الهادی إلی الطریقة الوسطی فی شرح العروة الوثقی کتاب الصلاة جلد 3

ghaemiyeh.com

هویة الكتاب

الهادي إلی الطريقة الوسطی في شرح العروة الوثقی

المجلد السادس

کتاب الصلاة

الجزء الثالث

لمؤلفة المحقق والفقيه المدقق

سماحة آية الله سيد علي محمد دستغيب الحسيني الشيرازي

محرر الرقمي: روح الله قاسمي

اشارة

الفهرس

فصل في القراءة/21

الفرع الأوّل في وجوب سورة كاملة بعد فاتحة الكتاب ... 23

الفرع الثاني في ذكر الموارد التي لايجب فيها قراءة السورة ... 33

الفرع الثالث في عدم جواز تقديم السورة على الحمد ... 37

في أنّ القراءة ليست ركنا في الصلاة ... 41

فرع في حكم ترك القراءة نسيانا ... 42

في عدم جواز قراءة ما يفوت الوقت بقراءته من السور الطوال ... 43

الفرع الأوّل في حكم ابطال الصلاة بقراءة ما يفوّت الوقت ... 45

الفرع الثاني فيما اذا قرأها ساهيا ... 46

في قراءة سور العزائم في الفريضة ... 48

الفرع الأوّل فيما اذا قرأ العزيمة في الصلاة و لم يسجد ... 54

الفرع الثاني فيما لو قرأها ساهيا ... 55

الفرع الثالث فيما لو قرأها و سجد لها ساهيا ... 59

في قراءة السورة في النوافل ... 59

الفرع الأوّل في حكم السورة اذا نذر النافلة ... 60

الفرع الثاني في حكم النوافل التي لها سور معيّنة في النذر و غيره ... 61

في قراءة العزائم في النوافل ... 61

في تعيين سور العزائم ... 62

في قراءة البسملة أوّل كلّ سورة ... 63

في اتّحاد سورة الفيل و لايلاف، و كذا و الضحى و ألم نشرح ... 68

في قراءة سورتين أو أزيد في ركعة ... 72

في تعيين السورة قبل الشروع فيها ... 76

فيما لو عيّن البسملة لسورة ثمّ نسيها فلم يدر ما عيّن ... 78

فيما اذا بسمل من غير تعيين سورة ... 79

في حكم العدول من سورة الى أخرى ... 80

الفرع الأوّل في جواز العدول من سورة الى أخرى ... 81

الفرع الثاني في تحديد جواز العدول ... 81

الفرع الثالث في عدم جواز العدول عن سورتي التوحيد و الجحد ... 84

الفرع الرابع في حكم العدول منهما الى الجمعة و المنافقين في يوم الجمعة ... 86

في حكم العدول من الجمعة و المنافقين الى غيرهما في يوم الجمعة ... 92

في حكم العدول من سورة الى أخرى في النوافل ... 92

في العدول من سورة الى أخرى بعد بلوغ النصف عند الضرورة؟ ... 93

في الجهر بالقراءة في الصبح و الأوّلتين من المغرب و العشاء ... 94

الفرع الأوّل في حكم الجهر في صلاة الجمعة ... 99

الفرع الثاني في حكم الجهر في القراءة في صلاة الظهر يوم الجمعة ... 101

في الجهر بالبسملة في الظهرين للحمد و السورة ... 103

فيما اذا جهر في موضع الاخفات أو أخفت في موضع الجهر ... 106

فيما اذا تذكّر الناسي أو الجاهل قبل الركوع ... 108

في حكم جهر النساء بالقراءة في الصلوات الجهريّة ... 111

الفرع الأوّل في حكم جهرهنّ اذا سمع الأجنبي صوتهنّ ... 112

الفرع الثاني في وجوب الاخفات على النساء في مواضعه ... 114

في مناط الجهر و الاخفات ... 115

في مناط صدق القراءة ... 118

فيما اذا كان الجهر مفرطا خارجا عن المعتاد ... 120

في حكم القراءة في المصحف ... 122

فيما اذا كان في لسانه آفة لايمكنه التلفّظ ... 124

في حكم التعلّم على من لايحسن القراءة ... 127

فيمن لايستطيع أن يتعلّم ... 130

فيما اذا قدر على التعلّم ولكن ضاق وقته ... 132

الفرع الأوّل في الاقتصار على ما عرفه من الحمد من دون تكرار و لا ابدال ... 133

الفرع الثاني فيما اذا لم يتمكّن من القراءة أصلاً ... 135

في أخذ الأجرة على تعليم الحمد و السورة ... 136

في حكم الترتيب و الموالاة بين آيات الحمد و السورة ... 140

فيما لو أخلّ بشيء من الكلمات أو الحروف ... 143

في حكم حذف همزة الوصل و اثبات همزة القطع حين الوصل ... 145

في حكم الوقف بالحركة و الوصل بالسكون ... 146

في حكم العلم بمخارج الحروف طبق ما ذكره علماء التجويد ... 147

فيما اذا انقطع نفسه بعد الوصل بالألف و اللام ... 149

في وجوب الادغام في كلمة اجتمع فيها حرفان مماثلان ... 150

في حكم القراءة باحدى القراءات السبع ... 151

الحروف الشمسيّة و القمريّة ... 153

في حكم التمييز بين الكلمات ... 160

فيما اذا لم يدر اعراب كلمة أو بناءها أو بعض حروفها ... 163

فصل في الركعات الأخيرة/165

في الاختيار بين قراءة الحمد أو التسبيحات الأربعة في الركعتين الأخيرتين ... 165

الفرع الأوّل في قدر التسبيح ... 169

الفرع الثاني في استحباب الاستغفار بعد التسبيحات ... 174

الفرع الثالث فيمن لايستطيع الاتيان بالتسبيحات الأربعة ... 175

فيما اذا نسي الحمد في الركعتين الأوّلتين ... 176

في تعيين الأفضل بين التسبيحات و الحمد في الركعتين الأخيرتين ... 178

في حكم قراءة الحمد في احدى الركعتين الأخيرتين و التسبيحات في الأخرى ... 182

في حكم الجهر و الاخفات بالقراءة في الركعتين الأخيرتين ... 183

في حكم الجهر عمدا أو جهلاً أو نسيانا في الركعتين الأخيرتين ... 186

في حكم العدول عن التسبيحات الى الحمد و بالعكس ... 186

فيما لو قصد الحمد فسبق لسانه الى التسبيحات ... 187

فيما اذا قرأ الحمد بتخيّل أنّه في الأوّلتين فتذكّر أنّه في الأخيرتين ... 187

فيما لو نسي القراءة و التسبيحات و تذكّر بعد الوصول الى حدّ الركوع ... 188

فيما لو شكّ في قراءتهما بعد الهويّ للركوع ... 189

في حكم الاتيان بأكثر من ثلاث تسبيحات ... 189

في قصد الوجوب و الندب فيما اذا أتى بالتسبيحات ثلاث مرّات ... 189

فصل في مستحبّات القراءة/191

«الأوّل»: الاستعاذة قبل الشروع في القراءة ... 191

«الثاني»: الجهر بالبسملة في الاخفاتيّة ... 194

«الثالث»: الترتيل ... 195

«الرابع»: تحسين الصوت بلا غناء ... 196

«الخامس»: الوقف على فواصل الآيات ... 197

«السادس»: ملاحظة معاني ما يقرأ و الاتّعاظ بها ... 197

«السابع»: أن يسأل اللّه عند آية النعمة أو النقمة بما يناسب كلاًّ منهما ... 197

«الثامن»: السكتة بين الحمد و السورة ... 197

«التاسع»: أن يقول بعد قراءة سورة التوحيد: «كذلك اللّه ربّي» ... 198

«العاشر»: قراءة بعض السور المخصوصة في بعض الصلوات ... 199

في ترك سورة التوحيد في جميع الفرائض الخمس ... 202

في قراءة التوحيد بنفس واحد ... 203

في حكم تكرار آية و البكاء في الفريضة و غيرها ... 203

في قراءة المعوّذتين في الصلاة ... 204

في عدد آيات الحمد و التوحيد ... 205

في حكم قصد انشاء الخطاب و الحمد و غيرهما في القراءة بمناسبة الآية ... 206

في ذكر الصلوات على النبي صلى الله عليه و آله لو سمع اسمه في أثناء القراءة ... 207

فيما اذا تحرّك حال القراءة قهرا ... 207

فيما اذا شكّ في صحّة قراءة آية أو كلمة ... 208

في الاقتصار على المرّة في التسبيحات الأربعة عند ضيق الوقت ... 208

فيما لو شكّ في حركة كلمة أو مخرج حروفها ... 209

في المحافظة على الاجهار في جميع الكلمات فيما يجب قراءته جهرا ... 210

فصل في الركوع/211

واجباته أمور: «أحدها»: الانحناء ... 211

الفرع الأوّل في القدر الواجب من الانحناء للركوع ... 213

الفرع الثاني في كيفيّة الانحناء و حكم غير مستوي الخلقة ... 220

«الثاني»: الذكر ... 222

الفرع الأوّل في وجوب الذكر في الركوع ... 222

الفرع الثاني في اجزاء ثلاث تسبيحات من الصغرى ... 223

الفرع الثالث في التسبيحة الكبرى ... 224

الفرع الرابع في كفاية مطلق الذكر ... 227

«الثالث»: الطمأنينة فيه بمقدار الذكر الواجب ... 228

فرع في حكم ترك الطمأنينة سهوا ... 233

«الرابع»: رفع الرأس منه ... 235

«الخامس»: الطمأنينة حال القيام بعد الرفع ... 236

في وضع اليدين على الركبتين حال الركوع ... 237

فيما اذا لم يتمكّن من الانحناء ... 238

فرع فيما اذا لم يتمكّن من الانحناء أصلاً ... 241

فيما اذا دار الأمر بين الركوع جالسا أو قائما مومئا ... 243

فيما لو أتى بالركوع جالسا ثمّ تمكّن من القيام ... 244

في حكم زيادة الركوع الجلوسي و الايمائي و نقيصته ... 245

فيما اذا كان كالراكع خلقة أو لعارض ... 246

في اعتبار كون الانحناء بقصد الركوع ... 248

فيما اذا نسي الركوع فهوى الى السجود ... 249

فيما لو انحنى بقصد الركوع فنسي في الأثناء و هوى الى السجود ... 251

في مقدار انحناء المرأة للركوع ... 253

في تعيين ذكر الركوع ... 254

الفرع الأوّل في تكرار الكبرى ... 255

الفرع الثاني في تكرار مطلق الذكر ... 255

الفرع الثالث في الزيادة على الثلاث ... 256

في حكم تعيين الواجب اذا أتى بالذكر أزيد من مرّة ... 257

في الاتيان بالصغرى مرّة واحدة في حال الضرورة و ضيق الوقت ... 259

في حكم الشروع في الذكر قبل الوصول الى حدّ الركوع ... 261

فيما لو لم يتمكّن من الطمأنينة ... 262

فيما لو ترك الطمأنينة في الركوع أصلاً سهوا ... 263

في حكم الجمع بين التسبيحة الكبرى و الصغرى ... 264

في شرائط ذكر الركوع ... 265

فيما اذا خرج عن الاستقرار في حال الذكر ... 266

فيما اذا انحنى و وصل الى أوّل حدّ الركوع فاستقرّ ثمّ انحنى أزيد ... 266

فيما يشترط في تحقّق الركوع الجلوسي ... 267

في مستحبّات الركوع ... 268

فيما يكره في الركوع ... 273

في عدم الفرق بين الفريضة و النافلة في أحكام الركوع ... 275

فصل في السجود/277

في أقسام السجود ... 277

الفرع الأوّل في الاخلال بالسجدتين ... 278

الفرع الثاني في الاخلال بالسجدة الواحدة ... 279

في واجباته: ... 280

«الأوّل»: وضع المساجد السبعة على الأرض ... 280

فرع في أنّ الركنيّة تدور مدار وضع الجبهة ... 283

«الثاني»: الذكر ... 285

«الثالث»: الطمأنينة ... 286

«الرابع»: رفع الرأس منه ... 287

«الخامس»: الجلوس بعده ... 288

«السادس»: كون المساجد السبعة في محالّها الى تمام الذكر ... 289

«السابع»: مساواة موضع الجبهة للموقف ... 290

الفرع الأوّل في انخفاض موضع الجبهة ... 294

الفرع الثاني في الفرق بين التسنيم و الانحدار ... 294

الفرع الثالث في اختصاص الحكم بموضع القدم ... 295

«الثامن»: وضع الجبهة على ما يصحّ السجود عليه ... 297

«التاسع»: طهارة محلّ وضع الجبهة ... 297

«العاشر»: المحافظة على العربيّة و الترتيب و الموالاة في الذكر ... 298

في تعيين حدّ الجبهة ... 298

الفرع الأوّل في حدّ الجبهة ... 299

الفرع الثاني في عدم وجوب الاستيعاب ... 300

الفرع الثالث في جواز كون موضع الجبهة حصى ... 301

في اشتراط مباشرة الجبهة لما يصحّ السجود عليه ... 303

في اشتراط وضع باطن الكفّين ... 305

فرع فيما اذا لم يتمكّن من وضع كفّيه على الأرض ... 307

في حكم استيعاب باطن الكفّ ... 309

في حكم الاستيعاب في وضع الركبتين ... 311

في كيفيّة وضع الابهامين ... 312

فرع فيما لو قطع أنملة الابهامين ... 314

في الاعتماد على الأعضاء السبعة ... 315

في حكم السجود على الهيئة المعهودة ... 316

فيما لو وضع جبهته على موضع أعلى من المقدار المغتفر ... 317

فرع فيما اذا لم يتمكّن من جرّ الجبهة ... 318

فيما لو وضع جبهته على ما لايصحّ السجود عليه ... 319

فيمن كان بجبهته دمل ... 321

فيما اذا عجز عن الانحناء للسجود ... 324

فيما اذا حرّك ابهامه في حال الذكر ... 325

فيما اذا ارتفعت الجبهة قهرا من الأرض ... 326

في السجود على غير الأرض في حال التقيّة ... 327

فيما اذا نسي السجدتين أو احداهما ... 328

الفرع الأوّل فيما اذا نسي سجدة واحدة ... 328

الفرع الثاني فيما اذا نسي السجدتين ... 330

الفرع الثالث فيما اذا نسي السجدة في الركعة الأخيرة ... 331

في حكم الصلاة على ما لاتستقرّ المساجد عليه ... 332

في حكم العاجز عن الانحناء التامّ للسجدة ... 333

فصل في مستحبّات السجود/335

«الأوّل»: التكبير حال الانتصاب ... 335

«الثاني»: رفع اليدين حال التكبير ... 336

«الثالث»: السبق باليدين الى الأرض عند الهويّ الى السجود ... 337

«الرابع»: استيعاب الجبهة على ما يصحّ السجود عليه ... 337

«الخامس»: الارغام بالأنف على ما يصحّ السجود عليه ... 338

«السادس»: بسط اليدين مضمومتي الأصابع ... 339

«السابع»: شغل النظر الى طرف الأنف حال السجود ... 340

«الثامن»: الدعاء قبل الشروع في الذكر ... 340

«التاسع»: تكرار الذكر ... 341

«العاشر»: الختم على الوتر ... 341

«الحادي عشر»: اختيار التسبيح من الذكر ... 341

«الثاني عشر»: السجود على الأرض ... 341

«الثالث عشر»: مساواة موضع الجبهة و الموقف ... 341

«الرابع عشر»: الدعاء في السجود ... 342

«الخامس عشر»: التورّك في الجلوس بين السجدتين و بعدهما ... 342

«السادس عشر»: الاستغفار بين السجدتين ... 343

«السابع عشر»: التكبير بعد الرفع من السجدة الأولى ... 343

«الثامن عشر»: التكبير بعد الرفع من الثانية ... 344

«التاسع عشر»: رفع اليدين حال التكبيرات ... 344

«العشرون»: وضع اليدين على الفخذين حال الجلوس ... 344

«الحاديوالعشرون»: التجافي حال السجود ... 345

«الثانيوالعشرون»: التجنّح ... 345

«الثالث والعشرون»: أن يصلّي على النبيّ و آله عليهم السلام ... 346

«الرابع والعشرون»: رفع الركبتين قبل اليدين عند القيام ... 347

«الخامس والعشرون»: الدعاء بالمأثور بين السجدتين ... 347

«السادس والعشرون»: الدعاء بالمأثور عند النهوض للقيام ... 347

«السابع والعشرون»: أن لايعجن بيديه عند ارادة النهوض ... 348

«الثامن والعشرون»: وضع الركبتين قبل اليدين للمرأة و عكسه للرجل ... 348

«التاسع و العشرون»: اطالة السجود ... 349

«الثلاثون»: مباشرة الأرض بالكفّين ... 349

«الحاديوالثلاثون»: زيادة تمكين الجبهة و سائر المساجد ... 350

في كراهة الاقعاء بين السجدتين ... 350

في نفخ موضع السجود ... 352

في قراءة القرآن في السجود ... 354

في جلسة الاستراحة ... 354

فيما لو نسي السجدة ... 357

فصل في سائر أقسام السجود/359

في وجوب السجود على من قرأ آياتها الأربع ... 359

الفرع الأوّل في وجوب السجدة على من قرأ أو استمع آية السجدة ... 360

الفرع الثاني في حكم تلاوة بعض الآية أو استماعه ... 362

الفرع الثالث في حكم السامع لآية السجدة ... 364

الفرع الرابع في مواضع استحباب السجود ... 366

في اختصاص الحكم بالقارئ و المستمع ... 369

في أنّ وجوب السجدة فوري ... 369

فرع فيما لو نسي السجدة عند قراءتها ... 371

فيما لو قرأ بعض الآية و سمع بعضها الآخر ... 372

فيما اذا قرأها غلطا ... 373

في تكرّر السجود بتكرّر القراءة أو السماع ... 373

في عدم الفرق بين السماع من المكلّف أو غيره ... 374

فيما لو سمعها أو قرأها في أثناء الصلاة ... 374

فيما اذا سمعها أو قرأها في حال السجود ... 375

في اعتبار كون القراءة بقصد القرآنيّة في وجوب السجود ... 375

في اعتبار تمييز الحروف و الكلمات في السماع ... 376

فيما لو قرأ أو سمع ترجمتها ... 377

فيما يعتبر في سجود الآية ... 377

في ذكر سجود الآية ... 383

فيما اذا سمع القراءة مكرّرا و شكّ بين الأقلّ و الأكثر ... 385

في استحباب السجود للشكر ... 386

في استحباب السجود بقصد التذلّل أو التعظيم للّه تعالى ... 387

في حرمة السجود لغير اللّه تعالى ... 388

فصل في التشهّد/389

في محلّ وجوبه ... 389

فرع في حكم ترك التشهّد ... 391

في واجباته ... 392

«الأوّل»: الشهادتان ... 392

«الثاني»: الصلاة على محمّد و آل محمّد عليهم السلام ... 396

فرع في كيفيّة التشهّد ... 402

«الثالث»: الجلوس بمقدار الذكر ... 405

«الرابع»: الطمأنينة ... 406

«الخامس»: الترتيب ... 407

«السادس»: الموالاة ... 407

«السابع»: المحافظة على الوجه الصحيح العربي ... 407

في وجوب الشهادتين و الصلاة بألفاظها المتعارفة ... 408

في كيفيّة الجلوس في التشهّد ... 408

فيمن لايعلم الذكر ... 409

في مستحبّات التشهّد ... 411

«الأوّل»: جلوس الرجل متورّكا ... 411

«الثاني»: القول ب- «الحمد للّه» و غيره من الأذكار قبل التشهّد ... 411

«الثالث»: أن يجعل يديه على الفخذين منضمّة الأصابع ... 412

«الرابع»: أن يكون نظره الى حجره ... 412

«الخامس و السادس»: القول بالأذكار الواردة بين أذكار التشهّد ... 412

«السابع»: القول بما في موثّقة أبي بصير ... 413

«الثامن»: التسبيح سبعا بعد التشهّد الأوّل ... 414

«التاسع»: أن يقول «بحول اللّه و قوّته ... » حين القيام عن التشهّد الأوّل ... 414

«العاشر»: ضمّ المرأة فخذيها حال الجلوس ... 414

في كراهة الاقعاء حال التشهّد ... 415

فصل في التسليم/417

في وجوبه و شرائطه ... 417

الفرع الأوّل في كون التسليم جزءًا من الصلاة ... 425

الفرع الثاني في وجوب شرائط الصلاة في التسليم ... 427

الفرع الثالث في صورة التسليم ... 429

الفرع الرابع في حكم «السلام عليك أيّها النبي و رحمة اللّه و بركاته» ... 435

الفرع الخامس في أنّ الواجب من التسليم هو «السلام عليكم» ... 437

الفرع السادس في وجوب المحافظة على أداء الحروف و الكلمات ... 439

في عدم اشتراط نيّة الخروج من الصلاة في السلام ... 440

في استحباب التورّك في الجلوس حال السلام ... 442

في قصد التحيّة بالتسليم ... 443

في استحباب الايماء بالتسليم الأخير الى يمينه ... 444

كتاب الصلاة

«الجزء الثالث»

فصل : في القراءة

اشارة

يجب في صلاة الصبح و الركعتين الأوّلتين من سائر الفرائض قراءة سورة الحمد و سورة كاملة غيرها بعدها الاّ في المرض و الاستعجال فيجوز الاقتصار على الحمد. و الاّ في ضيق الوقت أو الخوف و نحوهما من أفراد الضرورة فيجب الاقتصار عليها و ترك السورة و لايجوز تقديمها عليه فلو قدّمها عمدا بطلت الصلاة للزيادة العمديّة ان قرأها ثانيا و عكس الترتيب الواجب ان لم يقرأها، و لو قدّمها سهوا و تذكّر قبل الركوع أعادها بعد الحمد، أو أعاد غيرها و لايجب عليه اعادة الحمد اذا كان قد قرأها.

الشرح:

يجب في صلاة الصبح و الركعتين الأوّلتين من سائر الفرائض قراءة سورة الحمد، و الدليل على ذلك طوائف من الأخبار:

فطائفة منها تصرّح بأنّه لا صلاة لمن لايقرأ بفاتحة الكتاب في صلاته

كصحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«سألته عن الذي لايقرأ بفاتحة الكتاب في صلاته قال: لا صلاة له الاّ أن يقرأ بها في جهر أو اخفات».(1)

و موثّقة سماعة قال:

«سألته عن الرجل يقوم في الصلاة فينسى فاتحة الكتاب، قال: فليقل: أستعيذ باللّه من الشيطان الرجيم انّ اللّه هو السميع العليم ثمّ ليقرأها مادام لم يركع فانّه لا صلاة له حتّى يقرأ بها في جهر أو اخفات، فانّه اذا ركع أجزأه ان شاء اللّه».(2)

و خبر أبي بصير قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل نسي أمّ القرآن، قال: ان كان لم يركع فليعد أمّ القرآن».(3)

و طائفة أخرى ظاهرة في وجوب قراءة فاتحة الكتاب في الصلاة كصحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«انّ فاتحة الكتاب تجزي وحدها في الفريضة».(4)

و صحيحته الثانية عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«لابأس بأن يقرأ الرجل في الفريضة بفاتحة الكتاب في الركعتين الأوّلتين اذا ما أعجلت به حاجة أو تخوّف شيئا».(5)

و صحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«يجوز للمريض أن يقرأ في الفريضة فاتحة الكتاب وحدها، و يجوز


1) - وسائل الشيعة 6: 88 / الباب 27 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 4.

2) - وسائل الشيعة 6: 89 / الباب 28 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 2.

3) - وسائل الشيعة 6: 88 / الباب 28 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 1.

4) - وسائل الشيعة 6: 40 / الباب 2 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 3.

5) - وسائل الشيعة 6: 40 / الباب 2 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 2.

للصحيح في قضاء صلاة (الصلاة خ ل) التطوّع بالليل و النهار».(1)

و الطائفة الثالثة ظاهرة أو صريحة في وجوب القراءة في الصلاة الاّ أنّ المراد منها فاتحة الكتاب قطعا بقرينة الروايات المتقدّمة و بالاجماع و السيرة القطعيّة، فمن هذه الطائفة صحيحة زرارة عن أحدهما عليه السلام قال:

«انّ اللّه تبارك و تعالى فرض الركوع و السجود و القراءة سنّة فمن ترك القراءة متعمّدا أعاد الصلاة و من نسي فلا شيء عليه».(2)

و صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام قال:

«سألته عمّن ترك قراءة القرآن ما حاله؟ قال: ان كان متعمّدا فلا صلاة له و ان كان نسي فلابأس».(3)

و الظاهر أنّ المسألة لا خلاف فيها من أحد منّا بل من المسلمين.

قال في الجواهر: «القراءة واجبة في الجملة في الصلاة اجماعا بل و ضرورة من المذهب و نصوصا مستفيضة بل متواترة - الى أن قال: - و تتعيّن بالحمد في كلّ ثنائيّة و في الأوّلتين من كلّ رباعيّة و ثلاثيّة بلا خلاف أجده فيه، بل يمكن دعوى تواتر الاجماع عليه للنصوص البيانيّة و غيرها. انتهى ملخّصا».(4)

فروع:

الفرع الأوّل : في وجوب سورة كاملة بعد فاتحة الكتاب

تجب سورة كاملة بعد فاتحة الكتاب في ركعتي الثنائيّة و الأوليين من غيرها. و


1) - وسائل الشيعة 6: 40 / الباب 2 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 5.

2) - وسائل الشيعة 6: 87 / الباب 27 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 1.

3) - وسائل الشيعة 6: 88 / الباب 27 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 5.

4) - جواهر الكلام 9: 284 و 285.

لم ينقل الخلاف في ذلك الاّ عن الاسكافي و الديلمي و المحقّق و الشيخ في أحد قوليه.

قال العلاّمة في المختلف: «المشهور أنّه يجب على المختار قراءة سورة بعد الحمد في الثنائيّة و الأوليين من الرباعيّة و الثلاثيّة و هو اختيار الشيخ في الجمل و الخلاف و الاستبصار و هو اختيار السيّد المرتضى و ابن أبي عقيل و أبي الصلاح و ابن البرّاج و ابن ادريس. و للشيخ رحمه الله قول آخر: انّ الواجب الحمد، و أمّا السورة فانّها مستحبّة غير واجبة، اختاره في النهاية و هو اختيار ابن الجنيد و سلاّر. انتهى».(1)

و قال في مفتاح الكرامة: «و يجب سورة كاملة بعد الحمد في ركعتي الثنائيّة و الأوليين من غيرها، اجماعا كما في الانتصار و الوسيلة و الغنية و شرح القاضي على جمل العلم و العمل، و هو مذهب الأصحاب كما في الخلاف، و الظاهر من المذهب كما في المبسوط و هو الأظهر بين الأصحاب كما في التنقيح و هو المشهور كما في المختلف و مذهب الأكثر كما في المنتهى و الأشهر كما في التذكرة وجوب السورة من شعار الشيعة كما أنّ تركها و عدم وجوبها من شعار مخالفيهم و الأخبار الواردة بخلاف ذلك محمولة على الضرورة و منها التقيّة. انتهى ملخّصا».(2)

أمّا الأخبار الدالّة على الوجوب فمنها صحيحة منصور بن حازم قال:

«قال أبو عبداللّه عليه السلام: لاتقرأ في المكتوبة بأقلّ من سورة و لا بأكثر».(3)

و منها صحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما عليه السلام قال:

«سألته عن الرجل يقرأ السورتين في الركعة؟ فقال: لا، لكلّ ركعة


1) - مختلف الشيعة 2: 161.

2) - مفتاح الكرامة 2: 350.

3) - وسائل الشيعة 6: 43 / الباب 4 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 2.

سورة».(1)

فانّ ظهورهما في وجوب السورة غير قابل للانكار.

و منها صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«اذا أدرك الرجل بعض الصلاة و فاته بعض خلف امام يحتسب بالصلاة خلفه جعل أوّل ما أدرك أوّل صلاته، ان أدرك من الظهر أو من العصر أو من العشاء ركعتين و فاتته ركعتان قرأ في كلّ ركعة ممّا أدرك خلف الامام في نفسه بأمّ الكتاب و سورة، فان لم يدرك السورة تامّة أجزأته أمّ الكتاب. الحديث».(2)

و منها صحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«يجوز للمريض أن يقرأ في الفريضة فاتحة الكتاب وحدها، و يجوز للصحيح في قضاء صلاة (الصلاة خ ل) التطوّع بالليل و النهار».(3)

و تقريب الاستدلال بها كما قال في الرياض و نعم ما قال بأنّ «المقابلة بالصحيح تدلّ على اعتبار مفهوم المريض، كما يشهد به الذوق السليم، فدلّ على أنّ غير المريض لايجوز له ذلك. انتهى».(4)

مضافا الى أنّه لو لم يكن لهذه الجملة مفهوم لكان قيد المريض في الكلام لغوا.

و منها صحيحة محمّد بن اسماعيل قال:

«سألته قلت: أكون في طريق مكّة فننزل للصلاة في مواضع فيها الأعراب أنصلّي المكتوبة على الأرض فنقرأ أمّ الكتاب وحدها أم


1) - وسائل الشيعة 6: 44 / الباب 4 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 3.

2) - وسائل الشيعة 8: 388 / الباب 47 من أبواب صلاة الجماعة / الحديث 4.

3) - وسائل الشيعة 6: 40 / الباب 2 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 5.

4) - رياض المسائل 3: 385.

يصلّى على الراحلة فيقرأ فاتحة الكتاب و السورة؟ قال: اذا خفت فصلّ على الراحلة المكتوبة و غيرها، و اذا قرأت الحمد و السورة أحبّ اليّ، و لا أرى بالذي فعلت بأسا».(1)

قال في الرياض في وجه الاستدلال بها: «و لولا وجوب السورة لما جاز لأجله ترك الواجب من القيام و غيره، و وجه التخيير اشتمال كلّ صورة على ترك واجب، مع أنّ ظاهر سوق السؤال قطع السائل بوجوب السورة، و ان تردّد في ترجيحها على القيام و نحوه حيثما حصل بينهما معارضة و هو عليه السلام قرّره على معتقده، و التقرير حجّة، كما تقرّر في محلّه. انتهى».(2)

الاّ أنّ في دلالتها تأمّلاً لما في المستمسك من الاشكال بأنّ ظاهر الجواب أنّ تعيّن الصلاة على الراحلة انّما هو من جهة الخوف في النزول - كما هو ظاهر السؤال - لا من جهة ترجيح السورة على القيام. و أمّا استدلاله بأنّ سوق السؤال قطع السائل بوجوب السورة ففيه تأمّل.

و منها صحيحة عبيد اللّه بن علي الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«لابأس بأن يقرأ الرجل في الفريضة بفاتحة الكتاب في الركعتينالأوّلتين اذا ما أعجلت به حاجة أو تخوّف شيئا».(3)

فالمفهوم العرفي من هذه الصحيحة مفروغيّة وجوب السورة الاّ أنّه عليه السلام خفّفها لمن عجّل به الحاجة أو خاف من شيء.

و منها صحيحة معاوية بن عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«من غلط في سورة فليقرأ قل هو اللّه أحد ثمّ ليركع».(4)


1) - وسائل الشيعة 6: 43 / الباب 4 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 1.

2) - رياض المسائل 3: 386.

3) - وسائل الشيعة 6: 40 / الباب 2 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 2.

4) - وسائل الشيعة 6: 110 / الباب 43 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 1.

و تقريب الاستدلال بها أنّه لو لم تجب السورة لجاز له الاقتصار على السورة المغلوط فيها، و لم يكن وجه للأمر بقراءة سورة أخرى الظاهر في الوجوب. فالمناقشة فيها في غير محلّه لأنّ الظاهر من الأمر في قوله عليه السلام «فليقرأ» هو الوجوب.

و منها صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«سألته عن الذي لايقرأ بفاتحة الكتاب في صلاته، قال: لا صلاة له الاّ أن يقرأ بها في جهر أو اخفات، قلت: أيّما أحبّ اليك اذا كان خائفا أو مستعجلاً يقرأ سورة أو فاتحة الكتاب؟ قال: فاتحة الكتاب».(1)

و تقريب الاستدلال كما في الرياض: «لظهور السؤال في اعتقاد الراوي تساوي الحمد و السورة في الوجوب الى حدّ سأله عن ترجيح ترك أيّهما في حال الاستعجال المرخّص له، فأقرّه عليه السلامعلى معتقده، غير منكر عليه بأنّ السورة غير واجبة، أو أنّ المستحبّ كيف يقاوم الواجب سيّما و أن يكون ممّا لا صلاة الاّ به. انتهى».(2)

و منها صحيحة علي بن يقطين (في حديث) قال:

«سألت أبا الحسن عليه السلامعن تبعيض السورة، قال: أكره و لابأس به في النافلة».(3)

بناءً على أنّ معنى الاكراه أعمّ من الكراهة و تشمل الحرمة أيضا.

و منها صحيحة صفوان الجمّال قال:

«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول: قل هو اللّه أحد تجزي في خمسين


1) - وسائل الشيعة 6: 37 / الباب 1 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 1.

2) - رياض المسائل 3: 386.

3) - وسائل الشيعة 6: 44 / الباب 4 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 4.

صلاة».(1)

و منها موثّقة زرارة قال:

«قلت لأبيجعفر عليه السلام: أصلّي بقل هو اللّه أحد؟ فقال: نعم قد صلّى رسول اللّه صلى الله عليه و آله في كلتا الركعتين بقل هو اللّه أحد، لم يصلّ قبلها و لا بعدها بقل هو اللّه أحد أتمّ منها».(2)

فظهور الصحيحتين في مفروغيّة وجوب السورة واضح.

و منها صحيحة يحيى بن أبي عمران قال:

«كتبت الى أبي جعفر عليه السلام: جعلت فداك ما تقول في رجل ابتدأ ببسم اللّه الرحمن الرحيم في صلاته وحده في أمّ الكتاب فلمّا صار الى غير أمّ الكتاب من السورة تركها؟ فقال العبّاسي: ليس بذلك بأس، فكتب بخطّه: يعيدها مرّتين على رغم أنفه يعني العبّاسي».(3)

فلو لم تكن السورة واجبة لم يكن محلّ مقبول لتأكيده عليه السلام باعادة البسملة.

و منها صحيحة معاوية بن عمّار قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: اذا قمت للصلاة أقرأ «بسم اللّه الرحمن الرحيم» في فاتحة الكتاب؟ قال: نعم، قلت: فاذا قرأت فاتحة القرآن أقرأ «بسم اللّه الرحمن الرحيم» مع السورة؟ قال: نعم».(4)

فالراوي و ان سأل عن حكم «بسم اللّه الرحمن الرحيم» الاّ أنّ لزوم السورة كان مفروغا عنه عنده. و يمكن أن يقال أيضا كما قال الشيخ الأنصاري: «انّ السؤال انّما هو عن وجوب قراءة البسملة و الاّ فجوازها بل استحبابها غير قابل للسؤال.


1) - وسائل الشيعة 6: 48 / الباب 7 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 6: 49 / الباب 7 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 2.

3) - وسائل الشيعة 6: 58 / الباب 11 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 6.

4) - وسائل الشيعة 6: 58 / الباب 11 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 5.

انتهى».(1)

و منها صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«اذا افتتحت صلاتك بقل هو اللّه أحد و أنت تريد أن تقرأ بغيرها فامض فيها و لاترجع الاّ أن تكون في يوم الجمعة فانّك ترجع الى الجمعة و المنافقين منها».(2)

فالامام عليه السلام و ان كان بصدد بيان حكم العدول عن سورة التوحيد الى سورة أخرى الاّ أنّ لزوم الاتيان بسورة كان مفروغا عنه عنده عليه السلام و عند المخاطب أيضا.

و يظهر منها أيضا و ممّا دلّ على حرمة العدول وجوب الاتمام، كما قال الشيخ الأنصاري رحمه الله.

و بازاء هذه الروايات روايات أخرى دلّت بظاهرها على عدم الوجوب و هي قابلة للحمل على تلك الروايات و الاّ تحمل على التقيّة. و هي على طائفتين: احداهما ما دلّت على جواز الاقتصار على الحمد. و الثانية ما دلّت على جوازالتبعيض في السورة.

و أمّا الطائفة الأولى فمنها صحيحة علي بن رئاب عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«سمعته يقول: انّ فاتحة الكتاب تجوز وحدها في الفريضه».(3)

و مثلها صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«انّ فاتحة الكتاب تجزي وحدها في الفريضة».(4)

فانّهما تحملان على صورة الاستعجال و الضرورة جمعا بينهما و بين صحيحة أخرى للحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:


1) - كتاب الصلاة: 313.

2) - وسائل الشيعة 6: 153 / الباب 69 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 2.

3) - وسائل الشيعة 6: 39 / الباب 2 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 1.

4) - وسائل الشيعة 6: 40 / الباب 2 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 3.

«لابأس بأن يقرأ الرجل في الفريضة بفاتحة الكتاب في الركعتين الأوّلتين اذا ما أعجلت به حاجة أو تخوّف شيئا».(1)

و نحوها غيرها ممّا قيّدت اجزاء فاتحة الكتاب وحدها بالاستعجال أو المرض، و تقدّمت الاشارة اليها. و قد ذكره جمع من الأكابر منهم المحقّق الهمداني و غيره. فلو لم تر المساعدة على هذا الجمع يلزم أن يكون قيد الاستعجال أو الخوف أو المرض لجواز ترك السورة في الروايات المشار اليها لغوا. و يقرّب هذا الجمع النصوص المعتبرة المتقدّمة الدالّة على وجوب السورة، و ذهاب القدماء و المتأخّرين الى وجوبها، مضافا الى أنّ قراءة السورة الكاملة في الصلاة صارت بحيث تعرف الشيعة بها لالتزام العامّة بقراءة بعضها أو ترك البسملة.

و أمّا الطائفة الثانية فهي عدّة نصوص، فيها المعتبرة و غيرها فمنها صحيحة علي بن يقطين (في حديث) قال:

«سألت أبا الحسن عليه السلام عن تبعيض السورة، قال: أكره و لابأس به في النافلة».(2)

و منها صحيحة سعد بن سعد الأشعري عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال:

«سألته عن رجل قرأ في ركعة الحمد و نصف سورة هل يجزيه في الثانية أن لايقرأ الحمد و يقرأ ما بقي من السورة؟ فقال: يقرأ الحمد ثمّ يقرأ ما بقي من السورة».(3)

و منها صحيحة زرارة قال:

«قلت لأبي جعفر عليه السلام: رجل قرأ سورة في ركعة فغلط أيدع المكان


1) - وسائل الشيعة 6: 40 / الباب 2 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 2.

2) - وسائل الشيعة 6: 44 / الباب 4 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 4.

3) - وسائل الشيعة 6: 45 / الباب 4 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 6.

الذي غلط فيه و يمضي في قراءته، أو يدع تلك السورة و يتحوّل منها الى غيرها؟ فقال: كلّ ذلك لابأس به، و ان قرأ آية واحدة فشاء أن يركع بها ركع».(1)

و منها صحيحة اسماعيل بن الفضل قال:

«صلّى بنا أبو عبداللّه عليه السلام أو أبو جعفر عليه السلام فقرأ بفاتحة الكتاب و آخر سورة المائدة فلمّا سلّم التفت الينا فقال: أما انّي أردت أن أعلّمكم».(2)

و منها مرسلة أبان بن عثمان عن أحدهما عليهماالسلام قال:

«سألته هل تقسّم السورة في ركعتين؟ قال: نعم أقسّمها كيف شئت».(3)

و منها خبر أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام:

«أنّه سئل عن السورة أيصلّي بها الرجل في ركعتين من الفريضة؟ قال: نعم اذا كانت ستّ آيات قرأ بالنصف منها في الركعة الأولى و النصف الآخر في الركعة الثانية».(4)

و منها خبر سليمان بن أبي عبداللّه قال:

«صلّيت خلف أبي جعفر عليه السلام فقرأ بفاتحة الكتاب و آي من البقرة فجاء أبي فسئل فقال: يا بنيّ انّما صنع ذا ليفقّهكم و يعلّمكم».(5)

و قد حمل الشيخ الطوسي و الشيخ مرتضى الأنصاري ما كان منها دالّة على جواز التبعيض على النافلة و ما ورد من تبعيض الصادقين عليهماالسلام في صلاتهما على


1) - وسائل الشيعة 6: 45 / الباب 4 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 7.

2) - وسائل الشيعة 6: 46 / الباب 5 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 1.

3) - وسائل الشيعة 6: 44 / الباب 4 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 5.

4) - وسائل الشيعة 6: 46 / الباب 5 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 2.

5) - وسائل الشيعة 6: 46 / الباب 5 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 3.

التقيّة بقرينة قول الصادق عليه السلام بعد الصلاة: «انّما أردت أن أعلّمكم» و قوله عليه السلام بعد السؤال عن فعل أبيه عليهماالسلام: «انّما صنع ذا ليفقّهكم و يعلّمكم».

قال الشيخ مرتضى الأنصاري: «و على أحد هذه المحامل الثلاثة (العذر أو التقيّة أو النافلة) يحمل جميع ما ورد في هذا الباب من التبعيض الدالّ على عدم وجوب السورة. و لو سلّم تعارض أحدهما كفى في الترجيح مطابقة الأصحاب و موافقة الكتاب و مخالفة العامّة كالشافعي و غيره من الجمهور كما في المعتبر و المنتهى مع كونه مقتضى الاحتياط اللازم هنا أو المطلوب في كلّ باب. انتهى ملخّصا».(1)

قال في رياض المسائل: «النصوص الواردة في وجوب السورة ظاهرة الدلالةأو المعاضدة المنجبر ضعفها سندا في بعض و دلالة في آخر بالشهرة العظيمة القريبة من الاجماع بل لعلّها من القدماء اجماع في الحقيقة اذ لا مخالف منهم الاّ الشيخ في النهاية و الاسكافي و الديلمي. و الأوّل غير ظاهر عبارته في المخالفة. انتهى».(2)

و قال المحقّق فيالمعتبر: «و في وجوب سورة مع الحمد فيالفرائض للمختار مع سعة الوقت و امكان التعلّم روايتان، لا خلاف بين الأصحاب في جواز الاقتصار على الحمد في النوافل و في حال الاضطرار كالخوف و مع ضيق الوقت بحيث ان قرأ السورة خرج الوقت و عدم امكان التعلّم، و الخلاف لو اختلّت أحد هذه الشرائط قال الشيخان في النهاية و المبسوط و المقنعة: يجب ضمّ سورة الى الحمد. و قال في الخلاف: الظاهر من روايات أصحابنا وجوب قراءة سورة مع الحمد في الفرائض و لايجزي الاقتصار على أقلّ منها و به قال بعض أصحاب الشافعي الاّ أنّه جوّز بدل ذلك قدر آيها من القرآن و قال بعض أصحابنا: ليس ذلك


1) - كتاب الصلاة: 318.

2) - رياض المسائل 3: 387.

بواجب و به قال الشافعي و غيره من الجمهور. لنا ما رووه و رويناه عن النبي صلى الله عليه و آله نقلاً يبلغ التواتر و رواه طائفة منهم عن أبي قتادة أنّ النبي صلى الله عليه و آله كان يقرأ في الأوّلين من الظهر بفاتحة الكتاب و سورتين يطوّل في الأولى و يقتصر في الثانية و كذا في العصر، و أمر معاذا فقال له اقرأ بالشمس و ضحيها و سبّح اسم ربّك الأعلى و الليل اذا يغشى و متابعته في الصلاة واجبة لأنّ فعله امتثال في مقابلة الأمر المطلق المشترك بينه و بين أمّته، و لقوله صلى الله عليه و آله صلّوا كما رأيتموني أصلّي و روى الجمهور عن النبي صلى الله عليه و آله أنّه قال: «لا صلاة الاّ بفاتحة الكتاب و معها غيرها». و من طريق الأصحاب ما رواه يحيى بن أبي عمران الهمداني قال: «كتبت الى أبي جعفر عليه السلام:جعلت فداك ما تقول في رجل ابتدأ ببسم اللّه الرحمن الرحيم في صلاته وحده في أمّ الكتاب فلمّا صار الى غير أمّ الكتاب من السورة تركها، فقال العبّاسي: ليس بذلك بأس، فكتب بخطّه: يعيدها مرّتين على رغم أنفه».(1)و عن منصور بن حازم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال: «لاتقرأ في المكتوبة بأقلّ من سورة و لا بأكثر».(2)انتهى».(3)

الفرع الثاني : في ذكر الموارد التي لايجب فيها قراءة السورة

لايجب قراءة السورة بعد الحمد في موارد:

منها حال المرض، و الدليل عليه صحيحة عبداللّه بن سنان المتقدّمة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«يجوز للمريض أن يقرأ في الفريضة فاتحة الكتاب وحدها، و يجوز


1) - وسائل الشيعة 6: 58 / الباب 11 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 6.

2) - وسائل الشيعة 6: 43 / الباب 4 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 2.

3) - المعتبر في شرح المختصر: 173.

للصحيح في قضاء صلاة (الصلاة خ ل) التطوّع بالليل و النهار».(1)

و منها حال الاستعجال أو الخوف؛ لصحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«لابأس بأن يقرأ الرجل في الفريضة بفاتحة الكتاب في الركعتين الأوّلتين اذا ما أعجلت به حاجة أو تخوّف شيئا».(2)

و خبر الحسن الصيقل قال:

«قلت لأبيعبداللّه عليه السلام: أيجزي عنّي أن أقول في الفريضة فاتحة الكتاب وحدها اذا كنت مستعجلاً أو أعجلني شيء؟ فقال: لابأس».(3)

و خبر علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام قال:

«سألته عن الرجل يكون مستعجلاً يجزيه أن يقرأ في الفريضة بفاتحة الكتاب وحدها؟ قال: لابأس».(4)

و للاجماع المدّعى عن غير واحد.

قال في الجواهر: «يسقط السورة حال الضرورة اجماعا كما في الرياض و عن المعتبر و التذكرة مع زيادة الاستعجال، و المفاتيح معتضدا بنفي الخلاف فيه في التنقيح، و بين أهل العلم في المنتهى، بل في المحكي عن البحار من الاجماع على الضرورة التمثيل به و بالخوف و المرض لها كالمدارك في معقد نفي خلافه. انتهى».(5)

و الظاهر من الروايات كالفتاوى أنّ مطلق المرض و الاستعجال موجب


1) - وسائل الشيعة 6: 40 / الباب 2 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 5.

2) - وسائل الشيعة 6: 40 / الباب 2 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 2.

3) - وسائل الشيعة 6: 40 / الباب 2 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 4.

4) - وسائل الشيعة 6: 41 / الباب 2 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 6.

5) - جواهر الكلام 9: 337.

لسقوط السورة و ان لم يكن شاقّا عليه، و لا فرق في الاستعجال لأمر دنيوي أو غيرها، و ذلك لاطلاق النصوص و الفتاوى، و الحمل على حال المشقّة كما عليه المحقّق الهمداني مدّعيا أنّه مقتضى مناسبة الحكم و الموضوع يكون حملاً على الفرد النادر. نعم الظاهر من المرض هو الذي يرتبط بحال المصلّي فاذا كان كذلكلابدّ من أن يكون له نحو مشقّة.

قال الشيخ الأنصاري رحمه الله: «و في كشف اللثام دعوى النصّ و الاجماع على خروج المريض و المستعجل و ظاهره ككثير من النصوص المتقدّمة كفاية مطلق الاستعجال لغرض ديني و لو لم يبلغ حدّ الوجوب، أو دنيوي و لو لم يبلغ حدّ الاضطرار، و لابأس به بعد قيام الدليل عليه الرافع لاستبعاد كون مطلق الحاجة عذرا في ترك الواجب».(1)

و قال في الجواهر: «بل قد يقال بكفاية مطلق الحاجة التي تعجله، أضرّ به فوتها دنيا أو آخرة أو لا، بل و بكفاية مطلق المرض، شقّ عليه قراءتها أو لا، اللّهمّ الاّ أن يدّعى أنّ المنساق الى الذهن من المرض أو الاستعجال ما شقّ عليه القراءة معهما، و لعلّه لذا قيّد الكركي المرض المسقط لها بذلك. انتهى».(2)

و المراد من الاستعجال بقرينة الخوف المرادف له في الذكر هو الذي يكون له نحو تضرّر لو لم يستعجل.

ثمّ اعلم أنّ السقوط حال المرض أو الاستعجال أو الخوف رخصة لا عزيمة و ذلك لظاهر الروايات فانّ ظاهرها رفع التكليف لا وضعه و لا قرينة فيها و في غيرها هنا على الوضع، و لذلك قال في الجواهر: «ثمّ لايخفى أنّ السقوط في أكثر هذه المقامات رخصة لا عزيمة حتّى يقال لو جاء بها بنيّة الجزئيّة تفسد الصلاة


1) - كتاب الصلاة: 319.

2) - جواهر الكلام 9: 338.

بناءً على فسادها بنحو ذلك. انتهى».(1)

و منها ضيق الوقت: فتارةً يكون بحيث لو ترك السورة يدرك تمام الوقت و أمّا لو جاء بها يوجب خروج الوقت قبل اتمام الصلاة. و أخرى يكون بحيث لولم يترك السورة لم يدرك ركعة من الوقت. فيجوز في الصورتين ترك السورة لما يصدق فيهما من الاستعجال المجوّز للترك لقوله عليه السلام في صحيحة الحلبي:

«لابأس بأن يقرأ الرجل في الفريضة بفاتحة الكتاب في الركعتين الأوّلتين اذا ما أعجلت به حاجة أو تخوّف شيئا».(2)

فالظاهر أنّ ترك السورة في الموردين عزيمة، أمّا في الثاني فواضح لايجاب الاتيان بالسورة فوت الوقت فيحرم تفويته حينئذ. و في الأوّل أيضا كذلك بناءً على وجوب حفظ الوقت لتكون الصلاة كلّها في الوقت.

قال المحقّق الهمداني: «و أمّا سقوطها مع ضيق الوقت عن أداء الصلاة تماما في وقتها مع السورة أو لدى العجز عن تعلّمها فعمدة مستنده ما تقدّمت الاشارة اليه من قصور ما دلّ على اعتبار السورة في الصلاة عن شمول مثل هذه الفروض مع ما عن غير واحد من دعوى الاجماع عليه فما عن جملة من المتأخّرين من التردّد أو الميل أو القول بعدم السقوط ضعيف اذ لامستند له و لو على القول بأصالة الاحتياط في الشكّ في الجزئيّة اذ الاحتياط في المقام غير ممكن لمعارضته بالاحتياط برعاية الوقت. انتهى».(3)

و قال الشيخ مرتضى الأنصاري: «و من فحوى ما ذكرنا يعلم سقوط السورة مع ضيق الوقت بحيث يخرج الوقت بقراءته، و ان أدرك منه ركعة؛ فانّ ادراك مجموع الصلاة في وقتها غرض مطلوب للعقلاء و المتديّنين. مع أنّ دعوى الاتّفاق على


1) - نفس المصدر.

2) - وسائل الشيعة 6: 40 / الباب 2 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 2.

3) - مصباح الفقيه / كتاب الصلاة: 288.

المسألة في المعتبر و المنتهى و عن غيرهما ممّا لا مساغ لردّها، مضافا الى امكان منع دلالة أدلّة وجوب السورة على وجوبها فيالمقام. انتهى ملخّصا».(1)

الفرع الثالث : في عدم جواز تقديم السورة على الحمد

لايجوز تقديم السورة على الحمد و ذلك أوّلاً لصحيحة محمّد بن مسلم قال:

«سألته عن الذي لايقرأ فاتحة الكتاب في صلاته قال: لا صلاة له الاّ أن يبدأ بها في جهر أو اخفات. الحديث».(2)(3)

بناءً على ما في نسخة الكافي و كذا في نسخة التهذيب و أمّا في الوسائل يكون بدل «يبدأ»، «يقرأ».(4)

و موثّقة سماعة قال:

«سألته عن الرجل يقوم فيالصلاة فينسى فاتحة الكتاب، قال: فليقل: أستعيذ باللّه من الشيطان الرجيم انّ اللّه هو السميع العليم ثمّ ليقرأها مادام لم يركع فانّه لا قراءة حتّى يبدأ بها في جهر أو اخفات فانّه اذا ركع أجزأه ان شاء اللّه تعالى».(5)

و صحيحة حمّاد بن عيسى أنّه قال:

«قال لي أبو عبداللّه عليه السلام- الى أن قال: - ثمّ قرأ الحمد بترتيل و قل هو اللّه


1) - كتاب الصلاة: 320.

2) - فروع الكافي 3: 317 / الحديث 28.

3) - تهذيب الأحكام 2: 138 / الحديث 576.

4) - وسائل الشيعة 6: 88 / الباب 27 من أبواب القراءة في الصلاة / حديث 4.

5) - تهذيب الأحكام 2: 138 / الحديث 574.

أحد - الى أن قال: - ثمّ قال: يا حمّاد هكذا صلّ. الحديث».(1)و خبر الفضل بن شاذان عن الرضا عليه السلام أنّه قال:

« ... و انّما بدأ بالحمد دون سائر السور».(2)

و ثانيا: لسيرة المسلمين و التابعين بل المعصومين أنفسهم عليهم السلام فانّ المعهود عنهم خلفا عن سلف مراعاة الترتيب، و ان استشكل فيها، بأنّ فعلهم عليهم السلام لايدلّ على الوجوب الاّ أنّ مخالفتها خلاف الاحتياط.

قال في مصباح الفقيه: «محلّ السورة بعد الفاتحة نصّا و اجماعا بل ضرورة. انتهى».(3)

و قال في الجواهر: «فهي (أي السورة) انّما تجب بعد الحمد بلا خلاف أجده، بل لعلّه هو في معقد بعض ما حكي من الاجماع على وجوبها، بل هو صريح المحكي عن فقه الرضا عليه السلام كما هو ظاهر أخبار البدأة، بل لعلّه المنساق الى الذهن من سائر النصوص خصوصا البعض، و المعهود فيالوقوع منهم و من أتباعهم، بل يمكن دعوى تحصيل الاجماع عليه. انتهى».(4)

انّما الكلام في بطلان الصلاة لو قدّم السورة عامدا.

قال في الحدائق: «قد وقع الخلاف في أنّه لو قدّم السورة عامدا فهل تبطل الصلاة أم يجب استئناف السورة أو غيرها و تصّح صلاته؟ قولان: صرّح جماعة من الأصحاب بالأوّل: منهم الشهيد في كتبه الثلاثة و الشهيد الثاني فيالمسالك و العلاّمة في المنتهى و القواعد. و استدلّوا على البطلان أوّلاً بثبوت النهي في المأتي به جزءًا من الصلاة المقتضي للفساد. و ثانيا بأنّ المنقول عن النبي صلى الله عليه و آله و أفعال


1) - وسائل الشيعة 5: 459 / الباب 1 من أبواب أفعال الصلاة / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 6: 38 / الباب 1 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 3.

3) - مصباح الفقيه / كتاب الصلاة: 289.

4) - جواهر الكلام 9: 338.

الأئمّة عليهم السلام الترتيب و هذه الأمور انّما تثبت توقيفا. و في الأوّل انّ النهي هنا غيرموجود اذ لا نصّ في المسألة. و في الثاني فمرجعه أنّه لم يأت بالمأمور به على وجهه فيبقى تحت عهدة التكليف، و ذلك لايستلزم بطلان الصلاة لامكان تداركه ما لم يركع فيجب عليه قراءة تلك السورة أو سورة أخرى بعد الحمد و تصحّ صلاته. انتهى ملخصا».(1)

و قال في الجواهر: «اذا أتى بالسورة قبل الحمد عامدا بقصد الجزئيّة فالمتّجه البطلان للزيادة، و للقران، و للنهي المستفاد من الأمر بالترتيب و البدأة، ضرورة اقتضائه الفساد اذا تعلّق بجزء العبادة، لرجوعه الى النهي عن الصلاة المقدّم فيها السورة مثلاً. انتهى ملخّصا».(2)

و قال المحقّق الهمداني: «فعمدة مستند القول بالبطلان أنّه ان أعادها بعد الحمد فقد زاد في صلاته عمدا فيعمّه ما دلّ على أنّ من زاد في صلاته فعليه الاعادة و الاّ فقد نقص في صلاته و قد يستدلّ له أيضا بأنّ تقديم السورة على الحمد تشريع فتندرج بذلك في الكلام المحرّم الذي ادّعى الاجماع على كونه مبطلاً للصلاة، و بأنّه لا خلاف في حرمة تقديم السورة على الفاتحة و النهي في العبادة يقتضي فسادها - الى أن قال: - و في الجميع نظر. انتهى ملخّصا».(3)

أقول:

اذا أتى بالسورة قبل الحمد عامدا بقصد الجزئيّة فالمتّجه البطلان للنصّ و هو معتبرة أبان بن عثمان عن أبي بصير قال:

«قال أبو عبداللّه عليه السلام: من زاد في صلاته فعليه الاعادة».(4)


1) - الحدائق الناضرة 8: 113 و 114.

2) - جواهر الكلام 9: 339.

3) - مصباح الفقيه / كتاب الصلاة: 289.

4) - وسائل الشيعة 8: 231 / الباب 19 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة / الحديث 2.

و الخبر من جهة السند لابأس به؛ لأنّ أبان بن عثمان الذي هو محلّ الخلاف من أصحاب الاجماع.

قال العلاّمة الخوئي في معجم رجال الحديث: «و قد قال الكشّي: «أجمعت العصابة على تصحيح ما يصحّ من هؤلاء و تصديقهم لما يقولون، و أقرّوا لهم بالفقه (و عدّ منهم أبان بن عثمان)». و هو يكفي في توثيقه على أنّه وقع في طريق جعفر بن محمّد بن قولويه في كامل الزيارات. انتهى».(1)

و أمّا دلالتها فواضحة لأنّ اطلاق قوله عليه السلام: «من زاد في صلاته فعليه الاعادة» يشمل فيما اذا أتى بالسورة قبل الحمد عامدا بقصد الجزئيّة.

و لو نسي و أتى بالسورة قبل الحمد ثمّ تذكّر في أثنائها فيقطعها و يبدأ بالحمد ثمّ يأتي بالسورة نفسها أو غيرها، و ان تذكّر بعد تمامها فيبدأ بالحمد ثمّ يأتي بالسورة نفسها أو غيرها، و على الصورتين تصحّ صلاته لحديث «لاتعاد» الذي يحمل على غير العمد لتقييده بخبر «من زاد في صلاته فعليه الاعادة».

قال في الجواهر: «و لو كان التقديم للسورة سهوا فلا بطلان قطعا مطلقا، لاطلاق ما دلّ على اغتفاره و عدم بطلان الصلاة به، بل في كشف اللثام و ان كانت المقدّمة طويلة بحيث اندرجت في الفعل الكثير، و لعلّه للأصل من غير معارض مع تجويز العدول من سورة الى أخرى، و حديث لاتعاد الاّ من الوقت و الطهور و القبلة و الركوع و السجود. انتهى ملخّصا».(2)

و لو تذكّر بعد الحمد أنّه أتى بالسورة قبلها فيأتي بالسورة فقط و لايعيد الحمد، و ذلك لأنّ ما أتى به من السورة قبل الحمد كالعدم، فيقع الحمد ابتداءً قهراو لايحتاج الى الاعادة.

قال في الجواهر: «فان ذكر بعد أن أتمّ قراءة الحمد أعاد تلك السورة أو غيرها،


1) - معجم رجال الحديث 1: 161.

2) - جواهر الكلام 9: 340.

لأصالة بقاء التخيير و اطلاق أدلّته السالمة عن المعارض في مثل الفرض، و لايعيد الحمد لوقوعها في محلّها، وحصول الترتيب باعادة السورة خاصّة و ما قد يُتراءى من اعادة الحمد كما عن المسالك و ظاهر القواعد و محكي المنتهى و التذكرة و التحرير و نهاية الأحكام و الألفية ضعيف؛ لأنّ نيّة الابتداء و عدمها لاتأثير لها، و الترتيب قد حصل. انتهى ملخّصا».(1)

في أنّ القراءة ليست ركنا في الصلاة

اشارة

(مسألة 1): القراءة ليست ركنا فلو تركها و تذكّر بعد الدخول في الركوع صحّت الصلاة و سجد سجدتي السهو مرّتين مرّة للحمد و مرّة للسورة، و كذا ان ترك احداهما و تذكّر بعد الدخول في الركوع صحّت الصلاة و سجد سجدتي السهو، و لو تركهما أو احداهما و تذكّر في القنوت أو بعده قبل الوصول الى حدّ الركوع رجع و تدارك، و كذا لو ترك الحمد و تذكّر بعد الدخول في السورة رجع و أتى بها ثمّ بالسورة.

الشرح:

القراءة ليست ركنا فلو تركها و تذكّر بعد الدخول في الركوع صحّت الصلاة و ذلك لصحيحة زرارة عن أحدهما عليه السلام قال:

«انّ اللّه تبارك و تعالى فرض الركوع و السجود و القراءة سنّة، فمن ترك القراءة متعمّدا أعاد الصلاة، و من نسي فلا شيء عليه».(2)

و موثّقة منصور بن حازم قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: انّي صلّيت المكتوبة فنسيت أن أقرأ في صلاتي كلّها، فقال: أليس قد أتممت الركوع و السجود؟ قلت: بلى،


1) - نفس المصدر: 342.

2) - وسائل الشيعة 6: 87 / الباب 27 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 1.

قال: قد تمّت صلاتك اذا كان (كانت) نسيانا (ناسيا)».(1)

و موثّقة سماعة قال:

«سألته عن الرجل يقوم في الصلاة فينسى فاتحة الكتاب، قال: فليقل: «أستعيذ باللّه من الشيطان الرجيم انّ اللّه هو السميع العليم» ثمّ ليقرأها مادام لم يركع فانّه لاصلاة له حتّى يقرأ بها في جهر أو اخفات فانّه اذا ركع أجزأه ان شاء اللّه».(2)

و لو ترك الحمد و السورة كلتيهما أو احداهما و تذكّر في القنوت أو بعده قبل الوصول الى حدّ الركوع رجع و تدارك، و ذلك لاطلاق قوله عليه السلام في موثّقة سماعة: «ثمّ ليقرأها مادام لم يركع».

ثمّ اعلم أنّه بهذه الروايات التي ذكرت نقيّد اطلاق صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«سألته عن الذي لايقرأ بفاتحة الكتاب في صلاته قال: لا صلاة له الاّ أن يقرأ بها في جهر أو اخفات».(3)

فرع : في حكم ترك القراءة نسيانا

هل يجب سجدتا السهو اذا نسي القراءة حتّى ركع؟ الظاهر أنّه لايجب و ذلك لصحيحة زرارة المتقدّمة عن أحدهما عليه السلام قال:

«انّ اللّه تبارك و تعالى فرض الركوع و السجود و القراءة سنّة، فمن


1) - وسائل الشيعة 6: 90 / الباب 29 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 2.

2) - وسائل الشيعة 6: 89 / الباب 28 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 2.

3) - وسائل الشيعة 6: 88 / الباب 27 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 4.

ترك القراءة متعمّدا أعاد الصلاة و من نسي فلا شيء عليه».(1)

فانّ الظاهر من قوله عليه السلام«و من نسي فلا شيء عليه» مع كونه في مقام البيان، عدم وجوب سجدتي السهو، فتخصّص الصحيحة مرسلة ابن أبي عمير عن سفيان بن السمط عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«تسجد سجدتي السهو في كلّ زيادة تدخل عليك أو نقصان».(2)

و سيأتي البحث في ذلك في محلّه ان شاء اللّه تعالى.

في عدم جواز قراءة ما يفوت الوقت بقراءته من السور الطوال

اشارة

(مسألة 2): لايجوز قراءة ما يفوت الوقت بقراءته من السور الطوال فان قرأه عامدا بطلت صلاته و ان لم يتمّه اذا كان من نيّته الاتمام حين الشروع، و أمّا اذا كان ساهيا فان تذكّر بعد الفراغ أتمّ الصلاة و صحّت، و ان لم يكن قد أدرك ركعة من الوقت أيضا و لايحتاج الى اعادة سورة أخرى، و ان تذكّر في الأثناء عدل الى غيرها ان كان في سعة الوقت، و الاّ تركها و ركع و صحّت الصلاة.

الشرح:

هل تجوز قراءة ما يفوت الوقت بقراءته من السور الطوال أم لاتجوز؟ الظاهر من فتاوى الفقهاء عدم الاختلاف في عدم جواز قراءة ما يفوت الوقت بقراءته.

قال في الجواهر: «لايجوز أن يقرأ ما يفوت الوقت بقراءته بلاخلاف معتدّ به أجده فيه و ان اختلف التعبير عنه بلايجوز أو بالنهي أو بالحرمة. انتهى».(3)

قال في الحدائق: «قد صرّح الأصحاب بأنّه لايجوز أن يقرأ من السور ما يفوت


1) - وسائل الشيعة 6: 87 / الباب 27 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 8: 251 / الباب 32 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة / الحديث 3.

3) - جواهر الكلام 9: 351.

بقراءته الوقت بأن يقرأ سورة طويلة مع علمه بأنّ الوقت لايسع لها. انتهى».(1)

قال العلاّمة في المنتهى: «و يحرم عليه أن يقرأ ما يفوت الوقت بقراءته كما لو ضاق الوقت فقرأ بالبقرة و أشباهها بحيث يعلم خروج الوقت قبل الاتمام. ذكره الشيخ في المبسوط و هو المختار لأنّه يلزم منه الاخلال بالصلاة أو بعضها حتّى يخرج الوقت عمدا و ذلك غير جائز. انتهى».(2)

و نظير ذلك قاله الشهيد في المسالك(3)و السيّد السند السيّد محمّد في المدارك(4)و السيّد علي في الرياض(5).

و الدليل على عدم الجواز هو وجوب مراعاة الوقت، فانّ الوقت المحدّد للظهرين مثلاً من أوّل الزوال الى غروب الشمس كتابا و سنّةً و اجماعا، و الظاهر منها وجوب الاتيان بأجزاء الصلاة كلّها في هذا الوقت، فاذا وجب ذلك يحرم تأخير الصلاة عن ذلك عمدا. نعم من أخّرها لعذر أو عصيانا فان أدرك ركعة من الصلاة كانت صلاته أداءً. فاذا حرم تأخير الصلاة حتّى يضيق الوقت عن ادراككلّها فلا فرق بين أن تكون علّة ضيق الوقت التسامح و التكاسل أو الاشتغال بما يستحبّ فعله قبل الشروع في الصلاة أو في أثناء الصلاة كقراءة سورة توجب فوت الوقت. فلو شرع في ذلك عمدا يجب عليه قطعها و ان كان غافلاً يجب عليه قطعها متى تذكّر.

و استدلّوا بصحيحة أبي بكر الحضرمي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«لاتقرأ في الفجر شيئا من آل حم».(6)


1) - الحدائق الناضرة 8: 117.

2) - منتهى المطلب 2: 277.

3) - مسالك الأفهام 1: 280.

4) - مدارك الأحكام 3: 354.

5) - رياض المسائل 3: 394.

6) - وسائل الشيعة 6: 111 / الباب 44 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 2.

بتقريب أنّ «آل حم» لا خصوصيّة لها، و انّما يكون النهي من جهة استتباعها وقوع بعض الصلاة خارج الوقت. و قالوا بأنّ موثّقة عامر بن عبداللّه تبيّن الصحيحة فانّه قال:

«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول: من قرأ شيئا من آل حم في صلاة الفجر فاته الوقت».(1)

فانّها تكشف من أنّ النهي عن قراءة تلك السورة انّما هو بملاك فوات الوقت من جهة قلّة وقت ما بين الطلوعين و طول تلك السورة.

و في الاشكال على أنّ المراد بذلك وقت الفضيلة فيكون النهي تنزيهيّا قالوا بأنّه لايهمّنا ذلك فيما نحن بصدده من تعيين الملاك. و لابأس بذلك الاستدلال.

فرعان:

الفرع الأوّل : في حكم ابطال الصلاة بقراءة ما يفوّت الوقت

هل تبطل الصلاة بقراءة ما يفوت الوقت بقراءته؟

الأقوى عدم البطلان اذا أدرك من الوقت ركعة، و ذلك لعدم تماميّة ما استدلّوا به للبطلان كالتسالم بين الأصحاب و أنّ الحرام لايمكن التقرّب به و لزوم ترك الجزء لو اقتصر على تلك السورة المفروضة عدم جزئيّتها لحرمتها، و تحقّق القِران المحرّم لو قرأ سورة قصيرة و في الكلّ اشكال. أمّا في الأوّل فانّه لم يثبت و أمّا في الثاني فانّ هذه الحرمة ليست ذاتيّة بل عرضيّة فالقراءة بنفسها صالحة للتقرّب بها و أمّا في الثالث فلعدم تحقّق القِران لو قلنا بحرمته لعدم صلاحيّة السورة الأولى للجزئيّة.

و استدلّ في مستند العروة على البطلان بأنّها «لمكان حرمتها من أجل كونها


1) - وسائل الشيعة 6: 111 / الباب 44 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 1.

مفوتة للوقت خارجة عن حيّز الأمر، و غير صالحة للجزئيّة اذا فالاتيان بها بهذا القصد مصداق للزيادة العمديّة المبطلة. انتهى».(1)

ففيه: انّ حرمتها عرضيّة و ليست بذاتيّة و حديث «لاتعاد الصلاة الاّ من خمسة: الطهور و الوقت و القبلة و الركوع و السجود» يؤيّد الصحّة.

الفرع الثاني : فيما اذا قرأها ساهيا

اذا قرأ ما يفوت الوقت بقراءته ساهيا فليقطعها متى تذكّر، ثمّ ان كان الوقت واسعا لقراءة سورة أخرى قرأها و الاّ تركها و ركع؛ لما عرفت من كون ضيق الوقت من مسوّغات سقوطها، و صحّت صلاته أداءً ان أدرك ركعة من الوقت. وأمّا لو لم يدرك ركعة من الوقت فهل تحسب حينئذ قضاءً أو تكون باطلة، و كذا لو تذكّر بعد الفراغ من السورة و لم يدرك مقدار ركعة من الوقت؟

ذهب المحقّق الهمداني(2)الى صحّة صلاته لأنّه أتى بطبيعي الصلاة، و الملاك في الصلاة الأدائيّة و القضائيّة واحد الاّ أنّه في الأولى تكون ذات ملاكين من باب تعدّد المطلوب و في الثانية بملاك واحد، و لذا يكون القضاء تابعا للأداء، فاذا لم يكن متمكّنا من ايقاع تمام الصلاة في الوقت وجب عليه أن يأتي بها بنفس ذاك الأمر الأوّلي ففي الفرض يكون قاصدا للأمر لا أنّه لا أمر له.

و استشكل عليه مستند العروة ب- : «أنّه خلاف ظواهر الأدلّة، فانّ ظاهرها وجوب الصلاة بين الحدّين بأمر واحد و ملاك فارد، و من باب وحدة المطلوب، و لذا قالوا انّ القضاء يحتاج الى أمر جديد، و أنكروا تبعيّته للأداء، و الأمر مفقود


1) - مستند العروة 3: 326.

2) - مصباح الفقيه / كتاب الصلاة: 295.

الاّ بعد خروج الوقت، كما أنّ الأمر الأدائي أيضا غير متحقّق فلا أمر رأسا، و لذا تكون الصلاة في هذا الفرض باطلة. انتهى».(1)

و يمكن أن يقال: اذا أتى المصلّي بسورة فات الوقت عن ادراك الصلاة و لو ركعة منها ساهيا و لم يتذكّر الاّ بعد الفراغ من الصلاة كشفت عن كونها قضاءً و انّ الأمر المتوجّه اليه هو الأمر بالقضاء. و كذلك الحال لو تذكّر بعد الفراغ من السورة أو في أثنائها و لم يكن هناك وقت لادراك الصلاة و لو ركعة منها، فانّه يتمّها قضاءً و يتمّ السورة أيضا، فانّ السورة لم تكن منهيّا عنها حين الشروع لغفلته عن ممنوعيّتها، فاذا تذكّر و الوقت فائت يكون مأمورا باتمامها قضاءً و يكشف أنّ الأمر بالقضاء يكون من أوّل الصلاة.


1) - مستند العروة 3: 328.

في قراءة سور العزائم في الفريضة

اشارة

(مسألة 3): لايجوز قراءة احدى سور العزائم في الفريضة، فلو قرأها عمدا استأنف الصلاة و ان لم يكن قرأ الاّ البعض و لو البسملة أو شيئا منها اذا كان من نيّته حين الشروع الاتمام أو القراءة الى ما بعد آية السجدة. و أمّا لو قرأها ساهيا فان تذكّر قبل بلوغ آية السجدة وجب عليه العدول الى سورة أخرى و ان كان قد تجاوز النصف، و ان تذكّر بعد قراءة آية السجدة أو بعد الاتمام فان كان قبل الركوع فالأحوط اتمامها ان كان في أثنائها و قراءة سورة غيرها بنيّة القربة المطلقة بعد الايماء الى السجدة أو الاتيان بها و هو في الفريضة ثمّ اتمامها و اعادتها من رأس، و ان كان بعد الدخول في الركوع و لم يكن سجد للتلاوة فكذلك أومأ اليها أو سجد و هو في الصلاة، ثم أتمّها و أعادها، و ان كان سجد لها نسيانا أيضا فالظاهر صحّة صلاته و لا شيء عليه، و كذا لو تذكّر قبل الركوع مع فرض الاتيان بسجود التلاوة أيضا نسيانا فانّه ليس عليه اعادة الصلاة حينئذ.

الشرح:

لايجوز قراءة احدى سور العزائم في الفريضة و هو الظاهر ممّن تعرّض للمسألة من القدماء و من تأخّر عنهم الاّ ابن الجنيد على ما نقل عنه.

قال السيّد المرتضى في الانتصار: «و ممّا انفردت به الاماميّة المنع في صلاة الفريضة خاصّة من القراءة بعزائم السجود و هي سجدة لقمان و سجدة الحواميم و سورة النجم و اقرأ باسم ربّك الذي خلق. و روي عن مالك أنّه يكره ذلك و أجاز أبو حنيفة قراءة السجدات فيما يجهر فيه بالقراءة من الصلوات دون ما لايجهر فيه، و أجازه الشافعي في كلّ صلاة. و الوجه في المنع من ذلك مع الاجماع المتكرّر أنّ في كلّ واحدة من هذه السور سجودا واجبا محتوما، فان

سجده كان زائدا في الصلاة، و ان تركه كان مخلاًّ بواجب. انتهى».(1)

و قال الصدوق في الهداية:

«قال الصادق عليه السلام - الى أن قال: - و لاتقرأ في الفريضة بشيء من العزائم الأربع و هي سجدة لقمان و حم السجدة و النجم و تقرأ باسم ربّك و لابأس أن تقرأ بها في النافلة. انتهى».(2)

و قال أبو الصلاح الحلبي في الكافي: «و لايجوز أن يقرأ في فريضة بسورة من عزائم السجود و هي أربع: تنزيل السجدة ثم حم السجدة و النجم و اقرأ باسم ربّك الذي خلق، لأنّ في هذه السور سجودا واجبا ان يفعله تبطل الفريضة بالزيادة فيها و ان لايفعله يخالف الواجب. انتهى».(3)

و قال الشيخ في النهاية: «و يقرأ الانسان في الفريضة أيّ سورة شاء سوى العزائم الأربع فانّه لايقرأها في الفريضة على حال. انتهى».(4)

و قال في الخلاف: «لايجوز قراءة العزائم الأربع في الفرائض و خالف جميع الفقهاء في ذلك، دليلنا اجماع الفرقة و أخبارهم، و أيضا الذمّة مشغولة بالصلاة بيقين و لاتبرأ الاّ بيقين مثله و هو أن يقرأ غير العزائم و روى زرارة عن أحدهما عليهماالسلام قال: لايقرأ في المكتوبة شيء من العزائم فانّ السجود زيادة في المكتوبة. و روى سماعة بن مهران عن أبي عبداللّه عليه السلام قال: لاتقرأ اقرأ باسم ربّك في الفريضة و اقرأ في التطوّع. انتهى».(5)

و قال في المبسوط: «ويقرأ في الفريضة أيّ سورة شاء مع الحمد الاّ أربع سور


1) - الانتصار: 145 و 146.

2) - سلسلة الينابيع الفقهيّة 3: 78.

3) - نفس المصدر: 263.

4) - النهاية و نكتها 1: 304.

5) - كتاب الخلاف 1: 426 / المسألة 174.

العزائم فانّه لايقرأها في الفريضة على حال. انتهى».(1)

و قال القاضي ابن البرّاج في شرح جمل العلم و العمل: «قال الشريف الأجلّ المرتضى رضى الله عنه: و يجتنب عزائم السجود و هي سجدة لقمان و سجدة الحواميم و سورة النجم و اقرأ باسم ربّك الذي خلق؛ لأنّ فيهنّ سجودا واجبا لايجوز أن يزاد في الصلاة الفريضة. - ثمّ قال: - اعلم أنّ قراءة العزائم التي ذكرها في الصلاة لايجوز لما ذكره من أنّ فيها سجودا واجبا و كان المصلّي اذا قرأها وجب عليه و هو في الصلاة السجود لها مع سجود الصلاة فتكون قد زاد في الصلاة سجودا ليس منها و ذلك عندنا غير جائز - الى أن قال: - دليلنا اجماع الطائفة و ما قدم من ذكر الوجه في زيادة السجود في الصلاة. انتهى».(2)

و قال في السرائر: «و يقرأ الحمد و سورة معها أيّ سورة شاء الاّ عزائم السجود التي تقدّم ذكرها، و هي سجدة لقمان و سجدة الحواميم و سورة النجم و اقرأ باسم ربّك، فانّهنّ يقتضين سجودا واجبا، و ذلك لايجوز في صلاة الفريضة، فان سجد بطلت صلاته؛ لأنّه يكون قد زاد سجودا متعمّدا في صلاته، فان لم يسجد بطلت صلاته أيضا؛ لأنّه بقراءة العزيمة يتحتّم و يتضيّق عليه السجود، فاذا فعل فعلاً يمنعه من الواجب المضيّق يكون ذلك الفعل قبيحا، و القبيح لايتقرّب به الى اللّه تعالى فتكون صلاته منهيّا عنها، و النهي يدلّ على فساد المنهي عنه. فان كان قراءته لها ناسيا لا على طريق التعمّد، فالواجب عليه المضيّ في صلاته، فاذا سلّم قضى السجود و لا شيء عليه لأنّه ما تعمّد بطلان صلاته، فاختلف الحال بين العمد و النسيان. و لابأس بقراءة العزائم في صلاة النوافل، و يجب عليه أن يسجد، و لاتبطل بذلك نافلته. انتهى».(3)


1) - المبسوط 1: 107.

2) - شرح جمل العلم و العمل: 86.

3) - السرائر 1: 217 و 218.

قال في مفتاح الكرامة: «فانّ قراءة العزيمة في الصلاة غير جائزة اجماعا كما في الانتصار و الخلاف و الغنية و نهاية الأحكام و كشف الالتباس و ارشاد الجعفريّة و ظاهر التذكرة حيث نسبه الى علمائنا و نقلت حكايته عن شرح القاضي لجمل السيّد، و هو من دين الاماميّة كما في الأمالي، و مذهب الأكثر كما في المنتهى و المعتبر، و الأشهر كما في الذكرى و الروضة و الروض، و المشهور كما في المدارك و المفاتيح و البحار و الحدائق. انتهى».(1)

و الظاهر أنّه لم يخالف في عدم جواز قراءة العزيمة في الفريضة أحد ممّن تعرّض للمسألة من القدماء كما عرفت، الاّ ما نسب الى ابن الجنيد من جواز القراءة، و قد حمل بعض كلامه على الناسي لأنّه ليس نصّا في الجواز. و أمّا الفقهاء من المتأخّرين فأيضا لم يخالف أحدهم في ذلك الاّ السيّد السند السيّد محمّد في المدارك على مانقل عنه السيّد جواد صاحب مفتاح الكرامة، قال فيه: «و في المدارك: انّ المتّجه القول بالجواز، وقد يفوح من الروض و المفاتيح التأمّل في ذلك لضعف خبري زرارة و سماعة و لابتناء ذلك على وجوب اكمال السورة و تحريم القرآن و فوريّة السجود مطلقا و أنّ زيادة السجدة مبطلة كذلك و كلّ هذه المقدّمات لاتخلو من نظر كذا قال في المدارك. - ثمّ قال في جوابه: - قلت: أمّا ضعف الخبرين فمنجبر بالشهرة و مؤيّد بالاجماعات على أنّ عبداللّه بن بكير ممّن أجمعت له العصابة والقاسم بن عروة وصف المصنّف خبرا هو فيه بالصحّة، و في مجمع البرهان قيل هو ممدوح و في موضع آخر منه يفهم من ابن داوود مدحه. و للصدوق اليه طريق و قد حسّنه المجلسي و يروي عنه في الصحيح ابن أبي عمير، و هو كثير الرواية و مقبولها، و يظهر من الفضل بن شاذان أنّه منأصحابنا المعروفين. و المشهور أنّ سجودها واجب على الفور و أنّه لا بدل له و أنّ


1) - مفتاح الكرامه 2: 356.

زيادة السجود عمدا مبطلة اجماعا. انتهى ما في مفتاح الكرامة».(1)

أقول:

الظاهر أنّ عدم جواز قراءة العزائم في الفريضة ممّا لا ريب فيه و لا شبهة يعتريه لذهاب القدماء الى ذلك الاّ الديلمي و ابن حمزة و هما لم يتعرّضا للمسألة، و كذا ذهاب أكثر المتأخّرين بل كلّهم الاّ ما يلوح من صاحب المدارك.

و لمعتبرة زرارة عن أحدهما عليهماالسلام قال:

«لاتقرأ في المكتوبة بشيء من العزائم، فانّ السجود زيادة في المكتوبة».(2)

و موثّقة سماعة قال:

«من قرأ اقرأ باسم ربّك فاذا ختمها فليسجد - الى أن قال: - و لاتقرأ في الفريضة اقرأ في التطوّع».(3)

و صحيحة علي بن جعفر عن أخيه عليه السلام قال:

«سألته عن الرجل يقرأ في الفريضة سورة النجم أيركع بها أو يسجد ثمّ يقوم فيقرأ بغيرها؟ قال: يسجد ثمّ يقوم فيقرأ بفاتحة الكتاب و يركع و ذلك زيادة في الفريضة و لايعود يقرأ في الفريضة بسجدة».(4)

و ان كان بازائها روايات ظاهرها معارضة لها الاّ أنّها قابلة للتوجيه مع أنّهامعرضة عنها، فمن تلك الروايات صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام أنّه سئل عن الرجل يقرأ بالسجدة في آخر السورة، قال:


1) - نفس المصدر: 357.

2) - وسائل الشيعة 6: 105 / الباب 40 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 1.

3) - وسائل الشيعة 6: 105 / الباب 40 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 2.

4) - وسائل الشيعة 6: 106 / الباب 40 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 4.

«يسجد ثمّ يقوم فيقرأ فاتحة الكتاب ثمّ يركع و يسجد».(1)

و موثّقة أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«ان صلّيت مع قوم فقرأ الامام اقرأ باسم ربّك الذي خلق، أو شيئا من العزائم، و فرغ من قراءته و لم يسجد فأوم ايماءً و الحائض تسجد اذا سمعت السجدة».(2)

و خبر وهب بن وهب عن أبي عبداللّه عليه السلام عن أبيه عن علي عليهم السلام أنّه قال:

«اذا كان آخر السورة السجدة أجزأك أن تركع بها».(3)

و صحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما عليهماالسلام قال:

«سألته عن الرجل يقرأ السجدة فينساها حتّى يركع و يسجد، قال: يسجد اذا ذكر اذا كانت من العزائم».(4)

و موثّقة عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) و عن الرجل يقرأ في المكتوبة سورة فيها سجدة من العزائم، فقال:

«اذا بلغ موضع السجدة فلايقرأها، و ان أحبّ أن يرجع فيقرأ سورة غيرها و يدع التي فيها السجدة فيرجع الى غيرها».(5)

و عن الرجل يصلّي مع قوم لايقتدي بهم فيصلّي لنفسه و ربّما قرأوا آية من العزائم فلايسجدون فيها فكيف يصنع؟ قال: «لايسجد».(6)

و صحيحة علي بن جعفر عن أخيه (موسى) عليه السلام قال:

«و سألته عن امام يقرأ السجدة فأحدث قبل أن يسجد كيف يصنع؟


1) - وسائل الشيعة 6: 102 / الباب 37 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 6: 103 / الباب 38 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 1.

3) - وسائل الشيعة 6: 102 / الباب 37 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 3.

4) - وسائل الشيعة 6: 104 / الباب 39 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 1.

5) - وسائل الشيعة 6: 105 / الباب 40 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 3.

6) - وسائل الشيعة 6: 103 / الباب 38 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 2.

قال: يقدّم غيره فيسجد و يسجدون و ينصرف فقد تمّت صلاتهم».(1)

و أمّا الجواب عن هذه الروايات: فيقال في صحيحة الحلبي أوّلاً لا صراحة فيها بأنّ القراءة كانت في الصلاة. و ثانيا لعلّها كانت في النافلة. و ثالثا لو كانت في الفريضة فلعلّ قوله عليه السلام: «يقوم فيقرأ فاتحة الكتاب ثمّ يركع و يسجد» كناية عن استئناف الصلاة.

و أمّا موثّقة أبي بصير فانّها تحمل على الصلاة خلف المخالف. و يحمل خبر وهب بن وهب على النافلة، و كذلك صحيحة محمّد بن مسلم. و أمّا موثّقة عمّار الأولى فتحمل على النسيان و الثانية على الصلاة خلف المخالف. و كذلك صحيحة علي بن جعفر فتحمل على التقيّة.

فروع:

الفرع الأوّل : فيما اذا قرأ العزيمة في الصلاة و لم يسجد

اذا قرأ العزيمة في المكتوبة متعمّدا تجب عليه السجدة و تبطل صلاته اذا سجد لأنّها زيادة في المكتوبة، فعليه أن يستأنف الصلاة بعد السجدة، فهل تبطل صلاته لو خالف و لم يسجد ولكنّه لم يكتف بتلك السورة بل أتى بسورة أخرىغيرها؟ الظاهر لا، لعدم الدليل على البطلان و الوجوه التي ذكرت للبطلان مخدوشة، منها: انّ الأمر بالسجود أمر بالابطال لكونه زيادة عمديّة في المكتوبة و هي مبطلة، فكيف يجتمع ذلك مع الأمر بالمضيّ في الصلاة و هل ذلك الاّ أمر بالمضادّين، فنفس الأمر بالسجود يقتضي البطلان سواء سجد أم لا، لانتفاء الأمر بالاتمام معه.


1) - وسائل الشيعة 6: 106 / الباب 40 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 5.

ولكن فيه: انّه اذا قلنا بالترتّب في أمثال ذلك فلايرد ذلك الوجه.

و منها: انّ قراءة السورة معرض للوقوع في أحد المحذورين فتحرم، لأنّه ان سجد لتلاوة آية السجدة فيلزمه ابطال الصلاة لاتيان الزيادة العمديّة المبطلة و هو حرام، و ان لم يسجد ارتكب حراما لترك السجدة التي هي واجب فوري. فهذه السورة محرّمة لأدائها الى أحد المحذورين و الممتنع بالاختيار لاينافي الاختيار عقابا، و المبغوض لايصلح لأن يتقرّب به، و حرمة العبادة تقتضي الفساد.

ولكن فيه أوّلاً: انّ قطع الصلاة ليس حراما الاّ اذا كان عن لهو و لعب، و قراءة العزيمة و ان يلزمها الاتيان بالسجود الموجب لقطع الصلاة ليست لعبا فتأمّل.

و ثانيا لو لم يسجد و عصى و لم يكتف بتلك السورة فليس ما أتى به من أفعال الصلاة محرّمة لأنّ الأمر بالشيء لايقتضي النهي عن ضدّه، كما قرّر في محلّه.

و منها: انّ قراءة سور العزائم في الصلاة المفروضة منهيّ عنها فقراءتها توجب بطلان الصلاة.

و فيه أيضا: انّ النهي الوارد في المقام ليس مولويّا بل ارشاد الى كونها موجبة للسجدة و هي زيادة في الصلاة فيلزمه استئناف الصلاة، و أمّا لو عصى و لم يسجد و أتى بسورة أخرى غيرها فلايدلّ النهي حينئذ على بطلان الصلاة. و لو قلنا بأنّ النهي مولوي فلا موجب للبطلان أيضا، اذ المبطل خاصّ بكلام الآدمي، و القراءة المزبورة لاتخرج بحرمتها عن كونها قرآنا.

الفرع الثاني : فيما لو قرأها ساهيا

و أمّا لو قرأها ساهيا فان تذكّر قبل البلوغ الى آية السجدة وجب عليه العدول الى سورة أخرى و ان كان قد تجاوز النصف، و ذلك لماتقدّم من الاجماع و الروايات من النهي عن قراءة سور العزائم و قلنا بأنّ النهي هنا ارشاد الى كونها

موجبة للسجدة و هي زيادة في الصلاة و موجبة لبطلانها، و الفرض أنّه تذكّر و لم يبلغ آية السجدة، فمحلّ النهي باقٍ.

قال في الجواهر: «فان ذكر قبل أن يتجاوز النصف و محلّ السجود عدل الى سورة أخرى قطعا حتّى لو قلنا بحرمة القِران بين السورة و البعض، ضرورة كون المقام من السهو - الى أن قال: - و لقد أجاد المحقّق في قوله: «ينبغي الجزم بالعدول وجوبا، لثبوت النهي و انتفاء المقتضي للاستمرار». و لو تجاوز النصف و لم يتجاوز محلّ السجود عدل أيضا على الأقوى، لوجوب السورة عليه و النهي عن العزيمة، فهو في عهدة التكليف، و المنع عن العدول مع تجاوز النصف انّما هو حيث يكون المعدول عنه مجزيا كما هو الظاهر من تلك الأدلّة. انتهى موضع الحاجة من كلامه».(1)

و ان تذكّر بعد قراءة آية السجدة فيجب عليه السجدة، فليسجد ثمّ يستأنف الصلاة لبطلانها بعد السجدة الزائدة و ذلك للأمر بالسجود، و لما قلنا بأنّ النهي ارشاد الى كونها موجبة للسجدة، و هي زيادة في الصلاة و موجبة لبطلانها، والفرض أنّه تذكّر و المحلّ يكون باقيا للسجدة.

و ذهب جماعة الى الايماء برأسه أثناء الصلاة فيتمّها صحيحة، و استدلّوا على ذلك بصحيحة علي بن جعفر في كتابه عن أخيه عليه السلام قال:

«سألته عن الرجل يكون في صلاة جماعة فيقرأ انسان السجدة، كيف يصنع؟ قال: يومي برأسه».(2)

و صحيحته الأخرى قال:

«و سألته عن الرجل يكون في صلاته فيقرأ آخر السجدة فقال: يسجد اذا سمع شيئا من العزائم الأربع ثمّ يقوم فيتمّ صلاته الاّ


1) - جواهر الكلام 9: 350.

2) - وسائل الشيعة 6: 243 / الباب 43 من أبواب قراءة القرآن / الحديث 3.

أن يكون في فريضة فيومي برأسه ايماءً».(1)

و فيه أوّلاً معارضتهما بصحيحة عبداللّه بن سنان قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل سمع السجدة تقرأ، قال: لايسجد الاّ أن يكون منصتا لقراءته مستمعا لها، أو يصلّي بصلاته، فأمّا أن يكون يصلّي في ناحية و أنت تصلّي في ناحية أخرى فلاتسجد لما سمعت».(2)

فتحملان على ما اذا صلّى خلف من لايقتدى به فقرأ آية السجدة و لم يسجد لها فانّه يومي برأسه. و الشاهد على ذلك الحمل موثّقة أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«ان صلّيت مع قوم فقرأ الامام اقرأ باسم ربّك الذي خلق، أو شيئا من العزائم، و فرغ من قراءته و لم يسجد فأوم ايماءً و الحائض تسجداذا سمعت السجدة».(3)

و اعلم أنّه لم يظهر من أحد من قدماء الأصحاب - رضوان اللّه عليهم - كما تقدّم كلامهم، التعرّض للمسألة أصلاً فعن العلاّمة السيّد حسين البروجردي رحمه الله: «انّ المسألة ليست من المسائل الأصليّة المتلقّاة عن الأئمّة عليهم السلامبعين ألفاظها الصادرة عنهم كما هو شأن المسائل المذكورة في أكثر كتب القدماء فدعوى الاجماع في المسألة ممّا لاتسمع و كذا رمي بعض الأقوال بالشذوذ فانّ موردها هي تلك المسائل لا المسائل التفريعيّة. انتهى».(4)

نعم، قد تعرّض الحلّي في السرائر و من تأخّر عنه كالمحقّق و العلاّمة و


1) - وسائل الشيعة 6: 243 / الباب 43 من أبواب قراءة القرآن / الحديث 4.

2) - وسائل الشيعة 6: 242 / الباب 43 من أبواب قراءة القرآن / الحديث 1.

3) - وسائل الشيعة 6: 103 / الباب 38 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 1.

4) - نهاية التقرير: 377.

الشهيد و غيرهم ممّن عرفت.

ثمّ اعلم أنّه لو لم يسجد و عصى و قرأ سورة أخرى فتصحّ صلاته، فلو لم يقرأ سورة أخرى و اكتفى بما قرأ من العزيمة فان كان ساهيا أو جاهلاً و ذكر بعد السلام صحّت صلاته لحديث «لاتعاد». و هكذا يكون الحكم اذا تذكّر بعد الركوع و قبل التسليم بناءً على بقاء فوريّة السجدة، و عدم حرمة قطع الصلاة لأنّه و ان كان عاصيا لتركه السجدة الاّ أنّ صلاته صحيحة كما تقدّمت الاشارة اليه.

و هناك أقوال أخر:

الأوّل: يسجد في الأثناء بعد قراءة آية السجدة فتصحّ صلاته كما عن كاشف الغطاء، لعدم قصد الجزئيّة بسجود العزيمة فلايكون زيادة، و لما تقدّم من النصوص الدالّة على جواز قراءة العزيمة و السجود لها في الأثناء.

و فيه: انّه قد تقدّم من دلالة الأخبار على بطلان الصلاة لو سجد لأنّها زيادة في الفريضة.

الثاني: يؤخّر السجود الى ما بعد الفراغ، كما هو المعروف على ما يظهر من الجواهر لترجيح ما دلّ على حرمة الابطال على ما دلّ على فوريّة السجود.

و فيه: انّه خلاف ما تقدّم من الأخبار مضافا الى عدم الدليل على حرمة الابطال كما يأتي في محلّه.

الثالث: يومي بدل السجود، لخبري علي بن جعفر المتقدّم ذكرهما.

و فيه: ما عرفت من رجحان حملهما على ما اذا صلّى خلف المخالف.

الرابع: الجمع بين الايماء في الأثناء و السجدة بعد الفراغ، كما حكي عن بعض، لأنّه مقتضى قاعدة الاشتغال للعلم الاجمالي بوجوب أحد الأمرين، كما يقتضيه النظر الى دليلي القول الثاني و الثالث.

و فيه: انّ الرجوع الى قاعدة الاشتغال يختصّ بصورة عدم البيان، ولكن البيان حاصل كما عرفت.

الفرع الثالث : فيما لو قرأها و سجد لها ساهيا

لو قرأ سورة العزيمة ساهيا و سجد لها نسيانا أيضا فالظاهر صحّة صلاته و لا شيء عليه، لعدم اتيانه الزيادة العمديّة، و زيادة السجدة الواحدة سهوا لاتكون موجبة لبطلان الصلاة لحديث «لاتعاد» و غيره ممّا يأتي في محلّه ان شاء اللّه تعالى.

(مسألة 4): لو لم يقرأ سورة العزيمة لكن قرأ آيتها في أثناء الصلاة عمدا بطلت صلاته، و لو قرأها نسيانا أو استمعها من غيره، أو سمعها فالحكم كما مرّ من أنّ الأحوط الايماء الى السجدة أو السجدة و هو في الصلاة و اتمامهاو اعادتها.

هذه المسألة تظهر حالها ممّا مرّ في المسألة السابقة، فانّ قراءة آية السجدة في الفريضة عمدا حرام لما مرّ من الاجماع و الأخبار، و لو قرأها يجب عليه السجدة، فان سجد لها بطلت صلاته للزيادة و ان لم يسجد عصى ولكن لم تبطل صلاته لعدم الدليل على البطلان كما مرّ. و كذلك الحال في استماعها، و أمّا سماعها فسيجيء البحث عنه في محلّه ان شاء اللّه تعالى.

و لو قرأها نسيانا أو استمعها فيجب عليه السجدة أينما تذكّر في أثناء الصلاة و تبطل صلاته و يستأنف.

في قراءة السورة في النوافل

اشارة

(مسألة 5): لايجب في النوافل قراءة السورة و ان وجبت بالنذر أو نحوه فيجوز الاقتصار على الحمد أو مع قراءة بعض السورة، نعم النوافل التي تستحبّ بالسور المعيّنة يعتبر في كونها تلك النافلة قراءة تلك السورة، لكن

في الغالب يكون تعيين السور من باب المستحبّ في المستحبّ على وجه تعدّد المطلوب لا التقييد.

الشرح:

يجوز الاقتصار على الحمد في النافلة أو مع قراءة بعض السور. و يدلّ على الأوّل: صحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«يجوز للمريض أن يقرأ في الفريضة فاتحة الكتاب وحدها، و يجوز للصحيح في قضاء صلاة (الصلاة خ ل) التطوّع بالليل و النهار».(1)

و ليس المراد بالقضاء هنا الاتيان بالصلاة خارج الوقت بل المراد أداء صلاة التطوّع مطلقا بقرينة صدر الرواية.

و يدلّ على الثاني أي جواز قراءة بعض السور في النوافل صحيحة علي بن يقطين (في حديث) قال:

«سألت أباالحسن عليه السلام عن تبعيض السورة قال: أكره و لابأس به في النافلة».(2)

و صحيحة منصور بن حازم قال:

«قال أبو عبداللّه عليه السلام: لاتقرأ في المكتوبة بأقلّ من سورة و لا بأكثر».(3)

فرعان:

الفرع الأوّل : في حكم السورة اذا نذر النافلة

اذا وجبت النافلة بالنذر و نحوه فوجوب قراءة السورة أو جوازها تابع لقصد


1) - وسائل الشيعة 6: 40 / الباب 2 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 5.

2) - وسائل الشيعة 6: 44 / الباب 4 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 4.

3) - وسائل الشيعة 6: 43 / الباب 4 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 2.

الناذر حين نذره، فان نذر مطلقا فيجوز الاقتصار على الحمد أو مع قراءة بعض السور لأنّ هذا يكون حكم طبيعة النافلة، و ان نذر مقيّدا بالسورة أو بعضها فيجب عليه قراءتها على ما قصد.

الفرع الثاني : في حكم النوافل التي لها سور معيّنة في النذر و غيره

أمّا في النذر فيجب الاتيان بتلك السور لأنّ مورد النذر صلاة التطوّع مع كيفيّة خاصّة كصلاة جعفر مثلاً. و أمّا في غير النذر و نحوه فاذا أراد أن يأتي بصلاة جعفر فهي ذات كيفيّة خاصّة فلو تخلّف لم يأت بتلك الصلاة، ولكنّه لم يرتكب حراما، نعم لو أتى بها ناقصة بقصد الورود و انّ ما أتى بها هي صلاة جعفر مثلاً عالما متعمّدا ارتكب حراما من حيث التشريع المحرّم.

في قراءة العزائم في النوافل

(مسألة 6): يجوز قراءة العزائم في النوافل و ان وجبت بالعارض فيسجد بعد قراءة آيتها و هو في الصلاة ثمّ يتمّها.

الشرح:

يجوز قراءة العزائم في النوافل، لاختصاص المنع بالفريضة، فقد صرّح الفقهاء من القدماء و المتأخّرين بعدم جواز قراءة العزائم في الفرائض كما عرفت فيما تقدّم، و بعضهم أضاف الى ذلك جوازها في النوافل، كالصدوق في الهداية، و ابن ادريس في السرائر، و الشيخ في الخلاف و القاضي في شرح الجمل.

و قال في الحدائق: «انّه لا خلاف في جواز قراءة العزائم في النوافل. انتهى».(1)

و قال الشيخ مرتضى الأنصاري: «انّ المعروف بين الفقهاء تخصيص المنع


1) - الحدائق الناضرة 8: 147.

بالفريضة فيجوز قراءتها في النوافل. انتهى».(1)

و لمفهوم التقييد بالمكتوبة في الروايتين المتقدّمتين، و هما معتبرة ابن بكير، وصحيحة علي بن جعفر عليه السلام، و منطوق موثّقة سماعة المتقدّمة أيضا، بل جميع روايات الجواز بعد تقييدها بما تقدّم بما عدا الفريضة. هذا كلّه مضافا الى الأصل. ثمّ انّه يجوز قراءة العزيمة في النافلة و ان وجبت بالعارض كالنذر لعدم صدق المكتوبة عليها حتّى تحرم قراءتها.

في تعيين سور العزائم

(مسألة 7): سور العزائم أربع: الم السجدة و حم السجدة و النجم، و اقرأ باسم.

الشرح:

سور العزائم أربع، لصحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«اذا قرأت شيئا من العزائم التي يسجد فيها فلاتكبّر قبل سجودك ولكن تكبّر حين ترفع رأسك، و العزائم أربعة: حم السجدة و تنزيل و النجم و اقرأ باسم ربّك».(2)

و صحيحة داوود بن سرحان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«انّ العزائم أربع: اقرأ باسم ربّك الذي خلق، و النجم، و تنزيل السجدة، و حم السجدة».(3)

قال المحقّق الهمداني: «سجدات القرآن خمس عشرة: أربع منها واجب و هي سجدة الم تنزيل المتّصلة بسورة لقمان و من هنا اشتهر التعبير عنها في كلماتهم بسجدة لقمان و حم تنزيل و النجم و اقرأ باسم - الى أن قال: - أمّا وجوب الأربع و


1) - كتاب الصلاة: 405 و 406.

2) - وسائل الشيعة 6: 240 / الباب 42 من أبواب قراءة القرآن / الحديث 1.

3) - وسائل الشيعة 6: 241 / الباب 42 من أبواب قراءة القرآن / الحديث 7.

كذا انحصار الواجب فيها فممّا لا شبهة بل لا خلاف فيه على الظاهر بيننا. انتهىموضع الحاجة من كلامه».(1)

في قراءة البسملة أوّل كلّ سورة

(مسألة 8): البسملة جزء من كلّ سورة فيجب قراءتها عدا سورة براءة.

الشرح:

اعلم أنّ هذه المسألة من المسائل الخلافيّة بين الخاصّة و العامّة، و اتّفق الخاصّة على أنّ البسملة جزء من كلّ سورة فتجب قراءتها في ابتداء فاتحة الكتاب و في ابتداء كلّ سورة يريد أن يقرأها بعد الحمد ما عدا سورة البرائة، و الدليل على ذلك صحيحة معاوية بن عمار قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: اذا قمت للصلاة أقرأ بسم اللّه الرحمن الرحيم في فاتحة القرآن؟ قال: نعم، قلت: فاذا قرأت فاتحة القرآن أقرأ بسم اللّه الرحمن الرحيم مع السورة؟ قال: نعم».(2)

فانّ السؤال ليس عن الجواز فانّه مسلّم عند الكلّ، بل من الضروريّات، كما سيجيء، و لا عن الاستحباب لوضوحه أيضا لاسيّما لمثل معاوية بن عمّار فانّ جواز قراءة القرآن مساوق لرجحانه، فلامحالة يكون السؤال عن الوجوب، و قد أمضاه الامام عليه السلام بقوله نعم. و من المعلوم أنّ الوجوب هنا بمعنى الجزئيّة، و لا معنى لكونه نفسيّا في مثل المقام.

و صحيحة يحيى بن أبي عمران، قال:

«كتبت الى أبي جعفر عليه السلام: جعلت فداك ما تقول في رجل ابتدأ ببسم اللّه الرحمن الرحيم في صلاته وحده في أمّ الكتاب فلمّا صار الى


1) - مصباح الفقيه / كتاب الصلاة: 356.

2) - وسائل الشيعة 6: 58 / الباب 11 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 5.

غير أمّ الكتاب من السورة تركها؟ فقال العبّاسي: ليس بذلك بأس، فكتب بخطّه: يعيدها مرّتين على رغم أنفه يعني العبّاسي».(1)

و حسنة عبداللّه بن يحيى الكاهلي قال:

«صلّى بنا أبو عبداللّه عليه السلام في مسجد بني كاهل فجهر مرّتين ببسم اللّه الرحمن الرحيم، و قنت في الفجر، و سلّم واحدة ممّا يلي القبلة».(2)

و خبر هارون عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«قال لي: كتموا بسم اللّه الرحمن الرحيم فنعم و اللّه الأسماء كتموها. الحديث».(3)

و خبر أبي حمزة عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«سرقوا أكرم آية في كتاب اللّه: بسم اللّه الرحمن الرحيم».(4)

و خبر صفوان الجمّال قال:

«قال أبو عبداللّه عليه السلام: و انّما كان يعرف انقضاء السورة بنزول بسم اللّه الرحمن الرحيم ابتداءً للأخرى».(5)

و خبر عيسى بن عبداللّه عن أبيه عن جدّه عن علي عليه السلام قال:

«بلغه أنّ أناسا ينزعون بسم اللّه الرحمن الرحيم فقال: هي آية من كتاب اللّه، أنساهم ايّاها الشيطان».(6)

و خبر خالد بن المختار قال:

«سمعت جعفر بن محمّد عليهماالسلام يقول: ما لهم قاتلهم اللّه عمدوا الى


1) - وسائل الشيعة 6: 58 / الباب 11 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 6.

2) - وسائل الشيعة 6: 57 / الباب 11 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 4.

3) - وسائل الشيعة 6: 58 / الباب 11 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 7.

4) - مستدرك الوسائل 4: 165 / الباب 8 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 2.

5) - مستدرك الوسائل 4: 165 / الباب 8 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 3.

6) - مستدرك الوسائل 4: 165 / الباب 8 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 6.

أعظم آية في كتاب اللّه فزعموا أنّها بدعة اذا أظهروها، و هي بسم اللّه الرحمن الرحيم».(1)

و بازائها روايات تحمل على ما لم يكن منافيا لما تقدّم أو تحمل على التقيّة: منها صحيحة محمّد بن مسلم قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يكون اماما فيستفتح بالحمد و لايقرأ «بسم اللّه الرحمن الرحيم» فقال: لايضرّه و لابأس به».(2)

فانّها تحمل على عدم الجهر ببسم اللّه الرحمن الرحيم اذا كانت تقيّة جمعا بينها و بين ما تقدّم، و الشاهد على ذلك صحيحة أبي جرير زكريّا بن ادريس القمّي قال:

«سألت أبا الحسن الأوّل عليه السلام عن الرجل يصلّي بقوم يكرهون أن يجهر ببسم اللّه الرحمن الرحيم، فقال: لايجهر».(3)

و منها صحيحة عبيداللّه بن علي الحلبي و محمّد بن علي الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام أنّهما سألاه عمّن يقرأ بسم اللّه الرحمن الرحيم حين يريد يقرأ فاتحة الكتاب، قال:

«نعم، ان شاء سرّا و ان شاء جهرا، فقالا: أفيقرأها مع السورة الأخرى؟ فقال: لا».(4)

فهذه أيضا تحمل على قراءتها جهرا، للجمع بينها و بين ما تقدّم، و الشاهدعلى ذلك - مضافا الى صحيحة أبي جرير المذكورة آنفا - أنّ قراءة البسملة لاتكون حراما عندهم كما سيجيء عن الخلاف.


1) - مستدرك الوسائل 4: 166 / الباب 8 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 7.

2) - وسائل الشيعة 6: 62 / الباب 12 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 5.

3) - وسائل الشيعة 6: 60 / الباب 12 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 1.

4) - وسائل الشيعة 6: 61 / الباب 12 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 2.

و صحيحة محمّد بن مسلم الثانية عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«سألته عن الرجل يفتتح القراءة في الصلاة أو يقرأ ببسم اللّه الرحمن الرحيم؟ قال: نعم اذا استفتح الصلاة فليقلها في أوّل مايفتتح، ثمّ يكفيه ما بعد ذلك».(1)

فانّ قوله عليه السلام «ثمّ يكفيه ما بعد ذلك» يحمل على قراءة الحمد الى «و لا الضالّين».

و أمّا موثّقة مسمع التي يقول فيها بعدم قراءته عليه السلام البسملة مع السورة، فتحمل على عدم سماعه منه قراءتها.

قال في الوسائل: «ذكر الشيخ و غيره أنّ هذه الأحاديث محمولة على التقيّة و القرائن في بعضها ظاهرة، أو على عدم الجهر بها في محلّ الاخفات، أو على عدم سماع الراوي لها لبعده، أو على النافلة لجواز تبعيض السورة فيها بل تركها. انتهى».(2)

قال الشيخ في الخلاف: «بسم اللّه الرحمن الرحيم آية من كلّ سورة من جميع القرآن و هي آية من أوّل سورة الحمد. و قال الشافعي: انّها آية من أوّل الحمد بلاخلاف بينهم و في كونها آية من كلّ سورة قولان: أحدهما: انّها آية من أوّل كلّ سورة، و الآخر: انّها بعض آية من كلّ سورة و انّما تتمّ مع ما بعدها فتصير آية - الى أن قال: - و قال أبو حنيفة و مالك و الأوزاعي و داوود: ليست آية من فاتحة الكتاب و لا من سائر السور. و قال مالك و الأوزاعي و داوود: يكره أن يقرأها في الصلاةبل يكبّر و يبتدئ بالحمد الاّ في شهر رمضان. و المستحبّ أن يأتي بها بين كلّ سورتين تبرّكا للفصل و لايأتي بها في أوّل الفاتحة - الى أن قال: - دليلنا اجماع


1) - وسائل الشيعة 6: 61 / الباب 12 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 3.

2) - نفس المصدر: 62.

الفرقة و قد بيّنّا أنّ اجماعها حجّة. انتهى موضع الحاجة من كلامه».(1)

قال في الحدائق: «لا خلاف بين الأصحاب في أنّ البسملة آية من الفاتحة و من كلّ سورة تجب قراءتها معها ما عدا سورة براءة، و عليه تدلّ الأخبار المتكاثرة - و بعد ذكر الأخبار قال: - و المشهور بين الأصحاب أنّها آية من كلّ سورة صرّح به الشيخ في الخلاف و المبسوط و به قطع عامّة المتأخّرين. و نقل عن ابن الجنيد أنّها في الفاتحة بعضها و في غيرها افتتاح لها. و هو متروك و اثباتها في المصاحف مع كلّ سورة مع محافظتهم على تجرّده ممّا ليس منه دليل على ضعف ما ذهب اليه. ثمّ لايخفى أنّه قد ورد جملة من الأخبار أيضا ممّا هو ظاهر المنافاة للأخبار المتقدّمة - و بعد نقل الأخبار المنافية قال: - و الظاهر عندي أنّ هذه الأخبار انّما خرجت مخرج التقيّة كما صرّح به في الاستبصار. انتهى ملخّصا».(2)

قال المحقّق الهمداني: «و البسملة جزء من الفاتحة يجب قراءتها معها بلا خلاف فيه بيننا على الظاهر بل اجماعا كما عن جماعة نقله بل الأمر كذلك بالاضافة الى سائر السور عدا براءة على المشهور بل لم ينقل عن أحد منّا الخلاف فيه الاّ من ابن الجنيد بل عن التذكرة و غيره دعوى اجماعنا عليه و عن المنتهى نسبته الى فقهاء أهل البيت. انتهى».(3)


1) - كتاب الخلاف 1: 328 - 330.

2) - الحدائق الناضرة 8: 97 - 101.

3) - مصباح الفقيه / كتاب الصلاة: 276.

في اتّحاد سورة الفيل و لايلاف، و كذا و الضحى و ألم نشرح

(مسألة 9): الأقوى اتّحاد سورة الفيل و لايلاف، و كذا والضحى و ألم نشرح، فلايجزئ في الصلاة الاّ جمعهما مرتّبتين مع البسملة بينهما.

الشرح:

هل تكون سورة الفيل و لايلاف سورة واحدة و كذا و الضحى و ألم نشرح؟ و على فرض وحدتهما هل تقرأ البسملة بينهما في الفريضة؟

الظاهر أنّه لا خلاف بين القدماء و كذا المشهور من المتأخّرين في وحدة سورة الفيل و لايلاف و كذا و الضحى و ألم نشرح، و ان اختلفوا في قراءة البسملة بينهما. و لنذكر أوّلاً كلامهم في ذلك:

قال الشيخ في الاستبصار: «انّ هاتين السورتين (الضحى و ألم نشرح) سورة واحدة عند آل محمّد عليهم السلام و ينبغي أن يقرأهما موضعا واحدا و لايفصل بينهما ببسم اللّه الرحمن الرحيم في الفرائض. انتهى».(1)

و قال في النهاية: «و اذا أراد أن يقرأ سورة الفيل في الفريضة، جمع بينها و بين سورة لايلاف، لأنّهما سورة واحدة، و كذلك و الضحى و ألم نشرح. انتهى».(2)

و قال في المبسوط: «والضحى و ألم نشرح سورة واحدة، و كذلك سورة الفيل ولايلاف لايبعّضان في الفريضة. انتهى».(3)

قال الصدوق في الهداية: «و موسّع عليك أيّ سورة قرأت في فرائضك، الاّ أربع سور و هي سورة والضحى و ألم نشرح و ألم تر كيف و لايلاف. فان قرأتها كانت قراءة والضحى و ألم نشرح في ركعة لأنّهما جميعا سورة واحدة و لاتنفردبواحدة من هذه الأربع سور في فريضة. انتهى».(4)


1) - الاستبصار 1: 317.

2) - النهاية و نكتها 1: 304.

3) - المبسوط 1: 107.

4) - سلسلة الينابيع الفقهيّة 3: 78.

قال السيّد المرتضى في الانتصار: «و ممّا انفردت به الاماميّة القول - الى أن قال: - و لايجوز افراد كلّ واحدة من سورة والضحى و ألم نشرح عن صاحبتها، و كذلك افراد سورة الفيل عن لايلاف و الوجه في ذلك مع الاجماع المتردّد طريقة اليقين ببراءة الذمّة. انتهى».(1)

و قال ابن ادريس في السرائر: «فاذا أراد أن يقرأ الانسان كلّ واحدة من سورة والضحى و ألم نشرح منفردة عن الأخرى في الفريضة فلايجوز له ذلك لأنّهما سورة واحدة عند أصحابنا بل يقرأهما جميعا و كذلك سورة الفيل و لايلاف، فمن أراد قراءة كلّ واحدة من الضحى و ألم نشرح في الفرض جمع بينهما في ركعة و كذلك من أراد قراءة كلّ واحدة من سورة الفيل و لايلاف جمع بينهما، و في النوافل ليس يلزم ذلك. قال شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله في التبيان: «روى أصحابنا أنّ ألم نشرح مع الضحى سورة واحدة لتعلّق بعضها ببعض و لم يفصلوا بينهما ببسم اللّه الرحمن الرحيم و أوجبوا قراءتهما في الفرائض في ركعة و أن لايفصل بينهما، و مثله قالوا: في سورة ألم تر كيف و لايلاف و في المصحف هما سورتان فصّل بينهما ببسم اللّه الرحمن الرحيم. قال محمّد بن ادريس رحمه الله: الذي تقتضيه الأدلّة و عليه الاجماع أنّ الانسان اذا أراد قراءة ألم نشرح مع سورة الضحى بسمل في الضحى و في ألم نشرح و الدليل على ذلك اثبات البسملة في المصحف فلو لم تكن البسملة من جملة السورة ما جاز ذلك، و هو اجماع من المسلمين - الى أن قال: - و أصحابنا أطلقوا القول بقراءتهما جميعا، فمن أسقط البسملة بينهما ما قرأهما جميعا - الى أن قال: - و أيضا طريق الاحتياط يقتضي ذلك لأنّ بقراءةالبسملة تصحّ الصلاة بغير خلاف و في ترك قراءتها خلاف. انتهى ملخّصا».(2)

قال في مفتاح الكرامة: «الضحى و ألم نشرح سورة واحدة عند آل محمّد صلى الله عليه و آله


1) - الانتصار: 146.

2) - السرائر 1: 220 و 221.

كما في الاستبصار، و من دين الاماميّة الاقرار بذلك كما في الأمالي و هو الذي تذهب اليه الاماميّة كما في الانتصار و هو قول علمائنا كما في السرائر و التحرير و نهاية الأحكام و التذكرة و المهذّب البارع، و رواه أصحابنا كما في الشرائع و مجمع البيان و التبيان على ما نقل، و مذهب السيّد و الشيخ و أتباعهما كما في كشف الرموز، و هو المشهور كما في الروض و الروضة و الذخيرة، و بين المتقدّمين كما في البحار و الحدائق، و مذهب الأكثر كما في الذكرى و جامع المقاصد، و هو خيرة الفقيه و الهداية و الأمالي و ثواب الأعمال و الفقه المنسوب الى الرضا عليه السلام و النهاية و المبسوط و الاصباح على ما نقل عنه و السرائر و جامع الشرائع و النافع و الشهيد و غيرها و هو ظاهر الشرائع و نقله جماعة عن المفيد. انتهى».(1)

و أمّا الروايات الدالّة على أنّهما سورة واحدة فصحيحة زيد الشحّام قال:

«صلّى بنا أبو عبداللّه عليه السلام الفجر فقرأ الضحى و ألم نشرح في ركعة».(2)

و ما رواه في مجمع البيان من الخبر قال:

«روى أصحابنا أنّ الضحى و ألم نشرح سورة واحدة، و كذا سورة ألم تر كيف و لايلاف قريش».(3)

و خبر المفضّل بن صالح عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«سمعته يقول: لاتجمع بين سورتين في ركعة واحدة الاّ الضحى و ألم نشرح و ألم تر كيف و لايلاف قريش».(4)

و خبر أبي العبّاس عن أحدهما عليهماالسلام قال:


1) - مفتاح الكرامة 2: 385.

2) - وسائل الشيعة 6: 54 / الباب 10 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 1.

3) - وسائل الشيعة 6: 55 / الباب 10 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 4.

4) - وسائل الشيعة 6: 55 / الباب 10 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 5.

«ألم تر كيف فعل ربّك و لايلاف قريش سورة واحدة».(1)

و صحيحة زيد الشحّام قال:

«صلّى بنا أبو عبداللّه عليه السلام فقرأ بنا بالضحى و ألم نشرح».(2)

بناءً على أنّه قرأهما في ركعة.

و لاتعارضها مرسلة ابن أبي عمير عن زيد الشحّام قال:

«صلّى أبو عبداللّه عليه السلام فقرأ في الأولى والضحى و في الثانية ألم نشرح لك صدرك».(3)

فانّها تحمل على النافلة جمعا بينها و بين ما تقدّم.

و كذا رواية داوود الرقّي عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) قال:

«فلمّا طلع الفجر قام فأذّن و أقام و أقامني عن يمينه و قرأ في أوّل ركعة الحمد و الضحى، و في الثانية بالحمد و قل هو اللّه أحد ثمّ قنت ثمّ سلّم ثمّ جلس».(4)

فانّها مع ضعفها تحمل على عدم سماع الراوي، أو عدم ذكره لوضوح كونهما سورة واحدة، فكأنّه اذا قيل قرأ في المكتوبة الضحى دليل على الاتيان بصاحبتها معها.

و بعدما عرفت من دلالة الروايات على اتّحاد سورة والضحى و ألم نشرح، و ألم تر كيف و لايلاف و عدم وجود المعارض لها و اعتضادها بفتوى القدماء و اتّفاقهم على ذلك و وجوب قراءتهما في ركعة، و كذا ذهاب المتأخّرين الى ذلك أيضا، فلايبقى محلّ لما ذهب اليه المحقّق في المعتبر و صاحب المدارك و من


1) - وسائل الشيعة 6: 55 / الباب 10 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 6.

2) - وسائل الشيعة 6: 54 / الباب 10 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 2.

3) - تهذيب الأحكام 2: 68 / الحديث 265،33.

4) - وسائل الشيعة 6: 56 / الباب 10 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 10.

تبعه، من عدم الوقوف على دليل معتبر يدلّ على وجوب قراءتهما معا.

قال صاحب الحدائق بعد نقل كلام المحقّق في المعتبر و كلام السيّد السند في المدارك و ما أورد عليهما: «و بالجملة فالظاهر من الأخبار هو الاتّحاد كما عليه متقدّموا الأصحاب و يؤيّده ارتباط المعنى بين السورتين. انتهى».(1)

بقي الكلام في حكم قراءة البسملة بينهما، فالظاهر وجوبها و الدليل على ذلك أوّلاً اثبات البسملة في المصاحف في أوّل كلّ من هذه السور الأربع، فلو لم تكن البسملة من السورة ما جاز ذلك و هو اجماع من المسلمين. و ثانيا طريقة الاحتياط تقتضي ذلك لأنّ الصلاة تصحّ بقراءة البسملة بغير خلاف و في ترك قراءتها خلاف. فالذي ذكرناه هو ما ذهب اليه في السرائر و عليه الأكثر.

في قراءة سورتين أو أزيد في ركعة

(مسألة 10): الأقوى جواز قراءة سورتين أو أزيد في ركعة مع الكراهة في الفريضة، و الأحوط تركه، و أمّا في النافلة فلا كراهة.

الشرح:

هل يجوز قراءة سورتين أو أزيد في ركعة في الفريضة أو لا؟

اختلف الأصحاب في حكم ذلك على قولين، أحدهما: عدم الجواز.

قال الشيخ في الخلاف: «الأظهر من مذهب أصحابنا أن لايزيد مع الحمد علىسورة واحدة في الفريضة و يجوز في النافلة ما شاء من السور. و من أصحابنا من قال: انّه مستحبّ و ليس بواجب و لم يوافق على ذلك أحد من الفقهاء. انتهى».(2)

و قال في المبسوط: «الظاهر من المذهب أنّ قراءة بعض السورة أو أكثرها لايجوز مع الاختيار غير أنّه ان قرأ بعض السورة أو قرن بين سورتين بعد الحمد


1) - الحدائق الناضرة 8: 189.

2) - كتاب الخلاف 1: 336.

لايحكم ببطلان الصلاة، و يجوز كلّ ذلك في حال الضرورة، و كذلك في النافلة مع الاختيار. انتهى».(1)

و قال في النهاية: «و لايجوز أن يجمع بين سورتين مع الحمد في الفرائض، فمن فعل ذلك متعمّدا كانت صلاته فاسدة. و ان فعله ناسيا لم يكن عليه شيء. انتهى».(2)

و قال السيّد المرتضى في الانتصار: «و ممّا انفردت به الاماميّة القول بأنّه لايجوز قراءة بعض سورة في الفريضة و لاسورتين مضافتين الى الحمد في الفريضة و ان جاز ذلك في السنّة. انتهى».(3)

و قال الصدوق في الهداية: «قال الصادق عليه السلام: لاتقرن بين السورتين في الفريضة، فأمّا في النافلة فلابأس. انتهى».(4)

و قال أبو الصلاح الحلبي في الكافي: «و لايجوز أن يقرأ مع فاتحة الكتاب بعض سورة و لا أكثر من سورة. انتهى».(5)

ثانيهما: الجواز مع الكراهة.

قال الشيخ في الاستبصار: «انّ القران بين السورتين ليس ممّا يفسد الصلاة و قد جاءت الروايات صريحة بالكراهيّة. انتهى».(6)

و قال ابن ادريس في السرائر: «و يكره أن يقرأ سورتين مضافتين الى أمّ الكتاب، فان قرأ ذلك لاتبطل صلاته. و قد ذكر شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه الله في نهايته أنّ صلاته تبطل بذلك، و رجع عن ذلك في استبصاره و قال: ذلك على


1) - المبسوط 1: 107.

2) - النهاية و نكتها 1: 302.

3) - الانتصار: 146.

4) - سلسلة الينابيع الفقهيّة 3: 78.

5) - نفس المصدر: 263.

6) - الاستبصار 1: 317.

طريق الكراهة. و هذا الذي يقوى عندى و أفتي به، لأنّ الاعادة و بطلان الصلاة يحتاج الى دليل، و أصحابنا قد ضبطوا قواطع الصلاة، و ما يوجب الاعادة، و لم يذكروا ذلك في جملتها، و الأصل صحّة الصلاة، و الاعادة و البطلان بعد الصحّة يحتاج الى دليل، و يجوز ذلك في النافلة. انتهى».(1)

هذا أقوال القدماء و هكذا يكون الاختلاف بين المتأخّرين و ان كان المشهور منهم ذهبوا الى كراهيّة القران بين السورتين.

قال في مفتاح الكرامة: «و في التحرير و المنتهى و المختلف و التبصرة و الميسية لايجوز القران و هو ظاهر التذكرة، و في الحدائق و الارشاد و شرح الشيخ نجيب الدين و حاشية المدارك أنّها تبطل الصلاة. و في جامع الشرائع و الشرائع و المعتبر و الذكرى و البيان و النفليّة و الدروس و جامع المقاصد و الجعفريّة و شرحيها و فوائد الشرائع و فوائد القواعد و الفوائد المليّة و الروض و المسالك و مجمع البرهان و المدارك و المفاتيح و البحار و كشف اللثام و غيرها أنّ ذلك مكروه. انتهى ملخّصا».(2)

و أمّا الروايات فهي على ثلاث طوائف:

الأولى: ما تنهى عن قراءة أكثر من سورة، كصحيحة منصور بن حازم قال:

«قال أبو عبداللّه عليه السلام: لاتقرأ في المكتوبة بأقلّ من سورة و لا بأكثر».(3)

و صحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما عليهماالسلام قال:

«سألته عن الرجل يقرأ السورتين في الركعة؟ فقال: لا، لكلّ ركعة سورة».(4)


1) - السرائر 1: 220.

2) - مفتاح الكرامة 2: 360.

3) - وسائل الشيعة 6: 44 / الباب 4 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 2.

4) - وسائل الشيعة 6: 44 / الباب 4 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 3.

الثانية: ما تدلّ على الجواز، و هي صحيحة علي بن يقطين قال:

«سألت أبا الحسن عليه السلام عن القران بين السورتين في المكتوبة و النافلة، قال: لابأس. الحديث».(1)

و ما رواه ابن ادريس عن زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«لاتقرننّ بين السورتين في الفريضة في ركعة فانّه أفضل».(2)

الثالثة: ما تكون قابلة للحمل على الجواز و عدمه و هي موثّقة زرارة قال:

«قال أبو جعفر عليه السلام: انّما يكره أن يجمع بين السورتين في الفريضة، فأمّا النافلة فلابأس».(3)

و صحيحة زرارة قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يقرن بين السورتين في الركعة، فقال: انّ لكلّ سورة حقّا فأعطها حقّها من الركوع و السجود، قلت: فيقطع السورة؟ فقال: لابأس».(4)

فالقاعدة في الجمع بين هذه الطوائف الثلاث من الروايات أن يحمل النهي في الطائفة الأولى على الكراهة بقرينة الطائفة الثانية، فتحمل الطائفة الثالثة على الجواز قهرا بل موثّقة زرارة تكون شاهدة للجمع بين الأوليين منها. فاستدلّ صاحب الحدائق(5)لما ذهب اليه من تحريم القران بصحيحتي محمّد بن مسلم و منصور بن حازم المتقدّمتين و استدلّ أيضا بمثل موثّقة زرارة و نظائرها، و حمل صحيحة علي بن يقطين التي تكون دالّة على الجواز على التقيّة و أورد على صاحب المدارك القائل بكراهة القران بايرادات قابلة للخدشة.


1) - وسائل الشيعة 6: 52 / الباب 8 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 9.

2) - وسائل الشيعة 6: 52 / الباب 8 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 11.

3) - وسائل الشيعة 6: 50 / الباب 8 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 2.

4) - وسائل الشيعة 6: 50 / الباب 8 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 3.

5) - الحدائق الناضرة 8: 134 و 135.

فعمدة الاشكال على صاحب الحدائق حمله صحيحة علي بن يقطين على التقيّة مع أنّ ذلك الحمل مورده تعارض الروايات و من المعلوم أنّ الروايات الواردة في الباب قابلة للجمع فلاتكون هناك معارضة بينها كما عرفت.

فالمتحصّل أنّ الأقوى جواز قراءة سورتين أو أزيد في ركعة مع الكراهة في الفريضة، و أمّا في النافلة فلا كراهة.

في تعيين السورة قبل الشروع فيها

(مسألة 11): الأقوى عدم وجوب تعيين السورة قبل الشروع فيها و ان كان هو الأحوط. نعم لو عيّن البسملة لسورة لم تكف لغيرها فلو عدل عنها وجب اعادة البسملة.

الشرح:

هل يجب تعيين السورة قبل الشروع فيها؟ قيل نعم، و كأنّه المشهور.

قال في مفتاح الكرامة: «تعاد البسملة لو سمّى بعد الحمد من غير قصد سورة معيّنة، هذا هو المشهور كما في الحدائق و مذهب الأكثر كما في البحار و هو خيرةالتحرير و التذكرة و الارشاد و الذكرى و الدروس و البيان و الألفية و الموجز الحاوي و كشف الالتباس و جامع المقاصد و الجعفريّة و شرحيها و المقاصد العليّة. انتهى موضع الحاجة من كلامه».(1)

قال في الحدائق: «المشهور في كلام الأصحاب و لاسيّما المتأخّرين من العلاّمة و من تأخّر عنه أنّه مع العدول يجب أن يعيد البسملة لأنّ البسملة آية من كلّ سورة و قد قرأها أوّلاً بنيّة السورة المعدول عنها فلاتحسب من المعدول اليها، و لأنّ البسملة لايتعيّن كونها من سورة الاّ بالقصد. و صرّحوا أيضا بأنّه يعيدها لو قرأها بعد الحمد من غير أن يقصد بها سورة معيّنة بعد القصد، حيث انّ البسملة


1) - مفتاح الكرامة 2: 411.

صالحة لكلّ سورة فلاتتعيّن لاحدى السور الاّ بالتعيين و القصد بها الى احداها و بدونه يعيدها بعد القصد. - الى أن قال: - و التحقيق عندي في أمثال هذا المقام هو أن يقال لا ريب أنّهم لايختلفون في أصالة العدم، و انّ الأصل عدم الوجوب في شيء الاّ مع قيام الدليل عليه اذ لاتكليف الاّ بعد البيان و لامؤاخذة الاّ بعد اقامة البرهان، و عدم الدليل دليل العدم. و ما ادّعوه هنا - من وجوب القصد بالبسملة الى سورة معيّنة فلو بسمل لابقصد فانّه يجب اعادتها بعد القصد - لم يأتوا عليه بدليل واضح سوى ما عرفت من التعليل العليل الذي لايشفي العليل و لايبرد الغليل مع استفاضة الأخبار عنهم عليهم السلامبالسكوت عمّا سكت اللّه عنه و النهي عن تكلّف الدليل في ما لم يرد عنهم عليهم السلام فيه دليل واضح. انتهى موضع الحاجة من كلامه».(1)

أقول:

الظاهر من كتابة القرآن و من بعض الروايات أنّ كلّ سورة لها بسملة مختصّةبها فمن أراد أن يقرأ سورة التوحيد مثلاً فعليه أن يعيّنها أوّلاً أي قبل الشروع في البسملة حتّى يصدق أنّه قرأ سورة التوحيد بتمامها لأنّ البسملة جزء لها، و ان ابتدأ بالبسملة من دون تعيين السورة ثم عيّن السورة التي يريد أن يقرأها كسورة التوحيد مثلاً فانّه أتى بها ناقصة و على الأقلّ من الشكّ فعليه أن يعيدها فالمورد مورد الاشتغال لا البراءة كما ذهب اليه صاحب الحدائق، لأنّ الواجب عليه الاتيان بسورة كاملة، فاذا قرأ البسملة ثمّ عيّن السورة يشكّ في اتيانه بالواجب فعليه اعادة البسملة. أمّا الماتن فقد ذهب الى عدم وجوب التعيين قبل الشروع فيها و الظاهر أنّ ذلك للمحكي عن صاحب الجواهر من كفاية قصد الجامع و عدم وجوب تعيين البسملة اذ لاينحصر التشخيص في القصد بل قد يحصل من أجل متابعة السورة المعيّنة و لحوقها بها فيصدق عرفا تعيّن البسملة لها. ولكن فيه كما عن


1) - الحدائق الناضرة 8: 204 و 205.

مستند العروة: انّ الشيء لاينقلب عمّا هو عليه، و الصدق العرفي مع اطّلاعهم على قصد الجامع ممنوع، و لو سلّم فهو مبنيّ على ضرب من المسامحة قطعا لما عرفت من امتناع انقلاب الشيء عمّا وقع عليه. فانّ البسملة الواقعة بقصد الجامع كيف تنقلب بلحوق السورة و تقع لخصوصها، و قياسه بالمركّبات الخارجيّة كنَحْت الخشب الصالح لصنع سرير أو باب و نحوهما منه مع الفارق لعدم الحاجة الى القصد فيها، بخلاف المقام الذي هو مركّب اعتباري متقوّم بالقصد.

فيما لو عيّن البسملة لسورة ثمّ نسيها فلم يدر ما عيّن

(مسألة 12): اذا عيّن البسملة لسورة ثمّ نسيها فلم يدر ما عيّن وجب اعادة البسملة لأيّ سورة أراد، و لو علم أنّه عيّنها لاحدى السورتين من الجحد و التوحيد و لم يدر أنّه لأيّتهما أعاد البسملة و قرأ احداهما، و لايجوز قراءة غيرهما.

الشرح:

قد تقدّم آنفا وجوب تعيين السورة قبل الشروع في البسملة لأنّ كلّ سورة لها بسملة خاصّة لها، جزء منها، و عليه لو عيّن البسملة لسورة ثمّ نسيها فلم يدر ما عيّن وجب اعادة البسملة، لأنّه اذا لم يعد البسملة يشكّ في البراءة عن الاتيان بسورة تامّة، اذ لعلّ البسملة المعيّنة التي أتى بها لم تكن لهذه السورة.

و لو علم أنّه عيّنها لاحدى السورتين من الجحد و التوحيد و لم يدر أنّه لأيّتهما أعاد البسملة لواحدة من الجحد و التوحيد و يقرأها. أمّا وجوب اعادة البسملة فقد عرفت، و أمّا وجوب تعيين احداهما فلما يأتي من تحريم العدول عن سورة التوحيد أو الجحد الى سورة أخرى اذا شرع فيهما، و حيث انّه قرأ البسملة بنيّة احداهما معيّنة فقد شرع فيها، و لم يجز له العدول الى سورة أخرى.

فيما اذا بسمل من غير تعيين سورة

(مسألة 13): اذا بسمل من غير تعيين سورة فله أن يقرأ ما شاء، و لو شكّ في أنّه عينها لسورة معيّنة أو لا فكذلك، لكن الأحوط في هذه الصورة اعادتها، بل الأحوط اعادتها مطلقا لما مرّ من الاحتياط في التعيين.

الشرح:

اذا بسمل من غير تعيين سورة فعليه اعادة البسملة لما تقدّم، و كذا لو شكّ في أنّه عيّنها لسورة معيّنة أو لا، سواء كانت السورة في ذهنه أو نسيها، لرجوع ذلك كلّه الى الاشتغال. و أمّا على مبنى الماتن (من عدم وجوب تعيين السورة ابتداءً بل اذا بسمل من غير تعيين سورة ثمّ قرأ سورة تعيّن البسملة لها. نعم اذا عيّن البسملة لسورة فلايجوز له قراءة سورة أخرى الاّ اذا أعاد البسملة لو جاز العدول) لو شكّ في أنّه عيّنها لسورة معيّنة أو لا، فيشكّ في أنّه صار مكلّفا بهذه السورة بخصوصها أو له أن يقرأ أيّ سورة شاء، فيكون مرجع شكّه الى التعيين و التخيير، فالأصل الجاري في المقام هو البراءة فله أن يقرأ ما شاء.

(مسألة 14): لو كان بانيا من أوّل الصلاة أو أوّل الركعة أن يقرأ سورة معيّنة فنسي و قرأ غيرها كفى، و لم يجب اعادة السورة، و كذا لو كانت عادته سورة معيّنة فقرأ غيرها.

الشرح:

الظاهر صحّة ما ذهب اليه الماتن؛ لأنّه حينما قرأ غير ما كان بانيا من أوّل الصلاة أو أوّل الركعة لنسيانها، فقد قرأ البسملة لهذه السورة فيصحّ ما أتى به. و لا دليل على تعيّنها في مصداق خاصّ بمجرّد البناء و العزم من الأوّل و ان تجدّد له عزم آخر على خلافه.

(مسألة 15): اذا شكّ في أثناء سورة أنّه هل عيّن البسملة لها أو لغيرها و قرأها نسيانا بنى على أنّه لم يعيّن لغيرها.

الشرح:

تارةً يكون شكّه في أثناء قراءة السورة فيمضي في قراءته و لايعتني بشكّه لقاعدة التجاوز و أخرى يكون شكّه قبل الاشتغال بالسورة و بعد البسملة، فحينئذ تارة تكون السورتان اللتان شكّ في تعيين البسملة لهما غير التوحيد و الجحد و أخرى تكون التوحيد أو الجحد و غيرهما، ففي الأولى يعيد البسملة لقاعدة الاشتغال و يعيّن أيّ سورة شاء منهما أو من غيرهما، لأنّ العدول قبل تجاوز النصف جائز. و في الصورة الثانية يعيد البسملة بقصد التوحيد أو الجحد مثلاً لأنّه ان عيّن البسملة بنيّة التوحيد فلايجوز له العدول و الاحتياط يقتضي ذلك. تبقى هنا صورة رابعة و هي لو تردّدت البسملة بين التوحيد و الجحد، فحيث لايجوز العدول من احداهما الى الأخرى فيقرأ السورتين معا مقتصرا على البسملة السابقة قاصدا الجزئيّة باحداهما المعيّنة واقعا.

في حكم العدول من سورة الى أخرى

اشارة

(مسألة 16): يجوز العدول من سورة الى أخرى اختيارا ما لم يبلغ النصف، الاّ من الجحد و التوحيد فلايجوز العدول منهما الى غيرهما، بل من احداهما الى الأخرى بمجرّد الشروع فيها و لو بالبسملة. نعم يجوز العدول منهما الى الجمعة و المنافقين في خصوص يوم الجمعة حيث انّه يستحبّ في الظهر أو الجمعة منه أن يقرأ في الركعة الأولى الجمعة، و في الثانية المنافقين، فاذا نسي و قرأ غيرهما حتّى الجحد و التوحيد يجوز العدولاليهما ما لم يبلغ النصف. و أمّا اذا شرع في الجحد أو التوحيد عمدا فلايجوز العدول اليهما أيضا على الأحوط.

هيهنا فروع:

الفرع الأوّل : في جواز العدول من سورة الى أخرى

قال في الجواهر: «لا خلاف أجده بين الأصحاب في جواز العدول من سورة الى أخرى في الجملة بل يمكن تحصيل الاجماع عليه، كما أنّه يمكن دعوى تواتر النصوص معنىً فيه أيضا. انتهى».(1)

و الدليل على ذلك، صحيحة زرارة قال:

«قلت لأبي جعفر عليه السلام: رجل قرأ سورة في ركعة فغلط، أيدع المكان الذي غلط فيه و يمضي في قراءته أو يدع تلك السورة و يتحوّل منها الى غيرها؟ فقال: كلّ ذلك لابأس به، و ان قرأ آية واحدة فشاء أن يركع بها ركع. الحديث».(2)

و صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام في الرجل يقرأ في المكتوبة بنصف السورة ثمّ ينسى فيأخذ في أخرى حتّى يفرغ منها ثمّ يذكر قبل أن يركع، قال:

«يركع و لايضرّه».(3)

و سيأتي ما يدلّ على ذلك في الفروعات الآتية.

الفرع الثاني : في تحديد جواز العدول

اختلفوا في تحديد جواز العدول بعد اتّفاقهم على جوازه قبل بلوغ النصف.


1) - جواهر الكلام 10: 57.

2) - وسائل الشيعة 6: 100 / الباب 36 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 1.

3) - وسائل الشيعة 6: 101 / الباب 36 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 4.

قال صاحب الجواهر: «لااشكال في جواز العدول في الجملة، انّما البحث في تحديده و محلّه، و الاجماع بقسميه على جوازه قبل بلوغ النصف، مضافا الى الأدلّة السابقة. انتهى».(1)

قال في الحدائق: «فقيل بجواز العدول فيماعدا سورتي الجحد و التوحيد ما لم يبلغ النصف و به قال ابن ادريس و الشهيد في الذكرى و الدروس و ابن بابويه في الفقيه و الجعفي و ابن الجنيد و أسنده في الذكرى الى الأكثر. و قيل ما لم يتجاوز النصف و ظاهره جواز العدول و ان بلغ النصف و هو قول الشيخين و الفاضلين في المعتبر و المنتهى و غيره من كتبه و عليه جملة من الأصحاب بل قال في الذخيرة انّه المشهور و مثله شيخنا المجلسي في البحار قال بأنّه المشهور. انتهى».(2)

و ذهب كاشف الغطاء الى جواز العدول الى الثلثين.

و القول الرابع جواز العدول مطلقا، و هو لصاحب الحدائق فانّه قال فيه: «و من ذلك يظهر لك قوّة القول بجواز العدول مطلقا للأصل مضافا الى اطلاق الأخبار المتقدّمة و الأوامر المطلقة في القراءة لصدقها بعد العدول أيضا و الأخبار المتقدّمة الصريحة في جواز العدول و لو بعد مجاوزة النصف، واللّه العالم.انتهى».(3)

أقول:

الظاهر عدم وجود نصّ معتبر على عدم جواز العدول اذا بلغ النصف أو اذا تجاوز النصف.

قال في الحدائق: «و اعترف جملة من الأصحاب منهم الشهيدان في الذكرى و


1) - جواهر الكلام 10: 60.

2) - الحدائق الناضرة 8: 194.

3) - نفس المصدر: 198.

الروض و كذا من تأخّر عنهما بعدم وجود النصّ على شيء من هذين القولين. قال شيخنا المجلسي رحمه الله في كتاب البحار: و اعترف جماعة من الأصحاب بأنّ التحديد بمجاوزة النصف أو بلوغه غير موجود في النصوص و هو كذلك. انتهى».(1)

نعم يدلّ على القولين المذكورين روايتا كتاب الفقه و كتاب دعائم الاسلام. ففي الأوّل:

«و سئل - أي العالم عليه السلام - عن رجل يقرأ في المكتوبة نصف السورة، ثمّ ينسى فيأخذ في الأخرى حتّى يفرغ منها، ثمّ يذكر قبل أن يركع، قال: لابأس به».(2)

و في الثاني: روينا عن جعفر بن محمّد عليهماالسلام، أنّه قال:

«من بدأ بالقراءة في الصلاة بسورة، ثم رأى أن يتركها و يأخذ في غيرها، فله ذلك ما لم يأخذ في (يبلغ) نصف السورة (الأخرى) الاّ أن يكون بدأ بقل هو اللّه أحد، فانّه لايقطعها. الخبر».(3)

و كذا ما رواه الشهيد في الذكرى عن أبي عبداللّه عليه السلام في الرجل يريد أن يقرأ

السورة فيقرأ في أخرى، قال:

«يرجع الى التي يريد و ان بلغ النصف».(4)

ولكن الاشكال في هذه الروايات: أمّا في الأولى فعن غير واحد أنّ كتاب فقه الرضا لم يكن من انشاء الامام عليه السلام في شيء بل هو أحد من الكتب الفقهيّة، و في الثانية مضافا الى ضعف روايات الدعائم بالارسال بل و جهالة مؤلّفه، أنّها قاصرة


1) - نفس المصدر: 194.

2) - مستدرك الوسائل 4: 201 / الباب 28 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 1.

3) - مستدرك الوسائل 4: 200 / الباب 27 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 1.

4) - وسائل الشيعة 6: 101 / الباب 36 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 3.

الدلالة و في الثالثة أنّها ضعيفة السند و الدلالة. هذا مضافا الى معارضتها بموثّقة عبيد بن زرارة عن أبي عبداللّه عليه السلام في الرجل يريد أن يقرأ السورة فيقرأ غيرها، قال:

«له أن يرجع ما بينه و بين أن يقرأ ثلثيها».(1)

فلولا اعراض المشهور عن هذه الموثّقة لقلنا بها الاّ أنّ الظاهر أنّه لم يعمل بها أحد الاّ كاشف الغطاء و من يحذو حذوه.

فما ذهب اليه الماتن من عدم جواز العدول اذا بلغ النصف هو الموافق للاحتياط.

قال صاحب الجواهر: «انّ الظاهر تحقّق الاجماع على عدم جواز العدول بعد تجاوز النصف كما اعترف به في مجمع البرهان، بل في الحدائق أنّه حكاه جماعة منهم الشهيد الثاني في الروض أيضا، و بذلك يخرج عن اطلاق النصوص، و من العجيب ما في كشف الأستاذ من جوازه بعد ذلك الى الثلثين لموثّق عبيد بن زرارة السابق، اذ هو و ان كان متّجها بالنظر الى النصوص لعدم معارض معتدّ به منها له، مع تأيّده بالأصل و غيره ممّا عرفت، لكنّ الاجماع الذي سمعت شاهد بخلافه، وكفى به شاهدا. انتهى».(2)

الفرع الثالث : في عدم جواز العدول عن سورتي التوحيد و الجحد

لايجوز العدول عن سورتي التوحيد و الجحد اذا شرع فيهما و الدليل على ذلك: صحيحة عمرو ابن أبي نصر قال:

«قلت لأبيعبداللّه عليه السلام: الرجل يقوم في الصلاة فيريد أن يقرأ سورة


1) - وسائل الشيعة 6: 101 / الباب 36 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 2.

2) - جواهر الكلام 10: 60.

فيقرأ قل هو اللّه أحد و قل يا أيّها الكافرون، فقال: يرجع من كلّ سورة الاّ من قل هو اللّه أحد و قل يا أيّها الكافرون».(1)

و صحيحة الحلبي قال:

«قلت لأبيعبداللّه عليه السلام: رجل قرأ في الغداة سورة قل هو اللّه أحد، قال: لابأس، و من افتتح سورة ثمّ بدا له أن يرجع في سورة غيرها فلابأس الاّ قل هو اللّه أحد، و لايرجع منها الى غيرها، و كذلك قل يا أيّها الكافرون».(2)

و صحيحة علي بن جعفر عن أخيه عليه السلام قال:

«سألته عن الرجل أراد سورة فقرأ غيرها، هل يصلح له أن يقرأ نصفها ثمّ يرجع الى السورة التي أراد؟ قال: نعم ما لم تكن قل هو اللّه أحد أو قل يا أيّها الكافرون».(3)

قال في الحدائق: «المشهور بين الأصحاب - رضوان اللّه عليهم - أنّه لايجوز العدول عن سورتي التوحيد و الجحد الى غيرهما سوى ما سيأتي بل متى شرع فيهما وجب اتمامهما، صرّح به الشيخان و المرتضى و ابن ادريس و العلاّمة و غيرهم و نقل المرتضى في الانتصار اجماع الفرقة عليه.و خالف المحقّق في المعتبر فذهب الى الكراهة. و توقّف فيه العلاّمة في المنتهى و التذكرة، و ظاهر الفاضل الخراساني في الذخيرة التوقّف في ذلك. انتهى».(4)

و قال في الجواهر: «و لايخفى ظهور النصوص في حرمة الرجوع عن سورتي الجحد و الاخلاص و وجوب المضي فيهما لغير الجمعة و المنافقين بمجرّد


1) - وسائل الشيعة 6: 99 / الباب 35 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 6: 99 / الباب 35 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 2.

3) - وسائل الشيعة 6: 100 / الباب 35 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 3.

4) - الحدائق الناضرة 8: 198.

الشروع فيهما و ان كانت بسملة مع قصدها بناءً على التعيّن بالقصد، فخلاف من ذهب الى الكراهة في غاية الضعف. انتهى ملخّصا».(1)

ثمّ انّه لو قلنا بتحريم العدول كما هو الأشهر الأظهر فلو خالف و عدل الى غيرهما فهل تبطل صلاته أم لا بل غاية ما يترتّب عليه الاثم خاصّة؟

قال صاحب الحدائق: «لم أقف فيه على نصّ من الأخبار و لا تصريح لأحد من الأصحاب الاّ على كلام للوالد العلاّمة حيث قال - بعد أن اعترف أيضا بعدم الوقوف على نصّ من الأخبار و لا كلام لأحد من الأصحاب - ما لفظه: و لايبعد القول ببطلان العبادة بذلك لأنّ النهي حينئذ راجع الى جزء العبادة فيبطلها لأنّ النهي عن الرجوع عنهما الى غيرهما نهي في الحقيقة عن قراءة غيرهما مع أنّه مأمور باتمامهما، فعند العدول عنهما و قراءة غيرهما يكون آتيا بما نهي عنه تاركا لما أمر به فيكون باقيا تحت العهدة فتبطل عبادته حينئذ، فتأمّل. انتهى».(2)

أقول:

الظاهر من الروايات حرمة العدول و لايستلزمها بطلان الصلاة. و ما قاله في الحدائق ففيه: انّ النهي عن الشيء لايكون أمرا بضدّه كما أنّ الأمر بالشيء لايكون نهيا عن ضدّه.

الفرع الرابع : في حكم العدول منهما الى الجمعة و المنافقين في يوم الجمعة

فالبحث حول هذا الفرع من جهات:

الأولى: يجوز العدول من التوحيد و الجحد الى الجمعة و المنافقين في


1) - جواهر الكلام 10: 63.

2) - الحدائق الناضرة 8: 199.

الجمعة، و ذلك لصحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما عليهماالسلام في الرجل يريد أن يقرأ سورة الجمعة في الجمعة فيقرأ قل هو اللّه أحد، قال:

«يرجع الى سورة الجمعة».(1)

و صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«اذا افتتحت صلاتك بقل هو اللّه أحد و أنت تريد أن تقرأ بغيرها فامض فيها و لاترجع الاّ أن تكون في يوم الجمعة فانّك ترجع الى الجمعة و المنافقين منها».(2)

و رواية علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام قال:

«سألته عن القراءة في الجمعة بما يقرأ؟ قال: سورة الجمعة و اذا جاءك المنافقون، و ان أخذت في غيرها و ان كان قل هو اللّه أحد فاقطعها من أوّلها و ارجع اليها».(3)

ثمّ اعلم أنّ الظاهر من الروايات جواز الرجوع من التوحيد الى الجمعة و المنافقين و لم يذكر فيها جواز الرجوع من الجحد اليهما الاّ أنّها تلحق بالتوحيد أيضا و ذلك أوّلاً بعدم القول بالفصل، و ثانيا بتنقيح المناط، و ثالثا برواية علي بن جعفر من قوله عليه السلام «و ان أخذت في غيرها و ان كان قل هو اللّه أحد فاقطعها من أوّلها و ارجع اليها» فكلمة «في غيرها» تشمل الجحد أيضا، و الرواية ان كانت صحيحة كما في مستند العروة عن الحدائق فبها، و ان كانت ضعيفة ينجبر بعمل المشهور.

ففي الجواهر: «يجوز الرجوع من التوحيد و الجحد الى الجمعة و المنافقين الذي هو متّفق عليه بحسب الظاهر و ان أطلق المنع بعض القدماء، و النصوص


1) - وسائل الشيعة 6: 152 / الباب 69 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 6: 153 / الباب 69 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 2.

3) - وسائل الشيعة 6: 153 / الباب 69 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 4.

صريحة في جواز الرجوع من التوحيد، و يستفاد حكم الرجوع بالنسبة الى الجحد من «إن» الوصلية و غيرها، مضافا الى دعوى الاجماع المركّب. انتهى ملخّصا مع زيادة توضيح».(1)

الثانية: لايختصّ الحكم بجواز العدول الى الجمعة و المنافقين بما اذا لم يتجاوز النصف بل بعد التجاوز أيضا يجوز العدول اليهما، و ذلك أوّلاً لاطلاق الروايات الواردة في جواز العدول من التوحيد و الجحد الى الجمعة و المنافقين، بتقريب أنّه اذا جاز العدول مطلقا من التوحيد و الجحد اللتين يحرم قطعهما من غير وجه، فيجوز العدول من غيرهما اليهما بطريق أولى و ان جاوز النصف، فهذهالروايات حاكمة على الروايات الواردة في عدم جواز العدول اذا جاوز النصف ان كانت موجودة.

و ثانيا عمدة الدليل على عدم جواز العدول اذا جاوز النصف الاجماع المدّعى، فيتعارض الاجماع و اطلاق هذه الروايات، فتقدّمت الروايات لأنّ الاجماع ليس له اطلاق فالقدر المتيقّن منه في مقام التعارض يكون في غير العدول الى الجمعة و المنافقين.

و ثالثا لو سلّمنا أنّ الدليل الأخبار، أو قلنا بموثّقة عبيد بن زرارة عن أبي عبداللّه عليه السلامفي الرجل يريد أن يقرأ السورة فيقرأ غيرها، قال:

«له أن يرجع ما بينه و بين أن يقرأ ثلثيها».(2)

فيتعارض اطلاق أخبار جواز العدول من سورتي التوحيد و الجحد الى الجمعة و المنافقين، مع اطلاق أخبار حرمة العدول اذا جاوز النصف، فتكون النسبة بينهما عموما من وجه فيتعارضان في مادّة الاجتماع و هي العدول الى السورتين بعد تجاوز النصف أو الثلثين و بعد التساقط يرجع الى الأصل أو عموم


1) - جواهر الكلام 10: 63.

2) - وسائل الشيعة 6: 101 / الباب 36 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 2.

ما دلّ على جواز الرجوع من كلّ سورة الى غيرها، و بذلك يثبت الجواز.

و أمّا الاستحباب فتدلّ عليه صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام في حديث طويل يقول:

«اقرأ سورة الجمعة و المنافقين فانّ قراءتهما سنّة يوم الجمعة في الغداة و الظهر و العصر، و لاينبغي لك أن تقرأ بغيرهما في صلاة الظهر يعني يوم الجمعة اماما كنت أو غير امام».(1)

الثالثة: الصلاة المستثناة عن هذا الحكم في يوم الجمعة هي صلاة الجمعة وصلاة الظهر كما عليه المشهور، و ذلك لأنّ الظاهر من كلمة «الجمعة» في الروايات صلاة الجمعة و صلاة الظهر يوم الجمعة فكثيرا ما يطلق الجمعة عليهما، كما أنّ المتبادر من قوله عليه السلام «الاّ أن تكون في يوم الجمعة» في صحيحة الحلبي هو صلاة الجمعة أو صلاة الظهر في يوم الجمعة، و لو بقرينة بعض الروايات كصحيحة زرارة المتقدّمة آنفا عن أبي جعفر عليه السلام:

« ... و لاينبغي لك أن تقرأ بغيرهما في صلاة الظهر يعني يوم الجمعة اماما كنت أو غير امام».(2)

قال في الجواهر: «انّ المحكي عن الصدوق و الشيخ و ابن ادريس و يحيى بن سعيد و الفاضل و غيرهم أنّ محلّ ذلك ظهر يوم الجمعة، و احتمال ارادتهم صلاة الجمعة خاصّة في غاية البعد، نعم يستفاد الحكم فيها بالأولويّة أو يراد منه ما يشملها، فيكون المحلّ حينئذ الظهر و صلاة الجمعة كما اختاره المحقّق الثاني و غيره، بل عن البحار الظاهر اشتراك الحكم عندهم بين الظهر و الجمعة بلا خلاف في عدم الفرق بينهما، ثم قال: «و الأخبار انّما وردت بلفظ الجمعة، و الظاهر أنّها تطلق على ظهر يوم الجمعة مجازا، أو هي مشتركة بين الجمعة و الظهر اشتراكا


1) - وسائل الشيعة 6: 120 / الباب 49 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 6.

2) - وسائل الشيعة 6: 120 / الباب 49 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 6.

معنويّا». قلت: قد سمعت ما في صحيح الحلبي من التعبير بيوم الجمعة الشامل لهما، و من العجيب ما في الحدائق من وجوب حمله على صلاة الجمعة تحكيما للمقيّد على المطلق، اذ ذاك يجب مع التعارض لا مع عدمه كما في المقام، بل لولا انسياق ارادة خصوص الصلاتين من اطلاقه الى الذهن لاتّجه تعميم الحكم للعصر أيضا كما في جامع المقاصد و عن التذكرة و ظاهر الموجز و الروض أو صريحهما، بل و للصبح أيضا و ان لم أجد به قائلاً، نعم عن الجعفي أنّه جعلالمحلّ فيه و في صلاة الجمعة و العشاء ليلتها، و لم أقف له على ما يدلّ على خصوص الجمع مع نفي غيره. انتهى».(1)

و قد ذكرنا ما في الجواهر بطوله لكونه حاويا للأقوال المختلفة هنا، و كان تأييدا لما ذهبنا اليه.

الرابعة: لايختصّ حكم جواز العدول بصورة النسيان بل يعمّ صورة العمد أيضا، سواء كان في العدول الى الجمعة و المنافقين و ان كان من التوحيد و الجحد، أو الى غيرهما ما لم يتجاوز النصف أو الثلثين، و ذلك لظاهر صحيحة الحلبي قال:

«قلت لأبيعبداللّه عليه السلام: رجل قرأ في الغداة سورة قل هو اللّه أحد، قال: لابأس، و من افتتح سورة ثمّ بدا له أن يرجع في سورة غيرها فلابأس الاّ قل هو اللّه أحد، و لايرجع منها الى غيرها، و كذلك قل يا أيّها الكافرون».(2)

و صحيحته الثانية عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«اذا افتتحت صلاتك بقل هو اللّه أحد و أنت تريد أن تقرأ بغيرها فامض فيها و لاترجع الاّ أن تكون في يوم الجمعة فانّك ترجع الى


1) - جواهر الكلام 10: 66 و 67.

2) - وسائل الشيعة 6: 99 / الباب 35 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 2.

الجمعة و المنافقين منها».(1)

و صريح رواية علي بن جعفر أو صحيحته عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام قال:

«سألته عن القراءة في الجمعة بما يقرأ؟ قال: سورة الجمعة و اذا جاءك المنافقون، و ان أخذت في غيرها و ان كان قل هو اللّه أحدفاقطعها من أوّلها و ارجع اليها».(2)

و قد خالف في ذلك جماعة فاختصّوا العدول اليهما بصورة النسيان.

قال في الحدائق: «قد صرّح المحقّقان الفاضلان المحقّق الشيخ علي و شيخنا الشهيد الثاني - عطّر اللّه مرقديهما - بأنّ جواز العدول من التوحيد و الجحد الى السورتين المذكورتين مشروط بكون قراءتهما على وجه السهو و النسيان، و حينئذ فلو كان عمدا فانّه لايجوز له الرجوع عملاً باطلاق الأخبار. و الظاهر أنّ مستندهم في ذلك قوله عليه السلامفي صحيحة محمّد بن مسلم المتقدّمة عن أحدهما عليهماالسلام في الرجل يريد أن يقرأ سورة الجمعة في الجمعة فيقرأ قل هو اللّه أحد، قال: «يرجع الى سورة الجمعة».(3)و نحوها غيرها من روايات المسألة، فانّ ظاهرها أنّ القصد كان لسورة الجمعة و انّ قراءة التوحيد انّما وقع لا عن قصد بل سهوا. انتهى مع زيادة توضيح».(4)

و قد تقدّم أنّ ظاهر بعض الروايات و صريح بعضها الأخرى أنّ العدول يجوز في صورة العمد أيضا و لايختصّ بصورة النسيان كما قيل. فما ذهب اليه الماتن من عدم جواز العدول اليهما احتياطا في صورة العمد، و اختصاص العدول بالنسيان في غير محلّه.


1) - وسائل الشيعة 6: 153 / الباب 69 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 2.

2) - وسائل الشيعة 6: 153 / الباب 69 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 4.

3) - وسائل الشيعة 6: 152 / الباب 69 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 1.

4) - الحدائق الناضرة 8: 202.

في حكم العدول من الجمعة و المنافقين الى غيرهما في يوم الجمعة

(مسألة 17): الأحوط عدم العدول من الجمعة و المنافقين الى غيرهما في يوم الجمعة و ان لم يبلغ النصف.

الشرح:

يجوز العدول من الجمعة و المنافقين الى غيرهما في يوم الجمعة ما لم يبلغ النصف، و ذلك لعدم الدليل على المنع مضافا الى اطلاق أدلّة الجواز، و ما قيل في المنع فلدلالة ما روي في دعائم الاسلام: روينا عن جعفر بن محمّد عليهماالسلام أنّه قال:

« ... و كذلك سورة الجمعة أو سورة المنافقون لايقطعهما الى غيرهما. الحديث».(1)

و من أنّ جواز العدول عن الجحد و التوحيد اليهما مع كونه ممنوعا في نفسه يكشف عن أهمّيّتهما بالنسبة اليهما (أي الى الجحد و التوحيد)، فاذا لم يجز العدول عنهما لم يجز في الجمعة و المنافقين بطريق أولى.

ففيه: انّ الرواية ضعيفة السند و انّ الأولويّة ليست بقطعيّة لعدم العلم بملاكات الأحكام بما هو في الواقع.

في حكم العدول من سورة الى أخرى في النوافل

(مسألة 18): يجوز العدول من سورة الى أخرى في النوافل مطلقا و ان بلغ النصف.

الشرح:

يجوز العدول في النوافل مطلقا، و ذلك أوّلاً لأنّ الدليل على عدم جواز العدول من سورة الى أخرى اذا تجاوز النصف، هو الاجماع و القدر المتيقّن منه يكون في الفريضة. و ثانيا لو كان الدليل الروايات فانّها و ان كانت مطلقة ولكن الظاهر انصرافها الى الفرائض، لأنّ السورة ليست شرطا في صحّة النوافل بل


1) - مستدرك الوسائل 4: 221 / الباب 51 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 1.

يجوزتركها، كما يجوز الاكتفاء بأقلّ من سورة، و لايكون القران بين السورتين حراما في النافلة، فحينئذ لا معنى للالتزام بهذا الحكم في النوافل. و هكذا يكونفي الانتقال من التوحيد و الجحد في النوافل، للدليل الذي ذكر.

قال الشيخ في النهاية: «و اذا قرأ الانسان في الفريضة سورة بعد الحمد و أراد الانتقال الى غيرها جاز له ذلك ما لم يتجاوز نصفها، الاّسورة الكافرين و الاخلاص، فانّه لاينتقل عنهما الاّ في صلاة الظهر يوم الجمعة، فانّه لابأس أن ينتقل عنهما الى سورة الجمعة و المنافقين. انتهى».(1)

و قد قيّد الحكم بالفريضة في كتاب المبسوط(2)أيضا.

في العدول من سورة الى أخرى بعد بلوغ النصف عند الضرورة؟

(مسألة 19): يجوز مع الضرورة العدول بعد بلوغ النصف حتّى في الجحد و التوحيد، كما اذا نسي بعض السورة أو خاف فوت الوقت باتمامها أو كان هناك مانع آخر، و من ذلك ما لو نذر أن يقرأ سورة معيّنة في صلاته فنسي و قرأ غيرها، فانّ الظاهر جواز العدول و ان كان بعد بلوغ النصف أو كان ما شرع فيه الجحد أو التوحيد.

الشرح:

الأقوى وجوب العدول في الموارد التي ذكرها المصنّف، لأنّه اذا نسي بعض السورة فان قلنا بوجوب قراءة سورة تامّة يجب عليه العدول الى سورة أخرى حينئذ و ان تجاوز النصف و لو كانت المنسيّة بعضها الجحد و التوحيد. و كذا يكون الحال لو خاف فوت الوقت باتمامها، فانّه اذا كان يجب مراعاة الوقت، يجب العدول الى سورة أخرى حينئذ لادراكه و ان تجاوز النصف، و كذا لو كان


1) - النهاية و نكتها 1: 304.

2) - المبسوط 1: 107.

هناك مانع آخر لاتمام السورة. و من ذلك لو نذر أن يقرأ سورة معيّنة في صلاتهفنسي و قرأ غيرها.

قال في الجواهر: «ثمّ لايخفى أنّ تحديد العدول بالنصف أو الشروع بالسورتين انّما هو اذا لم يعرض ما يوجبه من نسيان بعض السورة أو ضيق الوقت أو نزول ضرر معتدٍّ به أو غير ذلك، فانّه يجب العدول حينئذ و ان تجاوز النصف أو كانت السورتين. انتهى».(1)

في الجهر بالقراءة في الصبح و الأوّلتين من المغرب و العشاء

اشارة

(مسألة 20): يجب على الرجال الجهر بالقراءة في الصبح و الركعتين الأوّلتين من المغرب و العشاء و يجب الاخفات في الظهر و العصر في غير يوم الجمعة، و أمّا فيه فيستحبّ الجهر في صلاة الجمعة بل في الظهر أيضا على الأقوى.

الشرح:

يجب على الرجال الجهر بالقراءة في الصبح و الركعتين الأوّلتين من المغرب و العشاء و يجب الاخفات في الظهر و العصر، و لم يخالف فيه أحد من القدماء الاّ ابن الجنيد و السيّد المرتضى و من متأخّري المتأخّرين السيّد صاحب المدارك و تبعه بعض آخر.

قال العلاّمة في المختلف: «المشهور بين علمائنا وجوب الجهر في الصبح و أوّلتي المغرب و أوّلتي العشاء، و الاخفات في البواقي، فان عكس عامدا عالما وجب عليه اعادة الصلاة. و قال ابن الجنيد: يجوز العكس، و يستحبّ أن لايفعله، و هو قول السيّد المرتضى في المصباح. انتهى».(2)


1) - جواهر الكلام 10: 68.

2) - مختلف الشيعة 2: 170.

و قال صاحب الحدائق بعد حكاية قول العلاّمة في المختلف: «و الى هذا القول مال جملة من متأخّري المتأخّرين أوّلهم على الظاهر السيّد السند في المدارك و تبعه فيه جملة ممّن تأخّر عنه كما هي عادتهم غالبا. انتهى».(1)

و الدليل على الوجوب صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام في رجل جهر فيما لاينبغي الاجهار فيه و أخفى فيما لاينبغي الاخفاء فيه فقال:

«أيّ ذلك فعل متعمّدا فقد نقض صلاته و عليه الاعادة، فان فعل ذلك ناسيا أو ساهيا أو لايدري فلا شيء عليه و قد تمّت صلاته».(2)

و صحيحته الأخرى عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«قلت له: رجل جهر بالقراءة فيما لاينبغي الجهر فيه و أخفى فيما لاينبغي الاخفاء فيه و ترك القراءة فيما ينبغي القراءة فيه أو قرأ فيما لاينبغي القراءة فيه، فقال: أيّ ذلك فعل ناسيا أو ساهيا فلا شيء عليه».(3)

و لايرد فيهما ما قيل من أنّ كلمة «لاينبغي» ظاهرة في الاستحباب و لاتناسب الوجوب؛ لأنّها ظاهرة في عدم الجواز و تكون بمعنى «لايتيسّر» كما في قوله تعالى: «لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر»(4)أي لايتيسّر لها. و لايكون بمعنى «لايليق». نعم تستعمل أيضا في معنى «لايليق» الاّ أنّ هيهنا بقرينة منطوق الصحيحة الأولى و مفهوم الثانية من وجوب اعادة الصلاة استعملت في المعنى الأوّل أي عدم الجواز. سلّمنا أن يكون بمعنى «لايليق» الاّ أنّه من كلام الراوي ولايكون موجبا لتغيير كلام الامام عليه السلام مفهوما في وجوب الاعادة في الثانية حيث


1) - الحدائق الناضرة 8: 120.

2) - وسائل الشيعة 6: 86 / الباب 26 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 1.

3) - وسائل الشيعة 6: 86 / الباب 26 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 2.

4) - يس 36: 40.

قال: «أيّ ذلك فعل ناسيا أو ساهيا فلا شيء عليه» و منطوقا في الأولى في قوله عليه السلام: «أيّ ذلك فعل متعمّدا فقد نقض صلاته و عليه الاعادة».

قال في الحدائق: «ما ذكره من ظهور لفظ «لاينبغي» في الاستحباب ان أراد في عرف الناس فهو كذلك ولكن لاينفعه، و ان أراد في عرفهم عليهم السلام فهو ممنوع أشدّ المنع كما لايخفى على من غاص بحار الأخبار و جاس خلال تلك الديار، و بذلك اعترف جملة من علمائنا الأبرار، و قد حضرني الآن من الأخبار التي استعمل فيها لفظ «ينبغي و لاينبغي» في الوجوب و التحريم ما ينيف على ثلاثين حديثا. و التحقيق في المقام هو ما قدّمنا ذكره من أنّ هذا اللفظ من الألفاظ المتشابهة في كلامهم عليهم السلام فلايحمل على أحد معنييه الاّ بقرينة ظاهرة و القرينة في ما ندّعيه من المعنى واضحة من الجواب كما لايخفى على ذوي الألباب. انتهى».(1)

الاّ أنّه تعارضهما صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى عليه السلام قال:

«سألته عن الرجل يصلّي من الفريضة ما يجهر فيه بالقراءة هل عليه أن لايجهر؟ قال: ان شاء جهر و ان شاء لم يفعل».(2)

ولكنّها تحمل على التقيّة في مقام العلاج لأنّها موافقة للعامّة.

قال الشيخ في الاستبصار: «فهذا الخبر موافق للعامّة و لسنا نعمل به و العمل على الخبر الأوّل. انتهى».(3)

و قال في التهذيب: «فهذا الخبر موافق للعامّة لأنّهم الذين يخيّرون في ذلك، والذي نعمل عليه ما قدّمناه. انتهى».(4)


1) - الحدائق الناضرة 8: 125 و 126.

2) - وسائل الشيعة 6: 85 / الباب 25 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 6.

3) - الاستبصار 1: 313.

4) - تهذيب الأحكام 2: 152 / الحديث 636،94.

قال في الحدائق: «و أمّا ما ذكره المحقق - ردّا على الشيخ في حمله صحيحة علي بن جعفر على التقيّة من أنّه تحكّم لأنّ بعض الأصحاب ذهب الى القول بمضمونها - ففيه: انّ ظاهر هذا الكلام يعطي أنّه لايصحّ حمل الخبر على التقيّة الاّ اذا كان ذلك الخبر مطرحا عند جميع الأصحاب بحيث لايقول به قائل في ذلك الباب، و هذا غريب من مثل هذا المحقّق النحرير و تحكّم محض بل سهو في هذا التحرير - الى أن قال: - و بالجملة فانّ الأخبار المستفيضة بالترجيح بمخالفة العامّة في مقام اختلاف الأخبار أعمّ ممّا ذكره فانّه متى ما وافق أحد الخبرين العامّة و خالفهم الآخر وجب تركه، عمل به أو لم يعمل و لهذا ترى الأصحاب في مقام البحث و الترجيح يستدلّ أحدهم بخبر و يجيب عنه الآخر بالحمل على التقيّة. انتهى».(1)

ثمّ اعلم أنّ الصلوات التي يجهر فيها القراءة الغداة و الأوّلتين من المغرب و العشاء، و ما يجب فيها الاخفات الظهر و العصر فانّ موارد الجهر و الاخفات و ان لم تذكر في صحيحتي زرارة المتقدّمتين الاّ أنّها ذكرت في رواية الفضل بن شاذان عن الرضا عليه السلام (في حديث) أنّه ذكر العلّة التي من أجلها جعل الجهر في بعض الصلوات دون بعض:

«انّ الصلوات التي يجهر فيها انّما هي في أوقات مظلمة فوجب أن يجهر فيها ليعلم المارّ أنّ هناك جماعة فان أراد أن يصلّي صلّى؛ لأنّه ان لم ير جماعة علم ذلك من جهة السماع، و الصلاتان اللتان لايجهر فيهما انّما هما بالنهار في أوقات مضيئة فهي من جهة الرؤيةلايحتاج فيها الى السماع».(2)

و رواية محمّد بن عمران(حمران) أنّه سأل أبا عبداللّه عليه السلام فقال:


1) - الحدائق الناضرة 8: 126 و 127.

2) - وسائل الشيعة 6: 82 / الباب 25 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 1.

«لأيّ علّة يجهر في صلاة الجمعة و صلاة المغرب و صلاة العشاء الآخرة و صلاة الغداة، و سائر الصلوات الظهر و العصر لايجهر فيهما؟ - الى أن قال: - فقال: لأنّ النبيّ صلى الله عليه و آله لمّا أسري به الى السماء كان أوّل صلاة فرض اللّه عليه الظهر يوم الجمعة فأضاف اللّه عزّوجلّ اليه الملائكة تصلّي خلفه و أمر نبيّه صلى الله عليه و آله أن يجهر بالقراءة ليبيّن لهم فضله، ثمّ فرض عليه العصر و لم يضف اليه أحدا من الملائكة، و أمره أن يخفي القراءة لأنّه لم يكن وراءه أحد، ثمّ فرض عليه المغرب و أضاف اليه الملائكة فأمره بالاجهار و كذلك العشاء الآخرة، فلمّا كان قرب الفجر نزل ففرض اللّه عليه الفجر فأمره بالاجهار ليبيّن للناس فضله كما بيّن للملائكة فلهذه العلّة يجهر فيها. الحديث».(1)

و رواية يحيى بن أكثم القاضي أنّه سأل أبا الحسن الأوّل عليه السلام عن صلاة الفجر لم يجهر فيها بالقراءة و هي من صلوات النهار و انّما يجهر في صلاة الليل؟ فقال:

«لأنّ النبي صلى الله عليه و آله كان يغلس بها فقرّبها من الليل».(2)

و رواية رجاء بن أبي الضحّاك عن الرضا عليه السلام:

«أنّه كان يجهر بالقراءة في المغرب و العشاء الآخرة و صلاة الليل و الشفع و الوتر و الغداة و يخفي القراءة في الظهر و العصر».(3)

و في رواية:

«جاء نفر من اليهود الى رسول اللّه صلى الله عليه و آله فسألوه عن مسائل - الى أن قال: - و سألوه عن سبع خصال منها الاجهار في ثلاث صلوات.


1) - وسائل الشيعة 6: 83 / الباب 25 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 2.

2) - وسائل الشيعة 6: 84 / الباب 25 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 3.

3) - وسائل الشيعة 6: 85 / الباب 25 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 5.

الخ الحديث».(1)

و هذه الروايات و ان كانت كلّها ضعيفة الاّ أنّه لم يختلف أحد في أنّ مورد الجهر في القراءة هو الغداة و الأوّلتين من المغرب و العشاء و انّما الاختلاف في وجوب الجهر كما عليه المشهور و الاستحباب كما ذهب اليه الاسكافي و السيّد المرتضى في المصباح، و تقدّم أنّ الأقوى وجوب الجهر في الموارد الثلاثة و وجوب الاخفات في الظهر غير يوم الجمعة و العصر.

فرعان:

الفرع الأوّل : في حكم الجهر في صلاة الجمعة

اختلفوا في الجهر في صلاه الجمعة على قولين:

قال في الجواهر: «و يستحبّ فيهما الجهر اجماعا [كما] في القواعد و الذكرى و البيان و المدارك و المحكي عن التذكرة و نهاية الأحكام و جامع المقاصد و الروضة في بحث الكسوف و الغرية و ارشاد الجعفريّة و المقاصد العليّة و الفوائد المليّة و المفاتيح و الحدائق، فهو كالمتواتر، بل في المعتبر لايختلف فيه أهل العلم لكن ظنّي أنّ المراد منه مطلق الرجحان مقابل وجوب الاخفات في الظهر في غير يوم الجمعة، لعدم التصريح بالندب قبل المصنّف (يعني صاحب الشرائع) علىوجه يكون اجماعا. نعم حكي عن مصباح الشيخ و اشارة السبق و السرائر و الاصباح بل عن المنتهى أنّه أجمع كلّ من يحفظ عنه العلم على أنّه يجهر بالقراءة في صلاة الجمعة، و لم أقف على قول للأصحاب في الوجوب و عدمه، بل في كشف اللثام أكثر الأصحاب ذكروا الجهر فيها على وجه يحتمل الوجوب بل عن جمل العلم و العمل: «على الامام أن يقرأ في الأولى الجمعة و في الثانية المنافقين


1) - وسائل الشيعة 6: 84 / الباب 25 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 4.

يجهر بهما» كما أنّه ربّما كان ذلك ظاهر الفقيه و المبسوط و النهاية و جامع الشرائع أيضا. انتهى».(1)

قال في مفتاح الكرامة: «قد تتبّعنا كتب الأصحاب فوجدنا جملة منها لم يتعرّض فيها لذلك كالهداية و المقنع و جملة من كتب السيّد و الجمل و العقود و المراسم و الغنية و الشرائع و كفاية الطالبين و غيرها و وجدنا أكثرها قد صرّح فيه بالاستحباب كمصباح الشيخ و اشارة السبق و السرائر و النافع و المعتبر و كتب المصنّف (يعني العلاّمة) و الشهيدين التي تعرّض فيها لذكر هذا الفرع - الى أن قال: - نعم في جمل العلم و العمل: «على الامام أن يقرأ في الأولى الجمعة و في الثانية المنافقين يجهر بهما» و في الفقيه: «الأصل أنّه انّما يجهر فيها اذا كانت خطبة»، و في النهاية و المبسوط: «اذا صلّى الامام بالناس ركعتين جهر فيهما». انتهى ملخصا».(2)

و أمّا الروايات فالظاهر منها وجوب الجهر في صلاه الجمعة، ففى صحيحة عمر بن يزيد عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) قال:

«ليقعد قعدة بين الخطبتين و يجهر بالقراءة».(3)

و صحيحة عبدالرحمن العرزمي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«اذا أدركت الامام يوم الجمعة و قد سبقك بركعة فأضف اليها ركعة أخرى و اجهر فيها. الحديث».(4)

قال في كشف اللثام: «و يستحبّ فيهما الجهر كما في مصباح الشيخ و الاصباح و النافع و شرحه اجماعا و في المعتبر لايختلف فيه أهل العلم. قلت: ظاهر قول


1) - جواهر الكلام 11: 133.

2) - مفتاح الكرامة 3: 151.

3) - وسائل الشيعة 6: 160 / الباب 73 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 4.

4) - وسائل الشيعة 6: 161 / الباب 73 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 5.

الصادق عليه السلام في صحيح عمر بن يزيد «و يجهر بالقراءة» أو في خبر عبدالرحمن العرزمي، الوجوب، و أكثر الأصحاب ذكروا الجهر فيها على وجه يحتمل الوجوب، و في المنتهى أجمع كلّ من يحفظ عنه العلم على أنّه يجهر بالقراءة في صلاة الجمعة و لم أقف على قول الأصحاب في الوجوب و عدمه و الأصل عدمه، و يدلّ على الجهر ما رواه الشيخ في الصحيح عن جميل عن أبي عبداللّه عليه السلام: «انّما يجهر اذا كانت خطبة و مثله روى في الصحيح عن محمّد بن مسلم ثمّ ذكر الخبرين. انتهى ملخّصا».(1)

أقول:

اذا كان هناك دليل لايجري الأصل و الروايتان المتقدّمتان تدلاّن على وجوب الجهر و اللّه العالم.

الفرع الثاني : في حكم الجهر في القراءة في صلاة الظهر يوم الجمعة

اختلفوا أيضا في القراءة في الظهر من يوم الجمعة على قولين: استحباب الجهر و وجوب الاخفات. و الظاهر من الروايات استحباب الجهر جمعا بين صحيحة عمران الحلبي قال:

«سئل أبو عبداللّه عليه السلام عن الرجل يصلّي الجمعة أربع ركعات أيجهر فيها بالقراءة؟ قال: نعم، و القنوت في الثانية».(2)

و صحيحة الحلبي الثانية قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن القراءة في الجمعة اذا صلّيت وحدي أربعا


1) - كشف اللثام 1: 256.

2) - وسائل الشيعة 6: 160 / الباب 73 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 1.

أجهر بالقراءة؟ فقال: نعم، و قال: اقرأ سورة الجمعة و المنافقين في يوم الجمعة».(1)

و صحيحة محمّد بن مسلم، عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«قال لنا: صلّوا في السفر صلاة الجمعة جماعة بغير خطبة و اجهروا بالقراءة، فقلت: انّه ينكر علينا الجهر بها في السفر، فقال: اجهروا بها».(2)

و بين صحيحة جميل قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الجماعة يوم الجمعة في السفر، فقال: يصنعون كما يصنعون في غير يوم الجمعة في الظهر و لايجهر الامام فيها بالقراءة، انّما يجهر اذا كانت خطبة».(3)

و صحيحة محمّد بن مسلم قال:

«سألته عن صلاة الجمعة في السفر فقال: يصنعون كما يصنعون في الظهر و لايجهر الامام فيها بالقراءة، و انّما يجهر اذا كانت خطبة».(4)

فيحمل النهي في هاتين الصحيحتين على نفي تأكيد الاستحباب في الظهر و اثباته في الجمعة، كما في الوسائل.

قال في الجواهر: «و أمّا يوم الجمعة فقد يتوهّم أنّه لا فرق بين الظهر فيه و غيره من مقتضى اطلاق الفتاوى هنا و معاقد الاجماعات و سائر الأدلّة المزبورة، لكنّه ليس كذلك، للأصل و للبدليّة و للنصوص الدالّة على الجهر بالقراءة فيها، كصحيحتي الحلبي و خبر محمّد بن مسلم، بناءً على ارادة الظهر قصرا من الجمعة


1) - وسائل الشيعة 6: 160 / الباب 73 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 3.

2) - وسائل الشيعة 6: 161 / الباب 73 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 6.

3) - وسائل الشيعة 6: 161 / الباب 73 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 8.

4) - وسائل الشيعة 6: 162 / الباب 73 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 9.

فيه، كخبر محمّد بن مروان. نعم لمعارضتها بما سمعت و بخبر جميل و خبر محمّد بن مسلم حملت على الندب لكن في الوسائل أنّ الشيخ حمل هذين الخبرين على التقيّة و الخوف، و فيه: انّ المتّجه حينئذ الوجوب، ثمّ قال هو: و يحتمل نفي تأكيد الاستحباب في الظهر و اثباته في الجمعة، و هو جيّد. و على كلّ حال فالقول بمنع الجهر مطلقا كالمحكي عن ابن ادريس في غاية الضعف حتّى على أصله، و يردّ ما عن المرتضى من التفصيل بين الامام و غيره فيجهر في الأوّل دون الثاني، صحيحة الحلبي المتقدّمة للتصريح فيها بالمنفرد. انتهى ملخّصا».(1)

في الجهر بالبسملة في الظهرين للحمد و السورة

(مسألة 21): يستحبّ الجهر بالبسملة في الظهرين للحمد و السورة.

الشرح:

اختلفوا في حكم الجهر بالبسملة في الظهرين للحمد و السورة على قولينبعد اتّفاق الموجبون للجهر بالقراءة على وجوبه في البسملة فيما يجهر فيه، فذهب المشهور الى استحباب الجهر بالبسملة في الظهرين، و أمّا أبو الصلاح و ابن البرّاج و الصدوق فذهبوا الى وجوبه.

و الأقوى استحباب الجهر بالبسملة في الظهرين، و الدليل على ذلك صحيحة صفوان قال:

«صلّيت خلف أبي عبداللّه عليه السلام أيّاما فكان يقرأ في فاتحة الكتاب ببسم اللّه الرحمن الرحيم، فاذا كانت صلاة لايجهر فيها بالقراءة جهر ببسم اللّه الرحمن الرحيم و أخفى ما سوى ذلك».(2)

و صحيحته الأخرى قال:


1) - جواهر الكلام 9: 370 و 371.

2) - وسائل الشيعة 6: 57 / الباب 11 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 1.

«صلّيت خلف أبي عبداللّه عليه السلام أيّاما فكان اذا كانت صلاة لايجهر فيها جهر ببسم اللّه الرحمن الرحيم و كان يجهر في السورتين جميعا».(1)

و خبر حنّان بن سدير قال:

«صلّيت خلف أبي عبدللّه عليه السلام فتعوّذ باجهار ثمّ جهر ببسم اللّه الرحمن الرحيم».(2)

و خبر الفضل بن شاذان عن الرضا عليه السلام في كتابه الى المأمون قال:

«الاجهار ببسم اللّه الرحمن الرحيم في جميع الصلوات سنّة».(3)

و خبر رجاء بن أبي الضحّاك عن الرضا عليه السلام:

«أنّه كان يجهر ببسم اللّه الرحمن الرحيم في جميع صلواته بالليل والنهار».(4)

و خبر أبي حفص الصائغ قال:

«صلّيت خلف جعفر بن محمّد عليه السلام فجهر ببسم اللّه الرحمن الرحيم».(5)

و ظهور هذه الروايات على الاستحباب لايخفى على أهل النظر، فانّ مداومته عليه السلامعلى الجهر لاتدلّ على الوجوب؛ لأنّه عليه السلام يداوم على المستحبّ كما يداوم على الواجب، فعليه لا موجب لتخصيص ما دلّ على وجوب الاخفات في الصلاة الاخفاتيّة، و الجمع بينه و بين هذه الروايات يفيد الاستحباب، هذا مضافا الى أنّ الأصل براءة الذمّة من الوجوب.

و استدلّوا للوجوب بخبر سليم بن قيس الهلالي قال:


1) - وسائل الشيعة 6: 74 / الباب 21 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 6: 75 / الباب 21 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 3.

3) - وسائل الشيعة 6: 76 / الباب 21 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 6.

4) - وسائل الشيعة 6: 76 / الباب 21 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 7.

5) - وسائل الشيعة 6: 76 / الباب 21 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 8.

«خطب أميرالمؤمنين عليه السلام فقال: قد عملت الولاة قبلي أعمالاً خالفوا فيها رسول اللّه صلى الله عليه و آله - الى أن قال: - و ألزمت الناس الجهر ببسم اللّه الرحمن الرحيم ... الحديث».(1)

و خبر الأعمش عن جعفر بن محمّد عليه السلام (في حديث شرائع الدين) قال:

«و الاجهار ببسم اللّه الرحمن الرحيم في الصلاة واجب».(2)

و أجيب عن الأوّل بأنّ رواية سليم بن قيس لم يظهر أنّ المراد منها الجهر بالبسملة في كافّة الصلوات حتّى الاخفاتيّة فانّها حكاية قضيّة في واقعة و لا اطلاق لها كي يتمسّك بها، و لعلّ المراد الاجهار بها في خصوص الصلوات الجهريّة، فانّمن تقدّمه عليه السلام من الولاة تركوها من أصلها حتّى فيها كما هو مذهب العامّة، فأمرهم بالاجهار بها لتزول البدعة.

و عن الثاني بأنّ الوجوب فيها بمعناه اللغوي و هو الثبوت دون المصطلح فلاتدلّ على أكثر من الاستحباب على أنّ الخبر ضعيف السند.

قال في الجواهر: «و قد ظهر ضعف ما يحكى عن القاضي من القول بالوجوب و أطلق، كما عن الأمالي أنّه من دين الاماميّة الاقرار بأنّه يجب الجهر بالبسملة عند افتتاح الفاتحة و عند افتتاح السورة بعدها - الى أن قال: - لقضاء الأصل و خصوص خبر الحلبيّين كما في كشف اللثام سألا الصادق عليه السلام عمّن يقرأ بسم اللّه الرحمن الرحيم حين يريد يقرأ فاتحة الكتاب قال: «نعم، ان شاء سرّا و ان شاء جهرا»(3)و جميع الأدلّة السابقة صريحا في البعض و ظاهرا و لو من السياق و التعداد في جملة المندوبات عدا الخبر السابق المشتمل على لفظ الوجوب، و هو مع ضعف


1) - وسائل الشيعة 1: 457 / الباب 38 من أبواب الوضوء / الحديث 3.

2) - وسائل الشيعة 6: 75 / الباب 21 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 5.

3) - وسائل الشيعة 6: 61 / الباب 12 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 2.

سنده يجب حمله على ارادة غير المعنى المصطلح. انتهى ملخّصا».(1)

فيما اذا جهر في موضع الاخفات أو أخفت في موضع الجهر

(مسألة 22): اذا جهر في موضع الاخفات أو أخفت في موضع الجهر عمدا بطلت الصلاة، و ان كان ناسيا أو جاهلاً و لو بالحكم صحّت سواء كان الجاهل بالحكم متنبّها للسؤال و لم يسأل أم لا، لكن الشرط حصول قصد القربة منه و ان كان الأحوط في هذه الصورة الاعادة.

الشرح:

الدليل على الصور الثلاث صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام في رجل جهرفيما لاينبغي الاجهار فيه و أخفى فيما لاينبغي الاخفاء فيه فقال:

«أيّ ذلك فعل متعمّدا فقد نقض صلاته و عليه الاعادة فان فعل ذلك ناسيا أو ساهيا أو لايدري فلا شيء عليه و قد تمّت صلاته».(2)

و لا فرق بين أقسام الجهل أي سواء كان قاصرا أو مقصّرا و سواء كان متنبّها للسؤال و لم يسأل أم لا اذا حصل منه قصد القربة، و ذلك لاطلاق قوله عليه السلام في الصحيحة: «أو لايدري فلا شيء عليه و قد تمّت صلاته».

قال في الحدائق: «لا خلاف بين الأصحاب هنا في معذوريّة الجاهل و هذا أحد الموضعين اللذين خصّوهما بالاستثناء في كلامهم، و يدلّ على ذلك ما تقدّم في صحيحتي زرارة. و لو ذكر في الأثناء لم يجب عليه الاستئناف كما صرّح به بعض الأصحاب. انتهى».(3)

و قال المحقّق الهمداني: «و مقتضى اطلاق النصّ و فتاوى الأصحاب عدم الفرق فيما ذكر بين الركعتين الأوليين و الأخيرتين و لا بين الجاهل بأصلهما أو


1) - جواهر الكلام 9: 389.

2) - وسائل الشيعة 6: 86 / الباب 26 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 1.

3) - الحدائق الناضرة 8: 132.

محلّهما كمن زعم أنّ الاخفات في العشاءين و الجهر في الظهرين - الى أن قال: - و كذا لا فرق على الظاهر بين الاخلال بما وجب فيه الاخفات بالأصالة أو لعارض المأموميّة كما في المأموم المسبوق لاطلاق النصّ، و دعوى انصرافه الى الأوّل مع كون القسم الثاني أيضا من الأفراد الشائعة الواضحة الفرديّة لما وقع عنه السؤال في الصحيحتين غير مسموعة. انتهى موضع الحاجة من كلامه».(1)

أقول:

اطلاق قوله عليه السلام: «أو لايدري فلا شيء عليه» يشمل الموارد المذكورة في كلام هذا المحقّق و كذا اطلاق قول الراوي: «في رجل جهر فيما لاينبغي الاجهار فيه ... » فيشمل الصحيحة الجاهل المركّب الغافل بالمرّة، و الجاهل بالحكم عن قصور أو تقصير اذا كان غافلاً حين العمل كأكثر العوام، اذ يصدق في حقّه في جميع هذه الموارد أنّه لايدري، فلا وجه لدعوى انصراف النصّ عنه.

و أمّا عمل الجاهل المقصّر الملتفت حين العمل بجهله، لو تمكّن من الفحص اذا تمشّى منه قصد القربة فقد أفتى بعض بصحّته لاطلاق النصّ و شموله ايّاه.

قال في الجواهر: «أمّا الجاهل فلا ريب في تناوله للساذج الصرف الذي لم يسبق بعلم أصلاً و لاتنبّه للسؤال، بل يقوى في الذهن اندراج المتنبّه فيه مع فرض تصوّر نيّة القربة منه و ان قلنا بكونه اثما بسبب تقصيره في السؤال، مع احتمال عدم الاثم لرفع القلم عنه في خصوص ذلك. انتهى».(2)

ولكن فيه مضافا الى الشكّ في كون ذلك مصداقا لقوله عليه السلام: «أو لايدري» يجري فيه ما قاله صاحب الجواهر: «فمن البعيد خطاب الحكيم بشيء و ارادته من المكلّفين و عدم ايجاب السؤال عليهم و العلم به لهم و أنّه انّما يجب عليهم


1) - مصباح الفقيه / كتاب الصلاة: 316.

2) - جواهر الكلام 10: 25.

اذا اتّفق علمهم به، بل ظاهر المنظومة وجوب الاعادة في الفرض قال:

و ليعد العاكس عمدا ان علم *** بالحكم لا الناسي و من علما عدم

و عالم بالحكم جاهل المحلّ *** كذي تردّد يعيد ما فعل

ضرورة اندراج الفرض في ذي التردّد. انتهى».(1)

فيما اذا تذكّر الناسي أو الجاهل قبل الركوع

فاذا شكّ في الاطلاق فالأصل الحاكم الاشتغال. نعم اذا كان خارج الوقت فالأصل الجاري البراءة من وجوب الاعادة، اذا قلنا بأنّ الاعادة بأمر جديد.(مسألة 23): اذا تذكّر الناسي أو الجاهل قبل الركوع لايجب عليه اعادة القراءة بل و كذا لو تذكّر في أثناء القراءة حتّى لو قرأ آية لايجب اعادتها، لكن الأحوط الاعادة خصوصا اذا كان في الأثناء.

الشرح:

و ذلك لاطلاق صحيحتي زرارة، فانّ الاعادة و نقض الصلاة هو الاجهار في موضع الاخفات و الاخفات في موضع الجهر عامدا عالما، و أمّا لو لم يكن ذلك عن علم و عمد قال عليه السلام: «فلا شيء عليه و قد تمّت صلاته»، فقوله هذا يشمل ما لو تذكّر قبل الركوع كما يشمل ما لو كان التذكّر بعد الركوع أو بعد الصلاة و كذا يكون شاملاً لما لو تذكّر في أثناء القراءة، حتّى لو قرأ آية فلا شيء عليه و لايجب اعادتها.

قال في الجواهر: «و لو تذكّر أو علم في الأثناء مضى و لايتدارك كما صرّح به غير واحد، لترك الاستفصال، و للاطلاق. اللّهمّ الاّ أن يدّعى سوقهما لغير ذلك فيبقى ما دلّ على وجوب التدارك قبل تجاوز المحلّ بحاله لو قلنا بشموله لمثل


1) - نفس المصدر.

هذا الوصف المستلزم تداركه تدارك غيره معه. انتهى».(1)

و ما استدركه رحمه الله في غير محلّه؛ لأنّ قوله عليه السلام في الصحيحة: «فان فعل ذلك ناسيا أو ساهيا أو لايدري فلا شيء عليه و قد تمّت صلاته» في مقابل قوله عليه السلام: «أيّ ذلك فعل متعمّدا فقد نقض صلاته و عليه الاعادة» أي ينقض صلاته لو اكتفى بما قرأ جهرا في موضع الاخفات و بالعكس عن عمد و علم و ان كانت آية، و لاينقض صلاته لو كان قراءته عن نسيان أو جهل و ان كانت آية.

قال المحقّق الهمداني: «و لو تذكّر أو علم في الأثناء لم يعد ما سبق من القراءة و لو كان بعض كلمة بل و لا ما سبق لسانه اليه بعد الذكر كما صرّح به شيخنا المرتضى رحمه الله لما أشرنا اليه من أنّ المدار في البطلان على أن يكون متعمّدا في ذلك و هو ليس كذلك في الفرض فانّ المخالفة فيه مستندة الى السهو أو الجهل السابق. انتهى».(2)


1) - نفس المصدر: 26.

2) - مصباح الفقيه / كتاب الصلاة: 317.

(مسألة 24): لا فرق في معذوريّة الجاهل بالحكم في الجهر و الاخفات بين أن يكون جاهلاً بوجوبهما أو جاهلاً بمحلّهما، بأن علم اجمالاً أنّه يجب في بعض الصلوات الجهر و في بعضها الاخفات الاّ أنّه اشتبه عليه أنّ الصبح مثلاً جهريّة و الظهر اخفاتيّة بل تخيّل العكس أو كان جاهلاً بمعنى الجهر و الاخفات فالأقوى معذوريّته في الصورتين، كما أنّ الأقوى معذوريّته اذا كان جاهلاً بأنّ المأموم يجب عليه الاخفات عند وجوب القراءة عليه و ان كانت الصلاة جهريّة فجهر، لكن الأحوط فيه و في الصورتين الأوّلتين الاعادة.

الشرح:

و الدليل على معذوريّة الجاهل بالموضوع اطلاق قوله عليه السلام: «أو لايدري» مضافا الى اردافه بالناسي و الساهي فكما أنّ «الناسي» شامل لما لو كان ناسيا للموضوع فكذلك «لايدري» يشمل الجهل بالموضوع أيضا.

و تقدّم أنّ الصحيحة غير قاصرة الشمول للمأموم المسبوق - بركعة في العشاءين مثلاً - الجاهل بوجوب الاخفات عليه، فانّ قوله عليه السلام: «لايدري» يشمله، كما أنّ قوله عليه السلام: «فان فعل ذلك ناسيا أو ساهيا» يشمل المأموم المذكور الناسي للاخفات.

قال الشيخ مرتضى الأنصاري: «و الظاهر عدم الفرق فيه بين الجاهل بأصلهما أو محلّهما لاطلاق الرواية، و لا بين الجاهل بحكمهما أو موضوعهما كمن تخيّل أدنى الجهر اخفاتا، لأنّه لم يتعمّد الجهر و ان تعمّد فعل ما هو جهر في الواقع، و لايضرّه انصراف قوله «لايدري» الى من لايدري بأصل الحكم، لأنّ الظاهر من قوله: «و ان كان ناسيا ... الخ» هو ماعدا صورة التعمّد بالجهر و الاخفات في غير محلّهما. و لو كان في صلاة الظهر فظنّها عشاءً فجهر فالظاهر أنّه داخل في الساهي. هذا كلّه في حكم الجهر و الاخفات من حيث وظيفة الصلاة، فاخفات المأموم المسبوق أو المرأة - لكون صوتها عورة - الظاهر أنّه خارج عن مدلول

الرواية فلايعذر فيه الجاهل مع احتمال المعذوريّة أيضا عملاً باطلاق الرواية و الاجماع المحكي، أو تنقيحا لمناط الحكم أو لاختصاص أدلّة اشتراطها في الموضعين بصورة الالتفات و الأقوى ما تقدّم. انتهى».(1)

و تقدّم أنّ الأقوى في اخفات المأموم المسبوق الصحّة؛ للدليل المتقدّم آنفا.

في حكم جهر النساء بالقراءة في الصلوات الجهريّة

اشارة

(مسألة 25): لايجب الجهر على النساء في الصلوات الجهريّة بل يتخيّرن بينه و بين الاخفات مع عدم سماع الأجنبي و أمّا معه فالأحوط اخفاتهنّ. و أمّا في الاخفاتيّة فيجب عليهنّ الاخفات كالرجال و يعذرن فيما يعذرون.

الشرح:

لايجب الجهر على النساء في الصلوات الجهريّة و ذلك لأنّ مدرك وجوب الجهر صحيحتا زرارة و موردهما الرجل و قضيّة اشتراك الرجل و المرأة في الأحكام لاتجري هيهنا لأنّ الدليل على الاشتراك الاجماع، و لا اجماع فيما نحن فيه، بل الاجماع قائم على عدم الوجوب.

قال في الجواهر: «ليس على النساء جهر للاجماع بقسميه. انتهى».(2)

و قال في الحدائق: «المشهور في كلامهم أنّه لا جهر على النساء في موضع الجهر بل الحكم مختصّ بالرجال و ادّعى عليه الفاضلان و الشهيدان اجماع العلماء، فيكفيها اسماع نفسها تحقيقا أو تقديرا. انتهى».(3)

و قال الشيخ مرتضى الأنصاري: «و اعلم أنّه لا جهر على النساء اجماعا كما في كلام جماعة؛ للأصل و لرواية علي بن جعفر أنّه سأل أخاه موسى عليه السلام عن النساء


1) - كتاب الصلاة: 382.

2) - جواهر الكلام 9: 383.

3) - الحدائق الناضرة 8: 130.

هل عليهنّ جهر بالقراءة؟ قال: لا. انتهى موضع الحاجة من كلامه».(1)

قال في مفتاح الكرامة: «و لا جهر على المرأة في شيء من الصلوات كافّة و هو قول كلّ من يحفظ عنه العلم كما في المنتهى و اجماع العلماء كما في المعتبر و اجماع الكلّ كما في الذكرى و بالاجماع كما في التذكرة و التحرير و نهاية الأحكام و ارشاد الجعفريّة و جامع المقاصد و الروض و كشف اللثام. انتهى».(2)

و قال الشيخ في النهاية و المبسوط: «و ليس على المرأة الجهر بالقراءة في شيء من الصلوات. انتهى».(3)(4)

فرعان:

الفرع الأوّل : في حكم جهرهنّ اذا سمع الأجنبي صوتهنّ

هل يحرم عليهنّ الجهر اذا سمع الأجنبي صوتهنّ أو لا؟ فان قلنا بالتحريم فهل تبطل صلاتهنّ أو لا؟

الأقوى عدم التحريم و عدم كون صوتهنّ عورة؛ لعدم الدليل على ذلك، بل الدليل على خلافه، و هو اطلاق صحيحة علي بن يقطين عن أبي الحسنالماضي عليه السلام قال:

«سألته عن المرأة تؤمّ النساء ما حدّ رفع صوتها بالقراءة و التكبير؟ فقال: بقدر ما تسمع».(5)

و صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام قال:


1) - كتاب الصلاة: 388.

2) - مفتاح الكرامة 2: 384.

3) - النهاية و نكتها 1: 306.

4) - المبسوط 1: 109.

5) - وسائل الشيعة 6: 94 / الباب 31 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 1.

«سألته عن المرأة تؤمّ النساء ما حدّ رفع صوتها بالقراءة أو التكبير؟ قال: قدر ما تسمع».(1)

و خبر علي بن جعفر عن أخيه مثله و زاد:

«قال: و سألته عن النساء هل عليهنّ الجهر بالقراءة في الفريضة؟ قال: لا الاّ أن تكون امرأة تؤمّ النساء فتجهر بقدر ما تسمع قراءتها».(2)

فانّ السائل قد فرض رفع الصوت الملازم للجهر و سأل عن حدّه، و الامام عليه السلام أمضى أصل الجهر و حدّده بأن يسمع الغير أو بأن تكون القراءة مسموعة كما هو ظاهر قوله عليه السلام: «بقدر ما تسمع» سواء قرئ مبنيّا للمفعول (تُسمَع) أو للفاعل من باب الافعال (تُسمِع). و ما عن الحدائق من احتمال قراءة (تَسمَعُ) أي تسمع نفسها الملازم للاخفات فلاتدلّ على جواز الجهر، فساقط لبعده، لأنّه لو كان المراد ما ذكره كان اللازم أن يجيب عليه السلام بقوله: «لاترفع»، لا أن يحدّده و يقول: «بقدر ما تسمع».

قال صاحب الحدائق في ردّ من ادّعى أنّ صوت المرأة عورة فهي منهيّة عن اسماعه الأجنبي: «و أنت خبير بأنّه لم يقم عندنا ما يدلّ على ما ادّعوه من كونصوتها عورة و أنّها منهيّة عن اسماعه الأجنبي بل ظاهر الأخبار الدالّة على تكلّم فاطمة عليهاالسلاممع الصحابة في مواضع عديدة و لاسيّما في المخاصمة في طلب ميراثها و الاتيان بتلك الخطبة الطويلة المشهورة كما نقلناها بطولها في كتابنا سلاسل الحديد في تقييد ابن أبي الحديد، و تكلّم النساء في مجلس الأئمّة عليهم السلام هو خلاف ما ذكروه. انتهى».(3)

و في الجواهر بعد قبول عدم حرمة الاسماع و السماع مع عدم الفتنة و التلذّذ و


1) - وسائل الشيعة 6: 95 / الباب 31 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 2.

2) - وسائل الشيعة 6: 95 / الباب 31 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 3.

3) - الحدائق الناضرة 8: 130.

قبول ما قاله في الحدائق قال: «و دعوى أنّ جميع ذلك للحاجة يدفعها - مع معلوميّة خلافها أيضا و وجوب تقييد الحاجة بما يسوغ لها رفع مثل هذه الحرمة - أنّ المقام منها، ضرورة وجوب الجهر في الصلاة مثلاً، على أنّه أخصّ من الدعوى، الاّ أن يراد كونه عورة كالبدن يجب ستره في الصلاة و ان لم يكن أجنبي، و فيه منع واضح خصوصا و المستدلّ به يذهب الى تخييرها بينه و بين الاخفات اذا لم يكن أجنبي. انتهى».(1)

ثم انّه لو قلنا بحرمة الاسماع و السماع فلو خالفت لم تبطل صلاتها لأنّ النهي لم يرد على قراءتها حتّى تكون مبطلة؛ لكون النهي في العبادة موجبا للفساد، بل النهي هنا انّما توجّه الى أمر خارج عن الصلاة و ان كان مقارنا. و ما في الجواهر من أنّ الجهر ليس الاّ الحروف المقروءة ففيه: انّ العرف يرى الجهر أمرا خارجا عن القراءة و هو مناط الحكم.

الفرع الثاني : في وجوب الاخفات على النساء في مواضعه

يجب الاخفات على النساء في مواضع الاخفات كما يجب على الرجال، و ذلك لأنّ الظاهر أنّ وجوب الاخفات في مواضعه حكم قد وضع على جميع المكلّفين، و الاشكال المتقدّم بقاعدة الاشتراك لايجري هنا؛ لأنّ الاجماع قد قام على عدم وجوب الجهر على النساء هناك بخلاف المقام.

قال في الجواهر: «انّ المتّجه ما حكاه عن ظاهر كثير من الأصحاب، بل لاأجد فيه خلافا بين من يعتدّ بخلافه من الأصحاب من وجوب الاخفات عليها في


1) - جواهر الكلام 9: 383 و 384.

مواضعه، لا التخيير. انتهى».(1)

في مناط الجهر و الاخفات

(مسألة 26): مناط الجهر و الاخفات ظهور جوهر الصوت و عدمه، فيتحقّق الاخفات بعدم ظهور جوهره و ان سمعه من بجانبه قريبا و بعيدا.

الشرح:

اختلفوا في حدّ الجهر و الاخفات على قولين:

الأوّل: ما نسبه الشيخ في التبيان الى الأصحاب بأنّ الجهر أن يسمع غيره و المخافتة أن يسمع نفسه.

الثاني: ما ذهب اليه الشهيد الثاني و غيره أنّه لابدّ في صدق الجهر و حصوله من اشتمال الكلام على الصوت أسمع قريبا أو لم يسمع، و ان لم يشتمل عليه سمّي اخفاتا كذلك.

قال في مفتاح الكرامة: «أقلّ الجهر اسماع القريب و حدّ الاخفات اسماع نفسهباجماع العلماء كما في المعتبر و التذكرة و بلا خلاف بين العلماء كما في المنتهى و عن التبيان نسبته الى الأصحاب حيث قال: حدّ أصحابنا الجهر فيما يجب الجهر فيه بأن يسمع غيره و المخافتة بأن يسمع نفسه و ظاهر هذه الاجماعات خروج ما أسمع الغير عن الاخفات كما هو ظاهر الشرائع و جملة من كتب العلاّمة و الذكرى و الدروس و البيان و غيرها و أوضح من ذلك عبارة السرائر ففيها حدّ الاخفات أعلاه أن تسمع أذناك القراءة و ليس له حدّ أدنى بل ان لم تسمع أذناه القراءة فلا صلاة له و ان سمع من عن يمينه و شماله صار جهرا فاذا فعله عامدا بطلت صلاته و ذهب المحقّق الثاني و تلميذاه و الفاضل الميسي و الشهيد الثاني و المولى الأردبيلي و كافّة من تأخّر على ما أجد الى أنّه لابدّ في صدق الجهر و


1) - نفس المصدر: 385.

حصوله من اشتمال الكلام على الصوت أسمع قريبا أو لم يسمع و ان لم يشتمل عليه سمّي اخفاتا كذلك و هو ظاهر التحرير و التلخيص - الى أن قال: - و العرف يساعد المتأخّرين فانّ مجرّد اسماع القريب مع عدم الاشتمال على الصوت لايطلق عليه الجهر عرفا و المتبادر منه في العرف ما اشتمل على هذا الجرس الذي هو الصوت و ان كان خفيّا و ما لم يشتمل عليه يسمّى اخفاتا و ان لم يسمعه القريب، بل في كشف اللثام عسى أن لايكون اسماع النفس بحيث لايسمع من يليه ممّا يطاق و يدلّ على قول المتأخّرين خبر الضحّاك. انتهى ملخّصا».(1)

و الأقوى ما ذهب اليه المتأخّرون و ذلك لدلالة الأخبار كصحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«لايكتب من القراءة و الدعاء الاّ ما أسمع نفسه».(2)

و موثّقة سماعة قال:

«سألته عن قول اللّه عزّوجلّ: «و لاتجهر بصلاتك و لاتخافت بها»، قال: المخافتة مادون سمعك، و الجهر أن ترفع صوتك شديدا».(3)

و صحيحة عبداللّه بن سنان قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: على الامام أن يسمع من خلفه و ان كثروا؟ فقال: ليقرأ قراءة وسطا يقول اللّه تبارك و تعالى: «و لاتجهر بصلاتك و لاتخافت بها»».(4)

و موثّقة اسحاق بن عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام في قوله عزّوجلّ: «و لاتجهر


1) - مفتاح الكرامة 2: 365 و 366.

2) - وسائل الشيعة 6: 96 / الباب 33 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 1.

3) - وسائل الشيعة 6: 96 / الباب 33 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 2.

4) - وسائل الشيعة 6: 97 / الباب 33 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 3.

بصلاتك و لاتخافت بها»، قال:

«الجهر بها رفع الصوت، و التخافت ما لم تسمع نفسك، و اقرأ ما بين ذلك».(1)

قال: و روي أيضا عن أبي جعفرالباقر عليه السلام قال:

«الاجهار أن ترفع صوتك تسمعه من بعد عنك و الاخفات أن لاتسمع من معك الاّ يسيرا».(2)

و هذه الأخبار و ان كانت راجعة الى موضوع آخر و هو النهي عن رفع الصوت الشديد في القراءة و كذا النهي عمّا لو لم يسمع نفسه لكنّه يفهم منها أنّ الجهر ملازم للصوت و له مراتب بقرينة أنّ الجهر ليس منحصرا في رفع الصوت قطعا و الاخفات ملازم لعدم الصوت و أمّا الصوت عبارة عن جرس الكلام كمافي مجمع البحرين، و في المصباح المنير: «الصوت في العرف جرس الكلام و الجمع أصوات و هو مذكّر».

قال في الحدائق: «و ظاهر كلام هذين الفاضلين (الشيخ على في شرح القواعد و الشهيد الثاني في الروض) أنّه لابدّ في صدق الجهر و حصوله من اشتمال الكلام على الصوت و هذا هو منشأ الفرق بين الجهر و الاخفات، فان اشتمل الكلام على الصوت سمّي جهرا أسمع قريبا أو لم يسمع، و ان لم يشتمل عليه سمّي اخفاتا كذلك. و بنحو ما ذكره الفاضلان المذكوران صرّح المحقّق الأردبيلي قدس سره و الظاهر أنّه قول كافّة من تأخّر عنهما - الى أن قال: - و العرف يساعد ما ذكره المتأخّرون فانّ مجرّد سماع القريب مع عدم الاشتمال على الصوت الظاهر أنّه لايطلق عليه الجهر عرفا، و بالجملة فالمتبادر عرفا من الجهر هو ما اشتمل على هذا الجرس الذي هو الصوت و ان كان خفيّا و ما لم يشتمل عليه فانّما يسمّى اخفاتا و ان سمعه القريب.


1) - وسائل الشيعة 6: 98 / الباب 33 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 6.

2) - وسائل الشيعة 6: 98 / الباب 33 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 7.

انتهى».(1)

قال المحقّق الهمداني: «فالحقّ الذي لا مجال للارتياب فيه هو أنّ المدار على تسميته جهرا أو اخفاتا في العرف و هي لاتدور مدار سماع الغير و عدمه بل العبرة فيهما باظهار جوهر الصوت و اخفائه فهو المدار في هذا الباب. انتهى».(2)

أقول:

و لقد أجاد هذا المحقّق و كذا صاحب الحدائق بأنّ الجهر اظهار جوهر الصوت و جرسه.

في مناط صدق القراءة

(مسألة 27): المناط في صدق القراءة قرآنا كان أو ذكرا أو دعاءً ما مرّ في تكبيرة الاحرام من أن يكون بحيث يسمعه نفسه تحقيقا أو تقديرا بأن كان اصمّ أو كان هناك مانع من سماعه، و لايكفي سماع الغير الذي هو أقرب اليه من سمعه.

الشرح:

و الدليل عليه أوّلاً كون المكلّف مأمورا بقراءة الحمد و السورة بحيث يقال انّه قرأ، و الحاكم على ذلك العرف، و الظاهر أنّ صدق القراءة عرفا يناط بسماع نفسه، و لو لم يسمع نفسه لم يظهر الحروف و لم يكن قراءة بل و لا كلاما فيقال انّه حرّك لسانه.

و ثانيا الروايات ففي صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«لايكتب من القراءة و الدعاء الاّ ما أسمع نفسه».(3)


1) - الحدائق الناضرة 8: 129.

2) - مصباح الفقيه / كتاب الصلاة: 301.

3) - وسائل الشيعة 6: 96 / الباب 33 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 1.

و صحيحة الحلبي قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام: هل يقرأ الرجل في صلاته و ثوبه على فيه؟ قال: لابأس بذلك اذا أسمع أذنيه الهمهمة».(1)

و في القاموس: «الهمهمة: الصوت الخفي. انتهى».(2)

و لاتعارضها صحيحة علي بن جعفر قال:

«سألته عن الرجل يصلح له أن يقرأ في صلاته و يحرّك لسانه بالقراءة في لهواته من غير أن يسمع نفسه؟ قال: لابأس أن لايحرّك لسانهيتوهّم توهّما».(3)

لأنّها تحمل على ما اذا اقتدى في صلاته بمن لايقتدى به، و الشاهد على ذلك صحيحة علي بن يقطين قال:

«سألت أبا الحسن عليه السلام عن الرجل يصلّي خلف من لايقتدى بصلاته و الامام يجهر بالقراءة؟ قال: اقرأ لنفسك و ان لم تسمع نفسك فلابأس».(4)

و نحوها غيرها. و الظاهر أنّه لا خلاف في ذلك كما تقدّم.

ولو كان أصمّ أو كان هناك مانع، يجب عليه اظهار الحروف بحيث لو كان سميعا أو لم يكن مانع يسمع نفسه كما قال الماتن رحمه الله.


1) - وسائل الشيعة 6: 97 / الباب 33 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 4.

2) - القاموس المحيط.

3) - وسائل الشيعة 6: 97 / الباب 33 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 5.

4) - وسائل الشيعة 6: 128 / الباب 52 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 1.

فيما اذا كان الجهر مفرطا خارجا عن المعتاد

(مسألة 28): لايجوز من الجهر ما كان مفرطا خارجا عن المعتاد كالصياح، فان فعل فالظاهر البطلان.

الشرح:

و الدليل على ذلك صحيحة عبداللّه بن سنان قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: على الامام أن يسمع من خلفه و ان كثروا؟ فقال: ليقرأ قراءة وسطا يقول اللّه تبارك و تعالى: «و لاتجهر بصلاتك و لاتخافت بها»».(1)

و موثّقة سماعة قال:

«سألته عن قول اللّه عزّوجلّ: «و لاتجهر بصلاتك و لاتخافت بها»، قال: «المخافتة ما دون سمعك و الجهر أن ترفع صوتك شديدا».(2)

قال في الجواهر: «يجب ترك الفرد المفرط من الجهر الذي صرّح به بعض الأصحاب كالعلاّمة الطباطبائي و غيره، بل نسبه الفاضل الجواد في آيات أحكامه الى الفقهاء مشعرا بدعوى الاجماع عليه، للنهي عنه في الآية المفسّرة بذلك في موثّق سماعة و غيره، مضافا الى خروج الصلاة عن الكيفيّة المتعارفة فيظنّ عدم اجزائها أو يعلم مع محوها لصورة الصلاة، لاأقلّ من الشكّ في حصول الامتثال بها بسبب الشكّ في شمول الاطلاقات لمثلها، أو الظنّ بخلافه من جهة انصرافها الى المتعارفة، و عليه حينئذ يتّجه البطلان و لايجديه التلافي و لو اكتفينا به في غيره من صور المخالفة. انتهى».(3)

و قال الشيخ مرتضى الأنصاري: «و كما يعتبر في الاخفات عدم التفريط فكذا


1) - وسائل الشيعة 6: 97 / الباب 33 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 3.

2) - وسائل الشيعة 4: 773 / الباب 33 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 2.

3) - جواهر الكلام 9: 382 و 383.

يعتبر في الجهر عدم الافراط، كما عن العلاّمة الطباطبائي و غيره، بل عن آيات الأحكام للفاضل الجواد نسبته الى فقهائنا المشعرة بدعوى الاجماع. و يدلّ عليه - مضافا الى قوّة احتمال كونه ماحيا لصورة الصلاة - صحيحة ابن سنان و قريب منه غيرها من الأخبار المفسّرة للآية مثل موثّقة سماعة و رواية اسحاق بن عمّار و المرسل المحكي عن تفسير علي بن ابراهيم. انتهى».(1)

قلت:

ذهب الماتن الى بطلان الصلاة اذا كان الجهر مفرطا و لعلّ دليله ما عرفت آنفا عن صاحب الجواهر أو لما قاله في مستند العروة من أنّ ظاهر النهي في الأخبار، الارشاد الى المانعيّة فينتج البطلان.

و تفصيل ذلك أنّه تارةً ننظر في الروايات من جهة الاخفات و أخرى من جهة الاجهار، ففي الأولى صرف المخافتة اذا كان دون سمع القارئ لايوجب بطلان الصلاة، بل اذا اكتفى بها تبطل لعدم اتيانه بالقراءة. و في الثانية فالظاهر أنّ رفع الصوت شديدا ان كان ماحيا لصورة الصلاة فلا اشكال في بطلانها، و يكون النهي حينئذ للارشاد. و أمّا اذا لم يكن ماحيا للصلاة فلا دليل على البطلان؛ لأنّ الظاهر - غاية ما يستفاد - من الأخبار هو الارشاد بأنّ من يرفع صوته شديدا لايكون قارئا، و لو شكّ في كون هذا الرفع ماحيا أو لا فكأنّه شكّ في أنّ هذا الرفع كان شديدا أو لا؟ و هكذا عكسه، فالحاكم هنا الأصل أي عدم كونه ماحيا لا الاطلاق.


1) - كتاب الصلاة: 387.

في حكم القراءة في المصحف

(مسألة 29): من لايكون حافظا للحمد و السورة يجوز أن يقرأ في المصحف بل يجوز ذلك للقادر الحافظ أيضا على الأقوى كما يجوز له اتّباع من يلقّنه آية فآية لكنّ الأحوط اعتبار عدم القدرة على الحفظ و على الائتمام.

الشرح:

الظاهر أنّه لا خلاف و لا اشكال في جواز القراءة في المصحف لمن لايكون حافظا للحمد و السورة و ضاق الوقت عن التعلّم و لايجب عليه الائتمام.

قال في الحدائق: «قد صرّح الأصحاب بأنّ من لايحسن الفاتحة يجب عليه التعلّم فان ضاق الوقت و أمكن الصلاة مأموما أو القراءة من مصحف ان أحسن ذلك وجب. انتهى».(1)

و قال الشيخ مرتضى الأنصارى: «و لو لم يحسن القراءة وجب عليه التعلّم، فان ضاق الوقت و لم يتعلّم قصورا أو تقصيرا وجب عليه الائتمام أو اتّباع قارئ أو القراءة من المصحف. انتهى».(2)

و قال المحقّق الهمداني: «فهل يجوز القراءة من المصحف أمّا لدى الضرورة و عدم القدرة على الحفظ فممّا لا شبهة فيه بل ربّما يظهر من غير واحد دعوى الاجماع عليه. انتهى».(3)

قال في مفتاح الكرامة: «قال في الخلاف: من لايحسن القرآن ظاهرا جاز له أن يقرأ من المصحف اجماعا. و قال في المبسوط و النهاية كذلك من دون ادّعاءالاجماع. و في المنتهى: يجوز القراءة من المصحف لمن لم يحفظ و هو قول أكثر أهل العلم و خالف أبو حنيفة. و في البيان و المسالك: المصحف مقدّم على


1) - الحدائق الناضرة 8: 101.

2) - كتاب الصلاة: 567.

3) - مصباح الفقيه / كتاب الصلاة: 277.

الائتمام و الائتمام مقدّم على البدل. و في الروض: لو قدر على الائتمام وجب و قريب منه متابعة الغير و أولى منه القراءة من المصحف. و في جامع المقاصد: اذا لم يقدر على القراءة الاّ بالمصحف تعيّن و الائتمام و المتابعة كالقراءة من المصحف. و في كشف اللثام: اذا جهل عن ظهر القلب وجب أن يأتمّ أو يتّبع قارئا أو يقرأ من المصحف و نحوه ما في المفاتيح. انتهى ملخّصا».(1)

انّما الاشكال و الخلاف في جواز القراءة من المصحف مع امكان التعلّم.

قال في مفتاح الكرامة: «ظاهر النهاية و الخلاف و المبسوط و صريح التحرير و الايضاح و الذكرى و جامع المقاصد و الروض و المسالك أنّه لايكفي القراءة من المصحف مع امكان التعلّم؛ لأنّه صلى الله عليه و آله لم يأمر الأعرابي بالقراءة من المصحف، و لوجوب تعلّم جميع أجزاء الصلاة و القراءة منها، و لأنّ القراءة من المصحف في الصلاة مكروهة اجماعا و لا شيء من المكروه بواجب و هذا ذكره في الايضاح. و في الكلّ تأمّل. نعم الاستدلال بأنّ المتبادر من القراءة المأمور بها ما عن ظهر القلب و بأنّها المعهودة المستمرّة وجيه و في التذكرة و نهاية الأحكام أنّه يكفي ذلك. و في المفاتيح: الخبر مؤيّد لعدم الوجوب (يريد خبر الصيقل). و في البحار: انّ الجواز غير بعيد. انتهى».(2)

و الأقوى جواز القراءة في المصحف حتّى مع الاختيار و ذلك لاطلاق الأدلّة و رواية الحسن بن زياد الصيقل قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: ما تقول في الرجل يصلّي و هو ينظر فيالمصحف يقرأ فيه يضع السراج قريبا منه؟ فقال: لابأس بذلك».(3)

استدلّ المانعون بالانصراف و التأسّي و قاعدة الاشتغال و بكراهة القراءة من


1) - مفتاح الكرامة 2: 372.

2) - نفس المصدر.

3) - وسائل الشيعة 6: 107 / الباب 41 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 1.

المصحف و بخبري علي بن جعفر و عبداللّه بن أوفى.

و فيه: انّ الأوّل صرف الادّعاء، و الثاني أنّ فعلهم لايكشف عن الوجوب، و الثالث مضافا الى وجود الدليل، الأصل الحاكم هنا البراءة، و الرابع المكروه هو النظر في القرآن؛ لاشتغال القلب لا نفس القراءة، و الخامس فخبر علي بن جعفر عن أخيه موسى عليه السلام قال:

«سألته عن الرجل و المرأة يضع المصحف أمامه ينظر فيه و يقرأ و يصلّي، قال: لايعتدّ بتلك الصلاة».(1)

ففيه: انّه ضعيف السند بعبداللّه بن الحسن.

و أمّا خبر عبداللّه بن أوفى:

«انّ رجلاً سأل النبي صلى الله عليه و آله فقال:انّي لاأستطيع أن أحفظ شيئا من القرآن فماذا أصنع؟ فقال صلى الله عليه و آله له: قل سبحان اللّه و الحمد للّه».(2)

و فيه: انّه ضعيف السند و الدلالة لكونه أجنبيّا عن محلّ الكلام.

فيما اذا كان في لسانه آفة لايمكنه التلفّظ

(مسألة 30): اذا كان في لسانه آفة لايمكنه التلفّظ يقرأ في نفسه و لو توهّما، و الأحوط تحريك لسانه بما يتوهّمه.

الشرح:

و الدليل على ذلك معتبرة السكوني عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«تلبية الأخرس و تشهّده و قراءته القرآن في الصلاة تحريك لسانه و اشارته باصبعه».(3)

و يؤيّدها رواية مسعدة بن صدقة قال:


1) - وسائل الشيعة 6: 107 / الباب 41 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 2.

2) - جواهر الكلام 9: 303 نقلاً عن سنن أبي داوود باختلاف يسير.

3) - وسائل الشيعة 6: 136 / الباب 59 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 1.

«سمعت جعفر بن محمّد عليه السلام يقول: انّك قد ترى من المحرم من العجم لايراد منه ما يراد من العالم الفصيح و كذلك الأخرس في القراءة في الصلاة و التشهّد و ما أشبه ذلك، فهذا بمنزلة العجم و المحرم لايراد منه ما يراد من العاقل المتكلّم الفصيح.الحديث».(1)

و الظاهر أنّ المراد من خبر السكوني - كما في الجواهر - ما هو المتعارف في حاله من ابراز مقاصده بتحريك لسانه و اشارته باصبعه فلابدّ حينئذ له من معرفة المعنى هنا ولو في الجملة حتّى يتحقّق منه الاشارة و يكون بها مع التحريك كاللفظ من الصحيح الذي لايحتاج معه الى معرفة المعنى؛ لأنّه قد جاء بما يفيده في نفس الأمر.

و تنقيح الكلام أنّ المتصوّر من الأخرس - كما في الجواهر - ثلاثة: أحدها الأبكم الأصمّ خلقة الذي لايعرف أنّ في الوجود لفظا أو صوتا. ثانيها الأبكم الذي يعرف أنّ في الوجود ألفاظا و أنّ المصلّي يصلّي بألفاظ أو قرآن. ثالثها الأخرس الذي يعرف القرآن أو الذكر و يسمع اذا أسمع و يعرف معاني أشكال الحروف اذا نظر اليها.

و ما يطابق عليه الخبر الصورة الثالثة و هي التي تكون موضوع هذه المسألة. و أمّا الصورة الثانية بل الأولى يجب عليهما التعلّم كما يتعلّمان سائر الأشياء و مايحتاجان اليه ممّا يرتبط بمعاشهما و معاشرتهما، و لو لم يتمكّنا من التعلّم فيأتيان بما أمكن.

ثمّ اعلم أنّ أكثر كلمات الفقهاء خالٍ عن الايماء بالاصبع أو باليد و لابأس بذكر كلامهم:

قال الشيخ في المبسوط: «و قراءة الأخرس و من به آفة لايقدر على القراءة


1) - وسائل الشيعة 6: 136 / الباب 59 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 2.

أن يحرّك لسانه. انتهى».(1)

و قال في النهاية: «و قراءة الأخرس و شهادته الشهادتين ايماءً بيده مع الاعتقاد بالقلب. انتهى».(2)

و قال الشهيد في الدروس: «و الأخرس يحرّك لسانه و يعقد قلبه بمعناها ان أمكن فهمه. انتهى».(3)

و قال العلاّمة في التذكرة: «الأخرس يحرّك لسانه بالقراءة و يعقد بها قلبه لأنّهما واجبان على القادر. انتهى».(4)

و قال في نهاية الأحكام: «و الأخرس يحرّك لسانه بالقراءة و يعقد بها قلبه؛ لأنّ المجموع مع الاتيان بالحروف نطقا واجب مع القدرة فلايسقط المقدور بسقوط غيره. انتهى».(5)

و قال في المنتهى: «الأخرس يحرّك لسانه بالقراءة و يعقد بها قلبه لأنّ القراءة معتبرة و قد تعذّرت فيأتي ببدلها و هو حركة اللسان و لايكون بدلاً الاّ مع النيّة. انتهى».(6)

و قال في التحرير: «الأخرس يحرّك لسانه بالقراءة و يعقد بها قلبه. انتهى».(7)

و قال المحقّق في الشرائع: «و الأخرس يحرّك لسانه بالقراءة و يعقد بها قلبه. انتهى».(8)


1) - المبسوط 1: 106.

2) - النهاية و نكتها 1: 302.

3) - الدروس الشرعيّة 1: 173.

4) - تذكرة الفقهاء 1: 115.

5) - نهاية الأحكام 1: 479.

6) - منتهى المطلب 1: 274.

7) - تحرير الأحكام: 38.

8) - شرائع الاسلام 1: 81.

و قال الشهيد الثاني في المسالك: «و كذا يجب الاشارة بالاصبع. انتهى».(1)

و الظاهر أنّ دليلهم في وجوب تحريك اللسان و العقد بالقلب هو ما ذكره العلاّمة في كتبه فانّه قال (كما مرّ آنفا): «انّ المجموع (أي التحريك باللسان و العقد بالقلب) مع الاتيان بالحروف نطقا واجب فلايسقط المقدور بسقوط غيره. انتهى».(2)فعدم سقوط المقدور بعدم التمكّن من غيره مطابق للاحتياط و يؤيّده المرسل المروي في كتاب الغوالي عن أميرالمؤمنين عليه السلام قال: «الميسور لايسقط بالمعسور». و مرادهم من العقد بالقلب أن ينوي بحركة اللسان كونها بدلاً من القراءة لأنّها لاتتمحّض بدلاً الاّ مع النيّة و قد نبّه على هذا المحقّق في المعتبر و الشهيد في المسالك و السيّد في المدارك.

و قد تحصّل أنّ الأظهر في الأخرس بأقسامه الثلاثة المذكورة المتقدّمة أن يقرأ في نفسه و يحرّك لسانه بالقراءة و يشير باصبعه. و هذا الذي دلّ عليه خبر السكوني و هو المتعارف في حاله من ابراز مقاصده بتحريك لسانه و اشارته باصبعه.

(مسألة 31): الأخرس يحرّك لسانه و يشير بيده الى ألفاظ القراءة بقدرها.

قد ظهر حال هذه المسألة ممّا مرّ في المسألة السابقة.

في حكم التعلّم على من لايحسن القراءة

(مسألة 32):من لايحسن القراءة يجب عليه التعلّم و ان كان متمكّنا من الائتمام و كذا يجب تعلّم سائر أجزاء الصلاة، فان ضاق الوقت مع كونه قادرا على التعلّم فالأحوط الائتمام ان تمكّن منه.


1) - مسالك الأفهام 1: 205.

2) - منتهى المطلب 1: 274.

الشرح:

قد تقدّم في المسألة السادسة و التاسعة من فصل تكبيرة الاحرام دليل وجوب التعلّم و بعض فروعاته فالكلام هنا في مقامين:

الأوّل: هل يجب عليه التعلّم ان كان متمكّنا من الائتمام؟

الثاني: هل يجب عليه الائتمام ان ضاق الوقت عن التعلّم؟

أمّا الأوّل فالظاهر عدم وجوب التعلّم عليه ان كان متمكّنا من الائتمام و ذلك لأنّ وجوب التعلّم غيريّ و لايكون نفسيّا.

و أمّا الثاني فالظاهر وجوب الائتمام عليه؛ لأنّه وجبت عليه القراءة في الصلاة فاذا لم يكن يعلمها وجب عليه التعلّم لأداء تكليفه و هو القراءة، و لو كان هناك طريق لأداء ذلك التكليف كالائتمام وجب عليه الاّ أنّه لو انحصر الطريق كما في ضيق الوقت وجب تعيينا و الاّ يجب عليه تخييرا. و لا فرق في ذلك بين كونه قاصرا في التعلّم أو مقصّرا. و ربّما يقال بعدم وجوب الائتمام أوّلاً لاطلاق صحيحة عبداللّه بن سنان قال:

«قال أبو عبداللّه عليه السلام: انّ اللّه فرض من الصلاة الركوع و السجود، ألا ترى لو أنّ رجلاً دخل في الاسلام لايحسن أن يقرأ القرآن أجزأهأن يكبّر و يسبّح و يصلّي».(1)

و فيه: انّ الظاهر أنّ الامام عليه السلام كان بصدد بيان ما هو مقوّم للصلاة بحيث لو عدم نفسه أو بدله عمدا أو سهوا أو جهلاً لم تكن الصلاة موجودة، و لم يكن بصدد بيان اجزاء التكبير و التسبيح عن القراءة الاّ في الجملة كمن لم يحسن الفاتحة و لا غيرها من القرآن و لم يمكنه التعلّم لضيق الوقت و لا الائتمام.

و ثانيا لأصالة البراءة، و يردّه أنّ مجرى الأصل الشكّ في التكليف، و هنا التكليف محرز و هو الاتيان بالقراءة بنفسه أو بما يكون كنفسه و هو الائتمام. نعم


1) - وسائل الشيعة 6: 42 / الباب 3 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 1.

من لايقدر الاّ على الملحون أو تبديل بعض الحروف و لايستطيع أن يتعلّم أو يكون كالأخرس بحيث لايقدر الاّ على تحريك اللسان و العقد بالجنان و الاشارة باصبعه أجزأه ذلك و لايجب عليه الائتمام.

قال في الحدائق: «قد صرّح الأصحاب بأنّ من لايحسن الفاتحة يجب عليه التعلّم فان ضاق الوقت و أمكن الصلاة مأموما أو القراءة من مصحف ان أحسن ذلك وجب. انتهى».(1)

و الظاهر خلوّ كلام الأصحاب من الائتمام الاّ اذا لم يحسن شيئا.

قال الشيخ في المبسوط: «و من لايحسن الحمد و أحسن غيرها قرأ ما يحسنه اذا خاف خروج الوقت سواء كان بعدد آياتها أو دونها أو أكثر، ثمّ يتعلّمها فيما بعده. انتهى».(2)

و قال في النهاية: «فمن لايحسن الحمد أو يحسن منها بعضها فصلّى بما يحسنه كانت صلاته ماضية غير أنّه يجب عليه تعلّم الحمد على التمام ليصلّي بهااذا أمكنه ذلك فان لم يمكنه لم يكن عليه شيء. انتهى».(3)

و قال في الدروس: «و يجب التعلّم مع السعة، و مع الضيق يقرأ ما يحسن منها اذا سمّي قرآنا - الى أن قال: - و لو لم يحسن شيئا عوّض بالتسبيح، و هو المجزئ عنها في موضع التخيير على الأقرب - الى أن قال: - و لو لم يحسن قرآنا و لا ذكرا وجب الوقوف بقدرها. و لو أمكن الائتمام وجب، و لايسقط به وجوب التعلّم. انتهى».(4)

و قال العلاّمة في المنتهى: «لو لم يحسن القراءة و عجز عن التعلّم أو ضاق


1) - الحدائق الناضرة 8: 101.

2) - المبسوط 1: 106.

3) - النهاية و نكتها 1: 302.

4) - الدروس الشرعيّة 1: 172.

الوقت قرأ من غيرها ما تيسّر - الى أن قال: - لو لم يحسن شيئا من القرآن أصلاً كبّر اللّه و هلّله و سبّحه. انتهى».(1)

و قال المحقّق في الشرائع: «و من لايحسنها يجب عليه التعلّم فان ضاق الوقت قرأ ما تيسّر منها، و ان تعذّر قرأ ما تيسّر من غيرها [بقدرها] أو سبّح اللّه و هلّله و كبّره بقدر القراءة ثمّ يجب عليه التعلّم. انتهى».(2)

و قال الشهيد في المسالك: «و لو تعذّر جميع ذلك وجب القيام بقدر الفاتحة و لو أمكن الائتمام وجب مقدّما على البدل. انتهى».(3)

و قال في كشف اللثام: «ثمّ يجب عليه التعلّم فان فرّط حتّى ضاق الوقت أتى بالبدل و هكذا أبدا و أجزأته صلاته و ان أثم و يجوز بل يجب مع الجهل عن ظهر القلب أن يأتمّ أو يتبع قارئا أو يقرأ من المصحف. انتهى».(4)

و كأنّ دليل اكتفائهم بالاتيان بالبدل اذا جهل الحمد و تعذّر عن التعلّم اطلاق صحيحة عبداللّه بن سنان المتقدّمة، و قد عرفت الاشكال في دلالتها.

فيمن لايستطيع أن يتعلّم

(مسألة 33): من لايقدر الاّ على الملحون أو تبديل بعض الحروف و لايستطيع أن يتعلّم أجزأه ذلك، و لايجب عليه الائتمام و ان كان أحوط، و كذا الأخرس لايجب عليه الائتمام.

الشرح:

قد تقدّم في المسألة السابقة حكم من لايقدر الاّ على الملحون أو تبديل بعض الحروف و لايستطيع أن يتعلّم و انّه يجزيه ذلك.


1) - منتهى المطلب 1: 274.

2) - شرائع الاسلام 1: 81.

3) - مسالك الأفهام 1: 279.

4) - كشف اللثام 1: 218.

قال في المستمسك: «كما عن غير واحد التصريح به، بل قيل: لا خلاف فيه على الظاهر و لا اشكال. انتهى».(1)

و يقتضيه قوله عليه السلام في خبر مسعدة:

«انّك قد ترى من المحرم من العجم لايراد منه ما يراد من العالم الفصيح، و كذلك الأخرس في القراءة في الصلاة و التشهّد و ما أشبه ذلك، فهذا بمنزلة العجم و المحرم لايراد منه ما يراد من العاقل المتكلّم الفصيح. الحديث».(2)

و قوله عليه السلام في خبر السكوني:

«انّ الرجل الأعجمي من أمّتي ليقرأ القرآن بعجمته فترفعه الملائكة على عربيّته».(3)و النبوي صلى الله عليه و آله :

«انّ سين بلال عند اللّه شين».(4)

و من اطلاق الروايات و الفتاوى يظهر الاجتزاء بها و لو مع امكان الائتمام.


1) - مستمسك العروة 6: 222.

2) - وسائل الشيعة 6: 136 / الباب 59 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 2.

3) - وسائل الشيعة 6: 221 / الباب 30 من أبواب قراءة القرآن / الحديث 4.

4) - مستدرك الوسائل 4: 278 / الباب 23 من أبواب قراءة القرآن / الحديث 3.

فيما اذا قدر على التعلّم ولكن ضاق وقته

اشارة

(مسألة 34): القادر على التعلّم اذا ضاق وقته قرأ من الفاتحة ما تعلّم و قرأ من سائر القرآن عوض البقيّة و الأحوط مع ذلك تكرار ما يعلمه بقدر البقيّة، و اذا لم يعلم منها شيئا قرأ من سائر القرآن بعدد آيات الفاتحة بمقدار حروفها. و ان لم يعلم شيئا من القرآن سبّح و كبّر و ذكر بقدرها و الأحوط الاتيان بالتسبيحات الأربع بقدرها و يجب تعلّم السورة أيضا، ولكن الظاهر عدم وجوب البدل لها في ضيق الوقت و ان كان أحوط.

الشرح:

القادر على التعلّم اذا ضاق وقته قرأ من الفاتحة ما تعلّم، و اذا لم يعلم منها شيئا قرأ من سائر القرآن و ان لم يعلم شيئا من القرآن أجزأه أن يكبّر و يسبّح بقدرها. و الدليل على ذلك في الجملة صحيحة عبداللّه بن سنان قال:

«قال أبو عبداللّه عليه السلام: ان اللّه فرض من الصلاة الركوع و السجود، ألا ترى لو أنّ رجلاً دخل في الاسلام لايحسن أن يقرأ القرآن أجزأه أن يكبّر و يسبّح و يصلّي».(1)

و تقريب الاستدلال بالصحيحة أنّ الامام عليه السلام علّق اجزاء التكبير و التسبيح على أن لايحسن قراءة القرآن فيعلم أنّه اذا أحسن قراءة القرآن يجب عليه ذلك فاذا علم مقدارا من فاتحة الكتاب يجب عليه ذلك لقوله عليه السلام: «لا صلاة الاّ بفاتحة الكتاب». و ذهب المشهور من الفقهاء الى هذا الترتيب بل لم يخالف فيه أحد الاّ المحقّق في الشرائع و الشيخ في موضع من المبسوط.

قال في مفتاح الكرامة: «اذا لم يعلم من الحمد شيئا ففي الشرائع و موضع من المبسوط أنّه يقرأ ما تيسّر أو يهلّل و يسبّح و يكبّر، و ظاهرهما أنّه مخيّر بين الذكر


1) - وسائل الشيعة 6: 42 / الباب 3 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 1.

و القراءة. انتهى».(1)

فرعان:

الفرع الأوّل : في الاقتصار على ما عرفه من الحمد من دون تكرار و لا ابدال

هل يقتصر على ما عرفه من الحمد من دون تكرار و لا ابدال؟ أقوال:

منها الاقتصار عليه كما هو ظاهر النهاية و المبسوط و المعتبر و المنتهى و التحرير و المدارك فقال في النهاية: «فمن لايحسن الحمد أو يحسن منها بعضها فصلّى بما يحسنه كانت صلاته ماضية. انتهى».(2)

و قال في المبسوط: «فمن لايحسن وجب عليه تعلّمها فان خاف فوت الصلاة صلّى بما يحسنه من قراءة و تكبير و تهليل و تسبيح. انتهى».(3)

و قال العلاّمة في المنتهى: «لو لم يحسن الاّ آية واحدة منها قرأها و اجتزأ بها؛ لأنّ الآية منها أقرب اليها من غيرها و هل يكرّرها سبعا الأقرب عندنا أنّه لايجب خلافا لأحمد و القولان للشافعي. لنا ما رواه الجمهور عن رفاعة بن رافع أنّ النبي صلى الله عليه و آله قال: «اذا قمت الى الصلاة فان كان معك قرآن فاقرأ به و الاّ فاحمد اللّه و هلّله و كبّره فلم يأمره بالتكرار بل اقتصر على ما معه». انتهى».(4)

و قال في المدارك: «و من لايحسنها و علم شيئا من الفاتحة و ضاق الوقت عن التعلّم وجب عليه الاتيان به اجماعا و في وجوب التعويض عن الفائت قولانأصحّهما العدم تمسّكا بمقتضى الأصل السالم من المعارض. و ان لم يعلم شيئا


1) - مفتاح الكرامة 2: 370.

2) - النهاية و نكتها 1: 302.

3) - المبسوط 1: 107.

4) - منتهى المطلب 1: 274.

منها يجب عليه قراءة ما تيسّر من غيرها و لايتعيّن كونه بقدر الفاتحة كما قطع به المصنّف (المحقّق) في المعتبر. انتهى ملخّصا مع زيادة توضيح».(1)

و منها تكرار ما يعلم من الحمد و ان علم من القرآن أيضا كما هو ظاهر التذكرة وجامع المقاصد و غيرهما.

قال في التذكرة: «لو أحسن منها آية اقتصر عليها لأنّها أقرب اليها من الذكر و الأقرب وجوب تكرّرها سبعا. انتهى».(2)

و منها التعويض عن الفائت.

قال الشهيدان في اللمعة و شرحها: «و جاهل الحمد يجب عليه التعلّم مع امكانه و سعة الوقت فان ضاق الوقت قرأ ما يحسن منها اذا سمّي قرآنا فان لم يسمّ لقلّته فهو كالجاهل بها أجمع، و الأشهر التعويض عن الفائت، و ان لم يعلم غيرها من القرآن كرّر ما يعلمه بقدر الفائت. انتهى ملخصا».(3)

و نظيره ما ذكره الشهيد الأوّل في الدروس.(4)

قلت:

الأقوى من هذه الأقوال القول الثالث، و ذلك لقوله عليه السلام في صحيحة عبداللّه بن سنان: «لايحسن أن يقرأ القرآن». فاذا علم منها ما سمّي قرآنا فيقرأ و أجزأ عن الفاتحة و السورة لاطلاق الصحيحة، و ان لم يسمّ قرآنا لقلّته يعوّض عن الفائت بما يسمّى قرآنا، و ان لم يعلم غيرها من القرآن كرّر ما يعلمه بما يسمّى قرآنا. والاحتياط بما ذكر في المتن حسن.


1) - مدارك الأحكام 3: 343.

2) - تذكرة الفقهاء 1: 115.

3) - الروضة البهيّة 1: 609.

4) - الدروس الشرعيّة 1: 172.

الفرع الثاني : فيما اذا لم يتمكّن من القراءة أصلاً

اذا لم يتمكّن من القراءة أصلاً لا الفاتحة و لا غيرها فالظاهر من صحيحة عبداللّه بن سنان أنّ الوظيفة هي التسبيح؛ لأنّ الظاهر من التكبير في قوله عليه السلام: « ... أجزأه أن يكبّر و يسبّح و يصلّي» هو تكبيرة الاحرام أي أجزأه أن يكبّر تكبيرة الاحرام و يسبّح عوض الحمد و يصلّي أي يركع عنه.

قال في الحدائق: «اذا لم يحسن شيئا من القراءة فالمشهور أنّه يسبّح اللّه تعالى و يهلّله و يكبّره، و ذكر الشيخ في الخلاف الذكر و التكبير و ذكر بعضهم التحميد و التسبيح و التهليل و التكبير، و الموجود في الرواية المتقدّمة التي هي مستند هذا الحكم التكبير و التسبيح. انتهى».(1)

و في مفتاح الكرامة عن مجمع البرهان: «يجزي التكبير و التسبيح بل يحتمل أن يكون المراد بالتكبير في صحيح ابن سنان تكبيرة الاحرام فيكون التسبيح وحده كافيا. انتهى».(2)

و يمكن أن يقال بأنّ ذكر التسبيح في الصحيحة ليس تعبّدا بل لأنّه من أيسر الأذكار لمن يريد أن يتعلّمه و عليه نقول باجزاء مطلق الذكر. و يمكن أيضا القول بأنّ التسبيح قد يطلق على التسبيحات الأربعة. فالأقوى اجزاء مطلق الذكر و الأحوط التسبيحات فيكفي أن يقول: سبحان اللّه و الحمدللّه و لا اله الاّ اللّه و اللّه أكبر، أو ما يكون بقدرها، و ذلك لأنّه مراد الامام عليه السلام ولو بقرينة ما ورد من التسبيح في الركعتين الأخيرتين كما سيأتي. فاذا أتى بالتسبيحات أجزأ عن الفاتحة و السورة أيضا لاطلاق قوله عليه السلام: «أجزأه أن يكبّر و يسبّح و يصلّي».


1) - الحدائق الناضرة 8: 114.

2) - مفتاح الكرامة 2: 371.

في أخذ الأجرة على تعليم الحمد و السورة

(مسألة 35): لايجوز أخذ الأجرة على تعليم الحمد و السورة، بل و كذا على تعليم سائر الأجزاء الواجبة من الصلاة، و الظاهر جواز أخذها على تعليم المستحبّات.

الشرح:

المشهور بل ادّعي الاجماع على عدم جواز أخذ الأجرة على ما يجب على الانسان فعله، كتغسيل الموتى و تكفينهم و دفنهم ... .

قال الشيخ المفيد في المقنعة: «و التكسّب بتغسيل الأموات وحملهم و دفنهم حرام؛ لأنّ ذلك فرض على الكفاية أوجبه اللّه تعالى على أهل الاسلام. و لابأس بالأجر على تعليم القرآن والحكم كلّها و التنزّه عن التكسّب بذلك أفضل. و الأجر على الأذان والصلاة بالناس حرام، و لابأس بالأجر على الحكم والقضاء بين الناس و التبرّع بذلك أفضل و أقرب الى اللّه تعالى و الأجر على كتب المصاحف و جميع علوم الدين والدنيا جائز. انتهى».(1)

و قال أبو الصلاح الحلبي في الكافي: «[و أخذ الأجرة على] تنفيذ الأحكام و تلقين القرآن و عقد الجمع والجماعات و الأذان و الاقامة وتغسيل الأموات و تجهيزهم و حملهم والصلاة عليهم و مواراتهم و جهاد الكفّار والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر و سائر العبادات و المعونة على ذلك محرّم. انتهى».(2)

و قال الشيخ في النهاية: «و أخذ الأجرة على غسل الأموات و حملهم و مواراتهم حرام لأنّ ذلك فرض على الكفاية على أهل الاسلام، و أخذ الأجر على الأذان و الصلاة بالناس حرام. انتهى».(3)

و قال القاضي ابن البرّاج في المهذّب: «و أمّا الكسب المكروه ... و الأجر على


1) - المقنعة: 588.

2) - سلسلة الينابيع الفقهيّة 13: 68.

3) - النهاية و نكتها 2: 100.

القضاء و تنفيذ الأحكام من قبل الامام العادل و الأجر على تعليم القرآن ونسخ المصاحف مع الشرط في ذلك. انتهى».(1)

و قال سلاّر فى المراسم: «و أمّا المحرّم من الكسب أجر تغسيل الأموات و دفنهم و حملهم، و المكروه منه الأجر على القضاء بين الناس، و الأجر على قول، للشعر الحق، و الأجر على عقد النكاح بالخطب. انتهى ملخّصا».(2)

و قال المحقّق في المختصر النافع: «السادس (ممّا يحرم الاكتساب به): الأجرة على القدر الواجب من تغسيل الأموات و تكفينهم وحملهم و دفنهم، و الرشا في الحكم، و الأجرة على الصلاة بالناس و القضاء و لابأس بالرزق من بيت المال و كذا على الأذان. و لابأس بالأجرة على عقد النكاح. و من المكروه: الأجرة على تعليم القرآن و نسخه. انتهى ملخّصا».(3)

و قال المحقّق في الشرائع: «الخامس (ممّا يحرم التكسّب به) ما يجب على الانسان فعله كتغسيل الموتى وتكفينهم و تدفينهم - الى أن قال: - و أخذ الأجرة على الأذان حرام و لابأس بالرزق من بيت المال، و كذا الصلاة بالناس و القضاء على تفصيل سيأتي، و لابأس بأخذ الأجرة على عقد النكاح. انتهى».(4)

و في المسالك بعد قول المصنف (ما يجب الخ) قال: «هذا هو المشهور بين الأصحاب و عليه الفتوى و ذهب المرتضى الى جواز أخذ الأجرة على ذلك لغير الولي بناءً على اختصاص الوجوب به و هو ممنوع فانّ الوجوب الكفائي لايختصّ به».(5)

و قال الشهيد الأوّل في اللمعة: «و يحرم الأجرة على تغسيل الموتى و


1) - سلسلة الينابيع الفقهيّة 13: 132.

2) - نفس المصدر: 107 و 108.

3) - المختصر النافع 1: 117.

4) - شرائع الاسلام 2: 11.

5) - مسالك الأفهام 3: 130.

تكفينهم ودفنهم و الصلاة عليهم - الى أن قال: - و الأجرة على تعليم الواجب من التكليف. (و في الشرح قال الشهيد الثاني:) سواء وجب عينا كالفاتحة و السورة و أحكام العبادات العينيّة أم كفاية كالتفقّه في الدين و ما يتوقّف عليه من المقدّمات علما و عملاً و تعليم المكلّفين صيغ العقود و الايقاعات و نحو ذلك. انتهى ملخّصا».(1)

و قال في الدروس: (يحرم الأجرة على) ما يجب على المكلّف فعله امّا عينا كالصلاة اليوميّة، أو كفاية كتغسيل الميّت و تكفينه والصلاة عليه ودفنه - الى أن قال: - و من الواجب الذي يحرم أخذ الأجرة عليه تعليم الواجب عينا أو كفاية من القرآن العزيز و الفقه و الارشاد الى المعارف الالهيّة بطريق التنبيه. انتهى».(2)

أقول:

يجب على المكلّف أن يتعلّم أحكام دينه و الدليل على ذلك قوله تعالى: «فاسألوا أهل الذكر ان كنتم لاتعلمون».(3)

و صحيحة زرارة و محمّد بن مسلم و بريد العجلي قالوا:

«قال: أبو عبداللّه عليه السلام لحمران بن أعين في شيء سأله: انّما يهلك الناس لأنّهم لايسألون».(4)

و مرسلة ابن أبي عمير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«سألته عن مجدور أصابته جنابة فغسّلوه فمات. قال: قتلوه ألاّ سألوا فانّ دواء العيّ السؤال».(5)


1) - الروضة البهيّة 3: 217 و 218.

2) - الدروس الشرعيّة 3: 172.

3) - الأنبياء 21: 7.

4) - أصول الكافي 1: 49 / كتاب فضل العلم / باب سؤال العالم و تذاكره / الحديث 2.

5) - أصول الكافي 1: 49 / كتاب فضل العلم / باب سؤال العالم و تذاكره / الحديث 1.

و كذا يجب على العالم أن يعلّم الجاهل بالأحكام اذا سأله، و ذلك لصحيحة منصور بن حازم عن طلحة بن زيد عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«قرأت في كتاب علي عليه السلام انّ اللّه لم يأخذ على الجهّال عهدا بطلب العلم حتّى أخذ على العلماء عهدا ببذل العلم للجهّال؛ لأنّ العلم كان قبل الجهل».(1)

مضافا الى أنّه اذا وجب على الجاهل طلب العلم يلزم أن يجب على العالم بذل علمه و هذا يستفاد من قوله تعالى: «فاسألوا أهل الذكر ان كنتم لاتعلمون»(2)بل يجب من باب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر. فاذا وجب على العالم بالأحكام أن يبذل علمه لمن يطلبه، فهل يجوز أخذ الأجرة على تعليم ما وجب عليه؟ ظاهر فتوى من تعرّض للمسألة عدم الجواز.

قال في المستمسك: «الظاهر انعقاد الاجماع على وجوب تعليم الأحكام مجّانا فيما كان محلّ الابتلاء و هذا هو العمدة فيه. انتهى».(3)

و قد عرفت من كلمات الفقهاء عدم تعرّضهم لخصوص ذلك الاّ الشهيدين، و الظاهر أنّه لايكون هناك دليل على حرمة أخذ الأجرة على تعليم الأحكام من الكتاب و السنّة. نعم اذا طلب منه الجاهل بالقراءة أو الجاهل بسائر الأجزاء الواجبة من الصلاة، التعليم و لم يقبل أن يستأجره وجب عليه التعليم مجّانا و لايسقط عنه الوجوب كما هو واضح.

ثمّ اعلم أنّ الماتن ذهب الى جواز أخذ الأجرة على تعليم المستحبّات مع ذهابه الى عدم جواز أخذ الأجرة على تعليم الحمد و سائر الأجزاء الواجبة من الصلاة. و استشكل عليه السيّد الحكيم في المستمسك: «بعدم اتّضاح الفرق بين


1) - أصول الكافي 1: 51 / كتاب فضل العلم / باب بذل العلم / الحديث 1.

2) - الأنبياء 21: 7.

3) - مستمسك العروة 6: 229.

تعليم المستحبّات و الواجبات، فانّ أدلّة لزوم التعليم شاملة للمقامين، فان كان المانع من أخذ الأجرة الوجوب فهو مشترك و ان كان ظهور الدليل في المجّانيّة فهو كذلك (ثمّ أمر بالتأمّل الجيّد). انتهى».(1)

ولكن الظاهر صحّة ما ذهب اليه الماتن؛ لأنّه لايستلزم القول بعدم جواز أخذ الأجرة على تعليم الواجبات، القول بعدمه في المستحبّات، و الاجماع المدّعى انعقد على تحريم أخذ الأجرة على تعليم الواجبات فليس اجماع على حرمته لتعليم المستحبّات.

في حكم الترتيب و الموالاة بين آيات الحمد و السورة

(مسألة 36): يجب الترتيب بين آيات الحمد و السورة و بين كلماتها و حروفها و كذا الموالاة، فلو أخلّ بشيء من ذلك عمدا بطلت صلاته.

الشرح:

يجب الترتيب بين آيات الحمد و السورة و بين كلماتهما و حروفهما، بلا خلاف و لا اشكال و ذلك (كما في مستند العروة) لأنّ مفهوم الحمد و السورة يتقوّم بتلك الآيات على النهج الخاصّ و الترتيب المقرّر بينها بما لها من الأجزاء، فمع الاخلال لايصدق عنوان السورة التي هي متعلّق التكليف، فلم يتحقّق المأمور به فيحكم ببطلان القراءة بل ببطلان الصلاة و ان تداركه بالتكرار مراعيا للترتيب من جهة الزيادة العمديّة لو أتى بها بقصد الجزئيّة. نعم لو قصد بذلك مطلق القرآن دون الجزئيّة لم يكن به بأس لعدم كونه من الزيادة العمديّة.

و يجب الموالاة في القراءة بلا خلاف في ذلك. قال في الجواهر: «كما صرّح به الشيخ و الفاضلان و الشهيدان و المحقّق الثاني و غيرهم، بل لاأجد فيه خلافا


1) - نفس المصدر.

بين أساطين المتأخّرين منهم. انتهى».(1)

و ذلك لعدم صدق قراءة الحمد و السورة بل عدم صدق قراءة القرآن لو فصّل بين حروف الآيات بل بين كلماتها. فلو قال «بِسْ» و بعد مدّة قال «مِل» و بعد مدّة قال «لاّ» و بعد مدّة قال «هرّ» و الى آخر لم يعدّ ذلك من قراءة الحمد و القرآن، و تكون هذه الكلمات زائدة و أيضا مبطلة؛ لأنّها اذا لم تكن من القرآن فتكون من كلام الآدميّين فتبطل الصلاة بها. و هكذا يكون الحال في الفصل الطويل بين الآيات المخرج عن كونها قراءة الحمد فقيل تبطل الصلاة ان كانت قراءته ذلك عمدا؛ لقصد جزئيّتها مع عدم كونها جزءًا و الأظهر عدم بطلانها ان لم تكن ماحية لهيئتها الصوريّة. نعم لو أتى بالآيات هكذا بقصد القرآنيّة لم تبطل الصلاة اذا لم يخلّ بهيئة الصلاة بمعنى أنّه لايكون الفصل ماحيا لهيئتها الاتّصاليّة و الاّ فتبطل سواء كان ذلك عمدا أوسهوا و غفلة. قال في الجواهر: «الموالاة في القراءة شرطفي صحّتها، للتأسّي بالنبي و الأئمّة عليهم السلام، و اقتصارا في العبادة التوقيفيّة التي اشتغلت بها الذمّة بيقين على المتيقّن المستعمل بين المتشرّعة من الصحابة و التابعين و تابعي التابعين يدا عن يدٍ و خلفا عن سلف، و لانصراف اطلاق الأمر بالقراءة الى الفرد الشائع المعهود المتعارف لوسلم صدق القراءة على غيره، ولخروج القرآن عن كونه قرآنا أو القراءة كذلك ببعض صور فوات الموالاة كالفصل بين المضاف و المضاف اليه و الشرط و جزائه و نحوهما ممّا يفوت بفوات الموالاة بينها نظم القرآن و أسلوبه الذي به اعجازه. انتهى ملخّصا».(2)

ولكن فيه أولاً: انّ التأسّي أعمّ، مضافا على عدم اليقين باتّصال ذلك الى النبي و الأئمّة عليهم السلام.

و ثانيا: يكون المورد من موارد اجراء البراءة لا الاحتياط.


1) - جواهر الكلام 10: 11.

2) - نفس المصدر.

و ثالثا: ينصرف اطلاق الأمر بالقراءة الى ما يكون كلاما عربيّا صحيحا عرفا و لايعدّ في علم العربيّة غلطا، بأن يكون السكوت الطويل أو الفصل بالأجنبي بين المبتدأ و الخبر، و الفعل و متعلّقاته، والموصوف و صفته، و الشرط وجزائه، و المضاف و المضاف اليه، و نحوها ممّا يخرج الكلام عن كونه عربيّا صحيحا. و بالجملة لو أخلّ بالموالاة بالمعنى المتقدّم عمدا ففي نهاية الأحكام و الذكري و البيان و الألفية و جامع المقاصد و الروض و غيرها بطلان الصلاة؛ للزيادة العمديّة. ولكن الأظهر عدم بطلانها الاّ اذا انجرّ الى انمحاء الهيئة الاتّصاليّة للصلاة و لو كان سهوا أو قهرا و لم يكن ماحيا للصورة لم تبطل الصلاة و يجب عليه استئناف القراءة فقط. فعن المبسوط و التذكرة و الدروس و المدارك و غيرها وجوب استئناف القراءة مطلقا لا الصلاة.

قال في المبسوط: «و الترتيب واجب في القراءة في سورة الحمد و هو أن لايقدّم آية و يؤخّر آية، و لايقرأ في خلال الحمد من غيرها فان فعل ذلك متعمّدا استأنف قراءة الحمد و لاتبطل صلاته. انتهى».(1)

و قال في الدروس: «و يجب مراعاة اعرابها و بنائها و ترتيبها على الوجه المنقول و اخراج حروفها من مخارجها و تشديدها و موالاتها فيعيدها لو قرأ خلالها من غيرها نسيانا أو عمدا، و قيل تبطل صلاة العامد، و كذا لو سكت في أثنائها بنيّة القطع، و الأقرب بناؤه على تأثير نيّة المنافي، أو على طول السكوت بحيث يخرج به عن اسم الصلاة. انتهى».(2)

و قال في المدارك: «لا ريب في وجوب الترتيب عمّا يجب قراءته من الكلمات و الآيات؛ لأنّ الأمر بالقراءة ينصرف الى المنزل على ترتيبه فلايتحقّق


1) - المبسوط 1: 106.

2) - الدروس الشرعيّة 1: 171.

الامتثال بدونه و لو خالف عمدا أعاد الصلاة ان لم يتداركها قبل الركوع. انتهى».(1)

فيما لو أخلّ بشيء من الكلمات أو الحروف

(مسألة 37): لو أخلّ بشيء من الكلمات أو الحروف أو بدّل حرفا بحرف حتّى الضاد بالظاء أو العكس بطلت، و كذا لو أخلّ بحركة بناء أو اعراب أو مدّ واجب أو تشديد أو سكون لازم، و كذا لو أخرج حرفا من غير مخرجه بحيث يخرج عن صدق ذلك الحرف في عرف العرب.

الشرح:

قال العلاّمة في القواعد: «لو أخلّ بحرف منها عمدا أو من السورة أو تركاعرابا أو تشديدا أو موالاة أو أبدل حرفا بغيره و ان كان في الضاد والظاء - الى أن قال: - بطلت صلاته. انتهى».(2)

و قال في مفتاح الكرامة (بعد قول العلاّمة: أو أبدل حرفا ... ): «كما نصّ على ذلك في نهاية الأحكام و التذكرة و الذكرى و البيان وغيرها لأنّه لاخلاف في وجوب اخراج الحروف من مخارجها كما في الحدائق لأنّ اخراج الحرف من غير مخرجه اخلال بحقيقة ذلك الحرف الذي هو اخلال بماهية القراءة و جوّزه الشافعي في أحد الوجهين بناءً على العسر. انتهى».(3)

و قال في نهاية الأحكام: «يجب اخراج الحروف من مواضعها مع القدرة، فلو أبدل حرفا بحرف فقدترك الواجب. و ابدال الضاد بالظاء من هذا الباب كغيرهما من الحروف. فان فعل ذلك عمدا، بطلت صلاته. و الجاهل غير معذور، أمّا من لايمكنه التعلّم و الناسي فانّهما معذوران. الثامن: الاعراب شرط في القراءة على الأقوى، فلو لحن عمدا أعاد، سواء كان عالما أو جاهلاً، و سواء غيّر المعنى مثل


1) - مدارك الأحكام 3: 342.

2) - سلسلة الينابيع الفقهيّة 4: 919

3) - مفتاح الكرامة 2: 355.

أن يكسر كاف «ايّاك» أو يضمّ تاء «أنعمت» أو لا مثل أن ينصب «اللّه» أو يرفعه، و سواء كان خفيفا أو لا، لأنّه ليس بقرآن، و لقوله عليه السلام «صلّوا» و قد أعرب. انتهى».(1)

قال الشهيد في البيان: «و تبطل لو أخلّ بالفاتحة عمدا أو جهلاً أو بالسورة كذلك لغير ضرورة أو أخلّ ببعض و لو حرفا أو تشديدا أو مدّا متّصلاً أو ادغاما - الى أن قال: - أو أخرج حرفا من غير مخرجه حتّى الضاد والظاء عالما أو جاهلاً و يمكنه التعلّم. انتهى».(2)

و قال في رياض المسائل: «و يجب قراءتها أجمع عربيّة على الوجه المنقول بالتواتر، مخرجا للحروف من مخارجها، مراعيا للترتيب بين الآيات و للموالاة العرفيّة - الى أن قال: - و لاتصحّ الصلاة مع الاخلال بها عمدا حتّى ركع و لو بحرف منها حتّى التشديد و كذا الاعراب. انتهى ملخّصا».(3)

و ما ذهبوا اليه هؤلاء الأعلام هو الصحيح، و الدليل على ذلك استلزام تحويل المخرج تغيّر المادة المؤدّي الى تغيّر المعنى.

قال المحقّق النائيني: «يجب أداء كلّ حرف من مخرجه فلو أتى بحرف من مخرج حرف آخر كأن نطق بالضاد من مخرج الظاء أو بالعكس كان باطلاً و ذلك لاستلزام تحويل المخرج تغيّر المادّة. نعم لو لم يستلزم تغيّرها لم يكن به بأس الاّ أنّه فرض محال. انتهى».(4)

قال في الحدائق: «الظاهر أنّه لاخلاف بين الأصحاب في أنّ من واجبات القراءة اخراج الحروف من مخارجها المقرّرة، و الظاهر أنّ الوجه فيه هو أنّه لمّا كان القرآن عربيّا نزل بلغة العرب فكلّ ما اقتضته اللغة العربيّة و بنيت عليه من


1) - نهاية الأحكام 1: 464 و 465.

2) - البيان: 157.

3) - رياض المسائل 3: 379 و 380.

4) - كتاب الصلاة 2: 86.

اخراج الحروف من مخارجها والتشديد في موضعه المقرّر و الادغام و المدّ على الوجوه المذكورة في محلّها و الاعراب و نحو ذلك ممّا بنيت عليه اللغة المذكورة و كان من أصولها المقرّرة فانّه ممّا يجب الاتيان به؛ لأنّ الواجب القراءة باللغة العربيّة، فكلّ ما كان من أصولها التي لاتحقّق لها الاّ به فانّه يجب و ما ليس كذلك مثل الجهر والهمس و الاستعلاء والاطباق والترتيل والوقف و التفخيم و الترقيق و نحوها فانّه لايجب بل هو من المحسّنات. انتهى».(1)

في حكم حذف همزة الوصل و اثبات همزة القطع حين الوصل

(مسألة 38): يجب حذف همزة الوصل في الدرج مثل همزة «اللّه» و «الرحمن» و «الرحيم» و «اهدنا» و نحو ذلك، فلو أثبتها بطلت، و كذا يجب اثبات همزة القطع كهمزة «أنعمت» فلو حذفها حين الوصل بطلت.

الشرح:

قال في المستمسك: «كما نصّ عليه أهل العربيّة كابن الحاجب و ابن مالك و شرّاح كلامهما، من دون تعرّض لخلاف فيه. انتهى».(2)

قد تقدّم أنّ المرجع في تمييز القراءة الصحيحة عن غيرها هو تغيير المعنى و عدمه، فهنا أيضا يكون كذلك. و عليه لو لم يحذف همزة الوصل في الدرج ففي عدم صحّة القراءة اشكال. نعم لو شكّ في صحّتها يجب الاعادة، و كذلك الحال في اثبات همزة القطع.


1) - الحدائق الناضرة 8: 106.

2) - مستمسك العروة 6: 233.

في حكم الوقف بالحركة و الوصل بالسكون

(مسألة 39): الأحوط ترك الوقف بالحركة و الوصل بالسكون.

الشرح:

قال في المستمسك: «استفادة عدم جواز الوقف بالحركة من كلام أهل العربيّة لاتخلو من اشكال، و الأصل في المقام - لكون الشبهة مفهوميّة - يقتضي البراءة من مانعيّة التسكين - الى أن قال: - مقتضى اطلاق كلام أهل العربيّة في الحركات الاعرابيّة و البنائيّة و اقتصارهم في الاستثناء على خصوص حال الوقف، هو وجوب التحريك في الوصل، لكن في مبحث الأذان و الاقامة يظهر من غير واحد بل هو صريح الشهيد الثاني في الروضة و الروض و كاشف الغطاء جواز الوصل بالسكون و أنّه ليس لحنا و لامخالفة لقانون اللغة. انتهى».(1)

و قال في مستند العروة: «الظاهر أنّه لا دليل على اعتبار شيء منهما بعدما رأينا الخطباء و الفصحاء من أدباء العرب لايلتزمون بذلك في محاوراتهم، فلايعدّ ذلك عيبا في الكلام و لا لحنا أو خروجا عن قانون اللغة أو القواعد العربيّة. انتهى».(2)

أقول:

كلامهما في المقام متين موافق لما يفهمه العرف العامّ، بل عرف الخاصّ كما أشار اليه العلمان و من هذا اتّضح ما في المسألة الآتية من عدم وجوب العلم بحركة آخر الكلمة، لعدم وجوب الوصل بالحركة.

(مسألة 40): يجب أن يعلم حركة آخر الكلمة اذا أراد أن يقرأها بالوصلبما بعدها، مثلاً اذا أراد أن لايقف على «العالمين» و يصلها بقوله: «الرحمن الرحيم» يجب أن يعلم أنّ النون مفتوح، و هكذا. نعم اذا كان يقف على كلّ


1) - نفس المصدر: 234.

2) - مستند العروة 3: 466.

آية لايجب عليه أن يعلم حركة آخر الكلمة.

تقدّم عدم وجوب الوصل بالحركة. نعم لو أراد الوصل بالحركة يجب أن يعرف حركة آخر الكلمة حذرا من الغلط.

في حكم العلم بمخارج الحروف طبق ما ذكره علماء التجويد

(مسألة 41): لايجب أن يعرف مخارج الحروف على طبق ما ذكره علماء التجويد، بل يكفي اخراجها منها و ان لم يلتفت اليها، بل لايلزم اخراج الحرف من تلك المخارج، بل المدار صدق التلفّظ بذلك الحرف و ان خرج من غير المخرج الذي عيّنوه، مثلاً اذا نطق بالضاد أو الظاء على القاعدة لكن لا بما ذكروه من وجوب جعل طرف اللسان من الجانب الأيمن أو الأيسر على الأضراس العليا صحّ، فالمناط الصدق في عرف العرب، و هكذا في سائر الحروف، فما ذكره علماء التجويد مبني على الغالب.

الشرح:

قال في المستمسك: «قال ابن الحاجب في الشافية: و مخارج الحروف سته عشر تقريبا، و الاّ فلكلّ مخرج، فللهمزة و الهاء و الألف أقصى الحلق، و للعين و الحاء وسطه، و للغين و الخاء أدناه، و للقاف أقصى اللسان و ما فوقه من الحنك، و للكاف منهما(1)ما يليهما، و للجيم و الشين و الياء وسط اللسان و ما فوقه من الحنك، و للضاد أوّل احدى حافتيه(2)و ما يليهما من الأضراس، و لللامما دون طرف اللسان الى منتهاه و ما فوق ذلك، وللراء منهما و ما يليهما، و للنون منهما و ما يليهما [بعد الراء]، و للطاء و الدال و التاء طرف اللسان و أصول الثنايا، و للصاد و الزاي و السين طرف اللسان و الثنايا، و للظاء و الذال و الثاء طرف


1) - أي من أقصى اللسان و ما فوقه. شرح النظّام

2) - أي أوّل احدى جانبيه.

اللسان و طرف الثنايا، و للفاء باطن الشفة السفلى و طرف الثنايا العليا، و للباء و الميم و الواو ما بين الشفتين - الى أن قال: - قال الشيخ الرضي: و أحسن الأقوال ما ذكره سيبويه، و عليه العلماء بعده. انتهى».(1)

ثمّ اعلم أنّ أكثر العرب لايعرفون مخارج الحروف بل يتكلّمون تقليدا عن آبائهم و من يحشرون معه، و بمقتضى طبعهم كما يكون حال غير العرب. و العبرة في أداء الحروف تميّزه عمّا عداه بحيث يصدق عليه قراءة القرآن الصحيحة، فان قلنا المناط الصدق عند العرب كما هو الموافق للاحتياط فهو العبرة. و ما ذكره علماء التجويد من المخارج المعيّنة فان توقّف أداء الحروف على رعايتها فلا كلام، و أمّا ان تمكّن القارئ من أدائها من المخارج المعيّنة أو غيرها بدون أيّ تغيير فيها فلادليل حينئذ على لزوم رعاية تلك المخارج بخصوصها.

قال في المستمسك: «الأسنان على ما ذكروا أربعة أقسام، منها أربعة تسمّى ثنايا: ثنيتان من فوق، و ثنيتان من تحت من مقدمها، ثمّ أربعة تليها من كلّ جانب واحد تسمّى رباعيات، ثمّ أربعة تليها كذلك تسمّى أنيابا، ثمّ الباقي تسمّى أضراسا منها أربعة تسمّى ضواحك ثمّ اثنى عشر طواحن، ثمّ أربعة نواجذ تسمّى ضرس الحلم و العقل، و قد لاتوجد في بعض أفراد الانسان. انتهى».(2)

(مسألة 42): المدّ الواجب هو فيما اذا كان بعد أحد حروف المدّ و هي الواو المضموم ما قبلها، و الياء المكسور ما قبلها، و الألف المفتوح ما قبلها - همزة، مثل جاء، و سوء، و جيء، أو كان بعد أحدها سكون لازم خصوصا اذا كان مدغما في حرف آخر مثل الضالّين.


1) - مستمسك العروة 6: 235.

2) - نفس المصدر: 236.

الشرح:

الظاهر عدم وجوب هذا المدّ لعدم الدليل عليه، فالعبرة بأداء الكلمة صحيحا و بالقراءة الصحيحة كما مرّ مرارا. و أمّا الزائد على هذا المقدار حتّى قيل انّ أقلّه ألفان، و أكثره أربع فالظاهر عدم وجوبه لفقد دليل معتبر عليه، و انّما هو تزيين للكلام في مقام القاء الخطب و نحوها. و من جميع ما تقدّم يظهر الحال في جملة من المسائل الآتية.

(مسألة 43): اذا مدّ في مقام وجوبه أو في غيره أزيد من المتعارف لايبطل الاّ اذا خرجت الكلمة عن كونها تلك الكلمة.

(مسألة 44): يكفي في المدّ مقدار ألفين و أكمله الى أربع ألفات، و لايضرّ الزائد ما لم يخرج الكلمة عن الصدق.

(مسألة 45): اذا حصل فصل بين حروف كلمة واحدة اختيارا أو اضطرارا بحيث خرجت عن الصدق بطلت، و مع العمد أبطلت.

(مسألة 46): اذا أعرب آخر الكلمة بقصد الوصل بما بعده فانقطع نفسه فحصل الوقف بالحركة فالأحوط اعادتها، و ان لم يكن الفصل كثيرا اكتفى بها.قد تقدّم شرح هذه المسائل فلانعيد.

فيما اذا انقطع نفسه بعد الوصل بالألف و اللام

(مسألة 47): اذا انقطع نفسه في مثل «الصراط المستقيم» بعد الوصل بالألف و اللام و حذف الألف هل يجب اعادة الألف و اللام بأن يقول «المستقيم» أو يكفي قوله «مستقيم»؟ الأحوط الأوّل، و أحوط منه اعادة «الصراط» أيضا و كذا اذا صار مدخول الألف و اللام غلطا كأن صار «مستقيم» غلطا فاذا أراد أن يعيده فالأحوط أن يعيد الألف و اللام أيضا

بأن يقول «المستقيم»، و لايكتفي بقوله «مستقيم» و كذا اذا لم يصحّ المضاف اليه فالأحوط اعادة المضاف فاذا لم يصحّ لفظ «المغضوب» فالأحوط أن يعيد لفظ «غير» أيضا.

الشرح:

قد عرفت اعتبار الموالاة بين الآيات و الكلمات و الحروف، و العبرة بوجودها و عدمها العرف. و الظاهر فيما مثّل به المصنف اعادة الألف و اللام؛ لأنّ لام التعريف يعدّ جزءًا من أجزاء الكلمة، فتفوت الموالاة المعتبرة بينه و بينها بأدنى فصل. و كذا الحال لو صار مدخول اللام غلطا، فاللازم اعادة اللام أيضا.

و الاحتياط حسن باعادة الموصوف أيضا فيقول «الصراط المستقيم» و كذا في «المغضوب» باعادة المضاف فيقول «غير المغضوب»اذ المضاف و المضاف اليه كالصفة و الموصوف في حكم كلمة واحدة لما بينهما من شدّة الارتباط. نعم اذا طال الفصل و انتفى الموالاة بين «الصراط» و «المستقيم» وجب الاعادة، بل يجب اعادة «اهدنا» في هذا الحال لانتفاء الموالاة بين الكلمات.

في وجوب الادغام في كلمة اجتمع فيها حرفان مماثلان

(مسألة 48): الادغام في مثل مدّ و ردّ ممّا اجتمع في كلمة واحدة مثلان واجب سواء كانا متحرّكين كالمذكورين، أو ساكنين كمصدرهما.

الشرح:

ان كان الادغام معتبرا في صحّة الكلمة و وقوعها عربيّة فيجب و الاّ فلا. و الظاهر أنّ الادغام لازم فيما اذا اجتمع حرفان متماثلان في كلمة واحدة سواء كانا متحرّكين ك- «مدّ» و «ردّ»، أو ساكنين كمصدرهما، فلايصحّ التفكيك بينهما لأنّه خلاف قواعد اللغة العربيّة و لايستعمل الاّ لدى الضرورة.

(مسألة 49): الأحوط الادغام اذا كان بعد النون الساكنة أو التنوين أحد حروف «يرملون» مع الغنّة فيما عدا اللام و الراء و لامعها فيهما، لكنّ الأقوى عدم وجوبه.

الشرح:

قال في المستمسك: «صرّح ابن الحاجب و الرضي بوجوب الادغام - الى أن قال: - حكى الرضي عن سيبويه و سائر النحاة أنّ الادغام مع الغنّة في غير ما كان المدغم فيه اللام و الراء. انتهى ملخّصا».(1)

ولكن الظاهر أنّه لم يثبت الاعتبار بمثابة يستوجب الاخلال به الغلطيّة؛ لأنّ الظاهر صحّة الكلمة بدون الادغام عند عرف العرب فضلاً عند غير العرب و لو شكّ في وجوبه مع كونه صحيحا عرفا فالأصل البراءة للشكّ في التكليف. و أمّا ان كان الشكّ في صحّتها عند العرف بدون الادغام، فالأصل الاشتغال.

في حكم القراءة باحدى القراءات السبع

(مسألة 50): الأحوط القراءة باحدى القراءات السبع وان كان الأقوى عدم وجوبها، بل يكفي القراءة على النهج العربي، و ان كانت مخالفة لهم في حركة بنية أو اعراب.

الشرح:

قال في المستمسك: «القرّاء السبعة هم نافع بن أبي نعيم المدني و عبداللّه بن كثير المكّي، و أبو عمرو بن العلاء البصري و عبداللّه بن عامر الدمشقي و عاصم بن أبي النجود و حمزة بن حبيب الزيّات و علي بن حمزة النحوي، الكوفيّون. فاذا أضيف الى قراءة هؤلاء قراءة أبي جعفر يزيد بن القعقاع و يعقوب بن اسحاق الحضرمي و خلف ابن هشام البزّاز، كانت القراءات العشر. هذا و المنسوب الى


1) - نفس المصدر: 241 و 242.

أكثر علمائنا وجوب القراءة باحدى السبع، واستدلّ له بأنّ اليقين بالفراغ موقوف عليها؛ لاتّفاق المسلمين على جواز الأخذ بها الاّ ما علم رفضه و شذوذه، وغيرها مختلف فيه. انتهى».(1)

و قد حقّقه العلاّمة الخوئي رحمه الله في مبحث التفسير و أتى به مجملاً في مستند العروة و نحن نأتي باجمال ما قال رحمه الله هناك: «لا شكّ أنّ القرّاء السبعة متأخّرون عن زمن النبي صلى الله عليه و آله و كانوا معاصرين للصادق عليه السلام و أدرك بعضهم الباقر عليه السلام و آخرهم الكسائي الذي مات سنة 190 تقريبا. و عليه فلاينبغي الريب في عدم كون هذه القراءات متواترة عن النبي صلى الله عليه و آله بل و لامسندة اليه حتّى بالخبر الواحد، و لم يدّع ذلك أحد منهم و لانسب قراءته اليه صلى الله عليه و آله لا بطريق مسند و لا مرسل. بل لم يثبت تواترها حتّى من نفس هؤلاء القرّاء و انّما أسند اليهم بأخبار آحاد بتوسيطتلاميذهم، على أنّ بعض هؤلاء معروفون بالفسق و الكذب كحفص الراوي لقراءة عاصم. هذا و حيث قد جرت القراءة الخارجيّة على طبق هذه القراءات السبع لكونها معروفة مشهورة ظنّ بعض الجهلاء أنّها المعنى بقوله صلى الله عليه و آله على ما روي عنه: «انّ القرآن نزل على سبعة أحرف». و هذا - كما ترى - غلط فاحش، فانّ أصل الرواية لم تثبت، بل نقل عن الصادق عليه السلام أنّه نصّ على تكذيبها بقوله عليه السلام: «كذبوا أعداء اللّه نزل على حرف واحد من عند الواحد». نعم وردت في المقام عدّة روايات تضمّنت الأمر بالقراءة كما يقرأها الناس، فيظهر منها الاجتزاء بكلّ قراءة متعارفة بين الناس. و أمّا الروايات فمنها ما ذكره الطبرسي في مجمع البيان مرسلاً عن الشيخ الطوسي قال: «روي عنهم عليهم السلام جواز القراءة بما اختلف القراءة فيه».(2)و منها رواية سالم أبي سلمة قال: «قرأ رجل على أبي عبداللّه عليه السلام و أنا أستمع حروفا من القرآن ليس على ما يقرأها الناس، فقال أبو عبداللّه عليه السلام: كفّ عن هذه القراءة،


1) - نفس المصدر: 242.

2) - وسائل الشيعة 6: 163 / الباب 74 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 5.

اقرأ كما يقرأ الناس حتّى يقوم القائم، فاذا قام القائم قرأ كتاب اللّه على حدّه و أخرج المصحف الذي كتبه على عليه السلام. الحديث».(1)و منها غيرها. و هذه الروايات و ان كانت ضعيفة من جهة السند، ولكنّه لاينبغي الشك في الاجتزاء بها؛ لجريان السيرة القطعيّة من أصحاب الأئمّة عليهم السلام على ذلك، و اشتهرت القراءات السبع و غيرها في عصر الأئمّة عليهم السلام و كانت على اختلافها بمرأى و مسمع منهم عليهم السلام. فلو كانت هناك قراءة معيّنة تجب رعايتها بالخصوص لاشتهر و بان و كان من الواضحات و كان ينقله بطبيعة الحال كابر عن كابر و راوٍ عن راوٍ و ليس كذلك بالضرورة فيظهر جواز القراءة بكلّ منها كما عليه العامّة. انتهى».(2)

الحروف الشمسيّة و القمريّة

(مسألة 51): يجب ادغام اللام من الألف و اللام في أربعة عشر حرفا و هي التاء و الثاء و الدال و الذال و الراء و الزاي و السين و الشين و الصاد و الضاد و الطاء و الظاء و اللام و النون، و اظهارها في بقيّة الحروف فتقول في اللّه، و الرحمن، و الرحيم، و الصراط، و الضالّين مثلاً بالادغام، و في الحمد، و العالمين، و المستقيم، و نحوها بالاظهار.

الشرح:

الظاهر أنّ الادغام في موضع الاظهار والاظهار في موضع الادغام يعدّ لحنا في الكلام و كان من الأغلاط فالادغام واجب فيما اذا دخل حرف التعريف على أحد الحروف الشمسيّة و وجب الاظهار في بقيّة الحروف و هي المسمّاة بالحروف القمريّة كما في المتن.


1) - وسائل الشيعة 6: 162 / الباب 74 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 1.

2) - مستند العروة 3: 473 - 477.

(مسألة 52): الأحوط الادغام في مثل «اذهب بكتابي» و «يدرككم» ممّا اجتمع المثلان في كلمتين مع كون الأوّل ساكنا لكنّ الأقوى عدم وجوبه.

الشرح:

الظاهر عدم وجوب الادغام في مثل ما مثّل به الماتن لعدم كونه غلطا و لايدلّ عليه دليل و ان قال في المستمسك: «انّ المصرّح به في الشافية و في شرحها للرضي رحمه اللههو الوجوب»(1)، ولكن الأقوى عدم الوجوب لما مرّ من أنّ الاخلال به لايوجب اللحن في كلام العرب و هو المطلوب.

(مسألة 53): لايجب ما ذكره علماء التجويد من المحسّنات كالامالة و الاشباع و التفخيم و الترقيق و نحو ذلك، بل و الادغام غير ما ذكرنا و ان كان متابعتهم أحسن.

(مسألة 54): ينبغي مراعاة ما ذكروه من اظهار التنوين و النون الساكنة اذا كان بعدهما أحد حروف الحلق، و قلبهما فيما اذا كان بعدهما حرف الباء، و ادغامهما اذا كان بعدهما أحد حروف يرملون، و اخفاؤهما اذا كان بعدهما بقيّة الحروف، لكن لايجب شيء من ذلك حتّى الادغام في يرملون كما مرّ.

الشرح:

انّ ما ذكروه من قواعد التجويد كالامالة و الاشباع و غيرهما ممّا ذكره الماتن في هاتين المسألتين كلّها من محسّنات الكلام و ليست شرطا في الصحّة، فلاتجب مراعاتها بعد أداء الكلمة صحيحة و ان كان الأحسن ذلك. و هنا لابأس بذكر وجيزٍ ممّا ذكروه من القواعد في علم التجويد:

علم التجويد نتيجة علم القراءة و القواعد التي استُخرج من قراءات القرّاء


1) - مستمسك العروة 6: 246.

السبعة و يتكلّم عن مخارج و صفات الحروف و محلّ الوقف و الوصل و أوّل من كشف عن هذا العلم هو أبو مزاحم موسى بن عبيد اللّه بن يحيى بن خاقان خاقاني البغدادي (المتوفّى سنة 325 ه . ق).

و اليك بعض القواعد من علم التجويد:

«الأوّل»: مخارج الحروف:

مخرج الحرف هو المكان الذي يخرج منه الحرف، ففي لسان العرب تخرج الحروف من ثلاثة أماكن:

1.

الحلق و له ثلاثة مخارج و تخرج منه ستّة أحرف (ء - ه - ع - غ - ح - خ).

2.

الفم و له عشرة مخارج و تخرج منه ثمانية عشر حرفا (ت - ث - ج - د - ذ - ر - ز - س - ش - ص - ض - ط - ظ - ق - ك - ل - ن - ى).

3.

الشفتين و له أربعة مخارج لأربعة أحرف (ف - م - ب - و).

«الثاني»: صفات الحروف (الأصليّة و الفرعيّة):

الصفات الأصليّة عشر، خمس ضدّ خمس أخرى: الجهر و ضدّها الهمس، الشدّة و ضدّها الرخوة، الاطباق و ضدّها الانفتاح، الاستعلاء و ضدّها الاستفال، الاذلاق و ضدّها الاصمات.

الصفات الفرعيّة ستّ عشرة: الصفير، التفشّي، القلقلة، السكون، الانحراف، التكرير، الاستطالة، اللين، الغنّة، البحّة، الخرورة، النبر، النفخ و النفث، الخفاء،

الهاوي.

الادغام:

و هو بمعنى ادخال حرف في حرف آخر بحيث لايبقى للحرف الأوّل أثر أو يبقى فقط صفة للحرف المدغم في المدغم فيه و الادغام في الحروف المتماثلة نحو: ب و ب، م و م، ت و ت. و المتجانسة و هي حروف تخرج من مخرج واحد و تغاير في الصفات، نحو: ت و د (أثقَلَت دَّعَوا)، ذ و ظ (اذ ظَّلمتم).

الامالة: فهي في علم التجويد ميل الفتحة الى الكسرة و الألف الى الياء و سببها الكسرة و الياء بمعنى أنّه اذا كانت للكلمة حرف مكسور أو حرف «ى»، يمال الحرف المفتوح أو الألف - ما قبل هذين الحرفين كانا أو بعدهما - و في مواضع يمال الفتحة و الألف بدون سبب نحو: جَآءَ و شَآءَ.

الامالة على قسمين: صغرى و كبرى.

• الامالة الصغرى: و هي ميل الفتحة الى الكسرة و الألف الى الياء قليلاً يعنيتتولّد حركة بين الفتحة و الكسرة أو بين الألف و الياء بحيث لايقال لها فتحة و لا كسرة نحو: «اِيَّاكَ» و «كِتَاب».

في هاتين الكلمتين تمال الفتحة التي بعد الكسرة.

• الامالة الكبرى: و هي ميل الفتحة الى الكسرة و الألف الى الياء كثيرا. و اعلم أنّ هذه الامالة (الامالة الكبرى) توجد في رواية حفص عن عاصم فقط مرّة واحدة في سورة هود، الآية 41 في كلمة «مَجْراها» ففيها تمال الألف الى الياء كثيرا، لدرجة أنّها في القراءة تُقرأ «مَجرِها» مع مدّ كسرة الراء بمقدار حركتين.

اذا كانت بعد هاء الضمير كلمة ففي حال وصل الضمير الى تلك الكلمة تتلفّظ ضمّة الضمير واوا و كسرته ياءً فهذا العمل يسمّى «اشباعا». أمّا حركة هاء الضمير فتكون بالنسبة الى حركة الحرف السابق منها بحيث اذا كان السابق مفتوحا أو مضموما يكون هاء الضمير مضموما نحو «انَّهُ» و «مالُهُ» فصورتهما في القراءة: «انَّهُو» و «مَالُهُو» و اذا كان الحرف السابق مكسورا فيكون هاء الضمير مكسورا أيضا نحو: «سَمْعِهِ» و «بَصَرِهِ» فصورتهما في القراءة: «سَمْعِهي» و «بَصَرِهي».

الترقيق: و هو تلفّظ الحرف بحالة ضعيفة و رقيقة ففي ترقيق الحرف يميل اللسان الى التحت كالحروف المُنْفَتِحَة(1)و المُسْتَفِلة(2).


1) - الحروف المنفتحة هي أربعة و عشرون حرفا بغير الحروف الأربعة المطبقة ص، ض، ط، ظ.

2) - الحروف المستفلة هي أحدوعشرون حرفا بغير الحروف السبعة المستعلية خ، ص، ض، ط، ظ، غ، ق.

التفخيم: و المقصود منه تلفّظ الحرف بحالة قويّة و مع الغلظة و الشدّة و تسمين الحرف و هو ضدّ الترقيق ففي تفخيم الحرف يميل اللسان الى سقف الفم كالحروف المطبقة و المستعلية و الحرف المُفخَّم(1).

التغليظ: و هو كالتفخيم في العمل الاّ أنّه يستعمل كلمة «التفخيم» اصطلاحافي حرف «الراء» و كلمة «التغليظ» في حرف «اللام» في كلمة «اللّه». فاذا كان حرف الراء مفتوحا أو مضموما أو ساكنا و ما قبلها مفتوح أو مضموم تُفخّم و اذا كان مكسورا أو ساكنا و ما قبلها مكسور ترقّق، و أمّا حرف «اللام» في كلمة «اللّه» فاذا كان ما قبلها مفتوحا أو مضموما تغلّظ و اذا كان مكسورا ترقّق.

الغنّة: و هي خروج الصوت من الخَيْشُوم و هي صفة لحرفي الميم و النون.

•

اذا كانت بعد الميم الساكنة، ميم أخرى سواء كانت في كلمة واحدة أو كلمتين تدغم الأولى في الثانية و يسمّى «ادغاما مع الغنّة» و يكتب الحرف مشدّدا نحو: «لمَّا»، «انَّهم مُّهتَدون»، و النون المشدّدة حكمها كحكم الميم نحو «انَّها»، «مَن نَّشآء».

•

اذا كانت قبل حرف الباء ميم ساكنة فتُخْفى الميم في الباء و هذا العمل يسمّى «اخفاءً مع الغنّة» نحو: «انَّ ربَّهُمْ بِهم»، «قلوبُكمْ بِه»، و اخفاء النون في غير حروف الحلق و يرملون و حرف الميم نحو: «أنْتُمْ»، «أنْشَأْنَا»، و ادغام حرف النون في حروف يمون من يرملون نحو: «مَنْ يَّقُول»، «مِنْ مَّالٍ»، «مِنْ وّاقٍ»، «مِنْ نّاصِرِين»، و قلب النون الساكنة ميما عند الباء نحو: «أنْبِياء»، «أَنْ بُورِكَ» كما يضع علماء الضبط حرف ميم كبيرة على النون بدل حركة السكون.

«الثالث»: كيفيّة الوقف على آخر الكلمات

1. وقف الابدال: و هو بمعنى تبديل حرف آخر الكلمة بحرف آخر.

1) - الحرف المفخّم هو حرف الراء ر.

ألف - الوقف على «ة»: يقرأ تاء التأنيث في الوصل تاءً و في الوقف هاءً ساكنة، نحو: رحمة = رحمهْ، فئة = فئهْ، التوراة = التوراهْ.

باء - الوقف على تنوين النصب: يبدّل تنوين النصب حين الوقف الى «الف ممدودة» الاّ في هاء التأنيث كما ذكر في قسم الألف، نحو: حسابا = حسابا، مآءً =مآءا، هدىً = هدى.

2. وقف الاسكان: بمعنى اسكان الحرف الأخير من الكلمة حين الوقف عليها، و هذا الوقف في جميع الكلمات ماعدا الكلمات التي ذكر في وقف الابدال، نحو: مقاعدَ = مقاعدْ، كتابِ = كتابْ، الأوّلُ = الأوّلْ.

و هذا واضح بأنّ الكلمات التي يكون حرفها الأخير ساكنا أو من الحروف الممدودة فانّ الوقف فيها يكون بدون تغيير، نحو: كتبتْ، منهمْ، أنزلنا، ما ندري.

الوقف و الابتداء

رعاية موارد الوقف و الابتداء ترتبط بمعاني الآيات.

• الوقف: الوقف في اللغة بمعنى «الحبس، عدم الحركة» و في علم القراءة عبارة عن «قطع الصوت حين القراءة مع تجديد النفس ثمّ اكمال القراءة».

قبل شرح الوقف و الابتداء لنبيّن معنى السكت فهو في اللغة بمعنى «الوقوف و السكوت» و في علم القراءة عبارة عن «قطع الصوت حين القراءة، بدون تجديد النفس في مدّة قصيرة ثمّ اكمال القراءة»، فموارده في القرآن أربعة: الأوّل في «عوجا قيّما»(1)، و الثاني في «مرقدنا هذا»(2)و الثالث في «و قيل من راق»(3)و الرابع في «كلاّ بل ران»(4).


1) - الكهف 18: 1 و 2.

2) - يس 36: 52.

3) - القيامة 75: 27.

4) - المطفّفين 83: 14.

أمّا بالنسبة الى الوقف و الابتداء، فالوقف على قسمين: اضطراري و اختياري.

الوقف الاضطراري يحصل بواسطة اتمام النفَس أو السعال أو نسيان الآية، و القارئ يضطرّ الى الوقف على أيّ كلمة كانت، لكن يجب أن يبدأ بالقراءة منمكان مناسب.

و في الوقف الاختياري يقف القارئ على كلمة اختيارا و على حسب فهمه، و هو على أربعة أقسام:

1.

الوقف التامّ: اذا وقف القارئ على كلمة من الجملة الأولى و كان كلّ من الجملتين مفيدتين تامّتين معنا و لم تحتج احداهما الى الأخرى من جهة المعنى أو القواعد النحويّة فيعبّر عنه بالوقف التامّ، نحو: «لقد أضلّني عن الذكر بعد اذ جآءني (وقف تامّ) و كان الشيطان للانسان خذولاً»(1). و حكمه أن يبدأ بالقراءة بعد الكلمة التي وقف عليها بدون اعادة الجملة أو العبارة السابقة أو جزء منها.

2.

الوقف الكافي: اذا وقف القارئ على كلمة من الجملة الأولى و كان كلّ من الجملتين مفيدتين و لم تحتج احداهما الى الأخرى من جهة القواعد النحويّة لكن احتاجت الى صاحبتها معنىً فهذا يسمّى وقفا كافيا، نحو: «في قلوبهم مرض فزادهم اللّه مرضا (وقف كافي) و لهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون»(2)و حكمه أن يبدأ بالقراءة بعد الكلمة التي وقف عليها بدون اعادة مثل الوقف التامّ أو يوصل الجملتين بدون الوقف على أيّ كلمة.

3.

الوقف الحسن: اذا وقف القارئ على كلمة من الجملة الأولى و كانت الجملة الأولى كاملة من جهة المعنى و القواعد النحويّة و الجملة الثانية ناقصة و احتاجت الى الجملة الأولى فيسمّى وقفا حسنا، نحو: «يخرجون الرسول (وقف


1) - الفرقان 25: 29.

2) - البقرة 2: 10.

حسن) و ايّاكم أن تؤمنوا باللّه ربّكم»(1)و حكمه أنّ الوقف على الكلمةالمقصودة حسن يعني بدون اشكال، لكن القارئ لايستطيع أن يبدأ بالقراءة من العبارة أو الجملة الثانية بل يجب أن يعيد الجملة الأولى و يوصلها بالجملة أو العبارة التالية.

4. الوقف القبيح: اذا كان كلّ من العبارتين محتاجا الى الآخر معنىً أو من جهة القواعد النحويّة و وقف القارئ على كلمة من العبارة الأولى فيسمّى وقفا قبيحا، نحو: «الحمد (وقف قبيح) للّه» أو «بسم (وقف قبيح) اللّه» كما هو المعلوم من اسمه لايصحّ الوقف اطلاقا، و لو اضطرّ القارئ الى ذلك فيجب أن يعيد من المكان المناسب فورا.

في حكم التمييز بين الكلمات

(مسألة 55): ينبغي أن يميّز بين الكلمات، و لايقرأ بحيث يتولّد بين الكلمتين كلمة مهملة كما اذا قرأ «الحمد للّه»، بحيث يتولّد لفظ «دلل» أو تولّد من «للّه رب»، لفظ «هرب» و هكذا في «مالك يوم الدين» تولّد «كيو» و هكذا في بقيّة الكلمات وهذا معنى ما يقولون انّ في الحمد سبع كلمات مهملات و هي: دلل، و هرب، و كيو، و كنع، و كنس، و تع، و بع.

الشرح:

قال في المستمسك: «انّ للكلمة هيئة خاصّة، ناشئة من توالي حروفها على نحو خاصّ، عند أهل اللسان، فاذا فاتت تلك الهيئة بطلت الكلمة، و عليه فلو فصل بين الحروف و أوصل آخر الكلمة بأوّل ما بعدها بنحو معتدّ به، بحيث تفوت تلك الهيئة المقوّمة للكلمة عرفا لم يجتزأ بها. نعم اذا لم يكن الفصل معتدّا به لقلّته لايقدح، و عليه يحمل ما في المتن، و الاّ فهو غير ظاهر كما لايخفى


1) - الممتحنة 60: 1.

بالتأمّل. انتهى».(1)

اذا قرأ بحيث تولّدت بين الكلمتين كلمة مهملة و كانت واضحة و عدّت ثلاث كلمات و تغيّر معناهما بطلت القراءة لو اكتفى به و بطلت الصلاة أيضا، و الاّ تصحّ. و الظاهر أنّ ادّعاء تولّد الكلمات المهملة من تلفّظ كلمتين بصورة متّصلة ليس واضحا و لذا لايعدّ لحنا و غلطا.

(مسألة 56): اذا لم يقف على «أحد» في «قل هو اللّه أحد» و وصله باللّه الصمد يجوز أن يقول: أحد اللّه الصمد بحذف التنوين من أحد. و أن يقول: أحدن اللّه الصمد بأن يكسر نون التنوين وعليه ينبغي أن يرقّق اللام من اللّه و أمّا على الأوّل فينبغي تفخيمه كما هو القاعدة الكلّيّة من تفخيمه اذا كان مفتوحا أو مضموما و ترقيقه اذا كان مكسورا.

الشرح:

قال في المستمسك: «و المعروف عند أهل العربيّة أنّه لايحذف التنوين في الاسم المتمكّن المنصرف الاّ في المضاف الى «ابن» الواقعة بين علمين مثل «جاء زيد بن عمرو». و لايبعد أن تكون القراءة المذكورة كافية في مشروعيّته، فانّها لو لم تكن حجّة على ثبوت المقروء فهي حجّة على صحّة الأداء والحكاية كذلك و أنّها من النهج العربي، و لذا قال الزمخشري: «و الجيّد هو التنوين». انتهى».(2)

الظاهر أنّ حذف التنوين لايعدّ من حذف الحرف، فهو كما يحذف في الوقف يمكن أن يحذف في الوصل و لا دليل على كونه لحنا و غلطا في الكلام العربي.


1) - مستمسك العروة 6: 247 و 248.

2) - نفس المصدر: 248.

(مسألة 57): يجوز قراءة مالك و ملك يوم الدين و يجوز في الصراط بالصاد و السين بأن يقول: «السراط المستقيم»، و «سراط الذين».

الشرح:

قال في تفسير مجمع البيان: «قرأ عاصم و الكسائي (من السبعة) و خلف و يعقوب الحضرمي (من غيرهم) «مالك» بالالف و الباقون (من السبعة) «ملك» بغير ألف. انتهى».(1)

و في تفسير نور الثقلين قال: «كان علي بن الحسين عليه السلاماذا قرأ مالك يوم الدين يكرّرها حتّى يكاد أن يموت. و نقل أيضا عن أبي عبداللّه عليه السلامأنّه كان يقرأ مالك يوم الدين. و نقل عن داوود بن فرقد قال: «سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقرأ ما لاأحصى ملك يوم الدين». انتهى».(2)

فيجوز قراءة مالك و ملك يوم الدين بناءً على هذه الروايات والمنقولات.

و أمّا الصراط ففي مجمع البيان: «انّه لم يقرأ من السبعة بالسين فمن قرأ كذلك، فهو يعقوب من غيرهم. ثمّ قال: الأصل في الصراط السين. انتهى ملخّصا».(3)

وردت روايات كثيرة من طريق الخاصّة في أنّ الصراط هو الامام المعصوم عليه السلام و كلّها مضبوطة بالصاد فقراءتها بالصاد أحوط.


1) - مجمع البيان في تفسير القرآن 1: 30.

2) - تفسير نورالثقلين 1: 19.

3) - مجمع البيان في تفسير القرآن 1: 36.

(مسألة 58): يجوز في كفوا أحد أربعة وجوه: «كفؤا» بضم الفاء و بالهمزة، و «كفؤا» بسكون الفاء و بالهمزة، و «كفوا» بضم الفاء و بالواو، و «كفوا» بسكون الفاء و بالواو، و ان كان الأحوط ترك الأخيرة.

الشرح:

قال في تفسير مجمع البيان: «قرأ اسماعيل عن نافع و حمزة و خلف و رويس «كفْؤا» ساكنة الفاء مهموزة، و قرأ حفص «كفُوَا» مضمومة الفاء مفتوحة الواو و غير مهموزة، و قرأ الباقون «كفُؤا» بالهمزة و ضمّ الفاء. انتهى».(1)

و لم يذكر الوجه الأخير، و لعلّه لذلك قال الماتن: «و ان كان الأحوط ترك الاخيرة».

قلت:

بل الظاهر أنّ الأوجه ترك الأخيرة لعدم ثبوت القراءة بها.

فيما اذا لم يدر اعراب كلمة أو بناءها أو بعض حروفها

(مسألة 59): اذا لم يدر اعراب كلمة أو بناءها أو بعض حروفها أنّه الصاد مثلاً أو السين أو نحو ذلك يجب عليه أن يتعلّم، و لايجوز له أن يكرّرها بالوجهين لأنّ الغلط من الوجهين ملحق بكلام الآدميّين.

الشرح:

ما ذكره الماتن من وجوب التعلّم و عدم جواز تكرارها بالوجهين هو الصحيح لأنّه اذا علم أنّ أحد الوجهين غلط فاذا أتى بالوجهين فقد أتى بالغلط قطعا فيلحقبكلام الآدميّين فتبطل صلاته.


1) - نفس المصدر 10: 433.

(مسألة 60): اذا اعتقد كون الكلمة على الوجه الكذائي من حيث الاعراب أو البناء، أو مخرج الحرف فصلّى مدّة على تلك الكيفيّة، ثمّ تبيّن له كونه غلطا فالأحوط الاعادة أو القضاء و ان كان الأقوى عدم الوجوب .

الشرح:

ما ذكره قدس سره هو الصحيح بناءً على أنّ حديث «لاتعاد» غير قاصر الشمول للجاهل القاصر الذي يرى صحّة عمله، و عدم اختصاصه بالناسي.

فصل : في الركعات الأخيرة

في الاختيار بين قراءة الحمد أو التسبيحات الأربعة في الركعتين الأخيرتين

اشارة

في الركعة الثالثة من المغرب و الأخيرتين من الظهرين و العشاء يتخيّر بين قراءة الحمد أو التسبيحات الأربعة و هي «سبحان اللّه و الحمد للّه و لا اله الاّ اللّه و اللّه اكبر» و الأقوى اجزاء المرّة و الأحوط الثلاث، و الأولى اضافة الاستغفار اليها و لو بأن يقول: «اللّهمّ اغفر لي». و من لايستطيع يأتي بالممكن منها، و الاّ أتى بالذكر المطلق و ان كان قادرا على قراءة الحمد تعيّنت حينئذ.

الشرح:

الظاهر أنّه لا خلاف في أنّ المصلّي مختار بين قراءة الحمد أو التسبيحات الأربعة في الركعة الثالثة من المغرب و الأخيرتين من الظهرين و العشاء.

قال في المختلف: «أجمع علماؤنا على التخيير بين الحمد وحدها و التسبيح في الثالثة و الرابعة من الثلاثيّة و الرباعيّة. انتهى».(1)

و في الجواهر عند قول المحقّق: «و المصلّي في كلّ ثالثة و رابعة بالخيار ان


1) - مختلف الشيعة 2: 163 و 164.

شاء قرأ الحمد و ان شاء سبّح»، قال: «اجماعا محصّلاً و منقولاً صريحا و ظاهرا مستفيضا بل متواترا و نصوصا كذلك صريحة و ظاهرة. انتهى».(1)

قال الشيخ مرتضى الأنصاري: «و يتخيّر المصلّي في الزائد على الأوليين بين قراءة الحمد وحدها من غير سورة و بين التسبيح باجماع علمائنا كما في ظاهر المنتهى و الذكرى و الروض و المدارك و عن الخلاف و المختلف و المهذّب و جامع المقاصد و ارشاد الجعفريّة و المفاتيح و بلاخلاف كما عن السرائر و البحار، و الأخبار به قريبة من التواتر، بل هي متواترة عن أهل البيت عليهم السلام كما في المعتبر و المنتهى. ثمّ انّ معقد هذه الاجماعات هو المنفرد، و أمّا غيره فسيأتي الخلاف فيه في باب الجماعة، نعم عن الخلاف: انّ من نسي القراءة في الأوليين فالقراءة له أحوط، و في محكي التنقيح عن الشيخين تعيّن القراءة حينئذ، و في الروض: «انّه مال اليه في الخلاف»، و عن المبسوط: «انّ في رواية تعيّن القراءة»، لكن الموجود من الروايات بأيدينا ما يدلّ على خلاف ذلك، كقوله عليه السلام لمن نسي القراءة في الأوليين: «انّي أكره أن أجعل آخر صلاتي أوّلها». انتهى».(2)

أقول:

سيأتي البحث عن نسيان القراءة في الأوليين في المسألة الأولى.

و تدلّ على التخيير روايات: منها صحيحة معاوية بن عمّار قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن القراءة خلف الامام في الركعتين الأخيرتين، فقال: الامام يقرأ بفاتحة الكتاب و من خلفه يسبّح، فاذاكنت وحدك فاقرأ فيهما و ان شئت فسبّح».(3)

و منها صحيحة منصور بن حازم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:


1) - جواهر الكلام 9: 319 و 320.

2) - كتاب الصلاة 1: 321 و 322.

3) - وسائل الشيعة 6: 108 / الباب 42 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 2.

«اذا كنت اماما فاقرأ في الركعتين الأخيرتين بفاتحة الكتاب و ان كنت وحدك فيسعك فعلت أو لم تفعل».(1)

و منها صحيحة عبيد بن زرارة قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الركعتين الأخيرتين من الظهر، قال: تسبّح و تحمد اللّه و تستغفر لذنبك و ان شئت فاتحة الكتاب فانّها تحميد و دعاء».(2)

و منها موثّقة علي بن حنظلة، عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«سألته عن الركعتين الأخيرتين ما أصنع فيهما؟ فقال: ان شئت فاقرأ فاتحة الكتاب، و ان شئت فاذكر اللّه فهو سواء، قال: قلت: فأيّ ذلك أفضل؟ فقال: هما و اللّه سواء ان شئت سبّحت و ان شئت قرأت».(3)

و لايعارضها ما رواه الطبرسي من الخبر عن محمّد بن عبداللّه بن جعفر الحميري، عن صاحب الزمان عليه السلام:

«أنّه كتب اليه يسأله عن الركعتين الأخيرتين قد كثرت فيهما الروايات فبعض يرى أنّ قراءة الحمد وحدها أفضل، و بعض يرى أنّ التسبيح فيهما أفضل، فالفضل لأيّهما لنستعمله؟ فأجاب عليه السلام: قد نسختْ قراءة أمّ الكتاب في هاتين الركعتين التسبيح، و الذي نسخالتسبيح قول العالم عليه السلام: كلّ صلاة لاقراءة فيها فهي خِداج(4)الاّ للعليل أو من يكثر عليه السهو فيتخوّف بطلان الصلاة عليه».(5)

لأنّه أولاً مرسل و ثانيا يلزم حمله على بعض المحامل كالتقيّة، أو المبالغة في


1) - وسائل الشيعة 6: 126 / الباب 51 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 11.

2) - وسائل الشيعة 6: 107 / الباب 42 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 1.

3) - وسائل الشيعة 6: 108 / الباب 42 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 3.

4) - فهي خداج أي فهي نقصان.

5) - وسائل الشيعة 6: 127 / الباب 51 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 14.

جواز القراءة لئلاّ يظنّ وجوب التسبيح عينا، أو ارادة ترجيح القراءة في الأخيرتين لمن نسيها في الأوّلتين، و الاّ يردّ علمه الى أهله لمخالفته للأخبار المعتبرة الآمرة بالتسبيح التي في بعضها يكون التسبيح أفضل من القراءة.

و هناك روايات ظاهرها التعيين:

منها صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام:

« ... فزاد النبي صلى الله عليه و آله في الصلاة سبع ركعات هي سنّة ليس فيهنّ قراءة انّما هو تسبيح و تهليل و تكبير و دعاء فالوَهم انّما هو فيهنّ. الحديث».(1)

و منها صحيحة زرارة الثانية عن أبي جعفر عليه السلام:

« ... اذا كنت اماما أو وحدك فقل: سبحان اللّه و الحمد للّه و لا اله الاّ اللّه ثلاث مرّات تكمله تسع تسبيحات ثم تكبّر و تركع».(2)

و منها صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«اذا قمت في الركعتين الأخيرتين لاتقرأ فيهما، فقل: الحمد للّه و سبحان اللّه و اللّه اكبر».(3)

و منها صحيحة محمّدبن قيس عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«كان أمير المؤمنين عليه السلام اذا صلّى - الى أن قال: - و يسبّح في الأخيرتين على نحو من صلاته العشاء. الحديث».(4)

الاّ أنّها تحمل على مطلق الاجزاء جمعا بينها و بين ما تقدّم من الصحاح و موثّقة علي بن حنظلة.


1) - وسائل الشيعة 6: 109 / الباب 42 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 6.

2) - وسائل الشيعة 6: 122 / الباب 51 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 1.

3) - وسائل الشيعة 6: 124 / الباب 51 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 7.

4) - وسائل الشيعة 6: 125 / الباب 51 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 9.

هنا فروع:

الفرع الأوّل : في قدر التسبيح

اختلفوا في قدر التسبيح على أقوال:

قال العلاّمة في المختلف: «قال الشيخ في النهاية و الاقتصاد: انّه ثلاث مرّات سبحان اللّه و الحمد للّه و لا اله الاّ اللّه و اللّه اكبر يكون اثنتيعشرة تسبيحة. و هو الظاهر من كلام ابن أبي عقيل لأنّه قال: السنّة في الأواخر التسبيح و هو أن يقول: «سبحان اللّه و الحمد للّه و لا اله الاّ اللّه و اللّه أكبر» سبعا أو خمسا و أدناه ثلاث في كلّ ركعة.

و قال المرتضى: انّه عشر تسبيحات و هو «سبحان اللّه و الحمد للّه و لا اله الاّ اللّه» ثلاث مرّات ثم يقول في الثالثة و اللّه أكبر. و هو اختيار الشيخ في الجمل والمبسوط و ابن ادريس و سلاّر و ابن البرّاج.

و قال علي بن بابويه رحمه الله: و سبّح في الأخراوين اماما كنت أو غير امام، تقول: «سبحان اللّه و الحمد للّه و لا اله الاّ اللّه» ثلاثا. فيكون عنده الواجب تسع تسبيحات. و رواه ابنه في «من لايحضره الفقيه» و هو اختيار أبي الصلاح.

و قال ابن الجنيد: و الذي يقال في مكان القراءة: تحميد و تسبيح و تكبير يقدّم ما شاء.

و قال المفيد رحمه الله: أقلّه أربع تسبيحات هي «سبحان اللّه و الحمد للّه و لا اله الاّ اللّه و اللّه أكبر» مرّة واحدة و هو الحقّ عندى. انتهى».(1)

و الأقوى اجزاء أربع تسبيحات و هي «سبحان اللّه و الحمد للّه و لا اله الاّ اللّه و اللّه أكبر» و الدليل على ذلك صحيحة زرارة قال:


1) - مختلف الشيعة 2: 164 / مسألة 90.

«قلت لأبي جعفر عليه السلام: ما يجزئ من القول في الركعتين الأخيرتين؟ قال: أن تقول «سبحان اللّه و الحمد للّه و لا اله الاّ اللّه و اللّه أكبر» و تكبّر و تركع».(1)

و يؤيّدها رواية محمّد بن عمران في حديث أنّه سأل أبا عبداللّه عليه السلام فقال:

«لأيّ علّة صار التسبيح في الركعتين الأخيرتين أفضل من القراءة؟ قال: انّما صار التسبيح أفضل من القراءة في الأخيرتين لأنّ النبي صلى الله عليه و آله لمّا كان في الأخيرتين ذكر ما رأى من عظمة اللّه عزّوجلّ فدهش فقال: «سبحان اللّه و الحمد للّه و لا اله الاّ اللّه و اللّه أكبر» فلذلك صار التسبيح أفضل من القراءة».(2)

و يؤيّدها أيضا صحيحة سالم بن أبي خديجة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«اذا كنت امام قوم فعليك أن تقرأ في الركعتين الأوّلتين، و على الذين خلفك أن يقولوا: سبحان اللّه و الحمد للّه و لا اله الاّ اللّه و اللّه أكبر و هم قيام، فاذا كان في الركعتين الأخيرتين فعلى الذين خلفكأن يقرءوا فاتحة الكتاب، و على الامام أن يسبّح مثل ما يسبّح القوم في الركعتين الأخيرتين».(3)

و لاتعارض صحيحة زرارة الدالّة على اجزاء أربع تسبيحات، ما رواه في عيون الأخبار من الخبر عن رجاء بن أبي الضحّاك أنّه صحب الرضا عليه السلاممن المدينة الى مرو فكان يسبّح في الأخراوين يقول:

««سبحان اللّه و الحمد للّه و لا اله الاّ اللّه و اللّه أكبر» ثلاث مرّات ثمّ


1) - وسائل الشيعة 6: 109 / الباب 42 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 5.

2) - وسائل الشيعة 6: 123 / الباب 51 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 3.

3) - وسائل الشيعة 6: 126 / الباب 51 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 13.

يركع».(1)

لحمله على الاستحباب جمعا. كما يحمل على الاستحباب أيضا ما رواه في السرائر عن زرارة أنّه قال:

«فقل «سبحان اللّه و الحمد للّه و لا اله الاّ اللّه و اللّه أكبر» ثلاث مرّات ثمّ تكبر و تركع».(2)

مضافا الى أنّه رواها الصدوق في الصحيح عن زرارة عن أبي جعفر أنّه قال:

«لاتقرأنّ في الركعتين الأخيرتين من الأربع الركعات المفروضات شيئا اماما كنت أو غير امام. قال: قلت: فما أقول فيهما؟ فقال: اذا كنت اماما أو وحدك فقل: «سبحان اللّه و الحمد للّه و لا اله الاّ اللّه» ثلاث مرّات تكمله تسع تسبيحات ثمّ تكبّر و تركع».(3)

و أمّا الأقوال الأخرى:

استدلّ علي بن بابويه على وجوب تسع تسبيحات برواية محمّد بن عمرانالمذكورة آنفا ففيها «سبحان اللّه و الحمد للّه و لا اله الاّ اللّه و اللّه أكبر». فأجاب عنه

في المختلف(4)بأنّه ليس فيها دلالة ناصّة على المراد، اذ لم ينصّ فيه على التسع. انتهى.

قلت:

و استدلّ له بصحيحة زرارة المذكورة آنفا التي رواها الصدوق، ففيها: فقل «سبحان اللّه و الحمد للّه و لا اله الاّ اللّه» ثلاث مرّات تكمله تسع تسبيحات ثمّ تكبّر و تركع.


1) - وسائل الشيعة 6: 110 / الباب 42 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 8.

2) - وسائل الشيعة 6: 123 / الباب 51 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 2.

3) - وسائل الشيعة 6: 122 / الباب 51 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 1.

4) - مختلف الشيعة 2: 165.

ولكن الظاهر أنّ الصدوق رحمه الله الذي رواها ليس قائلاً بهذا القول. مضافا الى أنّه يمكن حملها على الاجزاء جمعا بينها و بين ما تقدّم من الصحيحة الأولى لزرارة أيضا.

و أمّا القول بأنّها عشر تسبيحات فيقول هكذا: «سبحان اللّه و الحمد للّه و لا اله الاّ اللّه» ثلاث مرّات ثمّ يقول «اللّه أكبر» فيكون المجموع عشرا. و هذا القول و ان نسب الى السيّد المرتضى و الشيخ في الجمل و المبسوط، و ابن ادريس و سلاّر و ابن البرّاج، و مال اليه في الحدائق، الاّ أنّه كغيره من جملة من الفقهاء اعترف بعدم الوقوف على رواية تدلّ عليه، و لذلك لم يذكر في المختلف ما احتجّوا به على ما ادّعوه، و لعلّه لعدم وقوفه على الدليل على قولهم.

قال في المختلف: «احتجّ ابن الجنيد بما رواه عبيداللّه الحلبي في الصحيح عن الصادق عليه السلام قال:

«اذا قمت في الركعتين الاخيرتين لاتقرأ فيهما، فقل: الحمد للّه و سبحان اللّه و اللّه أكبر».(1)

و هذا الحديث و الذي ذكرناه أوّلاً أصحّ ما بلغنا في هذا الباب. انتهى».(2)

قلت:

لابأس بالعمل بهذه الصحيحة الاّ أنّ الأفضل التسبيحات الأربعة، و أفضل من ذلك تكرارها ثلاث مرّات.

قال الشيخ مرتضى الانصاري في كتاب الصلاة: «فاختلف في التسبيح كمّا و كيفا، فالأشهر كما عن المقاصد العليّة، و الأكثر كما عن مجمع الفائدة: كفاية أربع تسبيحات صورتها «سبحان اللّه و الحمد للّه و لا اله الاّ اللّه و اللّه أكبر» لصحيحة


1) - وسائل الشيعة 6: 124 / الباب 51 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 7.

2) - مختلف الشيعة 2: 165.

زرارة قال: «قلت لأبي جعفر عليه السلام: ما يجزي من القول في الركعتين الأخيرتين؟ قال: أن تقول «سبحان اللّه و الحمد للّه و لا اله الاّ اللّه و اللّه أكبر». و في خبر محمّد بن حمزة (في علّة فضل التسبيح): «انّ النبيّ صلى الله عليه و آله لمّا كان في الأخيرتين ذكر ما رأى من عظمة اللّه فدهش فقال: «سبحان اللّه و الحمد للّه و لا اله الاّ اللّه و اللّه أكبر»». فلذلك صار التسبيح أفضل من القراءة. - الى أن قال: - و بهما يقيّد اطلاق ما دلّ على كفاية

مطلق الذكر كما في رواية علي بن حنظلة، أو مطلق التسبيح و التحميد كما في صحيح ابن زرارة أو بزيادة التهليل و التكبير و نقصان التحميد كما في حسنة زرارة بابن هاشم، أو مع نقصان التهليل كما في رواية الحلبي، مع أنّ ذكر الجميع - كذكر مطلق التسبيح في كثير من الأخبار - اشارة اجماليّة الى الذكر المعهود كالاشارة بالقراءة الى خصوص الفاتحة. و أمّا ما دلّ على أنّ أدنى ما يجزي هو «سبحان اللّه» ثلاثا كما في رواية فهو محمول على صورة الضرورة جمعا. انتهى».(1)

أقول:

يمكن أن يقال: انّه لامعارضة بين صحيحة زرارة(2)و بين رواية علي بن حنظلة(3)لأنّ المراد من قوله عليه السلام «سبّحت» هو التسبيحات الأربعة المذكورة في الصحيحة. و كذا بينها و بين صحيحة ابن زرارة(4)لأنّ المراد من قوله عليه السلام «تسبّح و تحمد اللّه و تستغفر لذنبك»؛ لأنّ المراد من «تحمد اللّه» هو «الحمد للّه» و المراد من «تسبّح» هو «سبحان اللّه و لا اله الاّ اللّه و اللّه أكبر». و كذا هي بالنسبة الى


1) - كتاب الصلاة 1: 323 و 324.

2) - وسائل الشيعة 6: 109 / الباب 42 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 5.

3) - وسائل الشيعة 6: 108 / الباب 42 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 3.

4) - وسائل الشيعة 6: 107 / الباب 42 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 1.

صحيحة زرارة(1)بابن هاشم، فانّ المراد من قوله عليه السلام«انّما هو تسبيح و تهليل و تكبير و دعاء» هو «سبحان اللّه و الحمد للّه و لا اله الاّ اللّه و اللّه أكبر».

الفرع الثاني : في استحباب الاستغفار بعد التسبيحات

يستحبّ اضافة الاستغفار اليها؛ لصحيحة عبيد بن زرارة قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الركعتين الأخيرتين من الظهر، قال: تسبّح و تحمد اللّه و تستغفر لذنبك و ان شئت فاتحة الكتاب فانّها تحميد و دعاء».(2)

و لو بأن يقول: «اللّهمّ اغفر لي» و ذلك للجمع بين صحيحة عبيد بن زرارة المتقدّمة و بين صحيحة زرارة التي قال عليه السلام في ذيلها:

«انّما هو تسبيح و تهليل و تكبير و دعاء».(3)

و الدليل على عدم الوجوب خلوّ كثير من الأخبار عنه لاسيّما صحيحة زرارة التي هي مدرك قولنا باجزاء «سبحان اللّه و الحمد للّه و لا اله الاّ اللّه و اللّه أكبر» مرّة.

و ما يستظهر من المنتهى في قوله: «الأقرب عدم وجوب الاستغفار ... » احتمال الوجوب، و من المحكي عن البهائي و صاحب المعالم و ولده وجوب الدعاء ضعيف.

قال الشيخ مرتضى الأنصاري: «و الأحسن حمل الروايتين على استحباب الدعاء بقرينة خلوّ غيرهما الوارد في مقام البيان عنه على كثرتها. ثمّ انّه ان قلنا بوجوب الاستغفار فهو عقيب الذكر، فان أوجبنا تكراره ثلاث مرّات كرّر عقيب


1) - وسائل الشيعة 6: 109 / الباب 42 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 6.

2) - وسائل الشيعة 4: 781 / الباب 42 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 1.

3) - وسائل الشيعة 6: 109 / الباب 42 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 6.

كلّ مرّة لأنّه مقتضى تقييد مطلق التسبيح المستعقب للاستغفار بالتكرار. انتهى».(1)

قلت:

ان كان الدليل على وجوب تكرار التسبيحات ثلاث مرّات، صحيحة زرارة التي نقلها السرائر من كتاب حريز حيث قال عليه السلام:

«فقل: «سبحان اللّه و الحمد للّه و لا اله الاّ اللّه و اللّه أكبر» ثلاث مرّات ثمّ تكبّر و تركع».(2)

فلم يذكر فيها الاستغفار و ظاهرها الموالاة بل يبعد استحباب ذلك عقيب كلّمرّة و الجمع بينها و بين صحيحة عبيد بن زرارة يقتضي تأخّره استحبابا أو وجوبا عقيب التسبيحات ممّا يكون تكليفه منها أي واحدة أو ثلاثة.

الفرع الثالث : فيمن لايستطيع الاتيان بالتسبيحات الأربعة

و من لايستطيع يأتي بالممكن منها، و الدليل عليه المطلقات و خصوص رواية أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«أدنى ما يجزي من القول في الركعتين الأخيرتين ثلاث تسبيحات أن تقول: «سبحان اللّه سبحان اللّه سبحان اللّه».(3)

مضافا الى قاعدة الميسور. و ان لم يقدر على التسبيح أو التحميد أو التهليل أو التكبير أتى بما أمكنه من الذكر ولكن بقدر التسبيحات الأربعة ان أمكنه و الاّ أتى بما يقدر. و ذلك يستفاد من الروايات بتقريب أنّ التسبيحات ذكر فمن قدر عليها


1) - كتاب الصلاة 1: 329.

2) - وسائل الشيعة 6: 123 / الباب 51 من أبواب القراءة في الصلاة / حديث 2.

3) - وسائل الشيعة 6: 109 / الباب 42 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 7.

يأتي بها عينا و من لم يقدر عليها يأتى بالذكر المطلق؛ لوجود المناط في الروايات. مضافا الى ذهاب بعض الفقهاء الى كفاية مطلق الذكر مطلقا. و ان كان قادرا على قراءة الحمد تعيّنت حينئذ كما هو قضيّة الواجب التخييري من أنّه اذا لم يستطع على أحدهما وجب الآخر تعيينا.

فيما اذا نسي الحمد في الركعتين الأوّلتين

(مسألة 1): اذا نسي الحمد في الركعتين الأوّلتين فالأحوط اختيار قراءته في الأخيرتين، لكنّ الأقوى بقاء التخيير بينه و بين التسبيحات.

الشرح:

اختلفوا في تعيّن قراءة الفاتحة في الأخيرتين في حقّ الناسي للقراءة في الأوّلتين.

قال في المختلف: «قال في المبسوط: من نسي القراءة في الأوّلتين لم يبطل تخييره، و انّما الأولى له القراءة لئلاّ تخلو الصلاة من القراءة، و قد روي أنّه اذا نسي في الأوّلتين القراءة تعيّن في الأخيرتين. و قال ابن أبي عقيل: «من نسي القراءة في الركعتين الأوّلتين و ذكر في الأخيرتين سبّح فيهما و لم يقرأ فيهما شيئا لأنّ القراءة في الركعتين الأوّلتين، و التسبيح في الأخيرتين. انتهى».(1)

و قال الشيخ في الخلاف: «و في الأخيرتين أو الثالثة مخيّر بين القراءة و التسبيح و لا بدّ من واحد منهما فان نسي القراءة في الأوّلتين قرأ في الأخيرتين و روي أنّ التخيير قائم - الى أن قال: - و من قال لايبطل التخيير مع النسيان استدلّ بما رواه معاوية بن عمّار - الى أن قال: - و انّما قلنا الأحوط القراءة في هذا الحال لما رواه الحسين بن حمّاد. انتهى».(2)


1) - مختلف الشيعة 2: 167.

2) - كتاب الخلاف 1: 341 - 343 / مسألة 93.

أقول:

الظاهر بقاء التخيير و ذلك أوّلاً للمطلقات و ثانيا لخصوص صحيحة معاوية بن عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«قلت: الرجل يسهو عن القراءة في الركعتين الأوّلتين فيذكر في الركعتين الأخيرتين أنّه لم يقرأ، قال: أتمّ الركوع و السجود؟ قلت:نعم. قال: انّي أكره أن أجعل آخر صلاتي أوّلها».(1)

و لاتعارضها رواية الحسين بن حمّاد عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«قلت له: أسهو عن القراءة في الركعة الأولى. قال: اقرأ في الثانية. قلت: أسهو في الثانية. قال: اقرأ في الثالثة. قلت: أسهو في صلاتي كلّها، قال: اذا حفظت الركوع و السجود تمّت صلاتك».(2)

اذ على فرض صحّة الرواية يمكن الجمع بينهما و نتيجته التخيير.

قال العلاّمة في المختلف: «الأمر بالقراءة لاينافي التخيير، فانّ الواجب المخيّر مأمور به. انتهى».(3)

و ما قالوا للاستدلال على التعيين زائدا على ذلك ففيه ما فيه، راجع مستند العروة الوثقى.


1) - وسائل الشيعة 6: 125 / الباب 51 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 8.

2) - وسائل الشيعة 6: 93 / الباب 30 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 3.

3) - مختلف الشيعة 2: 168.

في تعيين الأفضل بين التسبيحات و الحمد في الركعتين الأخيرتين

(مسألة 2): الأقوى كون التسبيحات أفضل من قراءة الحمد في الأخيرتين سواء كان منفردا أو اماما أو مأموما.

الشرح:

اختلفوا في أفضليّة التسبيح في الأخيرتين من قراءة الحمد مطلقا أو للامام و المأموم أو في حقّ المنفرد، أو التخيير مطلقا، على أقوال:

قال في المختلف: «الظاهر من كلام ابني بابويه أنّ التسبيح في الأخيرتين أفضل من القراءة للامام و المأموم، و هو قول ابن أبي عقيل و ابن ادريس. و الظاهر من كلام الشيخ في النهاية و الجمل و المبسوط التخيير، و لم يفضّل شيئا. و من كلامه في الاستبصار أنّ ذلك في حقّ المنفرد، أمّا الامام فالأفضل له القراءة - الى أن قال: - احتجّ القائلون بالتسوية بما رواه علي بن حنظلة و احتجّ الآخرون برواية محمّد بن حكيم و احتجّ الشيخ برواية منصور بن حازم. انتهى ملخّصا».(1)

و الأقوى ما ذهب اليه الماتن من أفضليّة التسبيحات. فبيان ذلك أنّ الروايات الواردة في المقام على خمس طوائف:

الطائفة الأولى: ما دلّت على أفضليّة التسبيح مطلقا، منها صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:

« ... و فوّض الى محمّد صلى الله عليه و آله ، فزاد النبي صلى الله عليه و آله في الصلاة سبع ركعات هي سنّة ليس فيهنّ قراءة انّما هو تسبيح و تهليل و تكبير ودعاء فالوهم انّما هو فيهنّ. الحديث».(2)

و منها صحيحة محمّد بن قيس عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«كان أمير المؤمنين عليه السلاماذا صلّى يقرأ في الأوّلتين من صلاته الظهر


1) - نفس المصدر: 166.

2) - وسائل الشيعة 6: 109 / الباب 42 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 6.

سرّا - الى أن قال: - و يسبّح في الأخيرتين على نحو من صلاته العشاء. الحديث».(1)

فهذه الصحيحة تدلّ على استمراره عليه السلام على التسبيح في الأخيرتين.

و منها خبر محمّد بن عمران في حديث أنّه سأل أبا عبداللّه عليه السلامفقال:

«لأيّ علّة صار التسبيح في الركعتين الأخيرتين أفضل من القراءة؟ قال: انّما صار التسبيح أفضل من القراءة في الأخيرتين لأنّ النبي صلى الله عليه و آله لمّا كان في الأخيرتين ذكر ما رأى من عظمة اللّه عزّوجلّ فدهش فقال: سبحان اللّه و الحمد للّه و لا اله الاّ اللّه و اللّه أكبر فلذلك صار التسبيح أفضل من القراءة».(2)

و منها خبر رجاء بن أبي الضحّاك أنّه صحب الرضا عليه السلام من المدينة الى مرو فكان يسبّح في الأخراوين يقول:

«سبحان اللّه و الحمد للّه و لا اله الاّ اللّه و اللّه أكبر ثلاث مرّات ثمّ يركع».(3)

و في صحيحة الحلبي نهى عن القراءة في الأخيرتين فانّه روى عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«اذا قمت في الركعتين الأخيرتين لاتقرأ فيهما، فقل: الحمد للّه و سبحان اللّه و اللّه أكبر».(4)

الطائفة الثانية: ما دلّت على أفضليّة القراءة مطلقا كخبر محمّد بن حكيم قال:


1) - وسائل الشيعة 6: 125 / الباب 51 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 9.

2) - وسائل الشيعة 6: 123 / الباب 51 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 3.

3) - وسائل الشيعة 6: 110 / الباب 42 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 8.

4) - وسائل الشيعة 6: 124 / الباب 51 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 7.

«سألت أبا الحسن عليه السلام: أيّما أفضل القراءة في الركعتين الأخيرتين أو التسبيح؟ فقال: القراءة أفضل».(1)

و خبر جميل بن درّاج قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلامعمّا يقرأ الامام في الركعتين في آخر الصلاة؟ فقال: بفاتحة الكتاب، و لايقرأ الذين خلفه، و يقرأ الرجل فيهما اذا صلّى وحده بفاتحة الكتاب».(2)

ولكنّ الخبرين ضعيفان مضافا الى معارضتهما بصحيحة الحلبي المتقدّمة، فتسقطان عن الحجّيّة.

الطائفة الثالثة: الروايات التي دلّت على التخيير، منها صحيحة عبيد بن زرارة قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الركعتين الأخيرتين من الظهر؟ قال: تسبّح و تحمد اللّه و تستغفر لذنبك و ان شئت فاتحة الكتاب فانّها تحميد و دعاء».(3)

و منها صحيحة معاوية بن عمّار قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام - الى أن قال: - فاذا كنت وحدك فاقرأ فيهما و ان شئت فسبّح».(4)

و منها صحيحة منصور بن حازم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«اذا كنت اماما فاقرأ في الركعتين الأخيرتين بفاتحة الكتاب، و ان كنت وحدك فيسعك فعلت أو لم تفعل».(5)


1) - وسائل الشيعة 6: 125 / الباب 51 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 10.

2) - وسائل الشيعة 6: 108 / الباب 42 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 4.

3) - وسائل الشيعة 6: 107 / الباب 42 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 1.

4) - وسائل الشيعة 6: 108 / الباب 42 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 2.

5) - وسائل الشيعة 6: 126 / الباب 51 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 11.

و منها صحيحة ابن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

« ... يجزيك التسبيح في الأخيرتين. الحديث».(1)

فلا منافاة بين هذه الطائفة و بين الطائفة الأولى؛ لأنّ هذه الروايات تدلّ على صرف الاجزاء كما تحمل عليها أيضا موثّقة علي بن حنظلة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«سألته عن الركعتين الأخيرتين ما أصنع فيهما؟ فقال: ان شئت فاقرأ فاتحة الكتاب، و ان شئت فاذكر اللّه فهو سواء. قال: قلت: فأيّ ذلك أفضل؟ فقال: هما واللّه سواء ان شئت سبّحت و ان شئت قرأت».(2)

قال في الوسائل: «المراد التساوي في الأجزاء. انتهى».

الطائفة الرابعة: ما دلّت على أفضليّة القراءة للامام. منها صحيحة معاوية بن عمّار قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن القراءة خلف الامام في الركعتين الأخيرتين؟ فقال: الامام يقرأ بفاتحة الكتاب و من خلفه يسبّح، فاذا كنت وحدك فاقرأ فيهما و ان شئت فسبّح».(3)

و منها صحيحة منصور بن حازم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«اذا كنت اماما فاقرأ في الركعتين الأخيرتين بفاتحة الكتاب، و ان كنت وحدك فيسعك فعلت أو لم تفعل».(4)

و منها خبر جميل بن درّاج قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عمّا يقرأ الامام في الركعتين في آخر الصلاة؟


1) - وسائل الشيعة 6: 126 / الباب 51 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 12.

2) - وسائل الشيعة 6: 108 / الباب 42 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 3.

3) - وسائل الشيعة 6: 108 / الباب 42 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 2.

4) - وسائل الشيعة 6: 126 / الباب 51 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 11.

فقال: بفاتحة الكتاب، و لايقرأ الذين خلفه، و يقرأ الرجل فيهما اذا صلّى وحده بفاتحة الكتاب».(1)

و بازاء الطائفة الرابعة روايات الطائفة الخامسة فانّها تعارضها:

منها صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام أنّه قال:

«لاتقرأنّ في الركعتين الأخيرتين من الأربع الركعات المفروضات شيئا، اماما كنت أو غير امام. قال: قلت: فما أقول فيهما؟ قال: اذا كنت اماما أو وحدك فقل: «سبحان اللّه و الحمد للّه و لا اله الاّ اللّه»، ثلاث مرّات تكمله تسع تسبيحات ثمّ تكبّر و تركع».(2)

و منها صحيحة سالم بن أبي خديجة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

« ... و على الامام أن يسبّح مثل ما يسبّح القوم في الركعتين الأخيرتين».(3)

فاذا تعارضتا تساقطتا، فتبقى روايات الطائفة الأولى التي دلّت على أفضليّة التسبيح مطلقا. فتلخّص أنّ الحقّ ما ذهب اليه المشهور و اتّبعهم الماتن من أفضليّة التسبيح مطلقا، سواء كان منفردا أو اماما أو مأموما.

في حكم قراءة الحمد في احدى الركعتين الأخيرتين و التسبيحات في الأخرى

(مسألة 3): يجوز أن يقرأ في احدى الأخيرتين الحمد و في الأخرى التسبيحات، فلايلزم اتّحادهما في ذلك.

الشرح:

لاطلاق نصوص التخيير، فانّ موضوع التخيير كلّ واحدة من الركعتين الأخيرتين و لايكون موضوع التخيير مجموع الركعتين لأنّه خلاف الظاهر.


1) - وسائل الشيعة 6: 108 / الباب 42 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 4.

2) - وسائل الشيعة 6: 122 / الباب 51 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 1.

3) - وسائل الشيعة 6: 126 / الباب 51 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 13.

في حكم الجهر و الاخفات بالقراءة في الركعتين الأخيرتين

(مسألة 4): يجب فيهما الاخفات سواء قرأ الحمد أو التسبيحات. نعم اذا قرأ الحمد يستحبّ الجهر بالبسملة على الأقوى و ان كان الاخفات فيها أيضا أحوط.

الشرح:

قال الشيخ مرتضى الأنصاري: «المشهور وجوب الاخفات في هذا الذكر، و عن الغنية الاجماع عليه؛ للاحتياط و لعموم البدليّة، و المفروض ثبوت الاخفات في الفاتحة - الى أن قال: - فالعمدة هو الاجماع المعتضد بالشهرة العظيمة حيث لم يخالف في المسألة الاّ الحلّي و العلاّمة في بعض كتبه، و ما عن الموجز الحاوي. نعم، قوّاه غير واحد من متأخّري المتأخّرين مثل أصحاب الذخيرة و البحار و الحدائق. انتهى ملخّصا».(1)

و قال في المستمسك: «كما هو المشهور شهرة عظيمة كادت تكون اجماعا، بل عن الخلاف و الغنية الاجماع عليه. و في الجواهر: المعلوم من مذهب الاماميّة بطلان الجهر بالقراءة في الأخيرتين - الى أن قال: - و عن السرائر، و في التذكرة، وظاهر نهاية الأحكام، و التحرير، و الموجز، و المدارك و البحار، و غيرها اختيار التخيير، بل عن بعض استحباب الجهر. انتهى ملخّصا».(2)

و استدلّوا على وجوب الاخفات في الأخيرتين سواء قرأ الحمد أو التسبيحات بوجوه غير خالية من الاشكال، و عمدتها رجحان الاخفات بضميمة صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام في رجل جهر فيما لاينبغي الاجهار فيه و أخفى فيما لاينبغي الاخفاء فيه، فقال:

«أيّ ذلك فعل متعمّدا فقد نقض صلاته و عليه الاعادة، فان فعل


1) - كتاب الصلاة 1: 330 و 331.

2) - مستمسك العروة 6: 264 و 265.

ذلك ناسيا أو ساهيا أو لايدري فلا شيء عليه و قد تمّت صلاته».(1)

أمّا رجحان الاخفات فللسيرة القطعيّة القائمة من الأئمّة عليهم السلام و أصحابهم، بل النبي صلى الله عليه و آله و كذا المتشرّعة المتّصلة بهم على مراعاة الاخفات في الأخيرتين، و ان أمكن الخدشة في هذه السيرة من عموم المسلمين، جيلاً بعد جيل، بأنّها بمجرّدها لاتدلّ على الوجوب بل هي أعمّ، الاّ أنّها اذا ضمّت الصحيحة اليها تمّ المطلوب، بمعنى أنّ الاجهار في الأخيرتين كان مرجوحا فيكون مصداقا لقوله: «جهر فيما لاينبغي الاجهار فيه» فيشمله قوله عليه السلام:

«فمن فعل ذلك متعمّدا فقد نقض صلاته».

ولكن الظاهر أنّ كلمة «لاينبغي» و ان لم يكن ظاهرا في النهي، الاّ أنّ ذيل الرواية قرينة على استعمالها في النهي، فالمراد من الرواية أنّ «من جهر فيما نهي عن الجهر فيه أو أخفى فيما نهي عن الاخفاء فيه» فتبطل صلاته ان كان متعمّدا. و عليه لايتمّ الاستدلال. نعم لو كانت السيرة كاشفة عن وجوب الاخفاء في الركعتين الأخيرتين لكانت الصحيحة أيضا دليلاً عليه. و مع ذلك كلّه الافتاء بالتخيير بعيدعن الاحتياط لما نرى من التزام جميع المسلمين في كلّ زمان و مكان على الاخفات. مضافا الى فتوى كثير من الفقهاء بحيث ادّعي الاجماع على وجوب الاخفات. فان لم يكن الوجوب أقوى فهو أحوط.

و أمّا الجهر بالبسملة فقد ذهب الماتن الى استحبابه و ذلك للمطلقات التي تقدّمت في الفصل السابق في المسألة السادسة والعشرين. نعم يمكن أن يقال بانصرافها الى قراءة الحمد في الأوّلتين بل يكون قريبا، و عليه لايترك الاحتياط في ترك الجهر بها لما تقدّم آنفا.

قال ابن ادريس في السرائر: «و أمّا الجهر ببسم اللّه الرحمن الرحيم في الركعتين الأخيرتين فلايجوز؛ لأنّ الأخيرتين لايتعيّن فيهما القراءة، و انّما الانسان


1) - وسائل الشيعة 6: 86 / الباب 26 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 1.

مخيّر بين التسبيح و القراءة. و الدليل على ذلك أنّ الصلاة عندهم على ضربين جهريّة و اخفاتيّة. فالاخفاتيّة الظهر و العصر، فانّ الجهر بالبسملة في الركعتين الأوليين مستحبّ لأنّ فيهما يتعيّن القراءة، فأمّا الأخيرتان فلايتعيّن فيهما القراءة. و الصلاة الجهريّة و هي الصبح و المغرب و العشاء الآخرة فانّ الجهر بالبسملة واجب كوجوبه في جميع الحمد. و أمّا الآخرتان فلايجوز الجهر بالقراءة ان أرادها المصلّي فقد صار المراد بالجهريّة الركعتين الأوليين دون الأخريين، و لا خلاف بيننا في أنّ الصلاة الاخفاتيّة لايجوز فيها الجهر بالقراءة، و البسملة من جملة القراءة، و انّما ورد في الصلاة الاخفاتيّة التي يتعيّن فيها القراءة و لايتعيّن القراءة الاّ في الركعتين الأوليين فحسب. و أيضا فطريق الاحتياط يوجب ترك الجهر بالبسملة في الأخيرتين لأنّه لا خلاف بين أصحابنا بل بين المسلمين في صحّة صلاة من لايجهر بالبسملة في الأخيرتين. و في صحّة صلاة من جهر فيهما خلاف. و أيضا فلا خلاف بين أصحابنا في وجوب الاخفات في الركعتين الأخيرتين. فمن ادّعى استحباب الجهر في بعضها و هو البسملة فعليه الدليل. فانقيل: عموم الندب و الاستحباب بالجهر بالبسملة، قلنا: ذلك فيما يتعيّن و يتحتّم القراءة فيه؛ لأنّهم عليهم السلام قالوا: يستحبّ الجهر بالبسملة فيما يجب فيه القراءة بالاخفات، و الركعتان الآخرتان خارجتان من ذلك. انتهى».(1)


1) - السرائر 1: 218 و 219.

في حكم الجهر عمدا أو جهلاً أو نسيانا في الركعتين الأخيرتين

(مسألة 5): اذا أجهر عمدا بطلت صلاته و أمّا اذا أجهر جهلاً أو نسيانا صحّت، و لايجب الاعادة و ان تذكّر قبل الركوع.

الشرح:

و ذلك لصحيحة زرارة المتقدّمة في المسألة السابقة عن أبي جعفر عليه السلام في رجل جهر فيما لاينبغي الاجهار فيه و أخفى فيما لاينبغي الاخفاء فيه فقال:

«أيّ ذلك فعل متعمّدا فقد نقض صلاته و عليه الاعادة. الحديث».(1)

و تقدّم الكلام حوله في المسألة الثانية و العشرين من الفصل السابق.

في حكم العدول عن التسبيحات الى الحمد و بالعكس

(مسألة 6): اذا كان عازما من أوّل الصلاة على قراءة الحمد يجوز له أن يعدل عنه الى التسبيحات، و كذا العكس، بل يجوز العدول في أثناء أحدهما الى الآخر و ان كان الأحوط عدمه.

الشرح:

لأنّ دليل التخيير و هو قوله عليه السلام «ان شئت سبّحت و ان شئت قرأت» مطلق يشمل ما لو كان عازما من أوّل الصلاة على قراءة الحمد ثمّ حين الشروع تبدّل عزمه و عدل الى التسبيحات، بل يشمل ما لو شرع في أحدهما ثمّ عدل في الأثناء الى الآخر.

و أمّا دليل ذهاب الماتن الى احتياط عدم العدول في الأثناء فلعلّه لوجود شائبة الزيادة المبطلة، لما ورد عنهم عليهم السلام «من زاد في صلاته فعليه الاعادة» ولكنالظاهر أنّ المراد من الرواية هو من زاد في صلاته و قصدها من أوّل الأمر لا في مثل المقام الذي تحصل الزيادة من غير قصد، فانّها منصرفة عن مثل المقام.


1) - وسائل الشيعة 6: 86 / الباب 26 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 1.

فيما لو قصد الحمد فسبق لسانه الى التسبيحات

(مسألة 7): لو قصد الحمد فسبق لسانه الى التسبيحات فالأحوط عدم الاجتزاء به و كذا العكس. نعم لو فعل ذلك غافلاً من غير قصد الى أحدهما فالأقوى الاجتزاء به و ان كان من عادته خلافه.

الشرح:

قد تقدّم أنّ صحّة العمل منوط بالقصد و النيّة، فمن سبّح أو قرأ من غير قصد فهو كمن تكلّم نائما، فلا أثر لعمله، فالظاهر أنّ من قصد الحمد فسبق لسانه الى التسبيح يكون تسبيحه خاليا عن القصد و النيّة فعليه اعادة التسبيح أو اختيار الحمد. نعم لو فعل ذلك غافلاً و من غير قصد الى أحدهما فالأقوى الاجتزاء به اذا كان عالما بالحكم، لاقتضاء الواجب التخييري ذلك، فانّ المأمور به فيه هو الجامع بين فرديه أو أفراده و لايكون كلّ واحد واجبا عليه معيّنا. و عليه فمن قرأ الحمد من غير قصد اليه بخصوصه فقد أتى بالمأمور به لأنّه قصد أن يأتي بأحدهما.

فيما اذا قرأ الحمد بتخيّل أنّه في الأوّلتين فتذكّر أنّه في الأخيرتين

(مسألة 8): اذا قرأ الحمد بتخيّل أنّه في احدى الأوّلتين، فذكر أنّه في احدى الأخيرتين فالظاهر الاجتزاء به و لايلزم الاعادة أو قراءة التسبيحات و ان كان قبل الركوع، كما أنّ الظاهر أنّ العكس كذلك، فاذا قرأ الحمد بتخيّل أنّه في احدى الأخيرتين ثمّ تبيّن أنّه في احدى الأوّلتين لايجب عليه الاعادة. نعم لو قرأ التسبيحات ثمّ تذكّر قبل الركوع أنّه في احدى الأوّلتين يجب عليه قراءة الحمد و سجود السهو بعد الصلاة لزيادة التسبيحات.

الشرح:

ما ذهب اليه الماتن هو الصحيح لأنّه و ان قصد الحمد معيّنا و بعنوان الواجب التعييني الاّ أنّه لايضرّ بالمأمور به لأنّه أتى به فانّ القصد بأنّه واجب تعيينا أو تخييرا لايكون جزءًا من النيّة و لايضرّ بها. وكذلك الحال في ذيلها، فمن أتى

بالحمد بتخيّل أنّه في الأوّلتين و كان واجبا عليه عينا فقد أتى بالمأمور به و ان كان واجبا عليه تخييرا لكونه في الأخيرتين، لأنّ قصد التعيين أو التخيير ليس واجبا.

ثمّ انّه اذا غفل و قرأ التسبيحات في الأوّلتين فان تذكّر قبل الركوع يجب عليه قراءة الحمد؛ لأنّه لم يأت بالمأمور به كما في الموثّقة، و ان لم يتذكّر حتّى ركع أجزأه؛ لما في موثّقة سماعة قال:

«سألته عن الرجل يقوم في الصلاة فينسى فاتحة الكتاب؟ قال: فليقل: أستعيذ باللّه من الشيطان الرجيم انّ اللّه هو السميع العليم ثمّ ليقرأها مادام لم يركع فانّه لا صلاة له حتّى يقرأ بها في جهر أو اخفات، فانّه اذا ركع أجزأه ان شاء اللّه».(1)

أمّا سجود السهو فسيأتي أنّه لايجب في كلّ زيادة و نقيصة بل في موارد خاصّة.

فيما لو نسي القراءة و التسبيحات و تذكّر بعد الوصول الى حدّ الركوع

(مسألة 9): لو نسي القراءة و التسبيحات و تذكّر بعد الوصول الى حدّ الركوع صحّت صلاته و عليه سجدتا السهو للنقيصة، و لو تذكّر قبل ذلك وجب الرجوع.

الشرح:

أمّا بالنسبة الى سجدة السهو فسيأتي الكلام فيها ان شاء اللّه تعالى. و أمّا بالنسبةالى صحّة صلاته لو تذكّر بعد الوصول الى حدّ الركوع، فلقاعدة لاتعاد، و لصحيحة منصور بن حازم قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: انّي صلّيت المكتوبة فنسيت أن أقرأ في صلاتي كلّها، فقال: أليس قد أتممت الركوع و السجود؟ قلت: بلى،


1) - وسائل الشيعة 6: 89 / الباب 28 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 2.

قال: قد تمّت صلاتك اذا كان نسيانا».(1)

و أمّا لو تذكّر قبل الوصول الى حدّ الركوع فتجب عليه القراءة كما تقدّم. و ان كان في حال الهوي وجب الرجوع و تدارك القراءة ان لم يصل الى الركوع.

فيما لو شكّ في قراءتهما بعد الهويّ للركوع

(مسألة 10): لو شكّ في قراءتهما بعد الهويّ للركوع لم يعتن و ان كان قبل الوصول الى حدّه و كذا لو دخل في الاستغفار.

الشرح:

لو شكّ في قراءة الحمد أو التسبيحات بعد الدخول في الركوع لم يعتن قطعا و صحّت صلاته لما مرّ آنفا في المسألة السابقة، و لايجب سجدتا السهو و لو قلنا بوجوبهما لنسيان القراءة أو التسبيحات اذا تذكّر في الركوع. و أمّا لو شكّ في قراءتهما بعد الهوي للركوع و لم يصل الى حدّه فوجوب الاعتناء و عدمه مبنيّ على شمول قاعدة التجاوز لما اذا دخل في المقدّمات و سيأتي البحث عنه ان شاء اللّه تعالى.

في حكم الاتيان بأكثر من ثلاث تسبيحات

(مسألة 11): لابأس بزيادة التسبيحات على الثلاث اذا لم يكن بقصد الورود بل كان بقصد الذكر المطلق.لما دلّ عليه من جواز الذكر و الدعاء و القرآن في الصلاة اذا لم يؤت بها بقصد الجزئيّة، و سيأتي.

في قصد الوجوب و الندب فيما اذا أتى بالتسبيحات ثلاث مرّات

(مسألة 12): اذا أتى بالتسبيحات ثلاث مرّات فالأحوط أن يقصد القربة و لايقصد الوجوب و الندب حيث انّه يحتمل أن يكون الأولى واجبة و


1) - وسائل الشيعة 6: 90 / الباب 29 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 2.

الأخيرتان على وجه الاستحباب، و يحتمل أن يكون المجموع من حيث المجموع واجبا فيكون من باب التخيير بين الاتيان بالواحدة والثلاث، و يحتمل أن يكون الواجب أيّا منها شاء مخيّرا بين الثلاث، فحيث انّ الوجوه متعدّدة فالأحوط الاقتصار على قصد القربة. نعم لو اقتصر على المرّة له أن يقصد الوجوب.

الشرح:

قد تقدّم أنّ الأقوى اجزاء أربع تسبيحات في الركعتين الأخيرتين، و حملنا ما زاد على ذلك على الاستحباب، و لا دليل على الوجوب التخييري بين الواحدة و الثلاث. بل لايبعد أن يقال بكفاية مطلق التسبيحات للاهمال الظاهر من الروايات التي تكون دليلاً على التسامح و الاهمال في قدرها. و لو قلنا بالواجب التخييري بين الواحدة و الثلاث فلايبعد القول بسقوط التكليف باتيان الواحدة.

قال الشيخ مرتضى الأنصاري: «ثمّ انّه لو شرع في الزائد على القدر الواجب فهل يجب اتمامه بشروط الواجب بناءً على اتّصاف الفرد الكامل بالوجوب، كما هو مذهب جماعة، بل في الروضة أنّه ظاهر النصّ و الفتوى، أم لا، بل يجوز تركه و تغييره عن صفة الوجوب؟ وجهان: أقواهما الثاني؛ لأنّ الظاهر أنّ التخيير هنا بينالأقلّ بوصف الأقلّيّة و بين الأكثر، فكلّ ما وجد منها في الخارج حصل به الامتثال، و لاينافيه قصد الآخر أوّلاً، لما مرّ في النيّة من أنّ القصد الى الخصوصيّات الغير المقوّمة لحقيقة الواجب و ان وقعت متعلّقة للأوامر المتعدّدة التخييريّة لايمنع العدول الى الآخر. انتهى».(1)


1) - كتاب الصلاة 1: 333.

فصل : في مستحبّات القراءة

«الأوّل»: الاستعاذة قبل الشروع في القراءة

و هي أمور: «الأوّل»: الاستعاذة قبل الشروع في القراءة في الركعة الأولى و أن يقول: «أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم» أو يقول: «أعوذ باللّه السميع العليم من الشيطان الرجيم» و ينبغي أن يكون بالاخفات.

الشرح:

تدلّ على استحباب الاستعاذة صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام:

«ثمّ تعوّذ من الشيطان الرجيم، ثمّ اقرأ فاتحة الكتاب».(1)

و موثّقة سماعة قال:

«سألته عن الرجل يقوم في الصلاة فينسى فاتحة الكتاب، قال:فليقل: أستعيذ باللّه من الشيطان الرجيم انّ اللّه هو السميع العليم، ثمّ


1) - وسائل الشيعة 6: 133 / الباب 57 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 1.

ليقرأها مادام لم يركع».(1)

و رواية حنّان بن سدير قال:

«صلّيت خلف أبي عبداللّه عليه السلام فتعوّذ باجهار ثمّ جهر ببسم اللّه الرحمن الرحيم».(2)

و روايته الثانية قال:

«صلّيت خلف أبي عبداللّه عليه السلام المغرب فتعوّذ باجهار «أعوذ باللّه السميع العليم من الشيطان الرجيم و أعوذ باللّه أن يحضرون. الحديث».(3)

و رواية أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه و آله :

«أنّه كان يقول قبل القراءة: أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم».(4)

و رواية معاوية بن عمّار عن الصادق عليه السلام في الاستعاذة قال:

«أعوذ باللّه السميع العليم من الشيطان الرجيم».(5)

قال في الجواهر: «و يستحبّ أيضا أن يتعوّذ أمام القراءة اجماعا في المنتهى و الذكرى و كشف اللثام و المحكي عن الخلاف و الفوائد المليّة و البحار، بل عن مجمع البيان نفي الخلاف فيه، و هو مع بعض النصوص، الحجّة في حمل الأمر في الآية و البعض الآخر من النصّ على الاستحباب، فما عن أبي علي ولد الشيخ من القول بالوجوب شاذّ و غريب. انتهى».(6)

و الأمر الوارد بالتعوّذ في صحيحة الحلبي و موثّقة سماعة يحمل على


1) - وسائل الشيعة 6: 134 / الباب 57 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 3.

2) - وسائل الشيعة 6: 134 / الباب 57 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 4.

3) - وسائل الشيعة 6: 134 / الباب 57 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 5.

4) - وسائل الشيعة 6: 135 / الباب 57 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 6.

5) - وسائل الشيعة 6: 135 / الباب 57 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 7.

6) - جواهر الكلام 9: 420.

الاستحباب، للاجماع (كما قال في الجواهر) على نفي الخلاف فيه، و لأنّ الأمر بالتعوّذ في الصحيحة محفوف بما يستحبّ قطعا كدعاء التوجّه و التكبيرات الافتتاحيّة.

فهل يختصّ التعوّذ بالركعة الأولى؟ الظاهر من الصحيحة هو ذلك، و كذا الظاهر من روايتي حنّان، و أمّا الموثّقة فمطلق.

قال في الجواهر: «و الأولى الاقتصار عليه في الركعة الأولى و ان كان تعديته لكلّ ركعة يقرأ فيها لاتخلو من قوّة ان لم ينعقد الاجماع على خلافه. انتهى».(1)

فهل يستحبّ الاسرار به في الصلاة؟ الظاهر أنّه لا دليل على استحباب ذلك الاّ الاجماع المحكي عن الخلاف، بل الظاهر من خبري حنّان بن سدير و اطلاق الصحيحة و الموثّقة استحباب الاجهار به.

قال في الجواهر: «الأولى الاسرار به في الصلاة للاجماع المحكي عن الخلاف، و لما عن التذكرة و ارشاد الجعفريّة من أنّه على ذلك عمل الأئمّة عليهم السلام، و لعلّ الخبر الفعلي بالاجهار محمول على تعليم التعوّذ، فما عن بعض متأخّري المتأخّرين من التوقّف في ذلك و الميل الى الاجهار لايخلو من نظر. انتهى».(2)

و أمّا صورته، فالظاهر من الصحيحة «أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم»، أو «أعوذ باللّه السميع العليم من الشيطان الرجيم» كما هو المستفاد من الموثّقة أو مضافا الى

الصحيحة.

قال في الجواهر: «و صورته عند المشهور كما قيل «أعوذ باللّه من الشيطانالرجيم» و في المحكي عن فقه الرضا عليه السلام و بعض كتب الأصحاب «أعوذ باللّه السميع العليم من الشيطان الرجيم» و لايبعد التخيير بينهما كما عن المبسوط و


1) - نفس المصدر.

2) - نفس المصدر.

جامع الشرائع و غيرهما. انتهى».(1)

أقول:

ما صدق عليه التعوّذ من الشيطان الرجيم يكون مستحبّا لاطلاق صحيحة الحلبي.

«الثاني»: الجهر بالبسملة في الاخفاتيّة

«الثاني»: الجهر بالبسملة في الاخفاتيّة، و كذا في الركعتين الأخيرتين ان قرأ الحمد، بل و كذا في القراءة خلف الامام حتّى في الجهريّة، و أمّا في الجهريّة فيجب الاجهار بها على الامام و المنفرد.

الشرح:

يجب الاجهار بالبسملة في الأوليين في الصلوات الجهريّة على الامام و المنفرد، لوجوب الجهر بالقراءة في الركعتين الأوّلتين منها. و يستحبّ الجهر بالبسملة في الركعتين الأوّلتين في الاخفاتيّة لما تقدّم من الدليل عليه. و لايترك الاحتياط بترك الجهر ببسم اللّه اذا قرأ الحمد في الركعتين الأخيرتين كما تقدّم في الفصل السابق في المسألة الرابعة. و أمّا الجهر بها للمأموم المسبوق بركعة أو ركعتين فالظاهر عدم مشروعيّتها لصحيحة زرارة الواردة في المأموم المسبوق، قال:

« ... ان أدرك من الظهر أو من العصر أو من العشاء ركعتين و فاتتهركعتان قرأ في كلّ ركعة ممّا أدرك خلف الامام في نفسه بأمّ الكتاب و سورة».(2)

و مقتضى الاطلاق وجوب الاخفات في جميع أجزاء القراءة التي منها


1) - نفس المصدر: 420 و 421.

2) - وسائل الشيعة 8: 388 / الباب 47 من أبواب صلاة الجماعة / الحديث 4.

البسملة. و لا يعارضها اطلاق الجهر بالبسملة؛ لأنّه منصرف الى الركعتين الأوّلتين كما تقدّم.

«الثالث»: الترتيل

«الثالث»: الترتيل، أي التأنّي في القراءة و تبيين الحروف على وجه يتمكّن السامع من عدّها.

الشرح:

و الدليل على ذلك: الكتاب و السنّة، فمن الأوّل قوله تعالى: «و رتّل القرآن ترتيلاً»(1)و من الثاني مرسلة ابن أبي عمير عن أبي عبداللّه عليه السلام:

«ينبغي للعبد اذا صلّى أن يرتّل في قراءته، فاذا مرّ بآية فيها ذكر الجنّة و ذكر النار سأل اللّه الجنّة و تعوّذ باللّه من النار، و اذا مرّ بأيّها الناس و يا أيّها الذين آمنوا يقول: لبّيك ربّنا».(2)

و في المرسل عن علي بن أبي حمزة:

« - الى أن قال: - انّ القرآن لايقرأ هذرمة(3)ولكن يرتّل ترتيلاً. الحديث».(4)

و خبر عبداللّه بن سليمان قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن قول اللّه عزّوجلّ «و رتّل القرآن ترتيلاً» قال: قال أميرالمؤمنين عليه السلام: بيّنه تبيانا، و لاتهذّه هذّ الشعر، و لاتنثره

نثر الرمل ولكن اقرعوا به قلوبكم القاسية و لايكن همّ أحدكم آخر


1) - المزّمّل 73: 4.

2) - وسائل الشيعة 6: 68 / الباب 18 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 1.

3) - الهذرمة بمعنى السرعة في القراءة.

4) - وسائل الشيعة 6: 216 / الباب 27 من أبواب قراءة القرآن / الحديث 4.

السورة».(1)

و في مجمع البيان عن أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام في قوله تعالى «و رتّل القرآن ترتيلاً» قال:

«هو أن تتمكّث فيه، و تحسن به صوتك».(2)

«الرابع»: تحسين الصوت بلا غناء

«الرابع»: تحسين الصوت بلا غناء.

الشرح:

يدلّ على الأوّل: مرسلة علي بن عقبة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«كان علي بن الحسين عليه السلام أحسن الناس صوتا بالقرآن، و كان السقّاؤون يمرّون فيقفون ببابه يستمعون قراءته».(3)

و في الخبر عن الرضا عليه السلام قال:

«قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله : حسّنوا القرآن بأصواتكم فانّ الصوت الحسن يزيد القرآن حسنا».(4)

و على الثاني: خبر عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله : اقرءوا القرآن بألحان العرب و أصواتها، و ايّاكم و لحون أهل الفسق و أهل الكبائر، فانّه سيجيء من بعدي أقوام يرجّعون القرآن ترجيع الغناء و النوح و الرهبانيّة، لايجوز تراقيهم، قلوبهم مقلوبة و قلوب من يعجبه شأنهم».(5)


1) - وسائل الشيعة 6: 207 / الباب 21 من أبواب قراءة القرآن / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 6: 207 / الباب 21 من أبواب قراءة القرآن / الحديث 4.

3) - وسائل الشيعة 6: 211 / الباب 24 من أبواب قراءة القرآن / الحديث 4.

4) - وسائل الشيعة 6: 212 / الباب 24 من أبواب قراءة القرآن / الحديث 6.

5) - وسائل الشيعة 6: 210 / الباب 24 من أبواب قراءة القرآن / الحديث 1.

«الخامس»: الوقف على فواصل الآيات

«الخامس»: الوقف على فواصل الآيات.

قال في المستمسك: لما عن مجمع البيان مرسلاً عن أمّ سلمة قالت:

«كان النبي صلى الله عليه و آله يقطّع قراءته آية آية. انتهى».(1)

«السادس»: ملاحظة معاني ما يقرأ و الاتّعاظ بها

«السادس»: ملاحظة معاني ما يقرأ و الاتّعاظ بها.

يدلّ عليه اطلاق رواية أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«قال أمير المؤمنين عليه السلام - الى أن قال: - ألا لا خير في قراءة ليس فيها تدبّر».(2)

«السابع»: أن يسأل اللّه عند آية النعمة أو النقمة بما يناسب كلاًّ منهما

«السابع»: أن يسأل اللّه عند آية النعمة أو النقمة ما يناسب كلاًّ منها.

يدلّ عليه اطلاق رواية علي بن أبي حمزة المتقدّمة في الترتيل عن أبي عبداللّه عليه السلام:

« ... و اذا مررت بآية فيها ذكر الجنّة فقف عندها و سل اللّه الجنّة، و اذا مررت بآية فيها ذكر النار فقف عندها و تعوّذ باللّه من النار».(3)

«الثامن»: السكتة بين الحمد و السورة

«الثامن»: السكتة بين الحمد و السورة، و كذا بعد الفراغ منها، بينها و بين القنوت أو تكبير الركوع.

و يدلّ عليه: خبر اسحاق بن عمّار عن جعفر عن أبيه عليه السلام:

«انّ رجلين من أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه و آله اختلفا في صلاة


1) - وسائل الشيعة 6: 208 / الباب 21 من أبواب قراءة القرآن / الحديث 5.

2) - وسائل الشيعة 6: 173 / الباب 3 من أبواب قراءة القرآن / الحديث 7.

3) - وسائل الشيعة 6: 216 / الباب 27 من أبواب قراءة القرآن / الحديث 4.

رسول اللّه صلى الله عليه و آله فكتبا الى أبيّ بن كعب: كم كانت لرسول اللّه صلى الله عليه و آله من سكتة؟ قال: كانت له سكتتان: اذا فرغ من أمّ القرآن و اذا فرغ من السورة».(1)

«التاسع»: أن يقول بعد قراءة سورة التوحيد: «كذلك اللّه ربّي»

«التاسع»: أن يقول بعد قراءة سورة التوحيد «كذلك اللّه ربّي» مرّة أو مرّتين أو ثلاثا، أو «كذلك اللّه ربّنا» ثلاثا. و أن يقول بعد فراغ الامام من قراءة الحمد اذا كان مأموما «الحمد للّه ربّ العالمين» بل و كذا بعد فراغ نفسه ان كان منفردا.

الشرح:

يدلّ على الأوّل: صحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث):

«أنّ أبا جعفر عليه السلام كان يقرأ قل هو اللّه أحد، فاذا فرغ منها قال: كذلك اللّه أو كذلك اللّه ربّي».(2)

و خبر رجاء بن أبي الضحّاك عن الرضا عليه السلام في حديث:

«أنّه كان اذا قرأ قل هو اللّه أحد قال سرّا: هو اللّه أحد، فاذا فرغ منها قال: كذلك اللّه ربّنا ثلاثا. الحديث».(3)

و خبر الفضيل بن يسار قال:

«أمرني أبو جعفر عليه السلام أن أقرأ قل هو اللّه أحد و أقول اذا فرغت منها: كذلك اللّه ربّي ثلاثا».(4)


1) - وسائل الشيعة 6: 114 / الباب 46 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 2.

2) - وسائل الشيعة 6: 71 / الباب 20 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 2.

3) - وسائل الشيعة 6: 73 / الباب 20 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 8.

4) - وسائل الشيعة 6: 73 / الباب 20 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 9.

و خبر عبدالعزيز بن المهتدي قال:

«سألت الرضا عليه السلام عن التوحيد فقال: كلّ من قرأ قل هو اللّه أحد و آمن بها فقد عرف التوحيد، قلت: كيف يقرأها؟ قال: كما يقرأ الناس، و زاد فيها: كذلك اللّه ربّي، كذلك اللّه ربّي».(1)

و يدلّ على الثاني: صحيحة جميل عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«اذا كنت خلف امام فقرأ الحمد و فرغ من قراءتها فقل أنت: الحمد للّه ربّ العالمين، و لاتقل: آمّين».(2)

و صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«لاتقولنّ اذا فرغت من قراءتك: آمّين، فان شئت قلت: الحمد للّه ربّ العالمين».(3)

و خبر فضيل بن يسار عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«اذا قرأت الفاتحة ففرغت من قراءتها و أنت في الصلاة فقل: الحمد للّه ربّ العالمين».(4)

«العاشر»: قراءة بعض السور المخصوصة في بعض الصلوات

«العاشر»: قراءة بعض السور المخصوصة في بعض الصلوات كقراءة عمّ يتساءلون و هل أتى، و هل أتاك، و لا أقسم، و أشباهها في صلاة الصبح، و قراءة سبّح اسم، و الشمس، و نحوهما في الظهر و العشاء، و قراءة اذا جاء نصراللّه، و ألهيكم التكاثر في العصر و المغرب، و قراءة سورة الجمعة في الركعة الأولى، و المنافقين في الثانية في الظهر و العصر من يوم الجمعة، و


1) - وسائل الشيعة 6: 70 / الباب 20 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 6: 70 / الباب 17 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 1.

3) - وسائل الشيعة 6: 68 / الباب 17 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 4.

4) - وسائل الشيعة 6: 68 / الباب 17 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 6.

كذا في صبح يوم الجمعة، أو يقرأ فيها في الأولى الجمعة و التوحيد في الثانية، و كذا في العشاء في ليلة الجمعة يقرأ في الأولى الجمعة و في الثانية المنافقين، و في مغربها الجمعة في الأولى و التوحيد في الثانية. و يستحبّ في كلّ صلاة قراءة انّا أنزلناه في الأولى و التوحيد في الثانية. بل لو عدل عن غيرهما اليهما لما فيهما من الفضل أعطي أجر السورة التي عدل عنها مضافا الى أجرهما بل ورد أنّه لاتزكو صلاة الاّ بهما. و يستحبّ في صلاة الصبح من الاثنين و الخميس سورة هل أتى في الأولى و هل أتاك في الثانية.

الشرح:

يدلّ على استحباب قراءة بعض السور المخصوصة في بعض الصلوات: صحيحة محمّد بن مسلم في حديث قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: أيّ السور نقرأ في الصلاة؟ قال: أمّا الظهر و العشاء الآخرة تقرأ فيهما سواء، و العصر و المغرب سواء، و أمّا الغداة فاطول، و أمّا الظهر و العشاء الآخرة فسبّح اسم ربّك الأعلى و الشمس و ضحيها و نحوها، و أمّا العصر و المغرب فاذا جاء نصر اللّه و ألهيكم التكاثر و نحوها، و أمّا الغداة فعمّ يتساءلون و هل أتاك حديث الغاشية و لاأقسم بيوم القيامة و هل أتى على الانسان حين من الدهر».(1)

و يدلّ على استحباب سورة الجمعة و المنافقين في الجمعة و ليلتها: صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام في حديث طويل يقول:

«اقرأ سورة الجمعة و المنافقين فانّ قراءتهما سنّة يوم الجمعة في الغداة و الظهر و العصر، و لاينبغي لك أن تقرأ بغيرهما في صلاة


1) - وسائل الشيعة 6: 117 / الباب 48 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 2.

الظهر يعني يوم الجمعة اماما كنت أو غير امام».(1)

و موثّقة سماعة عن أبي بصير قال:

«قال أبو عبداللّه عليه السلام: اقرأ في ليلة الجمعة بالجمعة و سبّح اسم ربّك الأعلى، و في الفجر سورة الجمعة و قل هو اللّه أحد، و في الجمعة سورة الجمعة و المنافقين».(2)

و مرفوعة حريز و ربعي عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«اذا كانت ليلة الجمعة يستحبّ أن يقرأ في العتمة سورة الجمعة و اذا جاءك المنافقون و في صلاة الصبح مثل ذلك، و في صلاة الجمعةمثل ذلك، و في صلاة العصر مثل ذلك».(3)

و يستحبّ اعادة الصلاة اذا صلّى الجمعة أو الظهر في يوم الجمعة بغير الجمعة و المنافقين، و الدليل على ذلك صحيحة عمر بن يزيد قال:

«قال أبو عبداللّه عليه السلام: من صلّى الجمعة بغير الجمعة و المنافقين أعاد الصلاة في سفر أو حضر».(4)

و صحيحة صباح بن صبيح قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: رجل أراد أن يصلّي الجمعة فقرأ بقل هو اللّه أحد، قال: يتمّها ركعتين ثمّ يستأنف».(5)

و لاتجب الاعادة لصحيحة الحسين بن علي بن يقطين عن أبيه قال:

«سألت أبا الحسن الأوّل عليه السلام عن الرجل يقرأ في صلاة الجمعة بغير


1) - وسائل الشيعة 6: 120 / الباب 49 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 6.

2) - وسائل الشيعة 6: 118 / الباب 49 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 2.

3) - وسائل الشيعة 6: 119 / الباب 49 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 3.

4) - وسائل الشيعة 6: 159 / الباب 72 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 1.

5) - وسائل الشيعة 6: 159 / الباب 72 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 2.

سورة الجمعة متعمّدا، قال: لابأس بذلك».(1)

و صحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«سمعته يقول في صلاة الجمعة: لابأس بأن تقرأ فيها بغير الجمعة و المنافقين اذا كنت مستعجلاً».(2)

و يستحبّ في كلّ صلاة قراءة انّا أنزلناه في الأولى و التوحيد في الثانية، لخبر أبي علي بن راشد قال:

«قلت لأبي الحسن عليه السلام: جعلت فداك، انّك كتبت الى محمّد بن الفرج تعلّمه أنّ أفضل ما يقرأ في الفرائض انّا أنزلناه و قل هو اللّه أحد، و انّصدري ليضيق بقراءتهما في الفجر، فقال عليه السلام: لايضيقنّ صدرك بهما فانّ الفضل واللّه فيهما».(3)

و يدلّ على تأكيد ذلك و أفضليّة العدول عن غيرهما اليهما مكاتبة محمّد بن عبداللّه بن جعفر الحميرى الى صاحب الزمان عليه السلام و جوابه اليه.(4)

في ترك سورة التوحيد في جميع الفرائض الخمس

(مسألة 1): يكره ترك سورة التوحيد في جميع الفرائض الخمس.

يدلّ على ذلك خبر منصور بن حازم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«من مضى به يوم واحد فصلّى فيه بخمس صلوات و لم يقرأ فيها بقل هو اللّه أحد قيل له: يا عبداللّه لست من المصلّين».(5)


1) - وسائل الشيعة 6: 157 / الباب 71 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 6: 157 / الباب 71 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 3.

3) - وسائل الشيعة 6: 78 / الباب 23 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 1.

4) - وسائل الشيعة 6: 79 / الباب 23 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 5.

5) - وسائل الشيعة 6: 81 / الباب 24 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 2.

في قراءة التوحيد بنفس واحد

(مسألة 2): يكره قراءة التوحيد بنفس واحد، و كذا قراءة الحمد و السورة بنفس واحد.

يدلّ على الأوّل خبر محمّد بن الفضيل قال:

«قال أبو عبداللّه عليه السلام: يكره أن تقرأ قل هو اللّه أحد في نفس واحد».(1)

و يدلّ على الثاني ما تقدّم في المورد الثامن من مستحبّات القراءة.

(مسألة 3): يكره أن يقرأ سورة واحدة في الركعتين الاّ سورة التوحيد.

لصحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام قال:

«سألته عن الرجل يقرأ سورة واحدة في الركعتين من الفريضة و هو يحسن غيرها، فان فعل فما عليه؟ قال: اذا أحسن غيرها فلايفعل، و ان لم يحسن غيرها فلابأس».(2)

و لخبر صفوان الجمّال قال:

«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول: قل هو اللّه أحد تجزي في خمسين صلاة».(3)

في حكم تكرار آية و البكاء في الفريضة و غيرها

(مسألة 4): يجوز تكرار الآية في الفريضة و غيرها، و البكاء، ففي الخبر كان علي بن الحسين عليه السلام اذا قرأ «مالك يوم الدين»، يكرّرها حتّى يكاد أن يموت، و في آخر: عن موسى بن جعفر عليه السلام عن الرجل يصلّي له أن يقرأ في الفريضة فتمرّ الآية فيها التخويف فيبكي و يردّد الآية؟ قال عليه السلام: يردّد


1) - وسائل الشيعة 6: 70 / الباب 19 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 6: 47 / الباب 6 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 1.

3) - وسائل الشيعة 6: 48 / الباب 7 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 1.

القرآن ما شاء و ان جاءه البكاء فلابأس.

لرواية الزهري (في حديث)قال:

«كان علي بن الحسين عليه السلام اذا قرأ ملك يوم الدين يكرّرها حتّى يكاد أن يموت».(1)

و خبر علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام قال:

«سألته عن الرجل يصلّي له أن يقرأ ... الى آخر ما ذكره الماتن».(2)

(مسألة 5): يستحبّ اعادة الجمعة أو الظهر في يوم الجمعة اذا صلاّهما فقرأ غير الجمعة و المنافقين، أو نقل النيّة الى النفل اذا كان في الأثناء، و اتمام ركعتين ثمّ استئناف الفرض بالسورتين.

تدلّ على صدر المسألة صحيحة عمر بن يزيد المحمولة على الاستحباب بقرينة مثل صحيحة علي بن يقطين المتقدّمتين في الأمر العاشر من الأمور المستحبّة. و أمّا ذيلها فتدلّ عليه صحيحة صباح بن صبيح المتقدّمة في الأمر العاشر أيضا.

في قراءة المعوّذتين في الصلاة

(مسألة 6): يجوز قراءة المعوّذتين في الصلاة و هما من القرآن.

لصحيحة صفوان الجمّال قال:

«صلّى بنا أبو عبداللّه عليه السلام المغرب فقرأ بالمعوّذتين في الركعتين».(3)

و خبر صابر مولى بسّام قال:


1) - وسائل الشيعة 6: 151 / الباب 68 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 6: 152 / الباب 68 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 3.

3) - وسائل الشيعة 6: 114 / الباب 47 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 1.

«أمّنا أبو عبداللّه عليه السلام في صلاة المغرب فقرأ المعوّذتين ثمّ قال: هما من القرآن».(1)

و خبر الحضرمي قال:

«قلت لأبي جعفر عليه السلام: انّ ابن مسعود كان يمحو المعوّذتين من المصحف، فقال: «كان أبي يقول: انّما فعل ذلك ابن مسعود برأيه و هما من القرآن».(2)

في عدد آيات الحمد و التوحيد

(مسألة 7): الحمد سبع آيات و التوحيد أربع آيات.

الشرح:

لا خلاف عندنا في أنّ آيات الحمد سبع؛ لأنّ آية «بسم اللّه الرحمن الرحيم» جزء من الحمد، و في المصاحف التي بأيدينا عدّ الحمد سبع آيات. و في صحيحة محمّد بن مسلم قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن السبع المثاني و القرآن العظيم أ هي الفاتحة؟ قال: نعم، قلت: بسم اللّه الرحمن الرحيم من السبع؟ قال: نعم، هي أفضلهنّ».(3)

و أمّا التوحيد فآياتها خمس كما هو المضبوط في المصاحف.

قال في مستند العروة: «و الصحيح أنّ آياته خمس بناءً على ما هو المعروف عند معظم الاماميّة و هو الصواب، لأنّ البسملة جزء من كلّ سورة، و أنّ لم يلد و لم يولد ... الى أحد آيتان. انتهى».(4)


1) - وسائل الشيعة 6: 115 / الباب 47 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 2.

2) - وسائل الشيعة 6: 116 / الباب 47 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 6.

3) - وسائل الشيعة 6: 57 / الباب 11 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 2.

4) - مستند العروة 3: 538.

(مسألة 8): الأقوى جواز قصد انشاء الخطاب بقوله «ايّاك نعبد و ايّاكنستعين» اذا قصد القرآنيّة أيضا بأن يكون قاصدا للخطاب بالقرآن، بل و كذا في سائر الآيات فيجوز انشاء الحمد بقوله «الحمد للّه ربّ العالمين» و انشاء المدح في «الرحمن الرحيم»، و انشاء طلب الهداية في «اهدنا الصراط المستقيم» و لاينافي قصد القرآنيّة مع ذلك.

و الدليل على ذلك عدم التنافي بين قصد القرآنيّة و قصد الانشاء، بل يمكن أن يقال بعدم انفكاك قوله «ايّاك نعبد و ايّاك نستعين، اهدنا الصراط المستقيم» عن الخطاب و طلب الهداية لمن كان من أهل اللسان أو يعلم معناه. بل هو احدى مصاديق التوجّه التي بها تكون روح الصلاة.

في حكم قصد انشاء الخطاب و الحمد و غيرهما في القراءة بمناسبة الآية

(مسألة 9): قد مرّ أنّه يجب كون القراءة و سائر الأذكار حال الاستقرار، فلو أراد حال القراءة التقدّم أو التأخّر قليلاً أو الحركة الى أحد الجانبين أو أن ينحني لأخذ شيء من الأرض أو نحو ذلك يجب أن يسكت حال الحركة و بعد الاستقرار يشرع في قراءته، لكن مثل تحريك اليد أو أصابع الرجلين لايضرّ، و ان كان الأولى بل الأحوط تركه أيضا.

قد مرّ أنّ عمدة الدليل لوجوب الطمأنينة حال القراءة و الذكر، هو الاجماع و حيث انّه دليل لبّي فالقدر المتيقّن منه وجوب استقرار البدن حال الذكر فلايضرّ تحريك اليد أو أصابع الرجلين. و أمّا السكوت حال الحركة فيدلّ عليه معتبرة السكوني عن أبي عبداللّه عليه السلام:

«أنّه قال في الرجل يصلّي في موضع ثمّ يريد أن يتقدّم، قال: يكفّ عن القراءة في مشيه حتّى يتقدّم الى الموضع الذي يريد ثمّ يقرأ».(1)


1) - وسائل الشيعة 6: 98 / الباب 34 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 1.

في ذكر الصلوات على النبي صلى الله عليه و آله لو سمع اسمه في أثناء القراءة

(مسألة 10): اذا سمع اسم النبي صلى الله عليه و آله في أثناء القراءة يجوز بل يستحبّ أن يصلّي عليه، و لاينافي الموالاة، كما في سائر مواضع الصلاة كما أنّه اذا سلّم عليه من يجب ردّ سلامه يجب و لاينافي.

لعموم صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«و صلّ على النبي صلى الله عليه و آله كلّما ذكرته أو ذكره ذاكر عندك في أذان أو غيره».(1)

و لاينافي الموالاة المعتبرة بين الآيات. نعم اذا كان بين الكلمات و لاسيّما بين الحروف فيراعي ذلك بعدها، و ان صلّى أثناءها فليعد حتّى تتوالى الحروف و الكلمات.

فيما اذا تحرّك حال القراءة قهرا

(مسألة 11): اذا تحرّك حال القراءة قهرا بحيث خرج عن الاستقرار فالأحوط اعادة ما قرأه في تلك الحالة.

اذا كان الاجماع دليل اعتبار الاستقرار فالقدر المتيقّن منه وجوب الاستقرار في الاختيار، و أمّا اذا كان تحرّكه حال القراءة من غير اختيار فلاتجب اعادة ما قرأه في تلك الحالة. و مع الشكّ فالمرجع أصالة البراءة.


1) - وسائل الشيعة 5: 451 / الباب 42 من أبواب الأذان و الاقامة / الحديث 1.

فيما اذا شكّ في صحّة قراءة آية أو كلمة

(مسألة 12): اذا شكّ في صحّة قراءة آية أو كلمة يجب اعادتها اذا لم يتجاوز، و يجوز بقصد الاحتياط مع التجاوز، و لابأس بتكرارها مع تكرّر الشكّ ما لم يكن عن وسوسة و معه يشكل الصحّة اذا أعاد.

الشرح:

تدلّ عليه صحيحة زرارة:

«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: رجل شكّ في الأذان و قد دخل في الاقامة؟ قال: يمضي. قلت: رجل شكّ في الأذان و الاقامة و قد كبّر؟ قال: يمضي. قلت: رجل شكّ في التكبير و قد قرأ؟ قال: يمضي. قلت: شكّ في القراءة و قد ركع؟ قال: يمضي. قلت: شكّ في الركوع و قد سجد؟ قال: يمضي على صلاته. ثمّ قال: يا زرارة اذا خرجت من شيء ثمّ دخلت في غيره فشكّك ليس بشيء».(1)

و يجوز الاعادة بقصد الاحتياط مع التجاوز، أو لا معه اذا قلنا بالفرق بين قاعدة التجاوز و قاعدة الفراغ و أنّ الثانية شاملة للاجزاء أيضا.

و أمّا قوله رحمه الله: «يشكل الصحّة اذا أعاد مع الوسوسة»، ففيه: انّ اتّباع خطوات الشيطان و ان كان حراما للنهي عنه و يجعل القراءة محرّمة، لكنّه لايخرجها عن القرآنيّة حتّى تندرج في كلام الآدميّين. اللّهمّ الاّ أن يقال بأنّ القرآن المحرّم لايكون مقرّبا، فالاحتياط باعادة الصلاة حسن.

في الاقتصار على المرّة في التسبيحات الأربعة عند ضيق الوقت

(مسألة 13): في ضيق الوقت يجب الاقتصار على المرّة في التسبيحات الأربعة.

لأنّه يجب أن يكون مجموع الصلاة في الوقت المحدّد له و لو تسامح في ذلك


1) - وسائل الشيعة 8: 237 / الباب 23 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة / الحديث 1.

حتّى وقع بعض الأجزاء خارج الوقت فقد فعل حراما. و لذلكيجب الاقتصار على الواجبات في ضيق الوقت، و يجب الاكتفاء بمرّة واحدة في التسبيحات الأربعة.

(مسألة 14): يجوز في «ايّاك نعبد و ايّاك نستعين» القراءة باشباع كسر الهمزة و بلا اشباعه.

قال في المستمسك: «يعني بالتخفيف، فانّه قُرئ كذلك، كما في الكشّاف، لكن لم يتحقّق أنّها قراءة يصحّ التعويل عليها أو لا. انتهى».(1)

فيما لو شكّ في حركة كلمة أو مخرج حروفها

(مسألة 15): اذا شكّ في حركة كلمة أو مخرج حروفها لايجوز أن يقرأ بالوجهين مع فرض العلم ببطلان أحدهما، بل مع الشكّ أيضا كما مرّ، لكن لو اختار أحد الوجهين مع البناء على اعادة الصلاة لو كان باطلاً، لابأس به.

الشرح:

اذا علم اجمالاً ببطلان أحدهما لايجوز له أن يقرأ بالوجهين فان أتى بهما بطلت صلاته لأنّه علم اجمالاً باتيان ما ليس قرآنا و لا ذكرا و لا دعاءً في الصلاة، فيلحق بكلام الآدميّين. و أمّا لو شكّ في أنّ أحد الوجهين مبطل و قطع بأنّ الآخر صحيح فلو أتى بهما لم تبطل صلاته ما لم ينكشف الخلاف؛ لانّه أتى بما يجبعليه قطعا و شكّ في اتيانه بما هو مبطل، فان انكشف بأنّه كان مبطلاً فعليه الاعادة أو القضاء و الاّ فلا. فوجوب الاعادة أو القضاء يكون في صورة الانكشاف، لأنّه أتى بمايكون مبطلاً عمدا و مع الالتفات، و قاعدة لاتعاد غير شاملة له. و أمّا لو اختار أحد الوجهين و لو باحتمال الصحّة و انكشف الصحّة بعد ذلك يصحّ


1) - مستمسك العروة 6: 291.

صلاته و ان لم يكن بناؤه على السؤال. نعم مادام لم ينجّز صحّة ما أتى به يكون ذمّته مشغولة.

في المحافظة على الاجهار في جميع الكلمات فيما يجب قراءته جهرا

(مسألة 16): الأحوط فيما يجب قراءته جهرا أن يحافظ على الاجهار في جميع الكلمات حتّى أواخر الآيات بل جميع حروفها، و ان كان لايبعد اغتفار الاخفات في الكلمة الأخيرة من الآية فضلاً عن حرف آخرها.

الشرح:

اطلاق دليل الجهر شامل لجميع أجزاء القراءة حتّى حرف آخر الكلمة الأخيرة من الآية فضلاً عن الكلمة الأخيرة. و ما ذهب اليه الماتن بعدم البعد باغتفار الاخفات في الكلمة الأخيرة من الآية فضلاً عن حرف آخرها فبعيد؛ لعدم الدليل على الاغتفار بل الدليل قائم على خلافه.

و ما يدّعى من الدليل بأنّه لو اتّصف معظم الأجزاء بالجهر يصدق عرفا بأنّ تمامها يكون جهرا، أو أنّ المتعارف قائم على أنّ المتكلّم أو الخطيب يخفت غالبا عند أداء الكلمة الأخيرة و الأمر بالجهر بالقراءة منصرف الى ما هو المتعارف في كيفيّة الجهر.

فيدفع الأوّل بأنّ الصدق المزبور مبني على المسامحة، و الثاني بأنّ الانصراف لو كان فهو بدوي فلايوجب تقييد الاطلاقات.

فصل : في الركوع

اشارة

(1) يجب في كلّ ركعة من الفرائض و النوافل ركوع واحد الاّ في صلاة الآيات ففي كلّ من ركعتيها خمس ركوعات كما سيأتي. و هو ركن تبطل الصلاة بتركه عمدا كان أو سهوا، و كذا بزيادته في الفريضة، الاّ في صلاة الجماعة فلاتضرّ بقصد المتابعة. و واجباته أمور:

واجباته أمور: «أحدها»: الانحناء

اشارة

«أحدها»: الانحناء على الوجه المتعارف بمقدار تصل يداه الى ركبتيه وصولاً لو أراد وضع شيء منهما عليهما لوضعه و يكفي وصول مجموع أطراف الأصابع التي منها الابهام على الوجه المذكور، و الأحوط الانحناء بمقدار امكان وصول الراحة اليها، فلايكفي مسمّى الانحناء و لا الانحناء على غير الوجه المتعارف بأن ينحني على أحد جانبيه أو يخفض كفليه ويرفع ركبتيه و نحو ذلك و غير المستوي الخلقة كطويل اليدين أو قصيرهما


1) - الركوع لغة: الانحناء، يقال: ركع الشيخ أي انحنى من الكبر. و في الشرع: انحناء مخصوص.

يرجع الى المستوي، و لابأس باختلاف أفراد المستوين خلقة فلكلّ حكم نفسه بالنسبة الى يديه و ركبتيه.

الشرح:

يجب الركوع في كلّ ركعة من الفرائض و النوافل، بالنصّ و الاجماع.

قال في مفتاح الكرامة: «وجوب الركوع ثابت باجماع علماء الاسلام. انتهى».(1)

و هو ركن تبطل الصلاة بالزيادة و النقيصة فيه، بالنصّ و الاجماع.

أمّا الاجماع: قال في مفتاح الكرامة: «و أمّا بطلان الصلاة بتركه عمدا أو سهوا فعليه الاجماع كما في المفاتيح و شرح الشيخ نجيب الدين. انتهى».(2)

و أمّا النصّ، ففي الصحيح عن أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«اذا أيقن الرجل أنّه ترك ركعة من الصلاة و قد سجد سجدتين و ترك الركوع استأنف الصلاة».(3)

و صحيحة رفاعة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«سألته عن رجل ينسى أن يركع حتّى يسجد و يقوم؟ قال: يستقبل».(4)

و صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«اذا استيقن أنّه قد زاد في الصلاة المكتوبة ركعة لم يعتدّ بها و استقبلالصلاة استقبالاً اذا كان قد استيقن يقينا».(5)


1) - مفتاح الكرامة 2: 414.

2) - نفس المصدر.

3) - وسائل الشيعة 6: 313 / الباب 10 من أبواب الركوع / الحديث 3.

4) - وسائل الشيعة 6: 312 / الباب 10 من أبواب الركوع / الحديث 1.

5) - وسائل الشيعة 6: 319 / الباب 14 من أبواب الركوع / الحديث 1.

و فيه فرعان:

الفرع الأوّل : في القدر الواجب من الانحناء للركوع

لا خلاف و لا اشكال في أنّ الركوع لايحصل الاّ بالانحناء. انّما الكلام و الاختلاف ظاهرا في مقدار الانحناء.

قال الشيخ في المبسوط: «و كمال الركوع أن ينحني و يضع يديه على ركبتيه مفرّجا أصابعه. انتهى».(1)

و قال في النهاية: «فاذا كبّرت و فرغت من التكبير ركعت، و املأ كفّيك من ركبتيك منفرجات الأصابع. انتهى».(2)

و قال الشيخ المفيد: «فاذا ركع فليمدّ عنقه، و ليعدل ظهره، و يلقم كفّيه عيني ركبتيه، و يكون نظره الى ما بين رجليه. انتهى».(3)

و قال في السرائر: «و ينبغي للراكع أن يمدّ عنقه، و يسوّي ظهره، و يفتح ابطيه مجنّحا بهما عن ملاصقة اضلاعه، و يملأ كفّيه من ركبتيه مفرّقا بين أصابعه. انتهى».(4)

و قال أبو الصلاح الحلبي في الكافي: «فاذا فرغ من القراءة فليكبّر و يركعمستويا، يضع يديه على ركبتيه و يفرّج أصابعهما و يمدّ عنقه و ينظر الى ما بين رجليه. انتهى».(5)

و قال سلاّر في المراسم: «و الركوع الوافي أن يمدّ عنقه و يسوّي ظهره و يلقم


1) - المبسوط 1: 109.

2) - النهاية و نكتها 1: 295.

3) - المقنعة: 105.

4) - السرائر 1: 244.

5) - سلسلة الينابيع الفقهيّة 3: 273.

كفّيه عيني ركبتيه. انتهى».(1)

و قال القاضي ابن البرّاج في المهذّب: «فاذا كبّر ركع و وضع باطن كفّيه على عيني ركبتيه مفرّجات الأصابع و سوّى ظهره و مدّ عنقه. انتهى».(2)

و قال ابن حمزة في الوسيلة: «و المندوب ضربان: فعل و كيفيّة. فالفعل أربعة و ثلاثون - الى أن قال: - و وضع يديه على ركبتيه في حال الركوع. انتهى».(3)

و قال في الشرائع: «الخامس: الركوع، و الواجب فيه خمسة أشياء: الأوّل أن ينحني بقدر ما يمكن وضع يديه على ركبتيه. انتهى ملخّصا».(4)

و قال في المختصر النافع: «و الواجب فيه (الركوع) خمسة: الانحناء قدر ما تصل معه كفّاه الى ركبتيه. انتهى».(5)

و قال العلاّمة في القواعد: «و يجب فيه الانحناء بقدر وضع يديه على ركبتيه. انتهى».(6)

و قال في المنتهى: «و يجب فيه الانحناء بلا خلاف لأنّه حقيقة معناه و قدره أن يكون بحيث يبلغ يده الى ركبتيه و هو قول أهل العلم كافّة الاّ أبا حنيفة فانّهأوجب مطلق الانحناء. انتهى».(7)

و قال في التذكرة(8)مثل ذلك. و مثله قال في تحرير الأحكام(9)و نهاية


1) - نفس المصدر: 372.

2) - نفس المصدر: 419.

3) - نفس المصدر 4: 585.

4) - شرائع الاسلام 1: 84.

5) - المختصر النافع 1: 31.

6) - سلسلة الينابيع الفقهيّة 4: 920.

7) - منتهى المطلب 1: 281.

8) - تذكرة الفقهاء 1: 118.

9) - تحرير الأحكام 1: 39.

الأحكام(1).

و قال الشهيد الأوّل في الدروس و البيان و اللمعة: «و يجب فيه الانحناء حتّى تصل كفّاه ركبتيه. انتهى».

و الشهيد الثاني في شرح اللمعة بعد ذكر فتوى الشهيد الأوّل قال: «و المعتبر وصول جزء من باطنه لا جميعه و لا رؤوس الأصابع. انتهى».(2)

و في المسالك بعد ذكر فتوى الشرائع قال: «و الظاهر الاكتفاء ببلوغ الأصابع. انتهى».(3)

و في المدارك قال: «أن ينحني بقدر ما يمكن وضع يديه على ركبتيه. - ثمّ قال: - قال في المعتبر: انّه قول العلماء كافّة عدا أبيحنيفة. انتهى».(4)

و قال في الحدائق: «يجب الانحناء بقدر ما تصل يداه ركبتيه و يمكن وضعهما على الركبتين. انتهى».(5)

و في المحكي عن جامع المقاصد: «أن ينحني بقدر ما يمكن وضع يديه على ركبتيه».(6)

و في المحكي عن العلاّمة الطباطبائي:

«و الحدّ فيه الانحناء الموصل *** لليد بالركبة أو ما ينزل»

و قال في الجواهر: «انّ الوجوه المحتملة بل الأقوال ثلاثة أو أربعة، أحدها: الاجتزاء بوصول رؤوس الأصابع و ان لم يصل الى امكان الوضع. الثاني: الوضع ولو لبعض الكفّ. الثالث: وضع تمام الكفّ. الرابع: وضع بعض الراحة. و الأوّل


1) - نهاية الأحكام 1: 480.

2) - الروضة البهيّة 1: 614.

3) - مسالك الأفهام 1: 213.

4) - مدارك الأحكام 3: 385.

5) - الحدائق الناضرة 8: 217.

6) - جامع المقاصد 2: 283.

خيرة الحدائق، و الثاني صريح الشهيد الثاني، و الثالث ظاهر المعتبر و الذكرى و التذكرة، و الرابع ظاهر المحكي عن الخراساني - ثمّ قال: - و يمكن ارجاع البعض الى البعض. انتهى».(1)

أقول:

لم يظهر من كلام القدماء قدر الواجب في الانحناء فكأنّهم بصدد بيان مستحبّات الركوع كما صرّح به ابن حمزة في الوسيلة، و هو الظاهر من الشيخ في المبسوط و ابن ادريس و سلاّر.

و قال في الجواهر: «انّ الركوع عبارة عن حالة خاصّة من التقوّس لايختلف مسمّاها بالنسبة الى المكلّفين، لكن لما كان هو غير منضبط و معرفة أوّل أفراده في غاية الصعوبة على المكلّفين كالاقتصار على الفرد الأعلى، تلطف الشارع بحدّ له مبناه في الأصل على التقريب في حصول أوّل مسمّى الركوع. انتهى ملخّصا».(2)

و الظاهر من كلام المتأخّرين و من بعدهم وجوب الانحناء بقدر ما يمكن وضع يديه على ركبتيه. نعم منهم من صرّح باكتفاء وصول رؤوس الأصابع كما عرفت.

ولنذكر الروايات الواردة في قدر الانحناء حتّى يظهر الحال ان شاء اللّه تعالى:

منها صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:

« ... فاذا ركعت فصفّ في ركوعك بين قدميك ... و تمكّن راحتيك من ركبتيك، و تضع يدك اليمنى على ركبتك اليمنى قبل اليسرى، و بلّغ أطراف أصابعك عين الركبة ... فان وصلت أطراف أصابعك في ركوعك الى ركبتيك أجزأك ذلك، و أحبّ اليّ أن تمكّن كفّيك من


1) - جواهر الكلام 10: 73.

2) - نفس المصدر: 74.

ركبتيك فتجعل أصابعك في عين الركبة و تفرّج بينها، و أقم صلبك و مدّ عنقك وليكن نظرك الى ما بين قدميك».(1)

و منها ما روى المحقّق في المعتبر و العلاّمة في المنتهى عن معاوية بن عمّار و ابن مسلم و الحلبي قالوا:

«و بلّغ بأطراف أصابعك عين الركبة».(2)

و منها صحيحة ثانية لزرارة قال:

«اذا قامت المرأة في الصلاة جمعت بين قدميها، و لاتفرّج بينهما، و تضمّ يديها الى صدرها لمكان ثدييها، فاذا ركعت وضعت يديها فوق ركبتيها على فخذيها لئلاّ تطأطأ كثيرا فترفع عجيزتها».(3)

و قد رواها الصدوق - عليه الرحمة - عن أبي جعفر عليه السلام بسند صحيح.

و منها صحيحة حمّاد عن أبي عبداللّه عليه السلام:

« ... ثمّ ركع و ملأ كفّيه من ركبتيه مفرّجات، و ردّ ركبتيه الى خلفه حتّى استوى ظهره، حتّى لو صبّ عليه قطرة ماء أو دهن لم تزللاستواء ظهره و تردّد ركبتيه الى خلفه، و نصب عنقه، و غمض عينيه».(4)

و منها خبر عمر بن أذينة عن أبي عبداللّه عليه السلام(في معراج النبي صلى الله عليه و آله ):

« ... ثمّ طأطئ يديك و اجعلهما على ركبتيك فانظر الى عرشي».(5)

و منها خبر محمّد بن موسى الهمداني عن علي بن الحسين عليه السلام:


1) - وسائل الشيعة 5: 461 / الباب 1 من أبواب أفعال الصلاة / الحديث 3.

2) - وسائل الشيعة 6: 335 / الباب 28 من أبواب الركوع / الحديث 2.

3) - وسائل الشيعة 5: 462 / الباب 1 من أبواب أفعال الصلاة / الحديث 4.

4) - وسائل الشيعة 5: 459 / الباب 1 من أبواب أفعال الصلاة / الحديث 1.

5) - وسائل الشيعة 5: 465 / الباب 1 من أبواب أفعال الصلاة / الحديث 10.

« ... فاذا ركعت فانشر أصابعك على ركبتيك و ارفع صلبك».(1)

و منها النبوي الذي رواه الجمهور عن النبي صلى الله عليه و آله قال:

«قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله : اذا ركعت فضع كفّيك على ركبتك».(2)

و منها خبر عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلامعن الرجل ينسى القنوت في الوتر أو غير الوتر، فقال:

«ليس عليه شيء، و قال: ان ذكره و قد أهوى الى الركوع قبل أن يضع يديه على الركبتين فليرجع قائما و ليقنت ثمّ ليركع، و ان وضع يده على الركبتين فليمض في صلاته و ليس عليه شيء».(3)

و العمدة صحيحتا زرارة حيث قال المعصوم عليه السلام في الأولى منهما: «فان وصلت أطراف أصابعك في ركوعك الى ركبتيك أجزأك ذلك». فالواجب أن ينحني بقدر ما تصل أصابعه الى ركبتيه، و الظاهر أنّه اذا وصل ثلاثة من أصابعه الى ركبتيه صدق وصول الأصابع اليهما، كما أنّ الظاهر أنّ المراد من ركبتيه لايكون عين الركبة، و الاّ لذكره. و لايكون ما رواه في المعتبر عن الحلبي و ابن مسلم ومعاوية بن عمّار أنّهم قالوا: «و بلّغ بأطراف أصابعك عين الركبة» مقيّدا للصحيحة لكونها مرسلة مع احتمال أنّها مأخوذة من الصحيحة المذكورة، و لو كانتا روايتين، تحمل المرسلة على الاستحباب جمعا. و أمّا الصحيحة الثانية، فنقول بأنّها لاتنافي الصحيحة الأولى؛ لأنّه يمكن أن تصل أصابعها الى ركبتيها مع وضع يديها فوق ركبتيها.

و أمّا حكم سائر الأخبار فانّها تحمل على الاستحباب جمعا.

و لاتعارض بين صحيحة زرارة و بين رواية عمّار في القنوت؛ لأنّها ضعيفة


1) - وسائل الشيعة 5: 472 / الباب 1 من أبواب أفعال الصلاة / الحديث 18.

2) - المعتبر في شرح المختصر: 179.

3) - وسائل الشيعة 6: 286 / الباب 15 من أبواب القنوت / الحديث 2.

أوّلاً من جهة السند لعلي بن خالد و ثانيا من جهة الدلالة لكونها واردة في الوتر و ان عطف اليها غيرها الاّ أنّها قاصرة الشمول للفريضة مضافا الى أنّ المدار في الرواية للرجوع و عدم الرجوع هو وضع اليدين على الركبتين و عدم وضعهما، و الحال أنّ الوضع أي وضع اليدين على الركبتين ليس واجبا بل يكون مستحبّا.

فتحصّل أنّ الأقوى كفاية الانحناء حدّا تصل أطراف الاصابع الى الركبتين و ان لم تصل الراحة اليهما. فلايكون هذا مخالفا لكلمات القدماء لما عرفت من أنّهم لم يتعرّضوا للقدر الواجب من الانحناء تعيينا. و أمّا المتأخّرون، و ان كان ظاهره يخالف بعضهم لأنّهم ذهبوا الى وجوب الانحناء بقدر ما يمكن وضع اليدين على الركبتين، الاّ أنّ بعضهم الآخر كالشهيد في المسالك قال باكتفاء بلوغ الأصابع الى الركبتين، بل المجلسي في البحار ادّعى أنّ المشهور اكتفوا ببلوغ أطراف الأصابع. هذا أوّلاً.

و ثانيا: يمكن أن يقال بأنّ مرادهم بوضع اليدين على الركبتين هو ايصال الأصابع و ان كان بعيدا.

و ثالثا: انّ دليل فتواهم هو الروايات المذكورة المتقدّمة، فكأنّهم فهموا من قوله عليه السلامفي صحيحة زرارة: «فان وصلت أطراف أصابعك في ركوعك الى ركبتيكأجزأك ذلك» وصول جميع الأصابع الى الركبة حتّى الخِنصر و الابهام (لأنّه قضيّة الجمع المحلّى باللام) و هو ملازم لوصول الكفّ، غايته أنّه لايلزم وضع تمام الكفّ بل يكفي وضع بعضه عملاً بهذه الصحيحة، فتحمل سائر الأخبار ممّا ظاهرها المنافات للصحيحة عليها، جمعا.

و فيه أوّلاً: انّ ارادة العموم الافرادي الشامل للابهام بل الخنصر متعذّر في المقام، اذ لازمه ارادة الابهام خاصّة أو الخنصر خاصّة من أطراف الأصابع، لوضوح أنّ الابهام بالاضافة الى ماعداه من بقيّة الأصابع وضع لتمامها لا وصول لطرفها، فلا مناص من أن يراد به العموم المجموعي الصادق على الثلاثة الوسطى.

و ثانيا: انّ العموم في المقام منفي من أصله لعدم التعبير بالأصابع في الصحيحة كي يكون جمعا محلّى باللام و من صيغ العامّ، و من المعلوم أنّ الجمع المضاف و هو قوله عليه السلام: « ... أطراف أصابعك» لايدلّ على الشمول بالعموم الوضعي، و الشمول بالاطلاق متعذّر كما عرفت آنفا. و عليه ففيما ذهب اليه الماتن من «كفاية وصول مجموع أطراف الأصابع حتّى الابهام» اشكال.

قال في الحدائق: «فاعلم أنّه لا خلاف بين الأصحاب فيما أعلم أنّه لايجب وضع اليدين على الركبتين و قد نقلوا الاجماع على ذلك، و انّما المعتبر وصولهما بحيث لو أراد الوضع لوضعهما و الوضع انّما هو مستحبّ. و انّما الخلاف في القدر المعتبر في الوصول من اليد، فالمشهور على ما ذكره شيخنا في البحار أنّ الانحناء الى أن تصل الأصابع الى الركبتين هو الواجب و الزائد مستحبّ - الى أن قال: - قد عرفت صراحة الروايتين المتقدّمتين في الاكتفاء ببلوغ رؤوس الأصابع، و يؤكّده تصريحه عليه السلام في صحيحة زرارة بالأفضليّة في وضع الكفّين بقوله: «و أحبّ اليّ». انتهى موضع الحاجة من كلامه».(1)

الفرع الثاني : في كيفيّة الانحناء و حكم غير مستوي الخلقة

قد عرفت الكلام في حدّ الانحناء و أمّا كيفيّته فيلزم أن يكون على الوجه المتعارف كما هو حقيقة الركوع لغة و عرفا و الانحناء على غير الوجه المتعارف لايصدق عليه الركوع فلايصحّ.

و قد عرفت أيضا أنّ الركوع لغة هو الانحناء و شرعا أن ينحني بقدر ما تصل أطراف الأصابع الى الركبتين، و من المعلوم أنّ خطاب ايصال أطراف الأصابع الى


1) - الحدائق الناضرة 8: 218 و 219.

الركبتين متوجّه الى من كان خلقته متعارفة، مضافا الى أنّ وصول الأصابع الى الركبتين طريق الى الانحناء الخاصّ، و لا موضوعيّة له، و عليه فغير مستوي الخلقة كطويل اليدين أو قصيرهما يرجع الى المستوي.

قال في الحدائق: «لو كانت يداه في الطول بحيث تبلغ ركبتيه من غير انحناء أو قصيرتين بحيث لاتبلغ مع الانحناء و نحوهما المقطوعتان، انحنى كما ينحني مستوي الخلقة حملاً لألفاظ النصوص على ما هو الغالب المتكرّر كما عرفت في غير موضع. انتهى».(1)

و قال في الجواهر: «و لا اشكال في أنّ التحديد المذكور في النصّ و الفتوى و معاقد الاجماعات بالنسبة الى مستوي الخلقة، اذ هو المنساق الى الذهن من أمثال ذلك في سائر المقامات، فان كانت يداه في الطول بحيث تبلغ ركبتيه من غير انحناء أو في القصر بحيث لاتبلغهما الاّ بغاية الانحناء، انحنى كما ينحني مستويالخلقة، على حسب النسبة و لو بفرضه مستوي الخلقة بأن يقدر تناسب أعضائه، بلا خلاف أجده في شيء من ذلك سوى ما في مجمع البرهان من أنّه لا دليل واضح على انحناء قصير اليدين و طويلهما كالمستوي، و لايبعد القول بالانحناء حتّى يصل الى الركبتين مطلقا لظاهر الخبر - الى أن قال: - و لا ريب في وضوح بطلانه، لانصراف الاطلاق الى الفرد الشائع المتعارف المعهود، و لأنّه هو المناسب للتحديد المقصود به الانضباط و عدم الاختلاف».(2)

ما ذهب اليه الماتن هو الصحيح و ذلك لأنّ خطاب ايصال أطراف الأصابع الى الركبتين متوجّه الى مستوي الخلقة.

ثمّ انّه لابأس باختلاف الأفراد المستوين خلقة لتسامح العرف في ذلك.

قال في الجواهر: «و لايقدح تفاوت أفراد مستوي الخلقة للتسامح في مثله.


1) - نفس المصدر: 222.

2) - جواهر الكلام 10: 75 و 76.

انتهى».(1)

و انّ لكلّ حكم نفسه بالنسبة الى يديه و ركبتيه لا لما ذكره صاحب الجواهر من تعليله بأنّه المنساق الى الذهن، و الموافق لفرض التحديد، و لكاف الخطاب حتّى يكون موردا لاشكال صاحب المستمسك، بل لأنّ العرف يراهم واحدا، و في الحدّ المتعارف.

«الثاني»: الذكر

اشارة

«الثاني»: الذكر. و الأحوط اختيار التسبيح من أفراده مخيّرا بين الثلاث من الصغرى، و هي «سبحان اللّه»، و بين التسبيحة الكبرى، و هي «سبحان ربّي العظيم و بحمده»، و ان كان الأقوى كفاية مطلق الذكر من التسبيح أو التحميد أو التهليل أو التكبير بل و غيرها بشرط أن يكون بقدر الثلاث الصغرياتفيجزي أن يقول «الحمد للّه» ثلاثا أو «اللّه أكبر» كذلك أو نحو ذلك.

الشرح:

هنا فروع:

الفرع الأوّل : في وجوب الذكر في الركوع

لا اشكال في وجوب الذكر في الركوع بالنصّ و الاجماع.

أمّا الأوّل فلصحيحة هشام بن سالم قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلامعن التسبيح في الركوع و السجود، فقال: تقول في الركوع: «سبحان ربّي العظيم»، و في السجود: «سبحان ربّي الأعلى»، الفريضة من ذلك تسبيحة و السنّة ثلاث و الفضل في


1) - نفس المصدر: 76.

سبع».(1)

و أمّا الثاني فقد قال في الجواهر: «الذكر واجب في الجملة اجماعا محصّلاً و محكيّا في المنتهى و الذكرى و جامع المقاصد و المدارك. انتهى».(2)

الفرع الثاني : في اجزاء ثلاث تسبيحات من الصغرى

تدلّ على اجزاء ثلاث تسبيحات من الصغرى صحيحة معاوية بن عمّار قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: أخفّ ما يكون من التسبيح في الصلاة؟ قال: ثلاث تسبيحات مترسّلاً، تقول: سبحان اللّه سبحان اللّه سبحان اللّه».(3)

و موثّقة سماعة قال:

«سألته عن الركوع و السجود هل نزل في القرآن؟ قال: نعم، قول اللّه تعالى: «يا أيّها الذين آمنوا اركعوا و اسجدوا»، قلت: كيف حدّ الركوع و السجود؟ فقال: أمّا ما يجزيك من الركوع فثلاث تسبيحات تقول: سبحان اللّه سبحان اللّه سبحان اللّه ثلاثا».(4)

و يدلّ على التخيير بينها و بين التسبيحة الكبرى صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«قلت له: ما يجزي من القول في الركوع و السجود؟ فقال: ثلاث


1) - وسائل الشيعة 6: 299 / الباب 4 من أبواب الركوع / الحديث 1.

2) - جواهر الكلام 10: 89.

3) - وسائل الشيعة 6: 303 / الباب 5 من أبواب الركوع / الحديث 2.

4) - وسائل الشيعة 6: 303 / الباب 5 من أبواب الركوع / الحديث 3.

تسبيحات في ترسّل، و واحدة تامّة تجزي».(1)

الفرع الثالث : في التسبيحة الكبرى

و أمّا التسبيحة الكبرى فصورتها «سبحان ربّي العظيم و بحمده» و الدليل على ذلك صحيحة حمّاد عن أبي عبداللّه عليه السلام:

« ... ثمّ سبّح ثلاثا بترتيل و قال: سبحان ربّي العظيم و بحمده».(2)

و صحيحة عمر بن أذينة عن أبي عبداللّه عليه السلام:

« ... قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله : فنظرت الى عظمة ذهبت لها نفسي و غُشي عليّ فأُلهمت أن قلت: سبحان ربّي العظيم و بحمده».(3)

و صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«اذا أردت أن تركع فقل - الى أن قال: - سبحان ربّي العظيم و بحمده ثلاث مرّات في ترسّل».(4)

و رواية أبي بكر الحضرمي قال:

«قلت لأبي جعفر عليه السلام: أيّ شيء حدّ الركوع و السجود؟ قال: تقول «سبحان ربّي العظيم و بحمده» ثلاثا في الركوع، و «سبحان ربّي الأعلى و بحمده» ثلاثا في السجود، فمن نقص واحدة نقص ثلث صلاته، و من نقص اثنتين نقص ثلثي صلاته، و من لم يسبّح


1) - وسائل الشيعة 6: 299 / الباب 4 من أبواب الركوع / الحديث 2.

2) - وسائل الشيعة 5: 459 / الباب 1 من أبواب أفعال الصلاة / الحديث 1.

3) - وسائل الشيعة 5: 467 / الباب 1 من أبواب أفعال الصلاة / الحديث 10.

4) - وسائل الشيعة 6: 295 / الباب 1 من أبواب الركوع / الحديث 1.

فلا صلاة له».(1)

و رواية هشام بن الحكم عن أبي الحسن موسى عليه السلام (في حديث) قال:

«قلت له: لأيّ علّة يقال في الركوع: «سبحان ربّي العظيم و بحمده»؟ و يقال في السجود: «سبحان ربّي الأعلى و بحمده»؟ قال: يا هشام، انّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله لمّا أسري به و صلّى و ذكر ما رأى من عظمة اللّه ارتعدت فرائصه(2)فابترك على ركبتيه و أخذ يقول: «سبحان ربّيالعظيم و بحمده»، فلمّا اعتدل من ركوعه قائما نظر اليه في موضع أعلى من ذلك الموضع خرّ على وجهه و هو يقول: «سبحان ربّي الأعلى و بحمده»، فلمّا قالها سبع مرّات سكن ذلك الرعب، فلذلك جرت به السنّة».(3)

و رواية حمزة بن حمران و الحسن بن زياد قالا:

«دخلنا على أبي عبداللّه عليه السلامو عنده قوم فصلّى بهم العصر و قد كنّا صلّينا فعددنا له في ركوعه «سبحان ربّي العظيم» أربعا أو ثلاثا و ثلاثين مرّة، و قال أحدهما في حديثه: «و بحمده» في الركوع و السجود».(4)

و لاتعارض الروايات المذكورة رواية هشام بن سالم قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلامعن التسبيح في الركوع و السجود؟ فقال: تقول في الركوع: «سبحان ربّي العظيم»، و في السجود: «سبحان ربّي الأعلى»، الفريضة من ذلك تسبيحة، و السنّة ثلاث، و الفضل في


1) - وسائل الشيعة 6: 300 / الباب 4 من أبواب الركوع / الحديث 5.

2) - الفرائص: مفردها الفريصة و هي اللحمة بين الجنب و الكتف أو بين الثدي و الكتف ترعد عند الفزع.

3) - وسائل الشيعة 6: 328 / الباب 21 من أبواب الركوع / الحديث 2.

4) - وسائل الشيعة 6: 304 / الباب 6 من أبواب الركوع / الحديث 2.

سبع».(1)

و ذلك لضعف سندها لقاسم بن عروة.

و قال في المستمسك: «و الجمع العرفي بينها و بين ما ترك فيها ذكر «و بحمده»، هو حمل الثاني على ارادة الاكتفاء في بيان الكلّ ببيان البعض، فانّه أقرب عرفا من الحمل على الاستحباب. انتهى ملخّصا».(2)

و يشهد لقوله رحمه الله رواية حمزة بن حمران المتقدّمة آنفا، ولكن الظاهر أنّ الصادر عنه عليه السلامكان مشتملاً على كلمة «و بحمده» كما اعترف به أحد الراويين على ما صرّح به في الذيل، و مع ذلك فقد عبّر الراوي الآخر عن تسبيحه عليه السلام بقوله «سبحان ربّي العظيم»، و ليس ذلك الاّ للاكتفاء في بيان الكلّ ببيان البعض.

ثمّ اعلم أنّ القائلين بالتسبيح - على ما في مفتاح الكرامة - اختلفوا على سبعة أقوال: «الأوّل: جواز التسبيح مطلقا كما في الانتصار. الثاني: وجوب تسبيحة واحدة كبرى و هي «سبحان ربّي العظيم و بحمده» كما هو خيرة جمل السيّد و المراسم و المصباح و التبصرة و قد يظهر من القاضي دعوى الاجماع عليه و في البيان الأظهر أنّ هذه تجب عينا. الثالث: التخيير بين واحدة كبرى و ثلاث صغريات و هي «سبحان اللّه» كما هو خيرة الشرائع و اللمعة و الألفية للمختار و في اللمعة يكفي مطلق الذكر للمضطرّ و في الشرائع واحدة صغرى. الرابع: وجوب ثلاث على المختار و واحدة على المضطرّ و هو منسوب الى أبي الصلاح و الى الحسن. الخامس: وجوب ثلاث تسبيحات كبار و هو خيرة المقنعة. السادس:التخيير بين «سبحان ربّي العظيم» مرّة بدون «و بحمده» و «سبحان اللّه» ثلاثا و في الضرورة مرّة واحدة كما في النافع و الاستبصار. السابع: يجوز الاقتصار


1) - وسائل الشيعة 6: 299 / الباب 4 من أبواب الركوع / الحديث 1.

2) - مستمسك العروة 6: 302.

على «سبحان اللّه» مرّة واحدة اختيارا كما في الغنية. انتهى ملخّصا».(1)

الفرع الرابع : في كفاية مطلق الذكر

قال العلاّمة في القواعد: «و يجب الذكر من تسبيح وشبهه على رأي. انتهى».(2)

و في شرح ذلك قال في مفتاح الكرامة: «فلايتعيّن التسبيح بلا خلاف كما في السرائر بل مطلق الذكر كافٍ كما هو خيرة المبسوط و المنتهى و التذكرة و الارشاد و التحرير و نهاية الأحكام و المختلف و غاية المراد و الموجزالحاوي و التنقيح و جامع المقاصد و فوائد الشرائع و الجعفريّة و شرحيها و الميسيّة و كنز العرفان و المسالك و الروض و الروضة و المدارك و رسالة صاحب المعالم و قوّاه في المقاصد العليّة. انتهى».(3)

و الأقوى كفاية مطلق الذكر بشرط أن يكون بقدر الثلاث الصغرى.

أمّا كفاية مطلق الذكر فلصحيحة هشام بن الحكم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«قلت له: يجزي أن أقول مكان التسبيح في الركوع و السجود: لا اله الاّ اللّه و الحمد للّه و اللّه أكبر؟ فقال: نعم كلّ هذا ذكر اللّه».(4)

و صحيحة هشام بن سالم عن أبي عبداللّه عليه السلاممثله و قال:

«سألته: يجزي عنّي أن أقول مكان التسبيح في الركوع و السجود:


1) - مفتاح الكرامة 2: 418 و 419.

2) - سلسلة الينابيع الفقهيّة 4: 920.

3) - مفتاح الكرامة 2: 417.

4) - وسائل الشيعة 6: 307 / الباب 7 من أبواب الركوع / الحديث 1.

لا اله الاّ اللّه و اللّه أكبر؟ قال: نعم».(1)

و الدليل على كونه بقدر الثلاث الصغرى صحيحة مسمع عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«لايجزي الرجل في صلاته أقلّ من ثلاث تسبيحات أو قدرهنّ».(2)

و صحيحة أخرى لمسمع أبي سيّار عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«يجزيك من القول في الركوع و السجود ثلاث تسبيحات أو قدرهنّ مترسّلاً و ليس له و لا كرامة أن يقول: سبّح سبّح سبّح».(3)

فاطلاق صحيحتي هشام بن الحكم و هشام بن سالم يقيّد بصحيحتي مسمع، كما هو واضح. و لايكون ما سبق من الأخبار معارضا لهذه الصحاح؛ لأنّ غاية تلك الأخبار الظهور في تعيّن التسبيح و أمّا هذه الصحاح فامّا نصّ في التعيّن أو أظهر ممّا سبق فيه، فلا ريب في تقدّم الأظهر على الظاهر، فمقتضى الجمع العرفي بينهما حمل تلك الروايات المتقدّمة على بيان أفضل الأفراد.

«الثالث»: الطمأنينة فيه بمقدار الذكر الواجب

اشارة

«الثالث»: الطمأنينة فيه بمقدار الذكر الواجب، بل الأحوط ذلك في الذكر المندوب أيضا اذا جاء به بقصد الخصوصيّة. فلو تركها عمدا بطلت صلاته بخلاف السهو على الأصحّ و ان كان الأحوط الاستئناف اذا تركها فيه أصلاً و لو سهوا، بل و كذلك اذا تركها في الذكر الواجب.

الشرح:

الطمأنينة واجبة في الركوع بقدر الذكر الواجب، و الظاهر أنّ عمدة الدليل عليها الاجماع، ولنذكر فتوى الأصحاب في ذلك:


1) - وسائل الشيعة 6: 307 / الباب 7 من أبواب الركوع / الحديث 2.

2) - وسائل الشيعة 6: 303 / الباب 5 من أبواب الركوع / الحديث 4.

3) - وسائل الشيعة 6: 302 / الباب 5 من أبواب الركوع / الحديث 1.

قال الشيخ في الخلاف: «الطمأنينة في الركوع ركن من أركان الصلاة، و به قال الشافعي، و قال أبو حنيفة: انّها غير واجبة ... دليلنا اجماع الفرقة. انتهى».(1)

و قال في المبسوط: «و الطمأنينة واجبة في الركوع. انتهى».(2)

و قال في الغنية: «و يجب الركوع و السجود الأوّل و الثاني في كلّ ركعة و يجب الطمأنينة في ذلك كلّه. انتهى».(3)

و قال في السرائر: «و الطمأنينة واجبة في القيام و كذلك في الركوع بقدر ما ينطق بالذكر الواجب و ما زاد على ذلك فمستحبّ. انتهى».(4)

و قال في الشرائع: «الطمأنينة فيه (الركوع) بقدر ما يؤدّي واجب الذكر مع القدرة. انتهى».(5)

و قال في المختصر النافع: «و الطمأنينة بقدر الذكر الواجب. انتهى».(6)

و قال في المعتبر: «الطمأنينة فيه بقدر الذكر الواجب واجبة و معنى الطمأنينة السكون حتّى يرجع كلّ عضو مستقرّه و ان قلّ و هو واجب باتّفاق علمائنا. و قال الشيخ في الخلاف: هو ركن و به قال الشافعي و أحمد، و قال أبو حنيفة: ليس بواجب؛ لقوله تعالى: «اركعوا و اسجدوا» و هو يتحقّق بمجرّد الانحناء فيتحقّق الامتثال. لنا: قوله عليه السلام للأعرابي: «ثمّ اركع حتّى تطمئنّ راكعا» و عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه و آله أنّه قال: «لايجزي صلاة الرجل حتّى يقيم ظهره في الركوع و السجود. و من طريق الأصحاب روايات، منها رواية حمّاد - الى أن قال: - ثمّ ركع و ملأ كفّيه من ركبتيه مفرّجات ثمّ سوّى ظهره و مدّ عنقه. و رواه زرارة عن أبي جعفر عليه السلام: فاذا


1) - كتاب الخلاف 1: 348 / مسألة 98.

2) - المبسوط 1: 109.

3) - سلسلة الينابيع الفقهيّة 4: 547.

4) - السرائر 1: 224.

5) - شرائع الاسلام 1: 85.

6) - المختصر النافع 1: 32.

ركعت فصفّ قدميك و اجعل بينهما شبرا و أقم صلبك و مدّ عنقك. انتهى».(1)

و قال العلاّمة في المنتهى: «و يجب فيه الطمأنينة بقدر الذكر الواجب، و الطمأنينة هي السكون حتّى يرجع كلّ عضو مستقرّه و ان قلّ و هو قول علمائنا أجمع. انتهى».(2)

و قال في التذكرة: «و يجب فيه بعد الانحناء الطمأنينة عند علمائنا أجمع - الى أن قال: - الطمأنينة ليست ركنا لأنّ الصلاة لاتبطل بالاخلال بها سهوا. انتهى».(3)

و قال في التحرير: «يجب فيه الطمأنينة بقدر الذكر الواجب. انتهى».(4)

و قال في نهاية الأحكام: «يجب فيه الطمأنينة - الى أن قال: - و الطمأنينة ليست ركنا في الصلاة و قدرها قدر الذكر الواجب؛ لوجوب الذكر فيه، فلابدّ من السكون بقدر أدائه. انتهى ملخّصا».(5)

و قال في الدروس: «و تجب الطمأنينة فيه، و في ركنيّتها قولان. انتهى».(6)

و قال في البيان: «و الطمأنينة فيه و ليست ركنا على الأصحّ. انتهى».(7)

و قال في اللمعة: «مطمئنّا فيه بقدر واجب الذكر. انتهى».(8)

و مثله قال في المدارك.(9)

و قال في الحدائق: «الثاني: الطمأنينة بقدر الذكر الواجب في الركوع، و وجوبها بهذا القدر ممّا لا خلاف فيه - الى أن قال: - و الأصحاب لم يذكروا هنا دليلاً على


1) - المعتبر في شرح المختصر: 180.

2) - منتهى المطلب 1: 282.

3) - تذكرة الفقهاء 1: 118.

4) - تحرير الأحكام: 39.

5) - نهاية الأحكام 1: 481.

6) - الدروس الشرعيّة 1: 177.

7) - البيان: 86.

8) - الروضة البهيّة 1: 614.

9) - مدارك الأحكام 3: 387.

الحكم المذكور من الأخبار و ظاهرهم انحصار الدليل في الاجماع. انتهىملخّصا».(1)

و قال في الجواهر: «الواجب الثاني في الركوع الطمأنينة بلا خلاف أجده فيه. انتهى».(2)

و الظاهر من هذه الأقوال أمران:

الأوّل: وجوب الطمأنينة حال الركوع بمعنى أنّه لو نسي الذكر و لم يستقرّ فيه عمدا بطلت صلاته؛ لأنّه ترك واجبا و هو الطمأنينة.

الثاني: وجوب الطمأنينة في حال الذكر الواجب و لو لم يستقرّ حال الذكر عمدا بطلت صلاته، و الظاهر منها أنّ الطمأنينة ليست دخيلة في ماهيّة الركوع بحيث لو لم يأت بها لم يأت بالركوع، الاّ من الشيخ في الخلاف، و ان كان يمكن أن يكون قوله: «الطمأنينة ركن» في مقابل قول أبي حنيفة بأنّها غير واجبة، فتعبيره عن الطمأنينة بالركن للتأكيد بكونها واجبة.

و أمّا الأخبار التي يمكن أن يستدلّ بها على وجوب الطمأنينة، فمنها صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«بينا رسول اللّه صلى الله عليه و آله جالس في المسجد اذا دخل رجل فقام يصلّي فلم يتمّ ركوعه و لا سجوده فقال رسول اللّه صلى الله عليه و آله : نقر كنقر الغراب لئن مات هذا و هكذا صلاته ليموتنّ على غير ديني».(3)

و أورد عليها بأنّ غايتها لزوم المكث في الركوع برهة و لو متمايلاً من جانب الى آخر و عدم الاستعجال في رفع الرأس الذي به يكون ركوعه كنقر الغراب، وهذا أعمّ من الاستقرار المدّعى كما لايخفى.


1) - الحدائق الناضرة 8: 222 و 223.

2) - جواهر الكلام 10: 82.

3) - وسائل الشيعة 6: 298 / الباب 3 من أبواب الركوع / الحديث 1.

و يمكن أن يقال - و ان كان بعيدا - : انّ الصحيحة غير قاصرة الدلالة على المطلوب؛ لأنّ الغالب من الذين لايبالون بالصلاة، يقرؤون ذكر الركوع في حال الرفع، فكأنّه عليه السلام أشار بأنّ من لم يكن ركوعه و ذكر ركوعه في حال السكون لم يتمّ ركوعه.

و منها صحيحة بكر بن محمّد الأزدي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«سأله أبو بصير و أنا جالس عنده، عن الحور العين - الى أن قال: - و ما أشدّ من سرقة الصلاة، فاذا قام أحدكم فليعتدل، فاذا ركع فليتمكّن، و اذا رفع رأسه فليعتدل، و اذا سجد فلينفرج و ليتمكّن، و اذا رفع رأسه فليلبث حتّى يسكن».(1)

و الحقّ أنّ دلالة هذه الصحيحة على وجوب الطمأنينة واضحة، فانّ التمكّن هو الاستقرار و الطمأنينة، الاّ أنّ دلالتها على الاطمئنان في الركوع بالمطابقة و على الاطمئنان بمقدار الذكر الواجب بالالتزام.

و أمّا ما ذهب اليه بعض الأعاظم من: «أنّ التعبير بقوله: «اذا ركع فليتمكّن» ظاهر في الارشاد الى شرطيّة التمكّن في تحقّق الركوع المأمور به نظير قوله: «اذا صلّيت فاستقبل» لا أنّه واجب نفسي مستقلّ أو جزء ضمني للصلاة، و أمّا الدلالة على اعتباره في الذكر الواجب فبالدلالة الالتزاميّة، بمعنى أنّه اذا كان الركوع المأمور به متقوّما بالاطمئنان كما دلّت عليه هذه الصحيحة بالمطابقة فلازمه كون الاطمئنان بمقدار يتحقّق الذكر الواجب في ضمنه فلايكفي مسمّاه. انتهى ملخّصا».(2)

ففيه: انّ الظاهر من قوله عليه السلام: «اذا ركع فليتمكّن» وجوب التمكّن مضافا الى الركوع، فانّ الركوع قد تحقّق، و الشاهد على ذلك فتوى الأصحاب، فانّ الظاهر


1) - وسائل الشيعة 4: 35 / الباب 8 من أبواب أعداد الفرائض / الحديث 14.

2) - مستند العروة 4: 27.

من فتاويهم المتقدّمة وجوب الطمأنينة بعنوان الواجب النفسي المستقلّ بل صريح بعضهم كالعلاّمة(1)و الشهيد(2)فانّهما قالا: «الطمأنينة ليست ركنا».

قال في المستمسك: «خبر بكر بن محمّد الأزدي «اذا ركع فليتمكّن» و مرسل الذكرى عن النبي صلى الله عليه و آله : «ثمّ اركع حتّى تطمئنّ راكعا» يدلاّن على وجوب الطمأنينة في الركوع في الجملة لا على وجوبها بمقدار الذكر الواجب كما هو المدّعى فالعمدة في دليله الاجماع. انتهى».(3)

و القول بأنّ الخبرين يدلاّن على وجوب الطمأنينة بمقدار الذكر الواجب أيضا بالملازمة بعيد.

و أمّا الذكر المستحبّ، فاذا قصد به الخصوصيّة و الورود فانّه كالذكر الواجب في أنّ محلّه الركوع المأمور به فيعتبر الاستقرار فيه أيضا. نعم لو قصد بالذكر مطلقه فلايعتبر فيه الاستقرار، اذ ليس له محلّ معيّن. هذا اذا كان الدليل على الطمأنينة رواية الأزدي. و أمّا ان كان الدليل هو الاجماع، فالقدر المتيقّن منه الذكر

الواجب و حينئذ فالاحتياط حسن.

فرع : في حكم ترك الطمأنينة سهوا

لا اشكال في بطلان الصلاة اذا ترك الطمأنينة عمدا؛ لأنّها واجبة كما تقدّم. و أمّا لو تركها سهوا فان كان الدليل على وجوبها الاجماع، فلاتبطل الصلاة؛ لأنّ القدر المتيقّن منه هو تركها عمدا. و كذا لو كان الدليل على وجوبها اطلاق روايتي بكر بن محمّد الأزدي و النبوي المتقدّمتين؛ لأنّهما تقيّدان بقاعدة «لاتعاد»، سواء


1) - تذكرة الفقهاء: 118.

2) - البيان: 165.

3) - مستمسك العروة 6: 304.

كان تركها أصلاً أو في الذكر الواجب. نعم لو قلنا بدلالتهما على شرطيّة الطمأنينة في الركوع أمكن البناء على البطلان بفواتها؛ لاقتضائه فوات الركوع، لكن دلالتهما ضعيفة من هذه الجهة كما تقدّم. و لعلّه كان احتياط المصنّف بالاستئناف فيما اذا تركها فيه أصلاً و لو سهوا لذلك.

قال في المعتبر: «و قول الشيخ «هو ركن» في موضع المنع؛ لأنّا سنبيّن أنّ الصلاة لاتبطل بتركه سهوا و الركن ما تبطل الصلاة بتركه سهوا و عمدا، و انّما قلنا بقدر الذكر الواجب؛ لأنّا سنبيّن أنّ الذكر فيه واجب و اذا كان واجبا فلابدّ من السكون بقدر أداء الواجب. انتهى».(1)

قال المحقّق الهمداني في مصباح الفقيه: «بل المشهور لو لم يكن مجمعا عليه عدم اختلال الصلاة بالاخلال بها سهوا - الى أن قال: - نعم لو قلنا بظهور الأخبار المتقدّمة في كونها شرطا للركوع لا واجبا مستقلاًّ كالذكر فيه فقضيّة ما في بعضها من الاطلاق شموله لحال السهو كسائر المطلقات المسوقة لبيان الحكم الوضعي و ان لايخلو عن تأمّل. و ان قلنا بشرطيّتها للركوع فيشملها عقد المستثنى في حديث «لاتعاد» الاّ أنّه بالنسبة الى مسمّى الركوع، فلو أتى بمسمّاه مطمئنّا و نسيها حين الذكر لاتبطل صلاته لأنّها لاتزيد على أصل الذكر الذي بنسيانه لاتبطل الصلاة. انتهى ملخّصا».(2)


1) - المعتبر في شرح المختصر: 180.

2) - مصباح الفقيه / كتاب الصلاة: 329.

«الرابع»: رفع الرأس منه

«الرابع»: رفع الرأس منه حتّى ينتصب قائما، فلو سجد قبل ذلك عامدا بطلت الصلاة.

الشرح:

يجب رفع الرأس من الركوع حتّى ينتصب قائما بلا خلاف و لا اشكال.

قال في الجواهر: «الواجب الثالث فيه رفع الرأس منه اجماعا صريحا محكيّا في الغنية و الذكرى و جامع المقاصد و المدارك و كشف اللثام و عن الوسيلة و التذكرة و المفاتيح، و ظاهرا في المعتبر، و نصوصا مستفيضة. انتهى».(1)

قال في الخلاف: «رفع الرأس من الركوع و الطمأنينة واجب و ركن و به قال الشافعي. و قال أبو حنيفة و أصحابه: ليس الرفع من الركوع واجبا أصلاً. و روي عن أبي يوسف أنّ الرفع واجب. دليلنا: اجماع الفرقة عليه، و خبر حمّاد و زرارة تضمّن ذلك، و طريقة الاحتياط تقتضي ذلك. انتهى موضع الحاجة من كلامه».(2)

و الدليل على ذلك صحيحة أبي بصير قال:

«قال أبو عبداللّه عليه السلام- الى أن قال: - و اذا رفعت رأسك من الركوع فأقم صلبك حتّى ترجع مفاصلك».(3)

و صحيحة حمّاد التي فيها:

« ... ثمّ استوى قائما، فلمّا استمكن من القيام قال: سمع اللّه لمن حمده، ثمّ كبّر و هو قائم».(4)

و موثّقة اسحاق بن عمّار قال:

«سألت أبا الحسن عليه السلام - الى أن قال: - ثمّ قال له: ارفع رأسك يا محمّد،


1) - جواهر الكلام 10: 87.

2) - كتاب الخلاف 1: 351 / مسألة 102.

3) - وسائل الشيعة 5: 465 / الباب 1 من أبواب أفعال الصلاة / الحديث 9.

4) - وسائل الشيعة 5: 460 / الباب 1 من أبواب أفعال الصلاة / الحديث 1.

ففعل فقام منتصبا بين يدي اللّه».(1)

«الخامس»: الطمأنينة حال القيام بعد الرفع

«الخامس»: الطمأنينة حال القيام بعد الرفع، فتركها عمدا مبطل للصلاة.

الشرح:

الطمأنينة حال القيام بعد الرفع واجبة بلا خلاف و لا اشكال.

قال في الجواهر: «الواجب الرابع: الطمأنينة في الانتصاب بلا خلاف بين الأصحاب كما اعترف به غير واحد، بل في الغنية و جامع المقاصد و كشف اللثام و عن التذكرة و غيرها الاجماع عليه، و هو أن يعتدل قائما و يسكن و لو يسيرا».(2)

و الدليل عليه صحيحة حمّاد المتقدّمة التي فيها:

« ... فلمّا استمكن من القيام قال: سمع اللّه لمن حمده».(3)

بضميمة ما في ذيلها من قوله عليه السلام: «يا حمّاد! هكذا صلّ»، و لايضرّ بوجوب الاستمكان الذي يكون مساوقا للثبات و الاطمئنان، اشتمالها على الأمور المستحبّة لأنّها مخرجة عن الأمر الظاهر في الوجوب للقرينة و يبقى الباقي.

و لو تركها عمدا بطلت صلاته؛ لعدم اتيانه بالصلاة المأمور بها. و أمّا لو ترك الطمأنينة سهوا فلاتبطل صلاته لحديث «لاتعاد».

ثمّ انّه يجوز تطويل القيام بعد الرفع عن الركوع اذا لم يخرج به عن كونه مصلّياو لم يسكت سكوتا طويلاً.

قال في الجواهر: «فما في الذكرى عن بعض متأخّري الأصحاب - من أنّه لو طوّلها عمدا بذكر أو قراءة بطلت صلاته، لأنّها واجب قصير، بل لعلّه يلوح من المبسوط كما اعترف به في جامع المقاصد - في غير محلّه قطعا، و لقد أجاد في


1) - وسائل الشيعة 5: 469 / الباب 1 من أبواب أفعال الصلاة / الحديث 11.

2) - جواهر الكلام 10: 88.

3) - وسائل الشيعة 5: 460 / الباب 1 من أبواب أفعال الصلاة / الحديث 1.

ردّه له في الذكرى بالأخبار الحاثّة على الذكر و الدعاء في الصلاة من دون تقييد بمحلّ مخصوص. نعم كان عليه تقييده بما ذكرناه من عدم الخروج بسبب ذلك عن كونه مصلّيا. انتهى».(1)

في وضع اليدين على الركبتين حال الركوع

(مسألة 1): لايجب وضع اليدين على الركبتين حال الركوع، بل يكفي الانحناء بمقدار امكان الوضع كما مرّ.

الشرح:

تقدّم البحث عن ذلك و قلنا بكفاية الانحناء حدّا تصل أطراف الأصابع الى الركبتين و ان لم تصل الراحة اليهما. و من جملة الدلائل التي تقدّمت على ذلك صحيحة زرارة، ففيها قال عليه السلام: «فان وصلت أطراف أصابعك في ركوعك الى ركبتيك أجزأك ذلك و أحبّ اليّ ان تمكّن كفّيك من ركبتيك ... » فانّ الظاهر منها بل صريحها عدم وجوب وصول الكفّين الى الركبتين فضلاً عن وجوب الوضع، فما يظهر من الأمر بالوضع في الروايات يحمل على الاستحباب جمعا، فبذلك ظهر جواب صاحب الحدائق حيث قال فيه: «ثمّ لايخفى أنّ ظاهر أخبار المسألة هو الوضع لا مجرّد الانحناء بحيث لو أراد لوضع، و انّ الوضع مستحبّ كما هو المشهور في كلامهم و الدائر على رؤوس أقلامهم، فانّ هذه الأخبار و نحوهاظاهرة في خلافه و لا مخصّص لهذه الأخبار الاّ ما يدّعونه من الاجماع على عدم وجوب الوضع. انتهى».(2)

قال العلاّمة في المنتهى: «و يستحبّ للمصلّي وضع الكفّين على عيني الركبتين مفرّجات الأصابع عند الركوع و هو مذهب العلماء كافّة الاّ ما روي عن


1) - جواهر الكلام 10: 89.

2) - الحدائق الناضرة 8: 220.

ابن مسعود أنّه كان اذا ركع طبق يديه و جعلهما بين ركبتيه. لنا ما رواه الجمهور عن أبي حميد الساعدي أنّه وصف ركوع رسول اللّه صلى الله عليه و آله كما قلنا. و من طريق الخاصّة صحيحتا زرارة و صحيحة حمّاد حيث نقلا عن الصادق عليه السلام بوضع الكفّين على الركبتين، و لو صحّ ما ذهب اليه ابن مسعود فهو منسوخ. انتهى ملخّصا».(1)

فيما اذا لم يتمكّن من الانحناء

اشارة

(مسألة 2): اذا لم يتمكّن من الانحناء على الوجه المذكور و لو بالاعتماد على شيء أتى بالقدر الممكن و لاينتقل الى الجلوس و ان تمكّن من الركوع منه. و ان لم يتمكّن من الانحناء أصلاً و تمكّن منه جالسا أتى به جالسا، و الأحوط صلاة أخرى بالايماء قائما، و ان لم يتمكّن منه جالسا أيضا أومأ له و هو قائم برأسه ان أمكن، و الاّ فبالعينين تغميضا له و فتحا للرفع منه، و ان لم يتمكّن من ذلك أيضا نواه بقلبه و أتى بالذكر الواجب.

الشرح:

قال في مفتاح الكرامة: «و العاجز عن الانحناء الواجب يأتي بالممكن كما هو قول العلماء كافّة كما في المعتبر و في المبسوط و التذكرة لو أمكنه الانحناء الى أحد الجانبين وجب و به قال في المقاصد العليّة و في الدروس و الذكرىالاقتصار على نسبته الى الشيخ. انتهى».(2)

و قال في المعتبر: «و الواجب فيه الانحناء قدرا تصل معه كفّاه ركبتيه و لو عجز اقتصر على الممكن و الاّ أومأ. هذا قوله في المبسوط و عليه العلماء كافّة - الى أن قال: - و أمّا تعذّر ما دلّلنا عليه فلأنّ الزيادة تكليف ما ليس في الوسع فيكون منفيّا. انتهى».(3)


1) - منتهى المطلب 1: 285.

2) - مفتاح الكرامة 2: 421.

3) - المعتبر في شرح المختصر: 179.

و قال في المبسوط: «فان لم يمكنه أن يركع على سنن الركوع و قدر أن ينحني الى جانب لزمه ذلك فان لم يقدر على ذلك حتّى رأسه و ظهره، فان لم يقدر عليه أومأ برأسه و ظهره. انتهى».(1)

و قال في التذكرة: «و العاجز يأتي بالممكن لأنّ الزيادة تكليف بما لايطاق و لو تعذّر أومأ لأنّه القدر الممكن فيقتصر عليه (و ذكر رواية ابراهيم الكرخي). انتهى».(2)

و قال في الدروس: «و انحنى الى أحد الجانبين لو تعذّر الانحناء المعهود، قاله في المبسوط. انتهى».(3)

و قال في المدارك: «لا ريب في وجوب الاتيان بالممكن؛ لقوله عليه السلام: «لايسقط الميسور بالمعسور»، و لأنّ الزيادة بالنسبة الى العاجز عنها ممتنعة فيسقط التكليف بها و يجب الاتيان بالمقدور خاصّة؛ لأنّه بعض الواجب، فان عجز عن الانحناء بكلّ وجه اقتصر على الايماء بالرأس ان أمكن و الاّ فبالعينين لأنّه القدر الممكن. انتهى».(4)

و قال في كشف اللثام: «و العاجز عن الانحناء الواجب يأتي بالممكن فلايسقط الميسور بالمعسور و منه أن لايقدر الاّ على الانحناء على أحد جانبيه. انتهى».(5)

و قال في مستند الشيعة: «العاجز عن الانحناء بالقدر المعتبر ينحني بالمقدور لأنّ الانحناء واجب ثابت بالنصوص و الزائد عن مطلقه واجب آخر يثبته الاجماع


1) - المبسوط 1: 109 و 110.

2) - تذكرة الفقهاء 1: 118.

3) - الدروس الشرعيّة 1: 177.

4) - مدارك الأحكام 3: 386.

5) - كشف اللثام 1: 225.

أو أخبار أخر و سقوط أحدهما للعجز لايوجب سقوط الآخر. انتهى».(1)

و قال في الجواهر: «بلا خلاف فيه، بل في المعتبر اجماع العلماء عليه. انتهى».(2)

و قال في مصباح الفقيه: «بلا خلاف فيه على الظاهر بل عن المعتبر دعوى الاجماع عليه؛ لعموم قوله عليه السلام: «الميسور لايسقط بالمعسور». انتهى».(3)

أقول:

العاجز عن الانحناء على الوجه المذكور أي وصول أطراف أصابعه الى ركبتيه و لو بالاعتماد على شيء، يأتي بالقدر الممكن، و ذلك لقوله عليه السلام في صحيحة زرارة: «و اذا ركعت فصفّ في ركوعك بين قدميك - الى أن قال: - و بلّغ أطراف أصابعك عين الركبة» فانّ الظاهر من قوله: «اذا ركعت» أوّلاً ثمّ عقّبه بمثل «الصفّ» بين القدمين و غيره ثانيا، أنّ الركوع عند الشارع هو الذي يسمّيه العرف ركوعا الاّ أنّه يجب أو يستحبّ فيه أفعال خاصّة، فبلوغ أطراف الأصابع الى الركبتين واجبآخر يلزم رعايته حال الركوع كالذكر فيه، فاذا لم يتمكّن من ذلك الواجب لايسقط أصله و هو الركوع. و الحاصل أنّ الدليل على وجوب الانحناء بالقدر الممكن للعاجز عن الانحناء التامّ، هو اطلاقات الأمر بالركوع؛ لعدم ثبوت الحقيقة الشرعيّة للركوع.

و استشكل في معتمد العروة بأنّ: «دليل التقييد لم يتضمّن حكما تكليفيّا نفسيّا كي يختصّ بالقادرين و انّما هو ارشاد الى اعتبار المرتبة الخاصّة من الانحناء في الركوع المأمور به و كونها شرطا فيه كأدلّة سائر الأجزاء و الشرائط، و مقتضى


1) - مستند الشيعة 1: 355.

2) - جواهر الكلام 10: 76.

3) - مصباح الفقيه / كتاب الصلاة: 327.

الاطلاق في مثله عدم الفرق بين حالتي العجز و الاختيار. انتهى».(1)

و فيه: انّ الظاهر من الأمر بقوله عليه السلام: «و بلّغ أطراف أصابعك عين الركبة» هو الحكم التكليفي النفسي و يرشدك اليه احتواء الصحيحة أمورا مستحبّة.

و ما استشكل ثانيا بأنّ لازمه التخيير بعد العجز عن تلك المرتبة الخاصّة بين جميع مراتب الانحناء لصدق الركوع لغة على مطلقها، لا وجوب الاتيان بالمقدار الممكن كما هو المدّعى لعدم الدليل عليه.

ففيه: انّ الدليل قاعدة الميسور المنجبر ضعفها بعمل المشهور.

فرع : فيما اذا لم يتمكّن من الانحناء أصلاً

و ان لم يتمكّن من الانحناء أصلاً فهل يكون الجلوس مع الركوع مقدّما على القيام مع الايماء؟الحقّ تقدّم الركوع جالسا على القيام مومئا للركوع و ذلك لتقدّم رتبة الركوع مطلقا على الايماء.

قال في مفتاح الكرامة: «فان عجز عن الانحناء أصلاً أومأ برأسه باجماع العلماء كافّة كما في المعتبر، و برأسه أو بعينيه كما قالوه كما في المفاتيح و به صرّح الشهيدان و غيرهما. انتهى».(2)

و قال في المعتبر: «.. و الاّ أومأ، هذا قوله في المبسوط و عليه العلماء كافّة. انتهى».(3)

و قد تقدّم آنفا كلام الشيخ في المبسوط و العلاّمة في التذكرة و السيّد في


1) - معتمد العروة 4: 33.

2) - مفتاح الكرامة 2: 421.

3) - المعتبر في شرح المختصر: 179.

المدارك فانّهم قالوا بالايماء اذا لم يتمكّن من الانحناء أصلاً.

و قال في الحدائق: «و لو تعذّر ذلك (أي الانحناء) أجزأ الايماء برأسه؛ لرواية ابراهيم الكرخي، ففيها قال عليه السلام: «ليومئ برأسه ايماءً» في جواب الراوي: «رجل شيخ لايستطيع القيام الى الخلاء و لايمكنه الركوع و السجود». انتهى ملخّصا».(1)

و قال في الجواهر: «فان عجز عن الانحناء أصلاً و لو باعتماد و نحوه اقتصر على الايماء بلا خلاف، بل في المعتبر أنّ عليه اجماع العلماء كافّة، و قد قال الكرخي للصادق عليه السلام: «رجل شيخ لايستطيع القيام الى الخلاء و لايمكنه الركوع و السجود»، فقال له: ليومئ برأسه ايماءً». انتهى».(2)

و قال في مصباح الفقيه: «فان عجز عن الانحناء أصلاً اقتصر على الايماء بالرأس ان تمكّن و الاّ فبالعينين تغميضا للركوع و فتحا للرفع منه. انتهى».(3)

و هؤلاء الفقهاء و ان ذهبوا الى وجوب الايماء فيما اذا لم يتمكّن من الانحناء أصلاً، الاّ أنّه لم يظهر منهم أنّ الايماء واجب و ان كان متمكّنا من الركوع جالسا، أو أنّ الايماء بعد عدم التمكّن من الركوع مطلقا و لو جالسا، و ان كان يظهر من الحدائق و الجواهر أنّ الايماء بعد عدم التمكّن من الركوع مطلقا لاستشهادهما برواية الكرخي التي يظهر منها ذلك، و كذلك العلاّمة استدلّ بهذه الرواية.

و قد تقدّم البحث عن ذلك تفصيلاً في القيام و قلنا بأنّ أهمّيّة الركوع تقتضي أن يقدّم الركوع جالسا على القيام مومئا للركوع.

قال في مصباح الفقيه: «و بما أشرنا اليه من استقلال العقل بوجوب تقديم الأهمّ من الواجبين المتزاحمين و لو مع تأخّره في الوجود ظهر حكم ما لو دار الأمر بين القيام و الايماء للركوع و السجود و بين الجلوس و الاتيان بهما معه اذ


1) - الحدائق الناضرة 8: 221 و 222.

2) - جواهر الكلام 10: 79 و 80.

3) - مصباح الفقيه / كتاب الصلاة: 328.

لا مجال للارتياب في أهمّيّة الركوع و السجود من القيام خصوصا بعد الالتفات الى ما ورد من أنّ الصلاة ثلث طهور و ثلث ركوع و ثلث سجود، و أنّ أوّل الصلاة الركوع، و غير ذلك ممّا يشهد بأنّ الاهتمام بهما أشدّ من الاهتمام بالقيام. مضافا الى ظهور المستفيضة التي ورد فيها الأمر بالصلاة جالسا لمن لايستطيع أن يصلّي قائما في الرخصة في الصلاة جالسا لمن لايستطيع الاتيان بالصلاة المتعارفة المشتملة على الركوع و السجود عن قيام كما نبّه عليه شيخنا المرتضى رحمه الله. انتهى».(1)

و ان لم يتمكّن منه جالسا أيضا أومأ و هو قائم برأسه ان أمكن، و الاّ فبالعينين، كما هو المعروف بين الفقهاء، و قد تقدّم الكلام فيه و فيما اذا لم يتمكّن من ذلك في مبحث القيام.

فيما اذا دار الأمر بين الركوع جالسا أو قائما مومئا

(مسألة 3): اذا دار الأمر بين الركوع جالسا مع الانحناء في الجملة و قائما مومئا لايبعد تقديم الثاني، و الأحوط تكرار الصلاة.

الشرح:

اذا صدق عليه الركوع جالسا يجب تقديمه على القيام مومئا، و أمّا لو لم يصدق عليه الركوع فيقدّم القيام مومئا عليه للنصّ، و هو خبر ابراهيم بن أبي زياد الكرخي قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: رجل شيخ لايستطيع القيام الى الخلاء و لايمكنه الركوع و السجود، فقال: ليومئ برأسه ايماءً. الحديث».(2)

قال في الجواهر: «في المنظومة:


1) - نفس المصدر: 259.

2) - وسائل الشيعة 5: 484 / الباب 1 من أبواب القيام / الحديث 11.

و في انحناء من جلوس مطلقا *** دار مع الايماء وجه ذو ارتقا

و لعلّه لأولويّة ابدال القيام بالجلوس من الركوع بالايماء. انتهى».(1)

و أمّا اذا لم يصدق عليه الركوع لقلّته فليومئ، فان كان يتمكّن من القيام فليقم و يومئ للركوع، و ان لم يتمكّن من القيام فليومئ جالسا.

قال في مستند العروة: «انّ الركوع الجلوسي وظيفة العاجز عن القيام، و هذا قادر عليه على الفرض، فلايشرع في حقّه الاّ الايماء أخذا بدليل بدليّته لدى العجز عن الركوع الاختياري. انتهى».(2)

و فيه ما تقدّم و أشار اليه المحقّق الهمداني من أنّ العقل مستقلّ بوجوبتقديم الأهمّ من الواجبين المتزاحمين و لو تأخّر في الوجود.

فيما لو أتى بالركوع جالسا ثمّ تمكّن من القيام

(مسألة 4): لو أتى بالركوع جالسا و رفع رأسه منه ثمّ حصل له التمكّن من القيام لايجب بل لايجوز له اعادته قائما، بل لايجب عليه القيام للسجود خصوصا اذا كان بعد السمعلة و ان كان أحوط، و كذا لايجب اعادته بعد اتمامه بالانحناء الغير التامّ، و أمّا لو حصل له التمكّن في أثناء الركوع جالسا فان كان بعد تمام الذكر الواجب يجتزئ به، لكن يجب عليه الانتصاب للقيام بعد الرفع و ان حصل قبل الشروع فيه أو قبل تمام الذكر يجب عليه أن يقوم منحنيا الى حدّ الركوع القيامي ثمّ اتمام الذكر و القيام بعده، و الأحوط مع ذلك اعادة الصلاة، و ان حصل في أثناء الركوع بالانحناء الغير التامّ أو في أثناء الركوع الايمائي فالأحوط الانحناء الى حدّ الركوع و اعادة الصلاة.

قد سبق شرح هذه المسألة تفصيلاً في المجلّد الثاني في المسألة السابعة و


1) - جواهر الكلام 10: 80.

2) - مستند العروة 4: 35.

العشرين من فصل القيام، و خلاصته:

لو تجدّدت القدرة أثناء الركوع فان كان بعد تمام الذكر انتصب للارتفاع منه؛ لأنّ القيام بعد الركوع واجب. و ان كان قبل تمام الذكر ارتفع منحنيا الى حدّ الركوع القيامي فيتمّ الذكر ثمّ ينتصب و لايجوز له الانتصاب ثمّ الركوع لقوله عليه السلام في صحيحة جميل: «اذا قوي فليقم».(1)

و لو تجدّدت القدرة بعد رفع الرأس من الركوع، يجب عليه القيام؛ لقوله عليه السلام: «اذا قوي فليقم» فيجب عليه الاتيان بالقيام بعد الركوع، فانّ بدليّة انتصابه الجلوسي لم يستقرّ مادام لم يسجد.

في حكم زيادة الركوع الجلوسي و الايمائي و نقيصته

(مسألة 5): زيادة الركوع الجلوسي و الايمائي مبطلة و لو سهوا كنقيصته.

الشرح:

أمّا بطلان الصلاة اذا كانت خالية عن الركوع الجلوسي أو الايمائي و لو ركعة منها فلصحيحة زرارة قال:

«قال أبو جعفر عليه السلام: لاتعاد الصلاة الاّ من خمسة: الطهور و الوقت و القبلة و الركوع و السجود».(2)

و اطلاقها يشمل الركوع القيامي و الجلوسي و ما كان بدلاً منه مثل الركوع الايمائي كما أنّه يشمل السهو أيضا.

و أمّا بطلان الصلاة اذا زاد الركوع فلصحيحة أبي بصير قال:

«قال أبو عبداللّه عليه السلام: من زاد في صلاته فعليه الاعادة».(3)

و اطلاقها يشمل كلّ زيادة الاّ ما خرج بالدليل، سواء كان عن عمد أو سهو، و


1) - وسائل الشيعة 5: 495 / الباب 6 من أبواب القيام / الحديث 3.

2) - وسائل الشيعة 4: 312 / الباب 9 من أبواب القبلة / الحديث 1.

3) - وسائل الشيعة 8: 231 / الباب 19 من أبواب الخلل / الحديث 2.

أمّا شمول اطلاقها لما كان بدلاً من اجزاء الصلاة ففيه تأمّل.

قال في مستند العروة: «و أمّا بالنسبة الى الايمائي فالمشهور أنّه كذلك، بل عن غير واحد دعوى الاجماع عليه، استنادا الى سراية أحكام المبدل الى البدل. لكنّه كما ترى فانّ البدليّة لاتستدعي الاّ تنزيل البدل منزلة المبدل في وجوب الاتيان به و لا نظر في دليلها الى بقيّة الأحكام كي يقتضي سرايتها اليه. و عليه فان تمّ الاجماع على الالحاق - و لم يتمّ - فهو، و الاّ ففي الحكم بالبطلان اشكال بل منعلعدم كون الايماء ركوعا لا لغة و لا شرعا. انتهى».(1)

فانّ الشارع عيّن الايماء لمن عجز عن الركوع فقال:

«فاذا أراد الركوع غمض عينيه، ثمّ سبّح، فاذا سبّح فتح عينيه فيكون فتح عينيه رفع رأسه من الركوع».(2)

فنزل الايماء منزلة الركوع في وجوب الاتيان به و أمّا سائر الأحكام ففيه تأمّل.

فيما اذا كان كالراكع خلقة أو لعارض

(مسألة 6): اذا كان كالراكع خلقة أو لعارض فان تمكّن من الانتصاب ولو بالاعتماد على شيء وجب عليه ذلك لتحصيل القيام الواجب حال القراءة و للركوع و الاّ فللركوع فقط فيقوم و ينحني، و ان لم يتمكّن من ذلك لكن تمكّن من الانتصاب في الجملة فكذلك، و ان لم يتمكّن أصلاً فان تمكّن من الانحناء أزيد من المقدار الحاصل بحيث لايخرج عن حدّ الركوع وجب، و ان لم يتمكّن من الزيادة أو كان على أقصى مراتب الركوع بحيث لو انحنى أزيد خرج عن حدّه فالأحوط له الايماء بالرأس، و ان لم يتمكّن فبالعينين له تغميضا و للرفع منه فتحا، و الاّ فينوي به قلبا و يأتي بالذكر.


1) - مستند العروة 4: 43.

2) - وسائل الشيعة 5: 484 / الباب 1 من أبواب القيام / الحديث 13.

الشرح:

في المسألة صور أشار اليه المصنّف:

الأولى: وجوب الانتصاب ولو بالاعتماد على شيء و ذلك لوجوب تحصيل القيام حال القراءة و القيام المتّصل بالركوع.

الثانية: وجوب الانتصاب للقيام المتّصل بالركوع ان لم يتمكّن من القيامللقراءة.

الثالثة: وجوب الانتصاب في الجملة لذلك ان صدق عليه القيام.

الرابعة: وجوب الانحناء أزيد من المقدار الحاصل ان لم يخرج عن حدّ الركوع.

الخامسة: وجوب الايماء بالرأس و الاّ فبالعينين ان لم يتمكّن من الانحناء الزائد أو خرج عن حدّه.

و الدليل على هذه الصور واضح، الاّ أنّ الاشكال في الصورة الرابعة، فكأنّ دليلها فرض هذه الحالة قياما له و انحناؤه أزيد من ذلك ركوعه. ولكن فيه: انّ العرف و ان لايبعّده الاّ أنّ الظاهر من اطلاق كلام بعض الأصحاب خلوّه من هذا القيد، فكأنّهم لم يفرضوا هذه الحالة قياما له حتّى يجب عليه الانحناء زائدا على ذلك. فان صدق عليها القيام عرفا فما ذهب اليه الماتن صحيح الاّ أنّ فيه اشكالاً فيجب عليه الايماء و الاحتياط بالجمع بينه و بين الايماء حسن.

قال في مفتاح الكرامة: «و في المبسوط و المعتبر و المنتهى و التذكرة و المقاصد العليّة و المسالك و المدارك و كشف اللثام أنّ القائم على هيئة الراكع لايجب عليه زيادة الانحناء اليسير لتحقّق حقيقة الركوع و انّما المنتفي هيئة القيام - و قال أيضا: - و في الذكرى و الدروس و الموجز الحاوي و كشف الالتباس و جامع المقاصد و المسالك و المقاصد العليّة: انّه لو أمكنه أن ينقص من انحنائه حال قيامه باعتماد أو غيره وجب ذلك قطعا و لاتجب الزيادة حينئذ حال الركوع

لحصول الفرق. انتهى».(1)

قال في الحدائق: «الراكع خلقة يستحبّ أن يزيد الانحناء يسيرا ليفرق بينقيامه و ركوعه، قاله الشيخ و اختاره في المعتبر لأنّ ذلك حدّ الركوع فلايلزم الزيادة عليه، و اليه مال في المدارك. و جزم المحقّق في الشرائع و العلاّمة في جملة من كتبه بالوجوب ليكون فارقا بين حالة القيام و حالة الركوع فانّ المعهود افتراقهما. و ردّ بمنع وجوب الفرق على العاجز. و المسألة خالية من النصّ و الاحتياط فيها مطلوب بالاتيان بانحناء يسير. انتهى».(2)

في اعتبار كون الانحناء بقصد الركوع

(مسألة 7): يعتبر في الانحناء أن يكون بقصد الركوع و لو اجمالاً بالبقاء على نيّته في أوّل الصلاة بأن لاينوي الخلاف، فلو انحنى بقصد وضع شيء على الأرض أو رفعه، أو قتل عقرب أو حيّة، أو نحو ذلك لايكفي في جعله ركوعا، بل لابدّ من القيام ثمّ الانحناء للركوع، و لايلزم منه زيادة الركن.

الشرح:

أشار المصنّف في المسألة الى فرعين:

الأوّل: انّ الركوع هو الانحناء بقصد الركوع لا مطلق الانحناء.

الثاني: لابدّ للركوع أن يكون الانحناء عن قيام.

و كلاهما حقّ، أمّا الأوّل فلقوله صلى الله عليه و آله : «الأعمال بالنيّات»(3)مضافا الى شهادة العقل و العرف. فكما أنّ الصلاة لابدّ لها من النيّة، فأجزاؤها كذلك، فالانحناء بقصد قتل الحيّة و العقرب و غيرهما، لايكون ركوعا شرعيّا.

أمّا الثاني فلأنّ ذلك هو الظاهر من الروايات فانّ قوله عليه السلام: «اذا أردت أن تركع»


1) - مفتاح الكرامة 2: 421 و 422.

2) - الحدائق الناضرة 8: 221.

3) - وسائل الشيعة 1: 48 / الباب 5 من أبواب مقدّمة العبادات / الحديث 6.

في عدّة من الروايات هو احداث الانحناء الذي لايكون الاّ عن القيام. و عليه لوانحنى بقصد وضع شيء على الأرض أو رفعه أو نحو ذلك لايكفي في جعله ركوعا بل لابدّ من القيام ثمّ الانحناء للركوع، و لايلزم منه زيادة الركن؛ لعدم كون ذلك الانحناء ركوعا شرعيّا.

قال في الحدائق: «يجب أن يقصد بهويّه الركوع، فلو هوى لسجدة العزيمة في النافلة أو هوى لقتل حيّة أو لقضاء حاجة - فلمّا انتهى الى حدّ الراكع أراد أن يجعله ركوعا و كذا لو هوى للسجود ساهيا فلمّا وصل الى قوس الركوع ذكر فأراد أن يجعله ركوعا - فانّه لايجزئ و يجب عليه الرجوع و الانتصاب ثمّ الهوي بقصد الركوع فانّ الأعمال بالنيّات. و لايلزم من ذلك زيادة ركوع لأنّ الأوّل ليس بركوع. و الظاهر أنّه لا خلاف في الحكم المذكور. انتهى».(1)

فيما اذا نسي الركوع فهوى الى السجود

(مسألة 8): اذا نسي الركوع فهوى الى السجود و تذكّر قبل وضع جبهته على الأرض رجع الى القيام ثمّ ركع، و لايكفي أن يقوم منحنيا الى حدّ الركوع من دون أن ينتصب، و كذا لو تذكّر بعد الدخول في السجود أو بعد رفع الرأس من السجدة الأولى قبل الدخول في الثانية على الأقوى، و ان كان الأحوط في هذه الصورة اعادة الصلاة أيضا بعد اتمامها و اتيان سجدتي السهو لزيادة السجدة.

الشرح:

قد تقدّم في المسألة السابقة أنّه يجب أن يقصد بهويّه الركوع فلو هوى الى السجود ناسيا للركوع و تذكّر قبل وضع جبهته على الأرض رجع الى القيام ثمّ ركع. و الأقوى صحّة صلاته لو تذكّر بعد الدخول في السجدة الأولى أو بعد رفع


1) - الحدائق الناضرة 8: 221.

الرأس من السجدة الأولى كما أنّه تبطل صلاته لو تذكّر بعد الدخول في السجدة الثانية.

أمّا صحّة صلاته في الصورة الأولى فلأنّ الاتيان بسجدة واحدة ناسيا لايوجب بطلان الصلاة اذا تدارك الركوع، و ذلك لصحيحة منصور بن حازم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«سألته عن رجل صلّى فذكر أنّه زاد سجدة، قال: لايعيد صلاة من سجدة و يعيدها من ركعة».(1)

و لاتعارضها موثّقة رفاعة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«سألته عن رجل ينسى أن يركع حتّى يسجد و يقوم، قال: يستقبل».(2)

و موثّقة اسحاق بن عمّار قال:

«سألت أبا ابراهيم عليه السلام عن الرجل ينسى أن يركع، قال: يستقبل حتّى يضع كلّ شيء من ذلك موضعه».(3)

و ذلك لأنّ الظاهر من الموثّقتين ترك الركوع في ركعة بمعنى أنّه تذكّر بعد السجدتين و الشاهد على ذلك مضافا الى ما في ذيل موثّقة رفاعة فانّ الظاهر من قول الراوي: «حتّى يسجد و يقوم» هو القيام بعد السجدتين، الجمع بين صحيحة منصور بن حازم المتقدّمة آنفا و بين صحيحة صفوان عن أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«اذا أيقن الرجل أنّه ترك ركعة من الصلاة و قد سجد سجدتين و


1) - وسائل الشيعة 6: 309 / الباب 14 من أبواب الركوع / الحديث 2.

2) - وسائل الشيعة 6: 312 / الباب 10 من أبواب الركوع / الحديث 1.

3) - وسائل الشيعة 6: 313 / الباب 10 من أبواب الركوع / الحديث 2.

ترك الركوع استأنف الصلاة».(1)

و أمّا بطلان الصلاة في الصورة الثانية (أي اذا تذكّر ترك الركوع بعد الدخول في السجدة الثانية) فلصحيحة صفوان المذكورة آنفا، فانّ المراد من قوله عليه السلام: «ترك ركعة من الصلاة» هو ترك الركوع، و لذا قال في ذيله: «و ترك الركوع» فحكم عليه السلام باستئناف الصلاة.

فيما لو انحنى بقصد الركوع فنسي في الأثناء و هوى الى السجود

(مسألة 9): لو انحنى بقصد الركوع فنسي في الأثناء و هوى الى السجود فان كان النسيان قبل الوصول الى حدّ الركوع انتصب قائما ثمّ ركع، و لايكفي الانتصاب الى الحدّ الذي عرض له النسيان ثمّ الركوع، و ان كان بعد الوصول الى حدّه، فان لم يخرج عن حدّه وجب عليه البقاء مطمئنّا و الاتيان بالذكر، و ان خرج عن حدّه فالأحوط اعادة الصلاة بعد اتمامها بأحد الوجهين من العود الى القيام ثمّ الهوي للركوع أو القيام بقصد الرفع منه ثمّ الهوي للسجود، و ذلك لاحتمال كون الفرض من باب نسيان الركوع فيتعيّن الأوّل، و يحتمل كونه من باب نسيان الذكر و الطمأنينة في الركوع بعد تحقّقه و عليه فيتعيّن الثاني، فالأحوط أن يتمّها بأحد الوجهين ثمّ يعيدها.

الشرح:

هذه المسألة تشتمل على ثلاث صور:

الأولى: اذا تذكّر قبل الوصول الى حدّ الركوع فحكمه أن ينتصب قائما ثمّ يركع لما مرّ في المسألة السابعة من أنّ الركوع لابدّ أن يكون حدوثيّا و هو يوجد اذا كان عن قيام، و هو القيام الركني المسمّى بالقيام المتّصل بالركوع، فاذا تبدّلقصده نسيانا و هوى الى السجود، لم يحصل القيام المذكور؛ لأنّ «الأعمال بالنيّات» و


1) - وسائل الشيعة 6: 313 / الباب 10 من أبواب الركوع / الحديث 3.

عليه أن يرجع و ينتصب قائما ثمّ يركع. و لايكفي الانتصاب الى الحدّ الذي عرض له النسيان ثمّ الركوع؛ لأنّ القيام المذكور انمحى أثره بهويّه بقصد السجود نسيانا.

اللّهمّ الاّ أن يقال بأنّ الفرض أنّه انحنى بقصد الركوع، فلو حصل منه كان ركوعا حدوثيّا أي ما كان عن قيام فلاينافي نسيانه في الأثناء لحظة أو أكثر، و عليه لو أوصل نفسه بعد التذكّر الى حدّ الركوع لايضرّ، فله أن يديم هويّه حتّى يصل الى حدّ الركوع، و أن ينتصب قائما ثمّ يركع، فهذا أقرب الى الاحتياط. و حينئذ يفترق هذا الفرض عمّا يكون نسيانه حين القيام و هوى للسجود ثمّ تذكّر قبل أن يصل الى حدّه، فعليه أن ينتصب قائما ثمّ يركع، فتأمّل.

قال في مصباح الفقيه: «ثمّ انّ مقتضى اطلاق كلام صاحب الشرائع (حيث قال: و لو نسي الركوع و ذكر قبل أن يسجد قام و ركع) و غيره عدم الفرق بين ما لو حصل النسيان حال القيام فهوى للسجود من القيام أو حصل حين هويّه للركوع فنسي بأن هوى أوّلاً للركوع و نسي في الأثناء و جعله هويّ السجود فعليه حينئذ أيضا أن يقوم و يركع. خلافا لما حكي عن بعضهم من تقييده بما اذا حصل النسيان حال القيام و أمّا اذا حصل بعد الوصول الى حدّ الراكع فلايقوم منتصبا بل منحنيا الى حدّ الراكع. انتهى».(1)

الثانية: لو تذكّر بعد الوصول الى حدّ الركوع و لم يتجاوز، فقد علم حكم هذه الصورة من الصورة الأولى، فيصحّ ركوعه فيسبّح و يقوم و يسجد. و ذلك لما قلنا بأنّه انحنى بقصد الركوع فحصل منه الركوع الحدوثي، و لايضرّ نسيانه في الأثناءلحظة أو أكثر. نعم بناءً على الفرض الثاني (أي نسيانه حين القيام بحيث كان ابتداء انحنائه للسجود) فحينئذ اذا وصل الى حدّ الركوع ثمّ تذكّر، فينتصب قائما ثمّ يهوي الى الركوع.

الثالثة: لو تذكّر بعد التجاوز عن حدّ الركوع فتذكّر فهذا ينتصب قائما ثمّ


1) - مصباح الفقيه / كتاب الصلاة: 547.

يركع مطلقا. نعم لو كان وقف حين الوصول الى حدّ الركوع لحظة يمكن أن يقال بصحّته في الفرض الأوّل دون الفرض الثاني.

و بعد التأمّل فيما ذكرناه تعرف الاشكال في كلام الماتن من تردّده في هذه الصورة و الاحتياط باعادة الصلاة بعد البناء على أحد الوجهين و اتمام الصلاة.

في مقدار انحناء المرأة للركوع

(مسألة 10): ذكر بعض العلماء أنّه يكفي في ركوع المرأة الانحناء بمقدار يمكن معه ايصال يديها الى فخذيها فوق ركبتيها، بل قيل باستحباب ذلك، و الأحوط كونها كالرجل في المقدار الواجب في الانحناء، نعم الأولى لها عدم الزيادة في الانحناء لئلاّ ترتفع عجيزتها.

الشرح:

قال في الجواهر: «قد ورد في صحيحة زرارة: «انّ المرأة اذا ركعت وضعت يديها فوق ركبتيها على فخذيها لئلاّ تتطأطأ كثيرا فترتفع عجيزتها» و قد ذكر مضمونه في المحكي عن كثير من كتب المتقدّمين و أكثر كتب المتأخّرين، و مقتضاه كما اعترف به في الذكرى و الجامع أنّ ركوعها أقلّ انحناءً من ركوع الرجال، و أنّه يتحقّق مسمّى الركوع بأقلّ من ذلك، و يوافق التحديد برؤوس الأصابع. انتهى».(1)

أقول:

قد سبقت صحيحة زرارة في ابتداء فصل الركوع و قد ورد فيها:

«فاذا ركعت وضعت يديها فوق ركبتيها على فخذيها لئلاّ تطأطأ كثيرا فترتفع عجيزتها».(2)


1) - جواهر الكلام 10: 73 و 74.

2) - وسائل الشيعة 5: 463 / الباب 1 من أبواب أفعال الصلاة / الحديث 4.

و قلنا بأنّه لاتنافي بين هذه الصحيحة و الصحاح الأخر؛ لأنّ المستفاد منها جميعا وجوب الانحناء بقدر ما تصل الأصابع الى الركبتين و قلنا هناك بأنّ الظاهر أنّه اذا وصل ثلاثة من الأصابع صدق وصول الأصابع اليهما، كما أنّ الظاهر أنّ المراد من الركبتين لايكون عين الركبة و الاّ لذكره.

نعم يفترق الرجل عن المرأة في الحكم الاستحبابي، اذ لا ريب في استحباب الانحناء الأكثر للرجل بحيث يتمكّن من وضع اليدين على الركبتين كما تقدّم. و أمّا المرأة فالأولى و الأفضل لها الوقوف على هذا الحدّ و عدم الانحناء الأكثر لئلاّ تطأطأ كثيرا فترتفع عجيزتها كما تضمّنته الصحيحة المتقدّمة، فنلتزم بالتخصيص في هذا الحكم الاستحبابي مع المساواة في الحدّ الوجوبي.

في تعيين ذكر الركوع

اشارة

(مسألة 11): يكفي في ذكر الركوع التسبيحة الكبرى مرّة واحدة - كما مرّ - و أمّا الصغرى اذا اختارها فالأقوى وجوب تكرارها ثلاثا، بل الأحوط و الأفضل في الكبرى أيضا التكرار ثلاثا كما أنّ الأحوط في مطلق الذكر غير التسبيحة أيضا الثلاث و ان كان كلّ واحد منه بقدر الثلاث من الصغرى. و يجوز الزيادة على الثلاث و لو بقصد الخصوصيّة و الجزئيّة و الأولى أن يختم على وتر كالثلاث و الخمس و السبع و هكذا، و قد سمع من الصادق عليه السلامستّون تسبيحة في ركوعه و سجوده.

الشرح:

تقدّم الكلام حول هذه المسألة عند التعرّض للواجب الثاني من واجبات الركوع مستقصى و عرفت كفاية التسبيحة الكبرى مرّة واحدة و لزوم تكرار الصغرى ثلاثا، بل كفاية مطلق الذكر اذا كان بقدر الثلاث الصغريات.

و هنا أضاف المصنّف فروعا ثلاثة:

الفرع الأوّل : في تكرار الكبرى

قال: «الأحوط و الأفضل في الكبرى التكرار ثلاثا». أمّا أفضليّته فيدلّ عليه صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«اذا أردت أن تركع فقل و أنت منتصب: اللّه أكبر، ثمّ اركع و قل: اللّهمّ لك ركعت و لك أسلمت و بك آمنت و عليك توكّلت و أنت ربّي خشع لك قلبي و سمعي و بصري و شعري و بشري و لحمي و دمي و مخّي و عصبي و عظامي و ما أقلّته قدماي غير مستنكف و لامستكبر و لامستحسر سبحان ربّي العظيم و بحمده ثلاث مرّات في ترتيل و تصفّ في ركوعك بين قدميك تجعل بينهما قدر شبر الخ الحديث».(1)

و أمّا كونه أحوط، فالظاهر أنّه لذهاب المفيد في المقنعة الى وجوب ثلاثتسبيحات كبار كما تقدّم في نقل الأقوال المختلفة في التسبيح في الركوع.

الفرع الثاني : في تكرار مطلق الذكر

قوله: «انّ الأحوط في مطلق الذكر غير التسبيحة أيضا الثلاث و ان كان كلّ واحد منه بقدر الثلاث من الصغرى». فالظاهر أنّه لا وجه لهذا الاحتياط لما في صحيحة مسمع بن أبي سيّار عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«يجزيك من القول في الركوع و السجود ثلاث تسبيحات أو قدرهنّ


1) - وسائل الشيعة 6: 295 / الباب 1 من أبواب الركوع / الحديث 1.

مترسّلاً و ليس له و لا كرامة أن يقول: سبّح سبّح سبّح».(1)

و نظيرها صحيحته الثانية.(2)

الفرع الثالث : في الزيادة على الثلاث

يجوز الزيادة على الثلاث و الأولى أن يختم على وتر. أمّا جواز الزيادة على الثلاث بل استحبابها، فيدلّ عليه موثّقة سماعة قال:

«سألته عن الركوع و السجود هل نزل في القرآن؟ قال: نعم - الى أن قال: - و من كان يقوى على أن يطوّل الركوع و السجود فليطوّل ما استطاع. الحديث».(3)

و أمّا الختم على وتر فيدلّ عليه صحيحة هشام بن سالم قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن التسبيح في الركوع و السجود، فقال: تقول في الركوع: سبحان ربّي العظيم، و في السجود: سبحان ربّي الأعلى، الفريضة من ذلك تسبيحة و السنّة ثلاث و الفضل في سبع».(4)

و يدلّ على استحباب الاكثار من تكرار التسبيح في الركوع و السجود أيضا صحيحة أبان بن تغلب قال:

«دخلت على أبي عبداللّه عليه السلامو هو يصلّي فعددت له في الركوع و السجود ستّين تسبيحة».(5)


1) - وسائل الشيعة 6: 302 / الباب 5 من أبواب الركوع / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 6: 303 / الباب 5 من أبواب الركوع / الحديث 4.

3) - وسائل الشيعة 6: 305 / الباب 6 من أبواب الركوع / الحديث 4.

4) - وسائل الشيعة 6: 299 / الباب 4 من أبواب الركوع / الحديث 1.

5) - وسائل الشيعة 6: 304 / الباب 6 من أبواب الركوع / الحديث 1.

و موثّقة حمزة بن حمران و الحسن بن زياد قالا:

«دخلنا على أبي عبداللّه عليه السلامو عنده قوم فصلّى بهم العصر و قد كنّا صلّينا فعددنا له في ركوعه سبحان ربّي العظيم أربعا أو ثلاثا و ثلاثين مرّة، و قال أحدهما في حديثه: و بحمده في الركوع و السجود».(1)

و لاتنافي بينهما و بين استحباب الايتار؛ لاحتمال أنّ الراوي تعرّض لفعله و هو العدّ لا لفعل المعصوم عليه السلام، اذ لم يقل انّه سبّح ستّين، فلعلّه عليه السلام أضاف الى الستّين واحدة و لم يسمعها الراوي أو انصرف عن ذكرها تخفيفا.

و أمّا الأقوال في هذا الفرع فمختلفة:

قال في الحدائق: «التاسعة: قال في الذكرى: ظاهر الشيخ و ابن الجنيد و كثير أنّ السبع نهاية الكمال في التسبيح و في رواية هشام اشارة اليه، لكن روى حمزة بنحمران و الحسن بن زياد، ثمّ نقل الخبر ثمّ نقل رواية أبان بن تغلب - ثمّ قال: - قال في المعتبر: الوجه استحباب ما لم يحصل معه السأم الاّ أن يكون اماما، و هو حسن. و لو علم من المأمومين حبّ الاطالة استحبّ له أيضا التكرار - الى أن قال صاحب الحدائق: - و الجمع بين الأخبار لايخلو من اشكال الاّ أنّ المقام مقام استحباب. انتهى ملخّصا».(2)

في حكم تعيين الواجب اذا أتى بالذكر أزيد من مرّة

(مسألة 12): اذا أتى بالذكر أزيد من مرّة لايجب تعيين الواجب منه، بل الأحوط عدمه خصوصا اذا عيّنه في غير الأوّل لاحتمال كون الواجب هو الأوّل مطلقا، بل احتمال كون الواجب هو المجموع فيكون من باب التخيير بين المرّة و الثلاث و الخمس مثلاً.


1) - وسائل الشيعة 6: 304 / الباب 6 من أبواب الركوع / الحديث 2.

2) - الحدائق الناضرة 8: 248 و 249.

الشرح:

لا دليل على قصد الوجوب في الواجبات و أجزائها، فاذا أتى بذكر الركوع لايجب عليه قصد الوجوب سواء اكتفى بمرّة أو أتى بأزيد من مرّة، و لو أراد أن يعيّن الواجب من الذكر اذا أتى بأزيد من مرّة فهو مختار في تعيين الواجب منه؛ لظاهر صحيحة هشام بن سالم قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلامعن التسبيح في الركوع و السجود؟ فقال: تقول في الركوع: سبحان ربّي العظيم، و في السجود: سبحان ربّي الأعلى، الفريضة من ذلك تسبيحة و السنّة ثلاث و الفضل في سبع».(1)

و أمّا المصنّف فاحتاط بعدم تعيين الواجب اذا أتى بالذكر أزيد من مرّةخصوصا اذا عيّنه في غير الأوّل. ولكنّه ليس على احتياطه دليل و كذا لا وجه لما يحتمله، و لعلّه لما ذهب اليه بعض العلماء كالشهيد.

قال الشهيد الثاني في المسالك: «و الواجب مع الاطلاق هو الأولى و لو نوى غيرها جاز. انتهى».(2)

و قال في الروضة: «و في كون الواجب مع الزيادة على مرّة الجميع، أو الأولى ما مرّ في تسبيح الأخيرتين. انتهى».(3)

و قال في الجواهر: «و ليعلم أنّ المراد باستحباب الثلاث مثلاً وصف الثلاثيّة لا كلّ واحدة منها، ضرورة وجوب الواحدة المنافي لثبوت الاستحباب، نعم هو لاينافي كونها جزءًا من الكلّ المجموع المستحبّ، ضرورة تغاير محلّ الوجوب و الاستحباب، فلايتوهّم حينئذ من قولهم: «يستحبّ الثلاث مثلاً» البناء على أنّها أفضل أفراد الواجب التخييري، فيكون كتسبيح الأخيرتين، و ان كان ظاهر الشهيد


1) - وسائل الشيعة 6: 299 / الباب 4 من أبواب الركوع / الحديث 1.

2) - مسالك الأفهام 1: 216.

3) - الروضة البهيّة 1: 618.

الثاني في الروضة كذلك - كما مرّ آنفا - بل ربّما يوهمه بعض أخبار المقام أيضا لكن دقيق النظر في النصوص هنا بل صريح صحيحة هشام بن سالم المتقدّمة وجوب الواحدة، و حملها على ارادة بيان أنّ الواحدة أقلّ الواجب لا داعي له، بخلاف النصوص في تسبيح الأخيرتين. انتهى ملخّصا».(1)

الظاهر أنّ مراده رحمه الله من قوله: «ربّما يوهمه بعض أخبار المقام» يكون رواية أبي بكر الحضرمي قال:

«قلت لأبي جعفر عليه السلام: أيّ شيء حدّ الركوع و السجود؟ قال: تقول: «سبحان ربّي العظيم و بحمده» ثلاثا في الركوع، و «سبحان ربّيالأعلى و بحمده» ثلاثا في السجود، فمن نقص واحدة نقص ثلث صلاته و من نقص اثنتين نقص ثلثي صلاته، و من لم يسبّح فلا صلاة له».(2)

و من المعلوم أنّ المراد بالنقص في الرواية هو نقص الثواب لا البطلان، و الرواية ضعيفة السند و تعارضها روايات أخرى فمن جملتها صحيحة هشام بن سالم المتقدّمة فانّها صريحة في وجوب الواحدة.

في الاتيان بالصغرى مرّة واحدة في حال الضرورة و ضيق الوقت

(مسألة 13): يجوز في حال الضرورة و ضيق الوقت الاقتصار على الصغرى مرّة واحدة فيجزي «سبحان اللّه» مرّة.

الشرح:

قال المحقّق في المعتبر: «و تسبيحة واحدة كبرى مجزية، صورتها «سبحان ربّي العظيم» أو «سبحان اللّه» ثلاثا و مع الضرورة تجزي الواحدة الصغرى - الى


1) - جواهر الكلام 10: 112.

2) - وسائل الشيعة 6: 300 / الباب 4 من أبواب الركوع / الحديث 5.

أن قال: - و أمّا مع الضرورة تجزي الواحدة الصغرى فعليه فتوى الأصحاب. انتهى».(1)

و قال العلاّمة في المنتهى: «و مع الضرورة يجزي الواحدة مع الصغرى - الى أن قال: - و الاجتزاء بواحدة صغرى في حال الضرورة مستفاد من الاجماع. انتهى».(2)

والدليل على اجزاء «سبحان اللّه» مرّة في الضرورة صحيحة معاوية بن عمّارعن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«قلت له: أدنى ما يجزي المريض من التسبيح في الركوع و السجود، قال: تسبيحة واحدة».(3)

و المراد من تسبيحة واحدة هو «سبحان اللّه» بقرينة صحيحة أخرى لمعاوية بن عمّار قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: أخفّ ما يكون من التسبيح في الصلاة، قال: ثلاث تسبيحات مترسّلاً تقول: سبحان اللّه سبحان اللّه سبحان اللّه».(4)

و كذا صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«قلت له: ما يجزي من القول في الركوع و السجود؟ فقال: ثلاث تسبيحات في ترسّل، و واحدة تامّة تجزي».(5)

و لقد عبّر في هذه الصحيحة عن التسبيحة الكبرى بالتامّة.

ان قلت بأنّ مورد صحيحة معاوية بن عمّار المريض، و لا قائل باستثنائه


1) - المعتبر في شرح المختصر: 180.

2) - منتهى المطلب 1: 283.

3) - وسائل الشيعة 6: 301 / الباب 4 من أبواب الركوع / الحديث 8.

4) - وسائل الشيعة 6: 303 / الباب 5 من أبواب الركوع / الحديث 2.

5) - وسائل الشيعة 6: 299 / الباب 4 من أبواب الركوع / الحديث 2.

بعنوانه فلا دليل على التعدّي الى مطلق الضرورة، قلت: الظاهر أنّه لا خصوصيّة في المريض بل هو من باب المثال، فانّ موضوع السؤال مطلق من يشقّ عليه ثلاث تسبيحات. و تؤيّده مرسلة الصدوق في الهداية قال:

«قال الصادق عليه السلام: سبّح في ركوعك ثلاثا تقول: سبحان ربّي العظيم و بحمده - الى أن قال: - فان قلت: سبحان اللّه سبحان اللّه سبحان اللّه أجزأك، و تسبيحة واحدة تجزي للمعتلّ و المريض و المستعجل».(1)

في حكم الشروع في الذكر قبل الوصول الى حدّ الركوع

(مسألة 14): لايجوز الشروع في الذكر قبل الوصول الى حدّ الركوع، و كذا بعد الوصول و قبل الاطمئنان و الاستقرار، و لا النهوض قبل تمامه و الاتمام حال الحركة للنهوض، فلو أتى به كذلك بطل و ان كان بحرف واحد منه، و يجب اعادته ان كان سهوا و لم يخرج عن حدّ الركوع، و بطلت الصلاة مع العمد و ان أتى به ثانيا مع الاستقرار، الاّ اذا لم يكن ما أتى به حال عدم الاستقرار بقصد الجزئيّة بل بقصد الذكر المطلق.

الشرح:

قد تقدّم الكلام حول وجوب الطمأنينة عند التعرّض للواجب الثالث من واجبات الركوع، و قلنا: انّ الاجماع قائم بأنّ الطمأنينة واجبة بمقدار الذكر الواجب، و ذكرنا أيضا أنّ قوله عليه السلام في صحيحة بكر بن محمّد الأزدي: «و اذا ركع فليتمكّن»(2)يدلّ على وجوب الطمأنينة في الركوع و حين الذكر. و حينئذ نقول: لايجوز الشروع في الذكر قبل الوصول الى حدّ الركوع و كذا بعد الوصول و قبل الاطمئنان و الاستقرار لما مرّ من الدليل، و كذلك لايجوز النهوض قبل اتمامه و


1) - مستدرك الوسائل 4: 424 / الباب 4 من أبواب الركوع / الحديث 4.

2) - وسائل الشيعة 4: 35 / الباب 8 من أبواب أعداد الفرائض / الحديث 14.

الاتمام حال الحركة للنهوض. و لو أتى به بقصد الجزئيّة عالما عامدا فان اكتفى به بطلت صلاته لأنّه لم يأت بواجب من واجبات الركوع. و أمّا لو لم يكتف به في الصورة الأولى و أتى بالذكر ثانيا مطمئنّا مستقرّا، فقد ذهب الماتن الى بطلان صلاته للزيادة العمديّة، ولكنّه مشكل أوّلاً لبعد من أتى بالذكر حين الهوي مع علمه بتكليفه و عدم غفلته عن ذلك، و لعلّه لايوجد هذا لمن أراد الصلاة.

و ثانيا لايبعد دعوى انصراف قوله عليه السلام: «من زاد في صلاته فعليه الاعادة» عن ذلك و شموله لمن زاد في أفعال الصلاة. و أمّا لو أتى به سهوا فان كان قبل الوصول الى حدّ الركوع و تذكّر يجب عليه الاعادة و لو لم يتذكّر أو كان الاتيان به حين النهوض و لم يتذكّر قبل الخروج عن حدّ الركوع فتصحّ صلاته. و لو لم يعلم حكمه فان قلنا بأنّ دليل وجوب الاستقرار حال الذكر الاجماع فالقدر المتيقّن منه علمه بالحكم. و ان قلنا بأنّ الدليل قوله عليه السلام: «و اذا ركع فليتمكّن» فاطلاقه شامل للجهل أيضا الاّ أنّ حديث «لاتعاد» يقيّده بصورة العلم كما يقيّده بصورة الذُكر الاّ اذا كان جهله عن تقصير.

فيما لو لم يتمكّن من الطمأنينة

(مسألة 15): لو لم يتمكّن من الطمأنينة لمرض أو غيره سقطت، لكن يجب عليه اكمال الذكر الواجب قبل الخروج عن مسمّى الركوع، و اذا لم يتمكّن من البقاء في حدّ الركوع الى تمام الذكر يجوز له الشروع قبل الوصول أو الاتمام حال النهوض.

الشرح:

اذا لم يتمكّن من الطمأنينة حال الذكر سقطت و وجب الذكر حال الاضطراب؛ لأنّها ليست شرطا للذكر حتّى يسقط بسقوطه بل واجب حينه فاذا عجز عنها سقط التكليف بها و بقي الآخر. و يجب عليه اكمال الذكر الواجب قبل الخروج عن مسمّى الركوع. و أمّا لو لم يتمكّن من البقاء في حدّ الركوع الى تمام الذكر فعليه

اختيار التسبيحة الصغرى ثلاثا حتّى يمكنه أن يقول «سبحان اللّه» مرّة في حدّ الركوع.

فيما لو ترك الطمأنينة في الركوع أصلاً سهوا

(مسألة 16): لو ترك الطمأنينة في الركوع أصلاً بأن لم يبق في حدّه بل رفع رأسه بمجرّد الوصول سهوا فالأحوط اعادة الصلاة، لاحتمال توقّف صدق الركوع على الطمأنينة في الجملة، لكنّ الأقوى الصحّة.

الشرح:

اذا نسي الطمأنينة في الركوع بأن رفع رأسه بمجرّد الوصول فالأقوى صحّة صلاته؛ لأنّه لو كان دليل الطمأنينة الاجماع فبما أنّه دليل لبّي فالقدر المتيقّن منه

وجوب الطمأنينة حال الذُكر. و أمّا لو كان دليلها صحيحة بكر بن محمّد الأزدي و قوله عليه السلام فيها: «و اذا ركع فليتمكّن» فالظاهر أنّه أمر مولوي بمعنى أنّه يجب في الركوع التمكّن كما يجب فيه الذكر، و لايكون أمرا ارشاديّا حتّى يكون التمكّن شرطا للركوع، ليفقد المشروط حين فقدان الشرط. فما ذهب اليه مستند العروة(1)لايمكن المساعدة عليه. و لو شكّ في كونه أمرا مولويّا أو ارشاديّا فيحمل على المولوي لكون الارشادي موجبا للكلفة الزائدة فتجري البراءة. و أمّا اطلاق قوله عليه السلام: «و اذا ركع فليتمكّن» فيقيّد بحديث «لاتعاد».


1) - مستند العروة الوثقى 4: 75.

في حكم الجمع بين التسبيحة الكبرى و الصغرى

(مسألة 17): يجوز الجمع بين التسبيحة الكبرى و الصغرى و كذا بينهما و بين غيرهما من الأذكار.

الشرح:

تقدّمت الروايات الواردة في ذكر الركوع عند التعرّض للواجب الثاني من واجبات الركوع فانّها على ثلاث طوائف:

منها ما وردت في اجزاء تسبيحة واحدة تامّة أو ثلاث تسبيحات صغرى يعني سبحان اللّه سبحان اللّه سبحان اللّه.

و منها ما وردت في اجزاء مطلق الذكر بقدر ثلاث تسبيحات صغرى.

و منها ما هي ناطقة باستحباب طول الركوع أو السجدة و تكرار التسبيح أو الذكر. فالجمع بين هذه الطوائف يعطي جواز الجمع بين التسبيحة الكبرى و الصغرى و بينهما و بين غيرهما من الأذكار.

(مسألة 18): اذا شرع في التسبيح بقصد الصغرى يجوز له أن يعدل في الأثناء الى الكبرى مثلاً اذا قال: «سبحان» بقصد أن يقول: «سبحان اللّه» فعدل و ذكر بعده «ربّي العظيم» جاز، و كذا العكس، و كذا اذا قال: «سبحان اللّه» بقصد الصغرى ثمّ ضمّ اليه: «و الحمد للّه و لا اله الاّ اللّه و اللّه أكبر» و بالعكس.

الشرح:

فما ذكره الماتن مقتضى القاعدة فانّ المأمور به مطلق التسبيح و مطلق الذكر، فاذا شرع في التسبيح بقصد الصغرى فعدل في الأثناء الى الكبرى يصدق أنّه أتى بالتسبيحة الكبرى المأمور بها و لا منع من ذلك، و لا دليل على الاتيان بما قصد به حين الشروع. و كذا اذا قال: «سبحان اللّه» بقصد الصغرى ثمّ ضمّ اليه التحميد والتهليل و التكبير لما ذكرنا آنفا.

في شرائط ذكر الركوع

(مسألة 19): يشترط في ذكر الركوع العربيّة و الموالاة و أداء الحروف من مخارجها الطبيعيّة و عدم المخالفة في الحركات الاعرابيّة و البنائيّة.

الشرح:

لأنّ الصلاة عبادة و كذا أجزاؤها من الواجبات و المستحبّات، و عباديّتها موقوفة على الاتيان بما أمر به الشارع الحكيم فاذا أمر بالتسبيح و فسّر مراده، أو أمر بالذكر و فسّره فلايجوز للمكلّف تبديل كلامه أو تحريفه كما لايجوز له ترجمة سبحان اللّه بلغة أخرى و الاّ لاتكون عبادة، و كما قال الماتن يشترط فيه العربيّة و الموالاة و أداء الحروف من مخارجها الطبيعيّة ليؤدّى معناه المقصود، و غيرها من الشرائط، و ذلك لما قلنا آنفا، و لانصراف الدليل الى الذكر على النهج العربي.

(مسألة 20): يجوز في لفظة «ربّي العظيم» أن يقرأ باشباع كسر الباء من «ربّي»، و عدم اشباعه.

الظاهر أنّ مراده من اشباع كسر الباء اظهار الياء كما في قوله تعالى: «ربّي الذي يحيي و يميت»(1)و من عدم اشباعه عدم اظهار الياء كما في قوله تعالى: «انّ قومي اتّخذوا هذا القرآن مهجورا»(2)ولكن حذف الياء في المورد مشكل؛ لأنّ الظاهر رعاية المتشرّعة باظهاره، و خفاء دلالة الكسرة على حذفالياء في هذا المورد، و الاحتياط باظهاره لايترك.


1) - البقرة 2: 258.

2) - الفرقان 25: 30.

فيما اذا خرج عن الاستقرار في حال الذكر

(مسألة 21): اذا تحرّك في حال الذكر الواجب بسبب قهري بحيث خرج عن الاستقرار وجب اعادته بخلاف الذكر المندوب.

وجوب اعادة الذكر لأداء التكليف الذي أتى به ناقصا، و هو الذكر حال الاطمئنان بعد التمكّن من الاعادة. و أمّا الذكر المندوب فلعدم الدليل على الاستقرار حال الذكر؛ لأنّه ان كان الدليل الاجماع فالقدر المتيقّن منه الذكر الواجب مع صراحة الفقهاء بذلك كما تقدّم في الواجب الثاني من واجبات الركوع، و ان كانت الصحيحة فلا اطلاق لها للذكر المندوب، و على الأقلّ من الشكّ في اطلاقها.

(مسألة 22): لا بأس بالحركة اليسيرة التي لاتنافي صدق الاستقرار و كذا بحركة أصابع اليد أو الرجل بعد كون البدن مستقرّا.

الظاهر من النصّ و الفتوى وجوب استقرار البدن، و الحركة اليسيرة لايضرّ بالاستقرار في نظر العرف. و بعد الاستقرار لو شكّ بقادحيّتها فالأصل عدمه.

فيما اذا انحنى و وصل الى أوّل حدّ الركوع فاستقرّ ثمّ انحنى أزيد

(مسألة 23): اذا وصل في الانحناء الى أوّل حدّ الركوع فاستقرّ و أتى بالذكر أو لم يأت به ثمّ انحنى أزيد بحيث وصل الى آخر الحدّ لا بأس به، و كذا العكس، و لايعدّ من زيادة الركوع بخلاف ما اذا وصل الى أقصى الحدّ ثمّ نزل أزيد ثمّ رجع فانّه يوجب زيادته فمادام في حدّه يعدّ ركوعا واحدا و ان تبدّلت الدرجات منه.

الشرح:

لا بأس بالانحناء الى آخر حدّ الركوع اذا استقرّ في أوّل حدّه سواء أتى بالذكر أو لم يأت به؛ لأنّه لم يخرج عن حدّه بشرط أن لايأتي بالذكر حين الحركة و الاّ أعاده.

و أمّا اذا خرج عن حدّ الركوع فتارة قد أتى بالذكر قبل أن يخرج عن حدّه فحينئذ يرفع رأسه و يقوم و تصحّ صلاته؛ لأنّه لم يرجع بقصد الركوع. و أخرى يرجع بقصد الركوع فالأقوى أنّ هذا الرجوع لايوجب زيادته؛ لأنّ الركوع يحدث بالانحناء عن القيام كما تقدّم في المسألة السابعة فحينئذ ان كان قد أتى بالذكر يجب عليه أن يقوم منتصبا و يسجد، و ان لم يأت به، فان خرج عن حدّه عمدا تبطل صلاته و الاّ يرفع رأسه و تصحّ صلاته. و أمّا اذا شكّ في الخروج عن حدّ الركوع فيبني على عدمه؛ للأصل.

(مسألة 24): اذا شكّ في لفظ «العظيم» مثلاً أنّه بالضاد أو بالظاء يجب عليه ترك الكبرى و الاتيان بالصغرى ثلاثا أو غيرها من الأذكار، و لايجوز له أن يقرأ بالوجهين، و اذا شكّ في أنّ «العظيم» بالكسر أو بالفتح يتعيّن عليه أن يقف عليه، و لايبعد جواز قراءته وصلاً بالوجهين لامكان أن يجعل «العظيم» مفعولاً لأعني مقدّرا.

أمّا عدم جواز القراءة بالوجهين؛ للعلم باتيانه الغلط، و أمّا عدم جواز الاكتفاء بأحدهما؛ للشكّ في الامتثال. و هكذا يكون الحال لو علم بأنّ لفظ «العظيم» مثلاً بالظاء الاّ أنّه لم يتمكّن من تلفّظه فيجب عليه ترك الكبرى و الاتيان بالصغرى ثلاثا.

فيما يشترط في تحقّق الركوع الجلوسي

(مسألة 25): يشترط في تحقّق الركوع الجلوسي أن ينحني بحيث يساوي وجهه ركبتيه، و الأفضل الزيادة على ذلك بحيث يساوي مسجده، و لايجب فيه على الأصح الانتصاب على الركبتين شبه القائم، ثمّ الانحناء، و ان كان هو الأحوط.

قد تقدّم في المجلّد الثاني(1)أنّه لم يرد في كيفيّة ركوع الجالس نصّ من الشارع و لايكون هناك اجماع لكيفيّة خاصّة، بل الظاهر عدم تعرّض أكثر الفقهاء لها، فيعلم أنّ الركوع دائر مدار صدق العرف فيجب عليه الانحناء حتّى يقال انّه ركع. و قد نقلنا هناك كلام صاحب الجواهر و ما أتى به من الوجهين للركوع الجلوسي و بعد ذكرهما قال: «و فيه: انّه متّجه لو لم يكن له هيئة عرفيّة ينصرف اليها الذهن عند اطلاق الأمر به من جلوس، فالأولى حينئذ اناطته بذلك (أي العرف) كما عن الأردبيلي. انتهى».(2)

في مستحبّات الركوع

(مسألة 26): مستحبّات الركوع أمور: «أحدها»: التكبير له و هو قائم منتصب و الأحوط عدم تركه كما أنّ الأحوط عدم قصد الخصوصيّة اذا كبّر في حال الهوي أو مع عدم الاستقرار.

الشرح:

المشهور استحباب تكبير الركوع و هو الأقوى.

قال في المختلف: «أوجب ابن أبي عقيل تكبير الركوع و السجود، و هو اختيار سلاّر. و أوجب سلاّر تكبير القيام و القعود و الجلوس في التشهّدين أيضا. والمشهور عند علمائنا الاستحباب، و هو الوجه. لنا: الأصل براءة الذمّة. احتجّ المخالف بما رواه زرارة في الصحيح عن الباقر عليه السلام قال: «اذا أردت أن تركع فقل و أنت منتصب «اللّه أكبر» و اركع». و الأمر للوجوب. و في الحسن عن الحلبي عن الصادق عليه السلام قال: «اذا سجدت فكبّر» و الأمر للوجوب ظاهرا. و الجواب أنّ الحديثين قد اشتملا على الأمر بأشياء مستحبّة من قوله عليه السلام: «و قل ربّ لك ركعت


1) - الهادي / كتاب الصلاة 2: 377.

2) - جواهر الكلام 9: 262.

و لك أسلمت» الى آخره، و كذا الحديث الثاني: «و قل اللّهمّ لك سجدت» الى آخره. انتهى».(1)

أضف الى ما استدلّ به العلاّمة في المختلف صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«يجزيك في الصلاة من الكلام في التوجّه الى اللّه أن تقول: «وجّهت وجهي للذي فطر السموات و الأرض على ملّة ابراهيم حنيفا مسلما و ما أنا من المشركين انّ صلاتي و نسكي و محياي و مماتي للّه ربّ العالمين لا شريك له و بذلك أمرت و أنا من المسلمين» و يجزيك تكبيرة واحدة».(2)

و خبر أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«سألته عن أدنى ما يجزي في الصلاة من التكبير، قال: تكبيرة واحدة».(3)

و مع ذلك كلّه فالاحتياط حسن.

قال في الحدائق: «فالمسألة غير خالية من الاشكال، و الاحتياط فيها مطلوبعلى كلّ حال، و لولا اتّفاق الأصحاب قديما و حديثا الاّ ابن أبي عقيل - مع امكان ارجاع كلامه الى ما ذكروه - لكان القول بالوجوب متعيّنا. انتهى».(4)

و قد عرفت ما استدلّ به العلاّمة على استحباب تكبير الركوع مضافا الى صحيحة زرارة من قوله عليه السلام فيها: «و تجزيك تكبيرة واحدة».

ثمّ انّ المستفاد ممّا ورد من الامام عليه السلام في صحيحة زرارة و غيرها: «اذا أردت


1) - مختلف الشيعة 2: 187.

2) - تهذيب الأحكام 2: 64 / الحديث 245،13.

3) - وسائل الشيعة 6: 10 / الباب 1 من أبواب تكبيرة الاحرام / الحديث 5.

4) - الحدائق الناضرة 8: 237.

أن تركع فقل و أنت منتصب اللّه أكبر و اركع» استحباب تكبير الركوع في حال الانتصاب، فاذا كبّر في حال الهوي ينوي به مطلق الذكر، كما احتاط في المتن.

«الثاني»: رفع اليدين حال التكبير على نحو ما مرّ في تكبيرة الاحرام. «الثالث»: وضع الكفّين على الركبتين، مفرّجات الأصابع ممكنا لهما من عينيهما، واضعا اليمنى على اليمنى و اليسرى على اليسرى. «الرابع»: ردّ الركبتين الى الخلف. «الخامس»: تسوية الظهر بحيث لو صبّ عليه قطرة من الماء استقرّ في مكانه لم يزل. «السادس»: مدّ العنق موازيا للظهر. «السابع»: أن يكون نظره بين قدميه. «الثامن»: التجنيح بالمرفقين. «التاسع»: وضع اليد اليمنى على الركبة قبل اليسرى.

الشرح:

تدلّ على استحباب رفع اليدين في تكبير الركوع صحيحة زرارة قال:

«قال أبو جعفر عليه السلام: اذا أردت أن تركع و تسجد فارفع يديك و كبّر ثمّ اركع و اسجد».(1)

و تدلّ على باقي المستحبّات صحيحته الثانية عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«اذا أردت أن تركع فقل و أنت منتصب: «اللّه أكبر» ثمّ اركع - الى أن قال: - و تصفّ في ركوعك بين قدميك تجعل بينهما قدر شبر، و تمكّن راحتيك من ركبتيك، و تضع يدك اليمنى على ركبتك اليمنى قبل اليسرى و بلّغ بأطراف أصابعك عين الركبة، و فرّج أصابعك اذا وضعتها على ركبتيك، و أقم صلبك، و مدّ عنقك، وليكن نظرك بين


1) - وسائل الشيعة 6: 296 / الباب 2 من أبواب الركوع / الحديث 1.

قدميك. الحديث».(1)

و صحيحة حمّاد بن عيسى عن أبي عبداللّه عليه السلام:

« ... و ردّ ركبتيه الى خلفه حتّى استوى ظهره حتّى لو صبّ عليه قطرة ماء أو دهن لم تزل لاستواء ظهره و تردّد ركبتيه الى خلفه، و نصب عنقه و غمض عينيه ثمّ سبّح ثلاثا بترتيل. الحديث».(2)

و صحيحة محمّد بن اسماعيل بن بزيع قال:

«رأيت أبا الحسن يركع ركوعا أخفض من ركوع كلّ من رأيته يركع، و كان اذا ركع جنح بيديه».(3)

«العاشر»: أن تضع المرأة يديها على فخذيها فوق الركبتين.

لصحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«المرأة اذا قامت في الصلاة جمعت بين قدميها و تضمّ يديها الىصدرها لمكان ثدييها، فاذا ركعت وضعت يديها فوق ركبتيها على فخذيها لئلاّ تطأطأ كثيرا فترتفع عجيزتها».(4)

«الحادي عشر»: تكرار التسبيح ثلاثا أو خمسا أو سبعا بل أزيد. «الثاني عشر»: أن يختم الذكر على وتر.

لصحيحة هشام بن سالم قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلامعن التسبيح في الركوع و السجود؟ فقال: تقول


1) - وسائل الشيعة 6: 295 / الباب 1 من أبواب الركوع / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 5: 460 / الباب 1 من أبواب أفعال الصلاة / الحديث 1.

3) - وسائل الشيعة 6: 323 / الباب 18 من أبواب الركوع / الحديث 1.

4) - وسائل الشيعة 6: 323 / الباب 18 من أبواب الركوع / الحديث 2.

في الركوع: «سبحان ربّي العظيم» و في السجود: «سبحان ربّي الأعلى»، الفريضة من ذلك تسبيحة، و السنّة ثلاث، و الفضل في سبع».(1)

بناءً على أنّ عدم ذكر الخمس للتخفيف، و كذا الختم على سبع.

«الثالث عشر»: أن يقول قبل قوله سبحان ربّي العظيم و بحمده: «اللّهمّ لك ركعت و لك أسلمت و بك آمنت و عليك توكّلت و أنت ربّي خشع لك قلبي و سمعي و بصري و شعري و بشري و لحمي و دمي و مخّي و عصبي و عظامي و ما أقلّته قدماي غير مستنكف و لا مستكبر و لا مستحسر».

كما في صحيحة زرارة.(2)

«الرابع عشر»: أن يقول بعد الانتصاب: «سمع اللّه لمن حمده» بل يستحبّ أن يضمّ اليه قوله: «الحمد للّه ربّ العالمين أهل الجبروت، و الكبرياء و العظمة للّه ربّ العالمين» اماما كان أو مأموما أو منفردا. «الخامس عشر»: رفع اليدين للانتصاب منه و هذا غير رفع اليدين حال التكبير للسجود.

لصحيحة زرارة.(3)

«السادس عشر»: أن يصلّي على النبي و آله بعد الذكر أو قبله.

لصحيحة عبداللّه بن سنان قال:


1) - وسائل الشيعة 6: 299 / الباب 4 من أبواب الركوع / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 6: 295 / الباب 1 من أبواب الركوع / الحديث 1.

3) - وسائل الشيعة 6: 295 / الباب 1 من أبواب الركوع / الحديث 1.

«سألت أبا عبداللّه عليه السلامعن الرجل يذكر النبي صلى الله عليه و آله و هو في الصلاة المكتوبة امّا راكعا و امّا ساجدا فيصلّي عليه و هو على تلك الحال؟ فقال: نعم انّ الصلاة على نبي اللّه صلى الله عليه و آله كهيئة التكبير و التسبيح، و هي عشر حسنات يبتدرها ثمانيه عشر ملكا أيّهم يبلغها ايّاه».(1)

و خبر محمّد بن أبي حمزة عن أبيه قال:

«قال أبو جعفر عليه السلام: من قال في ركوعه و سجوده و قيامه: «صلّى اللّه على محمّد و آل محمّد»، كتب اللّه له بمثل الركوع و السجود و القيام».(2)

فيما يكره في الركوع

(مسألة 27): يكره في الركوع أمور: «أحدها»: أن يطأطئ رأسه بحيث لايساوي ظهره أو يرفعه الى فوق كذلك. «الثاني»: أن يضمّ يديه الى جنبيه. «الثالث»: أن يضع احدى الكفّين على الأخرى و يدخلهما بين ركبتيه بل الأحوط اجتنابه. «الرابع»: قراءة القرآن فيه. «الخامس»: أن يجعل يديه تحت ثيابه ملاصقا لجسده.

الشرح:

تدلّ على المكروهات المذكورة في المتن مرسلة الشهيد في الذكرى عن اسحاق بن عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام:

«أنّ عليّا عليه السلام كان يعتدل في الركوع مستويا حتّى يقال: لو صبّ الماء على ظهره لاستمسك، و كان يكره أن يحدر رأسه و منكبيه في الركوع ولكن يعتدل».(3)


1) - وسائل الشيعة 6: 326 / الباب 20 من أبواب الركوع / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 6: 326 / الباب 20 من أبواب الركوع / الحديث 3.

3) - وسائل الشيعة 6: 325 / الباب 19 من أبواب الركوع / الحديث 3.

و صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«قال علي عليه السلام: نهاني رسول اللّه صلى الله عليه و آله - الى أن قال: - و عن القراءة و أنا راكع».(1)

و ليس على الثاني و الثالث دليل ظاهر و أمّا الخامس ففي خبر عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«سألته عن الرجل يصلّي فيدخل يده في ثوبه، قال عليه السلام: ان كان عليه ثوب آخر ازار أو سراويل فلا بأس، و ان لم يكن فلايجوز له ذلك، وان أدخل يدا واحدة و لم يدخل الأخرى فلا بأس».(2)

و يتعيّن حمله على الكراهة بشهادة الاجماع و مرسل ابن فضّال عن رجل:

«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: انّ الناس يقولون: انّ الرجل اذا صلّى و أزراره محلولة و يداه داخلة في القميص انّما يصلّي عريانا، قال عليه السلام: لا بأس».(3)

و الظاهر من الخبر عدم اختصاص الحكم بالركوع.

قال في الجواهر: «خامسها (أي المكروهات) أن يركع و يداه تحت جميع ثيابه، كما صرّح به جماعة، بل في الذكرى و تعليق الارشاد و عن المسالك نسبته الى الأصحاب مشعرين بدعوى الاجماع عليه كظاهر المحكي عن الغنية و كفي به حجّة لمثله. مضافا الى خبر عمّار - الى أن قال: - نعم ظاهره عدم الفرق في ذلك بين حال الركوع و غيرها من أحوال الصلاه- الى أن قال: - و قد ظهر ممّا عرفت أنّه لا كراهة في وضع اليدين حينئذ في الكمّين و لاتحت بعض الثياب خصوصا


1) - وسائل الشيعة 6: 308 / الباب 8 من أبواب الركوع / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 4: 432 / الباب 40 من أبواب لباس المصلّي / الحديث 4.

3) - وسائل الشيعة 4: 432 / الباب 40 من أبواب لباس المصلّي / الحديث 2.

الرداء و العباءة. انتهى».(1)

و أمّا كراهة القراءة في الركوع و السجود فقد حقّق صاحب الحدائق تحقيقا ننقل بعض كلامه هنا فانّه قال: «قد صرّح جملة من الأصحاب بكراهة القراءة في الركوع و السجود. قال في المنتهي: لاتستحبّ القراءة في الركوع و السجود و هو وفاق لما رواه علي عليه السلام: «أنّ النبيّ صلى الله عليه و آله نهى عن قراءة القرآن في الركوع و السجود». - و بعد ذكر أقوال الفقهاء و بعض الروايات الواردة في ذلك قال: - و الذي يقرب في الخاطر الفاتر أنّ أصل هذا الحكم انّما هو من العامّة و انّ هذه الأخبار خرجتمخرج التقيّة، و يعضدها أنّ رواتها رجال العامّة و أنّ هذا الحكم انّما ذكره المتأخّرون و اشتهر بينهم و لا وجود له في كلام المتقدّمين فيما أظنّ، و قد عرفت أنّ أصحابنا القائلين بذلك انّما استندوا الى ذلك الخبر العامّي و هذا الخبر الأخير يشير اليه أيضا، و كيف كان فالاحتياط في ترك ذلك. انتهى».(2)فراجع تمام كلامه.

في عدم الفرق بين الفريضة و النافلة في أحكام الركوع

(مسألة 28): لا فرق بين الفريضة و النافلة في واجبات الركوع و مستحبّاته و مكروهاته و كون نقصانه موجبا للبطلان. نعم الأقوى عدم بطلان النافلة بزيادته سهوا.

الشرح:

الدليل على عدم الفرق اطلاق الأدلّة، الاّ ما خصّ منها بالفريضة أو ما ورد النصّ بعدم البأس في زيادته أو نقصانه. فالأوّل كصحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«اذا استيقن أنّه قد زاد في الصلاة المكتوبة ركعة لم يعتدّ بها و استقبل


1) - جواهر الكلام 10: 119 و 120.

2) - الحدائق الناضرة 8: 246 - 248.

الصلاة استقبالاً اذا كان قد استيقن يقينا».(1)

فالزيادة في الركوع في النافلة لاتوجب البطلان. اللّهمّ الاّ أن يقال بأنّ الوصف لا مفهوم له، و سيأتي تتمّة البحث في ذلك في مبحث الخلل ان شاء اللّه تعالى.

و الثاني ما ورد في جواز أن يصلّى النافلة في السفر الى غير القبلة و على الراحلة و غير ذلك ممّا مرّ و يأتي في محلّه.

و يؤيّده خبر الحسن الصيقل عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«قلت له: الرجل يصلّي الركعتين من الوتر ثمّ يقوم فينسى التشهّد حتّى يركع فيذكر و هو راكع؟ قال: يجلس من ركوعه يتشهّد ثمّ يقوم فيتمّ، قال: قلت: أليس قلت في الفريضة اذا ذكره بعدما ركع مضى في صلاته ثمّ سجد سجدتي السهو بعدما ينصرف يتشهّد فيهما؟ قال: ليس النافلة مثل الفريضة».(2)

و صحيحة الحلبي قال:

«سألته عن رجل سها في ركعتين من النافلة فلم يجلس بينهما حتّى قام فركع في الثالثة؟ فقال: يدع ركعة و يجلس و يتشهّد و يسلّم ثمّ يستأنف الصلاة بعد».(3)

و صحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما عليهماالسلام قال:

«سألته عن السهو في النافلة؟ فقال: ليس عليك شيء».(4)


1) - وسائل الشيعة 6: 319 / الباب 14 من أبواب الركوع / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 6: 404 / الباب 8 من أبواب التشهّد / الحديث 1.

3) - وسائل الشيعة 8: 231 / الباب 18 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة / الحديث 4.

4) - وسائل الشيعة 8: 230 / الباب 18 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة / الحديث 1.

فصل : في السجود

اشارة

و حقيقته وضع الجبهة على الأرض بقصد التعظيم.

في أقسام السجود

اشارة

الشرح:

السجود في اللغة الخضوع و الاذلال. و كلّ شيء ذلّ فقد سجد، و منه: سجد البعير، اذا خفض رأسه عند ركوبه، و سجد الرجل: وضع جبهته على الأرض. هذا على ما في مجمع البحرين و المصباح المنير. و حقيقة السجود في الشرع بالنسبة الى الانسان، وضع الجبهة على الأرض بقصد التعظيم.

و هو أقسام: السجود للصلاة، و منه قضاء السجدة المنسيّة، و للسهو، و للتلاوة، و للشكر و للتذلّل و التعظيم. أمّا سجود الصلاة فيجب في كلّ ركعة من الفريضة و النافلة سجدتان و هما معا من الأركان، فتبطل بالاخلال بهمامعا، و كذا بزيادتهما معا في الفريضة عمدا كان أو سهوا أو جهلاً. كما أنّها

تبطل بالاخلال بهما عمدا، و كذا بزيادتهما. و لاتبطل على الأقوى بنقصان واحدة و لابزيادتها سهوا.

الشرح:

تدلّ على كلّ واحد من سجود الصلاة و قضاء السجدة المنسيّة و غيرهما ممّا ذكر في المتن الروايات المستفيضة و في بعضها المتواترة، و سيأتي ذكرها في المباحث الآتية.

و أمّا وجوب سجدتين في كلّ ركعة من الفريضة و النافلة فاجماعيّ و قد تواترت الأخبار بذلك.

فرعان:

الفرع الأوّل : في الاخلال بالسجدتين

تبطل الصلاة بالاخلال بهما معا و كذا بزيادتهما معا في الفريضة عمدا كان أو سهوا أو جهلاً، و ذلك أوّلاً للروايات الواردة في ذلك فبالنسبة الى الاخلال بهما مطلقا صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«لاتعاد الصلاة الاّ من خمسة: الطهور و الوقت و القبلة و الركوع و السجود».(1)

و اطلاقها يقتضي الاعادة لو ترك السجدتين سهوا أو عمدا أو جهلاً، بليشمل الاخلال بسجدة واحدة عمدا أو سهوا الاّ أنّه يستثنى ترك السجدة الواحدة سهوا بالروايات الواردة في الباب.

و بالنسبة الى زيادتهما اطلاق مثل قوله عليه السلام في صحيحة أبي بصير:


1) - وسائل الشيعة 6: 389 / الباب 28 من أبواب السجود / الحديث 1.

«من زاد في صلاته فعليه الاعادة».(1)

و هذا الاطلاق و ان قيّد في بعض الموارد الاّ أنّه لا مقيّد له في المقام، و اطلاقه يقتضي عدم الفرق بين العمد و السهو و الجهل.

الفرع الثاني : في الاخلال بالسجدة الواحدة

الاخلال بالسجدة الواحدة عمدا زيادةً أو نقيصة موجب لبطلان الصلاة لما مرّ من صحيحتي زرارة و أبي بصير، و أمّا الاخلال بها سهوا لايوجب البطلان و ذلك لقوله عليه السلام في صحيحة اسماعيل بن جابر:

«فاذا ركع فذكر بعد ركوعه أنّه لم يسجد فليمض على صلاته حتّى يسلّم».(2)

و في موثّقة عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام(في حديث) أنّه سأله عن رجل نسي سجدة فذكرها بعدما قام و ركع؟ قال:

«يمضي في صلاته و لايسجد حتّى يسلّم. الحديث».(3)

و أمّا الصحّة بزيادة السجدة الواحدة فلصحيحة منصور بن حازم عنأبي عبداللّه عليه السلام قال:

«سألته عن رجل صلّى فذكر أنّه زاد سجدة؟ قال: لايعيد صلاة من سجدة و يعيدها من ركعة».(4)


1) - وسائل الشيعة 8: 231 / الباب 19 من أبواب الخلل / الحديث 2.

2) - وسائل الشيعة 6: 364 / الباب 14 من أبواب السجود / الحديث 1.

3) - وسائل الشيعة 6: 364 / الباب 14 من أبواب السجود / الحديث 2.

4) - وسائل الشيعة 6: 319 / الباب 14 من أبواب الركوع / الحديث 2.

في واجباته:

«الأوّل»: وضع المساجد السبعة على الأرض

اشارة

و واجباته أمور: «أحدها»: وضع المساجد السبعة على الأرض، و هي الجبهة، و الكفّان، و الركبتان، و الابهامان من الرجلين، و الركنيّة تدور مدار وضع الجبهة، فتحصل الزيادة و النقيصة به دون سائر المساجد، فلو وضع الجبهة دون سائرها تحصل الزيادة، كما أنّه لو وضع سائرها و لم يضعها يصدق تركه.

الشرح:

و الدليل على وجوب وضع المساجد السبعة على الأرض حال السجود صحيحة زرارة قال:

«قال أبو جعفر عليه السلام: قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله : السجود على سبعة أعظم: الجبهة، و اليدين، و الركبتين، و الابهامين من الرجلين، و ترغم بأنفك ارغاما، أمّا الفرض فهذه السبعة و أمّا الارغام بالأنف فسنّة من النبي صلى الله عليه و آله ».(1)

و المراد باليدين في الصحيحة الكفّان لصحيحة حمّاد بن عيسى:

«ثمّ سجد و بسط كفّيه مضمومتي الأصابع بين يدي ركبتيه حيال وجهه، فقال: سبحان ربّي الأعلى و بحمده - الى أن قال: - و قال عليه السلام:سبعة منها فرض يسجد عليها و هي التي ذكرها اللّه في كتابه فقال: «و أنّ المساجد للّه فلاتدعوا مع اللّه أحدا»(2)، و هي الجبهة، و الكفّان، و الركبتان، و الابهامان، و وضع الأنف على الأرض سنّة. الحديث».(3)

و تؤيّدها معتبرة السكوني عن أبي عبداللّه عليه السلامعن آبائه قال:


1) - وسائل الشيعة 6: 343 / الباب 4 من أبواب السجود / الحديث 2.

2) - الجنّ 72: 18.

3) - وسائل الشيعة 5: 461 / الباب 1 من أبواب أفعال الصلاة / الحديث 2.

«قال أميرالمؤمنين عليه السلام: اذا سجد أحدكم فليباشر بكفّيه الأرض لعلّ اللّه أن يصرف عنه الغلّ يوم القيامة».(1)

و صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام:

« ... و لاتفترش ذراعيك افتراش الأسد (السبع) ذراعيه».(2)

و اطلاق اليد على الكفّين بل على الأصابع شائع ففي القرآن: «السارق و السارقة فاقطعوا أيديهما»(3)أي اقطعوا أصابعهما الأربعة، كما في التفسير و الروايات الواردة عنهم عليهم السلام.

قال في الجواهر: «و أمّا الكفّان المعبّر بهما في كثير من عبارات المتأخّرين و بعض عبارات القدماء، بل هما من معقد اجماعات متعدّدة كما قيل فقد عرفت ما يدلّ عليهما من النصوص التي يجب حمل اليد في غيرها عليهما، سيّما مع كونه المعهود من أهل الشرع عند فعل السجود - الى أن قال: - فانحصر الخلاف حينئذ في المرتضى و ابن ادريس في المحكي من الجمل و السرائر حيث عبّرا بمفصل الزندين من الكفّين، و حكاه في الذكرى عن الاسكافي أيضا، لكن عن القاضي فيشرح الجمل نفي الخلاف عن ذلك - الى أن قال: - و لعلّهم يريدون تحديد ابتداء الكفّ الذي يسجد عليه كما يومئ اليه ما سمعته عن القاضي من نفي الخلاف. انتهى».(4)

و أمّا الابهامان من الرجلين فقد صرّح بهما في صحيحة زرارة المتقدّمة و غيرها، فيحمل لفظ الرجلين في صحيحة عبداللّه بن ميمون القدّاح عليهما حيث يروي عن جعفر بن محمّد عليهماالسلام قال:


1) - وسائل الشيعة 6: 384 / الباب 26 من أبواب السجود / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 5: 462 / الباب 1 من أبواب أفعال الصلاة / الحديث 3.

3) - المائدة 5: 38.

4) - جواهر الكلام 10: 138 و 139.

«يسجد ابن آدم على سبعة أعظم: يديه، و رجليه، و ركبتيه، و جبهته».(1)

الاّ أنّ بعض القدماء ذهبوا الى كفاية أطراف أصابع الرجلين.

قال الشيخ في المبسوط: «و اذا سجد سجد على سبعة أعظم فريضة: الجبهة و اليدين و الركبتين و طرف أصابع الرجلين و يرغم بأنفه سنّة. انتهى».(2)

و ان قال في النهاية: «و يكون سجودك على سبعة أعظم: الجبهة و الكفّين و الركبتين و ابهامي أصابع الرجلين فريضة. انتهى».(3)

و قال في مفتاح الكرامة: «و في المصباح و المبسوط و النهاية في باب التحنيط: واضعا أطراف أصابع الرجلين، و هو المنقول عن كتاب أحكام النساء للمفيد و الكافي و في الغنية الاجماع عليه، و في جمل السيّد و السرائر طرفي ابهامي الرجلين - الى أن قال: - و في الجمل و العقود، و الوسيله، و الموجز الحاوي، ذكر أصابع الرجلين مكان الابهامين. انتهى».(4)

ولكن المشهور من المتأخّرين و متأخّري المتأخّرين و لعلّه متّفق عليه بينهم كما ادّعي عليه الاجماع من بعضهم، عبّروا بابهامي الرجلين. و ليس هناك دليل على ما ذهب اليه القدماء الاّ ما روى الجمهور بسندهم عن النبي صلى الله عليه و آله أنّه قال:

«أمرت بالسجود على سبعة أعظم: اليدين و الركبتين و أطراف القدمين و الجبهة».(5)

و نحوه ما عن ابن أبي جمهور في غوالي اللئالي المتضمّن لذكر أطراف أصابع الرجلين، الاّ أنّ السند ضعيف فلايعبأ بهما. نعم يمكن أن يكون مستندهم في ذلك


1) - وسائل الشيعة 6: 345 / الباب 4 من أبواب السجود / الحديث 8.

2) - المبسوط 1: 112.

3) - النهاية: 71.

4) - مفتاح الكرامة 2: 438.

5) - منتهى المطلب 1: 286.

اطلاق صحيحة ابن ميمون القدّاح المتقدّمة، الاّ أنّها مقيّدة بصحيحة زرارة المتقدّمة.

قال المحقّق الهمداني: «حكي عن بعض بل عن كثير من القدماء كالشيخين و السيّد أبي المكارم ابن زهرة و أبي الصلاح و غيرهم من الخلاف في الابهامين فجعلوا في ظاهر كلامهم العبرة بأطراف أصابع الرجلين لا خصوص الابهامين بل عن الغنية دعوى الاجماع عليه و يمكن الاستشهاد لهم بما عن الجمهور أنّهم رووا عن رسول اللّه صلى الله عليه و آله أنّه قال: «أمرت بالسجود على سبعة أعظم: اليدين و الركبتين و أطراف القدمين و الجبهة». و عن ابن أبي جمهور في غوالي اللئالي عنه صلى الله عليه و آله : «اسجدوا على سبعة: اليدين و الركبتين و أطراف أصابع الرجلين و الجبهة». و نحوه ما عن الغوالي أيضا عنه صلى الله عليه و آله قال: «أمرت أن أسجد على سبعة أطراف: الجبهة و اليدين و الركبتين و القدمين». و فيه بعد الغضّ عن سند هذه الأخبار أنّ ما وقع في بعضها من التعبير بالرجلين أو القدمين فلم يقصد به الاطلاق بل الاجمال و على تقدير ظهوره في الاطلاق يجب تقييده بالأخبار المقيّدةفلا معارضة بينه و بين شيء منها. انتهى ملخّصا».(1)

فرع : في أنّ الركنيّة تدور مدار وضع الجبهة

الركنيّة تدور مدار وضع الجبهة فتحصل الزيادة و النقيصة به دون سائر المساجد، و الدليل على ذلك أوّلاً: عرف المتشرّعة، فمن وضع جبهته على الأرض يقال له سجد و ان لم يضع سائر المساجد، و من لم يضع جبهته على الأرض لايقال انّه سجد و ان وضع سائر المساجد على الأرض و هذا واضح.


1) - مصباح الفقيه / كتاب الصلاة: 340.

ثانيا: اللغة، فعن مجمع البحرين: «سجد الرجل: وضع جبهته على الأرض». و هكذا يكون في المصباح المنير. و في كتاب المنجد: «سجد سجودا: انحنى خاضعا، وضع جبهته بالأرض متعبّدا».

ثالثا: فتوى الفقهاء، فقال في الجواهر: «لا اشكال في وجوب السجود على الجبهة، بل قد سمعت سابقا دعوى توقّف اسم السجود عليها. قال العلاّمة الطباطبائي رحمه الله:

و واجب السجود وضع الجبهة *** و انّه الركن بغير شبهة

و وضعه للستّة الأطراف *** فانّه فرض بلا خلاف. انتهى».(1)

و قال المحقّق في المعتبر: «السجود في الشرع وضع الجبهة على الأرض. انتهى».(2)

قال في مستند العروة: «فهو (أي السجود) بمفهومه اللغوي و العرفي متقوّم بوضع الجبهة على الأرض، و لا مدخل لوضع سائر المساجد في الصدق المزبور. و الظاهر أنّه في لسان الشرع أيضا يطلق على ما هو عليه من المعنى اللغوي، غايته مع مراعاة خصوصيّات آخر كما ستعرف. فالسجود الوارد في الكتاب و السنّة كالواقع في حديث «لاتعاد» و غيره كلّها تنصرف الى هذا المعنى و ليس للشارع اصطلاح جديد في ذلك. و كذا ما ورد من المنع عن السجود على القير، أو ما دلّ على وجوب السجود على الأرض أو نباتها، يراد به خصوص الجبهة. فالمدار في زيادة السجود و نقيصته الموجبتين للبطلان، على وضع الجبهة و عدمه و لا عبرة بسائر المساجد، فلو ترك وضع الجبهة في السجدتين بطلت صلاته و ان كان واضعا لسائر المساجد كما أنّه من طرف الزيادة لو وضع جبهته مرّتين بطلت و ان لم يضع مساجده الأخر؛ لأنّ حقيقة السجود وضع الجبهة على الأرض و وضع


1) - جواهر الكلام 10: 136.

2) - المعتبر في شرح المختصر: 183.

سائر المساجد من واجباته. و ما ورد في جملة من الأخبار من أنّ السجود على سبعة أعظم، مسوقة لبيان واجبات السجود، لا دخلها في المفهوم. انتهى ملخّصا».(1)

«الثاني»: الذكر

«الثاني»: الذكر و الأقوى كفاية مطلقه، و ان كان الأحوط اختيار التسبيح على نحو ما مرّ في الركوع الاّ أنّ في التسبيحة الكبرى يبدّل العظيم بالأعلى.

الشرح:

قدّمنا الكلام حول ذلك مستقصى في مبحث الركوع، فانّ الملاك فيهما واحد. وقد عرفت أنّ الأقوى كفاية مطلق الذكر، الاّ أنّ التسبيح أفضل و أنّه مخيّر بينثلاث تسبيحات من الصغرى و التسبيحة الواحدة من الكبرى، و هنا يبدّل العظيم بالأعلى. و الدليل على التبديل صحيحة هشام بن سالم قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن التسبيح في الركوع و السجود، فقال: تقول في الركوع: سبحان ربّي العظيم، و في السجود: سبحان ربّي الأعلى، الفريضة من ذلك تسبيحة و السنّة ثلاث، و الفضل في سبع».(2)

و رواية أبي بكر الحضرمي قال:

«قلت لأبي جعفر عليه السلام: أيّ شيء حدّ الركوع و السجود؟ قال: تقول: «سبحان ربّي العظيم و بحمده» ثلاثا في الركوع، و «سبحان ربّي الأعلى و بحمده» ثلاثا في السجود، فمن نقص واحدة نقص ثلث صلاته، و من نقص اثنتين نقص ثلثي صلاته، و من لم يسبّح فلا صلاة له».(3)


1) - مستند العروة 4: 93 و 94.

2) - وسائل الشيعة 6: 299 / الباب 4 من أبواب الركوع / الحديث 1.

3) - وسائل الشيعة 6: 300 / الباب 4 من أبواب الركوع / الحديث 5.

«الثالث»: الطمأنينة

«الثالث»: الطمأنينة فيه بمقدار الذكر الواجب بل المستحبّ أيضا اذا أتى به بقصد الخصوصيّة، فلو شرع في الذكر قبل الوضع أو الاستقرار عمدا بطل و أبطل، و ان كان سهوا وجب التدارك ان تذكّر قبل رفع الرأس، و كذا لو أتى به حال الرفع أو بعده و لو كان بحرف واحد منه فانّه مبطل ان كان عمدا و لايمكن التدارك ان كان سهوا، الاّ اذا ترك الاستقرار و تذكّر قبل رفع الرأس.

الشرح:

تقدّم تفصيل الكلام حول الطمأنينة في مبحث الركوع، و قلنا بوجوبها في الركوع و السجود، و من جملة ما استدلّ به على ذلك صحيحة بكر بن محمّدالأزدي عن أبي عبداللّه عليه السلام:

« ... و اذا سجد فلينفرج و ليتمكّن».(1)

فانّ التمكّن هو الاستقرار و الطمأنينة، فدلالتها على الطمأنينة في السجود بالمطابقة و عليها بمقدار الذكر الواجب بالالتزام، بمعنى أنّه يجب القرار في السجود فلو وضع جبهته على الأرض و رفعها فورا لم يأت بالتمكّن و الاستقرار، و حيث انّ الذكر ملازم السجود فيجب عليه التمكّن في الذكر أيضا، فالمستفاد من قوله عليه السلام «و ليتمكّن» هو الاستقرار و الطمأنينة في السجود الذي يجب فيه الذكر.

قال في الجواهر: «الواجب الخامس (في السجود): الطمأنينة بلا خلاف أجده، بل هو مجمع عليه نقلاً في الغنية و غيرها ان لم يكن تحصيلاً، بل في المعتبر وجوبها بقدر الذكر ناسبا له الى علمائنا مشعرا بالاجماع عليه، بل في المدارك و عن المفاتيح التصريح به، كما في مجمع البرهان نفي الخلاف فيه، بل اليه في الجملة يرجع ما في التذكرة من أنّه لو شرع فيه قبل وصول الجبهة الى الأرض أو رفع قبل انتهائه بطل سجوده عند علمائنا أجمع، مضافا الى أنّه المعهود من فعل


1) - وسائل الشيعة 4: 35 / الباب 8 من أبواب أعداد الفرائض / الحديث 14.

النبي صلى الله عليه و آله و الأئمّة عليهم السلام و أتباعهم. انتهى».(1)

و قال في المدارك: «أمّا وجوب الطمأنينة فيه بقدر الذكر الواجب فهو قول علمائنا أجمع. انتهى».(2)

فاذا كانت الطمأنينة حال الذكر في السجود واجبة، فلو شرع في الذكر قبل الوضع أو رفع رأسه قبل اتمام الذكر عمدا أو تحرّك حين الذكر عمدا و اكتفى به بطلت صلاته لتركه الواجب، و أمّا سهوا فتدارك ان أمكن و الاّ صحّت صلاته،لحديث:

«لاتعاد الصلاة الاّ من خمسة: الطهور، و الوقت، و القبلة، و الركوع، و السجود».(3)

«الرابع»: رفع الرأس منه

«الرابع»: رفع الرأس منه.

الشرح:

لصحيحة حمّاد بن عيسى عن أبي عبداللّه عليه السلام:

« ... ثمّ رفع رأسه من السجود فلمّا استوى جالسا قال: اللّه أكبر، ثمّ قعد على جانبه الأيسر و وضع ظاهر قدمه اليمنى على باطن قدمه اليسرى، و قال: أستغفر اللّه ربّي و أتوب اليه، ثمّ كبّر و هو جالس و سجد الثانية - الى أن قال: - ثمّ قال: يا حمّاد هكذا صلّ».(4)

فانّ قوله عليه السلام: «يا حمّاد هكذا صلّ» دليل على وجوب ما فعل الاّ ما خرج بالدليل.


1) - جواهر الكلام 10: 166.

2) - مدارك الأحكام 3: 409.

3) - وسائل الشيعة 4: 312 / الباب 9 من أبواب القبلة / الحديث 1.

4) - وسائل الشيعة 5: 460 / الباب 1 من أبواب أفعال الصلاة / الحديث 1.

و قال في الجواهر: «الواجب السادس: رفع الرأس من السجدة الأولى اجماعا محكيّا في الوسيلة و الغنية و المنتهى و التذكرة و جامع المقاصد و المدارك و المفاتيح و ظاهر المعتبر و كشف اللثام؛ لتوقّف صدق السجدة الثانية غالبا عليه، و لأنّه المعلوم من الشرع قولاً و فعلاً خلافا لبعض العامّة فاكتفى بالانتقال الى مكان أخفض. انتهى».(1)

قال الشيخ في الخلاف: «رفع الرأس من السجود ركن و الاعتدال جالسا مثل ذلك لاتتمّ الصلاة الاّ بهما و به قال الشافعي. و قال أبو حنيفة: القدر الذي يجب أن يرفع ما يقع عليه اسم الرفع و لو رفع رأسه بمقدار ما يدخل السيف بين وجهه و بين الأرض أجزأه و ربّما قالوا: الرفع لايجب أصلاً فلو سجد و لم يرفع حتّى حفر تحت جبهته حفيرة فحبط جبهته اليها أجزأه. دليلنا: اجماع الفرقة و خبر حمّاد و زرارة تضمّن ذلك و طريقة الاحتياط تقتضي ذلك لأنّه اذا فعل ما قلناه كانت صلاته ماضية بلا خلاف و ليس على اجزائها اذا لم يفعل دليل و قول النبي صلى الله عليه و آله لمن علّمه الصلاة: «ثمّ ارفع حتّى تطمئنّ جالسا» يدلّ عليه أيضا. انتهى».(2)

«الخامس»: الجلوس بعده

«الخامس»: الجلوس بعده مطمئنّا ثمّ الانحناء للسجدة الثانية.

الشرح:

يجب الجلوس بعد رفع الرأس من السجدة الأولى، و الدليل عليه صحيحة حمّاد المتقدّمة فانّه قال:

«ثمّ رفع رأسه من السجود فلمّا استوى جالسا قال: «اللّه أكبر ... ».(3)


1) - جواهر الكلام 10: 168.

2) - كتاب الخلاف 1: 360 / مسألة 117.

3) - وسائل الشيعة 5: 460 / الباب 1 من أبواب أفعال الصلاة / الحديث 1.

و يجب أن يكون جلوسه مطمئنّا لما في صحيحة الأزدي المتقدّمة قال عليه السلام فيها: «و اذا سجد فلينفرج و ليتمكّن و اذا رفع رأسه فليلبث حتّى يسكن».(1)

قال في الجواهر: «الواجب الرفع حتّى يعتدل مطمئنّا كما هو معقد اجماعالمدارك و غيره، و قد استوى الصادق عليه السلام جالسا لمّا علّم حمّاد و النبي صلى الله عليه و آله لمّا أمره بذلك في حديث المعراج، و خبر أبي بصير عن الصادق عليه السلام: «و اذا كان في الركعة الأولى و الثانية فرفعت رأسك من السجود فاستقم جالسا حتّى ترجع مفاصلك» - الى أن قال: - و الاجماع على وجوب الطمأنينة في الجلوس بعد السجدة الأولى في الغنية و المنتهى و التذكرة و جامع المقاصد و الحدائق و المحكي عن الغرية و ارشاد الجعفريّة و المقاصد العليّة و المفاتيح. انتهى ملخّصا».(2)

قال في الشرائع: «السادس: رفع الرأس من السجدة الأولى حتّى يعتدل مطمئنّا. انتهى».(3)

و قال في المدارك: «هذا مذهب علمائنا كافّة، و وافقنا عليه أكثر العامّة، و مستنده النصوص قولاً و فعلاً. انتهى».(4)

«السادس»: كون المساجد السبعة في محالّها الى تمام الذكر

«السادس»: كون المساجد السبعة في محالّها الى تمام الذكر، فلو رفع بعضها بطل و أبطل ان كان عمدا و يجب تداركه ان كان سهوا، نعم لا مانع من رفع ماعدا الجبهة في غير حال الذكر ثمّ وضعه عمدا كان أو سهوا من غير فرق بين كونه لغرض كحكّ الجسد و نحوه أو بدونه.

الشرح:


1) - وسائل الشيعة 4: 35 / الباب 8 من أبواب أعداد الفرائض / الحديث 14.

2) - جواهر الكلام 10: 168 و 169.

3) - شرائع الاسلام 1: 86.

4) - مدارك الأحكام 3: 410.

يستفاد من قول الامام عليه السلام في صحيحة زرارة:

«السجود على سبعة أعظم: الجبهة، و اليدين، و الركبتين، و الابهامينمن الرجلين».(1)

و من قوله عليه السلام في صحيحة مسمع:

«يجزيك من القول في الركوع و السجود ثلاث تسبيحات أو قدرهنّ مترسّلاً».(2)

و قوله عليه السلام من صحيحته الأخرى:

«لايجزي الرجل في صلاته أقلّ من ثلاث تسبيحات أو قدرهنّ».(3)

أنّه يجب أن تكون المساجد السبعة في محالّها الى تمام الذكر فلو رفع بعضها غير الجبهة سهوا و لم يتمّ الذكر ثمّ تذكّر يجب عليه وضعه و اتمام الذكر ان لم يخلّ بالموالاة و الاّ استأنف الذكر. و لو رفع الجبهة و اكتفى بالذكر الناقص فان كان سهوا فلا بأس و الاّ بطلت صلاته. و ان أتى بالذكر بقصد ذكر السجود و كان عالما بأنّه يجب كون المساجد السبعة في محالّها الى تمام الذكر ولكنّه رفع بعضها حاله بطل الذكر لعدم وقوعه في محلّه، و أبطل الصلاة للزوم الزيادة العمديّة، اذ قدأتى بالذكر بقصد الجزئيّة كما هو المفروض، و لم يكن جزءًا و هو معنى الزيادة، فتأمّل.

«السابع»: مساواة موضع الجبهة للموقف

اشارة

«السابع»: مساواة موضع الجبهة للموقف بمعنى عدم علوّه أو انخفاضه أزيد من مقدار لبنة موضوعة على أكبر سطوحها، أو أربع أصابع مضمومات و لا بأس بالمقدار المذكور و لا فرق في ذلك بين الانحدار و التسنيم. نعم الانحدار اليسير لا اعتبار به فلايضرّ معه الزيادة على المقدار المذكور، و


1) - وسائل الشيعة 6: 343 / الباب 4 من أبواب السجود / الحديث 2.

2) - وسائل الشيعة 6: 302 / الباب 5 من أبواب الركوع / الحديث 1.

3) - وسائل الشيعة 6: 303 / الباب 5 من أبواب الركوع / الحديث 4.

الأقوى عدم اعتبار ذلك في باقي المساجد لا بعضها مع بعض، و لا بالنسبة الى الجبهة فلايقدح ارتفاع مكانها أو انخفاضه ما لم يخرج به السجود عن مسمّاه.

الشرح:

يشترط عدم علوّ موضع الجبهة أزيد من مقدار لبنة من موقفه. و الدليل على ذلك صحيحة عبداللّه بن سنان قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلامعن موضع جبهة الساجد أيكون أرفع من مقامه؟ فقال: لا ولكن ليكن مستويا».(1)

ذكرها صاحب الوسائل في الباب العاشر من أبواب السجود، الحديث الأوّل. و في الكافي أوردها هكذا:

«علي بن ابراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال: سألته عن موضع جبهة الساجد يكون أرفع من قيامه؟ قال: لا ولكن يكون مستويا».(2)

دلّت صحيحة عبداللّه بن سنان على استواء موضع الجبهة لموضع قيامه الاّ أنّها تفسّر بصحيحته الثانية عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«سألته عن السجود على الأرض المرتفعة، فقال: اذا كان موضع جبهتك مرتفعا عن موضع بدنك قدر لَبِنَة فلا بأس».(3)

و أوردها في الكافي هكذا:

«و في حديث آخر في السجود على الأرض المرتفعة قال: قال: اذا


1) - تهذيب الأحكام 2: 81 / الحديث 315،83.

2) - فروع الكافي 3: 320 / باب وضع الجبهة على الأرض / الحديث 4.

3) - تهذيب الأحكام 2: 292 / الحديث 1271،127.

كان موضع جبهتك مرتفعا عن رجليك قدر لبنة فلا بأس».(1)

و يدلّ عليه أيضا صحيحة أبي بصير قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلامعن الرجل يرفع موضع جبهته في المسجد؟ فقال: انّي أحبّ أن أضع وجهي في موضع قدمي و كرهه».(2)

و صحيحة حسين بن حمّاد عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«قلت له: أضع وجهي للسجود فيقع وجهي على حجر أو على شيء مرتفع أحوّل وجهي الى مكان مستوٍ؟ قال: نعم جرّ وجهك على الأرض من غير أن ترفعه».(3)

أورده في الوسائل(4)الاّ أنّه أتى بدل «على شيء مرتفع»: «على موضع مرتفع».

و صحيحة معاوية بن عمّار قال:

«قال أبو عبداللّه عليه السلام: اذا وضعت جبهتك على نبكة فلاترفعها ولكن جرّها على الأرض».(5)

قال في مجمع البحرين: «النَبَكة بالتحريك و قد تسكن الباء = الأرض التي فيها صعود و نزول، و التلّ الصغير أيضا».

و موثّقة عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«سألته عن المريض أيحلّ له أن يقوم على فراشه و يسجد علىالأرض؟ قال: فقال: اذا كان الفراش غليظا قدر آجرة أو أقلّ استقام له أن يقوم عليه و يسجد على الأرض و ان كان أكثر من ذلك فلا».(6)


1) - فروع الكافى 3: 321 / باب وضع الجبهة على الأرض / الحديث 4.

2) - تهذيب الأحكام 2: 81 / الحديث 316،84.

3) - تهذيب الأحكام 2: 292 / الحديث 1269،125.

4) - وسائل الشيعة 6: 353 / الباب 8 من أبواب السجود / الحديث 2.

5) - فروع الكافي 3: 320 / باب وضع الجبهة على الأرض / الحديث 3.

6) - وسائل الشيعة 6: 358 / الباب 11 من أبواب السجود / الحديث 2.

قال في مجمع البحرين: «الآجر: اللَبِن اذا طبخ، و الواحدة: آجرة، يبنى به».

قال في الشرائع: «الثالث [من واجبات السجود] أن ينحني للسجود حتّى يساوي موضع جبهته موقفه، الاّ أن يكون علوّا يسيرا بمقدار لبنة لا أزيد. انتهى».(1)

قال في الجواهر: «فلايجوز حينئذ (أي اذا كان أزيد من لبنة) كما صرّح به الشيخ و المتأخّرون، بل في المدارك هو المعروف من مذهب الأصحاب، بل في الذكرى نسبته اليهم مشعرا بدعوى الاجماع عليه كالفاضل في المنتهى حيث نسبه الى علمائنا، بل في جامع المقاصد التصريح بنسبته اليهم جميعهم. انتهى».(2)

و قال في الحدائق: «الثالث أن ينحني حتّى يساوي موضع جبهته موقفه الاّ أن يكون العلوّ يسيرا بقدر لبنة بفتح اللام و كسر الباء و بكسر اللام و سكون الباء، و المراد بها ما كانت معتادة في زمن الأئمّة عليهم السلام و قدّرها الأصحاب بأربع أصابع تقريبا، و يؤيّده اللبن الموجود الآن في أبنية بني العبّاس في سُرّ من رأى فانّ الآجر الذي في أبنيتها بهذا المقدار تقريبا. و أسند هذا التحديد أعني تحديد العلوّ الجائز باللبنة في المعتبر و المنتهى الى الشيخ قدس سره، ثمّ قال في المنتهى: «و هو مذهب علمائنا» مؤذنا بدعوى الاجماع عليه، و كذا أسنده في الذكرى الى الأصحاب. انتهى».(3)

فروع:


1) - شرائع الاسلام 1: 86.

2) - جواهر الكلام 10: 150.

3) - الحدائق الناضرة 8: 260.

الفرع الأوّل : في انخفاض موضع الجبهة

يشترط عدم انخفاض موضع الجبهة للموقف أزيد من مقدار لبنة، و ذلك لموثّقة عمّار المتقدّمة آنفا، و لايعارضه خبر محمّد بن عبداللّه عن الرضا عليه السلام (في حديث):

«أنّه سأله عمّن يصلّي وحده فيكون موضع سجوده أسفل من مقامه؟ فقال: اذا كان وحده فلا بأس».(1)

لأنّه مقيّد بالموثّقة المذكورة جمعا.

قال في الجواهر: «و قد صرّح فيه (أي موثّق عمّار) بالتقدير المزبور و أفتى به الشهيدان و المحقّق الثاني و العلاّمة الطباطبائي و غيرهم، بل لم أجد من صرّح بالفرق بينه و بين العلوّ بذلك قبل الأردبيلي، و تبعه بعض من تأخّر عنه منهم الأستاذ في كشفه بل بعض من وسوس في الأوّل وافق في المقام كصاحب المدارك. انتهى».(2)

الفرع الثاني : في الفرق بين التسنيم و الانحدار

هل يكون في هذا الحكم فرق بين التسنيم و الانحدار؟

الظاهر أنّ هذا الحكم ليس تعبّدا بل لعدم صدق كون الزائد عن حدّ اللبنة سجودا، ارتفاعا أو انخفاضا، و لذلك قال في الجواهر: «فالظاهر أنّ مبنى اعتبار عدم العلوّ في المسجد الخروج عن مصداق السجود عرفا كما أومأ اليه في


1) - وسائل الشيعة 6: 358 / الباب 10 من أبواب السجود / الحديث 4.

2) - جواهر الكلام 10: 153.

المعتبر، بل كاد يكون صريح جامع المقاصد، الاّ أنّه لما كان ذلك غير منضبط و ممّا يعسر معرفته على التحقيق ناسب الشارع كما في سائر نظائره وضع تقدير له يتخلّص به عن الوسواس و التسامح تقريبي و ان صار بعد ذلك تحقيقا، فهو تحقيق في تقريب. انتهى».(1)

و بناءً عليه فاذا كان الانحدار بحدّ لايشكّ العرف في صدق السجود عليه ليس به بأس و ان كان زائدا عن اللبنة من جهة الارتفاع أو الانخفاض، فما عن كاشف الغطاء من أنّه لا بأس بالتسريح ما لم يتفاحش فتفوت به هيئة السجود حسن، كما في المتن أيضا.

الفرع الثالث : في اختصاص الحكم بموضع القدم

هذا الحكم مختصّ بموضع القدم و لايعتبر ذلك في باقي المساجد، لا بعضها مع بعض و لا بالنسبة الى الجبهة و لايقدح ارتفاع مكانها أو انخفاضه ما لم يخرج به السجود عن مسمّاه.

قال في الجواهر: «و ظاهر المتن (يعني الشرائع) و غيره ممّن اعتبر العلوّ في خصوص الجبهة عدم اعتبار ذلك في باقي المساجد كما صرّح به الأردبيلي و شيخنا في كشفه، للأصل و اطلاق الأدلّة الاّ اذا خرج به عن مسمّى الساجد. انتهى».(2)

و قال المحقّق الهمداني: «ثمّ انّ المعتبر عدم ارتفاع موضع الجبهة أو انخفاضه عن الموقف دون بقيّة المساجد، فلايقدح ارتفاعه عن شيء منها بأزيد من اللبنة


1) - نفس المصدر: 150 و 151.

2) - نفس المصدر: 155.

أو انخفاضه كذلك مع عدم التفاوت بينه و بين موقفه بهذا المقدار كما نسب الى المعظم بل المشهور بل الأصحاب مشعرا بعدم الخلاف فيه خلافا لما حكي عن ظاهر العلاّمة في بعض كتبه و الشهيد و بعض من تأخّر عنهما. انتهى».(1)

أقول:

أقصى ما يمكن أن يستدلّ به لاعتبار ذلك الحكم في باقي المساجد قوله عليه السلام في صحيحة عبداللّه بن سنان المتقدّمة:

«اذا كان موضع جبهتك مرتفعا عن موضع بدنك قدر لبنة فلا بأس».(2)

ولكن فيه: انّه يفسّرها صحيحته الأخرى عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«سألته عن موضع جبهة الساجد يكون أرفع من قيامه؟ قال: لا ولكن يكون مستويا».(3)

و كذا تدلّ على اختصاص ذلك بموضع الجبهة و الموقف صحيحة أبي بصيرو حسين بن حمّاد و معاوية بن عمّار المتقدّمة في ابتداء المسألة.

و أمّا ما روي عن النبي صلى الله عليه و آله أنّه قال:

«ضعوا اليدين حيث تضعون الوجه، فانّهما يسجدان كما يسجد الوجه».(4)

فمع ضعف سنده لايدلّ على منع الزيادة بل على استحباب الاستواء بين وضع اليدين و وضع الجبهة.

«الثامن»: وضع الجبهة على ما يصحّ السجود عليه

«الثامن»: وضع الجبهة على ما يصحّ السجود عليه من الأرض و ما نبت


1) - مصباح الفقيه / كتاب الصلاة: 345.

2) - وسائل الشيعة 6: 358 / الباب 11 من أبواب السجود / الحديث 1.

3) - فروع الكافي 3: 320 / باب وضع الجبهة على الارض / الحديث 4.

4) - وسائل الشيعة 6: 357 / الباب 10 من أبواب السجود / الحديث 3.

منها غير المأكول و الملبوس على ما مرّ في بحث المكان.

قد مرّ الكلام حول ذلك تفصيلاً في فصل مسجد الجبهة من مكان المصلّي.

«التاسع»: طهارة محلّ وضع الجبهة

«التاسع»: طهارة محلّ وضع الجبهة.

الشرح:

تدلّ على ذلك صحيحة الحسن بن محبوب قال:

«سألت أبا الحسن عليه السلام عن الجصّ يوقد عليه بالعذرة و عظام الموتى ثمّ يجصّص به المسجد، أيسجد عليه؟ فكتب اليّ بخطّه: انّ الماء و النار قد طهّراه».(1)

قال في مفتاح الكرامة: «أمّا طهارة موضع السجود فهو اجماع كلّ من يحفظ عنه العلم كما في التذكرة، و نقل عليه الاجماع في الغنية و المعتبر و المختلف والمنتهى و الذكرى و التنقيح و جامع المقاصد و ارشاد الجعفريّة و مجمع البرهان و شرح الشيخ نجيب الدين. انتهى موضع الحاجة من كلامه».(2)

قال في الحدائق: «ظاهر الأصحاب الاتّفاق على اشتراط طهارة موضع الجبهة، و قد نقل الاجماع عليه جماعة: منهم العلاّمة في المنتهى و المختلف و الشهيد في الذكرى و ابن زهرة في الغنية، و لاأعرف لهم دليلاً على الحكم المذكور زيادة على الاجماع. انتهى».(3)

و الدليل على الحكم المذكور صحيحة ابن محبوب و الاجماع الذي لايخالفه أحد من العلماء الاّ الراوندي بناءً على ما اعترف به صاحب الحدائق فانّه قال فيه:


1) - وسائل الشيعة 3: 527 / الباب 81 من أبواب النجاسات / الحديث 1.

2) - مفتاح الكرامة 2: 196.

3) - الحدائق الناضرة 7: 180.

«و كيف كان فالمخالفة لما ادّعوه من الاجماع منحصرة في الراوندي. انتهى».(1)

مع أنّه قال في مفتاح الكرامة: «انّ كلام الراوندي قابل للتأويل بل قيل انّه قائل بالتطهير المذكور. انتهى».(2)

قال في المستمسك: «الاعتماد على الاجماع المنقول في كلام الأساطين المعتمدين المتلقّى عند غيرهم بالقبول قد حرّر في محلّه جوازه، فانّه يوجب العلم العادي بالحكم و منه الاجماع المتقدّم. و خلاف الوسيلة غير ثابت لاختلاف نسخها - الى أن قال: - و أمّا المحقّق في المعتبر فبعد أن نقل عن الشيخين القول بجواز الصلاة على ما تجفّفه الشمس و طهّره قال: «و قيل لايطهر و تجوز الصلاة عليها، و به قال الراوندي منّا و صاحب الوسيلة و هو جيّد» و الذي يظهر بالتأمّل في أطراف كلامه أنّ ما نقله و استجاده هو جواز الصلاة عليه لا جواز السجود.انتهى».(3)

«العاشر»: المحافظة على العربيّة و الترتيب و الموالاة في الذكر

«العاشر»: المحافظة على العربيّة و الترتيب و الموالاة في الذكر.

سبق البحث في ذلك في القراءة.

في تعيين حدّ الجبهة

اشارة

(مسألة 1): الجبهة ما بين قصاص شعر الرأس و طرف الأنف الأعلى و الحاجِبين طولاً، و ما بين الجبينين عرضا، و لايجب فيها الاستيعاب بل يكفي صدق السجود على مسمّاها و يتحقّق المسمّى بمقدار الدرهم قطعا، و الأحوط عدم الأنقص، و لايعتبر كون المقدار المذكور مجتمعا بل يكفي و ان كان متفرّقا مع الصدق فيجوز السجود على السبحة الغير المطبوخة اذا كان


1) - نفس المصدر.

2) - مفتاح الكرامة 2: 196.

3) - مستمسك العروة 6: 359.

مجموع ما وقعت عليه الجبهة بقدر الدرهم.

الشرح:

في المسألة فروع:

الفرع الأوّل : في حدّ الجبهة

الجبهة ما بين قصاص شعر الرأس و طرف الأنف الأعلى و الحاجِبين طولاً و ما بين الجبينين عرضا. يدلّ على ذلك صحيحة زرارة عن أحدهما عليهماالسلام قال:

«قلت: الرجل يسجد و عليه قَلَنسُوة أو عِمامة؟ فقال: اذا مسّ جبهته الأرض فيما بين حاجبه و قصاص شعره فقد أجزأ عنه».(1)

و صحيحته الثانية عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«سألته عن حدّ السجود؟ قال: ما بين قصاص الشعر الى موضع الحاجِب، ما وضعت منه أجزأك».(2)

و صحيحته الثالثة عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«الجبهة كلّها من قصاص شعر الرأس الى الحاجبين موضع السجود فأيّما سقط من ذلك الى الأرض أجزأك مقدار الدرهم أو مقدار طرف الأنملة».(3)

و موثّقة بريد عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«الجبهة الى الأنف، أيّ ذلك أصبت به الأرض في السجود أجزأك، و


1) - وسائل الشيعة 6: 355 / الباب 9 من أبواب السجود / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 6: 355 / الباب 9 من أبواب السجود / الحديث 2.

3) - وسائل الشيعة 6: 356 / الباب 9 من أبواب السجود / الحديث 5.

السجود عليه كلّه أفضل».(1)

و موثّقة عمّار الساباطي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«ما بين قصاص الشعر الى طرف الأنف مسجد فما أصاب الأرض منه فقد أجزأك».(2)

فالمستفاد من هذه الروايات أنّ الجبهة ما بين قصاص الشعر الى موضع الحاجِب طولاً و ما بين الجبينين عرضا، أمّا من حيث الطول فواضح و أمّا من جهة العرض فلمكان الحاجب فانّ الظاهر من الحاجب أو الحاجِبين في الرواياتالمذكورة تمامه فيكون عبارة عمّا بين الجبينين، فانّ الحاجبين ينتهيان الى الجبينين.

قال في مفتاح الكرامة: «و هي (أي الجبهة) ما بين قصاص الشعر و طرف الأنف طولاً و بين الجبينين عرضا كما في المقاصد العليّة و نحوه ما في المسالك و الروض من أنّ حدّها قصاص الشعر من مستوي الخلقة و الحاجب - الى أن قال: - و وجوب السجود عليها اجماعيّ كما في الخلاف و الغنية و التذكرة و نهاية الأحكام و الذكرى و ارشاد الجعفريّة و غيرها و عن شرح الجمل للقاضي لا خلاف فيه و في المنتهى لا خلاف في أنّه لايجزي السجود على الرأس و الخدّ. انتهى».(3)

الفرع الثاني : في عدم وجوب الاستيعاب

لايجب استيعاب الجبهة على الأرض بل يكفي مسمّاها و يتحقّق المسمّى


1) - وسائل الشيعة 6: 356 / الباب 9 من أبواب السجود / الحديث 3.

2) - وسائل الشيعة 6: 356 / الباب 9 من أبواب السجود / الحديث 4.

3) - مفتاح الكرامة 2: 436.

بمقدار الدرهم و طرف الأنملة كما في صحيحة زرارة الثالثة المتقدّمة آنفا ففيها: «فأيّما سقط من ذلك الى الأرض أجزأك مقدار الدرهم أو مقدار طرف الأنملة»، و يستفاد ذلك ممّا في موثّقتي بريد و عمّار، فانّ المراد من قوله عليه السلام في الأولى: «أيّ ذلك أصبت به الأرض» و في الثانية: «ما أصاب الأرض منه» هو المسمّى.

قال في مفتاح الكرامة: «و يكفي في وضع الجبهة الاسم كما هو المشهور كما في الروض و البحار و الحدائق، و الأشهر كما في الكفاية، و مذهب الأكثر كما فيجامع المقاصد و المدارك و المفاتيح و شرح نجيب الدين و به صرّح الشيخ و جميع من تأخّر عنه. و قال في الدروس: «لاينقص في الجبهة عن درهم». و في الروض و المقاصد العليّة أنّه لا خلاف في عدم وجوب الاستيعاب. و في الفقيه: يجزي مقدار الدرهم و هو المنقول عن الفقه المنسوب الى مولانا الرضا عليه السلام، و فى دعائم الاسلام عن جعفر بن محمّد عليهماالسلام أنّه قال: «أقلّ ما يجزي أن يصيب الأرض من جبهتك قدر درهم». انتهى».(1)

الفرع الثالث : في جواز كون موضع الجبهة حصى

و لايعتبر كون المقدار المذكور مجتمعا بل يكفي و ان كان متفرّقا مع صدق السجود، و ذلك لاطلاق ما تقدّم من الروايات و خصوص موثّقة يونس بن يعقوب قال:

«رأيت أبا عبداللّه عليه السلاميسوّي الحصى في موضع سجوده بين السجدتين».(2)


1) - نفس المصدر: 440.

2) - وسائل الشيعة 6: 373 / الباب 18 من أبواب السجود / الحديث 2.

و موثّقة اسحاق بن عمّار عن عبدالملك بن عمرو قال:

«رأيت أبا عبداللّه عليه السلام سوّى الحصى حين أراد السجود».(1)

و خبر الحلبي قال:

«قال أبو عبداللّه عليه السلام: دعا أبي بالخمرة فأبطأت عليه فأخذ كفّا منحصى فجعله على البساط ثمّ سجد».(2)

قال في مجمع البحرين: «قد تكرّر في الحديث ذكر الخمرة و السجود عليها و هي بالضمّ سجادة صغيرة تعمل من سعف النخل و تزمّل بالخيوط. انتهى».

و خبر حمران عن أحدهما عليهماالسلام قال:

«كان أبي عليه السلام يصلّي على الخمرة يجعلها على الطنفسة(3)و يسجد عليها، فاذا لم تكن خمرة جعل حصى على الطنفسة حيث يسجد».(4)

و صحيحة عمر بن أذينة عن اسحاق بن الفضل أنّه سأل أبا عبداللّه عليه السلامعن السجود على الحصر و البواري؟ فقال:

«لا بأس، و ان يسجد على الأرض أحبّ اليّ فانّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله كان يحبّ ذلك أن يمكّن جبهته من الأرض فأنا أحبّ لك ما كان رسول اللّه صلى الله عليه و آله يحبّه».(5)

مع وضوح أنّ الحصير و البوريا فيهما مرتفعات و منخفضات و لذلك قال عليه السلام في ذيل الحديث: «فانّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله كان يحبّ ذلك أن يمكّن جبهته من الأرض».


1) - وسائل الشيعة 6: 373 / الباب 18 من أبواب السجود / الحديث 4.

2) - وسائل الشيعة 5: 347 / الباب 2 من أبواب ما يسجد عليه / الحديث 3.

3) - الطُنفُسَة الطَنفَسة الطِنفِسة ج الطَنافس: البساط، الحصير.

4) - وسائل الشيعة 5: 347 / الباب 2 من أبواب ما يسجد عليه / الحديث 2.

5) - وسائل الشيعة 5: 368 / الباب 17 من أبواب ما يسجد عليه / الحديث 4.

في اشتراط مباشرة الجبهة لما يصحّ السجود عليه

(مسألة 2): يشترط مباشرة الجبهة لما يصحّ السجود عليه فلو كان هناك مانع أو حائل عليه أو عليها وجب رفعه حتّى مثل الوسخ الذي على التربة اذا كان مستوعبا لها بحيث لم يبق مقدار الدرهم منها، ولو متفرّقا خاليا عنه، وكذا بالنسبة الى شعر المرأة الواقع على جبهتها فيجب رفعه بالمقدار الواجب، بل الأحوط ازالة الطين اللاصق بالجبهة في السجدة الأولى، و كذا اذا لصقت التربة بالجبهة فانّ الأحوط رفعها بل الأقوى وجوب رفعها اذا توقّف صدق السجود على الأرض أو نحوها عليه، و أمّا اذا لصق بها تراب يسير لاينافي الصدق فلا بأس به، و أمّا سائر المساجد فلايشترط فيها المباشرة للأرض.

الشرح:

يشترط مباشرة الجبهة لما يصحّ السجود عليه فلو كان هناك مانع أو حائل عليه أو عليها يجب رفعه، و الدليل على ذلك الروايات الواردة في الباب التاسع من أبواب السجود في الوسائل المتقدّم ذكرها في المسألة السابقة كصحيحة زرارة عن أحدهما عليهماالسلام قال:

«قلت: الرجل يسجد و عليه قَلَنسُوة أو عِمامة؟ فقال: اذا مسّ جبهته الأرض فيما بين حاجِبه و قصاص شعره فقد أجزأ عنه».(1)

و كذا ما أورده في الباب الرابع عشر من أبواب ما يسجد عليه كصحيحة عبدالرحمن بن أبي عبداللّه قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلامعن الرجل يسجد و عليه العمامة لايصيب وجهه الأرض؟ قال: لايجزيه ذلك حتّى تصل جبهته الى


1) - وسائل الشيعة 6: 355 / الباب 9 من أبواب السجود / الحديث 1.

الأرض».(1)

و صحيحة علي بن جعفر عن موسى بن جعفر عليه السلام قال:

«سألته عن المرأة تطول قصّتها فاذا سجدت وقع بعض جبهتها على الأرض و بعض يغطّيه الشعر، هل يجوز ذلك؟ قال: لا حتّى تضع جبهتها على الأرض».(2)

و يدلّ على وجوب رفع المانع عن الجبهة خصوص صحيحة عبيداللّه بن علي الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«سألته: أيمسح الرجل جبهته في الصلاة اذا لصق بها تراب؟ فقال: نعم قد كان أبو جعفر عليه السلام يمسح جبهته في الصلاة اذا لصق بها التراب».(3)

و خبر علي بن بجيل أنّه قال:

«رأيت جعفر بن محمّد عليه السلام كلّما سجد فرفع رأسه أخذ الحصى من جبهته فوضعه على الأرض».(4)

و عليه لو كان هناك مانع على ما يصلح للسجود عليه يجب رفعه حتّى مثل الوسخ الذي على التربة اذا كانت له جرميّة تستوعب سطحها، و لم يعدّ من اللون في نظر العرف.

و أمّا سائر المساجد فلايشترط فيها المباشرة للأرض، يدلّ على ذلك صحيحة حمران عن أحدهما عليهماالسلام قال:

«كان أبي عليه السلام يصلّي على الخمرة يجعلها على الطنفسة و يسجد


1) - وسائل الشيعة 5: 362 / الباب 14 من أبواب ما يسجد عليه / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 5: 363 / الباب 14 من أبواب ما يسجد عليه / الحديث 5.

3) - وسائل الشيعة 6: 373 / الباب 18 من أبواب السجود / الحديث 1.

4) - وسائل الشيعة 6: 373 / الباب 18 من أبواب السجود / الحديث 3.

عليها فاذا لم تكن خمرة جعل حصى على الطنفسة حيث يسجد».(1)و خبر الحلبي قال:

«قال أبو عبداللّه عليه السلام: دعا أبي بالخمرة فأبطأت عليه فأخذ كفّا من حصى فجعله على البساط ثمّ سجد».(2)

و خبر الحلبي الثاني عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«سألته عن الرجل يصلّي على البساط و الشعر و الطنافس، قال: لاتسجد عليه و ان قمت عليه و سجدت على الأرض فلا بأس، و ان بسطت عليه الحصير و سجدت على الحصير فلا بأس».(3)

في اشتراط وضع باطن الكفّين

اشارة

(مسألة 3): يشترط في الكفّين وضع باطنهما مع الاختيار و مع الضرورة يجزي الظاهر كما أنّه مع عدم امكانه لكونه مقطوع الكفّ أو لغير ذلك ينتقل الى الأقرب - من الكفّ - فالأقرب من الذراع و العضد.

الشرح:

يشترط في الكفّين وضع باطنهما مع الاختيار و ذلك لصحيحة حمّاد:

«و سجد على ثمانية أعظم: الجبهة، و الكفّين، و عيني الركبتين، و أنامل ابهامي الرجلين، و الأنف، فهذه السبعة فرض، و وضع الأنف على الأرض سنّة، و هو الارغام».(4)

و في صحيحته الأخرى:

«ثمّ سجد و بسط كفّيه مضمومتي الأصابع بين يدي ركبتيه حيال


1) - وسائل الشيعة 5: 347 / الباب 2 من أبواب ما يسجد عليه / الحديث 2.

2) - وسائل الشيعة 5: 347 / الباب 2 من أبواب مايسجد عليه / الحديث 3.

3) - وسائل الشيعة 5: 347 / الباب 2 من أبواب ما يسجد عليه / الحديث 4.

4) - وسائل الشيعة 5: 460 / الباب 1 من أبواب أفعال الصلاة / الحديث 1.

وجهه، فقال: سبحان ربّي الأعلى و بحمده، ثمّ زاد بعد قوله: و الأنف: و قال: سبعة منها فرض يسجد عليها و هي التي ذكرها في كتابه فقال: «و أنّ المساجد للّه فلاتدعوا مع اللّه أحدا»(1)، و هي الجبهة و الكفّان و الركبتان، و الابهامان، و وضع الأنف على الأرض سنّة».(2)

و في صحيحته الثالثة:

«و ابسطهما على الأرض بسطا».(3)

و صحيحة زرارة قال:

«قال أبو جعفر عليه السلام: قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله : السجود على سبعة أعظم: الجبهة، و اليدين، و الركبتين، و الابهامين من الرجلين، و ترغم بأنفك ارغاما، أمّا الفرض فهذه السبعة و أمّا الارغام بالأنف فسنّة من النبي صلى الله عليه و آله ».(4)

فالمستفاد من السجود على اليدين عرفا هو الكفّان.

قال في الجواهر: «و أمّا الكفّان المعبّر بهما في كثير من عبارات المتأخّرين و بعض عبارات القدماء، بل هما من معقد اجماعات متعدّدة كما قيل فقد عرفت ما يدلّ عليهما من النصوص التي يجب حمل اليد في غيرها عليهما سيّما مع كونه المعهود من أهل الشرع عند فعل السجود، كما أنّه يجب ارادتهما منها في جملة من عبارات الأصحاب كالشيخ و غيره و ان كانت واقعة في معقد اجماعي الخلافو نهاية الأحكام على ما قيل، فانحصر الخلاف حينئذ في المرتضى و ابن ادريس


1) - الجنّ 72: 18.

2) - وسائل الشيعة 5: 461 / الباب 1 من أبواب أفعال الصلاة / الحديث 2.

3) - وسائل الشيعة 5: 462 / الباب 1 من أبواب أفعال الصلاة / الحديث 3.

4) - وسائل الشيعة 6: 343 / الباب 4 من أبواب السجود / الحديث 2.

في المحكي من الجمل و السرائر حيث عبّرا بمفصل الزندين من الكفّين، و حكاه في الذكرى عن الاسكافي أيضا، لكن عن القاضي في شرح الجمل نفي الخلاف عن ذلك، مع أنّه من المستبعد ارادتهم تعيين ذلك بحيث لايجزي الكفّان، و لذا حمله في الذكرى على ارادة الاجتزاء بهما عن الكفّين، لكن على كلّ حال لم نجد لهم نصّا بالخصوص، بل قد عرفت أنّ النصوص تشهد بخلافهم، و لعلّهم يريدون تحديد ابتداء الكفّ الذي يسجد عليه كما يومئ اليه ما سمعته عن القاضي من نفي الخلاف، اذ من المستبعد ارادته ذلك الذي هو الى الاجماع على عدمه أقرب منه اليه. ثمّ انّ المنساق الى الذهن و المتعارف في الوضع عند السجود و الموافق للاحتياط الباطن من الكفّين، بل نسب في الذكرى وجوب ذلك الى أكثر الأصحاب تأسّيا بالنبي صلى الله عليه و آله و أهل بيته عليهم السلام بل في المحكي عن نهاية الأحكام و التذكرة أنّ ظاهر علمائنا وجوب تلقّي الأرض ببطون راحته لكن و مع ذلك تردّد فيه في المنتهى، و لعلّه لعدم دليل معتدٍّ به على التعيين كي يقيّد به الاطلاق، خصوصا على القول بأعمّية أسماء العبادات. انتهى».(1)

و قد عرفت الدليل على وجوب وضع الكفّين على الأرض بلا اشكال.

فرع : فيما اذا لم يتمكّن من وضع كفّيه على الأرض

ان لم يتمكّن من وضع كفّيه على الأرض ولو بمقدار المسمّى فهل يجبوضع ظاهرهما؟ قد يقال به؛ لاطلاق «اليدين» في صحيحة زرارة المتقدّمة، و لقاعدة الميسور.

ولكن فيه: انّ المراد باليد هو الكفّ بقرينة صحيحة حمّاد و غيرها ممّا ذكر، و


1) - جواهر الكلام 10: 138 و 139.

عليه لم يبق اطلاق حتّى يتمسّك به و لا موضوع لقاعدة الميسور، فاذا تعذّر السجود على الكفّين يسقط هذا العضو فيجب السجود على باقي الأعضاء الاّ أنّ الاحتياط حسن كما أنّه اذا قطعت يده من الزند يحتاط بوضع ما بقي من اليد على الأرض في السجود؛ للتخلّص عن خلاف من قال بوجوب الوضع.

قال في الجواهر: «فمع تعذّر الباطن ينتقل الى الظاهر كما صرّح به بعضهم أخذا باطلاق الكفّ الذي خرج عنه بالتبادر الى خصوص الباطن مع الاختيار دون الاضطرار و لأنّه أقرب الى المأمور به، و يومئ اليه في الجملة ما ذكروه في مسح الوضوء، فلاحظ و تأمّل. انتهى».(1)

و فيه: انّ الكفّ يطلق على خصوص الباطن.

قال في المصباح المنير: «الكفّ الراحة مع الأصابع سمّيت بذلك لأنّها تكفّ الأذى عن البدن و تكفّف الرجل الناس و استكفّهم، مدّ كفّه اليهم بالمسألة و قيل: أخذ الشيء بكفّه. انتهى».

و قال المحقّق الهمداني: «فان تعذّر الباطن سجد على الظاهر كما صرّح به بعض اذ لو سلّمنا انصرافه الى الباطن انّما هو مع الامكان لا مطلقا كما في باب التيمّم على حسب ما عرفته في محلّه. انتهى».(2)

قال السيّد حسين الطباطبائي البروجردي في نهاية التقرير: «ذكر في العروة - بعد الحكم بأنّه يشترط في الكفّين وضع باطنهما مع الاختيار - أنّه مع الضرورةيجزي الظاهر كما أنّه مع عدم امكانه لكونه مقطوع الكفّ أو لغير ذلك ينتقل الى الأقرب من الكفّ فالأقرب من الذراع و العضد هذا، و لايخفى أنّ دعوى كفاية الظاهر عند الضرورة مبنيّة على أنّ انصراف وجوب السجدة على الكفّين الى باطنهما انّما هو مع الامكان و أمّا مع التعذّر فلا [و في هذه الدعوى اشكال كما


1) - نفس المصدر: 139.

2) - مصباح الفقيه / كتاب الصلاة: 341 و 342.

تقدّم] لكن يقع الكلام في وجوب السجدة على باقي أجزاء اليد مع تعذّر الكفّين مطلقا و يمكن أن يكون الوجه فيه هو أنّ بعض الروايات الواردة في باب السجود يدلّ على وجوب السجدة على اليدين و من المعلوم أنّ اليد مطلقة فيحمل على صورة الاضطرار و عدم القدرة على السجود على الكفّين لكن فيه: انّ لازمه الاكتفاء بكلّ جزء من الأجزاء و التخيير بينها لا الترتيب كما ذكره مضافا الى أنّ قاعدة حمل المطلق على المقيّد تقتضي حمل اليد على خصوص الكفّين. انتهى».(1)

في حكم استيعاب باطن الكفّ

(مسألة 4): لايجب استيعاب باطن الكفّين أو ظاهرهما بل يكفي المسمّى ولو بالأصابع فقط أو بعضها، نعم لايجزي وضع رؤوس الأصابع مع الاختيار، كما لايجزي لو ضمّ أصابعه و سجد عليها مع الاختيار.

الشرح:

قد عرفت عدم وجوب الاستيعاب في الجبهة، فهل الحكم كذلك في الكفّين باطنا أو ظاهرا؟

المشهور ذلك، بل عن غير واحد دعوى عدم الخلاف فيه، و قال بعضهم: يكفي المسمّى و ان كان هو الأصابع.

قال في الجواهر: «أمّا باقي المساجد فعن الفوائد المليّة و المقاصد العليّة أنّه لا خلاف في كفاية الاسم فيه، لكن في المنتهى هل يجب استيعاب جميع الكفّ بالسجود؟ عندي فيه تردّد، و الحمل على الجبهة يحتاج الى دليل، لورود النصّ في خصوص الجبهة، فالتعدّي بالاجتزاء بالبعض يحتاج الى دليل - الى أن قال: - قد صرّح جماعة منهم العلاّمة في نهاية الأحكام كما قيل بأنّه يكفي وضع الأصابع


1) - نهاية التقرير: 451.

دون الكفّ و بالعكس، كما أنّه صرّح بعضهم بأنّ الأصابع من الكفّ، و هو الذي يساعده العرف، نعم لو سجد على رؤوس الأصابع لم يجتز به كما في المسالك؛ لأنّها حدّ الباطن، كما أنّه لايبعد عدم الاجزاء لو ضمّ أصابعه الى كفّه و سجد عليها كما في المحكي عن التذكرة و الموجز و شرحه، لعدم صدق السجود على باطن الكفّ، و جعل الأصابع بمنزلة البساط لا مدخل له في المصاديق العرفيّة، فما عن نهاية الأحكام من التوقّف فيه لايخلو من نظر. و لو جافى وسط كفّه و لاقى الأرض بأطراف أصابعه و زنده لم يجز أيضا لما عرفت، و المدار على الصدق العرفي فلايحتاج الى الاطالة في التفريع. انتهى».(1)

أقول:

الظاهر من الروايات المتقدّمة المذكور فيها أنّ السجود على سبعة أعظم و منها الكفّين، هو وجوب الاستيعاب عرفا، و ما في الجبهة من كفاية المسمّى، لما ورد من النصّ بأنّ أيّ جزء منها أصاب الأرض أجزأ فما عن العلاّمة في المنتهى من التردّد في كفاية المسمّى و عدم وجوب الاستيعاب في محلّه بل الأقوى وجوب الاستيعاب العرفي كما هو مفاد الأخبار.

و في المستمسك بعد نقل كلام العلاّمة في المنتهى قال: «و فيه: انّ الاجتزاءبالبعض مقتضى اطلاق الأدلّة، و الاستيعاب محتاج الى دليل، و هو مفقود. انتهى».(2)

ففيه: انّ المستفاد عرفا من قول حمّاد في صحيحته: «و سجد على ثمانية أعظم: الجبهة و الكفّين ... » هو الاستيعاب، و هو الدليل. بل الظاهر من هذه الصحيحة و غيرها وجوب وضع الأصابع أيضا.


1) - جواهر الكلام 10: 145 و 146.

2) - مستمسك العروة 6: 367.

في حكم الاستيعاب في وضع الركبتين

(مسألة 5): في الركبتين أيضا يجزي وضع المسمّى منهما و لايجب الاستيعاب، و يعتبر ظاهرهما دون الباطن، و الركبة مجمع عظمي الساق و الفخذ فهي بمنزلة المرفق من اليد.

الشرح:

يجزي وضع المسمّى من الركبتين، و الدليل على ذلك اطلاق صحيحة زرارة قال:

«قال أبو جعفر عليه السلام: قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله : السجود على سبعة أعظم: الجبهة و اليدين و الركبتين و الابهامين من الرجلين، و ترغم بأنفك ارغاما، أمّا الفرض فهذه السبعة، و أمّا الارغام بالأنف فسنّة من النبي صلى الله عليه و آله ».(1)

و أمّا صحيحة حمّاد و ان رواها في الفقيه «أنّه عليه السلام سجد على ثمانية أعظم: الجبهة و الكفّين و عيني الركبتين ... »(2)الاّ أنّه رواها في التهذيب(3)و سقط لفظ «عيني» و الظاهر أنّ نسخة التهذيب أصحّ بالنسبة الى الفقيه كما في المستمسك.

و في مصباح الفقيه: «فالظاهر أنّ عين الركبة أسفل من هذا المرتفع الذي هو بمنزلة المرفق من اليد فلايحتاج وضعها على الأرض الى التمدّد، بل الظاهر أنّ طرفي عظمي الساق و الفخذ اللذين يتواصلان حال القيام و الركوع و ينفصلان من طرف المقدّم عند ثني الرجلين و الجلوس عليهما من الركبة. انتهى».(4)

و يشهد لقوله (أي المحقّق الهمداني) قوله عليه السلام في صحيحة زرارة: «و اذا


1) - وسائل الشيعة 6: 343 / الباب 4 من أبواب السجود / الحديث 2.

2) - من لايحضره الفقيه 1: 196 / الحديث 916.

3) - تهذيب الأحكام 2: 81 / الحديث 301،69.

4) - مصباح الفقيه / كتاب الصلاة: 342.

قعدت في تشهّدك فألصق ركبتيك بالأرض».(1)

و صحيحته الأخرى في آداب المرأة:

«و اذا سقطت للسجود بدأت بالقعود و بالركبتين قبل اليدين، ثمّ تسجد لاطئة بالأرض، فاذا كانت في جلوسها ضمّت فخذيها و رفعت ركبتيها من الأرض».(2)

قال في مجمع البحرين: «تسجد المرأة لاطئة بالأرض أي لازقة بها، و لاتتخوّى كالرجل فتبدو عجيزتها. انتهى».

و اللازقة بمعنى اللاصقة. فلو كانت الركبة اسما لخصوص هذا الجزء الذي يقع حال الجلوس في الطرف و يتوقّف ايصاله الى الأرض على رفع الفخذين لم يكن سجود المرأة لاطئة للأرض مجزيا بل كان عليها رفع عجيزتها و هو ممّا ينفيه الصحيحة.

في كيفيّة وضع الابهامين

اشارة

(مسألة 6): الأحوط في الابهامين وضع الطرف من كلّ منهما دون الظاهر أو الباطن منهما، و من قطع ابهامه يضع ما بقي منه، و ان لم يبق منه شيء أوكان قصيرا يضع سائر أصابعه. و لو قطع جميعها يسجد على ما بقي من قدميه، و الأولى و الأحوط ملاحظة محلّ الابهام.

الشرح:

يجب السجود على ابهامي الرجلين و ذلك لصحيحة زرارة قال:

«قال أبو جعفر عليه السلام: قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله : السجود على سبعة أعظم: الجبهة، و اليدين، و الركبتين، و الابهامين من الرجلين. الحديث».(3)


1) - وسائل الشيعة 5: 462 / الباب 1 من أبواب أفعال الصلاة / الحديث 3.

2) - وسائل الشيعة 5: 463 / الباب 1 من أبواب أفعال الصلاة / الحديث 4.

3) - وسائل الشيعة 6: 343 / الباب 4 من أبواب السجود / الحديث 2.

و هذه الصحيحة تبيّن المراد من «رجليه» الوارد في صحيحة عبداللّه بن ميمون القدّاح عن جعفر بن محمّد عليه السلام قال:

«يسجد ابن آدم على سبعة أعظم: يديه، و رجليه، و ركبتيه، و جبهته».(1)

انّما الكلام في أنّه هل يجب وضع خصوص الطرف من الابهام أو يتخيّر بينه و بين الظاهر أو الباطن؟

الظاهر من اطلاق صحيحة زرارة هو التخيير، الاّ أنّه ورد في صحيحة حمّاد هكذا:

«و سجد على ثمانية أعظم: الجبهة، و الكفّين، و عيني الركبتين، و أنامل ابهامي الرجلين، و الأنف فهذه السبعة فرض، و وضع الأنف على الأرض سنّة و هو الارغام».(2)

و الأنامل جمع الأنملة و هي رأس الاصبع كما في مجمع البحرين. ولكنالاشكال في أنّه قد ذكرت هذه الصحيحة في الكافي الذي هو أضبط من الفقيه هكذا:

«و قال: سبعة منها فرض يسجد عليها و هي التي ذكرها اللّه في كتابه فقال: «و أنّ المساجد للّه فلاتدعوا مع اللّه أحدا»، و هي الجبهة و الكفّان و الركبتان و الابهامان، و وضع الأنف على الأرض سنّة».(3)

قال في مصباح الفقيه: «و أمّا الابهامان فلا اجمال في مفهومهما و يكفي في وضعهما أيضا مسمّاه من غير فرق بين ظاهرهما و باطنهما أو رؤوسهما كما صرّح به غير واحد لاطلاق صحيحة زرارة المتقدّمة التي وقع فيها بيان مواقع


1) - وسائل الشيعة 6: 345 / الباب 4 من أبواب السجود / الحديث 8.

2) - وسائل الشيعة 5: 460 / الباب 1 من أبواب أفعال الصلاة / الحديث 1.

3) - وسائل الشيعة 5: 461 / الباب 1 من أبواب أفعال الصلاة / الحديث 2.

السجود مع موافقته لأصالة البراءة عن تعيّن موضع خاصّ منهما و ما في صحيحة حمّاد من أنّه عليه السلام سجد على أنامل ابهامي الرجلين لايدلّ على تعيّنها خصوصا مع ما فيها عند بيان الواجب من التعبير بالابهامين فما عن السيّد و الحلّي و التذكرة من ايجاب السجود على أناملهما ضعيف، و أضعف منه ما حكي عن الموجز من تعيّن ظاهرهما و عدم جواز وضع الرؤوس مع أنّه حكى عن الروض أنّه جعل وضع الرؤوس أحوط و هو كذلك لأنّه هو الذي ينسبق الى الذهن من حكاية فعل الامام عليه السلام في الصحيحة المزبورة كما لايخفى. انتهى».(1)

أقول:

الاحتياط بوضع رؤوس الابهامين حسن الاّ أنّ الانسباق الى الذهن من حكاية فعل الامام عليه السلام حتّى يكون واجبا ممنوع لما مرّ و لما تذكّر في خلال كلامه.

فرع : فيما لو قطع أنملة الابهامين

لو قطع أنملة الابهامين وجب السجود على ما بقي منهما لكونه مصداقا للمأمور به دون سائر الأصابع و لو قطعتا من الأصل يسقط السجود عليهما لعدم الدليل على البدليّة. و الاحتياط بالجمع بين وضع محلّهما و سائر الأصابع حسن و ان لم يمكن الجمع يختار في وضع أيّهما شاء.

قال في الجواهر: «قلت: قضيّة الخبر السقوط حينئذ لا السجود على باقي الأصابع بل لعلّه هو الموافق للضوابط مع التعذّر؛ لعدم الدليل على البدليّة بعد تنزيل مطلق تلك النصوص على مقيّدها، و قاعدة الميسور يصعب جريانها في المقام. اللّهمّ الاّ أن يؤيّد باطلاق الرجل مع تنزيل التقييد على حالة الاختيار


1) - مصباح الفقيه / كتاب الصلاة: 342.

خصوصا مع وجوب الاحتياط في العبادة، فتأمّل جيّدا. انتهى».(1)

أقول:

حمل التقييد على حالة الاختيار بعيد و ليس عليه قرينة، الاّ أنّ الاحتياط حسن كما مرّ.

في الاعتماد على الأعضاء السبعة

(مسألة 7): الأحوط الاعتماد على الأعضاء السبعة بمعنى القاء ثقل البدن عليها و ان كان الأقوى عدم وجوب أزيد من المقدار الذي يتحقّق معه صدق السجود و لايجب مساواتها في القاء الثقل و لا عدم مشاركة غيرها معها من سائر الأعضاء كالذراع و باقي أصابع الرجلين.

الشرح:

يتحقّق السجود بوضع الأعضاء السبعة كلّها على الأرض، و لايكفي مسّ الأعضاء و ان كان واحدا منها، و الدليل على ذلك الروايات الواردة في الوسائل في الأبواب المختلفة من أبواب السجود التي يعبّر فيها بوضع الجبهة و الكفّين و الركبتين و الابهامين، و معنى الوضع هو الاعتماد و القاء ثقل البدن على هذه الأعضاء، بل هكذا يكون معنى السجود. نعم لايجب أزيد من المقدار الذي يتحقّق معه صدق السجود كما لايجب مساواتها في القاء الثقل؛ لعدم الدليل. و يجوز مشاركة غيرها معها من سائر الأعضاء كالذراع و باقي أصابع الرجلين لعدم المنع عن ذلك.

قال المحقّق الهمداني: «ثمّ انّ المنساق الى الذهن من السجود على هذه الأعضاء الاعتماد عليها لا مجرّد المماسّة - الى أن قال: - تدلّ عليه الأخبار الواردة

في أنّه يسجد على سبعة أعظم، و لايجب المبالغة في الاعتماد بحيث يزيد على


1) - جواهر الكلام 10: 142.

قدر ثقل الأعضاء كما لايجب تسويتها في المقدار بل بحيث يتحقّق معه صدق اسم وضع كلّ منها على الأرض. و لايجب استقلال الأعضاء بل يجوز المشاركة مع غيرها في الوضع لعدم الدليل على المنع. انتهى ملخّصا».(1)

في حكم السجود على الهيئة المعهودة

(مسألة 8): الأحوط كون السجود على الهيئة المعهودة، و ان كان الأقوى كفاية وضع المساجد السبعة بأيّ هيئة كان مادام يصدق السجود، كما اذا ألصق صدره و بطنه بالأرض، بل و مدّ رجله أيضا، بل لو انكبّ على وجهه لاصقا بالأرض مع وضع المساجد بشرط الصدق المذكور، لكن قد يقالبعدم الصدق و انّه من النوم على وجهه.

الشرح:

قد تقدّم أنّه يجب في السجود وضع سبعة أعظم على الأرض: الجبهة و اليدين و الركبتين و ابهامي الرجلين، هذا و ان كان في كيفيّة وضعها اطلاق و يجوز السجود عليها كيفما شاء الاّ أنّه يجب صدق السجود و لو انكبّ على وجهه لاصقا بالأرض و ان وضع المساجد فصدق السجود عليه بعيد بل يقال بأنّه نائم.

قال في الحدائق: «قيل يجب أن يجافي بطنه عن الأرض فلو أكبّ على وجهه و مدّ يديه و رجليه و وضع جبهته على الأرض منبطحا لم يجزئه على ما صرّح به العلاّمة و غيره لأنّه لايسمّى ذلك سجودا. و ذلك من حيث انّ هذه الكيفيّة لاتسمّى سجودا و انّما تسمّى نوما على وجهه أو انبطاحا، أمّا لو لصق بطنه بالأرض مع كونه على هيئة الساجد مع وضع باقي المساجد على كيفيّتها الواجبة فيها فالظاهر الصحّة و ان كان خلاف الأفضل. انتهى».(2)


1) - مصباح الفقيه / كتاب الصلاة: 343.

2) - الحدائق الناضرة 8: 257.

فيما لو وضع جبهته على موضع أعلى من المقدار المغتفر

اشارة

(مسألة 9): لو وضع جبهته على موضع مرتفع أزيد من المقدار المغتفر كأربع أصابع مضمومات فان كان الارتفاع بمقدار لايصدق معه السجود عرفا جاز رفعها و وضعها ثانيا، كما يجوز جرّها و ان كان بمقدار يصدق معه السجدة عرفا فالأحوط الجرّ لصدق زيادة السجدة مع الرفع، و لو لم يمكن الجرّ فالأحوط الاتمام و الاعادة.

الشرح:

لو وضع جبهته على موضع مرتفع أزيد من المقدار المغتفر كأربع أصابعمضمومات يجب عليه جرّها على موضع مستوٍ أو أقلّ من أربع أصابع مضمومات و ذلك لصحيحة معاوية بن عمّار قال:

«قال أبو عبداللّه عليه السلام: اذا وضعت جبهتك على نَبَكة(1)فلاترفعها ولكن جرّها على الأرض».(2)

و لاتعارضها رواية الحسن بن حمّاد قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: أسجد فتقع جبهتي على الموضع المرتفع؟ فقال: ارفع رأسك ثمّ ضعه».(3)

لأنّها مضافا الى ضعفها بالحسن بن حمّاد معارضة برواية حسين بن حمّاد عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«قلت له: أضع وجهي للسجود فيقع وجهي على حجر أو على موضع مرتفع، أحوّل وجهي الى مكان مستوٍ؟ فقال: نعم، جرّ وجهك على الأرض من غير أن ترفعه».(4)


1) - النبكة بالتحريك و قدتسكن: الأرض التي فيها صعود و نزول، و التلّ الصغير أيضا.

2) - وسائل الشيعة 6: 353 / الباب 8 من أبواب السجود / الحديث 1.

3) - وسائل الشيعة 6: 354 / الباب 8 من أبواب السجود / الحديث 4.

4) - وسائل الشيعة 6: 353 / الباب 8 من أبواب السجود / الحديث 2.

و كذا تدلّ على وجوب الجرّ من غير أن يرفع جبهته صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليهماالسلام قال:

«سألته عن الرجل يسجد على الحصى فلايمكّن جبهته من الأرض؟ قال: يحرّك جبهته حتّى يتمكّن، فينحي الحصى عن جبهته و لايرفع رأسه».(1)

و لاتعارضها رواية الحسين بن حمّاد قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلامعن الرجل يسجد على الحصى؟ قال: يرفع رأسه حتّى يستمكن».(2)

لضعف سندها بالحسين بن حمّاد.

هذا و ان كان اطلاق صحيحة معاوية بن عمّار يقتضي عدم الفرق بين الارتفاع الصادق عليه السجود و بين عدم صدقه عليه، الاّ أنّ قرينة جرّ الجبهة يعيّنها على ما يصدق عليه السجود العرفي؛ لأنّه قلّ ما يتّفق أن يضع جبهته على مكان عالٍ و يمكن له جرّها الى مكانٍ مستوٍ لموقفه. و لذا لايبعد حمل الصحيحة و رواية الحسين بن حمّاد على ما اذا وقعت جبهته على مكان أرفع من أربعة أصابع مضمومة قليلاً، و تحمل رواية الحسن بن حمّاد على ما اذا وقعت جبهته على مكان عالٍ لايصدق عليه السجود، كما جمع بينهما الشيخ في الاستبصار.

فرع : فيما اذا لم يتمكّن من جرّ الجبهة

لو وقعت جبهته على المرتفع الذي لم يتمكّن من جرّها مع صدق السجود


1) - وسائل الشيعة 6: 353 / الباب 8 من أبواب السجود / الحديث 3.

2) - وسائل الشيعة 6: 354 / الباب 8 من أبواب السجود / الحديث 5.

العرفي عليه، فيرفعها ثمّ يضعها على مكان مستوٍ و بعد اتمام صلاته هذه يعيدها، أمّا اتمام صلاتها فلاحتمال صحّتها بدليل رواية الحسين بن حمّاد بناءً على شمولها لما نحن فيه، فانّها و ان كانت ضعيفة من جهة السند الاّ أنّ بعضهم قد عمل بها. و أمّا الاعادة فلاحتمال الزيادة التي لاتكون مغتفرة.

و أمّا لو وقعت جبهته على مرتفع لايصدق معه السجود العرفي فيجب عليهرفعها ثمّ وضعها على مكان مستوٍ؛ لأنّ هذا لايكون سجودا لا عرفا و لا شرعا، و لا دليل على جرّها و ان كان يمكن ذلك كما تقدّم آنفا.

فيما لو وضع جبهته على ما لايصحّ السجود عليه

(مسألة 10): لو وضع جبهته على ما لايصحّ السجود عليه يجب عليه الجرّ و لايجوز رفعها لاستلزامه زيادة السجدة و لايلزم من الجرّ ذلك، و من هنا يجوز له ذلك مع الوضع على ما يصحّ أيضا لطلب الأفضل أو الأسهل و نحو ذلك، و اذا لم يمكن الاّ الرفع فان كان الالتفات اليه قبل تمام الذكر فالأحوط الاتمام ثمّ الاعادة، و ان كان بعد تمامه فالاكتفاء به قويّ كما لو التفت بعد رفع الرأس و ان كان الأحوط الاعادة أيضا.

الشرح:

لو وضع جبهته على ما لايصحّ السجود عليه يجب عليه الجرّ و لايجوز رفعها و ذلك لصحيحة معاوية بن عمّار المتقدّمة، فانّ موردها و ان كان وضع الجبهة على مكان أرفع من أربعة أصابع مضمومة الاّ أنّ المناط واحد و هو ترك واجب من واجبات السجدة، و لو رفعها مع امكان الجرّ فقد ترك واجبا من واجبات السجود فتبطل صلاته و ان أعادها فزاد في السجدة عمدا و هو مبطل أيضا.

و اذا لم يمكن أن يجرّ جبهته الى ما يصحّ السجود عليه فقال الماتن بأن يرفع جبهته و يضعها على ما يصحّ السجود عليه فيتمّ صلاته ثمّ يعيدها ان كان الالتفات قبل تمام الذكر، أمّا اعادة الصلاة فلتركه الواجب، و أمّا اتمامه فلاحتمال صحّتها؛

لأنّ الترك القهري كالنسيان. و الحقّ أن يقال بأنّه ان كان الوقت واسعا و كان الالتفات قبل تمام الذكر فيُبطل صلاته و يستأنف؛ لعدم امكانه الاتيان بهذا الواجب الاّ بالاستئناف و قد سبق أنّ ابطال الصلاة اذا كان له دليل و لم يكن عبثالم يكن حراما. و أمّا اذا كان الوقت ضيقا فصلاته صحيحة؛ لعدم امكانه التلافي، سواء كان التفاته قبل الذكر أو بعده. و أمّا اذا كان الوقت واسعا و كان الالتفات بعد الذكر فان التفت بعد رفع الرأس فصلاته صحيحة نظير ما لو نسي الذكر. و ان التفت قبل رفع الرأس فيشكل صحّة صلاته، فهو مخيّر بين ابطالها و الاستئناف أو الاتمام و الاعادة.

قال المحقّق الهمداني: «و أمّا لو وضع جبهته على ما لايصحّ السجود عليه لنجاسته أو كونه غير الأرض و نباتها فقد صرّح غير واحد من مشايخنا - رضوان اللّه عليهم - بوجوب جرّ الجبهة و عدم جواز رفعها و وضعها ثانيا على ما يصحّ السجود عليه لاستلزامه الزيادة المبطلة خلافا لصاحب الحدائق فجوّز الرفع في هذه الصورة أيضا بل نسبه الى الأصحاب من غير خلاف يعرف فيه الاّ من صاحبي المدارك و الذخيرة و اعترضه في الجواهر بعد أن أوجب الجرّ في هذه الصورة بخلاف ما لو سجد على مرتفع بأنّ ما نسبه الى الأصحاب غير ثابت بل صرّح الفاضلان و غيرهما بوجوب الجرّ هيهنا و فرق بين الصورتين بأنّ السجود على المرتفع ليس بسجود عرفا فالرفع لايستلزم زيادة السجود بخلاف السجود على النجس و نحوه. و قد أشرنا الى أنّ التفرقة بينهما بهذا الوجه غير وجيه، و لذا قال الشيخ الأعظم: و أمّا وضع الجبهة على ما يصحّ السجود عليه لطهارته و كونه من الأرض فهو أمر خارج عن حقيقة السجود بل هو من شروط المسجد و ليس واجبا من واجبات الصلاة، فاذا وضع جبهته على ما لايصحّ السجود عليه فقد أتى بحقيقة السجدة و وجوب وضعه على ما يصحّ انّما هو لتحصيل شرط المسجد فهذا الوضع الثاني ليس محصّلاً لمفهوم السجود - الى أن قال: - فالانصاف أنّ

الالتزام بجواز الرفع مع عدم كون ما يصحّ السجود من مقوّمات اسمه شرعا و عرفا بل هو من الشرائط الاختياريّة له لايخلو عن اشكال فالمنع ان لم يكن أقوىفلا ريب في أنّه أحوط. ثمّ انّا ان منعنا الرفع فهل يختصّ ذلك بصورة التمكّن من الجرّ كما صرّح به في المدارك و غيره؟ فيه اشكال، لعدم الدليل على وجوب تدارك الشرط مع لزوم زيادة السجدة، و لو فرض كونه شرطا مطلقا فاللازم الحكم بابطال الصلاة؛ لأنّه أخلّ بشرط مطلق هو كالركن و يلزم من تداركه زيادة سجدة فهو كناسي الركوع الى أن يسجد. انتهى ملخّصا».(1)

فيمن كان بجبهته دمل

(مسألة 11): من كان بجبهته دُمل أو غيره فان لم يستوعبها و أمكن سجوده على الموضع السليم سجد عليه و الاّ حفر حفيرة ليقع السليم منها على الأرض، و ان استوعبها أو لم يمكن بحفر الحفيرة أيضا سجد على أحد الجبينين من غير ترتيب، و ان كان الأولى و الأحوط تقديم الأيمن على الأيسر، و ان تعذّر سجد على ذقنه، فان تعذّر اقتصر على الانحناء الممكن.

الشرح:

قد تقدّم في تعيين حدّ الجبهة أنّ الواجب وضع مقدار منها، أقلّه درهم، على ما يصحّ السجود عليه فمن كان به علّة في جبهته من دمل أو غيره فان لم يستوعبها وجب عليه السجود على الموضع السليم بما أمكن و لو بحفر حفيرة ليقع السليم منها على الأرض، و الظاهر أنّه لا خلاف في ذلك.

قال في المدارك: «هذا ممّا لا خلاف فيه بين العلماء لأنّ مقدّمة الواجب المطلق واجبة. انتهى».(2)


1) - مصباح الفقيه / كتاب الصلاة: 346 - 347.

2) - مدارك الأحكام 3: 416.

و قال في الجواهر: «بلا خلاف فيه بين العلماء كما في المدارك، و عليه فتوىالعلماء كما في منظومة الطباطبائي، بل يمكن تحصيل الاجماع عليه لما ستعرف من عدم خلاف من ظنّ خلافه في ذلك، و كيف يعقل الخلاف فيه بعد فرض التمكّن من الاتيان بالمأمور به على وجهه، فجميع ما دلّ حينئذ على وجوب وضع الجبهة بحاله - الى أن قال: - و من المعلوم أنّه لا فرق في ذلك بين الدمل و غيره، و لا بين الحفيرة و غيرها ممّا يحصل به الواجب، و ما عساه يظهر من الصدوقين من الخلاف في الأوّل غير مراد أو في غاية الضعف. انتهى».(1)

و الأمر كما أشار اليه صاحب الجواهر من عدم الفرق بين الدمل و غيره و لا بين الحفيرة و غيرها. و يؤيّده خبر مصادف قال:

«خرج بي دمل فكنت أسجد على جانب، فرأى أبو عبداللّه عليه السلام أثره فقال: ما هذا؟ فقلت: لاأستطيع أن أسجد من أجل الدمل فانّما أسجد منحرفا، فقال لي: لاتفعل ذلك، احفر حفيرة و اجعل الدمل في الحفيرة حتّى تقع جبهتك على الأرض».(2)

و ان لم يمكن له ذلك سجد على ما بين طرف شعره و ان لم يقدر سجد على حاجِبه، و ذلك لموثّقة اسحاق بن عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام(في حديث) قال:

«قلت له: رجل بين عينيه قرحة لايستطيع أن يسجد؟ قال: يسجد ما بين طرف شعره، فان لم يقدر سجد على حاجبه الأيمن، قال: فان لم يقدر فعلى حاجبه الأيسر فان لم يقدر فعلى ذقنه، قلت: على ذقنه؟ قال: نعم، أما تقرأ كتاب اللّه عزّوجلّ: «يخرّون للأذقان سجّدا»».(3)


1) - جواهر الكلام 10: 199.

2) - وسائل الشيعة 6: 359 / الباب 12 من أبواب السجود / الحديث 1.

3) - وسائل الشيعة 6: 360 / الباب 12 من أبواب السجود / الحديث 3.

و ان تعذّر السجود على حاجِبيه فليسجد على ذقنه لموثّقة اسحاق بن عمّار و لخبر علي بن محمّد باسناد له قال:

«سئل أبو عبداللّه عليه السلامعمّن بجبهته علّة لايقدر على السجود عليها؟ قال: يضع ذقنه على الأرض، انّ اللّه تعالى يقول: «يخرّون للأذقان سجّدا»».(1)

و أمّا السجود على أحد جبينيه فلم يدلّ عليه دليل سوى الاجماع المنقول.

و فيه أوّلاً: عدم حجّيّة اجماع المنقول بل و محصّله أيضا الاّ اذا كان كاشفا عن رأي المعصوم و لم يكن مستندا الى خبر أو قاعدة، و الحال أنّ الفقهاء استندوا في قولهم فيما ذهبوا اليه الى موثّقة اسحاق بن عمّار، و خبر مصادف، و الى قاعدة الميسور.

و ثانيا: انّه يحتمل أن يكون مراد بعضهم من التعبير بجانبيه، هو حاجبيه كما في الموثّقة.

و ثالثا: انّ السجود على جبينيه موجب لانحراف الوجه عن القبلة و هذا خلاف ما نزل به القرآن و الروايات المعتبرة.

قال في مصباح الفقيه: «فتلخّص لك أنّ عمدة مستند السجود على الجبينين و تقدّمه على السجود على الذقن الاجماع، فالانصاف أنّ الجزم به بعد كون عمدة مستنده الاجماعات المنقولة لايخلو عن اشكال الاّ أنّه غير بعيد، ولكن لاينبغي ترك الاحتياط بالجمع بين السجود على شيء من الجبينين و الذقن ان أمكن و الاّ فتكرير الصلاة كما أنّ الأحوط تقديم الأيمن على الأيسر. انتهى».(2)

و ان تعذّر السجود على ذقنه فليوم برأسه و ذلك لخبر ليث المرادي عنأبي عبداللّه عليه السلام قال:


1) - وسائل الشيعة 6: 360 / الباب 12 من أبواب السجود / الحديث 2.

2) - مصباح الفقيه / كتاب الصلاة: 356.

«سألته عن المرعف يرعف زوال الشمس حتّى يذهب الليل؟ قال: يومئ ايماءً برأسه عند كلّ صلاة. و عن رجل استفرغه بطنه؟ قال: يومئ برأسه».(1)

و موثّقة عمّار قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلامعن الرجل يومئ في المكتوبة و النوافل اذا لم يجد ما يسجد عليه، و لم يكن له موضع يسجد فيه؟ قال: اذا كان هكذا فليوم في الصلاة كلّها».(2)

و يستحبّ رفع ما يسجد عليه لما في خبر ابراهيم بن أبي زياد الكرخي قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: رجل شيخ لايستطيع القيام الى الخلاء، و لايمكنه الركوع و السجود؟ فقال: ليوم برأسه ايماءً، و ان كان له من يرفع الخمرة فليسجد فان لم يمكنه ذلك فليوم برأسه نحو القبلة ايماءً. الحديث».(3)

فيما اذا عجز عن الانحناء للسجود

(مسألة 12): اذا عجز عن الانحناء للسجود انحنى بالقدر الممكن مع رفع المسجد الى جبهته و وضع سائر المساجد في محالّها، و ان لم يتمكّن من الانحناء أصلاً أومأ برأسه و ان لم يتمكّن فبالعينين، و الأحوط له رفع المسجد مع ذلك اذا تمكّن من وضع الجبهة عليه و كذا الأحوط وضع ما يتمكّن من سائر المساجد في محالّها، و ان لم يتمكّن من الجلوس أومأ برأسه و الاّفبالعينين، و ان لم يتمكّن من جميع ذلك ينوي بقلبه جالسا أو قائما ان لم يتمكّن من الجلوس، و الأحوط الاشارة باليد و نحوها مع ذلك.


1) - وسائل الشيعة 6: 376 / الباب 20 من أبواب السجود / الحديث 3.

2) - وسائل الشيعة 6: 375 / الباب 20 من أبواب السجود / الحديث 2.

3) - وسائل الشيعة 6: 375 / الباب 20 من أبواب السجود / الحديث 1.

الشرح:

اذا لم يستطع السجود على موضع يكون أقلّ من أربعة أصابع مضمومة و قدر أن ينحني بمقدار يصدق عليه السجدة عرفا، يجب عليه رفع المسجد و السجود عليه و أمّا ان لم يتمكّن من الانحناء بهذا المقدار يجب عليه الايماء برأسه و ان لم يمكنه الايماء برأسه فليوم بعينيه، و لايجب عليه رفع المسجد الاّ أنّه يستحبّ، و لايجب وضع شيء ممّا يصحّ السجود عليه على جبهته، نعم يستحبّ له ذلك.

و اعلم أنّه قد تقدّم الكلام في ذلك و ما يدلّ عليه من الأخبار تفصيلاً في المجلّد الثاني من كتاب الصلاة في الفرع الخامس و السادس و السابع للمسألة الخامسة عشرة، فراجع.

فيما اذا حرّك ابهامه في حال الذكر

(مسألة 13): اذا حرّك ابهامه في حال الذكر عمدا أعاد الصلاة احتياطا، و ان كان سهوا أعاد الذكر ان لم يرفع رأسه، و كذا لو حرّك سائر المساجد، و أمّا لو حرّك أصابع يده مع وضع الكفّ بتمامها فالظاهر عدم البأس به لكفاية اطمئنان بقيّة الكفّ، نعم لو سجد على خصوص الأصابع كان تحريكها كتحريك ابهام الرجل.

الشرح:

قد تقدّم أنّه يجب في السجود الطمأنينة حال الذكر فانّها من واجباته كما تكون واجبا في الركوع و القراءة، و معنى الطمأنينة استقرار البدن و عدم تحرّكه، و أمّا الحركة اليسيرة التي لاتنافي الاستقرار عرفا فلا بأس بها، و هي كحركة أصابعاليد أو الرجل حين القراءة بل و حركة اليد و الرأس أيضا، و حينئذ فمن البعيد أن تكون حركة الابهام في حال ذكر السجود مضرّا بالاستقرار و كذا حركة أصابع اليد.

قال في مستند العروة: «انّ المستند في اعتبار الاطمئنان ان كان هو الاجماع

فغير معلوم شموله لمثل هذه الحركة اليسيرة لو لم ندّع القطع بعدم الشمول كما لايشمله في غير حال السجود قطعا، و لذا لو حرّك أصابع اليدين أو الرجلين أو نفس اليدين حال القراءة لم يكن مضرّا بصدق الاستقرار بلا اشكال. و كذا الحال لو كان المستند صحيحة الأزدي فانّ التمكين اللازم مراعاته بمقتضى هذه الصحيحة هو التمكين العرفي المتقوّم باستقرار معظم الاجزاء لا تمام البدن، فلاتنافيه مثل تلك الحركة اليسيرة، فالحكم باعادة الصلاة في صورة العمد و اعادة الذكر في صورة السهو مبني على الاحتياط لامحالة. انتهى».(1)

نعم الاحتياط حسن على كلّ حال، أمّا وجوبه ففيه تأمّل لما مرّت الاشارة اليه.

فيما اذا ارتفعت الجبهة قهرا من الأرض

(مسألة 14): اذا ارتفعت الجبهة قهرا من الأرض قبل الاتيان بالذكر فان أمكن حفظها عن الوقوع ثانيا حسبت سجدة فيجلس و يأتي بالأخرى ان كانت الأولى و يكتفي بها ان كانت الثانية، و ان عادت الى الأرض قهرا فالمجموع سجدة واحدة فيأتي بالذكر و ان كان بعد الاتيان به اكتفى به.

الشرح:

ما ذكره الماتن صحيح. أمّا الأوّل فلحصول السجدة و لا بأس بفوات الذكر لأنّه لايكون عامدا. و ما يقال من أنّ ارتفاع الجبهة قهرا ان كان بمجرّد اصابتها الأرضمن دون اعتماد و لا استقرار حتّى في الجملة لايعدّ سجودا لا شرعا و لا عرفا لتقوّمه بالوضع المتقوّم بالاعتماد، و أمّا ان كان بعد تحقّق الوضع و الاعتماد و الاستقرار حدوثا فتحسب عليه سجدة.

ففيه(2): انّه لا فرق بين الصورتين، و ذلك لتحقّق السجدة لأنّ الاستقرار من


1) - مستند العروة 4: 173.

2) - هذا جواب قولنا: «و ما يقال من أنّ ارتفاع ... ».

واجبات السجود حين الذكر و ليس من مقوّمات السجدة، فراجع الباب التاسع من أبواب السجود تجد أنّ الامام عليه السلام يعبّر عن حدوث السجدة باصابة الجبهة الى الأرض أو سقوطها الى الأرض. ففي موثّقة بريد عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«الجبهة الى الأنف، أيّ ذلك أصبت به الأرض في السجود أجزأك، و السجود عليه كلّه أفضل».(1)

و أمّا ان لم يمكن حفظ نفسه عن الوقوع ثانيا و عادت الى الأرض قهرا فالمجموع سجدة واحدة؛ لأنّه ان كانت من متمّمات الأولى فالأمر واضح و ان لم يكن فليست سجدة لعدم القصد بها و قد أتى بالسجدة الصحيحة و هي الأولى، و بناءً عليه يأتي بالذكر بقصد القربة.

في السجود على غير الأرض في حال التقيّة

(مسألة 15): لا بأس بالسجود على غير الأرض و نحوها مثل الفراش في حال التقيّة، و لايجب التفصّي عنها بالذهاب الى مكان آخر، نعم لو كان في ذلك المكان مندوحة بأن يصلّي على البارية أو نحوها ممّا يصحّ السجود عليه وجب اختيارها.

الشرح:

لعمومات التقيّة و خصوص صحيحة علي بن يقطين قال:

«سألت أبا الحسن الماضي عليه السلام عن الرجل يسجد على المسح و البساط، قال: لا بأس اذا كان في حال التقيّة».(2)

و صحيحة وهيب بن حفص عن أبي بصير قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلامعن الرجل يسجد على المسح، قال: اذا كان في


1) - وسائل الشيعة 6: 356 / الباب 9 من أبواب السجود / الحديث 3.

2) - وسائل الشيعة 5: 349 / الباب 3 من أبواب ما يسجد عليه / الحديث 1.

تقيّة فلا بأس».(1)

و لو لم يكن له مشقّة و حرج بالذهاب الى مكان آخر أو الاعادة يفعل احتياطا. و الكلام في تفصيل التقيّة موكول الى محلّه.

فيما اذا نسي السجدتين أو احداهما

اشارة

(مسألة 16): اذا نسي السجدتين أو احداهما و تذكّر قبل الدخول في الركوع وجب العود اليها و ان كان بعد الركوع مضى ان كان المنسي واحدة و قضاها بعد السلام و تبطل الصلاة ان كان اثنتين و ان كان في الركعة الأخيرة يرجع ما لم يسلّم و ان تذكّر بعد السلام بطلت الصلاة ان كان المنسي اثنتين و ان كان واحدة قضاها.

الشرح:

في المسألة فروع:

الفرع الأوّل : فيما اذا نسي سجدة واحدة

اذا كان المنسي سجدة واحدة فان تذكّر قبل الركوع أتى بها و بما بعدها من الأذكار والقراءة، و ان كان التذكّر بعد الركوع فيمضي في صلاته و يقضي السجدة. و الدليل على ذلك:

صحيحة اسماعيل بن جابر عن أبي عبداللّه عليه السلامفي رجل نسي أن يسجد السجدة الثانية حتّى قام فذكر و هو قائم أنّه لم يسجد قال:

«فليسجد ما لم يركع، فاذا ركع فذكر بعد ركوعه أنّه لم يسجد فليمض على صلاته حتّى يسلّم ثمّ يسجدها، فانّها قضاء».(2)


1) - وسائل الشيعة 5: 349 / الباب 3 من أبواب ما يسجد عليه / الحديث 3.

2) - وسائل الشيعة 6: 364 / الباب 14 من أبواب السجود / الحديث 1.

و موثّقة عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام(في حديث) أنّه سأله عن رجل نسي سجدة فذكرها بعدما قام و ركع؟ قال:

«يمضي في صلاته و لايسجد حتّى يسلّم، فاذا سلّم سجد مثل ما فاته. قلت: فان لم يذكر الاّ بعد ذلك؟ قال: يقضي ما فاته اذا ذكره».(1)

و رواية أبي بصير قال:

«سألته عمّن نسي أن يسجد سجدة واحدة فذكرها و هو قائم؟ قال: يسجدها اذا ذكرها ما لم يركع، فان كان قد ركع فليمض على صلاته، فاذا انصرف قضاه و ليس عليه سهو».(2)

و لاتعارضها رواية معلّى بن خنيس قال:

«سألت أبا الحسن الماضي عليه السلام في الرجل ينسى السجدة من صلاته؟ قال: اذا ذكرها قبل ركوعه سجدها و بنى على صلاته، ثمّ سجد سجدتي السهو بعد انصرافه، و ان ذكرها بعد ركوعه أعاد الصلاة، ونسيان السجدة في الأوّلتين و الأخيرتين سواء».(3)

لأنّها تحمل على من ترك السجدتين معا، جمعا بين ما مضى و يأتي.

قال في المدارك: «من نسي السجدتين أو احداهما ثمّ ذكر قبل أن يركع وجب عليه تلافيهما أو احداهما، ثمّ القيام و الاتيان بما يلزمه من القراءة أو التسبيح، و

هذا في السجدة الواحدة موضع وفاق بين العلماء. انتهى».(4)


1) - وسائل الشيعة 6: 364 / الباب 14 من أبواب السجود / الحديث 2.

2) - وسائل الشيعة 6: 365 / الباب 14 من أبواب السجود / الحديث 4.

3) - وسائل الشيعة 6: 366 / الباب 14 من أبواب السجود / الحديث 5.

4) - مدارك الأحكام 4: 235.

الفرع الثاني : فيما اذا نسي السجدتين

اذا كان المنسي السجدتين معا فان كان بعد الركوع فصلاته باطلة؛ لفوات الركن و عدم امكان تداركه.

قال في الجواهر: «و أمّا البطلان في ناسي السجدتين حتّى ركع فهو المشهور شهرة كادت تكون اجماعا، بل عن النجيبيّة أنّه لا خلاف فيه، و في المنقول عن الغنية الاجماع عليه أيضا - الى أن قال: - مع اطلاق جملة من الروايات كقوله في صحيح زرارة: «لاتعاد الصلاة الاّ من خمسة: الطهور و الوقت و القبلة و الركوع و السجود». انتهى».(1)

و ان كان التذكّر قبل الركوع فيتدارك السجدتين ثمّ يعيد ما أتى به من الذكر و القراءة فهو مطابق للقاعدة و فتوى المشهور، و ان خالفه المفيد و أبو الصلاح و ابن ادريس فحكموا ببطلان الصلاة.

قال في الجواهر: «و من ترك السجدتين يتلافاهما اذا ذكرهما قبل أن يصل الى حدّ الراكع كما هو خيرة النافع و المنتهى و القواعد و الارشاد و البيان و ظاهر الألفية و الدرّة السنيّة، بل نسبه في مفتاح الكرامة الى الشرائع و ما تأخّر عنها، و عن الذخيرة نسبته الى المتأخّرين، و في المدارك الى الأكثر، و هو المنقول عن ابن حمزة، و أمّا الشيخ في المبسوط فقد عدّ ممّا يوجب الاعادة السهو عن سجدتين من ركعة ثمّ يذكر ذلك و قد ركع في الثانية، و هو مشعر بعدم الاعادة عند الذكر قبل الركوع، و قال فيما اذا نسي سجدة واحدة و ذكرها قبل الركوع بالجلوس والاتيان بها: و هو مشعر بعدم الرجوع اذا نسي السجدتين، و مثله عن السيّد و سلاّر، فيكون كلامهم مضطربا. نعم عن أبي الصلاح و المقنعة و السرائر الفساد و


1) - جواهر الكلام 12: 249.

ان اختلف تعبيرهم عن ذلك. و على كلّ حال فالأوّل هو الأقوى لكونه سهوا عن ركن و لم يتجاوز محلّه لأنّ التجاوز عن المحلّ هو الدخول في ركن آخر، و الفرق بين جواز تلافي السجدة الواحدة اجماعا و عدم الجواز في السجدتين تعسّف، و المخالف ان قال بخروج المحلّ فلايصغى اليه لأنّه مخالف لما يظهر من كلماتهم بل اجماعاتهم، و ان قال انّه لايتدارك و ان بقي المحلّ ففي المنتهى قال: لا خلاف بين أهل العلم بالتدارك مع بقاء المحلّ. انتهى ملخّصا».(1)

الفرع الثالث : فيما اذا نسي السجدة في الركعة الأخيرة

اذا نسي سجدة واحدة أو السجدتين في الركعة الأخيرة و تذكّر قبل السلام فيأتي بالسجدة أو السجدتين و يعيد التشهّد.

قال في الجواهر: «لاينبغي الشكّ في وجوب تدارك السجدة بل السجدتين اذا ذكر في أثناء التشهّد أو بعده قبل التسليم بناءً على وجوبه و أنّه من الصلاة، لامكان التدارك لبقاء المحلّ. انتهى».(2)

انّما الكلام فيما اذا كان التذكّر بعد السلام فقد ذهب الماتن الى قضاء السجدة ان كانت واحدة، و بطلان الصلاة ان كان المنسي سجدتين.

قال في المدارك: «لو لم يذكر الاّ بعد التسليم بطلت الصلاة ان كان المنسيالسجدتين لفوات الركن، و قضى السجدة الواحدة و التشهّد، لاطلاق قوله عليه السلام في صحيحة ابن سنان: «اذا نسيت شيئا من الصلاة ركوعا أو سجودا أو تكبيرا فاقض الذي فاتك سهوا». انتهى».(3)


1) - نفس المصدر: 282 و 283.

2) - نفس المصدر: 286.

3) - مدارك الأحكام 4: 237.

أقول:

انّ الصحيحة المذكورة و ما شابهها على اطلاقها غير معمول بها، فانّ الجميع قد اشترك في الدلالة على قضاء ما نسيه من الأفعال و ان كان ركنا، و لم يقل بذلك أحد من الأصحاب و انّما أوجبوا قضاء أشياء معيّنة مثل السجدة الواحدة و التشهّد و القنوت و أبطلوا الصلاة بنسيان الركن كالركوع و السجدتين اذا فات محلّ تداركهما.

و الأخبار المتقدّمة الدالّة على قضاء السجدة ظاهرة فيما عدا السجدة الأخيرة، و على هذا يبقى حكم السجدة الأخيرة خاليا من المستند. و حينئذ لو قلنا باتيان السجدة أو السجدتين و اعادة التشهّد و التسليم فليس ببعيد، و التسليم لم يكن مخرجا كما لو سلّم سهوا، و الأقوى الاتيان بالسجدة أو السجدتين و اعادة ما بعدهما بقصد ما في الذمّة، و الاحتياط بالاعادة ان كان المنسي سجدتين حسن.

قال في الجواهر: «أمّا صحّة الصلاة حيث يكون المنسي واحدة فهو ممّا لاينبغي الاشكال فيه. نعم قد يقال هنا ان لم يكن اجماع بوجوب التلافي لا القضاء، لبقاء المحلّ، و وقوع التسليم منه لايخرجه عن الصلاة، بل هو من قبيل من سلّم ساهيا في غير محلّه، بل قد يقال بوجوب التلافي مادام باقيا على هيئة المصلّي و لم يطل الفصل و لم يحصل ما يفسد الصلاة، و ان كان الفائت السجدتين، لتوقّف الخروج عن المحلّ على الشروع في ركن آخر، و لم يحصل،كما يرشد الى ذلك كلّه حكم ناسي الركعة. انتهى».(1)

في حكم الصلاة على ما لاتستقرّ المساجد عليه

(مسألة 17): لاتجوز الصلاة على ما لاتستقرّ المساجد عليه، كالقطن المندوف و المخدّة من الريش و الكومة من التراب الناعم أو كدائس الحنطة و نحوها.


1) - جواهر الكلام 12: 287.

لوجوب استقرار الأعضاء السبعة في السجود حال الذكر، نعم لو وضع جبهته حتّى اذا استقرّت و جاء بالذكر صحّ.

في حكم العاجز عن الانحناء التامّ للسجدة

(مسألة 18): اذا دار أمر العاجز عن الانحناء التامّ للسجدة بين وضع اليدين على الأرض و بين رفع ما يصحّ السجود عليه و وضعه على الجبهة فالظاهر تقديم الثاني، فيرفع يديه أو احداهما عن الأرض ليضع ما يصحّ السجود عليه على جبهته، و يحتمل التخيير.

الشرح:

الظاهر أنّ المقصود من الانحناء التامّ هو الذي يصدق عليه السجود عرفا فحينئذ يجب عليه السجود و ان كان موضع السجدة أرفع من مقدار لبنة و قد تقدّم. و لو عجز عن ذلك يجب عليه الايماء للسجود، و لايلزم وضع سائر المساجد على الأرض و لا الانحناء. نعم يستحبّ وضع ما يصحّ السجود عليه على جبهته و قد سبق شرح ذلك في المجلّد الثاني من كتاب الصلاة. و أمّا المصنّف فقد احتاط في ذلك و لذا عنون المسألة بأنّه اذا دار أمر العاجز بين وضع اليدين على الأرض و بين رفع ما يصحّ السجود عليه باحدى يديه، و قال بترجيحالثاني لأقربيّته بالسجود بنظره الشريف و ان احتمل أخيرا بالتخيير.

فصل : في مستحبّات السجود

«الأوّل»: التكبير حال الانتصاب

و هي أمور: «الأوّل»: التكبير حال الانتصاب من الركوع قائما أو قاعدا.

الشرح:

و الدليل على ذلك صحيحة حمّاد:

« ... ثمّ كبّر عليه السلام و هو قائم و رفع يديه حيال وجهه و سجد».(1)

و صحيحة زرارة قال:

«قال أبوجعفر عليه السلام: اذا أردت أن تركع و تسجد فارفع يديك و كبّر ثمّ اركع و اسجد».(2)

و صحيحته الثانية عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«اذا أردت أن تركع فقل و أنت منتصب: «اللّه أكبر»، ثمّ اركع - الىأن قال: - ثمّ قل «سمع اللّه لمن حمده» و أنت منتصب قائم «الحمد للّه


1) - وسائل الشيعة 5: 460 / الباب 1 من أبواب أفعال الصلاة / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 6: 296 / الباب 2 من أبواب الركوع / الحديث 1.

ربّ العالمين أهل الجبروت، و الكبرياء و العظمة للّه ربّ العالمين» تجهر بها صوتك ثمّ ترفع يديك بالتكبير و تخرّ ساجدا».(1)

و لاتعارضها صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«اذا سجدت فكبّر و قل: «اللّهمّ لك سجدت». الحديث».(2)

و معتبرة معلّى بن خنيس قال:

«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول: كان علي بن الحسين عليه السلام اذا أهوى ساجدا انكبّ و هو يكبّر».(3)

لأنّهما تحملان على الجواز جمعا.

قال في الحدائق: «و الجمع بالتخيير جيّد. و قال في الذكرى: و لو كبّر في هويّه جاز و ترك الأفضل. و خيّر الشيخ في الخلاف بين هذا و بين التكبير قائما. انتهى ملخّصا».(4)

«الثاني»: رفع اليدين حال التكبير

«الثاني»: رفع اليدين حال التكبير.

الشرح:

تدلّ على ذلك صحيحة زرارة قال:

«قال أبو جعفر عليه السلام: اذا أردت أن تركع و تسجد فارفع يديك و كبّر ثمّ اركع و اسجد».(5)

و صحيحة معاوية بن عمّار قال:


1) - وسائل الشيعة 6: 295 / الباب 1 من أبواب الركوع / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 6: 383 / الباب 24 من أبواب السجود / الحديث 1.

3) - وسائل الشيعة 6: 383 / الباب 24 من أبواب السجود / الحديث 2.

4) - الحدائق الناضرة 8: 243.

5) - وسائل الشيعة 6: 296 / الباب 2 من أبواب الركوع / الحديث 1.

«رأيت أبا عبداللّه عليه السلام يرفع يديه اذا ركع و اذا رفع رأسه من الركوع و اذا سجد و اذا رفع رأسه من السجود، و اذا أراد أن يسجد الثانية».(1)

و في صحيحة ثانية لزرارة:

«ثمّ ترفع يديك بالتكبير و تخرّ ساجدا».(2)

«الثالث»: السبق باليدين الى الأرض عند الهويّ الى السجود

«الثالث»: السبق باليدين الى الأرض عند الهويّ الى السجود.

الشرح:

و تدلّ عليه صحيحة زرارة:

«فاذا أردت أن تسجد فارفع يديك بالتكبير، و خرّ ساجدا، و ابدأ بيديك فضعهما على الأرض قبل ركبتيك تضعهما معا. الحديث».(3)

و صحيحة محمّد بن مسلم قال:

«رأيت أبا عبداللّه عليه السلام يضع يديه قبل ركبتيه اذا سجد، و اذا أراد أن يقوم رفع ركبتيه قبل يديه».(4)

و غيرهما من الروايات. و لاتعارضها موثّقة سماعة عن أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«لابأس اذا صلّى الرجل أن يضع ركبتيه على الأرض قبل يديه».(5)

لأنّها تحمل على نفي الوجوب جمعا.


1) - وسائل الشيعة 6: 296 / الباب 2 من أبواب الركوع / الحديث 2.

2) - وسائل الشيعة 6: 296 / الباب 1 من أبواب الركوع / الحديث 1.

3) - وسائل الشيعة 5: 462 / الباب 1 من أبواب أفعال الصلاة / الحديث 3.

4) - وسائل الشيعة 6: 337 / الباب 1 من أبواب السجود / الحديث 1.

5) - وسائل الشيعة 6: 338 / الباب 1 من أبواب السجود / الحديث 5.

«الرابع»: استيعاب الجبهة على ما يصحّ السجود عليه

«الرابع»: استيعاب الجبهة على ما يصحّ السجود عليه بل استيعاب جميع المساجد.

و تدلّ عليه موثّقة بريد عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«الجبهة الى الأنف، أيّ ذلك أصبت به الأرض في السجود أجزأك، و السجود عليه كلّه أفضل».(1)

«الخامس»: الارغام بالأنف على ما يصحّ السجود عليه

«الخامس»: الارغام بالأنف على ما يصحّ السجود عليه.

الشرح:

و تدلّ عليه جملة من النصوص كصحيحة حمّاد المشهورة قال:

«و وضع الأنف على الأرض سنّة».(2)

و صحيحة زرارة قال:

«قال أبو جعفر عليه السلام: قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله : السجود على سبعة أعظم: الجبهة و اليدين و الركبتين و الابهامين من الرجلين، و ترغم بأنفك ارغاما، أمّا الفرض فهذه السبعة، و أمّا الارغام بالأنف فسنّة من النبي صلى الله عليه و آله ».(3)

و لاتعارضهما رواية عبداللّه بن المغيرة عمّن سمع أبا عبداللّه عليه السلام يقول:

«لا صلاة لمن لم يصب أنفه ما يصيب جبينه».(4)

و موثّقة عمّار عن جعفر عن أبيه قال:


1) - وسائل الشيعة 6: 356 / الباب 9 من أبواب السجود / الحديث 3.

2) - وسائل الشيعة 5: 461 / الباب 1 من أبواب أفعال الصلاة / الحديث 2.

3) - وسائل الشيعة 6: 343 / الباب 4 من أبواب السجود / الحديث 2.

4) - وسائل الشيعة 6: 345 / الباب 4 من أبواب السجود / الحديث 7.

«قال علي عليه السلام: لاتجزي صلاة لايصيب الأنف ما يصيب الجبين».(1)

لأنّهما تحملان على الاستحباب المؤكّد جمعا بينهما و بين ما تقدّم و كذا صحيحة محمّد بن مصادف قال:

«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول: انّما السجود على الجبهة و ليس على الأنف سجود».(2)

قال في المدارك: «الارغام: الصاق الأنف بالرغام و هو التراب. و قد أجمع علماؤنا على أنّه من السنن الأكيدة، و قال الصدوق في «من لايحضره الفقيه»: الارغام سنّة في الصلاة فمن تركه متعمّدا فلا صلاة له - الى أن قال: - و قيل: انّ السنّة في الارغام تتأدّى بوضع الأنف على ما يصحّ السجود عليه و ان لم يكن ترابا. و هو غير بعيد، و تجزئ اصابة الأنف المسجد بأيّ جزء اتّفق. و اعتبر المرتضى اصابة الجزء الأعلى منه و هو الذي يلي الحاجِبين و لم نقف على مأخذه. انتهى».(3)

أقول:

اذا وضع أنفه على ما يصحّ السجود عليه فقد أتى بالاستحباب، بقرينة صحّة وضع الجبهة عليه. و اطلاق الأنف يقتضي عدم الفرق بين أجزائه.

«السادس»: بسط اليدين مضمومتي الأصابع

«السادس»: بسط اليدين مضمومتي الأصابع حتّى الابهام حذاء الأذنين متوجّها بهما الى القبلة.

و يدلّ عليه ما في صحيحة حمّاد الطويلة:

« ... ثمّ سجد و بسط كفّيه مضمومتي الأصابع بين يدي ركبتيه حيال


1) - وسائل الشيعة 6: 344 / الباب 4 من أبواب السجود / الحديث 4.

2) - وسائل الشيعة 6: 343 / الباب 4 من أبواب السجود / الحديث 1.

3) - مدارك الأحكام 3: 411 و 412.

وجهه. الحديث».(1)

و في صحيحة زرارة:

«و ابسطهما على الأرض بسطا».(2)

«السابع»: شغل النظر الى طرف الأنف حال السجود

«السابع»: شغل النظر الى طرف الأنف حال السجود.

قال في الحدائق: «قال في الذكرى: قاله جماعة من الأصحاب. و هو يؤذن بعدم وقوفه على مستنده و بذلك صرّح غيره أيضا. و مستنده الذي وقفت عليه ما في كتاب الفقه الرضوي حيث قال عليه السلام: و يكون بصرك في وقت السجود الى أنفك و بين السجدتين في حجرك و كذلك في وقت التشهّد. انتهى».(3)

«الثامن»: الدعاء قبل الشروع في الذكر

«الثامن»: الدعاء قبل الشروع في الذكر بأن يقول: «اللّهمّ لك سجدت و بك آمنت و لك أسلمت و عليك توكّلت و أنت ربّي سجد وجهي للذيخلقه و شقّ سمعه و بصره، و الحمد للّه ربّ العالمين، تبارك اللّه أحسن الخالقين».

كما دلّ عليه صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«اذا سجدت فكبّر و قل: اللّهمّ لك سجدت و بك آمنت ... الى آخر ما في المتن».(4)

لكن في نسخة الوسائل: «الحمد للّه ربّ العالمين» بلا واو.

و موثّقة اسحاق بن عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) أنّه سمع أباه يقول


1) - وسائل الشيعة 5: 461 / الباب 1 من أبواب أفعال الصلاة / الحديث 2.

2) - وسائل الشيعة 5: 462 / الباب 1 من أبواب أفعال الصلاة / الحديث 3.

3) - الحدائق الناضرة 8: 276.

4) - وسائل الشيعة 6: 339 / الباب 2 من أبواب السجود / الحديث 1.

في سجوده:

«سبحانك اللّهمّ، أنت ربّي حقّا حقّا، سجدت لك يا ربّ تعبّدا و رقّا، اللّهمّ انّ عملي ضعيف فضاعفه لي، اللّهمّ قني عذابك يوم تبعث عبادك و تب عليّ انّك أنت التوّاب الرحيم».(1)

«التاسع»: تكرار الذكر

«التاسع»: تكرار الذكر.

«العاشر»: الختم على الوتر

«العاشر»: الختم على الوتر.

«الحادي عشر»: اختيار التسبيح من الذكر

«الحادي عشر»: اختيار التسبيح من الذكر، و الكبرى من التسبيح، و تثليثها أو تخميسها أو تسبيعها.

تقدّم الكلام حول تكرار الذكر و الختم على الوتر و اختيار التسبيح في الركوع.

«الثاني عشر»: السجود على الأرض

«الثاني عشر»: أن يسجد على الأرض بل التراب دون مثل الحجر و الخشب.

ففي صحيحة معاوية بن عمّار:

«أسبغ الوضوء، و املأ يديك من ركبتيك، و عفّر جبينيك في التراب، و صلّ صلاة مودّع».(2)

قال في الحدائق: «و من المستحبّات السجود على الأرض لأنّه أبلغ في التذلّل و الخضوع و لاسيّما على التربة الحسينيّة. انتهى».(3)

«الثالث عشر»: مساواة موضع الجبهة و الموقف

«الثالث عشر»: مساواة موضع الجبهة مع الموقف بل مساواة جميع المساجد.


1) - وسائل الشيعة 6: 341 / الباب 2 من أبواب السجود / الحديث 4.

2) - وسائل الشيعة 5: 464 / الباب 1 من أبواب أفعال الصلاة / الحديث 7.

3) - الحدائق الناضرة 8: 270.

كما في صحيحة عبداللّه بن سنان قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن موضع جبهة الساجد، أيكون أرفع من مقامه؟ فقال: لا ولكن ليكن مستويا».(1)

و في الخبر:

«أنّ النبيّ صلى الله عليه و آله قال: ضعوا اليدين حيث تضعون الوجه، فانّهما يسجدان كما يسجد الوجه».(2)

«الرابع عشر»: الدعاء في السجود

«الرابع عشر»: الدعاء في السجود أو الأخير بما يريد من حاجات الدنيا و الآخرة و خصوص طلب الرزق الحلال بأن يقول: «يا خير المسؤولين و ياخير المعطين ارزقني و ارزق عيالي من فضلك، فانّك ذو الفضل العظيم».

في رواية عبدالرحمن بن سيّابة قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: أدعو و أنا ساجد؟ قال: نعم فادع للدنيا و الآخرة، فانّه ربّ الدنيا و الآخرة».(3)

و صحيحة زيد الشحّام عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«أدع في طلب الرزق في المكتوبة و أنت ساجد: يا خير المسؤولين و يا خير المعطين ارزقني و ارزق عيالي من فضلك فانّك ذو الفضل العظيم».(4)

«الخامس عشر»: التورّك في الجلوس بين السجدتين و بعدهما

«الخامس عشر»: التورّك في الجلوس بين السجدتين و بعدهما و هو


1) - وسائل الشيعة 6: 357 / الباب 10 من أبواب السجود / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 6: 357 / الباب 10 من أبواب السجود / الحديث 3.

3) - وسائل الشيعة 6: 371 / الباب 17 من أبواب السجود / الحديث 2.

4) - وسائل الشيعة 6: 372 / الباب 17 من أبواب السجود / الحديث 4.

أن يجلس على فخذه الأيسر، جاعلاً ظهر القدم اليمنى في بطن اليسرى.

في صحيحة حمّاد:

«ثمّ قعد عليه السلام على جانبه الأيسر و وضع ظاهر قدمه اليمنى على باطن قدمه اليسرى، و قال أستغفر اللّه ربّي و أتوب اليه».(1)

و خبر أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«اذا جلست في الصلاة فلاتجلس على يمينك و اجلس على يسارك. الحديث».(2)

«السادس عشر»: الاستغفار بين السجدتين

«السادس عشر»: أن يقول في الجلوس بين السجدتين: «أستغفر اللّه ربّي و أتوب اليه».

كما في صحيحة حمّاد المتقدّمة آنفا.

«السابع عشر»: التكبير بعد الرفع من السجدة الأولى

«السابع عشر»: التكبير بعد الرفع من السجدة الأولى بعد الجلوس مطمئنّا و التكبير للسجدة الثانية و هو قاعد.

في صحيحة حمّاد:

«ثمّ رفع رأسه من السجود فلمّا استوى جالسا قال: «اللّه أكبر» - الى أن قال: - ثمّ كبّر و هو جالس و سجد الثانية».(3)

و في صحيحة زرارة:


1) - وسائل الشيعة 5: 460 / الباب 1 من أبواب أفعال الصلاة / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 6: 346 / الباب 5 من أبواب السجود / الحديث 4.

3) - وسائل الشيعة 5: 460 / الباب 1 من أبواب أفعال الصلاة / الحديث 1.

«اذا أردت أن تركع و تسجد فارفع يديك و كبّر ثمّ اركع و اسجد».(1)

و هي شاملة للسجدة الثانية كالأولى.

«الثامن عشر»: التكبير بعد الرفع من الثانية

«الثامن عشر»: التكبير بعد الرفع من الثانية كذلك.

لما في التوقيع المروي في الاحتجاج و الغيبة:

«اذا رفع رأسه من السجدة الثانية و كبّر ثمّ جلس ثمّ قام فليس عليه في القيام بعد القعود تكبير».(2)

«التاسع عشر»: رفع اليدين حال التكبيرات

«التاسع عشر»: رفع اليدين حال التكبيرات.

لما روى الطبرسي في مجمع البيان عن علي عليه السلام عن النبي صلى الله عليه و آله عن جبرئيل:

«ولكنّه يأمرك اذا تحرّمت للصلاة أن ترفع يديك اذا كبّرت و اذا ركعت و اذا رفعت رأسك من الركوع و اذا سجدت فانّه صلاتنا و صلاة الملائكة في السموات السبع، و انّ لكلّ شيء زينة و انّ زينة الصلاة رفع الأيدي عند كلّ تكبيرة».(3)

«العشرون»: وضع اليدين على الفخذين حال الجلوس

«العشرون»: وضع اليدين على الفخذين حال الجلوس، اليمنى على اليمنى، و اليسرى على اليسرى.

في المستمسك عن التذكرة: «و يستحبّ وضعهما حالة الجلوس للتشهّد و غيره على فخذيه مبسوطتين مضمومتي الأصابع بحذاء عيني ركبتيه، عند علمائنا


1) - وسائل الشيعة 6: 296 / الباب 2 من أبواب الركوع / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 6: 362 / الباب 13 من أبواب السجود / الحديث 8.

3) - وسائل الشيعة 6: 30 / الباب 9 من أبواب تكبيرة الاحرام / الحديث 14.

لأنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله كان اذا قعد يدعو يضع يده اليمنى على فخذه اليمنى و يده اليسرى على فخذه اليسرى، و يشير باصبعه، و نحوه من طريق الخاصّة. انتهى».(1)

«الحادي والعشرون»: التجافي حال السجود

«الحادي و العشرون»: التجافي حال السجود، بمعنى رفع البطن عن الأرض.

الشرح:

تدلّ عليه صحيحة عبداللّه بن سنان عن حفص الأعور عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«كان علي عليه السلام اذا سجد يتخوّى كما يتخوّى البعير الضامر، يعني بروكه».(2)

و في الخبر المروي عن الصحاح:

«و في الحديث عن أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام: اذا صلّت المرأة فلتحتفز أي تتضامّ اذا جلست و اذا سجدت، و لاتتخوّى كمايتخوّى الرجل».(3)

بيان: يتخوّى أي يجافي بطنه عن الأرض في سجوده بأن يجنّح بمرفقيه و يرفعهما عن الأرض و لايفرشهما افتراش الأسد و يكون شبه المعلّق و يسمّى هذا تخوية لأنّه ألقى التخوية بين الأعضاء.(4)

«الثاني والعشرون»: التجنّح

«الثاني و العشرون»: التجنّح، بمعنى تجافي الأعضاء حال السجود، بأن يرفع مرفقيه عن الأرض، مفرّجا بين عضديه و جنبيه، و مبعدا يديه عن


1) - مستمسك العروة 6: 395.

2) - وسائل الشيعة 6: 341 / الباب 3 من أبواب السجود / الحديث 1.

3) - وسائل الشيعة 6: 342 / الباب 3 من أبواب السجود / الحديث 5.

4) - مجمع البحرين 1: 133.

بدنه جاعلاً يديه كالجناحين.

في صحيحة زرارة:

«فاذا أردت أن تسجد - الى أن قال: - و لاتفترش ذراعيك افتراش السبع ذراعيه، و لاتضعن ذراعيك على ركبتيك و فخذيك، ولكن تجنّح بمرفقيك، و لاتلزق كفّيك بركبتيك، و لاتدنهما من وجهك بين ذلك حيال منكبيك، و لاتجعلهما بين يدي ركبتيك، ولكن تحرّفهما عن ذلك شيئا، و ابسطهما على الأرض بسطا، و اقبضهما اليك قبضا، و ان كان تحتهما ثوب فلايضرّك، و ان أفضيت بهما الى الأرض فهو أفضل، و لاتفرّجن بين أصابعك في سجودك ولكن ضمّهنّ جميعا. الحديث».(1)

«الثالث والعشرون»: أن يصلّي على النبيّ و آله عليهم السلام

«الثالث و العشرون»: أن يصلّي على النبيّ و آله في السجدتين.

كما في خبر محمّد بن أبي حمزة عن أبيه قال:

«قال أبوجعفر عليه السلام: من قال في ركوعه و سجوده و قيامه: «صلّى اللّه على محمّد و آله» كتب اللّه له بمثل الركوع و السجود و القيام».(2)

و رواه الصدوق في (ثواب الأعمال): عن محمّد بن علي ماجيلويه، عن محمّد بن يحيى، مثله، الاّ أنّه قال: «اللّهمّ صلّ على محمّد و آل محمّد كتب اللّه له ذلك بمثل».(3)

«الرابع والعشرون»: رفع الركبتين قبل اليدين عند القيام

«الرابع و العشرون»: أن يقوم سابقا برفع ركبتيه قبل يديه.


1) - وسائل الشيعة 5: 462 / الباب 1 من أبواب أفعال الصلاة / الحديث 3.

2) - وسائل الشيعة 6: 326 / الباب 20 من أبواب الركوع / الحديث 3.

3) - وسائل الشيعة 6: 327 / الباب 20 من أبواب الركوع / ذيل الحديث 3.

لصحيحة العلاء عن محمّد قال:

«رأيت أبا عبداللّه عليه السلام يضع يديه قبل ركبتيه اذا سجد، و اذا أراد أن يقوم رفع ركبتيه قبل يديه».(1)

«الخامس والعشرون»: الدعاء بالمأثور بين السجدتين

«الخامس و العشرون»: أن يقول بين السجدتين: «اللّهمّ اغفر لي و ارحمني و أْجُرني و ادفع عنّي فانّي لما أنزلت اليّ من خير فقير، تبارك اللّه ربّ العالمين».

كما في صحيحة الحلبي الاّ أنّه فيها «انّي لما أنزلت ... » بدون الفاء.(2)

«السادس والعشرون»: الدعاء بالمأثور عند النهوض للقيام

«السادس و العشرون»: أن يقول عند النهوض للقيام: «بحول اللّه و قوّته أقوم و أقعد» أو يقول: «اللّهمّ بحولك و قوّتك أقوم و أقعد».

الشرح:

تدلّ عليه صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«اذا جلست في الركعتين الأوليين فتشهّدت ثمّ قمت فقل: بحول اللّه و قوّته أقوم و أقعد».(3)

و صحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«اذا قمت من السجود قلت: «اللّهمّ ربّي بحولك و قوّتك أقوم و


1) - وسائل الشيعة 6: 337 / الباب 1 من أبواب السجود / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 6: 339 / الباب 2 من أبواب السجود / الحديث 1.

3) - وسائل الشيعة 6: 361 / الباب 13 من أبواب السجود / الحديث 3.

أقعد»، و ان شئت قلت: و أركع و أسجد».(1)

و في صحيحة محمّد بن مسلم الثانية عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«اذا قام الرجل من السجود قال: بحول اللّه أقوم و أقعد».(2)

و في موثّقة رفاعة بن موسى قال:

«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول: كان علي عليه السلام اذا نهض من الركعتين الأوّلتين قال: بحولك و قوّتك أقوم و أقعد».(3)

و العمل بكلّ واحد من الروايات جائز، جمعا بينها.

«السابع والعشرون»: أن لايعجن بيديه عند ارادة النهوض

«السابع و العشرون»: أن لايعجن بيديه عند ارادة النهوض أي لايقبضهما، بل يبسطهما على الأرض، معتمدا عليهما للنهوض.

تدلّ عليه صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«اذا سجد الرجل ثمّ أراد أن ينهض فلايعجن بيديه في الأرض، ولكن يبسط كفّيه من غير أن يضع مقعدته على الأرض».(4)

«الثامن والعشرون»: وضع الركبتين قبل اليدين للمرأة و عكسه للرجل

«الثامن و العشرون»: وضع الركبتين قبل اليدين للمرأة عكس الرجل عندالهويّ للسجود و كذا يستحبّ عدم تجافيها حاله، بل تفترش ذراعيها، و تلصق بطنها بالأرض، و تضمّ أعضاءها. و كذا عدم رفع عجيزتها حال النهوض للقيام، بل تنهض و تنتصب عدلاً.


1) - وسائل الشيعة 6: 361 / الباب 13 من أبواب السجود / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 6: 361 / الباب 13 من أبواب السجود / الحديث 2.

3) - وسائل الشيعة 6: 361 / الباب 13 من أبواب السجود / الحديث 4.

4) - وسائل الشيعة 6: 374 / الباب 19 من أبواب السجود / الحديث 1.

كما في صحيحة زرارة قال:

«اذا قامت المرأة في الصلاة جمعت بين قدميها، و لاتفرّج بينهما و تضمّ يديها الى صدرها لمكان ثدييها، فاذا ركعت وضعت يديها فوق ركبتيها على فخذيها لئلاّ تطأطأ كثيرا فترتفع عجيزتها ... و اذا سقطت للسجود بدأت بالقعود و بالركبتين قبل اليدين ثمّ تسجد لاطئة بالأرض فاذا كانت في جلوسها ضمّت فخذيها و رفعت ركبتيها من الأرض، و اذا نهضت انسلّت انسلالاً لاترفع عجيزتها أوّلاً».(1)

«التاسع و العشرون»: اطالة السجود

«التاسع و العشرون»: اطالة السجود و الاكثار فيه من التسبيح و الذكر.

في رواية زياد القندي (في حديث) أنّ أباالحسن عليه السلام كتب اليه:

«اذا صلّيت فأطل السجود».(2)

و قد عقد الوسائل الباب الثالث و العشرين في استحباب طول السجود بقدر الامكان و الاكثار منه و الاكثار فيه من التسبيح و الذكر. فاطلاق تلك الروايات شامل لما نحن فيه.

«الثلاثون»: مباشرة الأرض بالكفّين

«الثلاثون»: مباشرة الأرض بالكفّين.

ففي صحيحة زرارة:

« ... و ان أفضيت بهما الى الأرض فهو أفضل».(3)


1) - وسائل الشيعة 5: 462 / الباب 1 من أبواب أفعال الصلاة / الحديث 4.

2) - وسائل الشيعة 6: 379 / الباب 23 من أبواب السجود / الحديث 4.

3) - وسائل الشيعة 6: 385 / الباب 26 من أبواب السجود / الحديث 2.

«الحادي والثلاثون»: زيادة تمكين الجبهة و سائر المساجد

«الحادي و الثلاثون»: زيادة تمكين الجبهة و سائر المساجد في السجود.

في خبر أبي علي محمّد بن اسماعيل بن موسى بن جعفر عليه السلام عن أبيه عن آبائه عن الباقر عليه السلام قال:

«كان لأبي عليه السلام في موضع سجوده آثار ناتئة(1)، و كان يقطعها في السنة مرّتين في كلّ مرّة خمس ثفنات، فسمّي «ذا الثفنات» لذلك».(2)

في كراهة الاقعاء بين السجدتين

(مسألة 1): يكره الاقعاء في الجلوس بين السجدتين بل بعدهما أيضا و هو أن يعتمد بصدور قدميه على الأرض و يجلس على عقبيه كما فسّره به الفقهاء، بل بالمعنى الآخر المنسوب الى اللغويّين أيضا و هو أن يجلس على أليتيه و ينصب ساقيه و يتساند الى ظهره، كاقعاء الكلب.

الشرح:

يكره الاقعاء بين السجدتين و بعدهما للنهي عنه في موثّقة أبي بصير عنأبي عبداللّه قال:

«لاتقع بين السجدتين اقعاءً».(3)

و صحيحة معاوية بن عمّار و ابن مسلم و الحلبي قالوا:

«لاتقع في الصلاة بين السجدتين كاقعاء الكلب».(4)

و الاقعاء هو أن يضع أليتيه على عقبيه بين السجدتين، قاله الجواهر و هذا


1) - نتأت القرحة أي ورمت. مجمع البحرين

2) - وسائل الشيعة 6: 377 / الباب 21 من أبواب السجود / الحديث 3.

3) - وسائل الشيعة 6: 348 / الباب 6 من أبواب السجود / الحديث 1.

4) - وسائل الشيعة 6: 348 / الباب 6 من أبواب السجود / الحديث 2.

تفسير الفقهاء، و أمّا أهل اللغة فالاقعاء عندهم أن يلصق الرجل أليتيه بالأرض و ينصب ساقيه و يتساند الى ظهره.(1)

و مرسلة حريز عن أبي جعفر عليه السلام (في حديث) قال:

«لاتلثم و لاتحتفز(2)، و لاتقع على قدميك و لاتفترش ذراعيك».(3)

و النهي هنا يحمل على الكراهة جمعا بينها و بين صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«لابأس بالاقعاء في الصلاة فيما بين السجدتين».(4)

و صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«لابأس بالاقعاء فيما بين السجدتين».(5)

قال في الشرائع: «و يكره الاقعاء بين السجدتين. انتهى».(6)

و قال في المدارك: «الاقعاء هو أن يعتمد بصدور قدميه على الأرض و يجلسعلى عقبيه، قاله في المعتبر، و نقل عن بعض أهل اللغة أنّه الجلوس على ألييه ناصبا فخذيه مثل اقعاء الكلب، قال: «و المعتمد الأوّل؛ لأنّه تفسير الفقهاء و بحثهم على تقديره» و قد اختلف الأصحاب في حكمه فذهب الأكثر الى كراهته، و ادّعى عليه الشيخ في الخلاف الاجماع، و نقله المصنّف في المعتبر عن معاوية بن عمّار و محمّد بن مسلم من القدماء - الى أن قال: - و قال الشيخ في المبسوط و المرتضى رضى الله عنه: انّه ليس بمكروه و ربّما كان مستندهما صحيح الحلبي، و يمكن


1) - مجمع البحرين 1: 348.

2) - لاتحتفز أي لاتتضامّ في سجودك بل تتخوّى كما يتخّوى البعير. مجمع البحرين

3) - وسائل الشيعة 6: 349 / الباب 6 من أبواب السجود / الحديث 5.

4) - وسائل الشيعة 6: 348 / الباب 6 من أبواب السجود / الحديث 3.

5) - وسائل الشيعة 6: 349 / الباب 6 من أبواب السجود / الحديث 7.

6) - شرائع الاسلام 1: 87.

حمل البأس هنا على التحريم جمعا بين الأدلّة. انتهى ملخّصا».(1)

أقول:

الظاهر أنّ تفسير الفقهاء هو الأصحّ، و هو الذي يتبادر الى الذهن من جلوس الكلب.

في نفخ موضع السجود

(مسألة 2): يكره نفخ موضع السجود اذا لم يتولّد حرفان، و الاّ فلايجوز، بل مبطل للصلاة، و كذا يكره عدم رفع اليدين من الأرض بين السجدتين.

الشرح:

قد نهي عن نفخ موضع السجود في صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«قلت له: الرجل ينفخ في الصلاة موضع جبهته؟ فقال: لا».(2)

و الخبر المروي عن رسول اللّه صلى الله عليه و آله :

«و كره النفخ في الصلاة».(3)

و هذه الأخبار و ان كانت مطلقة الاّ أنّها تحمل على ما اذا آذى من الى جانبيه، بقرينة صحيحة ليث المرادي قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: الرجل يصلّي فينفخ في موضع جبهته؟ قال: ليس به بأس، انّما يكره ذلك أن يؤذي من الى جانبه».(4)

و الخبر المروي في الفقيه عن الصادق عليه السلام أنّه قال:


1) - مدارك الأحكام 3: 415 و 416.

2) - وسائل الشيعة 6: 350 / الباب 7 من أبواب السجود / الحديث 1.

3) - وسائل الشيعة 6: 351 / الباب 7 من أبواب السجود / الحديث 7.

4) - وسائل الشيعة 6: 351 / الباب 7 من أبواب السجود / الحديث 6.

«انّما يكره ذلك خشية أن يؤذي من الى جانبه».(1)

و خبر أبي بكر الحضرمي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«لابأس بالنفخ في الصلاة في موضع السجود ما لم يؤذ أحدا».(2)

و أمّا مرسلة اسحاق بن عمّار قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن المكان يكون عليه الغبار، أفأنفخه اذا أردت السجود؟ فقال: لابأس».(3)

فتحمل على ما اذا لم يؤذ أحدا.

نعم، يمكن أن يقال بكراهة نفخ موضع السجود مطلقا و شدّة الكراهة اذا آذى من الى جانبه، و ذلك لاطلاق خبر الحسين بن مصعب قال:

«قال أبو عبداللّه عليه السلام: يكره النفخ في الرقى، و الطعام، و موضع السجود».(4)

و الخبر المروي في الخصال (في حديث الأربعمائة) قال:

«لايتفل(5)المؤمن في القبلة، فان فعل ذلك ناسيا يستغفر اللّه، لاينفخ الرجل في موضع سجوده، و لاينفخ في طعامه و لا في شرابه و لا في تعويذه».(6)

و خبر الحسين بن زيد عن الصادق عليه السلام عن آبائه عن النبي صلى الله عليه و آله (في حديث المناهي) قال:


1) - وسائل الشيعة 6: 351 / الباب 7 من أبواب السجود / الحديث 4.

2) - وسائل الشيعة 6: 350 / الباب 7 من أبواب السجود / الحديث 2.

3) - وسائل الشيعة 6: 350 / الباب 7 من أبواب السجود / الحديث 3.

4) - وسائل الشيعة 6: 352 / الباب 7 من أبواب السجود / الحديث 8.

5) - التفل أي نفخ معه أدنى بزاق. مجمع البحرين التفل بالفارسية: آب دهان انداختن.

6) - وسائل الشيعة 6: 352 / الباب 7 من أبواب السجود / الحديث 9.

«و نهى أن ينفخ في طعام أو شراب و أن ينفخ في موضع السجود».(1)

فانّ الظاهر اباء الخبرين عن التقييد بقرينة ارداف نفخ السجود، بالنفخ في الرقى و الطعام و الشراب و التعويذ، فمن المعلوم اطلاق كراهة النفخ في هذه الأشياء.

و يكره عدم رفع اليدين من الأرض بين السجدتين، للخبر المروي عن محمّد بن ادريس في آخر «السرائر» نقلاً من كتاب «جامع البزنطي» صاحب الرضا عليه السلام قال:

«سألته عن الرجل يسجد ثمّ لايرفع يديه من الأرض بل يسجد الثانية، هل يصلح له ذلك؟ قال: ذلك نقص في الصلاة».(2)

بناءً على عدم منافاته للجلوس بين السجدتين.

في قراءة القرآن في السجود

(مسألة 3): يكره قراءة القرآن في السجود كما كان يكره في الركوع.

للخبر المروي في معاني الأخبار عن القاسم بن سلام بأسانيد متّصلة الى النبي صلى الله عليه و آله قال:

«انّي قد نهيت عن القراءة في الركوع و السجود، فأمّا الركوع فعظّموا اللّه فيه، و أمّا السجود فأكثروا فيه الدعاء، فانّه قمن أن يستجاب لكم، أي جدير و حري أن يستجاب لكم».(3)

في جلسة الاستراحة

(مسألة 4): الأحوط عدم ترك جلسة الاستراحة، و هي الجلوس بعد السجدة الثانية في الركعة الأولى و الثالثة ممّا لا تشهّد فيه، بل وجوبها لايخلو


1) - وسائل الشيعة 6: 351 / الباب 7 من أبواب السجود / الحديث 5.

2) - وسائل الشيعة 6: 383 / الباب 25 من أبواب السجود / الحديث 1.

3) - وسائل الشيعة 6: 309 / الباب 8 من أبواب الركوع / الحديث 2.

عن قوّة.

الشرح:

قال في المدارك: «استحباب هذه الجلسة مذهب الأكثر، و أوجبها المرتضى في الانتصار محتجّا بالاجماع و الاحتياط. انتهى».(1)

و قال في الجواهر: «و كذا يستحبّ أن يجلس عقيب السجدة الثانية مطمئنّا ليستريح، و لذا سمّيت بجلسة الاستراحة، و استحبابها مشهور بين الأصحاب، بل في المنتهى أنّه مذهب علمائنا الاّ السيّد المرتضى، و في المعتبر نسبته الى أكثر أهل العلم، بل عن كشف الحقّ و تلخيص الخلاف الاجماع عليه، و هو الحجّة في نفي الوجوب بعد الأصل و موثّق زرارة. انتهى».(2)

الدليل على استحباب جلسة الاستراحة صحيحة عبدالحميد بن عوّاض عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«رأيته اذا رفع رأسه من السجدة الثانية من الركعة الأولى جلس حتّى يطمئنّ ثمّ يقوم».(3)

و صحيحة أبي بصير قال:

«قال أبو عبداللّه عليه السلام: اذا قمت في الصلاة فاعلم أنّك بين يدي اللّه، فان كنت لاتراه فاعلم أنّه يراك، فأقبل قبل صلاتك، و لاتمتخط و لاتبزق، ولاتنقض أصابعك و لاتورّك، فانّ قوما قد عذّبوا بنقض الأصابع و التورّك في الصلاة، و اذا رفعت رأسك من الركوع فأقم صلبك حتّى ترجع مفاصلك، و اذا سجدت فاقعد مثل ذلك و اذا كان في الركعة الأولى و الثانية فرفعت رأسك من السجود فاستتمّ جالسا


1) - مدارك الأحكام 3: 413.

2) - جواهر الكلام 10: 182.

3) - وسائل الشيعة 6: 346 / الباب 5 من أبواب السجود / الحديث 1.

حتّى ترجع مفاصلك، فاذا نهضت فقل: بحول اللّه و قوّته أقوم و أقعد، فانّ عليّا عليه السلامهكذا كان يفعل».(1)

فظاهر الأمر في الصحيحة و ان كان هو الوجوب الاّ أنّ ذيل الصحيحة قرينة على أنّ الأمر استعمل في الاستحباب، و هو قوله عليه السلام «فانّ عليّا عليه السلامهكذا يفعل»، لأنّ التأسّي أعمّ من الوجوب، مضافا الى أنّ فقرات الحديث أمور مستحبّة أو مكروهة، فتأمّل.

و خبر الأصبغ بن نباتة قال:

«كان أميرالمؤمنين عليه السلام اذا رفع رأسه من السجود قعد حتّى يطمئنّ ثمّ يقوم، فقيل له: يا أميرالمؤمنين، كان من قبلك أبو بكر و عمر اذارفعوا رؤوسهم من السجود نهضوا على صدور أقدامهم كما تنهض الابل، فقال أميرالمؤمنين عليه السلام: انّما يفعل ذلك أهل الجفا من الناس، انّ هذا من توقير الصلاة».(2)

و خبر أبي بصير قال:

«قال أبو عبداللّه عليه السلام: اذا رفعت رأسك في السجدة الثانية من الركعة الأولى حين تريد أن تقوم فاستو جالسا ثمّ قم».(3)

و الخبر المروي في كتاب الخصال عن أبي بصير و محمّد بن مسلم عن أبي عبداللّه عليه السلام عن آبائه عليهم السلام قال:

«قال أميرالمؤمنين عليه السلام: اجلسوا في الركعتين حتّى تسكن جوارحكم ثمّ قوموا فانّ ذلك من فعلنا».(4)


1) - وسائل الشيعة 5: 465 / الباب 1 من أبواب أفعال الصلاة / الحديث 9.

2) - وسائل الشيعة 6: 347 / الباب 5 من أبواب السجود / الحديث 5.

3) - وسائل الشيعة 6: 346 / الباب 5 من أبواب السجود / الحديث 3.

4) - مستدرك الوسائل 4: 456 / الباب 5 من أبواب السجود / الحديث 4.

و الخبر المروي عن زيد النرسي في كتابه قال:

«سمعت أبا الحسن عليه السلام يقول: اذا رفعت رأسك من آخر سجدتك في الصلاة قبل أن تقوم فاجلس جلسة. الحديث».(1)

فيحمل الأمر في هذه الأخبار على الاستحباب لضعف سندها و للجمع بينها و بين موثّقة زرارة قال:

«رأيت أبا جعفر و أبا عبداللّه عليهماالسلام اذا رفعا رؤوسهما من السجدة الثانية نهضا و لم يجلسا».(2)

و بهذه الموثّقة يرفع اليد عن اطلاق صحيحة الأزدي قال عليه السلام فيها:

«و اذا سجد فلينفرج و ليتمكّن، و اذا رفع رأسه فليلبث حتّى يسكن».(3)

و تقيّد برفع الرأس عن السجدة الأولى.

قلت:

و ان كان لايبعد أن يكون عدم جلوسه بعد السجدة للتقيّة الاّ أنّه خلاف الظاهر و لعلّه لجواز ذلك.

فتحصّل ممّا تقدّم مضافا الى فتوى المشهور أنّ الأقوى استحباب جلسة الاستراحة الاّ أنّ الاحتياط في محلّه.

فيما لو نسي السجدة

(مسألة 5): لو نسيها رجع اليها ما لم يدخل في الركوع.

فلو نسيها لايجوز الرجوع اليها و ان لم يدخل في الركوع، لأنّه يوجب زيادة


1) - مستدرك الوسائل 4: 456 / الباب 5 من أبواب السجود / الحديث 2.

2) - وسائل الشيعة 6: 346 / الباب 5 من أبواب السجود / الحديث 2.

3) - وسائل الشيعة 4: 35 / الباب 8 من أبواب أعداد الفرائض / الحديث 14.

القيام فلا دليل على عدم البأس بذلك. و على فرض وجوبها لايمكن تداركها اذ الواجب ليس مطلق الجلوس بعد السجود بل حصّة خاصّة و هي الجلوس عن السجود، و هذا غير قابل للتدارك الاّ باعادة السجود، فيلزم منها الزيادة العمديّة في السجدة الواحدة الغير الجائزة بلا اشكال.

فصل : في سائر أقسام السجود

اشارة

(مسألة 1): يجب السجود للسهو، كما سيأتي مفصّلاً في أحكام الخلل.

في وجوب السجود على من قرأ آياتها الأربع

اشارة

(مسألة 2): يجب السجود على من قرأ احدى آياته الأربع في السور الأربع، و هي الم تنزيل، عند قوله: «و لايستكبرون»، و حم فصّلت، عند قوله «تعبدون»، و النجم و العلق - و هي سورة اقرأ باسم - عند ختمهما. و كذا يجب على المستمع لها بل السامع على الأظهر. و يستحبّ في أحدعشر موضعا: في الأعراف عند قوله «و له يسجدون» و في الرعد عند قوله «و ظلالهم بالغدوّ و الآصال» و في النحل عند قوله «و يفعلون ما يؤمرون» و في بنياسرائيل عند قوله «و يزيدهم خشوعا» و في مريم عند قوله «خرّوا سجّدا و بكيّا» و في سورة الحجّ في موضعين عند قوله «يفعل اللّه ما يشاء» و عند قوله «افعلوا الخير» و في الفرقان عند قوله «و زادهم نفورا»و في النمل عند قوله «ربّ العرش العظيم» و في ص عند قوله «و خرّ راكعا و أناب» و في الانشقاق عند قوله «و اذا قرئ» بل الأولى السجود عند كلّآية فيها أمر بالسجود.

الشرح:

فروع:

الفرع الأوّل : في وجوب السجدة على من قرأ أو استمع آية السجدة

يجب السجود على من قرأ أو استمع احدى آياته الأربع في السور الأربع و ذلك لصحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«اذا قرأت شيئا من العزائم التي يسجد فيها فلاتكبّر قبل سجودك، ولكن تكبّر حين ترفع رأسك، و العزائم أربعة: حم السجدة، و تنزيل، و النجم، و اقرأ باسم ربّك».(1)

و موثّقة سماعة قال:

«قال أبو عبداللّه عليه السلام: اذا قرأت السجدة فاسجد و لاتكبّر حتّى ترفع رأسك».(2)

و صحيحة الحلبي قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: يقرأ الرجل السجدة و هو على غير وضوء؟ قال: يسجد اذا كانت من العزائم».(3)

و صحيحة داوود بن سرحان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«انّ العزائم أربع: اقرأ باسم ربّك الذي خلق، و النجم، و تنزيل السجدة، و حم السجدة».(4)

و صحيحة عبداللّه بن سنان الثانية عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:


1) - وسائل الشيعة 6: 239 / الباب 42 من أبواب قراءة القرآن / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 6: 240 / الباب 42 من أبواب قراءة القرآن / الحديث 3.

3) - وسائل الشيعة 6: 241 / الباب 42 من أبواب قراءة القرآن / الحديث 6.

4) - وسائل الشيعة 6: 241 / الباب 42 من أبواب قراءة القرآن / الحديث 7.

«العزائم: الم تنزيل، و حم السجدة، و النجم، و اقرأ باسم ربّك، و ماعداها في جميع القرآن مسنون و ليس بمفروض».(1)

و الخبر المروي عن المحقّق في المعتبر نقلاً من «جامع البزنطي»:

«عن محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام فيمن يقرأ السجدة من القرآن من العزائم فلايكبّر حين يسجد ولكن يكبّر حين يرفع رأسه».(2)

قال في الحدائق: «لا خلاف بين الأصحاب في وجوب السجود على القارئ و المستمع و هو المنصت. انتهى».(3)

و قال في المدارك: «أمّا الوجوب على القارئ و المستمع فثابت بالاجماع. انتهى».(4)

و قال في الجواهر: «و السجود واجب في العزائم الأربع على القارئ و المستمع المصغي ليسمع بلا خلاف أجده فيه، بل هو مجمع عليه تحصيلاً و نقلاً مستفيضا أو متواترا كالنصوص. انتهى».(5)

و الدليل على وجوب السجدة لمن استمع آية السجدة صحيحة الحذّاء قال:

«سألت أبا جعفر عليه السلام عن الطامث تسمع السجدة؟ فقال: ان كانت من العزائم فلتسجد اذا سمعتها».(6)

و صحيحة عبداللّه بن سنان قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل سمع السجدة تقرأ، قال: لايسجد الاّ


1) - وسائل الشيعة 6: 241 / الباب 42 من أبواب قراءة القرآن / الحديث 9.

2) - وسائل الشيعة 6: 242 / الباب 42 من أبواب قراءة القرآن / الحديث 10.

3) - الحدائق الناضرة 8: 304.

4) - مدارك الأحكام 3: 419.

5) - جواهر الكلام 10: 218.

6) - وسائل الشيعة 2: 340 / الباب 36 من أبواب الحيض / الحديث 1.

أن يكون منصتا لقراءته مستمعا لها، أو يصلّي بصلاته فأمّا أن يكون يصلّي في ناحية و أنت تصلّي في ناحية أخرى فلاتسجد لما سمعت».(1)

الفرع الثاني : في حكم تلاوة بعض الآية أو استماعه

هل الموجب للسجود و الموضوع لهذا الحكم تلاوة الآية بتمامها فلا وجوب ما لم يفرغ عنها أو انّ الموجب تلاوة نفس الكلمة المتضمّنة للسجدة و لا عبرة بما قبلها و ما بعدها؟

المشهور هو الأوّل، بل حكي عليه الاجماع و الاتّفاق.

قال في الجواهر: «الأقوى اعتبار قراءتهما تماما في الوجوب كما صرّح به العلاّمة الطباطبائي و شيخنا في كشفه، بل صرّح الثاني منهما باعتبار ذلك في الندب أيضا - و في موضع آخر من كلامه قال: - المعروف بين الأصحاب - بل في آخر كلام الحدائق أنّ ظاهرهم الاتّفاق عليه - أنّ محلّ السجود بعد تمام الآية حتّى أنّه صرّح في المحكي عن شرح الجعفريّة كظاهرها أيضا أنّه لو أتى بالسجود بعدلفظ السجدة لم يقع في محلّه، و لابدّ من اعادته بعد تمام الآية. بل لاأجد فيه خلافا بيننا فيما عدا سجدة حم، أمّا فيها فالمعروف فيها ذلك أيضا. انتهى».(2)

و الدليل على أنّ الموجب للسجود تلاوة الآية بتمامها موثّقة سماعة عن أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«ان صلّيت مع قوم فقرأ الامام «اقرأ بسم ربّك الذي خلق» أو


1) - وسائل الشيعة 6: 242 / الباب 43 من أبواب قراءه القرآن / الحديث 1.

2) - جواهر الكلام 10: 214 و 215.

شيئا من العزائم و فرغ من قراءته و لم يسجد فأوم ايماءً، و الحائض تسجد اذا سمعت السجدة. انتهى».(1)

و موثّقة عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) قال:

«و عن الرجل يصلّي مع قوم لايقتدي بهم فيصلّي لنفسه و ربّما قرءوا آية من العزائم فلايسجدون فيها، فكيف يصنع؟ قال: لايسجد».(2)

و موثّقة سماعة الثانية قال:

«من قرأ «اقرأ باسم ربّك» فاذا ختمها فليسجد، فاذا قام فليقرأ فاتحة الكتاب و ليركع، قال: و اذا ابتليت بها مع امام لايسجد فيجزيك الايماء و الركوع. الحديث».(3)

قال في الحدائق: «قد صرّح جملة من الأصحاب بأنّ الظاهر أنّ موضع السجود في هذه الأربعة بعد الفراغ من الآية. (و في موضع آخر من كلامه قال:) لايخفى أنّ ظواهر الأخبار التي قدّمناها هو السجود عند ذكر السجدة لتعليق السجود فيجملة منها على سماع السجدة أو قراءتها أو استماعها و المتبادر منها هو لفظ السجدة، و الحمل على تمام الآية يحتاج الى تقدير في تلك العبارات بأن يراد سماع آية السجدة الى آخرها، الاّ أنّ ظاهر الأصحاب الاتّفاق على أنّ محلّ السجود بعد تمام الآية كما عرفت - الى أن قال: - نعم ظاهر الخبر الرابع عشر (المروي في مجمع البيان) و ما ذكره في كتاب دعائم الاسلام مؤيّد لما ذكره الأصحاب. انتهى».(4)


1) - وسائل الشيعة 6: 103 / الباب 38 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 6: 103 / الباب 38 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 2.

3) - وسائل الشيعة 6: 102 / الباب 37 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 2.

4) - الحدائق الناضرة 8: 305 - 307.

قال في مجمع البيان: «عن أئمّتنا عليهم السلام أنّ السجود في سورة فصّلت عند قوله: «ان كنتم ايّاه تعبدون»».(1)

و قد عرفت أنّ ظاهر موثّقتي سماعة و موثّقة عمّار بل صريحهما هو وجوب السجدة عند تمام الآية، و يؤيّدهما الخبر المروي في مجمع البيان الذي تقدّم آنفا و الخبر المروي عن دعائم الاسلام و سيجيء ذكره. و قد اعترف قدس سره أنّ ظاهر الأصحاب الاتّفاق على أنّ محلّ السجود بعد تمام الآية، و هو الحجّة على كلامه. و أمّا قوله رحمه اللهانّ ظاهر الأخبار السجود عند ذكر السجدة ... ففيه: انّه ان كان المراد من ذكر السجدة كلمات «سجّدا» و «و اسجدوا» و «و اسجد» في تلك السور و ان لم يقرأ ما قبلها فبعيد منه و من ظاهر الروايات، و ان كان مراده قراءة الآية الى تمام هذه الكلمات فيحتاج الى القرينة و التقدير، فكرّ على ما فرّ.

الفرع الثالث : في حكم السامع لآية السجدة

لا اشكال و لا خلاف نصّا و فتوىً في شمول الحكم للمستمع كما يشمل للقارئ. انّما الكلام في شمول الحكم للسامع من غير انصات و لا استماع فهل يجب عليه السجدة أو لايجب؟

قال في الشرائع: «و يستحبّ للسامع على الأظهر. انتهى».(2)

و قال في الجواهر: «تبعا للشيخ في الخلاف و تبعه الفاضل و غيره، بل في الفوائد المليّة أنّه مذهب الأكثر، بل عن كشف الالتباس أنّه المشهور، بل في الخلاف و ظاهر التذكرة الاجماع عليه - الى أن قال: - و خيرة الحلّي فيما حكي عنه


1) - وسائل الشيعة 6: 241 / الباب 42 من أبواب السجود / الحديث 8.

2) - شرائع الاسلام 1: 87.

و المحقّق الثاني و الشهيد الثاني الوجوب، و كأنّه مال اليه في الذكرى، بل في الحدائق أنّه مذهب الأكثر، بل في المحكي عن السرائر الاستدلال عليه بالاجماع على اطلاق القول بالوجوب على القارئ و السامع. انتهى ملخّصا».(1)

و الأقوى عدم وجوب السجدة على السامع، و ذلك لصحيحة عبداللّه بن سنان قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل سمع السجدة تقرأ؟ قال: لايسجد الاّ أن يكون منصتا لقراءته مستمعا لها، أو يصلّي بصلاته فأمّا أن يكون يصلّي في ناحية و أنت تصلّي في ناحية أخرى فلاتسجد لما سمعت».(2)

و هذه الصحيحة مقيّدة لاطلاق صحيحة علي بن جعفر عليه السلام قال:

«و سألته عن الرجل يكون في صلاته فيقرأ آخر السجدة؟ فقال: يسجد اذا سمع شيئا من العزائم الأربع ثمّ يقوم فيتمّ صلاته الاّأن يكون في فريضة فيومئ برأسه ايماءً».(3)

و قد نوقش في الصحيحة بوجوه (كما في الجواهر):

الأوّل: في السند، بأنّ فيه محمّد بن عيسى بن عبيد عن يونس، و قد ضعّفه الشيخ و النجاشي.

الثاني: في متنها بأنّه قد تضمّن وجوب السجود اذا صلّى بصلاة القارئ و هو غير مستقيم عندنا، اذ لايقرأ عزيمة في الفريضة على الأصحّ، و لاتجوز القدوة في النافلة غالبا.

الثالث: انّ مقتضى «أو» فيه وجوب السجود مع الصلاة بصلاته و ان لم يكن


1) - جواهر الكلام 10: 220 - 222.

2) - وسائل الشيعة 6: 242 / الباب 43 من أبواب قراءة القرآن / الحديث 1.

3) - وسائل الشيعة 6: 243 / الباب 43 من أبواب قراءة القرآن / الحديث 4.

استماع، فلاينهض حينئذ على تقييد اطلاق الأمر بالسجود.

و أجيب عن الأوّل بأنّ السند منجبر بعمل المشهور بها، مضافا الى أنّ الأقوى قبول رواية العبيدي، و قد وثّقه النجاشي و غيره.

و عن الثاني بعدم خروج الخبر عن الحجّيّة بطرح بعضه، على أنّه قد يراد الائتمام بالمخالف أو بالمرضى الناسي، أو بنحو الاستسقاء و الغدير ممّا يجوز فيه الجماعة من النوافل.

و عن الثالث بأن يراد به التنبيه على انصات مثله، ضرورة غلبة استماع المأموم الامام للأمر به في القراءة الجهريّة، فيتقيّد حينئذ بها اطلاق النصّ.

قال في الجواهر: «و أمّا ما في المبسوط من التفصيل بين السماع في الصلاة فلايجب و في غيرها فيجب فلا دليل عليه الاّ ذيل الخبر السابق، و هو غير صريح في ذلك بل و لا ظاهر، فلايصلح حينئذ أن يكون وجه جمع بين النصوص - الى أن قال: - حكى في التذكرة الوجوب على السامع عن أبي حنيفة و ابن عمر و سعيدبن جبير و نافع و اسحاق. انتهى».(1)

نعم يستحبّ السجدة عند السماع من غير استماع و الدليل على ذلك الاتّفاق و تسالم الأصحاب.

الفرع الرابع : في مواضع استحباب السجود

و يستحبّ السجود في أحدعشر موضعا، و الدليل على ذلك:

ما رواه في كتاب دعائم الاسلام من الخبر قال:

«مواضع السجود في القرآن خمسه عشر موضعا أوّلها آخر الأعراف،


1) - جواهر الكلام 10: 222.

و في سورة الرعد «و ظلالهم بالغدوّ و الآصال» و في النحل «و يفعلون ما يؤمرون» و في بنياسرائيل «و يزيدهم خشوعا» و في كهيعص «خرّوا سجّدا و بكيّا» و في الحجّ «انّ اللّه يفعل ما يشاء» و فيها «و افعلوا الخير لعلّكم تفلحون» و في الفرقان «و زادهم نفورا» و في النمل «ربّ العرش العظيم» و في تنزيل السجدة «و هم لايستكبرون» و في ص «و خرّ راكعا و أناب» و في حم السجدة «ان كنتم ايّاه تعبدون» و في آخر النجم، و في اذا السماء انشقّت «و اذا قرئ عليهم القرآن لايسجدون» و آخر «اقرأ باسم ربّك»».(1)

انعقد الاجماع على الوجوب في المواضع الأربعة المتقدّمة، و انعقد الاجماع أيضا على الاستحباب في باقي الخمسه عشر. و تدلّ على ذلك صحيحة عبداللّه بن سنان الثانية عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«العزائم: الم تنزيل، و حم السجدة، و النجم، و اقرأ باسم ربّك، و ماعداها في جميع القرآن مسنون و ليس بمفروض».(2)

و صحيحة محمّد بن مسلم قال:

«سألته عن الرجل يقرأ بالسورة فيها السجدة فينسى فيركع و يسجد سجدتين ثمّ يذكر بعد؟ قال: يسجد اذا كانت من العزائم، و العزائم أربع: الم تنزيل، و حم السجدة، و النجم، و اقرأ باسم ربّك. و كان علي بن الحسين عليه السلام يعجبه أن يسجد في كلّ سورة فيها سجدة».(3)

قال في المدارك: «و أمّا استحباب السجود في غير هذه الأماكن الأربعة من المواضع الخمس عشرة فمقطوع به في كلام الأصحاب مدّعى عليه الاجماع، و


1) - بحار الأنوار 85: 171 / باب سجود التلاوة / الحديث 14.

2) - وسائل الشيعة 6: 241 / الباب 42 من أبواب قراءة القرآن / الحديث 9.

3) - وسائل الشيعة 6: 244 / الباب 44 من أبواب قراءة القرآن / الحديث 2.

لم أقف فيه على نصّ يعتدّ به. انتهى».(1)

و قال في الحدائق: «فانّ فيه (أي في المدارك): انّه ان أراد بالنصّ الذي يعتدّ به ما كان صحيح السند بناءً على اصطلاحه فخبر عبداللّه بن سنان (و كذا خبر محمّد بن مسلم) صحيح السند؛ لأنّ البزنطي صاحب الكتاب (نوادر البزنطي) رواه عن العلاء عن محمّد بن مسلم، و الثلاثة ثقات بالاتّفاق. نعم العذر له حيث انّ نظره مقصور على أخبار الكتب الأربعة و هذه خارجة عنها. انتهى ملخّصا».(2)

بل الأولى السجود عند كلّ آية فيها سجدة، و ذلك لما في الخبر عن جابر عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«انّ أبي علي بن الحسين عليه السلام ما ذكر للّه نعمة عليه الاّ سجد، و لاقرأ آية من كتاب اللّه عزّوجلّ فيها سجدة الاّ سجد - الى أن قال: - فسمّي السجّاد لذلك».(3)

و ما رواه ابن ادريس في آخر السرائر من الخبر عن محمّد بن مسلم (في حديث):

«و كان علي بن الحسين عليه السلام يعجبه أن يسجد في كلّ سورة فيها سجدة».(4)

في اختصاص الحكم بالقارئ و المستمع

(مسألة 3): يختصّ الوجوب و الاستحباب بالقارئ و المستمع، و السامع للآيات، فلايجب على من كتبها أو تصوّرها أو شاهدها مكتوبة أو أخطرها بالبال.


1) - مدارك الأحكام 3: 419.

2) - الحدائق الناضرة 8: 304.

3) - وسائل الشيعة 6: 244 / الباب 44 من أبواب قراءة القرآن / الحديث 1.

4) - وسائل الشيعة 6: 244 / الباب 44 من أبواب قراءة القرآن / الحديث 2.

و ذلك لما تقدّم من أنّ موضوع حكم الوجوب أو الاستحباب في الروايات هو القارئ و المستمع للآيات و أمّا السامع فلايجب عليه و ان كان يستحبّ. فلايجب على من كتبها أو تصوّرها أو شاهدها مكتوبة أو أخطرها بالبال لعدم الدليل على الوجوب بل الاستحباب و الأصل الحاكم هنا البراءة.

(مسألة 4): السبب مجموع الآية فلايجب بقراءة بعضها و لو لفظ السجدة منها.

تقدّم البحث عن ذلك في الفرع الثاني من المسألة الثانية فلانعيد.

في أنّ وجوب السجدة فوري

اشارة

(مسألة 5): وجوب السجدة فوري فلايجوز التأخير. نعم لو نسيها أتى بها اذا تذكّر بل و كذلك لو تركها عصيانا.

الشرح:

اذا قرأ آية السجدة أو استمع لها يجب عليه أن يسجد فورا، و الدليل عليه الروايات الناهية عن قراءة العزيمة في الفريضة معلّلاً بأنّ السجود زيادة في المكتوبة. فلولا كان السجود واجبا فوريّا لما كانت قراءتها في الفريضة منهيّة؛ لامكان السجود بعد الصلاة.

فمنها موثّقة زرارة عن أحدهما عليهماالسلام قال:

«لاتقرأ في المكتوبة بشيء من العزائم، فانّ السجود زيادة في المكتوبة».(1)

و منها موثّقة سماعة قال:

«من قرأ «اقرأ باسم ربّك» فاذا ختمها فليسجد - الى أن قال: - و


1) - وسائل الشيعة 6: 105 / الباب 40 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 1.

لاتقرأ في الفريضة، اقرأ في التطوّع».(1)

و منها موثّقة عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث):

« ... و عن الرجل يقرأ في المكتوبة سورة فيها سجدة من العزائم، فقال: اذا بلغ موضع السجدة فلايقرأها، و ان أحبّ أن يرجع فيقرأ سورة غيرها و يدع التي فيها السجدة فيرجع الى غيرها. الحديث».(2)

و ما ورد فيمن صلّى خلف من لايقتدى به فقرأ العزيمة و لم يسجد يجب عليه الايماء لسجود العزيمة، كموثّقة أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«ان صلّيت مع قوم فقرأ الامام «اقرأ باسم ربّك الذي خلق» أو شيئا من العزائم، و فرغ من قراءته و لم يسجد فأوم ايماءً، و الحائض تسجد اذا سمعت السجدة».(3)

فالأمر بالايماء مقتصرا عليه من دون تعرّض لتدارك السجدة بعد الصلاة يكشف عن الفوريّة.

و لاتعارضها موثّقة عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام قال في الرجل يسمع السجدة في الساعة التي لاتستقيم الصلاة فيها قبل غروب الشمس و بعد صلاة الفجر، فقال: «لايسجد. الحديث».(4)

و فيه أوّلاً: انّه يبنى على القول بكراهة صلاة النافلة قبل غروب الشمس و بعد صلاة الفجر و قد تقدّم في المجلّد الأوّل(5)أنّ الأقوى عدم الكراهة. و ثانيا: يمكن أن يقال: انّ الموثّقة خاصّة بغير العزيمة بقرينة قوله: «لاتستقيم الصلاة فيها»، فانّ


1) - وسائل الشيعة 6: 105 / الباب 40 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 2.

2) - وسائل الشيعة 6: 105 / الباب 40 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 3.

3) - وسائل الشيعة 6: 103 / الباب 38 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 1.

4) - وسائل الشيعة 6: 105 / الباب 40 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 3.

5) - الهادي / كتاب الصلاة 1: 273.

المراد بهذه الصلاة النافلة، فبمناسبة الحكم و الموضوع يكون المراد من السجدة غير العزائم. و يشهد لذلك ذيل الموثّقة حيث قال:

«و عن الرجل يقرأ في المكتوبة سورة فيها سجدة من العزائم، فقال: اذا بلغ موضع السجدة فلايقرأها».(1)

ثمّ انّ الظاهر أنّه لا خلاف في فوريّة وجوب السجدة اذا قرأها أو سمعهامنصتا لها، كما أنّه مقتضى الأمر بالسجود.

قال في المدارك: «أجمع الأصحاب على أنّ سجود التلاوة واجب على الفور. انتهى».(2)

فرع : فيما لو نسي السجدة عند قراءتها

و لو نسيها أتى بها فيما بعد، و ذلك لصحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما عليهماالسلام قال:

«سألته عن الرجل يقرأ السجدة فينساها حتّى يركع و يسجد؟ قال: يسجد اذا ذكر اذا كانت من العزائم».(3)

قال في المدارك: «و صرّحوا أيضا بأنّه لايسقط بالتأخير».(4)

و الظاهر أنّها تكون أداءً و ان وجبت على الفور و ذلك لعدم الدليل على توقيتها.

قال في المدارك: «و لو أتى بها فيما بعد فهل ينوي فيها القضاء أم الأداء؟ قيل


1) - وسائل الشيعة 6: 105 / الباب 40 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 3.

2) - مدارك الأحكام 3: 421.

3) - وسائل الشيعة 6: 104 / الباب 39 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 1.

4) - مدارك الأحكام 3: 421.

بالأوّل؛ لأنّها واجبة على الفور فوقتها وجود السبب، فاذا أتى بها بعد فواته فقد فعلت في غير وقتها و ذلك معنى القضاء. و قيل بالثاني و هو خيرة المصنّف في المعتبر لعدم التوقيت. و الأظهر عدم التعرّض لشيء منهما؛ لأنّهما من توابع الوقت المضروب شرعا و هو منتفٍ. انتهى».(1)

ما ذهب اليه من عدم التعرّض لشيء منهما حسن، ثمّ اعلم أنّ العصيان ملحق بالنسيان، و كذا ما كان نحوهما ممّا أوجب ترك السجدة، فذمّته مشغولة بها.

فيما لو قرأ بعض الآية و سمع بعضها الآخر

(مسألة 6): لو قرأ بعض الآية و سمع بعضها الآخر فالأحوط الاتيان بالسجدة.

الشرح:

قد تقدّم في روايات الباب أنّ موضوع حكم السجدة هو القراءة أو الاستماع، ففي موثّقة سماعة:

«اذا قرأت السجدة فاسجد».(2)

و في صحيحة عبداللّه بن سنان:

«لايسجد الاّ أن يكون منصتا لقراءته مستمعا لها».(3)

و في صحيحة الحذّاء:

«ان كانت من العزائم فلتسجد اذا سمعتها».(4)

فاذا قرأ آية السجدة يجب عليه السجود، و كذا اذا سمعها. و أمّا اذا قرأ بعضها و سمع البعض، فلايصدق عليه قارئ السجدة و لا السامع لها، فاذا شكّ في


1) - نفس المصدر.

2) - وسائل الشيعة 6: 240 / الباب 42 من أبواب قراءة القرآن / الحديث 3.

3) - وسائل الشيعة 6: 242 / الباب 43 من أبواب قراءة القرآن / الحديث 1.

4) - وسائل الشيعة 2: 340 / الباب 36 من أبواب الحيض / الحديث 1.

وجوب السجدة فالأصل البراءة. ولكن يمكن أن يقال بأنّ الظاهر من الروايات أنّ موضوع الحكم هو الجامع بين الأمرين و لو في مجموع الآية فانّ العرف يرى أنّ الجامع غير خارج عن موضوع الأخبار، فيلزم الاحتياط بالاتيان بالسجدة.

فيما اذا قرأها غلطا

(مسألة 7): اذا قرأها غلطا أو سمعها ممّن قرأها غلطا فالأحوط السجدة أيضا.

اذا صدق القرآن على الملحون يجب السجود، و الاّ فلا. و الشكّ في صدق القرآن و عدمه شكّ في وجوب السجدة فالأصل الجاري البراءة.

في تكرّر السجود بتكرّر القراءة أو السماع

(مسألة 8): يتكرّر السجود مع تكرّر القراءة أو السماع أو الاختلاف، بل و ان كان في زمان واحد بأن قرأها جماعة أو قرأها شخص حين قراءته على الأحوط.

لصحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«سألته عن الرجل يعلّم السورة من العزائم فتعاد عليه مرارا في المقعد الواحد؟ قال: عليه أن يسجد كلّما سمعها و على الذي يعلّمه أيضا أن يسجد».(1)

و لأنّ الأصل عدم التداخل و اقتضاء كلّ سبب مسبّبه، فالمتعيّن تكرار السجود في المقام بتكرّر سببه، الاّ اذا دلّ الدليل على التداخل كما في باب الأغسال. نعم لو سمعها من جماعة يقرؤونها في آن واحد لايجب الاّ سجدة واحدة؛ لأنّ العرف يجعله سببا واحدا. و أمّا لو قرأها و استمع الى أحد أيضا حين القراءة، فيسجد سجدتين على الأحوط كما في المتن؛ للشكّ في نظر العرف و أنّه يصدق عليه


1) - وسائل الشيعة 6: 245 / الباب 45 من أبواب قراءة القرآن / الحديث 1.

السبب الواحد عرفا أو السببين.

في عدم الفرق بين السماع من المكلّف أو غيره

(مسألة 9): لا فرق في وجوبها بين السماع من المكلّف أو غيره كالصغير و المجنون اذا كان قصدهما قراءة القرآن.

لأنّ النصوص التي تقدّمت، باطلاقها شاملة لما نحن فيه، فانّها غير مقيّدة بالتكليف، و كون القارئ مكلّفا، نعم يعتبر في وجوبها أن يكون قصدهما قراءة القرآن.

فيما لو سمعها أو قرأها في أثناء الصلاة

(مسألة 10): لو سمعها في أثناء الصلاة أو قرأها أومأ للسجود و سجد بعد الصلاة و أعادها.

الشرح:

لو سمعها في أثناء الصلاة أو قرأها أومأ للسجود؛ لصحيحة علي بن جعفر في كتابه عن أخيه عليه السلام قال:

«سألته عن الرجل يكون في صلاة جماعة فيقرأ انسان السجدة، كيف يصنع؟ قال: يومئ برأسه».(1)

قال:

«و سألته عن الرجل يكون في صلاته فيقرأ آخر السجدة؟ فقال: يسجد اذا سمع شيئا من العزائم الأربع ثمّ يقوم فيتمّ صلاته الاّ أن يكون في فريضة فيومئ برأسه ايماءً».(2)

و أمّا السجود بعد الصلاة و اعادتها فلا دليل عليهما، فانّ السجدة فقد أتى


1) - وسائل الشيعة 6: 243 / الباب 43 من أبواب قراءة القرآن / الحديث 3.

2) - وسائل الشيعة 6: 243 / الباب 43 من أبواب قراءة القرآن / الحديث 4.

ببدلها، و لا وجه للسجود بعد الصلاة، و كذا اعادة الصلاة فانّ الامام عليه السلام كان في مقام البيان و لو كان هناك حكم للسجود غير الايماء أو اعادة الصلاة لبيّنه.

قال في مستند العروة: «و الظاهر أنّ في العبارة (عبارة المصنّف) سهوا من قلمه الشريف أو من النسّاخ و أنّ الصحيح «أو سجد» بالعطف ب- «أو» لا بالواو مع تبديل بعد الصلاة ب- «في الصلاة» كي ينتج التخيير الموافق لما سبق منه قدس سره هناك. انتهى».(1)

فيما اذا سمعها أو قرأها في حال السجود

(مسألة 11): اذا سمعها أو قرأها في حال السجود يجب رفع الرأس منه ثمّ الوضع و لايكفي البقاء بقصده بل و لا الجرّ الى مكان آخر.

لأنّ الظاهر من قوله عليه السلام «يسجد اذا كان من العزائم» هو الايجاد و الاحداث، فبقاء السجدة بقصد السجود لايصدق عليه أنّه سجد بل و لا الجرّ الى مكان آخر.

(مسألة 12): الظاهر عدم وجوب نيّته حال الجلوس أو القيام ليكون الهويّ اليه بنيّته، بل يكفي نيّته قبل وضع الجبهة بل مقارنا له.

لأنّ المأمور به و هو ايجاد السجدة يحصل بالنيّة قبل وضع الجبهة، فلا دليل على وجوب النيّة حال الجلوس و القيام ليكون الهوي الى السجود بنيّته بل الهويّ مقدّمة له. نعم الظاهر عدم كفاية المقارنة للشكّ في حدوث السجود.

في اعتبار كون القراءة بقصد القرآنيّة في وجوب السجود

(مسألة 13): الظاهر أنّه يعتبر في وجوب السجدة كون القراءة بقصد القرآنيّة فلو تكلّم شخص بالآية لا بقصد القرآنيّة لايجب السجود بسماعه، و كذا لو سمعها ممّن قرأها حال النوم أو سمعها من صبيّ غير مميّز بل و كذا لو


1) - مستند العروة 4: 228.

سمعها من صندوق حبس الصوت و ان كان الأحوط السجود في الجميع.

الشرح:

لعدم صدق قوله عليه السلام «لايسجد الاّ أن يكون منصتا لقراءته مستمعا لها»(1)على ذلك كلّه، فانّ الظاهر من هذا الكلام و غيره ممّا في أخبار الباب، هو الاستماع لمن قرأها قاصدا لها، و هو غير شامل لمن لم يقصد القرآن بقراءته أو كان غافلاً و ذاهلاً، أو كان نائما، أو قرأ الصبي الذي لايدرك، أو خرج من آلات التسجيل، أو كان القارئ حيوانا كالببغاء، و على الأقلّ من انصراف الروايات عن ذلك كلّه. نعم يمكن أن يقال أوّلاً بأنّ قوله عليه السلام «لقراءته» شامل لكلّ قارئ للآية و لم يقصد القرآنيّة أو كان ذاهلاً عنها، فاذا صدق القراءة وجب السجدة، و عليه يخرج النائم و الصبي الذي لايدرك و ما خرج من المذياع. و ثانيا: يحتمل أن يشمله قوله عليه السلام في صحيحة الحذّاء، ففيها قال:

«سألت أبا جعفر عليه السلام عن الطامث تسمع السجدة، فقال: ان كانت من العزائم فلتسجد اذا سمعتها».(2)

و ان كان فيه أنّه عليه السلام كان بصدد بيان أنّ الطمث لم يكن مانعا من السجدة و لايسقط عنها التكليف كما تسقط الصلاة عنها في حال الحيض، و لم يكن بصددبيان الاستماع الى القارئ حتّى يقال انّ لكلامه اطلاقا يشمل القارئ مطلقا و أيّ قارئ كان.

في اعتبار تمييز الحروف و الكلمات في السماع

(مسألة 14): يعتبر في السماع تمييز الحروف و الكلمات فمع سماع الهمهمة لايجب السجود و ان كان أحوط.


1) - وسائل الشيعة 6: 242 / الباب 43 من أبواب قراءة القرآن / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 2: 340 / الباب 36 من أبواب الحيض / الحديث 1.

لأنّ موضوع وجوب السجدة استماع آية السجدة و ذلك موقوف على تمييز الكلمات و الحروف، فمن سمع الأصوات المتداخلة و الضوضى لايصدق عليه أنّه سمع آية السجدة و ان علم بقراءته ايّاها، فانّ العلم بالقراءة لايكون موضوعا للحكم و هذا واضح.

فيما لو قرأ أو سمع ترجمتها

(مسألة 15): لايجب السجود لقراءة ترجمتها أو سماعها و ان كان المقصود ترجمة الآية.

لأنّ موضوع وجوب السجدة قراءة الآية أو سماعها، و أمّا قراءة الترجمة أو سماعها فلايشملها حكم الآية.

فيما يعتبر في سجود الآية

(مسألة 16): يعتبر في هذا السجود بعد تحقّق مسمّاه مضافا الى النيّة اباحة المكان و عدم علوّ المسجد بما يزيد على أربعة أصابع و الأحوط وضع سائر المساجد و وضع الجبهة على ما يصحّ السجود عليه، و لايعتبر فيه الطهارة من الحدث و لا من الخبث، فتسجد الحائض وجوبا عند سببه، و ندبا عند سبب الندب، و كذا الجنب، و كذا لايعتبر فيه الاستقبال، و لا طهارة موضع الجبهة، و لا ستر العورة فضلاً عن صفات الساتر من الطهارة و عدمكونه حريرا أو ذهبا أو جلد ميتة. نعم يعتبر أن لايكون لباسه مغصوبا اذا كان السجود يعدّ تصرّفا فيه.

الشرح:

يعتبر في هذا السجود أوّلاً: النيّة و هو أن يفعله للّه تعالى؛ لأنّه عبادة تحتاج الى النيّة.

و ثانيا: اباحة المكان؛ لأنّ السجدة للتقرّب الى اللّه و لايجتمع مع المعصية أي

التصرّف في المغصوب، اذا كان السجود يعدّ تصرّفا في المغصوب.

و يعتبر ثالثا: وضع الجبهة على ما يصحّ السجود عليه و ذلك لصحيحة هشام بن الحكم أنّه قال لأبي عبداللّه عليه السلام:

«أخبرني عمّا يجوز السجود عليه و عمّا لايجوز، قال: السجود لايجوز الاّ على الأرض أو على ما أنبتت الأرض، الاّ ما أكل أو لبس، فقال له: جعلت فداك ما العلّة في ذلك؟ قال: لأنّ السجود خضوع للّه عزّوجلّ فلاينبغي أن يكون على ما يؤكل و يلبس؛ لأنّ أبناء الدنيا عبيد ما يأكلون و يلبسون، و الساجد في سجوده في عبادة اللّه عزّوجلّ، فلاينبغي أن يضع جبهته في سجوده على معبود أبناء الدنيا الذين اغترّوا بغرورها».(1)

كما يعتبر رابعا: وضع سائر المساجد لما في الصحيح عن زرارة قال:

«قال أبو جعفر عليه السلام: قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله : السجود على سبعة أعظم: الجبهة و اليدين و الركبتين و الابهامين من الرجلين و ترغم بأنفك ارغاما، أمّا الفرض فهذه السبعة و أمّا الارغام بالأنف فسنّة منالنبي صلى الله عليه و آله ».(2)

و لاتعارضه صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«سألته عن الرجل يقرأ السجدة و هو على ظهر دابّته؟ قال: يسجد حيث توجّهت به فانّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله كان يصلّي على ناقته و هو مستقبل المدينة، يقول اللّه عزّوجلّ «فأينما تولّوا فثمّ وجه اللّه»».(3)


1) - وسائل الشيعة 5: 343 / الباب 1 من أبواب ما يسجد عليه / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 6: 343 / الباب 4 من أبواب السجود / الحديث 2.

3) - وسائل الشيعة 6: 248 / الباب 49 من أبواب قراءة القرآن / الحديث 1.

لأنّها تحمل على النافلة أو على الاضطرار بقرينة صلاته صلى الله عليه و آله على الناقة.

و خامسا: عدم علوّ المسجد بما يزيد على أربعة أصابع و الدليل على ذلك صحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«سألته عن السجود على الأرض المرتفع؟ فقال: اذا كان موضع جبهتك مرتفعا عن موضع يديك قدر لبنة فلا بأس».(1)

فتحصّل أنّه يستفاد من هذه الصحاح أنّ السجود المأمور به عند الشارع عبارة عن كون سبعة أعظم من أعضائه على الأرض و وضع جبهته على ما يصحّ السجود عليه و أن لايكون مسجده أرفع من موقفه، و هذا من غير فرق بين الصلاة و غيرها. و ادّعاء الانصراف ممنوع لأنّه لو كان فللغلبة، فالروايات المذكورة آنفا مطلقة.

و لايعتبر في هذا السجود أوّلاً: الطهارة من الحدث و ذلك لصحيحة الحلبي قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: يقرأ الرجل السجدة و هو على غير وضوء،قال: يسجد اذا كانت من العزائم».(2)

و صحيحة أبي عبيدة الحذّاء قال:

«سألت أبا جعفر عليه السلام عن الطامث تسمع السجدة؟ فقال: ان كانت من العزائم فلتسجد اذا سمعتها».(3)

و موثّقة أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال (في حديث):

«و الحائض تسجد اذا سمعت السجدة».(4)


1) - وسائل الشيعة 6: 358 / الباب 11 من أبواب السجود / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 6: 241 / الباب 42 من أبواب قراءة القرآن / الحديث 6.

3) - وسائل الشيعة 2: 340 / الباب 36 من أبواب الحيض / الحديث 1.

4) - وسائل الشيعة 2: 341 / الباب 36 من أبواب الحيض / الحديث 3.

و بازائهما صحيحة عبدالرحمن بن أبي عبداللّه عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«سألته عن الحائض، هل تقرأ القرآن و تسجد سجدة اذا سمعت السجدة؟ قال: تقرأ و لاتسجد».(1)

و موثّقة غياث عن جعفر عن أبيه عن علي عليه السلام قال:

«لاتقضي الحائض الصلاة و لاتسجد اذا سمعت السجدة».(2)

قال صاحب الوسائل في وجه الجمع بينهما: «و يحتمل هذا و ما قبله الحمل على التقيّة؛ لأنّ أكثر العامّة ذهبوا الى المنع و هذا الوجه وجيه بعد اعمال قواعد الترجيح».(3)

و ثانيا: الطهارة من الخبث؛ لاطلاق صحيحة الحذّاء و غيرها من النصوص المتقدّمة الآمرة بسجدة الطامث اذا سمعت، مضافا الى الأصل؛ لعدم خلوّها عن الخبث غالبا.

قال في الجواهر: «و لايشترط فيها الطهارة من الخبث و الحدث الأصغر و الأكبر عدا الحيض قطعا؛ للأصل و اطلاق النصوص و صريح بعضها. أمّا الحيض فيدلّ على وجوب السجود عليها اذا سمعت آية السجدة خبر أبي بصير و موثّقته و صحيحة أبي عبيدة الحذّاء و مرسل الدعائم، و بها أفتى جماعة، بل قيل انّه المشهور، فما في كشف الرموز من أنّ الوجوب ساقط بلا خلاف كما ترى، و أضعف منه ما في التهذيب و بعض نسخ المقنعة من أنّه لايجوز السجود الاّ لطاهر من النجاسات بلا خلاف، اذ لانعرف له مستندا في غير الحيض يعارض اطلاق النصوص و معاقد الاجماعات بل و لا فيه الاّ صحيح عبدالرحمن بن أبي عبداللّه و خبر غياث (المتقدّمين آنفا)، و هما - مع موافقتهما للتقيّة من أكثر الجمهور كما في


1) - وسائل الشيعة 2: 341 / الباب 36 من أبواب الحيض / الحديث 4.

2) - وسائل الشيعة 2: 342 / الباب 36 من أبواب الحيض / الحديث 5.

3) - نفس المصدر.

المنتهى، و قصور سند الثاني، و احتمال الأوّل للانكار، و النهي عن سبب السجود، و التخصيص بغير العزائم، و بالسماع دون الاستماع على أن يراد بالنهي حينئذ رفع الوجوب - قاصران عن مقاومة ما ذكرنا من وجوه - الى أن قال: - و لذا قال في المنتهى: لايفتقر الى طهارة بل يجوز السجود للجنب و المحدث و الحائض، و عليه فتوى علمائنا. انتهى ملخّصا».(1)

و ثالثا: لايعتبر فيه الاستقبال لاطلاق النصوص الآمرة بالسجود لمن قرأ آية السجدة أو أصغى اليها، مضافا الى الأصل.

و لعلّه لا خلاف في ذلك.

قال في الجواهر: «بلا خلاف أجده فيه؛ للأصل و اطلاق النصوص و الفتاوى و معاقد الاجماعات. انتهى».(2)

و أمّا مرسلة الدعائم:

«اذا قرأت السجدة و أنت جالس فاسجد متوجّها الى القبلة، و اذا قرأتها و أنت راكب فاسجد حيث توجّهت، فانّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله كان يصلّي على راحلته و هو متوجّه الى المدينة بعد انصرافه من مكّة يعني النافلة. قال: و في ذلك قول اللّه عزّوجلّ: «فأينما تولّوا فثمّ وجه اللّه»».(3)

فانّها مع ضعفها و حملها على الاستحباب مطروحة عند الأصحاب.

قال في الجواهر: «و لم أجد أحدا عمل به، بل ظاهر المنتهى و غيره أنّ ذلك مذهب الجمهور. انتهى».(4)


1) - جواهر الكلام 10: 225 و 226.

2) - نفس المصدر: 227.

3) - مستدرك الوسائل 4: 326 / الباب 42 من أبواب قراءة القرآن / الحديث 1.

4) - جواهر الكلام 10: 228.

و رابعا: لايعتبر فيه طهارة موضع الجبهة، و لا ستر العورة فضلاً عن صفات الساتر من الطهارة و عدم كونه حريرا أو ذهبا أو جلد ميتة، و ذلك للأصل و الاطلاقات. نعم يعتبر أن لايكون لباسه مغصوبا كما مرّ في اعتبار اباحة المكان.

قال في الحدائق: «و أمّا ستر العورة و الطهارة من الخبث و استقبال القبلة فظاهر الأكثر أنّه لا خلاف في عدم اشتراطها. قال في الذكرى: «أمّا ستر العورة و استقبال القبلة فغير شرط، و كذا لايشترط خلوّ البدن و الثوب من النجاسة لاطلاق الأمر بها فالتقييد خلاف الأصل». انتهى».(1)

(مسألة 17): ليس في هذا السجود تشهّد و لا تسليم و لا تكبير افتتاح، نعم يستحبّ التكبير للرفع منه، بل الأحوط عدم تركه.

الشرح:

ليس في سجدة العزائم تشهّد و لا تسليم؛ للأصل و اطلاق الأوامر الواردة في سجدة العزائم، و ليس فيها تكبيرة الافتتاح بل لايشرع للنهي في صحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«اذا قرأت شيئا من العزائم التي يسجد فيها فلاتكبّر قبل سجودك ولكن تكبّر حين ترفع رأسك».(2)

و أمّا التكبير للرفع منه فمستحبّ جمعا بين الروايات الواردة في الأمر بالتكبير حين رفع الرأس من السجود كصحيحة عبداللّه بن سنان و غيرها و بين موثّقة عمّار الساباطي قال:

«سئل أبو عبداللّه عليه السلام عن الرجل اذا قرأ العزائم كيف يصنع؟ قال: ليس


1) - الحدائق الناضرة 8: 308.

2) - وسائل الشيعة 6: 239 / الباب 42 من أبواب قراءة القرآن / الحديث 1.

فيها تكبير اذا سجدت و لا اذا قمت ولكن اذا سجدت قلت ما تقول في السجود».(1)

قال في الجواهر: «و ليس في شيء من السجدات واجبها و مندوبها تكبير افتتاح و لا تشهّد و لا تسليم بلا خلاف أجده فيه بيننا؛ للأصل و اطلاق الأدلّة، و النهي في النصوص عن الأوّل أو كالنهي معرضا بها للعامّة، نعم يمكن القول باستحبابه للرفع منه؛ للأمر به في صحيح ابن سنان و المروي في المعتبر، بل في الحدائق أنّ ظاهر المبسوط و الذكرى الوجوب، بل قيل انّه محتمل الأمالي و الخلاف و جامع الشرائع و البيان، بل في الأوّل منها أنّه من دين الاماميّة، و ظنّي أنّ مراد الجميع الندب، جمعا بين النصوص الآمرة و بين الأصل و اطلاق الأدلّة و خبر الساباطي. انتهى ملخّصا».(2)

في ذكر سجود الآية

(مسألة 18): يكفي فيه مجرّد السجود، فلايجب فيه الذكر و ان كان يستحبّ، و يكفي في وظيفة الاستحباب كلّما كان، ولكن الأولى أن يقول: «سجدت لك تعبّدا و رقّا لا مستكبرا عن عبادتك و لا مستنكفا و لا مستعظما بل أنا عبد ذليل خائف مستجير»(3)أو يقول: «لا اله الاّ اللّه حقّا حقّا لا اله الاّ اللّه ايمانا و تصديقا لا اله الاّ اللّه عبوديّة و رقّا سجدت لك يا ربّ تعبّدا و رقّا لا مستنكفا و لا مستكبرا بل أنا عبد ذليل خائف مستجير»(4)أو يقول: «الهي آمنّا بما كفروا و عرفنا ما أنكروا و أجبناك الى ما دعوا الهي العفو العفو»(5)أو يقول ما قاله النبي صلى الله عليه و آله في سجود سورة العلق و هو: «أعوذ برضاك من


1) - وسائل الشيعة 6: 246 / الباب 46 من أبواب قراءة القرآن / الحديث 3.

2) - جواهر الكلام 10: 224.

3) - وسائل الشيعة 6: 245 / الباب 46 من أبواب قراءة القرآن / الحديث 1.

4) - وسائل الشيعة 6: 245 / الباب 46 من أبواب قراءة القرآن / الحديث 2.

5) - مستدرك الوسائل 4: 321 / الباب 39 من أبواب قراءة القرآن / الحديث 1.

سخطك و بمعافاتك من عقوبتك و أعوذ بك منك لاأحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك»(1).

الشرح:

الظاهر عدم نقل القول بوجوب الذكر في سجدة التلاوة، و لذلك قال في الحدائق: «يستحبّ الذكر فيها بما تيسّر و أفضله المأثور. و قال في المنتهى: «يستحبّ أن يقول في سجوده: آمنّا بما كفروا و عرفنا منك ما أنكروا ... ». انتهى».(2)فلم ينقل الخلاف من أحد. نعم نقل عن الفقيه أنّه قال: «و من قرأ شيئا من هذه العزائم الأربع فليسجد و ليقل: «الهي آمنّا بما كفروا ... »(3)بصيغة الأمر، الاّ أنّالظاهر من هذا الأمر هو الاستحباب. و لذلك قال في الجواهر (بعد نقل الأذكار المأثورة): «و لعلّ العمل بالجميع أو بأحدها أو بالذكر من غيرها حسن كما لايخفى على من عرف لغة الشرع و لسانه، و لذا لم نخصّ الحكم بسجود العزائم و لا قلنا بوجوبه أيضا فيه و ان كان قد أمر به في كثير من هذه النصوص. انتهى».(4)

قال في المستمسك: «يكفي فيه مجرّد السجود فلايجب فيه الذكر اجماعا كما في المستند، و يعضده التصريح باستحبابه في كلام جماعة مرسلين له ارسال المسلّمات، و عدم نقل القول بوجوبه من أحد. نعم قد يظهر من الأمر به في كلام غير واحد البناء على وجوبه، لكن لايبعد الحمل على الاستحباب للأصل و عدم الدليل على الوجوب. نعم ظاهر جميع الروايات الواردة في ذكر السجدة أو أكثرها و ان كان الوجوب لكن اختلافها ممّا يأبى ذلك، اذ يدور الأمر بين الحمل على وجوب الجميع المقطوع بعدمه، و الحمل على الوجوب التخييري البعيد جدّا عن


1) - مستدرك الوسائل 4: 321 / الباب 39 من أبواب قراءة القرآن / الحديث 2.

2) - الحدائق الناضرة 8: 310.

3) - نفس المصدر: 338.

4) - جواهر الكلام 10: 231.

سياق كلّ واحد، فيتعيّن الحمل على الاستحباب. انتهى ملخّصا».(1)

فيما اذا سمع القراءة مكرّرا و شكّ بين الأقلّ و الأكثر

(مسألة 19): اذا سمع القراءة مكرّرا و شكّ بين الأقلّ و الأكثر يجوز له الاكتفاء في التكرار بالأقلّ. نعم لو علم العدد و شكّ في الاتيان بين الأقلّ و الأكثر وجب الاحتياط بالبناء على الأقلّ أيضا.

اذا كان الشكّ في التكليف فالأصل الجاري البراءة كما اذا سمع القراءة مكرّرا و شكّ بين الأقلّ و الأكثر يبنى على الأقلّ؛ لأنّه المتيقّن و ما زاد عليه مشكوك فيه،و المستمع يشكّ في أنّه هل وجبت عليه السجدة أو لا؟ فالأصل عدم الوجوب.

و أمّا اذا علم العدد و صار مكلّفا به و شكّ فيما أتى به و أنّه هل سجد بذلك العدد أو لا؟ فالأصل الجاري الاشتغال، فيجب عليه تكرار السجود حتّى يتيقّن ببراءة ذمّته.

(مسألة 20): في صورة وجوب التكرار يكفي في صدق التعدّد رفع الجبهة عن الأرض ثمّ الوضع للسجدة الأخرى و لايعتبر الجلوس ثمّ الوضع، بل و لايعتبر رفع سائر المساجد و ان كان أحوط.

أمّا كفاية رفع الجبهة عن الأرض ثمّ الوضع للسجدة الأخرى فلأنّ السجود متقوّم بوضع الجبهة على الأرض، و الهوي مقدّمة له، فيكفي رفع الجبهة عن الأرض بمقدار يصدق السجود بالوضع الثاني عليها. و أمّا عدم اعتبار رفع المساجد فلأنّ حقيقة السجدة وضع الجبهة على الأرض و ان كان يعتبر فيها وضع سائر المساجد الاّ أنّ تكرار السجدة موقوف على وضع الجبهة و رفعها دون سائر المساجد، أي و ان كانت ثابتة.


1) - مستمسك العروة 6: 425 و 426.

في استحباب السجود للشكر

(مسألة 21): يستحبّ السجود للشكر لتجدّد نعمة أو دفع نقمة أو تذكّرهما ممّا كان سابقا، أو للتوفيق لأداء فريضة أو نافلة أو فعل خير و لو مثل الصلح بين اثنين، فقد روي عن بعض الأئمّة عليهم السلام أنّه كان اذا صالح بين اثنين أتى بسجدة الشكر، و يكفي في هذا السجود مجرّد وضع الجبهة مع النيّة. نعم يعتبر فيه اباحة المكان و لايشترط فيه الذكر و ان كان يستحبّ أن يقول: شكرا للّه، أو شكرا شكرا و عفوا عفوا مائة مرّة، أو ثلاث مرّات، و يكفي مرّة واحدة أيضا، و يجوز الاقتصار على سجدة واحدة، و يستحبّمرّتان، و يتحقّق التعدّد بالفصل بينهما بتعفير الخدّين أو الجبينين، أو الجميع مقدّما للأيمن منهما على الأيسر ثمّ وضع الجبهة ثانيا، و يستحبّ فيه افتراش الذراعين و الصاق الجؤجؤ و الصدر و البطن بالأرض، و يستحبّ أيضا أن يمسح موضع سجوده بيده ثمّ امرارها على وجهه و مقاديم بدنه، و يستحبّ أن يقرأ في سجوده ما ورد في حسنة عبداللّه بن جندب عن موسى بن جعفر عليه السلام: «ما أقول في سجدة الشكر فقد اختلف أصحابنا فيه؟ فقال عليه السلام: قل و أنت ساجد: اللّهمّ انّي أشهدك و أشهد ملائكتك و أنبياءك و رسلك و جميع خلقك أنّك أنت اللّه ربّي و الاسلام ديني و محمّد صلى الله عليه و آله نبيّي و علي و الحسن و الحسين ... (الى آخرهم) أئمّتي بهم أتولّى و من أعدائهم أتبرّأ، اللّهمّ انّي أنشدك دم المظلوم (ثلاثا) اللّهمّ انّي أنشدك بايوائك على نفسك لأعدائك لتهلكنّهم بأيدينا و أيدي المؤمنين، اللّهمّ انّي أنشدك بايوائك على نفسك لأوليائك لتظفرنّهم بعدوّك و عدوّهم أن تصلّي على محمّد و على المستحفظين من آل محمّد (ثلاثا) اللّهمّ انّي أسألك اليسر بعد العسر (ثلاثا) ثمّ تضع خدّك الأيمن على الأرض و تقول: يا كهفي حين تعييني المذاهب، و تضيق عليّ الأرض بما رحبت، يا بارئ خلقي رحمة بي و قد كنت عن خلقي غنيّا، صلّ على محمّد و على المستحفظين من آل محمّد، ثمّ تضع

خدّك الأيسر و تقول: يا مذلّ كلّ جبّار و يا معزّ كلّ ذليل، قد و عزّتك بلغ مجهودي (ثلاثا) ثمّ تقول: يا حنّان يا منّان يا كاشف الكرب العظام، ثمّ تعود للسجود فتقول مائة مرّة: شكرا شكرا، ثمّ تسأل حاجتك ان شاء اللّه».(1)و الأحوط وضع الجبهة في هذه السجدة أيضا على ما يصحّ السجود عليه، ووضع سائر المساجد على الأرض، و لابأس بالتكبير قبلها و بعدها لا بقصد الخصوصيّة و الورود.

(مسألة 22): اذا وجد سبب سجود الشكر و كان له مانع من السجود على الأرض فليوم برأسه و يضع خدّه على كفّه، فعن الصادق عليه السلام: «اذا ذكر أحدكم نعمة اللّه عزّوجلّ فليضع خدّه على التراب شكرا للّه، فان كان راكبا فلينزل فليضع خدّه على التراب، و ان لم يكن يقدر على النزول للشهرة فليضع خدّه على قربوسه، فان لم يقدر فليضع خدّه على كفّه ثمّ ليحمد اللّه على ما أنعم عليه»(2)، و يظهر من هذا الخبر تحقّق السجود بوضع الخدّ فقط من دون الجبهة.

في استحباب السجود بقصد التذلّل أو التعظيم للّه تعالى

(مسألة 23): يستحبّ السجود بقصد التذلّل أو التعظيم للّه تعالى، بل من حيث هو راجح و عبادة، بل من أعظم العبادات و آكدها، بل ما عبد اللّه بمثله، و ما من عمل أشدّ على ابليس من أن يرى ابن آدم ساجدا؛ لأنّه أمر بالسجود فعصى و هذا أمر به فأطاع و نجى، و أقرب ما يكون العبد الى اللّه و هو ساجد، و أنّه سنّة الأوّابين. و يستحبّ اطالته، فقد سجد آدم عليه السلام ثلاثة أيّام بلياليها، و سجد علي بن الحسين عليهماالسلام على حجارة خشنة حتّى أحصي عليه ألف مرّة لا اله الاّ اللّه حقّا حقّا لا اله الاّ اللّه تعبّدا و رقّا لا اله الاّ اللّه ايمانا و


1) - مروي في الوسائل (7: 15 / الباب 6 من أبواب سجدتي الشكر / الحديث 1) و في التهذيب (2: 104 / الحديث 416،184) و في الكافي (3: 312 / الباب 191 / الحديث 17) بتفاوت.

2) - وسائل الشيعة 7: 19 / الباب 7 من أبواب سجدتي الشكر / الحديث 3.

تصديقا، و كان الصادق عليه السلام يسجد السجدة حتّى يقال انّه راقد، و كان موسى بن جعفر عليهماالسلام يسجد كلّ يوم بعد طلوع الشمس الى وقت الزوال.

في حرمة السجود لغير اللّه تعالى

(مسألة 24): يحرم السجود لغير اللّه تعالى فانّه غاية الخضوع فيختصّ بمن هو في غاية الكبرياء و العظمة، و سجدة الملائكة لم تكن لآدم بل كانقبلة لهم كما أنّ سجدة يعقوب و ولده لم تكن ليوسف بل للّه تعالى شكرا حيث رأوا ما أعطاه اللّه من الملك فما يفعله سواد الشيعة من صورة السجدة عند قبر أميرالمؤمنين و غيره من الأئمّه عليهم السلام مشكل الاّ أن يقصدوا به سجدة الشكر لتوفيق اللّه تعالى لهم لادراك الزيارة، نعم لايبعد جواز تقبيل العتبة الشريفة.

فصل : في التشهّد

في محلّ وجوبه

اشارة

و هو واجب في الثنائيّة مرّة بعد رفع الرأس من السجدة الأخيرة من الركعة الثانية و في الثلاثيّة و الرباعيّة مرّتين الأولى كما ذكر، و الثانية بعد رفع الرأس من السجدة الثانية في الركعة الأخيرة. و هو واجب غير ركن فلو تركه عمدا بطلت الصلاة و سهوا أتى به ما لم يركع و قضاه بعد الصلاة ان تذكّر بعد الدخول في الركوع مع سجدتي السهو.

الشرح:

قال في الجواهر: «التشهّد من الشهادة و هي الخبر القاطع، و شرعا كما في جامع المقاصد الشهادة بالتوحيد و الرسالة و الصلاة على النبي صلى الله عليه و آله و في المحكي عن الروض أنّه شهادة للّه بالتوحيد و لمحمّد صلى الله عليه و آله بالرسالة، و يطلق على ما يشمل الصلاة على النبي صلى الله عليه و آله تغليبا أو بالنقل. قلت: و هو المراد في عبارات الأصحاب، بل لعلّه كذلك عند الشرع بناءً على ثبوت الحقيقة الشرعيّة التي معيارها الحقيقة

المتشرّعة. انتهى».(1)

و هو واجب في كلّ ثنائيّة مرّة و في الثلاثيّة و الرباعيّة مرّتين، بلا خلاف.

قال في الجواهر: «بلا خلاف أجده فيه بل الاجماع بقسميه عليه، بل المحكي منهما متواترا و في أعلى درجات الاستفاضة كالنصوص بل لعلّه من ضروريّات مذهبنا، نعم يعرف الخلاف في ذلك للشافعي و أبي حنيفة و غيرهما من العامّة، فنفي الأوّل وجوب الأوّل و الثاني وجوبهما، و عن قوم منهم أنّ الثاني غير واجب، و قد ورد في أخبارنا ما يوافق التقيّة. انتهى».(2)

و تدلّ على وجوبه صحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما عليهماالسلام في الرجل يفرغ من صلاته و قد نسي التشهّد حتّى ينصرف، فقال:

«ان كان قريبا رجع الى مكانه فتشهّد، و الاّ طلب مكانا نظيفا فتشهّد فيه، و قال: انّما التشهّد سنّة في الصلاة».(3)

و صحيحة سليمان بن خالد قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل نسي أن يجلس في الركعتين الأوّلتين؟ فقال: ان ذكر قبل أن يركع فليجلس، و ان لم يذكر حتّى يركع فليتمّ الصلاة حتّى اذا فرغ (فليسلّم و ليسجد) سجدتي السهو».(4)

و صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«اذا التفتّ في صلاة مكتوبة من غير فراغ فأعد الصلاة اذا كانالالتفات فاحشا، و ان كنت قد تشهّدت فلاتعد».(5)


1) - جواهر الكلام 10: 245 و 246.

2) - نفس المصدر: 246.

3) - وسائل الشيعة 6: 401 / الباب 7 من أبواب التشهّد / الحديث 2.

4) - وسائل الشيعة 6: 402 / الباب 7 من أبواب التشهّد / الحديث 3.

5) - وسائل الشيعة 6: 424 / الباب 3 من أبواب التسليم / الحديث 4.

و موثّقة عبداللّه بن بكير عن عبدالملك بن عمرو الأحول، عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«التشهّد في الركعتين الأوّلتين: الحمد للّه، أشهد أن لا اله الاّ اللّه وحده لا شريك له، و أشهد أنّ محمّدا عبده ورسوله، اللّهمّ صلّ على محمّد و آل محمّد و تقبّل شفاعته و ارفع درجته».(1)

فرع : في حكم ترك التشهّد

اذا ثبت وجوب التشهّد بالاجماع و الأخبار فقد ثبت جزئيّته، فلو تركه عمدا بطلت الصلاة. و لو تركه سهوا لم تبطل صلاته لحديث «لاتعاد الصلاة الاّ من خمسة: الطهور و الوقت و القبلة و الركوع و السجود - ثمّ قال: - القراءة سنّة و التشهّد سنّة و لاتنقض السنّة الفريضة».(2)

فالتشهّد داخل في المستثنى منه.

نعم، يجب الاتيان به لو تذكّر قبل الركوع، و أمّا اذا تذكّر بعد الركوع فتصحّ صلاته الاّ أنّه يأتي بسجدتي السهو بعد التسليم و ذلك لصحيحة سليمان بن خالد قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل نسي أن يجلس في الركعتينالأوّلتين؟ فقال: ان ذكر قبل أن يركع فليجلس، و ان لم يذكر حتّى يركع فليتمّ الصلاة، حتّى اذا فرغ (فليسلّم و ليسجد) سجدتي السهو».(3)


1) - وسائل الشيعة 6: 393 / الباب 3 من أبواب التشهّد / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 6: 401 / الباب 7 من أبواب التشهّد / الحديث 1.

3) - وسائل الشيعة 6: 402 / الباب 7 من أبواب التشهّد / الحديث 3.

و غيرها من الروايات.

في واجباته

«الأوّل»: الشهادتان

و واجباته سبعة: «الأوّل»: الشهادتان.

الشرح:

تجب الشهادتان في الركعة الثانية من الثنائيّة و فيها و في الركعة الثالثة و الرابعة من الثلاثيّة و الرباعيّة، و الظاهر عدم الخلاف الاّ من الجعفي و الصدوق على ما سيأتي.

قال في الجواهر: «على المشهور بين الأصحاب نقلاً و تحصيلاً، بل في المبسوط و جامع المقاصد لا خلاف فيه بين أصحابنا، بل في الأخير كما عن المنتقى أنّ عليه عمل الأصحاب، بل عن شرح الشيخ نجيب الدين لعلّ الاجماع منعقد على ذلك، بل في الغنية و التذكرة و الذكرى و مجمع البرهان الاجماع عليه. انتهى».(1)

و الدليل على قول المشهور رواية عبدالملك بن عمرو الأحول عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«التشهّد في الركعتين الأوّلتين: الحمد للّه، أشهد أن لا اله الاّ اللّه وحده لا شريك له، و أشهد أنّ محمّدا عبده و رسوله، اللّهمّ صلّ علىمحمّد و آل محمّد و تقبّل شفاعته و ارفع درجته».(2)

و صحيحة محمّد بن مسلم قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: التشهّد في الصلاة؟ قال: مرّتين، قال: قلت: و كيف مرّتين؟ قال: اذا استويت جالسا فقل: أشهد أن لا اله الاّ اللّه


1) - جواهر الكلام 10: 250.

2) - وسائل الشيعة 6: 393 / الباب 3 من أبواب التشهّد / الحديث 1.

وحده لا شريك له، و أشهد أنّ محمّدا عبده و رسوله، ثمّ تنصرف. قال: قلت: قول العبد: التحيّات للّه و الصلوات الطيّبات للّه؟ قال: هذا اللطف من الدعاء يلطف العبد ربّه».(1)

و رواية يعقوب بن شعيب عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«التشهّد في كتاب علي شفع».(2)

و رواية سورة بن كليب قال:

«سألت أبا جعفر عليه السلام عن أدنى ما يجزئ من التشهّد؟ قال: الشهادتان».(3)

هذه الأحاديث - مع ما تقدّم و يأتي - تدلّ على وجوب الشهادتين، و لاتنافي ما سيأتي من وجوب الصلاة على محمّد و آله؛ لأنّ الفرض بيان ما يجب من التشهّد، و قد تقدّم معنى التشهّد و أنّه الشهادتان. و قد ذهب الجعفي في الفاخر الى الاكتفاء بالشهادة الأولى في الركعتين الأوّلتين. و يمكن أن يستدلّ له بصحيحة زرارة قال:

«قلت لأبي جعفر عليه السلام: ما يجزي من القول في التشهّد في الركعتينالأوّلتين؟ قال: أن تقول: أشهد أن لا اله الاّ اللّه وحده لا شريك له، قلت: فما يجزي من تشهّد الركعتين الأخيرتين؟ فقال: الشهادتان».(4)

ولكن فيه: انّه لايبعد أن تكون الصحيحة ناظرة الى بيان عدم وجوب سائر الأذكار و الأدعية التي وردت في موثّقة أبي بصير الآتية، و أنّ المراد من قوله عليه السلام


1) - وسائل الشيعة 6: 397 / الباب 4 من أبواب التشهّد / الحديث 4.

2) - وسائل الشيعة 6: 398 / الباب 4 من أبواب التشهّد / الحديث 5.

3) - وسائل الشيعة 6: 398 / الباب 4 من أبواب التشهّد / الحديث 6.

4) - وسائل الشيعة 6: 396 / الباب 4 من أبواب التشهّد / الحديث 1.

«أشهد أن لا اله الاّ اللّه وحده لا شريك له» مجموع الشهادتين المعهودتين، و هذا النحو من الاستعمال بأن يذكر أوّل الكلام و يراد به تمامه المعهود في ذهن المخاطب دارج في الاستعمالات. و عليه فجوابه عليه السلام في الموثّقة بقوله عليه السلام «الشهادتان» ليس للفرق بين التشهّد الأوّل و الثاني، بل ردّا لما توهّمه السائل من الفرق، و تكشف عن ذلك صحيحة البزنطي قال:

«قلت لأبي الحسن عليه السلام: جعلت فداك، التشهّد الذي في الثانية يجزي أن أقول في الرابعة؟ قال: نعم».(1)

و أمّا ما نسب الى الصدوق في المقنع من الاجتزاء بقول «بسم اللّه و باللّه» بدل الشهادتين فلم يعرف له مستند، نعم هناك روايتان يظهر منهما الاجتزاء بقول «بسم اللّه» من دون اضافة «و باللّه»: احداهما موثّقة عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«ان نسي الرجل التشهّد في الصلاة فذكر أنّه قال «بسم اللّه» فقط فقد جازت صلاته، و ان لم يذكر شيئا من التشهّد أعاد الصلاة».(2)

و ثانيتهما رواية علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام قال:

«سألته عن رجل ترك التشهّد حتّى سلّم، كيف يصنع؟ قال: ان ذكرقبل أن يسلّم فليتشهّد و عليه سجدتا السهو، و ان ذكر أنّه قال: «أشهد أن لا اله الاّ اللّه» أو «بسم اللّه» أجزأه في صلاته، و ان لم يتكلّم بقليل و لا كثير حتّى يسلّم أعاد الصلاة».(3)

و هما كما ترى لايمكن أن يكونا مستندا لفتوى الصدوق رحمه الله؛ لاختلافهما لما نسب اليه، مع أنّ موردهما نسيان التشهّد، و قول الصدوق في العمد.

و أمّا توجيه الروايتين، فقال في الحدائق: «انّ المراد أنّه متى ذكر أنّه قال:


1) - وسائل الشيعة 6: 397 / الباب 4 من أبواب التشهّد / الحديث 3.

2) - وسائل الشيعة 6: 403 / الباب 7 من أبواب التشهّد / الحديث 7.

3) - وسائل الشيعة 6: 404 / الباب 7 من أبواب التشهّد / الحديث 8.

«أشهد أن لا اله الاّ اللّه» أو ذكر أنّه قال: «بسم اللّه» فانّه يبني على وقوع التشهّد بمعنى أنّه يبعد بعد الشروع فيه ببعض هذه العبارات أن يترك باقيه نسيانا و يسهو عنه، أمّا لو علم أنّه لم يتكلّم بقليل و لا كثير فانّ السهو عنه ممكن و حكمه عليه السلام حينئذ باعادة الصلاة محمول على حصول المنافي في البين بمعنى حصول ما يبطل الصلاة عمدا و سهوا فانّ الواجب هو الاعادة. انتهى».(1)

أقول:

ما احتمله صاحب الحدائق في توجيه الروايتين حسن الاّ أنّ ذيله توجيه بعيد. و الأحسن حملهما و نظائرهما على التقيّة؛ لأنّ عدّة منهم ذهبوا الى استحباب التشهّد، و المستحبّ يتسامح فيه غالبا.

و في هامش الحدائق قال: «ذهب مالك و أبو حنيفة و جماعة الى أنّ التشهّد ليس بواجب. و ذهب الشافعي و أحمد و أبو داوود الى وجوبه - الى أن قال: - و قال أحمد: الأوّل واجب يجبر تركه بسجود السهو و الثاني ركن تبطل الصلاة بتركه. انتهى».(2)

و قد وردت روايتان على اجزاء الحمد للّه، احداهما: رواية حبيب الخثعمي عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«اذا جلس الرجل للتشهّد فحمد اللّه أجزأه».(3)

ثانيتهما: رواية بكر بن حبيب قال:

«سألت أبا جعفر عليه السلام عن التشهّد؟ فقال: لو كان كما يقولون واجبا على الناس هلكوا، انّما كان القوم يقولون أيسر ما يعلمون، اذا


1) - الحدائق الناضرة 8: 411.

2) - نفس المصدر: 408.

3) - وسائل الشيعة 6: 399 / الباب 5 من أبواب التشهّد / الحديث 2.

حمدت اللّه أجزأ عنك».(1)

و قال في الوسائل نقلاً عن الذكرى: «ذكر الشهيد في الذكرى أنّه موافق لكثير من العامّة. انتهى».

«الثاني»: الصلاة على محمّد و آل محمّد عليهم السلام

اشارة

«الثاني»: الصلاة على محمّد و آل محمّد فيقول: أشهد أن لا اله الاّ اللّه وحده لا شريك له و أشهد أنّ محمّدا عبده و رسوله اللّهمّ صلّ على محمّد و آل محمّد. و يجزي على الأقوى أن يقول: أشهد أن لا اله الاّ اللّه و أشهد أنّ محمّدا رسول اللّه اللّهمّ صلّ على محمّد و آل محمّد.

الشرح:

الظاهر أنّه لا اشكال في وجوب الصلاة على محمّد و آل محمّد عليهم السلام عقيب التشهّد.

قال في الجواهر: «بلا خلاف محقّق أجده فيه، بل في الغنية و التذكرة والمنتهى و الذكرى و كنز العرفان، و عن المعتبر و الحبل المتين و غيرها الاجماع عليهما صريحا، و نفي الخلاف عنه في المبسوط و غيره - الى أن قال: - و في كشف الحقّ اجماع الاماميّة على وجوب الصلاة على النبي و آله عليهم السلام في التشهّدين، و كيف كان فيمكن تحصيل اتّفاق الأصحاب على ذلك، اذ لم يحك فيه خلاف الاّ من الصدوق و والده و ابن الجنيد، و ان كان المحكي عن أماليه أنّ من دين الاماميّة الاقرار بأنّه يجزي في التشهّد الشهادتان و الصلاة على النبي و آله عليهم السلام، و والده رئيس الاماميّة باعتقاده، و كلامه نصب عينيه. و أمّا ابن الجنيد فلم يصل الينا كلامه و ليس النقل كالعيان. انتهى ملخّصا».(2)


1) - وسائل الشيعة 6: 399 / الباب 5 من أبواب التشهّد / الحديث 3.

2) - جواهر الكلام 10: 253 و 254.

و تدلّ عليه مضافا الى اتّفاق العلماء و سيرتهم القطعيّة بل سيرة المتشرّعة روايات، منها رواية عبدالملك بن عمرو الأحول أو موثّقته عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«التشهّد في الركعتين الأوّلتين: الحمد للّه، أشهد أن لا اله الاّ اللّه وحده لا شريك له و أشهد أنّ محمّدا عبده و رسوله اللّهمّ صلّ على محمّد و آل محمّد، و تقبّل شفاعته و ارفع درجته».(1)

و موثّقة أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«اذا جلست في الركعة الثانية فقل: «بسم اللّه و باللّه و الحمد للّه و خير الأسماء للّه، أشهد أن لا اله الاّ اللّه وحده لا شريك له و أنّ محمّدا عبده و رسوله أرسله بالحقّ بشيرا و نذيرا بين يدي الساعة، أشهد أنّك نعم الربّ و أنّ محمّدا نعم الرسول، اللّهمّ صلّ على محمّد و آل محمّد. الحديث».(2)

و هكذا يكون في الرابعة مع زيادة على ما في الثانية. و اشتمالهما على المستحبّات لايضرّ بوجوب الباقي لأنّ البعض المخرج من الوجوب بدليل خارج.

و تدلّ عليه أيضا صحيحة أبي بصير و زرارة جميعا قالا (في حديث):

«قال أبو عبداللّه عليه السلام: انّ الصلاة على النبي صلى الله عليه و آله من تمام الصلاة (اذا تركها متعمّدا) فلا صلاة له، اذا ترك الصلاة على النبي صلى الله عليه و آله ».(3)

و صحيحتهما الثانية عن أبي عبداللّه عليه السلام أنّه قال:

«من تمام الصوم اعطاء الزكاة، كما أنّ الصلاة على النبي صلى الله عليه و آله من تمام الصلاة، و من صام و لم يؤدّها فلا صوم له اذا تركها متعمّدا، و من


1) - وسائل الشيعة 6: 393 / الباب 3 من أبواب التشهّد / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 6: 393 / الباب 3 من أبواب التشهّد / الحديث 2.

3) - وسائل الشيعة 6: 407 / الباب 10 من أبواب التشهّد / الحديث 1.

صلّى و لم يصلّ على النبي صلى الله عليه و آله و ترك ذلك متعمّدا فلا صلاة له، انّ اللّه تعالى بدأ بها فقال: «قد أفلح من تزكّى و ذكر اسم ربّه فصلّى»».(1)

أضف الى هاتين الصحيحتين الروايات الواردة في الباب الثاني و الأربعين من أبواب الذكر في الوسائل(2)بأنّ الصلاة على النبي صلى الله عليه و آله من دون أهل بيته بتراء و ظلم عليهم، و لم يجد ريح الجنّة، و لايزال محجوبا حتّى يلحق بالنبي صلى الله عليه و آله أهل بيته.

ثمّ اعلم أنّه و ان لم يذكر في هذه الروايات محلّ الصلاة على النبي و آله عليهم السلامالاّ أنّه بقرينة الروايات المتقدّمة و السيرة القطعيّة الكاشفة عن سيرة الأئمّة الأطهار عليهم السلام و اتّفاق العلماء، يستفاد أنّ محلّها بعد الشهادتين في الركعة الثانية والرابعة أو الثالثة.

قال في الجواهر: «و على كلّ حال فقد بان لك بحمد اللّه ضعف ما سمعته من القول بعدم وجوب الصلاتين في التشهّدين لو كان، كيف و قد جعله العلاّمة في كشف الحقّ من بدع العامّة و مخالفاتهم لرسول اللّه صلى الله عليه و آله و أضعف من ذلك الاستناد بالأصل المقطوع بما عرفت، و بظهور بعض المعتبرة التي مرّ بعضها في الاجتزاء بالشهادتين الذي يحتمل ارادة الاجتزاء بهما من حيث الشهادتين لا من حيث أمر آخر كالصلاة. و قد عرفت أيضا ضعف ما يقال من الاجتزاء بالصلاة على النبي صلى الله عليه و آله دون الآل كبعض النصوص السابقة، اذ هو معلوم البطلان في مذهب الشيعة، و انّما هو ينسب الى بعض العامّة مع أنّهم رووا عن كعب الأحبار أنّه قال للنبي صلى الله عليه و آله عند نزول آية «انّ اللّه و ملائكته يصلّون على النبي يا أيّها الذين


1) - وسائل الشيعة 6: 407 / الباب 10 من أبواب التشهّد / الحديث 2.

2) - وسائل الشيعة 7: 201.

آمنوا صلّوا عليه و سلّموا تسليما»(1): «قد عرفنا السلام عليك يا رسول اللّه فكيف الصلاة؟ قال: اللّهمّ صلّ على محمّد و آل محمّد». و نقل في مفتاح الكرامة عن العلاّمة الطباطبائي أنّه وجد هذا الخبر بعدّة طرق من طرقهم. و في العيون عن الرضا عليه السلام في مجلس له مع المأمون بعد نقل الرواية قال: «فهل بينكم معاشر الناس في هذا خلاف؟ قالوا: لا، قال المأمون: هذا لا خلاف فيه أصلاً و عليه اجماع الأمّة». و رووا عن جابر الجعفي عن أبي جعفر عليه السلام عن ابن مسعود قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله : «من صلّى صلاة و لم يصلّ عليّ و على أهل بيتي لم تقبل صلاته». بل عن المتعصّب منهم، صاحب الصواعق المحرقة عن النبي صلى الله عليه و آله النهي عن الصلاة البتراء أي المتروك فيها ذكر الآل. انتهى ملخّصا».(2)

و الواجب في التشهّد هذه الكيفيّة من الصلاة و هي «اللّهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد» كما صرّح به بعضهم، بل هو الأشهر بل المشهور بل في المنتهى الاجماع على ذلك، كما في الجواهر(3). فلايجزي حينئذ ابدال الظاهر بالضمير بأن يقال «اللّهمّ صلّ على محمّد و آله» و لا الفصل بعلى بأن يقال «اللّهمّ صلّ على محمّد و على آل محمّد» و الدليل على الكيفيّة المخصوصة روايتا عبدالملك بن عمرو الأحول و أبي بصير المتقدّمتان.

و أمّا الروايات التي ظاهرها التعارض لروايتي أبي بصير و عبدالملك فتؤوّل أو تحمل على التقيّة و لا بأس بذكرها:

منها صحيحة الفضلاء عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«اذا فرغ من الشهادتين فقد مضت صلاته، فان كان مستعجلاً في أمر


1) - الأحزاب 33: 56.

2) - جواهر الكلام 10: 260 - 262.

3) - نفس المصدر: 262.

يخاف أن يفوته فسلّم و انصرف أجزأه».(1)

و منها صحيحة زرارة قال:

«قلت لأبي جعفر عليه السلام: ما يجزي من القول في التشهّد في الركعتين الأوّلتين؟ قال: أن تقول: أشهد أن لا اله الاّ اللّه وحده لا شريك له، قلت: فما يجزي من تشهّد الركعتين الأخيرتين؟ فقال: الشهادتان».(2)

و منها صحيحة محمّد بن مسلم قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: التشهّد في الصلاة؟ قال: مرّتين، قال: قلت: و كيف مرّتين؟ قال: اذا استويت جالسا فقل: أشهد أن لا اله الاّ اللّه وحده لا شريك له و أشهد أنّ محمّدا عبده و رسوله ثمّ تنصرف،قال: قلت: قول العبد: التحيّات للّه و الصلوات الطيّبات للّه؟ قال: هذا اللطف من الدعاء يلطف العبد ربّه».(3)

فيقال فيها أوّلاً: انّ هذه الصحاح مطلقة و ما تقدّم من الدليل على وجوب الصلاة على النبي و آله مقيّد لها.

و ثانيا: يمكن أن يستفاد منها و غيرها أنّ الشهادتين اسم لما يشمل الصلاة على النبي و آله عليهم السلام و أنّها جزء من التشهّد و معتبرة في كيفيّته. و عليه فلا يتحقّق الفراغ من الشهادتين الاّ بالفراغ من الصلاة. و أمّا التعبير بالاجزاء فيها فالظاهر أنّ المراد الاجزاء عن بقيّة الأدعية و الأذكار لا عن الصلاة على النبي و آله عليهم السلام.

و منها صحيحة أخرى لزرارة عن أبي جعفر عليه السلام في الرجل يحدث بعد أن يرفع رأسه في السجدة الأخيرة و قبل أن يتشهّد، قال:


1) - وسائل الشيعة 6: 397 / الباب 4 من أبواب التشهّد / الحديث 2.

2) - وسائل الشيعة 6: 396 / الباب 4 من أبواب التشهّد / الحديث 1.

3) - وسائل الشيعة 6: 397 / الباب 4 من أبواب التشهّد / الحديث 4.

«ينصرف فيتوضّأ فان شاء رجع الى المسجد و ان شاء ففي بيته و ان شاء حيث شاء قعد فيتشهّد ثمّ يسلّم، و ان كان الحدث بعد الشهادتين فقد مضت صلاته».(1)

و منها موثّقة عبيد بن زرارة قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: الرجل يحدث بعدما يرفع رأسه من السجود الأخير؟ فقال: تمّت صلاته، و انّما التشهّد سنّة في الصلاة، فيتوضّأ و يجلس مكانه أو مكانا نظيفا فيتشهّد».(2)

و منها رواية ابن مسكان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«سئل عن رجل صلّى الفريضة فلمّا رفع رأسه من السجدة الثانية منالركعة الرابعة أحدث؟ فقال: أمّا صلاته فقد مضت، و أمّا التشهّد فسنّة في الصلاة فليتوضّأ و ليعد الى مجلسه أو مكان نظيف فيتشهّد».(3)

فنقول:

أمّا في صحيحة زرارة فالاستشهاد انّما هو بالفقرة الأخيرة حيث دلّت على عدم قادحيّة الحدث الواقع بعد الشهادتين المنافي لوجوب الصلاة على النبي و آله عليهم السلام. ففيه أوّلاً: انّ دلالتها انّما هي بالاطلاق و هو قابل للتقييد بوقوع الحدث بعد الصلاة عليه و عليهم. و ثانيا: انّه لا مجال للعمل بها و بروايتي عبيد بن زرارة و ابن مسكان و ما يحذو حذوهما، لدلالتها على قدح الحدث الواقع أثناء الصلاة و قبل التسليم فتنافيها النصوص الدالّة على القدح و انّ المخرج هو السلام منحصرا. فلا مناص من حملها على التقيّة لموافقتها أشهر مذاهب العامّة. فالمتحصّل ممّا


1) - وسائل الشيعة 6: 410 / الباب 13 من أبواب التشهّد / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 6: 411 / الباب 13 من أبواب التشهّد / الحديث 2.

3) - وسائل الشيعة 6: 411 / الباب 13 من أبواب التشهّد / الحديث 3.

تقدّم أنّ المتعيّن أن يقول بعد التشهّد: «اللّهمّ صلّ على محمّد و آل محمّد» و انّ النصوص المذكورة المتقدّمة آنفا غير قابلة للاعتماد عليها في نفي الوجوب.

فرع : في كيفيّة التشهّد

قال في الشرائع: «و صورتهما: أشهد أن لا اله الاّ اللّه وحده لا شريك له، و أشهد أنّ محمّدا رسول اللّه، ثمّ يأتي بالصلاة على النبي و آله. انتهى».(1)

و قال في المدارك: «المشهور بين الأصحاب انحصار الواجب من التشهّد فيما ذكره المصنّف و أنّه لايجب ما زاد عنه و لايجزئ ما دونه - الى أن قال: - و قيل: انّ الواجب في التشهّد: أشهد أن لا اله الاّ اللّه وحده لا شريك له و أشهد أنّ محمّدا عبده و رسوله اللّهمّ صلّ على محمّد و آل محمّد. و هذه الصورة مجزئة بالاجماع. انتهى».(2)

أقول:

الظاهر عدم الخلاف في اجزاء التشهّد بهذه الصورة: «أشهد أن لا اله الاّ اللّه وحده لا شريك له و أشهد أنّ محمّدا عبده و رسوله اللّهمّ صلّ على محمّد و آل محمّد».

و يدلّ على ذلك رواية عبدالملك بن عمرو الأحول و موثّقة أبي بصير المتقدّمتان و كذا صحيحة محمّد بن مسلم قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: التشهّد في الصلاة؟ قال: مرّتين، قال: قلت: و كيف مرّتين؟ قال: اذا استويت جالسا فقل: أشهد أن لا اله الاّ اللّه


1) - شرائع الاسلام 1: 88.

2) - مدارك الأحكام 3: 426.

وحده لا شريك له و أشهد أنّ محمّدا عبده و رسوله ثمّ تنصرف. الحديث».(1)

و الجمع بين الصحيحة و الروايتين يكون هكذا: ثمّ تنصرف أي تفرغ من الشهادتين و تقول: «اللّهمّ صلّ على محمّد و آل محمّد».

و استُدلّ لما ذهب اليه الماتن من اجزاء أن يقول: «أشهد أن لا اله الاّ اللّه و أشهد أنّ محمّدا رسول اللّه اللّهمّ صلّ على محمّد و آل محمّد» بمطلقات النصوص واطلاق الفتاوى و البراءة.

أمّا النصوص فمنها صحيحة الفضلاء عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«اذا فرغ من الشهادتين فقد مضت صلاته. الحديث».(2)

و منها صحيحة زرارة (في حديث):

«قلت: فما يجزي من تشهّد الركعتين الأخيرتين؟ فقال: الشهادتان».(3)

و منها رواية سورة بن كليب قال:

«سألت أبا جعفر عليه السلام عن أدنى ما يجزئ من التشهّد؟ قال: الشهادتان».(4)

و فيه أوّلاً: انّ هذه الروايات مطلقة تقيّد بما تقدّم من نحو صحيحة محمّد بن مسلم و غيرها.

و ثانيا: انّ الالف و اللام في كلمة «الشهادتان» للعهد، أي التشهّدين اللذين هما معهودان في عمل المتشرّعين.


1) - وسائل الشيعة 6: 397 / الباب 4 من أبواب التشهّد / الحديث 4.

2) - وسائل الشيعة 6: 397 / الباب 4 من أبواب التشهّد / الحديث 2.

3) - وسائل الشيعة 6: 396 / الباب 4 من أبواب التشهّد / الحديث 1.

4) - وسائل الشيعة 6: 398 / الباب 4 من أبواب التشهّد / الحديث 6.

و استدلّ أيضا بروايتين: احداهما رواية الحسن بن الجهم قال:

«سألته (يعني أبا الحسن عليه السلام) عن رجل صلّى الظهر أو العصر فأحدث حين جلس في الرابعة؟ قال: ان كان قال: أشهد أن لا اله الاّ اللّه و أشهد أنّ محمّدا صلى الله عليه و آله رسول اللّه فلايعد، و ان كان لم يتشهّد قبل أن يحدث فليعد».(1)

و فيه أوّلاً: في سندها عباد بن سليمان فانّه لم يوثّق في كتب الرجال.

و ثانيا: في نسخة التهذيب و كذا الاستبصار لم يتكرّر لفظ الشهادة. ففيهما هكذا ثبت: «ان كان قال: أشهد أن لا اله الاّ اللّه و أنّ محمّدا رسول اللّه فلايعيد (فلايعد)».(2)

قال في مستند العروة: «لم ينقل القول بجواز حذف لفظ الشهادة من الثانية عن أحد من الأصحاب عدا ما ينسب الى العلاّمة في القواعد، و لاينبغي القول به فانّ العاري عن التكرار شهادة واحدة متعلّقة بأمرين لا شهادتان، و لا شكّ في وجوب الشهادتين في التشهّد نصّا و فتوىً. انتهى».(3)

و ثانيتهما رواية اسحاق بن عمّار الواردة في كيفيّة صلاة رسول اللّه صلى الله عليه و آله في المعراج و فيها:

« ... ثمّ قال له: ارفع رأسك ثبّتك اللّه و اشهد أن لا اله الاّ اللّه و أنّ محمّدا صلى الله عليه و آله رسول اللّه».(4)

و فيه: انّ هذه الرواية ضعيفة الدلالة اذ لم يذكر فيها كيفيّة شهادة رسول اللّه صلى الله عليه و آله بوحدانيّته تعالى و رسالته صلى الله عليه و آله .


1) - وسائل الشيعة 7: 234 / الباب 1 من أبواب قواطع الصلاة / الحديث 6.

2) - تهذيب الأحكام 2: 332 / الحديث 1467 - الاستبصار 1: 401 / الحديث 2.

3) - مستند العروة 4: 283.

4) - وسائل الشيعة 5: 469 / الباب 1 من أبواب أفعال الصلاة / الحديث 11.

و أمّا الاستدلال بالبراءة ففيه: انّ الأصل لايجري مع وجود الدليل و قد تقدّم الدليل على التشهّد بالكيفيّة الخاصّة.

و أمّا فتوى الفقهاء فلعلّ مرادهم بالشهادتين هو المذكور في صحيحة محمّد بن مسلم المتقدّمة و غيرها.

«الثالث»: الجلوس بمقدار الذكر

«الثالث»: الجلوس بمقدار الذكر المذكور.

الشرح:

يجب الجلوس بمقدار الشهادتين و الصلاة على النبي و آله عليهم السلام، بلا اشكال و لا خلاف.

قال في المدارك: «لا ريب في وجوب ذلك؛ للاجماع و التأسّي و الأخبار المستفيضة. انتهى».(1)

و قال في الجواهر: «بلا خلاف أجده فيه، بل الاجماع بقسميه و النصوص دالّة عليه. انتهى».(2)

و أمّا النصوص الدالّة عليه، فمنها موثّقة أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«اذا جلست في الركعة الثانية فقل ... الحديث».(3)

و منها صحيحة زرارة قال:

«قال أبو جعفر عليه السلام: لا بأس بالاقعاء فيما بين السجدتين، و لاينبغي الاقعاء في موضع التشهّد، انّما التشهّد في الجلوس و ليس المقعي بجالس».(4)


1) - مدارك الأحكام 3: 425.

2) - جواهر الكلام 10: 248.

3) - وسائل الشيعة 6: 393 / الباب 3 من أبواب التشهّد / الحديث 2.

4) - وسائل الشيعة 6: 391 / الباب 1 من أبواب التشهّد / الحديث 1.

و منها صحيحة سليمان بن خالد قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل نسي أن يجلس في الركعتين الأوّلتين؟ فقال: ان ذكر قبل أن يركع فليجلس. الحديث».(1)

و منها صحيحة عبداللّه بن أبي يعفور:

« ... فقال: ان ذكر و هو قائم في الثالثة فليجلس. الحديث».(2)

و منها صحيحة محمّد بن مسلم قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: التشهّد في الصلاة؟ قال: مرّتين. قال: قلت: و كيف مرّتين؟ قال: اذا استويت جالسا فقل: أشهد أن لا اله الاّ اللّه وحده لا شريك له و أشهد أنّ محمّدا عبده و رسوله. الحديث».(3)

و لاتعارضها رواية عبداللّه بن حبيب بن جندب قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: انّي أصلّي المغرب مع هؤلاء فأعيدها فأخاف أن يتفقّدوني؟ قال: اذا صلّيت الثالثة فمكّن في الأرض أليتيك ثمّ انهض و تشهّد و أنت قائم ثمّ اركع و اسجد فانّهم يحسبون أنّها نافلة».(4)

لأنّها مع ضعفها وردت مورد التقيّة.

«الرابع»: الطمأنينة

«الرابع»: الطمأنينة فيه.

تجب الطمأنينة في التشهّد حال كونه جالسا و قد تقدّم الدليل عليه في تكبيرة الاحرام و القراءة و ذكر الركوع و السجود.


1) - وسائل الشيعة 6: 402 / الباب 7 من أبواب التشهّد / الحديث 3.

2) - وسائل الشيعة 6: 403 / الباب 7 من أبواب التشهّد / الحديث 4.

3) - وسائل الشيعة 6: 397 / الباب 4 من أبواب التشهّد / الحديث 4.

4) - وسائل الشيعة 6: 392 / الباب 2 من أبواب التشهّد / الحديث 1.

قال في المستمسك: «بلا خلاف كما عن مجمع البرهان، بل اجماعا كما عن جامع المقاصد و المفاتيح و ظاهر كشف الحقّ و غيرها، و هو العمدة فيه كما سبقفي نظيره. انتهى».(1)

«الخامس»: الترتيب

«الخامس»: الترتيب بتقديم الشهادة الأولى على الثانية و هما على الصلاة على محمّد و آل محمّد كما ذكر.

الدليل على وجوب الترتيب المذكور في المتن موثّقة أبي بصير و رواية عبدالملك بن عمرو الأحول المتقدّمتان. ففي الثانية عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«التشهّد في الركعتين الأوّلتين: الحمد للّه، أشهد أن لا اله الاّ اللّه وحده لا شريك له و أشهد أنّ محمّدا عبده و رسوله اللّهمّ صلّ على محمّد و آل محمّد و تقبّل شفاعته و ارفع درجته».(2)

«السادس»: الموالاة

«السادس»: الموالاة بين الفقرات و الكلمات و الحروف بحيث لايخرج عن الصدق.

«السابع»: المحافظة على الوجه الصحيح العربي

«السابع»: المحافظة على تأديتها على الوجه الصحيح العربي في الحركات و السكنات و أداء الحروف و الكلمات.

تقدّم في بحث القراءة دليل وجوب الموالاة بين الفقرات و الكلمات و كذا الدليل على وجوب المحافظة على تأدية الحروف و الكلمات على الوجه الصحيح العربي فراجع.


1) - مستمسك العروة 6: 442.

2) - وسائل الشيعة 6: 393 / الباب 3 من أبواب التشهّد / الحديث 1.

في وجوب الشهادتين و الصلاة بألفاظها المتعارفة

(مسألة 1): لابدّ من ذكر الشهادتين و الصلاة بألفاظها المتعارفة، فلايجزي غيرها و ان أفاد معناها، مثلما اذا قال بدل «أشهد»: «أعلم» أو «أقرّ» أو «أعترف» و هكذا في غيره.

الدليل على ذلك النصوص التي تقدّمت في كيفيّة التشهّد.

في كيفيّة الجلوس في التشهّد

(مسألة 2): يجزي الجلوس فيه بأيّ كيفيّة كان و لو اقعاءً و ان كان الأحوط تركه.

الشرح:

قد تقدّم في السجود كراهة الاقعاء بين السجدتين. و أمّا الاقعاء حال التشهّد فالظاهر كراهته أيضا و ذلك لما نقله محمّد بن ادريس في آخر السرائر من كتاب حريز بن عبداللّه عن زرارة قال:

«قال أبو جعفر عليه السلام: لا بأس بالاقعاء فيما بين السجدتين، و لاينبغي الاقعاء في موضع التشهّد، انّما التشهّد في الجلوس و ليس المقعي بجالس».(1)

و رواية عمرو بن جميع قال:

«قال أبو عبداللّه عليه السلام: لا بأس بالاقعاء في الصلاة بين السجدتين و بين الركعة الأولى و الثانية - الى أن قال: - و لايجوز الاقعاء في موضع التشهّدين الاّ من علّة لأنّ المقعي ليس بجالس. الحديث».(2)

فتحمل الروايتان على الكراهة؛ لأنّ قوله عليه السلام فيهما «المقعي ليس بجالس» مجاز و لو كان حقيقة لينهى عنه مطلقا حتّى بين السجدتين؛ لأنّ الجلوس بين


1) - وسائل الشيعة 6: 391 / الباب 1 من أبواب التشهّد / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 6: 349 / الباب 6 من أبواب السجود / الحديث 6.

السجدتين واجب. و الشاهد على ذلك الحمل مضافا الى ما مرّ، قوله عليه السلام في صحيحة زرارة:

« ... و ايّاك و القعود على قدميك فتتأذّى بذلك، و لاتكون قاعدا على الأرض فيكون انّما قعد بعضك على بعض فلاتصبر للتشهّد و الدعاء».(1)

فيمن لايعلم الذكر

(مسألة 3): من لايعلم الذكر يجب عليه التعلّم و قبله يتبع غيره فيلقّنه، و لو عجز و لم يكن من يلقّنه أو كان الوقت ضيقا أتى بما يقدر و يترجم الباقي، و ان لم يعلم شيئا يأتي بترجمة الكلّ، و ان لم يعلم يأتي بسائر الأذكار بقدره و الأولى التحميد ان كان يحسنه و الاّ فالأحوط الجلوس قدره مع الاخطار بالبال ان أمكن.

الشرح:

تقدّم في المسألة السادسة و التاسعة من فصل تكبيرة الاحرام دليل وجوب التعلّم و بعض فروعاته. و تقدّم أيضا في المسألة الرابعة و الثلاثين من فصل القراءة فيمن كان قادرا على التعلّم و ضاق وقته، فراجع.

و هنا نقول: لو كان الوقت ضيقا و لم يكن من يلقّنه، أتى بما يقدر و أتى بالباقي بما يقرب من الأصل. مثلاً لو كان قادرا على الشهادة الأولى فقط و لم يكن قادرا على الشهادة الثانية و كذا الصلاة فيقول: «أشهد أن لا اله الاّ اللّه وحده لا شريك له وأشهد أنّ محمّدا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله» أو ما يقرب من ذلك. و الدليل على ذلك أنّه يصدق عليه اطلاق بعض الروايات، و نصّ بعضها الآخر مضافا الى شمول قاعدة الميسور و نحوها له. و هكذا يكون الحال لو لم يكن قادرا على


1) - وسائل الشيعة 5: 462 / الباب 1 من أبواب أفعال الصلاة / الحديث 3.

الشهادتين و الصلاة. و ان لم يعلم شيئا أصلاً فالأقوى عدم وجوب الاتيان بالترجمة و ان كان الاحتياط في محلّه لاحتمال شمول الاطلاقات و القاعدة لها.

قال في الشرائع: «و من لم يحسن التشهّد وجب عليه الاتيان بما يحسن منه مع ضيق الوقت ثمّ يجب عليه تعلّم ما لايحسن. انتهى».(1)

قال في الجواهر: «ظاهر المصنّف الاجتزاء بما يحسنه و ان استطاع الترجمة عن غيره أو ابداله بالتحميد أو مطلق الذكر، بل هو ظاهر المبسوط و القواعد و التحرير و المنتهى و المحكي عن المعتبر، بل كاد يكون صريح بعضها، و مقتضاه سقوط القول أصلاً اذا فرض أنّه لم يحسن شيئا. - الى أن قال: - و التحقيق أنّه مع التعذّر تقوم الترجمة كما صرّح به في التذكرة و الدروس و المحكي عن المعتبر و نهاية الأحكام و جامع الشرائع و الميسية، امّا لعموم الشهادتين و الصلاة في الأخبار و الفتاوى كما في كشف اللثام، و امّا لما سمعته في ترجمة التكبير و ايماء حكم الأخرس بناءً على ما ذكرناه فيه من أنّه هو المتعارف في ابراز الأخرس مقاصده، و قاعدة الميسور، و صدق الذكر و الدعاء على الفارسي، و بعد التعبّد بالألفاظ العربيّة بحيث يسقط أصل التكليف مع التعذّر. انتهى موضع الحاجة من كلامه».(2)

و ان لم يحسن الترجمة فالظاهر سقوط التشهّد، الاّ أنّ الاحتياط في التحميد ان كان يحسنه أو الذكر بمقدار التشهّد في محلّه، كما أفتى به الشهيد في الدروس والذكرى.

و لو لم يحسن التحميد أو الذكر فقيل كما في المتن أيضا يجلس بمقدار التشهّد و لعلّه لكونه أحد الواجبين، ولكن فيه: انّ الجلوس يكون مقدّمة للتشهّد و ظرفا له و لو فقد التشهّد لم يكن للجلوس محلّ.


1) - شرائع الاسلام 1: 88.

2) - جواهر الكلام 10: 268 و 269.

في مستحبّات التشهّد

«الأوّل»: جلوس الرجل متورّكا

(مسألة 4): يستحبّ في التشهّد أمور: «الأوّل»: أن يجلس الرجل متورّكا على نحو ما مرّ في الجلوس بين السجدتين.

الشرح:

و الدليل على ذلك قوله عليه السلام في صحيحة زرارة:

«و اذا قعدت في تشهّدك فألصق ركبتيك بالأرض و فرّج بينهما شيئا، وليكن ظاهر قدمك اليسرى على الأرض و ظاهر قدمك اليمنى على باطن قدمك اليسرى و أليتاك على الأرض».(1)

و يشير اليه خبر أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«اذا جلست في الصلاة فلاتجلس على يمينك، و اجلس على يسارك. الحديث».(2)

و في استحباب الجلوس متورّكا قال في الجواهر: «بلا خلاف أجده فيه، بل في الغنية و ظاهر المنتهى و عن صريح الخلاف الاجماع عليه و يشهد له التتبّع. انتهى».(3)

«الثاني»: القول ب- «الحمد للّه» و غيره من الأذكار قبل التشهّد

«الثاني»: أن يقول قبل الشروع في الذكر: «الحمد للّه»، أو يقول: «بسم اللّه و باللّه و الحمد للّه و خير الأسماء للّه»، أو «الأسماء الحسنى كلّها للّه».

الشرح:

يدلّ على الأوّل رواية عبدالملك بن عمرو الأحول عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:


1) - وسائل الشيعة 5: 462 / الباب 1 من أبواب أفعال الصلاة / الحديث 3.

2) - وسائل الشيعة 6: 391 / الباب 1 من أبواب التشهّد / الحديث 3.

3) - جواهر الكلام 10: 272.

«التشهّد في الركعتين الأوّلتين: الحمد للّه. الحديث».(1)

و على الثاني موثّقة أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«اذا جلست في الركعة الثانية فقل: بسم اللّه و باللّه و الحمد للّه و خير الأسماء للّه. الحديث».(2)

و على الثالث، المروي في دعائم الاسلام عن جعفر بن محمّد عليه السلام:

«أنّه كان يقول في التشهّد الأوّل: بسم اللّه و الأسماء الحسنى كلّها للّه. الحديث».(3)

و المروي في فقه الرضا عليه السلام:

« ... فاذا تشهّدت في الثانية فقل: بسم اللّه و باللّه، و الحمد للّه، و الأسماء الحسنى كلّها للّه. الحديث».(4)

«الثالث»: أن يجعل يديه على الفخذين منضمّة الأصابع

«الثالث»: أن يجعل يديه على فخذيه منضمّة الأصابع.

«الرابع»: أن يكون نظره الى حجره

«الرابع»: أن يكون نظره الى حجره.

كما تقدّم في مستحبّات السجود.

«الخامس و السادس»: القول بالأذكار الواردة بين أذكار التشهّد

«الخامس»: أن يقول بعد قوله «و أشهد أنّ محمّدا عبده و رسوله»: «أرسله بالحقّ بشيرا و نذيرا بين يدي الساعة، و أشهد أنّ ربّي نعم الربّ، و أنّ محمّدا نعم الرسول» ثمّ يقول: «اللّهمّ صلّ على محمّد و آل محمّد».

«السادس»: أن يقول بعد الصلاة: «و تقبّل شفاعته و ارفع درجته» في


1) - وسائل الشيعة 6: 393 / الباب 3 من أبواب التشهّد / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 6: 393 / الباب 3 من أبواب التشهّد / الحديث 2.

3) - مستدرك الوسائل 5: 6 / الباب 2 من أبواب التشهّد / الحديث 1.

4) - مستدرك الوسائل 5: 6 / الباب 2 من أبواب التشهّد / الحديث 3.

التشهّد الأوّل بل في الثاني أيضا و ان كان الأولى عدم قصد الخصوصيّة في الثاني.

قد جمع هذان الأمران في موثّقة أبي بصير التي أتى بها المصنّف في الأمر السابع.

«السابع»: القول بما في موثّقة أبي بصير

«السابع»: أن يقول في التشهّد الأوّل و الثاني ما في موثّقة أبي بصير، و هي قوله عليه السلام: «اذا جلست في الركعة الثانية فقل: «بسم اللّه و باللّه و الحمد للّه و خير الأسماء للّه أشهد أن لا اله الاّ اللّه وحده لا شريك له و أنّ محمّدا عبده و رسوله أرسله بالحقّ بشيرا و نذيرا بين يدي الساعة أشهد أنّك نعم الربّ و أنّ محمّدا نعم الرسول اللّهمّ صلّ على محمّد و آل محمّد و تقبّل شفاعته في أمّته و ارفع درجته» ثمّ تحمد اللّه مرّتين أو ثلاثا ثمّ تقوم فاذا جلست في الرابعة قلت: «بسم اللّه و باللّه و الحمد للّه و خير الأسماء للّه أشهد أن لا اله الاّ اللّه وحده لا شريك له، و أشهد أنّ محمّدا عبده و رسوله أرسله بالحقّ بشيرا و نذيرا بين يدي الساعة، أشهد أنّك نعم الربّ، و أنّ محمّدا نعم الرسول، التحيّات للّه و الصلوات الطاهرات الطيّبات الزاكيات الغاديات الرائحاتالسابغات الناعمات ما طاب و زكى و طهر و خلص و صفى فللّه. أشهد أن لا اله الاّ اللّه وحده لا شريك له، و أشهد أنّ محمّدا عبده و رسوله أرسله بالحقّ بشيرا و نذيرا بين يدي الساعة، أشهد أنّ ربّي نعم الربّ، و أنّ محمّدا نعم الرسول، و أشهد أنّ الساعة آتية لا ريب فيها و أنّ اللّه يبعث من في القبور، الحمد للّه الذي هدانا لهذا و ما كنّا لنهتدي لولا أن هدانا اللّه الحمد للّه ربّ العالمين، اللّهمّ صلّ على محمّد و آل محمّد و بارك على محمّد و آل محمّد و سلّم على محمّد و آل محمّد و ترحّم على محمّد و آل محمّد كما صلّيت و باركت و ترحّمت على ابراهيم و آل ابراهيم انّك حميد مجيد، اللّهمّ صلّ

على محمّد و آل محمّد، و اغفر لنا و لاخواننا الذين سبقونا بالايمان و لاتجعل في قلوبنا غلاًّ للذين آمنوا ربّنا انّك رؤوف رحيم، اللّهمّ صلّ على محمّد و آل محمّد وامنن عليّ بالجنّة و عافني من النار، اللّهمّ صلّ على محمّد و آل محمّد و اغفر للمؤمنين و المؤمنات و لاتزد الظالمين الاّ تبارا». ثمّ قل: «السلام عليك أيّها النبيّ و رحمة اللّه و بركاته، السلام على أنبياء اللّه و رسله، السلام على جبرائيل و ميكائيل و الملائكة المقرّبين، السلام على محمّد بن عبداللّه خاتم النبيّين لا نبيّ بعده، و السلام علينا و على عباد اللّه الصالحين ثمّ تسلّم».

«الثامن»: التسبيح سبعا بعد التشهّد الأوّل

«الثامن»: أن يسبّح سبعا بعد التشهّد الأوّل بأن يقول: «سبحان اللّه سبحان اللّه» (سبعا) ثمّ يقوم.

ففي خبر عمرو بن حريث قال:

«قال لي أبو عبداللّه عليه السلام: قل في الركعتين الأوّلتين بعد التشهّد قبل أن تنهض: «سبحان اللّه سبحان اللّه» سبع مرّات».(1)

«التاسع»: أن يقول «بحول اللّه و قوّته ... » حين القيام عن التشهّد الأوّل

«التاسع»: أن يقول: «بحول اللّه و قوّته الخ» حين القيام عن التشهّد الأوّل.

ففي صحيح محمّد بن مسلم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«اذا جلست في الركعتين الأوليين و تشهّدت ثمّ قمت فقل: «بحول اللّه و قوّته أقوم و أقعد».(2)

«العاشر»: ضمّ المرأة فخذيها حال الجلوس

«العاشر»: أن تضمّ المرأة فخذيها حال الجلوس للتشهّد.


1) - وسائل الشيعة 6: 409 / الباب 11 من أبواب التشهّد / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 6: 361 / الباب 13 من أبواب السجود / الحديث 3.

لما في صحيحة عبدالرحمن بن أبي عبداللّه قال:

«سألته عن جلوس المرأة في الصلاة، قال: تضمّ فخذيها».(1)

في كراهة الاقعاء حال التشهّد

(مسألة 5): يكره الاقعاء حال التشهّد على نحو ما مرّ في الجلوس بين السجدتين، بل الأحوط تركه كما عرفت.

و الدليل على ذلك صحيحة زرارة قال:

«قال أبو جعفر عليه السلام: ... لاينبغي الاقعاء في موضع التشهّد، انّما التشهّد في الجلوس و ليس المقعي بجالس».(2)


1) - وسائل الشيعة 6: 391 / الباب 1 من أبواب التشهّد / الحديث 2.

2) - وسائل الشيعة 6: 391 / الباب 1 من أبواب التشهّد / الحديث 1.

فصل : في التسليم

في وجوبه و شرائطه

اشارة

و هو واجب على الأقوى و جزء من الصلاة فيجب فيه جميع ما يشترط فيها من الاستقبال و ستر العورة و الطهارة و غيرها، و مخرج منها و محلّل للمنافيات المحرّمة بتكبيرة الاحرام، و ليس ركنا فتركه عمدا مبطل لا سهوا، فلو سها عنه و تذكّر بعد اتيان شيء من المنافيات عمدا و سهوا أو بعد فوات الموالاة لايجب تداركه، نعم عليه سجدتا السهو للنقصان بتركه، و ان تذكّر قبل ذلك أتى به، و لا شيء عليه الاّ اذا تكلّم فيجب عليه سجدتا السهو و يجب فيه الجلوس و كونه مطمئنّا. و له صيغتان هما: «السلام علينا و على عباد اللّه الصالحين» و «السلام عليكم و رحمة اللّه و بركاته» و الواجب احداهما فان قدّم الصيغة الأولى كانت الثانية مستحبّة بمعنى كونها جزءًا مستحبّا لا خارجا، و ان قدّم الثانية اقتصر عليها. و أمّا «السلام عليك أيّها النبي ... » فليس من صيغ السلام بل هو من توابع التشهّد، و ليس واجبا بل هو مستحبّ و ان كان الأحوط عدم تركه لوجود القائل بوجوبه. و يكفي فيالصيغة الثانية «السلام عليكم» بحذف قوله «و رحمة اللّه و بركاته» و ان كان

الأحوط ذكره بل الأحوط الجمع بين الصيغتين بالترتيب المذكور. و يجب فيه المحافظة على أداء الحروف و الكلمات على النهج الصحيح مع العربيّة، و الموالاة و الأقوى عدم كفاية قوله «سلام عليكم» بحذف الألف و اللام.

الشرح:

قال في الشرائع: «الثامن من أفعال الصلاة التسليم و هو واجب على الأصحّ. انتهى».(1)

قال في الجواهر: «وفاقا للصدوق و الحسن و الجعفي و المرتضى و ابني حمزة و زهرة و سلاّر و التقي و يحيى بن سعيد و أبي صالح و أبي سعيد من علمائنا الحلبيّين و القطب الراوندي و ابن المتوج و ابن طاووس و الفاضل في المنتهى بل عن ولده أنّه الذي استقرّ عليه رأيه و الآبي و الشهيد و المقداد و ابن فهد و الصيمري و البهائي و الحرّ العاملي و الكاشاني و المحدّث البحراني و الفاضل الاصبهاني و المحقّق البهبهاني و العلاّمة الطباطبائي و شيخنا المعتبر الأوحد الشيخ جعفر على ما حكي عن البعض، بل لعلّه هو الذي استقرّ عليه المذهب في عصرنا و ما راهقه، كما أنّه في المحكي عن الروض نسبته الى أكثر المتأخّرين، بل عن الأمالي نسبته الى دين الاماميّة. انتهى».(2)

و هو واجب و جزء من الصلاة و به تحلّ المنافيات و يتحقّق الخروج من الصلاة. و الدليل على ذلك طوائف من الروايات:

الطائفة الأولى: الأخبار الدالّة على أنّ تحليل الصلاة و اختتامها التسليم:

منها رواية القدّاح عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله : افتتاح الصلاة الوضوء و تحريمها التكبير و


1) - شرائع الاسلام 1: 89.

2) - جواهر الكلام 10: 278.

تحليلها التسليم».(1)

و منها صحيحة علي بن أسباط (في حديث وعظ اللّه به عيسى عليه السلام و يذكّره سيرة الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله ):

«له كلّ يوم خمس صلوات متواليات، ينادي الى الصلاة كنداء الجيش بالشعار، و يفتتح بالتكبير و يختتم بالتسليم».(2)

و منها ما رواه في العلل من الخبر عن الرضا عليه السلام قال:

«انّما جعل التسليم تحليل الصلاة، و لم يجعل بدلها تكبيرا أو تسبيحا أو ضربا آخر. الحديث».(3)

و منها خبر المفضّل بن عمر قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن العلّة التي من أجلها وجب التسليم في الصلاة؟ قال: لأنّه تحليل الصلاة. الحديث».(4)

و منها خبر الفضل بن شاذان عن الرضا عليه السلام في كتابه الى المأمون قال:

«تحليل الصلاة التسليم».(5)

و منها خبر عبداللّه بن الفضل الهاشمي قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن معنى التسليم في الصلاة، فقال: التسليم علامة الأمن و تحليل الصلاة. الحديث».(6)

الطائفة الثانية: الأخبار الواردة في فعل النبي صلى الله عليه و آله و الأئمّة عليهم السلام.

منها ما ورد في ذيل صحيحة حمّاد:


1) - وسائل الشيعة 6: 415 / الباب 1 من أبواب التسليم / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 6: 415 / الباب 1 من أبواب التسليم / الحديث 2.

3) - وسائل الشيعة 6: 417 / الباب 1 من أبواب التسليم / الحديث 10.

4) - وسائل الشيعة 6: 417 / الباب 1 من أبواب التسليم / الحديث 11.

5) - وسائل الشيعة 6: 418 / الباب 1 من أبواب التسليم / الحديث 12.

6) - وسائل الشيعة 6: 418 / الباب 1 من أبواب التسليم / الحديث 13.

«فلمّا فرغ من التشهّد سلّم فقال: يا حمّاد هكذا صلّ».(1)

و منها ما في صحيحة عمر بن أذينة عن أبي عبداللّه عليه السلام:

« ... ثمّ التفتّ فاذا أنا بصفوف من الملائكة و النبيّين و المرسلين فقال لي: يا محمّد سلّم، فقلت: السلام عليكم و رحمة اللّه و بركاته. الحديث».(2)

و منها ما ورد في ذيل موثّقة أبي بصير:

« ... ثمّ قل: السلام عليك أيّها النبي و رحمة اللّه و بركاته و السلام علينا و على عباد اللّه الصالحين ثمّ تسلّم».(3)

و منها صحيحة علي بن جعفر قال:

«رأيت اخوتي موسى و اسحاق و محمّد بني جعفر عليه السلام يسلّمون في الصلاة عن اليمين و الشمال: السلام عليكم و رحمة اللّه، السلام عليكم و رحمة اللّه».(4)

الطائفة الثالثة: الأخبار الواردة في الشكّ بين الاثنين و الأربع بعد اكمال السجدتين كصحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام أنّه قال:

«اذا لم تدر اثنتين صلّيت أم أربعا و لم يذهب وهمك الى شيء فتشهّد و سلّم ثمّ صلّ ركعتين و أربع سجدات، تقرأ فيهما بأمّالكتاب ثمّ تشهّد و تسلّم، فان كنت انّما صلّيت ركعتين كانتا هاتان تمام الأربع، و ان كنت صلّيت أربعا كانتا هاتان نافلة».(5)

و صحيحة ابن أبي يعفور قال:


1) - وسائل الشيعة 5: 461 / الباب 1 من أبواب أفعال الصلاة / الحديث 2.

2) - وسائل الشيعة 5: 468 / الباب 1 من أبواب أفعال الصلاة / الحديث 10.

3) - وسائل الشيعة 6: 394 / الباب 3 من أبواب التشهّد / الحديث 2.

4) - وسائل الشيعة 6: 419 / الباب 2 من أبواب التسليم / الحديث 2.

5) - وسائل الشيعة 8: 219 / الباب 11 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة / الحديث 1.

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل لايدري ركعتين صلّى أم أربعا؟ قال: يتشهّد و يسلّم ثمّ يقوم فيصلّي ركعتين و أربع سجدات، يقرأ فيهما بفاتحة الكتاب ثمّ يتشهّد و يسلّم، و ان كان صلّى أربعا كانت هاتان نافلة، و ان كان صلّى ركعتين كانت هاتان تمام الأربعة و ان تكلّم فليسجد سجدتي السهو».(1)

و غيرهما من الروايات الواردة في الشكّ في عدد الأخيرتين، و ستأتي الروايات الأخر الدالّة على وجوب التسليم.

و لقد أحسن صاحب الجواهر بعد الاستدلال لوجوب التسليم بالأخبار الواردة في الأبواب المختلفة بقوله: «و الحاصل أنّ سير هذه الأخبار المتفرّقة في سائر الأبواب مع التأمّل يظهر منه الدلالة على المطلوب من وجوه متعدّدة بحيث لاتصلح بعد ذلك للتأويل و ارتكاب التعسّفات التي لا ضرورة اليها، و المقصود بما ذكرناه التنبيه في الجملة للأدلّة و كيفيّة الدلالة و تعدّدها من جهات، و لو أردنا التعرّض لكلّ خبر خبر احتجنا الى اطناب تامّ لايناسب وضع الكتاب. انتهى».(2)

فتحصّل أنّ ظاهر الأخبار المذكورة المتقدّمة آنفا وجوب التسليم و جزئيّته للصلاة.

استدلّ القائل باستحباب التسليم بروايات قاصرة الدلالة على الندب بلبعضها على المطلوب أدلّ:

منها صحيحة محمّد بن مسلم قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: التشهّد في الصلاة؟ قال: مرّتين. قال: قلت: و كيف مرّتين؟ قال: اذا استويت جالسا فقل: أشهد أن لا اله الاّ اللّه وحده لا شريك له و أشهد أنّ محمّدا عبده و رسوله ثمّ تنصرف.


1) - وسائل الشيعة 8: 219 / الباب 11 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة / الحديث 2.

2) - جواهر الكلام 10: 292.

الحديث».(1)

و فيه أوّلاً: انّها مطلقة قابلة للتقييد بما دلّ على وجوب التسليم كما تقيّد بما دلّ على وجوب الصلاة على النبي و آله عليهم السلام.

و ثانيا: ظاهر قوله عليه السلام «ثمّ تنصرف» هو الأمر بالانصراف و يعلم منه أنّه لم ينصرف بعد و لم يحصل الانصراف بمجرّد الفراغ من القول المزبور، و الاّ لناسب التعبير ب- «انصرفت»، فهو حينئذ امّا التسليم أو غيره أو الأعمّ منهما، و الثاني معلوم البطلان كالثالث الذي ذهب اليه أبو حنيفة، فيتعيّن الأوّل، و يكون هو المراد حينئذ من الانصراف، و تؤيّده صحيحة الحلبي قال:

«قال أبو عبداللّه عليه السلام: كلّ ما ذكرت اللّه عزّوجلّ به و النبي صلى الله عليه و آله فهو من الصلاة، و ان قلت: السلام علينا و على عباد اللّه الصالحين، فقد انصرفت».(2)

و خبر أبي كهمس عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«سألته عن الركعتين الأوّلتين اذا جلست فيهما للتشهّد فقلت و أنا جالس: السلام عليك أيّها النبي و رحمة اللّه و بركاته، انصراف هو؟ قال: لا ولكن اذا قلت: السلام علينا و على عباد اللّه الصالحين، فهوالانصراف».(3)

و منها صحيحة الفضلاء عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«اذا فرغ من الشهادتين فقد مضت صلاته فان كان مستعجلاً في أمر يخاف أن يفوته فسلّم و انصرف أجزأه».(4)


1) - وسائل الشيعة 6: 397 / الباب 4 من أبواب التشهّد / الحديث 4.

2) - وسائل الشيعة 6: 426 / الباب 4 من أبواب التسليم / الحديث 1.

3) - وسائل الشيعة 6: 426 / الباب 4 من أبواب التسليم / الحديث 2.

4) - وسائل الشيعة 6: 416 / الباب 1 من أبواب التسليم / الحديث 5.

و فيه: انّ المراد من مضيّ الصلاة هو معظم الأجزاء و لذلك قال عليه السلام في ذيلها: «فان كان مستعجلاً ... فسلّم و انصرف أجزأه» و لايخفى أنّ التفريع بالفاء و تعليق الجواب على مثل هذا الشرط ارادة غير التسليم من مضيّ الصلاة و هو ما يتخيّل وجوبه ممّا تعارف فعله في التشهّد من التحيّات و الأدعية و غيرهما فهذه الصحيحة على المطلوب أدلّ.

و منها صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام قال:

«سألته عن الرجل يكون خلف الامام فيطول الامام بالتشهّد فيأخذ الرجل البول أو يتخوّف على شيء يفوت، أو يعرض له وجع كيف يصنع؟ قال: يتشهّد هو و ينصرف و يدع الامام».(1)

و فيه أوّلاً: يرد فيها ما عرفت في الصحيحة السابقة. و ثانيا: انّ المروي عن الفقيه و التهذيب: «يسلّم و ينصرف و يدع الامام»(2)و الظاهر هو الصحيح لموافقته لصحيحتي زرارة و الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام في الرجل يكون خلف الامام فيطيل الامام التشهّد، فقال:

«يسلّم من خلفه و يمضي لحاجته ان أحبّ».(3)

و منها الروايات الدالّة على عدم بطلان الصلاة باتيان المنافي من الحدث و الالتفات الفاحش قبل التسليم، كصحيحة الحسن بن الجهم قال:

«سألته (يعني أبا الحسن عليه السلام) عن رجل صلّى الظهر أو العصر فأحدث حين جلس في الرابعة؟ قال: ان كان قال: أشهد أن لا اله الاّ اللّه و أشهد أنّ محمّدا صلى الله عليه و آله رسول اللّه فلايعد و ان كان لم يتشهّد قبل


1) - وسائل الشيعة 8: 413 / الباب 64 من أبواب صلاة الجماعة / الحديث 2.

2) - من لايحضره الفقيه 1: 401 / الحديث 1192 - تهذيب الأحكام 3: 251 / الحديث 842،162.

3) - وسائل الشيعة 8: 413 / الباب 64 من أبواب صلاة الجماعة / الحديث 3.

أن يحدث فليعد».(1)

و حسنة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«اذا التفتّ في صلاة مكتوبة من غير فراغ فأعد الصلاة اذا كان الالتفات فاحشا و ان كنت قد تشهّدت فلاتعد».(2)

و موثّقة غالب بن عثمان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«سألته عن الرجل يصلّي المكتوبة فيقضي صلاته و يتشهّد ثمّ ينام قبل أن يسلّم، قال: تمّت صلاته و ان كان رعافا غسله ثمّ رجع فسلّم».(3)

و الجواب عن هذه الروايات أنّه ان أمكن لنا التوجيه بأنّ المراد من التشهّد هو مع «السلام علينا و على عباد اللّه الصالحين» فبها و الاّ وجب الحمل على التقيّة لأنّها معارضة للروايات السابقة الدالّة على جزئيّة السلام و وجوبه، و الترجيح للسابقة لأنّها مخالفة للعامّة و هذه الروايات موافقة لهم، فانّ أبا حنيفة قائل بجواز الخروج من الصلاة بالحدث.

بقيت روايتان لا بأس بالاشارة اليهما فاحداهما صحيحة زرارة عن أحدهما عليهماالسلام(في حديث) قال:

«قلت له: من لم يدر في أربع هو أم في ثنتين و قد أحرز الثنتين؟ قال: يركع ركعتين و أربع سجدات و هو قائم بفاتحة الكتاب و يتشهّد و لا شيء عليه. الحديث».(4)

و فيه: انّها تقيّد بما رواه الكليني في الصحيح عن زرارة عن أحدهما عليهماالسلام قال:


1) - وسائل الشيعة 7: 234 / الباب 1 من أبواب قواطع الصلاة / الحديث 6.

2) - وسائل الشيعة 6: 424 / الباب 3 من أبواب التسليم / الحديث 4.

3) - وسائل الشيعة 6: 425 / الباب 3 من أبواب التسليم / الحديث 6.

4) - وسائل الشيعة 8: 220 / الباب 11 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة / الحديث 3.

«قلت له: من لم يدر في اثنتين هو أم في أربع؟ قال: يسلّم و يقوم فيصلّي ركعتين ثمّ يسلّم و لا شيء عليه».(1)

ثانيتهما رواية معاوية بن عمّار قال:

«قال أبو عبداللّه عليه السلام: اذا فرغت من طوافك فائت مقام ابراهيم عليه السلام فصلّ ركعتين و اجعله اماما و اقرأ في الأولى منهما سورة التوحيد (قل هو اللّه أحد) و في الثانية قل يا أيّها الكافرون، ثمّ تشهّد و احمد اللّه و اثن عليه و صلّ على النبي صلى الله عليه و آله و اسأله أن يتقبّل منك. الحديث».(2)

و فيه: انّه عليه السلام لم يكن بصدد بيان كيفيّة الصلاة كما لم يذكر الفاتحة و الركوع و السجود، بل الظاهر أنّه عليه السلام بصدد بيان مكان صلاة الطواف و لذلك اكتفى من آخرها بذكر التشهّد، و عليه عدم ذكره التسليم لم يكن دليلاً على عدم وجوبه.

فروع:

الفرع الأوّل : في كون التسليم جزءًا من الصلاة

ذهب جمع من الأصحاب الى كون التسليم واجبا خارجا. قال في الحدائق: «منهم شيخنا الشهيد في قواعده، و الجعفي صاحب الفاخر و به صرّح الفاضل أبو الفضائل أحمد بن طاووس الحسني صاحب كتاب البشرى و اليه ذهب المحدّث الكاشاني في المفاتيح و الحرّ العاملي و هو المختار الذي تجتمع عليه الأخبار. انتهى ملخّصا».(3)


1) - وسائل الشيعة 8: 220 / الباب 11 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة / الحديث 4.

2) - وسائل الشيعة 13: 423 / الباب 71 من أبواب الطواف / الحديث 3.

3) - الحدائق الناضرة 8: 440 و 441.

و استدلّوا بروايات:

منها صدر صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«سألته عن الرجل يصلّي ثمّ يجلس فيحدث قبل أن يسلّم؟ قال: تمّت صلاته، و ان كان مع امام فوجد في بطنه أذى فسلّم في نفسه و قام فقد تمّت صلاته».(1)

ففيه: انّ الظاهر منافاة صدرها ذيلها، فلابدّ من حمله على ارادة السلام الأخير كما يقتضيه اطلاق التسليم، و اتمام الصلاة لأنّه قد أتى بقوله: «السلام علينا و على عباد اللّه الصالحين» و الحدث وقع بعد الفراغ منه.

و عين هذا الجواب يجري في موثّقة غالب بن عثمان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«سألته عن الرجل يصلّي المكتوبة فيقضي صلاته و يتشهّد ثمّ ينام قبل أن يسلّم؟ قال: تمّت صلاته».(2)

و منها صدر صحيحة الفضلاء الثلاثة عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«اذا فرغ من الشهادتين فقد مضت صلاته، فان كان مستعجلاً في أمر يخاف أن يفوته فسلّم و انصرف أجزأه».(3)

و فيه: ما تقدّم من أنّ المراد من قوله عليه السلام: «فقد مضت صلاته» أي مضى معظم أجزاء الصلاة غير المخرج و هو السلام الذي به تتمّ الصلاة، دون المضيّ المطلق، أو يحمل على أنّ المراد من الشهادتين هو الشهادتان مع توابعهما التي منها قول «السلام علينا و على عباد اللّه الصالحين»، و به يخرج من الصلاة كما سيأتي. و لو أنكروا ذلك لكان عليهم أن يقولوا بعدم وجوب السلام فيناقض ذيله حينئذ.

و منها صحيحة ابن أبي يعفور قال:


1) - وسائل الشيعة 6: 424 / الباب 3 من أبواب التسليم / الحديث 2.

2) - وسائل الشيعة 6: 425 / الباب 3 من أبواب التسليم / الحديث 6.

3) - وسائل الشيعة 6: 416 / الباب 1 من أبواب التسليم / الحديث 5.

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يصلّي الركعتين من المكتوبة فلايجلس فيهما حتّى يركع؟ فقال: يتمّ صلاته ثمّ يسلّم و يسجد سجدتي السهو و هو جالس قبل أن يتكلّم».(1)

و صحيحة سليمان بن خالد قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل نسي أن يجلس في الركعتين الأوّلتين؟ فقال: ان ذكر قبل أن يركع فليجلس، و ان لم يذكر حتّى يركع فليتمّ الصلاة، حتّى اذا فرغ (فليسلّم و ليسجد) سجدتي السهو».(2)

بتقريب أنّ العطف في الأوّل على اتمام الصلاة و قوله في الثاني «حتّى اذا فرغ فليسلّم» دليل على عدم جزئيّة السلام للصلاة مع أنّه واجب من حيث دلالة الأمرفي الروايتين.

و فيه: انّ مقتضى أخبار «تحليلها التسليم» هو أنّ التحليل لايحصل الاّ به فهي ظاهرة في دخوله و جزئيّته، و مقتضى ما ذهبوا اليه هو حصول التحليل بغيره، و ان وجب الاتيان به ولكن لم يلتزموا به فالمراد من اتمام الصلاة أو الفراغ منها هو الاتمام و الفراغ النسبي أي غير السلام فكأنّه كان بصدد بيان تحليل الصلاة بالسلام. فتحصّل أنّ التسليم واجب و جزء من الصلاة بلا اشكال.

الفرع الثاني : في وجوب شرائط الصلاة في التسليم

اذا ثبت أنّ التسليم واجب من واجبات الصلاة و جزء من أجزائها فقد ثبت


1) - وسائل الشيعة 6: 402 / الباب 7 من أبواب التشهّد / الحديث 4.

2) - وسائل الشيعة 6: 402 / الباب 7 من أبواب التشهّد / الحديث 3.

وجوب جميع ما يشترط في الصلاة من الاستقبال و ستر العورة و الطهارة و غيرها. و قد تقدّم أنّ التسليم محلّل للمنافيات المحرّمة بتكبيرة الاحرام و به يخرج المصلّي من الصلاة.

نعم ليس ركنا فتركه عمدا مبطل كما هو مقتضى جزئيّته لا سهوا، فلو سها عنه و تذكّر بعد اتيان شيء ممّا يبطل الصلاة عمدا و سهوا أو بعد فوات الموالاة لايجب تداركه و ذلك لعموم حديث «لاتعاد الصلاة الاّ من خمسة: الطهور و الوقت و القبلة و الركوع و السجود».(1)

و أورد عليه النائيني رحمه الله بأنّ المستفاد من حديث «الصلاة تحريمها التكبير و تحليلها التسليم» هو انحصار المحلّليّة و الخروج من الصلاة بالتسليم، فماداملم يسلّم لم يخرج من الصلاة فما فعل من المنافيات من الحدث و الاستدبار و الفصل الطويل و ان كان سهوا فقد وقع أثناء الصلاة فتبطل.

و يجاب عنه بأنّ الجمع بين تلك الأخبار و حديث «لاتعاد» ينتج بأنّ محلّليّة السلام منوطة بالتذكّر، فنسيان السلام - كنسيان القراءة أو احدى السجدتين - لايوجب بطلان الصلاة، و لا فرق بين نسيان السجدة و نسيان التسليم الاّ أنّ نسيان السجدة يكون أثناء الصلاة فيأتي ببقيّة الأجزاء قهرا، دون التسليم، فمن نسي التسليم يخرج لأعماله اليوميّة لأنّه قد أتى بأجزاء الصلاة كلّها غير التسليم فلا جزء بعدها حتّى يأتي به الاّ التسليم و المفروض نسيانه، فان تذكّر قبل الاتيان بالمنافي أتى به و الاّ فيسقط جزئيّته فيسجد سجدتي السهو كما يأتي في محلّه. ثمّ انّه يجب فيه الجلوس و الطمأنينة كما مرّ في التشهّد.


1) - وسائل الشيعة 4: 312 / الباب 9 من أبواب القبلة / الحديث 1.

الفرع الثالث : في صورة التسليم

قال في الشرائع: «و له عبارتان: احداهما أن يقول: «السلام علينا و على عباد اللّه الصالحين» و الأخرى أن يقول: «السلام عليكم و رحمة اللّه و بركاته» و بكلّ منهما يخرج من الصلاة، و بأيّهما بدأ كان الثاني مستحبّا. انتهى».(1)

قال في المدارك: «اختلف الأصحاب في هذه المسألة، فذهب الأكثر الى تعيّن «السلام عليكم» للخروج. قال الشهيد في الدروس: و عليه الموجبون. و ذكر في البيان: انّ «السلام علينا» لم يوجبها أحد من القدماء، و انّ القائل بوجوب التسليم يجعلها مستحبّة كالتسليم على الأنبياء و الملائكة غير مخرجة من الصلاة، و القائل بندب التسليم يجعلها مخرجة. و ذهب المصنّف رحمه الله (المحقّق صاحب الشرائع) في كتبه الثلاثة الى التخيير بين الصيغتين. و أنكره الشهيد في الذكرى، و قال انّه قول محدث في زمان المصنّف رحمه الله أو قبله بيسير. و ربّما ظهر من كلام الفاضل يحيى بن سعيد في الجامع وجوب «السلام علينا» و تعيّنها للخروج فانّه قال: و التسليم الواجب الذي يخرج به من الصلاة «السلام علينا و على عباد اللّه الصالحين». قال في الذكرى: و في هذا القول خروج عن الاجماع من حيث لايشعر قائله. انتهى».(2)

و لا بأس بذكر قول من تعرّض من القدماء في ذلك:

قال الشيخ في الخلاف: «الأظهر من مذاهب أصحابنا أنّ التسليم في الصلاة مسنون، و ليس بركن و لا واجب، و منهم من قال: هو واجب - الى أن قال: - دليلناعلى المذهب الأوّل ما رواه أبو بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال: «اذا كنت اماما فانّما


1) - شرائع الاسلام 1: 89.

2) - مدارك الأحكام 3: 434 و 435.

التسليم أن تسلّم على النبي صلى الله عليه و آله و تقول: «السلام علينا و على عباد اللّه الصالحين»، فاذا قلت ذلك فقد انقطعت الصلاة ثمّ تؤذن القوم فتقول و أنت مستقبل القبلة: «السلام عليكم». و من نصر الأخير استدلّ بما رواه أميرالمؤمنين عليه السلام أنّ النبي صلى الله عليه و آله قال: مفتاح الصلاة الطهور و تحريمها التكبير و تحليلها التسليم. انتهى».(1)

و الظاهر أنّ مراده من التسليم هو «السلام عليكم» و يظهر منه أنّ «السلام علينا و على ... » يخرج المصلّي من الصلاة.

و قال في النهاية: «يستحبّ أن يقول في التشهّد الأخير: بسم اللّه و باللّه و الأسماء الحسنى كلّها للّه أشهد أن لا اله الاّ اللّه وحده لا شريك له و أشهد أنّ محمّدا عبده و رسوله - الى أن قال: - السلام علينا و على عباد اللّه الصالحين. ثمّ يسلّم حسب ما قدّمناه. انتهى».(2)

و قال في موضع آخر منه: «فاذا فرغت من الركعة الثانية تشهّدت، فاذا فرغت من التشهّد سلّمت، ان كانت الصلاة ثنائيّة. انتهى».(3)

و قال في المبسوط: «و السادس: التسليم ففي أصحابنا من جعله فرضا و فيهم من جعله نفلاً - الى أن قال: - و من قال من أصحابنا: انّ التسليم سنّة، يقول: اذا قال: «السلام علينا و على عباد اللّه الصالحين» فقد خرج من الصلاة، و لايجوز التلفّظ بذلك في التشهّد الأوّل، و من قال: انّه فرض فبتسليمة واحدة يخرج من الصلاة. انتهى».(4)

و قال في التهذيب: «عندنا أنّ من قال: «السلام علينا و على عباد اللّه الصالحين» في التشهّد قد انقطعت صلاته، فان قال بعد ذلك: «السلام عليكم و


1) - كتاب الخلاف 1: 376 و 377 / مسألة 134.

2) - النهاية و نكتها: 83 و 84.

3) - نفس المصدر: 72.

4) - المبسوط 1: 115 و 116.

رحمة اللّه» جاز، و ان لم يقل جاز أيضا. انتهى».(1)

قال الشيخ المفيد في المقنعة: «و يتشهّد فيقول: «بسم اللّه و باللّه و الحمد للّه و الأسماء الحسنى كلّها للّه أشهد أن لا اله الاّ اللّه وحده لا شريك له و أشهد أنّ محمّدا عبده و رسوله أرسله بالحقّ بشيرا و نذيرا بين يدي الساعة صلّى اللّه عليه و على آله الطاهرين» و يسلّم تجاه القبلة تسليمة واحدة يقول: «السلام عليكم و رحمة اللّه». انتهى».(2)

و قال في موضع آخر منه بعد ذكر التشهّد: «و يومئ بوجهه الى القبلة و يقول: «السلام على الأئمّة الراشدين السلام علينا و على عباد اللّه الصالحين»، و ينحرف بعينه الى يمينه فاذا فعل ذلك فقد فرغ من صلاته و خرج منها بهذا التسليم. انتهى».(3)

و قال السيّد المرتضى في كتاب جمل العلم و العمل: «و صفة التشهّد الثاني تقول: «التحيّات للّه الصلوات الطيّبات الطاهرات الزاكيات» و تتشهّد و تصلّي على النبي صلى الله عليه و آله كما ذكرناه في التشهّد الأوّل ثمّ تقول: «السلام عليك أيّها النبي و رحمة اللّه و بركاته، السلام علينا و على عباد اللّه الصالحين» ثمّ يسلّم تسليمة واحدة مستقبل القبلة. انتهى».(4)

و قال أبو الصلاح الحلبي في الكافي: «و الفرض الحادي عشر: «السلام عليكمو رحمة اللّه». انتهى».(5)

و قال في موضع آخر منه: «و مسنون الذكر في التشهّد الثاني - الى أن قال: - «السلام علينا و على عباد اللّه الصالحين السلام على محمّد و آله المصطفين» ثمّ


1) - تهذيب الأحكام 2: 121 / ذيل الحديث 496،264.

2) - المقنعة: 107.

3) - نفس المصدر: 114.

4) - سلسلة الينابيع الفقهيّة 3: 179.

5) - نفس المصدر: 265.

تسلّم التسليم الواجب. انتهى».(1)

و قال سلاّر في المراسم: «ثمّ يجلس و يتشهّد - الى أن قال صلى الله عليه و آله : - و يسلّم تجاه القبلة تسليمة واحدة يقول: السلام عليكم و رحمة اللّه و بركاته، و ينحرف بوجهه يمينا. انتهى».(2)

و قال في موضع آخر منه: «و أمّا الثاني الذي يتعقّبه التسليم في الرابعة من الظهر و العصر و العشاء الآخرة و الثالثة من المغرب و الثانية من صلاة الغداة، فهو: بسم اللّه و باللّه - الى أن قال: - و يومئ بوجهه الى القبلة فيقول: «السلام على الأئمّة الراشدين، السلام علينا و على عباد اللّه الصالحين» و ينحرف بعينه الى يمينه و قد قضى صلاته. انتهى».(3)

و قال في المهذّب البارع: « ... جلس للتشهّد الأخير و قال: «بسم اللّه و باللّه و الأسماء الحسنى كلّها للّه - الى أن قال: - السلام علينا و على عباد اللّه الصالحين»، فاذا تمّم جميع ما ذكرناه و كان اماما أو مصلّيا على جهة الانفراد أو غير مقتدٍ بامام سلّم تسليمة واحدة فقال: «السلام عليكم و رحمة اللّه و بركاته». انتهى».(4)

و قال في الغنية: «و يجب السلام، على خلاف بين أصحابنا في ذلك و يدلّ على ما اخترناه أنّه لا خلاف في وجوب الخروج من الصلاة و اذا ثبت ذلك لم يجزبلا خلاف بين أصحابنا الخروج منها بغير السلام. انتهى».(5)

و قال في موضع آخر منه في المندوبات: «و أن يقول في التشهّد الثاني: «التحيّات للّه - الى أن قال: - السلام علينا و على عباد اللّه الصالحين اللّهمّ صلّ على محمّد و آله المصطفين - الى أن قال: - و أن يعقّب فيكبّر بعد التسليم ثلاث مرّات


1) - نفس المصدر: 268.

2) - نفس المصدر: 373.

3) - نفس المصدر: 373 و 374.

4) - نفس المصدر: 420 و 421.

5) - نفس المصدر 4: 548.

يرفع بها يديه و يقول ... انتهى».(1)

و قال في الوسيلة: «و تزيد فيها من الواجبات ثمانية أشياء: الجلوس للتشهّد و الطمأنينة فيه و الشهادتان و الصلاة على النبي و الصلاة على آله عليه و عليهم السلام و الترتيب في ذلك على ما ذكرنا و التسليم ان كانت الصلاة ثنائيّة - الى أن قال: - و قال بعض الأصحاب: انّ التسليم سنّة و الصحيح ما ذكرناه فان كانت الصلاة ثلاثيّة أو رباعيّة سلّم بعد التشهّد الأخير. انتهى».(2)

و قال في السرائر: «فاذا جلس للتشهّد الثاني قال: «التحيّات للّه و الصلوات الطيّبات الطاهرات - الى أن قال: - السلام على عباد اللّه الصالحين» ثمّ يسلّم تسليمة واحدة - الى أن قال: - و التسليم، الأظهر أنّه مستحبّ. انتهى».(3)

استدلّوا على كون «السلام علينا و على عباد اللّه الصالحين» من صيغة السلام و بها يخرج عن الصلاة بروايات:

منها صحيحة الحلبي قال:

«قال أبو عبداللّه عليه السلام: كلّ ما ذكرت اللّه عزّوجلّ به و النبي صلى الله عليه و آله فهو من الصلاة، و ان قلت: «السلام علينا و على عباد اللّه الصالحين» فقدانصرفت».(4)

و منها موثّقة سماعة عن أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«اذا نسي الرجل أن يسلّم فاذا ولّى وجهه عن القبلة و قال: «السلام علينا و على عباد اللّه الصالحين» فقد فرغ من صلاته».(5)

و منها رواية أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:


1) - نفس المصدر: 551 و 552.

2) - نفس المصدر: 585 و 586.

3) - السرائر 1: 231.

4) - وسائل الشيعة 6: 426 / الباب 4 من أبواب التسليم / الحديث 1.

5) - وسائل الشيعة 6: 423 / الباب 3 من أبواب التسليم / الحديث 1.

«اذا كنت اماما فانّما التسليم أن تسلّم على النبي صلى الله عليه و آله و تقول: «السلام علينا و على عباد اللّه الصالحين»، فاذا قلت ذلك فقد انقطعت الصلاة. الحديث».(1)

و منها رواية أبي كهمس عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«سألته عن الركعتين الأوّلتين اذا جلست فيهما للتشهّد فقلت و أنا جالس: «السلام عليك أيّها النبي و رحمة اللّه و بركاته»، انصراف هو؟ قال: لا، ولكن اذا قلت: «السلام علينا و على عباد اللّه الصالحين» فهو الانصراف».(2)

و منها حديث ميسر عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«شيئان يفسد الناس بهما صلاتهم، أحدهما قول الرجل: «السلام علينا و على عباد اللّه الصالحين»، يعني في التشهّد الأوّل».(3)

و منها رواية الفضل بن شاذان عن الرضا عليه السلام في كتابه الى المأمون قال:

«و لايجوز أن تقول في التشهّد الأوّل «السلام علينا و على عباد اللّه الصالحين»، لأنّ تحليل الصلاة التسليم، فاذا قلت هذا فقد سلّمت».(4)

أقول:

المستفاد من الروايات و فتوى القدماء هو الخروج من الصلاة بالتسليم و المراد بالتسليم في الأخبار و الفتاوى هو «السلام عليكم و رحمة اللّه و بركاته». و أمّا «السلام علينا و على عباد اللّه الصالحين» فملحق بالتشهّد و له نحو ارتباط


1) - وسائل الشيعة 6: 421 / الباب 2 من أبواب التسليم / الحديث 8.

2) - وسائل الشيعة 6: 426 / الباب 4 من أبواب التسليم / الحديث 2.

3) - وسائل الشيعة 6: 427 / الباب 4 من أبواب التسليم / الحديث 6.

4) - وسائل الشيعة 6: 410 / الباب 12 من أبواب التشهّد / الحديث 3.

بالتسليم و الخروج من الصلاة و لذلك لايجوز أن يؤتى به في التشهّد الأوّل، ولكن الاكتفاء به من دون التسليم مشكل. فالأظهر الأقوى وجوب «السلام عليكم و رحمة اللّه و بركاته» بعد التشهّد و به يخرج من الصلاة و ان لم يقل: «السلام علينا و على عباد اللّه الصالحين» و لو قال: «السلام علينا ... » فعدم الاكتفاء به ان لم يكن أقوى فهو أحوط فيقول بعده: «السلام عليكم و رحمة اللّه و بركاته».

الفرع الرابع : في حكم «السلام عليك أيّها النبي و رحمة اللّه و بركاته»

«السلام عليك أيّها النبي ... » ليس من صيغ السلام بل هو من توابع التشهّد و الدليل عليه صحيحة الحلبي المتقدّمة التي فيها:

« ... كلّ ما ذكرت اللّه عزّوجلّ به و النبي صلى الله عليه و آله فهو من الصلاة، و ان قلت: «السلام علينا و على عباد اللّه الصالحين» فقد انصرفت».

و رواية أبي كهمس المتقدّمة أيضا عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«سألته عن الركعتين الأوّلتين اذا جلست فيهما للتشهّد فقلت و أنا جالس: «السلام عليك أيّها النبي و رحمة اللّه و بركاته»، انصراف هو؟ قال: لا، ولكن اذا قلت: «السلام علينا و على عباد اللّه الصالحين» فهو الانصراف».

و كذا رواية ميسر بل حسنته التي فيها: «شيئان يفسد الناس بهما صلاتهم ... » و عدّ منهما «السلام علينا و على عباد اللّه الصالحين» في التشهّد الأوّل و لم يعدّ منهما «السلام عليك أيّها النبي و رحمة اللّه و بركاته».

مضافا الى اجماع جميع الفقهاء على ذلك. و ليس واجبا و ذلك لأنّه اذا جاز القول به في التشهّد الأوّل كما هو ظاهر الروايات الثلاث و الواجب من التشهّد الشهادتان و الصلاة على النبي و آله، فكان «السلام عليك أيّها النبي و رحمة اللّه و

بركاته» مستحبّا. و قد ذهب الفقهاء الى استحبابه و أنّه ملحق بالتشهّد. نعم انّ صاحب كنزالعرفان و الجعفي ذهبا الى وجوبه و استدلّ الأوّل بقوله تعالى «يا أيّها الذين آمنوا صلّوا عليه و سلّموا تسليما»(1)بتقريب أنّ المراد من «صلّوا» هو الصلوات، و المراد من «سلّموا» هو «السلام عليك». فالأوّل واجب و الثاني مثله لمكان العطف.

و فيه: انّ المراد من «سلّموا» معناه و هو التسليم و الانقياد و على الأقلّ من الاحتمال فيبطل الاستدلال به.

و استدلّ أيضا بروايات: منها موثّقة أبي بصير الطويلة حيث ذكر في آخرها:

« ... ثمّ قل: «السلام عليك أيّها النبي و رحمة اللّه و بركاته، السلام على أنبياء اللّه و رسله، السلام على جبرئيل و ميكائيل و الملائكةالمقرّبين، السلام على محمّد بن عبداللّه خاتم النبيّين لا نبيّ بعده و السلام علينا و على عباد اللّه الصالحين» ثمّ تسلّم».(2)

و فيه: انّها مشتملة على مستحبّات كثيرة فلم يبق لها ظهور في وجوب ذلك.

و منها موثّقة أبي بكر الحضرمي قال:

«قلت له: انّي أصلّي بقوم؟ فقال: سلّم واحدة و لاتلتفت، قل: السلام عليك أيّها النبي و رحمة اللّه و بركاته، السلام عليكم».(3)

و فيه: انّه عليه السلام بصدد بيان عدم وجوب تكرار السلام.

و منها رواية أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«اذا كنت اماما فانّما التسليم أن تسلّم على النبي عليه و آله السلام و تقول: السلام علينا و على عباد اللّه الصالحين، فاذا قلت ذلك فقد


1) - الأحزاب 33: 56.

2) - وسائل الشيعة 6: 494 / الباب 3 من أبواب التشهّد / الحديث 2.

3) - وسائل الشيعة 6: 421 / الباب 2 من أبواب التسليم / الحديث 9.

انقطعت الصلاة، ثمّ تؤذن القوم فتقول و أنت مستقبل القبلة: «السلام عليكم». الحديث».(1)

و فيه: قد تقدّم أنّ المخرج من الصلاة بمقتضى الروايات و الاجماع ليس «السلام عليك أيّها النبي و رحمة اللّه و بركاته» و المدّعي لوجوبه يعترف بعدم كونه من السلام المخرج.

الفرع الخامس : في أنّ الواجب من التسليم هو «السلام عليكم»

قال في المدارك و الحدائق: «انّ الواجب على تقدير القول بوجوب التسليم هو «السلام عليكم» خاصّة و به قال ابن بابويه و ابن أبي عقيل و ابن الجنيد. و قال أبو الصلاح: يجب «السلام عليكم و رحمة اللّه» و نقل عن ابن زهرة وجوب «السلام عليكم و رحمة اللّه و بركاته». و قال العلاّمة في المنتهى: و لو قال: «السلام عليكم و رحمة اللّه» جاز، و ان لم يقل: «و بركاته» بغير خلاف. انتهى».(2)

و قد تقدّم فتوى القدماء، فانّ الحلبي في الكافي و سلاّر في المراسم و ابن حمزة في الوسيلة قائلون باضافة «و رحمة اللّه و بركاته». فلنذكر الروايات حتّى يتبيّن الحقّ:

منها صحيحة أو حسنة عمر بن أذينة عن أبي عبداللّه عليه السلام في حديث طويل في المعراج لمّا أمره اللّه تعالى بالسلام، قال: «السلام عليكم و رحمة اللّه و بركاته».(3)

و منها صحيحة علي بن جعفر قال:

«رأيت اخوتي موسى و اسحاق و محمّد - بني جعفر عليه السلام - يسلّمون


1) - وسائل الشيعة 6: 421 / الباب 2 من أبواب التسليم / الحديث 8.

2) - مدارك الأحكام 3: 437 - الحدائق الناضرة 8: 457.

3) - وسائل الشيعة 5: 468 / الباب 1 من أبواب أفعال الصلاة / الحديث 10.

في الصلاة عن اليمين و الشمال: السلام عليكم و رحمة اللّه، السلام عليكم و رحمة اللّه».(1)

و منها رواية أبي بكر الحضرمي قال:

«قلت له: انّي أصلّي بقوم؟ فقال: سلّم واحدة و لاتلتفت، قل: السلام عليك أيّها النبي و رحمة اللّه و بركاته، السلام عليكم».(2)

و منها مرسلة جعفر بن الحسن المحقّق في المعتبر نقلاً عن جامع البزنطيعن عبداللّه بن أبي يعفور قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن تسليم الامام و هو مستقبل القبلة؟ قال: يقول: السلام عليكم».(3)

و منها موثّقة يونس بن يعقوب قال:

«قلت لأبي الحسن عليه السلام: صلّيت بقوم صلاة فقعدت للتشهّد ثمّ قمت و نسيت أن أسلّم عليهم، فقالوا: ما سلّمت علينا؟ فقال: ألم تسلّم و أنت جالس؟ قلت: بلى، قال: فلابأس عليك، و لو نسيت حين قالوا لك ذلك استقبلتهم بوجهك و قلت: السلام عليكم».(4)

و الظاهر من الجمع بين هذه الأخبار هو حمل ما زاد على «السلام عليكم» على الفضل و الاستحباب، و لاتكون صحيحتا عمر بن أذينة و علي بن جعفر دالّتين على وجوب زيادة «و رحمة اللّه و بركاته» أو زيادة «و رحمة اللّه» خاصّة لأنّهما حكاية فعل و هو أعمّ من الوجوب، فيبقى اطلاقات التسليم سليما عن المعارض فأقلّ ما يصدق عليه التسليم هو «السلام عليكم».


1) - وسائل الشيعة 6: 419 / الباب 2 من أبواب التسليم / الحديث 2.

2) - وسائل الشيعة 6: 421 / الباب 2 من أبواب التسليم / الحديث 9.

3) - وسائل الشيعة 6: 421 / الباب 2 من أبواب التسليم / الحديث 11.

4) - وسائل الشيعة 6: 425 / الباب 3 من أبواب التسليم / الحديث 5.

الفرع السادس : في وجوب المحافظة على أداء الحروف و الكلمات

أمّا وجوب المحافظة على أداء الحروف و الكلمات على النهج الصحيح بالعربيّة، و الموالاة فلما تقدّم في القراءة بأنّ العبادات توقيفيّة و الواجب على العبد الاطاعة و العبادة بما أمره المولى فلو لم يأت بما أمر به عينا لم يكن ممتثلاً، و ليس لعمله جزاء. نعم اذا صدق على المأتي به أنّه هو الذي أمر به فهو ممتثل.

قال في الجواهر: «ثمّ لايخفى بناءً على الجزئيّة و الوجوب اعتبار جميع ما يعتبر في الصلاة فيه، بل الظاهر جريان جميع ما سمعته في التشهّد و غيره أيضا من وجوب الجلوس و ندبه و كراهته و الطمأنينة و الاعراب و العربيّة مع القدرة و الاّ وجب التعلّم نحو ما سمعته في التشهّد، لانسياق مساواته له في ذلك كلّه الى الذهن من النصوص و الفتاوى خصوصا المشتمل على ذكره تفصيلاً. انتهى».(1)

و أمّا عدم كفاية قوله «سلام عليكم» بحذف الألف و اللام فلأنّ الروايات الواردة في كيفيّة التسليم هو «السلام عليكم»، و الاطلاقات منصرفة الى ما عرفته عينا في الروايات الأخر.

قال في الجواهر: «في المعتبر الأشبه أنّه يجزي «سلام عليكم» و استقربه في التذكرة، لوقوع اسم التسليم عليها، و لأنّها كلمة ورد القرآن بصورتها، فتكون مجزية، و في التذكرة و لأنّ عليّا عليه السلام كان يقول ذلك عن يمينه و شماله و لأنّ التنوين يقوم مقام اللام. و فيه منع واضح بعدما عرفت من انصراف الاطلاق الى الصورة المتعارفة المصرّح بها في جملة من المعتبرة كخبر ابن أبي يعفور المروي عن جامع البزنطي و خبر أبي بصير و خبر أبي بكر الحضرمي و خبر ابن أذينة و خبر يونس بن يعقوب و غيرها، و الاّ لأجزى المعنى كيف كان، و قد اعترف هو


1) - جواهر الكلام 10: 328.

بفساده حيث حكى عن الشافعي الاجتزاء بعكس الصورة المتعارفة التي لم تجز عندنا قولاً واحدا كما في التحرير معلّلاً له بحصول المعنى، و الورود في القرآن لايقتضي التجاوز عن المأثور بالصلاة، و المحكي عن علي عليه السلام في خبر سعد التعريف، و ضعف الأخير واضح. انتهى».(1)

(مسألة 1): لو أحدث أو أتى ببعض المنافيات الأخر قبل السلام بطلت الصلاة، نعم لو كان ذلك بعد نسيانه بأن اعتقد خروجه من الصلاة لم تبطل، و الفرق أنّ مع الأوّل يصدق الحدث في الأثناء و مع الثاني لايصدق لأنّ المفروض أنّه ترك نسيانا جزءًا غير ركني فيكون الحدث خارج الصلاة.

سيأتي شرح هذه المسألة في الأمر الثاني من فصل مبطلات الصلاة مفصّلاً.

في عدم اشتراط نيّة الخروج من الصلاة في السلام

(مسألة 2): لايشترط فيه نيّة الخروج من الصلاة بل هو مخرج قهرا و ان قصد عدم الخروج لكنّ الأحوط عدم قصد عدم الخروج، بل لو قصد ذلك فالأحوط اعادة الصلاة.

الشرح:

لايشترط في التسليم نيّة الخروج من الصلاة بل هو مخرج قهرا و ذلك لاطلاق الأدلّة و أنّ المأمور به هو نفس التسليم لا التسليم بقصد الخروج.(2)ففي رواية القدّاح عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله : افتتاح الصلاة الوضوء، و تحريمها التكبير، و


1) - نفس المصدر: 328 و 329.

2) - و ان كان العلم بأنّ التسليم في الركعة الأخيرة بعد التشهّد قصدا له.

تحليلها التسليم».(1)

و كذا صحيحة علي بن أسباط عنهم عليهم السلام قال:

«فيما وعظ اللّه به عيسى عليه السلام - الى أن قال: - و يفتتح بالتكبير و يختتم بالتسليم».(2)

و في خبر الفضل بن شاذان عن الرضا عليه السلام قال:

«انّما جعل التسليم تحليل الصلاة، و لم يجعل بدلها تكبيرا أو تسبيحا أو ضربا آخر، لأنّه لمّا كان الدخول في الصلاة تحريم الكلام للمخلوقين، و التوجّه الى الخالق كان تحليلها كلام المخلوقين، و الانتقال عنها، و ابتداء المخلوقين في الكلام أوّلاً بالتسليم».(3)

قال في الحدائق: «هل يجب نيّة الخروج على القول بوجوب التسليم؟ الأظهر العدم؛ لعدم الدليل على ذلك و بذلك صرّح جملة من محقّقي متأخّري المتأخّرين، و قال في المنتهى: لم أجد لأصحابنا نصّا فيه. و قال الشيخ في المبسوط: ينبغي أن ينوي بها ذلك. - الى أن قال: - المفهوم من الأخبار المتقدّمة أنّ الشارع قد جعل محلّلاً بمعنى أنّه متى أتى به المكلّف فقد تحلّل من الصلاة قصد ذلك أو لم يقصده و نواه أو لم ينوه، و توقّف التحليل به على أمر وراء الاتيان به يحتاج الى دليل، اذ لايفهم من الأخبار أمر وراء ذلك. انتهى».(4)

و لو قصد عدم الخروج عالما بأنّه مخرج ففي صحّة صلاته اشكال لأنّه لم يمتثل الأمر.


1) - وسائل الشيعة 6: 415 / الباب 1 من أبواب التسليم / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 6: 415 / الباب 1 من أبواب التسليم / الحديث 2.

3) - وسائل الشيعة 6: 417 / الباب 1 من أبواب التسليم / الحديث 10.

4) - الحدائق الناضرة 8: 460 و 461.

(مسألة 3): يجب تعلّم السلام على نحو ما مرّ في التشهّد، و قبله يجب متابعة الملقّن ان كان و الاّ اكتفى بالترجمة، و ان عجز فبالقلب ينويه مع الاشارة باليد على الأحوط، و الأخرس يخطر ألفاظه بالبال و يشير اليها باليد أو غيرها.

تقدّم في المسألة الثالثة من فصل التشهّد و في المسألة الرابعة و الثلاثين من فصل القراءة و في المسألة السادسة و التاسعة من فصل تكبيرة الاحرام، فراجع.

في استحباب التورّك في الجلوس حال السلام

(مسألة 4): يستحبّ التورّك في الجلوس حاله على نحو ما مرّ، و وضع اليدين على الفخذين، و يكره الاقعاء.

قال في الجواهر «باستحباب التورّك في سائر جلوس الصلاة من غير فرق بين جلوس التشهّد و غيره و أنّه على هيئة واحدة و لعلّه لذا استدلّ بعضهم بصحيح التشهّد (مراده قوله عليه السلام في صحيح زرارة: « ... و اذا قعدت في تشهّدك فألصق ركبتيك بالأرض و فرّج بينهما شيئا، وليكن ظاهر قدمك اليسرى على الأرض، و ظاهر قدمك اليمنى على باطن قدمك اليسرى و أليتاك على الأرض، و أطراف ابهامك اليمنى على الأرض، و ايّاك و القعود على قدميك فتتأذّى بذلك»(1)) على المقام (يعني الجلوس بين السجدتين) في أصل التورّك و كيفيّته، أو لاشتمال الصحيح المزبور على التعليل للنهي عن الاقعاء و غيره في حال التشهّد بما يعمّ سائر جلوس الصلاة كما في المنتهى، فيتعيّن التورّك حينئذ في جميع الجلوس. انتهى».(2)


1) - وسائل الشيعة 5: 462 / الباب 1 من أبواب أفعال الصلاة / الحديث 3.

2) - جواهر الكلام 10: 181.

في قصد التحيّة بالتسليم

(مسألة 5): الأحوط أن لايقصد بالتسليم التحيّة حقيقة بأن يقصد السلام على الامام أو المأمومين أو الملكين. نعم لابأس باخطار ذلك بالبال،فالمنفرد يخطر بباله الملكين الكاتبين حين السلام الثاني، و الامام يخطرهما مع المأمومين و المأموم يخطرهم مع الامام و في «السلام علينا و على عباد اللّه الصالحين» يخطر بباله الأنبياء و الأئمّة و الحفظة عليهم السلام.

الشرح:

لايجب قصد التحيّة من التسليم و ذلك لاطلاق الأدلّة، نعم لا مناص من قصد عنوان التسليم و لو اجمالاً و ارتكازا كسائر العناوين من الركوع و السجود و نحوهما. فهل يبطل الصلاة اذا قصد بالتسليم التحيّة؟ فوجهان بل قولان.

قال في الحدائق: «قال الشهيد في الذكرى: و المأموم يقصد بأولى التسليمتين الردّ على الامام، فيحتمل أن يكون على سبيل الوجوب لعموم قوله تعالى: «و اذا حيّيتم بتحيّة فحيّوا بأحسن منها أو ردّوها» - الى أن قال صاحب الحدائق: - و هو جيّد متين الاّ أنّ للمناقشة في بعضه مجالاً. انتهى».(1)

و قال في الجواهر: « ... بل لايبعد البطلان لو قصد بها المتعارف من التحيّة مع الخروج من الصلاة للنهي عن ابتداء التحيّة في الصلاة، و لأصالة عدم التداخل، و لأنّه من كلام الآدميّين، و لغير ذلك. انتهى».(2)

و قال المحقّق الهمداني: «كما أنّ الأمر كذلك فيها لو أراد به التحيّة على الجماعة الحاضرة عنده المغايرة لمن أراد الشارع من الأمر بالتسليم عليهم أو أراد به ردّ سلامهم، فان قصد التحيّة على الغير أو ردّ سلامهم يصرف لفظ «السلام عليكم» عن أن يقع على وجهه الذي أراده الشارع فتكون ماهيّة أخرى غير ما أراده


1) - الحدائق الناضرة 8: 459 و 460.

2) - جواهر الكلام 10: 343.

الشارع. انتهى».(1)أقول:

لايجب أن يقصد بالتسليم التحيّة كما لايجب تعلّم معنى التسليم بل يسقط التكليف بالتسليم و سائر أجزاء الصلاة لو أتى بها غافلاً كما يكون في الأكثر. و أمّا لو قصد التحيّة بغير من أراده الشارع ففي صحّة سلامه اشكال. نعم لو قصدها و أراد من يريده الشارع كما سيأتي في المسألة الآتية فلا ضير.

في استحباب الايماء بالتسليم الأخير الى يمينه

(مسألة 6): يستحبّ للمنفرد و الامام الايماء بالتسليم الأخير الى يمينه بمؤخّر عينه أو بأنفه أو غيرهما على وجه لاينافي الاستقبال. و أمّا المأموم فان لم يكن على يساره أحد فكذلك، و ان كان على يساره بعض المأمومين فيأتي بتسليمة أخرى موميا الى يساره، و يحتمل استحباب تسليم آخر للمأموم بقصد الامام فيكون ثلاث مرّات.

الشرح:

يستحبّ للامام أن يسلّم مستقبل القبلة أو عن يمينه، و للمأموم أن يسلّم عن يمينه و تسليمة أخرى عن يساره، و ان لم يكن على يساره أحد فتسليمة واحدة عن يمينه. و يستحبّ للمنفرد أن يسلّم مستقبل القبلة. و الدليل على ذلك كلّه روايات:

منها صحيحة أبي بصير قال:

«قال أبو عبداللّه عليه السلام: اذا كنت في صفّ فسلّم تسليمة عن يمينك و تسليمة عن يسارك، لأنّ عن يسارك من يسلّم عليك، و اذا كنت اماما


1) - مصباح الفقيه / كتاب الصلاة: 383.

فسلّم تسليمة و أنت مستقبل القبلة».(1)

و منها صحيحة عبدالحميد بن عوّاض عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«ان كنت تؤمّ قوما أجزأك تسليمة واحدة عن يمينك، و ان كنت مع امام فتسليمتين، و ان كنت وحدك فواحدة مستقبل القبلة».(2)

و منها صحيحة منصور قال:

«قال أبو عبداللّه عليه السلام: الامام يسلّم واحدة و من وراءه يسلّم اثنتين، فان لم يكن عن شماله أحد يسلّم واحدة».(3)

و منها خبر عنبسة بن مصعب قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل يقوم في الصفّ خلف الامام و ليس على يساره أحد، كيف يسلّم؟ قال: تسليمة عن يمينه».(4)

و رواه الكليني بسند صحيح.

وليكن التسليم عن اليمين و عن اليسار بالايماء، و الدليل على ذلك خبر المفضّل بن عمر (في حديث) قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام - الى أن قال: - قلت: فلم لايكون الايماء في التسليم بالوجه كلّه، ولكن كان بالأنف لمن يصلّي وحده، و بالعين لمن يصلّى بقوم؟ قال: لأنّ مقعد الملكين من ابن آدم الشدقين، فصاحب اليمين على الشدق الأيمن، و تسليم المصلّي عليه ليثبت له صلاته في صحيفته».(5)


1) - وسائل الشيعة 6: 419 / الباب 2 من أبواب التسليم / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 6: 419 / الباب 2 من أبواب التسليم / الحديث 3.

3) - وسائل الشيعة 6: 420 / الباب 2 من أبواب التسليم / الحديث 4.

4) - وسائل الشيعة 6: 420 / الباب 2 من أبواب التسليم / الحديث 6.

5) - وسائل الشيعة 6: 422 / الباب 2 من أبواب التسليم / الحديث 15.

(مسألة 7): قد مرّ سابقا في الأوقات أنّه اذا شرع في الصلاة قبل الوقت و دخل عليه و هو في الصلاة صحّت صلاته و ان كان قبل السلام أو في أثنائه، فاذا أتى بالسلام الأوّل و دخل عليه الوقت في أثنائه تصحّ صلاته. و أمّا اذا دخل بعده قبل السلام الثاني أو في أثنائه ففيه اشكال و ان كان يمكن القول بالصحّة، لأنّه و ان كان يكفي الأوّل في الخروج عن الصلاة لكن على فرض الاتيان بالصيغتين يكون الثاني أيضا جزءًا فيصدق دخول الوقت في الأثناء، فالأحوط اعادة الصلاة مع ذلك.

قد تقدّم أنّ الدليل على صحّة الصلاة اذا دخل الوقت في الأثناء صحيحة اسماعيل بن رباح عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«اذا صلّيت و أنت ترى أنّك في وقت و لم يدخل الوقت فدخل الوقت و أنت في الصلاة فقد أجزأت عنك».(1)

فمناط صحّة الصلاة دخول الوقت في أثناء الصلاة، فيصدق ذلك لو دخل الوقت قبل السلام أو في أثنائه. و أمّا على مبنى من قال بالخروج عن الصلاة بأيّ من الصيغتين بدأ، فاذا دخل الوقت بعد «السلام علينا و على عباد اللّه الصالحين» تصحّ صلاته أيضا لأنّ «السلام عليكم» و ان كان يصير مستحبّا حينئذ الاّ أنّه يكون في الصلاة بعد، فانّ «السلام عليكم» لم يكن خارج الصلاة.


1) - وسائل الشيعة 4: 206 / الباب 25 من أبواب المواقيت / الحديث 1.

تمّ بتوفيق اللّه تعالى

المجلّد الثالث من كتاب الصلاة

بيد أقلّ العباد السيّد عليمحمّد دستغيب

ابن المرحوم السيّد علي اكبر

في شهر رمضان المبارك من سنة 1422 الهجريّة

و سوف نقدّم لكم الجزء الرابع منه بعون اللّه الملك العلاّم و الحمد للّه أوّلاً و آخرا

و الصلاة و السلام على سيّدنا محمّد و آله الطيّبين