّ لايخالفها؛ لأنّ العرف يقضي لمن ركع مع ركوع الامام و سجد مع سجوده بعدم مخالفة المأموم لقوله صلى الله عليه و آله: «فاذا ركع فاركعوا و اذا سجد فاسجدوا».
و أمّا التأخّر الفاحش اذا كان بحيث لاتصدق المتابعة عرفا فقادح للجماعة الاّ ما خرج بالدليل كما لو زوحم فمنع عن الركوع و السجود مع الامام حتّى قام الامام للركعة الثانية، كما ورد في صلاة الجمعة.
قال في الجواهر: «و ممّا يعتبر في الجماعة أيضا أنّها تجب المتابعة فيها على المأموم للامام في الأفعال بلا خلاف أجده فيه على الظاهر كما اعترف به في الروض و الذخيرة و الحدائق بل في المعتبر و المنتهى و الذكرى و المدارك و المفاتيح و عن النجيبيّة و القطيفيّة و غيرهما الاجماع أو الاتّفاق عليه، بل ظاهر الأوّل (أي النجيبيّة) أنّه كذلك بين المسلمين، بل هو صريح الثاني أو كصريحه لظاهر الآية «و اركعوا مع الراكعين»(2)، و النبوي: «انّما جعل الامام اماما ليؤتمّ به، فاذا ركع فاركعوا و اذا سجد فاسجدوا»، و ان كان الرواية ضعيفة لنقل العامّة الاّ أنّ الخاصّة رووها في كتبهم، بل و عملوا بها، و لاشعار محافظة سائر المسلمين عليها في سائر الأعصار و الأمصار بوجوبه و لزومه أيضا، بل و اشعار سياق كثير من الأخبار المشتملة على لفظ الاقتداء و نحوه به، بل كاد يكون ظاهر فحوى ما
تسمعه من المعتبرة(1)الآمرة بالرجوع لمن رفع رأسه من السجود أو الركوع سهوا قبل الامام لتحصيل الرفع معه و ان حصل مع ذلك زيادة ركن، بل و ظاهر الأخبار(2)الآمرة باشتغال المأموم بتسبيح و نحوه عند الفراغ من القراءة قبل الامام انتظارا لركوع الامام كي يركع معه، الى غير ذلك ممّا يمكن تصيّده من الأدلّة حتّى ما تسمعه من موثّق ابن فضّال سؤالاً و جوابا، فمن العجيب ما يظهر من بعض متأخّري المتأخّرين من انحصار دليل الأصحاب بعد دعوى الاجماع في النبوي العامّي حتّى أنّ بعض مشايخنا قال: انّه الأصل في هذا الباب. و كيف كان فالمراد منها في المشهور كما في الرياض أن لايتقدّم المأموم الامام، بل هو معقد اجماع الذكرى السابق، كما أنّه ظاهر غيرها أيضا، و قضيّته جواز المقارنة كما نصّ عليه الفاضل و الشهيدان على ما حكي عن أوّلهما و غيرهم، بل في ظاهر المفاتيح الاجماع عليه، و هو الحجّة بعد صدق اسم الجماعة و الركوع مع الراكعين، بل و المتابعة أيضا، ضرورة الاكتفاء في تحقّقها بقصد المأموم ربط فعله بفعل الامام، و بعد نصّ الصدوق عليه في المحكي عن عبارته التي هي في الغالب متون الأخبار. انتهى ملخّصا».(3)
و قال أيضا: «و على كلّ حال فما يظهر من المحكي عن ارشاد الجعفريّة من تفسير المتابعة بالتأخّر خاصّة بل كأنّه مال اليه في الحدائق ضعيف و ان كان هو الأحوط، بل في الروض و الذخيرة و عن غيرهما أنّه الأفضل، بل عن الصدوق و الشهيد الثاني في روضته انتفاء الفضيلة مع المقارنة رأسا الاّ أنّا لم نعرف لهم دليلاً على ذلك، و لذا كان ظاهر المفاتيح تماميّة الجماعة به لحصول السبب الذي يترتّب عليه مع ذلك أحكام الجماعة من سقوط القراءة و نحوه، و دعوى اشتراط
الفضيلة بأمر زائد على سببيّة تلك الأحكام لانعرف لها شاهدا. ثمّ لايخفى أنّ المتابعة كما يقدح في تحقّقها عرفا السبق، كذلك التأخّر الطويل عن وقوع الفعل بعد فعل الامام ركنا و غيره، خصوصا اذا أدّى ذلك الى فراغ الامام من فعله قبل فعل المأموم، ضرورة عدم صدق المتابعة حينئذ عرفا كما اعترف به المولى الأكبر في مطاوي كلماته على الظاهر بل يؤيّده أيضا ارادة نحو ذلك منها في باب الوضوء و ان لم نقل بوجوبه. انتهى».(1)
(مسألة 8): وجوب المتابعة تعبّديّ و ليس شرطا في الصحّة، فلو تقدّم أو تأخّر فاحشا عمدا أثم ولكن صلاته صحيحة و ان كان الأحوط الاتمام و الاعادة خصوصا اذا كان التخلّف في ركنين بل في ركن. نعم، لو تقدّم أو تأخّر على وجه تذهب به هيئة الجماعة بطلت جماعته.
الشرح:
هل وجوب المتابعة تعبّديّ أو شرطيّ؟ و على الثاني هل يوجب تخلّفها بطلان الصلاة أو الجماعة؟ وجوه. و لنبحث عمّا استدلّ به لوجوب المتابعة حتّى ينكشف الحال، فمن تلك الدلائل الاجماع فهو الاجماع المنقول الذي لم يكن حجّة؛ لاحتمال استناد المجمعين على الآية و الروايات، مع أنّ آراءهم في ذلك مختلفة، فبعضهم ذهب الى الوجوب الشرطي و أفتى ببطلان صلاته كالمحكي عن الشيخ و الصدوق و ابن ادريس، و بعضهم أفتى ببطلان الجماعة دون الصلاة فيصير فرادى. و بعضهم قائل بالوجوب التعبّدي و أنّ المخالفة موجبة للاثم كما نسب صاحب الجواهر الى المشهور. و قال آخر بأنّ الاثم لأجل التشريع لا من أجل ترك المتابعة كما فسّر فتوى المشهور المحقّق الهمداني.
1) - نفس المصدر: 203 و 204.
و منها أنّ ماهيّة الجماعة متشكّلة من الامام و المأموم و تبعيّته ايّاه، فالتخلّف عن تلك الماهيّة مستلزم لفقد الجماعة، أمّا بطلان الصلاة أو الاثم فلا.
و منها الروايات الواردة في الاقتداء، فانّ المفهوم منها أيضا مفهوم الجماعة و ماهيّتها، و التخلّف عنها موجب لسلب الماهيّة و الجماعة.
و منها ما ورد في اعادة الركوع أو السجود اذا ركع أو سجد قبل الامام سهوا، و كذا ما ورد من الاعادة لو رفع رأسه من الركوع أو السجود قبل الامام سهوا. فهذا أيضا يدلّ على عدم بطلان الصلاة و كذا عدم بطلان الجماعة في صورة السهو و النسيان.
و منها ما ورد في انتظار المأموم اذا فرغ من القراءة قبل الامام حتّى يركع عن ركوع الامام، فهذا أيضا ناظر الى اقتضاء الجماعة و لايفهم منه الاثم لو تخلّف؛ لاحتمال أن يكون الأمر فيه ارشادا الى أنّه لو تقدّم تنتفي صلاته بالجماعة، و كذا قوله صلى الله عليه و آله: «اذا ركع فاركعوا و اذا سجد فاسجدوا». فتحصّل أنّ التخلّف عن الامام تقدّما أو تأخّرا فاحشا موجب للخروج عن الجماعة بشهادة العرف، فالجماعة باطلة فيصير فرادى.
و أمّا صاحب الجواهر فقال: «و كيف كان فوجوب المتابعة في الجماعة من حيث كونها متابعة تعبّدي لا شرطي لا في الصلاة و لا في ابقاء أحكام الجماعة كما هو المشهور بين الأصحاب نقلاً و تحصيلاً، بل عليه عامّة المتأخّرين كما اعترف به في الذكرى و عن ايضاح النافع و النجيبيّة، بل في المدارك نسبته الى الأصحاب مشعرا بدعوى الاجماع عليه كظاهر التذكرة و عن نهاية الأحكام و مجمع البرهان و ارشاد الجعفريّة و غيرها، و لعلّه كذلك؛ لاتّفاق ما وصل الينا من فتاوى أساطين الأصحاب عليه من غير خلاف أجده فيه بينهم، و ان حكاه بعضهم عن ظاهر قول الصدوق: «لا صلاة له»، و ظاهر قوله في المبسوط: «و من فارق الامام لغير عذر بطلت صلاته» - و بعد الاشكال و توجيه قولهما الى ما لاينافي قول المشهور و كذا
توجيه قول السرائر، قال: - فتأمُّل جماعة من متأخّري المتأخّرين حتّى الفاضل في الرياض تبعا للمحكي عن جدّه في شرح المفاتيح في ذلك في الجملة في غير محلّه، ضرورة أنّ العمدة في اثبات أصل وجوبها كما عرفت الاجماع، و أقصى الثابت منه بقرينة اتّفاقهم هنا التعبّدي و الاّ فلا نصّ فيها بالخصوص كي يظهر من اطلاق اعتبارها فيه الشرطيّة على نحو غيرها من الشرائط، مضافا الى فحوى المعتبرة المستفيضة الآتية التي أمر فيها بالرجوع الى الامام أو النهي عنه؛ اذ لايتصوّر الاّ بعد احراز بقاء الصحّة مع المخالفة. انتهى».(1)
و قال المحقّق الهمداني: «انّما الاشكال فيما جزم به كثير من الأصحاب بل عن الذكرى نسبته الى المتأخّرين بل عن جماعة نسبته الى الأصحاب من أنّ الاخلال بالمتابعة عمدا فضلاً عن السهو غير مبطل للجماعة فضلاً عن الصلاة بل هو واجب مستقلّ يترتّب على مخالفته عمدا الاثم دون الابطال، و هذا بظاهره منافٍ لما ذكرناه من كون المتابعة مأخوذة عرفا في مفهوم الائتمام و الاقتداء. انتهى».(2)
(مسألة 9): اذا رفع رأسه من الركوع أو السجود قبل الامام سهوا أو لزعم رفع الامام رأسه وجب عليه العود و المتابعة، و لايضرّ زيادة الركن حينئذ؛ لأنّها مغتفرة في الجماعة في نحو ذلك، و ان لم يعد أثم و صحّت صلاته. لكنّ الأحوط اعادتها بعد الاتمام، بل لايترك الاحتياط اذا رفع رأسه قبل الذكر الواجب و لم يتابع مع الفرصة لها، و لو ترك المتابعة حينئذ سهوا أو لزعم عدم الفرصة لايجب الاعادة، و ان كان الرفع قبل الذكر. هذا، و لو رفع رأسه عامدا لم يجز له المتابعة و ان تابع عمدا بطلت صلاته للزيادة العمديّة، و لو تابع سهوا فكذلك اذا كان ركوعا أو في كلّ من السجدتين، و أمّا في
السجدة الواحدة فلا.
الشرح:
قال المحقّق في الشرائع: «فلو رفع المأموم رأسه عامدا استمرّ، و ان كان ناسيا أعاد، و كذا لو هوى الى سجود أو ركوع. انتهى».(1)
و قال في المدارك: «الحكم بوجوب الاستمرار مع العمد مذهب الأصحاب لاأعلم فيه مخالفا صريحا، و ان كان اطلاق كلام المفيد يقتضي عدم الفرق في ذلك بين الناسي و العامد - الى أن قال: - المشهور بين الأصحاب أنّ الاعادة الى الركوع أو السجود لو رفع رأسه ناسيا، على سبيل الوجوب لورود الأمر بها في عدّة روايات ... و هو مشكل. انتهى ملخّصا».(2)
و قال في الجواهر: «فلو رفع المأموم رأسه عامدا استمّر كما في المبسوط و السرائر و النافع و المنتهى و التحرير و الذكرى و كذا الدروس و البيان و حاشية الارشاد للمحقّق الثاني بل عن سائر كتبه و كتب الشهيدين و النهاية و ايضاح النافع و الميسيّة و غيرها، بل هو المشهور نقلاً و تحصيلاً، بل في الذكرى ما يقتضي نسبته الى المتأخّرين بل في المدارك أنّه مذهب الأصحاب لاأعلم فيه خلافا، كما أنّ في ظاهر التذكرة و عن نهاية الأحكام ما يشعر بنسبته اليهم أيضا و لعلّه كذلك؛ اذ لاأجد فيه خلافا صريحا معتدّا به سوى ما يحكى عن مقنعة المفيد. انتهى».(3)
و قال أيضا: «و لو كان ذلك الرفع من الركوع و السجود ناسيا للمأموميّة أعاد كما في جميع الكتب السابقة في صورة العمد؛ للأخبار السابقة. انتهى».(4)
الروايات الواردة في الباب على طائفتين:
احداهما: صحيحة الفضيل بن يسار أنّه سأل أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل صلّى مع امام يأتمّ به ثمّ رفع رأسه من السجود قبل أن يرفع الامام رأسه من السجود؟ قال: «فليسجد».(1)
و صحيحة علي بن يقطين قال:
«سألت أبا الحسن عليه السلام عن الرجل يركع مع الامام يقتدي به ثمّ يرفع رأسه قبل الامام؟ قال: يعيد ركوعه معه».(2)
و خبر محمّد بن سهل الأشعري عن أبيه عن أبي الحسن عليه السلام قال:
«سألته عمّن ركع مع امام يقتدي به ثمّ رفع رأسه قبل الامام؟ قال: يعيد ركوعه معه».(3)
فهذه الطائفة دلّت على اعادة الركوع أو السجود مطلقا أي سواء كان رفع رأسه من الركوع و السجود قبل الامام عامدا أو ناسيا.
ثانيتهما: موثّقة غياث بن ابراهيم قال:
«سئل أبو عبداللّه عليه السلام عن الرجل يرفع رأسه من الركوع قبل الامام، أيعود فيركع اذا أبطأ الامام و يرفع رأسه معه؟ قال: لا».(4)
و هذه الموثّقة دلّت على عدم الاعادة مطلقا. جمع الشيخ بينهما بحمل الأولى على السهو و الخطأ و الثانية على العمد، و هو جمع حسن و الشاهد له:
أوّلاً: موثّقة ابن فضّال قال:
«كتبت الى أبي الحسن الرضا عليه السلام في الرجل كان خلف امام يأتمّ به فيركع قبل أن يركع الامام و هو يظنّ أنّ الامام قد ركع، فلمّا رآه
لم يركع رفع رأسه ثمّ أعاد ركوعه مع الامام، أيفسد ذلك عليه صلاته أم تجوز تلك الركعة؟ فكتب عليه السلام: تتمّ صلاته، و لاتفسد صلاته بما صنع».(1)
فانّ مناط الظنّ و السهو واحد، فيكشف عن هذه الموثّقة أنّ النهي عن العود في موثّقة سماعة لعدم كونه عن الخطأ و السهو. و مورد الموثّقة و ان كان ركوع المأموم قبل ركوع الامام على عكس ما هو المذكور في تلك النصوص من رفع رأسه من الركوع قبل الامام، الاّ أنّه لا فرق بينهما كما صرّح بهما المحقّق في الشرائع و صاحب الجواهر عن المشهور.
و ثانيا: تسالم الأصحاب بجواز العود، و من هنا اختلفوا في وجوبه أو استحبابه، فدار الأمر بالنسبة الى اطلاق قوله عليه السلام «لا» في موثّقة غياث بن ابراهيم بعد اعتبارها - لأنّ غياث بن ابراهيم قد وثّقه النجاشي صريحا - بين أن يحمل على ما اذا رفع رأسه عمدا أو هوى الى الركوع و السجود عمدا كما عرفت و هو الصحيح، و بين أن يبقى الاطلاق في الطائفتين و يقال باستحباب العود في العمد و النسيان، بقرينة النهي في الموثّقة، كما جمع صاحب الحدائق. و هو بعيد و لذا أجيب عن الثاني ب- «أنّ الحمل على الاستحباب انّما يتّجه فيما اذا كان الدليل الآخر المقابل للوجوب صالحا للقرينيّة بحيث لو جمعا في كلام واحد و ألقيا على العرف لم ير العرف تنافيا بين الصدر و الذيل و لم يبق متحيّرا بل يجعل أحدهما قرينة على التصرّف في الآخر و كاشفا عن المراد منه كما في مثل قوله: «إفعل» و قوله: «لابأس بتركه»، اذ يرى العرف أنّ الترخيص في الترك قرينة على ارادة الاستحباب من الأمر، و ليس المقام من هذا القبيل، و لو جمعا في كلام واحد و قيل: «يعيد ركوعه» و «لايعيد ركوعه» بقي أهل العرف متحيّرين و رأوا تناقضا في
1) - وسائل الشيعة 8: 391 / الباب 48 من أبواب صلاة الجماعة / الحديث 4.
الكلام. انتهى ملخّصا».(1)
فالمتحصّل من الجمع المقبول وجوب العود الى الركوع و السجود لو رفع رأسه منهما سهوا أو خطأً و كذا لو هوى اليهما كذلك فيجب عليه القيام و العود في الركوع أو السجود مع الامام و هذا وجوب شرطي و لذا لو تخلّف و لم يعد فالظاهر بطلان جماعته فيصير منفردا سواء أتى بالذكر الواجب أو لم يأت سهوا و كان بحيث لو ركع أو سجد أدرك الذكر. نعم، اذا لحق بالامام من غير فصل فالاقتداء باقٍ. و لو رفع رأسه من الركوع أو السجود قبل الامام عمدا أو هوى اليهما كذلك فلايجوز له أن يعود؛ لأنّه مستلزم للزيادة في الصلاة من غير مجوّز، و أمّا بطلان الجماعة فان لحق بالامام بغير فصل فالاقتداء باقٍ و الاّ يصير فرادى.
(مسألة 10): لو رفع رأسه من الركوع قبل الامام سهوا ثمّ عاد اليه للمتابعة فرفع الامام رأسه قبل وصوله الى حدّ الركوع فالظاهر بطلان الصلاة؛ لزيادة الركن من غير أن يكون للمتابعة و اغتفار مثله غير معلوم و أمّا في السجدة الواحدة اذا عاد اليها و رفع الامام رأسه قبله فلا بطلان؛ لعدم كونه زيادة ركن و لا عمديّة، لكنّ الأحوط الاعادة بعد الاتمام.
الشرح:
الظاهر من الروايات المتقدّمة الآمرة بالسجود أو الركوع ثانيا اذا رفع المأموم رأسه قبل الامام ناسيا، أنّ العلّة هي متابعة الامام حتّى يكون رفع رأس المأموم من الركوع أو السجود عن رفع رأس الامام، فحينئذ لو ركع أو سجد ثانيا و أدرك ركوعالامام أو سجدته فتصحّ صلاته، و أمّا لو رفع الامام رأسه قبل أن يصل المأموم الى حدّ الركوع أو السجدة فعليه أن يرجع و لايركع و لايسجد، و أمّا لو وصل المأموم
1) - مستند العروة 17: 236.
الى حدّ الركوع أو السجدة و لم يدرك ركوع الامام أو سجدته فالصلاة باطلة بالنسبة الى الركوع؛ لزيادة الركن و عدم الدليل لاغتفار مثله، و كذا السجدة لو اتّفق عدم ادراك الامام في السجدتين. و أمّا لو اتّفق في السجدة الواحدة فلاتبطل صلاته؛ لعدم قصور في حديث «لاتعاد» حتّى يشمله.
ثمّ انّه لو رفع المأموم رأسه من الركوع قبل الامام سهوا ثمّ عاد اليه للمتابعة فشكّ في أنّه أدرك ركوع الامام أو لا، فالظاهر بطلان صلاته؛ لأنّ الزيادة الركنيّة مغتفرة اذا حصلت المتابعة و المفروض عدم حصولها فلا دليل على اغتفار مثلها.
(مسألة 11): لو رفع رأسه من السجود فرأى الامام في السجدة فتخيّل أنّها الأولى فعاد اليها بقصد المتابعة فبان كونها الثانية حسبت ثانية، و ان تخيّل أنّها الثانية فسجد أخرى بقصد الثانية فبان أنّها الأولى حسبت متابعة و الأحوط اعادة الصلاة في الصورتين بعد الاتمام.
الشرح:
لو رفع رأسه من السجود فرأى الامام في السجدة فتخيّل أنّها الأولى فعاد اليها بقصد المتابعة فبان كونها الثانية حسبت ثانية؛ لعدم الدليل على البطلان الاّ ما يمكن أن يقال انّ السجدة المأتيّة بقصد المتابعة ليست جزءا للصلاة ولكنّها مغتفرة اذا كانت هناك متابعة و المفروض أنّه لم تكن، ففيه: انّ السجدة و الركوع اللتين يؤتى بهما للمتابعة تصيران جزأين للصلاة قهرا و لذا نقول لمن ركع ثانيا انّه أتى بالزيادة الركنيّة و زاد في صلاته سواء كان عن عمد أو سهو فتبطل صلاته و أيضا نقول بعدم قدح زيادة الركن اذا أتى بها للمتابعة و الحاصل أنّ السجدة التي أتى بها بقصد المتابعة هي جزء للصلاة الاّ أنّ المأموم تخيّل أنّها السجدة الأولى للامام فقصد المتابعة فبان خلافه فليس هناك مانع لأن تحتسب ثانية. و هذا نظير ما لو كان يصلّي فرادى فتخيّل أنّه لم يأت بالسجدة الأولى فقصدها فبان الاتيان
بالأولى فتحسب ثانية بلا اشكال. و هكذا لو تخيّل أنّها الثانية فسجد أخرى بقصد الثانية فبان أنّها الأولى حسبت متابعة. و الحاصل أنّه لا فرق هناك بين ما لو قصد السجدة الأولى في صلاة نفسه فبان الخلاف أو قصد السجدة الثانية فبان الخلاف، و بين ما لو قصد المتابعة في الجماعة فبان الخلاف أو قصد الثانية فبان الخلاف، فكما تصحّ الصلاة في الصورة الأولى و لم يتغيّر الواقع عمّا هو عليه، كذا يصحّ ما نحن فيه و لم يتغيّر الواقع عمّا هو عليه فقل هيهنا وقع الخطأ في التطبيق.
(مسألة 12): اذا ركع أو سجد قبل الامام عمدا لايجوز له المتابعة لاستلزامه الزيادة العمديّة، و أمّا اذا كانت سهوا وجبت المتابعة بالعود الى القيام أو الجلوس ثمّ الركوع أو السجود معه، و الأحوط الاتيان بالذكر في كلّ من الركوعين أو السجودين بأن يأتي بالذكر ثمّ يتابع، و بعد المتابعة أيضا يأتي به، و لو ترك المتابعة عمدا أو سهوا لاتبطل صلاته و ان أثم في صورة العمد. نعم، لو كان ركوعه قبل الامام في حال قراءته فالأحوط البطلان مع ترك المتابعة كما أنّه الأقوى اذا كان ركوعه قبل الامام عمدا في حال قراءته لكنّ البطلان حينئذ انّما هو من جهة ترك القراءة و ترك بدلها و هو قراءة الامام كما أنّه لو رفع رأسه عامدا قبل الامام و قبل الذكر الواجب بطلت صلاته من جهة ترك الذكر.
الشرح:
قد تقدّم أنّ الأوامر الواردة باعادة الركوع أو السجود فيمن رفع رأسه من الركوع أو السجود قبل الامام نسيانا، للتبعيّة و الارشاد الى أنّ ماهيّة الجماعة و هيأتها مقتضية لذلك و لايكون صرف التعبّد و لذا قلنا بأنّ تخلّفه موجب لسلب القدوة و بطلان الجماعة الاّ اذا لحقه الامام من غير فصل. و قد أشار الماتن في هذه المسألة الى أمرين:
الأوّل: لو رجع الى الركوع أو السجود فهل يجب عليه الذكر؟ فذهب الى أنّ الأحوط الاتيان بالذكر في كلّ من الركوعين أو السجودين بأن يأتي بالذكر ثمّ يتابع و بعد المتابعة أيضا يأتي به. فنقول: أمّا الذكر في الركوع الأوّل أو سجوده فيجب؛ لأنّ ركوعه هذا يكون جزءا للصلاة فيعتبر فيه جميع ما يعتبر في الصلاة، و لايظهر من مكاتبة ابن فضّال المتقدّمة عدم وجوب الذكر فالمرجع مطلقات الأمر بالذكر في الركوع. و أمّا الذكر في الركوع الثاني أو سجوده فحيث انّهما للمتابعة فلا دليل على وجوب الذكر فيهما. نظير ذلك جلوس المأموم المسبوق بركعة في حال تشهّد الامام متجافيا فانّه لايجب عليه التشهّد بل يجلس معه ليتابعه في أفعاله.
الثاني: فيما اذا هوى الى الركوع أو السجود أثناء قراءة الامام فهذا تارة يكون عامدا و أخرى ناسيا، فان كان عن عمد فحيث انّه صار منفردا بتقدّمه على الامام و انقطاع ارتباطه عنه فكأنّه ترك بعض القراءة عمدا فتبطل صلاته. و ان كان هويّه الى الركوع أو السجود سهوا فيجب عليه الرجوع الى القيام فان رجع فبها، و الاّ يصير فرادى و لا ضير تركه القراءة لمكان السهو و عدم رجوعه لايوجب ترك القراءة؛ لأنّه قد ركع و كان ركوعه صحيحا ففات عنه محلّ القراءة.
(مسألة 13): لايجب تأخّر المأموم أو مقارنته مع الامام في الأقوال فلاتجب فيها المتابعة سواء الواجب منها و المندوب و المسموع منها من الامام و غير المسموع و ان كان الأحوط التأخّر خصوصا مع السماع و خصوصا في التسليم، و على أيّ حال لو تعمّد فسلّم قبل الامام لم تبطل صلاته، و لو كان سهوا لايجب اعادته بعد تسليم الامام. هذا كلّه في غير تكبيرة الاحرام، و أمّا فيها فلايجوز التقدّم على الامام، بل الأحوط تأخّره عنه بمعنى أن لايشرع فيها الاّ بعد فراغ الامام منها و ان كان في وجوبه تأمّل.
الشرح:
قال في المدارك: «و انّما تجب المتابعة في الأفعال دون الأقوال؛ لأصالة البراءة من هذا التكليف و لأنّه لو وجبت المتابعة فيها لوجب على الامام الجهر بها، ليتمكّن المأموم من متابعته، و التالي منتفٍ بالاجماع فالمقدّم مثله. و تكليف المأموم بتأخير الذكر الى أن يعلم وقوعه من الامام بعيد جدّا، بل ربّما كان مفوّتا للقدوة. و أوجب الشهيد في جملة من كتبه المتابعة في الأقوال أيضا. و ربّما كان مستنده عموم قوله صلى الله عليه و آله «انّما جعل الامام ليؤتمّ به» و هو أحوط. هذا كلّه في غير تكبيرة الاحرام، أمّا فيها فيعتبر تأخّر المأموم بها، فلو قارنه أو سبقه لم تنعقد الصلاة. انتهى».(1)
أقول:
الكلام في متابعة الامام في الأقوال يكون في ثلاثة مواضع: الأوّل في تكبيرة الاحرام. الثاني في سائر الأقوال. الثالث في التسليم.
الأوّل: المتابعة في تكبيرة الاحرام واجبة بالوجوب الشرطي و عمدة الدليل عليه عدم صدق الاقتداء فيمن سبق بتكبيرة الاحرام على الامام، و ذلك لأنّ الاقتداء هو ايصال المأموم صلاته بصلاة الامام و هو يحصل بتحقّق الصلاة، و تحقّقها بتكبيرة الاحرام، فاذا قال الامام: «اللّه أكبر» تتحقّق الصلاة. و يؤيّد هذا الدليل النبوي المتقدّم:
«انّما جعل الامام ليؤمّ به فلاتختلفوا عليه فاذا ركع فاركعوا و اذا قال «سمع اللّه لمن حمده» فقولوا: «اللّهمّ ربّنا لك الحمد» و اذا سجد فاسجدوا و اذا صلّى جالسا فصلّوا جلوسا».(2)
و رواية علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام قال:
«سألته عن الرجل يصلّي، له أن يكبّر قبل الامام؟ قال: لايكبّر الاّ مع الامام، فان كبّر قبله أعاد التكبير».(1)
و رواية أبي سعيد الخدري عن رسول اللّه صلى الله عليه و آله قال:
«اذا قمتم الى الصلاة فاعدلوا صفوفكم و أقيموها، و سوّوا الفرج، و اذا قال امامكم: «اللّه أكبر» فقولوا: «اللّه أكبر»، و اذا قال: «سمع اللّه لمن حمده» فقولوا: «اللّهمّ ربّنا و لك الحمد»».(2)
و هل يجب على المأموم أن يصبر حتّى يفرغ الامام من تكبيرة الاحرام فيكبّر بعده، أو اذا شرع الامام يجوز له أن يكبّر؟ الظاهر أنّه يجوز للمأموم أن يكبّر بعد أن شرع الامام؛ لأنّ عمدة الدليل هو صدق الاقتداء و هو يتحقّق مع شروع الامام في تكبيرة الاحرام. نعم، يحتاط بعدم الفراغ من التكبير قبل فراغ الامام منها لشبهة السبق، بل الأحوط الصبر حتّى يفرغ الامام منها.
الثاني: لاتجب متابعة الامام في سائر الأقوال و ذلك لعدم الدليل على المتابعة في الأقوال بل الدليل على خلافه فعمدته ما ورد من جواز التسليم قبل تسليم الامام فبالأولويّة تجوز المتابعة في الأقوال غير تكبيرة الاحرام. و ذلك لأنّه اذا ثبت جواز الخروج عن الصلاة قبل الامام من دون قصد الفرادى و من غير عذر فيجوز في سائر الأقوال بطريق أولى.
و الثالث: لاتجب المتابعة في التسليم بل يجوز أن يسلّم المأموم قبل أن يسلّم الامام و ان كان عن غير عذر، كما يدلّ عليه صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلامفي الرجل يكون خلف الامام فيطيل الامام التشهّد؟ فقال:
«يسلّم من خلفه و يمضي لحاجته ان أحبّ».(3)
و صحيحة أبي المغراء عن أبي عبداللّه عليه السلام في الرجل يصلّي خلف امام فسلّم قبل الامام، قال: «ليس بذلك بأس».(1)
و صحيحة أبي المغراء الثانية قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يكون خلف الامام فيسهو فيسلّم قبل أن يسلّم الامام؟ قال: لابأس».(2)
فيظهر من الصحيحة الثانية جواز التسليم من غير عذر بل و كذا الأولى، كما يظهر ذلك من الصحيحة الثالثة لأنّه لو كانت المتابعة واجبة لكان يأمره الامام عليه السلام بالعود كما أمر فيمن رفع رأسه من السجود أو الركوع قبل الامام سهوا.
قال في الجواهر: «أمّا المتابعة في الأقوال فلا ريب بل و لا خلاف على الظاهر في وجوبها في تكبيرة الاحرام كما اعترف به في الذخيرة و الكفاية، بل في الروض و الحدائق و الرياض الاجماع عليه، ضرورة عدم صدق الاقتداء بمصلٍّ مع فرض سبق المأموم بها، بل و عدم تحقّق الجماعة المحفوظة عند المسلمين خلفا عن سلف و يدا عن يد، لاأقلّ من الشكّ في تناول الاطلاقات لمثل ذلك، بل لايبعد الحاق المقارنة بالسبق في الفساد هنا و ان لم نقل به في الأفعال وفاقا للمدارك و الذخيرة و غيرهما، بل ظاهر الرياض نسبته الى فتوى أصحابنا، اقتصارا في العبادة التوقيفيّة على المعهود المتيقّن في البراءة، خصوصا بعد ملاحظة النبوي المتقدّم سابقا، بناءً على ظهوره في التأخّر، كخبر أبي سعيد الخدري عن رسول اللّه صلى الله عليه و آلهالمروي عن المجالس مسندا اليه «اذا قمتم الى الصلاة فاعدلوا صفوفكم و أقيموها و سوّوا الفرج، و اذا قال امامكم: «اللّه أكبر» فقولوا: «اللّه أكبر»، و اذا قال: «سمع اللّه لمن حمده»: فقولوا «اللّهمّ ربّنا و لك الحمد»». وحملاً للمعيّة في صحيح قرب الاسناد عن موسى بن جعفر عليهماالسلام في الرجل يصلّي
أله أن يكبّر قبل الامام؟ قال: «لايكبّر الاّ مع الامام، فان كبّر قبله أعاد التكبير».(1)على نفي التقدّم خاصّة، أو على التقيّة؛ لأنّه المحكي عن أبي حنيفة، خصوصا و المروي عنه فيه موسى بن جعفر عليه السلام المعروف حاله في زمانه، و استظهارا من الأدلّة انحصار الاقتداء بالمصلّي الذي يمكن منع تحقّقه الاّ بعد انتهاء التكبير الذي جعله الشارع افتتاح الصلاة مقابل اختتامها بالتسليم، و احتمال حصول الصدق بمجرّد الشروع فيه؛ لأنّه جزء من الصلاة قطعا فجزؤه جزء منها، و ان كان تحريم القطع و نحوه مراعى بالاتمام، يدفعه امكان منع صدق الاقتداء بالمصلّي عرفا قبل الاتمام، و ان صدق عليه أنّه شرع في الصلاة بمجرّد الشروع فيه، على أنّه لا أقلّ من عدم انصراف الاطلاق اليه، على أنّه يقتضي عدم صحّة المقارنة بأوّل حرف منه أيضا، ضرورة ظهور السبق في تحقّق وصف الصلاة بالمقتدى به لا المقارنة بل قد يدّعى أيضا عدم جواز سبقه باتمام التكبير و ان تأخّر عنه في الابتداء؛ لصدق السبق بها حينئذ عليه الذي قد عرفت انعقاد الاجماع على عدم الصحّة معه. فلا ريب أنّ الأحوط بل الأقوى وجوب المتابعة فيها بمعنى عدم شروع المأموم فيها الاّ بعد فراغ الامام منها، خلافا لما تشعر به بعض العبارات من جواز المقارنة فيها بل حكاه في الذكرى قولاً، بل في مفتاح الكرامة نقله عن الشيخ في أوائل كتاب الصلاة من المبسوط، بل في التذكرة و عن نهاية الأحكام الاشكال فيه مشعرا بالتردّد فيه. و أمّا غيرها من الأقوال فيقوى في النظر عدم وجوب المتابعة فيها، فله السبق حينئذ فضلاً عن المقارنة وفاقا لصريح بعضهم، و ظاهر آخرين، بل المفاتيح و الرياض نسبته الى الأكثر، بل في الحدائق الظاهر أنّه المشهور، و لعلّهم أخذوه من اقتصارهم على ذكر المتابعة في غير الأقوال، و الاّ فعن الفاضل الشيخ ابراهيم البحراني في ايضاح النافع أنّي لم أقف فيه على نصّ و لا فتوىً من القدماء، بل يمكن ارادة ما يعمّ الأقوال من الأفعال المذكور فيها المتابعة في كلام
1) - وسائل الشيعة 3: 101 / الباب 16 من أبواب صلاة الجنازة / الحديث 1.
الأصحاب. بل قد يدّعى أنّه ظاهر الشرائع و النافع و القواعد و التحرير و الموجز حيث أطلق فيها المتابعة من غير ذكر الأقوال و الأفعال، كما عن اللمعة و النفليّة و الهلاليّة و الغرية و غيرها، بل هو معقد اجماع أهل العلم في المنتهى - و ان كان تفريع المصنّف و غيره السبق في الركوع و السجود عليها قد يومئ الى ارادة الأفعال منها - بل صرّح في الدروس و البيان و كشف الالتباس بوجوبها فيها أيضا كما عن الجعفريّة و ارشادها و الميسيّة. لكن و مع ذلك فالأقوى ما عرفت للأصل، و اطلاقات الجماعة، و ما تسمعه من أخبار التسليم، و السيرة، و فحوى عدم وجوب الاسماع على الامام و الاستماع على المأموم، كفحوى عدم وجوب قراءته خصوص ما يفعله الامام في الركعتين الأخيرتين و في ذكر الركوع و السجود و غيرهما حتّى القنوت؛ اذ في الروض أنّ المتابعة كما تستحبّ أو تجب في الأقوال الواجبة فكذا في المستحبّة، و هو صريح في اندراجها في البحث، و العسر و المشقّة و تأديته الى فوات الاقتداء في بعض الأحوال، و ما يشعر به ما ذكر في النصّ و الفتوى من تسبيح المأموم أو ابقاء آية حتّى يركع لو فرغ من القراءة قبل الامام، و امكان المناقشة ببعض ذلك بأنّ من قال بوجوب المتابعة فيها يقيّده بالسماع مع أنّه له أن يقول في صورة عدمه أيضا بوجوب ترك القول عليه اذا علم عدم قول الامام أو بوجوب التأخير مادام لم يظنّ قوله كما ترى، تحكّم من غير حاكم و الزام بدون ملزم. انتهى».(1)
(مسألة 14): لو أحرم قبل الامام سهوا أو بزعم أنّه كبّر كان منفردا، فان أراد الجماعة عدل الى النافلة و أتمّها أو قطعها.
الشرح:
1) - جواهر الكلام 13: 207 - 209.
اذا أحرم قبل الامام سهوا أو بزعم أنّه كبّر كان منفردا و لم يتحقّق منه الاقتداء؛ لأنّه ايصال المأموم صلاته بصلاة الامام، فقبل التكبير لايكون هناك امام و لا صلاة. و أمّا تحريمه للصلاة فصحيح فكانت صلاته منفردة لأنّ المصلّي أراد أن يعمل بما هو مكلّف به فعلاً من صلاة الظهر أو غيرها فحيث لها أفراد متفاوتة في الفضيلة اختار أفضلها و هو الصلاة مع الجماعة فاذا كبّر انكشف الاشتباه في الفرد الأفضل و ذلك لايضرّ بطبيعة الصلاة فكأنّه كان من الأوّل فرادى. ففي هذه الحال يتمّ صلاته فرادى، و له أن يعدل الى النافلة فيتمّها أو يقطعها فيقتدي ثانيا كما سيأتي. و كذا يجوز له أن يقطع الصلاة من دون العدول الى النافلة و ذلك لما سبق في القواطع من أنّه لا دليل على حرمة قطع الصلاة مطلقا، فالمستفاد من الأخبار و غيرها هو حرمة القطع اذا كان موهنا للصلاة كمن كبّر و صلّى و قطع صلاته لعبا، و أمّا اذا قطعها لغرض صحيح كادراك الجماعة فلا منع، و هذا مثل من قطعها للأذان و الاقامة المنسيّين.
(مسألة 15): يجوز للمأموم أن يأتي بذكر الركوع و السجود أزيد من الامام، و كذا اذا ترك بعض الأذكار المستحبّة يجوز له الاتيان بها مثل تكبير الركوع و السجود و «بحول اللّه و قوّته» و نحو ذلك.
الشرح:
قد تقدّم في المسألة الثالثه عشرة أنّ المتابعة في الأقوال غير تكبيرة الاحرام لاتكون واجبة؛ لعدم الدليل، بل الدليل قائم على خلافه، و هنا نقول: اذا لم تجب المتابعة لم تجب مطلقا أي سواء كان في شروع الذكر أو في ختامه، و سواء كان في كمّيّته أو كيفيّته و عليه يجوز للمأموم أن يأتي بذكر الركوع و السجود أزيد من الامام أو أقلّ، و كذا أن يأتي ببعض الأذكار المستحبّة التي تركها الامام أو يترك بعضها الذي أتى بها الامام.
(مسألة 16): اذا ترك الامام جلسة الاستراحة لعدم كونها واجبة عنده لايجوز للمأموم الذي يقلّد من يوجبها أو يقول بالاحتياط الوجوبي أن يتركها، و كذا اذا اقتصر في التسبيحات على مرّة مع كون المأموم مقلّدا لمن يوجب الثلاث و هكذا.
و ذلك لأنّ ترك الجزء عمدا موجب لبطلان الصلاة، و وجوب المتابعة لايشمل المقام و ان أدّى الى التأخّر الفاحش الموجب للاخلال في الجماعة و صار منفردا. و سيأتي التعرّض في المسألة الحادية و الثلاثين في حكم اقتداء المأموم المخالف نظره لنظر الامام في حكم بعض أجزاء الصلاة.
(مسألة 17): اذا ركع المأموم ثمّ رأى الامام يقنت في ركعة لا قنوت فيها يجب عليه العود الى القيام لكن يترك القنوت، و كذا لو رآه جالسا يتشهّد في غير محلّه وجب عليه الجلوس معه لكن لايتشهّد معه، و هكذا في نظائر ذلك.
الشرح:
لو رأى المأموم أنّ الامام جالس يتشهّد في غير محلّه، لايقوم و يجلس معه لتكون القدوة باقية، و لايتقدّم على الامام في الأفعال، ولكن لايتشهّد معه؛ لأنّ التشهّد في غير محلّه و لاتجب المتابعة في الأقوال و ان أوجبناها لأنّها منصرفة عن مثل هذا المورد. و لو كان الامام في الركعة الأولى مثلاً و أتمّ القراءة و ركع المأموم بزعم ركوع الامام ثمّ رءاه يقنت سهوا فهل يجب عليه العود الى القيام لوجوب المتابعة تعبّدا أو شرطا على القولين؟ ذهب الماتن الى وجوبه؛ لاطلاق الروايات الآمرة بالعود الى القيام. يمكن أن يقال بانصراف الروايات عن هذا المورد، اللّهمّ الاّ أن يدّعى بأنّه بدوي، فالأحوط أن يترك العود و ينتظر حتّى يلحقه
الامام ان لم يخلّ بالجماعة بطول قنوته، أو يتمّ صلاته فرادى ان تأخّر لحوقه. و لو عاد الى القيام يترك القنوت لعدم الورود.
(مسألة 18): لايتحمّل الامام عن المأموم شيئا من أفعال الصلاة غير القراءة في الأوّلتين اذا ائتمّ به فيهما و أمّا في الأخيرتين فلايتحمّل عنه بل يجب عليه بنفسه أن يقرأ الحمد أو يأتي بالتسبيحات و ان قرأ الامام فيهما و سمع قراءته، و اذا لم يدرك الأوّلتين مع الامام وجب عليه القراءة فيهما؛ لأنّهما أوّلتا صلاته. و ان لم يمهله الامام لاتمامها اقتصر على الحمد و ترك السورة و ركع معه، و أمّا اذا أعجله عن الحمد أيضا فالأحوط اتمامها و اللحوق به في السجود أو قصد الانفراد، و يجوز له قطع الحمد و الركوع معه لكن في هذه لايترك الاحتياط باعادة الصلاة.
الشرح:
لايتحمّل الامام عن المأموم شيئا من أفعال الصلاة غير القراءة في الأوّلتين اذا ائتمّ به فيهما. و الدليل على ذلك موثّقة سماعة عن أبي عبداللّه عليه السلام أنّه سأله رجل عن القراءة خلف الامام؟ فقال:
«لا، انّ الامام ضامن للقراءة، و ليس يضمن الامام صلاة الذين خلفه، انّما يضمن القراءة».(1)
و خبر الحسين بن كثير عن أبي عبداللّه عليه السلام أنّه سأله رجل عن القراءة خلف الامام؟ فقال:
«لا، انّ الامام ضامن للقراءة، و ليس يضمن الامام صلاة الذين هم
1) - وسائل الشيعة 8: 354 / الباب 30 من أبواب صلاة الجماعة / الحديث 3.
من خلفه، انّما يضمن القراءة».(1)
و خبر أبي بصير عن الصادق عليه السلام أنّه قال له:
«أيضمن الامام الصلاة؟ فقال: لا، ليس بضامن».(2)
و خبر زرارة قال:
«سألت أحدهما عليهماالسلام عن الامام، يضمن صلاة القوم؟ قال: لا».(3)
أمّا الأخيرتين فقد تقدّم بأنّ المستفاد من الأخبار وجوب اتيان القراءة أو التسبيحات فيهما تخييرا اماما كان أو مأموما، فحينئذ اذا اختار الامام القراءة فهل يتحمّل قراءة المأموم للمطلقات؟ الظاهر أنّه لايتحمّل؛ لأنّ مطلقات تحمّل قراءة المأموم تنصرف الى ما يتعيّن فيه القراءة و هو الركعتان الأوّلتان، مضافا الى اطلاق الروايات الواردة في أنّه يجب على المأموم المسبوق بركعة أو ركعتين القراءة في ركعتيه الأوّلتين، و اطلاقها يشمل ما لو قرأ الامام في الأخيرتين. كصحيحة الحلبى عن أبي عبداللّه عليه السلام أنّه قال:
«اذا فاتك شيء مع الامام فاجعل أوّل صلاتك ما استقبلت منها، و لاتجعل أوّل صلاتك آخرها».(4)
و صحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يدرك الركعة الثانية من الصلاة مع الامام و هي له الأولى، كيف يصنع اذا جلس الامام؟ قال: يتجافى ولايتمكّن من القعود، فاذا كانت الثالثة للامام و هي له الثانية فليلبث قليلاً اذا قام الامام بقدر ما يتشهّد ثمّ يلحق بالامام. قال: و سألته عن
الرجل الذي يدرك الركعتين الأخيرتين من الصلاة، كيف يصنع بالقراءة؟ فقال: اقرأ فيهما فانّهما لك الأوّلتان، و لاتجعل أوّل صلاتك آخرها».(1)
و صحيحة عبدالرحمن بن أبي عبداللّه عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا سبقك الامام بركعة فأدركت القراءة الأخيرة قرأت في الثالثة من صلاته و هي ثنتان لك، و ان لم تدرك معه الاّ ركعة واحدة قرأت فيها و في التي تليها، و ان سبقك بركعة جلست في الثانية لك و الثالثة له حتّى تعتدل الصفوف قياما. الحديث».(2)
و صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«اذا أدرك الرجل بعض الصلاة و فاته بعض خلف امام يحتسب بالصلاة خلفه جعل أوّل ما أدرك أوّل صلاته ان أدرك من الظهر أو من العصر أو من العشاء ركعتين و فاتته ركعتان قرأ في كلّ ركعة ممّا أدرك خلف الامام في نفسه بأمّ الكتاب و سورة، فان لم يدرك السورة تامّة أجزأته أمّ الكتاب، فاذا سلّم الامام قام فصلّى ركعتين لايقرأ فيهما؛ لأنّ الصلاة انّما يقرأ فيها في الأوّلتين في كلّ ركعة بأمّ الكتاب و سورة، و في الأخيرتين لايقرأ فيهما، انّما هو تسبيح و تكبير و تهليل و دعاء ليس فيهما قراءة، و ان أدرك ركعة قرأ فيها خلف الامام، فاذا سلّم الامام قام فقرأ بأمّ الكتاب و سورة ثمّ قعد فتشهّد، ثمّ قام فصلّى ركعتين ليس فيهما قراءة».(3)
فهذه الروايات و ان وردت فيمن أدرك بعض صلاة الامام الاّ أنّها تشمل ما
نحن فيه أيضا؛ لأنّها أوّلاً لسانها لسان عدم تحمّل الامام اذا كان في الركعتين الأخيرتين ما على المأموم من القراءة أو غيرها من التسبيحات. و يشهد على ذلك ما في ذيل صحيحة زرارة من قوله عليه السلام « ... لأنّ الصلاة انّما يقرأ فيها في الأوّلتين ... » فما في الذيل و ان كان ظاهره في بيان تعيين الوظيفة للركعتين الأخيرتين مطلقا أو في المأموم المسبوق بركعتين، الاّ أنّه ليس منعزلاً عن المقام فكأنّه عليه السلاميقول: كيف لايقرأ المأموم في الركعتين الأوّلتين و الحال أنّه موظّف بأمّ الكتاب و سورة فيهما، و كيف يتحمّل الامام قراءة المأموم و الحال أنّ وضع الأخيرتين للتسبيح و التكبير و التهليل و الدعاء.
و ثانيا: يمكن أن يقال بأنّ هذه الروايات تقيّد الروايات السابقة الناطقة بأنّ الامام يتحمّل قراءة المأموم في الركعتين الأوّلتين.
فتحصّل أوّلاً أنّ الامام لايتحمّل أزيد من قراءة الركعتين الأوّلتين من المأموم اذا كان مع الامام من أوّل الصلاة أو أدرك الركعة الثانية. و ثانيا اذا أدرك المأموم الامام في الركعتين الأخيرتين فعليه أن يقرأ بأمّ الكتاب و سورة فاذا لم يمهله الامام لقراءة السورة فيترك السورة فيأتي بأمّ الكتاب فقط. و أمّا اذا لم يمهله للسورة التامّة ولكن أمهله لبعض السورة فالظاهر أنّه يجزي عنه أمّ الكتاب كما هو ظاهر صحيحة زرارة حيث قال الامام عليه السلام: «فان لم يدرك السورة تامّة أجزأته أمّ الكتاب».
قال المحقّق الهمداني: «اذا فاته مع الامام شيء من الركعات صلّى ما يدركه و جعله أوّل صلاته و أتمّ ما بقي عليه على حسب ما اقتضاه تكليفه لو كان منفردا من أوّل صلاته بلا خلاف معتدّ به فيه بيننا بل عن غير واحد دعوى الاجماع عليه خلافا للمحكي عن أبي حنيفة و بعض العامّة و أبي علي من الخاصّة فقالوا بأنّه يتبع الامام في ذلك ثمّ يتدارك ما فاته من الأوّل محتجّين بما رووه عنه صلى الله عليه و آله أنّه قال: «ما أدركتم فصلّوا و ما فاتكم فاقضوا» و هذه الرواية على تقدير صحّتها لاتأبى عن الحمل على ما يوافق مذهبنا و قد ورد في جملة من أخبارنا الطعن و التعريض
على هذا المذهب كما ستسمعه، و يدلّ على الحكم المذكور جملة من الأخبار كصحيحة الحلبي و صحيحة زرارة و صحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج و خبر طلحة بن زيد و مرسل أحمد بن النضر و رواية عبدالرحمن بن أبي عبداللّه و موثّقة عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام قال: «سألته عن الرجل يدرك الامام و هو يصلّي أربع ركعات و قد صلّى الامام ركعتين؟ قال: يفتتح الصلاة فيدخل معه و يقرأ معه في الركعتين»، و عن كتاب دعائم الاسلام و كذا عن الفقه الرضوي.
و هذه الأخبار واضحة الدلالة على المدّعى و قد اشتمل جلّها على الأمر بالقراءة و ظاهره الوجوب كما ربّما يؤيّده عموم ما دلّ على وجوب القراءة في الأوّلتين و أنّه لا صلاة الاّ بفاتحة الكتاب بل قد يستشعر من سوق غير واحد منها أنّ المقصود من الأمر بجعل ما أدركه أوّل صلاته انّما هو ارادة القراءة فيه ان كان من الأخيرتين. و ما دّل على ضمان الامام للقراءة قاصر عن شمول المقام فضلاً عن صلاحيّة المعارضة لما عرفت؛ اذ المنساق منه ارادته حال الائتمام به في الأوّلتين فلولا الأدلّة الخارجيّة الدالّة على جواز اللحوق بالامام في الركوع من غير قراءة لم يكن يفهم من تلك الأدلّة سقوطها عمّن لحق بالامام بعد فراغه من القراءة في الأوّلتين أيضا فضلاً عن الأخيرتين كما لايخفى. فما عن غير واحد من القول بجواز تركها ضعيف. انتهى ملخّصا».(1)
اذا لم يمهله الامام لقراءة فاتحة الكتاب فعليه أن يتمّها و يلحق بالامام في السجود، فانّ التأخّر بهذا المقدار لايوجب الانفراد مع وجوب القراءة عليه، و أنّه
1) - مصباح الفقيه كتاب الصلاة: 697.
«لا صلاة الاّ بفاتحة الكتاب»، و ليس هنا دليل على ترك القراءة أو عدم اتمامها. نعم، يجوز له قصد الانفراد، بل ينفرد اذا لم يدرك السجدتين.
قد يقال بوجوب ترك القراءة أوّلاً لترجيح وجوب المتابعة على وجوب القراءة في مقام التزاحم؛ للدليل على ترك الواجب كالسورة أو ازدياده حتّى الركن للمتابعة. و ثانيا لصحيحة معاوية بن وهب قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يدرك آخر صلاة الامام و هي أوّل صلاة الرجل فلايمهله حتّى يقرأ، فيقضي القراءة في آخر صلاته؟ قال: نعم».(1)
ولكنّ الأوّل مدفوع بما تقدّم من أنّ وجوب المتابعة شرطيّ فلايزاحم أو يعارض وجوب القراءة بل تقدّم القراءة على الجماعة لجواز الفرادى الاّ ما خرج بالدليل من جواز بقاء القدوة مع ترك الواجب أو ازدياده، كما لو رفع رأسه من الركوع قبل الامام سهوا أو سجد كذلك أو هوى الى الركوع و السجود سهوا قبل الامام، فانّه يرجع و يلحق بالامام كما تقدّم.
و أمّا الثاني أي صحيحة معاوية بن وهب ففيها: انّها واردة فيمن أدرك آخر صلاة الامام و محلّ الكلام مطلق، مضافا الى أنّه يحتمل أن يكون المراد من ادراك الرجل آخر صلاة الامام هو ادراكه في الركوع، فتأمّل.
قال المحقّق الهمداني: «و لو ضاق عن قراءة الفاتحة أيضا أو عن اتمامها و اللحوق بالركوع فهل يقرؤها و يلحق بالسجود أو يتبع الامام في الركوع؟ وجهان بل قولان، صرّح بعض متأخّري المتأخّرين بالأوّل لوجوب القراءة عليه بالأدلّة المتقدّمة و عدم كون التخلّف لعذر مانعا عن صحّة الاقتداء كما تقدّم تحقيقه فيما سبق، بل قد عرفت فيما تقدّم عدم صلاحيّة وجوب المتابعة لأن يكون دليلاً لجواز الاخلال بشيء من واجبات الصلاة لو لم يدلّ عليه دليل خارجي و ربّما يؤيّده
1) - وسائل الشيعة 8: 388 / الباب 47 من أبواب صلاة الجماعة / الحديث 5.
أيضا قوله عليه السلام في الصحيحة المتقدّمة «فان لم يدرك السورة تامّة أجزأته أمّ الكتاب» فانّه مشعر بعدم جواز الاخلال بالفاتحة و عدم صحّة الاجتزاء بما دونها. انتهى موضع الحاجة من كلامه».(1)
(مسألة 19): اذا أدرك الامام في الركعة الثانية تحمّل عنه القراءة فيها، و وجب عليه القراءة في ثالثة الامام الثانية له، و يتابعه في القنوت في الأولى منه و في التشهّد و الأحوط التجافي فيه كما أنّ الأحوط التسبيح عوض التشهّد و ان كان الأقوى جواز التشهّد بل استحبابه أيضا. و اذا أمهله الامام في الثانية له للفاتحة و السورة و القنوت أتى بها، و ان لم يمهله ترك القنوت، و ان لم يمهله للسورة تركها، و ان لم يمهله لاتمام الفاتحة أيضا فالحال كالمسألة المتقدّمة من أنّه يتمّها و يلحق الامام في السجدة، أو ينوي الانفراد، أو يقطعها و يركع مع الامام و يتمّ الصلاة و يعيدها.
الشرح:
اذا أدرك الامام في الركعة الثانية تحمّل عنه القراءة فيها، و وجب عليه القراءة في ثالثة الامام الثانية له؛ لصحيحة عبدالرحمن بن أبي عبداللّه المتقدّمة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا سبقك الامام بركعة فأدركت القراءة الأخيرة قرأت في الثالثة من صلاته و هي ثنتان لك ... ».(2)
و يتابعه في القنوت في الأولى منه؛ لموثّق عبدالرحمن بن أبي عبداللّه عن أبي عبداللّه عليه السلام في الرجل يدخل الركعة الأخيرة من الغداة مع الامام فقنت الامام،
أيقنت معه؟ قال:
«نعم، و يجزيه من القنوت لنفسه».(1)
و يتابعه في التشهّد أيضا؛ لموثّق الحسين بن المختار و داوود بن الحصين قال:
«سئل عن رجل فاتته صلاة ركعة من المغرب مع الامام فأدرك الثنتين فهي الأولى له و الثانية للقوم فيتشهّد فيها؟ قال: نعم. قلت: و الثانية أيضا؟ قال: نعم. قلت: كلّهنّ؟ قال: نعم، و انّما هي بركة».(2)
و خبر اسحاق بن يزيد قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: جعلت فداك! يسبقني الامام بالركعة فتكون لي واحدة و له ثنتان، فأتشهّد كلّما قعدت؟ قال: نعم، فانّما التشهّد بركة».(3)
و عن النهاية و ظاهر السرائر الأمر بالتسبيح و المنع عن التشهّد، و في الجواهر: «لم نعرف لهم شاهدا على ذلك».(4)
و أمّا كيفيّة الجلوس في التشهّد فالظاهر من الروايات هو وجوب التجافي حين تشهّد الامام على المأموم المسبوق بركعة، و ذلك لصحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج المتقدّمة قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يدرك الركعة الثانية من الصلاة مع الامام و هي له الأولى، كيف يصنع اذا جلس الامام؟ قال: يتجافى و لايتمكّن من القعود».(5)
و صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) قال:
«و من أجلسه الامام في موضع يجب أن يقوم فيه تجافى و أقعى اقعاءً و لم يجلس متمكّنا».(1)
و لايعارضهما موثّقة الحسين بن المختار المتقدّمة(2)لأنّ السؤال و الجواب في الموثّقة حول التشهّد و كذا خبر اسحاق بن يزيد(3)، مع أنّه لو كان السؤال و الجواب في القعود أيضا فالجمع العرفي هو الاطلاق و التقييد كما يكون هكذا في خبر علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام قال:
«سألته عن الرجل يدرك الركعة من المغرب، كيف يصنع حين يقوم يقضي؟ أيقعد في الثانية و الثالثة؟ قال: يقعد فيهنّ جميعا».(4)
مع أنّ الظاهر من هذا الخبر هو القعود لتشهّد نفسه، و لو قيل في الموثّقة و غيرها بأنّه عليه السلام في مقام البيان، و التقييد موجب لتأخّر الحاجة عن وقت البيان، فنقول في جوابه بأنّ الراوي معذور فيما بينه و بين البيان. فهل يجب التشهّد أو القنوت على المأموم المسبوق بركعة؟ الظاهر لا؛ لأنّ احتمال الوجوب ان كان من أمر الامام عليه السلامفهو في مقام توهّم الحظر قطعا؛ لأنّ السائل توهّم أنّ القنوت في الركعة الأولى و كذا التشهّد فيها لعلّه كان بدعة موجبة للزيادة العمديّة فتبطل صلاته، فسأل الامام عليه السلام: كيف يصنع؟ فأجابه عليه السلام بأنّه يقنت أو يتشهّد، فهما عبارة أخرى عن عدم البأس بذلك.
ان قلت: انّ الوجوب للتبعيّة، قلت أوّلاً: انّ وجوب التبعيّة في أفعال الصلاة اذاوقعت في محلّها، فالقنوت و التشهّد في الركعة الأولى ليسا من أفعال صلاة
المأموم فكيف يجب عليه المتابعة؟ و ثانيا: انّهما من الأقوال فلاتجب المتابعة فيهما. مضافا الى ما تقدّم من أنّ وجوب التبعيّة شرطي لاتعبّدي فيجب على المأموم هنا أن لايتقدّم على الامام و لايتأخّر تأخّرا فاحشا في الأفعال. فتلخّص أنّه لايجب التشهّد و القنوت مع الامام بل يستحبّ.
(مسألة 20): المراد بعدم امهال الامام - المجوّز لترك السورة - ركوعه قبل شروع المأموم فيها، أو قبل اتمامها، و ان أمكنه اتمامها قبل رفع رأسه من الركوع فيجوز تركها بمجرّد دخوله في الركوع و لايجب الصبر الى أواخره و ان كان الأحوط قراءتها ما لم يخف فوت اللحوق في الركوع، فمع الاطمئنان بعد رفع رأسه قبل اتمامها لايتركها و لايقطعها.
الشرح:
المراد بعدم امهال الامام المجوّز لترك السورة، ركوعه قبل شروع المأموم فيها، أو قبل اتمامها. و يدلّ على ذلك صحيحة زرارة المتقدّمة عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«اذا أدرك الرجل بعض الصلاة و فاته بعض خلف امام يحتسب بالصلاة خلفه جعل أوّل ما أدرك أوّل صلاته، ان أدرك من الظهر أو من العصر أو من العشاء ركعتين و فاتته ركعتان قرأ في كلّ ركعة ممّا أدرك خلف الامام في نفسه بأمّ الكتاب و سورة، فان لم يدرك السورة تامّة أجزأته أمّ الكتاب. الحديث».(1)
قال في مصباح الفقيه: «لو ضاق الوقت عن قراءة الحمد و السورة بأن كان بحيث لو قرأها لم يلحق بالركوع اكتفى بالحمد خاصّة كما نصّ عليه في صحيحة زرارة. و لو تمكّن من الاتيان ببعض سورة هل عليه ذلك؟ قد يترائى من الصحيحة
1) - وسائل الشيعة 8: 388 / الباب 47 من أبواب صلاة الجماعة / الحديث 4.
المزبورة عدمه ولكن لايبعد أن يكون المقصود بقوله عليه السلام «فان لم يدرك السورة تامّة أجزأته أمّ الكتاب» بيان عدم الحاجة الى سورة كاملة لدى عدم التمكّن من الاتيان بها تامّة و الركوع مع الامام لا سقوط التكليف عنها رأسا بحيث ينافيه قاعدة الميسور، فالقول بوجوب الاتيان بما تيسّر قبل أن يركع الامام لايخلو من وجه، كما ربّما يؤيّده أيضا قوله عليه السلام في ذيل موثّقة عمّار: «و يقرأ خلفه في الركعتين يقرأ في الأولى الحمد و ما أدرك من سورة الجمعة و يركع مع الامام، و في الثانية الحمد و ما أدرك من سورة المنافقين و يركع مع الامام». انتهى ملخّصا».(1)
(مسألة 21): اذا اعتقد المأموم امهال الامام له في قراءته فقرأها و لم يدرك ركوعه لاتبطل صلاته بل الظاهر عدم البطلان اذا تعمّد ذلك، بل اذا تعمّد الاتيان بالقنوت مع علمه بعدم درك ركوع الامام، فالظاهر عدم البطلان.
الشرح:
اذا اقتدى بالامام في الركوع في الركعة الثالثة فاذا قام للركعة الرابعة يجب عليه قراءة الحمد سواء أمهله الامام و أدرك الركوع أو لم يمهله فيلحق به في السجدة كما تقدّم في الفرع الملحق بالمسألة الثامنه عشرة. و هكذا يكون الحال اذا اقتدى بالامام في الركعتين الأخيرتين حال القيام فعليه أن يقرأ فاتحة الكتاب، فان لم يدرك الامام في الركوع أدركه في السجود، و قد تقدّم في الفرع الثالث من المسألة الرابعة و العشرين من فصل صلاة الجماعة. و أمّا السورة فاذا لم يمهله الامام لقراءتها فيتركها حتّى يدرك الركوع، و لو اعتقد ادراك الركوع فقرأها تامّة أو بعضها و رفع الامام رأسه تركها و يلحقه في السجدة، و كذا لو غفل ثمّ انتبه، و أمّا
1) - مصباح الفقيه كتاب الصلاة: 698.
لو علم أنّه لايدرك الركوع لو قرأ السورة و لم يعتن و قرأها فلاتبعد صحّة جماعته بناءً على ما مرّ في المسألة الرابعة و العشرين، و ان كان الاحتياط أن يتمّ صلاته فرادى.
(مسألة 22): يجب الاخفات في القراءة خلف الامام و ان كانت الصلاة جهريّة سواء كان في القراءة الاستحبابيّة كما في الأوّلتين مع عدم سماع صوت الامام أو الوجوبيّة كما اذا كان مسبوقا بركعة أو ركعتين، و لو جهر جاهلاً أو ناسيا لم تبطل صلاته. نعم، لايبعد استحباب الجهر بالبسملة كما في سائر موارد وجوب الاخفات.
الشرح:
قد تقدّم في المسألة الأولى من هذا الفصل أنّه لاتجوز القراءة خلف الامام في الركعتين الأوّلتين جهريّة كانت صلاته أو اخفاتيّة، الاّ في الصلاة الجهريّة التي لايسمع المأموم صوت الامام و لو همهمته فحينئذ تستحبّ القراءة اخفاتا، و ذلك لصحيحة قتيبة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا كنت خلف امام ترتضي به في صلاة يجهر فيها بالقراءة فلم تسمع قراءته فاقرأ أنت لنفسك، و ان كنت تسمع الهمهمة فلاتقرأ».(1)
و الظاهر أنّ المراد من قوله عليه السلام «فاقرأ أنت لنفسك» هو الاخفات، و لو بقرينة كونه في الجماعة.
و تقدّم أيضا وجوب القراءة اذا أدرك الامام في الركعتين الأخيرتين و يقرأها اخفاتا لقوله عليه السلام في صحيحة زرارة المتقدّمة:
1) - وسائل الشيعة 8: 357 / الباب 31 من أبواب صلاة الجماعة / الحديث 7.
« ... قرأ في كلّ ركعة ممّا أدرك خلف الامام في نفسه بأمّ الكتاب و سورة».(1)
و مقتضى الاطلاق وجوب الاخفات في جميع أجزاء القراءة التي منها البسملة. و لايعارضها اطلاق الجهر بالبسملة؛ لأنّه منصرف الى الركعتين الأوّلتين كما تقدّم في المسألة الرابعة من فصل الركعات الأخيرة.(2)
قال المحقّق الهمداني: «الأظهر أنّه يجب عليه أن يقرأ اخفاتا و ان كانت الصلاة جهريّة؛ لقوله عليه السلام في صحيحة زرارة المتقدّمة «قرأ في كلّ ركعة ممّا أدرك خلف الامام في نفسه بأمّ الكتاب»، و في مرسلة الدعائم الأولى «و ليقرأ فيما بينه و بين نفسه ان أمهله الامام»، و في مرسلته الثانية «فاقرأ لنفسك بفاتحة الكتاب»؛ اذ الظاهر أنّ المراد بالقراءة في نفسه أو لنفسه أو فيما بينه و بين نفسه هو القراءة سرّا لا مجرّد الاخطار بالبال فانّه لايسمّى قراءة مع أنّ مقتضى الجمع بينها و بين غيرها من الروايات الآمرة بالقراءة هو حملها على هذا المعنى لو لم نقل بظهورها في حدّ ذاتها في ذلك؛ لعدم امكان صرف الأمر بالقراءة الوارد في سائر الأخبار الى ارادة حديث النفس بقرينة هذه الروايات لابائها عن ذلك بخلاف العكس أي جعل تلك الأخبار قرينة على ارادة الاخفات من هذه الروايات كما لايخفى. و ذهب بعض الى القول بالاستحباب تضعيفا لمستنده دلالة أو سندا، و فيه ما لايخفى. انتهى».(3)
(مسألة 23): المأموم المسبوق بركعة يجب عليه التشهّد في الثانية منه الثالثة للامام، فيتخلّف عن الامام و يتشهّد ثمّ يلحقه في القيام، أو في الركوع
اذا لم يمهله للتسبيحات فيأتي بها و يكتفي بالمرّة و يلحقه في الركوع أو السجود، و كذا يجب عليه التخلّف عنه في كلّ فعل وجب عليه دون الامام من ركوع أو سجود أو نحوهما فيفعله ثمّ يلحقه الاّ ما عرفت من القراءة في الأوليين.
الشرح:
المأموم المسبوق بركعة يجب عليه التشهّد في الثانية منه الثالثة للامام؛ لقوله عليه السلامفي صحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج المتقدّمة:
« ... فاذا كانت الثالثة للامام و هي له الثانية فليلبث قليلاً اذا قام الامام بقدر ما يتشهّد، ثمّ يلحق بالامام».(1)
و قوله عليه السلام في صحيحة عبدالرحمن بن أبي عبداللّه:
« ... و ان سبقك بركعة جلست في الثانية لك و الثالثة له حتّى تعتدل الصفوف قياما».(2)
فيتخلّف عن الامام و يتشهّد ثمّ يلحقه في القيام أو في الركوع و اذا لم يمهله للتسبيحات ثلاث مرّات يكتفي بالمرّة الواحدة و يلحقه في الركوع أو السجود، و الجماعة باقية. و كذا يجب عليه التخلّف عنه في كلّ فعل يجب عليه دون الامام من ركوع أو سجود أو نحوهما فيفعله ثمّ يلحقه الاّ ما عرفت من القراءة في الأوليين.
(مسألة 24): اذا أدرك المأموم الامام في الأخيرتين فدخل في الصلاة معه قبل ركوعه وجب عليه قراءة الفاتحة و السورة اذا أمهله لهما و الاّ كفته
الفاتحة على ما مرّ. و لو علم أنّه لو دخل معه لم يمهله لاتمام الفاتحة أيضا فالأحوط عدم الاحرام الاّ بعد ركوعه فيحرم حينئذ و يركع معه و ليس عليه الفاتحة حينئد.
الشرح:
اذا أدرك المأموم الامام في الأخيرتين فدخل في الصلاة معه قبل ركوعه وجب عليه قراءة الفاتحة و السورة اذا أمهله لهما، و الاّ كفته الفاتحة على ما مرّ في المسألة الحادية و العشرين. و لو علم أنّه لو دخل لم يمهله لاتمام الفاتحة فيصبر حتّى يركع الامام ثمّ يحرم، فلو لم يصبر فأحرم فشرع في الحمد فرفع الامام رأسه فلاتبعد صحّة جماعته لو أدرك الامام في السجدة الأولى كما تقدّم في المسألة المذكورة، و ان كان الأحوط أن يتمّ صلاته فرادى.
(مسألة 25): اذا حضر المأموم الجماعة و لم يدر أنّ الامام في الأوليين أو الأخيرتين، قرأ الحمد و السورة بقصد القربة، فان تبيّن كونه في الأخيرتين وقعت في محلّها، و ان تبيّن كونه في الأوليين لايضرّه ذلك.
الشرح:
هذا الذي ذكره المصنّف مقتضى الاحتياط لو قلنا بأنّ القراءة في الأوليين في الصلاة الاخفاتيّة مكروهة، أو كانت الصلاة جهريّة، و لايسمع المأموم صوت الامام لبعده أو لعارض آخر. و أمّا لو كانت الصلاة اخفاتيّة و قلنا بحرمة القراءة في الأوّلتين فالأمر حينئذ دائر بين الوجوب و الحرمة؛ لأنّه ان كان الامام في الأخيرتين وجب على المأموم القراءة و ان كان في الأوليين يحرم عليه القراءة، فمقتضى القاعدة وجوب القراءة عليه الاّ اذا أحرز أنّ الامام في الركعتين الأوّلتين.
(مسألة 26): اذا تخيّل أنّ الامام في الأوليين فترك القراءة ثمّ تبيّن أنّه في الأخيرتين، فان كان التبيّن قبل الركوع قرأ ولو الحمد فقط و لحقه، و ان كان بعده صحّت صلاته. و اذا تخيّل أنّه في احدى الأخيرتين فقرأ ثمّ تبيّن كونه في الأوليين فلابأس، و لو تبيّن في أثنائها لايجب اتمامها.
الشرح:
اذا تخيّل أنّ الامام في الأوليين فترك القراءة ثمّ تبيّن أنّه في الأخيرتين فان كان التبيّن قبل الركوع قرأ ولو الحمد فقط و يلحقه في السجدة الأولى لما مرّ في المسألة الثامنة و العشرين في الفصل السابق من وجوب القراءة عليه اذا اقتدى في الركعتين الأخيرتين. و الدليل عليه قوله عليه السلام في صحيحة عبدالرحمن بن أبي عبداللّه:
«اذا سبقك الامام بركعة فأدركت القراءة الأخيرة قرأت في الثالثة من صلاته و هي ثنتان لك ... ».(1)
و ما ورد من أنّه «لا صلاة له الاّ أن يقرأ بها في جهر أو اخفات».(2)
و لاتسقط الفاتحة الاّ اذا كان الامام في الأوليين كما مرّ. و ان كان التبيّن بعد الركوع فالصلاة صحيحة؛ لحديث «لاتعاد الصلاة الاّ من خمسة: الطهور و الوقت و القبلة و الركوع و السجود»(3)فانّه يشمل ما لو ترك القراءة نسيانا و خطأً و جهلاً و غفلة. و اذا تخيّل أنّه في احدى الأخيرتين فقرأ ثمّ تبيّن كونه في الأوليين فلابأس؛ لأنّه عمل بتكليفه؛ لما تقدّم في المسألة السابقة. و لو تبيّن في أثنائها يجب قطعها الاّ اذا كانت الصلاة جهريّة و لم يسمع القراءة ولو همهمة فيستحبّ له القراءة؛ لما مرّ.
(مسألة 27): اذا كان مشتغلاً بالنافلة فأقيمت الجماعة و خاف من اتمامها عدم ادراك الجماعة ولو كان بفوت الركعة الأولى منها جاز له قطعها، بل استحبّ له ذلك و لو قبل احرام الامام للصلاة. و لو كان مشتغلاً بالفريضة منفردا و خاف من اتمامها فوت الجماعة استحبّ له العدول بها الى النافلة و اتمامها ركعتين اذا لم يتجاوز محلّ العدول بأن دخل في ركوع الثالثة، بل الأحوط عدم العدول اذا قام للثالثة و ان لم يدخل في ركوعها. و لو خاف من اتمامها ركعتين فوت الجماعة ولو الركعة الأولى منها جاز له القطع بعد العدول الى النافلة على الأقوى و ان كان الأحوط عدم قطعها بل اتمامها ركعتين، و ان استلزم ذلك عدم ادراك الجماعة في ركعة أو ركعتين، بل لو علم عدم ادراكها أصلاً - اذا عدل الى النافلة و أتمّها - فالأولى و الأحوط عدم العدول و اتمام الفريضة، ثمّ اعادتها جماعة ان أراد و أمكن.
الشرح:
فرعان:
اذا كان مشتغلاً بالنافلة فأقيمت الجماعة جاز له قطعها بل استحبّ.
قال في الحدائق: «قد صرّح جملة من الأصحاب بأنّه لو دخل الامام و المأموم في النافلة قطعها. انتهى».(1)
و قال في الجواهر: «اذا شرع المأموم في نافلة فأحرم الامام قطعها و استأنف كما في الخلاف و النافع و التذكرة و المنتهى و الدروس و البيان و اللمعة و غيرها،
1) - الحدائق الناضرة 11: 239.
بل و ما عن الحسين بن بابويه و القاضي و النهاية و السرائر. و قيّده غير واحد من الأصحاب بأنّه ان خشي الفوات، و الاّ أتمّ ركعتين استحبابا؛ للجمع بين الوظيفتين، بل نسبه في الرياض الى الأكثر. انتهى ملخّصا».(1)
و الظاهر جواز قطع النافلة اذا أقيمت الجماعة و ان لم يخش الفوات بل يستحبّ، و ذلك لأهمّيّة الجماعة في نظر الشارع من النافلة، و الرضوي:
«و ان كنت في صلاة نافلة و أقيمت الصلاة فاقطعها و صلّ الفريضة مع الامام».(2)
و صحيحة عمر بن يزيد أنّه سأل أبا عبداللّه عليه السلام عن الرواية التي يروون أنّه لاينبغي أن يتطوّع في وقت فريضة، ما حدّ الوقت؟ قال:
«اذا أخذ المقيم في الاقامة. فقال له: انّ الناس يختلفون في الاقامة. فقال: المقيم الذي تصلّي معه».(3)
بناءً على ارادة الأعمّ من الابتداء و الاستدامة من التطوّع، و كذا خبر علي بن جعفر.
و صحيحة حمّاد بن عيسى قال:
«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول: قال أبي: خرج رسول اللّه صلى الله عليه و آله لصلاة الصبح و بلال يقيم و اذا عبداللّه بن القشب يصلّي ركعتي الفجر، فقال له النبي صلى الله عليه و آله: يابن القشب أتصلّي الصبح أربعا؟ قال: ذلك له مرّتين أو ثلاثة».(4)
و خبر علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام قال:
«سألته عن رجل ترك ركعتي الفجر حتّى دخل المسجد و الامام قد قام في صلاته، كيف يصنع؟ قال: يدخل في صلاة القوم و يدع الركعتين، فاذا ارتفع النهار قضاهما».(1)
و في الجواهر ناقش في ذلك كلّه و قال: «لكنّ الجميع لولا ظهور اتّفاق الأصحاب عليه كما اعترف به في الرياض و مفتاح الكرامة محلّ للمناقشة - ثمّ أجاب عن المناقشة و قال: - الاّ أنّه يجب رفع اليد عن ذلك كلّه بعد الاتّفاق المزبور و استحبابيّة الحكم المذكور و عدم حرمة قطع النافلة اختيارا، كما لعلّه المشهور. انتهى ملخّصا».(2)
و المناقشة في صحيحة عمر بن يزيد و خبر علي بن جعفر بظهورهما في الشروع في التطوّع وقتئذ و لاتعمّ من كان مشتغلاً به ثمّ أقيمت الجماعة كي تدلّ على القطع، مدفوعة بأنّ النافلة كما أنّه تطوّع بمجموعها تطوّع بأبعاضها أيضا، فمن كان مشتغلاً بها فأقيمت الجماعة كان الاتيان بالباقي معنونا بعنوان التطوّع لامحالة فتشمله الروايتان.
ثمّ انّ الظاهر من اطلاق صحيحتي عمر بن يزيد و حمّاد بن عيسى و خبر علي بن جعفر أنّه بمجرّد أخذ المقيم في الاقامة يجوز له القطع سواء حصل خوف الفوت أم لا. و ما ذهب اليه غير واحد بأنّ القطع مقيّد بخوف فوت الركوع من الركعة الأولى أو القراءة منها أو تكبيرة الاحرام كما هو ظاهر المتن أو خوف فوات الجماعة رأسا بحيث لم يدرك حتّى الركعة الأخيرة منها، ليس عليه دليل قطعي.
اذا كان مشتغلاً بالفريضة منفردا فأقيمت الجماعة استحبّ له العدول بها الى النافلة و اتمامها ركعتين، و ذلك لصحيحة سليمان بن خالد قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل دخل المسجد فافتتح الصلاة فبينا هو قائم يصلّي اذ أذّن المؤذّن و أقام الصلاة؟ قال: فليصلّ ركعتين ثمّ يستأنف الصلاة مع الامام و لتكن الركعتان تطوّعا».(1)
و موثّقة سماعة قال:
«سألته عن رجل كان يصلّي فخرج الامام و قد صلّى الرجل ركعة من صلاة فريضة؟ قال: ان كان اماما عدلاً فليصلّ أخرى و ينصرف و يجعلهما تطوّعا و ليدخل مع الامام في صلاته كما هو، و ان لم يكن امام عدل فليبن على صلاته كما هو و يصلّي ركعة أخرى و يجلس قدر ما يقول: «أشهد أن لا اله الاّ اللّه وحده لا شريك له، و أشهد أنّ محمّدا عبده و رسوله صلى الله عليه و آله» ثمّ ليتمّ صلاته معه على ما استطاع فانّ التقيّة واسعة و ليس شيء من التقيّة الاّ و صاحبها مأجور عليها ان شاء اللّه».(2)
و الظاهر من هاتين الروايتين جواز العدول و ان لم يخف من اتمامها فوت الجماعة و ان لم يشرع الامام في الاحرام.
قال في الشرائع: «و ان كانت فريضة نقل نيّته الى النفل على الأفضل و أتمّ ركعتين. انتهى».(3)
و قال في المدارك: «هذا الحكم مقطوع به في كلام الأصحاب، و أسنده في التذكرة الى علمائنا، مؤذنا بدعوى الاجماع عليه، و نقل عن ظاهر الشيخ في المبسوط أنّه جوّز قطع الفريضة مع خوف الفوات من غير احتياج الى النفل. و قوّاه في الذكرى، نظرا الى ما فيه من تحصيل فضل الجماعة الذي هو أعظم من فضل الأذان، و التفاتا الى أنّ العدول الى النفل قطع للفريضة أيضا، أو مستلزم لجوازه، و هو حسن. انتهى ملخّصا».(1)
و الظاهر أنّ كلام الشيخ في جواز قطع الفريضة مع خوف الفوات من غير احتياج الى النفل، و تقوية الذكرى في محلّه و الدليل الذي أقيم لصحّة ذلك وجيه. أضف اليه ما مرّ في مبحث القواطع أنّ قطع الفريضة اذا كان عن قصد و غرض صحيح ليس بمحرّم؛ لأنّ الدليل الذي أقاموه على حرمة القطع هو الاجماع و القدر المتيقّن منه اذا كان عن لهو و لعب. و أمّا قوله عليه السلام بالنقل الى النافلة و اتمامها ركعتين فللاهتمام بالفريضة و عدم خوف الفوات. و بناءً عليه لو تجاوز عن محلّ العدول و خاف فوات الركوع بل فوات القراءة لو أتمّها جاز له القطع و الاستئناف.
قال المحقّق الهمداني: «ثمّ لايخفى عليك أنّه بعد أن عدل بنيّته الى النفل يجوز له قطعها و استئناف الفريضة مع الامام؛ للأصل و انتفاء ما يدلّ على حرمة قطعها كغيرها من النوافل - الى أن قال: - و حكي عن بعض تجويز قطعها (من دون العدول الى النافلة) عند خوف الفوات معلّلاً بأنّ الفريضة تقطع بما هو أدون من ذلك كتدارك الأذان و الاقامة عند نسيانهما. و أورد عليه بحرمة القياس و هو في محلّه، ولكن قد يوجّه ذلك بانتفاء ما يدلّ على حرمة القطع بحيث يعمّ المقام، فانّ عمدة دليلها الاجماع كما عرفته في محلّه و هو في غير مثل المقام. انتهىملخّصا».(2)
و بعد الاحاطة بما ذكر و التتبّع في كلمات القوم من النقض و الابرام تعرف ما في كلام المصنّف و قد ظهر لك شرح المسألة الآتية.
(مسألة 28): الظاهر عدم الفرق في جواز العدول من الفريضة الى النافلة لادراك الجماعة بين كون الفريضة التي اشتغل بها ثنائيّة أو غيرها ولكن قيل بالاختصاص بغير الثنائيّة.
قد اتّضح شرح المسألة في المسألة السابقة كما ذكرنا.
(مسألة 29): لو قام المأموم مع الامام الى الركعة الثانية أو الثالثة مثلاً فذكر أنّه ترك من الركعة السابقة سجدة أو سجدتين أو تشهّدا أو نحو ذلك وجب عليه العود للتدارك و حينئذ فان لم يخرج عن صدق الاقتداء و هيئة الجماعة عرفا فيبقى على نيّة الاقتداء و الاّ فينوي الانفراد.
الشرح:
من ترك جزءا من أجزاء الصلاة سهوا و دخل في جزء آخر غير الركن ثمّ التفت وجب عليه التدارك، كما مثّل به الماتن، فالجماعة ليست مانعة من التدارك؛ لعدم الدليل عليها. و حينئذ فان لم يخرج عن صدق الاقتداء و هيئة الجماعة عرفا فيبقى على نيّة الاقتداء و الاّ فينوي الانفراد.
(مسألة 30): يجوز للمأموم الاتيان بالتكبيرات الستّ الافتتاحيّة قبل تحريم الامام ثمّ الاتيان بتكبيرة الاحرام بعد احرامه و ان كان الامام تاركا لها.
الشرح:
قد ذكر في بحث تكبيرة الاحرام أنّ التكبيرات الستّ الافتتاحيّة مستحبّة، فيجوز للمأموم أن يأتي بها قبل تحريم الامام ثمّ الاتيان بتكبيرة الاحرام بعد احرامه و ان كان الامام تاركا لها؛ لاطلاق دليل الاستحباب و وضوح عدم لزوم المتابعة فيما هو خارج عن الصلاة.
(مسألة 31): يجوز اقتداء أحد المجتهدين أو المقلّدين أو المختلفين بالآخر مع اختلافهما في المسائل الظنّيّة المتعلّقة بالصلاة اذا لم يستعملا محلّ الخلاف و اتّحدا في العمل، مثلاً اذا كان رأى أحدهما اجتهادا أو تقليدا وجوب السورة و رأى الآخر عدم وجوبها يجوز اقتداء الأوّل بالثاني اذا قرأها و ان لم يوجبها، و كذا اذا كان أحدهما يرى وجوب تكبير الركوع أو جلسة الاستراحة أو ثلاث مرّات في التسبيحات في الركعتين الأخيرتين يجوز له الاقتداء بالآخر الذي لايرى وجوبها، لكن يأتي بها بعنوان الندب بل و كذا يجوز مع المخالفة في العمل أيضا فيماعدا ما يتعلّق بالقراءة في الركعتين الأوليين التي يتحمّلها الامام عن المأموم فيعمل كلّ على وفق رأيه. نعم، لايجوز اقتداء من يعلم وجوب شيء بمن لايعتقد وجوبه مع فرض كونه تاركا له؛ لأنّ المأموم حينئذ عالم ببطلان صلاة الامام فلايجوز له الاقتداء به بخلاف المسائل الظنّيّة حيث انّ معتقد كلّ منهما حكم شرعي ظاهري في حقّه، فليس لواحد منهما الحكم ببطلان صلاة الآخر بل كلاهما في عرض واحد في كونه حكما شرعيّا، و أمّا فيما يتعلّق بالقراءة في مورد تحمّل الامام عن المأموم و ضمانه له فمشكل؛ لأنّ الضامن حينئذ لم يخرج عن عهدة الضمان بحسب معتقد المضمون عنه، مثلاً اذا كان معتقد الامام عدم وجوب السورة و المفروض أنّه تركها فيشكل جواز اقتداء من يعتقد وجوبها به، و كذا اذا كان قراءة الامام صحيحة عنده و باطلة بحسب معتقد المأموم من جهة
ترك ادغام لازم أو مدّ لازم أو نحو ذلك. نعم، يمكن أن يقال بالصحّة اذا تداركها المأموم بنفسه كأن قرأ السورة في الفرض الأوّل، أو قرأ موضع غلط الامام صحيحا، بل يحتمل أن يقال: انّ القراءة في عهدة الامام و يكفي خروجه عنها باعتقاده، لكنّه مشكل فلايترك الاحتياط بترك الاقتداء.
الشرح:
اذا كان نظر الامام و المأموم مختلفا اجتهادا أو تقليدا في بعض المسائل المتعلّقة بالصلاة، فالصور المتصوّرة ثلاث:
الأولى: اذا كان اختلافهما في الوجوب و الاستحباب و كان غير القراءة و غير الطهارة و الأركان، بل كان مثل جلسة الاستراحة و التسبيحات الأربعة، فتارة كان نظر الامام وجوب جلسة الاستراحة و وجوب ثلاثة تسبيحات و نظر المأموم استحبابهما فحينئذ لا شكّ في جواز الاقتداء و صحّة الصلاة جماعة.
و أخرى بعكس ذلك و معه يأتي الامام بجلسة الاستراحة و يأتي بثلاثة تسبيحات. ففي هذه الحالة أيضا يجوز الاقتداء به، و صلاته صحيحة بالجماعة؛ لاتيان الامام أجزاء الصلاة تامّة بما كان نظر المأموم اجتهادا أو تقليدا، و لا ضير ان أتى بهما بنيّة الندب لعدم الدليل على اعتبار نيّة الوجه.
و ثالثة يتركهما، فان لم يتذكّر المأموم حتّى فرغ من الصلاة و تذكّر فصلاته صحيحة لما سيأتي. و أمّا ان تذكّر حال القيام أو علم قبل الصلاة أنّه يترك جلسة الاستراحة و يأتي بالتسبيحات مرّة واحدة ففي هذه الحالة أيضا صلاة الامام صحيحة؛ لأنّ مناط نظره الاجتهادي هو الروايات المختلفة كما أنّ نظر المأموم كذلك و من المعلوم أنّ المجتهد قد يخطئ في نظره الاّ أنّه في خطئه معذور عند اللّه فكما يمكن أن يكون الامام مخطئا يمكن أن يكون المأموم أيضا مخطئا فصلاة المأموم صحيحة و ان كان الامام مخطئا في نظره، فانّه لو كشف عنده الخطأ لايجب عليه الاعادة و القضاء؛ لأنّ قاعدة «لاتعاد» غير قاصرة الشمول له. و عليه
يجوز اقتداء أحد المجتهدين أو المقلّدين بالآخر في المسائل الظنّيّة المتعلّقة بالصلاة في نحو جلسة الاستراحة و التسبيحات، كما ذهب اليه المصنّف رحمه الله، حيث انّ معتقد كلّ منهما حكم شرعي ظاهري في حقّه، فليس لواحد منهما الحكم ببطلان صلاة الآخر بل كلاهما في عرض واحد في كون ما استنبطاه شرعيّا.
الثانية: فيما اذا كان الاختلاف يتعلّق بالقراءة في الركعتين الأوليين، مثل ما اذا كان معتقد الامام عدم وجوب السورة و المفروض أنّه تركها أو اذا كانت قراءة الامام صحيحة عنده و باطلة بحسب معتقد المأموم من جهة ترك ادغام لازم أو مدّ لازم أو نحو ذلك. فقد استشكل الماتن فيها بأنّ الامام لم يخرج عن عهدة ضمان قراءة المأموم بحسب معتقد المضمون عنه. و الظاهر أنّ اشكال المصنّف وارد؛ لأنّه و ان كان ترك السورة كترك جلسة الاستراحة و ترك التسبيحات ثلاثة لايوجب بطلان الصلاة بنظر المأموم الاّ أنّ الاشكال في خروج الامام عن عهدة ضمان قراءة المأموم باقٍ. و ان كان يمكن أن يقال بالصحّة اذا تداركها المأموم، أو يمكن أن يقال: يكفي خروجه باعتقاد الامام، لكنّه مشكل فلايترك الاحتياط بترك الاقتداء. هذا اذا علم المأموم قبل الاقتداء أنّ الامام يترك السورة، و لو علم ذلك حال القيام ينفرد و يقرأ السورة. و أمّا اذا توجّه بعد الصلاة أو في ركوع الركعة الثانية فصلاته صحيحة؛ لحديث «لاتعاد».
الثالثة: فيما اذا كان الاختلاف يتعلّق بالطهارة أو الأركان، مثلاً لو كان في بعض أعضاء الامام جبيرة و كان نظره وجوب التيمّم و كان نظر المأموم بطلان التيمّم و كفاية الوضوء أو الغسل جبيرة. و في الأركان مثل ما لو كان الامام لم يقدر على الركوع فدار أمره بين القيام و الايماء للركوع و بين الركوع جالسا، و كان نظره تقدّم الأوّل على الثاني و كان نظر المأموم بالعكس و بطلان الأوّل المستلزم لبطلان الصلاة. هذا بناءً على جواز اقتداء المتوضّئ بالمتيمّم، و جواز اقتداء من يقدر على الركوع بمن لايقدر، أو في مورد كان المأموم أيضا معذورا مثله. و بعد
هذا الفرض نقول: ان كان المأموم لم يتذكّر حتّى فرغ من الصلاة كما يمكن تصوّره في مورد المثال الأوّل فصلاته صحيحة لما سيأتي، و ان التفت أثناء الصلاة يتمّ صلاته فرادى؛ لصحّة صلاته الى تلك الحال بمناط صحّتها بعد الصلاة لو التفت بعدها، و ان علم قبل الصلاة فلايجوز له الاقتداء.
(مسألة 32): اذا علم المأموم بطلان صلاة الامام من جهة من الجهات ككونه على غير وضوء، أو تاركا لركن أو نحو ذلك لايجوز له الاقتداء به و ان كان الامام معتقدا صحّتها من جهة الجهل أو السهو أو نحو ذلك.
الشرح:
قد تقدّم شرح هذه المسألة في الصورة الثالثة من المسألة السابقة لعدم الفرق بينهما الاّ من حيث كون الشبهة هنا موضوعيّة و هناك حكميّة، فاذا علم المأموم أنّ الامام كان على غير وضوء و لم يعلم به، لايجوز له الاقتداء لبطلان صلاته، و لذا لو ذكر الامام بعد صلاته أنّه لم يكن متطهّرا وجب عليه الاعادة أو القضاء. و كذا لو نسي ركنا كتكبيرة الاحرام لايجوز له الاقتداء؛ لبطلان صلاته، و أمّا اذا نسي الركوع فعلى المأموم أن يتمّ صلاته فرادى.
(مسألة 33): اذا رأى المأموم في ثوب الامام أو بدنه نجاسة غير معفوّ عنها لايعلم بها الامام لايجب عليه اعلامه و حينئذ فان علم أنّه كان سابقا عالما بها ثمّ نسيها لايجوز له الاقتداء به؛ لأنّ صلاته حينئذ باطلة واقعا و لذا يجب عليه الاعادة أو القضاء اذا تذكّر بعد ذلك، و ان علم كونه جاهلاً بها يجوز الاقتداء؛ لأنّها حينئذ صحيحة و لذا لايجب عليه الاعادة أو القضاء اذا علم بعد الفراغ، بل لايبعد جوازه اذا لم يعلم المأموم أنّ الامام جاهل أو ناسٍ، و ان كان الأحوط الترك في هذه الصورة. هذا، و لو رأى شيئا هو نجس في
اعتقاد المأموم بالظنّ الاجتهادي و ليس بنجس عند الامام أو شكّ في أنّه نجس عند الامام أم لا، بأن كان من المسائل الخلافيّة فالظاهر جواز الاقتداء مطلقا سواء كان الامام جاهلاً أو ناسيا أو عالما.
الشرح:
اذا رأى المأموم في ثوب الامام أو بدنه نجاسة غير معفوّ عنها لايعلم بها الامام لايجب عليه اعلامه؛ لعدم الدليل على ذلك، و أنّه لم يكن عاصيا حتّى يجب نهيه و لم يكن المأموم مسبّبا، و حينئذ ان علم كونه جاهلاً بها يجوز الاقتداء به؛ لأنّ صلاته حينئذ صحيحة، فمن لم يعلم بنجاسة بدنه أو ثوبه و صلّى فيه كانت صلاته صحيحة واقعا. و لذا لايجب عليه الاعادة أو القضاء اذا علم بعد الفراغ. و ان علم أنّه كان سابقا عالما بها ثمّ نسيها لايجوز له الاقتداء به؛ لأنّ صلاته حينئذ باطلة واقعا و لذا يجب عليه الاعادة و القضاء اذا تذكّر بعد ذلك.
ثمّ انّه لو لم يعلم المأموم أنّ الامام كان جاهلاً أو ناسيا بالنسبة الى نجاسة بدنه أو ثيابه، فذهب الماتن الى جواز الاقتداء؛ لأصالة عدم علم الامام بالنجاسة، و احتاط أخيرا بترك المأموم الاقتداء، فانّه في محلّه الاّ أن يعلم المأموم بجهالة الامام اذا صار ثوبه نجسا و شكّ في علمه ثمّ نسيانه بعد ذلك فيستصحب عدم علم الامام بنجاسة ثوبه. هذا كلّه في الشبهة الموضوعيّة.
و لو اختلفا في نجاسة شيء اجتهادا أو تقليدا كما لو كان الامام ممّن يرى طهارة الكتابي أو العصير العنبي، أو عرق الجنب من الحرام، أو عرق الجلاّل و نحو ذلك، و قد لاقى بدنه أو ثوبه شيئا من هذه الأمور، و المأموم يرى نجاستها، فالظاهر جواز الاقتداء؛ لما تقدّم في المسألة الحادية و الثلاثين في القسم الثالث من الصورة الأولى.
(مسألة 34): اذا تبيّن بعد الصلاة كون الامام فاسقا أو كافرا أو غير متطهّر
أو تاركا لركن مع عدم ترك المأموم له، أو ناسيا لنجاسة غير معفوّ عنها في بدنه أو ثوبه انكشف بطلان الجماعة لكن صلاة المأموم صحيحة اذا لم يزد ركنا أو نحوه ممّا يخلّ بصلاة المنفرد؛ للمتابعة. و اذا تبيّن ذلك في الأثناء نوى الانفراد و وجب عليه القراءة مع بقاء محلّها. و كذا لو تبيّن كونه امرأة و نحوها ممّن لاتجوز امامتها للرجال خاصّة، أو مطلقا كالمجنون و غير البالغ ان قلنا بعدم صحّة امامته لكن الأحوط اعادة الصلاة في هذا الفرض، بل في الفرض الأوّل و هو كونه فاسقا أو كافرا.
الشرح:
قال في الشرائع: «اذا ثبت أنّ الامام فاسق أو كافر أو على غير طهارة بعد الصلاة لم تبطل صلاة المؤتمّ، و لو كان عالما أعاد. انتهى».(1)
و قال في المدارك: «أمّا أنّه تجب على المأموم الاعادة اذا كان عالما بفسق الامام أو كفره أو حدثه فلا ريب فيه؛ لأنّه صلّى صلاة منهيّا عنها فتقع فاسدة. و أمّا أنّه لاتجب عليه الاعادة اذا تبيّن ذلك بعد الصلاة فهو أشهر القولين في المسألة و أظهرهما. و نقل عن المرتضى و ابن الجنيد أنّهما أوجبا الاعادة. و حكى ابن بابويه في من لايحضره الفقيه عن جماعة من مشايخه أنّه سمعهم يقولون: ليس عليهم اعادة شيء ممّا جهر فيه، و عليهم اعادة ما صلّى بهم ممّا لم يجهر فيه. انتهى».(2)
أقول:
قد ورد روايات معتبرة بعدم اعادة المأموم صلاته دون الامام في أربعة مواضع:
الأوّل: اذا تبيّن بعد الصلاة كون الامام على غير طهارة وجبت عليه الاعادة لا
على المأمومين و ان أخبرهم، و ليس عليه اعلامهم. و ذلك لصحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) قال:
«من صلّى بقوم و هو جنب أو على غير وضوء فعليه الاعادة و ليس عليهم أن يعيدوا و ليس عليه أن يعلمهم، و لو كان ذلك عليه لهلك. قال: قلت: كيف كان يصنع بمن خرج الى خراسان؟ و كيف كان يصنع بمن لايعرف؟ قال: هذا عنه موضوع».(1)
و صحيحة زرارة عن أحدهما عليهماالسلام قال:
«سألته عن رجل صلّى بقوم ركعتين ثمّ أخبرهم أنّه ليس على وضوء؟ قال: يتمّ القوم صلاتهم، فانّه ليس على الامام ضمان».(2)
و صحيحة محمّد بن مسلم قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل أمّ قوما و هو على غير طهر فأعلمهم بعدما صلّوا؟ فقال: يعيد هو و لايعيدون».(3)
و صحيحة ثانية لمحمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«سألته عن الرجل يؤمّ القوم و هو على غير طهر فلايعلم حتّى تنقضي صلاتهم؟ قال: يعيد و لايعيد من صلّى خلفه و ان أعلمهم أنّه على غير طهر».(4)
و صحيحة ثانية لزرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«سألته عن قوم صلّى بهم امامهم و هو غير طاهر، أتجوز صلاتهم أم يعيدونها؟ فقال: لا اعادة عليهم، تمّت صلاتهم و عليه هو الاعادة، و
ليس عليه أن يعلمهم، هذا عنه موضوع».(1)
و صحيحة معاوية بن وهب قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: أيضمن الامام صلاة الفريضة، فانّ هؤلاء يزعمون أنّه يضمن؟ فقال: لايضمن، أيّ شيء يضمن، الاّ أن يصلّي بهم جنبا أو على غير طهر».(2)
و المراد وجوب الاعادة عليه و عدم وجوب الاعادة على المأمومين، بقرينة الروايات المتقدّمة، و بقرينة صحيحة عبداللّه بن أبي يعفور قال:
«سئل أبو عبداللّه عليه السلام عن رجل أمّ قوما و هو على غير وضوء؟ فقال: ليس عليهم اعادة، و عليه هو أن يعيد».(3)
و موثّقة عبداللّه بن بكير قال:
«سأل حمزة بن حمران أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل أمّنا في السفر و هو جنب و قد علم و نحن لانعلم؟ قال: لابأس».(4)
و أمّا خبر عبدالرحمن العرزمي عن أبيه عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«صلّى علي عليه السلام بالناس على غير طهر و كانت الظهر ثمّ دخل، فخرج مناديه أنّ أميرالمؤمنين عليه السلام صلّى على غير طهر فأعيدوا فليبلغ الشاهد الغائب».(5)
فمع ضعف سنده لمحمّد بن عبيداللّه الفزاري العرزمي (أبي عبدالرحمن العرزمي) خبر شاذّ مخالف للروايات المعتبرة المتقدّمة، و مع ذلك ينافي العصمة.
الثاني: اذا تبيّن بعد الصلاة كفر الامام لم تجب على المأمومين الاعادة و
1) - وسائل الشيعة 8: 372 / الباب 36 من أبواب صلاة الجماعة / الحديث 5.
2) - وسائل الشيعة 8: 373 / الباب 36 من أبواب صلاة الجماعة / الحديث 6.
3) - وسائل الشيعة 8: 373 / الباب 36 من أبواب صلاة الجماعة / الحديث 7.
4) - وسائل الشيعة 8: 373 / الباب 36 من أبواب صلاة الجماعة / الحديث 8.
5) - وسائل الشيعة 8: 373 / الباب 36 من أبواب صلاة الجماعة / الحديث 9.
تجب مع تقدّم العلم، و ذلك لصحيحة ابن أبي عمير عن بعض أصحابه عن أبي عبداللّه عليه السلامفي قوم خرجوا من خراسان أو بعض الجبال و كان يؤمّهم رجل، فلمّا صاروا الى الكوفة علموا أنّه يهودي، قال: «لايعيدون».(1)
و الرواية و ان كانت مرسلة الاّ أنّ راويها ابن أبي عمير الذي يكون من أصحاب الاجماع، و المشهور عملوا بها، مضافا الى أنّ الروايات المتقدّمة و ما سيأتي تكون قرينة لها.
و يؤيّده خبر زياد بن مروان القندي في كتابه:
«أنّ الصادق عليه السلام قال في رجل صلّى بقوم من حين خرجوا من خراسان حتّى قدموا مكّة فاذا هو يهودي أو نصراني، قال: ليس عليهم اعادة».(2)
و أمّا خبر اسماعيل بن مسلم:
«أنّه سئل الصادق عليه السلام عن الصلاة خلف رجل يكذّب بقدر اللّه؟ قال: ليعد كلّ صلاة صلاّها خلفه».(3)
فظاهره أنّ المأموم كان عالما باعتقاد الامام؛ لقول الراوي: «عن الصلاة خلف رجل يكذّب بقدر اللّه».
الثالث: اذا تبيّن بعد الصلاة عدم استقبال الامام القبلة لم يجب على المأمومين الاعادة، و تجب على الامام. و ذلك لصحيحة عبيداللّه بن علي الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام أنّه قال في رجل يصلّي بالقوم ثمّ يعلم أنّه قد صلّى بهم الى غير القبلة، قال:
«ليس عليهم اعادة شيء».(1)
و صحيحة ثانية للحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام في الأعمى يؤمّ القوم و هو على غير القبلة، قال:
«يعيد و لايعيدون فانّهم قد تحرّوا».(2)
الرابع: اذا تبيّن بعد الصلاة اخلال الامام بالنيّة لم تجب على المأمومين الاعادة. و ذلك لصحيحة زرارة أنّه قال:
«قلت لأبي جعفر عليه السلام: رجل دخل مع قوم في صلاتهم و هو لاينويها صلاة و أحدث امامهم و أخذ بيد ذلك الرجل فقدّمه فصلّى بهم، أيجزؤهم صلاتهم بصلاته وهو لاينويها صلاة؟ فقال: لاينبغي للرجل أن يدخل مع قوم في صلاتهم و هو لاينويها صلاة بل ينبغي له أن ينويها. و ان كان قد صلّى فانّ له صلاة أخرى، و الاّ فلايدخل معهم، و قد تجزئ عن القوم صلاتهم و ان لم ينوها».(3)
و هل يتعدّى عن الموارد المنصوصة الى الموارد الأخر ممّا تبيّن الخلل في صحّة الجماعة كظهور كونه امرأة، أو لبطلان صلاة الامام في نفسها لكونه تاركا لركن دون المأموم، كما لو سجد في سجدتيه على ما لايصحّ السجود عليه، أو ناسيا لنجاسة غير معفوّ عنها في ثوبه أو بدنه و نحو ذلك ممّا ينكشف معه بطلان الجماعة، بدعوى استفادة الكلّيّة من مجموع الموارد المنصوصة و ان لم يستفد من آحادها؟ الظاهر تعدّي الحكم عنها الى غيرها و ذلك لأنّ المستفاد منها عدم سراية الخلل الى صلاة المأموم لو تبيّن الخلل في صلاة الامام أو في شرائط الامام، فأيّفرق بين تبيّن كون الامام كافرا أو فاسقا بعد الصلاة و بين تبيّن كونه امرأة؟ و كذا
أيّ فرق بين تبيّن كون الامام تاركا لركن و بين تبيّن كونه غير متطهّر؟
أضف الى ذلك أنّه لم يكن خلل في صلاة المأموم في الموارد الأربعة و نحوها الاّ من ناحية القراءة و هي مشمولة لحديث «لاتعاد» الذي لا قصور في شموله للمقام، بناءً على شموله لمطلق المعذور.
نعم، تختصّ الصحّة فيما تقدّم بما اذا لم يزد ركنا للمتابعة؛ اذ لا دليل على الاغتفار بعد فرض بطلان الجماعة فيكون مشمولاً لأدلّة الزيادة القادحة. و لا اطلاق للروايات المتقدّمة من هذه الجهة بل الظاهر أنّها في مقام بيان صحّة صلاة المأموم من حيث انكشاف الخلل في صلاة الامام ككونه على غير طهارة و نحو ذلك، و ليس نظرها الى سائر العوارض الطارئة على صلاة المأموم من زيادة ركن لأجل المتابعة، أو وجود نجاسة في بدنه و ثوبه و قد نسي ثمّ ذكرها بعد الصلاة، فيجب على المأموم اعادة صلاته فيما لو كان خلل في صلاته موجبا لبطلانه مطلقا.
ثمّ انّه لو تبيّن أثناء الصلاة أنّ الامام غير متطهّر أو كان فاسقا أو كافرا أو امرأة أو مجنونا أو كان على ثوبه نجاسة غير معفوّ عنها و قد نسيها، فيجب على المأموم أن يتمّ صلاته فرادى؛ لعدم خصوصيّة للروايات المتقدّمة بما بعد الصلاة بل الصحّة بالنسبة الى التبيّن أثناء الصلاة أولى. فحينئذ ان انكشف ذلك في الركعتين الأوّلتين حال القيام فعليه أن يقرأ الحمد و السورة ولو بان في الركوع فلاتجب و صحّت صلاته و يتمّها فرادى.
(مسألة 35): اذا نسي الامام شيئا من واجبات الصلاة و لم يعلم به المأموم صحّت صلاته حتّى لو كان المنسي ركنا اذا لم يشاركه في نسيان ما تبطل به الصلاة. و أمّا اذا علم به المأموم نبّهه عليه ليتدارك ان بقي محلّه، و ان لم يمكن أو لم يتنبّه أو ترك تنبيهه حيث انّه غير واجب عليه وجب عليه نيّة
الانفراد ان كان المنسي ركنا أو قراءة في مورد تحمّل الامام مع بقاء محلّها بأن كان قبل الركوع، و ان لم يكن ركنا و لا قراءة أو كانت قراءة و كان التفات المأموم بعد فوت محلّ تداركها كما بعد الدخول في الركوع فالأقوى جواز بقائه على الائتمام و ان كان الأحوط الانفراد أو الاعادة بعد الاتمام.
الشرح:
في المسألة صور:
الأولى: اذا نسي الامام شيئا من واجبات الصلاة غير الركني و لم يعلم به المأموم حتّى تمّت الصلاة، صحّت صلاته و ذلك لصحّة صلاة الامام؛ لحديث «لاتعاد».
الثانية: اذا كان المنسي ركنا أو كان ممّا يرجع الى عقد المستثنى في حديث «لاتعاد» و لم يشاركه المأموم في نسيان ذلك فصلاة الامام باطلة لترك الشرط أو الجزء الركني. و أمّا صلاة المأموم فصحيحة؛ للنصوص المتقدّمة الواردة في صحّة صلاة المأموم اذا تبيّن له بعد الصلاة أنّ الامام على غير طهر أو كان كافرا أو على غير القبلة أو لم تكن له نيّة الصلاة و تقدّم أنّ المستفاد منها قاعدة كلّيّة و هي لو انكشف بطلان صلاة الامام فعليه الاعادة دون المأموم.
الثالثة: لو علم المأموم أنّ الامام نسي شيئا من واجبات الصلاة فينبّهه ليتدارك ان كان المحلّ باقيا، فان تنبّه و تدارك فبها و نعمت، و ان لم يتنبّه أو لم ينبّهه أو فات محلّ التدارك فان كان المنسي القراءة أو بعضها فيقرأ المأموم و يلحقه في السجدة الأولى لصحّة صلاة الامام؛ لحديث «لاتعاد»، و الاّ فيتمّها فرادى؛ لعدم صدق الجماعة. و ان لم يكن المنسي القراءة، فان كان غير الركن فيأتي به و يلحق بالامام و صحّت صلاتهما لما مرّ. و أمّا ان كان ركنا فيتمّ صلاته فرادى؛ لبطلان صلاة الامام واقعا.
ثمّ انّه هل يجب على المأموم التنبيه لو كان محلّ التدارك باقيا؟ الظاهر لا؛ لعدم
الدليل، و الأصل الجاري البراءة. نعم، يمكن أن يستدلّ على ذلك بخبر المفضّل بن صالح عن جابر عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«ليكن الذين يلون الامام منكم أولوا الأحلام منكم و النهى، فان نسي الامام أو تعايى قوّموه».(1)
بيان: يلون أي يقربون منه. و الحلم (بالكسر): العقل فالجمع الأحلام. النُهى: العقل. و في القاموس: «عيّ بالأمر و عيي (كرضي) و تعايا و استعيا و تعيا: لم يهتد لوجه مراده أو عجز عنه. و معنى «تعايى قوّموه» اذا لم يستطع ذكّروه.
و الرواية ضعيفة السند بمفضّل بن صالح المكنّى بأبي جميلة الراوي عن جابر فانّه ضعيف.
و صحيحة محمّد بن مسلم قال:
«سئل أبو عبداللّه عليه السلام عن الرجل يؤمّ القوم فيغلط؟ قال: يفتح عليه من خلفه».(2)
و موثّقة زرعة عن سماعة قال:
«سألته عن الامام اذا أخطأ في القرآن فلايدري ما يقول؟ قال: يفتح عليه بعض من خلفه».(3)
ولكن الاشكال في الرواية الأولى فانّها مع ضعف سندها تحمل على الاستحباب؛ اذ لا معنى للوجوب بعد استحباب الجماعة ابتداءً و استدامة، و أمّا روايتا محمّد بن مسلم و زرعه فموردهما الغلط و الجهل في القراءة دون النسيان، و لو قلنا باتّحاد مناطهما مع الأولى فتحملان على الاستحباب لما مرّ.
(مسألة 36): اذا تبيّن للامام بطلان صلاته من جهة كونه محدثا أو تاركا لشرط أو جزء ركن أو غير ذلك، فان كان بعد الفراغ لايجب عليه اعلام المأمومين، و ان كان في الأثناء فالظاهر وجوبه.
الشرح:
أمّا عدم وجوب الاعلام ان كان بعد الفراغ فيدلّ عليه الروايات المتقدّمة المذكورة في المسألة الرابعة و الثلاثين. و أمّا ان تبيّن له بطلان صلاته في الأثناء فبالنسبة الى ما مضى من صلاته فلايجب عليه الاعلام، و أمّا بالنسبة الى ما بقي مضافا الى أنّه يحرم عليه اتمام الصلاة صورة؛ لأنّه تشريع محرّم، يجب عليه اعلام المأمومين؛ لمرسلة الصدوق قال:
«و قال أميرالمؤمنين عليه السلام: ما كان من امام تقدّم في الصلاة و هو جنب ناسيا أو أحدث حدثا أو رعف رعافا أو أزّا في بطنه فليجعل ثوبه على أنفه ثمّ لينصرف وليأخذ بيد رجل فليصلّ مكانه، ثمّ ليتوضّأ و ليتمّ ما سبقه به من الصلاة، و ان كان جنبا فليغتسل و ليصلّ الصلاة كلّها».(1)
و خبر علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليهماالسلام قال:
«سألته عن امام يقرأ السجدة فأحدث قبل أن يسجد، كيف يصنع؟ قال: يقدّم غيره فيسجد و يسجدون، و ينصرف و قد تمّت صلاته».(2)
و خبره الآخر أنّه سأل أخاه موسى بن جعفر عليه السلام عن الامام أحدث فانصرف و لم يقدّم أحدا، ما حال القوم؟ قال:
«لا صلاة لهم الاّ بامام، فليقدّم بعضهم فليتمّ بهم ما بقي منها و قد تمّت صلاتهم».(1)
و هذه الروايات و ان كان سندها ضعيفا الاّ أنّها مؤيّدة بالروايات الواردة في الباب الأربعين و في الباب الحادي و الأربعين من أبواب صلاة الجماعة من وسائل الشيعة و مضمونها أنّه يجب عليه الانصراف و أن يأخذ بيد رجل و يقدّمه، و اطلبها في المسألة الرابعه عشرة من فصل الجماعة.
(مسألة 37): لايجوز الاقتداء بامام يرى نفسه مجتهدا و ليس بمجتهد مع كونه عاملاً برأيه، و كذا لايجوز الاقتداء بمقلّد لمن ليس أهلاً للتقليد اذا كانا مقصّرين في ذلك بل مطلقا على الأحوط الاّ اذا علم أنّ صلاته موافقة للواقع من حيث انّه يأتي بكلّ ما هو محتمل الوجوب من الأجزاء و الشرائط، و يترك كلّ ما هو محتمل المانعيّة، لكنّه فرض بعيد لكثرة ما يتعلّق بالصلاة من المقدّمات و الشرائط و الكيفيّات و ان كان آتيا بجميع أفعالها و أجزائها، و يشكل حمل فعله على الصحّة مع ما علم منه من بطلان اجتهاده أو تقليده.
الشرح:
لايجوز الاقتداء بامام يحسب نفسه مجتهدا و ليس بمجتهد مع كونه عاملاً برأيه أو يقلّد من يرى نفسه مجتهدا و ليس بمجتهد اذا كانا مقصّرين، و ذلك لأنّ الاجتهاد و التقليد طريقان للوصول الى الحكم الظاهري، و من لم يكن مجتهدا فهو جاهل بالحكم ضالّ عن الطريق لايجوز له العمل برأيه لنفسه و لغيره ولو خالف فيكون آثما غير عادل. و أمّا لو كانا قاصرين في الاجتهاد و التقليد فان كان
1) - وسائل الشيعة 8: 426 / الباب 72 من أبواب صلاة الجماعة / الحديث 1.
عملهما مطابقا للاحتياط أو لفتوى المجتهد الذي يجوز تقليده فالاقتداء بهما جائز. و أمّا ان لم يكن كذلك فان كانا تاركين لشرط أو جزء ركني فصلاتهما باطلة واقعا فلايجوز الاقتداء بهما، و ان كانا تاركين لواجب غير ركني فصلاتهما صحيحة فالاقتداء بهما في الجملة جائز. و قد تقدّم في المسألة الحادية و الثلاثين بعض فروع المسألة.
(مسألة 38): اذا دخل الامام في الصلاة معتقدا دخول الوقت و المأموم معتقد عدمه أو شاكّ فيه لايجوز له الائتمام في الصلاة. نعم، اذا علم بالدخول في أثناء صلاة الامام جاز له الائتمام به. نعم، لو دخل الامام نسيانا من غير مراعاة للوقت، أو عمل بظنّ غير معتبر لايجوز الائتمام به و ان علم المأموم بالدخول في الأثناء لبطلان صلاة الامام حينئذ واقعا، و لاينفعه دخول الوقت في الأثناء في هذه الصورة؛ لأنّه مختصّ بما اذا كان عالما أو ظانّا بالظنّ المعتبر.
الشرح:
اذا دخل الامام في الصلاة معتقدا دخول الوقت و المأموم معتقد عدمه أو شاكّ فيه لايجوز له الائتمام في الصلاة؛ لأنّ من شرائط الصلاة العلم بالوقت أو الظنّ المعتبر كالبيّنة و المفروض أنّ المأموم عالم بعدم دخول الوقت أو شاكّ فيستصحب عدمه فكيف يصلّي و لا فرق في ذلك بين الفرادى و الجماعة. نعم، اذا علم بالدخول في أثناء صلاة الامام جاز له الائتمام به؛ لصحّة صلاة الامام حينئذ لمعتبرة ابن أبي عمير عن اسماعيل بن رباح (رياح) عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا صلّيت و أنت ترى أنّك في وقت و لم يدخل الوقت فدخل
الوقت و أنت في الصلاة فقد أجزأت عنك».(1)
ففي سند الرواية و ان كان اسماعيل بن رباح (رياح) و لم يوثّق في كتب الرجال الاّ أنّ نقل ابن أبي عمير عنه و اعتماد المشهور بنقله يجعله في مرتبة التوثيق. و المراد من الرؤية هنا العلم أو ما يقوم مقامه من الحجّة الشرعيّة. نعم، لو دخل الامام نسيانا من غير مراعاة الوقت أو عمل بظنّ غير معتبر لايجوز الائتمام به و ان علم المأموم بالدخول في الأثناء لبطلان صلاة الامام حينئذ واقعا؛ لأنّه صلّى بعض صلاته قبل دخول الوقت من غير دليل.
1) - وسائل الشيعة 4: 206 / الباب 25 من أبواب المواقيت / الحديث 1.
يشترط فيه أمور: البلوغ، و العقل، و الايمان، و العدالة، و أن لايكون ابن زنا، و الذكورة اذا كان المأمومون أو بعضهم رجالاً، و أن لايكون قاعدا للقائمين و لا مضطجعا للقاعدين و لا من لايحسن القراءة بعدم اخراج الحرف عن مخرجه أو ابداله بآخر أو حذفه أو نحو ذلك حتّى اللحن في الاعراب و ان كان لعدم استطاعته غير ذلك.
الشرح:
يشترط في امام الجماعة أمور:
الأمر الأوّل: البلوغ
قال في المدارك: «قال العلاّمة في المنتهى: انّه لا خلاف في اعتباره. و ذهب الشيخ في المبسوط و الخلاف الى جواز امامة الصبي المراهق المميّز العاقل في
الفرائض. و الظاهر أنّ مراده بالفرائض ماعدا الجمعة. و كيف كان فالأصحّ اعتبار البلوغ مطلقا؛ لأصالة عدم سقوط التكليف بالقراءة بفعل الصبي، و لأنّ غير المكلّف لايؤمن اخلاله بواجب أو فعله لمحرّم فلايتحقّق الامتثال. و تؤيّده رواية اسحاق بن عمّار عن الصادق عليه السلام عن أبيه عن آبائه عن علي عليهم السلام أنّه قال: «لابأس أن يؤذّن الغلام قبل أن يحتلم و لايؤمّ حتّى يحتلم». انتهى».(1)
قد وردت روايات دالّة على جواز امامة الغلام الذي لم يحتلم:
منها موثّقة سماعة بن مهران عن أبي عبداللّه عليه السلام أنّه قال:
«تجوز صدقة الغلام و عتقه، و يؤمّ الناس اذا كان له عشر سنين».(2)
و منها موثّقة غياث بن ابراهيم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«لابأس بالغلام الذي لم يبلغ الحلم أن يؤمّ القوم و أن يؤذّن».(3)
و منها خبر طلحة بن زيد عن جعفر عن أبيه عن علي عليهم السلام قال:
«لابأس أن يؤذّن الغلام الذي لم يحتلم و أن يؤمّ».(4)
و بازائها رواية اسحاق بن عمّار عن جعفر عن أبيه أنّ عليّا عليه السلام كان يقول:
«لابأس أن يؤذّن الغلام قبل أن يحتلم، و لايؤمّ حتّى يحتلم، فان أمّ جازت صلاته و فسدت صلاة من خلفه».(5)
و الترجيح للروايات الناطقة بعدم البأس بامامة الغلام الذي لم يحتلم الاّ أنّها مقيّدة بموثّقة سماعة بن مهران بكون سنّه عشر سنين؛ لأنّها مشتملة على الموثّقة، و أمّا خبر اسحاق بن عمّار فسنده ضعيف بغياث بن كلوب و الحسن بن موسى الخشّاب. و لو اتّبعنا كلام العلاّمة الخوئي بأنّه ثقة لأنّه «يظهر من مطاوي كلمات
1) - مدارك الأحكام 4: 64 و 65.
2) - وسائل الشيعة 8: 322 / الباب 14 من أبواب صلاة الجماعة / الحديث 5.
3) - وسائل الشيعة 8: 321 / الباب 14 من أبواب صلاة الجماعة / الحديث 3.
4) - وسائل الشيعة 8: 323 / الباب 14 من أبواب صلاة الجماعة / الحديث 8.
5) - وسائل الشيعة 8: 322 / الباب 14 من أبواب صلاة الجماعة / الحديث 7.
الشيخ في العدّة توثيقه» فيبقى الحسن بن موسى الخشّاب.
و أمّا اعراض الأصحاب عن تلك الروايات و العمل بهذه فغير مسلّم، فهذا صاحب المدارك قد أقام الدليل على عدم جواز امامة الصبي «بأصالة عدم سقوط التكليف بالقراءة بفعل الصبي، و بأنّ غير المكلّف لايؤمن اخلاله بواجب أو فعله لمحرّم فلايتحقّق الامتثال» ثمّ نقل الرواية تأييدا لدليليه.
و قال العلاّمة الحلّي في المختلف: «انّ غير البالغ ليس من أهل التكليف، و لايقع منه الفعل على وجه يعدّ طاعة؛ لأنّها موافقة الأمر، و الصبي ليس مأمورا اجماعا. و لأنّ العدالة شرط اجماعا و هي غير متحقّقة في طرف الصبي؛ لأنّها هيئة قائمة بالنفس تقتضي البعث على ملازمة الطاعات و الانتهاء عن المحرّمات، و كلّ ذلك فرع التكليف. و لأنّه عالم بعدم المؤاخذة له بما يصدر عنه من القبائح، فلايؤمن بطلان صلاته بما يوقعه من الأفعال المنافية للصلاة؛ اذ لا زاجر له عنه. و لما رواه اسحاق بن عمّار. انتهى».(1)
مضافا الى أنّ خبر اسحاق موافق لفتوى أكثر العامّة.
قال العلاّمة في التذكرة: «و به قال ابن مسعود و ابن عبّاس و عطاء و مجاهد و الشعبي و مالك و الثوري و الأوزاعي و أبو حنيفة و أحمد؛ لقول علي عليه السلام: «لابأس أن يؤذّن الغلام قبل أن يحتلم، و لايؤمّ حتّى يحتلم، فان أمّ جازت صلاته و فسدت صلاة من خلفه». انتهى».(2)
و لذلك قال في الحدائق: «فالظاهر عندي هو قوّة ما ذهب اليه الشيخ و ان كان الاحتياط فيما ذهبوا اليه. انتهى».(3)
نعم، استدلال العلاّمة في المختلف على اشتراط البلوغ قويّ، الاّ أنّه يمكن
الجواب عن الأوّل بأنّه يكفي منه صحّة عباداته و شرعيّتها، و الظاهر أنّه قائل بها. و عن الثاني بامكان وجود ملكة العدالة في الصبي بالزام نفسه على ملازمة الطاعات و الانتهاء عن المحرّمات، و عن الثالث بأنّه قد يطمئنّ الانسان بأنّ هذا الصبي لايصدر عنه ما ينافي صحّة الصلاة، و هذا كافٍ لصحّة الاقتداء، و عن الرابع أي خبر اسحاق بن عمّار بأنّه يحمل على التقيّة.
الأمر الثاني: العقل
قال في المدارك: «فلاتنعقد امامة المجنون؛ لعدم الاعتداد بفعله. و لو كان يعتوره أدوارا فالأقرب كراهة امامته وقت افاقته و هو اختيار العلاّمة في باب الجماعة من التذكرة؛ لنفرة النفس منه الموجبة لعدم كمال الاقبال على العبادة. و قطع في باب الجمعة من التذكرة بالمنع من امامته؛ لأنّه لايؤمن عروضه له في أثناء الصلاة، و لجواز احتلامه في جنّته بغير شعوره. و الجواب أنّ تجويز العروض لايرفع تحقّق الأهليّة، و التكليف يتبع العلم. انتهى».(1)
و قال في موضع آخر: «اعتباره في امام الجماعة مقطوع به في كلام الأصحاب مدّعى عليه الاجماع. انتهى ملخّصا».(2)
و دلّ عليه صحيحة أبي بصير يعني ليثا المرادي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«خمسة لايؤمّون الناس على كلّ حال: - و عدّ منهم - المجنون و ولد الزنا».(3)
و صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«قال أميرالمؤمنين عليه السلام: لايصلّينّ أحدكم خلف المجنون و ولد الزنا.
الحديث».(1)
و أمّا المجنون الأدواري فلا اشكال في امامته في زمان افاقته كما عليه المشهور؛ لعدم صدق المجنون عليه. و التشكيك في طهارته لجواز احتلامه في جنّته بغير شعوره، مدفوع بأنّ الأصل عدم عروض موجب الغسل. نعم، اذا قلّ زمان افاقته بحيث يلحقه العرف بالمجانين فلايجوز ائتمامه.
الأمر الثالث: الايمان
قال في الجواهر: «يعتبر في الامام الايمان بالمعنى الأخصّ الذي به يكون اماميّا، فلاتصحّ خلف المخالف بلا خلاف، بل هو مجمع عليه محصّلاً و منقولاً مستفيضا أو متواترا كالنصوص التي منها الأخبار الكثيرة الآمرة بالقراءة خلف المخالفين و أنّهم بمنزلة الجدر، و قد مرّ شطر منها، فضلاً عن الأخبار الخاصّة في خصوص ذلك، و عن الأخبار الدالّة على اعتبار العدالة؛ اذ لا فسق أعظم من ذلك، بل و لا من وقف على أحدهم عليهم السلام كالواقفيّة أو قال بامامة أحد أولادهم كالزيديّة و الاسماعيليّة و الفطحيّة و غيرهم بلا خلاف أجده فيه أيضا - الى أن قال: - بل قد يندرج في ذلك أيضا أهل العقائد الفاسدة من الغلوّ و التجسيم و التجبير و التكذيب بقدر اللّه، بناءً على تحقّق الكفر بها لا الفسق خاصّة، و الاّ خرجت بالعدالة. انتهى ملخّصا».(2)
و يدلّ على ذلك روايات كثيرة:
منها صحيحة زرارة قال:
«سألت أبا جعفر عليه السلام عن الصلاة خلف المخالفين؟ فقال: ما هم عندي الاّ بمنزلة الجدر».(3)
و منها صحيحة اسماعيل الجعفي قال:
«قلت لأبي جعفر عليه السلام: رجل يحبّ أميرالمؤمنين عليه السلام و لايتبرّأ من عدوّه و يقول: هو أحبّ اليّ ممّن خالفه. فقال: هذا مخلط و هو عدوّ، فلاتصلّ خلفه و لا كرامة الاّ أن تتّقيه».(1)
و منها صحيحة أبي عبداللّه البرقي أنّه قال:
«كتبت الى أبي جعفر الثاني عليه السلام: أيجوز الصلاة خلف من وقف على أبيك و جدّك - صلوات اللّه عليهما - ؟ فأجاب: لاتصلّ وراءه».(2)
و منها صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام أنّه قال:
«لاتصلّ خلف من يشهد عليك بالكفر، و لا خلف من شهدت عليه بالكفر».(3)
و منها صحيحة زرارة قال:
«كنت جالسا عند أبي جعفر عليه السلام ذات يوم اذ جاءه رجل فدخل عليه فقال له: جعلت فداك! انّي رجل جار مسجد لقومي، فاذا أنا لم أصلّ معهم وقعوا فيّ و قالوا: هو كذا و كذا. فقال: أما لئن قلت ذلك لقد قال أميرالمؤمنين عليه السلام: من سمع النداء فلم يجبه من غير علّة فلا صلاة له. فخرج الرجل فقال له: لاتدع الصلاة معهم و خلف كلّ امام. فلمّا خرج قلت له: جعلت فداك! كبر عليّ قولك لهذا الرجل حين استفتاك، فان لم يكونوا مؤمنين؟ قال: فضحك عليه السلام ثمّ قال: ما أراك بعد الاّ هيهنا، يا زرارة، فأيّ علّة تريد أعظم من أنّه لايأتمّ به؟! ثمّ قال:
يا زرارة، أما تراني قلت: صلّوا في مساجدكم و صلّوا مع أئمّتكم».(1)
و من تلك الأخبار التي وردت في وجوب القراءة خلف من لايقتدى به و استحباب الأذان و الاقامة، و سقوط الجهر و ما يتعذّر من القراءة مع التقيّة و أنّه يجزي منهما مثل حديث النفس كصحيحة علي بن يقطين قال:
«سألت أبا الحسن عليه السلام عن الرجل يصلّي خلف من لايقتدي بصلاته و الامام يجهر بالقراءة؟ قال: اقرأ لنفسك، و ان لم تسمع نفسك فلابأس».(2)
و صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا صلّيت خلف امام لاتقتدي به فاقرأ خلفه، سمعت قراءته أو لم تسمع».(3)
و صحيحة أبي بصير يعني ليثا المرادي قال:
«قلت لأبي جعفر عليه السلام: من لاأقتدي به في الصلاة؟ قال: افرغ قبل أن يفرغ فانّك في حصار، فان فرغ قبلك فاقطع القراءة و اركع معه».(4)
و موثّقة اسحاق بن عمّار (في حديث) قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: انّي أدخل المسجد فأجد الامام قد ركع و قد ركع القوم فلايمكنني أن أؤذّن و أقيم أو أكبّر؟ فقال لي: فاذا كان ذلكفادخل معهم في الركعة فاعتدّ بها فانّها من أفضل ركعاتك. قال اسحاق: ففعلت ثمّ انصرفت فاذا خمسة أو ستّة من جيراني قد قاموا
اليّ من المخزوميّين و الأمويّين، فقالوا: جزاك اللّه عن نفسك خيرا، فقد واللّه رأينا خلاف ما ظننّا بك و ما قيل فيك. فقلت: و أيّ شيء ذاك؟ قالوا: تبعناك حين قمت الى الصلاة و نحن نرى أنّك لاتقتدي بالصلاة معنا، فقد وجدناك قد اعتددت بالصلاة معنا. قال: فعلمت أنّ أبا عبداللّه عليه السلام لم يأمرني الاّ و هو يخاف عليّ هذا و شبهه».(1)
الى غير ذلك من الروايات.
الأمر الرابع: العدالة
قال في الجواهر: «و كذا يعتبر في الامام العدالة فلايجوز الائتمام بالفاسق اجماعا محصّلاً و منقولاً مستفيضا أو متواترا كالنصوص. انتهى».(2)
و قال في الحدائق: «لا خلاف بين الأصحاب - رضوان اللّه عليهم - في اشتراط عدالة امام الجماعة مطلقا و نقل اجماعهم على ذلك جمع كثير منهم، بل نقل ذلك عن بعض المخالفين و هو أبو عبداللّه البصري محتجّا باجماع أهل البيت عليهم السلامو أنّ اجماعهم حجّة. انتهى».(3)
و يدلّ على ذلك صحيحة عمر بن يزيد أنّه سأل أبا عبداللّه عليه السلام عن امام لابأس به في جميع أموره عارف، غير أنّه يسمع أبويه الكلام الغليظ الذي يغيظهما، أقرأ خلفه؟ قال:
«لاتقرأ خلفه ما لم يكن عاقّا قاطعا».(4)
و موثّقة سماعة بن مهران عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قال: من عامل الناس فلم يظلمهم و حدّثهم فلم يكذّبهم و واعدهم
فلم يخلفهم كان ممّن حرمت غيبته، و كملت مروّته، و ظهر عدله، و وجبت أخوّته».(1)
و ما رواه الصدوق عن أبي ذرّ رحمه الله قال:
«انّ امامك شفيعك الى اللّه فلاتجعل شفيعك سفيها و لا فاسقا».(2)
و مرسلة الصدوق قال:
«قال الصادق عليه السلام: ثلاثة لايصلّى خلفهم: المجهول، و الغالي و ان كان يقول بقولك، و المجاهر بالفسق و ان كان مقتصدا».(3)
و خبر الفضل بن شاذان عن الرضا عليه السلام (في كتابه الى المأمون) قال:
«لا صلاة خلف الفاجر».(4)
و خبر الأعمش عن جعفر بن محمّد عليهماالسلام (في حديث شرائع الدين) قال:
«و الصلاة تستحبّ في أوّل الأوقات، و فضل الجماعة على الفرد بأربع و عشرين، و لا صلاة خلف الفاجر، و لايقتدى الاّ بأهل الولاية».(5)
و في المقنع قال:
«و قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: ان سرّكم أن تزكو صلاتكم فقدّموا خياركم».(6)
و خبر أبي علي بن راشد عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«لاتصلّ الاّ خلف من تثق بدينه».(7)
1) - وسائل الشيعة 8: 316 / الباب 11 من أبواب صلاة الجماعة / الحديث 9.
2) - وسائل الشيعة 8: 314 / الباب 11 من أبواب صلاة الجماعة / الحديث 2.
3) - وسائل الشيعة 8: 314 / الباب 11 من أبواب صلاة الجماعة / الحديث 4.
4) - وسائل الشيعة 8: 315 / الباب 11 من أبواب صلاة الجماعة / الحديث 5.
5) - وسائل الشيعة 8: 315 / الباب 11 من أبواب صلاة الجماعة / الحديث 6.
6) - وسائل الشيعة 8: 315 / الباب 11 من أبواب صلاة الجماعة / الحديث 7.
7) - وسائل الشيعة 8: 315 / الباب 11 من أبواب صلاة الجماعة / الحديث 8.
و خبر سعد بن اسماعيل عن أبيه قال:
«قلت للرضا عليه السلام: رجل يقارف الذنوب و هو عارف بهذا الأمر، أصلّي خلفه؟ قال: لا».(1)
و خبر الأصبغ قال:
«سمعت عليّا عليه السلام يقول: ستّة لايؤمّون الناس: - منهم - شارب (النبيذ و) الخمر».(2)
الأمر الخامس: أن لايكون ابن زنا
بلا اشكال فيه و لا خلاف.
قال في الجواهر: «و كذا يعتبر في الامام من غير خلاف أجده فيه بيننا، بل عليه الاجماع منقولاً ان لم يكن محصّلاً طهارة المولد، فلايجوز الائتمام حينئذ بولد الزنا. انتهى».(3)
ففي صحيحة أبي بصير يعني ليثا المرادي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«خمسة لايؤمّون الناس على كلّ حال: - و عدّ منهم - المجنون و ولد الزنا».(4)
و في صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«قال أميرالمؤمنين عليه السلام: لايصلّينّ أحدكم خلف المجنون و ولد الزنا. الحديث».(5)
و خبر محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام أنّه قال:
1) - وسائل الشيعة 8: 316 / الباب 11 من أبواب صلاة الجماعة / الحديث 10.
2) - وسائل الشيعة 8: 316 / الباب 11 من أبواب صلاة الجماعة / الحديث 11.
3) - جواهر الكلام 13: 324.
4) - وسائل الشيعة 8: 321 / الباب 14 من أبواب صلاة الجماعة / الحديث 1.
5) - وسائل الشيعة 8: 321 / الباب 14 من أبواب صلاة الجماعة / الحديث 2.
«خمسة لايؤمّون الناس و لايصلّون بهم صلاة فريضة في جماعة - و عدّ منهم - ولد الزنا».(1)
و خبر الأصبغ بن نباتة قال:
«سمعت أميرالمؤمنين عليه السلام يقول: ستّة لاينبغي أن يؤمّوا الناس: ولد الزنا و المرتدّ و الأعرابي بعد الهجرة و شارب الخمر و المحدود و الأغلف. الحديث».(2)
و الظاهر من هذه الروايات أنّ من علم أنّه من الزنا فلاتجوز امامته، و أمّا لو شكّ في كونه من سفاح أو غيره فلا مانع من امامته اذا كان موثوقا بدينه.
قال المحقّق الهمداني: «ثمّ انّ الظاهر أنّ المراد بطهارة المولد التي اعتبروها في الامام هو أن لايعرف كونه من سفاح، فانّ من لم يعرف كونه كذلك محكوم شرعا و عرفا بكونه طاهر المولد؛ لأصالة الصحّة و السلامة في نسبه فانّه أصل معوّل عليه شرعا و عرفا في هذا الباب، مع امكان أن يدّعى أنّ المنساق من النهي عن امامة ابن زنا أو الائتمام به انّما هو ارادة أفراده المعلومة نظرا الى ما أشرنا اليه من عدم جريان أحكام ابن الزنا شرعا و عرفا الاّ على من علم كونه كذلك فلاينسبق الى الذهن من النهي الاّ ارادته فليتأمّل. انتهى».(3)
الأمر السادس: الذكورة اذا كان المأمومون أو بعضهم رجالاً
لا اشكال بل لا خلاف في عدم جواز امامة النساء للرجال أو للرجال و النساء، و ذلك و ان لم يكن هناك رواية معتبرة الاّ أنّه متيقّن من قوله تعالى: «الرجال قوّامون على النساء»(4)، و هو واضح لمن كان له تتبّع في الروايات و الأخبار، و
نكتفي هنا بكلام صاحب الجواهر: «فلايجوز امامة المرأة لهم (للرجال أو للرجال و النساء) بلا خلاف أجده فيه نقلاً و تحصيلاً، بل في الخلاف و المنتهى و التذكرة و الذكرى و الروض و عن غيرها الاجماع عليه؛ لأصالة عدم سقوط القراءة، و النبوي: «لاتؤمّ امرأة رجلاً» و آخر: «أخّروهنّ من حيث أخّرهنّ اللّه» و المروي عن دعائم الاسلام عن علي عليه السلام: «لاتؤمّ المرأة الرجال، و لا الأخرس المتكلّمين، و لا المسافر المقيمين» و آخر عنه عليه السلام أيضا: «لاتؤمّ المرأة الرجال، و تصلّي بالنساء، و لاتتقدّمهنّ تقوم وسطا فيهنّ و يصلّين بصلاتها» و للسيرة و الطريقة المستمرّة في الأعصار و الأمصار؛ اذ لو اتّفق ذلك ولو يوما لاشتهر اشتهار الشمس في رابعة النهار، و مطلوبيّة الحياء منهنّ، و الاستتار المنافيين للامامة المقتضية للظهور و الاشتهار، و للأخبار الكثيرة في بحث المكان من النهي عن تقدّمهنّ بل عن المحاذاة للرجال. انتهى ملخّصا».(1)
الأمر السابع: أن لايكون قاعدا للقائمين و لا مضطجعا للقاعدين
قال في التذكرة: «لايؤمّ القاعد القيّام عند علمائنا أجمع، فلو أمّ قاعد قائما، بطلت صلاة المأموم؛ للنبوي: «لايؤمّنّ أحد بعدي جالسا»، و لقول أميرالمؤمنين عليه السلام: «و لايؤمّ المقيّد المطلقين و لا صاحب الفالج الأصحّاء»، و لأنّ القيام ركن، فلايصحّ ائتمام القادر عليه بالعاجز عنه. انتهى ملخّصا».(2)
و قال أيضا: «يجوز للعاجز عن القيام أن يؤمّ مثله اجماعا، و لايشترط كونه اماما راتبا، و لا ممّن يرجى زوال عذره اجماعا - و قال أيضا: - لايجوز لتارك ركن من الأفعال امامة القادر عليه كالمضطجع، و من لايتمكّن من ركوع أو سجود، و بهقال مالك و أحمد و أصحاب الرأي، خلافا للشافعي. انتهى ملخّصا».(3)
و قال في الجواهر: «و كذا يعتبر في الامام أن لايكون قاعدا بقائم على المشهور بين أصحابنا، بل لم ينقل فيه خلافا من كانت عادته ذلك، بل في الخلاف و التذكرة و كشف الالتباس و المفاتيح و ظاهر المنتهى و عن الغنية و السرائر و ظاهر ارشاد الجعفريّة الاجماع عليه؛ للأصل، و تبادر غيره من الاطلاقات، و امكان دعوى استفادة اعتبار عدم نقصان صلاة الامام نفسها عن صلاة المأموم من استقراء الأدلّة. انتهى ملخّصا».(1)
أقول:
الدليل الذي أقام عليه في التذكرة و غيرها، من رواية السكوني و النبوي، و ان كان ضعيفا الاّ أنّ عمل المشهور بل الاجماع المنقول جابر له. نعم، انّ القدر المتيقّن من الاجماع هو عدم جواز امامة القاعد للقائم، و أمّا سائر مراتب النقص كامامة المضطجع للجالس فلا. نعم، لو كانت علّة فتوى المشهور انّما هو نقصان صلاة الجالس عن صلاة القائم، فالتعدّي عنه في محلّه، و لو قلنا بعدم التعدّي فالظاهر أيضا عدم جواز امامة المضطجع للجالس؛ لأنّ الظاهر من أدلّة الجماعة التي أثرها سقوط القراءة و التبعيّة ولو كان موجبا لازدياد الركن، الجماعة المتعارفة. و أمّا غيرها فان كان هناك نصّ بالخصوص كامامة الجالس بالجالس، و المتيمّم بالمتوضّئ فلا اشكال، و الاّ ففيه اشكال.
و قال في الحدائق: «لايؤمّ القاعد القائم و انّما يؤمّ مثله، و هو قول علمائنا أجمع على ما حكاه العلاّمة في التذكرة، و عليه يدلّ ما رواه الصدوق في الفقيه مرسلاً قال: «و قال أبو جعفر عليه السلام: انّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله صلّى بأصحابه جالسا فلمّا فرغ قال: لايؤمّنّ أحدكم بعدي جالسا. قال: و قال الصادق عليه السلام: كان النبي صلى الله عليه و آله وقع عنفرس فشجّ شقّه الأيمن فصلّى بهم جالسا في غرفة أمّ ابراهيم». - ثمّ قال: - و من
1) - جواهر الكلام 13: 327.
غفلات صاحب الوسائل أنّه تفرّد بالقول بالكراهة فقال في كتاب الوسائل: باب كراهة امامة الجالس القيّام و جواز العكس ثمّ أورد الرواية الأولى، مع اجماع الأصحاب كما عرفت على التحريم و صراحة الخبر المذكور في ذلك من غير معارض يوجب تأويله. انتهى».(1)
الأمر الثامن: لايجوز الاقتداء بمن لايحسن القراءة بعدم اخراج الحرف عن مخرجه أو ابداله بحرف آخر أو حذفه أو نحو ذلك حتّى اللحن في الاعراب.
قد تقدّم البحث في موارد بطلان الصلاة للاخلال بالقراءة في فصل القراءة، فلو تعمّد الاخلال بتلك الموارد بطلت صلاته و صلاة من خلفه و كذا ان تمكّن من الاصلاح و لم يفعل، و أمّا ان لم يتمكّن ففي تحمّله في القراءة عن المأموم اشكال، و الأصل عدمه؛ لأنّ الاشتغال اليقيني يقتضي البراءة اليقينيّة.
قال العلاّمة في المختلف: «قال الشيخ في المبسوط: «تكره امامة من يلحن في قراءته، سواء كان في الحمد أو غيرها، أحال المعنى أو لم يحل اذا لم يحسن اصلاح لسانه، فان كان يحسن و تعمّد اللحن فانّه تبطل صلاته و صلاة من خلفه ان علموا بذلك ... لأنّه اذا لحن لم يكن قارئا للقرآن؛ لأنّ القرآن ليس بملحون». و قال ابن ادريس: «لاتجوز امامة اللحنة الذي يغيّر بلحنه معاني القرآن». و الوجه عندي أنّه لايصحّ أن يكون اماما، أمّا اذا تعمّد فلأنّ صلاته باطلة؛ لأنّه لم يقرأ القرآن كما أنزل، و أمّا اذا لم يتمكّن، فانّه بالنسبة الى الاعراب كالأخرس، فكما لاتصحّ امامة الأخرس لاتصحّ امامة من لايتمكّن من الاعراب. احتجّ بأنّ صلاته صحيحة فجاز أن يكون اماما. و الجواب: المنع من الملازمة كالأخرس. انتهى».(2)
و كذا لاتصحّ امامة التمتام و هو الذي لايحسن أن يؤدّي التاء، و الفأفاء و هو
الذي لايؤدّي الفاء؛ لما تقدّم آنفا. و أمّا اللحن في غير القراءة كما لو كانت آفة في لسان الامام لايتمكّن معها من أداء الشين في التشهّد على وجهه و يبدّله بالسين كما اتّفق لبلال، فلاينبغي الاشكال في جواز الائتمام لصحّة صلاة الامام و عدم تحمّله في الأذكار.
(مسألة 1): لابأس بامامة القاعد للقاعدين، و المضطجع لمثله، و الجالس للمضطجع.
الشرح:
تجوز امامة القاعد للقاعدين، و ذلك لصحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن قوم صلّوا جماعة و هم عراة؟ قال: يتقدّمهم الامام بركبتيه و يصلّي بهم جلوسا و هو جالس».(1)
و صحيحة علي بن جعفر عن موسى بن جعفر عليه السلام قال:
«سألته عن قوم صلّوا جماعة في سفينة، أين يقوم الامام؟ و ان كان معهم نساء، كيف يصنعون؟ أقياما يصلّون أم جلوسا؟ قال: يصلّون قياما، فان لم يقدروا على القيام صلّوا جلوسا، و يقوم الامام أمامهم و النساء خلفهم، و ان ماجت السفينة قعدن النساء و صلّى الرجال، و لابأس أن يكون النساء بحيالهم. الحديث».(2)
و تجوز امامة القاعد الذي يومئ ايماءً بالركوع و السجود لمثله، بل لمن كان قاعدا و يركع و يسجد على وجهه، و ذلك لموثّقة اسحاق بن عمّار قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: قوم قطع عليهم الطريق و أخذت ثيابهم فبقوا عراة و حضرت الصلاة، كيف يصنعون؟ فقال: يتقدّمهم امامهم فيجلس و يجلسون خلفه فيومئ ايماءً بالركوع و السجود، و هم يركعون و يسجدون خلفه على وجوههم».(1)
و يستفاد من هذه الروايات جواز امامة المضطجع للمضطجع، و القاعد للمضطجع، و امامة القائم للقاعد و المضطجع. و أمّا امامة القاعد للقائم فقد تقدّم عدم جوازه و كذا لاتجوز امامة المضطجع للقاعد.
(مسألة 2): لابأس بامامة المتيمّم للمتوضّئ، و ذيالجبيرة لغيره، و مستصحب النجاسة من جهة العذر لغيره بل الظاهر جواز امامة المسلوس و المبطون لغيرهما فضلاً عن مثلهما، و كذا امامة المستحاضة للطاهرة.
الشرح:
يجوز اقتداء المتوضّئ بالمتيمّم، و ذلك لصحيحة محمّد بن حمران و جميل بن درّاج قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: امام قوم أصابته جنابة في السفر و ليس معه من الماء ما يكفيه للغسل، أيتوضّأ بعضهم و يصلّي بهم؟ قال: لا، ولكن يتيمّم الجنب و يصلّي بهم، فانّ اللّه جعل التراب طهورا».(2)
و موثّقة عبداللّه بن بكير قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل أجنب ثمّ تيمّم فأمّنا و نحن طهور؟ فقال: لابأس به».(3)
و موثّقة ثانية لعبداللّه بن بكير قال:
«قلت له: رجل أمّ قوما و هو جنب و قد تيمّم و هم على طهور، فقال: لابأس».(1)
و خبر أبي أسامة عن أبي عبداللّه عليه السلام في الرجل يجنب و ليس معه ماء و هو امام القوم، قال:
«نعم، يتيمّم و يؤمّهم».(2)
و بازائها روايات تنهى عن امامة المتيمّم للمتوضّئ، فتحمل على الكراهة جمعا، كموثّقة عباد بن صهيب قال:
«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول: لايصلّي المتيمّم بقوم متوضّئين».(3)
و خبر السكوني عن جعفر عن أبيه عليه السلام قال:
«لايؤمّ صاحب التيمّم المتوضّئين».(4)
و خبره الآخر عن أبي عبداللّه عليه السلام عن أبيه قال:
«قال أميرالمؤمنين عليه السلام (في حديث): لايؤمّ صاحب التيمّم المتوضّئين».(5)
قال في الجواهر: «و كذا يكره امامة المتيمّم عن الحدث الأصغر بالمتطهّرين عنه على المشهور بين الأصحاب، بل في المنتهى لانعرف فيه خلافا الاّ من محمّد بن حسن الشيباني فمنعه لنهي الصادق عليه السلام عنه في خبر صهيب المحمول على الكراهة لضعفه سندا عن اثبات الحرمة، و معارضته بما هو أقوى منه، و نحوه خبرالسكوني. و في المدارك لولا ما يتخيّل من انعقاد الاجماع على هذا الحكم أي
1) - وسائل الشيعة 8: 327 / الباب 17 من أبواب صلاة الجماعة / الحديث 3.
2) - وسائل الشيعة 8: 328 / الباب 17 من أبواب صلاة الجماعة / الحديث 4.
3) - وسائل الشيعة 8: 328 / الباب 17 من أبواب صلاة الجماعة / الحديث 6.
4) - وسائل الشيعة 8: 328 / الباب 17 من أبواب صلاة الجماعة / الحديث 5.
5) - وسائل الشيعة 8: 328 / الباب 17 من أبواب صلاة الجماعة / الحديث 7.
الكراهة لأمكن القول بجواز الامامة من غير كراهة؛ للأصل و صحيح جميل و موثّق عبداللّه بن بكير و حسنه و خبر ابن أسامة. و الظاهر تعميم الكراهة للمتيمّم عن الأصغر أو الأكبر؛ لاطلاق النهي، بل و للمتوضّئ و المغتسل و ان اقتصر في الخبرين السابقين على المتوضّئين، الاّ أنّ الظاهر عدم ارادة خصوصهم. انتهى ملخّصا».(1)
و يجوز أيضا امامة ذيالجبيرة لغيره؛ لما ذكر من الدليل، و خصوص قوله عليه السلام في صحيحة جميل: «فانّ اللّه جعل التراب طهورا»، فانّه قاعدة كلّيّة تشمل امامة ذيالجبيرة كما تشمل امامة المتيمّم للمتوضّئ و المغتسل.
قال العلاّمة في التذكرة: «يجوز للطاهر أن تأتمّ بالمستحاضة؛ لأنّها متطهّرة، فأشبهت المتيمّم. - و قال: - يصحّ ائتمام الصحيح بصاحب السلس؛ لأنّه متطهّر، و الحدث الموجود غير مانع كالمتيمّم، خلافا لأحمد. - و قال: - يجوز ائتمام الطاهر بمن على بدنه أو ثوبه نجاسة؛ لأنّه كالمتيمّم، خلافا لبعض الجمهور. انتهى ملخّصا».(2)
اذا عملت المستحاضة بما هو تكليفها من تطهير البدن و إحشاء الكرسف و الوضوء و الغسل فهي متطهّرة و صلاتها صحيحة و يجوز الاقتداء بها. و كذا المسلوس أو المبطون فاذا تطهّر قبل الصلاة فهو متطهّر و ان كان البول يجري منه
دائما، و صلاته صحيحة. و كذا من كان في بدنه أو ثوبه نجاسة و لم يعلم فصلاته صحيحة، و هذه الطوائف الثلاث لايعيدون و لايقضون بعد رفع العذر و بعد العلم بالنجاسة، و لا دليل على عدم جواز امامتهم.
(مسألة 3): لابأس بالاقتداء بمن لايحسن القراءة في غير المحلّ الذي يتحمّلها الامام عن المأموم كالركعتين الأخيرتين على الأقوى، و كذا لابأس بالائتمام بمن لايحسن ماعدا القراءة من الأذكار الواجبة و المستحبّة التي لايتحمّلها الامام عن المأموم اذا كان ذلك لعدم استطاعته غير ذلك.
تقدّم في الأمر الثامن أنّه يجوز الاقتداء بمن لايحسن الأذكار الواجبة و القراءة في الركعتين الأخيرتين و لم يتمكّن من أدائها صحيحة؛ لصحّة صلاته و عدم تحمّلها عن المأموم.
(مسألة 4): لاتجوز امامة من لايحسن القراءة لمثله اذا اختلفا في المحلّ الذي لم يحسناه، و أمّا اذا اتّحدا في المحلّ فلايبعد الجواز و ان كان الأحوط العدم، بل لايترك الاحتياط مع وجود الامام المحسن، و كذا لايبعد جواز امامة غير المحسن لمثله مع اختلاف المحلّ أيضا اذا نوى الانفراد عند محلّ الاختلاف، فيقرأ لنفسه بقيّة القراءة لكن الأحوط العدم، بل لايترك مع وجود المحسن في هذه الصورة أيضا.
الشرح:
لاتجوز امامة من لايحسن القراءة كلّها؛ لعدم استطاعته، لمن يحسنها؛ لأنّ الامام ضامن لقراءة المأموم و يتحمّلها عنه، و لو لم يحسنها يشكّ في سقوط القراءة عنه و صحّة جماعته فالأصل عدمه. و لايجوز أيضا امامته لمن كان مثله؛
للدليل الذي ذكر. و كذا لاتجوز امامة من لايحسن بعض القراءة لمثله في ذلك البعض. و أمّا اقتداء من لايحسن القراءة بمن يحسن ابتداءها فلايجوز أيضا و ان انفرد في البعض الذي لايحسن؛ لأنّ الشكّ في صحّة الاقتداء من الأوّل لمن يعلم ذلك منه.
و أمّا صاحب الجواهر فقد ذهب الى جواز امامة من لايحسن القراءة بمثله اذا اتّحد محلّ اللحن أو زاد في المأموم؛ لاطلاق الأدلّة الذي لاينافيه ما ذكرناه سابقا من دعوى تبادر القراءة الصحيحة من أخبار التحمّل؛ اذ ذاك بالنسبة الى المأموم الكامل لا من يلحن كالامام، بل قال: «لاأجد فيه خلافا بين الأصحاب، بل الظاهر الاجماع عليه. انتهى».(1)
و فيه: انّ الاطلاق منصرف الى القراءة الصحيحة، بل المتبادر من أخبار التحمّل القراءة الصحيحة، مضافا الى أصالة عدم سقوط القراءة كما اعترف به نفسه و ادّعاء انقطاعه باطلاق الأدلّة غير معلوم.
قال في مستند العروة: «و أمّا القطع الخارجي بجواز اقتداء كلّ مساوٍ بمساويه فلم نتحقّقه و ان ادّعاه صاحب الجواهر قدس سره و عهدته على مدّعيه بعد عدم مساعدة الأدلّة عليه، فانّ المأموم و ان كان لايزيد على الامام بشيء لكن لم تثبت بدليّة قراءة الامام عن قراءته. انتهى».(2)
(مسألة 5): يجوز الاقتداء بمن لايتمكّن من كمال الافصاح بالحروف أو كمال التأدية اذا كان متمكّنا من القدر الواجب فيها و ان كان المأموم أفصح منه.
الشرح:
القدر الواجب في القراءة أداء الحروف من مخارجها و أن لايلحن فيها و لايبدل حرفا بحرف آخر و لايكون بتمتام و هو الذي لايحسن أداء التاء، و لا بفأفاء و هو الذي لايؤدّي الفاء، و لايجب عليه رعاية المحسّنات من كمال الافصاح أو كمال التأدية، فيجوز ائتمام من يتمكّن من كمال الافصاح بالحروف أو كمال التأدية بمن لايتمكّن من ذلك بل و ان تمكّن و لم يؤدّها بالمرتبة العالية؛ اذ المدار على صحّة قراءة الامام لا على فصاحتها.
(مسألة 6): لايجب على غير المحسن الائتمام بمن هو محسن و ان كان هو الأحوط. نعم، يجب ذلك على القادر على التعلّم اذا ضاق الوقت عنه كما مرّ سابقا.
قد تقدّم شرح هذه المسألة في المسألة الثانية و الثلاثين من فصل القراءة(1)و قلنا بأنّه اذا كان متمكّنا من الائتمام لايجب عليه التعلّم؛ لأنّ وجوبه غيري، و لو ضاق الوقت يجب عليه الائتمام؛ لأداء تكليفه و هو القراءة.
(مسألة 7): لايجوز امامة الأخرس لغيره و ان كان ممّن لايحسن. نعم، يجوز امامته لمثله و ان كان الأحوط الترك خصوصا مع وجود غيره، بل لايترك الاحتياط في هذه الصورة.
لاتجوز امامة الأخرس لغيره و ان كان ممّن لايحسن بل لاتجوز امامته لمثله؛ لما تقدّم في المسألة الرابعة من أنّ الأصل عدم سقوط قراءة من يأتمّ به، و اطلاق أدلّة الجماعة منصرف الى القراءة الصحيحة.
1) - الهادي (كتاب الصلاة) 3: 128.
(مسألة 8): يجوز امامة المرأة لمثلها و لايجوز للرجل و لا للخنثى.
الشرح:
أمّا عدم جواز امامة المرأة للرجل فقد تقدّم دليله في الأمر السادس، و لاتجوز امامة الخنثى للرجل أيضا؛ للشكّ في رجوليّته، و لا للخنثى؛ لاحتمال كون الامام امرأة و المأموم رجلاً، و لا اطلاق لروايات الجماعة من هذه الجهة.
و أمّا امامة المرأة لمثلها فذهب المشهور الى جوازه، و نقل ابن ادريس عن السيّد المرتضى المنع و هو اختيار ابن الجنيد.
قال في المدارك: «و أمّا أنّه يجوز لها أن تؤمّ النساء فهو قول معظم الأصحاب، بل قال في التذكرة: انّه قول علمائنا أجمع - الى أن قال: - و نقل عن ابن الجنيد و السيّد المرتضى رضى الله عنه أنّهما جوّزا امامة النساء في النوافل دون الفرائض، و نفى عنه البأس في المختلف. انتهى».(1)
أمّا الدليل على الجواز، فمنه صحيحة علي بن جعفر عن أخيه عليه السلام قال:
«سألته عن المرأة تؤمّ النساء، ما حدّ رفع صوتها بالقراءة و التكبير؟ فقال: قدر ما تسمع».(2)
و موثّقة سماعة بن مهران قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن المرأة تؤمّ النساء، فقال: لابأس به».(3)
و مرسلة عبداللّه بن بكير عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) في المرأة تؤمّ النساء، قال:
«نعم، تقوم وسطا بينهنّ و لاتتقدّمهنّ».(4)
و خبر الحسن بن زياد الصيقل قال:
«سئل أبو عبداللّه عليه السلام: كيف تصلّي النساء على الجنائز - الى أن قال: - ففي صلاة مكتوبة أيؤمّ بعضهنّ بعضا؟ قال: نعم».(1)
و خبر جابر عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«اذا لم يحضر الرجل تقدّمت امرأة وسطهنّ و قام النساء عن يمينها و شمالها و هي وسطهنّ حتّى تفرغ من الصلاة».(2)
و بازائها روايات تدلّ على جواز امامة المرأة لمثلها في النافلة دون المكتوبة، كصحيحة هشام بن سالم أنّه سأل أبا عبداللّه عليه السلام عن المرأة، هل تؤمّ النساء؟ قال:
«تؤمّهنّ في النافلة، فأمّا في المكتوبة فلا، و لاتتقدّمهنّ ولكن تقوم وسطهنّ».(3)
و صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«تؤمّ المرأة النساء في الصلاة و تقوم وسطا منهنّ و يقمن عن يمينها و شمالها، تؤمّهنّ في النافلة و لاتؤمّهنّ في المكتوبة».(4)
و صحيحة سليمان بن خالد قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن المرأة تؤمّ النساء؟ فقال: اذا كنّ جميعا أمّتهنّ في النافلة، فأمّا المكتوبة فلا، و لاتتقدّمهنّ ولكن تقوم وسطا منهنّ».(5)
فانّها تحمل على التقيّة بقرينة قوله عليه السلام في صحيحة الفضل بن شاذان:
«لايجوز أن يصلّى تطوّع في جماعة؛ لأنّ ذلك بدعة و كلّ بدعة
1) - وسائل الشيعة 8: 334 / الباب 20 من أبواب صلاة الجماعة / الحديث 2.
2) - وسائل الشيعة 8: 337 / الباب 20 من أبواب صلاة الجماعة / الحديث 13.
3) - وسائل الشيعة 8: 333 / الباب 20 من أبواب صلاة الجماعة / الحديث 1.
4) - وسائل الشيعة 8: 336 / الباب 20 من أبواب صلاة الجماعة / الحديث 9.
5) - وسائل الشيعة 8: 336 / الباب 20 من أبواب صلاة الجماعة / الحديث 12.
ضلالة و كلّ ضلالة في النار».(1)
و قوله عليه السلام في خبر الأعمش:
«و لايصلّى التطوّع في جماعة؛ لأنّ ذلك بدعة و كلّ بدعة ضلالة و كلّ ضلالة في النار».(2)
قال في الجواهر: «يجوز أن تؤمّ المرأة النساء في الفريضة على المشهور بين الأصحاب نقلاً و تحصيلاً، بل في الرياض أنّ عليه عامّة من تأخّر، بل في الخلاف و التذكرة و الغنية و ارشاد الجعفريّة و ظاهر المعتبر و المنتهى الاجماع عليه - الى أن قال: - خلافا للمحكي عن أبي علي و علم الهدى و الجعفي من المنع في الفريضة و الجواز في النافلة، و نفى عنه البأس في المختلف، و مال اليه في المدارك و اختاره المولى الأعظم في شرح المفاتيح؛ للأصل و النصوص. و فيه: انّ الأصل لايجري في مورد كان الدليل موجودا، و النصوص يكفي في ردّها اعراض الأصحاب عنها. انتهى ملخّصا».(3)
(مسألة 9): يجوز امامة الخنثى للأنثى دون الرجل، بل و دون الخنثى.
و قد تقدّم شرحها في المسألة السابقة.
(مسألة 10): يجوز امامة غير البالغ لغير البالغ.
تقدّم في أوّل الفصل جواز امامة غير البالغ للبالغ فضلاً عن غير البالغ.
(مسألة 11): الأحوط عدم امامة الأجذم و الأبرص و المحدود بالحدّ الشرعي بعد التوبة، و الأعرابي الاّ لأمثالهم بل مطلقا و ان كان الأقوى الجواز في الجميع مطلقا.
الشرح:
في المسألة فروع:
قال في المدارك: «اختلف الأصحاب في امامة الأجذم و الأبرص، فذهب الشيخ في المبسوط و الخلاف، و المرتضى في بعض رسائله، و أتباعهما الى المنع من امامتهما؛ لورود النهي عنها في عدّة أخبار. و ذهب الشيخ في كتابي الأخبار، و المفيد، و المرتضى في الانتصار، و ابن ادريس، و المصنّف و أكثر المتأخّرين الى الكراهة جمعا بينها و بين عدّة أخرى من الأخبار. انتهى ملخّصا».(1)
و الأصحّ ما عليه المشهور يعني كراهة امامة الأجذم و الأبرص، و ذلك للجمع بين طائفتين من الأخبار:
الأولى: صحيحة أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«خمسة لايؤمّون الناس على كلّ حال: المجذوم و الأبرص و المجنون و ولد الزنا و الأعرابي».(2)
و صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام (في حديث) قال:
«قال أميرالمؤمنين عليه السلام: لايصلّينّ أحدكم خلف المجذوم و الأبرص
و المجنون و المحدود و ولد الزنا، و الأعرابي لايؤمّ المهاجرين».(1)
و ما رواه الصدوق في الخبر عن محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام أنّه قال:
«خمسة لايؤمّون الناس و لايصلّون بهم صلاة فريضة في جماعة: الأبرص و المجذوم و ولد الزنا، و الأعرابي حتّى يهاجر، و المحدود».(2)
و الثانية: حسنة الحسين بن أبي العلاء عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن المجذوم و الأبرص منّا، أيؤمّان المسلمين؟ قال: نعم، و هل يبتلي اللّه بهذا الاّ المؤمن؟ (قال: نعم)(3)، و هل كتب البلاء الاّ على المؤمنين؟».(4)
و خبر عبداللّه بن يزيد قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن المجذوم و الأبرص، يؤمّان المسلمين؟ قال: نعم. قلت: هل يبتلي اللّه بهما المؤمن؟ قال: نعم، و هل كتب اللّه البلاء الاّ على المؤمن؟».(5)
قال في المدارك: «علّله المصنّف في المعتبر بنقص مرتبته بذلك عن منصب الامامة و ان زال فسقه بالتوبة. و نقل عن أبي الصلاح أنّه منع من امامة المحدود
1) - وسائل الشيعة 8: 325 / الباب 15 من أبواب صلاة الجماعة / الحديث 6.
2) - وسائل الشيعة 8: 324 / الباب 15 من أبواب صلاة الجماعة / الحديث 3.
3) - ما بين القوسين ليس في المصدر. هامش الوسائل
4) - وسائل الشيعة 8: 324 / الباب 15 من أبواب صلاة الجماعة / الحديث 4.
5) - وسائل الشيعة 8: 323 / الباب 15 من أبواب صلاة الجماعة / الحديث 1.
بعد التوبة الاّ بمثله. و ردّه الأكثر بأنّ المحدود ليس أسوأ حالاً من الكافر، و بالتوبة و استجماع الشرائط تصحّ امامته، و هو جيّد، لكن ورد في حسنة زرارة المتقدّمة و غيرها النهي عن امامة المحدود، و هو يتناول التائب و غيره. انتهى».(1)
أقول:
و ان ورد النهي عن امامة المحدود مطلقا في صحيحة زرارة و خبر محمّد بن مسلم، الاّ أنّ الظاهر من النهي ولو بمناسبة الحكم و الموضوع الكراهة بعد التوبة، و ذلك لنقص مرتبته بين الناس و اشمئزازهم و ان زال فسقه بعد توبته، و هذا يناسب الكراهة كما ذهب اليه المشهور.
قال المحقّق الهمداني: «لايبعد أن يقال انّ المناسبة بين الحكم و موضوعه يوجب انصراف النهي الى ارادة ما قبل التوبة، كما أنّه على تقدير تسليم ظهوره في الأعمّ أو ارادة خصوص ما بعد التوبة حتّى بعد صيرورته عدلاً مرضيّا يشكل استفادة الحرمة منه؛ لعدم المناسبة خصوصا بعد الالتفات الى كونه معدودا في سياق المجذوم و الأبرص اللذين لم يقصد من النهي بالنسبة اليهما الاّ الكراهة. ولكن مع ذلك كلّه الجمود على ما يترائى من النهي ان لم يكن أقوى فأحوط. انتهى».(2)
قال في المدارك: «الأعرابي منسوب الى الأعراب، و هم سكّان البادية، و قد ورد النهي عن امامته في عدّة روايات. و بظاهر النهي و هو المنع أخذ الشيخ و
جماعة، و اقتصر آخرون على الكراهة. و فصّل المصنّف في المعتبر في ذلك تفصيلاً حسنا فقال: «و الذي نختاره أنّه ان كان ممّن لايعرف محاسن الاسلام و لا وصفها فالأمر كما ذكروه، و ان كان وصل اليه ما يكفيه اعتماده و يدين به و لم يكن ممّن تلزمه المهاجرة وجوبا جاز أن يؤمّ». و على هذا فيمكن حمل النهي على من وجبت عليه المهاجرة و لم يهاجر أو على غير المتّصف بشرائط الامامة. انتهى ملخّصا».(1)
أقول:
قد رأيت الأخبار الواردة في النهي عن امامة الأعرابي بالمهاجرين، فأضف اليها رواية الأصبغ بن نباتة قال:
«سمعت أميرالمؤمنين عليه السلام يقول: ستّة لاينبغي أن يؤمّوا الناس: ولد الزنا و المرتدّ و الأعرابي بعد الهجرة و شارب الخمر و المحدود و الأغلف. الحديث».(2)
و قد قيّد الأعرابي في خبر محمّد بن مسلم بما قبل الهجرة و قال عليه السلام: « ... و الأعرابي حتّى يهاجر»، و قال عليه السلام في صحيحة زرارة المتقدّمة: «و الأعرابي لايؤمّ المهاجرين». فعليه لايبعد أن يكون المراد في رواية الأصبغ «الأعرابي حتّى يهاجر». و ان كان الجمود على ظاهر الأخبار يقتضي الحكم بعدم الجواز مطلقا الاّ أنّه يشكل بالنسبة الى كلّ من سكن البادية و ان كان عالما عادلاً، فيجب تأويله بمن كان جاهلاً بتكليفه، أو على من وجبت عليه المهاجرة و لم يهاجر.
(مسألة 12): العدالة ملكة الاجتناب عن الكبائر و عن الاصرار على الصغائر و عن منافيات المروّة الدالّة على عدم مبالاة مرتكبها بالدين، و يكفي حسن الظاهر الكاشف ظنّا عن تلك الملكة.
الشرح:
قد تقدّم بأنّ من شرائط الامامة للجماعة: العدالة، فانّها مع كونها اجماعيّا بل من الواضحات الغنيّة عن الاستدلال عدّها المحقّق الهمداني من ضروريّات الفقه. و قد استدلّ عليها بجملة من الأخبار، منها موثّقة سماعة قال:
«سألته عن رجل كان يصلّي فخرج الامام و قد صلّى الرجل ركعة من صلاة فريضة؟ قال: ان كان اماما عدلاً فليصلّ أخرى و ينصرف و يجعلهما تطوّعا و ليدخل مع الامام في صلاته كما هو و ان لم يكن امام عدل فليبن على صلاته كما هو. الحديث».(1)
و غيرها من الروايات المذكورة المتقدّمة.
و الكلام الآن في ماهيّة العدالة و معناها و نقل أقوال جملة من علمائنا الأعلام، فانّها لغةً - على ما في الحدائق - مأخوذة من العدل و هو القصد في الأمور ضدّ الجور، و قيل من العدالة بمعنى الاستواء و الاستقامة، و في اصطلاح أرباب الحكمة و أهل العرفان عبارة عن تعديل قوى النفس و تقويم أفعالها بحيث لايغلب بعض على بعض. و في اصطلاح أهل الشرع فأقوال:
الأوّل: ما هو المشهور بين المتأخّرين من أنّها ملكة نفسانيّة (أو هيئة راسخة) تبعث على ملازمة التقوى و المروّة. و قيل في معنى التقوى: انّها اجتناب المكلّف العاقل عن الكبائر و الصغائر كما نسبه الشهيد الثاني رحمه الله الى جماعة من الأصحاب كالشيخ المفيد و أبي الصلاح الحلبي و القاضي ابن البرّاج و ابن ادريس الحلّي و
1) - وسائل الشيعة 8: 405 / الباب 56 من أبواب صلاة الجماعة / الحديث 2.
الطبرسي. و قيل باجتناب الكبائر و عدم الاصرار على الصغائر و ألحقوا بها ترك السنن المؤدّي الى التهاون بها. و فسّروا المروّة باتّباع محاسن العادات و اجتناب مساويها و ما تنفر عنه النفس من المباحات و يؤذن بدناءة النفس و خسّتها كالأكل في الأسواق و المجامع و البول في الشوارع وقت سلوك الناس و غيرهما.
الثاني: القول بأنّها عبارة عن مجرّد الاسلام مع عدم ظهور الفسق، و نقل هذا القول عن جماعة من المتقدّمين كابن الجنيد و الشيخ في الخلاف و الشيخ المفيد و الشهيد الثاني في المسالك و السيّد في المدارك و المحدّث الكاشاني و الفاضل الخراساني.
الثالث: انّ العدالة نفس الأعمال الخارجيّة أي الاتيان بالواجب من الأعمال و الاجتناب عن محرّمها من دون اعتبار اقترانها بالملكة أو صدورها عنها، فالعدالة هي الاستقامة عملاً على طريقة الشرع و عدم الجور و الانحراف عنها، و هو منسوب الى ظاهر الحلّي و غيره.
الرابع: انّ العدالة هي حسن الظاهر فحسب، و على هذا لايمكننا الحكم بعدالة أكثر المسلمين لتوقّفه على احراز حسن الظاهر المتوقّف على المعاشرة في الجملة حتّى نراه يكون آتيا بالأعمال الواجبة و مجتنبا عن الأعمال المحرّمة.(1)
و الظاهر أنّ العدالة هي الملكة المنبعثة عن الدين الذي هو الحبّ للّه و للرسول و للأئمّة الاثنيعشر أي علي و أولاده عليهم السلام و البغض لأعدائهم(2)، فهذا الحبّ يبعث الانسان الى الطاعة للّه و للرسول و لأولي الأمر كما قال اللّه تعالى:
1) - الحدائق الناضرة 10: 14 - 24 ملخّصا.
2) - في الكافي في الصحيح عن فضيل بن يسار قال: «سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الحبّ و البغض، أ من الايمان هو؟ فقال: و هل الايمان الاّ الحبّ و البغض؟ ثمّ تلا هذه الآية: «حبّب اليكم الايمان و زيّنه في قلوبكم و كرّه اليكم الكفر و الفسوق و العصيان أولئك هم الراشدون»». أصول الكافي، ج3 / باب الحبّ في اللّه / الحديث 5.
«قل ان كنتم تحبّون اللّه فاتّبعوني يحببكم اللّه»(1). فانّ ما ينبعث منه فعل الواجب و ترك المحرّم هو الملكة التي يعبّر عنها بالتقوى، و صاحب هذه الملكة يكسبها بتكرار فعل الواجب و ترك المحرّم، فاذا كان الرجل ملتزما باتيان الأعمال الواجبة التي من جملتها و أهمّها الصلاة و يعتني بما كان يعتني به الرسول و أوصياؤه عليهم السلام من الحضور في الجماعة و لم نره يرتكب ذنبا من كذب أو غيبة أو تهمة فبحسن ظاهره هذا نحكم بعدالته.
و هذا الذي قلناه في معنى العدالة ظاهر كثير من الروايات التي وردت في أبواب مختلفة مناسبة لها، فمن جملتها صحيحة عبداللّه بن أبي يعفور قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: بم تعرف عدالة الرجل بين المسلمين حتّى تقبل شهادته لهم و عليهم؟ فقال: أن تعرفوه بالستر و العفاف و كفّ البطن و الفرج و اليد و اللسان، و يعرف باجتناب الكبائر التي أوعد اللّه عليها النار من شرب الخمر و الزنا و الربا و عقوق الوالدين و الفرار من الزحف و غير ذلك و الدلالة على ذلك كلّه أن يكون ساترا لجميع عيوبه حتّى يحرم على المسلمين ما وراء ذلك من عثراته و عيوبه و تفتيش ما وراء ذلك، و يجب عليهم تزكيته و اظهار عدالته في الناس و يكون منه التعاهد للصلوات الخمس اذا واظب عليهنّ و حفظ مواقيتهنّ بحضور جماعة من المسلمين و أن لايتخلّف عن جماعتهم في مصلاّهم الاّ من علّة فاذا كان كذلك لازما لمصلاّه عند حضور الصلوات الخمس فاذا سئل عنه في قبيلته و محلّته قالوا: مارأينا منه الاّ خيرا مواظبا على الصلوات متعاهدا لأوقاتها في مصلاّه فانّ ذلك يجيز شهادته و عدالته بين المسلمين و ذلك أنّ الصلاة ستر و كفّارة للذنوب و ليس يمكن الشهادة على الرجل بأنّه يصلّي
1) - آل عمران 3: 31.
اذا كان لايحضر مصلاّه و يتعاهد جماعة المسلمين و انّما جعل الجماعة و الاجتماع الى الصلاة لكي يعرف من يصلّي ممّن لايصلّي و من يحفظ مواقيت الصلاة ممّن يضيع و لولا ذلك لم يمكن أحد أن يشهد على آخر بصلاح لأنّ من لايصلّي لا صلاح له بين المسلمين فانّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله همّ بأن يحرق قوما في منازلهم لتركهم الحضور لجماعة المسلمين و قد كان فيهم من يصلّي في بيته فلم يقبل منه ذلك و كيف يقبل شهادة أو عدالة بين المسلمين ممّن جرى الحكم من اللّه عزّوجلّ و من رسوله صلى الله عليه و آلهفيه الحرق في جوف بيته بالنار و قد كان يقول: لا صلاة لمن لايصلّي في المسجد مع المسلمين الاّ من علّة».(1)
و أنت اذا تأمّلت في الصحيحة تجد صحّة ما قلنا، فانّ قوله عليه السلام: «أن تعرفوه بالستر و العفاف» هو عبارة أخرى عن التقوى التي هي الملكة، فانّ الستر التغطية، و العفّة الامتناع. فمن يكفّ و يحفظ نفسه عن فعل المحرّم و ترك الواجب و يستر عيوبه التي هي الطغيان و العصيان و الفجور بعدم ارتكاب الخبائث، نعرفه بالستر و العفاف. فما قاله عليه السلام بعد ذلك (و كفّ البطن و الفرج و اليد و اللسان) هو أيضا عبارة أخرى عن الستر و العفاف و تفسير لهما و كذلك ما بعده من قوله عليه السلام: «و يعرف باجتناب الكبائر التي أوعد اللّه عليها النار من شرب الخمر و الزنا و الربا و عقوق الوالدين، و الفرار من الزحف و غير ذلك». و ما قال عليه السلام: «و الدلالة على ذلك كلّه أن يكون ساترا لجميع عيوبه حتّى يحرم على المسلمين ماوراء ذلك من عثراته و عيوبه و تفتيش ما وراء ذلك» هو حسن الظاهر، فحيث انّ احرازه يتوقّف على معاشرته أكّد عليه السلام بالحضور في الجماعة فقال: «و يكون منه التعاهد للصلوات الخمس اذا واظب عليهنّ و حفظ مواقيتهنّ بحضور جماعة من المسلمين، و أن
1) - وسائل الشيعة 27: 391 / الباب 41 من كتاب الشهادات / الحديث 1.
لايتخلّف عن جماعتهم في مصلاّهم الاّ من علّة». و ما قال عليه السلامقبل ذلك من تحريم تفتيش ما وراء ذلك من عثراته و عيوبه، اشارة الى عدم لزوم التدقيق في ذلك و التجسّس فيما خفي عن المسلمين، فلعلّه لأنّ الانسان قد يذنب الذنب لعدم عصمته ولكنّه اذا كانت له ملكة العدالة و التقوى يتوب و يستغفر و يتدارك. و هناك روايات أخر دالّة على بعض ما في الصحيحة:
منها ذيل مرسلة يونس بن عبدالرحمن عن أبي عبداللّه عليه السلام:
« ... فاذا كان ظاهر الرجل ظاهرا مأمونا، جازت شهادته، و لايسأل عن باطنه».(1)
فمراده عليه السلام من «الظاهر المأمون» هو حسن الظاهر الذي يدلّ على ملكة العدالة. و مراده عليه السلام من قوله: «لايسأل عن باطنه» يعني لايفتّش ماوراء ذلك من عثراته و عيوبه، كما قال عليه السلام في صحيحة ابن أبي يعفور.
و منها صحيحة عبداللّه بن المغيرة قال:
«قلت لأبي الحسن الرضا عليه السلام: رجل طلّق امرأته و أشهد شاهدين ناصبيّين. قال: كلّ من ولد على الفطرة و عرف بالصلاح في نفسه جازت شهادته».(2)
فمراده عليه السلام من قوله: «كلّ من ولد على الفطرة» هو الفطرة التي فطر الناس عليها و هي التوحيد، و التوحيد كما في تفسير علي بن ابراهيم القمّي: «لا اله الاّ اللّه محمّد رسول اللّه على أميرالمؤمنين وليّ اللّه».(3)و مراده عليه السلام من قوله: «و عرف بالصلاح» هو ما قاله تفصيلاً في صحيحة عبداللّه بن أبي يعفور من حسن الظاهر.
و منها خبر العلاء بن سيّابة قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن شهادة من يلعب بالحمام؟ قال: لابأس اذا كان لايعرف بفسق».(1)
يعني أن لايرى منه ارتكاب المعصية.
و منها صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«لو كان الأمر الينا لأجزنا شهادة الرجل اذا علم منه خير مع يمين الخصم في حقوق الناس».(2)
و منها صحيحة عمّار بن مروان عن أبي عبداللّه عليه السلام في الرجل يشهد لابنه و الابن لأبيه و الرجل لامرأته، فقال:
«لابأس بذلك اذا كان خيرا».(3)
و المراد من الخير هو ما فصّله في الصحيحة.
و منها موثّقة أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«لابأس بشهادة الضيف اذا كان عفيفا صائنا».(4)
و منها ما روي عنهم عليهم السلام في الصحيح و الخبر:
«أنّه لابأس بشهادة المملوك اذا كان عدلاً».(5)
و منها خبر ابراهيم بن زياد الكرخي عن الصادق جعفر بن محمّد عليه السلام قال:
«من صلّى خمس صلوات في اليوم و الليلة في جماعة فظنّوا به خيرا و أجيزوا شهادته».(6)
و تفصيل الثلاثة الأخيرة هو ما تقدّم في صحيحة عبداللّه بن أبي يعفور.
1) - وسائل الشيعة 27: 394 / الباب 41 من كتاب الشهادات / الحديث 6.
2) - وسائل الشيعة 27: 394 / الباب 41 من كتاب الشهادات / الحديث 8.
3) - وسائل الشيعة 27: 394 / الباب 41 من كتاب الشهادات / الحديث 9.
4) - وسائل الشيعة 27: 395 / الباب 41 من كتاب الشهادات / الحديث 10.
5) - وسائل الشيعة 27: 395 / الباب 41 من كتاب الشهادات / الحديث 11.
6) - وسائل الشيعة 27: 395 / الباب 41 من كتاب الشهادات / الحديث 12.
و منها خبر علقمة قال:
«قال الصادق عليه السلام و قد قلت له: يا بن رسول اللّه، أخبرني عمّن تقبل شهادته و من لاتقبل؟ فقال: يا علقمة، كلّ من كان على فطرة الاسلام جازت شهادته. قال: قلت له: تقبل شهادة مقترف بالذنوب؟ فقال: يا علقمة لو لم تقبل شهادة المقترفين للذنوب لما قبلت الاّ شهادة الأنبياء و الأوصياء عليهم السلام لأنّهم المعصومون دون سائر الخلق، فمن لم تره بعينك يرتكب ذنبا أو لم يشهد عليه بذلك شاهدان فهو من أهل العدالة و الستر، و شهادته مقبولة و ان كان في نفسه مذنبا، و من اغتابه بما فيه فهو خارج من ولاية اللّه، داخل في ولاية الشيطان».(1)
فالمراد من فطرة الاسلام قد تقدّم، و أمّا مراده عليه السلام من «المقترفين للذنوب» هو العادل و المتّقي الذي قد يرتكب ذنبا لأنّه لم يكن معصوما، بقرينة ذيله: «فمن لم تره بعينك يرتكب ذنبا أو لم يشهد عليه شاهدان، فهو من أهل العدالة و الستر ... ».
و منها ما روي في الخصال من الخبر عن علي عليه السلام قال:
«قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: من عامل الناس فلم يظلمهم و حدّثهم فلم يكذبهم و وعدهم فلم يخلفهم فهو ممّن كملت مروّته و ظهرت عدالته و وجبت أخوّته و حرمت غيبته».(2)
و نظيرها خبر عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام.(3)
و الجمع بين هذه الرواية و صحيحة ابن أبي يعفور هو أنّ من لم يظلم الناس و لم يتجاوز أموالهم و أنفسهم و عرضهم فهو تارك لعدّة من الذنوب و من لم يكذب
فكذلك و هكذا عدم اخلاف الوعد، فمن لم يخالف ما عاهد عليه الناس و لم يكذبهم، لم يخالف عهده فيما بينه و بين اللّه.
و منها خبر اسماعيل بن أبي زياد السكوني عن جعفر عن أبيه عليهماالسلام:
«أنّ شهادة الأخ لأخيه تجوز اذا كان مرضيّا و معه شاهد آخر».(1)
و «المرضي» مجمل فصّلته الصحيحة و الروايات الأخر.
و منها خبر عبداللّه بن أبي يعفور عن أخيه عبدالكريم بن أبي يعفور عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«تقبل شهادة المرأة و النسوة اذا كنّ مستورات من أهل البيوتات، معروفات بالستر و العفاف، مطيعات للأزواج، تاركات للبذاء و التبرّج الى الرجال في أنديتهم».(2)
و في هذه الرواية قد أجمل ما فصّله من الصفات المشتركة و الأعمال و كذا نبّه عليه السلامبما تختصّ بالنساء.
و منها ما روي عن أميرالمؤمنين عليه السلام في قوله: «ممّن ترضون من الشهداء»(3)قال:
«ممّن ترضون دينه و أمانته و صلاحه و عفّته و تيقّظه فيما يشهد به ... الخ».(4)
فتلخّص أنّ حسن الظاهر هو الساتريّة من جميع العيوب فيتوقّف احرازه على المعاشرة و هو كاشف تعبّدي عن العدالة و في الأغلب يوجب الاطمئنان. و قد تقدّم و سيأتي أنّ ارتكاب الكبائر موجب للخدشة في العدالة و كذلك الاصرار
على الصغائر؛ لأنّه لا صغيرة مع الاصرار كما ورد في الحديث(1).
و أمّا المروّة فان كان المراد منها عدم الاعتناء بمكارم الأخلاق و العمل على خلاف محاسن الشيم و ان لم يكن حراما كالأكل في الشوارع و العدْو فيها و حمل الأشياء على الظهر أو الرأس، فليس في الروايات الواردة في معنى المروّة أثر ممّا ذكر، فمنها ما رواه الكليني عن جويرية بن مسهّر قال:
«اشتددت خلف أميرالمؤمنين عليه السلام فقال لي: يا جويرية، انّه لم يهلك هؤلاء الحمقى الاّ بخفق النعال خلفهم، ما جاء بك؟ قلت: جئت أسألك عن ثلاث: عن الشرف و عن المروءة و عن العقل. قال: أمّا الشرف فمن شرّفه السلطان شرف و أمّا المروءة فاصلاح المعيشة و أمّا العقل فمن اتّقى اللّه عقل».(2)
فانظر الى الروايات الواردة في الوسائل:
منها ما روى محمّد بن علي بن الحسين مرسلاً قال:
«تذاكر الناس عند الصادق عليه السلام أمر الفتوّة، فقال: تظنّون أنّ الفتوّة بالفسق و الفجور، انّما الفتوّة و المروءة طعام موضوع و نائل مبذول بشيء معروف و أذىً مكفوف، و أمّا تلك فشطّارة و فسق. ثمّ قال: ما المروّة؟ فقال الناس: لانعلم. قال: المروءة و اللّه أن يضع الرجل خوانه بفناء داره، و المروءة مروءتان: مروءة في الحضر و مروءة في السفر، فأمّا التي في الحضر فتلاوة القرآن و لزوم المساجد و المشي مع الاخوان في الحوائج و النعمة ترى على الخادم أنّها تسرّ الصديق و تكبت العدوّ. و أمّا التي في السفر فكثرة الزاد و طيبه و بذله لمن كان معك و كتمانك على القوم أمرهم بعد مفارقتك ايّاهم و كثرة
المزاح في غير ما يسخط اللّه عزّوجلّ. ثمّ قال عليه السلام: و الذي بعث جدّي صلى الله عليه و آله بالحق نبيّا، انّ اللّه عزّوجلّ ليرزق العبد على قدر المروءة و انّ المعونة تنزل على قدر المؤونة و انّ الصبر ينزل على قدر شدّة البلاء».(1)
و خبر عبدالرحمن قال:
«سأل معاوية الحسن بن علي عليه السلام عن المروءة، فقال: شحّ الرجل على دينه و اصلاحه ماله و قيامه بالحقوق».(2)
و خبر معاوية بن وهب عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«كان الحسن بن علي عليه السلام عند معاوية، فقال له: أخبرني عن المروءة، فقال: حفظ الرجل دينه و قيامه في اصلاح ضيعته و حسن منازعته و افشاء السلام و لين الكلام و الكفّ و التحبّب الى الناس».(3)
و خبر عبداللّه بن عمر بن حمّاد الأنصاري قال:
«قال أبو عبداللّه عليه السلام: تعاهد الرجل ضيعته من المروءة».(4)
و خبر الهيثم بن عبداللّه النهدي عن أبيه عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«المروءة مروءتان: مروءة في السفر و مروءة في الحضر، فأمّا مروءة الحضر فتلاوة القرآن و حضور المساجد و صحبة أهل الخير و النظر في الفقه، و أمّا مروءة السفر فبذل الزاد و المزاح في غير ما يسخط اللّه عزّوجلّ و قلّة الخلاف على من صحبك و ترك الرواية عليهم اذا أنت فارقتهم».(5)
1) - وسائل الشيعة 11: 432 / الباب 49 من أبواب آداب السفر / الحديث 1.
2) - وسائل الشيعة 11: 435 / الباب 49 من أبواب آداب السفر / الحديث 6.
3) - وسائل الشيعة 11: 435 / الباب 49 من أبواب آداب السفر / الحديث 7.
4) - وسائل الشيعة 11: 436 / الباب 49 من أبواب آداب السفر / الحديث 11.
5) - وسائل الشيعة 11: 436 / الباب 49 من أبواب آداب السفر / الحديث 12.
و خبر أبي قتادة القمّي رفعه الى أبي عبداللّه عليه السلام أنّه قال:
«ما المروءة؟ فقلنا: لانعلم. فقال: المروءة أن يضع الرجل خوانه بفناء داره، و المروءة مروءتان ... و ذكر نحو الحديث الذي تقدّم».(1)
و في عيون الأخبار في الخبر عن الرضا عن آبائه عليهم السلام قال:
«قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: ستّة من المروءة، ثلاثة منها في الحضر و ثلاثة منها في السفر: فأمّا التي في الحضر فتلاوة كتاب اللّه و عمارة مساجد اللّه و اتّخاذ الاخوان في اللّه، و أمّا التي في السفر فبذل الزاد و حسن الخلق و المزاح في غير المعاصي».(2)
و مرسلة حمّاد بن عيسى عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قال أميرالمؤنين عليه السلام لمحمّد بن الحنفيّة: و اعلم أنّ مروءة المرء المسلم مروءتان: مروءة في حضر و مروءة في سفر، فأمّا مروءة الحضر فقراءة القرآن و مجالسة العلماء و النظر في الفقه و المحافظة على الصلوات في الجماعات، و أمّا مروءة السفر فبذل الزاد و قلّة الخلاف على من صحبك و كثرة ذكر اللّه في كلّ مصعد و مهبط و نزول و قيام و قعود».(3)
و بالإسناد عن أحمد بن محمّد عن بعض أصحابنا رفعه الى سعد بن طريف عن الأصبغ بن نباتة عن الحارث الأعور قال:
«قال أميرالمؤنين عليه السلام للحسن ابنه: يا بنيّ، ما المروءة؟ قال: العفاف و إصلاح المال».(4)
و بالإسناد عن أحمد بن محمّد عن علي بن حفص عن رجل قال:
«سئل الحسن عليه السلام عن المروءة، فقال: العفاف في الدين و حسن التقدير في المعيشة و الصبر على النائبة».(1)
و صحيحة أبان بن تغلب عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: المروءة استصلاح المال».(2)
قال صاحب الحدائق بعد تفسير المروّة عن العلماء: «و الحقّ - كما ذكره جملة من أفاضل متأخّري المتأخّرين - أنّه لا دليل على اعتبار المروءة في معنى العدالة، و انّما وقع ذلك في كلام العلاّمة و من تأخّر عنه و الظاهر أنّه اقتفى في ذلك العامّة حيث انّهم عرّفوها بذلك. انتهى ملخّصا».(3)
(مسألة 13): المعصية الكبيرة هي كلّ معصية ورد النصّ بكونها كبيرة كجملة من المعاصي المذكورة في محلّها أو ورد التوعيد بالنار عليه في الكتاب أو السنّة صريحا أو ضمنا أو ورد في الكتاب أو السنّة كونه أعظم من احدى الكبائر المنصوصة أو الموعود عليها بالنار، أو كان عظيما في أنفس أهل الشرع.
الشرح:
قال في الحدائق: «اعلم أنّه قد اختلفت كلمة العلماء في تفسير الكبيرة على أقوال منتشرة، فقال قوم: هي كلّ ذنب توعّد اللّه تعالى عليه بالعقاب في الكتاب العزيز. و قال آخرون: هي كلّ ذنب رتّب عليه الشارع حدّا أو صرّح بالوعيد. و قال طائفة: هي كلّ معصية تؤذن بقلّة اكتراث فاعلها بالدين. و قال جماعة: هي كلّ
ذنب علمت حرمته بدليل قاطع. و قيل: كلّ ما توعّد عليه توعّدا شديدا في الكتاب أو السنّة. و قيل: هي ما نهى اللّه عنه في سورة النساء من أوّلها الى قوله تعالى: «ان تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه ... الآية». و قال قوم: انّها سبع: الشرك باللّه و قتل النفس التي حرّم اللّه و قذف المحصنة و أكل مال اليتيم و الربا و الفرار من الزحف و عقوق الوالدين. و قيل: انّها تسع بزيادة السحر و الالحاد في بيت اللّه أي الظلم فيه، الى غير ذلك من الأقوال الكثيرة المنسوبة الى العامّة. و المختار من هذه الأقوال الأوّل و الظاهر أنّه المشهور بين أصحابنا. بل قال بعض أفاضل متأخّري المتأخّرين بعد نسبة هذا القول الى الشهرة بينهم: و لم أجد في كلامهم اختيار قول آخر. انتهى».(1)
أقول:
الظاهر أنّ هذه الأقوال التي نقلها صاحب الحدائق كلّها صحيحة و تنزل على مراتبها من الشدّة و الضعف و لذا قال الشيخ الأعظم في رسالته المسمّاة برسالة العدالة: انّها تثبت بأمور و عدّها خمسة. و نحن نكتفي بذكرها عنه رحمه الله فانّه قال:
«ثمّ كون المعصية كبيرة يثبت بأمور:
الأوّل: النصّ المعتبر على أنّها كبيرة، كما ورد في بعض المعاصي، و قد عدّ منها في صحيحة الفضل بن شاذان عن الرضا عليه السلام: «من نيّف و ثلاثين، فانّه كتب الى المأمون: من محض الايمان: اجتناب الكبائر، و هي: قتل النفس التي حرّم اللّه و الزنا و السرقة و شرب الخمر و عقوق الوالدين و الفرار من الزحف و أكل مال اليتيم ظلما و أكل الميتة و الدم و لحم الخنزير و ما أهلّ لغير اللّه به من غير ضرورة، و أكل الربا بعد البيّنة و السحت و الميسر و هو القمار، و البخس في المكيال و الميزان و قذف المحصنات و اللواط و شهادة الزور و اليأس من روح اللّه و الأمن
1) - نفس المصدر: 44.
من مكر اللّه و القنوط من رحمة اللّه، و معونة الظالمين و الركون اليهم، و اليمين الغموس، و حبس الحقوق من غير عسرة، و الكذب و الكبر و الاسراف و التبذير و الخيانة و الاستخفاف بالحجّ و المحاربة لأولياء اللّه و الاشتغال بالملاهي و الاصرار على الذنوب».
الثاني: النصّ المعتبر على أنّها ممّا أوجب اللّه عليها النار - سواء أوعد في الكتاب أو أخبر النبي صلى الله عليه و آله أو الامام عليه السلامبأنّه ممّا يوجب النار - كما دلّ على ذلك صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام في قول اللّه عزّوجلّ «ان تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفّر عنكم سيّئاتكم و ندخلكم مدخلاً كريما» قال: الكبائر، التي أوجب اللّه عزّوجلّ عليها النار».
الثالث: النصّ في الكتاب الكريم على ثبوت العقاب عليه بالخصوص - لا من حيث عموم المعصية، ليشمله قوله تعالى: «و من يعص اللّه و رسوله فانّ له نار جهنّم» - و نحو ذلك ما اذا كشفت السنّة عن ايعاد اللّه تعالى، مثل قوله عليه السلام: «من قال في مؤمن ما رأت عيناه أو سمعت أذناه فهو من الذين قال اللّه تعالى: «الذين يحبّون أن تشيع الفاحشة ... الخ»». و الدليل على ثبوت الكبيرة بما ذكر في هذا الوجه صحيحة عبدالعظيم بن عبداللّه الحسني - المرويّة في الكافي - عن أبي جعفر الثاني عن أبيه عن جدّه عليهم السلام يقول:
«دخل عمرو بن عبيد على أبي عبداللّه عليه السلام فلمّا سلّم و جلس تلا هذه الآية: «الذين يجتنبون كبائر الاثم و الفواحش» ثمّ أمسك، فقال له أبو عبداللّه عليه السلام: ما أمسكك؟ قال: أحبّ أن أعرف الكبائر من كتاب اللّه عزّوجلّ. فقال عليه السلام: نعم يا عمرو، أكبر الكبائر الاشراك باللّه، يقول اللّه: «من يشرك باللّه فقد حرّم اللّه عليه الجنّة» و بعده اليأس من روح اللّه؛ لأنّ اللّه تعالى يقول: «لاييأس من روح اللّه الاّ القوم الكافرون» ثمّ الأمن من مكر اللّه؛ لأنّ اللّه عزّوجلّ يقول: «فلايأمن مكر اللّه الاّ
القوم الخاسرون» و منها عقوق الوالدين؛ لأنّ اللّه تعالى جعل العاقّ جبّارا شقيّا في قوله تعالى: «و برّا بوالدتي و لم يجعلني جبّارا شقيّا»، و قتل النفس التي حرّم اللّه الاّ بالحقّ؛ لأنّ اللّه تعالى يقول: «فجزاؤه جهنّم خالدا فيها»، و قذف المحصنة؛ لأنّ اللّه تعالى يقول: «لُعنوا في الدنيا و الآخرة و لهم عذاب عظيم»، و أكل مال اليتيم؛ لأنّ اللّه تعالى يقول: «الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما انّما يأكلون في بطونهم نارا و سيصلون سعيرا»، و الفرار من الزحف؛ لأنّ اللّه تعالى يقول: «و من يولّهم يومئذ دبره الاّ متحرّفا لقتال أو متحيّزا الى فئة فقد باء بغضب من اللّه و مأواه جهنّم و بئس المصير»، و أكل الربا؛ لأنّ اللّه تعالى يقول: «الذين يأكلون الربا لايقومون الاّ كما يقوم الذي يتخبّطه الشيطان من المسّ»، و السحر؛ لأنّ اللّه عزّوجلّ يقول: «و لقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق»، و الزنا؛ لأنّ اللّه تعالى يقول: «و من يفعل ذلك يلق أثاما يضاعف له العذاب يوم القيامة و يخلد فيه مهانا»، و اليمين الغموس الفاجرة؛ لأنّ اللّه تعالى يقول: «الذين يشترون بعهد اللّه و أيمانهم ثمنا قليلاً أولئك لا خلاق لهم في الآخرة»، و الغلول؛ لأنّ اللّه عزّوجلّ يقول: «و من يغلل يأت بما غلّ يوم القيامة»، و منع الزكاة المفروضة؛ لأنّ اللّه عزّوجلّ يقول: «فتكوى بها جباههم و جنوبهم و ظهورهم» و شهادة الزور و كتمان الشهادة؛ لأنّ اللّه عزّوجلّ يقول: «و من يكتمها فانّه آثم قلبه» و شرب الخمر؛ لأنّ اللّه عزّوجلّ نهى عنه كما نهى عن عبادة الأوثان، و ترك الصلاة متعمّدا و شيئا ممّا فرضه اللّه؛ لأنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله قال: «من ترك الصلاة متعمّدا فقد برئ من ذمّة اللّه و ذمّة رسول اللّه صلى الله عليه و آله و نقض العهد و قطيعة الرحم؛ لأنّ اللّه تعالى يقول: «أولئك لهم اللعنة و لهم
سوء الدار». قال: فخرج عمرو و له صراخ من بكائه و هو يقول: هلك من قال برأيه و نازعكم في الفضل و العلم».(1)
الرابع: دلالة العقل و النقل على أشدّيّة معصيته ممّا ثبت كونها من الكبيرة أو مساواتها، كما في قوله تعالى: «و الفتنة أكبر من القتل»(2)، و في الكذب: «شرّ من الشراب» و كما ورد أنّ «الغيبة أشدّ من الزنا» و مثل حبس المحصنة للزنا، فانّه أشدّ من القذف بحكم العقل، و مثل اعلام الكفّار بما يوجب غلبتهم على المسلمين، فانّه أشدّ من الفرار من الزحف.
الخامس: أن يرد النصّ بعدم قبول شهادة عليه، كما ورد النهي عن الصلاة خلف العاقّ لوالديه.
ثمّ لا اشكال في أنّ الاصرار على الصغيرة من الكبائر، و يدلّ عليه - قبل الاجماع المحكي عن التحرير و غيره - النصوص الواردة. انتهى ملخّصا».(3)
و يدلّ على أنّ الاصرار على الصغيرة من الكبائر، خبر عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«لا صغيرة مع الاصرار و لا كبيرة مع الاستغفار».(4)
و قوله عليه السلام في صحيحة الفضل بن شاذان المتقدّمة التي كان يعدّ الكبائر: «الاصرار على الذنوب».
و قوله عليه السلام في خبر الأعمش: «و الكبائر محرّمة و هي الشرك باللّه عزّوجلّ - الى أن قال: - و الاصرار على صغائر الذنوب».(5)
1) - أصول الكافي 3: 389 / كتاب الايمان و الكفر / باب الكبائر / الحديث 24.
2) - البقرة 2: 217.
3) - رسائل فقهيّة رسالة في العدالة: 44 - 48.
4) - أصول الكافي 3: 395 / كتاب الايمان و الكفر / باب الاصرار على الذنب / الحديث 1.
5) - بحار الأنوار 10: 229 / الباب 14 (فيما بيّن عليه السلام من المسائل ... ) / الحديث 1.
(مسألة 14): اذا شهد عدلان بعدالة شخص كفى في ثبوتها اذا لم يكن معارضا بشهادة عدلين آخرين، بل و شهادة عدل واحد بعدمها.
الشرح:
انّ المستفاد من تتبّع النصوص و التدبّر فيها و في فتاوى الأصحاب أنّ البيّنة طريق شرعي لاحراز الموضوعات الخارجيّة مطلقا عدا أنّه اعتبر الشارع في بعض المقامات شهادة الأربعة أو رجلين أو غير ذلك من الخصوصيّات، بل قد عرفت في الفرع الثالث من فصل أحكام الأوقات في المجلّد الأوّل من كتاب الصلاة أنّ الأقوى كفاية عدل واحد بل مطلق الثقة في غير مورد الخصومات و ما يتعلّق بالدعاوي، فحينئذ اذا شهد عدلان بل عدل واحد بل شهد ثقة بعدالة شخص كفى في ثبوتها، و يطلق على هذه الثلاثة بيّنة؛ لأنّ البيّنة في القرآن و الروايات بمعنى البيان و الدليل و الثلاثة المذكورة من مصاديق البيّنة. و أمّا اذا شهد عدلان بعدالة شخص و شهد عدلان آخران بعدمها تعارضا و تساقطا، و كذا لو عارضت شهادتهما بعدالته، بشهادة عدل آخر، و ذلك لأنّ الدليل على اعتبار العدل الواحد هو الدليل على اعتبار الخبر الواحد، فكما أنّ الصحيحة الواحدة تعارض الصحيحتين و أكثر اذا لم يكن هناك قرينة على الترجيح فشهادة العدل الواحد تعارض شهادة العدلين. نعم، في تعارض شهادة الثقة لشهادة عدلين بل شهادة عدل واحد تأمّل، و ان كان لايبعد تعارضهما.
(مسألة 15): اذا أخبر جماعة غير معلومين بالعدالة بعدالته و حصل الاطمئنان كفى، بل يكفي الاطمئنان اذا حصل من شهادة عدل واحد، و كذا اذا حصل من اقتداء عدلين به أو من اقتداء جماعة مجهولين به، و الحاصل أنّه يكفي الوثوق و الاطمئنان للشخص من أيّ وجه حصل بشرط كونه من أهل الفهم و الخبرة و البصيرة و المعرفة بالمسائل لا من الجهّال، و لا ممّن
يحصل له الاطمئنان و الوثوق بأدنى شيء كغالب الناس.
الشرح:
اذا حصل الوثوق و الاطمئنان بعدالة شخص كفى و يجوز الاقتداء به؛ لأنّ الوثوق و الاطمئنان حجّة عقلائيّة قد أمضاه الشارع، و عليه لو حصل الاطمئنان من أيّ مورد من الموارد المذكورة في المتن كفى. و قد استثنى المصنّف من هذه القاعدة من لم يكن من أهل الفهم و الخبرة و البصيرة و المعرفة بالمسائل من الجهّال و كذا من يحصل له الاطمئنان و الوثوق بأدنى شيء كغالب الناس. ولكن فيه: انّ الطريق الى احراز عدالة الامام و غيرها من باقي الشرائط هو العلم و ما يقوم مقامه من الوثوق و شهادة عدلين أو عدل واحد بل الثقة، و من المعلوم أنّ حصول الاطمئنان للأشخاص متفاوت، فبعضهم يحصل له الاطمئنان بأدنى شيء لصفائه و حسن ظنّه، و بعضهم يكون له الدقّة لايحصل له الاطمئنان بسرعة.
(مسألة 16): الأحوط أن لايتصدّى للامامة من يعرف نفسه بعدم العدالة و ان كان الأقوى جوازه.
الشرح:
قد تقدّم أنّ حكم الجماعة جارٍ على الجماعة الحقيقيّة أي الجماعة التي كانت مستجمعة للشرائط كلّها، فلو كان الامام فاسقا أو كافرا لايجري عليها حكم الجماعة من رجوع الامام الى المأموم اذا شكّ و بالعكس و من تبعيّة المأموم للامام اذا تقدّم أو تأخّر في الأفعال نسيانا. و عليه لو كان الامام يعرف نفسه بعدم العدالة فليس له اجراء حكم الجماعة لصلاته هذه و ان كان حكمها ثابتا للمأموم ظاهرا و قد تقدّم في المسألة الرابعة و الثلاثين من الفصل السابق. هذا من جهة الحكم الوضعي، و أمّا حكمه التكليفي و أنّه هل يحرم عليه أن يجعل نفسه في
معرض الاقتداء و الامامة؟ الظاهر عدمه؛ لعدم الدليل على الحرمة.
ان قلت: انّه مسبّب لفساد صلاة المأمومين، قلت: قد تقدّم في المسألة
المذكورة آنفا صحّة صلاة المأمومين اذا انكشف بعد الصلاة أنّ الامام كان فاسقا أو كافرا الاّ اذا زاد ركنا للتبعيّة. و لو لم ينكشف فصلاتهم في هذه الصورة أيضا صحيحة ظاهرا.
(مسألة 17): الامام الراتب في المسجد أولى بالامامة من غيره و ان كان غيره أفضل منه لكنّ الأولى له تقديم الأفضل، و كذا صاحب المنزل أولى من غيره المأذون في الصلاة، و الاّ فلايجوز بدون اذنه، و الأولى أيضا تقديم الأفضل، و كذا الهاشمي أولى من غيره المساوي له في الصفات.
الشرح:
قال في مفتاح الكرامة: «و صاحب المسجد و المنزل و الامارة أولى من غيرهم ماعدا الامام الأعظم و ان كان ذلك الغير أفضل كما نصّ على ذلك الجمّ الغفير من المتأخّرين و عن المعتبر أنّ على ذلك اتّفاق العلماء، و في المنتهى و الحدائق نفي الخلاف عن ذلك، و في الذكرى أنّه ظاهر الأصحاب. و قد نصّ على تقدّم صاحب المسجد الصدوق في المقنع و الأمالي و الشيخ و الديلمي و الطوسي و ابن حمزة و ابن زهرة و ابن ادريس و من تأخّر عنهم بل ظاهر المراسم أنّه يجب تقديمه و في التذكرة أنّه أولى من غيره و لو كان أفضل منه بلا خلاف و كذا في الرياض و في المفاتيح لايقدّم عليه أحد بلا خلاف، و ظاهر الغنية أو صريحها الاجماع عليه مضافا الى ما سمعت آنفا، و المراد بصاحب المسجد الامام الراتب كما صرّح به الجمع الكثير و لاتتوقّف أولويّة الراتب على حضوره بل ينتظر و يراجع ليحضر أو يستنيب كما في التذكرة و الذكرى الى أن يتضيّق وقت الفضيلة فيسقط اعتباره كما في نهاية الأحكام و البيان و الروض و الفوائد المليّة - الى
أن قال: - و أمّا صاحب المنزل ففي نهاية الأحكام أنّه يقدّم على غيره و ان كان الغير أقرأ و أفقه، و كذا في المعتبر و خالف أبو المجد في الاشارة فجعله بعد الأفقه، و المراد به ساكن المنزل و ان لم يكن مالكا له و في التذكرة و نهاية الأحكام و الموجز الحاوي و المسالك و الروض و الروضة أنّ المالك يقدّم على المستعير و في مجمع البرهان و الذخيرة و الرياض تقوية تقديم المستعير و اتّفق هؤلاء جميعا على أنّ مالك المنفعة مقدّم على مالك العين - الى أن قال: - و أمّا صاحب الامارة من قبل الامام العادل فقد نصّ الجمّ الغفير على أولويّته على غيره. انتهى موضع الحاجة».(1)
و قد اختلف العلماء في ترجيح تقديم صاحب الامارة على امام المسجد و صاحب البيت كما في مفتاح الكرامة. فلنقدّم الروايات الواردة في أنّ صاحب المسجد أحقّ بالامامة من أهل المسجد:
منها ما رواه في دعائم الاسلام عن رسول اللّه صلى الله عليه و آله أنّه قال:
«يؤمّكم أكثركم نورا و النور القرآن و كلّ أهل مسجد أحقّ بالصلاة في مسجدهم الاّ أن يكون أمير حضر فانّه أحقّ بالامامة من أهل المسجد».(2)
و منها ما روي عن جعفر بن محمّد عليه السلام أنّه قال:
«يؤمّ القوم أقدمهم هجرة فان استووا فأقرأهم و ان استووا فأفقههم و ان استووا فأكبرهم سنّا و صاحب المسجد أحقّ بمسجده».(3)
و منها ما روى محمّد بن مسلم قال:
«قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: صاحب الفراش أحقّ بفراشه و صاحب المسجد
أحقّ بمسجده».(1)
و منها ما في فقه الرضا عليه السلام:
«انّ أولى الناس بالتقدّم في الجماعة أقرأهم للقرآن، و ان كانوا في القرآن سواءً فأفقههم، و ان كانوا في الفقه سواءً فأقدمهم هجرة، و ان كانوا في الهجرة سواءً فأسنّهم، فان كانوا في السنّ سواءً فأصبحهم وجها، و صاحب المسجد أولى بمسجده».(2)
و منها ما روى عليه السلام في موضع آخر عن العالم أو عن أميرالمؤمنين عليهماالسلام أنّه سئل عن القوم يكونون جميعا اخوانا، من يؤمّهم؟ قال:
«انّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله قال: صاحب الفراش أحقّ بفراشه و صاحب المسجد أحقّ بمسجده، و قال: أكثرهم قرآنا، و قال: أقدمهم هجرة فان استووا فأقرأهم فان استووا فأفقههم فان استووا فأكبرهم سنّا».(3)
و منها ما روى موسى بن اسماعيل بن موسى بن جعفر عن أبيه عن آبائه عليهم السلام قال:
«قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: الرجل أحقّ بصدر داره و فرسه و أن يؤمّ في بيته و أن يبدأ في صحفته».(4)
فيستفاد من الروايات المذكورة في المستدرك التي تقدّمت آنفا أولويّة الامام الراتب على غيره و ان كان الغير أفضل؛ لاطلاق الروايات بل ظهورها؛ لأنّ في الروايات بعد أن ذكر الامام عليه السلام أولويّة تقديم الأفضل في الفقه و الهجرة و السنّ
قال: «و صاحب المسجد أحقّ - أو أولى - بمسجده». فتحمل هذه الروايات على الاستحباب؛ لضعف سندها، كما أفتى به الفقهاء. نعم، لو تقدّم غير الامام الراتب مع حضوره فيحرم لو كان يوجب التوهين أو النزاع أو يوجب فسادا آخر، فان لم يلزم ذلك فالاحتياط تركه للشبهة.
هذه الأولويّة ثابتة عند حضوره أوقات الصلاة، و أمّا لو لم يحضر حتّى قال المؤذّن: «قد قامت الصلاة» فليؤخذ بيد رجل من القوم فيقدّم، كما في صحيحة حفص بن سالم أنّه سأل أبا عبداللّه عليه السلام:
«اذا قال المؤذنّ: «قد قامت الصلاة» أيقوم الناس على أرجلهم أو يجلسون حتّى يجيء امامهم؟ قال: لا، بل يقومون على أرجلهم، فان جاء امامهم و الاّ فليؤخذ بيد رجل من القوم فيقدّم».(1)
و كذا صاحب المنزل أحقّ بمنزله و صاحب سلطان أحقّ في سلطانه، كما في خبر أبي عبيدة قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن القوم من أصحابنا يجتمعون فتحضر الصلاة فيقول بعضهم لبعض: تقدّم يا فلان! فقال: انّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله قال: يتقدّم القوم أقرأهم للقرآن فان كانوا في القراءة سواءً فأقدمهم هجرة فان كانوا في الهجرة سواءً فأكبرهم سنّا فان كانوا في السنّ سواءً فليؤمّهم أعلمهم بالسنّة و أفقههم في الدين و لايتقدّمنّ أحدكم الرجل في منزله و لا صاحب سلطان في سلطانه».(2)
لو أذن أحد الثلاثة المتقدّم ذكرهم لغيره كان هو الأولى، كما في الحدائق عن المنتهى: «لو أذن المستحقّ من هؤلاء في التقدّم لغيره جاز و كان أولى من غيره اذا اجتمع الشرائط و لانعرف فيه خلافا؛ لأنّه حقّ له فله نقله الى من شاء. - و عن
الذخيرة: - و قد جزم الشهيدان بانتفاء كراهة تقدّم الغير معلّلاً بأنّ أولويّتهم ليست مستندة الى فضيلة ذاتيّة بل الى سياسة أدبيّة».(1)
و الأفضل لهم الاذن للأفضل منهم في الفقه و القراءة و السنّ كما في الروايات.
و أمّا في أولويّة الهاشمي فقال في الحدائق: «قال الشيخ في المبسوط: «اذا حضر رجل من بني هاشم كان أولى بالتقديم اذا كان ممّن يحسن القرآن». و قال في الذكرى بعد نقل ذلك عنه: «و الظاهر أنّه أراد به على غير الأمير و صاحب المنزل و المسجد مع أنّه جعل الأشرف بعد الأفقه الذي هو بعد الأقرأ و الظاهر أنّه الأشرف نسبا، و تبعه ابن البرّاج في تقديم الهاشمي و قال بعده: و لايتقدّمنّ أحد على أميره و لا على من هو في منزله أو مسجده. و جعل أبو الصلاح بعد الأفقه القرشي، و ابن زهرة جعل الهاشمي بعد الأفقه، و في النهاية لم يذكر الشرف و كذا المرتضى و ابن الجنيد و علي بن بابويه و ابنه سلاّر و ابن ادريس و الشيخ نجيب الدين يحيى بن سعيد و ابن عمّه في المعتبر، و ذكر ذلك في الشرائع و أطلق و كذا الفاضل في المختلف و قال: انّه المشهور يعني تقديم الهاشمي، و نحن لم نره مذكورا في الأخبار الاّ ما روي مرسلاً أو مسندا بطريق غير معلوم من قول النبي صلى الله عليه و آله: «قدّموا قريشا و لاتقدّموها»، و هو على تقدير تسليمه غير صريح في المدّعى. نعم، هو مشهور في التقديم في صلاة الجنازة من غير رواية تدلّ عليه. نعم، فيه اكرام لرسول اللّه صلى الله عليه و آله. انتهى».(2)
(مسألة 18): اذا تشاحّ الأئمّة رغبة في ثواب الامامة لا لغرض دنيوي رجّح من قدّمه المأمومون جميعهم تقديما ناشئا عن ترجيح شرعي لا لأغراض دنيويّة. و ان اختلفوا فأراد كلّ منهم تقديم شخص، فالأولى ترجيح
الفقيه الجامع للشرائط، خصوصا اذا انضمّ اليه شدّة التقوى و الورع، فان لم يكن أو تعدّد فالأولى تقديم الأجود قراءةً ثمّ الأفقه في أحكام الصلاة، و مع التساوي فيها فالأفقه في سائر الأحكام غير ما للصلاة ثمّ الأسنّ في الاسلام ثمّ من كان أرجح في سائر الجهات الشرعيّة. و الظاهر أنّ الحال كذلك اذا كان هناك أئمّة متعدّدون فالأولى للمأموم اختيار الأرجح بالترتيب المذكور، لكن اذا تعدّد المرجّح في بعض كان أولى ممّن له ترجيح من جهة واحدة. و المرجّحات الشرعيّة مضافا الى ما ذكر كثيرة لابدّ من ملاحظتها في تحصيل الأولى. و ربّما يوجب ذلك خلاف الترتيب المذكور مع أنّه يحتمل اختصاص الترتيب المذكور بصورة التشاحّ بين الأئمّة أو بين المأمومين لا مطلقا فالأولى للمأموم مع تعدّد الجماعة ملاحظة جميع الجهات في تلك الجماعة من حيث الامام و من حيث أهل الجماعة من حيث تقواهم و فضلهم و كثرتهم و غير ذلك ثمّ اختيار الأرجح فالأرجح.
الشرح:
في مسألة تشاحّ أئمّة الجماعة أو المأمومين فروع:
اعلم أنّه اذا أدّى تشاحّ الأئمّة الى المعصية كالسبّ و التهمة و الغيبة و التحقير و غيرها فالتشاحّ باطل؛ لأنّه موجب لسلب العدالة، و أمّا اذا لم يكن هناك معصية و كان ذلك لطلب الحقّ الذي قد جعل الامام عليه السلام له كما يكون أحدهم الامام الراتب أو صاحب المنزل أو الأمير في امارته فالتشاحّ صحيح و الحقّ لذي الحقّ. فلو كان أحد الأئمّة فقيها أو أكبر سنّا أو أقدم هجرة فهل له الادّعاء بأنّ له حقّ الأولويّة
لورود الروايات في ذلك؟ الظاهر نعم، فيقدّم من يقدّمه اللّه و الرسول صلى الله عليه و آله و أولوا الأمر عليهم السلام.
لو تشاحّ المأمومون فأراد كلّ منهم تقديم شخص فان قدّم بعضهم من له حقّ كصاحب المسجد أو صاحب المنزل أو السلطان فالحقّ لهم و ان كان الباقون مكرهين له؛ لأنّ ظاهر الروايات الدالّة على أولويّة الامام الراتب و صاحب المنزل و الأمير مقيّد للروايات الدالّة على كراهة تقدّم من يكره المأمومون امامته، مضافا الى أنّ هذه الروايات تكون لمن يقدّم نفسه مع كراهة المأمومين لا من يقدّمه بعضهم في مقام التشاحّ لأحقّيّته.
الصورة مع عدم الاختيار فان كان بعضهم ذافضيلة فالتقدّم للأفقه، فاذا كانوا سواءً فالأقرأ ثمّ الترجيحات الأخر التي سنذكرها. أمّا تقدّم الأفقه فللروايات التي وردت فيه و ستراها مع ما ورد في القرآن الكريم من مثل «قل هل يستوي الذين يعلمون و الذين لايعلمون»(1). و ما تقدّم من رواية أبي عبيدة فمع ضعف السند و معارضتها بغيرها تحمل على التقيّة أو يوجّه بما يناسب من التوجيه و ان عمل به الأكثر، فلعلّه للتسامح في أدلّة السنن.
قال في مفتاح الكرامة (في شرح قول العلاّمة: و من يقدّمه المأمومون مع
1) - الزمر 39: 9.
التشاحّ أولى): «كما في الشرائع و النافع و التحرير و نهاية الأحكام و الدروس و البيان و النفليّة و الموجزالحاوي و كشف الالتباس و الجعفريّة و شرحيها و الفوائد المليّة، و فصّل في الذكرى و البيان و الهلاليّة و كشف الالتباس و الغرية و ارشاد الجعفريّة و المدارك بأنّ المأمومين امّا أن يكرهوا امامة واحد بأسرهم فلم يؤمّ بهم و ان اختار الجميع واحدا فهو أولى و ان اختلفوا طلب الترجيح بالقراءة و الفقه و غيرهما. انتهى موضع الحاجة منه».(1)
قال الصدوق في المقنع: «قال والدي رحمه الله في رسالة اليّ: اعلم يا بنيّ أنّ أولى الناس بالتقدّم في جماعة أقرأهم للقرآن، فاذا كانوا في القراءة سواءً فأفقههم فان كانوا في الفقه سواءً فأقربهم هجرة و ان كانوا في الهجرة سواءً فأسنّهم و ان كانوا في السنّ سواءً فأصبحهم وجها، و صاحب المسجد أولى بمسجده».(2)
و قال أبو الصلاح الحلبي في الكافي: «و أولى الناس بها (أي بالجماعة) امام الملّة أو من ينصبه، فان تعذّر الأمران لم ينعقد الاّ بامام عادل طاهر الولادة سليم من الجنون و الجذام و البرص، و أذان و اقامة يتولاّهما من يوثق بدينه، فاذا تكاملت هذه الصفات لجماعة فأولاهم بامامة الصلاة ربّ المسجد و البيت و بعدهما أقرأهم لكتاب اللّه تعالى و بعده أفقههم و بعده القرشي دون غيره ثمّ الكبير دون الصغير».(3)
و في النهاية للشيخ الطوسي: «و ينبغي أن يتقدّم للامامة أقرأ القوم، فان كانوا في القراءة سواءً فأفقههم، فان كانوا في الفقه سواءً فأقدمهم هجرة، فان كانوا في الهجرة سواءً فأكبرهم سنّا، فان كانوا في السنّ سواءً فأحسنهم وجها و لايتقدّمنّ أحد أحدا في مسجده و لا في منزله و لا في امارته، و اذا حضر قوم فيهم رجل من
بنيهاشم فهو أولى بالتقدّم اذا كان ممّن يحسن القراءة».(1)
و في الجمل و العقود للشيخ أيضا نظير ذلك.(2)
و في المبسوط: «شرائط امام الصلاة خمسة: القراءة و الفقه و الشرف و الهجرة و السنّ. فالقراءة و الفقه مقدّمان، و القراءة مقدّمة على الفقه اذا تساويا في الفقه و يعني بالقراءة القدر الذي يحتاج اليه في الصلاة ... الى آخر ما ذكره».(3)
و قال سلاّر في المراسم: «فالواجب أن يكون القوم اثنين فصاعدا و أن يكون الامام عدلاً أقرأ الجماعة، فان تساووا فأفقههم، فان تساووا فأقدمهم هجرة، فان تساووا فأكبرهم سنّا، فان تساووا فأصبحهم وجها، و أن يقدّم ربّ المسجد اذا كان أهلاً لذلك. انتهى».(4)
و قال القاضي ابن البرّاج في المهذّب: «و اذا حضر الصلاة من نصبه الامام الأعظم لم يتقدّم أحد عليه و اذا حضر رجل من بنيهاشم و هو على الشرائط التي قدّمنا ذكرها فينبغي تقديمه، و لايتقدّم أحد على أميره و لا على من هو في مسجده أو منزله الاّ أن يقدّم، و يتقدّم أقرأ الجماعة فان استووا فأكبرهم سنّا فاذا استووا فأصبحهم وجها. انتهى».(5)
و قال ابن زهرة في الغنية: «و اذا حضر جماعة لهم الصفات التي ذكرناها للامامة فالأولى بالتقديم ربّ القبيلة أو المسجد أو البيت فان لم يكن فأقرأهم فان استووا فأفقههم فان استووا فالهاشمي فان استووا فأكبرهم سنّا كلّ ذلك بدليل الاجماع الماضي ذكره. انتهى».(6)
و قال ابن حمزة في الوسيلة: «و شروط امامة الصلاة ستّ على الترتيب: القراءة ثمّ الفقه ثمّ الشرف ثمّ الهجرة ثمّ السنّ ثمّ الصباحة، فان تساووا في القراءة قدّم الأفقه فان تساووا قدّم الأشرف اذا كان مساويا لهم في القراءة و الفقه و على هذا الترتيب الأقدم هجرة ثمّ الأسنّ ثمّ الأصبح وجها مع التساوي فيما تقدّم. و صاحب المسجد أولى بالامامة اذا كان أهلاً لها و الهاشمي أحقّ اذا اجتمع فيه شروطها. انتهى ملخّصا».(1)
و قال ابن ادريس في السرائر: «و لايصحّ الصلاة الاّ خلف معتقد الحقّ بأسره عدل في ديانته، و حدّ العدل هو الذي لايخلّ بواجب و لايرتكب قبيحا و معه من القرآن ما يصحّ الصلاة به، فان ضمّ الى ذلك صفات أخر فذلك على جهة الفضل بل الواجب و الشرط في صحّة الانعقاد شرطان: العدالة و القراءة فحسب، فأمّا الفقه و الهجرة و السنّ و صباحة الوجه فعلى جهة الأفضل و الأولى و الأحقّ بها ممّن لايكون على صفاته. انتهى».(2)
و قال المحقّق في الشرائع: «و صاحب المسجد و الامارة و المنزل أولى بالتقدّم و الهاشمي أولى من غيره اذا كان بشرائط الامامة، و اذا تشاحّ الأئمّة فمن قدّمه المأمومون فهو أولى فان اختلفوا قدّم الأقرأ فالأفقه فالأقدم هجرة فالأسنّ فالأصبح. انتهى».(3)
و قال العلاّمة في القواعد: «و صاحب المنزل و المسجد و الامارة و الهاشمي مع الشرائط و من يقدّمه المأمومون مع التشاحّ و الأقرأ لو اختلفوا فالأفقه فالأقدم هجرة فالأسنّ فالأصبح أولى من غيرهم. انتهى».(4)
و قال الشهيد الأوّل في اللمعة: «و يقدّم الأقرأ فالأفقه فالأقدم هجرة فالأسنّ فالأصبح، و الراتب أولى من الجميع و كذا صاحب المنزل و الامارة. انتهى».
و قال الشهيد الثاني في الروضة: «و يقدّم الأقرأ من الأئمّة لو تشاحّوا أو تشاحّ المأمومون و هو الأجود أداءً و اتقانا للقراءة و معرفة أحكامها و محاسنها و ان كان أقلّ حفظا فان تساووا فالأحفظ فان تساووا فيهما فالأفقه في أحكام الصلاة فان تساووا فيها فالأفقه في غيرها و أسقط المصنّف في الذكرى اعتبار الزائد لخروجه عن كمال الصلاة - الى أن قال: - فان تساووا في الفقه و القراءة فالأقدم هجرة من دار الحرب الى دار الاسلام، هذا هو الأصل و في زماننا قيل: هو السبق الى طلب العلم و قيل الى سكنى الأمصار مجازا عن الهجرة الحقيقيّة؛ لأنّها مظنّة الاتّصاف بالأخلاق الفاضلة و الكمالات النفسيّة بخلاف القرى و البادية. و قد قيل انّ الجفاء و القسوة في الفدّادين بالتشديد أو حذف المضاف و قيل يقدّم أولاد من تقدّمت هجرته على غيره، فان تساووا في ذلك فالأسنّ مطلقا أو في الاسلام. فان تساووا فيه فالأصبح وجها؛ لدلالته على مزيد عناية اللّه تعالى، أو ذكرا بين الناس؛ لأنّه يستدلّ على الصالحين بما يجري اللّه لهم على ألسنة عباده - الى أن قال: - و بعض هذه المرجّحات ضعيف المستند لكنّه مشهور و الامام الراتب في مسجد مخصوص أولى من الجميع لو اجتمعوا، و كذا صاحب المنزل أولى منهم و من الراتب، و صاحب الامارة في امارته أولى من جميع من ذكر أيضا. و أولويّة هذه الثلاثة سياسة أدبيّة لا فضيلة ذاتيّة و لو أذنوا لغيرهم انتفت الكراهة. لايتوقّف أولويّة الراتب على حضوره بل ينتظر لو تأخّر، و يراجع الى أن يضيق وقت الفضيلة فيسقط اعتباره. و لا فرق في صاحب المنزل بين المالك للعين و المنفعة و غيره كالمستعير. و لو اجتمعا فالمالك أولى و لو اجتمع مالك الأصل و المنفعة فالثاني أولى. انتهى».(1)
1) - الروضة البهيّة 1: 391 - 393.
أقول:
الظاهر أنّ دليل هؤلاء الفقهاء المذكورين من القدماء و غيرهم هو ما رواه في فقه الرضا عليه السلام:
«انّ أولى الناس بالتقدّم في الجماعة أقرأهم للقرآن، و ان كانوا في القرآن سواءً فأفقههم، و ان كانوا في الفقه سواءً فأقدمهم هجرة، و ان كانوا في الهجرة سواءً فأسنّهم، فان كانوا في السنّ سواءً فأصبحهم وجها، و صاحب المسجد أولى بمسجده».(1)
فحيث انّ دليل اتّفاق الفقهاء معلوم لايكون هناك اجماع لو ادّعي الاجماع و من ناحية أخرى لاتكون الرواية معتبرة؛ لعدم اعتبار فقه الرضا عليه السلام من حيث كونه مجمعا روائيّا بل بالظنّ القوي انّه فتوى بعض الفقهاء كما ادّعاه غير واحد، و عمل الأصحاب لايجبر ضعفه لو قلنا بانجباره؛ للظنّ بأنّهم تلقّوه مسامحة في أدلّة السنن. و نحن نقول: اذا تمّ شرائط الامامة - من العدالة و العقل و البلوغ و الذكورة و طهارة المولد و حسن القراءة و غيرها - في شخص فالترجيح أوّلاً للامام الراتب و صاحب المنزل و الأمير و بعده فالترجيح لمن أشار اليه القرآن و الروايات بالفضل، فالتقدّم لمن كان عالما فقيها كما في قوله تعالى: «قل هل يستوي الذين يعلمون و الذين لايعلمون»(2)و غيرها من الآيات الدالّة على تقدّم العلم و العمل به. و من الروايات ما رواه في الوسائل عن النبي صلى الله عليه و آله:
«من أمّ قوما و فيهم من هو أعلم منه لم يزل أمرهم الى السفال الى يوم القيامة».(3)
و أيضا عن النبي صلى الله عليه و آله:
«امام القوم وافدهم فقدّموا أفضلكم».(1)
و عنه صلى الله عليه و آله:
«ان سرّكم أن تزكوا صلاتكم فقدّموا خياركم».(2)
بناءً على أنّ العلماء و الفقهاء هم الخيار.
و عنه صلى الله عليه و آله:
«من صلّى خلف عالم فكأنّما صلّى خلف رسول اللّه صلى الله عليه و آله».(3)
و عنه صلى الله عليه و آله:
«انّ أئمّتكم وفدكم الى اللّه فانظروا من توفدون في دينكم و صلواتكم».(4)
و في المستدرك عن النبي صلى الله عليه و آله:
«ليؤمّكم خياركم فانّهم وفدكم الى الجنّة، و صلاتكم قربانكم، لاتقربوا بين أيديكم الاّ خياركم».(5)
و عن النبي صلى الله عليه و آله:
«انّي أخاف عليكم استخفافا بالدين و بيع الحكم و قطيعة الرحم و أن تتّخذوا القرآن مزامير و تقدّمون أحدكم و ليس بأفضلكم في الدين».(6)
و عن الشهيد عن الصادق عليه السلام:
1) - وسائل الشيعة 8: 347 / الباب 26 من أبواب صلاة الجماعة / الحديث 2.
2) - وسائل الشيعة 8: 347 / الباب 26 من أبواب صلاة الجماعة / الحديث 3.
3) - وسائل الشيعة 8: 348 / الباب 26 من أبواب صلاة الجماعة / الحديث 5.
4) - وسائل الشيعة 8: 347 / الباب 26 من أبواب صلاة الجماعة / الحديث 4.
5) - مستدرك الوسائل 6: 473 / الباب 23 من أبواب صلاة الجماعة / الحديث 7.
6) - مستدرك الوسائل 6: 472 / الباب 23 من أبواب صلاة الجماعة / الحديث 5.
«الصلاة خلف العالم بألف ركعة».(1)
و كذا الروايات الواردة عن المعصومين في فضل العلم و العالم و الفقيه التي ذكرها الكليني رحمه الله في الكافي و المجلسي رحمه الله و غيرهما.
فاذا استووا في العلم و الفقه فالتقدّم للأورع و الأتقى اذا عرف فان استووا فالتقدّم لمن كان أكثر قراءة و حفظا للقرآن كما فضّلهم المعصوم عليه السلام في الروايات التي أوردها في الكافي في كتاب القرآن. فان استووا فالتقدّم لمن كان من ذرّيّة النبي صلى الله عليه و آله و أهل بيته الذين أذهب اللّه عنهم الرجس و طهّرهم تطهيرا؛ لما ورد من الروايات في فضلهم. و بعده الأسنّ لما ورد من استحباب اجلال ذيالشيبة. و أيضا عن النبي صلى الله عليه و آله: «وقّروا كباركم».(2)
و الظاهر أنّ رعاية المرجّحات التي ذكرناها مستحبّة و ان كان لاينبغي تركها.
(مسألة 19): الترجيحات المذكورة انّما هي من باب الأفضليّة و الاستحباب لا على وجه اللزوم و الايجاب حتّى في أولويّة الامام الراتب الذي هو صاحب المسجد فلايحرم مزاحمة الغير له و ان كان مفضولاً من سائر الجهات أيضا اذا كان المسجد وقفا لا ملكا له و لا لمن لم يأذن لغيره في الامامة.
فيما ذكره بالنسبة الى الامام الراتب اشكال قد تقدّم فروعاته فراجع.
(مسألة 20): يكره امامة الأجذم و الأبرص و الأغلف المعذور في تركالختان و المحدود بحدّ شرعي بعد توبته و من يكره المأمومون امامته و
المتيمّم للمتطهّر و الحائك و الحجّام و الدبّاغ الاّ لأمثالهم بل الأولى عدم امامة كلّ ناقص للكامل و كلّ كامل للأكمل.
الشرح:
تقدّم وجه كراهة امامة الأجذم و الأبرص و المحدود بعد توبته، و أمّا الكراهة في مورد الأغلف فقد دلّ عليه خبر الأصبغ بن نباتة قال:
«سمعت أميرالمؤمنين عليه السلام يقول: ستّة لاينبغي أن يؤمّوا الناس: ولد الزنا و المرتدّ و الأعرابي بعد الهجرة و شارب الخمر و المحدود و الأغلف».(1)
و خبر طلحة:
«لايؤمّ الناس المحدود و ولد الزنا و الأغلف».(2)
و الخبران لضعف سندهما لايصلحان للحرمة ولكن للكراهة. نعم، لو ترك الختان من غير ضرورة مع علمه باستحبابه فتؤكّد كراهة امامته؛ لخبر زيد بن علي عن آبائه عن علي عليه السلام قال:
«الأغلف لايؤمّ القوم و ان كان أقرأهم؛ لأنّه ضيّع من السنّة أعظمها، و لاتقبل له شهادة و لايصلّى عليه الاّ أن يكون ترك ذلك خوفا على نفسه».(3)
و تكره امامة من يكره المأمومون امامته و ذلك لمرسلة محمّد بن علي بن الحسين قال:
«قال النبي صلى الله عليه و آله: ثمانية لايقبل اللّه لهم صلاة: العبد الآبق حتّى يرجع الى مولاه، و الناشز عن زوجها و هو عليها ساخط، و مانع الزكاة، و
امام قوم يصلّي بهم و هم له كارهون، و تارك الوضوء، و المرأة المدركة تصلّي بغير خمار و الزبين و هو الذي يدافع البول و الغائط، و السكران».(1)
و خبر الحسين بن زيد عن الصادق عن آبائه عليهم السلام (في حديث المناهي) قال:
«و نهى أن يؤمّ الرجل قوما الاّ باذنهم. و قال: من أمّ قوما باذنهم و هم به راضون فاقتصد بهم في حضوره و أحسن صلاته بقيامه و قراءته و ركوعه و سجوده و قعوده فله مثل أجر القوم و لاينقص من أجورهم شيء».(2)
و خبر عبد الملك بن عمير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«أربعة لاتقبل لهم صلاة: الامام الجائر، و الرجل يؤمّ القوم و هم له كارهون، و العبد الآبق من مولاه من غير ضرورة، و المرأة تخرج من بيت زوجها بغير اذنه».(3)
و خبر السيّاري قال:
«قلت لأبي جعفر الثاني عليه السلام: انّ القوم من مواليك يجتمعون فتحضر الصلاة فيؤذّن بعضهم و يتقدّم أحدهم فيصلي بهم؟ فقال: ان كانت قلوبهم كلّها واحدة فلابأس. قال: و من لهم بمعرفة ذلك؟ قال: فدعوا الامامة لأهلها».(4)
قال صاحب الوسائل: «المراد و اللّه أعلم كون قلوبهم واحدة من الرضا بالامام و المراد بأهلها من يجمع شروطها و لعلّ المراد النهي عن التنازع فيها».(5)
و خبر زكريّا صاحب السابري عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«ثلاثة في الجنّة على المسك الأذفر: مؤذّن أذّن احتسابا، و امام أمّ قوما و هم به راضون، و مملوك يطيع اللّه و يطيع مواليه».(1)
و تكره امامة الحجّام و الدبّاغ و الحائك، و الدليل على ذلك ما رواه الشهيد الثاني في شرح النفليّة عن الشيخ جعفر بن أحمد القمّي في كتاب الامام و المأموم باسناده الى الصادق عن أبيه عن آبائه عليهم السلام قال:
«قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: لاتصلّوا خلف الحائك ولو كان عالما، و لاتصلّوا خلف الحجّام ولو كان زاهدا، و لاتصلّوا خلف الدبّاغ ولو كان عابدا».(2)
فحيث انّ سند الرواية ضعيف تناسب الكراهة.
و أمّا أولويّة عدم امامة كلّ ناقص لكامل و كلّ كامل للأكمل فليس على عمومه أو اطلاقه دليل. و قد تقدّم حكم امامة المتيمّم للمتطهّر.
أمّا المستحبّات فأمور: «أحدها»: أن يقف المأموم عن يمين الامام ان كان رجلاً واحدا، و خلفه ان كانوا أكثر. و لو كان المأموم امرأة واحدة وقفت خلف الامام على الجانب الأيمن بحيث يكون سجودها محاذيا لركبة الامام أو قدمه، و لو كنّ أزيد وقفن خلفه، و لو كان رجلاً واحدا و امرأة واحدة أو أكثر وقف الرجل عن يمين الامام و الامرأة خلفه، و لو كانوا رجالاً و نساءً اصطفّوا خلفه و اصطفّت النساء خلفهم، بل الأحوط مراعاة المذكورات. هذا اذا كان الامام رجلاً. و أمّا في جماعة النساء فالأولى وقوفهنّ صفّا واحدا أو أزيد، من غير أن تبرز امامهنّ من بينهنّ.
الشرح:
في المسألة فروع:
يستحبّ أن يقف المأموم عن يمين الامام ان كان رجلاً واحدا، و خلفه ان كانوا أكثر، و الدليل على ذلك صحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما عليهماالسلام قال:
«الرجلان يؤمّ أحدهما صاحبه يقوم عن يمينه فان كانوا أكثر من ذلك قاموا خلفه».(1)
و خبر محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلامأنه سئل عن الرجل يؤمّ الرجلين؟ قال:
«يتقدّمهما و لايقوم بينهما. و عن الرجلين يصلّيان جماعة؟ قال: نعم، يجعله عن يمينه».(2)
و خبر أحمد بن رباط عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قلت له: لأيّ علّة اذا صلّى اثنان صار التابع على يمين المتبوع؟ قال: لأنّه امامه و طاعة للمتبوع و انّ اللّه جعل أصحاب اليمين المطيعين، فلهذه العلّة يقوم على يمين الامام دون يساره».(3)
و خبر البختري عن جعفر بن محمّد عن أبيه عن علي عليه السلام قال:
«قال: رجلان صفّ، فاذا كانوا ثلاثة تقدّم الامام».(4)
قال في المدارك: «قال في المنتهى: و هذا الموقف سنّة، فلو خالف بأن وقف الواحد على يسار الامام أو خلفه لم تبطل صلاته عند علمائنا أجمع. و حكى في
المختلف عن ابن الجنيد القول بالبطلان مع المخالفة، و هو ضعيف. انتهى».(1)
و قال في الجواهر: «و يستحبّ أن يقف المأموم عن يمين الامام لا خلفه و لا يساره ان كان رجلاً واحدا على المشهور بين الأصحاب نقلاً و تحصيلاً، بل في المنتهى: «انّه مذهب أكثر أهل العلم» بل في التذكرة نسبته الى علمائنا، بل عن المعتبر الى العلماء، مشعرين بدعوى الاجماع عليه، بل في الخلاف: «انّ عليه اجماعنا و جميع الفقهاء الاّ النخعي و سعيدا». و في المنتهى: «لو وقف المأموم الواحد عن الخلف أو الشمال و المتعدّد عنه و عن اليمين جاز على كراهة اجماعا» و نحوه ما في التذكرة، لكن مع ترك الخلف في معقد اجماعها. و خلفه لا يمينه و لا يساره ان كانوا جماعة، على المشهور بين الأصحاب أيضا كذلك، بل في التذكرة نفي الخلاف فيه كما عن المنتهى و ارشاد الجعفريّة الاجماع عليه، و في الخلاف: «اذا وقف اثنان عن يمين الامام و يساره فالسنّة أن يتأخّرا خلفه» مستدلاًّ على ذلك باجماع الفرقة، خلافا لظاهر المحكي عن أبي علي من ايجاب الموقف المزبور في الواحد و الجماعة في صحّة الصلاة، و لم أجد من وافقه عليه، بل و لا من حكي عنه عدا ما في مفتاح الكرامة أنّه قد يلوح من الجمل و العقود و جمل العلم و العمل وجوب الوقوف عن اليمين، مع أنّ الذي أظنّه ارادتهم الندب و ان عبّروا بما ظاهره الوجوب خصوصا من مثل القدماء في المعروف استحبابه. انتهى».(2)
أقول:
ظاهر الأوامر المذكورة و ان كان وجوب ذلك الاّ أنّها تحمل على الاستحباب؛ لما ذهب اليه المشهور بل لعلّه عليه الفقهاء أجمع كما استفاد صاحب الجواهر، و
لمرفوعة علي بن ابراهيم الهاشمي قال:
«رأيت أبا عبداللّه عليه السلام يصلّي بقوم و هو الى زاوية في بيته بقرب الحائط و كلّهم عن يمينه و ليس على يساره أحد».(1)
و صحيحة سعيد بن عبداللّه الأعرج قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يدخل المسجد ليصلّي مع الامام فيجد الصفّ متضايقا بأهله فيقوم وحده حتّى يفرغ الامام من الصلاة، أيجوز ذلك له؟ قال: نعم، لابأس به».(2)
و صحيحة أبي الصباح قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يقوم في الصفّ وحده؟ فقال: لابأس، انّما يبدو واحد بعد واحد».(3)
و صحيحة سعيد الأعرج قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يأتي الصلاة فلايجد في الصفّ مقاما، أيقوم وحده حتّى يفرغ من صلاته؟ قال: نعم لابأس، يقوم بحذاء الامام».(4)
و خبر موسى بن بكر أنّه سأل أبا الحسن موسى بن جعفر عليه السلام عن الرجل يقوم في الصفّ وحده؟ قال:
«لابأس، انّما يبدو الصفّ واحد بعد واحد».(5)
و خبر الحسين بن يسار المدائني أنّه سمع من يسأل الرضا عليه السلام عن رجل صلّى الى جانب رجل فقام عن يساره و هو لايعلم ثمّ علم و هو في الصلاة، كيف
1) - وسائل الشيعة 8: 342 / الباب 23 من أبواب صلاة الجماعة / الحديث 6.
2) - وسائل الشيعة 8: 406 / الباب 57 من أبواب صلاة الجماعة / الحديث 1.
3) - وسائل الشيعة 8: 406 / الباب 57 من أبواب صلاة الجماعة / الحديث 2.
4) - وسائل الشيعة 8: 406 / الباب 57 من أبواب صلاة الجماعة / الحديث 3.
5) - وسائل الشيعة 8: 406 / الباب 57 من أبواب صلاة الجماعة / الحديث 4.
يصنع؟ قال:
«يحوّله عن يمينه».(1)
بناءً على أنّه لو كان القيام الى اليمين شرطا في الصحّة كما قد يدّعى لاتّجه الأمر بالاستئناف و لم يجز التحويل، و أمّا احتمال الوجوب التعبّدي، فالظاهر عدم القول به كما في الجواهر(2).
لو كان المأموم امرأة واحدة يستحبّ أن تقف خلف الامام على الجانب الأيمن بحيث يكون سجودها محاذيا لركبة الامام أو قدمه، و لو كنّ أزيد وقفن خلفه. و الدليل على ذلك صحيحة هشام بن سالم عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) قال:
«الرجل اذا أمّ المرأة كانت خلفه عن يمينه، سجودها مع ركبتيه».(3)
و صحيحة الفضيل بن يسار قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: أصلّي المكتوبة بأمّ عليّ؟ قال: نعم، تكون عن يمينك يكون سجودها بحذاء قدميك».(4)
و لاتنافيها مرسلة عبداللّه بن بكير عن أبي عبداللّه عليه السلامفي الرجل يؤمّ المرأة،
قال: «نعم، تكون خلفه. الحديث».(5)
و خبر أبي العبّاس قال:
1) - وسائل الشيعة 8: 345 / الباب 24 من أبواب صلاة الجماعة / الحديث 2.
2) - جواهر الكلام 13: 249.
3) - وسائل الشيعة 5: 125 / الباب 5 من أبواب مكان المصلّي / الحديث 9.
4) - وسائل الشيعة 8: 332 / الباب 19 من أبواب صلاة الجماعة / الحديث 2.
5) - وسائل الشيعة 8: 332 / الباب 19 من أبواب صلاة الجماعة / الحديث 4.
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يؤمّ المرأة في بيته؟ فقال: نعم، تقوم وراءه».(1)
لأنّها تحمل على مراتب الفضل؛ جمعا بين الطائفتين.
و خبر غياث عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«المرأة صفّ و المرأتان صفّ و الثلاث صفّ».(2)
قال في الجواهر: «و أمّا الأنثى ولو متعدّدة فالمشهور بين الأصحاب كما في المفاتيح استحباب وقوفها خلفه، و هو خيرة النافع و المدارك و الذخيرة و المفاتيح و ظاهر الدروس و الرياض. انتهى ملخّصا».(3)
و يستحبّ للنساء أن يقفن خلف الرجال اذا كان المأمومون ملفّقين من الرجال و النساء، و ذلك لخبر القاسم بن الوليد قال:
«سألته عن الرجل يصلّي مع الرجل الواحد معهما النساء؟ قال: يقوم الرجل الى جنب الرجل و يتخلّفن النساء خلفهما».(4)
و خبر الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام أنّه سئل عن الرجل يؤمّ النساء؟ قال:
«نعم، و ان كان معهنّ غلمان فأقيموهم بين أيديهنّ و ان كانوا عبيدا».(5)
1) - وسائل الشيعة 8: 333 / الباب 19 من أبواب صلاة الجماعة / الحديث 5.
2) - وسائل الشيعة 8: 342 / الباب 23 من أبواب صلاة الجماعة / الحديث 4.
3) - جواهر الكلام 13: 251.
4) - وسائل الشيعة 8: 332 / الباب 19 من أبواب صلاة الجماعة / الحديث 3.
5) - وسائل الشيعة 8: 343 / الباب 23 من أبواب صلاة الجماعة / الحديث 9.
يستحبّ أن تقوم المرأة وسطهنّ، و ذلك لمرسلة عبداللّه بن بكير عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) في المرأة تؤمّ النساء، قال:
«نعم، تقوم وسطا بينهنّ و لاتتقدّمهنّ».(1)
و رواية جابر عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«اذا لم يحضر الرجل تقدّمت امرأة وسطهنّ و قام النساء عن يمينها و شمالها و هي وسطهنّ حتّى تفرغ من الصلاة».(2)
و قال في الجواهر: «و لو كان الامام امرأة وقف النساء الى جانبيها و لاتتقدّمهنّ كالرجل في جماعة الرجال و ان كثرن بل تقوم وسط الصفّ بينهنّ بلا خلاف أجده فيه بين القائلين بامامة النساء كما اعترف به في التذكرة و الرياض، بل في المنتهى و عن المعتبر اجماعهم عليه؛ للأخبار المستفيضة فيه باللفظ المتقدّم حدّ الاستفاضة، و فيها الصحيح و غيره، بل ظاهرها جميعها وجوب ذلك و حرمة التقدّم، الاّ أنّي لم أجد أحدا صرّح به و ان أوهمته بعض العبارات المشتملة على الأمر به كالروايات، بل التأمّل الصادق في كلماتهم يعطي ارادتهم الندب منه كما صرّح به غير واحد، بل قد يظهر من الرياض أنّه من معقد نفي خلافه. انتهى».(3)
أقول:
مراده رحمه الله من الأخبار المستفيضة سوى مرسلة ابن بكير و رواية جابر، صحيحة هشام بن سالم و زرارة و الحلبي و سليمان بن خالد، ففي الأولى: «و لاتتقدّمهنّ
ولكن تقوم وسطهنّ»(1)، و في الثانية: «تقوم وسطهنّ معهنّ في الصفّ»(2)، و في الثالثة: «و تقوم وسطا منهنّ و يقمن عن يمينها و شمالها»(3)، و في الرابعة: «و لاتتقدّمهنّ ولكن تقوم وسطا منهنّ»(4). و قد تقدّم ذكرها في المسألة الثامنة في الفصل السابق و قلنا بأنّها تحمل على التقيّة فراجع.
«الثاني»: أن يقف الامام في وسط الصفّ.
قال العلاّمة في التذكرة: «اذا كان المأموم جماعة، وقفوا خلف الامام صفّا أو صفوفا استحبابا بلا خلاف، و ان وقف بعضهم في صفّه عن يمينه و يساره أو عن أحدهما و الباقون خلفه، جاز. انتهى».(5)
و قال في المنتهى: «يستحبّ أن يقف الامام في مقابلة وسط الصفّ، ليتساوى نسبة المأمومين اليه فيمكنهم المتابعة. و قد روى الجمهور عن النبي صلى الله عليه و آله أنّه قال: «وسّطوا الامام و سُدّوا الخلل». انتهى».(6)
«الثالث»: أن يكون في الصفّ الأوّل أهل الفضل ممّن له مزيّة في العلم و الكمال و العقل و الورع و التقوى، و أن يكون يمينه لأفضلهم في الصفّ الأوّل فانّه أفضل الصفوف.
قال العلاّمة في المنتهى: «و أفضل الصفوف أوّلها فيختصّ به أهل الفضل
1) - وسائل الشيعة 8: 334 / الباب 20 من أبواب صلاة الجماعة / الحديث 1.
2) - وسائل الشيعة 8: 334 / الباب 20 من أبواب صلاة الجماعة / الحديث 3.
3) - وسائل الشيعة 8: 336 / الباب 20 من أبواب صلاة الجماعة / الحديث 9.
4) - وسائل الشيعة 8: 336 / الباب 20 من أبواب صلاة الجماعة / الحديث 12.
5) - تذكرة الفقهاء 4: 244.
6) - منتهى المطلب 6: 257.
استحبابا، و هو قول عامّة أهل العلم؛ لما رواه الشيخ عن جابر بن يزيد عن الباقر عليه السلام قال: «ليكن الذين يلون الامام أولي الأحلام منكم و النهى، فان نسي الامام أو تعايا قوّموه، و أفضل الصفوف أوّلها و أفضل أوّلها ما دنا من الامام». و ما رواه ابن بابويه عن أبي الحسن الكاظم عليه السلام قال: «انّ الصلاة في الصفّ الأوّل كالجهاد في سبيل اللّه». و لأنّهم يردّون الامام لو سها. انتهى ملخّصا».(1)
«الخامس»: الوقوف في ميامن الصفوف فانّها أفضل من مياسرها. هذا في غير صلاة الجنازة، و أمّا فيها فأفضل الصفوف آخرها.
يدلّ على ذلك خبر سهل بن زياد باسناده قال:
«قال: فضل ميامن الصفوف على مياسرها كفضل الجماعة على صلاة الفرد».(3)
و خبر السكوني عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قال النبي صلى الله عليه و آله: خير الصفوف في الصلاة المقدّم و خير الصفوف في الجنائز المؤخّر. قيل: يا رسول اللّه، و لم؟ قال صار سترة للنساء».(4)
«السادس»: اقامة الصفوف و اعتدالها، و سدّ الفرج الواقعة فيها، و المحاذاة بين المناكب.
لمرسلة الصدوق قال:
«قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: أقيموا صفوفكم فانّي أراكم من خلفي كما أراكم من قدّامي و من بين يديّ و لاتخالفوا فيخالف اللّه بين قلوبكم».(1)
و صحيحة الفضيل بن يسار عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«أتمّوا الصفوف اذا وجدتم خللاً. الحديث».(2)
و خبر السكوني عن جعفر عن أبيه عن آبائه عليهم السلام قال:
«قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: سوّوا بين صفوفكم و حاذوا بين مناكبكم لايستحوذ عليكم الشيطان».(3)
«السابع»: تقارب الصفوف بعضها من بعض بأن لايكون ما بينها أزيد من مقدار مسقط جسد الانسان اذا سجد.
لصحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلامأنّه قال:
«ينبغي للصفوف أن تكون تامّة متواصلة بعضها الى بعض و لايكون بين الصفّين ما لايتخطّى، يكون قدر ذلك مسقط جسد انسان اذا سجد».(4)
«الثامن»: أن يصلّي الامام بصلاة أضعف من خلفه بأن لايطيل في أفعال
الصلاة من القنوت و الركوع و السجود الاّ اذا علم حبّ التطويل من جميع المأمومين.
لرواية السكوني عن جعفر عن أبيه عن علي عليه السلام قال:
«آخر ما فارقت عليه حبيب قلبي أن قال: يا عليّ، اذا صلّيت فصلّ صلاة أضعف من خلفك. الحديث».(1)
و موثّقة اسحاق بن عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«ينبغي للامام أن تكون صلاته على صلاة أضعف من خلفه».(2)
و مرسلة الصدوق قال:
«و كان معاذ يؤمّ في مسجد على عهد رسول اللّه صلى الله عليه و آله و يطيل القراءة، و انّه مرّ به رجل فافتتح سورة طويلة فقرأ الرجل لنفسه و صلّى ثمّ ركب راحلته، فبلغ ذلك رسول اللّه صلى الله عليه و آله فبعث الى معاذ فقال: يا معاذ! ايّاك أن تكون فتّانا، عليك ب- «الشمس و ضحاها» و ذواتها».(3)
و صحيحة عبداللّه بن ميمون عن جعفر بن محمّد عن أبيه عليهماالسلام (في حديث) قال:
«كان رسول اللّه صلى الله عليه و آله يسمع صوت الصبي - و هو يبكي - و هو في الصلاة فيخفّف الصلاة أن تعبر(4)أمّه».(5)
و في نهج البلاغة عن أميرالمؤمنين عليه السلام - في عهده الى مالك الأشتر - قال:
«و وفّ ما تقرّبت به الى اللّه كاملاً غير مثلوم و لا منقوص بالغا من
1) - وسائل الشيعة 8: 419 / الباب 69 من أبواب صلاة الجماعة / الحديث 2.
2) - وسائل الشيعة 8: 420 / الباب 69 من أبواب صلاة الجماعة / الحديث 3.
3) - وسائل الشيعة 8: 420 / الباب 69 من أبواب صلاة الجماعة / الحديث 4.
4) - في المصدر: «أن تصير اليه» بدل «أن تعبر» هامش الوسائل.
5) - وسائل الشيعة 8: 421 / الباب 69 من أبواب صلاة الجماعة / الحديث 7.
بدنك ما بلغ، و اذا قمت في صلاتك بالناس فلاتكوننّ منفرا و لا مضيّعا، فانّ في الناس من به العلّة و له الحاجة، فانّي سألت رسول اللّه صلى الله عليه و آله حين وجّهني الى اليمن: كيف أصلّي بهم؟ فقال: صلّ بهم صلاة أضعفهم، و كن بالمؤمنين رحيما».(1)
«التاسع»: أن يشتغل المأموم المسبوق بتمجيد اللّه تعالى بالتسبيح و التهليل و التحميد و الثناء اذا أكمل القراءة قبل ركوع الامام، و يبقي آية من قراءته ليركع بها.
يدلّ على ذلك موثّقة زرارة قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: أكون مع الامام فأفرغ من القراءة قبل أن يفرغ؟ قال: أبق آية و مجّد اللّه و أثن عليه، فاذا فرغ فاقرأ الآية و اركع».(2)
و موثّقة اسحاق بن عمّار عمّن سأل أبا عبداللّه عليه السلام قال:
«أصلّي خلف من لاأقتدي به، فاذا فرغت من قراءتي و لم يفرغ هو؟ قال: فسبّح حتّى يفرغ».(3)
و موثّقة ابن بكير عن عمر بن أبي شعبة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قلت له: أكون مع الامام فأفرغ قبل أن يفرغ من قراءته؟ قال: فأتمّ السورة و مجّد اللّه و أثن عليه حتّى يفرغ».(4)
و صحيحة صفوان الجمّال قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: انّ عندنا مصلّى لانصلّي فيه و أهله نصّاب و
امامهم مخالف فأءتمّ به؟ قال: لا. فقلت: ان قرأ أقرأ خلفه؟ قال: نعم. قلت: فان نفدت السورة قبل أن يفرغ؟ قال: سبّح و كبّر، انّما هو بمنزلة القنوت، و كبّر و هلّل».(1)
«العاشر»: أن لايقوم الامام من مقامه بعد التسليم، بل يبقى على هيئة المصلّي حتّى يتمّ من خلفه صلاته من المسبوقين أو الحاضرين لو كان الامام مسافرا، بل هو الأحوط. و يستحبّ له أن يستنيب من يتمّ بهم الصلاة عند مفارقته لهم. و يكره استنابة المسبوق بركعة أو أزيد بل الأولى عدم استنابة من لم يشهد الاقامة.
الشرح:
ففي صحيحة أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام:
«أيّما رجل أمّ قوما فعليه أن يقعد بعد التسليم و لايخرج من ذلك الموضع حتّى يتمّ الذين خلفه - الذين سُبقوا - صلاتهم، ذلك على كلّ امام واجب اذا علم أنّ فيهم مسبوقا، فان علم أن ليس فيهم مسبوق بالصلاة فليذهب حيث شاء».(2)
فهي تحمل على الاستحباب بقرينة موثّقة عمّار قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يصلّي بقوم فيدخل قوم في صلاته بقدر ما قد صلّى ركعة أو أكثر من ذلك فاذا فرغ من صلاته و سلّم، أيجوز له و هو امام أن يقوم من موضعه قبل أن يفرغ من دخل في صلاته؟ قال: نعم».(3)
و تؤيّدها صحيحة حفص بن البختري عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«ينبغي للامام أن يجلس حتّى يتمّ كلّ من خلفه صلاتهم».(1)
و صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«لاينبغي للامام أن يتنفّل اذا سلّم حتّى يتمّ من خلفه الصلاة. الحديث».(2)
و لعلّ التعبير في هاتين الصحيحتين ب- «لاينبغي» قرينة على الاستحباب.
و الظاهر عدم اختصاص الحكم بالامام بل يجري في المأموم؛ لرواية علي بن جعفر و صحيحته عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام قال:
«سألته عن امام مقيم أمّ قوما مسافرين، كيف يصلّي المسافرون؟ قال: ركعتين ثمّ يسلّمون و يقعدون و يقوم الامام فيتمّ صلاته فاذا سلّم و انصرف انصرفوا».(3)
قال في الجواهر: «نعم، في وجوب جلوس الامام بعد السلام الى أن يفرغ المأمومون و عدمه قولان: المشهور كما في الحدائق الثاني؛ للأصل خلافا للمحكي عن المرتضى و ابن الجنيد فالأوّل، و لعلّه لصحيحة أبي بصير و علي بن جعفر، لكن الأولى حملهما على استحباب الجلوس و كراهة الانصراف لموثّق عمّار و غيره. و قد يشمّ من هذه الأخبار استحباب بقاء الامام على هيئة المصلّي و كراهة فعل سائر ما ينافي الصلاة من انصراف أو غيره حتّى التنفّل. انتهى ملخّصا».(4)
و يستحبّ أن يستنيب من يتمّ بهم الصلاة عند مفارقته لهم، و ذلك لصحيحة
الفضل بن عبدالملك عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«لايؤمّ الحضري المسافر، و لا المسافر الحضري، فان ابتلى بشيء من ذلك فأمّ قوما حضريين فاذا أتمّ الركعتين سلّم ثمّ أخذ بيد بعضهم فقدّمه فأمّهم، و اذا صلّى المسافر خلف قوم حضور فليتمّ صلاته ركعتين و يسلّم، و ان صلّى معهم الظهر فليجعل الأوّلتين الظهر و الأخيرتين العصر».(1)
و تكره استنابة المسبوق بركعة أو أزيد؛ لصحيحة سليمان بن خالد قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل يؤمّ القوم فيحدث و يقدّم رجلاً قد سبق بركعة، كيف يصنع؟ قال: لايقدّم رجلاً قد سبق بركعة ولكن يأخذ بيد غيره فيقدّمه».(2)
بل الأولى عدم استنابة من لم يشهد الاقامة؛ لخبر معاوية بن ميسرة عن الصادق عليه السلام قال:
«لاينبغي للامام اذا أحدث أن يقدّم الاّ من أدرك الاقامة».(3)
«الحادي عشر»: أن يسمع الامام من خلفه القراءة الجهريّة و الأذكار ما لم يبلغ العلوّ المفرط.
لصحيحة أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«ينبغي للامام أن يسمع من خلفه كلّ ما يقول، و لاينبغي لمن خلفه أن يسمعوه شيئا ممّا يقول».(4)
و صحيحة حفص بن البختري عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) قال:
«ينبغي للامام أن يسمع من خلفه التشهّد و لايسمعونه هم شيئا يعني الشهادتين، و يسمعهم أيضا «السلام علينا و على عباد اللّه الصالحين»».(1)
و ما رواه العيّاشي في الخبر عن عبداللّه بن سنان قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الامام هل عليه أن يسمع من خلفه و ان كثروا؟ قال: ليقرأ قراءة وسطا، انّ اللّه يقول: «و لاتجهر بصلاتك و لاتخافت بها»».(2)
«الثاني عشر»: أن يطيل ركوعه اذا أحسّ بدخول شخص ضعف ما كان يركع، انتظارا للداخلين، ثمّ يرفع رأسه و ان أحسّ بداخل.
يدلّ عليه رواية جابر الجعفي قال:
«قلت لأبي جعفر عليه السلام: انّي أؤمّ قوما فأركع فيدخل الناس و أنا راكع، فكم أنتظر؟ فقال: ما أعجب ما تسأل عنه يا جابر، انتظر مثلي ركوعك فان انقطعوا و الاّ فارفع رأسك».(3)
و مرسلة مروك بن عبيد عن بعض أصحابه عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«قلت له: انّي امام مسجد الحيّ فأركع بهم فأسمع خفقان نعالهم و أنا راكع. فقال: اصبر ركوعك و مثل ركوعك فان انقطع و الاّ فانتصبقائما».(4)
«الثالث عشر»: أن يقول المأموم عند فراغ الامام من الفاتحة: «الحمد للّه ربّ العالمين».
و ذلك لصحيحة جميل:
«اذا كنت خلف امام فقرأ الحمد ففرغ من قراءتها فقل أنت: «الحمد للّه ربّ العالمين» و لاتقل «آمين»».(1)
«الرابع عشر»: قيام المأمومين عند قول المؤذّن: «قد قامت الصلاة».
لصحيحة حفص بن سالم أنّه سأل أبا عبداللّه عليه السلام:
«اذا قال المؤذّن: «قد قامت الصلاة» أيقوم الناس على أرجلهم أو يجلسون حتّى يجيء امامهم؟ قال: لا، بل يقومون على أرجلهم فان جاء امامهم و الاّ فليؤخذ بيد رجل من القوم فيقدّم».(2)
و خبر معاوية بن شريح عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) قال:
«اذا قال المؤذّن: «قد قامت الصلاة» ينبغي لمن في المسجد أن يقوموا على أرجلهم و يقدّموا بعضهم و لاينتظروا الامام. قال: قلت: و ان كان الامام هو المؤذّن؟ قال: و ان كان فلاينتظرونه و يقدّموا بعضهم».(3)
و أمّا المكروهات فأمور أيضا: «أحدها»: وقوف المأموم وحده في صفّ وحده، مع وجود موضع في الصفوف، و مع امتلائها فليقف آخر الصفوف أو حذاء الامام.
يدلّ على ذلك خبر السكوني عن جعفر عن أبيه قال:
«قال أميرالمؤمنين عليه السلام: قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: لاتكوننّ في العيكل! قلت: و ما العيكل؟ قال: أن تصلي خلف الصفوف وحدك فان لم يمكن الدخول في الصفّ قام حذاء الامام أجزأه، فان هو عاند الصفّ فسدت عليه صلاته».(1)
فانّه يحمل على الكراهة؛ لصحيحة أبي الصباح قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يقوم في الصفّ وحده؟ فقال: لابأس، انّما يبدو واحد بعد واحد».(2)
«الثاني»: التنفّل بعد قول المؤذّن: «قد قامت الصلاة» بل عند الشروع في الاقامة.
الشرح:
يكره التنفّل بعد قول المؤذّن: «قد قامت الصلاة» بل عند الشروع في الاقامة؛ لصحيحة عمر بن يزيد أنّه سأل أبا عبداللّه عليه السلام عن الرواية التي يروون أنّه لاينبغي أن يتطوّع في وقت فريضة ما حدّ هذا الوقت؟ قال:
«اذا أخذ المقيم في الاقامة. فقال له: انّ الناس يختلفون في الاقامة.
فقال: المقيم الذي تصلّي معه».(1)
و خبر علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام قال:
«سألته عن رجل ترك ركعتي الفجر حتّى دخل المسجد و الامام قد قام في صلاته، كيف يصنع؟ قال: يدخل في صلاة القوم و يدع الركعتين، فاذا ارتفع النهار قضاهما».(2)
قال في الجواهر: «و يكره أن يصلّي المأموم نافلة اذا أقيمت الصلاة على المشهور بين الأصحاب كما في الذخيرة؛ لما فيه من التشاغل بالمرجوح عن الراجح، و لخبر عمر بن يزيد. و ظاهره الشروع في الاقامة، كما أنّ ظاهره بقرينة قوله: «لاينبغي» الكراهة لا الحرمة كما هو المشهور بين المتأخّرين، مضافا الى الأصل و اطلاق الأدلّة، فما في الوسيلة و عن النهاية من المنع من التنفّل اذا أقيم للصلاة ضعيف لا دليل عليه. انتهى ملخّصا».(3)
«الثالث»: أن يخصّ الامام نفسه بالدعاء اذا اخترع الدعاء من عند نفسه. و أمّا اذا قرأ بعض الأدعية المأثورة فلا.
لخبر سليمان بن سماعة عن عمّه عن جعفر عن أبيه عن آبائه أنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله قال:
«من صلّى بقوم فاختصّ نفسه بالدعاء فقد خانهم».(4)
«الرابع»: التكلّم بعد قول المؤذّن: «قد قامت الصلاة»، بل يكره في غير
الجماعة أيضا كما مرّ، الاّ أنّ الكراهة فيها أشدّ الاّ أن يكون المأمومون اجتمعوا من شتّى و ليس لهم امام، فلابأس أن يقول بعضهم لبعض: تقدّم يا فلان!
يكره التكلّم بعد قول المؤذّن: «قد قامت الصلاة» جمعا بين الروايات الناهية عن التكلّم و بين ما أجاز ذلك، فمن الأولى صحيحة محمّد بن مسلم قال:
«قال أبو عبداللّه عليه السلام: لاتتكلّم اذا أقمت الصلاة، فانّك اذا تكلّمت أعدت الاقامة».(1)
و من الثانية صحيحة حمّاد بن عثمان قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يتكلّم بعدما يقيم الصلاة؟ قال: نعم».(2)
«الخامس»: اسماع المأموم الامام ما يقوله بعضا أو كلاًّ.
قد تقدّم في الأمر الحادي عشر من المستحبّات.
«السادس»: ائتمام الحاضر بالمسافر و العكس، مع اختلاف صلاتهما قصرا و تماما، و أمّا مع عدم الاختلاف كالائتمام في الصبح و المغرب فلا كراهة و كذا في غيرهما أيضا مع عدم الاختلاف، كما لو ائتمّ القاضي بالمؤدّي أو العكس، و كما في مواطن التخيير اذا اختار المسافر التمام. و لايلحق نقصان الفرضين بغير القصر و التمام بهما في الكراهة، كما اذا ائتمّ الصبح بالظهر أو المغرب، أو هي بالعشاء أو العكس.
الشرح:
يكره ائتمام الحاضر بالمسافر و العكس لصحيحة أبي بصير يعني المرادي قال:
«قال أبو عبداللّه عليه السلام: لايصلّي المسافر مع المقيم، فان صلّى فلينصرف في الركعتين».(1)
و صحيحة حمّاد بن عثمان قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن المسافر يصلّي خلف المقيم؟ قال: يصلّي ركعتين و يمضي حيث شاء».(2)
قال في الجواهر: «و يجوز و ان كان يكره أن يأتمّ حاضر بمسافر و بالعكس على المشهور بين الأصحاب نقلاً و تحصيلاً، بل في الرياض: «انّ عليه من عدا الصدوقين كافّة» بل عن الخلاف و ظاهر الغنية أو صريحها الاجماع عليه، خلافا للمحكي عن والد الصدوق فلايجوز فيهما، و عنه في المقنع في ثانيهما، و هما ضعيفان؛ لاطلاق الأدلّة، و خصوص ظاهر المعتبرة المستفيضة في الثاني (أي الكراهة) ان لم تكن متواترة. انتهى».(3)
(مسألة 1): يجوز لكلّ من الامام و المأموم عند انتهاء صلاته قبل الآخر - بأن كان مقصّرا و الآخر متمّا أو كان المأموم مسبوقا - أن لايسلّم و ينتظر الآخر حتّى يتمّ صلاته و يصل الى التسليم فيسلّم معه، خصوصا للمأموم اذا اشتغل بالذكر و الحمد و نحوهما الى أن يصل الامام. و الأحوط الاقتصار على صورة لا تفوت الموالاة. و أمّا مع فواتها ففيه اشكال من غير فرق بين
كون المنتظر هو الامام أو المأموم.
الشرح:
قال في الجواهر: «انّ المستفاد من النصوص الواردة في كيفيّة ائتمام المسافر بالحاضر هو مفارقة الامام عند انتهاء صلاته، لكن في التذكرة و المنتهى و القواعد و الذكرى و الدروس و البيان و الموجز و الروض ما يستفاد منه جواز انتظاره الامام حتّى يسلّم فيسلّم معه، بل لاأجد فيه خلافا بينهم، بل في أكثر هذه الكتب أنّه أفضل، بل صريح الذكرى و الروض و غيرهما عدم الفرق في ذلك بين ائتمام المسافر بالحاضر و بين من كانت صلاته ناقصة من الحاضرين أو المسافرين المؤتمّين بمثلهم، كمن اقتدى في الصبح أو المغرب بمن يصلّي الظهر أو العصر. و لعلّهم أخذوا ذلك من كراهة مفارقة المأموم الامام مع عدم وجوب التسليم فورا على المصلّي منفردا فضلاً عن المؤتمّ الذي يغتفر له السكوت الطويل لادراك متابعة الامام، على أنّه يمكن التخلّص عنه هنا بأن يشتغل بذكر و تسبيح و نحوهما أو ممّا تسمعه ان شاء اللّه في صلاة الخوف - الى أن قال: - لكن في ثبوت الحكم فضلاً عن الأفضليّة فيه و في جواز انتظار الامام المسافر اذا ائتمّ به الحاضر نوع تأمّل، لتوقيفيّة هيئة العبادة و توقّف البراءة فيها على اليقين، بل ظاهر المصنّف في صلاة الخوف أنّ انتظار الامام للمأمومين من خواصّها، فالحكم بذلك حينئذ لايخلو من نظر. انتهى ملخّصا».(1)
أقول:
الظاهر أنّه لا دليل على ما ذكره هؤلاء الأعلام من جواز انتظار المأموم للامام و بالعكس قبل السلام حتّى يصل و يسلّم، فيسلّم معه، و الأقرب الاكتفاء بذلك فيما اذا التحق الآخر به سريعا مع كونه مشتغلاً بالذكر بحيث لاتفوت الموالاة.
1) - نفس المصدر: 378.
(مسألة 2): اذا شكّ المأموم بعد السجدة الثانية من الامام أنّه سجد معه السجدتين أو واحدة يجب عليه الاتيان بأخرى اذا لم يتجاوز المحلّ.
الشرح:
يفرض شكّ المأموم على صورتين: فتارة يشكّ في شيء من أفعال الصلاة مشتركا فعله و فعل الامام، مثل أن يشكّ حال القيام أنّ الامام ركع أو لم يركع و بتبعه شكّ في ركوع نفسه، أو في حال الجلوس يشكّ في أنّ جلوس الامام هذا هل هو جلسة الاستراحة أو الجلوس بين السجدتين، ففي هاتين الحالتين يجب الرجوع الى الامام. و أمّا لو علم أنّ الامام سجد السجدتين و شكّ في سجدة نفسه بأنّها السجدة الأولى أو الثانية لأنّه يحتمل كونه غافلاً لم يسجد مع الامام السجدتين فحينئذ يجب عليه العمل بشكّه فان كان المحلّ باقيا يسجد سجدة أخرى و الاّ لم يعتن بشكّه.
(مسألة 3): اذا اقتدى المغرب بعشاء الامام و شكّ - في حال القيام - أنّه في الرابعة أو الثالثة ينتظر حتّى يأتي الامام بالركوع و السجدتين حتّى يتبيّن له الحال، فان كان في الثالثة أتى بالبقيّة و صحّت الصلاة، و ان كان في الرابعة يجلس و يتشهّد و يسلّم ثمّ يسجد سجدتي السهو لكلّ واحد من الزيادات من قوله: «بحول اللّه»، و للقيام، و للتسبيحات ان أتى بها أو ببعضها.
الشرح:
اذا شكّ المصلّي في صلاة المغرب حال القيام أنّه الركعة الثالثة ليركع و يسجد و يتمّ صلاته أو الرابعة ليجلس من القيام و يتشهّد و يسلّم، فحينئذ يجب عليه الفحص عن حاله فان بقي شاكّا فتبطل صلاته. هذا في المنفرد، و أمّا المأموم في
هذه الصورة فيمكن له الفحص عن حاله بانتظاره حتّى يأتي الامام بالركوع و السجدتين ليتبيّن له الحال فان كان في الثالثة أتى بالبقيّة و صحّت الصلاة و ان كان في الرابعة يجلس و يتشهّد و يسلّم ثمّ يسجد سجدتي السهو للقيام و لكلّ واحد من باقي الزيادات استحبابا.
(مسألة 4): اذا رأى من عادل كبيرة لاتجوز الصلاة خلفه الاّ أن يتوب مع فرض بقاء الملكة فيه. فيخرج عن العدالة بالمعصية و يعود اليها بمجرّد التوبة.
لأنّ التوبة ماحية للذنوب كتابا و سنّة، و هي عبارة عن الندم عمّا ارتكب من الذنب و العزم على عدم العود اليه و الاستغفار منه. و يلزم الاطمئنان بتوبته.
(مسألة 5): اذا رأى الامام يصلّي و لم يعلم أنّها من اليوميّة أو من النوافل لايصحّ الاقتداء به، و كذا اذا احتمل أنّها من الفرائض التي لايصحّ اقتداء اليوميّة بها. و ان علم أنّها من اليوميّة لكن لم يدر أنّها أيّة صلاة من الخمس أو أنّها أداء أو قضاء أو أنّها قصر أو تمام، لابأس بالاقتداء و لايجب احراز ذلك قبل الدخول، كما لايجب احراز أنّه في أيّ ركعة كما مرّ.
الشرح:
قد تقدّم أنّ الصلاة بالجماعة و ان كانت فردا من أفراد الصلوات اليوميّة مثلاً الاّ أنّه من حيث اختصاص الأحكام لها منوطة باذن الشارع و احرازه فاذا لم يحرز اذنه في نوع من الصلاة لم تصحّ الجماعة كما في صلاة الاحتياط و الرواتب و الطواف. و تقدّم أيضا أنّه لايصحّ الاقتداء في الصلاة اليوميّة بمن يصلّي صلاة الآيات أو بالعكس لعدم احراز اذن الشارع في ذلك و الأصل عدم انعقاد الجماعة.
و أمّا الاقتداء في اليوميّة باليوميّة و ان كانت صلاة الامام و المأموم متفاوتة من حيث الصنف فلابأس. فيجوز اقتداء أيّة صلاة من الخمس بأيّة منها سواء كانت كلتاهما أداءً أو احداهما أداءً و الأخرى قضاءً و سواء كانت كلتاهما تماما أو قصرا أو كانت احداهما قصرا و الأخرى تماما، كما تقدّم كلّ ذلك مع دليله تفصيلاً.
(مسألة 6): القدر المتيقّن من اغتفار زيادة الركوع للمتابعة سهوا زيادته مرّة واحدة في كلّ ركعة، و أمّا اذا زاد في ركعة واحدة أزيد من مرّة كأن رفع رأسه قبل الامام سهوا ثمّ عاد للمتابعة ثمّ رفع أيضا سهوا ثمّ عاد فيشكل الاغتفار، فلايترك الاحتياط حينئذ باعادة الصلاة بعد الاتمام، و كذا في زيادة السجدة القدر المتيقّن اغتفار زيادة سجدتين في ركعة، و أمّا اذا زاد أربع فمشكل.
الشرح:
اذا رفع المأموم رأسه من الركوع قبل الامام سهوا يعيد ركوعه معه؛ لصحيحة علي بن يقطين قال:
«سألت أبا الحسن عليه السلام عن الرجل يركع مع الامام يقتدي به ثمّ يرفع رأسه قبل الامام؟ قال: يعيد ركوعه معه».(1)
فلو رفع رأسه قبل الامام مرّة ثانية فهل يعيد ركوعه معه أو لا؟ ففي اطلاق الصحيحة نظر من احتمال أنّها ناظرة الى الاغتفار، اذا زاد على الركوع الأصلي لا التبعي، و كذا في السجدة.
نعم، يمكن أن يقال بأنّ الجمع بينها و بين موثّقة ابن فضّال قال:
«كتبت الى أبي الحسن الرضا عليه السلامفي الرجل كان خلف امام يأتمّ به
1) - وسائل الشيعة 8: 391 / الباب 48 من أبواب صلاة الجماعة / الحديث 3.
فيركع قبل أن يركع الامام و هو يظنّ أنّ الامام قد ركع فلمّا رآه لم يركع رفع رأسه ثم أعاد ركوعه مع الامام، أيفسد ذلك عليه صلاته أم تجوز تلك الركعة؟ فكتب عليه السلام: تتمّ صلاته و لاتفسد بما صنع صلاته».(1)
ينتج بأنّه لو ركع قبل أن يركع الامام سهوا ثمّ رفع رأسه فأعاد الركوع مع الامام فرفع رأسه قبل أن يرفع الامام رأسه سهوا فأعاد الركوع مع الامام ثالثا لم تبطل صلاته؛ لأنّه عمل بموثّقة ابن فضّال في اعادة الركوع ثانيا و عمل بصحيحة علي بن يقطين باعادة الركوع ثالثا. و كذلك الحال في السجود؛ لوحدة المناط و لموثّقة محمّد بن علي بن فضّال عن أبي الحسن عليه السلام قال:
«قلت له: أسجد مع الامام فأرفع رأسي قبله، أعيد؟ قال: أعد و اسجد».(2)
ولكن استفادة هذا الحكم بالطريق الذي ذكرناه مشكلة فلايترك الاحتياط.
(مسألة 7): اذا كان الامام يصلّي أداءً أو قضاءً يقينيّا و المأموم منحصرا بمن يصلّي احتياطيّا يشكل اجراء حكم الجماعة من اغتفار زيادة الركن، و رجوع الشاكّ منهما الى الآخر و نحوه؛ لعدم احراز كونها صلاة. نعم، لو كان الامام أو المأموم أو كلاهما يصلّي باستصحاب الطهارة لابأس بجريان حكم الجماعة؛ لأنّه و ان كان لم يحرز كونها صلاة واقعيّة لاحتمال كون الاستصحاب مخالفا للواقع الاّ أنّه حكم شرعي ظاهري بخلاف الاحتياط فانّه ارشادي و ليس حكما ظاهريّا، و كذا لو شكّ أحدهما في الاتيان بركن بعد تجاوز المحلّ فانّه حينئذ و ان لم يحرز بحسب الواقع كونها صلاة لكن مفاد
قاعدة التجاوز أيضا حكم شرعي فهي في ظاهر الشرع صلاة.
الشرح:
اذا كان الامام يصلّي أداءً أو قضاءً يقينيّا و المأموم منحصرا بمن يصلّي احتياطا فهنا يشكل رجوع الامام الشاكّ الى المأموم الذي يصلّي احتياطا؛ لعدم احراز كون صلاة المأموم صلاة واقعيّة بل لعلّها صورة صلاة فلم تنعقد الجماعة و لايجري عليها حكم الجماعة. نعم، لو لم ينحصر المأموم بمن يصلّي احتياطا بل كانوا متعدّدين فلا اشكال في رجوع الامام الشاكّ الى غير من يصلّي احتياطا من المأمومين. هذا في رجوع الامام الى المأموم، و أمّا في رجوع المأموم المصلّي صلاة احتياطا فلابأس به و لا اشكال لأنّه ان كانت صلاته واقعيّة فالجماعة بالنسبة اليه منعقدة فأحكام الجماعة جارية، و ان كانت صلاته صورة صلاة فرجوع المأموم الى الامام لايزيد عن أصل الصلاة التي لاتكون صلاة حقيقة.
اعلم أنّه فرق بين الصلاة التي يصلّيها المأموم أو الامام احتياطا و بين الصلاة التي يصلّيها باستصحاب الطهارة مثلاً، فالثانية صلاة بحكم شرعي ظاهري فمادام لم ينكشف الخلاف فالصلاة بالطهارة المستصحبة صلاة حقيقة فاذا جيء بها جماعة يجري عليها أحكام الجماعة فيرجع الشاكّ منهما الى الآخر. و أمّا الأولى فانّ الأمر باتيان الصلاتين ارشاديّ و مقدّمة لاحراز الصلاة مع الطهارة فكمن له ثوبان أحدهما نجس فلم يتمكّن من طهارتهما و اشتبها فيجب عليه أن يصلّي صلاتين فكلّ صلاة يصلّيها يحتمل أنّها صورة صلاة كما يحتمل أنّها صلاة واقعا فلايجوز للامام الشاكّ أن يرجع الى هذا المأموم دون العكس كما قلنا.
(مسألة 8): اذا فرغ الامام من الصلاة و المأموم في التشهّد أو في السلام الأوّل لايلزم عليه نيّة الانفراد بل هو باقٍ على الاقتداء عرفا.
الشرح:
قد تقدّم أنّ ماهيّة الجماعة عبارة عن ارتباط صلاة المأموم بصلاة الامام فاذا نوى الاقتداء به و كبّر و ركع و سجد و قام و تشهّد و سلّم مع تكبير الامام و ركوعه و سجوده و قيامه و تشهّده و سلامه فصلاة الجماعة منعقدة فمادام يصدق بعد النيّة أنّ المأموم يصلّي مقتديا بالامام فصلاته تكون جماعة، فما نحن فيه من هذا القبيل، فاذا فرغ الامام من الصلاة و المأموم في التشهّد أو في السلام الأوّل لايلزم عليه نيّة الانفراد و لاينفرد قهرا بل هو باقٍ على نيّة الاقتداء عرفا.
(مسألة 9): يجوز للمأموم المسبوق بركعة أن يقوم بعد السجدة الثانية من رابعة الامام التي هي ثالثته و ينفرد، ولكن يستحبّ له أن يتابعه في التشهّد متجافيا الى أن يسلّم ثمّ يقوم الى الرابعة.
الشرح:
قد تقدّم أنّه لا مانع للمأموم من نيّة الانفراد أثناء الصلاة، فاذا كانت الجماعة مستحبّة ابتداءً فتستحبّ استدامة، و ما قيل من دلالة صحيحة زرارة على منع نيّة الانفراد أثناء الصلاة فمدفوع بأنّها ليست بصدد بيان حرمة نيّة الانفراد بل كان عليه السلام بصدد بيان ما على المأموم أن يفعله من القراءة و غيرها مادامت الجماعة باقية. و أمّا عدم جواز نيّة الانفراد فلم يظهر من الصحيحة كما هو واضح. نعم، يظهر منها الاستحباب. أمّا الصحيحة فانظر فيها و تأمّل:
«عن زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: اذا أدرك الرجل بعض الصلاة و
فاته بعض خلف امام يحتسب بالصلاة خلفه جعل أوّل ما أدرك أوّل صلاته، ان أدرك من الظهر أو من العصر أو من العشاء ركعتين و فاتته ركعتان قرأ في كلّ ركعة ممّا أدرك خلف الامام في نفسه بأمّ الكتاب و سورة، فان لم يدرك السورة تامّة أجزأته أمّ الكتاب فاذا سلّم الامام قام فصلّى ركعتين لايقرأ فيهما؛ لأنّ الصلاة انّما يقرأ فيها في الأوّلتين في كلّ ركعة بأمّ الكتاب و سورة و في الأخيرتين لايقرأ فيهما. الحديث».(1)
فيستحبّ(2)للمأموم المسبوق المتابعة للامام في قراءة التشهّد و أن يكون متجافيا فيدلّ على الأوّل صحيحة الحسين بن المختار و داوود بن الحصين قال:
«سئل عن رجل فاتته صلاة ركعة من المغرب مع الامام فأدرك الثنتين فهي الأولى له و الثانية للقوم فيتشهّد فيها؟ قال: نعم. قلت: و الثانية أيضا؟ قال: نعم. قلت: كلّهنّ؟ قال: نعم، و انّما هي بركة».(3)
و على الثاني صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) قال:
«و من أجلسه الامام في موضع يجب أن يقوم فيه تجافى و أقعى اقعاءً و لم يجلس متمكّنا».(4)
و كذا صحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يدرك الركعة الثانية من الصلاة مع الامام و هي له الأولى كيف يصنع اذا جلس الامام؟ قال: يتجافى و لايتمكّن من القعود. الحديث».(5)
1) - وسائل الشيعة 8: 388 / الباب 47 من أبواب صلاة الجماعة / الحديث 4.
2) - تقدّم في المسألة التاسعة عشرة من أحكام الجماعة.
3) - وسائل الشيعة 8: 416 / الباب 66 من أبواب صلاة الجماعة / الحديث 1.
4) - وسائل الشيعة 8: 418 / الباب 67 من أبواب صلاة الجماعة / الحديث 2.
5) - وسائل الشيعة 8: 418 / الباب 67 من أبواب صلاة الجماعة / الحديث 1.
(مسألة 10): لايجب على المأموم الاصغاء الى قراءة الامام في الركعتين الأوليين من الجهريّة اذا سمع صوته، لكنّه أحوط.
الشرح:
قد يقال بوجوب الاصغاء الى قراءة الامام و يستدلّ على ذلك بقوله تعالى: «و اذا قرئ القرآن فاستمعوا له و أنصتوا لعلّكم ترحمون»(1)بضميمة ما ورد في صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«ان كنت خلف امام فلاتقرأنّ شيئا في الأوّلتين و أنصت لقراءته، و لاتقرأنّ شيئا في الأخيرتين فانّ اللّه عزّوجلّ يقول للمؤمنين: «و اذا قرئ القرآن - يعني في الفريضة خلف الامام - فاستمعوا له و أنصتوا لعلّكم ترحمون» فالأخيرتان تبعا للأوّلتين».(2)
و كذا في صحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام - الى أن قال عليه السلام: - و أمّا الصلاة التي يجهر فيها فانّما أمر بالجهر لينصت من خلفه فان سمعت فأنصت و ان لم تسمع فاقرأ».(3)
و استشكل أوّلاً بأنّ الاستماع و الانصات للوصول الى الرحمة و حيث انّه لايجب أن يُعرض الانسان نفسه في معرض الرحمة فلايجب الاستماع و الانصات. ولكن فيه: انّ التعرّض للرحمة واجب؛ لأنّ الخلوّ من الرحمة نقمة، كمافي قوله تعالى: «يوم لايغني مولىً عن مولىً شيئا و لا هم ينصرون الاّ من
رحم اللّه»(1)فمن لم يرحم لم ينصر و لايغنيه من اللّه شيء. و كذا: «المؤمنون و المؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف و ينهون عن المنكر و يقيمون الصلاة و يؤتون الزكاة و يطيعون اللّه و رسوله أولئك سيرحمهم اللّه»(2)و كذا: «و قهم السيّئات و من تق السيّئات يومئذ فقد رحمته»(3)و ان كان يمكن أن يقال فيه بأنّ الأحكام منقسمة الى خمسة: واجب و مستحبّ و مباح و حرام و مكروه، فمن عمل بالواجب يستوجب الرحمة و كذلك من أتى بالمستحبّ، فلم تنحصر الرحمة في فاعل الواجب، كما أنّ من ارتكب المحرّم يستوجب العذاب ولكن مرتكب المكروه لم يستوجبه و ان كان مذموما. و كذا من فعل المباح لم يكن له رحمة و لا نقمة، و عليه فلايبعد اطلاق طالب الرحمة على من يستمع الى قراءة الامام و ينصت له باتيانه هذا العمل المستحبّ. اللّهمّ الاّ أن يقال: حيث انّ الظاهر من صيغة الأمر (فاستمعوا - أنصتوا) الوجوب، فالرحمة تكون لفعل الواجب، و ان كان يمكن أن يقال بأنّ قيد الرحمة يجعلها مجملة؛ لكون الرحمة للأعمّ من الواجب و المستحبّ.
و ثانيا بالاجماع الاّ من ابن حمزة، فانّه أفتى بوجوب الانصات و الاستماع. و فيه: انّ هذا الاجماع لايكون في مقابل السنّة بل الظاهر أنّه مستنبط من الروايات.
و ثالثا بأنّ السيرة المستمرّة على الترك، ففيه: انّ السيرة لم تكن حجّة شرعيّة الاّ أن تتّصل بزمان الامام و كانت ممضاة بنظره الشريف و لم يثبت و ان كان مظنونا ولكن لايغني من الحقّ شيئا. مضافا الى أنّ المتشرّعة ينصتون و يستمعون الىقراءة الامام. فالاحتياط بالاصغاء الى قراءة الامام حسن.
(مسألة 11): اذا عرف الامام بالعدالة ثمّ شكّ في حدوث فسقه جاز له الاقتداء به عملاً بالاستصحاب و كذا لو رأى منه شيئا و شكّ في أنّه موجب للفسق أم لا.
الشرح:
اذا عرف الامام بالعدالة ثمّ شكّ في حدوث فسقه تستصحب عدالته سواء كان منشأ الشكّ هو الموضوع أو الحكم أو المفهوم فالأوّل كما اذا شرب الامام مائعا نجسا و شكّ في كونه عالما بتلك النجاسة أو جاهلاً. و الثاني كما اذا شرب النبيذ و شكّ في أنّه علم نجاسته بالاجتهاد أو التقليد فشربه عصيانا، أو كان نظره اجتهادا أو تقليدا حلّيّة النبيذ. و الثالث كما اذا فرض أنّ مفهوم الفقّاع مشتبه بين القليل أو الكثير الشامل لماء الشعير مثلاً. ففي جميع ذلك يجري الاستصحاب؛ لأنّ موضوع الاستصحاب العدالة و هي موضوع ذيحكم. و لا شبهة في مفهوم العدالة حتّى تكون من الشبهة المفهوميّة التي نستشكل في اجراء الاستصحاب فيها.
(مسألة 12): يجوز للمأموم مع ضيق الصفّ أن يتقدّم الى الصفّ السابق أو يتأخّر الى اللاحق اذا رأى خللاً فيهما، لكن على وجه لاينحرف عن القبلة فيمشي القهقرى.
الشرح:
يجوز للمأموم أن يتقدّم الى الصفّ السابق أو يتأخّر الى اللاحق مع ضيق الصفّ أو اذا رأى خللاً فيهما و كذا يمشي الى اليمين أو اليسار مع حفظ القبلة. و الدليل على ذلك صحيحة الفضيل بن يسار عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«أتمّوا الصفوف اذا وجدتم خللاً، و لايضرّك أن تتأخّر اذا وجدت
ضيقا في الصفّ و تمشي منحرفا حتّى تتمّ الصفّ».(1)
و موثّقة سماعة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قال: لايضرّك أن تتأخّر وراءك اذا وجدت ضيقا في الصفّ فتتأخّر الى الصفّ الذي خلفك، و اذا كنت في صفّ فأردت أن تتقدّم قدّامك فلابأس أن تمشي اليه».(2)
و صحيحة علي بن جعفر قال:
«سألت موسى بن جعفر عليه السلام عن القيام خلف الامام في الصفّ، ما حدّه؟ قال: اقامة ما استطعت، فاذا قعدت فضاق المكان فتقدّم أو تأخّر فلابأس».(3)
و صحيحة محمّد بن مسلم قال:
«قلت لأبي جعفر عليه السلام: نكون في المسجد فتكون الصفوف مختلفة فيه ناس فأقبل اليهم مشيا حتّى نتمّه؟ فقال: نعم لابأس به، انّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله قال: يا أيّها الناس انّي أراكم من خلفي كما أراكم من بين يديّ، لتتمّنّ صفوفكم أو ليخالفنّ اللّه بين قلوبكم».(4)
و خبر أبي عتاب زياد مولى آل دعش عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سمعته يقول: أقيموا صفوفكم اذا رأيتم خللاً و لا عليك أن تأخذ وراءك اذا رأيت ضيقا في الصفوف أن تمشي فتتمّ الصفّ الذي خلفك أو تمشي منحرفا فتتمّ الصفّ الذي قدّامك فهو خير. ثمّ قال: انّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله قال: أقيموا صفوفكم فانّي أنظر اليكم من خلفي
لتقيمنّ صفوفكم أو ليخالفنّ اللّه بين قلوبكم».(1)
و صحيحة ثانية لعلي بن جعفر عن أخيه عليه السلام قال:
«سألته عن الرجل يكون في صلاته في الصفّ، هل يصلح له أن يتقدّم الى الثاني أو الثالث أو يتأخّر وراءه في جانب الصفّ الآخر؟ قال: اذا رأى خللاً فلابأس به».(2)
و لايجوز الانحراف عن القبلة اذا تقدّم أو تأخّر أو مال الى اليمين أو اليسار و ذلك للروايات الدالّة على المنع من الانحراف عن القبلة التي تقيّد اطلاق هذه الروايات.
(مسألة 13): يستحبّ انتظار الجماعة اماما أو مأموما و هو أفضل من الصلاة في أوّل الوقت منفردا، و كذا يستحبّ اختيار الجماعة مع التخفيف على الصلاة فرادى مع الاطالة.
الشرح:
اذا دار الأمر بين الصلاة في أوّل الوقت فرادى و الصلاة جماعة بعد مضيّ مقدار من أوّل الوقت مع حفظ وقت الفضيلة فالصلاة جماعة في الوقت الثاني أفضل و ذلك لعمومات النصوص الواردة في الحثّ على الجماعة و أنّها تعادل بأربع و عشرين ركعة الى ألف ركعة و كلّما ازداد الأفراد ازداد الثواب كما تقدّمت. و خصوص رواية جميل بن صالح أنّه سأل الصادق عليه السلام:
«أيّهما أفضل: يصلّي الرجل لنفسه في أوّل الوقت أو يؤخّر قليلاً و يصلّي بأهل مسجده اذا كان امامهم؟ قال: يؤخّر و يصلّي بأهل
مسجده اذا كان هو الامام».(1)
و لاتبعد صحّة سند الرواية و ان كان يمكن الخدشة في دلالة الرواية بأنّها خاصّة بما اذا كان التأخير لأن يصلّي بأهل مسجده و يكون اماما. و حينئذ يكفينا الروايات العامّة مع أنّ الغالب تؤخّر الجماعة من أوّل الوقت حتّى يجتمع الناس و يذروا البيع و يدخلوا المساجد، مضافا الى أنّ الرواية المتقدّمة لجميل بن صالح قد تضمّنت الأفضليّة للمأمومين أيضا.
و أمّا اذا دار الأمر بين الصلاة في وقت الفضيلة أو الانتظار للجماعة الى أن يمضي وقت الفضيلة فأيّهما أفضل؟ فليس هناك نصّ خاصّ يرجع اليه فيبقى العمومات من الطرفين: أحدهما يؤكّد على الصلاة في وقت الفضيلة، و ثانيهما يؤكّد على الجماعة، فيمكن أن يقال بالتعارض بمعنى أنّ عمومات الجماعة مطلقة أي سواء كان في وقت الفضيلة أو بعده، و عمومات وقت الفضيلة أيضا مطلقة أي سواء كان بالجماعة أو فرادى، فالتعارض في مادّة الاجتماع و هي ما اذا كانت الجماعة بعد وقت الفضيلة فعمومات الجماعة تقول بأفضليّتها و عمومات وقت الفضيلة تقول بأفضليّة حفظه و ترك الجماعة، و حيث لا ترجيح لاحداهما فتتساقطان و يخيّر بينهما، ولكنّ الظاهر انصراف عمومات الجماعة عن شمول خارج وقت الفضيلة في مقام الدوران و ذلك للسيرة القطعيّة من الرسول و الأئمّة الأطهار عليهم السلاممن الصلاة في وقت الفضيلة بل أوّل الوقت و هذه السيرة مستمرّة بين المسلمين من العامّة و الخاصّة الى الآن، مضافا الى ورود روايات منهم عليهم السلامفي ذمّ من أخّر صلاته عن وقت الفضيلة الى آخر الوقت حتّى أفتى بعض الأصحاب بأنّ الصلاة فيما بعد وقت الفضيلة صلاة في الوقت الاضطراري. فعلى هذا فالصلاة في وقت الفضيلة فرادى في مقام الدوران أفضل من الصلاة جماعة بعد وقت الفضيلة؛ لدلالة عمومات وقت الفضيلة من غير معارض.
1) - وسائل الشيعة 8: 429 / الباب 74 من أبواب صلاة الجماعة / الحديث 1.
و يستحبّ اختيار الجماعة مع التخفيف على الصلاة فرادى مع الاطالة، و يدلّ على ذلك رواية جميل بن صالح قال:
«و سأله رجل فقال: انّ لي مسجدا على باب داري فأيّهما أفضل: أصلّي في منزلي فأطيل الصلاة أو أصلّي بهم و أخفّف؟ فكتب عليه السلام: صلّ بهم و أحسن الصلاة و لاتثقل».(1)
و يدلّ عليه أيضا ما ورد من تخفيف الامام صلاته اذا كان معه من لايطيق الاطالة كموثّقة اسحاق بن عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«ينبغي للامام أن تكون صلاته على صلاة أضعف من خلفه».(2)
و خبر السكوني عن جعفر عن أبيه عن علي عليه السلام قال:
«آخر ما فارقت عليه حبيب قلبي أن قال: يا عليّ، اذا صلّيت فصلّ صلاة أضعف من خلفك».(3)
و صحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«صلّى رسول اللّه صلى الله عليه و آله الظهر و العصر فخفّف الصلاة في الركعتين فلمّا انصرف قال له الناس: يا رسول اللّه أ حدث في الصلاة شيء؟ قال: و ما ذاك؟ قالوا: خفّفت في الركعتين الأخيرتين! فقال لهم: أوما سمعتم صراخ الصبي؟!».(4)
و ما رواه في الوسائل عن الصدوق رحمه الله قال:
«و كان معاذ يؤمّ في مسجد على عهد رسول اللّه صلى الله عليه و آله و يطيل القراءة و انّه مرّ به رجل فافتتح سورة طويلة فقرأ الرجل لنفسه و صلّى ثمّ
ركب راحلته، فبلغ ذلك رسول اللّه صلى الله عليه و آله فبعث الى معاذ فقال: يا معاذ، ايّاك أن تكون فتّانا، عليك ب- «الشمس و ضحاها» و ذواتها».(1)
و قال:
«و انّ النبي صلى الله عليه و آله كان ذات يوم يؤمّ أصحابه فيسمع بكاء الصبي فيخفّف الصلاة».(2)
و في عقاب الأعمال عن رسول اللّه صلى الله عليه و آله (في حديث) قال:
«من أمّ قوما فلم يقتصد بهم في حضوره و قراءته و ركوعه و سجوده و قعوده و قيامه ردّت عليه صلاته و لم تجاوز تراقيه و كانت منزلته عند اللّه منزلة أمير جائر متعدّ لم يصلح لرعيّته و لم يقم فيهم بأمر اللّه، فقام أميرالمؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام فقال: يا رسول اللّه بأبي أنت و أمّي! و ما منزلة أمير جائر متعدّ لم يصلح لرعيّته و لم يقم فيهم بأمر اللّه تعالى؟ قال: هو رابع أربعة من أشدّ الناس عذابا يوم القيامة: ابليس و فرعون و قاتل النفس و رابعهم سلطان جائر».(3)
و في العلل عن أبيه عن علي بن ابراهيم عن أبيه عن عبداللّه بن ميمون عن جعفر بن محمّد عن أبيه عليهماالسلام (في حديث) قال:
«كان رسول اللّه صلى الله عليه و آله يسمع صوت الصبي و هو يبكي و هو في الصلاة فيخفّف الصلاة أن تعبر أمّه».(4)
محمّد بن الحسين الرضيّ في نهج البلاغة عن أميرالمؤمنين عليه السلامفي عهده الى مالك الأشتر قال:
«و وفّ ما تقرّبت به الى اللّه كاملاً غير مثلوم و لا منقوص بالغا من بدنك ما بلغ و اذا قمت في صلاتك بالناس فلاتكوننّ منفّرا و لا مضيّعا فانّ في الناس من به العلّة و له الحاجة فانّي سألت رسول اللّه صلى الله عليه و آله حين وجّهني الى اليمن: كيف أصلي بهم؟ فقال: صلّ بهم صلاة أضعفهم و كن بالمؤمنين رحيما».(1)
(مسألة 14): يستحبّ الجماعة في السفينة الواحدة و في السفن المتعدّدة للرجال و النساء، ولكن تكره الجماعة في بطون الأودية.
الشرح:
و يدلّ عليه خبر ابراهيم بن ميمون:
«أنّه سأل أبا عبداللّه عليه السلام عن الصلاة في جماعة في السفينة، فقال: لابأس».(2)
و صحيحة يعقوب بن شعيب عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«لابأس بالصلاة في جماعة في السفينة».(3)
و صحيحة علي بن جعفر عن موسى بن جعفر عليه السلام قال:
«سألته عن قوم صلّوا جماعة في سفينة، أين يقوم الامام؟ و ان كان معهم نساء كيف يصنعون؟ أ قياما يصلّون أم جلوسا؟ قال: يصلّون قياما، فان لم يقدروا على القيام صلّوا جلوسا و يقوم الامام أمامهم و النساء خلفهم، و ان ماجت السفينة قعدن النساء و صلّى الرجال و
لابأس أن يكون النساء بحيالهم. الحديث».(1)
و تكره الجماعة في بطون الأودية؛ لما دلّ على كراهة الصلاة في بطون الأودية الشامل للجماعة و الانفراد، و عليه فالمكروهات المذكورة في صلاة الانفراد تأتي هنا أيضا، بالاضافة الى خبر الجعفري:
«لاتصلّ في بطن وادٍ جماعة».(2)
(مسألة 15): يستحبّ اختيار الامامة على الاقتداء فللامام اذا أحسن بقيامه و قراءته و ركوعه و سجوده مثل أجر من صلّى مقتديا به، و لاينقص من أجرهم شيء.
الشرح:
يستحبّ اختيار الامامة على الاقتداء لما رواه الصدوق رحمه الله عن شعيب بن واقد عن الحسين بن زيد عن الصادق عن آبائه عليهم السلام (في حديث المناهي) قال:
«و نهى أن يؤمّ الرجل قوما الاّ باذنهم و قال: من أمّ قوما باذنهم و هم به راضون فاقتصد بهم في حضوره و أحسن صلاته بقيامه و قراءته و ركوعه و سجوده و قعوده فله مثل أجر القوم و لاينقص من أجورهم شيء».(3)
و ما رواه الشيخ في الخبر عن ابن أبي عمير عن زكريّا صاحب السابري عنأبي عبداللّه عليه السلام قال:
«ثلاثة في الجنّة على المسك الأذفر: مؤذّن أذّن احتسابا، و امام أمّ
قوما و هم به راضون، و مملوك يطيع اللّه و يطيع مواليه».(1)
(مسألة 16): لابأس بالاقتداء بالعبد اذا كان عارفا بالصلاة و أحكامها.
الشرح:
و الدليل على ذلك روايات ذكرها في الباب السادس عشر من أبواب صلاة الجماعة:
منها صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«قلت له: الصلاة خلف العبد؟ فقال: لابأس به اذا كان فقيها و لم يكن هناك أفقه منه».(2)
و منها صحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما عليهماالسلام أنّه سئل عن العبد يؤمّ القوم اذا رضوا به و كان أكثرهم قرآنا؟ قال: «لابأس به».(3)
و منها موثّقة سماعة قال:
«سألته عن المملوك يؤمّ الناس؟ فقال: لا، الاّ أن يكون هو أفقههم و أعلمهم».(4)
و منها عن السكوني عن جعفر عن أبيه عن علي عليه السلام أنّه قال:
«لايؤمّ العبد الاّ أهله».(5)
و منها عن أبي البختري عن جعفر عن أبيه عن علي عليهم السلام (في حديث) قال:
1) - وسائل الشيعة 8: 350 / الباب 27 من أبواب صلاة الجماعة / الحديث 5.
2) - وسائل الشيعة 8: 325 / الباب 16 من أبواب صلاة الجماعة / الحديث 1.
3) - وسائل الشيعة 8: 326 / الباب 16 من أبواب صلاة الجماعة / الحديث 2.
4) - وسائل الشيعة 8: 326 / الباب 16 من أبواب صلاة الجماعة / الحديث 3.
5) - وسائل الشيعة 8: 326 / الباب 16 من أبواب صلاة الجماعة / الحديث 4.
«لابأس أن يؤمّ المملوك اذا كان قارئا».(1)
(مسألة 17): الأحوط ترك القراءة في الأوليين من الاخفاتيّة و ان كان الأقوى الجواز مع الكراهة، كما مرّ.
قد تقدّم الشرح فيما سبق في المسألة الأولى من أحكام الجماعة.
(مسألة 18): يكره تمكين الصبيان من الصفّ الأوّل على ما ذكره المشهور و ان كانوا مميّزين.
قال في المستمسك: «و في الجواهر: «يظهر من الروض وجود النصّ به». انتهى».(2)
ان كانوا مميّزين و ظهر منهم الوقوف على الأحكام فلا كراهة؛ لعدم الدليل عليها بعد ذلك.
(مسألة 19): اذا صلّى منفردا أو جماعة و احتمل فيها خللاً في الواقع و ان كانت صحيحة في ظاهر الشرع يجوز بل يستحبّ أن يعيدها منفردا أو جماعة. و أمّا اذا لم يحتمل فيها خللاً فان صلّى منفردا ثمّ وجد من يصلّي تلك الصلاة جماعة يستحبّ له أن يعيدها جماعة اماما كان أو مأموما، بل لايبعد جواز اعادتها جماعة اذا وجد من يصلّي غير تلك الصلاة كما اذاصلّى الظهر فوجد من يصلّي العصر جماعة، لكن القدر المتيقّن الصورة الأولى. و أمّا اذا صلّى جماعة اماما أو مأموما فيشكل استحباب اعادتها، و
كذا يشكل اذا صلّى اثنان منفردا ثمّ أرادا الجماعة فاقتدى أحدهما بالآخر من غير أن يكون هناك من لم يصلّ.
الشرح:
اذا صلّى منفردا أو جماعة و احتمل فيها خللاً في الواقع يستحبّ له أن يعيدها منفردا أو جماعة و ان كانت صحيحة في ظاهر الشرع كما اذا شكّ قبل الصلاة في الطهارة و كان متيقّنا سابقا فاستصحب الطهارة و صلّى فهذه الصلاة و ان كانت صحيحة في ظاهر الشرع الاّ أنّه تستحبّ اعادتها لاحتمال عدم الطهارة. و الدليل على الاستحباب الروايات الآمرة بالاحتياط في الأفعال كما ورد «أخوك دينك فاحتط لدينك» فيستفاد منها أنّ الاحتياط حسن على كلّ حال فيما كان مورده الاحتياط كما في الشبهات و احتمال الخلل في الأعمال. و أمّا اذا لم يحتمل فيها خللاً فان صلاّها فرادى ثمّ وجد من يصلّي تلك الصلاة جماعة يستحبّ له أن يعيدها جماعة، اماما كان أو مأموما. و يدلّ على ذلك روايات:
منها صحيحة هشام بن سالم عن أبي عبداللّه عليه السلام أنّه قال في الرجل يصلّي الصلاة وحده ثمّ يجد جماعة قال:
«يصلّي معهم و يجعلها الفريضة ان شاء».(1)
و الظاهر أنّ المراد من الفريضة نفس الصلاة التي صلاّها، و ان لم يشأ أن يجعلها الفريضة يجعلها لما فات كما في موثّقة اسحاق بن عمّار قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: تقام الصلاة و قد صلّيت؟ فقال: صلّ و اجعلها لما فات».(2)
و منها صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام (في حديث) قال:
«لاينبغي للرجل أن يدخل معهم في صلاتهم و هو لاينويها صلاة، بل ينبغي له أن ينويها و ان كان قد صلّى فانّ له صلاة أخرى».(1)
و منها مرسلة الصدوق قال:
«و قال رجل للصادق عليه السلام: أصلّي في أهلي ثمّ أخرج الى المسجد فيقدّموني، فقال: تقدّم، لا عليك و صلّ بهم».(2)
و منها صحيحة محمّد بن اسماعيل بن بزيع قال:
«كتبت الى أبي الحسن عليه السلام: انّي أحضر المساجد مع جيرتي و غيرهم فيأمرونني بالصلاة بهم و قد صلّيت قبل أن آتيهم و ربّما خلفي من يقتدي بصلاتي و المستضعف و الجاهل فأكره أن أتقدّم و قد صلّيت لحال من يصلّي بصلاتي ممّن سمّيت لك فمرني في ذلك بأمرك أنتهي اليه و أعمل به ان شاء اللّه، فكتب عليه السلام: صلّ بهم».(3)
و اطلاق الحديث يقتضي استحباب الاعادة سواء صلّى صلاته فرادى أو جماعة اماما أو مأموما. فالامامة فيما اذا صلّى مع أهله كما تشهد له مرسلة الصدوق و المأموم كما اذا صلّى مع رفقائه.
و منها صحيحة عبيد اللّه الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا صلّيت و أنت في المسجد و أقيمت الصلاة فان شئت فاخرج و ان شئت فصلّ معهم و اجعلها تسبيحا».(4)
و منها موثّقة عمّار قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يصلّي الفريضة ثمّ يجد قوما
يصلّون جماعة أيجوز له أن يعيد الصلاة معهم؟ قال: نعم، و هو أفضل. قلت: فان لم يفعل؟ قال: ليس به بأس».(1)
و منها رواية أبي بصير (التي في سندها سهل بن زياد و هو سهل) قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: أصلّي ثمّ أدخل المسجد فتقام الصلاة و قد صلّيت! فقال: صلّ معهم، يختار اللّه أحبّهما اليه».(2)
و منها صحيحة حفص بن البختري عن أبي عبداللّه عليه السلام في الرجل يصلّي الصلاة وحده ثمّ يجد جماعة، قال:
«يصلّي معهم و يجعلها الفريضة».(3)
و أنت اذا تأمّلت في الروايات تجد أنّه تستحبّ اعادة الصلاة جماعة سواء كانت الصلاة الأولى فرادى أو جماعة، اماما أو مأموما، كما هو اطلاق صحيحة ابن بزيع و موثّقة عمّار و رواية أبي بصير. و لا فرق بين أن يكون المصلّي في الصلاة المعادة جماعة، اماما أو مأموما؛ لدلالة صحيحة ابن بزيع و موثّقة عمّار و كذا اطلاق رواية أبي بصير.
و الظاهر من الروايات أنّ الصلاة التي يريد أن يأتي بها جماعة هي تلك الصلاة التي كان قد صلاّها ولكن اطلاق صحيحة حفص بن البختري يقتضي استحباب الاعادة مطلقا و ان كانت الصلاة التي يجدها جماعة غير تلك الصلاة التي صلاّها وحده.
فرعان:
هل يجوز أن يعيد الصلاة التي صلاّها فرادى أو جماعة، بصورة الفرادى اذا لم يحتمل خللاً فيها؟ قد يقال بعدم الجواز؛ لأنّ الأمر بالصلاة قد امتثل به و سقط التكليف و ليس هنا أمر الاّ ما اذا أراد أن يصلّيها جماعة مرّة أخرى فانّه يجوز بأمر جديد كما تقدّم. فنقول: يمكن أن يقال باستفادة الأمر الضمني من الروايات الواردة التي تؤكّد على اقبال القلب في الصلاة و أنّ المقبولة منها هي ما كان القلب فيه حاضرا و متوجّها الى اللّه، و الصلاة التي لم تكن كذلك فكالخرقة البالية تردّ اليه و يضرب بها وجهه، فمن صلّى صلاته من غير خلل في أحكامها ولكن لم يكن قلبه حاضرا كلاًّ أو بعضا فلم لايجوز له أن يتلافاها بتكرارها، الاّ أن يكون هناك اجماع على المنع.
لا اشكال فيما اذا صلّى اثنان منفردين ثمّ أرادا الجماعة، أن يقتدي أحدهما بالآخر؛ لأنّ المستفاد من أخبار الباب هو أفضليّة الجماعة و استحبابها لمن صلّى فرادى كما لا اشكال أيضا فيمن صلّى صلاته جماعة، اماما أو مأموما أن يعيدها مع جماعة أخرى اماما أو مأموما كما مرّ أيضا.
(مسألة 20): اذا ظهر بعد اعادة الصلاة جماعة أنّ الصلاة الأولى كانت باطلة يجتزئ بالمعادة.
الشرح:
اذا ظهر بعد اعادة الصلاة جماعة أنّ الصلاة الأولى كانت باطلة يجتزئ بالمعادة، و ذلك لوجود الأمر بالاعادة الذي يدلّ على وجود المناط، و لما تقدّم من رواية أبي بصير بأنّه قال عليه السلام:
«صلّ معهم يختار اللّه أحبّهما اليه».(1)
(مسألة 21): في المعادة اذا أراد نيّة الوجه ينوي الندب لا الوجوب على الأقوى.
و ذلك لأنّ الأمر بالاعادة استحبابي و لايعاقب على تركه و ان كانت الصلاة المعادة نفس الصلاة التي صلاّها.
1) - وسائل الشيعة 8: 403 / الباب 54 من أبواب صلاة الجماعة / الحديث 10.
أي الاخلال بشيء ممّا يعتبر فيها وجودا أو عدما.
(مسألة 1): الخلل امّا أن يكون عن عمد أو عن جهل أو سهو أو اضطرار أو اكراه أو بالشكّ، ثمّ امّا أن يكون بزيادة أو نقيصة، و الزيادة امّا بركن أو غيره ولو بجزء مستحبّ كالقنوت في غير الركعة الثانية أو فيها في غير محلّها أو بركعة. و النقيصة امّا بشرط ركن كالطهارة من الحدث و القبلة أو بشرط غير ركن أو بجزء ركن أو غير ركن أو بكيفيّة كالجهر و الاخفات و الترتيب و الموالاة أو بركعة.
الشرح:
قال في مستند العروة: «انّ الأحسن في تقسيم الخلل هو أن يقال: انّ الخلل امّا أن يكون عن عمد أو سهو، و العمد امّا أن يكون عن جهل أو اضطرار أو اكراه. فانّ
العمد ليس قسيما للجهل و الاضطرار و الاكراه بل الجهل و الاضطرار و الاكراه من تقسيمات العمد. انتهى ملخّصا».(1)
ولكنّ الظاهر أنّ التقسيم عرفيّ فانّ العرف يرى العمد غير الجهل و هما غير الاضطرار و هنّ غير الاكراه.
و قال ثانيا: «انّ الجهر و الاخفات و الترتيب و الموالاة ليست كيفيّة في مقابل الجزء و الشرط بل انّها امّا أن تكون مقيّدة للأجزاء فتصير شرطا لها، فالجهر أو الاخفات شرطان للقراءة، و الترتيب و الموالاة شرطان للأجزاء. و امّا أن يكون كلّ واحد منها من شؤون الجزء فالاخلال بها اخلال بالجزء. انتهى ملخّصا».(2)
ولكنّ الظاهر أنّ الجهر و الاخفات و الترتيب و الموالاة كيفيّات مستقلّة في نظر العرف كما أنّها واجبات مستقلّة في نظر الشرع.
(مسألة 2): الخلل العمدي موجب لبطلان الصلاة بأقسامه من الزيادة و النقيصة حتّى بالاخلال بحرف من القراءة أو الأذكار أو بحركة أو بالموالاة بين حروف كلمة أو كلمات آية أو بين بعض الأفعال مع بعض و كذا اذا فاتت الموالاة سهوا أو اضطرارا لسعال أو غيره و لم يتدارك بالتكرار متعمّدا.
الشرح:
الخلل العمدي موجب لبطلان الصلاة بأقسامه من الزيادة و النقيصة.
قال في الشرائع: «من أخلّ بشيء من واجبات الصلاة عامدا فقد أبطل صلاته، شرطا كان ما أخلّ به أو جزءا منها، أو كيفيّة أو تركا. انتهى».(3)
و قال في المدارك: «و قد أجمع الأصحاب و غيرهم على أنّ من أخلّ بشيء
من شرائط الصلاة أو واجباتها عمدا بطلت صلاته؛ لأنّ الاخلال بالشرط اخلال بالمشروط، و الاخلال بالجزء أو الكيفيّة اخلال بالحقيقة المجموعة من الأجزاء، فلايكون المخلّ بأحدهما آتيا بالصلاة على الوجه المأمور به، كما هو ظاهر. انتهى».(1)
من نقص شيئا من واجبات الصلاة عمدا بطلت صلاته و ذلك لعدم الاتيان بالمأمور به و مخالفته الموجبة لعدم تحقّق الامتثال، و لا فرق في ذلك بين كونه جزءا أو شرطا كالطهارة و الستر أو كيفيّة كالجهر و الاخفات و الطمأنينة، و كذا لو نقص جهلاً مع التقصير الاّ الجهر بالقراءة في موضع الاخفات و بالعكس، و الاتمام في موضع القصر؛ للنصّ.
و من زاد في صلاته ركنا عامدا أو ساهيا أو جاهلاً فلا اشكال في بطلانها؛ لحديث «لاتعاد». فلو كان الزائد واجبا غير ركن فان كان مثل السجدة تبطل صلاته، و ذلك للعامد، لخبر زرارة عن أحدهما عليهماالسلام قال:
«لاتقرأ في المكتوبة بشيء من العزائم، فانّ السجود زيادة في المكتوبة».(2)
و صحيحة علي بن جعفر عن أخيه قال:
«سألته عن الرجل يقرأ في الفريضة سورة النجم، أيركع بها أو يسجد ثمّ يقوم فيقرأ بغيرها؟ قال: يسجد ثمّ يقوم فيقرأ بفاتحة الكتاب و يركع (و ذلك زيادة في الفريضة)(3)، و لايعود يقرأ في الفريضة بسجدة».(4)
و صحيحة أبي بصير قال:
«قال أبو عبداللّه عليه السلام: من زاد في صلاته فعليه الاعادة».(1)
و أمّا لو كان مثل القيام و فاتحة الكتاب و التشهّد و السلام و التسبيحات الأربع، فان زاد بقصد الجزئيّة بطلت صلاته؛ لقوله عليه السلام في صحيحة أبي بصير المذكورة آنفا: «من زاد في صلاته فعليه الاعادة». و أمّا لو كرّر الفاتحة أو السورة بقصد القرآنيّة أو زاد في التسبيحات بقصد الذكر فلا دليل على بطلانها، بل الدليل على عدم البأس؛ لقوله عليه السلام: «كلّ ما ذكرت اللّه عزّوجلّ به و النبي صلى الله عليه و آله فهو من الصلاة. الحديث».(2)
(مسألة 3): اذا حصل الاخلال بزيادة أو نقصان جهلاً بالحكم فان كان بترك شرط ركن كالاخلال بالطهارة الحدثيّة أو بالقبلة بأن صلّى مستدبرا أو الى اليمين أو اليسار أو بالوقت بأن صلّى قبل دخوله أو بنقصان ركعة أو ركوع أو غيرهما من الأجزاء الركنيّة أو بزيادة ركن بطلت الصلاة و ان كان الاخلال بسائر الشروط أو الأجزاء زيادة أو نقصا فالأحوط الالحاق بالعمد في البطلان لكن الأقوى اجراء حكم السهو عليه.
الشرح:
اذا حصل الاخلال بزيادة أو نقصان جهلاً بالحكم فان كان بترك شرط ركن كالاخلال بالطهور أو بالقبلة بأن صلّى مستدبرا أو الى اليمين أو اليسار، أو بالوقت بأن صلّى قبل دخوله، أو بالركوع أو بالسجدتين بطلت صلاته، و ذلك لصحيحة زرارة قال:
«قال أبو جعفر عليه السلام: لاتعاد الصلاة الاّ من خمسة: الطهور و الوقت و القبلة و الركوع و السجود».(1)
و لو كان الاخلال بسائر الشروط أو الأجزاء بزيادة أو نقصان جهلاً بالحكم فهل يلحق بالعمد في البطلان أو يجري عليه حكم السهو؟
قال في الجواهر: «و تبطل صلاته لو فعل ما يجب تركه أو ترك ما يجب فعله جهلاً بوجوبه، أو بتوقّف الصحّة عليه، فيكون كالعامد غير معذور، و عن الدرّة الاجماع عليه، كما عن شرح الألفية للكركي أنّ جاهل الحكم عامد عند عامّة الأصحاب في جميع المنافيات من فعل أو ترك - الى أن قال: - الاّ الجهر و الاخفات، فانّه يعذر الجاهل بذلك اجماعا. انتهى».(2)
الجاهل امّا مقصّر أو قاصر. أمّا الجاهل المقصّر فما أخلّ في الصلاة من التروك و الشرائط و الأجزاء بزيادة أو نقصان، موجب لبطلان صلاته الاّ في الجهر فيما لاينبغي أن يجهر فيه و الاخفات في عكسه. و وجه بطلان صلاة الجاهل المقصّر عدم الاتيان بالمأمور به من غير دليل على اجزاء ما أتى به مع حصول الاخلال فيه بزيادة أو نقصان، فهو كمن أخلّ في صلاته عالما عامدا يجب عليه الاعادة في الوقت و القضاء في خارجه.
و أمّا الجاهل القاصر فتارة يكون منشأ جهله خطأ في اجتهاده أو تقليده كمن اجتهد و انتهى رأيه بعدم وجوب السورة و عمل برأيه لمدّة و كذا عمل به مقلّدوه ثمّ انكشف له خلافه فمقتضى القاعدة عدم الاجزاء سواء كان انكشاف الخلاف قطعيّا أو ظنّيّا. أمّا فيما لو انكشف الخلاف قطعيّا لأنّه لم يمتثل الأمر الواقعي فذمّته مشغولة به الاّ أنّه كان معذورا فمع انكشاف الخلاف و ظهور الواقع ارتفع عذره فيجب عليه القضاء و أمّا لو لم يكن كشف الخلاف قطعيّا كما لو رجع عن رأيه
بوجوب السورة لأمارة معتبرة، فهذا أيضا يجب عليه الاعادة أو القضاء؛ لأنّ رأيه الثاني يبطل رأيه الأوّل و أنّه غير حكم اللّه.
ان قلت: انّ المجتهد الذي قد بلغ جهده في استنباط حكم اللّه من الدليل، فالحكم الذي استنبطه هو حكم اللّه الظاهري في حقّه فيجب العمل به فلا معنى لعدم الاجزاء، قلت: نعم، لو لم ينكشف الخلاف، فاذا انكشف الخلاف انكشف عدم الاجزاء؛ لأنّ الأمارات طريق الى حكم اللّه الواقعي فاذا ظهر الخلاف ظهر أنّها لم تكن طريقا، و كذلك الأصول فهي قواعد عيّنها الشارع لمن لم يبلغه الأمارة لئلاّيبقى متحيّرا في مقام العمل، فاذا بلغه الدليل الاجتهادي انكشف أنّ الأصل لم يكن له مورد. هذا على ما تقتضيه القاعدة ولكنّه مجزٍ؛ لحديث «لاتعاد» كما سيأتي.
و أخرى يكون منشأ جهله خطأه في الموضوعات فتارة يرجع الى البيّنة و أخرى الى الخطأ في اجراء القاعدة، كقاعدة الطهارة و غيرها. فهنا يختلف حكمه باختلاف موارده.
و ثالثة يكون منشأ جهله غير ما مضى.
و أمّا الدليل على الاجزاء فحديث «لاتعاد الصلاة الاّ من خمسة: الطهور و الوقت و القبلة و الركوع و السجود»، خرج منه الخلل الحاصل في الصلاة من الأجزاء و الشرائط و الموانع متعمّدا قطعا؛ لمنافاته للأوامر الواردة في الأجزاء و الشرائط و النواهي الواردة في الموانع، و لاجماع الفقهاء. و كذا خرج منه الجاهل المقصّر كما تقدّم، و بقي في المستثنى منه الخلل الحاصل فيه ناسيا أو جاهلاً عن قصور بجميع صوره المتقدّمة الاّ ما دلّ الدليل على اعادة الصلاة بخصوصه.
و استشكل في الحديث بأمور:
أحدها: انّ الحديث وارد لمن لم يكن له تكليف حين العمل فهو الناسي فاذا تذكّر بعده شكّ في وجوب الاعادة عليه فحكم عليه السلام بأنّه لا اعادة عليه، و أمّا الجاهل
فقد كلّف بفعل الأجزاء و الشرائط و ترك الموانع فاذا أحدث خللاً في صلاته فلا اشكال في وجوب الاعادة عليه.
و فيه: انّ بعض أقسام الجاهل يكون كالناسي فلايكلّف حين العمل كمن اجتهد في جزء من الصلاة مثل السورة و رأى عدم وجوبها و كمقلّديه، و كذلك من قطع في شيء ولكن كان جهلاً مركّبا، و يلحق به بعضها الآخر بعدم القول بالفصل.
و ثانيها: انّ الحديث وارد في عدم الاعادة الاّ بالنسبة الى الخمسة المستثناة و لا اطلاق له بالنسبة الى المستثنى منه.
ولكن فيه: الظاهر أنّ الحديث صدر أوّلاً في بيان عدم الاعادة بالنسبة الى غير الخمسة و ثانيا بيّن أنّ الاخلال بالخمسة موجب للاعادة.
و ثالثها: انّ الحديث معارض بأدلّة الأجزاء و الشرائط الخارج عنها الناسي يقينا؛ لأنّه مورد الحديث كما خرج العامد عن الحديث و بقي الجاهل فيشمله أدلّة الأجزاء و الشرائط.
و فيه: انّ الحديث حاكم على أدلّة الأجزاء و الشرائط؛ لأنّه ناظر اليها فاطلاقه شامل للجاهل أيضا، و انّما خرج العامد لما مرّ و كذا الجاهل المقصّر لأنّه كالعامد.
و رابعها: انّ الحديث و ان كان شاملاً للجاهل القاصر باطلاقه الاّ أنّه مخصّص و مقيّد بالناسي و ذلك لصحيحة زرارة عن أحدهما عليهماالسلام قال:
«انّ اللّه تبارك و تعالى فرض الركوع و السجود و القراءة سنّة فمن ترك القراءة متعمّدا أعاد الصلاة و من نسي فلا شيء عليه».(1)
بناءً على أنّ الجاهل متعمّد.
و صحيحة منصور بن حازم قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: انّي صلّيت المكتوبة فنسيت أن أقرأ في
1) - وسائل الشيعة 6: 87 / الباب 27 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 1.
صلاتي كلّها. فقال: أليس قد أتممت الركوع و السجود؟ قلت: بلى. قال: قد تمّت صلاتك اذا كان نسيانا».(1)
دلّت بمقتضى مفهوم الشرط على عدم الصحّة فيما عدا صورة النسيان.
ولكن في الأولى: «انّ الجاهل متعمّد» عين المتنازع فيه، و ادّعاء أنّ الامام عليه السلام قسّم التارك قسمين: المتعمّد و الناسي و لا ثالث و الجاهل ليس بناسٍ فيكون عامدا، باطل؛ لاحتمال أنّ الامام عليه السلام كان بصدد بيان التارك عامدا و ناسيا فقط دون الجاهل. و في الثانية: الظاهر أنّ قوله عليه السلام: «اذا كان نسيانا» متعلّق بسؤال الراوي حيث قال: «فنسيت أن أقرأ»، فلعلّه بيّن حكم تارك القراءة عامدا و ناسيا فقط دون الجاهل.
فالمتحصّل ممّا ذكرنا أنّ الحديث غير قاصر الشمول للجاهل القاصر كما هو شامل للناسي، فلم تجب الاعادة على الناسي و الجاهل للجزء الغير الركني أو الشرط كذلك أو الفاعل لما يمنع عنه في الصلاة، الاّ اذا دلّ الدليل صريحا في مورد على اعادة الصلاة كالدليل على الاعادة لمن صلّى في ثوبه النجس ناسيا، أو كبّر في حال الجلوس ناسيا.
(مسألة 4): لا فرق في البطلان بالزيادة العمديّة بين أن يكون في ابتداء النيّة أو في الأثناء و لا بين الفعل و القول و لا بين الموافق لأجزاء الصلاة و المخالف لها و لا بين قصد الوجوب بها و الندب. نعم، لابأس بما يأتي به من القراءة و الذكر في الأثناء لا بعنوان أنّه منها ما لم يحصل به المحو للصورة، و كذا لابأس باتيان غير المبطلات من الأفعال الخارجيّة المباحة كحكّ الجسد و نحوه اذا لم يكن ماحيا للصورة.
1) - وسائل الشيعة 6: 90 / الباب 29 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 2.
الشرح:
لا فرق في البطلان بالزيادة العمديّة بين أن يكون في ابتداء النيّة أو في الأثناء و لا بين الفعل أو القول، و ذلك لصدق الزيادة العمديّة فيشملها اطلاق قوله عليه السلام:
«من زاد في صلاته فعليه الاعادة».(1)
و لا فرق أيضا بين الموافق لأجزاء الصلاة و المخالف لها؛ لما ذكر، كما لا فرق بين أن يقصد الوجوب بها أو الندب. نعم، لابأس بما يأتي بزيادة القراءة و الذكر في الأثناء لا بعنوان الجزئيّة للصلاة بل بعنوان قراءة القرآن و الذكر، و ذلك لقوله عليه السلام:
«كلّما ذكرت اللّه عزّوجلّ به و النبي صلى الله عليه و آله فهو من الصلاة».(2)
و قد فصّل المصنّف بين ما كان ماحيا لصورة الصلاة فلايجوز و بين ما لم يكن فيجوز. و ذهب العلاّمة الخوئي(3)الى أنّ القراءة و الذكر لم يكونا ماحيين لصورة الصلاة بدليل قوله عليه السلام: «كلّما ذكرت اللّه ... »، ولكن الظاهر أنّه فرق بين ما لو قرأ بعنوان السورة فيجوز له السور الطوال كالبقرة و غيرها، و بين ما لو قرأ القرآن بعد اتمام الحمد و السورة فحينئذ اعتبار الماحي و غيره في محلّه، و كذا في التشهّد و السلام. نعم، بالنسبة الى ذكر الركوع أو التسبيحات الأربع فالحكم كما ذكره السيّد الخوئي رحمه الله. و لابأس باتيان غير المبطلات من الأفعال الخارجيّة المباحة كحكّ الجسد و نحوه اذا لم يكن ماحيا لصورة الصلاة و قد تقدّم في محلّه تفصيلاً.
(مسألة 5): اذا أخلّ بالطهارة الحدثيّة ساهيا بأن ترك الوضوء أو الغسل أو التيمّم بطلت صلاته و ان تذكّر في الأثناء، و كذا لو تبيّن بطلان أحد هذه من جهة ترك جزء أو شرط.
يدلّ على ذلك صحيحة زرارة المتقدّمة قال:
«قال أبو جعفر عليه السلام: لاتعاد الصلاة الاّ من خمسة: الطهور و الوقت و القبلة و الركوع و السجود».(1)
(مسألة 6): اذا صلّى قبل دخول الوقت ساهيا بطلت و كذا لو صلّى الى اليمين أو اليسار أو مستدبرا، فيجب عليه الاعادة أو القضاء.
يدلّ على بطلان الصلاة اذا صلاّها قبل دخول الوقت و كذا بطلانها اذا صلاّها الى غير القبلة الحديث المتقدّم ذكره وغيره من الأحاديث و قد تقدّم تفصيلهما في المواقيت و البحث عن القبلة.
(مسألة 7): اذا أخلّ بالطهارة الخبثيّة في البدن أو اللباس ساهيا بطلت، و كذا ان كان جاهلاً بالحكم أو كان جاهلاً بالموضوع و علم في الأثناء مع سعة الوقت، و ان علم بعد الفراغ صحّت. و قد مرّ التفصيل سابقا.
الشرح:
اذا تنجّس بدنه أو ثوبه فنسي تطهيره فصلّى في البدن أو اللباس المتنجّس بطلت صلاته، و ذلك للنصوص المستفيضة:
منها صحيحة زرارة الطويلة عن أبي جعفر عليه السلام:
1) - وسائل الشيعة 4: 312 / الباب 9 من أبواب القبلة / الحديث 1.
«أصاب ثوبي دم رعاف أو غيره أو شيء من مني فعلمت أثره الى أن أصيب له الماء، فأصبت و حضرت الصلاة، و نسيت أنّ بثوبي شيئا و صلّيت ثمّ انّي ذكرت بعد ذلك. قال عليه السلام: تعيد الصلاة و تغسله ... ».(1)
و أمّا الصلاة في البدن أو اللباس المتنجّس جاهلاً بالحكم أو الموضوع فقد تقدّم في المسألة الثالثة صحّتها. نعم، اذا علم في الأثناء و طهّره من غير فعل المنافي أو بدّله كذلك اذا كان في ثوبه صحّت صلاته؛ لما مرّ. و أمّا اذا لم يقدر على تطهيره أو تبديله و كان الوقت واسعا بطلت صلاته، و ان كان الوقت ضيقا يتمّ صلاته و لا اعادة عليه.
(مسألة 8): اذا أخلّ بستر العورة سهوا فالأقوى عدم البطلان و ان كان هو الأحوط، و كذا لو أخلّ بشرائط الساتر عدا الطهارة من المأكوليّة و عدم كونه حريرا أو ذهبا و نحو ذلك.
اذا أخلّ بستر العورة سهوا فالأقوى عدم البطلان؛ لحديث «لاتعاد الصلاة ... »، و ان كان هو الأحوط؛ خروجا عن قول المخالف. و قد مرّ البحث عن ذلك تفصيلاً في الستر و الساتر و في شرائط لباس المصلّي.(2)
(مسألة 9): اذا أخلّ بشرائط المكان سهوا فالأقوى عدم البطلان، و ان كان أحوط فيما عدا الاباحة، بل فيها أيضا اذا كان هو الغاصب.
لحديث «لاتعاد الصلاة ... » و غيره و قد مرّ البحث عن ذلك و عن المسألة
اللاحقة في فصل مكان المصلّي و في فصل مسجد الجبهة.(1)
(مسألة 10): اذا سجد على ما لايصحّ السجود عليه سهوا امّا لنجاسته أو كونه من المأكول أو الملبوس لم تبطل الصلاة و ان كان هو الأحوط. و قد مرّت هذه المسائل في مطاوي الفصول السابقة.
قال في المستمسك: «الظاهر أنّه لا اشكال فيه. و وجهه - في فوات طهارة المسجد - ظاهر؛ لأنّ العمدة في اعتبارها الاجماع، و ثبوته في حال السهو محلّ اشكال أو منع، فلا موجب للتدارك. نعم، يشكل وجهه في فوات كونه على غير المأكول و الملبوس، فانّ اطلاق دليل شرطيّة ذلك يقتضي بطلان السجود بفواته. لكن ظاهر الأصحاب الاجماع على عدم وجوب التدارك و جواز المضي و لعلّ ذلك كافٍ في تقييد دليل الشرطيّة بحال الذكر، فلايكون شرطا في حال السهو. انتهى».(2)
(مسألة 11): اذا زاد ركعة أو ركوعا أو سجدتين من ركعة أو تكبيرة الاحرام سهوا بطلت الصلاة. نعم، يستثنى من ذلك زيادة الركوع أو السجدتين في الجماعة، و أمّا اذا زاد ماعدا هذه من الأجزاء غير الأركان كسجدة واحدة أو تشهّد أو نحو ذلك ممّا ليس بركن فلاتبطل بل عليه سجدتا السهو. و أمّا زيادة القيام الركني فلاتتحقّق الاّ بزيادة الركوع أو بزيادة تكبيرة الاحرام كما أنّه لاتتصوّر زيادة النيّة بناءً على أنّها الداعي، بل على القول بالاخطار لاتضرّ زيادتها.
الشرح:
في المسألة فروع:
اذا زاد ركعة في صلاته بطلت صلاته اجماعا الاّ في السفر اذا أتمّ في موضع القصر جهلاً كما سيجيء في المسألة الآتية. و يدلّ على ذلك روايات:
منها صحيحة أبي بصير قال:
«قال أبو عبداللّه عليه السلام: من زاد في صلاته فعليه الاعادة».(1)
خرج منها زيادة الجزء الغير الركني من غير عمد كما تقدّم فيبقى الباقي.
و منها صحيحة زرارة و بكير ابني أعين عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«اذا استيقن أنّه زاد في صلاته المكتوبة ركعة لم يعتدّ بها و استقبل صلاته استقبالاً اذا كان قد استيقن يقينا».(2)
و صحيحة زيد الشحّام قال:
«سألته عن رجل صلّى العصر ستّ ركعات أو خمس ركعات؟ قال: ان استيقن أنّه صلّى خمسا أو ستّا فليعد».(3)
هذا لا اشكال و لا خلاف فيه. انّما الاشكال و الخلاف فيما اذا جلس في الرابعة قدر التشهّد فقد نسبت صحّة الصلاة الى ابن الجنيد و الشيخ في التهذيب و الاستبصار و العلاّمة في بعض كتبه و بعض المتأخّرين.
قال في الشرائع: «لو زاد في الصلاة ركعة أو ركوعا أو سجدتين أعاد سهوا و
عمدا. انتهى».(1)
و قال في المدارك: «هنا مسألتان: احداهما أنّ من زاد في صلاته ركعة بطلت صلاته. و اطلاق العبارة يقتضي عدم الفرق في الصلاة بين الرباعيّة و غيرها، و لا بين أن يكون قد جلس في آخر الصلاة أو لم يجلس. و بهذا التعميم قطع الشيخ في جملة من كتبه، و السيّد المرتضى، و ابن بابويه. و احتجّ عليه في الخلاف بتوقّف يقين البراءة عليه. قال: و انّما يعتبر الجلوس بقدر التشهّد أبو حنيفة بناءً على أنّ الذكر في التشهّد ليس بواجب - الى أن قال: - و قال في المبسوط: «من زاد ركعة في صلاته أعاد، و من أصحابنا من قال: ان كانت الصلاة رباعيّة و جلس في الرابعة مقدار التشهّد فلا اعادة عليه. و الأوّل هو الصحيح؛ لأنّ هذا قول من يقول انّ الذكر في التشهّد ليس بواجب». و هذا الذي نقله الشيخ عن بعض الأصحاب هو مذهب ابن الجنيد، و اختاره المصنّف في المعتبر، و العلاّمة في المختلف. و استدلّ عليه في المعتبر بأنّ نسيان التشهّد غير مبطل، فاذا جلس قدر التشهّد فقد فصل بين الفرض و الزيادة، و بقوله عليه السلام في صحيحة زرارة: «و ان كان جلس في الرابعة قدر التشهّد فقد تمّت صلاته»، و كذلك صحيحة محمّد بن مسلم. و يتوجّه على الأوّل: أنّ تحقّق الفصل بالجلوس لايقتضي عدم وقوع الزيادة في أثناء الصلاة. و على الروايتين: أنّ الظاهر أنّ المراد فيهما من الجلوس بقدر التشهّد: التشهّد، لشيوع مثل هذا الاطلاق و نذور تحقّق الجلوس بقدر التشهّد من دون الاتيان به، و بذلك صرّح الشيخ في الاستبصار فقال: «انّ هذين الخبرين لاينافيان الخبرين الأوّلين، يعني: روايتي أبي بصير و ابني أعين؛ لأنّ من جلس في الرابعة و تشهّد ثمّ قامصلّى ركعة لم يخلّ بركن من أركان الصلاة، و انّما أخلّ بالتسليم، و الاخلال بالتسليم لايوجب اعادة الصلاة حسب ما قدّمناه». و استحسن هذا الحمل في الذكرى، قال: «و يكون في هذه الأخبار دلالة على ندب التسليم». و الى هذا القول
1) - شرائع الاسلام 1: 114.
ذهب ابن ادريس في سرائره، و هو في محلّه. و من ذلك يظهر عدم الفرق في الصلاة بين الرباعيّة و غيرها. انتهى ملخّصا».(1)
و كيف كان فقد استدلّ من قال بصحّة صلاة من زاد ركعة أو أزيد في صلاته نسيانا اذا جلس في الرابعة بقدر التشهّد بصحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«سألته عن رجل صلّى خمسا؟ فقال: ان كان قد جلس في الرابعة قدر التشهّد فقد تمّت صلاته».(2)
و صحيحة جميل بن درّاج عن أبي عبداللّه عليه السلام أنّه قال في رجل صلّى خمسا:
«انّه ان كان جلس في الرابعة بقدر التشهّد فعبادته جائزة».(3)
و صحيحة محمّد بن مسلم قال:
«سألت أبا جعفر عليه السلامعن رجل استيقن بعد ما صلّى الظهر أنّه صلّى خمسا؟ قال: و كيف استيقن؟ قلت: علم. قال: ان كان علم أنّه كان جلس في الرابعة فصلاة الظهر تامّة فليقم فليضف الى الركعة الخامسة ركعة و سجدتين فتكونان ركعتين نافلة و لا شيء عليه».(4)
و صحيحة ثانية لمحمّد بن مسلم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن رجل صلّى الظهر خمسا؟ قال: ان كان لايدري جلس في الرابعة أم لم يجلس فليجعل أربع ركعات منها الظهر و يجلس و يتشهّد ثمّ يصلّي و هو جالس ركعتين و أربع سجدات و يضيفها الى الخامسة فتكون نافلة».(5)
1) - مدارك الأحكام 4: 220 - 222.
2) - وسائل الشيعة 8: 232 / الباب 19 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة / الحديث 4.
3) - وسائل الشيعة 8: 232 / الباب 19 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة / الحديث 6.
4) - وسائل الشيعة 8: 232 / الباب 19 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة / الحديث 5.
5) - وسائل الشيعة 8: 233 / الباب 19 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة / الحديث 7.
و في المقنع قال: «روي أنّ من استيقن أنّه صلّى ستّا فليعد الصلاة».(1)
فقيل في طريق الاستدلال بهذه الروايات بأنّ الجمع العرفي بين الطائفة الأولى من الأخبار الناطقة ببطلان الصلاة مطلقا، لمن زاد ركعة في صلاته و بين الطائفة الثانية الفاصلة بين الجلوس بعد الرابعة بقدر التشهّد فتصحّ صلاته و بين عدم الجلوس فتبطل، هو حمل المطلق على المقيّد فتنتج صحّة ما ذهب اليه الشيخ و غيره.
ولكن فيه أوّلاً: انّه يحتمل قويّا صدور الروايات الفاصلة تقيّة لأنّها مطابقة لفتوى جماعة من العامّة منهم أبو حنيفة، الاّ أن يقال: انّ الرجوع الى المرجّحات التي منها الموافقة للعامّة فيما اذا كانت بينهما تعارض و فيما نحن فيه يمكن الجمع بين الطائفتين، الاّ اذا تيقّنّا بصدور الطائفة الثانية تقيّة.
و ثانيا: انّه يحتمل أن يكون المراد من الجلوس في قوله عليه السلام في صحيحتي محمّد بن مسلم: «ان كان علم أنّه كان جلس في الرابعة ... » و «ان كان لايدري جلس في الرابعة أم لم يجلس ... » هو التشهّد، و القرينة على ذلك ارادة التشهّد من لفظ الجلوس في صحيحة سليمان بن خالد قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل نسي أن يجلس في الركعتين الأوّلتين؟ فقال: ان ذكر قبل أن يركع فليجلس، و ان لم يذكر حتّى يركع فليتمّ الصلاة حتّى اذا فرغ فليسلّم و ليسجد(2)سجدتي السهو».(3)
و صحيحة ابن أبي يعفور قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يصلّي الركعتين من المكتوبة
فلايجلس فيهما حتّى يركع؟ فقال: يتمّ صلاته ثمّ يسلّم و يسجد سجدتي السهو و هو جالس قبل أن يتكلّم».(1)
الاّ أن يقال: نعم، ولكن في صحيحتي زرارة و جميل بن درّاج: «ان كان جلس في الرابعة بقدر التشهّد» فاحتمال أن يراد من الجملة المذكورة قراءة التشهّد ضعيف أو بعيد. ولكن يقال فيه: انّ الاحتمال المذكور بقرينة صحيحتي محمّد بن مسلم من جانب و صحيحتي سليمان بن خالد و ابن أبي يعفور من جانب آخر قويّ. مضافا الى أنّه يمكن أن يكون المراد من الجلوس بقدر التشهّد هو فيما علم الجلوس ولكن شكّ في قراءته فحينئذ يحكم بقراءته لكونه الشكّ بعد التجاوز و الفراغ كما يحتمل ذلك في صحيحة محمّد بن مسلم الثانية حيث قال عليه السلام: «ان كان لايدري جلس في الرابعة أم لم يجلس».
و ثالثا: قد تعارض هذه الروايات، الأخبار التي وردت في المسافر الذي نسي أن يصلّي الظهر أو العصر أو العشاء قصرا فصلّى تماما ثمّ تذكّر بعد الصلاة، كقوله عليه السلام في صحيحة العيص بن القاسم:
«ان كان في وقت فليعد و ان كان الوقت قد مضى فلا».(2)
و بيان التعارض أنّ الروايات المتقدّمة ناطقة بأنّ من زاد في صلاته ركعة أو ركعتين ثمّ تذكّر فان جلس في الرابعة بقدر التشهّد فقد صحّت و تمّت صلاته و الاّ فلا. و أمّا صحيحة العيص و غيرها فانّها ناطقة بعدم الصحّة و الحال أنّه قد جلس آخر صلاته و تشهّد، و بعد التعارض و التساقط يرجع الى المطلقات التي تحكم بالبطلان.
و بعد هذه الاحتمالات فكيف يمكن أن تكون الروايات المتقدّمة الفاصلة بين من جلس في الرابعة فتصحّ صلاته و بين من لم يجلس فلاتصحّ مقيّدة للمطلقات،
فعلى الأقلّ من اجمال الروايات، فيقوّي الاجمال أو الحمل على التقيّة اعراض جمّ كثير من الفقهاء عنها، و اللّه العالم.
اذا زاد الركوع سهوا تبطل صلاته، و ذلك لصحيحة منصور بن حازم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن رجل صلّى فذكر أنّه زاد سجدة؟ قال: لايعيد صلاة من سجدة و يعيدها من ركعة».(1)
و موثّقة عبيد بن زرارة قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل شكّ فلم يدر أسجد ثنتين أم واحدة فسجد أخرى ثمّ استيقن أنّه قد زاد سجدة؟ فقال: لا واللّه لاتفسد الصلاة بزيادة سجدة. و قال: لايعيد صلاته من سجدة و يعيدها من ركعة».(2)
فبقرينة تقابل السجدة و الركعة يستفاد أنّ المراد بالركعة هو الركوع. و دلّ على البطلان أيضا حديث «لاتعاد الصلاة الاّ من خمسة: الطهور و الوقت و القبلة و الركوع و السجود»(3). و قيل بأنّ الموجب للاعادة هو الخلل الواقع من جهة النقص لا الزيادة بقرينة الطهور و الوقت و القبلة حيث لايتصوّر فيها الزيادة، فعليه فاذا لم يأت بالركوع أصلاً بطلت صلاته و أمّا اذا زاد الركوع فبعقد المستثنى منه تصحّ صلاته و لاتعاد.
ولكن فيه: انّ الظاهر من الرواية و ما هو المطابق للفهم العرفي أنّ المراد من الخلل في عقد المستثنى منه و المستثنى سواء و هو مطلق الخلل فكأنّه قال عليه السلام: «لاتعاد الصلاة من أجل أيّ خلل وقع فيها زيادة أو نقصانا أو فعل ما يجب تركه الاّ الخلل الواقع من جهة الطهور و الوقت و القبلة و الركوع و السجود»، فالمستعمل فيه من طرفي الاستثناء هو مطلق الخلل و ان لم يتصوّر زيادة الطهور و الوقت و القبلة الاّ أنّ عدم تصوّرها ليس قرينة على انصراف الخلل الى النقص.
اذا زاد سجدتين من ركعة سهوا بطلت و ذلك لحديث «لاتعاد الصلاة الاّ من خمسة: الطهور و الوقت و القبلة و الركوع و السجود».
و السجود و ان كان باطلاقه يشمل سجدة واحدة الاّ أنّها خرجت بصحيحة منصور بن حازم و موثّقة عبيد بن زرارة المتقدّمتين في الفرع الثاني من هذه المسألة فقال عليه السلام في الأولى: «لايعيد صلاة من سجدة و يعيدها من ركعة». و في الثانية: «لايعيد صلاته من سجدة و يعيدها من ركعة».
اذا زاد تكبيرة الاحرام سهوا فهل تبطل صلاته أو لا؟
لو قلنا بأنّ تكبيرة الاحرام ركن و أنّ الركن هو الذي تبطل الصلاة بنقصه و زيادته عمدا أو سهوا، فزيادة تكبيرة الاحرام موجبة لبطلان الصلاة. و الظاهر أنّ الركن نفسه و كذا بالمعنى الذي ذكروه لم يرد به نصّ و انّما هو اختراع من الفقهاء.
فنقول: لو ثبت اجماع كاشف عن رأي الامام عليه السلام ببطلان الصلاة بزيادة تكبيرة الاحرام فلا كلام و الاّ فللخدشة في البطلان مجال. نعم، تبطل الصلاة لو نسي تكبيرة الاحرام لورود النصّ بذلك كما سيجيء. و يمكن أن يستدلّ لعدم البطلان بزيادة تكبيرة الاحرام سهوا بحديث «لاتعاد الصلاة» حيث انّه لم يرد ذلك في عقد المستثنى فيدخل في المستثنى منه. و قد تقدّم تفصيل ذلك في الفرع الثالث من فصل تكبيرة الاحرام.(1)
لاتبطل الصلاة بزيادة غير ما ذكر من الركعة و الركوع و السجدتين، كسجدة واحدة(2)و تشهّد(3)و نحوهما؛ لحديث «لاتعاد» و النصوص الخاصّة، كما أنّه لاتبطل الصلاة بزيادة القيام سهوا الاّ القيام المتّصل بالركوع و القيام حال تكبيرة الاحرام لو قلنا بابطالها الصلاة(4)، و لايتصوّر ازدياد النيّة لو قلنا بأنّها عبارة عن الداعي كما هو الحقّ أو الاخطار بالقلب لأنّهما مؤكّدتان للنيّة.
ثمّ انّه لو زاد ركوعا أو سجدتين في الجماعة بقصد التبعيّة فلاتبطل صلاته كما تقدّم شرح ذلك.
(مسألة 12): يستثنى من بطلان الصلاة بزيادة الركعة ما اذا نسي المسافر سفره أو نسي أنّ حكمه القصر فانّه لايجب القضاء اذا تذكّر خارج الوقت
ولكن يجب الاعادة اذا تذكّر في الوقت كما سيأتي ان شاء اللّه.
قال في الشرائع: «و ان كان جاهلاً بالتقصير فلا اعادة و لو كان الوقت باقيا، و ان كان ناسيا أعاد في الوقت، و لايقضي ان خرج».(1)
و قال في المدارك: «هذا هو المشهور بين الأصحاب. انتهى».(2)
و سيأتي تفصيل الكلام حول ذلك مستقصى في بحث صلاة المسافر ان شاء اللّه.
(مسألة 13): لا فرق في بطلان الصلاة بزيادة ركعة بين أن يكون قد تشهّد في الرابعة ثمّ قام الى الخامسة أو جلس بمقدارها كذلك أو لا و ان كان الأحوط في هاتين الصورتين اتمام الصلاة لو تذكّر قبل الفراغ ثمّ اعادتها.
قد تقدّم تفصيل ذلك في المسألة الحاديه عشرة.
(مسألة 14): اذا سها عن الركوع حتّى دخل في السجدة الثانية بطلت صلاته. و ان تذكّر قبل الدخول فيها رجع و أتى به و صحّت صلاته، و يسجد سجدتي السهو لكلّ زيادة ولكن الأحوط مع ذلك اعادة الصلاة لو كان التذكّر بعد الدخول في السجدة الأولى.
الشرح:
اختلفوا في حكم ما لو سها عن الركوع حتّى سجد، فقال العلاّمة في المختلف: «لو سها عن الركوع حتّى سجد أعاد الصلاة سواء كان في الأوليين أو الأخريين. و هو الظاهر من كلام ابن أبي عقيل، وهو مذهب السيّد المرتضى و سلاّر و ابن ادريس و أبي الصلاح و ابن البرّاج. و قال الشيخ في المبسوط: «و ان
أخلّ به عامدا أو ناسيا في الأوّلتين مطلقا أو في ثالثة المغرب بطلت صلاته، و ان كان في الأخيرتين من الرباعيّة، فان تركه عمدا بطلت، و ان تركه ناسيا و سجد السجدتين أو واحدة منهما أسقط السجدة و قام و ركع و تمّم صلاته». انتهى ملخّصا».(1)
و الظاهر أنّ البطلان محرز فيما اذا دخل في السجدة الثانية، و أمّا اذا تذكّر قبل أن يدخل في السجدة الثانية رجع و أتى به و صحّت صلاته و يسجد سجدتي السهو. و ذلك لصحيحة أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا أيقن الرجل أنّه ترك ركعة من الصلاة و قد سجد سجدتين و ترك الركوع استأنف الصلاة».(2)
و صحيحة رفاعة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن رجل ينسى أن يركع حتّى يسجد و يقوم؟ قال: يستقبل».(3)
و يحمل عليهما موثّقة اسحاق بن عمّار قال:
«سألت أبا ابراهيم عليه السلام عن الرجل ينسى أن يركع؟ قال: يستقبل حتّى يضع كلّ شيء من ذلك موضعه».(4)
و رواية أبي بصير قال:
«سألت أبا جعفر عليه السلام عن رجل نسي أن يركع؟ قال: عليه الاعادة».(5)
و كذا يحمل عليهما صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام أنّه قال:
«لاتعاد الصلاة الاّ من خمسة: الطهور و الوقت و القبلة و الركوع و
السجود. الحديث».(1)
و لاتبطل صلاته لو تذكّر قبل الدخول في السجدة الثانية فيرجع و يأتي بالركوع و تصحّ صلاته، و ذلك لأنّ مقتضى القواعد الأوّليّة أنّه لا قدح في زيادة السجدة سهوا، فلا مانع من فعله؛ لعدم فوات محلّه.
احتجّ القائلون بالبطلان بأنّ الناسي للركوع الى أن يسجد ان سجد لم يأت بالمأمور به على وجهه، فيبقى في عهدة التكليف الى أن يتحقّق الامتثال. و بموثّقة اسحاق بن عمّار المتقدّمة.
و الجواب عن الأوّل: انّ الامتثال يتحقّق بالاتيان بالركوع ثمّ السجود، فلايتعيّن الاستئناف.
و عن الثاني: انّها تحمل على ما اذا تذكّر بعد السجدتين بقرينة صحيحتي أبي بصير و رفاعة المذكورتين آنفا.
احتجّ الشيخ بما رواه محمّد بن مسلم عن الباقر عليه السلام في رجل شكّ بعدما سجد أنّه لم يركع، قال:
«فان استيقن فليلق السجدتين اللتين لا ركعة لهما فيبني على صلاته على التمام، و ان كان لم يستيقن الاّ بعدما فرغ فليقم فليصلّ ركعة و سجدتين و لا شيء عليه».(2)
و قال: «و هذه الرواية تحمل على من نسي الركوع من الأخيرتين، و الأخبار الأول على من نسيه في الأوّلتين، لما رواه حكم بن حكيم - في الصحيح - قال: «سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل نسي من صلاته ركعة أو سجدة أو أكثر منها ثمّ يذكر، فقال: يقضي ذلك بعينه. قلت: أيعيد الصلاة؟ فقال: لا». و لأنّ السجدتين قبل الركوع تقع لاغية؛ اذ ليس مظنّتهما ذلك، بل بعده فيجب عليه الاتيان بالركوع
ثمّ اعادة السجدتين. انتهى».(1)
و الجواب: انّ رواية محمّد بن مسلم مطلقة و لم تكن فيها اشارة الى الركعتين الأخيرتين - كما أنّ الروايات المتقدّمة لم تكن فيها اشارة الى الركعتين الأوّلتين - مع أنّ القاء السجدتين و الاتيان بالركوع و سجدتين أخريين، موجب للاخلال بالصلاة، و معارض لحديث «لاتعاد الصلاة ... ». و أمّا رواية حكم بن حكيم فالظاهر أنّ مراد الراوي من الركعة هي الركعة التامّة، و عن السجدة، السجدة الواحدة أو أكثر في ركعات متعدّدة، لا نسيان السجدتين في ركعة، و مراده عليه السلام من القضاء، الاتيان بعد الصلاة. و أمّا قوله رحمه الله: «لأنّ السجدتين ... » فهو عين المتنازع فيه؛ لأنّ النزاع في أنّ نسيان الركوع و التذكّر بعد السجدتين يوجب بطلان الصلاة أو تقع السجدتان لاغيتين.
و قال العلاّمة في جوابه: «انّ رواية محمّد بن مسلم غير دالّة على مطلوبه من التفصيل الى الأوّلتين و الأخيرتين، فما يدلّ الحديث عليه لايذهب اليه، و ما يذهب اليه لا دلالة للحديث عليه، فيكون الاستدلال به ساقطا. و أمّا رواية حكم بن حكيم فانّها غير دالّة على مطلوبه؛ اذ يدلّ على وجوب الاتيان بالمنسي خاصّة مطلقا، و هو لايذهب اليه، بل يوجب الاتيان به و بما بعده، مع احتمال أنّه يأتي بما نسيه بعد الصلاة؛ لأنّ قوله بعد ذلك يصلح لأن يكون بعد الصلاة. و كون السجدتين وقعتا في غير محلّهما مسلّم، لكنّه علّة لبطلان الصلاة لا للاتيان بالركوع المنسي؛ لما فيه من اختلال هيئة الصلاة و اعدام صورتها. انتهى».(2)
(مسألة 15): لو نسي السجدتين و لم يتذكّر الاّ بعد الدخول في الركوع من الركعة التالية بطلت صلاته، و لو تذكّر قبل ذلك رجع و أتى بهما و أعاد ما
فعله سابقا ممّا هو مرتّب عليهما بعدهما، و كذا تبطل الصلاة لو نسيهما من الركعة الأخيرة حتّى سلّم و أتى بما يبطل الصلاة عمدا و سهوا كالحدث و الاستدبار، و ان تذكّر بعد السلام قبل الاتيان بالمبطل فالأقوى أيضا البطلان، لكن الأحوط التدارك ثمّ الاتيان بما هو مرتّب عليهما ثمّ اعادة الصلاة، و ان تذكّر قبل السلام أتى بهما و بما بعدهما من التشهّد و التسليم و صحّت صلاته، و عليه سجدتا السهو لزيادة التشهّد أو بعضه و للتسليم المستحبّ.
الشرح:
فروع:
قال في المدارك: «من نسي السجدتين أو احداهما ثمّ ذكر قبل أن يركع وجب عليه تلافيهما أو احداهما، ثمّ القيام و الاتيان بما يلزمه من القراءة أو التسبيح (و الركوع) و هذا في السجدة الواحدة موضع وفاق بين العلماء، و يدلّ عليه صحيحتا اسماعيل بن جابر و أبي بصير(1). و انّما الخلاف في نسيان السجدتين فذهب الأكثر الى أنّه كذلك. و قال المفيد رحمه الله: ان ترك سجدتين من ركعة واحدة أعاد على كلّ حال، و ان نسي واحدة منهما ثمّ ذكرها في الركعة الثانية قبل الركوع أرسل نفسه و سجدها ثمّ قام. و الى هذا القول ذهب ابن ادريس. و لم أقف على نصّ يقتضي التفرقة بين المسألتين و الخروج عن مقتضى الأصل. انتهى ملخّصا».(2)
الظاهر أنّه لايكون فرق بين نسيان السجدة الواحدة أو السجدتين؛ لأنّه اذا كان محلّ التدارك باقيا فيما اذا نسي السجدة الواحدة ما لم يركع فمحلّ تدارك
السجدتين أيضا باقٍ.
قال في المدارك: «انّ من أخلّ بالسجدتين حتّى ركع فيما بعد بطلت صلاته، و هو اختيار الشيخ في النهاية و أكثر الأصحاب. و قال في الجمل: «ان ترك ناسيا سجدتين في ركعة من الأوّلتين أعاد الصلاة، و ان كانتا من الأخيرتين بنى على الركوع في الأولى و سجد السجدتين». و الأصحّ الأوّل. انتهى».(1)
و الأصحّ بطلان الصلاة و ذلك للاخلال بالسجدتين و فوات محلّ التدارك، فيشمله قوله عليه السلام في صحيحة زرارة: «لاتعاد الصلاة الاّ من خمسة: الطهور و الوقت و القبلة و الركوع و السجود».
و يردّ ما في الجمل بأنّه ان كان مراده من البناء على الركوع في الأولى و اتيان السجدتين، الاتيان بالركوع ثانيا فهو موجب لازدياد الركن و الاخلال بالركوع فتبطل الصلاة، و ان كان مراده الاتيان بالسجدتين فقط من دون الركوع ثانيا فهو موجب لازدياد الركن أيضا أي أربع سجدات في ركعة فتبطل الصلاة، و حديث «لاتعاد الصلاة ... » يشملهما.
لو نسي السجدتين من الركعة الأخيرة حتّى سلّم و أتى بما يبطل الصلاة عمدا و سهوا كالحدث و الاستدبار بطلت صلاته؛ للاخلال بالسجدتين و فوات محلّ
1) - نفس المصدر: 219.
التدارك فيشمله حديث «لاتعاد الصلاة ... ».
و لو نسيهما كذلك و تذكّر بعد السلام قبل الاتيان بالمبطل فالأقوى صحّة صلاته، و ذلك لأنّه بعد التذكّر انكشف له أنّ التشهّد و السلام وقعا في غير محلّهما فيرجع و يأتي بالسجدتين و يعيد التشهّد و السلام و يسجد سجدتي السهو.
و قال في المدارك: «و لو لم يذكر الاّ بعد التسليم بطلت الصلاة ان كان المنسي السجدتين؛ لفوات الركن، و قضى السجدة الواحدة و التشهّد؛ لاطلاق قوله عليه السلام فى صحيحة ابن سنان: «اذا نسيت شيئا من الصلاة ركوعا أو سجودا أو تكبيرا فاقض الذي فاتك سهوا». و صحيحة ابن مسلم عن أحدهما عليهماالسلام في الرجل يفرغ من صلاته و قد نسي التشهّد حتّى ينصرف، فقال: «ان كان قريبا رجع الى مكانه فتشهّد، و الاّ طلب مكانا نظيفا فتشهّد فيه». و لا فرق في ذلك بين أن يتخلّل الحدث بينه و بين الصلاة أم لا. انتهى».(1)
و فيه: انّ الركن لم يفت بعد، فانّه لم يدخل في الركن و لم يحدث و التسليم الواقع في غير محلّه لايكون مخرجا. فالمراد من قوله عليه السلام: «فاقض ... » هو الأعمّ من الأداء و القضاء؛ لأنّ الركوع المنسي لايقضى بعد الصلاة بل يفعله ان تذكّر قبل السجدة الثانية و الاّ بطلت الصلاة، و اذا نسي تكبيرة الاحرام فان تذكّر قبل الركوع يرجع فيكبّر و يعيد القراءة، و ان تذكّر بعد الركوع يستأنف الصلاة. و اذا نسي السجدة في الركعة الأخيرة يرجع و يؤدّيها و يعيد ما بعدها، و كذلك لو نسي السجدتين، فالمستفاد من الصحيحة أنّ كلاًّ من الركوع و السجود و التكبير المنسيّ يؤدّى في محلّه، و ان فات محلّه و أمكنه القضاء بعد السلام قضاه، كالسجدة المنسيّة في الركعة الأولى اذا تذكّر بعد الركوع، فلابدّ من تقييد اطلاق الصحيحة بالروايات الأخر.
ثمّ انّه لو تذكّر نسيان السجدة أو السجدتين و تذكّر قبل التسليم فيرجع و يأتي
1) - نفس المصدر: 237 و 238.
بما فات و يعيد التشهّد و يسلّم، و يسجد سجدتي السهو و تصحّ صلاته بالطريق الأولى.
(مسألة 16): لو نسي النيّة أو تكبيرة الاحرام بطلت صلاته سواء تذكّر في الأثناء أو بعد الفراغ فيجب الاستئناف، و كذا لو نسي القيام حال تكبيرة الاحرام، و كذا لو نسي القيام المتّصل بالركوع بأن ركع لا عن قيام.
الشرح:
لو نسي النيّة بطلت صلاته و ذلك لقوله عليه السلام في الروايات المستفيضة: «لا عمل الاّ بنيّة»(1)، و كذا قوله عليه السلام: «انّما الأعمال بالنيّات و لكلّ امرئ ما نوى»(2)، مضافا الى الاجماع محصّلاً و منقولاً عليه كما في الجواهر(3).
و لو نسي تكبيرة الاحرام بطلت صلاته اجماعا محصّلاً و منقولاً، و تدلّ عليه الأخبار المستفيضة و قد مرّ البحث عن ذلك في الفرع الثاني من فصل تكبيرة الاحرام(4). و كذا لو نسي القيام حال تكبيرة الاحرام بطلت صلاته و قد مرّ البحث عنه أيضا في فصل تكبيرة الاحرام(5). و كذا لو نسي القيام المتّصل بالركوع بأن ركع عن غير قيام فانّه تبطل صلاته، و قد تقدّم تفصيل ذلك في البحث عن الركوع(6).
(مسألة 17): لو نسي الركعة الأخيرة فذكرها بعد التشهّد قبل التسليم قام و أتى بها و لو ذكرها بعد التسليم الواجب قبل فعل ما يبطل الصلاة عمدا و سهوا قام و أتمّ، و لو ذكرها بعدُ استأنف الصلاة من رأس من غير فرق بين الرباعيّة و غيرها، و كذا لو نسي أزيد من ركعة.
الشرح:
تارة يكون التذكّر بعد التشهّد و قبل التسليم، و أخرى بعد التسليم و قبل الاتيان بشيء من المنافيات، و ثالثة بعد الاتيان بما لاينافي الاّ عمدا كالتكلّم، و رابعة بعد الاتيان بما ينافي عمدا و سهوا كالحدث و الاستدبار فصور المسألة أربع:
أمّا الصورة الأولى فلا اشكال في أنّه يجب عليه الاتيان بالركعة الأخيرة المنسيّة أو الركعات فيعيد التشهّد و يتمّ صلاته، و ذلك لأنّ زيادة التشهّد سهوا لايوجب بطلان الصلاة؛ لحديث «لاتعاد الصلاة».
و الثانية أن يذكر النقص بعد التسليم و قبل الاتيان بغيره من المنافيات، فيجب اتمام الصلاة و لو كانت ثنائيّة دون الاعادة؛ للأصل السالم من المعارض، و لحديث «لاتعاد الصلاة»، و خصوص صحيحة الحارث بن المغيرة النصري قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: انّا صلّينا المغرب فسها الامام فسلّم في الركعتين فأعدنا الصلاة. فقال: و لم أعدتم؟ أ ليس قد انصرف رسول اللّه صلى الله عليه و آله في ركعتين فأتمّ بركعتين؟ ألا أتممتم؟!».(1)
و موثّقة عمّار (في حديث) قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل صلّى ثلاث ركعات و هو يظنّ أنّها أربع، فلمّا سلّم ذكر أنّها ثلاث؟ قال: يبني على صلاته متى ما ذكر و
1) - وسائل الشيعة 8: 198 / الباب 3 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة / الحديث 2.
يصلّي ركعة و يتشهّد و يسلّم و يسجد سجدتي السهو وقد جازت صلاته».(1)
و الثالثة أن يذكر بعد فعل ما يبطل الصلاة عمدا لا سهوا كالكلام.
قال في المدارك: « و قد اختلفوا في حكمه، فقال الشيخ في النهاية: «يجب عليه الاعادة» و تبعه ابن أبي عقيل و أبو الصلاح الحلبي، و قوّى في المبسوط عدم الاعادة و حكى عن بعض أصحابنا قولاً بوجوب الاعادة في غير الرباعيّة. انتهى».(2)
و الأصحّ صحّة صلاته فيقوم و يتمّ ما بقي من صلاته و يسجد سجدتي السهو، و ذلك لصحيحة علي بن النعمان الرازي (أو خبره؛ للاختلاف في وثاقته) قال:
«كنت مع أصحاب لي في سفر و أنا امامهم فصلّيت بهم المغرب، فسلّمت في الركعتين الأوّلتين، فقال أصحابي: انّما صلّيت بنا ركعتين، فكلّمتهم و كلّموني، فقالوا: أمّا نحن فنعيد. فقلت: لكنّي لاأعيد و أتمّ بركعة، فأتممت بركعة، ثمّ سرنا فأتيت أبا عبداللّه عليه السلام فذكرت له الذي كان من أمرنا، فقال لي: أنت كنت أصوب منهم فعلاً، انّما يعيد من لايدري ما صلّى».(3)
و صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام في رجل صلّى ركعتين من المكتوبة فسلّم و هو يرى أنّه قد أتمّ الصلاة و تكلّم، ثمّ ذكر أنّه لم يصلّ غير ركعتين، فقال:
«يتمّ ما بقي من صلاته و لا شيء عليه».(4)
و موثّقة زيد الشحّام قال:
«سألته عن رجل صلّى العصر ستّ ركعات أو خمس ركعات؟ قال: ان استيقن أنّه صلّى خمسا أو ستّا فليعد - الى أن قال: - و ان هو استيقن أنّه صلّى ركعتين أو ثلاثا ثمّ انصرف فتكلّم فلايعلم أنّه لم يتمّ الصلاة فانّما عليه أن يتمّ الصلاة ما بقي منها فانّ نبيّاللّه صلى الله عليه و آله صلّى بالناس ركعتين ثمّ نسي حتّى انصرف، فقال له ذو الشمالين: يا رسول اللّه، أ حدث في الصلاة شيء؟ فقال: أيّها الناس، أ صدق ذو الشمالين؟ فقالوا: نعم، لم تصلّ الاّ ركعتين، فقام فأتمّ ما بقي من صلاته».(1)
قال في الجواهر: «و ان ذكر النقص بعد أن فعل ما يبطلها عمدا لا سهوا كالكلام، و لو في السؤال عن نقصان الصلاة ففيه تردّد ينشأ من أنّه كالوقوع في الأثناء سهوا، بل يشمله ما دلّ على اغتفاره سهوا مضافا الى الأخبار الحاكمة بالصحّة، بل منها ما هو صريح في وقوع الكلام منه المنجبرة بشهرة الأصحاب، و من أنّ ذلك من قبيل العمد لا السهو؛ لأنّ الفرض أنّه تكلّم عامدا لذلك بزعم الفراغ - الى أن قال: - و الأشهر الأشبه الصحّة وفاقا للمشهور نقلاً و تحصيلاً، بل لعلّ عليه عامّة المتأخّرين، خلافا للمحكي عن النهاية و الجمل و العقود و الوسيلة و الاقتصاد و المهذّب و الغنية، فيعيد الصلاة، بل في الأخير الاجماع عليه. انتهى ملخّصا».(2)
و أمّا الصورة الرابعة فهي أن يذكر بعد فعل ما يبطل الصلاة عمدا و سهوا، كالحدث و الفعل الكثير الذي تنمحي به صورة الصلاة.
قال في المدارك: «و قد ذهب الأكثر الى أنّه موجب للاعادة. و قال ابن بابويه
في كتابه المقنع: ان صلّيت ركعتين من الفريضة ثمّ قمت فذهبت في حاجة لك فأضف الى صلاتك ما نقص و لو بلغت الصين و لاتعد الصلاة، فانّ اعادة الصلاة في هذه المسألة مذهب يونس بن عبدالرحمن. انتهى».(1)
و الأصحّ بطلان الصلاة في هذه الصورة، و ذلك لصحيحة جميل قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلامعن رجل صلّى ركعتين ثمّ قام؟ قال: يستقبل. قلت: فما يروي الناس؟ فذكر حديث ذي الشمالين فقال: انّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله لم يبرح من مكانه و لو برح استقبل».(2)
و موثّقة أبي بصير قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل صلّى ركعتين ثمّ قام فذهب في حاجته؟ قال: يستقبل الصلاة. فقلت: فما بال رسول اللّه صلى الله عليه و آله لم يستقبل حين صلّى ركعتين؟ فقال: انّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله لم ينتقل من موضعه».(3)
و موثّقة سماعة عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) قال:
« ... قال: فقلت: أ رأيت من صلّى ركعتين و ظنّ أنّها أربع فسلّم و انصرف ثمّ ذكر بعدما ذهب أنّه انّما صلّى ركعتين؟ قال: يستقبل الصلاة من أوّلها. قال: قلت: فما بال رسول اللّه صلى الله عليه و آله لم يستقبل الصلاة و انّما أتمّ لهم ما بقي من صلاته؟ فقال: انّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله لم يبرح من مجلسه فان كان لم يبرح من مجلسه فليتمّ ما نقص من صلاته اذا كان قد حفظ الركعتين الأوّلتين».(4)
و لاتعارضها الأخبار الدالّة على البناء على ما صلّى و ان استدبر القبلة؛ لأنّها تحمل على التقيّة أو الانكار؛ لمخالفتها للروايات الكثيرة الواردة في أبواب مختلفة من بطلان الصلاة عند انمحاء الصورة أو الاتيان بمبطل عمدا و سهوا أثناء الصلاة.
و أمّا الأخبار فمنها صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«سألته عن رجل صلّى بالكوفة ركعتين ثمّ ذكر و هو بمكّة أو بالمدينة أو بالبصرة أو ببلدة من البلدان أنّه صلّى ركعتين؟ قال: يصلّي ركعتين».(1)
و منها صحيحة عبيد عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قال في رجل صلّى الفجر ركعة ثمّ ذهب و جاء بعدما أصبح و ذكر أنّه صلّى ركعة، قال: يضيف اليها ركعة».(2)
و منها موثّقة عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث):
«و الرجل يذكر بعدما قام و تكلّم و مضى في حوائجه أنّه انّما صلّى ركعتين في الظهر و العصر و العتمة و المغرب. قال: يبني على صلاته فيتمّها و لو بلغ الصين و لايعيد الصلاة».(3)
و أمّا صحيحة عبيد بن زرارة عن أبي عبداللّه عليه السلام في رجل دخل مع الامام في الصلاة و قد سبقه بركعة فلمّا فرغ الامام خرج مع الناس، ثمّ ذكر أنّه فاتته ركعة، قال:
«يعيد ركعة واحدة».(4)
1) - وسائل الشيعة 8: 204 / الباب 3 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة / الحديث 19.
2) - وسائل الشيعة 8: 204 / الباب 3 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة / الحديث 18.
3) - وسائل الشيعة 8: 204 / الباب 3 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة / الحديث 20.
4) - وسائل الشيعة 8: 198 / الباب 3 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة / الحديث 1.
و نحوها صحيحة محمّد (بن مسلم) عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«سئل عن رجل دخل مع الامام في صلاته و قد سبقه بركعة فلمّا فرغ الامام خرج مع الناس ثمّ ذكر بعد ذلك أنّه فاتته ركعة، قال: يعيدها ركعة واحدة».(1)
فيمكن حملهما على من لم يستدبر القبلة و لم تمح صورة الصلاة، و الاّ تحملان على التقيّة أو على الانكار.
قال المحقّق الهمداني: «و الحاصل أنّ الأخبار بظاهرها متناقضة فيجب في مثلها الرجوع الى المرجّحات و الترجيح مع المشهور للشهرة و الموافقة؛ لعمومات أدلّة القواطع. و احتمال كون تدارك النقص بعد ايجاد المنافي فرضا مستأنفا كقضاء التشهّد و السجدتين المنسيّتين فلاينافيه عمومات أدلّة القواطع، مدفوع بمخالفته لظواهر أغلب الأخبار التي هي مستندة لهذا القول. انتهى».(2)
(مسألة 18): لو نسي ماعدا الأركان من أجزاء الصلاة لم تبطل صلاته، و حينئذ فان لم يبق محلّ التدارك وجب عليه سجدتا السهو للنقيصة و في نسيان السجدة الواحدة و التشهّد يجب قضاؤهما أيضا بعد الصلاة قبل سجدتي السهو، و ان بقي محلّ التدارك وجب العود للتدارك ثمّ الاتيان بما هو مرتّب عليه ممّا فعله سابقا و سجدتا السهو لكلّ زيادة. و فوت محلّ التدارك امّا بالدخول في ركن بعده على وجه لو تدارك المنسي لزم زيادة الركن، و امّا بكون محلّه في فعل خاصّ جاز محلّ ذلك الفعل كالذكر في الركوع و السجود اذا نسيه و تذكّر بعد رفع الرأس منهما، و امّا بالتذكّر بعد السلام الواجب، فلو نسي القراءة أو الذكر أو بعضهما أو الترتيب فيهما أو
اعرابهما أو القيام فيهما أو الطمأنينة فيه و ذكر بعد الدخول في الركوع فات محلّ التدارك فيتمّ الصلاة و يسجد سجدتي السهو للنقصان اذا كان المنسي من الأجزاء، لا لمثل الترتيب و الطمأنينة ممّا ليس بجزء، و ان تذكّر قبل الدخول في الركوع رجع و تدارك و أتى بما بعده و سجد سجدتي السهو لزيادة ما أتى به من الأجزاء. نعم، في نسيان القيام حال القراءة أو الذكر و نسيان الطمأنينة فيه لايبعد فوت محلّهما قبل الدخول في الركوع أيضا؛ لاحتمال كون القيام واجبا حال القراءة لا شرطا فيها و كذا كون الطمأنينة واجبة حال القيام لا شرطا فيه، و كذا الحال في الطمأنينة حال التشهّد و سائر الأذكار فالأحوط العودة و الاتيان بقصد الاحتياط و القربة لا بقصد الجزئيّة، و لو نسي الذكر في الركوع أو السجود أو الطمأنينة حاله و ذكر بعد رفع الرأس منهما فات محلّهما، و لو تذكّر قبل الرفع أو قبل الخروج عن مسمّى الركوع وجب الاتيان بالذكر، و لو كان المنسي الطمأنينة حال الذكر فالأحوط اعادته بقصد الاحتياط و القربة، و كذا لو نسي وضع أحد المساجد حال السجود، و لو نسي الانتصاب من الركوع و تذكّر بعد الدخول في السجدة الثانية فات محلّه. و أمّا لو تذكّر قبله فلايبعد وجوب العود اليه؛ لعدم استلزامه الاّ زيادة سجدة واحدة و ليست بركن، كما أنّه كذلك لو نسي الانتصاب من السجدة الأولى و تذكّر بعد الدخول في الثانية لكن الأحوط مع ذلك اعادة الصلاة. و لو نسي الطمأنينة حال أحد الانتصابين احتمل فوت المحلّ و ان لم يدخل في السجدة كما مرّ نظيره، و لو نسي السجدة الواحدة أو التشهّد و ذكر بعد الدخول في الركوع أو بعد السلام فات محلّهما، و لو ذكر قبل ذلك تداركهما، و لو نسي الطمأنينة في التشهّد فالحال كما مرّ من أنّ الأحوط الاعادة بقصد القربة و الاحتياط، و الأحوط مع ذلك اعادة الصلاة أيضا؛ لاحتمال كون التشهّد زيادة عمديّة حينئذ خصوصا اذا تذكّر نسيان
الطمأنينة فيه بعد القيام.
الشرح:
في المسألة فروع:
لو نسي ماعدا الأركان من أجزاء الصلاة لم تبطل صلاته؛ لحديث «لاتعاد الصلاة» الشامل لكافّة الأجزاء و الشرائط غير الركنيّة، فما خرج عنه بالدليل الخاصّ كالنيّة و التكبير - كما تقدّم - يلتزم به، و فيما عداه يتمسّك باطلاق حديث «لاتعاد الصلاة» القاضي بالصحّة، و حينئذ فان بقي محلّ التدارك رجع و تدارك و الاّ مضى في صلاته و لا شيء عليه عدا سجدتي السهو للنقيصة بناءً على وجوبها لكلّ زيادة و نقيصة و سيأتي في محلّه. ولكن يستثنى من هذا الحكم السجدة الواحدة و التشهّد فانّهما يمتازان عن بقيّة الأجزاء بوجوب القضاء لو كان التذكّر بعد فوات المحلّ. فالكلام يقع في فرعين آخرين:
اذا نسي سجدة واحدة ثمّ ذكر قبل أن يركع وجب عليه تلافيها، ثمّ القيام و الاتيان بما يلزمه من القراءة أو التسبيح و الركوع. و لو لم يذكر حتّى ركع قضاها، و ذلك لصحيحة اسماعيل بن جابر عن أبي عبداللّه عليه السلام في رجل نسي أن يسجد السجدة الثانية حتّى قام، فذكر و هو قائم أنّه لم يسجد، قال:
«فليسجد ما لم يركع، فاذا ركع فذكر بعد ركوعه أنّه لم يسجد فليمض
على صلاته حتّى يسلّم ثمّ يسجدها، فانّها قضاء».(1)
و صحيحة أبي بصير قال:
«سألته عمّن نسي أن يسجد سجدة واحدة فذكرها و هو قائم؟ قال: يسجدها اذا ذكرها ما لم يركع، فان كان قد ركع فليمض على صلاته، فاذا انصرف قضاه و ليس عليه سهو».(2)
و موثّقة عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) أنّه سأله عن رجل نسي سجدة فذكرها بعدما قام و ركع؟ قال:
«يمضي في صلاته و لايسجد حتّى يسلّم، فاذا سلّم سجد مثل ما فاته. قلت: فان لم يذكر الاّ بعد ذلك؟ قال: يقضي ما فاته اذا ذكره».(3)
و لاتعارضها صحيحة البزنطي قال:
«سألت أبا الحسن عليه السلام عن رجل يصلّي ركعتين ثمّ ذكر في الثانية و هو راكع أنّه ترك سجدة في الأولى؟ قال: كان أبو الحسن عليه السلام يقول: اذا ترك السجدة في الركعة الأولى فلم يدر أواحدة أو ثنتين استقبلت حتّى يصحّ لك ثنتان، و اذا كان في الثالثة و الرابعة فتركت سجدة بعد أن تكون قد حفظت الركوع أعدت السجود».(4)
لأنّ الظاهر أنّ المراد من قوله عليه السلام: «فلم يدر أواحدة أو ثنتين» هو الشكّ بين الركعة الأولي و الثانية، فانّه مبطل للصلاة، و المراد من قوله عليه السلام: «استقبلت» أياستقبلت الصلاة، كما في نسخة الكافي(5). مضافا الى قوله عليه السلام في الفقرة الثانية من الحديث: «بعد أن تكون قد حفظت الركوع»، فمراده في الفقرة الأولى أنّه لم يحفظ
1) - وسائل الشيعة 6: 364 / الباب 14 من أبواب السجود / الحديث 1.
2) - وسائل الشيعة 6: 365 / الباب 14 من أبواب السجود / الحديث 4.
3) - وسائل الشيعة 6: 364 / الباب 14 من أبواب السجود / الحديث 2.
4) - وسائل الشيعة 6: 365 / الباب 14 من أبواب السجود / الحديث 3.
5) - فروع الكافي 3: 338 / الباب 203 باب السهو في السجود / الحديث 3.
الركوع و لم يدر هذه الركعة الأولى أو الثانية. فكأنّه عليه السلام انصرف عن جواب السائل و عنون مسألة أخرى، أو أنّ السؤال كان محفوفا بقرائن حاليّة لم تذكر.
و لاتعارضها أيضا خبر علي بن اسماعيل عن رجل عن معلّى بن خنيس قال:
«سألت أبا الحسن الماضي عليه السلام في الرجل ينسى السجدة من صلاته؟ قال: اذا ذكرها قبل ركوعه سجدها و بنى على صلاته، ثمّ سجد سجدتي السهو بعد انصرافه، و ان ذكرها بعد ركوعه أعاد الصلاة، و نسيان السجدة في الأوّلتين و الأخيرتين سواء».(1)
لضعف سنده بالارسال مضافا الى أنّ معلّى بن خنيس قتل في زمان الصادق عليه السلام و لم يرو عن الامام موسى الكاظم عليه السلام.
و أمّا صحيحة ابن أبي يعفور عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا نسي الرجل سجدة و أيقن أنّه قد تركها فليسجدها بعدما يقعد قبل أن يسلّم، و ان كان شاكّا فليسلّم ثمّ يسجدها و ليتشهّد تشهّدا خفيفا و لايسمّيها نقرة، فانّ النقرة نقرة الغراب».(2)
و خبر جعفر بن بشير قال:
«سئل أحدهم عن رجل ذكر أنّه لم يسجد في الركعتين الأوّلتين الاّ سجدة و هو في التشهّد الأوّل؟ قال: فليسجدها ثمّ ينهض، و اذا ذكره و هو في التشهّد الثاني قبل أن يسلّم فليسجدها ثمّ يسلّم ثمّ يسجد سجدتي السهو».(3)
فالظاهر من خبر جعفر بن بشير أنّه تذكّر في التشهّد نسيان السجدة في هذه الركعة و ان لم يكن ظاهرا فيه فيحمل عليه بقرينة الروايات المتقدّمة. و أمّا
صحيحة ابن أبي يعفور فان قبلت الحمل على نسيان السجدة قبل أن يركع فبها، و الاّ تكون معارضة للروايات المتقدّمة و القواعد المقرّرة.
و قال الشيخ في التهذيب: «و هذا الحكم في السهو عن السجود انّما هو يخصّ الركعتين الأخيرتين؛ لأنّ الركعتين الأوّلتين متى شكّ فيهما في السجود أعاد»(1)و استدلّ على ذلك بصحيحة أحمد بن محمّد بن أبي نصر (البزنطي) المتقدّمة، و قد تقدّم جواب ذلك آنفا.
فمن نسي التشهّد في الصلاة فان تذكّر قبل الركوع فيرجع و يأتي به كما دلّ عليه صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا قمت في الركعتين من الظهر أو غيرها فلم تتشهّد فيهما فذكرت ذلك في الركعة الثالثة قبل أن تركع فاجلس فتشهّد و قم فأتمّ صلاتك. الحديث».(2)
فلو لم يذكر حتّى ركع فعليه قضاء التشهّد على المشهور، و ذلك لروايات:
منها صحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما عليهماالسلام في الرجل يفرغ من صلاته و قد نسي التشهّد حتّى ينصرف، فقال:
«ان كان قريبا رجع الى مكانه فتشهّد، و الاّ طلب مكانا نظيفا فتشهّد فيه. و قال: انّما التشهّد سنّة في الصلاة».(3)
و منها صحيحة حكم بن حكيم قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل ينسى من صلاته ركعة أو سجدة أو الشيء منها ثمّ يذكر بعد ذلك؟ فقال: يقضي ذلك بعينه. فقلت: أيعيد الصلاة؟ فقال: لا».(1)
و منها رواية علي بن أبي حمزة قال:
«قال أبو عبداللّه عليه السلام: اذا قمت في الركعتين الأوّلتين و لم تتشهّد فذكرت قبل أن تركع فاقعد فتشهّد، و ان لم تذكر حتّى تركع فامض في صلاتك كما أنت، فاذا انصرفت سجدت سجدتين لا ركوع فيهما، ثمّ تشهّد التشهّد الذي فاتك».(2)
و أشكل في الروايات: «ففي الأولى أعني صحيحة محمّد بن مسلم بأنّ المراد من نسيان التشهّد هو التشهّد الأخير بقرينة «حتّى ينصرف» الكاشف عن استمرار النسيان الى زمان الانصراف، اذ لو أريد به التشهّد الأوّل كان هذا التقييد من اللغو الظاهر؛ لوجوب القضاء على القول به بمجرّد الخروج عن المحلّ بالدخول في ركوع الركعة الثالثة سواء أ تذكّر بعد ذلك أم استمرّ النسيان الى ما بعد الانصراف و الخروج عن الصلاة. بخلاف ما لو أريد الأخير فانّ نسيانه لايتحقّق الاّ بالانصراف و الفراغ من السلام؛ اذ لو تذكّر قبله فقد تذكّر في ظرف التشهّد فلا نسيان أبدا. و عليه فما تضمّنته الصحيحة من الرجوع و التدارك حكم على القاعدة؛ لوقوع السلام حينئذ في غير محلّه سهوا، و مثله لايوجب الخروج فهو بعدُ في الصلاة فيرجع الى مكانه أو يطلب مكانا نظيفا - ما لم يرتكب المنافي - فيتشهّد و يسلّم، فهذا التشهّد واقع في غير محلّه و ليس من القضاء في شيء. انتهى ملخّصا».(3)
ولكن الظاهر عدم ورود الاشكال؛ لأنّ السائل فرض أنّ الرجل فرغ من صلاته
و قد نسي التشهّد و معنى الفراغ من الصلاة هو التسليم فانّه سلّم، فالانصراف بعد التسليم هو الحركة و المشي و لذا قال عليه السلام: «ان كان قريبا رجع الى مكانه و الاّ طلب مكانا نظيفا» أي ان لم يكن قريبا و خرج من المسجد مثلاً. فعليه نسيان التشهّد يشمل ما لو نسي التشهّد الأوّل أو الأخير.
و أشكل في صحيحة حكم بن حكيم «بأنّ المراد من القضاء هو الأداء، لا القضاء الاصطلاحي بقرينة الركعة في قوله: «ينسى من صلاته ركعة أو سجدة» فانّ المنظور من الركعة هو الركوع لمكان عطف السجدة عليها و الشيء، فحينئذ فهنا اطلاقان: أحدهما اطلاق «يقضي ذلك بعينه» فانّه يشمل ما لو كان المحلّ باقيا أو لم يكن. ثانيهما: اطلاق «أو الشيء منها» الذي يشمل التشهّد و غيره، و لايمكن الجمع بين الاطلاقين. و الاستدلال لما نحن فيه يكون في ترجيح الاطلاق الأوّل ولكن لايمكننا التمسّك بالاطلاق الأوّل؛ لأنّ الركوع لايقضى بل اذا نسي الركوع و مضى محلّ التدارك تبطل الصلاة، فيجري الاطلاق الثاني فينحصر مورد الصحيحة فيما كان المحلّ باقيا. و يؤيّده صحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال: «اذا نسيت شيئا من الصلاة ركوعا أو سجودا أو تكبيرا ثمّ ذكرت فاصنع الذي فاتك سواء (سهوا)». انتهى ملخّصا».(1)
ولكن الاشكال غير وارد؛ لأنّ المراد بالركعة هو الركعة التامّة فلا داعي لنا بالتأويل بعد الاستعمال و رجحانها على الاستعمال في الركوع و القرينة ليست على حدّ توجب الانصراف و بعد ذلك فمعنى «يقضي» هو القضاء بعد الصلاة؛ لأنّ نسيان الركعة موقوف على التسليم و تؤيّده جملة «أيعيد الصلاة؟» الظاهرة فيما بعد الصلاة و عليه فالمراد بجملة «أو الشيء منها» هو التشهّد؛ لخروج القراءة و الذكر و غيرهما بالاجماع و خروج الركوع بالنصّ.
و أمّا الاشكال في رواية علي بن أبي حمزة فمن حيث السند فوارد، و أمّا من
1) - نفس المصدر: 95 و 96.
حيث الدلالة فأورد بأنّها ان كان المراد من التشهّد في قوله عليه السلام «ثمّ تشهّد التشهّد الذي فاتك»، التشهّد من سجدة السهو، فأين قضاء التشهّد، و ان كان المراد منه قضاء التشهّد فلم يقل به المشهور؛ لأنّهم قالوا بتقديم قضاء التشهّد ثمّ سجدة السهو. فسيأتي الجواب عن الاشكال في الدلالة.
و ذهب الشيخ المفيد - على ما حكي عنه - و الصدوقان و صاحب الحدائق أنّ ناسي التشهّد لايجب عليه الاّ سجدة السهو، و أنّه يكتفي بالتشهّد الذي فيها عن القضاء، فضمّه اليها - كما عليه المشهور - مبنيّ على الاحتياط. و استدلّوا على ذلك بروايات نذكرها:
منها صحيحة سليمان بن خالد قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل نسي أن يجلس في الركعتين الأوّلتين؟ فقال: ان ذكر قبل أن يركع فليجلس، و ان لم يذكر حتّى يركع فليتمّ الصلاة، حتّى اذا فرغ فليسلّم و ليسجد سجدتي السهو».(1)
و منها صحيحة ابن أبي يعفور قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يصلّي الركعتين من المكتوبة فلايجلس فيهما حتّى يركع؟ فقال: يتمّ صلاته ثمّ يسلّم و يسجد سجدتي السهو و هو جالس قبل أن يتكلّم».(2)
و منها صحيحة حسين بن أبي العلاء مثل صحيحة ابن أبي يعفور المتقدّمة الاّ أنّه قال: «حتّى يركع الثالثة».(3)
و منها صحيحة الفضيل بن يسار عن أبي جعفر عليه السلام قال في الرجل يصلّي
الركعتين من المكتوبة ثمّ ينسى فيقوم قبل أن يجلس بينهما، قال:
«فليجلس ما لم يركع و قد تمّت صلاته، و ان لم يذكر حتّى ركع فليمض في صلاته، فاذا سلّم سجد سجدتين و هو جالس».(1)
و منها صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا قمت في الركعتين من الظهر أو غيرها فلم تتشهّد فيهما فذكرت ذلك في الركعة الثالثة قبل أن تركع فاجلس فتشهّد و قم فأتمّ صلاتك، و ان أنت لم تذكر حتّى تركع فامض في صلاتك حتّى تفرغ، فاذا فرغت فاسجد سجدتي السهو بعد التسليم قبل أن تتكلّم».(2)
و منها موثّقة أبي بصير قال:
«سألته عن الرجل ينسى أن يتشهّد؟ قال: يسجد سجدتين يتشهّد فيهما».(3)
قال الصدوق رحمه الله في المقنع: «و ان نسيت التشهّد في الركعة الثانية و ذكرته في الثالثة فأرسل نفسك و تشهّد ما لم تركع، فان ذكرت بعدما ركعت فامض في صلاتك. فاذا سلّمت سجدت سجدتي السهو، تشهّدت فيها التشهّد الذي فاتك. انتهى».(4)
قال المفيد رحمه الله في المقنعة: «و من نسي التشهّد الأوّل ثمّ ذكره و قد قام قبل أن يركع في الثالثة رجع فجلس و تشهّد ثمّ قام فاستأنف الثالثة و لم يعتدّ بما فعله منها، و ان ذكره بعد ركوعه في الثالثة مضى في صلاته، فاذا سلّم قضاه و تشهّد ثمّ
سجد سجدتي السهو. انتهى».(1)
أقول:
و أنت كما ترى لم يكن في الروايات المذكورة في نسيان التشهّد أثر من قضاء التشهّد و انّما أمر فيها بسجدة السهو، فالوجوه المحتملة في الجمع بين هذه الطائفة و الطائفة المتقدّمة من صحيحة محمّد بن مسلم و حكم بن حكيم ثلاثة:
الأوّل: أن نقول بتقييد الطائفة الثانية بالطائفة الأولى كما عليه النائيني رحمه الله و أتى له بنظير كما في مبطلات الصوم حيث انّها متفرّقة في روايات متعدّدة فنجمعها الى عشرة، و أشار الى هذا الوجه صاحب الجواهر.
الثاني: أن يقال بالتخيير بين قضاء التشهّد و سجدة السهو.
الثالث: أن نقيّد الطائفة الأولى بالطائفة الثانية بأن نقول: انّ الأخبار الواردة في وجوب سجدة السهو قد وردت لنسيان التشهّد الأوّل، فتحمل صحيحتا محمّد بن مسلم و حكم بن حكيم على نسيان التشهّد الأخير، فيتشهّد اذا تذكّر بعد السلام و لم يفعل ما تبطل الصلاة بفعله عمدا و سهوا ثمّ يسلّم ثانيا.
و أظهر الوجوه هو الوجه الثالث و ان كان الأوّل مطابقا للاحتياط، و رواية علي بن أبي حمزة تؤيّد هذا الوجه، و اللّه العالم.
فهنا قول ثالث(2)لابأس بالتعرّض له و هو قول الكاتب ببطلان الصلاة لنسيان التشهّد، و استدلّ لقوله بموثّقة عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«ان نسي الرجل التشهّد في الصلاة فذكر أنّه قال: «بسم اللّه» فقط فقد جازت صلاته، و ان لم يذكر شيئا من التشهّد أعاد الصلاة».(3)
و بخبر علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام قال:
«سألته عن رجل ترك التشهّد حتّى سلّم، كيف يصنع؟ قال: ان ذكر قبل أن يسلّم فليتشهّد و عليه سجدتا السهو، و ان ذكر أنّه قال: أشهد أن لا اله الاّ اللّه، أو بسم اللّه، أجزأه في صلاته، و ان لم يتكلّم بقليل و لا كثير حتّى يسلّم أعاد الصلاة».(1)
و ردّ أوّلاً: باعراض الأصحاب و عدم العمل بالروايتين الاّ الكاتب رحمه الله. و ثانيا: معارضتهما بما هو أكثر و أصحّ و أشهر بين الأصحاب من حيث العمل بل اتّفاقهم الاّ الكاتب رحمه الله. و ثالثا: يمكن حمل الخبرين على ما حملهما عليه الشيخ رحمه اللهبأنّ المراد: جازت صلاته و لايعيدها و يقضي التشهّد و اذا لم يذكر شيئا أعاد الصلاة اذا كان تركه عمدا، أو يحمل كما حمل صاحب الوسائل(2)الاجزاء على صورة الشكّ دون تيقّن الترك، و الاعادة على الاستحباب أو تعمّد الترك كما مرّ.
بعد أن فرغ الماتن من حكم نسيان ماعدا الأركان و أنّه لايوجب البطلان بل يتدارك مع بقاء المحلّ و الاّ مضى و لا شيء عليه عدا القضاء و سجدتي السهو في بعض الموارد على التفصيل الذي مرّ و سيأتي بالنسبة الى سجدتي السهو، تصدّى لبيان ما به يتحقّق فوات المحلّ، و ذكر لذلك أمورا ثلاثة:
أحدها الدخول في الركن الذي بعده. ثانيها ما اذا كان محلّ المنسي في فعل خاصّ و قد جاوزه. ثالثها ما اذا كان التذكّر بعد السلام الواجب.
أمّا الأوّل: اذا نسي واجبا غير ركن و تذكّر بعدما دخل في الركن فلايجوز له
التدارك؛ لأنّه موجب لزيادة الركن. فلو نسي القراءة أو بعضها أو الترتيب فيها أو اعرابها أو القيام فيها أو الطمأنينة فيه، و كذا التسبيحات الأربع و ذكر بعد الدخول في الركوع فات محلّ التدارك فلاتبطل صلاته؛ للنصّ، بل يتمّ كما تقدّم و يسجد سجدتي السهو وجوبا أو استحبابا - كما سيأتي - اذا كان المنسي من الأجزاء لا لمثل الترتيب أو الطمأنينة ممّا ليس بجزء. فلو كان المنسي سجدة واحدة أو التشهّد فيقضيه بعد الصلاة كما مرّ تفصيل ذلك. و لو تذكّر ما نسي قبل الدخول في الركوع فان كان مثل السجدة و التشهّد و القراءة و التسبيحات فيرجع و يتدارك و يأتي بما بعده و يسجد سجدتي السهو لزيادة ما أتى به من الأجزاء احتياطا.
و أمّا لو نسي القيام حال القراءة و تذكّر قبل الركوع فالظاهر وجوب اعادة القراءة قائما و ذلك لما تقدّم في المسألة الثانية من فصل القيام(1)بأنّ القيام ليس جزءا مستقلاًّ للصلاة مقابل سائر الأجزاء بل الظاهر من قوله عليه السلام في صحيحة أبي حمزة «الصحيح يصلّي قائما»(2)الذي معناه: يكبّر قائما و يقرأ قائما و يركع عن قيام شرطيّته، فاذا نسي القيام فقد نسي الشرط فاذا فقد الشرط فقد المشروط فكأنّه نسي القراءة و المحلّ باقٍ فيجب عليه القراءة قائما.
و أمّا الانتصاب في القيام فالظاهر من قوله عليه السلام: «من لم يقم صلبه في الصلاة فلا صلاة له»(3)شرطيّة الانتصاب للقيام، فاطلاقه شامل لحال العمد و السهو، فلو تركه نسيانا و بقي محلّ التدارك يرجع و يأتي بالقيام مع تكبيرة الاحرام أو القراءة. و أمّا الاستقرار فحيث انّ دليله الاجماع و هو لبّي فالقدر المتيقّن من وجوبه حال العمد، فاذا نسيه لم تجب الاعادة. و أمّا الاستقلال فقد تقدّم أنّ الأقوى عدم
اعتباره(1)و لو قلنا باعتباره فيكون كالانتصاب يجب عليه الاعادة ما لم يركع.
الثاني: فيما اذا كان محلّ المنسي في فعل خاصّ و قد جاز، كذكر الركوع و السجود و الطمأنينة حال الذكر فيهما. فلو نسي ذكر الركوع أو الطمأنينة حاله و تذكّر بعد رفع رأسه منه لايرجع قطعا؛ لأنّه يوجب زيادة الركوع فتبطل صلاته. و يدلّ على صحّة صلاته في ذلك و فيما لو نسي الذكر في السجود و تذكّر بعده صحيحة عبداللّه القدّاح عن جعفر عن أبيه:
«أنّ عليّا عليه السلام سئل عن رجل ركع و لم يسبّح ناسيا؟ قال: تمّت صلاته».(2)
و صحيحة علي بن يقطين قال:
«سألت أبا الحسن الأوّل عليه السلام عن رجل نسي تسبيحه في ركوعه و سجوده؟ قال: لابأس بذلك».(3)
و أمّا بالنسبة الى الطمأنينة فيما اذا نسيها و تذكّر بعد رفع رأسه منهما فيدلّ على صحّة الصلاة ما يستفاد من هاتين الصحيحتين أنّ المناط في وجوب واجبات الركوع أو السجدة هو حال الذكر، و أنّ تركها عمدا موجب لبطلان الصلاة، و أمّا لو نسيها لاتبطل صلاته، و عليه لو نسي وضع بعض المساجد على الأرض غير الجبهة و غير ما ذكر من واجبات السجود بعد تحقّق السجدة لم يرجع، و أمّا لو لم تتحقّق السجدة كما لو وضع رأسه على مكان مرتفع أو على ما لايصحّ السجود عليه و قلنا بعدم صدق السجود فيرجع و يسجد.
و أمّا لو نسي الطمأنينة في التشهّد في الركعة الثانية و لمّايقم أو في الركعة الأخيرة و لمّا يسلّم فيعيد التشهّد ليتدارك؛ لعدم فوت محلّه، و كذا لو نسي الصلاة
على النبي و آله عليهم السلام. و أمّا لو قام و ان لم يركع، و في الأخيرة لو سلّم فالظاهر عدم وجوب العود؛ لفوات محلّه عرفا، و يمكن أن يستفاد من صحيحتي ابن القدّاح و علي بن يقطين. و لو نسي القيام بعد الركوع فان تذكّر قبل السجدة يرجع و يأتي به. و أمّا لو تذكّر في السجدة فلايعود؛ لفوات محلّه، و لو نسي الانتصاب أو الطمأنينة في القيام بعد الركوع و هوى الى السجود و تذكّر قبل السجود فيقوم منتصبا و مطمئنّا ثمّ يهوي الى السجود.
الثالث: فيما اذا كان التذكّر بعد السلام.
لو نسي سجدة واحدة أو التشهّد و لم يتذكّر حتّى سلّم، فقد تقدّم في الفرع الأوّل و الثاني من هذه المسألة تفصيل ذلك، و خلاصته أنّه اذا كان المنسي في غير الركعة الأخيرة يقضي السجدة الفائتة و يسجد سجدتي السهو، و كذا التشهّد فانّه يقضيه و يسجد سجدتي السهو، و تقدّم الوجه في الاكتفاء بسجدتي السهو. و ان كان في الركعة الأخيرة و تذكّر و لم يفعل ما كان فعله مبطلاً للصلاة عمدا أو سهوا فيرجع و يسجد و يتشهّد و يسلّم و يسجد لكلّ زيادة سجدتي السهو احتياطا، و كذا التشهّد. و أمّا لو تذكّر بعدما فعل المبطل المذكور فيقضي المنسي كما ذكر و تصحّ صلاته.
(مسألة 19): لو كان المنسي الجهر أو الاخفات لم يجب التدارك باعادة القراءة أو الذكر على الأقوى و ان كان أحوط اذا لم يدخل في الركوع.
الشرح:
من نسي الجهر أو الاخفات في القراءة لم يجب عليه التدارك باعادة القراءة، و ذلك لصحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام في رجل جهر فيما لاينبغي الاجهار فيه و أخفى فيما لاينبغي الاخفاء فيه، فقال:
«أيّ ذلك فعل متعمّدا فقد نقض صلاته و عليه الاعادة، فان فعل
ذلك ناسيا أو ساهيا أو لايدري فلا شيء عليه و قد تمّت صلاته».(1)
و صحيحته الثانية عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«قلت له: رجل جهر بالقراءة فيما لاينبغي الجهر فيه و أخفى فيما لاينبغي الاخفاء فيه و ترك القراءة فيما ينبغي القراءة فيه أو قرأ فيما لاينبغي القراءة فيه. فقال: أيّ ذلك فعل ناسيا أو ساهيا فلا شيء عليه».(2)
فاطلاق الصحيحتين يقتضي عدم الفرق بين التذكّر في الركوع أو قبله أو في أثناء القراءة، كما هو شامل للتسبيحات في الأخيرتين فانّها ممّا لاينبغي الاجهار فيه بدليل سبق في القراءة.
و هو امّا في أصل الصلاة و أنّه هل أتى بها أم لا، و امّا في شرائطها، و امّا في أجزائها، و امّا في ركعاتها.
(مسألة 1): اذا شكّ في أنّه هل صلّى أم لا، فان كان بعد مضيّ الوقت لم يلتفت و بنى على أنّه صلّى، سواء كان الشكّ في صلاة واحدة أو في الصلاتين. و ان كان في الوقت وجب الاتيان بها كأن شكّ في أنّه صلّى صلاة الصبح أم لا، أو هل صلّى الظهرين أم لا، أو هل صلّى العصر بعد العلم بأنّه صلّى الظهر أم لا. و لو علم أنّه صلّى العصر و لم يدر أنّه صلّى الظهر أو لا فيحتمل جواز البناء على أنّه صلاّها، لكن الأحوط الاتيان بها بل لايخلو عن قوّة، بل و كذلك لو لم يبق الاّ مقدار الاختصاص بالعصر و علم أنّه أتى بها و شكّ في أنّه أتى بالظهر أيضا أم لا فانّ الأحوط الاتيان بها، و ان كان احتمال البناء على الاتيان بها و اجراء حكم الشكّ بعد مضيّ الوقت هنا أقوى من السابق. نعم، لو بقي من الوقت مقدار الاختصاص بالعصر و علم بعدم الاتيان
بها أو شكّ فيه و كان شاكّا في الاتيان بالظهر وجب الاتيان بالعصر و يجري حكم الشكّ بعد الوقت بالنسبة الى الظهر لكنّ الأحوط قضاء الظهر أيضا.
الشرح:
في المسألة فرعان:
اذا شكّ في أنّه هل صلّى أم لا؟ فان كان في الوقت يصلّي و ان كان بعد مضيّ الوقت لم يلتفت و بنى على أنّه صلّى، سواء كان الشكّ في صلاة واحدة أو في صلاتين، و ذلك لصحيحة زرارة و الفضيل عن أبي جعفر عليه السلام (في حديث) قال:
«متى استيقنت أو شككت في وقت فريضة أنّك لم تصلّها أو في وقت فوتها أنّك لم تصلّها، صلّيتها، و ان شككت بعدما خرج وقت الفوت و قد دخل حائل فلا اعادة عليك من شكّ حتّى تستيقن، فان استيقنت فعليك أن تصلّيها في أيّ حالة كنت».(1)
قال في المستمسك: «و يظهر من كلام جماعة من الأعاظم - في مسألة ما لو تردّدت الفائتة بين الأقلّ و الأكثر - كونه من المسلّمات، منهم شيخنا في الجواهر و شيخنا الأعظم في مبحث الشبهة الموضوعيّة من رسالة البراءة. انتهى».(2)
و هو الموافق للقاعدة؛ لأنّ من شكّ في أنّه هل صلّى أم لا و هو في الوقت فيجب عليه الاتيان بالصلاة لقاعدة الاشتغال، و ان كان بعد مضيّ الوقت لم يلتفت و بنى على أنّه صلّى؛ لأنّ القضاء بأمر جديد و موضوعه الفوت و لم يحرز، فالأصل الجاري البراءة.
احتمل المصنّف جواز البناء على أنّه صلاّها ثمّ احتاط بالاتيان بها و ان كان في الوقت المختصّ بالعصر. و بنى على عدم الاعتناء بالشكّ لو كان في الوقت المختصّ بالعصر مع العلم بعدم اتيان العصر أو الشكّ فيه، لاجراء حكم الشكّ بعد الوقت بالنسبة الى الظهر، و مع ذلك احتاط بقضاء الظهر أيضا.
أقول:
تارة يكون الشكّ في الوقت المشترك، و أخرى يكون في الوقت المختصّ مع علمه باتيان العصر، و ثالثة الصورة مع علمه بعدم اتيان العصر أو الشكّ فيه.
و يمكن أن يستدلّ لعدم الاعتناء بالشكّ في الصورتين الأوليين و البناء على اتيان الظهر، بما رواه ابن ادريس (في آخر السرائر) نقلاً من كتاب حريز بن عبداللّه عن زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«اذا جاء يقين بعد حائل قضاه و مضى على اليقين و يقضي الحائل و الشكّ جميعا، فان شكّ في الظهر فيما بينه و بين أن يصلّي العصر قضاها، و ان دخله الشكّ بعد أن يصلّي العصر فقد مضت، الاّ أن يستيقن؛ لأنّ العصر حائل فيما بينه و بين الظهر، فلايدع الحائل لما كان من الشكّ الاّ بيقين».(1)
و لو شكّ في الحديث و قلنا بما قال به في المستند(2)من أنّ طريق ابن ادريس الى كتاب حريز مجهول، فالرواية في حكم المرسل فلايعتمد عليها، و يزيدها
وهنا أنّها غير مذكورة في الكتب الأربعة مع بناء المشايخ الثلاثة على النقل عن كتاب حريز كما صرّح به الكليني و الصدوق في ديباجتي الكافي و الفقيه. فتنتهي النوبة الى القاعدة.
فنقول: أمّا في الصورة الأولى فيمكن أن يقال بعدم الاعتناء بالشكّ تمسّكا بقاعدة التجاوز؛ لأنّ محلّ صلاة الظهر قبل العصر؛ لقوله عليه السلام في خبر عبيد بن زرارة:
« ... اذا زالت الشمس دخل وقت الظهر و العصر جميعا، الاّ أنّ هذه قبل هذه، ثمّ أنت في وقت منهما جميعا حتّى تغيب الشمس».(1)
ولكن يردّ بأنّ الامام عليه السلام بصدد بيان وجوب الترتيب بين الظهر و العصر، و أنّه لايجوز أن يصلّي العصر قبل صلاة الظهر و أنّ الوقت صالح لهما جميعا، و لايقول بأنّه اذا صلّى العصر بتخيّل أنّه صلّى الظهر ثمّ تذكّر فقد فات محلّ الظهر، بل له أن يصلّي الظهر. و لذلك لو علم أثناء صلاة العصر أنّه لم يأت بصلاة الظهر وجب عليه العدول الى الظهر ثمّ يأتي بالعصر. و كذا لو علم بعد الاتيان بصلاة العصر فان كانتا مثل الظهر و العصر متساويتين بنى على أنّها الأولى على الأقوى و يأتي بالعصر؛ لقوله عليه السلام في صحيحة زرارة:
«فانّما هي أربع مكان أربع».(2)
و ان كان في غير المتساويتين كالمغرب و العشاء فيحكم بالصحّة و يأتي بالأولى؛ لقوله عليه السلام في صحيحة زرارة:
«فان كنت قد صلّيت العشاء الآخرة و نسيت المغرب فقم فصلّ المغرب».(3)
و قد تقدّم تفصيل ذلك في المسألة الثامنة من فصل أحكام الأوقات.(1)
و بناءً عليه ففيما نحن فيه تجري قاعدة الاشتغال فذمّته مشغولة بصلاة الظهر فكأنّه لم يصلّ الظهر و حيث ثبت في محلّه - كما ذكرنا آنفا - أنّ من صلّى صلاة العصر ثمّ علم أنّه لم يصلّ الظهر يجعله ظهرا ثمّ يصلّي صلاة العصر فكذلك هنا.
و أمّا الصورة الثانية - بأن كان في الوقت المختصّ و شكّ في اتيان صلاة الظهر مع علمه بأداء العصر - فهنا أيضا يجعلها ظهرا و يصلّي العصر. و لو لم نقل بما في الصحيحة من قوله عليه السلام: «فانّما هي أربع مكان أربع» فيأتي بالظهر في الصورتين. أمّا الأولى فواضح؛ لأنّه أدّى العصر في الوقت المشترك. و أمّا الثانية فلأنّ آخر الوقت و ان اختصّ بالعصر الاّ أنّه صالح لهما، فلو كان قد صلّى العصر ثمّ تذكّر في الوقت المختصّ بها بعدم اتيان الظهر يجوز له صلاة الظهر.
و أمّا الصورة الثالثة - بأن كان في الوقت المختصّ و لم يصلّ صلاة العصر فشكّ في أنّه صلّى الظهر أم لا؟ - فحيث انّ الوقت حينئذ مختصّ بالعصر فقد فات وقت صلاة الظهر و بقي على ذمّته صلاة العصر. و هكذا يكون الحال لو شكّ في صلاة العصر في ذلك الوقت مع شكّه في صلاة الظهر أيضا.
ففي صحيحة الحلبي قال:
«سألته عن رجل نسي الأولى و العصر جميعا ثمّ ذكر ذلك عند غروب الشمس؟ فقال: ان كان في وقت لايخاف فوت احداهما فليصلّ الظهر ثمّ ليصلّ العصر، و ان هو خاف أن تفوته فليبدأ بالعصر و لايؤخّرها فتفوته فتكون قد فاتتاه جميعا، ولكن يصلّي العصر فيما قد بقي من وقتها، ثمّ ليصلّ الأولى بعد ذلك على أثرها».(2)
و بالجملة فالوقت مخصوص بالعصر بالفعل فاذا كان متيقّنا بعدم أداء صلاة
الظهر فيقضيها بعد ذلك على أثرها، كما في الصحيحة ولكن ان كان شاكّا فليبن على أدائها لفوات وقت صلاة الظهر و كون شكّه بعد الوقت.
(مسألة 2): اذا شكّ في فعل الصلاة و قد بقي من الوقت مقدار ركعة فهل ينزل منزلة تمام الوقت أو لا؟ وجهان، أقواهما الأوّل. أمّا لو بقي أقلّ من ذلك فالأقوى كونه بمنزلة الخروج.
الشرح:
الظاهر من الروايات الواردة فيمن أدرك ركعة من الصلاة فقد جازت صلاته، كموثّقة عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) قال:
«فان صلّى من الغداة ركعة ثمّ طلعت الشمس فليتمّ الصلاة و قد جازت صلاته».(1)
بعد القول بعدم الفصل بين صلاة الصبح و غيرها، هو تنزيل الصلاة التي وقعت ركعة منها في الوقت منزلة الصلاة التي وقع كلّها في الوقت فهي تكون أداءً و عليه فمن كان شاكّا في العصر بأنّه صلاّها أم لا، بعد اليقين بأداء صلاة الظهر و قد بقي من الوقت ركعة، فعليه أن يأتي بها لأنّه لم تفته صلاة العصر. و لو أشكل بأنّ الصحيحة (أي صحيحة زرارة و الفضيل المتقدّمة في المسألة السابقة) علّقت وجوب الاتيان في صورة اليقين أو الشكّ على «وقت فريضة» و المراد من الوقت هو الوقت الحقيقي لا التنزيلي، فيجاب بأنّ الامام عليه السلام قال في ذيلها: «و ان شككت بعدما خرج وقت الفوت ... » و الظاهر أنّ المراد من وقت الفوت هو الأعمّ من الحقيقي و التنزيلي. و ان لم تقنع فالظاهر أنّ المورد العمل بالاستصحاب أو قاعدة الاشتغال فيثبت عدم أداء صلاة العصر فاذا بقي من الوقت بقدر ركعة من الصلاة
1) - وسائل الشيعة 4: 217 / الباب 30 من أبواب المواقيت / الحديث 3.
فعليك أداؤها.
هذا فيما اذا بقي بقدر ركعة من الوقت، و أمّا لو لم يبق بقدرها بل أقلّ منها فقد فات الوقت قطعا فلايجري الاستصحاب لاثبات القضاء الاّ على الأصل المثبت؛ لأنّ استصحاب عدم أداء الظهر المشكوك في أدائها لايثبت الفوت الذي هو موضوع القضاء؛ لأنّ المستصحب هو عدم أداء الظهر، و وجوب القضاء ليس مترتّبا عليه بل على الفوت الذي هو أثر للمستصحب و هو المصطلح بالأصل المثبت الذي لايكون حجّة.
(مسألة 3): لو ظنّ فعل الصلاة فالظاهر أنّ حكمه حكم الشكّ في التفصيل بين كونه في الوقت أو في خارجه و كذا لو ظنّ عدم فعلها.
الشرح:
مدار كلام الامام عليه السلام في صحيحة زرارة و الفضيل المتقدّمة لعدم وجوب أداء الظهر و العصر و كذا المغرب و العشاء و الصبح في الوقت هو اليقين بأدائها كما أنّ المدار في وجوب القضاء خارج الوقت هو اليقين بعدم أدائها فعلى هذا لو لم يتيقّن بالأداء فان كان في الوقت أدّاها و ان كان خارج الوقت فلا قضاء عليه. فيكشف من تقابل اليقين و الشكّ في الصحيحة أنّ المراد من الشكّ هو الأعمّ من الشكّ و الظنّ.
(مسألة 4): اذا شكّ في بقاء الوقت و عدمه يلحقه حكم البقاء.
الشرح:
اذا شكّ في بقاء الوقت فتارة يعلم أنّه لم يصلّ ولكن لايعلم أنّ الوقت باقٍ حتّى تكون صلاته أداءً أو لم يكن باقيا حتّى تكون صلاته قضاءً، فيستصحب بقاء
الوقت ليكون موضوعا لوجوب الصلاة أداءً، و أخرى يشكّ في أنّه صلّى أم لا، مع كونه شاكّا في بقاء الوقت و عدمه، فحينئذ لايجري استصحاب بقاء الوقت؛ لأنّ المستصحب لايكون حكما و لا موضوعا لحكم، فانّ الحكم أي وجوب الصلاة من آثار عدم أدائها الذي هو من الآثار العقليّة للمستصحب و هو الأصل المثبت الذي لانقول به.
(مسألة 5): لو شكّ في أثناء صلاة العصر في أنّه صلّى الظهر أم لا، فان كان في الوقت المختصّ بالعصر بنى على الاتيان بها، و ان كان في الوقت المشترك عدل الى الظهر بعد البناء على عدم الاتيان بها.
تقدّم شرح هذه المسألة في المسألة الأولى من هذا الفصل.
(مسألة 6): اذا علم أنّه صلّى احدى الصلاتين من الظهر أو العصر و لم يدر المعيّن منهما يجزيه الاتيان بأربع ركعات بقصد ما في الذمّة سواء كان في الوقت أو في خارجه. نعم، لو كان في وقت الاختصاص بالعصر يجوز له البناء على أنّ ما أتى به هو الظهر فينوي فيما يأتي به العصر. و لو علم أنّه صلّى احدى العشائين و لم يدر المعيّن منهما وجب الاتيان بهما سواء كان في الوقت أو في خارجه، و هنا أيضا لو كان في وقت الاختصاص بالعشاء بنى على أنّ ما أتى به هو المغرب و أنّ الباقي هو العشاء.
الشرح:
اذا علم أنّه صلّى احدى الصلاتين من الظهر أو العصر و لم يدر المعيّن منهما فعليه أن يأتي بأربع ركعات بنيّة العصر، و ذلك لأنّ ما أتى به ان كان ظهرا فذمّته مشغولة بالعصر و ان كان عصرا فعليه أن يجعله ظهرا و يأتي بالعصر؛ لقوله عليه السلام في
صحيحة زرارة: «فانّما هي أربع مكان أربع».(1)
و لو لم يعمل بالصحيحة لاعراض المشهور عنها فعليه أن يأتي بأربع ركعات بقصد ما في الذمّة؛ لكفاية القصد الاجمالي، و لصحيحة علي بن أسباط عن غير واحد من أصحابنا عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«من نسي صلاة من صلاة يومه واحدة و لم يدر أيّ صلاة هي صلّى ركعتين و ثلاثا و أربعا».(2)
و أمّا لو كان في وقت اختصاص العصر، فيبني على أنّ ما أتى به الظهر فينوي فيما يأتي به العصر، و يجوز أن يأتي بقصد ما في الذمّة.
و لو علم أنّه صلّى احدى الصلاتين من المغرب أو العشاء و لم يدر أيّتهما صلّى فعليه أن يأتي بالصلاتين و ذلك للعلم الاجمالي باشتغال ذمّته باحداهما و لاتبرأ ذمّته يقينا الاّ بالاتيان بهما. و لو كان في وقت اختصاص العشاء فيبني على ما أتى به المغرب، فينوي فيما يأتي به العشاء، و ذلك لاستصحاب عدم الاتيان بالعشاء و لايعارضه استصحاب عدم الاتيان بالمغرب؛ لأنّه لا أثر له، و لايثبت وجوب الاتيان بالمغرب الاّ اذا أحرز فراغ الذمّة من العشاء و الفرض أنّه مشكوك.
(مسألة 7): اذا شكّ في الصلاة في أثناء الوقت و نسي الاتيان بها وجب عليه القضاء اذا تذكّر خارج الوقت، و كذا اذا شكّ و اعتقد أنّه خارج الوقت ثمّ تبيّن أنّ شكّه كان في أثناء الوقت. و أمّا اذا شكّ و اعتقد أنّه في الوقت فترك الاتيان بها عمدا أو سهوا ثمّ تبيّن أنّ شكّه كان خارج الوقت فليس عليه القضاء.
الشرح:
اذا شكّ في الصلاة أثناء الوقت و نسي الاتيان بها وجب عليه القضاء اذا تذكّر خارج الوقت، و ذلك لأنّه اذا شكّ في الصلاة أثناء الوقت اشتغلت ذمّته بالصلاة المشكوك فيها؛ لصحيحة زرارة و الفضيل المتقدّمة، فبالنسيان لم يسقط عنه التكليف بل فات عنه و يجب عليه القضاء كالعمد.
و كذا اذا شكّ في الصلاة و اعتقد أنّه خارج الوقت ثمّ تبيّن أنّ شكّه كان في أثناء الوقت فعليه أن يأتي بالصلاة المشكوك فيها، و ذلك للأمر بأداء الصلاة اذا كان الشكّ أثناء الوقت حقيقة و ان تخيّل الشاكّ أنّه كان خارج الوقت. نعم، لو بقي الاشتباه و لم ينكشف الخلاف فهو معذور، و أمّا اذا شكّ و اعتقد أنّه في الوقت فترك الاتيان بها عمدا أو سهوا ثم تبيّن أنّ شكّه كان خارج الوقت فليس عليه القضاء؛ لأنّ الحكم على الواقع، لا على ما تخيّل.
(مسألة 8): حكم كثير الشكّ في الاتيان بالصلاة و عدمه حكم غيره، فيجري فيه التفصيل بين كونه في الوقت و خارجه. و أمّا الوسواسي فالظاهر أنّه يبني على الاتيان و ان كان في الوقت.
الشرح:
حكم كثير الشكّ في الاتيان بالصلاة و عدمه حكم غيره، فيجري فيه التفصيل بين كونه في الوقت فيأتي بها و خارجه فيبني على اتيانها، و ذلك لاطلاق صحيحة زرارة و الفضيل عن أبي جعفر عليه السلام (في حديث) قال:
«متى استيقنت أو شككت في وقت فريضة أنّك لم تصلّها، أو في وقت فوتها أنّك لم تصلّها، صلّيتها، و ان شككت بعدما خرج وقت الفوت و قد دخل حائل فلا اعادة عليك من شكّ حتّى تستيقن، فان
استيقنت فعليك أن تصلّيها في أيّ حالة كنت».(1)
و لاتعارضها الروايات الواردة في عدم الاعتناء بالشكّ فيمن كثر شكّه، كصحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«اذا كثر عليك السهو فامض على صلاتك فانّه يوشك أن يدعك، انّما هو من الشيطان».(2)
لأنّها تتعلّق بأجزاء الصلاة أو ركعاتها، فلاتتعدّى الى من كان كثير الشكّ في أصل الصلاة أو في تحصيل شرائطها من الطهارة الحدثيّة كالغسل و الوضوء أو الخبثيّة كتطهير الثوب أو البدن و نحو ذلك. نعم، اذا بلغت كثرة الشكّ حدّ الوسواس فالظاهر أنّه يبني على الاتيان و ان كان في الوقت، و ذلك لأنّ الوسوسة من الشيطان و يحرم اتّباع خطوة الشيطان. أمّا انّه من الشيطان مضافا الى أنّه معلوم وجدانا فيدلّ عليه صحيحة عبداللّه بن سنان قال:
«ذكرت لأبي عبداللّه عليه السلام رجلاً مبتلىً بالوضوء و الصلاة، و قلت: هو رجل عاقل. فقال أبو عبداللّه عليه السلام: و أيّ عقل له و هو يطيع الشيطان؟ فقلت له: و كيف يطيع الشيطان؟ فقال: سله، هذا الذي يأتيه من أيّ شيء هو؟ فانّه يقول لك: من عمل الشيطان».(3)
و أمّا حرمة اتّباع الشيطان فلقوله تعالى: «و لاتتّبعوا خطوات الشيطان»(4). و صحيحة زرارة و الفضيل منصرفة قطعا عن مثل هذا المريض المنوط صحّتهبعدم الاعتناء بشكّه، و كذا لاتشمله قاعدة الاشتغال، و لا الاستصحاب.
(مسألة 9): اذا شكّ في بعض شرائط الصلاة فامّا أن يكون قبل الشروع فيها أو في أثنائها أو بعد الفراغ منها، فان كان قبل الشروع فلابدّ من احراز ذلك الشرط و لو بالاستصحاب و نحوه من الأصول و كذا اذا كان في الأثناء، و ان كان بعد الفراغ منها حكم بصحّتها و ان كان يجب احرازه للصلاة الأخرى و قد مرّ التفصيل في مطاوي الأبحاث السابقة.
الشرح:
من أراد أن يصلّي فعليه أن يأتي بشرائط الصلاة من الطهارة عن الخبث في البدن و اللباس و عن الحدث الأكبر أو الأصغر و القبلة و الاباحة في المكان و اللباس و سائر ما يشترط في اللباس، فاذا شكّ في بعض شرائط الصلاة قبل الشروع فيها فلابدّ من احراز ذلك الشرط ولو بالاستصحاب و نحوه من الأصول، فمن شكّ في الوضوء و لم يعتن و صلّى فصلاته باطلة؛ لوجوب احراز الطهارة قبل الصلاة، و ان لم يحرز فصلّى فصلاته لم تكن مع الطهارة. فيجب عليه الفحص عن حاله قبل الشروع، فان كان متوضّئا سابقا و شكّ في الحدث فيستصحب الوضوء و يصلّي و ان لم يكن له حالة سابقة أو كانت حالته السابقة الحدث و شكّ في ارتفاعه فعليه أن يتوضّأ، و هكذا الحال في الطهارة عن الخبث، فان كان له حالة سابقة فيستصحب. و ان لم تكن له حالة سابقة فشكّ في طهارته و نجاسته ابتداءً فيبني على الطهارة لقاعدة الطهارة. هذا اذا كان قبل الشروع في الصلاة، و كذا اذا كان في الأثناء. و أمّا ان كان بعد الفراغ منها حكم بصحّتها لقاعدة الفراغ و ان كان يجب احراز ما شكّ فيه من الشرائط للصلاة الأخرى.
(مسألة 10): اذا شكّ في شيء من أفعال الصلاة فامّا أن يكون قبل الدخول في الغير المرتّب عليه و امّا أن يكون بعده، فان كان قبله وجب الاتيان كما اذا شكّ في الركوع و هو قائم أو شكّ في السجدتين أو السجدة
الواحدة و لم يدخل في القيام أو التشهّد، و هكذا لو شكّ في تكبيرة الاحرام و لم يدخل فيما بعدها، أو شكّ في الحمد و لم يدخل في السورة، أو فيها و لم يدخل في الركوع أو القنوت. و ان كان بعده لم يلتفت و بنى على أنّه أتى به من غير فرق بين الأوّلتين و الأخيرتين على الأصحّ. و المراد بالغير مطلق الغير المترتّب على الأوّل كالسورة بالنسبة الى الفاتحة، فلايلتفت الى الشكّ فيها و هو آخذ في السورة، بل و لا الى أوّل الفاتحة أو السورة و هو في آخرهما، بل و لا الى الآية و هو في الآية المتأخّرة، بل و لا الى أوّل الآية و هو في آخرها، و لا فرق بين أن يكون ذلك الغير جزءا واجبا أو مستحبّا كالقنوت بالنسبة الى الشكّ في السورة، و الاستعاذة بالنسبة الى تكبيرة الاحرام، و الاستغفار بالنسبة الى التسبيحات الأربعة، فلو شكّ في شيء من المذكورات بعد الدخول في أحد المذكورات لم يلتفت كما أنّه لا فرق في المشكوك فيه أيضا بين الواجب و المستحبّ. و الظاهر عدم الفرق بين أن يكون ذلك الغير من الأجزاء أو مقدّماتها، فلو شكّ في الركوع أو الانتصاب منه بعد الهويّ للسجود لم يلتفت. نعم، لو شكّ في السجود و هو آخذ في القيام وجب عليه العود، و في الحاق التشهّد به في ذلك وجه الاّ أنّ الأقوى خلافه، فلو شكّ فيه بعد الأخذ في القيام لم يلتفت، و الفارق النصّ الدالّ على العود في السجود، فيقتصر على مورده و يعمل بالقاعدة في غيره.
الشرح:
هيهنا فروع:
اذا شكّ في شيء من أفعال الصلاة و كان قبل الدخول في الغير المترتّب عليه
وجب الاتيان به، و الدليل على ذلك روايات:
منها صحيحة عمران الحلبي قال:
«قلت: الرجل يشكّ و هو قائم فلايدري أ ركع أم لا؟ قال: فليركع».(1)
و منها صحيحة أبي بصير قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل شكّ و هو قائم فلايدري أ ركع أم لم يركع؟ قال: يركع و يسجد».(2)
و منها صحيحة أبي بصير يعني المرادي و الحلبي جميعا في الرجل لايدري أركع أم لم يركع؟ قال: «يركع».(3)
و منها صحيحة عبدالرحمن بن أبي عبداللّه قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: رجل رفع رأسه عن السجود فشكّ قبل أن يستوي جالسا فلم يدر أ سجد أم لم يسجد؟ قال: يسجد. قلت: فرجل نهض من سجوده فشكّ قبل أن يستوي قائما فلم يدر أ سجد أم لم يسجد؟ قال: يسجد».(4)
و منها خبر أبي بصير قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل شكّ فلم يدر سجدة سجد أم سجدتين؟ قال: يسجد حتّى يستيقن أنّهما سجدتان».(5)
و منها خبر المفضّل بن صالح عن زيد الشحّام عن أبي عبداللّه عليه السلام في رجل
1) - وسائل الشيعة 6: 315 / الباب 12 من أبواب الركوع / الحديث 1.
2) - وسائل الشيعة 6: 316 / الباب 12 من أبواب الركوع / الحديث 2.
3) - وسائل الشيعة 6: 316 / الباب 12 من أبواب الركوع / الحديث 4.
4) - وسائل الشيعة 6: 369 / الباب 15 من أبواب السجود / الحديث 6.
5) - وسائل الشيعة 6: 368 / الباب 15 من أبواب السجود / الحديث 3.
شبّه عليه فلم يدر واحدة سجد أو ثنتين؟ قال: «فليسجد أخرى».(1)
و منها صحيحة الحلبي قال:
«سئل أبو عبداللّه عليه السلام عن رجل سها فلم يدر سجدة سجد أم ثنتين؟ قال: يسجد أخرى و ليس عليه بعد انقضاء الصلاة سجدتا السهو».(2)
و هذه الثلاثة الأخيرة تحمل على ما اذا لم يتجاوز المحلّ جمعا بينها و بين ما يدلّ على عدم الاعتناء بالشكّ اذا تجاوز المحلّ. هذا مضافا الى عدم الخلاف في ذلك. و تؤيّده قاعدة الاشتغال.
ان شكّ بعد الدخول في الغير المترتّب على المشكوك فيه فلايلتفت و يمضي في صلاته و الدليل على ذلك روايات:
منها صحيحة حمّاد بن عثمان قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: أشكّ و أنا ساجد فلاأدري ركعت أم لا؟ قال: امض».(3)
و منها صحيحته الثانية، قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: أشكّ و أنا ساجد فلاأدري ركعت أم لا؟ فقال: قد ركعت، امضه».(4)
و منها صحيحة اسماعيل بن جابر قال:
«قال أبو جعفر عليه السلام: ان شكّ في الركوع بعدما سجد فليمض، و ان شكّ في السجود بعدما قام فليمض، كلّ شيء شكّ فيه ممّا قد جاوزه و دخل في غيره فليمض عليه».(1)
و منها صحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما عليه السلام قال:
«سألته عن رجل شكّ بعدما سجد أنّه لم يركع؟ قال: يمضي في صلاته».(2)
و منها صحيحة ثانية لمحمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام في رجل شكّ بعدما سجد أنّه لم يركع، فقال:
«يمضي في صلاته حتّى يستيقن».(3)
و صحيحة زرارة قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: رجل شكّ في الأذان و قد دخل في الاقامة؟ قال: يمضي. قلت: رجل شكّ في الأذان و الاقامة و قد كبّر؟ قال: يمضي. قلت: رجل شكّ في التكبير و قد قرأ؟ قال: يمضي. قلت: شكّ في القراءة و قد ركع؟ قال: يمضي. قلت: شكّ في الركوع و قد سجد؟ قال: يمضي على صلاته. ثمّ قال: يا زرارة، اذا خرجت من شيء ثمّ دخلت في غيره فشكّك ليس بشيء».(4)
و منها خبر علي بن جعفر عن أخيه موسى عليه السلام قال:
«سألته عن رجل ركع و سجد و لم يدر هل كبّر أو قال شيئا في ركوعه
و سجوده؟ هل يعتدّ بتلك الركعة و السجدة؟ قال: اذا شكّ فليمض في صلاته».(1)
ما هو المراد من الغير في قوله عليه السلام: «اذا خرجت من شيء ثمّ دخلت في غيره فشكّك ليس بشيء»، و كذا في قوله عليه السلام في صحيحة اسماعيل بن جابر: «كلّ شيء شكّ فيه ممّا قد جاوزه و دخل في غيره فليمض عليه»؟
قد يقال بأنّه قد فسّر الغير في الروايات بذكر المثال و هو الأجزاء المستقلّة كالأذان و الاقامة و التكبير و الفاتحة و السورة و الركوع و الانتصاب منه و السجود و التشهّد و السلام، فلايشمله الأجزاء الغير المستقلّة كالآيات و الجملات اذا جاوز آية أو جملة، فلاتجري قاعدة التجاوز؛ لقصور الروايات عن الشمول لذلك. مضافا الى أنّ القاعدة خلاف الأصل و هو استصحاب عدم الاتيان فيقتصر على المتيقّن من الغير و هو الأجزاء المستقلّة.
ولكن فيه: انّ الامام عليه السلام في مقام اعطاء الضابطة قال: «يا زرارة! اذا خرجت من شيء و دخلت في غيره فشكّك ليس بشيء». و الظاهر منها أنّ المراد من الغير ما أطلق عليه الغير عرفا، و ما تقدّم من المثال لايكون توطئة للقاعدة بل من باب المثال و المصداق في الغالب، و لو كان المراد من الغير هو ما ذكر في كلام السائل لأشار الامام عليه السلام اليه و كان ينبغي أن يقول مثلاً: «يا زرارة! اذا خرجت من شيء و دخلت في غيره ممّا قد ذكرت فشكّك ليس بشيء».
و ما ذكر أخيرا من الاقتصار على القدر المتيقّن ففيه أوّلاً: لا مورد له؛ لأنّ
1) - وسائل الشيعة 8: 239 / الباب 23 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة / الحديث 9.
الدليل في المقام لفظيّ و لايكون لبّيّا حتّى نقول بالقدر المتيقّن. و ثانيا: لا اشكال في ظهور كلام الامام عليه السلام من الغير و هو ما أطلق عليه الغير عرفا. و انّما الشكّ في أنّ المثال من باب التوطئة للقاعدة، و هذا المقدار من الشكّ لايمنع من ظهور الغير فيما ذكر.
و عليه فكما أنّه اذا شكّ في القراءة و هو في الركوع يمضي في صلاته فكذلك اذا شكّ في الفاتحة بعد الدخول في السورة أو شكّ في أوّل الفاتحة بعدما كان في آخرها، بل اذا شكّ في آية بعدما دخل فيما بعدها ففي جميع ذلك ليس شكّه بشيء؛ لأنّه قد جاوزه و دخل في غيره. نعم، في اجراء القاعدة بالنسبة الي جملتين من آية اشكال من حيث الشكّ في صدق الخروج من الجملة الأولى و الدخول في الجملة الثانية من آية واحدة، فالاشكال بالنسبة الى الكلمات من جملة واحدة فبطريق أولى.
الظاهر أنّ هناك فرقا بين أن يكون ذلك الغير جزءا فيمضي و بين أن يكون من مقدّمات الجزء فيرجع و يأتي بالمشكوك فيه، و لو شكّ في الركوع أو الانتصاب منه قبل الدخول في السجدة يرجع و يركع أو ينتصب كما لو شكّ في السجود أو التشهّد و هو آخذ في القيام وجب عليه العود فيسجد أو يتشهّد. و الدليل على ذلك أنّ الظاهر أنّ الغير في كلام الامام عليه السلام: «اذا خرجت من شيء و دخلت في غيره فشكّك ليس بشيء» يلزم أن يكون له مناسبة للمركّب و هو اذا كان جزءا له و يناسب الأمثلة أيضا فالهويّ الى السجود أو النهوض للقيام ليسا جزءا من الصلاة، فشمول الغير لمثلهما مشكوك فيه فصحيحة عبدالرحمن بن أبي عبداللّه بالنسبة الى النهوض مطابقة للقاعدة لا مخصّص لها كما قيل.
و هذه هي صحيحة عبدالرحمن بن أبي عبداللّه قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: رجل رفع رأسه عن السجود فشكّ قبل أن يستوي جالسا فلم يدر أ سجد أم لم يسجد؟ قال: يسجد. قلت: فرجل نهض من سجوده فشكّ قبل أن يستوي قائما فلم يدر أ سجد أم لم يسجد؟ قال: يسجد».(1)
و لاتعارضها صحيحته الثانية قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: رجل أهوى الى السجود فلم يدر أ ركع أم لم يركع؟ قال: قد ركع».(2)
و ذلك لأنّ معنى أهوى الى السجود أي سقط الى السجود و هو عبارة أخرى عن «سجد» فكأنّه قال الراوي: «رجل سجد من القيام فلم يدر أ ركع أم لم يركع» و لايكون الخبر في بيان حكم من دخل في مقدّمة السجود حتّى يكون دليلاً على أنّ المراد من الغير هو أعمّ من الجزء أو مقدّمته، و لو كان هكذا يلزم أن يسأل: «رجل يهوي الى السجود ... ».
لا فرق في جريان القاعدة بين الركعتين الأوّلتين و الركعتين الأخيرتين؛ لاطلاق الأدلّة كما عليه المشهور خلافا لما نسب الى الشيخين و ابن حمزة و العلاّمة و المحقّق في المعتبر لما ورد من أنّه ليس في الركعتين الأوّلتين من كلّ صلاة سهو، و بهذا تقيّد روايات التجاوز فتختصّ القاعدة بالركعتين الأخيرتين، و
الحقّ ما عليه المشهور.
لا فرق في جريان القاعدة بين كون المشكوك فيه من الأجزاء الواجبة أو المستحبّة فاذا شكّ في الاستعاذة بعد الدخول في القراءة يمضي و يبني على الاتيان به أو شكّ في القنوت بعدما دخل في الركوع. و هكذا يكون الحكم في العكس فاذا شكّ في القراءة أو السورة بعدما دخل في القنوت يمضي أو اذا شكّ في التسبيحات الأربعة من الركعتين الأخيرتين بعدما دخل في الاستغفار يمضي، و ذلك لعدم قصور لشمول الغير في الصحيحة لهما. و ما يقال من أنّ محلّ القراءة ليس قبل القنوت حتّى يتجاوزها بل قبل الركوع و ان كان محلّ القنوت بعد القراءة، و ذلك لأنّ القراءة ليست مقيّدة بقبليّتها للقنوت لعدم وجوب القنوت، مدفوع بأنّ المصلّي اذا اشتغل بالقنوت و شكّ في القراءة يصدق عرفا أنّه تجاوز عن القراءة و دخل في غيرها و لانريد أكثر من ذلك، مع أنّه اذا كان المصلّي آتيا بالقنوت فمحلّ القراءة يكون قبل القنوت قهرا.
الظاهر من روايات التجاوز هو وجوب المضي و عدم الاعتناء لا الرخصة و الجواز، و ذلك أوّلاً لأمره عليه السلام بالمضيّ و هو ظاهر في الوجوب، و ثانيا لقوله عليه السلام: «فشكّك ليس بشيء» بمعنى أنّه بمنزلة الآتي بالمشكوك فيه فاذا لو أتى به بعد ذلك فقد زاد في صلاته فلو كان ركنا بطلت صلاته و لو لم يكن ركنا و كان مثل
القراءة و الأذكار يأتي بها رجاءً لو أراد الرجوع، و أمّا في مثل السجود فلايرجع.
(مسألة 11): الأقوى جريان الحكم المذكور في غير صلاة المختار، فمن كان فرضه الجلوس مثلاً و قد شكّ في أنّه هل سجد أم لا و هو في حال الجلوس الذي هو بدل عن القيام لم يلتفت و كذا اذا شكّ في التشهّد. نعم، لو لم يعلم أنّه الجلوس الذي هو بدل عن القيام أو جلوس للسجدة أو للتشهّد وجب التدارك لعدم احراز الدخول في الغير حينئذ.
الشرح:
الأقوى جريان الحكم المذكور في غير صلاة المختار، فمن كان فرضه الجلوس مثلاً و قد شكّ في أنّه هل سجد أم لا و هو في حال الجلوس فان كان مشتغلاً بالقراءة أو التسبيحات فلايلتفت و يمضي؛ لتجاوزه عن محلّ المشكوك فيه و دخوله في الغير و كذا اذا شكّ في التشهّد. و أمّا لو لم يشتغل بالقراءة و نحوها و شكّ في السجدة أو التشهّد في حال كونه جالسا فيرجع و يتدارك فضلاً عمّا لو لم يعلم أنّه الجلوس الذي هو بدل عن القيام أو جلوس للسجدة أو للتشهّد، و ذلك لأنّ صدق الغير عرفا على هذا الجلوس مشكوك فيه و ان نوى أنّه بدل عن القيام. و لو قيل بأنّ الشارع جعل جلوسه هذا بدلاً عن القيام فيقال أوّلاً بأنّ جعل الشارع بدليّة الجلوس مشكوك فيه، و ثانيا: بدليّته مادام لم يشتغل بالقراءة و نحوها مشكوك فيها على فرض الجعل، و ثالثا: تطابق البدل و المبدل منه في كلّ الأحكام مشكوك فيه.
قال في الجواهر: «الظاهر جريان حكم الشكّ في غير صلاة المختار، فمن كان فرضه الصلاة جالسا و قد شكّ حال الجلوس الذي عزم عليه أنّه بدل القيام في أنّه هل سجد أم لا أو تشهّد أم لا، لايلتفت لخروجه عن المحلّ بالنسبة اليه. و لعلّ المسألة مبنيّة على أنّ مثل هذه الأشياء في صلاة المضطر ابدال أو أنّها ليست
كذلك بل هي أمور كانت تجب عند الاختيار و أسقطها الشارع عند الاضطرار من غير بدل لها. الظاهر الأوّل و ان كانت المسألة لاتخلو من اشكال. نعم، لا ريب في الفرض الذي قد دخل فيه في القراءة في أنّها غير فعلاً، انّما الاشكال في الغيريّة الاعتباريّة كالجلوس المنوي به قياما، ضرورة عدم صدق كونه غيرا فعلاً، و أنّه لا دليل واضح على جريان الحكم عليه مع هذه النيّة. انتهى ملخّصا».(1)
(مسألة 12): لو شكّ في صحّة ما أتى به و فساده لا في أصل الاتيان فان كان بعد الدخول في الغير فلا اشكال في عدم الالتفات و ان كان قبله فالأقوى عدم الالتفات أيضا و ان كان الأحوط الاتمام و الاستئناف ان كان من الأفعال و التدارك ان كان من القراءة أو الأذكار ماعدا تكبيرة الاحرام.
الشرح:
لو شكّ في صحّة ما أتى به و فساده لا في أصل الاتيان، فان كان بعد الدخول في الغير فلا اشكال في عدم الالتفات و ذلك لقاعدة التجاوز. و ان كان قبله فالأقوى عدم الالتفات و ذلك لقوله عليه السلام في خبر محمّد بن مسلم:
«كلّ ما مضى من صلاتك و طهورك فذكرته تذكّرا فامضه و لا اعادة عليك فيه».(2)
فانّ الظاهر من جملة «كلّ ما مضى من صلاتك و طهورك» اجزاء الصلاة و الطهور، و الظاهر من كلمة «مضى» هو الفراغ و ان لم يدخل في غيره، و عليه اذا شكّ في صحّة القراءة بعد الفراغ منها و لمّا يدخل في الركوع أو في صحّة التكبير أو التشهّد بعد الفراغ منهما و قبل الدخول في الغير يبني على الصحّة. و يؤيّده
قوله عليه السلامفي موثّقة محمّد بن مسلم:
«كلّما شككت فيه ممّا قد مضى فامضه كما هو».(1)
قال في الجواهر: «هل يكون الشكّ في الصحّة و البطلان كالشكّ في أصل الوقوع و عدمه فيتلافى في المحلّ، و لايلتفت اذا خرج أو أنّه ليس كذلك؟ ربّما ظهر من بعضهم الأوّل؛ لأنّه ينحلّ الى الشكّ فيه في فوات شيء فيجري عليه الحكم، و يحتمل العدم؛ لظهور الأخبار في الشكّ في أصل الوقوع، فيقتصر عليه، و يحكم بالصحّة في محلّ المسألة؛ لأصالتها في كلّ فعل يقع من المسلم، و لعلّه الأقوى. انتهى».(2)
يدلّ على الصحّة الروايات الواردة في الحمل على الصحّة في كلّ فعل يقع من المسلم بناءً على شمولها فيما يقع من نفسه.
(مسألة 13): اذا شكّ في فعل قبل دخوله في الغير فأتى به ثمّ تبيّن بعد ذلك أنّه كان آتيا به فان كان ركنا بطلت الصلاة و الاّ فلا. نعم، يجب عليه سجدتا السهو للزيادة. و اذا شكّ بعد الدخول في الغير فلم يلتفت ثمّ تبيّن عدم الاتيان به فان كان محلّ تدارك المنسي باقيا بأن لم يدخل في ركن بعده تداركه، و الاّ فان كان ركنا بطلت الصلاة، و الاّ فلا و يجب عليه سجدتا السهو للنقيصة.
الشرح:
اذا شكّ في فعل قبل دخوله في الغير فأتى به حسب تكليفه ثمّ تبيّن أنّه كان آتيا به فان كان ركنا بطلت الصلاة، كما اذا شكّ في الركوع و هو قائم فركع ثمّ تبيّن
أنّه قد ركع و كان قيامه ذلك قياما عن ركوع. و أمّا ان لم يكن ركنا كما في السجدة الواحدة فلاتبطل صلاته. و اذا شكّ في فعل بعد الدخول في الغير فلم يلتفت ثمّ تبيّن عدم الاتيان به فان كان محلّ تدارك المنسي باقيا بأن لم يدخل في الركن فيرجع و يتدارك ثمّ يأتي بما بعده و قد تمّت صلاته. و أمّا ان فات محلّ تدارك المنسي بالدخول في الركن فان كان المنسي ركنا بطلت الصلاة؛ لعدم امكان التدارك، و ان لم يكن ركنا فتصحّ صلاته فيقضيه ان كان مثل السجدة. و أمّا بالنسبة الى سجدة السهو فسيأتي الكلام فيها.
(مسألة 14): اذا شكّ في التسليم فان كان بعد الدخول في صلاة أخرى أو في التعقيب أو بعد الاتيان بالمنافيات لم يلتفت، و ان كان قبل ذلك أتى به.
الشرح:
اذا شكّ في التسليم فان كان قبل الدخول في صلاة أخرى أو في التعقيب و قبل الاتيان بالمنافيات فيأتي به بلا اشكال. و أمّا اذا شكّ في التسليم و كان بعد الدخول في صلاة أخرى أو في التعقيب أو بعد الاتيان بالمنافيات لم يلتفت، و ذلك لقاعدة التجاوز و الدخول في الغير. و ما يقال من أنّ المراد بالغير في الروايات هو أجزاء الصلاة لا مطلقا، مدفوع بأنّ الروايات غير قاصرة الشمول لما نحن فيه.
اذا أحدث عمدا قبل أن يسلّم فقد بطلت صلاته و كذا اذا نسي فأحدث أو فعل ما يبطل به الصلاة عمدا أو سهوا كالاستدبار، و ذلك لقوله عليه السلام في صحيحة زرارة:
«لاتعاد الصلاة الاّ من خمسة: الطهور و الوقت و القبلة و الركوع و السجود».(1)
و اللازم مراعاة هؤلاء الخمسة من أوّل الصلاة الى آخرها، و المصلّي ما لم يسلّم فهو في أثناء الصلاة.
و يدلّ عليه أيضا ما مرّ في مطاوي الأبحاث المتقدّمة.
و ما عارضها من الروايات تحمل على التقيّة كصحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«سألته عن الرجل يصلّي ثمّ يجلس فيحدث قبل أن يسلّم؟ قال: تمّت صلاته، و ان كان مع امام فوجد في بطنه أذىً فسلّم في نفسه و قام فقد تمّت صلاته».(2)
و موثّقة غالب بن عثمان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن الرجل يصلّي المكتوبة فيقضي صلاته و يتشهّد ثمّ ينام قبل أن يسلّم؟ قال: تمّت صلاته، و ان كان رعافا غسله ثمّ رجع فسلّم».(3)
و ما شابههما؛ لمخالفتها للأخبار الكثيرة في الأبواب المختلفة بهذه المناسبة، و موافقتها لفتوى أبي حنيفة.
(مسألة 15): اذا شكّ المأموم في أنّه كبّر للاحرام أم لا فان كان بهيئة المصلّي جماعة من الانصات و وضع اليدين على الفخذين و نحو ذلك لم يلتفت على الأقوى و ان كان الأحوط الاتمام و الاعادة.
الشرح:
اذا شكّ المأموم في أنّه كبّر للاحرام أم لا فان كان مشتغلاً بما يشتغل به عادة في حال الاقتداء من الانصات أو الذكر في الصلاة الاخفاتيّة أو التوجّه من وضع اليدين على الفخذين و النظر الى موضع السجدة حتّى يصدق عليه أنّه دخل في الغير لم يلتفت.
قال في الجواهر: «لو كان المكلّف على هيئة المصلّي كما لو كان منصتا أو مشغولاً بتسبيح حال قراءة الامام و شكّ في التكبير مثلاً فيمكن القول بعدم الالتفات؛ لأنّ هذه الأحوال غير بالنسبة للتكبير، و كذلك في المنفرد. نعم، لو كان في حال ليس مترتّبا بعد التكبير يلتفت. انتهى».(1)
(مسألة 16): اذا شكّ و هو في فعل في أنّه هل شكّ في بعض الأفعال المتقدّمة أم لا لم يلتفت، و كذا لو شكّ في أنّه هل سها أم لا و قد جاز محلّ ذلك الشيء الذي شكّ في أنّه سها عنه أو لا. نعم لو شكّ في السهو و عدمه و هو في محلّ يتلافى فيه المشكوك فيه أتى به على الأصحّ.
الشرح:
اذا كان في القيام مثلاً و شكّ في أنّه هل شكّ في السجود أم لا لم يلتفت؛ لأنّه اذا كان قد شكّ قطعا في أنّه سجد أم لا و هو في حال القيام لم يكن عليه شيء؛ لقاعدة التجاوز، ففيما نحن فيه ليس عليه شيء بطريق أولى، مع أنّ المورد من موارد استصحاب عدم الشكّ، و كذا الحال لو شكّ في أنّه سها أم لا. هذا اذا كان قد تجاوز محلّ ذلك، و أمّا لو شكّ في السهو و عدمه و هو في المحلّ و لم يتجاوز يأتي به كما لو نهض و لم يستو قائما فشكّ في أنّه سها بالنسبة الى السجود و
1) - جواهر الكلام 12: 322.
لم يسجد أو لم يسهُ و سجد، فعليه السجدة لرجوعه الى الشكّ قبل التجاوز.
قال العلاّمة الخوئي: «اذا شكّ في أنّه هل شكّ في بعض الأفعال أم لا؟ لا شكّ في لزوم الاعتناء اذا كان في المحلّ فانّه عين الشكّ في نفس الفعل كما هو ظاهر. و أمّا اذا تجاوز و دخل في فعل آخر فشكّ حينئذ في أنّه هل شكّ قبل ذلك في بعض الأفعال المتقدّمة أم لا؟ لاينبغي التأمّل في عدم الاعتناء، فانّ الشكّ الحادث بالفعل شكّ بعد التجاوز، و الشكّ السابق مشكوك الحدوث مدفوع بالأصل. بل الظاهر عدم الاعتناء حتّى لو كان عالما فعلاً بحدوث الشكّ سابقا و شكّ في أنّه هل اعتنى به و تدارك المشكوك فيه في محلّه أو لا؟ فانّ الوظيفة الظاهريّة لاتزيد على الواقعيّة في المشموليّة لقاعدة التجاوز، فكما لايلتفت بالشكّ بعد المحلّ في الاتيان بنفس الجزء الثابت وجوبه واقعا، فكذا في الاتيان بالجزء الثابت وجوبه ظاهرا بمقتضى لزوم الاعتناء بالشكّ في المحلّ المبني على الاستصحاب أو قاعدة الاشتغال؛ لوحدة المناط في الموردين و شمول الاطلاق في أدلّة القاعدة لكلتا الصورتين كما هو ظاهر. انتهى».(1)
1) - مستند العروة 18: 147.
(مسألة 1): الشكوك الموجبة لبطلان الصلاة ثمانية: «أحدها»: الشكّ في الصلاة الثنائيّة كالصبح و صلاة السفر. «الثاني»: الشكّ في الثلاثيّة كالمغرب.
الشرح:
اذا شكّ في ركعات الصلاة الثنائيّة كالصبح و صلاة السفر و كذا في الثلاثيّة كالمغرب ثمّ تروّى و لم يزل شكّه فقد بطلت صلاته بلا خلاف ظاهر الاّ ممّا نسب الى الصدوق و ان أنكر النسبة بعضهم.
قال في المقنع: «اذا لم تدر واحدة صلّيت أم اثنتين فأعد الصلاة. و روي: ابن على ركعة. انتهى».(1)
فلعلّ ذيل كلامه أوجب أن ينسب اليه بأنّ فتواه التخيير بين البناء على الأقلّ و الاستئناف. فالمهمّ ذكر الروايات الواردة في الباب حتّى يتّضح الحال:
منها صحيحة حفص بن البختري عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
1) - سلسلة الينابيع الفقهيّة 3: 56.
«اذا شككت في المغرب فأعد، و اذا شككت في الفجر فأعد».(1)
و منها صحيحة محمّد بن مسلم قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يصلّي و لايدري واحدة صلّى أم ثنتين؟ قال: يستقبل حتّى يستيقن أنّه قد أتمّ، و في الجمعة و في المغرب و في الصلاة في السفر».(2)
و منها مرسلة يونس عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«ليس في المغرب و الفجر سهو».(3)
و منها صحيحة ثانية لمحمّد بن مسلم عن أحدهما عليهماالسلام قال:
«سألته عن السهو في المغرب؟ قال: يعيد حتّى يحفظ، انّها ليست مثل الشفع».(4)
و منها صحيحة ثانية للحفص و غير واحد كلّهم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا شككت في المغرب فأعد، و اذا شككت في الفجر فأعد».(5)
و منها صحيحة أبي بصير قال:
«قال أبو عبداللّه عليه السلام: اذا سهوت في المغرب فأعد الصلاة».(6)
و منها صحيحة العلاء عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن الرجل يشكّ في الفجر؟ قال: يعيد. قلت: المغرب؟ قال: نعم و الوتر و الجمعة، من غير أن أسأله».(7)
1) - وسائل الشيعة 8: 193 / الباب 2 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة / الحديث 1.
2) - وسائل الشيعة 8: 194 / الباب 2 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة / الحديث 2.
3) - وسائل الشيعة 8: 194 / الباب 2 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة / الحديث 3.
4) - وسائل الشيعة 8: 194 / الباب 2 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة / الحديث 4.
5) - وسائل الشيعة 8: 194 / الباب 2 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة / الحديث 5.
6) - وسائل الشيعة 8: 195 / الباب 2 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة / الحديث 6.
7) - وسائل الشيعة 8: 195 / الباب 2 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة / الحديث 7.
و منها موثّقة سماعة قال:
«سألته عن السهو في صلاة الغداة؟ قال: اذا لم تدر واحدة صلّيت أم ثنتين فأعد الصلاة من أوّلها، و الجمعة أيضا اذا سها فيها الامام فعليه أن يعيد الصلاة لأنّها ركعتان، و المغرب اذا سها فيها فلم يدر كم ركعة صلّى فعليه أن يعيد الصلاة».(1)
و الظاهر من هذه الروايات بطلان الصلاة اذا شكّ في ركعات صلاة الفجر و المغرب و الجمعة و الصلاة في السفر و أيضا الظاهر من التعليل في موثّقة سماعة بطلان الصلاة في الشكّ في الصلاة الثنائيّة مطلقا ماعدا النوافل لما سيأتي، و يستفاد ذلك أيضا من الروايات التي تدلّ على بطلان الصلاة اذا شكّ بين الواحدة و الاثنتين، كصحيحة محمّد بن مسلم الثانية و ما سيأتي منها. و لاتعارض الروايات المذكورة موثّقة عمّار الساباطي قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: رجل شكّ في المغرب فلم يدر ركعتين صلّى أم ثلاثة؟ قال: يسلّم ثمّ يقوم فيضيف اليها ركعة. ثمّ قال: هذا واللّه ممّا لايقضى أبدا».(2)
و كذا موثّقة أخرى للساباطي أيضا قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل لم يدر صلّى الفجر ركعتين أو ركعة؟ قال: يتشهّد و ينصرف ثمّ يقوم فيصلّي ركعة، فان كان قد صلّى ركعتين كانت هذه تطوّعا، و ان كان قد صلّى ركعة كانت هذه تمام الصلاة. قلت: فصلّى المغرب فلم يدر اثنتين صلّى أم ثلاثا؟ قال: يتشهّد و ينصرف ثمّ يقوم فيصلّي ركعة، فان كان صلّى ثلاثا كانتهذه تطوّعا، و ان كان صلّى ثنتين كانت هذه تمام الصلاة، و هذا واللّه
ممّا لايقضى أبدا».(1)
و ذلك أوّلاً لروايات عديدة واردة في الشكّ في الركعة الأولى و الثانية بحيث تطمئنّ النفس بصدور معناها عن الامام، فقد تقدّم بعضها و سيأتي بعض آخر منها. و ثانيا لم يعمل بالموثّقة أحد من علماء الشيعة حتّى الصدوق رحمه الله كما عرفت الشبهة فيما نسب اليه رحمه الله، و هذا موجب لوهن الموثّقة. و ثالثا قد نقل من بعض كصاحب الوافي و المجلسي كثرة خطأ عمّار في رواياته، و هذا أيضا يؤكّد الوهن. فتطرح الروايتان فلاتصل النوبة الي الجمع حتّى يقال بعدم امكانه و المقام مقام التعارض و التساقط فيرجع الى اطلاق صحيحة صفوان عن أبي الحسن عليه السلام قال:
«ان كنت لاتدري كم صلّيت و لم يقع وهمك على شيء فأعد الصلاة».(2)
قال في الشرائع: «من شكّ في عدد الواجبة الثنائيّة أعاد، كالصبح و صلاة السفر و صلاة العيدين اذا كانت فريضة و الكسوف و كذا المغرب. انتهى».(3)
و قال في المدارك: «هذا هو المشهور بين الأصحاب، بل قال العلاّمة في المنتهى: انّه قول علمائنا أجمع الاّ ابن بابويه، فانّه جوّز له البناء على الأقلّ و الاعادة. و المعتمد الأوّل - الى أن قال: - و اطلاق النصّ و كلام الأصحاب يقتضي عدم الفرق في بطلان الصلاة بالشكّ في عدد الثنائيّة أو الثلاثيّة بين أن يتعلّق بالزيادة أو النقيصة. انتهى».(4)
«الثالث»: الشكّ بين الواحدة و الأزيد.
الشرح:
اذا شكّ بين الواحدة و الأزيد بطلت صلاته سواء كانت الزيادة ثنتين أو أزيد كالشكّ بين الواحدة و الثلاث، أو بين الواحدة و الثنتين و الثلاث. و يدلّ على ذلك كلّه صحيحة زرارة بن أعين قال:
«قال أبو جعفر عليه السلام: كان الذي فرض اللّه تعالى على العباد عشر ركعات و فيهنّ القراءة و ليس فيهنّ وهم، يعني سهوا، فزاد رسول اللّه صلى الله عليه و آله سبعا و فيهنّ الوهم و ليس فيهنّ القراءة، فمن شكّ في الأوليين أعاد حتّى يحفظ و يكون على يقين، و من شكّ في الأخيرتين عمل بالوهم».(1)
و صحيحته الثانية عن أحدهما عليهماالسلام قال:
«قلت له: رجل لايدري واحدة صلّى أم ثنتين؟ قال: يعيد. الحديث».(2)
و صحيحة محمّد بن مسلم قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلامعن الرجل يصلّي و لايدري واحدة صلّى أم ثنتين؟ قال: يستقبل حتّى يتيقّن أنّه قد أتمّ، و في الجمعة و في المغرب و في الصلاة في السفر».(3)
و صحيحة الحسن بن علي الوشّاء قال:
«قال لي أبو الحسن الرضا عليه السلام: الاعادة في الركعتين الأوّلتين و السهو
في الركعتين الأخيرتين».(1)
و صحيحة رفاعة قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلامعن رجل لايدري أ ركعة صلّى أم ثنتين؟ قال: يعيد».(2)
و صحيحة هارون بن خارجة عن أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا سهوت في الأوّلتين فأعدهما حتّى تثبتهما».(3)
و موثّقة سماعة قال:
«سألته عن السهو في صلاة الغداة؟ قال: اذا لم تدر واحدة صلّيت أم اثنتين فأعد الصلاة من أوّلها، و الجمعة أيضا اذا سها فيها الامام فعليه أن يعيد الصلاة لأنّها ركعتان. الحديث».(4)
و يدلّ على الثاني بخصوصه أي الشكّ بين الواحدة و الثنتين و الثلاث و ... أو الشكّ بين الواحدة و الثلاث، اطلاق صحيحة محمّد بن مسلم قال:
«سألت أبا جعفر عليه السلامعن رجل شكّ في الركعة الأولى؟ قال: يستأنف».(5)
و صحيحة ابن أبي يعفور عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قال: اذا شككت فلم تدر أفي ثلاث أنت أم اثنتين أم في واحدة أم في أربع فأعد و لاتمض على الشكّ».(6)
قال في الشرائع: «اذا شكّ في أعداد الرباعيّة، فان كان في الأوليين أعاد.
1) - وسائل الشيعة 8: 190 / الباب 1 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة / الحديث 10.
2) - وسائل الشيعة 8: 190 / الباب 1 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة / الحديث 12.
3) - وسائل الشيعة 8: 191 / الباب 1 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة / الحديث 15.
4) - وسائل الشيعة 8: 191 / الباب 1 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة / الحديث 18.
5) - وسائل الشيعة 8: 190 / الباب 1 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة / الحديث 11.
6) - وسائل الشيعة 8: 226 / الباب 15 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة / الحديث 2.
انتهى».(1)
و قال في المدارك: «هذا هو المشهور بين الأصحاب، بل قال العلاّمة في المنتهى و الشهيد في الذكرى: انّه قول علمائنا أجمع الاّ أبا جعفر ابن بابويه فانّه قال: لو شكّ بين الركعة و الركعتين فله البناء على الأقلّ. انتهى».(2)
و بازاء الروايات المذكورة صحيحة عبداللّه بن أبي يعفور قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلامعن الرجل لايدري أركعتين صلّى أم واحدة؟ فقال: يتمّ بركعة».(3)
و خبر الحسين بن أبي العلاء قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلامعن الرجل لايدري أركعتين صلّى أم واحدة؟ قال: يتمّ».(4)
و خبر عبدالرحمن بن الحجّاج عن أبي ابراهيم عليه السلام قال في الرجل لايدري أركعة صلّى أم اثنتين؟ قال:
«يبني على الركعة».(5)
و خبر عنبسة قال:
«سألته عن الرجل لايدري ركعتين ركع أو واحدة أو ثلاثا؟ قال: يبني صلاته على ركعة واحدة يقرأ فيها بفاتحة الكتاب و يسجد سجدتي السهو».(6)
و هذه الروايات ضعيفة السند الاّ صحيحة ابن أبي يعفور فانّها لاتعارض
1) - شرائع الاسلام 1: 116.
2) - مدارك الأحكام 4: 252.
3) - وسائل الشيعة 8: 192 / الباب 1 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة / الحديث 22.
4) - وسائل الشيعة 8: 192 / الباب 1 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة / الحديث 20.
5) - وسائل الشيعة 8: 192 / الباب 1 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة / الحديث 23.
6) - وسائل الشيعة 8: 193 / الباب 1 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة / الحديث 24.
الصحاح المتقدّمة التي كانت أكثر من ستّة، مع كونها خلاف المشهور بل لم يذهب اليها الاّ الصدوق على ما حكي عنه في المنتهى(1)، و يمكن أن تحمل هذه الأخبار المنافية على التقيّة؛ لأنّ الجمهور لم يفرّقوا بين الصلوات بل سوّوا بينها في الحكم، كما حكاه في التذكرة(2).
«الرابع»: الشكّ بين الاثنتين و الأزيد قبل اكمال السجدتين.
الشرح:
اذا شكّ بين الاثنتين و الأزيد و لمّايكمل الركعتين تبطل صلاته و هذا ممّا لا اشكال و لا خلاف فيه في الجملة و يدلّ عليه كلّ ما مرّ من الروايات التي دلّت على اعادة الصلاة اذا شكّ في الركعتين الأوّلتين، و لعلّ الأظهر من الكلّ صحيحة الفضل بن عبدالملك قال:
«قال لي: اذا لم تحفظ الركعتين الأوّلتين فأعد صلاتك».(3)
و خبر عامر بن جذاعة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا سلمت الركعتان الأوّلتان سلمت الصلاة».(4)
و مفهوم صحيح زرارة عن أحدهما عليهماالسلام (في حديث) قال:
«قلت له: رجل لم يدر اثنتين صلّى أم ثلاثا؟ فقال: ان دخله الشكّ بعد دخوله في الثالثة مضى في الثالثة ثمّ صلّى الأخرى و لا شيء عليه و يسلّم».(5)
و صحيحة عبيد بن زرارة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن رجل لم يدر ركعتين صلّى أم ثلاثا؟ قال: يعيد. قلت: أليس يقال: لايعيد الصلاة فقيه؟ فقال: انّما ذلك في الثلاث و الأربع».(1)
بناءً على حمل كلام السائل على الشكّ قبل اكمال الركعتين فتبطل؛ لعدم سلامة الأوليين.
انّما الكلام فيما يحصل به اكمال الركعتين، و المشهور أنّه اذا رفع رأسه من السجدة الثانية فقد حفظ الركعتين و سلمتا، و هو الأقوى، و ذلك لصحيحة زرارة المتقدّمة آنفا حيث أجاب الامام عليه السلام عن الشكّ بين الاثنتين و الثلاث بأنّه «ان دخله الشكّ بعد دخوله في الثالثة مضى في الثالثة ثمّ صلّى الأخرى و لا شيء عليه و يسلّم»، فانّ المصلّي اذا رفع رأسه من السجدة الأخيرة فقد خرج من ركعة و دخل في ركعة أخرى، فان كان الشكّ في أنّ ما صلّى كان ركعتين أو ثلاث ركعات فكان الامام عليه السلام يقول: مضى في الثالثة، أي صلّى ثلاث ركعات و بقي عليه ركعة أخرى.
ان قيل: لم يدلّ مفهوم الشرط على البطلان بل ليس هناك مفهوم فيكون سالبة بانتفاء الموضوع، فيقال فيه: انّ مفهوم قوله عليه السلام: «ان دخله الشكّ بعد دخوله في الثالثة مضى» هو: ان دخل الشكّ بعد عدم دخوله في الثالثة لم يمض. فبقرينة الروايات المتقدّمة التي دلّت على البطلان اذا شكّ في الركعتين الأوّلتين، يتمّ المطلوب.
و ان قيل بأنّ الدليل مصادرة؛ لأنّ الصحيحة لاتدلّ على أنّ رفع الرأس من السجدة الثانية دخول في الثالثة، فيقال بأنّ الاجماع قائم بأنّ نهوضه من السجدةالأخيرة كافٍ في الحكم بالبناء على الأكثر، فاذا رفع رأسه من السجدة الثانية دخل في الثالثة ولو بضرب من العناية (لأنّ الدخول الحقيقي في الركعة التالية يتحقّق
1) - وسائل الشيعة 8: 215 / الباب 9 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة / الحديث 3.
بالقيام، ولكنّه غير مراد قطعا؛ اذ مجرّد عروض الشكّ بعد اكمال السجدتين و ان لم يكن قائما كافٍ في الحكم بالبناء على الأكثر اجماعا). و أمّا اذا لم يرفع رأسه من السجدة و ان أتى بالذكر الواجب يشكّ في دخوله في الركعة اللاحقة التي تكون موضوعا للصحّة فيشمله اطلاق الروايات المتقدّمة التي دلّت على البطلان اذا شكّ في الركعتين الأوّلتين ولو بضميمة الاستصحاب.
و قال صاحب الجواهر في هذه الأقوال: «انّهم اختلفوا فيما يحصل به اكمال الركعتين الأوّلتين على أربعة وجوه أو أقوال فيما يلاحظ من كلماتهم خصوصا الشهيدين و المحقّق الثاني في الذكرى و فوائد الشرائع و الروض و الروضة و المسالك و المقاصد العليّة:
الأوّل: تحقّق الاكمال برفع الرأس من السجدة الأخيرة، و لعلّه ظاهر المشهور كما يستفاد من الذكرى و المدارك، بل لعلّه الظاهر من عرف المتشرّعة، بل لعلّه المنساق الى الذهن من النصوص الواردة في ذكر أعداد الركعات من النوافل و الفرائض، و هو مطابق للأصل، و لأنّ الركعة من الحقائق الشرعيّة التي ضابطها و مرجعها الى عرف المتشرّعة و المتبادر منها فيه ما عرفت من مجموع الأفعال الى الرفع فتكون كذلك شرعا، و لقوله عليه السلام في صحيحة زرارة المتقدّمة: «ان دخله الشكّ بعد دخوله في الثالثة مضى في الثالثة» فانّ قضيّة المفهوم توقّف الصحّة على الدخول في الثالثة المتردّدة بينها و بين الرابعة، فتبطل الصلاة بالشكّ الواقع قبل رفع الرأس من السجدة.
الثاني: تحقّق الاكمال بالركوع كما حكاه في الذكرى عن بعضهم و في المصابيح عن السيّد بن طاووس في البشرى و المحقّق في الفتاوى البغداديّة و قد استدلّوا بما لايكون دليلاً في مقابل ما مرّ من الدليل الأوّل.
الثالث: الاكتفاء بوضع الجبهة في السجدة الثانية و ان لم يتشاغل بالذكر كما مال اليه في الذكرى.
الرابع: الاكتفاء باكمال الذكر الواجب في السجدة الثانية و ان لم يرفع رأسه منها كما اختاره الشهيد في الروض و الروضة و المسالك و المقاصد و كأنّه مال اليه المحقّق الثاني في فوائد الشرائع، بل نسب الى الشهيد الأوّل أيضا. انتهى ملخّصا».(1)
و الظاهر أنّ ما استدلّ به هؤلاء للوجوه الثلاثة الأخيرة اجتهاد في مقابل النصّ.
«الخامس»: الشكّ بين الاثنتين و الخمس أو الأزيد و ان كان بعد الاكمال.
الشرح:
اذا شكّ المصلّي في كون الركعة الحاضرة هي الثانية أو الخامسة أو الأزيد فان كان قبل اكمال السجدتين بمعنى الرفع من السجدة الأخيرة فيتفرّع على المسألة السابقة فيحكم ببطلان صلاته. و أمّا ان كان بعد رفع رأسه من السجدة الثانية فصلاته باطلة أيضا؛ لأنّ بناء الشارع في الشكّ في الركعات اذا تمّت الركعتان الأوّلتان على الأكثر الاّ أنّ ما نحن فيه هو كون البناء على الخمس أو الأزيد موجبا لبطلان الصلاة. و ما قيل باجراء الاستصحاب هنا و هو البناء على الأقلّ بتقريب أنّ نصوص البناء على الأكثر مختصّة بما اذا كان الأكثر صحيحا كي يمكن البناء عليه و تكون الركعة المفصولة متمّمة أو نافلة كما في النصوص، مدفوع بأنّ النصّ دالّ على البطلان و لايبقى مجال للرجوع الى الأصل، و ذلك لصحيحة صفوان عن أبي الحسن عليه السلام قال:
«ان كنت لاتدري كم صلّيت و لم يقع وهمك على شيء فأعد الصلاة».(2)
فهذه الصحيحة ظاهرة في بطلان الصلاة اذا عارضه الشكّ في أثنائها، فخرج منها ما ورد من الروايات في صحّة الصلاة و علاج الشكّ و بقي الباقي تحت الصحيحة و من جملة الباقي ما نحن فيه و هو الشكّ بين الاثنتين و الخمس أو الأزيد منه، و كذا الشكّ بين الثلاث و الستّ أو الأزيد منه و الشكّ بين الأربع و الستّ أو الأزيد منه.
و استشكل في الصحيحة بأنّ موردها فيمن لايدري كم صلّى و يكون شاكّا بين تمام الركعات و لاتكون في مقام اعطاء الضابطة لمطلق الشكّ بين الركعات.
ففيه: لو كان الأمر كذلك و لم يكن ظهور في الصحيحة لمطلق الشكّ فعلى الأقلّ انّها تردّ الاستصحاب و البناء على الأقلّ؛ لأنّ القدر المتيقّن منها يقين المصلّي باتيانه الركعة الأولى ولكن لم يقع وهمه في الأولى أو الثانية أو الثالثة أو الرابعة أو الأزيد مع أنّ ظاهر قوله عليه السلام: «و لم يقع وهمك على شيء» أنّه لم يرجّح في ذهنه أحد طرفي الوهم أو أطرافه فاذا كان أطراف الشكّ سواءً تشمله الصحيحة الاّ ما خرج بالدليل. و قد يتمسّك للزوم البناء على الأقلّ بروايات:
منها صحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج و علي عن أبي ابراهيم عليه السلام في السهو في الصلاة، فقال:
«تبني على اليقين و تأخذ بالجزم و تحتاط بالصلوات كلّها».(1)
و فيه: انّه و ان كان ظاهرها كذلك ولكنّ التأمّل في الرواية ينتج غير ذلك، فانّ البناء على اليقين أي الأقلّ ليس من الاحتياط و اليقين بالبراءة، بل الاحتياط يراعى بالبناء على الأكثر و الاتيان بصلاة الاحتياط و هكذا يتيقّن بالبراءة.
و منها خبر محمّد بن سهل عن أبيه قال:
«سألت أبا الحسن عليه السلامعن الرجل لايدري أ ثلاثا صلّى أم اثنتين؟ قال:
1) - وسائل الشيعة 8: 213 / الباب 8 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة / الحديث 5.
يبني على النقصان و يأخذ بالجزم. الحديث».(1)
و فيه أوّلاً: انّه ضعيف السند. و ثانيا: يحتمل حمله على الظنّ كما سيأتي أو على التقيّة.
و منها موثّقة اسحاق بن عمّار قال:
«قال لي أبو الحسن الأول عليه السلام: اذا شككت فابن على اليقين. قال: قلت: هذا أصل؟ قال: نعم».(2)
و فيه: انّها ليست من الشكّ في الركعات في شيء بل هي من أدلّة مطلق الاستصحاب.
و منها صحيحة زرارة قال:
«سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: اذا شكّ أحدكم في صلاته فلم يدر زاد أم نقص فليسجد سجدتين و هو جالس، و سمّاهما رسول اللّه صلى الله عليه و آلهالمرغمتين».(3)
و فيه: انّها ليست من الشكّ في الركعات في شيء بل هي من أدلّة سجدتي السهو لكلّ زيادة و نقيصة.
و منها صحيحة عبيداللّه بن علي الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا لم تدر أربعا صلّيت أم خمسا أم نقصت أم زدت فتشهّد و سلّم و اسجد سجدتين بغير ركوع و لا قراءة يتشهّد فيهما تشهّدا خفيفا».(4)
بناءً على أن يكون المراد: نقصت من الرابعة حتّى يكون الشكّ بين الثلاث و
1) - وسائل الشيعة 8: 213 / الباب 8 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة / الحديث 6.
2) - وسائل الشيعة 8: 212 / الباب 8 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة / الحديث 2.
3) - وسائل الشيعة 8: 224 / الباب 14 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة / الحديث 2.
4) - وسائل الشيعة 8: 224 / الباب 14 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة / الحديث 4.
الخمس أو الزائد من الخمس و زدت في الخامسة حتّى يكون الشكّ بين الأربع و الستّ أو الزائد من الستّ.
و فيه: الظاهر أنّ صدر الصحيحة للشكّ في الركعات اذا لم يدر أربعا صلّى أم خمسا فعليه أن يسجد سجدتين، و ذيلها للأجزاء اذا لم يدر نقص أم زاد فعليه أن يسجد سجدتي السهو فلا ربط لها بما نحن فيه و البناء على الأقلّ، و لو لم يقبل فهذا أيضا احتمال فاذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال.
و منها خبر زيد الشحّام قال:
«سألته عن رجل صلّى العصر ستّ ركعات أو خمس ركعات؟ قال: ان استيقن أنّه صلّى خمسا أو ستّا فليعد، و ان كان لايدري أزاد أم نقص فليكبّر و هو جالس، ثمّ ليركع ركعتين يقرأ فيهما بفاتحة الكتاب في آخر صلاته ثمّ يتشهّد».(1)
و فيه: انّ الرواية مع ضعف سندها بأبي جميلة مفضّل بن صالح الذي ضعّفه النجاشي تحمل على الشكّ بين الثلاث و الأربع و الخمس فيبني على الأربع ثمّ يصلّي ركعتين جالسا - كما حمله صاحب الوسائل - بقرينة الروايات التي وردت في الشكّ بين الثلاث و الأربع فستأتي.
فتحصّل أنّه لا دليل على الاستصحاب و البناء على الأقلّ بل الدليل ورد للبناء على الأكثر كما في موثّقة عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام أنّه قال له:
«يا عمّار، أجمع لك السهو كلّه في كلمتين: متى ما شككت فخذ بالأكثر، فاذا سلّمت فأتمّ ما ظننت أنّك قد نقصت».(2)
«السادس»: الشكّ بين الثلاث و الستّ أو الأزيد. «السابع»: الشكّ بين الأربع و الستّ أو الأزيد. «الثامن»: الشكّ بين الركعات بحيث لم يدر كم صلّى.
الشرح:
قد مرّ الدليل لبطلان الشكّ بين الثلاث و الستّ أو الأزيد و كذا لبطلان الشكّ بين الأربع و الستّ أو الأزيد في الاستدلال لبطلان الشكّ بين الاثنتين و الخمس أو الأزيد. و أمّا الشكّ بين الركعات بحيث لم يدر كم صلّى يرجع لا محالة الى أحد أفراد الشكوك الباطلة. مثلاً من شكّ بين الواحدة و الاثنتين و الثلاث و الأربع و الخمس و الستّ، فيصدق أنّه لايعلم كم صلّى و كذا من شكّ بين الاثنتين و الخمس أو الستّ لم يدر كم صلّى و هكذا، فمستند هذا الفرع هو صحيحة صفوان حيث قال الامام عليه السلام:
«ان كنت لاتدري كم صلّيت و لم يقع وهمك على شيء فأعد الصلاة».(1)
فراجع ما تقدّم في الصحيحة.
(مسألة 2): الشكوك الصحيحة تسعة في الرباعية:
«أحدها»: الشكّ بين الاثنتين و الثلاث بعد اكمال السجدتين، فانّه يبني على الثلاث و يأتي بالرابعة و يتمّ صلاته ثمّ يحتاط بركعة من قيام أو ركعتين من جلوس و الأحوط اختيار الركعة من قيام و أحوط منه الجمع بينهما بتقديم الركعة من قيام و أحوط من ذلك استئناف الصلاة مع ذلك و يتحقّق اكمال السجدتين باتمام الذكر الواجب من السجدة الثانية على الأقوى و ان
1) - وسائل الشيعة 8: 225 / الباب 15 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة / الحديث 1.
كان الأحوط اذا كان قبل رفع الرأس البناء ثمّ الاعادة، و كذا في كلّ مورد يعتبر اكمال السجدتين.
الشرح:
فمن جملة الشكوك الصحيحة الشكّ بين الاثنتين و الثلاث بعد اكمال السجدتين فانّه يبني على الثلاث و يأتي بالرابعة و يتمّ صلاته ثمّ يحتاط بركعة من قيام، و الدليل على ذلك صحيحة زرارة عن أحدهما عليهماالسلام (في حديث) قال:
«قلت له: رجل لم يدر اثنتين صلّى أم ثلاثا، فقال: ان دخله الشكّ بعد دخوله في الثالثة مضى في الثالثة ثمّ صلّى الأخرى و لا شيء عليه و يسلّم».(1)
و قد تقدّم البحث حول الصحيحة و قلنا بأنّ مفهومها بطلان الصلاة قبل الرفع من السجدة الأخيرة يعني قبل اكمال السجدتين، و المراد من قوله عليه السلام: «ثمّ صلّى الأخرى» هو الركعة الموصولة، و لاينافي من وجوب ركعة أخرى مفصولة للدليل الآخر. و معنى قوله عليه السلام: «و لا شيء عليه» هو صحّة الصلاة لا عدم وجوب صلاة الاحتياط. فعليه فلانلتزم بما التزم به صاحب الوسائل و غيره من حمل «ثمّ صلّى الأخرى» على صلاة الاحتياط فانّه خلاف ظاهر الصحيحة. و يدلّ على الصحّة أيضا و وجوب صلاة الاحتياط صحيحة العلاء قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: رجل صلّى ركعتين و شكّ في الثالثة. قال: يبني على اليقين فاذا فرغ تشهّد و قام قائما فصلّى ركعة بفاتحة القرآن».(2)
فليس المراد من البناء على اليقين هو البناء على الأقلّ و لو كان كذلك لم يكن
هناك محلّ لأن يصلّي ركعة أخرى بل المراد من البناء على اليقين هو البناء على اليقين بالبراءة. و لاتعارضها صحيحة عبيد بن زرارة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن رجل لم يدر ركعتين صلّى أم ثلاثا؟ قال: يعيد. قلت: أليس يقال: لايعيد الصلاة فقيه؟ فقال: انّما ذلك في الثلاث و الأربع».(1)
لأنّ المراد هو الشكّ بين الاثنتين و الثلاث اذا كان قبل رفع الرأس من السجدة الأخيرة و ذلك لمفهوم صحيحة زرارة و منطوق صحيحة العلاء المتقدّمتين آنفا. و مراد الامام عليه السلام من قوله: «انّما ذلك في الثلاث و الأربع» هو ما تقدّم من الروايات الدالّة على العمل بالوهم اذا كان الشكّ في الأخيرتين.
قال في الجواهر: «اذا شكّ بين الاثنتين و الثلاث بعد احراز الاثنتين كانت صلاته صحيحة و لا اعادة عليه اجماعا كما في المعتبر و المنتهى و عن التذكرة و الغرية، فما في بعض الأخبار من الأمر بالاعادة المخالف لما عليه الأصحاب مطروح أو محمول على حصوله قبل اكمال السجدتين أو غير ذلك، و بنى على الثلاث و أتمّ و تشهّد و سلّم على المشهور نقلاً و تحصيلاً شهرة كادت تكون اجماعا، بل هي كذلك في الخلاف و الانتصار و الغنية، و عن ظاهر السرائر و مجمع البرهان، بل عن الصدوق أنّه من دين الاماميّة. انتهى ملخّصا».(2)
و أمّا صلاة الاحتياط فالظاهر وجوبها قائما لخصوص صحيحة العلاء حيث قال الامام عليه السلام فيها: «فاذا فرغ تشهّد و قام قائما فصلّى ركعة بفاتحة القرآن»، و لعموم موثّقة عمّار قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن شيء من السهو في الصلاة؟ فقال: ألا أعلّمك شيئا اذا فعلته ثمّ ذكرت أنّك أتممت أو نقصت لم يكن
عليك شيء؟ قلت: بلى. قال: اذا سهوت فابن على الأكثر، فاذا فرغت و سلّمت فقم فصلّ ما ظننت أنّك نقصت، فان كنت قد أتممت لم يكن عليك في هذه شيء، و ان ذكرت أنّك كنت نقصت كان ما صلّيت تمام ما نقصت».(1)
و ما قيل بأنّ الشكّ بين الاثنتين و الثلاث كالشكّ بين الثلاث و الأربع فحيث يكون المصلّي في الثاني مخيّرا بين أن يحتاط قائما و بين أن يحتاط جالسا فكذلك الأوّل، فمدفوع بأنّ هذا كالقياس، و العبادات توقيفيّة خصوصا فيما يرجع الى الشكوك.
«الثاني»: الشكّ بين الثلاث و الأربع في أيّ موضع كان، و حكمه كالأوّل الاّ أنّ الأحوط هنا اختيار الركعتين من جلوس و مع الجمع تقديمهما على الركعة من قيام.
الشرح:
من شكّ بين الثلاث و الأربع في أيّ موضع كان يبني على الأكثر أي الأربع و يحتاط بركعتين من جلوس فالبناء على الأربع ممّا لا خلاف فيه و لا اشكال.
قال في المدارك: «لا خلاف في جواز البناء على الأربع في هذه الصورة و الاحتياط. انتهى».(2)
و يدلّ عليه و على صلاة الاحتياط روايات، كصحيحة عبدالرحمن بن سيّابة و أبي العبّاس جميعا عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا لم تدر ثلاثا صلّيت أو أربعا - الى أن قال: - و ان اعتدل وهمك
فانصرف و صلّ ركعتين و أنت جالس».(1)
و صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) قال:
«اذا كنت لاتدري ثلاثا صلّيت أم أربعا و لم يذهب وهمك الى شيء فسلّم ثمّ صلّ ركعتين و أنت جالس تقرأ فيهما بأمّ الكتاب، و ان ذهب وهمك الى الثلاث فقم فصلّ الركعة الرابعة و لاتسجد سجدتي السهو، فان ذهب وهمك الى الأربع فتشهّد و سلّم ثمّ اسجد سجدتي السهو».(2)
و صحيحة الحسين بن أبي العلاء عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«ان استوى وهمه في الثلاث و الأربع سلّم و صلّى ركعتين و أربع سجدات بفاتحة الكتاب و هو جالس يقصّر في التشهّد».(3)
و موثّقة أبي بصير قال:
«سألته عن رجل صلّى فلم يدر أ في الثالثة هو أم في الرابعة؟ قال: فما ذهب وهمه اليه، ان رأى أنّه في الثالثة و في قلبه من الرابعة شيء سلّم بينه و بين نفسه ثمّ صلّى ركعتين يقرأ فيهما بفاتحة الكتاب».(4)
و لاتعارض هذه الروايات صحيحة زرارة عن أحدهما عليهماالسلام (في حديث) قال:
«اذا لم يدر في ثلاث هو أو في أربع و قد أحرز الثلاث قام فأضاف اليها أخرى و لا شيء عليه، و لاينقض اليقين بالشكّ، و لايدخل الشكّ في اليقين و لايخلط أحدهما بالآخر، ولكنّه ينقض الشكّ باليقين و يتمّ على اليقين فيبني عليه و لايعتدّ بالشكّ في حال من
1) - وسائل الشيعة 8: 216 / الباب 10 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة / الحديث 1.
2) - وسائل الشيعة 8: 217 / الباب 10 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة / الحديث 5.
3) - وسائل الشيعة 8: 218 / الباب 10 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة / الحديث 6.
4) - وسائل الشيعة 8: 218 / الباب 10 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة / الحديث 7.
الحالات».(1)
فالظاهر من هذه الصحيحة و ان كان الامام عليه السلام فيها في مقام بيان الاستصحاب و اعطاء الضابطة الاّ أنّها تشير الى ما هو مناط الشكّ في الركعات من البناء على الأكثر و ما ينطق به الأخبار المتقدّمة في خصوص الشكّ بين الثلاث و الأربع. فقوله عليه السلام: «قام فأضاف اليها أخرى ... » و ان كان ظاهره ركعة موصولة ولكن قوله عليه السلام: «لايدخل الشكّ في اليقين و لايخلط أحدهما بالآخر» يهدم هذا الظاهر و يبيّن أنّ المراد من «قام فأضاف اليها أخرى» هو الركعة المفصولة؛ لأنّ اليقين هو الثالثة و الشكّ هو الرابعة فنهى عليه السلام أن يدخل الركعة الرابعة في الثالثة و يخلط أحدهما بالآخر.
و كذا لايعارضها ما رواه حريز عن محمّد بن مسلم قال:
«انّما السهو بين الثلاث و الأربع و في الاثنتين و في الأربع بتلك المنزلة، و من سها فلم يدر ثلاثا صلّى أم أربعا و اعتدل شكّه، قال: يقوم فيتمّ ثمّ يجلس فيتشهّد و يسلّم و يصلّي ركعتين و أربع سجدات و هو جالس، فان كان أكثر وهمه الى الأربع تشهّد و سلّم ثمّ قرأ فاتحة الكتاب و ركع و سجد ثمّ قرأ فسجد سجدتين و تشهّد و سلّم، و ان كان أكثر وهمه الثنتين نهض فصلّى ركعتين و تشهّد و سلّم».(2)
لأنّ محمّد بن مسلم لم يروِ عن الامام عليه السلام و لعلّه من رأيه و الحجّة في روايته لا في درايته، هذا أوّلاً. و ثانيا: ما قاله محمّد بن مسلم مخالف للخاصّة و العامّة جميعا؛ لأنّ ظاهر قوله: «يقوم فيتمّ الخ» هو البناء على الأقلّ فيوافق قول العامّة و لم يحتج الى صلاة الاحتياط، و قوله: «يصلّي ركعتين و أربع سجدات و هو
جالس» يوافق قول الخاصّة لو بنى على الأكثر. و ذيله أيضا مشوّش و الرواية غير قابلة للعمل بها. و تحتمل الزيادة في الرواية فكانت هكذا: « ... و اعتدل شكّه، قال: يتشهّد و يسلّم و يصلّي ركعتين» و ان كان مخالفا للأصل.
و أمّا صلاة الاحتياط فالظاهر من الروايات المذكورة آنفا هو صلاة ركعتين من جلوس ولكن في صحيحة زرارة عنه عليه السلام: «قام فأضاف اليها أخرى ... » هو صلاة ركعة من قيام، و الجمع بينها و بين الروايات المتقدّمة التخيير. و الشاهد لهذا الجمع مرسلة جميل حيث نقل عن الامام عليه السلام:
« ... ان شاء صلّى ركعة و هو قائم و ان شاء صلّى ركعتين و أربع سجدات و هو جالس. الحديث».(1)
و يؤيّد هذا الجمع و التخيير بين صلاة ركعتين من جلوس أو ركعة من قيام فتوى المشهور بذلك ولكن الاحتياط باختيار ركعتين من جلوس حسن.
«الثالث»: الشكّ بين الاثنتين و الأربع بعد الاكمال، فانّه يبني على الأربع و يتمّ صلاته ثمّ يحتاط بركعتين من قيام.
الشرح:
من شكّ بين الاثنتين و الأربع بعد رفع الرأس من السجدة الأخيرة يبني على الأربع. ففي الجواهر: «بلا خلاف معتدّ به أجده فيه، بل في الخلاف و عن الانتصار و ظاهر السرائر الاجماع عليه، بل في الرياض عن أمالي الصدوق أنّه من دين الاماميّة الذي يجب الاقرار به. انتهى».(2)
و يدلّ عليه الأخبار المستفيضة المعمول بها بين الأصحاب قديما و حديثا:
منها صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام أنّه قال:
«اذا لم تدر اثنتين صلّيت أم أربعا و لم يذهب وهمك الى شيء فتشهّد و سلّم ثمّ صلّ ركعتين و أربع سجدات تقرأ فيهما بأمّ الكتاب ثمّ تشهّد و تسلّم، فان كنت انّما صلّيت ركعتين كانتا هاتان تمام الأربع، و ان كنت صلّيت أربعا كانتا هاتان نافلة».(1)
و منها صحيحة ابن أبي يعفور قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل لايدري ركعتين صلّى أم أربعا؟ قال: يتشهّد و يسلّم ثمّ يقوم فيصلّي ركعتين و أربع سجدات يقرأ فيهما بفاتحة الكتاب ثمّ يتشهّد و يسلّم، و ان كان صلّى أربعا كانت هاتان نافلة، و ان كان صلّى ركعتين كانت هاتان تمام الأربعة و ان تكلّم فليسجد سجدتيالسهو».(2)
و منها صحيحة زرارة عن أحدهما عليهماالسلام (في حديث) قال:
«قلت له: من لم يدر في أربع هو أم في ثنتين و قد أحرز الثنتين؟ قال: يركع ركعتين و أربع سجدات و هو قائم بفاتحة الكتاب و يتشهّد و لا شيء عليه. الحديث».(3)
و منها صحيحة أخرى لزرارة عن أحدهما عليهماالسلام قال:
«قلت له: من لم يدر في اثنتين هو أم في أربع؟ قال: يسلّم و يقوم فيصلّي ركعتين ثمّ يسلّم و لا شيء عليه».(4)
و منها صحيحة محمّد بن مسلم قال:
1) - وسائل الشيعة 8: 219 / الباب 11 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة / الحديث 1.
2) - وسائل الشيعة 8: 219 / الباب 11 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة / الحديث 2.
3) - وسائل الشيعة 8: 220 / الباب 11 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة / الحديث 3.
4) - وسائل الشيعة 8: 220 / الباب 11 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة / الحديث 4.
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل صلّى ركعتين فلايدري ركعتين هي أو أربع؟ قال: يسلّم ثمّ يقوم فيصلّي ركعتين بفاتحة الكتاب و يتشهّد و ينصرف و ليس عليه شيء».(1)
و منها صحيحة أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا لم تدر أربعا صلّيت أم ركعتين فقم و اركع ركعتين ثمّ سلّم و اسجد سجدتين و أنت جالس ثمّ سلّم بعدهما».(2)
و منها صحيحة بكير بن أعين عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«قلت له: رجل شكّ فلم يدر أربعا صلّى أم اثنتين و هو قاعد؟ قال: يركع ركعتين و أربع سجدات (و يسلّم ثم يسجد سجدتين)(3)و هو جالس».(4)
و اعلم أنّ المراد من قوله عليه السلام في صحيحة أبي بصير: «فقم و اركع ركعتين ... » و في صحيحة بكير بن أعين: «يركع ركعتين ... » هو بعدما تشهّد و سلّم جمعا بينهما و بين ما تقدّم، و لو أنكر حملتا على التقيّة.
و منها مرسلة جميل عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) قال في رجل لم يدر اثنتين صلّى أم أربعا و وهمه يذهب الى الأربع أو الى الركعتين، فقال:
«يصلّي ركعتين و أربع سجدات، و قال: ان ذهب وهمك الى ركعتين و أربع فهو سواء، و ليس الوهم في هذا الموضع مثله في الثلاث و الأربع».(5)
و لاتعارض الروايات المذكورة آنفا صحيحة محمّد بن مسلم قال:
1) - وسائل الشيعة 8: 221 / الباب 11 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة / الحديث 6.
2) - وسائل الشيعة 8: 221 / الباب 11 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة / الحديث 8.
3) - ما بين القوسين ليس في المصدر. هامش الوسائل
4) - وسائل الشيعة 8: 221 / الباب 11 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة / الحديث 9.
5) - وسائل الشيعة 8: 220 / الباب 11 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة / الحديث 5.
«سألته عن الرجل لايدري صلّى ركعتين أم أربعا؟ قال: يعيد الصلاة».(1)
و ذلك لحملها على الشكّ قبل رفع الرأس من السجدة الأخيرة، جمعا بينها و بين الصحاح المتقدّمة و عمل المشهور. و ما احتمله المحقّق الهمداني - من التخيير بين البناء على الأكثر و صلاة ركعتين مفصولة أو اعادة الصلاة بعد قطعها؛ للجمع بين مضمرة محمّد بن مسلم و الروايات المستفيضة المتقدّمة، بحمل البناء على الأكثر على الرخصة و رفع اليد عن ظاهر «يعيد الصلاة» الدالّ على الوجوب تعيينا - قد أجاب نفسه عنه بأنّه «يشكل الاعتماد على الصحيح المزبور بعد شذوذه و اعراض الأصحاب في ظاهر كلماتهم عنه مع ما فيه من الاضمار، فما هو ظاهر المشهور من كون البناء على الأكثر عزيمة لا رخصة (كما احتمله الشهيد في الذكرى و العلاّمة في النهاية، حكاية عنهما) ان لم يكن أقوى فلا ريب في أنّه أحوط. انتهى».(2)
«الرابع»: الشكّ بين الاثنتين و الثلاث و الأربع بعد الاكمال، فانّه يبني على الأربع و يتمّ صلاته ثمّ يحتاط بركعتين من قيام و ركعتين من جلوس، و الأحوط تأخير الركعتين من جلوس.
الشرح:
اذا شكّ بين الاثنتين و الثلاث و الأربع بعد اكمال السجدتين يبني على الأربع و يتمّ صلاته ثمّ يحتاط بركعتين من قيام و ركعتين من جلوس.
قال المحقّق الهمداني: «على المشهور بل عن الانتصار الاجماع عليه. و قد
حكي الخلاف في هذه المسألة في موضعين: أحدهما في وجوب البناء على الأكثر فقد حكي عن ابن الجنيد أنّه جوّز البناء على الأقلّ ما لم يخرج الوقت، و لم نقف له على دليل في خصوص المقام و لعلّ مستنده الجمع بين أدلّة البناء على الأكثر و أخبار البناء على الأقلّ و قد ظهر ضعفه فيما مرّ. ثانيهما في كيفيّة الاحتياط، فالمشهور فيه ما عرفت من أنّه يأتي بركعتين من قيام و ركعتين من جلوس. انتهى ملخّصا».(1)
و يدلّ على ذلك مرسلة ابن أبي عمير عن أبي عبداللّه عليه السلام في رجل صلّى فلم يدر اثنتين صلّى أم ثلاثا أم أربعا؟ قال:
«يقوم فيصلّي ركعتين من قيام و يسلّم ثمّ يصلّي ركعتين من جلوس و يسلّم، فان كانت أربع ركعات كانت الركعتان نافلة و الاّ تمّت الأربع».(2)
و ينجبر ارسالها بعمل المشهور، مضافا الى أنّ ابن أبي عمير من أصحاب الاجماع و بعيد عنه أن ينقل الرواية عن غير الثقة.
و كذا يدلّ عليه صحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج عن أبي ابراهيم عليه السلام قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: رجل لايدري اثنتين صلّى أم ثلاثا أم أربعا؟ فقال: يصلّي ركعتين من قيام ثمّ يسلّم ثمّ يصلّي ركعتين و هو جالس».(3)
و لايضرّ بها ما كان في بعض النسخ «يصلّي ركعة» بدل «ركعتين»، و ذلك لأصحّيّة النسخة التي فيها: «يصلّي ركعتين»؛ لأنّ الصدوق رحمه الله بعد نقل صحيحة ابن الحجّاج، روى عن سهل بن اليسع عن الرضا عليه السلام أنّه قال:
«يبني على يقينه و يسجد سجدتي السهو بعد التسليم و يتشهّد تشهّدا خفيفا».(1)
و بعد ذلك قال: «و قد روي أنّه يصلّي ركعة من قيام و ركعتين و هو جالس».(2)ثمّ قال رحمه الله: «و ليست هذه الأخبار بمختلفة، و صاحب السهو بالخيار بأيّ خبر منها أخذ فهو مصيب. انتهى».
فانّ ظاهره أنّ ما رواه مرسلاً يغاير مضمونه كلا الخبرين اللذين رواهما مسندا، فيكشف ذلك عن صحّة النسخة التي فيها لفظ «الركعتين».
فمراده من هذه الأخبار صحيحة ابن الحجّاج و رواية سهل بن اليسع و المرسلة و حيث انّ مضمون المرسلة يكون: «صلاة ركعة من قيام و ركعتين من جلوس»، فلا محالة يكون صلاة الاحتياط في الصحيحة ركعتين من قيام و ركعتين من جلوس.
ان قلت: انّه رحمه الله روى أيضا بعد الصحيحة عن علي بن أبي حمزة عن العبد الصالح عليه السلام قال:
«سألته عن الرجل يشكّ فلايدري أواحدة صلّى أو اثنتين أو ثلاثا أو أربعا، تلتبس عليه صلاته؟ فقال: كلّ ذا؟ فقلت: نعم. قال: فليمض في صلاته و ليتعوّذ باللّه من الشيطان الرجيم فانّه يوشك أن يذهب عنه».(3)
و لعلّ مراده من الجمع (بين هذه الأخبار) هو خبر علي بن أبي حمزة و خبر سهل بن اليسع و المرسلة و لايلزم حينئذ اختلاف الصحيحة و المرسلة في المتن، قلت: انّ مراد الصدوق رحمه الله من الأخبار هو ما سوى خبر علي بن أبي حمزة؛ لأنّ هذا
الخبر لايرتبط بالمقام بل انّه وارد مورد كثير الشكّ الذي حكمه غير حكم الشكّ بين الاثنتين و الثلاث و الأربع.
ثمّ انّ ما أفتى به الصدوق رحمه الله من التخيير، فيه اشكال؛ لأنّ خبر سهل بن اليسع موافق للعامّة و مخالف للخاصّة، و المرسلة لاتقابل الصحيحة مع عمل المشهور بما يوافق الصحيحة. فبعد كون الدليل هو صحيحة ابن الحجّاج و مرسلة ابن أبي عمير يجب العمل بهما بالبناء على الأربع و صلاة ركعتين من قيام أوّلاً و ركعتين من جلوس بعدهما. و هو المشهور بين الفقهاء و ما ذهب اليه بعض من التخيير بين الصلاتين ابتداءً و كذا التخيير بين الركعتين من جلوس أو ركعة من قيام مع ركعتين قائما فلا دليل عليه بل الدليل على خلافه.
قال المحقّق الهمداني: «و هل يجوز أن يصلّي ركعة من قيام بدل الركعتين من جلوس؟ فيه أقوال، أحدها: تعيّن الجلوس، و لعلّه المشهور بل عن الذكرى نسبته الى الأصحاب. ثانيها: تعيّن الركعة قائما كما عن ظاهر المفيد في الغرية و الديلمي في المراسم و أبي العبّاس في الموجز. و ثالثها: التخيير كما عن العلاّمة و الشهيدين اختياره للجمع بين أوامر الجلوس في الأخبار الواردة في خصوص المسألة و ظاهر قوله عليه السلام: «أتمم ما ظننت أنّك نقصت»، و لأنّ هذا الشكّ مركّب من البسائط فلايزيد على ما وجب لكلّ واحد لو كان مستقلاًّ و هو لايخلو من وجه ولكن الأحوط ان لم يكن أوجه تعيّن الجلوس جمودا على ظواهر النصوص الخاصّة الواردة فيه. و أمّا القول بتعيّن القيام ان تحقّق فلعلّ منشأه عدم الالتفات الى الأخبار الخاصّة و العامّة الواردة في مطلق الشكّ بين الثلاث و الأربع و الأخذ بظاهر الأخبار العامّة الآمرة باتمام ما ظنّ نقصه، و فيه ما لايخفى. و هل يجب تقديم الركعتين من قيام؟ فيه أقوال، أحدها: ذلك كما نسب الى الشيخ المفيد في المقنعة و السيّد في أحد قوليه. ثانيها: التخيير كما نقل عن ظاهر السيّد في الانتصار. ثالثها: تحتّم تقديم الركعتين جالسا كما نسب القول به الى بعض
الأصحاب. و الرابع: تحتّم تقديم الركعة من قيام كما عن المفيد في الغرية و لم يعرف لهذا القول بل و لا لسابقه وجه يعتدّ به. و الأوجه هو القول الأوّل لظهور المرسلة بل و كذا صحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج في اعتبار الترتيب بتقديم الركعتين من القيام لما في الخبرين من وقوع العطف بثمّ الظاهرة في الترتيب و اللّه العالم. انتهى».(1)
«الخامس»: الشكّ بين الأربع و الخمس بعد اكمال السجدتين فيبني على الأربع و يتشهّد و يسلّم ثمّ يسجد سجدتي السهو.
الشرح:
من شكّ بين الأربع و الخمس بعد اكمال السجدتين فيبني على الأربع و يتشهّد و يسلّم ثمّ يسجد سجدتي السهو. و الدليل على ذلك كلّه:
صحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا كنت لاتدري أربعا صلّيت أم خمسا فاسجد سجدتي السهو بعد تسليمك ثمّ سلّم بعدهما».(2)
و صحيحة أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا لم تدر خمسا صلّيت أم أربعا فاسجد سجدتي السهو بعد تسليمك و أنت جالس ثمّ سلّم بعدهما».(3)
و صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا لم تدر أربعا صلّيت أم خمسا أم نقصت أم زدت فتشهّد و سلّم و اسجد سجدتين بغير ركوع و لا قراءة يتشهّد فيهما تشهّدا
خفيفا».(1)
و الظاهر من هذه الصحاح احراز الرابعة فيكون بعد اكمال السجدتين، و لم يختلف فيه أحد من الفقهاء الاّ الصدوق رحمه الله في المقنع فانّه أفتى بصلاة ركعتين جالسا كما في الفقه الرضوي و مضمرة زيد الشحّام، و الاّ الشيخ في الخلاف فانّه أفتى ببطلان الصلاة. أمّا الأوّل فمع أنّه مخالف للمشهور فدليله أيضا لايقاوم بما استدلّوا به لضعف الفقه الرضوي ان كان هو المستند. و أمّا خبر زيد الشحّام قال:
«سألته عن رجل صلّى العصر ستّ ركعات أو خمس ركعات؟ قال: ان استيقن أنّه صلّى خمسا أو ستّا فليعد، و ان كان لايدري أزاد أم نقص فليكبّر و هو جالس ثمّ ليركع ركعتين يقرأ فيهما بفاتحة الكتاب في آخر صلاته ثمّ يتشهّد. الحديث».(2)
فهو ضعيف، و ذلك أوّلاً لضعف سنده بأبي جميلة و اضماره و اعراض المشهور عنه. و ثانيا لضعف دلالته، فانّ المراد من قوله عليه السلام: «و ان كان لايدري أزاد أم نقص» من الطرفين لا من طرف واحد فينتج بأنّه شكّ بين الثلاث و الأربع و الخمس على ما بيّنه صاحب الوسائل.
و أمّا ما ذهب اليه الشيخ رحمه الله من البطلان فمستنده غير معلوم.
قال في مصباح الفقيه: «من شكّ فلم يدر أربعا صلّى أم خمسا يتشهّد و يسلّم و يسجد سجدتي السهو على المشهور. و عن الصدوق في المقنع أنّه قال: «اذا لم تدر أربعا صلّيت أم خمسا أو زدت أو نقصت فتشهّد و سلّم و صلّ ركعتين بأربع سجدات و أنت جالس بعد تسليمك». و في حديث آخر: «تسجد سجدتين بغير ركوع و لا قراءة». و حكي عن خلاف الشيخ القول بالبطلان. انتهى».(3)
و قال في الجواهر: «اذا وقع الشكّ بين الأربعة و الخمسة و كان بعد اكمال السجدتين و رفع الرأس منهما، فالظاهر فيه الصحّة، خلافا للمحكي عن خلاف الشيخ من البطلان، و لا ريب في ضعفه، بل عن المقاصد العليّة الاجماع على خلافه و لعلّه كذلك، و يدلّ عليه مضافا الى ذلك روايات بعضها صحيحة، فما عن الصدوق من ايجاب ركعتين جالسا احتياطا ضعيف جدّا - الى أن قال: - فمتى وقع الشكّ بعد الركوع أو في أثنائه أو بعد رفع الرأس منه أو في أثناء الهويّ للسجود أو في السجدة الأولى أو بين السجدتين أو قبل وضع الجبهة في السجدة الثانية و نحو ذلك بطلت الصلاة؛ لعدم دخولها تحت المنصوص و عدم العلاج. انتهى ملخّصا».(1)
«السادس»: الشكّ بين الأربع و الخمس حال القيام، فانّه يهدم و يجلس و يرجع شكّه الى ما بين الثلاث و الأربع فيتمّ صلاته ثمّ يحتاط بركعتين من جلوس أو ركعة من قيام.
«السابع»: الشكّ بين الثلاث و الخمس حال القيام، فانّه يهدم القيام و يرجع شكّه الى ما بين الاثنتين و الأربع فيبني على الأربع و يعمل عمله.
«الثامن»: الشكّ بين الثلاث و الأربع و الخمس حال القيام، فيهدم القيام و يرجع شكّه الى الشكّ بين الاثنتين و الثلاث و الأربع فيتمّ صلاته و يعمل عمله.
«التاسع»: الشكّ بين الخمس و الستّ حال القيام، فانّه يهدم القيام فيرجع شكّه الى ما بين الأربع و الخمس فيتمّ و يسجد سجدتي السهو مرّتين انلم يشتغل بالقراءة أو التسبيحات و الاّ فثلاث مرّات، و ان قال: «بحول اللّه» فأربع مرّات: مرّة للشكّ بين الأربع و الخمس و ثلاث مرّات لكلّ من
1) - جواهر الكلام 12: 354 و 355.
الزيادات من قوله: «بحول اللّه» و القيام و القراءة أو التسبيحات، و الأحوط في الأربعة المتأخّرة بعد البناء و عمل الشكّ اعادة الصلاة أيضا، كما أنّ الأحوط في الشكّ بين الاثنتين و الأربع و الخمس و الشكّ بين الثلاث و الأربع و الخمس العمل بموجب الشكّين ثمّ الاستئناف.
الشرح:
من شكّ بين الأربع و الخمس حال القيام فهو في حال كونه يشكّ أنّ هذه الركعة رابعة أو خامسة يشكّ أيضا أنّ ما صلّى قبل قيامه هذا كان ثلاث ركعات أو أربع ركعات، و كما أنّ من شكّ بعد رفع رأسه من السجدة الأخيرة بين الثلاث و الأربع يبني على الأربع و يتمّ و يأتي بركعة من قيام أو ركعتين من جلوس، هكذا هذا المصلّي يجب عليه أن يهدم القيام؛ للحكم بزيادته ظاهرا و يعمل عمل من شكّ بين الثلاث و الأربع. و أمّا وجوب سجدتي السهو للقيام فسيأتي الكلام فيه ان شاء اللّه.
قال المحقّق الهمداني: «اذا شكّ قبل الركوع بين الأربع و الخمس فقد صرّح غير واحد بل في الحدائق نفى الاشكال و الخلاف في أنّه يجلس فينقلب شكّه الى الثلاث و الأربع فيعمل فيه على ما تقدّم في تلك المسألة و يزيد مع ذلك سجدتي السهو لمكان القيام. و نوقش في ذلك بأنّه لا دليل على الهدم و قلب الشكّ بل لابدّ من تشخيص حكم الموضوع حال حدوث الشكّ و قد منع شيخنا المرتضى رحمه الله ابتناءه على انقلاب الشكّ - الى أن قال: - لايتوقّف ذلك على دعوى انقلاب شكّه بعد الهدم كي يتوجّه عليها ما ذكر بل لأنّه حال كونه شاكّا في أنّ ما بيده رابعة أو خامسة يصدق عليه أنّه لايدري أنّه صلّى ثلاثا أو أربعا فعليه أن يتشهّد و يسلّم و يحتاط بركعة من قيام أو ركعتين من جلوس؛ لعموم ما دلّ عليه، و تخصيصه بخصوص الشكّ الحادث قبل تلبّسه بالخامسة يحتاج الى دليل و دعوى انصراف
الأدلّة اليه بخصوصه قابلة للمنع. انتهى ملخّصا».(1)
و أمّا من شكّ بين الثلاث و الخمس حال القيام فكالسابق يشكّ في أنّ ما صلّى كان ركعتين أو أربع ركعات فيجلس و يبني على الأربع و يعمل عمل الشاكّ بين الاثنتين و الأربع.
و كذا من شكّ بين الثلاث و الأربع و الخمس في حال كونه قائما فيشكّ في أنّ ما مضى كان اثنتين أو ثلاثا أو أربعا فيجلس و يعمل بما عمل به في ذلك.
و من شكّ بين الخمس و الستّ كذلك يجلس و يعمل عمل من شكّ بين الأربع و الخمس بعد اكمال السجدتين فيسجد سجدتي السهو.
و أمّا اذا كان الشكّ مركّبا من شكّين صحيحين (كالشكّ بين الاثنتين و الأربع و الخمس فانّه مؤلّف من الشكّ بين الاثنتين و الأربع و بين الأربع و الخمس، و كالشكّ بين الثلاث و الأربع و الخمس فانّه مؤلّف من الشكّ بين الثلاث و الأربع و بين الأربع و الخمس، و كالشكّ بين الاثنتين و الثلاث و الأربع و الخمس، فانّه أيضا مؤلّف من الشكّ بين الاثنتين و الثلاث و الأربع و بين الأربع و الخمس) فيعمل بحكم الشكّين الواقعين فيه حيث كانا منفكّين، و لابأس بالعمل بما ورد عملاً باطلاق دليله، و ليس هناك مانع الاّ دعوى انصراف النصوص الى صورة انفراد الشكّ و بساطته و عدم انضمامه مع شكّ آخر و لايبعد أن يقال بأنّ الانصراف بدويّ، ولكن لايترك الاحتياط بأداء التكليف بعد الانحلال ثمّ الاعادة؛ لعدم النصّ بالخصوص و قاعدة الاشتغال أو صحيحة صفوان.
(مسألة 3): الشكّ في الركعات ماعدا هذه الصور التسع موجب للبطلان كما عرفت لكن الأحوط فيما اذا كان الطرف الأقلّ صحيحا و الأكثر باطلاً كالثلاث و الخمس و الأربع و الستّ و نحو ذلك البناء على الأقلّ و الاتمام
1) - مصباح الفقيه كتاب الصلاة: 568 و 569.
ثمّ الاعادة و في مثل الشكّ بين الثلاث و الأربع و الستّ يجوز البناء على الأكثر الصحيح و هو الأربع و الاتمام و عمل الشكّ بين الثلاث و الأربع ثمّ الاعادة أو البناء على الأقلّ و هو الثلاث ثمّ الاتمام ثمّ الاعادة.
الشرح:
قد تقدّم أنّ من شكّ في الركعات و لم يقع وهمه على شيء يجب عليه الاعادة الاّ ما خرج بالدليل و هو الشكوك الصحيحة التي ورد النصّ على صحّتها و كانت تسع صور فماعداها باطل؛ فالشكّ بين الثلاث و الخمس بعد رفع الرأس من السجدة الأخيرة و قبل القيام باطل، و كذا الشكّ بين الأربع و الستّ مطلقا أو الشكّ بين الثلاث و الأربع و الستّ مطلقا كلّها باطل و مبطل للصلاة؛ لصحيحة صفوان عن أبي الحسن عليه السلام قال:
«ان كنت لاتدري كم صلّيت و لم يقع وهمك على شيء فأعد الصلاة».(1)
و لقاعدة الاشتغال، و عليه فالاحتياط المذكور في المتن لا موضوع له. نعم، من حيث انّ دليل البطلان ظنّي و يمكن أن تكون الصلاة صحيحة و ابطالها محرّما على قول، فالاحتياط على ما ذهب اليه المصنّف لاينبغي تركه.
(مسألة 4): لايجوز العمل بحكم الشكّ من البطلان أو البناء بمجرّد حدوثه بل لابدّ من التروّي و التأمّل حتّى يحصل له ترجيح أحد الطرفين أو يستقرّ الشكّ، بل الأحوط في الشكوك الغير الصحيحة التروّي الى أن تنمحي صورة الصلاة أو يحصل اليأس من العلم أو الظنّ و ان كان الأقوى جواز الابطال بعد استقرار الشكّ.
1) - وسائل الشيعة 8: 225 / الباب 15 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة / الحديث 1.
الشرح:
اذا عرض للمصلّي أحد الشكوك الصحيحة فهل يجب عليه التروّي و التأمّل حتّى يستقرّ الشكّ ثمّ العمل بحكمه أو لايجب بل يجوز له العمل بحكم الشكّ بمجرّد حدوثه؟ قد يقال بعدم الوجوب؛ لعدم الدليل عليه بل الدليل على خلافه و هو اطلاق دليل حكم الشكّ، ولكنّ الظاهر من لسان الدليل هو وجوب التروّي حتّى يستقرّ الشكّ.
بيان ذلك أنّ في بعض الروايات استعملت كلمة «الاعتدال»، كما قال عليه السلام: «اذا اعتدل الوهم»(1)، فهي و ان استعملت في مقابل رجحان الوهم و هو الظنّ ولكنّه يشمّ منها رائحة الاستقرار فلايقال بمجرّد حدوث الشكّ: انّه اعتدل شكّه، الاّ اذا مضى زمان و استوى طرفا شكّه. و مثل كلمة الاعتدال كلمة استوى و جملة «لم يقع وهمك على شيء» و أمثالها. مضافا الى أنّ العرف لايستعمل لفظ «الشاكّ» بمجرّد حدوث الشكّ الاّ لمن استقرّ شكّه. و ان أنكرت ذلك أنكرنا اطلاق الدليل؛ لأنّ الامام عليه السلام لم يكن الاّ بصدد بيان وظيفة الشاكّ. و أمّا جواز البناء و عدمه بمجرّد حدوث الشكّ حتّى يستقرّ فلا. ثمّ انّ الوجوب هنا شرطيّ بمعنى أنّه اذا استقرّ الشكّ يوجد الموضوع و عليه لو كان جالسا بعد التشهّد فشكّ في أنّه صلّى اثنتين أو الأربع لايجوز له السلام بمجرّده.
ثمّ انّ المراد من التروّي هو التأمّل و لايحتاج الى التأمّل الطويل بل يكفي مسمّاه و عليه قلّما يتّفق لمن يشكّ في ركعات صلاته أن يعجّل و لايتأمّل بل يمكن أن يدّعى أنّه قهريّ و عليه فلايحتاج الى تطويل البحث و ابداع الفروع.
فلو حدث أحد الشكوك الباطلة و استقرّ تبطل صلاته؛ لقوله عليه السلام في رواية صفوان:
«ان كنت لاتدري كم صلّيت و لم يقع وهمك على شيء فأعد
1) - وسائل الشيعة 8: 216 / الباب 10 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة / الحديث 2.
الصلاة».(1)
فالأمر باعادة الصلاة كاشف عن بطلانها و عليه فلايحتاج الى التروّي الذي يوجب انمحاء صورة الصلاة أو يحصل اليأس من العلم أو الظنّ.
و لابأس بالاشارة الى كلام المحقّق الهمداني في ذلك فانّه لايخلو من فائدة كما قاله نفسه: «هيهنا فوائد: الأولى: هل تبطل الصلاة بنفس الشكّ من حيث هو فيكون الشكّ كالحدث قاطعا للصلاة فلايجدي زواله بعد تحقّقه أم لا فلو تروّى و زال الشكّ مضى في صلاته ما لم يفت التوالي قولان حكي أوّلهما عن بعض أخذا بظاهر الأخبار التي علّق فيها الاعادة على الشكّ، كقوله عليه السلام: «اذا شككت في المغرب فأعد الصلاة و اذا شككت في الفجر فأعد». و فيه: انّه يظهر بالتدبّر في النصوص أنّ هذا انّما هو لحفظ الصلاة و سلامتها عن الزيادة و النقصان كما يفصح عن ذلك قوله عليه السلام في صحيحة محمّد بن مسلم المتقدّمة التي وقع فيها السؤال عمّن لايدري واحدة صلّى أم ثنتين: «يستقبل حتّى يستيقن أنّه قد أتمّ». و قوله عليه السلام في خبر ابن أبي يعفور الوارد فيمن لايدري كم صلّى: «فأعد و لاتمض على الشكّ». و في خبر زرارة: «فمن شكّ في الأوّلتين أعاد حتّى يحفظ و يكون على يقين». و في خبر أبي بصير: «اذا سهوت في الأوّلتين فأعدهما حتّى تثبتهما». فما هو صريح غير واحد و ظاهر آخرين من عدم عروض البطلان بحدوث الشكّ من حيث هو، هو الأظهر. و هل يجب التروّي الى أن يتحقّق الفصل الطويل أو يكفي مسمّاه أم لايجب أصلاً وجوه أوجهها أوسطها، اذ المتبادر من الشكّ في النصوص و الفتاوى هو التحيّر الحاصل للنفس بعد اعمال الرويّة في الجملة أي الشكّ المستقرّ لا التردّد البدوي الحاصل بمجرّد التفات الذهن. و من هنا يتّجه على القول بكون الشكّ بنفسه من القواطع تخصيصه أيضا بالشكّ المستقرّ. و أمّا بعد حصول الاستقرار فيجوز له الاستئناف و ان لم نقل بكونه بنفسه سببا للبطلان
1) - وسائل الشيعة 8: 225 / الباب 15 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة / الحديث 1.
لاطلاق النصوص الآمرة بالاعادة الغير القاصرة عن شموله، و احتمال وجوب التروّي الى أن يتحقّق الفصل الطويل المخلّ بناءً على عدم عروض البطلان بنفس الشكّ؛ للنهي عن ابطال العمل و استصحاب حرمة القطع مدفوع بالاطلاق. و دعوى ورود المطلقات مورد حكم آخر و هو عدم الاعتداد مع الشكّ فلاينافيه اشتراط جواز الاستئناف بحصول الفصل الطويل الموجب للبطلان، مدفوعة بظهور أغلب النصوص في كونها مسوقة لبيان الحكم الفعلي الثابت للشاكّ عند تحيّره فيما يقتضيه تكليفه فصرفها الى ارادة الاعادة بعد حصول الفصل أو مبطل آخر بعيد. انتهى».(1)
(مسألة 5): المراد بالشكّ في الركعات تساوي الطرفين لا ما يشتمل الظنّ فانّه في الركعات بحكم اليقين سواء في الركعتين الأوّلتين و الأخيرتين.
الشرح:
قال المحقّق الهمداني: «لو غلب على ظنّه أي ترجّح في نظره أحد طرفي ما شكّ فيه في الصور الأربع و غيرها ممّا تقدّم حتّى الشكّ في الأوّلتين و الثنائيّة و الثلاثيّة، بنى على الظنّ و كان كالعلم على المشهور بل اجماعا فيما عدا الأوليين و الثنائيّة و الثلاثيّة على ما عن غير واحد ادّعاؤه و قضيّة اطلاق عبائرهم في فتاويهم و معاقد اجماعاتهم كصريح بعضهم وجوب البناء على الظنّ و ان تعلّق بالمبطل فمن غلب على ظنّه الخمس يجري عليه حكم من زاد خامسة. انتهى».(2)
و يدلّ على قول المشهور روايات وردت في ترجيح الظنّ في خصوص بعض الشكوك:
منها خبر عبدالرحمن بن سيّابة و أبي العبّاس جميعا عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا لم تدر ثلاثا صلّيت أو أربعا و وقع رأيك على الثلاث فابن على الثلاث، و ان وقع رأيك على الأربع فسلّم و انصرف، و ان اعتدل وهمك فانصرف و صلّ ركعتين و أنت جالس».(1)
و منها صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) قال:
«اذا كنت لاتدري ثلاثا صلّيت أم أربعا و لم يذهب وهمك الى شيء فسلّم ثمّ صلّ ركعتين و أنت جالس تقرأ فيهما بأمّ الكتاب، و ان ذهب وهمك الى الثلاث فقم فصلّ الركعة الرابعة و لاتسجد سجدتي السهو، فان ذهب وهمك الى الأربع فتشهّد و سلّم ثمّ اسجد سجدتي السهو».(2)
و منها مفهوم صحيحة ثانية للحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام أنّه قال:
«اذا لم تدر اثنتين صلّيت أم أربعا و لم يذهب وهمك الى شيء فتشهّد و سلّم ثمّ صلّ ركعتين و أربع سجدات تقرأ فيهما بأمّ الكتاب ثمّ تشهّد و تسلّم، فان كنت انّما صلّيت ركعتين كانتا هاتان تمام الأربع و ان كنت صلّيت أربعا كانتا هاتان نافلة».(3)
و بعدم القول بالفصل بين صور الشكوك و كذا بين الأخيرتين و الأوّلتين يتمّ المطلوب. و كذا يستدلّ للمشهور بعموم صحيحة صفوان عن أبي الحسن عليه السلام قال:
«ان كنت لاتدري كم صلّيت و لم يقع وهمك على شيء فأعد الصلاة».(4)
1) - وسائل الشيعة 8: 211 / الباب 7 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة / الحديث 1.
2) - وسائل الشيعة 8: 217 / الباب 10 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة / الحديث 5.
3) - وسائل الشيعة 8: 219 / الباب 11 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة / الحديث 1.
4) - وسائل الشيعة 8: 225 / الباب 15 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة / الحديث 1.
و تدلّ الصحيحة على حكمين: الأوّل: بطلان الصلاة بوقوع الشكّ فيها الاّ ما خرج بالدليل و قد دلّ الدليل على صحّة تسع صور و قد تقدّمت. الثاني: اذا وقع وهمك على شيء أي ذهب وهمك الى شيء مثل الثالث أو الرابع أو غيرهما أي ظننت بالثالث أو غيره فلاتعد الصلاة و هو ما يدلّ عليه بمفهوم الصحيحة. و حيث انّ الحكم الدالّ عليه المفهوم مطلق يشمل الركعتين الأوّلتين أيضا كالأخيرتين و كذا يشمل الثنائيّة و الثلاثيّة.
و بازائها روايات تخالف بظاهرها ما تقدّم، كصحيحة محمّد بن مسلم قال:
«انّما السهو بين الثلاث و الأربع و في الاثنتين و في الأربع بتلك المنزلة، و من سها فلم يدر ثلاثا صلّى أم أربعا و اعتدل شكّه، قال: يقوم فيتمّ ثمّ يجلس فيتشهّد و يسلّم و يصلّي ركعتين و أربع سجدات و هو جالس، فان كان أكثر وهمه الى الأربع تشهّد و سلّم ثمّ قرأ فاتحة الكتاب و ركع و سجد ثمّ قرأ فسجد سجدتين و تشهّد و سلّم، و ان كان أكثر وهمه الثنتين نهض فصلّى ركعتين و تشهّد و سلّم».(1)
و موثّقة سماعة عن أبي بصير قال:
«سألته عن رجل صلّى فلم يدر أ في الثالثة هو أم في الرابعة؟ قال: فما ذهب وهمه اليه، ان رأى أنّه في الثالثة و في قلبه من الرابعة شيء سلّم بينه و بين نفسه ثمّ صلّى ركعتين يقرأ فيهما بفاتحة الكتاب».(2)
و مرسلة أبي بصير التي نقلها الصدوق في المقنع أنّه روى فيمن لم يدر ثلاثا صلّى أم أربعا:
«ان كان ذهب وهمك الى الرابعة فصلّ ركعتين و أربع سجدات
جالسا، فان كنت صلّيت ثلاثا كانتا هاتان تمام صلاتك، و ان كنت صلّيت أربعا كانتا هاتان نافلة لك».(1)
ولكن لايقابل هذه الروايات ما سبق، أمّا الصحيحة ففيها أوّلاً: انّ محمّد بن مسلم قد أفتى برأيه و لم ينقل عن الامام و الحجّة روايته لا درايته. و ثانيا: صدرُها مخالف للخاصّة للبناء على الأقلّ و مخالف للعامّة أيضا؛ للاحتياط بصلاة ركعتين. و ثالثا: حكمه بصلاة الاحتياط لايناسب البناء على الأقلّ؛ لأنّها لتدارك النقص المحتمل، و بعد البناء المزبور ليس هناك الاّ احتمال الزيادة دون النقصان. و أمّا الموثّقة فلاينهض في قبال تلك النصوص فلابدّ من طرحها أو تأويلها بدعوى أنّ المراد من الوهم و الرأي هو الشكّ المتساوي الطرفين، فالمراد مساواة ما يراه مع ما وقع في قلبه. و أمّا المرسلة فانّها ضعيفة لارسالها و عدم ذكرها في الفقيه و لا الكافي مضافا الى امكان حملها على الاستحباب.
و قيل بتعارض صحيحة صفوان بالنسبة الركعتين الأوّلتين و الصلاة الثنائيّة و الثلاثيّة، صحيحة زرارة قال:
«قال أبو جعفر عليه السلام: كان الذي فرض اللّه تعالى على العباد عشر ركعات و فيهنّ القراءة و ليس فيهنّ وهم يعني سهوا فزاد رسول اللّه صلى الله عليه و آله سبعا و فيهنّ الوهم و ليس فيهنّ قراءة، فمن شكّ في الأوليين أعاد حتّى يحفظ و يكون على يقين، و من شكّ في الأخيرتين عمل بالوهم».(2)
لأنّ الوهم بمعنى الظنّ و قد نفاه عليه السلام في الركعتين الأوّلتين، هذا أوّلاً. و ثانيا: علّل عليه السلام اعادة الصلاة ليكون على يقين لأنّ الظنّ لايغني من الحقّ شيئا. ولكنّه مدفوع بأنّ الوهم هنا بمعنى الشكّ كما أظهر عليه السلام مراده و قال: «يعني سهوا». و ثالثا
اليقين هنا ليس بعنوان أنّه صفة خاصّة بل بعنوان أنّه طريق الى الواقع فما اعتبره الشارع طريقا يقع موقع اليقين، فالظنّ بالركعات حجّة؛ لصحيحة صفوان.
(مسألة 6): في الشكوك المعتبر فيها اكمال السجدتين كالشكّ بين الاثنتين و الثلاث، و الشكّ بين الاثنتين و الأربع، و الشكّ بين الاثنتين و الثلاث و الأربع اذا شكّ مع ذلك في اتيان السجدتين أو احداهما و عدمه ان كان ذلك حال الجلوس قبل الدخول في القيام أو التشهّد بطلت الصلاة؛ لأنّه محكوم بعدم الاتيان بهما أو بأحدهما فيكون قبل الاكمال، و ان كان بعد الدخول في القيام أو التشهّد لم تبطل؛ لأنّه محكوم بالاتيان شرعا فيكون بعد الاكمال، و لا فرق بين مقارنة حدوث الشكّين أو تقدّم أحدهما على الآخر و الأحوط الاتمام و الاعادة خصوصا مع المقارنة أو تقدّم الشكّ في الركعة.
الشرح:
اذا شكّ بين الاثنتين و الثلاث أو الاثنتين و الأربع أو الاثنتين و الثلاث و الأربع، أي الشكوك التي يعتبر في صحّتها اكمال السجدتين و شكّ مع ذلك في اتيان السجدتين أو احداهما و كان جالسا أي لم يأت بالقيام و لم يدخل في الغير كالتشهّد، فحينئذ تبطل صلاته؛ لحكم الشارع بعدم الاتيان بالسجدة فتكون الشكوك المذكورة قبل اكمال السجدتين، و لا فرق بين أن يكون الشكّ في السجدة قبل حدوث الشكّ في الركعات أو بعده أو مقارنا.
و أمّا ان كان بعد التجاوز كما لو عرض الشكّ المزبور بعد الدخول في التشهّد أو بعد الدخول في القيام فشكّ في أنّ الركعة التي قام عنها و قد شكّ فعلاً في سجدتها هل كانت الثانية أو الثالثة؟ فحينئذ تجري قاعدة التجاوز و يحكم باتيان السجدة و يكون شكّه بعد اكمال السجدتين فيبني على أنّ الركعة التي قام عنها كانت ثالثة و أنّ ما بيده يكون الركعة الرابعة فيتمّ ثمّ يحتاط بركعة من قيام، كما
تقدّم.
ثمّ انّ المصنّف بعد أن أفتى بعدم بطلان الصلاة ان كان شكّه في الركعة بعد الدخول في القيام أو التشهّد بلا فرق بين مقارنة حدوث الشكّين أو تقدّم أحدهما على الآخر قال: «و الأحوط الاتمام و الاعادة خصوصا مع المقارنة أو تقدّم الشكّ في الركعة».
أقول:
في صورة المقارنة أو تقدّم الشكّ في الركعة فالاحتياط في محلّه؛ لأنّ الشكّ في الركعة، فكأنّه كان قبل اكمال السجدتين بخلاف ما لو كان الشكّ في السجدتين متقدّما على الشكّ في الركعة. و ان لم يكن هناك فرق بين الصور الثلاث كما اعترف به؛ لأنّه اذا جرت قاعدة التجاوز يكون الشكّ في الركعة بعد اكمال السجدتين قهريّا كما لو تيقّن باتيان السجدة واقعا.
ثمّ ان شكّ في حال القيام في أنّ هذه الركعة هي الثانية أو الثالثة بطلت صلاته، سواء شكّ معه في اتيان السجدة أو لم يشكّ؛ لأنّ شكّه حينئذ يكون قبل اكمال السجدتين فهو من الشكوك الباطلة التي تقدّمت.
(مسألة 7): في الشكّ بين الثلاث و الأربع و الشكّ بين الثلاث و الأربع و الخمس اذا علم حال القيام أنّه ترك سجدة أو سجدتين من الركعة السابقة بطلت الصلاة؛ لأنّه يجب عليه هدم القيام لتدارك السجدة المنسيّة فيرجع شكّه الى ما قبل الاكمال، و لا فرق بين أن يكون تذكّره للنسيان قبل البناء على الأربع أو بعده.
الشرح:
اذا شكّ بين الثلاث و الأربع في حال كونه قائما ثمّ علم أنّه ترك سجدة أو
سجدتين من الركعة السابقة بطلت صلاته؛ لأنّ قيامه يكون في غير محلّه فيكون شكّه بين الاثنتين و الثلاث قبل اكمال السجدتين. و مثله الشكّ بين الثلاث و الأربع و الخمس كما في المتن.
(مسألة 8): اذا شكّ بين الثلاث و الأربع مثلاً فبنى على الأربع ثمّ بعد ذلك انقلب شكّه الى الظنّ بالثلاث بنى عليه، و لو ظنّ الثلاث ثمّ انقلب شكّا عمل بمقتضى الشكّ، و لو انقلب شكّه الى شكّ آخر عمل بالأخير، فلو شكّ و هو قائم بين الثلاث و الأربع فبنى على الأربع فلمّا رفع رأسه من السجود شكّ بين الاثنتين و الأربع عمل عمل الشكّ الثاني و كذا العكس فانّه يعمل بالأخير.
الشرح:
من شكّ بين الثلاث و الأربع مثلاً فبنى على الأربع ثمّ بعد ذلك انقلب شكّه الى الظنّ بالثلاث بنى عليه؛ لأنّه يشمله مفهوم قوله عليه السلام في صحيحة صفوان:
«ان كنت لاتدري كم صلّيت و لم يقع وهمك على شيء فأعد الصلاة».(1)
فمفهوم الصحيحة مطلق أي سواء كان قبل ذلك شاكّا أو لم يكن فتكليفه الفعلي العمل بالظنّ و هكذا يكون حال سائر الأمثلة التي أتى بها في المتن.
(مسألة 9): لو تردّد في أنّ الحاصل له ظنّ أو شكّ كما يتّفق كثيرا لبعض الناس كان ذلك شكّا. و كذا لو حصل له حالة في أثناء الصلاة و بعد أن دخل في فعل آخر لم يدر أنّه كان شكّا أو ظنّا بنى على أنّه كان شكّا ان كان فعلاً
1) - وسائل الشيعة 8: 225 / الباب 15 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة / الحديث 1.
شاكّا، و بنى على أنّه كان ظنّا ان كان فعلاً ظانّا. مثلاً لو علم أنّه تردّد بين الاثنتين و الثلاث و بنى على الثلاث و لم يدر أنّه حصل له الظنّ بالثلاث فبنى عليه، أو بنى عليه من باب الشكّ، يبني على الحالة الفعليّة. و ان علم بعد الفراغ من الصلاة أنّه طرأ له حالة تردّد بين الاثنتين و الثلاث و أنّه بنى على الثلاث و شكّ في أنّه حصل له الظنّ به أو كان من باب البناء في الشكّ فالظاهر عدم وجوب صلاة الاحتياط عليه و ان كان أحوط.
الشرح:
فرعان:
لو تردّد في أنّ الحاصل له ظنّ أو شكّ كان ذلك شكّا و ذلك لأنّ الظنّ هو ميل النفس الى أحد طرفي الشكّ و استقراره عليه، فالتردّد الحاصل له كاشف عن عدم الميل الى أحد طرفي الشكّ أو عدم استقراره عليه، و هو مشمول لقوله عليه السلام في صحيحة صفوان: «ان كنت لاتدري كم صلّيت ... » فانّه اذا سئل عنه: هل تدري كم صلّيت؟ يقول: لاأدرى. و لو سئل عنه: هل تظنّ كم صلّيت؟ فيقول: لاأدري. فهو الشاكّ، سواء كان شاكّا في شكّه هذا أيضا أو لم يكن. و المسألة واضحة.
لو علم أنّه تردّد بين الاثنتين و الثلاث مثلاً و بنى على الثلاث و لم يدر أنّه حصل له الظنّ بالثلاث فبنى عليه، أو بنى عليه من باب الشكّ؟ فيبني على الحالة الفعليّة بمعنى أنّه بعدما كان علمه بالتردّد بين الاثنتين و الثلاث و بنائه على الثلاث
باقيا، فان كان فعلاً ظانّا على الثلاث لم يجب عليه صلاة الاحتياط، و لو كان شاكّا و متردّدا وجب عليه صلاة الاحتياط بعد الصلاة؛ لأنّ المدار على الحالة التي يتمّ عليها الصلاة كما يكشف عنه قوله عليه السلام في بعض نصوص البناء على الأكثر: «فاذا سلّمت فأتمّ ما ظننت أنّك قد نقصت»(1)الظاهر في أنّ العبرة بالحالة المتأخّرة التي يتمّ الصلاة عليها و أنّه يلاحظ عندئذ ما ظنّ نقصه فيتمّ، فلا عبرة بمرحلة الحدوث و الحالة السابقة الغير الباقية. و لو علم بعد الفراغ من الصلاة أنّه طرأ له حالة تردّد بين الاثنتين و الثلاث و أنّه بنى على الثلاث، و شكّ في أنّه حصل الظنّ به حتّى لايكون صلاة الاحتياط واجبا عليه، أو كان من باب البناء في الشكّ لتكون واجبة، فالظاهر عدم وجوب صلاة الاحتياط ان كان فعلاً ظانّا و ذلك لما قلنا بأنّ العبرة بالحالة الفعليّة التي يتمّ الصلاة عليها، و أمّا ان كان فعلاً شاكّا فقد ذهب الماتن الى عدم وجوب صلاة الاحتياط عليه و ان كان أحوط. و الظاهر أنّ مبنى عدم وجوبها أصالة البراءة؛ لأنّه شاكّ بالنسبة الى تعلّق أمر جديد بصلاة الاحتياط، و وجه احتياطه أنّ صلاة الاحتياط و ان كانت صلاة مستقلّة الاّ أنّها متمّمة لما يحتمل من نقص صلاته، فلو لم يأت بها يشكّ في امتثال الأمر بالصلاة و الاشتغال اليقيني يستدعي البراءة اليقينيّة.
ولكنّ الظاهر وجوب صلاة الاحتياط لقاعدة الاشتغال، و لاتجري أصالة البراءة، و ذلك لأنّه عالم بوقوع التردّد بين الاثنتين و الثلاث مثلاً و أنّه بنى على الثلاث، الاّ أنّه لايعلم أنّ بناءه لوجود الظنّ و ذهاب وهمه الى الثلاث، أو كان للعمل بتكليف الشاكّ؟ فالأصل عدم وجود الظنّ. هذا، و لاتجري قاعدة الفراغ أيضا، و ذلك لعدم الشكّ في صحّة ما أتى به و انّما الشكّ في التكليف الجديد الاّ أنّ منشأه كان وجود الظنّ و عدمه، و الأصل جارٍ في منشأ هذا الشكّ فيحكم بعدم وجود الظنّ.
1) - وسائل الشيعة 8: 212 / الباب 8 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة / الحديث 1.
(مسألة 10): لو شكّ في أنّ شكّه السابق كان موجبا للبطلان أو للبناء بنى على الثاني. مثلاً لو علم أنّه شكّ سابقا بين الاثنتين و الثلاث و بعد أن دخل في فعل آخر أو ركعة أخرى شكّ في أنّه كان قبل اكمال السجدتين حتّى يكون باطلاً أو بعده حتّى يكون صحيحا بنى على أنّه كان بعد الاكمال، و كذا اذا كان ذلك بعد الفراغ من الصلاة.
الشرح:
لو شكّ في أنّ شكّه السابق كان موجبا للبطلان أو للبناء، بنى على الثاني، مثلاً لو علم أنّه شكّ سابقا بين الاثنتين و الثلاث و بعد التجاوز عن السجدتين و دخوله في الغير شكّ في أنّه كان قبل اكمال السجدتين لتكون صلاته باطلة أو بعده لتكون صحيحة بنى على كونه بعد اكمال السجدتين و ذلك لاستصحاب عدم وقوع الشكّ قبله.
لايقال بأنّه لايحرز وجود الشكّ بعد الاكمال الاّ بالمثبت الذي لانقول به؛ لأنّه يقال: لايلزم احرازه بعد الاكمال بل موضوع البطلان حدوث الشكّ قبل اكمال السجدتين فهو قد نفي بالأصل.
(مسألة 11): لو شكّ بعد الفراغ من الصلاة أنّ شكّه هل كان موجبا للركعة بأن كان بين الثلاث و الأربع مثلاً أو موجبا للركعتين بأن كان بين الاثنتين و الأربع فالأحوط الاتيان بهما ثمّ اعادة الصلاة.
الشرح:
لو شكّ بعد الفراغ من الصلاة في أنّ شكّه هل كان موجبا للركعة أو موجبا للركعتين كما مثّل له في المتن، فيجب عليه الاتيان بهما؛ لأنّ ذمّته صارت مشغولة بصلاة الاحتياط قطعا و دارت بين المتباينين فعليه أن يأتي بهما اقتضاءً للعلم
الاجمالي. فالمصنّف احتاط باعادة الصلاة بعد الاتيان بهما؛ لأنّه لو كانت صلاة الاحتياط متمّمة لما يحتمل نقصه فيحتمل الفصل بين الفريضة و صلاة الاحتياط؛ لأنّه ان أتى بركعة ابتداءً ثمّ بركعتين بعدها فلعلّ شكّه كان بين الاثنتين و الأربع أو عكس ذلك فلعلّ شكّه كان بين الثلاث و الأربع. ولكنّ الفصل لايضرّ اذا كان ذلك للعمل بالحجّة، كما اذا حدث له الشكّ بين الاثنتين و الثلاث و الأربع فبنى على الأربع و أتمّ صلاته ثمّ أتى بركعتين من قيام و ركعتين من جلوس، فلو كانت الفريضة ناقصة بركعة فقد حصل الفصل بينها و بين الركعتين من جلوس الاّ أنّه لابأس به؛ للعمل بالحجّة، و ما نحن فيه أيضا من هذا القبيل فلابأس بالفصل لو انكشف ذلك؛ للعمل بالحجّة و هي العلم الاجمالي.
(مسألة 12): لو علم بعد الفراغ من الصلاة أنّه طرأ له الشكّ في الأثناء لكن لم يدر كيفيّته من رأس فان انحصر في الوجوه الصحيحة أتى بموجب الجميع و هو ركعتان من قيام و ركعتان من جلوس و سجود السهو ثمّ الاعادة، و ان لم ينحصر في الصحيح بل احتمل بعض الوجوه الباطلة استأنف الصلاة؛ لأنّه لم يدر كم صلّى.
الشرح:
لو علم بعد الفراغ من الصلاة أنّه طرأ له شكّ من الشكوك الصحيحة في الأثناء ولكن لم يدر أيّة منها كانت، أتى بموجب الجميع و هو ركعتان من قيام و ركعتان من جلوس و سجود السهو؛ للعلم الاجمالي بتكليفه باحدى المذكورات. و لو علم بعد الفراغ من الصلاة أنّه طرأ له الشكّ في الأثناء ولكن لم يدر أنّه كان من الشكوك الصحيحة أم من الباطلة فتبطل صلاته، و ذلك لأنّه لم يدر كم صلّى فتشمله صحيحة صفوان المتقدّمة حيث قال الامام عليه السلام «ان كنت لاتدري كم صلّيت و لم يقع وهمك على شيء فأعد الصلاة» و لم يحرز استثناؤه بالنسبة الى شكّه
حيث لم ينحصر شكّه في الصحيح بل احتمل بعض الوجوه الباطلة.
(مسألة 13): اذا علم في أثناء الصلاة أنّه طرأ له حالة تردّد بين الاثنتين و الثلاث مثلاً و شكّ في أنّه هل حصل له الظنّ بالاثنتين فبنى على الاثنتين أو لم يحصل له الظنّ فبنى على الثلاث يرجع الى حالته الفعليّة فان دخل في الركعة الأخرى يكون فعلاً شاكّا بين الثلاث و الأربع و ان لم يدخل فيها يكون شاكّا بين الاثنتين و الثلاث.
الشرح:
اذا علم في أثناء الصلاة أنّه طرأ له حالة تردّد بين الاثنتين و الثلاث مثلاً و شكّ في أنّه هل حصل له الظنّ بالاثنتين فبنى على الاثنتين أو لم يحصل له الظنّ فبنى على الثلاث؟ فقد حكم المصنّف بأنّه يرجع الى حالته الفعليّة فان دخل في الركعة الأخرى يكون فعلاً شاكّا بين الثلاث و الأربع؛ لأنّه ان حصل له الظنّ بالاثنتين فبنى على الاثنتين فهذه الركعة تكون الركعة الثالثة، و ان لم يحصل له الظنّ فبنى على الثلاث فهذه الركعة تكون الركعة الرابعة، و حيث لم يعلم أيّهما كان ففي هذه الحالة يكون شاكّا بين الثلاث و الأربع فيعمل عمل الشكّ بين الثلاث و الأربع. و أمّا ان لم يدخل في الركعة الأخرى بل دخل في التشهّد مثلاً و حيث لم يعلم أنّه كان ظانّا بالاثنتين أو شاكّا فيها و في الثالثة فحينئذ يكون شاكّا بين الاثنتين و الثلاث، فيبني على الثلاث و يقوم و يأتي بالركعة الرابعة و يتمّ الصلاة و يصلّي صلاة الاحتياط.
(مسألة 14): اذا عرض له أحد الشكوك و لم يعلم حكمه من جهة الجهل بالمسألة أو نسيانها فان ترجّح له أحد الاحتمالين عمل عليه و ان لم يترجّح أخذ بأحد الاحتمالين مخيّرا، ثمّ بعد الفراغ رجع الى المجتهد، فان كان
موافقا فهو، و الاّ أعاد الصلاة و الأحوط الاعادة في صورة الموافقة أيضا.
الشرح:
اذا عرض له أحد الشكوك و لم يعلم حكمه لجهله بالمسألة أو نسيانها فان قلنا بعدم حرمة قطع الصلاة الاّ اذا عدّ لاعبا بها فيجوز له قطع الصلاة و الاستئناف بعد السؤال؛ لاحتمال الخلل فيها. و أمّا اذا قلنا بحرمة القطع أو كان الوقت ضيقا فيعمل بما يخطر بباله و يحتمله، و ان كانت الاحتمالات أكثر من واحد فيعمل بما يرجّح في ذهنه و الاّ يتخيّر؛ لحكم العقل بكفاية الامتثال الظنّي أو الاحتمالي اذا تعذّر الاحتياط و الامتثال الجزمي، ثمّ بعد الفراغ رجع الى المجتهد؛ لحكم العقل بلزوم تحصيل الفراغ اليقيني ممّا اشتغلت ذمّته به اذا أمكن، و لعدم الدليل على حجّيّة الظنّ المطلق فضلاً عن الاحتمال. و بعد الرجوع و الفحص و السؤال فان كان ما عمل موافقا للحكم فهو و الاّ أعاد الصلاة. و الاحتياط بالاعادة في صورة الموافقة أيضا حسن؛ لاحتمال اعتبار الجزم في الامتثال و الاطاعة مع التمكّن منه.
(مسألة 15): لو انقلب شكّه بعد الفراغ من الصلاة الى شكّ آخر فالأقوى عدم وجوب شيء عليه؛ لأنّ الشكّ الأوّل قد زال و الشكّ الثاني بعد الصلاة فلايلتفت اليه، سواء كان ذلك قبل الشروع في صلاة الاحتياط أو في أثنائها أو بعد الفراغ منها، لكنّ الأحوط عمل الشكّ الثاني ثمّ اعادة الصلاة، لكن هذا اذا لم ينقلب الى ما يعلم معه بالنقيصة كما اذا شكّ بين الاثنتين و الأربع ثمّ بعد الصلاة انقلب الى الثلاث و الأربع، أو شكّ بين الاثنتين و الثلاث و الأربع مثلاً ثمّ انقلب الى الثلاث و الأربع، أو عكس الصورتين. و أمّا اذا شكّ بين الاثنتين و الأربع مثلاً ثمّ بعد الصلاة انقلب الى الاثنتين و الثلاث فاللازم أن يعمل عمل الشكّ المنقلب اليه الحاصل بعد الصلاة لتبيّن كونه في الصلاة و كون السلام في غير محلّه، ففي الصورة المفروضة يبني على الثلاث و يتمّ
و يحتاط بركعة من قيام أو ركعتين من جلوس و يسجد سجدتي السهو؛ للسلام في غير محلّه، و الأحوط مع ذلك اعادة الصلاة.
الشرح:
لو انقلب شكّه بعد الفراغ من الصلاة الى شكّ آخر فالصور المتصوّرة فيه خمس:
الأولى: لو انقلب شكّه الى ما يعلم معه بالنقيصة، و مثالها كما في المتن اذا شكّ بين الاثنتين و الأربع فبنى على الأربع و أتمّ و بعد الصلاة انقلب شكّه الى الاثنتين و الثلاث، ففي هذه الصورة أحد طرفي الشكّ - و هو الاثنتين - ثابت و طرفه الآخر كان أربعا في البداية ثمّ تبدّل بالثلاث، فحينئذ يكون متردّدا بين الاثنتين الذي لم يزل و الثلاث الذي يكون حادثا، فانّه يعلم بالنقيصة امّا بركعتين أو ركعة واحدة، و بناءً عليه لم يتمّ صلاته قطعا، و السلام الذي جاء به كان في غير محلّه، فيبني على الثلاث و يحتاط بركعة قائما على ما تقدّم ثمّ يسجد سجدتي السهو لزيادة التشهّد، و سجدتين أخريين للسلام الزائد.
الثانية: اذا كان الشكّان متردّدين بين النقيصة و الزيادة، كما اذا انقلب الشكّ في النقيصة الى الشكّ في الزيادة أو بالعكس. و مثالها ما لو انقلب الشكّ بين الثلاث و الأربع الى الشكّ بين الأربع و الخمس، فالشكّ الأوّل قد زال، و الثاني حادث بعد الصلاة فلايعتني به، ففي كليهما اشترك احتمال اتمام الصلاة الاّ أنّ في الأوّل احتمل نقصانها أيضا و قد زال و في الثاني احتمل زيادتها كذلك ولكنّه حادث، فبقي اتمام الصلاة و صحّتها. و هكذا يكون الحال في عكس هذا المثال كما لو انقلب الشكّ بين الأربع و الخمس الى الشكّ بين الثلاث و الأربع.
الثالثة: اذا كانا يشتركان في احتمال النقص و هو فيما لو انقلب الشكّ المركّب الى البسيط كما اذا شكّ بين الاثنتين و الثلاث و الأربع ثمّ انقلب شكّه بعد السلام الى الشكّ بين الثلاث و الأربع، ففي هذه الصورة لم يزل الشكّ كاملاً بل
زال أحد أطراف الشكّ المركّب و هو الاثنتان، و الشكّ بين الثلاث و الأربع باقٍ فتجب عليه صلاة الاحتياط.
الرابعة: عكس الصورة الثالثة بأن كان شكّه الأوّل ما بين الثلاث و الأربع و انقلب الى الشكّ بين الاثنتين و الثلاث و الأربع، فالشكّ الحادث بعد السلام هو الاثنتان فلايعتني به، و الشكّ بين الثلاث و الأربع باقٍ، ففي هذه الصورة أيضا تجب عليه صلاة الاحتياط.
الخامسة: اذا انقلب الشكّ البسيط الى بسيط مثله المغاير له في الجملة و المشارك له في النقيصة. و مثالها كما اذا شكّ بين الثلاث و الأربع فبنى على الأربع و سلّم ثمّ انقلب شكّه بعد الصلاة الى الاثنتين و الأربع أو بالعكس بأن كان شكّه بين الاثنتين و الأربع ثمّ انقلب الى الثلاث و الأربع، فانّ شكّه الفعلي الراجع الى احتمال النقص لم يكن حادثا بل كان موجودا في الجملة، ففي هذه الصورة يحتاط بركعة؛ لوجود النقص في الحالتين، ثمّ يعيد الصلاة لاحتمال بطلانها لما يدّعى من انصراف النصوص الى ما اذا كان ذاك الشكّ بما له من الطرفين باقيا و مستمرّا الى ما بعد الصلاة، و المفروض تخلّفه عمّا كان ولو في الجملة باعتبار التخلّف في أحد طرفيه.
ثمّ انّك بعد الاحاطة على الصور المذكورة عرفت أنّه في اطلاق ما ذهب اليه المصنّف من قوله: «الأقوى عدم وجوب شيء عليه؛ لأنّ الشكّ الأوّل قد زال و الشكّ الثاني بعد الصلاة فلايلتفت اليه» اشكال.
ثمّ انّه لو كان انقلاب شكّه بعد صلاة الاحتياط فلايحتاج الى اعادتها و تمّت صلاته.
(مسألة 16): اذا شكّ بين الثلاث و الأربع أو بين الاثنتين و الأربع ثمّ بعد الفراغ انقلب شكّه الى الثلاث و الخمس و الاثنتين و الخمس وجب عليه
الاعادة؛ للعلم الاجمالي امّا بالنقصان أو بالزيادة.
الشرح:
اذا شكّ بين الثلاث و الأربع ثمّ بعد الفراغ انقلب شكّه الى الثلاث و الخمس، أو شكّ بين الاثنتين و الأربع ثمّ بعد الفراغ انقلب شكّه الى الاثنتين و الخمس يجب عليه الاعادة كما ذهب اليه المصنّف؛ للعلم الاجمالي بالنقصان أو بالزيادة؛ لأنّ الثلاث كان ثابتا في أثناء الصلاة الى ما بعد الفراغ منها، و الأربع قد زال و تبدّل بالخمس فهو يعلم اجمالاً بالنقصان أو بالزيادة، فيشمله قوله عليه السلام في صحيحة صفوان:
«ان كنت لاتدري كم صلّيت و لم يقع وهمك على شيء فأعد الصلاة».(1)
فتعذّر الرجوع الى قاعدة الفراغ؛ للعلم الاجمالي المذكور آنفا و تعذّر الرجوع الى اطلاق أدلّة الشكوك لما تقدّم من انصرافها الى الشكّ الحادث أثناء الصلاة المستمرّ و عدم شمولها للشكّ الزائل المنقلب الى غيره بعد الصلاة. و لايجري الاستصحاب و ابقاء ما تيقّن به - و هو الثلاث - في باب الركعات؛ لأنّ بناء الشرع فيها على الأكثر. فالنتيجة بطلان الصلاة كما في المتن. و هكذا يكون الحال اذا شكّ بين الثنتين و الأربع ثمّ بعد الفراغ انقلب الى الاثنتين و الخمس.
(مسألة 17): اذا شكّ بين الاثنتين و الثلاث فبنى على الثلاث ثمّ شكّ بين الثلاث البنائي و الأربع فهل يجري عليه حكم الشكّين أو حكم الشكّ بين الاثنتين و الثلاث و الأربع؟ وجهان أقواهما الثاني.
الشرح:
1) - وسائل الشيعة 8: 225 / الباب 15 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة / الحديث 1.
اذا شكّ بين الاثنتين و الثلاث بعد اكمال السجدتين فبنى على الثلاث ثمّ شكّ بين الثلاث البنائي و الأربع يجري عليه حكم الشكّ بين الاثنتين و الثلاث و الأربع؛ لرجوع الشكّ الفعلي الى أحد هذه الأطراف الثلاثة وجدانا، و ذلك لأنّ الظاهر أنّ موضوع أحكام الشكوك هو الشكّ في الركعات الواقعيّة لا ما يعمّ البنائيّة.
(مسألة 18): اذا شكّ بين الاثنتين و الثلاث و الأربع ثمّ ظنّ عدم الأربع يجري عليه حكم الشكّ بين الاثنتين و الثلاث، و لو ظنّ عدم الاثنتين يجري عليه حكم الشكّ بين الثلاث و الأربع، و لو ظنّ عدم الثلاث يجري عليه حكم الشكّ بين الاثنتين و الأربع.
الشرح:
اذا شكّ بين الاثنتين و الثلاث و الأربع ثمّ ظنّ عدم الأربع يجري عليه حكم الشكّ بين الاثنتين و الثلاث و ذلك لتبدّل شكّه، و كذا لو ظنّ عدم الاثنتين يجري عليه حكم الشكّ بين الثلاث و الأربع، و لو ظنّ عدم الثلاث يجري عليه حكم الشكّ بين الاثنتين و الأربع. ففي كلّ مورد كان أفراد الشكّ ثلاثة فتعلّق الظنّ بعدم طرف خاصّ، دار الشكّ بين الطرفين الآخرين و ذلك لحجّيّة الظنّ في الركعات؛ لقوله عليه السلام في صحيحة صفوان المتقدّمة: «ان كنت لاتدري كم صلّيت و لم يقع وهمك على شيء فأعد الصلاة»، بلا فرق بين تعلّق الظنّ بثبوت أحد طرفي الشكّ أو أطرافه أو تعلّقه بعدم ذلك الطرف كما هو المتفاهم عرفا من الصحيحة.
(مسألة 19): اذا شكّ بين الاثنتين و الثلاث فبنى على الثلاث و أتى بالرابعة فتيقّن عدم الثلاث و شكّ بين الواحدة و الاثنتين بالنسبة الى ما سبق يرجع شكّه بالنسبة الى حاله الفعلي بين الاثنتين و الثلاث فيجري حكمه.
الشرح:
اذا شكّ بين الاثنتين و الثلاث فبنى على الثلاث و أتى بالرابعة فتيقّن عدم الثلاث و شكّ بين الواحدة و الاثنتين بالنسبة الى ما سبق يرجع شكّه الى حاله الفعلي بين الاثنتين و الثلاث فيجري حكمه، و ذلك لأنّ المدار حاله الفعلي كما تقدّم، و لم تكن صلاته باطلة؛ لعدم تحقّق الواحدة لا سابقا؛ لأنّ شكّه كان بين الاثنتين و الثلاث، و لا لاحقا؛ لأنّه بعد اضافة الركعة اليها علم أنّ شكّه السابق كان بين الواحدة و الاثنتين و بالطبع كان شكّه الفعلي بين الاثنتين و الثلاث.
(مسألة 20): اذا عرض أحد الشكوك الصحيحة للمصلّي جالسا من جهة العجز عن القيام فهل الحكم كما في الصلاة قائما فيتخيّر - في موضع التخيير بين ركعة قائما و ركعتين جالسا - بين ركعة جالسا - بدلاً عن الركعة قائما - أو ركعتين جالسا من حيث انّه أحد الفردين المخيّر بينهما، أو يتعيّن هنا اختيار الركعتين جالسا، أو يتعيّن تتميم ما نقص، ففي الفرض المذكور يتعيّن ركعة جالسا، و في الشكّ بين الاثنتين و الأربع يتعيّن ركعتان جالسا و في الشكّ بين الاثنتين و الثلاث و الأربع يتعيّن ركعة جالسا و ركعتان جالسا وجوه أقواها الأوّل، ففي الشكّ بين الاثنتين و الثلاث يتخيّر بين ركعة جالسا أو ركعتين جالسا، و كذا في الشكّ بين الثلاث و الأربع و في الشكّ بين الاثنتين و الأربع يتعيّن ركعتان جالسا بدلاً عن ركعتين قائما، و في الشكّ بين الاثنتين و الثلاث و الأربع يتعيّن ركعتان جالسا بدلاً عن ركعتين قائما و ركعتان أيضا جالسا من حيث كونهما أحد الفردين. و كذا الحال لو صلّى قائما ثمّ حصل العجز عن القيام في صلاة الاحتياط. و أمّا لو صلّى جالسا ثمّ تمكّن من القيام حال صلاة الاحتياط فيعمل كما كان يعمل في الصلاة قائما، و الأحوط في جميع الصور المذكورة اعادة الصلاة بعد العمل المذكور.
الشرح:
اذا عرض أحد الشكوك الصحيحة للمصلّي جالسا من جهة العجز عن القيام، فالوجوه المتصوّرة فيه ثلاثة:
أحدها: الحكم فيه كما في الصلاة قائما فيتخيّر في موضع التخيير بين ركعة قائما و ركعتين جالسا غير أنّه لمكان العجز عن الأوّل ينتقل الى بدله و هو الركعة من جلوس فيتخيّر بين ركعة جالسا بدلاً عن الركعة قائما و بين ركعتين جالسا من حيث انّه أحد الفردين المخيّر بينهما. و الوجه في ذلك الجمع بين اطلاق دليل تخيير صلاة الاحتياط بين الركعة قائما و الركعتين جالسا و اطلاق بدليّة الجلوس عن القيام ركعة بركعة و هو اختيار المصنّف.
ثانيها: تعيين اختيار الركعتين جالسا؛ لأنّه و ان كان اطلاق أدلّة التخيير شاملاً للمقام الاّ أنّه اذا عجز عن الاتيان بأحد فردي التخيير تعيّن الفرد الآخر كما هو الشأن في كلّ واجب تخييري تعذّر بعض أطرافه.
ثالثها: تعيّن تتميم ما نقص، فاذا شكّ بين الثلاث و الأربع يبني على الأربع و يتمّ ثمّ يأتي بركعة جالسا، و في الشكّ بين الاثنتين و الأربع تتعيّن ركعتان جالسا. و الوجه في ذلك قصور أدلّة التخيير عن الشمول للمقام، فانّها انّما تثبت في حقّ من تمكّن من الصلاة قائما، و أمّا من كان عاجزا عن القيام رأسا و انتقل فرضه الى الصلاة جالسا فلم تكن أدلّة التخيير شاملة له من أصلها، فاللازم حينئذ تدارك النقص من جنس الفائت و هو الاتيان بما كلّف به من الركعة الجلوسيّة لاقتضاء القاعدة الأوّليّة من لزوم المطابقة بين الفائت و المتدارك له. و هذا الوجه أقوى من السابقين، و الأمثلة واضحة. و كذا الحال لو صلّى قائما ثمّ حصل العجز عن القيام في صلاة الاحتياط فان كان الشكّ بين الاثنتين و الثلاث أو بين الثلاث و الأربع فيأتي بركعة جالسا، و ان كان بين الاثنتين و الأربع فيصلّي صلاة الاحتياط ركعتين من جلوس.
و أمّا لو صلّى جالسا ثمّ تمكّن من القيام حال صلاة الاحتياط فيعمل كما كان يعمل في الصلاة قائما؛ لتبدّل الموضوع من غير المتمكّن الى المتمكّن.
(مسألة 21): لايجوز في الشكوك الصحيحة قطع الصلاة و استئنافها بل يجب العمل على التفصيل المذكور و الاتيان بصلاة الاحتياط، كما لايجوز ترك صلاة الاحتياط بعد اتمام الصلاة و الاكتفاء بالاستئناف بل لو استأنف قبل الاتيان بالمنافي في الأثناء بطلت الصلاتان. نعم، لو أتى بالمنافي في الأثناء صحّت الصلاة المستأنفة و ان كان آثما في الابطال. و لو استأنف بعد التمام قبل أن يأتي بصلاة الاحتياط لم يكف و ان أتى بالمنافي أيضا و حينئذ فعليه الاتيان بصلاة الاحتياط أيضا ولو بعد حين.
الشرح:
في المسألة فروع:
يجوز قطع الصلاة في الشكوك الصحيحة و استئنافها بناءً على عدم حرمة القطع من أجل عدم نهوض ما استدلّ به على الحرمة كما تقدّم في محلّه. و الظاهر أنّ أدلّة البناء على الأكثر غير وافية لاثبات الحرمة؛ لوضوح كونها بصدد بيان كيفيّة تصحيح العمل و تعليم طريقة التخلّص لدى عروض الشكّ، و لاتعرّض لها لبيان الحكم التكليفي كما في مستند العروة(1). نعم، اذا كان القطع لعبا و عدّ القاطع موهنا للصلاة و لأمر المولى حرم القطع كما لو قطع صلاته من دون علّة، و أمّا ما نحن فيه فحيث يكون احتمال الخلل لم يعدّ لعبا فلايحرم القطع، و ان كان فيه
1) - مستند العروة 18: 257.
تأمّل بعد امضاء الشارع على صحّة صلاته اذا أتى بما هو وظيفة الشاكّ. و أمّا بناءً على حرمة القطع فيجب العمل على التفصيل المذكور و الاتيان بصلاة الاحتياط.
لو عرض له أحد الشكوك الصحيحة كالشكّ بين الثلاث و الأربع و لم يعمل بوظيفته من البناء على الأربع ثمّ الاتمام ثمّ الاتيان بصلاة الاحتياط بل قطع صلاته و استأنف، فتارة أتى بالمنافي ثمّ استأنف، و أخرى لم يأت بالمنافي قبل الاستئناف. ففي الأولى صحّت صلاته الثانية و ان كان آثما لقطعه الصلاة الأولى بناءً على حرمة القطع الاّ فيما استثني كما لو تزاحم اتمام الصلاة و انقاذ الغريق. و في الثانية بطلت الصلاتان؛ لأنّ الفرض كونه أثناء الصلاة الأولى و قد زاد فيها تكبيرة الاحرام عمدا. هذا بناءً على أن لايكون قصد القطع قاطعا كما تقدّم في محلّه. اللّهمّ الاّ أن يقال بأنّه انضمّ الى قصد القطع، القاطع و هو تكبيرة الاحرام فانّها تكون قاطعة للصلاة الأولى و افتتاحا للثانية، ولكن فيه: انّه لايصحّ هذا التكبير لحرمته؛ لأنّها صارت موردا للنهي و النهي في العبادات موجب للبطلان.
لو شكّ بين الثلاث و الأربع مثلاً و بنى على الأربع و أتمّ صلاته و لم يأت بصلاة الاحتياط و استأنف الصلاة، فتارة أتى بالمنافي و استأنف، و أخرى لم يأت به، ففي الأولى صحّت صلاته المستأنفة و ان كان آثما لتركه ما كان واجبا عليه، فهذا كمن قطع الصلاة بناءً على حرمته. و ما ذهب اليه المصنّف من بطلان الصلاة
الثانية ففيه اشكال؛ لعدم الفرق بينه و بين ما لو قطع الصلاة في الأثناء. و لعلّه ابتنى على القول باستقلال صلاة الاحتياط، و القول الآخر أنّها متمّمة لما يحتمل من نقص الفريضة. و سيأتي البحث عن ذلك.
و أمّا لو استأنف الصلاة و لم يأت بالمنافي فبطلت الصلاتان، أمّا الأولى فلأنّه كمن كان في أثناء الصلاة و أتى بتكبيرة الاحرام عمدا. و أمّا الثانية فلأنّه لم يكن مكلّفا بها مضافا الى نقصها بخلوّها عن تكبيرة الاحرام لعدم صلاحيّة التكبيرة المذكورة ليفتتح بها الصلاة، كما مرّ، الاّ أن يقال بأنّ قصد عدم اتمام الصلاة يكون منافيا، فتأمّل.
(مسألة 22): في الشكوك الباطلة اذا غفل عن شكّه و أتمّ الصلاة ثمّ تبيّن له الموافقة للواقع ففي الصحّة وجهان.
الشرح:
اذا عرض له أحد الشكوك الباطلة و غفل عنه و أتمّ الصلاة ثمّ تبيّن له الموافقة للواقع فالأقوى صحّة صلاته، و ذلك لأنّ الشكّ من حيث هو ليس مبطلاً و لايكون كالحدث الواقع أثناء الصلاة من حيث كونه مبطلاً بمجرّد عروضه، فعلّة بطلان الصلاة في الشكوك الباطلة اذا عرضت للمصلّي هي لزوم اليقين أو الظنّ بالركعات اذا كان الشكّ في الصلاة الثنائيّة أو الثلاثيّة و اذا كان في الأوليين من الرباعيّة، و ذلك لقوله عليه السلام في صحيحة زرارة:
«و ليس فيهنّ وهم ... فمن شكّ في الأوليين أعاد حتّى يحفظ و يكون على يقين».(1)
و في صحيحة محمّد بن مسلم قال:
1) - وسائل الشيعة 8: 187 / الباب 1 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة / الحديث 1.
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يصلّي و لايدري واحدة صلّى أم ثنتين؟ قال: يستقبل حتّى يستيقن أنّه قد أتمّ، و في الجمعة و في المغرب و في الصلاة في السفر».(1)
و أمّا اذا كان في الرباعيّة و في غير الركعتين الأوليين فلأنّه يحتمل الزيادة سواء بنى على الأقلّ أو الأكثر كالشكّ بين الثلاث و الستّ. فتحصّل أنّ الشكّ بنفسه ليس مبطلاً، فاذا شكّ و غفل عن شكّه ثمّ تبيّن له الموافقة للواقع صحّت صلاته.
(مسألة 23): اذا شكّ بين الواحدة و الاثنتين مثلاً و هو في حال القيام أو الركوع أو في السجدة الأولى مثلاً و علم أنّه اذا انتقل الى الحالة الأخرى من ركوع أو سجود أو رفع الرأس من السجدة يتبيّن له الحال فالظاهر الصحّة و جواز البقاء على الاشتغال الى أن يتبيّن الحال.
الشرح:
اذا شكّ بين الواحدة و الاثنتين مثلاً قبل اكمال السجدتين و علم أنّه اذا انتقل الى حالة أخرى يتبيّن له الحال فهل يجوز له المضيّ في صلاته الى أن يتبيّن الحال؟ الظاهر الجواز لأنّه كما تقدّم في المسألة السابقة أنّ الشكّ لايكون مبطلاً بمجرّد عروضه اذا كان من الشكوك الباطلة، و اذا كان من الشكوك الصحيحة لايجب العمل به بمجرّد العروض، كما تقدّم في المسألة الرابعة من هذا الفصل، و الفرض هنا أنّه بانتقاله الى الحالة الأخرى يزول شكّه و يتبيّن له الواقع، فلا مانع من الاشتغال.
و قال في مستند العروة: «لايجوز الاشتغال بل تبطل الصلاة في المثال لاطلاق دليل المنع عن المضيّ على الشكّ. و دعوى الانصراف غير مسموعة، و الاّ لزم
1) - وسائل الشيعة 8: 194 / الباب 2 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة / الحديث 2.
جواز البناء على الاشتغال الى تمام الصلاة فيما لو شكّ في الصلاة الثنائيّة مثلاً و هو يعلم بزوال الشكّ بعد الفراغ، و هو كما ترى. مضافا الى كون الاشتغال ببقيّة الأجزاء فاقدا للجزم في النيّة، بل بعد احتمال الفساد - كما هو المفروض - تشريع محرّم. انتهى ملخّصا».(1)
ولكن فيه: انّ الظاهر انصراف اطلاق المنع من المضيّ على الشكّ - لو كان هناك اطلاق - عن مثل المقام، كيف و قد قلنا بأنّ الشكّ بمجرّده لايبطل الصلاة و أنّه لو غفل عن شكّه و أتمّ الصلاة ثمّ تبيّن له الحال صحّت صلاته. و الظاهر أنّه لا فرق بين المسألتين، و ما قال من استلزامه المضيّ على الشكّ الى الفراغ عن الصلاة ففيه: انّه لابأس به، و الجزم في النيّة ليس عليه دليل، و الامتثال الاحتمالي كافٍ.
(مسألة 24): قد مرّ سابقا أنّه اذا عرض له الشكّ يجب عليه التروّي حتّى يستقرّ أو يحصل له ترجيح أحد الطرفين، لكن الظاهر أنّه اذا كان في السجدة مثلاً و علم أنّه اذا رفع رأسه لايفوت عنه الأمارات الدالّة على أحد الطرفين جاز له التأخير الى رفع الرأس بل و كذا اذا كان في السجدة الأولى مثلاً يجوز له التأخير الى رفع الرأس من السجدة الثانية و ان كان الشكّ بين الواحدة و الاثنتين و نحوه من الشكوك الباطلة. نعم، لو كان بحيث لو أخّر التروّي يفوت عنه الأمارات يشكل جوازه خصوصا في الشكوك الباطلة.
الشرح:
قد عرفت فيما سبق أنّه يجب التروّي عند عروض الشكّ حتّى يستقرّ، و عليه لو عرض الشكّ و هو في السجدة مثلاً و علم بعدم فوت الأمارات الدالّة على أحد
1) - مستند العروة 18: 262 و 263.
الطرفين - كالذين يضعون علامات بجنبهم لعدّ الركعات - لو رفع رأسه، جاز له تأخير التروّي الى رفع الرأس، و كذا يجوز التأخير من السجدة الأولى الى رفع الرأس من السجدة الثانية؛ لعدم المانع و جواز التروّي حين الاشتغال، من غير فرق في ذلك بين الشكوك الصحيحة و الباطلة لما تقدّم من جواز المضيّ على الشكّ و البقاء على الاشتغال فيما لو علم بزوال الشكّ لدى الانتقال الى حالة أخرى. نعم، لو استوجب التأخير فوات الأمارات لايجوز له تأخير التروّي؛ لاخلاله حينئذ بالتروّي.
(مسألة 25): لو كان المسافر في أحد مواطن التخيير فنوى بصلاته القصر و شكّ في الركعات بطلت و ليس له العدول الى التمام و البناء على الأكثر، مثلاً اذا كان بعد اتمام السجدتين و شكّ بين الاثنتين و الثلاث لايجوز له العدول الى التمام و البناء على الثلاث على الأقوى. نعم، لو عدل الى التمام ثمّ شكّ صحّ البناء.
الشرح:
الظاهر أنّ القصر و الاتمام ليسا ماهيّتين مختلفتين بل هما ماهيّة واحدة و حقيقة فاردة، فاذا سلّم على الركعتين تسمّى قصرا، و لو أضاف اليهما ركعتين تسمّى اتماما. فلو تخيّل أنّ سفره هذا يكون ثمانية فراسخ فنوى صلاة الظهر قصرا ثمّ تبيّن له أثناء الصلاة أنّه لم يبلغ في سفره الى حدّ القصر فيضيف اليها ركعتين و يتمّ صلاته و تصحّ. و هكذا يكون الحال في عكس ذلك كما لو قصد اقامة عشرة أيّام في السفر و تغيّر رأيه أثناء الصلاة و انصرف عن الاقامة فيتمّ صلاته ركعتين ما لم يدخل في ركوع الركعة الثالثة. فالواجب على الحاضر أو المسافر أن ينوي صلاة الظهر الاّ أنّ الحاضر يتمّها أربع ركعات و المسافر يتمّها ركعتين، فنيّة القصر و الاتمام خارجة عنها. و عليه فمن أراد الصلاة في مواضع التخيير فنوى صلاة الظهر
و كبّر فله أن يتمّها ركعتين و أن يتمّها أربع ركعات. فحينئذ نقول: لو عرض له الشكّ بين الاثنتين و الثلاث بعد رفع رأسه من السجدة الثانية يجوز له أن يتمّ صلاته أربع ركعات و ان كان نوى القصر ابتداءً فيبني على الثلاث. فهل يجب عليه ذلك أو له أن يتمّها ركعتين و يُبطل صلاته؟ يمكن أن يقال بوجوب ذلك عليه ان قلنا بحرمة القطع. اللّهمّ الاّ أن نقول باحتمال بطلان صلاته اذا نوى القصر ابتداءً ثمّ عرض له ذلك الشكّ و لذا أفتى المصنّف بالبطلان، فالأقوى عدم وجوب العدول.
(مسألة 26): لو شكّ أحد الشكوك الصحيحة فبنى على ما هو وظيفته و أتمّ الصلاة ثمّ مات قبل الاتيان بصلاة الاحتياط فالظاهر وجوب قضاء أصل الصلاة عنه لكن الأحوط قضاء صلاة الاحتياط أوّلاً ثمّ قضاء أصل الصلاة بل لايترك هذا الاحتياط. نعم، اذا مات قبل قضاء الأجزاء المنسيّة التي يجب قضاؤها كالتشهّد و السجدة الواحدة فالظاهر كفاية قضائها و عدم وجوب قضاء أصل الصلاة و ان كان أحوط، و كذا اذا مات قبل الاتيان بسجدة السهو الواجبة عليه فانّه يجب قضاؤها دون أصل الصلاة.
الشرح:
لو شكّ أحد الشكوك الصحيحة فبنى على ما هو وظيفته و أتمّ الصلاة ثمّ مات قبل الاتيان بصلاة الاحتياط، فعلى الولي أن يقضي عنه أصل الصلاة؛ لأنّ الميّت كان مكلّفا بالصلاة الصحيحة، فاذا اشتغل بالصلاة و شكّ فبنى على ما هو وظيفته و لم يأت بصلاة الاحتياط فمات فلم يكن يتيقّن بالبراءة لاحتمال النقص في الفريضة، و لو أتى الولي بصلاة الاحتياط يشكّ في براءة ذمّته؛ لأنّه يحتمل وجوب الوصل بين أصل الصلاة و صلاة الاحتياط، و لذلك احتاط الماتن بالاتيان بأصل الصلاة بعد صلاة الاحتياط و هو في موضعه.
ان قيل انّ الواجب على الولي الاتيان بما فات عن الميّت و هنا لم يثبت الفوت
و القاعدة لاتثبت الفوت، ففيه: انّ الواجب على الوليّ ابراء ذمّة الميّت بما اشتغلت يقينا و من المعلوم احتمال النقص فيما أتى به، و هذا كافٍ لوجوب أصل الصلاة على الولي. و أمّا الأجزاء المنسيّة فالظاهر أنّ حكمها حكم صلاة الاحتياط، و حيث يحتمل وجوب اتّصالها بالصلاة بل هو كذلك يجب على الولي الاتيان بأصل الصلاة، و الاحتياط بما ذهب اليه المصنّف حسن. و أمّا سجدة السهو فوجوبها على الولي متردّد فيه؛ لعدم اطلاق أدلّتها و ان كان الاحتياط في الاتيان بها عنه.
تمّ المجلّد الخامس
من كتاب الصلاة بعون اللّه تعالى
بيد أقلّ العباد السيّد عليمحمّد دستغيب
في شهر محرّم الحرام سنة 1424 الهجريّة
بعدما استأنفنا النظر فيه و رتّبنا مباحثه التي درّسناها قبل سنوات
و سنقدّم اليكم ما بقي من مسائل هذا الكتاب في المجلّد الآتي
فنحمد اللّه أوّلاً و آخرا و نرجو منه القبول